{"ً":{"ٌ":151179,"ٍ":"التفسير والبيان لأحكام القرآن","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/tafseer_terefi/","files":["tafseer_terefi.pdf|0","tafseer_terefi_i.pdf"]},"ّ":"الكتاب: التفسير والبيان لأحكام القرآن\nالمؤلف: عبد العزيز بن مرزوق الطريفي\nالناشر: مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، الرياض - السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٨ هـ\nعدد الأجزاء: ٥ (متسلسلة الترقيم) (٤ والفهارس)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.2","ٔ":494,"ٕ":4,"ٖ":1770154799,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المعتني بالكتاب","level":1,"page":4},{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":7},{"title":"السنة مفسرة للقرآن","level":2,"page":11},{"title":"معرفة أقوال الصحابة والتابعين","level":2,"page":14},{"title":"أنساب القول","level":2,"page":16},{"title":"سورة البقرة","level":1,"page":23},{"title":"الحكمة من الخلق والاستخلاف","level":2,"page":24},{"title":"سبب ضلال الناس","level":2,"page":24},{"title":"الحكمة من التأمير، وحكمه","level":2,"page":25},{"title":"وجوب الشورى في الولاية العامة","level":2,"page":28},{"title":"الوجه الثاني لتحقق الولاية","level":2,"page":30},{"title":"ولاية المتغلب","level":2,"page":30},{"title":"تعدد الولاة وبلدان الإسلام","level":2,"page":30},{"title":"التأمير في السفر، وحكمه","level":2,"page":31},{"title":"استفهام المأمور عن أمر الآمر","level":2,"page":33},{"title":"جواز استعمال القياس","level":2,"page":34},{"title":"قاعدة درء المفاسد","level":2,"page":34},{"title":"فضل التسبيح","level":2,"page":35},{"title":"النفي وحكمه","level":2,"page":36},{"title":"الحبس بشرط الرجوع إلى الحق","level":2,"page":36},{"title":"معنى السجن والنفي","level":2,"page":37},{"title":"كفاية المنفي والسجين في نفسه وأهله","level":2,"page":39},{"title":"الحبس إلى أجل معلوم","level":2,"page":39},{"title":"الحكمة من إخفاء آجال البشر","level":2,"page":40},{"title":"عهد الله لبني إسرائيل","level":2,"page":41},{"title":"الصلاة جماعة","level":2,"page":45},{"title":"فضل الصلاة على الزكاة","level":2,"page":46},{"title":"وجوب القيام في الصلاة على القادر","level":2,"page":47},{"title":"فضل الركوع","level":2,"page":49},{"title":"دفع اللبس عند الخطاب","level":2,"page":49},{"title":"فضل السجود على الركوع","level":2,"page":49},{"title":"فضل الجماعة","level":2,"page":50},{"title":"وجوب صلاة الجماعة","level":2,"page":51},{"title":"إقامة الحدود بالإمام ونوابه","level":2,"page":54},{"title":"استيفاء صاحب الحق حقه بنفسه","level":2,"page":56},{"title":"إقامة الحدود لولي الأمر","level":2,"page":56},{"title":"تعطيل الحاكم للحدود","level":2,"page":58},{"title":"المفسدة الأولى: تعطيل الحدود وإقامة حكم الله","level":2,"page":58},{"title":"المفسدة الثانية: تعطيل التحاكم إلى الشريعة","level":2,"page":60},{"title":"مسألة: في إقامة الحدود على الموالي","level":2,"page":61},{"title":"سجود الشكر","level":2,"page":66},{"title":"العبادة عند فجأة النعم","level":2,"page":67},{"title":"أفضل أنواع التوبة وأقواها","level":2,"page":69},{"title":"النوع الأول: سجود تسخير","level":2,"page":70},{"title":"النوع الثاني: سجود اختيار","level":2,"page":70},{"title":"الأصل في السجود في الوحي","level":2,"page":70},{"title":"فضل السجود على الركوع والقيام","level":2,"page":71},{"title":"حكم القيام لغير الله","level":2,"page":71},{"title":"حكم السجود بلا سبب","level":2,"page":72},{"title":"سجود الشكر وصلاته","level":2,"page":73},{"title":"سجود التوبة","level":2,"page":74},{"title":"السجود قائما","level":2,"page":74},{"title":"الأخوة الإيمانية","level":2,"page":77},{"title":"حلف اليهود الأوس والخزرج","level":2,"page":78},{"title":"تأكيد المواثيق","level":2,"page":79},{"title":"عقوبة النفي","level":2,"page":79},{"title":"عهد الله إلى بني إسرائيل الإيمان بمحمد - ﷺ -","level":2,"page":81},{"title":"إذا نقض طائفة العهد، فحكم الساكت منهم كالناقض","level":2,"page":83},{"title":"وجوب التزام الحلفاء بعهد بعضهم مع غيرهم","level":2,"page":85},{"title":"لا يؤاخذ المسلم بجريرة قومه","level":2,"page":86},{"title":"التوسعة في التوجه إلى القبلة","level":2,"page":88},{"title":"الصلاة على الراحلة","level":2,"page":91},{"title":"الحكمة من ذكر المشارق والمغارب جمعا","level":2,"page":92},{"title":"التصويب جهة القبلة","level":2,"page":95},{"title":"التكلف في تصويب القبلة","level":2,"page":96},{"title":"دوران الصفوف عند الكعبة","level":2,"page":97},{"title":"الحكمة من ابتلاء الأنبياء","level":2,"page":98},{"title":"ابتلاء أصحاب الولايات","level":2,"page":98},{"title":"(البيت) علم على المسجد الحرام","level":2,"page":103},{"title":"مشروعية المتابعة بين الحج والعمرة","level":2,"page":104},{"title":"أمن المسجد الحرام وأنواعه","level":2,"page":107},{"title":"الصلاة خلف مقام إبراهيم","level":2,"page":109},{"title":"المكث في المسجد، والنوم فيه","level":2,"page":110},{"title":"التفاضل بين الطواف والصلاة","level":2,"page":111},{"title":"أفضل أعمال الحج","level":2,"page":113},{"title":"تنظيف المساجد وتطهيرها من النجس واللغو","level":2,"page":113},{"title":"من معاني الرفع في القرآن","level":2,"page":115},{"title":"عمارة المساجد وصفتها","level":2,"page":115},{"title":"المنارة للمسجد","level":2,"page":117},{"title":"النظر إلى السماء عبادة","level":2,"page":120},{"title":"تكرار الدعاء والإلحاح به","level":2,"page":126},{"title":"السعي بين الصفا والمروة في الجاهلية","level":2,"page":129},{"title":"الأمر بعد الحظر","level":2,"page":130},{"title":"حكم السعي بين الصفا والمروة","level":2,"page":131},{"title":"قراءة الآية عند بدء السعي","level":2,"page":137},{"title":"البدء بالصفا عند السعي","level":2,"page":137},{"title":"الأصل في الأشياء الحل","level":2,"page":139},{"title":"فضل نعمة الأكل على غيرها من النعم","level":2,"page":142},{"title":"الأصل في النكاح الحل","level":2,"page":143},{"title":"هل لاستخباث النفس أثر في التحريم؟","level":2,"page":147},{"title":"صور بيان الحلال","level":2,"page":147},{"title":"حكم المسكوت عنه في الشريعة","level":2,"page":148},{"title":"بيان الشيء بضده","level":2,"page":150},{"title":"حكم الميتة","level":2,"page":150},{"title":"الاضطرار وحكمه","level":2,"page":151},{"title":"حكم أكل الميتة للمضطر","level":2,"page":152},{"title":"حكم أكل الميتة للمضطر","level":2,"page":154},{"title":"حكم الانتفاع بالميتة","level":2,"page":155},{"title":"حكم جلد الميتة إذا دبغ وإذا لم يدبغ","level":2,"page":156},{"title":"حكم لحم الخنزير","level":2,"page":160},{"title":"حكم الانتفاع بجلد الخنزير إذا دبغ","level":2,"page":161},{"title":"من ضلال الأمم جهل الأولويات","level":2,"page":163},{"title":"أفضل الصدقة وحكم إعطاء السائل","level":2,"page":165},{"title":"إعطاء الزكاة من لا يستحق بغير علم","level":2,"page":166},{"title":"حكم النفقة من غير الزكاة","level":2,"page":168},{"title":"إقامة الحدود وفضلها","level":2,"page":170},{"title":"ضبط الشريعة للإنسان وحدها لأخطائه","level":2,"page":170},{"title":"متى أمر الله بإقامة الحدود، والحكمة من ذلك","level":2,"page":171},{"title":"حكم من كانت حاله كحال النبي في مكة","level":2,"page":172},{"title":"أحوال المسلمين، وحكم تحكيم الشريعة في كل حال","level":2,"page":172},{"title":"الحال الأولى: حالة انتظام الدولة، وثبات الأمر، واستقرار النظام","level":2,"page":172},{"title":"الحال الثانية: حالة حرب وعدم استقرار","level":2,"page":173},{"title":"إقامة الحدود في دار الحرب","level":2,"page":175},{"title":"المساواة في القصاص","level":2,"page":183},{"title":"الخلاف في القصاص بين الحر والعبد","level":2,"page":183},{"title":"حكم الوصية","level":2,"page":190},{"title":"حكم الوصية للورثة","level":2,"page":192},{"title":"الخلاف في وجوب الوصية","level":2,"page":192},{"title":"بطلان الوصية بالحرام","level":2,"page":196},{"title":"مقدار الوصية","level":2,"page":197},{"title":"إمضاء الوصية للوارث بإجازة الورثة","level":2,"page":197},{"title":"موت الفجأة وعدم الوصية","level":2,"page":199},{"title":"الصيام في الأمم السابقة","level":2,"page":201},{"title":"مراحل تشريع الصيام","level":2,"page":204},{"title":"ضبط الشهر برؤية الهلال، لا بالحساب، والحكمة من ذلك","level":2,"page":205},{"title":"معنى السفر، وأن الصواب في حده العرف، والحكمة من ذلك","level":2,"page":206},{"title":"التتابع في قضاء الصوم","level":2,"page":208},{"title":"تأخير قضاء الصوم","level":2,"page":210},{"title":"مراحل تشريع صوم رمضان","level":2,"page":211},{"title":"المعذورون بترك الصوم مع الطاقة","level":2,"page":212},{"title":"فطر الحامل والمرضع","level":2,"page":213},{"title":"مقدار الإطعام عن رمضان","level":2,"page":217},{"title":"كل ما لم يقدره الشارع، مرده إلى العرف","level":2,"page":219},{"title":"أصل تسمية رمضان","level":2,"page":220},{"title":"أصل تسمية القرآن","level":2,"page":226},{"title":"السفر بعد رؤية هلال رمضان","level":2,"page":227},{"title":"صوم المريض","level":2,"page":229},{"title":"حدود المرض المجيز للفطر","level":2,"page":229},{"title":"حكم صوم المسافر","level":2,"page":230},{"title":"التكبير ليلة العيد","level":2,"page":234},{"title":"التكبير في عيد الفطر أشد من الأضحى","level":2,"page":235},{"title":"استحباب الدعاء عند ختام الأعمال","level":2,"page":237},{"title":"مشروعية دعاء الصائم عند فطره","level":2,"page":239},{"title":"الأحوال التي تنص على حل المباحات فيها","level":2,"page":240},{"title":"الحكمة من نسخ تحريم جماع الصائم ليلا","level":2,"page":241},{"title":"حكم الجماع ليل رمضان","level":2,"page":243},{"title":"وقت فطر الصائم","level":2,"page":244},{"title":"النية في الصوم","level":2,"page":244},{"title":"مباشرة المعتكف لزوجته","level":2,"page":247},{"title":"لا اعتكاف إلا في مسجد","level":2,"page":248},{"title":"أحوال تعدي الإنسان على المال","level":2,"page":249},{"title":"حكم القاضي بخلاف الحق في الحقوق","level":2,"page":251},{"title":"سبب سؤال الناس عن الهلال","level":2,"page":253},{"title":"الحكمة من اختلاف الأهلة","level":2,"page":254},{"title":"أشهر الحج","level":2,"page":257},{"title":"تقدم مشروعية الحج","level":2,"page":258},{"title":"أحوال حج العرب في الجاهلية","level":2,"page":259},{"title":"أول تشريع الجهاد","level":2,"page":261},{"title":"حكم قتل النساء والصبيان","level":2,"page":262},{"title":"حكم قتل الراهب والشيخ الكبير","level":2,"page":264},{"title":"حكم قتل الفلاحين والعمال","level":2,"page":265},{"title":"أعظم أنواع الفتنة","level":2,"page":268},{"title":"حكم القتال في الحرم","level":2,"page":269},{"title":"فتنة الكفر أشد من فتنة القتل","level":2,"page":272},{"title":"الحكمة من مشروعية الجهاد","level":2,"page":274},{"title":"الحكمة من تأخير دخول النبي - ﷺ - مكة","level":2,"page":276},{"title":"العمرة في أشهر الحج","level":2,"page":277},{"title":"حرمة النفس أعظم من حرمة المكان والزمان","level":2,"page":278},{"title":"حكم أخذ المسلم حقه من دون الحاكم","level":2,"page":280},{"title":"حكم القتال في الأشهر الحرم","level":2,"page":281},{"title":"مراحل القتال في الأشهر الحرم","level":2,"page":282},{"title":"معنى \"سبيل الله\" في القرآن","level":2,"page":285},{"title":"فضل الجهاد بالمال","level":2,"page":287},{"title":"معنى إتمام الحج والعمرة","level":2,"page":289},{"title":"الإحرام قبل الميقات","level":2,"page":291},{"title":"قطع نية الإحرام","level":2,"page":293},{"title":"معنى إحصار المحرم","level":2,"page":293},{"title":"وقت تحلل الحجاج","level":2,"page":297},{"title":"مكان ذبح هدي المحصر","level":2,"page":297},{"title":"حج المحصر من قابل","level":2,"page":299},{"title":"مشروعية استيعاب حلق الرأس","level":2,"page":300},{"title":"كفارة الأذى","level":2,"page":301},{"title":"حكم العاجز عن الهدي الواجب","level":2,"page":303},{"title":"العمرة للمكيين","level":2,"page":305},{"title":"التحذير من التساهل في المناسك","level":2,"page":306},{"title":"التأكيد على المواقيت الزمانية","level":2,"page":309},{"title":"حكم عقد نية الحج من أشهر الحج","level":2,"page":310},{"title":"حكم مباشرة المحرم لزوجته","level":2,"page":312},{"title":"معنى الجدال في الحج","level":2,"page":313},{"title":"دلالة الاقتران","level":2,"page":314},{"title":"التجارة في الحج","level":2,"page":316},{"title":"حكم الوقوف بعرفة وزمانه ومكانه","level":2,"page":318},{"title":"فضل الدعاء والذكر بعرفة ومزدلفة","level":2,"page":319},{"title":"جمع الصلاتين بمزدلفة","level":2,"page":321},{"title":"حكم التعجل ثاني أيام التشريق","level":2,"page":327},{"title":"حكم المبيت بمنى","level":2,"page":328},{"title":"الفرق بين السلم والسلم","level":2,"page":331},{"title":"مهادنة العدو ومسالمته","level":2,"page":332},{"title":"تلازم عهد الحليف يلزم جميع حلفائه","level":2,"page":333},{"title":"أحوال طلب المسالمة","level":2,"page":333},{"title":"الصدقة وأفضلها","level":2,"page":335},{"title":"إعطاء الزكاة للأقربين","level":2,"page":336},{"title":"الجهاد شريعة أكثر الأنبياء","level":2,"page":340},{"title":"على من يجب الجهاد","level":2,"page":342},{"title":"خصيصة الغنائم للأمة","level":2,"page":342},{"title":"الحكمة من تحريم الغنائم على السابقين","level":2,"page":343},{"title":"الحكمة من تأخير القتال","level":2,"page":344},{"title":"أنواع الكره والمحبة","level":2,"page":345},{"title":"استغلال المشركين لأخطاء المسلمين","level":2,"page":349},{"title":"معنى الردة","level":2,"page":352},{"title":"إحباط العمل بالردة","level":2,"page":353},{"title":"أحوال أهل الميزان في الآخرة","level":2,"page":355},{"title":"اقتران الخمر بالميسر","level":2,"page":357},{"title":"التدرج بتحريم الخمر والميسر","level":2,"page":358},{"title":"إقامة الحد على آكل المخدرات","level":2,"page":360},{"title":"معنى القمار والميسر","level":2,"page":361},{"title":"الفرق بين الربا والميسر","level":2,"page":362},{"title":"الرضا بالربا والميسر","level":2,"page":362},{"title":"نفع الخمر والميسر وإثمهما","level":2,"page":364},{"title":"التوسط في النفقة","level":2,"page":366},{"title":"التشديد في مال اليتيم","level":2,"page":369},{"title":"الاحتياط في مال اليتيم عند المتاجرة به","level":2,"page":372},{"title":"تزويج اليتيم","level":2,"page":373},{"title":"حكم نكاح المشركات","level":2,"page":375},{"title":"حكم وطء الإماء غير الكتابيات","level":2,"page":377},{"title":"الزواج من الكتابية","level":2,"page":377},{"title":"ردة أحد الزوجين","level":2,"page":380},{"title":"الولي في النكاح","level":2,"page":381},{"title":"حكم جماع الحائض","level":2,"page":387},{"title":"حكم إتيان الزوجة في دبرها","level":2,"page":388},{"title":"كفارة وطء الحائض","level":2,"page":390},{"title":"ما يحل للرجل من زوجته","level":2,"page":392},{"title":"إتيان المرأة في دبرها عند السلف","level":2,"page":395},{"title":"اليمين على المعصية","level":2,"page":400},{"title":"معنى لغو الأيمان","level":2,"page":402},{"title":"معنى عدم المؤاخذة في لغو اليمين","level":2,"page":404},{"title":"تكفير يمين المعصية","level":2,"page":405},{"title":"كفارة اليمين الغموس","level":2,"page":407},{"title":"الإيلاء لهجر الزوجة","level":2,"page":409},{"title":"أنواع الإيلاء","level":2,"page":410},{"title":"إيلاء العبد","level":2,"page":412},{"title":"الرجوع بعد الإيلاء، وكيف يتحقق","level":2,"page":414},{"title":"كفارة الإيلاء","level":2,"page":416},{"title":"مضي أربعة أشهر على الإيلاء","level":2,"page":416},{"title":"طلاق الجاهلية","level":2,"page":418},{"title":"معنى القرء","level":2,"page":420},{"title":"المقصد من عدة المطلقة","level":2,"page":423},{"title":"عدة الأمة المطلقة","level":2,"page":423},{"title":"انقطاع دم المطلقة في عدتها","level":2,"page":424},{"title":"احتساب طهر المطلقة","level":2,"page":425},{"title":"إرجاع الرجل زوجته في عدتها","level":2,"page":426},{"title":"النفقة والكسوة والسكنى للمطلقة","level":2,"page":428},{"title":"عدد طلقات الأحرار والعبيد","level":2,"page":429},{"title":"الطلاق ثلاثا","level":2,"page":431},{"title":"التطليق عددا ورقما","level":2,"page":432},{"title":"أخذ مهر المطلقة","level":2,"page":436},{"title":"فسخ الحاكم للنكاح","level":2,"page":436},{"title":"نكاح التحليل","level":2,"page":437},{"title":"حد النكاح الذي ترجع به المبتوتة لزوجها","level":2,"page":438},{"title":"طلاق المختلعة في عدتها","level":2,"page":440},{"title":"رجوع المطلقة لزوجها الأول بطلاق جديد","level":2,"page":441},{"title":"تطليق المرأة في عدة الطلاق","level":2,"page":443},{"title":"تطليق الزوجة قبل الدخول بها","level":2,"page":445},{"title":"حال المرأة مع فقر زوجها","level":2,"page":445},{"title":"ظلم الزوج لزوجته","level":2,"page":447},{"title":"طلاق الهازل","level":2,"page":447},{"title":"النكاح بلا ولي","level":2,"page":450},{"title":"التشديد في تزويج اليتيمة","level":2,"page":453},{"title":"الحكمة من زواج النبي من المرأة بلا ولي","level":2,"page":453},{"title":"عضل النساء","level":2,"page":454},{"title":"الزكاء والطهارة بالتزويج","level":2,"page":455},{"title":"حكم الرضاع","level":2,"page":457},{"title":"تمام الرضاع ومدته","level":2,"page":457},{"title":"النفقة الواجبة للزوجة حال إرضاعها","level":2,"page":458},{"title":"نفقة الوالد على ولده","level":2,"page":459},{"title":"تعين الرضاع على الوالدة","level":2,"page":460},{"title":"فطام الرضيع","level":2,"page":462},{"title":"أهمية الشورى","level":2,"page":462},{"title":"استئجار مرضعة","level":2,"page":463},{"title":"عدة المتوفى عنها زوجها","level":2,"page":463},{"title":"عدة الحامل المتوفى عنها","level":2,"page":465},{"title":"عدة الأمة المتوفى عنها زوجها","level":2,"page":467},{"title":"عدة الأمة ذات الولد","level":2,"page":467},{"title":"ما يحرم على المرأة في الحداد","level":2,"page":468},{"title":"التعريض في نكاح المعتدة البائنة","level":2,"page":471},{"title":"حكم العقد على البائنة","level":2,"page":474},{"title":"حكم طلاق المرأة قبل الدخول بها","level":2,"page":475},{"title":"أحوال المطلقة قبل الدخول ومهرها","level":2,"page":476},{"title":"حكم متعة المطلقة","level":2,"page":478},{"title":"متعة المفوضة ومهرها","level":2,"page":480},{"title":"ما يجب به المهر","level":2,"page":482},{"title":"صداق من توفي زوجها قبل دخوله","level":2,"page":483},{"title":"مهر من خلا بها زوجها بلا مس","level":2,"page":485},{"title":"الذي بيده عقدة النكاح","level":2,"page":487},{"title":"فضل العفو والمسامحة في الحقوق","level":2,"page":488},{"title":"حسن العهد","level":2,"page":489},{"title":"الحكمة من الأمر بالصلاة بعد أحكام الطلاق والعدد والرجعة","level":2,"page":491},{"title":"الصلاة الوسطى","level":2,"page":492},{"title":"فضل الصلاة في مشقتها","level":2,"page":494},{"title":"الكلام في الصلاة","level":2,"page":495},{"title":"مراتب العجز عن أداء الصلاة عند العدو","level":2,"page":497},{"title":"استقبال القبلة في صلاة الخوف","level":2,"page":498},{"title":"أحكام المتوفى عنها زوجها","level":2,"page":500},{"title":"النفقة والسكن للمتوفى عنها","level":2,"page":502},{"title":"ترك المعتدة البقاء في بيت زوجها","level":2,"page":503},{"title":"الحكمة من تربص المتوفى عنها ببيت زوجها","level":2,"page":503},{"title":"خروج المتوفى عنها من بيت زوجها","level":2,"page":504},{"title":"حكم القتال، والحكمة منه","level":2,"page":506},{"title":"الاجتماع في القتال","level":2,"page":508},{"title":"التأمير وأهميته","level":2,"page":508},{"title":"شروط جهاد الدفع","level":2,"page":510},{"title":"اشتراط العلم للوالي بما يلي","level":2,"page":513},{"title":"زكاة عروض التجارة","level":2,"page":515},{"title":"حكم الإكراه على الإسلام","level":2,"page":517},{"title":"حكم الردة وحرية الدين","level":2,"page":517},{"title":"اشتراط الحول للزكاة","level":2,"page":519},{"title":"المال المكتسب أثناء الحول","level":2,"page":519},{"title":"دوام النصاب في الحول كله","level":2,"page":521},{"title":"زكاة الخضراوات","level":2,"page":521},{"title":"زكاة النفط والبترول","level":2,"page":522},{"title":"الصدقة والزكاة على الكافر","level":2,"page":524},{"title":"إعطاء الفاسق والمنافق تأليفا لقلبه","level":2,"page":526},{"title":"أفضل الصدقات","level":2,"page":527},{"title":"إسرار الصدقة وإعلانها","level":2,"page":527},{"title":"إخفاء الطاعات وإعلانها","level":2,"page":528},{"title":"محو الحسنات للسيئات","level":2,"page":529},{"title":"محو السيئات للحسنات","level":2,"page":530},{"title":"دفع الزكاة للأسير","level":2,"page":531},{"title":"حكم فكاك الأسير","level":2,"page":531},{"title":"استحباب تفقد حال المحتاج","level":2,"page":533},{"title":"الصدقة على الأقارب","level":2,"page":535},{"title":"تعظيم الربا","level":2,"page":536},{"title":"تعظيم حقوق الآدميين","level":2,"page":536},{"title":"عقوبة الربا","level":2,"page":537},{"title":"ربا الجاهلية","level":2,"page":538},{"title":"مس الجني للإنسي","level":2,"page":538},{"title":"الأصل في العقود والمعاملات الحل","level":2,"page":541},{"title":"التوبة من الربا","level":2,"page":541},{"title":"ذهاب بركة الأموال الربوية","level":2,"page":544},{"title":"الحكمة من تأخير تحريم الربا","level":2,"page":545},{"title":"التعامل مع المعسر في الدين","level":2,"page":548},{"title":"حكم إنظار المعسر","level":2,"page":549},{"title":"بيع مال المعسر","level":2,"page":550},{"title":"احتساب الدين من زكاة الدائن","level":2,"page":551},{"title":"مشروعية إقراض المحتاج","level":2,"page":555},{"title":"من أحكام السلم","level":2,"page":556},{"title":"حكم كتابة عقود الديون والبيوع","level":2,"page":557},{"title":"حكم الرهن","level":2,"page":559},{"title":"الحجر على السفيه","level":2,"page":559},{"title":"حكم الإشهاد في العقود والمعاملات","level":2,"page":560},{"title":"شهادة الصبي في العقود","level":2,"page":561},{"title":"شهادة المرأة في العقود","level":2,"page":562},{"title":"اشتراط العدالة في الشاهد","level":2,"page":563},{"title":"الشاهد واليمين","level":2,"page":565},{"title":"اليمين والشاهدتان","level":2,"page":565},{"title":"من أحكام الاختلاط","level":2,"page":566},{"title":"الترخيص بترك كتابة بعض العقود","level":2,"page":567},{"title":"حكم الرهن في المسلم","level":2,"page":569},{"title":"سورة آل عمران","level":1,"page":574},{"title":"المحكم والمتشابه في القرآن","level":2,"page":574},{"title":"ما لا ينتسخ من الوحي","level":2,"page":575},{"title":"معنى المحكم والمتشابه في القرآن","level":2,"page":577},{"title":"أنواع المحكم والمتشابه","level":2,"page":578},{"title":"الحكمة من وجود المتشابه في القرآن","level":2,"page":580},{"title":"المتشابه المطلق","level":2,"page":580},{"title":"حكم النذر؟","level":2,"page":584},{"title":"الوفاء لنذر المعصية والطاعة","level":2,"page":585},{"title":"حكم اختلاط الرجال بالنساء","level":2,"page":586},{"title":"مرور الحائض في المسجد","level":2,"page":587},{"title":"مكث الحائض في المسجد","level":2,"page":588},{"title":"زمن تسمية المولود","level":2,"page":590},{"title":"الدعاء للمولود عند ولادته","level":2,"page":592},{"title":"حضانة المولود وكفالته","level":2,"page":593},{"title":"منزلة الخالة في الحضانة","level":2,"page":594},{"title":"الأم مقدمة في الحضانة على الأب","level":2,"page":595},{"title":"الحضانة بعد التمييز","level":2,"page":596},{"title":"سقوط الحضانة بزواج الأم","level":2,"page":596},{"title":"حضانة غير المسلمة","level":2,"page":597},{"title":"الأحق بالحضانة بعد الأم من النساء","level":2,"page":597},{"title":"الهجر وأحكامه","level":2,"page":600},{"title":"سياسة المخالفين بالخلطة والهجر","level":2,"page":602},{"title":"بذل السلام بالكلام والإشارة","level":2,"page":602},{"title":"الكلام في الصلاة","level":2,"page":604},{"title":"الإشارة في الصلاة","level":2,"page":605},{"title":"الكلام في الصلاة أشد من الحركة","level":2,"page":606},{"title":"بذل السلام على المصلي ورد المصلي","level":2,"page":606},{"title":"حكم رد المصلي السلام؟","level":2,"page":608},{"title":"رد المصلي السلام بالإشارة","level":2,"page":609},{"title":"الحركة في الصلاة","level":2,"page":610},{"title":"صلاة بني إسرائيل","level":2,"page":611},{"title":"حضور النساء للمساجد، وفضل صلاتهن بالبيوت","level":2,"page":612},{"title":"صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد","level":2,"page":614},{"title":"أحكام القرعة","level":2,"page":616},{"title":"الفرق بن القرعة والأزلام","level":2,"page":621},{"title":"حكم الصور والتماثيل","level":2,"page":624},{"title":"حكم ادخار المال","level":2,"page":628},{"title":"أحكام المباهلة","level":2,"page":631},{"title":"مشروعية المباهلة، والمقصود منها","level":2,"page":632},{"title":"المباهلة في فروع الدين","level":2,"page":633},{"title":"المباهلة على الأمر البين","level":2,"page":634},{"title":"المبايعة مع الحربيين","level":2,"page":635},{"title":"الشراكة بين المسلم والكتابي","level":2,"page":636},{"title":"علة منع الشراكة بين السلم والكافر","level":2,"page":637},{"title":"حالات الشراكة بين المسلم والكافر","level":2,"page":638},{"title":"تصرف الشريك الكافر بمال المسلم","level":2,"page":639},{"title":"العقود المحرمة بين المسلم والكافر","level":2,"page":639},{"title":"تعامل المسلم بالربا مع الكافر","level":2,"page":641},{"title":"تبايع المسلم والكافر بالخمر والخنزير","level":2,"page":641},{"title":"العهد يمين","level":2,"page":643},{"title":"كفارة العهد واليمين الغموس","level":2,"page":644},{"title":"كفارة اليمين الخطأ","level":2,"page":646},{"title":"حكم الحاكم وإسقاط الحق","level":2,"page":647},{"title":"استحلاف الكافر","level":2,"page":647},{"title":"الأصل في الطعام الحل","level":2,"page":649},{"title":"حكم تحريم الحلال وأنواعه","level":2,"page":649},{"title":"فضل المسجد القديم","level":2,"page":651},{"title":"تقارب صفوف الرجال والنساء بالمسجد الحرام","level":2,"page":652},{"title":"السترة في المسجد الحرام","level":2,"page":652},{"title":"المراد بمقام إبراهيم","level":2,"page":654},{"title":"تحريك مقام إبراهيم","level":2,"page":654},{"title":"تحريم الصيد وعضد الشجر بمكة","level":2,"page":656},{"title":"صيد الأهلي المتوحش","level":2,"page":657},{"title":"ترتيب أركان الإسلام","level":2,"page":658},{"title":"تأخر فرض الحج","level":2,"page":659},{"title":"حكم تارك الحج","level":2,"page":659},{"title":"شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":2,"page":662},{"title":"وجوب الحسبة","level":2,"page":662},{"title":"ما يكتب للكافر من عمله الصالح بعد إسلامه","level":2,"page":665},{"title":"إحباط عمل المرتد","level":2,"page":666},{"title":"توبة المرتد ورجوع عمله الصالح الحابط","level":2,"page":667},{"title":"دعوة الكافر المظلوم","level":2,"page":667},{"title":"المظالم التي تكون بين الكافر والمسلم","level":2,"page":668},{"title":"اتخاذ البطانة","level":2,"page":669},{"title":"أنواع البطانة","level":2,"page":671},{"title":"ولاية الكافر","level":2,"page":672},{"title":"مجالسة الكافر والمنافق","level":2,"page":672},{"title":"الاستعانة بالكافر في الحرب","level":2,"page":673},{"title":"زيادة الدين مقابل الأجل","level":2,"page":676},{"title":"حكم التورق","level":2,"page":676},{"title":"الزيادة في الديون","level":2,"page":677},{"title":"تلازم كظم الغيظ مع النفقات","level":2,"page":678},{"title":"فضل كظم الغيظ","level":2,"page":678},{"title":"فضل العفو","level":2,"page":679},{"title":"حدود العفو وكظم الغيظ","level":2,"page":680},{"title":"من أحكام الغنائم","level":2,"page":683},{"title":"أنواع الغنائم","level":2,"page":683},{"title":"أكثر ما يظهر النفاق","level":2,"page":684},{"title":"احتواء المنافقين","level":2,"page":685},{"title":"تكثير سواد المسلمين عند القتال","level":2,"page":686},{"title":"جهاد الطلب، وجهاد الدفع","level":2,"page":687},{"title":"التفاضل بين جهاد الدفع والطلب","level":2,"page":687},{"title":"تساوي الذكر والأنثى في الثواب","level":2,"page":689},{"title":"شروط قبول العمل","level":2,"page":690},{"title":"أنواع البدعة باعتبار الثواب","level":2,"page":691},{"title":"العمل الصالح من الكافر؛ إذا أسلم","level":2,"page":692},{"title":"الثواب على العمل الباطل","level":2,"page":693},{"title":"فضل الرباط وانتظار العبادة","level":2,"page":694},{"title":"سورة النساء","level":1,"page":696},{"title":"السؤال بالرحم","level":2,"page":697},{"title":"صلة الرحم","level":2,"page":698},{"title":"الحكمة من صلة الرحم","level":2,"page":698},{"title":"أنواع الأرحام","level":2,"page":699},{"title":"حكم صلة الرحم","level":2,"page":700},{"title":"المحرم بالرضاع لا يدخل في الأرحام","level":2,"page":702},{"title":"تعظيم حق اليتيم وماله","level":2,"page":703},{"title":"ولاية اليتيمة","level":2,"page":706},{"title":"تزويج اليتيمة","level":2,"page":707},{"title":"تزويج ولي اليتيمة نفسه","level":2,"page":707},{"title":"تزويج اليتيمة قبل بلوغها","level":2,"page":708},{"title":"تعدد الزوجات","level":2,"page":709},{"title":"نكاح أهل الجاهلية","level":2,"page":710},{"title":"النكاح في الإسلام","level":2,"page":711},{"title":"حكم تعدد الزوجات","level":2,"page":713},{"title":"حكم المهر","level":2,"page":715},{"title":"تأخر المهر عن العقد","level":2,"page":716},{"title":"المهر حق للمرأة","level":2,"page":716},{"title":"تعظيم شرط المهر للنكاح","level":2,"page":717},{"title":"إسقاط المرأة لبعض مهرها","level":2,"page":717},{"title":"المهر المؤخر","level":2,"page":717},{"title":"شرط الولي لنفسه مالا","level":2,"page":718},{"title":"إعطاء المال من لا يحسن تدبيره","level":2,"page":720},{"title":"الحجر على السفيه","level":2,"page":720},{"title":"وجوب حفظ الأموال وعدم السرف","level":2,"page":721},{"title":"قوامة الرجال على النساء","level":2,"page":722},{"title":"كفاية الأهل والزوجة بالنفقة","level":2,"page":722},{"title":"علامات البلوغ","level":2,"page":723},{"title":"بلوغ الفتاة بالحيض","level":2,"page":724},{"title":"علامة إنبات الشعر على البلوغ","level":2,"page":724},{"title":"معنى بلوغ الرشد","level":2,"page":725},{"title":"حد بلوغ الرشد","level":2,"page":726},{"title":"التحري عند إعطاء اليتيم ماله","level":2,"page":727},{"title":"الأكل من مال اليتيم","level":2,"page":727},{"title":"الأكل من مال اليتيم بمقدار ولايته","level":2,"page":728},{"title":"حكم إعادة الولي ما أكل من مال اليتيم","level":2,"page":729},{"title":"الإنفاق على اليتيم من ماله","level":2,"page":730},{"title":"الإشهاد عند دفع مال اليتيم له","level":2,"page":731},{"title":"تعصيب الأخوات مع البنات","level":2,"page":732},{"title":"التشديد على شهود الوصية","level":2,"page":736},{"title":"العدل في الوصية","level":2,"page":737},{"title":"حكم الوصية بأكثر من الثلث","level":2,"page":738},{"title":"وصية من لا ورثة له بماله كله","level":2,"page":739},{"title":"إذن الورثة بالوصية بأكثر من الثلث","level":2,"page":740},{"title":"التشديد في أكل مال اليتيم","level":2,"page":741},{"title":"إحكام الله لأمور الأموال في الإسلام","level":2,"page":742},{"title":"ترابط الأمور المالية بعضها ببعض","level":2,"page":742},{"title":"أحوال إرث الأولاد","level":2,"page":745},{"title":"حكم الاثنتين من البنات حكم الثلاث في الميراث","level":2,"page":745},{"title":"ميراث الأبوين","level":2,"page":748},{"title":"ذكر الله ميراث الأبوين فجعله على حالين","level":2,"page":748},{"title":"الولد والإخوة في حجب الأم","level":2,"page":750},{"title":"حق الوالد في الميراث أعظم من الأخ","level":2,"page":750},{"title":"ترتيب الأحق من أصحاب الفروض","level":2,"page":750},{"title":"حجب الإخوة للأم","level":2,"page":751},{"title":"تقديم الدين والوصية على الميراث","level":2,"page":751},{"title":"مؤنة تجهيز الميت من ماله","level":2,"page":752},{"title":"أحوال ميراث الزوجين","level":2,"page":753},{"title":"معنى الكلالة","level":2,"page":754},{"title":"ميراث الكلالة","level":2,"page":755},{"title":"مخالفة الإخوة لأم بقية الإخوة","level":2,"page":756},{"title":"الإضرار بالوصية","level":2,"page":756},{"title":"الوصية للوارث","level":2,"page":757},{"title":"ميراث أولاد الأولاد","level":2,"page":760},{"title":"ميراث الجد وحجبه","level":2,"page":761},{"title":"تعظيم فاحشة الزنى","level":2,"page":762},{"title":"عقوبة الحبس","level":2,"page":763},{"title":"تأديب فاعل الفاحشة","level":2,"page":764},{"title":"توبة الزاني","level":2,"page":765},{"title":"جهات النشوز","level":2,"page":766},{"title":"أخذ الزوج من مهر زوجته","level":2,"page":767},{"title":"حكم الخلع بقصد أخذ المال","level":2,"page":767},{"title":"أخذ مهر من فعلت الفاحشة","level":2,"page":768},{"title":"حكم الخلع قبل الدخول","level":2,"page":770},{"title":"أولويات الإصلاح","level":2,"page":772},{"title":"العقد على زوجة الأب","level":2,"page":772},{"title":"نكاح الابن مولاة أبيه","level":2,"page":775},{"title":"حدود ما يحرم من زوجات الآباء","level":2,"page":776},{"title":"حكم العقد على محرم","level":2,"page":777},{"title":"المحرمات من النساء","level":2,"page":781},{"title":"تحريم بنت الزنى","level":2,"page":781},{"title":"تحريم بنت الملاعنة","level":2,"page":782},{"title":"المحرمات من الرضاع","level":2,"page":782},{"title":"انتشار حرمة الرضاع من الأب والأم","level":2,"page":783},{"title":"عدد الرضعات المحرمة","level":2,"page":785},{"title":"تحريم زوجة الولد","level":2,"page":786},{"title":"تحريم أم الزوجة","level":2,"page":787},{"title":"الجمع بين الأم وبنتها","level":2,"page":789},{"title":"حكم ابنة الطليقة","level":2,"page":789},{"title":"تحريم زوجة الولد","level":2,"page":791},{"title":"تحريم زوجة الأب","level":2,"page":792},{"title":"الجمع بين الأختين","level":2,"page":792},{"title":"الجمع بين الأختين الأمتين","level":2,"page":793},{"title":"اعتبار بيع الأمة طلاقا","level":2,"page":797},{"title":"نكاح المتعة","level":2,"page":800},{"title":"الولي في نكاح الإماء","level":2,"page":802},{"title":"إذن السيد لزواج اليتيمة","level":2,"page":803},{"title":"حكم الزواج من الأمة","level":2,"page":803},{"title":"نكاح الأمة غير المؤمنة","level":2,"page":804},{"title":"مهر زواج الأمة","level":2,"page":805},{"title":"العقوبة على زنى الأمة","level":2,"page":805},{"title":"عصمة مال المسلم ودمه","level":2,"page":808},{"title":"أخذ المال بسف الحياء","level":2,"page":809},{"title":"حكم المعاقدة في البيوع","level":2,"page":810},{"title":"عصمة الأموال والأنفس والدفع عنها","level":2,"page":811},{"title":"التوبة من الصغائر، مع وجود الكبائر","level":2,"page":813},{"title":"تكفير الصغائر بالأعمال الصالحة؛ مع وجود الكبائر","level":2,"page":813},{"title":"تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر","level":2,"page":815},{"title":"اختلاف الذنوب، بحسب القلوب","level":2,"page":815},{"title":"تمايز الجنسين بعضهما عن بعض","level":2,"page":818},{"title":"عدل الله في تساوي الجنسين في الأجور","level":2,"page":819},{"title":"كراهة تمني ما لا يمكن تحققه","level":2,"page":820},{"title":"استقلال المرأة في مالها","level":2,"page":821},{"title":"معنى المولى","level":2,"page":822},{"title":"عهد المؤاخاة والمواريث","level":2,"page":822},{"title":"قوامه الرجال على النساء","level":2,"page":824},{"title":"أنواع القوامة","level":2,"page":825},{"title":"الحكمة من قوامة الرجل على المرأة","level":2,"page":825},{"title":"الإمارة والقوامة تكليف","level":2,"page":826},{"title":"فطرة الله للجنسين","level":2,"page":827},{"title":"معنى التفاضل بين الجنسين","level":2,"page":827},{"title":"حقيقة النشوز من الزوجة","level":2,"page":828},{"title":"نشوز الزوجة وعلاجه","level":2,"page":829},{"title":"رضا الزوجين بحكم الحكمين","level":2,"page":832},{"title":"الحكمان من أهل الزوجين","level":2,"page":833},{"title":"اتفاق الحكمين ملزم","level":2,"page":834},{"title":"تفريق الحكمين بين الزوجين","level":2,"page":834},{"title":"ذم الكثرة ومدحها","level":2,"page":836},{"title":"كيف تعرف الأوامر المؤكدة والمخففة؟","level":2,"page":837},{"title":"حفظ العالم وفقهه وأثره على مراتب الشريعة","level":2,"page":838},{"title":"حق الجيران وأنواعهم","level":2,"page":839},{"title":"حق الصديق","level":2,"page":840},{"title":"حق ابن السبيل","level":2,"page":840},{"title":"الجار مقدم على الصديق","level":2,"page":841},{"title":"حقوق الموالي","level":2,"page":842},{"title":"ذم الكبر وآثاره","level":2,"page":842},{"title":"التدرج في تحريم الخمر","level":2,"page":843},{"title":"صلاة غير العاقل","level":2,"page":844},{"title":"حكم تصرفات السكران","level":2,"page":844},{"title":"قرب السكران للصلاة","level":2,"page":845},{"title":"قرب الصلاة جماعة برائحة كريهة","level":2,"page":847},{"title":"دخول المساجد للجنب","level":2,"page":848},{"title":"مباشرة المعتكف لزوجته","level":2,"page":849},{"title":"الاحتلام في المسجد، وتخفيفه بالوضوء","level":2,"page":849},{"title":"دخول الحائض للمسجد","level":2,"page":851},{"title":"العاجز عن استعمال الماء","level":2,"page":853},{"title":"تقديم المرض على السفر","level":2,"page":854},{"title":"الوضوء من الخارج من السبيلين","level":2,"page":854},{"title":"الخارج من غير السبيلين","level":2,"page":855},{"title":"الخارج من السبيلين غير النجس","level":2,"page":855},{"title":"الجماع ولمس المرأة","level":2,"page":856},{"title":"التيمم وصفته","level":2,"page":858},{"title":"حقوق الناس، وأداء الأمانات","level":2,"page":860},{"title":"تعظيم العدل مع كل أحد","level":2,"page":861},{"title":"تعارض الطبع والشرع في الظاهر","level":2,"page":862},{"title":"التشريع من دون الله","level":2,"page":863},{"title":"معنى أولي الأمر، والتلازم بين السلطان والعلم","level":2,"page":864},{"title":"تفسير السلف لأولي الأمر","level":2,"page":864},{"title":"الطاعة بالمعروف","level":2,"page":865},{"title":"الفرق بين ولاية المسلم والكافر","level":2,"page":867},{"title":"توجه الخطاب في الآية للحاكم والمحكوم","level":2,"page":868},{"title":"أحوال طاعة المأمور للأمر","level":2,"page":868},{"title":"الحذر من العدو، والنهي عن الخوف منه","level":2,"page":870},{"title":"تعدد الجيوش في قتال الدفع","level":2,"page":871},{"title":"حماية الشريعة بالعالم والمجاهد","level":2,"page":872},{"title":"الجهاد والنفاق","level":2,"page":872},{"title":"أصل النفاق","level":2,"page":873},{"title":"تعامل النبي - ﷺ - مع المنافقين","level":2,"page":873},{"title":"القتال واحتمال النصر","level":2,"page":875},{"title":"فضل جهاد الدفع وحده","level":2,"page":876},{"title":"فضل المنتصر المقتول، وأثر الغنيمة على النية","level":2,"page":877},{"title":"الهجرة وحكمها","level":2,"page":880},{"title":"الهجرة إلى بلد الكفر وحدوده","level":2,"page":880},{"title":"بلد الإسلام، وبلد الكفر","level":2,"page":881},{"title":"فكاك الأسير","level":2,"page":882},{"title":"مراتب فكاك الأسير","level":2,"page":883},{"title":"القتال لفكاك الأسير","level":2,"page":884},{"title":"أسباب النصر والتمكين، وأنواعها","level":2,"page":886},{"title":"التلازم بين أسباب النصر الشرعية والكونية","level":2,"page":889},{"title":"الذنوب وأثرها على النصر","level":2,"page":890},{"title":"طبائع النفوس، وأثرها على اختيار الحق","level":2,"page":891},{"title":"أثر طلب النصر بلا صبر","level":2,"page":892},{"title":"التفريق بين الخصوم، وعدم جعلهم في مرتبة واحدة","level":2,"page":894},{"title":"الفرق بين عقيدة البراء وسياسة الاستعداء","level":2,"page":894},{"title":"الجهاد وحب الدنيا","level":2,"page":897},{"title":"رغبة النفوس، وأثرها على الحق","level":2,"page":898},{"title":"الصدق مع الأمير في الظاهر والباطن","level":2,"page":900},{"title":"تدبر القرآن وأثره على النفاق","level":2,"page":902},{"title":"أوصاف العالم الذي يقضي في النوازل","level":2,"page":903},{"title":"معنى أولي الأمر في الآية","level":2,"page":904},{"title":"التحذير من إشاعة الأخبار","level":2,"page":906},{"title":"فضل علم الرجال وأخبارهم","level":2,"page":906},{"title":"التحدث بكل مسموع","level":2,"page":907},{"title":"مخالفة الناس للحق، والغربة فيه","level":2,"page":909},{"title":"أثر استحضار عظمة الله وقوته عند لقاء العدو","level":2,"page":910},{"title":"الشفاعة وفضلها","level":2,"page":910},{"title":"الشفاعة الحسنة","level":2,"page":911},{"title":"أخذ الأجر على الشفاعة","level":2,"page":911},{"title":"دفع الضرر بالمال","level":2,"page":913},{"title":"الفرق بين الجعالة والشفاعة","level":2,"page":913},{"title":"التوسعة في معنى التحية","level":2,"page":915},{"title":"أفضل أنواع التحية","level":2,"page":915},{"title":"التحية بغير السلام","level":2,"page":917},{"title":"حكم رد التحية","level":2,"page":917},{"title":"حكم بذل التحية","level":2,"page":917},{"title":"ابتداء الكافر بالتحية والسلام","level":2,"page":920},{"title":"رد السلام على الكافر","level":2,"page":922},{"title":"حكم رد التحية على الكافر","level":2,"page":923},{"title":"يجزئ سلام البعض عن الكل","level":2,"page":923},{"title":"يجزئ رد التحية من البعض عن الكل","level":2,"page":924},{"title":"أولى الناس ببذل السلام","level":2,"page":925},{"title":"السلام على المرأة","level":2,"page":926},{"title":"الحكمة من مشروعية التحية","level":2,"page":926},{"title":"تنكير السلام وتعريفه","level":2,"page":927},{"title":"اختلاف المؤمنين بسبب المنافقين","level":2,"page":929},{"title":"الانشغال بالعدو الأقوى والأخطر","level":2,"page":929},{"title":"نعمة الشدائد على الأمة","level":2,"page":929},{"title":"خطر المنافق والمرتد","level":2,"page":930},{"title":"الكبر وأثره على الانقياد","level":2,"page":931},{"title":"رحمة الله بعدم اجتماع الكفار على المسلمين","level":2,"page":934},{"title":"المسلم بين المحاربين","level":2,"page":935},{"title":"عصمة دم المؤمن","level":2,"page":937},{"title":"كفارة قتل الخطأ","level":2,"page":938},{"title":"الحكمة من الدية، والفرق بين الذكر والأنثى","level":2,"page":938},{"title":"اشتراط الإيمان في الرقبة","level":2,"page":940},{"title":"الدية ومستحقها","level":2,"page":941},{"title":"إسقاط الدية","level":2,"page":941},{"title":"التفاضل بين إسقاط الدية وأخذها","level":2,"page":942},{"title":"مقدار دية القتل","level":2,"page":942},{"title":"عتق الرقبة من مال القاتل، والدية على العاقل","level":2,"page":945},{"title":"دية قتل الإمام خطأ","level":2,"page":946},{"title":"إطلاق ألفاظ تحتمل الكفر والإسلام","level":2,"page":947},{"title":"العاقلة ودية العمد","level":2,"page":947},{"title":"كفارة قتل الذمي","level":2,"page":948},{"title":"دية قتل المرأة المعاهدة","level":2,"page":949},{"title":"الصيام في كفارة القتل","level":2,"page":950},{"title":"التتابع في صيام كفارة القتل","level":2,"page":951},{"title":"العجز عن صيام كفارة القتل","level":2,"page":951},{"title":"قتل العمد ومعناه","level":2,"page":952},{"title":"توافر قصد القتل","level":2,"page":952},{"title":"أنواع القتل","level":2,"page":953},{"title":"دية شبه العمد","level":2,"page":954},{"title":"كفارة قتل العمد وشبهه","level":2,"page":954},{"title":"أنواع الذنوب","level":2,"page":956},{"title":"توبة القاتل","level":2,"page":957},{"title":"ما ورد في كفر القاتل","level":2,"page":958},{"title":"القتال وقصد الدنيا","level":2,"page":960},{"title":"عصمة دم من نطق الشهادتين","level":2,"page":962},{"title":"الفرق بين قتال الكافر، والمفسد في الأرض","level":2,"page":963},{"title":"نطق المحارب للشهادتين","level":2,"page":964},{"title":"تذكر الضلالة قبل الهداية","level":2,"page":966},{"title":"تعين الجهاد على بعض الناس دون بعض","level":2,"page":969},{"title":"أهل الأعذار بترك الجهاد","level":2,"page":970},{"title":"أجر القاعد المعذور","level":2,"page":970},{"title":"مراتب المجاهدين","level":2,"page":972},{"title":"وجوب الهجرة","level":2,"page":975},{"title":"الهجرة علامة على الإسلام","level":2,"page":976},{"title":"اختلاف أحوال المنافقين بحسب بلدانهم","level":2,"page":976},{"title":"من وقف في صف المشركين","level":2,"page":977},{"title":"مخالطة المشرك","level":2,"page":977},{"title":"عذر الإنسان لنفسه وهو مكلف","level":2,"page":978},{"title":"إقامة المسلم القادر وسط المحاربين","level":2,"page":979},{"title":"على من تجب الهجرة","level":2,"page":979},{"title":"الفرق بين بلد الإسلام وبلد الكفر","level":2,"page":980},{"title":"الهجرة إلى بلد الكفر المسالم","level":2,"page":982},{"title":"موجبات الهجرة","level":2,"page":982},{"title":"أحوال وجوب الهجرة وتحريمها","level":2,"page":983},{"title":"الهجرة من بلد الكفر الذي يظهر في المسلم دينه","level":2,"page":985},{"title":"الاحتماء بالكافر","level":2,"page":985},{"title":"الأحكام المبدلة وأثرها على الهجرة","level":2,"page":986},{"title":"سبب عدم هجرة النبي - ﷺ - إلى الحبشة","level":2,"page":989},{"title":"فضل من بدأ طريق الحق","level":2,"page":991},{"title":"قصر الصلاة للمسافر","level":2,"page":993},{"title":"أنواع تخفيف الصلاة في السفر","level":2,"page":994},{"title":"مراحل تشريع الصلاة","level":2,"page":995},{"title":"حكم قصر المسافر للصلاة","level":2,"page":996},{"title":"سبب إتمام بعض السلف للصلاة في السفر","level":2,"page":997},{"title":"حكم اشتراط مفارقة البنيان للقصر","level":2,"page":999},{"title":"اختلاف السلف في مسافة القصر ... واعتبار العرف","level":2,"page":1000},{"title":"اختلاف أقوال النبي - ﷺ - وأصحابه في مسافة القصر","level":2,"page":1003},{"title":"حد مسافة السفر","level":2,"page":1003},{"title":"اشتراط الخروج من البلد للترخص بالسفر","level":2,"page":1004},{"title":"الخوف في السفر","level":2,"page":1005},{"title":"مشروعية صلاة الخوف للأمة","level":2,"page":1007},{"title":"صلاة الخوف في الحضر","level":2,"page":1007},{"title":"صلاة الخوف وغزوة الخندق","level":2,"page":1008},{"title":"اختلاف الروايات في ركعات صلاة الخوف","level":2,"page":1010},{"title":"أسباب تعدد روايات صلاة الخوف.","level":2,"page":1011},{"title":"صفات صلاة الخوف","level":2,"page":1012},{"title":"استقبال القبلة في صلاة الخوف","level":2,"page":1017},{"title":"تأخير الصلاة عد اشتداد القتال","level":2,"page":1018},{"title":"صلاة المغرب عند الخوف","level":2,"page":1019},{"title":"حمل السلاح في صلاة الخوف.","level":2,"page":1020},{"title":"مشروعية الذكر على كل حال","level":2,"page":1022},{"title":"وجوب الصلاة على العاجز عن الحركة","level":2,"page":1022},{"title":"صلاة العاجز عن القعود والقيام","level":2,"page":1023},{"title":"شرط دخول الوقت للصلاة","level":2,"page":1024},{"title":"ترك القتال لمجرد الخوف","level":2,"page":1025},{"title":"تخويف الشيطان للمؤمنين","level":2,"page":1025},{"title":"الخوف الذي يكون عذرا لترك العمل","level":2,"page":1026},{"title":"خطر الوهن على النفس","level":2,"page":1027},{"title":"صلاة الخوف عند طلب المسلمين للمشركين","level":2,"page":1027},{"title":"فضل جهاد الطلب؟","level":2,"page":1028},{"title":"تقديم القرآن على الرأي","level":2,"page":1029},{"title":"خطأ الحاكم إذا اجتهد","level":2,"page":1030},{"title":"سبب عدم تساوي أجر المجتهدين","level":2,"page":1031},{"title":"خطأ القاضي لا يغير الحقوق","level":2,"page":1031},{"title":"حكم القاضي بعلمه","level":2,"page":1032},{"title":"الدفاع والمحاماة عن الظالم","level":2,"page":1036},{"title":"حكم الوكالة والنيابة في الخصومة","level":2,"page":1037},{"title":"إقرار الإنسان على نفسه دفعا للضرر عن غيره","level":2,"page":1039},{"title":"فضل صدقة السر","level":2,"page":1042},{"title":"عذر الجاهل","level":2,"page":1043},{"title":"دليل الإجماع من الوحي","level":2,"page":1044},{"title":"إجماع الصحابة، وتحققه","level":2,"page":1044},{"title":"الجهات التي يتحقق بها إجماع الصحابة","level":2,"page":1045},{"title":"السوائب في الجاهلية","level":2,"page":1048},{"title":"حكم وسم البهيمة","level":2,"page":1049},{"title":"حكم تغيير خلق الله وأحواله","level":2,"page":1049},{"title":"تغيير الفطرة","level":2,"page":1051},{"title":"حدود تحريم تغيير خلق الله","level":2,"page":1052},{"title":"تغيير العيوب","level":2,"page":1053},{"title":"الفرق بين ميراث الذكر والأنثى","level":2,"page":1055},{"title":"إسقاط المرأة لحقها","level":2,"page":1056},{"title":"نشوز الزوج","level":2,"page":1056},{"title":"العدل بين الزوجات","level":2,"page":1059},{"title":"العدل بين الزوجات بالمبيت والقسم","level":2,"page":1059},{"title":"شهادة الوالد على ولده بعضهما على بعض","level":2,"page":1063},{"title":"شهادة الإخوة والزوجين بعضهم لبعض","level":2,"page":1063},{"title":"أحوال مجالس المعاصي","level":2,"page":1065},{"title":"وجوب الصلاة على وقتها","level":2,"page":1066},{"title":"وقت وجوب القيام للصلاة","level":2,"page":1066},{"title":"الكلالة وحكمها","level":2,"page":1068},{"title":"ميراث الأب والإخوة","level":2,"page":1071},{"title":"ميراث الإخوة لأب مع الأشقاء","level":2,"page":1071},{"title":"ومن صور الكلالة التي وقع فيها خلاف","level":2,"page":1072},{"title":"المشركة وحكمها","level":2,"page":1072},{"title":"ميراث الأخوات","level":2,"page":1073},{"title":"ميراث الجد مع الإخوة","level":2,"page":1074},{"title":"سورة المائدة","level":1,"page":1081},{"title":"أنواع العقود والعهود","level":2,"page":1082},{"title":"العقود بين المسلمين والكفار","level":2,"page":1084},{"title":"خيار المجلس","level":2,"page":1084},{"title":"ما يحل من البهائم","level":2,"page":1086},{"title":"حكم جنين البهيمة","level":2,"page":1086},{"title":"أحوال موت الجنين في بطن أمه","level":2,"page":1086},{"title":"سبب إضمار حكمة التشريع","level":2,"page":1088},{"title":"تعظيم الأشهر الحرم","level":2,"page":1089},{"title":"شعيرة الهدي","level":2,"page":1091},{"title":"تقليد الهدي","level":2,"page":1092},{"title":"التجارة في الحج والعمرة","level":2,"page":1093},{"title":"الصيد بعد التحلل","level":2,"page":1094},{"title":"العدل مع العدو","level":2,"page":1094},{"title":"أنواع حقوق الله على عباده","level":2,"page":1095},{"title":"المحرم من الأنعام","level":2,"page":1096},{"title":"ما يحل من الميتة","level":2,"page":1097},{"title":"السمك، وما في حكمه من حيوان البحر","level":2,"page":1097},{"title":"الجراد","level":2,"page":1098},{"title":"شحم الميتة","level":2,"page":1100},{"title":"موت الصيد بثقل","level":2,"page":1102},{"title":"حكم تدارك الميتة بالتذكية","level":2,"page":1105},{"title":"الاستقسام بالأزلام","level":2,"page":1106},{"title":"إظهار محاسن الإسلام","level":2,"page":1107},{"title":"نعمة كمال الدين","level":2,"page":1108},{"title":"إذا حرم الله شيئا، بين الحلال","level":2,"page":1109},{"title":"تحريم الحلال أشد من تحليل الحرام؛ وبيان الغاية من ذلك","level":2,"page":1110},{"title":"نسبة العلم كله إلى الله","level":2,"page":1112},{"title":"نعمة العلم","level":2,"page":1113},{"title":"صيد الجوارح","level":2,"page":1113},{"title":"صيد الكلب الأسود","level":2,"page":1114},{"title":"صيد الجارح غير المعلم","level":2,"page":1115},{"title":"تعريف الجارح المعلم","level":2,"page":1116},{"title":"حكم الصيد الذي يأكل منه الجارح","level":2,"page":1117},{"title":"قرائن قصد الجارح الصيد لنفسه","level":2,"page":1118},{"title":"وجوب التسمية عند إرسال الجارح","level":2,"page":1118},{"title":"طعام أهل الكتاب","level":2,"page":1120},{"title":"ذبائح نصارى العرب","level":2,"page":1121},{"title":"ذبائح أصحاب الكتب السماوية","level":2,"page":1122},{"title":"نكاح الكتابيات","level":2,"page":1124},{"title":"الحكمة من تحريم تزويج الكتابي مسلمة","level":2,"page":1125},{"title":"وجوب المهر","level":2,"page":1125},{"title":"أثر مخالطة الكفار","level":2,"page":1126},{"title":"المراد من اقتران الوضوء بالصلاة","level":2,"page":1127},{"title":"الوضوء لكل صلاة","level":2,"page":1128},{"title":"جمع الصلوات لوضوء واحد","level":2,"page":1129},{"title":"استحباب الطهر الدائم","level":2,"page":1130},{"title":"أعضاء الوضوء","level":2,"page":1130},{"title":"إسباغ الوضوء","level":2,"page":1131},{"title":"الموالاة في الوضوء","level":2,"page":1132},{"title":"التسمية عند الوضوء","level":2,"page":1133},{"title":"غسل الكفين في أول الوضوء","level":2,"page":1133},{"title":"النية للوضوء","level":2,"page":1134},{"title":"تخليل اللحية","level":2,"page":1135},{"title":"المضمضة والاستنشاق في الوضوء","level":2,"page":1136},{"title":"غسل اليدين إلى المرفقين","level":2,"page":1139},{"title":"مسح الرأس","level":2,"page":1140},{"title":"استيعاب مسح الرأس","level":2,"page":1141},{"title":"مسح الرأس بماء جديد","level":2,"page":1142},{"title":"حكم مسح الأذنين وصفته","level":2,"page":1142},{"title":"غسل الرجلين","level":2,"page":1145},{"title":"ترتيب أعضاء الفرض الواحد","level":2,"page":1148},{"title":"الفرق بين عدو يظهر العداوة، وعدو يخفيها","level":2,"page":1151},{"title":"شهادة الخصوم","level":2,"page":1151},{"title":"انتفاء التهمة في الشهادة","level":2,"page":1151},{"title":"اتخاذ النقباء والعرفاء","level":2,"page":1153},{"title":"الحكمة من اتخاذ النقباء والرؤساء","level":2,"page":1154},{"title":"الفرق بين أهل الشورى والعرفاء والنقباء","level":2,"page":1154},{"title":"فائدة النقباء، وسبب حاجة الغرب لصناديق التصويت","level":2,"page":1157},{"title":"أهل الحل والعقد","level":2,"page":1158},{"title":"اتخاذ الجاسوس في الحرب","level":2,"page":1159},{"title":"الحكمة من دفن الميت","level":2,"page":1160},{"title":"ودفن الميت شرع لعلتين","level":2,"page":1160},{"title":"وسوءته هنا سوءتان","level":2,"page":1160},{"title":"وضع الميت في البحر","level":2,"page":1161},{"title":"الحرابة ومعناها ونزول حكمها","level":2,"page":1162},{"title":"حديث العرنيين","level":2,"page":1164},{"title":"الحرابة في الحضر والسفر","level":2,"page":1165},{"title":"قصد التخويف في الحرابة","level":2,"page":1166},{"title":"حكم المحارب","level":2,"page":1166},{"title":"قطع المحارب","level":2,"page":1167},{"title":"اختلاف أحوال المحاربين","level":2,"page":1167},{"title":"التخيير في حد الحرابة","level":2,"page":1170},{"title":"صلب المحارب","level":2,"page":1171},{"title":"حكم النفي","level":2,"page":1171},{"title":"حكم سجن أهل الحرابة","level":2,"page":1172},{"title":"التشديد في حد الحرابة","level":2,"page":1173},{"title":"الحكمة من حد الحرابة","level":2,"page":1173},{"title":"تكفيرُ الذنوبِ بالحدودِ","level":2,"page":1174},{"title":"أحوال توبة المحاربين","level":2,"page":1176},{"title":"ديمومة الجهاد","level":2,"page":1180},{"title":"الحكم الغائبة في الحدود","level":2,"page":1181},{"title":"إخفاء الله للآثار السيئة المدفوعة بالحدود","level":2,"page":1181},{"title":"إقامة السلطان للحدود","level":2,"page":1182},{"title":"اشتراط النصاب والحرز في حد السرقة","level":2,"page":1182},{"title":"شرط النصاب","level":2,"page":1184},{"title":"فأما شرط النصاب، فاختلفوا في تقديره على أقوال","level":2,"page":1184},{"title":"شرط الحرز","level":2,"page":1186},{"title":"حرز كل شيء بحسبه","level":2,"page":1187},{"title":"صفة القطع في السرقة","level":2,"page":1187},{"title":"وأما صفة القطع في السرقة","level":2,"page":1187},{"title":"ستر أصحاب الذنوب","level":2,"page":1189},{"title":"العمل الصالح بعد التوبة","level":2,"page":1191},{"title":"أخذ العالم للمال","level":2,"page":1192},{"title":"العدل بين الكفار","level":2,"page":1192},{"title":"عموم آية القصاص، وحكم شرع من قبلنا","level":2,"page":1193},{"title":"تساوي أعضاء الجنسين في القصاص","level":2,"page":1195},{"title":"تساوي دماء الأحرار من الجنسين","level":2,"page":1195},{"title":"القصاص في الجروح","level":2,"page":1197},{"title":"التكفير بالحدود، والأجر بالعفو","level":2,"page":1198},{"title":"مشروعية الأذان وفضله","level":2,"page":1199},{"title":"التشريع من دون الله","level":2,"page":1202},{"title":"حكم تحريم الحلال وكفارته","level":2,"page":1202},{"title":"انعقاد القلب في اليمين، وحكم الغموس","level":2,"page":1204},{"title":"الأيمان التي تجب فيها الكفارة","level":2,"page":1205},{"title":"الحلف بغير الله، وحكم الحلف بالصفات","level":2,"page":1205},{"title":"الحلف بالقرآن","level":2,"page":1207},{"title":"ألفاظ الإلزام والتأكيد","level":2,"page":1208},{"title":"وقت كفارة اليمين","level":2,"page":1208},{"title":"أحوال كفارة اليمين","level":2,"page":1209},{"title":"تلفيق كفارة اليمين","level":2,"page":1210},{"title":"مقدار الإطعام في كفارة اليمين","level":2,"page":1210},{"title":"حكم اعتبار العدد في المساكين","level":2,"page":1213},{"title":"الكفارة من متوسط الطعام","level":2,"page":1214},{"title":"تكفير اليمين بالكسوة","level":2,"page":1215},{"title":"تكفير اليمين بتحرير الرقبة","level":2,"page":1215},{"title":"تكفير اليمين بالصيام","level":2,"page":1216},{"title":"التتابع في صيام الكفارة","level":2,"page":1216},{"title":"نوع نجاسة الخمر","level":2,"page":1218},{"title":"معنى الخمر","level":2,"page":1220},{"title":"المؤاخدة على الحلال","level":2,"page":1222},{"title":"أنواع الصيد المحرم","level":2,"page":1224},{"title":"تغليظ صيد الحرم","level":2,"page":1225},{"title":"صيد الحلال","level":2,"page":1226},{"title":"صيد غير المأكول","level":2,"page":1226},{"title":"كفارة الصيد للمحرم","level":2,"page":1227},{"title":"التحكيم في كفارة الصيد","level":2,"page":1229},{"title":"حكم الصحابة في صيد المحرم","level":2,"page":1230},{"title":"التخيير في كفارة الصيد","level":2,"page":1231},{"title":"قيمة الإطعام ومحله من كفارة الصيد","level":2,"page":1231},{"title":"تكرار المحرم للصيد","level":2,"page":1233},{"title":"تحريم صيد الحلال للمحرم ولغيره","level":2,"page":1234},{"title":"الحكمة من وضع الكعبة","level":2,"page":1236},{"title":"بركة العلم بالعمل والبلاغ","level":2,"page":1241},{"title":"معنى الوصيلة","level":2,"page":1243},{"title":"معنى الحامي","level":2,"page":1244},{"title":"الحكمة من النهي عن السوائب","level":2,"page":1244},{"title":"وقوله، ﴿منكم﴾ \"حمل على معنيين","level":2,"page":1246},{"title":"تارك والصلاة","level":2,"page":1247},{"title":"شهادة الذمي","level":2,"page":1248},{"title":"الحلف بعد الصلاة","level":2,"page":1249},{"title":"استحلاف الكافر","level":2,"page":1249},{"title":"سورة الأنعام","level":1,"page":1251},{"title":"أثر الجاه في عدم قبول الحق","level":2,"page":1252},{"title":"مساواة الناس في البلاغ","level":2,"page":1253},{"title":"بذل السلام من المدخول عليه","level":2,"page":1253},{"title":"البداءة بالسلام","level":2,"page":1254},{"title":"السلام قبل الكلام","level":2,"page":1256},{"title":"انتساب أولاد البنات لجدهم من الأم","level":2,"page":1258},{"title":"التوسعة في استقبال القبلة","level":2,"page":1260},{"title":"استقبال البعيد للقبلة","level":2,"page":1261},{"title":"الانتفاع من الشمس والقمر للحساب وغيره","level":2,"page":1262},{"title":"الحكمة من النجوم","level":2,"page":1263},{"title":"الاهتداء بالشمس إلى القبلة","level":2,"page":1264},{"title":"الاستدلال بالنجوم على القبلة","level":2,"page":1264},{"title":"حكم التسمية على الذبيحة","level":2,"page":1265},{"title":"التسمية والإهلال عند الذبح","level":2,"page":1266},{"title":"تارك التسمية عند الذبح عمدا","level":2,"page":1267},{"title":"سبب قتل الجاهلية للأولاد","level":2,"page":1270},{"title":"وأد الأجنة المعاصر","level":2,"page":1271},{"title":"حكم الإطعام عند الحصاد","level":2,"page":1272},{"title":"الزكاة عند الحصاد","level":2,"page":1273},{"title":"مقدار الزكاة وأنواع الزروع","level":2,"page":1274},{"title":"بركة الأولاد والآباء بعضهم على بعض","level":2,"page":1276},{"title":"ما ينفع الحي والميت من عمل غيره","level":2,"page":1279},{"title":"إهداء الثواب","level":2,"page":1280},{"title":"سورة الأعراف","level":1,"page":1284},{"title":"منافع الأرض حق مشاع","level":2,"page":1285},{"title":"حكم بيع الماء وعشب الأرض","level":2,"page":1286},{"title":"حكم بيع منافع الأرض الطبيعية","level":2,"page":1286},{"title":"سماع قول الظالم","level":2,"page":1290},{"title":"حكم ستر العورات","level":2,"page":1291},{"title":"العورة بين الزوجين","level":2,"page":1292},{"title":"أسباب مشروعية الستر","level":2,"page":1293},{"title":"عورة الرجل","level":2,"page":1296},{"title":"أنواع عورة الرجل","level":2,"page":1297},{"title":"فأما العورة المغلظة","level":2,"page":1297},{"title":"استقبال القبلة عند الدعاء","level":2,"page":1300},{"title":"أخذ زينة اللباس للعبادة ومكانها","level":2,"page":1303},{"title":"الأصل حل اللباس","level":2,"page":1303},{"title":"ستر العورة للصلاة","level":2,"page":1305},{"title":"عورة الرجل في الصلاة","level":2,"page":1305},{"title":"عورة المرأة في الصلاة","level":2,"page":1306},{"title":"الإسراف في الطعام","level":2,"page":1307},{"title":"حدود الإسراف الممنوع","level":2,"page":1307},{"title":"السرف في الطاعات","level":2,"page":1309},{"title":"حضور مجالس السرف","level":2,"page":1310},{"title":"إخفاء العبادة","level":2,"page":1313},{"title":"تفاضل إسرار العبادة وإعلانها","level":2,"page":1313},{"title":"الاعتداء في الدعاء، وصوره","level":2,"page":1316},{"title":"تنازع الغريزة والعقل","level":2,"page":1319},{"title":"تدرج قوم لوط بالفاحشة","level":2,"page":1320},{"title":"حكم تسمية فاحشة قوم لوط بـ (اللوطية)","level":2,"page":1323},{"title":"عقوبة فاعل اللوطية","level":2,"page":1325},{"title":"قتل فاعل فاحشة قوم لوط","level":2,"page":1327},{"title":"المكوس والضرائب","level":2,"page":1330},{"title":"أنواع الضرائب والعشور","level":2,"page":1331},{"title":"أخذ الضرائب من غير المسلمين","level":2,"page":1332},{"title":"أخذ خراج الأرض مع الزكاة","level":2,"page":1334},{"title":"أخذ المال من الناس عند إفلاس بيت المال","level":2,"page":1334},{"title":"التعبد بالقيام وحده","level":2,"page":1335},{"title":"التعبد بالركوع وحده","level":2,"page":1336},{"title":"التعبد بالجلوس","level":2,"page":1336},{"title":"حكم السجود بسبب وغير سبب","level":2,"page":1337},{"title":"اتخاذ العرفاء والنقباء","level":2,"page":1340},{"title":"حكم أخذ السلطان من بيت المال وحدوده","level":2,"page":1341},{"title":"قسمة المال العام","level":2,"page":1341},{"title":"إعطاء الحاكم مالا لأحد دون غيره","level":2,"page":1342},{"title":"أنواع أعراف الناس","level":2,"page":1344},{"title":"الاستعاذة عند التثاؤب","level":2,"page":1345},{"title":"مواضع الاستعاذة","level":2,"page":1346},{"title":"المقصود من الإنصات في الصلاة","level":2,"page":1349},{"title":"الإنصات عند سماع القرآن خارج الصلاة","level":2,"page":1350},{"title":"القراءة خلف الإمام في الجهرية","level":2,"page":1351},{"title":"القراءة خلف الإمام عند الصحابة","level":2,"page":1353},{"title":"القراءة خلف الإمام عند التابعين","level":2,"page":1354},{"title":"القراءة خلف الإمام في السرية","level":2,"page":1356},{"title":"سكوت الإمام ليتمكن المأموم من القراءة","level":2,"page":1358},{"title":"مشروعية الذكر وقراءة القرآن في الصباح والمساء","level":2,"page":1366},{"title":"سورة الأنفال","level":1,"page":1368},{"title":"معنى الأنفال","level":2,"page":1369},{"title":"أثر الغنائم على نفوس المجاهدين","level":2,"page":1373},{"title":"نسخ آية الأنفال وإحكامها","level":2,"page":1374},{"title":"بث الرعب في المحاربين وإرهابهم","level":2,"page":1381},{"title":"ما يجوز إصابته من الحربي عند المواجهة والأسر","level":2,"page":1382},{"title":"مجازاة المحاربين بالمثل","level":2,"page":1383},{"title":"الفرار يوم الزخف","level":2,"page":1386},{"title":"التحيز والتحرف عند لقاء العدو","level":2,"page":1386},{"title":"تفاوت أحوال الفرار يوم الزحف","level":2,"page":1389},{"title":"خصوصية بدر وعظمها","level":2,"page":1389},{"title":"الجهاد حياة","level":2,"page":1392},{"title":"حكم التصفير والتصفيق","level":2,"page":1394},{"title":"التعبد لله بالألحان والآهات","level":2,"page":1396},{"title":"الكافر والمرتد والحقوق التي عليهما","level":2,"page":1398},{"title":"تخميس الغنيمة وحكمه","level":2,"page":1402},{"title":"قسمة غنائم حنين","level":2,"page":1403},{"title":"ترك تقسيم الغنيمة للضرورة","level":2,"page":1405},{"title":"تقسيم الغنيمة","level":2,"page":1406},{"title":"سهم قرابة النبي - ﷺ - من الغنيمة","level":2,"page":1409},{"title":"أخذ ذوي القربى للزكاة المفروضة","level":2,"page":1411},{"title":"أخذ ذوي القربى للزكاة الواجبة","level":2,"page":1413},{"title":"أخذ ذوي القربى لصدقة التطوع","level":2,"page":1413},{"title":"صدقة التطوع للنبي - ﷺ -","level":2,"page":1414},{"title":"الهدية للنبي - ﷺ - وقرابته","level":2,"page":1415},{"title":"تحقير العدو في أعين الجند","level":2,"page":1418},{"title":"وتحقير العدو وعدده وعتاده على نوعين","level":2,"page":1418},{"title":"مدح الاجتماع والفرقة وذمهما","level":2,"page":1421},{"title":"آثار الاختلاف","level":2,"page":1422},{"title":"معاهدة من نقض عهدا سابقا","level":2,"page":1423},{"title":"إرهاب العدو وحكمه","level":2,"page":1425},{"title":"أنواع القوة التي يجب إعدادها","level":2,"page":1426},{"title":"فضل الخيل وحبسها","level":2,"page":1428},{"title":"أنواع الإرهاب والتخويف","level":2,"page":1429},{"title":"والإرهاب على نوعين","level":2,"page":1429},{"title":"المصالح والمفاسد الباطنة والظاهرة اللازمة لأحكام الله","level":2,"page":1430},{"title":"السلم مع المشركين","level":2,"page":1434},{"title":"المدة في مسالمة الكافر","level":2,"page":1435},{"title":"إعطاء الكفار للمسلمين المال على هدنتهم وأمنهم، والعكس","level":2,"page":1436},{"title":"تحريض النبي - ﷺ - على القتال","level":2,"page":1439},{"title":"العدد الذي يجب معه الثبات أمام العدو","level":2,"page":1440},{"title":"اعتبار تقارب السلاح عند المواجهة","level":2,"page":1442},{"title":"الغاية الجهاد والأسر","level":2,"page":1444},{"title":"الأسر والسبي في زمن الضعف","level":2,"page":1448},{"title":"الجهاد شريعة الأنبياء","level":2,"page":1448},{"title":"الغنائم في الأمم السابقة","level":2,"page":1449},{"title":"وجوب نصرة المؤمنين ووجوب الهجرة","level":2,"page":1450},{"title":"عهود النصرة بين المسلمين والكافرين","level":2,"page":1453},{"title":"سورة التوبة","level":1,"page":1455},{"title":"سبب النفاق","level":2,"page":1455},{"title":"نزول براءة وأسماؤها وإحكامها","level":2,"page":1455},{"title":"الحكمة من تأخر سور فضح المنافقين","level":2,"page":1457},{"title":"أحوال المشركين قبل نزول براءة","level":2,"page":1460},{"title":"وقد كان المشركون مع النبي - ﷺ - على ثلاث فئات","level":2,"page":1460},{"title":"العهد المطلق بين المسلمين والمشركين","level":2,"page":1461},{"title":"زمن النداء ببراءة في الموسم","level":2,"page":1462},{"title":"معنى الحج الأكبر","level":2,"page":1464},{"title":"أنواع نقض العهود","level":2,"page":1466},{"title":"القوة والظهور وأثرها على مواثيق الحرب","level":2,"page":1467},{"title":"الفرق بين الأسير والمستجير","level":2,"page":1471},{"title":"من يملك حق إجارة الكافر","level":2,"page":1472},{"title":"أمان المرأة والعبد، والصبي والذمي","level":2,"page":1473},{"title":"العهود للمصالح الدنيوية","level":2,"page":1477},{"title":"الموجبات لنقض العهد","level":2,"page":1478},{"title":"إعلان الطعن في الدين وإسراره","level":2,"page":1480},{"title":"صور المجاهرة بالطعن في الدين","level":2,"page":1482},{"title":"الرحمة بالأسرى وعدم تعذيبهم","level":2,"page":1483},{"title":"حكم تعذيب الأسير لإظهار أمر","level":2,"page":1484},{"title":"من مقاصد الجهاد: علو المؤمنين، وإذهاب غيظ قلوبهم","level":2,"page":1488},{"title":"عمارة الكافر للمساجد بنفسه أو بماله","level":2,"page":1490},{"title":"خطر الجهل بمراتب الأعمال","level":2,"page":1491},{"title":"نجاسة الكافر معنوية","level":2,"page":1493},{"title":"غسل الكافر عند إسلامه","level":2,"page":1494},{"title":"حكم دخول الكافر للمساجد","level":2,"page":1496},{"title":"دخول الكافر المسجد على سبيل الاعتراض","level":2,"page":1499},{"title":"حدود الحرم وتضعيف العبادة فيه","level":2,"page":1499},{"title":"تأخر نزول الجزية","level":2,"page":1503},{"title":"خصوصية أهل الكتاب بالجزية","level":2,"page":1504},{"title":"المجوس والصابئة","level":2,"page":1505},{"title":"مقدار الجزية، وممن تؤخذ، والحكمة من أخذها","level":2,"page":1509},{"title":"الحكمة من الجزية","level":2,"page":1510},{"title":"زكاة حلي المرأة","level":2,"page":1512},{"title":"شرور المنافقين في صف المؤمنين","level":2,"page":1517},{"title":"اختلاط المنافق بالفاسق عند بعض المسلمين","level":2,"page":1520},{"title":"قبول نفقة المنافق","level":2,"page":1521},{"title":"ثواب الكافر على أعماله الحسنة في الدنيا","level":2,"page":1522},{"title":"هل يجب استيعاب الأصناف الثمانية في كل زكاة؟","level":2,"page":1524},{"title":"حكم الاستيعاب","level":2,"page":1526},{"title":"إعطاء الزكاة بالهوى وميل النفس","level":2,"page":1527},{"title":"مصرف الفقراء والمساكين","level":2,"page":1528},{"title":"الفرق بين الفقير والمسكين","level":2,"page":1528},{"title":"حد الغني","level":2,"page":1530},{"title":"قوي البدن وأخذ الزكاة","level":2,"page":1531},{"title":"صور العمل على الزكاة","level":2,"page":1533},{"title":"مقدار نصيب العاملين عليها","level":2,"page":1533},{"title":"إعطاء المؤلفة قلوبهم بعد النبي - ﷺ -","level":2,"page":1534},{"title":"أنواع المؤلفة قلوبهم","level":2,"page":1535},{"title":"الفرق بين دين الحي ودين الميت","level":2,"page":1537},{"title":"إدخال أعمال البر في مصرف: ﴿وفي سبيل الله﴾","level":2,"page":1542},{"title":"الحكمة من تأخير مصرف الجهاد في الذكر","level":2,"page":1544},{"title":"صور جهاد المنافقين","level":2,"page":1546},{"title":"قبول توبة المرتد وعدم توليته وتصديره","level":2,"page":1548},{"title":"صلاة الجنازة على الكافر وأهل الكبائر، والصلاة على القبر","level":2,"page":1549},{"title":"أخد الإمام للزكاة وجبايتها","level":2,"page":1555},{"title":"حبس الصدقة عن مستحقبها، وأخذ غير أهلها لها","level":2,"page":1556},{"title":"إخراج المكره لزكاة ماله","level":2,"page":1557},{"title":"زكاة عروض التجارة","level":2,"page":1558},{"title":"عروض التجارة التي ينتفع بها مع عرضها","level":2,"page":1563},{"title":"زكاة عروض التجارة كل حول","level":2,"page":1565},{"title":"فضل الدعاء للمتصدق","level":2,"page":1566},{"title":"طرق المنافقين في حرب الإسلام","level":2,"page":1568},{"title":"تأكيد المنافقين أفعالهم الصالحة بالأيمان","level":2,"page":1571},{"title":"المسجد الذي أسس على التقوى","level":2,"page":1572},{"title":"هدم مسجد الضرار وصروح الفتنة","level":2,"page":1574},{"title":"دخول صروح الشر والفتنة","level":2,"page":1575},{"title":"تعدد المساجد في الحي الواحد","level":2,"page":1577},{"title":"أولى المساجد بالصلاة عند كثرتها","level":2,"page":1579},{"title":"التفاضل بين مداد العالم ودم الشهيد","level":2,"page":1584},{"title":"سورة يونس","level":1,"page":1587},{"title":"كفارة المجلس","level":2,"page":1590},{"title":"حكم ركوب البحر والغزو فيه","level":2,"page":1593},{"title":"فضل التأمين وإدراك تكبيرة الإحرام","level":2,"page":1598},{"title":"دعاء الإمام لنفسه وللناس في صلاته","level":2,"page":1600},{"title":"سورة هود","level":1,"page":1601},{"title":"عدم أخذ الأنبياء المال على دعوتهم","level":2,"page":1601},{"title":"أخذ المال على تبليغ الدين","level":2,"page":1603},{"title":"الفرق بين ذكر الركوب ودعاء السفر وركوبه","level":2,"page":1606},{"title":"آيات المواقيت","level":2,"page":1615},{"title":"سورة يوسف","level":1,"page":1618},{"title":"العمل بالقرائن عند غياب الأدلة","level":2,"page":1619},{"title":"حكم بيع الحر","level":2,"page":1620},{"title":"حكم اللقيط في الحرية والرق والكفالة","level":2,"page":1621},{"title":"الغبن في البيع وأنواعه","level":2,"page":1623},{"title":"طاعة المرأة لزوجها وخدمتها له وعنايتها بولده","level":2,"page":1626},{"title":"وأما خدمة المرأة لزوجها في بيته من طبخ طعام ونظافة ثياب، فقد وقع فيها خلاف","level":2,"page":1628},{"title":"أسباب امتناع يوسف من امرأة العزيز","level":2,"page":1630},{"title":"حكم الوعظ بوازع الطبع","level":2,"page":1631},{"title":"شهادة القريب على قريبه، والأخذ بالقرائن","level":2,"page":1635},{"title":"طلب الإمارة والولاية","level":2,"page":1639},{"title":"وطلب الإمارة على حالتين","level":2,"page":1639},{"title":"طلب الولاية في بلد الكفر","level":2,"page":1640},{"title":"شروط من يولى على الولايات","level":2,"page":1642},{"title":"حكم الجعالة","level":2,"page":1647},{"title":"حكم الضمان","level":2,"page":1648},{"title":"انتصار الحاكم لله ولنفسه","level":2,"page":1652},{"title":"سؤال الله حسن الختام، وحكم تمني الموت","level":2,"page":1656},{"title":"سورة الحجر","level":1,"page":1663},{"title":"صلاة الكرب، وإذا حزب الأمر","level":2,"page":1663},{"title":"سورة النحل","level":1,"page":1666},{"title":"الانتفاع من جلود الميتة","level":2,"page":1667},{"title":"أنواع الانتفاع من الأنعام والدواب","level":2,"page":1670},{"title":"لحوم الخيل والحمر والبغال","level":2,"page":1672},{"title":"حكم الاستعاذة عند القراءة","level":2,"page":1681},{"title":"صيغ الاستعاذة","level":2,"page":1683},{"title":"سورة الإسراء","level":1,"page":1688},{"title":"سورة الكهف","level":1,"page":1698},{"title":"حكم اقتناء الكلب للحراسة وغيرها","level":2,"page":1700},{"title":"مشروعية الوكالة والنيابة","level":2,"page":1706},{"title":"الصلاة على الجنازة في المقبرة","level":2,"page":1711},{"title":"الاستثناء في اليمين","level":2,"page":1714},{"title":"سورة مريم","level":1,"page":1726},{"title":"تسمية المولود ووقتها","level":2,"page":1727},{"title":"أمر الأهل بالصلاة","level":2,"page":1731},{"title":"سورة طه","level":1,"page":1736},{"title":"العلة من أمر موسى بخلع نعليه","level":2,"page":1737},{"title":"الصلاة في النعال، ودخول المساجد بها","level":2,"page":1739},{"title":"قضاء الفرائض الفائتة وترتيبها","level":2,"page":1741},{"title":"هل للصلاة الفائتة أذان وإقامة؟","level":2,"page":1744},{"title":"حكم قضاء النوافل","level":2,"page":1746},{"title":"استحباب اتخاذ البطانة الصالحة والوزير المعين","level":2,"page":1748},{"title":"سورة الأنبياء","level":1,"page":1754},{"title":"الأحوال التي جاء الترخيص فيها بالكذب للمصلحة","level":2,"page":1759},{"title":"سورة الحج","level":1,"page":1765},{"title":"حكم بيع رباع مكة ودورها","level":2,"page":1766},{"title":"تفاضل المشي والركوب في الحج","level":2,"page":1769},{"title":"الهدي والأضحية والأكل منها","level":2,"page":1772},{"title":"نقسيم الهدي والأضحية","level":2,"page":1773},{"title":"مراتب التمكين وشروطه","level":2,"page":1790},{"title":"سورة المؤمنون","level":1,"page":1797},{"title":"معنى الخشوع","level":2,"page":1798},{"title":"حكم الخشوع في الصلاة","level":2,"page":1799},{"title":"حكم الاستمناء","level":2,"page":1802},{"title":"دعاء نزول المنزل","level":2,"page":1805},{"title":"سورة النور","level":1,"page":1807},{"title":"حد الزاني والزانية","level":2,"page":1808},{"title":"فأما البكر","level":2,"page":1808},{"title":"وأما المحصن","level":2,"page":1809},{"title":"حكم الجلد مع الرجم للمحصن","level":2,"page":1811},{"title":"حكم التغريب","level":2,"page":1812},{"title":"شهود الجلد والرجم","level":2,"page":1813},{"title":"حكم نكاح الزانية وإنكاح الزاني","level":2,"page":1814},{"title":"القذف الصريح والكناية","level":2,"page":1818},{"title":"قذف الحرة والأمة والكافرة","level":2,"page":1819},{"title":"شهادة القاذف بعد توبته","level":2,"page":1820},{"title":"سبب نزول لعان الزوجين","level":2,"page":1822},{"title":"مراحل قذف الزوج لزوجته","level":2,"page":1825},{"title":"نفي الولد باللعان","level":2,"page":1828},{"title":"قذف الزوجة لزوجها","level":2,"page":1831},{"title":"إشاعة الفاحشة وسبب عدم جعل الشريعة لها حدا","level":2,"page":1832},{"title":"حكم الاستئذان عند دخول البيوت وصفته وعدده","level":2,"page":1835},{"title":"السلام عند دخول البيوت وصفته وعدده","level":2,"page":1837},{"title":"الحكمة من تقديم أمر الرجال على أمر النساء بغض البصر","level":2,"page":1839},{"title":"لا تلازم بين غض البصر وسفور النساء","level":2,"page":1840},{"title":"حكم نظر الرجل الى المرأة","level":2,"page":1842},{"title":"أنواع زينة المرأة","level":2,"page":1848},{"title":"التدرج في فرض الحجاب","level":2,"page":1859},{"title":"حكم تزويج الأيامى","level":2,"page":1861},{"title":"ترك الأسواق والبيع وقت الصلاة","level":2,"page":1866},{"title":"أمر الناس وأهل الأسواق بالصلاة","level":2,"page":1867},{"title":"حجاب القواعد من النساء","level":2,"page":1878},{"title":"فضل الاجتماع على الطعام","level":2,"page":1883},{"title":"سورة الفرقان","level":1,"page":1887},{"title":"هجر القرآن وأنواعه","level":2,"page":1890},{"title":"وهجر القرآن على مراتب وأنواع ثلاثة","level":2,"page":1890},{"title":"أدنى الزمن الذي يشرع فيه ختم القرآن وأعلاه","level":2,"page":1892},{"title":"نسيان القرآن","level":2,"page":1894},{"title":"النوع الثاني من الهجر: هجر تدبر معانيه وأحكامه","level":2,"page":1897},{"title":"النوع الثالث: هجر العمل بما فيه من أوامر وأحكام","level":2,"page":1897},{"title":"سورة الشعراء","level":1,"page":1902},{"title":"انتصار المظلوم من ظالمه وأحواله","level":2,"page":1904},{"title":"سورة النمل","level":1,"page":1906},{"title":"حكم الضحك في الصلاة والتبسم","level":2,"page":1906},{"title":"حكم تأديب الحيوان وتعذيبه","level":2,"page":1909},{"title":"ولاية المرأة","level":2,"page":1913},{"title":"البداءة بالبسملة والفرق بينها وبين الحمدلة","level":2,"page":1918},{"title":"حكم قبول الهدية التي يراد منها صرف عن الحق","level":2,"page":1920},{"title":"سورة القصص","level":1,"page":1922},{"title":"حفظ الأسرار وإفشاؤها","level":2,"page":1923},{"title":"عرض البنات لتزويجهن","level":2,"page":1927},{"title":"سورة العنكبوت","level":1,"page":1930},{"title":"سورة الروم","level":1,"page":1933},{"title":"فرح المؤمنين بهزيمة أحد العدوين على الآخر","level":2,"page":1935},{"title":"رهان أبي بكر بمكة، والرهان في إظهار الحق","level":2,"page":1936},{"title":"أحكام العوض (السبق) واشتراط المحلل في الرهان","level":2,"page":1939},{"title":"القيلولة في نصف النهار","level":2,"page":1946},{"title":"وقد ذكر الله القيلولة في مواضع","level":2,"page":1946},{"title":"إهداء الهدية رجاء الثواب عليها","level":2,"page":1951},{"title":"سورة لقمان","level":1,"page":1953},{"title":"الغناء والمعازف والفرق بينهما","level":2,"page":1954},{"title":"سورة السجدة","level":1,"page":1960},{"title":"حكم التسبيح في السجود والركوع","level":2,"page":1960},{"title":"سورة الأحزاب","level":1,"page":1963},{"title":"أمهات المؤمنين ومقامهن","level":2,"page":1966},{"title":"أنواع أفعال النبي -ﷺ-","level":2,"page":1969},{"title":"عموم أصل الخطاب بالحجاب وخصوصية نساء النبي -ﷺ-","level":2,"page":1976},{"title":"الصلاة على النبي -ﷺ-: معناها، وحكمها","level":2,"page":1993},{"title":"سورة سبأ","level":1,"page":2001},{"title":"الاستعانة بالجن","level":2,"page":2002},{"title":"حكم التماثيل وصور ذوات الأرواح","level":2,"page":2005},{"title":"سورة فاطر","level":1,"page":2009},{"title":"سورة يس","level":1,"page":2011},{"title":"سورة الصافات","level":1,"page":2013},{"title":"سورة ص","level":1,"page":2015},{"title":"سورة غافر","level":1,"page":2019},{"title":"سورة فصلت","level":1,"page":2021},{"title":"سورة الشورى","level":1,"page":2024},{"title":"الشورى وفضلها وشيء من أحكامها","level":2,"page":2027},{"title":"سورة الزخرف","level":1,"page":2030},{"title":"لبس الصبي والرجل للحلي","level":2,"page":2032},{"title":"سورة الأحقاف","level":1,"page":2034},{"title":"أكثر الحمل والرضاع وأقله","level":2,"page":2035},{"title":"سورة محمد","level":1,"page":2039},{"title":"حكم أسرى المشركين","level":2,"page":2040},{"title":"سورة الفتح","level":1,"page":2047},{"title":"حكم تترس المشركين بالمسلمين","level":2,"page":2052},{"title":"سورة الحجرات","level":1,"page":2057},{"title":"تعظيم أقوال النبي -ﷺ- وأصحابه","level":2,"page":2058},{"title":"الفرق بين البغاة والخوارج","level":2,"page":2063},{"title":"الكبر واحتقار سبب للفتن بينهم","level":2,"page":2065},{"title":"التعويض عن الضرر المعنوي","level":2,"page":2069},{"title":"الأحوال التي تجوز فيها الغيبة","level":2,"page":2072},{"title":"غيبة الكافر","level":2,"page":2075},{"title":"سورة ق","level":1,"page":2078},{"title":"سورة الذاريات","level":1,"page":2082},{"title":"سورة الطور","level":1,"page":2084},{"title":"سورة النجم","level":1,"page":2087},{"title":"سورة القمر","level":1,"page":2090},{"title":"سورة الرحمن","level":1,"page":2092},{"title":"سورة الواقعة","level":1,"page":2095},{"title":"الطهارة عند القراءة ومس المصحف","level":2,"page":2096},{"title":"سورة الحديد","level":1,"page":2102},{"title":"سورة المجادلة","level":1,"page":2104},{"title":"ألفاظ الظهار المتفق والمختلف فيها","level":2,"page":2105},{"title":"كفارة الظهار","level":2,"page":2106},{"title":"أنواع النجوى المنهي عنها","level":2,"page":2110},{"title":"ما يستحب للداخل إلى المجالس","level":2,"page":2112},{"title":"سورة الحشر","level":1,"page":2115},{"title":"سورة الممتحنة","level":1,"page":2120},{"title":"الإحسان إلى الكافر بالهدية وقبول شفاعته","level":2,"page":2122},{"title":"إسلام الزوجين أو أحدهما","level":2,"page":2125},{"title":"سورة الجمعة","level":1,"page":2131},{"title":"من تجب عليه الجمعة","level":2,"page":2133},{"title":"حكم الجمعة للمسافر","level":2,"page":2134},{"title":"العدد الذي تنعقد به الجمعة","level":2,"page":2136},{"title":"قيام الخطيب في الخطبة","level":2,"page":2139},{"title":"سورة الطلاق","level":1,"page":2141},{"title":"طلاق السنة وطلاق البدعة","level":2,"page":2142},{"title":"السكنى للمطلقة","level":2,"page":2144},{"title":"السكنى للمطلقة المبتوتة","level":2,"page":2145},{"title":"الإشهاد على إرجاع المطلقة","level":2,"page":2147},{"title":"عدة الحامل من الطلاق والوفاة","level":2,"page":2150},{"title":"سورة التحريم","level":1,"page":2154},{"title":"تحريم الحلال لا يجعله حراما","level":2,"page":2156},{"title":"تحريم الحلال يمين وكفارته","level":2,"page":2157},{"title":"سورة القلم","level":1,"page":2163},{"title":"سورة المعارج","level":1,"page":2167},{"title":"سورة المزمل","level":1,"page":2170},{"title":"سورة المدثر","level":1,"page":2176},{"title":"سورة القيامة","level":1,"page":2180},{"title":"حكم الرقية","level":2,"page":2181},{"title":"حكم التداوي من المرض","level":2,"page":2183},{"title":"سورة الإنسان","level":1,"page":2186},{"title":"سورة عبس","level":1,"page":2187},{"title":"سورة الانفطار","level":1,"page":2188},{"title":"سورة المطففين","level":1,"page":2189},{"title":"سورة الانشقاق","level":1,"page":2191},{"title":"سورة الماعون","level":1,"page":2193},{"title":"التلازم بين الرياء وتأخير وقت الصلاة","level":2,"page":2195},{"title":"تارك الصلاة وحكمه","level":2,"page":2195},{"title":"حكم العارية وحبس ما يعين المحتاج","level":2,"page":2199},{"title":"سورة الكوثر","level":1,"page":2201},{"title":"حكم الأضحية ووقتها","level":2,"page":2202},{"title":"سورة النصر","level":1,"page":2206},{"title":"سورتا المعوذتين","level":1,"page":2209}],"ٛ":{"1,1":2,"1,3":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,8":6,"1,9":7,"1,10":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,22":20,"1,23":21,"1,24":22,"1,25":23,"1,26":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,38":36,"1,39":37,"1,40":38,"1,41":39,"1,42":40,"1,43":41,"1,44":42,"1,45":43,"1,46":44,"1,47":45,"1,48":46,"1,49":47,"1,50":48,"1,51":49,"1,52":50,"1,53":51,"1,54":52,"1,55":53,"1,56":54,"1,57":55,"1,58":56,"1,59":57,"1,60":58,"1,61":59,"1,62":60,"1,63":61,"1,64":62,"1,65":63,"1,66":64,"1,67":65,"1,68":66,"1,69":67,"1,70":68,"1,71":69,"1,72":70,"1,73":71,"1,74":72,"1,75":73,"1,76":74,"1,77":75,"1,78":76,"1,79":77,"1,80":78,"1,81":79,"1,82":80,"1,83":81,"1,84":82,"1,85":83,"1,86":84,"1,87":85,"1,88":86,"1,89":87,"1,90":88,"1,91":89,"1,92":90,"1,93":91,"1,94":92,"1,95":93,"1,96":94,"1,97":95,"1,98":96,"1,99":97,"1,100":98,"1,101":99,"1,102":100,"1,103":101,"1,104":102,"1,105":103,"1,106":104,"1,107":105,"1,108":106,"1,109":107,"1,110":108,"1,111":109,"1,112":110,"1,113":111,"1,114":112,"1,115":113,"1,116":114,"1,117":115,"1,118":116,"1,119":117,"1,120":118,"1,121":119,"1,122":120,"1,123":121,"1,124":122,"1,125":123,"1,126":124,"1,127":125,"1,128":126,"1,129":127,"1,130":128,"1,131":129,"1,132":130,"1,133":131,"1,134":132,"1,135":133,"1,136":134,"1,137":135,"1,138":136,"1,139":137,"1,140":138,"1,141":139,"1,142":140,"1,143":141,"1,144":142,"1,145":143,"1,146":144,"1,147":145,"1,148":146,"1,149":147,"1,150":148,"1,151":149,"1,152":150,"1,153":151,"1,154":152,"1,155":153,"1,156":154,"1,157":155,"1,158":156,"1,159":157,"1,160":158,"1,161":159,"1,162":160,"1,163":161,"1,164":162,"1,165":163,"1,166":164,"1,167":165,"1,168":166,"1,169":167,"1,170":168,"1,171":169,"1,172":170,"1,173":171,"1,174":172,"1,175":173,"1,176":174,"1,177":175,"1,178":176,"1,179":177,"1,180":178,"1,181":179,"1,182":180,"1,183":181,"1,184":182,"1,185":183,"1,186":184,"1,187":185,"1,188":186,"1,189":187,"1,190":188,"1,191":189,"1,192":190,"1,193":191,"1,194":192,"1,195":193,"1,196":194,"1,197":195,"1,198":196,"1,199":197,"1,200":198,"1,201":199,"1,202":200,"1,203":201,"1,204":202,"1,205":203,"1,206":204,"1,207":205,"1,208":206,"1,209":207,"1,210":208,"1,211":209,"1,212":210,"1,213":211,"1,214":212,"1,215":213,"1,216":214,"1,217":215,"1,218":216,"1,219":217,"1,220":218,"1,221":219,"1,222":220,"1,223":221,"1,224":222,"1,225":223,"1,226":224,"1,227":225,"1,228":226,"1,229":227,"1,230":228,"1,231":229,"1,232":230,"1,233":231,"1,234":232,"1,235":233,"1,236":234,"1,237":235,"1,238":236,"1,239":237,"1,240":238,"1,241":239,"1,242":240,"1,243":241,"1,244":242,"1,245":243,"1,246":244,"1,247":245,"1,248":246,"1,249":247,"1,250":248,"1,251":249,"1,252":250,"1,253":251,"1,254":252,"1,255":253,"1,256":254,"1,257":255,"1,258":256,"1,259":257,"1,260":258,"1,261":259,"1,262":260,"1,263":261,"1,264":262,"1,265":263,"1,266":264,"1,267":265,"1,268":266,"1,269":267,"1,270":268,"1,271":269,"1,272":270,"1,273":271,"1,274":272,"1,275":273,"1,276":274,"1,277":275,"1,278":276,"1,279":277,"1,280":278,"1,281":279,"1,282":280,"1,283":281,"1,284":282,"1,285":283,"1,286":284,"1,287":285,"1,288":286,"1,289":287,"1,290":288,"1,291":289,"1,292":290,"1,293":291,"1,294":292,"1,295":293,"1,296":294,"1,297":295,"1,298":296,"1,299":297,"1,300":298,"1,301":299,"1,302":300,"1,303":301,"1,304":302,"1,305":303,"1,306":304,"1,307":305,"1,308":306,"1,309":307,"1,310":308,"1,311":309,"1,312":310,"1,313":311,"1,314":312,"1,315":313,"1,316":314,"1,317":315,"1,318":316,"1,319":317,"1,320":318,"1,321":319,"1,322":320,"1,323":321,"1,324":322,"1,325":323,"1,326":324,"1,327":325,"1,328":326,"1,329":327,"1,330":328,"1,331":329,"1,332":330,"1,333":331,"1,334":332,"1,335":333,"1,336":334,"1,337":335,"1,338":336,"1,339":337,"1,340":338,"1,341":339,"1,342":340,"1,343":341,"1,344":342,"1,345":343,"1,346":344,"1,347":345,"1,348":346,"1,349":347,"1,350":348,"1,351":349,"1,352":350,"1,353":351,"1,354":352,"1,355":353,"1,356":354,"1,357":355,"1,358":356,"1,359":357,"1,360":358,"1,361":359,"1,362":360,"1,363":361,"1,364":362,"1,365":363,"1,366":364,"1,367":365,"1,368":366,"1,369":367,"1,370":368,"1,371":369,"1,372":370,"1,373":371,"1,374":372,"1,375":373,"1,376":374,"1,377":375,"1,378":376,"1,379":377,"1,380":378,"1,381":379,"1,382":380,"1,383":381,"1,384":382,"1,385":383,"1,386":384,"1,387":385,"1,388":386,"1,389":387,"1,390":388,"1,391":389,"1,392":390,"1,393":391,"1,394":392,"1,395":393,"1,396":394,"1,397":395,"1,398":396,"1,399":397,"1,400":398,"1,401":399,"1,402":400,"1,403":401,"1,404":402,"1,405":403,"1,406":404,"1,407":405,"1,408":406,"1,409":407,"1,410":408,"1,411":409,"1,412":410,"1,413":411,"1,414":412,"1,415":413,"1,416":414,"1,417":415,"1,418":416,"1,419":417,"1,420":418,"1,421":419,"1,422":420,"1,423":421,"1,424":422,"1,425":423,"1,426":424,"1,427":425,"1,428":426,"1,429":427,"1,430":428,"1,431":429,"1,432":430,"1,433":431,"1,434":432,"1,435":433,"1,436":434,"1,437":435,"1,438":436,"1,439":437,"1,440":438,"1,441":439,"1,442":440,"1,443":441,"1,444":442,"1,445":443,"1,446":444,"1,447":445,"1,448":446,"1,449":447,"1,450":448,"1,451":449,"1,452":450,"1,453":451,"1,454":452,"1,455":453,"1,456":454,"1,457":455,"1,458":456,"1,459":457,"1,460":458,"1,461":459,"1,462":460,"1,463":461,"1,464":462,"1,465":463,"1,466":464,"1,467":465,"1,468":466,"1,469":467,"1,470":468,"1,471":469,"1,472":470,"1,473":471,"1,474":472,"1,475":473,"1,476":474,"1,477":475,"1,478":476,"1,479":477,"1,480":478,"1,481":479,"1,482":480,"1,483":481,"1,484":482,"1,485":483,"1,486":484,"1,487":485,"1,488":486,"1,489":487,"1,490":488,"1,491":489,"1,492":490,"1,493":491,"1,494":492,"1,495":493,"1,496":494,"1,497":495,"1,498":496,"1,499":497,"1,500":498,"1,501":499,"1,502":500,"1,503":501,"1,504":502,"1,505":503,"1,506":504,"1,507":505,"1,508":506,"1,509":507,"1,510":508,"1,511":509,"1,512":510,"1,513":511,"1,514":512,"1,515":513,"1,516":514,"1,517":515,"1,518":516,"1,519":517,"1,520":518,"1,521":519,"1,522":520,"1,523":521,"1,524":522,"1,525":523,"1,526":524,"1,527":525,"1,528":526,"1,529":527,"1,530":528,"1,531":529,"1,532":530,"1,533":531,"1,534":532,"1,535":533,"1,536":534,"1,537":535,"1,538":536,"1,539":537,"1,540":538,"1,541":539,"1,542":540,"1,543":541,"1,544":542,"1,545":543,"1,546":544,"1,547":545,"1,548":546,"1,549":547,"1,550":548,"1,551":549,"1,552":550,"1,553":551,"1,554":552,"1,555":553,"1,556":554,"1,557":555,"1,558":556,"1,559":557,"1,560":558,"1,561":559,"1,562":560,"1,563":561,"1,564":562,"1,565":563,"1,566":564,"1,567":565,"1,568":566,"1,569":567,"1,570":568,"1,571":569,"1,572":570,"2,573":574,"2,574":575,"2,575":576,"2,576":577,"2,577":578,"2,578":579,"2,579":580,"2,580":581,"2,581":582,"2,582":583,"2,583":584,"2,584":585,"2,585":586,"2,586":587,"2,587":588,"2,588":589,"2,589":590,"2,590":591,"2,591":592,"2,592":593,"2,593":594,"2,594":595,"2,595":596,"2,596":597,"2,597":598,"2,598":599,"2,599":600,"2,600":601,"2,601":602,"2,602":603,"2,603":604,"2,604":605,"2,605":606,"2,606":607,"2,607":608,"2,608":609,"2,609":610,"2,610":611,"2,611":612,"2,612":613,"2,613":614,"2,614":615,"2,615":616,"2,616":617,"2,617":618,"2,618":619,"2,619":620,"2,620":621,"2,621":622,"2,622":623,"2,623":624,"2,624":625,"2,625":626,"2,626":627,"2,627":628,"2,628":629,"2,629":630,"2,630":631,"2,631":632,"2,632":633,"2,633":634,"2,634":635,"2,635":636,"2,636":637,"2,637":638,"2,638":639,"2,639":640,"2,640":641,"2,641":642,"2,642":643,"2,643":644,"2,644":645,"2,645":646,"2,646":647,"2,647":648,"2,648":649,"2,649":650,"2,650":651,"2,651":652,"2,652":653,"2,653":654,"2,654":655,"2,655":656,"2,656":657,"2,657":658,"2,658":659,"2,659":660,"2,660":661,"2,661":662,"2,662":663,"2,663":664,"2,664":665,"2,665":666,"2,666":667,"2,667":668,"2,668":669,"2,669":670,"2,670":671,"2,671":672,"2,672":673,"2,673":674,"2,674":675,"2,675":676,"2,676":677,"2,677":678,"2,678":679,"2,679":680,"2,680":681,"2,681":682,"2,682":683,"2,683":684,"2,684":685,"2,685":686,"2,686":687,"2,687":688,"2,688":689,"2,689":690,"2,690":691,"2,691":692,"2,692":693,"2,693":694,"2,694":695,"2,695":696,"2,696":697,"2,697":698,"2,698":699,"2,699":700,"2,700":701,"2,701":702,"2,702":703,"2,703":704,"2,704":705,"2,705":706,"2,706":707,"2,707":708,"2,708":709,"2,709":710,"2,710":711,"2,711":712,"2,712":713,"2,713":714,"2,714":715,"2,715":716,"2,716":717,"2,717":718,"2,718":719,"2,719":720,"2,720":721,"2,721":722,"2,722":723,"2,723":724,"2,724":725,"2,725":726,"2,726":727,"2,727":728,"2,728":729,"2,729":730,"2,730":731,"2,731":732,"2,732":733,"2,733":734,"2,734":735,"2,735":736,"2,736":737,"2,737":738,"2,738":739,"2,739":740,"2,740":741,"2,741":742,"2,742":743,"2,743":744,"2,744":745,"2,745":746,"2,746":747,"2,747":748,"2,748":749,"2,749":750,"2,750":751,"2,751":752,"2,752":753,"2,753":754,"2,754":755,"2,755":756,"2,756":757,"2,757":758,"2,758":759,"2,759":760,"2,760":761,"2,761":762,"2,762":763,"2,763":764,"2,764":765,"2,765":766,"2,766":767,"2,767":768,"2,768":769,"2,769":770,"2,770":771,"2,771":772,"2,772":773,"2,773":774,"2,774":775,"2,775":776,"2,776":777,"2,777":778,"2,778":779,"2,779":780,"2,780":781,"2,781":782,"2,782":783,"2,783":784,"2,784":785,"2,785":786,"2,786":787,"2,787":788,"2,788":789,"2,789":790,"2,790":791,"2,791":792,"2,792":793,"2,793":794,"2,794":795,"2,795":796,"2,796":797,"2,797":798,"2,798":799,"2,799":800,"2,800":801,"2,801":802,"2,802":803,"2,803":804,"2,804":805,"2,805":806,"2,806":807,"2,807":808,"2,808":809,"2,809":810,"2,810":811,"2,811":812,"2,812":813,"2,813":814,"2,814":815,"2,815":816,"2,816":817,"2,817":818,"2,818":819,"2,819":820,"2,820":821,"2,821":822,"2,822":823,"2,823":824,"2,824":825,"2,825":826,"2,826":827,"2,827":828,"2,828":829,"2,829":830,"2,830":831,"2,831":832,"2,832":833,"2,833":834,"2,834":835,"2,835":836,"2,836":837,"2,837":838,"2,838":839,"2,839":840,"2,840":841,"2,841":842,"2,842":843,"2,843":844,"2,844":845,"2,845":846,"2,846":847,"2,847":848,"2,848":849,"2,849":850,"2,850":851,"2,851":852,"2,852":853,"2,853":854,"2,854":855,"2,855":856,"2,856":857,"2,857":858,"2,858":859,"2,859":860,"2,860":861,"2,861":862,"2,862":863,"2,863":864,"2,864":865,"2,865":866,"2,866":867,"2,867":868,"2,868":869,"2,869":870,"2,870":871,"2,871":872,"2,872":873,"2,873":874,"2,874":875,"2,875":876,"2,876":877,"2,877":878,"2,878":879,"2,879":880,"2,880":881,"2,881":882,"2,882":883,"2,883":884,"2,884":885,"2,885":886,"2,886":887,"2,887":888,"2,888":889,"2,889":890,"2,890":891,"2,891":892,"2,892":893,"2,893":894,"2,894":895,"2,895":896,"2,896":897,"2,897":898,"2,898":899,"2,899":900,"2,900":901,"2,901":902,"2,902":903,"2,903":904,"2,904":905,"2,905":906,"2,906":907,"2,907":908,"2,908":909,"2,909":910,"2,910":911,"2,911":912,"2,912":913,"2,913":914,"2,914":915,"2,915":916,"2,916":917,"2,917":918,"2,918":919,"2,919":920,"2,920":921,"2,921":922,"2,922":923,"2,923":924,"2,924":925,"2,925":926,"2,926":927,"2,927":928,"2,928":929,"2,929":930,"2,930":931,"2,931":932,"2,932":933,"2,933":934,"2,934":935,"2,935":936,"2,936":937,"2,937":938,"2,938":939,"2,939":940,"2,940":941,"2,941":942,"2,942":943,"2,943":944,"2,944":945,"2,945":946,"2,946":947,"2,947":948,"2,948":949,"2,949":950,"2,950":951,"2,951":952,"2,952":953,"2,953":954,"2,954":955,"2,955":956,"2,956":957,"2,957":958,"2,958":959,"2,959":960,"2,960":961,"2,961":962,"2,962":963,"2,963":964,"2,964":965,"2,965":966,"2,966":967,"2,967":968,"2,968":969,"2,969":970,"2,970":971,"2,971":972,"2,972":973,"2,973":974,"2,974":975,"2,975":976,"2,976":977,"2,977":978,"2,978":979,"2,979":980,"2,980":981,"2,981":982,"2,982":983,"2,983":984,"2,984":985,"2,985":986,"2,986":987,"2,987":988,"2,988":989,"2,989":990,"2,990":991,"2,991":992,"2,992":993,"2,993":994,"2,994":995,"2,995":996,"2,996":997,"2,997":998,"2,998":999,"2,999":1000,"2,1000":1001,"2,1001":1002,"2,1002":1003,"2,1003":1004,"2,1004":1005,"2,1005":1006,"2,1006":1007,"2,1007":1008,"2,1008":1009,"2,1009":1010,"2,1010":1011,"2,1011":1012,"2,1012":1013,"2,1013":1014,"2,1014":1015,"2,1015":1016,"2,1016":1017,"2,1017":1018,"2,1018":1019,"2,1019":1020,"2,1020":1021,"2,1021":1022,"2,1022":1023,"2,1023":1024,"2,1024":1025,"2,1025":1026,"2,1026":1027,"2,1027":1028,"2,1028":1029,"2,1029":1030,"2,1030":1031,"2,1031":1032,"2,1032":1033,"2,1033":1034,"2,1034":1035,"2,1035":1036,"2,1036":1037,"2,1037":1038,"2,1038":1039,"2,1039":1040,"2,1040":1041,"2,1041":1042,"2,1042":1043,"2,1043":1044,"2,1044":1045,"2,1045":1046,"2,1046":1047,"2,1047":1048,"2,1048":1049,"2,1049":1050,"2,1050":1051,"2,1051":1052,"2,1052":1053,"2,1053":1054,"2,1054":1055,"2,1055":1056,"2,1056":1057,"2,1057":1058,"2,1058":1059,"2,1059":1060,"2,1060":1061,"2,1061":1062,"2,1062":1063,"2,1063":1064,"2,1064":1065,"2,1065":1066,"2,1066":1067,"2,1067":1068,"2,1068":1069,"2,1069":1070,"2,1070":1071,"2,1071":1072,"2,1072":1073,"2,1073":1074,"2,1074":1075,"2,1075":1076,"2,1076":1077,"3,1077":1081,"3,1078":1082,"3,1079":1083,"3,1080":1084,"3,1081":1085,"3,1082":1086,"3,1083":1087,"3,1084":1088,"3,1085":1089,"3,1086":1090,"3,1087":1091,"3,1088":1092,"3,1089":1093,"3,1090":1094,"3,1091":1095,"3,1092":1096,"3,1093":1097,"3,1094":1098,"3,1095":1099,"3,1096":1100,"3,1097":1101,"3,1098":1102,"3,1099":1103,"3,1100":1104,"3,1101":1105,"3,1102":1106,"3,1103":1107,"3,1104":1108,"3,1105":1109,"3,1106":1110,"3,1107":1111,"3,1108":1112,"3,1109":1113,"3,1110":1114,"3,1111":1115,"3,1112":1116,"3,1113":1117,"3,1114":1118,"3,1115":1119,"3,1116":1120,"3,1117":1121,"3,1118":1122,"3,1119":1123,"3,1120":1124,"3,1121":1125,"3,1122":1126,"3,1123":1127,"3,1124":1128,"3,1125":1129,"3,1126":1130,"3,1127":1131,"3,1128":1132,"3,1129":1133,"3,1130":1134,"3,1131":1135,"3,1132":1136,"3,1133":1137,"3,1134":1138,"3,1135":1139,"3,1136":1140,"3,1137":1141,"3,1138":1142,"3,1139":1143,"3,1140":1144,"3,1141":1145,"3,1142":1146,"3,1143":1147,"3,1144":1148,"3,1145":1149,"3,1146":1150,"3,1147":1151,"3,1148":1152,"3,1149":1153,"3,1150":1154,"3,1151":1155,"3,1152":1156,"3,1153":1157,"3,1154":1158,"3,1155":1159,"3,1156":1160,"3,1157":1161,"3,1158":1162,"3,1159":1163,"3,1160":1164,"3,1161":1165,"3,1162":1166,"3,1163":1167,"3,1164":1168,"3,1165":1169,"3,1166":1170,"3,1167":1171,"3,1168":1172,"3,1169":1173,"3,1170":1174,"3,1171":1175,"3,1172":1176,"3,1173":1177,"3,1174":1178,"3,1175":1179,"3,1176":1180,"3,1177":1181,"3,1178":1182,"3,1179":1183,"3,1180":1184,"3,1181":1185,"3,1182":1186,"3,1183":1187,"3,1184":1188,"3,1185":1189,"3,1186":1190,"3,1187":1191,"3,1188":1192,"3,1189":1193,"3,1190":1194,"3,1191":1195,"3,1192":1196,"3,1193":1197,"3,1194":1198,"3,1195":1199,"3,1196":1200,"3,1197":1201,"3,1198":1202,"3,1199":1203,"3,1200":1204,"3,1201":1205,"3,1202":1206,"3,1203":1207,"3,1204":1208,"3,1205":1209,"3,1206":1210,"3,1207":1211,"3,1208":1212,"3,1209":1213,"3,1210":1214,"3,1211":1215,"3,1212":1216,"3,1213":1217,"3,1214":1218,"3,1215":1219,"3,1216":1220,"3,1217":1221,"3,1218":1222,"3,1219":1223,"3,1220":1224,"3,1221":1225,"3,1222":1226,"3,1223":1227,"3,1224":1228,"3,1225":1229,"3,1226":1230,"3,1227":1231,"3,1228":1232,"3,1229":1233,"3,1230":1234,"3,1231":1235,"3,1232":1236,"3,1233":1237,"3,1234":1238,"3,1235":1239,"3,1236":1240,"3,1237":1241,"3,1238":1242,"3,1239":1243,"3,1240":1244,"3,1241":1245,"3,1242":1246,"3,1243":1247,"3,1244":1248,"3,1245":1249,"3,1246":1250,"3,1247":1251,"3,1248":1252,"3,1249":1253,"3,1250":1254,"3,1251":1255,"3,1252":1256,"3,1253":1257,"3,1254":1258,"3,1255":1259,"3,1256":1260,"3,1257":1261,"3,1258":1262,"3,1259":1263,"3,1260":1264,"3,1261":1265,"3,1262":1266,"3,1263":1267,"3,1264":1268,"3,1265":1269,"3,1266":1270,"3,1267":1271,"3,1268":1272,"3,1269":1273,"3,1270":1274,"3,1271":1275,"3,1272":1276,"3,1273":1277,"3,1274":1278,"3,1275":1279,"3,1276":1280,"3,1277":1281,"3,1278":1282,"3,1279":1283,"3,1281":1284,"3,1282":1285,"3,1283":1286,"3,1284":1287,"3,1285":1288,"3,1286":1289,"3,1287":1290,"3,1288":1291,"3,1289":1292,"3,1290":1293,"3,1291":1294,"3,1292":1295,"3,1293":1296,"3,1294":1297,"3,1295":1298,"3,1296":1299,"3,1297":1300,"3,1298":1301,"3,1299":1302,"3,1300":1303,"3,1301":1304,"3,1302":1305,"3,1303":1306,"3,1304":1307,"3,1305":1308,"3,1306":1309,"3,1307":1310,"3,1308":1311,"3,1309":1312,"3,1310":1313,"3,1311":1314,"3,1312":1315,"3,1313":1316,"3,1314":1317,"3,1315":1318,"3,1316":1319,"3,1317":1320,"3,1318":1321,"3,1319":1322,"3,1320":1323,"3,1321":1324,"3,1322":1325,"3,1323":1326,"3,1324":1327,"3,1325":1328,"3,1326":1329,"3,1327":1330,"3,1328":1331,"3,1329":1332,"3,1330":1333,"3,1331":1334,"3,1332":1335,"3,1333":1336,"3,1334":1337,"3,1335":1338,"3,1336":1339,"3,1337":1340,"3,1338":1341,"3,1339":1342,"3,1340":1343,"3,1341":1344,"3,1342":1345,"3,1343":1346,"3,1344":1347,"3,1345":1348,"3,1346":1349,"3,1347":1350,"3,1348":1351,"3,1349":1352,"3,1350":1353,"3,1351":1354,"3,1352":1355,"3,1353":1356,"3,1354":1357,"3,1355":1358,"3,1356":1359,"3,1357":1360,"3,1358":1361,"3,1359":1362,"3,1360":1363,"3,1361":1364,"3,1362":1365,"3,1363":1366,"3,1364":1367,"3,1365":1368,"3,1366":1369,"3,1367":1370,"3,1368":1371,"3,1369":1372,"3,1370":1373,"3,1371":1374,"3,1372":1375,"3,1373":1376,"3,1374":1377,"3,1375":1378,"3,1376":1379,"3,1377":1380,"3,1378":1381,"3,1379":1382,"3,1380":1383,"3,1381":1384,"3,1382":1385,"3,1383":1386,"3,1384":1387,"3,1385":1388,"3,1386":1389,"3,1387":1390,"3,1388":1391,"3,1389":1392,"3,1390":1393,"3,1391":1394,"3,1392":1395,"3,1393":1396,"3,1394":1397,"3,1395":1398,"3,1396":1399,"3,1397":1400,"3,1398":1401,"3,1399":1402,"3,1400":1403,"3,1401":1404,"3,1402":1405,"3,1403":1406,"3,1404":1407,"3,1405":1408,"3,1406":1409,"3,1407":1410,"3,1408":1411,"3,1409":1412,"3,1410":1413,"3,1411":1414,"3,1412":1415,"3,1413":1416,"3,1414":1417,"3,1415":1418,"3,1416":1419,"3,1417":1420,"3,1418":1421,"3,1419":1422,"3,1420":1423,"3,1421":1424,"3,1422":1425,"3,1423":1426,"3,1424":1427,"3,1425":1428,"3,1426":1429,"3,1427":1430,"3,1428":1431,"3,1429":1432,"3,1430":1433,"3,1431":1434,"3,1432":1435,"3,1433":1436,"3,1434":1437,"3,1435":1438,"3,1436":1439,"3,1437":1440,"3,1438":1441,"3,1439":1442,"3,1440":1443,"3,1441":1444,"3,1442":1445,"3,1443":1446,"3,1444":1447,"3,1445":1448,"3,1446":1449,"3,1447":1450,"3,1448":1451,"3,1449":1452,"3,1450":1453,"3,1451":1454,"3,1453":1455,"3,1454":1456,"3,1455":1457,"3,1456":1458,"3,1457":1459,"3,1458":1460,"3,1459":1461,"3,1460":1462,"3,1461":1463,"3,1462":1464,"3,1463":1465,"3,1464":1466,"3,1465":1467,"3,1466":1468,"3,1467":1469,"3,1468":1470,"3,1469":1471,"3,1470":1472,"3,1471":1473,"3,1472":1474,"3,1473":1475,"3,1474":1476,"3,1475":1477,"3,1476":1478,"3,1477":1479,"3,1478":1480,"3,1479":1481,"3,1480":1482,"3,1481":1483,"3,1482":1484,"3,1483":1485,"3,1484":1486,"3,1485":1487,"3,1486":1488,"3,1487":1489,"3,1488":1490,"3,1489":1491,"3,1490":1492,"3,1491":1493,"3,1492":1494,"3,1493":1495,"3,1494":1496,"3,1495":1497,"3,1496":1498,"3,1497":1499,"3,1498":1500,"3,1499":1501,"3,1500":1502,"3,1501":1503,"3,1502":1504,"3,1503":1505,"3,1504":1506,"3,1505":1507,"3,1506":1508,"3,1507":1509,"3,1508":1510,"3,1509":1511,"3,1510":1512,"3,1511":1513,"3,1512":1514,"3,1513":1515,"3,1514":1516,"3,1515":1517,"3,1516":1518,"3,1517":1519,"3,1518":1520,"3,1519":1521,"3,1520":1522,"3,1521":1523,"3,1522":1524,"3,1523":1525,"3,1524":1526,"3,1525":1527,"3,1526":1528,"3,1527":1529,"3,1528":1530,"3,1529":1531,"3,1530":1532,"3,1531":1533,"3,1532":1534,"3,1533":1535,"3,1534":1536,"3,1535":1537,"3,1536":1538,"3,1537":1539,"3,1538":1540,"3,1539":1541,"3,1540":1542,"3,1541":1543,"3,1542":1544,"3,1543":1545,"3,1544":1546,"3,1545":1547,"3,1546":1548,"3,1547":1549,"3,1548":1550,"3,1549":1551,"3,1550":1552,"3,1551":1553,"3,1552":1554,"3,1553":1555,"3,1554":1556,"3,1555":1557,"3,1556":1558,"3,1557":1559,"3,1558":1560,"3,1559":1561,"3,1560":1562,"3,1561":1563,"3,1562":1564,"3,1563":1565,"3,1564":1566,"3,1565":1567,"3,1566":1568,"3,1567":1569,"3,1568":1570,"3,1569":1571,"3,1570":1572,"3,1571":1573,"3,1572":1574,"3,1573":1575,"3,1574":1576,"3,1575":1577,"3,1576":1578,"3,1577":1579,"3,1578":1580,"3,1579":1581,"3,1580":1582,"3,1581":1583,"3,1582":1584,"3,1583":1585,"3,1584":1586,"3,1585":1587,"3,1586":1588,"3,1587":1589,"3,1588":1590,"3,1589":1591,"3,1590":1592,"3,1591":1593,"3,1592":1594,"3,1593":1595,"3,1594":1596,"3,1595":1597,"3,1596":1598,"3,1597":1599,"3,1598":1600,"3,1599":1601,"3,1600":1602,"3,1601":1603,"3,1602":1604,"3,1603":1605,"3,1604":1606,"3,1605":1607,"3,1606":1608,"3,1607":1609,"3,1608":1610,"3,1609":1611,"3,1610":1612,"3,1611":1613,"3,1612":1614,"3,1613":1615,"3,1614":1616,"3,1615":1617,"3,1617":1618,"3,1618":1619,"3,1619":1620,"3,1620":1621,"3,1621":1622,"3,1622":1623,"3,1623":1624,"3,1624":1625,"3,1625":1626,"3,1626":1627,"3,1627":1628,"3,1628":1629,"3,1629":1630,"3,1630":1631,"3,1631":1632,"3,1632":1633,"3,1633":1634,"3,1634":1635,"3,1635":1636,"3,1636":1637,"3,1637":1638,"3,1638":1639,"3,1639":1640,"3,1640":1641,"3,1641":1642,"3,1642":1643,"3,1643":1644,"3,1644":1645,"3,1645":1646,"3,1646":1647,"3,1647":1648,"3,1648":1649,"3,1649":1650,"3,1650":1651,"3,1651":1652,"3,1652":1653,"3,1653":1654,"3,1654":1655,"3,1655":1656,"3,1656":1657,"3,1657":1658,"3,1658":1659,"4,1659":1663,"4,1660":1664,"4,1661":1665,"4,1663":1666,"4,1664":1667,"4,1665":1668,"4,1666":1669,"4,1667":1670,"4,1668":1671,"4,1669":1672,"4,1670":1673,"4,1671":1674,"4,1672":1675,"4,1673":1676,"4,1674":1677,"4,1675":1678,"4,1676":1679,"4,1677":1680,"4,1678":1681,"4,1679":1682,"4,1680":1683,"4,1681":1684,"4,1682":1685,"4,1683":1686,"4,1684":1687,"4,1685":1688,"4,1686":1689,"4,1687":1690,"4,1688":1691,"4,1689":1692,"4,1690":1693,"4,1691":1694,"4,1692":1695,"4,1693":1696,"4,1694":1697,"4,1695":1698,"4,1696":1699,"4,1697":1700,"4,1698":1701,"4,1699":1702,"4,1700":1703,"4,1701":1704,"4,1702":1705,"4,1703":1706,"4,1704":1707,"4,1705":1708,"4,1706":1709,"4,1707":1710,"4,1708":1711,"4,1709":1712,"4,1710":1713,"4,1711":1714,"4,1712":1715,"4,1713":1716,"4,1714":1717,"4,1715":1718,"4,1716":1719,"4,1717":1720,"4,1718":1721,"4,1719":1722,"4,1720":1723,"4,1721":1724,"4,1722":1725,"4,1723":1726,"4,1724":1727,"4,1725":1728,"4,1726":1729,"4,1727":1730,"4,1728":1731,"4,1729":1732,"4,1730":1733,"4,1731":1734,"4,1732":1735,"4,1733":1736,"4,1734":1737,"4,1735":1738,"4,1736":1739,"4,1737":1740,"4,1738":1741,"4,1739":1742,"4,1740":1743,"4,1741":1744,"4,1742":1745,"4,1743":1746,"4,1744":1747,"4,1745":1748,"4,1746":1749,"4,1747":1750,"4,1748":1751,"4,1749":1752,"4,1750":1753,"4,1751":1754,"4,1752":1755,"4,1753":1756,"4,1754":1757,"4,1755":1758,"4,1756":1759,"4,1757":1760,"4,1758":1761,"4,1759":1762,"4,1760":1763,"4,1761":1764,"4,1763":1765,"4,1764":1766,"4,1765":1767,"4,1766":1768,"4,1767":1769,"4,1768":1770,"4,1769":1771,"4,1770":1772,"4,1771":1773,"4,1772":1774,"4,1773":1775,"4,1774":1776,"4,1775":1777,"4,1776":1778,"4,1777":1779,"4,1778":1780,"4,1779":1781,"4,1780":1782,"4,1781":1783,"4,1782":1784,"4,1783":1785,"4,1784":1786,"4,1785":1787,"4,1786":1788,"4,1787":1789,"4,1788":1790,"4,1789":1791,"4,1790":1792,"4,1791":1793,"4,1792":1794,"4,1793":1795,"4,1794":1796,"4,1795":1797,"4,1796":1798,"4,1797":1799,"4,1798":1800,"4,1799":1801,"4,1800":1802,"4,1801":1803,"4,1802":1804,"4,1803":1805,"4,1804":1806,"4,1805":1807,"4,1806":1808,"4,1807":1809,"4,1808":1810,"4,1809":1811,"4,1810":1812,"4,1811":1813,"4,1812":1814,"4,1813":1815,"4,1814":1816,"4,1815":1817,"4,1816":1818,"4,1817":1819,"4,1818":1820,"4,1819":1821,"4,1820":1822,"4,1821":1823,"4,1822":1824,"4,1823":1825,"4,1824":1826,"4,1825":1827,"4,1826":1828,"4,1827":1829,"4,1828":1830,"4,1829":1831,"4,1830":1832,"4,1831":1833,"4,1832":1834,"4,1833":1835,"4,1834":1836,"4,1835":1837,"4,1836":1838,"4,1837":1839,"4,1838":1840,"4,1839":1841,"4,1840":1842,"4,1841":1843,"4,1842":1844,"4,1843":1845,"4,1844":1846,"4,1845":1847,"4,1846":1848,"4,1847":1849,"4,1848":1850,"4,1849":1851,"4,1850":1852,"4,1851":1853,"4,1852":1854,"4,1853":1855,"4,1854":1856,"4,1855":1857,"4,1856":1858,"4,1857":1859,"4,1858":1860,"4,1859":1861,"4,1860":1862,"4,1861":1863,"4,1862":1864,"4,1863":1865,"4,1864":1866,"4,1865":1867,"4,1866":1868,"4,1867":1869,"4,1868":1870,"4,1869":1871,"4,1870":1872,"4,1871":1873,"4,1872":1874,"4,1873":1875,"4,1874":1876,"4,1875":1877,"4,1876":1878,"4,1877":1879,"4,1878":1880,"4,1879":1881,"4,1880":1882,"4,1881":1883,"4,1882":1884,"4,1883":1885,"4,1884":1886,"4,1885":1887,"4,1886":1888,"4,1887":1889,"4,1888":1890,"4,1889":1891,"4,1890":1892,"4,1891":1893,"4,1892":1894,"4,1893":1895,"4,1894":1896,"4,1895":1897,"4,1896":1898,"4,1897":1899,"4,1898":1900,"4,1899":1901,"4,1901":1902,"4,1902":1903,"4,1903":1904,"4,1904":1905,"4,1905":1906,"4,1906":1907,"4,1907":1908,"4,1908":1909,"4,1909":1910,"4,1910":1911,"4,1911":1912,"4,1912":1913,"4,1913":1914,"4,1914":1915,"4,1915":1916,"4,1916":1917,"4,1917":1918,"4,1918":1919,"4,1919":1920,"4,1920":1921,"4,1921":1922,"4,1922":1923,"4,1923":1924,"4,1924":1925,"4,1925":1926,"4,1926":1927,"4,1927":1928,"4,1928":1929,"4,1929":1930,"4,1930":1931,"4,1931":1932,"4,1933":1933,"4,1934":1934,"4,1935":1935,"4,1936":1936,"4,1937":1937,"4,1938":1938,"4,1939":1939,"4,1940":1940,"4,1941":1941,"4,1942":1942,"4,1943":1943,"4,1944":1944,"4,1945":1945,"4,1946":1946,"4,1947":1947,"4,1948":1948,"4,1949":1949,"4,1950":1950,"4,1951":1951,"4,1952":1952,"4,1953":1953,"4,1954":1954,"4,1955":1955,"4,1956":1956,"4,1957":1957,"4,1958":1958,"4,1959":1959,"4,1961":1960,"4,1962":1961,"4,1963":1962,"4,1965":1963,"4,1966":1964,"4,1967":1965,"4,1968":1966,"4,1969":1967,"4,1970":1968,"4,1971":1969,"4,1972":1970,"4,1973":1971,"4,1974":1972,"4,1975":1973,"4,1976":1974,"4,1977":1975,"4,1978":1976,"4,1979":1977,"4,1980":1978,"4,1981":1979,"4,1982":1980,"4,1983":1981,"4,1984":1982,"4,1985":1983,"4,1986":1984,"4,1987":1985,"4,1988":1986,"4,1989":1987,"4,1990":1988,"4,1991":1989,"4,1992":1990,"4,1993":1991,"4,1994":1992,"4,1995":1993,"4,1996":1994,"4,1997":1995,"4,1998":1996,"4,1999":1997,"4,2000":1998,"4,2001":1999,"4,2002":2000,"4,2003":2001,"4,2004":2002,"4,2005":2003,"4,2006":2004,"4,2007":2005,"4,2008":2006,"4,2009":2007,"4,2010":2008,"4,2011":2009,"4,2012":2010,"4,2013":2011,"4,2014":2012,"4,2015":2013,"4,2016":2014,"4,2017":2015,"4,2018":2016,"4,2019":2017,"4,2020":2018,"4,2021":2019,"4,2022":2020,"4,2023":2021,"4,2024":2022,"4,2025":2023,"4,2027":2024,"4,2028":2025,"4,2029":2026,"4,2030":2027,"4,2031":2028,"4,2032":2029,"4,2033":2030,"4,2034":2031,"4,2035":2032,"4,2036":2033,"4,2037":2034,"4,2038":2035,"4,2039":2036,"4,2040":2037,"4,2041":2038,"4,2043":2039,"4,2044":2040,"4,2045":2041,"4,2046":2042,"4,2047":2043,"4,2048":2044,"4,2049":2045,"4,2050":2046,"4,2051":2047,"4,2052":2048,"4,2053":2049,"4,2054":2050,"4,2055":2051,"4,2056":2052,"4,2057":2053,"4,2058":2054,"4,2059":2055,"4,2060":2056,"4,2061":2057,"4,2062":2058,"4,2063":2059,"4,2064":2060,"4,2065":2061,"4,2066":2062,"4,2067":2063,"4,2068":2064,"4,2069":2065,"4,2070":2066,"4,2071":2067,"4,2072":2068,"4,2073":2069,"4,2074":2070,"4,2075":2071,"4,2076":2072,"4,2077":2073,"4,2078":2074,"4,2079":2075,"4,2080":2076,"4,2081":2077,"4,2083":2078,"4,2084":2079,"4,2085":2080,"4,2086":2081,"4,2087":2082,"4,2088":2083,"4,2089":2084,"4,2090":2085,"4,2091":2086,"4,2093":2087,"4,2094":2088,"4,2095":2089,"4,2097":2090,"4,2098":2091,"4,2099":2092,"4,2100":2093,"4,2101":2094,"4,2103":2095,"4,2104":2096,"4,2105":2097,"4,2106":2098,"4,2107":2099,"4,2108":2100,"4,2109":2101,"4,2111":2102,"4,2112":2103,"4,2113":2104,"4,2114":2105,"4,2115":2106,"4,2116":2107,"4,2117":2108,"4,2118":2109,"4,2119":2110,"4,2120":2111,"4,2121":2112,"4,2122":2113,"4,2123":2114,"4,2125":2115,"4,2126":2116,"4,2127":2117,"4,2128":2118,"4,2129":2119,"4,2131":2120,"4,2132":2121,"4,2133":2122,"4,2134":2123,"4,2135":2124,"4,2136":2125,"4,2137":2126,"4,2138":2127,"4,2139":2128,"4,2140":2129,"4,2141":2130,"4,2143":2131,"4,2144":2132,"4,2145":2133,"4,2146":2134,"4,2147":2135,"4,2148":2136,"4,2149":2137,"4,2150":2138,"4,2151":2139,"4,2152":2140,"4,2153":2141,"4,2154":2142,"4,2155":2143,"4,2156":2144,"4,2157":2145,"4,2158":2146,"4,2159":2147,"4,2160":2148,"4,2161":2149,"4,2162":2150,"4,2163":2151,"4,2164":2152,"4,2165":2153,"4,2167":2154,"4,2168":2155,"4,2169":2156,"4,2170":2157,"4,2171":2158,"4,2172":2159,"4,2173":2160,"4,2174":2161,"4,2175":2162,"4,2177":2163,"4,2178":2164,"4,2179":2165,"4,2180":2166,"4,2181":2167,"4,2182":2168,"4,2183":2169,"4,2185":2170,"4,2186":2171,"4,2187":2172,"4,2188":2173,"4,2189":2174,"4,2190":2175,"4,2191":2176,"4,2192":2177,"4,2193":2178,"4,2194":2179,"4,2195":2180,"4,2196":2181,"4,2197":2182,"4,2198":2183,"4,2199":2184,"4,2200":2185,"4,2201":2186,"4,2203":2187,"4,2205":2188,"4,2207":2189,"4,2208":2190,"4,2209":2191,"4,2210":2192,"4,2211":2193,"4,2212":2194,"4,2213":2195,"4,2214":2196,"4,2215":2197,"4,2216":2198,"4,2217":2199,"4,2218":2200,"4,2219":2201,"4,2220":2202,"4,2221":2203,"4,2222":2204,"4,2223":2205,"4,2225":2206,"4,2226":2207,"4,2227":2208,"4,2229":2209,"4,2230":2210},"ٜ":{"1":[1,572],"2":[573,1076],"3":[1077,1658],"4":[1659,2230]},"ٝ":[null,"1,1","1,3","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572",null,null,null,"2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,648","2,649","2,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678","2,679","2,680","2,681","2,682","2,683","2,684","2,685","2,686","2,687","2,688","2,689","2,690","2,691","2,692","2,693","2,694","2,695","2,696","2,697","2,698","2,699","2,700","2,701","2,702","2,703","2,704","2,705","2,706","2,707","2,708","2,709","2,710","2,711","2,712","2,713","2,714","2,715","2,716","2,717","2,718","2,719","2,720","2,721","2,722","2,723","2,724","2,725","2,726","2,727","2,728","2,729","2,730","2,731","2,732","2,733","2,734","2,735","2,736","2,737","2,738","2,739","2,740","2,741","2,742","2,743","2,744","2,745","2,746","2,747","2,748","2,749","2,750","2,751","2,752","2,753","2,754","2,755","2,756","2,757","2,758","2,759","2,760","2,761","2,762","2,763","2,764","2,765","2,766","2,767","2,768","2,769","2,770","2,771","2,772","2,773","2,774","2,775","2,776","2,777","2,778","2,779","2,780","2,781","2,782","2,783","2,784","2,785","2,786","2,787","2,788","2,789","2,790","2,791","2,792","2,793","2,794","2,795","2,796","2,797","2,798","2,799","2,800","2,801","2,802","2,803","2,804","2,805","2,806","2,807","2,808","2,809","2,810","2,811","2,812","2,813","2,814","2,815","2,816","2,817","2,818","2,819","2,820","2,821","2,822","2,823","2,824","2,825","2,826","2,827","2,828","2,829","2,830","2,831","2,832","2,833","2,834","2,835","2,836","2,837","2,838","2,839","2,840","2,841","2,842","2,843","2,844","2,845","2,846","2,847","2,848","2,849","2,850","2,851","2,852","2,853","2,854","2,855","2,856","2,857","2,858","2,859","2,860","2,861","2,862","2,863","2,864","2,865","2,866","2,867","2,868","2,869","2,870","2,871","2,872","2,873","2,874","2,875","2,876","2,877","2,878","2,879","2,880","2,881","2,882","2,883","2,884","2,885","2,886","2,887","2,888","2,889","2,890","2,891","2,892","2,893","2,894","2,895","2,896","2,897","2,898","2,899","2,900","2,901","2,902","2,903","2,904","2,905","2,906","2,907","2,908","2,909","2,910","2,911","2,912","2,913","2,914","2,915","2,916","2,917","2,918","2,919","2,920","2,921","2,922","2,923","2,924","2,925","2,926","2,927","2,928","2,929","2,930","2,931","2,932","2,933","2,934","2,935","2,936","2,937","2,938","2,939","2,940","2,941","2,942","2,943","2,944","2,945","2,946","2,947","2,948","2,949","2,950","2,951","2,952","2,953","2,954","2,955","2,956","2,957","2,958","2,959","2,960","2,961","2,962","2,963","2,964","2,965","2,966","2,967","2,968","2,969","2,970","2,971","2,972","2,973","2,974","2,975","2,976","2,977","2,978","2,979","2,980","2,981","2,982","2,983","2,984","2,985","2,986","2,987","2,988","2,989","2,990","2,991","2,992","2,993","2,994","2,995","2,996","2,997","2,998","2,999","2,1000","2,1001","2,1002","2,1003","2,1004","2,1005","2,1006","2,1007","2,1008","2,1009","2,1010","2,1011","2,1012","2,1013","2,1014","2,1015","2,1016","2,1017","2,1018","2,1019","2,1020","2,1021","2,1022","2,1023","2,1024","2,1025","2,1026","2,1027","2,1028","2,1029","2,1030","2,1031","2,1032","2,1033","2,1034","2,1035","2,1036","2,1037","2,1038","2,1039","2,1040","2,1041","2,1042","2,1043","2,1044","2,1045","2,1046","2,1047","2,1048","2,1049","2,1050","2,1051","2,1052","2,1053","2,1054","2,1055","2,1056","2,1057","2,1058","2,1059","2,1060","2,1061","2,1062","2,1063","2,1064","2,1065","2,1066","2,1067","2,1068","2,1069","2,1070","2,1071","2,1072","2,1073","2,1074","2,1075","2,1076",null,null,null,"3,1077","3,1078","3,1079","3,1080","3,1081","3,1082","3,1083","3,1084","3,1085","3,1086","3,1087","3,1088","3,1089","3,1090","3,1091","3,1092","3,1093","3,1094","3,1095","3,1096","3,1097","3,1098","3,1099","3,1100","3,1101","3,1102","3,1103","3,1104","3,1105","3,1106","3,1107","3,1108","3,1109","3,1110","3,1111","3,1112","3,1113","3,1114","3,1115","3,1116","3,1117","3,1118","3,1119","3,1120","3,1121","3,1122","3,1123","3,1124","3,1125","3,1126","3,1127","3,1128","3,1129","3,1130","3,1131","3,1132","3,1133","3,1134","3,1135","3,1136","3,1137","3,1138","3,1139","3,1140","3,1141","3,1142","3,1143","3,1144","3,1145","3,1146","3,1147","3,1148","3,1149","3,1150","3,1151","3,1152","3,1153","3,1154","3,1155","3,1156","3,1157","3,1158","3,1159","3,1160","3,1161","3,1162","3,1163","3,1164","3,1165","3,1166","3,1167","3,1168","3,1169","3,1170","3,1171","3,1172","3,1173","3,1174","3,1175","3,1176","3,1177","3,1178","3,1179","3,1180","3,1181","3,1182","3,1183","3,1184","3,1185","3,1186","3,1187","3,1188","3,1189","3,1190","3,1191","3,1192","3,1193","3,1194","3,1195","3,1196","3,1197","3,1198","3,1199","3,1200","3,1201","3,1202","3,1203","3,1204","3,1205","3,1206","3,1207","3,1208","3,1209","3,1210","3,1211","3,1212","3,1213","3,1214","3,1215","3,1216","3,1217","3,1218","3,1219","3,1220","3,1221","3,1222","3,1223","3,1224","3,1225","3,1226","3,1227","3,1228","3,1229","3,1230","3,1231","3,1232","3,1233","3,1234","3,1235","3,1236","3,1237","3,1238","3,1239","3,1240","3,1241","3,1242","3,1243","3,1244","3,1245","3,1246","3,1247","3,1248","3,1249","3,1250","3,1251","3,1252","3,1253","3,1254","3,1255","3,1256","3,1257","3,1258","3,1259","3,1260","3,1261","3,1262","3,1263","3,1264","3,1265","3,1266","3,1267","3,1268","3,1269","3,1270","3,1271","3,1272","3,1273","3,1274","3,1275","3,1276","3,1277","3,1278","3,1279","3,1281","3,1282","3,1283","3,1284","3,1285","3,1286","3,1287","3,1288","3,1289","3,1290","3,1291","3,1292","3,1293","3,1294","3,1295","3,1296","3,1297","3,1298","3,1299","3,1300","3,1301","3,1302","3,1303","3,1304","3,1305","3,1306","3,1307","3,1308","3,1309","3,1310","3,1311","3,1312","3,1313","3,1314","3,1315","3,1316","3,1317","3,1318","3,1319","3,1320","3,1321","3,1322","3,1323","3,1324","3,1325","3,1326","3,1327","3,1328","3,1329","3,1330","3,1331","3,1332","3,1333","3,1334","3,1335","3,1336","3,1337","3,1338","3,1339","3,1340","3,1341","3,1342","3,1343","3,1344","3,1345","3,1346","3,1347","3,1348","3,1349","3,1350","3,1351","3,1352","3,1353","3,1354","3,1355","3,1356","3,1357","3,1358","3,1359","3,1360","3,1361","3,1362","3,1363","3,1364","3,1365","3,1366","3,1367","3,1368","3,1369","3,1370","3,1371","3,1372","3,1373","3,1374","3,1375","3,1376","3,1377","3,1378","3,1379","3,1380","3,1381","3,1382","3,1383","3,1384","3,1385","3,1386","3,1387","3,1388","3,1389","3,1390","3,1391","3,1392","3,1393","3,1394","3,1395","3,1396","3,1397","3,1398","3,1399","3,1400","3,1401","3,1402","3,1403","3,1404","3,1405","3,1406","3,1407","3,1408","3,1409","3,1410","3,1411","3,1412","3,1413","3,1414","3,1415","3,1416","3,1417","3,1418","3,1419","3,1420","3,1421","3,1422","3,1423","3,1424","3,1425","3,1426","3,1427","3,1428","3,1429","3,1430","3,1431","3,1432","3,1433","3,1434","3,1435","3,1436","3,1437","3,1438","3,1439","3,1440","3,1441","3,1442","3,1443","3,1444","3,1445","3,1446","3,1447","3,1448","3,1449","3,1450","3,1451","3,1453","3,1454","3,1455","3,1456","3,1457","3,1458","3,1459","3,1460","3,1461","3,1462","3,1463","3,1464","3,1465","3,1466","3,1467","3,1468","3,1469","3,1470","3,1471","3,1472","3,1473","3,1474","3,1475","3,1476","3,1477","3,1478","3,1479","3,1480","3,1481","3,1482","3,1483","3,1484","3,1485","3,1486","3,1487","3,1488","3,1489","3,1490","3,1491","3,1492","3,1493","3,1494","3,1495","3,1496","3,1497","3,1498","3,1499","3,1500","3,1501","3,1502","3,1503","3,1504","3,1505","3,1506","3,1507","3,1508","3,1509","3,1510","3,1511","3,1512","3,1513","3,1514","3,1515","3,1516","3,1517","3,1518","3,1519","3,1520","3,1521","3,1522","3,1523","3,1524","3,1525","3,1526","3,1527","3,1528","3,1529","3,1530","3,1531","3,1532","3,1533","3,1534","3,1535","3,1536","3,1537","3,1538","3,1539","3,1540","3,1541","3,1542","3,1543","3,1544","3,1545","3,1546","3,1547","3,1548","3,1549","3,1550","3,1551","3,1552","3,1553","3,1554","3,1555","3,1556","3,1557","3,1558","3,1559","3,1560","3,1561","3,1562","3,1563","3,1564","3,1565","3,1566","3,1567","3,1568","3,1569","3,1570","3,1571","3,1572","3,1573","3,1574","3,1575","3,1576","3,1577","3,1578","3,1579","3,1580","3,1581","3,1582","3,1583","3,1584","3,1585","3,1586","3,1587","3,1588","3,1589","3,1590","3,1591","3,1592","3,1593","3,1594","3,1595","3,1596","3,1597","3,1598","3,1599","3,1600","3,1601","3,1602","3,1603","3,1604","3,1605","3,1606","3,1607","3,1608","3,1609","3,1610","3,1611","3,1612","3,1613","3,1614","3,1615","3,1617","3,1618","3,1619","3,1620","3,1621","3,1622","3,1623","3,1624","3,1625","3,1626","3,1627","3,1628","3,1629","3,1630","3,1631","3,1632","3,1633","3,1634","3,1635","3,1636","3,1637","3,1638","3,1639","3,1640","3,1641","3,1642","3,1643","3,1644","3,1645","3,1646","3,1647","3,1648","3,1649","3,1650","3,1651","3,1652","3,1653","3,1654","3,1655","3,1656","3,1657","3,1658",null,null,null,"4,1659","4,1660","4,1661","4,1663","4,1664","4,1665","4,1666","4,1667","4,1668","4,1669","4,1670","4,1671","4,1672","4,1673","4,1674","4,1675","4,1676","4,1677","4,1678","4,1679","4,1680","4,1681","4,1682","4,1683","4,1684","4,1685","4,1686","4,1687","4,1688","4,1689","4,1690","4,1691","4,1692","4,1693","4,1694","4,1695","4,1696","4,1697","4,1698","4,1699","4,1700","4,1701","4,1702","4,1703","4,1704","4,1705","4,1706","4,1707","4,1708","4,1709","4,1710","4,1711","4,1712","4,1713","4,1714","4,1715","4,1716","4,1717","4,1718","4,1719","4,1720","4,1721","4,1722","4,1723","4,1724","4,1725","4,1726","4,1727","4,1728","4,1729","4,1730","4,1731","4,1732","4,1733","4,1734","4,1735","4,1736","4,1737","4,1738","4,1739","4,1740","4,1741","4,1742","4,1743","4,1744","4,1745","4,1746","4,1747","4,1748","4,1749","4,1750","4,1751","4,1752","4,1753","4,1754","4,1755","4,1756","4,1757","4,1758","4,1759","4,1760","4,1761","4,1763","4,1764","4,1765","4,1766","4,1767","4,1768","4,1769","4,1770","4,1771","4,1772","4,1773","4,1774","4,1775","4,1776","4,1777","4,1778","4,1779","4,1780","4,1781","4,1782","4,1783","4,1784","4,1785","4,1786","4,1787","4,1788","4,1789","4,1790","4,1791","4,1792","4,1793","4,1794","4,1795","4,1796","4,1797","4,1798","4,1799","4,1800","4,1801","4,1802","4,1803","4,1804","4,1805","4,1806","4,1807","4,1808","4,1809","4,1810","4,1811","4,1812","4,1813","4,1814","4,1815","4,1816","4,1817","4,1818","4,1819","4,1820","4,1821","4,1822","4,1823","4,1824","4,1825","4,1826","4,1827","4,1828","4,1829","4,1830","4,1831","4,1832","4,1833","4,1834","4,1835","4,1836","4,1837","4,1838","4,1839","4,1840","4,1841","4,1842","4,1843","4,1844","4,1845","4,1846","4,1847","4,1848","4,1849","4,1850","4,1851","4,1852","4,1853","4,1854","4,1855","4,1856","4,1857","4,1858","4,1859","4,1860","4,1861","4,1862","4,1863","4,1864","4,1865","4,1866","4,1867","4,1868","4,1869","4,1870","4,1871","4,1872","4,1873","4,1874","4,1875","4,1876","4,1877","4,1878","4,1879","4,1880","4,1881","4,1882","4,1883","4,1884","4,1885","4,1886","4,1887","4,1888","4,1889","4,1890","4,1891","4,1892","4,1893","4,1894","4,1895","4,1896","4,1897","4,1898","4,1899","4,1901","4,1902","4,1903","4,1904","4,1905","4,1906","4,1907","4,1908","4,1909","4,1910","4,1911","4,1912","4,1913","4,1914","4,1915","4,1916","4,1917","4,1918","4,1919","4,1920","4,1921","4,1922","4,1923","4,1924","4,1925","4,1926","4,1927","4,1928","4,1929","4,1930","4,1931","4,1933","4,1934","4,1935","4,1936","4,1937","4,1938","4,1939","4,1940","4,1941","4,1942","4,1943","4,1944","4,1945","4,1946","4,1947","4,1948","4,1949","4,1950","4,1951","4,1952","4,1953","4,1954","4,1955","4,1956","4,1957","4,1958","4,1959","4,1961","4,1962","4,1963","4,1965","4,1966","4,1967","4,1968","4,1969","4,1970","4,1971","4,1972","4,1973","4,1974","4,1975","4,1976","4,1977","4,1978","4,1979","4,1980","4,1981","4,1982","4,1983","4,1984","4,1985","4,1986","4,1987","4,1988","4,1989","4,1990","4,1991","4,1992","4,1993","4,1994","4,1995","4,1996","4,1997","4,1998","4,1999","4,2000","4,2001","4,2002","4,2003","4,2004","4,2005","4,2006","4,2007","4,2008","4,2009","4,2010","4,2011","4,2012","4,2013","4,2014","4,2015","4,2016","4,2017","4,2018","4,2019","4,2020","4,2021","4,2022","4,2023","4,2024","4,2025","4,2027","4,2028","4,2029","4,2030","4,2031","4,2032","4,2033","4,2034","4,2035","4,2036","4,2037","4,2038","4,2039","4,2040","4,2041","4,2043","4,2044","4,2045","4,2046","4,2047","4,2048","4,2049","4,2050","4,2051","4,2052","4,2053","4,2054","4,2055","4,2056","4,2057","4,2058","4,2059","4,2060","4,2061","4,2062","4,2063","4,2064","4,2065","4,2066","4,2067","4,2068","4,2069","4,2070","4,2071","4,2072","4,2073","4,2074","4,2075","4,2076","4,2077","4,2078","4,2079","4,2080","4,2081","4,2083","4,2084","4,2085","4,2086","4,2087","4,2088","4,2089","4,2090","4,2091","4,2093","4,2094","4,2095","4,2097","4,2098","4,2099","4,2100","4,2101","4,2103","4,2104","4,2105","4,2106","4,2107","4,2108","4,2109","4,2111","4,2112","4,2113","4,2114","4,2115","4,2116","4,2117","4,2118","4,2119","4,2120","4,2121","4,2122","4,2123","4,2125","4,2126","4,2127","4,2128","4,2129","4,2131","4,2132","4,2133","4,2134","4,2135","4,2136","4,2137","4,2138","4,2139","4,2140","4,2141","4,2143","4,2144","4,2145","4,2146","4,2147","4,2148","4,2149","4,2150","4,2151","4,2152","4,2153","4,2154","4,2155","4,2156","4,2157","4,2158","4,2159","4,2160","4,2161","4,2162","4,2163","4,2164","4,2165","4,2167","4,2168","4,2169","4,2170","4,2171","4,2172","4,2173","4,2174","4,2175","4,2177","4,2178","4,2179","4,2180","4,2181","4,2182","4,2183","4,2185","4,2186","4,2187","4,2188","4,2189","4,2190","4,2191","4,2192","4,2193","4,2194","4,2195","4,2196","4,2197","4,2198","4,2199","4,2200","4,2201","4,2203","4,2205","4,2207","4,2208","4,2209","4,2210","4,2211","4,2212","4,2213","4,2214","4,2215","4,2216","4,2217","4,2218","4,2219","4,2220","4,2221","4,2222","4,2223","4,2225","4,2226","4,2227","4,2229","4,2230"],"ٞ":{"4":[1],"7":[2],"11":[3],"14":[4],"16":[5],"23":[6],"24":[7,8],"25":[9],"28":[10],"30":[11,12,13],"31":[14],"33":[15],"34":[16,17],"35":[18],"36":[19,20],"37":[21],"39":[22,23],"40":[24],"41":[25],"45":[26],"46":[27],"47":[28],"49":[29,30,31],"50":[32],"51":[33],"54":[34],"56":[35,36],"58":[37,38],"60":[39],"61":[40],"66":[41],"67":[42],"69":[43],"70":[44,45,46],"71":[47,48],"72":[49],"73":[50],"74":[51,52],"77":[53],"78":[54],"79":[55,56],"81":[57],"83":[58],"85":[59],"86":[60],"88":[61],"91":[62],"92":[63],"95":[64],"96":[65],"97":[66],"98":[67,68],"103":[69],"104":[70],"107":[71],"109":[72],"110":[73],"111":[74],"113":[75,76],"115":[77,78],"117":[79],"120":[80],"126":[81],"129":[82],"130":[83],"131":[84],"137":[85,86],"139":[87],"142":[88],"143":[89],"147":[90,91],"148":[92],"150":[93,94],"151":[95],"152":[96],"154":[97],"155":[98],"156":[99],"160":[100],"161":[101],"163":[102],"165":[103],"166":[104],"168":[105],"170":[106,107],"171":[108],"172":[109,110,111],"173":[112],"175":[113],"183":[114,115],"190":[116],"192":[117,118],"196":[119],"197":[120,121],"199":[122],"201":[123],"204":[124],"205":[125],"206":[126],"208":[127],"210":[128],"211":[129],"212":[130],"213":[131],"217":[132],"219":[133],"220":[134],"226":[135],"227":[136],"229":[137,138],"230":[139],"234":[140],"235":[141],"237":[142],"239":[143],"240":[144],"241":[145],"243":[146],"244":[147,148],"247":[149],"248":[150],"249":[151],"251":[152],"253":[153],"254":[154],"257":[155],"258":[156],"259":[157],"261":[158],"262":[159],"264":[160],"265":[161],"268":[162],"269":[163],"272":[164],"274":[165],"276":[166],"277":[167],"278":[168],"280":[169],"281":[170],"282":[171],"285":[172],"287":[173],"289":[174],"291":[175],"293":[176,177],"297":[178,179],"299":[180],"300":[181],"301":[182],"303":[183],"305":[184],"306":[185],"309":[186],"310":[187],"312":[188],"313":[189],"314":[190],"316":[191],"318":[192],"319":[193],"321":[194],"327":[195],"328":[196],"331":[197],"332":[198],"333":[199,200],"335":[201],"336":[202],"340":[203],"342":[204,205],"343":[206],"344":[207],"345":[208],"349":[209],"352":[210],"353":[211],"355":[212],"357":[213],"358":[214],"360":[215],"361":[216],"362":[217,218],"364":[219],"366":[220],"369":[221],"372":[222],"373":[223],"375":[224],"377":[225,226],"380":[227],"381":[228],"387":[229],"388":[230],"390":[231],"392":[232],"395":[233],"400":[234],"402":[235],"404":[236],"405":[237],"407":[238],"409":[239],"410":[240],"412":[241],"414":[242],"416":[243,244],"418":[245],"420":[246],"423":[247,248],"424":[249],"425":[250],"426":[251],"428":[252],"429":[253],"431":[254],"432":[255],"436":[256,257],"437":[258],"438":[259],"440":[260],"441":[261],"443":[262],"445":[263,264],"447":[265,266],"450":[267],"453":[268,269],"454":[270],"455":[271],"457":[272,273],"458":[274],"459":[275],"460":[276],"462":[277,278],"463":[279,280],"465":[281],"467":[282,283],"468":[284],"471":[285],"474":[286],"475":[287],"476":[288],"478":[289],"480":[290],"482":[291],"483":[292],"485":[293],"487":[294],"488":[295],"489":[296],"491":[297],"492":[298],"494":[299],"495":[300],"497":[301],"498":[302],"500":[303],"502":[304],"503":[305,306],"504":[307],"506":[308],"508":[309,310],"510":[311],"513":[312],"515":[313],"517":[314,315],"519":[316,317],"521":[318,319],"522":[320],"524":[321],"526":[322],"527":[323,324],"528":[325],"529":[326],"530":[327],"531":[328,329],"533":[330],"535":[331],"536":[332,333],"537":[334],"538":[335,336],"541":[337,338],"544":[339],"545":[340],"548":[341],"549":[342],"550":[343],"551":[344],"555":[345],"556":[346],"557":[347],"559":[348,349],"560":[350],"561":[351],"562":[352],"563":[353],"565":[354,355],"566":[356],"567":[357],"569":[358],"574":[359,360],"575":[361],"577":[362],"578":[363],"580":[364,365],"584":[366],"585":[367],"586":[368],"587":[369],"588":[370],"590":[371],"592":[372],"593":[373],"594":[374],"595":[375],"596":[376,377],"597":[378,379],"600":[380],"602":[381,382],"604":[383],"605":[384],"606":[385,386],"608":[387],"609":[388],"610":[389],"611":[390],"612":[391],"614":[392],"616":[393],"621":[394],"624":[395],"628":[396],"631":[397],"632":[398],"633":[399],"634":[400],"635":[401],"636":[402],"637":[403],"638":[404],"639":[405,406],"641":[407,408],"643":[409],"644":[410],"646":[411],"647":[412,413],"649":[414,415],"651":[416],"652":[417,418],"654":[419,420],"656":[421],"657":[422],"658":[423],"659":[424,425],"662":[426,427],"665":[428],"666":[429],"667":[430,431],"668":[432],"669":[433],"671":[434],"672":[435,436],"673":[437],"676":[438,439],"677":[440],"678":[441,442],"679":[443],"680":[444],"683":[445,446],"684":[447],"685":[448],"686":[449],"687":[450,451],"689":[452],"690":[453],"691":[454],"692":[455],"693":[456],"694":[457],"696":[458],"697":[459],"698":[460,461],"699":[462],"700":[463],"702":[464],"703":[465],"706":[466],"707":[467,468],"708":[469],"709":[470],"710":[471],"711":[472],"713":[473],"715":[474],"716":[475,476],"717":[477,478,479],"718":[480],"720":[481,482],"721":[483],"722":[484,485],"723":[486],"724":[487,488],"725":[489],"726":[490],"727":[491,492],"728":[493],"729":[494],"730":[495],"731":[496],"732":[497],"736":[498],"737":[499],"738":[500],"739":[501],"740":[502],"741":[503],"742":[504,505],"745":[506,507],"748":[508,509],"750":[510,511,512],"751":[513,514],"752":[515],"753":[516],"754":[517],"755":[518],"756":[519,520],"757":[521],"760":[522],"761":[523],"762":[524],"763":[525],"764":[526],"765":[527],"766":[528],"767":[529,530],"768":[531],"770":[532],"772":[533,534],"775":[535],"776":[536],"777":[537],"781":[538,539],"782":[540,541],"783":[542],"785":[543],"786":[544],"787":[545],"789":[546,547],"791":[548],"792":[549,550],"793":[551],"797":[552],"800":[553],"802":[554],"803":[555,556],"804":[557],"805":[558,559],"808":[560],"809":[561],"810":[562],"811":[563],"813":[564,565],"815":[566,567],"818":[568],"819":[569],"820":[570],"821":[571],"822":[572,573],"824":[574],"825":[575,576],"826":[577],"827":[578,579],"828":[580],"829":[581],"832":[582],"833":[583],"834":[584,585],"836":[586],"837":[587],"838":[588],"839":[589],"840":[590,591],"841":[592],"842":[593,594],"843":[595],"844":[596,597],"845":[598],"847":[599],"848":[600],"849":[601,602],"851":[603],"853":[604],"854":[605,606],"855":[607,608],"856":[609],"858":[610],"860":[611],"861":[612],"862":[613],"863":[614],"864":[615,616],"865":[617],"867":[618],"868":[619,620],"870":[621],"871":[622],"872":[623,624],"873":[625,626],"875":[627],"876":[628],"877":[629],"880":[630,631],"881":[632],"882":[633],"883":[634],"884":[635],"886":[636],"889":[637],"890":[638],"891":[639],"892":[640],"894":[641,642],"897":[643],"898":[644],"900":[645],"902":[646],"903":[647],"904":[648],"906":[649,650],"907":[651],"909":[652],"910":[653,654],"911":[655,656],"913":[657,658],"915":[659,660],"917":[661,662,663],"920":[664],"922":[665],"923":[666,667],"924":[668],"925":[669],"926":[670,671],"927":[672],"929":[673,674,675],"930":[676],"931":[677],"934":[678],"935":[679],"937":[680],"938":[681,682],"940":[683],"941":[684,685],"942":[686,687],"945":[688],"946":[689],"947":[690,691],"948":[692],"949":[693],"950":[694],"951":[695,696],"952":[697,698],"953":[699],"954":[700,701],"956":[702],"957":[703],"958":[704],"960":[705],"962":[706],"963":[707],"964":[708],"966":[709],"969":[710],"970":[711,712],"972":[713],"975":[714],"976":[715,716],"977":[717,718],"978":[719],"979":[720,721],"980":[722],"982":[723,724],"983":[725],"985":[726,727],"986":[728],"989":[729],"991":[730],"993":[731],"994":[732],"995":[733],"996":[734],"997":[735],"999":[736],"1000":[737],"1003":[738,739],"1004":[740],"1005":[741],"1007":[742,743],"1008":[744],"1010":[745],"1011":[746],"1012":[747],"1017":[748],"1018":[749],"1019":[750],"1020":[751],"1022":[752,753],"1023":[754],"1024":[755],"1025":[756,757],"1026":[758],"1027":[759,760],"1028":[761],"1029":[762],"1030":[763],"1031":[764,765],"1032":[766],"1036":[767],"1037":[768],"1039":[769],"1042":[770],"1043":[771],"1044":[772,773],"1045":[774],"1048":[775],"1049":[776,777],"1051":[778],"1052":[779],"1053":[780],"1055":[781],"1056":[782,783],"1059":[784,785],"1063":[786,787],"1065":[788],"1066":[789,790],"1068":[791],"1071":[792,793],"1072":[794,795],"1073":[796],"1074":[797],"1081":[798],"1082":[799],"1084":[800,801],"1086":[802,803,804],"1088":[805],"1089":[806],"1091":[807],"1092":[808],"1093":[809],"1094":[810,811],"1095":[812],"1096":[813],"1097":[814,815],"1098":[816],"1100":[817],"1102":[818],"1105":[819],"1106":[820],"1107":[821],"1108":[822],"1109":[823],"1110":[824],"1112":[825],"1113":[826,827],"1114":[828],"1115":[829],"1116":[830],"1117":[831],"1118":[832,833],"1120":[834],"1121":[835],"1122":[836],"1124":[837],"1125":[838,839],"1126":[840],"1127":[841],"1128":[842],"1129":[843],"1130":[844,845],"1131":[846],"1132":[847],"1133":[848,849],"1134":[850],"1135":[851],"1136":[852],"1139":[853],"1140":[854],"1141":[855],"1142":[856,857],"1145":[858],"1148":[859],"1151":[860,861,862],"1153":[863],"1154":[864,865],"1157":[866],"1158":[867],"1159":[868],"1160":[869,870,871],"1161":[872],"1162":[873],"1164":[874],"1165":[875],"1166":[876,877],"1167":[878,879],"1170":[880],"1171":[881,882],"1172":[883],"1173":[884,885],"1174":[886],"1176":[887],"1180":[888],"1181":[889,890],"1182":[891,892],"1184":[893,894],"1186":[895],"1187":[896,897,898],"1189":[899],"1191":[900],"1192":[901,902],"1193":[903],"1195":[904,905],"1197":[906],"1198":[907],"1199":[908],"1202":[909,910],"1204":[911],"1205":[912,913],"1207":[914],"1208":[915,916],"1209":[917],"1210":[918,919],"1213":[920],"1214":[921],"1215":[922,923],"1216":[924,925],"1218":[926],"1220":[927],"1222":[928],"1224":[929],"1225":[930],"1226":[931,932],"1227":[933],"1229":[934],"1230":[935],"1231":[936,937],"1233":[938],"1234":[939],"1236":[940],"1241":[941],"1243":[942],"1244":[943,944],"1246":[945],"1247":[946],"1248":[947],"1249":[948,949],"1251":[950],"1252":[951],"1253":[952,953],"1254":[954],"1256":[955],"1258":[956],"1260":[957],"1261":[958],"1262":[959],"1263":[960],"1264":[961,962],"1265":[963],"1266":[964],"1267":[965],"1270":[966],"1271":[967],"1272":[968],"1273":[969],"1274":[970],"1276":[971],"1279":[972],"1280":[973],"1284":[974],"1285":[975],"1286":[976,977],"1290":[978],"1291":[979],"1292":[980],"1293":[981],"1296":[982],"1297":[983,984],"1300":[985],"1303":[986,987],"1305":[988,989],"1306":[990],"1307":[991,992],"1309":[993],"1310":[994],"1313":[995,996],"1316":[997],"1319":[998],"1320":[999],"1323":[1000],"1325":[1001],"1327":[1002],"1330":[1003],"1331":[1004],"1332":[1005],"1334":[1006,1007],"1335":[1008],"1336":[1009,1010],"1337":[1011],"1340":[1012],"1341":[1013,1014],"1342":[1015],"1344":[1016],"1345":[1017],"1346":[1018],"1349":[1019],"1350":[1020],"1351":[1021],"1353":[1022],"1354":[1023],"1356":[1024],"1358":[1025],"1366":[1026],"1368":[1027],"1369":[1028],"1373":[1029],"1374":[1030],"1381":[1031],"1382":[1032],"1383":[1033],"1386":[1034,1035],"1389":[1036,1037],"1392":[1038],"1394":[1039],"1396":[1040],"1398":[1041],"1402":[1042],"1403":[1043],"1405":[1044],"1406":[1045],"1409":[1046],"1411":[1047],"1413":[1048,1049],"1414":[1050],"1415":[1051],"1418":[1052,1053],"1421":[1054],"1422":[1055],"1423":[1056],"1425":[1057],"1426":[1058],"1428":[1059],"1429":[1060,1061],"1430":[1062],"1434":[1063],"1435":[1064],"1436":[1065],"1439":[1066],"1440":[1067],"1442":[1068],"1444":[1069],"1448":[1070,1071],"1449":[1072],"1450":[1073],"1453":[1074],"1455":[1075,1076,1077],"1457":[1078],"1460":[1079,1080],"1461":[1081],"1462":[1082],"1464":[1083],"1466":[1084],"1467":[1085],"1471":[1086],"1472":[1087],"1473":[1088],"1477":[1089],"1478":[1090],"1480":[1091],"1482":[1092],"1483":[1093],"1484":[1094],"1488":[1095],"1490":[1096],"1491":[1097],"1493":[1098],"1494":[1099],"1496":[1100],"1499":[1101,1102],"1503":[1103],"1504":[1104],"1505":[1105],"1509":[1106],"1510":[1107],"1512":[1108],"1517":[1109],"1520":[1110],"1521":[1111],"1522":[1112],"1524":[1113],"1526":[1114],"1527":[1115],"1528":[1116,1117],"1530":[1118],"1531":[1119],"1533":[1120,1121],"1534":[1122],"1535":[1123],"1537":[1124],"1542":[1125],"1544":[1126],"1546":[1127],"1548":[1128],"1549":[1129],"1555":[1130],"1556":[1131],"1557":[1132],"1558":[1133],"1563":[1134],"1565":[1135],"1566":[1136],"1568":[1137],"1571":[1138],"1572":[1139],"1574":[1140],"1575":[1141],"1577":[1142],"1579":[1143],"1584":[1144],"1587":[1145],"1590":[1146],"1593":[1147],"1598":[1148],"1600":[1149],"1601":[1150,1151],"1603":[1152],"1606":[1153],"1615":[1154],"1618":[1155],"1619":[1156],"1620":[1157],"1621":[1158],"1623":[1159],"1626":[1160],"1628":[1161],"1630":[1162],"1631":[1163],"1635":[1164],"1639":[1165,1166],"1640":[1167],"1642":[1168],"1647":[1169],"1648":[1170],"1652":[1171],"1656":[1172],"1663":[1173,1174],"1666":[1175],"1667":[1176],"1670":[1177],"1672":[1178],"1681":[1179],"1683":[1180],"1688":[1181],"1698":[1182],"1700":[1183],"1706":[1184],"1711":[1185],"1714":[1186],"1726":[1187],"1727":[1188],"1731":[1189],"1736":[1190],"1737":[1191],"1739":[1192],"1741":[1193],"1744":[1194],"1746":[1195],"1748":[1196],"1754":[1197],"1759":[1198],"1765":[1199],"1766":[1200],"1769":[1201],"1772":[1202],"1773":[1203],"1790":[1204],"1797":[1205],"1798":[1206],"1799":[1207],"1802":[1208],"1805":[1209],"1807":[1210],"1808":[1211,1212],"1809":[1213],"1811":[1214],"1812":[1215],"1813":[1216],"1814":[1217],"1818":[1218],"1819":[1219],"1820":[1220],"1822":[1221],"1825":[1222],"1828":[1223],"1831":[1224],"1832":[1225],"1835":[1226],"1837":[1227],"1839":[1228],"1840":[1229],"1842":[1230],"1848":[1231],"1859":[1232],"1861":[1233],"1866":[1234],"1867":[1235],"1878":[1236],"1883":[1237],"1887":[1238],"1890":[1239,1240],"1892":[1241],"1894":[1242],"1897":[1243,1244],"1902":[1245],"1904":[1246],"1906":[1247,1248],"1909":[1249],"1913":[1250],"1918":[1251],"1920":[1252],"1922":[1253],"1923":[1254],"1927":[1255],"1930":[1256],"1933":[1257],"1935":[1258],"1936":[1259],"1939":[1260],"1946":[1261,1262],"1951":[1263],"1953":[1264],"1954":[1265],"1960":[1266,1267],"1963":[1268],"1966":[1269],"1969":[1270],"1976":[1271],"1993":[1272],"2001":[1273],"2002":[1274],"2005":[1275],"2009":[1276],"2011":[1277],"2013":[1278],"2015":[1279],"2019":[1280],"2021":[1281],"2024":[1282],"2027":[1283],"2030":[1284],"2032":[1285],"2034":[1286],"2035":[1287],"2039":[1288],"2040":[1289],"2047":[1290],"2052":[1291],"2057":[1292],"2058":[1293],"2063":[1294],"2065":[1295],"2069":[1296],"2072":[1297],"2075":[1298],"2078":[1299],"2082":[1300],"2084":[1301],"2087":[1302],"2090":[1303],"2092":[1304],"2095":[1305],"2096":[1306],"2102":[1307],"2104":[1308],"2105":[1309],"2106":[1310],"2110":[1311],"2112":[1312],"2115":[1313],"2120":[1314],"2122":[1315],"2125":[1316],"2131":[1317],"2133":[1318],"2134":[1319],"2136":[1320],"2139":[1321],"2141":[1322],"2142":[1323],"2144":[1324],"2145":[1325],"2147":[1326],"2150":[1327],"2154":[1328],"2156":[1329],"2157":[1330],"2163":[1331],"2167":[1332],"2170":[1333],"2176":[1334],"2180":[1335],"2181":[1336],"2183":[1337],"2186":[1338],"2187":[1339],"2188":[1340],"2189":[1341],"2191":[1342],"2193":[1343],"2195":[1344,1345],"2199":[1346],"2201":[1347],"2202":[1348],"2206":[1349],"2209":[1350]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"سلسلة منشورات مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض (١٦٦)\n\nالتفسير والبيان لأحكام القرآن\n\nتأليف\nعبد العزيز بن مرزوق الطريفي\nغفر الله له ولوالديه وللمسلمين\n\nاعتنى به\nعبد المجيد بن خالد المبارك\n\nالمجلد الأول\n[البقرة]","vol":"1","page":null},{"text":"التَّفسِيْرُ وَالبَيَان لِأَحكَامِ القُرآن (١)","vol":"1","page":1},{"text":"جميع حقوق الطبع محفوظة لدار المنهَاج بالريّاض\nالطبعَة الأولى\n١٤٣٨ هـ\n\nمكتبة دار المِنهَاج للنشر والتَّوزيع\nالمملكَة العَربيَّة السّعُوديَّة - الرّيَاض\nالمركز الرئيسي - الدّائري الشرقي - مَخرَج ١٥ - جنوب أسوَاق المجد\nت: ٤٤٥٦٢٢٩ - فاكس: ٤٩٦٢٠١٤ - ص ب: ٥١٩٢٩ - الرّياض: ١١٥٥٣\nالفرُوع - طريق خالد بن الوليد (إنكاس سَابقًا) ت: ٢٣٢٣٠٩٥\nمكة المكرمة - الجميزة - الطريق النازل للحَرَم - ت: ٥٧٦١٢٧٧/ ٠٢\nالمَدينَة النَّبويَّة - أمَام الجَامِعَة الإسلامية من جهة الجنوب - ت: ٨٤٦٧٩٩٩/ ٠٤\nحِسَاب الدَّار في مَوقع تويتر:  Alminhajj@","vol":"1","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>مُقَدِّمَةُ المُعتَنِي بالكِتَابِ</span>\nالحمد لله وحدَه، والصلاةُ والسلام على مَن لا نبيَّ بعدَه، نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِه وصحبه، أَمَّا بَعْدُ:\nفإنَّ الله أنعَمَ على الأُمة بالقرآن؛ لأنَّ به قوامَها وسعادتَها وثباتَها وعِزَّها ونَصرَها، وقد سمَّى الله القرآنَ وما فيه مِن شرائعَ وأحكامٍ نِعمةً؛ كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]، ومن سُنَّة اللهِ أنه لا يُعظِّمُ النِّعمةَ إلا مَن عَرَف قَدْرَها، وقد جعلَ الله القرآنَ أعظَم ما يُفرَح به وخيرًا مما يجمَع مِن المادِّيَّاتِ كالأموال مِن الذَّهَبِ والفِضَّة وغيرِهما، ومن المعنَوِيَّاتِ كالأفكارِ والنُّظُم والقوانين، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].\nولا يخفى على مُسلمٍ فضلُ القرآنِ العظيم لمَن يَقصِدُ نَيْلَ الأحكامِ الشرعية والغوصَ في دلالاتِها، ولا يَتأهلُ المتعلِّمُ إلا بمعرفةِ أقوى أدلَّةِ التشريع، وهو هذا الكتابُ العزيزُ.","vol":"1","page":6},{"text":"وغيرُ خافٍ على متعلِّمٍ أنَّ أعلَى مراتِبِ الاحتجاجِ وأقوى الأدلةِ هي حُجَجُ القرآنِ وأدلَّتُه، ومِن القُصورِ في المتعلِّمِين أن تكونَ الحُجةُ في القرآنِ ظاهرةً ثم يتحاوزها إلى الاستدلالِ بما دُونَه، وقد حَرَص السلفُ وأئمةُ الخَلَفِ على إبراز أدلةِ الأحكام مِن القرآن، ببن متوسِّعٍ ومختَصِر، وقابِضٍ في الاستنباط وباسِط، حتى لم يَخْلُ مَذهبٌ مِن مصنَّفٍ في هذا الباب.\nوإنَّ مِن إعجازِ القرآن صلاحَه لكُلِّ زمان ومكانٍ ولكلِّ جِيل، وقد كَثُرت المصنَّفاتُ في أحكام السُّنَّةِ وفقهِها في هذا العصرِ، ولكنَّ المصنفاتِ في تفسيرِ أحكام القرآن قليلةٌ، وقد كانَتِ الحاجةُ إلى الكلام على أحكامِ القرآن واستنباطِ آياته في أبواب الفقهِ وسائرِ الأحكام وخاصَّةً ونحنُ في زمنٍ كَثُرت نوازِلُه التي نحتاجُ إلى بيانِ أدلَّتِها مِن القرآن وإتباعِ ذلك بحُجَجِها مِن السُّنة والأَثَر.\nوقد دارَسْتُ شيخَنا عبدَ العزيزِ الطريفيَّ القرآنَ فعرضْتُ عليه القرآنَ أربعَ مراتٍ بدءًا مِن رمضانَ عامَ أَلْفٍ وأربعِ مئةٍ واثنينِ وثلاثينَ، للهجرةِ النبويَّةِ، وأملَى عليَّ آياتِ الأحكام، ثُم فَسَّرَها في مجالسَ لطُلابِ العلمِ، أَوَّلُها في التاسِعَ عشرَ مِن شهرِ شوَّالٍ مِن عام ألفٍ وأربع مئةٍ واثنينِ وثلاثينَ، وأَتَمَّ تفسيرَ أحكامِ القرآن في أكثَرَ مِن مئةٍ وعشرينَ مجلسًا.\nوقد بَسَط القولَ على كلِّ الآيات المتعلِّقةِ بأحكام التكليفِ الخَمْسة، فشَمِل التفسيرُ أحكامَ الفقهِ بقِسمَيْه العباداتِ والمعامَلاتِ، والآدابِ والأخلاقِ والسياسةِ الشرعيةِ في أحكام التعامُل مع الناسِ موافِقِينَ ومُخالفِين، مؤمِنِين ومنافِقِين وكافِرِين.","vol":"1","page":7},{"text":"وقد توسَّعَ قي الكلامِ فتجاوَزَ المنطوقَ إلى المفهوم، والاستنباطَ إلى الاستطراد، وقد جُمِع هذا التفسيرُ كُل مجلِسٍ في يَوْمِه.\nوالحمدُ لله على عَوْنِه وتوفيقِه وتيسيرِه على تمامِه، ونَفَع به وبِشَارِحِه وجامِعِه، وصلَّى الله وسَلَّمَ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِه.\nوكتب\nعبد المجيد بن خالد المبارك\n٣/ ٣/ ١٤٣٦ هـ\na.almubarak12@gmail.com","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>مُقَدِّمَةُ المُؤَلِّفِ</span>\nالحمدُ للهِ ربِّ العالَمِين، أوْجَدَ الخَلْقَ وتَكَفَّلَ بهم، وجَعَلَ لهم عقولًا تَهْدِيهِم إلى دُنْياهُم ووَحيًا يَهْدِيهم إلى دِينِهم، رَبِّ الآخِرَةِ والأُولَى، لا يستَحِقُّ العبادةَ إلا هُو، ولا يستحِقُّ كمالَ الشُّكرِ والحمدِ غيرُهُ، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّنا المصطَفَى بالرسالةِ، خيرِ البَرِيَّةِ وإمامِ الحَنِيفِيَّة، المخصوصِ بالوحيِ المحفوظِ مِن التبديلِ والتحريفِ، كما قالَ تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أَمَّا بَعْدُ:\nفإنَّ نِعمةَ الهدايةِ إلى معرفةِ الله وأوامرِهِ ونواهِيهِ وامتثالِها أعظَمُ النِّعَم؛ إذ لا خَصِيصَةَ فارِقَةٌ بينَ الإنسانِ والحيوانِ إلا بتلكَ النِّعْمَة، ومَن حُرِمَ ذلك استَوَى مع الحَيَوانِ بالاستِمْتَاعِ، ولا فارِقَ بينَهم إلَّا أنَّ كلَّ واحِدٍ يَعْمُرُ دُنياهُ بما يُناسِبُ كمالَ تَلَذُّذِه ومُتْعَتِه فيها، وكُلُّ جِنْسٍ بَصِيرٌ بنَفْسِه، بلْ إنَّ كثيرًا مِنَ الحيوانِ أكثَرُ مُتعةً في الدُّنيا مِن الإنسانِ، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ [محمد: ١٢]، وامتَازَ الحيوانُ بأنَّه لا يُحاسَبُ على مُتعتِه فقالَ: ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢]، ومِن هذا قولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩].\nوأَوْلَى ما يَجِبُ الوقوفُ عندَه مِن القرآنِ: مَعرِفةُ أوامِرِه ونواهِيه وأحكامِه، فمَن عَرَف أحكامَ اللهِ في كتابِه وتأمَّلَ ما فيها مِن إحكام، ودقيقِ انتِظَام، وعَظِيمِ المصالِحِ وجَلِيلِ المَقَاصِد؛ وَجَدَ في قَلْبِه مِن","vol":"1","page":9},{"text":"الإيمانِ باللهِ والتسليمِ والخُضُوعِ والتعظيمِ له أعظَمَ ممَّا يَجِدُه في الآياتِ الكَوْنِيَّةِ المُشاهَدَةِ كالسَّمَواتِ والأَرْضِ والنُّجُومِ والكواكِبِ والسَّحَابِ، وقد سَمَّى الله أحكامَهُ مواعِظَ؛ فقد قال تعالى بعدَمَا ذَكَرَ آياتِ الطَّلَاقِ: ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٣١]، ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وقال بعدَ آباتِ الظِّهَارِ: ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ٣]، وقال بعدَ آياتِ القَذْفِ: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ [النور: ١٧]، ولَمَّا ذَكَرَ اللهُ أوامِرَهُ لبَنِي إسرائيلَ قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦]؛ وذلكَ أنَّ الأحكامَ فيها مِنَ المَوْعِظَةِ والعِبْرَةِ وعظيمِ المنفَعَةِ لمَنْ تأَمَّلَها، وإنَّ الفَقِيهَ بأحكامِ القُرآنِ يَجِدُ في قَلْبِه مِنَ الإيمانِ واليَقِينِ بمِقدارِ فِقْهِهِ وبَصَرِه فيها؛ لِمَا يَرَى مِن إِحْكامِ الأَحْكامِ ما لا يُمكِنُ ورودُهُ الا مِن خالِقٍ عَلِيمٍ حَكِيمٍ، وقد قال التابعيُّ الحارِثُ بنُ يَعْقُوبَ: \"إنَّ الفَقِيهَ كُلَّ الفَقِيهِ مَن فَقُهَ في القُرآن، وعَرَفَ مَكِيدَةَ الشَّيْطَان\" (١).\nوأَحْكامُ الإسلامِ موجودةٌ في القُرآنِ بالإِجْمالِ، ولكنْ مِنها ما يَظْهَرُ بأَدْنَى نَظَرٍ؛ لِجَلَاءِ النصِّ فيهِ، ومِنها ما يحتاجُ إلى جلاءِ نَظَرٍ؛ لِخَفَاءِ النَّصِّ فيه، وتلكَ مُوازَنةٌ عَكسِيَّةٌ: إذا بَرَزَ الحُكمُ قَلَّتِ الحاجةُ للبَصِيرةِ، وإذا خَفِيَ الحُكمُ عَظُمَتِ الحاجةُ إليها، وإلَّا فالحُكمُ موجودٌ بالنصِّ أو الاستِنباطِ، وهذا مِنَ المُرادِ بقولِه تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩].\n_________\n(١) رواه ابن بَطَّةَ في \"إبطال الحِيَل\" (ص ١٧)، وابن عبدِ البَرِّ في \"جامع بيانِ العلم وفَضْلِه\" (٢/ ٨١٧).","vol":"1","page":10},{"text":"وإذا عَمِيَتِ البَصَائِرُ عن الحُجَجِ كانَ حالُها كحالِ البَصَرِ الأَعْمَى عنِ الطَّرِيق، وإذا أخَذَ الإنسانُ العاقل العارِفُ بلُغَةِ القُرآنِ بأمرَيْنِ؛ فَهِمَ منه ما لا يَفْهَمُه غيرُه، وفَتَحَ اللهُ عليه ما لم يَفْتَحْهُ على غيرِه:\nالأَمْرُ الأَوَّلُ: حُسنُ القَصْدِ في طَلَبِ الحَقِّ؛ فإِنَّ اللهَ لم يُنزِلْ كتابَه إلَّا شِفاءً لأمراضِ الصُّدورِ وعِلَلِها، ومَن نَظَرَ في القُرآنِ بالهَوَى فسَبَقَ نَظَرَهُ مَرَضُ قَلْبِه: زَاغَ، فيُبَصَّرُ بما يوافِقُ هَوَاه، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، فهُم زاغُوا وبَيَّتُوا الغَيَّ فزادَهُمْ غَيًّا وزَيْغًا.\nوقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]، وقال تعالى في هذا المعنَى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]، فالرِّجْسُ والمَرَضُ والزَّيْغُ موجودٌ فيهم بعِلْمِهم قبْلَ نَظَرِهم في القُرآن، فزادَهُم نَظَرُهم رِجْسَا ومَرَضًا وغَيًّا، واللهُ لا يَقذِفُ في قلبِ الصادقِ غَيًّا إذا نَظَرَ في القُرآن، فهو شفاءٌ لِمَن حَسُنَ قَصْدُه، ولكنْ مَن لا يُوجَدُ الخيرُ في قَلْبِه تُحْرَمُ بصيرَتُه الفَهْمَ؛ ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]، ولأَجْلِ هذا السَّبَبِ يَزِيغُ بعضُ مَن يَقرَأُ القُرآنَ ويَعرِفُ الحديثَ؛ انحَرَفَتْ نِيَّتُه فانحَرَفَ فَهْمُه.\nالأَمْرُ الثَّانِي: إدامةُ البَصَرِ وإطالةُ التأَمُّلِ في القُرآن؛ فإنَّ مَعانِيَ","vol":"1","page":11},{"text":"القرآنِ وحِكَمَهُ وأدلَّةَ أحكامِهِ لا تُحصِيها عقولٌ ولا تُحيطُ بها فُهُوم، وقد دَعَا اللهُ إلى التَّفَكُّرِ في القُرآنِ وتأَمُّلِ آياتِه وتَدَبُّرِها؛ قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، والتَّدَبُّرُ بابُ القلوبِ، كُلَّمَا اتَّسَعَ الفَتْحُ اتسَعَ الذي يَدْخُلُه مِن المَعَاني؛ ولهذا شَبَّهَ اللهُ تارِكَ التدبُّرِ بمُقْفَلِ القلبِ؛ قال تعالى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، وإذا كان القلبُ مُقفَلًا فلن ينتفِعَ الإنسانُ بالسمعِ والبَصَر.\nوقد كانَ السلَفُ يَحُثُّونَ على تدبُّرِ القرآنِ والتأَنِّي في قراءَتِه لاستخراجِ ما فيه، وخاصَّةً أدلَّةَ الأحكام، ويَظُنُّ بعضُ الناسِ أنَّ أدلَّةَ أحكامِ القُرآنِ والقرائنَ عليها أُحْصِيَتْ ودُوِّنَتْ؛ وهذا غَلَطٌ؛ فالثابِتُ والمُحصَى هي أحكامُ الدِّينِ، فلا جَدِيدَ في الدِّينِ بعدَ انقِطاعِ الوَحْيِ، وإنَّما بَقِيَ مِن وُجوهِ الاستدلالِ مِن الوحي قَدْرٌ لا ينقَطِعُ، وقد قالَ ابنُ مسعودٍ في ذلك: \"إِذَا أردتُّمُ العِلْمَ فأَثِيرُوا القُرآنَ؛ فإِنَّ فِيهِ عِلْمَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ\" (١)، و\"أَثِيرُوا\"؛ يعني: نَقِّرُوا عنه، وتَفَكَّرُوا في معانِيهِ وتفسيرِه.\nوقد رُوِيَ عنِ الرَّبِيعِ صاحِبِ الشافعيِّ قولُه: \"قَلَّمَا كُنتُ أَدْخُلُ على الشافعيِّ - ﵀ - إلَّا والمُصْحَفُ بينَ يَدَيْهِ، يَتَتَبَّعُ أحكامَ القُرآنِ\" (٢).\nوقد كانَ الأئمة يَرَوْنَ مِنَ القُصُورِ الاستِدلالَ بما دُونَ القرآنِ إذا كانَ الدليلُ فيه واضحًا، فأَوَّلُ مَن يستحِقُّ اسمَ أهلِ القرآنِ الوارِدَ في\n_________\n(١) رواه ابنُ المبارَكِ في \"الزُّهد\" (ص ٢٨٠).\n(٢) رواه البيهقيُّ في مقدِّمةِ جَمْعِه لكتاب \"أحكام القرآن\" للشافعي (١/ ٢٠).","vol":"1","page":12},{"text":"قولِه - ﷺ -: (أَهْلُ القُرْآنِ أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ) (١): هُمْ أعلَمُ الناسِ بمواضعِ أحكامِه منه، وأكثَرُهُم تدبُّرًا وتأمُّلًا لمَعانِيه، ومِن الغَلَطِ حَصْرُ أو تقديمُ حَسَنِ الصَّوتِ بذلك الاسمِ والفَضْلِ على مَن يعرِفُ معانِيَهُ ويعرِفُ أدلَّةَ أحكامِ الله مِن كتابِه؛ فأَحَقُّ الناسِ باسمِ \"أهلِ القرآن\"، و\"أَهْلِ الله وخاصَّتِه\": مَن عَرَفَ حدودَ القرآنِ وحروفَه وأقامَهما، ثم يَلِيه: مَن عَرَفَ حُدُودَه وأقامَها، ثُم مَن عَرَفَ حروفَه وأقامَها.\nوفي كتابِ \"أحكام القُرآن\" للشافعيِّ فصلٌ في التحريضِ على تعلُّمِ أحكامِ القُرآن، وقال: \"إنَّ مَن أَدْرَكَ عِلمَ أحكامِ الله في كتابِه نَصًّا واستِدلالًا، ووَفَّقَهُ اللهُ للقَوْلِ والعَمَلِ لِمَا عَلِمَ مِنه، فازَ بالفضيلةِ في دِينِه ودُنْيَاه، وانتَفَتْ عنه الرِّيَبُ، ونَوَّرَتْ في قَلْبِه الحِكمةُ، واستَوْجَبَ في الدِّينِ موضِعَ الإمامةِ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>السُّنَّةُ مُفَسِّرَةٌ للقُرآن:</span>\nولا يتمَكَّنُ صاحبُ عقلٍ لبيبٍ مِن معرفةِ تفاصيلِ أحكامِ القرآنِ حتَّى يتمَكَّنَ مِنَ السُّنَّة؛ فإذا جَمَعَ تلك القواعِدَ فقَدْ جَمَعَ العِلمَ، كما قال أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ: \"أصولُ الإسلامِ أرْبَعةٌ: دَالٌّ، ودَلِيلٌ، ومُبَيِّنٌ، ومُسْتَدِلٌّ؛ فالدَّالُّ: اللهُ تعالى، والدَّلِيلُ: القُرآنُ، والمُبَيِّنُ: الرَّسُولُ - ﷺ - قال اللهُ تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]- والمُسْتَدِلُّ: أُولُو\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٢٤٢ حديث ١٣٥٤٢)، وابن ماجه (٢١٥)؛ من حديث أنَسٍ - ﵁ -.\n(٢) \"أحكام القرآن\" للشافعي (١/ ٢١).","vol":"1","page":13},{"text":"الأَلْبَابِ وأُولُو العِلمِ الذين أَجْمَعَ المسلمونَ على هِدَايَتِهِم ودِرَايَتِهم\" (١)، ولا يُقبَلُ الاستِدلالُ إلَّا مِمَّنْ كانَت هذه صِفَتَه.\nوقد سُئِلَ أحمدُ عن قولِهِم: \"السُّنَّةُ قاضيةٌ على الكِتابِ\"؟ فقال: \"ما أَجْسُرُ على هذا، ولَكِنِ السُّنَّة تُفَسِّرُ الكتابَ وتُبَيِّنُهُ\" (٢).\nوكُلَّما كانَ اللَّبِيبُ عارِفًا بالقُرآنِ والسُّنَّةِ، كانَت حاجَتُه إلى الرأيِ أَضْيَقَ، وإنَّما تَوَسَّعَ أهلُ الرأيِ في الدِّينِ برَأْيِهم لقِلَّةِ معرِفَتِهم بالنُّصُوصِ، فاحتاجُوا للرَّأْيِ لسَدِّ مكانِ الحُجَّةِ لإثباتِ الأحكام، والخَبِيرُ العارِفُ بالنُّصوصِ ودلالاتِها لا يَلجَأُ إلى ذلك إلا في أضيَقِ الأحوالِ، كما قال ابنُ تيميَّة: \"وقَلَّ أن تُعْوِزَ النُّصوصُ مَن يكونُ خبيرًا بها وبدلالاتِها على الأحكامِ\" (٣).\nومعرفةُ السُّنَّةِ تكونُ بالتوسُّعِ في جَمْعِ أحاديثِ الأبوابِ، ومعرفةِ مواضِعِها ومنازِلِها في الاستِدلالِ، والمُحكَمِ والمُتَشابِهِ، والناسِخِ والمنسوخِ، والعامِّ والخَاصِّ، والمُطلَقِ والمُقَيَّدِ، والقَطْعِيِّ والظَّنِّيِّ دلالةً وثبوتًا، ومعرفةِ عددِ أحاديثِ البابِ ومقارَنَتِها بما يشابِهُها مِن الأبوابِ، وسببِ زيادةِ هذا على هذا، وعمومِ البَلْوَى، وأحكامِ العِبادةِ والآدابِ والإرشادِ، وتمييزِ مراتب الثُّبوتِ، قال أحمدُ وإسحاقُ: \"إذا لم يَعْرِفِ الصحيحَ والسَّقِيمَ والناسِخَ والمنسوخَ مِن الحديثِ لا يُسَمَّى عالِمًا\" (٤).\n_________\n(١) \"النُّبُوَّات\" لابن تيمية (ص ٤٢)، وانظر: \"الفَقِيه والمتفَقِّه\" للخطيب البغدادي (٢/ ٤٤).\n(٢) \"جامع بيان العلم وفضله\" (٢/ ١١٩٤)، و\"طبقات الحنابلة\" لابن أبي يعلى (١/ ٢٥٢).\n(٣) \"الاستقامة\" (٢/ ٢١٧).\n(٤) \"معرفة علوم الحديث\" للحاكم (ص ٦٠).","vol":"1","page":14},{"text":"والمتشابِهاتُ في الوحيِ هي جِهادُ العُلماءِ؛ لأنَّ ذلك مِنِ ابتِلاءِ العُقولِ الذي جَعَلَهُ اللهُ اختِبارًا للمَقاصِدِ والنِّيَّاتِ، وإخراجًا لمَكنُونِ النُّفُوس، فبذلكَ يتمايَزُ الصادِقُ مِن صاحبِ الهَوَى، فمَصَارِعُ العلماءِ عدَ المتشابِهاتِ قَبْلَ المُحْكَمَاتِ.\nولَمَّا كانَ القرآنُ عامًّا في غالِبِه، والسُّنَّةُ مُفَصَّلَةً في عمومِها، وجَبَ على الناظِرِ في القُرآنِ الإحاطةُ بمعاني الآيةِ مِن السُّنَّةِ، وتَحَرِّي تفسيرِها مِن القرآنِ؛ فإنَّ القرآنَ يُفَسِّرُ بعضُه بعضًا، ويُبَيِّنُ بعضُه بعضًا؛ كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، قال سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ: \"يُشْبِهُ بعضُه بعضًا، ويُصَدِّقُ بعضُه بعضًا، ويَدُلُّ بعضُه على بعضٍ\" (١). وبنحوِ هذا أو معناهُ قال الحَسَنُ وعِكرِمةُ وقَتادةُ (٢)، وقد قالَ ابنُ عبَّاسٍ: \"كِتَابُ اللهِ مَثَانٍ، ثَنَّى فيه الأَمْرَ مِرَارًا\" (٣).\nولإحكامِ القُرآن كانَ نَسْخُ أحكامِه منه بنَفْسِه، ولا يكاد تُنْسَخُ آيةٌ مِنَ القرآنِ إلا بمِثْلِها، ويُؤَيِّدُها الحديثُ والأَثَرُ، وإنْ كانَتِ السُّنَّةُ تُقَيِّدُ القرآنَ وتخصِّصُه وتُبَيِّنُه وتُفَسِّرُه، كما قال أحمدُ: \"لا يَنْسَخُ القرآنَ إلا قُرآنٌ يَجِيءُ بعدَهُ، والسُّنَّةُ تفسِّرُ القُرآن\" (٤).\nوبنحوِ هذا قال الشافعيُّ وغيرُه.\nوإذا كانَتِ السُّنَّةُ لا تَنسَخُ القرآنَ عندَهم، فقولُ الصحابيِّ مِن بابِ أوْلَى، وأولَى منه: التابعيُّ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢٠/ ١٩١).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢٠/ ١٩١ - ١٩٢).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٢٠/ ١٩٢).\n(٤) \"العدة في أصول الفقه\" للقاضي أبي يعلى الفرَّاء (٣/ ٧٨٨ - ٧٨٩).","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>معرفةُ أقوالِ الصحابةِ والتابعينَ:</span>\nولا غِنًى للمفسِّرِ عن كلامِ السلفِ صحابةً وتابعينَ، فقد فضَّلَهُمُ اللهُ على مَن بعدَهُم، وفيهم مِن فَصاحةِ اللِّسانِ وقُوَّةِ البيانِ ما ليسَ فيمَن بعدَهم، مع ما هُم عليه مِن الصِّدْقِ والدِّيَانةِ والحِيَاطةِ في الكلامِ، والتحرِّي في تفسيرِ كلامِ الله أَشَدُّ مِن غيرِه، وقد رَوَى أحمدُ - كما في \"العلل\" - عن عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ قال: \"أَدْرَكتُ بالمدينةِ رِجالًا، فرأيْتُهم يُعَظِّمُون القولَ في التفسيرِ ويهابُونَه، مِنهم القاسِمُ وسالِمٌ ونافِعٌ\" (١).\nوفي الصحابةِ مِن شِدَّةِ التوثُّقِ في التفسيرِ ما ليس في التابعينَ، مع فَضْلِهم وتزكيةِ النبيِّ - ﷺلهم، فلم يَحْمِلْهُم ذلك على الجَسَارَةِ على الفُتْيَا والقولِ بالظَّنِّ، وكانوا أشَدَّ الأُمَّةِ مشاوَرَةً ومراجَعَةً لبعضِهم في كلِّ نازِلةٍ، كما قالَ المُسَيَّبُ بنُ رافِعٍ: \"كان الصحابة إذا نَزَلَتْ بِهِم قَضِيَّةٌ؛ ليس لرسولِ الله - ﷺ - فيها أَثَرٌ؛ اجتَمَعُوا لها وأَجمَعُوا\"؛ رواه الدارِمِيُّ (٢).\nولهذا كان قولُ الصحابةِ في صدرِ أقوالِ الأُمَّةِ، ومَن بَعدَهم تَبَعٌ لهم، فكُلُّ صوابٍ هُم أوْلَى الناسِ به، وكُلُّ خَطَإٍ هُم أَقَلُّ الناسِ حَظًّا فيه، ولم يُتَّهَمْ واحدٌ بالجُرْأَةِ على تفسيرِ كلامِ الله، والقولِ فيه بالتَّوَهُّمِ؛ لشِدَّةِ تعظيمِهم للهِ ولكلامِه والقولِ عليه بلا عِلْمٍ، وقد قال ابنُ أبي زَيْدٍ القَيْرَوَانِيُّ - كما في \"الذب عن مذهب مالك\" -: \"وما عَلِمْتُ أنَّ أحدًا مِن أهلِ السُّنَّةِ تجاسَرَ على أنَّ صاحِبًا لرسولِ الله خالَفَ ظاهِرَ كتابِ الله\" (٣)\n_________\n(١) \"العلل ومعرفة الرجال لأحمد، رواية ابنه عبد الله\" (٢/ ٣٧٤).\n(٢) \"سُنَن الدارمي\" (١١٦).\n(٣) \"الذب عن مذهب مالك\" (٢/ ٦٨٩).","vol":"1","page":16},{"text":"وكان أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ يرى أنَّ الأخذَ بظاهِرِ الآيةِ بلا دلالةٍ مِن السُّنَّةِ ولا قولِ أحدٍ مِن الصحابةِ: أنَّه تأويلُ أهلِ البِدَعِ، كما قال: \"مَن تأوَّلَ القرآنَ بلا دلالةٍ مِن رسولِ الله - ﷺ - ولا أحدٍ مِن الصحابةِ فهو تأويلُ أهلِ البدع؛ لأنَّ الآيةَ قد تكونُ خاصَّةً ويكونُ حكمُها حكمًا عامًّا، ويكونُ ظاهِرُها في العمومِ وإنما قُصِدَت لشيءٍ بعَيْنِه، ورسولُ اللهِ - ﷺ - المعبِّرُ عن كتابِ اللهِ وما أرادَ، وأصحابُه أعلَمُ بذلك منَّا؛ لِمُشَاهَدَتِهم الأمرَ وما أُريدَ بذلك\" (١).\nولم يَكُنِ الصحابةُ - ﵃ - على مرتَبَةٍ واحدةٍ في العلمِ، كما أنَّهم لَيْسُوا على مرتبةٍ واحدةٍ في الفَضْلِ، والتفاضُلُ بينَهم بالمَنْزِلَةِ والمكانةِ شيءٌ، وتفاضُلُهُم في العِلْمِ شيءٌ آخَرُ، ومنِهم مَن كان تَقَدُّمُه في العِلمِ كتَقَدُّمِه في الفَضْلِ، كالخُلَفَاءِ الراشِدِينَ الأربعةِ؛ فقد جَمَعُوا السَّبْقَيْنِ: سَبْقَ العلمِ، وسَبْقَ الفَضْلِ، ومنهم مَن يتأَخَّرُ على غيرِه بالفضلِ ولكنَّه يسبِقُه بالعلمِ، كابنِ عبَّاسٍ وابنِ مسعودٍ وغيرِهما من الصحابةِ؛ فهُم قد يَفْضُلُونَ بعضَ العَشَرةِ المُبَشَّرِينَ بالجَنَّةِ في العِلم، وذلك فَضْلٌ مِن اللهِ يَقسِمُه بينَ عبادِه، فيُهَيِّئُ لبعضِهم أسبابًا تُقَدِّمُه على غيرِه من وجهٍ ويُقدِّمُ غيرَه عليه مِن وجهٍ، وإذا اختلَفَ الصحابة في حكمٍ مِن أحكامِ القرآنِ، وتساوَوْا منزِلةً بلا مُرَجِّحٍ، فيُقَدَّمُ القولُ الذي ذهَبَ إليه ابنُ عبَّاسٍ؛ لأنَّه مِن أكثَرِ الصحابةِ مشاوَرَةً لهم، ولدعاءِ النبيِّ - ﷺ - له، قال ابنُ عبَّاسٍ: \"إنْ كنتُ لَأَسْأَلُ عنِ الأمرِ الواحدِ ثلاثين مِن أصحابِ النبيِّ - ﷺ -\" (٢).\n_________\n(١) \"العدة في أصول الفقه\" (٢/ ٥٢٧).\n(٢) \"الفقيه والمتفقه\" للخطيب البغدادي (٢/ ٤٢٨).","vol":"1","page":17},{"text":"ويُيَسَّرُ في شرطِ الأخذِ بأقوالِ الصحابةِ في التفسيرِ عن شرطِ المرفوعِ إلى النبيِّ - ﷺ -؛ لاختلافِ قُوَّةِ الاحتجاجِ والتَّبِعَةِ في الوَهمِ والغَلَطِ، ويُشَدَّدُ في مَرْوِيَّاتِ الأحكامِ مِن الحلالِ والحرامِ ولو كانَتْ في سياقِ التفسيرِ، بخلافِ مَرْوياتِ تفسيرِ معاني الألفاظِ وأسبابِ النُّزُولِ؛ لأنَّ الحُكمَ يُشَدَّدُ فيه ولا يُفَرَّقُ في سياقِه ولو كان في ثَنَايا التاريخ أو السِّيرةِ أوِ المَغَازِي أو التَّفسير؛ لبناءِ الحُكمِ عليه، وأمَّا بَقِيَّةُ التفسيرِ فَأمْرُه دونَ ذلك، كما بَيَّنَّاهُ مُفَصَّلًا في رسالةِ (التَّقْرِير، في أسانيدِ التَّفْسِير).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>أَنْسابُ القولِ:</span>\nويَتأَكَّدُ على المفسِّرِ أن يتتَبَّعَ أُصولَ الأقوالِ وأنسابَها، حتى لا يَقَعَ في الأخذِ بقولٍ مَهْجُورٍ، أو بقولٍ لم يُسبَقْ إليه؛ فإنَّ للأقوالِ أنسابًا تتسَلْسَلُ كأنسابِ الرِّجَال، والحَقُّ لا ينقَطِعُ؛ فلا بُدَّ له مِن قائِلٍ ولو لم يَكُنْ مشهورًا، ورُبَّما كان مِن السلَفِ مَن قالَ بقولٍ شاذٍّ ثُم تُرِكَ القولُ وعُذِرَ القائلُ، فذاكَ قولٌ مهجورٌ لا ينبَغِي اعتبارُه مِن السلَفِ السابقِ؛ لأنَّها زَلَّةٌ متروكةٌ بدلالةِ هَجْرِها؛ لأنَّ السَّلَفَ أهلُ عِلمٍ ودِيانةٍ لا يُطْبِقُونَ على تركِ قولٍ مُعتَبَرٍ ويَهْجُرُونَه إلا وعَلِمُوا مُخالفَتَه الدليلَ.\nومِن التَّلْبِيس على بعضِ المتعَلِّمِينَ أنُ عَطَّلُوا الاقتداءَ بالأئمَّةِ بحُجَّةِ تعظيمِ الأَدِلَّةِ؛ فاستَنْبَطُوا مِن النُّصُوصِ معانيَ لا قائِلَ بها، وهذا أشَدُّ مِنَ الأَخْذِ بالأقوالِ المهجورةِ؛ فتلكَ مَبْتُورةُ الأنسابِ، وهذه لا أَنْسابَ لها وإن تَوَهَّمُوا أنَّها تنتَسِبُ للدليلِ؛ فالدليلُ قد مَرَّ بخَيْرِ عقولِ الأُمَّةِ وقلوبِها، فإذا لم تَحْرُجْ عقولُهم وقلوبُهم بقولٍ منه فهو عَقِيمٌ، فليسَ كُلُّ الأدلَّةِ يولَّدُ منها أقوالٌ.","vol":"1","page":18},{"text":"وقد ظَهَرَ في الأزمِنَةِ المتأخِّرَةِ أقوالٌ شاذَّةٌ من هذا البابِ؛ بحُسْنِ قَصْدٍ مِن أقوامٍ، وسُوءِ قَصدٍ مِن آخَرِينَ، ودَخَلَ الضَّلَالُ والانحِرافُ في الدِّين، وخُرِقَ إجماعُ السلَفِ والأئمَّة؛ لإشباعِ أهواءِ أفرادٍ وجماعاتٍ وحُكَّام!\nوقد قابَلَ هذه الفِئَةَ طائفةٌ غَلَتْ في التقليدِ، فلا تَرَى الخُروجَ عن مَذهَبِ إمامِها، فتَرَى نَسَبَ أقوالِه أصَحَّ أنسابِ الأقوال، ولو كان الدليلُ مع غيرِها ظاهرًا، فهؤلاءِ قَدَّمُوا الرِّجَالَ على الأدلَّةِ، وأُولئِكَ أَخَذُوا الأدلَّةَ بلا رجالٍ!\nوالأئمَّةُ وأتباعُهم لم يقولُوا بأقوالٍ لِيَتَعَصَّبَ لها الناسُ فيُقَلِّدُوهم ويَتْرُكُوا الأدلَّةَ، فقد قال أبو حنيفةَ لأبي يوسُفَ، والشافعيُّ للرَّبِيع، وأحمدُ لولَدِه عبدِ الله، ومالكٌ لابنِ القاسِمِ: \"إذا صَحَّ الحديثُ فخُذْ به واتْرُكْ قَوْلِي\" (١)، وحادَتْ طائفتانِ عن الصَّوَابِ وتوَهَّمُوا التعارُضَ بين فِقهِ الأدِلَّةِ وفِقهِ الأئمَّة، وكُلُّها مسالِكُ للتعليمِ لا للتعصُّبِ، ففِقْهُ الأئمةِ إنَّما خرَجَ مِن رَحِمِ الأدلَّةِ، وعلى العالِمِ تمحيصُ تلك الأدلَّةِ: صِحَّةً وضَعفًا، وظُهورًا وخَفاءً، وعمومًا وخُصوصًا، ونَسْخًا ومَنْسُوخًا، وإطلاقًا وتقييدًا، وقَطْعًا وظَنًّا، ونصًّا وفَهْمًا.\nومعرفةُ الأدلَّةِ لا يعني هَجْرَ مَذاهِبِ الأئمَّةِ والتمَذْهُبِ على طرائِقِهِم في التَّفَقُّهِ بلا تعصُّبٍ، ولا يعني عدمَ الخُروجِ عن التقليدِ لِمَنْ مَلَكَ القُدرةَ على التحرير.\n_________\n(١) انظر أقوالَهم في: \"الإنصاف، في بيان أسباب الاختلاف\" للدهلوي (ص ١٠٤).","vol":"1","page":19},{"text":"وقد كان الإمامُ أحمدُ أكثَرَ الأئمَّةِ الأربعةِ جمعًا للحديثِ والأَثَرِ، وكتابُه \"المُسْنَدُ\" ومَرْوِيَّاتُه في السُّؤَالاتِ والفضائِلِ والزُّهدِ والوَرَعِ والعِلَلِ والرِّجَال: دالَّةٌ على ذلك، ولا يُنازِعُه في ذلك أحَدٌ، وهو آخِرُ الأئمَّةِ الأربعةِ وفاةً، وتحصَّلَ له مِن معرفةِ قولِ مالكٍ وأبي حنيفةَ والشافعيِّ ما لم يتحَصَّل لهم مِن معرفةِ قولِ بعضِهم لبعضٍ، ويليه الشافعيُّ بَصَرًا بقولِ مالِكٍ وأبي حَنِيفة، فعَرَفَ أحمدُ أقوالَ الصحابةِ والتابعينَ، وأقوالَ أئمَّةِ المذاهبِ قَبْلَ أن تَظْهَرَ مذاهِبُهم، وكانَتْ كَثرةُ مرويَّاتِ أحمدَ للحديثِ والأَثَرِ سببًا في كفايةِ أتباعِ مذهَبِه عن جمعِ الأدلَّةِ على أقوالِه، بخلافِ غيرِه؛ كما احتاجَ أَتْباعُ الشافعيِّ إلى جمعِ أدلَّةِ مذهَبِه كما فَعَلَ البيهَقِيُّ في كتابِه \"السُّنَن والمَعْرِفَة\"، وكما احتاجَ أَتْباعُ أبي حنيفةَ إلى جمعِ أدلَّةِ مذهَبِهِ كما فَعَلَ أبو يُوسُفَ ومحمَّدُ بنُ الحسَنِ في الآثارِ وغيرِها، وكالطَّحَاوِيِّ في كتابِه \"مُشْكِلِ الآثارِ\"، و\"شرح معاني الآثار\"، وكان أَتبْاعُ مالكٍ أكثَرَ أصحابِ المذاهب الأربعةِ عنايةً بآياتِ الأحكامِ وجمعًا لها، وكان أتباعُ الشافعيِّ أكثر أصحابِ المذاهبِ الأربعةِ عنايةً بأحاديثِ الأحكامِ وجمعًا لها، وكُلُّ مَذْهَبٍ له فَضْلٌ على غيرِه في بابٍ دُونَ بابٍ.\nوالمنقولُ عن الإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ في أخذِ الأحكامِ مِن آياتِ القرآنِ قَدْرٌ ليس بالقَلِيل، وهو مَنْثُورٌ في مسائِلِه والنُّقولِ عنه، وعامَّتُه في مواضِعِه مِن هذا الكتابِ، وللقاضي أبي يَعْلَى كتابٌ في أحكامِ القرآنِ؛ يَذْكُرُه ويَنْقُلُ منه الطُّوفِيُّ وابنُ اللَّحَّامِ وغيرُهما، وأبو يَعْلَى إمامٌ في المذهَبِ ونُصوصِ الإمامِ واختلافِها، ولكنَّه قليلُ النظرِ في عِلَلِ الحديثِ ورجالِه؛ ولهذا وَقَعَ الاحتجاجُ بأحاديثَ واهِيَةٍ وضعيفةٍ.","vol":"1","page":20},{"text":"ومذهَبُ أحمدَ في تفسيرِه لأحكامِ القرآنِ وغيرِها ظاهِرٌ في سؤالاتِه، ونُقولِ أصحابِه عنه، كاستدلالِه بدليلِ الخِطَابِ في قولِه تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]؛ فنَقَلَ ابنُ هانِئٍ عنه أنَّه أَخَذَ مِن هذه الآيةِ أنَّ المُسْلِمَةَ لا تكشِفُ رأسَها عندَ نِساءِ أهلِ الذِّمَّةِ (١)، ومِثلُه: تحريمُه ذَبِيحةَ المَجُوسِيِّ وصيدَه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]؛ لكَوْنِ المَجُوسِ ليسوا أهلَ الكِتَاب (٢)، وأنَّ الغُرَابَ والسَّبُعَ يَقْتُلُه المُحْرِمُ ولا كَفَّارَةَ عليه لقولِه - ﷿ -: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وهذه لا تُسَمَّى صَيْدًا (٣).\nومذهَبُه: الوُقوفُ على العُمومِ المُستَغْرِقِ للجِنسِ في القُرآن وَالبَحْثُ عن مُخَصِّصٍ له، كما تَوَقَّفَ في عمومِ اليَدِ والوَلَدِ في قولِهِ تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقولِهِ تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، فقد نَقَلَ ابنُه عبدُ اللهِ - ونحوَه صالِحٌ - قولَه: \". . . نَقِفُ عندَ الوَلَدِ حَتَّى يُنزِلَ اللهُ تعالى ألَّا يَرِثَ قاتِلٌ ولا عَبْدٌ ولا مُشْرِكٌ، فلَمَّا عبَّرَتِ السُّنَّةُ معنَى الكتابِ فقال رسولُ الله - ﷺ -: (لَا يَرِثُ مُسْلِمٌ كَافِرًا، وَلَا كَافِرٌ مُسْلِمًا) (٤)، وقال: (لَا يَرِثُ القَاتِلُ) (٥) -: لم يُعْلَمِ الناسُ اختلَفُوا في أنَّ العبدَ لا يَرِثُ، وإنَّما قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -:\n_________\n(١) \"مسائل أحمد، رواية ابن هانئ\" (٢/ ١٤٩).\n(٢) \"أحكام أهل الملل والردة من الجامع لمسائل الإمام أحمد\" (ص ٣٧٧)، و\"العدة في أصول الفقه\" (٢/ ٤٥٠ - ٤٥١).\n(٣) \"مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله\" (ص ٢٠٦).\n(٤) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٦٢)؛ من حديثِ أسامةَ بن زيدٍ - ﵄ -؛ وصحَّحَه.\n(٥) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٢٠٢٠)؛ عن عمرِو بن شُعيب عن أبيه عن جدِّه.","vol":"1","page":21},{"text":"(مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ) (١)؛ فكان مالُ العَبْدِ إنَّما هو لسَيِّدِه وليس له فيه مِلكٌ\" (٢).\nوكان يُخصِّصُ عمومَ القرآنِ بعَمَلِ الصحابةِ، ويَرَى أنَّ ذلك التخصيصَ هو معنَى الآيةِ، كما نقَلَهُ عنه ابنُهُ صالِحٌ في \"مسائِلِه\"، ومِن ذلك: فُتْيَاهُ بأنْ يَتَسَرَّى العَبْدُ، مع أنَّه قِيلَ له: إنَّ اللهَ يقولُ ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦، والمعارج: ٣٠]؛ فأَيُّ مِلكٍ للعَبْدِ؟ ! فقال أحمدُ: \"القُرآنُ نَزَلَ على أصحابِ النبيِّ - ﷺ - وهم يَعْلَمُون فيمَ أُنْزِلَ وقالُوا: يَتَسَرَّى العبدُ\" (٣). فجَعَلَ قولَ الصحابةِ مُؤوِّلًا لظاهِرِ الآيَةِ.\nوكان يأخُذُ بالإبهامِ ويحتاطُ في ذلك؛ كما أَخَذَ بحُرمَةِ المرأَةِ على الرجُلِ لمُجَرَّدِ العَقْدِ على ابْنَتِها، وحُرمةِ الزَّوجةِ على أَبِي الزوجِ وإن لم يَدْخُلِ الزوجُ بها؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ. . . وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] (٤)، ومِثْلُ ذلك: حُرمةُ زوجةِ الأَبِ على الولَدِ لمُجَرَّدِ العَقْدِ بلا دُخولٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، كما نقَلَهُ عنه ابنُهُ عبدُ الله (٥)، وكان أحمدُ يقولُ: \"المُبْهَمَاتُ ثَلَاثٌ\"؛ يعني: أُمَّ الزَّوْجَةِ، وزَوْجَةَ الأَبِ، وزَوْجَةَ الوَلَدِ (٦).\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق (٨/ ١٣٥)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٧/ ٣٠٦)؛ من حديث عبد الله بن عُمر - ﵄ -؛ بمثله، وأخرجه البخاري (٢٣٧٩)، ومسلم (١٥٤٣/ ٨٠)؛ بنحوِه.\n(٢) \"مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله\" (ص ٤٢٨).\n(٣) \"العدة في أصول الفقه\" (٢/ ٥٨٨).\n(٤) \"مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه\" للكَوْسَج (٤/ ١٥٤٣ - ١٥٤٤).\n(٥) \"مسائل الإمام أحمد، روايه ابنه عبد الله\" (ص ٣٣٦).\n(٦) \"مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه\" للكوسج (٤/ ١٥٤٦ - ١٥٤٧).","vol":"1","page":22},{"text":"وعندَ احتمالِ الآيةِ العمومَ والخُصوصَ، نَقَلَ عنه عبدُ اللهِ الأخذَ بالعُمومِ، كما في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]؛ قال أحمدُ: \"ما كان في الجاهليَّةِ فظاهِرُها يحتَمِلُ أن يكونَ أَبُوه وجَدُّه وجَدُّ أَبِيه، وقال بعضُ الناسِ: وكذلك أَبُو أُمِّهِ لا يتزَوَّجُ امرَأَتَه\" (١).\nوكان أحمدُ رُبَّمَا خَصَّصَ عامَّ السُّنَّةِ بخاصِّ القرآنِ، كما في قِصَّةِ أبي جَنْدَلٍ (٢)؛ وذلك لَمَّا تصالَحَ النبيُّ - ﷺ - على أنْ يَرُدَّ للمشرِكِينَ مَن جاءَهُم مؤمِنًا، فرَدَّ النبيُّ - ﷺ - الرِّجَالَ ولم يَرُدَّ النِّسَاءَ مع كونِ صُلْحِه عامًّا؛ وفي ذلك قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] (٣).\nوكان يُخصِّصُ عُمومَ القرآنِ بفِعلِ النبيِّ - ﷺ - كما في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ فجَعَلَ القُرْبَ: الجِمَاعَ؛ لفِعلِ النبيِّ - ﷺ - مع أزواجِهِ ونومِهِم في لِحَافٍ واحدٍ (٤).\nوكان يخصِّصُ عمومَ الآيةِ بالقِياس، كما في قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، فكان أحمدُ يقولُ بأنَّ الرجلَ إذا قَذَفَ زوجتَه بعدَ الثلاثِ وله منها ولدٌ يريدُ نَفْيَه: أنَّه يُلَاعِنُ، فقِيلَ له: إنَّ اللهَ يقولُ\n_________\n(١) \"مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله\" (ص ٣٣٦).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٢٧١١، ٢٧١٢)؛ من حديث مروانَ بنِ الحَكَم والمِسْوَر بنِ مَخْرَمَةَ - ﵄ -.\n(٣) \"مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله\" (ص ٢٥٢)، و\"العدة في أصول الفقه\" (٢/ ٥٦٩).\n(٤) \"العدة في أصول الفقه\" (٢/ ٥٧٤).","vol":"1","page":23},{"text":"﴿يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، وهذه ليست بزَوْجِه؟ ! (١)، فاحتَجَّ أحمدُ بأنَّ الرجلَ يُطلِّقُ ثلاثًا وهو مَرِيضٌ فتَرِثُه؛ لأنَّه فَارٌّ مِن المِيراثِ وهذا فارٌّ مِنَ الوَلَد.\nوقدِ اختلَفَ قولُ أحمدَ فيما إذا كانَ في الآياتِ الجِنسُ واحدًا والسببُ مختلِفًا على روايتَيْنِ: روايةٍ ببناءِ المُطْلَقِ على المُقَيَّدِ كما في قولِه في العِتْقِ بالظِّهَار، فيرى أنَّ الرَّقَبَةَ مؤمِنَةٌ مثلَ كفارةِ القَتْلِ، وروايةٍ ألَّا يُبْنَى المُطْلَقُ على المُقَيَّدِ ويُحْمَلَ المُطْلَقُ على إطلاقِه، كما في حدِّ اليَدِ في التيمُّمِ وحَدِّها في قَطْعِ السَّرِقَةِ، فلم يَجْعَلْ أحمدُ التَّيَمُّمَ إلى المرفقَيْنِ؛ لكونِه بدلًا عنِ الوضوءِ وهو إلى المرفقين (٢)، وجَعَلَ حَدَّ السرقةِ إلى الكَفِّ؛ لأنَّ اللهَ ذَكَرَ اليَدَ في الوضوءِ فحَدَّهَا إلى المرفقَيْنِ وأَطْلَقَها في التيمُّمِ والقَطْعِ؛ فدلَّ على أنَّه إنْ لم تُحَدَّ فهي إلى الكَفِّ (٣).\nولأَحْمَدَ مسالِكُ في التفسيرِ، تُعْرَفُ بالتتَبُّعِ والنَّظَرِ، ولا يجمَعُها بابٌ ولا يَحُدُّها موضِعٌ، وهذا الكتابُ جَمْعٌ لآيات الأحكامِ وتفسيرِها، على سبيلِ التوسُّطِ، لا البَسْطِ والتَّوَسُّع، ومِن اللهِ يُستمَدُّ العَوْنُ والتوفيقُ والتسديدُ.\nعبد العزيز الطريفي\nخاتمةَ صَفَر، عامَ ستةٍ وثلاثينَ وأربعِ مئةٍ وأَلْف\n_________\n(١) \"العدة في أصول الفقه\" (٢/ ٥٥٩ - ٥٦٠).\n(٢) \"العدة في أصول الفقه\" (٢/ ٦٣٨).\n(٣) \"العدة في أصول الفقه\" (٢/ ٦٣٨ - ٦٣٩).","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>سُورَةُ البَقَرَة</span>\nسورةُ البَقَرَةِ سورةٌ مَدَنِيَّةٌ، كما قالَه ابنُ عباسٍ وابن الزُّبَيْرِ، وقد حكَى غيرُ واحدٍ الإجماعَ على هذا، وقد قالَ أحمدُ: \"أربَعُ سُوَرٍ نَزَلَتْ بالمدينةِ: البقرةُ، وآلُ عِمرانَ، والنِّساءُ، والمائدة\".\nوجاء النهيُ عن تَسمِيَتِها سورةَ البقرةِ في حديثٍ لا يَصِحُّ، وفي \"المسنَدِ\" وغيرِه؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - نادَى أصحابَه، فقال: (يَا أَصْحَابَ سُورَةِ البَقَرَةِ)، وفي \"الصحيحَيْن\" قال ابنُ مسعودٍ: \"هذا مَقامُ الذي أُنزِلَتْ عليه سورةُ البَقَرةِ\"، وكانَ شِعَارُ الصحابةِ والتابِعِينَ يومَ قِتالِ المرتَدِّين: (يَا أصحابَ سورةِ البقرةِ).\nوقد تَضَمَّنَتْ سورةُ البقرةِ أحكامًا كثيرةً في الطَّهَارةِ والصلاةِ والصِّيام والحَجِّ والزَّكاةِ، والحُدُودِ والتعزِيرِ، والنِّكاحِ والطَّلاقِ والعِدَدِ والرَّضَاعِ، والمُتْعَةِ، والمعامَلَاتِ والوَصَايا، وفيها مِن قَصَصِ الأنبياءِ وغَيرِهِم للاتِّعاظِ والعِبْرَة.\nقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].\nأخبَرَ اللهُ تعالى ملائكتَهُ بأنَّه سبحانَهُ سيَجْعَلُ خليفةً في الأرضِ، والخليفةُ هو العامرُ لها، ويخلُفُهُ مِن ذريَّتِهِ خلفاءُ يتتابَعونَ تناسُلًا جيلًا بعدَ جيلٍ إلى ما شاء اللهُ.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الحكمةُ من الخلقِ والاستخلافِ:</span>\nوإنَّما ذكَرَ اللهُ هذه الآيةَ بعدَ آيةِ خلْقِ السمواتِ والأرضِ، وعطَفَها عليها بالواوِ؛ ليبيِّنَ تسلسُلَ العملِ، وأنَّ الحقائقَ لا تَرْسَخُ في الأذهانِ إلا بذِكْرِ مَبْدَئِها مُتسلسِلًا؛ وبذلك تَقْوَى القناعاتُ، ويحصُلُ التسليم، ولِيُثْبِتَ سبحانَهُ لعبادِهِ أنَّ هذه المخلوقاتِ: الشمسَ والقمرَ، والأفلاكَ والأرضَ، خُلِقَتْ للإنسانِ المستخلَفِ وتدبيرِ شأنِهِ، وهذا إكرامٌ لبني آدمَ، وعبادةُ الإنسان لهذه المخلوفاتِ تنكيسٌ لمقادير الخليقةِ؛ فمَن عبَدَ الشجرَ والحَجَرَ والكواكبَ مِن دونِ اللهِ - وهي مخلوقةٌ له - لم يَعْرِفِ الحِكْمةَ مِن الخلْقِ، وإنَّما عبَدَ شيئًا خُلِقَ لأجلِهِ، وهذا مع كونِهِ جهالةً عقليَّةً، فهو ضلالةٌ في الشريعةِ وشِرْكٌ في حقِّ اللهِ سبحانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>سبب ضلال الناس:</span>\nومن أعظمِ ما يُوقِعُ الإنسانَ في الخطإِ والشرِّ: جهلُهُ بمقاديرِ الأشياءِ وقِيَمِها؛ فجهلُ الإنسانِ بنفسِهِ وبغيرِهِ، وذَهَابُ الحِكْمةِ مِن إيجادِهِ عنه، يجعلُهُ يَتَّجِهُ إلى غيرِهِ بنظرٍ خاطئٍ، ومعرفتُهُ بنفسِهِ وجهلُهُ بغيرِهِ كذلك؛ فمَن عرَفَ الأشياءَ على الحقيقةِ، عدَلَ في نفسِهِ معها، ومَن جَهِلَ قيمةَ سلعةٍ باعَها ببَخْسٍ.\nوسببُ الشرِّ في بني آدمَ هو إعراضُهم عمَّا عَرَّفَ اللهُ به المخلوقاتِ، وعن مَنْزِلتهم عندَها، فوقَعُوا في أنواعِ الشركِ؛ خوفًا ومحبةً، وطاعةً وعبادةً، ورجاءً وغيرَ ذلك.\nولذا قال - ﷾ - في أوائلِ الآياتِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٨، ٢٩]، فبدَأَ يَرجِعُ الإنسانَ ويعرِّفُهُ بما نَسِيَهُ مِن أصلِهِ وأصلِ غيرِهِ؛ ليَعرِفَ الحقائقَ والأصولَ على وجهِها، وأنَّ اللهَ أمَرَ الملائكةَ بالسجودِ لآدمَ؛ فكيفَ يسجُدُ بنو آدَمَ لِحَجَر؟ !","vol":"1","page":26},{"text":"وقولُهُ تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾:\nالتخالُفُ هو التعاقُبُ على الشيءِ، والخَلْفُ: ما وراءَ الشيءِ؛ قال تعالى: ﴿لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢]، وفي الحديثِ في \"صحيحِ مسلمٍ\"؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ في دعاءِ السَّفَرِ: \"أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ\" (١)، وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾ [الأنعام: ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]، وقال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤].\nإِذَنْ: فالخليفةُ هو: الذي يأتي بعد غيرِهِ؛ والبَشَرُ يتخالَفُونَ على ما هم فيه مِن سُكْنَى الأرضِ وعِمارتِها، وتدبيرِ الشأنِ العامِّ والخاصِّ، وعلى الأمرِ والحُكْمِ؛ ولذا سُمِّيَ الأميرُ: \"خليفةً\". وقد كان أبو بكرٍ يسمَّى خليفةَ رسولِ اللهِ، وكذلك عمرُ؛ قال عمرُ بنُ الخطَّابِ - ﵁ -: \"لو أَطَقْتُ الأذانَ مع الخِلِّيفَى، لأَذَّنْتُ\"؛ يعني: الخلافةَ؛ رواهُ عبدُ الرزَّاقِ، وابنُ أبي شَيْبةَ (٢). قال ابنُ جريرٍ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ منِّي يخلُفُني في الحُكْمِ بين خَلْقي (٣).\nوذلك الخليفةُ هو آدمُ ومَن قامَ مقامَهُ في طاعةِ اللهِ والحُكْمِ بالعَدْلِ بينَ خلْقِهِ وأمَّا الإفسادُ وسفكُ الدماءِ بغيرِ حقِّها، فمِن غيرِ خلفائِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>الحكمةُ من التأميرِ، وحكمُهُ:</span>\nومِن هذا يُؤخَذُ وجوبُ التأميرِ على الجماعةِ؛ لأنَّ تخالُفَ البشرِ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٣٤٢) (٢/ ٩٧٨).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنَّفه\" (١٨٦٩) (١/ ٤٨٦)، وابن أبي شيبة في \"مصنَّفه\" (٢٣٣٤) (١/ ٢٠٣).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١/ ٤٧٩، ط. هجر).","vol":"1","page":27},{"text":"مجرَّدًا علامةُ فسادِهم، وهذا ما قصدَتْهُ الملائكةُ في قْولِهم مستفهِمينَ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾؟ ! لأنَّ الجِنَّ سبَقُوا البشرَ في الأرضِ، فأفسَدُوا واقتتَلُوا؛ روى ابنُ جريرٍ، وابنُ أبي حاتمٍ، وغيرُهما، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ؛ في قولِهِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، إلى قولِه: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣]؛ قال: خلَقَ اللهُ الملائكةَ يومَ الأربِعاءِ، وخلَقَ الجِنَّ يومَ الخميسِ، وخلَقَ آدمَ يومَ الجُمُعَةِ؛ فكفَرَ قومٌ مِن الجنِّ، فكانتِ الملائكةُ تَهبِطُ إليهم في الأرضِ فتُقاتِلُهم، فكانتِ الدماءُ بينَهم، وكان الفسادُ في الأرض، فمِن ثَمَّ قالُوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾؛ كما أفسَدَتِ الجنُّ، ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾؛ كما سَفَكُوا (١).\nورُوِيَ هذا عن الضَّحَّاكِ عن ابنِ عبَّاسٍ (٢).\nوإنَّما كان الفسادُ لازمًا عن وجودِ الاستخلافِ؛ لأنَّ البشرَ المستخلَفِينَ يتناسَوْنَ ما يقعُ مِن خطإِ آبائِهم، فيتكرَّرُ فيهم ما سبَقَ في غيرِهم، بخلافِ مَن يعمَّرُ ويخلَّدُ دائمًا بلا استخلافٍ، فإنَّ الخطأَ يقَعُ منه مرةً ولا يتكرَّرُ غالبًا؛ لأنَّه يَذكُرُهُ بنفسِهِ، ويذوقُ ألمَهُ بحواسِّه.\nثمَّ إنَّ مَن يُستخلَفُ يُنازِعُ غيرَهُ على البقاءِ، ويتشبَّثُ بأسبابِه، ويخافُ مِن الموتِ ويترقَّبُهُ، ويهرُبُ من أسبابِه؛ ليدومَ بقاؤُهُ أطولَ؛ لهذا نشَأَ في البشرِ الحسدُ والكذبُ والتدليسُ والسرقةُ والقتلُ منازَعَةً لسلامةِ الحياةِ والبقاءِ فيها.\nولا يستقيمُ حالُ بني آدمَ إلا بخليفةٍ يحكُمُ بالعدلِ؛ ولهذا نجدُ أنَّ كلَّ فسادِ الناسِ يكونُ بخروجِهم عن حُكْمِ اللهِ، وحُكْمُ اللهِ لا بدَّ له مِن قائمٍ به، وهو الخليفةُ؛ فالفسادُ يتحقَّقُ بخروجِ الخليفةِ عن حُكْمِ اللهِ، وبخروجِ المحكومِ عن حكمِ الخليفةِ إذا حكمَ بحكمِ اللهِ وبما لا يُنافِيه.\nومِن الوجوهِ على وجوبِ التأميرِ: أنَّ اللهَ أمَرَ الناسَ بالاجتماعِ،\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١/ ٤٩٤)، وتفسير ابن أبي حاتم (١/ ٧٧).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١/ ٤٧٨).","vol":"1","page":28},{"text":"ونَهَى عن التفرُّقِ والوَحْدةِ؛ ففي \"السننِ\"؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - قالَ: (يَدُ اللهِ مَعَ الجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَدَّ شَدَّ إِلَى النَّارِ) (١).\nوروى أحمدُ، وأبو داودَ، عن أبي الدَّرْدَاءِ؛ قال: قال - ﷺ -: (عَلَيْكَ بِالجَمَاعَةِ؛ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ) (٢).\nوالوَحْدة يستقيمُ أمرُ الإنسانِ بها بلا فسادٍ غالبًا؛ لأنَّ الفسادَ يتحقَّقُ باجتماعِهِ مع غيرِهِ، كما يحصُلُ الزِّنى والسرقةُ والقتلُ والغِيبةُ وغيرُ ذلك، ومع هذا فقد أمَرَ اللهُ بالاجتماعِ؛ لأنَّ منافعَ الاجتماعِ أكثرُ من مضارِّهِ، ولا بدَّ لهذه المفاسدِ الناشئةِ عن الاجتماعِ من حُكمٍ يضبِطُ، ونظامٍ يحكُمُ.\nودفعُ الفسادِ لا يكونُ إلا بإمامٍ عَدْلٍ؛ لذا وجَبَ التأميرُ على الناسِ في الحَضَرِ والسَّفَرِ؛ لأنَّ أمرَ الجماعةِ لا يصلُحُ إلا بذلك، وتُدفَعُ له المشاحَّةُ فيما بينَهم؛ وما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ.\nوتتحقَّقُ الوِلَايةُ من وجهَيْنِ:\nأولًا: ثبوتُ النصِّ من الوحيِ بذلك، والنصُّ: إمَّا أنْ يكونَ عامًّا، أو خاصًّا - والخاصُّ رُفِعَ بانقطاعِ الوحيِ -:\nأَمَّا النصُّ الخاصُّ: فكثبوتِ خلافةِ أبي بكرٍ؛ فإنَّ خلافتَهُ دلَّ عليها الدليلُ الصحيحُ؛ لأمورٍ ليس هذا مَحَلَّ بسطِها.\nوإمامةُ الصلاةِ في الصدرِ الأولِ كانت للإمامِ الأعظمِ، وقد كان النبيُّ - ﷺ - يقدِّمُ أبا بكرٍ فيها، وإذا أرسَلَ سَرِيَّةً، جعَلَ الأميرَ يصلِّي فيهم، وهكذا بنبغي للمسافرِينَ أنْ يصلِّيَ فيهم أميرُهم؛ ففي \"المصنَّفِ\" لعبدِ الرزَّاقِ، عن مُهاجِرِ بنِ ضَمْرَةَ؛ قال: اجتمَعَ أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، فقال سعيدٌ لأبي سَلَمةَ: حدِّثْ؛ فإنَّا\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٢١٦٧) (٤/ ٤٦٦).\n(٢) أخرجه أحمد (٢٧٥١٤) (٦/ ٤٤٦)، وأبو داود (٥٤٧) (١/ ١٥٠).","vol":"1","page":29},{"text":"سنَتَّبِعُكَ، ففال أبو سلمةَ: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ في سَفَرٍ، فَلْيَؤُمَّهُمْ أقْرَؤُهُمْ، فَإِنْ كَانَ أَصْغَرَهُمْ سِنًّا، فَإِذَا أمَّهُمْ فَهُوَ أَمِيرُهُمْ)؛ قال أبو سَلَمةَ: فذاكُم أميرٌ أمَّرَهُ رسولُ اللهِ - ﷺ - (١).\nوأمَّا النصُّ العامُّ: فكقولِهِ - ﷺ -: (الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ) (٢).\nفإذا اسْتَوَى إمامانِ في أحقيَّةِ الخلافةِ، فالقرشيُّ يقدَّمُ على غيرِ القرشيِّ بالنصِّ.\nوإنَّما عُرِفَتْ إمامةُ أبي بكرٍ بالاستفاضةِ المعنويَّةِ، وقد تجتمعُ القرائنُ وتستفيضُ؛ فتكونُ كالنصِّ الواحدِ الصريحِ، وإنَّما لم يذكُرِ النبيُّ - ﷺ - اسمَ الخلافةِ صريحةً بعدَهُ لأبي بكرٍ؛ لمنزلةِ الشُّورَى وتطييبِ نفوسِ الأمَّةِ باختيارِ واليها؛ ففي \"المسندِ\"، و\"جامعِ الترمذيِّ\"، عن عليٍّ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (لَوْ كُنْتُ مُؤَمِّرًا أَحَدًا مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ، لأَمَّرْتُ ابنَ أُمِّ عَبْدٍ)؛ رواهُ أبو إسحاقَ، عن الحارثِ وعاصمِ بنِ ضَمْرةَ؛ كلاهُما عن عليٍّ، به (٣)، والمرادُ بابنِ أمِّ عبدٍ: عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ - ﵁ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>وجوب الشورى في الولاية العامة:</span>\nوأصلُ الوِلايةِ الشرعيَّةِ، والخِلافةِ النبويَّةِ: أنْ تكونَ بالشُّورى، ويُقابِلُها المُلْكُ والتغلُّبُ والغَصْبُ، وكلُّ ما كان في الخلفاءِ الراشدينَ فهو شُورَى.\nوأمَّا استخلافُ أبي بكرٍ لعمرَ، فقد كان استئناسًا بنصوصِ الوحيِ الدالَّةِ على فضلِهِ ومنزلتِهِ بعدَهُ، وتقديمًا له ليختارُوهُ، لا أنَّه ألزَمَهم به،\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنَّفه\" (٣٨١٢) (٢/ ٣٩٠).\n(٢) أخرجه أحمد (١٢٣٠٧) (٣/ ١٢٩)، والبخاري (٣٥٠٠) (٤/ ١٧٩)، ومسلم (١٨٢١) (٣/ ١٤٥٢).\n(٣) أخرجه أحمد (٥٦٦) (١/ ٧٦)، والترمذي (٣٨٠٩) (٥/ ٦٧٣).","vol":"1","page":30},{"text":"ففعلُهُ كالنصحِ الذي أخَذَت به الأُمَّةُ ولَزِمَتْه لمنزلةِ الناصحِ؛ ولذا يُشرَعُ للخليفةِ الصالحِ أنْ ينصَحَ مستخلِفًا بعدَهُ لا ملزِمًا للناسِ به؛ حتى لا يختَلِفُوا ويقتتِلُوا عليه؛ ولذا روى البخاريُّ عن عمرَ بنِ الخطابِ؛ قال: \"مَنْ بايَعَ رجلًا على غيرِ مشورةٍ مِن المسلِمينَ، فلا يُتابَعُ هو ولا الذي بايَعَهُ؛ تَغِرَّةً أن يُقْتَلَا\" (١)؛ أيْ: حذَرًا مِن القتلِ والفتنةِ في المسلِمينَ بسببِ عدَمِ الشُّورى فيهم.\nووصيةُ الإمامِ ونصحُهُ لمَن بعدَهُ يكونُ على صورتَيْنِ:\nالأُولى: أنْ ينصَحَ بإمام بعينِهِ أنْ يستخلِفَهُ الناسُ مِن بعدِهِ، فإنْ رَضُوهُ، مَضَى؛ كما فعَلَ أبو بكرٍ مع عُمَرَ، وإنْ لم يَرْضَوْهُ، لم تصحَّ وِلايتُه.\nالثانيةُ: أنْ ينصَحَ بتعيينِ أهلِ شُورى وحَلٍّ وعَقْدٍ أنْ يختارُوا للناسِ إمامًا؛ كما فعَلَ عمرُ؛ حتى لا يتنازَعَ الناسُ في تعيينِ أهلِ الحَلِّ والعَقْدِ والشُّورى منهم؛ فقد روَى مسلمٌ؛ مِن حديثِ معْدَانَ بنِ أبي طلحةَ؛ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ خطَبَ يومَ الجُمُعةِ، فذكَرَ نبيَّ اللهِ - ﷺ -، وذكَرَ أبا بكرٍ؛ قال: إنِّي رأيتُ كأنَّ دِيكًا نَقَرَني ثلاثَ نَقَرَاتٍ، وإنِّي لا أُرَاهُ إلا حُضُورَ أَجَلِي، وإنَّ أقوامًا يأمُرُونَني أنْ أَستخلِفَ، وإنَّ اللهَ لم يكنْ لِيُضَيِّعَ دِينَهُ، ولا خِلافتَهُ، ولا الذي بعَثَ به نبيَّهُ - ﷺ -، فإنْ عَجِلَ بي أمرٌ، فالخلافةُ شُورى بينَ هؤلاءِ الستَّةِ (٢).\nوتعيينُ عمرَ لأهلِ الشُّورى نصحٌ ووصيةٌ لقَبُولِ الناسِ لرأيِهِ وثقتِهم فيه، فأرادَ أنْ يَجْمَعَهم، لا أنْ يترُكَهم فيتنازَعُوا.\nوإذا لم يَقْبَلِ الناسُ تعيينَ أهلِ الشُّورى مِن قِبَل الإمامِ لم يكُنْ ذلك ماضيًا عليهم؛ لأنَّ أهلَ الشُّورى ليسُوا بأَوْلى مِن الإمامِ المُستخلَفِ، فإذا كان الاستخلافُ لا يصحُّ إلا برِضا أهلِ الشُّورى، فمِن بابِ أولى أنَّ أهلَ الشُّورى لا يمضُونَ إلا بأنْ يَرْضَى عنهم الناسُ الذين تكونُ بهم شَوْكةٌ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٨٣٠) (٨/ ١٦٩).\n(٢) أخرجه مسلم (٥٦٧) (١/ ٣٩٦).","vol":"1","page":31},{"text":"فإذا رضِيَ الناسُ أهلَ الشُّورى، فقطَعُوا على مبايعةِ إمامٍ مِن المسلِمينَ، وجَبَ الْتِزامُها عندَ أكثرِ العلماءِ، وحَكَى إمامُ الحَرَمَيْنِ الإجماعَ على ذلك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>الوجهُ الثاني لتحقُّقِ الوِلاية:</span>\nأنْ يَقْهَرَ إمامٌ مسلمٌ الناسَ على طاعتِهِ، فيتولَّى الأمرَ بالقوةِ، فيتمكَّنَ منهم، فإنَّه حينئذٍ يُسمَعُ له ويُطاعُ؛ دفعًا للشرِّ والخلافِ والفتنةِ وإراقةِ الدماءِ؛ وقد نصَّ عليه الشافعيُّ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>ولايةُ المتغلِّب:</span>\nوالإمامُ المتغلِّبُ: هو الذي يتغلَّبُ لحظِّ نفسِهِ، وحبًّا في المُلْكِ والأثَرَةِ، وليس الذي يتغلَّبُ لإقامةِ شرعٍ غيرِ شرعِ اللهِ، فيحكِّمُ ويشرِّعُ غيرَ شرعِهِ، مُحِلًّا ما حرَّمَ الله، ومحرِّمًا ما أحلَّ اللهُ؛ فهذا - وإنْ عَجَزَ الناسُ عن دفعِهِ، لقوَّتِهِ وعِظَمِ المفسدةِ في رفعِهِ - إلا أنَّ بيعتَهُ لا تنعقِدُ إمامًا للمسلِمينَ، لكنْ يُصْبَرُ عليه إلى حينِ التمكُّنِ والقدرةِ عليه، أو يُتربَّصُ به حتى يَهْلِكَ فيُستراحَ منه بغيرِهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>تعدُّد الولاة وبلدان الإسلام:</span>\nالأصلُ: وجوبُ جمعِ المسلمين على إمامٍ واحدٍ، وإذا تعذَّر ذلك، فإِنَّه يجوزُ نصبُ إمامَيْنِ وأكثرَ في الأرضِ، على كلِّ قُطْرٍ واحدٌ؛ وذلك أنَّ اللهَ يبعَثُ نبيَّيْنِ في زمنٍ واحدٍ؛ كلُّ نبيٍّ إلى أُمَّةٍ، والنبيُّ نبيٌّ وخليفةٌ حاكمٌ مُطاعٌ، ومع اتِّساعِ رُقْعةِ العالَمِ الإسلاميِّ وترامِي أطرافِ البلدانِ الإسلاميَّةِ قد يَشُقُّ أنْ يتولَّى واحدٌ على جميعِها فيدومَ؛ فإنَّ ضَعْفَ قدرةِ الإنسانِ وقِصَرَ بسطتِهِ يجعلُهُ يضعُفُ عن الإحاطةِ بطبائعِ البشرِ وجَمْعِهم\n_________\n(١) من \"غياث الأمم، والتياث الظلم\".\n(٢) \"البيان في مذهب الإمام الشافعي\" للعمراني (١٢/ ١٤).","vol":"1","page":32},{"text":"على أمرٍ واحدٍ دائم، ولكنْ يقالُ: إنْ أمكَنَ جمْعُهم مِن البقاعِ تحتَ وِلايةٍ واحدةٍ، فهو أولى بالاتِّفاقِ، وبعضُ العلماءِ يحكِي الإجماعَ على وجوبِ ذلك.\nوعند تعدد الأمراء المسلمين فكل حاكم له ولايته على أرضه يُسمع له ويُطاع فيما، ومن خرج عن أرضه من رعيته إلى بلد مسلم آخر فيسمع ويطيع لمن في ذلك البلد، وليس عليه للأول شيء لخروجه عن سلطانه، وقد خرج عبادة بن الصامت وأبو الدرداء من حكم معاوية حتى لا يكون لمعاوية عليهما أمر، قال عبادة: \"لا أساكنك بأرض لك عليَّ فيها إمرة\"؛ وكان ذلك في خلافة عمر فأقرهما (١). وإن تعددت بلدان الإسلام وحكامهم فليس لحاكم منهم أن يمنع أحدًا أن يتحوّل إلى بلد آخر منها؛ لأن منعه من ذلك منع من حقه بسكنى الأرض وحرية السعي فيها، ولا يكون ذلك إلا بعقوبة الحبس؛ لأن المنع من الخروج من الحي والبلد نوع من الحبس، والحبس عقوبة لا تنزل إلا بجُرْم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>التأميرُ في السفرِ، وحكمُهُ:</span>\nوالتأميرُ كما يكونُ في الحضرِ، يكونُ في السفرِ؛ يؤمِّرُ الجماعةُ فيما بينَهم أميرًا عليهم؛ سواءٌ كان سفرَ جهادٍ أو حجٍّ أو عمرةٍ، أو سفرًا مباحًا؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦].\nوفي الحديثِ الذي رواهُ أحمدُ ومسلمٌ وغيرُهما؛ من حديثِ بُرَيْدَةَ؛ قال: كان رسولُ اللهِ - ﷺ - إذا أَمَّرَ أميرًا على جيشٍ أو سَرِيَّةٍ، أَوْصاهُ في خاصَّتِهِ بتقْوَى اللهِ (٢).\nوروى أبو داودَ وغيرُهُ، عن أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ - رضِي اللهُ\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (١/ ٨)، ومالك في \"الموطأ\" (٤/ ٩١٦).\n(٢) أخرجه أحمد (٢٣٠٣٠) (٥/ ٣٥٨)، ومسلم (١٧٣١) (٣/ ١٣٥٧).","vol":"1","page":33},{"text":"تعالى عنهما - قالا: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ في سَفَرٍ، فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ) (١).\nوالصوابُ في هذا الحديثِ: الإرسالُ مِن حديثِ ابنِ عَجْلانَ، عن نافعٍ، عن أبي سلمةَ؛ مرسَلًا (٢)، وقد رجّح الإرسالَ فيه أبو حاتمٍ وأبو زُرْعةَ (٣).\nويجوزُ على القومِ في السفرِ وغيرِهم: أنْ يغيِّرُوا الأميرَ بلا طُرُوءِ مفسدةٍ فيما بينَهم، ولو في أثناءِ طريقِهم؛ فقد روى عبدُ الرزَّاقِ في \"مصنَّفِهِ\"، عن عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ؛ قال: لقِيَ عمرُ بنُ الخطابِ رَكْبًا يُريدونَ البيتَ، فقال: \"مَن أنتُم؟ \"، فأجابَهُ أحدثُهم سنًّا، فقال: عبادُ اللهِ المسلِمونَ، قال: \"مِن أينَ جئتُم؟ \"، قال: مِن الفَجِّ العميقِ، قال \"أين تُريدونَ؟ \"، قال: البيتَ العتيقَ، قال عمرُ: تأوَّلَها لَعَمْرُ اللهِ! فقال عمرُ: \"مَن أميرُكم؟ \"، فأشارَ إلى شيخ منهم، فقال عمرُ: \"بل أنتَ أميرُهم\"؛ لأحدَثِهم سِنًّا الذي أجابَهُ بجيِّدٍ (٤).\nوقد اختلَفَ العلماءُ في التأميرِ في السفرِ، مع اتِّفاقِهم على مشروعيَّتِه:\nفذهَبَ إلى الوجوبِ جماعةٌ؛ كابنِ تَيْمِيَّةَ (٥).\nوذهَبَ آخَرونَ إلى الاستحبابِ؛ كابنِ خُزَيْمَةَ (٦).\nوالتأميرُ إذا كثُرَ الناسُ، كان أوجَبَ وآكَدَ؛ لأنَّهم أقرَبُ إلى الفُرْقةِ والاختلافِ، وإذا قلُّوا - كسفرِ الاثنَيْنِ - كان الأمرُ أخفَّ وأهوَنَ.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢٦٠٨) (٣/ ٣٦).\n(٢) \"علل الدارقطني\" (٩/ ٣٢٧).\n(٣) \"علل ابن أبي حاتم\" (٢/ ٧٦).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٣٨١٣) (٢/ ٣٩٠).\n(٥) \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ٦٥).\n(٦) \"صحيح ابن خزيمة\" (٤/ ١٤٠).","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>استفهامُ المأمورِ عن أمر الآمِرِ:</span>\nوفي استفهامِ الملائكةِ عن حِكْمةِ الأمرِ: جوازُ سؤالِ المخبَرِ والمأمورِ عن حِكْمةِ ما يخبَرُ أو يؤمَرُ به، وأنَّ ذلك ليس مِن الخروجِ عن الأدبِ، ولا يُنافي تمامَ التسليمِ؛ فاللهُ وصَفَ ملائكتَهُ بقولِهِ: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧].\nواستفهامُ المحكومِ عن أمرِ الحاكمِ في أمرٍ يَفعلُهُ فيهم؛ عن حِكْمتِهِ وعلةِ أمرِهِ - جائزٌ، ويجبُ عليه أن يبيِّنَ قَصْدَهُ في ذلك، وهذا عامٌّ في كلِّ آمِرٍ إلا اللهَ - ﷾ -؛ لأنَّه - جلَّ وعلا - لا يُسأَلُ سؤالًا يقتضِي حَتْمَ الجوابِ عليه؛ لأنَّه المعبودُ سبحانَهُ، والسؤالُ يَلزَمُ منه إفادةٌ بعِلْمٍ، وما كلُّ علمٍ تُدْرِكُهُ العقولُ البشريَّةُ؛ لهذا أجمَلَ اللهُ القولَ لملائكتِهِ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nوربَّما كانت هناك علومٌ لا تُدرَكُ على وجهِها؛ لِسَعَتِها وضعفِ عقلِ الإنسانِ وإدراكِهِ وضعفِ خِلْقتِهِ؛ فبعضُ العلومِ والمعارفِ الواسعةِ لو قِيلتْ للإنسانِ، أفسَدَتْهُ وحيَّرتْهُ، والعيبُ ليس فيها؛ وإنَّما في قصورِ عقلِهِ عن استيعابِها؛ فعقل الإنسانِ وعاءٌ لا يَحتمِلُ إفاضةَ البحرِ فيه، ولو أفَضْتَهُ فيه، لَفَسَدَ وتاهَ وضاعَ في بحرِ الحَيْرَةِ، كما يضيعُ الإناءُ إذا أُفيضَ البحرُ عليه فينغمِرُ في أعماقِه.\nوهذا كما هو في العقولِ، فهو في بنيةِ الإنسانِ وخِلْقَتِه؛ فهذا موسى - ﵇ - حينَما سأَلَ اللهَ أنْ يراهُ، قال اللهُ له: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣].\nفإذا كانتِ الأبصارُ لا تستطيعُ استيعابَ كثيرٍ من الحقائق، فكذلك العقولُ، فحَجْبُها عنها أصلَحُ لها حتى يخلُقَها اللهُ على خِلْقةٍ أقوَى منها؛ كحالِ الأبصارِ في الجنةِ حينَ تَرَى اللهَ سبحانَه.\nوالملائكةُ حينَما سألتِ اللهَ وهي تعلَمُ عن اللهِ ما لا يعلَمُهُ أكثَرُ","vol":"1","page":35},{"text":"البشرِ، فما أجابَها اللهُ بتمامِ مقصودِها، فورودُ السؤالِ في أذهانِ البشرِ منِ بابِ أولى، وعدمُ إجابةِ اللهِ للبشرِ مِن بابِ أَولى أيضًا.\nبخلافِ العقولِ البشريَّةِ فيما بينَها؛ فبعضُهَا يُدرِكُ ما يُدرِكُهُ أشباهُها؛ لهذا وجَبَ بيانُ الحِكمةِ مِن أمرِ المأمورِ عندَ سؤالِهِ عنه، مع أنَّ امتثالَهُ لأمرِ وليِّ الأمرِ لا يلزَمُ منه فهمُهُ لحكمتِهِ إذا قَصَرَ علمُهُ عن استيعابِه، ما لم يكنْ معصيةً ظاهرةً للهِ؛ فلا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالقِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>جوازُ استعمال القياسِ:</span>\nوعلى استخلافِ اللهِ الجِنَّ في الأرضِ قاسَ الملائكةُ الفسادَ فيها في استخلافِ البشرِ، وفي هذه الآيةِ دليلٌ على جوازِ القياسِ مِن جهةِ الاستدلالِ به، وعلى عدمِ الاعتارِ به أحيانًا أيضًا:\nأمَّا جوازُهُ: فحيثُ قاسَتِ الملائكةُ أمرَ بني آدمَ على أمرِ الجنِّ في الإفسادِ؛ للعِلَّةِ بينهما، وهي الاستخلافُ.\nوأمَّا عدَمُ الاعتبارِ به مع جوازِهِ: فإنَّ اللهَ ما ردَّ قولَ الملائكةِ في قياسِهم؛ وإنَّما بَيَّنَ عدمَ الاعتبارِ به لعلةٍ وحكمةٍ غائبةٍ تليقُ بعلمِ اللهِ، وتقصُرُ عنها مدارِكُ الملائكةِ؛ وهي الفارقُ الذي يمنعُ اعتبارَ القياس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>قاعدةُ درءِ المفاسد:</span>\nوفي الآيةِ: دليلٌ على جوازِ الاستدلال بقاعدةِ: \"دَرْءُ المَفَاسِدِ مقدَّمٌ على جَلْبِ المَصَالِحِ\"، وعلى عدمِ الاعتارِ بها في بعضِ المواضعِ؛ لعلةٍ أقوَى في المصلحةِ:\nأمَّا الاستدلالُ بها على جوازِ هذه القاعدةِ: فهو في قولِ الملائكةِ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾؛ عَلِمُوا مِن خلقِ اللهِ المصلحةَ، فاللهُ لا يخلُقُ شرًّا مَحْضًا، ولا شرًّا غالبًا سبحانَه، ويَعْلَمونَ من حالِ المستخلَفِينَ الفسادَ في الأرضِ، فاستشكَلُوا ذلك، فاستفهَمُوا من اللهِ سبحانَه عن تقديمِ المصلحةِ الغائبةِ عنهم على تلك المفسدةِ الظاهرةِ لهم.","vol":"1","page":36},{"text":"وأمَّا عدَمُ الاعتدادِ بها في هذا الموضعِ، فظاهرٌ؛ وذلك إذا قَوِيَتِ المصلحةُ، وكانتِ المفسدةُ دونَها في الأثرِ؛ فتكونُ المصلحةُ راجحة.\nوكلَّما قوِيَ العالِمُ بالشريعةِ والسننِ الكونيةِ إدراكًا وفهمًا، كان أدرَكَ للمصالحِ والمفاسدِ، وأعلَمَ بأشدِّها تأثيرًا، وقد يغيبُ هذا عن العامَّةِ فيَستشكِلونَه؛ وكما قيل: \"ليس العاقلُ مَن عرَفَ الخيرَ من الشرِّ؛ إنما العاقلُ مَن عرَفَ خيرَ الخيرَيْن، وشرَّ الشَّرَّيْنِ\".\nوقد تكونُ المصلحةُ بعيدةَ الوقوعِ وهي قويةُ الأثرِ، وبُعْدُها أضعَفَها في عينِ المتأمِّلِ، والمفسدةُ ضعيفةَ الأثرِ قريبةَ الوقوعِ، وقُرْبُها قوَّاها في عينِ المتأمِّلِ والناظرِ، وطبيعةُ العقولِ أنَّ حدوثَ الأشياءِ بينَ يَدَيْها يقوِّيها عندَها على غيرِها الغائبِ أو الذي لم يحدُثْ، وللهِ حِكَمٌ دقيقةٌ في خلْقِهِ وحُكْمِهِ تغيبُ عن مخلوقَاتِهِ يدبِّرُ فيها الكونَ ويُدِيرُ فيها الخلائقَ؛ يُدرِكُ العقلاءُ بعضًا، ويغيبُ عنهم أكثَرُهَا.\nواللهُ إنَّما أخبَرَ الملائكةَ بخبرِ خليفةِ الأرضِ؛ لأنَّهم هم مَن يلي شأنَ بَني آدمَ؛ مِن النَّفْخِ، والكتابةِ، والرقابةِ، وشأنِ الموتِ، والمطرِ، والسحابِ، وغيرِ ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>فضلُ التسبيح:</span>\nوقولُ الملائكةِ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾: فيه فضلُ التسبيحِ والتعظيم للهِ، وتسبيحُ الملائكةِ هو كما جاء في \"صحيحِ مسلمٍ\"، عن أبي ذرٍّ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - سُئل: أيُّ الكلامِ أفضلُ؟ قال: (مَا اصْطَفَى اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ) (١).\nوروى البيهقيُّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ قُرْطٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - ليلةَ أُسْرِيَ به، سَمِعَ تسبيحًا في السمواتِ العُلا: (سُبْحَانَ العَلِيِّ الأَعْلَى، ﷾) (٢).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٧٣١) (٤/ ٢٠٩٣).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٢٤) (١/ ٥٢).","vol":"1","page":37},{"text":"وقيلَ: المرادُ بذلك صلاتُهُمْ؛ فاللهُ يسمِّي الصلاةَ تسبيحًا؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣].\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨].\nيخْبِرُنا اللهُ سبحانه: أنَّ إبليسَ سوَّل لآدمَ وحوَّاءَ الأكلَ مِن الشجرةِ التي نهاهما اللهُ عن الأكلِ منها، فأكَلَا منها، وسمَّى اللهُ ما فعَلاهُ زَلَلًا عن الجنةِ، وسببًا للإخراجِ منها، وكأنَّ حقَّ الإنسانِ للبقاءِ في مسكنِهِ وملكِهِ للانتفاع منه يرتفعُ: إمَّا على سبيلِ الدوامِ؛ كما في استحقاقِهِ القتلَ؛ فيستحقُّ إزالةَ أصلِ انتفاعِهِ بإزالتِهِ من الحياةِ، وإمَّا على سبيلِ التأقيتِ؛ وذلك بحرمانِهِ وإزالتِهِ منها لأمدٍ محدودٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>النفيُ وحكمُهُ:</span>\nوفي الآيةِ جوازُ تأديبِ الإنسانِ عندَ ارتكابِهِ جُرْمًا بنفيِهِ، وجوازُ تعليقِ رجوعِهِ إلى حقِّهِ باهتدائِهِ وعَوْدتِهِ إلى رُشْدِهِ؛ فمِن البَشَرِ مَن يؤمِنُ فيستحقُّ العودةَ مع أبيهِ آدمَ، ومنهم مَن يكفُرُ فلا يَرجِعُ؛ ولذا قال تعالى بعدَ ذِكْرِ نفي آدمَ وحواءَ من الجنةِ: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٨، ٣٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>الحبسُ بشرطِ الرجوع إلى الحقّ:</span>\nوقولُ جماهيرِ أهلِ العلمِ من الحنفيَّةِ والمالكيَّةِ والحنابلةِ: إنَّه يجوزُ","vol":"1","page":38},{"text":"إطلاقُ مدةِ السجنِ، وربطُها برجوعِ المُفْسِدِ عن فسادِهِ.\nقال أحمدُ في المبتدِعِ الداعيةِ: يُحبَسُ حتى يَكُفَّ عنها (١).\nوقال بهذا أبو يَعْلَى، وابنُ فَرْحُونَ، وغيرُهم.\nوقال أبو عبدِ اللهِ الزبيريُّ - من أصحابِ الشافعيِّ -: تقدَّرُ غايتُهُ بشهرٍ للاستبراءِ والكشفِ، وبستةِ أشهرٍ للتأديبِ والتقويمِ (٢).\nوقال الماورديُّ: فالظاهرُ مِن مذهبِ الشافعيِّ: تقديرُهُ بما دونَ الحولِ ولو بيومٍ واحدٍ؛ لئلَّا يصيرَ مساويًا لتعزيرِ الحولِ في الزِّنى (٣).\nومحالٌ أَنْ يَعزِمَ رجلٌ على قتلِ رجلٍ أو إفسادٍ في الأرضِ، ويُعلِنَ ذلك وهو في سِجنِهِ، ثمَّ يقولَ عالِمٌ معتبَرٌ: يجوزُ إخراجُهُ ليقتُلَ خَصْمًا يتوعَّدُهُ بلا حقٍّ.\nوإنَّما مرادُ مَن قال مِن العلماءِ بمنعِ إبقاءِ السجينِ في سجنِهِ إلى أَجَلٍ غيرِ معلومٍ: في حالِ التعزيرِ على ذنبٍ وجُرْمٍ، لا في حالِ الخوفِ المتيقَّنِ مِن القيامِ بجُرْمٍ، ولا عبرةَ بالظنِّ هنا، وليس كلُّ ذنبٍ يعزِمُ الإنسانُ على تَكرارِهِ يُسجَنُ فيه إلى أجلٍ غيرِ معلومٍ.\nوالسجنُ عقوبةٌ عندَ عامَّةِ الفقهاءِ مِن السلفِ والخلفِ، ولكنْ يختلِفونَ في تقديرِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>معنى السجنِ والنَّفي:</span>\nوالنفيُ سِجْنٌ موسَّعٌ، والسجنُ عقوبةٌ وعذابٌ للنفسِ أولًا، ثمَّ للبَدَنِ: أنْ تتعطَّلَ قُواهُ عن الحركةِ فتضعُفَ، ويتعطَّلَ عقلُهُ ويُحْرَمَ مِن مشاهدةِ آياتِ الكونِ فيضعُفَ، ويَفْقِدَ الصلةَ بمَن يعرِفُ مِن أهلٍ وقرابةٍ وصداقةٍ، فتَفقِدَ حواسُّهُ الخمسُ مُتْعَتَها، فتتعذَّبَ بذلك؛ ولذا قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥].\n_________\n(١) \"الفروع\" (١٠/ ١١٥)، و\"الإنصاف\" (١٠/ ٢٤٩).\n(٢) \"الحاوي\" (١٣/ ٤٢٥).\n(٣) المصدر السابق.","vol":"1","page":39},{"text":"فلا يجوز المصيرُ إلى السجنِ إلا بجُرْمٍ بيِّنٍ؛ فيُبدَأُ بالنفيِ، وإن استَحَقَّ لعِظَمِ جُرمهِ السجنَ، سُجن.\nومِن العلماءِ مَن يفرِّقُ بينَ النفيِ والسجنِ؛ كابنِ حزمٍ وغيرِهِ (١).\nولا يجوزُ السجنُ لمجردِ النيةِ؛ فآدمُ وحواءُ نهاهُما اللهُ عن قُربِ الشجرةِ، ولا شكَّ أنَّهما نَوَيَا القُرْبَ قبلَ القُرْبِ، واللهُ يَطَّلِعُ على السَّرِيرة، كما يطَّلعُ على الجَرِيرَة، ولم يُعاقِبْ سبحانَه إلا على الفعلِ، ومع هذا لم يُنزلِ اللهُ العقوبةَ عليهما بمجردِ العزمِ والهمِّ والقصدِ الجازمِ.\nبخلافِ وجودِ العزمِ الذي لا يُدفَعُ إلا بالحبسِ؛ حيثُ لا يُؤمَنُ مِن عملِهِ، أمَّا التأديبُ على النيةِ، فلا يجوزُ في الدِّينِ.\nومِن العلماءِ مَن جعَلَ النفيَ مِن الأرضِ لمَن عُجِزَ عن الإمساكِ به ليُعاقَبَ؛ فيُمنَعُ مِن دخولِ بلدِهِ ليُشرَّدَ، ولا يرَوْنه عقوبةً في ذاتِهِ؛ روى عبدُ الرزَّاقِ: أخبرنا إبراهيمُ بنُ أبي يحيى، عن داودَ بنِ الحُصَيْنِ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ أنه قال في المحارِبِ: إنْ هرَبَ وأعجَزَهم، فذلك نفيُهُ (٢)؛ وفيه ضعفٌ.\nوروى عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عبدِ الكريمِ أو غيرِهِ؛ قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جُبَيْرٍ وأبا الشعثاءِ جابرَ بنَ زيدٍ يقولانِ: إنَّما النفيُ ألَّا يُدرَكُوا، فإذا أُدرِكُوا، ففيهم حُكْمُ اللهِ تعالى، وإلا نُفُوا حتى يَلْحَقُوا ببلدِهم (٣).\nوبهذا قال الشافعيُّ (٤).\nوالتوسُّعُ في السجونِ اليومَ - ومِن ذلك السجنُ في أماكنَ ضيِّقةٍ\n_________\n(١) \"المحلى\" (٢/ ٩٩).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٨٥٤٤) (١٠/ ١٠٨).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٨٥٤٦) (١٠/ ١٠٩).\n(٤) \"الأم\" (٦/ ١٥٧).","vol":"1","page":40},{"text":"لا تتَّسِعُ إلا للواحدِ ممتدًّا - جرمٌ عظيمٌ، وخطأٌ جسيم، وعقوبةٌ ما نزَلَ بها الشرعُ؛ قال ابنُ تيميةَ: \"الحبسُ الشرعيُّ: ليس هو السجنَ في مكانٍ ضيقٍ؛ وإنَّما هو تعويقُ الشخصِ ومنعُهُ من التصرُّفِ بنفسِهِ؛ سواءٌ كان في بيتٍ أو مسجدٍ، أو كان بتوكيلِ نفسِ الخَصْمِ أو وكيلِ الخصمِ عليه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>كفاية المنفيِّ والسجين في نفسِهِ وأهله:</span>\nوقولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ﴾، تكفَّلَ اللهُ للمَنْفِيِّ في مَنْفَاهُ بالعيشِ؛ فلا يَنفِي السُّلْطانُ أحدًا في فلاةٍ وصحراءَ لا رِزقَ له فيها ولا مسكنَ يأوِي إليه، فهذا إفضاءٌ إلى قتلٍ، فيجبُ على السُّلْطانِ التكفُّلُ برزقِهِ ورزقِ عيالِهِ مِن ورائِه؛ فاللهُ أهبَطَ آدمَ وزوجَهُ ومع ذلك تكفَّلَ بالمستقَرِّ، وهو القرارُ والسكنُ فيها، وبالمتاعِ؛ وهو ما يُستمتَعُ به مِن لباسٍ وأكلٍ وشربٍ ممَّا يَكْفِيهم.\nوالمتاعُ في كلام العربِ: كلُّ ما استُمتِعَ به مِن شيءٍ؛ مِن معاشٍ استُمتِعَ به، أو رِياشٍ، أو زينةٍ، أو لذَّةٍ، أو غيرِ ذلك؛ ذكَرَهُ ابنُ جريرٍ (٢).\nوقولُهُ تعالى: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾: فيه إشارةٌ إلى أنَّ النفيَ إلى أَجَلٍ، والحِينُ هو القَدْرُ المحدودُ؛ روى ابن جريرٍ في \"تفسيرِهِ\"؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ أبي جعفرِ، عن أبيهِ، عن الربيعِ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾؛ قال: إلى أَجَلٍ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>الحبسُ إلى أجلٍ معلوم:</span>\nوالأصلُ في السجنِ والنفيِ: منع وقوعِهِ بلا حدٍّ، وضبطُ مدةٍ يَعرِفُ الجاني أَقْصاها، ويعرِفُ ورثتُهُ وزوجُهُ ومَن له حقٌّ عليه مِن أهلِ العقودِ والمنافعِ ذلك، ويجوزُ حبسُ مَن لا يَندفعُ شرُّهُ إلا بنفيِهِ وسَجْنِه؛ كمَن\n_________\n(١) \"مجموع الفتاوى\" (٣٥/ ٣٩٨).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١/ ٥٧٨).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١/ ٥٧٨).","vol":"1","page":41},{"text":"يتوعَّدُ بقتلٍ لغيرِهِ، والزنديقِ ليتوبَ؛ فاللهُ جعَلَ بقاء الإنسانِ في الدُّنيا إلى حينٍ، والدنيا منفاهُ وسجنُه؛ ففي \"صحيحِ مسلم\"، عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ) (١).\nوجعَلَ اللهُ أمَدَهُ إلى حدٍّ وعُمْرٍ كتَبَهُ له في الحياةِ لا يستقدِمُ عنه ساعةً ولا يستأخِرُ، وجعَلَ له أمدًا يعرِفُ علاماتِ نهايتِهِ غالبًا بالكِبَرِ والمشيبِ والمرضِ، ويعرِفُ زمنَهُ بالتقريبِ؛ ففي \"السننِ\"، عن أبي هريرةَ - ﵁ -؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (عُمْرُ أُمَّتِي مِنْ سِتِّينَ سَنَةً إِلَى سَبْعِينَ سَنَةً) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>الحكمةُ من إخفاءِ آجالِ البشر:</span>\nوإنَّما لم يُعلِمِ اللهُ الإنسانَ بعُمْرِهِ بالساعاتِ والأيامِ؛ لأنَّ ذلك يكدِّرُ عيشَهُ وصَفْوَهُ؛ فهو يُحِبُّ البقاءَ، ويَكرَهُ الخروجَ منه بالموتِ، بخلافِ السجينِ؛ فهو يُحبُّ الخروجَ منه، ويكرهُ البقاءَ؛ لأنه كان خارجًا فسُجنَ، وأمَّا الجنةُ، فلم يكنِ الإنسانُ فيها حتى يتيقَّنَ خروجَهُ إليها، ولا يدْرِي مصيرَهُ إلى الجنةِ أو إلى النارِ، ولم يُعلِمِ اللهُ ذَوِيهِ ومَن له حقٌّ عيه مِن بعدِهِ؛ لأنَّهم في سجنِهِ معه في الدُّنيا، وحالُهم كحالِهِ يَسْعَدُونَ ويَشَقَوْنَ سواءً، بخلافِ مَن كان حبيسًا في سجنٍ لعقوبةٍ؛ فالناسُ يتمتَّعونَ خارجًا عن عقوبتِهِ، وحالُهم غيرُ حالِهِ.\nويأتي مزيدُ تفصيل في النفيِ والحبسِ إنْ شاء الله تعالى عندَ قولِهِ تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣].\n* * *\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٩٥٦) (٤/ ٢٣٧٢).\n(٢) أخرجه الترمذي (٢٣٣١) (٤/ ٥٦٦)، وابن ماجه (٤٢٣٦) (٢/ ١٤١٥).","vol":"1","page":42},{"text":"قال تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠].\nأمَرَ اللهُ سبحانَهُ بني إسرائيلَ بالوفاءِ بالعهدِ، ولا وفاءَ بعهدٍ إلا وقد سبَقَ عهدٌ بينَهم وبينَ اللهِ يَعْلَمونَه، وقد سمَّاهُ اللهُ ميثاقًا تارةً، وتارةً عهدًا؛ قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، وقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢]، وقال: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ [المائدة: ٧٠]، وقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>عهدُ اللهِ لبني إسرائيلَ:</span>\nوميثاقُهم وعهدُ اللهِ إليهم: هو حِفْظُ الدِّينِ وصيانتُهُ، والقيامُ بواجبِهِ بالبلاغِ والتذكيرِ والتعليمِ، والإيمانُ بالنبيِّ الأُمِّيِّ لو رأَوْهُ أو سمِعوا به؛ هذا عهدُ اللهِ إليهم، وعهدُهم إليه سبحانَه: هو إدخالُهم الجنةَ، وإثابتُهم على ذلك.\nروى أبو نُعَيمٍ في \"الحِلْيَةِ\"؛ مِن حديثِ داودَ بنِ مِهرَانَ؛ قال: سمِعتُ فُضَيْلًا يقولُ في قولِهِ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾؛ قال: أَوْفُوا بما أَمَرْتُكم، أُوفِ لكم بما وعدتُّكم (١).\nوهذا العهدُ نسَبَهُ اللهُ إليهم؛ إكرامًا لهم لو وَفَوْا بعهدِهِ، وإلا فاللهُ جعَلَهُ على نفسِهِ بنفسِهِ؛ روى ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ؛ مِن حديثِ أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عنِ ابنِ عباسٍ؛ في قولِهِ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ\n_________\n(١) \"حلية الأولياء\" (٨/ ١٠٤).","vol":"1","page":43},{"text":"بِعَهْدِكُمْ﴾؛ يقولُ: أَوْفُوا بما أمرتُكم به مِن طاعتي ونهيتُكم عنه مِن معصيتي في النبيِّ - ﷺ - وفي غيرِهِ، ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾؛ يقولُ: أرْضَ عنكم، وأُدخِلْكمُ الجنةَ (١).\nويفسِّرُ هذا قولُهُ - ﷺ - في \"الصحيحينِ\"؛ من حديثِ معاذٍ؛ قال: (حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ: أن يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ: أَلَّا يُعذِّبَ مَنْ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) (٢).\nوهذا نظيرُ قولِهِ تعالى في الخبرِ القُدْسيِّ الذي رواه مسلم: (يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا) (٣).\nفهو مَن يحرِّمُ على نفسِهِ، ويكتُبُ ويُوجِبُ سبحانَه، ولمَّا كان الأمرُ مِن طرَفَيْنِ، أَشبَهَ العهدَ والعقدَ.\nولكنَّ بني إسرائيلَ نقَضُوا العهدَ؛ وبدَّلُوا وحرَّفوا، وكتَمُوا ما لم يستطيعوا تحريفَهُ؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧].\nوفي الآيةِ مسائلُ مِن أظهرِها:\nأولًا: وجوبُ الالتزامِ بالعهودِ والمواثيقِ وأدائِها إلى أهلِها كما هي، وأنَّها لا تسقُطُ الا بفسخِها مِن الطرَفَيْنِ؛ قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨، والمعارج: ٣٢].\nوإنَّما كانتِ العهودُ والمواثيقُ بينَ العبادِ مشابهةً لعهودِهم مع الخالقِ سبحانَه في وجوبِ الوفاءِ والالتزامِ بها؛ لأنَّ اللهَ - جلَّ وعلا - جعَلَ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١/ ٥٩٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٩٦).\n(٢) أخرجه البخاري (٢٨٥٦) (٤/ ٢٩)، ومسلم (٣٠) (١/ ٥٨).\n(٣) أخرجه مسلم (٢٥٧٧) (٤/ ١٩٩٤).","vol":"1","page":44},{"text":"الوفاءَ بينَ العبادِ والعدلَ بينَهم والتظالُمَ مشابهًا لعدلِهِ - ﷺ - مِن جهةِ الاشتراكِ المعنويِّ في وجوبِ العدلِ وتحريمِ الظلمِ؛ ففي \"صحيحِ مسلمٍ\"، عن أبي ذرٍّ، عن النبيِّ - ﷺ - فيما روى عن اللهِ - ﵎ - أنَّه قال: (يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلَا تَظَالَمُوا. . .) الحديثَ (١).\nفدلَّلَ سبحانَه لعبادِهِ على تحريمِ التظالُمِ بكونِهِ محرَّمًا عليه؛ فقد حرَّمَ على نفسِهِ أنْ يَظلِمَ أحدًا بعدمِ إعطائِهِ ما جعلَهُ سبحانَهُ حقًّا له، فكذلك العبادُ فيما بينَهم؛ فالظلمُ إذا حرَّمَهُ اللهُ على نفسِهِ وله حقٌّ تامٌّ على عبادِهِ، فهو بينَ العبادِ المُتساوِينَ مِن بابِ أَولى.\nوقولُهُ: (وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا): إشارةٌ إلى العقودِ والعهودِ وشبهِها التي يجبُ فيها الوفاءُ، ويدخُلُ في ذلك حُرْمةُ التعدِّي؛ لأنَّها داخلةٌ في أصلِ ما تعاهَدَتْ عليه البشريَّةُ مِش بَذْلِ الأمانِ ولو عُرْفًا، أو بالتحيةِ التي يبذُلُها بعضُهم لبعضٍ: \"السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ\".\nثانيًا: أنَّ تفريطَ أحدِ المتعاهدَيْنِ موجِبٌ لسقوطِ حقِّهِ في وفاءِ الآخَرِ له، والعقودُ والعهودُ لها شروطٌ، ومِن حيثُ جهاتُها هي نوعانِ:\nالنوعُ الأولُ: شروطُ الخالقِ مع المخلوقِ، وهي كشروطِ العباداتِ التي فرَضَها اللهُ معها؛ كشروطِ الصلاةِ ونحوِها؛ فمَن ترَكَ شرطًا متعمِّدًا بلا عذرٍ، بطَلَتْ صلاتُهُ، ولم يستحقَّ الأجرَ؛ كسَتْرِ العورةِ، ومَن ترَكَ شرطًا بعذرٍ؛ كعادمِ الماءِ والترابِ، وعادمِ الثوبِ للعورةِ، فصلاتُهُ صحيحةٌ رحمةً مِن اللهِ ولطفًا.\nولا يُتصوَّرُ الإخلالُ بالشروطِ إلا مِن العبدِ؛ لضعفِهِ وقصورِ أهليَّتِهِ بنسيانٍ وضعفٍ وعجزٍ وعنادٍ.\n_________\n(١) سبق تخريجه قريبًا (ص ٤٤).","vol":"1","page":45},{"text":"النوعُ الثاني: شروطٌ في العقودِ بينَ الخَلْقِ؛ كالعقودِ على البيوعِ والنكاحِ وشبهِها؛ فهذه يجبُ الوفاءُ بها بالاتِّفاقِ؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨، والمعارج: ٣٢].\nوالإخلالُ بشرطٍ مِن شروطِ العقدِ موجبٌ لحقِّ الفسخِ إنْ أرادَ صاحبُ الحقِّ فَسْخَه، وإن أرادَ إجازتَهُ، فله ذلك.\nفروى أبو داودَ في \"سننِهِ\"؛ من حديثِ مَرْوانَ بنِ محمدٍ، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، أو عبدِ العزيرِ بنِ محمدٍ، عن كَثِيرِ بنِ زيدٍ، عن الوليدِ بنِ رَبَاحٍ، عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (المُسْلِمونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ) (١).\nورواهُ البخاريُّ في \"صحيحِه\"، معلَّقًا بصيغةِ الجزمِ؛ فقال: وقال النبيُّ - ﷺ -: (المُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ) (٢).\nوروى الترمذيُّ في \"سننِهِ\"؛ مِن حديثِ كَثِيرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ عَوْفٍ المُزَنِيِّ، عن أبيه، عن جدِّهِ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ؛ إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أحَلَّ حَرَامًا، وَالمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا) (٣).\nوروى مالكٌ في \"الموطَّإِ\"؛ قال: أخبَرَني يحيى بنُ سعيدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ؛ أنَّه سَمِعَ مكحولًا الدِّمَشقيَّ يسألُ القاسمَ بنَ محمدٍ عن العُمْرَى، وما يقولُ الناسُ فيها؟ فقال له القاسمَ: ما أَدْرَكْتُ الناسَ إلا وهم على شروطِهم في أموالِهم، وفيما أَعْطَوْا (٤).\n_________\n(١) أبو داود (٣٥٩٤) (٣/ ٣٠٤).\n(٢) البخاري (٣/ ٩٢).\n(٣) الترمذي (١٣٥٢) (٣/ ٦٢٦).\n(٤) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (٤٤) (٢/ ٧٥٦).","vol":"1","page":46},{"text":"وكذلك العهودُ التي بينَ الأُمَمِ والدُّوَلِ والقبائلِ يجبُ الوفاءُ بها بالاتفاقِ، والإخلالُ بواحدٍ منها مُسقِطٌ لكاملِ العقدِ.\nوإنْ أَخَلَّ أحدُ المتعاقدَيْنِ بشرطٍ، فللثاني حقُّ إسقاطِ العقدِ، وله حقُّ إبقائِهِ بدونِهِ مِن جديدٍ؛ وإلا فهو باطلٌ بصيغتِهِ السابقةِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>الصلاةُ جماعة:</span>\nأمَرَ اللهُ بالإتيانِ بالصلاةِ والزكاةِ، وأن تكونَ صلاتُهُ مع المسلِمِينَ، لا منفرِدًا بصلاتِهِ؛ هذا ظاهرُ الآيةِ، وجاء معنى هذه الآيةِ بالأمرِ بالصلاةِ والزكاةِ مقترنتَيْنِ في مواضعَ كثيرةٍ من القرآنِ؛ منها قولُهُ تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٨٣]، وقولُهُ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠]، وفي سورةِ النساءِ قال تعالى: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧]، وفي سورةِ إبراهيمَ قال تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [إبراهيم: ٣١]، وفي سورةِ مريمَ قال تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٥٥].\nوفي سورةِ الأنبياءِ قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٣]؛ فجعَلَ استحقاقَ وصفِ التعبُّدِ والعابدِ لمن أدَّاهما كما أُمِرَ بهما، وفيه دليلٌ على أنَّ مؤدِّيَ الصلاةِ والزكاةِ على وجهِها","vol":"1","page":47},{"text":"لا بدَّ أن يُتْبِعَها طوعًا بقيةَ شرائعِ الإسلامِ، ويتَّقيَ نواقضَها.\nوقال اللهُ تعالى في سورةِ النورِ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [٥٦]؛ فأمَرَ بهما مقرونتَيْنِ بطاعةِ رسولِ اللهِ - ﷺ -.\nوفي سورةِ الحجِّ قال تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [٧٨].\nوفي سورةِ الأحزابِ قال تعالى: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾ [٣٣]؛ إشارةً إلى وجوبِ الزكاةِ على النساءِ في أموالِهنَّ عينًا، وإنْ كنَّ متزوِّجاتٍ فوُهِبْنَ مالًا أو مهرًا أو ذهبًا مكنوزًا.\nوفي سورةِ المجادلةِ قال تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [١٣]، فقرَنَهما بطاعةِ اللهِ ورسولِهِ.\nوفي سورةِ المزمِّلِ قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [٢٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>فضلُ الصلاة على الزكاةِ:</span>\nوقد جاء الأمرُ بالصلاةِ في الكتابِ والسُّنَّةِ أكثرَ مِن الزكاةِ؛ فجاء في مواضعَ كثيرةٍ الأمرُ بالصلاةِ وحدَها؛ لأهميتِها؛ كما في سورةِ الأنعامِ قال تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ [٧٢]، وفي سورةِ الأعرافِ قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [٢٩]، وفي سورةِ يونسَ قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [٨٧]، وفي سورةِ الرومِ قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [٣١]؛ مبيِّنًا أنَّ مِن خصالِ المشركينَ تَرْكَها.\nوالحديثُ عن معاني هذه الآياتِ نُورِدُهُ هنا فيما يتعلَّقُ بوجوبِ الركنَيْنِ، وأمَّا فضلُ مؤدِّيهما، فمواضعُهُ كثيرةٌ في كتابِ اللهِ، وليس من شرطِ كتابِنا.","vol":"1","page":48},{"text":"روى ابنُ جريرٍ، عن ابنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ؛ في قولِهِ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾؛ قال: فريضتانِ واجبتانِ؛ فأدُّوهما إلى اللهِ (١).\nوفي آيةِ البابِ دليلٌ على جملةٍ من المسائلِ:\nمنها: فرضيةُ الصلاةِ والزكاةِ، وهما الرُّكْنانِ الثاني والثالثُ بالاتِّفاقِ؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ من حديثِ ابنِ عمرَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ. . .)؛ الحديثَ (٢).\nولحديثِ أبي هريرةَ في \"الصحيحينِ\"؛ في قصةِ سؤالِ جبريلَ للنبيِّ - ﷺ -، لمَّا سأَلَهُ عن الإسلامِ، قَال: (الإِسْلَامُ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ. . .)، الحديثَ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>وجوب القيام في الصلاة على القادر:</span>\nومنها: وجوبُ القيامِ في الصلاةِ، وهو ركنٌ من أركانِها، وجُعِلَ أداءُ الصلاةِ قيامًا؛ لأنَّ القيامَ أطولُ من غيرِهِ في الصلاةِ وقتًا، وهو أظهرُ بالبيانِ؛ ففي \"الصحيحينِ\"، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن البَرَاءِ؛ قال: \"كان ركوعُ النبيِّ - ﷺ - وسجودُهُ، وبينَ السجدتَيْنِ، وإذا رفَعَ من الركوعِ - ما خلا القيامَ والقعودَ - قريبًا مِن السَّوَاءِ\" (٤).\nيعني: أنَّ القيامَ لا يُقارَنُ طولًا بغيرِهِ؛ وإنَّما غيرُهُ يتشابَهُ فيما بينَهُ سجودًا وركوعًا، وجلوسًا بينَ السجدتَيْنِ ورفعًا من الركوعِ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١/ ٦١١).\n(٢) أخرجه البخاري (٨) (١/ ١١)، ومسلم (١٦) (١/ ٤٥).\n(٣) أخرجه البخاري (٥٠) (١/ ١٩)، ومسلم (٩) (١/ ٣٩).\n(٤) أخرجه البخاري (٧٩٢) (١/ ١٥٨)، ومسلم (٤٧١) (١/ ٣٤٣).","vol":"1","page":49},{"text":"والإقامةُ مصدرُ أقامَ، وأصلُ القيامِ في اللغةِ هو الانتصابُ المضادُّ للقعودِ والاضطجاعِ والركوعِ، وإنَّما كان قيامًا؛ لأنَّ الأمرَ لا يتأتَّى إلا به لأهميتِهِ؛ فالقائمُ يفعلُ وَيَقْوَى على ما لا يقْوَى عليه القاعدُ.\nوقد جاء الأمرُ بالصلاةِ بعدَ الأمرِ بالإيمانِ؛ لأهميةِ التدرُّجِ والتسلسُلِ بالتشريعِ؛ كما جاء في حديثِ معاذٍ وبَعْثِهِ إلى اليمنِ؛ قال - ﷺ -: (إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ. . . .\"؛ الحديثَ (١).\nوأمَّا الاستدلالُ بقولِهِ تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ على أنَّ المرادَ به تسويةُ الصفوفِ، ففي ذلك نظرٌ؛ وذلك أنَّ اللهَ أمَرَ موسى وأخاهُ بإقامةِ الصلاةِ؛ قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٨٧]، وتسويةُ الصفوفِ من خصائصِ هذه الأمَّةِ؛ كما روى مسلمٌ، عن رِبْعِيٍّ، عن حُذَيْفةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ المَلَائِكَةِ. . .)؛ الحديثَ (٢).\nوالزكاةُ: مِن زَكَا الشيءُ: إذا نَمَا (٣).\nوسُمِّيتْ بذلك؛ دفعًا لتوهُّمِ النقصِ الطارئِ على دافعِها.\nقال الشاعرُ:\nكَانُوا خَسًا أوْ زَكًا مِنْ دُونِ أرْبَعَةٍ ... لَمْ يَخْلَقُوا، وَجُدُودُ النَّاسِ تَعْتَلِجُ (٤)\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٤٥٨) (٢/ ١١٩)، ومسلم (١٩) (١/ ٥١).\n(٢) أخرجه مسلم (٥٢٢) (١/ ٣٧١).\n(٣) ينظر: \"غريب الحديث\" لابن قُتيبة (١/ ١٨٤).\n(٤) ينظر: \"تهذيب اللغة\" (١٤/ ٢٢٨)، \"لسان العرب\" (١٤/ ٢٢٨).","vol":"1","page":50},{"text":"أرادَ بـ \"خَسًا\": الفردَ، وبـ \"زَكًا\": الزوجَ؛ في العَدَدِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>فضلُ الركوعِ:</span>\nقولُهُ: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ فيه إشارةٌ إلى فضلِ الركوعِ، وأنَّ الخطابَ المتوجِّهَ إلى بني إسرائيلَ فيه نسخُ صلاتِهم؛ فصلاةُ اليهودِ لا ركوعَ فيها، ولذا قطَعَ اللهُ ما يُمكِنُهمْ تدليسُهُ أنَّ محمدًا أمَرَهم بلزومِ عادتِهم؛ فقال: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>دفعُ اللَّبْسِ عند الخطاب:</span>\nوفي هذا: أنَّ دفْعَ اللَّبْسِ واجبٌ عندَ احتمالِهِ في فهمِ الخطابِ، وأنَّ السكوتَ عنه مع احتمالِ وجودِهِ تدليسٌ؛ فلا يجوزُ لعالمٍ في خطابِهِ أنْ يعمِّمَ في موضعٍ يَحتاجُ إلى تخصيصٍ، أو يغلِبُ على ظنِّهِ فهمُ معنًى خاصٍّ في الأذهانِ يُخالفُ الحقَّ.\nوأحبارُ بني إسرائيلَ إنَّما ضَلُّوا بقلبِ المعاني وتحريفِ الألفاظِ؛ فما أمكَنَهُمْ قلبُ معناهُ، قلَبُوهُ مع بقاءِ لفظِهِ، وما لم يُمكِنْهُمْ، قلَبُوا لَفْظَهُ لينقلِبَ معناه، وقلبُ المعاني في اليهودِ أكثرُ، وتحريفُ الألفاظِ لِيَتْبَعَها تحريفُ المعاني في النصارى أكثرُ؛ فالتوراةُ بعدَ تحريفِها أكثرُ تحريفًا للمعنى وأكثرُ بقاءً للفظِ، والإنجيلُ بعد تبديلِهِ أكثرُ تحريفًا للفظِ؛ ولهذا كانتِ اليهودُ أشدَّ كفرًا؛ لأنَّ اللفظَ لدَيْهم فيه الحُجَّةُ ومع ذلك يَلْوُونَ عُنُقَهُ عنادًا واستكبارًا، وأمَّا النصارَى، فحرَّفَ أسلافُهُم النصَّ وتَبِعَهُ المعنى، وانساقُوا على ما يرَوْنَهُ من لفظٍ ومعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>فضلُ السجود على الركوعِ:</span>\nوالركوعُ عبادةٌ تختصُّ بالصلاةِ لا تصحُّ منفردةً عنها بخلافِ السجودِ؛ فقد جاء في الشريعةِ سجودُ التلاوةِ والشكرِ ونحوِهما بلا صلاةٍ، وأمَّا الركوعُ فلم يَرِدْ، ومثلُهُ القيامُ؛ لذا كان السجودُ أعظمَ عندَ اللهِ؛ لِتمحُّضِهِ","vol":"1","page":51},{"text":"بالتعبُّدِ، فمَن سجَدَ لغيرِ اللهِ، كَفَرَ؛ لأنه لا يُعْرَفُ السجودُ في الأمَّةِ منفردًا ومتضَّمنًا إلا عبادةً، بخلافِ مَن قام وانحنى؛ فإن قصَدَ التعبُّدَ كفرَ؛ لأنَّ القيامَ بذاتِهِ للا صلاةٍ لا يدُلُّ دَلالةً تامَّةً على التعبدِ إلا بقرينةٍ، وإنْ قصَدَ التحيةَ، ابتدَعَ بالركوعِ، وكُرِهَ بالقيامِ، على الأصحِّ، إلا لسيِّدٍ مطاعٍ، وعالِمٍ، ووالِدٍ؛ يُقامُ له بلا طلبٍ منه.\nوالعربُ كان يحيِّي بعضُها بعضًا بالركوعِ؛ قال الأَعْشَى:\nإِذَا مَا أَتَانَا أَبُو مَالِكٍ ... رَكَعْنَا لَهُ وَخَلَعْنَا الْعِمَامَهْ (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>فضلُ الجماعةِ:</span>\nوفي قولِهِ: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ فضلُ العملِ مع الناسِ عبادةً وعادة، وألَّا يكونَ الإنسانُ منفرِدًا بعملِهِ؛ فعملُهُ جماعةً أزكَى وأفضلُ؛ ففي \"المسندِ\"، و\"سننِ أبي داود\"، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (إِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى) (٢).\nوفي \"الصحيحَيْنِ\"، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -؛ قال: (صَلَاةُ الجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ، خَمْسًا وَعشْرِينَ دَرَجَةً) (٣).\nوالحثُّ على التكاثُرِ بأداءِ صلاةِ الجماعةِ أظهرُ في الشرعِ مِن أدائِها في المساجِدِ مع تأكُّدِهِمَا كِلَيْهِما؛ لأنَّ المساجِدَ وُضِعَتْ للاجتماعِ، وما جُعِلَ الاجتماعُ للمساجدِ، والصلاةُ في المسجدِ الذي فيه جماعةٌ أكثرُ:\n_________\n(١) \"ديوان الأعشى\". وينظر: \"التحرير والتنوير\" (١/ ٤٧٣).\n(٢) أخرجه أحمد (٢١٢٦٥) (٥/ ١٤٠)، وأبو داود (٥٥٤) (١/ ١٥٢).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٧٧) (١/ ١٠٣)، ومسلم (٦٤٩) (١/ ٤٥٠).","vol":"1","page":52},{"text":"أفضلُ مِنَ الصلاةِ في المسجدِ الأقدَمِ والأكبَرِ حجمًا إذا كانتْ فيه الجماعةُ أقلَّ؛ لظاهرِ النصوصِ، ولأنَّ الشريعةَ حَثَّتْ على الاجتماعِ أكثَرَ من تحديدِ مكانِهِ، إلا المساجدَ الثلاثةَ.\nوقولُهُ: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ إنَّما تَتِمُّ المعيَّةُ وتتحقَّقُ؛ باكتمالِ الموافَقةِ بدنًا واعتقادًا:\nفما يُمكِنُ فيه الاجتماعُ وشُرِعَ ذلك جماعةً، فالمعيةُ أكملُ بتحقُّقِهما، كالصلاةِ جماعةً ونحوِ ذلك؛ ولذا لمَّا أمَرَ اللهُ إبليسَ بالسجودِ مع الملائكةِ لآدمَ، ولم يسجُدْ، وتخلَّفَ عن موافقتِهم جماعةً، جعَلَ ذلك مخالَفةً لأمرِهِ، فقال: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٢]، وذكَرَ حالَهُ: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١].\nوما شُرِعَ فيه العملُ منفردًا ولم يُؤمَرْ به جماعةً، وجاء الأمرُ به بقولِهِ: ﴿مَعَ﴾؛ كقولِهِ تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]، فيفعلُهُ الرجلُ في خاصَّتِهِ مع جماعةِ الناسِ الذين يُشارِكونَهُ هذا الوصفَ؛ فيكونُ مع الصادِقينَ بتَقْواهُ هو، وبالإسرارِ في مواضعِ الإسرارِ، والعلانيَةِ في موضعِ العلانيَةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>وجوبُ صلاة الجماعةِ:</span>\nواستُدِلَّ بهذه الآيةِ على وجوب صلاةِ الجماعةِ؛ ويؤيِّدُ ذلك ما جاء في \"الصحيحينِ\"، عن أبي هريرةَ - ﵁ -؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى المُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا، لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ، فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ) (١).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٤٢٠) (٣/ ١٢٢)، ومسلم (٦٥١) (١/ ٤٥١).","vol":"1","page":53},{"text":"ونقَلَ غيرُ واحدٍ إجماعَ الصحابةِ على ذلك؛ حكاهُ ابنُ تيميَّةَ؛ وهو كذلك (١).\nوحكى الكاسانيُّ - مِن الحنفيَّةِ - العملَ عليها جيلًا بعدَ جيلٍ، وأنَّ ذلك أَمَارَةٌ على وجوبِها (٢).\nويُنقَلُ في كلامِ فقهاءِ الحنفيَّةِ: أنَّ الجماعةَ سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ؛ ومُرادُهم بذلك الوجوبُ؛ ويفهمُهُ بعضُ الفقهاءِ على أنَّ المرادَ بذلك: ما يُخالِفُ التأكيدَ بالوجوبِ؛ وفي هذا نظرٌ؛ قال علاءُ الدِّينِ السَّمَرْقَنْدِيُّ في \"تُحْفةِ الفقهاءِ\": \"إنَّ الجماعةَ واجبةٌ، وقد سمَّاها بعضُ أصحابِنا: سُنَّةً مؤكَّدةً؛ وكلاهُما واحدٌ\" (٣).\nوبنحوِه قال الكاسانيُّ وغيرُه (٤).\nوالشافعيُّ ينصُّ على الوجوبِ في كتابِه \"الأمِّ\"؛ قال: \"فلا أرخِّصُ لِمَن قَدَرَ على صلاةِ الجماعةِ في تركِ إتيانِها، إلا مِن عذرٍ\" (٥).\nوقال النوويُّ: \"وهذا قولُ اثنَيْنِ مِن كبارِ أصحابِنا المتمكِّنِينَ في الفقهِ والحديثِ؛ وهما: أبو بكرِ بنُ خُزَيْمةَ، وابنُ المُنْذِرِ. . .\". (٦).\nوجماهيرُ أصحابِ أحمدَ على الوجوبِ، وهو المشهورُ عنه، وعنه روايةٌ أُخرى بالسُّنِّيَّةِ (٧)؛ وفيها نظرٌ.\nويظهَرُ لي: أنَّه يرَى سُنِّيَّةَ الجماعةِ في المسجدِ إذا لم تعطَّلْ، فتعطيلُها فيها حرامٌ، وأصلُ الجماعةِ واجبٌ عندَهُ؛ إذا لم تتحقَّقْ في البيتِ، ففي المسجدِ.\n_________\n(١) ينظر: \"الفتاوى الكبرى\" (٢/ ٢٧٠).\n(٢) ينظر: \"بدائع الصنائع\" (١/ ١٥٥).\n(٣) \"تحفة الفقهاء\" (١/ ٢٢٧).\n(٤) ينظر: \"بدائع الصنائع\" (١/ ١٥٥).\n(٥) \"الأم\" للشافعي (١/ ١٨٠).\n(٦) \"المجموع\" (٤/ ١٨٤).\n(٧) ينظر: \"المغني\" (٢/ ١٣٠)، و\"الكافي\" (١/ ٢٨٧)، و\"الإنصاف\" (٢/ ٢١٠).","vol":"1","page":54},{"text":"وفي \"الصحيحِ\": قال ابنُ مسعودٍ: \"وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا المُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ، لَتَرَكتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، لَضَلَلْتُمْ\" (١).\nوكثيرٌ مِن فقهاءِ المتأخِّرينَ مِن الحنفيَّةِ والشافعيَّةِ والمالكيَّةِ، يرَوْنَ استحبابَ صلاةِ الجماعةِ في المسجدِ (٢).\nومذهبُهُمْ - وإنْ كان لهم سلفٌ فيه - إلا أنَّه يخالِفُ مذهبَ أئمَّتِهم وظواهرَ الأدلَّةِ، ولبعضِهم كلامٌ في عدمِ إيجابِ الصلاةِ في المسجدِ لمَن يَجِدُ الجماعةَ في غيرِه، ويظُنُّ بعضُ النقَلَةِ له: أنَّه لا يرَى وجوبَ الصلاةِ في الجماعةِ مطلَقًا؛ حيثُ لا يفرِّقونَ بينَ المسألتينِ: بينَ وجوبِ إجابةِ النداءِ في المسجدِ للجماعةِ فيه، وبينَ وجوبِ الجماعةِ بعينِها.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤].\nكتَبَ اللهُ على بني إسرائيلَ مِن أصحابِ موسى قَتْلَ أنفسِهم؛ عقابًا لهم على اتِّخاذِ العجلِ مِن دونِ اللهِ معبودًا، وهو الظُّلْمُ المقصودُ في الآيةِ: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، والشِّركُ أعظمُ الظلمِ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٦٥٤) (١/ ٤٥٣).\n(٢) ينظر: \"اللُّباب، في الجمع بين السُّنَّة والكتاب\" (١/ ٢٥٢)، و\"العناية، شرح الهداية\" (٢/ ٣٢٤)، و\"جامع الأمهات\" (١/ ١٠٧)، و\"مختصر خليل\" (١/ ٤٠)، و\"روضة الطالبين\" (١/ ٣٣٩)، و\"نهاية المحتاج\" (٢/ ١٣٣).","vol":"1","page":55},{"text":"وروى ابنُ جريرٍ الطبريُّ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ ومجاهدٍ قالا: قامَ بعضُهم إلى بعضٍ بالخَناجِرِ يقتُلُ بعضُهم بعضًا، لا يَحِنُّ رجلٌ على رجلٍ قريبٍ ولا بعيدٍ، حتى أَلْوَى موسى بثوبِهِ، فطرَحُوا ما بأيدِيهم، فتكشَّفَ عن سبعينَ ألفَ قتيلٍ، وإنَّ اللهَ أوْحَى إلى موسَى: أن حَسْبِي، فقدِ اكْتَفَيْتُ! فذلكَ حينَ أَلْوَى بثوبِهِ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>إقامةُ الحدودِ بالإمامِ ونُوَّابه:</span>\nوهؤلاءِ أقامُوا حَدَّ اللهِ على أنفسِهم بأمرِ اللهِ وبلاغِ موسى، وفي هدا إشارةٌ إلى أنَّ حدودَ اللهِ وأحكامَهُ يجوزُ أنْ يُقِيمَها الناسُ فيما بينَهم عندَ تحقُّقِ العدلِ وانتفاءِ الظلمِ والبغيِ، وذلك بأمرِ الإمامِ ومباشَرةِ صاحِبِ الحَقِّ بنفسِهِ بقتلِ قاتِلِ وليِّهِ بإذنِ الإمامِ، وهو صحيحٌ في قولِ جمهورِ العلماءِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣].\nولِمَا روى مسلمٌ في \"صحيحِه\"؛ مِن حديثِ عَلْقمةَ بنِ وائلٍ؛ أنَّ أباهُ حدَّثَهُ قال: إِنِّي لَقَاعِدٌ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ بِنِسْعَةٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا قَتَلَ أَخِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (أَقتَلْتَهُ؟) - فَقَالَ: إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ، أَقَمْتُ عَلَيْهِ البَيِّنَةَ - قَالَ: نَعَمْ قَتَلْتُهُ، قَالَ: (كَيْفَ قتَلْتَهُ؟)، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَهُوَ نَخْتَبِطُ مِن شَجَرَةٍ، فَسَبَّنِي، فَأَغضَبَنِي، فَضَرَبْتُهُ بِالْفَأْسِ عَلَى قَرْنِهِ، فَقَتَلْتُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: (هَلْ لَكَ مِنْ شَيْءٍ تُؤَدِّيهِ عَنْ نَفْسِكَ؟)، قَالَ: مَا لِي مَالٌ إِلَّا كِسَائِي وَفَأْسِي، قَالَ: (فَتَرَى قَوْمَكَ يَشْتَرُونَكَ؟)، قَالَ: أَنَا أَهْوَنُ عَلَى قَوْمِي مِنْ ذَاكَ، فَرَمَى إِلَيْهِ بِنِسْعَتِهِ، وَقَالَ: (دُونَكَ صَاحِبَكَ)، فَانْطَلَقَ بِهِ الرَّجُلُ، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١/ ٦٨٠).","vol":"1","page":56},{"text":"رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (إِنْ قَتَلَهُ، فَهُوَ مِثْلُهُ)، فَرَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ: (إِنْ قَتَلَهُ، فَهُوَ مِثْلُهُ)، وَأخَذْتُهُ بِأَمْرِكَ؟ ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (أَمَا تُرِيدُ أَنْ يَبُوءَ بِإِثْمِكَ، وَإِثْمِ صَاحِبِكَ؟)، قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ - لَعَلَّهُ قَالَ: بَلَى - قَالَ: (فَإِنَّ ذَاكَ كَذَاكَ)، قَالَ: فَرَمَى بِنِسْعَتِهِ وَخلَّى سَبِيلَهُ (١).\nفالنبيُّ - ﷺ - دفَعَهُ إليه بقولِه: (دُونَكَ صَاحِبَكَ).\nوإلى هذا ذهَبَ جماعةٌ مِن السلفِ؛ كابنِ عباسٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، ومجاهدٍ، وطَلْقِ بنِ حبيبٍ، وقتادةَ، وجماعةٍ.\nوقولُهُ - ﷺ - في الحديثِ: (إِنْ قَتَلَهُ، فَهُوَ مِثْلُهُ)؛ أيْ: أنَّه لا فَضْلَ ولا مِنَّةَ لأحدِهما على الآخَرِ؛ لأنَّه أخَذَ حقَّهُ واستَوْفاه؛ فلبس له أَجْر، ولا جميلُ ذِكْر.\nوظاهرُ مذهبِ الحنابلةِ: أنَّ حضورَ الوالي أو نائبِهِ واجبٌ؛ خوفًا مِن التعدِّي (٢).\nومذهبُ الشافعيَّةِ: أنَّ حضورَه مسنونٌ؛ إذا كان وليُّ الدمِ ثقةً عدلًا.\nوالأصلُ: أنَّه لا بُدَّ مِن أخذِ إذنِ وليِّ الأمرِ في الاستيفاءِ، ومَنِ استَوْفاهُ بنفسِهِ، مضَى استيفاؤُهُ إذا كان وَفْقَ حُكْمِ الله، وللوالي تَعْزِيرُهُ لافتئاتِه عليه، وله العفوُ عنه.\nروى ابنُ أبي حاتمٍ في \"تفسيرِه\"، عن ابنِ عباسٍ - ﵁ -؛ فِي قولِهِ تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣]؛ قال:\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٦٨٠) (٣/ ١٣٠٧).\n(٢) \"المغني\" (٨/ ٣٠٦).","vol":"1","page":57},{"text":"ينصُرُهُ السلطانُ حتى يُنصِفَهُ مِن ظالِمِهِ، ومَنِ انتصَرَ لنفسِهِ دونَ السلطانِ، فهو عاصٍ مسرِفٌ، قد عَمِلَ بحَمِيَّةِ أَهْلِ الجاهليَّةِ، ولم يَرْضَ بحُكْمِ اللهِ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>استيفاءُ صاحب الحقِّ حقَّه بنفسِهِ:</span>\nواستيفاءُ صاحبِ الحقِّ أو وليِّ دمِهِ لِمَا دونَ النَّفْسِ: يُمنَعُ على الصحيحِ؛ لعدمِ الأمنِ مِن التجاوُزِ والتعذيبِ.\nوالشريعةُ أغلَقَتْ بابَ الثأرِ؛ لأنَّه يُفضِي إلى تسلسُلِ العداوةِ مِن الأفرادِ إلى قتلِ الجماعاتِ انتقامًا، وهكذا كان الجاهليُّون؛ ففي \"صحيحِ البخاريِّ\"، عن ابنِ عباسٍ؛ أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: (أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ) (٢).\nوفي \"مسندِ أحمدَ\"؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللهِ - ﷿ -: مَنْ قَتَلَ فِي حَرَمِ اللهِ، أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ قَتَلَ بِذُحُولِ الجَاهِلِيَّةِ) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>إقامةُ الحدود لولي الأمر:</span>\nوأصلُ إقامةِ الحدودِ - كحدِّ الزاني، والسارقِ، والقاتلِ، وشاربِ الخمرِ، والقاذفِ، والمرتدِّ، وغيرِ ذلك -: لوليِّ الأمرِ بالاتِّفاقِ، ولا يجوزُ لأحدٍ أنْ يَفْتَئِتَ عليه، والتعدِّي عليه في حقِّه يستوجِبُ التعزيرَ.\nوقد قال تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النور: ٢]، والأمرُ في هذه الآيةِ متوجِّهٌ إلى وليِّ الأمرِ؛ قال ابنُ العربيِّ في \"تفسيرِهِ\": \"لا خلافَ أنَّ\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٢٣٢٩).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٨٨٢) (٩/ ٦).\n(٣) أخرجه أحمد (٦٧٥٧) (٢/ ١٨٧).","vol":"1","page":58},{"text":"المخاطَبَ لهذا الأمرِ بالجَلْدِ: الإمامُ ومَن نابَ عنه\" (١).\nروى ابن أبي شَيْبةَ، عن الحسنِ؛ قال: \"أربعةٌ إلى السُّلْطانِ: الزكاةُ، والصلاةُ، والحدودُ، والقضاءُ\" (٢).\nورُوِيَ هذا عن جماعةٍ مِن السلفِ؛ كعطَاءٍ الخُرَاسانيِّ، وابنِ مُحَيْرِيزٍ (٣).\nوهذا في كلِّ حَدٍّ أو تعزيرٍ، ولو كان الضررُ ظاهرًا في حقِّ إنسانٍ بعينِهِ؛ روى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن أبي أسامةَ، عن محمدِ بنِ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ؛ قال: \"السلطان وليُّ مَن حارَبَ الدِّينَ، وإنْ قتَلَ أخَا امرئٍ أو أباهُ\" (٤).\nلأنَّ الأمرَ لو وُكِلَ إلى الإنسانِ صاحِبِ الحقِّ أنْ يَستوفيَ بنفسِهِ، لَظَهَرَ البغيُ في الناسِ، ولانتقَمَ أهلُ الجاني الأولِ مِن المقتَصِّ، وتسلسَلَ الأمرُ واتَّسعَتْ دائرةُ الفتنةِ، وقد بيَّنَ سبحانَه أنَّ صاحِبَ الحقِّ قد يَبْغِي فحذَّرَه مِن ذلك، فقال: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]؛ يعني: لا يَتَّخِذْ حقَّه في إقامةِ الحدِّ ذريعةً إلى البغيِ.\nوهذا في الحدودِ والقِصَاصِ:\nوأمَّا في التعزيراتِ:\nفذهَبَ الشافعيُّ إلى أنَّها حقٌّ للإمامِ لا واجبةٌ عليه؛ وعلةُ ذلكَ: أنَّ لوليِّ الأمرِ أن يعفُوَ عن المجرمِ، وأن يعفُوَ عن العقوبةِ لمصلحةٍ يراها، فله إنزالُ العقوبةِ وله عدمُ إنزالِها، والأمرُ يتعلَّقُ بالمصلحةِ العامةِ\n_________\n(١) \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٣/ ٣٣٤).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٨٤٣٨) (٥/ ٥٠٦).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٨٣٩)، (٢٨٤٤٠) (٥/ ٥٠٦).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٨٤٤١) (٥/ ٥٠٦).","vol":"1","page":59},{"text":"لا المصلحةِ الخاصةِ به، وكلُّ ما للإنسانِ أنْ يفعَلَهُ أو يترُكَهُ، فهو حقٌّ له وليس واجبًا عليه.\nوظاهرُ مذهبِ مالكٍ وأبي حنيفةَ وأحمدَ: أنَّ التعزيرَ واجبٌ على الإمامِ، وليس حقًّا له، ويرَوْنَ أنَّ له العفوَ ما قامَتِ المصلحةُ العامةُ (١).\nوهذا تفرَّعُ عن كونِ وليِّ الأمرِ يُدرِكُ مصالحَ العامَّةِ، وأنَّه مِن أهلِ المعرفةِ والعدالةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>تعطيلُ الحاكمِ للحدودِ:</span>\nوفي حالِ تعطيلِ إقامةِ الحدِّ مِن فِبَلِ الحاكمِ: فهل يسوغُ قيامُ الأفرادِ باستيفاءِ الحدودِ مِن دونِه، في حالِ ظهورِ البيِّنةِ في الحدِّ والتعزيرِ واكتمالِ شروطِها، وكان تعطيلُ الحاكِمِ لها تعطيلًا لأصلِ الحكمِ بما أنزَلَ الله، وليس لأنَّ البيِّناتِ لم تتوافَرْ؟:\nوجوابُ هذا يُعرَفُ بموازنةِ المصلحةِ المتحقِّقةِ بالمَفْسَدةِ المترتِّبةِ، وهنا مفسدتانِ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>المفسدةُ الأُولى: تعطيلُ الحدودِ وإقامةِ حكمِ اللهِ:</span>\nوفي إقامةِ حكمِ اللهِ لدَيْنا أمرانِ: الحُكْمُ، والتحكيمُ:\nالأولُ: الحكمُ به، وهذا منوطٌ بالحاكمِ الذي يُقِيمُها، وقد وجَّهَ اللهُ الخطابَ به إلى نبيِّه؛ لأنَّه خليفتُه في هذا الأمرِ؛ قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء. ١٠٥]، وقال: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٨]، والحكمُ بشِرْعةِ اللهِ فريضةُ كلِّ الأنبياءِ؛ قال تعالى عن موسى ومَن تَبِعَهُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا\n_________\n(١) ينظر: \"النتف\" للسغدي (٢/ ٦٤٦)، و\"المبسوط\" للسَّرَخسي (٩/ ٦٥)، و\"المدوَّنة\" (٤/ ٤٨٨)، و\"الذخيرة\" للقرافي (١٢/ ١٢٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ١٧٨).","vol":"1","page":60},{"text":"هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال عن عيسى وقومِهِ: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧]، وقال لداودَ: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].\nومَن وَليَ الأمرَ على أمَّةِ الإسلامِ، فهو خليفةٌ لرسولِ اللهِ، والأمرُ يتوجَّهُ إليه مِن بابِ أَولى، ويجبُ عليه تحكيمُ شِرْعةِ اللهِ، وتوجيهُ الخطابِ إلى الناسِ بالنزولِ على أمرِ اللهِ، ودَعْوَتُهم إلى ذلك، ويجبُ على الناسِ السمعُ والطاعةُ؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]، والحكمُ بما أنزَلَ الله عبادةٌ: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠].\nوتشريعُ حُكْمٍ غيرِ حكم اللهِ موصوفٌ فاعلُهُ: بالكفرِ، والظلمِ، والفسقِ؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧].\nالثاني: التحكيمُ، ويكونُ من الناسِ للحاكمِ؛ فيتقدَّمونَ بطلبِ حقِّهم، وطَلَبُهم حكمَ اللهِ واجب إن لم يَنزِلُوا إلى العفوِ والصلحِ بما لا يُخالِف نصًّا، وتحكيمُ شريعةِ اللهِ واجبٌ في جميعِ الشرائع؛ قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وقال: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ [ص: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٣]، وقال: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢].","vol":"1","page":61},{"text":"وتحكيمُ حكمِ الله واجبٌ مؤكَّدٌ على أمَّةِ محمدٍ - ﷺ -، بل له أثرٌ على إيمانِهم قوةً وضعفًا، وصحةً وبطلانًا؛ قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]؛ ففرَضَ اللهُ عليهم التسليمَ والرِّضا؛ فكيف بأصلِ التحاكمِ ووجوبِه؟ !\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>المفسدةُ الثانيةُ: تعطيلُ التحاكمِ إلى الشريعةِ:</span>\nوإذا لم يُقِمِ الحاكمُ الحُكْمَ، فتلك مفسدةٌ أعظمُ مِن عدمِ تحاكُمِ بعضِ الناسِ إلى حكمِ اللهِ؛ لأنَّ تحكيمَ غيرِ حكمِ اللهِ مفسدتُهُ عامَّةٌ على الناسِ كلِّهم، وأمَّا عدم تحاكمِ فردٍ أو جماعةٍ إلى حكمِ اللهِ، فتلك مفسدةٌ خاصةٌ بهم.\nوإذا غلَبَ وجودُ منكَرٍ، والحاكمُ يَغلِبُ على الظنِّ أنَّه لا يحكُمُ بحكمِ اللهِ، فالمشهورُ عن أحمدَ: عدمُ رفعِه إليه، والاكتفاءُ بزَجْرِ صاحِبِ المنكَرِ وإخافَتِه.\nوإذا كان الحاكمُ يعاقِبُ صاحبَ المنكَرِ عقابًا دونَ عقابِ الشرعِ، وليس أكثرَ منه، فلا يَتجاوَزُ ويَظلِمُهُ -: فالأظهرُ جوازُ رفعِ المنكرِ إليه؛ تقليلًا للشرِّ على الناسِ، مع عدمِ الرِّضا بالحكمِ الذي يخالِفُ حكمَ اللهِ.\nوإذا تعذَّرَ على الناسِ إقامةُ حكمِ اللهِ بواسطةِ الحاكمِ، فهل لهم أنْ يُقِيمُوا حكمَ اللهِ فيما بينَهم دونَ الرجوعِ إليه؟:\nالذي يظهرُ أنَّ هذا على حالَيْنِ:\nالحالُ الأُولى: إذا كان هذا لا يُفضِي إلى مفسدةٍ عامَّةٍ؛ مِن تَدَاعٍ إلى أخذِ الثأرِ مِن الناسِ جاهِلِهم وعالِمِهم، بالحقِّ والباطلِ، ويُجعَلُ","vol":"1","page":62},{"text":"تفسيرُ ذلك إلى الخاصَّةِ العالمةِ، ولا يُفضِي إلى إفسادِ دينهِم ودُنياهم مع السلطانِ المعطِّلِ لحكمِ اللهِ؛ بحيثُ يقتُلُهم أو يَحْبِسُهم -: فالأصلُ وجوبُ إقامتِهم لحكمِ اللهِ فيما بينَهم بتوليةِ واحدٍ منهم؛ إذا انتفَت تلك المفاسدُ الكبرى.\nفالشريعةُ جاءتْ بالحدودِ لضبطِ حياةِ الناسِ وأَمْنِهم وإعادةِ حقوقِهم، فإذا أفْضَى حكمُهم بينهم بذلك إلى مفسدةٍ أكبَرَ بتسلُّطِ حاكمٍ ظالمٍ يُفسِدُ مِن دينِهِم ودُنياهم ما يسعَوْنَ إلى إصلاحِهِ -: فلا يجوزُ لهم فعلُه.\nوما يَجِدُونَ فيه فُسْحةً - خاصَّةً مِن المسلِمينَ مِن الأقليَّاتِ في دولِ الكفرِ - فيجبُ عليهم الحكمُ بشرعِ اللهِ؛ كعُقُودِ زواجِهم بينَهم، ومَن رضِيَ وقَبِلَ منهم أنْ يُنزِلُوهُ على حكمِ اللهِ في شربِهِ للخمرِ والزِّنى والقتلِ وعقودِ البيوعِ، وجَبَ عليهم إمضاؤُها على حكمِ اللهِ، ولو لم يَرجِعوا إلى الحاكمِ المعطِّلِ.\nالحالُ الثانيةُ: إذا كان هذا يُفضِي إلى مفسدةٍ بتسلُّطِ حاكمٍ ظالمٍ، فيُفسِدُ مِن دُنياهم أعظمَ ممَّا يَرْجُونَ صلاحَهُ، أو يَجْعَلُ تفسيرَ الحدودِ والقِصَاصِ وبيانَها إلى الأفرادِ يَجتَهِدُونَ بجهلٍ وعلمٍ، ويُفضِي إلى الثأرِ والانتقامِ، فهذا مفسدتُهُ ظاهرةُ العمومِ؛ فلا يجوزُ، ومعرفةُ ذلك وضبطُهُ للعالِمِ العارِفِ بأحوالِ الناسِ وقضايا الأعيانِ، وليس بحكمٍ مشوبٍ بهوًى، فالشريعةُ جاءتْ لضبطِ حالِ الناسِ العامِّ والخاصِّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>مسألةٌ: في إقامةِ الحدودِ على المَوَالِي:</span>\nأمَّا الإماءُ والعبيدُ، فذهَبَ جمهورُ العلماءِ: إلى جوازِ إقامةِ الحدِّ على العبدِ مِن سيِّدِه؛ ذهب إلى هذا مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ، وهو قولُ","vol":"1","page":63},{"text":"أكثرِ الصحابةِ والتابعينَ، وعليه عملُهم (١).\nوجاء عن مالكٍ استثناءُ حدِّ القطعِ في السرقةِ، وجعَلَهُ لوليِّ الأمرِ بكلِّ حالٍ (٢).\nويرى أبو حنيفةَ: أنَّ ذلك كلَّه للإمامِ، وفي مذهبِ الحنفيَّةِ قولٌ: أنَّه لا يُقيمُ السيدُ الحدَّ على عبدِه إن كان عبدُهُ زوجًا لحُرَّةٍ، أو لِأَمَةِ غيرِه، أو كانتْ أَمَتُهُ زوجةً لحُرٍّ، أو لعبدِ غيرِه؛ ففي هذه الصورِ لا يُقيمُ الحدَّ إلا الإمامُ فقط (٣).\nوهذا مرويٌّ عن ابنِ عمرَ؛ كما رواهُ عبدُ الرزَّاقِ، عن الزُّهْريِّ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ؛ قال في الأَمَةِ إذا كانت ليست بذاتِ زوجٍ، فزَنَتْ: جُلِدَتْ نِصفَ ما على المُحْصناتِ مِن العذابِ؛ يَجلِدُها سيِّدُها، فإن كانت مِن ذواتِ الأزواجِ، رُفِعَ أمرُها إلى السلطانِ (٤).\nوالأصلُ: أنَّ الحدودَ على الإماءِ والعبيدِ يُقِيمُها أَهْلُوهُمْ في حالِ قيامِ البيِّنةِ.\nوالبيِّنةُ في حقِّ الإماءِ كالبيِّنةِ في حق الحرائرِ لا فَرْقَ؛ فقد روى الشيخانِ، عن أبي هُرَيْرةَ - ﵁ -؛ قال: سَمِعتُ النبيَّ - ﷺ - يقولُ: (إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِن زَنَتْ، فَليَجْلِدْهَا الحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَبِعْهَا وَلَو بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ) (٥).\nوالخطابُ توجَّهَ هنا إلى سيِّدِها، ولكنَّه أمرَ بالاستيثاقِ في قولِهِ:\n_________\n(١) \"المدونة\" (٤/ ٥١٩)، و\"البيان في فقه الشافعي\" (١٢/ ٣٨٠)، و\"المغني\" (٩/ ٥١)، و\"الاستذكار\" (٧/ ٥٠٨).\n(٢) \"المدونة\" (٤/ ٥١٩).\n(٣) \"المبسوط\"؛ للسرخسي (٩/ ١٣٩).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٣٦١٠) (٧/ ٣٩٥).\n(٥) أخرجه البخاري (٢١٥٢) (٣/ ٧١)، ومسلم (١٧٠٣) (٣/ ١٣٢٨).","vol":"1","page":64},{"text":"(فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا)، وأمرَ بعدمِ التعدِّي والتعنيفِ في قولِه: (وَلَا يُثَرِّبْ)؛ فإنَّ الزيادةَ عن الحدِّ ظلمٌ، وحدُّ الأَمَةِ نصفُ حدِّ الحُرَّةِ، كما يأتي بيانُهُ بإذنِ اللهِ.\nويظهرُ الخطابُ متوجِّهًا إلى السيدِ فيما روى مسلمٌ، والتِّرمِذيُّ، وغيرُهما؛ مِن حديثِ أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَمِيِّ؛ قال: خطَبَ عليٌّ - ﵁ -، فقال: أيُّها الناسُ، أَقِيمُوا الحدودَ على أَرِقَّائِكم؛ مَن أَحْصَنَ منهم ومَن لم يُحْصِنْ؛ فإنَّ أَمَةً لرسولِ اللهِ - ﷺ - زنَتْ فأَمَرَني أنْ أَجلِدَها، فإذا هي حديثُ عهدٍ بالنفاسِ، فخَشِيتُ إنْ أنا جَلَدتُّها أنْ تموتَ، فأتيتُ النبيَّ - ﷺ - فأخبَرتُه، فقال: (أَحْسَنْتَ، اتْرُكْهَا حَتَّى تَمَاثَلَ) (١).\nوهذا هو عملُ الصحابةِ والتابعينَ، ومِثلُ هذا العملِ إذا وقَعَ في زمنِهم يشتهِرُ ويستفيضُ ويَصِلُ إلى الحاكمِ والمحكومِ، وإذْ لم يُعارَضْ صريحًا مِن إمامِ المسلِمينَ حِينَها، دلَّ على جوازِهِ وصحةِ وقوعِه.\nقال ابنُ عبدِ البَرِّ: \"رُوِيَ عن جماعةٍ مِن الصحابةِ: أنَّهم أقامُوا الحدودَ على ما ملَكَتْ أيمانُهم؛ منهم ابنُ عمرَ، وابنُ مسعودٍ، وأنسٌ، ولا مخالِفَ لهم مِن الصحابةِ\" (٢).\nفقد روى ابن أبي شَيْبةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلَى؛ قال: \"أدرَكْتُ أشياخَ الأنصارِ إذا زنَتِ الأَمَةُ، يَضرِبونَها في مَجالِسهم\" (٣).\nوروى نافعٌ، عن ابنِ عمرَ: \"أنَّه كان يضرِبُ أمَتَهُ إذا فجَرَتْ\" (٤).\nوأخرَجَ عبدُ الرزَّاقِ، ومِن طريقِه ابنُ حزمٍ في \"المحلَّى\"، عن\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٧٠٥) (٣/ ١٣٣٠)، والترمذي (١٤٤١) (٤/ ٤٧).\n(٢) \"الاستذكار\" (٧/ ٥٠٨).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٨٢٨٤) (٥/ ٤٩١).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٨٢٨٢) (٥/ ٤٩١).","vol":"1","page":65},{"text":"نافعٍ: \"أنَّ ابنَ عمرَ قطَعَ يدَ غلامٍ له سرَقَ، وجلَدَ عبدًا له زَنَى؛ مِن غيرِ أن يرفَعَهما\" (١).\nورُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ - كما رواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ في \"السُّننِ\"، ومِن طريقِه البيهقيُّ في \"الكُبرى\"، والطبرانيُّ في \"الكبيرِ\"، عن عمرِو بنِ شُرَحْبِيلَ: \"أنَّ مَعْقِلَ بنَ مُقَرِّنٍ أتى عبدَ اللهِ، فقال: عبدي سرَقَ مِن عندي قَبَاءً؟ قال: مالُكَ سرَق بعضُه في بعضٍ، قال: أظنُّه ذَكَرَ: أَمَتي زنَتْ؟ ! قال: اجلِدْها، قال: إنَّها لم تُحْصَنْ؟ قال: إحصانُها إسلامُها\" (٢).\nوروى عبدُ الرزَّاقِ، عن الثوريِّ، عن إبراهيمَ: \"أنَّ مَعْقِلَ بنَ مُقَرِّنٍ المُزَنِيَّ جاء إلى عبدِ اللهِ، فقال: إنَّ جاريةً لي زنَتْ؟ فقال: اجلِدْها خَمْسِينَ، قال: ليس لها زوجٌ؟ قال: إسلامُها إحصانُها\" (٣).\nوروى ابنُ أبي شَيْبةَ أيضًا، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ والأسودِ: \"أنَّهما كانا يُقيمانِ الحدودَ على جَوَارِي الحيِّ إذا زَنَيْنَ في المجالسِ\" (٤).\nوكان الصحابةُ يُفْتُونَ بذلك ويأمُرونَ بإقامةِ السيِّدِ الحدَّ على أَمَتِهِ مِن غيرِ أمرٍ بإرجاعِ ذلك إلى وليِّ الأمرِ؛ كما روى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن إبراهيمَ، عن همامٍ، عن عمرِو بنِ شُرَحْبِيلَ؛ قال: \"جاءَ مَعْقِلٌ المُزَنيُّ إلى عبدِ اللهِ، فقال: جاريتي زنَتْ، فأَجْلِدُها؟ فال: فقال عبدُ اللهِ: اجلِدْها خمسينَ، فقال: عادتْ؟ فقال: اجلِدْها\" (٥).\nوذلكَ أنَّ الأمَةَ والعبدَ مِن جملةِ مِلْكِ السيدِ، فيملِكُ بيعَهُ وشراءَهُ،\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنَّفه\" (١٨٩٧٩) (١٠/ ٢٣٩)، وابن حزم في \"المحلَّى\" (١٢/ ٧٤).\n(٢) أخرجه سعيد بن منصور (٧٧٣) (٤/ ١٥٢٠)، والبيهقي في \"الكبرى\" (٨/ ٢٤٣)، والطبراني في \"الكبير\" (٩٦٩٢) (٩/ ٣٤٠).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٣٦٠٤) (٧/ ٣٩٤).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٨٢٨٥) (٥/ ٤٩٢).\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٨٢٧٧) (٥/ ٤٩١).","vol":"1","page":66},{"text":"فيملِكُ تأديبَهُ من بابِ أَولى؛ فالتأديبُ شيءٌ عارضٌ، والمِلْكُ دائمٌ، فلمَّا جازَ شرعًا المِلْكُ الدائمُ، جاز التأديبُ العارضُ.\nولوليِّ الأمرِ إذا فَشَا ظلمُ العبيدِ والإماءِ أن يكِلَ الأَمْرَ إليه؛ وذلك أنَّ الشريعةَ جاءتْ بدفعِ المفاسدِ، فإذا كانتْ تتحقَّقُ المصلحةُ بإقامةِ الحدِّ مِن الوالي مِن غيرِ تفريطٍ، فله ذلك، وإلا فتركُهُ للناسِ هو الأصلُ، وعليه عملُ الصحابةِ والتابعينَ؛ فقد روى عبدُ الرزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ؛ قال: \"مضَتِ السُّنَّةُ أنْ يَحُدَّ العبدَ والأمَةَ أهلوهما في الفاحشةِ، إلا أنْ يُرفَعَ أمرُهما إلى السُّلْطانِ؛ فليس لأحدٍ أن يَفْتَئِتَ على السلطانِ\" (١).\nوالرفعُ عن أصلٍ لا يكونُ إلا بتحقُّقِ مفسدةٍ ظاهرةٍ مِن بقاءِ الأصلِ لا يُمكِنُ تلافِيها ببقائِه، فإذا تحقَّقتِ المصلحةُ بالإمامِ، فيجوزُ رفعُهُ إليه.\n* * *\n\nقال تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٥٨].\nأمَرَ اللهُ بَني إسرائيلَ بالسجودِ عندَ دخولِ بيتِ المَقْدِسِ، وهي القريةُ المذكورةُ في الآيةِ، وهذا هو الأشهرُ؛ قاله ابنُ عباسٍ (٢)، ومجاهد (٣)، وقتادةُ والسُّدِّيُّ والربيعُ (٤).\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٣٦٠٦) (٧/ ٣٩٤).\n(٢) ينظر: \"زاد المسير\" (١/ ٦٨)، و\"البحر المحيط\" (١/ ٣٥٦).\n(٣) ينظر: \"تفسير البغوي\" (١/ ٩٨).\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" (١/ ٧١٢، ٧١٣).","vol":"1","page":67},{"text":"وقيل: هي أرِيحَا، وهي قريبةٌ مِنْ بيتِ المَقْدِسِ؛ قاله عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ (١).\nوالقريةُ: ما اتُّخِذَ قَرَارًا للناسِ ممَّا اجتمَعتْ فيه الأبنيةُ؛ كالحجارةِ والطِّينِ والخشبِ، وما لا قرارَ فيه - كأماكنِ الباديةِ التي يسكُنُونَ فيها ببوتَ الشَّعَرِ - فلا تُسمَّى قُرًى؛ لأنَّهم يرتحِلونَ عنها يتتبَّعونَ منافعَ مَوَاشِيهم.\nوالقريةُ: اسمٌ يُطلَقُ على المدنِ المعمورةِ المسكونةِ طَوالَ العامِ.\nثمَّ قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾، قدَّمَ السجودَ على الأكلِ؛ لأنَّ النعمةَ تحقَّقتْ بالدخولِ والتمكينِ قبلَ الأكلِ، فينبغي أنْ يكونَ الشكرُ عندَ التمكينِ مِن النعمةِ، وفي أثنائِها، وبعدَها.\nوالبابُ: مِن أبوابِ بيت المَقْدِسِ؛ قاله ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>سجودُ الشكرِ:</span>\nوالسجودُ الذي أُمِروا به عندَ الدخولِ هو سجودُ الشكرِ، وفُسِّرَ السجودُ هنا بأنَّه الركوعُ؛ رواهُ سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ والعَوْفِيُّ عن ابنِ عباسٍ (٣)، وهو الأصحُّ؛ لأنَّهم أُمِرُوا بالسجودِ مقترِنًا بالدخولِ؛ وهذا يتحقَّقُ في الركوعِ.\nوالسجودُ في اللُّغةِ يُطلَقُ على الانحناءِ على سبيلِ التعظيمِ؛ سواءٌ مسَّ الأرضَ أو لم يمَسَّها، ومنه قولُ الشاعرِ:\nبِجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَرَاتِهِ ... تَرَى الأُكْمَ مِنهَا سُجَّدًا لِلْحَوَافِرِ (٤)\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" (١/ ٧١٣).\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" (١/ ٧١٣ - ٧١٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ١١٧).\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" (١/ ٧١٤)، و\" تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ١١٧).\n(٤) ينظر: \"المعاني الكبير\" (٢/ ٨٩٠)، و\"الزاهر في معاني كلمات الناس\" (١/ ٤٧).","vol":"1","page":68},{"text":"والأُكُمُ: التلالُ المرتفعةُ، جمعُ أكَمةٍ، وقيل: أُكُمٌ جمعُ: إِكَامٍ، وإكَامٌ جمعُ: أكَمٍ، وأكَمٌ جمعُ: أكَمةٍ (١).\nيقولُ: تخضعُ الأُكُمُ وتهبِطُ خشوعًا مِن وَقْعِ حوافِرِ الخيلِ؛ وهي البُلْقُ، فالمرادُ بالسجودِ هنا: هو الخضوعُ والخشوعُ.\nوالسجودُ يُورِثُ الإنسانَ تواضُعًا للخالقِ؛ ولذا أمَرَ اللهُ به هنا؛ قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]؛ صحَّ عن منصورٍ، عن مجاهدٍ؛ قال: \"هو التواضُعُ\" (٢).\nوإذا رأيتَ متكبِّرًا، فاعلَمْ أنَّه قليلُ الصلاةِ أو عديمُها؛ لا يجتمعُ كِبرٌ مع كثرةِ سجودٍ.\nوفي الآيةِ إشارةٌ إلى أنَّه يُشرَعُ للمتمكِّنِ مِن الدخولِ إلى نعمةٍ كُبرى - كفتحِ بلدٍ أو أرضٍ فيها نَعِيمٌ ورغدُ عيشٍ - أنْ يدخُلَها مطرِقًا للهِ منكسِرًا؛ حتى لا يُورِثَهُ تمكُّنُهُ منها بَطَرًا وأَشَرًا وكِبْرًا؛ فإنَّ الإنسانَ عندَ تغيُّرِ حالِهِ مِن ضعفٍ إلى قوةٍ، ومِن ذلٍّ إلى تمكينٍ، ومِن فقرٍ إلى غنًى، يجدُ في نفسِهِ نَشْوةً وسَكْرةً تختلِفُ عمَّا يجدُهُ المستديمُ على النعمةِ، والنعمةُ العظيمةُ الحادثةُ لها سَكْرةٌ على النفسِ تُفقِدُها توازُنَها، فإذا لم يَكسِرْها بتواضعٍ مِن أوَّلِ الأمرِ بالسجودِ للخالقِ والتضرُّع والتذلُّلِ له، تمكَّنتْ منه حتى أورَثتْهُ غرورًا وكِبْرًا وبغيًا على الخلقِ، وخاصةً النعمةَ المفاجئةَ للإنسانِ بعدَ بأسٍ وشدةٍ وفقرٍ؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ [يونس: ٢١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>العبادةُ عندَ فَجْأةِ النعم:</span>\nوالنعمةُ المفاجئةُ بلا تدرُّجٍ: استدراجٌ، فلا يقابِلُها إلا شدةُ\n_________\n(١) ينظر: \"تهذيب اللغة\" (١٤/ ١٧٨)، و\"المحكم والمحيط الأعظم\" (٧/ ٩٨)، و\"تاج العروس\" (أك م).\n(٢) أخرجه البخاري (٦/ ١٣٤). وينظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٥٨٢).","vol":"1","page":69},{"text":"التواضعِ والخشوعِ؛ ولذا كانت نعمُ اللهِ على نبيِّه - ﷺ - على التدرُّجِ، ومع هذا فقد لزِمَ - ﷺ - التواضعَ وزادَهُ عندَ نزولِ النعمِ العظيمةِ.\nودخَلَ النبيُّ - ﷺ - مكةَ وهو مطأطِئُ الرأَسِ تواضُعًا وخشوعًا للهِ؛ وذلك لأنَّه خرَجَ منها متخفِّيًا طريدًا، ورجَعَ إليها سيِّدًا فاتحًا، مع كثرةِ الأَتْباعِ، وأخرَجَ ابنُ إسحاقَ - وعنه ابنُ المباركِ في \"الزهدِ\" - قال محمدُ بنُ إسحاقَ: \"حدَّثَني عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ، وابنُ أبي نَجِيحٍ، ويحيى بنُ عبَّادٍ؛ قالوا: أقبَلَ رسولُ اللهِ - ﷺ - حتى وقَفَ بذي طَوًى، وهو مُعْتَجِرٌ ببُرْدٍ حِبَرَةٍ، فلمَّا اجتمَعتْ عليه خيولُةُ ورأَى ما أكرَمَهُ اللهُ به، تواضَعَ للهِ حتى إنَّ عُثْنُونَهُ لَتمَسُّ واسطةَ رَحْلِهِ\" (١).\nوروى البيهقيُّ؛ مِن حديثِ جعفرِ بن سُلَيْمانَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ؛ قال: \"دخَلَ رسولُ الله - ﷺ - مَكَّةَ يومَ الفتحِ وذَقَنُهُ على رحلِهِ متخشِّعًا\" (٢).\nومِن أولِ ما فعَلَهُ عندَ دخولِه مكةَ: صلاتُهُ في داخلِ الكعبةِ؛ كما جاء في \"الصحيحِ\"؛ مِن حديث نافعٍ، عن عبدِ اللهِ - ﵁ -؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - أقبَلَ يومَ الفتحِ مِن أعلى مَكَّةَ على راحلتِهِ مردِفًا أسامةَ بنَ زيدٍ، ومعه بلالٌ، ومعه عثمانُ بنُ طَلْحةَ مِن الحَجَبَةِ، حتى أناخَ في المسجدِ، فأمَرَهُ أنْ يأتيَ بمِفتاحِ البيتِ ففتَحَ، ودخَلَ رسولُ اللهِ - ﷺ - ومعه أسامةُ وبلالٌ وعثمانُ، فمكَثَ فيها نهارًا طويلًا، ثمَّ خرَجَ، فاستبَقَ الناسُ، فكان عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ أوَّلَ مَن دخَلَ، فوجَدَ بلالًا وراءَ البابِ قائمًا، فسألَهُ: أين صلَّى رسولُ اللهِ - ﷺ -؟ فأشارَ له إلى المكانِ الذي صلَّى فيه، قال عبدُ اللهِ: فنَسِيتُ أن أسألَهُ: كم صلَّى مِن سجدةٍ؟ (٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن المبارك في \"الزهد والرقائق\" (٢/ ٥٣).\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٧٨٨٨) (٤/ ٣٥٢).\n(٣) أخرجه البخاري (٢٩٨٨) (٤/ ٥٦).","vol":"1","page":70},{"text":"وقوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ هي مِن ألفاظ الاستغفارِ لبني إسرائيلَ؛ أُمِرُوا بها عندَ الدخولِ؛ يُقالُ: حَطَّ اللهُ عنك خطايَاك، فهو يحُطُّها حِطَّةً؛ روى ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ؛ قال سعيد بنُ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: حِطَّةٌ: مغفرةٌ. وبه قال: استغفِروا اللهَ (١).\nوهو قولُ أكثرِ المفسِّرينَ مِن السلفِ؛ ويؤيِّدُ هذا أنَّه قال بعدَ ذلك: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾؛ أي: استغفِروا ليُغفَرَ لكم، ولكنَّهم خالَفُوا أمرَ اللهِ، فزحَفُوا على أَسْتَاهِهِمْ؛ أي: مَقَاعِدِهم؛ كما في \"الصحيحينِ\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ - ﵁ -؛ يقولُ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: (قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، فَبَدَّلُوا؛ فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، وَقَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ) (٢).\nوهذا التبديلُ مِن تبديلِ اللفظِ وتبديل المعنى وتبديلِ العملِ؛ وهو شرُّ أنواعِ التحريفِ لأَمْرِ اللهِ، وهو المقصودُ في قولِه بعدَ ذلك: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>أفضلُ أنواعِ التوبةِ وأقواها:</span>\nوفي الآيةِ دليلٌ على أنَّ أقوَى أنواعِ التوبةِ: تلك التي يجتمِعُ فيها عملُ القلبِ وعملُ الجوارحِ وقولُ اللسانِ؛ ولذا أمَرَهم اللهُ بالسجودِ، وأمَرَهُمْ بقولِ: \"حِطَّةٌ\"، ولا بدَّ مِن عملِ القلبِ؛ لأنَّه أصلُ الامتثالِ بهذه المأموراتِ، وأنَّ هذا هو أعظمُ الإحسانِ؛ ولذا قال: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾، مع أنَّ الإتيانَ بالأعمالِ الصالحةِ في ذاتِه مكفِّرٌ للسيِّئاتِ؛ لقولِه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١/ ٧١٦، ٧١٧)، وتفسير ابن أبي حاتم (١/ ١١٨).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٤٠٣) (٤/ ١٥٦)، ومسلم (٣٠١٥) (٤/ ٢٣١٢).","vol":"1","page":71},{"text":"والسجودُ في القرآنِ على نوعينِ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>النوعُ الأولُ: سجودُ تسخيرٍ:</span>\nوذلك كما في قولِه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]، وقولِه تعالى: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨]، وقولِه تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦].\nوكلُّ علامةٍ يُبصِرُها الإنسانُ في الكونِ ويراها ناطقةً على كونِ الخالقِ هو اللهَ، فتلك العلامةُ مِن السجودِ للهِ؛ لأنَّها امثالٌ لتدبيرِ اللهِ وأمرِهِ، فدلَّت عليه بامتثالِها، ولا يمتثِلُ إلا متذلِّلٌ خاشعٌ مخلوقٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>النوعُ الثاني: سجودُ اختيارٍ:</span>\nوذلك كما في آيةِ البابِ، وكثيرٌ منِ ذِكرِ السجودِ في القرآنِ يرادُ به هذا النوعُ؛ قال تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]، وقال تعالى: ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ٧٧]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤].\nوبعضُ آيِ القرآنِ يدخُل فيه النوعانِ؛ كما في قولِه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٤٩].\nوالنوعُ الثاني أعظمُ عندَ اللهِ؛ لأنَّ الفعلَ يعظُمُ عندَ مَن يختارُهُ، على مَنْ لا يجدُ غيرَهُ؛ لهذا فَضَّلَ اللهُ الإنسانَ الساجدَ على غيرِهِ منِ المخلوقاتِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>الأصلُ في السجودِ في الوحي:</span>\nوإذا أُطلِقَ السجودُ في القرآنِ والسُّنَّة، وتجرَّدَ مِن قرينةٍ تَصْرِفُهُ، فالمرادُ به السجودُ على الأَعظُمِ السبعةِ، وأصبَحَ هذا مصطلَحًا عليه في كتبِ العلماءِ وأقوالِ السلفِ.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>فضلُ السجود على الركوعِ والقيامِ:</span>\nوالسجودُ أعظَمُ مِن الركوعِ والقيامِ في الصلاةِ؛ لأنَّ السجودَ أكثرُ تواضُعًا، وأقرَبُ للأرضِ، والعبَادةُ التي يكونُ فيها الانسانُ أكثَرَ تخفِّيًا أفضلُ مِن غيرِها مِن جنسِها ممَّا تكون علانيةً، إلا ما دلَّ عليه الدليلُ؛ فالسجودُ أظهرُ تخفِّيًا ونزولًا إلى الأرضِ، وأشَدُّ انكسارًا وتذلُّلًا واعترافًا بالتقصيرِ، والصوتُ في السجودِ عندَ المناجاةِ أخفَى مِن صوتِ القائمِ والراكعِ.\nوالسجودُ عبادةٌ مستقلَّةٌ تُشرَعُ بأسبابِها ولو بلا صلاةٍ؛ كسجودِ التلاوةِ والشكرِ - كما في الآيةِ هنا - وظهورِ الآيةِ.\nوأمَّا الركوعُ والقيامُ، فليسا بعبادةٍ إلا في الصلاةِ؛ فلا يُشرَعُ للإنسانِ أنْ يركَعَ أو يقومَ متعبِّدًا للهِ بلا صلاةٍ؛ فالقيامُ للعبادةِ بلا صلاةٍ وحدَهُ لا يُشرَعُ؛ بل مُحدَثٌ وبِدْعةٌ، إلا إذا قام لِيَدْعُوَ، فيُشرَعُ القيامُ؛ لاقترانِهِ بالدعاءِ فقطْ، والركوعُ وحدَهُ بلا صلاةٍ بِدْعةٌ وليس بعبادةٍ، ولو مع الذِّكْرِ والتعظيمِ والدعاءِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>حكمُ القيامِ لغيرِ اللهِ:</span>\nولذا؛ فإنَّ الساجدَ لغيرِ اللهِ يكفُرُ، وأمَّا القائم لغيرِ اللهِ، فلا يكفُرُ، بل يجوزُ أن يكونَ تحيةً وتقديرًا؛ لأنَّ السجودَ عبادةٌ مستقلَّةٌ يظهرُ فيها التعبُّدُ وحدَهُ، بخلافِ القيامِ، وأمَّا الركوعُ، وهو الانحناءُ اليسيرُ ولو تحيَّةً، فهو بدعةٌ لا تجوزُ، وهو تحيةُ العَجَمِ، وليس تحيةَ أهلِ الإسلام، ولا يكفُرُ مَن فعَلَه لغيرِ اللهِ؛ لانَّه ليس بعبادةٍ مستقلَّةٍ بنفسِه، بل لو فعَلَهُ الإنسانُ للهِ بلا صلاةٍ، لَمُنِعَ من ذلك ونُهِيَ عنه، فليس بعبادةٍ مستقلَّةٍ لا للهِ ولا لغيرِه، وإذا نَوَى فاعلُ الركوعِ أو القيامِ عبادةً لغيرِ اللهِ، كفَرَ؛ لنيَّتِه، لا لفعلِه.","vol":"1","page":73},{"text":"ويُسمَّى الكلُّ ببعضِ أجزائِهِ إذا كان الجزءُ عظيمًا وركنًا جليلًا فيه؛ ولذا تُسمَّى الصلاةُ بالسجودِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠]؛ والمرادُ: أدبارَ الصلاةِ، وسُمِّيَتْ أماكنُ العبادةِ: مَسَاجِدَ، ولم تُسَمَّ: مَرَاكِعَ؛ لأنَّ السجودَ أعظمُ.\nولكنْ تُسمَّى الصلاةُ ركوعًا كذلك؛ لأنَّ الركوعَ رُكنٌ؛ كما قال سبحانَهُ: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>حكمُ السجودِ بلا سببٍ:</span>\nوالسجودُ في آيةِ البابِ سجودُ الشكرِ، والسجودُ بلا سببٍ لا يُشرَعُ، وكَرِهَهُ بل حَرَّمَهُ بعضُ الفقهاءِ؛ كالإمامِ النوويِّ (١)؛ لأنَّه بدعةٌ وإحداثٌ.\nوورَدَ النصُّ في أنواعِ السجودِ؛ كسجودِ الشكرِ والتلاوةِ وظهورِ الآيةِ.\nوبعضُ العلماءِ يَرَى للدعاءِ سجودًا منفردًا لِمَن أراد توبةً وغفرانًا؛ قال ابن تيميَّةَ: \"ولو أراد الدعاءَ، فعفَّرَ وجهَهُ للهِ بالتراب وسجَدَ له لِيَدْعُوَهُ فيه، فهذا سجودٌ لأجلِ الدعاءِ، ولا شيءَ يمنعُهُ\" (٢).\nوبعضُهم يستدِلُّ على مشروعيَّةِ السجودِ المنفصلِ بلا سببٍ؛ بما رواهُ مسلمٌ في \"الصحيح\"، عن ربيعةَ بنِ كعبٍ الأسلميِّ؛ قال: كنتُ أَبِيتُ مع رسولِ اللهِ - ﷺ -، فأتيتُهُ بوَضُوئِهِ وحاجتِهِ، فقال لي: (سَلْ)، فقُلتُ: أَسأَلكَ مُرافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ، قَال: (أوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ !)، قُلتُ هُوَ ذَاكَ، قَالَ: (فأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ) (٣).\nوهو استدلالٌ فيه نظرٌ؛ لأنَّ المرادَ بالسجودِ هنا الصلاةُ؛ لأنَّ الصلاةَ تُسمَّى سجودًا؛ كما تقدَّمَ الكلامُ عليه، ولو جُعِلَ السجودُ هنا هو\n_________\n(١) ينظر: \"المجموع\" (٤/ ٦٩)، و\"روضة الطالبين\" (١/ ٣٢٦).\n(٢) ينظر: \"الفتاوى الكبرى\" (٥/ ٣٤٠).\n(٣) أخرجه مسلم (٤٨٩) (١/ ٣٥٣).","vol":"1","page":74},{"text":"السجودَ المنفصِلَ بلا سببٍ، لَلَزِمَ مِن ذلك القولُ بمشروعيَّةِ الركوعِ بلا سببٍ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، والركوع للهِ بلا سببٍ عبادةٌ لم يقُل بها أحدٌ معتبَرٌ مِن علماءِ الإسلامِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>سجودُ الشكر وصلاتُهُ:</span>\nوبعضُ العلماءِ رأى أنَّ للشكرِ صلاةً كما أنَّ له سجودًا، وحمَلُوا الصلاةَ التي صلَّاها النبيُّ - ﷺ - عندَ فتحِ مكةَ على أنَّها صلاةُ الشكرِ للهِ على فتحِ مكةَ، وثبوتُ صلاةِ الشكرِ للهِ على النعمةِ لا يحتاجُ إلى دليلٍ خاصٍّ؛ لأنَّ اللهَ أمَرَ بشُكْرِهِ تعبُّدًا للهِ، والإكثارِ مِن النوافلِ له بلا حصرٍ أو قيدٍ بنعمةٍ معيَّنةٍ، ولكنْ قد تطرأُ نعمةٌ عظيمةٌ فيصلِّي حينَها للهِ شكرًا، وهذا حسَنٌ، ولكنَّ صلاةَ الشكرِ في ذاتِها مشروعةٌ بلا دليلٍ خاصٍّ؛ لأنَّ أصلَ العباداتِ إنَّما هي تضرُّعٌ وعبادةٌ وشكرٌ للهِ؛ ولذا كان النبيُّ - ﷺ - يُكثِرُ مِن قيامِ الليِلِ حتى تتفطَّرَ قَدَماهُ ويقولُ: (أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟ !) (١)، فجعَلَ عبادتَهُ كلَّها شكرًا للهِ، والحديثُ في \"الصحيحِ\" عن عائشةَ والمُغِيرةِ.\nورُوِيَ عن سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ - ﵁ -؛ أنَّه لمَّا فُتِحَتْ مدائنُ كِسْرَى، صلَّى ثمانيَ ركَعَاتٍ (٢).\nوفي حديثِ كعبِ بنِ مالكٍ لمَّا بُشِّرَ بتوبةِ اللهِ - ﷿ - عليه، خرَّ ساجدًا (٣).\nوفى \"سننِ النَّسائيِّ\"؛ مِن حديث سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ؛ أنَّ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١١٣٠) (٢/ ٥٠)، ومسلم (٢٨٢٠) (٤/ ٢١٧٢).\n(٢) ينظر: \"البداية والنهاية\" (٤/ ٣٠٠).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٤١٨) (٦/ ٣)، ومسلم (٢٧٦٩) (٤/ ٢١٢٠).","vol":"1","page":75},{"text":"النبيَّ - ﷺ - سجَدَ في ص، وقال: (سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>سجود التوبة:</span>\nوفي هذا أنَّ سجودَ التوبةِ والاستغفارِ صحيحٌ، وسجودُ الشكرِ كذلك، وإنَّما لم يسجُدْ نبيُّنا - ﷺ - هذه السجدةَ توبةً كداودَ، وإنَّما جعَلَها شكرًا؛ لأنَّ طلبَ التوبةِ كان بسببِ عملٍ وقَعَ مِن داودَ، فكانتِ التوبةُ مِن داودَ لا مِن محمدٍ - ﵉ -، وإنَّما سجَدَها - ﷺ - شكرًا؛ لأنَّ اللهَ غفَرَ لنبيِّهِ داودَ ذلك، وقَبِلَ استغفارَهُ، فقد قال بعدَهُ: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] ثمَّ إنَّ اللهَ أمَرَهُ بالاقتداءِ بداودَ وإخوانِهِ وآبائِهِ الأنبياء؛ فقد قالَ اللهُ في إبراهيمَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦]، ثُمَّ قال في الأنبياءِ الذينَ سَمَّاهُمُ اللهُ في هذه الآيةِ: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] صلَّى الله عليهم، فكان مِن الاقتداءِ بهم: العملُ كعَمَلِهم، ومنهم داودُ، وإنِ اختلَفَ القصدُ، فيؤدَّى الظاهرُ؛ فذاك سجودُ توبةٍ، وهذا سجودُ، شكرٍ.\nورُوِيَ عن جماعةٍ مِن الصحابةِ سجودُهم شكرًا للهِ عندَ رؤيتِهم أو سماعِهم خبرًا عظيمًا للأُمَّةِ؛ يُروى هذا عن أبي بكرٍ وعمرَ في فتحِ اليَمَامةِ، وعن عليٍّ لمَّا أُتِيَ بالمُخْدَجِ في قتالِهِ؛ رواهُما ابنُ أبي شَيْبةَ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>السجودُ قائمًا:</span>\nويُستحَبُّ لمَن أرادَ السجودَ أن يسجُدَ وهو قائمٌ، وإنْ كان قاعدًا أن يقومَ ثمَّ يسجُدَ؛ فقد جاء عندَ أبي داودَ في \"سننِه\"؛ مِن حديثِ سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ - ﵁ -؛ قال: خرَجْنا مع رسولِ اللهِ - ﷺ - مِن مَكَّةَ نُرِيدُ المدينةَ،\n_________\n(١) أخرجه النسائي (٩٥٧) (٢/ ١٥٩).\n(٢) أخرجهما ابن أبي شيبه في \"مصنفه\" (٨٤١٣)، (٨٤١٥)، (٨٤١٦) (٢/ ٢٢٨).","vol":"1","page":76},{"text":"فلمَّا كنَّا قريبًا مِن عَزْوَرَاءَ، نزَلَ، ثمَّ رفَعَ يَدَيْهِ، فدَعَا اللهَ ساعةً، ثمَّ خَرَّ ساجدًا، فمكَثَ طويلًا ثمَّ قامَ، فرفَعَ يدَيْهِ ساعةً، ثمَّ خَرَّ ساجدًا - فعَلَهُ ثلاثًا - قالَ: (إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي وَشَفَعْتُ لِأُمَّتِي، فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي؛ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا شُكْرًا لِرَبِّي، ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي فَسَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي، فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي؛ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي شُكْرًا، ثُمَّ رَفَعتُ رَأْسِي، فَسَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي، فَأَعْطَانِي الثُّلُثَ الْآخِرَ؛ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي) (١).\nوهذا الحديثُ لا يصحُّ؛ ففي إسنادِه موسى بنُ يعقوبَ الزَّمْعِيُّ، وشيخُهُ يحيى بنُ الحسنِ لا يُعرَفُ (٢).\nولكنْ هذا ظاهرُ فعلِ النبيِّ - ﷺ - حتى في صلاتِه؛ فقد صحَّ عنه: \"أنَّه كَانَ أَحْيَانًا يُصَلِّي قَاعِدًا، فَإِذَا قَرُبَ مِنَ الرُّكُوعِ، فَإِنَّهُ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ وَهُوَ قَاِئمٌ، وَأَحْيَانًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ وهُوَ قَاعِدٌ\" (٣).\nوهذا في صلاةٍ، وكذلك في غيرِ الصلاةِ لِمَنْ أرادَ سجودًا؛ لأنَّ السجودَ عن قيامٍ أظهرُ في التذلُّلِ والتضرُّعِ والانكسارِ؛ فيَهْوِي مِن أعلى ما تكونُ عليه قامتُهُ ورأسُهُ، إلى أسفلِ ما يكونُ عليه رأسُهُ؛ وهو أكرَمُ ما فيه.\nوبعضُ السلفِ كَرِهَ سجودَ الشكرِ، ورأَوْا أنَّ الشكرَ يكونُ بصلاةٍ تامَّةٍ فقطْ؛ رُوِيَ هذا عن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ؛ فروى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ: \"أنَّه كان يَكْرَهُ سَجْدةَ الفرحِ، ويقولُ: ليس فيها ركوعٌ ولا سجودٌ\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢٧٧٥) (٣/ ٨٩).\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٣٦٨).\n(٣) \"الفتاوى الكبرى\" لابن تيمية (٢/ ٢٦٢).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٨٤٢١) (٢/ ٢٢٩).","vol":"1","page":77},{"text":"وكان يقولُ عنها: \"بدعةٌ\" (١).\nوكَرِهَهُ مالكٌ (٢)؛ وهذا غريبٌ مع سَعَةِ اطِّلاعِهِ على فقهِ أهلِ المدينةِ ومعرفتِهِ بأفعالِ النبيِّ - ﷺ -، ومِثلُ هذا ينتقِلُ عملُه ويشتهِرُ.\nوفي البابِ أحاديثُ مرفوعةٌ في سجودِ النبيِّ - ﷺ - للشكرِ، وأكثرُها معلولٌ؛ ومِن ذلك ما جاء عندَ أبي داودَ، والترمذيِّ، وابنِ ماجَهْ؛ من طريقِ بَكَّارِ بنِ عبدِ العزيزِ بن أبي بَكْرةَ، عن أبيهِ، عن أبِي بَكْرةَ - ﵁ -: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إذَا جَاءَهُ أمْرٌ يَسُرُّهُ، خَرَّ سَاجِدًا للهِ\" (٣)؛ وبكارٌ ليِّنُ الحديثِ (٤).\nوكذلك ما جاء مِن حديث عبدِ الواحدِ بنِ محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ؛ قال: سَجَدَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رفَعَ رَأْسَهُ، وقَالَ: (إنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَبَشَّرَنِي، فَسَجَدتُّ للهِ شُكْرًا) (٥)؛ رواهُ أحمدُ وعبدُ الواحدِ لا تُعرَفُ حالُه (٦).\nوأَمْثَلُ منها حديثُ البَرَاءِ في سجودِ النبيِّ لمَّا بلَغَهُ إسلامُ هَمْدَانَ لمَّا كتَبَ له عليٌّ - ﵁ - بإسلامِهم، فلمَّا قرَأَ رسولُ اللهِ - ﷺ - الكتابَ، خَرَّ ساجدًا (٧)؛ وقد رواهُ البيهقيُّ، والقصةُ في \"صحيحِ البخاريِّ\" بلا ذِكْرِ\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٨٤٢٣) (٢/ ٢٢٩).\n(٢) ينظر: \"المدونة\" (١/ ١٩٧).\n(٣) أخرجه أبو داود (٢٧٧٤) (٣/ ٨٩)، والترمذي (١٥٧٨) (٤/ ١٤١)، وابن ماجه (١٣٩٤) (١/ ٤٤٦).\n(٤) ينظر: \"تاريخ ابن معين\" \"دوري\" (٤/ ٨٦)، و\"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (٢/ ٤٠٨)، و\"الكامل في ضعفاء الرجال\" لابن عدي (٢/ ٢١٧).\n(٥) أخرجه أحمد (١٦٦٤) (١/ ١٩١).\n(٦) ينظر: \"التاريخ الكبير\" للبخاري (٦/ ٥٥) و\"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (٦/ ٢٣).\n(٧) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٦٩).","vol":"1","page":78},{"text":"السجودِ فيها (١)، وقوَّاهُ غيرُ واحدٍ كالبيهقيِّ وغيرِه (٢).\nولا يلزمُ لسجودِ الشكرِ تكبيرٌ، ولا طهارةٌ، ولا تسليمٌ، ولا يظهرُ كذلك اشتراطُ الاستقبالِ؛ لأنَّه سجودٌ، وليس صلاةً.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ [البقرة: ٨٤، ٨٥].\nأخَذَ اللهُ عهدَهُ على بني إسرائيلَ ألَّا يتظالَمُوا فيَبْغِيَ أحدُهم على الآخَرِ بالقتلِ أو الجراحاتِ، أو إخراجِهِ مِن دارِهِ بغيرِ حقٍّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>الأخوَّةُ الإيمانيَّةُ:</span>\nوقولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ يعني: لا تُخرِجُونَ إخوانَكم ممَّن استحَقُّوا منكم الأُخُوَّةَ؛ وهذا يدُلُّ على أنَّ مَن لا يستحِقُّ الأخوَّةَ الإيمانيَّةَ، فليس بأخٍ، فإذا ارتكبَ موجِبًا لقتلِهِ أو إخراجِهِ، قُتِلَ أو أُخرِجَ؛ فمَن يُصِيبُ حَدًّا أو خروجًا عن دينِه، فليس هو مِن أنفُسِكم.\nروى ابنُ جريرٍ؛ مِن حديثِ سعيدٍ، عن قتادةَ؛ قولَه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾؛ أيْ: لا يقتُلُ بعضُكم بعضًا، ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾، ونَفسُكَ يا ابنَ آدَمَ أهلُ مِلَّتِكَ (٣).\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٤٣٤٩) (٥/ ١٦٣).\n(٢) ينظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٢/ ٣٦٩)، و\"معرفة السنن\" (٣/ ٣١٦).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٢٠٢).","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>حِلْفُ اليهودِ الأوسَ والخزرجَ:</span>\nوقد كان اليهودُ في المدينةِ ولا قرارَ للنَّصارى فيها، وكان بينَ اليهودِ والأَوْسِ والخَزْرَجِ بالمدينةِ حِلْفٌ، فكان إذا وقَعَ بينَ الأوسِ أو الخزرجِ وبينَ اليهودِ قتالٌ، ساعَدَ كلُّ فريقٍ مِن اليهودِ حِلفَهُ مِن الأوسِ والخزرجِ على عدوِّهم فقاتَلُوهم معهم، وأخرَجُوهُمْ معهم مِن ديارِهم، وخرَّبُوا بيوتَهُمْ بعدَهم، بعدَ أنْ حُرِّمَ عليهم ذلك في التوراةِ، وأقَرُّوا به وشَهِدوا بذلك؛ فاللهُ يخاطِبُ يهودَ المدينةِ ويعاتِبُهم بتقصيرِهم وتفريطِهم في ميثاقِ اللهِ، مع أنَّهم يَقْرَؤونه في تَوْراتِهم عندَ نزولِ القرآنِ.\nروى الطبريُّ، عن أَسْبَاطٍ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾؛ قال: إنَّ اللهَ أخَذَ على بَني إسرائيلَ في التوراةِ: ألا يقتُلَ بعضُهمْ بعضًا، وأيُّما عبدٍ أو أمَةٍ وَجَدتُّمُوهُ مِن بَني إسرائيلَ، فاشتَرُوهُ بما قام ثَمَنَهُ، فأَعْتِقُوهُ، فكانتْ قُرَيْظةُ حلفاءَ الأوسِ، والنَّضِيرُ حلفاءَ الخزرجِ؛ فكانوا يَقْتَتِلُونَ في حربِ سُمَيْرٍ - وهي حربٌ في الجاهليةِ بينَ الأوسِ والخزرجِ - فيُقاتِلُ بنو قريظةَ مع حلفائِها النضيرَ وحلفاءَها، وكانتِ النضيرُ تُقاتِلُ قريظةَ وحلفاءَها، فيَغلبونَهم، فيُخْرِبُونَ بيوتَهم، ويُخْرِجُونَهم منها، فإذا أُسِرَ الرجلُ مِن الفريقَيْنِ كلَيْهِما، جمَعُوا له حتى يَفْدُوهُ، فتُعَيِّرُهم العربُ بذلك، ويقولون: كيف تُقَاتِلُونَهم وتَفْدُونَهم؟ ! قالوا: إنَّا أُمِرْنا أنْ نَفْدِيَهم، وحُرِّمَ علينا قِتَالُهم؛ قالوا: فلِمَ تُقاتِلُونَهم؟ ! قالوا: إنَّا نستَحْيِي أنْ تُسْتَذلَّ حلفاؤُنا؛ فذلك حينَ عَيَّرَهم - ﷿ -، فقال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٢٠٨).","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>تأكيدُ المواثيق:</span>\nوفي الآيةِ دليلٌ على أنَّه يُشرَعُ التأكيدُ على المواثيقِ العظيمةِ، بالإقرارِ والتعاهُدِ؛ فاللهُ تعالى أخَذَ عليهم الميثاقَ، ثمَّ سُئِلُوا الإقرارَ به بعدُ، فأقَرُّوا؛ أيْ: إنَّ تعاهُدَ الميثاقِ العظيمِ بعدَ أَخْذِهِ مطلبٌ، وذلك بحسَبِ قوةِ الميثاقِ وأثرِ إبطالِهِ على الناسِ.\nوميثاق الأعراضِ أعظَمُ مِن ميثاقِ النَّفْسِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١].\nثمَّ ذَكَرَ اللهُ مُخَالفتَهُمْ للأمرِ في قولِه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾؛ أي: بعدَ كلِّ ما أُخِذَ عليكم، وأقَرَّ به مَنْ سبَقَكم، وشَهِدتُّمُوهُ في كتابِكم.\nوفي الآيةِ: دليلٌ على حُرمةِ قتلِ النفسِ، ويأتي تفصيلُه - بإذنِ اللهِ - في هذه السورةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>عقوبةُ النفي:</span>\nوفيها: تحريمُ إخراجِ الإنسانِ مِن ديارِهِ وأرضِهِ وتغريبِهِ بغيرِ حقٍّ، والإخراجُ مِن البلدِ عقوبةٌ شرعيَّةٌ يجبُ ألَّا تَنْزِلَ إلا بسببٍ شرعيٍّ؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، فجعَلَ اللهُ سببَ الإخراجِ مِن البلدِ: محاربةَ اللهِ ورسولِه، وإنزالُ العقوبةِ لمجرَّدِ مخالَفَةِ المحكومِ للحاكمِ في رأيِهِ - الذي لا يخرُجُ عن حدِّ النقلِ والعقلِ - غيرُ جائزٍ.\nولمَّا جعَلَ اللهُ النفيَ عقوبةً، دلَّ هذا على أنَّ بقاءَ الإنسانِ في بلدِهِ حقٌّ مشروعٌ له، يجب أنْ يُحْفَظَ ويُصانَ، ومِن واجباتِ وليِّ الأمرِ حِفظُهُ، وليس نَزْعَهُ؛ وهذا كما أنَّ قطعَ اليدِ في السرقةِ دليلٌ على أنَّ","vol":"1","page":81},{"text":"بقاءَها بلا موجِبٍ للقطعِ واجبٌ يجبُ أنْ يُصانَ ويُحفَظَ.\nوعقوبةُ الإخراجِ مِن الأرضِ والبلدِ عقوبةٌ شديدةٌ يُقِرُّ بقسوتِها جميعُ الشرائعِ، المؤمنةِ والكافرةِ؛ قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ١٣]؛ فسمَّى اللهُ الإخراجَ مِن الأرضِ ظُلْمًا.\nوالإخراجُ مِن الأرضِ شُرِعَ لإبعادِ المنفيِّ مِن نشرِ فسادِه في بلدِه.\nوينبغي للحاكمِ الذي يُرِيدُ إخراجَ أحدٍ مِن بلدِهِ: أنْ يَعرِفَ قدْرَ أثرِ الإخراجِ على صاحِبِه؛ فهو ظلمٌ شديدٌ، ولا ينبغي أنْ يَنْزِلَ إلا في حالِ العجزِ عن كفِّ الأذى والردعِ إلا به، ولا بُدَّ من معرفةِ قدرِ الفسادِ اللازمِ مِن إخراجِهِ عليه وعلى ذريَّتِهِ مِن بعدِه، ومقارنتِهِ بالسببِ الموجِبِ لإخراجِهِ، والحكمُ في ذلك لتقديرِ اللهِ في كتابِهِ وسُنَّةِ نبيِّه بنظرِ عالمٍ عارفٍ، لا بالهوَى والتشهِّي.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ١٠٠].\nعَهِدَ اللهُ إلى أهلِ الكتابِ - وخاصَّةً اليهودَ؛ لشدةِ عنادِهم، وتلبيسِهم الحقَّ بالباطلِ - أنَّه إذا بُعِثَ محمدٌ - ﷺ - أنْ يُؤمِنوا به، وذكَرَ شيئًا مِن وصفِه في التوراةِ والإنجيلِ يَعرِفونَهُ به؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>عهدُ اللهِ إلى بني إسرائيل الإيمان بمحمد - ﷺ </span>-:\nبيَّنَ اللهُ لهم شيئًا مِن شِرْعَتِهِ القادمةِ عليهم، وما يُحِلُّ لهم وما يحرِّمُ، وأولُ أعمالِ النبيِّ - ﷺ - في التوراةِ: الأمرُ بالمعروفِ، والنهيُ عن المنكرِ، وذكَرَ عيسى لهمُ اسمَهُ، وهو كذلك في الإنجيلِ؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦].\nوهذا غايةٌ في التعريفِ والبيانِ، ومع هذا الوضوحِ أخَذَ اللهُ عليهم العهدَ لَيُؤْمِنُنَّ به ولَيَتَّبِعُنَّه، وقد كان التشديدُ مِن اللهِ على بني إسرائيلَ واليهودِ خاصَّةً في أمرِ اتِّباعِ محمدٍ - ﷺ -؛ لأمورٍ؛ منها:\nأولًا: أنَّهم هم أقربُ أُمَّةٍ مِن أهلِ الكتابِ لنبوَّةِ محمدٍ، والناسُ مِن الوثنيِّينَ وغيرِهم ينظُرُونَ إليهم ويتيمَّنون بهم؛ فإنَّ انصرافَهم عن اتباعِ محمدٍ - ﷺ - فتنةٌ لغيرِهم يَبُوءُونَ بها.\nثانيًا: أنَّهم معروفونَ بنقضِ العهودِ والمواثيقِ؛ فشدَّدَ اللهُ عليهم بوجوبِ الوفاءِ، وبيَّن لهم بيِّناتٍ ودلالاتٍ على رسالةِ محمدٍ - ﷺ - ممَّا لم يتَّضحْ عندَ غيرِهم.\nوفي هذا: أنَّ الإنسانَ الذي يُعرَفُ بنقضِ العهدِ والمكرِ والخديعةِ، يشدَّدُ عليه في لزومِ العهدِ والميثاقِ، ويؤكَّدُ ذلك، ويراجَعُ في وضوحِ الحُجَّةِ والبيِّنةِ عندَ التعَاقُدِ؛ حتى تُغلَقَ منافذُ العنادِ عليه، وتقامَ الحُجَّةُ عليه مِن جميعِ وجوهِها.\nثالثًا: لمَّا كانوا أعلَمَ الناسِ بصفاتِ نبوَّةِ محمدٍ - ﷺ - مِن قومِهِ المشرِكِينَ، ولأنَّه كلَّما كانتِ البيِّنةُ على الإنسانِ أوضحَ، كان العقابُ عليه أشدَّ -: أرادَ اللهُ رحمةً بهم أنْ يُقِيمَ عليهم الحُجَّةَ بالعهدِ والميثاقِ","vol":"1","page":83},{"text":"أنَّ عقابَ التركِ شديدٌ أليمٌ؛ فالنقض وبالٌ عليهم في الدُّنيا والآخرةِ، فألزَمَهم بعهدٍ فوقَ البيِّناتِ؛ حتى لا يَحِلَّ عليهم عقابُهُ سبحانَهُ، والتشديدُ يُزِيلُ الأوهامَ، ويطرُدُ الشبهاتِ ولو ضَعُفَتْ، ويزهِّدُ في الشهواتِ ولو قَوِيَتْ؛ فلا يخالِفُ حينَها إلا معانِدٌ مكابِرٌ.\nروى ابنُ جريرٍ؛ مِن حديثِ عِكْرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ قال: قال مالكُ بن الصَّيْفِ - حينَ بُعِثَ رسولُ اللهِ - ﷺ -، وذَكَرَ ما أُخِذَ عليهم مِن الميثاقِ، وما عهد اللهُ اليهم فيه -: والله ما عَهِدَ إلينا في محمدٍ - ﷺ -، وما أخَذَ له علينا ميثاقًا! فأنْزَلَ اللَّهُ - جلَّ ثناؤُهُ -: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ (١).\nواليهودُ والنصاري كتَمُوا رسالةَ محمدٍ - ﷺ -، بل حرَّفُوا مواضعَ النصوصِ الدالَّةِ عليه وعلى رسالتِه؛ قلَبُوها حروفًا، وما لم يُقلَبْ حرفًا، قلَبُوهُ معنًى؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢]؛ أيْ: يكتُمون نبوَّتَهُ، مع علمِهم بها.\nوروى ابنُ جريرٍ؛ مِن حديثِ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ؛ في قولِ اللهِ: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ قال: يكتُمُ أهلُ الكتابِ محمدًا - ﷺ -، وهم يَجِدُونَهُ مكتوبًا عندهم في التوراةِ والإنجيلِ (٢).\nوروى ابنُ جريرٍ أيضًا؛ من حديثِ عِكْرِمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾، يقولُ: لا تكتُموا ما عندَكم مِن المعرفةِ برسولي وما جاء به، وأنتم تَجِدُونَهُ عندَكم فيما تعلَمون مِن الكتبِ التي بأيدِيكم (٣).\nوبيَّن اللهُ أنَّ العهد الذي أخَذَهُ عليهم نُقِضَ مِن قِبَل فريقٍ منهم:\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٣٠٨).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١/ ٦٠٩).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١/ ٦٠٩).","vol":"1","page":84},{"text":"﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾، وليس مِن جميعِهم، ولكنَّ البقيَّةَ ساكتةٌ خوفًا أو طمعًا؛ أيْ: يَخَافُون مِن سَطْوةِ أَحبارِهم ورُهْبانِهم فيأمُرونَ بقتلِهم، أو طمعًا فيما بينَ أيدِيهم مِن متاعِ الدُّنيا، ويَخْشَوْن زوالَهُ عنهم، ولكنَّ اللهَ جعَلَ الجميعَ ممَّن نقَضَ العهدَ؛ لأنَّهم سكَتُوا عن قولِ الحقِّ، ورأَوُا الباطلَ وسكَتُوا؛ فكانوا في صفِّ الراضِينَ وسَوَادِهم.\nومَن رأى الباطلَ وسكَتَ عليه، والناسُ في جدالٍ فيه يُريدونَ مَن يَهْدِيهم، وهو قادرٌ علي القولِ، فسكَتَ، فهو في حكم قائلِ الباطلِ؛ وهذا مِن خصال اليهودِ؛ قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [المائدة: ٤١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>إذا نقَضَ طائفةٌ العهد، فحكمُ الساكتِ منهم كالناقضِ:</span>\nوفي هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ المسلِمينَ إذا عاهَدُوا غيرَهُمْ مِن أهلِ الكتابِ أو المشرِكِينَ على شيءٍ، فنقَضَ عهدَهُمْ طائفةٌ مِن الكفارِ وليس كلَّهم: أنَّ عهدَ الجميعِ يُعتبَرُ منقوضًا؛ وذلك كالعهودِ التي يُبرِمُها المسلِمُونَ مع دولٍ أُخرَى أو مع جماعاتٍ، فقامَتْ جماعةٌ مِن تلك الدولِ أو مِن تلك الجماعاتِ بنقضِ العهدِ والميثاقِ، فإنَّ النقضَ يَرجِعُ إلى أصلِ العقدِ والعهدِ، وهذا ظاهرُ الآيةِ؛ فاللهُ أخَذَ الساكتَ مأخذَ الناقضِ.\nويخرُجُ مِن حكم الناقضينَ مَن انفصَلَ عن جماعتِهِ الناقضينَ للعهدِ، وانحازَ إلى فئةٍ ملتزِمةٍ؛ هربًا من الناقضينَ وبراءةً منهم، ولم يُعِينُوا الناقضينَ بالرأيِ والمالِ؛ فهذا له حُكْمُ مَن استسلَمَ للهِ، ودخَلَ الإسلامَ، وانحازَ إلى المسلِمينَ، وآمَنَ بنبوَّةِ محمَّدٍ - ﷺ -؛ ففي \"الصحيح\" و\"المسندِ\"؛ مِن حديثِ نَافِعٍ، عن ابن عُمَرَ: \"أَنَّ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ حَاربُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَأَجْلَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَنِي النَّضِيرِ، وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ","vol":"1","page":85},{"text":"وَمَنَّ عَلَيْهِم، حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيظَةُ بَعْدَ ذَلِك، فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ، وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَولَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَآمَنَهُمْ وأَسْلَمُوا، وَأَجْلَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَهُودَ المَدِينَةِ كُلَّهُمْ: بَنِي قَيْنُقَاعَ - وهُمْ قَوْمُ عَبْدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ - وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ، وَكُلَّ يَهُودِيٍّ كَانَ بِالْمَدِينَةِ\" (١).\nوكلُّ ذِكرٍ لأهلِ الكتابِ فِي المدِينةِ، فالمقصودُ بهم اليهودُ؛ فليس في المدينةِ نصارى يومئذٍ؛ وإنَّما كانتْ بنو قُرَيْظَةَ وبنو النَّضِيرِ، وافترَقُوا؛ فتحالفَتْ بنو قريظةَ مع الأوسِ، وبنو النضيرِ مع الخزرجِ، وتعاهَدُوا بعضُهم مع بعضٍ.\nوإنَّما يُبْطِلُ العهدَ والعقدَ بعضٌ مِن الفئتَيْنِ؛ وذلك لأمورٍ:\nأولًا: لظاهرِ الآيةِ.\nثانيًا: لأنَّ هذا البابَ إذا لم يُغلَقْ، كان مَدْعاةً لِلَعْبِ المعاهَدِينَ بالخُدْعةِ، فيتسلَّلُ منهم فريقٌ ويقولون: هؤلاء نقَضُوا العهدَ، ولا يُمثِّلُونَ عهدَنا؛ فلا يدري المسلمونَ مِن أيِّ طريقٍ يأتِيهم الشرُّ، ولا يميِّزون الناقضَ مِن غيرِه، والأَولى في ذلك إبطالُ العهدِ كلِّه.\nثالثًا: أنَّ الفريقَ النابذَ للعهدِ كان مِن الجماعةِ المعاهَدِة وممَّن جرَى عليه العهدُ، ونقضُهُ لذلك إخلالٌ بجماعةِ المعاهَدِينَ الذين وقَعَ عليهم العهدُ والعقدُ، وهذا كحالِ مَن اشترَى مزرعةً بنخلِها وعنبِها من جماعةٍ يَملِكونَها، فخرَجَ أحدُهم عنِ الالتزامِ بعهدِهم وعقدِهم، ولم يُوافِقْهم على عقدِهم؛ فهذا يُبْطِلُ العقدَ؛ لأنَّه يَملِكُ الحقَّ، ويملِكُ مَنْعَ تصرُّفِ المشتري وكَفَّ يدِهِ عن تمام التصرُّفِ في ملكِه.\nووليُّ أمرِ الفئةِ الكافرةِ قائمٌ على شأنِ رَعِيَّتِه، فهو كالوكيلِ عنهم؛\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦٣٦٧) (٢/ ١٤٩)، ومسلم (١٧٦٦) (٣/ ١٣٧٨).","vol":"1","page":86},{"text":"كوكيلِ المُلَّاكِ على مزرعةِ الشَّرَاكةِ، فأولئك رَضُوهُ وليًّا لهم، وهؤلاءِ رَضُوهُ وكيلًا عنهم، فيمضي العهدُ، ومَن نقَضَ العهدَ، فنقضُهُ باطلٌ، وإذا لم يُمكِنْ إبطالُ نقضِهِ لعهدِهِ خاصَّةً، وانفصَلَ عن الجماعةِ، فيُنقَضُ العهدُ كلُّه.\nوفي الآيةِ: جوازُ إبرامِ العهودِ والعقودِ مع مَن يُعرَفُ منه الخُدْعةُ وجُرِّبَ بالكذبِ؛ إذا قامتِ المصلحةُ في ذلك للمُسلِمِينَ، وأنَّ العهدَ والعقدَ صحيحٌ ملزِمٌ؛ شريطةَ التشديدِ في شروطِه.\nوالنبيُّ - ﷺ - عاهَدَ يهودَ وهو يعلَمُ نَقْضَهم في القرآنِ؛ طلبًا لأمنِ المسلِمينَ زَمَنَ تراخِيهم وعدَمِ تمكُّنِهم؛ روى ابنُ جريرٍ، عن حَجَّاجٍ، عن ابنِ جُرَيْجٍ؛ قولَه: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال: \"لم يكنْ في الأرضِ عهدٌ يُعاهِدونَ علبه إلا نَقَضُوه، ويُعاهِدونَ اليومَ، ويَنقُضُون غدًا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>وجوبُ التزام الحلفاءِ بعهد بعضِهِمْ مع غيرِهِمْ:</span>\nوكان النبيُّ - ﷺ - يُؤاخِذُ الحلفاءَ بعضَهم بجريرةِ بعضٍ؛ لاتِّحادِهم بالعقودِ والعهودِ، والتزامِ بعضِهم بعهدِ بعضٍ، ومَن كان كذلك فالفئةُ إذا نقَضتْ، انتقَضَ عهدُ الأُخرى.\nفقد روى مسلمٌ في \"صحيحِه\"؛ مِن حديثِ أبي المهلَّبِ، عن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ؛ قال: كَانَتْ ثَقِيفُ حُلفَاءَ لِبَنِي عُقَيْلٍ، فأَسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَأَسَرَ أَصَحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ، وأَصَابُوا مَعَهُ العَضْبَاءَ، فَأَتَى عَلَيْهِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ فِي الوَثَاقِ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ، فقال: (مَا شَأْنُكَ؟ !)، فَقَالَ: بِمَ أَخَذْتَنِي، وَبِمَ أخَذْتَ سَابِقَةَ الحَاجِّ؟ ! فقال إعْظَامًا لِذَلِكَ: (أَخَذْتُكَ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٣٠٩).","vol":"1","page":87},{"text":"بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ)، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ! وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَحِيمًا رَقِيقًا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: (مَا شَأْنُكَ؟ !)، قَالَ: إنِّي مُسْلِمٌ؛ قَالَ: (لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ، أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ!) ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ! فَأَتَاهُ، فَقَالَ: (مَا شَأْنُكَ؟ !)، قَالَ: إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي، وَظَمْآنُ فَاسْقِنِي، قَالَ: (هَذِهِ حَاجَتُكَ)؛ فَفُدِيَ بِالرَّجُلَيْنِ.\nقَالَ: وَأُسِرَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَأُصِيبَتِ الْعَضْبَاءُ، فَكَانَتِ المَرْأَةُ فِي الْوَثَاقِ، وَكَانَ الْقَوْمُ يُرِيحُونَ نَعَمَهُمْ بَيْنَ يَدَيْ بُيُوتِهِمْ، فَانْفَلَتَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ الوَثَاقِ، فَأَتَتِ الإِبِلَ، فَجَعَلَتْ إِذَا دَنَتْ مِنَ الْبَعِيرِ رَغَا، فَتَتْرُكُهُ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْعَضْبَاءِ، فَلَمْ تَرْغُ، قَالَ: وَنَاقَةٌ مُنَوَّقَةٌ، فَقَعَدَتْ فِي عَجُزِهَا، ثُمَّ زَجَرَتْهَا، فَانْطَلَقَتْ، وَنَذِرُوا بِهَا، فَطَلَبُوهَا، فَأَعْجَزَتْهُمْ، قَالَ: وَنَذَرَتُ للهِ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَلَمَّا قَدِمَتِ المَدِينَةَ، رَآهَا النَّاسُ، فَقَالُوا: الْعَضْبَاءُ نَاقَةُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ: إِنَّهَا نَذَرَتْ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا، لَتَنْحَرنَّهَا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ؛ فَقَالَ: (سُبْحَانَ اللهِ! بِئْسَمَا جَزَتْهَا؛ نَذَرَتْ للهِ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا، لَتَنْحَرَنَّهَا؟ ! لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ) (١).\nوأهلُ الذِّمَّةِ لا يجوزُ أخذُهُمْ بجريرةِ غيرِهم مِن الكفارِ، ولو كانوا على دِينٍ واحدٍ، ما لم يواطَؤُوا مع أهلِ الحربِ، فيُؤاخَذونَ بذلك، وإذا كان يُؤاخَذُ المنافقُ الجاسوس، فالذميُّ مِن بابِ أَولى، وهذا بالاتِّفاقِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>لا يُؤاخذُ المسلمُ بجريرة قومِهِ:</span>\nوأمَّا المسلمُ في وَسَطِ المسلِمينَ، فلا يُؤاخَذ بجريرةِ غيرِه مِن قبيلتِهِ وعشيرتِه؛ كلُّ امرئٍ بما كسَبَ رهينٌ.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٦٤١) (٣/ ١٢٦٢).","vol":"1","page":88},{"text":"ففي \"المسندِ\"؛ مِن حديثِ أبي النضرِ، عن رجلٍ كان قديمًا مِن بني تَمِيمٍ: كَانَ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ رَجُلٌ يُخْبِرُ عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ لَقِيَ رَسُولَ الله - ﷺ - فَقَالَ: يا رَسُول اللهِ، اكْتُبْ لِي كِتَابًا، أَلَّا أُؤَاخَذَ بِجَرِيرَةِ غَيْرِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (إنَّ ذَلِكَ لَكَ، وَلِكُلِّ مُسْلِمٍ) (١).\nوفي إسنادِه إبهامٌ، وله شواهدُ كَثيرةٌ؛ مِن حديثِ أبي رِمْثَةَ، عندَ أحمدَ بلفظِ: (أَمَا إِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ، وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ) (٢).\nورُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ عندَ البَزَّارِ (٣).\nورُوِيَ عن عمرِو بنِ الأحوصِ بلفظِ: (لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ؛ لَا يَجْنِي وَالِدٌ عَلَى وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ) (٤)؛ أخرَجَه أحمدُ أيضًا.\nورُوِيَ عن طارقٍ المُحَارِبيِّ، عندَ النسائيِّ وابنِ ماجهْ؛ وعن الأعمشِ، عن مسروقٍ، مرسلًا؛ رواهُ النسائيُّ بلفظِ: (لَا يُؤخَذُ الرَّجُلُ بِجَريرَةِ أَبِيهِ، ولا بِجَريرَةِ أَخِيهِ) (٥).\nومعناهُ مستقِرٌّ مستفيضٌ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥].\nذكَرَ اللهُ مشرِقَ الشمسِ ومغرِبَها؛ لأنَّه بذلك تُعرَفُ القِبْلةُ غالبًا، ورُبَّما عُرِفَتْ بمشرِقِ القمرِ ومغربِه، فالشرقُ والغربُ جهتانِ يُعرَفُ بهما\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٥٩٣٧) (٣/ ٤٧٩).\n(٢) أخرجه أحمد (٧١٠٦) (٢/ ٢٢٦).\n(٣) أخرجه البزار (١٩٥٩) (٥/ ٣٣٤).\n(٤) أخرجه أحمد (١٦٠٦٤) (٣/ ٤٩٨).\n(٥) أخرجه النسائي (٤١٢٨) (٧/ ١٢٧)، وابن ماجه (٢٦٧٠) (٢/ ٨٩٠).","vol":"1","page":89},{"text":"بقيةُ الجهاتِ: الشَّمَالُ والجَنُوبُ، ولا يمكنُ معرفةُ الشمالِ والجنوبِ إلا بعدَ معرفةِ الشرقِ والغربِ غالبًا، ومطلعُ الشمسِ ومغرِبُها، وكذلك القمرُ: أظهرُ الدلالاتِ للبشربةِ على معرفةِ جهاتِهم.\nوقولُه: ﴿وَلِلَّهِ﴾؛ أيْ: له مُلْكُهما وتدبيرُهما والتصرُّفُ فيهما، وإجراءُ العبادِ عليهما وعلى غيرِهما؛ وهذا كمالُ تصرُّفِ المالكِ في مُلْكِه.\nوالمَشْرِقُ: كمَسْجِدٍ، وهو موضِعُ طلوعِ الشمسِ، والمَغْرِبُ: عكسُهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>التوسعةُ في التوجُّه إلى القبلةِ:</span>\nوظاهرُ هذه الآيةِ: التوسعةُ في شأنِ توليةِ الوجهِ إلى القِبلةِ، وقد اختلَفَ العلماءُ في نسخِها وإحكامِها، والحدِّ المرادِ فيها؛ ومجملُ ذلك قولانِ للعلماءِ:\nالقولُ الأولُ: مِن العلماءِ مَن قال بنسخِها، وأنَّ القِبْلةَ كانتْ موسَّعةً، ثمَّ أُحكِمَ تحديدُها إلى الكعبة.\nورُوِيَ هذا عن ابنِ عباسٍ، وأبي العاليةِ، والحسَنِ، وعطاءٍ، وعِكْرِمةَ، وغيرِهم (١).\nروى ابنُ أبي حاتمٍ، عن ابنِ جُرَيْجٍ وعثمانَ بنِ عطاءٍ؛ كلاهُما عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ. . . وذكَرَ أنَّها منسوخةٌ بقولِه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٩] (٢).\nوعطاءٌ هذا هو: الخُراسانيُّ، ولم يَلْقَ ابنَ عباسٍ (٣).\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٢١٢).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٢١٢).\n(٣) \"المراسيل\" لابن أبي حاتم (١/ ١٥٦)، و\"تهذيب الكمال\" (٢٠/ ١١٠).","vol":"1","page":90},{"text":"وقد رُوِيَ نسخُ هذه الآيةِ في كتابِ \"الناسخِ والمنسوخِ\" لأبي عبيدٍ، ولابنِ أبي داودَ، وغيرِهما، وصُرِّحَ فيها بأنَّ عطاءً هو الخُرَاسانيُّ (١).\nوروى معناه سعيدٌ ومَعْمَرٌ عن قتادَة مختصرًا؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (٢).\nالقولُ الثاني: مِن العلماءِ مَن قال بإحكامِها، وحمَلَ معناها على عدةِ معانٍ:\nأولُها: أنَّ المرادَ بذلك: حالُ الضرورةِ، ولو صلَّى الإنسانُ مِن غيرِ عمدٍ أو قصدٍ إلى غيرِ القِبْلةِ، فبان له بعدَ ذلك أنَّه صلَّى إلى غيرِ القِبْلةِ، صحَّتْ صلاتُه؛ بدليلِ هذه الآيةِ، وكذلك في حالِ الحربِ، وتعذُّرِ استقبالِ القِبلةِ، ونحوِ ذلك.\nوقد روى التِّرمِذيُّ، وابنُ جريرٍ، وابن أبي حاتمٍ؛ مِن حديثِ أبي الربيعِ السَّمَّانِ، عن عاصمِ بنِ عُبَيْدِ اللهِ، عن عبدِ اللهِ بن عامرِ بن ربيعةَ، عن أبيهِ؛ قال: كنَّا مع رسولِ الله - ﷺ - في ليلةٍ سوداءَ مُظلِمةٍ، فنزَلْنا منزلًا فجعَلَ الرجلُ يأخُذُ الأحجارَ فيَعْمَلُ مسجدًا يصلِّي فيه، فلمَّا أصبحْنا، إذا نحنُ قد صَلَّيْنا على غيرِ القِبْلةِ، فقلنا: يا رسولَ اللهِ، لقد صلَّيْنا ليلتَنا هذه لغير القِبْلةِ! فأنزَلَ اللَّهُ - ﷿ -: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣).\nوأبو الربيع هو: أشعثُ بنُ سعيدٍ، ليِّنُ الحديثِ (٤).\nوعاصمٌ ضعيفٌ؛ قال البخاريُّ: مُنكَرُ الحديثِ (٥)، وضعَّفَهُ ابنُ مَعِينٍ\n_________\n(١) ينظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للقاسم بن سلام (١/ ١٨).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٤٥١).\n(٣) أخرجه الترمذي (٣٤٥) (٢/ ١٧٦)، وابن جرير في \"تفسيره\" (٢/ ٤٥٤)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (١/ ٢١١).\n(٤) ينظر: \"العلل ومعرفة الرجال\" \"رواية عبد الله\" (٢/ ٥١٦)، وتاريح ابن معين \"دوري\" (٤/ ٨٠)، و\"التاريخ الكبير\" للبخاري (١/ ٣٤٠).\n(٥) \"التاريخ الكبير\" للبخاري (٦/ ٤٩٣).","vol":"1","page":91},{"text":"وغيرُهُ (١)، وترَكَهُ ابنُ حِبَّانَ (٢).\nوقد ضعَّفَ الحديثَ الترمذيُّ في \"سننِه\"، وقال: ليس إسنادُهُ بذاك (٣).\nوبمعنى الحديثِ يُفتي إبراهيمُ النَّخَعيُّ؛ كما رواهُ عنه حمادٌ ومنصورٌ؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ وغيرُه (٤).\nثانيها: أنَّ هذه الآيةَ في التخفيفِ في استِقبالِ القِبْلةِ للمسافرِ في صلاةِ التطوُّعِ خاصةً؛ كما روى ابن أبي حاتمٍ وابنُ جريرٍ في \"تفسيريهما\"؛ من طريقِ عبدِ الملكِ بنِ أبي سُلَيْمانَ، عن سعيدِ بن جُبَيْرٍ، عن ابنِ عمرَ؛ أنَّه قال: إنَّما نزَلَتْ هذه الآيةُ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أن تصلِّيَ حيثُما توجَّهَتْ بكَ راحلتُكَ في السفرِ تطوُّعًا؛ كان رسولُ اللهِ - ﷺ - إذا رجَعَ مِن مكةَ، يصلِّي على راحلتِهِ تطوُّعًا؛ يُومِئُ برأسِه نحوَ المدينةِ (٥).\nوبنحوِ ذلك يُفتي عطاءُ بنُ أبي رَبَاحٍ؛ كما رواهُ عبد الرزَّاقِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أجاءَكم بذلك ثَبَتٌ بِالصلاةِ على الدابَّةِ مُدْبِرًا عن القِبْلةِ؟ قال: نعم، ثمَّ قال عندَ ذلك: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، قال ابنُ جُرَيْجٍ: ذُكِرَ ذلك ليحيى بن جَعْدةَ، فكاد يُنكِرُ، ثمَّ انطلَقَ فإذا هو مستفاضٌ بالمدينةِ، فرجَعَ إلينا وهو يَعرِفُ ذلك (٦).\n_________\n(١) \"تاريخ ابن معين\" \"دارمي\" (١/ ١٣٧).\n(٢) \"المجروحين\" لابن حبان (٢/ ١٢٧).\n(٣) (٢/ ١٧٦).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنَّفه\" (٣٦٣١) (٢/ ٣٤٤)، وابن جرير في \"تفسيره\" (٢/ ٤٥٤).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٤٥٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٢١٢).\n(٦) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٤٥٣٠) (٢/ ٥٧٧).","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>الصلاةُ على الراحلة:</span>\nوخصَّ مالكٌ الصلاةَ على الراحلةِ في النافلةِ بالسفرِ الذي تُقصَرُ فيه الصلاةُ؛ فقال: لا يُصلِّي أحدٌ في غيرِ سفرٍ تُقصَرُ في مِثلِه الصلاةُ على دابَّتِه للقِبْلةِ، ولا يسجُدُ عليها سجدةَ تلاوةٍ للقِبْلةِ ولا لغيرِ القِبْلةِ (١).\nوالجمهورُ على العموم والجوازِ في كلِّ سفرٍ؛ وهو الصوابُ؛ وهذا مذهبُ أحمدَ، ونصُّه عليه (٢).\nوتقييدُ مالكُ فيه نظرٌ، ولم يُوافِقْه كبيرُ أحدٍ، قال الطبريُّ: لا أعلمُ أحدًا وافَقَهُ على ذلك.\nوذهَبَ أبو يوسفَ، وأبو سعيدٍ الإصْطَخْريُّ (٣)، وابنُ سُرَيجٍ، والطحاويُّ: إلى أنَّ الصلاةَ على الراحلةِ تجوزُ حتى في الحَضَرِ.\nولم يَثْبُتْ هذا عن النبيِّ - ﷺ -؛ وإنَّما استفاضَ هذا عنه في النافلةِ في السفرِ خَاصةً.\nوما يُحكَى عن أنسٍ: أنَّه كان يصلِّي على الراحلةِ النافلةَ في الحضرِ، فليس له أصلٌ يُعتمَدُ عليه.\nثالثُها: أنَّ المرادَ بذلك استقبالُ القِبلةِ؛ فقولُه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ مِن جهةٍ: شرقًا أو غربًا، أو شمالًا أو جنوبًا، فعليكم الاستقبالَ للقِبْلَةِ وإنِ اختلَفَتِ الجهاتُ، واستدارَتْ بكم الأرضُ، فثَمَّ وجهُ اللهِ إلى القِبْلَةِ، وإنْ كان منكم مشرِّقٌ وآخَرُ مغرِّبٌ.\n_________\n(١) ينظر: \"المدونة\" (١/ ١٧٤).\n(٢) ينظر: \"المبسوط\" للشيباني (١/ ٢٩٥)، و\"البيان\" للعمراني (٢/ ١٥١)، و\"المجموع\" (٣/ ٢٣٣)، و\"المغني\" (١/ ٣١٥).\n(٣) ينظر: \"تحفة الفقهاء\" (١/ ١٥٥)، و\"تبيين الحقائق\" (١/ ١٧٧)، و\"الحاوي\" (٢/ ٧٧).","vol":"1","page":93},{"text":"روى ابنُ جريرٍ الطبريُّ؛ مِن حديثِ عليٍّ، عنِ ابنِ عباسٍ؛ قال: كان أولَ ما نَسَخَ اللهُ مِن القُرآنِ القِبْلةُ؛ وذلِك أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - لمَّا هاجَرَ إلى المدينةِ، وكان أكثَرَ أهلِها اليهودُ، أمَرَهُ اللهُ - ﷿ - أنْ يستقبِلَ بيتَ المَقْدِسِ، ففرِحَتِ اليهودُ؛ فاستقبَلَها رسولُ اللهِ - ﷺ - بِضْعةُ عَشَرَ شهرًا، فكان رسولُ اللهِ - ﷺ - يُحِبُّ قِبْلةَ إبراهيمَ - ﵇ -، فكان يدعو وينظُرُ إلى السّماءِ، فأنزَلَ اللهُ ﵎: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾، إلى قولِهِ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فارتابَ مِن ذلك اليهودُ، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]، فأنزَلَ اللهُ - ﷿ -: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢]، وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (١).\nوروى معناهُ ابنُ أبي حاتمٍ، عنِ ابنِ أبي بكرٍ، عن مجاهدٍ؛ في قولِه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾: حيثُما كنتُمْ، فلكم قِبْلةٌ تستقبِلُونَها: الكَعْبةُ؛ وجاء عن الحسنِ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>الحكمةُ من ذكرِ المشارق والمغارب جمعًا:</span>\nوإنَّما ذكَرَ المشرقَ والمغربَ منفردًا، ولم يذكُرْهُ جمعًا، كما في قولِه تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ [المعارج: ٤٠]؛ لأنَّ المشارقَ والمغاربَ ذُكِرتْ جمعًا لإثباتِ ربوبيَّةِ اللهِ وعظيمِ صنعِه وإتقانِهِ وتسييرِهِ للأجرامِ، واللائقُ بذلك ذِكرُ الجمعِ لإثباتِ كمالِ القدرةِ والعلمِ؛ فالمشارقُ والمغارِبُ هي تعدُّدُ مُطالعِ الشمسِ والقمرِ وغروبِهما في السَّنَةِ، فللشمسِ أكثَرُ مِن مَطْلَعٍ تدورُ وتَرجِعُ إليه كلَّ عامٍ، وتغرُبُ في جزءٍ يقابِلُهُ مِن اليومِ نفسِهِ، ثمَّ تعودُ إليه كلَّ عامٍ؛ وهكذا.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٤٥٠).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٢١٢).","vol":"1","page":94},{"text":"وهذا بخلافِ القِبْلةِ؛ فلا يُذكَرُ تعدُّدُ المشارقِ والمغاربِ؛ لأنَّ القِبْلةَ تُضبَطُ بمشرِقٍ واحدٍ ومغرِبٍ واحدٍ، ثمَّ ينتهي ضبطُها بذلك، فلا تتغيَّرُ الجهةُ بتغيُّرِ مشرقِ الشمسِ والقمرِ ومغربِهما بعدَ ذلك.\nوأيضًا: فإنَّ القِبْلةَ جاء الشرعُ بالترخيصِ بالصلاةِ جِهَتَها ولو لم يُصِبِ الإنسانُ عينَها، ولو وَرَدَ ذكرُ المشارقِ والمغاربِ جمعًا في الآيةِ، لَلَزِمَ منه وجوبُ الإصابةِ؛ لأنَّ ضبطَ مطالعِ الشمسِ والقمرِ ومغاربِهما يلزمُ منه ضبطُ دَرَجاتِ ما بينَهما وضبطُ صوبِ القِبْلةِ تحديدًا؛ لأنَّ المحدَّدَ بعلامَتَيْنِ ووصفَيْنِ أوسَعُ ممَّا يحدَّدُ بعلاماتٍ، وما يحدَّدُ بعلاماتٍ وأوصافٍ وأماكنَ متعدِّدةٍ يضيِّقُ الاختيارَ؛ وهذا تشديدٌ يُنافي التيسيرَ في قولِه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.\nوفي الحديثِ عن ابنِ عمرَ مرفوعًا؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: (مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَةٌ) (١). والصوابُ وقفُهُ؛ ثبَتَ عن ابنِ عُمَرَ، مِن حديثِ نافعٍ، عن ابنِ عمرَ؛ قال عمرُ: \"ما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ قِبْلةٌ\"؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي شَيْبةَ (٢)؛ وقال أبو زُرْعةَ: \"رفعُهُ وَهَمٌ؛ الحديثُ حديثُ ابنِ عُمَرَ موقُوفًا\" (٣).\nورواهُ مالكٌ، عن نافعٍ، عن عمرَ؛ قولَهُ؛ وهو منقطِعٌ (٤)؛ قال أحمدُ: \"وهو عن عمرَ صحيحٌ\" (٥)؛ وذلك أنَّ غالبَ حديثِ نافعٍ عن عمرَ هو بواسطةِ ابنِه عبدِ اللهِ؛ فقد جاء هذا الخبرُ بواسطتِهِ؛ كما ذكَرَهُ\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (١٠٦٠) (٢/ ٥)، والحاكم في \"المستدرك\" (٧٤١) (١/ ٣٢٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٩).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنَّفه\" (٧٤٣١) (٢/ ١٤٠).\n(٣) ينظر: \"علل ابن أبي حاتم\" (٢/ ٤٧٣).\n(٤) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (٨) (١/ ١٩٦).\n(٥) ينظر: \"فتح الباري\" لابن رجب (٣/ ٦١).","vol":"1","page":95},{"text":"الدارقطنيُّ في \"عللِه\"، وقال: \"الصوابُ: عن نافِعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن عمرَ؛ قولَهُ\" (١).\nورواهُ الترمذيُّ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ وفيها ضعفٌ (٢).\nوقد قال أحمدُ: \"ليس لهُ إسنادٌ\" (٣)؛ أي: ليس له إسنادٌ يُعْتَدُّ به؛ يعني: أسانيدُهُ ضعيفةٌ.\nولذا يذكُرُ اللهُ تعالى عندَ ربوبيَّتِهِ وتعظيمِهِ الجمعَ في المطالعِ والمغاربِ، ويذكُرُ أيضًا ما بينَهما مما ليس من المطالِعِ والمغارِبِ؛ قال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات: ٥]، وقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء: ٢٨]، فذكَرَ ما بينَهما، وهو شاملٌ لبقيةِ المطالِعِ والمغارِب للكواكبِ الأُخرى التي تُرَى والتي لا تُرَى، وزيادة مِن الجهات، وذكَرَ سائرَ المخلوقاتِ.\nولعلَّ ما جاء في سورةِ المزَّمِّلِ مِن القِبْلةِ والتوسعةِ فيها، كان قبلَ نزولِ التوجُّهِ إلى القِبْلةِ، فبعدَما أمَرَ اللهُ نبيَّهُ بِالصلاةِ بقولِهِ: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٧ - ٩]، والجهاتُ أربعٌ، وأكثرُ ما يُذكَرُ المشرِقُ والمغرِبُ؛ لتعلُّقِهما بِالنَّيِّرَيْنِ: الشمسِ والقمرِ، والشمالُ والجنوبُ يستدَلُّ عليهما بالمشرقِ والمغربِ، وبدونِهما لا يُعرَفانِ، والمشرِقُ والمغرِبُ يُعرَفانِ بلا معرفةٍ سابقةٍ بِالشمالِ والجنوبِ، وأولُ ما عرَفَ الإنسانُ مِن الجِهاتِ المشرقُ والمغربُ، ثمَّ تلاهما غيرُهما.\n_________\n(١) ينظر: \"علل الدارقطني\" (٢/ ٣٢).\n(٢) أخرجه الترمذي (٣٤٢) (٢/ ١٧١)، وابن ماجه (١٠١١) (١/ ٣٢٣)، وابن أبي شيبة (٧٤٤٠) (٢/ ١٤١).\n(٣) ينظر: \"مسائل أحمد\" \"رواية أبي داود\" (١/ ٤٠٤)، و\"فتح الباري\" لابن رجب (٣/ ٦٠).","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>التصويبُ جهةَ القبلةِ:</span>\nوتتضمَّنُ الآيةُ التوسعةَ في استقبالِ القِبْلةِ حتى عندَ معرفةِ جهتِها؛ فلا يُشترَطُ التصويبُ لمَن لم يَرَها، فمَن صلَّى إلى الجهةِ ولو انحرَفَ درجةً أو دَرَجاتٍ، يَمْنةً أو يَسْرةً -: صَحَّتْ صلاتُهُ، ما دامتْ ناحيتُهُ لم تتغيَّرْ.\nفمَنْ كان في المدينةِ، فجهتُهُ ما بينَ المشرقِ والمغربِ يصلِّي نحوَها، ولو تقلَّبَ بينَها مِن غيرِ تغيُّرِ الجهةِ لا يشدَّدُ عليه إذا لم يصوِّبْ؛ لظاهرِ الآيةِ، ولِمَا رواهُ أحمدُ في \"مسندِهِ\"، والتِّرمِذيُّ؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ المَخْرَمِيِّ، عن عثمانَ بنِ محمدٍ الأَخْنَسِيِّ، عن سعيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -؛ قال: (مَا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ قِبْلَةٌ) (١).\nوالأَخْنَسيُّ وثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ وغيرُهُ، وعبدُ اللهِ بنُ جعفرٍ المَخْرَميُّ له مناكيرُ؛ كما قاله ابنُ المَدِينيِّ، وقال أيضًا: روي عن سعيدِ بن المسيَّبِ، عن أبي هريرةَ أحاديثَ مناكيرَ (٢).\nوأخرَجَه الترمذيُّ وابن ماجهْ؛ مِن طريقِ أبي مَعْشَرٍ نَجِيحٍ السِّنْديِّ، عن محمدِ بن عمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ - (٣).\nوقد وَهِمَ فيه أبو معشرٍ؛ وهو ضعيفُ الحديِث؛ قال النَّسَائِيُّ: \"وأبو معشرٍ المدنيُّ اسمُه نَجِيحٌ؛ وهو ضعيفٌ، ومع ضعفِهِ أيضًا كان قد اختلَطَ، عندَه أحاديثُ مناكيرُ؛ منها: محمدُ بن عمرٍو، عن أبي سلمةَ،\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٣٤٤) (٢/ ١٧٣).\n(٢) ينظر: \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (٦/ ١٦٦)، و\"علل الترمذي\" (١/ ١٦١)، و\"تهذيب الكمال\" (١٩/ ٤٨٩).\n(٣) أخرجه الترمذي (٣٤٢) (٢/ ١٧١)، وابن ماجه (١٠١١) (١/ ٣٢٣).","vol":"1","page":97},{"text":"عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -؛ قال: (مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَةٌ) \" (١).\nوتابَعَهُ عَلَيْهِ عليُّ بنُ ظَبْيانَ؛ فرواهُ عن محمدِ بنِ عمرٍو؛ أخرَجَهُ ابنُ عَدِيٍّ في \"الكاملِ\" (٢)، وعليُّ بنُ ظَبْيانَ لا يُحتَجُّ به أيضًا (٣).\nوحديثُ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ أصحُّ مِن حديثِ أبي معشرٍ؛ قاله البخاريُّ (٤).\nوروى الإمامُ أحمدُ - في روايةِ ابنِه صالحٍ - عن أبي سعيدٍ مَوْلى بني هاشمٍ حدَّثَني سليمانُ بنُ بلالٍ؛ قال: قال عمرُو بنُ أبي عمرٍو، عن المُطَّلِبِ بنِ حَنْطَبٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبلَةٌ؛ إِذَا وَجَّهْتَ وَجْهَكَ نَحْوَ الْبَيْتِ الحَرَامِ) (٥)؛ وهو مرسَلٌ.\nورُوِيَ هذا موقوفًا عن عمرَ وابنِه؛ كما تقدَّمَ، وعن عليٍّ (٦)، وابنِ عباسٍ (٧)، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ (٨)، وغيرِهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>التكلُّفُ في تصويب القبلةِ:</span>\nوكان أحمدُ ينهَى عن التكلُّفِ في التصويبِ على الكعبةِ للبعيدِ عنها بالاهتداءِ بالنجومِ والحسابِ؛ ما دام يعرِفُ الجهةَ، وأنكَرَ على مَن يستدِلُّ\n_________\n(١) \"سنن النسائي\" (٤/ ١٧١).\n(٢) ينظر: \"الكامل\" لابن عدي (٦/ ٣٢٠).\n(٣) ينظر: \"تاريخ ابن معين\" \"محرز\" (١/ ٥٠)، و\"الضعفاء\" للنسائي (١/ ٧٧)، و\"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (٦/ ١٩١)، و\"الضعفاء\" للعقيلي (٣/ ٢٣٤)، و\"الضعفاء\" لأبي زرعة (٦/ ٢/ ٤٢٩).\n(٤) ينظر: \"سنن الترمذي\" (٢/ ١٧١).\n(٥) ينظر: \"فتح الباري\" لابن رجب (٣/ ٦١).\n(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٧٤٣٥) (٢/ ١٤١).\n(٧) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٧٤٣٦) (٢/ ١٤١).\n(٨) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٧٤٣٧) (٢/ ١٤١).","vol":"1","page":98},{"text":"بنجمِ الجَدْيِ على القِبْلةِ (١).\nويجبُ التصويبُ على مَن شاهَدَ الكَعْبةَ إمامًا ومنفردًا؛ لظواهرِ الأدلَّةِ؛ وهو محلُّ إجماعٍ عندَ العلماءِ (٢).\nومَن لم يشاهِدِ الكَعْبةَ ممَّن كان خارجَ المسجدِ، فصلَّى متحرِّيًا صوبَها، فبانَ أنَّه انحرَفَ عن البناءِ قليلًا، صحَّتْ صلاتُه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>دورانُ الصفوفِ عند الكعبةِ:</span>\nوأمَّا المأمومُ عندَ البيتِ خلفَ الإمامِ؛ إِنِ امتدَّتْ به الصفوفُ، وخرَجَ خروجًا يسيرًا عن حائطِ الكعبةِ، دون أن يُغيِّرَ جهةَ القِبْلةِ، بشرطِ أن يكونَ وجهُه نحوَها، فصلاتُه صحيحةٌ؛ فالصفوفُ عندَ الكعبةِ كانتْ زمنَ النبيِّ - ﷺ - وخلفائِهِ جهةَ جدارِ البابِ، فإنْ زادتِ الصفوفُ عن حدِّ الكعبةِ، جاء صفٌّ آخَرُ خَلْفَهم، وأولُ مَن أدارَ الصفوفَ القَسْرِيُّ؛ كما رواهُ الأَزْرَقِيُّ في \"أخبارِ مكةَ\"، عن سُفيانَ بنِ عُيَيْنةَ؛ قال: \"أولُ مَن أدارَ الصفوفَ حولَ الكعبةِ خالدُ بن عبدِ اللهِ القَسْرِيُّ\" (٣).\nوروى الفاكهيُّ؛ مِن حديثِ ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: أخبَرَني عطاءٌ؛ قال: كان ابنُ الزُّبَيْرِ - ﵄ - إذا صلَّى بالناسِ، جمَعَهُمْ أجمعينَ وراءَ المَقَامِ، قال: فعِيبَ ذلك عليه، ففال له إنسانٌ: أرأَيْتَ إنْ كان وراءَ المقامِ مِن الناسِ ما لو جمَعَهُمْ حولَ البيتِ، أطافُوا له واحدًا، ولكنْ فيه فُرَجٌ، أيُّ ذلك أَحَبُّ إليك؟ فقال: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]، يقولُ: صفوفُهُمْ حولَ البيتِ أَحَبُّ إِلَيَّ (٤)؛ وهذا استنباطٌ حسَنٌ.\n* * *\n_________\n(١) ينظر: \"فتح الباري\" لابن رجب (٣/ ٦٥).\n(٢) ينظر: \"الاستذكار\" (٢/ ٤٥٥).\n(٣) \"أخبار مكة\" للأزرقي (٢/ ٦٥).\n(٤) \"أخبار مكة\" للفاكهي (١٢٢٩) (٢/ ١٠٢).","vol":"1","page":99},{"text":"قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>الحكمةُ مِن ابتلاءِ الأنبياءِ:</span>\nيبتلِي اللهُ مَن يشاءُ مِن عبادِه، ومنهم الأنبياءُ، وهم أَشَدُّ الناسِ بلاءً واختبارًا؛ تثبيتًا لهم، وشدًّا مِن عَزمِهم؛ فإنَّ النفوسَ لا تثبُتُ وتَقْوَى وتَصبِرُ إلا بعدَ شدةٍ وابتلاءٍ واختبارٍ ومِحَنٍ تَمُرُّ بها؛ وهذا ما أجراهُ على أنبيائِهِ حتى قَبْلَ بَعْثَتِهم؛ لأنَّهم يسْتقبِلونَ حِمْلًا شديدًا، وعِبْئًا ثقيلًا.\nوبعدَ ابتلاءِ اللهِ لأنبيائِهِ يأتي أمرُ التوسُّعِ بالتشريعِ والدعوةِ ومواجهةِ الخصومِ، وأعظَمُ بلاءِ الأنبياءِ وورثتِهم عليهم هو في البداياتِ، فيصبرِونَ ويَقْوَوْنَ، ثم يَمُرُّ عليهم البلاءُ، فلا يؤثِّرُ فيهم تأثيرَهُ الأولَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>ابتلاءُ أصحابِ الولاياتِ:</span>\nوفي الآيةِ: دليلٌ على تقديرِ الابتلاءِ والامتحانِ لِمَنْ يحمِلُ شيئًا مِن أمرِ الأمَّةِ؛ لمعرفةِ حالِهِ ومدى صبرِهِ وثباتِه؛ فالاختبارُ يكونُ قبلَ تحمُّلِ الأمانةِ ولو قَلَّتْ؛ قال اللهُ عن اليتامَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]؛ يعني: اختبِروهم وامتحِنوهم قبلَ تحميلِهم أمرَ المالِ.\nوقد ثبَّتَ اللهُ الأنبياءَ عندَ بلائِهم وأعانَهم، ولمَّا ثبَتُوا وصبَرُوا، وَفَى لهم ما أرادهُ لهم مِن تمامِ الاصطفاءِ؛ روى ابنُ جريرٍ؛ مِن حديثِ داودَ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ في قولِهِ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾؛ قال: قال ابنُ عباسٍ: لم يُبْتَلَ أحدٌ بهذا الدِّينِ فأقامَه إلا إبراهيمُ، ابتلاهُ اللهُ بكلماتٍ، فأتَمَّهُنَّ؛ قال: فكتَبَ اللهُ له البراءةَ، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]؛ قال: عَشْرٌ منها في \"الأحزابِ\"،","vol":"1","page":100},{"text":"وعَشْرٌ منها في \"براءةَ\"، وعشرٌ منها في \"المؤمنون\"، و\"سأَلَ سائلٌ\"، وقال: إنَّ هذا الإسلامَ ثلاثونَ سهمًا (١).\nوفي روايةٍ مِن هذا الطريقِ له؛ قال عن هذه العَشْرِ: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾، إلى آخِرِ الآيةِ [التوبة: ١١٢]، وعَشْرٌ في \"الأحزابِ\": ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وعَشْرٌ مِن أولِ سورةِ \"المؤمنونَ\"، إلى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩]، وعَشْرٌ في \"سأَلَ سائلٌ\": ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤] (٢).\nورُوِيَ في معنى هذا الابتلاءِ عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ قولٌ آخَرُ؛ فروى عبدُ الرزَّاقِ - وعنه ابنُ جريرٍ - مِن حديثِ مَعْمَرٍ، عن ابنِ طاوُسٍ، عن أبيهِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾؛ قال: ابتلاهُ اللهُ بالطهارةِ: خمسٌ في الرأسِ، وخمسٌ في الجَسَدِ؛ في الرأسِ: قصُّ الشاربِ، والمضمضةُ، والاستنشاقُ، والسِّوَاكُ، وفَرْقُ الرأسِ، وفي الجسدِ: تقليمُ الأظفارِ، وحَلْقُ العانةِ، والخِتَانُ، ونَتْفُ الإِبْطِ، وغسلُ أثرِ الغائطِ والبولِ بالماءِ (٣).\nوروى عبد الرزَّاقِ - وعنه ابنُ جريرٍ - عن مَعْمَرٍ، عن الحَكَمِ بنِ أبانَ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ؛ عن ابنِ عباسٍ، بمِثْلِه؛ ولم يذكُرْ أثرَ البولِ (٤).\nورُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ؛ قال: ستةٌ في الإنسانِ، وأربعةٌ في المَشَاعرِ؛ فالتي في الإنسانِ: حَلْقُ العانةِ، والخِتَانُ، ونَتْفُ الإِبْطِ، وتقليمُ الأظفارِ، وقصُّ الشاربِ، والغُسْلُ يومَ الجمعةِ، وأربعةٌ في\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٤٩٨).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٤٩٨).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١١٦) (١/ ٣٨٩)، وابن جرير في \"تفسيره\" (٢/ ٤٩٩).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٠٠).","vol":"1","page":101},{"text":"المشاعرِ: الطوافُ، والسعيُ بينَ الصَّفَا والمَرْوةِ، ورميُ الجمارِ، والإفاضةُ (١)؛ رواهُ ابنُ جريرٍ، وسندُه ضعيفٌ؛ فيه ابنُ لَهِيعَةَ.\nوروى ابنُ جريرٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ؛ قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾؛ قال: المناسكُ (٢)؛ وهو صحيحٌ.\nوروى ابنُ جريرٍ؛ مِن حديثِ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ؛ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال اللهُ لإبراهيمَ: إنِّي مُبتلِيكَ بأمرٍ فما هو؟ قال: تجعلُني للناسِ إمامًا! قال: نَعَمْ، قال: ومِن ذُرِّيَّتي، قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾؛ قال: تجعلُ البيتَ مَثَابةً للناسِ، قال: نعم، قال: وأَمْنًا، قال: نعم، قال: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، قال: نعم، قال: وتُرِينا مناسِكَنا وتتوبُ علينا، قال: نعم، قال: وتجعلُ هذا البلدَ آمِنًا، قال: نعم، قال: وترزُقُ أهلَهُ مِن الثمراتِ مَنْ آمَنَ منهم، قال: نَعَمْ (٣).\nوثبَتَ عن عِكْرِمةَ هذا القولُ أيضًا؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (٤).\nوأخرَجَهُ الطبريُّ؛ مِن حديثِ إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ؛ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ فمنهنَّ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، وآياتُ النُّسُكِ (٥).\nوهذا مِن اختلافِ التنوُّعِ، والمرادُ هو: ما ابتَلَى اللهُ به إبراهيمَ مِن أوامرَ وأحكامٍ شرعيَّةٍ ونوازلَ قَدَريَّةٍ، قدَّرَها اللهُ بكلماتِهِ وقضائِهِ عليه، فأتَمَّها ووفَّى بها؛ أيْ: ثبَتَ على ابتلاءِ الأقدارِ، وأدَّى ما أُمِرَ به مِن التشريع.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٠١).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٠٣).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٠٢).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٠٢).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٠١).","vol":"1","page":102},{"text":"وفي هذه الآياتِ: دليلٌ على أنَّ الثباتَ على الابتلاءِ مِن اللهِ بنوعَيْهِ الشرعيِّ والكونيِّ: مِن أعظمِ مَنَاقِبِ الأنبياءِ وخِصَالِهم، وأنَّ الرأسَ في الحقِّ لا بدَّ أن يُبتلَى أكثَرَ مِن غيرِه؛ كالرأسِ مِن الجسدِ هو أكثرُ الجسدِ بلاءً وفتنةً وإصابةً، وإذا ثبَتَ الرأسُ، ثَبَتَ الجسدُ، وإذا تهاوَى وانتكَسَ، انتكَسَ معه الجسدُ؛ فلا ينتكسُ جسدٌ إلا والرأسُ يَسْبِقُهُ.\nوفي سؤالِ إبراهيمَ لربِّه: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾: دليلٌ على عدمِ جوازِ طاعةِ الظالمِ، وعلى عدمِ جوازِ تَوْلِيَتِه بالاختيارِ؛ فعندَ ابنِ جريرٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾؛ قال: \"لا يكونُ إمامًا ظالمًا\" (١).\nورواهُ عن ابنِ أبي نَجيحٍ عن عِكْرِمةَ مِثلَهُ (٢).\nولمَّا كانتْ ذريةُ إبراهيمَ فيها الظالمُ، وامتنَعَ اللهُ عن جعلِ ذريةِ إبراهيمَ جميعهم أئمةً كإبراهيمَ، دلَّ على أنَّ الفضلَ لا يُورَثُ، فأعظَمُ فضلٍ مقامُ النبوَّةِ، فلا يَرِثُهُ وارثٌ، والصلاحُ لا يُورَثُ، وكذلك العِلْمُ، وإذا كان هذا في إبراهيمَ، فكيف بذريَّةِ غيرِه؟ !\nويخرُجُ مِن هذا مَن يولَّى مِن الظَّلَمةِ؛ لدفعِ ظلمٍ أشَدَّ منه، فهذا دفعٌ لمفسدةٍ بما هو دونَها، وكدلك الظالمُ المستبِدُّ الذي يتولَّى قهرًا يُطاعُ بالمعروفِ ما دامَ يُقيمُ الصلاةَ ويُظهِرُ الإسلامَ ويشرِّعُهُ، ولا يُطاعُ في المعصيةِ.\nوفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ إمامةَ الناسِ وقيادتَهم لا تكونُ توريثًا، وقد سألَها إبراهيمُ ربَّه، فلم يُعْطَهَا: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥١٢).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥١٢).","vol":"1","page":103},{"text":"واللهُ منَعَ إمامةَ الظالمِ؛ لوجودِهِ فيهم، وأنَّ القولَ بتوريثِ الإمامةِ والقيادةِ يلزَمُ منه عدمُ خروجِ الأمرِ منهم؛ وهذا لا يُعرَفُ في دينِ الإسلامِ، وكان مِن قبلُ سُنَّةَ فارسٍ والرومِ.\nوروى أبو يَعْلَى وابنُ أبي حاتمٍ؛ من طريقِ إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ؛ أخبَرَني عبدُ اللهِ؛ قال: إنِّي لفي المسجِدِ حينَ خطَبَ مَرْوانُ، فقال: إنَّ اللهَ أرَى أميرَ المؤمنينَ في يَزِيدَ رأيًا حسنًا، وإنْ يَستخلِفْهُ فقد استخلَفَ أبو بكرٍ وعمرُ، فقال عبدُ الرحمنِ بنُ أبي بكرٍ: أهِرَقْلِيَّةٌ؟ ! إنَّ أبا بكرٍ واللهِ ما جعَلَها في أحدٍ مِن وَلَدِه، ولا أحدٍ مِن أهلِ بيتِه، ولا جعَلَها معاويةُ في ولدِهِ إلا رحمةً وكرامةً لولدِه (١).\nوالتزامُ توريثِ الوِلَاياتِ مِن أظهرِ أسباب وجودِ الظَّلَمةِ والمستَبِدِّينَ والجَهَلةِ؛ لأنَّهم يعلَمون أنَّ الأمرَ فيهم، وأنَّ ظهورَهم لا يلزَمُ منه العِلْمُ والصلاحُ والتَّقْوى والسياسةُ والأمانةُ، فتَعَطَّلَتْ أسبابُ تحصيلِ الوِلَايةِ؛ لأنَّهم يَرَوْنَ أنفسَهم يَصِلُونَ إليها بالنَّسَبِ فقطْ، والنسبُ ثابتٌ لا يُنزَعُ.\nومِن السَّلَفِ: مَن حمَلَ المعنى على أمرِ الآخِرةِ؛ فقد روى ابنُ جريرٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾: ذلكم عندَ اللهِ يومَ القيامةِ، لا ينالُ عهدَه ظالمٌ، فأمَّا في الدُّنيا، فقد نالوا عهدَ اللهِ، فتوارَثُوا به المسلمينَ وغازَوْهم وناكَحُوهم به، فلمَّا كان يومُ القيامةِ، قَصَرَ اللهُ عهدَهُ وكرامتَهُ على أوليائِه (٢).\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١٠/ ٣٢٩٥).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥١٤).","vol":"1","page":104},{"text":"قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥].\nجعَلَ اللهُ بيتَه - وهو المسجدُ الحرامُ، والمرادُ به هنا: الكَعْبةُ - مكانًا يُذهَبُ إليه مرةً بعدَ مرةٍ، والبيتُ اسمُ جنسٍ لكلِّ مكانٍ يُباتُ فيه أو مِثْلُهُ يُبَاتُ فيه، سواءٌ كان لواحدٍ أو لجماعةٍ، ومِن أيِّ شيءٍ بُنِيَ فهو بيتٌ، سواءٌ كان مِن حَجَرٍ أو طِينٍ؛ كما في ظاهرِ الآيةِ، أو كان مِن الشَّعَرِ والصُّوفِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ [النحل: ٨٠]، والجامعُ في ذلك أنْ تكونَ مسقوفةً، وما ليس بمسقوفٍ لا يسمَّى بيتًا؛ بل يسمَّى حائطًا ونحوَهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>(البيت) علم على المسجد الحرام:</span>\nوأصبَحَ لفظُ البيتِ علَمًا على الكعبةِ؛ هكذا في كتابِ اللهِ، وفي السُّنَّةِ والأثرِ؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦]، وقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش: ٣].\nوهكذا يَعرِفُهُ حتى الجاهليُّون؛ قال زُهَيْرٌ:\nفَأَقْسَمْتُ بِالْبَيْتِ الَّذِي طَافَ حَوْلَهُ ... رِجَالٌ بَنَوْهُ مِنْ قُرَيْشٍ وَجُرْهُمِ (١)\n_________\n(١) ينظر: \"جمهرة أشعار العرب\" (ص ١٦١)، و\"شرح المعلقات التسع\" (ص ١٩٢)، =","vol":"1","page":105},{"text":"وقد بناهُ إبراهيمُ - ﵇ -؛ مِن أجلِ عبادةِ اللهِ وتوحيدِه، يَذْهَبونَ ويَجِيئونَ إليه في مواسمَ معلومةٍ وغيرِ معلومةٍ.\nولذا قال تعالى: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾؛ مِن \"ثَابَ يثوبُ: إذا رجَعَ\"، ويلُوذونَ به مِن كلِّ سوءٍ متى ما لَحِقَ بهم مرةً بعدَ مرةٍ.\nرُوِيَ هذا المعنى عن أبي العاليةِ (١)، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ في إحدى روايتَيْه (٢)، وعطاءٍ (٣)، ومجاهدٍ (٤)، والحسنِ (٥)، وعطيةَ (٦)، والربيعِ بنِ أنسٍ (٧)، والسُّدِّيِّ (٨)، وغيرِهم.\nوقيل: مَجْمَعًا للناسِ؛ رُوِيَ هذا عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمةَ، وغيرِهما (٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>مشروعيَّةُ المتابَعَةِ بين الحجِّ والعمرةِ:</span>\nوعلى التفسيرِ الأولِ: ففي الآيةِ دليلٌ على مشروعيَّةِ المتابَعَةِ بينَ الحجِّ والعمرةِ؛ وهذا المعنى مِن قولِه: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾؛ ففي \"المسندِ\"، و\"السننِ\"، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ والذُّنُوبَ؛ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ وَالذَّهَبِ والْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ المَبْرُورَةِ ثَوَابٌ دُونَ الجَنَّةِ) (١٠).\nورُوِيَ في \"المسندِ\"، عن عمرَ وعامرِ بنِ ربيعةَ، نحوُهُ (١١).\n_________\n= و\"ثمار القلوب\" (١/ ١٦)، و\"خزانة الأدب\" للبغدادي (٣/ ٧).\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٢٢٥).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٥١٩ - ٥٢٠).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥١٩).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥١٨).\n(٥) \"تفسير الرازي\" (٤/ ٤١).\n(٦) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥١٩).\n(٧) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٢٠).\n(٨) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥١٨).\n(٩) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٢٢٥).\n(١٠) أخرحه أحمد (٣٦٦٩) (١/ ٣٨٧)، وغيره.\n(١١) أخرجه أحمد (١٦٧) (١/ ٢٥).","vol":"1","page":106},{"text":"وتَكْرارُ الحجِّ والعمرةِ لا حدَّ له، إلا أنَّه ينبغي للمعتمرِ أنْ يعتمِرَ في كلِّ سَفْرةٍ مرةً واحدةً، ولو تقاربَتِ الأيامُ.\nوإنْ حجَّ الإنسانُ في كلِّ عامٍ، فذاك عملٌ جليلٌ، وإنْ حجَّ كلَّ خمسةِ أعوامٍ، فقد روى سعيدُ بنُ منصورٍ، وابنُ حِبَّانَ، والبيهقيُّ، والطَّبَرانيُّ؛ مِن حديثِ العلاءِ بنِ المسيَّبِ، عن أبيهِ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ؛ أنَّ رسولَ اللهِ قال: (يَقُولُ اللهُ - ﷿ -: إِنَّ عَبْدًا أصْحَحْتُ لَهُ بَدَنَهُ، وأَوْسَعْتُ عَلَيْهِ فِي الرِّزْقِ، لَمْ يَفِدْ إِلَيَّ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ أعْوَامٍ لمَحْرُومٌ) (١).\nوروى البيهقيُّ؛ مِن حديثِ العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، مرفوعًا، وقال: (فِي كُلِّ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ) (٢).\nورُوِيَ عن العلاءِ بنِ المسيَّبِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ (٣).\nوهو وَهَمٌ، والصحيحُ: أنَّه عن العلاءِ بنِ المسيَّبِ، واختُلِفَ عليه فيه:\nتارَةً: عن أبيهِ، عن أبي سعيدٍ؛ أخرَجَهُ سعيدٌ، وابنُ حِبَّانَ، والبيهقيُّ، والطبرانيُّ، مرفوعًا (٤)، وجاء هذا موقوفًا؛ أخرَجَهُ عبدُ الرزَّاقِ (٥).\nوتارَةً: عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ؛ ذكَرَه ابنُ أبي حاتمٍ في \"عِلَلِهِ\" موقوفًا ومرفوعًا (٦).\n_________\n(١) أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" (. . .)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٣٧٠٣) (٩/ ١٦)، والبيهقي في \"الكبرى\" (٥/ ٢٦٢)، والطبراني في \"الأوسط\" (٤٨٦) (١/ ١٥٥).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"الكبرى\" (٥/ ٢٦٢).\n(٣) \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٥/ ٢٦٢).\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٨٨٢٦) (٥/ ١٣).\n(٦) انظر: \"علل ابن أبي حاتم\" (٣/ ٢٦٤)، و(٣/ ٢٨٢).","vol":"1","page":107},{"text":"وتارةً: عن يونُسَ بنِ خَبَّابٍ، عن أبي سعيدٍ، أخرَجَهُ الدارقطنيُّ في \"العللِ\"، والبيهقيُّ، والخطيبُ البغداديُّ في \"تاريخِ بغدادَ\" (١).\nوروايةُ يونسَ تارَةً مرفوعًا، ومنهم مَن يَقِفُهُ (٢).\nقال أبو حاتمٍ وأبو زُرْعَةَ في حديثِ أبي هريرةَ: \"هذا عندَنا منكَرٌ مِن حديثِ العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، وهو مِن حديثِ العلاءِ بنِ المسيَّبِ أَشْبَهُ\" (٣).\nوأنكَرَهُ البخاريُّ وابنُ عديٍّ (٤).\nوالذي يَرْوِيهِ عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ: صدقةُ بنُ يزيدَ؛ وهو ضعيفٌ؛ تفرَّدَ به عن العلاءِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ (٥).\nوقال أبو حاتمٍ: \"والناسُ يضطرِبونَ في حديثِ العلاءِ بنِ المسيَّبِ\" (٦).\nووصَفَهُ مَرَّةً بالاضطرابِ (٧).\nويميلُ أبو حاتمٍ إلى أنَّ الأرجحَ فيه: مِن حديثِ العلاءِ بنِ المسيَّبِ، عن يونسَ بنِ خَبَّابٍ، عن أبي سعيدٍ، وهو موقوف مرسل أشبهُ.\n_________\n(١) \"علل الدارقطني\" (١١/ ٣١٠)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٥/ ٢٦٢)، \"تاريخ بغداد\" (٩/ ٢٦٣).\n(٢) ينظر: \"علل ابن أبي حاتم\" (٣/ ٢٨٣).\n(٣) ينظر: \"علل ابن أبي حاتم\" (٣/ ٢٨٢).\n(٤) ينظر: \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٢٩٥)، و\"الكامل في ضعفاء الرجال\" (٥/ ١٢٣).\n(٥) \"التاريخ الكبير\" للبخاري (٤/ ٢٩٥)، و\"الضعفاء الكبير\" للعقيلي (٢/ ٢٠٦)، و\"الضعفاء والمتروكون\" للنسائي (١/ ٥٨)، و\"الجرح والتعديل\" (٤/ ٤٣١)، و\"المجروحين\" لابن حبان (١/ ٣٧٤)، و\"الكامل في ضعفاء الرجال\" (٥/ ١٢٢).\n(٦) ينظر: \"علل ابن أبي حاتم\" (٣/ ٢٨٢).\n(٧) ينظر: \"علل ابن أبي حاتم\" (٣/ ٢٨٣).","vol":"1","page":108},{"text":"قال أبو حاتم فيه: \"لم بسمعْ يونسُ من أبي سعيدٍ\" (١).\nوأخرَجَهُ أبو يعلى؛ من طريقِ المسعوديِّ، عن يونسَ بنِ خَبَّابٍ، عن رجلٍ، عن خَبَّابِ بنِ الأَرَتِّ، مرفوعًا (٢).\nولا يصحُّ.\nوأخرَجَهُ الخطيبُ في \"المُوضِحِ\"؛ مِن طريقِ قيسِ بنِ الربيعِ، عن عبَّادِ بنِ أبي صالحٍ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -، وقال فيه: (في ثَلَاثِ سِنِينَ) (٣).\nوهو منكَرٌ.\nورواهُ الطبرانيُّ وأبو يعلى، عن أبي الدرداءِ (٤).\nولا يصحُّ في تحديدِ أزمةِ متابعةِ الحجِّ والعمرةِ شيءٌ، والنصوصُ جاءتْ باستحبابِ المتابعةِ بلا حدٍّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>أمنُ المسجدِ الحرامِ وأنواعُهُ:</span>\nوقولُه: ﴿وَأَمْنًا﴾: لمَّا كان البيتُ آمِنًا بتحريمِ اللهِ له لإبراهيمَ، وكان سببًا لتحقُّقِ الأمنِ لِمَنْ لاذَ به -: سمَّى اللهُ البيتَ أمْنًا، فكان الهارِبُ مِن ظُلْمِ ظالمٍ يلوذُ به وينجُو؛ فله هَيْبةٌ حتى في نفوسِ الظَّلَمةِ والجبابرةِ، يخافونَ مِن الظُّلْمِ فيه وسفكِ الدماءِ حولَهُ.\nروى ابنُ أبي حاتمٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ؛ قال: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾: أمنًا مِن العدوِّ، وأنْ يُحمَلَ فيه السلاحُ (٥).\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) \"جامع المسانيد والسنن\" (٢/ ٦٢٥) (٢٨١٩).\n(٣) \"موضح أوهام الجمع والتفريق\" (١/ ٢٥٥).\n(٤) ينظر: \"مجمع الزوائد ومنبع الفوائد\" (٥٢٥٩) (٣/ ٢٠٦)، و\"الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية\" (ص ٢٣).\n(٥) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٢٢٥).","vol":"1","page":109},{"text":"وهذا الأمنُ هو للظُّلْمِ فيه، وأمَّا إقامةُ الحدودِ في الحَرَمِ على المُقترِفِ لجُرْمٍ، فهذا مَحَلُّ خلافٍ يأتي الكلامُ عليه عندَ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١].\nوهذا الأمنُ المذكورُ في الآيةِ مستلزِمٌ للمعنيَيْنِ الكونيِّ والشرعيِّ:\nفالكونيُّ: يُظهِرُ أنَّ للهِ سُنَّةً في حمايةِ بيتِهِ، وتهديدِ المتعدِّي عليه وعلى مَنْ فيه بالعذابِ الأليمِ، ويمكِّنُ اللهُ مَن يستبيحُهُ بقَدَرٍ أيضًا؛ كما في هَدْمِ ذي السُّوَيْقَتَيْنِ للكَعْبةِ (١)، وكما جعَلَ اللهُ - لِحِكْمةٍ بالغةٍ - مِن فِتْنةٍ؛ كحصارِ الحَجَّاجِ لابنِ الزُّبَيْرِ والناسِ معه، وسَلْبِ القَرَامِطَةِ للحَجَرِ وقتلِ الناسِ حينَما تولَّى ذلك أبو طاهِرٍ سُليمانُ بنُ الحَسَنِ الجَنَّابِيُّ، فللَّهِ مقدارٌ كونيٌّ مِن الأمنِ قدَّرَهُ، وهو غالبُ حالِها، فتظهَرُ مِنَّةُ اللهِ على الإنسانِ، ويقدِّرُ خلافَ ذلك لحكمةٍ بالغةٍ؛ كما يخلُقُ اللهُ الإنسانَ على أحسنِ تقويمٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وفيهم نادرًا مَن يُولَدُ معيبًا، فالصورةُ الغالبةُ والنادرةُ مِن قدَرِ اللهِ، وكلٌّ لِحِكْمةٍ.\nوأمَّا الشرعيُّ، فما حرَّمَ اللهُ في الحَرَمِ؛ مِن مقاتَلةِ المشرِكِينَ، وتنفيرِ الصيدِ، وقطعِ الشجرِ، ونحوِ ذلك المعنى.\nوقولُه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾: قرَأَه نافعٌ وابنُ عامرٍ بصيغةِ الماضي (٢)؛ أيِ: اتَّخَذَ الناسُ مقامَ إبراهيمَ مصلًّى بعدَما جعلْناهُ مَثَابةً لهم وأَمْنًا؛ وهذا يدلُّ على أنَّ الصلاةَ خلفَ المقامِ منذُ زمنِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٥٩١) (٢/ ١٤٨)، ومسلم (٢٩٠٩) (٤/ ٢٢٣٢)؛ من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(٢) \"التحرير والتنوير\" (١/ ٧١٠).","vol":"1","page":110},{"text":"إبراهيمَ، وهي مِن سننِ الحنيفيَّةِ السَّمْحَةِ مِن أوَّلِها، ولا تختصُّ بهذه الأمَّةِ.\nوالمرادُ بمقامِ إبراهيمَ: الحَجَرُ الذي كان يقفُ عليه عندَ البناءِ؛ قاله ابنُ عباسٍ.\nوروى البخاريُّ ومسلمٌ، عن عُمَرَ بنِ الخطابِ - ﵁ -؛ قال: \"وافقتُ ربِّي في ثلاثٍ؛ فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، لو اتَّخَذْنا من مقامِ إبراهيمَ مصلًّى؛ فنزَلَتْ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ \" (١).\nوهو المرادُ بهذه الآيةِ؛ وإلا فمقامُ إبراهيمَ يشملُ كلَّ مناسكِ الحجِّ.\nروى ابنُ أبي حاتمٍ، عن ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: سألتُ عطاءً عن: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، فقال: سمعتُ ابنَ عباسٍ قال: أمَّا مقامُ إبراهيمَ الذي ذُكِرَ ههنا، فمقامُ إبراهيمَ هذا الذي في المسجدِ، قال: ومقامُ إبراهيمَ الحجُّ كلُّه، ثمَّ فسَّرَهُ عطاءٌ، فقال: التعريفُ، وصلاتانِ بعَرَفةَ، والمَشْعَرُ، ومِنًى، ورميُ الجِمَارِ، والطوافُ بينَ الصَّفا والمروةِ، فقلتُ: فَسَّرَهُ ابنُ عباسٍ؟ قال: لا، ولكن قال: مقامُ إبراهيمَ الحجُّ كلُّه، قلتُ: أَسَمِعْتَ ذلك لهذا أَجْمَعَ؟ قال: نَعَمْ؛ سمعتُ منه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>الصلاةُ خَلْفَ مقامِ إبراهيم:</span>\nويُتَّخَذُ مقامُ إبراهيمَ موضعًا للصلاةِ على سبيلِ العمومِ، وآكَدُها ركعتَا الطوافِ؛ كما ثبَتَ عن النبيِّ في \"الصحيحينِ\"؛ أنَّه كان يُصلِّيهما بعدَ طوافِهِ (٣)، وعلى هذا أصحابُهُ، وإنَّما اختلَفُوا في صلاةِ ركعتَيِ الطوافِ في وقتِ النهيِ: هل تصلَّى أو لا؟\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٠٢) (١/ ٨٩)، ومسلم (٢٣٩٩) (٤/ ١٨٦٥).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٢٢٦).\n(٣) أخرجه البخاري (٣٩٥) (١/ ٨٨)، ومسلم (١٢٣٤) (٢/ ٩٠٦)؛ من حديث ابن عمر - ﵁ -.","vol":"1","page":111},{"text":"وقال بعضُ العلماءِ: إنَّ معنى قولِهِ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾؛ أيْ: مَدْعًى؛ أيْ: مكانًا للدعاءِ؛ روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾؛ قال: مَدْعًى (١).\nوقولُه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾: عَهِدَ اللهُ إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ بتطهيرِ البيتِ مِن جميعِ النجاساتِ الحِسِّيَّةِ والمعنويَّةِ؛ مِن الشِّرْكِ قولًا وعملًا واعتقادًا أنْ يقعَ حولَهُ، ومِن الأقذارِ والأنجاسِ.\nوالعهدُ عدَّاهُ هنا بـ \"إلى\"، ومعناهُ الوصيَّةُ، وإذا لم يُعَدَّ بـ \"إلى\"، فمعناهُ: عهدٌ مؤكَّدٌ بلزومِ وحتميَّةِ وقوعِه، وهو العهدُ القَدَرِيُّ، والعهدُ عهدانِ: عهدٌ قدريٌّ؛ كقولِه تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وشرعيٌّ؛ وهو كما في هذه الآيةِ.\nوفي هذه الآيةِ: دَلَالةٌ على أنَّ مَنْعَ المشرِكِينَ مِن دخولِ المسجدِ الحرامِ وصيَّةُ اللهِ لإبراهيمَ وإسماعيلَ؛ وهذا رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ؛ رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ، عن ابنِ جُبَيْرٍ، عنه (٢).\nقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]؛ والنجاسةُ هنا نجاسةُ كُفْرٍ، وهي النجاسةُ المعنويَّةُ، والواجبُ فيها: التطهيرُ بالإيمانِ، أو بالإزالةِ وذلك بإخراجِ الكافرِ مِن هذا الموضعِ.\nوفي الآيةِ: دَلَالةٌ على أنَّ هَيْبةَ المسلمينَ تكونُ باجتماعِهم بلا مُشْركٍ، خاصَّةً في مواضعِ العبادةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>المُكْثُ في المسجدِ، والنَّومُ فيه:</span>\nوقولُه: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: العاكفُ\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٢٢٧).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٢٢٧).","vol":"1","page":112},{"text":"هو الملازِمُ للشيءِ؛ أيِ: الماكِثُ الملازِمُ للبيتِ الحرامِ؛ سواءٌ كان مِن أهلِ مكةَ أو مِن غيرِ أهلِها، وسواءٌ كان مُكْثُهُ وطولُ بقائِهِ يصاحِبُهُ صلاةٌ أو طوافٌ، أو لا، ولو كان الماكثُ فيه نائمًا فهو مِن العاكِفِينَ فيه؛ إذا ظهَرَ مِن بقائِه قصدُ التعبُّدِ والقُرْبِ.\nروى ابنُ أبي حاتمٍ؛ مِن حديثِ حَمَّادِ بنِ سَلَمةَ، حدَّثنا ثابتٌ؛ قال: \"قلتُ لعبدِ اللهِ بنِ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ: ما أُراني إلا مُكلِّمَ الأميرِ أنْ يمنَعَ الذين ينامونَ في المسجدِ الحرامِ؛ فإنَّهم يَجْنُبُونَ ويُحْدِثُونَ؟ قال: لا تَفعَلْ؛ فإنَّ ابنَ عمرَ سُئِلَ عنهم؟ فقال: هم العاكفون\" (١).\nوروى عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: \"إذا كان جالسًا، فهو مِن العاكفين\" (٢).\nونحوُهُ عن عطاءٍ (٣).\nوأخرَجَ عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، عن سُوَيْدِ بنِ غَفَلَةَ؛ قال: \"مَن قعَدَ في المسجِدِ وهو طاهرٌ، فهو عاكفٌ حتى يخرُجَ منه\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>التفاضُلُ بين الطواف والصلاةِ:</span>\nوفي الآيةِ قدَّمَ الطوافَ على الاعتكافِ والصلاةِ؛ لأنَّ الطوافَ تحيةُ البيتِ، وهو يقومُ مقامَ الصلاةِ للداخلِ إليه؛ وبهذه الآيةِ استَدَلَّ بعضُ فقهاءِ الشافعيَّةِ على فضلِ الطوافِ على الصلاةِ (٥).\nومِن السلفِ مَنْ قال: إنَّ الطوافَ أفضَلُ للآفَاقِيِّ خاصَّةً؛ يعني: الزائرَ المغترِبَ، وأمَّا المكيُّ، فالصلاةُ في حقِّه أفضلُ؛ وبه قال\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٢٢٩).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٢٢٨).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٣٥).\n(٤) \"الدر المنثور\" (١/ ٢٩٥).\n(٥) \"الحاوي الكبير\" (٤/ ١٣٤).","vol":"1","page":113},{"text":"ابنُ عباسٍ (١)، ومجاهِدٌ (٢)، وعطاءٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ (٣)، وغيرُهم.\nروى عبدُ الرزَّاقِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: كنتُ أسمعُ عطاءً يسألُهُ الغُرَباءُ: الطوافُ أفضلُ لنا أم الصلاةُ؟ فيقولُ: أمَّا لكم، فالطوافُ أفضلُ؛ إنَّكم لا تَقْدِرُونَ على الطوافِ بأرضِكم، وأنتم تَقْدِرُونَ هناك على الصلاةِ (٤).\nوهو وجيهٌ؛ وذلك أنَّ الطوافَ لا يتحقَّقُ في كلِّ موضعٍ إلا في البيتِ، وهي خَصِيصةٌ له، ولمَّا كان الآفاقيُّ لا يتحقَّقُ له الطوافُ إلا في البيتِ إذا وَفَدَ إليه، فالطوافُ له أفضلُ؛ بخلافِ المكيِّ، فهو يُدرِكُ الصلاةَ والطوافَ على السواءِ في مسجدِ بلدِه، وهو المسجدُ الحرامُ، فبَقِيَتِ الصلاةُ أفضلَ؛ لفضلِ جنسِها، ولِمَا تشتمِلُ عليه من سجودٍ وركوعٍ ودعاءٍ وتسبيحٍ؛ وهذا تعظيمٌ وتذلُّلٌ لا يظهرُ في الطوافِ ظهورَهُ في الصلاةِ، ثمَّ إنَّ الطوافَ ينوبُ عن الصلاةِ في تحيةِ البيتِ، والبدلُ يأتي بعدَ المُبْدَلِ منه؛ كالوضوءِ مع التيمُّمِ، والآفاقيُّ الأفضلُ له أنْ يطوفَ تحيَّةً للبيتِ، ولو صلَّى ركعتَيْنِ، أجزَأَ عنه، والمكيُّ الأفضلُ له أنْ يصلِّيَ ركعتَيْنِ تحيةً للبيتِ، ولو طافَ، أجزَأَ عنه، ولا ينبَغي للمَكِّيِّ أنْ يُخْلِيَ نَفْسَهُ مِن تعاهُدِ البيتِ بالطوافِ؛ كما كان السلفُ مِن الصحابةِ والتابعينَ المكيِّينَ يَفْعَلون.\nوإذا أطالَ الآفاقيُّ المقامَ عندَ البيتِ، فالصلاةُ له أفضلُ، ومِن السلفِ مَنْ حَدَّهُ بأربعينَ يومًا؛ كعطاءٍ والحسنِ، روى عبدُ الرزَّاقِ، عن هشامٍ، عن الحسنِ وعطاءٍ؛ قالا: \"إذا أقامَ الغريبُ بمَكَّةَ أربعينَ يومًا،\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٥٠٤٢) (٣/ ٣٧١).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٥٠٤٤) (٣/ ٣٧٢).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٥٠٤١) (٣/ ٣٧١).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٩٠٢٧) (٥/ ٧٠).","vol":"1","page":114},{"text":"كانتِ الصلاةُ أفضلَ له مِن الطوافِ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>أفضلُ أعمالِ الحَجِّ:</span>\nوقد استنبَطَ العِزُّ بنُ عبدِ السلامِ مِن حديثِ: \"الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ. . .\": أنَّ الطوافَ أفضلُ أعمالِ الحجِّ؛ وذلك أنَّ الصلاةَ أفضلُ مِن الحجِّ؛ لأنَّ الصلاةَ الركنُ الثاني مِن أركانِ الإسلامِ (٢).\nوهذا الإطلاقُ فيه نَظَرٌ، إلا إنْ كان يُريدُ طوافَ الإفاضةِ، وإلَّا فالوقوفُ بعَرَفةَ أفضلُ مِن طوافِ القدومِ وطوافِ الوداعِ وطوافِ التطوُّعِ كلِّه؛ لأنَّ (الحَجُّ عَرَفَةُ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>تنظيفُ المساجدِ وتطهيرها من النجس واللَّغْو:</span>\nوفى الآيةِ: دَلَالةٌ على مشروعيَّةِ الاهتمامِ بالمساجدِ عمومًا تنظيفًا وتطييبًا، ولمَّا توجَّهَ الخِطابُ إلى إبراهيمَ وابنِهِ إسماعيلَ، دلَّ على أنَّ هذا مِن أعمالِ التشريفِ، وأنَّ زُهْدَ الناسِ في ذلك مِن الجهلِ، والعنايةُ بها: تكونُ مِن الإنسانِ مباشرةً، أو قد يكونُ آمِرًا بها ومسؤولًا عنها يأمُرُ بتنظيفها وتطيِيبِها.\nوقد روى أبو داودَ والترمذيُّ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ؛ قالتْ: \"أمَرَ رسولُ اللهِ - ﷺ - ببناءِ المساجدِ في الدُّورِ، وأنْ تنظَّفَ وتطيَّبَ\" (٣).\nوأخرَجَهُ الترمذيُّ مِن وجهٍ آخَرَ مرسلًا عن عُرْوةَ (٤).\nوهو الأشبهُ بالصوابِ.\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٩٠٣٠) (٥/ ٧١).\n(٢) ينظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (٣/ ٤٨٢).\n(٣) أخرجه أبو داود (٤٥٥) (١/ ١٢٤)، والترمذي (٥٩٤) (٢/ ٤٨٩).\n(٤) أخرجه الترمذي (٥٩٥) (٢/ ٤٩٠).","vol":"1","page":115},{"text":"وصوَّبَ الإرسالَ أحمدُ والدارقطنيُّ وابنُ رجبٍ (١).\nوهكذا كان عملُ الخُلَفاءِ والمسلِمِينَ في الصدرِ الأولِ وما بعدَه؛ أخرَجَ ابنُ أبي شَيْبةَ وأبو يعلى، عن ابنِ عمرَ أنَّ عمرَ: \"كان يجمِّرُ المسجدَ في كلِّ جُمُعةٍ\" (٢).\nويُمنَعُ مِن دخولِها مَن ينقُلُ إليها الأذَى والقَذَرَ، ويُؤمَرُ الناسُ بالتطهُّرِ والتجمُّلِ لها؛ فما أُمِرَ الناسُ بغُسْلِ الجمعةِ إلا لذلك، ومُنِعَتِ الحائضُ والجُنُبُ مِن المكثِ فيها؛ تعظيمًا لها.\nوقولُه تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]، والمرادُ أنْ تُنزَّهَ مِن الأذَى والقَذَرِ والنَّجَسِ، المعنويِّ والحسيِّ.\nومِن رفعِها: أنْ تجنَّبَ اللغوَ وساقِطَ القولِ؛ وهذا رُوِيَ عن عِكْرِمةَ والضَّحَّاكِ وغيرِهما (٣).\nومِن اللغوِ: أنْ تُرفَعَ فيها الأصواتُ بلا ذِكْرٍ أو وعظٍ؛ ففي \"صحيحِ البخاريِّ\"، عن السائبِ بنِ يزيدَ الكِنْديِّ، قال: \"كنتُ قائمًا في المسجدِ، فحَصَبَني رجلٌ، فنظَرْتُ، فإذا عمرُ بنُ الخطابِ، فقال: اذهَبْ فائْتِنِي بهذَيْنِ، فجِئتُهُ بهما، فقال: مَن أنتُما؟ أو مِن أينَ أنتُما؟ قالا: مِن أهلِ الطائفِ، قال: لو كنتُما مِن أهلِ البَلَدِ لَأَوْجَعْتُكما؛ ترفعانِ أصواتَكما في مسجدِ رسولِ اللهِ - ﷺ -؟ ! \" (٤).\nوقد كان عمرُ بنُ الخطابِ - ﵁ - إذا رأَى صِبْيانًا يَلْعَبُونَ في المسجدِ، ضرَبَهم بالمِخْفَقَةِ، وهي الدِّرَّةُ (٥).\n_________\n(١) \"علل الدارقطني\" (١٤/ ١٥٥)، و\"فتح الباري\" لابن رجب (٣/ ١٧٣).\n(٢) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٧٤٤٥) (٢/ ١٤١)، و\"مسند أبي يعلى\" (١٩٠) (١/ ١٧٠).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٠٤).\n(٤) \"صحيح البخاري\" (٤٧٠) (١/ ١٠١).\n(٥) ينظر: \"التاريخ الكبير\" للبخاري (٤/ ٢٥١)، و\"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (٤/ ٣٤٠).","vol":"1","page":116},{"text":"وكان عمرُ يفتِّشُ المسجدَ بعدَ العشاءِ، فلا يترُكُ فيه أحدًا (١).\n* * *\n\nقال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>مِن معاني الرَّفْعِ في القرآن:</span>\nالمرادُ بالرفعِ هنا: هو البناءُ والتشييدُ؛ وذلك لقرينةِ قولِه: ﴿الْقَوَاعِدَ﴾، وقد يَرِدُ الرفعُ ويرادُ له التطهيرُ والتنزيهُ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: ٣٦]؛ فالرفعُ هنا: رفعُ شأنِها بالعبادةِ والذِّكْرِ والدعاءِ، وتنزيهُها عن اللَّغوِ ورديءِ القولِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>عمارةُ المساجِدِ وصفتها:</span>\nوفي الآيةِ: دليلٌ على مشروعيَّةِ عِمارةِ المساجدِ وتشييدِها ورَفْعِها وإحسانِ بنائِها، وأنَّ مِثلَ هذه المهمَّةِ شرفٌ عظيمٌ خَصَّ اللهُ به إمامَ الحنيفيَّةِ إبراهيمَ وابنَه إسماعيلَ، وهو فيمَن دُونَهم أحقُّ، وفضلُ بناءِ المساجدِ وتشييدِها ورَدَتْ به نصوصٌ كثيرةٌ متواترةٌ؛ ففي \"الصحيحَيْنِ\"، عن عثمانَ بن عفانَ - ﵁ -؛ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: (مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ، بَنَى اللهُ لَهُ مِثلَهُ فِي الجَنَّةِ) (٢).\nوعند أبي داودَ، والتِّرمِذيِّ، عن عائشةَ؛ قالتْ: \"أمَرَ رسولُ اللهِ - ﷺ - ببناءِ المساجدِ في الدُّورِ، وأنْ تنظَّفَ وتطَيَّبَ\" (٣).\n_________\n(١) \"مسند الفاروق\" لابن كثير (١/ ١٥٦).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٥٠) (١/ ٩٧)، ومسلم (٥٣٣) (١/ ٣٧٨).\n(٣) تقدم تخريجه.","vol":"1","page":117},{"text":"وليس للمسجدِ صورةٌ أو هيئةٌ معيَّنةٌ يُبنَى عليها؛ سواءٌ بُنِيَ مستديرًا أو مربَّعًا، أو مستطيلًا أو مثلَّثًا، وإنَّما المقصودُ أن يكونَ بناءً يَجْمَعُ الناسَ ويُكِنُّهم؛ قال البخاريُّ: \"قال عمرُ: أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ المَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أوْ تُصَفِّرَ، فَتَفْتِنَ النَّاسَ\" (١).\nولذا كانتِ الكَعْبةُ على غيرِ صفةٍ معيَّنةٍ؛ فليستْ بالمربَّعةِ ولا المستطيلةِ المستويةِ ولا المستديرةِ، فلها زوايا مِن جهةِ اليمنِ، واستدارةٌ مِن جهةِ الشامِ ناحيةَ الحِجْرِ.\nوالذي ينبَغي: أنْ تُتْقَنَ المساجدُ بناءً كما تُتْقَنُ البيوتُ، لا أنْ تُصفَّرَ وتُزخرَفَ؛ كما يصنعُ الناسُ في بيوتِهم؛ وإنَّما ينبَغي أنْ يكونَ البناءُ مُتقَنًا حَسَنًا كما يُتْقِنون بيوتَهم؛ فلا تكونُ مساجدُهم دونَ جَوْدةِ بيوتِهم.\nفقد أخرَجَ أحمدُ؛ مِن حديثِ ابن إسحاقَ: حدَّثَني عمرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيْرِ، عمَّن حدَّثه مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - ﷺ -؛ قال: \"كان رسولُ اللهِ - ﷺ - يأمُرُنا أنْ نَصْنَعَ المَسَاجِدَ في دُورِنَا، وأنْ نُصلِحَ صَنْعَتَها ونُطهِّرَها\" (٢).\nوالمقصودُ بالدُّورِ في الحديثِ هنا: هو أماكنُ مجامعِ الناسِ، وهي مواضعُ القبائلِ؛ كما في الحديثِ: (خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ: بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ بَنُو عبدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ بَنُو الحَارِثِ بنِ خَزْرَجٍ، ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ)؛ رواهُ الشيخانِ، عن أبي أُسَيْدٍ (٣).\nوبهذا فسَّرَهُ سُفْيانُ الثَّوْريُّ ووَكِيعٌ، وفيه دليلٌ على تعدُّدِ المساجدِ بحسَبِ حاجةِ الناسِ، وأنَّ ذلك واجبٌ لإقامةِ الصلاةِ.\nورفعُ قواعدِ البيتِ في الآيةِ أُرِيدَ به: إبرازُها لتُرَى فتعظُمَ في نفسِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري معلَّقًا (١/ ٩٦).\n(٢) أخرجه أحمد (٢٣١٤٦) (٥/ ٣٧١).\n(٣) أخرجه البخاري (٣٧٨٩) (٥/ ٣٣)، ومسلم (٢٥١١) (٤/ ١٩٤٩).","vol":"1","page":118},{"text":"الرَّائي، على وصفٍ حَدَّهُ اللهُ لهم، لا يُزادُ عليه ولا يُنقَصُ، وذكَرَ القواعدَ لبيانِ أنَّ حَدَّها في الأرضِ موقوفٌ لا يتَّسِعُ ولا يَضِيقُ لرغبةِ أحدٍ أو لهَوَاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>المَنَارةُ للمسجدِ:</span>\nويُستَحَبُّ رفعُ المساجدِ وإبرارُها لتُرى وتُعرَفَ مِن القاصِدِينَ، حاضِرِينَ أو مسافِرِينَ، وأمَّا وضعُ المِئْذَنةِ للمسجدِ، وتُسمَّى: \"المنارةَ\"، فلم تكنْ معروفةً في زمنِ النبيِّ - ﷺ -، ولا زمنِ الخلفاءِ الراشِدِين.\nوقد ذكَرَ البَلَاذُرِيُّ في \"فتوحِ البُلْدانِ\": أنَّ أولَ مِئْذَنةٍ بُنِيَتْ في الإسلامِ كانتْ على يدِ زيادِ ابنِ أبيهِ عاملِ معاويةَ على البَصْرةِ عامَ خمسةٍ وأربعينَ (١).\nوذكَرَ المَقْرِيزيُّ: أنَّ أولَ مآذنِ الإسلامِ: ما وُضِعَ في جامعِ عمرِو بنِ العاصِ مِن صَوَامِعَ أربعٍ فوقَهُ، بناها مَسْلَمَةُ بنُ مخلَّدٍ والي مصرَ في أولِ زمنِ بني أُمَيَّةَ، ثمَّ أصبَحَتْ علامةً للمساجدِ تُعرَفُ بها (٢).\nوقد كان السلفُ في الصَّدْرِ الأولِ يؤذِّنونَ على السُّطُوحِ، وكانوا يُسمُّونَ سَطْحَ المسجدِ: \"مَنَارةً\"، وليس المرادُ به: ما يصطلِحُ عليه الناسُ في زمانِنا أنَّ المنارةَ هي البناءُ والأعمدةُ التي تُرفَعُ طويلًا.\nففي \"المصنَّفِ\" لابنِ أبي شَيْبةَ: عن عبدِ اللهِ بنِ شَقِيقٍ؛ قال: \"مِن السُّنَّةِ الأذَانُ في المَنَارةِ، والإقامةُ في المسجدِ، وكان ابنُ مسعودٍ يَفعَلُه\" (٣). ومرادُه بذلك: سطحُ المسجدِ.\nوما يُترجِمُ عليه الأئمةُ في مصنَّفاتِهم؛ كأبي داودَ في \"سننِه\"؛ قال:\n_________\n(١) \"فتوح البلدان\" (١/ ٣٣٩).\n(٢) ينظر: \"النجوم الزاهرة، في ملوك مصر والقاهرة\" (١/ ٦٨).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٣٣١) (١/ ٢٠٣).","vol":"1","page":119},{"text":"\"بابُ الأذانِ فوقَ المَنَارةِ\" (١). وبمعناهُ عندَ ابنِ أبي شَيْبةَ في \"مصنَّفِه\"، والبيهقيِّ في \"سننِه\" (٢) - فمرادُهم بدلك السطوحُ؛ ولذا قال في الأثرِ السابقِ: \"الأذانُ في المنارةِ، والإقامةُ في المسجدِ\"؛ يعني: فوقَ المسجدِ وداخِلَهُ.\nوالحِكْمةُ مِن الأذانِ فوقَ السطوحِ: الإسماعُ، ومع حصولِ الأجهزةِ الحديثةِ، فلا حاجةَ إلى ذلك؛ فالصعودُ ليس سُنَّةً في ذاتِه، وأمَّا صنع المآذنِ والمنارات في المساجدِ، فمستَحَبٌّ لكثرةِ الناسِ وتباعُدِهِمْ عن المساجدِ في زمنِنا، وكثرةِ ما يَمْنَعُ وصولَ الصوتِ إليهم مِن تطوُّرِ البناءِ الذي يَعْزِلُ الصوتَ، وكثرةِ الموانعِ مِن السماعِ مِن الآلاتِ والسياراتِ؛ فقد استُحبَّ صنعُ المناراتِ والمآذنِ ليتحقَّقَ المقصودُ مِن السماعِ.\n* * *\n\nقال اللهُ تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٩].\nكان النبيُّ - ﷺ - كثيرَ النظرِ إلى السماءِ تأمُّلًا وتدبُّرًا وتفكُّرًا؛ وهذا مِن العباداتِ التي قلَّ مَن يفعلُها، وإنْ نظَرَ الناسُ إلى السماءِ، نظَرُوا إعجابًا وتَسْلِيَةً، لا تعظيمًا للخالقِ بتأمُّلِ عظيم مخلوقِه؛ فكثيرًا ما يذكُرُ اللهُ خَلْقَ السمواتِ والأرضِ أنَّه آياتٌ لأُولي الأَلبابِ؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي\n_________\n(١) \"سنن أبي داود\" (١/ ١٤٣).\n(٢) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١/ ٢٠٣)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (١/ ٤٢٥).","vol":"1","page":120},{"text":"خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، ويدلِّلُ سبحانَهُ على ربوبيَّتِهِ وألوهيَّتِهِ بخلقِهما؛ فقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١].\nوالنظرُ والتفكُّرُ في العظيمِ يُعطي الإنسانَ احتقارًا لما دونَهُ خَلْقًا، فيستَدِلُّ بشيءٍ على شيءٍ آخَرَ دونَهُ بقياسِ الأَوْلى؛ قال اللهُ تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]، وقال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧].\nويستدِلُّ سبحانَهُ على قدرتِهِ على التصرُّفِ في الناسِ وإفنائِهم، وإعادةِ خَلْقِهم؛ بالسمواتِ والأرضِ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩].\nويستدِلُّ على توقُّفِ الزمنِ وقيامِ الساعةِ بملكوتِ السمواتِ ودَوَرانِ الأفلاكِ والأرضِ ودَوَرانِ صورةِ الخلقِ في الأرضِ، تبتدِئُ ثمَّ تنتهي؛ وهذا كلُّه علامةٌ على قيامِ الساعةِ، فالمتحرِّكُ لا بُدَّ أنْ يسكُنَ؛ لأنَّ حركتَهُ كانتْ بعدَ سكونٍ، وسكونَهُ كان بعدَ عدم؛ قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥].\nواللهُ تعالى يقدِّمُ السمواتِ على الأرضِ غالبًا؛ لأنَّ السمواتِ أعظَمُ خَلْقًا، وأظهَرُ نظرًا، وأكثرُ عِبَرًا، وقد يقدِّمُ نادرًا الأرضَ على السمواتِ؛ قال تعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ [طه: ٤]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٨]، وقال","vol":"1","page":121},{"text":"تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [يونس: ٦١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢]، ولكنَّه ليس في سياقِ طَلَبِ التفكُّرِ والتدبُّرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>النَّظَرُ إلى السماءِ عبادةٌ:</span>\nومِن المقطوعِ به: أنَّ النظرَ إلي السماءِ تفكُّرًا واعتبارًا عبادةٌ عظيمةٌ، وقد كان النبيُّ - ﷺ - كثيرًا ما ينظُرُ إلى السماءِ؛ ففي \"صحيحِ مسلمٍ\"؛ مِن حديثِ أبي موسى - ﵁ -؛ قال: صَلَّيْنَا المَغْرِبَ مع رسولِ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ قُلْنا: لو جلَسْنا حتى نصلِّيَ معه العشاءَ، قال: فَجلَسْنَا فخرَجَ علينا، فقال: (مَا زِلْتُمْ هَهُنَا؟)، قُلْنا: يا رسولَ اللهِ، صَلَّيْنَا معك المَغْرِبَ، ثمَّ قُلْنا: نجلِسُ حتى نصلِّيَ معك العشاءَ، قال: (أَحْسَنْتُمْ) أو: (أَصَبْتُمْ)، قال: فرفَعَ رأسَهُ إلي السماءِ - وكان كثيرًا ما يَرْفَعُ رأسَهُ إلى السماءِ - فقال: (النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ؛ فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ، أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي؛ فَإذَا ذَهَبْتُ، أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي؛ فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي، أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ) (١).\nوفي النظرِ إلي السماءِ حِكَمٌ جليلةٌ؛ منها:\nأولًا: التفكُّرُ والتدبُّرُ والاعتبارُ.\nثانيًا: إظهارُ الحاجةِ والفقرِ والضعفِ، ولو لم يتكلَّمِ الإنسانُ.\nثالثًا: حسنُ الظنِّ باللهِ، وكأنَّ الإنسانَ يرقُبُ نزولَ الخيرِ ويتحيَّنُهُ؛ كمَنْ يعلو جبلًا يرقُبُ قادمًا يتوقَّعُ قدومَهُ.\nولذا كان النبيُّ - ﷺ - يُقلِّبُ وجهَهُ في السماءِ ينتظرُ تحويلَ القِبْلةِ، محسِنًا ظنَّه باللهِ، ومتفائِلًا بعاجلِ جوابِه.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٥٣١) (٤/ ١٩٦١).","vol":"1","page":122},{"text":"رابعًا: إفرادُ اللهِ في الربوبيَّةِ والعبادةِ؛ فمدبِّرُ هذه الأفلاكِ لا يمكِنُ أنْ يكونَ الا واحدًا، فمسيِّرُ هذه الأفلاكِ ومدبِّرُها - لهذا النظامِ الدقيقِ الذي لم يختلَّ بمرورِ آلافِ السنينَ، بل بَقِيَ دونَ اضطرابٍ أو تغيُّرٍ - واحدٌ؛ ولو كان أكثَرَ مِن ذلك، لاختلَفُوا واختصَمُوا ولو في تدبيرِ شيءٍ واحدٍ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢].\nخامسًا: زيادةُ الإيمانِ بمشاهَدَةِ قُدْرةِ اللهِ، وعظيمِ خَلْقِه، وإتقانِ صُنْعِه.\nسادسًا: تواضُعُ الإنسانِ عندَ رؤيتِه مخلوقًا أعظَمَ منه؛ فينفي عنه خَصْلةَ الكِبْرِ، ويهذِّبُ النفسَ بمعرفةِ قَدْرِها.\nسابعًا: الخوفُ مِن اللهِ؛ فكلَّما ظهرتْ قوةُ السيِّدِ، زادَ خوفُ العبدِ، وأطاعَهُ وحَذِرَ مِن معصيتِه.\nثامنًا: الاعتمادُ والاتِّكالُ عليه في تدبيرِ الشأنِ؛ فمدبِّرُ هذه الأجرامِ والأفلاكِ، ومدبِّرُ هذه المخلوقاتِ ومسيِّرُها بانتظامٍ: أقدَرُ على تدبيرِ شأنِ العبدِ.\nتاسعًا: الإيمانُ بجميعِ صفاتِه وأسمائِه التي تُرَى آثارُها في هذه المخلوقاتِ؛ مِن عَظَمةٍ، وقُوَّةٍ، ورِزْقٍ، وتقديرٍ، ولُطْفٍ، وجَبَروتٍ، وكبرياءَ، وعِزَّةٍ، وانتقامٍ، وعلوٍّ؛ فالخالقُ فوقَ جميعِ المخلوقاتِ مكانًا ومكانةً.\nعاشرًا: هوانُ مَن يستعظِمُ ويستعلي على اللهِ مِن متكبِّري الأرضِ مِن سلاطينَ وظَلَمَةٍ، وعدَمُ الخوفِ منهم، وهوانُ كلِّ معبودٍ يُعبَدُ مِن دونِ اللهِ في الأرضِ أو في السماءِ في عَيْنِ العبدِ عندَ تأمُّلِ عَظَمةِ اللهِ وقدرتِه.","vol":"1","page":123},{"text":"وغيرُ ذلك مِن الحِكَمِ، التي لو أرادَ الإنسانُ استقصاءَها، لتعذَّر ذلك عليه.\nوالذي يُستفادُ مِن هذه الآيةِ: استحبابُ النظرِ إلى السماءِ عندَ الدعاءِ في غيرِ الصلاةِ، وهدا مِن السُّنَنِ المهجورةِ، وكان النبيُّ إذا دعا، نظَرَ إلى السماءِ؛ كما هو ظاهرُ الآيةِ في تقلُّبِ وجهِه في السماءِ؛ فقد روى ابنُ جريرٍ؛ مِن حديثِ ابنِ أبي جعفرٍ، عن أبيهِ، عن الربيع؛ في قولِه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾؛ يقولُ: نظَرَك في السماءِ (١).\nوقيل: إنَّ النبيَّ إنَّما كان يُكثِرُ مِن تقليبِ بصرِه في السماءِ راجيًا بقلبِهِ تحويلَ القِبْلةِ وإنْ لم ينطِقْ بالدعاءِ، وهذا الفعلُ لو صدَرَ مِن العبدِ جائزٌ، ولكنْ لا دليلَ ظاهرًا على أنَّ النبيَّ - ﷺ - فعَلَهُ في القِبْلةِ، ورفعُ البصرِ إلي السماءِ تضرُّعًا مع لَهَجِ القلبِ، كرفعِ الأَكُفِّ تضرُّعًا مع لَهَجِ اللسانِ وحضورِ القبِ، ورفعُ البصرِ والأَكُفِّ ولَهَجُ القلبِ واللسانِ بالمناجاةِ: أكملُ أحوالِ الدعاءِ.\nوقد جاء في رفعِ بصرِهِ إلى السماءِ أحاديثُ كثيرةٌ عندَ دعائِهِ وغيرِه.\nوكان أصحابُهُ يَعْرِفُونَ دعاءَهُ برفعِ بصرِهِ إلي السماءِ؛ ففي \"صحيحِ مسلمٍ\"، عن المِقْدادِ؛ قال: أقبَلْتُ أنا وصاحبانِ لي، وقد ذهَبَتْ أسماعُنا وأبصارُنا مِن الجَهْدِ، فجَعَلْنا نَعْرِضُ أنفُسَنا على أصحابِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، فليس أحدٌ منهم يَقْبَلُنا، فأتَيْنَا النبيَّ - ﷺ -، فانطلَقَ بنا إلى أهلِهِ، فإذا ثلاثةُ أَعْنُزٍ، فقال النبيُّ - ﷺ - (احْتَلِبُوا هَذَا اللَّبَنَ بَيْنَنَا)، قال: فكنَّا نحتلِبُ فيشْرَبُ كلُّ إنسانٍ منَّا نَصِيبَهُ، ونرفعُ للنبيِّ - ﷺ - نَصِيبَهُ، قال: فيَجِيءُ مِن الليلِ فيُسَلِّمُ تسليمًا لا يُوقِظُ نائمًا، ويُسْمِعُ اليَقْظَانَ، قال: ثُمَّ يأتي المسجِدَ، فيُصلِّي، ثمَّ يأتي شرابَهُ فيشربُ، فأتاني الشيطانُ ذاتَ ليلةٍ وقد\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٦٥٧).","vol":"1","page":124},{"text":"شَرِبْتُ نصيبي، فقال: محمَّدٌ يأتي الأنصارَ فيُتْحِفُونَهُ ويُصِيبُ عندَهم، ما به حاجةٌ إلي هذه الجُرْعَةِ، فأتيتُها فشَرِبْتُها، فلمَّا أنْ وَغَلَتْ في بَطْنِي، وعَلِمْتُ أنَّه ليس إليها سبيلٌ، قال: نَدَّمَنِي الشيطانُ، فقال: وَيْحَكَ، ما صَنَعْتَ؟ أَشَرِبْتَ شرابَ محمدٍ، فيجيءُ فلا يجدُهُ فيَدْعُو عليك فتَهلِكُ فتذهَبُ دُنْيَاكَ وآخِرَتُك؟ ! وعَلَيَّ شَمْلَةٌ إذا وضَعْتُها علي قدميَّ، خرَجَ رأسي، وإذا وضَعْتُها على رأسي، خرَجَ قدماي، وجعَلَ لا يَجِيئُني النومُ، وأمَّا صاحِبايَ فنامَا، ولم يَصْنَعَا ما صنَعْتُ، قال: فجاء النبيُّ - ﷺ -، فسلَّمَ كما كان يُسلِّمُ، ثمَّ أتى المسجِدَ فصلَّى، ثم أتى شرابَهُ فكَشفَ عنه، فلم يَجِدْ فيه شيئًا، فرفَعَ رأسَهُ إلي السماءِ، فقلتُ: الآن يَدْعُو عَلَيَّ فأَهْلِكُ، فقال: (اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَن أَطْعَمَنِي، وَأَسْقِ مَنْ أَسْقَانِي) (١).\nوفي حديثِ عُقْبةَ في \"سننِ أبي داود\"، في رفعِ النبيِّ بصرَهُ إلى السماءِ بعدَ وُضوئِهِ؛ وفيه ضعفٌ (٢).\nوفي \"سننِ أبي داود\"، عن الشَّعْبيِّ عن أمِّ سَلَمةَ؛ قالتْ: ما خرَجَ النبيُّ - ﷺ - مِن بيتي قطُّ إلا رفَعَ طَرْفَهُ إلى السماءِ، فقال: (اللَّهُمَّ، إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ) (٣).\nوعندَ أبي داودَ وغيرِه، عن ابنِ عباسٍ؛ قال: رأيتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - جالسًا عندَ الرُّكْنِ، قال: فرفَعَ بصرَهُ إلي السماءِ، فضَحِكَ، فقال: (لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ - ثَلَاثًا - إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيهِمُ الشُّحُومَ، فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا) (٤).\nوعن عائشةَ زوجِ النبيِّ - ﷺ -؛ قالتْ: كان رسولُ اللهِ - ﷺ - وهو\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٠٥٥) (٣/ ١٦٢٥).\n(٢) أخرجه أبو داود (١٧٠) (١/ ٤٤).\n(٣) أخرجه أبو داود (٥٠٩٤) (٤/ ٣٢٥).\n(٤) أخرجه أبو داود (٣٤٨٨) (٣/ ٢٨٠).","vol":"1","page":125},{"text":"صحيحٌ يقولُ: (إِنَّهُ لَمْ يُقبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُحَيَّا أَوْ يُخَيَّرَ)، فَلَمَّا اشْتَكَى وَحَضَرَهُ القَبْضُ، وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِ عَائِشَةَ، غُشِيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ، شَخَصَ بَصَرُهُ نَحْوَ سَقْفِ البَيْتِ، ثُمَّ قَالَ: (اللَّهُمَّ؛ فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى!) (١)؛ رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ.\nوكان ينظُرُ عندَ تدبُّرِ آيِ السمواتِ والأرضِ والاعتبارِ بهما؛ فقد روى البخاريُّ؛ مِن حديثِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ قال: بِتُّ في بيتِ مَيْمُونةَ لَيْلةً، والنبيُّ - ﷺ - عندَها؛ لِأَنْظُرَ كيف صلاةُ رسولِ اللهِ - ﷺ - بالليلِ، فتحدَّثَ رسولُ اللهِ - ﷺ - مع أهلِهِ ساعةً، ثمَّ رقَدَ، فلمَّا كان ثُلُثُ الليلِ الآخِرُ، أو بعضُهُ، قعَدَ فنظَرَ إلي السماءِ، فقرَأَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، إِلى قولِهِ: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] (٢).\nوربَّما رفَعَ النبيُّ - ﷺ - بصَرَهُ إلى السماءِ، وهو يتحدَّثُ إلى أصحابِهِ ويَعِظُهم ويعلِّمُهم؛ فقد روى البخاريُّ ومسلمٌ والتِّرمِذيُّ وغيرُهم، عن عليٍّ؛ قال: بينما نحنُ مع رسولِ اللهِ - ﷺ - وهو ينكُتُ في الأرضِ، إذْ رفَعَ رأسَهُ إلى السَّمَاءِ، ثُمَّ قال: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إِلَّا قَدْ عُلِمَ - وقال وَكِيعٌ: إِلَّا قَدْ كُتِبَ - مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، وَمَقعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ)، قَالُوا: أَفَلَا نَتَّكِلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (لَا، اعْمَلُوا فَكُلُّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ) (٣).\nورفعُ البصرِ عندَ الأمورِ العظيمةِ مستَحَبٌّ، وعندَ نزولِ المصيبةِ ورجاءِ الإعانةِ؛ ففي ذلك إظهارُ ضعفٍ وافتقارٍ والتجاءٍ.\nورفعُ البصرِ إلى السماءِ هو سجودُ العَيْنِ؛ لأنَّ مَدَّ البصرِ بصورةِ التعظيمِ لِمَا دُونَ اللهِ يُورِثُ هَيْبةً في القَلْبِ للمخلوقِ وتعظيمًا له ورجاءً\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٤٣٧) (٦/ ١٠)، ومسلم (٢٤٤٤) (٤/ ١٨٩٤).\n(٢) أخرجه البخاري (٧٤٥٢) (٩/ ١٣٥).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٩٤٩) (٦/ ١٧١)، ومسلم (٢٦٤٧) (٤/ ٢٠٤٠)، والترمذي (٢١٣٦) (٤/ ٤٤٥).","vol":"1","page":126},{"text":"لما عندَهُ؛ وهذا قبَسٌ مِن العبوديَّةِ لا يكادُ يَسْلَمُ منه أحدٌ؛ ولذا خَفَّفَ اللهُ فيه؛ لمشقةِ الاحترازِ منه، وأمَرَ بالاحترازِ منه الكُمَّلَ مِن العِبَادِ كالأنبياءِ؛ ولذا قال اللهُ لنبيِّهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَي مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [الحجر: ٨٧، ٨٨]، فأمَرَهُ بإطلاقِ الفِكْرِ والعَيْنِ قي القرآنِ؛ لأنَّ مَدَّ البصرِ يُورِث تعظيمًا للمنظورِ، حتى يصلَ بالإنسانِ إلي الافتتانِ به والعبوديَّةِ له: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١].\nولذا يُسمَّى اللاهي بالدِّينارِ والدرهم عن حدودِ اللهِ: عَبْدًا له، وفي الحديثِ: \"تَعِسَ عبدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ\" (١).\nوروى ابنُ أبي شَيْبةَ، وأبو نُعَيْمٍ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ؛ قال: كان أبي إذا رأي شيئًا مِن أمرِ الدُّنيا يُعجِبُهُ، قال: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ (٢).\nوإدامةُ النظرِ إلي الشيءِ تَنسِجُ خيوطًا تقيِّدُ القلبَ وتعلِّقُه به، حتى يُكبَّلَ القلبُ ويُصبِحَ أسيرًا لما يَرَى، ويَظُنُّ أنَّه حُرٌّ طليقٌ!\nوإنَّما نَهى اللهُ نبيَّه عن \"مَدِّ العَيْنِ\"، ولم ينهَ عن النظرِ؛ لأنَّ المدَّ هو إطالةُ التأمُّلِ، والنهيُ عن أصلِ النظرِ يُنافي الحِكْمةَ مِن خَلْقِ العَيْنِ والإبصارِ؛ فالأرضُ مليئةٌ بالنِّعَمِ والأرزاقِ الممنوحةِ للخَلْقِ، فمنعُ النظرِ لها ابتداءً لا يُناسِبُ حِكْمةَ خَلْقِ البصرِ.\nورُوِيَ عن إبراهيمَ الخليلِ رَفْعُ بصرِهِ إلي السماءِ عندَ ضربِ أصنامِ قومِهِ؛ روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن الحَسَنِ؛ قال: خرَجَ قومُ إبراهيمَ - ﵇ - إلي عِيدٍ لهم، وأرادُوا إبراهيمَ - ﵇ - على الخروجِ، فاضطجَعَ على ظهرِهِ،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٨٨٧) (٤/ ٣٤)؛ من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٠١١٦) (٦/ ١٣٧).","vol":"1","page":127},{"text":"فقال: إنِّي سقيمٌ لا أستطيعُ الخروجَ، وجعَلَ ينظُرُ إلى السماءِ، فلمَّا خرَجُوا، أقبَلَ علي آلهتِهِمْ فكسَّرَها (١).\nونظرُهُ إلي السماءِ توكُّلٌ وافتقارٌ، وطلبُ إعانةٍ وكفايةٍ.\nوقد ذكَرَ اللهُ في هذه الآيةِ: أنَّ سببَ تغييرِ القِبلةِ لنبيِّهِ تقلُّبُ وجهِهِ في السماءِ، وخصَّ اللهُ نبيَّه بأمرِ الاستقبالِ؛ بقولِه تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ إكرامًا له، ثمَّ عمَّمَ الخطابَ للأمَّةِ، وإنْ كانتْ داخلةً في أمرِهِ تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.\nولم تتحوَّلِ القِبْلةُ إلا مع طولِ سؤالٍ وتضرُّعٍ وطولِ نَظَرٍ في السماءِ؛ ولذا قال تعالى: ﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾؛ يعني: رَفْعَهُ وإدارتَهُ مراتٍ ومراتٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>تكرارُ الدعاءِ والإلحاحُ به:</span>\nوفي هذا: مشروعيةُ تَكْرارِ السؤالِ والإلحاحِ بالدعاءِ، وعدمُ اليأسِ من الإجابةِ، فإذا كان هذا لنبيِّ، فكيف لغيرِه؟ ! فللَّهِ حِكَمٌ وغاياتٌ محمودةٌ بتأجيلِ إجابةِ دعوةِ عبدِه، منها ما يختصُّ بالأمرِ الذي دعا بتحقيقِه؛ فاللهُ يختارُ لعبدِهِ عندَ الإجابةِ أصلَحَ الزمنِ لا أسرعَهُ، ومنها ما يتعلَّقُ بالعبدِ نفسِه؛ فالدعاءُ عظيمٌ وعبادةٌ جليلةٌ، وربَّما احتاجَ إلى التضرُّعِ؛ لِيَعْظُمَ أَجْرُه، ويزولَ كِبْرُه، وتُنَقَّى نفسُه، وتتهذَّبَ سريرتُه بطولِ الانكسارِ؛ فيتحقَّقُ له بذلك أمورٌ عظيمةٌ وهو يُريدُ أمرًا واحدًا، وربَّما كان ذلك سببًا لتعجيلِ خيرٍ آخَرَ يَدْعُو به بنفسٍ مُقْبِلةٍ هذَّبَها دعاؤُها السابقُ.\nروى ابنُ جريرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ؛ في قولِه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾؛ قال: كان - ﷺ - يُقلِّبُ وجهَهُ في السماءِ، يُحِبُّ أنْ\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١٠/ ٣٢٢٠).","vol":"1","page":128},{"text":"يَصْرِفَهُ اللهُ - ﷿ - إلى الكَعْبةِ، حتى صرَفَهُ اللهُ إليها (١).\nوفي قولِه: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾: إشارةٌ إلي أنَّ النبيَّ - صلي الله عليه وسلم - امتثَلَ أمرَ اللهِ، مع أنَّ نَفْسَ النبيِّ تُحِبُّ التوجُّهَ إلي المسجدِ الحرامِ أكثَرَ، وأنَّ رَغْبةَ النفسِ وإنْ كانتْ مِن نبيٍّ ينبَغي ألَّا تصيِّرَه إلى خلافِ ما يريدُهُ اللهُ، وأنَّ التفاضُلَ بينَ الأعمالِ يحكُمُهُ اللهُ وليس النفوسَ، وكثيرًا ما تميلُ النفسُ إلي قولٍ فتلتقِطُ له مؤيِّداتٍ من الدلائلِ والقرائنِ حتى تثقُلَ كِفَّتُه، ولو مالتْ إلي غيرِهِ، لَفَعَلَتْ مِثلَ ذلك، وهكذا يدورُ الدِّينُ والرأيُ في فلَكِ الهَوَى ولا يشعرُ الإنسانُ بذلك.\nوقولُهُ تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾: إشارةٌ إلى وجوبِ استقبالِ الجميعِ للقِبْلةِ؛ الإمامِ والمأمومِ والمنفرِدِ، قائمًا وقاعدًا وعلي جنبٍ، حسَبَ الاستطاعةِ والطاقةِ، ويخرُجُ من ذلك النافلةُ في السفرِ؛ لفعلِه ﵊.\nفيجبُ علي المأمومِ أنْ يستقبِلَ عَيْنَ القِبْلةِ مع الإمامِ عندَ رؤيتِها، ويجبُ علي الجميعِ استقبالُ الجهةِ عندَ البُعْدِ عنها.\nوقولُه: ﴿شَطْرَهُ﴾؛ يعني: نحوَهُ وجِهَتَهُ؛ ثبَتَ هذا عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ (٢)، وابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ (٣)؛ رواهُ ابنُ جريرٍ عنهم، وعن آخَرِين (٤).\nوإنَّما كان النبيُّ يُحِبُّ استقبالَ المسجِدِ الحرامِ؛ لأنَّ اليهودَ فَرِحُوا باستقبالِ النبي لقِبْلَتِهم وَيعْجَبُونَ مِن استقبالِهِ لها، مع أنَّه يُخالِفُهم؛ رُوِيَ هذا عن ابنِ عباسٍ (٥)، ومجاهدٍ (٦)، وغيرِهما؛ ولذا\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٦٥٦).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٦٦١).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٦٦٠).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٦٦٠ - ٦٦١).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٤٥٠).\n(٦) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٦٥٧).","vol":"1","page":129},{"text":"قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.\n* * *\n\nقال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨].\nالصَّفَا والمَرْوةُ جَبَلانِ متقابِلانِ شرقيَّ الكَعْبةِ، وعلى طرَفَيِ البابِ.\nوالصَّفَا: جمعُ \"صَفَاةٍ\"، وهي: الصخرةُ المَلْساءُ (١).\nوالمَرْوةُ: الحَصَاةُ الصغيرةُ (٢).\nوالشعائرُ: المعالمُ الظاهِرةُ البارِرةُ؛ ولذا يسمَّى الشِّعَارُ شِعارًا؛ لكونِهِ علامةً ورايةً لِمَا يُرادُ إظهارُه.\nوقيل: إنَّ المرادَ بالشعائرِ: الأخبارُ؛ مِنْ \"أشعَرَ فلانٌ بكذا: إذا أخبَرَ به\"؛ يعني: مِن أخبارِ اللهِ التي بَيَّنَها وفَصَّلها لكم؛ ثبَتَ هذا عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ؛ قال: مِن الخَبرِ الذي أخبَرَكُم عنه؛ رواهُ ابنُ جريرٍ، وسندُه صحيحٌ (٣).\nوقولُهُ: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾:\nالحجُّ: القصدُ، وكلُّ قاصدٍ للبيتِ حاجٌّ، وغلَبَ هذا الاصطلاحُ علي قاصدِ المسجدِ الحرامِ، وغلَبَ أيضًا على نُسُكِ الحجِّ، لا العمرةِ، وربَّما أطلَقَهُ بعضُ السلفِ علي العُمْرةِ؛ كما جاء عن ابنِ عُمَرَ أنَّه ذكَرَ\n_________\n(١) ينظر: \"تهذيب اللغة\" (١٢/ ١٧٥)، و\"لسان العرب\" (١٤/ ٤٦٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٧٠٩).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٧١٠).","vol":"1","page":130},{"text":"عمرةَ الحُدَيْبِيَةِ، وقال: \"حجَّ النبيُّ البيتَ\" (١)؛ يعني: قصَدَه متعبِّدًا بعمرةٍ، وبالإجماعِ: أنَّ النبيَّ أراد العمرةَ، ولم يكنِ الحجُّ فُرِضَ ذلك العامَ.\nوإنَّما سُمِّيَ الذَّهابُ إلي البيتِ حجًّا؛ لأنَّه يتكرَّرُ كلَّ عامٍ للحجِّ، ودومًا في العمرةِ لمَنْ أراد، والحاجُّ: هو الذي يكرِّرُ الذَّهابَ والمجيءَ إلى شيءٍ يريدُهُ.\nقال المُخَبَّلُ السَّعْدِيُّ:\nوَأشْهَدَ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ المُزَعْفَرَا (٢)\nأيْ: يَقْصِدُونَهُ دومًا لسيادتِه ورياستِهِ.\nوالعُمْرةُ: الزيارةُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>السعي بين الصفا والمروة في الجاهلية:</span>\nوإنَّما قال اللهُ تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾؛ لأنَّ الناسَ في الحاهليَّةِ نصَبُوا صنمَيْنِ على الصَّفَا والمَرْوةِ، ثمَّ دخَلَ مَن دخَلَ الإسلامَ، وكان يطوفُ بينَ الصَّفا والمروةِ مشركًا مِن قبلُ، فوجَدُوا حرَجًا مِن ذلك، لمَّا قَدِمَ بهم النبيُّ - ﷺ - في عمرةِ القضاءِ؛ فأنزَلَ اللهُ هذه الآيةَ؛ نفيًا للحَرَجِ، والترخيصُ بعدَ الحظرِ: لرفعِ الحظرِ وإبطالِهِ، لا للتشريعِ، فمحلُّه دفعُ الحرجِ والإثمِ لا غيرُ.\nروى ابنُ جريرٍ، عن داودَ، عن الشَّعْبيِّ؛ أنَّ وَثَنًا كان في الجاهليَّةِ على الصَّفَا يُسمَّى \"إِسَافًا\"، ووَثَنًا على المروةِ يسمَّى \"نائِلةَ\"، فكان أهلُ الجاهليَّةِ إذا طافُوا بالبيتِ، مَسَحُوا الوثَنَيْنِ، فلمَّا جاء الإسلامُ، وكُسِرَتِ الأوثانُ، قال المسلِمونَ: إنَّ الصَّفَا والمَرْوةَ إنَّما كان يُطافُ بهما مِن\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٥٣٢٢) (٢/ ٦٥).\n(٢) ينظر: \"تهذيب اللغة\" (٣/ ٢٥٠)، و\"لسان العرب\" (١/ ٤٥٧)، و\"تاج العروس\" (٣/ ٣٦).","vol":"1","page":131},{"text":"أجلِ الوَثَنَيْنِ، وليس الطوافُ بهما مِن الشعائرِ! قال: فأنزَلَ اللهُ: إنَّهما مِن الشعائرِ: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>الأمرُ بعد الحظْر:</span>\nوالألفاظُ بعدَ الحظرِ أو الاستثناءِ مِن المنعِ تأتي بصيغةِ الترخيصِ والإذنِ، ويُؤخَذُ الحكمُ علي الحالِ بعدَ رفعِ الحظرِ مِن دليلٍ آخَرَ؛ كما لو قلتَ لِمَنْ خَشِيَ الموتَ جوعًا: \"لا بأسَ عليك أنْ تأكُلَ المَيْتةَ\"، وأنت تريدُ رفعَ الحظرِ، وإلا فالأكلُ منها لإبقاءِ الحياةِ واجِبٌ؛ ولذا قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].\nوالمعنى مِن الآيةِ أنَّ الحرَجَ الذي في نفوسِكم يَجِبُ أنْ يُرفَعَ، والإثمَ يجبُ أنْ يزولَ بزوالِ سَبَبِه، وأنَّ اللهَ جعَلَ حُكْمًا جديدًا لهذه الشعيرةِ، أحْيَا به ما بدَّلَه الجاهليُّونَ مِن وضعِ الأوثانِ عليهما، وأعادَ الشعيرةَ، كما كانتْ زمنَ إبراهيمَ الخليلِ ومَن بعدَهُ مِن الأنبياءِ.\nروى البخاريُّ ومسلمٌ؛ مِن حديثِ عاصمٍ الأحولِ؛ قال: قلتُ لأنسِ بنِ مالكٍ - ﵁ -: أكنتُمْ تَكْرَهُونَ السعيَ بينَ الصَّفَا والمَرْوةِ؟ قال: نَعَمْ؛ لأنَّها كانتْ مِن شعائرِ الجاهليةِ، حتى أنزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٢).\nوروى ابنُ جريرٍ، عن عليِّ بن أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ؛ قولَهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: وذلك أنَّ ناسًا كانوا يتحرَّجونَ أنْ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٧١٤).\n(٢) أخرجه البخاري (١٦٤٨) (٢/ ١٥٩)، ومسلم (١٣٧٨) (٢/ ٩٣٠).","vol":"1","page":132},{"text":"يَطوفُوا بينَ الصَّفَا والمَرْوةِ، فأخبَرَ اللهُ أنَّهما مِن شعائرِهِ، والطوافَ بينَهما أَحَبُّ إليه، فمضَتِ السُّنَّةُ بالطَّوَافِ بينَهما (١).\nوفي صحيحِ البخاريِّ ومسلمٍ، وغيرِهما، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيْرِ؛ قال: سألتُ عائشةَ - ﵂ -، فقلتُ لها: أرأيتِ قولَ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، فواللهِ ما على أحدٍ جُناحٌ ألَّا يَطُوفَ بالصَّفَا والمَرْوةِ! قالتْ: بئسَ ما قلتَ يا ابنَ أختي، إنَّ هذه لو كانتْ كما أَوَّلْتَها عليه، كانتْ: لا جُناحَ عليه ألَّا يتطوَّفَ بهما، ولكنَّها أُنزِلَتْ في الأنصارِ، كانوا قبلَ أنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطاغيةِ التي كانوا يَعْبُدُونَها عندَ المُشَلَّلِ، فكان مَن أهَلَّ يتحرَّجُ أنْ يطُوفَ بالصَّفَا والمَرْوةِ، فلمَّا أَسْلَمُوا، سألوا رسولَ اللهِ - ﷺ - عن ذلك، قالوا: يا رسولَ اللهِ، إنَّا كنَّا نتحرَّجُ أنْ نطوفَ بينَ الصَّفا والمَرْوةِ، فأنزَلَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآيةَ؛ قالتْ عائشةُ - ﵂ -: وقد سَنَّ رسولُ اللهِ - ﷺ - الطوافَ بَيْنَهما، فليس لأحدٍ أنْ يترُكَ الطوافَ بينَهما (٢).\nوقولُه في الآيةِ: ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ فسَّرَهُ غيرُ واحدٍ بـ \"لا إِثْمَ\"؛ قاله السُّدِّيُّ وغيرُه (٣).\nوالمعنى الظاهرُ للآيةِ لمَنْ لا يعلمُ الحالَ قبلَ التشريعِ؛ يعني: لا حرَجَ ولا إثمَ لمَن فعَلَ ذلك، وغايةُ ذلك: الإباحةُ أو الاستحبابُ، وهذا غيرُ مرادٍ؛ لما تقدَّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>حكمُ السعي بين الصفا والمروةِ:</span>\nوقد اختَلَفَ العلماءُ في حكمِ السعيِ بينَ الصَّفَا والمَرْوةِ على ثلاثةِ أقوالٍ، وهي ثلاثُ رواياتٍ في مذهبِ أحمدَ:\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٧١٦).\n(٢) أخرجه البخاري (١٦٤٣) (٢/ ١٥٧)، ومسلم (١٣٧٧) (٢/ ٩٢٩).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٧١٤).","vol":"1","page":133},{"text":"القولُ الأولُ: قالوا: إنَّه رُكْنٌ، وعدمُ صحةِ الحجِّ والعمرةِ إلا بالسعيِ؛ وهو ظاهرُ قولِ عائشةَ، وقولُ جمهورِ الفقهاءِ مِن المالكيَّةِ والشافعيَّةِ والحنابلةِ، وهو قولُ الشافعيِّ وابنِ جريرٍ (١).\nواحتجُّوا بالآيةِ، وأنَّ كَوْنَها مِن شعائرِ اللهِ عَلَامةٌ علي رُكْنِيَّتِها.\nوالتحقيقُ: أنَّ كونَ الشيءِ شعيرةً لا يلزَمُ منه كونُهُ رُكْنًا؛ فاللهُ سمَّى البُدْنَ مِن الشعائرِ، ولا يقولُ أحدٌ مِن السلفِ برُكْنِيَّتِها: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦]، ولم يكُنِ السلفُ يَجْعَلونَ كلَّ شعيرةٍ مِن شعائرِ اللهِ وُصِفَتْ بذلك ركنًا لا يصحُّ العملُ إلا بها.\nروى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن داودَ بنِ أبي هِنْدٍ، عن محمَّدِ بنِ أبي موسى؛ قال في قولِه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، قال: \"الوقوفُ بعَرَفةَ مِن شعائرِ اللهِ، وجَمْعٌ مِن شعائرِ اللهِ، والبُدْنُ مِن شعائرِ اللهِ، والحَلْقُ مِن شعائرِ الله، والرميُ مِن شعائرِ اللهِ؛ فَمَنْ يُعظِّمْها، فإنَّها من تَقْوَى القلوبِ\" (٢).\nوهذه سَمَّوْها كلَّها مِن شعائرِ اللهِ، وتختلفُ حُكمًا بينَ رُكْنٍ وواجبٍ.\nوروى مسلمٌ في \"صحيحِه\"، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ؛ قال: قلتُ لها: إنِّي لَأَظُنُّ رجلًا لو لم يَطُفْ بينَ الصَّفَا والمَرْوةِ ما ضَرَّهُ، قالتْ: لِمَ؟ قلتُ: لأنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ. . .﴾، فقالتْ: \"ما أَتَمَّ اللهُ حجَّ امرئٍ ولا عُمْرَتَهُ لم يَطُفْ بينَ الصَّفا والمَرْوةِ، ولو كان كما تقولُ، لكان: فلا جُنَاحَ عليه ألَّا يطَّوَّفَ بهما\" (٣).\n_________\n(١) ينظر: \"المدونة\" (١/ ٤٢٧)، و\"الاستذكار\" (٤/ ٢٢٠)، و\"المجموع\" (٨/ ٧٧)، و\"المغني\" (٣/ ٣٥١)، و\"تفسير الطبري\" (٢/ ٧١١).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٤١٥٢) (٣/ ٢٧٥).\n(٣) أخرجه مسلم (١٢٧٧) (٢/ ٩٢٨).","vol":"1","page":134},{"text":"وفي \"صحيحِ مسلمٍ\": قال رسولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - لعائشةَ: (يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ) (١).\nوفي \"الصحيحَيْنِ\"؛ من حديثِ أبي موسى؛ قال: قَدِمْتُ على رسولِ اللهِ - ﷺ - وهو بالبَطْحَاءِ، فَقَالَ: (أَحَجَجْتَ؟)، قلتُ: نَعَمْ، قَالَ: (بِمَا أهْلَلْتَ؟)، قلتُ: لَبَّيْكَ بإهلالٍ كإهلالِ النبيِّ - ﷺ - قال: (أَحْسَنْتَ، انْطَلِقْ، فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ) (٢).\nوروى الترمذيُّ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (مَنْ أَحْرَمَ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ، أَجْزَأَهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ) (٣).\nوروى ابن جريرٍ، عن الربيعِ بنِ سُلَيْمانَ، عن الشافعيِّ؛ قال: \"عَلَى مَنْ تَرَكَ السعيَ ببنَ الصَّفَا والمَرْوةِ حتى رجَعَ إلي بلدِه، العودُ إلى مكةَ حتى يَطوفَ بينَهما؛ لا يُجْزِيهِ غيرُ ذلك\" (٤).\nوزعَمَ ابنُ العربيِّ الإجماعَ علي رُكْنِيَّتِهِ في العمرةِ فحسْبُ، وأنَّ الحجَّ فيه خلافٌ.\nوفي حكايتِه الإجماعَ في العمرةِ نظرٌ (٥).\nالقولُ الثاني: قالوا: إنَّه واجبٌ يُجبَرُ بدمٍ؛ وهو قولُ سُفْيانَ الثَّوْريِّ وأبي حنيفةَ وصاحبَيْهِ (٦).\nوترجَمَ البخاريُّ في \"صحيحِه\": \"بابُ وجوبِ الصَّفَا والمَرْوةِ، وجُعِلَ مِن شعائرِ اللهِ\" (٧).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٢١١) (٢/ ٨٨٠).\n(٢) أخرجه البخاري (١٧٢٤) (٢/ ١٧٣)، ومسلم (١٢٢١) (٢/ ٨٩٤).\n(٣) أخرجه الترمذي (٩٤٨) (٣/ ٢٧٥).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٧٢٢).\n(٥) ينظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (٣/ ٤٩٩).\n(٦) ينظر: \"المبسوط\" للسرخسي (٤/ ٥٠)، و\"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٣٣)، والمجموع (٨/ ٧٧).\n(٧) \"صحيح البخاري\" (٢/ ١٥٧).","vol":"1","page":135},{"text":"وقال بالوجوبِ ابنُ المُنذِرِ (١).\nوقد روى أحمدُ؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ المؤمَّلِ، عن عمرَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عطاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ، عن صَفِيَّةَ بنتِ شَيْبةَ، عن حَبِيبةَ بنتِ أبي تُجْرَاةَ؛ قالتْ: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (اسْعَوْا؛ فَإِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ) (٢)، وعبدُ اللهِ بن المؤمَّلِ لا يُحتَجُّ به (٣).\nوللحديثِ وجوهٌ أُخرى لا تَخلُو مِن مقالٍ.\nوجوَّدَ إسنادَهُ غيرُ واحدٍ؛ كالشافعيِّ وأبي نُعَيْمٍ، كما نقلَهُ ابنُ عبدِ البرِّ في الاستذكارِ (٤).\nواستدلالُهُمْ بقولِه - ﷺ -: (لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) فيه نظرٌ؛ وذلك أنَّ المرادَ بالأخذِ في الحديثِ هو الاقتصارُ بأخذِ التشريعِ عنه لا عن غيرِه؛ لأنَّ بقايا أعمالِ الجاهليَّةِ في المناسكِ كانت ما زالَتْ حاضرةً في أذهانِ المسلِمينَ، ومِن ذلك حرَجُهُمْ مِن الصَّفَا والمَرْوَةِ، وخَشْيةَ أنْ يكونَ هناك مَن يعملُ بحُسْنِ قصدٍ بما بقِي لدَيْهِ مِن عملِ الجاهليةِ في النُّسُكِ؛ فالعربُ بدَّلوا أعمالَ الحجِّ.\nويُؤيِّدُ هذا المعنى أنَّا لو حَمَلْنا قولَهُ: (لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) على الوجوبِ، لَلَزِمَ أنْ نقولَ بوجوبِ أعمالٍ وأقوالٍ ليستْ واجبةً؛ كتقبيلِ الحَجَرِ، والرَّمَلِ، والاضطباعِ، والذِّكْرِ بينَ اليمانِيَيْنِ، واستلامِ الركنِ اليماني، والشربِ مِن زمزمَ، والدعاءِ على الصَّفَا، ورفعِ اليدَيْنِ فيه، والشدِّ بينَ العلَمَيْنِ، والتكبيرِ عندَ رميِ الجمارِ، والتطيُّبِ عندَ الإحرامِ،\n_________\n(١) ينظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (٣/ ٤٩٨).\n(٢) أخرجه أحمد (٢٧٣٦٧) (٦/ ٤٢١).\n(٣) ينظر: \"العلل ومعرفة الرجال\" \"رواية عبد الله\" (١/ ٥٦٧)، و\"تاريخ ابن معين\" \"دوري\" (١/ ١٤١)، و\"الكامل\" لابن عدي (٥/ ٢٢١).\n(٤) \"الاستذكار\"؛ لابن عبد البر (١٢/ ٢٠٣).","vol":"1","page":136},{"text":"والدعاءِ في عَرَفةَ، والجمعِ فيها تقديمًا، وفي مزدلِفةَ تأخيرًا، وغيِرِ ذلك، وأكثرُ أعمالِ الحجِّ وأقوالِه سُنَنٌ، والأمرُ إذا جاء عامًّا ينبَغي أنْ يكونَ غالبًا ليتحقَّقَ عمومُ معناه.\nثمَّ إنَّ الأخذَ في الوحيِ يُرادُ به أخذُ التشريعِ؛ كما في \"الصحيحِ\" في حدِّ الزِّنَى؛ مِن حديثِ عُبَادةَ بنِ الصامتِ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: الْبكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ) (١)؛ وهذا الحديثُ رفعٌ لحكمِ الآيةِ ببيانِ إبدالِ تشريعٍ بتشريعٍ جديدٍ في قولِه تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥].\nومِن ذلك: ما جاء في \"الصحيحينِ\"، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ - فَبَدَأَ بِهِ - وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ) (٢).\nيعني: يُقدَّمونَ علي غيرِهم بالأخذِ، لا أنَّ كلَّ الأخدِ عنهم واجبٌ في ذاتِه.\nوبعضُ الفقهاءِ الذين يقولونَ بوجوبِ السعيِ يُقيِّدونَهُ بالذاكرِ، وعلى المتعمِّدِ للتركِ دمٌ، وأمَّا الناسي والجاهلُ، فلا شيءَ عليهما؛ وهذا قولُ الثوريِّ، وقولٌ لعطاءٍ (٣).\nوالحنفيَّةُ يُوجِبونَ أكثرَ السعيِ، وهو أربعةٌ، ويَعذِرونَ التارِكَ لباقِيهِ (٤).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٦٩٠) (٣/ ١٣١٦).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٨٠٨) (٥/ ٣٦)، ومسلم (٢٤٦٤) (٤/ ١٩١٣).\n(٣) ينظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (٣/ ٤٩٩).\n(٤) \"المبسوط\" للشيباني (٢/ ٤٠٧).","vol":"1","page":137},{"text":"القولُ الثالثُ: أنَّ السعيَ سُنَّةٌ؛ صحَّ هذا عن ابنِ عباسٍ، وأنسٍ، وابنِ الزبيرِ، وعطاءِ بنِ أبي رباحٍ، ومجاهدٍ (١).\nوجاء في مصحفِ ابنِ مسعودٍ: \"أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا\"، ولابنِ مسعودٍ قراءاتٌ في التفسيرِ هي مِن فقهِهِ ورأيِه، ولو كانتِ القراءةُ في مصطلحِ الأئمةِ قراءةً شاذَّةً؛ يعني: أنَّها لا تثبُتُ متواتِرةً عن غيرِه، فهذا لا يُخرِجُها عن كونِها فِقْهًا له.\nونفيُ عائشةَ لِلَفْظِ ما ورَدَ في قراءةِ ابن مسعودٍ هو نفيُ أنْ يكونَ مِن المصحفِ قرآنًا يُتْلَى.\nروى ابنُ جريرٍ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ؛ أنَّه كان يقرأُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآيةَ: \"فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا\" (٢).\nورواهُ ابنُ جريرٍ وغيرُهُ، من طرقٍ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن أنسٍ؛ قال: \"هما تطوعٌ\" (٣).\nوروى ابنُ جريرٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾؛ قال: \"فلم يُحرِجْ مَن لم يَطُفْ بهما\" (٤).\nروى ابنُ جَريرٍ، عن ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: قال عطاءٌ: لو أنَّ حاجًّا أفاضَ بعدَما رمَى جَمْرةَ العَقَبةِ، فطافَ بالبيتِ، ولم يَسْعَ، فأصابَها - يعني: امرأتَهُ - لم يكنْ عليه شيءٌ، لا حَجٌّ ولا عُمْرةٌ؛ مِن أجلِ قولِ اللهِ في مصحفِ ابنِ مسعودٍ: \"فمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلَّا\n_________\n(١) ينظر: \"المجموع\" (٨/ ٧٧).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٧٢٣).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٧٢٣).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٧٢٣).","vol":"1","page":138},{"text":"يَطَّوَّفَ بِهِمَا\"، فعاودتُّهُ بعدَ ذلك، فقلتُ: إنَّه قد ترَكَ سُنَّةَ النبيِّ - ﷺ -، قال: ألا تسمعُهُ يقولُ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٤]؟ فأَبَى أن يجعَلَ عليه شيئًا (١).\nوقراءةُ: \"فلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا\"، حمَلَها بعضُ الأئمةِ على أنَّ \"لَا\" التي بعدَ \"أَنْ\" صِلَةٌ في الكلامِ، حيثُ سبَقَها جَحْدٌ في الكلامِ، وهو قولُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾؛ وذلك كقولِهِ تعالى ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، والمرادُ: ما منَعَك أنْ تسجُدَ.\nقال جَرِيرٌ:\nمَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ فِعْلَهُمَا ... والطَّيِّبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلا عُمَرُ\nقاله ابنُ جريرٍ الطَّبَريُّ (٢).\nوقولُ اللهِ تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾؛ المرادُ: التطوُّعُ بينَهما في الحجِّ والعمرةِ، وليس المرادُ السعيَ تطوُّعًا؛ كما يتطوَّعُ الطائفُ بلا نُسُكٍ؛ فإنَّ التطوُّعَ بدعةٌ في قولِ الجماهيرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>قراءةُ الآية عند بَدْءِ السعي:</span>\nوالنبيُّ - ﷺ - تلا هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، عندَ صعودِه على الصَّفا، وتلاوتُها ليستْ مِن النُّسُكِ؛ وإنَّما للاستِدلالِ بها علي البَدَاءَةِ بالصَّفَا، ولو تلاها الإنسانُ كذلك، فلا بأسَ؛ على هذا المعنى؛ وهي كقولهِ في حديثِ جابرٍ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] عندَ المَقَامِ (٣)؛ فهما في سياقٍ واحدٍ؛ رواهُ مسلمٌ وغيرُهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>البدءُ بالصفا عندَ السعي:</span>\nوإنَّما بدَأَ النبيُّ بالصَّفا؛ لبَداءةِ القرآنِ بها؛ كما في حديثِ جابرٍ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٧٢٢).\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٧٢٧).\n(٣) أخرجه مسلم (١٢١٨) (٢/ ٨٨٦).","vol":"1","page":139},{"text":"في \"الصحيحِ\" (١).\nوهذا يدلُّ علي أنَّ تقديمَ القرآنِ وتأخيرَهُ له مقاصدُ، وحكَى بعضُ العلماءِ: أنَّ حروفَ العطفِ تُوجِبُ الترتيبَ إلا الواوَ؛ فقد وقَعَ فيها الخلافُ، وألحقَها غيرُ واحدٍ بأخواتِها، ولكنْ قد يُشكِلُ على هذا بعضُ مواضعِ العطفِ بالواوِ في القرآنِ؛ كقولِه تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، إلا إنْ قيل: إنَّ الركوعَ في شريعتِهم يكونُ بعدَ السجودِ.\nوالأظهرُ: أنَّ العطفَ في القرآنِ له مقصدُ الترتيبِ، ولكنْ يُختلَفُ في الترتيبِ بحسَبِ موضعِهِ وبحسَبِ دَلَالةِ النصوصِ الأُخرى مِن الكتابِ والسُّنَّةِ على الوجوب أو الاستحباب وإلا فأصلُهُ معتبَرٌ علي الترتيب؛ كما في قولِه: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]؛ فقد أجمَعوا على أنَّ السجودَ بعدَ الركوعِ، وكما في عطفِ أعضاءِ الوضوءِ في آيةِ الوضوءِ.\nوقد بدَأَ النبيُّ - ﷺ - بالصَّفَا أيضًا؛ لكونِها عن يمينِه، ولأنَّها أقربُ من المَرْوةِ، والبداءةُ منها واجبةٌ عندَ جمهورِ الفقهاءِ: مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ، وجزَمَ به التِّرمِذيُّ فيِ \"سننِه\"، وهو إجماعُ عملِ الصحابةِ والتابعينَ؛ قال الشافعيُّ في \"الأمِّ\": \"ولم أعلَمْ خلافًا أنَّه لو بدَأَ بالمَرْوةِ، ألغَى طوافًا حتى يكونَ بدؤُهُ بالصَّفَا\" (٢).\nوقال عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ: \"سألتُ أبي عن رجلٍ بدَأَ بالمروةِ قبلَ الصَّفَا حتى ختَمَ الطوافَ؟ قال: يبتدِئُ إذا رجعَ إلى الصَّفَا، يلغي ذلك الشَّوْطَ ويستأنِفُ بسبعٍ تامٍّ مِن الصَّفا\" (٣).\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) \"الأم\" (١/ ٤٥) وينظر: \"المدونة\" (١/ ٤٢٧)، و\"التمهيد\" (٢/ ٧٩)، و\"المجموع\" (٨/ ٧٨)، و\"المغني\" (٣/ ٣٥١)، و\"سنن الترمذي\" (٨٦٢) (٣/ ٢٠٧).\n(٣) ينظر: \"مسائل أحمد\" \"رواية عبد الله\" (١/ ٢١٧).","vol":"1","page":140},{"text":"وذلك لفعلِ النبيِّ - ﷺ - وعدَمِ مخالفتِه له في عُمَرِهِ وحجَّتِه، وإن بدَأَ مِن المَرْوةِ، لم يَعْتَدَّ بالشوطِ الأولِ، ويحسُبُ مِن أولِ وقوفِهِ على الصَّفا.\nوقال ابنُ المنذِرِ: \"أجمَعَ كلُّ مَن نحفَظُ عليه مِن أهلِ العلمِ: أنَّ مَن فرَغَ مِن طوافِهِ ومِن صلاتِهِ، بدَأَ عندَ خروجِهِ مِن المسجدِ بالصَّفا، وأنَّه ختَمَ بالمَرْوةِ، وأنَّ مَن فعَل ذلك، فهو مصيبٌ للسُّنَّةِ، واختلَفُوا فيمَن بدَأَ بالمروةِ قلَ الصَّفا\" (١).\nوروى الطحاويُّ، عن عطاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ، قال: \"مَنْ بدَأَ بالمَرْوةِ قبلَ الصَّفا، لم يضُرَّهُ ذلك\" (٢).\nوقال به بعضُ الفقهاءِ مِن الحنفيَّةِ، وهو روايةٌ عن أبي حنيفةَ، والحنفيَّةُ يتسامَحُونَ في الترتيبِ في العباداتِ؛ كالطوافِ والسعيِ والجمارِ (٣).\nورُوِيَ عن عطاءٍ خلافُهُ؛ رواهُ ابنُ عبدِ البرِّ في \"التمهيدِ\"، وابنُ المنذِرِ، ولعلَّ ترخيصَهُ إنما هو للجاهلِ والناسي، وقد رُوِيَ عنه: أنَّه قيَّدَهُ بذلك؛ روى الوجهَيْنِ عنه ابنُ عبدِ البرِّ (٤).\n* * *\n\nقال اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>الأصلُ في الأشياءِ الحِلُّ:</span>\nهذا خطابٌ مِن اللهِ للناسِ كافَّةً؛ لبيانِ أنَّ الأصلَ فيما أوجَدَهُ اللهُ\n_________\n(١) \"الإشراف\" لابن المنذر (٣/ ٢٩٣ - ٢٩٤).\n(٢) \"مختصر اختلاف العلماء\" للطحاوي (٢/ ١٨٣).\n(٣) ينظر: \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٣٤)\n(٤) ينظر: \"التمهيد\" (٢/ ٨٨).","vol":"1","page":141},{"text":"في الأرضِ مِن مأكولاتٍ: الحِلُّ، ويظهرُ العمومُ في قوله: ﴿مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ بلا تخصيصٍ أو تقييدٍ، و\"مِن\" في الآيةِ: لتبعيضِ المأكولِ المقدورِ على أكلِه، لا لتبعيضِ الأكلِ المباحِ كلِّه؛ فالإنسانُ لا يستطيعُ أَكْلَ كلِّ ما في الأرضِ.\nوالإباحةُ أُخِذَتْ مِن قولِه: ﴿كُلُوا﴾؛ لأنَّ الأمرَ لا يكونُ إلا على شيءٍ مباحٍ ومشروعٍ، ولا يأمُرُ الشارعُ بشيءٍ يخرُجُ عن هذا، ولكنَّه أكَّدَ الإباحةَ بمؤكِّداتٍ؛ منها قولُه: ﴿حَلَالًا﴾، وهو إيضاحٌ لسببِ الأمرِ بالأكلِ؛ أيْ: لكونِه حلالًا.\nوزاد في بيانِ الحِلِّيَّةِ بوصفِهِ بالطيِّبِ، والطيِّبُ ما تستطيبُهُ النفوسُ المستقيمةُ المعتدِلةُ، وليس الشاذَّةَ، وبعضُ النفوسِ فد يطرَأُ عليها تبديلٌ للفِطْرةِ، وهذه غيرُ معتَبرةٍ.\nووصفُ الطيِّبِ للمأكولِ المباحِ علَمٌ يُعرَفُ به، ويُكْتَفَى به عدَ إرادةِ بيانِه؛ قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]، وقال: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٥].\nوالنفوسُ بجميعِ مِلَلِها مؤمنِةً وكافِرةً، مفطورةٌ على استطابةِ الطَّيِّب واستخباثِ الخبيثِ؛ ولهذا جاء الخطابُ لبَنِي آدمَ كافَّةً: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٠]، وكلُّ أمَّةٍ يخاطِبُها اللهُ بالأكلِ يكتفِي بوصفِه بالطيِّبِ؛ قال تعالى عن بني إسرائيلَ: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧].\nإلا أنَّه يطرأُ على بعضِ نفوسِ بني آدمَ تبديلٌ؛ كما يطرأُ عليها تبديلُ في معبودِها؛ كما في الحديثِ في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ؛ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ","vol":"1","page":142},{"text":"تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ !)، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ -: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا. . .﴾ [الروم: ٣٠] الآيَةَ (١).\nوقد وَجَّهَ اللهُ خطابَهُ للناسِ كافَّةً بإباحةِ كلِّ ما في الأرضِ واصفًا إيَّاهُ بالطَّيِّبِ؛ لإدراكِهِمْ جميعًا لمعناهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾، والنفوسُ هي التي يقعُ منها التبديلُ؛ لهوًى أو مسخٍ؛ قال تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢].\nولاستواءِ النفوسِ في إدراكِ الطيِّبِ مِن المأكلِ؛ وَجَّهَ سبحانه الخطابَ بالصيغة نفسِها حتى للرُّسُلِ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١].\nوالوصفُ بالطيِّب دليلُ امتنانٍ، والامتنانُ مِن قرائنِ الإباحةِ، والقرينةُ لا يُحتاجُ إليها إلا عندَ فقْدِ النصِّ الصريحِ، ولكنَّه ذكَرَها هنا؛ إشعارًا بأنَّ الإباحةَ هنا ليستْ لمباحٍ تستوي جهاتُهُ فتوسَّطَ بين التحريمِ والوجوبِ، ولكنَّه لمباحٍ فوقَ ذلك يستوجِبُ شكرًا للهِ.\nويُؤخذ مِن هذه الآيةِ: أنَّ مِن علاماتِ ما لم يُستَثْنَ مِن أصلِ الحِلِّ: ما عرَفَتْهُ النفسُ بالطيِّبِ، ولم يُسْتخبَثْ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].\nوإذا اختلَطَ على النفسِ معرفةُ الطيِّبِ من الخبيثِ لانتكاسةِ الفِطَرِ، فيُرجَعُ إلى عمومِ النصِّ؛ لأنَّ العمومَ هنا أقوَى؛ فمضمونُ العموم الإباحةُ، وأمَّا الاستخباثُ، فمخصِّصٌ للعمومِ، وإذا ضَعُفَ إعمالُ المخصِّصِ، بقِي اللفظُ على عمومِه.\nفالإباحةُ دُلَّ عليها بالنداءِ لعمومِ الناسِ، وبقولِه: ﴿كُلُوا﴾، وبقولِه: ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾، وبالاستثناءِ مِن العامِّ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٣٥٩) (٢/ ٩٥)، ومسلم (٢٦٥٨) (٤/ ٢٠٤٧).","vol":"1","page":143},{"text":"وذلك أنَّ الاستثناءَ يُفيدُ العمومَ للمستثنَى منه؛ لأنَّ المستثنَى عادةً يكونُ أقلَّ مِن المستثنَى منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>فضلُ نعمةِ الأكلِ على غيرها من النِّعَمِ:</span>\nوفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ الأصلَ في كلِّ مسكونٍ ومطعومٍ وملبوسٍ: الحِلُّ، وإنَّما خَصَّ الأكلَ بالذِّكْرِ؛ لأنَّه أظهرُ النِّعمِ وأولُ أسبابِ البقاءِ في الأرضِ، وكلُّ نعمةٍ تأتي بعدَه، وهو أولُ المِنَنِ التي بيَّنَها اللهُ لآدمَ، فقال: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨]، وأولُ واجباتٍ على السلطانِ لرعيَّتِهِ. كفايتُهم الطعامَ، وكفايتُهم اللباسَ.\nوالإنسانُ لا يستطيعُ العيشَ أيَّامًا متتابعةً بلا أكلٍ، بينَما يعيشُ سِنِينَ بلا مَلْبَسٍ ولا مَسْكَنٍ ولا مَنْكَحٍ؛ ولذا يَزْهَدُ الإنسانُ بمسكنِهِ وملبسِهِ ليأكُلَ؛ دفعًا لزوالِه، فإذا جَفَّتِ الأرضُ وأجْدَبتْ، وحُبِسَ القَطْرُ، ارتَحَلَ وترَكَ دارَهُ ومسكنَهُ ليسكُنَ في بلدٍ يأكُلُ فيها ويَشْرَبُ؛ ولذا فاللهُ وصَفَ الأكلَ بالطيِّبِ في القرآنِ أكثَرَ مِن المَلْبَسِ والمسكنِ والمَنْكَحِ.\nوبَيَّنَ اللهُ أنَّ الأصلَ في المأكولِ الحِلُّ؛ حتى لا تَضِيقَ نفسُهُ بالمحرَّمِ المعدودِ؛ فإنَّ عَدَّ المحرَّماتِ مِن غيرِ بيانِ الأصلِ يُدخِلُ في النفسِ التشوُّفَ إليها والتفكُّرَ فيها؛ حتى ينشغِلَ الإنسانُ بها فيَطْمَعَ في أكلِها؛ كما كان ذلك من آدَمَ - ﵇ -: أُحِلَّت له الجنةُ كلُّها شجرًا ونهرًا ولحمًا إلا شَجَرةً واحدةً، فأكثَرَ عليه الشيطانُ التفكُّرَ فيها؛ حتى تشوَّفَتِ النفسُ فأكَلَ، فضاقتْ على آدمَ الجنةُ مع سَعَتِها، واتَّسعَتِ الشجرةُ مع ضِيقِها؛ فكيف، بإبليسَ في دنيا ضيقةٍ، ومحرَّماتٍ عِدَّةٍ؟ !\nوإذا كانت نعمةُ الأكلِ هي أعظمَ نِعَمِ البقاءِ للإنسانِ، والأصلُ فيها الحِلَّ، فمِن بابِ أَولى ما كان دُونَها مِن ملبسٍ ومسكنٍ، إلا ما خَصَّهُ الدليلُ بتحريمٍ؛ لعِظَمِ الوقوعِ فيه بلا استباحةٍ؛ كالمَنْكَحِ.","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>الأصلُ في النكاحِ الحِلُّ:</span>\nوقد يُقالُ: إنَّ الأصلَ في النكاحِ: الحِلُّ عندَ توافُرِ شروطِه وانتفاءِ موانعِه؛ فالمحرَّماتُ على التأبيدِ على الإنسانِ قليلةٌ، والمباحاتُ له على الدوامِ أكثرُ، ولكنَّ الشريعةَ ضبَطَتِ الإباحةَ وقيَّدتْها؛ ولذا قال اللهُ تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، فأطلَقَ الحِلَّ ووصَفَهُ بالطيِّبِ، ثمَّ بَيَّنَ قيودَهُ.\nوكما أنَّ اللهَ أباحَ للإنسانِ لحمَ الحيوانِ، وقيَّدَ إباحتَهُ بأنْ يكونَ ذُبِحَ للهِ لا لغيرِه، كذلك النكاحُ الأصلُ فيه الحِلُّ، ويُشترَطُ أن يكونَ على حُكْمِ اللهِ وشروطِهِ التي وضَعَ، وكذلك فيجوزُ له وَطْءُ الإماءِ بلا عددٍ وحصرٍ.\nهذا وجهٌ لمَن قال: \"إنَّ الأصلَ في الفُرُوجِ الإباحةُ\".\nوالأشهرُ القولُ بالتحريمِ؛ لأنَّ ما خصَّصه الشارع له أقلُّ ممَّا منَعَهُ منه، فقيَّدَ له الجمْعَ بأربعةِ شروطٍ، ومنَعَه من الزيادةِ.\nوذكَرَ جماعةٌ مِن الفقهاءِ مِن المالكيَّةِ والشافعيَّةِ وغيرِهم: أنَّ الأصلَ في الحَيَوانِ التحريمُ؛ قالوا: لأنَّه لا يَحِلُّ إلا بالذَّكَاةِ والصيدِ، ويَضبِطونَ القاعدةَ بقولِهم: \"الأصلُ في الذبائحِ والصيدِ: التحريمُ\"؛ وهذا صحيحٌ، ولكنَّ ذَبْحَهُ وصيدَهُ لا يُخرِجُهُ عن أصلِ إباحتِه.\nوالأصلُ المتقرِّرُ عندَ الشافعيِّ: حِلُّ الأشياءِ، إلا ما فُصِّلَ تحريمُهُ بدليلٍ.\nوإنَّما ذكرَ اللهُ الأرضَ؛ لدخولِ جميعِ أجزائِها فيها؛ كالبحرِ والنهرِ والبَرِّ، سهلًا وجبلًا؛ فالأرضُ اسمٌ لعمومِ ما كان تحتَ قدمِ الإنسانِ.","vol":"1","page":145},{"text":"سَعَةُ الحلالِ، وضيقُ الحرامِ:\nونهيُهُ سبحانَهُ عن اتِّباعِ خطواتِ الشيطانِ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: إشارةٌ إلى أنَّ هناك محرَّماتٍ مستثناةً مِن الأصلِ المباحِ، ولكنَّها يسيرةٌ، فوصَفَها بالخطواتِ مِن سَعَةِ الأرضِ؛ فاللهُ سبحانه أباح الأرضَ بأميالِها سهولًا وجبالًا، وبحارًا وأنهارًا، وحَرَّمَ خطواتٍ يسيرةً للشيطانِ، وإذا انشغَلَ عقلُ الإنسادِ بخطواتِ الشيطانِ، أحبَّها ورأَى أنَّها تعادِلُ سَعةَ الأرضِ، وأنَّ حريَّتَهُ سُلِبَتْ.\nوكثيرٌ مِن المنشغلينَ بمبادئِ الحرياتِ في عصرِنا يُدِيمُ النظرَ في الممنوعِ الضيِّقِ، ويعطِّلُ نظرَهُ عن المباحِ الواسعِ؛ فيَرَى أنَّ الممنوعَ أعظمُ وأوسعُ، فيَرَى أنَّه سُلِبَ حريةَ الاختيارِ، واللهُ أحَلَّ الأرضَ كلَّها، وحرَّمَ خطواتِ يسيرةً منها، والحريةُ أنْ تعيشَ في سَعَةِ الأرضِ، لا في ضِيقِ الخطواتِ، ومَن عاش في ضِيقِ خطواتِ الشيطانِ، فإنَّه لا يُبصِرُ أنَّ الشيطانَ سلَبَهُ حريتَهُ مِن الأرضِ الواسعةِ؛ ليُقَيِّدَ عيشَهُ في خطواتٍ منها.\nواللهُ تعالى وصَفَ الشيطانَ بالعداوةِ للإنسانِ، والعداوةُ للإنسانِ على مراتبَ؛ أعلاها وأَبْيَنُها وضوحًا: العداوةُ التي لا ينتفعُ منها المعتدِي، وإنَّما يفعلُها كيدًا ومَكْرًا بالعدوِّ، وهذه عداوةُ إبليسَ، فليس له انتفاعٌ مِن عداوةِ الإنسانِ؛ ولذا وصَفَ اللهُ عداوتَه بالمُبِينَةِ: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.\nوعداوةُ إبليسَ واضحةٌ؛ فليستِ انتقامًا تشتبِهُ بطلبِ حقٍّ، أو انتصارًا مِن مَظْلِمَةٍ، وهذه العداوةُ المُبِينَةُ التي لا تحتاجُ إلى إيضاحٍ وتحذيرٍ لكلِّ أحدٍ، ومع ذلك: حذَّرَ اللهُ عبادَهُ مِن عداوةِ الشيطانِ؛ لأنَّ الشيطانَ لا يأتي للإنسانِ بصفتِه الشيطانيَّةِ الإبليسيَّةِ، ولكنْ يأتِيهِ مسوِّلًا له أنَّ هذا في صالحِهِ ومنفعتِه؛ ولذا الْتبَستْ عداوتُه؛ فاللهُ يبيِّنُ","vol":"1","page":146},{"text":"حِيَلَهُ ومكايدَهُ وتلبيسَهُ أكثرَ مِن بيانِ حالِه في ذاتِه؛ لأنَّها لا تخفَى.\nواللهُ إنَّما نَهَى عن اتِّباعِ خطواتِ الشيطانِ؛ تنبيهًا إلى أنَّ الإنسانَ بوقوعِهِ في المحرَّمِ يَتَّبِعُ طريقَ الشيطانِ وفِعْلَهُ؛ فالتتبُّعُ هو تقصِّي الأثرِ لطريقٍ سُلِكَ مِن قبلُ.\nويَظهرُ من الآيةِ: أنَّه ما مِن محرَّمٍ على الإنسانِ إلا والشيطانُ يفعلُهُ؛ إذا كان مما يَقدِرُ على فعلِهِ لطبيعتِه الخَلْقيَّةِ، ويُظهِرُ هذا: أنَّ الشارعَ كثيرًا ما ينهَى عن أشياءَ، ويعلِّلُ النهيَ عن فِعلِها بكونِ الشيطانِ يفعلُها؛ كالأكلِ بالشمالِ، والمشيِ بنعلٍ واحدةٍ، ونحوِ ذلك.\nوفي الآيةِ: قرينةٌ لِمَنْ مالَ إلى تحريمِ الأفعالِ التي دلَّ الدليلُ على أنَّ الشيطانَ يفعلُها، وأنَّ النهيَ عنها على التحريمِ لا على الكراهةِ؛ فاللهُ جعَلَ خطواتِ الشيطانِ بمقامِ أعمالِه، فخطواتُهُ: أعمالُهُ؛ هكذا فسَّرَهُ السلفُ؛ فقد روى الطبريُّ؛ مِن حديثِ معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ قولَهُ: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ يقولُ: عملَهُ (١)، وصحَّ عن مجاهدٍ، وقتادةَ: أنَّها خطاياهُ (٢).\nوهذه مسألةٌ لها مواضعُ لبسطِها.\nوقد جعَلَ بعضُ السلفِ: أنَّ ما يحرِّمُهُ الإنسانُ على نفسِه ممَّا يخالِفُ أصلَ الحِلِّ ممَّا لا نصَّ فيه: مِن خطواتِ الشيطانِ؛ فسَّرَهُ بذلك ابنُ مسعودٍ وغيرُهُ؛ فقد روى الطَّبَرانيُّ والبيهقيُّ مِن حديثِ أبي الضُّحَا، عن مسروقٍ؛ قال: أُتِيَ عبدُ اللهِ بضَرْعٍ، فأخَذَ يأكُلُ منه، فقال للقومِ: ادْنُوا، فدَنَا القومُ، وتنحَّى رجلٌ منهم، فقال عبدُ اللهِ: ما شأنُك؟ قال: إنِّي حَرَّمْتُ الضَّرْعَ، قال: هذا مِن خُطُواتِ الشيطانِ، ادْنُ، وكُلْ، وكَفِّرْ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٨).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٨).","vol":"1","page":147},{"text":"يَمِينَكَ، ثمَّ تلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] (١).\nوقد روى سعيدُ بن منصورٍ وابنُ جريرٍ، عن سُلَيْمانَ، عن أبي مِجْلَزٍ؛ في قولِه: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ قال: \"هي النذورُ في المعاصِي\" (٢).\nويَظهرُ هذا التأويلُ في قولِه تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢) ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الآياتِ [الأنعام: ١٤٢ - ١٤٣]؛ فذكَرَ الأصلَ، وهو الحِلُّ، ثمَّ حذَّرَ مِن خطواتِ الشيطانِ، وفصَّلَ بينَ الحِلِّ وتحريمِ الشيطانِ.\nواللهُ تعالى وجَّهَ الخطابَ لعمومِ الناسِ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾، وتوجيهُ الخطابِ للعمومِ، دليلٌ أنَّ مضمونَ الخطابِ عامٌّ؛ إما في التحليلِ أو التحريمِ، وكلَّما اتَّسَعَتْ دائرةُ المخاطَبِينَ، اتَّسعَ مضمونُ خطابِهم.\nويدخُلُ في عمومِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ عمومُ البشرِ؛ المسلمُ والكافرُ، والخطابُ إذا توجَّهَ إلى أهلِ مِلَّتَيْنِ دلَّ على عمومِه، ولا يدخُلُهُ التقييدُ إلا في النادرِ.\nوقد اختَلفَ العلماءُ في دخولِ الكفارِ في خطابِ العمومِ في هذه الآيةِ، وهل يحاسَبُونَ في الآخِرةِ على الأكلِ مِن الأرضِ مما يُباحُ للمؤمنينَ؟ وهذا يأتي تفصيلُهُ إن شاءَ اللهُ عندَ تفسيرِ قولِ اللهِ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، وقولِهِ:\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٨٩٠٨) (٩/ ١٨٤)، والبيهقي في \"الكبرى\" (٧/ ٣٥٤).\n(٢) أخرجه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" (٢٤٢) (٢/ ٦٤٣)، وابن جرير في \"تفسيره\" (٣/ ٣٩).","vol":"1","page":148},{"text":"﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢].\nونصوصُ القرآنِ الأصلُ فيها أنَّها غائيَّةٌ؛ أيْ: يُرادُ بإطلاقِها أقصَى ما يدخُلُ فيها في اللُّغَةِ والعُرْفِ، ولا يخرُجُ مِن ذلك إلا ما دلَّ الدليلُ عليه؛ ولذا يُقالُ: \"إنَّ الأصلَ في المأكولاتِ الحِلُّ إلا ما حرَّمَه اللهُ\"؛ وذلك أنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وما لم يدخُلْ تحتَ التفصيلِ والبيانِ، فهو يَرجِعُ إلى الأصلِ.\nوقد دَلَّتِ الأدلةُ - منطوقًا ومفهومًا - في مواضِعَ متعدِّدةٍ: على أنَّ الأصلَ في الأشياءِ الحِلُّ، وأنَّ عدَمَ تفصيلِ الشيءِ بالتحريمِ أو الكراهةِ دليلٌ على إباحتِه.\nوقد روى الحاكمُ، عن أبي الدرداءِ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَافِيَةٌ) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>هل لاستخباثِ النَّفْسِ أثَرٌ في التحريم</span>؟\nوإذا عافَتِ النَّفْسُ شيئًا، ليس لها أنْ تُطلِقَ عليه تحريمًا؛ لأنَّ التحريمَ لا يكونُ مرتبِطًا برَغْبةِ النفسِ، وقد عافَ النبيُّ - ﷺ - الضَّبَّ ولم يحرِّمْهُ؛ واستَدَلَّ بهذا عمرُ - ﵁ -؛ فقد ذهَبَ إلى جوازِ أكلِ الضبِّ؛ لأنَّ النبيَّ - ﷺ - لم يحرِّمْهُ؛ كما أخرَجَهُ مسلمٌ عنه في \"صحيحِه\" (٢).\nوإذا كان هذا في نفسِ النبيِّ - ﷺ -، فغيرُها مِن النفوسِ مِن بابِ أَولى ألَّا تحرِّمَ ما تَعَافُهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>صُوَرُ بيانِ الحلالِ:</span>\nوفي الشريعةِ يأتي بيانُ حِلِّ الشيءِ في صُوَرٍ شتَّى؛ منها: النصُّ\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٣٤١٩) (٢/ ٤٠٦).\n(٢) أخرجه مسلم (١٩٥٠) (٣/ ١٥٤٥).","vol":"1","page":149},{"text":"على الحِلِّ والطِّيبِ؛ كما في الآيةِ هنا: ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾، والتخييرُ بين الأكلِ وتركِه، والأمرُ بعدَ الحظرِ، ونفيُ الجُنَاحِ والحَرَجِ والإثمِ والإنكارُ على مَن حَرَّمَ الشيءَ، والإخبارُ أنَّه مِن نِعَمِ اللهِ على الأممِ السابقةِ، وإظهارُ الامتنانِ بخَلْقِه وجعْلِه للناسِ، ويأتي كذلك بالإقرارِ على فعلِه في زمنِ النبيِّ - ﷺ -؛ كأكلِ الضَّبِّ.\nويُفهَمُ عمومُ التحريمِ بعكسِ ذلك، إلا ما استثناهُ اللهُ بقَيْدٍ، وهذا يكونُ ممَّا فصَّلَ اللهُ تحريمَهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>حكمُ المسكوتِ عنه في الشريعة:</span>\nوظاهرُ نصوصِ الشريعةِ: أنَّ ما سُكِتَ عنه فهو حلالٌ؛ لأنَّه عفوٌ، ولو لم يَرِدْ دليلٌ بإطلاقِ حِلِّه، وذهَبَ أبو حنيفةَ: إلى أنَّ الأصلَ فيما سُكِتَ عنه: التحريمُ؛ حتى يأتيَ دليلٌ على العمومِ أو على الخصوصِ (١).\nوهذا مِن الخلافِ الذي ثمرتُهُ قليلةٌ؛ وذلك لأنَّه ما مِن شيءٍ مِن الأصولِ إلا جاء فيه نصٌّ خاصٌّ بحِلِّهِ أو حرمتِهِ، أو نصٌّ عامٌّ يبيِّنُ حِلَّهُ، أو يبيِّنُ تحريمَهُ؛ وإنَّما الخلافُ يقَعُ في دخولِ الشيءِ في أيِّ العمومينِ؛ كبعضِ صيدِ الحيوانِ للمُحرِمِ، وكذا المَيْتةُ: هل تَتْبَعُ البحرَ حِلًّا، أو البَرَّ حُرْمةً؟\nونصَّ أحمدُ: على أنَّ الأصلَ فيما سُكِتَ عنه في الشريعةِ: الحِلُّ.\nوالقولانِ وجهانِ في مذهبِ الشافعيِّ، والأصحُّ عنه الحِلُّ.\nوالحقُّ: أنَّ ما سُكِتَ عنه في الشريعةِ، فإنَّه حلالٌ؛ لعمومِ قولِهِ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].\nولِمَا روى التِّرمِذيُّ وابنُ ماجهْ؛ مِن حديثِ سَلْمانَ؛ قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ - ﷺ - عن السَّمْنِ والجُبْنِ والفِرَاءِ؟ فقال: (الحَلَالُ مَا أحَلَّ اللهُ فِي\n_________\n(١) \"الأشباه والنظائر\" للسيوطي (١/ ٦٠).","vol":"1","page":150},{"text":"كِتَابِهِ، وَالحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللهُ في كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ) (١).\nوقد وبَّخ اللهُ وقرَّع مَن يجعلُ الأصلَ التحريمَ؛ بقولِهِ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢].\nوفي \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ سعدٍ؛ قال - ﷺ -: (إِنَّ أَعْظَمَ المُسْلِمِينَ جُرْمًا، مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ) (٢).\n* * *\n\nقال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣].\n\"إنَّما\": أداةُ حصرٍ عندَ أكثرِ العلماءِ، وهو قَصْرُ الحُكْمِ على الشيءِ، أو قصرُ الشيءِ على الحُكْمِ، والمعنى: أنَّ اللهَ قَصَرَ المحرَّماتِ على المؤمِنِينَ في هذه المذكوراتِ عندَ نزولِ النصِّ، ثمَّ بيَّن غيرَها في مواضعَ أُخرى، أو لأنَّ المذكورةَ قريبةُ التناوُلِ منهم، فأَضْمَرَتْ نفوسُهُمُ الحاجةَ إلى بيانِ ما يَدْنُو منهم، فجاءَ النصُّ ببيانِها؛ فما كان مستقِرًّا في الذهنِ لدَيْهِم تحريمُهُ ممَّا كان خارجًا عن هذه الأربعةِ، لم يذكُرْهُ.\nو\"إنَّما\": أداةٌ تَنفِي وتُثبِتُ؛ فهي تَنفي أنْ يكونَ هناك في ذلك الوقتِ محرَّمٌ غيرُها، وتُثبِتُ هذه المحرَّماتِ.\nوهذه الآيةُ جاءتْ بعدَ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا﴾ [البقرة: ١٦٨] أو ما بعدَهَا، ثمَّ قولِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (١٧٢٦) (٤/ ٢٢٠)، وابن ماجه (٣٣٦٧) (٢/ ١١١٧).\n(٢) أخرجه البخاري (٧٢٨٩) (٩/ ٩٥)، ومسلم (٢٣٥٨) (٤/ ١٨٣١).","vol":"1","page":151},{"text":"مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]؛ والخطابُ كان عامًّا للناسِ كافَّةً، ثمَّ جاءَ الخطابُ للذين آمَنوا خاصَّةً، وخطابُ اللهِ للذين آمَنوا وصَفَهُ بقولِهِ: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢]؛ فجعَلَ طيِّبَ المؤمنينَ رِزْقًا يجبُ شكرُهُ؛ وذلك أنَّ الكافرَ يأكُلُ الطعامَ كما تأكُلُ البهيمةُ الطعامَ؛ لأنَّ شُكْرَهُ لخالقِهِ فرعٌ عن إقرارِهِ بأنَّ الرزقَ منه، وأنَّ الخالقَ مستحِقٌّ للعبادةِ وحدَهُ، وهذا يتحَقَّقُ في المؤمنِ لا في الكافرِ؛ وهذا يَظْهَرُ في قولِه تعالى بعدَ ذلك للمؤمنينَ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>بيانُ الشَّيْءِ بضدِّهِ:</span>\nوحينَما ذكَرَ اللهُ الطيِّباتِ عمومًا في الآيتَيْنِ، فصَّلَ الطيِّباتِ ببيانِ ضدِّها، وهي المحرَّماتُ؛ وذلك لأنَّ الطيِّباتِ لا يتحقَّقُ وصفُها في ذاتِها؛ لكثرتِها، فبيَّنَ اللهُ المحرَّماتِ، وهذا مِن بيانِ الشيءِ ببيانِ ضِدِّه، ولأنَّ المحرَّماتِ قليلةٌ وذِكْرَها أضبطُ للسامعِ، ولبيانِ أنَّ اللهَ تعالى إنَّما أَحَلَّ كلَّ شيءٍ، وذِكرُ الحلالِ مُعْجِزٌ للسامعِ استيعابُهُ وحصرُهُ عدًّا، واللهُ قادرٌ عليه سبحانَهُ.\nوهذه الآيةُ وما قبلَها شبيهةٌ بآيتَي النحلِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ الآيةَ [النحل: ١١٤، ١١٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>حكمُ الميتة:</span>\nوالمَيْتَةُ: ما لم يُذَكَّ مِن الحيوانِ الحلالِ ممَّا يجبُ فيه الذَّكَاةُ، ويخرُجُ مِن هذا: مَيْتةُ البَحْرِ، والجَرَادُ، والصيدُ الذي يموتُ بحادٍّ ولم يُدْرَكْ حَيًّا.\nوالمَيْتةُ بسكونِ الياءِ وتشديدِها: بمعنًى واحدٍ، والميتةُ عُرِّفَتْ بلامِ","vol":"1","page":152},{"text":"الجنسِ؛ لبيانِ عمومِ تحريمِ أَكْلِها؛ فاللهُ قال قبلَ ذلك: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثمَّ استثنَى مِن المأكولِ ما في قوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾؛ يعني: ممَّا يُؤكَلُ، وهذا لا يختلِفُ فيه العلماءُ، وإنَّما اختلَفوا في الانتفاعِ بغيرِ الأكلِ مِن الميتةِ؛ لأنَّه خارجُ نصِّ الآيةِ وصريحِها.\nوبيَّنَ اللهُ بعضَ أحوالِ الميتةِ في سورةِ المائدةِ في قولِهِ تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [٣]، ويأتي بيانُهُ في موضعِهِ مِن سورةِ المائدةِ بإذنِ اللهِ.\nوقد أجمَعَ العلماءُ على تحريمِ بيعِ المَيْتةِ مِن لَحْمٍ وشَحْمٍ وعَصَبٍ؛ حكاهُ ابنُ المنذرِ وغيرُه، وإنَّما اختلَفوا في بيعِ جِلْدِها (١).\nوقولُهُ: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؛ يعني: ما ذُبِحَ لغيرِ اللهِ مِن صَنَمٍ أو وَثَنٍ، والمرادُ بالإهلالِ: رفعُ الصوتِ بالكلامِ، وكانتِ العربُ ترفعُ صوتَها عندَ الذبحِ باسمِ المذبوحِ له، وغلَبَ إطلاقُ اسمِ \"المُهِلِّ\" على الذابحِ في كلِّ حالٍ.\nروى ابنُ جريرٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾: \"يعني: ما أُهِلَّ للطَّواغيتِ كلِّها\" (٢)، وبنحوِه قال مجاهدٌ وعطاءٌ، وقتادةُ والضحَّاكُ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>الاضطرارُ وحكمُهُ:</span>\nوقولُه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾: الاضطرارُ: ما لا مجالَ للاختيارِ فيه، وهو خلافُ الاكتساب الذي يكونُ معه الاختيارُ؛ ولذا يقالُ للعارِفِ: باضطرارٍ عَرَفْتَ هذا أم باكتسابٍ؟\n_________\n(١) ينظر: \"الإقناع\" لابن المنذر (١/ ٢٤٧)، و\"المجموع\" (٩/ ٢٣٠).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٥٧).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٥٦).","vol":"1","page":153},{"text":"والاضطرارُ: ما لا يَقْدِرُ الإنسانُ على الامتناعِ منه بسببٍ مُوجِبٍ لذلك، وإنْ كان بحسَبِ ذاتِه قادرًا على الامتناعِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>حُكْم أكلِ المَيْتَةِ للمضطَرِّ:</span>\nويُستثنى مِن الأكلِ المحرَّمِ أكلُ ما اضطُرَّ إليه بلا بَغْيٍ ولا عدوانٍ، وأنْ تكونَ الضرورةُ إليه حقيقيَّةً لا توهُّمًا، وأنْ يكونَ الأخذُ منها بما يكسرُ الجُوعَ، ومَرَدُّ ذلك وضبطُهُ إلى تقديرِ الشخصِ في حالِه؛ فهو أعلمُ بها، ومِثلُ هذه الأحوالِ هي أفعالٌ خاصَّةٌ، وفي مواقفَ يصعُبُ على أيِّ أحدٍ تمييزُها إلا صاحبُها، وكلُّ حالٍ تختلِفُ عن الأُخرى، والضرورةُ إذا تحقَّقَتْ، ولم يَجِدِ الإنسانُ خيارًا مباحًا، جاز له أكلُ الميتةِ والدمِ والخنزيرِ.\nوإذا كان يتيقَّنُ أنَّه إذا انتظَرَ وقتًا وصَلَ إليه طعامٌ، وانتظارُهُ لا يُضِرُّ به، حَرُمَ عليه الأكلُ.\nقال قتادةُ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾؛ قال: \"غيرَ باغٍ في أكلِه، ولا عادٍ: أنْ يتعدَّى حلالًا إلى حرامٍ، وهو يَجِدُ عنه مَنْدُوحةً\" (١)؛ وكدا قال مجاهدٌ والحسنُ (٢).\nورُوِيَ ضبطُ جوازِ استعمالِ المَيْتةِ عندَ الضرورةِ في بعضِ الأحاديثِ؛ مِن ذلك: ما رواهُ أحمدُ والدارِميُّ، عن أبي واقدٍ اللَّيْثيِّ؛ قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّا بأرضٍ تُصِيبُنا بها مَخْمَصَةٌ، فما يَحِلُّ لنا مِن المَيْتةِ؟ قال: (إِذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا، وَلَمْ تَغْتَبِقُوا، وَلَمْ تَحْتَفِئُوا بَقْلًا، فَشَأْنُكُمْ بِهَا) (٣)؛ رُوِيَ مِن طرُقٍ عِدَّةٍ، وفي أسانيدِهِ ضعفٌ واضطرابٌ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٦١)، \"وتفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٢٨٥).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٦١).\n(٣) أخرجه أحمد (٢١٨٩٨) (٥/ ٢١٨)، والدارمي في \"سننه\" (٢٠٣٩).","vol":"1","page":154},{"text":"وروى معناهُ أبو عُبَيْدٍ والبيهقيُّ؛ من حديثِ الحسنِ عن سَمُرَةَ (١).\nومَن وجَدَ نباتًا في الأرضِ - ولو كان ممَّا لا تشتهيهِ النفسُ، ولا يضُرُّ أكلُهُ - فإنَّه يأكُلُهُ، ويحرُمُ عليه أكلُ المَيْتةِ، ومِثلُ ذلك مَن وجَدَ حَشَراتِ الأرضِ التي لا تُستخبَثُ؛ كالجرادِ وشِبْهِهِ.\nويُروى هذا عن عمرَ بنِ الخطابِ، سُئل: متى تَحِلُّ لنا المَيْتةُ؟ فقال عمرُ: إذا وجَدتَّ قِرْفَ الأرضِ فلا تَقرَبْها، قال: فإنِّي أجِدُ قِرْفَ الأرضِ وأجدُ حشراتِها؟ قال: كفَاكَ كفَاك (٢).\nوقِرْفُ الأرضِ: أيْ: ما يُقْتلَعُ مِن البَقْلِ والعُرُوقِ.\nومِن العلماءِ: مَن قيَّد جوازَ الاضطرارِ بأنْ يكونَ سببُ حصولِهِ أمرًا مباحًا، وألَّا يكونَ الإنسانُ اضطُرَّ بسببِ قطعِ السبيلِ والخروجِ على سلطانٍ عادلٍ.\nروى الطَّبَريُّ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾؛ يقولُ: \"لا قاطعًا للسبيلِ، ولا مُفارِقًا للأئمَّةِ، ولا خارجًا في معصيةِ اللهِ؛ فله الرخصةُ، ومَن خرَجَ باغيًا أو عاديًا في معصيةِ اللهِ، فلا رخصةَ له وإنِ اضطُرَّ إليه\" (٣). ورُويَ هذا عن سعيدٍ (٤).\nوقد استدل أحمد بن حنبل بهذه الآية على أن المُحْرِم بحج أو عمرة إذا أدركه الجوع فاضطر إلى الصيد والميتة أنه يأكل الميتة ولا يصيد؛ لأن الله أحل الميتة (٥).\nوهذا من أحمد لا يعني تحريم الصيد للمضطر، وإنما هو احتياط،\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"الكبرى\" (٩/ ٣٥٦). وينظر: \"غريب الحديث\" للقاسم بن سلام (١/ ٦١).\n(٢) أخرجه الخطابي في \"غريب الحديث\" (٢/ ٦٨).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٥٩).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٥٩).\n(٥) مسائل ابن هاني (٢/ ١٣٤)، وعبد الله (٢٣٤).","vol":"1","page":155},{"text":"وذكر صيد المُحْرِم مع الضرورات لا يناسب السياق؛ لأنه يتعلق بحال مخصوصة وهي الإحرام. وقد اجتمع في الصيد للمحرم وأكل الميتة النهي، واختصت الميتة بالضرر على الأكل في بدنه، وإنما رخص الشارع بها لدفع الموت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>حكمُ أكلِ الميْتة للمضطَرِّ:</span>\nوالآيةُ دليلٌ على عِظَمِ النفسِ ووجوبِ صَوْنِها، وأنَّ أَكْلَ الحرامِ دونَ قتلِ النفسِ تحريمًا.\nوفي مِثلِ حالِ الاضطرارِ والخوفِ على النفسِ هل يُقالُ بوجوبِ أكلِ المَيْتةِ، أم أنَّ الأمرَ على التخيير والإباحةِ، ومَنِ اختارَ الموتَ فله ذلك؟:\nأمَّا التخييرُ، فليس مقصودًا في الآيةِ؛ وإنَّما السياقُ جاء لبيانِ الإباحةِ بعدَ الحظرِ، وإذا جاء السياقُ بالإباحةِ بعدَ الحظرِ، فإنه يكونُ للترخيصِ، ويَرجِعُ الحُكْمُ في المسألةِ إلى الحالِ كما لم يكنْ حظرٌ أصلًا، وهو إذا خافَ الإنسانُ الهلاكَ وعندَهُ طعامٌ مباحٌ كالتمرِ، هل يجبُ عليه الأكلُ؟ نَعَمْ، يجبُ بلا خلافٍ.\nولحمُ المَيْتةِ وشَحْمُها وعَظْمُها: نَجِسٌ، ولا يجوزُ الانتفاعُ به بحالٍ؛ لنجاستِهِ، واستثنَى بعضُ السلفِ الانتفاعَ الذي لا يَمَسُّهُ الإنسانُ.\nروى عبدُ الرزَّاقِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: أخبَرَني عطاءٌ؛ قال: \"ذكَرُوا أنَّه يُسْتَثْقَبُ بِشُحُومِ الميتةِ، ويُدهَنُ بها السُّفُنُ، ولا يُمَسُّ، قال: يُؤخَذُ بعُودٍ، قلتُ: أيُدهَنُ لها غيرُ السُّفُنِ أَدِيمٌ أو شيءٌ يُمَسُّ؟ قال: لم أَعْلَمْ، قلتُ: وأين يُدْهَنُ مِن السُّفُنِ؟ قال: ظهورُها، ولا يُدْهَنُ بطونُها، قلتُ: ولا بدَّ أنْ يَمَسَّ وَدَكَها بيدِهِ في المِصْباحِ؟ قال: فلْيَغسِلْ يدَهُ إذا مسَّه (١)؛ وهو صحيحٌ عنه.\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنَّفه\" (٢٠٨) (١/ ٦٧).","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>حكمُ الانتفاعِ بالمَيْتَةِ:</span>\nوالآيةُ دالَّةٌ بنصِّها على تحريمِ أكلِ المَيْتةِ؛ لقولِهِ في الآيةِ قبلَها: ﴿كُلُوا﴾ [البقرة: ١٧٢]، فاستَثْنَى هنا المَيْتةَ وغيرَها مِن المأكولاتِ؛ ولذا وقَعَ خلافٌ عندَ العلماءِ في حكمِ الانتفاعِ بشيءٍ ممَّا في المَيْتةِ لغيرِ الأكلِ؛ كالجلودِ والأظفارِ والأظلافِ والقُرُونِ، ولفظُ \"الميتةِ\" ليس مِن صِيَغِ العمومِ، وليس مِن الألفاظِ الكليَّةِ.\nوالعلماءُ يَتَّفِقونَ على وجوبِ الأخذِ بأوائلِ الأسماءِ، ويختلِفونَ في الأخذِ بأواخرِها؛ كما في اسمِ \"المَيْتةِ\" هنا؛ فلأولِ ما ينزِلُ عليه الاسمُ شيءٌ، ولآخِرِه شيءٌ يدخُلُ في عمومِ الاسمِ؛ كشَعْرِ المَيْتةِ وصُوفِها؛ هل يدخُلُ في لفظِ \"المَيْتةِ\" في الآيةِ أوائلُ ما يُطلَقُ عليه اسمُ المَيْتةِ، أم يدخُلُ فيه آخِرُ شيءٍ يدخُلُ في معناهُ؟ وبعضُ العلماءِ يُعمِلُ دليلَ الاحتياطِ هنا ويغلِّبُهُ، والخلافُ في ذلك على عدةِ أقوالٍ:\nالقولُ الأولُ: يجوزُ الانتفاعُ بكلِّ ما لا يَتَّصِلُ بلَحْمِها ممَّا كان يُنتزَعُ منها وهي حَيَّةٌ؛ كالصُّوفِ والشَّعَرِ؛ وهذا قولُ مالكٍ (١).\nورخَّصَ في شعر الميتةِ وصُوفِها وريشِها: ابنُ سِيرِينَ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، وحَمَّادٌ (٢).\nبل رأى عمرٌو: أنَّه لا فرقَ بينَ المَيْتةِ والحَيَّةِ لي ذلك، وقد صحَّ عنه ذلك؛ كما رواهُ عبدُ الرزَّاقِ، عن الثوريِّ، عن عمرِو بنِ دينارٍ؛ قال: \"ليس لِصُوفِ المَيْتةِ ذَكَاةٌ؛ اغسِلْهُ فانتفِعْ به\"، وقال الثوريُّ: \"ألم ترَ أنَّا نَنزِعُهُ وهي حيةٌ؟ ! \" (٣).\n_________\n(١) ينظر: \"المدونة\" (١/ ١٨٣).\n(٢) ينظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (٢٠٤، ٢٠٥، ٢٠٦) (١/ ٦٦)، و\"الأوسط\" لابن المنذر (٢/ ٢٧٢).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢٠٤) (١/ ١٦٦).","vol":"1","page":157},{"text":"وعلى هذا القولِ؛ فلا يجوزُ الانتفاعُ بالقَرْنِ والنابِ، والأظلافِ وريشِ الطيورِ؛ لأنَّه يَتَّصِلُ بها وله حَيَاةٌ؛ وذلك لأنَّ ظاهرَ الآيةِ خُبْثُ اللحمِ وتحريمُهُ، ويلحَقُ به حكمًا ما اتَّصَلَ به.\nالقولُ الثاني: يحرُمُ الانتفاعُ بكلِّ أجزاءِ الميتةِ؛ وهذا قولُ الشافعيِّ، وشدَّدَ أبو حنيفةَ، ومنَعَ مِن الانتفاعِ بها مِن جميعِ الوجوهِ، حتى بإطعامِها الكلابَ والطيورَ ونحوَها (١).\nوروى عبدُ الرزَّاقِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: سألَ إنسانٌ عطاءً عن صُوفِ المَيْتةِ، فكَرِهَهُ، وقال: \"إنِّي لم أسمعْ أنَّه يرخَّصُ إلا في إهابِها؛ إذا دُبِغَ\" (٢)؛ وهو صحيحٌ.\nوالحُجَّةُ في ذلك: عمومُ التحريمِ في الآيةِ في قولِه: ﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾، وعمومُ التحريمِ في الآيةِ منصرِفٌ إلى محلِّ التحريم؛ وهو الأكلُ قليلُهُ وكثيرُهُ، ويَظْهَرُ ذلك فيما قبلَها في الآيةِ، قال: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٨]، ثمَّ بيَّنَ المحرَّمَ ممَّا يُؤكَلُ، والآياتُ في سياقِ بيانِ المطعوماتِ، لا عمومِ المنافعِ، والمتأمِّلُ لها يَرَى هذا ظاهرًا في قولِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]، ثمَّ قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثمَّ قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>حكمُ جلدِ الميْتة إذا دُبغَ وإذا لم يُدْبَغْ:</span>\nوأمَّا جِلْدُ المَيْتةِ: فعامَّةُ العلماءِ على عدمِ طهارتِهِ بلا دِبَاغٍ، وما جاء عن الزُّهْريِّ فيما رواهُ عبدُ الرزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ: كان الزهريُّ يُنكِرُ الدباغَ، ويقولُ: \"يُستمتَعُ به على كلِّ حالٍ\" (٣) فلعلَّه أرادَ دِبَاغَ جلودِ الحيةِ لا الميتةِ.\n_________\n(١) ينظر: \"الفتاوى الهندية\" (٥/ ٣٤٤).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢٠٧) (١/ ٦٧).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٨٥) (١/ ٦٢).","vol":"1","page":158},{"text":"ولكنْ يُشكِلُ على هذا: أنَّ عبدَ الرزَّاقِ وضَع قولَهُ هذا في \"بابِ جلودِ المَيْتةِ إذا دُبِغَتْ\"، وقد يؤيِّدُ أنَّ مُرادَهُ جلودُ الميتةِ لا الحيةِ: ما رواهُ ابنُ المنذِرِ؛ مِن حديثِ الوليدِ بنِ الوليدِ الدِّمَشْقيِّ، عن الأوزاعيِّ، عن الزُّهْريِّ؛ قال: \"دِبَاغُهَا - يعني: الجلودَ - طَهُورُهَا\" (١).\nوأمَّا إذا دُبِغَ جِلْدُ الميتةِ، فقد اختلَفَ العلماءُ في طهارتِه وجوازِ استعمالِه على أقوالٍ:\nالأولُ: لا يجوزُ؛ وهو قولُ أحمدَ.\nوكرِهتْ عائشةُ جلودَ الميتةِ ولو دُبِغتْ؛ روى عبدُ الرزَّاقِ، عن نافعٍ، عن القاسمِ بنِ محمدِ بنِ أبي بكرٍ؛ أنَّ محمدَ بنَ الأشعثِ كلَّمَ عائشةَ في أنْ يَتَّخِذَ لها لِحَافًا مِن الفِرَاءِ، فقالتْ: إنَّه مَيْتةٌ، ولستُ بلابسةٍ شيئًا مِن المَيْتةِ، قال: فنحنُ نصنعُ لكِ لِحَافًا يُدْبَغُ، وكرِهتْ أنْ تلبَسَ مِن الميتةِ (٢).\nوروى ابنُ المنذرِ، عن الأشعثِ، عن محمَّدٍ؛ قال: \"كان ممَّن يَكْرَهُ الصلاةَ في الجِلْدِ إذا لم يكنْ ذَكِيًّا: عمرُ، وابنُهُ، وعائشةُ، وعِمْرانُ بنُ حُصَيْنٍ، وابنُ جابرٍ\" (٣).\nواختصَرَ أحمدُ القولَ في المسألةِ، فلم يجعَل للجِلْدِ حُكْمًا مستقِلًّا؛ فقال: \"حكمُهُ حكمُ اللحمِ حيًّا وميتًا، ولحمُ الميتةِ لا يُباحُ أكلُهُ وإنْ عُولِجَ بكلِّ علاجِ وطيب، فكذلك جلْدِ الميْتةِ لا يُصلِحُهُ دِبَاغُه\".\nواحتجَّ أحمدُ على مَنْ قال بجوازِ جِلْدِ المَيْتةِ؛ بأنَّ جلدَ بهيمةِ الأنعامِ ربَّما أكَلَهُ الناسُ، فإذا كانوا لا يُجِيزونَ أكْلَ جِلْدِ المَيْتةِ لأنَّها ميتةٌ، فكيف يُجِيزونَ الانتفاعَ به وهو أخَذَ حُكْمَ اللحمِ أكْلًا؟ ! فوجَبَ أنْ يأخُذَ حُكْمَهُ انتفاعًا (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٢/ ٢٦٨).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٩٩) (١/ ٦٥).\n(٣) أخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٨٥٠) (٢/ ٢٦٥).\n(٤) \"مسائل الإمام أحمد، رواية ابن عبد الله\" (١/ ١٢).","vol":"1","page":159},{"text":"وقد جاء النهيُ عن الانتفاعِ بجميعِ المَيْتةِ، كما في \"السُّنَنِ\"؛ مِن حديث ابنِ عُكَيْمٍ: أتانا كتابُ النبيِّ - ﷺ - قبلَ وفَاتِهِ بشهرٍ: \"أنْ لَا تَنتَفِعُوا مِنَ المَيْتةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ\" (١).\nوالحديثُ معلولٌ، وفي إسنادِه ومتنِهِ اضطرابٌ واختلافٌ.\nوابنُ عُكَيْمٍ لم يَسمعْ من النبيِّ - ﷺ - شيئًا؛ قال البخاريُّ في \"تاريخِهِ الكبيرِ\": \"عبدُ اللهِ بنُ عُكَيْمِ أدرَكَ زمانَ رسولِ اللهِ - ﷺ -، ولا يُعرَفُ له سماعٌ صحيحٌ\".\nوقال بهذا أبو حاتمٍ وأبو زُرْعةَ وغيرُهما (٢).\nووصَفَ الحازميُّ الحديثَ بالاضطرابِ في كتابِه \"الاعتبارِ\" (٣).\nوعملُ الناسِ به قليلٌ، ولو كان النصُّ ثابتًا في كتابٍ للنبيِّ - ﷺ - بهذا اللفظِ والمعنى، الذي أُخِدَ منه منعُ الانتفاعِ مطلقًا، لعمِلَ به الناسُ واستفاضَ.\nقال الترمذيُّ، في حديثِ ابنِ عُكَيْمٍ: \"وليس العملُ على هذا عندَ أكثرِ أهلِ العلمِ\" (٤).\nوكان أحمدُ بنُ حنبلٍ يحتجُّ بهذا الحديثِ ثمَّ تَرَكَهُ؛ قال الترمذيُّ: \"وسمِعتُ أحمدَ بنَ الحسنِ يقولُ: كان أحمدُ بنُ حنبلٍ يذهبُ إلى هذا الحديثِ؛ لِما ذكرَ فيه: \"قبلَ وفاتِهِ بشهرَيْنِ\"، وكان يقولُ: كان آخِرَ أمرِ النبيِّ - ﷺ -، ثمَّ تركَ أحمدُ بنُ حنبلٍ هذا الحديثَ؛ لمَّا اضطرَبُوا في إسنادِه، حيثْ رَوَى بعضُهم، فقال: \"عن عبدِ اللهِ بنِ عُكَيْمٍ، عن أشياخٍ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٤١٢٧) (٤/ ٦٧)، والترمذي (١٧٢٩) (٤/ ٢٢٢)، والنسائي (٤٢٤٩) (٧/ ١٧٥)، وغيرهم.\n(٢) ينظر: \"التاريخ الكبير\" للبخاري (٥/ ٣٩)، و\"علل ابن أبي حاتم\" (١/ ٥٩٢).\n(٣) ينظر: \"الاعتبار، في الناسخ والمنسوخ من الآثار\" (١/ ٥٦).\n(٤) ينظر: \"سنن الترمذي\" (٤/ ٢٢٢).","vol":"1","page":160},{"text":"لهم مِن جُهَيْنَةَ\" (١).\nالثاني: يجوزُ؛ وهو قولُ أبي حَنِيفةَ، والشافعيِّ، والأوزاعيِّ، والليثِ، والثوريِّ، وابنِ المبارَكِ، وإسحاقَ، وهو قولُ فُقَهاءِ السلفِ؛ كعطاء بنِ أبي رَبَاحٍ، والشَّعْبيِّ، والحسنِ، وقتادةَ، والزُّهْريِّ، والنَّخَعيِّ؛ صحَّ القولُ عنهم جميعًا.\nوذلك لِمَا رَوَى أحمدُ والبخاريُّ ومسلمٌ، عن ميمونةَ: أنَّه تُصُدِّقَ على مولاةٍ لِمَيْمُونةَ بشاةٍ، فماتتْ، فمرَّ بها رسولُ اللهِ - ﷺ -، فقال: (هَلَّا أخَذْتُمْ إِهَابَهَا، فَدَبَغْتُمُوهُ، فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ!)، فقالوا: إنَّها مَيْتةٌ؟ ! فقال: (إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا) (٢)، واللفظُ لمسلمٍ.\nوما في \"الموطَّإِ\"، و\"المسندِ\"، و\"السننِ\" - إلا التِّرمِذيَّ - عن عائشةَ - ﵂ -: \"أنَّ النبيَّ - ﷺ - أمَرَ أنْ يُستمتعَ بجلودِ الميتةِ؛ إذا دُبِغَتْ\" (٣).\nوما في \"موطَّإِ مالكٍ\"، و\"صحيحِ مسلمٍ\"، وغيرِهما؛ من حديثِ ابنِ عباسٍ؛ قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: (إِذَا دُبغَ الْإِهَابُ، فَقَدْ طَهُرَ) (٤).\nوروى عبدُ الرزَّاقِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: قال عطاءٌ: \"ما نستمتعُ مِن المَيْتةِ إلا بِجُلُودِها إذا دُبِغَتْ؛ فإنَّ دِبَاغَها طهورُهُ وذَكاتُهُ\" (٥).\nوكَرِهَ عطاءٌ، والحسنُ، والنَّخَعيُّ: بيعَ جلودِ الميتةِ ولو دُبِغَتْ، وجوَّزُوا الانتفاعَ بها (٦).\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) أخرجه أحمد (٢٦٧٩٥) (٦/ ٣٢٩)، والبخاري (١٤٩٢) (٢/ ١٢٨)، ومسلم (٣٦٣) (١/ ٢٧٦).\n(٣) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (١٨) (٢/ ٤٩٨)، وأحمد (٢٤٧٣٠) (٦/ ١٠٤)، وأبو داود (٤١٢٤) (٤/ ٦٦)، والنسائي (٤٢٥٢) (٧/ ١٧٦)، وابن ماجه (٣٦١٢) (٢/ ١١٩٤).\n(٤) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (١٧) (٢/ ٤٩٨)، ومسلم (٣٦٦) (١/ ٢٧٧).\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢٠١) (١/ ٦٥).\n(٦) ينظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (١٩٤، ١٩٦، ١٩٧) (١/ ٦٤).","vol":"1","page":161},{"text":"أَوَانِي المشركين وجلودُهُمْ:\nوقد جاءتْ أدلةٌ كثيرةٌ بجوازِ الأكلِ في أواني المشركِينَ والشربِ منها، وكثيرٌ منها جلودٌ، وذبائحُ المشركينَ مَيْتةٌ إلا أهلَ الكتابِ، ولم يثبُتْ عن النبيِّ - ﷺ - أنَّه أمَرَ أصحابَهُ إذا سافَروا إلى بلدانِهم أنْ يَحْذَرُوا مِن أوانِيهم، ولم يأتِ تحذيرٌ مِن لُبْسِ الخِفَافِ التي لا تُعرَفُ حالُها، وهي مِن الجلودِ، والحاجةُ ماسَّةٌ لبيانِ ذلك.\nوقد دخَلَ النبيُّ مكةَ وأهلُها مشرِكُونَ، وأصحابُهُ تفرَّقُوا في الناسِ، وللمهاجِرِينَ أرحامٌ وأقوامٌ دخَلُوا بيوتَهُمْ، ولم يَرِدْ نصٌّ في هذا البابِ، ولو كان، لَنُقِلَ؛ لأنَّه يَلْزَمُ منه القولُ على مِنْبَرٍ أو في مشهدٍ؛ لأنَّه ما مِن أحدٍ إلا ويُبتلى بجلودِ الميتةِ لُبْسًا أو فَرْشًا أو أَكْلًا أو شُرْبًا.\nالثالثُ: يطهُرُ ظاهرُ الجلدِ بالدبغِ؛ لأنَّه يتصلَّبُ ولا يتحلَّلُ فيه ما يجاوِرُهُ، وأمَّا باطنُهُ، فلا يطهُرُ بالدبغِ؛ وهو قولُ مالكٍ، ولذا منَعَ بهذا التعليلِ استعمالَ جلدِ الميتةِ المدبوغِ في شربِ الماءِ، ومنَعَ مِن الصلاةِ عليه.\nوقد حكَى ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ؛ أنَّه سُئل هل يصلَّى في جلدِ الميتةِ إذا دُبِغَ؟ فقال: \"لا، وقال: إنَّما أُذِنَ في الاستمتاعِ به، ولا أرَى أن يصلَّى فيه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>حكمُ لحمِ الخنْزِيرِ:</span>\nوالخِنْزيرُ محرَّمٌ بذاتِه، ونَجِسٌ بعَيْنِه؛ ولذا غايَرَ عندَ ذِكْرِه بقولِه: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾، ولم يذكُرِ اللحمَ في المَيْتةِ؛ لبيانِ أنَّ المحرَّمَ في الخنزيرِ لحمُهُ ولو كان مذبوحًا، وأنَّ الحيوانَ قُصِدَ وصفُهُ بالميتِ؛ لِيَدُلَّ على أنَّ أصْلَهُ الحِلُّ، إلا ما كان على هذا الوصفِ، وهو الميتةُ.\n_________\n(١) \"المدونة\" (٣/ ٤٣٨).","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>حكمُ الانتفاعِ بجلدِ الخنزيرِ إذا دُبغ:</span>\nوالخِنزيرُ نجاستُهُ عينيَّةٌ، فلا يطهِّرُ جلدَهُ الدباغُ؛ لأنَّ النجاسةَ العينيةَ لا تطهُرُ بكلِّ مطهِّرٍ؛ فالدباغُ يُعِيدُ حُكْمَ الجلدِ إلى حالِهِ في الحياةِ؛ فما كان طاهرًا في الحياةِ، فالدباغُ يطهِّرُهُ، وما لا، فلا.\nوبهذا عَمِلَ السلفُ؛ بعدمِ جوازِ الانتفاعِ مِن الخنزيرِ بأكل ولا غيرِه.\nروى ابن أبي شَيْبةَ، عن ابنِ مهديٍّ، عن شُعْبةَ؛ قال: سألتُ الحَكَمَ وحمادًا عن شَعَرِ الخنزيرِ يُعْمَلُ به؟ فكرِهاهُ (١).\nوروى أيضًا، عن جريرِ بنِ حازمٍ، عن ابن سِيرِينَ: \"أنَّه كان لا يلبَسُ خُفًّا خُرِزَ بشعرِ خنزيرٍ\" (٢).\nورخَّص في الخَرْزِ به أبو جعفرٍ والحسنُ (٣).\nوألحَقَ الشافعيُّ بالخِنْزِيرِ الكَلْبَ (٤).\n* * *\n\nقال اللهُ تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].\nلمَّا تحوَّلَ النبيُّ - ﷺ - عن قِبْلةِ أهلِ الكتابِ - وهي بيتُ المَقْدِسِ -\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٥٢٧٩) (٥/ ٢٠٦).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٥٢٨١) (٥/ ٢٠٧).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٥٢٨٠) (٥/ ٢٠٧).\n(٤) ينظر: \"المجموع\" (١/ ٢١٥).","vol":"1","page":163},{"text":"إلى مكةَ، ضاقَ ذلك عليهم، وعلى اليهودِ خاصَّةٌ، ورأَوْا أنَّهم كانوا على شيءٍ مِن الحقِّ والبِرِّ، فانحرَفُوا عنه.\nو\"البِرُّ\": هو شدةُ الإحسانِ، والصِّدْقُ في إصابةِ الحقِّ (١).\nوهذه الآيةُ خطابٌ لأهلِ الكتابِ وللذين آمَنُوا: أنَّ الجهةَ التي يوجِّهُ اللهُ إليها ليست بِرًّا لِمَنْ لا يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ، ويقومُ بأعمالِ البِرِّ والعبادةِ، وقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾؛ أيْ: ليستِ العِبرةُ بالجهاتِ، فهدا فرعٌ عن الإيمانِ باللهِ واليومِ الآخِرِ وملائكتِهِ وكُتُبِهِ والنبيِّينَ، ومَن تمسَّكَ بالجهةِ فقطْ وجعلَها علَمًا على البِرِّ ولو كفَرَ الإنسانُ، فهدا مخطِئٌ.\nروى ابنُ جريرٍ، عن حَجَّاجٍ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن ابنِ عباسٍ؛ قال: هذه الآيةُ نزَلَتْ بالمدينةِ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾؛ يعني: الصلاةَ؛ يقولُ: ليس الِبرَّ أنْ تُصَلُّوا ولا تَعمَلُوا غيرَ ذلك (٢).\nروى ابنُ جريرٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، ولكنَّ البِرَّ ما ثبَتَ في القلوبِ مِنْ طاعةِ اللهِ (٣).\nفاللهُ تعالى أرادَ بالوجيهِ إلى الكعبةِ بدلًا مِن بيتِ المَقْدِسِ النظرَ في الامتثالِ لأمرِهِ ومقدارِ الإيمانِ به؛ وهذا نظيرُ قولِه تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، فالله أمَرَ بالنَّحْرِ له، والمرادُ مِن ذلك: ظهورُ التَّقْوَى والامتثالِ.\nوإنَّما ذكَرَ اللهُ المشرقَ والمغرِبَ؛ لأنَّهما أشهَرُ الجهاتِ ذِكْرًا، وأراد بذلك: عمومَ الجهاتِ.\n_________\n(١) ينظر: \"تهذيب اللغة\" (١٥/ ١٣٨).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٥).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٤).","vol":"1","page":164},{"text":"وقال بعضُ المفسِّرينَ - كالحسَنِ، وأبي العاليةِ، وقتادةَ، والرَّبِيعِ بنِ أنسٍ -: \"إنَّ المرادَ بذلك المشرِقُ قِبْلةُ النصارَى، والمغرِبُ قِبْلةُ اليهودِ\".\nقال أبو العاليةِ: \"كانتِ اليهودُ تُقبِلُ قِبَلَ المغرِبِ، وكانتِ النصارَى تُقبِلُ قِبَلَ المشرِقِ\" (١).\nوروى عبدُ الرزَّاقِ - وعنه ابنُ جريرٍ - عن مَعْمَرٍ، عن قَتَادةَ؛ قال: كانتِ اليهودُ تصلِّي قِبَلَ المغرِبِ، والنصارى تصلِّي قِبَلَ المشرِقِ، فنزَلَتْ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ (٢).\nونفيُ الِبرِّ عن استقبالِ الجهاتِ كلِّها ومنها الكَعْبةُ، إنَّما هو نفيٌ لاستقبالٍ غيرِ مقترِنٍ بأسبابِ التوجيهِ مِن اللهِ؛ كالإيمانِ باللهِ ورُسُلِهِ، فذاتُ الاستقبالِ متجرِّدًا عن الإيمانِ ليسِ بِرًّا.\nوقد جمَعَ اللهُ في هذه الآيةِ جميعَ أنواعِ البِرِّ في العباداتِ: العبادةِ القلبيَّةِ، وهي الإيمانُ: قولُ القلبِ وعملُه، والعبادةِ اللسانِيَّةِ، وهي فعلُ اللسانِ، وهي لازمُ الأولِ، والعبادةِ البدنيَّةِ؛ كالصلاةِ، والعبادةِ الماليةِ، وهي النفقةُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>مِن ضلالِ الأُممِ جهلُ الأولويَّات:</span>\nوإنَّما ضلَّ أهلُ الكتابِ بجهلِهم بالأولويَّاتِ في الدِّينِ، وهكذا تَضِلُّ الأممُ إذا كان لدَيْها دِينٌ أو قانونٌ، فتَضَعُ الأصولَ مكانَ الفروعِ، والعكسَ، وتقدِّمُ وتؤخِّرُ بالهَوَى، والنفسُ إذا أحبَّتْ شيئًا، عظَّمَتْهُ والْتمَسَتْ ما يعضُدُهُ مِن الأدلةِ؛ حتى يتضخَّمَ عملُها في نفسِها فتَرَى أنَّها أدرَكتْ كلَّ الخيرِ، والحقيقةُ أنَّها لم تتجاوَزْ قَدْرَهُ المعتبَرَ إلا وَهْمًا في نفسِها.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٢٨٧)\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٥ - ٧٦).","vol":"1","page":165},{"text":"وحينَما تضيِّعُ الأمَّةُ الأصولَ، تتشبَّثُ بالفروعِ؛ تَسْلِيَةً لنفسِها أنَّها باقيةٌ على شأنِها.\nومِن أعظمِ مهمَّاتِ العالِمِ: إعادةُ المراتبِ إلى وضعِها الصحيحِ، وتصحيحُ الخَلْطِ فيها، وقطعُ الطريقِ على شهوةِ السُّلْطانِ وهَوَى النفسِ.\nوكثيرٌ مِن الناسِ بجعلونَ مراتبَ الشرائعِ حسَبَ أهوائِهم؛ فما أحبَّتْهُ النفسُ وسَهُلَ عليها تحقيقهُ، رَفَعُوه، وما شَقَّ عليها، بحَثُوا عن أسبابِ تجاهُلِهِ ووضعِهِ عن مرتبتِهِ؛ قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٩]؛ قريشٌ تُحِبُّ سقايةَ الحاجِّ وعِمَارةَ المسجدِ الحرامِ؛ لأنَّ لها به جاهًا، ولأنَّه يحفظُ مكانتَها بين الناسِ، فقدَّمَتْهُ وبالَغتْ فيه، وفرَّطَتْ في توحيدِ اللهِ وعبادتِه.\nوقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾؛ يعني: أعطَى المالَ وهو مُحِبٌّ له محتاجٌ إليه، وهذا بيانٌ لتمكُّنِ حبِّ المالِ، وكثيرًا ما يأتي في الشرعِ بيانُ منزلةِ الصَّدَقةِ، وأنَّها تتباينُ بحَسَبِ منزلتِها وقيمتِها عندَ صاحِبِها.\nومِثلُ هذه الآيةِ قولُهُ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا﴾ [الإنسان: ٨]، وقولُهُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].\nروى وكيعٌ، عن الأعمشِ؛ وسُفْيانُ الثوريُّ، عن زُبَيْدٍ؛ كلاهما عن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ؛ قال في قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾: \"أنْ تُعْطِيَهُ وأنتَ صحيحٌ شحيحٌ، تأمُلُ العيشَ، وتخشَى الفقرَ\" (١).\nورُوِيَ مرفوعًا؛ من حديثِ شُعْبةَ والثوريِّ، عن منصورٍ، عن زُبَيْدٍ، عن مُرَّةَ، به (٢)؛ والوقفُ أشبهُ بالصوابِ.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٢٨٨).\n(٢) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٣٠٧٨) (٢/ ٢٧٢).","vol":"1","page":166},{"text":"والذي يُنفِقُ المالَ وهو يُحِبُّهُ ليس كمَن يُنفِقُهُ وهو زاهدٌ فيه، وبقدرِ حبِّ النفسِ له يعظُمُ أجرُهُ.\nوفي \"الصحيحَيْنِ\"، وغيرِهما؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -: سُئِلَ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أجْرًا؟ قَالَ: (أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ؛ تَخشَى الفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الغِنَى) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>أفضلُ الصدقةِ وحكمُ إعطاءِ السائلِ:</span>\nوأفضلُ أنواعِ الصدقةِ: الصدقةُ التي يُخرِجُها الإنسانُ وهو مضطَرٌّ محتاجٌ إليها، وهذا هو الإيثارُ؛ قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، والخَصَاصةُ: الحاجَةُ.\nوذكَرَ اللهُ مَن يُنفَقُ عليه، وقدَّم أفْضلَهم وأَوْلَاهم بمالِ الإنسانِ، وهم قرابتُهُ؛ لأنَّ النفقةَ عليه صَدَقةٌ وصِلَةٌ، فيتصدَّقُ ويَصِلُ رحِمَهُ، ويؤلِّفُ قلبَه، ويَسُلُّ سَخِيمَتَه.\nوبيَّنَ الله مراتبَهم في مواضعَ؛ كقولِهِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥].\nوموضعُ الشاهدِ مِن إيرادِ الآيةِ: ذِكْرُ اللهِ للسائِلِينَ فيها، وهو مَنْ يسألُ لفقرِهِ، وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّ إعطاءَ السائلِ مِن زكاةِ المالِ مِن غيرِ طلبِ بَيِّنةٍ، مُبْرِئٌ للذِّمَّةِ، ولا يجبُ على الإنسانِ أنْ يسألَ عنه ويتحرَّى مِن الناسِ ما دام أنَّ الأصلَ براءتُهُ، ولا قرينةَ على كَذِبِه، فيُعطَى لمجرَّدِ سؤالِه؛ وذلك لأنَّ الإنسانَ تمنعُهُ نفسُهُ مِن مَدِّ يدِهِ والسؤالِ بلا حاجةٍ؛ فسؤالُهُ بلا حاجةٍ: له تَبِعَةٌ على سُمْعَتِه، وهذا ممَّا يَصُونُ الناسُ أنفسَهم عنه، والنفسُ حَيِيَّةٌ تستحيِي مِن أنْ يظهَرَ ضعفُها وحاجتُها، خاصَّةً عندَ مَن تَعرِفُ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٤١٩) (٢/ ١١٠)، ومسلم (١٠٣٢) (٢/ ٧١٦).","vol":"1","page":167},{"text":"ولو كان السائلُ لا يُعطَى حتى يُتحرَّى عنه، لَمَا اكتفَى اللهُ بوصفِهِ: ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾، فذكَرَ اللهُ اليتامَى والمساكِينَ، وهذه أوصافٌ يجبُ على الإنسانِ أنْ يتحقَّقَ منها عندَ دَفْعِها، فليس الفقرُ بالظَّنِّ، وأمَّا السائلُ، فاكتفَى الشارعُ بذِكْرِ سؤالِهْ، عن تتبُّعِ حالِهْ، ولو كان سؤالُهُ وحدَهُ لا تبرَأُ الذِّمَّةُ بإعطائِه، لاكتفَى بذِكْرِ اليتامَى والمساكينِ وابنِ السبيلِ وفي الرقابِ؛ لأنَّ السائلَ غالبًا منهم، فجعَلَ اللهُ ابتداءَ الإنفاقِ لا بدَّ فيه مِن السؤالِ عن تحقُّقِ الحالِ المذكورةِ في القرآنِ، وأمَّا السؤالُ، فيكفِي وجودُهُ دَلَالةً على الإنفاقِ؛ لأنَّ السائلَ باحَ بوصفِ نفسِهِ، وغيرُهُ يحتاجُ إلى سؤالٍ عنه.\nوفي \"المسندِ\"، و\"سننِ أبي داودَ\"، وغيرِهما؛ مِن حديثِ يَعْلَى بنِ أبي يَحْيَى، عن فَاطمةَ بِنتِ حُسَيْنٍ، عن حُسَيْنِ بنِ عليٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ) (١)، ويَعْلَى لا يُعرَفُ (٢)، والحديثُ ضعيفٌ.\nوأخرَجَ أحمدُ، عن منصورِ بنِ حَيَّانَ الأَسَدِيِّ، عن ابنِ نَجَادٍ، عن جَدَّتِهِ؛ قالت: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (رُدُّوا السَّائِلَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْتَرِقٍ؛ أَوْ: مُحْرَقٍ) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>إعطاءُ الزكاة مَنْ لا يستحقُّ بغيرِ علم:</span>\nولو عَلِمَ المُنفِقُ أنَّ الزكاةَ وقَعَتْ في يدِ غيرِ مستحِقٍّ لها، وأصبَحَ كاذبًا، أجزَأَ عنه؛ لأنَّه أدَّاها على وَجْهِها الشرعيِّ الذي أمَرَهُ اللهُ بها، والواجبُ عليه أنْ تخرُجَ مِن يدِهِ بوجهٍ مشروعٍ، وقد خرَجَتْ كذلك، وما تجاوَزَ يدَهُ: أَمْرُهُ إلى اللهِ، والقولُ بعدمِ الإجزاءِ يتنافَى مع ظاهرِ الآيةِ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٧٣٠) (١/ ٢٠١)، وأبو داود (١٦٦٥) (٢/ ١٢٦)، وابن أبي شيبة (٩٨٢٣) (٢/ ٣٥٣).\n(٢) ينظر: \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (٩/ ٣٠٣).\n(٣) أخرجه أحمد (١٦٦٤٨) (٤/ ٧٠).","vol":"1","page":168},{"text":"وأصلِ التكليفِ؛ فالتكليفُ بعِلْمِ المكلَّفِ، لا بعلمِ غيرِه.\nولو قيلَ بعدمِ الإجراءِ، لَلَزِمَ أنْ يُقالَ ذلك فيمَنْ أنفَقَ على فقيرٍ، فاستعمَلَها في غيرِ وجهِها؛ لأنَّ المقصودَ مِن الزكاةِ سَدُّ حاجةِ الفقيرِ، ولم تتحقَّقْ كما لم تتحقَّقِ الزكاةُ إلى مُدَّعٍ للفقر كاذبٍ وهو غنيٌّ؛ ويؤيِّدُ الإجزاءَ: ما ثبَتَ في \"الصحيحَيْنِ\"، عن أبي هُرَيْرةَ - ﵁ -؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: (قالَ رَجُلٌ: لَأَتَصَدَّقَّنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ! لَأَتَصَدَّقَنَّ بصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيةٍ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمدُ! عَلَى زَانِيَةٍ! لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ! عَلَى سَارِقٍ، وَعَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنِيٍّ! فَأُتِيَ، فَقِيل لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ، فَلَعلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ، فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِيُّ، فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللهُ) (١).\nوقولُهُ تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ مدَحَ اللهُ أهلَ الوفاءِ بعهدِه، ومَن صبَرَ على بأسِ الفقرِ والعَوَزِ، وضُرِّ المرضِ والأذَى؛ قال تعالى عن مَرَضِ أيُّوبَ على لسانِهِ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣].\nوفي الآيةِ: مدحٌ للصابرِ على البأساءِ والضراءِ، وهي شدائدُ الأمورِ، وهذه مواضعُ الفضلِ في الناسِ.\nوفيها: إشارةٌ إلى فضلِ الصبرِ على الفقرِ، والتعفُّفِ عن السؤالِ، ما دامتِ النفسُ تَقْوَى على كفايةِ نفسِها.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٤٢١) (٢/ ١١٠)، ومسلم (١٠٢٢) (٢/ ٧٠٩).","vol":"1","page":169},{"text":"وفيها: تنبيهٌ على الصبرِ على شِدَّةِ الدُّنيا وبلائِها، والصبرِ على أوامرِ اللهِ السابقةِ ما قَدَرَ الإنسانُ، وأنَّ الصابِرَ الذي يَجِدُ مشقَّةً في عملِهِ، فهو أفضلُ مِن غيرِه.\nوقولُه: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾: هو الجهادُ وقتالُ العدوِّ، والبُعْدُ عن المالِ والزوجةِ والوَلَدِ والبَلَدِ؛ فسَّرَهُ بهذا ابنُ مسعودٍ، ومجاهدٌ، وقتادةُ، والسُّدِّيُّ، وغيرُهم (١).\nوجعلُ هذه الأعمالِ علاماتِ صدقٍ، تُبعِدُ الإنسانَ عن مجرَّدِ الدَّعْوَى، وهي التقوَى الحقيقيَّةُ، ويبقَى الإيمانُ دعوَى حتى يصدِّقَهُ العملُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>حكمُ النَّفَقةِ مِن غيرِ الزكاةِ:</span>\nواستدَلَّ بعضُ العلماءِ بهذه الآيةِ على وجوبِ الإنفاقِ مِن المالِ مِن غيرِ الزكاةِ؛ وهذه المسألةُ على حالَيْنِ:\nالحالُ الأُولى: عندَ نزولِ حاجةٍ بالأمَّةِ تستوجِبُ النفقةَ؛ فتجبُ بلا خلافٍ بينَ العلماءِ ولو من غيرِ الزكاةِ، ونفقتُهُ تجبُ بحسَبِ الحاجةِ التي تَحُلُّ بالناسِ، وقد يجبُ على صاحِبِ المالِ أن يُنفِقَ مِن مالِهِ ولو افتقَرَ؛ إذا كانتِ الحاجةُ ماسَّةً؛ كإنقاذِ الناسِ مِن الموتِ والهلاكِ، وكلُّ حالةٍ لها صورةٌ يُقدَّرُ فيها قدرُ وجوبِ النفقةِ وقَدرُ استحبابِها.\nوالحالُ الثانيةُ: مِن غيرِ نزولِ نازلةٍ بالأمَّةِ، فهل يجبُ على صاحِبِ المالِ أن يُخرِجَ مِن مالِهِ نفقةً أُخرى غيرَ الزكاةِ؟ على قولَيْنِ؛ والأرجحُ: الوجوبُ عندَ وجودِ أحدِ الأصنافِ الثمانيةِ ولو واحدًا، فيُنفِقُ عليه ولو بالقليلِ.\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٣/ ٩١ - ٩٢).","vol":"1","page":170},{"text":"وجاء في \"المسندِ\"، و\"السننِ\"؛ مِن حديثِ عامرٍ الشَّعْبيِّ، عن فاطمةَ بنتِ قيسٍ، عن النبيِّ - ﷺ -؛ قال: (فِي المَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ) (١)؛ وهو ضعيفٌ، وقال بهذا ابنُ عباسٍ، وابنُ عمرَ، والشَّعْبيُّ، والنَّخَعيُّ، ومجاهدٌ (٢).\nروى ابنُ جريرٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ؛ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]؛ يقولُ: \"هو سوى الصدقةِ يَصِلُ بها رَحِمَهُ، أو يَقْرِي بها ضيفًا، أو يَحْمِلُ بها كَلًّا، أو يُعِينُ بها محرومًا\" (٣).\nوبعضُ الفقهاءِ - كابنِ العَرَبيِّ - يحكُونَ الإجماعَ على عدمِ الوجوبِ (٤)؛ وفي هذا نظرٌ، وبعضُهم يحكِي الإجماعَ على الوجوبِ؛ كالجَصَّاصِ (٥)؛ وفيه نظرٌ أيضًا.\nويأتي مزيدُ تفصيلٍ عندَ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [٦٠] في سورةِ التوبة، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.\n* * *\n\nقال اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٨، ١٧٩].\nيُخاطِبُ اللهُ أهلَ الإيمانِ ببيانِ حُكْمِ الحدودِ، وخاصَّةً القِصَاصَ في\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٦٥٩) (٣/ ٣٩)، وابن ماجه (١٧٨٩) (١/ ٧٥٠).\n(٢) ينظر \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٢٧٠).\n(٣) المصدر السابق.\n(٤) ينظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٤٨٩).\n(٥) ينظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٥٤٧).","vol":"1","page":171},{"text":"القَتْلَى، وأعادَ اللهُ نداءَهُ لأهلِ الإيمانِ مع تقدُّمِه قريبًا؛ لأهميَّةِ مضمونِ الخطابِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>إقامةُ الحدودِ وفضلها:</span>\nوهذه الآيةُ مَدَنِيَّةٌ نزَلتْ على رسولِ اللهِ - ﷺ - في أوائلِ ما نزَلَ في المدينةِ، وفي هذا دليلٌ على عِظَمِ مشروعيَّةِ الحكمِ بحدودِ الله، وأنَّه أولُ المبادَراتِ التي ينبَغي أنْ يُبادِرَ بها الحاكمُ لنظامِ دولتِهِ وحُكْمِه؛ لأنَّه تولَّى أَمْرَ العامَّةِ ونظامَها، ولا يَسَعُهُ إلا أنْ يحكُمَ بحكمِ اللهِ الذي ارتضاهُ في الأرضِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>ضبطُ الشريعةِ للإنسانِ وحدُّها لأخطائهِ:</span>\nوالشريعةُ جاءت بضبطِ حياةِ الفردِ وحياةِ الجماعةِ على أيِّ حالٍ؛ كما في الحديثِ الذي رواهُ أحمدُ والترمذيُّ؛ من حديثِ أبي ذرٍّ؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال له: (اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ. . .) (١)، فالتقوَى في كلِّ موضعٍ، وحياةُ الإنسانِ في نفسِهِ تُجعَلُ خاصَّةً له، فهو رقيبٌ عليها غالَبًا؛ ولذا منَعَ اللهُ مِن التجسُّسِ عليه؛ قال تعالى ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢].\nلأنَّ بعضَ ما يفعلُهُ في خاصَّةِ نفسِه غيرُ ما يفعلُهُ عندَ الناسِ، فوُكِّلَ الإنسانُ على نفسِهِ رقيبًا، ولو نُسِبَ إليه فعلٌ محرَّمٌ في خاصَّةِ نفسِهِ بلا مجاهَرةٍ وكان يَستَتِرُ به، لا يجوزُ التجسُّسُ عليه ليُتحقَّقَ مِن ثبوتِ المحرَّمِ عليه، فاللهُ جعَلَهُ رقيبًا على نفسِه.\nوقد جاء في \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ النَّوَّاسِ بنِ سِمْعَانَ، مرفوعًا: (وَالْإِثْمُ: مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ) (٢).\nلأنَّ رقابةَ الإنسانِ على نفسِهِ أعظمُ أثرًا مِن جعلِ غيرِهِ رقيبًا عليه؛\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢١٣٥٤) (٥/ ١٥٣)، والترمذي (١٩٨٧) (٤/ ٣٥٥).\n(٢) أخرجه مسلم (٢٥٥٣) (٤/ ١٩٨٠).","vol":"1","page":172},{"text":"لأنَّه يخلُو بنفسِهِ أكثَرَ مِن مخالطتِهِ للناسِ غالبًا، فجاءتِ النصوصُ وافرةً في تعظيمِ ذُنُوبِ الخَلَواتِ، وتعظيمِ التقوَى وخشيةِ اللهِ في القلبِ؛ حتى يتوازنَ حِفْظُ النفسِ في السرِّ والعلنِ؛ لأنَّ الإنسانَ في خاصَّتِهِ يضعُفُ وازِعُ الطبعِ عندَهُ؛ لأنَّ الحياءَ مِن الناسِ يزولُ بزوالِهِ عنهم.\nوإذا اتَّسَعَتْ دائرةُ عملِ الفردِ، اتَّسَعَتْ دائرةُ ضبطِ الشريعةِ له والمراقبةِ والحسابِ عليه، ويبدأُ بفعلِهِ الذي يفعلُهُ بنفسِهِ ويراهُ الناسُ عليه، فهو الفاعلُ والناسُ يَرَوْن، وهذا نوعُ مشاركةٍ وتأثيرٍ على الرائي، فجاء بابُ الإنكارِ للأفرادِ بمراتبِهِ وضوابطِهِ المعروفةِ، وإذا كان الأمرُ مرتبِطًا بأكثرَ مِن واحدٍ عملًا؛ كأفعالِ البيعِ والإجارةِ والنكاحِ، ازدادَ الضبطُ بحَسبِ الحالِ؛ حتى يكونَ أمرُ الأمَّةِ أكثرَ اتِّساعًا؛ كما في الحدودِ والعقوباتِ، والسياسةِ والحُكْمِ.\nوقد كان النزولُ في المدينةِ؛ لأنَّ حالَ المسلِمِينَ قبلَها في عدمِ استقرارٍ، ولم يكنْ لدى النبيِّ - ﷺ - نظامٌ عامٌّ ودولةٌّ؛ لعدمِ وجودِ أسبابِها؛ لأنَّه محارَبٌ لم يَقَرَّ له قرارٌ، ولا يَتْبَعُهُ كبيرُ أَحَد؛ فكيف يُقيمُ نظامًا ولم تكنْ له منظومةٌ وبَلَد؟ !\nثمَّ إنَّ تعدِّيَ المشرَّدِ الطريدِ على أخيهِ الذي معه نادرٌ أو معدومٌ؛ لأنَّ همَّهم عدوانٌ أكبرُ، وهو عداوةُ الكافرينَ، فيضعُفُ النظرُ إلى الدُّنيا في مِثْلِ هذه المواضعِ، ويُزهَدُ في الدُّنيا، ويَقِلُّ التنافُسُ عليها أو يُعدَمُ، فلن يَعتدِيَ بعضُهم على بعضٍ غالبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>متى أمَرَ اللهُ بإقامة الحدود، والحكمةُ مِن ذلك:</span>\nولمَّا كانتِ الحدودُ إنَّما تُقامُ على محرَّماتٍ تُرتكَبُ، وآثامٍ تُقترَفُ، ناسَبَ تأخيرُ فرضِ الحدودِ؛ حتى يُقِرَّ الناسُ بتلك المحرَّماتِ والآثامِ، وأنَّه لا يجوزُ الوقوعُ فيها، فلا تُناسِبُ العقوبةُ على أحدٍ لا يَعلَمُ بجُرمِ","vol":"1","page":173},{"text":"فِعْلِه، ولم يَسبِقْ فِعْلَهُ عِلْمٌ؛ كشربِ الخمرِ والزِّنى والقذفِ ونحوِها، فناسَبَ دعوةَ الناسِ إلى الإقرارِ بها قبلَ إنزالِ الحدِّ على المتجاوِزِ لها وعقوبتِهِ على جُرْمِه، وبيئةُ العربِ قبلَ الإسلامِ بيئةٌ طُمِسَتْ فيها معالمُ الشرائعِ السابقةِ، فجاءتِ الشريعة بالتدرُّجِ بالبيانِ أولًا - حتى يستقِرَّ في النفوسِ - ثمَّ بالعقوبةِ.\nولمَّا استقرَّتِ الشريعةُ، وأحكَمَ اللهُ تنزيلَهُ، وأكمَلَ الدِّينَ للأمَّةِ، أوجَبَ على الأمَّةِ العملَ بكتابِهِ كلِّه ما أمكَنَ؛ لأنَّ النبيَّ - ﷺ - إنَّما لم يُقِمِ الحدَّ لأنَّه لم يُؤمَرْ به، ولو أُمِرَ له لأقامَهُ، ولا يَسَعُه إلا ذلك، ولكن اللهَ حكيمٌ في تشريعِهِ، لطيفٌ بعبادِه؛ حيثُ أَجَّلَ إنزالَ الحدودِ وتدرَّجَ سبحانَهُ في ذلك، ولو كان المسلِمُ في حالٍ كحالِ النبيِّ في مكةَ في بيئةٍ يكونُ فيها مغتربًا في دينِه، ولا يُوافِقُهُ على عقيدتِهِ كبيرُ أحدٍ، فَلْيَدْعُ الناسَ إلى الإقرارِ بالحقِّ قبلَ الأمرِ بإقامةِ الحَدِّ على صاحِبِ الجُرْمِ؛ لأنَّ العقوبةَ على ذنبٍ لا يُعلَمُ كونُه ذنبًا: تنفيرٌ مِن التصديقِ به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>حكمُ مَنْ كانت حالُهُ كحالِ النبيِّ في مكة:</span>\nوالحاكمُ الذي يَستولِي على بلدٍ غيرِ مسلِمٍ، أو اندثَرَتْ معالمُ الإسلامِ فيه، ينبَغي أنْ يعلِّمَهم أمورَ الدِّينِ تدرُّجًا كما تدرَّجَ في تعليمِها النبيُّ - ﷺ - للمشرِكِينَ، وألَّا يعلِّمَهم الإسلامَ جملةً أصولًا وفروعًا؛ حتى لا يَنفِرُوا منه؛ لأنَّ الحاكمَ خليفةُ اللهِ في الأرضِ، ويتولَّى تطبيقَ دينِهِ كما يُريدُهُ اللهُ، لا كما تَهْواهُ النفسُ بعَجَلةٍ أو تهاوُنٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>أحوالُ المسلمين، وحكمُ تحكيم الشريعة في كلِّ حالٍ:</span>\nوجماعةُ المسلِمينَ غالبًا على حالَيْنِ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>الحالُ الأُولى: حالةُ انتظامِ الدولةِ، وثباتِ الأمرِ، واستقرارِ النظامِ:</span>\nففي هذه الحالةِ: لا يجوزُ لحاكمٍ أنْ يحكُمَ بغيرِ ما أنزَلَ اللهُ؛ إذا","vol":"1","page":174},{"text":"كان مَن يتولَّى عليهم أهلَ إسلامٍ، وإذا كان مَن يتولَّى عليهم غيرَ مسلِمينَ، فعلى ما تقدَّمَ بيانُه مِن التدرُّجِ.\nوعلى المسلِمِين المحكومينَ ألَّا يتحاكَمُوا إلا إلى دِينِ اللهِ وشَرْعِه، ومَن فضَّل التحاكُمَ إلى الأنظمةِ الوضعيَّةِ على الشريعةِ، ورأى أنَّ الشريعةَ لا تصلُحُ للإنصافِ، أو لا تُناسِبُ عصرَهُ، ولا إقامةَ العدلِ في بلدِه -: فهذا الكفرُ الأكبرُ الذي لا يَختلِفُ فيه أحدٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>الحالُ الثانيةُ: حالةُ حربٍ وعدمِ استقرارٍ:</span>\nوذلك ألَّا يكونَ للمسلِمِينَ مجتَمَعٌ يُؤْوِيهم وينضبِطُ فيه نظامُهم، ويثْبُتُ لهم فيه قرارٌ؛ فهذه الحالُ إنْ قامتْ مصلحةٌ في تركِ الحدِّ وعدمِ إقامتِهِ، فلهم ذلك؛ تركًا لعينِ النازلةِ، لا إسقاطًا للحكمِ بالكليَّةِ، أو تشريعًا لنظامٍ بديلٍ يَحُلُّ مَحَلَّ حُكْمِ اللهِ وحدودِه؛ لأنَّ حُكمَ اللهِ ثابتٌ في القرآنِ والسُّنَّةِ، وثبوتُهُ قطعيٌّ، واستحلالُ تركِ العملِ به مطلقًا كُفْرٌ لا يختلِفُ العلماءُ فيه، وتقنينُ عقوبةٍ بديلةٍ - ولو لحدٍّ واحدٍ من حدودِ اللهِ - علامةٌ على أنَّ الشريعةَ ما تُرِكَتْ إلا رغبةً عنها، واسحلالًا لتركِها.\nوكلَّما استقَرَّ أمرُ دولةِ الإسلامِ وتمَّ نظامُها، شُدِّدَ في العملِ بحكمِ الإسلامِ ونظامِه.\nوإذا كان للمسلِمِينَ دَوْلةٌ مستقِرَّةٌ، وبعضُ المسلِمِينَ في دارِ الحربِ؛ لجهادٍ ونحوِه، وأصابَ واحدٌ منهم في دارِ الحربِ حَدًّا -: فلا يخلُو الحدُّ مِن أحدِ نوعَيْنِ:\nالأولُ: أنْ يكونَ الحدُّ حقًّا لعبدٍ؛ كمَنْ سَرَقَ مالًا، أو قتَلَ مسلِمًا متعمِّدًا، أو قطَعَ يدَهُ؛ فيجِبُ إقامتُهُ إنْ لم يَعْفُ صاحبُ الحقِّ وإنْ كانوا في حربٍ؛ كما فعَلَ النبيُّ - ﷺ -؛ فقد أخَذَ القِصَاصَ وهو غازٍ في سَيْرِهِ إلى الطائفِ سنةَ ثمانٍ من الهجرةِ:","vol":"1","page":175},{"text":"قال ابنُ إسحاقَ: \"سلَكَ رسولُ اللهِ - ﷺ - على نَخْلَةَ اليَمَانِيَةِ، ثمَّ على قَرْنٍ، ثمَّ على المُلَيْحِ، ثمَّ على بَحْرَةِ الرُّغَاءِ من لِيَّةَ، فابتنَى بها مسجدًا، فصلَّى فيه\" (١)، وقال ابنُ إسحاقَ: \"فحدَّثَني عمرُو بنُ شُعَيْبٍ؛ أنَّه أقادَ يومئذٍ ببَحْرَةِ الرُّغَاءِ حينَ نزَلَها بدمٍ، وهو أولُ دَمٍ أُقِيدَ به في الإسلامِ؛ رجلٌ مِن بني ليثٍ قتَلَ رجلًا مِن هُذَيْلٍ، فقتَلَه به\" (٢).\nوأخرَجَه الطبريُّ مِن هذا الطريقِ؛ وهو معضَلٌ.\nوأخرَجَهُ الواقديُّ في \"مَغازيهِ\"، قال: \"حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ يَزِيدَ، عن سعيدِ بنِ عَمْرٍو؛ قال: حَدَّثَنِي مَنْ رَأَى. . .\"، فذكَرَه (٣).\nولأميرِ الجيشِ أنْ يسعَى في طلبِ العفوِ عن القاتلِ إذا خَشِيَ على القاتلِ الفِرَارَ واللَّحَاقَ بأهلِ الحربِ، ولا يجوزُ له إسقاطُهُ إنْ أبَوْا إلا القَوَدَ؛ لأنَّ في هذا إقرارًا للظُّلْمِ، وجَلْبًا للفِتْنةِ بينَ الناسِ، ودفعًا للمظلومِ أنْ ينتصِرَ لنفسِهِ؛ فتكونُ فتنةٌ عامَّةٌ بدلًا مِن فتنةٍ خاصَّةٍ.\nالثاني: في الحدودِ التي لا حَقَّ لأحدٍ فيها، وهي مِن حقِّ اللهِ تعالى؛ كحدِّ شربِ الخمرِ والزِّنَى ونحوِهما؛ فهذه بحسَبِ الحالِ التي تترتَّبُ على فاعلِها، ويغلِبُ على ظنِّ أميرِ الجيشِ وأهلِ الحَلِّ والعَقْدِ مِن أهلِ مشورتِهِ حدوثُهُ منه؛ فإن كان يُخشى منه الفرارُ مِن المسلِمِينَ، واللَّحاقُ بأهلِ الحربِ، أو رجوعُهُ عن القتالِ، ورجوعُهُ يؤثِّرُ على عزيمةِ الناسِ وقُوَّتِهم - فالأَوْلى عدمُ إقامةِ الحدِّ عليه، وإرجاءُ ذلك إلى عودتِهم إنْ أمكَنَهُمْ ذلك قبلَ أنْ تصلُحَ حالُه؛ لأنَّ تأخيرَ الحدِّ لمصلحةِ الإسلامِ أَوْلى مِن تأخيرِ الحدِّ على الحاملِ والمُرضِعِ، لمصلحتِهِما أو مصلحةِ\n_________\n(١) أخرجه ابن هشام في \"السيرة\" (٢/ ٤٨٢).\n(٢) المصدر السابق، و\"تاريخ الطبري\" (٣/ ٨٣).\n(٣) \"مغازي الواقدي\" (٣/ ٩٢٤).","vol":"1","page":176},{"text":"ولدِهما؛ كما ثبَتَ ذلك عن النبيِّ - ﷺ - (١).\nوذلك لأنَّ التركَ لا يُعَدُّ تعطيلًا للحكمِ الثابتِ؛ وإنما هو تركٌ في نازلةٍ معيَّنةٍ لمصلحةٍ راجحةٍ؛ فتُلْحَقُ بحالِ النبيِّ - ﷺ - قبلَ هِجْرتِه؛ فاللهُ أخَّرَ الحدودَ على أمَّتِهِ لمصلحةِ الحالِ، ثمَّ أنزَلَها وأثبَتَها، وليس لأحدٍ أن يرفَعَ الحُكمَ العامَّ بحالٍ.\nوحينئذٍ: فيكون تأخيرُ الحُكْمِ النازلِ على معيَّنٍ إلى حالِ القدومِ إلى بلدِ المسلِمِينَ في حالِ عدمِ صلاحِ المقترِفِ للحدِّ: أصلَحَ وأنسَبَ، وما حصَلَ إنَّما هو تأجيلٌ، لا إسقاطٌ وإلغاءٌ.\nولو تأخَّرتْ إقامةُ الحدِّ زمنًا طويلًا وبَقِيَ الناسُ في الحربِ وصلَحَ الذي أصابَ حَدًّا، فلا يُناسِبُ إقامةُ حدِّ الخمرِ عليه بعدَ سِنِينَ صلَحَ فيها واستقامَ أمرُهُ، وربَّما كان قُدْوةً للناسِ؛ وذلك لأنَّ المصلحةَ مِن إقامةِ الحدِّ تحقَّقتْ مع طولِ الزمنِ؛ وهذا في حالِ مَن صلَحَ رَغْبةً وامتدَّ صلاحُهُ حتى شَهِدَ الناسُ له بذلك، لا مَن صلَحَ خوفًا مِن الحدِّ فقامَتِ الرِّيبةُ فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>إقامةُ الحدودِ في دارِ الحربِ:</span>\nوإقامةُ الحدِّ في دارِ الحربِ ممَّا اختلَفَ فيه أهلُ العلمِ على قولَيْنِ:\nالقولُ الأولُ: أنَّ الحدودَ لا تُقامُ في دارِ الحربِ؛ وقال بهذا عمرُ بنُ الخطَّاب، وصحَّ عن حُذَيْفةَ بنِ اليَمَانِ، وأبي مسعودٍ، وسعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ؛ وهو قولُ الأوزاعيِّ، وأبي حنيفةَ، وأبي يوسُفَ، وأحمدَ؛ وإسحاقَ؛ على خلافٍ عندَهم في إقامتِهِ بعدَ الرجوعِ إلى بلدِ الإسلامِ (٢).\nوقال أبو حنيفةَ: لا حدَّ ولا قِصَاصَ في دارِ الحربِ، ولا إذا\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٦٩٥) (٣/ ١٣٢٣)، وأبو داود (٤٤٤٠) (٤/ ١٥١)، والترمذي (١٤٣٥) (٤/ ٤٢).\n(٢) ينظر: \"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٣٠٨).","vol":"1","page":177},{"text":"رجَعَ، إلا إذا غزَا مَن له وِلَايةُ الإقامةِ بنفسِه؛ كالخليفةِ وأميرِ المِصْرِ؛ يُقيمُ الحَدَّ على مرتكبِيهِ؛ لأنَّه تحتَ يدِه، بخلافِ أميرِ العسكرِ والسَّرِيَّةِ؛ لأنَّه لم تفوَّضْ إليهما الإقامةُ، ولا تُقامُ الحدودُ بعدَ الرجوعِ إلى بلادِ الإسلامِ؛ لأنَّه عندَما ارتَكَبَ الحدَّ في دارِ الحربِ، لم يكن للإمامِ عليه قدرةٌ، فلم تنعقِدْ موجبةً، فلا تنقلِبُ موجِبةً بعدَ الخروجِ مِن دارِ الحربِ (١).\nوأصحابُ الرأيِ يرَوْنَ أنَّ مَن يُقيمُ الحدودَ هو أميرُ المِصْرِ، وليس للمسلِمِينَ أنْ يُنِيبُوا أحدًا منهم وهم في سَفَرٍ أو حَرْبٍ، فيُقِيمَ الحدَّ على مَنْ أصابَ الحَدَّ منهم.\nوظاهرُ مذهبِ الحنابلةِ، وقولُ إسحاقَ: أنَّ الحدودَ لا تُقامُ في الحربِ، لكن تُقامُ عندَ الرجوعِ (٢).\nويُستدَلُّ على عدمِ إقامةِ الحدِّ في دارِ الحربِ بما رواهُ عبدُ الرزَّاقِ - وعنه ابن المنذرِ في \"الأوسطِ\" - مِن حديث ابنِ عُيَيْنةَ، وأخرَجَهُ سعيدٌ وابنُ أبي شَيْبةَ، عن عيسى بنِ يونسَ؛ كلاهما عن الأعمشِ، عن النَّخَعيِّ، عن عَلْقمةَ؛ قَالَ: \"أَصَابَ أَمِيرُ الجَيْشِ - وَهُوَ الوَلِيدُ بنُ عُقْبَةَ - شَرَابًا فَسَكِرَ، فَقَالَ النَّاسُ لِأَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ - أَوِ ابنِ مَسْعُودٍ - وَحُذَيْفَةَ بنِ الْيَمَانِ: أَقِيمَا عَلَيْهِ الحَدَّ، فَقَالَا: لَا نَفْعَلُ؛ نَحنُ بِإزَاءِ العَدُوِّ، وَنَكْرَهُ أَنْ يَعْلَمُوا بذَلِكَ، فَتَكُونَ جُرْأَةٌ مِنْهُمْ عَلَيْنَا وَضَعْفٌ بِنَا\" (٣)؛ وهو صحيحُ الإسنادِ عن علقمةَ.\n_________\n(١) ينظر: \"البحر الرائق\" (٥/ ١٨).\n(٢) تقدم تخريجه. وينظر: \"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٣٠٨).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٩٣٧٢) (٥/ ١٩٧)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٨٨٦٣) (٥/ ٥٤٩)، وسعيد بن منصور في \"سننه\" (٢٥٠١) (٢/ ٢٣٥)، وابن المنذر في \"الأوسط\" (٦٦٧) (١١/ ٢٧٨).","vol":"1","page":178},{"text":"واحتُجَّ أيضًا: بما رواهُ أبو يوسفَ - وعنه الشافعيُّ، وعنه البيهقيُّ في \"سننِه\" - قال أبو يوسفَ: \"حدَّثَنا بعضُ أشياخِنا، عن مكحولٍ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ؛ أنَّه قال: لا تُقامُ الحدودُ في دارِ الحربِ؛ مخافةَ أنْ يَلحَقَ أهلُها بالعدوِّ\" (١).\nومكحولٌ لم يسمعْ مِن زيدِ بنِ ثابتٍ؛ قاله أحمدُ بنُ حنبلٍ (٢)، وشيخُ أبي يوسفَ لا يُعرَفُ.\nوروى سعيدُ بنُ منصورٍ، عن الأحوَصِ بنِ حَكِيمٍ، عن أبيهِ؛ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ - ﵁ - كتَبَ إلى الناسِ: \"أنْ لا يَجْلِدَنَّ أميرُ جيشٍ ولا سَريَّةٍ رجلًا مِن المسلِمينَ حدًّا وهو غازٍ حتى يقطَعَ الدربَ قافلًا؛ لئلا تَلحَقَهُ حميَّةُ الشيطانِ، فيلحَقَ بالكفارِ\" (٣).\nوالأحوصُ ضعيفُ الحفظِ (٤)، ولكنْ قد تابَعَهُ ثورٌ؛ كما رواهُ أبو يوسفَ، عن ثورِ بنِ يزيدَ، عن حَكِيمِ بنِ عُمَيْرٍ؛ أنَّ عمرَ كتَبَ إلى عُمَيْرِ بن سعدٍ الأنصاريِّ وإلى عمَّالِهِ: \"أنْ لا تُقِيمُوا حدًّا على أحدٍ مِن المسلِمينَ في أرضِ الحربِ، حتى يخرُجُوا إلى أرضِ المصالَحةِ\" (٥).\nورواهُ ابنُ أبي شَيْبةَ في \"مصنَّفِه\"، عن ابن المباركِ، عن أبي بكرِ بنِ أبي مريمَ، عن حَكِيمِ بنِ عُمَيْرٍ، به، بنحوِه (٦).\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٠٥).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٧٨)، و\"معرفة السنن والآثار\" (١٣/ ٢٧٢) وينظر: \"المراسيل\" لابن أبي حاتم (ص ٢١١).\n(٣) أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٢٥٠٠) (٢/ ٢٣٥).\n(٤) ينظر: \"الضعفاء\" للنسائي (١/ ٢٠)، و\"الضعفاء الكبير\" للعقيلي (١/ ١٢٠)، و\"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (٢/ ٣٢٨).\n(٥) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٠٥)، و\"معرفة السنن والآثار\" (١٨١٥٥) (١٣/ ٢٧٢).\n(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٨٨٦١) (٥/ ٥٤٩).","vol":"1","page":179},{"text":"ورواهُ البخاريُّ في \"التاريخِ\"، والحسنُ بن موسى الأشيبُ في \"جُزْئِه\"؛ مِن طريقِ حسانَ بنِ زاهرٍ؛ أنَّ حُصَيْنَ بنَ حُدَيْرٍ أخبَرَهُ: أنَّه سَمِعَ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: \"لا تُقطَعُ اليدُ في الغزوِ ولا عامَ سَنَةٍ\" (١).\nوحَسَّانُ وحصينٌ فيهما جهالةٌ؛ ذكَرَهما البخاريُّ وابنُ أبي حاتمٍ، ولم يذكُرَا فيهما جرحًا ولا تعديلًا (٢).\nورواهُ عبدُ الرزَّاقِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: \"أخبَرَني بعضُ أهلِ العلمِ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ كتَبَ. . .\"، فذكَرَه بمعنى اللفظِ الأولِ (٣).\nوهي طرُقٌ يؤكِّدُ بعضُها بعضًا في ثبوتِ ذلك عن عمرَ.\nورُوِيَ عن عمرَ بنِ الخطابِ خلافُهُ، ويأتي بيانُ الجمعِ بينَهما - بإذنِ اللهِ - لو صحَّ الخلافُ.\nوروى سعيدُ بنُ منصورٍ، عن إسماعيلَ بنِ عَيَّاشٍ؛ وابنُ أبي شَيْبةَ، عن ابنِ المبارَكِ؛ كلاهُما عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ بنِ أبي مريمَ، عن حُمَيْدِ بنِ رُومَانَ: \"أنَّ أبا الدرداءِ نَهَى أنْ يُقامَ على أحدٍ حدٌّ في أرضِ العدوِّ\" (٤)؛ واللفظُ لابنِ أبي شَيْبةَ.\nورُوِيَ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، عندَ عبدِ الرزَّاقِ؛ مِن حديثِ الحسنِ، عنه (٥)، وفي إسنادِه جهالةٌ، والحسنُ لم يسمعْ مِن عليٍّ (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٤)، والحسن بن موسى الأشيب في \"جزئه\" (٧) (١/ ٣٤).\n(٢) ينظر: \"التاريخ الكبير\" للبخاري (٣/ ٤) و(٣/ ٣٣)، و\"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (٢/ ١٩٢)، و(٢/ ٢٣٦).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٩٣٧٠) (٥/ ١٩٧).\n(٤) أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٢٤٩٩) (٢/ ٢٣٤)، وابن أبي شيبة (٢٨٨٦٢) (٥/ ٥٤٩).\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٩٣٧٣) (٥/ ١٩٨).\n(٦) ينظر: \"جامع التحصيل\" (ص ١٦٣).","vol":"1","page":180},{"text":"واستُدِلَّ بحديثِ بُسْرِ بنِ أبي أَرْطَاةَ؛ أنَّه أُتِيَ بسارقٍ وقد سرَقَ بُخْتِيَّةً، فقال: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: (لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي السَّفَرِ) (١).\nوهذا الحديثُ منكَرٌ، وتفرَّدَ به الشاميُّونَ، ولا يُعرَفُ عن النبيِّ - ﷺ - مِن غيرِ هذا الوجهِ.\nقال البيهقيُّ: \"هذا إنَّما يُروى بإسنادٍ شاميِّ عن بُسْرٍ، وكان أهلُ المدينةِ يُنكِرونَ أنْ يكونَ بُسْرٌ سمِعَ من النبيِّ - ﷺ -\" (٢).\nوقال الواقديُّ: \"بُسْرُ بنُ أبي أرطاةَ أدرَكَ النبيَّ - ﷺ - صغيرًا ولم يسمعْ منه شيئًا\" (٣).\nوقال بعدمِ سماعِه أيضًا أحمدُ وابنُ مَعِيِنٍ وغيرُهما (٤).\nوبُسْرٌ تكلَّمَ فيه غيرُ واحدٍ مِن الحُفَّاظِ؛ قال ابنُ معينٍ: \"بُسْرُ بنُ أبي أرطاةَ رجلُ سوءٍ\" (٥).\nقال أحمدُ: \"وذلك لما قد انتشَرَ مِن سوءِ فِعْلِهِ في قتالِ أهلِ الحَرَّةِ\" (٦).\nوالقولُ بأنَّ الحدودَ لا تُقامُ في دارِ الحربِ هو الأرجحُ والأقربُ لمقاصدِ التشريعِ، والأشهرُ في المنقولِ عن الصدرِ الأولِ، وليس المرادُ مه إسقاطَ الحدِّ ولا تبديلَهُ؛ وإنَّما تأخيرُهُ إلا إنْ طالَ الأمدُ وصَلَحَتْ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٧٦٢٧) (٤/ ١٨١)، وأبو داود (٤٤٠٨) (٤/ ١٤٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٠٤).\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٠٤)، و\"معرفة السنن\" (١٣/ ٢٧٢).\n(٣) ينظر: \"تهذيب الكمال\" (٤/ ٦٩)، و\"ميزان الاعتدال\" (١/ ٣٠٩).\n(٤) ينظر: \"تاريخ ابن معين\" \"دوري\" (٣/ ١٥٢).\n(٥) ينظر: \"تاريخ ابن معين\" \"دوري\" (٤/ ٤٤٨).\n(٦) ينظر: \"معرفة السنن والآثار\" (١٣/ ٢٧٢).","vol":"1","page":181},{"text":"حالُ مَن أصابَ حدًّا واشتهَرَ صلاحُهُ؛ فلا حرَجَ مِن درءِ الحدِّ عنه.\nالقولُ الثاني: وجوبُ إقامةِ الحدودِ في كلِّ حالٍ؛ وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، والليثِ، وأبي ثورٍ (١).\nقال الشافعيُّ: \"فإنْ لَحِقَ بالمشرِكِينَ مَن أُقِيمَ عليه الحدُّ، فهو أشقَى له، ومَن ترَكَ الحدَّ خوفَ أنْ يَلْحَقَ المحدودُ ببلادِ المشركينَ، ترَكَهُ في سواحلِ المسلِمينَ ومَسَالِحِهم التي تتَّصلُ ببلادِ الحربِ\" (٢).\nوقال الليثُ بنُ سعدٍ: \"ما رأيتُ أحدًا ولا سَمِعْتُ أنَّه يَرُدُّ حدًّا أنْ يُقِيمَهُ في أرضِ العدوِّ قديمًا ولا حديثًا إذا وجَبَ على صاحِبِه\" (٣).\nوقال أيضًا في الأُسَارَى: \"يَجعَلُونَ عليهم رجلًا منهم يُقِيمُ الحدودَ فيهم إذا خُلِّيَ بينَهم وبينَ ذلك\" (٤).\nوفي نفيِ الليثِ نظرٌ، وقد عُلِمَ صِحَّتُهُ عن حُذَيْفةَ، وأبي مسعودٍ، ورُوِيَ عن عمرَ مِن طُرُقٍ متعدِّدةٍ يشُدُّ بعضُها بعضًا (٥).\nوأمَّا ما رواهُ أبو داودَ في \"المراسيلِ\"، عن مكحولٍ، عن عبادةَ بنِ الصامتِ؛ أنَّ نبيَّ اللهِ - ﷺ - قال: (أَقِيمُوا الحُدُودَ في السَّفَرِ وَالحَضَرِ، عَلَى القَرِيبِ وَالبَعِيدِ، وَلَا تُبَالُوا في اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ) (٦) -: فمكحولٌ لم يسمعْ مِن عُبادةَ (٧).\nوروى البيهقيُّ في \"سُنَنِه\"، وابنُ عساكرَ في \"تاريخِ دمشقَ\"؛ من\n_________\n(١) ينظر: \"المدونة\" (٤/ ٥٤٦)، و\"الأم\" للشافعي (٧/ ٣٧٤).\n(٢) ينظر: \"الأم\" للشافعي (٧/ ٣٧٥) و\"المجموع\" (١٩/ ٣٣٩).\n(٣) ينظر \"الأوسط\" لابن المنذر (١١/ ٢٧٨).\n(٤) المصدر السابق.\n(٥) تقدم تخريجه.\n(٦) أخرجه أبو داود في \"المراسيل\" (٢٤١) (١/ ٢٠٣).\n(٧) ينظر: \"تحفة التحصيل\" (١/ ٣١٤).","vol":"1","page":182},{"text":"حديثِ سَلَمةَ بنِ الفضلِ الأنصاريِّ، حدَّثَني محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عَيَّاشِ بنِ أبي رَبِيعةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عروةَ بنِ الزُّبَيْرِ، ويحيى بنِ عُرْوةَ بنِ الزُّبَيْرِ؛ كلاهما عن عروةَ بنِ الزُّبَيْرِ، عن أبي عُبَيْدةَ بنِ الجَرَّاحِ: \"أنَّه كتَبَ إلى عمرَ في إقامةِ الحدِّ على عبدِ بنِ الأَزْوَرِ، وضِرَارِ بنِ الخطابِ، وأبي جَنْدَلٍ، وكانوا قد شَرِبوا، وكان ذلك بحضرةِ العدوِّ، فسألَهُ عبدُ بنُ الأَزْوَرِ أنْ يؤخِّرَ ذلك حتى يَرجِعَ الكتابُ، ولعلَّ اللهَ أنْ يُكْرِمَهُمْ بالشهادةِ، فقُتِلَ عبدُ بنُ الأزورِ حينَ التقَى الناسُ قبلَ أنْ يَرجِعَ الكتابُ، فلمَّا رجَعَ، حدَّهما\" (١).\nوسلمةُ بنُ الفضلِ الأَبْرَشُ الأنصاريُّ، أبو عبدِ اللهِ الأزرقُ الرازيُّ، قاضي الريِّ، متكلَّمٌ فيه، تكلَّمَ فيه أهلُ بلدِه؛ نقَلَه أبو زُرْعةَ وضعَّفَهُ ابنُ رَاهَوَيْهِ والنَّسَائيُّ، وقال البخاريُّ: عندَه مناكيرُ، وفيه نظرٌ (٢).\nقال عليُّ بنُ المَدِينِيِّ: \"ما خرَجْنا مِن الريِّ حتى رُمِينَا بحديثِ سَلَمةَ\" (٣).\nوقال أبو حاتمٍ: \"محلُّهُ الصدقُ، في حديثِه إنكارٌ، يُكتَبُ حديثُهُ، ولا يُحتجُّ به\" (٤).\nوقال ابنُ عديٍّ: \"عندَهُ غرائبُ وإفراداتُ، ولم أجِدْ في حديثِه حديثًا قد جاوَزَ الحدَّ في الإنكارِ، وأحاديثُه مُتقارِبةٌ محتَمَلةٌ\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٠٥)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٢٥/ ٣٠٣).\n(٢) ينظر: \"التاريخ الكبير\" للبخاري (٤/ ٨٤)، و\"الضعفاء والمتروكون\" للنسائي (١/ ٤٧)، و\"ميزان الاعتدال\" (٢/ ١٩٢).\n(٣) ينظر: \"الضعفاء\" لأبي زرعة (٢/ ٣٦٣)، و\"الضعفاء\" للعقيلي (٢/ ١٥٠).\n(٤) ينظر: \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (٤/ ١٦٩).\n(٥) ينظر: \"الكامل\" لابن عدي (٤/ ٣٧٠).","vol":"1","page":183},{"text":"وقال البيهقيُّ: \"غيرُ قويٍّ\" (١).\nوبعضُ العلماءِ يُوثِّقونَهُ؛ فقد وثَّقَهُ يحيى بنُ معينٍ، وابنُ سعدٍ (٢).\nوحديثُهُ عن ابنِ إسحاقَ أمْثَلُ حديثِهِ؛ فهو مِن أهلِ السِّيَرِ والمغازي، وراويةٌ لسِيَرِ ابنِ إسحاقَ؛ قال ابنُ معينٍ: \"سمِعتُ جريرًا يقولُ: ليس مِن لَدُنْ بغدادَ إلى أنْ تبلُغَ خُرَاسانَ أثبَتُ في ابنِ إسحاقَ مِن سَلَمةَ بنِ الفضلِ\" (٣).\nوعبدُ الرحمنِ بنُ الحارثِ متكلَّمٌ فيه؛ ضعَّفَه ابنُ المدينيِّ، وقال أبو حاتمٍ: \"شيخٌ\"، وقال النَّسَائيُّ: \"ليس بالقويِّ\" (٤).\nوقال أحمدُ: \"متروكٌ\"؛ كما نقَلَهُ أبو الفرجِ ابنُ الجَوْزيِّ في كتابِه \"التحقيقِ\" (٥).\nوقوَّى حديثَهُ ووثَّقَهُ بعضُهم؛ كابنِ سعدٍ، وابنِ حبانَ، وصحَّحَ له الترمذيُّ وابنُ خُزَيْمةَ شيئًا (٦).\nوأخرَجَهُ عبدُ الرزَّاقِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: \"أُخبِرْتُ أنَّ أبا عُبَيْدةَ. . .\"، فذكَرَ معناهُ (٧)؛ وهو مرسَلٌ.\nوهذا الخبرُ لو صحَّ، ففي كتابةِ أبي عُبَيْدةَ بنِ الجَرَّاحِ لعمرَ دليلٌ على أنَّ تأجيلَ الحدودِ في الغزوِ محلُّ اجتهادٍ، وأبو عُبَيْدةَ فقيهٌ لا يستشيرُ في القطعيِّ مِن الدِّينِ، وفتوى عمرَ له بالحدِّ؛ لتلك الحالِ التي ظهَرَ معها\n_________\n(١) ينظر: \"معرفة السنن والآثار\" (١٤/ ٣٤٣).\n(٢) ينظر: \"تاريخ ابن معين\" \"محرز\" (١/ ٨٣).\n(٣) ينظر: \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (٤/ ١٦٩).\n(٤) ينظر: \"الجرح والتعديل\" (٥/ ٢٢٤)، و\"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٥٥٤).\n(٥) ينظر: \"موسوعة أقوال أحمد\" (٢/ ٣٢٢).\n(٦) ينظر: \"الطبقات الكبرى\" لابن سعد (٥/ ٣٩٤).\n(٧) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٧٠٧٨) (٩/ ٢٤٤).","vol":"1","page":184},{"text":"التشديدُ على الشاربِ؛ لأنَّ أبا جندلٍ أظهَرَ استدلالَهُ على شُرْبِه؛ بقولِهِ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: ٩٣]، وهذه شُبْهةٌ لو سَرَتْ في الناسِ وتُرِكَ أبو جَنْدَلٍ لأَجْلِها، لاستحَلَّ الناسُ الخمرَ؛ وهذه فِتْنةٌ؛ ولذا كتَبَ عمرُ لأبي عُبَيْدةَ: \"إنَّ الذي زَيَّنَ لأبي جندلٍ الخطيئةَ، زيَّنَ له الخصومةَ؛ فاحدُدْهم\" (١).\nوقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾؛ أيْ: فُرِضَ وأُلزِمَ.\nوالكَتْبُ: هو الجمعُ؛ في اللغةِ.\nوالقِصَاصُ: هو عقوبةُ الجاني بمِثْلِ ما جَنَى، والقِصَاصُ مِن \"قَصَّ\"؛ أيِ: اتَّبَعَ، والمرادُ: تتبُّعُ أثرِ الشيءِ ومطابقةُ اللاحقِ للسابقِ؛ أيِ: العقوبةُ بمِثلِ العقوبةِ السابقةِ.\nوقَصَصْتُ أثرَهُ وقَصَّيْتُهُ: اتَّبَعْتُهُ قَصَصًا؛ قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]، وقال تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤].\nوالقِصَاصُ يكونُ في النفسِ وفي الجروحِ؛ وذلك لقولِهِ في سورةِ المائدةِ: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [٤٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>المساواةُ في القِصَاصِ:</span>\nوفي الآيةِ: دليلٌ على مساواةِ المؤمنينَ في الدماءِ: الوضيعَ والرفيعَ، والذَّكَرَ والأُنثى، ولا خلافَ عندَ العلماءِ أنَّ القِصَاصَ يتساوَى بينَ الذَّكَرِ والأُنثى، والعبدِ والعبدِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>الخلافُ في القصاصِ بين الحرِّ والعبد:</span>\nواختلَفُوا في القِصَاصِ بينَ الحُرِّ والعبدِ:\n_________\n(١) المصدر السابق.","vol":"1","page":185},{"text":"فذهَبَ جمهورُ العلماءِ: إلى أنَّ الحُرَّ لا يُقتَلُ بالعبدِ؛ قال به مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ (١)، وهو قولُ أبي بكرٍ، وعمرَ؛ فقد روى ابن أبي شيبة والدارقطنيُّ والبيهقيُّ؛ مِن حديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه: \"أنَّ أبا بكرٍ وعمرَ كانا لا يَقتُلانِ الحُرَّ بقتلِ العبدِ\" (٢)، وقال به أكثرُ فقهاءِ الحجازِ؛ كعطاءٍ، وعمرِو بنِ دِينارٍ، وعِكْرِمةَ، والزُّهْريِّ، وهو قولُ الحسنِ (٣).\nوقيَّدَهُ الشافعيُّ بمشيئةِ الحُرِّ أنْ يُقتَصَّ منه.\nوعلَّلَ غيرُ واحدٍ ممَّن قال بعدمِ التكافؤِ في الدماءِ، بأنَّ الحُرَّ كاملُ الأمرِ في أحكامِ الإسلامِ، والعبدَ ناقصٌ في أحكامِ الإسلامِ.\nورُوِيَ في البابِ حديثُ ابنِ عباسٍ عن عمرَ، مرفوعًا: (لَا يُقَادُ مَمْلُوكٌ مِنْ مَالِكِهِ، وَلَا وَلَدٌ مِنْ وَالِدِهِ) (٤)؛ ولا يصحُّ.\nوذهَبَ أهلُ الكوفةِ - كأبي حنيفةَ، وأصحابِهِ - إلى تساوِي القِصاصِ بينَ الحرِّ والعبدِ؛ وقال به الثوريُّ، وابنُ أبي ليلى، والنَّخَعيُّ.\nوصحَّ القولُ له عن سعدِ بنِ المسيَّبِ؛ رواهُ عبدُ الرزَّاقِ؛ مِن حديثِ سُهَيْلِ بنِ أبي صالحٍ، عن ابنِ المسيَّبِ؛ قال: \"يُقْتَلُ به، لو كَانُوا\n_________\n(١) ينظر: \"الأم\" للشافعي (٦/ ٢٦)، و\"مسائل أحمد وإسحاق بن راهويه\" (٧/ ٣٣٣٢)، و\"المغني\" (٨/ ٢٧٨).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٧٥١٥) (٥/ ٤١٣)، والدارقطني في \"سننه\" (٣٢٥٥) (٤/ ١٥٥)، والبيهقي في \"سننه الكبرى\" (٨/ ٣٤)، وغيرهم.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٨١٣٦، ١٨١٣٨) (٩/ ٤٩٠)، و(١٨١٤٠، ١٨١٤١) (٩/ ٤٩١)، و(١٨١٥٨) (١٠/ ٦).\n(٤) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢٨٥٦) (٢/ ٢٣٤)، والبيهقي في \"سننه الكبرى\" (٨/ ٣٦)، وغيرهما.","vol":"1","page":186},{"text":"مِئَةً، لَقَتَلْتُهُمْ به\" (١).\nوفيه حديثُ الحسنِ، عن سَمُرةَ بنِ جندبٍ، مرفوعًا: (مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَهُ جَدَعْنَاهُ) (٢)؛ رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وغيرُهما؛ ولا يصحُّ؛ فقد أنكَرَ شُعْبةُ وابنُ مَعِينٍ وغيرُهما سماعَ الحسنِ مِن سَمُرةَ، والحسنُ البصريُّ - راوِي الحديثِ عن سَمُرةَ - قال بخلافِه (٣).\nولا يصحُّ في البابِ شيءٌ في السُّنَّةِ، وإنَّما هو قولٌ لبعض السلفِ مِن الصحابةِ والتابِعِينَ.\nورُوِيَ عن عليٍّ قولانِ في البابِ، ولا يصحُّ.\nوالأصحُّ القولُ الأوَّلُ؛ لأنَّه قولُ أبي بكرٍ وعمرَ، ولا يَنْبَغي أن يجتمِعَا على قولٍ، ويكونُ الصوابُ في قولِ غيرِهما، ولا يجتمعانِ إلا على أثرٍ وسُنَّةٍ؛ ولأجلِ هذا مالَ أئمَّةُ الأثرِ إلى قولِهما؛ مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ.\nوقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾؛ التخفيفُ بالدِّيَةِ، ولم تكنِ الديةُ حُكْمًا لدى بني إسرائيلَ؛ وإنَّما القِصَاصُ في العَمْدِ، ولكنَّ اللهَ خَفَّفَ على هذه الأُمَّةِ بجوازِ عفوِ أولياءِ الدمِ وقَبُولِ الديةِ أو العفوِ عنها أيضًا؛ وهذا مِن تمامِ رحمةِ اللهِ بأمَّةِ محمدٍ وتخفيفِهِ عليها.\nروى ابنُ أبي حاتمٍ، عن سُفْيانَ بنِ عُيَيْنَةَ، عن عمرِو بنِ دِينارٍ، عن مجاهِدٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ؛ قال: كان فِي بني إِسْرائِيلَ القِصَاصُ، وَلم تَكُنْ\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٨١٣٢) (٩/ ٤٨٩).\n(٢) أخرجه أحمد (٢٠١٢٢) (٥/ ١١)، وأبو داود (٤٥١٥) (٤/ ١٧٦)، وغيرهما.\n(٣) \"تاريخ ابن معين\" \"دوري\" (٤/ ٢٢٩).","vol":"1","page":187},{"text":"فيهمُ الدِّيَةُ، فقالَ اللَّهُ - ﷿ - لهذِهِ الأُمَّةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (١).\nوروى ابنُ أبي حاتمٍ في \"تفسيرِه\"؛ مِن حديثِ عَلِيِّ بنِ أبي طَلْحة، عَنِ ابن عَبَّاسٍ؛ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ \"وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا لا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالمَرْأَةِ، وَلَكِنْ كَانُوا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالرَّجُلِ، وَالمَرْأَةَ بِالمَرْأَةِ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥]، فَجَعَلَ الأَحْرَارَ فِي القِصَاصِ سَوَاءً فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي العَمْدِ، سَوَاءً رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ، فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَ النَّفْسِ، وَجَعَلَ العَبِيدَ مُسْتَوِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي العَمْدِ، وَفِي النَّفْسِ وَفِيمَا دُونَ النَّفْسِ، رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ\" (٢).\nوالعفوُ: قَبُولُ الديةِ، ومَنْ عُفِيَ عنه، فليُؤَدِّ الديةَ بالمعروفِ؛ شكرًا لفضلِ أهلِ الفضلِ؛ روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن عمرِو بنِ دِينارٍ، عن مجاهِدٍ، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ قَوْلَهُ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾: فالعَفْوُ في أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ في العَمْدِ.\nورُوِيَ عن جابِرِ بنِ زَيْدٍ، وأبي العالِيةِ، ومجاهِدٍ، وعطاءٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، ومقاتِلٍ، والحسنِ - نحوُ ذلكَ (٣).\nوعن عمرِو بنِ دِينارٍ، عن مجاهِدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾؛ قال: \"ذلكَ في الدِّيَةِ\" (٤).\nوالعدوانُ بعدَ الديةِ مِن أولياءِ المقتولِ ظُلْمٌ وعُدْوانٌ جديدٌ؛ فالديةُ تَجُبُّ ما قبلَها، وتَنزِعُ أصلَ الحقِّ كلِّه، فلا يجوزُ لِمَنْ قَبِلَ الديةَ أنْ تأخُذَهُ الحميَّةُ فيَعتدِيَ؛ فذلك متوعَّدٌ بالعذابِ الأليمِ، وهو الموجِعُ المؤلِمُ.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٢٩٣).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٢٩٤).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٢٩٣).\n(٤) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٢٩٦).","vol":"1","page":188},{"text":"والقِصَاصُ حياةٌ للبشرِ؛ أيْ: حافِظٌ وضابِطٌ لأمنِ أنفسِهم، فإذا اقتُصَّ مِن أحدٍ، اعتبَرَ غيرُهُ وخافَ، وحَيِيَتْ نفوسٌ بالنفسِ المُقَادةِ بالقِصاصِ، ولا يُدرِكُ أبعادَ هذه الحِكَمِ إلا صاحبُ عَقْلٍ ولُبٍّ، وأمَّا مَن نظَرَ إلى الحُكْمِ بالنظرِ إلى حالةِ فردٍ أو أفرادٍ، فقد ظلَمَ في حُكْمِه؛ لعدمِ انتفاعِه بلُبِّهِ وعَقْلِه.\n* * *\n\nقال اللهُ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠].\nأصلُ الوصِيَّةِ معروفٌ في الجاهليَّةِ، وإنَّما دخَلَها تبديلٌ وتغييرٌ؛ بتقديمِ قريبٍ على قريبٍ، وحِرْمانِ مستحِقٍّ بالهَوَى والتعصُّبِ، والأموالُ حقوقٌ، والتغييرُ فيها والتعطيلُ والتبديلُ لها: ظلمٌ، وهذا الظلمُ يحتاجُ إلى بيانِ حُكْمِهِ، وإلى ضبطِ الوصيَّةِ؛ حتى يعلَمَ المُوصِي والموصَى له: ما له وما عليه؛ فبيَّنَ اللهُ شِرعتَهُ العادلةَ بقولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾.\nوقد تقدَّم سابقًا الكلامُ على معنى: \"كُتِبَ\".\nوإنَّما قال تعالى: \"كُتِبَ\"، ولم يقلْ: \"كُتِبَتْ\"، مع أنَّ المكتوبَ هو الوصيَّةُ، وهي موُنَّثةٌ؛ لأنَّ التأنيثَ لا على الحقيقةِ، ولأنَّه فُصِلَ بينَ المكتوبِ وفِعْلِه \"كُتِبَ\" بفاصلٍ.\nوذكَرَ اللهُ حضورَ الموتِ، والمرادُ بحضورِهِ: ظهورُ علاماتِه؛ كالمَرَضِ المَخُوفِ، والكِبَرِ بمقاربةِ الهَرَمِ، أو قُرْبِ إقامةِ حدِّ القتلِ، أو مواجهةِ عدوٍّ يَغْلِبُ على الظنِّ معه عدمُ السلامةِ.\nوهناك أحوالٌ دُونَها مَرْتَبةً يَظْهَرُ معها الخوفُ مِن المَوْتِ، لكنَّها","vol":"1","page":189},{"text":"ليستْ سببًا غالبًا له؛ كركوبِ البحرِ، أو قصدِ السفرِ في متاهةٍ بَرِّيَّةٍ، ونحوِ ذلك.\nوالعربُ تسمِّي علاماتِ الموتِ وأسبابَهُ: مَوْتًا؛ قال رُوَيْشِدُ بنُ كَثِيرٍ الطَّائيُّ:\nوَقُلْ لهُمْ بَادِرُوا بِالعُذْرِ وَالْتَمِسُوا ... قَوْلًا يُبَرِّئُكُمْ إِنِّي أَنَا المَوْتُ (١)\nفجعَلَ نفسَهُ هو الموتَ؛ لكونِهِ سببًا في حصولِه.\nومعنى قولِه تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ﴾؛ أيْ: قارَبَ أنْ يدَعَ مالَهُ وتَرِكَتَهُ لِمَنْ بعدَهُ، وهذا التركُ يفسِّرُهُ ما في سورةِ النساءِ؛ قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩].\nوقولُه: ﴿خَيْرًا﴾؛ الخيرُ: هو المالُ؛ مِن النقدَيْنِ، وبهائمِ الأنعامِ، والزروعِ، والدُّورِ، وغيرِها، ويقولُ الناسُ: أُعطِيَ فلانٌ خيرًا؛ يعني: مالًا، وسُمِّيَ خيرًا؛ باعتبارِ أنَّ المقصِدَ مِن رزقِ الخالقِ له هو الانتفاعُ وكسبُ الخيرِ، ولكنْ قد يجعلُهُ الإنسانُ في شرٍّ، فيكونُ فعلُ الإنسانِ وتصرُّفُهُ فيه هو الشرَّ، وليس أصلَ المالِ.\nروى ابنُ أبي حاتمٍ في \"تفسيرِه\"، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ: قوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾؛ يعني: مالًا (٢).\nوروى عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ؛ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾؛ قال: مالًا (٣).\nويُطلِقُ الناسُ كلمةَ الخيرِ على المالِ الكثيرِ لا القليلِ الذي لا يَكْفِي الإنسانَ وذريتَهُ؛ روى ابنُ أبي حاتمٍ في \"تفسيرِه\"، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيهِ؛ أَنَّ عَلِيًّا دَخَلَ على رَجُلٍ مِن قَوْمِهِ يَعُودُهُ، فقالَ له:\n_________\n(١) \"غريب الحديث\" للخطابي (٢/ ٧٢).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٢٩٩).\n(٣) أخرجه مجاهد في \"تفسيره\" (١/ ٢٢٠)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (١/ ٢٩٩).","vol":"1","page":190},{"text":"أَأُوصِي؟ فقالَ له عَلِيٌّ: إنَّما قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾، وإنَّكَ إنَّما تَرَكْتَ شيئًا يَسِيرًا، فاتْرُكْهُ لِوَلَدِكَ (١).\nورُوِيَ مِن حديثِ الحَكَمِ بنِ أَبَانَ، حدَّثنِي عِكْرِمةُ، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾؛ قال ابنُ عَبَّاسٍ: \"مَن لم يَتْرُكْ سِتِّينَ دِينارًا، لم يَتْرُكْ خَيْرَا\"، وقالَ الحَكَمُ: \"لم يَتْرُكْ خَيْرًا مَن لم يَتْرُكْ ثَمَانِينَ دِينارًا\" (٢).\nوبعضُ العلماءِ لم يفرِّقْ بين المالِ القليلِ والكثيرِ، إلا أنَّها تتأكَّدُ في المالِ الكثيرِ؛ لعِظَمِ الأمانةِ فيه، وأنَّ مَن ترَكَ مالًا كثيرًا يُخشى مِن فسادِهِ أو فسادِ الناسِ به، ربَّما أَثِمَ في عدمِ وصيَّتِهِ به، فالوصيةُ تضبِطُ الأمرَ وتسلِّطُ المالَ على هَلَكَتِه في الحقِّ.\nوالوصيَّةُ هي الأمرُ بفعلِ شيءٍ في حالِ غيابِ الآمِرِ أو وفاتِه، وغلَبَ استعمالُها بعدَ الموتِ، واستقَرَّ الاصطلاحُ الشرعيُّ على ما يأمُرُ بفعلِهِ الإنسانُ غيرَهُ عندَ قُرْبِ أَجَلِه؛ ومِن ذلك: ما في حديثِ العِرْباضِ بنِ سَارِيَةَ؛ قال: \"وَعَظَنا رسولُ اللهِ - ﷺ - مَوْعِظةً وَجِلَتْ منها القلوبُ، وذَرَفَتْ منها العيونُ؛ فقُلْنا: يا رَسُولَ اللهِ، كأنَّها مَوْعِظةُ مُوَدِّعٍ فأَوْصِنا. . .\"؛ الحديثَ؛ أخرَجَهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ (٣).\nوهذا ما ينبَغي للعاقلِ أنْ يُوصِيَ غيرَهُ بالحقِّ، فهو عندَ حضورِ الأَجَلِ أشدُّ وقعًا، وأصدَقُ معنًى؛ لخلوصِهِ مِن كلِّ مطمعٍ يُرجَى، وهكذا كان يُوصِي الأنبياءُ؛ قال تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ [البقرة: ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢].\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٢٩٨).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٢٩٩).\n(٣) أخرجه أحمد (١٧١٤٤) (٤/ ١٢٦)، وأبو داود (٤٦٠٧) (٤/ ٢٠٠)، والترمذي (٢٦٧٦) (٥/ ٤٤)، وغيرهم.","vol":"1","page":191},{"text":"وخُطْبةُ الوداعِ هي في معنى الوصيَّةِ مِن الرسولِ - ﷺ - لأمَّتِهِ؛ لأنَّها مِن آخِرِ خُطَبِهِ المُشعِرةِ بقُرْبِ أَجَلِه.\nوتأتي الوصيَّةُ في القرآنِ والسُّنَّةِ بمعنى التأديبِ والدَّلَالةِ والإرشادِ؛ منها ما يأتي بلفظِ الوصيَّةِ، ومنها ما يأتي بغيرِ هذا اللفظِ:\nفمِن لفظِ الوصيَّةِ: قولُهُ تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]، وقولُهُ تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]، وقولُهُ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١].\nوأمَّا قولُه تعالى: ﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾، فقدَّمَ الوالدَيْنِ في الآيةِ لمنزلتِهما؛ وذلك أنَّ العربَ كانوا في الجاهليَّةِ يقدِّمونَ الأبناءَ في وصيَّتِهم، وكان بعضُ العربِ يُوصِي للأَبْعَدِينَ مفاخَرةً وطلبًا للصِّيتِ بالكرمِ، ويترُكُونَ الأبناءَ؛ ولذا مما يشتهرُ: \"العربُ يُوصُونَ للأباعدِ طلبًا للفَخْرْ، ويترُكُونَ الأقرَبِينَ في الفَقْرْ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>حكمُ الوصيَّةِ:</span>\nوجعَلَ اللهُ الوصيَّةَ بالمعروفِ: ﴿بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا﴾؛ وهو العدلُ، وهو ما ينفي الضَّرَرَ والظُّلْمَ، الذي يجلِبُ التحاسُدَ والتباغُضَ وقطيعةَ الأرحامِ.\nوبهذه الآيةِ استدَلَّ مَن قال بوجوبِ الوصيَّةِ؛ وذلك أنَّ اللهَ تعالى أوجَبَها بقولِه: ﴿كُتِبَ﴾، وأَكَّدَها بقولِه: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.\n_________\n(١) \"التحرير والتنوير\" (٢/ ١٤٩).","vol":"1","page":192},{"text":"وفي ذلك إشارةٌ إلى أنَّ مَن ترَكَها، فقد ترَكَ التقوى، وربَّما وقَعَ فىِ المعصيةِ، وهي ضدُّ التقوى.\nواستدَلَّ بما ثبَتَ في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ، مرفوعًا: (مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ مالٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ) (١).\nويُشكِلُ على الاستدلالِ بهذا الحديثِ: أنَّ ابنَ عُمَرَ - راويَ الخبرِ - لم يُوصِ بشيءٍ مِن مالِه، وهو أعلَمُ الناسِ بمَرْوِيِّهِ، وأعرفُ الناسِ بمعنى قولِه - ﷺ - في الحقِّ: (مَا حَقُّ امْرِئٍ)، وراوي الحديثِ المرفوعِ وراوي عدَمِ وصيَّةِ ابنِ عمرَ: واحدٌ، وهو نافعٌ مَوْلاهُ.\nفقد روى ابنُ جريرٍ الطَّبَريُّ؛ مِن حديثِ أيوبَ، عن نافعٍ؛ أنَّ ابنَ عمرَ لم يُوصِ، وقال: \"أمَّا مالي، فاللهُ أعلَمُ ما كنتُ أصنَعُ فيه في الحياةِ، وأمَّا رِبَاعِي، فما أُحِبُّ أنْ يَشْرَكَ ولدي فيها أحدٌ\" (٢).\nويظهرُ أنَّ المرادَ بقولِه - ﵊ -: (مَا حَقُّ امْرِئٍ): ما حَزْمُهُ وحياطتُهُ؛ وذلك لأنَّها إبراءٌ للذِّمَّةِ، ويؤكِّدُ هذا أنَّ الحديثَ جاء مقيَّدًا بمَنْ يخافُ على ذِمَّتِهِ التَّبِعَةَ وفواتَ حقِّ غيرِه، وجاء في بعضِ ألفاظِ الحديثِ في \"الصحيحِ\": (وَلَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ) (٣)، وفي لفظٍ آخَرَ: (يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ) (٤).\nفقيَّدَ الوصيَّةَ بمُوجِبِها؛ وهو إرادةُ إبراءِ الذِّمَّةِ، أو وجودُ ما يُوجِبُ الوصيَّةَ، وتعليقُ الأمرِ بإرادةِ الفاعلِ ومشيئتِهِ: ممَّا يَصرِفُ الأمرَ مِن\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٧٣٨) (٤/ ٢)، ومسلم (١٦٢٧) (٣/ ١٢٤٩).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٣٣).\n(٣) أخرجه أحمد (٥٥١٣) (٢/ ٨٠)، رمسلم (١٦٢٧) (٣/ ١٢٤٩)، والترمذي (٩٧٤) (٣/ ٢٩٥).\n(٤) أخرجه أحمد (٥١١٨) (٢/ ٥٠)","vol":"1","page":193},{"text":"الوجوبِ إلى الاستحبابِ والتأكيدِ غيرِ المُلْزِمِ، وهذا ما يميلُ إليه الشافعيُّ؛ قال - ﵀ -: \"معنى الحديثِ: ما الحزمُ والاحتياطُ للمُسْلمِ إلا أنْ تكونَ وصيتُهُ مكتوبةً عندَهُ، فيُستحَبُّ تعجيلُها، وأنْ يَكْتُبَها في صِحَّتِه، ويُشهِدَ عليه فيها، ويكتُبَ فيها ما يحتاجُ إليه\" (١).\nوأمَّا ما جاء في \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ ابنِ شِهَابٍ، عن نافعٍ؛ قال: قال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: \"ما مَرَّتْ عليَّ ليلةٌ منذُ سمِعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال ذلك، إلا وعندي وصيَّتي\" (٢).\nفظاهرُهُ: أنَّ الوصةَ كانتْ أولَ الأمرِ منه، فيظهرُ أنَّه أنفَقَ مالَهُ الذي أَوْصَى به بعدَ ذلك، ثمَّ لم يُوصِ بعدُ؛ لأنَّه قال في روايةِ أيوبَ، عن نافعٍ: \"أمَّا مالي، فاللهُ أعلَمُ ما كنتُ أصنَعُ فيه في الحياةِ\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>حكمُ الوصيَّةِ للورثةِ:</span>\nوقد اتَّفَقَ العلماءُ أنَّ الوصيَّةَ لا تكونُ لوارثٍ، ولا تكونُ في حرامٍ.\nوقد منَعَ مِن ذلك النبيُّ - ﷺ - في آخِرِ حياتِه في حَجَّةِ الوداعِ؛ لِما رواهُ أصحابُ \"السننِ\"، عن عمرِو بنِ خارجةَ، وما رواهُ أبو داودَ والترمذيُّ، عن أبي أمامةَ؛ كلاهُما يقولُ: سمعتُ النبيَّ قال: (إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>الخلافُ في وجوب الوصيَّةِ:</span>\nوقد اختلَفَ العلماءُ في الأصلِ في الوصيَّةِ: هل هو على الوجوبِ، أو على الاستحبابِ؟ على قولَيْنِ:\n_________\n(١) ينظر: \"المجموع\" للنووي (١٥/ ٤٠٨)، و\"شرح النووي على مسلم\" (١١/ ٧٥).\n(٢) أخرجه مسلم (١٦٢٧) (٣/ ١٢٥٠).\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) أخرجه أبو داود (٢٨٧٠) (٣/ ١١١٤)، والترمذي (٢١٢٠) (٤/ ٤٣٣)، وغيرهما.","vol":"1","page":194},{"text":"القولُ الأولُ: الاستحبابُ؛ وهو قولُ أكثرِ العلماءِ؛ بل عَامَّتِهم، وهو قولُ الحسنِ، وقتادةَ، والنَّخَعيِّ، والشَّعْبيِّ، ومالكٍ، وأبي حنيفةَ، والأوزاعيِّ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وجابرِ بنِ زيدٍ (١).\nوهذا هو الأرجحُ؛ لأنَّ الآيةَ منسوخةٌ، وحكى بعضُ العلماءِ عدمَ معرفةِ الخلافِ في نَسْخِها، وإنَّما اختُلِفَ في مقدارِ ما نُسِخَ منها؛ منهم مَنْ قال: كلُّها، ومنهم مَن قال: بعضُها.\nوقد كان الحُكْمُ في الآيةِ في ابتداءِ الأمرِ لمَّا كان المشرِكُونَ على ظلمٍ في الوصيةِ، وعدمِ عدلٍ مع القَرَابةِ، وعدمِ الوفاءِ بالحقِّ؛ وكان هذا قَبْلَ المِيرَاثِ، وبَقِيَ هذا المعنى عندَ مَن أسلَمَ منهم.\nودليلُ هذا: ما رواهُ البخاريُّ في \"صحيحِه\"، عن حابرِ بنِ عبدِ اللهِ؛ قال: عادَني النبيُّ - ﷺ - وأبو بكرٍ في بَنِي سَلِمةَ ماشِيَيْنِ، فوجَدَني النبيُّ لا أَعْقِلُ، فدَعَا بماءٍ، فتوضَّأَ منه، ثمَّ رَشَّ عَلَيَّ، فأَفَقْتُ، فقلتُ: ما تأمُرُني أنْ أصنَعَ في مالي يا رسولَ اللهِ؟ فنزَلتْ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] (٢).\nولا خلافَ أنَّ آيةَ المواريثِ نزَلتْ بعدَ آيةِ الوصيَّةِ.\nونصَّ على نسخِ آيةِ الوصيَّةِ مِن السلفِ: ابنُ عبَّاسٍ، وابنُ عمرَ، وأبو موسى الأشعريُّ، وابنُ المسيَّبِ، ومسروقٌ، وزيدُ بنُ أسلَمَ، وشُرَيْحٌ، ومجاهدٌ، وعطاءٌ، وابنُ سِيرِينَ، ومسلمُ بنُ يسارٍ، والعلاءُ بنُ زيادٍ، والزُّهْريُّ، وقتادةُ، وغيرُهم؛ أخرَجَهُ عنهم وعن بعضِهم ابنُ أبي حاتمٍ، وابنُ جريرٍ، وابنُ المنذرِ في \"التفسيرِ\".\n_________\n(١) ينظر: \"البحر الرائق\" (٨/ ٤٥٩)، و\"التمهيد\" (١٤/ ٢٩٢)، و\"المجموع\" (١٥/ ٤٠١)، و\"المغني\" (٦/ ١٣٧).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٥٧٧) (٦/ ٤٣).","vol":"1","page":195},{"text":"وروى البخاريُّ، عن ابنِ عباسٍ؛ قال: \"كان المالُ للوَلَدِ، وكانتِ الوصيَّةُ للوَالِدَيْنِ؛ فنسَخَ اللهُ مِن ذلكَ ما أَحَبَّ\" (١).\nونسَخَ اللهُ الوجوبَ، ولم يَنْسَخِ الفضلَ والعملَ به؛ وإنَّما نسَخَ اللهُ التأكيدَ والإلزامَ في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾.\nوآيةُ المواريثِ لا تدُلُّ على ما يُخالفُ آيةَ الوصيَّةِ؛ لأنَّ الوصيَّةَ تكونُ في بعضِ المالِ، والإرثَ في باقِيهِ؛ وذلك لقولِهِ تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ [النساء: ١٢].\nالقولُ الثاني: وجوبُ الوصيَّةِ وإحكامُ الآيةِ، وعدمُ نسخِها بكاملِها، وأنَّ ما نُسِخَ هو فرضُ الوصيَّةِ للوارثِ فحَسْبُ؛ لأنَّ قَسَمَ له حقَّه وبيَّنَهُ له؛ وهو قولُ الحسَنِ، والضحَّاكِ، وطاوسِ بنِ كَيْسانَ، وقال به الطبريُّ وغيرُهُ (٢).\nوقد روى البخاريُّ ومسلمٌ؛ مِن حديثِ طَلْحةَ بنِ مصرِّفٍ؛ قال: \"سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بنَ أبي أَوْفَى - ﵄ -: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَوْصَى؟ فَقَالَ: لَا، فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الوَصيَّةُ أَوْ أُمِرُوا بِالوَصِيَّةِ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللهِ\" (٣).\nيُريدُ: أنَّ النبيَّ - ﷺ - لمَّا كان لا يُورَثُ، فكذلك لا يُوصِي بمالِه، ولكنَّه أوصَى بما يعودُ على المسلِمِينَ بالتمسُّكِ بكتابِ الإسلامِ، وقد كان مِن عادةِ المسلِمِينَ أنْ يقولُوا للمريضِ إذا خِيفَ عليه الموتُ: \"أَوْصِ\".\nوالقولُ ببقاءِ حُكْمِ الوصيَّةِ للأقرَبِينَ غيرِ الوارِثِينَ روايةٌ عن ابنِ عباسٍ، ومسروقٍ، ومسلمِ بنِ يسارٍ، والعلاءِ بنِ زيادٍ، وغيرِهم:\nروى ابنُ جريرٍ الطَّبَريُّ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عِكْرِمةَ، عن\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٧٤٧) (٤/ ٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٣٨).\n(٣) أخرجه البخاري (٢٧٤٠) (٤/ ٣)، ومسلم (١٦٣٤) (٣/ ١٢٥٦).","vol":"1","page":196},{"text":"ابنِ عباسٍ؛ قولَه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾؛ قال: \"نسَخَ مَن يَرِثُ، ولم يَنْسَخِ الأقرَبِينَ الذين لا يَرِثُونَ\" (١).\nوروى عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ قولَه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾: \"فنسَخَ مِن الوصيَّةِ الوالِدَيْنِ، وأثبَتَ الوصيَّةَ للأقرَبِينَ الذين لا يَرِثُونَ\" (٢).\nوروى عن ابنِ طاوُسٍ، عن أبيهِ؛ قل: \"كانتِ الوصيَّةُ قبلَ المِيرَاثِ للوالِدَيْنِ والأقرَبِينَ، فلمَّا نزَلَ الميراثُ، نَسَخَ الميراثُ مَن يَرثُ، وبَقِيَ مَن لا يَرِثُ؛ فمَن أَوْصَى لذي قَرَابَتِهِ، لم تَجُزْ وصيتُهُ، فأنزَلَ اللهُ بعدَ هذا: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]؛ فبَيَّنَ اللهُ سبحانَهُ ميراثَ الوالدَيْنِ، وأقَرَّ وصيَّةَ الأقرَبِينَ في ثُلُثِ مالِ الميتِ\" (٣).\nوبعضُ مَن قال بالنسخِ قَيَّدَ مشروعيَّةَ أصلِ الوصيَّةِ بقراباتِ المُوصِي، وأنَّه لو أَوْصَى لغيرِهم، بطَلَتْ؛ قال به جابرُ بنُ زيدٍ، والشعبيُّ، وإسحاقُ بنُ راهوَيْهِ، والحسنُ البصريُّ (٤).\n* * *\n\nقالَ اللهُ تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨١].\nوتبديلُ الوصيَّةِ مِن الكبائرِ، وتغييرُ وِجْهةِ المالِ التي صرَفَها\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٢٨).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٣٠).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٢٩ - ١٣٠).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٢٨ - ١٣٣)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٥٧٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٢٩٩).","vol":"1","page":197},{"text":"صاحِبُها إليها محرَّمٌ لو كان حيًّا، والأمرُ بعدَ وفاتِهِ أعظَمُ؛ لانعدامِ عِلْمِه، فضلًا عَن قُدرتِه، وأنَّ أجرَ المُوصِي يقَعُ؛ لأنَّ المتصدِّقَ والمُنفِقَ بالحقِّ يُكتَبُ له الأجرُ بحسَبِ نيَّتِه وتحرِّيهِ ولو لم تَصِلْ لمرادِه، ولكنَّ الضَّرَرَ الذي يَلحَقُ مَن أوْصَى له باقٍ؛ لتبديلِ الوصيَّةِ عن وجهِها الذي جعَلَها صاحبُها له.\nوالوصيَّةُ نافذةٌ، ويجبُ العملُ بها، ولفظُ الوصيَّةِ مِن ألفاظِ الوجوبِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، وهذا حُكْمٌ وحَدٌّ مِن حدودِ اللهِ تعالى يجبُ التِزامُه.\nروى ابنُ جريرٍ في \"تفسيرِهِ\"، عنِ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ قال: \"الوصيَّةُ\" (١).\nوروى عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ في قولِه: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾: \"وقَدْ وقَعَ أجرُ المُوصِي على اللهِ، وبَرِئَ مِن إثمِه\" (٢).\nوختَمَ اللهُ الآيةَ بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾؛ أي: يَسمَعُ ويَعلَمُ ما كانت عليه الوصيَّةُ، ويعلَمُ تبديلَ المبدِّلِ ومِقْدارَهُ، وأثَرَهُ على المُوصِي والمُوصَى له، وفي هذا تذكيرٌ وترهيبٌ لِمَنْ عزَمَ على التبديلِ ولمَنْ بَدَّلَ أنْ يُقلِعَ وأنْ يُعِيدَ الحقَّ إلى أهلِه، والوصيَّةَ إلى ما كانت عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>بطلانُ الوصيَّةِ بالحرامِ:</span>\nومَن أوْصَى في ضِرَارٍ، أو قطيعةِ رَحِمٍ، أو شيءٍ محرَّمٍ: لا يجوزُ إنفاذُ وصيَّتِه، ويجبُ تبديلُها إلى أفضلِ الحقِّ وأَنْفَعِه، ومَن لم يبدِّلْها - والحالةُ هذه - وهو قادرٌ على ذلك، فهو آثِمٌ، وقد روى ابنُ جريرٍ عن عليٍّ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: \"إنْ كان أوْصَى في ضِرَارٍ، لم تَجُزْ وصيَّتُهُ؛\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٣٩ - ١٤٠).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٤٠).","vol":"1","page":198},{"text":"كما قال اللهُ: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢] \" (١).\nورَوى سعيدُ بنُ منصورٍ، عنْ داوُدَ بنِ أبي هِنْدٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: \"الجَنَفُ فِي الوَصِيَّةِ وَالإِضْرارُ فِيهَا مِنَ الكَبَائِرِ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>مقدارُ الوصيَّةِ:</span>\nوالجمهورُ على أنَّ الوصيَّةَ بأكثرَ مِن الثُّلُثِ باطِلةٌ؛ للحديثِ المشهورِ الذي رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ وغيرُهما، عن سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ؛ قال: \"كانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ بِمَكَّةَ، فَفُلْتُ: لِي مَالٌ، أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: (لَا)، قُلْتُ: فَالشَّطْرِ؟ قَال: (لَا)، قُلْتُ: فَالثُّلُثِ؟ قَالَ: (الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ؛ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) (٣).\nوروى أحمدُ في \"المسنَدِ\"، عن ابنِ عَبَّاسٍ؛ قالَ: \"وَدِدتُّ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ فِي الْوَصِيَّةِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: (الثُّلُثُ كَثِيرٌ - أَوْ: كَبِيرٌ -) \" (٤).\nوروى سعيدُ بنُ منصورٍ؛ مِن حديثِ مُغِيرةَ عن إبراهِيمَ، قالَ: \"كَانَ الخُمُسُ فِي الْوَصِيَّةِ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ الرُّبُعِ، وَالرُّبُعُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ الثُّلُثِ، وَكَانَ يُقَالُ: هُمَا المُرَّيَانِ مِنَ الأَمْرِ: الإِمْسَاكُ فِي الحَيَاةِ، وَالتَّبْذِيرُ فِي المَمَاتِ\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>إمضاءُ الوصيَّةِ للوارثِ بإجازةِ الورثةِ:</span>\nواختُلِفَ في إمضاءِ الوصيَّةِ للوارِثِ؛ إذا أجازَها بقيَّةُ الوَرَثةِ:\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٣٤٣) (١/ ١٣٢).\n(٣) أخرجه البخاري (٢٧٤٢) (٤/ ٣)، ومسلم (١٦٢٨) (٣/ ١٢٥٠).\n(٤) أخرجه أحمد (٢٠٧٦) (١/ ٢٣٣).\n(٥) أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٣٣٧) (١/ ١٣١).","vol":"1","page":199},{"text":"والأصحُّ - وهو قولُ عامَّةِ العلماءِ -: أنَّها إذا أجازَها الوَرَثةُ في حياةِ المُوصِي وبعدَ وفاتِهِ، مضَتْ.\nوأكثرُ السَّلَفِ: على أنَّ الوَرَثةَ لو رجَعُوا عن إجازةِ الوصيَّةِ بأكثَرَ مِن الثُّلُثِ بعدَ موتِ مورِّثِهم: أنَّ رجوعَهم حقٌّ لهم؛ وذلك لأنَّهم ربَّما أجازُوا إرضاءً للمُوصِي، وحياءً منه؛ روى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن الشَّعْبيِّ، عن شُرَيْحٍ؛ قال: \"إذا استأذَنَ الرَّجلُ ورَثَتَهُ في الوصيَّةِ، فأَوْصَى بأكثرَ مِن الثُّلُثِ، فطَيَّبُوا له، فإذا نفَضُوا أيديَهُمْ مِن قَبْرِه، فهُمْ على رأسِ أَمْرِهم؛ إنْ شاؤُوا أجازُوا، وإنْ شاؤُوا لم يُجِيزُوا\" (١).\nوقال بهذا عطاءٌ وطاوسٌ والحَكَمُ وغيرُهم (٢).\nومنَعَ رجوعَهم بعضُ السَّلَفِ.\nوالأصحُّ: أنَّ لهم الرُّجوعَ؛ لأنَّ الوصيَّةَ قُيِّدَتْ بالثُّلُثِ بالنَّصِّ، والزيادةُ على الثلثِ مَرَدُّهُ إلى الوَرَثةِ، ولمَّا كان إذنُهم له في حياتِهِ كان حياءً وشفَقةً، فالعلماءُ يتَّفقُونَ على أنَّ ما أُخِذَ بسَيْفِ الحياءِ غيرُ جائزٍ، والمالُ استَقَرَّ حقًّا لهم بعدَ وفاتِه، ثمَّ هم أَوْلى به مِن غيرِه، وكان الإذنُ بغير طِيبِ نفسٍ منهم.\nوإذا أَوْصَى المُوصِي بوصيَّتَيْنِ، فيُعمَلُ بأُخْراهما؛ فقد روى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن يونُسَ، عن الحسَنِ قال: \"إذا أَوْصَى بوصيَّةٍ، ثمَّ أَوْصَى بأُخرى بعدَها، قال: يُؤخَذُ بالأُخرى منهما\" (٣).\nوقال بهذا عطاءٌ وطاوسٌ وأبو الشَّعْثاءِ (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٠٧٢٣) (٦/ ٢٠٨).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٠٧٢٥، ٣٠٧٢٧، ٣٠٧٢٩) (٦/ ٢٠٩).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٠٧٣٣) (٦/ ٢٠٩).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٠٧٣٤) (٦/ ٢٠٩).","vol":"1","page":200},{"text":"ويُروى هذا عن عمرَ بنِ الخطَّابِ (١)\nوإذا أمكَنَ الجمعُ بينَهما ما لم يتَجاوَزَا الثُّلُثَ، فيُجمَعُ بينَهما، وإلَّا فالأخيرةُ منهما.\nروى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْريِّ؛ قال: \"إذا أَوْصى الرَّجُلُ بوصيَّةٍ، ثمَّ نقَضَها، فهي الآخِرةُ، وإنْ لم يَنْقُضْها، فإنَّهما تَجُوزَانِ جميعًا في ثُلُثِهِ بالحِصَصِ\" (٢).\nوقال أبو حنيفةَ: \"إن لم يكُنْ للمُوصِي وَرَثةٌ - ولو عَصَبةً - دُونَ بيتِ المالِ، جازَ للمُوصِي أن يُوصيَ بجميعِ مالِه، ومَضَى ذلك؛ أخذًا بالإيماءِ إلى العِلَّةِ في قولِهِ: (إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَتَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ). . . الحديثَ\" (٣).\nوقال: \"إنَّ بيتَ المالِ جامعٌ لا عاصبٌ\".\nورُوِيَ أيضًا عن عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ ومسروقٍ وإسحاقَ بنِ راهَوَيْهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>موتُ الفجأةِ وعدمُ الوصيَّةِ:</span>\nومَن مات مِن غيرِ وصيَّةٍ، كمَن أُخِذَ فَجْأةً، وله مالٌ -: استُحِبَّ التصدُّقُ عنه مِن مالِه، بما لا يُجحِفُ بحقِّ الوَرَثةِ، ولا يزيدُ عن ثُلُثِ المالِ؛ لقد روى البخاريُّ ومسلمٌ وأبو داودَ وغيرُهم؛ مِن حديثِ عُرْوةَ، عن عَائِشةَ؛ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّيَ افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَلَوْلَا ذَلِكَ، لَتَصَدَّقَتْ وَأَعْطَتْ، أَفَيُجْزِئُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -:\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٠٧٣٧) (٦/ ٢١٠).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٠٧٣٦) (٦/ ٢١٠).\n(٣) سبق تخريجه.","vol":"1","page":201},{"text":"(نَعَمْ، فَتَصَدَّقِي عَنْهَا) (١).\nوروى أبو داودَ؛ مِن حديثِ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ: \"أَنَّ الْعَاصَ بنَ وَائِلٍ أَوْصَى أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ مِئَةُ رَقَبَةٍ، فَأَعْتَقَ ابْنُهُ هِشَامٌ خَمْسِينَ رَقَبَةً، فَأرَادَ ابْنُهُ عَمْرٌو أَنْ يُعْتِقَ عَنْهُ الْخَمْسِينَ الْبَاقِيَةَ، فَقَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أبِي أَوْصَى بِعِتْقِ مِئَةِ رَقَبَةٍ، وَإِنَّ هِشَامًا أَعْتَقَ عَنْهُ خَمْسِينَ، وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ خَمْسُونَ رَقَبَةً، أَفَأُعْتِقُ عَنْهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (إِنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا، فَأَعْتَقْتُمْ عَنْهُ، أَوْ تَصَدَّقْتُمْ عَنْهُ، أَوْ حَجَجْتُمْ عَنْهُ - بَلَغَهُ ذَلِكَ) (٢).\nقال الشافعيُّ في القديمِ: \"وبهذا نأخُذُ، وقد أعتَقَتْ عائشةُ عن أخيها، ومات مِن غيرِ وصيَّةٍ\" (٣).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣، ١٨٤].\nبدأ اللهُ الآيةَ بخطابِ المؤمنينَ؛ لأنَّ السُّورةَ مدَنيَّةٌ، والخطابَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٧٦٠) (٤/ ٨)، ومسلم (١٠٠٤) (٢/ ٦٩٦)، وأبو داود (٢٨٨١) (٣/ ١١٨)، وغيرهم.\n(٢) أخرجه أبو داود (٢٨٨٣) (٣/ ١١٨)، وغيره.\n(٣) ينظر: \"معرفة السنن والآثارِ\" للبيهقي (٩/ ١٩٨).","vol":"1","page":202},{"text":"يتضمَّنُ حُكْمًا يتوجَّهُ إلى المؤمنينَ خاصَّةً؛ وذلك أنَّ الكفَّارَ لا يُخاطَبونَ بفروعِ الشريعةِ للعملِ بها في الدُّنيا؛ وإنَّما يُخاطَبونَ بفروعِ الشريعةِ للعقابِ عليها في الآخِرةِ.\nوقولُه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ أصلُ الكَتْبِ: الجَمْعُ، والمرادُ به هنا: توثيقُ الشيءِ بجمعِهِ وشَدِّهِ وعَقْدِ أمرِه.\nوالصِّيامُ في اللغةِ: الإمساكُ، والصَّائِمُ: القائِمُ الساكتُ، والمُمسِكُ الذي لا يَطْعَمُ شيئًا.\nيقالُ: صام الفرسُ على آرِيِّهِ: إذا لم يَعتلِفْ.\nوصيامُ الرِّيحِ: رُكُودُها.\nقال أبو عُبَيْدةَ: كلُّ مُمسِكٍ عن طعامٍ أو كلامٍ أو سَيْرٍ، فهو صائمٌ.\nقال تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]؛ أيْ: إمساكًا عن الكلامِ.\nوصومُ النَّهارِ: وقوفُ الشمسِ في الظَّهِيرةِ.\nقال امرُؤُ القَيْسِ:\nفَدَعْهَا وَسَلِّ الهَمَّ عَنْكَ بِجَسْرَةٍ ... ذَمُولٍ إذَا صَامَ النَّهَارُ وَهَجَّرَا\nوصومُ الخيلِ: إمساكُها عن الصَّهِيلِ.\nوممَّا يُنسَبُ للنابغةِ الذُّبْيانيِّ:\nخَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ ... تَحْتَ العَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا\nوأمَّا في اصطلاحِ الشارعِ، فالمرادُ بالصِّيامِ: \"إِمساكٌ مخصوصٌ، في زمنٍ مخصوصٍ، مِن شخصٍ مخصوصٍ، بنيَّةٍ مخصوصةٍ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>الصيامُ في الأممِ السابقةِ:</span>\nوذكَرَ اللهُ أنَّ الصِّيامَ قد شُرِعَ على مَنْ سبَقَنا؛ لأمورٍ، منها:\nأوَّلًا: التَّعْزِيَةُ بأنَّ هذا التكليفَ فُرِضَ على غيرِكم وقامُوا به؛","vol":"1","page":203},{"text":"فالإنسانُ الذي يكلَّفُ بما يكلَّفُ به غيرُهُ يتسلَّى ويتعزَّى، بخلافِ ما لو أُمِرَ بتكليفٍ وحدَهُ مِن دونِ الناسِ.\nثانيًا: فيه حَثٌّ وحَضٌّ على العملِ؛ فأُمَّةُ محمَّدٍ - ﷺ - خيرُ الأُمَمِ؛ قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وفي الحديثِ: (إِنَّكُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ - ﷿ -)؛ أخرَجَهُ أحمدُ؛ مِن حديثِ بَهْزِ بن حَكِيمٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه (١).\nفإذا فعَلَ مَنْ دُونَهم ما أُمِرُوا به وهم خيرُ الأممِ، فهم مِن بابِ أَولى أنْ يقوموا بأمرِ اللهِ.\nثالثًا: لبيانِ مَنْزِلةِ شريعةِ الصيامِ؛ فالأمرُ الذي يُحكِمُهُ اللهُ في كلِّ شريعةٍ دليلٌ على فضلِهِ على غيرِهِ مِن الأعمالِ، وأنَّ صلاحَ دِينِ الأممِ جميعًا لا يستقيمُ إلَّا به، وإنِ اختلَفُوا في غيرِه، والعبادةُ التي تُفرَضُ في كلِّ شريعةٍ أَشَدُّ تمكُّنًا في فِطْرةِ الإنسانِ مِن غيرِها، وإنْ كانتْ جميعُ العباداتِ على فِطْرةِ الإنسانِ التي طُبعَ عليها، لكنَّها تَختلِفُ تمكُّنًا منها.\nواللهُ لطيفٌ بعبادِهِ رحيمٌ بهم، وهو بأُمَّةِ محمَّدٍ أرحمُ، وإذا جَعَلَ العبادةَ التي رَحِمَ بها الأممَ سببًا لرحمةِ أمَّةِ محمَّدٍ، فهذا دليلٌ على أنَّ اللهَ اختار مِن شرائعِ الأممِ أَشَدَّ أعمالِها رَحْمةً ويُسْرًا.\nرابعًا: لبيانِ خطورةِ مخالَفةِ أمرِ اللهِ في الصِّيَامِ؛ فبيانُ اللهِ أنَّ فريضةَ الصيامِ فريضةٌ للأممِ السابقةِ ولهذه الأمَّةِ: إشارةٌ إلى أنَّ تَرْكَ الإنسانِ الفاضِلِ للعملِ أعظَمُ عندَهُ مِن تَرْكِ الإنسانِ المفضولِ، فالفاضلُ أَولى بالعملِ؛ لقُرْبِه.\nثمَّ إنَّ الشريعةَ المفروضةَ على الأممِ السابقةِ أظهَرُ في الإحكامِ مِن غيرِها، فلا تُنكِرُها النفوسُ؛ لكونِها حادثةً عليها، بل تتلقَّاها النفوسُ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢٠٠٢٩) (٥/ ٣).","vol":"1","page":204},{"text":"وتَقْبَلُها؛ لهذا كلَّما كان الأمرُ أظهَرَ إحكامًا وأصرَحَ بيانًا، كانتِ المخالفةُ له أعظَمَ.\nوقد اختُلِفَ في الصيامِ المفروضِ على الأممِ السابقةِ عدَدًا وزمنًا، والمقطوعُ به: أنَّه إمساكٌ عن الطعامِ والشرابِ؛ لأنَّ الأكلَ والشربَ أصلٌ في تحقُّقِ اسمِ الصيامِ، وأمَّا ما عدَاهُ - كالجِمَاعِ وغيرِه - فيحتاجُ ذلك إلى دليلٍ يبيِّنُ؛ وقد روى أَسْبَاطٌ، عن السُّدِّيِّ: \"أَنَّ الجِماعَ محرَّمٌ عليهم، وهكذا كان النَّصارى يصُومُونَ في المدينةِ؛ يدَعُونَ الطعامَ والشرابَ والجِمَاعَ\" (١).\nوحمَلَ بعضُهمُ التشبيهَ في قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ على التشبيهِ بالوقتِ؛ فوقتُهم كوقتِنا، ومنهم مَن حمَلَ التشبيهَ على جميعِ الوجوهِ.\nورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ مسعودٍ، وعطاءٍ وقتادةَ: أنَّ اللهَ فرَضَ على الأممِ السابقةِ صيامَ ثلاثةِ أيامٍ (٢).\nوالأممُ السابقةُ التي فرَضَ اللهُ عليها الصيامَ لم يبيَّنْ أوَّلُها، ولعلَّ الصيامَ كان في كلِّ شريعةٍ؛ لظاهرِ إطلاقِ الآيةِ، وقد دلَّ الدليلُ مِن القرآنِ: أنَّه في شريعةِ بني إسرائيلَ، وقد روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن عبَّادِ بنِ منصورٍ، عن الحسَنِ: \"كتَبَهُ اللهُ على كلِّ أُمَّةٍ قبلَنا كما كتَبَهُ علينا\" (٣).\nوروى ابنُ أبي حاتمٍ، عن نَصْرِ بنِ مُشَارِسٍ، عن الضحَّاكِ: \"أنَّ أوَّلَ مَن صامَ نوحٌ\" (٤).\nوروى ابنُ أبي حاتمٍ، عن أبي الربيعِ، عن رجلٍ مِن المدينةِ، عن\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٥٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٥٧ - ١٥٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٠٤).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٠٥).\n(٤) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٠٤).","vol":"1","page":205},{"text":"ابنِ عمرَ، عن النبيِّ - ﷺ -: (أَنَّ اللهَ كَتَبَ صِيَامَ رَمَضَانَ عَلَى الأُمَمِ قَبْلَكُمْ) (١).\nوقال به الشَّعْبيُّ (٢) وقتادةُ في قولٍ (٣).\nوظاهرُ القرآنِ والسُّنَّةِ: أنَّ مَن كان بعدَ إبراهيمَ مأمورٌ باتِّباعِ مِلَّتِه، وكلُّ شِرْعةٍ في الأصولِ في الإسلامِ، فهي مِن شِرْعةِ إبراهيمَ ومَن جاء بعدَهُ مِن الأنبياءِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>مراحلُ تشريع الصيامِ:</span>\nوقد شرَعَ اللهُ الصيامَ في الإسلامِ على مراحلَ، والأحاديثُ الواردةُ في البابِ تدلُّ على أنَّ أولَ ما شُرِعَ الصيامُ شُرِعَ ثلاثةَ أيامٍ مِن كلِّ شهرٍ؛ كما جاء في حديثِ عائشةَ في \"الصَّحيحَيْنِ\"، وفي حديثِ مُعاذٍ وابنِ عبَّاسٍ.\nففي \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ عن عائشةَ، عليها رضوانُ اللهِ تعالى.\nوجاء أيضًا بتفصيلِهِ مِن حديثِ معاذِ بنِ جَبَلٍ عندَ الإمامِ أحمدَ؛ مِن حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي لَيْلَى، قال معاذُ بنُ جَبَلٍ: \"إنَّ النبيَّ - ﷺ - لمَّا قَدِمَ المدينةَ، كان يصومُ ثلاثةً مِن كلِّ شَهْرٍ، ويصومُ يومَ عاشوراءَ، فشرَعَ اللهُ - ﷿ - صِيامَ رمضانَ؛ مَن أرادَ صومَهُ فلْيَصُمْهُ، ومَن أرادَ أنْ يُطْعِمَ فلْيُطْعِمْ، ثمَّ فرَضَ اللهُ - ﷿ - صيامَهُ ونسَخَ صيامَ يومِ عاشوراءَ مِن الوجوبِ إلى الاستحبابِ\" (٤).\nوقد فرَضَ اللهُ الصيامَ في السنةِ الثانيةِ قُبَيْلَ معركةِ بَدْرٍ؛ كما حكاهُ\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٠٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٥٣).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٥٥).\n(٤) أخرجه أحمد (٢٢١٢٤) (٥/ ٢٤٦).","vol":"1","page":206},{"text":"ابنُ جريرٍ الطَّبريُّ، وهذا محلُّ اتِّفاقٍ عندَ العلماءِ، لكنَّ منهم مَن قال: إنَّه فُرِضَ في شعبانَ، ومنهم مَن قال: إنَّه فُرِضَ قبلَ ذلك.\nوقولُه تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛ أي: تَتَّقُونَ ما أمَرَكُمُ اللهُ بتَرْكِهِ مِن الطعامِ والشرابِ والجِمَاعِ وغيرِه.\nقولُه تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾:\nالمرادُ بالمعدوداتِ: المَحْدوداتُ المُحْصَيَاتُ بعددٍ معيَّنٍ معروفٍ، وهو شهرُ رَمَضانَ، وشهرُ رمضانَ محدودٌ: بطلوعِ الهلالِ مِن رمضانَ، وطلوعِهِ مِن شوَّالٍ، والصَّوْمُ في النهارِ بينَ الهِلَالَيْنِ؛ قال النبيُّ - ﷺ -: (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤيَتِهِ) (١).\nوذِكْرُ العددِ إشارةٌ إلى التيسيرِ؛ فاللهُ تعالى لم يَفرضْ صيامَ الدَّهْرِ، بل نَهَى عنه، ولم يَأْذَنْ للأمَّةِ بتركِ الصيامِ، بل جعَلَهُ مفروضًا عليها بأيَّامٍ معدودةٍ، يَعرِفُهُ أدنى المكلَّفِينَ بالتشريعِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>ضبطُ الشهر برؤية الهلال، لا بالحساب، والحكمةُ من ذلك:</span>\nوفيه تنبيهٌ على أنَّ التيسيرَ في ضبطِ عددِ الأيَّامِ مقصودٌ؛ لذا علَّقَ معرفةَ الأيَّامِ بدايةً ونهايةً برؤيةِ الهلالِ، وتعليقُ ذلك بالحسابِ تكلُّفٌ وتشديدٌ يُنافي المقصودَ مِن التيسيرِ، فالرُّؤْيةُ تكليفٌ يستطيعُهُ البادي والحاضرُ، راكبُ البَرِّ وراكبُ البحرِ، الفردُ والجماعةُ.\nوالتيسيرُ في ضبطِ دخولِ الشهرِ وخروجِهِ شبيهٌ بضبطِ القِبْلةِ؛ ولذا جاء في الحديثِ مرفوعًا وموقوفًا: (مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَةٌ) (٢)، وقد كان أحمدُ يَنْهَى عن التكلُّفِ في تحديدِ القِبْلةِ بالجَدْيِ ونحوِه مِن النجومِ (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٩٠٩) (٣/ ٢٧)، ومسلم (١٠٨١) (٢/ ٧٦٢).\n(٢) أخرجه الترمذي (٣٤٢) (٢/ ١٧١)، والنسائي (٢٢٤٣) (٤/ ١٧١)، وابن ماجه (١٠١١) (١/ ٣).\n(٣) ينظر: \"فتح الباري\" لابن رجب (٣/ ٦٥).","vol":"1","page":207},{"text":"وحمَلَ بعضُ السَّلَفِ \"المَعْدُوداتِ\" على صيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ، حِينَما كانتْ فرضًا قبلَ صيامِ رمضانَ؛ رواهُ ابنُ جريرٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن عَطَاءٍ (١).\nورواهَ أيضًا عن مَعْمَرٍ عن قَتادةَ (٢).\nورُوِيَ بسندٍ فيه ضعفٌ عن ابنِ عبَّاسٍ (٣).\nوالأرجحُ: أنَّ الأيَّامَ المعدوداتِ هي صيامُ رَمَضانَ؛ لظاهرِ السياقِ في الآياتِ، ثمَّ إنَّ شريعةَ الصيامِ قبلَ رمضانَ لا خلافَ أنَّها كانت ثلاثةَ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ، وصيامَ عاشوراءَ، ولكنَّ كونَ صيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ مكتوبًا على هذه الأُمَّةِ قبلَ رمضانَ: يحتاجُ إلى دليلٍ يُثْبِتُ.\nوقولُه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾:\nأيْ: مَن كان مِن المكلَّفينَ مِن أهلِ الأعذارِ بسَفَرٍ أو مَرَضٍ، فلا حرَجَ عليه في الفِطْرِ، ويجبُ عليه أنْ يَقضيَ مكانَها أيَّامًا أُخَرَ.\nوقولُه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، المرادُ بالمرَضِ: الذي يَعجِزُ المكلَّفُ معه عن الصيامِ، أو يَقدِرُ ولكنْ بمشقَّةٍ تَضُرُّه، أو تؤخِّرُ بُرْءَ مَرَضِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>معنى السفر، وأنَّ الصواب في حدِّه العُرف، والحكمة من ذلك:</span>\nوالسَّفَرُ: هو ما سُمِّيَ سَفَرًا عُرْفًا، وقد تبايَنَتْ أقوالُ السَّلَفِ في حدِّه؛ لِتبايُنِهم في حدِّ العُرْفِ، وهذا مِن السَّعَةِ والرَّحْمةِ.\nوكثيرٌ مِن الفقهاءِ يجعلُ المنقولَ عن السَّلَفِ من الصحابةِ والتابعينَ أقوالًا متضادَّةً، يُبطِلُ أحدُها الآخَرَ، والأظهَرُ: أنَّ مِثْلَ هذا التبايُنِ منهم وهم عرَبٌ يُدرِكُونَ معنى السَّفرِ لو حُدَّ بشيءٍ مِن الوحيِ، لاستقرَّ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٥٧).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٥٨).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٥٧).","vol":"1","page":208},{"text":"واستفاضَ، والسَّفرُ ممَّا تَعُمُّ به البلوى لكلِّ أَحَدٍ، وعدمُ تقديرِ ذلك بالنصِّ وحَدِّهِ حدًّا بيِّنًا بالنصِّ المستفيضِ مع الحاجةِ إليه: دليلٌ على أنَّه أُحِيلَ إلى عُرْفِ الناسِ وعادتِهم، وهم يختلِفونَ زمنًا ومَنْزلًا وطبيعةً.\nوالسَّفَرُ به تسقُطُ أركانٌ للإسلامِ؛ كالصلاةِ والصيامِ؛ فيَذهَبُ شَطْرُ الصلاةِ، ويُجمَعُ وقتُ الثِّنتَيْنِ وقتًا واحدًا، ويُترَكُ صيامُ رمضانَ وهو ركنٌ، ومِثلُ هذا حقُّه بيانُ حدِّه بيانًا يَلِيقُ بمنْزلةِ الأركانِ؛ فكما نزَلَ النصُّ بيِّنًا بحياطتِها والإتيانِ بها، يجبُ أنْ يأتيَ النصُّ برفعِها وتركِها بحدٍّ مشابِهٍ، وهذا مقتضى إحكامِ الشريعةِ.\nومع ذلك: فإنَّ الشريعةَ أرادَتِ الإحالةَ إلى العُرْفِ قصدًا؛ تيسيرًا ورحمةً ورفعًا للحرج.\nوكثيرٌ من فقهاءِ السَّلفِ ربَّما أفتَوْا في نازلةٍ أنَّها سفرٌ، ولا يَعني أنَّ ما دُونَها ليس كذلك، فيُنقَلُ قولُ الواحدِ منهم في تلك النازلةِ على أنَّه حَدٌّ ضابِطٌ لأدنى السَّفَرِ، ويُنقَلُ على أنَّه قولٌ يضادُّ غيرَهُ، وربَّما أَفْتَى الواحدُ منهم بما يوافِقُ عُرْفَهُ وعُرْفَ أهلِ بلدِه؛ حيثُ أُحِيلَ الأمرُ إليه، فيُجعَلُ قولًا وحدًّا يُضادُّ غيرَهُ.\nولهذا تجدُ مِن فقهاءِ السَّلَفِ مَن يختلِفُ قولُهُ في حدِّ ما يُوصفُ به السَّفَرُ، فيُروى عه في ذلك قولانِ وثلاثةٌ، وتُنقَلُ على أنَّها أقوالٌ مختلِفةٌ، وما هي إلَّا قولٌ واحدٌ؛ إمَّا في نوازلَ مختلفةٍ لا تَعني أدنى مسافةِ السَّفَرِ، فحُمِلَتْ على أنَّها أقوالٌ متعدِّدةٌ، وإمَّا أنَّ العرفَ تبايَنَ؛ لاختلافِ الجهةِ المقصودةِ في السَّفَرِ، فبعضُ السَّلَفِ يفرِّقُ بين ما يسافِرُ إليه الناسُ ويَرجِعونَ مِن يومِهم، وبين ما يسافِرُونَ إليه ويمكُثُونَ فيه أيَّامًا، ولو كان الأخيرُ أقلَّ مسافةً، والأوَّلُ أطوَلَ، فيَجعلونَ الأوَّلَ ليس بسفرٍ، والثاني يجعلونَهُ سفرًا وإنْ كان أقصَرَ مسافةً، وكلُّها تَرجِعُ إلى العُرْفِ.","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>التتابُعُ في قضاءِ الصومِ:</span>\nوقولُه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ دليلٌ على عدمِ وجوبِ التتابُعِ في القضاءِ وبهذه الآية استدل أحمد على ذلك (١)؛ فاللهُ تعالى أمَرَ بالإتيانِ بالعَدَدِ، ولم يأمُرْ بالزيادةِ عليه، وكما أنَّه لم يأمُرْ بالتعجيلِ بالقضاءِ، دَلَّ على أنَّ في الأمرِ سَعةً، ولكنَّنا نقولُ بتفضيلِ التعجيلِ، وكذلك بتفضيلِ التتابُعِ؛ لأنَّ التتابُعَ يقتضي تعجيلَ الأيَّامِ التاليةِ لأوَّلِ يومٍ يقضيه، والتعجيلَ يقتضي تتابُعَ الأيَّامِ كلِّها مع أوَّلِ استطاعةٍ بعدَ رمضانَ.\nوالتَّعجيلُ مستحَبٌّ، والقولُ بوجوب التتابُعِ مرجوحٌ، ولا تعضُدُهُ الأدلَّةُ ولا القياسُ؛ فالإنسانُ ربَّما يُفطِرُ أيَّامًا مِن أوَّلِ رمضانَ وأيَّامًا مِن أوسطِهِ وآخِرِه، والإلزامُ بِجَعْلِ القضاءِ متتابِعًا؛ لأنَّ القضاءَ يحكي الأداءَ: لا يتَّفقُ هنا؛ فكيف يُؤمَرُ بالمتابَعَةِ بينَ أيَّامٍ ليستْ متتابِعةً في الأداءِ؟ ! ثم إنَّ الدليلَ دلَّ على تفاضُلِها فيما بينَها؛ فلأوَّلِ رمضانَ فضلٌ يختلِفُ عن أوسطِه وعن آخِرِه؛ كما جاء في بعضِ الأخبارِ، وليالِيهِ تتفاضَلُ وكذلك أيَّامُه، وأكثرُ المفسِّرينَ والفقهاءِ مِن السَّلَفِ على عدمِ وجوبِ التتابُعِ في القضاءِ.\nروى ابنُ أبي حاتم، عن داوُدَ بنِ أبي هِنْدٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ: \"إِنْ شَاءَ تَابَعَ، وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ؛ لأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ \" (٢).\nوقد صحَّ هذا المعنى عن غيرِ واحدٍ مِن الصحابةِ؛ أنَّ المقصودَ هو إحصاءُ أيَّامِ القضاءِ عَدًّا، وليس الإتيانَ بها سَرْدًا؛ فقد صَحَّ عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ وأبي هُرَيْرةَ؛ قالا في قضاءِ رَمَضانَ: \"فَرِّقْهُ إنْ شئتَ، حَسْبُكَ إذا أحصيتَهُ\" (٣).\n_________\n(١) مسائل ابن هاني (١/ ١٣٤)، ومسائل صالح (٢٦٣).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٠٦).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٧٦٦٤) (٤/ ٢٤٣).","vol":"1","page":210},{"text":"وذلك أنَّ اللهَ أمَرَ بالعَدَدِ، ولم يأمُرْ بصفةٍ يكونُ عليها العددُ.\nوهذا قول أكثرِ العلماءِ؛ فقد رُوِيَ عن أبي عُبَيْدةَ عامرِ بنِ الجَرَّاحِ، ومعاذٍ، وعمرِو بنِ العاصِ، وأَنَسٍ، وأبي هريرةَ.\nورُوِيَ أيضًا عن عَبِيدةَ السَّلْمانيِّ وعُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ وابنِ المسيَّبِ وسالمٍ وعطاءٍ وعِكْرِمةَ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ والنَّخَعيِّ وقتادةَ وطاوسٍ.\nوقال به مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وجماعةٌ من فقهاءِ الكوفةِ؛ كأبي حنيفةَ والثَّوْريِّ، ومِن أهلِ الشامِ؛ كالأوزاعيِّ (١).\nورُوِيَ عن بعضِ السَّلَفِ القولُ بالقضاءِ متتابعًا؛ كعليِّ، وابنِ عُمَرَ، وعُرْوةَ، والشَّعْبيِّ، وابنِ سِيرِينَ (٢).\nولكنَّ القولَ المرويَّ عنهم ليس صريحًا في الوجوبِ، كالمرويِّ عنِ ابنِ عمرَ فيما رواهُ نافعٌ؛ أنَّه كان يُتابعُ في قضاءِ رمضانَ (٣).\nوهذا إنَّما هو فعلٌ مجرَّدٌ يقولُ باستحبابِهِ غيرُهُ من الصحابِة، والمرويُّ عن عليِّ يَرْوِيهِ عنه الحارثُ الأعورُ (٤).\nواستحبابُ التتابُعِ هو فرعٌ عن استحبابِ التعجيلِ، والسَّلَفُ لا يختلِفونَ في فضلِ التعجيلِ.\nوتعجيلُ القضاءِ ولو متفرِّقًا أفضلُ من تأخيرِهِ متتابِعًا؛ لأنَّ المقصودَ إبراءُ الذِّمَّةِ، وإبراءُ الذِّمَّةِ أَولى مِن تحقُّقِ التتابعِ المتأخِّرِ.\nوالأمرُ بالتتابُع كان ثمَّ نُسِخَ؛ فقد روى عروةُ، عن عائشةَ؛ قالتْ: نزلَتْ: \"مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ متتابعاتٍ\"، ثم سقَطَتْ \"مُتَتَابعاتٍ\" (٥).\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٠٦).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٠٧).\n(٣) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٦٠).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٧٦٦٠) (٤/ ٢٤٢).\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٧٦٥٧) (٤/ ٢٤١).","vol":"1","page":211},{"text":"ومعنى \"سقَطَتْ\"؛ يعني: نُسِختْ؛ إمَّا أنَّها قد نزَلَتْ لفظًا ومعنًى، فنُسِخَتْ جميعًا، أو أنَّها نزلَتْ مفسَّرةً بالتَّتابُعِ، ثم نُسِخَ الأمرُ بها، وإلَّا فإنَّ الأمرَ المجرَّدَ في قولِه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ لا يُفهَمُ منه صراحةً الأمرُ بالتتابُعِ وحدَه؛ وإنَّما يُؤخَذُ منه الإحصاءُ.\nوبعضُ آيِ القرآنِ يَنْزِلُ ويَتْبَعُهُ تفسيرُهُ وبيانُهُ؛ وذلك في المواضعِ التي تحتاجُ إلى زيادةٍ على الحكمِ الظاهرِ؛ ولذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨، ١٩]، وبيانُ القرآنِ بنزولِهِ أصلًا على لغةِ قريشٍ، وأفصَحُ مَن يَفْهَمُها نبيُّ اللهِ - ﷺ -، وما احتمَلَ معنَيَيْنِ صحيحَيْنِ لغةً ونزَلَ القرآنُ على أحدِهما بيَّنه اللهُ لنبيِّهِ - ﷺ - إحكامًا وبيانًا، وما خَرَجَ عن ذلك، فهو مِن مواضعِ السَّعَةِ والرَّحمةِ بالأمَّةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>تأخيرُ قضاءِ الصومِ:</span>\nوأمَّا المريضُ والمسافِرُ، فإنَّه يقضي ذلك اليومَ، لان لم يَقْضِ وهو مستطيعٌ للقضاءِ، حتَّى أتى عليه رمضانُ القادمُ؛ فهل يأثمُ أم لا؟\nاتَّفَقَ العلماءُ: على أنَّه ينبغي المبادَرَةُ والمسابَقَةُ؛ لأنَّ الإنسانَ لا يَعلَمُ ما يَعرِضُ له، لكنَّهم اختلَفُوا في الإثمِ، وهل يَجِبُ عليه أنْ يقضيَ قبلَ إتيانِ رمضانَ القادمِ؟ على قولَيْنِ للعلماءِ:\nذهَبَ جمهورُ العلماءِ، وهو قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ: إلى أنَّه يجبُ القضاءُ قبلَ رمضانَ القادمِ؛ وذهبَ إلى هذا عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ، وعبدُ اللهِ بنُ عُمرَ، وغيرُهما.\nوذهب ابنُ مسعودٍ، والنَّخَعيُّ، والحسنُ، وطاوسٌ، وحمادُ بنُ أبي سُلَيْمانَ، والبخاريُّ، وابنُ حَزْمٍ، وهو قولٌ لأبي حنيفةَ: إلى أنَّه لا يأثمُ، ويجوزُ أن يؤخِّرَهُ إلى ما بعدَ ذلك؛ وهو الصوابُ.\nولا دليلَ على وجوبِ القضاءِ قبلَ أنْ يأتيَ رمضانُ القادمُ،","vol":"1","page":212},{"text":"والاستحبابُ بالتعجيلِ لا خلافَ فيه، والأصلُ: البراءةُ مِن الإثمِ، فإذا رُخِّصَ له بالفِطْرِ في رمضانَ، ووُسِّعَ له في ذلك، فإنَّ الشارعَ أَولى بأن يرخِّصَ له ويوسِّعَ في القضاءِ؛ فإنَّ رمضانَ محدَّدٌ بأيامٍ، ومَن ألزَمَ قبلَ رمضانَ الآتي، حدَّدَ القضاءَ بأيَّامٍ معلومةٍ، وهذا يفتقِرُ إلى دليلٍ خاصٍّ.\nواتَّفَقَ العلماءُ على أنَّ المريضَ والمسافِرَ لا يَقْضِيانِ ولا يُطْعِمانِ؛ إذا لم يكُنْ قضاؤُهما بعدَ رمضانَ الآتي، وإذا كان بعدَ الآتي ولكن كان المرَضُ مستمِرًّا أو السَّفَرُ متَّصِلًا، فيجبُ القضاءُ بلا إطعامٍ.\nوقولُه تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾:\nرُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّه كان يَقرؤُها: \"وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ\" (١)، والقراءةُ الأُولى متواتِرةٌ، وهي الأشهرُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>مراحلُ تشريعِ صومِ رمضان:</span>\nكان صيامُ رمضانَ في ابتداءِ الأمرِ على التخييرِ؛ فمَنْ شاءَ صامَ، ومن شاءَ أفطَرَ وأطعَمَ؛ جاء هذا في حديثِ ابنِ أبي ليلى، عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ (٢).\nونسَخَ اللهُ تعالى التخييرَ بالآيةِ التاليةِ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ روى البخاريُّ ومسلمٌ، عن يَزِيدَ مَوْلى سَلَمةَ بنِ الأَكْوَعِ، عن سَلَمةَ بنِ الأَكْوَعِ؛ أنَّه قال: \"كنَّا في عهدِ رسولِ اللهِ - ﷺ - مَنْ شاءَ صام، ومَنْ شاءَ أفطَرَ وافتَدَى بطعامِ مِسْكِينٍ، حتَّى أُنزِلَتْ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] \" (٣).\nورُوِيَ هذا عن عَلقمةَ وعطاءٍ وعِكْرِمةَ والحسَنِ والشَّعْبيِّ والزُّهْريِّ وغيرِهم.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٥٠٥) (٦/ ٢٥).\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) أخرجه البخاري (٤٥٠٧) (٦/ ٢٥)، ومسلم (١١٤٥) (٢/ ٨٠٢).","vol":"1","page":213},{"text":"ورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ بسنَدٍ ليِّنٍ.\nوقد نسَخَ اللهُ التخييرَ وأَبْقَى أهلَ الأعذارِ؛ كالمريضِ والمسافِرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>المعذورون بِتَرْكِ الصومِ مع الطاقة:</span>\nوحمَلَ بعضُهُمْ قولَهُ تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ على الشيخِ الكبيرِ والمرأةِ العجوزِ، وهم مَن يُطِيقُ الصومَ، فرخَّص اللهُ لهما بالفِطْرِ، ولِمَنْ في حُكْمِهما؛ كالحامِلِ والمرضِعِ وشبْهِهما، ثمَّ نسَخَ اللهُ - ﷿ - التَّخييرَ لهما، ورخَّصَ لهما عندَ المشقَّةِ والخوفِ على الصِّحَّةِ والنَّفْسِ أو الخوفِ على الوَلَدِ.\nفقد روى ابنُ جريرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ؛ قال: \"كان الشَّيْخُ الكبيرُ والعَجُوزُ الكَبِيرةُ وهما يُطِيقَانِ الصَّوْمَ، رُخِّصَ لهما أنْ يُفطِرَا إنْ شاءَا ويُطْعِمَا لكلِّ يومٍ مِسْكِينًا، ثمَّ نُسِخَ ذلك بعد ذلك: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وثبَتَ للشيخِ الكبيرِ والعجوزِ الكبيرةِ، إذا كانا لا يُطيقانِ الصَّوْمَ، وللحُبْلَى والمُرْضِعِ إذا خَافَتا\" (١).\nومِن السَّلَفِ مَنْ يرى التخييرَ للحامِلِ والمرضِعِ باقيًا ولو بلا مشقَّةٍ؛ رُوِيَ هذا عن قَتَادةَ، عن عِكْرِمةَ؛ قال: \"نُسِخَتِ الرُّخْصةُ عن الشَّيْخِ والعجوزِ إذا كانا يُطِيقانِ الصَّوْمَ، وبَقِيَتِ الحامِلُ والمرضِعُ أن يُفطِرَا ويُطعِما\" (٢).\nوالأظهَرُ: اشتراكُ الشيخِ والعجوزِ في حكمِ الحاملِ والمرضِعِ، وأمَّا التفريقُ بينَهم مع اشتراكِهم في التخييرِ وهم ممَّن يُطِيقُ، والتفريقُ بينَهم بعدَ النسخِ بعيدٌ؛ فيكونُ حكمُهم جميعًا قبل النسخِ التخييرَ، وبعدَ النسخ عند المشقَّةِ والخوفِ على النَّفْسِ أو على الولدِ، فمتى وُجدَتْ، جازَ الفِطرُ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٦٧).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٦٨).","vol":"1","page":214},{"text":"ورُوِيَ عن مجاهدٍ القولُ بعَدَمِ نسخِ الآيةِ، وهو قولٌ لابنِ عبَّاسٍ - ﵁ -، وحمَلَ معناها على المشقَّةِ في الصيامِ مع القدرةِ عليه؛ فروى ابنُ أبي حاتمٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: \"لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، لا يُرَخَّصُ هَذَا إِلا لِلْكبِيرِ الَّذِي لا يُطِيقُ، أَوْ مَرِيضٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يَشْفَى\" (١).\nوهو المعنى الذي يقولُ به مَن قال بالنسخِ، ولكنَّ مجاهِدًا يفرِّقُ بين الشيخِ الكبيرِ والحاملِ والمرضعِ في القضاءِ، فيُلزِمُهُ على الحاملِ والمرضِعِ، ويَرفعُهُ عن الشيخِ الكبيرِ، ويَجعلُ عليه الإطعامَ فقطْ، ومرادُهُ أنَّ الشيخَ الكبيرَ إنَّما أفطَرَ لكِبَرِهِ، والكِبَرُ لا يَرتفِعُ بل يزيدُ، بخلافِ الحملِ والرَّضَاعِ، فهو عارضٌ ويزولُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>فِطْرُ الحاملِ والمُرْضِعِ:</span>\nوالعلماءُ يَختلِفونَ في أمرِ الحاملِ والمرضعِ؛ هل يجبُ عليهما القضاءُ والإطعامُ جميعًا، أو يجبُ عليهما أحَدُهما؟\nوإنَّما وقَعَ عندَهم الخلافُ: أنَّ منهم مَن جعَلَ الحَمْلَ والرَّضَاعَ عِلَّةً وعذرًا عارضًا كالسَّفَرِ، فلا يجبُ على الإنسانِ إلَّا القضاءُ، وأنَّ الحاملَ والمرضِعَ يختلِفانِ عن الشيخِ الكبيرِ؛ وذلك لأنَّ عُذْرَهُ دائمٌ أو غالبٌ، وهما كحالِ المسافرِ المطيقِ للصومِ، ولكنَّه يَشُقُّ عليه أو يَشُقُّ على رفقتِهِ لو صامَ فيُفطِرُ ويَقضي فقطْ، قالوا: وهكذا الحامِلُ والمرضِعُ.\nومنهم مَن جعلَ حُكْمَهما مقصودًا في الآيةِ، ولم يحتَجْ إلى القياسِ؛ فأوجَبَ الإطعامَ، فمنهم مَن جعَلَ معه القضاءَ، ومنهم مَن لم يجعَلْ معه القضاءَ، والخلافُ عندَهم على قَولَيْنِ:\nالقولُ الأوَّلُ: ذهَبَ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ: إلى أنَّ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٧٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٠٨).","vol":"1","page":215},{"text":"المرضِعَ والحامِلَ عليهما أن يُطْعِمَا عن كلِّ يومٍ مسكينًا، ولا يجبُ عليهما القصاءُ؛ سواءٌ خافَتا على نفسَيْهِما، أو خافَتا على ولدَيْهِما، وهذا رُوِيَ عنهما؛ كما رواهُ البيهقيُّ في \"سُنَنِه\"، وكذا عبدُ الرزَّاقِ بأسانيدَ صحيحةٍ صحَّحَها الدارقطنيُّ وغيرُه.\nروى الدارقطنيُّ عن أيُّوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمرَ: \"أنَّ امرأتَهُ سألَتْهُ وهي حُبْلَى، فقال: أَفْطِرِي، وأَطْعِمِي عن كلِّ يومٍ مِسْكِينًا، ولا تَقْضِي\" (١).\nوبنحوِه عن سعيدِ بنِ حُبَيْرٍ عن ابنِ عبَّاسٍ (٢).\nولابنِ عبَّاسٍ قراءةٌ في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾؛ قال: \"يُطَوَّقُونَهُ\"؛ مِن الطَّوْقِ الذي يحاطُ بالعُنُقِ؛ أي: يستطيعُ الصيامَ مع المشقَّةِ؛ كأنَّه قد أحاطَ بعنقِهِ، فيستطيعُ الصومَ مع الكُلْفةِ؛ كالشيخِ الكبيرِ، والمرأةِ العجوزِ، والحامِلِ، والمرضِعِ؛ لهذا عليه أن يُطعِمَ على هذا المعنى.\nوقد قرأَ بها حَفْصةُ، وسعيدُ بنُ المسيَّبِ، وعِكْرِمةُ مَوْلى عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وعطاءٌ، ومجاهدٌ، وغيرُهم، ولم يقرَأْ بها أحدٌ من العَشَرةِ؛ لمخالفتِها الرَّسْمَ.\nوعلَّلَ بعضُهم ترجيحَ هذا القولِ: أنَّ فيه دفعًا لمشقَّةٍ كبيرةٍ على المرأةِ الحامِلِ والمرضِعِ، قالوا: يحصُلُ كثيرًا أن تُنجبَ المرأةُ خمسةَ أولادٍ مثلًا على التتابُعِ؛ فتكونُ المرأةُ سَنَةً حاملًا وسنتَينِ مُرضِعًا في كلِّ ولَدٍ مِن أولادِها، فهذه خمسَ عَشْرةَ سنةً بين حملٍ وإرضاعٍ، فإيجابُ القضاءِ عليها أن تصومَ خمسةَ عشَرَ شهرًا فيه حرَجٌ بالغٌ وشديدٌ، فكيف إذا زادَتِ المرأةُ على خمسةِ أولادٍ؟ !\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٢٣٨٨) (٣/ ١٩٨).\n(٢) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٢٣٨٢) (٣/ ١٩٦).","vol":"1","page":216},{"text":"ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ خلافُه.\nالقولُ الثَّاني: ذهَبَ أحمدُ والشافعيُّ، ومالكٌ وأبو حنيفةَ: إلى أنَّ المرضِعَ والحامِلَ يجبُ عليهما أن يَقْضِيَا، واختُلِفَ في الإطعامِ، والحاملُ والمرضعُ في ذلك على حالَيْنِ:\nأوَّلًا: إذا خافَتا على نفسَيْهِما؛ فهما يُقاسانِ على المريضِ باتفاقِ الأئمَّةِ الأربعةِ.\nثانيًا: إذا خافَتَا على ولدَيْهِما؛ كأنْ تكونَ المُرضِعُ قد جَفَّ حليبُها، وتخشى أنَّها إن لم تَطْعَمْ، قَلَّ دَرُّها وتضرَّرَ صبيُّها، أو تكونَ حاملًا وتتناولَ علاجًا لصبيِّها في بطنِها:\nفذهَبَ أحمدُ وهو المشهورُ مِن مذهبِه، وهو قولُ الشافعيِّ في روايةِ المُزَنيِّ: إلى أنَّها تُفطِرُ وتُطعِمُ وتَقضي، واستَدَلَّ بقولِ اللَّهِ - ﷿ -: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.\nوهذا القولُ لم يَصِحَّ القولُ به عن أحدٍ من السَّلَفِ - فيما أعلمُ - إلَّا مجاهدَ بنَ جَبْرٍ، وحكاهُ ابنُ أبي حاتمٍ عن بعضِ العراقيِّينَ؛ كالحسنِ والنَّخَعِيِّ في قولٍ له.\nروى ابنُ أبي حاتمٍ، عن عُثْمانَ بنِ الأَسْوَدِ؛ قَالَ: سَأَلْتُ مجاهِدًا عن امْرَأَتِي، وكَانَتْ حَامِلًا، فوافَقَ تاسعُها شَهْرَ رَمَضانَ فِي حَرٍّ شديدٍ، فشَكَتْ إليَّ الصَّوْمَ، قد شَقَّ عليها، قالَ: \"مُرْهَا، فَلْتُفْطِرْ وَتُطْعِمْ مِسْكِينًا كُلَّ يَوْمٍ، فَإِذَا صَحَّتْ فَتَفْضِ\" (١).\nقال أبو عبدِ اللهِ المروزيُّ: \"لا نعلمُ أحدًا صَحَّ عنه أنَّه جمَعَ عليهما الأمرَيْنِ: القضاءَ والإطعامَ، إلَّا مجاهدًا\".\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٠٨).","vol":"1","page":217},{"text":"ورُوِيَ عن عطاءٍ وابنِ عمرَ؛ ولا يصحُّ.\nوذهبَ أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، وهو قولُ الحسَنِ البَصْريِّ، وعطاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ، والضَّحَّاكِ، والنَّخَعيِّ، والزُّهْريِّ، وربيعةَ، والأوزاعيِّ، والليثِ، وأبي ثورٍ، وأبي عُبيدٍ، والطبريِّ: إلى أنَّ عليهما القضاءَ بلا إطعامٍ.\nوهو الأوجَهُ؛ فإنَّ ما في بطنِ المرأةِ الحاملِ منها كعضوٍ مِن أعضائِها، غيرُ منفصِلٍ عنها، وقد تؤثِّرُ صِحَّتُها عليه وصحَّتُهُ عليها، وكذلك المرضِعُ؛ فعليها إرضاعُهُ، وهو جهدٌ تبذلُهُ لِحَقِّ غيرِها، كالجهدِ الذي تبذُلُهُ لكفايةِ أهلِ بيتِها من طَبْخٍ وغَسْلٍ، فإذا كانتِ المرأةُ إذا صامَت تَعجِزُ عن الطَّبْخِ لأهلِ بيتِها بسببِ ضَعْفٍ في بدنِها، جاز لها الفِطْرُ، وكذلك المرأةُ المرضِعُ.\nوهذا الذي يعضُدُهُ ظاهرُ الدليلِ والقياسُ الصحيحُ.\nولابنِ عبَّاسٍ وابنِ عُمَرَ قولٌ بوجوبِ القضاءِ فقطْ في الحالَيْنِ:\nروى عبدُ الرزَّاقِ في \"مصنَّفِه\"؛ من حديثِ ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّه قال بالقضاءِ (١).\nوروى البيهقيُّ في \"السُّننِ\" عن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ عثمانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ؛ مِثلَه.\nروى أنسُ بنُ مالكٍ الكَعْبيُّ، قال: أتَيْتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - فوَجَدتُّهُ يتغدَّى، فقال: (ادْنُ فَكُلْ)، فقلتُ: إنِّي صائمٌ، فقال: (ادْنُ أُحَدِّثْكَ عَنِ الصَّوْمِ، أَوِ الصِّيَامِ؛ إِنَّ اللهَ تَعَالَى وَضَعَ عَنِ المُسَافِرِ الصَّوْمَ، وَشَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الحَامِلِ أَوِ المُرْضِعِ الصَّوْمَ، أَوِ الصِّيَامَ)؛ رواهُ أحمدُ\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٧٥٦٤) (٤/ ٢١٨).","vol":"1","page":218},{"text":"والتِّرمِذيُّ والنَّسَائيُّ وابنُ ماجهْ؛ وصحَّحه ابنُ خُزَيْمةَ (١).\nوقد قرَنَ النبيُّ - ﷺ - الحامِلَ والمرضِعَ بالمسافرِ في وضعِ الصيامِ، ويجبُ على المسافِرِ القضاءُ، وكذلك المرضعُ والحامِلُ، وفي حديثِ أَنَسٍ اختلافٌ.\nوقولُ اللهِ تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] دليلٌ على أنَّه لا يُعذَرُ بالفِطْرِ مِن غيرِ بدَلٍ، إلَّا العاجزُ عجزًا دائمًا.\nوقد روى البُوَيْطِيُّ عن الشافعيِّ ذلك؛ أنَّ الحاملَ لا إطعامَ عليها، وهي كالمريضِ تقضي عِدَّةً مِن أيَّامٍ أُخَرَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>مقدارُ الإطعامِ عن رمضانَ:</span>\nوقولُه: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: الفِدْيةُ: الجزاءُ؛ فَدَيْتُ هذا بهذا؛ أيْ: جزَيْتُهُ به، وأعطيتُهُ بدلًا منه.\nوأكثرُ مفسِّري السَّلَفِ يجعَلونَ الطعامَ مقدارَ نصفِ صاعٍ؛ لأنَّه هو الغالبُ في حدِّ الكفايةِ لطعامِ الواحدِ، وليس المرادُ به هو عدَمَ جوازِ ما دونَه حتَّى لو كَفَى المسكينَ، فلا أحدَ مِن السَّلفِ ينفي اعتبارَ الكفايةِ، فلو كَفَي المُدُّ للجائعِ، جاز.\nولم يأتِ تقديرُ الإطعامِ عن رسولِ اللهِ - ﷺ - بشيءٍ.\nوقولُه: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ﴾، فأحالَ الأمرَ إلى الفداءِ، وهو الجزاءُ المساوي، وهذا إحالةٌ إلى العُرْفِ؛ فكما أنَّه لم يقيِّدْ أَمْرَ الإطعامِ بجنسٍ أو نوعٍ، فهو لم يحدِّدْ مقدارَهُ، فالاعتبارُ إنَّما هو بما جرَتْ عليه العادةُ، فيُطعِمونَ مِن أوسطِ ما يُطعِمون أَهْلِيهم.\nويؤيِّدُ هذا قولُهُ تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٩٠٤٧) (٤/ ٣٤٧)، والترمذي (٧١٥) (٣/ ٨٥)، والنسائي (٢٢٧٥) (٤/ ١٨٠)، وابن ماجه (١٦٦٧) (١/ ٥٣٣).","vol":"1","page":219},{"text":"[المائدة: ٨٩]؛ وهذا في كفَّارةِ الأَيْمانِ، وعامَّةُ المفسِّرينَ مِن السَّلَفِ في هذه الآيةِ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾ [المائدة: ٨٩] يذكُرونَ نوعَ الطعامِ ويفصِّلونَ فيه، وكلٌّ يفسِّرُهُ بنوعٍ بحسَبِ عُرْفِ بلدِه؛ لأنَّ المِقْدارَ عندَهم لم يَحُدَّهُ الشارعُ كزكاةِ الفِطْرِ؛ فأرجَعُوهُ إلى العُرْفِ.\nويذكُرُ أكثرُهم نصفَ الصاعِ مِن غيرِ الطعامِ المطبوخِ؛ للتغليبِ، وما دونَهُ فيه شكٌّ.\nوأمَّا إذا كان الطعامُ طبيخًا، فلا يَحُدُّهُ أحدٌ منهم بشيءٍ إلَّا بما يتحقَّقُ منه الإطعامُ، وهو الشِّبَعُ.\nوقد يتجوَّزُ بعضُهم بالمقدارِ دونَ نصفِ الصاعِ؛ لذا قال ابنُ عمرَ بالمُدِّ في إطعامِ الحامِلِ والمرضِعِ، وقال ابنُ المسيَّبِ بالمُدِّ من الحِنْطةِ، وهذا الذي يَجري عليه عملُ أهلِ المدينةِ:\nفروى إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: أنَّ المُدَّ يُجزِئُ بالمدينةِ.\nوبيَّنَ مالكٌ: أنَّ الأمرَ إلى العُرْفِ بقولِه: \"وأمَّا البُلْدانُ، فإنَّ لهم عَيْشًا غيرَ عيشِنا؛ فأرى أنْ يُكفِّروا بالوسَطِ مِن عيشِهم\" (١).\nوجاء عن غيرِ واحدٍ مِن السَّلَفِ مِن المفسِّرينَ عمومُ الإفطارِ؛ كابنِ عبَّاسٍ وغيرِه.\nوأكثَرُ الفقهاءِ مِن الصحابةِ والتابعينَ على هذا، وبعضُهم يذكُرُ مقاديرَ وأنواعًا متبايِنةً؛ لتبايُنِ العرفِ وتنوُّعِ الأصنافِ التي يستعملُها الناسُ في البلدِ الواحدِ، واختلافُ الزَّمَنِ له أثرٌ أيضًا.\nوالإطعامُ في سائرِ الأبوابِ - في الصيامِ أو الكفَّاراتِ - مقدارُهُ واحدٌ سواءٌ عندَ العلماءِ.\n_________\n(١) \"المدونة\" (١/ ٥٩١).","vol":"1","page":220},{"text":"قال ابنُ عبدِ البرِّ في \"الاستذكارِ\": \"الفقهاءُ في الإطعامِ في هذا البابِ، وفي سائرِ أبوابِ الصيامِ وسائرِ الكفَّاراتِ، على أصولِهم؛ كلٌّ على أصلِهِ، والأطعامُ عندَ الحجازيِّينَ مُدًّا بمُدِّ النبيِّ، وعندَ العراقيِّينَ نصفَ صاعٍ\" (١).\nوتفسيرُ بعضِهم الفِدْيةَ في كفارةِ الصيامِ بنصفِ صاعٍ؛ كمجاهِدٍ وغيرِه؛ للاحتياطِ، وأنَّ الأغلبَ أنَّ في نصفِ الصاعِ كفايةً، وهذا ما يَظهرُ مِن النصِّ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾؛ يعني: مَن زاد في الإطعامِ ليحتاطَ، فهو خيرٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>كلُّ ما لم يقدِّرْهُ الشارعُ، مردُّهُ إلى العرف:</span>\nوهكذا كلُّ ما لم يقدِّرْهُ الشارعُ بشيءٍ معيَّنٍ، فمَرَدُّهُ إلى العُرْفِ؛ كطعامِ المرأةِ والولَدِ، والمملوكِ والأجيرِ بمِلْءِ بطنِه، وهكذا الكِسْوةُ، وحقُّ الضيفِ، وحقُّ الضيافةِ المشروطةِ على أهلِ الذِّمَّةِ.\nولهذا: فمَن جمَعَ مساكينَ على وَلِيمةٍ، فأكَلُوا منها بلا مِقدارِ حتَّى شَبِعُوا، أجزَأَهُ بعَدَدِهم، ولو كان من الأَرُزِّ أو الخبزِ أو المأكولاتِ الحديثةِ من (السَّنْدَوِتْشاتِ) وغيرِها؛ وهذا الذي يجري عليه قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ، وقولُ أحمدَ في روايةٍ.\nثمَّ إنَّ اللهَ أمَرَ بالإطعامِ، ولم يأمُرْ بالتمليكِ؛ لا كحالِ زكاةِ الفِطْرِ؛ فزكاةُ الفطرِ تمليكٌ للمِسْكِينِ، ولا يَلزَمُ مِن ذلك أَكْلُه، وأمَّا الكفارةُ فهي إطعامٌ، ويكفي في ذلك تحقُّقُه بأيِّ نوعٍ وبأيِّ مقدارٍ؛ ما أشبَعَ الجائعَ.\nولا حرَجَ على مَن عليه فِدْيةٌ متعدِّدةٌ إخراجُها مرَّةً واحدةً؛ فقد روى الدارقطنيُّ؛ مِن حديثِ سعيدِ بنِ أبي عَرُوبةَ وهشامٍ، عن قَتَادةَ، عن أنَسِ بنِ مالكٍ: \"أنَّه كَبِرَ، فأمَرَ أن يُطعَمَ عنه؛ عن كلِّ يومٍ مسكينًا، فأطعَمَ عن ثلاثينَ يومًا\" (٢).\n_________\n(١) \"الاستذكار\" (١٠/ ٢٢٤).\n(٢) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٢٣٩١) (٣/ ١٩٩).","vol":"1","page":221},{"text":"وقولُه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾:\nالتطوُّعُ: هو التنفُّلُ والزيادةُ على الفَرْضِ، والمرادُ به هنا: الزيادةُ على القَدْرِ الواجبِ مِن الإطعامِ، فمَن زادَ على الأكلِ الذي يكفي الواحدَ - كمَن تصدَّقَ بصاعٍ - فهو خيرٌ وأفضلُ.\nرُوِيَ هذا عن ابنِ عَبَّاسٍ ومُجَاهدٍ، وطاوُسٍ وعطاءٍ والحسَنِ، وغيرِهم (١).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nالشَّهْرُ: مِن ارتفاعِ الشَّيْءِ وظهورِه؛ يقالُ: \"شهَرَ الرَّجُلُ سَيْفَهُ: انتَضَاهُ ورفَعَهُ على الناسِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>أصلُ تسميةِ رمضانَ:</span>\nورمضانُ هو الشَّهْرُ القَمَريُّ التاسعُ، واختُلِفَ في سببِ تسميتِه برمضانَ؛ على أقوالٍ:\nفقيل: لأنَّ وقتَ فرضِه كان وقتَ حرٍّ شديدٍ.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٠٩).","vol":"1","page":222},{"text":"قال ابنُ دُرَيْدٍ: \"لمَّا نقَلُوا أسماءَ الشهورِ عن اللغةِ القديمةِ، أَسْمَوْها بالأزمنةِ التي وقعَتْ فيها، فوافقَ رمَضَانُ أيَّامَ رمَضِ الحرِّ وشِدَّتِه؛ فسُمِّيَ به\" (١)، ثم كَثُرَ استعمالُها في الأَهِلَّةِ، وإن لم تُوافِق ذلك الزمانَ.\nويُقالُ: إنَّ أولَ مَن سمَّاها بهذه الأسماءِ كِلَابُ بنُ مُرَّةَ مِن قُرَيْشٍ، واسمُ رَمَضانَ في الجاهليَّةِ: النَّاتِقُ أو النَّاطِلُ؛ مِن الناقةِ الناتِقِ؛ أيْ: كثيرةِ الولادةِ، أو مِن الناطِلِ وهو: كيلُ السَّوَائِلِ.\nويذكُرُ الفَلَكيُّونَ: أنَّ التسميةَ الجديدةَ للشهورِ وقعَتْ في الخريفِ، وهو ليس شديدَ الحَرِّ، وهذا يعكِّرُ عليه القولُ بتسميتِهِ لِشِدَّةِ الحرِّ كما قال ابنُ دُرَيْدٍ وغيرُه.\nوقيل: مأخوذٌ مِن رَمَضِ الصائمِ، وهو حَرُّ جَوْفِهِ مِن شِدَّةِ العطشِ.\nوقيل: لأنَّه يَرْمَضُ الذنوبَ ويَحْرِقُها بالرحمةِ والمغفرةِ التي تتنزَّلُ فيه؛ فرمضانُ مِن أعظمِ مكفِّراتِ الذنوبِ لمَنِ احتسَبَ صيامَهُ وقيامَه، وقد جاء في \"الصحيحَيْنِ\" مرفوعًا: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ) (٢)، فالصومُ يَرْمَضُ الذنبَ ويَحْرِقُهُ، كما أنَّ الصومَ يَرْمَضُ النَّفْسَ؛ فالجزاءُ مِن جنسِ العملِ.\nوقيل: هو مِن: رمَضْتُ النَّضْلَ أَرْمِضُهُ رَمْضًا: إذا دقَقْتَهُ بينَ حجرَيْنِ لِيَرِقَّ؛ سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّه شهرُ مشقَّةٍ ومكابَدةٍ، وعُسْرٍ وجُوعٍ، يذكِّرُ الصائمينَ بما يقاسِيهِ أهلُ النارِ فيها.\nوقيل: لأنَّهم كانوا يَرْمِضُونَ أسلحتَهم فيه - أيْ: يرقِّقُونَها - ليُحارِبوا بها في شَوَّالٍ قبلَ دخولِ الأشهُرِ الحرُمِ.\n_________\n(١) \"جمهرة اللغة\" لابن دريد (٢/ ٧٥١).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٨) (١/ ١٦)، ومسلم (٧٦٠) (١/ ٥٢٣)؛ من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":223},{"text":"ورُوِيَ عن بعضِ السَّلَفِ؛ كمجاهِدِ بنِ جَبْرٍ: أنَّ رمضانَ اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ تعالى.\nرواهُ سُفْيانُ عنه؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ (١).\nورواهُ ابنُ عساكِرَ في \"تاريخِ دِمَشْقَ\"، عن سُنَيْدِ بنِ داودَ، نا وكيعٌ، عن طَلْحةَ بنِ عَمْرٍو، عن مجاهدٍ؛ قال: \"لا تقولوا: رَمَضانُ، ولكن قولوا: شهرُ رَمَضانَ؛ لعلَّه اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ - ﷿ -\" (٢).\nوقد كَرِهَ مَن قالَ بأنَّ رَمَضانَ مِن أسماءِ اللهِ: أنْ يُطلَقَ رمضانُ على الشَّهْرِ دون أنْ يُجعَلَ مضافًا إليه، فلا يجوزُ أن يُقالَ: رمضانُ؛ وإنَّما تقولُ شهرُ رمضانَ؛ لأنَّه شهرُ اللهِ، وليس هو اللهَ.\nوهذا القولُ لا دليلَ عليه، ولا يثبُتُ شيءٌ في الوحيِ أنَّ رمضانَ مِن أسماءِ اللهِ، وأسماءُ اللهِ وصفاتُهُ توقيفيَّةٌ.\nوأمَّا ما روى ابن أبي حاتمٍ؛ قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ بكَّارِ بنِ الرَّيَّانِ، حدَّثنا أبو مَعْشَرٍ، عن محمَّدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، وسعيدٍ - هو المَقْبُريُّ - عن أبي هريرةَ، قال: \"لا تقولوا: رمضانُ؛ فإنَّ رمضانَ اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ تعالى، ولكنْ قولوا: شهرُ رمضانَ\" (٣):\nفمنكَرٌ لا يصحُّ؛ فأبو مَعْشَرٍ: هو نَجِيحُ بنُ عبدِ الرحمنِ المَدَنيُّ إمامُ المغازي والسِّيَرِ، وفيه ضَعْفٌ، وقد رواهُ ابنُه محمَّدٌ عنه، عندَ البيهقيِّ في \"سننِه\"؛ فجعلَهُ مرفوعًا عن أبي هريرةَ (٤).\nقال ابنُ كَثِيرٍ - ﵀ - لمَّا ساقَهُ في \"تفسيرِهِ\": \"وقد أنكرَهُ عليه الحافظُ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٨٧).\n(٢) \"تاريخ دمشق\" لابن عساكر (٢٦/ ٢٤٠).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣١٠).\n(٤) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٠١).","vol":"1","page":224},{"text":"ابنُ عَدِيٍّ، وهو جَدِيرٌ بالإنكارِ؛ فإنَّه متروكٌ، وقد وَهِمَ في رفعِ هذا الحديثِ\" (١).\nورُوِيَ عن أبي مَعْشَرٍ مِن قولِ محمَّدِ بنِ كَعْبٍ، وهو أشبَهُ؛ قاله البيهقيُّ (٢).\nوقد روى ابن النَّجَّارِ في \"كتابِهِ\"، وأبو طاهرِ بنُ أبي الصَّقْرِ في \"مَشْيَخَتِهِ\" خبرًا منكَرًا؛ مِن حديثِ أحمدَ بنِ عليِّ بنِ خَلَفٍ، حدَّثنا موسى بنُ إبراهيمَ الأنصاريُّ، حدَّثنا أبو معاويةَ الضَّرِيرُ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ - ﵂ -؛ قالت: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، ما معنى رمضانَ؟ فقال رسولُ اللهِ - ﷺ - (يَا حُمَيْرَاءُ، لَا تَقُولِي: رَمَضَانُ؛ فَإِنَّهُ اسْمٌ مِنْ أسْمَاءِ اللهِ، وَلَكِنْ قُولِي: شَهْرُ رَمَضَانَ؛ يعني: رمَضَانُ أَرْمَضَ فِيهِ ذُنُوبَ عِبَادِهِ، فَغَفَرَها)، قالتْ عائشةُ: فقُلْنا: شَوَّالٌ يا رسولَ اللهِ؟ فقال: (شَالَتْ لَهُمْ ذُنُوبُهُمْ، فَذَهَبَتْ) (٣).\nوهو خبرٌ منكَرٌ أيضًا (٤).\nوقد أعلَّ البخاريُّ الأحاديثَ الوارِدةَ في البابِ موقوفةً ومرفوعةً؛ حيثُ ترجَمَ، فقال: \"بابٌ: هل يقالُ: رمضانُ، أو شهرُ رمضان؟ ومَن رأَى كلَّه واسعًا\" (٥).\nوساق أحاديثَ في ذلك، منها: (مَن صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ) (٦)، ونحوُ ذلك.\nوقد ترجَمَ النَّسَائيُّ في \"سننِه\" نحوَ ذلك، فقال: \"بابُ الرُّخْصةِ في\n_________\n(١) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٥٠٢).\n(٢) ينظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٤/ ٢٠١).\n(٣) أخرجه أبو طاهر بن أبي الصقر في \"مشيخته\" (ص ١٢٦).\n(٤) ينظر: \"اللآلئ المصنوعة، في الأحاديث الموضوعة\" (٢/ ٨٣).\n(٥) \"صحيح البخاري\" (٣/ ٢٥).\n(٦) أخرجه البخاري (١٩٠١) (٣/ ٢٦).","vol":"1","page":225},{"text":"أنْ يُقالَ لشهرِ رمضانَ: رمضانُ\" (١).\nثمَّ أورَدَ حديثَ أبي بَكْرةَ مرفوعًا: (لَا يَقُولنَّ أحَدُكُمْ: صُمْتُ رَمَضَانَ، وَلَا قُمْتُهُ كُلَّهُ) (٢)، وغيرَه.\nوالأحاديثُ التي فيها ذِكْرُ رمضانَ مجرَّدًا تبلُغُ المِئِينَ، لكنَّ الغرَضَ يحصُلُ بحديثٍ واحدٍ.\nوقد كَرِهَ بعضُ السَّلَفِ أن يُجمَعَ رمضانُ؛ إذْ يُجمَعُ في العربيَّةِ على وزنِ جمعِ المؤنَّثِ السالمِ، وعلى أوزانِ جموعِ التكسيرِ؛ فيُقالُ: رَمَضَاناتٌ، ورَمَاضِينُ، وأَرْمِضَةٌ، وأَرْمِضَاءُ. . . إلى آخرِه.\nقولُه: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾:\nأُنزِلَ القرآنُ في رَمَضانَ بلا خلافٍ؛ وإنَّما اختَلَفوا في المرادِ بالآيةِ؛ هل هو نزولُهُ إلى السماءِ الدُّنْيا، أو نزولُهُ على النبيِّ - ﷺ - أوَّلَ ما نزَل بمكَّةَ؟:\nالقولُ الأوَّلُ: جاء عن ابنِ عبَّاسٍ والشَّعْبيِّ وغيرِهما؛ قال ابنُ عبَّاسٍ: \"أُنزِلَ القرآنُ كلُّهُ جُمْلةً واحدةً في ليلةِ القَدْرِ في رمضانَ إلى السماءِ الدُّنْيا، فكان اللهُ إذا أراد أن يُحدِثَ في الأرضِ شيئًا أنزَلَ منه، حتى جمَعَهُ\" (٣).\nورُوِيَ هذا بألفاظٍ مختلِفةٍ؛ رواه عنه سعيدُ بنُ جُبَيرٍ وعِكْرِمةُ ومِقسَمٌ (٤).\nوهو الأشهرُ من أقوالِ المفسِّرين.\n_________\n(١) \"سنن النسائي\" (٤/ ١٣٠).\n(٢) أخرجه النسائي (٢١٠٩) (٤/ ١٣٠).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٩٠).\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٩٠ - ١٩١).","vol":"1","page":226},{"text":"والقولُ الثاني: رُوِيَ عن الشَّعْبيِّ أيضًا وابنِ إسحاقَ في \"السِّيرَةِ\" وغيرِهما؛ والأوَّلُ أصحُّ عن الشَّعْبيِّ.\nروى ابنُ جريرٍ، عن داودَ، عن الشَّعبْيِّ؛ قال: \"بلَغَنا أنَّ القرآنَ نزَلَ جملةً واحدةً إلى السماءِ الدُّنيا\" (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ إشارةٌ إلى نزولِه إلى السماءِ الدُّنْيا فيها، وهذا محتمِلٌ أن يكونَ القرآنُ نزَلَ مجمَلًا إلى السماءِ الدُّنْيا في ليلةِ القدرِ، ونزَلَ أوَّلَ ما نزَلَ فيها أيضًا؛ فهدايةُ الناسِ وانتفاعُهم ببيِّناتِهِ، وكونُهُ فَيْصلًا وفُرْقانًا للحقِّ الملتبِسِ في عقولِهم عن الباطلِ، لا يكونُ إلَّا مع نزولِهِ على النبيِّ - ﷺ - في الأرضِ.\nويؤيِّدُ هذا قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣] فالإنذارُ المذكورُ في الآية: إمَّا وعدٌ بكونِهِ نذيرًا للناسِ عندَ نزولِه؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]؛ فيُحمَلُ على القولِ الثاني، وإمَّا إخبارٌ بأثَرِه في الناسِ عندَ نزولِه؛ فيُحمَلُ على القولِ الأوَّلِ.\nولا يختلِفُ القولُ الثاني عن القولِ الأوَّلِ؛ إذا قيلَ بأنَّ اللهَ أنزَلَهُ في ليلةِ القدرِ جملةً واحدةً، ثمَّ أنزَلَهُ فيها على نبيِّه - ﷺ -:\nفمَن قال بنزولِ القرآنِ إلى الأرضِ في ليلةِ القدرِ، لا يَنفي قولَ مَن قال: إنَّه نزَلَ جُمْلةً إلى السماءِ الدُّنيا، ولكنَّه يُثبِتُ معنًى زائدًا بعدَ الإنزالِ مجمَلًا.\nومَن قال: إنَّ المقصودَ إنزالُهُ جملةً في ليلةِ القدر، يسكُتُ ولا يَنفي نزولَهُ إلى الأرضِ في ليلةِ القدرِ؛ وهذا الذي يَظهَرُ مِن الأقوالِ المرويَّةِ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٩١).","vol":"1","page":227},{"text":"عن ابنِ عبَّاسٍ في هذا البابِ، ممَّا رواهُ ابنُ جَرِيرٍ والنَّسائيُّ والبيهقيُّ والحاكمُ والطَّبَرانيُّ.\nوالقرآنُ في اللَّوْحِ المحفوظِ قبلَ نزولِهِ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢]، وقد أنزَلَه اللهُ إلى السماءِ الدُّنيا جملةً كما سبَقَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>أصلُ تسمية القرآنِ:</span>\nواختَلَفوا في \"القرآنِ\"؛ هل هو مشتقٌّ أو لا؟:\nوقيل: هو اسم لكلامِه يَجري مجرى الأعلامِ في أسماءِ غيرِه.\nقال الشافعيُّ: \"القُرَانُ اسمٌ، وليس بمهموزٍ، ولم يُؤخَذْ مِن قَرَأْتُ، ولكنَّه اسمٌ لكتابِ اللهِ تعالى، مِثلُ التَّوْراةِ والإنجيلِ\"؛ رواهُ البيهقيُّ عنه كما في \"المناقبِ\".\nوقيل: إنَّه مشتقٌّ، واختُلِفَ في اشتقاقِهِ؛ فقيل: مأخوذٌ مِن قَرَنْتُ الشيءَ بالشيءِ: إذا ضمَمْتَ أحدَهما إلى الآخَرِ؛ فسُمِّيَ به؛ لاقترانِ السُّوَرِ والآياتِ والحروفِ؛ لذا يُقالُ للجمعِ بين التَّمرتَيْنِ: إقرانٌ، ويُقالُ للجمعِ بينَ الحجِّ والعُمْرةِ: قِرَانٌ.\nوالقرآنُ هدًى للناسِ يَهْدِيهم ويُرشِدُهم، وهو بيِّناتٌ مِن الهُدَى والفُرقانِ، يَفصِلُ الحلالَ عن الحَرَامِ، ويبيِّنُهُ ويَدْعو إليه؛ كلٌّ بقَدْرِهِ وقيمتِه؛ فمنه الحلالُ ومنه الحرام، والحرامُ منه الكبيرةُ ومنه الصغيرةُ، والحلالُ منه المأكولُ ومنه المشروبُ، ومنه المركوبُ ومنه الملبوسُ.\nوبيَّن اللهُ فيه الحدودَ وتفاصيلَها وأحوالَها، وأحوالَ فاعِليها في الدُّنيا والآخِرةِ.\nقولُه تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾:\nمَنْ كان حاضِرًا رمضانَ وليس هو من أهلِ الأعذارِ، فيجبُ عليه","vol":"1","page":228},{"text":"صومُهُ؛ وهذا هو الظاهرُ مِن الآيةِ، وفي حديثِ سلَمةَ بنِ الأَكْوَعِ في أنَّ الصيامَ كان أوَّلَ أمرِهِ على التخييرِ؛ مَنْ شاء صام رمضانَ، ومَن شاء أفطَرَهُ وأَطْعَمَ، ثمَّ أوجَبَهُ اللهُ بهذه الآيةِ؛ فالمقصودُ مِن شهودِ الشهرِ هو طلوعُ هلالِه على المكلَّفِ بلا عُذْرٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>السفرُ بعدَ رؤيةِ هلالِ رمضانَ:</span>\nورُوِيَ عن بعضِ السَّلَفِ: أنَّ المرادَ به: مَن رأى الهلالَ مقيمًا، وجَبَ عليه الصومُ، ولا يُعذَرُ بسفَرِه بعدَ ذلك للشهرِ كلِّه، ومِن بابِ أولى مَن أصبَحَ صائمًا، ثمَّ أرادَ السفرَ نهارًا: أنَّه لا يُفطِرُ؛ رُوِيَ هذا عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ، عن عَبِيدةَ السَّلْمَانِي، عَنْ عَلِيِّ؛ قَالَ: \"مَن أدْرَكَهُ رَمَضَانُ وَهُوَ مُقِيمٌ، ثُمَّ سَافَرَ بَعْدُ، لَزِمَهُ الصَّوْمُ؛ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ \" (١).\nورُوِيَ عن عَبِيدةَ السَّلْمانيِّ؛ رواهُ ابنُ جَرِيرٍ، عن محمَّدٍ، عن عَبِيدةَ - في الرَّجُلِ يُدرِكُهُ رمضانُ، ثمَّ يسافِرُ - قال: \"إذا شهِدتَّ أوَّلَهُ، فصُمْ آخِرَهُ؛ ألَا تراهُ يقولُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾؟ ! \" (٢).\nروى عبدُ الرزَّاقِ في \"المصنَّفِ\"؛ مِن حديثِ ابنِ سِيرينَ، عن عَبِيدةَ السَّلْمانيِّ؛ أنَّه قال: \"مَنْ سَافَرَ فِي رَمَضَانَ، وَقَدْ كَانَ صَامَ أَوَّلَهُ مُقِيمًا، فَلْيَصُمْ آخِرَهُ؛ ألَا تَسْمَعُ أَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ \" (٣).\nورُوِيَ هذا عن غيرِ واحدٍ مِن الصحابةِ بأسانيدَ لا تخلو مِن عِلَّةٍ؛ رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ، وجاء عنه خلافُهُ؛ وهو أصحُّ.\nوما جاء عن عائشةَ لا يُفيدُ الأمرَ بالصومِ لمَن رأى الهلالَ مقيمًا\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣١٢).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٩٣).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٧٧٥٩) (٤/ ٢٦٩).","vol":"1","page":229},{"text":"أن يصومَ في السَّفَرِ؛ وإنَّما هو فيمَن شهِدَ الهلالَ: ألَّا يسافِرَ وهو ليس على الإلزامِ؛ فروى ابنُ جريرٍ، عن أبي يَزِيدَ، عن أُمِّ ذَرَّةَ، قالتْ: \"أتيتُ عائشةَ في رَمَضانَ، قالتْ: مِن أين جِئْتِ؟ قلتُ: مِن عندِ أخي حُنَيْنٍ، قالتْ: ما شأنُه؟ قالتْ: ودَّعْتُهُ يُرِيدُ يرتحلُ، قالتْ: فأَقْرِئِيهِ السَّلَامَ، ومُرِيهِ فليُقِمْ، فلو أدركَني رمضانُ وأنا ببعضِ الطَّريقِ لَأَقَمْتُ له\" (١).\nوهذا ظاهرٌ في قولِها: \"لَأقَمْتُ لَهُ\"؛ لأنَّها تكرَهُ أنْ يرتكبَ الإنسانُ سببًا يُوجِبُ فِطْرَهُ وقد طلَعَ عليه الهلالُ حاضرًا.\nولعلَّها تريدُ دَفْعَ التساهلِ في صيامِ رمضانَ، والتغافُلِ عن ساعاتِهِ ولياليهِ الفاضلةِ بسَفَرٍ مُبَاحٍ أو طاعةٍ مرجوحةٍ، ولا خلافَ عندَ السَّلَفِ: أنَّ الإقامةَ في رمضانَ للصومِ والعبادةِ أفضلُ من السَّفَرِ المباحِ ولو صام فيه الإنسانُ؛ لأنَّه ولو صامَ ينشغلُ ويَعجِزُ عن بقيَّةِ الطاعاتِ؛ فكيف بمَن يُسافِرُ ويُفطِرُ؟ !\nوالمسافِرُ له الترخُّصُ بالفطرِ عندَ عامَّةِ السَّلَفِ، وأنَّ الصيامَ لا يجبُ عليه إذا دخَلَ عليه رمضانُ وهو حاضِرٌ؛ رُوِيَ هذا عن ابنِ المسيَّبِ والحسَنِ والنَّخَعيِّ، والحكَمِ وحمَّادٍ.\nفالمرادُ بالشهودِ هنا: شهودُهُ وحضورُ هلالِه مع التكليفِ بلا عذرٍ، وجَبَ على شاهِدِه صيامُهُ.\nوقد قال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ: مَن شَهِدَ رمضانَ وهو صحيحٌ عاقلٌ بالغٌ، فعليه صومُهُ، فإنْ جُنَّ بعدَ دخولِهِ عليه وهو بالصفةِ التي وصَفْنا، ثمَّ أفاقَ بعدَ انقضائِه، لَزِمَهُ قضاءُ ما كان فيه مِن أيَّامِ الشهرِ مغلوبًا على عقلِه؛ لأنَّه كان ممَّن شهِدَهُ وهو ممَّن عليه فُرِضَ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٩٥).","vol":"1","page":230},{"text":"قالوا: ومِثلُهُ مَن شَهِدَ رمضانَ وهو مكلَّفٌ؛ كمَن به جنونٌ حتى بَقِيَ مِن الشهرِ يومٌ، قالوا: يجبُ عليه قضاؤُه.\nقالوا: ومَن خرَجَ الشهرُ وهو مجنونٌ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، ثمَّ أفاقَ: لا يجبُ عليه شيءٌ؛ لأنَّه لم يَشْهَدْهُ.\nفمَن كان مِن أهلِ التكليفِ قبلَ رمضانَ، ثمَّ جُنَّ في رمضانَ، وأفاقَ بعدَهُ، يجبُ عليه القضاءُ بكلِّ حالٍ؛ وهذا الذي عليه فُتيا السَّلَفِ، وقد حكاهُ ابنُ جريرٍ إجماعًا (١).\nفالتكليفُ لا يرتبِطُ بشهودِ شيءٍ مِن الشهرِ؛ أوَّلَهُ أو آخِرَهُ؛ فالآيةُ تقصدُ الخطابَ بالتكليفِ أداءً لا قضاءً، والآيةُ ناسخةٌ للتخييرِ الذي كان عليه أمرُ الصومِ قبلَ ذلك، لا أنَّها مشرِّعةٌ تشريعًا ابتدائيًّا بلا علمٍ سابقٍ، فالصحابةُ يَعلَمونَ تشريعَ الصومِ وحالَهُ، والخطابُ إنَّما هو بالإلزامِ به لمَنْ شَهِدَهُ، ورُخِّصَ لأهلِ العذرِ بفِطْرِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>صومُ المريضِ:</span>\nوقولُه: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾:\nوالمرضُ الذي يَعجِزُ معه الإنسانُ عن الصومِ، أو يشُقُّ عليه مشقَّةً تُؤْذِيهِ، أو تُرجِئُ عنه الشفاءَ، فضلًا عن المرضِ الذي يخافُ معه على نفسِه؛ فكلُّ ذلك يجوزُ للإنسانِ أن يُفطِرَ لِأَجْلِه، ولا خلافَ عندَ السلفِ في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>حدود المرضِ المجيزِ للفطرِ:</span>\nوإنَّما يختلِفونَ في حدِّ المرضِ ووصفِهِ الذي يُوجِبُ الفِطْرَ؛ قال الحسَنُ والنَّخَعيُّ: \"إذا لم يَستطِعِ المريضُ أن يصلِّيَ قائمًا، أفطَرَ\" (٢).\nوقد قيّده أحمد بعدم الاستطاعة، فقيل له: مثل الحمى؟ قال: وأي\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٩٨ - ١٩٩).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٠٢).","vol":"1","page":231},{"text":"مرض أشد من الحمى؟ ! قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] (١).\nروى الربيعُ، عن الشافعيِّ: \"أنَّه كلُّ مرضٍ كان الأغلبُ مِن أمرِ صاحبِهِ بالصومِ الزيادةَ في عِلَّتِهِ زيادةً غيرَ مُحتمَلةٍ\" (٢).\nومرادُهُ: المرضُ الذي يُصيبُ عمومَ بدَنِهِ، فيُعجِزُهُ عن القيامِ، ولا يدخُلُ في هذا مرضُ القَدَمِ اللازمُ الذي لا يُؤذي بقيَّةَ البدنِ؛ مِن كسرٍ أو بترٍ دائمٍ لِقَدَمٍ يستطيعُ معه الإنسانُ الصومَ؛ فهذا مرضٌ للقَدَمِ، لا مرضٌ للبدَنِ ينتشِرُ في الجسمِ أذاهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>حكمُ صومِ المسافرِ:</span>\nوعامَّةُ السلفِ - وهو قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ -: أنَّ مَن صام وهو مسافِرٌ، انعقَدَ صيامُهُ.\nورُوِيَ عن بعضِ السلفِ: عدَمُ جوازِ الصيامِ في السفرِ وعدَمُ انعقادِه؛ وهذا يخالِفُ ظاهرَ القرآنِ والسُّنَّةِ.\nوخالَفَ في هذا قِلَّةٌ من الصحابةِ، وفي صِحَّتِهِ وصراحتِهِ عن مجموعِهم نظَرٌ.\nومَن غلَبَ على ظَنِّهِ الأذى وشدةُ المشقَّةِ، كُرِهَ أو حَرُمَ عليه الصومُ؛ قال أبو سعيدٍ مَوْلى المَهْريِّ: \"قَدِمْتُ مِن العمرةِ ومعي صَحْبٌ لي، فنَزَلْنا عندَ أبي هُرَيْرةَ - عليه رضوانُ اللهِ تعالى - بأرضِهِ، فأصبَحْنا مُفطِرِينَ إلا صاحبًا لنا، فجاء أبو هريرةَ - عليه رضوانُ اللهِ تعالى - في نصفِ النهارِ، ورأى صاحِبَنا يلتمِسُ بَرْدَ النَّخْلِ، فقال: ما بالُ صاحبِكم؟ قُلْنا: إنه صائمٌ، فقال أبو هريرةَ - عليه رضوانُ اللهِ تعالى -: \"أمَا يَعْلَمُ أنَّها رخصةٌ مِن اللهِ؟ ! لو مات، ما صَلَّيْتُ عليه\" (٣).\n_________\n(١) مسائل صالح (٢٧٤)، ومسائل أبي داود (١٣٦).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٠٢).\n(٣) أخرجه البوصيري في \"إتحاف الخيرة\" (٢٣٢٢) (٣/ ١١٤)، وابن حجر في \"المطالب العالية\" (١٠٣٨) (٦/ ٨٨).","vol":"1","page":232},{"text":"وهو صحيحٌ عنه.\nولا يُؤخَدُ منه وجوبُ الفِطْرِ؛ لأنَّ أبا هريرةَ قاله في حقِّ مَن قتَلَ نفسَهُ من الجوعِ.\nقال ابنُ المُنذِرِ - عليه رحمةُ اللهِ -: \"ورُوِيَ هذا عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ أنه قال: \"مَنْ صام في السَّفَرِ، قضَاهُ\"، ورُوِيَ نحوُهُ عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، ورُوِيَ عن عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، عليه رضوانُ اللهِ تعالى أنَّه قال: \"الصَّوْمُ في السَّفَرِ كالفِطْرِ في الحَضَرِ\"، ورُوِيَ هذا عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ وابنِ شِهَابٍ الزُّهْريِّ وغيرِهما\" (١).\nومنَعَ غيرُ واحدٍ من الظاهريَّةِ مِن الصومِ في السفرِ.\nواختلَفَ الأئمَّةُ الأربعةُ في التفاضُلِ بينَ الصومِ والفِطْرِ في السفرِ على ثلاثةِ أقوالٍ:\n١ - ذهَبَ جمهورُ العلماءِ، وهو قولُ أبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعيِّ: إلى أنه يجوزُ الترخُّصُ بالفطرِ في السفرِ، إلا أنَّ الصومَ أفضلُ.\n٢ - وذهَبَ أحمدُ في المشهورِ عنه: إلى أنَّ الرُّخْصةَ للصائمِ أن يُفطِرَ في السفرِ إلا أنَّ الفطرَ أفضلُ؛ وهذا مرويٌّ عن عبدِ اللهِ بن عمرَ؛ فقد روى نافعٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ؛ أنه قال: \"إنِّي أُحِبُّ أن أُفطِرَ في السفرِ، وألَّا أصومَ\" (٢).\n٣ - ورُوِيَ عن أحمدَ روايةٌ أخرى، وهو قولُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وقال به ابنُ المنذرِ: أنَّ الأمرَ مبنيٌّ على السَّعَةِ والقُدْرة؛ فإن استطاعَ الإنسانُ أن يصومَ بلا مشقَّةٍ، كان الصيامُ أفضَلَ، وإنْ كان ثَمَّةَ مشقَّةٌ،\n_________\n(١) ينظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٣/ ١٤٢).\n(٢) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (٢٥) (١/ ٢٩٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٤١٣) (رقم ٨١٧٢١).","vol":"1","page":233},{"text":"فالفطرُ أفضلُ، والرخصةُ له في الحالَيْنِ بالصومِ أو الفطرِ ما لم يُؤْذِ نفسَهُ بالصومِ.\nوهذا أقرَبُ الأقوالِ، وبه تجتمعُ النصوصُ، وعليه تُحمَلُ أحوالُ الصحابةِ والتابعينَ، وتَباينُهُمْ في الصومِ في السفرِ.\nوقد جاءتِ الرواياتُ عن رسولِ اللهِ - ﷺ - متبايِنةً بالنهيِ والإقرارِ؛ بالنهيِ عن الصيامِ في السفرِ، وبإقرارِ الصحابةِ على صَوْمِهم وفِطْرِهم؛ فقد روى مسلِمٌ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ؛ قال: \"غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لِسِتَّ عَشْرةَ مَضَتْ مِن رَمَضَانَ، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ\" (١).\nوأضعفُ هذه الأقوالِ: القولُ بعدمِ انعقادِ الصومِ في السفرِ، وأنَّه محرَّمٌ بكلِّ حالٍ؛ فاللهُ قد رخَّصَ لهذه الأمَّةِ بالفِطْرِ، والرخصةُ لا تَلْزَمُ صاحبَها؛ وقد روى أحمدُ وابنُ خُزَيْمةَ في \"صحيحِه\"؛ مِن حديثِ عُمَارةَ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن رسولِ اللهِ - ﷺ -؛ أنَّه قال: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ) (٢).\nورُوِيَ عن حمزةَ بنِ عمرٍو الأَسْلَميِّ؛ أنَّه قال: يا رسولَ اللهِ، أَجِدُ بي قُوَّةً على الصيامِ في السفرِ، فهل عليَّ جُنَاحٌ؟ فقال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ؛ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَن أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ) (٣).\nقولُه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾:\nجعَلَ اللهُ الصيامَ يُسْرًا في أصلِ تشريعِهِ، فكان مستحَبًّا ثلاثةُ أيامٍ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١١١٦) (٢/ ٧٨٦).\n(٢) أخرجه أحمد (٥٨٦٦) (٢/ ١٠٨)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢٠٢٧).\n(٣) أخرجه مسلم (١١٢١) (٢/ ٧٩٠).","vol":"1","page":234},{"text":"مِن كلِّ شهرٍ، مفرَّقةً لا متتابِعةً، وفَرْضًا على قولٍ؛ وذلك ترويضًا للنفسِ وتعويدًا لها.\nثمَّ شرَعَ اللهُ الصيامَ لرمَضَانَ اختيارًا، ثمَّ جعَلَهُ اللهُ فرضًا، يصامُ شهرًا واحدًا في السَّنَةِ، وهو الشهرُ التاسعُ من السَّنةِ القمريَّةِ، وجعَلَ لأهلِ الأعذارِ الفِطْرَ رُخْصةً، بل ربَّما وجَبَ إذا كان يَخشى معه على نَفْسِهِ الهلاكَ.\nوالإرادةُ في الآيةِ هي إرادةُ التشريعِ، وهو معنى التيسيرِ في الحُكْمِ، وهذا أيضًا معنى التوسُّطِ في قولِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ يَعني: عَدْلًا، والعدلُ هو إنصافُ المكلَّفِينَ وأهلِ الحقِّ بما يَعمَلُونَ ويستحِقُّون، والوَسَطيَّةُ شريعةٌ ثابتةٌ، لا حُكْمٌ يُبحَثُ عنه؛ فاللهُ يقولُ: ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ فاللهُ جعَلَ وأرادَ وقضى الأمرَ؛ فكُلُّ أمرِهِ ونهِيهِ وسَطٌ ويُسْرٌ ورحمةٌ، والخروجُ عنه ظُلْمٌ وتشدُّدٌ وتفريطٌ وإفراط.\nومِن يُسْرِ اللهِ وعدلِهِ: الترخيصُ لأهلِ الأعذارِ - كالمسافرِ والمريضِ، والحاملِ والمرضعِ، والشيخِ الكبيرِ وشبهِهم - بالفِطْرِ.\nروى ابنُ جريرٍ، وابنُ أبي حاتمٍ، عنْ عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ؛ في قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾؛ قَال: \"اليُسْرُ الإفْطَارُ فِي السَّفَرِ\" (١).\nورُوِيَ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ والضَّحَّاكِ نحوُهُ (٢).\nقولُه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾:\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢١٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣١٣).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣١٣).","vol":"1","page":235},{"text":"أي: إنَّ اللهَ يُريدُ مِن عبادِه إكمالَ العِدَّةِ بالأداءِ لمَن استطاعَ الأداءَ، أو بقضاءِ أيَّامٍ أُخَرَ لِمَنْ كان معذورًا، أو بالإطعامِ بدلًا عن الصيامِ لمن عجَزَ وعجزُهُ دائمٌ كالشيخِ الكبيرِ.\nفالعِدَّةُ هي عِدَّةُ رمضانَ؛ قاله الربيعُ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>التكبيرُ ليلةَ العيدِ:</span>\nوفي الآيةِ: دليلٌ على مشروعيَّةِ التكبيرِ ليلةَ العيدِ، ويَبدأُ مِن بعدِ غروبِ الشمسِ مِن آخِرِ يومِ مِن رمضانَ، حتى دخولِ الإمامِ لصلاةِ العيدِ وشروعِهِ في خُطْبَتِه؛ تعظيمًا للهِ وشُكْرًا له على إتمامِ النِّعْمةِ والهدايةِ إلى الخيرِ؛ قال ابنُ زيدٍ: \"كان ابنُ عباسٍ يقولُ: حقٌّ على المسلِمِينَ إذا نظَرُوا إلى هلالِ شَوَّالِ أن يكبِّروا اللهَ حتى يَفْرُغوا مِنْ عِيدِهم؛ لأنَّ اللهَ - تعالى ذِكرُهُ - يقولُ: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ \"؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (٢).\nوصحَّ عن ابنِ عمرَ؛ أنَّه كان إذا غدا إلى المصلَّى يومَ العِيدِ، كبَّرَ ورفَعَ صوتَهُ بالتكبيرِ.\nورُوِيَ مرفوعًا ولا يصحُّ.\nوالذي عليه عملُ الفقهاءِ في المدينةِ: التكبيرُ حتى يبلُغَ صلاةَ العيدِ؛ روى ابنُ جريرٍ، عن ابنِ وهبٍ: \"قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ: والجماعةُ عندَنا على أنْ يَغْدُوا بالتكبيرِ إلى المصلَّى\" (٣).\nوهذا الذي عليه عملُ الفقهاءِ في البُلْدانِ؛ قال الشافعيُّ: \"وأُحِبُّ أن يكبِّرَ الإمامُ خَلْفَ صلاةِ المغربِ والعشاءِ والصبحِ وبين ذلك، وغاديًا حتى ينتهيَ إلى المصلَّى\" (٤).\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣١٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٢٢).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٢٢).\n(٤) \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٥/ ٥١).","vol":"1","page":236},{"text":"وجاء عن غيرِ واحدٍ من السَّلَفِ تكبيرُهم من المسجدِ مِن ليلةِ العيدِ بعدَ المَغْرِب؛ جاء عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، وعروةَ بنِ الزُّبَيْرِ، وأبي سَلَمةَ ينِ عبدِ الرحمَنِ، وأبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ: \"كانوا يكبِّرون ليلةَ الفِطْرِ في المسجدِ، يَجهَرونَ بالتكبيرِ\".\nولا يختلِفُ الأئمَّةُ الأربعةُ في استحبابِ التكبيرِ، وما رُوِيَ عن أبي حنيفةَ مِن عدمِ مشروعيَّتِهِ، فخطأٌ، فمرادُهُ عدمُ الجهرِ بالتكبيرِ، لا أصلُ التكبيرِ.\nوعن أبي حنيفةَ روايةٌ بالجهرِ بالتكبيرِ؛ اختارَها الطحَاويُّ وغيرُهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>التكبيرُ في عيد الفطرِ أشدُّ من الأضحى:</span>\nوكانوا يُكبِّرونَ في الفِطْرِ أشدَّ مِن تكبيرِهم في الأضحى، وبهذه الآية استدل أحمد على ذلك، فإنه سئل عن التكبير في الفطر والأضحى، فقال: هو في الفطر أوجب لقول الله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، ونقل ابنه عبد الله عنه قوله: \"يوم الفطر أشد\" (١)؛ لأنَّ الفِطْرَ يعقُبُ عملًا يَشهَدُهُ كلُّ الناسِ، وهو صومُ رمضانَ، بخلافِ الأضحى؛ فهو يصاحِبُ عَمَلًا يشهدُهُ الحُجَّاجُ، مع فضلِ تلك الأيامِ العشرِ للحاجِّ وغيرِه، إلَّا أنَّ شهودَ الناسِ وإدراكَهُمْ للعملِ الذي يكلَّفُ به كلُّ قادرٍ وهو الصيامُ - أظهَرُ من أيامِ العشرِ التي لا يجبُ الحَجُّ إلَّا على مَن لم يؤدِّه، وعلى مَن دخَلَ فيه - والعملُ في العشرِ مستَحَبٌّ لا واجب كصومِ رمضانَ.\nوقد رُوِيَ عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ؛ أنه قال: \"كانوا في التكبيرِ في الفِطْرِ أشدَّ منهم في الأضحى\" (٢).\nوقولُه: ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ يُحمَلُ على المعنيَيْنِ للهدايةِ؛ هدايةِ التوفيقِ، وهدايةِ الدلالةِ والإرشادِ؛ فاللهُ قال في أوَّلِ الآيةِ: ﴿هُدًى\n_________\n(١) مسائل ابن هاني (١/ ٩٤)، ومسائل عبد الله (١٢٨).\n(٢) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (١٧١٣) (٢/ ٣٨٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (١١٠٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٧٩).","vol":"1","page":237},{"text":"لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾؛ يَعني: القرآنَ فيما تضمَّنَهُ مِن أحكامٍ، ومنها أحكامُ الصيامِ، فالمكبِّرُ يعظِّمُ اللهَ ويَحمَدُهُ على تلك الهدايةِ التي دلَّه اللهُ إليها بكتابِه، ويُعظِّمُهُ ويحمَدُهُ في ختامِ الشهرِ على أنْ هداهُ هدايةَ توفيقٍ للصيام وإكمالِ العِدَّةِ؛ وهذا كقولِ أهلِ الجَنَّةِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]؛ فالحمدُ والتعظيمُ في خاتِمَةِ الأعمالِ يكونُ للهدايةِ بنَوْعَيْها.\nوأَتَمُّ أنواعِ الشُّكْرِ: شُكْرُ المنعِمِ قبلَ العبادةِ ومعَها وبعدَ تمامِها، وعدَمُ نقضِ الشكرِ بعدَ ذلك بكُفْرٍ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].\nبعدَ أنْ ذكَرَ اللهُ أحكامَ الصيامِ للناسِ، عطفَ عليها بالواوِ خطابًا خاصًّا للنبيِّ - ﷺ -؛ مِن بابِ تعظيمِ المُرسِلِ للرسولِ، وأنَّ العملَ بالأحكامِ السابقةِ له جزاءٌ يتحرَّاهُ كلُّ عاملٍ؛ فأجاب اللهُ عن السؤالِ الذي يَرِدُ في ذِهنِ العاملِيِنَ، وأنَّ اللهَ يَطَّلِعُ على العملِ عن قُرْبٍ، ويُحْصِيهِ قليلَهُ وكثيرَهُ، ويُجازي عليه.\nوالإجابةُ مقابِلةٌ للدعاءِ في الآيةِ، والدعاءُ محمولٌ على النوعَيْنِ:\nالأوَّل: دعاءُ العبادةِ، والمرادُ به: الصيامُ وما يتعلَّقُ به مِن أعمالِ بِرٍّ مِنْ قراءةِ القرآنِ والصلاةِ، والصَّدَقةِ والذِّكْرِ، والإجابةُ هنا القَبُولُ للمُخْلِصِ الصادقِ المُتَّبِعِ بالثوابِ العظيمِ عندَ اللهِ سبحانَهُ.\nوشرطُ القَبُولِ والإثابةِ على العملِ الصالحِ: هو العملُ بأمرِ اللهِ كما أرادَ اللهُ؛ وذلك لقولِه: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾، والاستجابةُ للهِ طاعتُهُ؛ بامتثالِ","vol":"1","page":238},{"text":"أوامرِه، واجتنابِ نواهيه؛ قاله مجاهدٌ والربيعُ، وابن جُرَيْجٍ وابنُ المبارَكِ (١).\nالثَّاني: دعاءُ المسألةِ، وهو الذي تُختَمُ به الأعمالُ غالبًا بطَلَبِ القَبُولِ والاستغفارِ من النَّقْصِ، وما يسبِقُ العبادةَ ويصاحِبُها مِن دعاءٍ للهِ بطلبِ العَوْنِ والتسديدِ يدخُلُ في هذا النوعِ.\nوقد جعَلَ اللهُ السؤالَ في الآيةِ بمعنى الدعاءِ، فقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي﴾، ثمَّ قال: ﴿دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>استحبابُ الدعاءِ عند ختامِ الأعمالِ:</span>\nوقد أخذَ بعضُ الأئمةِ مِن الآيةِ استحبابَ الدُّعاءِ عندَ ختامِ العملِ الصالحِ، وخاصَّةً الصيامَ، وهذا يؤيِّدُه الأحاديثُ الواردةُ في البابِ في دعاءِ الصائمِ عندَ فِطْرِه، وهي - مع ضَعْفِها - يقترِنُ بعضُها ببعضٍ؛ فيؤكِّدُ بعضُها بعضًا، والأصولُ دالَّةٌ على استحبابِ الدعاءِ بالقَبُولِ عَقِبَ العملِ سِرًّا؛ وذلك لأنَّ الأصلَ في الدعاءِ السِّرُّ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، ولقولِه في الآيةِ: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ قرينةً على استحبابِ دعاءِ السِّرِّ، فالسرُّ والعلَنُ عندَ اللهِ سواءٌ، والإسرارُ أقربُ إلى الإخلاصِ؛ فاللهُ يُحِبُّ دعاءَ الخَفَاءِ؛ لأنَّه لا يُناجِيهِ منفرِدًا إلَّا مَن هو موقِنٌ بقُرْبِه.\nوالذِّكْرُ العامُّ والدعاءُ بعدَ العباداتِ مستحَبٌّ؛ شرَعَهُ اللهُ في كثيرٍ مِن العباداتِ؛ كالصلاةِ - وكذلك الصيامُ هنا - والحجِّ؛ كما في قولِهِ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٠٠].\nوفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ إجابةَ اللهِ للداعي العابِدِ المُتَّبِعِ أقربُ من العاصي المخالِفِ؛ ولذا قال: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾؛ أي: فإنِ استجابوا\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٢٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣١٥).","vol":"1","page":239},{"text":"بالطاعةِ، أجبتُهم، وكلَّما كان الإنسانُ للهِ أقرَبَ، كان أَحْرَى بإجابةِ الدعاءِ.\nوحمَلَ بعضُ السلفِ قولَه تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ على الدُّعاءِ؛ أي: فلْيَدْعوني؛ قاله أنَسُ بنُ مالكٍ (١).\nوإجابةُ اللهِ لعبدِهِ كما يراهُ اللهُ صالحًا لعبدِهِ في عاجلِهِ وآجِلِهِ، لا كما يراهُ العبدُ؛ فاللهُ لا يعجِّلُ للناسِ الشرَّ لو سألوه إيَّاه: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١]؛ فكيف لو سألَ الإنسانُ خيرًا وهو يؤولُ إلى شرٍّ؟ !\nفاللهُ يَعْلَمُ ما لا يعلمُهُ العبدُ، فقد يُحجَبُ الإنسانُ إجابةَ شيءٍ بعَيْنِهِ يُريدُهُ لأنَّه لا يدري حالَهُ معه، فيعوِّضُهُ اللهُ بلطفِه ورحمتِهِ بغيرِه، وأمَّا الاستجابةُ عندَ توافُرِ شروطِها، فهي قطعيَّةٌ بهذا المعنى، وليستْ قطعيَّةً بالإجابةِ بما يُريدُ العبدُ بعينِهِ؛ وذلك يبيِّنُهُ قولُهُ تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١]؛ فقيَّدَ الكشفَ بمشيئتِهِ التي تكونُ فوقَ مشيئةِ العبدِ، ومشيئتُهُ سبحانه تتبَعُ علمَهُ وحِكْمتَهَ.\nورُوِيَ من غيرِ وجهٍ: أنَّ سببَ نزولِ قولِه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ أنَّ سائلًا سألَ النبيَّ - ﷺ -، فقال: يا محمَّدُ، أقريبٌ ربُّنا فنُناجِيَهُ، أم بعيدٌ فنُنادِيَهُ؟ فأنزَلَ اللهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ﴾؛ الآيةَ؛ أخرجَهُ ابنُ جريرٍ الطَّبَريُّ؛ مِن حديثِ جريرٍ، عن عَبْدَةَ السِّجِسْتانيِّ، عن الصُّلْبِ بنِ حَكِيمٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، به (٢).\nورُوِيَ من مُرْسَلِ الحسَنِ وعطاءٍ؛ وهي ضعيفةٌ.\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣١٥).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٢٢ - ٢٢٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣١٤).","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>مشروعيَّةُ دعاء الصائم عند فطْرِهِ:</span>\nوأخذَ بعضُهم مِن هذه الآيةِ: مشروعيَّةَ الدعاءِ عندَ الفِطْرِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذكَرَ الدعاءَ بعدَ ذِكْرِ أحكامِ الصيامِ والفِطْرِ، والدعاءُ عندَ الفِطْرِ مستفيضٌ مشتهِرٌ في عملِ السلفِ، وقد جاءتْ فيه أحاديثُ مرفوعةٌ لا يخلو أكثرُها مِن ضَعْفٍ.\nروى الطَّبَرانيُّ؛ من حديثِ داودَ بنِ الزِّبْرِقانِ، عن شُعْبةَ، عن ثابتٍ، عن أنَسِ بنِ مالكٍ؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - كان يقولُ: (اللَّهُمَّ، لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ) (١)، وداودُ متروكُ الحديثِ.\nورواهُ الطبرانيُّ والدَّارَقُطْنيُّ؛ مِن حديثِ عبدِ الملكِ بنِ هارونَ بنِ عنترةَ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ؛ قال: كان النبيُّ - ﷺ -: إذا أفطَرَ، قال: (اللَّهُمَّ، لَكَ صُمْنَا، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْنَا، فَتَقَبَّلْ مِنَّا؛ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (٢).\nوعبدُ الملكِ بنُ هارونَ بنِ عنترةَ منكَرُ الحديثِ.\nوجاء عندَ أبي داودَ في \"المراسيلِ\"، و\"السنن\"، ورواهُ البيهقيُّ أيضًا؛ مِن حديثِ حُصَيْنٍ، عن مُعاذِ بنِ زُهْرةَ، وهو مِن التابعينَ، مُرسَلًا، عن رسولِ اللهِ - ﷺ -؛ وهو مرسلٌ صحيحٌ (٣).\nوأمثَلُ شيءٍ: ما رواهُ أبو داودَ في \"السُّننِ\"؛ مِن حديثِ الحُسَيْنِ بنِ واقدٍ، عن مروانَ بنِ سالمٍ المقفَّعِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، مرفوعًا: (ذَهَبَ\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٧٥٤٩) (٧/ ٢٩٨)، و\"المعجم الصغير\" (٩١٢) (٢/ ١٣٣).\n(٢) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢٧٢٠) (١٢/ ١٤٦)، والدارقطني في \"سننه\" (٢٢٨٠) (٣/ ١٥٦).\n(٣) أخرجه أبو داود في المراسيل (٩٩) (ص ١٢٤)، و\"السنن\" (٢٣٥٨) (٢/ ٣٠٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٣٩).","vol":"1","page":241},{"text":"الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأجْرُ؛ إِنْ شَاءَ اللهُ) (١).\nوصحَّ عن الربيعِ بنِ خُثَيْمٍ، وهو تابعيٌّ - كما رواهُ ابنُ فُضَيْلٍ في كتابِه \"الدعاء\" -: أنَّه كان يَدْعُو عندَ فِطْرِهِ (٢).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧].\nالأصلُ في وَطْءِ الزَّوْجةِ: الحِلُّ، والبراءةُ الأصليَّةُ ليستْ حُكْمًا شرعيًّا تنصُّ على أنواعِهِ الأدلَّةُ، بل هي البقاءُ على عدمِ التكليفِ الذي كان الناسُ عليه قبلَ ورودِ الشرعِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>الأحوالُ التي تنُصُّ على حِلِّ المباحاتِ فيها:</span>\nالوحيُ لا يتعرَّضُ للنصِّ على إباحةِ أعيانِ المباحاتِ؛ لأنَّ هذا هو الأصلُ، إلا عندَ مَظِنَّةِ اعتقادِ التحريمِ في نفوسِ السامعينَ؛ وذلك كقولِهِ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] عندَ ظنِّ بعضِ الناسِ تحريمَ التِّجارةِ مع الحجِّ.\nوتَنُصُّ الشريعةُ على إباحةِ المباحاتِ في موضعٍ ثانٍ، وهو: في موضعِ حصرِ المحرَّماتِ أو الواجباتِ؛ كما في هذه الآيةِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢٣٥٧) (٢/ ٣٠٦).\n(٢) \"الدعاء\" لمحمد بن فضيل الضبي (٦٧) (ص ٢٣٨).","vol":"1","page":242},{"text":"الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾؛ لحصرِ الإلزامِ بالإمساكِ في النهارِ، وإخراجِ الليلِ منه، وكذلك في قولِه تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بعدَ أنْ ذكرَ اللهُ النساءَ المحرَّماتِ، أخرَجَ منهنَّ غيرَهُنَّ ونصَّ على حِلِّهِنَّ.\nوعادةً مَّا يأتي بعدَ فرضِ الحكمِ بيانُ حدودِهِ وضوابطِهِ ومنهيَّاتِه، فبعدَ أنْ ذكَرَ فرضَ الصيامِ ووجوبَهُ وأهلَ الأعذارِ فيه، ذكَرَ ما يَحِلُّ ويحرُمُ فِعْلُه؛ ضبطًا لحدودِه، وإحكامًا لتشريعهِ، فلا يتسلَّلُ الاجتهادُ في الحُكمِ حتى يُفْسِدَه، والنصُّ يقطعُ الاجتهادَ؛ فلا اجتهادَ معَ النصِّ.\nوكلَّما جاءتِ الضوابطُ والشروطُ للحُكْمِ أكثَرَ وأدَقَّ في الكتابِ والسُّنَّةِ، دَلَّ على أهميَّتِهِ على غيرِهِ؛ لأنَّ الضوابِطَ والأوامِرَ والشروطَ والأركانَ والمُبْطِلاتِ الواردةَ في الحُكْمِ المنزَّلِ: تدُلُّ على الاهتمامِ به، والاحترازِ مِن دخولِ غيرِهِ فيه، فيشتبِهُ، فتضعُفُ صفتُهُ وهيئتُهُ، وذلك كالمالِ؛ كلَّما وضَعْتَ حِرْزًا عليهِ، دلَّ على أهميَّتِهِ عندَكَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>الحكمةُ من نسخِ تحريمِ جماع الصائمِ ليلًا:</span>\nوهذهِ الآيةُ ناسِخةٌ لنهيِ الصائمِ عن الجِمَاعِ ليلةَ الصيامِ، وكان ذلك أولَ الأمرِ، فشَقَّ ذلك على الصحابةِ عليهِم رضوانُ اللهِ، والحِكْمةُ الإلهيَّةُ في النهيِ غيرُ منصوصةٍ في النهيِ عن ذلك ليلةَ الصيامِ.\nويَحتمِلُ أنْ يكونَ ذلكَ تربيةً وتيسيرًا على النَّفْسِ؛ أن يُؤتَى بالحكمِ الشديدِ، ثمَّ يَعملَ به الناسُ وقتًا يسيرًا، فتظهَرَ المشقَّةُ عليهم، ثمَّ يَنسَخَهُ اللهُ، ويُبقِيَ الحكمَ على الحالِ التي أرادَها اللهُ أن تكونَ عليه، فلو فرَضَ اللهُ الصيامَ ابتداءً، ونهى عن مباشَرةِ النِّسَاءِ نهارًا فقطْ، لكان ذلك أشقَّ على النفوسِ ممَّا لو فرَضَ اللهُ الصيامَ ونهى عنِ المباشَرةِ ليلًا ونهارًا، ثمَّ أباحَ مباشَرةَ اللَّيْلِ تخفيفًا، فيَفرِضُ الأشَدَّ حتَّى تأْنَسَ النفوسُ بما دونَه؛ وهذا من السِّيَاسةِ الدقيقةِ في التشريعِ لو صَحَّ هذا الاحتمالُ.","vol":"1","page":243},{"text":"ويُؤخَذُ منهُ سياسةُ الحاكمِ لنفوسِ الرَّعِيَّةِ عند إرادةِ أمرٍ لصالحِ الأُمَّةِ وهو شديدٌ؛ أنْ يُظهِرَ ما هو أَشَدُّ منه، فإذا جَرَّبُوهُ، خفَّف، ويُبقِي الأَخَفَّ، فيَظهَرُ الشديدُ بصورةِ اليُسْرِ.\nوفيه: قطعٌ للنفوسِ المريضةِ الَّتي تتربَّصُ بالأحكامِ، وتَصِفُها بالتشديدِ؛ فالنفسُ تَنفِرُ مِنَ الماءِ الدافِئِ، ولا تشربُهُ إلا إذا ذَاقَتْ ما هو أشدُّ حرارةً منه، فتستلِذُّ ما دُونَه؛ خاصَّةً أنَّ فرضَ صيامِ رمضانَ جاء بعد صيامِ يومٍ في السَّنَةِ، ثمَّ تدرَّجَ، فشرَعَ صيامَ رمضانَ على التخيِيرِ بينَهُ وبينَ الإطعامِ، ثمَّ فرَضَهُ بعينِه، وهذا انتقالٌ كبيرٌ، فاحتاجَ مِثلُهُ إلى إظهارِ قُدْرةِ الناسِ عليه لو رأَوْا ما هو أشدُّ منه.\nومِنَ العلماءِ مَن قال: إنَّه لم يأتِ في الشرعِ نَهيٌ عن المباشَرةِ ليلًا، ولكنَّ بيانَ حِلِّ المباشَرةِ جاءَ هنا دَفْعًا لتوهُّمِ ظَنِّ، وربَّما نَسْخًا لما بَقِيَ مِن شريعةِ الأُمَمِ السابقةِ، فقد أنكَرَ أبو مسلِمٍ الأَصْفَهانِيُّ أن يكونَ هذا نَسْخًا لشيءٍ تقرَّرَ في شَرْعِنا، وقال: هو نَسخٌ لِمَا كان في شريعةِ النصارَى.\nوالرَّفَثُ: هو حديثُ الرَّجُلِ مع المَرْأَةِ في شأنِ اللَّذَّةِ، وأُطلِقَ على الجِمَاعِ أيضًا كنايةً.\nوأصلُ إطلاقِ الرَّفَثِ عندَ العربِ إنَّما ينصرِفُ إلى الكلامِ الفاحِشِ؛ قال العَجَّاجُ:\nوَرَبِّ أَسْرَابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ ... عنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ (١)\nويرادُ بِالرَّفَثِ فِي هذه الآيةِ: الجِمَاعُ؛ روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن أبي إِسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قال: \"الرَّفَثُ: الجِمَاعُ\" (٢).\n_________\n(١) ينظر: \"ديوان العَجَّاج\" (١/ ٤٥٦)، و\"الصحاح\" (١/ ٢٨٣)، و\"لسان العرب\" (٣/ ١٥٣)، و\"تاج العروس\" (٥/ ٢٦٤)؛ مادة: (رفث).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣١٥).","vol":"1","page":244},{"text":"وروى ابنُ جريرٍ، عن بَكْرِ بنِ عَبْدِ اللهِ المُزَنِيِّ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: \"الرَّفَثُ: الجِمَاعُ، ولكِنَّ اللهَ كريمٌ يَكْنِي\" (١).\nورُوِيَ هذا عن عامَّةِ المفسِّرينَ مِنَ السلفِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>حكمُ الجماعِ ليلَ رمضانَ:</span>\nوقدْ بيَّن اللهُ إباحةَ الرَّفَثِ إلى النِّساءِ، وأنَّ المرادَ به الجِمَاعُ في قولِه: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، وهو شِدَّةُ الالتصاقِ؛ وذلك أنَّ تحريمَ قُرْبِ النساءِ ليلًا بِالمباشَرةِ شاقٌّ؛ لأنَّه وقتُ ضِجْعَةٍ وقُرْبٍ، وفي النهارِ يسيرٌ؛ لأنَّه وقتُ بُعْدٍ عنِ النساءِ بِالكَسْبِ وطَلَبِ العَيْشِ، ويَظهَرُ أثرُ المشقَّةِ في قولِهِ تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أيْ: تُقدِمونَ وتُبيِّتونَ في نفوسِكُمُ القُرْبَ مِن النساءِ، وتَرجِعونَ مَرَّةً وتُقْدِمُونَ أُخرَى؛ كحالِ الخائِنِ المتربِّصِ المتهيِّبِ.\nوسَمَّى اللهُ النساءَ لِبَاسًا للرَّجُلِ، والرَّجُلَ لِبَاسًا للمرأةِ؛ كنايةً عنْ سَتْرِ ما يُبدِيهِ الإنسانُ من رَغْبةِ أحدِهِما في الجِنْسِ الآخَرِ، وطَمَعِهِ في قضاءِ وَطَرِهِ، فالمرأةُ تَقضِي حاجةَ الرَّجُلِ فتَسْتُرُ نَزْوَتَهُ، والرَّجُلُ يَقْضِي حاجةَ المرأَةِ وَيَسْتُرُ نَزْوَتَها؛ فوقوعُ الجِنسَيْنِ بعضِهِما بِبعضٍ بِمَسٍّ أو رَفَثٍ أو جِمَاعٍ محرَّمٌ، وهذه الأَفعالُ يستُرُها أحدُهُما عند زواجِهِ بالآخَرِ.\nوقولُه: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾؛ أَيْ: جازَتْ لكمُ المباشَرةُ بظهورِ الحُكْمِ مِنَ اللهِ المُزِيلِ لما تَجِدُونَهُ مِن مشقَّةِ التحريمِ.\nوقَولُه: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ يَعنِي: الوَلَدَ وقضاءَ الوَطَرِ.\nوفي قولِه تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٢٩).","vol":"1","page":245},{"text":"الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ قطعٌ للتوهُّمِ بأنَّ الأَكْلَ في الليلِ إنَّما هو عِندَ الغروبِ إلى العشاءِ للفِطْرِ، وقبلَ الفَجْرِ للسُّحورِ، وما بينَهُما يحرُمُ؛ وذلك لأنَّه مِن عادَتِهم أنَّهم كانُوا ينامُونَ بعدَ صلاةِ العشاءِ وقيامِها، فَإذا صَلَّوْا، لم يَأْكُلوا إلا أُكْلةَ السحورِ، فبيَّن اللهُ أنَّ وقتَ الإفطارِ هو ما بَينَ المَغرِبِ إلى الفجرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>وقتُ فطرِ الصائمِ:</span>\nوفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ المعتبَرَ في الفِطرِ: تحقُّقُ الغروبِ وثبوتُهُ، وأنَّ مَن ثبَتَ عندَهُ ذلك، تأكَّدَ في حقِّهِ التعجيلُ ولو لم يَسمَعِ الأذانَ؛ لأنَّ الأذانَ علامةٌ على ثبوتِ الغروبِ، فالمؤذِّنُ والصائِمُ كلٌّ منهما مرتبِطٌ بِالأذانِ على السَّواءِ، ولا يُشرَعُ لمن ثبَتَ عِندَهُ الغروبُ تأخيرُ الفِطْرِ حتَّى يَسمَعَ الأذانَ.\nوإنَّما أمَرَ بِالأكلِ والشربِ بعدَ بيانِ حكمِ الجِمَاعِ، مع أنَّ الأكلَ والشربَ أَظْهَرُ في إفسادِ الصيامِ؛ وذلكَ لأنَّ أمرَ الجِمَاعِ أشدُّ إشكالًا في نفوسِهم، فأزالَهُ أوَّلًا قبلَ الأكلِ والشربِ.\nوقولُه: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ الليلِ، فلا ينتقِلُ منه إلا ببيَّنةٍ، فيُمسِكُ بِعلْمٍ كما بَقِيَ على عِلْمٍ، وهذا في التبيُّنِ في حالِ البقاءِ على الليلِ؛ فإنَّ التبيُّنَ في البقاءِ على الإمساكِ أَوْلَى، فلا يُفطِرُ حتَّى يتبيَّنَ الغروبَ، ومَن أفطَرَ بالظنِّ، أعادَ، ومَن أفْطَرَ باليقينِ فبَانَ أنَّه في نهارٍ، صَحَّ صِيَامُهُ؛ ولذا قالَ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾؛ أيْ: على ذلك التحرِّي والتبيُّنِ يجبُ أن يكونَ الإتْمامُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>النية في الصومِ:</span>\nو\"ثُمَّ\" في عَطْفِ الجُمَلِ للتراخي في الترتيبِ، وَقد تكلَّفَ بعضُ الفقهاءِ مِن الحنفِيَّةِ كأبِي جعفرٍ الخَبَّازِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، فاستدَلَّ بهذه الآيةِ","vol":"1","page":246},{"text":"على صِحَّةِ تأخِيرِ النِّيَّةِ عنِ الفَجرِ إلى الضُّحَا؛ تدلِيلًا على صِحَّةِ مذهبِ الحنفيَّةِ، وليس هذا مِن معاني \"ثُمَّ\" في التراخِي في عطفِ الجُمَلِ.\nوالخيطُ الأبيضُ والأسوَدُ المرادُ بهِ سَوَادُ الليلِ وبياضُ النهارِ، وقد ظنَّه عَدِيٌّ أنَّه الحبْلُ من الصُّوفِ ونحوِه، وهو تفسيرٌ صحيحٌ في اللغةِ، ولكنَّه ليس بصحيحٍ في اصطلاحِ الشارعِ والشرعِ؛ صحيحٌ لغةً؛ لأنَّه نزَلَ بلُغَةِ العربِ، ولكنَّ اللُّغةَ عامَّةٌ فينزلُ القرآنُ كثيرًا على بعضِ أفرادِها، ويُعرَفُ باصطلاحِ الشارعِ المعاني الخارجةُ في اللغةِ منه.\nوفي الآيةِ: إشارةٌ إلى النِّيَّةِ، فتقسيمُ الحُكْمِ والزمَنِ وتفصيلُهما لا يتحقَّقُ إدراكُهُ في الإنسانِ إلَّا بحضورِ قلبٍ؛ فقد ذكَرَ محرَّماتٍ يتخلَّلُها مباحاتٌ، فالأصلُ الصيامُ، ثمَّ يتخلَّلُهُ ليلٌ يُفطِرُ فيه، وفي الليلِ يُؤكَلُ ويُشرَبُ ويُرفثُ، وينتهي ذلك إلى الفجرِ؛ لأنَّه قال: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.\nووضوحُ الخيطَيْنِ إنما يكونُ في لَحْظةٍ يسيرةٍ لدقائِقَ معدودةٍ لا يميِّزُها إلا متحَرٍّ وراصدٌ مستحضِرٌ، وهذا معنى النيةِ المقصودُ في الآيةِ، فكما أنَّه يجبُ استحضارُ النيةِ للإمساكِ إلى الليلِ، فيجبُ استحضارُ النيةِ بالفطرِ إلى الصبحِ.\nوروى أهلُ السُّنَنِ، عنِ ابنِ عمرَ، عن حَفْصةَ، عن النبيِّ - ﷺ -؛ قال: (مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ) (١).\nوقد رُوِيَ عن نافعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ؛ قولَهُ موقوفًا؛ وهو أصحُّ.\nصوَّبَ الوقفَ البخاريُّ والترمذيُّ (٢) وأبو حاتمٍ والنَّسَائيُّ وغيرُهم.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢٤٥٤) (٢/ ٣٢٩)، والترمذي (٧٣٠) (٣/ ٩٩)، والنسائي (٢٣٣١) (٤/ ١٩٦).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٣/ ٩٩).","vol":"1","page":247},{"text":"ويكفي في إيجابِ النِّيَّةِ في الأعمالِ قولُهُ - ﷺ -: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) (١)؛ أيْ: إنَّما قَبُولُ الأعمالِ أو رَدُّها يكونُ بالنِّيَّةِ.\nوقد اختَلَفُوا في صومِ النافلةِ، والصوابُ: جوازُ نيتِهِ مِن النهارِ؛ لحديثِ عائشةَ أنَّ النبيَّ - ﷺ - كان يُصبِحُ مُمْسِكًا فإنْ لم يَجِدْ طعامًا، أَتَمَّ (٢).\nواختَلَفُوا في النيةِ؛ هل هي واجبةٌ لكلِّ ليلةٍ من رمضانَ، أم تكفي نيةٌ واحدةٌ له كلِّه؛ وهما روايتانِ في مذهبِ أحمدَ:\nأُولاهما: يُجزِئُ لصيامِ رمضانَ نيةٌ واحدةٌ؛ وهذا هو المشهورُ عندَ المالكيَّةِ، وعليه جماعةٌ من السَّلفِ.\nثانيتُهما: وجوبُ النيةِ لكلِّ ليلةٍ.\nويكفي المسلِمَ أن يَعْلَمَ أنَّ غدًا رمضانُ، ويريدَ صومَهُ، والأصلُ صيامُهُ له؛ فبعلمِهِ وإرادتِهِ يكونُ قد نَوَى.\nوقولُهُ: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾:\nذكَرَ الاعتكافَ بعدَ حُكْمِ الصيامِ؛ لأنَّ غالِبَ الاعتكافِ يكونُ في رمضانَ، في عَشْرِهِ أو عِشْرينِهِ الأخيرةِ؛ حتَّى لا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ إطلاقَ حِلِّ إتيانِ النساءِ في ليلِ الصيامِ يدخُلُ فيه المعتكِفُ، فالمعتكِفُ يحرُمُ عليه مباشَرَة المرأةِ ما دام معتكِفًا، ولو كان في غيرِ رمضانَ أو كانَ غيرَ صائِمٍ؛ لأنَّ العِلَّةَ في ذلك الاعتكافُ؛ ولذا قال: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾؛ يعني: حالَ اعتكافِكم.\nروى ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١) (١/ ٦)، ومسلم (١٩٠٧) (٣/ ١٥١٥).\n(٢) أخرجه مسلم (١١٥٤) (٢/ ٨٠٨).","vol":"1","page":248},{"text":"ابنِ عَبَّاسٍ؛ في قَوْلِه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾: \"هذا في الرَّجُلِ يَعْتَكِفُ فِي المَسْجِدِ فِي رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ، فَحَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْكِحَ النِّسَاءَ لَيْلًا وَنَهَارًا حَتَّى يَقْضِيَ اعْتِكَافَهُ\" (١).\nوقاله ابنُ مسعودٍ وعطاءٌ ومجاهدٌ والحسنُ وقتادةُ (٢).\nوالمرادُ بالاعتكافِ هو لزومُ الشيءِ وحَبْسُ النفسِ عن غيرِه، فيقالُ: اعتكَفَ فلانٌ على كذا؛ أيْ: لَزِمَهُ، واعتكَفَ فلانٌ في المسجدِ: إذا لزِمَهُ.\nقال الطِّرِمَّاحُ بنُ حَكِيمٍ:\nفَبَاتَ بَنَاتُ اللَّيْلِ حَوْلِيَ عُكَّفًا ... عُكُوفَ البَوَاكِي بَيْنَهُنَّ صَرِيعُ\nوالمرادُ بالمباشرةِ: الجِماعُ.\nصَحَّ هذا عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ رواهُ ابنُ جريرٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ.\nوصحَّ عن عطاءٍ ومجاهدٍ والضَّحَّاكِ (٣).\nوروى عنِ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ؛ قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: \"مَن خرَجَ مِن بيتِهِ إلى بيتِ اللهِ، فلا يَقْرَبِ النِّساءَ\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>مباشَرَةُ المعتكِفِ لزوجتهِ:</span>\nوالذي عليه العملُ والفُتيا عند السلفِ: أنَّ المعتكِفَ لا يَقْرَبُ زَوْجَتَهُ بشهوةٍ بحالٍ، وأمَّا مسُّه لها والأخذُ بيدِها وتقبيلُها بلا شَهْوةٍ؛ كقُبلةِ الرَّحْمةِ والعَطْفِ، فلا بأسَ به؛ لما قد صَحَّ عن عائشةَ: \"أنَّ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٦٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣١٩).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣١٩).\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٦٨ - ٢٧٠).\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٧٠).","vol":"1","page":249},{"text":"رسولَ اللهِ - ﷺ - كان إذا اعتَكَفَ، يُدْنِي إليَّ رأسَهُ فأُرَجِّلُهُ\" (١).\nوأمَّا ما كان بِلَذَّةٍ، فيُنْهَى عنه؛ قال مالكُ بنُ أنسٍ: \"لا يَمَسُّ المعتكِفُ امرأتَهُ، ولا يباشِرُها، ولا يتَلذَّذُ منها بشيءٍ؛ قُبْلةً ولا غيرَها\" (٢).\nوذلك لأنَّ المقامَ مقامُ تفرُّغٍ وتعظيمٍ للهِ، وانقطاعٍ عن اللذائِذِ، وحبسٍ للنَّفْسِ عنها؛ فإنَّ الانصرافَ إلى الجِمَاعِ يَصرِفُ النَّفْسَ إلى التَّرَفِ والانشغالِ بالاستمتاعِ.\nوفي ذلك: تربيةٌ للنَّفْسِ على المجاهَدةِ، وابتلاءٌ للنَّفْسِ؛ لتَعرِفَ نِعَمَ اللهِ على العبدِ؛ مِن معرفةِ حريَّتِهِ في خروجِهِ ودخولِه، وضربِهِ في الأرضِ، واستمتاعِهِ بما أَحَلَّ اللهُ له منها؛ فنِعَمُ اللهِ لا تُحصَى، وما يُعرفُ منها يُنسَى، والعبدُ بحاجةٍ إلى تذكيرٍ، وحرمانُهُ منها باختيارِهِ وبغيرِ اختيارِهِ يذكِّرُهُ عظيمَ النِّعْمةِ التي مُنِعَ مِن الوصولِ إليها.\nوفيه: شَغْلٌ للنَّفْسِ بالعبادةِ؛ حتى تستكثِرَ مِن الأجورِ، فتغتنمَ شيئًا ممَّا فاتَ؛ فالنفسُ إنْ خلَتْ، أكثَرَتِ التفكُّرَ والتأمُّلَ والمحاسَبةَ، فتتذكَّرُ مِن التقصيرِ ما لا تتذكَّرُهُ في سَكْرةِ مُتْعَتِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>لا اعتكافَ إلا في مسجدٍ:</span>\nوقولُه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ دليلٌ على أنْ لا اعتكافَ إلا في المساجِدِ، وأمَّا اعتكافُ الأسواقِ والمصلَّيَاتِ، والمرأةُ تتَّخِذُ لها مكانًا تعتزِلُ فيه في بيتِها -: فلا أصلَ له؛ وبعضُ متأخِّري المالكيةِ يجوِّزُ ذلكَ، وهو قولٌ لا يعوَّلُ عليه.\nوقولُه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾:\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٩٧) (١/ ٢٤٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٧١).","vol":"1","page":250},{"text":"تنبيهٌ على أنَّ تلك الأحكامَ - تحريمًا وتحليلًا - حدودٌ وضَعَها اللهُ وحَدَّها لعبادِهِ، يجبُ أن تُمتَثَلَ، ويَظهرُ التشديدُ في قولِه: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، والقربُ هو مرحلةٌ قبلَ التصرُّفِ، ويُصاحِبُهُ العزمُ على التغييرِ والتبديلِ لها، وهو محرَّمٌ، والتبديلُ لها والتحريفُ لتلك الحدودِ محرَّمٌ يُوجِبُ العقابَ؛ فهي آياتٌ بيِّناتٌ واضحةٌ؛ حتَّى يتحقَّقَ العملُ بها، فتُتَّقى محارمُ اللهِ وتُجتنَبَ، وتُؤخَذَ رُخَصُ اللهِ وتُستباحَ؛ وهذه حقيقةُ التقوى والطاعةِ للهِ.\n* * *\n\nقال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨].\nبيَّن اللهُ حُرْمةَ الأموالِ؛ لأنَّ بها صلاحَ الدُّنْيا، كما بيَّنَ حُرْمةَ الدِّينِ؛ لأنَّ به صلاحَ الآخِرةِ، فالمالُ والدِّينُ حَقٌّ للهِ لا يُتصرَّفُ فيهما بغيرِ إذنِه؛ ولذا نسَبَهُما اللهُ إليه تعظيمًا لحُرْمَتِهما؛ فقال النبيُّ - ﷺ - في المالِ: (إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللهِ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ) (١)، وقال اللهُ في دِينِهِ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨]، فسمَّى اللهُ التعدِّيَ على مالِهِ وآياتِهِ خَوْضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>أحوالُ تعدِّي الإنسان على المالِ:</span>\nوالتَّعدِّي على المالِ إمَّا أن يكونَ بيدِ صاحبِهِ الذي ملَّكَهُ اللهُ إيَّاهُ، وهو الإنسانُ، أو بيدِ غيرِهِ؛ فليس للإنسانِ تمامُ التصرُّفِ في مالِهِ ولو ملَكَهُ؛ لأنَّه ومالَهُ مِلْكٌ للهِ؛ فإفسادُ الإنسانِ لمالِهِ حرامٌ كأَخْذِهِ لمالِ غيرِه\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣١١٨) (٤/ ٨٥).","vol":"1","page":251},{"text":"بغيرِ حقٍّ؛ ولذا قالَ تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، فجعَلَ اللهُ آكِلَ مالِ أَخِيهِ بالباطلِ، كالآكِلِ مالَ نَفْسِهِ بالباطلِ؛ فالأوَّلُ أفسَدَهُ على أخيهِ، والثاني أفسَدَهُ على نفسِهِ، وحرمةُ المالِ في حقيقتِهِ واحدةٌ.\nوفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ الشُّحَّ والطَّمَعَ وعدَمَ الإيثارِ هو الذي يدفعُ النفوسَ إلى التجاوزِ على حقوقِ الناسِ بغيرِ حَقٍّ؛ فالنفوسُ التي ترى حقَّ أخيها كحقِّها في الحُرْمةِ تعظِّمُ مالَ غيرِها كتعظيمِها لمالِ نَفْسِها؛ ولذا قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾؛ أيْ: فأنتَ تأكُلُ مالَ نَفْسِك؛ وهذا كقولِهِ: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١]، وقولِهِ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]؛ فحُرْمةُ المالِ بالأخذِ، والعِرْضِ باللَّمْزِ، والنَّفْسِ بالقتلِ: واحدةٌ كحُرْمةِ أنفسِهم.\nوقد بيَّن اللهُ في هذه الآيةِ التعدِّيَ على المالِ بالعدوانِ من غيرِ صاحبِهِ بأَكْلِهِ بالباطلِ، سواءٌ بغَصْبٍ أو سَرِقةٍ أو رِبًا أو غَرَرٍ ونحوِها، وأعظَمُ مِن ذلك أن يُؤخَذَ المالُ الحلالُ بصورةٍ تشرِّعُهُ، وتُسقِطُ حقَّ صاحبِه؛ إمِّا لعدمِ بَيِّنَتِهِ فيه بعدَ أخذِه منه، أو لتشريعِ أَخْذِهِ وسَلْبِهِ بالباطلِ.\nروى عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عنِ ابنِ عباسٍ؛ أنَّه قال في هذه الآيةِ: \"هذا في الرجلِ يكونُ عليه مالٌ وليس عليه فيه بيِّنةٌ، فيَجْحَدُ المالَ ويُخاصِمُ إلى الحُكَّامِ، وهو يَعْرِفُ أنَّ الحقَّ عليه، وهو يَعْلَمُ أنَّه آثِمٌ آكِلٌ الحرامَ\" (١).\nوبنحوِ هذا ومعناهُ قال مجاهِدٌ وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمةُ والحسَنُ وغيرُهم.\nوروى ابنُ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ: قال: \"لا تُخاصِمْ وأنتَ تعلمُ أنَّك ظالِمٌ\"؛ أخرَجَهُ سعيدُ بنُ منصورٍ في \"تفسيرِه\" (٢).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٧٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٢١).\n(٢) التفسير من \"سنن سعيد بن منصور\" (٢٨٢) (٢/ ٧٠٦)، و\"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٧٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٢١).","vol":"1","page":252},{"text":"وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ حُكْمَ الحاكمِ وقضاءَ القاضِي لا يغيِّرُ في الحقِّ الباطِنِ شيئًا؛ إذا عَلِمَ آخِذُ المالِ أنه يأخُذُهُ ظُلْمًا، فقضاءُ القاضِي يَفصِلُ في النزاعِ الظاهرِ ويدفعُ الخصوماتِ، ولكنَّه لا يغيِّرُ قضاؤُهُ في الأموالِ مِن الحقِّ الباطنِ شيئًا بإجماعِ العلماءِ؛ فالقاضِي مجتهِدٌ مأجورٌ، وآخِذُ المالِ ظالمٌ مأزورٌ.\nوقولُه تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: وأنتم تعلَمونَ الحقَّ فتكتمونَهُ عن أهلِه، وتستحِلُّونَ أخذَهُ بالقضاءِ والحُكْمِ؛ لِعَدَمِ بيِّنةِ أهلِهِ عليه؛ وفي \"الصحيحَيْنِ\"، عن أُمِّ سَلَمَةَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ، فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>حكمُ القاضي بخلافِ الحقِّ في الحقوقِ:</span>\nوعلى هذا يتَّفِقُ العلماءُ أنَّ القاضِيَ إذا قَضَى في الأموالِ والدماءِ على خلافِ الحقِّ الباطنِ أنَّ قضاءَهُ لا يغيِّرُ من الحقوقِ الباطنةِ شيئًا؛ وإنَّما يَفصِلُ النزاعَ والخصومةَ الظاهرةَ فحَسْبُ، واختلَفُوا في النكاحِ على قولَيْنِ:\nالأوَّلُ: أنَّ قضاءَهُ في النكاحِ كقضائِه في الأموالِ؛ لا يغيِّرُ خفاءُ الحقِّ عليه في الظاهرِ مِن الحقِّ الباطنِ؛ وبهذا قال أكثرُ العلماءِ.\nالثاني: أن قضاءَهُ في النكاحِ يَفصِلُ في الحقِّ ظاهرًا وباطِنًا، ولو عَلِمَ الخَصْمانِ أو أحدُهما موضعَ الحقِّ الباطنِ، وأنَّه على خلافِ قضائِه، وبهذا قال أبو حَنِيفةَ؛ وذلك كمَن شَهِدَ على طلاقِهِ شاهدُ زُورٍ، فطلَّقَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٤٥٨) (٣/ ١٣١)، ومسلم (١٧١٣) (٣/ ١٣٣٧).","vol":"1","page":253},{"text":"القاضِي زوجَتَهُ منه، أنَّها تَحِلُّ للزَّوْجِ الجديدِ ولو عَلِمَ شهادةَ الزورِ، قياسًا مِن أبي حنيفةَ على اللِّعَانِ؛ وذلك أنَّ القاضيَ يفصِلُ بينَ الزوجَيْنِ، وأحدُ المتلاعِنَيْنِ كاذبٌ، ولا يتمُّ فَصْلُ الزوجةِ عن زوجِها إلَّا بذلك، ولو عَلِمَ الحاكمُ كَذِبَ أحدِهما، لَأَقَامَ عليه الحدَّ ولم يفرِّقْ بينَهما؛ لكونِهِ قَذْفًا، ولكنَّه فرَّقَ بينَهما مع عِلْمِهِ بالكَذِبِ، وجازَ للزَّوْجةِ أنْ تتزوَّجَ، ولزوجِها الجديدِ أن يَعقِدَ عليها مع عِلْمِهِ بلعانِها.\nوفي الآيةِ: تحريمُ دفعِ الرِّشْوةِ للحاكمِ وتحريمُ أَخْذِهِ لها، والرِّشْوةُ مِن الكبائرِ، وهي شبيهةٌ بالرِّبَا أو أعظَمُ منه؛ لأنَّ الرِّبَا فيه فسادُ العامَّةِ فيما بينَهم، والرِّشْوةُ فيها فسادُ العامَّةِ والخاصَّةِ؛ الحاكمِ والمحكومِ، والرِّبا فيه فسادُ الأموالِ، والرِّشْوةُ فيها فسادُ الأموالِ والسِّيَاسةِ، وكلَّما علَا آخِذُ الرِّشْوةِ وارتفَعَ مَنْزِلةً في الناسِ، كانتِ الرِّشْوةُ أعظَمَ فسادًا في الأُمَّةِ.\nوإنَّ الحاكمَ والقاضِيَ قد يحكُمُ بالخطإِ؛ لعدمِ ظهورِ حُجَجِ الصوابِ لدَيْهِ، فيُعذَرُ، وقد يحكُمُ بالباطلِ عمدًا مع ظهورِ حُجَجِ الحقِّ عندَهُ، فيَهلِكُ، وحكمُهُ بالباطلِ إمَّا لصلتِهِ بالظالمِ الذي يقضِي له، بنَسَبٍ أو حسَبٍ، وإمَّا لأخذِه المالَ منه رِشْوةً، وكِلاهمَا هلاكٌ، والأُولى أعظَمُ مِن الثانيةِ؛ لأنَّه باعَ دِينَهُ ودنياهُ بدُنْيا غيرِه.\nوآكِلُ المالِ الحرامِ - ولو رُبُعَ درهمٍ - فاسِقٌ باتفاقِ العلماءِ، خلافًا للمعتزِلةِ الذينَ لا يفسِّقونَ إلا مَن أكَلَ مِن الحرامِ عشَرَةَ دراهِمَ فما فَوْقُ، وهذا قولُ الجُبَّائِيِّ.\nوبعضُهم يقولُ: يفسُقُ مَن أكَلَ مِئَتَيْ دِرْهَمٍ فما فوقُ؛ وهذا قولُ بِشرِ بنِ المُعتَمِرِ.\nوبعضُهم يقولُ: يَفسُقُ مَن أخَذَ خمسةَ دراهمَ فما فوقُ؛ وهو قولُ أبي الهُذَيْلِ العَلَّاف.\n* * *","vol":"1","page":254},{"text":"قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩].\nالأَهِلَّةُ: واحدُها هِلَالٌ، وهو أيضًا مفرَدٌ وجمعٌ، وهو مَقِيسٌ في \"فِعَالٍ\" المضعَّفِ؛ نحوُ: عِنَانٍ وأَعِنَّةٍ، والأَهِلَّةُ جمعٌ لمسمًّى وذاتٍ واحدةٍ، وهو القَمَرُ في أوَّلِ خروجِهِ كلَّ شهرٍ قَمَريٍّ في الليلةِ الأُولى والثانيةِ، ومِنهم مَن يسمِّيهِ هلالًا حتَّى الليلةِ السابعةِ.\nوقال الأَصمعيُّ: \"هو هلالٌ حتَّى يحجِّرَ ويستديرَ له كالخيطِ الرَّقيقِ\".\nوالغالبُ تسميةُ الهلالِ في أوَّلِ الشهرِ؛ لأنَّ الناسَ إذا رأَوْهُ، رفَعُوا أصواتَهُمْ إخبارًا عنه، وكلُّ رافِعٍ لصوتِهِ مُهِلٌّ؛ ولذا قال تَعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]؛ يَعني: ما ذُبِحَ وذُكِرَ غيرُ اللهِ عليه.\nوقد يُطلَقُ الهلالُ على القمرِ ليلةَ سِتٍّ وعشرينَ، وما بعدَها؛ لمشابهتِهِ الهلالَ عندَ خروجِهِ، وإنْ كانتِ العربُ لا تُهِلُّ لرؤيتِهِ عندَ خروجِهِ، وإنَّما تُهِلُّ لرؤيتِهِ عندَ طلوعِه.\nوالهلالُ يكونُ أوَّلَ الشهرِ، والمُحاقُ (بكسرِ الميمِ وضمِّها) من الشهرِ: ثلاثُ ليالٍ مِن آخرِه، إذا امَّحَقَ الهلالُ فلَم يَكَدْ يُرَى؛ قالَ:\nأَتَوْنِي بِهَا قَبْلَ المُحَاقِ بِلَيْلَةٍ ... فَكَانَ مُحَاقًا كُلُّهُ ذَلِكَ الشَّهْرُ\nوالسِّرَارُ (بالفتحِ والكسرِ): حينَ يَسْتَسِرُّ الهلالُ في آخرِ الشهرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>سببُ سؤال الناس عن الهلال:</span>\nوممَّا يحيِّرُ الناسَ: الأهلَّةُ طلوعًا وغيابًا، وزيادةً ونقصانًا؛","vol":"1","page":255},{"text":"لاختلافِها عنِ الشمسِ، فالشمسُ تطلُعُ وتغيبُ على صفةٍ واحدةٍ بلا نقصانٍ ولا زيادةٍ، وأمَّا الأهِلَّةُ، فتبدُو دقيقةً، ثمَّ تكبَرُ حتى تستديرَ بَدْرًا، فبيَّنَ اللهُ لنبيِّهِ وللناسِ الحِكْمةَ من ذلِك؛ أنَّ أعمالَ الناسِ لا بُدَّ لانضباطِها مِن زمَنٍ تدورُ عليهِ؛ سواءٌ كان ذلك في أمورِ العباداتِ، أو المُعامَلاتِ، أو العاداتِ، فضَبَطَ مواعيدَ الناسِ في العملِ، والبيعِ والشراءِ، والمأكلِ والمَشْرَبِ، والنكاحِ والطلاقِ، والعِدَّةِ والحَمْلِ، والإيلاءِ والنذورِ، وغيرِ ذلك؛ ولذلك قالَ تعالى: ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>الحكمةُ مِن اختلافِ الأهلَّة:</span>\nوهذا المعنى في القرآنِ في مواضِعَ؛ كقولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥].\nوقولِه: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء: ١٢].\nوالمعروفُ: أنَّ إحصاءَ الأهِلَّةِ أيسَرُ مِن إحصاءِ أيامِ الشهرِ؛ لأنَّ الأيامَ تُنسَى ما لم تُضبَطْ بِالكتابةِ والوثائقِ، فيُعرَفُ منزِلةُ اليومِ من الشهرِ، فإذا اختَلَّ حسابُ الأيامِ، جاءَ هلالُ الشهرِ الآتي، وصحَّح على الناسِ وهَمَهُمْ في حسابِ الأيامِ السابقةِ، وهكذا كلَّما نَسُوا، جاءتِ الأهلةُ ضابطةً.\nوقد جعَلَ اللهُ الأهلَّةَ على صفاتٍ متعدِّدةٍ منضبطةٍ، تدورُ عليها بلا خَلَلٍ ولا اضطِرابٍ، وتقوِّمُ الناسَ بضبطِ ما تُحدِثُهُ وتصنعُهُ من ضوابطَ زمنيَّةٍ؛ كالسَّاعاتِ على الأفلاكِ، كالشمسِ والقمرِ طلوعًا وغروبًا ونقصانًا، وتختلُّ آلاتُهم ويُعيدونَ ضبطَها على ما خلَقَهُ اللهُ، وأتقَنَ ضَبْطَه.","vol":"1","page":256},{"text":"هذا هو الإنسانُ يَضبِطُ ساعتَهُ الزمنيَّةَ وساعتَهُ الآليَّةَ كلَّما اختَلَّتْ على ضبطِ اللهِ لسَيْرِ الشمسِ والقمرِ المنضبِطِ منذُ أوَّلِ الخَلْقِ، ثمَّ هو يُفاخِرُ ويتكبَّرُ على اللهِ بدقتِهِ: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧].\nوأولُ الإنسانِ لا يَعرِفُ معنى الأهِلَّةِ، والحِكْمةَ مِن إيجادِها وتنوُّعِها، وآخِرُهُ يُفاخِرُ ويُكابِرُ على الله بدقَّتِه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ١٥].\nروى ابنُ جريرٍ؛ مِن حديثِ سعيدٍ، عن قَتَادةَ؛ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾؛ قال قَتَادةُ: \"سألُوا نبيَّ اللهِ - ﷺ - عن ذلكَ: لِمَ جُعِلَتْ هذه الأَهِلَّةُ؟ فأنزَلَ اللهُ فيها ما تَسْمَعُونَ: ﴿هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾، فجعَلَها لِصَوْمِ المسلِمِينَ ولإفطارِهِم، ولِمَناسكِهم وحجِّهم، ولِعِدَّةِ نسائِهم، ومَحَلِّ دَيْنِهم، في أشياءَ، واللهُ أعلمُ بما يُصلِحُ خَلْقَه\" (١).\nورواه عنِ العَوْفِيِّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ (٢).\nوعباداتُ الخَلْقِ مركَّبةٌ مِن فِعْلٍ وزمَنٍ؛ ولهذا جاءتِ الشرائِعُ بِضبطِ الفعلِ بصفةٍ، وتحديدِ الزَّمَنِ بوقتٍ منه.\nواللهُ إنَّما أعلَمَ الناسَ بما يحتاجُونَ إليه في ظاهرِ الأمرِ مِن الأهِلَّةِ، ويُبْصِرونَ حكمتَهُ لو تأمَّلُوا بأدنى تأمُّلٍ، وترَكَ ما دون ذلك ممَّا دَقَّ مِن منافعِ الأهِلَّةِ الذي ربَّما لا تُدرِكُهُ عقولُهم حينَها، ويستعصِي عليهم فهمُه، وربَّما شكَّكُوا في صدقِه.\nوبهذا المَنهَجِ يتأسَّى العالِمُ في تعليمِ الناسِ ونفعِهم؛ يُزِيلُ الإشكالَ، ويَغرِسُ الإيمانَ، ولا يخوضُ فيما يتسبَّبُ في عكسِ مقصودِهِ من غرسِ الشكِّ والجحودِ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٨٠).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٨٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٢٢).","vol":"1","page":257},{"text":"وفي الآيةِ: دليلٌ على قيمةِ الزمنِ، وأنَّ اللهَ خلَقَ النَّيِّرَيْنِ الشمسَ والقمرَ، وهما أعظَمُ أجرامِ المَجَرَّةِ نفعًا؛ جعَلَهُما لمنافِعَ، مِن أهمِّها ضبطُ الوقتِ، ولمَّا خلَقَهُما اللهُ لأَجْلِ زمنِ الناس، دلَّ على إِكرامِ الله لِبني آدمَ، وأنَّه فضَّلَهم على المخلوقاتِ؛ بأنْ سخَّر المخلوقاتِ لهم، ولَم يسخِّرْهُمْ للمخلوقاتِ كالشمسِ والقمرِ، وإنَّما سخَّرَ اللهُ الناسَ له وحدَهُ، فأوجَبَ عبادتَهُ عليهم، ولكنَّ الإنسانَ كفورٌ مبينٌ.\nوكلَّما كان الإنسانُ لِزَمَنِهِ أضبَطَ، كان لعَمَلِهِ أتقَنَ، وأضيَعُ الناسِ لحسابِ زمنِهِ أضيعُهُمْ لعَمَلِهِ؛ لأنَّ أفضلَ الأعمالِ وأجوَدَها ما انضبَطَ بالزمنِ، وأقلَّها ما أُنجِزَ على التراخِي.\nوفي الآيةِ: دليلٌ على وجوبِ معرِفةِ الآجالِ للبيعِ والمساقاةِ والمؤاجَرةِ عند عامَّةِ العلماءِ.\nثمَّ ذكَرَ اللهُ الحجَّ بِقولِه: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾؛ وهذا مِن بابِ عطفِ الخاصِّ على العامِّ؛ للاهتمامِ به؛ وذلك لبيانِ أنَّ الأهِلَّةَ مواقيتُ للناسِ في سائرِ أعمالِهِم، ولضبطِ مواقيتِ الحجِّ.\nوهذا لا يعنِي تقديمَ الحجِّ على ما يَسبِقُهُ مِن أركانِ الإِسلامِ؛ كما في حديثِ ابنِ عُمَرَ في \"الصحيحَيْنِ\": (بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ. . .)؛ الحديثَ (١)، وما في حديثِ أبِي هريرةَ في قصةِ جبريلَ حينَما سُئِلَ عن الإِسلامِ، قَالَ: \"الإسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ. . .\"؛ الحديثَ (٢)؛ وذلك لأنَّ الصلاةَ إنَّما تُعرَفُ مواقيتُها بالشمسِ، لا بالأَهِلَّةِ، ثمَّ إنَّ الاهتمامَ بالحجِّ لكونِهِ يحتاجُ إلى ضبطٍ وتحرٍّ؛ فالناسُ يَجْهَلونَ أَمْرَهُ أكثرَ مِن غيرِهِ كالصيامِ والزكاةِ التي تدورُ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨) (١/ ١١)، ومسلم (١٦) (١/ ٤٥).\n(٢) أخرجه مسلم (٨) (١/ ٣٦).","vol":"1","page":258},{"text":"عليهم كلَّ حَوْلٍ، ولكنَّ الحَجَّ يجبُ في العُمْرِ مَرَّةً، وهو أقرَبُ لنسيانِ الأفرادِ؛ خاصَّةً النائِينَ عن مَكَّةَ لمعرِفةِ مواقيتِهِ، وأمَّا ما يَرِدُ على الناسِ كلَّ يومٍ كالصلواتِ الخمسِ، فإنهم يَضبِطونَ وقتَهُ أكثرَ ممَّا يَمُرُّ عليهم كلَّ سنةٍ؛ كصيامِ رمضانَ، وزكاةِ المالِ، وما يجبُ عليهم كلَّ سنةٍ أضبَطُ ممَّا يجبُ عليهم في العمرِ مرةً؛ كالحجِّ؛ ولذا تَجِدُ عامَّةَ الناسِ يفقَهونَ أحكامَ الصلاةِ أكثرَ مِن الصيامِ والزكاةِ، ومسائلَ الصيامِ والزكاةِ أكثرَ مِن الحجِّ.\nوالعالِمُ الرَّبَّانيُّ الحكيمُ يُدرِكُ قَدْرَ ما يحتاجُ إليه الناسُ في دينهم؛ فيهتمُّ به ولو كان غيرُهُ مِن أحكامِ الدِّينِ أَوْلَى منه؛ إذا كان واضحًا لهم ومستقِرًّا، فيخُصُّ ما يجهلونَهُ بمَزِيدِ بيانٍ، ولا يترُكُ الأهمَّ المعروفَ ويُهمِلُهُ، بل ينبِّهُ عليه تنبيهًا؛ حتَّى لا يضعُفَ في القلوبِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>أشهُرُ الحجِّ:</span>\nوفي الآيةِ: تنبيهٌ إلى مواقيتِ الحجِّ والزمنِ الذي يُعقَدُ فيه، وأشهُرُ الحجِّ: شوَّالٌ وذو القَعْدةِ وعَشْرٌ من ذي الحِجَّةِ؛ قاله ابنُ عُمَرَ؛ كما رواهُ البيهقيُّ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ عُبَيْدِ اللهِ، عن نافعٍ، عنه (١).\nوبنحوِه رواهُ عن ابنِ عباسٍ؛ مِن حديثِ خُصَيْفٍ، عن مِقسَمٍ، عنه (٢).\nورُوِيَ عن مالكٍ والشافعيِّ: أنَّ ذا الحِجَّةِ كاملًا مِن أشهرِ الحجِّ.\nوالقولُ بتمامِ ذي الحِجَّةِ لا قيمةَ له في صحَّةِ الحَجِّ؛ لأنَّ الحجَّ عَرَفةُ؛ وإنَّما ثمَرَتُهُ في العُمْرةِ في أشهُرِ الحَجِّ وفضلِها، والطاعاتِ والقُرُباتِ، والمعتمِرُ بعدَ عَرَفةَ لا يُعدُّ متمتِّعًا حتَّى عندَ مَن يقولُ بأنَّ ذا الحجَّةِ كاملًا مِن أشهُرِ الحجِّ.\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٤٢).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٤٢).","vol":"1","page":259},{"text":"واتَّفَقَ الأئمَّةُ على أنَّ الإحرامَ للحجِّ إنَّما يكونُ في أشهُرِهِ؛ وهذا هو الذي شرَعَه اللهُ لعبادِه، ولكنِ اختلَفُوا في صِحَّةِ الإحرامِ وانعقادِهِ:\nفذهَبَ مالكٌ وأبو حنيفةَ وأحمدُ: إلى صحةِ الإحرامِ بالحجِّ في غيرِ أشهُرِه، وقال الشافعيُّ: الإحرامُ للحجِّ في غيرِ أشهُرِهِ لا يصحُّ؛ وإنَّما ينقلبُ عُمْرةً.\nوهو قولُ عطاءِ وطاوُسٍ والأوزاعيِّ.\nقال ابنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -: \"مِن السُّنَّةِ ألَّا يُحرِمَ بِالحَجِّ إِلَّا في أَشْهُرِ الْحَجِّ\".\nعلَّقَه البخاريُّ مجزومًا به (١)، وأخرَجَهُ ابنُ أبي شَيْبةَ مِن حديثِ الحكَمِ، عن مِقسَمٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ (٢).\nوصحَّ عن جابرٍ؛ قال: \"لا يُحرَمُ بالحجِّ إلَّا في أشهُرِ الحجِّ\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>تقدُّمُ مشروعِيَّة الحجِّ:</span>\nورُوِيَ عن عطاءٍ وطاوسٍ ومجاهِدٍ وغيرِهم (٤).\nوهذه الآيةُ مِن أوائلِ ما نزَلَ في المدينةِ، والحجُّ إنَّما فرَضَهُ اللهُ على المسلِمِينَ بعدَ ذلك بزمنٍ؛ دَلَالةً على مشروعيَّتِه، وأهميَّةِ حفظِ حدودِهِ ومعرفتِها، ولو لم يتمكَّنِ المسلِمُونَ مِن أدائِه؛ لقوَّةِ شَوْكةِ المشرِكِينَ.\nوفيه: أنَّ أحكامَ الدِّينِ التي لا يتمكَّنُ المسلِمُونَ مِن أدائِها يجبُ ألَّا تُغيَّبَ عن الناسِ، بل تُعلَّمُ ويُفقَّهُ الناسُ فيها؛ وذلك كالجهادِ في\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٢/ ١٤١).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٤٦١٧) (٣/ ٣٢٣).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٤٦١٨) (٣/ ٣٢٣).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٤٦١٩) (٣/ ٣٢٣).","vol":"1","page":260},{"text":"سبيلِ اللهِ زَمَنَ ضعفِ المسلِمِينَ وعدَمِ قُوَّتِهم؛ فإغفالُ أحكامِهِ وإخفاؤُها بِحُجَّةِ عدمِ مناسبةِ وقتِهِ خطأٌ؛ لأنَّ حِفْظَ الدِّينِ وتقريرَهُ شيءٌ، وتَرْكَ العملِ به شيءٌ؛ فإنَّ الناسَ إذا تَرَكُوا بعضَ الدِّينِ للعجزِ عن إقامتِهِ لِضَعْفِهم، توارَثَ أجيالٌ التَّرْكَ، ثمَّ ظنُّوهُ عدَمًا، وعدمُ العملِ بالعِلْمِ ينبغي ألَّا يضيِّعَ العِلمَ نفسَهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>أحوالُ حجِّ العربِ في الجاهليَّة:</span>\nوكانتِ العربُ في الجاهليَّةِ - ومنهمُ الأنصارُ في المدينةِ - إذا أحرَمُوا للحجِّ والعُمْرةِ عاقدِينَ لها مِن بيوتِهم، لم يُجِيزُوا لأنفسِهِمْ دخولَ البيوتِ مِن الأبوابِ، ويَرَوْنَ ذلك مِن المحظوراتِ عليهم، وكذلك الاستظلالُ تحتَ أَسْقُفِ بيوتِهم، وكانوا يشدِّدونَ على أنفسِهم في ذلك، فإذا احتاجُوا إلى بيوتِهم، دخَلُوها مِن الأسوارِ ومِن ظهورِها، وربَّما دخَلُوها مِن غيرِ أبوابِها كالنوافذِ ونحوِها.\nروى ابنُ جريرٍ، عنِ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ؛ في قولِ اللهِ - تعالى ذِكْرُهُ -: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾؛ يقولُ: \"ليس البِرُّ بأنْ تأتُوا البيوتَ مِن كُوَّاتٍ في ظهورِ البيوتِ، وأبوابٍ في جُنُوبِها، تجعلُها أهلُ الجاهليَّةِ، فنُهُوا أن يدخُلُوا منها، وأُمِرُوا أن يدخُلُوا مِن أبوابِها\" (١).\nوروى نحوَهُ عبدُ الرزَّاقِ (٢)، وعنه ابنُ جريرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْريِّ (٣).\nورواه ابنُ جريرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي جَعْفرٍ، عن أبيهِ، عن الربيعِ (٤).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٨٥).\n(٢) في \"تفسيره\" (١/ ٧٢ - ٧٣).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٨٦).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٨٨).","vol":"1","page":261},{"text":"وأمَّا سُكَّانُ مكَّةَ والذين يَسكُنونَ حَرَمَها الذين يُسمُّونَ أنفُسَهم \"الحُمْسَ\" جمع أَحْمَسَ، فلم يكونُوا يَفْعَلونَ ذلك، وهم قُرَيْشٌ وثَقِيفٌ، وخُزَاعةُ وكِنَانةُ، وجُشَمُ ومُدلِجٌ، وبنو نَصْرِ بنِ مُعاوِيةَ، وعَدْوانُ وعَضَلٌ، وبنو الحارثِ بنِ عبدِ مَنَافٍ.\nوقد تحمَّسَ بنو عامرِ بنِ صَعْصَعةَ، وهم كِلَابٌ وكَعْبٌ وعامرٌ وكَلْبٌ، وليسوا مِن ساكِني الحَرَمِ، فجَعَلوا أنفُسَهم في حُكْمِ سُكَّانِ مكَّةَ؛ لأنَّ أُمَّهم قُرشيَّةٌ، وهي مَجْدُ بنتُ تَيْمِ بنِ غالِبِ بنِ فِهْرٍ.\nوقد ثبَتَ في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ البَرَاءِ بن عازبٍ - ﵁ -؛ قال: \"كَانَتِ الأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا فَجَاؤُوا، لَمْ يَدْخُلُوا مِنْ قِبَلِ أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ، وَلَكِنْ مِن ظُهُورِهَا، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَدَخَلَ مِنْ قِبَلِ بَابِهِ، فَكَأَنَّهُ عُيِّرَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هذه الآيةُ\" (١).\nوقد نَفَى اللهُ ما يتوهَّمونَهُ من البِرِّ بتركِ أبوابِ البيوتِ، والدخولِ مِن ظهورِها، وبيَّن أنَّ البِرَّ الحقيقيَّ هو تقوى اللهِ على وجهِ الحقيقةِ، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾، وتقوى اللهِ أنْ يَبتعِدَ العبدُ عن أسبابِ عذابِ اللهِ وسَخَطِه؛ وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ العِبْرةَ بالموافَقَةِ لهديِ اللهِ ورسولِه، وليس لمجرَّدِ صدقِ الإنسانِ في احتِسَابِه.\nوتقديمُهُ للتقوى على دخولِ البيوتِ من الأبوابِ؛ لأنَّ دخولَ البيوتِ مِن الأبوابِ ومِن ظهورِها ليس دِينًا ولا بِرًّا؛ وإنَّما البِرُّ هو ما أمَرَ اللهُ به ووَجَّهَ إليه، فيُتَّقَى اللهُ به، وأنَّ اعتقادَ أنَّ دخولَ البيوتِ مِن ظهورِها دِينٌ وبِرٌّ جعَلَ الدخولَ مِن الأبوابِ من البِرِّ؛ لمخالَفةِ البِدْعةِ في الدِّينِ، وفي هذا دليلٌ على أنَّ إظهارَ العاداتِ التي تُخالِفُ ما يتوهَّمُهُ الناسُ دِينًا مِن البِرِّ، وهو وإن كان في ذاتِهِ عادةً إلَّا أنَّه يُظهِرُ مخالَفَةَ الإحداثِ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٨٠٣) (٣/ ٨)، ومسلم (٣٠٢٦) (٤/ ٢٣١٩).","vol":"1","page":262},{"text":"قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠].\nالمقاتَلةُ تكونُ بين طرَفَيْنِ، وهي مِن المُفاعَلةِ؛ فكلُّ طَرَفٍ حريصٌ على قَتْلِ الآخَرِ، وأمَّا القتلُ فيكونُ مِن واحدٍ لآخَرَ، ولا يَلْزَمُ منه حرصُ الآخَرِ على قَتْلِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>أول تشريع الجهاد:</span>\nوهذه الآيةُ أوَّلُ آيةٍ نزَلَتْ في القتالِ في المدينةِ، وقد كان المسلِمُونَ يتهيَّؤونَ للذَّهَابِ إلى مَكَّةَ لعُمْرةِ القَضَاءِ سنةَ سِتٍّ، وظنَّ المسلِمونَ غَدْرَ المشرِكِينَ بالعهدِ، ويَخشَوْنَ مِن مباغَتَتِهم لهم بالقتالِ، ولم يكُنْ أُذِنَ لهم بالقتالِ في مِثْلِ هذه الحالِ؛ فأنزَلَ اللهُ الآيةَ بيانًا لذلك.\nروى ابنُ جريرٍ الطبريُّ؛ مِن حديثِ أبي جعفرٍ، عنِ الرَّبِيعِ؛ في قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ قالَ: \"هذه أوَّلُ آيةٍ نزَلَتْ في القتالِ بالمدينةِ، فلمَّا نزَلَتْ، كان رسولُ اللهِ - ﷺ - يُقاتِلُ مَن يُقاتِلُهُ، ويَكُفُّ عمَّن كَفَّ عنه، حتَّى نزلَتْ: ﴿بَرَاءَةٌ﴾ \"، ولم يذكُرْ عبدُ الرحمنِ: \"المدينةَ\" (١).\nولمَّا كانتِ الآيةُ مقيَّدةً بالمقاتَلةِ عند بدءِ العدوِّ بالقتالِ، مع النهيِ عن العدوانِ، حمَلَ بعضُ المفسِّرِينَ مِن السَّلَفِ ما جاء مِن آياتٍ آمِرةٍ بالجهادِ بالإطلاقِ على أنَّها ناسِخةٌ لهذه الآيةِ؛ فقد روى ابنُ جَريرٍ، عنِ ابنِ وهبٍ؛ قال: قال ابنُ زَيْدٍ، في قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٨٩ - ٢٩٠).","vol":"1","page":263},{"text":"يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، إلى آخرِ الآيةِ؛ قال: قد نُسِخَ هذا! وقرَأَ قولَ اللهِ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وهذه الناسخةُ، وقرَأَ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١]، حتَّى بلَغَ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ إلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥] (١).\nوبعضُ المفسِّرينَ جعَلَ الآيةَ مُحْكَمةً لم تُنسَخْ، وأنَّ العُدْوانَ المقصودَ هو النهيُ عن قتالِ الصِّبْيانِ والنِّسَاءِ والشُّيُوخِ، وأنَّ الحكمَ باقٍ في مِثْلِ تلك الحالاتِ التي كان عليها المسلِمونَ؛ فعن مُعاوِيةَ، عن عليٍّ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ يقولُ: \"لا تقتُلوا النِّساءَ ولا الصِّبيانَ ولا الشيخَ الكبيرَ، ولا مَنْ ألقَى إليكمُ السَّلَمَ وكفَّ يَدَهُ؛ فإن فَعلتُم هذا، فقَدِ اعتديتُم\" (٢).\nوعن يحيى بنِ يحيى الغَسَّانيِّ، قال: كتَبْتُ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أسألُهُ عن قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، قال: فكتَبَ إليَّ: \"إنَّ ذلكَ في النِّسَاءِ والذُّرِّيَّةِ ومَن لم ينصِبْ لكَ الحربَ منهُم\"؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (٣)، وجاء هذا القولُ عن مجاهدٍ أيضًا (٤).\nوهذا الأشبهُ بالصوابِ، صوَّبَهُ أبو جعفرٍ النَّحَّاسُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>حكمُ قتلِ النساءِ والصبيان:</span>\nوالمقاتَلةُ تكونُ مِن طرَفَيْنِ، والنساءُ والصبيانُ والشُّيوخُ لا يُقاتِلونَ، وكلُّ مَن لم يُقاتِلِ المؤمنينَ، فلا يَدخُلُ في الآيةِ؛ وهذا هو الأصلُ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٩٠).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٩١).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٩٠).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٩١).","vol":"1","page":264},{"text":"وحكى ابنُ عبدِ البرِّ الإجماعَ على تحريمِ قتلِ النساءِ والصبيانِ إذا لم يُقاتِلُوا (١).\nوروى ابنُ أبي شَيْبةَ، وابنُ عبدِ البرِّ، عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ؛ قال: \"كتَبَ عُمَرُ إلى أمراءِ الأجنادِ: لا تَقْتُلوا امرأةً ولا صبيًّا، واقتُلُوا مَن جَرَتْ عليه المَوَاسي\" (٢).\nوروى سُنَيْدٌ، عن أبي بكرِ بنِ عَيَّاشٍ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ؛ قال: كتَبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ إلى جَعْوَنَةَ وكان أمَّرَهُ على الأدرابِ: \"أنْ لا تَقتُلِ امرأةً، ولا شيخًا، ولا صغيرًا، ولا راهبًا\" (٣).\nولكنْ إذا دخَلَ النساءُ في صفوفِ القتالِ، وشارَكَ الشيوخُ معَهُمْ في القتالِ، فيدخُلُونَ في حكمِ المقاتِلينَ في قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ عندَ أكثرِ العلماءِ، وهو قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ والليثِ وإسحاقَ.\nويدخُلُ في هذا الحُكْمِ إذا كانت تشارِكُ في الحربِ في غيرِ قتالٍ؛ كالإمدادِ بالعُدَّةِ والعَتَادِ، والتحريضِ بالشِّعْرِ والنَّدْبِ، وأمَّا إذا كانَتْ تصنعُ الطعامَ والشرابَ وتُداوِي الجَرْحى، فلا أرى أنَّ هذا يدخُلُ في بابِ المُقاتَلةِ؛ لأنَّ الطعامَ والشرابَ وعلاجَ المريضِ تَعملُهُ النساءُ في كلِّ حينٍ عادةً غالبةً لها، وأمَّا عُدَّةُ الحربِ والندبُ إلى القتالِ، فهذا ليس مِن شأنِ النساءِ، فدخُولُها فيه دخولٌ في حُكْمِ القِتالِ.\nروى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن هِشَامٍ، عنِ الحسَنِ؛ قال: \"إِذا خَرَجَتِ المَرْأَةُ مِن المُشْرِكِينَ تُقَاتِلُ، فَلْتُقْتَلْ\" (٤).\n_________\n(١) \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٤/ ٦٠).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٣١٢٩) (٦/ ٤٨٤)، وابن عبد البر في \"الاستذكار\" (١٤/ ٦٤).\n(٣) \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٤/ ٦٣).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٣١٤١) (٦/ ٤٨٥).","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>حكمُ قتلِ الراهبِ والشيخ الكبيرِ:</span>\nويَدخُلُ في الآيةِ الراهبُ والعُبَّادُ مِن بابِ أَوْلى؛ لاعتزالِهِ عن الناسِ، ما لم يُقاتِلْ أو يُحرِّضْ ويندُبِ الناسَ.\nولا يدخُلُ الراهبُ في الاسترقاقِ، بل يبقى على حالِه، ويُترَكُ له مِن طعامِهِ ما يَكْفِيه.\nوجمهورُ العلماءِ على عدمِ قتلِ الشيخِ الهَرِم الذي لا يُنتفَعُ به في قتالٍ؛ وهو قولُ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ لِيَزِيدَ بنِ أبي سُفْيانَ حينَما بعثَهُ لقتالِ المشرِكِينَ.\nوهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ، وروايةٌ عن الشافعيِّ.\nوللشافعيِّ قولٌ آخرُ؛ قال: \"يُقتَلُ الفلَّاحونَ والأُجراءُ والشيوخُ الكبارُ، إلَّا أنْ يُسلِموا أو يؤدُّوا الجِزْيةَ\".\nوالشافعيُّ يفرِّقُ بين قصدِ النساءِ والصبيانِ بالقتلِ، وبين كونِهم في الدُّورِ التي يكونُ فيها المشرِكُونَ؛ فيأخُذُ النساءُ والصبيانُ والشيوخُ حُكْمَ المقاتِلِينَ، ويَستدِلُّ بحديثِ الصَّعْبِ بنِ جَثَّامَةَ - ﵁ -؛ قال: \"مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالْأَبْوَاءِ - أوْ بِوَدَّانَ - وَسُئِلَ عَن أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَيُصَابُ مِن نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، قَالَ: (هُم مِنْهُمْ)، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: (لَا حِمَى إِلَّا للهِ وَلِرَسُولِهِ - ﷺ -) \"؛ أخرَجَهُ الشيخانِ (١).\nورَمْيُ المشرِكِينَ في حصونِهم، وقتلُ الأطفال والنساءِ وَأسرى المسلمين تبعًا لذلك، دون أن يُقْصَدُوا عينًا: جوَّزَهُ كثيرٌ مِن الفقهاءِ؛ قال به مالكٌ والثَّوْريُّ وأبو حنيفةَ والشافعيُّ وأحمدُ وغيرُهم.\nوقال الأوزاعيُّ: \"إذا تترَّسَ الكفَّارُ بأطفالِ المسلمينَ لم يُرْمَوْا؛\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٠١٢) (٤/ ٦١)، ومسلم (١٧٤٥) (٣/ ١٣٦٤).","vol":"1","page":266},{"text":"لقولِ اللهِ - ﷿ -: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ [الفتح: ٢٥] \" (١).\nوإذا كان المسلِمُونَ لا يَمْلِكونَ فَكَّ أَسْراهُم، ولا يَملِكونَ تَفادِيَهم، ولا تفادِيَ نساءِ المشرِكِينَ ولا صِبْيانِهم ولا كَنَائِسِهم عند القتالِ الذي بتعجيلِهِ نُصْرةُ المسلِمِينَ، وبتأخيرِهِ ضعفٌ وهوانٌ وهزيمةٌ لهم، فيجبُ عليهم القتالُ ولو قُتِلَ أَسْرَى المسلِمِينَ وصِبيانُ المشرِكِينَ ونساؤُهم، مع أنَّ الحالاتِ في ذلك تتبايَنُ بحَسَبِ كَثْرةِ الأسرى والحاجةِ للقتالِ، وأثرِ تأخيرِ القتالِ على المسلِمينَ.\nفهذه اعتباراتٌ لا بُدَّ مِن أخذِها عندَ الحُكْمِ على مسألةٍ بعينها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>حكمُ قتلِ الفلَّاحين والعُمَّال:</span>\nوالفَلَّاحُ والعامِلُ والأجيرُ لغيرِ الحربِ، وكلُّ مَنْ لم يقاتِلْ أو لم يُعِنْ على عُدَدِ الحربِ وعَتَادِها، أو لم يحرِّضْ على قتالٍ: فإنَّه لا يُقتَلُ؛ فصحَّ في \"المسنَدِ\"؛ مِن حديثِ المرقَّعِ بنِ صَيْفِيٍّ، عن جَدِّهِ رَبَاحِ بنِ الرَّبِيعِ، أَخي حَنْظَلَةَ الكَاتِبِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي غَزْوَةٍ غَزاهَا، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ، فَمَرَّ رَبَاحٌ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ، مِمَّا أَصَابَتِ المُقَدِّمَةُ، فَوَقَفُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا، وَيَتَعَجَّبُونَ مِن خَلْقِهَا، حَتَّى لَحِقَهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - على رَاحِلَتِهِ، فَانْفَرَجُوا عَنْهَا، فَوَقَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: (مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ)، فَقَالَ لِأَحَدِهِمُ: (الْحَقْ خَالِدًا، فَقُلْ لَهُ: لَا تَقْتُلُوا ذُرِّيَّةً، وَلَا عَسِيفًا)؛ أخرجه أحمدُ وأبو داودَ والنَّسَائيُّ وابنُ ماجهْ (٢).\n_________\n(١) \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٤/ ٦٦).\n(٢) أخرجه أحمد (١٥٩٩٢) (٣/ ٤٨٨)، وابن ماجه (٢٨٤٢) (٢/ ٩٤٨)، وأبو داود (٢٦٦٩) (٣/ ٥٣)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٨٥٧١) (٨/ ٢٧).","vol":"1","page":267},{"text":"وروى سعيدُ بنُ منصورٍ، عن زَيْدٍ بنِ وَهْبٍ؛ قالَ: كَتَبَ عُمَرُ - ﵁ -: \"لَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، واتَّقُوا اللهَ فِي الْفَلَّاحِينَ الَّذِينَ لَا يَنْصُبُونَ لَكُمُ الْحَرْبَ\" (١).\nورُوِيَ نحوُهُ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ؛ رواهُ ابنُ المنذِرِ (٢).\nوالآيةُ محمولةٌ على جهادِ الدَّفْعِ عندَ صَوْلةِ المشرِكِ وعدوانِه، وقد أنزَلَ اللهُ في القتالِ العامِّ متى توافَرَتْ أسبابُهُ ما في سورةِ التوبةِ؛ قال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦].\nومع أنَّ المسلِمينَ في المدينةِ لم تكتمِلْ لهمُ القُوَّةُ، وأيضًا فشَوْكةُ المشرِكِينَ بمكَّةَ قويَّةٌ؛ أنزَلَ اللهُ عليهِمُ الأمرَ بالقتالِ عند العدوانِ، وفيه أهميَّةُ الجهادِ، وإظهارُ قوةِ المسلِمينَ، وحالُ المسلِمِينَ حينئذٍ يُمكِنُ معَها تَرْكُ العمرةِ، وعدَمُ التعرُّضِ للمشرِكِينَ، ولكنَّ الإبقاءَ على أمرِ العُمْرةِ، وإظهارَ العُدَّةِ للمقاتَلةِ عند العُدْوانِ: يُورِثُ هَيْبةً للأُمَّةِ في نفوسِ المشرِكِينَ.\nوأكثَرُ ما يُستضعَفُ المسلِمُونَ عندَ تركِ الجهادِ وتركِ إظهارِ القوةِ، واللهُ جعلَ إظهارَ القوةِ وإعدادَ العُدَّةِ ولو بلا قتالٍ مَطْلَبًا؛ ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، فإدخالُ الرهبةِ على نفوسِ المشرِكِينَ مَقصَدٌ، وظهورُ ضعفِ المسلِمِينَ يجرِّئُ عليهم غيرَهُمْ.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٢٦٢٥) (٢/ ٢٨٠).\n(٢) \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٤/ ٢٠).","vol":"1","page":268},{"text":"قال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩١، ١٩٢].\nبعدَ أنْ كانَ أَمْرُ اللهِ بالقتالِ مقتصِرًا على مَن قاتَلَ واعتَدَى، واعترَضَ المسلِمِينَ ومالَهُمْ - وهو جهادُ الدَّفْعِ - أمَرَ سبحانَهُ بجهادِ الطَّلَبِ؛ فاتَّسَعَتْ دائرةُ القتالِ.\nوهذه الآيةُ معطوفةٌ على الآيةِ السابقةِ بحرفِ العطفِ الواوِ، وجعَلَ بعضُ العُلَماءِ هذا قرينةً على أنَّ هذه الآياتِ نزلَتْ منتظِمةً في سياقٍ واحدٍ، ولم يَنسَخْ بعضُها بعضًا؛ فإنَّ عطْفَ بعضِها على بعضٍ يمنعُ مِن دعوى النَّسْخِ، وتأخُّرِ بعضِها عن بعضٍ بحيثُ يكونُ بينَهما زمنٌ وحوادثُ تُوجِبُ تغيُّرَ الحُكْمِ.\nوقولُ ابنِ خوَيْزِمَنْدَادَ من المالكيَّةِ بأنَّ قولَه: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ منسوخٌ بقولِه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]: فيه نَظرٌ؛ لما تقدَّم.\nوعطَفَ اللهُ الأمرَ بالقتلِ هنا: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾، بعدَ قولِهِ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩٣]؛ للاتصالِ بالمعنى الذي في الآيةِ السابقةِ؛ وذلك أنَّهم خارِجونَ للمقاتَلَةِ، وسيُقابِلونَ المشرِكين؛ منهم مَن يقاتِلُ، ومِنهم مَن لا يُقاتِلُ؛ لعجزٍ أو خوفٍ، أو لكونِهِ خرَجَ تحريضًا وتشجيعًا فقطْ، فاحتاجُوا لبيانِ أنَّ حُكْمَ مَن خرَجَ للقتالِ حُكْمُ المقاتِلِ ولو لم يُقاتِلْ؛ ولذا قال: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾؛ يَعني: ولو بدونِ مُقاتَلتِه.\nوقولُهُ تعالى: ﴿ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: لَقِيتُموهم؛ أيْ: على كلِّ حالٍ؛ سواءٌ كانوا في حالةِ تنقُّلٍ أو راحةٍ أو تطلُّعٍ وتحسُّسٍ؛ وذلك ما دامُوا","vol":"1","page":269},{"text":"قاصِدِينَ الاعتداءَ وقد بَيَّنُوه؛ لاحتمالِ مُبادَرَتِهم ومُباغَتَتِهم للمسلِمينَ بالعُدْوانِ، فكان الواجبُ عدمَ التفريقِ بين أحوالِهم؛ صيانةً للمسلِمِينَ وحفظًا لدمائِهم.\nوقولُه: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾؛ أيْ: أخرِجُوهم مِن بَلَدِهم مَكَّةَ كما أخرَجُوكم منها، وفيه المعاقَبةُ بالمِثْلِ، وفيه أنَّ بَلَدَ المسلِمِينَ التي يُخرَجونَ منها لا تَسقُطُ عن كَوْنِها حقًّا لهم ولو تباعَدَ الزَّمَنُ، وأنَّ الوعدَ بإعادتِها ينبغي أنْ يكونَ حاضرًا متى ما تهيَّأتِ الأسبابُ للأُمَّةِ.\nوقولُه تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾:\nالفتنةُ هي الاضطرابُ وتغيُّرُ الحالِ؛ هذا أصلُ معناها، ثمَّ إنَّها تُطلَقُ على كلِّ قولٍ أو فعلٍ أو اعتقادٍ أدَّى إلى الاضطرابِ في حالِ الفردِ أو الأُمَّةِ؛ فالمالُ والوَلَدُ والجاهُ، والكَذِبُ والغِيبةُ والنَّمِيمةُ والحَرْبُ: فِتْنةٌ تؤدِّي إلى الاضطرابِ، والفتنةُ تكونُ دقيقةً، وتكونُ عظيمةً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>أعظمُ أنواعِ الفتنةِ:</span>\nوالفتنةُ المقصودةُ في الآيةِ \"الكُفْرُ\"، وهي أعظمُ أنواعِ الفِتْنةِ، وكلُّ فتنةٍ فهي دونَها؛ فسَّرَهُ بهذا عامَّةُ السَّلَفِ؛ كابنِ عبَّاسٍ ومجاهِدٍ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمةَ والحسَنِ وقتادةَ والضحَّاكِ والرَّبيعِ بنِ أنَسٍ (١).\nوقد جاءتِ \"الفِتْنةُ\" في الآية بالألفِ واللامِ، وهي للجِنْسِ، فتدُلُّ على الاستغراقِ؛ أيْ: أنَّ الفتنةَ المقصودةَ في الآيةِ أعظَمُ الفِتَنِ؛ وذلك أنَّ المسلِمِينَ يظنُّونَ أنَّ القتالَ في مَكَّةَ وحَرَمِها مِن الفتنةِ، فبَيَّنَ اللهُ ما هو أعظَمُ منها، وهو كفرُ من يُقاتِلُونَهم، والكفرُ فِتْنةٌ أعظَمُ من فتنةِ قتالِهم، بل لو تُرِكُوا بسببِ فِتْنةِ القتالِ، لكان ذلك إقرارًا لهم على كُفْرِهم، والحقُّ أنَّ الفتنةَ العُليا، وهي الكفرُ، تُدفَعُ بالفتنةِ الدُّنيا، وهي القتلُ.\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٩٣ - ٢٩٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٢٦).","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>حكمُ القتالِ في الحَرَمِ:</span>\nوقولُه: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:\nوهذه الآيةُ معطوفةٌ على الأمرِ بقتالِ المشرِكِينَ حيثُ ثَقِفُوهم؛ وذلك أنَّ اللهَ أمَرَ بقَتْلِهم في كلِّ موضعٍ، ولمَّا كان للحَرَمِ منزِلةٌ تختلِفُ عن غيرِه، احتاجَ للاستثناءِ المقيَّدِ بكونِهم يُقاتِلونَ المسلِمينَ عندَهُ، فجعَلَ اللهُ غايةَ النهيِ بقوله: ﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾.\nوذلك لِحُرْمةِ المسجدِ الحرامِ، فإذا خرَمَ حُرْمةَ المسجدِ الحرامِ، فهو مستحِقٌّ للعقوبةِ والتأديبِ؛ لكُفْرِهِ إنْ كان كافرًا، ولاستحلالِهِ حُرْمةَ المسجِدِ الحرامِ أيًّا كان؛ مؤمِنًا أو كافرًا.\nواللهُ جعلَ المسجدَ الحرامَ حرامًا؛ لنِسْبَتِهِ إليه؛ فهو حرَمُ اللهِ وبيتُهُ، وكلُّ صَدٍّ عن العبادةِ فيه واستحلالٍ للقتالِ على ذلك: إفقادٌ لأصلِ تلك الحُرْمةِ ونزعٌ لها.\nوقد حكى الإجماعَ غيرُ واحدٍ من العلماءِ: أنَّ لِمَكَّةَ حُرْمةً لا بدّ أنْ يَلِيَها مُسلِمٌ، ومجرَّدُ وِلِايةِ الكافرِ عليها مُبيحٌ لقتالِهِ، ولو لم يقاتِلْ؛ لأنَّ وجودَهُ فيها محرَّمٌ، ولو لم يَمْنَعِ المسلِمينَ مِن دخولِها حَجًّا وعُمْرةً؛ حكى الإجماعَ القُرْطُبيُّ عنِ ابنِ خُوَيْزِمَنْدَادَ (١).\nوقال: ﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾؛ أيْ: هذا حُكْمُهم الأصليُّ لو لم يَلُوذُوا بالحرَمِ، ولكنْ لمَّا قاتَلُوكم عندَهُ، كانت هذه الحالُ لاحِقةً بجَزَائِهم الأصليِّ، وهو وجوبُ القتالِ.\nومَن لاذَ بمكَّةَ ممَّن أصابَ حَدًّا، أو كان فارًّا بحقٍّ، أو عدوًّا\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" (٣/ ٢٤٤).","vol":"1","page":271},{"text":"استَجار بها، فيجوزُ قتالُهُ وقَتْلُهُ؛ لِمَا روى أنسُ بنُ مالكٍ: \"أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - دخَلَ مكَّةَ عامَ الفتحِ وعلى رأسِهِ المِغْفَرُ، فلمَّا نزَعَهُ، جاءَ أبو بَرْزَةَ، فقالَ: ابنُ خَطَلٍ متعلِّقٌ بأستارِ الكَعْبةِ؟ فقال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (اقْتُلُوهُ) (١)، وابنُ خطلٍ هذا هو عبد العُزَّى - أو: عبدُ اللهِ - ابنُ خطلٍ التَّيْمِيُّ كان مُسْلِمًا فارتَدَّ، فأخَذَ في سَبِّ النبيِّ والطَّعْنِ فيه والتنقُّصِ منه، وصَدِّ الناسِ عنه، فأهدَرَ النبيُّ دمَهُ\".\nوظاهرُ حديثِ أنسٍ: أنَّ النبيَّ قتَلَهُ لمَّا وضَعَ - ﷺ - المِغْفَرَ عن رأسِه، وقدِ انقضَتِ الساعةُ التي أَحَلَّ اللهُ له فيها مَكَّةَ، وانتهتِ الحربُ، فكان قتلُه حَدًّا؛ لِردَّتِهِ، لا محارَبةً؛ كما قاتَلَ المشرِكِينَ في قتالِ المواجَهةِ، فحُكْمُهُ كمَن كان في حُكْمِ المسلِمِينَ وارتَدَّ؛ فدَلَّ ذلك على إقامةِ الحدودِ في مَكَّةَ.\nوبهذا قال غيرُ واحدٍ مِن السَّلَفِ.\nوقد روى ابنُ المُنذِرِ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ؛ في قولِه - ﷿ -: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]؛ قالَ: \"مَنْ قَتَلَ، أَوْ سَرَق فِي الحِلِّ، ثُمَّ دَخَلَ الحَرَمَ، فَإِنَّهُ لا يُجَالَسُ، وَلا يُكَلَّمُ، وَلا يُؤْوَى، وَلَكِنَّهُ يُنَاشَدُ حَتَّى يْخْرُجَ، فَيُؤْخَذَ فَيُقَامَ عَلَيْهِ مَا جَرَّ، فَإِنْ قَتَلَ أَوْ سَرَقَ فِي الحِلِّ، فَأُدْخِلَ الحَرَمَ، فأَرَادُوا أَنْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ مَا أَصَابَ، أَخْرَجُوهُ مِنَ الحَرَمِ إِلَى الحِلِّ، فَأُقِيمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَتَلَ فِي الحَرَمِ أَوْ سَرَق، أُقِيمَ عَلَيْهِ فِي الحَرَمِ\" (٢).\nوبهذا قال عطاءٌ ومجاهِدٌ وقتادةُ.\nوقال مالكٌ: بإقامةِ الحدودِ مطلقًا.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٨٤٦) (٣/ ١٧)، ومسلم (١٣٥٧) (٢/ ٩٨٩).\n(٢) \"تفسير ابن المنذر\" (١/ ٣٠٥).","vol":"1","page":272},{"text":"وقال الشافعيُّ: \"إذا التجَأَ المجرِمُ المسلِمُ إلى المسجدِ الحرامِ يضيَّقُ عليه حتَّى يخرُجَ، فإن لم يخرُجْ، جازَ قتلُه\" (١).\nوقال قتادةُ: \"إِنْ سَرَقَ فيه أَحَدٌ قُطِعَ، وَإِنْ قَتَلَ فِيهِ أَحَدٌ قُتِلَ، وَلَوْ قُدِرَ عَلَى المُشْرِكِينَ فِيهِ قُتِلُوا\" (٢).\nومَن رُوِيَ عنه مِن السلفِ عدَمُ إقامةِ الحدِّ في الحرَمِ، فلا يَظهَرُ أنَّ مرادَهُ إسقاطُ الحدودِ على مَنْ لاذَ بمكَّةَ؛ وإنَّما مرادُهُ أنَّ مَن أصابَ حدًّا في غيرِها ولاذَ بِها: يُخرَجُ مِن الحَرَمِ؛ لِيُقَامَ الحدُّ عليهِ في خارجِه.\nوالقولُ بعدَمِ إقامةِ الحدودِ في الحرَمِ بحالٍ، وتحريمِ اللائِذِ ولو أصابَ حدًّا فلا يُخرَجُ منه ليُقامَ عليه الحَدُّ في غيرِه: قولٌ لا يعوَّلُ عليه؛ لأنَّ الحقوقَ إنَّما هي لحفظِ حُرْمةِ الناسِ ودمائِهم، ودماؤُهم أعظَمُ مِن حُرْمةِ البيتِ؛ فلا يُسقِطُ الأدنى الأعلى.\nوقال أبو حنيفةَ: \"لا يُقتَلُ الكافرُ إذا التجَأَ إلى الحَرَمِ، إلَّا إذا قاتَلَ فيه\" (٣).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣].\nبعدَ أنْ كانَ قتالُ المشرِكِينَ إنَّما هو إذا خُشِيَ عُدْوانُهم؛ دفعًا لِصَوْلَتِهم، وعند صدِّهم عنِ المسجدِ الحرامِ، بيَّنَ سبحانَهُ أنَّ للمؤمنينَ\n_________\n(١) \"تفسير النيسابوري\" (١/ ٣٩١ - ٣٩٢)، و\"تفسير الآلوسي\" (١/ ٣٧٨)، و\"التحرير والتنوير\" (٢/ ٢٠٥).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٦٠١ - ٦٠٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٧١٢).\n(٣) \"التحرير والتنوير\" (٢/ ٢٠٥).","vol":"1","page":273},{"text":"بعد ذلك قِتَالَهم؛ لإلحاقِ الضَّعْفِ بهم، وهذا سببٌ للقتالِ أوسعُ مِن الأسبابِ الأُولى.\nوقد جعَلَ بعضُ السَّلفِ هذه الآيةَ ناسخةً للآياتِ السابقةِ؛ فقد روى ابنُ جريرٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ؛ قولَهُ: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١]: \"كانُوا لا يُقاتِلونَ فيه حتَّى يُبدَؤوا بالقِتالِ، ثمَّ نُسِخَ بعدَ ذلك، فقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؛ حتَّى لا يكونَ شِرْكٌ، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾؛ أنْ يُقالَ: لا إلَهَ إلَّا اللهُ، عليها قاتَلَ نبيُّ اللهِ، وإليها دَعَا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>فتنةُ الكفرِ أشدُّ من فتنةِ القتلِ:</span>\nأمرَ اللهُ بقتالِ المشرِكِينَ حتَّى لا تكونَ فِتْنةٌ، والفِتْنةُ هنا الكفرُ؛ وهذا دليلٌ على أنَّ نَشْرَ أسبابِ الكفرِ من أقوالٍ وكتبٍ، وإذاعتَها، والتهاوُن مع أصحابِها: أعظَمُ مِن انتشارِ أسبابِ القتلِ؛ لأنَّ الكفرَ أكبَرُ مِن القتلِ وأشَدُّ.\nوفي الآيةِ: وجوبُ دفعِ أسبابِ فتنةِ الكفرِ عنِ المسلِمِينَ ولو بالقتلِ، وفتنةُ الكُفَّارِ هي كُفْرُهم، فإذا قوِيَتْ شَوْكَتُهم، تَبِعَهمُ المؤمنونَ.\nروى ابنُ جريرٍ الطبريُّ؛ مِن حديثِ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ؛ في قولِ اللهِ: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]؛ قال: \"ارتدادُ المؤمنِ إلى الوَثنِ أشدُّ عليهِ مِن القتلِ\" (٢).\nوقد أمرَنَا اللهُ بمقاتَلَتِهم حتَّى تندفِعَ فِتْنَتُهم عنِ المسلِمِينَ، لا أن تندفِعَ فتنتُهم كلُّها عن أَنْفُسِهم؛ لأنَّ هذا محالٌ؛ فالكُفَّارُ باقُونَ إلى قيامِ الساعةِ، وفتنتُهم تُدفَعُ بثلاثةِ أمورٍ:\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٩٥ - ٢٩٦).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٩٤).","vol":"1","page":274},{"text":"أوَّلًا: أن يدخُلُوا في الإسلامِ، ويَأْمَنوا مِن عقابِ اللهِ، ويأمَنَ المؤمنونَ من كُفْرِهم.\nثانيًا: أن يُقتَلوا ويُكفَى المؤمنونَ شرَّ كُفْرِهم.\nثالثًا: أن يُذَلُّوا بالجِزْيةِ؛ فلا تَكونَ لهم شَوْكةٌ أو قوَّةٌ يتشوَّفُ المؤمِنُ بسببِها إلى الاقتداءِ بهم والتأسِّي بحالِهم؛ فإنَّ الجِزْيةَ فُرِضَتْ صَغارًا لهم، والذليلُ لا يتأثَّرُ الناسُ بقولِه؛ وذلك أنَّ النفوسَ جُبِلَتْ على حُبِّ العظيمِ القويِّ والتأسِّي به؛ فجعَلَ اللهُ الجِزْيةَ صَغَارًا عليهم: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].\nوذلك حتَّى تُحمى بَيْضَةُ المسلِمينَ مِن تسلُّلِ رأيِ الكفرِ وقالَتِهِ واعتقادِهِ إليهم بإذلالِ أصحابِ الكُفْرِ، ويضعُفَ أمرُهُمْ عن التربُّصِ بالمؤمنينَ بمحاوَلَةِ العدوانِ ولو بعدَ حينٍ.\nوهذا في أهلِ الكتابِ مِن اليهودِ والنصارى، وأمَّا المشرِكُونَ الوثنيُّون، فلا يُتقبَّلُ منهم إلَّا الإسلامُ أو القَتْلُ؛ لقولِهِ - ﷺ -: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. . .)؛ الحديثَ (١)، وهذا في المشرِكِينَ.\nولِذا لم يأخُذِ النبيُّ مِن مُشرِكٍ جِزْيةً، وإنَّما أخَذَها مِن أهلِ الكتابِ، ويأتي بيانُه بإذنِ اللهِ.\nوحمَلَ بعضُ السَّلَفِ كابنِ عُمَرَ الآيةَ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ على خوفِ المؤمنينَ مِن فِتْنةِ الكفَّارِ؛ لِقلَّةِ المؤمِنِينَ وكثرةِ الكفَّارِ، وأنَّ الآيةَ لا تُؤخَذُ على عمومِها وإطلاقِها في كلِّ حالٍ؛ فقد أخرَجَ البخاريُّ، عن نافعٍ؛ قال: \"جاءَ رَجُلَانِ إلى ابنِ عُمَرَ أَيَّامَ فِتْنةِ ابنِ الزُّبَيْرِ، فقالا: إنَّ الناسَ صَنَعُوا ما تَرى وأنتَ ابنُ عُمَرَ وصاحبُ النبيِّ - ﷺ -؛ فما يمنعُكَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٥) (١/ ١٤)، ومسلم (٢٢) (١/ ٥٣)؛ من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ -.","vol":"1","page":275},{"text":"أن تخرُجَ؟ فقال: يَمْنَعُني أنَّ اللهَ حَرَّمَ دَمَ أخي، فقالا: ألم يقُلِ اللهُ تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾؟ فقال ابنُ عمرَ: \"قاتَلْنا مَعَ رسولِ اللهِ حتَّى لم تكُنْ فِتْنةٌ وكان الدِّينُ للهِ، وأنتُم تُرِيدُونَ أن تُقاتِلُوا حتَّى تكونَ فِتْنةٌ، ويكونَ الدِّينُ لغيرِ اللهِ\" (١)، قال ابنُ عمرَ: \"كان الإسلامُ قليلًا فكان الرَّجُلُ يُفتَنُ في دِينِهِ؛ إمَّا قتَلُوهُ، وإمَّا عذَّبُوه، حتَّى كَثُرَ الإسلامُ، فلم تكُنْ فتنةٌ\" (٢).\nوقولُه: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾؛ أيْ: فإنِ انتهَوْا عن نقضِ الصُّلْحِ، أو فإنِ انتهَوْا عنِ الشِّرْكِ بأنْ آمَنُوا، فلا عُدْوانَ عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>الحِكْمةُ مِن مشروعيَّةِ الجِهاد:</span>\nوفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ الأصلَ في مشروعيَّةِ الجهادِ هو إبلاغُ الدِّين، وتقويةُ الإسلامِ والمسلمين، وإضعافُ الكفرِ والكافرين؛ وذلك أنَّ قولَه: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ليس المرادُ منه هو إزالةَ الكُفرِ وأهلِه؛ وذلك أنَّ اللهَ في سابِقِ عِلْمِهِ وتقديرِهِ بقاءُ الكُفْرِ والكفارِ إلى آخِرِ الزَّمَانِ لحكمةٍ اقتضَتْ ذلك، ولكنَّ المرادَ هو إضعافُ شَوْكَتِهم وهَيْبتِهم؛ حتَّى لا يُرْهِبوا المؤمِنِينَ، ولا تتشوَّفَ نفوسُ ضعفاءِ المؤمِنِينَ إلى تقليدِهم لقوَّتِهم، ولا يجِدَ المنافِقُونَ عَضُدًا قويًّا خارجًا لهم.\nوعلى هذا: فأعلى مصالحِ الجهادِ: نَشْرُ الحقِّ، وإضعافُ الكفرِ وتقويةُ الإسلامِ وحمايتُهُ، ثمَّ يليها المصالحُ التابِعةُ لذلك؛ كأخذِ المالِ غنيمةً وفَيْئًا وجِزْيةً.\nوقد جاء في السُّنَّةِ نصوصٌ كثيرةٌ تدُلُّ على أنَّ المرادَ بالجهادِ الرِّفْعةُ والعُلُوُّ، وأنَّ تَرْكَهُ يُورِثُ ذِلَّةً وصَغَارًا؛ ففي \"سُنَنِ أبي داودَ\"؛ مِن حديثِ عَطَاءٍ الخُرَاسَانِيِّ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ؛ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٥١٣) (٦/ ٢٦).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٥١٤) (٦/ ٢٧).","vol":"1","page":276},{"text":"يَقُولُ: (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إلَى دِينِكُمْ) (١).\n* * *\n\nقالَ تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤].\nمُنِعَ النبيُّ - ﷺ - في شهرِ ذي القَعْدةِ سنةَ سِتٍّ مِن دخولِ مَكَّةَ، لمَّا ذهَبَ إليها قاصِدًا العُمْرةَ، وتصالَحَ مع المشرِكِينَ على دخولِها العامَ القابِلَ، وأن يُقِيمَ فيها ثلاثةَ أيَّامٍ، فكان لهم ذلك بعدَما أَعَدَّ المسلِمُونَ العُدَّةَ؛ تحسُّبًا لمنعِ المشرِكِينَ النبيَّ - ﷺ - وأصحابَهُ مِن دخولِ مكَّةَ ونَقْضِهِمْ العهدَ، فأبدَلَ اللهُ نبيَّهُ بشهرِ الصَّدِّ سَنَةَ ستٍّ شهرَ دخولٍ سَنَةَ سبعٍ، وهو شهرُ ذي القَعْدةِ الشَّهْرُ الحرامُ، وكانتِ العربُ تسمِّيهِ \"ذا القَعْدةِ\"؛ لأنَّهم يقعُدُونَ فيه عن القتالِ، فسمَّاهُ اللهُ بما يَعرِفونَه.\nروى ابنُ جريرٍ الطبريُّ؛ مِن حديثِ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ؛ في قولِ اللهِ - جلَّ ثناؤُه -: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾، قال: \"فَخَرَتْ قُرَيشٌ بِرَدِّها رسولَ اللهِ - ﷺ - يوم الحُدَيْبِيَةِ مُحْرِمًا في ذي القَعْدَةِ عنِ البلدِ الحَرامِ، فأدخَلَهُ اللهُ مكَّةَ في العامِ المُقْبِلِ من ذي القَعْدةِ، فقَضَى عُمرتَهُ، وأقصَّهُ بما حِيلَ بينَه وبينَها يومَ الحديبيةِ\" (٢).\nوروى أيضًا؛ من حديثِ سعيدٍ، عن قَتَادةَ؛ قولَه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾: \"أقبل نبيُّ اللهِ - ﷺ - وأصحابُهُ، فاعتمَرُوا في ذي\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٣٤٦٢) (٣/ ٢٧٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٠٥).","vol":"1","page":277},{"text":"القَعْدةِ ومعَهُمُ الهَدْيُ، حتَّى إذا كانوا بالحُدَيْبِيَةِ، صَدَّهُمُ المشرِكُونَ، فصالَحَهُم نبيُّ اللهِ - ﷺ - على أنْ يَرجِعَ مِن عامِهِ ذلك، حتَّى يَرجِعَ مِنَ العامِ المُقبِلِ؛ فيكونَ بمكَّةَ ثلاثةَ أيَّامٍ؛ ولا يَدْخُلَها إلَّا بسِلَاحِ راكبٍ ويَخْرُجَ، ولا يَخْرُجَ بأَحَدٍ مِن أهلِ مكَّةَ، فنَحَرُوا الهَدْيَ بالحُدَيْبِيَةِ، وحَلَّقُوا وَقَصَّرُوا.\nحتَّى إذا كانَ مِنَ العامِ المُقِبلِ، أقبَلَ نبيُّ اللهِ وأصحابُهُ حتَّى دخَلُوا مَكَّةَ، فاعتمَرُوا في ذي القَعْدةِ، فأقامُوا بها ثلاثَ ليالٍ، فكانَ المشرِكُونَ قد فخَرُوا عليه حِينَ رَدُّوهُ يومَ الحُدَيْبِيَةِ، فأَقَصَّهُ اللهُ منهم، فأدخَلَهُ مَكَّةَ في ذلك الشَّهْرِ الذي كانوا رَدُّوهُ فيهِ في ذي القَعْدةِ؛ فقال اللهُ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ \" (١).\nوروى عن ابن جُرَيْجٍ؛ قال: قلتُ لعَطَاءٍ: وسألتُهُ عن قولِه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾، قال: \"نزلَتْ في الحُدَيْبِيَةِ، مُنِعُوا في الشَّهْرِ الحرامِ، فنَزَلَت: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾: عُمْرةٌ في شَهْرٍ حَرَامٍ، بعُمْرةٍ في شَهْرٍ حَرَامٍ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>الحكمةُ مِنْ تأخيرِ دخولِ النبي - ﷺ - مكَّةَ:</span>\nوكانَ تأخيرُ دخولِ النبيِّ - ﷺ - لمَكَّةَ لحِكَمٍ كثيرةٍ، منها: أنْ يعتادَ المؤمنونَ على الصَّبْرِ، ومنها: أنَّ اللهَ جعَلَ دخولَهُمُ العامَ السابِعَ أظهَرَ في القُوَّةِ والكثرةِ؛ فقد تتابَعَ الناسُ في السَّنَةِ السابِعةِ أكثَرَ مِن غيرِها؛ فكانوا أَهْيَبَ في نفوسِ المشرِكِينَ؛ ولذا قدَّر اللهُ لهم دخولَ مكَّةَ في العامِ الثامنِ بِلا كبيرِ قتالٍ؛ للهَيْبةِ التي جعَلَها اللهُ في نفوسِ قريشٍ مِن المسلِمِينَ، ومنها: أنَّ رؤيةَ قريشٍ للمسلِمينَ مرَّتَيْنِ سَنَةَ سِتٍّ وسَنَةَ سبعٍ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٠٦) و(٢١/ ٢٩٣).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٠٩).","vol":"1","page":278},{"text":"أشدُّ وقعًا في قلوبِهم، وعلامةٌ على ثباتِ المسلِمينَ وصَبْرِهم وإصرارِهم.\nوالأشهُرُ الحُرُمُ المذكورةُ في الآيةِ أربعةٌ، وهي المذكورةُ في الآيةِ: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، وهي: ثلاثةٌ سَرْدٌ، وواحدٌ فَرْدٌ، فأمَّا السَّرْدُ المتتابِعةُ، فهي ذو القَعْدةِ وذو الحِجَّةِ والمحرَّمُ؛ وذلك لأنَّ الحجَّ واقعٌ فيها ذَهَابًا ورجوعًا وأداءً.\nوأمَّا الشَّهْرُ الفَرْدُ، فهو شهرُ رَجَبٍ، وكان أهلُ الجاهليَّةِ يسمُّونَهُ شهرَ العُمْرةِ، وقد حرَّمَتْهُ مُضَرُ كلُّها؛ ولذلك يقالُ له: رَجَبُ مُضَرَ.\nوقد جاءَ في \"الصحيحَيْنِ\"، عن أبي بَكْرةَ - ﵁ -، عنِ النبيِّ - ﷺ -؛ قال: (إنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ والأَرْضِ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الذي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) (١).\nوإنَّما سمَّاه النبيُّ رَجَبَ مُضَرَ؛ لأنَّ ربيعةَ تُسمِّي رَجبًا ما بين شَعْبانَ وشوَّالٍ، وهو رَمضانُ؛ تسمِّيه رَجبًا.\nولو لم يحرِّمِ اللهُ القتالَ في الأشهُرِ الحُرُمِ، لتعطَّلَ الحجُّ والعُمْرةُ، ولم يصبِحْ لحَرَمِ اللهِ هَيْبةٌ، وانتقَصَ أمانُهُ وانتقَضَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>العمرةُ في أشهرِ الحجِّ:</span>\nواعتمَرَ النبيُّ أربعَ عُمَرٍ؛ كلُّهُنَّ في أشهُرِ الحِجِّ، وهُنَّ أشهُرٌ حُرُمٌ؛ وهذا دليلٌ على أنَّ العُمْرةَ في أشهُرِ الحَجِّ أفضلُ مِن العُمْرةِ في غيرِها، حتَّى رمَضَانَ.\nوأمَّا حديثُ: (عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً) (٢)، فهذا فضلٌ، لا تفضيلٌ، وتتابُعُ فِعْلِ النبيِّ - ﷺ - على الاعتمارِ في أشهُرِ الحجِّ دليلُ القَصْدِ،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٤٠٦) (٥/ ١٧٧)، ومسلم (١٦٧٩) (٣/ ١٣٠٥).\n(٢) أخرجه البخاري (١٧٨٢) (٣/ ٣)، ومسلم (١٢٥٦) (٢/ ٩١٧)","vol":"1","page":279},{"text":"وهذا لا يحدُثُ مصادَفةً، والفعلُ المتكرِّرُ أقوى من الحثِّ بالقولِ بلا فعلٍ، والفعلُ مع القولِ أقوى من أَحَدِهما بدونِ الآخَرِ.\nوكانَ السلفُ يَعتمِرُونَ في أشهُرِ الحَجِّ أكثَرَ مِن غيرِها.\nوالباءُ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ للتعويضِ؛ كقولِهم: صاعًا بصاعٍ؛ أيْ: إنَّ الحُكْمَ واحدٌ للطَّرَفَيْنِ يَتَقابَلانِ بِه؛ روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن أَيُّوبَ، عن عِكْرِمةَ؛ قال: قال ابنُ عَبَّاسٍ: \"رَضِيَ اللهُ بالقِصَاصِ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ مِنْكُمُ العُدْوانَ؛ قَالَ اللهُ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾، فحَجَّةٌ بحَجَّةٍ، وعُمْرَةٌ بِعُمْرَةٍ\" (١).\nولذا قال تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾؛ أيْ: مماثلةٌ ومقابَلةٌ في المجازاةِ والانتِصافِ، وكما تكونُ المحرَّماتُ على أحدٍ، فيَنتهِكُها، فيسقُطُ التحريمُ عمَّن يُقابِلُه، فله أنْ يجازيَهُ بمِثْلِ عُدْوانِهِ عليهِ؛ كالسِّنِّ، بالسِّنِّ، والعَيْنِ بالعَيْنِ، والأُذُنِ بالأُذُنِ، فأصلُ العدوانِ حرامٌ، لكنْ لو وقَعَ للمعتدَى عليه، أخَذَ القِصَاصَ، وكذلك فيمَنِ اختَرَقَ حُكْمَ الأشهُرِ الحُرُم بالقتالِ، فله مقابَلَتُهُ بالمِثْلِ، وهذا شبيهٌ بما سبَقَ في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>حرمةُ النفسِ أعظم من حرمة المكانِ والزمان:</span>\nوفي الآياتِ: دليلٌ على أنَّ حُرْمةَ النفسِ أعظَمُ من حُرْمةِ الأزمنةِ والأمكنةِ، فأَبَاحَ اللهُ في الحَرَمِ وفي الشَّهْرِ الحرامِ القتالَ لِصَدِّ العُدْوانِ على النفسِ؛ لأنَّ الأَزْمِنةَ لا تعظَّمُ إلَّا بأفعالٍ، والأفعالُ لا تقومُ إلَّا بفاعِلِينَ؛ فصيانةُ الفاعِلِينَ - وهم النفوسُ المعصومةُ - أَوْلى.\nوقالَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: بالمماثَلةِ كما فعَلُوا في شهرٍ حرامٍ، فقابِلُوهُ بمقاتَلَتِهِ في شهرٍ حرامٍ.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٢٩).","vol":"1","page":280},{"text":"وقد ذكَرَ اللهُ سبحانَهُ حُكْمَ القتالِ والحاجةَ إليه، وبيَّن حُكْمَ القتالِ في حَرَمِ اللهِ، وهو المكانُ الذي كان يقصدُهُ المسلمونَ للعُمْرةِ، فخَشُوا مِن تربُّصِ المشرِكِينَ وخيانتِهم لهم، فأنزَلَ اللهُ ما سبَقَ مِن حُكْمِ القتالِ في البلدِ الحرامِ، ولمَّا كان ذَهَابُ المؤمِنِينَ إلى مَكَّةَ في الأشهُرِ الحُرُمِ، ناسَبَ ذلك بيانَ اللهِ حُكْمَ ما يجدونَهُ مِن حَرَجٍ في القتالِ في هذه الأشهُرِ.\nوفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أهمِّيَّةِ العِلْمِ والفَهْمِ قبلَ العمَلِ؛ حتَّى يجتمِعَ الناسُ على حَقٍّ مستقرٍّ سابقٍ؛ فإنَّ مسائلَ الخلافِ في الأحوالِ الحَرِجةِ يَنقسِمُ فيها الناسُ، وربَّما يتَقاتَلُونَ عليها لتأزُّمِ النفوسِ، فكان استقرارُ العلمِ والاجتماعُ عليه - خاصَّةً في المهمَّاتِ كالقِتالِ -: مِن الواجباتِ؛ لهذا جاءَ الحُكْمُ الإلهيُّ ببيانِ القتالِ وحدودِهِ مكانًا وزمانًا.\nروى ابنُ جريرٍ، عن أيُّوبَ، عن عِكْرِمةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ في هذه الآيةِ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾؛ قال: \"أمرَكُمُ اللهُ بالقِصَاصِ، ويأخُدُ منكمُ العُدْوانَ\" (١).\nوروى عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ قولَهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾: \"فهذا ونحوُهُ نزَلَ بمَكَّةَ والمسلِمونَ يومئذٍ قليلٌ، وليس لهم سُلْطانٌ يَقْهَرُ المشرِكِينَ، وكان المشرِكُونَ يَتَعاطَوْنَهُمْ بالشَّتْمِ والأذى؛ فأمَرَ اللهُ المسلِمِينَ، مَن يُجازِى منهم أن يُجازِيَ بمثلِ ما أُتِيَ إليه، أو يصبِرَ أو يعفُوَ؛ فهو أمثلُ، فلمَّا هاجَرَ رسولُ اللهِ - ﷺ - إلى المدينةِ، وأعَزَّ اللهُ سلطانَهُ، أمَرَ المسلِمِينَ أن ينتَهُوا في مظالمِهم إلى سُلْطانِهم، وألَّا يَعْدُوَ بعضُهم على بعضٍ كأهلِ الجاهليَّةِ\" (٢).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٠٨).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣١٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٢٩).","vol":"1","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>حكمُ أخذِ المسلمِ حقَّه مِن دون الحاكم:</span>\nوإذا لم يَجِدِ المسلمُ حاكمًا يُنصِفُهُ، فهل له أن يأخُذ حقَّه بنفسِهِ في غيرِ الحدودِ من غيرِ مَفْسَدةٍ؟ في المسألةِ قولانِ، وجمهورُ السَّلَفِ وأكثرُ الفقهاءِ على الجوازِ، روى أبو نُعَيْمٍ في \"الحِلْيةِ\"، عن قُدامةَ بنِ الهيثمِ، قال: \"سألتُ عطاءَ بنَ مَيْسَرةَ الخُرَاسانيَّ، فقلتُ له: لي على رجلٍ حَقٌّ، وقد جَحَدني به، وقد أعْيَا عليَّ البيِّنةُ، أفأَقْتَصُّ مِن مالِهِ؟ قال: أرأيتَ لو وقَعَ بجارِيتِكَ، فعَلِمْتَ، ما كنتَ صانعًا؟ ! \" (١)\nولصاحبِ الحقِّ أنْ يأخُذَ حقَّه إذا ظَفِرَ به، ولو لم يَعلَمْ مِن أحدٍ به، قال - ﷺ - لهِنْدَ بنتِ عُتْبةَ امرأةِ أبي سُفْيانَ، لمَّا قالت له: إنَّ أبا سُفْيانَ رجلٌ شحيحٌ، لا يُعْطيني مِن النَّفَقةِ ما يَكْفيني ويَكْفي بَنِيَّ إلَّا ما أخَذْتُ مِن مالِهِ بغيرِ عِلْمِه، فهَلْ عليَّ جُنَاحٌ؟ فقال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ) (٢).\nروى عبدُ الرزَّاقِ، وابنُ جريرٍ، وابن أبي حاتمٍ، عن خالدٍ، عنِ ابنِ سِيرِينَ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]؛ يقولُ: \"إنْ أخَذَ مِنْكَ رجلٌ شيئًا، فخُذْ مِنهُ مِثلَه\" (٣).\nوعند عبد الرزَّاقِ وابن جريرٍ عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قالَ: \"إنْ أخَذَ مِنْكَ شيئًا، فخُذْ مِنه مِثلَه\" (٤).\nوبجوازِ أَخْذِ الحقِّ عدَ الظَّفَرِ به يقولُ أكثرُ العلماءِ، وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ والثوريِّ وغيرِهم.\n_________\n(١) \"حلية الأولياء\" (٥/ ١٩٧).\n(٢) أخرجه البخاري (٢٢١١) (٣/ ٧٩)، ومسلم (١٧١٤) (٣/ ١٣٣٨).\n(٣) \"تفسير عبد الرزاق\" (١/ ٣٦١)، و\"تفسير الطبري\" (١٤/ ٤٠٥ - ٤٠٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٢٣٠٨).\n(٤) \"تفسير عبد الرزاق\" (١/ ٣٦١)، و\"تفسير الطبري\" (١٤/ ٤٠٦).","vol":"1","page":282},{"text":"وأمَّا إذا وجَدَ مالًا غيرَ مالِه، ولكنَّه يُساويهِ أو هو أقلُّ منه؛ هل له أن يَأخُذَهُ عن حقِّه أو بعضِهِ؟ هما قولانِ للعلماءِ، والصوابُ جوازُ ذلك إذا كان هذا لا يُفضِي إلى مَفْسَدةٍ عليه أشدَّ.\nقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أمَرَ اللهُ بتَقْواهُ، محذِّرًا من البغيِ في القتالِ، وأن يكونَ القتالُ بالقَدْرِ الذي يُدفَعُ به عُدْوانُهم وشَرُّهم، وبالتَّقوى يكونُ العبدُ مع اللهِ بحِفْظِهِ ورِعايتِهِ وتسديدِهِ والنَّظَرِ إليه، وفي ذلك: إشارةٌ إلى أنَّ معيَّةَ اللهِ لعبدِهِ بقَدْرِ تَمسُّكِهِ بتَقْواهُ وقُرْبِهِ منه، ولا يُصابُ عبدٌ إلَّا بسببِ ذنبٍ اقترفَهُ؛ لهذا فأحوَجُ ما يكونُ الإنسانُ في أزمنةِ الفِتَنِ وِالشدائِدِ إلى التقوى والاستغفارِ من الذنوبِ؛ حتَّى يزولَ الذنبُ، فتزولَ آثارُه.\nوقد ذكَرَ اللهُ الأمرَ بتَقْواهُ بعدَ أنْ ذكَرَ القتالَ؛ ليبيِّنَ أنَّ العِبْرةَ بتقوى الإنسانِ للهِ أكثرُ مِن العِبْرةِ بالعددِ والمالِ؛ فالأبدانُ والعُدَّةُ لا تكفي ما دامَتِ العزائمُ ضعيفةً لا تُقاتِلُ عقيدةً، وإنَّما تقاتِلُ حَمِيَّةً وعصبيَّةً لِنَسَبٍ أو مُلْكٍ.\nولا تكونُ معيَّةُ اللهِ وعنايتُهُ وتأبيدُهُ للمقاتِلِ حتَّى يكونَ بتقوى؛ ولذا قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، فإذا ضَعُفَتْ معيَّةُ اللهِ لعبدٍ، ضَعُفَ انتصارُهُ، ووكَلَهُ اللهُ إلى نفسِه، وكُلَّما زادَتِ التقوى والعبوديَّةُ، زادت كفايةُ اللهِ للعبدِ؛ كما قال اللهُ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦].\nوالآيةُ دليلٌ على أهميَّةِ وصيَّةِ المجاهِدِ بنَفْسِهِ ومالِهِ بتقوى اللهِ، وتذكيرِهِ بوجوبِ التقرُّبِ إلى اللهِ؛ لِيَقرُبَ اللهُ منه، حتَّى لا يَتَّكِلَ على نفسِهِ وقوَّتِهِ، فيَكِلَهُ اللهُ إليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>حكمُ القتالِ في الأشهرِ الحُرُمِ:</span>\nوتحريمُ القتالِ في الأشهُرِ الحُرُمِ منسوخٌ باتفاقِ العلماءِ - إلَّا شيئًا","vol":"1","page":283},{"text":"قاله عطاءٌ - حكى الاتفاقَ جماعةٌ مِن العلماءِ؛ وقد كانت العلةُ التي منَعَ اللهُ لأجلِها القتالَ في الأشهُرِ الحُرُمِ هي أنَّ مَكَّةَ كانت بلادَ شِرْكٍ قبلَ الفتحِ، فإبقاءُ حُكْمِ التحريم كان لحِفْظِ طريقِ الحاجِّ والمعتمِرِ إلى البيتِ الحرامِ مِن القُطَّاعِ، ولمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ، ولم تكُنْ بعد ذلك بَلَدًا للكفرِ، وحرَّمَ اللهُ على المشركين دخولَها: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، بل أمَرَ اللهُ بإخراجِهِمْ مِن جزيرةِ العربِ؛ كما في الحديثِ في \"الصحيحَيْنِ\": (أخرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ) (١) - كان الحُجَّاجُ في مَأْمَنٍ.\nوأمَّا المشرِكونَ، فهم بحاجةٍ إلى تتبُّعٍ وقصدٍ وملاحَقةٍ؛ لدفعِ شرِّهم، ولتقويةِ شوكةِ المسلِمِينَ؛ لذا نسَخَ اللهُ تحريمَ القتالِ في الأشهُرِ الحُرُمِ بِزوالِ سببِهِ، بل لتمامِ الحاجةِ إلى القتالِ فيها، وهي حفظُ بلادِ المسلِمِينَ وطريقِ الحاجِّ مِن تربُّصِهم، وكلَّما اتَّسَعَتْ دائرةُ بلادِ الإسلامِ، كانتِ الحاجةُ ماسَّةً لحمايةِ الأطرافِ، ومع اتِّساعِها تتَّسِعُ الحاجةُ للقتالِ، فكان واجبُ القتالِ الاتِّساعَ وعدَمَ الضِّيقِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>مراحلُ القتالِ في الأشهر الحُرمِ:</span>\nولِذا فإنَّ الجهادَ في الأشهُرِ الحرُمِ مَرَّ بمَراحِلَ:\nأوَّلُها التحريمُ المطلَقُ؛ كما سبَقَ.\nثمَّ خصَّصَهُ اللهُ بقولِه: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١]، إلى قولِه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾.\nثمَّ نسَخَهُ اللهُ بقولِهِ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ١ - ٢]، إلى قولِه:\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٠٥٣) (٤/ ٦٩)، ومسلم (١٦٣٧) (٣/ ١٢٥٧)؛ من حديث ابن عباس - ﵁ -.","vol":"1","page":284},{"text":"﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فاللهُ ضرَبَ لهُم أجَلًا، وهو انقضاءُ الأشهُرِ الحُرُمِ من العامِ التاسِعِ للهِجْرةِ في زَمَنِ حَجَّةِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ - ﵁ - بالناسِ، ثمَّ جعَلَ اللهُ نهايةَ الأَجَلِ هو نهايةَ محرَّمٍ من العامِ العاشرِ من السنةِ التاليةِ، وهي العاشرةُ، ثمَّ أَحَلَّ القتالَ في كلِّ زمَنٍ.\nوهو منسوخٌ بقولِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦].\nوقد صحَّ عن النبيِّ - ﷺ - أنَّه قاتَلَ في الأشهُرِ الحُرُمِ بعد ذلك؛ فقد غَزَا هَوَازِنَ بحُنَيْنٍ، وثَقِيفًا بالطائفِ في شهرِ ذي القَعْدةِ؛ كما في كُتُبِ الصحيحِ.\nوأَغْزَى أبا عامرٍ إلى أَوْطَاسٍ في الشهرِ الحرامِ.\nوغَزْوةُ ذاتِ الرِّقَاعِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِن شَهْرِ المحرَّمِ، وغزا بني قُريْظةَ لسبعٍ بَقِينَ مِن ذي القَعْدةِ، وغزا غَزْوَتَهُ في تَبُوكَ لخَمْسٍ خَلَوْنَ مِن رجَبٍ.\nوقد بايَعَ النبيُّ - ﷺ - على قتالِ قُرَيْشٍ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ في ذي القَعْدةِ، لمَّا بلَغَهُ أنَّ قُرَيْشًا قتلَتْ رسولَهُ عُثْمانَ بنَ عَفَّانَ حِينَما أرسلَهُ إليهم، فغَدَرُوا به، فبايَعَهُمْ على القتالِ، فبانَ أنَّ عثمانَ لم يُقتَلْ فصالَحَهُمْ.\nوالإجماعُ منعقِدٌ على جوازِ القتالِ في جميعِ أيَّامِ السَّنَةِ ولياليها، ولعطاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ قولٌ بعَدَمِ النَّسْخِ؛ فقد روى ابنُ جريرٍ، عن ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: قلتُ لِعَطَاءٍ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، قلتُ: ما لهم؛ وإذْ ذاكَ لا يَحِلُّ لهم أن يَغزُوا أهلَ الشِّرْكِ في الشهرِ الحرامِ، ثمَّ غَزَوْهُم بعدُ فيه؟ ! فحلَفَ لي","vol":"1","page":285},{"text":"عطاءٌ باللهِ، ما يَحِلُّ للناسِ أن يَغْزُوا في الشهرِ الحرامِ، ولا أنْ يُقاتِلوا فيه، وما يُستَحَبُّ.\nقال: ولا يَدْعُونَ إلى الإسلامِ قبلَ أن يُقاتِلوا، ولا إلى الجِزْيةِ؛ تَرَكُوا ذلك (١).\nوقال أبو إسحاقَ الفَزَارِيُّ: \"سألتُ سُفْيانَ الثَّوْريَّ عنِ القتالِ في الشهرِ الحرامِ؟ فقال: هذا منسوخٌ؛ فلا بأسَ بالقتالِ فيهِ وفي غيرِهِ\" (٢).\nوالإجماعُ انعقَدَ، والعمَلُ مَضَى على خلافِهِ.\nروى عبدُ الرَّزَّاقِ وابنُ جريرٍ، وابن أبي حاتمٍ، عن مَعْمَرٍ، عنِ الزُّهْريِّ؛ قال: \"كان النبيُّ - ﷺ - فيما بلَغَنا يحرِّمُ القتالَ في الشهرِ الحرامِ، ثمَّ أُحِلَّ بعدُ\" (٣).\nوقال بالنسخِ مِن مفسِّري السلفِ: ابنُ عبَّاسٍ، ومحاهِدٌ، وقتادةُ، وعطاءُ بنُ مَيْسَرةَ، والضَّحَّاكُ، وحبيبُ بنُ أبي ثابتٍ، وعبدُ الرحمنِ بنُ زَيْدٍ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].\nالخِطَابُ يتوجَّهُ إلى عمومِ مَن مَلَكَ مالًا؛ أن يبادِرَ بالنفقةِ في سبيلِ اللهِ، وخصَّ سبيلَ اللهِ، وهو صِراطُهُ المستقيمُ؛ أيِ: الطريقُ البَيِّنُ الذي لا لَبْسَ فيه، فيَجِبُ التحذيرُ مِنَ النفقةِ للرَّايَاتِ الجاهليَّةِ، والحميَّةِ النفسيَّةِ المجرَّدةِ مِن الدفاعِ عن حُرْمةٍ، ومِن الذَّبِّ عن دينِ اللهِ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٦٦٣).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٨٥).\n(٣) \"تفسير عبد الرزاق\" (١/ ٨٨)، و\"تفسير الطبري\" (٣/ ٦٦٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٨٤).","vol":"1","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>معنى \"سبيلِ الله\" في القرآن:</span>\nوأغلبُ استعمالِ الكتابِ والسُّنَّةِ لسبيلِ اللهِ يرادُ به الجهادُ؛ تعظيمًا له، وبيانًا لكبيرِ مصلحةِ الدِّينِ بالقيامِ به؛ فبِه يَقْوَى المسلِمُونَ ويضعُفُ عدوُّهم، وما تركَتْ أمَّةُ الإسلامِ الجهادَ إلَّا ذَلَّتْ، فتَرْكُ الجهادِ إضعافٌ لسبيلِ اللهِ، وتقطيعٌ له، وزيادةُ حَيْرةٍ للسالِكينَ له؛ فالخلافُ سُنَّةٌ في البَشَرِ في حياتِهم، فالأمَّةُ تَتَخَاصَمُ فيما بينَها إن لم تَجِدْ خَصْمًا خارِجَها؛ لهذا شرَعَ اللهُ الجهادَ للانشغالِ بالخَصْمِ الأكبَرِ عنِ الخصوماتِ الفرعيَّةِ بين المسلِمِينَ، وإذا انصرَفَتِ الأُمَّةُ عن قتالِ عدوِّها الأكبرِ وخَصْمِها الأعلى، انشغَلَتْ فيما بينَها بخصوماتٍ أدنى، وكلَّما ترَكَتِ الخصوماتِ ومواضِعَ الخلافِ الأولى، نزلَت إلى الأدنى؛ حتَّى تَنشغِلَ الأمَّةُ بحِزْبيَّاتِ وعَصَبيَّاتِ اللَّوْنِ والنَّسَبِ والبلَدِ، حتَّى يكونَ الخلافُ في أهلِ الحيِّ الواحدِ؛ شرقيُّهُ يُخاصِمُ غربيَّهُ.\nوعدمُ شُغْلِ النفوسِ بعدوِّها الأعلى يَدْعُوها للانشغالِ بما دُونَهُ، ثمَّ تضعُفُ ويُصِيبُها الشقاقُ والنفاقُ، ثُمَّ تتفتَّتُ؛ ولهذا وجَبَ الانشغالُ بالغَزْوِ ولو بحديثِ النفسِ؛ لتنشغِلَ النفوسُ بعضُها عن بعضٍ، ولِتَعْمُرَ قلوبُ المسلِمِينَ ولو فِكْرًا بالعدوِّ الأكبَرِ؛ ففي الحديثِ: (مَنْ لم يَغْزُ، أَوْ يُجَهِّزُ غازِيًا، أَوْ يَخْلُفْ غازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ، أصَابَهُ اللهُ بِقَارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ)؛ رواهُ أبو داودَ وابنُ ماجه (١).\nقال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٩].\nوفي الحديثِ السابقِ: ما يوافِقُ الآيةَ؛ أنَّ ترْكَ الجهادِ والإنفاقِ عليه هلاكٌ للأُمَّةِ؛ ففي قولِهِ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، و\"أصابَهُ اللهُ بقارِعةٍ\" إشارةٌ إلى أنَّ الأُمَّةَ إن لم تجاهِدْ عَدُوَّها، أو لم تُعِنِ المجاهِدَ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢٥٠٣) (٣/ ١٠)، وابن ماجه (٢٧٦٢) (٢/ ٩٢٣).","vol":"1","page":287},{"text":"وتركَتْهُ، أهلَكَها اللهُ وأصابَها بقارعةٍ، فيسلِّطُ اللهُ عليها سببًا يُهلِكُها به؛ إمَّا فِتْنةً مِن داخِلِها، أو عدوًّا مِن خارِجِها.\nروى ابنُ أبي حاتمٍ؛ مِن حديثِ منصورٍ؛ قال: سَمِعْتُ أبا صالِحٍ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ يقول فِي قَوْلِ اللهِ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؛ قالَ: \"أَنْفِقْ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ لم تَجِدْ إِلَّا مِشْقَصًا\" (١).\nوروى عنِ الأَعْمَشِ، عن أبي وائِلٍ، عن حُذَيْفةَ، في قَوْلِ اللهِ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، قَالَ: \"يَعْنِي فِي تَرْكِ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ\" (٢).\nوعامَّةُ المفسِّرينَ على هذا التأويلِ؛ كابنِ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمةَ، والحسَنِ، ومجاهِدٍ، وعطاءٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وأبي صَالِحٍ، والضَّحَّاكِ، والسُّدِّيِّ، ومقاتِلِ بنِ حَيَّانَ، وقَتَادةَ، وغيرِهم.\nويزعُمُ بعضُ الناسِ: أنَّ الآيةَ في عدَمِ الإضرارِ بالنفسِ في أسبابِ المرضِ أو الموتِ؛ كالتعرُّضِ لعدوٍّ، أو تَرْكِ التطبُّبِ، ونحوِ ذلك.\nوهذا التعيينُ لمعنى الآيةِ خطأٌ، وإنْ كان هذا المعنى يدخُلُ فيها، لكنَّه ليس مرادًا مِن نزولِ الآيةِ؛ فقد روى أبو إسحاقَ، عنِ البَرَاءِ؛ قال: سألَهُ رجلٌ: أَحْمِلُ على المشرِكِينَ وَحْدِي فيَقْتُلوني؛ أكنتُ أَلْقَيْتُ بيَدِي إلى التَّهْلُكةِ؟ فقال: لا؛ إنَّما التَّهْلُكةُ في النَّفَقَةِ؛ بعَثَ اللهُ رسولَهُ، فقال: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء: ٨٤] (٣).\nوقد صَحَّ عن عَبِيدةَ السَّلْمانِيِّ؛ قال: \"هو الرَّجُلُ يُذنِبُ الذَّنْبَ فيَستسلِمُ، يقولُ: لا تَوْبَةَ لي! فيُلقي بيَدِه\" (٤).\nوذلك أنَّه استدَلَّ بعمومِ الآيةِ، وهذا صحيحٌ، ولكنَّ أوَّلَ ما يدخُلُ في معانيها ما نزَلَتِ الآيةُ لأَجْلِهِ، وهو النفقةُ في سيبلِ اللهِ، والتحذيرُ مِن تَرْكِها.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٣٠).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٣١).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣١٩).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٢١).","vol":"1","page":288},{"text":"والآيةُ تتضمَّنُ وعيدًا مِن اللهِ بإهلاكِ معطِّلِ الجهادِ وتاركِ الإنفاقِ عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>فضلُ الجهادِ بالمالِ:</span>\nوالنَّفَقةُ في سبيلِ اللهِ بالمالِ قُدِّمَتْ في القرآنِ على الجهاد بالنفسِ؛ لأنَّ النفقةَ بالمالِ تُعِينُ كثيرًا مِن المجاهِدِينَ، بينَما الجهادُ بالنفسِ يكونُ بفردٍ فقط، والجمعُ بينَهما أفضلُ:\nقال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١].\nوقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١٠ - ١١].\nفالجهادُ بالمالِ مقدَّمٌ في القرآنِ على الجهادِ بالنفسِ، إلَّا في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١].\nوتجهيزُ الغازي كالغزوِ بنفسٍ واحدةٍ، ومَن جَهَّزَ غُزَاةً، فله الأجرُ بعَدَدِهم، ومَنْ جَهَّزَهُ بسلاحٍ، فله أجرُ الرَّمْيِ به وما يُصِيبُ فيه؛ ففي \"المسنَدِ\" و\"السُّنَنِ\"؛ مِن حديثِ عُقْبةَ؛ يَقُولُ: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (إنَّ اللهَ - ﷿ - يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الجَنَّةَ: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنْبِلَهُ. . .)؛ الحديثَ (١).\nوقال - ﷺ -: (مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٧٣٢١) (٤/ ١٤٦)، وأبو داود (٢٥١٣) (٣/ ١٣)، والترمذي (١٦٣٧) (٤/ ١٧٤).","vol":"1","page":289},{"text":"فِي سَبِيلِ اللهِ بِخَيْرٍ، فَقَدْ غَزَا)؛ أخرَجَه البخاريُّ ومسلمٌ؛ مِن حديثِ زيدٍ (١).\nوقيمةُ الصَّدَقةِ بأَثَرِها في نَفْعِها، وبِقِيمَتِها عند صاحِبِها، وإنَّما عَظُمَتْ نفقةُ الجهادِ لِعَظَمَةِ الجهادِ في الدِّينِ.\nوقولُهُ تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾:\nأمَرَ اللهُ بالإحسانِ، وبَيَّنَ أنَّه مع المحسِنِ في إحسانِه؛ يَكْفِيهِ ويُعِينُهُ ويسدِّدُهُ، والمرادُ في هذه الآيةِ: أنَّ المنفِقَ معانٌ مسدَّدٌ؛ بحَسَبِ إحسانِهِ وإنفاقِه، وهو يتضمَّنُ استحبابَ المسابَقةِ والمنافَسةِ في الإنفاقِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nذكَرَ اللهُ الحَجَّ والعُمْرةَ بعدَ ذِكْرِ الجهادِ والقتالِ وضوابطِهِ؛ لأنَّ المشرِكِينَ كانوا يَحُولُونَ بين المؤمنينَ وبين مَكَّةَ، فاحتاجُوا لمعرفةِ سُبُلِ الوصولِ إلى المسجِدِ الحرامِ، وحكمِ مقاتَلةِ مَن كان عَقَبةً في طريقِهم.\nوهذه الآيةُ نَزَلَتْ سَنةَ سِتٍّ بلا خلافٍ، وقد نزَلَتْ في الحُدَيْبِيَةِ بلا خلافٍ؛ قاله الشافعيُّ، وإنَّما ذكَرَ الحَجَّ ولم يكُنْ فُرِضَ بَعْدُ؛ لِيَعْلَمَ الناسُ مشروعيَّتَهُ، وأنَّه مِنَ الحنيفيَّةِ السَّمْحةِ الصحيحةِ، وليس مِن أعمالِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٨٤٣) (٤/ ٢٧)، ومسلم (١٨٩٥) (٣/ ١٥٠٦).","vol":"1","page":290},{"text":"الحاهليَّةِ، فالنبيُّ - ﷺ - كان قد حَجَّ قبلَ هِجْرَتِه، ويَعرِفُ ما بدَّلَهُ المشرِكُونَ مِن أعمالِ الحَجِّ ممَّا بَقِيَ مِن شريعةِ الحنيفيَّةِ؛ كما في حديثِ جُبَيْرِ بنِ مُطعِمٍ؛ قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَاقِفًا بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: هَذَا وَاللهِ مِنَ الحُمْسُ، فَمَا شأْنُهُ هَا هُنا؟ ! (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>معنى إتمامِ الحجِّ والعمرةِ:</span>\nوالمرادُ بالإتمامِ في الآيةِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ضِدُّ الإنقاصِ؛ أي: ائتُوا بها كما شرَعَها اللهُ؛ كقولِه: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ أيْ: لا يتَخلَّلُها شيءٌ مِن النقصِ، بل يَنْبَغِي الإتمامُ.\nوقد تُحمَلُ الآيةُ على جميعِ معاني الإتمامِ ووجوهِه؛ لعمومِ مقاصدِ القرآنِ وغائيَّتِه؛ وهذا ما يَظهَرُ مِن تفسيرِ السلفِ للإتمامِ، وأوَّلُ معاني الإتمامِ وأَوْلَاها: هو صِدْقُ النِّيَّةِ وإخلاصُها مِن الشَّوْبِ؛ ولذا قال بعدَ الأمرِ بالإتمامِ: ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: لا لِغيْرِه.\nوقد روى ابنُ جريرٍ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقَمةَ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؛ قال: هو في قراءةِ عبدِ اللهِ: (وَأَقِيمُوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ إِلى الْبَيْتِ)، قال: \"لا تُجاوِزُوا بالعُمْرةِ البيتَ\"؛ قال إبراهيمُ: \"فذكَرْتُ ذلك لسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، فقال: كذلك قال ابنُ عبَّاسٍ\" (٢).\nوالمعنى: أنْ يحُجَّ ويعتَمِرَ قاصدًا للنُّسُكِ إلى مكَّةَ لا إلى غيرِها، وللهِ لا لغيرِه، ولا يَسُوغُ فيها نقصانُ العملِ، ولا نقصانُ القَصْدِ والنِّيَّةِ، وكلُّ ما أُمِرَ الإنسانُ بفِعلِهِ في النُّسُكِ، فالإتيانُ به مِن تمامِهِ؛ ولذا قال مجاهِدٌ في قولِه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؛ قال: \"ما أُمِرُوا فيهما\" (٣).\nوروى ابنُ جريرٍ، عن عليِّ ينِ أبي طَلْحةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ: ﴿وَأَتِمُّوا\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٦٦٤) (٢/ ١٦٢)، ومسلم (١٢٢٠) (٢/ ٨٩٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٢٨).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٢٩).","vol":"1","page":291},{"text":"الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؛ يَقولُ: \"مَنْ أحرَمَ بحَجٍّ أو بعُمْرةٍ، فليس له أنْ يَحِلَّ حتَّى يُتِمَّها، تمامُ الحَجِّ: يومَ النَّحْرِ إذا رَمَى جَمْرةَ العَقَبةِ، وزارَ البيتَ، فقد حَلَّ مِن إحرامِهِ كُلِّه، وتمامُ العُمْرةِ: إذا طافَ بالبيتِ وبالصَّفا والمروةِ فقد حَلَّ\" (١).\nوروى ابن أبي شَيْبَةَ، وابنُ جريرٍ، والبيهقيُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ سَلَمةَ، عن عليٍّ؛ أنَّه قال: جاءَ رَجُلٌ إلى عليٍّ، فقال له في هذه الآيةِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾: \"أن تُحرِمَ مِن دُوَيْرةِ أهلِكَ\" (٢).\nوروى ابنُ جريرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، قال: \"مِن تَمَامِ العُمْرةِ: أن تُحرِمَ مِن دُوَيْرةِ أَهْلِكَ\" (٣).\nوعن طاوسٍ؛ قال: \"تَمامُهما: إفرادُهما مُؤْتَنَفَتَيْنِ مِن أهلِكَ\" (٤).\nوالمرادُ: أن يقومَ الإنسانُ بإنشاءِ القصدِ والعزمِ للحَجِّ والعُمْرةِ؛ كلُّ واحدٍ منهما بسَفَرٍ مِن بلَدِهِ الذي يسكُنُهُ، الحَجُّ بِسَفْرةٍ منفرِدةٍ، والعُمْرةُ بِسَفْرةٍ منفرِدةٍ، ويَبدَأُ القصدَ مِن دُوَيْرةِ أهلِه؛ قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْريُّ وغيرُهُ.\nوليس المرادُ أن يُحرِمَ بالحَجِّ والعُمْرةِ مِن بَيْتِه، ولو كان قبلَ المواقيتِ، فيُمسِكَ مِن بَيْتِه عنِ المحظوراتِ؛ فهذا خلافُ السُّنَّةِ؛ لأنَّ إنشاءَ الإحرامِ شيءٌ، وقَصْدَهُ شيءٌ آخَرُ؛ فمَن خرَجَ مِن دِمَشْقَ أو بَغْدادَ أو مِن نَجْدٍ قاصدًا للحجِّ أو العمرةِ، فقد أتمَّ القصدَ.\nوقولُهُ في الأَثَرِ عن عليٍّ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ: \"أن تُحرِمَ بها مِن دُوَيْرةِ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٢٨).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٢٦٨٩) (٣/ ١٢٥)، والطبري في \"تفسيره\" (٣/ ٣٢٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٣٠).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٣٠).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٣٠).","vol":"1","page":292},{"text":"أهلِكَ\"؛ أيْ: أن تَقصِدَ الإحرامَ للحجِّ، لا أن تُحْرِمَ، والمرادُ: ألَّا يُخرِجَهُ لمَكَّةَ مصلحةُ دُنيا يَخلِطُها بدِينٍ، أو تجارةٌ مَعَ نُسُكٍ، فهذا - وإن كان جائزًا وصحيحًا - إلَّا أنَّه ليس إتمامًا؛ فالصحابةُ كعَلِيٍّ، والتابعونَ كسَعِيدٍ: يَعلَمُونَ هَدْيَ النبيِّ وسُنَّتَهُ في هذا، وأنَّه لم يُحرِمْ من بيتِه؛ وإنَّما مِن مِيقَاتِهِ، وهو قريبٌ مِن المدينةِ، مع أنَّ الأسمَحَ له أنْ يتهيَّأَ مِن بَيْتِه، ويَغتسِلَ ويصلِّيَ، ثمَّ يشُدَّ رَحْلَهُ مَرَّةً واحِدةً إلى مكَّةَ، ولكنَّهُ قصَدَ الميقاتَ بالإحرامِ؛ لتأكيدِ اللهِ عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>الإحرامُ قبلَ الميقاتِ:</span>\nوأمَّا صِحَّةُ الإحرامِ مِن قَبْلِ المِيقَاتِ، فصحيحٌ عند عامَّةِ الفقهاءِ؛ أحرَمَ عِمْرانُ مِن مِصْرَ، وقد أنكَرَ عليه عُمَرُ.\nوأحرَمَ ابنُ عُمَرَ مِن بيتِ المَقْدِسِ.\nوقد أحرَمَ جماعةٌ مِن بيوتِهم؛ كالأَسْوَدِ وعَلْقَمةَ وعبدِ الرحمنِ وأبي إسحاقَ.\nوأحرَمَ وكيعٌ مِن بيتِ المقدِسِ.\nوإنَّما قُلْنا فيما سبَقَ: إنَّ الآيةَ نزَلَتْ قبلَ فرْضِ الحَجِّ بصِيغَةِ الأمرِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾؛ لنبيِّنَ أنَّ الإلزامَ بالإتمامِ لا يَنزِلُ على أصلِ التشريعِ، وهو الحَجُّ؛ وإنَّما على مَن بدَأَهُ أن يَقطَعَهُ، ولنبيِّنَ أنَّ الحجَّ إذا لم يَكُنْ واجبًا حِينَها، فمِن بابِ أَولى أنَّ إنشاءَ القصدِ مِن البيوتِ للحجِّ والعُمْرةِ ليس بواجبٍ، فلو سافَرَ لمصلَحَةِ دُنياهُ وأَتْبَعَها بمصلحةِ دِيِنِهِ، صحَّ؛ كالتاجرِ، وأجزَأَ عنه.\nثمَّ إنَّ المواقيتَ المكانيَّةَ لم تكُنْ حُدِّدَتْ عندَ نزولِ آيةِ الإتمامِ؛ وهذا دليلٌ على أنَّ المقصودَ الإتمامُ، لا سَبْقُ الميقاتِ بالإحرامِ؛ وإنَّما عَقْدُ العزمِ وإنشاءُ السَّفرِ لأجلِ هذا العملِ أعظمُ أجرًا، وأتمُّ ثوابًا، وأكبرُ بَرَكةً.","vol":"1","page":293},{"text":"فاللهُ قرَنَ العُمْرةَ بالحجِّ في وجوبِ الإتمامِ، لا في الابتِداءِ؛ لأنَّ الابتداءَ لم يُفرَضْ بعدُ.\nولذا تعدَّدَتْ تفسيراتُ المفسِّرينَ مِن السلفِ لـ \"الإتمامِ\" في الآيةِ بما يحقِّقُ معنى إنشاءِ القصدِ والسَّفَرِ الخاصِّ للنُّسُكِ، وإنْ تغايَرَ التفسيرُ مع غيرِهم من المفسِّرين لفظًا، ولكنَّه يؤيِّدُ المعنى الواحدَ السالفَ؛ فقد روى ابنُ جريرٍ، عن طارقِ بنِ شِهَابٍ؛ قال: سألتُ ابنَ مسعودٍ عن امرأةٍ مِنَّا أرادَتْ أن تَجمَعَ معَ حجِّها عُمْرةً؟ فقال: أسمَعُ اللهَ يقولُ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]؛ ما أُراها إلَّا أشهُرَ الحجِّ (١).\nوروى ابنُ أبي حزمٍ القُطَعِيُّ، قال: سمعتُ محمدَ بنَ سِيرِينَ يَقولُ: \"ما أحدٌ مِن أهلِ العلمِ شَكَّ أنَّ عُمْرةً في غيرِ أشهُرِ الحجِّ أفضَلُ مِن عُمْرةٍ في أشهُرِ الحجِّ\" (٢).\nوروى عن سعيدٍ، عن قَتَادةَ قولَهُ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؛ قال: \"وتَمَامُ العُمْرةِ: ما كان في غيرِ أشهُرِ الحَجِّ\" (٣).\nومُرادُه: ألَّا تجعَلَ العُمْرةَ متَّصِلةً بنفسِ قصدِ الحجِّ وسَفَرِه، بل تُنشِئَ لها سَفَرًا منفرِدًا عنِ الحجِّ.\nوروى عن ابنِ عَوْنٍ؛ قالَ: سَمِعْتُ القاسمَ بنَ محمَّدٍ يقولُ: \"إنَّ العُمْرةَ في أشهُرِ الحجِّ ليسَتْ بتامَّةٍ، قال: فقيلَ له: العُمْرةُ في المحرَّمِ؟ قال: كانوا يَرَوْنها تامَّةً\" (٤).\nوذلك لأنَّ المحرَّمَ ليس مِن أشهُرِ الحَجِّ التي هي مَظِنَّةُ اشتراكِ القاصدِ لمَكَّةَ الجمعَ بينَ الحجِّ والعمرةِ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٤٥٠ - ٤٥١).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٤٥١).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٣٠).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٣١) و(٣/ ٤٥٠).","vol":"1","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>قطعُ نيَّةِ الإحرامِ:</span>\nويتوجَّهُ الأمرُ بالإتمامِ في الآيةِ أيضًا إلى تحريمِ قَطْعِ النِّيَّةِ بلا سببٍ إلَّا المانعَ القاهرَ؛ كالإحصارِ بعدوٍّ؛ ولذا قالَ تعالى بعدَ الأمرِ بالإتمامِ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾؛ أيْ: طرَأَ ما يَمْنَعُكم من الإتمامِ، جازَ فسخُهُ وعدمُ إتمامِه.\nوقد قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسلَمَ: \"ليستِ العمرةُ واجبةً على أحدٍ مِن الناسِ، قالَ: فقلتُ له: قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؛ قال: ليس مِن الخَلْقِ أحدٌ يَنبغي له إذا دخَلَ في أمرٍ إلَّا أن يُتِمَّهُ، فإذا دخَلَ فيها، لم يَنْبَغِ له أن يُهِلَّ يومًا أو يومَيْنِ ثمَّ يَرجِعَ، كما لو صامَ يومًا، لم يَنبغِ له أن يُفطِرَ في نصفِ النَّهَارِ\" (١).\nومِن المفسِّرينَ مَن يحمِلُ الأمرَ هنا على الإيجابِ بفرضِ الحجِّ؛ وهدا مرويٌّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ جُبَيْرٍ وغيرِهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>معنى إحصارِ المحرمِ:</span>\nوقولُهُ تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، المرادُ بالإحصارِ: الحبسُ والمنعُ؛ فكلُّ ممنوعٍ مِن إرادتِهِ، فهو مُحصَرٌ، وقيل: إنَّ الإحصارَ هو المنعُ بلا حبسٍ.\nوقال أبو عُبَيْدةَ: \"ما كان مِن مَرَضٍ أو ذَهَابِ نَفَقةٍ، قيل فيه: أُحْصِرَ، وما كان مِن سَجْنٍ أو حَبْسٍ، قيل فيه: حُصِرَ، فهو محصورٌ\" (٢).\nوبعضُ العلماءِ لم يفرِّقْ بينَ الحَصْرِ والإحصارِ، وأنَّ المَرَدَّ إلى الأصلِ، وهو المنعُ قَهْرًا؛ ولذا قال ابنُ فارسٍ: \"والكلامُ في (حَصَرَهُ) و(أَحْصَرَهُ) مُشتبِهٌ عندي غايةَ الاشتباهِ؛ لأنَّ ناسًا يَجمَعونَ بينَهما،\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٣١ - ٣٣٢).\n(٢) \"الفروق اللغوية\" لأبي هلال العسكري (ص ١١٥).","vol":"1","page":295},{"text":"وآخَرُونَ يَفْرُقُونَ، وليس فَرْقُ مَن فرَقَ بين ذلك ولا جَمْعُ مَن جمَعَ ناقضًا القياسَ الذي ذكَرْنَاه، بل الأمرُ كلُّه دالٌّ على الحبْسِ\" (١).\nوالمرادُ في الآيةِ: إنْ حبَسَكُمْ شيءٌ عنِ الحجِّ والعُمْرةِ، فما تيسَّرَ ووُجِدَ في أَيْدِيكُم مِن الهَدْيِ الذي سُقتُمُوهُ إلى مَكَّةَ، أن يُذبَحَ في الموضعِ الذي تَمَّ الحصرُ فيه.\nوقولُه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾؛ أيْ: وُجِدَ وسَهُلَ على الإنسانِ؛ روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ؛ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾؛ قال: \"كُلٌّ بقَدْرِ يَسَارَتِهِ\" (٢).\nوأدناهُ مِن الغَنَمِ: شَاةٌ أو مَعْزٌ؛ قال بهذا ابنُ عبَّاسٍ ومجاهِدٌ وعطاءٌ والحسَنُ وعَلْقَمةُ (٣)، وبهذا فسره أحمد (٤).\nوفسَّرَهُ ابنُ عُمَرَ بالجَزُورِ أوِ البَقَرةِ؛ وبهذا قال عُرْوةُ بنُ الزُّبَيْرِ وغيرُهُ (٥).\nويتَّفِقُ الفقهاءُ مِن السلفِ على أنَّ أولى ما يقَعُ عليه الإحصارُ هو إحصارُ العَدُوِّ، واختَلَفُوا فيما يَحبِسُ الإنسانَ عن الحَرَمِ مِن غيرِ العدوِّ؛ كالمَرَضِ وضياعِ المالِ، والبحثِ عنه، وغيرِ ذلك، ومِن السلفِ مَن رأى كلَّ حابسٍ للإنسانِ يمنعُه مِن الوصولِ إلى الحَرَمِ، فهو إحصارٌ، له أن يتحلَّلَ به؛ وذلك للاشتراكِ في العِلَّةِ، وهي الحَبْسُ، والحُكْمُ يدورُ مع العِلَّةِ وجودًا وعدمًا، ثمَّ إنَّ الوحيَ لم يَربِطِ الإحصارَ بعدوٍّ؛ وإنَّما أطلَقَهُ؛ كما في الآيةِ، فقالَ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾، ثمَّ إنَّ غالِبَ أحكامِ القرآنِ تُؤخَذُ على عمومِها ما لم تُقيَّدْ.\n_________\n(١) \"مقاييس اللغة\" (٢/ ٧٢).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٣٧).\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٤٨ - ٣٥٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٣٦).\n(٤) مسائل ابن منصور (١/ ٥٤٥).\n(٥) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٥٤ - ٣٥٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٣٦).","vol":"1","page":296},{"text":"وقد روى ابن جريرٍ، عن عليٍّ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قولَه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾؛ يقولُ: \"مَنْ أحرَمَ بحَجٍّ أو بعُمْرةٍ، ثمَّ حُبِسَ عن البيتِ بمَرَضٍ يُجْهِدُهُ، أو عُذْرٍ يَحْبِسُهُ، فعليه قضَاؤُها\" (١).\nوروى عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عَطَاءٍ؛ قال: \"الإحصارُ كلُّ شيءٍ يَحْبِسُهُ\" (٢).\nوروى عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ؛ أنَّه كان يقولُ: \"الحَصْرُ: الحَبْسُ كلُّه\" (٣).\nوقال به قتادةُ، وعروةُ بنُ الزُّبَيْرِ (٤)؛ وهو الصحيحُ.\nويُغنِي عنِ الدليلِ على عمومِ الإحصارِ ما جاء في \"المسنَدِ\" و\"السُّنَنِ\"؛ عن عكرمةَ مِن حديثِ الحَجَّاجِ بنِ عَمْرٍو الأَنْصَاريِّ؛ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: (مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ، فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى)، قالَ عِكرِمةُ: فَذَكَرْتُ ذلك لِابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ؟ فَقَالَا: صدَقَ (٥).\nورُوِيَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ خلافُ قولِه السابقِ، وأنْ لَا إحصارَ إلَّا إحصارُ العَدُوِّ؛ رواهُ طاوسٌ، وعَمْرُو بنُ دينارٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ (٦).\nوحمَلَ بعضُ الفقهاءِ قولَ ابنِ عبَّاسٍ هذا على أنه قصَدَ سبَبَ نزولِ الآيةِ؛ يعني: أنَّها لم تنزِلْ في حصرِ مَرَضٍ، ولم يُرِدِ ابنُ عبَّاسٍ حَصْرَ الحُكْمِ؛ وإنَّما أرادَ حَصْرَ سببِ النزولِ؛ والدليلُ على ذلك: أنَّه ثبَتَ عنهُ وعن غَيرِ واحدٍ مِن أصحابِه - العُذْرُ بحَصْرِ غيرِ العَدُوِّ على ما تقَدَّمَ.\nوقال بعدَمِ الإحصارِ بغيرِ العدوِّ: ابنُ عُمرَ، وثبَتَ عنه أيضًا\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٤٣).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٤٢ - ٣٤٣).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٤٢).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٤٣).\n(٥) أخرجه أحمد (١٥٧٣١) (٣/ ٤٥٠)، وأبو داود (١٨٦٢) (٢/ ١٧٣)، والترمذي (٩٤٠) (٣/ ٢٦٨)، والنسائي (٢٨٦١) (٥/ ١٩٨)، وابن ماجه (٣٠٧٧) (٢/ ١٠٢٨).\n(٦) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٤٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٣٦).","vol":"1","page":297},{"text":"القولُ بالإحصارِ بالمرَضِ؛ فقد روى مالكٌ، عَن سُلَيمانَ بنِ يَسَارٍ: \"أنَّ ابنَ عُمْرَ ومَرْوانَ وابنَ الزُّبَيْرِ أفْتَوُا ابنَ حُزَابَةَ المَخْزوميَّ، وقد صُرِعَ ببعضِ طريقِ مَكَّةَ وهو مُحرِمٌ: أنْ يتداوى بما لا بدَّ له منه، ويَفتدِيَ، فإذا صَحَّ، اعتَمَرَ؛ فحَلَّ مِن إحرامِه، وكان عليه أن يحُجَّ عامَ قابلٍ، ويُهدِيَ\" (١).\nولعلَّه أرادَ مَنْعَ قَبُولِ الإحصارِ مِن أيِّ مرَضٍ إلَّا المَرَضَ الذي يَحبِسُ الإنسانَ حبسًا يُشابِهُ حَبْسَ العدوِّ؛ فالعدوِّ يُخشى منه الهَلَكةُ، وأمَّا المَرَضُ الذي يستطِيعُ معه المُحرِمُ الوصولَ ولو محمولًا على دَابَّةٍ بلا كُلْفةٍ كبيرةٍ ولا خوفٍ على نَفْسِه، فلا يشابِهُهُ.\nوهذا هو الأليقُ بجمعِ الأقوالِ التي ظاهِرُها التعارضُ في هذه المسألةِ عن الصحابةِ.\nوفي هذا دفعٌ للتساهُلِ الذي يَعرِضُ للناسِ بِقطعِ النُّسُكِ عندَ كلِّ عارضٍ مِن العوارضِ الصِّحِّيَّةِ أو النفسيَّةِ أو الماليَّةِ.\nوالهَدْيُ هو ما ساقَهُ أو بعَثَهُ أو قصَدَ الإنسانُ ذَبْحَهُ بمَكَّةَ مِن بهيمةِ الأنعامِ؛ مِن الإبلِ - وهي أعظَمُها - ثمَّ البَقَرِ، ثمَّ الغنَمِ، وكانتِ العربُ تعظِّمُها حتَّى في الجاهليَّةِ، ومِن العرَبِ مَن يُقسِمُ بها مِن دُونِ اللهِ تعظيمًا لها.\nقال قيسُ بنُ ذَرِيحٍ:\nوَلَوْ تَعْلَمِينَ الغَيْبَ أَيْقَنْتِ أَنَّنِي ... لَكُمْ وَالهَدَايَا المُشْعَرَاتِ صَدِيقُ\nوقال الآخَرُ:\nحَلَفْتُ بِرَبِّ مَكَّةَ وَالهَدَايَا ... وَأَيْدِي السَّابحَاتِ غَدَاةَ جَمْعِ\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (١/ ٣٦٢).","vol":"1","page":298},{"text":"وقولُهُ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ جعَلَ بعضُ المفسِّرينَ النَّهيَ عن الحَلْقِ معطوفًا على قولِهِ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، لا على قولِهِ تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فقَطْ؛ أيْ: لا تتحلَّلُوا ممَّا كان قد حَرُمَ عليكُمْ حتَّى يبلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ ممَّا كتبَهُ اللهُ أن يُذبَحَ فيه زمانًا ومكانًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>وقتُ تحلُّلِ الحُجَّاجِ:</span>\nأمَّا الزمانُ: فيومُ النَّحْرِ وما بعدَهُ مِن أيَّامِ التشريقِ، وأمَّا المكانُ: ففي مِنًى أو غيرِها مِن الحَرَمِ لِمَنْ قدَرَ على بَعْثِهِ أن يَبْعَثَهُ، ومَن لم يَقدِرْ على بَعْثِهِ هُناك، فَينحَرُهُ في موضعِهِ، كما فعَلَهُ النبيُّ - ﷺ - حيثُ نَحَرَ هَدْيَهُ بالحديبيةِ؛ لأنَّه أُحصِرَ فيها، ولم يَنتظِرِ النبيُّ يومَ النَّحْرِ؛ لأنَّه لم يَبعَثْ بِهَدْيِهِ إلى مكَّةَ، فسقَطَ عنه انتظارُ الذبحِ يومَ النحرِ؛ وهذا قولُ ابنِ جريرٍ.\nوذهَبَ بعضُ المفسِّرينَ إلى أنَّ قولَهُ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ معطوفٌ على قولِهِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وليس معطوفًا على قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾؛ وذلك أنَّ النبيَّ - ﷺ - نحَرَ هَدْيَهُ في مكانِه، فيجوز نَحْرُ الهَدْيِ في أيِّ موضعٍ للمُحصَرِ؛ وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وغيرِهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>مكان ذبحِ هدي المحصَرِ:</span>\nوالذي يَظهَرُ: أنَّ المُحصَرَ الذي ساقَ الهَدْيَ وقدَرَ على بَعْثِهِ إلى مَكَّةَ؛ أنَّه يبعَثُهُ إلى مَن ينحَرُهُ هناك بمِنًى، وفِعْلُ النبيِّ يومَ الحديبيةِ كان لعجزِه عن الوصولِ إلى مِنًى، وقد كان يبعَثُ بِهَدْيِهِ إلى مَكَّةَ وهو غيرُ حرامٍ؛ ليُنحَرَ يومَ النحرِ بِمِنًى، والمُحصَرُ القادِرُ على بَعْثِ هَدْيِهِ مِن بابِ أَولى؛ قال بهذا عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وابنُ عبَّاسٍ، ومجاهِدٌ، وابنُ سِيرِينَ، وقتادةُ، ومُقاتِلُ بنُ حَيَّانَ، وحمَّادٌ، وأبو حنيفةَ، وغيرُهم.","vol":"1","page":299},{"text":"روى ابنُ جريرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ سَلَمةَ؛ قال: سُئِلَ عليٌّ - ﵁ - عن قولِ اللهِ - ﷿ -: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: \"فإذا أُحصِرَ الحاجُّ، بعَثَ بالهَدْيِ، فإذا نحَرَ عنه، حَلَّ، ولا يَحِلُّ حتَّى يَنحَرَ هَدْيَهُ\" (١).\nوروى إسحاقُ بنُ رَاهَوَيْهِ في \"تَفسيرِه\"، والبخاريُّ معلَّقًا في \"صحيحِهِ\"، عن مجاهِدٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: \"إِنَّمَا الْبَدَلُ عَلَى مَن نَقَضَ حَجَّهُ بِالتَّلَذُّذِ، فَأَمَّا مَنْ حَبَسَهُ عُذْرٌ أوْ غَيْرُ ذلك، فَإِنَّهُ يَحِلُّ، وَلَا يَرْجِعُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ وَهُوَ مُحْصَرٌ، نَحَرَهُ إِنْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ، وَإنِ اسْتَطَاعَ أنْ يَبْعَثَ بِهِ، لم يَحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ\" (٢).\nومِن العلماءِ مَن قال: إنَّ النبيَّ - ﷺ - نحَرَ هَدْيَهُ في الحَرَمِ يومَ الحديبيةِ؛ وهو قولُ عَطَاءٍ، ومحمَّدِ بنِ إسحاقَ؛ وفيه نَظرٌ؛ فالحديبيةُ ليست كلُّها مِن الحَرَمِ على الصحيحِ، بل منها مِن الحَرَمِ، ومنها مِن غيرِه، والنبيُّ - ﷺ - نحَرَ خَارِجَهُ؛ قالَهُ الشافعيُّ، وقريشٌ أرادَتْ صَدَّهُ عن حدودِ الحَرَمِ، وهي تَعرِفُ حدودَهُ، ورُوِيَ في أحاديثَ أنَّ النبيَّ - ﷺ - بعَثَ بهَدْيِهِ إلى حدودِ الحَرَمِ، ورُوِيَ أنَّ اللهَ أمَرَ رِيحًا، فأَخَذَتْ شعورَ الهَدْيِ، فأدخلَتْهُ الحرَمَ، وفيها نَظَرٌ، ولو كان ذلك لاشتَهَر.\nولو كان النبيُّ - ﷺ - ذبَحَ في الحرَمِ مِن الحديبيةِ، ما جعَلَ اللهُ الصَّدَّ صَدًّا عن الحَرَمِ؛ حيثُ قال: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، ومَحِلُّ الهَدْيِ الحرَمُ، ولمَّا كانَ في غيرِ مَحِلِّهِ، فهو في غيرِ الحَرَمِ.\nورُوِيَ عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عَن مجاهدٍ؛ في قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾: \"يَمْرَضُ إنسانٌ أو يُكْسَرُ، أو يَحبِسُه أمرٌ، فغلَبَهُ كائنًا ما كان، فَلْيُرْسِلْ بما استيسَرَ مِن الهَدْيِ، ولا يَحلِقْ رأسَهُ، ولا يَحِلَّ، حتَّى يومِ النَّحْرِ\" (٣).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٦٧).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٣/ ٩).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٤٢).","vol":"1","page":300},{"text":"وقولُه: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾: مَحِلُّ الهديِ الحرَمُ كلُّه، وأفضلُهُ مِنًى.\nوالمُحصَرُ له أجرُ النُّسُكِ تامًّا، لكنَّه يجبُ عليه الحَجُّ مرَّةً أخرى؛ إذا كان لم يُؤَدِّ حَجَّةَ الإسلامِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>حجُّ المحصَرِ من قابلٍ:</span>\nواختُلِفَ في المُحصَرِ: هل يجبُ عليه الحجُّ مِن قابلٍ أمْ لا؟ على قولَيْنِ للعلماءِ، والأظهرُ: أنَّه لا يجبُ عليه ذلك إلَّا إذا كان لم يُؤَدِّ حَجَّةَ الإسلامِ؛ لأنَّ الحجَّ على الفورِ على الصحيحِ، ولم يثبُتْ أنَّ النبيَّ - ﷺ - طلَبَ ممَّن كان معه في الحديبيةِ جميعًا أن يَحُجُّوا مِن قابلٍ؛ وهذا ظاهرُ قولِ ابنِ عبَّاسٍ؛ فإنَّه لم يجعَلِ الرجوعَ مِن قابِلٍ واجبًا إلَّا على مَن أفسَدَ حَجَّهُ بالتلذُّذِ، وهو الجِمَاعُ.\nفقد روى البخاريُّ معلَّقًا، وابنُ راهَوَيْهِ موصولًا، عن مجاهِدٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -؛ قال: \"إِنَّمَا الْبَدَلُ عَلَى مَنْ نَقَضَ حَجَّهُ بِالتَّلَذُّذِ، فَأَمَّا مَنْ حَبَسَهُ عُذْرٌ أَوْ غَيْرُ ذلك، فَإِنَّهُ يَحِلُّ، وَلَا يَرْجِعُ\" (١).\nورواهُ ابنُ جريرٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ، بنحوِه (٢).\nوقال به الشافعيُّ وغيرُه.\nوقد روى الواقديُّ في \"المَغَازي\"، عنِ الزُّهْريِّ وأبي مَعشَرٍ مُرسَلًا: \"أنَّ النبيَّ - ﷺ - أمَرَ أصحابَهُ أنْ يَعتَمِروا، وألَّا يتخلَّفَ أحدٌ ممَّن شَهِدَ الحديبيةَ، فلم يتخلَّف مِنهم إلَّا مَن قُتِلَ بخَيْبَر أو ماتَ، وخرَجَ معه جماعةٌ مُعتمِرِينَ ممَّن لم يَشْهَدِ الحُدَيْبِيَةَ، وكانت عِدَّتُهم أَلْفَيْنِ\" (٣).\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٣/ ٩)\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٦٦).\n(٣) \"مغازي الواقدي\" (٢/ ٧٣١).","vol":"1","page":301},{"text":"وهذه مراسيلُ.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾: إنَّما ذكَرَ الحَلْقَ؛ لأنَّه أعمُّ مِن التقصيرِ، فكلُّ محلِّقٍ مقصِّرٌ، وليس كلُّ مقصِّرٍ محلِّقًا؛ والحَلْقُ أفضَلُ وأكمَلُ.\nوذكَرَ الرأسَ؛ لأنَّ اللِّحْيةَ لا تُحلَقُ، بل لا يجوز حَلْقُها بالاتِّفاقِ، وإنَّما تقصَّرُ في النسكِ على قولِ بعضِ السَّلَفِ مِن الصحابةِ وغيرِهم؛ فقد كان ابنُ عُمَرَ وابنُ عبَّاسٍ يقولانِ بالأخذِ منها عندَ التحلُّلِ، ويتأوَّلانِ قولَ اللهِ تعالى: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩].\nورواه ابنُ جريرٍ، عنِ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]؛ قَالَ: \"حَلْقُ الرَّأْسِ، وحَلْقُ العَانَةِ، وقَصُّ الأَظْفَارِ، وقَصُّ الشَّارِبِ، ورَمْيُ الجِمَارِ، وقَصُّ اللِّحْيةِ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>مشروعيَّةُ استيعاب حلْقِ الرأسِ:</span>\nوذِكرُ الحَلْقِ في الآيةِ تنويهٌ بما هو أَولى بالنُّسُكِ، وهو الحَلْقُ، وأنَّ أَخْذَ شَعَراتٍ يسيراتٍ لا يسمَّى حلقًا ولا تقصيرًا، حتَّى يَستوعِبَ شعرَ الرأسِ أو أكثَرَهُ؛ أخذًا أو تَقصيرًا؛ ولذا ذكَرَ الرأسَ، ولم يذكُرِ الشَّعْرَ؛ فقال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ ولم يقلْ: \"ولا تَحلِقوا الشَّعْرَ\"؛ تنبيهًا على تأكيدِ استيعابِ الرأسِ، وأنَّ مَن أخَذَ مِن ناصيتِهِ، لم يأخُذْ مِن رأسِه؛ وإنَّما أخَذَ مِن شعرِهِ أو مِن ناصيتِهِ.\nوالمرأةُ تأخُذُ مِن رأسِها قدرَ الأُنْمُلَةِ، فتجمَعُهُ بيَدِها، ثُمَّ تأخُذُ منه، ويُجزِئُها ذلك.\nوالأَصْلَعُ يُمِرُّ المُوسَى على رأسِهِ؛ كما قاله ابنُ عُمَرَ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٦/ ٥٢٧).","vol":"1","page":302},{"text":"وفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ الذَّبْحَ قبلَ الحَلْقِ؛ ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، واختَلَفُوا في وجوبِ الترتيبِ في ذلك، وقد قال بالوجوبِ ابنُ عبَّاسٍ، وعَلْقمةُ، وسعيدُ بنُ جُبيرٍ، والنَّخَعيُّ، وغيرُهم.\nروى ابنُ أبي حاتمٍ في \"تفسيرِه\"، عن إبرَاهِيمَ، عن عَلْقَمةَ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾: \"فإِنْ عَجَّلَ فَحَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ نُسُكٍ، قال إِبْرَاهِيمُ: فَذَكَرْتُهُ لِسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، فَفَالَ: هَذَا قَوْلُ ابنِ عَبَّاسٍ، وَعَقَدَ بِيَدِهِ ثَلاثِينَ\" (١).\nقولُه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾:\nالمرادُ بالمَرَضِ: أيُّ مرَضٍ يُضطَرُّ الإنسانُ معَهُ إلى ارتكابِ محظورٍ مِن محظوراتِ الإحرامِ؛ وذلك كمَرَضِ الرأسِ بالقَرْحِ والحِكَّةِ الشديدةِ، والأَذَى: كالقُمَّلِ الذي يؤذِي؛ لكثرتِهِ فيحتاجُ الإنسانُ لأجلِ ذلك إلى حَلْقِ شعرِ رأسِه.\nروى ابنُ أبي حاتمٍ، عن عليِّ بن أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾: \"يَعْنِي بِالْمَرَضِ: أَنْ يَكُونَ بِرَأْسِهِ أَذًى أَوْ قَرْحٌ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>كفَّارةُ الأذى:</span>\nوالكفَّارة في ذلك على التخييرِ بين ثلاثةِ أشياءَ:\nأوَّلُها: الفِدْيةُ؛ وهو الدَّمُ ممَّا يُذبَحُ مِثلُهُ هَدْيًا، أدناهُ مِن الغنَمِ، وأعلاهُ مِن الإبلِ.\nثانيها: الصيامُ.\nثالثُها: الإطعامُ.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٣٧).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٣٨).","vol":"1","page":303},{"text":"قال ابنُ عبَّاسٍ: \"بأيِّها أخَذْتَ أجزَأَك\"؛ رَواهُ لَيْثٌ، عن مجاهِدٍ، عنه؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ (١).\nوقال به مجاهِدٌ وعِكْرِمةُ وعطاءٌ، وطاوُسٌ والحسَنُ والنَّخَعيُّ وغيرُهم.\nوالصيامُ ثلاثةُ أيَّامٍ، والإطعامُ لِسِتَّةِ مساكينَ، والفِدْيةُ أدناها شاةٌ؛ لما ثبَتَ في \"الصحيحَيْنِ\"، عن كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ - ﵁ -، عن رسولِ اللهِ - ﷺ -؛ أَنَّهُ قالَ: (لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ؟)، قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ) (٢).\nقولُه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾:\nالمرادُ إذا أَمِنَ الإنسانُ ممَّا يمنعُهُ مِن الإتيانِ بنُسُكِهِ كما أمَرَهُ اللهُ به؛ سواءٌ مَنْعًا تامًّا، وهو الإحصارُ بعدوٍّ أو مَرَضٍ حابسٍ، أو كان الإنسانُ صحيحًا آمِنًا مِن كلِّ أذًى في رأسِهِ أو نفسِهِ يُلزِمُهُ ارتكابَ المحظوراتِ؛ فإنَّه لا يجِبُ عليه عندَ التمتُّعِ إلَّا هَدْيٌ واحدٌ ممَّا تيسَّر.\nومِن المفسِّرينَ: مَن فَسَّرَهُ بالأمانِ مِن الإحصارِ؛ وهو قولُ ابنِ الزُّبَيْرِ؛ رواهُ عنه عطاءٌ.\nوالأرجَحُ عمومُ الأمانِ؛ وهذا هو المعروفُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وغيرِهِ؛ كما رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ؛ قَالَ: \"قُلْتُ لِعَطَاءٍ: \"أَكَانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾؛ أَمِنْتَ أَيُّهَا المُحْصَرُ، وَأَمِنَ النَّاسُ، ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾؟ فَقَالَ: لم يَكُنِ ابنُ عَبَّاسٍ يُفَسِّرُهَا كَذَا، وَلَكِنَّهُ يَقُولُ: تَجْمَعُ هَذِهِ الآيَةُ - آيَةُ المُتْعَةِ - كُلَّ ذلك؛ المُحْصَرَ وَالمُخَلَّى سَبِيلُهُ\" (٣).\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٣٩).\n(٢) أخرجه البخاري (١٨١٤) (٣/ ١٠)، ومسلم (١٢٠١) (٢/ ٨٥٩).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٤٠).","vol":"1","page":304},{"text":"وهو محمولٌ على كلِّ مانعٍ مِن الوصولِ إلى البيتِ ولو مرَضًا، وكلِّ مانعٍ مِن إتمامِ الحجِّ كما شرَع اللهُ ممَّا دُونَ الحَبْسِ والإحصارِ.\nفقَد روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن إبراهِيمَ، عن عَلْقَمةَ؛ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾؛ يقولُ: \"إِذَا بَرَأَ فَمَضَى مِنْ وَجْهِهِ ذلك حَتَّى يَأْتِيَ الْبَيْتَ، حَلَّ مِنْ حَجِّهِ بِعُمْرَةٍ، وَكَانَ عَلَيْهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، فَإِنْ هُوَ رَجَعَ وَلَمْ يُتِمَّ إلَى الْبَيْتِ مِن وَجْهِهِ ذلك، كَانَ عَلَيهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ؛ لِتَأْخِيرِ الْعُمْرَةِ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَذَكَرْتُ ذلك لِسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: هَكَذَا قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ فِي هَذَا كُلِّهِ\" (١).\nوذكَرَ التمتُّعَ في الآيةِ: ﴿أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾؛ لأنَّه هو ما كان عليهِ عمَلُهم، فغالِبُ عَمَل النبيِّ والصحابةِ إمَّا كانوا قارِنينَ أو متمتِّعينَ، وكلُّ ذلك يسمَّى مُتْعةً؛ لأنَّه جَمْعٌ بينَ الحجِّ والعُمْرةِ في أشهُرِ الحجِّ.\nثمَّ إنَّ ذلك هو النُّسُكُ (التمتُّعُ والقِرانُ) الذي يجِبُ معه الهَدْيُ، بخلافِ الإفرادِ؛ فالهَدْيُ فيه مستحَبٌّ غيرُ واجبٍ.\nوقد استدل أحمد بهذه الآية على أن السفر يقطع التمتع، فقد سئل عن الرجل يدخل مكة متمتعًا ثم يخرج لسفر؟ قال: إنما المتمتع الذي يقيم للحج، فإن لم يقم للحج فليس بمتمتع قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>حكمُ العاجزِ عنِ الهدي الواجبِ:</span>\nقولُه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾:\nومن كان عاجزًا عن دمِ الهَدْيِ الواجِبِ على المتمتِّعِ، أو الواجِبِ على مَن أُصِيبَ بِأَذًى ممَّنْ وقَعَ في محظورٍ، فعليه أَنْ يصومَ بدلًا عن الهَدْيِ الذي عجَزَ عنه ثلاثةَ أيَّامٍ في حَجِّهِ، وسبعةً إذا رجَع إلى أهلِه؛ ومجموعُها عَشَرةٌ كامِلةٌ.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٤٠). وينظر: \"تفسير الطبري\" (٣/ ٤١٣).\n(٢) مسائل ابن هاني (١/ ١٥١)، ومسائل ابن منصور (١/ ٥٢٦).","vol":"1","page":305},{"text":"فأمَّا صيامُ الأيَّامِ الثلاثةِ في الحَجِّ: فوقتُها منذُ بدايتِهِ بالإهلالِ إلى يومِ عَرَفةَ، يصومُ أيَّ وقتٍ شاء؛ مجتمِعًا أو مفرَّقًا، ومَن عجَزَ أو نَسِيَ صيامَها قبل يومِ عَرَفةَ، جازَ أنْ يصومَ أيَّامَ التشريقِ.\nروى مالكٌ، عن عائشةَ؛ أنَّها كانت تقولُ: \"الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، لِمَنْ لم يَجِدْهَا مَا بَيْنَ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، فَمَنْ لم يَصُمْهُ، صَامَ أَيَّامَ مِنًى\" (١).\nورُوِيَ هذا عنِ ابنِ عُمَرَ، وابنِ عبَّاسٍ، وعِكْرِمةَ والحسَنِ وعَطَاءٍ وطاوسٍ.\nولطاوسٍ وعطاءٍ قولٌ آخَرُ: أنَّه يصومُها في العَشْرِ الأُوَلِ من ذي الحِجَّةِ، وآخِرُها عرَفةُ (٢).\nورُوِيَ عن عُبَيدِ بنِ عُمَيْرٍ وعُرْوةَ بنِ الزُّبَيْرِ صيامُها في أيَّامِ التشريقِ (٣).\nولا بأسَ بتفريقِها وصيامِ شيءٍ منها في شَوَّالٍ؛ وهو قولُ مجاهِدٍ وطاوُسٍ (٤)؛ لأنَّ شوَّالًا مِن أشهُرِ الحجِّ، وفيه يبدأُ إحرامَهُ للحجِّ إنْ تعجَّلَهُ.\nويَظهَرُ أنه لو صامَها قبلَ عَرَفةَ، فهو أفضَلُ؛ لأنَّ النُّسُكَ بحاجةٍ إلى قوَّةٍ وجَلَادةٍ لأداءِ الشعائرِ، واجتهادٍ في الدعاءِ؛ ولذا لم يَصُمِ النبيُّ - ﷺ - وعامَّةُ أصحابِه في الحجِّ في يومِ عَرَفَةَ مع فضلِ صيامِه، وأنَّه يكفِّرُ سنةً ماضيةً وسنةً مستقبَلةً؛ لأنَّ الدعاءَ في عَرَفةَ والاجتهادَ فيه كما اجتهَدَ النبيُّ - ﷺ -: أفضَلُ مِن صيامِ عَرَفةَ؛ لأنَّ المرجُوَّ المغفرةُ، وأسبابُها بالدعاءِ في هذا اليومِ أقوى مِن الصيامِ، فربَّما صامَ الحاجُّ ولم يَجِدْ قُوَّةً على الاجتهادِ في الدعاءِ وطولِ الوقوفِ يومَ عَرَفةَ مِنَ الجوعِ والعَطَشِ؛ فيفوتُهُ فضلٌ كبير.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٤٢).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٤٢).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٤٢).\n(٤) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٤٣).","vol":"1","page":306},{"text":"ومِن العلماءِ: مَن جعَلَ الأيَّامَ الثلاثةَ: اليومَ السابعَ، واليومَ الثامنَ، وهو يومُ التَّرْوِيَةِ، واليومَ التاسعَ، وهو يومُ عرَفةَ.\nوقد روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن جَعْفَرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن عليٍّ؛ أَنَّه كان يقولُ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾: \"قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ، وَيَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ\" (١).\nورُوِيَ عنِ الشَّعْبيِّ والنَّخَعيِّ والحَكَمِ وحَمَّادٍ.\nوأمَّا صيامُ السَّبْعةِ إذا رجَعَ: فيجوزُ صيامُها في الطريقِ، وإِن أخَّرَها عندَ رجوعِهِ واستقرارِهِ، فهو أفضَلُ؛ لأنَّ السفرَ ليس مَحِلًّا لصيامِ الفرضِ المطلَقِ، ولا صيامِ النافلةِ.\nوإنَّما جعَلَ الله صيامَها عندَ الرجوعِ إلى بَلَدِهِ؛ رُخصةً ورَحْمةً به؛ لأنَّه أمَرَ بصيامِ الثلاثةِ في الحجِّ، وجُعِلَتْ أقرَبَ شيءٍ لِعَرَفةَ في كلامِ أكثرِ المفسِّرينَ؛ لأنَّه قد وصَلَ إلى مَكَّةَ، وفي حالِ راحةٍ، لا في حالِ سَيْرٍ غالبًا، وجعلَ السبعةَ في حالِ رجوعِه وقَرارِه، ولو صامَها مسافِرًا في عَوْدَتِه، جازَ؛ روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن منصورٍ، عن مجاهِدٍ: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾؛ قال: \"إِنْ شَاءَ صَامَهَا فِي الطَّرِيقِ؛ إِنَّمَا هِيَ رُخْصَةٌ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>العمرةُ للمكِّيِّين:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ لأنَّ العُمْرةَ لا تكونُ على المكِّيِّينَ، فمُتْعةُ الحجِّ لأهلِ الآفاقِ، لا للمَكِّيِّينَ.\nرُوِيَ هذا عنِ ابنِ عَبَّاسٍ وابنِ عُمَرَ وعَطَاءٍ وطاوُسٍ ومجاهِدٍ والحسَنِ والزُّهْريِّ (٣)، وبهذه الآية استدل أحمد على ذلك وأنه ليس على أهل مكة هدي ولا لمن كان بأطراف ما تقصر فيه الصلاة (٤).\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٤٢).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٤٣).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٤٤).\n(٤) بدائع الفوائد (٣/ ١٠٣).","vol":"1","page":307},{"text":"المراد بـ \"حاضري المسجِدِ الحرامِ\":\nوتنوَّعَ تفسيرُ: ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ في كلامِ السَّلَفِ:\nفمِنهم مَن قال: \"هم مَن سكَنَ حدودَ الحَرَمِ\"؛ قاله مجاهِدٌ (١).\nوقال يحيى بنُ سعيدٍ الأنصارِيُّ: \"مَن كانَ أهلُهُ على مسيرةِ يَوْمٍ\" (٢).\nويَظهَرُ مِن الآيةِ ومِن قولِ جمهورِ السَّلَفِ: أنَّهم لا يَختلِفونَ فيمَنْ كان في حدودِ الحَرَمِ؛ وإنَّما يَختلِفونَ فيمَن هو خارِجَها، ومكَّة اليومَ غيرُ مَكَّةَ في الصَّدْرِ الأوَّلِ؛ فقد اتَّسَعَتْ وتَغَيَّرَتْ مَعالِمُها، حتَّى بلَغَ البُنْيانُ متَّصِلًا إلى مَواضِعَ يقصُرُ فيها بعضُ السَّلَفِ الصلاةَ؛ فيَظْهَرُ أنَّ مَن كان دونَ القَصْرِ مِن مَكَّةَ، فهو مِن أهلِها وبهذا قيده أحمد، ومَرَدُّ ذلك إلى العُرْفِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>التحذيرُ من التساهُلِ في المناسِكِ:</span>\nقولُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، أمَرَ بتَقْواهُ، بعدَ أنْ بيَّنَ حدودَهُ في الحَجِّ؛ حتَّى لا تُخرَمَ تلك الحدودُ، وللتأكيدِ على أهميَّةِ الإتيانِ بها.\nثمَّ جاء تحذيرٌ ووعيدٌ مِن التفريطِ في تلك الحدودِ، وبيانٌ لِخَطَرِ تغييرِها والتساهُلِ بها، وأنَّ ما وضَحَتْ مَعالِمُه مِن حدودِ اللهِ في مَناسِكِ الحجِّ، لا ينبغي لأحدٍ أن يتساهَلَ فيه؛ متذرِّعًا بعمومِ قولِهِ - ﷺ -: (افْعَلْ وَلَا حَرَجَ) (٣)؛ فإنَّ ذلك كان في أعمالِ يومِ النَّحْرِ، لا في كلِّ مَناسكِ الحجِّ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٤٣٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٤٤).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٤٤).\n(٣) أخرجه البخاري (٨٣) (١/ ٢٨)، ومسلم (١٣٠٦) (٢/ ٩٤٨)؛ من حديث عبد الله بن عمرٍو - ﵄ -.","vol":"1","page":308},{"text":"قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧].\nجعَلَ اللهُ للحجِّ زمنًا يُعمَلُ فيه، ويسمَّى أَشْهُرَ الحجِّ، وهي: شَوَّالٌ، وذو القَعْدَةِ، وعَشْرٌ من ذي الحِجَّةِ، على قولِ جمهورِ العلماءِ؛ كأحمدَ وأبي حنيفةَ والشافعيِّ.\nوجعَلَ الشافعيُّ ليلةَ النَّحْرِ فقطْ مِن أشهُرِ الحَجِّ، لا يَوْمَهُ.\nروى ابنُ أبي شَيْبَةَ، عن عبدِ اللهِ قولَه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ قال: \"شوالٌ، وذو القَعْدةِ، وعَشْرُ ذي الحِجَّةِ\" (١).\nوقال له ابنُ عباسٍ وابنُ عُمَرَ، ومجاهِدٌ والشَّعْبيُّ والنَّخَعيُّ (٢).\nوظاهرُ الآيةِ: جعلُ الأشهرِ أكثَرَ مِن اثنَيْنِ، وهو أقلُّ الجمعِ على قولٍ؛ وذلك لأنَّه جعَلَ بعضَ الشهرِ بمنزلةِ الشهرِ؛ تقولُ: رأيتُك شهرَ كذا أو سنَةَ كذا أو يومَ كذا، والمقصودُ: رأيتَهُ فيه؛ أي: في أيَّامٍ منه لا كلِّه.\nوقد جعَلَ مالكٌ ذا الحجَّةِ كاملًا، وليس مرادُ مالكٍ: أنَّ الحَجَّ يصحُّ بعدَ ليلةِ النحرِ، ولا أنَّ المعتمِرَ بعدَها يُعتبَرُ متمتِّعًا؛ وإنَّما المرادُ بقاءُ فضلِ الأيامِ والسَّعَةُ في أعمالِها، وأنَّ العمرةَ في باقي ذي الحجةِ مفضولةٌ.\nوقد كان غيرُ واحدٍ مِن السلفِ يَكْرَهُ أداءَها في أشهُرِ الحجِّ لغيرِ المتمتِّعِ؛ رُوِيَ هذا عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ سِيرينَ، والقاسمِ بنِ محمدٍ:\nروى ابنُ أبي حاتمٍ، عن طارقِ بنِ شهَابٍ؛ قال: قال عبدُ اللهِ:\n_________\n(١) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١٣٦٣٦) (٣/ ٢٢٢).\n(٢) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٣/ ٢٢١ - ٢٢٢).","vol":"1","page":309},{"text":"\"الحَجُّ أشهُرٌ معلوماتٌ؛ ليس فيها عُمْرةٌ\" (١)؛ وهو صحيحٌ.\nقال محمدُ بنُ سِيرِينَ: \"ما أحدٌ مِن أهلِ العلم يَشُكُّ في أنَّ عمرةً في غيرِ أشهرِ الحجِّ أفضلُ مِن عمرةٍ في أشهرِ الحجِّ\" (٢).\nوليس المرادُ في ذلك تفضيلَ الإفرادِ على التمتُّعِ بكلِّ حالٍ، ولكنَّ المرادَ أنَّ فضلَ العمرةِ بسفرٍ قاصدٍ وَحْدَها أعظَمُ ممَّن قَصَدَ حَجَّتَهُ وعمرتَهُ بسفرةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ الغالبَ أنَّ مَن قصَدَ مكةَ بعمرةٍ في أشهرِ الحجِّ أنَّه يُتْبِعُها بحجٍّ مِن عامِه.\nوقد كان عمرُ بنُ الخَطَّابِ يَرَى فَضْلَ التمتُّعِ ولوِ اعتمَرَ بسفرٍ خاصٍّ مِن عامِه؛ كما صحَّ عنه عندَ ابنِ أبي شَيْبةَ؛ أنَّه قال: \"لوِ اعْتَمَرْتُ ثمَّ اعْتَمَرْتُ ثمَّ حَجَجْتُ، لَتَمَتَّعْتُ\" (٣).\nولهذا ذكَرَ غيرُ واحدٍ مِن العلماءِ: أنَّ العمرةَ في غيرِ أشهرِ الحجِّ أفضلُ مِن العمرةِ في أشهرِ الحجِّ، ومرادُهم: قَصْدُ النُّسُكَيْنِ بسفَرَيْنِ؛ وإلا فعُمَرُ النبيِّ - ﷺ - كلُّها في أشهرِ الحجِّ، كان يقصدُ العمرةَ في ذي القَعْدةِ ويَرجِعُ، إلا لمَّا حَجَّ، قَرَنَ عمرتَهُ بحَجَّتِه.\nوروى أيُّوبُ، عن نافعٍ؛ قال: قال ابنُ عمرَ: \"أنْ تَفْصِلُوا بينَ أشهُرِ الحجِّ والعمرةِ، فتجعَلُوا العمرةَ في غيرِ أشهرِ الحجِّ: أتمُّ لحجِّ أحدِكم، وأتمُّ لعُمْرتِهِ\" (٤).\nفهم يَرَوْنَ التمامَ للنسك بالعملِ التامِّ مِن دارِ الرجلِ، قاصدًا إلى دارِهِ راجعًا، لحجِّهِ وعمرتِهِ، كلُّ واحدةٍ منفردة.\nلذا ذكَرَ مالكٌ أنَّ مِن أشهُرِ الحجِّ ذا الحِجَّةِ كاملًا؛ لأنَّ العمرةَ\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٤٥).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٤٥١).\n(٣) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١٣٧٠٠) (٣/ ٢٢٨).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٤٤٩).","vol":"1","page":310},{"text":"عندَهُ بعدَ الحجِّ في ذي الحِجَّةِ كالعمرةِ قَبْلَهُ في التفاضُلِ مع غيرِ أشهرِ الحجِّ؛ لأنَّ الحاجَّ ما زالَ في سَفْرةِ حَجِّهِ لم يَرجِعْ إلى أهلِه.\nوقد رُوِيَ عن جماعةٍ مِن السلفِ؛ كعطاءٍ وطاوسٍ وابنِ شهابٍ: إطلاقُ ذي الحِجَّةِ أنَّه مِن أشهُرِ الحجِّ، ولعلَّهم أطلَقُوهُ كما أَطْلَقَهُ القرآنُ؛ للعِلْمِ بكونِهِ إلى العشرِ لأداءِ النُّسُكِ، أو أرادُوا إطلاقَهُ ومرادُهُمْ كالمعنى الذي ذهَبَ إليه بعدَهُمْ مالكٌ.\nويؤيِّدُ هذا: أنَّ بعضَ المفسِّرينَ يُطلِقُ ذا الحِجَّةِ تارَةً، وَيُرِيدُ به العشرَ منها؛ ومِن ذلك: أنَّ مجاهِدًا أطلَقَها مرةً، وقيَّدَها أُخرى.\nو﴿مَعْلُومَاتٌ﴾ صفةٌ لـ ﴿أَشْهُرٌ﴾؛ أي: إنَّها بيِّنةٌ معروفةٌ مستفيضةٌ بين الناسِ؛ وهذا دليلٌ على أنَّ المشهورَ المستفيضَ البَيِّنَ الذي لم يطرَأْ عليه لبسٌ: لا تَثْقُلُ المسامعُ بذِكْرِه، وقد كانت هذه الأشهُرُ معلومةً في الجاهليَّةِ والإسلامِ.\nوالتقديرُ في قولِهِ تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾: يعني ما شرَعَهُ اللهُ لعِبادِهِ لا يكونُ إلا في هذه الأشهرِ، وما عَدَاهُ لا يكونُ حَجًّا مقصودًا مشروعًا، وإنْ أُطلِقَ اسمُ الحجِّ على العمرةِ مِن جهةِ اللُّغَةِ، فمعناهُ القصدُ، ولكنَّ الحَجَّ في الآيةِ بمعناهُ الضَّيِّقِ، لا بمعناه الواسعِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>التأكيدُ على المواقيت الزمانية:</span>\nوفي الآيةِ دليلٌ على أنَّ المواقيتَ الزمانيَّةَ آكَدُ مِن المواقيتِ المكانيَّةِ؛ وذلك أنَّ اللهَ لم يذكُرِ المواقيتَ المكانيَّةَ في كتابِهِ.\nوكذلك: فإنَّ المواقيتَ الزمانيَّةَ مواقيتُ للأممِ قبلَ الإسلامِ وبعدَهُ منذُ شرَعَ اللهُ الحجَّ، بخلافِ المواقيتِ المكانيَّةِ؛ فإنَّها شِرْعَةٌ لأُمَّةِ محمَّدٍ - ﷺ - خاصَّةً.\nوكذلك: فإنَّ الحجَّ لا يَصِحُّ إلا في مواقيتِهِ الزمانيَّةِ، فلو وقَعَ","vol":"1","page":311},{"text":"الوقوفُ بعَرَفةَ والمبيتُ والنحرُ وأيامُ مِنًى وغيرُها ممَّا عُيِّنَ، في غيرِ أشهُرِ الحجِّ، فهو باطلٌ بلا خلافٍ؛ بل مَنْ قال بِصِحَّتِها في غيرِ أيَّامِها، فهو كافرٌ؛ لإنكارِهِ معلومًا مِن الدينِ بالضرورةِ، وأمَّا الإهلالُ بالحجِّ مِن غيرِ المواقيتِ المكانيَّةِ، فلا يُبطِلُ الحجَّ؛ وإنَّما يأثَمُ صاحِبُهُ بلا خلافٍ؛ وإنَّما الخلافُ في وجوبِ الدمِ عليه.\nثمَّ قال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾؛ أيْ: مَن أوجَبَهُ على نفسِهِ ودخَلَ فيه، وجَبَ عليه اجتنابُ ما نَهَى اللهُ عنه، وفِعْلُ ما أمَرَ اللهُ به، وله الترخُّصُ برُخَصِ اللهِ فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>حكمُ عقد نيَّةِ الحجِّ من أشهر الحج:</span>\nوفيه أهميةُ عَقْدِ نيةِ الحجِّ في أشهُرِهِ؛ وهذا ظاهرٌ مِن قولِه: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾، واختلَفَ العلماءُ في عَقْدِ النيةِ قبلَ أشهرِ الحجِّ وانتظارِ الحجِّ:\nالقولُ الأولُ: ما ذهَبَ إليه جمهورُ العلماءِ؛ وهو أنَّ الإحرامَ صحيحٌ؛ وهو خلافُ الأَوْلى؛ وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ وأحمدَ.\nوأنَّ اللهَ إنَّما ذكَرَ أفضَلَ الأحوالِ، ولم يَفرِضْها، فمَن أَحْرَمَ مِن بيتِ المَقْدِسِ أو مِن الصِّينِ أو مِن الأندلس في رمضانَ أو قبلَهُ وسارَ، فحجُّهُ صحيحٌ ولو أحرَمَ قبلَ الميقاتِ المكانيِّ والزمانيِّ جميعًا؛ فقد رخَّصَ اللهُ بالإهلالِ في جميعِ الأشهرِ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩].\nالقولُ الثاني - وهو قولُ الشافعيِّ -: أنَّ الإهلالَ للحجِّ لا يصحُّ إلا في أشهُرِهِ؛ لظاهرِ التقييدِ في الآيةِ، وعندَهُ: أنَّ مَن أهَلَّ قبلَ أشهرِ الحجِّ، لم يَنعقِدْ إحرامُهُ، وعنه قولانِ في انقلابِهِ إلى عُمْرةٍ؛ ورُوِيَ هذا القولُ عن جماعةٍ مِن السلفِ مِن الصحابةِ والتابعِينَ.","vol":"1","page":312},{"text":"قال به جابرٌ وابنُ عباسٍ وأصحابُهُ كعطاءٍ وطاوسٍ ومجاهدٍ (١).\nوقولُ ابنِ عباسٍ فيه: \"مِن السُّنَّةِ ألَّا يُحرِمَ بالحَجِّ إلا في أشهرِ الحجِّ\"؛ رواهُ ابنُ مَرْدَوَيْهِ.\nوفي لفظٍ عنه: \"لا ينبغي لأحدٍ أنْ يُحرِمَ بالحجِّ إلا في شهورِ الحجِّ\" (٢).\nوسُئِلَ جابرٌ: \"أيُحرَمُ بالحجِّ في غيرِ أشهرِ الحجِّ؟ قال: لا\".\nرواهُما الشافعيُّ (٣).\nوالعِبْرةُ في فرضِ الحجِّ بعَقْدِ النِّيَّةِ فيه؛ لأنَّ العملَ لا بدَّ أنْ يكونَ في أشهُرِه، ومَن عقَدَ نيةَ الحجِّ في آخِرِ يومٍ مِن رمضانَ قبلَ غروبِ الشمسِ: لم يَفرِضْهُ في أشهرِ الحجِّ؛ وهذا قولُ جابرٍ مِن الصحابةِ، ولا مخالفَ له، ومِثلُ هذا مَن عقَدَ النيةَ قبلَ غروبِ شمسِ آخِرِ يومٍ مِن شعبانَ للعمرةِ: لم تكنْ عُمرتُهُ في رمضانَ ولو كان عَمِلَها فيه.\nوقولُه: ﴿فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ دليلٌ على وجوبِ إتمامِ الحجِّ بمجردِ الدخولِ فيه؛ وهذا كقولِهِ تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ فسمَّى الدخولَ في الحجِّ فرضًا.\nوالمرادُ بالفرضِ عَقدُ نيةِ النُّسُكِ على الصحيحِ؛ وهو قولُ أكثرِ السلفِ؛ كابنِ عباسٍ وعطاءٍ وإبراهيمَ، ورُوِيَ عن بعضِ السلفِ: أنَّ الفرضَ هنا التلبيةُ؛ وهو قولُ طاوسٍ والقاسمِ بنِ محمدٍ، والتلبيةُ سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ على الصحيحِ، وعلامةٌ ظاهرةٌ لفرضِ النُّسُكِ، وليستْ هي فرضَهُ، فيدخُلُ بالنيةِ ولو لم يُلَبِّ، ولا يدخُلُ بالتلبيةِ إذا لم يَنْوِ، وقد كان بعضُ\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنه\" (١٤٦١٧) و(١٤٦١٨) و(١٤٦١٩) (٣/ ٣٢٣).\n(٢) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٥٤١).\n(٣) \"الأم\"؛ للشافعي (٣/ ٣٨٧ ط. رفعت فوزي).","vol":"1","page":313},{"text":"السلفِ يلبِّي وهو غيرُ مُحرِمٍ؛ كابنِ مسعودٍ، ولم يكنْ داخلًا في النسكِ، ولا فارضًا على نفسِهِ شيئًا مِن لوازمِه.\nثمَّ لمَّا ذكَرَ اللهُ أزمنةَ الحجِّ، ذكَرَ المحظوراتِ على الحاجِّ بعدَ دخولِهِ في الحجِّ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>حكمُ مباشَرَة المحرِمِ لزوجتهِ:</span>\nوالمرادُ بالرَّفَثِ: الجِمَاعُ؛ كما في قولِ اللهِ تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ويسمَّى في القرآنِ: لَمْسًا ومَسًّا، ورَفَثًا وغِشْيَانًا، وحَرْثًا ونِكاحًا، ووَطْئًا ودُخُولًا وإفضاءً.\nوكما يحرُمُ الجماعُ تحرُمُ دواعِيهِ مِن المباشَرةِ والتقبيلِ لشهوةٍ، وقد روى نافعٌ؛ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ: \"الرَّفَثُ إتيانُ النساءِ، والتكلُّمُ بذلك للرجالِ والنساءِ إذا ذكَرُوا ذلك بأفواهِهم\" (١).\nورُوِيَ هذا المعنى عن جماعةٍ؛ كابنِ عباسٍ وطاوسٍ، وعطاءٍ وغيرِهم (٢).\nونَصَّ بعضُ السلفِ على الفرقِ بين الكلامِ بدواعِي الجماعِ بحضرةِ المرأةِ وبغيابِها، فيَمنَعُ منه بحضرتِها، ويُجِيزُهُ في غيابِها؛ وهذا مرويٌّ عن ابنِ عباسٍ (٣)، وأبي العاليةِ (٤)، وحكاهُ ابنُ جريرٍ إجماعًا (٥).\nوقولُهُ تعالى: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾؛ كلُّ محرَّمٍ مِن الأقوالِ والأفعالِ في غيرِ الحجِّ، فهو في الحجِّ آكَدُ، وهو المرادُ هنا، وأكثرُ ما يدخُلُ فيه: الأقوالُ؛ لعمومِ البَلْوَى بها؛ كما في قولِه - ﷺ -: (سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ،\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٤٥٩).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٤٦).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٤٥٩).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٤٦١).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٤٦٩).","vol":"1","page":314},{"text":"وَقِتَالُهُ كُفْرٌ) (١).\nوقولُهُ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾: الجدالُ يرادُ به: المجادَلةُ والمقاوَلةُ والملاحَاةُ، وبُقصَدُ به هنا: ما يؤدِّي إلى محرَّمٍ؛ كغضبٍ وخصومةٍ وسَبٍّ، وأصلُهُ يُطلَقُ على كلِّ ملاحاةٍ ومقاوَلةٍ بفائدةٍ أو بغيرِ فائدةٍ؛ فيُطْلَقُ على ما ينفعُ؛ كقولِه تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]، وقولِهِ: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وعلى ما لا ينفعُ؛ كما في هذه الآيةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>معنى الجدالِ في الحجِّ:</span>\nوحُمِلَ النهيُ عن الجدال في هذه الآيةِ على أمرَيْنِ:\nالأولُ: النهيُ عن المِرَاءِ في الحجِّ؛ وصَحَّ هذا عن ابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ وكثيرٍ مِن السلفِ (٢).\nالثاني: النهيُ عن الجدالِ في أحكامِ الحجِّ بعدَ بيانِها؛ وجاء هذا عن مجاهدٍ والسُّدِّيِّ والقاسمِ بنِ محمدٍ ومالكِ بنِ أنسٍ.\nوالأولُ أعَمُّ، وكلا المَحْمَلَيْنِ صحيحٌ؛ فالاختلافُ هنا اختلافُ تنوُّعٍ لا تَضَادٍّ؛ ولكنَّ بعضَ السلفِ يُخصِّصُهُ بمسائلِ الحجِّ، وبعضَهم يجعلُهُ فيها وفي غيرِها، وظاهرُ الخلافِ عندَهم إنَّما هو في سببِ النزولِ ومقصدِهِ، لا في دخولِ الحكمِ وشمولِهِ للأمرَيْنِ جميعًا.\nوفي الآيةِ تخصيصُ المُحرِمِ بالنهي عن الفسقِ والمِرَاءِ مع عمومِ النهيِ لغيرِه؛ تأكيدًا على أنَّ الحجَّ يتأثَّرُ بالفسوقِ، وربَّما تنقصُهُ أو تُذهِبُ أَجْرَهُ إنْ كَثُرَتْ، وأنَّ عظمةَ الأجرِ تكونُ للعبادةِ التامَّةِ السالِمةِ مِن\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٨) (١/ ١٩)، ومسلم (٦٤) (١/ ٨١)؛ من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -.\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٤٧٨ - ٤٨١).","vol":"1","page":315},{"text":"المحرَّماتِ؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (مَنْ حَجَّ للهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) (١)، فجعَلَ السلامةَ مِن الرَّفَثِ والفسوقِ شرطًا لتكفيرِ الذنوبِ؛ فإنَّ المعاصيَ من الرَّفَثِ والفسوقِ تخفِّفُ الحجَّ فلا يَقْوَى على مغالبةِ الذنوبِ وتكفيرِها عندَ الميزانِ.\nوفي الآيةِ والحديثِ: إشارةٌ إلى أنَّ الذنوبَ تَنقُصُ الحسناتِ وتَمْحُوها، كما تَنقُصُ الحسناتُ الذنوبَ وتَمْحُوها، وفيها أنَّ الذنوبَ التي تقترنُ بعملٍ صالحٍ أَعظمُ منَ الذنوبِ المجرَّدةِ؛ فالذنوبُ للمُحرِمِ والصائمِ والمجاهِدِ والمرابِطِ أعظمُ مِن غيرِها؛ لاقترانِها بعبادةٍ، فخَصَّ اللهُ الحجَّ بالذِّكْرِ والتأكيدِ؛ لطولِ أيامِه، بخلافِ الصلاةِ وإنْ كانت أعظَمَ إلا أنَّ وقتَها قصيرٌ؛ فلا يقترنُ معها محرَّمٌ غالبًا؛ لحالِها ولقِصَرِ زمانِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>دَلَالةُ الاقتران:</span>\nوفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ دَلَالةَ الاقترانِ تدُلُّ على الاشتراكِ بأدنى معاني الحُكْمِ، لا بأَقْصَاهُ، فقرَنَ اللهُ الرفَثَ والفسوقَ والجدالَ بنهيٍ واحدٍ مع اختلافِها في مَرْتَبَتِه؛ فدلالةُ الاقترانِ تدُلُّ على اشتراكِ المقروناتِ في أصلِ الحُكْمِ، لا في مقدارِه؛ فضلًا عن لوازمِه؛ كاشتراكِ هذه المنهيَّاتِ في أصلِ الحُكْمِ.\nوأمَّا الاستدلالُ بها على الاشتراكِ في الحُكمِ كلِّه، فلا يصحُّ في قولِ جمهورِ العلماءِ، وظواهرُ الأدلةِ تؤيِّدُهُ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقولِه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣].\nوالاشتراكُ في أصلِ الحكمِ غالبٌ لا مُطَّرِدٌ أيضًا؛ وهذا خلافًا\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٥٢١) (٢/ ١٣٣)، ومسلم (١٣٥٠) (٢/ ٩٨٣).","vol":"1","page":316},{"text":"لقولِ المُزَنِيِّ صاحِبِ الشافعيِّ، وأبي يوسفَ صاحِبِ أبي حنبفةَ، وأهلُ اللغةِ يفرِّقون بينَ واوِ العطفِ وواوِ النظمِ.\nواستدلالُ بعضِ الفقهاءِ بالاقترانِ في بعضِ المواضعِ: لا يَعني أنَّه يجعلُها قاعدةً؛ فربَّما جعَلَها قرينةً تَقْوَى في موضعٍ، ولا تَقْوَى في موضعٍ آخَرَ، ولا يُلزَمُ فقيهٌ بما لم يَلتَزِمْهُ وينُصَّ عليه.\nوفي قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾: تنبيهٌ إلى عمارةِ الوقتِ بالعملِ الصالحِ، وكما نَهَى عن الرَّفَثِ والفسوقِ والجدالِ، فقد أمَرَ بضِدِّهِ؛ ليُعمَرَ وقتُ الحاجِّ؛ فلا يَجِدَهُ خاليًا فيَعْمُرَهُ شيطانُهُ بالوسواسِ المحرَّمِ وخَطَراتِ السوءِ؛ فإنَّ الإثمَ يبدأُ وسواسًا قبلَ أنْ يكونَ عملًا، وكذلك فإنَّ السيئةَ تُزاحَمُ بالحسنةِ.\nوفي الآيةِ: تنبيهٌ إلى طلبِ الإخلاصِ واستدعائِهِ؛ قال: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾؛ فإنَّ اللهَ أعلَمُ وأشَدُّ اطِّلاعًا على حالِكُمْ، فراقِبُوا عِلمَ اللهِ بعَمَلِكم، لا عِلْمَ غيرِهِ بكم.\nثمَّ أمَرَ اللهُ بالأخذِ بالأسبابِ الماديَّةِ والشرعيَّةِ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، تزوَّدُوا بما يُصلِحُ أنفُسَكم ودُنْياكم، وخيرٌ مِن ذلك زادُ الدِّينِ، وهو التَّقْوَى بالعملِ الصالحِ وتَرْكِ المحرَّمِ، وفي الآيةِ: نهيٌ عن التواكُلِ، وإيجابٌ للأخذِ بالأسبابِ؛ فهي مِن صُنْعِ الله وحُسْنِ تدبيرِه في كَوْنِه.\nقال عِكْرِمةُ: \"كان أناسٌ يَحُجُّونَ بلا زادٍ؛ فأنزَلَ اللهُ هذه الآيةَ\" (١).\nوفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ أَعْقَلَ الناسِ أكثرُهُمْ عبادةً وتَقْوَى؛ فإنَّ العقولَ تدُلُّ على اللهِ، وتهدي إليه إلا مَن عطَّلَها بالهَوَى والشهواتِ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٤٩٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٥٠).","vol":"1","page":317},{"text":"قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ١٩٨ - ٢٠٢].\nوَسَّعَ اللهُ لأُمَّتِهِ إذْ جعَلَ مَوْسِمَ الحجِّ واجتماعَ الناسِ فيه مَغْنَمًا لراغبِ الفضلِ بتجارةٍ أو إجارةٍ أو غيرِها، وقد امتَنَّ اللهُ على عبادِهِ بهذا في مواضعَ عديدةٍ؛ منها في دعاءِ إبراهيمَ: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٢٦]، ومكةُ ليستْ بذاتِ زَرْعٍ؛ كما قال إبراهيمُ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، ولكنَّ المقصودَ بدعائِهِ جبايةُ الثمراتِ مِن مَنابِتِها حولَ أُمِّ القُرَى ومِنْ عمومِ الأرضِ، وهذا ما امتَنَّ به اللهُ على قريشٍ في سورةِ القَصَصِ، فقال: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص: ٥٧]، وهذا رزقٌ يأتي هذا البَلَدَ المبارَكَ ولا يَنقطِعُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>التجارةُ في الحج:</span>\nوقد كان الناسُ يَجِدُونَ حَرَجًا لمَّا جاء الإسلامُ أن يتَّخِذُوا الحجَّ موسمًا للتجارةِ، فرَخَّصَ اللهُ فيه بقولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ قال ابنُ عباسٍ: \"في مواسمِ الحجِّ\"؛","vol":"1","page":318},{"text":"رواهُ البخاريُّ (١).\nوروى أبو داودَ؛ مِن حديثِ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ: أنَّ الناسَ في أولِ الحجِّ كانوا يَتَبَايَعُونَ بمِنًى وعَرَفةَ وسُوقِ ذي المَجَازِ ومواسمِ الحجِّ، فخافُوا البيعَ وهم حُرُمٌ، فأنزَلَ اللهُ سبحانَهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسمِ الحجِّ، قال: فحدَّثَني عُبَيْدُ بنُ عُمَيْرٍ؛ أنَّه كان يقرؤُها في المصحفِ (٢).\nوروى عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ قال: \"لا حرَجَ عليكم في الشراءِ والبيعِ قبلَ الإحرامِ وبعدَهُ\" (٣).\nوسببُ نزولِ هذه الآيةِ رفعُ الحَرَجِ عن الأُمَّةِ بالانتفاعِ في دُنْياها مِن مَجْمَعِ الناسِ للحجِّ حينَما يأتُونَ مِن كلِّ مكانٍ، فيتبايَعونَ فيما بينَهم كلٌّ يبيعُ نِتَاجَ بلادِهِ مِن زَرْعٍ وثَمَرٍ، وصناعةٍ ونسيجٍ وحِدَادةٍ؛ فبهذا ينتفِعُ أهلُ مكةَ وما حولَها، وينتفعُ الحُجَّاجُ كلُّهم بِتَبَايُعِهم فيما بينَهم، فيَرْجِعونَ بأجرٍ وغنيمةٍ مِن الدُّنيا تَكْفِيهم مُؤْنَةَ الحجِّ ونفقةَ الطريقِ وقد تَزِيدُ، فقد روى أحمدُ في \"مسندِهِ\"؛ مِن حديثِ أبي أُمامةَ التَّيْمِيِّ؛ قال: قلتُ لابنِ عمرَ: إنَّا نُكْرِي، فهل لنا مِن حَجٍّ؟ قال: أليس تَطُوفُونَ بالبَيْتِ، وتأتُونَ المُعَرَّفَ، وتَرْمُونَ الجِمَارَ، وتَحْلِقُونَ رُؤُوسَكم؟ قال: قلْنا: بلى! فقال ابنُ عمرَ: جاء رجلٌ إلى النبيِّ - ﷺ -، فسَأَلَهُ عن الذي سَأَلْتَني، فلم يُجِبْهُ حتى نزَلَ عليه جبريلُ - ﵇ - بهذه الآيةِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، فدَعَاهُ النبيُّ - ﷺ -، فقال: (أَنْتُمْ حُجَّاجٌ) (٤).\nومن الأئمة من يرى أن ترك التجارة في الحج أخلص للعمل مع جوازها، وقد سئل أحمد عن التجارة في الحج؟ فقال: من الناس من يتأول\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٧٧٠) (٢/ ١٨٢).\n(٢) أخرجه أبو داود (١٧٣٤) (٢/ ١٤٢).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٥٠٢)، وتفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣٥١).\n(٤) أخرجه أحمد (٦٤٣٤) (٢/ ١٥٥).","vol":"1","page":319},{"text":"هذه الآية في مواسم الحج، ولكن لو لم يكن معه تجارة كان أخلص (١).\nوقولُهُ تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾.\nالإفاضةُ: الانصرافُ مِن عَرَفاتٍ، وقد غَيَّرَ زمانَها أهلُ الجاهليَّةِ، فكانوا يُفِيضُونَ قبلَ غروبِ الشمسِ إذا كانتِ الشمسُ على الجبالِ كأنَّها العمائِمُ، فجعَلَ اللهُ الإفاضةَ بعدَ غروبِ الشمسِ أنْ ينصرِفَ الناسُ إلى مُزْدَلِفَةَ، وهي (المَشْعَرُ الحَرَامُ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>حكمُ الوقوفِ بعَرَفة وزمانُه ومكانُهُ:</span>\nوالوقوفُ بعَرَفَةَ ركنُ الحجِّ بلا خلافٍ، ويُستحَبُّ النزولُ بعُرَنَةَ قُبَيْلَ عَرَفَةَ بعدَ ارتفاعِ الشمسِ، كما فعَلَ النبيُّ - ﷺ -، وليستْ عُرَنَةُ مِن عرفةَ، وإنَّما يَبقى فيها ويُصلِّي الظهرَ والعصرَ جَمْعَ تقديمٍ، ثمَّ يدخُلُ عرفةَ، ويخطُبُ الإمامُ الناسَ قبلَ جَمْعِ الصلاتَيْنِ.\nومَن فَاتهُ الوقوفُ بعَرَفةَ ولو ساعةً مِن الليلِ أو النهارِ، فليس له حَجٌّ، ويبدأُ الوقوفُ بها مِن زوالِ الشمسِ يومَ التاسعِ مِن ذي الحِجَّةِ إلى طلوعِ الفجرِ مِن يومِ النحرِ، وهذا وقتُ الوقوفِ العامِّ فاضلُهُ ومفضولُهُ، وأفضلُ الوقوفِ وقوفُ النبيِّ - ﷺ - حيث دخَلَ عَرَفةَ بعدَ الزوالِ، ودَفَعَ منها بعدَ غروبِ الشمسِ.\nوصحَّحَ أحمدُ في روايةٍ الوقوفَ أيَّ ساعةٍ مِن النهارِ ولو قبلَ الزوالِ، وليلًا ولو قُبَيْلَ فجرِ يومِ النحرِ؛ لقولِ النبيِّ - ﷺ - في حديثِ عُرْوَةَ بنِ مُضَرِّسٍ، وهو بمُزْدَلِفَةَ: (مَنْ صَلَّى مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ فِي هَذَا المَكَانِ، ثُمَّ وَقَفَ مَعَنَا هَذَا المَوْقِفَ حَتَّى يُفِيضَ الإِمَامُ، أَفَاضَ قَبْلَ ذلك مِنْ عَرَفَاتٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ) (٢).\nوحكى بعضُهم الإجماعَ على عَدَمِ صحةِ الوقوفِ قبلَ الزوالِ وحدَهُ، مِن غيرِ وقوفٍ بعدَه ليلًا أو نهارًا.\n_________\n(١) مسائل أبي داود (١٧٢).\n(٢) أخرجه أحمد (١٨٣٠١) (٤/ ٢٦١).","vol":"1","page":320},{"text":"وفي الإجماعِ نظرٌ، ولأحمدَ قولٌ بصِحَّتِه؛ لظاهرِ حديثِ عُرْوةَ بنِ مُضَرِّسٍ، ولكنَّ عَمَلَ النبيِّ - ﷺ - وخلفائِهِ مِن بعدِهِ وعَمَلَ الصحابةِ: أنَّهم لم يكونُوا يَقِفُونَ قبلَ زوالِ الشمسِ بِعَرَفةَ، ولا يُحفَظُ عن واحدٍ منهم أنَّه وقَفَ قبلَ الزوالِ، أو أمَرَ به.\nواختُلِفَ فيمَن دفَعَ قبلَ غروبِ الشمسِ:\nوجمهورُ العلماءِ على صحةِ وقوفِهِ وحَجِّه.\nوذهَبَ مالكٌ: إلى وجوبِ الوقوفِ ليلًا ولو قليلًا بعدَ غروب الشمسِ، ورَأَى على مَن أفاضَ قبلَ الغروبِ الرجوعَ إلى عَرَفةَ، أو إعادَةَ الحجِّ مِن قابِلٍ، مع الدمِ عليه من العامِ القابِلِ.\nومَن صَحَّحُوا الحَجَّ اختَلَفُوا في وجوبِ الدمِ عليه؛ فأَوْجَبَهُ جمهورُهُمْ؛ وهو مرويٌّ عن أبي حنيفةَ والشافعيِّ وَأحمدَ وسُفْيانَ.\nواختَلَفَ هؤلاء فيه إذا رجعَ إلى عَرَفَةَ ليلًا فوقَفَ فيها؛ فأَوْجَبَ عليه الدمَ أبو حنيفةَ، ولم يَرَهُ عليه الباقُونَ؛ لأنَّهم يرَوْنَ وقوفَهُ بعدَ رجوعِهِ صحيحًا؛ كما لو كان باقيًا فيها لم يَخْرُجْ منها.\nولا يجبُ للوقوفِ طهارةٌ أو يقظةٌ، فمَن وقَفَ مُحْدِثًا أو مَرَّ بها نائمًا كلَّ الوقوفِ، صحَّ وقوفُه عندَ السلفِ لا يَختَلِفُونَ في ذلك؛ وهو قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>فضلُ الدعاءِ والذِّكْر بِعرفَة ومزدَلِفة:</span>\nوليس في الآيةِ تفضيلُ الذِّكْرِ عندَ المَشْعرَ الحرامِ على الذِّكْرِ بعَرَفةَ؛ فإنَّ الذِّكْرَ والدعاءَ بعرفةَ أفضلُ، ولكنَّ اللهَ أرادَ بيانَ مشروعيَّةِ الإفاضةِ إلى مزدَلِفةَ والوقوفِ عندَها والمبيتِ فيها ذاكِرينَ اللهَ، لا كما يفعلُ أهلُ الجاهليَّةِ مِن تبديلٍ؛ فإنَّ قريشًا لا تَقِفُ بِعَرَفةَ، فكانت تشدِّدُ على نفسِها، ولا تخرُجُ في حجِّها مِن حدودِ الحرمِ، فتقفُ بمزدَلِفةَ ثمَّ تنصرِفُ إلى مِنًى، وكانوا يُسَمُّونَ أنفُسَهمُ الحُمْسَ مِن دونِ العربِ، إلا مَن تَحَمَّسَ","vol":"1","page":321},{"text":"معها وهم قليلٌ، وكانت بقيةُ العربِ تقفُ بِعَرَفةَ وتنصرِفُ قبلَ غروبِ الشمسِ، فَبيَّنَ اللهُ هَدْيَهُ ومناسكَ الحجِّ للنَّاسِ على ما كان عليه الخليلُ إبراهيمُ؛ ولذا قال اللَّهُ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾، لا مِن مزدَلِفةَ؛ كما بَدَّلَتْ قريشٌ حيثُ كانت تُفِيضُ منها، ولمَّا ذكَرَ اللهُ الإفاضةَ مِن مزدَلِفةَ بعدَ عَرَفةَ، قال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾؛ يعني: العرب وقريشًا وغيرَهم، فكانوا كلُّهم يجتمعونَ في مزدَلِفةَ فيُفِيضُونَ منها؛ لأنَّهم لم يكونوا يختلِفونَ في الإفاضةِ من مُزْدَلِفةَ؛ وإنَّما يختلِفونَ في الإفاضةِ مِن عَرَفةَ.\nولا خلافَ أنَّ المشعرَ الحرامَ هو مزدَلِفةُ؛ صَحَّ هذا عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، وسعيدِ بن جُبَيْرٍ، وعِكْرِمةَ، والحَسَنِ (١).\nوفي قولِهِ: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾: بيانُ فضلِ الذِّكْرِ عندَ تذكُّرِ النِّعَمِ، فمِن شُكْرِ النعمِ ذِكْرُ اللهِ عندَ تذكُّرِها؛ كما أنَّ تذكُّرَ الضلالِ بعدَ الهدايةِ، والجهلِ بعدَ العلمِ: يَكْسِرُ النَّفْسَ للخالقِ، وأنَّ مَن هَدَاها قادرٌ على إزاغتِها، ومَن عَلَّمَها قادرٌ على أنْ يُنْسِيَها.\nوالمرادُ بالضلالِ في الآيةِ: الجهلُ وعَدَمُ العِلْمِ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧].\nوبعدَما أمَرَ اللهُ بالإفاضةِ مِن مزدَلِفةَ، أمَرَ بالاستغفارِ: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ وفيه استحبابُ الاستغفارِ عندَ الانصرافِ مِن مزدَلِفةَ، والاستغفارُ في هذا الوقتِ أفضلُ الأذكارِ؛ فإنَّه يُستحَبُّ إظهارُ الافتقارِ بالاستغفارِ عندَ تمامِ الأعمالِ؛ حتى لا يُورِثَ تمامُ\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٣/ ٥١٦ - ٥٢١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٥٣).","vol":"1","page":322},{"text":"الأعمالِ في النفوسِ تواكُلًا؛ فيَقَعَ الإنسانُ في الأمنِ والاتكالِ على عملِه؛ فيَنقطِعَ ويُسرِفَ على نَفْسِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>جمعُ الصلاتَيْن بمزدَلِفة:</span>\nوفسَّرَ بعضُ السلفِ ذِكْرَ اللهِ بعدَ الإفاضةِ مِن عَرَفاتِ في الآيةِ بأنَّه جَمْعُ صَلَاتَيِ المغربِ والعشاءِ يومَ عَرَفةَ بمزدَلِفةَ؛ رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ، عن سفيانَ بنِ عُيَيْنَةَ (١).\nوقال به ابن جريرٍ، ورواهُ عن زكريَّا، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ: \"أنَّها الصلاةُ بمزدَلِفةَ\" (٢).\nوكلُّ ذلك: مقصودُ عمومِ الذِّكْرِ وإقامِ الصلاةِ فيها؛ ففِعلُ النبيِّ يُترجِمُ عمومَ القرآنِ، وكذا أصحابُهُ مِن بَعْدِه.\nوجمعُ الصلاتَيْنِ سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ عندَ عامَّةِ العلماءِ، تُجمَعانِ جمعَ تأخيرٍ بمزدَلِفةَ.\nوذهَبَ قلةٌ مِن الفقهاءِ: إلى وجوبِ الجمعِ.\nوكأنَّهم جعَلُوهُ مِن النُّسُكِ، أو جعَلُوا ذلك الجمعَ المؤخَّرَ بعَرَفةَ وقتًا للصلاةِ كمواقيتِ الصلاةِ الأُخرى، ومَن أدَّاها قبلَه كمَنْ أدَّى الصلاةَ قبلَ وقتِها، ولا قائلَ بذلك مِن السلفِ مِن الصحابةِ وكِبَارِ التابعينَ؛ وهو قولٌ لأبي حنيفةَ، وقال به ابنُ حَبِيبٍ مِن المالكيَّةِ؛ واستدَلُّوا بقولِ النبيِّ - ﷺ - لأسامةَ بنِ زَيْدٍ: (الصَّلَاةُ أَمَامَكَ) (٣)، فأمَرُوا مَن جَمَعَ بغيرِ مزدَلِفةَ وجاءَها قبلَ الفجرِ أنْ يُعِيدَ.\nوبعضُ الفقهاءِ يرى إعادةَ العشاءِ إنْ صلَّاها قبلَ مغيبِ الشَّفَقِ، وهو قولُ بعضِ أصحابِ مالكٍ وقولٌ للشافعيِّ.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٣٥٢).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٥١٦).\n(٣) أخرجه البخاري (١٣٩) (١/ ٤٠)، ومسلم (١٢٨٠) (٢/ ٩٣١).","vol":"1","page":323},{"text":"والصحيحُ: أنَّ جَمْعَ الصلاتَيْنِ بمزدَلِفةَ، كالجمعِ بعَرَفةَ ومِنًى لغيرِ أهلِ مكةَ: جَمْعُ سَفَرٍ، لا جَمْعُ نُسُكٍ، ولكنْ يُقتدَى بالنبيِّ - ﷺ - في تقديمِ الصلاتَيْنِ بعَرَفةَ، وتأخيرِ الصلاتَيْنِ بمزدَلِفةَ؛ للانشغالِ بالدعاءِ، ولأنَّه أيسَرُ للمُفِيضِ مِن عَرَفةَ.\nالمبيتُ بمزدَلِفةَ وحكم التعجُّلِ:\nومزدَلِفةُ كلُّها مَبِيتٌ ومَوْقِفٌ، لا يفضُلُ بعضُها على بعضٍ باتِّفاقِ السلفِ؛ وإنَّما وقَفَ النبيُّ في مكانٍ منها اتِّفاقًا، لا اختيارًا وتفضيلًا عن بقيَّةِ المشعرِ الحرامِ.\nويُستحَبُّ الوقوفُ بعدَ صلاةِ الفجرِ بمزدَلِفةَ قليلًا، ثمَّ يُفِيضُ الحاجُّ قبلَ طلوعِ الشمسِ إلى مِنًى ليَرْمِيَ الجمرةَ، والمَبِيتُ واجبٌ إلى صلاةِ الفجرِ، والوقوف بعدَ الفجرِ سُنَّةٌ.\nويجوزُ الدفع للضَّعَفَةِ مِن المَرْضَى وكبارِ السنِّ والأطفالِ، وكذلك الصحيحُ إنْ كان مرافقًا لضعيفٍ أنْ يدفَعَ معه منتصَفَ الليلِ، أو بعدَ مَغِيبِ القمرِ، والقويُّ الحارسُ للضَّعَفَةِ والقائدُ لهم وخادمُهُمْ يأخُذُ حُكْمَهم، ومِثْلُهم مَن خَشِيَ فواتَ رُفْقَتِهِ مِن الضَّعَفَةِ يدفَعُ معهم متعجِّلًا ولو كان في نفسِهِ قويًّا؛ فقد كان مَوْلَى أسماءَ يدفَعُ معها؛ وهي مِن الضَّعَفَةِ، وهو قويٌّ.\nوقولُهُ تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾، المرادُ بقضاءِ المناسكِ: هي أعمالُ يومِ النَّحْرِ؛ قاله مجاهدٌ (١).\nقال عطاءٌ: قضَيْتُمْ حَجَّكم (٢).\nوبهذه الآيةِ يُستدَلُّ لمَنْ قال بركنيَّةِ الوقوفِ بمزدَلِفةَ؛ لأنَّ اللهَ جعَلَ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٥٣٥).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٥٥).","vol":"1","page":324},{"text":"قضاءَ المناسكِ بها، وهو قولُ قِلَّةٍ مِن السلفِ، قال به بعضُ أصحابِ الشافعيِّ كابنِ خُزَيْمَةَ، وأظهَرُ ما استدَلُّوا به حديثُ عُرْوةَ بنِ المُضَرِّسِ؛ رواهُ أحمدُ، وأهلُ \"السننِ\"؛ مِن حديثِ الشَّعبيِّ، عن عُرْوةَ بنِ مضرِّسِ بنِ حارثةَ بنِ لَامٍ؛ قال: أتيتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - وهو بجَمْعٍ، فقلتُ له: هل لي مِن حَجٍّ؟ فقال: (مَن صَلَّى مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ فِي هَذَا المَكَانِ، ثُمَّ وَقَفَ مَعنَا هذا المَوْقِفَ حَتَّى يُفِيضَ الإِمَامُ، أَفَاضَ قَبْلَ ذلك مِنْ عَرَفَاتٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ) (١).\nوفي المبيتِ بمزدَلِفةَ أقوالٌ، أشهرُها ثلاثةٌ:\nأنَّه ركنٌ؛ وقد سبَقَ.\nوقال الجمهورُ بوجوبِهِ، ويجبُ على تاركِه دمٌ.\nوقال بعضُهم بأنَّه سُنَّةٌ.\nوالأظهرُ: وجوبُ المبيتِ بمزدَلِفةَ، واستحبابُ الوقوفِ بها.\nوقد صحَّ عن عُمَرَ: أنَّه أمَرَ رجلًا فَاتَهُ الوقوفُ بعَرَفةَ أنْ يذهَبَ ليلًا إلى عَرَفَةَ لِيَقِفَ ويَرجِعَ؛ فوقَفَ وصلَّى عمرُ الفجرَ، ولم يَرْجِعِ الرجلُ ووقَفَ عمرُ على راحلتِهِ ينتظرُهُ، ولو كان المَبِيتُ واجبًا، لَمَا انتَظَرَهُ ودفَعَ به مِن مزدَلِفةَ.\nوالأَثَرُ رواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ، ويتضمَّنُ صحةَ الوقوفِ ليلًا بعَرَفةَ ولو لم يقفْ مِن النهارِ شيئًا.\nوقولُه تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٨٣٠١) (٤/ ٢٦١).","vol":"1","page":325},{"text":"وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾\nكانتِ العربُ شديدةَ المُفاخَرةِ بأنسَابِها وأحسابِها، وصنائعِ آبائِها وأجدادِها، واتَّخَذَتْ مِن مَجَامِعِها في الحجِّ في الجاهليَّةِ مواضعَ لذلك تذكُرُ آباءَها وتفاخِرُ بهم؛ رُوِيَ هذا المعنى عن ابنِ عباسٍ، وأنسٍ، وابنِ الزبيرِ، ومحمدِ بنِ كعبٍ (١).\nوروى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: \"كان أهلُ الجاهليَّةِ يَقِفُونَ في المَوْسِمِ، فيقولُ الرجلُ منهم: كان أبي يُطْعِمُ ويَحْمِلُ الحَمَالاتِ، ويَحْمِلُ الدِّيَاتِ، ليس لهم ذِكْرٌ غيرُ فِعَالِ آبائِهم، فأنزَلَ اللَّهُ على محمَّدٍ - ﷺ -: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ \" (٢).\nوذَكَّرَ اللهُ عِبادَهُ بأمرِ الآخِرَةِ، لا كما يفعلُهُ العربُ في الجاهليَّةِ مِن استغلالِ المناسِكِ للدعاءِ بالرخاءِ في الدُّنْيا والسَّعةِ فيها؛ فعن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: \"كان قومٌ من الأعراب يَجِيئُونَ إلى المَوْقِفِ، فيقولونَ: اللهمَّ، اجْعَلْهُ عامَ غَيْثٍ، وعامَ خِصْبٍ، وعامَ وِلادٍ حَسَنٍ؛ لا يَذْكُرونَ مِن أمرِ الآخِرةِ شيئًا؛ فأنزَلَ اللَّهُ فيهم: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ \" (٣).\nثمَّ ذَكَرَ اللهُ الحالَ الصالحةَ، فمدَحَها في قولِهِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.\nوهي حالُ قومٍ مِن الحاجِّ سَأَلُوا اللهَ دُنْيَا وآخِرةً؛ فجعَلَ اللهُ لهم نصيبًا ممَّا سَأَلُوا، ولم يَلُمْهُمْ على سؤالِ الدُّنيا مع الآخِرةِ، ولا في تقديمِ الدُّنيا في الدعاءِ على الآخِرةِ؛ رحمةً منه وسَعَةً على عِبَادِه.\nوفي الآيةِ: استحبابُ الإجمالِ في الدعاءِ، وسؤالِ اللهِ مِن عمومِ\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٣/ ٥٣٥ - ٥٣٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٥٥).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٥٧).","vol":"1","page":326},{"text":"فَضْلِه؛ فإنَّ سؤالَ اللهِ حَسَنةَ الدُّنْيا: كافٍ في قضاءِ اللهِ لمطلوبِ العَبْدِ؛ لأنَّ اللهَ أعلَمُ بما يُصلِحُهُ وما ينفَعُهُ، ومِثلُهُ سؤالُ اللهِ حَسَنةَ الآخِرةِ، فيه تسليمُ أمرِ العبدِ للهِ، وإيكالُ ذلك إلى كَرَمِ اللهِ وفَضْلِهِ وإحسانِه.\nوفي هذه الآياتِ: سَعَةٌ على الأُمَّةِ في العملِ للدُّنْيا في الحجِّ بما لا يفوِّتُ مَنَاسِكَهُ، ويَقْدَحُ في نِيَّتِه، مِنَ التجارةِ والإجارةِ والصناعةِ وغيرِ ذلك، وقد كان ابنُ عباسٍ يَستدِلُّ بهذه الآيةِ على كلِّ انتفاعٍ دنيويٍّ يحتاجُ إليه العبدُ في مَنَاسِكِهِ ولو وجَدَهُ في غيرِه؛ فقد روى ابنُ أبي حاتمٍ، والحاكمُ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، قال: \"جاءَ رجلُ إلى ابنِ عباسٍ، فقال: إنِّي أَجَّرْتُ نفسي مِن قَوْمٍ على أنْ يَحْمِلُونِي، ووَضَعْتُ لهم مِن أُجْرَتِي على أنْ يَدَعُونِي أَحُجُّ معهم، أفيُجْزِي ذلك؟ فقال: أنتَ من الذين قال اللهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ \" (١).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣].\nفي الآيةِ: استحبابُ ذِكْرِ اللهِ في الأيَّامِ المعدوداتِ، وهُنَّ أيامُ التشريقِ؛ أيامُ مِنًى؛ رُوِيَ هذا عن عليٍّ وابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ (٢).\nوأكثرُ الصحابةِ: على أنَّ الأيامَ المعدوداتِ أربعةٌ، ورُوِيَ عن عليٍّ أنَّها ثلاثةٌ: يومُ الأضحَى ويومانِ بعدَهُ (٣)، ولعلَّهُ قصَدَ حالَ المتعجِّلِ؛\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٣٥٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٧٧).\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٣/ ٥٤٩ - ٥٥٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٦١).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٦٠).","vol":"1","page":327},{"text":"لأنَّ الآيةَ ظاهِرةٌ في أنَّها ثلاثةُ أيامٍ بعدَ يومِ النحرِ؛ فلا خلافَ عندَ العلماءِ أنَّ التعجُّلَ يكونُ في اليومِ الثانيَ عشَرَ، وهو ثاني أيامِ التشريقِ بعدَ يومِ النحرِ، وأنَّ التأخُّرَ إنَّما هو في اليومِ الثالثِ.\nوالمعدوداتُ هنَّ المعلوماتُ التي ذكَرَها اللهُ في سورة الحجِّ: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، وذِكْرُ اللهِ شكرٌ لِنِعَمِهِ، ومنها بهيمةُ الأنعامِ المنحورةُ والمطعومةُ في مِثْلِ هذه الأيامِ؛ لهذا كانت أيامُ التشريقِ أيامَ أَكْلٍ وشربٍ، وجاء النهيُ عن صومِها للحاجِّ وغيرِه، إلا لمَنْ لم يَجِدِ الهَدْيَ مِنَ المتمتِّعِ والقارِنِ، وفاتَهُ الصومُ قبلَ عَرَفةَ، فيصومُها أيامَ التشريقِ ثلاثةَ أيامٍ، وسبعةً إذا رجَعَ إلى أهلِهِ.\nوأفضلُ الذِّكْرِ أيامَ التشريقِ هو التكبيرُ، يكبِّرُ الناسُ مطلَقًا في كلِّ حِينٍ، وخاصَّةً أدبارَ الصلواتِ، بَدْءًا مِن صلاةِ الفجرِ يومَ عَرَفةَ حتى صلاةِ العصرِ مِن آخِرِ أيامِ التشريقِ، وهو الثالثَ عشرَ مِن ذي الحِجَّةِ.\nويُستحَبُّ التكبيرُ في مواضعِ الصلاةِ في المسجدِ؛ كما رواهُ عمرُو بنُ دِينارٍ، عن ابنِ عباسٍ، ورواهُ الحَكَمُ، عن عِكْرِمةَ؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ وغيرُه (١).\nويكبِّرُ الحاجُّ وغيرُ الحاجِّ فيها كذلك في المساجدِ والأسواقِ؛ صحَّ هذا عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وأبي هريرةَ، وغيرِهم مِن السَّلَفِ؛ فقد كان عمرُ بنُ الخطابِ - ﵁ - يكبِّرُ في قُبَّتِهِ، فيكبِّرُ أهلُ السوقِ بتكبيرِهِ؛ حتى ترتجَّ مِنًى تكبيرًا (٢).\nوقولُه تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٦٠).\n(٢) ينظر: \"أخبار مكة\" للفاكهي (٤/ ٢٥٩)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٥٦١).","vol":"1","page":328},{"text":"عَلَيْهِ﴾؛ يعني: لا ذَنْبَ عليه؛ صحَّ هذا عن ابنِ عباسٍ (١).\nوروى علقمةُ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: \"قد غَفَرَ اللهُ له ذنوبَهُ\" (٢).\nومُرادُ ابنِ مسعودٍ: يعني: بتمامِ حَجِّهِ كغيرِهِ يستحقُّ تكفيرَ الذنوبِ وبلوغَ الفريضةِ؛ ولذا قَيَّدَ رَفْعَ الإثمِ بقولِه: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾؛ يعني: ترَكَ المحظوراتِ، وفعَلَ المأموراتِ، فلم يفرِّطْ في نُسُكِه؛ ولذا قال أبو العاليةِ، والربيعُ بنُ أنسٍ: \"ذهَبَ إثمُهُ كلُّه إنِ اتَّقَى اللهَ فيما بَقِيَ\" (٣).\nوفي هذا: تنبيهٌ إلى أنَّ الذنوبَ تؤثِّرُ في تكفيرِ الحجِّ للذنوبِ؛ كما في الحديثِ الذي في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (مَنْ حَجَّ للهِ فَلَم يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>حكمُ التعجُّلِ ثاني أيام التشريق:</span>\nوفي هذه الآيةِ: أنَّ مَن أرادَ النَّفْرَ يومَ الثانيَ عشَرَ مِن ذي الحِجَّةِ قبلَ غروبِ الشمسِ، فلا حَرَجَ عليه ما لم تغرُبْ عليه الشمسُ وهو في رَحْلِهِ باقيًا بِمنًى، فيجبُ عليه المَبِيتُ إلى الغدِ.\nقال هذا عمرُ، وابنُه ابنُ عُمَرَ، وعطاءٌ، وطاوُسٌ، والنَّخَعيُّ، وغيرُهم (٥).\nوالأفضلُ التأخُّرُ؛ لفِعْلِهِ - ﷺ -.\nوالتعجُّلُ يكونُ بعدَ الزوالِ؛ أيْ: بعدَ صلاةِ الظهرِ وقبلَ غروبِ الشمسِ مِن اليومِ الثانيَ عشرَ.\nورخَّصَ بعضُ العلماءِ للمتعجِّلِ الخروجَ قبلَ الزوالِ؛ كأحمدَ، ورُوِيَ عن بعضِ السلفِ؛ كابنِ عباسٍ وعِكْرِمةَ.\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٦١).\n(٢) ينظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٦١).\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٣/ ٥٦٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٦٣).\n(٤) سبق تخريجه.\n(٥) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٦٢).","vol":"1","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>حكمُ المبيتِ بمنًى:</span>\nوفي الآيةِ: دليلٌ على وجوبِ المبيتِ أيامَ مِنًى؛ لأنَّ اللهَ رَخَّصَ للتعجِّلِ، ورفَعَ الإثمَ عنه، ولازِمُهُ: وقوعُ الحَرَجِ والإِثْمِ على تارِكِ المَبِيتِ كلِّه.\nويرخَّصُ لِمَنْ يقومُ بشأنِ الحاجِّ مِن الرُّعَاةِ والسُّقَاةِ والسائِقِينَ والخَدَمِ والعُمَّالِ والحُرَّاسِ بتركِ المبيتِ؛ كما رخَّصَ النبيُّ - ﷺ - للرعاةِ والسقاةِ بتركِ المبيتِ لصالحِ الناسِ لا لصالحِهم.\nومَن لم يَجِدْ موضعًا يَبِيتُ فيه، باتَ في أيِّ موضعٍ مِن مَكَّةَ على الصحيحِ، ولا يجبُ محاذاةُ مِنًى والقربُ منها؛ إذْ لا دليلَ عليه.\nوالمَبِيتُ الذي يسقُطُ به الواجبُ هو المبيتُ ليلًا؛ فلا يصدِّقُ على البقاءِ نهارًا: مَبيتٌ؛ لا في لغةِ العربِ، ولا في اصطلاحِ الشرعِ، وأكثرُ الليلِ أو شَطْرُهُ يتحقَّقُ به المبيتُ، ولا يَلْزَمُ من المبيتِ النومُ ولا الاضطجاعُ.\nولا يلزَمُ المَبِيتُ مَن لا يَجِدُ إلا سَكَنًا غاليًا، أو لا سَكَنَ له إلا الطُّرُقَاتُ؛ فليستْ موضعًا يجوزُ البقاءُ فيه؛ لِكَرَاهةِ ذلك؛ فالشارعُ نَهَى عن الجلوسِ في الطُّرُقاتِ إلَّا مِن بُدٍّ؛ فلا يُتعبَّدُ للهِ بذلك.\nولا يقيَّدُ وجوبُ المَبِيتِ بأنْ يصلُحَ المكانُ لمِثْلِهِ؛ وهذا شرطٌ لا وجهَ له؛ فإنَّ مِنًى منذُ تاريخِ الإسلامِ، وهي مُنَاخُ مَن سبَقَ إليها بسَهْلِها وجَبَلِها، وليس مِثْلُها مَبِيتًا لأحدٍ عادةً، وكان الأمراءُ والعلماءُ والوُجَهاءُ والأغنياءُ يَبِيتُونَ في موضعٍ واحدٍ مع المأمورينَ والجُهَّالِ والضعفاءِ والفقراءِ، ومَنْ وجَدَ مكانًا يَبِيتُ فيه غيرَ الطريقِ وما فيه مصالحُ الناسِ مِن الميادينِ العامَّةِ، وجَبَ عليه ولو كان وزيرًا أو أميرًا أو مَلِكًا.","vol":"1","page":330},{"text":"قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨].\nذكَرَ اللهُ صفاتِ الناسِ ومَرَاتِبَهم؛ منهم: مَنْ يُريدُ الدُّنْيا، ومنهم: مَنْ يُرِيدُ حَسَنةَ الدُّنْيا والآخِرةِ، ومنهم. مَنْ يَشْرِي نفسَهُ ابتغاءَ مَرْضاةِ اللهِ، ومنهم: مَنْ يُضمِرُ الشَّرَّ للناسِ والإفسادَ لهم، ويُقسِمُ على خلافِ ذلك، ثمَّ خاطَبَ اللهُ بندائِهِ أهلَ الإيمانِ أنْ يدخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً، والسِّلْمُ: بكسرِ السينِ وفتحِها، مع سكونِ اللامِ؛ قرَأَ نافعٌ وابنُ كَثِيرٍ والكِسَائيُّ وأبو جعفرٍ: بفتحِ السينِ، والباقونَ مِن العشرةِ: يَقرؤونَها بكسرِ السينِ، وهو مشتقٌّ مِن السَّلَامةِ، وهو الاستسلامُ والانقيادُ لِمَا أُمِرَ به الإنسانُ أو أَلْزَمَ به نفسَهُ.\nو\"السِّلْمُ\" في كلامِ المفسِّرينَ مِن السلفِ والخلفِ محمولٌ على مَعَانٍ، جِمَاعُها مَعْنَيَانِ:\nأوَّلُهما: الاستسلامُ للهِ والانقيادُ له؛ بالدخولِ في دِيِنِهِ وامتثالِ أمرِهِ ونهيِهِ:\nويُطلَقُ السِّلْمُ في كلامِ العربِ، ويرادُ به: الانقيادُ لله والاستسلامُ له بدين الإسلام؛ قال امْرُؤُ القَيْسِ بنُ عابسٍ الكِنْدِيُّ، حينَما ارتَدَّ قومُهُ عن الإسلامِ:\nدَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمَّا ... رَأَيْتُهُمُ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَا\nفَلَسْتُ مُبَدِّلًا بِاللهِ رَبًّا ... وَلَا مُسْتَبْدِلًا بِالسِّلْمِ دِينَا\nوهذا الذي عليه المفسِّرونَ مِن السلفِ؛ رواهُ ابنُ جريرٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ؛ قال: \"السِّلْمُ: الإسلامُ\" (١).\nورواهُ العَوْفِيُّ عن ابنِ عباسٍ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٥٩٥).","vol":"1","page":331},{"text":"وجاء عن قتادةَ والسُّدِّيِّ والضحَّاكِ والربيعِ (١).\nوروى ابنُ جريرٍ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عِكْرِمةَ؛ قولَه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾؛ قال: نزَلَتْ في ثَعْلَبةَ، وعبدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ، وابنِ يَامِينَ، وأَسَدٍ وأُسَيْدٍ ابنَيْ كعبٍ، وسَعْيَةَ بنِ عمرٍو، وقيسِ بنِ زَيْدٍ - كلُّهم مِن يَهُودَ - قالوا: يا رَسُولَ اللهِ، يومُ السبتِ يومٌ كُنَّا نُعَظِّمُهُ، فَدَعْنَا فَلْنُسْبِتْ فيه! وإنَّ التَّوْراةَ كتابُ اللهِ، فدَعْنا فلْنَقُمْ بها بالليلِ! فنزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (٢).\nوهذا المعنى في الآيةِ هو كمعنى الآياتِ الدالَّةِ على وجوبِ دخولِ الناسِ في الإسلامِ وحدَهُ لا سواهُ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]، وما في البخاريِّ؛ قال النبيُّ - ﷺ -: (وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ) (٣).\nوما في \"صحيحِ مسلمٍ\"، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللهِ - ﷺ -؛ قال: (وَالذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالذي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) (٤).\nومعنى الآيةِ هذا: هو الصحيحُ، والذي عليه المفسِّرونَ مِن السلفِ؛ وهو الأرجحُ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٥٩٥ - ٥٩٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٧٠).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٥٩٩ - ٦٠٠).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٣٨) (١/ ٩٥).\n(٤) أخرجه مسلم (١٥٣) (١/ ١٣٤).","vol":"1","page":332},{"text":"وأمَّا قولُه في الخِطَابِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فالمرادُ: مَن آمَنَ بمَنْ قبلَهُ مِن إخوانِهِ وآبائِهِ الأنبياءِ.\nوقيلَ: أُرِيدَ بالذين آمَنُوا الذين أظهَرُوا الإيمانَ نفاقًا؛ وذلك لأنَّ الآيةَ جاءت بعدَ قولِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٤]، وهم مُنافِقونَ، وهو نوعُ تهكُّم بإيمانِهِمُ الظاهرِ الذي يكذِّبُونَ به باطنًا؛ كما في قولِهِ: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]؛ وهذا تهكُّمٌ باطلٌ مِن المشرِكِينَ بنبيِّ اللهِ - ﷺ -.\nثانيهما: السِّلْمُ بمعنى تركِ الحربِ والقتالِ؛ قال زُهَيْرُ بنُ أبي سُلْمَى:\nوَقَدْ قُلْتُمَا إِنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعًا ... بِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنَ الأَمْرِ نَسْلَمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>الفرقُ بين السَّلْمِ والسِّلْمِ:</span>\nوفرَّقَ بعضُهم بينَ السَّلْمِ بفتحِ السينِ، والسِّلْمِ بكسرِها؛ وهو قولُ أبي عمرِو بنِ العلاءِ؛ فجعَلَ السِّلْمَ بكسرِ السينِ: الإسلامَ، والسَّلْمَ بالفتح: المسالَمةَ؛ ولذلك قرَأَ الآيةَ في هذا الموضعِ بكسرِ السينِ: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ فقطْ، وقرَأ التي في سورةِ الأنفالِ، والتي في سورةِ محمدٍ - ﷺ -: بفتحِ السينِ، وفَتحُ السينِ عندَهُ مِن السلامةِ، وهي تركُ الحربِ.\nوالمعنيانِ في الإسلامِ صحيحانِ، ولكنْ في هذه الآيةِ: فالأولُ هو الصحيحُ؛ وذلك أنَّ اللهَ لم يأمُرِ النبيَّ - ﷺ - في موضعٍ بالدخولِ في المسالَمَةِ مع كلِّ أحدٍ بإطلاقٍ؛ لأنَّ الأمرَ بالمسالَمَةِ بإطلاقٍ بلا تفريقٍ بينَ قوةٍ وضعفٍ، ومصلحةٍ ومفسدةٍ: يقتضي المحافظةَ على نِدِّيَّةِ الكفرِ للإسلامِ، وتساوِي الهيمنةِ بينَهما، وهذا يُخالِفُ الأصولَ والمقصدَ مِن دعوةِ التوحيدِ وأحكامِ الدِّينِ وحدودِه وفريضةِ الجهادِ.","vol":"1","page":333},{"text":"ولذا قال ابنُ جَرِيرٍ: \"أمَّا دُعَاؤُهُمْ إلى الصُّلْحِ ابتداءً، فغيرُ موجودٍ في القرآنِ\" (١).\nوقد نُهِيَ النبيُّ - ﷺ - عن الدعوةِ إلى الصلح في بعضِ الأحوالِ؛ وذلك في قولِهِ تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، وهذا يُنافي إطلاقَ الآيةِ في قولِه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾.\nوحَمْلُ الآيةِ على معنى المصالَحةِ والمسالَمةِ في الحربِ: لا أعلمُ مَن قالَهُ مِن الصحابةِ والتابعينَ، وإنَّما هو قولٌ لبعضِ مَنْ جاء بعدَهم؛ فقد أشارَ إليه ابن جريرٍ، ولم يَنْسُبْهُ إلى أحدٍ، وقال به بعضُ المتأخِّرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>مهادنةُ العدوِّ ومسالَمَتُهُ:</span>\nوعلى هذا المعنى - لو صَحَّ -: فليس المرادُ به الإطلاقَ قطعًا، فقد كان بينَ المؤمِنِينَ والمشرِكِينَ عهدُ سلامٍ في الحُدَيْبِيَةِ، واللهُ أمَرَ بقتالِهم عندَ عدمِ وفائِهم وعندَ نَقْضِهم للعهدِ وتربُّصِهم بالمؤمنينَ، ولكنْ لمَّا دخَلَ المؤمنونَ مكةَ مُعتَمِرِينَ، بَقيَ عهدُ الحُدَيْبِيَةِ على ما هو عليه، فوجَبَ على المؤمِنِينَ الالتزامُ به والدخولُ فيه كافَّةً عامَّتُهم وخاصَّتُهم؛ لأنَّهم يدٌ واحدةٌ على مَنْ سِوَاهُم.\nوعلى هذا المعنى أيضًا - \"السلمُ\"؛ أيِ: المسالَمَةُ -: ففي الأمرِ بالعهدِ للجميعِ خاصَّةً وعامَّةً: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾؛ أيْ: كلُّ مؤمنٍ - دليلٌ على أنَّ العهدَ يُنقَضُ ولو مِن فئةٍ قليلةٍ مِن الطرَفَيْنِ ولو لم يَقَعْ مِن جميعِهم، ويَقَعُ مِن الواحدِ منهم النقضُ لو سكَتَ الباقونَ، أو ظهَرَ ما يبدو معه رضاهُمْ عليه أو إعانتُهُمْ له، أو نقَضَ وهو بين ظَهْرَانَيْهِمْ وترَكُوهُ وآوَوْهُ أو مدَحُوهُ أو لم يُعاقِبُوهُ مع القُدْرةِ على ذلك.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٥٩٨).","vol":"1","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>تلازُمُ عهدُ الحليف يُلزِمُ جميعَ حلفائه:</span>\nوإذا انتقَضَ عهدُ جماعةٍ، انتقَضَ عهدُ حُلَفَائِهم، إنْ لم يكن للحلفاءِ عهدٌ خاصٌّ لم ينقُضُوهُ؛ فقد ثبَتَ في \"الصحيحِ\"، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ؛ قال: \"كانت ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِي عُقَيْلٍ، فَأسَرَتْ ثَقِيف رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَأَسَرَ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ، وَأَصَابُوا مَعَهُ العَضْبَاءَ، فَأَتَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَهُوَ فِي الوَثَاقِ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! فَأَتَاهُ فَقَالَ: (مَا شَأْنُكَ؟)، فَقَالَ: بِمَ أخَذْتَنِي وَبِمَ أَخَذْتَ سَابِقَةَ الحَاجِّ؟ فَقالَ إِعْظَامًا لِذلك: (أخَذْتُكَ بِجريرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيف)، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، فنادَاهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ! وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَحِيمًا رَقِيقًا؛ فَرَجَعَ إِلَيهِ فَقَالَ: (مَا شَأْنُكَ؟)، قَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ، قَالَ: (لَو قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ، أَفْلَحْتَ كُلَّ الفَلَاحِ)، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ. . .\"، الحديثَ (١).\nوأَكَّدَ اللهُ لزومَ الوفاءِ بالعهدِ والسلمِ بقولِه: ﴿ادْخُلُوا﴾؛ لأنَّ الدخولَ انغماسٌ داخلَ الشيءِ، لا مجاوَرَةٌ له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>أحوالُ طلبِ المسالَمَةِ:</span>\nوطلبُ السلامِ بينَ المؤمنينَ والمشرِكِينَ على حالتَيْنِ:\nالحالةُ الأُولى: في حالِ ضعفِ المؤمنينَ وقِلَّتِهم، وقوةِ الكافرينَ قوةً ظاهرةً غالبةً؛ فهُنا: يَجْنَحُ المؤمنونَ للسَّلْمِ.\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]، وكما في قولِه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ على التفسيرِ المتأخِّرِ لها، فهم سالَمُوا المشرِكِينَ لمصلحةِ دخولِهم المسجدَ الحرامَ، لا سلمًا يدفَعُونَ به شَرًّا عامًّا، ولكنْ لمَّا أرادَ المسلِمُونَ القُرْبَ مِن دارِهم وقرارِهِمْ، ودخولَ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٦٤١) (٣/ ١٢٦٢).","vol":"1","page":335},{"text":"بلدِهِمْ مكةَ، كانتِ المصلحةُ قائمةً بالمسالَمةِ؛ لِيَضْمَنُوا سلامةَ أنفُسِهم.\nولم يأمُرِ اللهُ نبيَّهُ أن يطلُبَ المشرِكِينَ إلى المسالَمَةِ ابتداءً؛ لأنَّ طلَبَها نوعُ ضعفٍ، ويُورِثُ المسلِمِينَ ركونًا ودَعَةً وخِذْلانًا، وهذه الآيةُ على ضَعْفِ كونِها في سلمِ الحربِ، فهي وقعَتِ ابتداءً مِن المشرِكِينَ في الحُدَيْبِيَةِ.\nوبقاءُ المسلِمِينَ في حالةِ حربٍ مع عدوِّهم يجعلُهُم يُعِدُّونَ العُدَّةَ ويتقوَّوْنَ ويتهيَّبونَ عدوَّهم ويرقُبُونَ منه سُوءًا؛ وهذا يَزيدُ مِن لُحْمَتِهم في داخِلِهم وتآلُفِهم على دِينِهم؛ فوجودُ العدوِّ الخارجيِّ يحصِّنُ الأُمَّةَ مِن داخِلِها، وإنْ عُطِّلَ الجهادُ، انشغَلَ المسلِمُونَ فيما بينَهم بالخلافِ على الجزئيَّاتِ، واقتَتَلُوا على التفاهاتِ.\nولأنَّ إطالةَ السلمِ يعني شِدَّةَ المخالَطةِ للمشرِكِينَ ودوامَها؛ فتذوبُ الفِطَرُ، ويُعجَبُ المؤمِنُ بالكافرِ، ويجسُرُ المسلِمُونَ على مساكَنَةِ المشرِكِينَ في بُلْدانِهم، وتظهَرُ الرِّدَّةُ ويظهرُ النِّفاقُ، وفي كلِّ زمنٍ يغيبُ فيه الجهادُ يضعُفُ الإيمانُ، وتظهرُ الردةُ، ويكثُرُ الوهنُ والاختلافُ في الفروعِ والجزئيَّاتِ؛ لأنَّ الإنسانَ جُبِلَ على الجدالِ والمنازَعةِ؛ ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]، فإذا غاب الجَدَلُ في الأصولِ، انشغَلُوا بما دُونَهُ.\nوالحالةُ الثانيةُ: في حالِ قوةِ المؤمنينَ قوةً تمكِّنُهُمْ مِن تحصينِ أنفسِهِمْ ومدافَعَةِ المشرِكِينَ وصَدِّهم ولو لم يَغلِبُوهم؛ فهذا سلمٌ لا يجوزُ؛ قال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥].\nوحذَّر اللهُ مِن مخالَفَةِ أمرِهِ، وأنَّ كلَّ خطواتٍ تخالِفُ دِينَهُ؛ فهي مِن مسالِكِ الشيطانِ ومَدَارِجِهِ، وسمَّاها اللهُ: خُطُواتٍ؛ لأنَّ الشيطانَ","vol":"1","page":336},{"text":"يتدرَّجُ بِخُطَاهُ في الإغواءِ فلا يَجْرِي ولا يُسرِعُ بل بخُطًا بطيئةٍ؛ ولذا قال: ﴿خُطُوَاتِ﴾؛ تقليلًا لها؛ لأنَّ خُطَا إبليسَ منفِّرةٌ ومخالِفةٌ للفِطْرةِ، فتحتاجُ إلى تدرُّجٍ وإيناسٍ كإيناسِ الخائفِ النافِرِ بإدخالِهِ إلى ما يَخافُهُ، وكخُطَا الداخِلِ مِن الظُّلمَةِ إلى النورِ فيتدرَّج بالدخولِ، ولا يَعْجَلُ حتى يأنَسَ بنفسِهِ.\nواللهُ وصَفَ الشيطانَ بالعداوةِ للإنسانِ، والعداوةُ للإنسانِ على مَرَاتِبَ، أعلاها وأَبْيَنُها وضوحًا العداوةُ التي لا ينتفِعُ منها المعتدِي؛ وإنَّما يفعلُها كيدًا ومَكْرًا بالعدوِّ، وهذه عداوةُ إبليسَ، فليس له انتفاعٌ مِن عداوةِ الإنسانِ؛ ولذا وصَفَ اللهُ عداوتَهُ بالمُبِينةِ: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.\nوقد تقدَّم الكلامُ على عداوةِ إبليسَ عند قولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨].\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥].\nقال بعضُهم كالسُّدِّيِّ: إنَّ الآيةَ نزَلَتْ قبلَ الزكاةِ، ثمَّ نسَخَتْها آياتُ الزكاةِ (١)؛ وهذا القولُ فيه نظرٌ، ولو قيلَ بذلك، لكانت آياتُ الزكاةِ ناسخةً لكلِّ حَثٍّ على النفقةِ والصدقةِ؛ وهذا لا يقولُ به قائلٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>الصدقةُ وأفضَلُها:</span>\nوالآيةُ في فضلِ النفقةِ على الأَقْرَبِينَ والصدقةِ عليهم، ولا خلافَ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٦٤٢).","vol":"1","page":337},{"text":"أنَّها أفضلُ من الأَبْعَدِينُ، بل دَلَّ الدليلُ أنَّ الهديَّةَ على الأقرَبِينَ أفضلُ مِنَ الصدقةِ على الأبعَدِينَ مِن غيرِ سرَفٍ في قريبٍ، ولا مَسْغَبَةٍ في بعيدٍ.\nولم يذكُرِ اللهُ النفقةَ على النَّفْسِ؛ للعِلْمِ بها، فالنفسُ أحقُّ بمالِ صاحِبِها مِنْ غيرِه، والمرادُ: الكفايةُ، وسدُّ الحاجةِ، وقِوَامُ البَدَنِ، وسَتْرُ العورةِ، وسَتْرُ النفْسِ عن السؤالِ، وقد جاء في الحديثِ في \"الصحيحِ\"، عن جابرٍ؛ قال - ﷺ -: (ابْدَأْ بنَفْسِكَ، فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ، فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ، فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ، فَهَكَذَا وَهَكَذَا)؛ يَقُولُ: فَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ (١).\nثمَّ بعدَ سَدِّ ضرورةِ النفسِ يُنفِقُ على الأقرَبِينَ، وأعظَمُهُمُ الوالدانِ بلا خلافٍ، ثمَّ أحقُّهُمْ في ذلك، وهم الأولَادُ والزَّوجةُ، فالإخوةُ والأخواتُ، والأعمامُ والأخوالُ.\nوفي \"الصحيحَيْنِ\"؛ قال - ﷺ -: (ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ) (٢).\nوروى النَّسَائيُّ؛ مِن حديثِ طارقٍ المُحَارِبِيِّ؛ قال: قَدِمْنَا المدينةَ فإذا رسولُ اللهِ - ﷺ - قائمٌ على المِنْبرِ يخطُبُ الناسَ وهو يقولُ: (يَدُ المُعْطِي العُلْيَا، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ: أُمَّكَ وَأبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ) (٣).\nوفي \"المسندِ\"؛ مِن حديثِ أبي رِمْثَةَ بنحوِهِ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>إعطاءُ الزكاةِ للأقرَبِينَ:</span>\nوهذه الآيةُ في النفقةِ عامَّةً، فليست في أحكامِ الزكاةِ ومصارفِها،\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٩٩٧) (٢/ ٦٩٢).\n(٢) أخرجه البخاري (١٤٢٧) (٢/ ١١٢)، ومسلم (١٠٣٤) (٢/ ٧١٧).\n(٣) أخرجه البخاري (٢٥٣٢) (٥/ ٦١).\n(٤) أخرجه أحمد (٧١٠٥) (٢/ ٢٢٦).","vol":"1","page":338},{"text":"وليس فيها دليلٌ على إعطاءِ مَنْ تجبُ نفقتُهُ مِنَ الزكاةِ كالوالدَيْنِ والأولادِ؛ فهذه الآيةُ نزلَتْ فيَ نزولِ سورةِ التوبةِ التي بها تعيينُ مصارفِ الزكاةِ وأهلِها، ومَنْ تجبُ على الإنسانِ نفقتُهُ لا يجوزُ أن يُعطِيَهُ نفقتَهُ مِن زكاةِ مالِهِ بالانِّفاقِ، ومَنْ لا تجبُ عليه نفقتُهُ ولا يرتدُّ إليه نفعُ زكاتِهِ كانتفاعِ الزوجةِ بزكاةِ مالِها لزوجِها، فاتَّفَقُوا أنَّ مَنْ لم تكنْ حالُهُ كذلك، فإنَّه يجوزُ أنْ يُعطَى مِن الزكاةِ.\nوإنَّما يختلِفُ العلماءُ في منع الزكاةِ؛ لاختلافِهم فيمَنْ تجبُ النفقةُ عليهم مع القُدْرةِ عليها؛ فهذه المسألةُ فرعٌ عن تلك غالبًا، وخلاصةُ ذلك: أنَّ ما اتَّفَقَ العلماءُ على أنَّه تجبُ نفقتُهُ على الإنسانِ: أنَّه لا يُعطَى نفقةً مِن زكاةِ مالِهِ، واتَّفَقُوا على الوالدَيْنِ والأولادِ في أمرِ النفقةِ؛ كما حكى إجماعَهم ابنُ المُنذِرِ، وأبو عُبيدِ القاسمُ بنُ سَلَّامٍ.\nوهذا الذي عليه الصحابةُ؛ كعليٍّ وابنِ عباسٍ، ولا مخالِفَ لهما مِن الصحابةِ.\nفقد روى البيهقيُّ في \"سُنَنِهِ\"، عن عبدِ اللهِ بنِ المختارِ، عن عليٍّ؛ قال: \"لَيْسَ لِوَلَدٍ وَلَا لِوَالِدٍ حَقٌّ فِي صَدَقَةٍ مَفْرُوضَةٍ، وَمَن كَان لَهُ وَلَدٌ أَوْ وَالِدٌ فَلَم يَصِلْهُ، فَهُوَ عَاقٌّ\" (١).\nوروى أبو عُبَيْدٍ وعبدُ الرَّزَّاقِ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ: \"لَا بَأْسَ بأَنْ تَضَعَ زَكَاتَكَ فِي مَوْضِعِها، إذَا لم تُعْطِ مِنهَا أَحَدًا تَعُولُهُ أَنْتَ؛ فَلَا بَأْسَ بِهِ\" (٢).\nواختَلفُوا في غيرِ النَّفقةِ على مَنْ تجبُ نفقتُهُ؛ كأنْ يكونَ أحدُ\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٢٨).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٧١٦٣) (٤/ ١١٢)، وأبو عبيد في \"الأموال\" (ص ٦٨٣).","vol":"1","page":339},{"text":"الوالدَيْنِ أو الأولادِ مجاهِدًا في سبيلِ اللهِ أو غارِمًا، فهل يُعطَى الوالدُ مِن زكاةِ ابنِهِ، ويُعطَى الابنُ مِن زكاةِ والدِهِ؛ لكونِهِ مِنْ أهلِ ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] أو ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠]؛ فليس هذا مِن نففتِه؟ فهذا مِن مواضِعِ الخلافِ عندَهُمْ على قولَيْنِ:\nالأوَّل: ذهَبَ جماعةٌ مِن العلماءِ: إلى جوازِ إعطاءِ مَنْ تجبُ نفقتُهُ ولو كان والدًا أو ولدًا مِن غيرِ سَهْمِ الفقراءِ والمساكينِ؛ لأنَّ هذَيْنِ السهمَيْنِ نفقةٌ وحقٌّ، ويجوزُ إعطاؤُهُمْ في المكاتَبَةِ والغُرْمِ وفي سبيلِ اللهِ مِن الزَّكَاةِ؛ وهذا قولُ المالكيَّةِ والشافعيَّةِ، ورجَّحَهُ ابنُ تيميَّةَ.\nوالثاني: ذهَبَ الحنابلةُ والحنفيَّةُ؛ فمَنَعُوا إعطاءَ الزكاةِ لِمَنْ تجبُ نفقتُهُ في جميع أَسْهُمِ الزكاةِ وأصنافِها، وأنَّ مَنِ احتاجَ منهم فيُعطَى من أصلِ المالِ حقًّا بما يقضِي حاجَتَهُ.\nوبعدَ اتِّفاقِهم في منعِ الزكاةِ نفقةً للوالدَيْنِ والأولادِ، اختلَفُوا فيمَن علا مِنَ الوالدَيْنِ؛ كالجَدِّ والجَدَّةِ، ومَن نزَلَ مِن الأولادِ كوَلَدِ الوَلَدِ، على قولَيْنِ:\nالأولُ: قالوا: إنَّ حُكْمَ الأجدادِ كحُكْمِ الآباءِ، وحُكْمَ الأحفادِ كحُكْمِ الأولادِ؛ وهذا قولُ الحنابلةِ والحنفيَّةِ وجماعةٍ مِن فقهاءِ الشافعيَّةِ.\nالثاني: قالوا: إنَّ النفقةَ تجبُ للوالدَيْنِ دونَ الجَدَّيْنِ، وللأولادِ دونَ الأحفادِ؛ فيجوزُ دفعُ الزكاةِ للجَدِّ ووَلَدِ الوَلَدِ.\nواختلَفوا في غيرِ الوالدَيْنِ والأولادِ في النفقةِ عليهم مِن الزكاةِ:\nوعامَّةُ السلفِ: على جوازِها، وفي غيرِ النفقةِ مِن بابِ أَوْلَى؛ كالجهادِ والغُرْمِ والمُكاتَبةِ: أنَّها تُعطَى الحَوَاشِيَ - وهم الإخوةُ والأعمامُ والأخوالُ - من الزكاةِ؛ وذلك لقولِه - ﷺ -: (الصَّدَقَةُ عَلَى المِسْكِينِ","vol":"1","page":340},{"text":"صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ، وَصِلَةٌ)؛ رواهُ الترمذيُّ (١) وغيرُهُ.\nوقد رخَّص ابنُ مسعودٍ لامرأتِهِ أنْ تُعطِيَ زكاةَ خُلِيِّها لبَنِي أَخِيها؛ كما رواهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ، وعبدُ الرزَّاقِ (٢).\nورخَّص الحسنُ في إعطاءِ الأخِ، وإبراهيمُ في إعطاءِ الأختِ؛ رواهُ عنهما أبو عُبَيْدٍ (٣).\nوقيَّد سعيدُ بن جُبَيْرٍ إعطاءَ الخالةِ مِن الزكاةِ بكونِها في غيرِ بيتِ المزكِّي يُنْفِقُ عليها؛ فقد روي عبدُ الرزَّاقِ وابنُ أبي شَيْبةَ؛ مِن حديثِ إبراهيمَ بنِ أبي حَفْصةَ؛ قال: قلتُ لسعيدِ بن جُبَيْرٍ: أُعْطِي الخَالَةَ مِن الزَّكَاةِ؟ قال: نَعَمْ؛ مَا لم تُغْلِقْ علَيْهَا بَابًا؛ يَعْنِي: مَا لم تَكُنْ فِي عِيَالِكَ (٤).\nومَن وجَبَتْ نفقتُهُ، ولكنَّ صاحِبَ المالِ عاجزٌ عن النفقةِ، وعليه زكاةٌ، فجوَّزَ بعضُ الفقهاءِ إخراج الزكاةِ على مَنْ تجبُ نفقتُهُ عندَ العجزِ عنها ولو كان والدًا أو وَلَدًا، وهو قولٌ لأحمد رجَّحَهُ ابنُ تيميَّةَ.\nوإنَّما يمنعُ السلفُ والفقهاءُ مِنْ إعطاءِ الزكاةِ ذوي القَرَابةِ الذين تجبُ نفقتُهم؛ لاجتماعِ واجبَيْنِ عليه: واجبِ النفقةِ، وواجبِ الزكاةِ؛ فنُهي عن ذلك؛ حتى لا يقيَ مالَهُ ويحفَظَهُ مِن النفقةِ عليهم بزكاتِهِ.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٦٥٨) (٣/ ٣٨)، والنسائي (٢٥٨٢) (٥/ ٩٢)، وابن ماجه (١٨٤٤) (١/ ٥٩١).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٧٠٥٥) (٤/ ٨٣)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٠٥٣٣) (٢/ ٤١٢).\n(٣) أخرجه أبو عبيد في \"الأموال\" (ص ٦٩٤).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٧١٦٤) (٤/ ١١٢)، وابن أبي شيبة في \"مصنه\" (١٠٥٣٤) (٢/ ٤١٢)","vol":"1","page":341},{"text":"قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].\nالكَتْبُ: هو الجَمْعُ عَلَى ما تقدَّم مِرَارًا، والمرادُ به هنا: جَمْعُ الأمرِ وتدوينُهُ شريعةً مِنَ اللهِ عَلَى أُمَّةِ محمَّدٍ - ﷺ -؛ وهكذا كلُّ معاني قولِه: (كَتَبَ) أو (كَتَبْنَا) في القرآنِ.\nوذكَرَ اللهُ هنا القتالَ ولم يذكُرِ الجهادَ؛ مبالغةً في إيضاحِ المقصودِ؛ لأنَّ لفظَ القِتَالِ أصرَحُ مِن لفظِ الجهادِ؛ فالجهادُ يُطلَقُ في القرآنِ قبلَ فرضِ القتالِ: على المجاهدةِ باللسانِ، والصبرِ على الأَذَى؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢]، وذلك في مَكَّةَ، والمرادُ به القرآنُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>الجهادُ شريعةُ أكثرِ الأنبياء:</span>\nولم يكن القتال مِن خصائصِ الأُمَّةِ المحمديَّةِ؛ وإنَّما كان شِرْعةً لكثيرٍ مِن الأنبياءِ وأُمَمِهم؛ قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٦].\nوما مِنْ نبيٍّ كانت له ولأُمَّتِه شَوْكةٌ إلا وشرَعَ اللهُ له الجهادَ لِمَنْ كابَرَ وعانَدَ؛ فقد فرَضَ اللهُ علي موسى - ﵇ - ومَنْ معَهُ مِن بني إسرائيلَ قتالَ الكَنْعَانِيِّينَ، وفرَضَ اللهُ كذلك على بني إسرائيلَ القتالَ مع طَالُوتَ وهو شاوُلُ مع نبيِّ اللهِ داودَ - ﵇ -.\nومَنْ لم تكنْ له شَوْكةٌ، لم يأمُرْهُ اللهُ بقتالِ مخالِفِيهِ والمعانِدِينَ له، بل كان اللهُ يأخُذُهُمْ بقُدْرتِهِ وإعجازِه، كقومِ نُوحٍ ولُوطٍ؛ فلم تكنْ لهم شوكةٌ وقوةٌ يأخُذُونَ بأسبابِها؛ فنُوحٌ ما ﴿آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]، ولُوطٌ بيَّن عدَمَ قدرتِهِ على قومِهِ وعَجْزَهُ عن اتِّخاذِ أسبابِ القوةِ، فقال:","vol":"1","page":342},{"text":"﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]، قال قتادةُ: يعني: العَشِيرة، وقال السُّدِّيُّ: آوِي إلى جُنْدٍ شديدٍ، لَقَاتَلْتُكم (١).\nوفيه: أنَّ القتالَ يسقُطُ مع الضعفِ والعجزِ، ويجبُ مع القوةِ والقدرةِ؛ ولذا قال - ﷺ - في قولِ لوطٍ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾: (كَانَ يَأْوِي إِلَى رَكْنٍ شَدِيدٍ؛ إِلَى رَبِّهِ - ﷿ -؛ فَمَا بُعِثَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ)؛ رواهُ أحمدُ والترمذيُّ (٢)، والمرادُ بالثَّرْوةِ: الكثرةُ والمَنَعَةُ والقوةُ.\nفالجهادُ مشروعٌ في كلِّ الشرائعِ، ولكنْ تضعُفُ أسبابُهُ فلا يقومُ، وإذا قَوِيَتْ أُقِيمَ، وكلُّ نبيٍّ وأُمَّةٍ بحَسَبِها.\nوقد روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن ابنِ شهابٍ؛ قال: \"الجهادُ مكتوبٌ عَلَى كلِّ أحدٍ، غَزَا أو قعَدَ؛ فالقاعدُ إنِ استُعِينَ به أعانَ، وإنِ استُغِيثَ به أغاثَ، وإنِ استُغنيَ عنه قعَدَ\" (٣).\nوهو شريعةٌ لكلِّ الأممِ، لا كلِّ فردٍ منها، وفي هذه الأمَّةِ شريعةٌ على كلِّ فردٍ مِن الرجالِ، وأعلاهُ القتالُ بالنَّفْسِ، وأدناهُ بحديثِ النَّفْسِ، يسقُطُ الوجوبُ الأعلى بقيامِ مَن يكفِي، ولا يسقُطُ أدناهُ عن أحدٍ مكلَّفٍ مِن الرجالِ؛ ففي \"الصحيحِ\"؛ قال - ﷺ -: (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ) (٤).\nوحكى ابنُ جَرِيرٍ: أنَّ عامةَ المسلِمِينَ على أنَّ الأصلَ وجوبُهُ على الأفرادِ عملًا حتى يسقُطَ بمَنْ فيه كفايةٌ، وعَدَّهُ كالصلاةِ على الجنازةِ،\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٢/ ٥٠٩).\n(٢) أخرجه أحمد (٨٩٨٧) (٢/ ٣٨٤)، والترمذي (٣١١٦) (٥/ ٢٩٣).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٨٣).\n(٤) أخرجه مسلم (١٩١٠) (٣/ ١٥١٧)؛ من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":343},{"text":"وغَسْلِ المَوْتَى، ودَفْنِهم (١).\nوبعضُ السلفِ كعطاءٍ: يجعلُ الآيةَ على أعيانِ الصحابةِ في زمنِ النبيِّ - ﷺ -؛ لحاجةِ النبيِّ إليهم في ذلك الزمانِ، ثمَّ كان على الكفايةِ في غيرِهم.\nولا يظهرُ مِن قولِ عطاءٍ وفقهِهِ: أنْ يُخرِجَ الآيةَ مِن العمومِ، بل كلُّ مَن شابَهَتْ حالُهُ حالَ النبيِّ - ﷺ -، أخَذَ الحُكْمَ في الآيةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>على مَنْ يجبُ الجهادُ:</span>\nوهو واجبٌ عَلَى الحُكَّامِ والأُمَراءِ بأعيانِهم أن يُقِيمُوهُ ما قَدَرُوا عليه، ويأثَمُونَ إنْ توافَرتْ شروطُهُ وانتفَتْ موانعُهُ، ولا خلافَ عندَ العلماءِ في هذا؛ فعن أبي إسحاقَ الفَزَارِيِّ، قال: سألتُ الأوزاعيَّ عن قولِ اللهِ - ﷿ -: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾: أوَاجِبٌ الغزوُ عَلَى الناسِ كلِّهم؟ قال: لا أعلَمُهُ، ولكنْ لا ينبغِي للأئمَّةِ والعامَّةِ تَرْكُهُ، فأمَّا الرجلُ في خاصَّةِ نفسِهِ، فلا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>خصيصةُ الغنائمِ للأمَّةِ:</span>\nوقد جعَلَ اللهُ مِن خصائصِ هذه الأُمَّةِ الغنائمَ؛ وذلك لقولِهِ تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]، وفي الحديثِ: (وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي) (٣)، وتخصيصُ الأُمَّةِ بالغنائمِ قرينةٌ على أنَّ القتالَ مشروعٌ للجميعِ بأسبابِه؛ لأنَّه لو لم يكنْ مشروعًا، لَمَا كان لتخصيصِ الغنائمِ بأُمَّةِ محمدٍ حِكْمةٌ ظاهرةٌ، لعدمِ قيامِ سببِ الغنائمِ على جميعِ الأممِ، وهو مشروعيَّةُ الجهادِ؛ فالغنيمةُ مِن ثمرةِ الجهادِ وتَبِعَاتِه.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٦٤٤ - ٦٤٥).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٦٤٤).\n(٣) أخرجه البخاري (٣٣٥) (١/ ٧٤)، ومسلم (٥٢١) (١/ ٣٧٠)؛ من حديث جابر بن عبد الله - ﵁ -.","vol":"1","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>الحكمةُ من تحريمِ الغنائمِ على السابقين:</span>\nوإنَّما كانتِ الغنائمُ محرَّمةً على السابقينَ؛ لِحِكَمٍ؛ منها الابتلاءُ والاختبارُ، والرَّحْمةُ بهم؛ دفعًا لطمعِ النفسِ مِن أنْ تسوِّلَ لأهلِها قتالًا في ظاهرِهِ أنَّه للهِ، وفي باطنِه للغنيمةِ، وظاهرُهُ حرمانُ دُنْيَا، ولكنْ حرَّمَهُ اللهُ ليُحفَظَ دِينُ العبدِ، وتُؤمَنَ له العاقبةُ؛ وذلك أنَّ إيمانَ أتباعِ الأنبياءِ السابقينَ يختلِفُ عن إيمانِ أتباعِ أُمَّةِ محمدٍ - ﷺ -، وكما فُضِّلَ نبيُّ الأمَّةِ عَلَى الأنبياءِ، فأُمَّتُهُ مفضَّلةٌ على أتباعِ الأنبياءِ، ولا خلافَ في فضلِ صحابةِ النبيِّ - ﷺ - على صحابةِ الأنبياءِ السابقين؛ وهذا على سبيلِ الإجمالِ، لا كلُّ صحابيٍّ مِن أُمَّتِهِ يفضَّلُ عَلَى كلِّ صحابيٍّ مِن صحابةِ جميعِ الأنبياءِ، ولكنَّ الفضلَ لجمهورِهِمْ ولآحادِ أفرادِهِمْ خصوصًا كأبي بكرٍ وعمرَ، واللهُ أعلمُ.\nولذا جاء الدليلُ: أنَّ الغنائمَ تُنقِصُ أجرَ المقاتِلِ في سبيلِ اللهِ بمقدارِ تعلُّقِه بها؛ كما ثبَتَ في\"صحيحِ مسلمٍ\" عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ، فَيُصِيبُونَ الغَنِيمَةَ، إِلَّا تعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ، وَيَبْقى لَهُمْ الثُّلُث، وَإِنْ لم يُصِيبُوا غَنِيمَةً، تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ) (١)؛ وهذا غالِبٌ لا مُطَّرِدٌ بمقدارِ تعلُّقِ القلبِ بالغنيمةِ، وهذا في الناسِ كثيرٌ، وربَّما لا يكادُ يَسْلَمُ منه إلا القليلُ، فالغنائمُ مالٌ وسَبْيُ نساءٍ، وثَمَرٌ ولِبَاسٌ، وهذا لا بدَّ أن يَعْلَقَ مِن القلبِ منه عالِقةٌ ولو قليلًا، وبمقدارِ ما عَلِقَ ينقُصُ مِن أجرِ الآخِرةِ، ولكنْ لا يأثَمُ به صاحِبُهُ ما دام قاصدًا إعلاءَ كَلِمةِ اللهِ؛ لأنَّ اللهَ ما أحَلَّ الغنيمةَ وهم يأثَمُونَ بها.\nولمَّا كانت منزِلةُ أصحابِ الأنبياءِ أَقَلَّ مِن منزلةِ أصحابِ نبيِّنا\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٩٠٦) (٣/ ١٥١٤).","vol":"1","page":345},{"text":"محمَّدٍ - ﷺ -، ومنزِلةُ أتباعِهِمْ أقلَّ مِن منزِلةِ أتباعِ أصحابِ محمدٍ - ﷺ -: ﵏ بتحريمِ الغنيمةِ عليهم، وابتلاهُم بذلك؛ فهو ابتلاءٌ عاجِلٌ، ورحمةٌ آجِلةٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>الحكمةُ من تأخيرِ القتالِ:</span>\nولم يكنِ القتالُ مأذونًا به في أولِ الأمرِ؛ لِضَعْفِ المؤمنينَ وقُوَّةِ المشرِكِينَ؛ فإنَّ فَرْضَهُ أولَ الأمرِ يُخالِفُ الأخذَ بالأسبابِ الحسيَّةِ، ثمَّ أُذِنَ بالقتالِ بقولِهِ تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]، ثمَّ نزَلَتْ آيةُ قتالِ المُبَادِئِينَ بقتالِ المسلِمِينَ، كما تقدَّمَ في سورةِ البقرةِ في قولِه تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠].\nوهذه الآيةُ في ظاهرِ أمرِها أنَّها نزَلتْ مِن اللهِ بعدَ آياتِ الفرائضِ المكتوبةِ؛ كالصومِ والقِصاصِ والوصيَّةِ.\nثم أَذِنَ اللهُ بالقتالِ ابتداءً، ولم يَفرِضْهُ ولم يأمُرْ به، ثمَّ فرَضَهُ في هذه الآيةِ، وبيَّنَ حُكْمَهُ، ودفَعَ ما يَجِدُهُ الإنسانُ في نفسِهِ مِن الكراهيةِ لفَقْدِ النفسِ والمالِ والأهلِ، وأنَّ ذلك يَعلَمُهُ اللهُ، ويجبُ ألَّا يؤثِّرَ على حكمِ اللهِ وتشريعِهِ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ إشارةً إلى الأمرِ الغيبيِّ مِن المصلحةِ التي تظهَرُ للإنسانِ بما يدركُهُ بحواسِّه.\nوقولُه تعالى: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾؛ يعني: لأجلِ خوفِ فقدِ النفسِ والمالِ، وهجرِ الأهلِ والأوطانِ.\nوالكُرْهُ بضمِّ الكافِ هو: الكراهِيَةُ ونُفُورُ الطبعِ مِن الشيءِ حسًّا أو معنًى، وكذلك الكَرْهُ بفتحِ الكافِ: هو أيضًا نفورُ الطبعِ على الأصحِّ؛ لأنَّه جاء هنا بقراءةِ الوجهَيْنِ: الفتحِ والضمِّ.\nوقيل: الكُرْهُ بالضمِّ: المشقةُ ونفورُ الطبعِ، وبالفتحِ: هو الإكراهُ مِن غيرِه جَبْرًا وقَسْرًا.","vol":"1","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>أنواعُ الكرْه والمحبَّةِ:</span>\nوالكُرْهُ والمحبَّةُ كلاهما على نوعَيْنِ: كُرْهٌ ومحبَّةٌ طَبَعيَّةٌ، وكرهٌ ومحبَّةٌ شرعيَّةٌ:\nالأولُ: الكُرْهُ الطَّبعيُّ، والمحبَّةُ الطبعيَّةُ؛ وذلك كما في الآيةِ، وكقولِهِ تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وهذا النوعُ لو وجَدَهُ العبدُ في أمرٍ شرعيٍّ؛ ككراهةِ النفسِ للقتلِ ولو كان في سبيلِ اللهِ لِحُبِّ النفسِ للحياةِ، وشدةِ إخراجِ المالِ على النفسِ ولو كان زكاةً ونَفَقَةً، وكراهةِ الوضوءِ في اليومِ الباردِ، وكراهةِ المرأةِ أنْ يتزوَّجَ عليها زَوْجُها -: فلا يقَعُ فيه تكليفٌ، ما لم يُنزلْهُ الإنسانُ على التشريعِ وحُكْمِ اللهِ، فيَكْرَهَ التشريعَ وحُكْمَ اللهِ بعينِهِ، لا آثارَهُ عليه؛ وإلا فالأصلُ أنَّ حُكمَهُ حُكْمُ خَطَرَاتِ النفسِ وحديثِها.\nوعلامةُ ذلك: أنَّ المؤمِنَ قد يَجِدُ في نفسِهِ كُرْهًا لآثارِ الحُكْمِ، لا لذاتِ الحُكْمِ، فلو عَلِمَ أنَّه لن يُقتَلَ، لَزَالَ عنه ما يَجِدُ، ولو لم يَجِدْ شدةَ البَرْدِ، لَزَالَ عنه ما يجدُ مِن كُرْهِ الوضوءِ في الشتاءِ، والمراةُ تجدُ في نفسِها في زواجِ زوجِها عليها، ولا تجدُ في نفسِها عندَ زواجِ غيرِ زوجِها عَلَى زوجِته؛ فهذا الكُرْهُ طَبَعيٌّ، لا يُؤاخَذُ الإنسانُ عليه؛ بل يُؤجَرُ على مجاهدتِهِ والصبرِ عليه.\nفالنفورُ مِن الشيءِ في نفسِهِ يختلِفُ عن النفورِ مِن آثارِه؛ فمَن كَرِهَ الجهادَ ولو كان يقومُ له غيرُهُ، والنفقةَ ولو كانت مِن مالِ غيرِه، فهذا كرهُ التشريعِ، وكُرْهُهُ ليس كُرْهَ طَبْعٍ، ونفورُهُ ليس نفورَ نَفْسٍ.\nوهذا هو الكُرْهُ الطبعيُّ، فكذلك المحبَّةُ الطبعيَّةُ؛ وذلك كميلِ النفسِ إلى حُبِّ المالِ والتكثُّرِ منه ولو كان حقًّا للغبر، مع كرهِ السرقةِ ونحوِها واعتقادِ تحريمِها وكمَيْلِ النفسِ الأمَّارةِ بالسوءِ إلى شهوةِ الفرجِ","vol":"1","page":347},{"text":"الحرامِ مع كُرْهِ الزِّنى واعتقادِ تحريمِهِ؛ فهذا لا يأثمُ به ما لم يَعْمَل أو يعتقِدْ؛ فإن عَمِلَ بلا اعتقادٍ، أَثِمَ، وإنِ اعتقَدَ ولو لم يَعْمَلْ، كفَرَ؛ ولكنْ ما يجِدُهُ في نفسِهِ مِن مَيْلٍ ومحبةٍ؛ فلا يُؤاخَذُ به، بل يُؤجَرُ عَلَى مجاهَدةِ النفسِ بطردِهِ والبعدِ عن أسبابِه؛ لأنَّ اللهَ ابتَلَى له النفوسَ اختبارًا وامتحانًا، ولِتُؤجَرَ عَلَى محاهدتِه ويعظُمَ لها الأجرُ بذلك، ولو كانتِ النفوسُ لا تشتهي الحرامَ مالًا ونساءً وطعامًا وشرابًا ولباسًا بطبعِها، ما كان للأجرِ على التركِ معنًى؛ لهذا يُؤجَرُ الإنسانُ على تركِ ما يُحِبُّه ويشتهِيهِ مِن الحرامِ؛ كلُبْسِ الحريرِ وشُرْبِ الخمرِ وأكلِ ما لم يُذكَرِ اسمُ اللهِ عليه، ولا يُؤجَرُ عَلَى تركِ ما لا يشتهِيهِ وما تَعَافُهُ النفسُ بطبعِها؛ كشُرْبِ النجاسةِ كالبولِ، وأَكْلِها كالعَذِرَةِ.\nالثاني: الكُرْهُ الشرعيُّ، والمحبَّةُ الشرعيَّةُ؛ وهي ما يعتقِدُهُ الإنسانُ ويتديَّنُهُ مِن محبَّةِ العقائدِ والأقوالِ والأعمالِ التي أمَرَ بها اللهُ ورسولُهُ ومحبَّةِ أهلِها، وكُرْهِ ما نَهَى اللهُ عنه وكُرْهِ مَن وقعَ في النهيِ.\nوهي المحبَّةُ والكراهِيَة الخارجةُ عن الطبعِ، وهي المكتسَبةُ، فيقَعُ عليها التكليفُ؛ كحُبِّ أوامرِ اللهِ وأحكامِهِ؛ كالصلاةِ والزكاةِ والصومِ والحجِّ والجهادِ والأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكَرِ، وحُبِّ أهلِها، ولو وجَدَ الإنسان بنفسِهِ كرهًا وتثاقلًا عنها لَحظِّ نفسِهِ ولا يجدُ في نفسِه هذا الشيءَ لحظِّ غيرِهِ بل يُحِبُّها، فمَن كَرِهَ إقامةَ حدِّ السرقةِ لكونِهِ سارِقًا لخوفِهِ القطعَ، ولم يَجِدْهُ في نفسِهِ لو كان الحدُّ على غيرِهِ، لم يكنْ مُؤاخَذًا، أو وجَدَهُ مِن رحمةٍ طَبَعيَّةٍ لا تؤثِّرُ عَلَى اعتقادِهِ وقولِه، فلا يؤثِّرُ هذا على إيمانِه.\nوعكسُ هذا كراهةُ ما نَهَى اللهُ عنه مِنَ الخمرِ والميسرِ والقِمَارِ والزِّنى والرِّبَا وغيرِها.","vol":"1","page":348},{"text":"وذِكْرُ اللهِ كراهةَ القتالِ في هذه الآيةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾: دليلٌ على أنَّ أحكَامَ اللهِ لا تُؤخَذُ بما تَهْوَى النفوسُ أو تَنفِرُ منه؛ فإِنَّ النفوسَ قد تُحِبُّ ما تُسلِّمُ العقولُ بشرِّهِ؛ فلا يكونُ حلالًا لأجلِ حبِّ النَّفْسِ وقد تكرَهُ النفوسُ ما تسلِّمُ العقول بخَيْرِهِ؛ فلا يكون حرامًا لأجل كراهةِ النَّفْسِ؛ وهذا فيما بينَ النفسِ وعقلِها، مع ضعفِ العقلِ وقصورِهِ عن علمِ اللهِ وإحاطتِه بأحوالِ الأحكامِ ومآلاتِها وآثارِها؛ فكيف بعلمِ مَن لا يَخْفَى عَلَيْهِ شيءٌ، والسرُّ والجهرُ، والخفاءُ والعَلَنُ، والعاجِلُ والآجِلُ، والحاضِرُ والغائِبُ: عندَهُ في العلمِ سواءٌ؟ !\nوقولُه تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: \"عسى\" في القرآنِ للتحقيقِ والوقوعِ، والمرادُ: ما تكرهونَهُ مِن أحكامِ اللهِ، ففيه الخيرُ الكثيرُ، ولكنْ حالَ دونَ إدراكِ ذلك النفسُ وقصورُ العلمِ.\nومِثلُه قولُه: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾؛ يعني: ما تُحِبُّهُ نفوسُكُمْ ممَّا يَنْهَى اللهُ عنه ففيه شَرٌّ لكم غالِبٌ؛ وبيَّنَ العلةَ مِن ذلك بقولِهِ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nوالمرادُ بما يَكْرَهونَ هنا: هو الجهادُ، وما يُحِبُّونَ: هو القعودُ عنه؛ قاله سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ وغيرُهُ مِن السلفِ (١).\nوجهلُ البشرِ بسَعَةِ عِلمِ اللهِ وقصورِ عِلْمِهم: هو سببُ ضلالِهم ومخالفتِهِمْ لأمرِ اللهِ؛ لأنَّهم يُدرِكُونَ ما يَعلَمُونَ ويَظُنُّونَهُ كلَّ العِلمِ، ولو عَلِموا ما غابَ عنهم، لاحتَقَرُوا عِلْمَهم وسلَّمُوا لحُكْمِ اللهِ، ولكنِ ابتلاهُمُ اللهُ بإدراكِ ما يعلَمُونَ، ففُتِنُوا فيه، وجَحَدُوا غيرَهُ.\nوفي الآيةِ: إثباتٌ مِن اللهِ لمشيئةِ العبدِ، ولكنَّها بعدَ مشيئتِهِ تعالى، فهم قد يُحِبُّونَ ما يَكرَهُ اللهُ، وقد يَكرَهُونَ ما يُحِبُّ اللهُ؛ فيَفعَلونَ ما يَكرَهُهُ، ويَترُكونَ ما يُحِبُّه، مُخالِفينَ أَمْرَ اللهِ؛ لِضَعْفِهم وعِصْيانِهم.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤).","vol":"1","page":349},{"text":"قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧].\nسؤالُ النبيِّ - ﷺ - عنِ الشهرِ الحرامِ، وقَعَ مِن الصحَابةِ ومِن المشرِكينَ؛ مِن المشرِكِينَ تعنُّتًا، ومِن بعضِ الصحابةِ استعلامًا واستشكالًا.\nوقولُه: ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ عَلَى تقديرِ البَدَلِ مِن \"الشهرِ الحرام\"؛ أيْ: عن قتالٍ فيه.\nوالأشهُرُ الحرُمُ معظَّمةٌ عند العرب حتَّى في الجاهليَّةِ؛ حتَّى إنَّ الرجلَ يجِدُ قاتِلَ أبيه، فلا يَقْدِرُ عَلَى رَفْعِ يدِهِ عليه؛ مِن تعظيمِ الشهرِ الحرامِ.\nوالآيةُ نزَلَتْ في قتلِ ابنِ الحَضْرَميِّ وقاتلِهِ عندَ المفسِّرينَ؛ كما روى ابنُ أبي حاتمٍ، وابنُ جرِيرٍ؛ مِن حديثِ جُنْدبِ بنِ عبدِ اللهِ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - بعَثَ رَهْطًا، وبعَثَ عليهِم عبدَ اللهِ بنَ جَحْشٍ، وكتَبَ له كتابًا، وأمَرَهُ ألَّا يَقرَأَ الكتابَ حتَّى يَبْلُغَ مكانَ كذا وكذا، وقال: (لَا تُكْرِهَنَّ أَحَدًا عَلَى السَّيْرِ مَعَكَ مِنْ أَصْحَابِكَ)، فلمَّا قرَأَ الكتابَ، استرجَعَ، وقال: سمعًا وطاعةً للهِ ولرسولِه، فخبَّرَهُمُ الخبَرَ، وقرَأَ عليهِمُ الكتابَ، فرجَعَ رَجُلانِ، وبَقِيَ بَقِيَّتُهم، فلَقُوا ابنَ الحَضْرَميِّ، فقَتَلُوه، ولم يَدْرُوا أنَّ ذلك اليومَ مِن رجَبٍ أو مِن جُمَادَى، فَقَالَ المشرِكونَ للمسلِمِينَ: قتَلْتُمْ في الشَّهْرِ الحرامِ؛ فأنزَلَ اللهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ","vol":"1","page":350},{"text":"قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾؛ الآيةَ (١).\nوجاء عن أبي مالكٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ.\nوعَن مُرَّةَ عَنِ ابنِ مَسعودٍ، بنَحوِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>استغلالُ المشرِكِين لأخطاءِ المسلمين:</span>\nواللهُ يرُدُّ على المشرِكِينَ استنكارَهُمْ قتالَ الصحابةِ في الشَّهْرِ الحرامِ، مع أنَّهم يَصُدُّونَ عَنِ المسجِدِ الحرامِ، فأخرَجُوا النبيَّ - ﷺ - وصَحْبَهُ مِن مَكَّةَ، بل توعَّدوهم إنْ لَقُوهم بالقتلِ، واللهُ إنَّما حرَّم القتالَ في الأشهُرِ الحُرُمِ؛ حتَّى لا يُقطَعَ سبيلُ السائِرِينَ إلى البيتِ، فما عُظِّمَتِ الأشهُرُ الحرُمُ لِذَاتِها، ولكنْ لتعظيمِ المسجدِ الحرامِ، فحُرْمَتُها تابِعةٌ لا ذاتيَّةٌ، وحرمةُ المسجِدِ الحرامِ ذاتيَّةٌ، والحرمةُ الذاتيَّةُ أقوى وأعظَمُ؛ لأنَّها لا ترتفِعُ بحالٍ، والحُرْمةُ التابِعةُ تُرفَعُ وتُوضَعُ بحسَبِ تحقُّقِ المقصدِ منها.\nوالمشرِكُونَ صَدُّوا النبيَّ وصحابتَهُ عن المسجدِ الحرامِ سِنينَ عددًا متتالِيَةً، واسْتَنْكَروا قتالَ الصحابةِ يومًا في آخِرِ جُمادَى وأوَّلِ رجَبٍ.\nوالمرادُ بالصَّدِّ هنا في قولِه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يَعني: عن قاصدِ البيتِ الحرامِ للعبادةِ؛ صلاةً وطوافًا، واعتكافًا ومجاوَرةً، وصَدَقةً ونُسُكًا، والصدُّ عن المسجدِ الحرامِ؛ بالقتالِ وغيرِه، في الأشهُرِ الحُرُمِ وغيرِها: يَقطَعُ عن البيتِ الحرامِ السبيلَ والرِّزْقَ، وينفي عنه الأَمْنَ، فيُهجَرُ ويَزهَدُ الناسُ فيه، وهو أعظَمُ البقاعِ عندَ اللهِ، وأَحَبُّها إليه؛ وهذه الآيةُ أصلٌ في سَدِّ الذَّرَائعِ.\nوإنَّما عُظِّمَتْ أشهرٌ بعَيْنِها؛ لأنَّ رَجَبًا موضِعُ سَيْرِ الحاجِّ مِن الآفاقِ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٦٥٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٨٤).","vol":"1","page":351},{"text":"إلى الحجِّ، وذا القَعْدةِ وذا الحِجَّةِ ومحرَّمًا موضِعُ الحجِّ وعودةِ الحاجِّ إلى أهلِه.\nوقولُ اللهِ: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيْلِ اللهِ﴾، قيل: رُفِعَ ﴿وَصَدٌّ﴾؛ للعطفِ على ﴿كَبِيْرٌ﴾، وقيلَ: رُفِعَ مبتدأً خبرُهُ قولُهُ: ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، وهذا الأرجَحُ، ولو عُطِفَ الصدُّ عَلَى ﴿كَبِيْرٌ﴾ لكانَ قولُهُ: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ معطوفًا عليه، والقتالُ في الأشهُرِ الحُرُمِ ليس كُفْرًا باللهِ يُخرِجُ مِن الملَّةِ، إلَّا لِمَن جحَدَ تحريمَهُ وقتَ التحريمِ، فهو مكذِّبٌ للهِ.\nولو كان الصدُّ كُفْرًا، لَلَزِمَ أَنْ يكونَ إخراجُ أهلِ الحَرَمِ منه أكبَرَ مِن الكفرِ؛ وهذا لا يقولُ به أحدٌ.\nويَظهَرُ التربُّصُ عندَ المحاجَجةِ والمجادَلةِ في كفَّارِ قُريشٍ، وتَرْكِ ما عليهم، وأَخْذِ الذي لهم؛ وهذه عادةُ أهلِ الأهواءِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا﴾ [النور: ٤٩، ٥٠].\nوربَّما كان الحقُّ الذي عليهم أعظَمَ، وهو مُسقِطٌ للحقِّ الذي لهم، والجهلُ بهذه الأشياءِ سبَبٌ لاستِمرارِ كثيرٍ مِن أهلِ الأهواءِ في الضلالِ.\nمِن أنواعِ الجهلِ:\nوالجهلُ على نوعَيْنِ:\nالأوَّلُ: جهلُ حقيقةِ الشيءِ بعيِنِه، وعدَم معرفةِ حُكْمِه.\nالثاني: جهلُ مرتبتِهِ مِن بين مَرَاتِبِ غيرِهِ، مع المعرِفةِ به بعينِهِ منفرِدًا.\nوهذانِ اجتَمَعَا في كفَّارِ قريشٍ كثيرًا، وإذا جَهِلَ الإنسانُ مَرَاتِبَ الأشياءِ، انشغَلَ بالأدنَى عن الأعلَى، ووجَدَ الهَوَى مِن ذلك مَدخَلًا؛ ليرتِّبَ الحقائقَ كما تَهوى النفسُ.\nوكفَّارُ قريشٍ أخرَجوا النبيَّ - ﷺ - وأصحابَهُ مِن مَكَّةَ، وصَدُّوهم عن","vol":"1","page":352},{"text":"دخولِ الحَرَمِ، وهذا مِن جنسِ ما حُرِّمَ القتالُ في الأشهُرِ الحُرُمِ لأجلِه، ثمَّ هم أشرَكُوا مع اللهِ غَيْرَهُ، وهو أعظَمُ عند اللهِ مِن القتلِ الذي يَستنكِرونَهُ على محمَّدٍ.\nوالهَوَى يَشغَلُ النفوسَ ويسلِّيها بتَعظيمِ الأدنى عنِ الأعلى؛ لأنَّ النفسَ تلومُ صاحِبَها عَلَى تركِ الحقِّ ولو كانت مُعانِدةً، فيَشْغَلُها بالأدنى لِتتغافَلَ عن غيرِهِ وتَرضَى وتسكُنَ، والنفسُ لا تَقْوَى عَلَى طَمْسِ الفِطْرةِ وتغييبِها؛ فتَجعَلَهُ يتجاهَلُ الحقَّ كلَّه، ولكنَّها تغيِّبُ الأعلى وتُظهِرُ الأدنى وتعظِّمُه، فيضعُفُ لومُ النفسِ الفطريُّ على صاحبِه.\nوهذا كسكونِ نفوسِ المشرِكِينَ وانشغالِها بسِقايةِ الحاجِّ وعِمَارةِ المسجدِ الحرامِ، وتعظيمُ ذلك مِن تسويلِ الشيطانِ لهم؛ هوَّن وحقَّر ما هو أعظَمُ منه، وهو التوحيدُ، فوقَعُوا في الشِّرْكِ غيرَ مُبالِينَ.\nوصدُّ كفَّارِ قريشٍ للنبيِّ عن المسجدِ الحرامِ، وإخراجُ أهلِهِ منه: أعظَمُ عندَ اللهِ مِن قتلِ ابنِ الحَضْرَميِّ، وكفرُهُمْ أعظَمُ عندَ اللهِ مِن ذلك كلِّه.\nواختُلِفَ في نسخِ هذه الآيةِ:\nفقال قومٌ بنَسْخِها؛ وهو قولُ عطاءِ بنِ مَيْسَرةَ، والزُّهْريِّ؛ وصَوَّبَهُ ابنُ جريرٍ الطَّبَريُّ.\nروى ابنُ جريرٍ الطَّبَريُّ، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: قال عطاءُ بنُ مَيْسَرةَ: أحلَّ القتالَ في الشهرِ الحرامِ في \"بَرَاءةَ\" قولُهُ: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]؛ يقولُ: فيهن وفي غيرِهِنَّ (١).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٦٦٢ - ٦٦٣).","vol":"1","page":353},{"text":"وقال عطاءُ بنُ أبي رَبَاحٍ بعدَمِ النَّسْخِ، وكان يَحلِفُ عليه؛ كما رواه ابنُ جُرَيْجٍ عنه؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ بسَنَدٍ صحيحٍ (١).\nوقد تقدَّمَ الكلامُ على هذه المسألةِ.\nوبيَّن اللهُ سببَ قتالِ المُشرِكِينَ للمسلِمِينَ بقولِهِ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾؛ لِيَفْتِنُوهم عن دينِهم؛ ليَرْتَدُّوا طمَعًا في الأمنِ، وترهيبًا لِمَن يُرِيدُ اللَّحَاقَ بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>معنى الرِّدَّة:</span>\nوالرِّدَّةُ هي الرجوعُ عنِ الحقِّ إلى ما كان عليه مِن الباطلِ، وغلَبَ استعمالُها على ذلك؛ لأمرَيْنِ:\nأوَّلًا: لمَّا كان كفَّارُ قريشٍ يُرِيدُونَ رَدَّ مَنْ أسلَمَ مِن الصحابةِ إلى ما كانوا عليه مِن الشِّرْكِ، سُمِّيَتْ رِدَّةً؛ يَعني: رجوعًا إلى الأمرِ السابقِ.\nثانيًا: أنَّ المعروفَ فيمَن نشَأَ على الإيمانِ الحقِّ ووُلِدَ عليه: أنَّه لا يخرُجُ منه، ومِقْدارُ مَن يرتدُّ عن الإِسلامِ بعد النشأةِ عليه أقلُّ ممَّن يرتدُّ عن الإسلامِ ممَّن كان على الشِّرْكِ قبلَ ذلك بالنِّسْبةِ للأمَّةِ التي خرَجوا منها؛ ولذا يُخافُ على حديثِ العهدِ بالكُفْرِ مِن الخروجِ عن الإسلامِ أكثرَ ممَّن نشَأَ على الإسلامِ ولا يَعرِفُ الكفرَ؛ لأنَّ الإيمانَ امتزَجَ بقوَّةِ الفِطْرةِ، فتمكَّنَ الحقُّ منها ورسَخَ، وأَمَّا غيرُهُ فعلى فِطْرةٍ مبدَّلةٍ، مع دِينٍ صحيحٍ طارئٍ.\nفأصبحَتِ الرِّدَّةُ تُطلَقُ عَلَى كلِّ خارجٍ عن الإسلامِ إلى الكفرِ، ولو لم يكُنْ على الكُفْرِ مِن قَبْلُ.\nوفي الآيةِ: قوَّةُ بأسِ أهلِ الباطلِ على باطلِهم معَ جَلَائِهِ ووُضُوحِه،\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٦٦٣).","vol":"1","page":354},{"text":"واختيارُ الموتِ عليه، والكِبْرُ إذا استحكَمَ في القلبِ، عَمِيَ العقلُ عن الاختيارِ.\nوقولُهُ: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>إحباطُ العمل بالرِّدَّةِ:</span>\nوالرِّدَّةُ تُحبِطُ العملَ السابقَ بلا خلافٍ؛ وإنَّما الخلافُ في عودتِهِ عندَ العودةِ للإسلامِ بعد الرِّدةِ، وفي المسألةِ قولانِ مشهورانِ:\nالأوَّلُ: أنَّ الرِّدَّةَ لا تُحبِطُ العمَلَ السابقَ لِمَن عاد إلى الإسلامِ وأنابَ؛ وذلك أنَّ اللهَ قيَّد الإحباطَ في الآيةِ بقولِه: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، فمَنِ ارتَدَّ ولم يَمُتْ عَلَى الرِّدَّةِ، عادَتْ حسَنَاتُهُ التي عَمِلَها؛ كالصلاةِ والزكاةِ وسائرِ الطاعاتِ، ولو كان قد أدَّى الحَجَّ، سقَطَ عنه؛ وهذا هو أحدُ القولَيْنِ عن أحمدَ، وقال به الشافعيُّ.\nالثاني: أنَّ الرِّدَّةَ تُحبِطُ العملَ بالكليَّةِ، ولا يَرجِعُ عمَلٌ منها إلى صاحِبهِ، ولو كان قد أَدَّى الحجَّ، لَوَجَبَ عليه أن يُعِيدَهُ؛ قال بهذا مالكٌ وأبو حنيفةَ؛ وهو روايةٌ عن أحمدَ.\nوقد أجرَى مَن قال بهذا القولِ عمومَ قولِهِ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥] على عمومِه، ولم يخصِّصْهُ بآيةِ البابِ.\nوفي حَمْلِ الآيةِ عَلَى عمومِها نظَرٌ؛ وذلك أنَّ اللهَ قال: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥]، ومَن عاد إلى الإسلامِ بعد رِدَّتِه، فليس مِن الخاسرين؛ وإنَّما المرادُ: مَن مات مرتدًّا.\nوتوسَّطَ بعضُ الفقهاءِ مِن الشافعيَّةِ وغيرِهِمْ؛ فقالوا: إنَّ الإحباطَ","vol":"1","page":355},{"text":"للأجرِ فقَطْ، والعمَل في إجزائِهِ ليس بحابطٍ؛ فمَنْ حجَّ، لا يلزَمُهُ أنْ يُعِيدَهُ إذا ارتَدَّ بعدَهُ ثمَّ عاد.\nوالحَقُّ: أنَّ الأجرَ ثابتٌ للمرتدِّ التائبِ؛ ففي الحديثِ: (إِذَا أَسْلَمَ الْعَبدُ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ، كَتَبَ اللهُ لَهُ كُلَّ حَسَنَةٍ كَانَ أَزْلَفَهَا)؛ أخرَجَهُ النَّسائيُّ عن أبي سعيدٍ (١) وأصلُه في الصحيحِ (٢).\nوفي \"الصحيحَيْنِ\"، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيْرِ، أنَّ حَكِيمَ بنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: أَيْ رَسُولَ اللهِ، أَرَأيْتَ أمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بها فِي الجَاهِلِيَّةِ؛ مِن صدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ أَوْ صِلةِ رَحِمٍ، أَفِيهَا أَجْرٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ) (٣).\nفهذا عمَلٌ عمِلَهُ حالَ الجاهليَّةِ، ولكنْ أخلَصَ فيه للهِ ولم يَصرِفْ منه لغيرِ اللهِ شيئًا، فاحتَسَبَهُ اللهُ له بعدَ إسلامِه؛ فالجاهليُّونَ مع كفْرِهم يُخلِصُونَ في بعضِ أعمالِهم، فيَخُصُّونَ بها اللهَ وحدَهُ؛ فهذه تُكْتَبُ لهم، فيتقبَّلُ اللهُ ذلك منهم وهم كفَّارٌ؛ فكيفَ بما فعَلَه المسلمُ حالَ إسلامِهِ، ثمَّ ارتَدَّ ثمَّ رجَع؟ ! فقَبُولُ عمَلِهِ حالَ إسلامِهِ أَوْلى مِن قَبُولِ عمَلِهِ حالَ إشراكِه.\nولو قِيلَ بقَبُولِ عمَلِ المُشرِكِ حالَ شِرْكِهِ ممَّا أخلَصَهُ، ولا يُقبَلُ عمَلُ المسلمِ حالَ إسلامِه، للَزِمَ مِن ذلك قَبولُ عمَلِ المرتَدِّ حالَ رِدَّتِهِ ممَّا يُخلِصُ فيه.\nفالمسلمُ المرتَدُّ التائبُ له أحوالٌ ثلاثٌ: إسلامٌ ثمّض كفرٌ ثم إسلامٌ؛\n_________\n(١) أخرجه النسائي (٤٩٩٨) (٨/ ١٠٥).\n(٢) أخرجه البخاري (٤١) (١/ ١٧)، ولفظه: (إِذَا أَسْلَم العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذلك القِصَاصُ: الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهَا).\n(٣) أخرجه البخاري (١٤٣٦) (٢/ ١١٤)، ومسلم (١٢٣) (١/ ١١٣).","vol":"1","page":356},{"text":"فعلى هذا يُقبَلُ منه عمَلُهُ حالَ الرِّدَّةِ وهو مشرِكٌ مما يُخلِصُهُ للهِ، ولا يُقبَلُ عمَلُه حالَ إسلامِهِ قلَ الرِّدَّةِ؛ وهذا بعيدٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>أحوالُ أهلِ الميزانِ في الآخرة:</span>\nولا يُحبِطُ العملَ كلَّه إلَّا الشِّرْكُ باللهِ، والكافرُ ليس له كِفَّةٌ في المِيزَانِ إلَّا واحدةٌ، وأهلُ الميزانِ على ثلاثِ أحوالٍ:\nالحالةُ الأُولى: مَن يُوزَنُ له عمَلُهُ بكِفَّتَيْنِ، كِفَّةِ الحسَنَاتِ، وكِفَّةِ السيِّئاتِ؛ وهُم عمومُ أهلِ الإيمانِ؛ لأنَّه لا يخلُو أحدٌ مِن ذنبٍ، إلَّا ما شاءَ اللهُ.\nووَزْنُهم لِيَعْرِفُوا هم ما لهم وما عليهم، وتقومَ عليهمُ الحُجَّةُ، فلا يُجادِلوا ربَّهم؛ فاللهُ جعَلَ عَلَى العبادِ رقيبًا وعتيدًا يُحصِي عليهم أعمالَهُمْ؛ لِيَرَوْها ويَذكُروها إذا نَسُوها، فاللهُ لا يُحصي لِيَعلَمَ ما لم يكنْ يعلمُهُ، بل يُحصي لِيَعلَمَ العبادُ، وتُقطَعَ الحُجَجُ عنهم؛ فجعَلَ عليهم شهودًا مِن الملائكةِ ومِن الناسِ ومِن أنفُسِهم.\nالحالةُ الثَّانيةُ: مَنْ لا يُوزَنُ له إلَّا عمَلُهُ السيِّئُ، وهم المشرِكونَ؛ لأنَّه لا يَبقى مِن عمَلِهِمُ الصالحِ في الدنيا شيءٌ؛ لأنَّهم أحبَطُوهُ بالشِّرْكِ، وعُجِّلَ لهم الجزاءُ به في الدنيا: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠].\nوتُوزَنُ سيِّئاتُهم؛ لأنَّ الكفرَ يَتبايَنُ كما يَتبابَنُ الإيمانُ؛ يَزِيدُ وينقُصُ؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]، فالكُفْرُ يَزِيدُ وينقُصُ كما يزيدُ الإيمانُ وينقُصُ، ولكنَّ الكفرَ الأكبرَ يخلِّدُ صاحبَهُ في النَّارِ، ويُعذَّبُ الكفَّارُ بحسَبِ كُفْرِهم، كما ينعَّمُ المؤمِنونَ بحسَبِ إيمانِهم.\nالحالةُ الثَّالثةُ: مَنْ ليس له إلَّا كِفَّةٌ واحدةٌ، وهي كِفَّةُ الحسَنَاتِ،","vol":"1","page":357},{"text":"وهم مَن غفَرَ لهم اللهُ كلَّ ذنبٍ، ما تقدَّم وما تأخَّر؛ كالنبيِّ - ﷺ -: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢].\nويَلحَقُ بهذه الحالةِ الشهيدُ الذي لا حقوقَ للآدَميِّينَ عليه، ويدخُلُ أيضًا في هذا السبعونَ ألفًا الذينَ لا حِسابَ عليهم ولا عذابَ.\nوالحَسَناتُ تُذهِبُ السيِّئاتِ بلا خلافٍ، والسيِّئاتُ تُذهِبُ الحَسَناتِ عَلَى الأرجَحِ، والإذهابُ يكونُ بمقدارِ السيِّئةِ وعِظَمِها ومقدارِ الحَسَنةِ؛ فلا يُذهِبُ اللهُ حَسَنةً عظيمةً بسيِّئةٍ مِنَ المحقَّراتِ أوِ الصغائرِ، وقد تتكاثَرُ المحقَّراتُ حتَّى تعاظَمَ فتثقُلَ فتُذهِبَ الحَسَنةَ العظيمةَ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩].\nوهذا مِن أسئلةِ الصحابةِ للنبيِّ - ﷺ -، وهي نحوُ ثلاثةَ عشَرَ سؤالًا، وهذا المذكورُ في القرآنِ، والأسئلةُ كثيرةٌ، والسُّنَّةُ مليئةٌ بذلِك.\nوأخرَجَ الدارِمِيُّ، وأبو يَعْلَى، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: \"ما رأيتُ قومًا كانوا خيرًا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - ﷺ -؛ ما سَأَلُوهُ إلَّا عن ثلاثَ عَشْرةَ مسألةً حتَّى قُبِضَ؛ كُلُّهُنَّ في القرآنِ\" (١).\nوكان النبيُّ - ﷺ - يَنْهَى عن كثرةِ السؤالِ؛ خشيةَ أن يَنزِلَ تحريمٌ، فيَشُقَّ ذلك على الناسِ؛ ولذا كانوا يُحِبُّون أنْ يأتِيَ الرجلُ مِن الأعرابِ أو مِن الغُرَباءِ، فيسألوا النبيَّ عن شيءٍ مِن الدِّينِ فيستفيدوا، ويأمَنوا مِن الحرَجِ الذي لا يُرِيدُهُ النبيُّ - ﷺ - عليهم؛ رحمةً بهم وشَفَقةً بالمؤمنينَ مِن\n_________\n(١) أخرجه الدارمي في \"سننه\" (١٢٧).","vol":"1","page":358},{"text":"بعدِهم، واليومَ وبعدَ انقطاعِ الوحيِ أصبحَ رفعُ الجهلِ. بالسؤالِ مؤكَّدًا.\nوالسؤالُ هنا عَنِ الخمرِ والمَيْسِرِ، ويَحتمِلُ أنَّ السؤالَ عنهُما جميعًا مرَّةً واحدةً، ويَحْتَمِلُ تفرُّقَ السؤالِ عنهما، واجتماعَ الجوابِ؛ للمصلحةِ في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>اقترانُ الخمرِ بالميسِرِ:</span>\nوذلك أنَّ الخمرَ والمَيْسِرَ مِن الأمورِ التي تَمَسُّ حياتَهُما كلَّ يومٍ غالبًا، وربَّما كانا متلازِمَيْنِ؛ فمَن شَرِبَ الخمرَ، فهو مِن أهلِ المَيْسِرِ، ومَن تعامَلَ بالمَيْسِرِ، فهو مِن أهلِ الخمرِ، واجتماعُ بيانِ الحُكمَيْنِ الشرعيَّيْنِ المتلازِمَيْنِ وقوعًا ولو غالبًا: واجبٌ؛ ولذا تلازَمَ الكلامُ عنهما هنا، وتَلازَمَ في الآيةِ الأُخرى المبيِّنةِ لقَطْعِيَّةِ التحريمِ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].\nوالتلازُمُ بينهما ظاهرٌ وباطنٌ؛ فالظاهرُ مِن جهةِ العَمَلِ؛ فمَن بُلِيَ بالخمرِ يُبلَى بالقمارِ غالبًا، وفي الباطنِ فكِلَاهُما مِن المُوبِقاتِ الموجِبةِ للفِسْقِ وضَعْفِ الإيمانِ ضعفًا شديدًا؛ فمَن ترَكَ الميسِرَ ظاهرًا، وهو يشرَبُ الخمرَ، فهو يترُكُ المَيسِرَ بلا تسليمٍ باطنٍ غالبًا، بل مع حبٍّ وشهوةٍ له، وكذلك مَن تعامَلَ بالميسِرِ، وترَكَ الخمرَ ظاهرًا، فهو يترُكُهُ بلا تسليمٍ باطنٍ غالبًا، بل مع حبٍّ وشهوةٍ له؛ فجاءتِ الشريعةُ بإصلاحِ الظاهرِ والباطنِ جميعًا؛ بالنهيِ عنِ العمَلَيْنِ المتلازِمَيْنِ.\nوقد أنزَلَ اللهُ في تلازُمِ الإثمَيْنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قولَهُ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣].\nروى ابنُ جريرٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحَةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ، قالوا: يا رسولَ اللهِ، ما نَقولُ لإخوانِنا الذين مَضَوْا؟ كانوا يَشْرَبونَ الخمرَ، ويأكُلُونَ المَيسِرَ؟ ! فأنزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ","vol":"1","page":359},{"text":"فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] (١).\nوهما مِمَّا عمَّتْ بهِما البَلْوى، فاحتاجا إلى التدرُّجِ بالتنفيرِ منهما، والعمَلُ الذي تعُمُّ به البلوى يشُقُّ على الناسِ الإقلاعُ عنه مرَّةً واحدةً، فجاء الحُكْمُ مبيِّنًا غلَبَةَ شَرِّهِ على خيرِه.\nولمَّا كان المَيسِرُ والخمرُ يتَلبَّسُ بهما العامَّةُ والخاصَّةُ؛ جاء تحريمُهما على سبيلِ التدرُّجِ؛ حتَّى لا يَنفِرَ ضعيفُ الإيمانِ مِن تحريمِهما.\nوكانت عملًا مشهورًا في أسواقِهم؛ تشرَّبَتْهُ قلوبُهم حتَّى بلَغَ أنَّهم يتَقامَرُونَ عَلَى أموالِهم وأولادِهم وأهلِيهم! فقد روى ابنُ جريرٍ، عن عليٍّ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: المَيسِرُ: القِمَارُ؛ كان الرَّجُلُ في الجاهليَّةِ يُخاطِرُ عَلَى أهلِهِ ومالِهِ، فأيُّهما قَمَرَ صاحِبَهُ، ذهَبَ بأهلِهِ ومالِه (٢).\nوكثيرًا ما يُقامِرونَ مع حضورِ الخَمْرِ؛ قال سَبْرَةُ بنُ عمرٍو الفَقْعَسيُّ:\nنُحَابِي بها أَكفَاءَنَا وَنُهِينُهَا ... وَنَشْرَبُ فِي أَثْمَانِهَا وَنُقَامِرُ\nوالخَمْرُ أكثرُ شيوعًا - في الأغنياءِ والفقراءِ - في الجاهليَّةِ، وهِي مِن غايةِ اللَّذَّاتِ عِندَهم؛ قال طَرَفَةُ بنُ العبدِ:\nوَلَوْلَا ثَلَاثٌ هُنَّ مِنْ عِيْشَةِ الْفَتَى ... وَجَدِّكَ لم أَحْفِلْ مَتَى قَامَ عُوَّدِي\nفَمِنْهُنَّ سَبْقِي العَاذِلَاتِ بِشَرْبَةٍ ... كُمَيْتٍ مَتَى مَا تَعْلُ بِالمَاءِ تُزْبِدِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>التدرُّجُ بتحريمِ الخمرِ والميسِرِ:</span>\nوقَد كان التدرُّجُ بتحريمِ الخمرِ والمَيْسِرِ؛ حتَّى يخرُجَ قويُّ الإيمانِ منها بالتلميحِ ويتجنَّبَها، فيكثُرَ سَوَادُ التارِكِينَ لها؛ لأنَّ قويَّ الإيمانِ يترُكُ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٦٦٨).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٦٧٤).","vol":"1","page":360},{"text":"المتشابِهاتِ وَرَعًا، وضعيفَ الإيمانِ يقَعُ فيها ولا يُبالي، ثُمَّ يَقِلَّ العامِلُ بها فيَنزِلَ عليهِمْ النصُّ، فيَستثقِلُوا البقاءَ على الفِعْلِ المحرَّمِ، ولا يَجِدوا من يأنَسُونَ به مِن الثِّقاتِ على البقاءِ عليها، فيرَوْهُمْ قد سبَقُوهُم بالتَّرْكِ، فإنْ لم يترُكُوها إيمانًا، ترَكُوها حياءً ومسايَرةً، والتروكُ في الإِسلامِ يهتمُّ الشارعُ بتركِها ولو بلا نِيَّةٍ؛ بخلافِ الأفعالِ.\nوفي الآيةِ: أنَّه عند اشتِهارِ الشرِّ، وتلبُّسِ الناسِ به: تُذكَرُ الموارَنةُ فيما عَظُمَ شَرُّهُ على خيرِه، وتقريرُ ذلك ولو كانَ قطعيَّ التحريمِ في الشريعةِ؛ لأنَّ النَّاسَ لا تُوغِلُ في عمَلٍ محرَّمٍ إلَّا وهي ترى نفْعَهُ في دنياها غالبًا، فذِكْرُ الموازَنةِ إقرارٌ بصِحَّةِ عقولِهم مع قِصَرِ نظَرِهم، فإلغاءُ النفعِ الذي يرَوْنَهُ إلغاءً تامًّا يَحمِلُهم على ازدراءِ المخالِفِ واتِّهامِه بالمكابَرةِ والمعانَدةِ المَحضةِ؛ فالإقرارُ بما يُؤمِنونَ بِنَفْعِهِ وصِحَّةِ ذلك: أَدْعَى لقَبُولِ الحقِّ وتمييزِه؛ لأنَّ أخطرَ وجوهِ الصدِّ عن الحقِّ جَحْدُ سلامةِ عقلِ المخالِفِ بالجملةِ وإنكارُه، فيحضُرُ العِنادُ والمكابَرةُ، وتَغِيبُ الحُجَّةُ فلا تُرى صحيحةً.\nفاللهُ بين صِحَّةَ ما يرَوْنَهُ مِن منافِعَ في الخمرِ والمَيسِرِ، وسلامةَ ذلك النَّظَرِ، ولكنْ بَيَّنَ ما غاب عنهم مِن مَفاسدِهما الغالبةِ، وهذا إيناسٌ للنفوسِ أنْ تُقبِلَ ولا تُعانِدَ وتُكابِرَ.\nوهذه الموازَنةُ في الأمرِ المحرَّمِ الذي تثبُتُ مَنافِعُه، لا في المحرَّمِ الذي مَنافِعُهُ متوهَّمةٌ فتُصنَعُ له مَنافعُ تأليفًا وتقريبًا؛ فهذا غِشٌّ وتدليسٌ وظُلْمٌ، ولا كذلك في المحرَّمِ غيرِ المستقِرِّ في الناسِ ولا الراسخِ فيهم، فتبيينُ مَنافِعِهِ لهم تَرغيبٌ لهم في البقاءِ وإيناسٌ لهم على باطلِهم، وهذه الأحوالُ تقَعُ بحسَبِ ميزانِ العالِمِ لها، وتَختلِفُ بحسَبِ نوعِ المحرَّمِ وزمَنِهِ وبلَدِهِ.","vol":"1","page":361},{"text":"والخمرُ مأخوذٌ مِن التخميرِ، وهو التغطيةُ؛ فكلُّ ما خامَرَ العقلَ وغيَّبَهُ، فهو خَمْرٌ، وتخميرُ الإناءِ: تغطيتهُ، وخِمَارُ المرأةِ: ما ستَرَها، وكلُّ مشروبٍ أو مطعومٍ أو مُسَتنشَقٍ يغيِّبُ العقلَ: داخِلٌ في معنَى الخَمْرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>إقامةُ الحدِّ على آكلِ المخدِّرات:</span>\nواختلَفَ الفقهاءُ في المخدِّراتِ والحَشيشةِ؛ هل يُقامُ على متناوِلها حَدُّ شاربِ الخَمْرِ أم لا؟ ! على أقوالٍ ثلاثةٍ:\nقيلَ: بِأخذِها حُكْمَ الخمرِ في الحدِّ.\nوقيلَ: لا تأخُذُ حُكمَه.\nوقِيل: تأخُذُ حُكْمَهُ، ويُزادُ على ذلك تعزيرًا؛ للإضرارِ بالنفسِ؛ فإنَّ الخمرَ يغيِّبُ العقلَ ولا يُتلِفُهُ، وأمَّا المخدِّراتُ والحشيشةُ، فغالِبُها يغيِّبُ العقلَ ويُتلِفُهُ، فهو كمَنْ شَرِبَ خمرًا وتَناوَلَ سُمًّا؛ يُجلَدُ حدَّ السُّكْرِ، ويعزَّرُ على تناوُلِ السُّمِّ.\nوالنصوصُ جاءتْ عامَّةً في إشراكِ كُلِّ مُسْكِرٍ في الحدِّ، ولم يقيَّدْ بنوعٍ دونَ نوعٍ، ولا بصفةِ تناوُلٍ معيَّنةٍ، فالمشروبُ والمأكولُ والمستنشَقُ في ذلك سواءٌ؛ فقد جاءَ في \"الصحيحَيْنِ\" عن عائشةَ - ﵂ -، عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ، فَهُوَ حَرَامٌ) (١).\nوفي \"الصحيحَيْنِ\"، عنْ أبي مُوسَى، عنِ النبيِّ - ﷺ -؛ أنَّه سُئِلَ فقيل له: عِنْدَنَا شَرَابٌ مِنَ العَسَلِ يُقالُ لَهُ: البِتْعُ، وشَرابٌ مِنَ الذُّرَةِ يُقَالُ لَهُ: المِزْرُ؟ قَالَ: فقال: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) (٢).\nوالشريعةُ وإنْ غلَبَ إطلاقُها السُّكْرَ على المشروبِ؛ فلأنَّ عُرْفَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٤٢) (١/ ٥٨)، وسلم (٢٠٠١) (٣/ ١٥٨٥).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٣٤٣) (٥/ ١٦١)، ومسلم (١٧٣٣) (٣/ ١٥٨٦).","vol":"1","page":362},{"text":"الناسِ في الجاهِليَّةِ على هذا، والشريعةُ تنزِّلُ ألفاظَ اللُّغَةِ العامَّةَ على عُرْفِ الناسِ، ولا يَعني هذا تقييدًا للحكم على الصُّورَةِ التي يعرِفُها الناسُ؛ بل يشترِكُ مَعَها ما في حُكْمِها، إلَّا العباداتِ؛ فهي مقيَّدةٌ بما وصَفَهُ الشارِعُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>معنى القِمَارِ والميسِرِ:</span>\nوأمَّا المَيْسِرُ: فهو على وزنِ \"مَفْعِلٍ\"، بكسرِ العَيْنِ، وهو ضِدُّ العُسْرِ، وقولُهُمْ: \"يَسَرَ لي هذا الأمْرُ\"؛ يَعْنِي: وَجَبَ لِي حَقًّا، وَالياسِرُ: الواجِبُ؛ ولذا يسمَّى من يَتعامَلُ بالقِمَارِ: يَاسِرًا وَيَسَرًا.\nوالقِمَارُ والمَيْسِرُ: هو المراهَنةُ على غَرَرٍ مَحْضٍ.\nوالقِمَارُ: هو المَيسِرُ؛ قاله ابن عُمَرَ، ومجاهِدٌ، وعطاءٌ، وطاوسٌ، والحَسَنُ، وقَتَادةُ، والسُّدِّيُّ، والضَّحَّاكُ؛ روى ابنُ جريرٍ، عن ابنِ أبِي نَجِيحٍ، عن مجاهِدِ في قَولِهِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾، قال: \"القِمَارُ\".\nوعن لَيْثٍ، عن مجاهِدٍ؛ قال: \"كُلُّ القِمَارِ مِن المَيْسِرِ، حَتَّى لَعِبُ الصِّبْيانِ بالجَوْزِ\".\nوعن أبِي الأَحْوَصِ، عن عبدِ اللهِ؛ أنَّه قالَ: \"إيَّاكُمْ وهَذِهِ الكِعَابَ التي تَزْجُرونَ بها زَجْرًا؛ فإنَّها مِن المَيْسِرِ\".\nأخرَجَهُ ابنُ جريرٍ (١).\nوالمرادُ بالزَّجْرِ: هو الضَّرْبُ مِنَ التوقُّعِ والخَرْصِ.\nوالمحرَّمَاتُ في المعامَلاتِ على نوعَيْنِ: رِبًا، ومَيْسِرٌ:\nوالرِّبَا: أَكْلُ مالِ الناسِ بالباطِلِ، مع العِلْمِ بمَن يأخذُ المالَ، ومِقْدارِ أخذِهِ، ووَقْتِ أخذِهِ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٦٧١).","vol":"1","page":363},{"text":"وعِلَّةُ تحريمِ الرِّبَا: أنَّه أَخْذُ المالِ بِلا حَقٍّ، وفيه استغلالُ ضَعْفِ الفقيرِ وحاجةِ المحتاجِ؛ فهو لم يأخُذْهُ مختارًا؛ وإنَّما مضطَرًّا.\nوفي المنعِ مِن الرِّبا: وَأْدٌ لِشَرَهِ الأغنياءِ، وكَسْرٌ لطغيانِ الكُبَراءِ، ومنعٌ لزيادةِ فقرِ الفقيرِ لِيَزدادَ غِنَى الغنيِّ.\nوأمَّا المَيْسِرُ، فهو: أكلُ أموالِ الناسِ بالباطلِ؛ للجَهَالةِ فيه، فلا يُعرَفُ آخِذُ المالِ، وربَّما لا يُعرَفُ عينُ المالِ ومِقْدارُهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>الفرقُ بينَ الربا والميسِرِ:</span>\nويَختلِفُ الميسِرُ عنِ الرِّبَا: أنَّ الرِّبَا معلومُ المقدارِ وآخِذِ المالِ، ولكنَّه أخِذَ بلا حقٍّ، وأمَّا المَيسِرُ فلا يُعرَفُ آخِذُ المالِ، وقد لا يُعرَفُ مِقدارُهُ، ويُؤخَذُ بلا حقٍّ.\nوالغالِبُ في الميسرِ: أنَّ المتعامِلَ يفعلُهُ مختارًا بلا حاجةٍ، ويكونُ بين الأغنياءِ غالبًا، وأمَّا الرِّبَا: فيكونُ بين غنيٍّ وفقيرٍ أو محتاجٍ؛ ولذا عَظُمَ أمرُهُ مِن هذا الوجهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>الرضا بالرِّبَا والميسِرِ:</span>\nولا أثَرَ للتراضِي بين الأطرافِ في ثبوتِ الحُكْمِ وعدَمِه؛ لأنَّ الرِّبا لم يَرْضَهُ المحتاجُ إلَّا لحاجَتِهِ؛ فهو يَرضى ظاهرًا لا باطنًا؛ ليَقضِيَ حاجتَهُ، وكذلك المتعامِلونَ بالمَيْسِرِ؛ لا أثَرَ لرِضَاهُم في ثبوتِ مَفاسدِه، فهم يَرضَوْنَ ابتداءً، ويتنازعونَ عندَ غلَبةِ أحَدِهم، وإن لم يُوجَدِ النِّزاعُ والاعتراضُ ظاهرًا، فهو موجودٌ باطنًا، فتقَعُ العداوةُ؛ فالشريعةُ جاءَتْ بمُعالَجةِ الظواهرِ والبواطنِ وتطهيرِها.\nثمَّ إنَّ المالَ الذي يُؤخَذُ بالمغالَبةِ الذِّهنيَّةِ بينَ طرفَيْنِ - أو البدَنيَّةِ، أو بالحظِّ والجَهَالةِ - يحصُلُ فيه منافَسةٌ وترقُّبٌ للفوزِ، فالنفسُ الخاسرةُ تحزَنُ وتتألَّمُ، وتُبغِضُ وتَكرَهُ، فتحسُدُ وتَحقِدُ، بخلافِ المالِ الذي يُؤخَذُ","vol":"1","page":364},{"text":"بلا مغالَبةٍ كالهَدِيَّةِ؛ فالإنسانُ يُعطيها أَحَدًا، ولا يترقَّبُ شيئًا، ولا تتشوَّفُ نفسُهُ إلَّا إلى المودَّةِ؛ ولهذا جاز للإنسانِ أن يُهدِيَ ألفَ دينارٍ، ولا يجوزُ أن يُقامِرَ على دِرْهَمٍ.\nويعلِّلُ العلماءُ التحريمَ: بعَدَمِ وجودِ عَيْنِ عِوَضٍ ومُعامَلةٍ ومستحِقٍّ للمالِ، وهذه جَهَالةٌ، وهذا تعليلٌ صحيحٌ؛ لأنَّ وجودَ هذه الجهالةِ هو سببُ وجودِ المغالَبةِ النفسيَّةِ، وتُوجِدُ البغضاءَ في النفوسِ؛ لأنَّ النفسَ ترى أنَّها أَوْلى مِن غيرِها، بِخلافِه في البيعِ فيتفرَّقُ المتبايِعانِ، وكلٌّ فَرِحٌ بما لدَيْهِ؛ البائِعُ فَرِحٌ بما باع، والمشتري فَرِحٌ بما اشتَرى؛ لأنَّ البيعَ لا جَهَالةَ فيه تُوجِدُ المغالَبةَ، وهناك حقٌّ متبادَلٌ يُطفِئُ نارَ الغَبْنِ والحِقْدِ.\nويعظُمُ المَيسِرُ بعِظَمِ المالِ المأخوذِ؛ لأنَّه بعِظَمِهِ تعظُمُ البغضاءُ والعَدَاوةُ، وكذلك بِعِظَمِ المأخوذِ رِبًا يعظُمُ الرِّبا؛ لعِظَمِ الضَّرَرِ الواقعِ على الفقيرِ والمحتاجِ.\nويدخُلُ في حُكْمِ المَيْسِرِ وفي معناهُ: كلُّ جَهَالةٍ في البيوعِ؛ كالمنابَذةِ والمزابَنةِ والملامَسةِ وبَيْعِ الحَصَاةِ، ولكنَّ الميسِرَ غلَبَ مصطلَحًا على صورةٍ من أنواعِ الجَهَالةِ.\nوالقِمَار لا تقيَّدُ صورتُهُ بعمَلٍ أو آلةٍ معيَّنةٍ، فلا يَنْزِلُ القِمارُ إلَّا عليها؛ فهو نازِلٌ على القولِ والعملِ، صغيرًا أو جليلًا؛ فعن ابنِ سِيرينَ؛ قال: \"كلُّ لَعِبٍ فيه قِمَارٌ مِن شُرْبٍ أو صِيَاحٍ أو قيامٍ، فهو مِنَ الميسِرِ\" (١).\nفما كان مِن رميِ القِدَاحِ أو الجَوْزِ أو الحَصَى أو المكعَّباتِ أو الألعابِ الإلكترونيَّةِ الحديثةِ أو الورَقيَّةِ، فهي داخِلةٌ في ذلك.\nوالميسِرُ والقِمَارُ يَتَّفِقُ في صورتِهِ، ولكنَّه يختلِفُ في آلتِهِ مِن زمَنٍ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٦٧٢).","vol":"1","page":365},{"text":"إلى زمنٍ، ومِن بلدٍ إلى بلدٍ، فتختلِفُ الآلةُ بحسَبِ البُلْدانِ؛ فمِنهم مَن يستعمِلُ المكعَّباتِ، ومنهُمُ الشِّطرَنْجَ، ومِنهمُ الحَصَى، ومِنهمُ السِّهَامَ، ومِنهم آلاتٍ إلكترونيَّةً أو أوراقًا حديثةً.\nوأشدُّه تحريمًا: ما يضمَنُ الرِّبْحَ فيه واحدٌ بعَيْنِه، ويَخسَرُ الباقونَ، فهذا جمَعَ لَعْنَ الرِّبا وشِدَّةَ المَيْسِرِ، وهو أن يَقُومَ أحدٌ بجَمْعِ الأموالِ مِن الناسِ ليُعطِيَ واحدًا منهم بعضَها، وهو بنَفْسِهِ واحدٌ منهم، فيأخُذُ مِن المالِ حقَّ جمعِهِ ورعايتِه، ويُعطِي واحدًا مِنهم بالقُرْعةِ جُزءًا منها، فهو رابحٌ في كلِّ حالٍ، وهذا ما تفعَله الشَّرِكاتُ والمؤسَّساتُ.\nوالشريعةُ إنَّما حَرَّمَتِ المَيسِرَ؛ لأنَّه أخذٌ للمالِ بصورةٍ باطلةٍ ولو رَضِيَها الإنسانُ؛ لِمَا تتضمَّنُهُ مِن أخذِ المالِ بلا حقٍّ ومعاوَضةٍ، والمالُ محتَرَمٌ، فكما حَرَّمَ اللهُ إتلافَهُ وحَرْقَه، فقد ضبَطَ اللهُ التعامُلَ فيه، فلا يُؤخَذُ إلَّا بمبادَلةٍ شرعيَّةٍ، أو عن طِيبِ نفسِه بهِبَةٍ أو عطيَّةٍ أو صَدَقةٍ.\nوقولُه تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾.\nالنَّفْعُ، ما يَجِدونَهُ في الخمرِ والميسِر مِن تجارةٍ ورِبْحٍ، وتسليةٍ وإهدارِ وقتٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>نفعُ الخمرِ والميسِرِ وإثمهما:</span>\nواستَعمَلَ في الآيةِ قولَهُ: \"النَّفْعَ\" في بيانِ الخيرِ فيهما، و\"الإثمَ\" في بيانِ الشرِّ، وما يُقابِلُ النَّفْعَ هو الضرُّ؛ لأنَّ النَّفْعَ عاجِلٌ، ولا يَلزَمُ مِن الانتفاعِ الإثابةُ عليه في الآخِرةِ، وأمَّا الإثمُ: فيَلزَمُ منه الشرُّ في الدُّنيا، والعقابُ في الآخِرةِ.\nويَظهَرُ في هذا: التخويفُ، وأنَّ النَّفْعَ إنَّما هو عاجِلٌ زائِلٌ، والشرَّ غالبٌ، والإثمَ باقٍ، واستعمالُ الترهيبِ والوعظِ والتخويفِ مِن العاقبةِ يُحْيي الإيمانَ ويُوقِظُه، واستعمالُ الموازينِ الماديَّةِ لإحقاقِ الحقِّ وتبيينِ","vol":"1","page":366},{"text":"المحرَّمِ وإثباتِهِ، والاقتصارُ على ذلك: خطأٌ؛ فهو يعلِّقُ القلبَ والعقلَ ألَّا يُؤمِنَ إلَّا بما تثبُتُ عِلَّتُه، وينفِّرُ مِن الأحكامِ التي يحرِّمُها الشرعُ عندَ غيابِ عِلَّةِ التحريمِ، ولا تُترَكُ الموازنةُ العقليَّةُ، ولكنْ لا يجوزُ تغليبُها على وجوبِ التسليمِ بالحُكْمِ الإلهيِّ.\nوربطُ الناسِ بالتسليمِ ليس تعطيلًا للعقلِ، بل تعظيمًا للخالقِ وسَعَةِ عِلْمِه؛ فإنَّ الإنسانَ إذا رجَعَ كلَّ شيءٍ إلى نَفْسِهِ، تَكبَّرَ، وإذا رجَعَهُ إلى غيرِهِ، عَلِمَ ما لم يَعلَمْ، فهذا في البشَرِ، والفارِقُ بين البشرِ في العِلْمِ والحِكْمةِ محدودٌ، والفارقُ في العلمِ والحِكْمةِ بين الإنسانِ وربِّه ليس له حَدٌّ، وتسليمُ الإنسانِ بحُكْمِ رَبِّهِ قوةُ إيمانٍ، وأَثْبَتُ على التمسُّكِ بالحقِّ؛ فإنَّ العقولَ تتمسَّكُ بما ترى نفعَهُ، فإذا زالَ النفعُ، انتكَسَتْ عنه، وأمَّا مَن سلَّم للهِ، فما عندَ اللهِ ثابتٌ لا يزولُ؛ روى ابنُ جريرٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عنِ ابنِ عَباسٍ؛ قولَهُ: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾؛ يقولُ: \"ما يَذهَبُ مِنَ الدِّينِ، والإثمُ فيه: أكبَرُ مِمَّا يُصِيبُونَ في فَرَحِها إذا شَرِبُوهَا\" (١).\nوهذه الآيةُ تمهيدٌ لما أَتَى بعدَها مِن التحريمِ؛ حيثُ أنزَلَ اللهُ قولَهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]؛ وذلك لبيانِ التحريمِ ووضوحِه، وقَطْعِ الرَّيْبِ والشكِّ الواقعِ في النفوسِ من حُكْمِ الخمرِ والميسِرِ.\nوأكثرُ المفسِّرينَ: على أنَّ آيةَ البابِ لم يثبُتْ بها تحريمُ الخمرِ قطعًا؛ وإنَّما إلماحًا، وروى ابنُ جريرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ؛ قالَ: \"لمَّا نزَلَتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾،\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٦٨٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٩٢).","vol":"1","page":367},{"text":"فكَرِهَها قومٌ؛ لقولِه: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، وشَرِبها قومٌ، لقوله: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، حتَّى نزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، قال: فكانُوا يَدَعُونها في حِينِ الصلاةِ، ويَشرَبونَها في غيرِ حينِ الصلاةِ، حتَّى نزلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، فقال عمرُ: ضَيْعَةً لَكِ! اليومَ قُرِنْتِ بالميسِرِ! \" (١)\nوالخمرُ ممَّا وقَعَ الخلافُ في تحريمِ الشرائعِ السابِقةِ لها، والكتُبُ السابقةُ فيها ما يُشِيرُ إلى هذا وهذا، واللهُ أعلَمُ.\nوقولُه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾.\nالمرادُ بالعفوِ: ما زادَ وفضَلَ عن حاجةِ النَّفْسِ والزَّوْجةِ والوَلَدِ؛ روى مِقسَمٌ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: \"العفوُ: ما فضَلَ عن أهلِك\".\nوقال بهذا عطاءٌ وقتادةُ وغيرُهما (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>التوسُّطُ في النفقةِ:</span>\nوفيه: الحَثُّ على التوسُّطِ في النَّفَقةِ، وعدَمِ السَّرَفِ، والسَّرَفُ بالنفقةِ: أنْ يُنفِقَ الإنسانُ نفقةً تَضُرُّ مَن تجبُ عليه كِفَايَتُهم؛ كوالِدَيْهِ وأولادِه وزَوْجِه؛ فهو يقدِّمُ مستحَبًّا على واجبٍ.\nوأمَّا تقديمُ أبي بكرٍ لمالِهِ كلِّه ولم يُبْقِ لهم إلَّا اللهَ ورسولَهُ، فذلك أنَّ النبيَّ - ﷺ - استَنْفَقَ الناسَ، وهو في حُكْمِ النَّفِيرِ، ثمَّ إنَّ أبا بكرٍ لم يجرِّدْ أهلَهُ مِن المالِ الذي يقومُونَ به مِن مَلْبَسِهم ومَرْكَبِهم ومَسْكَنِهم القائِمِينَ عليه، فهو لم يَبِعْ بيتًا ولا بِسَاطًا ولا مَرْكَبًا؛ وإنَّما أنفَقَ مالَهُ ممَّا زاد عى ذلك من نَقْدٍ وعَيْنٍ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٦٨١).\n(٢) \"تفسير ابن حاتم\" (٢/ ٣٩٣).","vol":"1","page":368},{"text":"وفي الحثِّ على النفقةِ بفضلِ المالِ: إشارةٌ إلى النهيِ عنِ الخمرِ والميسرِ بلا تصريحٍ؛ فاللهُ نَهَى عنِ الإنفاقِ للهِ بإسرافٍ مع كونِهِ قُرْبةً، فكيف بما يفعَلُهُ الناسُ مِن إهدارِ المالِ لغيرِ اللهِ؟ !\nوفي ذلك: أنَّ اللهَ لمَّا حَرَّمَ عليهِم إهدارَ المالِ في الخمرِ والميسِرِ، أرشَدَهُم إلى إنفاقِه؛ وذلك أنَّ بعضَ النفوسِ تميلُ إلى الميسِرِ؛ لفَضْلِ مالٍ عِنْدَهُ وزيادةٍ فيه، فالنفقةُ في ذلك خيرٌ وأَبْقَى مِن الميسِرِ.\nوفيه امتحانٌ للنفوسِ؛ فما تُنْفِقُهُ في حرامٍ بحُجَّةِ رضا النفسِ وطِيبِها به، فما تفعلُ فيما يجبُ عليها ويُستحَبُّ؟ ! هل تَطِيبُ النفسُ به وتَدْفَعُهُ فيه كذلك، أم تَشُحُّ وتُمسِكُ؟ !\nوفي ذلك: إشارةٌ إلى أنَّ المالَ إذا صُرِفَ في حرامٍ، تعطَّلَتْ مصالِحُ النفقةِ الواجبةِ والمستحَبَّةِ فيه.\nوقيلَ: المرادُ بالعفوِ: أفضلُ المالِ وأطيَبُهُ؛ قاله الربيعُ وقتادةُ (١).\nوقولُه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾.\nوفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ إعمالَ الفِكْرِ والعَقْلِ لا يَنتَهِي بالإنسانِ إلَّا إلى مرادِ اللهِ؛ وإنَّما العَيْبُ في قصورِ الفِكْرِ وضَعْفِ النَّظَرِ.\nواللهُ يبيِّنُ للناسِ الغاياتِ، ويختصِرُ لهم توضيحَ النهاياتِ؛ ليَصِلُوا بعقولِهِم إليها بإدنى تأمُّلٍ، وأقربِ تفكُّرٍ.\nوإنَّما ذكَرَ اللهُ ﴿الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ كما في الآيةِ التالية [البقرة: ٢٢٠]؛ لأنَّ التفكُّرَ فيهما والتوازُنَ بينهما هو طريقُ الوصولِ إلى النتائجِ الحَقَّةِ؛ فالتفكُّرُ في المادِّيَّاتِ - وهي الدُّنيا - مجرَّدًا عن أمرِ الآخِرةِ: يُورِثُ جَهَالةً في الدِّينِ، والتفكُّرُ في أمرِ الآخِرةِ وتعطيلُ التفكُّرِ في منافعِ الدُّنيا: يُورِثُ تعطيلًا للدُّنيا.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٦٨٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٩٣).","vol":"1","page":369},{"text":"وأكثرُ الخَلَلِ في نتاتجِ تفكُّرِ العقولِ، أنَّها تضعُفُ في تأمُّلِ الحقيقةِ؛ إمَّا في الدُّنيا أوِ الآخِرةِ؛ فتضطَرِبُ نتائجُها، فمَن لا يُؤمِنُ بجَدْوَى حُكْمِ اللهِ، فهو تفكَّرَ فيما يَراهُ مِن دُنْياهُ، لا فيما يراهُ مِن عاقبتِهِ ممَّا غاب عنه في الدُّنيا والآخِرةِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠].\nكانتِ العربُ تتوسَّعُ في مالِ الأيتامِ، ومالُهُمْ في غالبِهِ يحتاجُ إلى إدارةٍ وتصرُّفٍ؛ لأنَّه لا يُنتفَعُ به إلَّا بذلك؛ فغالِبُ مالِ العربِ إمَّا زَرْعٌ وغَرْسٌ أو ماشِيَةٌ، والنَّقْدانِ فيهم قليلٌ، والزَّرْعُ والغَرْسُ والماشيةُ تحتاجُ إلى رعايةٍ حتَّى تُخرِجَ وتُدِرَّ وتُنتِجَ، فكان لا بُدَّ مِن عائلٍ لها، وربَّما تَساهَلَ أقوامٌ بأَخْذِ أموالِ اليتامى، وزادُوا في أخذِ حقِّهم، وترخَّصوا بالزِّيَادةِ على ما يَستحِقُّونَ، وربَّما جعَلُوها خُلْطةً مع مالِهم بلا تمييزٍ، وغلَبَ تقديرُهُمْ لحظِّ أنفُسِهِمْ على أيتامِهم؛ فأنزَلَ اللهُ على نبيِّهِ قولَهُ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، فخاف كثيرٌ منهم لإيمانِهِ، وتورَّعَ عن قربِ مالِ اليتيمِ، وتردَّدَ كثيرٌ، حتَّى زهِدَ الناسُ في رعايةِ الأيتامِ وتنميةِ مالِهم.\nروى ابنُ المنذِرِ، وابنُ جريرٍ، عن عَلِيٍّ، عن ابنِ عَبَّاسٍ؛ فِي قولِهِ - ﷿ -: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ قَالَ: ذلك أَنَّ اللهَ - جَلَّ وَعَزَّ - لمَّا أَنْزَلَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ الآيةَ [النساء: ١٠]، كَرِهَ المُسْلِمونَ أَنْ يَضُمُّوا الْيَتَامَى إِلَيْهِمْ، وَتَحَرَّجُوا أَنْ يُخَالِطُوهُمْ فِي شَيْءٍ، وَسَأَلُوا النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ - جَلَّ وَعَزَّ -:","vol":"1","page":370},{"text":"﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ إِلَى قولِهِ: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾؛ لأَحْرَجَكُمْ وضَيَّقَ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنَّهُ وَسَّعَ وَيَسَّرَ، فَقَالَ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] (١).\nوقال بهذا المعنى وأنَّ الآيةَ المحذِّرةَ من مالِ اليتيمِ هي آيةُ النِّساءِ جماعةٌ؛ كالشَّعْبيِّ وعَطَاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ (٢).\nوالمشهورُ: أنَّ النِّساءَ نزَلَتْ بعدَ البقرةِ، ولعلَّ الآيةَ المحذِّرةَ مِن قُرْبِ مالِ اليتيمِ والتشديدَ في ذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢].\nفقد روى ابنُ جريرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيْرٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ؛ قال: لمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] عزَلُوا أموالَ اليتامى، فذكَرُوا ذلك لرسولِ اللهِ - ﷺ -، فنزَلَتْ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾، فخَالَطُوهم (٣).\nوقال: بأنَّ الآيةَ المحذِّرةَ التي لِأَجْلِها نزَلَتْ آيةُ البابِ هي قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] جماعةٌ مِن السَّلَفِ؛ كابنِ أبي ليلى، وسعدٍ، وقتادةَ، والرَّبِيعِ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>التشديدُ في مالِ اليتيمِ:</span>\nوقيل: إنَّ الجَاهِلِينَ مِن العَرَبِ كانوا يعظِّمونَ أمرَ اليتيمِ حتَّى في جاهِليَّتِهم، ويَحترِزونَ منه احترازًا يُضِرُّ باليتيمِ ويَمنَعُه مِن الانتِفاعِ بمالِهِ وتنميتِهِ؛ روى أسباطٌ، عنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾، قال: كانتِ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٠٢)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٥٨٦).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٧٨).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٦٩٨).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٦٩٩ - ٧٠٠).","vol":"1","page":371},{"text":"العربُ يُشَدِّدونَ في اليتِيمِ حتَّى لا يَأكُلُوا معه في قَصْعةٍ واحدةٍ، ولا يَرْكَبُوا له بعيرًا، ولا يَستَخدِمُوا له خادِمًا، فجاؤوا إلى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَسَألُوه عنه؟ فقال: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾؛ يُصلِحُ له مالَهُ وأَمْرَهُ له خيرٌ، وإنْ يُخالِطْهُ فيأكُلْ معه ويُطعِمْهُ ويَرْكَبْ رَاحِلَتَهُ ويَحمِلْهُ، ويَستخدِمْ خَادِمَهُ ويَخْدُمْهُ، فهو أَجْودُ، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ (١).\nورواهُ العَوْفِيُّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ بنحوِه (٢).\nورُوِيَ عنِ الضَّحَّاكِ كذلك (٣).\nولعلَّ العرَبَ لم يكونوا على حالٍ واحدةٍ؛ ففيهِمُ المتساهِلُ، وهم الأكثرُ، وفيهِمُ المتشدِّدُ على نَفْسِهِ وعلى اليتيمِ بما يَضُرُّه ويَضُرُّ اليتيمَ، وهم قِلَّةٌ، وكِلا الحالَيْنِ بحاجةٍ إلى بيانٍ.\nوقد بَيَّنَ اللهُ حالَ مُخالَطتِهم كمُخالطَةِ الإخوةِ بلا حَرَجِ؛ ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾؛ فعن ابن وهبٍ؛ قال: قال ابنُ زَيْدٍ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾، قال: \"قد يُخالِطُ الرَّجُلُ أخَاهُ\" (٤).\nومُخالَطةُ الإخوةِ فيها مِن المُسامَحةِ والمَوَدَّةِ التي لا يُحِبُّ الإنسانُ معها أنْ يُضِرَّ بمالِ أخيه كمالِهِ؛ كما في الحديث: (لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) (٥)، فهو يُحِبُّ في مالِهِ الحفظَ، ويَرضى فيه المسامَحَةَ، وعلامةُ صدقِ الإنسانِ في ذلك: نِيَّتُهُ الحَسَنةُ؛ ولذا قال اللهُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾؛ يَعني: مَن بَيَّتَ إصلاحَ المالِ وحِفظَهُ بمسامَحةٍ، ومَن بَيَّتَ إفسادَه وجعَلَ المسامَحةَ في الخُلْطةِ بابًا للتزيُّدِ والتكثُّرِ والتربُّصِ بمالِ اليتيمِ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٠٣).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٠٤).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٠٤).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٠٥).\n(٥) أخرجه البخاري (١٣) (١/ ١٢) ومسلم (٤٥) (١/ ٦٧)؛ من حديث أَنَسِ بنِ مالكٍ - ﵁ -.","vol":"1","page":372},{"text":"وقد روى حَمَّادٌ، عنْ إبراهيمَ، عن عائشةَ؛ قالتْ: \"إنِّي لأَكْرَهُ أنْ يَكونَ مالُ اليتيمِ عندي عُرَّةً، حتَّى أَخْلِطَ طعامَهُ بطَعَامي، وشَرابَه بشَرابي\".\nوعن أبي مِسكينٍ، عن إبراهيمَ؛ قال: \"إنِّي لَأَكْرَهُ أنْ يَكُونَ مالُ اليتيمِ كالعُرَّةِ\".\nرَواهُما ابنُ جريرٍ (١).\nوكالعُرَّةِ؛ يَعني: كالقَذَرِ؛ يَأنَف الإنسان مِن قُرْبِهِ ومِنْ مماسَّتِهِ.\nواللهُ أرادَ حَثَّ الناسِ على خُلْطةِ اليتيمِ مع حُسْنِ قصدٍ؛ دفعًا للمشقَّةِ والحَرَجِ لكافِلِ اليتيمِ؛ مِن أن يتكلَّفَ الحسابَ، وربَّما دَفَعَهُ ذلك إلى الوَسْوَسةِ، وربَّما حَمَلَهُ على تركِ مالِ اليتيمِ والزُّهْدِ في تنميتِهِ، فيُضِرُّ ذلك باليتيمِ.\nأثرُ النِّيَّةِ في التعاملِ مع مال اليتيمِ:\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾.\nفيه: أثرُ النِّيَّةِ والقصدِ على العملِ، واللهُ رجَعَ الناسَ إلى صالِحِ نِيَّاتِهم وفاسِدِها، وعليها يُحاكَمُونَ، وأنَّ القصدَ يؤثِّرُ في حُكْمِ أَخْذِ مالِ اليتيمِ؛ فقاصِدُ السُّوءِ يتحيَّنُ الأخذَ ويستكثِرُ، وقاصِدُ الخيرِ لا يتحيَّنُ ويقلِّلُ؛ فأرادَ اللهُ مِن الناسِ إصلاحَ المقاصِدِ؛ لتؤثِّرَ على التوازنِ في العملِ، الذي لا يشعُرُ صاحِبُهُ باختلالِهِ إلَّا بشعورِه بحقيقةِ قصدِهِ ونِيَّتِهِ.\nوالنِّيَّةُ هي مدارُ الثوابِ والعقابِ، وإنِ اختلَفَ العملُ الظاهِرُ؛ فاللهُ لا يجازِي قاصِدَ الخيرِ الذي أضَرَّ بمالِ اليتيمِ بحُسْنِ قصدٍ ضَرَرًا عظيمًا إلَّا خيرًا؛ لقَصْدِهِ الحَسَنِ، ويجازِي قاصِدَ الشرِّ الذي أَضَرَّ بمالِ اليتيمِ ضَرَرًا يسيرًا بالإثمِ؛ لقصدِه السُّوء.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٠٥).","vol":"1","page":373},{"text":"روى ابنُ وَهْبٍ؛ قال: قال ابنُ زَيْدٍ، في قولِ اللهِ - تعالى ذِكْرُه -: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾؛ قال: \"اللهُ يَعْلَمُ حِينَ تَخلِطُ مالَكَ بمالِهِ: أتُرِيدُ أن تُصلِحَ مالَهُ، أو تُفسِدَهُ فتأْكُلَهُ بغيرِ حَقٍّ\" (١).\nوقال الشَّعْبيُّ: \"مَن خالَطَ يَتيمًا، فلْيتَوَسَّعْ عليه، ومَن خالَطَهُ ليأكُلَ مالَهُ، فلا يَفعَلْ\" (٢).\nوقولُه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾؛ أيْ: شَقَّ عليكم في مالِ اليتيمِ وشدَّد، وكلَّفَكُمْ ما يَضُرُّ بكم وبه، ولكنَّ اللهَ رحيمٌ لطيفٌ بعبادِه، والعنَتُ هو المشقَّةُ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]؛ أيْ: ما يَشُقُّ عليكم.\nفعن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾؛ يقولُ: \"لو شاءَ اللهُ، لَأَحْرَجَكم فضَيَّقَ عليكم، ولكنَّهُ وَسَّعَ ويَسَّرَ، فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] \" (٣).\nوعن مِقْسَمٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قولَهُ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾؛ قال: \"ولو شاء اللهُ، لَجَعَلَ ما أَصَبْتُم مِن أموالِ اليتامى مُوبِقًا\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>الاحتياطُ في مالِ اليتيمِ عند المتاجرة به:</span>\nويَحتاطُ كافلُ اليتيمِ لمالِ اليتيمِ، ويَجتنِبُ ما يُضِرُّ به، وما هو مِن حظوظِ نَفْسِه، فيَجتنِبُ شراءَ مالِ اليتيم لِحَظِّ نفسِه، أو الشراءَ بمالِ اليتيمِ مِن مالِه؛ حتَّى لا يَدْفَعَهُ ذلك إلى الزيادةِ في حقِّ نَفْسِه، والنقصانِ في حقِّ اليتيمِ؛ فإنَّ النفسَ الصالحةَ تحِبُّ لنفسِها الخيرَ ولغيرِها، ولكنَّها عندَ المزاحَمةِ قلَّما تُغلِّبُ نَفْسَها، فتُؤثِرُ غيرَها على حظِّ نَفْسِها.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٠٧).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٠٨).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٠٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٩٦).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧١٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٩٦).","vol":"1","page":374},{"text":"فكافِل اليتيمِ يكونُ في مقامِ البائعِ والمشتري؛ أصيلًا عن نفسِه، ووكيلًا عنِ اليتيمِ، وربَّما وقَعَ في البيعِ نوعُ شائبةٍ ولو دقيقةً لا يُدْرِكُها الإنسانُ، ورُبَّما كان ثَمَّةَ ظِنَّةُ سُوءٍ في عمَلِهِ مِن اليتيم إذا كَبِرَ ورَشَدَ، أو مِن قَرَابَاتِه، فأدَّى ذلك إلى خصومةٍ ونزاعٍ.\nوهذا على الاحتياطِ والاحترازِ، وأمَّا جوازُ أصلِ البيعِ في مالِه، فهو موضِعُ خلافٍ عندَ الفقهاءِ:\nفعن مالكٍ في المشهورِ عنه: الجَوَازُ.\nورُوِيَ عن عمرَ وعائشةَ وابنِ عمرَ والحسنِ بنِ عليِّ والنَّخَعيِّ.\nروى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عنِ القاسمِ؛ قال: \"كنَّا أيتامًا في حَجْرِ عائشةَ، فكانت تُزَكِّي أموالنَا، وتُبضِعُها في البَحْرِ\" (١).\nوقال أبو حَنِيفةَ: \"له أن يَشترِيَ مالَ الطِّفْلِ اليتيمِ لنَفْسِهِ بأكثَرَ مِن ثَمَنِ المِثْلِ؛ لأنَّه إصلاحٌ دلَّ عليهِ ظاهرٌ القرآنِ\".\nومنَعَ منه الشافعيُّ في النكاحِ، وفي البيعِ؛ لأنَّ اللهَ لم يذكُرْ في الآيةِ التصرُّفَ، بل قال: ﴿إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾؛ فذكَرَ الإصلاحَ، ولم يذكُرِ التصرُّفَ.\nوعلى قولِ الشافعيِّ: يجوز البيعُ منه والشِّرَاءُ له؛ إذا كان ذلك برِبْحٍ بيِّنٍ؛ كالمِثْلِ وشِبْهِه.\nقال محمَّدُ بنُ عبدِ الحَكَمِ: \"وله أنا يبيعَ له بالدَّيْنِ؛ إن رَأَى ذلك نَظَرًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>تزويجُ اليتيمِ:</span>\nواختُلِفَ كذلك في تزويجِه؛ لأنَّ في تزويجِهِ مَهْرًا يُدفَعُ مِن مالِ اليتيمِ، وهو تصرُّفٌ في مالِه:\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢١٣٧٥) (٤/ ٣٩٠).","vol":"1","page":375},{"text":"وقد جوَّز مالكٌ وأبو حنيفةَ وأحمدُ: تزويجَهُ؛ لأنَّ الزواجَ إصلاحٌ له وتقويمٌ وتثبيتٌ، وإعانةٌ له في تدبيرِ شأنِهِ ورعايتِه.\nوالشافعيُّ لا يَرَى في التزويجِ إصلاحًا إلَّا مِن جِهةِ دفعِ الحاجةِ، ولا حاجةَ قبلَ البلوغِ.\nوالأظهَرُ: جوازُ إنكاحِهِ إذا كان في ذلك صلاحُ أمرِهِ وشأنِهِ ورِعَايتُه، وصيانةُ عِرْضِهِ وسَترُه، وحِفْظُ مالِه، ويدخُلُ في ذلك ما يَتبَعُ التزويجَ مِن نفقةِ العُرْسِ ووَلِيمَتِهِ وضَرْبِ الدُّفِّ، وتطبيبِ الزَّوْجةِ عندَ مَرَضِها، ونَفَقتِها، ونحو ذلك.\nقال ابنُ كِنَانةَ: \"وله أنْ يُنفِقَ في عُرْسِ اليتيمِ ما يصلُحُ مِن صنيعٍ وطِيبٍ، ومصلَحَتُهُ بقَدْرِ حالِهِ وحالِ مَن يزوَّجُ إليه، وبقدرِ كَثْرةِ مالِهِ\" (١).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢١].\nهذه الآيةُ نصٌّ في تحريمِ نكاحِ المشرِكاتِ، وقد كان للصحابةِ في أولِ الأمرِ قراباتٌ مِن المشرِكينَ، وجاءتِ الآيةُ بعد الوصيَّةِ بإصلاحِ مالِ اليتيمِ؛ لأنَّ في أبناءِ المشرِكينَ قراباتٍ أيتامًا قُتِلَ آباؤُهُمْ يومَ بَدْرٍ وغيرَهُ، وفيهم ذكورٌ وإناثٌ، والأصلُ بقاؤُهُمْ على مِلَّةِ آبائِهم، حتى يستبِينَ أمرُهم، فَبيَّنَ اللهُ حُكْمَ نكاحِ المشرِكينَ وإنكاحِهم.\nوالزواجُ مِن أظهَرِ صُوَرِ المخالَطةِ والمقارَبةِ، وقد حَرَّمَهُ اللهُ مِن المشركينَ على أيِّ وجهٍ.\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير القرطبي\" (٣/ ٤٥٠).","vol":"1","page":376},{"text":"والمرادُ بالنكاحِ في قولِهِ في الموضعَيْنِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾، ﴿وَلَا تُنْكِحُوا﴾: العقدُ بين الرجلِ والمرأةِ، ويُستعمَلُ مجازًا بمعنى الوَطْءِ، وقال بعضُ الفقهاءِ: هو الوطءُ على الحقيقةِ، والأرجحُ الأوَّلُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>حكمُ نكاحِ المشركاتِ:</span>\nوالنهيُ عن نكاحِ المشرِكاتِ وإنكاحِ المشرِكينَ واقعٌ على العقدِ بلا خلافٍ؛ فلا يجوزُ العقدُ على مشرِكةٍ، ولا العقدُ لمُشرِكٍ على مسلِمةٍ، ولو اتَّفَقُوا على عدمِ المَسِيسِ، إلا بإسلامِهما.\nوالشركُ إذا أُطلِقَ في القرآنِ يرادُ به: مَنْ عبَدَ الأصنامَ والأوثانَ مِن العربِ، ويدخُلُ في ذلك غيرُهُمْ ممَّن شارَكَهُمْ؛ كالبُوذِيِّينَ وغيرِهم، ومِن بابِ أَولى المُلْحِدُ الذي يجحَدُ وجودَ اللهِ.\nوالكفار على نوعَيْنِ: مشرِكونَ، وأهلُ كتابٍ:\nواختلَفَ المفسِّرونَ في هذه الآيةِ: هل نزَلَتْ عامةً وخُصِّصَتْ بآيةِ المائدةِ، أم نزَلَتْ خاصَّةً أولَ نزولِها، فكانت خاصَّةً بالمشركينَ عُبَّادِ الأوثانِ، كما هي عادةُ إطلاقِ الشركِ في القرآنِ في غالبِهِ عليهم، فتكون الآيةُ عامَّةَ اللفظِ خاصَّةَ القصدِ؛ فالآيةُ باقيةٌ لم تُنْسَخْ، وآيةُ المائدةِ جاءت بحكمٍ جديد، أم نزَلَتْ عامَّةً وهي باقيةٌ على عمومِها؟ هذه ثلاثةُ أقوالٍ:\nالقولُ الأوَّلُ: قولُ من قال بعمومِها، ثمَّ نُسِخَ العمومُ أو خُصِّصَ بآيةِ المائدةِ؛ قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [٤]، إلى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [٥].\nوعلى هذا؛ فالآيةُ شامِلةٌ لكلِّ كافرةٍ، سواءٌ كانت عابِدةَ وَثَنٍ، أو كانت كتابيَّةً، يهوديَّةً أو نصرانيَّةً أو مجوسيَّةً، أو كانت مُلْحِدةً لا تُؤمِنُ بخالقٍ، أو مِن غيرِهم مِن أصنافِ الكَفَرَةِ والمشرِكينَ.","vol":"1","page":377},{"text":"وبهذا قال أكثرُ المفسِّرينَ مِن السلفِ؛ كابنِ عباسٍ، ومجاهِدٍ، وعِكْرِمةَ، والحَسَنِ، والربيعِ، وغيرِهم.\nروى عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَهُ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، ثمَّ استثنَى نساءَ أهل الكتابِ، فقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ حِلٌّ لكم ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥] (١).\nوروى يزيدُ النَّحْويُّ، عن عِكْرِمةَ والحَسَنِ البَصْريِّ؛ قالا: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، فنُسِخَ مِن ذلك نساءُ أهلِ الكتابِ، أَحَلَّهُنَّ للمسلِينَ (٢).\nوروى ابنُ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ؛ في قولِه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، قال: \"نساءُ أهلِ مَكَّةَ ومَن سِوَاهُنَّ مِن المشرِكينَ، ثمَّ أحَلَّ منهنَّ نساءَ أهلِ الكتابِ\" (٣).\nوقال به الربيعُ وغيرُهُ.\nأخرَجَ ذلك ابنُ جريرٍ الطبريُّ وغيرُه (٤).\nالقولُ الثاني: أنَّ الآيةَ نزلَتْ خاصَّةً أوَّلَ نزولِها بالمشرِكينَ عُبَّادِ الأوثانِ، فهي عامةُ اللفظِ خاصَّةُ القصدِ؛ فيُقيِّدُ العمومَ النزولُ ومناسبتُهُ وزمَنُهُ.\nوعلى هذا القولِ: فهي باقيةٌ لم تُنسَخْ، وآيةُ المائدةِ جاءَتْ بحُكْمٍ جديدٍ.\nقال بهذا سعيدُ بن جُبَيْرٍ، ومجاهِدٌ، وقتادةُ، وحمَّادٌ؛ وبهذا فسَّرَ الآيةَ الشافعيُّ كما نقَلَهُ عنه البيهقيُّ، وكذلك أحمدُ بنُ حنبلٍ كما أسنَدَهُ عنه الخَلَّالُ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧١٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٩٧).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧١٢).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧١٢).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧١٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٩٧).","vol":"1","page":378},{"text":"القولُ الثالثُ: أنَّ الآيةَ عامَّةٌ في كلِّ صاحبِ مِلَّةٍ غيرِ الإِسلامِ ألَّا يزوِّجَهُ المسلِمونَ رجلًا أو امرأةً، ولم يُنسَخْ شيءٌ منها، وعلى هذا فهي محرِّمةٌ حتى للكتابيَّاتِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>حكمُ وطءِ الإماءِ غير الكتابيَّاتِ:</span>\nوعامَّةُ العلماءِ على تحريمِ نكاحِ غيرِ الكتابيَّاتِ مهما كانت مِلَّتُها.\nوروى ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ وعمرِو بنِ دينارٍ: حِلَّ إماءِ المَجُوسِ.\nويَحتَجُّ مَن يقولُ بِحِلِّهِنَّ بسَبْيِ أَوْطَاسٍ، وكانوا مجوسًا.\nوهذا فيه نظرٌ؛ فما كلُّ مَسْبيَّةٍ تُوطَأُ، وما كلُّ مَسْبِيَّةٍ تَبْقَى على مِلَّتِها، والنصوصُ غيرُ صريحةٍ في هذا، وكان ابنُ شِهَابٍ - وهو مِن أَبْصَرِ الناسِ بالسِّيَرِ - يَنْهَى عن نكاحِ المَجُوسِيَّةِ.\nوكان السلفُ لا يَطَؤُونَ المَسْبِيَّةَ حتى تُسلِمَ ويُعلِّموها الإسلامَ ويستنطِقُوها الشهادتَيْنِ؛ كما رَوَى يونُسُ، عن الحسنِ؛ قال: \"قال رجلٌ له: يا أبا سعيدٍ، كيف كنتُمْ تَصْنَعونَ إذا سَبَيْتُمُوهُنَّ؟ قال: كنَّا نُوجِّهُها إلى القِبْلةِ ونأمُرُها أنْ تُسلِمَ، وتشهَدَ أنْ لا الهَ إلا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، ثمَّ نأمُرُها أنْ تغتسِلَ، وإذا أرادَ صاحِبُها أنْ يُصِيبَها لم يُصِبْها حتى يَسْتَبْرِئَها\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>الزواجُ من الكتابيَّة:</span>\nويَحِلُّ نكاحُ الكتابيَّاتِ عندَ عامَّةِ علماءِ السلفِ، وعليه إجماعُ الخَلَفِ، ولا يثبُتُ القولُ بالتحريمِ عن أحدٍ مِن الصحابةِ إلا عن ابنِ عمرَ، وأمَّا في التابِعِينَ، فلأفرادٍ منهم، وهجَرَ قولَهُمْ أصحابُهُمْ، وأمَّا كراهةُ نكاحِ الكتابيَّةِ وعدمُ استحسانِهِ لا تحريمُهُ، فلِقِلَّةٍ مِن السلفِ، وقد جاء\n_________\n(١) \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٦/ ٢٦٩).","vol":"1","page":379},{"text":"عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ النهيُ عن نكاحِ الكتابيَّاتِ؛ ففي \"البخاريِّ\"، عنه: \"لا أعلَمُ مِنَ الإشراكِ شيئًا أكبرَ مِن أنْ تقولَ المرأةُ: رَبُّهَا عيسى\" (١).\nوقد يَجْرِي قولُ ابنِ عمرَ هذا على مَنْ يُظهِرُ تألِيهَ عيسى لدى النصارى؛ وهذا غالبٌ فيهم معروفٌ؛ وهو كُفْرٌ وشِرْكٌ، ولكن مَن يقولُ مِنَ اليهودِ بأنَّ عُزَيْرًا ابنُ اللهِ أتباعُ فِنْحَاصَ؛ وهم قلةٌ مِن اليهودِ.\nورُوِيَ عن عمرَ بنِ الخطَّابِ: منعُ الزواجِ مِن الكتابيَّاتِ مِن وجهٍ فيه نظرٌ، رواهُ شَهْرُ بنُ حَوْشَبٍ؛ قال: سَمِعْتُ عبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ يقولُ: نَهَى رسولُ اللهِ - ﷺ - عن أصنافِ النِّسَاءِ، إلا ما كان مِن المؤمِناتِ المهاجِراتِ، وحَرَّمَ كلَّ ذاتِ دِينٍ غيرِ الإِسلامِ، وقال اللهُ - تعالى ذِكْرُهُ -: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥]، وقد نَكَحَ طَلْحةُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ يهوديَّةً، ونكَحَ حُذَيْفةُ بنُ اليَمَانِ نصْرانيَّةً، فغَضِبَ عمرُ بنُ الخطَّابِ - ﵁ - غضبًا شديدًا، حتى همَّ بأنْ يَسْطُوَ عليهما، فقالا: نحن نُطلِّقُ يا أميرَ المؤمنِينَ، ولا تغضب! فقال: لَئِنْ حَلَّ طلاقُهُنَّ لقد حَلَّ نكاحُهُنَّ، ولكنْ أَنْتَزِعُهُنَّ منكم صَغَرَةً قِمَاءً.\nأخرَجَهُ الطبرانيُّ في \"معجمِه\"، وابنُ جريرٍ الطبريُّ في \"تفسيرِه\"، وروى الترمذيُّ المرفوعَ منه (٢).\nولا يصحُّ؛ شَهْرٌ في حفظِه ضعفٌ.\nوهو مخالِفٌ للثابتِ عن عُمَرَ في صحةِ زواجِ المسلِمِ مِن كتابيَّةِ؛ فعن زيدِ بنِ وهبٍ؛ قال: قال عمرُ: \"المسلِمُ يتزوَّجُ النصرانيَّةَ، ولا يتزوَّجُ النصرانيُّ المسلِمةَ\".\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٢٨٥) (٧/ ٤٨).\n(٢) أخرجه الترمذي (٣٢١٥) (٥/ ٣٥٥) والطبري (٣/ ٧١٥)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٣٠١٣) (١٢/ ٢٤٨).","vol":"1","page":380},{"text":"وروى الصَّلْتُ بنُ بَهْرَامَ، عن شقيقٍ؛ قال: تزوَّجَ حُذَيْفةُ يهوديَّةً، فكتَبَ إليه عمرُ: \"خَلِّ سَبِيلَها\"، فكتَبَ إليه \"أتزعُمُ أنَّها حرامٌ فأُخْلِيَ سبيلَها؟ \"، فقال: \"لا أزعُمُ أنَّها حَرَامٌ، ولكنْ أخافُ أنْ تَعَاطَوُا المُومِسَاتِ مِنْهُنَّ\" (١).\nوقد قال بِجَوَازِ زواجِ المسلِمِ مِن كتابيَّةٍ عامَّةُ السلفِ والخلفِ، وهو قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ، وقولُ الثوريِّ والأوزاعيِّ.\nورُوِيَ عن قلةٍ مِن فقهاءِ السلفِ: المنعُ مِن زواجِ المسلِمِ مِن كتابيَّةٍ، فقد روى مَعْمَرٌ، عن قَتَادةَ والزُّهْريِّ؛ في قولِهِ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، قال: \"لا يَحِلُّ لك أنْ تُنْكِحَ يهوديًّا أو نصرانيًّا ولا مشرِكًا مِن غيرِ أهلِ دِيِنِك\" (٢).\nوروى ابنُ حَبِيبٍ، عن مالكٍ: كراهةَ الزواجِ مِن الكتابيَّةِ.\nولا يَقصِدُ مالكٌ التحريمَ؛ لظهورِ الآيةِ بالجوازِ وعملِ أهلِ المدينةِ، وربَّما كَرِهَهُ لقولِ ابنِ عمرَ ولكراهةِ عمرَ بنِ الخطابِ له، ولم يقصِدْ تحريمَهُ، فعِلَّتُهُ في ذلك كعلةِ عمرَ بالنهيِ عنه، ومالكٌ إنْ صحَّ الخبرُ عن عمرَ، لم يقدِّمْ عليه قولَ ابنِ عمرَ.\nوروى الحسَنُ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (نَتَزَوَّجُ نِسَاءَ أَهْلِ الكِتَابِ، وَلَا يَتَزَوَّجُونَ نِسَاءَنَا) (٣).\nوقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾: دليلٌ على أنَّ النَّهْيَ لأجلِ الشركِ، وهو غايةُ النهي وعِلَّتُهُ، فإذا آمَنَّ، جازَ النكاحُ، وإذا لم يَصِحَّ زواج المسلِمةِ مِن كافرٍ ابتداءً، فلا يجوزُ البقاءُ عندَ مَن كفَرَ بعد إسلامِهِ بالاتِّفاقِ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧١٦).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧١٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٩٩).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧١٦).","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>ردةُ أحد الزوجَيْنِ:</span>\nفالرِّدَّةُ مِن أحدِ الزوجَيْنِ تُوجِبُ الحيلولةَ بينَهما بلا خلافٍ؛ كانتِ الردةُ قبلَ الدخولِ أو بعدَه.\nوإنِ ارْتَدَّ أحدُ الزوجَيْنِ قبلَ الدخولِ، انفسَخَ النكاحُ ولم يُعْتَدَّ به، ولا عِدَّةَ بينهما.\nوأمَّا الردَّةُ بعدَ الدخولِ، فقد جعَلَها فسخًا وليست طلاقًا أبو حنيفةَ والشافعيُّ وأحمدُ، وروايةٌ عن مالكٍ حكَاها ابنُ المَاجِشُونِ.\nوقال المالكيَّةُ ومحمدُ بنُ الحسنِ: إنَّها طَلْقَةٌ بائنةٌ.\nوعلى القولِ بأنَّها فسخٌ لا طلاقٌ، فطلاقُ الزوجِ بعدَ رِدَّتِهِ لا يقعُ؛ لأنَّه وقَعَ على غيرِ زَوْجَتِه؛ وإنَّما على أجنبيَّةٍ عنه، وكذا لو ارتَدَّتِ الزوجةُ قبلَ الدخولِ بها أو خرَجَتْ من عِدَّتِها، فلا يقعُ الطلاقُ عليها حينَئذٍ باتِّفاقِ الأئمَّةِ الأربعةِ.\nوإذا عاد الزوجُ بعدَ رِدَّتِهِ إلى إسلامِه، رجَعَتْ إليه، ولا يخلو مِن حالَيْنِ:\nإمَّا أنْ يَرجِعَ إلى إسلامِهِ بعدَ انقضاءِ عِدَّتِها، فتعودُ إليه بعقدٍ جديدٍ عندَ عامةِ العلماءِ.\nوإمَّا أنْ يَرْجِعَ إلى إسلامِهِ قبلَ انقضاءِ عِدَّتِها؛ فقولانِ للعلماءِ في رجوعِها بعقدٍ جديدٍ أو بعقدِها الأوَّلِ، قال بالثاني الشافعيَّةُ، وهو قولٌ لجماعةٍ مِن الحنابلةِ، خلافًا للمالكيَّةِ الذين جعَلُوا الرِّدَّةَ طلقةً بائنةً حالَ وقوعِ الرِّدَّةِ، ولا عِبْرةَ بالعِدَّةِ، وكذا الحنفيَّةُ الذين أَوْجَبُوا العقدَ الجديدَ ولو عادتْ في أثناءِ العِدَّةِ خلافًا لمحمدِ بنِ الحسنِ منهم.\nولأبي حنيفةَ قولٌ في أنَّ الزَّوْجةَ إنِ ارتدَّتْ بعدَ الدخولِ بها: أنَّه ينفسِخُ نكاحُها، وتكونُ رقيقةً مملوكةً، ولزوجِها تملُّكُها مِن إمامِ","vol":"1","page":382},{"text":"المسلِمينَ مِلْكَ يمينٍ، وهذا يستقيمُ مع قولِ مالكٍ في عدمِ قتلِ المرأةِ إنِ ارتَدَّت بخلافِ الرجلِ.\nوقولُه: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾:\nأيْ: نكاحُ الأَمَةِ الرقيقةِ المؤمِنةِ خيرٌ وأَحَبُّ إلى اللهِ مِن الزواجِ مِن حُرَّةٍ مشرِكةٍ، فالعربُ تأنَفُ مِن الزواجِ مِن الإماءِ، وإنَّما كانت تتَسَرَّى بِهِنَّ، والرجالُ يَنْكِحُونَ المرأةَ لنَسَبِها وحَسَبِها وجمالِها، وهذا ما أشارَ اللهُ إليه في قولِه: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾، فهم يُعجَبُونَ بذلك منهنَّ، وقد أثْبَتَهُ اللهُ مُقِرًّا لوجودِهِ في النفوسِ والفِطَرِ، ومانعًا مِن تقديمِهِ على حُكْمِ اللهِ وقضائِه؛ لأنَّ حقَّ اللهِ - وهو توحيدُهُ - أَوْلى بالتقديمِ مِن حظِّ النفسِ وحقِّها؛ فمَن يقدِّمْ حَظَّ نفسِهِ على حظِّ غيرِهِ ممَّن له حقٌّ عليه، فهذا علامةٌ على ضعفِ تعظيمِهِ لصاحِب الحقِّ عليه، فالابنُ لا يُحِبُّ مَن آذَى والدَهُ وسَبَّهُ ولَعَنَهُ ولو أحَسَنَ إليه وَأكرَمَهُ، فكُرْهُهُ له وعدَمُ محبَّتِهِ له لأنَّه ظالِمٌ لوالدِه؛ وذلك لِعِظَمِ حقِّ الوالدِ على ابنِه، وربَّما أَحَبَّ الإنسانُ مَنْ أحسَنَ إليه إذا كان يُسِيءُ للأَبْعَدِينَ منه؛ لضَعْفِ حقِّ الأبعدِينَ عليه.\nوحقُّ اللهِ أَوْلَى وأعظَمُ مِنْ حقِّ الوالدَيْنِ وكلِّ أحَدٍ.\nوقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾:\nخالَفَ في الخِطَابِ، ففي نكاحِ المشرِكاتِ وجَّهَ الخِطَابَ للأزواجِ؛ لأنَّهم يَملِكونَ أمرَ أنفسِهم وعِصْمَتَهم، وأمَّا في إنكاحِ المشرِكينَ فوَجَّهَ الخطابَ للرجالِ الأولياءِ؛ فقال: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا﴾، ولم يقلْ: تَنْكِحْنَ؛ لأنَّ الوَلِيَّ هو الذي يزوِّجُ، وليستِ المرأةُ تزوِّجُ نفسَها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>الوليُّ في النكاح:</span>\nوهذا دليلٌ على أنَّ النكاحَ المشروعَ لا يكونُ إلا بوَلِيٍّ، وهذا ظاهِرُ القرآنِ؛ عندَ الكلامِ على تزويجِ النساءِ يقولُ: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾","vol":"1","page":383},{"text":"[٢٥]، ويقولُ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، ويقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾.\nقال ابنُ أبي حاتمٍ في هذه الآيةِ: أصلٌ بأنَّ النكاحَ لا يجوزُ إلا بوليٍّ؛ لمخاطبتِهِ الوليَّ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا﴾: لا تزوِّجُوا (١).\nوقد اختلَفَ أهلُ العلمِ في النكاحِ بغيرِ وليٍّ، على قولَيْنِ:\nالقولُ الأولُ: أنْ لا نكاحَ إلا بوليٍّ؛ وهو قولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ، وهو قولُ سعيدِ بنِ المسيَّبِ، والحسنِ البصريِّ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وجابرِ بنِ زيدٍ، وسفيانَ الثَّوْريِّ، وابنِ أبي ليلى، وابنِ شُبْرُمَةَ، وابنِ المبارَكِ، ومالكٍ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي عُبَيْدٍ، وأبي ثَوْرٍ، والطبريِّ.\nوغيرُ واحدٍ مِن الأئمةِ؛ كأحمدَ، وابنِ بَطَّةَ: يذكُرُ النكاحَ بوليٍّ في مسائلِ العقيدةِ والسُّنَّةِ؛ للمُفارَقةِ بينَ أهلِ السُّنَّةِ وأهلِ الِبدَعِ، مِن الرافضةِ وغيرِهم الذين جعَلُوهُ بابًا للزِّنَى، يترخَّصُونَ به للمُتْعةِ.\nوالنهيُ في ذلك؛ لظاهرِ القرآنِ، ولقولِهِ - ﷺ -: (لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَليٍّ)؛ وهذا حديثٌ مشهورٌ رواهُ جماعةٌ مِن الصحابةِ عن النبيِّ - ﷺ -، منهم: أبو موسى الأشعريُّ، وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، وعِمْرانُ بنُ الحُصَيْنِ، وجابرُ بنُ عبدِ اللهِ، وعبدُ اللهِ بنُ عباسٍ، وأبو هريرةَ، وعائشةُ، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرٍو، وأنسُ بنُ مالكٍ، وأبو أُمَامةَ، وسمُرةُ بن جُنْدُبٍ.\nولا تخلو هذه الأحاديثُ مِن ضعفٍ، وأصحُّها وأشهَرُها: حديثُ أبي موسى؛ رواهُ إسرائيلُ، وأبو عَوَانةَ، ويونُسُ، وشَرِيكٌ النَّخَعيُّ، وقيسُ بنُ الربيعِ، وزهيرُ بنُ معاويةَ، ورَقَبَةُ بنُ مَصْقَلَةَ: كلُّهم عن\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٣٩٩).","vol":"1","page":384},{"text":"أبي إسحاقَ، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى، عن النبيِّ - ﷺ -؛ أنَّه قال: (لَا نِكاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ) (١).\nوقد اختُلِفَ في وَصْلِهِ؛ فقد أرسَلَهُ شُعْبةُ وسُفْيانُ وأبو الأحوصِ؛ كلُّهم عن أبي إسحاقَ، عن أبي بُرْدةَ، عن النبيِّ - ﷺ -؛ مُرسَلًا.\nوروى ابنُ ماجه، والدارَقُطْنيُّ، عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (لَا تُزَوِّجُ المَرْأَةَ المَرْأَةَ وَلَا تُزَوِّجُ المَرْأَةُ نَفْسَهَا؛ فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ التي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا) (٢).\nوصحَّحَهُ مرفوعًا غيرُ واحدٍ؛ كالدارقطنيِّ وغيرِه، وصوَّبَ وَقْفَهُ أبو حاتمٍ وغيرُه.\nوروى أحمدُ وأهلُ السُّنَنِ؛ مِن حديثِ عُرْوةَ، عن عائشةَ؛ قالتْ: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - فَإِنْ دَخَلَ بِهَا، فَالمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، فَإِنْ تَشَاجَرُوا، فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ) (٣).\nوفي الحديثِ اختلافٌ كثيرٌ.\nالقولُ الثاني: قالوا: النكاحُ بلا وليٍّ صحيحٌ.\nوبعضُهم يشترِطُ شاهِدَيْنِ، ومنهم مَن يشترِطُ إشهارَ النكاحِ وإعلانَهُ؛ سواءٌ كان الوليُّ موجودًا أو غيرَ موجودٍ.\nولا أعلَمُ فقيهًا أسقَطَ وجوبَ اشتراطِ الوليِّ والشاهدَيْنِ وإعلانِ النكاحِ جميعًا.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٩٥١٨) (٤/ ٣٩٤)، وأبو داود (٢٠٨٥) (٢/ ٢٢٩)، والترمذي (١١٠١)، (٣/ ٣٩٩)، وابن ماجه (١٨٨١) (١/ ٦٠٥).\n(٢) أخرجه ابن ماجه (١٨٨٢) (١/ ٦٠٦)، والدارقطني في \"سننه\" (٣٥٣٥) (٤/ ٣٢٥).\n(٣) أخرجه أحمد (٢٤٢٠٥) (٦/ ٤٧)، وأبو داود (٢٠٨٣) (٢/ ٢٢٩)، والترمذي (١١٠٢) (٣/ ٣٩٩)، والنسائي في \"الكبرى\" (٥٣٧٣) (٥/ ١٧٩)، وابن ماجه (١٨٧٩) (١/ ٦٠٥).","vol":"1","page":385},{"text":"وقد كان الزُّهْريُّ والشَّعْبيُّ يقولانِ: \"إذا زوَّجَتِ المرأةُ نفسَها كُفُؤًا بشاهدَيْنِ، فذلك نكاحٌ جائزٌ\".\nوكذلك كان أبو حَنِيفةَ يقولُ: \"إذا زوَّجَتِ المرأةُ نفسَها كُفُؤًا بشاهدَيْنِ، فذلك نكاحٌ جائزٌ\".\nوهو قولُ زُفَرَ (١)، ولكنَّه مخالفٌ للقرآنِ والسُّنَّة والأثرِ:\nقال ابنُ المُنذِرِ: \"وأمَّا ما قاله النُّعْمانُ، فمُخالِفٌ للسُّنَّةِ، خارِجٌ عن قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ\" (٢).\nوفي \"الموطَّإِ\": أنَّ عائشةَ - ﵂ - زَوَّجَتْ بنتَ أخِيها عبدِ الرحمنِ، وهو غائبٌ. . . الحديثَ (٣).\nوقد رواهُ ابن جُرَيْجٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ بنِ محمدِ بنِ أبي بكرٍ، عن أبيه، عن عائشةَ - ﵂ -؛ أنَّها أَنْكَحَتِ المنذِرَ بنَ الزبيرِ امرأةً مِن بني أخِيها، فضَرَبَتْ بينَهُمْ بسِتْرٍ، ثمَّ تَكَلَّمَتْ حتى إذا لم يَبْقَ إلا العقدُ أمَرَتْ رجلًا فأَنْكَحَ، ثمَّ قالتْ: ليس على النساءِ إنكاحٌ (٤).\nولا حُجَّةَ في المرويِّ عن عائشةَ؛ فهي فَعَلَتْ؛ لعِلْمِها أنَّ قولَها لا يُرَدُّ، ووكَلَتِ العقدَ إلى رجلٍ، فنُسِبَ الإنكاحُ إليها.\nوالنكاحُ بلا وَليٍّ لا يَصِحُّ، ولا حُكْمَ للنكاحِ ولا أثَرَ على الصحيحِ، ولو رَضِيَ الوليُّ بعدَ ذلك، فليس له أن يُمضِيَهُ؛ لأنَّه لم يَنعقِدْ أصلًا.\n_________\n(١) \"التمهيد\" لابن عبد البر (١٩/ ٩٠).\n(٢) \"الأوسط\" لابن المنذر (٨/ ٢٦٧)، و\"الإشراف على مذاهب العلماء\" له (٥/ ١٥).\n(٣) \"موطأ مالك\" رواية أبي مصعب الزهري (١٥٦٤) (١/ ٦٠٣).\n(٤) \"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (٧/ ٢٤٤)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ٧٢ - ٧٣)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٩/ ١٨٦).","vol":"1","page":386},{"text":"وقولُهُ تعالى في الأَمَةِ المشرِكةِ: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾، وفي المبدِ المشرِكِ: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾: فيه العفوُ عمَّا يَجِدُهُ العبدُ مِن استحسانٍ قلبيٍّ لكافرٍ وتفضيلِهِ على مسلمٍ لبعضِ ما خُصَّ به مِن جمالِ خِلْقةٍ، وقوةِ بَسْطَةٍ، أو حُسْنِ صَنْعةٍ؛ فاللهُ أثبَتَ وجودَ ذلك ولم يَنْهَ عنه، ولكنَّه نَهَى عن الانقيادِ له وتَرْكِ حُكْمِ اللهِ لأجلِهِ.\nوقولُهُ تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾:\nهذا بيانٌ لِعِلَّةِ التحريمِ وعلةِ التفاضُلِ بين المؤمِنةِ والمشرِكةِ، والمؤمِنِ والمشرِكِ، وهو الظلمُ في حقِّ اللهِ وسوءُ العاقبةِ عندَ اللهِ؛ وذلك أنَّ المشرِكةَ والمشرِكَ يَدْعُونَ إلى الكُفْرِ ولو بلسانِ حالِهِمْ، ودوامُ المخالَطةِ يؤثِّرُ في النفوسِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].\nكان اليهودُ يهجُرُونَ الحائضَ حالَ حَيْضِها؛ فلا مؤاكَلةَ ولا مضاجَعةَ؛ لأنَّها نَجِسةٌ عندَهم، وبهذا أخَذَ بعضُ المسلِمِينَ في المدينةِ، فبيَّن اللهُ حُكْمَ الحائضِ وقُرْبِها، وما يَحِلُّ منها وما يحرُمُ، وأنَّها طاهِرةُ البدنِ، نَجِسةُ الخارجِ، فدمُ الحيضِ نَجِسٌ بلا خلافٍ؛ ولذا قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾، والمرادُ به القذرُ النَّجِسُ، ولنجاسةِ دمِ الحيضِ حرَّمَ اللهُ وَطْءَ الحائضِ؛ ولذا قال: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾.\nففي \"المسندِ\"، و\"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ أنسٍ: أنَّ اليهودَ كانت إذا","vol":"1","page":387},{"text":"حاضَتِ المرأةُ منهم، لم يؤاكِلُوها ولم يجامِعُوها في البيوتِ، فسَأَلَ أصحابُ النبيِّ - ﷺ - فأنزَلَ اللهُ - ﷿ -: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، حتى فَرَغَ مِن الآيةِ، فقال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النكاحَ)، فبلَغَ ذلك اليهودَ، فقالوا: ما يُرِيدُ هذا الرجلُ أنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنا شيئًا إلا خالَفَنَا فيه! فجاء أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بنُ بِشْرٍ، فقالا: يا رسولَ اللهِ، إنَّ اليهودَ قالتْ كذا وكذا؛ أفلا نُجَامِعُهُنَّ؟ فتَغَيَّرَ وجهُ رسولِ اللهِ - ﷺ -، حتى ظَنَنَّا أنْ قد وَجَدَ عليهما، فخرَجَا فاستقبَلَتهُمَا هديَّةٌ مِن لَبَنٍ إلى رسولِ اللهِ - ﷺ -، فأرسَلَ في آثارِهما فسَقَاهُما، فعَرَفَا أنْ لم يَجِدْ عليهما (١).\nوالحيضُ كتَبَهُ اللهُ على جميعِ بناتِ آدَمَ؛ فلا يَخْتَصُّ بجنسٍ ولا بِبَلَدٍ ولا عِرْقٍ منهنَّ؛ ففي \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ عائشةَ، قال - ﷺ -: (ذَلِكِ شَيْءٌ كَتبَهُ اللهُ عَلى بَنَاتِ آدَمَ) (٢).\nوالمرادُ باعتزالِ الحائضِ: اعتزالُ الوطءِ، وليس اعتزالَ المجالَسةِ والمماسَّةِ والمؤاكَلةِ والمضاجَعةِ، كما يفعلُ اليهودُ؛ فقولُه تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ مفسَّرٌ ومبيَّنٌ بقولِهِ تعالى بعدَهُ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، فأمَرَ اللهُ بإتيانِ موضعِ الوطءِ وليس إتيانَها كلِّها؛ لأنَّها لم تحرُمْ كلُّها عليهم مِن قبلُ.\nوقولُ اللهِ تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾؛ يعني: يَنقَيْنَ مِن نزولِ الدمِ، وقولُهُ بعدَهُ: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾؛ يعني: اغتسَلْنَ مِن بقيَّةِ الأذَى؛ وعلى هذا: فلا يجوزُ وطءُ المرأةِ بعدَ طُهْرِها حتى تغتسِلَ؛ لأنَّ اللهَ ذكَرَ الطُّهْرَ والتطهُّرَ.\nوهذا قولُ أحمد وجمهورِ العلماءِ، وعليه فتوى الصحابةِ والتابعين،\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٢٣٥٤) (٣/ ١٣٢)، ومسلم (٣٠٢) (١/ ٢٤٦).\n(٢) أخرجه البخاري (٢٩٤) (١/ ٦٦)، ومسلم (١٢١١) (٢/ ٨٧٣).","vol":"1","page":388},{"text":"ولا يُعرَفُ مَن أَفْتَى بخلافِهِ أو قال بجوازِ وطءِ المرأةِ قبلَ غُسْلِها؛ روى عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ: \"إذا طَهُرَتْ مِن الدمِ، وتطهَّرَتْ بالماءِ\"؛ وبهذا فسَّرَهُ مجاهِدٌ وعِكْرِمةُ، والحسنُ والليثُ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>حكمُ جماع الحائضِ:</span>\nوحكى ابنُ جريرٍ وغيرُهُ الاتِّفاقَ على أنَّه لا يجوزُ وطءُ المرأةِ الحائضِ بعدَ انقطاعِ الدمِ وقبلَ الغُسْلِ أو التيمُّمِ لعادمِ الماءِ؛ لظاهرِ الآيةِ (٢).\nوذهَبَ أبو حنيفةَ: إلى جوازِ الوطءِ قَبلَ الغُسْل، لكنْ قيَّده بما إذا انقطَعَ الدمُ بأكثرِ الحيضِ عَشَرةِ أيامٍ؛ فقال: إنَّه لا يجبُ عليها الغُسْلُ في هذه الحالةِ.\nوالحقُّ: أنَّه لا دليلَ يعضُدُ هذا التقييدَ، ولا سلفَ ينصُرُهُ.\nوإنَّما اختُلِفَ في القَدْرِ الذي يُطلَقُ عليه الغُسْلُ، وتُستحَلُّ به المرأةُ بعدَ انقطاعِ دَمِها:\nوالأكثرون: على أنَّه الغُسْلُ التامُّ كغُسْلِ الجنابةِ؛ وعلى هذا أصحابُ ابنِ عباسٍ؛ كمجاهِدٍ وعِكْرِمةَ، وقال به مِن البصريِّينَ: الحَسَنُ، ومِن الكوفيِّينَ: النَّخَعيُّ.\nوقيل: وضوءُ الصلاةِ.\nوقيل: غَسْلُ الفَرْجِ وتنقيتُهُ مِن الدمِ.\nفقولُه تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ يعني: الوطءَ في موضعِ القُبُلِ، وهو الموضِعُ الذي نُهِيتُمْ عنه تُؤْمَرونَ به دونَ مجاوزتِهِ؛ روى سعيدُ بن جبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: \"مِنْ حيثُ جاء الدمُ مِن ثَمَّ أُمِرْتَ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٣٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٤٠٢).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٣٥).","vol":"1","page":389},{"text":"أنْ تأتيَ (١) \"؛ وبهذا قال مجاهدٌ والنَّخَعيُّ، وعِكْرِمةُ وقتادةُ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>حكمُ إتيان الزوجة في دُبُرِها:</span>\nوهذه الآيةُ تتضمَّنُ النهيَ عن إتيانِ المرأةِ في دُبُرِها، مِن وجهَيْنِ:\nالأولُ: أنَّ اللهَ نَهَى عن قُرْبِ النساءِ زَمَنَ الحَيْضِ بالجِمَاعِ، ولو جاز الدُّبُرُ، لَمَا كان للنهيِ عن القُرْبِ معنًى؛ فاللهُ نَهَاهُ عن قُرْبِها بجِمَاعِ القُبُلِ؛ لأنَّه لا يَحِلُّ إلا هو.\nالثاني: أنَّ النهيَ عن جِمَاعِ الحائضِ في قُبُلِها؛ لأنَّه مَحَلُّ نجاسةٍ، وهو دمُ الحَيْضِ؛ وذلك ظاهرٌ في تعليلِ النهيِ بقولِه: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾، والدُّبُرُ محلُّ نجاسةٍ وأذًى أشدَّ مِنَ الدمِ، وهو العَذِرَةُ؛ فالنهيُ عنه دائِمٌ؛ لأنَّه محلٌّ دائمٌ لا يتوقَّفُ ولا ينقطِعُ، ولا يمكِنُ تطهيرُ مَحَلِّهِ الباطنِ، كما يتوقَّفُ ويتطهَّرُ محلُّ الجِمَاعِ في القُبُلِ ظاهرًا وباطنًا؛ فدلَّ على أنَّ التحريمَ في الدُّبَرِ أَولى مِن النهيِ والتحريمِ في القُبُلِ وأشَدُّ.\nوقد علَّل اللهُ الحِكْمةَ مِن النهيِ في الآيةِ بالنجاسةِ في ألفاظٍ؛ منها قولُه: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، وقولُه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾، وقولُه: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، ولا يمكِنُ أنَّ اللهَ يَنْهَى عن القُبُلِ لعلَّةِ التنجُّسِ ثمَّ يَأْذَنُ بالدُّبُرِ ويَصِفُ مَن كانت حالُهُ كذلك بالمتطهِّرِ؛ ولذا قال مجاهدٌ: \"مَن أَتَى امرأتَهُ في دُبُرِها، فليس مِن المتطهِّرينَ\" (٣).\nويأتي الدليلُ أصرَحَ في الآيةِ التاليةِ، وقد رُوِيَ أنَّهم كانوا يَأُتُونَ المرأةَ في دُبُرِها عندَ حَيْضِها؛ فانزَلَ اللهُ الآيةَ للدلالةِ على تحريمِ ذلك؛ كما رَوَاهُ خُصَيْفٌ، عن مجاهِدٍ؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (٤).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٣٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٤٠٢).\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٣٦ - ٧٣٨).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٤٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٤٠٣).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٢٢).","vol":"1","page":390},{"text":"وتطهُّرُ المرأةِ للجِمَاعِ بعدَ حَيْضِها واجبٌ على المسلِمةِ والكتابيَّةِ سواءً؛ لأنَّ العِلَّةَ تَعَلَّقَتْ بالزوجِ أنْ يُصِيبَهُ الأذى؛ فهو مخاطَبٌ بعدمِ القُرْبِ، والمرأةُ لا يَجِبُ عليها الغُسْلُ إلا عنَد قيامِ المُوجِبِ مِن الصلاةِ وغيرِها، فالسؤالُ إنَّما كان مِن الرجالِ؛ فتَعَلَّقَ بهم، وإنِ اختلَفَ دِينُ المرأةِ فكانت لا تستحِلُّ صلاةً كالكتابيَّةِ.\nثمَّ قال اللهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾؛ إشارةً إلى أنَّ المخالِفَ لأمرِهِ ذلك عاصٍ متنجِّسٌ.\nوالتَّوَّابُونَ: المُقْلِعُونَ عن الذنوبِ الراجِعُونَ إلى اللهِ، والمتطهِّرونَ: المبتعِدُونَ عن النَّجَسِ المتوضِّئُونَ منه.\nوتجوزُ مماسَّةُ الحائضِ ومضاجَعَتُها ومؤاكَلَتُها، وحُكْمُها كالطاهرةِ في ذلك، وإنَّما حَرُمَ وطءُ الفَرْجِ، ومباشَرَتُها فيما دونَ الفرجِ جائزةٌ؛ ففي البخاريِّ، عن عائشةَ، قالتْ: \"كان النبيُّ - ﷺ - يُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ\" (١).\nوفي \"الصحيحَيْنِ\"، عن ميمونةَ بنتِ الحارثِ الهِلَاليَّةِ؛ قالتْ: \"كان النبيُّ - ﷺ - إذا أراد أن يُباشِرَ امرأةً مِن نسائِهِ، أمَرَهَا فاتَّزَرَتْ وهي حائضٌ\" (٢).\nوفي \"المسنَدِ\" والدارِميِّ، عن عائشةَ؛ قالتْ: \"كان النبيُّ - ﷺ - يُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ، وَيَدْخُلُ مَعِي فِي لِحَافِي وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أمْلَكَكُم لِإِرْبِهِ\" (٣).\nوسأَلَ مسروقٌ عائشةَ: ما يَحِلُّ للرجُلِ مِن امرأتِهِ وهي حائضٌ؟ فقالتْ: \"كلُّ شيءٍ إلا فَرْجَها\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٠٣٠) (٣/ ٤٨).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٠٣) (١/ ٦٨)، ومسلم (٢٩٤) (١/ ٢٤٣).\n(٣) أخرجه أحمد (٢٤٨٢٤) (٦/ ١١٣)، والدارمي (١٠٤٧).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٢٦٠) (١/ ٣٢٧).","vol":"1","page":391},{"text":"وهذا الذي عليه الدليلُ، وعليه أكثرُ الصحابةِ والتابِعِينَ.\nومِن السلفِ والفقهاءِ: مَن نَهَى عمَّا دونَ الإزارِ؛ لأنَّه حَرِيمُ الفَرْجِ، وقد يكونُ ذريعةً للوصولِ إلى الفرجِ والوطءِ؛ وهو قولٌ للشافعيِّ.\nوما رُوِيَ عن بعضِ السلفِ مِنْ كراهةِ مضاجَعةِ الحائضِ في لحافٍ واحدٍ؛ كما جاءَ عن عَبِيْدةَ السَّلْمَانِيِّ، وكراهةِ بعضِ السلفِ مُضاجعتَها في فراشٍ واحدٍ، كما جاء عن ابنِ عباسٍ: فهذا محمولٌ على الاحتياطِ؛ إمَّا لحالِ السائلِ، وإمَّا لحالِ المرأةِ أنْ تكونَ لا تَجِدُ ما تَسْتَثْفِرُ به، فتُنجِّسَ الفِرَاشَ ولباسَ زَوْجِها.\nوهذا لا يقعُ على أصلِ المسألةِ؛ وإنَّما على الحالِ الخاصَّةِ، فمَن خَشِيَ على نفسِهِ المواقَعةَ، نُهِيَ عن المضاجَعةِ، كما يُنهَى الصائمُ عن القُبْلةِ وأصلُها مباحٌ.\nولهذا رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ: جوازُ ما فوقَ الإزارِ للرجلِ مِن امرأتِهِ الحائضِ، بل ما دُونَ ذلك؛ كما رواهُ عنه عِكْرِمةُ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>كَفَّارةُ وَطْءِ الحائضِ:</span>\nومَن وَطِئَ امرأتَهُ زمنَ الحيضِ، فقد أَثِمَ بلا خلافٍ، واختلَفَ العلماءُ في لزومِ الكفارةِ عليه، وهي الصدقةُ، على قولَيْنِ:\nالأولُ: عدمُ لزومِ شيءٍ إلا التوبةَ؛ وهو قولُ جمهورِ السلفِ والفقهاءِ، وبعضُ هؤلاء الفقهاءِ يَرَى أنَّ الكفارةَ بالصَّدَقةِ مستَحَبَّةٌ لا واجِبةٌ؛ وهو قولُ الحنفيَّةِ، والشافعيِّ في الجديدِ.\nوالثاني: يلزمُهُ الكفارةُ، وهي الصَّدَقةُ، وهو قولُ أحمدَ؛ لما في\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٢٧).","vol":"1","page":392},{"text":"\"المسندِ\" و\"سنن أبي داود\"، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ - ﷺ - في الذي يأتي امرأتَهُ وهي حائضٌ: يتصدَّقُ بدينارٍ أو نصفِ دينارٍ (١).\nوهذا الحديثُ صحَّحَهُ أحمدُ فيما نقَلَهُ أبو داودَ عنه.\nوالذين قالوا بالصدقةِ اختَلَفُوا في مقدارِها:\nفمنهم: مَن أطلَقَ، ولم يُعيِّنْ.\nومنهم: مَن خيَّرَ بِينَ الدينارِ ونصفِ الدينارِ.\nومنهم: مَن جعَل في الجماعِ زمنَ الدمِ الشديدِ دينارًا، وزمنَ الدمِ الخفيفِ كالأصفرِ نصفَ دينارٍ؛ وهذا إنَّما قالوه للتخييرِ أو الشكِّ في الحديثِ.\nورُوِيَ في ذلك أقوالٌ لا يعضُدُها خبرٌ ولا قياسٌ صحيحٌ؛ كالقولِ بأنَّ الكفارةَ بَدَنَةٌ؛ وهو مرويٌّ عن سعيدٍ، وكالقولِ بأنَّ الكفارةَ ككَفَّارةِ المُجامِعِ في نهارِ رمضانَ.\nوحديثُ ابنِ عباسٍ جاء موقوفًا ومرفوعًا، وموصولًا ومرسَلًا؛ والصوابُ فيه الوقفُ.\nوالأظهرُ: عدَمُ وجوبِ الكفَّارةِ، وإنَّما كان السلفُ يَحُثُّونَ على الصدقةِ مع التوبةِ؛ لأنَّ الصدقةَ ثَبَتَ في الخبرِ مَحْوُها للذنوبِ، وأثرُها في التكفيرِ عظيمٌ، ولا يعني ذلك اختصاصَ الصدقةِ بالجِمَاعِ للحائضِ، كاختصاصِ كفَّارةِ الظِّهَارِ للمظاهِرِ، وكفَّارةِ اليمينِ للحانِثِ.\nوالتخييرُ في الحديثِ قرينةٌ على ذلك، والصَّدَقةُ مستحبَّةٌ في كلِّ حينٍ، ومع كلِّ ذنبٍ، وهي عندَ المغلَّظاتِ آكَدُ.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢١٢١) (١/ ٢٣٧)، وأبو داود (٢٦٤) (١/ ٦٩).","vol":"1","page":393},{"text":"قال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣].\nنزَلَتْ هذه الآيةُ بيانًا لبطلانِ ما تعتقدُهُ يهودُ مِن ضَرَرِ إتيانِ المرأةِ مِن ورائِها في قُبُلِها، واقتدَى بهم أهلُ المدينةِ مِن الأنصارِ؛ فقد جاء في \"الصحيحَيْنِ\"، عن جابرٍ - ﵁ -؛ قال: كانتِ اليهودُ تقولُ: \"إذا جامَعَها مِن وَرَائِها، جاءَ الوَلَدُ أحْوَلَ\"؛ فنزَلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>ما يَحِلُّ للرجلِ من زوجتِهِ:</span>\nثمَّ إنَّ الآيةَ قد دَلَّت على أنَّ الأصلَ في النساءِ الحِلُّ لأزواجِهنَّ، وكنَّى اللهُ عن الجِمَاعِ والوَطْءِ بالحَرْثِ، فشَبَّهَ الزوجةَ بالأرضِ، والوَطْءَ بالحرثِ فيها، والولدَ بالزَّرْعِ، وفي الآيةِ: أنَّ النهيَ عن الوطءِ إنَّما هو استثناءٌ؛ وذلك في أوقاتٍ مخصوصةٍ؛ كالصيامِ، وأحوالِ مخصوصةٍ؛ كالإحرامِ والاعتكافِ، وأماكنَ مخصوصةٍ؛ كالمساجدِ، وفي مواضعَ مخصوصةٍ منها؛ كالدُّبُرِ، ونزولِ الحَيْضِ؛ لاشتراكِهما في عِلَّةِ الأذَى؛ فالقُبُلُ أَذًى عارضٌ، والدُّبُرُ أذًى دائمٌ.\nوجاءت هذه الآيةُ لعد تحريمِ الوطءِ زَمَنَ الحيضِ؛ ليبيِّنَ اللهُ مِنَّتَهُ على عبادِهِ أنَّ النهيَ عارِضٌ لا دائِمٌ، فلا يَغِيبُ عن النفوسِ ما أحَلَّهُ اللهُ لهم في أكثرِ الزمانِ؛ فهم يستثقِلُونَ التحريمَ وهو عارضٌ، ويستخِفُّونَ التحليلَ لأنَّه غائبٌ.\nوذكَرَ اللهُ النساءَ في قولِه: ﴿نِسَاؤُكُمْ﴾، ولم يَخُصَّ الزوجاتِ؛ لِيَعُمَّ ذلك الزوجاتِ والإماءَ، فالحُكْمُ فيهنَّ واحدٌ، وكلُّ ذلك من النساءِ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٥٢٨) (٦/ ٢٩)، ومسلم (١٤٣٥) (٢/ ١٠٥٨).","vol":"1","page":394},{"text":"وفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ حقَّ الوطءِ للرجلِ على المرأةِ؛ للفِطْرةِ الغالِبةِ في الشهوةِ منه عليها، ولم يتوجَّهِ الخطابُ إليها؛ لِغَلَبةِ حيائِها وإنِ اشترَكَا في الحَقِّ، فيجبُ على الزوجةِ أنْ تمكِّنَ زَوْجَها متى ما رَغِبَها؛ ففي \"المسندِ\"، والتِّرْمِذيِّ، والنَّسَائيِّ؛ مِن حديثِ طَلْقِ بنِ عليٍّ، عن النبيِّ - ﷺ -؛ قال: (إِذَا الرَّجُلُ دَعَا زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ، فَلْتَأْتِهِ وَإِنْ كانت عَلَى التَّنُّورِ) (١).\nفإنَّ في ذلك أداءً للحقِّ، وقضاءً للوَطَرِ، وتأليفًا للقلبِ، ودَفْعًا للشرِّ؛ فإنَّ الرجلَ أكثَرُ عُرْضةً لفتنِ النساءِ مِن المرأةِ لفتنِ الرجالِ؛ وذلك لأنَّ اللهَ كتَبَ عليه الضَّرْبَ في الأرضِ، فيَغْدُو وَيَرُوحُ، ويبيعُ ويشترِي، ويَعْرِضُ له ما لا يَعْرِضُ للمرأةِ، وفي \"صحيحِ مسلمٍ\"؛ مِن حديثِ جابرٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - رَأَى امْرَأَةً، فَأَتَى امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ، وَهِيَ تَمْعَسُ مَنيئَةً لَهَا، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ الَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: (إنَّ المَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، فَإِذَا أبْصَرَ أحَدُكُمُ امْرَأةً، فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ؛ فَإِنَّ ذلك يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ) (٢).\nوفي قولِهِ تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ دليلٌ على الإتيانِ مِن القُبُلِ؛ لأنَّه مَنْبَتُ الوَلَدِ؛ كما رواهُ عِكْرِمةُ، عن ابنِ عباسٍ؛ قال: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾: مَنْبَتَ الولدِ\" (٣).\nفالحَرْثُ: الجِمَاعُ، والأرضُ: الزوجة، والولَدُ: الزَّرْعُ، وكما أنَّه لا يُزرَعُ عقلًا في غيرِ أرضِ الحرثِ، فكذلك لا يُوضَعُ البُضْعُ في غيرِ القُبُلِ، فإذا كان وضعُ الزرعِ على الحَصَى نقصًا في العقلِ، فكذلك وضعُ البُضْعِ في غيرِ القُبُلِ نقصٌ في الدِّينِ.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٦٢٨٨) (٤/ ٢٢)، والترمذي (١١٦٠) (٣/ ٤٥٧)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٨٩٢٢) (٨/ ١٨٧).\n(٢) أخرجه مسلم (١٤٠٣) (٢/ ١٠٢١).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٤٥).","vol":"1","page":395},{"text":"وقولُهُ تعالى: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾؛ يعني: على أيِّ صفةٍ تُؤتَى المرأةُ، ما دامَ في الموضعِ الذي أمَرَ اللهُ به؛ روى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قولَهُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، قال: \"ائْتِهَا أَنَّى شِئْتَ، مُقْبِلَةً وَمُدْبِرَةً، مَا لم تَأْتِهَا فِي الدُّبُرِ وَالمَحِيضِ\" (١).\nوبنحوِه رواهُ عليٌّ، عن ابنِ عباسٍ.\nوبنحوِه قال عِكْرِمةُ ومجاهِدٌ وقتادةُ والسُّدِّيُّ (٢).\nوقيل: إنَّ معنى قولِهِ: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾: متى شِئْتُمْ؛ قاله الضَّحَّاكُ وغيرُه (٣).\nوتشبيهُ اللهِ الوطءَ بالحرثِ، والمرأةَ بالأرضِ، والولدَ بالزرعِ: لا يُؤخَذُ منه النهيُ عن مباشرةِ الرجلِ لزوجتِه في فَخِذَيْها وغيرِ ذلك منها ولو أَنْزَلَ؛ لأنَّ الصحابةَ والتابعينَ لم يَرِدْ عنهم خلافٌ في هذا، ولو كان ذلك في غيرِ موضعِ الزَّرْعِ، فكما أنَّه يجوزُ له العَزْلُ وعدَمُ طلبِ الولدِ، فكذلك يجوزُ له الإنزالُ في غيرِ الفَرْجِ مِن غيرِ إيلاجٍ.\nوأمَّا المنعُ مِن إتيانِ المرأةِ في دُبُرِها، فلأدلةٍ؛ منها: أنَّه ليس بموضعِ زرعٍ، وليس هذا دليلًا منفردًا في الباب لِيَضْعُفَ مقابِلَهُ القولُ بجوازِ المباشَرةِ والإنزالِ في غيرِ القبُلِ؛ بجامِعِ أنَّ كلَّ واحدٍ منهما غيرُ موضعِ زرعِ؛ لأنَّ المباشَرةَ مع الإنزالِ في غيرِ الفرجِ لا يختلِفونَ فيها، فقد قال لَيْثٌ: \"تَذَاكَرْنَا عِنْدَ مُجَاهِدٍ الرَّجُلَ يُلَاعِبُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، قَالَ: اطْعُنْ بِذَكَرِكَ حَيْثُمَا شِئْتَ فِيمَا بَيْنَ الفَخِذَيْنِ وَالأَلْيَتَيْنِ وَالسُّرَّةِ، مَا لم يَكُنْ فِي الدُّبُرِ أَوِ الحَيْضِ\"؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (٤).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٤٦).\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٤٦ - ٧٤٧).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٥٠).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٢٨).","vol":"1","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>إتيانُ المرأةِ في دبرِهَا عند السلف:</span>\nولا يَختلِفُ السلفُ مِن الصحابةِ والتابعينَ والأئمةِ الأربعةِ: في تحريمِ إتيانِ المرأةِ في دُبُرِها، إلا شيئًا ورَدَ في ذلك عن ابنِ عمرَ، ومحمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ، ومالكٍ.\nأمَّا ما جاء عنِ ابنِ عمرَ: فما مِن راوٍ عن ابنِ عمرَ يروِي عنه جوازَ إتيانِ المرأةِ في دُبُرِها إلا وله روايةٌ في تحريمِ ذلك مِن وجهٍ آخَرَ؛ فرَوَى سالمٌ ونافعٌ، عن ابنِ عمرَ: المنعَ؛ كما رُوِيَ عنهما عن ابنِ عمرَ: روايةُ الجوازِ، ومِثلُه: أبو الحُبَابِ سعيدُ بنُ يَسَارٍ رَوَى المنعَ عن ابنِ عمرَ، ورُوِيَ عنه عن ابنِ عمرَ: الجوازُ، وحَمْلُ رأيِهِ على روايةِ الجماعةِ أَوْلى مِن حَمْلِهِ على المُخالِفِ.\nوهذا القولُ عن ابنِ عمرَ مع مخالفتِه الصحابةَ والتابعينَ لا يُشارُ إليه، فضلًا عن أنْ يُصارَ إليه؛ كيف وقد جاء عنه - ﵁ - ما يوافِقُ الصحابةَ ويَجْرِي مع ظاهرِ الدليلِ؟ ! وقد جاء عنه التشديدُ في النهيِ، كما رَوى سعيدُ بنُ يسارٍ: \"أنَّه سأَلَ ابنَ عمرَ، فقال له: يا أبا عبدِ الرحمنِ، إنَّا نشترِي الجوَارِيَ فنُحَمِّضُ لَهُنَّ؟ فقال: وما التحميضُ؟ قال: الدُّبُرُ، فقال ابنُ عمرَ: أُفٍّ أفٍّ! يفعلُ ذلك مؤمنٌ؟ ! \" (١).\nوهكذا جماعةٌ مِن الصحابةِ كما روى قتادةُ عن أبي الدرداءِ؛ قال: \"هل يفعلُ ذلك إلا كافرٌ؟ ! \" (٢).\nيعني: الكفرَ الأصغرَ؛ كالطَّعْنِ في النَّسَبِ، والنياحةِ على المَيِّتِ، والانتسابِ لغيرِ الأبِ، ونحوِ ذلك مما دلَّ الدليلُ على تسميتِه كُفْرًا، ورفَعَتْ عنه الأدلةُ الأُخرى الخروجَ مِن الدِّينِ كلِّه.\nويظهَرُ أنَّ الجوازَ الوارِدَ عن ابنِ عمر، أراد به: إتيانَ المرأةِ مِن\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٥٢).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٥٣).","vol":"1","page":397},{"text":"دُبُرِها؛ يعني: مُدْبِرَةً في قُبُلِها، وهذا كانت تَكْرَهُهُ يهودُ، ويقتدِي بهم بعضُ أهلِ المدينِةِ؛ فبيَّنَ ابنُ عمرَ جوازَ هذا الفعلِ بهذه الآيةِ؛ فرواهُ عنه نافعٌ وغيرُه، وقرينةُ ذلك: أنَّ غيرَ واحدٍ مِن الأئمَّةِ المصنِّفينَ كالبخاريِّ وغيرِه يَرْوُونَ ذلك عن ابنِ عمرَ في تفسيرِ هذه الآيةِ، وهذه الآيةُ في إتيانِ المرأةِ مُدْبِرَةً في قُبُلِها لا في دُبُرِها، وهذا سببُ النزولِ؛ كما سلَفَ في حديثِ جابرٍ وغيرِه؛ ففَهِمَ بعضُ أصحابِ ابنِ عمرَ وبعضُ أصحابِ أصحابِه هذا على المعنى غيرِ المرادِ؛ وإلَّا فإنَّ تشديدَ ابنِ عمرَ - كما سلَفَ - في إتيانِ المرأةِ في دُبُرِها: لا يَحْتَمِلُ منه قولًا آخَرَ بالجوازِ، وهكذا يُفهَمُ مِن سياقِ مَن رواهُ عن نافعٍ؛ كابنِ عونٍ عن نافعٍ؛ قال: \"قرأتُ ذاتَ يومٍ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، فقال ابنُ عمرَ: أتدري فيمَن نزَلَتْ؟ قلتُ: لا، قال: نزلَتْ في إتيانِ النساءِ في أَدْبَارِهِنَّ\" (١).\nفإنَّ سبَبَ النزولِ في الإتيانِ مِن الدُّبُرِ في القُبُلِ؛ كما رواهُ جماعةٌ مِن الصحابةِ والتابعينَ، ومِثلُهُ ينبغي حَمْلُ كلامِ ابنِ عمرَ عليه؛ فإنَّ إتيانَ المرأةِ في دُبُرِها لا حاجةَ فيه إلى إقبالِها أو إدبارِها، ولأنَّ الحُكُمَ لم تَنْزِلْ فيه هذه الآيةُ باتِّفاقِهم.\nوعلى هذا تُحْمَلُ روايةُ أيُّوبَ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ، في هذه الآيةِ؛ قال: \"في الدُّبُرِ\" (٢)؛ يعني: مُدبِرةً لا مُقبِلةً، ولم يُرِدِ الصمامَ الذي يُوضَعُ فيه؛ فإنَّ الآيةَ لم تَنزِلْ في حُكمِهِ أصلًا، وإنَّما تَبَعًا.\nومِثلُ أيوبَ عن نافعٍ: مَنْ رواهُ عن نافعٍ بنحوِ هذا اللفظِ والسياقِ؛ كابنِ عَوْنٍ، وعُبَيْدِ اللهِ بنِ عمرَ بنِ حَفْصٍ، ومحمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ذِئْبٍ، وكذلك روايةُ مالكٍ التي صحَّحَها عن نافعٍ الدارقطنيُّ بنحوِ روايةِ غيرِه.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٥١).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٥٢).","vol":"1","page":398},{"text":"ونافعٌ روى عن ابنِ عمرَ هذا السياقَ في تفسيرِ الآيةِ، لا رأيًا مستقلًّا في الفقهِ والفتوى، وكلُّ مَن رواه عنه رواهُ في هذه الآيةِ لا في غيرِها، وكلُّ ما جاء عن ابنِ عمرَ في الرواياتِ: أنَّه قال في إتيانِ المرأةِ مِن دُبُرِها في غيرِ هذه الآيةِ، فلا يثبُتُ منها شيءٌ، إلا ما رواهُ النَّسَائيُّ عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ؛ قال: \"قلتُ لمالكٍ: إنَّ عندَنا بمِصْرَ اللَّيْثَ بنَ سَعْدٍ يحدِّثُ عن الحارثِ بنِ يعقوبَ، عن سعيدِ بنِ يسارٍ؛ قال: قلتُ لابنِ عمرَ: إنَّا نشترِي الجواريَ، فنُحَمِّضُ لَهُنَّ، قال: وما التحميضُ؟ قال: نَأْتِيهِنَّ في أدبارِهِنَّ، قال: أُفّ! أَوَ يَعْمَلُ هذا مسلِمٌ؟ ! فقال لي مالكٌ: فأَشهَدُ على ربيعةَ لَحَدَّثَنِي عن سعيدِ بنِ يسارٍ؛ أنَّه سأَلَ ابنَ عُمَرَ عنه؟ فقال: لا بأسَ به\" (١).\nوهو صحيحٌ عن ابنِ عمرَ بلفظَيْهِ، وحَمْلُهُ على قولِ الجماعةِ وفتواهُمْ وتفسيرِهِمْ أَوْجَهُ وأَسْلَمُ وأَقْوَمُ.\nورواهُ سالمٌ وعبيدُ اللهِ أبناءُ ابنِ عمرَ عن أبِيهم، وروايتُهم معلولةٌ.\nوقد جاء عن نافعٍ - وعنه عن ابنِ عمرَ - المعنى الموافقُ لتفسيرِ السلفِ للآيةِ، كما رواهُ النَّسَائيُّ في \"الكُبْرى\"، عن عبدِ اللهِ بنِ سُلَيْمانَ الطويلِ، عن كَعْبِ بنِ عَلْقَمةَ، عن أبي النَّضْرِ؛ أنَّه قال لنافعٍ مَوْلَى ابنِ عمرَ: قد أَكْثَرَ عليك القولَ أنَّك تقولُ عن ابنِ عمرَ أنَّه أَفْتَى بأنْ يُؤتَى النساءُ في أدبارِهِنَّ! قال نافعٌ: لقد كَذَبُوا عَلَيَّ! ولكنْ سأُخبِرُك كيف كان الأمرُ: إنَّ ابنَ عمَرَ عَرَضَ عليَّ المُصْحَفَ يومًا، وأنا عندَهُ حتى بلَغَ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾، قال: يا نافعُ، هل تَعْلَمُ ما أمرُ هذه الآيةِ؟ إنَّا كنَّا معشرَ قريشٍ نُجَبِّي النساءَ، فلمَّا دخَلْنا المدينةَ ونَكَحْنا نساءَ الأنصارِ أَرَدْنا مِنْهُنَّ ما كنَّا نُرِيدُ مِن نسائِنا؛ فإذا هُنَّ قد كَرِهْنَ ذلك وأَعْظَمْنَهُ، وكان\n_________\n(١) أخرجه النسائي في \"السنن الكبرى\" (٨٩٣٠) (٨/ ١٩٠).","vol":"1","page":399},{"text":"نساءُ الأنصارِ إنَّما يُؤْتَيْنَ على جُنُوبِهِنَّ؛ فأنزَلَ اللهُ سبحانَه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١).\nوالطويلُ يُحْتَمَلُ حديثُه.\nويَحْتمِلُ أنَّ هذا القولَ ظَنَّهُ ابنُ عمرَ على معنى الإتيانِ في الدُّبُرِ، لا مِن الدُّبُرِ في القُبُلِ، فوَهِمَ في المعنى؛ ولذا صحَّ عن ابنِ عباسٍ أنَّه قال: \"إنَّ ابنَ عمرَ - واللهُ يَغْفِرُ له - أَوْهَمَ\" (٢).\nثمَّ ذكَرَ ابنُ عباسٍ سبَبَ نزولِ الآيةِ، وقد صحَّ هذا عن ابنِ عباسٍ؛ رواهُ أبَانُ بنُ صالحٍ، عن مجاهدٍ، عنه، ولعلَّ ابنَ عُمَرَ لمَّا بانَ له الأمرُ ترَكَهُ، وهكذا مَنْ نقَلَ قولَهُ وأخَذَ به، فله قولٌ يُخالِفُهُ؛ كنافعٍ ومالكٍ يُوافِقُ الجماعةَ، وحَمْلُ أقوالِهم على ما اتَّفَقَتْ عليه كلمةُ عامَّةِ المفسِّرينَ الذين رُوِيَ عنهم القولُ فيها مِن الصحابةِ والتابعينَ وفَهِمُوهُ مِن الآيةِ: أحْرَى وأَوْلَى.\nوأمَّا ما جاءَ عن ابنِ المُنْكَدِرِ: فقد رواهُ عبدُ المَلِكِ بنُ مَسْلَمةَ، عن الدَّرَاوَرْدِيِّ؛ قال: قيل لزَيْدِ بنِ أَسْلَمَ: إنَّ محمَّدَ بنَ المنكَدِرِ يَنْهَى عن إتيانِ النساءِ في أدبارِهِنَّ، فقال زيدٌ: أَشْهَدُ على محمَّدٍ لَأَخْبَرَني أنَّه يفعَلُهُ (٣).\nوعبدُ الملِكِ منكَرُ الحديثِ؛ قاله أبو زُرعةَ وغيرُهُ، وقال أبو حاتمٍ: \"مضطرِبُ الحديثِ، ليس بالقويِّ\" (٤).\nوالأحاديثُ الواردةُ في النهي عن إتيانِ المرأةِ في الدُّبُرِ وإنْ كانت معلولةً منفرِدةً، فكَثْرَتُها تدُلُّ على أَصلِها، وفي ظاهرِ القرآنِ وإطباقِ عامَّةِ السلفِ غُنْيَةٌ وكفايةُ.\nوقد أخَذَ بعضُ السلفِ مِنْ قولِهِ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾: جوازَ\n_________\n(١) أخرجه النسائي في \"السنن الكبرى\" (٨٩٢٩) (٨/ ١٩٠).\n(٢) أخرجه أبو داود (٢١٦٤) (٢/ ٢٤٩).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٥١).\n(٤) \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (٥/ ٣٧١).","vol":"1","page":400},{"text":"العَزْلِ، فكما أَذِنَ اللهُ بالإتيانِ عدَ الحاجةِ، فكذلك الولدُ - وهو الزرعُ - يُطلَبُ عندَ الحاجةِ؛ ومِن هذا قولُ ابنِ عباسٍ في هذه الآيةِ: \"إِن شِئْتَ فَاعْزِلْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَعْزِلْ\"؛ وبنحوِه عن ابنِ المسيَّبِ (١).\nوقولُه تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾: قيل: المرادُ به ما شَرَعَهُ اللهُ عندَ الجِمَاعِ مِن ذِكْرِ اللهِ، وحُسْنِ القَصْدِ، وطبِ الولدِ؛ رجاءَ عَوْنِهِ وعبادتِهِ للهِ وطاعتِهِ له؛ رَوَى عطاءٌ عن ابنِ عباسِ: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾؛ قال: \"يقولُ: باسمِ اللهِ\" (٢).\nورُوِيَ عن عِكْرِمةَ؛ أنَّ المرادَ بـ ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾؛ يعني: الولَدَ (٣).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤].\nدَلَّتِ الآيةُ على النهيِ عن النَّذْرِ واليمينِ الي تُتَّخَذُ مُلزِمةً للعبدِ ألَّا يُطِيعَ اللهَ، ولا يعملَ البِرَّ ولا يُحسِنَ إلى الناسِ، فإذا أراد أحدٌ عدَمَ فعلِ الخيرِ، أقَسَمَ على نفسِه أنْ يترُكَ الخيرَ، فيجعَلُ اليمينَ حائلةً بينَهُ وبينَ الطاعةِ والإحسانِ؛ فهو يعظِّمُ اليمينَ لأجلِ أنَّه حلَفَ باللهِ، ولا يعظِّمُ أمرَ اللهِ الذي أمَرَ بالطاعةِ والمعروفِ والإحسانِ؛ فكأنَّه يَضرِبُ أمرَ اللهِ بتعظيمِ اللهِ؛ ليحقِّقَ رغْبَتَهُ وهواهُ في تركِ ما لا يُرِيدُ مِن الخيرِ والبِرِّ والإحسانِ إلى الناسِ.\nفقولُهُ: ﴿عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾؛ يعني: عارِضًا قويًّا تتَّخِذُونَهُ وتتساهَلُونَ به، في إلزامِ أنفُسِكُمْ بتركِ الخيرِ والِبرِّ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٥٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٧٦٢).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٤٠٥).","vol":"1","page":401},{"text":"وقد جاء في \"الصحيحَيْنِ\"، واللفظُ للبخاريِّ، عن أبي هُرَيْرةَ؛ قال. قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (مَنِ اسْتَلَجَّ فِي أَهْلِهِ بِيَمِينٍ، فَهُوَ أَعْظَمُ إِثْمًا، لِيَبَرَّ)؛ يَعْنِي: الكَفَّارةَ (١).\nوروى عليُّ بن أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ قولَهُ: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾، يقولُ: \"لَا تَجْعَلْنِي عُرْضَةً لِيَمِينِكَ أَلَّا تَصْنَعَ الخَيْرَ؛ وَلَكِنْ كَفِّرْ عَن يَمِينِكَ، وَاصْنَعِ الخَيْرَ\" (٢).\nوقال مجاهدٌ في قولِهِ: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾: \"فأُمِرُوا بِالصِّلَةِ، والمَعْرُوفِ، والإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، فإِنْ حَلَفَ حَالِفٌ أَلَّا يَفْعَلَ ذلك، فَلْيَفْعَلْهُ وَلْيَدَعْ يَمِينَهُ\" (٣).\nورُوِيَ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعطاءٍ وطاوسٍ والنَّخَعيِّ نحوُهُ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>اليمينُ على المعصيةِ:</span>\nوكلُّ يمينٍ تكونُ سببًا في تركِ الطاعةِ؛ كالصلاةِ والصدقةِ وصِلَةِ الرحمِ، فلا يجوزُ إمضاؤُها ولا العملُ بها، بل يكفِّرُ صاحبُها عن يمينِه ويأتي الذي هو خيرٌ، وهذا إذا كان في يمينِ الإنسانِ لنفسِهِ؛ فإنَّ يمينَ غيرِه عليه أَوْلَى بالتركِ وعدمِ إبرارِها.\nوكلُّ يمينٍ تَحُولُ بينَ الإنسانِ وبينَ عملِ بِرٍّ أمَرَ اللهُ به أو حَثَّ عليه ولو لم يكنْ واجبًا، فلا يَلْزَمُ صاحِبَها الوفاءُ بها، ويتأكَّدُ نقضُها بحسَبِ منزلةِ الطاعةِ التي حالَتْ يمينُهُ بينَهُ وبينَها؛ فإنْ كانتِ الطاعةُ واجِبةً، وجَبَ عليه نقضُ اليمينِ؛ لأنَّ اليمينَ إنَّما عُظِّمَتْ لأجلِ المحلوفِ به، وهو اللهُ، واللهُ لا يَحُولُ بينَ الجدِ وبينَ أوامرِه، وإنْ كانت مستَحَبَّةً،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٦٢٦) (٨/ ١٢٨)، ومسلم (١٦٥٥) (٣/ ١٢٧٦).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٨).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٩).\n(٤) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٤٠٧).","vol":"1","page":402},{"text":"فنقضُها مستحَبٌّ؛ ففي \"الصحيحَيْنِ\"، عن أبي موسى الأشعريِّ - ﵁ -؛ فال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (وَإِنِّي وَاللهِ - إِنْ شَاءَ اللهُ - لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الذي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا\" (١).\nوبنحوِه عندَهما عن عبدِ الرحمنِ بنِ سَمُرةَ (٢).\nوعندَ مسلمٍ عن أبي هريرةَ (٣).\nوالأحاديثُ في هذا البابِ كثيرةٌ.\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾؛ يعني: بَسْمَعُ أيمانَكُم، ويَعلَمُ مَقاصِدَكُمْ بها، فما أمَرَ اللهُ بالطاعةِ والبِرِّ والإحسانِ لِيَحُولَ الإنسانُ بينَه وبينَها بيمينِهِ؛ فإنَّ هدا ليس مِن تعظيمِ أمرِ اللهِ.\n* * *\n\nفال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥].\nالأصلُ في اللَّغْوِ: أنَّه ما لا قِيمَةَ له مِنَ الكلامِ، أو الساقطُ مِن القولِ، ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].\nوَرَبِّ أَسْرَابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ ... عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ (٤)\nواللُّغَةُ: ما يُتَكَلَّمُ به، وعمومُ الأصواتِ تسمَّى لُغَاتٍ، وفي الحديثِ: (مَنْ قَالَ فِي الجُمُعَةِ: صَهْ، فَقَدْ لَغَا) (٥)؛ أيْ: تكلَّمَ، واستَلْغَاهُ: استَنْطَقَهُ ليتكلَّمَ؛ يقالُ: إذا أردتَّ أنْ تَسمَعَ مِن الأعرابِ، فاسْتَلْغِهم.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣١٣٣) (٤/ ٩٠)، ومسلم (١٦٤٩) (٣/ ١٢٧٠).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٦٢٢) (٨/ ١٢٧)، ومسلم (١٦٥٢) (٣/ ١٢٧٣).\n(٣) أخرجه مسلم (١٦٥٠) (٣/ ١٢٧١).\n(٤) \"ديوان العَجَّاج\" (١/ ٤٥٦).\n(٥) أخرجه أبو داود (١٠٥١) (١/ ٢٧٦)؛ من حديث عليٍّ - ﵁ -.","vol":"1","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>معنى لغوِ الأيمانِ:</span>\nواللَّغْوُ هنا: هو ما يَجْرِي على اللِّسَانِ مِن غيرِ إرادةٍ لمعناهُ، ولا قصدٍ لظاهرِهِ، فيُطلَقُ بلا رَوِيَّةٍ ولا فِكْرٍ، ويدخُلُ في اللَّغْوِ: الإشارةُ والعبارةُ، ومِن اللَّغْوِ: الكتابةُ لِما تَخُطُّهُ اليدُ ولا تريدُ معناهُ، إلَّا أنَّ اللسانَ أقرَب إلى ورودِ اللَّغْوِ عليه مِن القلَمِ؛ لأنَّ اللسانَ يَجري عليه الكلامُ أسرعَ مِن القَلَمِ، والقلَمَ يصاحِبُهُ غالبًا التأمُّلُ وحضورُ الذِّهْنِ.\nفاللسانُ يَسبِقُ القصدَ لسرعتِه، فما خرَجَ منه سابقًا للقصدِ، فهو لَغْوٌ، وتتأكَّدُ اليمينُ إذا صاحَبَ القصدُ القولَ، أو سبَقَ خروجَ القولِ.\nومِن اللَّغْوِ الذي يَسبِقُ به اللسانُ القصدَ، قولُ: (لا، واللهِ) و(بَلَى واللهِ)، و(أفعَلُ واللهِ)، في حديثِ الناسِ، ولو كانت صورتُهُ الظاهرةُ صورةَ يمينٍ؛ لاعتبارِ القصدِ في الشريعةِ؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ يَعني: ما انعقَدَتْ قلوبُكُمْ على قَصْدِه، كما في قولِهِ تعالى في المائدةِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [٨٩].\nفسَّر اللَّغْوَ بذلك أكثرُ المفسِّرينَ مِن السلفِ؛ روى عُرْوةُ، عن عائشةَ: \"اللَّغْوُ: لا واللهِ، وبَلَى واللهِ\"؛ أخرَجَهُ البخاريُّ (١).\nوروى ابنُ جريرٍ نحوَهُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ (٢) وابنِ عُمرَ، وعن الشَّعْبيِّ وأبي قِلَابةَ (٣) ومُجاهِدٍ والنَّخَعيِّ والزُّهْريِّ (٤)؛ وبهذا قال الشافعيُّ.\nوصحَّ عنِ النَّخَعيِّ؛ أنَّه جعَلَ اليمينَ لأجلِ الإكرامِ بالإطعامِ والضِّيَافةِ مِن اللَّغْوِ؛ كقولِهِ: \"واللهِ لَيَأْكُلَنَّ، واللهِ لَيَشْرَبَنَّ\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٦١٣) (٦/ ٥٢).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٤/ ١٤).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٤/ ١٧).\n(٤) ينظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٤٠٨).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٣٠).","vol":"1","page":404},{"text":"ومَن قال: \"لا واللهِ، وبَلَى واللهِ\"، ونحوَ هذا، قاصدًا اليمينَ، فهي يمينٌ ولو كانت ممَّا تجري مجرَى اللَّغْوِ عادةً؛ لانعقادِ القصدِ، وقد قيَّدَتْ عائشةُ وغيرُها لَغْوَ اليمينِ بعدَمِ القصدِ، قالتْ: \"ما لم يَعقِدْ عليه قَلْبَه\" (١).\nلأنَّ الأصلَ في هده الألفاظِ أنَّها يمينٌ، ورُفِعَ انعقادُها؛ لانتفاءِ القصدِ.\nومِن السلفِ مَن فسَّر اللَّغْوَ بالحَلِفِ على شيءٍ يظُنُّهُ كذلك، وهو ليس كذلك، فهو خطأٌ مِن الحالفِ وليس بعمدٍ؛ قال أبو هريرةَ في لَغْوِ اليمينِ: \"حَلِفُ الإنسانِ على الشيءِ يَظُنُّ أنَّه الذي حلَفَ عليهِ، فإذا هو غيرُ ذلك\"؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (٢).\nورُوِيَ هذا القولُ عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، به (٣)، وجاء عن مجاهِدٍ (٤) والزُّهْريِّ والنَّخَعيِّ (٥) وقتادةَ (٦)، وقال به أبو حَنِيفةَ ومالكٌ وجماعةٌ مِن فقهاءِ الحنابلةِ، وقال مالكٌ في هذا المعنى، كما في \"الموطَّإِ\": \"هذا أحسنُ ما سَمِعْتُ\" (٧)؛ أيْ: في تفسيرِ الآيةِ.\nوحمَلَهُ بعضُ السلفِ على يمينِ الغَضْبانِ؛ وهو قولٌ قالَهُ ابنْ عبَّاسٍ وطاوُسٌ (٨).\nوهذه الأقوالُ يجمَعُها انتفاءُ القصدِ من الحالفِ، وهي مِن التنوُّعِ لا التضادِّ؛ فقد فسَّر الواحدُ مِن السلفِ اللَّغْوَ بجميعِ ما سبَقَ، وبعضُهم بأكثَرِهِ؛ وذلك أنَّ اللَّغْوَ ما كانت صورتُهُ صورةَ يمينٍ، ولكنِ انتَفَى القصدُ الموجِبُ لانعقادِهِ يمينًا.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٤/ ١٦).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٤/ ١٩).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٢٠).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٢١).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٢٢).\n(٦) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٢٣).\n(٧) \"موطأ مالك\" (عبد الباقي) (٢/ ٤٧٧).\n(٨) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٢٦).","vol":"1","page":405},{"text":"والأصلُ: أنَّ النِّيَّةَ معتبَرةٌ لانعِقادِ الأقوالِ والأعمالِ، والثوابِ والعقابِ عليها؛ كما في \"الصَّحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ عمرَ؛ قال - ﷺ -: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) (١).\nويدخُلُ في لغوِ اليمينِ: ما حلَفَ علبه الإنسانُ، ثُمَّ نَسِيَهُ قبلَ التمكُّنِ مِن الوفاءِ به؛ قال به النَّخَعيُّ (٢)؛ وذلك كمَن حلَفَ على شيءٍ، ثمَّ نَسِيَ أيُّ شيءٍ حلَفَ عليه، فهو لا يذكُرُ إلَّا اليمينَ، ولا يذكُرُ ما حلَفَ عليه لِيَفِيَ به.\nويدخُلُ في اللغوِ ذِكْرُ اليمينِ على شيءٍ نسيانًا، وهو يقصِدُ شيئًا آخَرَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>معنى عَدَمِ المؤاخذةِ في لغوِ اليمين:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾؛ المؤاخَذةُ في الآيةِ محمولةٌ على المؤاخَذةِ في الآخِرةِ، وعلى المؤاخَذةِ في الدُّنيا بعَدَمِ الكفَّارةِ، وهما قولانِ للمفسِّرينَ، ويَظهَرُ تفسيرُ ذلك كما في قولِه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ الآيةَ [المائدة: ٨٩]، على خلافٍ عند المفسِّرينَ في رجوعِ قولِهِ تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾؛ هل هو راجعٌ إلى لغوِ اليمينِ، أو إلى ﴿مَا﴾ في قولِه: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ﴾؟\nوهذا الخلافُ في المؤاخَذةِ في الآيةِ، على معنيَيْنِ متَّسِعٍ وضيِّقٍ:\nفمِن العلماءِ: مَن قال: نَفَى اللهُ المؤاخَذةَ كلَّها في الدُّنيا والآخِرةِ؛ وهذا المعنى المتَّسِعُ؛ فلا إثمَ ولا كفَّارةَ.\nومِنهم: مَن قال: نَفَى اللهُ المؤاخَذةَ الأُخرويَّةَ فقَطْ؛ وهذا المعنى الضَّيِّقُ؛ فلا إثمَ في الآخِرةِ، وتجِبُ الكفَّارةُ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١) (١/ ٦)، ومسلم (١٩٠٧) (٣/ ١٥١٥).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٤٠٩).","vol":"1","page":406},{"text":"وقال بالمعنى الضيِّقِ جماعةٌ مِن السلفِ؛ صَحَّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ رواهُ عنهُ عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، قال: \"اللَّغْوُ مِن الأَيْمانِ: هي التي تُكَفَّرُ، لا يُؤَاخِذُ اللهُ بها\" (١).\nوصَحَّ عن النَّخَعيِّ، وجاء عنِ الضَّحَّاكِ وغيرِه؛ أخرَجَه ابنُ جريرٍ (٢).\nوجاء عن عليِّ بن أبي طَلْحةَ خلافُ ما رواهُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ هنا (٣).\nوقال بالمعنى المتَّسِعِ أكثَرُ المفسِّرينَ مِنَ السَّلَفِ؛ صحَّ عن عائشةَ والشَّعْبيِّ والحسَنِ والنَّخَعيِّ ويحيى بنِ سعيدٍ وعليِّ بنِ أبي طَلْحةَ (٤)، وقال به ابنُ جريرٍ الطبريُّ (٥).\nوحمَلَ بعضُ السلفِ لغوَ اليمينِ التي لا يؤاخَذُ عليها الإنسانُ على يمينِ المعصيةِ؛ فلا يؤاخَذُ بتركِهِ للوفاءِ بها؛ لتحريمِ عملِ المحرَّمِ، واليمينُ لا تَرفعُ التحريمَ، وهو قولٌ مرويٌّ عن الشَّعْبيِّ ومسروقٍ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ (٦).\nوهو داخلٌ في اعتبارِ القصدِ على ما سَبَقَ؛ لأنَّ عقدَ القلبِ على المحرَّمِ باطلٌ، ووجودُ العقودِ المحرَّمةِ الباطِنةِ والظاهِرةِ كعَدَمِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>تكفيرُ يمينِ المعصيةِ:</span>\nإلَّا أنَّ العلماءَ اختَلَفُوا في الكفَّارةِ في اليمينِ على فِعْلِ الحرامِ، مع اتفاقِهم على دخولِها في عدمِ المؤاخَذةِ بتركِ الوفاءِ بها، بل تحريمِ فعلِ المحرَّمِ ولو بيمينٍ:\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٦٢١).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٦٢٢).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٦٢٠).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٦١٨ - ٦٢٠).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٦٢٢ - ٦٢٣).\n(٦) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٢٧ - ٢٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٤٠٩).","vol":"1","page":407},{"text":"رُوِيَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ومسروقٍ وابنِ جُبَيْرٍ: عدَمُ الكفَّارةِ.\nروى شُعْبَةُ، عن عاصِمٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ: \"أَيُكفِّرُ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ؟ ! لَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ\".\nوقال مسروقٌ: \"كُلُّ يَمِينٍ لَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَفِيَ بِهَا، فَلَيْسَ فِيهَا كَفَّارَةٌ\".\nأخرَجَهُ ابنُ جريرٍ (١).\nوأمَّا ما أخرَجَهُ أحمَدُ والطَّيَالِسيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجَهْ مِن طريقِ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه؛ الحديثَ، وفيه عِندَهم: (فَلْيَدَعْهَا، وَلْيَأْتِ الذي هُوَ خَيْرٌ؛ فَإِنَّ تَرْكَهَا كَفَّارَتُهَا) (٢).\nفهدا اللفظُ منكَرٌ؛ أنكَرَهُ الحُفَّاظُ كأبي داودَ؛ قال: \"الأحاديثُ كلُّها: (فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ)، إلَّا شيئًا لا يُعبَأُ به\" (٣).\nولفظُ النَّسَائيِّ: (فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَأْتِ الذي هُوَ خَيْرٌ) (٤)، وهو أصحُّ.\nورُوِيَ نحوُ اللفظِ المنكَرِ السابقِ مِن حديثِ عائشةَ وأبي هُرَيْرةَ، ولا يصحُّ منها شيءٌ.\nوفي مسلمٍ؛ مِن حديثِ عدِيِّ مِن وجهَيْنِ: ذِكْرُ التَّرْكِ، وليس فيه ذِكْرُ الكفَّارةِ؛ ولكن أخرَجَهُ مِن وجهٍ آخَرَ بذِكْرِ الكفَّارةِ (٥).\nوذِكْرُ الكفَّارةِ عند تركِ اليمينِ، وفِعْلُ الأَخْيَرِ مِن الأمرَيْنِ: صَحَّ في\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٢٩).\n(٢) أخرجه الطيالسي في \"مسنده\" (٢٣٧٣) (٤/ ١٨)، وأحمد (٦٩٩٠) (٢/ ٢١٢)، وأبو داود (٣٢٧٤) (٣/ ٢٢٨)، والنسائي (٣٧٨١) (٧/ ١٠)، وابن ماجه (٢١١١) (١/ ٦٨٢).\n(٣) \"سنن أبي داود\" (٣/ ٢٢٨).\n(٤) أخرجه النسائي (٣٧٨١) (٧/ ١٠).\n(٥) أخرجه مسلم (١٦٥١) (٣/ ١٢٧٣).","vol":"1","page":408},{"text":"مسلمٍ عن أبي هريرةَ مرفوعًا (١).\nوجاء مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو؛ عندَ أحمدَ (٢).\nومِن حديثِ أمِّ سَلَمةَ؛ عندَ الطَّبَرانيِّ (٣).\nوقيلَ: إنَّ آيةَ المائدةِ في عدَمِ المؤاخَذةِ بلغوِ اليمينِ إنَّما نزَلَتْ في تحريمِ الحلالِ على الدَّوَامِ، وهذا مِن الأَيْمانِ المحرَّمةِ؛ كما روى ابنُ جريرٍ، عن العَوْفِيِّ، عن ابنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: لمَّا نَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] في الْقَوْمِ الذينَ كانُوا حَرَّمُوا النِّسَاءَ وَاللَّحْمَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ نَصْنَعُ بِأَيْمَانِنَا التي حَلَفْنَا عَلَيْهَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ -: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ الآيَةَ (٤).\nوقال ابنُ المسيَّبِ، وعُرْوةُ، وأبو بكرٍ: بعَدمِ الكفَّارةِ؛ فقد روى ابنُ جريرٍ، عن إسحاقَ بن عِيسَى ابنِ بِنْتِ دَاوُدَ بنِ أبِي هِنْدٍ؛ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بنُ إِلْيَاسَ، عَنْ أُمِّ أَبِيهِ: أَنَّهَا حَلَفَتْ أَلَّا تُكَلِّمَ ابْنَةُ ابْنِهَا ابْنَةَ أَبِي الْجَهْمِ، فَأَتَتْ سَعِيدَ بنَ المُسَيَّبِ، وَأبَا بَكْرٍ، وَعُرْوَةَ بنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالُوا: لَا يَمِينَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>كفارةُ اليمين الغموسِ:</span>\nومِن هذا: خِلافُهم في اليمينِ الغَمُوسِ فيمَن يَحْلِفُ كاذبًا، وهو يعلَمُ كَذِبَ نفسِهِ، كمَنْ يحلِفُ أنَّه فعَلَ وهو يعلمُ أنه لم يَفعَل، أو رَأَى وهو يعلمُ أنه لم يَرَ؛ قال قتادةُ وعطاءٌ والحكَمُ: بالكَفَّارةِ؛ لأنَّها يمينٌ انعقَدَ القلبُ عليها، وهي داخِلةٌ في عمومِ قولِه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٦٥٠) (٣/ ١٢٧١).\n(٢) أخرجه أحمد (٦٩٠٧) (٢/ ٢٠٤).\n(٣) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٦٩٤) (٢٣/ ٣٠٧).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٦١٦).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٢٨).","vol":"1","page":409},{"text":"قُلُوبُكُمْ﴾؛ وقال بهذا الشافعيُّ وغيرُهُ، خلافًا لجمهورِ الفقهاءِ، فقد قالوا بعدَمِ انعقادِها؛ وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ وأحمدَ والأوزاعيِّ؛ وذلك لعَدَمِ انعقادِ القلبِ على عزمِ أن يَفعَلَ أو لا يفعَلَ، والأدلَّةُ مِن الكتابِ والسُّنةِ في الكفَّارةِ إنَّما هي في عقدِ العزمِ على المستقبَلِ فِعْلًا أو تَرْكًا، وليس فيها شيءٌ عن الماضي، وليس في الأدلَّةِ ما يؤيِّدُ ذلك، وقد قال ابنُ المنذِرِ: \"ليس في الأدلَّةِ خبَرٌ يدلُّ على هذا\".\nويأتي مزيدُ كلامٍ في اليمينِ الغَمُوسِ في تفسيرِ سورةِ آل عمران في قولِ اللهِ تعالى: ﴿يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [٧٧].\nومِن العلماءِ: مَن قيَّدَ المؤاخَذةَ في الآيةِ بالمؤاخذةِ في الآخِرةِ فحَسْبُ، وأمَّا الكفَّارةُ فهي تثبُتُ لأَيْمانٍ مخصوصةٍ دلَّ عليها الدليلُ بغيرِ هذه الآيةِ، وأنَّ الكفَّارةَ الواردةَ في آيةِ المائدةِ خاصَّةٌ ببعضِ الأيمانِ التي انعقَدَ عليها القلبُ لا كُلِّها.\nوقولُه تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.\nكَسْبُ القلبِ: قَصْدُهُ، وللقلبِ كَسْبٌ، وهو كلُّ ما يُؤاخَذُ به، فإذا اجتمَعَ القصدُ القلبيُّ، ولفظُ اليمينِ، كانت يمينًا، وقد جاء عن عَطَاءٍ، قال: \"لا تُؤَاخَذُ حَتَّى نَقصِدَ الأَمْرَ، ثُمَّ تَحْلِفَ عَلَيْهِ بِاللهِ الذي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَتَعْقِدَ عَلَيْهِ يَمِينَكَ\" (١).\nثمَّ ذكَرَ اللهُ غُفْرانَهُ لِعبادِهِ وحِلْمَهُ عليهم؛ بعدمِ التشديدِ بالمؤاخَذةِ في كلِّ ما يقولونَ ولو كان لَغْوًا.\nويأتي في سورةِ المائدةِ ذِكْرٌ لبعضِ مسائلِ اليمينِ وعَقْدِها وكفَّارتِها بإذنِ اللهِ.\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٣٧).","vol":"1","page":410},{"text":"قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧].\nالإيلاءُ: الحَلِفُ، ويُؤْلُونَ: يَحلِفونَ.\nقال الشاعرُ:\nقَلِيلُ الأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ ... وَإِنْ سَبَقَتْ مِنْهُ الأَلِيَّةُ بَرَّتِ\nوالإيلاءُ دونَ أربَعةِ أشهُرٍ بلا قصدِ الإضرارِ: جائِزٌ، وقد آلَى النبيُّ - ﷺ - مِن نِسَائِهِ شَهْرًا؛ كما في \"الصحيحِ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>الإيلاءُ لهجرِ الزوجةِ:</span>\nوقد كانتِ العرَبُ في الجاهليَّةِ إذا أرادَ الرجلُ منهم إيذاءَ زوجتِهِ، حلَفَ ألَّا يدخُلَ عليها سنةً أو أكثرَ؛ يُضِرُّ بها ويَنكِحُ غيرها، فجعلَ اللهُ لذلك حدًّا يَفصِلُ فيه، فلم يحرِّمِ الإيلاءَ كلَّه؛ لأنَّ النفوسَ ربَّما تحتاجُ إليه وتَلجَأُ إليه وتُبتَلَى به، فهو يَصُدُّ الرَّجُلَ عنِ الطلاقِ وعن فِرَاقِ زوجتِهِ، فيجعل له حَدًّا يُفارِقُ زوجتَهُ فيه؛ وذلك في حالَيْنِ:\nالأُولى: الهَجْرُ بلا إيلاءٍ؛ وهذا له حدٌّ يأتي الكلامُ عليه في سورةِ النِّسَاءِ بإذنِ اللهِ.\nالثانيةُ: الإيلاءُ؛ وهو الحَلِفُ ألَّا يدخُلَ عليها، أو لا يَقْرَبَها؛ وهدا هو المرادُ في الآيةِ.\nولو حرَّم اللهُ الهجرَ والإيلاءَ بإطلاقٍ، لَاندَفعَتِ النفوسُ إلى الطلاقِ عندَ أدنى حاجةٍ للبُعْدِ، وفي هذا مِن العَنَتِ والأَذَى على الزوجَيْنِ والذُّرِّيَّةِ، ما يَدْفَعُ إلى النَّدَمِ والفِتْنةِ؛ فجعَلَ اللهُ لحكمَتِه الفُرْقةَ بين\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٧٨) (١/ ٨٥).","vol":"1","page":411},{"text":"الزوجَيْنِ على قَدْرٍ مفصَّلٍ يعالِجُ النفوسَ، ويُبقِي الصلةَ بينَ الزوجَيْنِ.\nوقد حَفِظَ اللهُ حقَّ الزوجةِ مِن زوجِها، ورفَعَ ظُلْمَهُ عنها؛ لأنَّ الرَّجُلَ يَقضِي وطَرَهُ بزوجةٍ أخرى، وله في ذلك ثلاثُ زوجاتٍ غيرُها، أو بأَمَتِهِ، ولا حَدَّ له في ذلك، وأمَّا الزوجةُ، فلا تَقضِي حاجتَها إلَّا بزَوْجِها، ولا يَحِلُّ لها أن يَقرَبَها عبدُها، فكانَ الأذى عليها في ذلك ظاهرًا، فجَعَلَ اللهُ حَدًّا لذلك؛ حتَّى لا تُظلَمَ ويفسُدَ دِينُها.\nوهذه الآيةُ. ممَّا ليس في السُّنَّةِ شيءٌ يبيِّنُ فيها صفةَ الإيلاءِ وكيفيَّةَ الفَيْءِ، ووقوعَ الطلاقِ وصفتَهُ؛ ولذا قال الشافعيُّ في \"رسالَتِهِ\": \"لم يُحفَظْ عن رسولِ اللهِ فىِ هذا شيئًا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>أنواعُ الإيلاءِ:</span>\nوالإيلاءُ على نوعَيْنِ؛ مشروعٍ، وممنوعٍ:\nالأولُ: الجائِزُ المشروعُ، ويكونُ بشرطَيْنِ: ألَّا يتجاوَزَ أربعةَ أشهرٍ، وألَّا يُقصَدَ به الإضرارُ بالزوجةِ، فإنْ قُصِدَ به الإضرارُ بالزوجةِ، فلا يجوزُ ولو كان دونَ أربعةِ أشهرٍ؛ كمَنْ يُؤْلِي مِنْ نسائِهِ ثلاثةَ أشهرٍ وشيئًا، ثُمَّ يَفِيءُ، ثُمَّ يُؤْلِي مِثلَها، ثُمَّ يَفِيءُ، فيُجامِعُ زوجتَهُ في العامِ ثلاثَ أو أربعَ مرَّاتٍ؛ فالضَّرَرُ محرَّمٌ ولو كان في صُورةِ الجائِزِ، ولا عِبْرةَ بالمُدَّةِ ولو كانت أيَّامًا معدوداتٍ؛ كمَن يَعلَمُ ضَرَرَ زوجتِهِ بتَرْكِها أيَّامًا، فقصَدَ ذلك.\nوأمَّا الإيلاءُ دونَ أربعةِ أشهُرٍ بلا ضَرَرٍ، وبمقصدٍ شرعيٍّ؛ كقصدِ التأديبِ والتهذيبِ والإصلاحِ، فلا حرَجَ فيه؛ لفِعلِ النبيِّ - ﷺ - له، فقد آلَى النبيُّ - ﷺ - مِن نِسَائِهِ شَهْرًا؛ كما ثبَتَ في \"الصحيحِ\"؛ مِنْ حديثِ أنسٍ (٢)، وأُمِّ سَلَمةَ (٣).\n_________\n(١) \"الرسالة\" (٥٧٨).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٧٨) (١/ ٨٥).\n(٣) أخرجه البخاري (١٩١٠) (٣/ ٢٧).","vol":"1","page":412},{"text":"والثاني: الممنوعُ؛ وهو: الإيلاءُ فوقَ أربعةِ أشهرٍ؛ قُصِدَ به الإضرارُ أم لم يُقصَدْ به؛ لتحقُّقِ الضررِ غالبًا، ولو لم يَقصِدْهُ، ولمخالَفَتِهِ لأمرِ اللهِ وحُكْمِه.\nوقيَّد بعضُ المفسِّرينَ الإيلاءَ بقصدِ إصرارِ الزوجِ بزوجتِهِ؛ قالوا: وإذا لم يقصدِ الإضرارَ بها، فهو قَسَمٌ ويمينٌ كسائرِ الأيمانِ، وبعضُهم: جعَلَ كُلَّ حَلِفٍ بعدمِ قُرْبِها إيلاءً ولو لم يقصِدِ الإضرارَ بها:\nذهَبَ إلى المعنى الأوَّلِ: عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وابنُ عبَّاسٍ، والحسنُ، وعطاءُ بنُ أبي رَبَاحٍ، وابنُ شهَابٍ الزُّهْريُّ.\nرُوِيَ عن عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ مِنْ وجوهٍ؛ قالا: \"لا إيلاءَ إلَّا بغَضَبٍ\" (١).\nولذا فهم يَجْعَلُونَ كُلَّ حَلِفٍ سبَبُهُ غيرُ الغَضَبِ يمينًا لا إيلاءً؛ كمَن يَحلِفُ ألَّا يَقرَبَ زوجتَهُ لأنَّها تُرضِعُ أو لمَرَضِها؛ يُرِيدُ حَبْسَ نفسِهِ عنها؛ روى اينُ جريرٍ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عَطَاءٍ؛ قَالَ: \"إذا حَلَفَ مِنْ أَجْلِ الرَّضَاعِ، فَلَيْسَ بِإِيلَاءٍ\" (٢).\nوإنَّما قيَّدَ بعضُ السلفِ الإيلاءَ بما كان في الغَضَبِ والضِّرَارِ؛ لأنَّ اللهَ إنَّما جعَلَ الإيلاءَ مَخْرَجًا للمرأةِ مِن أذِيَّةِ زوجِها لها بتَرْكِ قُرْبِها، وإذا كان حَلِفُهُ بغيرِ غَضَبٍ ولا إضرارٍ، فإنَّما فعَلَ ذلك لمصلحةِ زوجَتِه لِتُتِمَّ رَضَاعَها أو تَشْفَى مِن مَرَضِها، فهذا لحظِّ الزوجةِ، وطلبًا لرِضَاها، وليس للإضرارِ بها.\nوذهَبَ إلى المعنى الثاني؛ أيْ: أنَّ كُلَّ حَلِفٍ مِن الزوجِ ألَّا يَقرَبَ زوجتَهُ، فهو إيلاءٌ أيًّا كان سبَبُهُ - قصَدَ الإضرارَ أو لم يَقصِدْهُ، كان عن غَضَبٍ أو عن رضًا - وقال له الشَّعْبيُّ والنَّخَعيُّ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٤٥ - ٤٦).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٤٧).","vol":"1","page":413},{"text":"روى ابنُ جريرٍ، عن الأَعْمَشِ، عن إِبراهيمَ؛ قَالَ: \"كُلُّ يَمِينٍ مَنَعَتْ جِمَاعًا حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَهِيَ إِيلَاءٌ\" (١).\nوإنَّما قالوا بدخولِ كُلِّ قسَمٍ ويمينٍ في الإيلاءِ، ما دام متعلِّقًا بعدمِ قربِ الزوجةِ، مهما كان سبَبُه؛ لعمومِ الآيةِ؛ فقد عَمَّتْ كُلَّ مُؤْلٍ مُقْسِمٍ.\nوالصوابُ: أنَّ الإيلاءَ ما أَضَرَّ بالزوجةِ مِن يمينِ زوجِها ألَّا يقْرَبَها، وإنَّما قَيَّدَ بعضُ المفسِّرينَ ذلك بالغَضَبِ؛ لأنَّ اليمينَ غالبًا إذا كانت تَضُرُّ الزوجةَ، فهي لا تصدُرُ إلَّا عن غَضَبٍ.\nوصِيَغُ الإيلاءِ لا حَدَّ لها، وتختلِفُ مِن شخصٍ إلى شخصٍ، ومِن بلدٍ إلى آخَرَ، ومِن عُرْفٍ إلى عُرْفٍ؛ كقولِهم: واللهِ لا أقرَبُكِ، أو واللهِ لا اجتَمعْنَا في لِحَافٍ ولا فِرَاشٍ، ونحوِ ذلك وما في معناه؛ فهو إيلاءٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>إيلاءُ العبدِ:</span>\nواختلَفَ الفقهاءُ في إيلاءِ العبدِ؛ هل يستوِي في مُدَّةِ الإيلاءِ مع الحُرِّ أوْ لا؟ على قولَيْنِ عندَهم:\nالقولُ الأوَّلُ: أنَّ مُدَّةَ إيلائِهِ نِصْفُ الحُرِّ؛ وبهذا قال الزُّهْريُّ وعَطَاءٌ ومالكٌ، وعَلَّلَ بعضُ الفقهاءِ ذلك بالقياسِ على تنصيفِ الحَدِّ عليه، وتنصيفِ طلاقِه كذلك.\nالقولُ الثاني: أنَّ المُدَّةَ في ذلك تتعلَّقُ بالمرأةِ لا بالرجلِ، فإنْ كانتِ المرأةُ أمَةً، فنصفُ مُدَّةِ الإيلاءِ، وإلَّا فالإيلاءُ كاملٌ ولو كان الزَّوْجُ عبدًا؛ لأنَّ العِدَدَ تتعلَّقُ بالنساءِ، لا بالرجالِ؛ وبهذا القولِ قال الثَّوْريُّ وأبو حنيفةَ، ومِن السَّلَفِ رُوِيَ عن الشَّعْبيِّ والحَكَمِ.\nوالأظهَرُ: أنَّ الإيلاءَ مُدَّةٌ واحدةٌ لا يختلِفُ الزوجُ الحُرُّ والعبدُ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٤٨).","vol":"1","page":414},{"text":"فيها؛ وذلك لاستوائِهما في مُدَّةِ العُنَّةِ، فإنْ عَجَزَ الزَّوْجُ العبدُ عَنْ جِمَاعِ زوجتِهِ لِعُنَّةٍ، فيُمهَلُ مِثلَ الحُرِّ، وهذه أشبَهُ بمسألَتِنا مِنْ قِياسِهِ على الحَدِّ؛ لأنَّ الحدودَ عقوبةٌ، وأصلُ العقوباتِ حَقٌّ للهِ تعالى، والإيلاءُ والعُنَّةُ حَقٌّ للزوجةِ.\nواللهُ يُسقِطُ مِن حقِّهِ ما يشاءُ، وحُكْمُهُ بين عِبَادِهِ في الحقوقِ واحدٌ.\nواللهُ عَلَّقَ الحُكْمَ في الإيلاءِ بالرجالِ؛ كما في قولِه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، ولو عَلَّقَ الحُكْمَ بالنساءِ، ورَبَطَهُ بهنَّ، لَوَجَّهَ الخطابَ إليهنَّ؛ كما في قولِهِ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤]، وغيرِ ذلك مِن صِيَغِ خطابِ النساءِ في القرآنِ، وتعليقُ أبي حنيفةَ الحُكْمَ بالنساءِ، ثُمَّ قياسُهُ على عِدَّتِهِنَّ: فيه نظرٌ.\nوالإيلاءُ يتحقَّقُ بالحَلِفِ باللهِ بالإجماعِ، وإنَّما الخِلافُ فيمَنْ حلَفَ بغيرِ اللهِ ألَّا يَقْرَبَ زوجتَهُ؛ فهل يُعدُّ مُؤْلِيًا أو لا؟ هما قولانِ للفقهاءِ:\nذهَبَ الجمهورُ: إلى أنَّه إيلاءٌ بأيِّ شيءٍ حَلَفَ.\nوقال أحمدُ في روايةٍ: إنَّ الإيلاءَ لا يكونُ إلَّا بالحَلِفِ، باللهِ.\nومَن ترَكَ جماعَ زوجتِهِ بلا يمينٍ، فلا يُعَدُّ مُؤْلِيًا عندَ الجمهورِ؛ وهو قولُ الشافعيَّةِ وجمهورِ الفقهاءِ مِن الحنابِلةِ والمالكِيَّةِ.\nوثَمَّةَ قولٌ لمالكٍ، وهو قولٌ في مذهِب الحنابلةِ: أنَّه مُؤْلٍ، ولو لم يَحلِفْ.\nوقولُه تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ لا خلافَ عندَ الفقهاءِ: أنَّ المرادَ بالنساءِ الأزواجُ، وليس الإماءَ، وأمَّا الأَمَةُ، فحقُّها على سيِّدها مؤنتُها لا جِماعُها.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:\nالفَيْءُ: الرجوعُ؛ ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾","vol":"1","page":415},{"text":"[الحجرات: ٩]، والفيءُ يكون بما يخالِفُ معنى الإيلاءِ وينقُضُهُ، وهو الجماعُ؛ قال بذلك ابنُ عبَّاسٍ ومسروقٌ وابنُ المسيَّبِ والشَّعْبيُّ وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>الرجوعُ بعد الإيلاءِ، وكيف يتحقَّقُ:</span>\nولا خِلافَ عندَ العلماءِ: أنَّ الفيءَ في الآيةِ ينصرِفُ إلى الجماعِ، حكى الإجماعَ غيرُ واحدٍ؛ كابنِ عبدِ البَرِّ (١)، وإنَّما اختلَفوا فيما يقومُ مقامَهُ.\nوقد قيَّد بعضُهم ذلك بالقُدْرةِ على الجِمَاعِ وانتفاءِ العُذْرِ، ولكنَّ المحبوسَ والعاجِزَ بمرضٍ يطولُ يكفِيهِ الإشهادُ؛ وبهذا قال جماعةٌ مِن السلفِ؛ كابنِ المسيَّبِ، وهو قولُ أحمدَ وأبي ثَوْرٍ.\nقال ابنُ شهابٍ: \"حَدَّثَنِي سَعِيدُ بنُ المسَيِّبِ: أَنَّهُ إِذَا آلَى الرَّجُلُ مِنِ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمَسَّهَا، أَوْ كَانَ مُسَافِرًا فَحُبِسَ، قَالَ: فَإذَا فَاءَ، وَكَفَّرَ عَن يَمِينِهِ، فَأَشْهَدَ عَلَى فَيْئِهِ قَبْلَ أَنْ تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَلَا نَرَاهُ إِلَّا قَدْ صَلَحَ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ امْرَأَتَهُ، وَلَمْ يَذْهَبْ مِنْ طَلَاقِهَا شَيْءٌ\" (٢).\nومِن السَّلَفِ: مَن جعَلَ الفيءَ بالجماعِ، ويُغنِي عنه التصريحُ باللسانِ ولو لم يجامِعْ لعذرٍ، ولو كان عُذْرُهُ يسيرًا؛ كسَفَرٍ أو مَرَضٍ، أو عدَمِ حاجةٍ، أو لعذرِ المرأةِ بحيضٍ أو نفاسٍ؛ قال بهذا أصحابُ ابنِ مسعودٍ؛ كعَلْقَمةَ والأسودِ وغيرِهِما، وكذلك عِكْرِمةُ والحسَنُ والنَّخَعيُّ وأبو وائلٍ والزُّهْريُّ.\nوَرأى بعض السلفِ: الإشهادَ على ذلك؛ حتَّى لا يُؤخَدَ بإيلائِهِ الأوَّلِ، فتَظُنَّ زوجتُهُ ويظنَّ الناسُ أنَّه على يمينِهِ، فتطلَّقَ منه، قال\n_________\n(١) \"الاستذكار\" (١٧/ ١٠١).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٥٧).","vol":"1","page":416},{"text":"بالإشهادِ علقمةُ وابنُ المُسيَّبِ والحسنُ وعِكْرِمةُ والنَّخَعيُّ.\nومِن هؤلاءِ المفسِّرينَ: مَن جعَلَ اللسانَ كافيًا في الرَّجْعةِ ولو كان قادرًا على الجماعِ.\nوالأظهرُ: أنَّ الفيءَ لا يكونُ إلَّا بجماعٍ؛ لأنَّ اللهَ ذكَرَ الفيءَ وهو الرجوعُ، والرجوعُ يكونُ إلى ما ذهَبَ عنه الحالِفُ، وهو الجِمَاعُ، ويُستثنَى مِن ذلك: مَن كان معذورًا؛ لأنَّ اللهَ لا يكلِّفُ نفسًا إلَّا وُسْعَها، ثُمَّ إنَّ المَقصِدَ هو عدَمُ الإضرارِ بالزوجةِ، وعدمُ العَنَتِ على الرَّجُلِ؛ ولذلك فإنَّ عدَمَ عُذْرِ المحبوسِ والمريضِ مرضًا طويلًا أطولَ مِن مُدَّةِ الإيلاءِ: لا يستقيمُ على قواعدِ الشرعِ.\nثُمَّ إنَّ الأمرَ بالفيءِ لحقِّ الغيرِ، وهي الزوجةُ، وحقُّها لا يتحقَّقُ إلَّا بالجمَاعِ، لا بمجرَّدِ الفيئةِ باللسانِ.\nومَن عزَمَ الفيءَ والرجوعَ عَن يمينِهِ في آخِرِ المُدَّةِ، فوجَدَ زوجتَهُ حائِضًا أو نُفَساءَ، وانتِظَارُها يُخرِجُها مِن مُدَّةِ الإيلاءِ، فيَكفِيهِ الفيءُ باللسانِ، والإشهادُ على ذلك؛ لأنَّه أرادَ الرجوعَ، ومنَعَهُ الشارعُ، فجماعُ الحائِضِ والنُّفَساءِ لا يجوزُ؛ فهو فاءَ لأمرِ اللهِ، وامتنَعَ لأمرِه.\nومِثلُ ذلك: مَن أرادَ الرجوعَ قبلَ نهايةِ مُدَّةِ الإيلاءِ، فامتَنعَتْ منه زوجتُهُ أو احتَجَبَتْ واختفَتْ عنه، فرجوعُهُ صحيحٌ؛ لأنَّ مُدَّةَ الإيلاءِ لرفعِ الحَرَجِ عنها، وهي أسقَطَتْ حقَّها بذلك.\nوأمَّا مَن توسَّعَ في معنى الإيلاءِ مِن السلفِ، فجعَلَ كُلَّ يمينٍ يهجُرُ الرجلُ بها مِن زوجتِهِ شيئًا، فهو إيلاءٌ؛ كتَرْكِ كلامِها، أو الأكلِ معَها، فهؤلاءِ توسَّعوا فيما يتحقَّقُ به الرجوعُ؛ تبعًا لتوسُّعِهم فيما يكونُ الإيلاءُ.\nوقولُه تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:\nإنْ رجَعَ الزَّوْجُ إلى جماعِ زوجتِهِ بعدَ إيلائِهِ ألَّا يَقْرَبَها، فاللهُ غفورٌ","vol":"1","page":417},{"text":"رحيمٌ؛ إشارةً إلى ذنبِهِ، فاللهُ يذكُرُ المَغفِرةَ عندَ المخالَفةِ؛ لبيانِ الذنبِ؛ وهذا دليلٌ على إثمِ المُؤلِي بقصدِ الإضرارِ لمجرَّدِ قصد، والوفاءُ بذلك محرَّمٌ، واللهُ يعفُو عمَّنْ ترَكَ يمينَهُ وعَمِلَ بحُكْمِ اللهِ في تركِ الإيلاءِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>كفارةُ الإيلاءِ:</span>\nوقِيلَ: معنى ذلك: لا كفَّارةَ عليكُم، وعفا اللهُ عن خَطَئِكُمْ في حقِّ أنفُسِكُمْ وأزواجِكُمْ، وكفارةُ الإيلاءِ هو رجوعُكُمْ عنه إلى أزواجِكُمْ والعدلُ مَعَهُنَّ، فكان معنى المَغْفِرةِ محوَ الذَّنْبِ بمجرَّدِ العودةِ، والرَّحْمةَ بكُم بعدَمِ إلزامِكُمْ بالوفاءِ بمُدَّةِ الإيلاءِ ولا تكليفِكُمْ على ذلك كَفَّارةً، وقال بهذا الحَسَنُ والنَّخَعيُّ.\nويقولُ بهذا القولِ كلُّ مَن قال: \"لا كَفَّارَةَ على كلِّ يمينٍ في البقاءِ عليها حَرَجٌ\".\nوأكثرُ المفسِّرينَ: على وجوبِ الكفَّارةِ، وحَمَلُوا المعنى في ذكرِ اسمِ الغفورِ والرحيمِ في الآيةِ: على عَدَمِ الإلزامِ بالوفاءِ باليمينِ؛ رحمةً بالزوجةِ والزوجِ، وعدَمِ مُؤاخَذةِ اللهِ لعبادِهِ بما كسَبُوهُ مِن التعدِّي على ما لا يَرْضاه مِن الزوجِ بزوجتِهِ.\nوهذا هو الأقرَبُ للصوابِ؛ صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ، وابنِ المسيِّبِ، والنَّخَعيِّ، وقتادةَ؛ وهو قولُ الشافعيِّ في الجديد.\nوهو الذي يَجرِي على القاعدةِ في الأَيْمانِ؛ أنَّ الأصلَ في كلِّ يمينٍ يَحْنَثُ صاحبُها بها تَجِبُ فيها الكَفَّارةُ إلَّا ما استَثْناهُ الدليلُ مِن وجهٍ صحيحٍ صريحٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>مضِيُّ أربعةِ أشهرٍ على الإيلاء:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾:\nإنْ مضَتْ أربعةُ أشهرٍ، ولم يَرجِعِ الزوجُ إلى زوجتِهِ؛ سواءٌ كان","vol":"1","page":418},{"text":"إيلاؤُهُ أربعةَ أشهرٍ أو أكثرَ مِن ذلك، فيُوقَفُ ويُؤمَرُ بالرجوعِ إلى زوجتِهِ أو تطليقِها، وهذا ظاهرُ الآيةِ؛ وبهذا قال أكثرُ الفقهاءِ مِن السلفِ والخلفِ، وقال به مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ.\nومِن الفقهاءِ: مَن جعَلَ انقضاءَ الأربعةِ الأشهرِ التي عليها الإيلاءُ كافيةً بنفسِها في كونِها طلاقًا لامرأتِهِ منه؛ فهي تقومُ مقامَ الطلاقِ، ولا يَملِكُ الزوجُ بعدَ هذه المُدَّةِ زمنًا يَبقَى له فيه حقُّ الطلاقِ؛ وبهذا القولِ قال أبو حنيفةَ.\nوذلك أنَّ أبا حنيفةَ يَرى أنَّ المُؤْلِيَ على امرأتِهِ لا يكونُ مؤليًا إلَّا إذا حَلَفَ ألَّا يَقْرَبَها مُدَّةَ أربعةِ أشهُرٍ فأكثَرَ، وما دونَ ذلك لا يَعُدُّهُ إيلاءً؛ لأنَّه لو عَدَّهُ إيلاءً، لَلَزِمَ على قولِه أنَّ تطلُقَ منه امرأتُهُ عندَ نهايةِ الإيلاءِ ولو كان يومًا؛ لأنَّه يَجْعَلُ نهايةَ الأجلِ طلاقًا.\nوالصوابُ: القولُ الأوَّلُ؛ فاللهُ ذكَرَ الفيءَ والطلاقَ بعدَ تربُّصِ الأربعةِ الأشهُرِ؛ ممَّا يدلُّ على أنَّ الزوجةَ لا تطلُقُ بمجرَّدِ انقضاءِ الأجلِ؛ حيث ذكَرَ الحُكْمَيْنِ معًا؛ أيْ: يُوقَفُ الزوجُ ويخيَّرُ بينَ الفيءِ والطلاقِ بعدَ الأجلِ.\nوجَعْلُ الخيارِ له بعدَ الأَجَلِ ظاهرٌ في عدمِ بَيْنُونةِ زوجتِهِ منه بعدَ الأربعةِ الأشهُرِ.\nواللهُ قد بَيَّنَ الطلاقَ في كتابِهِ وفي سُنَّةِ نبيِّهِ - ﷺ -، وليس فيهما شيءٌ يدلُّ على أنَّ الطلاقَ يكونُ بغيرِ ألفاظِهِ، ولا أنَّ انقضاءَ مُدَّةٍ بعينِها بلا نِيَّةٍ ولا لفظٍ يكونُ طلاقًا في ذاتِه.\nوهذا لا يَجْعَلُ الزوجَ مخيَّرًا بتركِ زوجتِهِ مُدَّةَ أربعةِ أشهرٍ بالإيلاءِ، وهو عازمٌ على طلاقِها بعدَ هذه الأشهُرِ بلا تردُّدٍ، فيريدُ بالإيلاءِ مزيدَ إضرارٍ يَسبِقُ الطلاقَ ليطولَ أَمَدُ بقائِها بلا زوجٍ بعدَهُ، فهذا عَضْلٌ محرَّمٌ","vol":"1","page":419},{"text":"في صورةِ إيلاءٍ؛ لأنَّ اللَّهَ قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾؛ أيْ: بعدَ الأربعةِ الأشهُرِ، لا قبلَها، فالطلاقُ لم يكن عليه العَزْمُ إلَّا بعد انقضاءِ الأجَلِ.\nوالفاءُ في قولِه: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾، وعطفُ عزمِ الطلاقِ على الفيءِ في قولِه: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾: دليلٌ على عدمِ تبييتِ عزمِ الطلاقِ قبلُ، وعطفُ عزمِ الطلاقِ والفيءِ؛ لكونِهما في زمنٍ واحدٍ بعدَ الأجلِ، ويخيَّرُ بينَهما الزوجُ، والفاءُ جوابٌ للشرطِ وما هو في معنى الشرطِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].\nالطلاقُ: مأخوذٌ مِن الإطلاقِ بعدَ قَيْدٍ، وهو الفَكُّ والحَلُّ بعدَ عقدٍ؛ فعِصْمةُ المرأةِ مقيَّدةٌ بيدِ زَوْجِها، وأمرُها في حقِّها بالاستمتاعِ ينفسِها معقودٌ بزَوْجِها، وفَكُّ القيدِ وحَلُّ العَقدِ هو الطلاقُ في الشريعةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>طلاق الجاهلية:</span>\nوكان الرَّجُلُ في الجاهليَّةِ إذا أرادَ طلاقَ امرأتِهِ، قالَ لها: \"اذْهَبِي؛ فلا أَنْدَهُ سَرْبَكِ\"؛ ومعنى دلك: لا أَرُدُّ إِبِلَكِ الذَّاهِبَةَ في سَرْبِها، بل أترُكُها لتذهَبَ حيثُ شاءَتْ.\nويطلِّقونَ كذلك بقولِهم: \"حَبْلُكِ على غَارِبِكِ\".\nوربَّما طَلَّقَتِ المرأةُ في الجاهليَّةِ زَوْجَها إذا غابَ عنها؛ تقومُ بتحويلِ باب بيتِها إلى جهةٍ أخرى فتطلُقُ منه؛ كما ذكرَهُ الزُّبَيْرُ بنُ بَكَّارٍ.\nوالتربُّصُ هو الانتظارُ، وإنَّما جُعِلَ بصيغةِ الخبرِ والمرادُ به الأمرُ؛","vol":"1","page":420},{"text":"كما في قولِه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وإنَّما جعَلَ اللهُ ذلك لَهُنَّ وبأنفُسِهِنَّ؛ لأنَّ الرَّجُلَ لا يَعْتَدُّ بطلاقِ امرأتِهِ، إلَّا الرابعةَ منهُنَّ، فيعتدُّ معها حتَّى تخرُجَ مِن عِدَّتِها، فيتزوَّجَ غيرَها؛ حتَّى لا يأخُذَ خامسةً والرابعةُ زوجةٌ له ما دامَتْ في العِدَّةِ.\nوالقولُ قولُ المرأةِ ما دامَتْ ثقةً في دِينِها في بَدْءِ حَيْضِها وانتهائِه؛ لأنَّ هذا الأمرَ لا يُعلَمُ إلَّا بِها، وهي مستأمَنَةٌ عليه، وعلى ما في بَطْنِها لو كانت حاملًا مِن زوجِها؛ أن تُخبِرَ بذلك ولو كرِهَتْهُ؛ حتَّى لا تَختلِطَ الأنسابُ، وعِدَّةُ الحاملِ غيرُ عِدَّةِ غيرِها، فلا يَحِلُّ لها كتمانُ ما في بطنِها مِنْ حَمْلٍ، أو طُهْرٍ أو حَيْضٍ؛ استعجالًا لخروجِها مِنْ عِصْمةِ زَوْجِها.\nوالقولُ قولُها ما لم تُخبِرْ بمُحَالٍ أو أمرٍ بعيدٍ؛ كحيضِها في مُدَّةٍ لا تحيضُ النِّسَاءُ فيها، قال ابنُ المُنذِرِ: \"وقال كلُّ مَن حَفِظْتُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ: إذا قالَتِ المرأةُ في عَشَرةِ أيَّامٍ: قد حِضْتُ ثلاثَ حِيَضٍ، وانقضَتْ عِدَّتِي: إنَّها لا تصدَّقُ، ولا يُقبَلُ ذلك منها\" (١).\nولو قالَتْ: إنَّها حاضَتْ ثلاثًا في شهرٍ، وكان عادةُ نِسائِها ذلك، صُدِّقَتْ، وقد قَضَى به شُرَيْحٌ، وصَدَّقَهُ عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وقال به مالكٌ.\nوقال أبو حنيفةَ والشافعيُّ: لا تصدَّقُ في أقلَّ مِن السِّتينَ يومًا (٢).\nوالآيةُ في عِدَّةِ المرأةِ مِن زَوْجِها، والأصلُ في الحِكْمةِ مِن مشروعيَّةِ عِدَدِ الأزواجِ: استبراءُ الرَّحِمِ، إلَّا عِدَّةَ الوفاةِ؛ فقد جعلَهَا اللهُ عبادةً تَشمَلُ الاستِبْراءَ، وتعظيمَ حقِّ الزوجِ، وغيرَ ذلك.\nوالمقصودُ بالمطلَّقاتِ في الآيةِ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ\n_________\n(١) \"المجموع\" (١٨/ ١٩٩).\n(٢) المرجع السابق.","vol":"1","page":421},{"text":"قُرُوءٍ﴾: هُنَّ الحُيَّضُ اللَّاتي دخَلَ بهنَّ أزواجُهُنَّ، وإنَّما قدَّمَهُنَّ في بيانِ حُكْمِهِنَّ؛ لأنَّ أكثرَ أحوالِ النساءِ المطلَّقاتِ: المدخولُ بهنَّ؛ يُدْخَلُ بهنَّ، ثُمَّ يطلَّقْنَ وهُنَّ حُيَّضٌ، والمرأةُ لا تخلو مِن أحوالٍ:\nإمَّا حائِضٌ، أو غيرُ حائضٍ لصِغَرٍ ويأسٍ وغيرِهِ، أو حاملٌ.\nوالمرادُ هنا المطلَّقةُ الحائضُ، والمطلَّقةُ الحائِضُ إمَّا أنْ تكونَ: مدخولًا بِها، أو غيرَ مدخولٍ بِها.\nوالمرادُ في الآيةِ: المطلَّقةُ الحائضُ المدخولُ بها؛ لأنَّ اللهَ قالَ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾، وهذا الخِطابُ لا يَتَوجَّهُ إلَّا للمدخولِ بِها، فيُظَنُّ منها حَمْلٌ.\nوقد بيَّن اللهُ حُكْمَ الحامِلِ في سُورةِ الطلاقِ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].\nوبيَّن حُكْمَ الآيسةِ والتي لا تحيضُ لصِغرٍ وغيرِه فيها: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ الآيةَ [الطلاق: ٤].\nوبيَّن اللهُ حُكْمَ غيرِ المدخولِ بها في قولِه في سورةِ الأحزابِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].\nوآيةُ البقرةِ: لا يدخُلُ في حُكْمِها غيرُ المطلَّقةِ الحائضِ المدخولِ بها على الصحيحِ؛ لذِكْرِ اللهِ للطلاقِ والأَقْرَاءِ والحَمْلِ فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>معنى القرءِ:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾:\nالقَرْءُ في لُغَةِ العَرَبِ يُطلَقُ على الزَّمَنِ؛ سواءٌ كان حَيْضًا أو طُهْرًا، فيُقالُ: أَقْرَأَتِ المَرْأَةُ: إذا دنا حَيْضُها، وأَقْرَأَتْ: إذا دنا طُهْرُها؛ كما يقولُ الشاعرُ:","vol":"1","page":422},{"text":"إِذَا هَبَّتْ لِقَارِئِهَا الرِّيَاحُ\nفهو مِن الأسماءِ المشتَرَكةِ، يقولُ بهذا أهلُ اللُّغَةِ؛ كأبي عُبَيْدٍ، والأصمَعيِّ، وأبي عَمْرِو بنِ العَلاءِ، وحكى الاتفاقَ عليه ابنُ جريرٍ (١)، وإنَّما الخلافُ في نزولِ حُكْمِ اللهِ على أحدِ المعنيَيْنِ؛ زمَنِ الطُّهْرِ أَمْ زمَنِ الحيضِ؟ على قولَيْنِ؛ هما رِوايتانِ عن أحمدَ:\nالأوَّلُ: المرادُ به الأطهارُ؛ وهو قولٌ صحَّ عن عائشةَ، وزيدٍ، وابنِ عمرَ، وفقهاءِ المدينةِ، وقال به ربيعةُ ومالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ.\nالثاني: المرادُ به الحِيَضُ؛ وهو قولُ عمرَ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عبَّاسٍ، وعِكْرِمةَ، ومجاهِدٍ، وقَتادةَ، وهو قولُ أبي حَنِيفةَ وأهلِ الرأيِ، وجماهيرِ الحنابلةِ.\nوصحَّ عن عمرِو بنِ دينارٍ قولُهُ: \"الأَقْرَاءُ: الحِيَضُ؛ عن أصحابِ النبيِّ - ﷺ -\" (٢).\nورواهُ الأسوَدُ وعَلْقمةُ، عن عمرَ وابنِ مسعودٍ؛ وهو صحيحٌ عنهما (٣).\nورواهُ ابنُ المُسَيَّبِ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ وهو صحيحٌ عنه (٤).\nورواهُ زيدُ بنُ رُفَيْعٍ، عن أبي عُبَيْدةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، عن أبيه وعُثْمانَ (٥)، وزيدٌ ليس بالقويِّ، ولم يَسمعْ أبو عُبَيْدةَ مِن عُثْمانَ.\nوهذا مِن مواضعِ النزاعِ القويِّ؛ لِقِدَمِ الخلافِ، وجلالةِ المخالِفِينَ، واحتمالِ اللُّغةِ والوضعِ للمعنيَينِ جميعًا.\nوالنَّفْسُ تميلُ إلى الأوَّلِ؛ لأنَّ عليه قولَ أهلِ الصَّدْرِ الأوَّلِ مِن أهلِ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٤/ ١٠٣).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٨٩).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٩١).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٩٣).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٩٤).","vol":"1","page":423},{"text":"الحجازِ؛ قال أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ: \"ما أَدْرَكْنا أحَدًا مِنْ فُقَهَائِنا إلَّا يَقُولُ بقولِ عائِشَةَ في أنَّ الأقراءَ هي الأطهارُ\" (١).\nوقد استَدَلَّ بعضُ مَن قال بأنَّ القُرُوءَ الأطهارُ بما ثبَتَ في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال له عندَما طَلَّقَ أمرأتَهُ وهي حائضٌ: (مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ التي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ) (٢).\nحيثُ أحالَهُ النبيُّ - ﷺ - إلى الطُّهْرِ، فإذا كان الطُّهْرُ مَحَلَّ الطلاقِ، فهو محلُّ العِدَّةِ.\nثمَّ إنَّ اللهَ جمَعَ، فقالَ: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، وهو جمعٌ للقَرْءِ لا القُرْءِ، فالأولُ الطُّهْرُ، والثاني الحَيْضُ.\nواللهُ ذكَرَ العددَ مؤنَّثًا؛ وهذا يَدُلُّ أنَّ المرادَ بالقروءِ: الأطهارُ؛ فالطُّهْرُ مذكَّرٌ، والحَيْضُ مؤنَّثٌ.\nوقال غيرُ واحدٍ: إنَّ القَرْءَ بفتحِ القافِ وضَمِّها: سواءٌ.\nوأمَّا القولُ الثاني: وهو القولُ بأنَّ الأَقْراءَ الحِيَضُ، فاستَدَلَّ مَن قال به: بأنَّ النبيَّ - ﷺ - أمَرَ في سَبْيِ أَوْطَاسٍ أنْ يُسْتَبْرَأْنَ قبلَ أن يُوطَأْنَ بِحَيْضةٍ؛ كما أخرَجَهُ أحمدُ؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ (٣).\nثمَّ إنَّ الطُّهْرَ أصلٌ لا حَدَّ له، والحَيْضُ هو العارضُ المحدودُ، والضَّبْطُ به أدقُّ، والقرءُ ضبطٌ لِزَمَنٍ، والأزمانُ الضيِّقةُ المحدودةُ أزمانُ الحَيْضِ، لا أزمانُ الطُّهْرِ الذي هو الأصلُ المُتَّسِعُ، فأكثَرُ عُمْرِ المرأةِ طاهِرًا لا حائِضًا.\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" (٤/ ٤١).\n(٢) أخرجه البخاري (٥٢٥١) (٧/ ٤١)، ومسلم (١٤٧١) (٢/ ١٠٩٣).\n(٣) أخرجه أحمد (١١٢٢٨) (٣/ ٢٨).","vol":"1","page":424},{"text":"والحَيْضُ هو الذي يَقذِفُ ما في الرَّحِمِ وينقِّيهِ، ويحصُلُ المقصودُ بنهايةِ الحَيْضِ، لا بنهايةِ الطُّهْرِ؛ فإنَّ الاستبراءَ لا يُحتاجُ معه إلى نهايةِ الطُّهْرِ، بل نهايةِ الحَيْضِ، وبِدايةُ الطُّهْرِ كافيةٌ في ذلك.\nوللشافعيِّ قولٌ ذكَرَهُ القرطبيُّ (١)، وذكَرَه أيضًا الغزاليُّ (٢) قَولًا لبعضِ فقهاء الشافعيَّة: أنَّ القرء هو الانتقالُ مِن الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ، وليس الانتقالَ مِن الحَيْضِ إلى الطُّهْرِ؛ لأنَّ الحَيضَ ليس زمَنًا مشروعًا للطلاقِ فلا يَنزِلُ عليه لفظُ القرءِ هنا، مع دخولِهِ في عمومِ اللُّغَةِ؛ لأنَّه وقتٌ كغيرِهِ، وهو قولٌ حَسَنٌ لو كان له سَلَفٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>المقصدُ مِن عدَّةِ المطلَّقةِ:</span>\nوالمقصدُ الشرعيُّ الأكبرُ - وهو الاستبراءُ - يحصُلُ بجميعِ هذه الأقوالِ الثلاثةِ، وما عداهُ مِن المقاصدِ - كإنظارِ الزَّوجَيْنِ أن يتفكَّرَا في الرجعةِ ويتصالَحَا، ويَذهَبَ ما بالنفوسِ - فهو مُدَّةٌ تحصُلُ بأدنى الأقوالِ زمنًا مع النفوسِ المعتدِلةِ، واللهُ أعلمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>عدةُ الأمَةِ المطلَّقةِ:</span>\nولا خلافَ عندَ العلماءِ: أنَّ الحُرَّةَ المطلَّقةَ الحائضَ المدخولَ بها: تعتدُّ ثلاثةَ قروءٍ؛ للآيةِ.\nوقدِ اختلَفَ العلماءُ في عِدَّةِ الأَمَةِ على قولَيْنِ:\nالقولُ الأوَّلُ: أنَّ عِدَّتَها أقلُّ مِن عِدَّةِ الحُرَّةِ، وهي قُرْءَانِ؛ لأنَّ القُرْءَ لا يُنصَّفُ، ولأنَّ الأمَةَ في الحدودِ على النِّصْفِ مِن الحُرَّةِ.\nوهذا القولُ هو قولُ عُمَرَ وجمهورِ العلماءِ مِن بَعْدِه؛ روى سعيدُ بنُ منصورٍ عنه، قال: \"لوِ استَطَعْتُ أنْ أجعَلَ عِدَّةَ الأمَةِ حَيْضةً ونِصْفًا، لفَعَلْتُ\" (٣).\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" (٤/ ٣٨).\n(٢) \"الوسيط في المذهب\" (٦/ ١١٨).\n(٣) أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" (١٢٧٠) (١/ ٣٤٣).","vol":"1","page":425},{"text":"القولُ الثاني: عِدَّتُها كالحُرَّةِ؛ وهو قولُ أهلِ الظاهرِ؛ أخذًا بعمومِ الآيةِ.\nوالأرجَحُ الأَوَّلُ؛ لأنَّ أعظمَ مقاصدِ العِدَّةِ براءةُ الرَّحِمِ، وقد جعَلَ اللهُ استبراءَ الأَمَةِ بحَيْضةٍ، فلا تُوطَأُ سُرِّيَّةٌ إلَّا بعدَ استبرائِها بها، ولكنْ لمَّا كانَتِ الحُرَّةُ ثلاثةَ قُروءٍ، واجتمَعَ في عِدَّةِ المطلَّقةِ مقاصدُ غيرُ مَقصَدِ الاستبراءِ؛ كالأمَدِ بالتفكيرِ في المراجَعةِ بينهما، نقَصَتِ الأمَةُ عنِ الحُرَّةِ؛ فلا تعتدُّ ثلاثةَ قروءٍ، وارتفَعَتْ عن مَقْصَدِ الاستبراءِ وَحْدَهُ؛ كالسُّرِّيَّةِ؛ فلا تعتدُّ بحَيْضةٍ، فكانت عِدَّتُها قُرْأَيْنِ.\nويدخُلُ في الآيةِ: المرأةُ التي ينقطِعُ حَيْضُها انقطاعًا عارضًا باختيارِها؛ كالمُرْضِعِ ومَن تأخُذُ دواءً يتسبَّبُ في قَطْعِ الدَّمِ، أو بغيرِ اختيارِها، لكنَّه عارِضٌ؛ كمَرَضٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ جَفَّفَ الدَّمَ عنها، فتتربَّصُ بالأقراءِ؛ لعمومِ الآيةِ، ولعدَمِ دخولِها في حُكْمِ غيرِها مِن الآيِسِ والحامِلِ.\nوهذا قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ، وقال بِه مِن الصحابةِ: عثمانُ وعليٌّ وابنُ مسعودٍ وزيدٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>انقطاعُ دمِ المطلَّقةِ في عِدتها:</span>\nومَنِ انقَطَعَ دَمُها لغيرِ عارضٍ، ولم تبلُغْ سِنَّ الإياسِ بعدُ، ففي المسألةِ قولانِ مشهورانِ:\nالأوَّلُ: وهو أعلى ما جاء في ذلك، عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ؛ كما رواهُ مالِكٌ وعبدُ الرزَّاقِ، عنه؛ قال: \"أيُّما امرأةٍ طُلِّقَتْ ثمَّ حاضَتْ حَيْضةً أو حيضتَيْنِ، ثمَّ ارتفعَتْ حَيْضَتُها، فإنَّها تنتظِرُ تسعةَ أشهُرٍ؛ فإنْ بان بها حملٌ فذلك؛ وإلَّا اعتَدَّتْ بعدَ التِّسْعةِ ثلاثةَ أشهُرٍ، ثمَّ حَلَّتْ\" (١).\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (٧٠) (٢/ ٥٨٢)، وعبد الرزاق في \"مصنفه\" (١١٠٩٥) (٦/ ٣٣٩).","vol":"1","page":426},{"text":"وهو قولُ مالكٍ وأحمدَ، وهو قولُ الشافعيِّ في القديمِ.\nوالثاني: تنتظِرُ حتَّى الإياسِ، ثمَّ تعتَدُّ بالشهورِ؛ وهذا القولُ لأبي حنيفةَ والشافعيِّ، ورُوِيَ عن عليٍّ وابنِ مسعودٍ.\nوالأرجَحُ الأوَّلُ، والقولُ الثاني فيه ضَرَرٌ، ولا نصَّ يعضُدُهُ إلَّا التعليلَ أنَّ المرأةَ إمَّا أن تكونَ حائضًا، أو آيسًا، أو حاملًا، أو صغيرةً لا تحيضُ، وانتظارُها للإياسِ لا حَدَّ له، وفيه ضررٌ عليها.\nوقولُ عُمَرَ أقربُ، وسُنَّتُهُ أَوْلى بالأخذِ والقبول.\nوبيانُ الحملِ لا يطولُ، والنُّطْفةُ إذا لم تتكوَّنْ وتتخلَّقْ، ماتَتْ وسقَطَتْ لا يحفَظُها الرَّحِمُ، وأهلُ الطِّبِّ يَقطَعونَ بمِثْلِ هذا اليومَ، والاستئناسُ بقولِ الثِّقَةِ منهم أَوْلَى مِن تَربُّصِ المرأةِ إلى الإياسِ بلا حدٍّ.\nومَن طلَّقَ زوجتَهُ في حالِ الحَيْضِ، فلا تَعتَدُّ بتلك الحَيْضةِ عندَ مَن أمضَى طلاقَهُ، وحُكِيَ الاتِّفاقُ على ذلك، وأمَّا مَن لم يُمْضِ الطلاقَ، فهو لا يُمضِي العِدَّةَ تبَعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>احتسابُ طهر المطَلَّقَةِ:</span>\nوأمَّا مَن طلَّقَها في حالِ طُهْرٍ لم يَمَسَّها فيه، فإنَّها تَعْتَدُّ عندَ جمهورِ الفقهاءِ بذلك الطُّهْرِ، ولو بَقِيَ منه ساعةٌ.\nوبعضُ الفقهاءِ لا يَرَى للمطلَّقةِ في طُهْرٍ أن تعتدَّ ببقيَّةِ طُهْرِها هذا، بل تحسُبُ غيرَهُ، وقال الزُّهْريُّ في امرأةٍ طُلِّقَتْ في بعضِ طُهْرِها: \"إنَّها تعتدُّ بثلاثةِ أطهارٍ سوى بقيَّةِ ذلك الطُّهْرِ\".\nولم يوافِقْهُ ممَّن يقولُ بأنَّ الأقراءَ الأطهارُ على قولِه هذا أحدٌ؛ كما قالَهُ ابنُ عبدِ البرِّ (١).\n_________\n(١) \"التمهيد\" (١٥/ ٩٣).","vol":"1","page":427},{"text":"وقولُهُ تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ إشارةٌ إلى ما سبَقَ أنَّ أمرَ العِدَّةِ موكولٌ إلى المرأةِ والقولَ في ذلك قَوْلُها، تُوكَلُ إلى دينِها، وعند الشكِّ تخوَّفُ باللهِ، ويَظهَرُ تخويفُها مِن عِظَمِ أمرِ الكِتْمانِ بقولِهِ: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ وهذا وعيدٌ شديدٌ ذكَرَهُ اللهُ في غيرِ ما موضعٍ تشديدًا؛ فقد ذكَرَهُ في عَضْلِ النساءِ أن يَرجِعْنَ إلى أزواجِهِنَّ بعد آياتٍ، وذكَرَهُ عند الأمرِ بِرَدِّ الأمرِ عند التنازُعِ إلى اللهِ ورسولِهِ كما في سورةِ النساءِ، وعند الأمرِ بإقامةِ حدِّ الزِّنَى في سورةِ النُّورِ، وعند الاقتداءِ بالنبيِّ - ﷺ - في سورةِ الأحزابِ، وعند إقامةِ الشهادةِ للهِ في الطلاقِ، وفي مواضعَ أُخرى عند التحذيرِ مِن عمَلٍ يؤكِّدُهُ بالتذكيرِ بالإيمانِ باللهِ وعظمتِه، والآخِرةِ والحِسَابِ فيها، كما في موالاةِ مَن حَادَّ اللهَ ورسولَهُ في المجادَلةِ، وغيرِ ذلك.\nوقيل: المرادُ بما في أرحامِهِنَّ: الحَمْلُ؛ قاله عمرُ وابنُ عبَّاسٍ (١)، وقيلَ: الحَيْضُ؛ قاله عِكْرِمةُ والزُّهْريُّ والنَّخَعيُّ (٢).\nوكلاهُما مقصودٌ؛ فلا يَحِلُّ لها كِتْمانُ حَمْلِها ولا حَيْضِها، فلا يَحِلُّ لها الكَذِبُ بِحَمْلِها أو حَيْضِها أو طُهْرِها، فتقولَ: أنا حاملٌ، أو حائضٌ، أو طاهرٌ، وليست كذلك؛ رغبةً في فِرَاقٍ أو لَحَاقٍ، فإذا عَلِمَتْ أنَّ زوجَها يُحِبُّ الولَدَ، كذَبَتْ بِحَمْلِها لِتَرجِعَ، وكذَبَتْ لأجلِ أن يَمْتَدَّ أجلُ عِدَّتِها ليُراجِعَها، وأَشَدُّ مِن ذلك: الكَذِبُ في كِتْمانِ الحملِ؛ لِيَلْحَقَ الولَدُ بغيرِ أبيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>إرجاعُ الرجلِ زوجتَهُ في عدَّتها:</span>\nوقولُه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾:\nوالحَقُّ لِزَوْجِها في إرجاعِها ما دامَتْ في العِدَّةِ، وإرجاعُهُ لها على حالَيْنِ:\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٤/ ١١٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٤١٥).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٤/ ١٠٥ - ١٠٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٤١٦).","vol":"1","page":428},{"text":"الأُولى: إذا أرادَ الإصلاحَ، فيُستحَبُّ له ذلك.\nالثانيةُ: إذا أرادَ الإضرارَ بالزوجةِ؛ إمَّا ليُسِيءَ إليها في معامَلتِهِ وهي عندَهُ، أو ليُمْسِكَها ثُمَّ يُطلِّقَها حتَّى يطولَ أَمَدُها بلا زوجٍ؛ فهذا إمساكٌ محرَّمٌ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١].\nورَدُّ الزوجةِ: إمَّا أن يكونَ في العِدَّةِ، فهو حقٌّ للزَّوْجِ فقَطْ ولو لم تُرِدِ الزوجةُ، ولا يَلزَمُهُ عقدٌ ولا مهرٌ بالاتفاقِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ يَعني: في عِدَّتِهِنَّ.\nواختُلِفَ في وجوبِ الإشهادِ، والأرجَحُ: عدمُ وجوبِهِ في الرَّجْعةِ في العِدَّةِ، ووجوبُه بعدَ الخروجِ مِن العِدَّةِ وبلوغِ الأَجَلِ؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].\nوإمَّا أن يكونَ في غيرِ العِدَّةِ، فهو حقٌّ للزوجَيْنِ جميعًا، وللوليِّ أيضًا.\nوتَرجِعُ الزوجةُ في العِدَّةِ بالإشهادِ على ذلك منه، بلا خلافٍ؛ وإنَّما الخلافُ ما لو جامَعَها أو قبَّلَها أو لَمَسَها أو فعَلَ مَعَها ما لا يَحِلُّ إلَّا للزوجِ مِن زوجتِهِ؛ هل تَرجِعُ بمجرَّدِ هذا الفعلِ أم لا؟\nوالصحيحُ: أنَّها تَرجِعُ بالجِمَاعِ؛ وهو قولُ ابنِ المسيَّبِ والحسَنِ وابنِ سِيرِينَ؛ وهو قولُ طائفةٍ مِن أصحابِ مالكٍ.\nويَرى أبو حَنيفةَ وأهلُ الرأيِ: أنَّ اللَّمْسَ رَجْعةٌ أيضًا؛ خلافًا للجمهورِ الذين لا يَرَوْنَ الجماعَ ولا ما دُونَهُ رَجْعةً؛ وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وإسحاقَ.\nوقال مالكٌ: هو رجعةٌ لو نَوَاها، ويَجِبُ أن يُشهِدَ.\nوالشافعيُّ لا يَرَى رَجْعةً إلَّا بالقولِ.","vol":"1","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>النَّفَقَةُ والكِسْوَة والسُّكْنى للمطلَّقة:</span>\nوقولُه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾:\nقيل: المرادُ بالذي لَهُنَّ: النَّفَقةُ والكِسْوةُ والسُّكْنى، كما أنَّ اللهَ أوحَبَ عليهِنَّ الرَّجْعةَ لأزواجِهِنَّ؛ فعلى أزواجِهِنَّ لَهُنَّ حَقُّ النَّفَقةِ والسُّكْنَى والكِسْوةِ.\nوقيل: المرادُ بذلك: حُسْنُ المَعْشَرِ، وطِيبُ الصُّحْبةِ.\nفما يُريدُهُ الرَّجُلُ مِن المرأةِ مِن حُسْنِ المَعْشَرِ والمَلْبَسِ، فعليه كذلك لها؛ فلها حَقٌّ منه، كما له حقٌّ منها.\nواتَّفَقَ الفقهاءُ على وجوبِ النفقةِ والكِسْوةِ والمعاشَرةِ بالمعروفِ؛ لعمومِ قولِهِ: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ويأتي الكلامُ على حَقِّ المطلَّقَةِ في السُّكْنَى في سورة الطلاقِ.\nولا خلافَ أنَّ على الزوجةِ طاعةَ زَوْجِها لفِرَاشِه، ومعاشرَتَهُ بالمعروفِ.\nودرجةُ الرجالِ التي جعَلَها اللهُ لهم هي القِوَامةُ ولوازِمُها؛ مِن الطاعةِ بالمعروفِ، والجهادِ، والعملِ، وما بنى اللهُ فيهِ مِن بَسْطةِ جَسَدٍ وخِلْقةٍ تَختلِفُ عنها؛ بالقُوَّةِ واللِّحْيةِ وغيرِ ذلك.\nوذكَرَ اللهُ اسمَ العزيزِ والحكيمِ؛ فإنَّه لعِزَّتِهِ قضى بين عبادِهِ وانفرَدَ بالحُكْمِ، ولحِكْمتِهِ العظيمةِ قَضَى فيما لا يُدْرِكونَ جميعَ عِلَلِهِ ومنافعِه، فكان حكيمًا مستحِقًّا للطاعةِ؛ لكمالِ عِلْمِهِ وحكمتِه.\n* * *","vol":"1","page":430},{"text":"قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩].\nكان الطلاقُ يُتَّخَذُ للإضرارِ بالزوجةِ، فيطلِّقُ الزوجُ فتعتَدُّ الزوجةُ، فإذا قَرُبَ خروجُها مِن عِدَّتِها، أرجَعَها ثم طلَّقَها، وانتظَرَ حتَّى تقرُبَ مِن نهايةِ عِدَّتِها، ثمَّ يُرجِعُها ليطلِّقَها ولتستأنِفَ عِدَّةً جديدةً؛ فتبقى لا معه ولا مع زوجٍ غيرِه، كما كان يَفْعَلُ أهل الجاهليَّةِ وبعضُ العرَبِ في صدرِ الإِسلامِ؛ ولذلك: فقد جعلَ اللهُ الطلاقَ الذي يَملِكُ فيه الرجلُ إرجاعَ زوجتِه مرَّتَيْنِ؛ ولذا قال: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.\nومِن العلماءِ مَن جعَلَ هذه الآيةَ ناسخةً للآيةِ السابقةِ، وهي قولُهُ تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ وهذا يحتاجُ إلى نصٍّ، وربَّما نزلَتِ الآيتانِ جميعًا، فقيَّدَتِ الثانيةُ إطلاقَ الأُولى، وخَصَّصَتْ عمومَها، إلَّا على قولِ مَن يَرى التخصيصَ نسخًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>عَدَدُ طلقاتِ الأحرارِ والعبيدِ:</span>\nولا خلافَ عند العلماءِ: على أنَّ طلاقَ الأحرارِ ثلاثُ طلقاتٍ، وأمَّا عددُ طلاقِ العبيدِ، ففيه خلافٌ:\nفذهَبَ أهلُ الظاهرِ: إلى أنَّ العبيدَ كالأحرارِ في الطلاقِ؛ أخذًا بعمومِ الآيةِ.\nوجمهورُ العلماءِ: على خلافِ هذا القولِ؛ فيَرَوْنَ أنَّ الطلاقَ طَلْقتانِ؛ على النصفِ من طلاقِ الحُرِّ؛ وهو إجماعُ الصحابةِ والتابعينَ؛ وإنَّما يَختلِفُونَ في مَحَلِّ الاعتبارِ، على قولَيْنِ مشهورَيْنِ:","vol":"1","page":431},{"text":"الأوَّلُ: يعتبرونَهُ بالزوجِ لا بالزوجةِ؛ فإنْ كان الزوجُ عبدًا، فالطلاقُ على النِّصْفِ ولو كانت الزَّوْجةُ حُرَّةً، وعكسُ ذلك لو كان الزوجُ حرًّا، فللزوجِ ثلاثُ طلقاتٍ ولو كانتِ الزوجةُ أَمَةً؛ وهذا قولُ جمهورِهم، وهو قولُ عُثْمانَ بنِ عَفَّانَ وزَيدٍ وابنِ عبَّاسٍ وعِكْرِمةَ وسُلَيْمانَ بنِ يَسَارٍ وابنِ المسيَّبِ، وقولُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ.\nالثَّاني: يعتبرونَهُ بالزوجةِ لا بالزوجِ؛ وهو قولُ عليٍّ وابنِ مسعودٍ، وهو رأيُ أبي حَنِيفةَ.\nوفي المسألةِ قولٌ ضعيفٌ قَلَّ الآخِذونَ به، وهو رأيُ عُثْمانَ البَتِّيِّ، ويُنسَبُ لابنِ عُمَرَ وابنِ عَبَّاسٍ: أنَّ العِبْرةَ بالرِّقِّ، فإن وُجِدَ في أحدِ الجهتَيْنِ: الزَّوْجِ أوِ الزَّوْجةِ، فالطَّلَاقُ طَلْقتانِ.\nوالأظهَرُ: كونُ الطلاقِ باعتبارِ الزوجِ؛ لأنَّ اللهَ عَلَّقَ الطلاقَ بالزوجِ، والعِدَّةَ بالنِّسَاءِ، فاللهُ تعالى إنَّما شرَعَ العدَدَ في الطلاقِ تشوُّفًا إلى الرَّجْعةِ، وإبعادًا للطلاقِ، ودفعًا لِنَدَمِ الزوجِ مِن العجَلةِ بالبَيْنونةِ؛ ولذا فقد جعَلَ اللهُ له أَجَلًا وعددًا للمراجَعةِ بينَهُ وبينَ زوجتِه.\nوحَدَّ اللهُ له عدَدًا مِن الطلاقِ؛ حتَّى لا يُضِرَّ بالزَّوْجةِ فيعلِّقَها.\nوإلحاقُ المسألةِ بنُقْصانِ الحدودِ على العبيدِ فيه نظَرٌ؛ لأنَّ نُقْصانَ الحدودِ فيه تخفيفٌ في العقوبةِ، وتخفيفُ الطلاقِ يُعتبَرُ نقصانًا في الحقِّ، وتفويتًا لحظِّ النَّفْسِ الذي ربَّما يُحتاجُ إليه في رَجْعةِ الزوجةِ، ولكنَّ الأَوْلَى أنْ يكونَ مأخَذُ الإلحاقِ: أنَّ تشوُّفَ بقاءِ الزوجَيْنِ مِن المَوَالِي أقلُّ مِن تشوُّفِ الأحرارِ، وتشوُّفَ بقاءِ الحُرَّةِ مع العبدِ أقلُّ مِن تشوُّفِ بقاءِ الحُرِّ معَ الحُرَّةِ.\nوذَهَابُ بعضِ الخلفاءِ إلى نُقْصانِ طلاقِ العبيدِ معتبَرٌ مِن وجوهِ الترجيحِ؛ فقولٌ يَمِيلُ إليه خليفةٌ أَوْلَى مِن قولٍ يَذهَبُ إليه مَن دونَهُ.","vol":"1","page":432},{"text":"والرقيقُ بحاجةٍ إلى التيسيرِ في تَبِعةِ الزواجِ؛ مِن النفقةِ على الزوجةِ، وكِسْوتِها في عِدَّتِها؛ فاحتاجَ للتيسيرِ في الطلاق والتيسيرِ في العِدَّةِ.\nوالطَّلاقُ سُلْطانٌ، وسلطانُ العبدِ دُونَ سُلْطانِ الحرِّ، وقِوامتُهُ دونَ قِوامةِ الحرِّ، والطلاقُ فرعٌ مِن فروعِ القِوامةِ.\nوقولُه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ عمومٌ تفصِّلُهُ السُّنَّةُ، وهو أنَّ بينَ كلِّ طلاقٍ عِدَّةً، فلا تُجمَعُ الطَّلْقتانِ جميعًا ولا الثلاثُ؛ وذلك كما في \"الصحيحِ\": (مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ التي أَمَرَ اللهُ - ﷿ - أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>الطلاقُ ثلاثًا:</span>\nوالطلاقُ أكثرَ مِن طَلْقةٍ واحدةٍ، أو ثلاثًا بلفظٍ واحدٍ، أو طلقاتٍ متفرِّقاتٍ في عِدَّةٍ واحدةٍ بلا رَجْعةٍ بينَهما - خلافُ السُّنَّةِ باتفاقِ السلفِ؛ وقد كانوا يَنْهَوْنَ عنه، ويؤدِّبونَ عليه؛ فقد أخرَجَ سعيدُ بنُ منصورٍ، عن أنسٍ أنَّ عُمَرَ كان إذا أُتِيَ برَجُلٍ طَلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا، أوجَعَ ظَهْرَهُ (٢).\nوهو صحيحٌ عنه.\nوذلك أنَّ الطلاقَ مِن حدودِ اللهِ، فاللهُ حينَما بيَّنَهُ وفصَّلَ أمْرَهُ، قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾، والطلاقُ الثلاثُ تَعَدٍّ يُوجِبُ التأديبَ والزَّجْرَ، فاللهُ أقامَ الزوجَ على حَدِّ الطلاقِ، وجعَلَ له سلطانًا لِيُقيمَهُ كما أمرَ اللهُ، كما أقامَ السلطانَ على حدودِ اللهِ بين الناسِ ليُقيمَها كما أمَرَ اللهُ، وإن كان تعدِّي السلطانِ أشدَّ؛ لعِظَمِ أَثَرِه، إلَّا أنَّ تعدِّيَ الزوجِ يعَدُّ تعدِّيًا وظُلْمًا ولكنْ بقَدْرٍ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٢٥١) (٧/ ٤١)، ومسلم (١٤٧١) (٢/ ١٠٩٣).\n(٢) أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" (١٠٧٣) (١/ ٣٠٢).","vol":"1","page":433},{"text":"ومَن طَلَّقَ ثلاثًا أو اثنتَيْنِ بكلمةٍ واحدةٍ، فقدِ اختلَفَ العلماءُ في وقوعِ هذا الطلاقِ:\nالقولُ الأوَّلُ: تقَعُ طَلْقةً واحدةً؛ وهو قولُ طاوُسٍ ومحمَّدِ بنِ إسحاقَ والحَجَّاجِ بنِ أرطاةَ، وهو قولٌ لأحمدَ قال به أهلُ الظاهرِ، وذهَبَ إليه ابنُ تيميَّةَ.\nوهو قولٌ ثابتٌ لبعضِ السلفِ، وبعضُهم يَنْفِيهِ؛ وليس كذلك، وقد ترجَمَ البخاريُّ في \"صحيحِه\" مثبِتًا له، فقال: (بابُ: مَن جَوَّزَ الطلاقَ الثلاثَ) (١)، ويُنسَبُ لعليِّ بنِ أبي طالبٍ وابنِ مسعودٍ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ عوفٍ؛ لِمَا روى مسلمٌ في \"صحيحِه\"؛ مِن حديثِ ابنِ طَاوُسٍ، عن أَبِيهِ؛ أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَتَعْلَمُ أَنَّمَا كَانَتِ الثَّلَاثُ تُجْعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ، وَثَلَاثًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ؟ فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ\" (٢).\nوذلك أنَّ الشريعةَ لم تجعَلِ العَدَدَ إلَّا لحِكْمةٍ؛ وهي التربُّصُ ودفعُ المشقَّةِ؛ وهذا يُلْغِي الأخذَ بحِكْمةِ اللهِ الظاهرةِ، ويعطِّلُ حكمًا شرعيًّا، وهو اعتبارُ العدَدِ المقصودِ منه في الآيةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>التطليقُ عددًا ورقمًا:</span>\nوذِكْرُ الأعدادِ رَقْمًا لا يُعتَبَرُ إلَّا بإلحاقِها وَصْفًا وعَدًّا؛ كما جاء في الشَّرْعِ؛ فمَن رَمَى الجِمَارَ بسَبْعِ حصَيَاتٍ مرَّةً واحدةً، عُدَّت واحدةً، ومَن قال: \"سُبْحانَ اللهِ\" مِئَةً، لم يكُنْ مسبِّحًا مِثْلَ مَن سبَّحَ مِئةً مكرِّرًا لها، ولو حلَفَ أن يسبِّحَ مِئةً، لم يُجْزِئْهُ إلَّا تَكْرارُها، لا ذِكرُها رَقْمًا.\nويظهرُ أنَّه لو طَلَّقَ الرجلُ زوجتَهُ في عِدَّةِ طَلْقةٍ واحدةٍ طلقةً أخرى:\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٧/ ٤٢).\n(٢) أخرجه مسلم (١٤٧٢) (٢/ ١٠٩٩).","vol":"1","page":434},{"text":"أنَّها لا تقَعُ حتَّى يُرجِعَها، وأظهَرُ مِن ذلك لو كرَّرَ الطلاقَ لفظًا، فقال: \"طالقٌ طالقٌ طالقٌ\": أنَّها واحدةٌ.\nلأنَّ لكلِّ طَلْقةٍ عِدَّةً وزمَنًا له بدايةٌ وله نهايةٌ، يبتدي بالطَّلْقةِ، وينتهي برَجْعَةِ الزوجةِ؛ فقد روى البيهقيُّ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ محمَّدِ بنِ إسحاقَ، عن داودَ بنِ الحُصَيْنِ، عن عِكْرِمةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قالوا: طلَّقَ رُكَانةُ امرأتَهُ ثلاثًا في مجلسٍ واحدٍ، فحَزِنَ عليها حُزْنًا شديدًا، فسألَهُ رسولُ اللهِ: (كَيْفَ طَلَّقْتَهَا؟)، قال: طلَّقتُها ثلاثًا، قال: (فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ؟)، قال: نَعَمْ، قال: (فَإِنَّمَا تِلْكَ وَاحِدَةٌ، فَأَرْجِعْهَا إِنْ شِئْتَ)، فراجَعَها (١).\nوأعلَّه بعضُهم؛ لمخالَفةِ ابنِ عبَّاسٍ له، ومِثلُهُ لو صحَّ عندَهُ لا يُخالِفُهُ ابنُ عبَّاسٍ؛ لفضلِه ودينِه، وقد أعلَّ الحديثَ أحمدُ بنُ حنبلٍ.\nوأُعِلَّ أيضًا بأنَّ المحفوظَ: أنَّ رُكانةَ طلَّقَ زوجتَهُ البتَّةَ، وأنَّ ذِكْرَ \"الثَّلاثِ\" غيرُ محفوظٍ؛ فقد أخرَجَهُ أبو داودَ؛ مِن حديثِ آلِ بيتِ رُكَانةَ عنه أنَّه طَلَّقَ زوجتَهُ البتَّةَ، فجعَلَها النبيُّ - ﷺ - واحدةً؛ وهذا ما رجَّحَهُ أبو داودَ (٢).\nولكنَّ هذا القولَ صحَّ أنَّه يُفتى به في زمنِ النبيِّ - ﷺ - وأبي بكرٍ وصدرٍ مِن خلافةِ عُمَرَ؛ كما في مسلمٍ مِن حديثِ طاوسٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ، ولا يبعُدُ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ كان يقولُ به وقتَها، ثُمَّ ترَكَ لمَّا ترَكَ عُمَرُ، ويَحتمِلُ أنَّه يقولُ بخلافِهِ ولا يُظهِرُهُ كرهًا للخلافِ والفُرْقةِ، والمشهورُ الصريحُ عنه القولُ بوقوعِ الثلاثِ ثلاثًا مِن وجوهٍ عِدَّةٍ.\nالقولُ الثاني: وهو قولُ جمهورِ الفقهاءِ؛ أنَّ الطلاقَ بعَدَدِ مَا تلفَّظَ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢٣٨٧) (١/ ٢٦٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٣٩).\n(٢) أخرجه أبو داود (٢١٩٦) (٢/ ٢٦٠).","vol":"1","page":435},{"text":"به؛ اثنتَيْنِ أو ثلاثًا، وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ المشهورُ عنه؛ رواهُ عنه سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ ومجاهِدٌ وعطاءٌ وعمرُو بنُ دينارٍ؛ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ كان يُفتِي بوقوعِ الطلاقِ الثلاثِ.\nروى عبد الرَّزَّاق والبيهقيُّ؛ مِن حديثِ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ؛ أنَّ رجلًا جاء إلى ابنِ عبَّاسٍ، فقال: طلَّقْتُ امرأتي أَلْفًا، فقال: \"تأخُذُ ثلاثًا، وتدَعُ تِسْعَ مِئةٍ وسَبْعةً وتِسعينَ\" (١).\nوروى مسلمٌ؛ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ قال: \"كان الطلاقُ على عهدِ رسولِ اللهِ - ﷺ - وأبي بَكْرٍ وسنتَيْنِ مِن خلافةِ عُمَرَ: طَلَاقُ الثَّلَاثِ واحدةً، فقال عُمَرُ: إنَّ النَّاسَ قدِ استَعْجَلُوا في أمرٍ كان لهم فيه أنَاةٌ، فلو أَمْضَيْناهُ عليهم، فأَمْضَاهُ عليهِم\" (٢).\nوحمَلَ الشافعيُّ وغيرُهُ ما قال به ابنُ عبَّاسٍ على احتمالِ وقوفِهِ على نَسْخٍ للحديثِ المرفوعِ؛ واستَدَلَّ لذلك بما أخرَجَهُ أبو داودَ؛ مِن طريقِ عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: \"كان الرَّجُلُ إذا طلَّقَ امرأتَهُ، فهو أحقُّ برَجْعَتِها وإنْ طلَّقَها ثلاثًا، فنُسِخَ ذلك\" (٣).\nويبعُدُ أن يكونَ الحُكْمُ منسوخًا فيُقضى فيه في زمنِ النبيِّ - ﷺ - إلى وفاتِهِ، وفي خلافةِ أبي بكرٍ كلِّها، وفي صدرٍ مِن خلافةِ عُمَرَ، ثمَّ لا يُؤخَذُ به إلَّا متأخِّرًا.\nويبعُدُ أن يَظهرَ الحُكْمُ زمنًا، ويَخفى النَّسْخُ زمنًا أطولَ منه، فالنسخُ حُكْمٌ يَجبُ ثبوتُهُ وقوَّتُهُ واشتهارُهُ شرعًا كثبوتِ الحُكْمِ قَبْلَه، ويبعُدُ أن\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١١٣٥٠) (٦/ ٣٩٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٣٧).\n(٢) أخرجه مسلم (١٤٧٢) (٢/ ١٠٩٩).\n(٣) أخرجه أبو داود (٢١٩٥) (٢/ ٢٥٩)، والنسائي (٣٥٥٤) (٦/ ٢١٢).","vol":"1","page":436},{"text":"يُفتَى به في زمنِ النُّبُوَّةِ كلِّه، وفي زمنِ أبي بكرٍ كلِّه أيضًا، ويَشْتَهِرَ، ولا يُعلَمُ بالنسخِ.\nولا يُمكِنُ أن تُجمِعَ الأمَّةُ في خلافةِ أبي بكرٍ كلِّها على خطإٍ، وليس في الصحابةِ مَن يبيِّنُ الدِّينَ.\nوقال بعضُ الفقهاءِ قولًا آخَرَ، وهو التفريقُ بين المدخولِ بها وغيرِ المدخولِ بها، وأنَّ المدخولَ بها يقَعُ ثلاثًا، وغيرَ المدخولِ بها يقَعُ واحدةً؛ لظاهرِ روايةِ أبي الصَّهْباءِ؛ قال بِهذا زكريَّا السَّاجِيُّ وغيرُه.\nوذلك أنَّ غيرَ المدخولِ بها تَبِينُ مِن زوجِها بواحدةٍ، والزيادةُ لَغْوٌ؛ لأنَّ الطَّلْقةَ الثانيةَ والثالثةَ وقعَتْ في البينونَةِ وهي ليست زوجةً له، ولكنَّ هذا يستقيمُ فيما إذا طلَّقَها فقال: \"أنتِ طالقٌ طالقٌ طالقٌ\"، ولا يستقيمُ فيما إذا قال: \"أنتِ طالقٌ ثلاثًا\"؛ لأنَّ اللفظَ الأخيرَ جاء جُمْلةً واحدةً، لا متتاليًا.\nوللطلاقِ البِدْعيِّ صُوَرٌ أُخرى غيرُ الطلاقِ الثلاثِ؛ كالطلاقِ في الحَيْضِ والنِّفاسِ، وطلاقِ المرأةِ في عِدَّةِ طلاقِها قبلَ أن يُراجِعَها، وطلاقِها في طُهْرٍ جامَعَها فيه، وبعضُ مَن يقولُ بعدَمِ وقوعِ الثلاثِ جملةً يَطَّرِدُ، ويقولُ بعدَمِ وقوعِهِ في بقيَّةِ الطلاقِ البِدْعيِّ كلِّه.\nوقولُهُ تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ هي الطَّلْقةُ الثالثةُ، وقد حكى ابنُ عبدِ البَرِّ الإجماعَ على هذا (١)؛ لأنَّ اللهَ ذكَرَ الطلقتَيْنِ قبلُ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، ثمَّ لا تسريحَ بعدَهما إلَّا الثالثةَ، وهي المذكورةُ في قولِه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فذكَرَها أوَّلًا على سبيلِ الإجمالِ، ثمَّ ذكَرَها بعدُ على سبيلِ التفصيلِ وبيانِ الحُكْمِ اللَّاحقِ بِها.\n_________\n(١) \"الاستذكار\" (١٨/ ١٥٨).","vol":"1","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>أخذُ مهرِ المطلَّقةِ:</span>\nوقولُه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ ذكَرَ اللهُ خوفَ الزوجَيْنِ جميعًا؛ إشارةً إلى أنه ينبغي أن يصدُرَ الطلاقُ بعدَ تشاوُرٍ منهما، وخوفٍ مِن عدمِ صلاحِ الحالِ بالبقاءِ، ثمَّ إنَّه لا يجوزُ أخذُ الزوجِ مِن مَهْرِ زوجتِهِ إلَّا إذا كان الطلاقُ برغبتِها، ولا يجوزُ له أن يطلِّقَها بشرطِ إعادةِ مَهْرِهِ وهي تريدُ البقاءَ، ولا عَيْبَ فيها؛ لأنَّ اللهَ قيَّد أخذَ المهرِ بخوفِهما معًا ورغبَتِهما في المفارَقةِ.\nولهذا نقولُ: إنَّ أخذَ الرَّجُلِ مَهْرَ زوجتِهِ عندَ طلاقِها على ثلاثِ أحوالٍ:\nالأُولَى: إذا كان الطلاقُ برغبَتِه هو، لا برغبتِها، ولا عَيْبَ فيها؛ فلا يَحِلُّ له أن يأخُذَ منها شيئًا.\nالثانيةُ: إذا كانا جميعًا يُرِيدانِ الطلاقَ، فأخذُهُ مباحٌ، إلَّا أنَّ الأفضلَ عدَمُ أخذِهِ؛ لِمَا استحَلَّ مِن فَرْجِها، وربَّما أنفقَتْهُ على نفسِها وأهلكَتْهُ.\nالثالثةُ: إذا كان الطلاقُ برغبتِها وحدَها، وليس في الزوجِ عيبٌ شرعيٌّ؛ فله أن يأخُذَ مالَهُ، وإذا كان فيه عيبٌ ألجأَهَا لتركِهِ، فلا يجوزُ له ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>فسخُ الحاكمِ للنكاحِ:</span>\nوقولُه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾:\nفي الآيةِ: دليلٌ على فَسْخِ الحاكمِ للطلاقِ، والخوفُ الثاني في الآيةِ هو خوفُ غيرِ الزوجَيْنِ، وللحاكمِ الخُلْعُ عندَ امتناعِ صلاحِ","vol":"1","page":438},{"text":"الزوجَيْنِ، ورفضِ الزوجِ الطلاقَ إضرارًا بزوجتِه، فله الخُلْعُ؛ قال بهذا سعيدُ بنُ جُبيرٍ والحسَنُ وابنُ سِيرِينَ.\nوقال شُعْبةُ: قلتُ لقتادةَ: عمَّن أخَذَ الحسَنُ الخُلْعَ إلى السُّلْطانِ؟ قال: عن زِيَادٍ، وكان والِيًا لعُمرَ وعليٍّ (١).\nوقولُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ استدَلَّ به الجمهورُ على جوازِ أخذِ الزوجِ للخُلْعِ مِن زوجتِهِ أكثَرَ ممَّا أعطاها مَهْرًا؛ وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ والشافعيِّ.\nوأجازه مالكٌ، ولم يجعَلْهُ مِن مكارمِ الأخلاقِ.\nومنَعَ أحمدُ وإسحاقُ الزِّيادةَ على ما أعطاها.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠].\nبعدَ أنْ ذكَرَ اللهُ الطلقةَ الثالثةَ إجمالًا في الآيةِ السابقةِ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ذكَرَ في هذه الآيةِ لوازِمَ الطلقةِ الثالثةِ، وما يَتْبَعُها مِن أحكامٍ، ولا يختلِفُ العلماءُ مِنَ السلفِ والخلَفِ: أنَّ الزوجَ إذا طلَّقَ زوجتَهُ ثلاثًا، بانَتْ منه، ولا يَحِلُّ رجوعُها إليه إلَّا بعدَ زواجِها زواجًا صحيحًا بآخَرَ؛ حكى الإجماعَ جماعةٌ؛ كابنِ المُنذِرِ وغيرِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>نكاحُ التحليلِ:</span>\nونِكاحُ التحليلِ كبيرةٌ مِن الكبائرِ؛ فقد روى التِّرْمِذيُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ؛ قال: \"لعَنَ رسولُ اللهِ - ﷺ - المُحِلَّ وَالمُحَلَّلَ لَهُ\" (٢).\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" (٤/ ٧٥).\n(٢) أخرجه الترمذي (١١٢٠) (٣/ ٤٢٠).","vol":"1","page":439},{"text":"وأبطَلَ عقدَ نِكاحِ المحلِّلِ، وأوجَبَ إعادتَهُ بشروطِهِ لفسادِهِ: مالكٌ والثَّوْريُّ، وأجاز العَقْدَ أبو حنيفةَ وصاحِبَاهُ ولهم قَوْلانِ في مَنْعِ رجوعِها للأوَّلِ به.\nوالشافعيُّ يَقولُ: إنْ تشارَطَا على التحليلِ، فهو نكاحُ مُتْعةٍ باطلٌ مفسوخٌ، وإن لم يتشارَطَا وبيَّتَها الزوجُ في النفسِ، فللشافعيِّ قَولانِ؛ قولُهُ القديمُ يُوافِقُ قولَ مالكٍ، والجديدُ يُوافقُ قولَ أبي حنيفةَ والنكاحُ صحيحٌ.\nوبعضُ السلفِ يشدِّدُ في ذلك؛ قال الحسنُ وإبراهيمُ: \"إذا هَمَّ أحدُ الثلاثةِ بالتحليلِ، فسَدَ النكاحُ\".\nوقال سالمٌ والقاسمُ: \"لا بأسَ أنْ يتزوَّجَها لِيُحِلَّها، إذا لم يَعْلَمِ الزوجانِ، وهو مأجورٌ\"؛ وبه قال ربيعةُ ويحيى بنُ سعيدٍ (١).\nوهذا قولٌ ضعيفٌ يُجسِّرُ على التحليلِ، وربَّما يُواطِئُ عليه ولو بالتلميحِ، فالسُّنَّةُ اشترَطَتِ الوطءَ؛ تضييقًا لبابِ الرجوعِ؛ لأنَّ مِثلَهما غالبًا لا تصلُحُ أحوالُهما يعدَ طلاقِ الثلاثِ، وقد جعَلَ اللهُ لهما هذا العَدَدَ، وما بعدَهُ لا تكادُ تَطِيبُ النفوسُ به، وحتَّى لا تتعلَّقَ نفوسُ الزوجَيْنِ بالرَّجْعةِ، فتتعطَّلَ حياتُهما عنِ استقبالِ زواجٍ آخرَ، والتشوُّفُ لمخرجٍ ضعيفٍ قد يَحمِلُهما على التعريضِ في المجالسِ لِمَن يُحسِنُ إليهما - بلا تصريحٍ - بزواجٍ تَرجِعُ به لزوجِها الأوَّلِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>حدُّ النكاحِ الذي ترجِعُ به المبتوتةُ لزوجها:</span>\nوقد وقَع الخلافُ عندَهم في القدرِ الكافي مِن النكاحِ الذي تَرجِعُ به الزوجةُ مِن نِكاحِها الثاني إلى زوجِها الأوَّلِ؛ وفي المسألةِ أقوالٌ:\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" (٤/ ٩٢).","vol":"1","page":440},{"text":"أوَّلُها: أنَّ العَقْدَ كافٍ، ولو لم يدخُلِ الزوجُ بها؛ وهذا قولُ ابنِ المسيَّبِ.\nومَن أخَذَ يهذا القولِ، أخَذَ بأقلِّ ما يَدُلُّ عليه اسمُ النكاحِ، وهو العقدُ، وأنَّ النكاحَ إذا أُطلِقَ في القرآنِ، فيُرادُ به العقدُ.\nولم يُوافِقِ ابنَ المسيَّبِ علي قولِهِ هذا مِن السلفِ أحدٌ فيما أعلمُ.\nثانيها: أنَّ النكاحَ لا يُعتبَرُ حتَّى يلتقِيَ الختانانِ، وهو الوطءُ الذي يُوجِبُ الغُسْلَ ولو لم يُنْزِلْ؛ وهو قولُ جمهورِ السلفِ والفقهاءِ.\nوذلك لأنَّ النكاحَ إذا أُطلِقَ في القرآنِ، فيُرادُ به العقدُ، إلَّا هذه الآيةَ فيُرادُ له الجماعُ؛ علي قولِ عامَّةِ المفسِّرينَ، ولقولِهِ - ﷺ -: (إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، لم تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَيَذُوقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُسَيْلَةَ صَاحِبِهِ) (١).\nوظاهرُ الحديثِ: عدَمُ اعتبارِ وطءِ المكرَهَةِ والنائمةِ والمُغمَى عيها؛ لأنَّه اشترَطَ ذَوْقَهما جميعًا؛ وهذا فيه بيانٌ لقوَّةِ قصدِ النكاحِ، وليس التحليلَ.\nوذلك أنَّ الزوجَ الذي يطلِّقُ زوجتَهُ ويُريدُ إعادتَها بزوجٍ آخَرَ، فلا يُريدُ أن يطأَها الآخَرُ، وإلَّا زَهِدَتْ نفسُهُ فيها غالبًا، وهدا قطعٌ للنفوسِ أن تتلاعبَ بالشريعةِ وتتحايَلَ عليها.\nقال ابنُ المنذِرِ: \"ومعنى ذوقِ العُسَيْلةِ هو الوَطْءُ! وعلى هذا جماعةُ العلماءِ، إلَّا سعيدَ بنَ المسيَّبِ\" (٢).\nثالثُها: أنَّ النكاحَ لا يَصِحُّ بوطءٍ إلَّا بوطءٍ معه إنزالٌ؛ قال به الحسَنُ.\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٣٩٧٧) (٥/ ٥٩).\n(٢) \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٥/ ٢٣٨).","vol":"1","page":441},{"text":"واستدَلَّ بعضُ أهلِ الرَّأيِ بالآيةِ على أنَّ الخُلْغَ يَلحفُهُ طلاقٌ، ولا يُعتبَرُ طَلْقةً؛ فقد ذكَرَ الله في الآيةِ السابقةِ طَلقتَيْنِ، ثم ذكَرَ الفداءَ، وهو الخُلْعُ، ثمَّ قالَ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾، ولو كان الخُلْعُ طلاقًا، لَبَانَتْ منه بالخُلْعِ بعدَ طلقتَيْنِ، لا بالطَّلْقةِ الثالثةِ بعدَ طلقتَيْنِ وخُلْعٍ؛ وذلك أنَّ اللهَ ذكَرَ الطلقةَ الثالثةَ تعقيبًا في قولِه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾، والفاءُ في الآيةِ لتعقيبِ الطلقةِ الثالثةِ بعدَ خُلْعٍ.\nوفي هذا الاستدلالِ نظَرٌ؛ وذلك أنَّ اللهَ ذكَرَ في الآيةِ السابقةِ الطلاقَ الثلاثَ مُجْمَلًا كما تقدَّمَ، ثمَّ فصَّلَ الأمرَ في الثالثةِ بعدَما ذكَرَ الطلاقَ والخُلْعَ؛ لأنَّ ذِكْرَ الخُلعِ بعدَ الطلقةِ الثالثةِ في غيرِ محلِّه، فهي تَبِينُ منه في الثالثةِ ولا حاجةَ للخُلْعِ بعدَه، ولكنَّ اللهَ ذكَرَ الطلاقَ الثلاثَ مُجْمَلًا، ثمَّ ذكَرَ الخُلْعَ، ثمَّ ذكَرَ أحكامَ الطلقةِ الثالثةِ.\nوهذا غايةُ الإحكامِ؛ لِيُعلَمَ أنَّ الخُلْعَ لا يَنزِلُ إلَّا قبلَ الطلقةِ الثالثةِ؛ ولذا ذكَرَ اللهُ الطلقةَ الثالثةَ مرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً مُجمَلةً؛ لبيانِ عددِ الطَّلَقاتِ، ومرَّةً مفصَّلةً بعدَ ذِكْرِ الخُلْعِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>طلاقُ المختلِعةِ في عدَّتِها:</span>\nوعَكْسُ هذه المسألةِ: وقوعُ الطلاقِ بعدَ خُلْعٍ، وقد اختلَفَ العلماءُ في وقوعِ الطلاقِ علي المختَلِعةِ في عِدَّتِها؛ على قولَيْنِ:\nالأَوَّلُ: الجوازُ؛ وقال به ابنُ المسيَّبِ وشُرَيْحٌ وطاوُسٌ والنَّخَعيُّ والثَّوريُّ وأبو حنيفةَ.\nالثاني: عدمُ جوازهِ ووقوعِهِ؛ وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ الزُّبَيْرِ، والحسَنِ، وقال به الشافعيُّ وأحمدُ.\nوقال مالكٌ: إنِ افتدَتْ منه على أن يطلِّقَها ثلاثًا متتابِعًا نَسَقًا حِينَ طلَّقَها، فذلك تابتٌ عليه، وإن كان بين ذلك صُمَاتٌ، فما أَتْبَعَهُ بعدَ الصُّمَاتِ فلَيس بشيءٍ.","vol":"1","page":442},{"text":"وإذا طلَّق الرجلُ مملوكةً تَزوَّجَها، ثمَّ طلَّقها البتَّةَ، ثمَّ اشتراها، فلا تَحِلُّ له بمِلْكِ اليمينِ باتفاقِ الأئمَّةِ الأربعةِ.\nورُوِيَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وعطاءٍ وطاوُسٍ: جوازُ وَطْئِهِ لها؛ لعمومِ قولِه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣].\nوالاستدلالُ لهذا العمومِ مستدرَكٌ؛ فالعمومُ في الآيةِ لا يَشمَلُ المَحارِمَ مِن النسبِ أو الرضاعِ.\nونكاحُ الكتابيِّ يحلِّلُ الكتابيَّةَ لزَوْجِها المسلمِ الأوَّلِ؛ لأنَّ نِكَاحَهُمْ فيما بينَهم صحيحٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>رجوعُ المطلَّقةِ لزوجِها الأوَّل بطلاق جديدٍ:</span>\nولا خلافَ عند العلماءِ: أنَّ الزوْجةَ إذا صحَّ رجوعُها لِزَوْجِها الأوَّلِ: أنَّها تَرجِعُ إليه بنكاحٍ جديدٍ، وطلقاتٍ جديدةٍ ثلاثٍ كاملةٍ؛ حكى الاتِّفاقَ ابنُ المنذِرِ (١)؛ لظاهرِ الآيةِ، فاللهُ أرجَعَها، ورجوعُها يُحمَلُ على كَمالِه.\nوإذا كان قد طلَّقها طلقةً أو طلقتَيْنِ، ثمَّ بانَتْ منه، ثم تزوَّجت غيرَهُ فطلَّقها، فهَل تَرجِعُ إلي زوجِها الأوَّلِ بطَلَقاتِها الماضيةِ، أو بطلاقٍ جديدٍ؟ على قولَيْنِ للفقهاءِ:\nالأوَّلُ: أنَّها تَرجِعُ بما بَقِيَ مِن طلاقِها؛ وهو قولُ الجمهورِ مِن الصحابةِ؛ كعُمَرَ وعليِّ وأُبَيٍّ وعِمْرانَ وزَيْدٍ.\nوقال به مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ.\nالقولُ الثاني: أنَّها تَرجِعُ بطلاقٍ جديدٍ؛ كما أنَّها رجعَتْ إليه بنكاحٍ جديدٍ؛ وهذا قولٌ مرويٌّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عُمَرَ.\n_________\n(١) \"الأوسط\" (٩/ ٢٨٢)، و\"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٥/ ٢٤٢).","vol":"1","page":443},{"text":"وهو قولُ أصحابِ ابنِ مسعودٍ؛ كما روي ابنُ أبي شَيْبةَ عنِ الأعمشِ عن إبرهيمَ، قال: \"كان أصحابُ عبدِ اللهِ يقولونَ: أيَهْدِمُ الزوْجُ الثَّلَاثَ، ولا يَهدِمُ الواحدةَ والاثنَتَيْنِ؟ ! \" (١).\nوخالَفَهم عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ (٢).\nوللنَّخَعيِّ قولٌ غيرُ هذَيْنِ، فيفرِّقُ بين المدخولِ بها وبين غيرِ المدخولِ بها؛ فالمدخولُ بها تَرجِعُ بطلاقٍ جديدٍ، وغيرُ المدخولِ بها ترجِعُ بما بَقِي مِن طلاقِها (٣).\nقولُه تعالى: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ تشديدٌ في أمرِ الرجعةِ بعد الزوجِ الثاني؛ فقد قيَّدها بالظنِّ بالإصلاحِ، وإقامةِ أمرِ اللهِ؛ وفي ذلك إشارةٌ إلى ضعفِ احتمالِ صلاحِ بقاءِ الزوجَيْنِ بعدَ الثلاثِ.\nوهذا تشديدٌ مِن اللهِ؛ حتَّى لا يتكرَّرَ العدوانُ والظلمُ، وبيانٌ منه أنَّ مثلَ هذه الحدودِ والأحكامِ لا يُدرِكُها إلَّا عالمٌ بصيرٌ، وربَّما استَثْقَلَها جاهلٌ، وتعدَّاها فاسقٌ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣١].\nكان بعضُ الرجالِ في الجاهليَّةِ يطلِّقونَ النساءَ، حتَّى إذا قارَبَتِ\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٨٣٨٨) (٤/ ١١٣).\n(٢) ينظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١٨٣٩٠) (٤/ ١١٣).\n(٣) ينظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١٨٣٩٤) (٤/ ١١٣).","vol":"1","page":444},{"text":"الخروجَ مِن عِدَّتِها أرجَعَها؛ لتستأنِفَ عِدَّةً جديدةً بطلاقٍ جديدِ؛ لتطُولَ عِدَّتُها وتكونَ بلا زوجٍ، فمنَعَ اللهُ مِن ذلك، وأنَّه لا يجوزُ إرجاعُها إلَّا لِمَن أرادَ المعروفَ، وإلَّا فيجبُ تسريحُها حتَّى تخرُجَ مِن عِدَّتِها فتَبِينَ منه.\nوهذا المرادُ بإجماعِ المفسِّرينَ؛ نصَّ عليه ابنُ عبَّاسٍ ومسروقٌ والحسَنُ ومجاهِدٌ والزُّهْريُّ وقتادةُ (١).\nوقيل: إنَّ سببَ النزولِ أنَّ رجلًا أرجَعَ زوجتَهُ بعدَ طلاقِها وقبلَ أجلِها؛ ليطلِّقَها ولا حاجةَ له بها؛ كما يطوِّلَ عليها العِدَّةَ بذلك؛ فأنزَلَ اللهُ الآيةَ.\nرواهُ مالكُ بنُ أنسٍ عن ثورِ بنِ زيدٍ الدِّيليِّ مرسَلًا؛ أخرَجَه ابنُ جريرٍ (٢).\nوالمرادُ مِن قولِه تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾؛ أيْ: قارَبْنَ انقضاءَ العِدَّةِ، وليس الخلاصَ منها باتِّفاقِ المفسِّرينَ؛ لأنَّ المرأةَ إذا خرجَتْ مِن عِدَّتِها، فليس لزوجِها عليها سبيلٌ.\nوأمَّا قولُه في الآيةِ التَّاليةِ: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣١]، فالمرادُ هو الخروجُ مِن العِدَّةِ باتِّفاقِهم، على خلافِ هذا الموضعِ؛ لأنَّ السياقَ يبيِّنُه.\nويُروى عن شَريكٍ: أنَّ الزوجَ أحَقُّ بزوجتِه ما لم تغتسِلْ، ولو فَرَّطَتْ في الغُسْلِ عِشرينَ سَنةً (٣)؛ وهذا على قولِ مَن فسَّر القرءَ بالحيضِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>تطليقُ المرأةِ في عدَّةِ الطلاق:</span>\nوليس المرادُ مِن قولِه: ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ إنزالَ طلاقٍ جديدٍ؛\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٤/ ١٧٩، ١٨١).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٤/ ١٨١).\n(٣) \"تفسير القرطبي\" (٤/ ٤٣).","vol":"1","page":445},{"text":"فهذا منهيٌّ عنه، بل تَرْكُها على سراحِها الأوَّلِ لتخرُجَ مِن عِدَّتِها؛ ومِن هذا يُؤخَذُ أنَّ إنزالَ الطلاقِ زمَنَ العِدَّةِ منهيٌّ عنه، والمباحُ هو إرجاعُها بقصدِ المعروفِ، ولو طلَّقَها بعد ذلك بغيرِ قصدِ الإضرارِ، جاز.\nوفي الآيةِ دليلٌ لِمَنْ قال: إنَّ الطلاقَ في عِدَّةِ الطلاقِ لا يقَعُ؛ لأنَّه لو كان واقِعًا، ما احتاجَ إلى رجعةٍ، ثمَّ طَلْقةٍ، وإنَّما طلَّقَها طلقةً أُخرى على طَلْقَتِها التي تعتَدُّ بها.\nوقال المالكيَّةُ والشافعيَّةُ والحنابلةُ: إنَّ الطلاقَ يقَعُ، ولكنَّها لا تستأنِفُ العدَّةَ، بل تبني علي عِدَّتِها الأُولى؛ لأنَّ اللهَ قال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾؛ فيَظهَرُ مِن ذلك أنَّ الإضرارَ لا يقَعُ مِن غيرِ إمساكٍ.\nوفي الآيةِ كذلك: أنَّ الزوجةَ المطلَّقةَ طلاقًا بعدَ رجعةٍ مِن طلاقٍ: تستأنِفُ العِدَّةَ مِن طلاقِها الثاني لا تُكمِلُ الأَوَّلَ، ولو لم يُجامِعْها في رجعتِها، فلا أثَرَ لعدمِ الجماعِ في الاستئنافِ الجديدِ؛ وذلك أنَّ اللهَ قال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾، والإضرارُ يكونُ بطولِ مُدَّةٍ بلا جماعٍ بطلاقٍ، ثم رجعةٍ بلا جماعٍ، ثمَّ طلاقٍ جديدٍ، فإذا جامَعَها، فلم يُرِدْ برجعتِهِ إضرارًا؛ وهذا هو الأرجحُ، وهو قولُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ في الجديدِ والمالكيَّةِ، وهو قولٌ لبعضِ فقهاءِ الحنابلةِ.\nالقولُ الثَّاني: أنَّ الزوجةَ تَبْنِي على ما مَضَى مِن عِدَّتِها الأُولى.\nوهو قولُ الشافعيِّ القديمِ وداودَ الظَّاهِريِّ، وقولٌ لبعضِ الفقهاءِ مِنَ الشافعيَّةِ والحنابلةِ، وحمَلُوا ذلك على قولِهِ تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].\nولو كانتِ المرأةُ لا تعتدُّ عِدَّةً جديدةً، لبَيَّنَهُ اللهُ كما بَيَّنهُ في غيرِ المدخولِ بها في سورةِ الأحزابِ، ولكان ذلك مُسقِطًا للعِدَّةِ الجديدةِ","vol":"1","page":446},{"text":"وتَبِعَاتِها مِن الإضرارِ بالزوجةِ وأهلِها، ولا معنى للنهيِ لقصدِ الإضرارِ إذا كان الضررُ لا يُمكنُ إيقاعُهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>تطليقُ الزَّوْجة قبلَ الدخول بها:</span>\nوأمَّا المطلَّقةُ قبلَ الدخولِ بها، فلا رجعةَ عليها؛ لأنَّه لا عِدَّةَ لها ولا أجَلَ تبلُغُهُ، فليس للزوجِ سبيلٌ في إيقاعِ الإضرارِ عليها؛ وهذا باتفاقِ الأئمَّةِ الأربعةِ، وحكى الإجماعَ غيرُ واحدٍ؛ كابنِ قُدَامةَ وغيرِه.\nوقولُه تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ لا يجوز إبقاءُ الزوجةِ بغيرِ ذلك، والمعروفُ المقصودُ: هو الإشهادُ على الرجعةِ، ثمَّ حُسْنُ المَعشَرِ بالجماعِ والمُعامَلةِ وكفايةِ نفقةٍ وكِسْوةٍ، فمَن لم يستطِعْ طعامَ زوجتِهِ وشرابَها ولا سِتْرَها، وجبَ عليه طلاقُها، وإنِ امتَنَعَ، طلَّق الحاكمُ عليه زوجتَهُ؛ وبهذا يَقضِي الصحابةُ؛ كعُمَرَ وعليٍّ، وهو قولُ الجمهورِ كمالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ.\nوإنْ صَبَرَتْ ورَضِيَتْ على فَقْرِهِ ولم تُرِدِ الطلاقَ، فلها ذلك.\nويذهبُ بعضُ الفقهاءِ مِن أهلِ الكوفةِ إلى وجوبِ صبرِها عليه، وإنظارِ الحاكمِ له؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]؛ وهذا قولُ عطاءٍ والزُّهْريِّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>حالُ المرأةِ مع فقرِ زَوْجِها:</span>\nوالمرأةُ في حالِ فقرِ زوجِها لا تخلُو مِن أحوالٍ:\nالأُولى: أنْ يكونَ فقرُه مُدقِعًا؛ لا تجدُ أكلًا يَسُدُّ جُوعَها، ولا كِسْوةً تستُرُ عَوْرَتَها؛ فهذا يجبُ عليه طلاقُها، ولا يجوزُ لها البقاءُ معه؛ للضَّرَرِ، فالجوعُ لا يُصبَرُ عليه وهو هَلَكةٌ، والعورةُ يجبُ سَتْرُها، وللمرأةِ أنْ تطلُبَ الطلاقَ بسبِ الجوعِ؛ لما جاء في \"الصحيحِ\"، عن أبي هريرةَ:","vol":"1","page":447},{"text":"(تَقُولُ المَرْأَةُ: إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي، وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي) (١)، إلَّا إذا كان عامَ فقرٍ ومجاعةٍ بالبلدِ كلِّه، فعليها الصَّبْرُ، ولا يجبُ عليه الطلاقُ.\nالثانيةُ: أنْ يكونَ فقرُهُ يسيرًا؛ يجدُ ما يَسُدُّ جُوعَها، ويكسُو عَوْرَتَها، ولكنَّه دونَ الكفايةِ، فيُستحَبُّ لها الصَّبْرُ، ولا يجبُ؛ فاللهُ حثَّ على التزويجِ ولو كانوا فُقَراءَ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢].\nالثالثةُ: أنْ يكونَ فقيرًا، لكنَّه يجدُ طعامَها وكِسْوتَها وكفايتَها مِن ذلك، كفافًا بلا زيادةٍ يسمَّى معها غنيًّا، فهذا يجبُ عليها الصبرُ عليه، ولا يجبُ عليه الطلاقُ، إلَّا إذا كانت مِن أهلِ بيتٍ أغنياءَ، وقَصَّرَ بها عن مثيلاتِها، فيُستَحَبُّ لها الصبرُ، ويجوزُ لها طَلَبُ الطلاقِ؛ خاصَّةً إذا خافتِ الفتنةَ علي نفسِها.\nولو طلَّق الرجلُ زوجتَهُ بسببِ إعسارِه، أو طلَّقَها عليه الحاكمُ، فهي طلقةٌ رجعيَّةٌ كسائرِ الطلاقِ؛ لأنَّها طَلْقةٌ بلا عِوَضٍ ولا لِعَانٍ، ولا لعيبٍ لازمٍ بالزوجِ، وذهَبَ الشافعيُّ إلى أنَّها طلقةٌ بائنةٌ.\nوقولُهُ تعالى: ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ التسريحُ في لغةِ العربِ الإرسالُ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]؛ أيْ: حِينَ تُرسِلُونَها مع راعيها للمَرْعَى، فالتسريحُ الطلاقُ، ويَنبغِي أنْ يكونَ بمعروفٍ وحُسْنَى؛ فلا يُتْبِعُهُ أذيَّةً بذِكْرِ سيِّئاتِها وعَوْرَتِها، ولا يُفشِي سِرَّها، فيؤذيها ويؤذي أهْلَها، وربَّما آذاها فلا يتزوَّجُها الرجالُ مِن بعدِه؛ لنُفْرَتِهم منها.\nوهذا مِن عظيمِ شِرْعةِ الإسلامِ؛ الوصيَّةُ بحقِّ الزوجةِ باقيةً أو طالقةً؛ أنْ يكونَ ذلك بالإحسانِ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٣٥٥) (٧/ ٦٣).","vol":"1","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>ظلمُ الزوجِ لزوجتِهِ:</span>\nوقولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾:\nذكَرَ العُدْوانَ علي الزوجةِ، ثمَّ ذكَرَ الظُّلْمَ أنَّه ظُلْمُ النفسِ، مع أنَّ النهيَ دفعًا لظلمِ الزوجةِ؛ وذلك أنَّ كلَّ ظلمٍ يظلِمُ الإنسانُ به غيرَهُ، فهو ظلمٌ لنفسِهِ وغيرِه، وليس كلُّ ظُلْمِ الإنسانِ لنفسِهِ يكونُ ظلمًا لغيرِه.\nولأنَّ الضَّرَرَ اللاحقَ للزوجةِ مِن زَوْجِها ينزِلُ أثَرُه على الزوجِ أعظمَ مِن أثرِهِ علي الزوجةِ؛ لشِدَّةِ عاقبةِ الظالمِ عاجلةً وآجِلةً، فعُدَّ ظالِمًا لنفسِهِ.\nوفي هذه الآيةِ: تنبيهٌ للظالمِ أنْ يستحضِرَ عَظَمةَ عاقبةِ ظُلْمِهِ عليه، قبلَ عاقبةِ ظُلْمِهِ على غيرِه؛ لأنَّ انتقامَ اللهِ أسرَعُ وأشدُّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>طلاقُ الهازِلِ:</span>\nقولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾: والمُرادُ بآياتِ اللهِ: حدودُهُ وتفصيلُهُ للحلالِ والحرامِ، ومِن الاستهزاءِ بآياتِ اللهِ: معرفتُها وتَرْكُها بلا مبالاةٍ بها، ولو لم ينطِقْ بها سوءًا؛ فهذا مِن الاستهزاءِ عملًا.\nفالطلاقُ حَدٌّ مِن حدودِ اللهِ، أَحْكَمَهُ اللهُ وأتَمَّهُ في كتابِه، فلا يجوزُ فيه الهَزْلُ واللَّعِبُ، وقد كان أهلُ الجاهليَّةِ يطلِّقُونَ ويُعتِقونَ، ثم يَرجِعونَ ويقولُونَ: كنَّا نَلْعَبُ ونَهْزَأُ، فنهاهُم اللهُ عن ذلك.\nروى الحسَنُ، عن أبي الدرداءِ: كان الرجلُ يطَلِّقُ في الجاهليَّةِ، ويقولُ: إنَّما طَلَّقْتُ وأنا لاعبٌ، وكان يُعتِقُ ويَنكِحُ ويقولُ: كنتُ لاعِبًا، فقال - ﵇ -: (مَنْ طَلَّقَ أَوْ حَرَّرَ أَوْ نَكَحَ أو أَنْكَحَ، فَزَعَمَ أَنَّهُ لَاعِبٌ، فَهُوَ جِدٌّ) (١).\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" (٤/ ١٠١). وينظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١٨٤٠٦) (٤/ ١١٥)، و\"تفسير الطبري\" (٤/ ١٨٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٤٢٥).","vol":"1","page":449},{"text":"وقد حكى غيرُ واحدٍ مِن الأئمَّةِ الإجماعَ على وقوعِ طلاقِ الهازلِ؛ لأجْلِ ذلك؛ فإنَّ الهزلَ لا يزيدُ الإنسانَ إلَّا إثمًا مع عدمِ جَدْواهُ وأثَرِهِ في طلاقِهِ، ولِمَا جاءَ عندَ أبي داودَ والتِّرْمِذيِّ وغيرِهِما، عن عطاءٍ، عن يوسفَ بنِ ماهَكَ، عن أبي هريرَةَ - ﵁ -؛ قال: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: (ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ) (١).\nورواهُ عبدُ الرَّزَّاقِ، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ؛ قالَ: \"يُقالُ: مَنْ نَكَحَ لاعِبًا، أو طلَّقَ لاعبًا، فقد جازَ\" (٢).\nوهو أَشْبَهُ.\nورُوِيَ هذا الحديثُ مِن طرقٍ لا تخلُو مِن عِلَّةٍ.\nوذكرَ ابنُ عبدِ البرِّ وغيرُهُ أنَّ العلماءَ لا يَختلِفونَ في أنَّ طلاقَ الرجلِ ونِكاحَهُ هازلًا يَقَعُ (٣).\nوقولُه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾:\nلا يسخَرُ مِن آياتِ اللهِ وأحكامِه إلَّا مَن نَسِيَ نعمةَ اللهِ عليه؛ فذِكْرُ النِّعَمِ يُوجِبُ تعظيمَ المُنعِمِ، فذَكَّرَ اللهُ الإنسانَ بنِعمتِه، وأمَرَهُ باستحضارِها في قلبِه؛ ليستحضِرَ هَيْبةَ المُنعِمِ وعظمتَهُ ومِنَّتَهُ على عبدِه.\nوأعظَمُ النِّعَمِ نعمةُ الأسلامِ والوَحْيِ كتابًا وسُنَّةً، والكتابُ إذا ذُكِرَ فيدخُلُ فيه السُّنَّةُ مع القرآنِ، وإذا ذُكِرَ الَكتابُ ومعه الحِكْمةُ، فالكتابُ القرآنُ، والحِكْمةُ السُّنَّةُ.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢١٩٤) (٢/ ٢٥٩)، والترمذي (١١٨٤) (٣/ ٤٨٢)، وابن ماجه (٢٠٣٩) (١/ ٦٥٨).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٠٢٤٣) (٦/ ١٣٣).\n(٣) \"الاستذكار\" (١٦/ ٣٧٦)، و\"معالم السنن\" (٣/ ٢٤٣).","vol":"1","page":450},{"text":"ثمَّ أمَرَ اللهُ بتَقْوَاهُ، وخَوَّفَ عبادَهُ نفسَهُ، ولمَّا كان الأمرُ يتعلَّقُ بالقلوبِ، وذلك عندَ قصدِ الزوجِ الإضرارَ بالزوجةِ، أو الاستهزاءَ بآياتِ اللهِ، وعدمَ الجِدِّ، ذكَّرَهُمْ بسَعَةِ علمِهِ واطِّلاعِهِ على كلِّ شيءٍ ممَّا يُخْفُونَ وممَّا يُعلِنونَ.\nوكذلك: فاللهُ يَقضِي بينَكُمْ ويفصِّلُ لكَم الحدودَ، عن علمٍ تامٍّ، وحكمةٍ بالغةٍ، فيجب التسليمُ له والانقيادُ لأمرِه.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٢].\nنهى اللهُ عنِ الإضرارِ بالمرأةِ حالَ عِصْمَتِها في زوجِها، فيُمسِكُها ضرارًا بِها، ثُمَّ نهى عنِ الإضرارِ بها بعد أَجَلِها، فتُعضَلُ عنِ الزواجِ؛ سواءٌ بالرجوعِ إلى زَوْجِها الأوَّلِ رجوعًا مشروعًا، أو إلى زوجٍ آخرَ.\nوالخطابُ في الآيةِ السابقةِ للأزواجِ، وفي هذه الآيةِ للأولياءِ بالاتفاقِ، وبلوغُ الأجلِ في الآيةِ السابقةِ قربُ انقضائِهِ وفي هذه الآيةِ انقضاؤُه بالاتفاقِ.\nوالآيةُ نزَلَتْ في مَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ؛ إذْ هو وليُّ أُختِهِ، فعَضَلها عن زوجِها، وهي في كلِّ ولِيٍّ مِن بعدِه، لقد روي البخاريُّ في \"صحيحِه\"؛ مِن حديثِ الحَسَنِ في قولِهِ تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، قال: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ أَنَّهَا نَزَلَت فِيهِ؛ قَالَ: زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ، فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ: زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ","vol":"1","page":451},{"text":"وَأَكْرَمْتُكَ، فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا؟ ! لَا وَاللهِ، لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأْسَ بِهِ، وَكَانَتِ المَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، فَقُلْتُ: الآنَ أَفعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>النكاحُ بلا وليٍّ:</span>\nوفي الآيةِ: دليلٌ علي أنْ لا نِكَاحَ إلَّا بوليٍّ؛ وذلك أنَّ اللهَ وَجَّهَ الخطابَ بالنهيِ عنِ الإضرارِ والعضْلِ للأولياءِ، وفي الآيةِ السابقةِ وَجَّهَ الخطابَ للأزوَاجِ، ولا يَنهَى اللهُ عنِ العضلِ والإضرارِ إلَّا ولهم عَلَيْهِنَّ عِصْمةٌ وقِوَامةٌ وأمرٌ، وقد أخرَجَ البخاريُّ حديثَ مَعْقِلٍ هذا في بابِ: (لا نكاحَ إلَّا بوليٍّ).\nوقد تقدَّم وضوحُ الدليلِ في ذلك عند قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١].\nوبآيةِ البابِ استدَلَّ الشافعيُّ وغيرُهُ: على أنْ لَا نكاحَ إلَّا بوليٍّ، بل قال الشافعيُّ: \"وهذا أَبْيَنُ ما في القرآنِ مِن أنَّ للوَليِّ مع المرأةِ في نفسِها حقًّا\" (٢).\nوبنحوِ هذا قال ابنُ جريرٍ.\nولا يُعرَفُ في الصدرِ الأوَّلِ: أنَّ امرأةً زَوَّجَتْ نَفْسَها لرجلٍ غيرِ نبيِّنا - ﷺ -؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، روى سعيدٌ، عن قَتَادةَ، قال: \"لَيْسَ لِامْرَأَةٍ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِرَجُلٍ بغَيْرِ أَمْرِ وَليٍّ وَلَا مَهْرٍ، إِلَّا لِلنَّبيِّ؛ كانت لَهُ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥١٣٠) (٧/ ١٦).\n(٢) \"الأم\" للشافعي (٥/ ١٣).\n(٣) \"نفسير الطبري\" (١٩/ ١٣٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١٠/ ٣١٤٤).","vol":"1","page":452},{"text":"وبهذا قال جماعةٌ مِن المُفسِّرينَ؛ كالشَّعْبيِّ وابنِ زيدٍ (١).\nوهذا الأمرُ مستقرٌّ عندَهم، ولاستفاضتِهِ ولتسليمِهِمْ به عمَلًا، لم تتداعَ هِمَمُ النَّقَلةِ للتدليلِ عليه مِن كلامِ النبيِّ - ﷺ -، وإنَّما تُذكَرُ أحكامُ الوليِّ على سبيلِ الاعتراضِ والتَّبَعِ والاستطرادِ، ومِن ذلك قولُهُ - ﷺ -: (لَا تُنْكَحُ الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلا الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ) (٢)؛ يعني: أنَّ الذي يُنكِحُها: وليُّها، ولكنَّه حَدَّ مِن حقِّه في ذلك باستئمارِ الثَّيِّبِ، واسئِتذانِ البِكْرِ، فأمرُ الوليِّ مستقِرٌّ، ولكنَّه مَنَعَ الاستبدادَ به؛ حتَّى لا يَضِيعَ في ذلك حقُّ المرأةِ.\nوالمستقِرُّ حُكْمًا وعَمَلًا في الصدرِ الأوَّلِ: لا يُطلَبُ له دليلٌ قويٌّ، كما يُطلَبُ لغيرِهِ ممَّا يقَعُ فيه خلافٌ، ولا تَعُمُّ به البَلْوَى، وهذه القاعدةُ هي سبَبُ الاضطرابِ عندَ بعضِ الفقهاءِ والمحدِّثينَ في القرونِ المتأخِّرةِ؛ حيثُ لا يفرِّقونَ بين المسائلِ في طلبِ الدليلِ، وربَّما حمَلَهم ذلك على ردِّ السُّنَّةِ بحُسْنِ قصدٍ، وبحُجَّةِ التمسُّكِ بالسُّنَّةِ وتعظيمِها.\nوأمَّا استدلالُ مَن يقولُ بصِحَّةِ نِكاحِ الثيِّبِ بلا ولِيِّها، بما ثبَتَ في \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإذْنُهَا صُمَاتُهَا) (٣).\nفهذا هو دليلٌ على الوليِّ، لا دليلٌ علي نْفيِه؛ ففي الحديثِ: (أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا)، فأثبَتَ الولِيَّ لها ولم يَنْفِهِ، ثمَّ بَيَّنَ بعدُ المرادَ مِن أحقِّيَّتِها بنفسِها؛ في حُكْمِ البِكْرِ، قال: (تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا)؛ فثَمَّةَ وليٌّ لهما، ولكنَّ البِكْرَ تزوَّجُ بصُمَاتِها، والثَّيِّبَ لا بُدَّ مِن تصريحِها بقَبُولٍ أو عدمِه.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٩/ ١٣٣).\n(٢) أخرجه ابن ماجه (١٨٧١) (١/ ٦٠١).\n(٣) أخرجه مسلم (١٤٢١) (٢/ ١٠٣٧).","vol":"1","page":453},{"text":"والوليُّ معها إنَّما هو عاقدٌ، ورفضُها لرأيِ وليِّها ماضٍ عليه، ورفضُ الوليِّ لرَغْبَتِها عَضْلٌ؛ ولذا هي أحقُّ بنفسِها مِن وليِّها، ولكنْ ليس لها أنْ تتزوَّجَ بمَن تُرِيدُ إلَّا بعقدِ وليِّها لها، وليس لوليِّها مَنْعُها ممَّن تريدُ؛ لعمومِ الأدَّلةِ المستفيضةِ في ذلك، ومنها قولُهُ - ﷺ -: (لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ) (١)، وقولُهُ: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ) (٢)، وهي وغيرُها نصوصٌ عامَّةٌ، لا تفرِّقُ بين ثيِّبٍ وبِكْرٍ.\nويؤيِّدُ ذلك: أنَّ البِكْرَ قد تزوَّجُ بلا إذنِها كالصغيرةِ، ولمَّا ذكَرَ الثيِّبَ قال - ﷺ -: (الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَليِّهَا)؛ ففرَّقَ بين البِكْرِ واالثيِّبِ في الإذنِ، لا في أصلِ حقِّ الوليِّ والعقدِ.\nولو كانتِ البِكْرُ تتشابَهُ معَ الثَّيِّبِ في أصلِ الولِيِّ فقطْ، لَحُمِلَ حديثُ ابنِ عبَّاسٍ على حقِّها بتزويجِ نفسِها دون وليِّها، ولكنَّ الثيِّبَ والبِكْرَ تختلفانِ في الإذنِ، وحَمْلُ الاختلافِ على أصلِ الوِلَايةِ إلغاءٌ لأحاديثَ كثيرةٍ وعَمَلٍ مستفيضٍ، وحَمْلُهُ علي اختلافِ الإذنِ أَوْلَى وأحَقُّ وأجمَعُ للأدلَّةِ، وأبرَأُ للدِّينِ والذِّمَّةِ.\nوفي حديثِ ابنِ عبَّاسٍ قال: (الأَيِّمُ أحَقُّ بنَفْسِهَا)، وهو دليلٌ على اشتراكِ حقٍّ للوليِّ مع الثيِّبِ في نفسِها، ولكنَّها أَحَقُّ منه.\nومِثلُهُ لفظُ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ الآخَرِ؛ كما في \"المسندِ\" والنسائيِّ: \"الْأَيِّمُ أَوْلَى بِأَمْرِهَا\" (٣)؛ أيْ: للولِيِّ وِلَايةٌ، وهي أَوْلى منه؛ فلا يُمضِيها إلَّا بأمرِها.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢٢٦٠) (١/ ٢٥٠)، وأبو داود (٢٠٨٥) (٢/ ٢٢٩)، والترمذي (١١٠١) (٣/ ٣٩٩)، وابن ماجه (١٨٨٠) (١/ ٦٠٥).\n(٢) أخرجه أحمد (٢٤٢٠٥) (٦/ ٤٧)، وابن ماجه (١٨٧٩) (١/ ٦٠٥)، وأبو داود (٢٠٨٣) (٢/ ٢٢٩)، والترمذي (١١٠٢) (٣/ ٣٩٩).\n(٣) أخرجه أحمد (٢٣٦٥) (١/ ٢٦١)، والنسائي (٣٢٦٢) (٦/ ٨٤).","vol":"1","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>التشديدُ في تزويج اليتيمة:</span>\nويشدَّدُ في اليتيمةِ كنَحوِ البِكْرِ؛ لِمَا روى الترمذيُّ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (اليَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ صَمَتَتْ، فَهُوَ إِذْنُهَا، وَإِنْ أَبَتْ، فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا) (١).\nوفي حديثِ بنتِ عُثْمانَ بنِ مَظْعونٍ لمَّا ماتَ عنها، قال - ﷺ -: (هِيَ يَتِيمَةٌ، وَلَا تُنْكَحُ إِلَّا بإذْنِهَا) (٢).\nوتختلِفُ البِكْرُ اليتيمةُ عن البِكرِ مِن غيرِها في هذا؛ لأنَّ اليتيمةَ يُخشى مِن رَغْبةِ وليِّها الخلاصَ منها ومِن مُؤْنَتِها، بخلافِ البنتِ مِن صُلْبِه، فيَرِقُّ قلبُهُ ويَعطِفُ عليها ويخافُ، ولأنَّ ذَهابَها مِن ولايتِهِ بعدَما استقَرَّتْ ذَهَاب يعقُبُهُ انفصالُ ولايةِ الوليِّ عنها، فإذا أرادَتْ أن تَرجِعَ بعدَ طلاقٍ، فاستقرارُ ولايةِ وليِّها السابقِ يختلِفُ عن استقرارِ ولايةِ الوليِّ لابنتِهِ؛ فهي تَرجِعُ إلى حَجْرِ أبيها بلا شرطٍ أو قيدٍ أو تجديدِ ولايةٍ، وليس له الحقُّ أن تختارَ إلَّا إيَّاه، وأمَّا اليتيمةُ، فربَّما تَرجعُ إليه أو إلى وليٍّ آخَرَ، فيَحمِلُها ذلك على الصبرِ على الأذى والضُّرِّ مِن الزوجِ؛ حتَّى لا تعودَ إلى ولايةٍ غيرِ ثابتةٍ.\nثمَّ إنَّ في ذلك تطييبًا لنفسِها، ودفعًا لظنِّ السَّوءِ في وليِّها؛ أن يريدَ تزويجَها خلاصًا منها، أو طمعًا في مَهْرِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>الحكمةُ مِن زواجِ النبي من المرأةِ بلا وليٍّ:</span>\nوإنَّما أجازَ اللهُ لنبيِّه - ﷺ - زواجَهُ مِن المرأةِ بغيرِ وليِّها؛ لأنَّ الأصلَ في حقِّ الولِيِّ وحقِّ المرأةِ ثيِّبًا أو بِكْرًا في الزوجِ: دفعُ المفسَدةِ في الأعراضِ والتُّهَمةِ في النكاحِ، وحفظُ حقِّ المرأةِ ألَّا تُظلَمَ بزوجٍ لا تريدُهُ؛ لسوءِ خُلُقٍ أو اختلافِ نَفْسٍ وطبيعةٍ، ولا أكمَلَ في رجالِ الأُممِ\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (١١٠٩) (٣/ ٤٠٩).\n(٢) أخرجه أحمد (٦١٣٦) (٢/ ١٣٠).","vol":"1","page":455},{"text":"مِن نبيِّنا - ﷺ -، وكلُّ علَّةٍ ظاهرةٍ أو خفيَّةٍ في تشريعِ الوِلَايةِ على المرأةِ في زواجِها منتفِيةٌ في حقِّه - ﷺ -، فهو أكمَلُ البشَرِ وسَيِّدُهم.\nوجاء في حديثِ ابنِ عبَّاسٍ في البِكْرِ، قال: \"وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا\" (١)، فذِكْرُ \"أبوها\" غيرُ محفوظٍ؛ تَفرَّدَ به ابنُ عُيَيْنةَ، وأنْكَرَهُ مع جلالَتِهِ الحُفَّاظُ، أنكَرَهُ أبو داودَ؛ فقال: \"أبُوهَا\" ليس بمحفوظٍ\" (٢).\nوقال الدَّارَقُطنِيُّ: \"لا نَعلَمُ أحدًا وافقَ ابنَ عُيَيْنَةَ على هذا اللفظِ؛ ولعلَّه ذَكَرَهُ مِنْ حِفْظِه، فسبَقَ إليه لسانُه\" (٣).\nوالسلفُ لا يَختلِفونَ أنَّ الثَّيِّبَ والبِكْرَ البالغَتَيْنِ لا يختلِفانِ في أنَّهما لا يزوَّجانِ إلِّا بإذنِهِما؛ قاله الشافعيُّ وغيرُهُ.\nوإذا اجتمَعَ علي الزوجةِ خاطِبانِ، بعدَ خروجِها مِن عِدَّةِ طلاقِها الرجعيِّ: زوجُها الأوَّلُ، وخاطبٌ جديدٌ، فرجوعُها إلي زوجِها الأوَّلِ أَوْلَى إنْ لم يكُنْ فيه ما يَقدَحُ في دِينِه؛ لأنَّ الأوَّلَ أقرَبُ إلى الأُلْفَةِ وإصلاحِ ما سلَفَ، وأعرَفُ بالحالِ، وأقرَبُ للنَّدَمِ مِنْ طلاقٍ جديدٍ، وأصلَحُ للذُّرِّيَّةِ إنْ وُجِدَتْ بينَهما، وإن اختارَتْ غيرَهُ، فلا تُكْرَهُ عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>عَضْلُ النساءِ:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: ذكَرَ الأزواجَ وعودتَهُنَّ إليهم؛ لأنَّ الأولياءَ ربَّما يعضُلُونَ النساءَ لحظِّ أنفُسِهِمْ، وانتصارًا لها مِن تساهُلِ زوجِها بطلاقِها، والرجالُ يَجِدُونَ ما لا تَجِدُهُ النساءُ؛ فنُفُوسُهنَّ أقربُ للرَّجْعةِ والأُلْفةِ والعفوِ مع الأزواجِ، فلا يَحِلُّ للولِيِّ أنْ يَمْنَعَها مِنْ رَجْعةِ زوجها لأجلِ نفسِه.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٤٢١) (٢/ ١٠٣٧).\n(٢) \"سنن أبي داود\" (٢/ ٢٣٣).\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (٤/ ٣٥١).","vol":"1","page":456},{"text":"والعَضْلُ مشتقٌّ مِنْ عَضَلَ؛ أيْ: شَدَّ وضَيَّقَ، ومنه يُقالُ: مَرَضٌ عُضَالٌ؛ أيْ: شديدٌ.\nوقيَّد اللهُ الرجوعَ بالتراضِي بينَهم بالمعروفِ، أنْ يَرجِعُوا بحُسْنِ قصدٍ، بالقيامِ بالمعروفِ، وإصلاحِ الخَلَلِ السابقِ، وتبييتُ النِّيَّةِ الصالحةِ بابٌ لعملِ الخيرِ وقصدِه.\nوقولُهُ تعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾:\nرهَّبَ اللهُ بكتابِهِ، ورغَّب وخَصَّ بذلك مَن يُؤمِنُ باللهِ وغَيْبِهِ، وجزائِهِ وثوابِهِ وعِقَابِه؛ لأنَّه لا يخافُ اللهَ إلَّا مَن عرَفَهُ، وفي الآيةِ تنبيهٌ إلى أنَّه مَن لم يَخَفْ مِن مواعظِ اللهِ، فهذا أَمَارةٌ على ضَعفِ إيمانِهِ باللهِ وبلِقَائِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>الزكاءُ والطهارةُ بالتزويجِ:</span>\nثُمَّ بيَّنَ أنَّه يأمُرُ عبادَهُ بما فيه زَكَاؤُهُم؛ فقولُه: ﴿أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ شاملٌ للزوجَيْنِ وللأولياءِ وللناسِ عامَّةً، وكلَّما قَرُبَ الإنسانُ مِن الخطابِ واختَصَّ به، شَمِلَهُ المعنى؛ فهو أزكى للزوجَيْنِ مِن أن يُفْتَنا، وأطهَرُ لهما مِنْ أنْ يقَعَا في حرامٍ حالَ خلوِّهِما مِن نكاحٍ حلالٍ، وأطهَرُ لوليِّها أنْ يتسبَّبَ في إثمِهِما، وأطهَرُ لغيرِهِما مِن الناسِ أنْ تُفتَنَ المرأةُ برجلٍ أجنبيٍّ، أو يُفتَنَ الرجلُ بامرأةٍ أجنبيَّةٍ عنه؛ ففي الامتناعِ عنِ النكاحِ المشروعِ ذريعةٌ للممنوعِ، واللهُ لم يفتَحْ بابًا مِن الحلالِ إلَّا ليُغلِقَ أبوابًا مِن الحرامِ، وإذا وقَعَ الناسُ في حرامٍ، فلأنَّ الحلالَ سدَّ أو ضُيِّقَ.\nوهذا نظيرُ ما يُروى عنه - ﷺ -: (إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ، فَزَوِّجُوهُ؛ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ) (١)،\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (١٠٨٤) (٣/ ٣٨٦)، وابن ماجه (١٩٦٧) (١/ ٦٣٢).","vol":"1","page":457},{"text":"فجعَلَ امتناعَ الوليِّ عن إنكاحِ الزوجَيْنِ فتنةً عريضةً لغيرِهِما، فألحقَها بالأرضِ، ووصفَها بالعريضةِ، فلا يقَعُ الزِّنى إلَّا لتعطيلِ حقِّ الزوجةِ بالإنكاحِ أو الإمساكِ بالمعروفِ، وحُسْنِ المَعشَرِ، والعدلِ في القَسْمِ، ولتعطيلِ الرجلِ مِن حقِّ النكاح أو التعدُّدِ، ويأتي بعد ذلك تجاوزُ المحرَّماتِ؛ كإطلاقِ البصَرِ، والخَلْوةِ، وغيرِهما.\nولأنَّ هذه المعانِيَ دقيقةٌ، وإدراكَها صعبٌ إلَّا على القِلَّةِ مِن أهلِ العقلِ، أضمَرَها ولم يَذْكُرْها؛ لأنَّ ما لا تعي العقولُ عِلَّتَهُ يُترَكُ للتسليمِ به؛ حتَّى لا يُكفَرَ به.\nوهناكَ حِكْمةٌ أُخرى أيضًا في عدمِ ذِكْرِ أنواعِ فِتَنِ الفسادِ عندَ عدمِ إنكاحِ الوليِّ لابنتِهِ مِن رجلٍ صالحِ الدِّينِ والخُلُقِ، أو تمكينِ زوجَيْنِ مِن العودةِ بعد انفصالٍ؛ وذلك حتَّى لا يَشُكَّ الوليُّ في مَوْلِيَّتِه، فيَتَّهِمَها لاتهامِ الشارعِ لها، فتفسُدَ البيوتُ بالظُّنُونِ؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]؛ أيْ: ثَمَّةَ ما لا يُدرَكُ مِن حقائقِ التشريِع وعِلَلِهِ، يَعْلمُهُ اللهُ، وتقصُرُ عنه العقولُ مهما بلغَتْ حِدَّةً وذَكَاءً.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣].\nبعدَما ذكَرَ اللهُ النكاحَ والطلاقَ وتوابعَهما؛ كالعِدَدِ والخُلْعِ","vol":"1","page":458},{"text":"والرَّجْعةِ، ذكَرَ أحكامَ الرَّضَاعِ؛ لأنَّ تلك الأحكامَ أهمُّ وأعسَرُ، وأحكامَ الرضاعِ أيسَرُ، ولأنَّ الرضاعَ لا يقَعُ فيه غالبًا نزاعٌ وخلافٌ؛ لتشوُّفِ الأبوَيْنِ لمصلَحَةِ ولدِهِما؛ بخلافِ ما كان بينَهما؛ فهما نِدَّانِ يتنازَعانِ في حَقِّهِما، ويتوافقانِ في حقِّ الولدِ غالبًا.\nوقد ذكَرَ اللهُ الرضاعَ هنا، وفي سورةِ الطلاقِ، وما في الطلاقِ خاصٌّ بالمطلَّقاتِ، وهذه الآيةُ أعَمُّ منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>حكمُ الرَّضَاعِ:</span>\nوفي الآيةِ: أنَّ الرَّضاعَ علي الزوْجةِ؛ بقولِه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾؛ فمَن ولَدَتْ، أرضَعَتْ، وقد اختلَفَ العلماءُ في وجوبِ الرضاعِ عليها على أقوالٍ:\nالأوَّلُ: الوجوبُ؛ وهو قولٌ لمالكٍ، وقولُ أبي ثَوْرٍ.\nالثاني: أنَّ الرضاعَ على الاختيارِ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ في الطلاقِ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [٦]، وحمَلُوا آيةَ البقرةِ على أنَّها مبيِّنةٌ لمدَّةِ الرضاعِ لا لحُكْمِه؛ وهذا قولُ الشافعيِّ والحنابلةِ.\nالثالثُ: يفرِّقونَ بين الشريفةِ والدَّنِيَّةِ، فلا يُوجِبونَهُ على الشريفةِ، ويُوجِبونَهُ على مَن دُونَها؛ وهذا قولُ مالكٍ المشهورُ عنه، وهو مذهبُ المالكيِّينَ؛ لأنَّ العِبْرةَ بالعُرْفِ؛ فالرفيعةُ تسترضِعُ لابنِها، ومَن دُونَها تُرضِعُ بنفسِها.\nوأمَّا إِذا لم يَقبَلْ مُرضِعةً إلَّا إيَّاها، فيَجِبُ، ولا ينبغي أنْ يكونَ ثمَّةَ خلافٌ؛ لأنَّ تَرْكَهُ هَلَكةٌ، ولو لم يَقبَلْ إلَّا امرأةً أجنبيَّةً عنه، لَتَعَيَّنَ عليها، وقد نَصَّ على وجوبِه على أُمِّه إذا لم يَقبَلْ إلَّا إيَّاها: القاضي عبدُ الوهَّابِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>تمامُ الرَّضَاع ومُدَّتُهُ:</span>\nوفي قولِهِ تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ تمامٌ لِمُدَّةِ","vol":"1","page":459},{"text":"الرضاعِ، وبالزيادةِ عليه لا تستحِقُّ الوالدةُ أجرةً ولو كانت مطلَّقةً، وإذا أرادَ أحدُ الوالدَيْنِ فِطَامَ المولودِ قبلَ الحولَيْنِ، فلا بُدَّ مِن تشاوُرِهما وتراضِيهِما على ذلك؛ دفعًا لإفسادِ حالِ الصبيِّ، ومنعًا لاستئثارِ أحدِ الزوجَيْنِ بمنفعةٍ بعدَ الفِطَامِ.\nورضاعُ الحولَيْنِ في الآيةِ عامٌّ في كلِّ مولودٍ، وهذا قولُ عامَّةِ المفسِّرينَ، وجاء عنِ ابنِ عبَّاسٍ تخصيصُهُ بمَن وُلِدَ وقد مَكَثَ ستَّةَ أشهُرٍ في بطنِ أمِّه، وينقُصُ الحولانِ كلَّما زادَ الحَمْلُ عن ستةِ أشهرٍ؛ لعمومِ قولِهِ تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].\nومِنْ آيةِ الأحقافِ أخَذَ بعصُ العلماءِ: أنَّ أقلَّ الحملِ الذي يُولَدُ منه ستَّةُ أشهرٍ، ويأتِي تفصيلُ ذلك في موضِعِه بإذنِ اللهِ.\nوبقولِه تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ استدلَّ مَن قال بأنَّ الرضاعَ لا يحرِّمُ إلَّا إذا كان في الحولَيْنِ، واختلَفُوا في عددِ الرَّضَعاتِ، ويأتي في سورةِ النِّساءِ بإذنِ اللهِ.\nوقولُهُ تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فيه وجوبُ نققةِ والدِ الرضيعِ للمُرْضِعةِ، وحدَّد النَّفَقةَ بالرِّزْقِ والكِسْوةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>النفقةُ الواجبةُ للزوجة حالَ إرضاعِها:</span>\nواختلَفَ كلامُ الفقهاءِ في النفقةِ المأمورِ بها في الآيةِ؛ هل هي نفقةُ الزوجيَّةِ، أو نفقةٌ خاصَّةٌ للرَّضَاعِ؟ فلو أنفَقَ الرجلُ على زوحتِهِ وكَفَاها، ثمَّ أرضَعَتْ له؛ فهل يجبُ عليه الزيادةُ على ذلك لأجلِ الرضاعِ؟ على قولَيْنِ:\nالأوَّلُ: قولُ مَن قالوا: هي نفقةُ الزوجيَّةِ؛ وقال به مالكٌ.\nوقرينةُ ذلك: أنَّ نفقةَ الرِّزْقِ - وهي الطَّعَامُ والشَّرَابُ مع الكِسْوةِ -","vol":"1","page":460},{"text":"هي نفقةُ الزوْجِيَّةِ، ونفقةُ مَن يلي الإنسانُ أمرَهُ مِن نِساءٍ وذُرِّيَّةٍ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]؛ وهذا نزَلَ في النساءِ والذُّرِّيَّةِ.\nوكذلك ما صحَّ في مسلمٍ؛ مِنْ حديثِ جابرٍ؛ قال - ﷺ - (وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (١).\nالثاني: قولُ مَن قالوا: هي نفقةٌ خاصَّةٌ بالرَّضَاعِ؛ قال به الشافعيُّ.\nوذلك لأنَّ النَّفَقةَ على المُرضِعةِ تختلِفُ عن غيرِها، ولو كانت زوجةً؛ لحاجتِها إلى مزيدٍ مِن الطعامِ والشرابِ؛ فإنَّ الرضاعَ يُجهِدُ المُرِضعَ ويُضعِفُ جَسَدَها إذا لم تَزدَدْ في الطعامِ والشرابِ لتُدِرَّ.\nويَتَّفِقُ القولانِ على معنًى، وهو أنَّ المُرضِعَ إذا كانت زوجةً فاحتاجَتْ في رِزْقِها وكِسْوَتِها للزيادةِ لأجلِ الرضاعِ: أنَّ ذلك يجبُ على والدِ الرضيعِ.\nولو كان لدى المُرضِعِ كفايةٌ في رِزْقِها وكِسْوَتِها مِن نفسِها، فأرادت حقَّها أن يكونَ نقدًا، جاز أن يقوَّمَ ذلك بما يُساوي طَعَامَها وشَرَابَها وكِسْوَتَها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>نفقةُ الوالدِ على ولدِهِ:</span>\nوفي الآيةِ: دليلٌ على وجوبِ نفقةِ الوالدِ على وَلَدِهِ عندَ عَجْزِهِ عن القيامِ بنفسِه؛ بمَرَضٍ، أو عاهةٍ، أو عطالةٍ، أو أَسْرٍ وحَبْسٍ؛ لأنَّ الأمرَ بالإنفاقِ على رضاعِ الرضيعِ وكفايتِهِ لأجلِ عَجْزِه، وكلُّ مَنِ اشتَرَكَ معه في العجزِ وعدمِ القدرةِ على القيامِ بنفسِه، وجَبَ على الوالدِ ذلك.\nومثلُ هذا وجوبُ نفقةِ الوَلَدِ على الوالدِ عند حاجتِهِ بلا خلافٍ.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٢١٨) (٢/ ٨٩٠).","vol":"1","page":461},{"text":"والنفقةُ حسَبَ القدرةِ؛ فاللهُ لا يكلِّفُ إنسانًا إلَّا بطاقتِه؛ وهذا ظاهرٌ في قولِه: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾.\nوقولُه: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ إشارةٌ إلى حظوظِ النفسِ بين الزوجَيْنِ في الرَّضَاعِ؛ فالمصلحةُ في ذلك للولَدِ وحقِّه في الرضاعِ، فلا تدَعُ الوالدةُ رضاعَ ابنِها شقاقًا لأبيه، ولا يأخُذُ الوالدُ ولدَهُ مِن أمِّه شقاقًا لها، ولا تدَعُ الوالدةُ رضاعَ ولَدِها وهي مطلَّقةٌ لتتزوَّجَ وولَدُها يُريدُها مِن دونِ النِّساءِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>تعيُّنُ الرضاعِ على الوالدةِ:</span>\nولا يختلِفُ العلماءُ أنَّ الرضاعَ يتعيَّنُ على الوالدةِ في أحوالٍ؛ منها:\nإذا لم يَقبَلِ الولَدُ ثديَ امرأةٍ إلَّا إيَّاها.\nوإذا لم يوجَدْ مُرضِعةٌ غيرُها مِن النساءِ.\nوإذا لم يَجِدِ الوالدُ نفقةَ الرضاعِ لغيرِها لفقرِهِ، تعيَّن عليها بما تستطيعُ.\nوقولُهُ تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ المرادُ بالوارثِ مَن يَرِثُ المولودَ لو قُدِّرَتْ وفاتُهُ، فإذا فقَدَ والدَهُ، فيقومُ بكفايتِهِ في الرضاعِ والنَّفَقةِ عليه مَن يَرِثُهُ لو مات، والذي يجبُ على الوارثِ هو الذي يجبُ على الوالدِ سواءً؛ ما دامَ الطِّفْلُ غيرَ قادرٍ على كفايتِه، وهذا المقصودُ في الإشارةِ إليه بقولِه: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثلُ ما يجبُ على الوالِدِ.\nوبهذا قال جماعةٌ مِن السلفِ؛ كمجاهِدٍ والحسَنِ وعطاءٍ وقتادةَ، وهو قولُ مالكٍ وأحمدَ وإسحاقَ وأهلِ العراقِ.\nوالذي يجبُ على الوارثِ: القيامُ بما يجبُ على الوالدِ، ونصيبُهم بمقدارِ مَوَارِيثِهم، فلو كانوا إخوةً رجالًا فيتقاسَمونَ النفقةَ بالتساوي، وإذا كان معهم أخواتٌ فعلى الذَّكَرِ مثلُ ما على الأنثيَيْنِ.","vol":"1","page":462},{"text":"ويسقُطُ مِن حقِّ الوالدةِ بمقدارِ نصيبِها مِن ولدِها.\nويسقُطُ مِن حقِّ الرضيعِ مقدارُ نصيبِهِ لو كان بمنزلةِ إخوانِه.\nوبهذا قال أحمدُ.\nوبعضُ العلماءِ جعَلُوا ذلك مختصًّا بالرجالِ؛ لأنَّ النساءَ لا يُنفِقْنَ، وإنَّما يُنفِقُ عليهِنَّ الرِّجالُ؛ كما في قولِه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]؛ ولهذا قضى عمرُ - ﵁ -؛ كما رواهُ عبدُ الرزَّاقِ في \"مصنَّفِه\"، وابنُ جريرٍ؛ مِن حديثِ ابنِ المسيَّبِ، عن عمرَ؛ أنَّه حبَسَ بني عمٍّ على منفوسٍ كَلَالةً بالنَّفَقةِ عليه مِثْلَ العاقِلةِ (١).\nوبهذا يقولُ عطاءٌ ومجاهِدٌ والنَّخَعيُّ والحسَنُ (٢).\nوخصَّ أبو حنيفةَ وصاحباهُ: النَّفَقةَ عند وفاةِ الوالدِ بذي الرَّحِمِ المَحْرَمِ، وأخرَجَ ذا الرَّحِمِ غيرَ المَحْرَمِ.\nوقولُهم هذا غريبٌ، يخالِفُ الكتابَ، وكذلك الأَثَرَ عن عمرَ، وقد استغرَبَهُ غيرُ واحدٍ مِن العلماءِ، قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: \"قالوا قولًا ليس في كتابِ اللهِ، ولا نعلمُ أحدًا قاله\" (٣).\nوقد قال مالكٌ بنَسْخِ قولِه تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾؛ كما نقَلَهُ عنه ابنُ القاسمِ، وحمَلَهُ بعضُ المالكيَّةِ على التخصيصِ؛ لأنَّ التخصيصَ نسخٌ.\nوحمَلَ بعضُ المفسِّرينَ الخطابَ للوارثِ على أنَّه لمنعِ المضارَّةِ للمولودِ؛ كما نَهَى اللهُ الوالدَيْنِ عن ذلك، وليس المرادُ بذلك النفقةَ؛ وهذا مرويٌّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ومجاهِدٍ والشَّعْبيِّ، وهو قولُ الشافعيِّ.\nورواهُ ابنُ وهبٍ وأشهَبُ عن مالكٍ.\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٢١٨١) (٧/ ٥٩)، والطبري في \"تفسيره\" (٤/ ٢٢٢).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٢٢٣ - ٢٢٤).\n(٣) \"تفسير القرطبي\" (٤/ ١١٨).","vol":"1","page":463},{"text":"ويَحتمِلُ أنَّ المرادَ المعنيانِ؛ فأحكامُ القرآنِ غائيَّةٌ عامَّةٌ، وقولُه: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾ إشارةٌ عامَّةٌ لكلِّ ما سبَقَ، وبيانُ حقِّ الرضيعِ ونفَقَتِهِ لرضاعِه لا تترُكُ مِثلَهُ الشريعةُ، وتركُ المضارَّةِ حكمٌ أدقُّ وأقلُّ وقوعًا وبَلْوَى مِن حاجةِ المولودِ للرضاعِ، وحقُّ الرضاعِ أَوْلى بالنصِّ وبيانِ الحُكْمِ.\nوربَّما حمَلَ ابنُ عباسٍ ذلك على المضارَّةِ؛ لأنَّ الرضاعَ مع حاجتِهِ ووقوعِ وفاةِ الوالدِ حالَ الرضاعِ؛ فإنَّ المولودَ يأخُذُ حقَّه؛ لرحمةِ الناسِ به وتنافُسِهِمْ على كفايتِهِ، بخلافِ حظوظِ النفسِ في الوَرَثةِ في أن يُضِرَّ بعضُهُمْ ببعضٍ في حقِّ الرضاعِ، فيتضرَّرَ المولودُ ولا يُشْعَرُ به؛ لشُحِّ النفوسِ الطاغي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>فطامُ الرضيعِ:</span>\nوقولُه: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾، أحالَ اللهُ فطامَ الطِّفلِ قبلَ الحولَيْنِ على اتفاقِ الوالدَيْنِ على ذلك، وقيَّد ذلك بتراضِيهِما وتشاوُرِهما جميعًا؛ حتَّى لا يغلِّبَ واحدٌ منهم حظَّهُ على مصلحةِ الولَدِ، فلا تَفطِمُ الوالدةُ المطلَّقةُ ولدَها قبلَ وقتِهِ للتزوُّجِ فيتضرَّرَ الولَدُ، ولا يأمُرُ الوالدُ بفَطْمِهِ قبلَ وقتِه؛ ليأخُذَهُ مِن أمِّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>أهميَّةُ الشُّورَى:</span>\nوفي الآيةِ: أهميَّةُ الشُّورَى، وقد جاءتِ الشُّورَى في القرآنِ عامَّةً وخاصَّةً:\nعامَّةٌ في أمرِ الأمَّةِ ودَوْلَتِها؛ كما في قولِه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقولِهِ: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].\nوخاصَّةٌ في هذه الآيةِ.\nوكلَّما كان الأمرُ يتعلَّق بعددٍ مِن الناسِ، تأكَّدَتِ الشورى ووجَبَتْ؛ فالشورى في حقِّ الثلاثةِ آكَدُ منها في حقِّ الاثنَيْنِ، وهي في العَشَرةِ آكَدُ","vol":"1","page":464},{"text":"مِن الخمسةِ. . . وهكذا؛ حتَّى لا يتنازعَ الناسُ الحقَّ فيُضِرَّ بعضُهُمْ ببعضٍ، ولمَّا خُشِيَ مِن الإضرارِ بالصبِيِّ مِن والدَيْهِ، وهما والداهُ، شرَعَ اللهُ التشاوُرَ بينهما، فلا يقضِيانِ شيئًا إلَّا باتفاقِهما حتَّى يخلُصَ حقُّ المولودِ مِن حظوظِهما؛ فكيف بحظِّ غيرِ الوالدَيْنِ مِن غيرِهم؟ ! ولهذا كانت مَصالِحُ الناسِ العامَّةُ وشأنُ الأمَّةِ ومالُها وسياستُها شُورَى بينها؛ حتَّى لا تَهلِكَ الأُمَّةُ برأيِ رجلٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>استئجارُ مرضعةٍ:</span>\nوقولُهُ: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، إنِ اتَّفَقَ الوالِدَانِ على استِئجارِ مُرضِعةٍ غيرِ أمِّه، جازَ مع الوفاءِ بالحقِّ للمُرضِعةِ السابقةِ أو اللاحقةِ مِن غير إضرارٍ.\nثمَّ أمَرَ اللهُ بتقواهُ، وربَطَ تحقُّقَ تقواهُ بالعِلْمِ بسَعَةِ عِلمِ اللهِ؛ وذلك أنَّ الإنسانَ كلَّما كان باللهِ أعرَفَ، فهو له أَخْوَفُ، وإذا عَلِمَ الإنسانُ اطلاعَ اللهِ عليه في سِرِّهِ وعلانيتِه، خافَ ربَّه وازداد خشيةً له.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤].\nيذكُرُ اللهُ في هذه الآيةِ<span data-type=\"title\" id=toc-280> عِدَّةَ المتوفَّى عنها زوجُها </span>مِن اللائي يَحِضْنَ مِن النساءِ، واللائي لم يَحِضْنَ؛ سواءٌ كان منَعَ حَيْضَها صِغَرٌ أو يأسٌ أو مرضٌ.\n\nعدةُ المتوفَّى عنها زوجُها:\nوقد كانتِ النساءُ في الجاهليَّةِ يمكُثْنَ حَوْلًا في بيوتِ أزواجِهنَّ بعدَ","vol":"1","page":465},{"text":"وفاتِهم؛ لا يخرُجْنَ ولا يَعْمَلْنَ، ويُنفَقُ عليهِنَّ مِن مالِ أزواجِهِنَّ، وقد ثبَتَ في \"الصحيحَيْنِ\"؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: (إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كانت إِحْدَاكُنَّ فِي الجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الحَوْلِ) (١).\nوقيلَ: إنَّ المرأةَ إذا خرَجَتْ مِن عِدَّةِ وفاةِ زوجِها، أخذَتْ بَعْرةً فرمَتْ بها كَلْبًا؛ لِتخرُجَ مِن عِدَّتِها.\nوفي ذلك: أنَّه ينبغي تذكيرُ الرجالِ والنساءِ بما كان عليهم مِن شِدَّةٍ وقسوةٍ؛ ليتذكَّروا رحمةَ اللهِ بهِم؛ فإنَّ تذكُّرَ الأشَدِّ يخفِّفُ الشديدَ، وتذكُّرَ الأثقلِ يخفِّفُ الثقيلَ.\nوتربُّصُ المتوفَّى عنها زرجُها الحائضِ مِمَّا لا خلافَ فيه. وعدَّةُ الوفاةِ خاصَّةٌ بالزوجةِ لا بالزوجِ؛ لِقِوَامَتِه، ولِمَا فَضَّلَهُ اللهُ به، فلَهُ القِوَامةُ، وعليه النَّفَقةُ؛ مِن رزقٍ وكِسْوةٍ وسُكْنَى، وعِدَّتُهُ وحِدَادُهُ وعدَمُ خروجِهِ يعطِّلُ ما عليه مِن تكاليفَ، ثمَّ إنَّ اللهَ أباح له تعدُّدَ الزَّوْجاتِ، ولو تُوُفِّيَتْ زوجاتُهُ تباعًا؛ كلُّ واحدةٍ في آخِرِ عدَّةِ الأُخرى، لطالَ حَبْسُهُ عن قِوَامَتِهِ ونَفَقتِه، ولو اعتَدَّ في واحدةٍ، لَتَعطَّلَ عن واجباتِهِ للزوجةِ الأُخرى؛ وهذا يدلُّ على أن اللهَ قد أحكمَ شِرْعَتَهُ ودِينَه؛ فكلُّ حُكْمٍ في جهةٍ يَنضبِطُ مع الجهاتِ الأُخرى.\nوالآيةُ شاملةٌ للكبيرةِ والصغيرةِ، الحائضِ وغيرِ الحائضِ، والمسلِمةِ والكافِرةِ، والمدخولِ بها وغيرِ المدخولِ بها؛ وبعمومِها أخَذَ جماهيرُ العلماءِ.\nولمالِكٍ قولٌ فيمَنِ انقَطَعَ دَمُها لعارضٍ؛ مِن مرَضٍ أو دواءٍ ونحوِه؛ أنَّها تنتظِرُ الحَيْضَ بعدَ العِدَّةِ الأربعةِ الأشهُرِ والعَشْرِ؛ وذلك لارتيابِها وليُستَبْرَأَ رَحِمُها بيقينٍ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٣٣٦) (٧/ ٥٩)، ومسلم (١٤٨٨) (٢/ ١١٢٤).","vol":"1","page":466},{"text":"وأمَّا المنقطِعُ حَيْضُها دائمًا ليأسٍ، أو انقطَعَ لصِغَرٍ، والحائضُ: فأنَّها تخرُجُ مِن عِدَّتِها بمُضيِّ الأربعةِ الأشهُرِ والعَشَرِ، فالحائضُ على القولَيْنِ في القُرْءِ؛ تخرُجُ مِن عِدَّةِ الطلاقِ، وَيَبرَأُ رَحِمُها بأقلَّ مِن هذه المُدَّةِ، ولكنَّ اللهَ جعَلَ للمتوفَّى عنها زوجُها أجَلًا خاصًّا؛ لمنزِلةِ الزَّوْجِ ومكانتِه؛ ولهذا تمتنِعُ عن الزِّينةِ والطِّيبِ زمَنَ عِدَّتِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>عدةُ الحامل المتوفَّى عنها:</span>\nوالحاملُ المتوفَّى عنها زوجُها على حالَيْنِ:\nالأُولى: حاملٌ بَقِيَ مِن وضعِها فوقَ أربعةِ أشهُرٍ وعشرٍ، تخرُجُ مِن عِدَّتِها بوضعِ حملِها بلا خلافٍ.\nالثانيةُ: حامِلٌ، وأجَلُ وضعِ حَمْلِها دُونَ أربعةِ أشهُرٍ وعشرٍ، فعامَّةُ الفقهاءِ مِن السلفِ والخلفِ على أَنَّه تخرُجُ مِن عِدَّةِ وفاتِها بوضعِ حملِها؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]؛ وبهذا قضى عُمَرُ وعُثمانُ وزَيْدٌ.\nوروى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ؛ أَنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - وَزَيْدَ بنَ ثَابِتٍ؛ قَالَ زَيْدٌ: قدْ حَلَّتْ، وَقَالَ عَلِيٌّ: أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَ زَيْدٌ: أَرَأَيْتَ إِنْ كانت يَئِيسًا؟ قَالَ عَلِيٌّ: فَآخِرُ الأَجَلَيْنِ، قَالَ عُمَرُ: لَوْ وَضَعَتْ ذَا بَطْنِهَا وَزَوْجُهَا عَلَى نَعْشِهِ لم يَدْخُلْ حُفْرَتَهُ، لَكانت قَدْ حَلَّتْ (١).\nوذهَبَ بعضُهم: إلى أنَّه يجبُ عليها أن تَعْتَدَّ بأبعَدِ الأجَلَيْنِ، وتعليلُهُمْ: أنَّ عِدَّةَ المتوفَّى عنها زوجُها تعبُّدٌ، والعِدَّةَ بوضعِ الحملِ للاستبراءِ، فلا بُدَّ مِنِ استيفاءِ الاثنتَيْنِ، فالتي تجاوَزَتْ أربعةَ الأشهُرِ والعَشْرَ ولم تضَعْ، لا يجوزُ تزويجُها وهي حامِلٌ بلا خلافٍ، وإذا\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٧٠٩٨) (٣/ ٥٥٤).","vol":"1","page":467},{"text":"وضعَتْ قبلَ عِدَّةِ الوفاةِ، فيَجِبُ أن تتعبَّدَ بإتمامِ عِدَّتِها.\nحكاهُ الشافعيُّ في \"الأمِّ\"، عن بعضِ الصحابةِ؛ وهو قولٌ يُروى عن عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ، وقال به سُحْنُونٌ.\nولعلَّ ابنَ عبَّاسٍ رجَعَ عنه.\nوقد قضى النبيُّ بوضعِ الحملِ، ولا معقِّبَ لقضائِه؛ فـ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]؛ ففي \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ أبي سَلَمةَ؛ قال: جاءَ رجلٌ إلى ابنِ عبَّاسٍ وأبو هُرَيْرةَ جالسٌ عندَه، فقال: أَفْتِنِي في امرأةٍ ولَدَتْ بعدَ زَوْجِها بأربعِينَ ليلةً، فقال ابنُ عبَّاسٍ: آخِرُ الأجَلَينِ، قلتُ أنا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، قال أبو هريرةَ: أنا معَ ابن أخي؛ يَعني: أبا سَلمةَ، فأرسَلَ ابنُ عَبَّاسٍ غُلامَهُ كُرَيْبًا إلى أمِّ سَلَمةَ يَسْأَلُها، فقالَتْ: قُتِلَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ الأسلَمِيَّةِ وهي حُبْلَى، فوضَعَتْ بعدَ موتِهِ بأربعِينَ ليلةً، فخُطِبَتْ فأَنْكَحَها رسولُ اللهِ - ﷺ -، وكان أبو السَّنَابِلِ فيمَن خَطَبَها (١).\nفإذا وضعَتِ، انقضَتْ عِدَّتُها حالَ وَضْعِها، ولو كان زوجُها على نعشِهِ لم يُدفَنْ، بل لو لم يغسَّلْ بعدُ، ولا يجِبُ عليها التربُّصُ حتَّى تطهُرَ مِن نِفَاسِها؛ لظاهرِ الآيةِ والحديثِ.\nوذهَبَ بعضُ فقهاءِ العراقِ: إلى ترَبُّصِها إلى طُهْرِها مِن نفاسِها؛ قال به الشَّعْبيُّ والحسَنُ والنَّخَعيُّ وحَمَّادٌ.\nوعِدَّةُ المتوفَّى عنها زوجُها أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ، تُتِمُّها بأيَّامِها ولياليِها، وهو قولُ عامَّةِ العلماءِ؛ لظاهرِ الآيةِ، واليومُ يرادُ به الليلُ والنهارُ إذا أُطلِقَ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٩٠٩) (٦/ ١٥٥)، ومسلم (١٤٨٥) (٢/ ١١٢٢).","vol":"1","page":468},{"text":"وأمَّا تأنيثُ المعدودِ المضمَرِ وتذكيرُ العددِ في قولِه: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، فلم يَقُلْ: \"وعَشَرةً\"، والعَدَدُ يُخالِفُ المعدودَ هُنا.\nفلا يَظهَرُ أنَّ فيه حُجَّةً؛ لأنَّ العرَبَ تغلِّبُ التأنيثَ في العَدَدِ؛ في الأيامِ والليالي خاصةً، إذا أبهَمَتِ العددَ، غَلَّبَتْ فيه اللياليَ؛ حتى إنَّهم ليقولونَ: \"صُمْنا عشرًا مِن شهرِ رمضانَ\"؛ لتغليبِهِمُ اللياليَ على الأيامِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]، فقد أرادَ الأيَّامَ والليالي جميعًا؛ ولذا بَيَّنَهُ في قولِه: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١].\nوعلَّل بعضُ السلفِ زيادةَ العَشْرِ بعدَ الأربعةِ الأشهُرِ؛ لأجلِ اتضاحِ الحملِ، وبيانِ نفخِ رُوحِهِ؛ فإنَّه يُنفَخُ في العَشْرِ، رُوِيَ عن قتادةَ، قال: \"سَأَلْتُ سَعِيدَ بنَ المسيَّبِ: مَا بَالُ الْعَشَرِ؟ قَالَ: فِيهِ يُنْفَخُ الرُّوحُ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>عدةُ الأَمَةِ المتوفَّى عنها زوجُها:</span>\nوأمَّا المرأةُ الأَمَةُ إذا توفِّيَ عنها زوجُها، فعلى النِّصْفِ مِن عِدَّةِ الحُرَّةِ؛ تتربَّصُ شهرَيْنِ وخمسةَ أيَّامٍ؛ وهذا قولُ عامَّةِ السلفِ والخلفِ.\nوللشافعيِّ قولٌ يَحْكِيهِ بعضُ أصحابِهِ: أنَّها تعتَدُّ كالحُرَّةِ، وبه يقولُ أهلُ الظاهرِ؛ وهو مرويٌّ عنِ ابنِ سيرينَ والأصَمِّ.\nوالأَمَةُ الموطوءةُ بمِلْكِ اليمينِ بلا ولَدٍ: لا تعتَدُّ بوفاةِ زوجِها؛ لأنَّ الآيةَ نزَلَتْ في الأزواجِ، لا في الإماءِ، وقد حكى عدَمَ خلافِ السلفِ في ذلك غيرُ واحدٍ؛ كابنِ عبدِ البَرِّ وغيرِه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>عدةُ الأَمَةِ ذات الولدِ:</span>\nوأمَّا ذاتُ الولَدِ، فقدِ اختُلِفَ فيها على أقوالٍ:\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٢٥٨).\n(٢) \"الاستذكار\" (١٨/ ١٩٢).","vol":"1","page":469},{"text":"الأوَّلُ: أنَّها كالحُرَّةِ؛ وهو قولُ ابنِ المسيَّبِ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ ومجاهدٍ وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ والشَّعْبيِّ والأوزاعيِّ.\nواستدلَّ بما رواهُ أبو داودَ في \"سُننِهِ\"؛ مِن حديثِ قَبِيصةَ بنِ ذُؤَيْبٍ، عن عمرِو بنِ الْعَاصِ؛ قال: \"لَا تُلَبِّسُوا عَلَيْنَا سُنَّةً، قَالَ ابنُ المُثَنَّى: سُنَّةُ نَبِيِّنَا - ﷺ -: عِدَّةُ المُتَوَفَّى عَنْهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ؛ يَعْنِي: أُمَّ الْوَلَدِ\" (١).\nلا يَصِحُّ رفعُهُ، والموقوفُ أصحُّ، وقَبِيصةُ لم يَسمَعْ مِن عمرٍو.\nالثاني: أنَّ عِدَّتَها كعِدَّةِ الأَمَةِ سواءً، وهي شهرانِ وخمسةُ أيَّامٍ؛ وهذا قولُ طاوُسٍ وقتادةَ.\nالثالثُ: وهو أصحُّ الأقوالِ، وقولُ الجمهورِ: أنَّها تَستبْرِئُ رَحِمَها بحيضةٍ فقَطْ؛ لأنَّها ليست كالأَمَةِ الزَّوْجةِ، وليست كالحُرَّةِ الزَّوْجةِ؛ فلا يجبُ عليها إلَّا الاستبراءُ، والآيةُ نزَلَتْ في الأزواجِ.\nوهذا قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ واللَّيْثِ.\nوهو قولٌ مرويٌّ عن عُمَرَ وابنِه وعثمانَ وعائشةَ وزيدٍ.\nالرَّابعُ: أنَّها تعتَدُّ بثلاثِ حِيَضٍ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ والثَّوْريِّ.\nوعُلِّلَ ذلك: بأنَّها ليست زوجةً، فتعتدَّ بعِدَّةِ الزَّوْجاتِ، وليست أَمَةً فقد توُفِّيَ عنها زوجُها، وهي في حُكْمِ الحُرَّةِ؛ فلا تأخُذُ حُكْمَ الإماءِ فتستبرِئَ بحَيْضةٍ، فجعَلُوها تعتدُّ احتياطًا بعِدَّةِ الحُرَّةِ التي تستبرِئُ رَحِمَها بثلاثِ حِيَضٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>ما يحرُمُ على المرأة في الحدادِ:</span>\nويُروى هذا عن عليٍّ وابنِ مسعودٍ.\nوفي عِدَّةِ المرأةِ حِدادُها وامتناعُها عمَّا تتزيَّنُ به المرأةُ عادةً؛ مِن\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢٣٠٨) (٢/ ٢٩٤).","vol":"1","page":470},{"text":"اللباسِ المزيَّنِ والحُلِيِّ والكُحْلِ، ولا تَصبُغُ جِسْمَها بالزِّينةِ (كالمكياج)، إلَّا ما يستُرُ عَيْبًا خِلْقيًّا؛ كحروقٍ وشِبْهِها، ولا تتطيَّبُ، ولها أن تتطيَّبَ بما يُذهِبُ الرائحةَ الكريهةَ والنَّتْنَ العارضَ، ولا يجبُ عليها أنْ تَلْبَسَ زِيًّا أو لونًا معيَّنًا.\nولا يجوزُ للرَّجُلِ أن يعتدَّ أو يُحِدَّ على أحدٍ، ويجوزُ للمرأةِ أن تُحِدَّ على غيرِ زوجِها؛ كأبيها وولَدِها وأمِّها وأخيها، ثلاثًا، ولا تزيدُ؛ لِما صحَّ مِن حديثِ أمِّ حبيبةَ مرفوعًا: (لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ؛ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) (١).\nوقد وجَّه اللهُ الخطابَ إلى المرأةِ في عِدَّتِها؛ لأنَّها مستأمَنةٌ على ذلك، فقال: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾، وعِدَّةُ المرأةِ - وخاصَّةً بالحَيْضِ والطُّهْرِ والحملِ الذي في بطنِها - مَرَدُّها إلى عِلْمِها الخاصِّ، فوُجِّهَ الخطابُ إليها في ذلك في العِدَدِ كلِّها؛ تحميلًا للأمانةِ وتشديدًا في الأمرِ، ولأنَّ تكليفَ غيرِها بذلك شاقٌّ، فيسَّر اللهُ على المرأةِ ألَّا يُؤذِيَها أحدٌ بتتبُّعِ خاصَّةِ أمرِها، ويسَّر على الوليِّ ألَّا يكلِّفَهُ اللهُ بما يَشُقُّ عليه، أمَّا وجهُ التشديدِ على المرأةِ؛ فإنَّ الخطابَ الذي يتوجَّهُ إلى الواحدِ تَبِعَتُهُ على شخصِهِ أشدُّ ممَّا لو شارَكَهُ في الخطابِ غيرُهُ.\nثمَّ وجَّه اللهُ الخطابَ إلى الأولياءِ بقولِه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ لأنَّ المرأةَ بِكْرًا أو ثيِّبًا لا تَفْعَلُ في نفسِها شيئًا إلَّا بإذنِ وليِّها، ولو كانَ التكليفُ بتزويجِ نفسِها بنفسِها، لكان الخطابُ لها خاصًّا؛ كأنْ يقال: (فلا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فيما فَعَلْنَ في\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٢٨٠) (٢/ ٧٨)، ومسلم (١٤٨٦) (٢/ ١١٢٣).","vol":"1","page":471},{"text":"أنفُسِهِنَّ)، فجَعَلَ اللهُ الخِطابَ للوليِّ أن يزوِّجَها، وجعَلَ الاختيارَ لها، فقال: ﴿فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾؛ سواءٌ اختارَتِ البقاءَ بلا زوجٍ، أو اختارَتْ زوجًا، فلا تزوَّجُ إلَّا برِضاها.\nوفي الآيةِ: دليلٌ على أنْ لا نكاحَ إلَّا بوليِّ.\nوقيَّد جوازَ فِعْلِهِنَّ بأنفُسِهِنَّ أن يكونَ بالمعروفِ؛ فلا حرامَ فيه ولا سُوءَ، فتَفعَلُ ما صحَّ عُرْفًا لدى أهلِ الفِطَرِ الصحيحةِ غيرِ المبدَّلَةِ، وما صحَّ شرعًا.\nوفسَّرَ مجاهِدٌ والزُّهْريُّ والسُّدِّيُّ المعروفَ هنا: بالنِّكَاحِ (١).\nوفي قولِهِ تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، وفي قولِهِ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وفي قولِه: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]- دليلٌ على أنَّ المرأةَ تَرجِعُ إلى زَوْجِها إن طُلِّقَتْ بطلاقٍ رجعيٍّ، أو تتزوَّجُ إن كانت بائنًا، بانتهاءِ أَجَلِها المقدَّرِ، ولا أثَرَ للغُسْلِ مِن الحَيْضِ في الرجعةِ؛ لأنَّ اللهَ علَّقَ ذلك بقضاءِ الأَجَلِ، وهذا خلافًا لقولِ شَرِيكٍ في بطلانِ رجعةِ الزوجةِ حتَّى تغتسِلَ، ومثلُهُ قولُ إسحاقَ أنَّ التي تعتَدُّ بالأقرَاءِ لا يجوزُ لها أن تتزوَّجَ حتَّى تغتسِلَ مِن حَيْضِها، وبنحوِ قولِ إسحاقَ رُوِيَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ.\nوذكَّر اللهُ بعِلْمِهِ وإحاطتِهِ بعَمَلِ الناسِ ونِيَّاتِهم، فلا يَخْفَوْنَ عليه؛ فقال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٢٦٠).","vol":"1","page":472},{"text":"قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥].\nلمَّا كان الزوجُ في إدبارٍ مِن زوجتِهِ، ولا بابَ لرَجْعَتِهِ مِن موتِه، وأيَّامُها تربُّصٌ لانقضاءِ العِدَّةِ التي تَخُصُّها لا تخصُّ الميتَ؛ فتخبيبُ الزوجةِ على زوجِها لا يجوزُ، ولو كانت في عِدَّةِ رَجْعَتِها؛ كالتعريضِ لها بالرغبةِ في امرأةٍ مِثْلِها، ونحوِ ذلك؛ فقد جاء في \"السننِ\" و\"المسنَدِ\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا، أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ) (١)، وفي الآيةِ رفعُ الجُنَاحِ في التعريضِ للمتوفَّى عنها زَوْجُها في العِدَّةِ، وهو دليلٌ على وجودِ الجُناحِ والحَرَجِ في غيرِ حالِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>التعريضُ في نكاحِ المعتدَّة البائنةِ:</span>\nوعلَّةُ الجُنَاحِ والحَرَجِ والنهيِ عنِ التعريضِ أنَّه رُبَّما رَغِبَتْ في الرَّجْعةِ، ففَتَنَها عن عودتِها لزوجِها، وأمَّا في عِدَّةِ الوفاةِ، فقد أَذِنَ اللهُ بالتعريضِ في العِدَّةِ؛ لانتفاءِ المَفسَدةِ، وهذا في عِدَّةِ المطلَّقةِ غيرِ الرجعيَّةِ كذلك، وقد كَرِهَ الشافعيُّ التعريضَ في المطلَّقةِ عمومًا مِن بابِ الاحتياطِ؛ لأنَّ الرُّخْصةَ جاءَتْ في عِدَّةِ الوفاةِ.\nوالأظهرُ: جوازُ ذلك في المطلَّقةِ المبتوتةِ؛ لاشتِراكِها في الحالِ مع المتوفَّى عنها زَوْجُها، ولِظاهرِ حديثِ فاطمةَ بنتِ قيسٍ في\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٩١٥٧) (٢/ ٣٩٧)، وأبو داود (٢١٧٥) (٢/ ٢٥٤)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٩١٧٠) (٨/ ٢٨٢).","vol":"1","page":473},{"text":"\"الصحيحِ\"؛ فقد طَلَّقَها زَوْجُها أبو عَمْرِو بنُ حفصٍ البتَّةَ، قالتْ: فلمَّا حَلَلْتُ، ذَكَرْتْ للنبيِّ - ﷺ - أنَّ معاويةَ وأبا جَهْمٍ خَطَبَانِي (١).\nوكذلك البائنُ؛ لانقطاعِ عِصْمَتِها مِن يَدِ زَوْجِها، وهو المعتمَدُ في المذاهبِ الأربعةِ.\nوالتعريضُ هو ضِدُّ التصريحِ، ويختلِفُ مِن عُرْفٍ إلى عُرْفٍ، ومِن لُغَةٍ إلى أُخرى؛ كقولِ الرَّجُلِ: \"إنْ خَرَجْتِ مِن عِدَّتِكِ، فآذِنِيني\".\nوقد نَهَى اللهُ عنِ التصريحِ؛ لترخيصِهِ في التعريضِ، ولو جاز التصريحُ، لَذَكَرَهُ ورخَّصَ فيه؛ لأَنَّ تجويزَ التصريحِ يدخُلُ فيه التعريضُ، ولا يدخُلُ في التعريضِ التَّرخيصُ في التصريحِ، بل هو علامةٌ على النهيِ عنه.\nوقولُهُ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾، الأشهَرُ هو أخذُ ميثاقِها سِرًّا في عِدَّتِها ألَّا تتزوَّجَ إلَّا إيَّاه، ولا يُظهِرُ الأمرَ علانيةً؛ وذلك لأنَّه يجلِبُ مَفاسِدَ عليها وعلى مَنْ واعَدَها، فربَّما عرَّض لها بَعْدَهُ أصلَحُ منه فتندَمُ، ويقَعُ في النفوسِ الشَّرُّ.\nولأنَّ التصريحَ في العِدَّةِ والمواعَدةَ سِرًّا يُخرِجُ المرأةَ مِن حُكْمِها في عِدَّتِها وتعظيمِ حقِّ زَوْجِها الميتِ إلى التعرُّضِ للخُطَّابِ، وربَّما دفَعَها ذلك إلى التساهُلِ في التجمُّلِ والتحلِّي بما يُنهَى عنه مِثلُها في عِدَّتِها.\nوربَّما دفَعَها ذلك إلى الكَذِبِ بانقضاءِ عِدَّتِها؛ لطمعِ النفسِ في الزوجِ.\nوعلى هذا المعنى: حمَلَ جماعةٌ مِن السلفِ المواعَدةَ في الآيةِ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٤٨٠) (٢/ ١١١٤).","vol":"1","page":474},{"text":"على أخذِ الميثاقِ سِرًّا؛ وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ ومجاهِدٍ وابنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمةَ (١).\nوهو قولُ مالكٍ والشَّعْبيِّ.\nوالنهيُ عنِ الإسرارِ بذلك لا يعني جوازَها علانيةً، وذكَرَ الإسرارَ؛ لأنَّ غالبَ مَن يقصِدُ مِثْلَها في عِدَّتِها يُسِرُّ لها؛ لأنَّ التصريحَ يُنهَى عنه سِرًّا وعلانيةً، فخَصَّ النهيَ بالسِّرِّ لِغَلَبةِ وقوعِهِ، فالناسُ لا تجرُؤُ على الخِطْبةِ علانيةً، فقولُهُ: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ﴾ دليلٌ على النهيِ عن التصريحِ بكلِّ حالٍ؛ ما دامَتْ في العِدَّةِ.\nوقد أجاز داودُ التصريحَ علانيةً؛ لظاهرِ الآيةِ، وخالَفَهُ ابنُ حزمٍ، فنَهَى عنه مطلَقًا.\nوقد حمَلَ بعضُ المفسِّرينَ المواعَدةَ سرًّا في الآيةِ على الزِّنَى وكلِّ سوءٍ يَسبِقُهُ مِن خَلْوةٍ ورؤيةٍ ومَسٍّ؛ قاله قتادةُ والحسَنُ والنَّخَعيُّ (٢)، ورجَّحَهُ ابنُ جريرٍ (٣).\nوتفسيرُ ابنِ عبَّاسٍ وأهلِ المدينةِ ومكَّةَ لمعناهُ: أَوْلى مِن تأويلِ أهلِ العراقِ.\nوالاستثناءُ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ مِن التعريضِ العَلَنِيِّ الذي لا يُسْتَحْيَا منه، وهو ما رخَّصَ اللهُ فيه.\nومَن حمَلَ المواعَدةَ سِرًّا على الزنى أو أخذِ الميثاقِ بالزواجِ جعَلَ الاستثناءَ منقطِعًا؛ لأنَّ الإسرارَ بأخذِ ميثاقِ الزَّوْجةِ للزَّوَاجِ مِنها أو الزِّنَى بها: محرَّمٌ ولو كان علانيةً، فلا يسمَّى معروفًا حتَّى يُستثنَى منه معروفٌ جِهَارًا.\nومَن خطَبَ امرأةً في عِدَّتِها، وعقَدَ عليها بعدَ خروجِها مِن العِدَّةِ،\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٢٧٥ - ٢٧٦).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٢٧٢ - ٢٧٥).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٢٧٨).","vol":"1","page":475},{"text":"فهو آثِمٌ، وعقدُهُ صحيحٌ؛ لظاهرِ الآيةِ، وهو قولُ جمهورِ الفقهاءِ، واستحَبَّ مالكٌ فِرَاقَها؛ كما رواهُ عنه ابنُ وهبٍ.\nوعن مالكٍ قولٌ آخَرُ: بوجوبِ المفارَقةِ، وهي روايةٌ عن أشهَبَ؛ نقَلَ الروايتَيْنِ ابنُ رُشْدٍ، والنَّهْيُ يقتضي الفسادَ في مذهبِ مالكٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>حكمُ العقدِ على البائنةِ:</span>\nوأمَّا إذا عقَدَ عليها في العِدَّةِ، فلا يخلُو مِن حالَيْنِ:\nالأُولى: إنْ دخَلَ بها في العِدَّةِ، فألزَمَ أبو حنيفةَ والثوريُّ والشافعيُّ والحنابلةُ التفريقَ بينَهما، والعقدُ آكَدُ بالفسادِ على قولِ مالكٍ.\nوقد اختَلَفَ أصحابُ هذا القولِ في جوازِ زواجِه بها بعدَ خروجِها مِن العِدَّةِ، وهل تحرُمُ عليه حُرْمةً أبديَّةً أو لا؟\nذهَبَ أبو حنيفةَ والثوريُّ والشافعيُّ: إلى جوازِ زواجِهِ بها بعدُ، وأنَّه كسائرِ الخُطَّابِ؛ وهو قولُ عليٍّ وابنِ مسعودٍ، وبقولِهم أخَذَ أهلُ الكوفةِ.\nوذهَبَ مالكٌ: إلى أنَّه لو دخَلَ بها في عِدَّتِها، تحرُمُ عليه حُرْمةً أبديَّةً، وبه قال جماعةٌ مِن فقهاءِ المدينةِ، وقال به اللَّيْثُ وأحمدُ.\nوبه قضى عمرُ بنُ الخَطَّابِ، وقال في امرأةٍ نُكِحَتْ في عِدَّتِها: لا يَجتمِعانِ أبَدًا؛ رواهُ مالكٌ وعبدُ الرزَّاقِ؛ مِن حديثِ ابنِ المسيَّبِ وسُلَيْمانَ بنِ يَسَارٍ عن عُمرَ في قِصَّةٍ (١).\nالحالةُ الثانيةُ: إذا دخَلَ بها بعدَ انقضاءِ العِدَّةِ، فهذه أيسَرُ مِن الأُولى عندَ مَن قال بجوازِ خِطْبَتِهِ لها بعدَ عِدَّتِها، ولمالكٍ فيها قولانِ: قولٌ بتحريمِها عليه تأبيدًا، وقولٌ يوافِقُ الجمهورَ.\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (٢٧) (٢/ ٥٣٦)، وعبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٠٥٣٩) (٦/ ٢١٠).","vol":"1","page":476},{"text":"وقولُ الجمهورِ أرجَحُ وأصحُّ، وأمَّا العقدُ، فلا يَصِحُّ ويُعادُ؛ لظاهرِ قولِه: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾.\nولأنَّ الأمرَ يخُصُّ النفوسَ وأعمالَ الأفرادِ الضيِّقةَ، لا أعمالَ الأُمَّةِ العامَّةَ؛ خوَّف اللهُ بسَعَةِ عِلْمِهِ واطِّلاعِهِ على ما في النفوسِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾؛ فتذكيرُ اللهِ بِسَعَةِ عِلْمِهِ إيقاظٌ لِجَذْوةِ الخوفِ في القلبِ؛ حتَّى لا تُطْفِئَها الشهوةُ وطمَعُ النفسِ.\nثمَّ حذَّر اللهُ مِن نفسِهِ بالأمرِ، وذكَّر عبادَهُ بِاسْمَيْنِ يجبُ أن يتوسَّطَ بينَهما العبدُ، فاللهُ غفورٌ لمن وقَعَ في زَلَّةٍ، فلا يَقنَطُ، فذكَّر باسمِهِ (الغفورِ)، واللهُ يُعاقِبُ المسيءَ، ولكنْ قد يؤخِّرُ عقابَهُ، فلا يَظُنُّ المذنِبُ أنَّ تأخُّرَ العقوبةِ عفوٌ وصفحٌ، بل حِلْمٌ مِن اللهِ، فذكَّر اللهُ باسمِهِ (الحليمِ).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦].\nلا خلافَ في جوازِ تسريحِ المرأةِ قبلَ مَسِّها؛ ولذا رتَّب اللهُ الأحكامَ على الطلاقِ ولم يذكُرْهُ بشيءٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>حكمُ طلاقِ المرأةِ قبلَ الدخول بِها:</span>\nوالمراد إمَّا أن تطلَّقَ قبلَ الدخولِ بها، وإمَّا بَعْدَه، وتقدَّم الكلامُ على أحكامِ الطلاقِ للمرأةِ المدخولِ بها وأحوالِه، وإنَّما قُدِّمَتْ أحكامُ المدخولِ بها؛ لأنَّ الحاجةَ لها أظهَرُ، والبلوى بها أعمُّ، والمرأةُ تطلَّقُ بعدَ الدخولِ أكثرَ.","vol":"1","page":477},{"text":"وأمَّا المطلَّقةُ قبلَ الدخولِ، فهي المبيَّنةُ هنا في هذه الآيةِ.\nوقولُهُ تعالى: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ المَسُّ هنا: الوَطْءُ والنِّكَاحُ؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ وطاوسٌ والنَّخَعيُّ والحسَنُ البصريُّ (١).\nوقولُه: ﴿تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا﴾ فيه إشارةٌ إلى أنَّ فرضَ المهرِ ابتداءً يكونُ مِن قِبَلِ الزوجِ؛ حيثُ جعَلَ المسَّ والفرضَ مِن الزوجِ، يبادِرُ بهما، لا تبادِرُ بهما المرأةُ، فكأنَّ في الآيةِ تيسيرًا على الأزواجِ أَنْ تَترُكَ الزوجةُ والأولياءُ فرضَ المهرِ للزوجِ فلا يشقُّ عليه، فيأتي مِن وُسْعِهِ وقُدْرَتِه، فلا يُفرَضُ عليه؛ وإنَّما يُترَكُ الفرضُ له ابتداءً، ولهم بعدَ ذلك القبولُ أو الرفضُ.\nوالمرادُ بالآيةِ الطلاقُ قبلَ الدخولِ بها، وعبَّر عن الدخولِ بالمَسِّ؛ لأنَّ الرجلَ يخلُو بامرأتِهِ لِيَمَسَّها، ومَن دخَلَ بامرأتِهِ ولم يُجامِعْها فالحكمُ في ذلك واحدٌ، وحكمُ المدخولِ بها لا يُفرَّقُ فيه بينَ المَسِّ وغيرِه، والآيةُ جرَتْ مجرى الغالبِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>أحوالُ المطلَّقةِ قبلَ الدخولِ ومهرِها:</span>\nوالمطلَّقةُ قبلَ الدخولِ بها لا تخلُو مِن حالتَيْنِ:\nالحالةُ الأُولى: أنْ يكونَ ضرَبَ لها مهرًا محدَّدًا وفرَضَهُ لها؛ فهذه لها نِصْفُ المَهْرِ، ويعودُ لزوجِها النِّصْفُ الآخَرُ؛ وذلك للآيةِ التاليةِ: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].\nالحالةُ الثانيةُ: أنْ يكونَ الزوجُ لم يَفرِضْ لها مهرًا، ولم يَضرِبْ لها قدرًا محدَّدًا، فحقُّها على زَوْجِها المتاعُ بالمعروفِ.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٤٤٢).","vol":"1","page":478},{"text":"وهذا التشريعُ للمطلَّقةِ غيرِ المدخولِ بها؛ جبرًا لحقِّ المرأةِ، فلا يُكسَرُ خاطِرُها، وحِفْظًا لِكَرَامتِها، وصونًا لها من أن تُبتذَلَ عندَ الرجالِ، فيتساهَلَ الرجالُ في الخِطْبةِ والعقدِ، والتركِ بلا دخولٍ.\nوحتَّى لا يفوتَ حقُّ المرأةِ بالنفقةِ عليها بلا زوجٍ؛ لانتظارِها الرجلَ الذي عقَدَ عليها.\nوفي الآيةِ: نوعُ تأديبٍ للمطلِّقِ؛ فهو وإن لم يرتكِبْ إثمًا أو وِزْرًا، فإنَّه ربَّما كسَرَ نفسَ الزَّوْجةِ، وزهَّد فيها غيرَهُ، والآيةُ قرينةٌ على التعويضِ عنِ الضررِ المعنويِّ؛ وهو محلُّ خلافٍ عندَ العلماءِ.\nولم يضيِّقِ اللهُ على الزوجِ الذي لم يَضرِبْ مهرًا لزوجتِهِ، فطَلَّقَها قبلَ الدخولِ بها، فجعَلَ حقَّها عليه المتاعَ حسَبَ ما يستطيعُ؛ فقال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾.\nلأنَّ مَن لم يَضرِبْ مهرًا يُحتمَلُ يسارُهُ، ويُحتمَلُ عُسْرُهُ، فجعَلَ اللهُ الأمرَ بما لا يَضُرُّهُ، ولا يفوِّتُ حقَّ الزوجةِ.\nوأمَّا مَن ضرَبَ مهرًا، فهو لم يَضرِبِ المهرَ إلَّا وهو قادرٌ على تسليمِه، فجعَلَ اللهُ لغيرِ المدخولِ بها نِصْفَ المهرِ.\nوالمتاعُ المذكورُ في الآيةِ يختلِفُ بحَسَبِ العُرْفِ، وحسَبِ قُدْرَةِ الزوجِ وسَعَتِهِ؛ روى عِكْرِمةُ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: \"مُتْعةُ الطلاقِ أعلاهُ الخادِمُ، ودُونَ ذلك الوَرِقُ، ودونَ ذلك الكِسْوةُ\" (١).\nوصحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ؛ مِن حديثِ عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عنه، قال: \"إنْ كان موسِرًا مَتَّعَهَا بخادمٍ أو نحوِ ذلك، وإنْ كان مُعسِرًا أمتَعَها بثلاثةِ أثوابٍ\" (٢).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٢٩٠).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٢٩٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٤٤٢).","vol":"1","page":479},{"text":"وفي حالِ التنازُعِ في المُتْعةِ بين الزوجَيْنِ، فيَقضي القاضي بما يُقارِبُ مَهْرَ مِثْلِها في عُرْفِ أهلِ زَمَانِها في بَلَدِها.\nوبهذا قال أبو حنيفةَ.\nولم يَرَ بعضُ الفقهاءِ الإلزامَ بقَدْرٍ معيَّنٍ؛ لأنَّ الآيةَ وَسَّعَتْ، ولا يَسُوغُ التضييقُ بتقديرٍ، ولو شاء اللهُ، لجعَلَ نِصْفَ المهرِ لمِثْلِها للمطلَّقةِ بفَرْضٍ، والمطلَّقةِ بغيرِ فرضٍ، واللهُ فَرَّقَ لحِكْمةِ التيسيرِ على الزَّوْجِ؛ وبهذا الرأيِ يقولُ الشافعيُّ في الجديدِ.\nوكان يَستحسِنُ في القديمِ المُتْعةَ بثلاثينَ دِرْهَمًا وما يُعادِلُها؛ لما رُوِيَ عنِ ابنِ عُمَرَ في هذا.\nوالقضاءُ بالمتعةِ بنِصْفِ مَهْرِ مِثْلِها يكونُ عند التنازُعِ بين الزوجَيْنِ؛ لأنَّ أقربَ ضابطٍ شرعيٍّ يُشابِهُ المطلَّقةَ بغير فرضٍ، ولم يُدخَلْ بها هي مَن كانت مِثْلَها وقد ضُرِبَ لها مهرٌ؛ فكان هذا فَيْصَلًا، ولكنْ لا يُصارُ إليه إلَّا عندَ النِّزاعِ، والأصلُ: أنَّ اللهَ فرَّق بين الحالتَيْنِ؛ مَن ضُرِبَ لها ومَن لم يُضرَبْ لها مهرٌ؛ فتلك نصفُ المَهْرِ، وهذه المتعةُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>حكمُ متعةِ المطلَّقةِ:</span>\nوقد اختلَفَ الفقهاءُ في مشروعيَّةِ مُتْعةِ المطلَّقةِ عمومًا؛ فبعضُ الفقهاءِ خصَّصها بالمطلَّقةِ بلا مهرٍ ولا مَسِيسٍ؛ لهذه الآيةِ، وبعضُهم جعَلَها عامَّةً لكلِّ مطلَّقةٍ.\nوخلافُهُمْ على أقوالٍ:\nالأوَّلُ: أنَّها عامَّةٌ لكلِّ مطلَّقةٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]، وأنَّ اللهَ خصَّص في آيةِ البابِ غيرَ المدخولِ بها بلا مهرٍ؛ للمناسَبةِ، ولأنَّ المطلَّقةَ غيرَ المدخولِ بها يَغلِبُ الظنُّ أنْ لا حقَّ لها؛ فلم تَرَ زوجَها ولم يرَها، ولم يَسْلُبْها شيئًا","vol":"1","page":480},{"text":"حتَّى تستحِقَّ عِوَضًا، فجاء القرآنُ بالبيانِ، وغيرُها مِن بابِ أَولى، واللهُ تعالى قال عن زوجاتِ نبيِّه وهُنَّ في عِصْمَتِهِ وقد دخَلَ بِهِنَّ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨].\nوهذا قولُ أبي حنيفةَ وأحدُ قولَيِ الشافعيِّ، وقال به جماعةٌ مِن السلفِ؛ كابنِ جُبَيْرٍ وأبي العاليةِ والحسَنِ وغيرِهم.\nويَظهَرُ الوجوبُ في الآياتِ في قولِهِ: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]، فسمَّاه حَقًّا وأكَّدَهُ بـ ﴿عَلَى﴾، و\"على\": مِن صِيَغِ الوجوبِ عندَ جماعةٍ مِن الأصوليِّينَ.\nالثاني: قالوا: هي خاصَّةٌ بالمطلَّقةِ قبلَ المسيسِ؛ سواءٌ ضرَبَ لها مهرًا أو لم يَضرِبْ لها؛ وذلك ظاهرُ قولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩].\nوجعَلَ بعضُ المفسِّرينَ هذه الآيةَ ناسِخةً لآيةِ البابِ آيةِ البقرةِ؛ وبهذا قال سعيدُ بنُ المسيَّبِ؛ رواهُ عنه شُعْبةُ عَن قتادةَ.\nواحتَجَّ لهذا القولِ بما ثبَتَ في البخاريِّ، مِن حديثِ سَهْلِ بنِ سعدٍ، وأبي أُسَيْدٍ؛ أنَّهما قالا: تَزَوَّجَ رسولُ اللهِ - ﷺ - أُمَيْمَةَ بِنْتَ شَرَاحِيلَ، فلمَّا أُدخِلَتْ عليه، بسَطَ يدَهُ إليها، فكأنَّها كرِهَتْ ذلك، فأَمَرَ أبا أُسَيْدٍ أنْ يُجَهِّزَهَا ويَكْسُوَها ثوبَيْنِ رازِقِيَّيْنِ (١).\nولكنَّ فرضَ النبيِّ - ﷺ - لأميمةَ بنتِ شَرَاحِيلَ - وهي زَوْجةٌ مطلَّقةٌ يَظْهَرُ أنَّه لم يدخُلْ بها ولم يَمَسَّها - لا يَعني نسخَ التنصيصِ الواردِ في المطلَّقةِ المفوَّضةِ؛ فالتنصيصُ شيءٌ، والتخصيصُ شيءٌ آخَرُ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٢٥٦) (٧/ ٤١).","vol":"1","page":481},{"text":"فآيةُ البقرةِ نَصَّتْ وما خَصَّتْ، والنصُّ يكون لمزيدِ اهتمام؛ فالمطلَّقةُ بلا دخولٍ ولا فرضٍ يَغلِبُ على الظَّنِّ إسقاطُ حقِّها، وأَنَّ النفوسَ تَرَى أنْ لا حَقَّ لأحدِ الزوجَيْنِ على الآخَرِ، فأَرَادَتِ الآيةُ التنصيصَ عليها بالمُتْعةِ.\nوالشريعةُ تَنُصُّ على بعضِ المسائلِ بالذِّكْرِ لأمرَيْنِ:\nأوَّلًا: لأهميَّتِها وفضلِها على غيرِها بنوعِ فَضْلٍ، أو خَصُوصِيَّةٍ بحُكْمٍ.\nثانيًا: أنَّ مِثْلَها يَغلِبُ تفويتُهُ، فأرادَتِ التأكيدَ عليه، ولا يعني هذا فضلَ المذكورِ على غيرِه.\nولذا نَصَّتْ آيةُ البقرةِ على المطلَّقةِ المفوّضَةِ بلا مَسٍّ ولم تخصِّصْها.\nوالقولُ الثالثُ: أنَّ المتعةَ خاصَّةٌ بالمطلَّقةِ غيرِ المدخولِ بها ولم يُفرَضْ لها صَداقٌ؛ لظاهرِ آيةِ البابِ؛ وبهذا يقولُ ابنُ عُمرَ ومجاهِدٌ وجماعةٌ؛ كأحمدَ وغيرِه.\nوالقولُ الرابعُ: أنَّ المُتْعةَ مستحَبَّةٌ لكلِّ مطلَّقةٍ، وليست واجبةً، ويُحمَلُ قولُهُ تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] على الاستحبابِ، لا على الوجوبِ؛ وهذا قولُ مالكٍ وشُرَيْحٍ واللَّيْثِ.\nوقرينةُ الاستحبابِ عنْدَهم: أنَّ آكَدَ المُتْعةِ متعةُ المفوَّضةِ؛ فلا مَهْرَ ولا دخولَ، وهي المذكورةُ في الآيةِ، ومع ذلك قال تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾؛ فجعَل اللهُ ذلك على أهلِ الإحسانِ، والإحسانُ فضلٌ؛ فاللهُ يَقولُ: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>متعةُ المفوَّضةِ ومهرُهَا:</span>\nومِنَ العلماءِ: مَن جعَلَ المتعةَ واجبةً في المفوَّضةِ بلا دخولٍ، وأمَّا","vol":"1","page":482},{"text":"غيرُها مِن المطلَّقاتِ، فمُتْعَتُها مستحَبَّةٌ؛ وذلك أنَّ الزوجةَ المطلَّقةَ قبلَ المَسيسِ والفَرْضِ تُشابِهُ المطلَّقةَ قبلَ المَسيسِ وقد فُرِصَ لها، فجعَلَ اللهُ لها نِصْفَ المفروضِ، ولا اختلافَ بينَهما إلَّا في عدَمِ تسميةِ المهرِ، وتسامُحُ الزوجَيْنِ في عدَمِ تسميةِ المهرِ لا يُسقِطُ حقَّها، ولكنْ يُتَسامَحُ فيه فيُجعَلُ متعةً مفروضةً، كما جُعِلَ للأُخرى نصفٌ مفروضٌ؛ وهذا أقربُ إلى الصوابِ وإحكامِ الشارعِ.\nووجوبُ المُتْعةِ أَوْلى ما تدخُلُ فيه المفوَّضةُ؛ للآيةِ التي خَصَّتْها، وبقيَّةُ الآياتِ عَمَّمَتْ، ولأنَّها أحوَجُ مِن غيرِها، وتستحِقُّ شيئًا مَثيلًا لِمَن شابَهَها، وهي مَن طُلِّقَتْ بلا دخولٍ مع مَهْرٍ، ففرَضَ اللهُ لها النصفَ، وجعَلَ اللهُ حقَّ المفوَّضةِ المُتْعةَ؛ وذلك أنَّ المهرَ حقٌّ لها، فجعَل اللهُ حقَّها منه المُتْعةَ؛ لأنَّ مَهْرَها مفوَّضٌ، ورَضِيَتْ بعَدَمِ تسميتِهِ وتسامَحَتْ، فلها متعةٌ، لا فَرْضُ نصفِ مَهْرِ المِثْلِ.\nوإنَّما يسَّر اللهُ فيها ولم يشدِّدْ، وجعَلَ مُتْعةَ المفوَّضةِ على وُسْعِ المقتدِرِ والمقتِرِ؛ لأنَّ عدَمَ تسميةِ المهرِ أمارةٌ على التسامُحِ بين الزوجَيْنِ، والنفوسُ التي تَبدَأُ متسامِحةً خروجُهَا متسامِحةً أقرَبُ، وتركُ الحقِّ المفروضِ ابتداءً بلا تسميةٍ شبيهٌ بإعذارِ الزوجِ وعَدَمِ التشديدِ عليه؛ ولذا كان السلفُ لا يُعاقِبونَ على تَرْكِه، ويَكِلُونَهُ إلى المروءةِ، ولم يَكُنِ القُضاةُ يَحبِسُونَ تاركَ مُتْعةِ النكاحِ؛ فقد روى ابنُ أبي حاتِمٍ؛ مِن حديثِ أبي إسحاقَ، عنِ الشَّعْبيِّ؛ قال: ذكَرُوا له المُتْعةَ؛ أيُحبَسُ فيها؟ فقرَأَ: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾؛ قال الشَّعْبيُّ: \"واللهِ، ما رأيتُ أحدًا حبَسَ فيها، واللهِ، لو كانت واجبةً، لَحَبَسَ فيها القُضَاةُ\" (١).\nولهذا؛ فالفقهاءُ لا يَضرِبونَ للمطلَّقةِ المفوَّضةِ بلا دخولٍ سَهْمًا مع\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٤٤٣).","vol":"1","page":483},{"text":"الغُرَماءِ، وبعضُ الفقهاءِ المالكيِّينَ كمَكِّيِّ بنِ أبي طالبٍ يَحكي اتفاقَ السلفِ على ذلك، وفي هذا نظَرٌ؛ فعدَمُ ضَرْبِهم لها لا يعني إسقاطَ الحقِّ؛ لأنَّ مِثْلَ هذه المسألةِ نادرةُ الوقوعِ؛ أن يَجتمعَ غُرَماءُ مع زوجةٍ لم يُدخَلْ بها، وطَلَّقَها زوجُها ولم يَفرِضْ لها، وبعضُ المسائلِ المشهورةِ يشقُّ على العالم أن يَحكِيَ الإجماعَ عندَ السلفِ فيها مع عدَمِ معرِفةِ الخلافِ عندَهم؛ فكيفَ بمسألةٍ ضيِّقةِ الحدوثِ؟ ! وتواطُؤُهُمْ على مِثْلِها لو حدَثَتْ بعيدٌ.\nومَن لم يُوجِبْ مُتْعةَ المفوَّضةِ، فالأَولى ألَّا يُوجِبَ متعةَ غيرِها مِن المطلَّقاتِ، ومَن أوجَبَ متعةَ الطلاقِ كلِّه، فأوَّلُ ما يجِبُ منه مُتْعةُ المفوَّضةِ.\nوفي الآيةِ إشارةٌ إلى وجوبِ المهرِ للزواجِ، وهو أَولى مِن المُتْعةِ المختلَفِ فيها، وسمَّاه اللهُ فريضةً.\nوفي الآيةِ أيضًا: دليلٌ على صِحَّةِ الزواجِ بلا تسميةِ مهرٍ؛ وهو قولُ عامَّةِ الفقهاءِ، مع عدَمِ سقوطِه حقًّا للزوجةِ ولو بعدَ الدخولِ، ولها إسقاطُهُ عنِ الزوجِ؛ فاللهُ تعالى ذكَرَ طلاقَ المفوَّضةِ هنا، ولا يطلِّقُ إلَّا زوجٌ صحيحُ الزواجِ.\nولا يجوزُ عندَ العقدِ الاتفاقُ على تركِ المهرِ؛ وإنَّما الجائزُ تركُ تقديرِهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>ما يجبُ به المَهْرُ:</span>\nوالمهرُ يجبُ بأحدِ أمرَيْنِ:\nالأوَّلُ: بالفَرْضِ، فيجبُ كاملًا إذا مَسَّ ودخَلَ بالزوجةِ، ويجِبُ نِصْفُهُ إذا لم يدخُلْ بها.\nالثاني: بالمَسيسِ ولو لم يَفْرِضْهُ، فيَجِبُ للزَّوْجةِ مهرُ المِثْلِ.","vol":"1","page":484},{"text":"وللشافعيِّ قولٌ آخَرُ؛ أنَّه يجبُ بمجرَّدِ العقدِ فقَطْ، والصوابُ: أنَّه لا يجبُ بالعقدِ إلَّا ما فُرِضَ وسُمِّيَ، وإلَّا فتَجِبُ المُتْعةُ ما لم يدخُلْ بالزوجةِ، وهذا ظاهرُ القرآنِ، فلو وجَبَ المهرُ بالعقدِ، لَمَا أسقَطَهُ اللهُ بالطلاقِ قبلَ الدخولِ بالزوجةِ، وجعَلَهُ مُتْعةً لمَنْ لم يَفْرِضْهُ، وأسقَطَ نصفَهُ في حالِ فرضِهِ قبلَ الدخولِ؛ لقولِهِ: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ولو كان المهرُ واجبًا بالعقدِ، لقالَ: \"فنِصْفُ المَهْرِ\"، وإنَّما قال: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾؛ لأنَّه لا وجودَ للمَهْرِ بلا فرضٍ أو مَسِيسٍ ولو تَمَّ العقدُ.\nوالسلفُ يتَّفِقونَ على أنَّ الطَّلَاقَ يُسقِطُ المَهْرَ؛ ما لم يُفرَضْ أو يُدخَلْ بالزوجةِ.\nوأمَّا إذا طلَبَتِ الزوجةُ مِن الزوجِ تحديدَ المهرِ قبلَ طلاقِهِ لها، فطَلَّقَ ولم يُسَمِّ لها شيئًا، فمِن الأئمَّةِ: مَن لم يُوجِبْ لها مَهْرًا، وقال: إنَّ طلَبَها لا يكونُ كالفَرْضِ مِن الزوجِ، حتَّى يَفرِضَ هو؛ وهذا قولُ الشافعيَّةِ والحنابلةِ والمالكيَّةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>صداقُ من توفِّي زوجُهَا قبل دخوله:</span>\nولو تُوُفِّيَ الزوجُ عن زوجتِهِ قبلَ أن يَمَسَّها، ولم يَفرِضْ لها شيئًا، فهِيَ تَرِثُهُ، ولكنْ هل لها حقٌّ مِن الصداقِ؟ اختَلَفوا في ذلك على قولَيْن:\nالأوَّلُ: أنْ لا صَدَاقَ لها، وحُكْمُها حكمُ المطلَّقةِ قبلَ الفرضِ والمَسِيسِ؛ وهذا قولُ أكثرِ الصحابةِ؛ كعليٍّ وابنِ عُمَرَ وزَيْدٍ؛ كما رواهُ البيهقيُّ وغيرُهُ.\nروى نافعٌ عنِ ابنِ عُمرَ؛ أنَّه قال: \"ليس لها صَدَاقٌ، ولو كان لها صداقٌ، لم نَمْنَعْكُمُوهُ ولم نَظلِمْها\" (١).\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (١٠) (٢/ ٥٢٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٤٦).","vol":"1","page":485},{"text":"وبه قضى زيدٌ وابنُ عبَّاسٍ.\nوهو قولُ الشافعيَّةِ والحنابلةِ في المشهورِ عندَهم.\nالثَّاني: أنَّ الصداقَ واجبٌ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ وأحمدَ، وقولٌ للشَّافعيِّ.\nوبه قضى ابنُ مسعودٍ؛ فقال: \"لها صَدَاقُ امرأةٍ مِن نِسَائِها؛ لا وَكْسَ ولا شطَطَ، وعليها العِدَّةُ، ولها الميراثُ\" (١).\nوجاء في \"المسنَدِ\" و\"السُّننِ\"؛ مِن حديثِ مَعقِلِ بنِ يَسَارٍ: \"أنَّ النبيَّ - ﷺ - قَضَى لبِرْوَعَ بِنتِ واشِقٍ بالمَهْرِ حيثُ تُوُفِّيَ زَوْجُها، ولم يَفرِضْ لها\" (٢).\nوفي بعضِ الرواياتِ يُذكَرُ الدخولُ، وفي بعضِها لا يُذكَرُ.\nوالمتوفَّى عنها بعد الدخولِ بها بلا فرضٍ: لها المَهْرُ والميراثُ؛ لظواهرِ الأدلَّةِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧].\nبعدَ أن ذكَرَ اللهُ المطلَّقةَ المفوَّضةَ بلا مَسيسٍ، بيَّن حُكْمَ مَن فرَضَ\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٠٨٩٨) (٦/ ٢٩٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٤٦).\n(٢) أخرجه أحمد (١٥٩٤٣) (٣/ ٤٨٠)، وأبو داود (٢١١٤) (٢/ ٢٣٧)، والترمذي (١١٤٥) (٣/ ٤٤٢)، والنسائي (٣٣٥٥) (٦/ ١٢١)، وابن ماجه (١٨٩١) (١/ ٦٠٩).","vol":"1","page":486},{"text":"لها زَوْجُها؛ حتَّى لا يَلْتبِسَ الحكمُ؛ وهذا مِن عدَمِ تأخيرِ البيانِ عن وقتِ حاجتِهِ.\nوفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ المُتْعةَ إنَّما هي للمفوَّضةِ بلا مَسِيسٍ، وأنَّ مَن فُرِضَ لها المهرُ، فلا مُتْعةَ لها ولو لم يَمَسَّها زَوْجُها.\nوإعطاءُ المطلَّقةِ المفروضِ لها التي لم يمَسَّها زوجُها نِصفَ المهرِ المقدَّرِ: لا يَختلِفُ فيه العلماءُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>مهرُ مَنْ خلا بها زوجُها بلا مَسٍّ:</span>\nواختَلَفَ العلماءُ فيمَنْ خَلَا بزوجتِهِ، وطلَّقَها قبلَ أنْ يَمَسَّها؛ هل تستحِقُّ بذلك مهرًا كاملًا؛ باعتبارِ أنَّ الخَلْوةَ في حُكْمِ المَسِّ؛ لأنَّه مُكِّنَ منها فلم يَمَسَّها، أو أنَّ لها نِصْفَ المهرِ باعتبارِ تعلُّقِ النصِّ بالمَسِّ؟ وهذانِ قولانِ للعُلماءِ:\nقال بالأوَّلِ - وهو قولُ جمهورِ الفقهاءِ -: مالكٌ وأبو حنيفةَ وأحمدُ والشافعيُّ في القديمِ، وهو قولُ الخلفاءِ مِن الصحابةِ.\nقال بالثاني الشافعيُّ في الجديدِ، ورواهُ طاوُسٌ وعليُّ بنُ أبي طَلْحةَ عن ابنِ عبَّاسٍ.\nوالأظهرُ: أنَّ الخَلْوةَ التي يتمكَّنُ الزوجُ مِن مَسِّ زوجتِهِ لو أرادَ: تَمنَعُ سقوطَ شيءٍ مِن المهرِ بعد الطلاقِ؛ وَطِئَ الزوجُ زوجتَهُ أو لم يطَأْ.\nوقيَّد بعضُ الفقهاءِ ذلك بألَّا يكونَ أحدُ الزوجَيْنِ مُحرِمًا أو مَرِيضًا لا يتحقَّقُ المَسُّ مِن مِثْلِه، أو لم تكُنْ حائضًا أو نفساءَ أو صائمةً صومًا لا يرخَّصُ في فِطْرِهِ كرمَضَانَ، أو تكونَ المرأةُ رَتْقاءَ، فإنَّه إذا كان كذلك ثمَّ طلَّقها، وجَبَ لها نِصْفُ المهرِ إذا لم يطَأْها.\nوتجِبُ العِدَّةُ متى ما استَحَقَّتِ المَهْرَ كاملًا بالمسِّ وما في حُكْمِه.\nوقولُه تعالى: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ﴾: الفَرْضُ في موضعِ الحالِ؛","vol":"1","page":487},{"text":"فيَشمَلُ فَرْضَهُ لها عندَ العقدِ وبَعْدَه؛ ما دامَ قبلَ الطلاقِ؛ وهذا قولُ الجمهورِ؛ خلافًا لأبي حنيفةَ في قولٍ؛ فيَرَى أنَّ الفرضَ بعدَ العقدِ لا يُوجِبُ النِّصْفَ لها، بل يَرَى أنَّ لها مَهْرَ المِثْلِ، وخالَفَهُ في ذلك صاحِبَاهُ، وذكَرَ غيرُ واحدٍ رجوعَ أبي حنيفةَ عن هذا.\nوذهَبَ بعضُ السلفِ: إلى أنَّ للمطلَّقةِ - المفروضِ لها ولم تُمَسَّ - مُتْعةً كالمطلَّقةِ المفوَّضةِ؛ رُوِيَ هذا عن ابنِ عَبَّاسٍ وابنِ عُمَرَ، وأخَذَ به الشافعيُّ.\nوأخَذُوا بعمومِ قولِهِ تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]، وبِقولِهِ تعالى في الأحزابِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩].\nوبعضُ العلماءِ: جعَلَ آيةَ الأحزابِ عامَّةً لكلِّ مَن لم تُمَسَّ؛ فُرِضَ لها أو لم يُفرَضْ، وبعضُهُمْ جعَلَهَا محمولةً على المفوَّضةِ فحَسْبُ، وأنَّ آيةَ البَقَرةِ قَيَّدَتْ آيةَ الأحزابِ.\nوقولُهُ تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾: بيانٌ أنَّ الحَقَّ للزَّوْجةِ في مَهْرِها، ولها حقُّ إسقاطِهِ عن زَوْجِها ومُسامَحَتِهِ، فلو عَفَتْ عنه وتنازَلَتْ، سقَطَ حقُّها، ولم يَجِبْ لها عليه شيءٌ؛ قال بهذا ابنُ عبَّاسٍ وابنُ المسيَّبِ وشُرَيْحٌ القاضي ومجاهِدٌ وعِكْرِمةُ وقتادةُ والحسَنُ وغيرُهم.\nولا أعلَمُ مَن قال بخلافِ هذا القولِ إلَّا محمَّدَ بنَ كَعْبٍ القُرَظيَّ؛ فجعَلَ المقصودَ بالعفوِ هنا للأزواجِ؛ ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾: الأَزواجُ (١).\nولا وَجْهَ لقولِهِ هذا.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٤٤٤).","vol":"1","page":488},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>الذي بيده عُقْدةُ النكاحِ:</span>\nوقولُهُ تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾:\nاختلَفَ العلماءُ في المرادِ بمَنْ بِيَدِهِ عُقْدةُ النكاحِ، على قولَيْنِ:\nقالت طائفةٌ: إنَّ المرادَ به الزوجُ؛ وهو قولُ عليٍّ، وهو قولٌ لابنِ عبَّاسٍ وشُرَيْحٍ، وقولُ ابنِ المسيَّبِ ومجاهِدٍ والشَّعْبيِّ وغيرِهم، وأخَذَ به أبو حنيفةَ والشافعيُّ.\nوقالت طائفةٌ أخرى: إنَّ المرادَ به وليُّ أمرِ الزوجةِ؛ قال به علقمةُ وعطاءٌ وطاوُسٌ والنَّخَعيُّ، وأخذَ به مالكٌ والشافعيُّ في القديمِ.\nروى عمرُو بنُ دينارٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ - ﵄ -؛ في الذي ذكَرَ اللهُ بيدِهِ عُقْدةَ النكاحِ؛ قال: \"ذلك أبوها أو أخوها، أو مَنْ لا تُنكَحُ إلَّا بإذنِه\" (١).\nوكان شُرَيْحٌ يقولُ بهذا القولِ، وقد أنكَرَ عليه الشَّعْبيُّ، فتَرَكَهُ إلى أنَّه الزوجُ، فتمسَّكَ به، فكان يُباهِلُ به.\nوإنَّما اختلَفَتْ أقوالُ السلفِ في هذا؛ لأنَّ الذي بيدِهِ عُقْدةُ النكاحِ هو الوليُّ والزوجُ؛ فالأوَّلُ يُعطِي الإيجابَ، والثاني يُعطي القبولَ، ولا يَتِمُّ العقدُ إلَّا بهما، ولا ينفرِدُ واحدٌ منهما به، هذا مِن جهةِ ابتداءِ العقدِ، ولكن مِن جهةِ نهايتِهِ وانصرامِهِ وهَدْمِه، فهو بِيَدِ الزوجِ وَحْدَه، ليس بِيَدِ الوليِّ منه شيءٌ، والآيةُ ذكَرَتْ مَنْ بيَدِهِ عُقْدةُ النكاحِ بعدَ العقدِ، لا قَبْلَه.\nويُشكِلُ على الوليِّ: أنَّ المهرَ حَقٌّ للزَّوْجةِ، فلا يَحِقُّ للوليِّ أن يُسقِطَ حقَّ مَن تولَّى لِيَهَبَهُ لغيرِها، فهو لا يجوزُ له أخذُهُ لنفسِه، فضلًا أن يأخُذَهُ لغيرِه.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٤٤٥).","vol":"1","page":489},{"text":"وروى عطاءُ بنُ أبي رَبَاحٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾؛ قال: \"أقرَبُهما للتَّقْوى الذي يَعفو\" (١).\nوالمرادُ بعفوِ الزوجِ: هو إسقاطُ نِصفِهِ مِن الذي فرَضَ لها، فيدَعُ المهرَ لها كامِلًا، وعَفْوُ الزَّوْجةِ: بإسقاطِ نصفِها لزوجِها.\nوالأمرُ فيها حَثٌّ على المسابَقةِ للمسامَحةِ والعفوِ، وهِبَةُ الحقِّ للآخَرِ أَطْيَبُ للنفسِ وأكسَرُ للطمع، وأجلَبُ لأَنْ يَستحييَ الطَّرَفُ الآخَرُ مِن كَرَمِ صاحبِه عليه، فلا يذكرُهُ إلَّا بخيرٍ، ثمَّ إنَّ مفارَقةَ الأزواجِ في مثلِ هذه الحالِ - أيْ: قبلَ المَسِّ - لها أثرُ عليهِما، فيتَدافَعانِ اللومَ والعَتْبَ؛ كلٌّ على صاحبِه، وإنِ افتَرَقَا، دعَتِ النفسُ إلى ذِكْرِ الآخَرِ بالسُّوءِ، فعَفْوُ أحدِهما عن حقِّه للآخَرِ يَعقِدُ اللسانَ عن ذِكْرِ السُّوءِ، ويَدْعُوهَا إلى ذِكْرِ الجميلِ وسَتْرِ القبيحِ، فيَستقبِلُ كلُّ واحدٍ بعدَ صاحبِهِ أمرًا آخَرَ بلا سَخِيمةٍ أو غِلٍّ.\nوقد جاءتِ الشريعةُ بإصلاحِ البواطنِ بينَ العبادِ، وتدبيرِ سرائرِهم على تشريع مُحكَمٍ، لو أتَى به العبادُ مِن كلِّ وجهٍ، لم يختلِفوا مِن أيِّ وجهٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>فضلُ العفوِ والمسامحةِ في الحقوقِ:</span>\nوقولُهُ: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾: حَثٌّ على العفوِ والصَّفْحِ، والمسارَعَةِ بوضعِ الحقِّ؛ لأنَّه أجمَعُ للقلبِ وأسلَمُ مِن الكدَرِ؛ فالنفوسُ أُشْرِبَتِ الشُّحَّ، وتَشَبَّعَتْ به لِحَظِّ نَفْسِها، والشرِيعةُ تَدفَعُ ذلك امتحانًا واختبارًا؛ لأنَّ إهمالَ الغريزةِ النفسيَّةِ بلا ضبطٍ لها: يُهدِرُها ويُطْغِيها، فتفسُدُ النفوسُ وتَهلِكُ.\nوأكثرُ الناسِ عفوًا وصفحًا الأتقياءُ، وأقلُّهم عفوًا وصفحًا قُساةُ القلوبِ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٣٣٧).","vol":"1","page":490},{"text":"وأسبَقُ الناسِ للعفوِ: أفضلُهم نَفْسًا، وأحبُّهم عندَ اللهِ، وأقربُهم إليه.\nثمَّ ذكَرَ اللهُ ما يقرِّبُ للعفوِ ويُعِينُ عليه؛ فقال: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ فحَثَّ على الفضلِ والتسابُقِ إليه، والفضلُ: الإحسانُ، وهو فِعْلُ ما ليس بواجبٍ، والفضلُ مِن الزوجِ: تكميلُ المهرِ، ومِن الزوجةِ: ترْكُ شَطْرِهِ الذي لها؛ قاله مجاهِدٌ (١).\nورُوِيَ أنَّ جُبَيْرَ بنَ مُطعِمٍ دخَلَ على سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، فعرَضَ عليه بِنْتًا له، فتزوَّجَها، فلمَّا خرَجَ، طلَّقَها وبعَثَ إليها بالصداقِ كاملًا، فقيل له: لِمَ تزوَّجْتَها؟ فقال: عرَضَها عليَّ، فكَرِهْتُ ردَّه، قيل: فلِمَ بَعَثْتَ بالصداقِ كاملًا؟ قال: فأينَ الفضلُ؟ ! (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>حُسْنُ العهدِ:</span>\nوتذكُّرُ الفضلِ عملًا به لا يفعلُهُ إلَّا ذو النَّفْسِ الزكيَّةِ، وقد أمَرَ اللهُ بتذكُّرِ الفضلِ، وليس بين الزَّوجَيْنِ سابِقُ عهدٍ وأُلْفةٍ؛ فقد طَلَّقَها قبلَ أنْ يَمَسَّها ولم يَستمتِعْ بها؛ فكيف بالحثِّ على استحضارِ الفضلِ بين زوجَيْنِ طالَ اجتماعُهما وقُرْبُهما بعضِهما مِن بعضٍ؟ ! وعَظَّمَ الفضلَ السابقَ بينَهم؛ فإنَّ للخصومةِ اللاحقةِ والفراقِ بينَ المتحابَّيْنِ أثرًا في النفسِ يُنسي سابقَ العهدِ والفضلَ السابقَ؛ فقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾؛ لأنَّ ألَمَ الخلافِ يُنسي ذلك الفضلَ، فأمَرَ اللهُ باستجلابِه واستحضارِه؛ حتَّى تتوازَنَ النفسُ فتَعدِلَ وتُنصِفَ.\nوكثيرًا ما يقَعُ خلافٌ يسيرٌ، فيُنسِي فضلَ سِنينَ وشهورٍ لو جاء الفضلُ بعدَ الخلافِ، لَطَغَى عليه ومَحاهُ، ولكنَّ النفوسَ تؤاخِذُ بالحال\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٣٣٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٤٤٦).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٣٣٩).","vol":"1","page":491},{"text":"ولو كان صغيرًا؛ لِقُوَّةِ حَرَارَتِه، وتَنسى السابِقَ ولو كان كبيرًا.\nوروى عبدُ اللهِ بنُ عُبَيْدٍ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ؛ يَعَضُّ المُؤْمِنُ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ، وَيَنْسَى الفَضْلَ) (١).\nوقولُهُ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ أي: يَعلَمُ السابقَ واللاحقَ، ويُؤاخِذُكُمْ به؛ لِاطِّلاعِهِ عليه، فلا يَظلِمُ أحدًا لِلَاحِقَتِه، ويَنسى كما تَنْسَوْنَ سابقتَهُ.\nواللهُ يَدْعو الزوجَيْنِ ووليَّ الزوجةِ إلى التبصُّرِ والتذكُّرِ بفضلِهِمُ السابقِ واللاحقِ، وعدَمِ الظلمِ والبغي فيما بينَهم، والشيطانُ يَحرِصُ على نِسْيانِ الخيرِ؛ ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]، وإذا نُسِيَ الخيرُ والحقُّ والفضلُ، حضَرَ غيرُهُ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].\nأمَرَ اللهُ بالمحافَظَةِ على الصلواتِ، ومرتبةُ المحافَظَةِ فوقَ مرتبةِ الأداءِ؛ لأنَّ الأداءَ يقَعُ مِن الفعلِ مَرَّةً، والمحافظةُ تكونُ على الدوامِ، ثمَّ أمَرَ اللهُ بالقيامِ قنوتًا للهِ؛ لبيانِ أنَّ القصدَ مِن الأمرِ بالصلاةِ ليس مجرَّدَ الأداءِ أوِ المداوَمَةِ على أيِّ وجهٍ جاء، دون أنْ يكونَ ذلك أداءً ومحافَظةً بقنوتٍ للهِ خالِصًا، وهذا يتضمَّنُ الأمرَ بالخشوعِ وحضورِ القلبِ، فمِن معاني القنوتِ: الدعاءُ، وطُولُ القيامِ، والسكوتُ، والخشوعُ، والإمساكُ عمَّا يُخِلُّ بالصلاةِ؛ وكلُّ ذلك مستلزِمٌ لحضورِ القلبِ.\n_________\n(١) أخرجه ابن كثير في \"تفسيره\" (١/ ٦٤٥).","vol":"1","page":492},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>الحكمةُ من الأمرِ بالصلاةِ بعد أحكامِ الطلاقِ والعِدَدِ والرجعةِ:</span>\nوجاء الأمرُ بعدَ ذِكْرِ أحكامِ الطلاقِ والعِدَدِ والرَّجْعةِ والصَّدَاقِ، وهذه صِلَةٌ بينَ الزوجَيْنِ، وللصلاةِ أثرٌ في الإحسانِ فيها، فأكثرُ الناسِ صلاةً وأدوَمُهم عليها أشدُّهم إحسانًا في فِعْلِه، وأحسنُ الناسِ تعامُلًا مع الخالقِ أحسَنُهُمْ تعامُلًا مع المخلوقِ؛ فالصلاةُ تَنْهَى عنِ الفحشاءِ والمنكَرِ، وتُعِينُ العبدَ على التواضُعِ للمخلوقِ؛ فأكثرُ الناسِ صلاةً أكثَرُهُمْ تواضُعًا، وقد حمَلَ بعضُ السلفِ قولَهُ تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] على التواضُعِ؛ قاله مجاهِدٌ (١).\nوالصلاةُ التي لا تُورِثُ صاحِبَها صلاحًا بينَهُ وبين الناسِ: قاصِرةٌ في حقيقتِها، فالصلاةُ تُصلِحُ صاحِبَها، ولازِمُ صلاحِهِ في نفسِهِ صلاحُهُ مع غيرِه؛ ولهذا أمَرَ اللهُ بالصلاةِ بعدَ ذِكْرِ أحكامِ صلةِ الزوجَيْنِ بعضِهما ببعضٍ، ومَن صلَحَ في بيتِهِ، صلَحَ في غيرِه، فالأخلاقُ تَبِينُ في البيوتِ وبين الأزواجِ، ولا تَبِينُ في الأَبْعَدِينَ، فقد تصلُحُ صلةٌ مع الأبعدِينَ وهي فاسِدةٌ مع الأقرَبِينَ؛ لطولِ المجالَسةِ والمنادَمةِ، ومشقَّةِ حبسِ النفسِ عن إخراجِ ما تطبَّعَتْ عليه مِن خُلُقٍ.\nوالمحافظةُ على الصَّلَواتِ مِن أفضلِ القُرُباتِ؛ ففي \"الصحيحَيْنِ\" عن ابنِ مسعودٍ؛ قال: سَأَلْتُ رسولَ اللهِ - ﷺ -: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا)، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: (بِرُّ الْوَالِدَيْنِ)، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: (الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) (٢).\nوالمحافَظَةُ على الصلاةِ زكاءٌ مِنَ النفاقِ، وطُهْرةٌ مِن السُّمْعةِ والرِّياءِ؛ لأنَّ الذي يُحافظُ عليهنَّ جميعًا يدورُ به الوقتُ في اليومِ والليلةِ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢١/ ٣٢٣).\n(٢) أخرجه البخاري (٥٢٧) (١/ ١١٢)، ومسلم (٨٥) (١/ ٨٩).","vol":"1","page":493},{"text":"فيُصاحِبُهُ الإيمانُ كلَّ يومِهِ وليلتِه، والنِّفاقُ لا يُطِيقُ المداوَمَةَ؛ لأنَّ المنافِقَ يتصنَّعُ ويتكلَّفُ، والمداوَمَةُ تَستعصي عليه، ولو كانت صلاةً واحدةً، لَقَوِيَ المنافِقُ عليها تصنُّعًا وتكلُّفًا، ولكنْ كانتِ الصلواتُ خمسًا متفرِّقاتٍ بين ساعاتِ الليلِ والنهارِ، تدورُ مع العبدِ تمحِّصُ نِفاقَهُ، وتَنفي خَبَثَه، ولا يُحافِطُ على الصلاةِ إلَّا مؤمِنٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>الصلاةُ الوسطى:</span>\nوقد اختلَفَ المفسِّرونَ مِن السلفِ في الصلاةِ الوُسْطَى على أقوالٍ كثيرةٍ، وهي نحوٌ مِن عشرينَ قولًا، وقد صنَّف فيه بعضُ المتأخِّرينَ تصنيفًا في جَمعِها؛ ومنها القويُّ، ومنها الضعيفُ، ومنها ما لا يُلتفَتُ إليه؛ وإنَّما قال به واحدٌ ولم يُتابَعْ عليهِ؛ فقيل: إنَّها صلاةُ العصرِ والفجرِ والظُّهْرِ والمغربِ والعشاءِ والجمعةِ والوِتْرِ والخوفِ والعِيدَيْنِ والضُّحَا، ومنهم مَن قال: هي صَلاتانِ، وقيل: أكثَرُ، وقيل: إنَّها أُبهِمَتْ، وقيلَ غيرُ ذلك.\nوقد روى ابنُ جريرٍ، عن قتادةَ يحدِّثُ عَن سعيدِ بنِ المسيَّبِ؛ قال: \"كان أصحابُ رسولِ اللهِ - ﷺ - مُختلِفِينَ في الصلاةِ الوُسْطَى هكذا، وشَبَّكَ بينَ أصابعِهِ\" (١).\nوأقوى تلك الأقوالِ: القولُ بأنَّها صلاةٌ العصرِ، وصلاةُ الفجرِ، ثمَّ القولُ بأنَّ اللهَ أَبْهَمَها وقد يصدُقُ على أيِّ واحدةٍ منهنَّ.\nوأكثرُ السلفِ وجمهورُ الفقهاءِ: على أنَّها صلاةُ العصرِ؛ وذلك لما ثبَتَ في \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ ابنِ مَسعودٍ؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال يومَ الأحزابِ: (شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى؛ صَلَاةِ الْعَصْرِ) (٢).\nوفي \"صحيحِ مسلِمٍ\"؛ مِن حديثِ أبي يُونُسَ مولى عائشةَ، عن\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٣٧٢).\n(٢) أخرجه مسلم (٦٢٨) (١/ ٤٣٧).","vol":"1","page":494},{"text":"عائشةَ؛ أنَّها أَمْلَتْ عليه في مُصْحَفِها عندَ قولِه: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ أن يَكتُبَ: \"صَلَاةِ العَصْرِ\" (١).\nوعِندَهُ مِن حديثِ شَقِيقِ بنِ عُقْبةَ، عن البَرَاءِ بنِ عازبٍ؛ قال: \"نزَلَتْ: \"حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ\"، فقرَأْناها على رسولِ اللهِ - ﷺ - ما شاءَ اللهُ، ثمَّ نسَخَها اللهُ - ﷿ -، فأنزَلَ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فقال له زاهِرٌ - رجُلٌ كان مع شَقِيقٍ -: أفهِيَ العصرُ؟ قال: قد حدَّثْتُكَ كيفَ نزَلَتْ، وكيفَ نسَخَها اللهُ - ﷿ -\" (٢).\nوقد قال به عليٌّ وابنُ عبَّاسٍ وابنُ مسعودٍ وأُبَيٌّ وأبو هُرَيْرةَ وغيرُهم.\nوأخَذَ به أبو حنيفةَ والشافعيُّ وأحمدُ، وصوَّبَهُ ابنُ جريرٍ في تفسيرِه (٣).\nقال التِّرْمِذيُّ: \"وهو قولُ أكثرِ العلماءِ مِن أصحابِ النبيِّ - ﷺ - وغيرِهم\" (٤).\nوهو أرجحُ الأقوالِ؛ لصِحَّةِ الحديثِ، ولا مخالِفَ لعليِّ بنِ أبي طالبٍ مِن الخلفاءِ، وإذا صحَّ قولٌ عن خليفةٍ، ولم يخالِفْهُ مثلُهُ، فهو أقربُ إلى الصوابِ، ما لم يخالِفْهُ دليلٌ مرفوعٌ صحيحٌ.\nوقال بأنَّها صلاةُ الصُّبْحِ: معاذٌ وابنُ عبَّاسٍ في القولِ الأصحِّ عنه، وقال به جابرٌ، وأخذَ به مالكٌ، وهو قولُ للشافعيِّ في الجديدِ.\nلأنَّ صلاةَ الصُّبْحِ بين صَلاتَيْنِ نهاريَّتَيْنِ وليليَّتَيْنِ، وجعَلَ بعضُ السلفِ قولُهُ تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ قرينةً على كونِها الفَجْرَ؛ لأنَّ القنوتَ الدعاءُ، ويكونُ في صلاةِ الفجرِ، ويُروى هذا عن بعضِ السلفِ؛ كابنِ عَبَّاسٍ، وقال به بعضُ فقهاءِ المالكيَّةِ.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٦٢٩) (١/ ٤٣٧).\n(٢) أخرجه مسلم (٦٣٠) (١/ ٤٣٨).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٣٧٢).\n(٤) \"سنن الترمذي\" (١/ ٣٤٢).","vol":"1","page":495},{"text":"وفي تفسيرِ القنوتِ في الآيةِ بالدعاءِ في الصُّبْحِ نَظَرٌ.\nوالمرادُ بالتوسُّطِ: توسُّطُها زَمَنًا، لا صِفَةً؛ كما ذهَبَ إليه قَبِيصةُ بنُ ذُؤَيْبٍ (١)؛ حيثُ جعلَ الصلاةَ الوُسْطَى صلاةَ المَغْرِبِ؛ لأنَّ رَكَعَاتِها ثلاثٌ؛ فهِيَ وُسْطَى بهذا الاعتبارِ، فما فوقَها مِن الفرائصِ أربَعٌ، وما دونَها اثنَتانِ.\nوقولُهُ مخالِفٌ لسياقِ الآيةِ، ولما عليه السلفُ.\nولا يُعرَفُ عن السلفِ القولُ بأنَّها صلاةُ العشاءِ؛ وإنَّما هو قولٌ لبعضِ الفقهاءِ بعدَهم.\nوقد صَحَّ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ؛ أنَّه سُئِلَ عنها؟ فقال: \"هي فِيهِنَّ؛ فحافِظُوا عليهِنَّ كُلِّهِنَّ\"؛ رَواهُ عنهُ نافعٌ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>فضلُ الصلاةِ في مشقَّتها:</span>\nومُقتضى النصوصِ: أنَّ الصلاةَ كلَّما كانت أشقَّ، كانت أعظَمَ أجرًا، والناسُ يختلِفونَ في المشقَّةِ وعوارضِها عليهم؛ فالمسافِرُ ليس كالمُقِيمِ، والصدرُ الأوَّلُ يختلِفُ عن زمانِنا اليومَ، والعصرُ في زمنِهم وقتُ تكسُّبٍ ورِزْقٍ وضربٍ في الأسواقِ؛ ولذا جاء تعظيمُ صلاةِ العشاءِ في نصوصٍ كثيرةٍ هي وصلاةِ الفَجْرِ.\nوجاء تعظيمُ صلاةِ العشاءِ والفجرِ وفضلُهما؛ لكونِهما مَظِنَّةَ راحةٍ ونومٍ؛ فالعشاءُ أوَّلُ النَّوْمِ، والفجرُ آخِرُه.\nوإذا شَقَّتِ الصلاةُ في زمنٍ أو على شخصٍ، كان أجرُها لو أدَّاها أعظَمَ مِمَّن يؤدِّيها وهي عليه يسيرةٌ، وأثرُها عليه في نفيِ نفاقِهِ وصلاحِ سريرتِهِ أعظَمُ مِن غيرِها مِن الصلواتِ؛ فمَنْ كان ليلُهُ معاشًا كالمرابِطِينَ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٣٦٧).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٣٧١).","vol":"1","page":496},{"text":"والمحتسِبِينَ والحُرَّاسِ، أوِ العُمَّالِ والصُّنَّاعِ الذين يتناوَبونَ على عملٍ لا ينقَطِعُ؛ فإنَّ نومَهُ سيكونُ نهارًا، فصلاةُ النهارِ في حَقِّهِ أعظَمُ؛ لأنَّها أشقُّ؛ هذا مِنْ جهةِ المشقَّةِ.\nوللصلواتِ فضلٌ مِن جهاتٍ أُخرى لا يُلْغِيهِ تقلُّبُ الزمانِ وتغيُّرُ المكانِ والحالِ؛ كفَضْلِ الفجرِ لشهودِ الملائكةِ لها: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، وصلاةِ البَرْدَيْنِ، وصلاةِ الليلِ لنزولِ الرحمنِ في الثلثِ الأخيرِ مِن الليلِ؛ فلا يقالُ: إنَّ صلاةَ النهارِ أفضَلُ مِن صلاةِ الليلِ لِمَن يَسهَرُ الليلَ وينامُ النهارَ؛ لأنَّ فضلَ قيامِ الليلِ لنزولِ الرحمنِ وخفاءِ العبادةِ فيه عنِ الناسِ؛ وهذا ثابتٌ لا يتحوَّلُ مع تغيُّرِ حالِ الفردِ في نفسِهِ، ولكنَّ أسبابَ التفضيلِ تتنوَّعُ، واجتماعُها في عبادةٍ أقوى مِن تفرُّقِها في عباداتٍ.\nوربَّما كان هذا الوجهُ هو ما جعَلَ بعضَ السلفِ كابنِ عُمَرَ يَمِيلُ إلى أنَّها ليست في صلاةٍ معيَّنةٍ وأنَّها عامَّةٌ؛ وهذا ما مال إليه ابنُ عبدِ البَرِّ وابنُ العرَبِيِّ المالكيَّان، وقال به إمامُ الحرَمَيْنِ مِن الشافعيَّةِ، وغيرُهم.\nولابنِ عُمَرَ قولٌ في تعيينِها تقدَّمَ، ولعلَّ قولَهُ في عدَمِ تعيينِها؛ حتَّى لا يَتَّكِلَ الناسُ على الوُسْطَى ويفرِّطوا في غيرِها، ورُوِيَ هذا المعنى عن بعضِ السلفِ؛ كالرَّبيعِ بنِ خُثَيْمٍ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ وغيرِهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>الكلامُ في الصلاةِ:</span>\nوقولُهُ تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾؛ فُسِّرَ القنوتُ على معانٍ عِدَّةٍ، وكلُّها دالَّةٌ بالصيغةِ أوِ اللزومِ على الخشوعِ وأهميَّتِه.\nوفي الآيةِ: وجوبُ تركِ الكلامِ في الصلاةِ إلَّا المشروعَ؛ ففي \"الصحيحَيْنِ\"؛ عن زيدِ بنِ أرقمَ، قال: \"كان الرَّجُلُ يُكَلِّمُ صاحِبَهُ في عهدِ النَّبِيِّ - ﷺ - في الحاجةِ في الصَّلَاةِ، حتَّى نزَلَتْ هذه الآيةُ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ","vol":"1","page":497},{"text":"قَانِتِينَ﴾؛ فأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ\" (١).\nوالنهيُ عنِ الكلامِ في الصلاةِ كان بِمَكَّةَ قبلَ الهجرةِ، والآيةُ مدنيَّةٌ أَكَّدَتِ الحُكْمَ وثَبَّتَتْهُ، وربَّما استدَلَّ به زيدٌ على الحُكْمِ، وهذا لا يُنافي ثبوتَهُ سابقًا، وهذا يَرِدُ كثيرًا في تفسيرِ السلفِ؛ يستدِلُّونَ بدليلٍ نزَلَ في مناسَبةٍ لاحقةٍ على ما يشابِهُها مِن المناسَباتِ السابقةِ، فيَذْكُرونَ الدليلَ بِما يُفهَمُ منه أنَّه سببُ النزولِ فيها؛ فيُظَنُّ أنَّ السلفَ اختَلَفُوا في سببِ النزولِ.\nوقد جاءَ عنِ ابنِ مسعودٍ؛ قال: \"كنَّا نُسَلِّمُ على النبيِّ - ﷺ - قبلَ أنْ نُهاجِرَ إلى الحَبَشةِ، وهو في الصَّلَاةِ، فيَرُدُّ علينا، قال: فلمَّا قَدِمْنَا، سَلَّمْتُ عليه، فلم يَرُدَّ عَلَيَّ، فأَخَذَني مَا قَرُبَ وَمَا بَعُدَ، فلَمَّا سَلَّمَ، قَالَ: (إِنَّي لَمْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ فِي الصَّلَاةِ، وإنَّ اللهَ - ﷿ - يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ أَلَّا يُتَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ\" (٢).\nوفي \"صحيحِ مسلمٍ\"؛ أنَّه - ﷺ - قالَ لمعاويةَ بنِ الحكَمِ السُّلَميِّ، حِينَ تكلَّمَ في الصلاةِ: (إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ؛ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ) (٣).\nوقد فسِّرَ القنوتُ بالطاعةِ؛ وهو مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ وعطاءٍ والشَّعْبيِّ ومجاهِدٍ وطاوُسٍ وغيرِهم، والمرادُ بالطاعةِ: الإخلاصُ والتجرُّدُ له بالتعبُّدِ؛ ولذا قالَ: ﴿لِلَّهِ﴾؛ أي: لا لغيرِه.\nوهذا أعمُّ وأوسَعُ المعاني في تأويلِ القنوتِ، ويدخُلُ فيه غيرُهُ مِن التفاسيرِ الأخرى؛ كتفسيرِ القنوتِ بالسكوتِ، وهو الإمساكُ عنِ الكلامِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٢٠٠) (٢/ ٦٢)، ومسلم (٥٣٩) (١/ ٣٨٣).\n(٢) أخرجه أحمد (٣٥٧٥) (١/ ٣٧٧)، والنسائي (١٢٢١) (٣/ ١٩).\n(٣) أخرجه مسلم (٥٣٧) (١/ ٣٨١).","vol":"1","page":498},{"text":"فيها على ما تقدَّمَ؛ فالمُنشغِلُ في صلاتِهِ بالكلام مع الناسِ لم يَتِمَّ قيامُهُ للهِ، بل وقَفَ ليُحادِثَ فلانًا وفلانًا؛ فالناسُ يَلْتَقُونَ في المساجدِ ما لا يَلْتَقُونَ في غيرِها، فإذا انشغَلُوا بالكلامِ والمسامَرةِ فيها، ما كان القيامُ للهِ، وإنَّما يَلتقُونَ ويتَجاوَرُونَ في الصلاةِ للحديثِ والكلامِ في الدنيا.\nومِثْلُ هذا مَنْ فسَّر القنوتَ بالخشوعِ والخضوعِ والرَّهْبةِ؛ كمجاهِدِ بنِ جَبْرٍ وغيرِه.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩].\nترَكَ النبيُّ - ﷺ - صلاةَ العصرِ يومَ الخَنْدَقِ لمَّا شغَلَهُ المشرِكُونَ عنها؛ وذلك في شَوَّالٍ مِن السَّنَةِ الخامسةِ منها؛ كما قاله ابنُ إسحاقَ.\nوقيلَ: في ذي القَعْدةِ.\nوكانت صلاةُ الخوفِ لم تُشْرَعُ بَعْدُ؛ ولذا ترَكَ النبيُّ - ﷺ - صلاةَ العصرِ، ولم يصلِّها حتَّى خرَجَ وقتُها، وظاهرُ الحالِ: أنَّه يَعلَمُ ولم يَنْسَ، ولكنَّه شُغِلَ بالمشركينَ وقِتَالِهم، فأنزَلَ اللهُ عليه هذه الآيةَ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، والرِّجَالُ: جمعُ رَاجِلٍ؛ أيْ: ماشٍ على قدَمَيْهِ؛ أيْ: لا تترُكُوهَا على كلِّ حالٍ في وقتِها، فمَن لم يستَطِعْ أداءَها بطُمَأْنينةٍ جماعةً أو فُرادَى، فليؤدِّها راجِلًا ماشيًا، أو راكبًا على دَابَّةٍ، أو سيَّارةٍ، أو طائرةٍ، أو سفينةٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>مراتبُ العجزِ عن أداءِ الصلاة عند العدُوِّ:</span>\nوالواجبُ التدرُّجُ في ذلك على مراتِبَ:","vol":"1","page":499},{"text":"الأُولى: مَنِ استطاعَ أداءَها جماعةً أو جماعتَيْنِ بإمامٍ واحدٍ أو إمامَيْنِ؛ كما في صلاةِ الخوفِ، وجَبَ عليهِ أن يصلِّيَها كذلك، وألَّا يَدَعَ الجماعةَ لِعِلَّةِ الغَزْوِ فقَطْ، ولا يجازِفَ ويغامِرَ فيصلِّيَ جماعةً في حالِ خوفٍ وخطرٍ، فيُبِيدَهم العدوُّ في موضعٍ واحدٍ.\nالثانيةُ: إذا شَقَّتِ الصلاةُ جماعةً أنْ يصلِّيَهَا، وهو يتمكَّنُ مِن أدائِها تامَّةً منفرِدًا بقيامٍ وركوعٍ وسجودٍ وخشوعٍ، وجَبَ عليه أنْ يؤدِّيَها بتلك الحالِ، ولا يجوزُ أداؤُها ماشيًا أو راكبًا بلا حاجةٍ.\nالثالثةُ: عندَ العجزِ عن أدائِها بهيئتِها قيامًا وركوعًا وسجودًا، فيصلِّيها راكبًا وماشيًا، ولا حرَجَ؛ للآيةِ، وبها استدل أحمد بن حنبل على ذلك (١).\nوكان أحمد يجعل حكم الأسير كذلك، فإن خاف من أداء الصلاة وهو يسار به أو يمنع من الصلاة، أنه يومئ إيماء الظاهر الآية (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>استقبالُ القبلةِ في صلاةِ الخوفِ:</span>\nومَن تعذَّر عليه استقبالُ القِبْلةِ، واحتاج لاستقبالِ العَدُوِّ، أو حِرَاسةِ ثَغْرٍ يَخشى أن يُفاجَأَ معه، سقَطَ عنه وجوبُ استقبالِ القِبْلةِ؛ وبهذا قال عامَّةُ السلفِ وأكثرُ الخلفِ، وقد روى نافعٌ؛ أنَّ ابنَ عُمَرَ كان إذا سُئِلَ عن صلاةِ الخوفِ، وَصَفَها، ثمَّ قال: \"فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ هُوَ أَشَدَّ مِنْ ذلك، صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَوْ رُكْبَانًا، مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا\"؛ قال نافعٌ: لا أرى ابنَ عُمرَ ذكَرَ ذلك إلَّا عن رسولِ اللهِ - ﷺ -؛ رواهُ مالكٌ والبخاريُّ (٣).\nويُومِئُ الراجِلُ والراكِبُ إيماءً حيثُ كان وجهُهُ، ويكبِّرُ بلسانِهِ مستحضِرًا بقَلْبِهِ مواضِعَ الصلاةِ.\n_________\n(١) مسائل عبد الله (١٣٢)، ومسائل ابن هاني (١٠٩).\n(٢) مسائل صالح (٢٦٦).\n(٣) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (٣) (١/ ١٨٤)، والبخاري (٤٥٣٥) (٦/ ٣١).","vol":"1","page":500},{"text":"ويُنسَبُ لأبي حنيفةَ القولُ بعَدَمِ الترخُّصِ بتركِ القبلةِ بحالٍ؛ وهو ضعيفٌ.\nورُوِيَ عنه تركُ الصلاةِ وقتَ المواجَهةِ بالمسايَفةِ وشبهِها، فلا تصلَّى عندَهُ بحالٍ إلَّا عندَ الطمأنينةِ؛ وهذا مخالِفٌ للدليلِ.\nوقد يتعذَّرُ على المجاهِدِ أداءُ الصلاةِ ولو ماشيًا أو راكبًا في وقتِ المواجَهةِ التامَّةِ طولَ وقتِ الصلاةِ، فلا يجِدُ قلبًا يجمَعُ معَهُ عَدَّ الركعاتِ وحضورَ النفسِ لتمييزِ مواضعِها؛ فهذه حالةٌ خاصَّةٌ لها حُكْمُها، ولصاحبِها عُذْرُه.\nوصحَّ عنِ النبيِّ - ﷺ -: أنَّ صلاةَ الخوفِ ركعةٌ؛ كما ثبَتَ في \"الصحيحِ\"، عن مجاهِدٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: \"فرَضَ اللهُ الصَّلَاةَ على لسانِ نبِيِّكُمْ - ﷺ - في الحَضَرِ أَرْبَعًا، وفي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وفي الخَوْفِ رَكْعَةً\" (١).\nورُوِيَ هذا عن زيدِ بنِ ثابتٍ وجابرٍ، وقال به إسحاقُ.\nوقال قتادةُ والحسَنُ: \"تُجزِئُ ركعةٌ؛ إنْ شَقَّتْ عليه الاثنَتَانِ\".\nوقال الشافعيُّ ومالكٌ والجمهورُ: صلاةُ الخوفِ كصلاةِ الأمنِ في عددِ الركعاتِ؛ إن كانت في الحضَرِ، وجَبَ أربَعُ ركعاتٍ، وإن كانت في السَّفَرِ، وجَبَ ركعتانِ، وحَمَلُوا ما جاء في حديثِ ابنِ عبَّاسٍ على صلاةِ الخوفِ جَمَاعةً؛ يصلُّونَ مع الإمامِ ركعةً، ويَقْضُونَ الأُخَرى.\nورُوِيَ عن بعضِ السلفِ: أنَّ صلاةَ الراجِلِ والراكِبِ رَكْعَتَانِ في كلِّ صلاةٍ، ولو كانتِ المغرِبَ أو رُبَاعِيَّةً كالعِشَاءِ والظُّهْرِ والعصرِ؛ قال به الزُّهْريُّ والنَّخَعيُّ والرَّبيعُ.\nوصلاةُ الخوفِ جماعةً لها صِفَتُها، وتفصيلُها يأتي في سورةِ النساءِ، بإذنِ الله.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٦٨٧) (١/ ٤٧٩).","vol":"1","page":501},{"text":"وقولُهُ تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ بيانٌ لوجوبِ أداءِ الصلاةِ حالَ الأمنِ، كما بيَّنَها اللهُ لنبيِّه - ﷺ -.\nوفي الآيةِ: دلالةٌ على جَوَازِ صلاةِ الخوفِ بكلِّ ما يتحقَّقُ معه وصفُ الخوفِ الذي يَعجِزُ معه الإنسانُ عن أداءِ الصلاةِ كما شُرِعَتْ ولو مِن غيرِ عَدُوٍّ؛ كالخوفِ مِن سِبَاعٍ في فَلَاةٍ تُطارِدُهُ، ونحوِ ذلك.\nوإيجابُ الصلاةِ حالَ الخوفِ، والتشديدُ فيها ولو راجلًا أو راكبًا - دليلٌ على عِظَمِها في حالِ الأمنِ والإقامةِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٠].\nالخطابُ متوجِّهٌ للرجالِ؛ لأنَّ بِيَدِهِمُ النَّفَقَةَ والمُتْعةَ والعِصْمةَ، وهذا ظاهِرٌ في قولِه: ﴿مِنْكُمْ﴾، وقولِه: ﴿وَيَذَرُونَ﴾، وقولِه: ﴿لِأَزْوَاجِهِمْ﴾، وقولِه: ﴿عَلَيْكُمْ﴾، وقولِه: ﴿فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾.\nوللقِوَامةِ أثرٌ حتَّى بعدَ موتِ الزوجِ، والقِوَامةُ تكليفٌ وتشريفٌ، والتكليفُ أكثَرُ، والتَّبِعةُ عليه أعظَمُ، والغُرْمُ عليه أكثرُ مِن الغُنْمِ.\nولا أثَرَ على الزوجِ مِن الزوجةِ إذا تُوُفِّيَتْ زوجتُهُ عنه؛ لا في العِدَّةِ، ولا في المُتْعةِ؛ وهذا بلا خلافٍ.\nوتخصيصُ الأزواجِ يُخرِجُ مِلْكَ اليمينِ، فلا مُتْعةَ لها؛ وإنَّما هي مِن مَتَاعِه ومالِهِ الموروثِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>أحكامُ المتوفَّى عنها زوجُهَا:</span>\nواللهُ قد أمَرَ في هذه الآيةِ بشَيْئَيْنِ للمتوفَّى عنها زَوْجُها:","vol":"1","page":502},{"text":"الأوَّلُ: التربُّصُ حَوْلًا كاملًا في بيتِ زوجِها الذي مات عنها فيه.\nالثاني: الوصيَّةُ لها بالمتاعِ في تلك المُدَّةِ التي تتربَّصُ فيها.\nوهذه الآيةُ كانت حقًّا للزوجةِ قبلَ نسخها بعِدَّةِ المتوفَّى عنها زوجُها، وقد سبَقَتْ، على قولِ عامَّةِ المفسِّرينَ؛ خلافًا لمجاهِدٍ في قولٍ، وكان ذلك حَقًّا للزوجةِ، ولها التنازُلُ عنه؛ فلا يجبُ عليها التربُّصُ عامًا في بيتِ زوجِها إلَّا باختيارِها، ولها التنازُلُ عن حقِّها في المتعةِ تلك المُدَّةَ.\nومجاهِدٌ في قولِهِ هذا الذي تفرَّدَ له، يجعَلُ عِدَّةَ الوفاةِ حتمًا، والوصيَّةَ بالمتعةِ حَوْلًا على التخييرِ للزَّوْجةِ؛ إن شاءَتْ أخَذَتْ به، وإن شاءَتْ تَرَكَتْه، ويرى مجاهِدٌ أنَّ آيةَ عِدَّةِ الوفاةِ سابقةٌ، وهذه الآيةَ لاحِقةٌ مبيِّنةٌ.\nرواه البخاريُّ؛ مِن حديثِ شِبْلٍ، عنِ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ، وكأنَّ البخاريَّ لم يَجزِمْ به عن مجاهِدٍ، فقال بعدَ إخراجِهِ: \"زعَمَ ذلك عن مجاهِدٍ\" (١)؛ يعني: شِبْلًا.\nوخُولِفَ عليه؛ فرواهُ ابنُ جُرَيْجٍ، عنْ مجاهِدٍ: بأنَّ عِدَّةَ الوفاةِ ناسخةٌ للتربُّصِ والمتعةِ حولًا.\nوقولُ مجاهِدٍ فيما يوافِقُ العامَّةَ أَحْرَى بالأخذِ، وقد حكى الشافعيُّ عدَمَ معرِفةِ مخالِفٍ للقائِلِينَ بنسخِ هذه الآيةِ بما سبَقَ؛ وهي قولُهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].\nوالنَّسْخُ قولُ عامَّةِ السلفِ؛ كابنِ عبَّاسٍ، وعطاءٍ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٥٣١) (٦/ ٢٩).","vol":"1","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>النفقةُ والسكن للمتوفَّى عنها:</span>\nوأمَّا المُتْعةُ بالنفقةِ حولًا، فهو وإنْ لم يُذكَرُ في آيةِ عِدَّةِ المتوفَّى عنها زَوْجُها، فآياتُ المواريثِ ناسِخةٌ له، كما قال ذلك ابنُ عبَّاسٍ؛ فللزوجةِ الثُّمُنُ مع الأولادِ، ولها الرُّبُعُ مع عَدَمِهِم؛ وذلك أنَّ المُتْعةَ بالنفقةِ حقٌّ ماليٌّ، وهذا يتضمَّنُ الميراثَ؛ الزوجةُ أُسْوةُ الورثةِ في ذلك، لا تختصُّ عنهم بشيءٍ.\nوالسُّكْنَى حولًا: هل تأخُذُ حُكْمَ النفقةِ؛ فيقالَ بنسخِها بآيةِ الميراثِ؟ على قولَيْنِ، والنسخُ أشهرُ وأظهرُ.\nقال عطاءٌ: جاء المِيرَاثُ فنسَخَ السُّكْنَى، فتعتدُّ حيثُ شاءت ولا سُكْنَى لها.\nوقال به مجاهِدٌ (١).\nولكنَّ السُّكْنَى المنسوخةَ: ما كان في الآيةِ، وهو الحَوْلُ، وأمَّا السُّكْنَى زمنَ العِدَّةِ، وهي أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ، فليستِ المطلَّقاتُ بأَوْلَى بحقِّ السُّكْنَى مِن المتوفَّى عنها زوجُها، واللهُ تعالى يقولُ في الطلاقِ: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [١].\nوهذا في المعتدَّةِ بطلاقٍ، والمُعتدَّةُ بوفاةٍ في معناها، بل أَوْلَى منها، ويدلُّ على ذلك: حديثُ الفُرَيْعَةِ بنتِ مالكِ بنِ سِنَانٍ لمَّا توفِّي عنها زوجُها، قال النبيُّ - ﷺ -: (امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)، فاعتَدَّتْ فيه أربعةَ أشهُرٍ وعشرًا، وقَضَى به عثمانُ بعدُ؛ أخرَجَهُ مالكٌ وأبو داودَ والتِّرْمِذيُّ (٢).\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٦/ ٣٠).\n(٢) أخرجه مالك في الموطأ (عبد الباقي) (٨٧) (٢/ ٥٩١)، وأبو داود (٢٣٠٠) (٢/ ٢٩١)، والترمذي (١٢٠٤) (٣/ ٥٠٠).","vol":"1","page":504},{"text":"وهذا القولُ قولُ عُمَرَ وعثمانَ وابنِ عُمَرَ وابنِ مسعودٍ، وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ والشافعيِّ وغيرِهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>تركُ المعتدَّةِ البقاء في بيتِ زوجها:</span>\nوظاهِرُ الآيةِ يُسقِطُ النفقةَ مِن مالِ الزوجِ إذا ترَكَتِ التربُّصَ في بيتِهِ حولًا باختيارِها زاهِدةً فيه، بلا ضرورةٍ وحاجةٍ، فجعَلَ اللهُ المُتْعةَ تابعةً للسُّكْنَى في بيتِهِ؛ فإنِ اختارَتِ الخروجَ منه، فلا يجبُ لها مُتْعةٌ؛ لأنَّها أسقطَتْ حقَّها باختيارِها؛ لظاهرِ قولِه تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾.\nفقد تخرُجُ الزوجةُ مِن سُكْناها، وتَرْغَبُ في الزواجِ قبلَ الحولِ - على من قال بالآيةِ - فلا يَصِحُّ القولُ بوجوبِ النفقةِ لها مُدَّةَ الحولِ ولو خرَجتْ مِن بيتِ زوجِها المتوفَّى، أو بَقِيَتْ فيه لكنْ تَزَوَّجَتْ بعدَهُ، حتَّى على قولِ مُجاهِدٍ المرجوحِ؛ فالنَّفَقةُ تجبُ مِن مالِ الزوجِ لأجلِ الزوجيَّةِ؛ فلا يَصِحُّ أن يقالَ بها بعد زواجِ المرأةِ بعدَ وفاةِ زوجِها قبلَ الحولِ بحالٍ.\nوإنْ خرَجَتْ للضرورةِ كالخوفِ، أو للحاجةِ استيحاشًا مِن الوَحْدةِ، فلا يسقُطُ حقُّها مِن النَّفَقةِ؛ كأنْ تسكُنَ عندَ أهلِ زوجِها أو غيرِهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>الحكمةُ من تربُّصِ المتوفى عنها ببيتِ زوجِها:</span>\nوإنَّما جعَل اللهُ التربُّصَ أوَّلَ الأمرِ في بيتِ الزوجِ والمتاعَ لها حَوْلًا؛ رحمةً بالمرأةِ وإحسانًا إليها؛ حتَّى تنظُرَ أَمْرَها في زوجٍ آخرَ، ونَفَقةً وسُكْنَى، وهي لا تنقُصُ مِن حَقِّ الوَرَثةِ أمرًا ظاهرًا، بل بالمعروفِ، كما كان في حياةِ زَوْجِها، ولأنَّ للوفاةِ أَلَمًا ومصيبةً تَشغَلُ الزوجةَ عنِ النظرِ في أمرِها ومستَقْبَلِها كما لو كانت مطلَّقةً، فاستَحَقَّتِ المتعةَ سُكْنَى ونفقةً حولًا أوَّلَ الأمرِ، ثمَّ جُعِلَتْ عِدَّتُها أربعةَ أشهُرٍ وعشرًا.","vol":"1","page":505},{"text":"وقد جعَلَ اللهُ تعالى النفقةَ للزوجةِ وللمطلَّقةِ الرجعيَّةِ؛ لكونِها في بيتِه وفي عِصْمَتِه، ما لم تخرُجِ المطلَّقةُ مِن عدَّةِ طلاقِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>خروجُ المتوفَّى عنها من بيت زوجها:</span>\nوخروجُ المرأةِ مِن بيتِ زوجِها جائزٌ، وفي الآيةِ أنَّه حقٌّ، والحقُّ يسقُطُ إنِ اختِيرَ غيرُهُ؛ ولذا قالَ: ﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾، فسمَّى اللهُ ما تفعلُهُ في نفسِها بعدَ خروجِها قبلَ الحَوْلِ معروفًا، ولو كانت غيرَ مختارةٍ للخروج، والتربُّصُ واجبًا عليها، لم يَرفَعِ اللهُ الحرَجَ، ولم يُسمِّ فِعْلَها معروفًا.\nوعِدَّةُ المتوفَّى عنها زوجُها أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ، ولها أن تتزوَّجَ بعدَ عِدَّتِها، ولا يُجِيزُ لها الشارعُ الزواجَ بعد زوجِها المتوفَّى بعدَ عِدَّةِ الوفاةِ أربعةِ أشهرٍ وعشرٍ، ثمَّ يُوجِبُ عليها التربُّصَ حولًا في بيتِهِ؛ وهذا مِن قرائنِ نَسْخِ الآيةِ بآيةِ عِدَّةِ الوفاةِ السابقةِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١].\nوللمطلَّقةِ حقٌّ في إمتاعِها بالنفقةِ والسُّكْنَى والكِسْوةِ، وهذا تمامُ المتاعِ، وهو حقٌّ لها؛ لقولِهِ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾، واللامُ للاستحقاقِ؛ فهو حقٌّ لَهُنَّ؛ إنْ شِئْنَ أَخَذْنَهُ، وإنْ شِئْنَ أسقَطْنَه.\nوالمطلَّقةُ على حالَيْنِ:\nالأُولى: مطلَّقةٌ مبتوتةٌ لا رَجْعةَ لها، والمبتوتةُ إمَّا أن تكونَ حامِلًا أو حائِلًا (غيرَ حاملٍ)؛ فالحاملُ لها النفقةُ حتَّى تضعَ حَمْلَها باتفاقِ العلماءِ.","vol":"1","page":506},{"text":"وإذا كانت حائلًا، فقد اختلَفَ العلماءُ في نفقتِها على قولَيْنِ:\nالقولُ الأوَّلُ: أنْ لا نفقةَ لها؛ وهذا قولُ جمهورِ الفقهاءِ.\nالقولُ الثاني: أنَّ لها النفقةَ والسُّكْنَى، وهو قولُ الحنفيَّةِ، ونُسِبَ لابنِ أبي ليلى والثَّوْريِّ.\nالثانيةُ: مطلَّقةٌ رجعيَّةٌ غيرُ مبتوتةٍ، فجمهورُ العلماءِ: على أنَّ لها النَّفَقةَ وجوبًا؛ لكونِها في عِصْمَتِه، ومعدودةً زَوْجةً له، تَرِثُهُ ويَرِثُها حتَّى تخرُجَ مِن عِدَّتِها.\nومتعةُ المطلَّقةِ واجبةٌ على الصحيحِ؛ لظاهرِ الآيةِ وعمومِها، ولقولِهِ تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وهو أمرٌ يُحمَلُ على ظاهرِهِ، ولقولِه: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، والحقوقُ الأصلُ فيها الوجوبُ.\nورُوِيَ هذا القولُ عن عُمَرَ وعليٍّ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ والحسَنِ، وروايةٌ عن أحمدَ حكاها عنهُ حَنْبَلٌ، بل قال ابنُ تيميَّةَ: بالمتعةِ لكلِّ مطلَّقةٍ وجوبًا، إلَّا التي لم يُدخَلْ بها وقد فُرِضَ لها، وهي روايةٌ عن أحمدَ أيضًا.\nوقال مالكٌ وأبو عُبَيْدٍ وشُرَيْحٌ القاضي: بالاستحبابِ.\nوصَرَفوا الأمرَ إلى الاستحبابِ؛ لقولِه: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، مع قولِه في حُكْمِ المتاعِ: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فالإحسانُ مرتبةٌ تزيدُ على الواجباتِ؛ فجعَلَها حقًّا ولكنْ على المحسِنينَ، فلم يَجْعَلْها عامَّةً على كلِّ أحدٍ.\nوالمُختلِعةُ والمُلاعَنةُ والمُصالَحةُ: لا مُتْعةَ لها.\nونصَّ غيرُ واحدٍ مِن الشافعيَّةِ: أنَّ كلَّ طلاقٍ سببُهُ المرأةُ لِطَلَبِها إيَّاه فلا مُتْعةَ لها فيه؛ لأنَّها مَن زَهِدَ في صُحْبةِ الزوجِ ولم يَزْهَدْ هو","vol":"1","page":507},{"text":"فيها، فالضَّرَرُ عليه لا عليها، وبِطَلَبِها تُسقِطُ حقَّها في المُتْعةِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، وقال: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: ٢٤٦].\nفي الآيةِ: ذِكْرٌ لشريعةِ الجهادِ وقِدَمِها في بني إسرائيلَ، وأنَّ اللهَ كتَبَها على أنبياءَ وأُمَمِ قبلَ محمَّدٍ - ﷺ -، واللهُ لم يُوجِبْ على كلِّ نبيٍّ جهادَ الطَّلَبِ، ولكنَّه أَوْجَبَ جهادَ الدَّفْعِ على كلِّ أُمِّةٍ، بل لو لم يَنزِلْ به نقلٌ، لوجَبَ بالعقلِ؛ فلا يُسلمُ الإنسانُ عِرْضَهُ ودَمَهُ ومالَهُ لِمَنْ أرادَهُ؛ وهذا لا يَصِحُّ مِن حيوانٍ بَهِيمْ، فضلًا عن إنسانٍ كريْم.\nوقِيلَ: إنَّ النبيَّ المذكورَ في الآيةِ شمويلُ بنُ بالي بنِ عَلْقمةَ؛ قاله وَهْبُ بنُ منبِّهٍ (١).\nوقيل: شَمْعُونُ؛ قاله مجاهدٌ والسُّدِّيُّ وغيرُهما (٢).\nوقال قتادةُ: هو يُوشَعُ بنُ نُونٍ (٣).\nوفي الآيةِ: إشارةٌ إلى كثرةِ الأنبياءِ مِن بعدِ موسى وقبلَ عيسى، وكانت الأنبياءُ بينَهما تجدِّدُ ما في التوراةِ ممَّا أَمَاتَهُ الناسُ ونَسُوهُ وحَرَّفُوهُ، حتى جاءَ عيسى فغَيَّرَ اللهُ له مِن شِرْعةِ موسى أحكامًا؛ كما في قولِه: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>حكمُ القتالِ، والحكمةُ منه:</span>\nوفي الآيةِ: وجوبُ القتالِ في سبيلِ اللهِ جماعةً، وألَّا يتفرَّقَ الناسُ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٤٣٥ - ٤٣٦).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٤٣٦).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٤٣٧).","vol":"1","page":508},{"text":"مع إمكانِهِمْ إلى الجمعِ، وقد طلَبَ الملأُ مِن بني إسرائيلَ مِن نبيِّهم مَلِكًا - أيْ: خليفةً وأميرًا - يأتَمِرُونَ بأمرِه، ويَجْتمِعونَ عليه، وكان في بني إسرائيلَ ملوكٌ، والملوكُ تأتمِرُ بأمرِ الأنبياءِ، وقد كان في زمانِهم جَبَابِرةٌ وعَمَالِقةٌ يتسلَّطونَ عليهم بإخراجِهِمْ مِن ديارِهِمْ وأبنائِهِمْ وأموالِهِمْ؛ كما قاله ابنُ عبَّاسٍ والسدِّيُّ وغيرُهما (١).\nوفي الآيةِ: رحمةُ النبيِّ بأُمَّتِهِ أنْ خَشِيَ إنْ كُتِبَ عليهِمُ القتالُ ألَّا يُقاتِلوا فيأثَمُوا، وهم في سَعَةٍ قبلَ فَرْضِهِ عليهِم؛ وذلك لِمَا عَلِمَهُ مِن سابقِ حالِهِمْ مِن تفريطٍ وعدمِ وفاءٍ، وفي هذا ألا يقدِّمَ الأميرُ للقتالِ إلا أهلَ العزمِ والشِّدَّةِ والثَّبَاتِ؛ حتى لا يُخذَلَ المسلِمونَ، وإنْ أخرَجَهُمْ إلى الجهادِ لِطَلَبِهم أو لأَمْنِ مَكْرِهم؛ ألَّا يَخْلُفُوهُ في بلدِهِ بِسُوءٍ، فلا يَجْعَلْهم محلَّ اعتمادِهِ فيَنفرِدُوا بحمايةِ ثَغْرٍ، فيتسلَّلَ عدوٌّ مِن جِهَتِهِم.\nوقد كان المنافِقونَ يخرُجُونَ مع النبيِّ - ﷺ - وهو يَعْلَمُهم؛ تأليفًا لهم، أو طمَعًا في مَغْنَمٍ، وأَمْنًا مِن أنْ يَخْلُفُوهُ بشرٍّ، وإذا دخَلَتِ الدُّنيا في قلبِ المجاهِدينَ، وقَعَ التنازُعُ في صورةِ الانتصارِ للحقِّ، ونزَلَ الافتراقُ وتَبِعَهُ الفَشَلُ، وكلَّما كانَ الإنسانُ أقربَ إلى الآخرةِ، فالقليلُ مِن الدُّنيا ثَقيلٌ عليه، فالمقاتِلُ أقرَبُ للموتِ مِن المسالِمِ، فوجَبَ عليه أن يدَعَ الدُّنيا وطَمَعَ النفسِ؛ حتى لا يُفسِدَ عليه ذلك جهادَهُ وجهادَ الأُمَّةِ، وإذا وقَعَ في الأُمَّةِ فشلٌ، فلْيُفتَّشْ عن طمعِ الدُّنيا؛ فإنَّ المجاهِدِينَ يُهْزَمُونَ بسببِ أطماعِ القلوبِ، وخفايا الذنوبِ؛ ففي أُحُدٍ قال ابنُ مسعودٍ: \"لَوْ حَلفْتُ يَوْمَ أُحُدٍ، رَجَوْتُ أنْ أَبرَّ: إِنَّهُ ليسَ أَحدٌ مِنَّا يُرِيدُ الدُّنيا، حتى أَنزَلَ اللهُ - ﷿ -: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ \" [آل عمران: ١٥٢]؛ أخرَجَهُ أحمدُ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٤٤٠ - ٤٤١).","vol":"1","page":509},{"text":"في \"مسندِه\"، وابنُ أبي حاتمٍ، وابنُ جريرٍ (١).\nوكلَّما كان العبدُ في مكانٍ أعظَمَ، فالمؤاخَذَةُ عليه أكبَرُ؛ فالمجاهِدُ في موضِعٍ عظيمٍ، وأمَلُهُ قصيرٌ يقتضي التجرُّدَ؛ فمِلْءُ الكفِّ مِن الهَوَى يُفسِدُ عليه ما يُفسِدُهُ مثاقيلُ الهَوَى على غيرِ المجاهِدِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>الاجتماعُ في القتالِ:</span>\nوفي الآيةِ: مسألتانِ مُهِمَّتانِ هما المَقْصُودتانِ مِن ذِكْرِ الآيةِ هُنا: أُولَاهما: في قولِهِ تعالى: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقولِهِ تعالى بعد ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧]؛ وذلك لوجوبِ التأميرِ في الجهادِ، أميرًا تجتمِعُ عليه الكلمةُ، ويَقْوَى على مقابَلةِ العدوِّ؛ وذلك أنَّ الجِهادَ يحتاجُ إلى تعاضُدٍ بينهم وتآمُرٍ على العدوِّ؛ وهذا لا يكونُ إلا باجتماعٍ؛ وهذا يدلُّ عليه العقلُ والنقلُ، وكان النبيُّ - ﷺ - لا يَبْعَثُ جيشًا ولا سَرِيَّةً إلا أمَّرَ عليهِم أميرًا، وفي الحديثِ: \"كان النبيُّ - ﷺ - إذا بعَثَ أميرًا على سَرِيَّةٍ أو جَيْشٍ، أَوْصَاهُ بتَقْوَى اللهِ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>التأميرُ وأهميَّتُهُ:</span>\nبل كان النبيُّ - ﷺ - يَحُثُّ على التأميرِ في كلِّ سَفَرٍ ولو في أَمْنٍ؛ كما في حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ؛ قال - ﷺ -: (إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ، فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ) (٣)، وجاء مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ، فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ) (٤).\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٤٤١٤) (١/ ٤٦٣)، والطبري في \"تفسيره\" (٦/ ١٤١)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ٧٨٨).\n(٢) أخرجه أحمد (٢٢٩٧٨) (٥/ ٣٥٢)، وأبو داود (٢٦١٢) (٣/ ٣٧)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٨٧٣١) (٨/ ٩٧).\n(٣) أخرجه أبو داود (٢٦٠٨) (٣/ ٣٦).\n(٤) أخرجه أبو داود (٢٦٠٩) (٣/ ٣٦).","vol":"1","page":510},{"text":"وهذا اجتماعٌ قليلٌ أمَرَ بالإمارةِ فيهِ؛ فكيف بما هو أكثَرُ منه؟ ! وكلَّما كَثُرَ الناسُ وضَعُفَتِ الإمامةُ فيهم، وَهَنُوا؛ فالإمامُ يُقِيمُ الحدودَ، وينصُرُ المظلومَ، ويُهِيبُ مَنْ يتربَّصُ الفسادَ، وكثيرًا ما يَظُنُّ العامَّةُ أنَّ أَمْرَهُمْ مستقيمٌ تحتَ إمامٍ صالِحٍ، فيَظُنُّونَ أنَّ استقامةَ أمرِهِم لصلاحِهِم، فلا يَرَوْنَ لإمامِهِمْ حاجةً، فإذا زالَ الإمامُ، أفسَدَ بعضُهُمْ بعضًا، وقتَلَ بعضُهُمْ بَعضًا، وظهَرَتِ الأطماعُ ومكامِنُ الأهواءِ التي يَدفِنُها الإمامُ فيهم بِهيْبَتِهِ.\nوالجهادُ أحوَجُ إِلى الجماعةِ؛ لأنَّ مصلحتَهُ عامَّةٌ؛ نُصْرةً وعِزَّةً وتمكينًا، ومفسدتَهُ عامَّةٌ؛ خِذْلانًا وهَوَانًا وشَتَاتًا، تُحفَظُ بالجهادِ الضروريَّاتُ الخمسُ، وبفسادِهِ تَضِيعُ؛ لذا فالجهادُ موكولٌ إلى الإمامِ يرفَعُ رايتَهُ، ويسالِمُ ويعاهِدُ، ولا تتحقَّقُ مصالحُ الدِّينِ وتكتمِلُ مصالحُ الدُّنيا إلا بالإمامةِ والإجتماعِ عليها؛ فالناسُ بلا إمامٍ صالِحٍ كالجَسَدِ بلا رأسٍ صحيحٍ.\nوإذا صحَّ الجهادُ وقامَ سببُهُ المشروعُ، فهل يَجِبُ في ذلك إذنُ الإمامِ؟ للعلماءِ في ذلك أقوالٌ ثلاثةٌ:\nذهَبَ الجمهورُ: إلى وجوبِهِ؛ وهو قولُ المالكيَّةِ والحنفيَّةِ، وقولٌ للحنابلةِ، وهو الأصحُّ إذا كان الإمامُ مِمَّنْ يُقِيمُ الجهادَ ويُعِدُّ له العُدَّةَ ولو تَرَبَّصَ وتَمَهَّلَ.\nوذهَبَ الشافعيَّةُ: إلى الكراهةِ مع الجوازِ.\nوذهَبَ الظاهريَّةُ: إلى الجوازِ بلا كراهةٍ.\nوأصولُ العلماءِ تَتَّفِقُ على أنَّ مَنْ لا يُقِرُّ بشِرْعةِ الجهادِ أصلًا لا يُشتَرَطُ إذنُ الجهادِ منه؛ لأنَّه لا يُقِرُّ بأصلٍ؛ فكيف يُؤتَمَنُ على فَرْعٍ؟ !","vol":"1","page":511},{"text":"فالإذنُ إنَّما رُبِطَ بالإمامِ لأنَّه يَعرِفُ مواضعَ الثغورِ، وأَزْمِنةَ الغَزْوِ، والفاضلَ مِن المفضولِ مِنها، وأماكنَ الحاجةِ، وقُوَّةَ العدوِّ وضَعْفَهُ، وإذا كان الإمامُ لا يُؤمِنُ بشِرْعةِ الجهادِ، فلا تُشرَعُ له لوازِمُهُ.\nوإذا تعدَّدتْ بُلْدانُ الإسلامِ، فلكُلِّ بَلَدٍ إمامُهُ؛ يُقِيمُ جهادَهُ، ويَرفَعُ لواءَهُ، وله حقوقُهُ ولوازِمُه، وعليه تَبِعَاتُه، ولا يُطلَبُ مِن إمامٍ إذنٌ لجهادٍ في غيرِ وِلَايتِه؛ لأنَّ إذنَهُ حقٌّ له فيما تقَعُ عليه يدُه، فهو يُبصِرُ مصلحتَه، ويَرَى مفسدتَه، ولغيرِهِ على أرضِه يدٌ، وله عَيْنٌ، يُبصِرُ ما لا يُبصِرُهُ غيرُه، ويَشْهَدُ ما لا يَشْهَدُه.\nوقد قاتَلَ أبو بَصِيرٍ بمَنْ معَهُ المشرِكِينَ، وتربَّصَ بِعِيرِهِمْ وقَوَافِلِهم، فلم يكُنْ تحتَ رايةِ النبيِّ - ﷺ -؛ لأنَّه لم يكنْ في أرضِهِ ولا تحتَ أمرِهِ سياسةً، وإنْ كان تحتَ أمرِه شِرْعةً، فلم يأمُرْهُ النبيُّ - ﷺ - ولم يَنْهَهُ، بل مدَحَهُ وقال: (مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ) (١)، ولم يطلُبْ هو مِن النبيِّ - ﷺ - إذنًا مع نزولِ الوحيِ وعِصْمةِ المُوحَى إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>شروطُ جهاد الدفعِ:</span>\nوأمَّا جهادُ الدفعِ، فليس له شرطٌ؛ فإذا دهَمَ العَدُوُّ بَلَدًا، وجَبَ على أهلِها الدفعُ عن حِمَاهُم؛ كلٌّ بما يستطِيعُهُ، جماعةً أو فُرادى، رجالًا أو نساءً، وإنْ تعذَّرَ اجتماعُهُمْ، فيسقُطُ شرطُ الاجتماعِ، فيقاتِلُونَ فُرادى، وإنْ تعذَّرَ الإمامُ، فيقاتِلُونَ بلا إمامٍ.\nوهؤلاءِ المَلَأُ مِن بني إسرائيلَ إنَّما طلَبُوا مِن نبيِّهم مَلِكًا يقاتِلُونَ معه، وجهادُهُمْ جهادُ دفعٍ، كما في قولِه: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾؛ لأنَّهم أُخرِجُوا مِنْ أَرْضِهم، فلم\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٧٣١) (٣/ ١٩٧)، وانظر: ابن هشام في \"السيرة\" (٢/ ٣٢٤).","vol":"1","page":512},{"text":"يتمكَّنوا مِن الدفعِ، فاجتمَعُوا في غيرِ أرضِهم بعدَ إخراجِهِمْ، فأرادُوا القتالَ بإمامٍ لتمكُّنِهِمْ مِن تحقيقِ ذلك.\nوإذا تمكَّنَ أهلُ البلدِ مِن الاجتماعِ على إمامٍ يقاتِلُونَ معه عن أرضِهِمْ وعِرْضِهِمْ ودَمِهِمْ، وجَبَ عليهم ذلك ولو كان جهادَ دفعٍ، وإنَّما سقَطَ وجوبُ الإمامِ عن جهادِ الدفعِ؛ لأنَّ الغالِبَ العجزُ عن تحقُّقِهِ والتمكُّنِ منه، وإذا اتَّسَعَتِ البلدُ، وعجَزُوا عن الاجتماعِ على إمامٍ واحدٍ، فيجتمِعونَ جماعاتٍ ما أمكَنَهُمْ، وإذا مُكِّنُوا اجتمَعُوا على جماعةٍ واحدةٍ.\nالمسألةُ الثانيةُ: سُمِّيَ القتالَ في الآيةِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾، مع كونِهِم يقاتِلُونَ بسببِ إِخراجِهم مِن ديارِهِمْ وأبنائِهِمْ، لا لإعلاءِ كلمةِ اللهِ وإقامةِ حُكْمِه؛ وذلك لأنَّ جِهادَ الدفعِ عنِ النفسِ والعِرْضِ والمالِ لا تُشْترَطُ له نِيَّةٌ، لما جاءَ في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو؛ قالَ: قالَ - ﷺ -: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) (١)، وفي \"السننِ\"؛ مِن حديثِ سعيدِ بنِ زيدٍ مرفوعًا: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ، أَوْ دُونَ دَمِهِ، أَوْ دُونَ دِينِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ) (٢).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٤٨٠) (٣/ ١٣٦)، ومسلم (١٤١) (١/ ١٢٤).\n(٢) أخرجه أبو داود (٤٧٧٢) (٤/ ٢٤٦)، والترمذي (١٤٢١) (٤/ ٣٠)، والنسائي (٤٠٩٥) (٧/ ١١٦).","vol":"1","page":513},{"text":"قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧].\nجعَلَ اللهُ لبني إِسرائيلَ طَالُوتَ مَلِكًا يقاتِلُ بهم، ويقاتِلُونَ معه، وذكَرَ اللهُ نزاعَهُم بعد طلبِهم منه الملِكَ، فرَأَوْا أنَّهم أحَقُّ منه بالوِلَايةِ؛ وذلك لأنَّهم رأَوْا مِن أمرِ دنياه ما لا يستحسِنُونَهُ بنفوسِهِم، فاستنقَصُوهُ نَسَبًا؛ فكانَ مِن سِبْطِ بِنْيامِينَ، ولم يَكُنْ بهم مَمْلَكةٌ ولا نُبُوَّةٌ؛ قالَهُ قتادةُ وغيرُه (١).\nوروى عمرُو بنُ دِينَارٍ، عن عِكْرِمةَ؛ قال: \"كان طالوتُ سَقَّاءً يَبِيعُ الماءَ\"؛ أخرجَهُ ابنُ جريرٍ (٢)؛ ولذا قالُوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾.\nوهذه المآخِذُ ليست محلَّ تفضيلِهِ عليهم في القتالِ؛ ولذا قالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾، وشروطُ الوِلَاياتِ تختلِفُ بحَسَبِ منازلِها؛ فوِلَايةُ الجهادِ تختلِفُ عن ولايةِ الإمامِ في الصلاةِ، ووِلَايةِ المالِ، وولايةِ القضاءِ والحدودِ، وولايةِ الأيتامِ والأعراضِ.\nوالمقصودُ بالعلمِ هنا هو: العِلْمُ بالقتالِ والحربِ، والكَرِّ والفَرِّ، وأَحكامِ العدوِّ رجالًا ونساءً وشيوخًا، وأحكامِ المهادَنةِ والمسالَمةِ؛ حتَّى لا يقَعَ الظلمُ.\nقال وهبُ بنُ منبِّهٍ وغيرُهُ في عِلْمِ طالوتَ: \"هو العِلْمُ بالحربِ\" (٣).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٤٥٠، ٤٥٣).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٤٥٠).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٤٦٦).","vol":"1","page":514},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>اشتراطُ العلمِ للوالي بما يلي:</span>\nوإنَّما يُشترَطُ لكلِّ والٍ عِلْمُهُ بأحكامِ ولايتِهِ، لا مطلَقُ العِلْمِ أو العِلْمُ المطلَقُ؛ فوِلَايةُ أميرِ الجَيْشِ في غزوٍ غيرُ ولايةِ أميرِ الناسِ في الحجِّ؛ فالأولُ: يجبُ أن يكونَ بصيرًا بعِلْمِ الجهادِ، والثاني: يجبُ أنْ يكونَ بصيرًا بعِلْمِ المناسكِ، وأميرُ القضاءِ: يجبُ فيه عِلْمُ العقوباتِ حدودًا وتعزيزاتٍ، وفقهُ النكاحِ والطلاقِ والعِدَدِ والمواريثِ، وكلِّ ما يتعلَّقُ بفصلِ النِّزاعِ؛ كالبيوعِ، والتجارةِ، وغيرِها، ولا يجبُ عليه الفِقْهُ بمسائلِ ودقائقِ العباداتِ كالطَّهارةِ والصِّيامِ والصَّلاةِ والمناسكِ، إلا ما يُقِيمُ به دِيَنَهُ منها؛ لأنَّ هذا واجبٌ على المُفْتِي لا على القاضي.\nوكلَّما تلبَّسَ الإنسانُ بعملٍ، وجَبَ عليه التفقُّهُ فيه؛ ولذا قال عُمَرُ بنُ الخطَّابِ: \"لَا يَبِعْ فِي سُوقِنَا إِلَّا مَنْ قَدْ تَفَقَّهَ فِي الدِّينِ\"؛ رواهُ الترمذيُّ (١)، فيتفقَّهُ في البيعِ ولو لم يَفْقَهْ تفاصيلَ الصلاةِ والصيامِ والحَجِّ، ويكتفي بما يُقِيمُ دِينَهُ منها.\nوإذا وُجِدَ اثنانِ لولايةِ الجهادِ: قويُّ الجَسَدِ شجاعٌ ضعيفُ الإيمانِ، وقَوِيُّ الإيمانِ ضعيفُ الجَسَدِ جَبَانٌ، فيُقدَّمُ الأولُ؛ لأنَّ الوِلَايةَ ولايةُ جهادٍ، فتحتاجُ قُوَّةَ القلبِ والبدنِ مع أصلِ الإيمانِ؛ وبذلك يتحقَّقُ المقصدُ الشرعيُّ مِن تلك الولايةِ؛ وبهذا يقولُ أحمدُ وغيرُه، وهذا هو المقصودُ مِن بَسْطةِ الجِسمِ في الآيةِ.\nوإنَّما لم يلحَقِ النبيُّ بالمَلَإِ مِن بني إسرائيلَ، فيُجاهِدَ معهم، مع كونِهِم يَدْفَعُونَ عن بَلَدِهم وأَنفُسِهم، فيكونَ أميرًا عليهِم؛ لأمورٍ:\nمنها: أنَّ الكفايةَ تتحقَّقُ بهم، وهم ثَغْرٌ واحدٌ مِن عِدَّةِ تكاليفَ على النبيِّ؛ مِن تبليغِ الدِّينِ، وحمايةِ البلدِ الذي هو فيه، ولأنَّ النبيَّ يتعلَّقُ به\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٤٨٧) (٢/ ٣٥٧).","vol":"1","page":515},{"text":"الناسُ كلُّهم، فلو نفَرَ، ثَقُلَ هذا على أهلِ العَجْزِ، وأَحَبُّوا اللَّحَاقَ به ويَعْجِزُونَ، مع القيامِ بمَنْ حولَهُ، كما كلَّفَ النبيُّ - ﷺ - مَن يقومُ بالغزوِ مَرَّاتٍ؛ لأنَّ المصلحةَ في بقائِهِ - ﷺ -.\nومنها: ظنُّهُ أنَّهم قد يَخْذُلُونَهُ؛ كما في قولِهِ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ [البقرة: ٢٤٦]، فتَلْحَقُهم وتلحقُهُ الهزيمةُ بسببِهم، والفتنةُ بغَلَبةِ العدوِّ على النبيِّ أعظَمُ مِن الفِتْنةِ في غيرِهِ، فينتكِسُ الأتباعُ، وربَّما ارتدُّوا؛ ولذا قال قومُ موسى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥]؛ قال مجاهِدٌ: \"أيْ: لا تعذِّبْنا بأيدي قومِ فِرْعَوْنَ، ولا بعذابٍ مِنْ عندِكَ، فيقولَ قومُ فرعونَ: لو كانُوا على الحقِّ، ما عُذِّبُوا، وَلا سُلِّطْنا عليهم، فيُفتَنُوا بنا\" (١)؛ وبنحوِهِ قال ابنُ عباسٍ وقتادةُ (٢).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤].\nهدا خطابٌ لأهلِ الإيمانِ بالنَّفَقَةِ، والنفقةُ في القرآنِ: الصدقةُ؛ كما قاله يحيى بنُ آدَمَ وغيرُه (٣).\nوالرِّزْقُ هو: الأموال بجميعِ أوصافِها؛ نقدَيْنِ، أو ماشيةً، أو زروعًا وثمارًا، أو تجارةً، أو متاعًا، فكلُّ شيءٍ يُستحَبُّ فيه النفقةُ ولو كان متاعًا، فنفقتُهُ عاريتُهُ، أو الصدقةُ بهِ، أو إهداؤُهُ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٢/ ٢٥٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٩٧٦).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢٢/ ٥٦٩).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٤٨٥).","vol":"1","page":516},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>زكاةُ عُروضِ التجارةِ:</span>\nوفي الآيةِ: وجوبُ الزكاةِ في جميعِ الأموالِ، ومنها عروضُ التجارةِ؛ فقد جاء الأمرُ بالعمومِ، فالإنفاقُ أوَّلُ ما يتوجَّهُ إلى الزكاةِ، كما روى حَجَّاجٌ، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ؛ قولَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾، قال: \"مِن الزَّكَاةِ والتطوُّعِ\" (١).\nوتجبُ الزكاةُ في عروضِ التجارةِ عندَ عامَّةِ العلماءِ، وهو قولُ الأئمةِ الأربعَةِ، وعملُ الخلفاءِ الراشِدِينَ؛ كعُمَرَ بنِ الخطَّابِ - ﵁ -، وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ وفقهاءِ المدينةِ السَّبْعَةِ، ويعضُدُ هذا: ما رواهُ أبو داودَ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ سَمُرةَ مرفوعًا: (أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْعِ) (٢).\nونقَلَ ابنُ المنذِرِ إجماعَ العلماءِ على زكاةِ عروضِ التجارةِ (٣).\nخلافًا للظاهريَّةِ الذين يَجْعَلُونَ النصوصَ إنَّما هي فيما خَصَّهُ الدليلُ، ولا يأخُذونَ بإطلاقاتِ الآياتِ، وربَّما احترَزُوا مِن القولِ بالإطلاقِ؛ خوفًا مِن وجوبِ الزكاةِ في المتاعِ والدُّورِ والمَرَاكبِ وطعامِ البيتِ؛ لكونِها مِن الأرزاقِ والأموالِ، ولكنَّ هذا النوعَ مِن الأَموالِ لم يَقُلْ أحدٌ بوجوبِ الزكاةِ فيه، ولا ذكَرَ ذلك الصحابةُ ولا مَن بَعْدَهم إلا ما يتعلَّقُ بحُلِيِّ المرأةِ، ومَنْ أوجَبَ الزكاةَ فيه لا يجعلُهُ متاعًا، بل نقدًا.\nوالتجارةُ كسبٌ، واللهُ يقولُ: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، ويأتي مزيدُ كلامٍ في ذلك في سورةِ التوبةِ عندَ قولِه تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٥٢٣).\n(٢) أخرجه أبو داود (١٥٦٢) (٢/ ٩٥).\n(٣) ينظر: \"المجموع\"، للنووي (٦/ ٤٧).","vol":"1","page":517},{"text":"قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦].\nرَفْعُ الإكراهِ في الآيةِ عامٌّ مخصوصٌ بغيرِهِ مِن الآياتِ، وقد وقَعَ خلافٌ في نسخِ هذه الآيةِ بآياتِ السيفِ والقتالِ؛ فمنْهُم: مَنْ قال بالنَّسْخِ؛ وهو قولُ الضَّحَّاكِ والسُّدِّيِّ وابنِ زيدٍ وغيرِهم، وليس كذلك؛ بل هي محكَمةٌ وخاصَّةٌ بأهلِ الكِتابِ، لا بِغيرِهِم مِن الكفارِ؛ وذلك أنَّهم لا يُكرَهونَ على الإسلامِ إذا نزَلُوا على الجِزْيةِ بخلافِ الوثنيِّينَ، ويأتي تفصيلُ الجِزْيةِ وأحكامِها في \"التوبةِ\" عند قولِه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].\nوالذي عليهِ أكثَرُ المفسِّرينَ: إحكامُ آيةِ البابِ، وخصوصُها بأهلِ الكتابِ؛ وعلى هذا جرى تفسيرُ الصحابةِ؛ كابنِ عبَّاسٍ، وابنِ عُمَرَ - ﵃ -، وهو قولُ مجاهِدٍ والحسنِ والشَّعْبيِّ.\nولا يُصارُ إلى النَّسْخِ إذا عُرِفَ التاريخُ ولم يتعارَضِ الحُكْمُ مِن جميعِ الوجوهِ، فآيةُ السيفِ سابِقةٌ لنزولِ هذهِ الآيةِ، وآياتُ السيفِ لها مواضِعُها، وهذهِ الآيةُ لها مواضِعُها؛ ففي \"السُّننِ\"؛ مِن حديثِ أبي بِشْرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ؛ في قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، قالَ: نزَلَتْ في الأنصارِ، قُلتُ: خاصَّةً، قال: خاصَّةً، كانَتِ المرأةُ منهُم إذا كانت نَزِرَةً أو مِقْلَاتًا؛ تَنْذِرُ لَئِنْ وَلَدَتْ وَلَدًا لَتَجْعَلَنَّهُ في اليَهُودِ؛ تَلْتَمِسُ بِذَلِكَ طُولَ بَقَائِهِ، فَجَاءَ الإسلامُ وفيهِمْ مِنْهُم، فلمَّا أُجْلِيَتِ النَّضِيرُ، قالَتِ الأنصارُ: يا رَسُولَ اللهِ، أبناؤُنا وإخوانُنا فيهم، فسكَتَ عنهُم رسولُ اللهِ - ﷺ -،","vol":"1","page":518},{"text":"فنزَلَتْ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، فقالَ رسُولُ اللهِ - ﷺ -: (قَدْ خُيِّرَ أَصْحَابُكُمْ؛ فَإِنِ اخْتَارُوكُمْ فَهُمْ مِنْكُمْ، وَإِنِ اخْتَارُوهُمْ فَأَجْلُوهُمْ مَعَهُمْ) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>حكمُ الإكراهِ على الإسلامِ:</span>\nوهذا في أهلِ الكتابِ ألَّا يُكْرَهوا على الدخولِ في الإسلامِ ابتداءً، فإنْ قَبِلُوهُ؛ فلهم ما عَلى أهلِ الإسلامِ، وعليهم ما عليهم، وإنْ أَبَوْا فيُنزِلُونَهُمْ على الجِزْيةِ، وإنْ أَبَوْها، فإمَّا سِلْمٌ معهم عندَ عَجْزِ المسلِمينَ وضَعْفِهم، أو قِتَالُهم حتَّى يَنزِلُوا على أحدِ الأمرَيْنِ؛ إسلامٍ أو جِزْيةٍ، بخلافِ المشرِكِينَ والمَلاحِدةِ اللادينيِّينَ؛ فلا يُقبَلُ مِنهُم إلا إسلامٌ عندَ القُدْرةِ عليهم، أو مسالَمةٌ عندَ العجزِ والخوفِ، أو تركُهُم تربُّصًا بهم إلى حينِ قُوَّةٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>حكمُ الرِّدَّةِ وحريَّةِ الدين:</span>\nوليس في الآيةِ جوازُ الخروجِ مِن الإسلامِ بعدَ دخولِه؛ فتلك رِدَّةٌ غيرُ مقصودةٍ في الآيةِ؛ لآياتِ السَّيْفِ الكثيرةِ، ولحديثِ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. . .) (٢)، ولحديثِ ابنِ عباسٍ: (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ، فَاقْتُلُوهُ) (٣)، وغيرِ ذلك.\nوعملُ الخلفاءِ مِن بعدِ النبيِّ - ﷺ - وإجماعُهُمْ: على قَتْلِ المرتَدِّ؛ كفعلِ أبي بكرٍ ومَن معَهُ، ثم عُمَرَ وعثمانَ وعليٍّ، وفُتيا الصحابةِ وفِعْلُهم؛ كابنِ مسعودٍ، وأبي موسى، وابنِ عمرَ، وغيرِهم، والخلفاءُ مِن بَعدِهم تَبِعُوهم في ذلك مِن أُمَراءِ وخُلَفاءِ بني أميَّةَ وبني العبَّاسِ.\nولكنَّ الخلافَ عندَ السلفِ في المنافِقِ الذي يُفلِتُ لسانُهُ بقولِ\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٨٦).\n(٢) أخرجه البخاري (٢٥) (١/ ١٤)، ومسلم (٢٢) (١/ ٥٣).\n(٣) أخرجه البخاري (٣٠١٧) (٤/ ٦١).","vol":"1","page":519},{"text":"الكُفْرِ، ثم يَنْفِيهِ؛ كحالِ المنافِقِينَ في زمنِ النبيِّ - ﷺ -، واختَلَفُوا في استتابةِ المرتدِّ ومدَّتِها وصِفَتِها، واختلَفَ الفقهاءُ في حالِ المرأةِ المرتدَّةِ وأخْذِها حُكْمَ الرجلِ، وهذا له مواضِعهُ - بإذنِ اللهِ تعالى - مِن كتابِ اللهِ.\nوإذا قاتَلَ النبيُّ - ﷺ - المشرِكَ الأصليَّ، فكيفَ بالمرتَدِّ المعانِدِ؟ !\nوليس في الآيةِ تخييرٌ بالخروجِ مِن الإسلامِ وعدَمِ الإلزامِ بالدخولِ فيهِ لكلِّ أحدٍ، واللهُ يقولُ بعد ذلك: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾، فقد أمَرَ بالكفرِ بالطاغوتِ، وأمَرَ بالإيمانِ باللهِ؛ ليبيِّنَ أنَّ مَنْ لم يفعَلْ ذلك، انفصَلَتْ عُرَاهُ، وانقطَعَ دِيِنُهُ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧].\nأمَرَ اللهُ بالإنفاقِ مِن طيِّباتِ الكسبِ، ومِن خراجِ الأرضِ، فالكسبُ كسبُ اليدِ ممَّا تُخرِجُهُ مِن مالٍ، ومِن تجارةٍ وصناعةٍ وحِرْفةٍ، فكلُّ مالٍ تَكْسِبُهُ اليدُ فيه زكاةٌ عندَ دَوَرانِ الحَوْلِ عليه، وبلوغِهِ نصابًا، فالآيةُ يُقيِّدُ عمومَها أحاديثُ الحَوْلِ؛ كما في حديثِ عائشةَ مرفوعًا: (لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ)؛ رواهُ ابنُ ماجَهْ (١)، ورَواهُ أحمدُ؛ مِن حديثِ عاصمِ بنِ ضَمْرةَ، عن عليٍّ، بنحوِهِ (٢)، ورُوِيَ موقوفًا مِن هذا الوجهِ؛ رواهُ ابنُ أبي شَيْبةَ (٣)، ورُوِيَ عنِ ابنِ عمرَ مرفوعًا وموقوفًا (٤)؛ والموقوفُ عنهما أصحُّ.\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (١٧٩٢) (١/ ٥٧١).\n(٢) أخرجه أحمد (١٢٦٥) (١/ ١٤٨).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٠٢١٤) (٢/ ٣٨٦).\n(٤) أخرجه الترمذي (٦٣١) (٦٣٢) (٣/ ١٦ - ١٧).","vol":"1","page":520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>اشتراطُ الحَوْلِ للزكاة:</span>\nوإذا كسَبَ الإنسانُ مالًا يَبلُغُ نصابًا بنفسِهِ عندَ كسبِهِ، ولم يكنْ لدَيْهِ مالٌ مِن قبلُ، فلا زكاةَ عليهِ حتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ، ويَبدَأُ حولُهُ مِن وَقتِ كَسْبِه؛ لعمومِ الحديثِ وعملِ الصحابةِ وفتواهُم؛ كأبي بكرٍ وعليٍّ وابنِ عُمرَ وعائشةَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>المالُ المكتسَبُ أثناء الحَوْلِ:</span>\nومَن كان لدَيْهِ مالٌ غيرُ المكتسَبِ وقد بلَغَ مالُهُ الذي عندَهُ نصابًا، ثمَّ اكتسَبَ مالًا في أثناءِ الحولِ، فلا يخلُو المالُ المكتسَبُ مِن أحوالٍ:\nالأولى: إنْ كانَ المالُ المستفادُ مِن جِنْسِ مالِهِ الذي عندَهُ مِن قبلُ، وهو نماءٌ له؛ كنماءِ التِّجارةِ وكَسْبِها بالمضارَبةِ، ونماءِ الماشيةِ منها، فهذا المالُ المكتسَبُ يَتْبَعُ حَوْلَ أصلِ مالِه؛ لأنَّ المكتَسَبَ فرعٌ له، فيأخُذُ حكمَ أصلِهِ؛ وهذا قول عامَّةِ العلماءِ، ولا يُعرَفُ في السلفِ والأئمَّةِ الأربعةِ مخالِفٌ، ومثلُ هذا النماءِ في المالِ يشقُّ حسابُهُ وجعلُ حولٍ خاصٍّ به، ومِثْلُهُ: لو كان لا بُدَّ مِن نَقْلِهِ لِشِدَّةِ الحاجةِ إليه، فنماءُ الماشيةِ كثيرٌ في أثناءِ حولِها، ونماءُ التجارةِ ربما يكونُ كلَّ يومٍ عندَ أهلِ المالِ الوفيرِ والتجارةِ الواسعةِ.\nالثانيةُ: إذا كان المالُ مِن غيرِ جِنسِ المالِ المكتسَبِ؛ كأنْ يكونَ كسَبَ عقارًا، ومالُهُ نَقْدٌ أو اكتسَبَ نقدًا ومالُهُ عروضٌ، فقد اختلَفَ العلماءُ حولَ المالِ المكتسَبِ ونصابِهِ: هل يَتْبَعُ مالَ صاحِبِهِ، أم يَنْفرِدُ المالُ المكتسَبُ بحَوْلٍ جديدٍ، ونصابٍ جديدٍ؟ ذهَبَ جمهورُ العلماءِ: إلى أنهُ يستقِلُّ بنفسِهِ بحولٍ ونصابٍ جديدَيْنِ؛ وهو مرويٌّ عن أبي بكرٍ وعُمَرَ وعثمانَ وعليٍّ.\nوذهَبَ أحمدُ - في روايةٍ -: أنَّه يُزكَّى حينَ استفادتِهِ؛ وهو مرويٌّ عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، ومعاويةَ، والأوزاعيِّ.","vol":"1","page":521},{"text":"ورُوِيَ عن أحمدَ فيمَنْ باع دارَهُ بعَشَرةِ آلافِ دِرْهَمٍ إلى سنةٍ؛ فإنَّه يُزَكِّيهِ إذا قبَضَهُ (١)، وهذا منهُ؛ لأنَّ المالَ حَقَّ له مِن أوَّلِ الحولِ، ولكنَّه أُجِّلَ كالدَّيْنِ في الذِّمَّةِ فيُزَكِّيهِ إذا قبَضَهُ، وقد رواهُ غيرُ واحدٍ عن أحمدَ بهذا المعنى.\nالثالثةُ: أنْ يَكتسِبَ مالًا مِن جنسِ مالِهِ الذي قام في مُلْكِه، وقامَ نصابُهُ، وبدَأَ حولُهُ، ولكنَّ المالَ المكتسَبَ ليس فرعًا لمالِهِ الأصلِ، ولا نماءً له؛ فَلَيْسَ رِبْحًا مِن تجارتِهِ، ولا نماءً لماشيتِهِ؛ وإنَّما كسَبَهُ يصفةٍ أُخرى كالهِبَةِ أو اللُّقَطةِ أو الشِّرَاءِ مِن غيرِ مالِهِ الأصليِّ، كأنْ يكونَ لدَيْهِ ماشيةٌ أو نَقْدٌ أو عقارٌ، فيُهْدَى له عقارٌ أو نقدٌ أو ماشيةٌ؛ فقد اختلَفَ العلماءُ في هذه الحالِ:\nذهَبَ طائفةٌ: إلى أنَّه يَتْبَعُ أصلَ المالِ ما دامَ مِن جِنسِهِ مطلَقًا؛ وهذا قولُ الشافعيِّ وأبي حنيفةَ.\nوقال آخَرُونَ: بأنَّ حَوْلَهُ مستقِلٌ ما دام ليس فرعًا ولا نماءً للأوَّلِ، ولو كان مِن جِنْسِهِ؛ أخذًا بظاهرِ النصوصِ؛ كما في الحديثِ: (مَنِ اسْتَفَادَ مَالًا. . .) (٢)، والمالُ المستفادُ هو ما كان له أصلٌ، والحديثِ الآخَرِ: (لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ).\nوعمومُ الحديثَيْنِ محتمِلٌ لكِلا القولَيْنِ يتأوَّلُهما كلٌّ عَلَى وجهِه، والأحوَطُ جعلُ المالِ المستفادِ تَبَعًا للمالِ الأصلِ إذا كان مِن جِنسِهِ بكلِّ حالٍ، كان فرعًا له أو لم يَكُنْ.\nوتجبُ - أيِ: الزكاةُ - فيما زاد على النصابِ بالحسابِ، إلا في السائمةِ؛ فلها حسابٌ منصوصٌ، لا يصحُّ فيه القياسُ.\n_________\n(١) ينظر: \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٤٦٨).\n(٢) أخرجه الترمذي (٦٣١) (٣/ ١٦).","vol":"1","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-318>دوامُ النصابِ في الحولِ كلِّهِ:</span>\nويُشترَطُ دوامُ بلوغِ النصابِ في الحَوْلِ كُلِّهِ عندَ جماهيرِ العلماءِ، خلافًا لأبي حنيفةَ؛ فقد جعَلَ نقصانَ النصابِ في أثناءِ الحولِ لا يُسقِطُ الزكاةَ، بشرطِ بلوغِ النصابِ في طَرَفَي الحولِ أوَّلِه وآخِرِه.\nوالصحيحُ أنَّ نقصانَ النصابِ يُسقِطُ الحولَ؛ لعموم الحديثِ، وإيجابُ الزكاةِ لتمامِ النصابِ فىِ طرَفَي الحَوْلِ لا ضابطَ له يتحقَّقُ فيه العدلُ وعدمُ الإضرارِ، فيستوي في هذا مَن فقَدَ مالَهُ كلَّه وخَسِرَهُ، ثُمَّ استأنَفَ تجارةً أو كسبًا، فبلَغَ نصابًا قبلَ بلوغِ الحولِ، فمالُهُ الذي يُزَكِّيهِ ليس هو المالَ الذي بدَأَ حولُهُ، بل هو مالٌ جديدٌ؛ لهلاكِ مالِهِ الأوَّلِ، وقولُ أبي حنيفةَ بستوي فيه مَن نقَصَ نصابُهُ دِرْهَمًا ومَن ذهَبَ مالُهُ كلُّه، ثمَّ استفادَ غيرَهُ.\nوقولُه تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾، فيه: أنَّ المالَ الحرامَ لا زكاةَ فيه ما لم يُتَبْ منه؛ فاللهُ طيِّبٌ لا يَقبَلُ إلَّا طيِّبًا - كما في الحديثِ (١) - فإِنْ تابَ صاحِبُهُ كمَنْ يتوبُ مِن الرِّبا بعدَ قَبْضِهِ، فيُزَكِّيهِ؛ لأنَّ التوبةَ الصادِقةَ ترفَعُ عنِ المالِ خَبَثَهُ.\nوقولُهُ تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾، فيه: إخراجُ الزكاةِ مِن كلِّ ما يخرُجُ مِن الأرضِ مِن الثِّمارِ والزُّروعِ بشروطِها الثابتةِ في السُّنَّةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>زكاةُ الخَضْراواتِ:</span>\nوالخَضْرَاوَات والفاكِهةُ لا زكاةَ فيها على الصحيحِ، وليس فيها حديثٌ صحيحٌ يأمُرُ بذلك، ولا يمنعُهُ، وأمَّا ما روى التِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ معاذٍ: (ليس في الخَضْرَاوَاتِ زَكَاةٌ) (٢)، فلا يثبُتُ؛ أعلَّهُ التِّرمِذيُّ وغيرُهُ؛ وقال: \"لا يثبُتُ في هذا البابِ شيءٌ\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٠١٥) (٢/ ٧٠٣).\n(٢) أخرجه الترمذي (٦٣٨) (٣/ ٢١).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٣/ ٢١).","vol":"1","page":523},{"text":"والمدينةُ لم تكن مَنْبَتًا للخَضْرَاوَاتِ والفاكهةِ؛ لأرضِها، ولحاجتِها للماءِ، ولحرارةِ جوِّها، إلا في القليلِ يُزرَعُ كالدُّبَّاءِ وشبهِهِ.\nوعملُ السلفِ على عدمِ زكاتِها؛ نقَلَهُ التِّرمِذيُّ وغيرُهُ (١)، وهو قولُ جمهورِ الفقهاءِ؛ لأنَّ الخَضْرَاوَاتِ والفاكهةَ لا تُقتاتُ ولا تُدَّخَرُ، بخلافِ الحبوبِ والثِّمارِ؛ كالشعيرِ والتمرِ، فتُدَّخَرُ سِنينَ بلا كَبِيرِ مؤونةٍ، ولا يُنتفَعُ - غالبًا - بالخَضْرَاوَاتِ والفاكِهةِ إلا في زمانِ قَطْفِها وأيامِه، وتفسُدُ إنْ طال وقتُها، فبَيْعُ الحبوبِ والانتفاعُ منها أظهَرُ وأكثَرُ مِن الخَضْرَاوَاتِ، والخضراواتُ أضيَقُ، وفي إيجابِ الزكاةِ فيها إضرارٌ بأصحابِها، إلا مَن كان يَجْعَلُها تجارةً، فتأخُذُ حُكْمَ العروضِ.\nولو ادَّخَرَ الناسُ الخَضْرَاوَاتِ والفاكهةَ في الآلاتِ واتَّخَذُوها قُوتًا، فلا زكاةَ فيها؛ لأنَّهُمْ لا يَدَّخِرُونَها إلا بمؤونةٍ وكُلْفةٍ تختلِفُ عن مؤونةِ الحبوبِ، ولا يُجمَعُ عَلَى أهلِها كُلْفتانِ؛ كُلْفةُ الادِّخارِ، وكُلْفةُ الزَّكاةِ، فيتضرَّرَ الناسُ بذلك.\nوأبو حنيفةَ يقولُ بزكاةِ الخَضْرَاوَاتِ، وخالَفَهُ صاحِباهُ.\nوقِيلَ بزكاةِ المَعَادنِ والنِّفْطِ والغاز الذي يَنتَفِعُ منه الناس ممَّا يخرُجُ مِن الأرضِ؛ لعمومِ الآيةِ؛ وهذا ظاهِرُ مذهبِ الحنفيَّةِ؛ لقولِهِمْ بالأخذِ بالعمومِ، والقاعِدةُ عندهم أنَّ دليلَ العمومِ يدلُّ على جميعِ أجزائِهِ دَلَالةً قطعيَّةً، والجمهورُ يَجْعَلُونَ دلالةَ العمومِ على جميعِ أجزائِهِ ظنِّيَّةً، وهذا هو الأرجَحُ، ما لم تَحتَفَّ قرائنُ بأحدِ الأجزاءِ، أو يَقُمْ دليلٌ مستقِلٌ أو عملٌ يقوِّي الأخذَ بجزءٍ أو أجزاءِ العمومِ كلِّها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>زكاةُ النَّفْطِ والبترول:</span>\nواختلَفَ مَن قال مِن أهلِ العصرِ: بزكاةِ النفطِ والغازِ في مِقْدارِ\n_________\n(١) السابق.","vol":"1","page":524},{"text":"النصابِ الذي تَجِبُّ فيهِ الزكاةُ، ومِقْدارِ الزكاةِ فيهِ، على أقوالٍ:\nفمِنهُم: مَن يخرِّجُهُ عَلَى الرِّكَازِ، ويُوجِبُ فيه الخُمسَ.\nومِنهُم: مَن يقيسُهُ على الحبوبِ والثِّمارِ.\nومِنْهُم: مَن يَقِيسُهُ على النقدَيْنِ.\nوالنِّفْطُ والبِتْرُولُ والغازُ إذا كان مالًا عامًّا للمسلِمينَ وخَرَاجُه يكونُ لبيتِ المالِ، فلا تجبُ فيه الزكاةُ.\nوإذا كان مالًا خاصًّا بفَرْدٍ يخرُجُ في أرضٍ له، فهل تجبُ فيه الزَّكاةُ؟ على الخلافِ السابِقِ.\nويَنبغي على مَن قال بالزكاةِ فيه: أنْ يفرِّقَ بين ما يخرُجُ منهُ بمؤونةٍ ومشقَّةٍ ألَّا يَجْعَلَهُ مساوِيًا لِمَا طفَحَ على الأرضِ أو قريبًا مِن سَطْحِها، فيقسَّمُ عَلَى حالَيْنِ قياسًا على الحبوبِ والثِّمارِ؛ فما كان بمؤونةٍ، فلا يجاوِزُ فيه رُبْعَ العُشْرِ، وما كان بلا مؤونةٍ، ففيه العُشْرُ؛ ففي \"الصحيحِ\"، عنِ ابنِ عمرَ - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ -؛ قال: (فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا: العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ: نِصْفُ العُشْرِ) (١).\nوقياسُهُ على الركَازِ ضعيفٌ؛ فإنَّ الركَازَ فيه الخُمْسُ، والرِّكَازُ لا مؤونةَ فيه غالبًا؛ فهو مِن لُقَطِ الجاهليَّةِ، وممَّا عَمِلَتْهُ أيديهِم، فَلا كُلْفةَ بحَفْرِ الأرضِ أو نَحْتِ الصَّخْرِ لاستخراجِهِ، وإنْ خرَجَ بالحَفْرِ، فإِنَّه يخرُجُ تَبَعًا لا مقصودًا بالحفرِ والمؤونةِ، كمَنْ يَحفِرُ بئرًا لأجلِ الماءِ، أو ينقُلُ صخرًا لأجلِ البِناءِ، ثمَّ يَجِدُ مصادَفةً ذَهَبًا جاهليًّا، فهذا لم يَجِدْ مشقَّةً ومؤونَةً في الرِّكَازِ ذاتِهِ؛ ولذا القولُ في الشرعِ الخُمْسُ.\nولا يقاسُ على الرِّكَازِ ما يُخرِجُهُ الناس مِن المَعَادِنِ مِن الصخورِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٤٨٣) (٢/ ١٢٦).","vol":"1","page":525},{"text":"وحَفْرِ الأرضِ، ثمَّ تُصْهَرُ الحِجَارةُ ويخرُجُ ما فيها مِن نفائسِ الأرضِ مِن الذهبِ والفِضَّةِ والنُّحَاسِ وشبهِها؛ فهذا بمؤونةٍ، ولا يأخُذُ حُكْمَ الرِّكَازِ، ولا زكاةَ فيه حتَّى يبلُغَ نصابًا ويحولَ عليه الحَوْلُ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١].\nاختُلِفَ في سببِ نزولِ الآيةِ، وليس في الآيةِ شيءٌ مِن ذلك مسنَدٌ مرفوعٌ أو موقوفٌ صحيحٌ؛ وإنَّما هي أقوالٌ لبعضِ السلفِ:\nفقيلَ: إنَّ المسلِمِينَ كَرِهُوا الصَّدَقةَ على قَرَابَاتِهم مِن المشرِكِينَ؛ فأنزَلَ اللهُ ذلك بيانًا لهم.\nوقيل: إنَّ النبيَّ - ﷺ - نَهَاهُمْ عن الصدقةِ على المشرِكِينَ، فنسَخَ اللهُ ذلك بالآيةِ.\nوالنهيُ لا يصحُّ عن النبيِّ - ﷺ -، وفي الآيةِ التاليةِ ما يُشِيرُ إلى النفقةِ على المشرِكِينَ؛ فقد قال بعد هذِهِ الآيةِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>الصدقةُ والزكاةُ على الكافِرِ:</span>\nوالزكاةُ على الكافرِ لا تصحُّ إلا تأليفًا لقلبِهِ، لا لمجرَّدِ فَقْرِهِ ومَسْكَنَتِهِ؛ حكى الاتِّفاقَ غيرُ واحدٍ كابنِ المنذِرِ، فيُعطى مِن زكاةِ الأموالِ، لا زكاةِ الفِطْرِ؛ لأنَّ زكاةَ الفِطْرِ لا يدخُلُ فيها المؤلَّفةُ قلوبُهم؛ لتقييدِها في الحديثِ بالمسلِمِينَ؛ ولذا خَصَّ اللهُ الكفارَ بآيةِ الأصنافِ الثمانيةِ بقولِهِ تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠]، وهذا القيدُ لا يُشترَطُ","vol":"1","page":526},{"text":"في المُسلِمِ؛ فيُعطَى المسلِمُ لمجرَّدِ فقرِهِ، ولو لم يُقصَدْ تأليفُ قلبِهِ، ولو كان فاسِقًا يُعلَمُ أنَّ الصدقةَ لا تجعلُهُ يُقلِعُ عن معصيتِهِ؛ لأنَّ الزكاةَ استَحَقَّها لفَقْرِهِ ومسكَنَتِهِ، وغُرْمِهِ وجهادِهِ، ولرقبتِهِ، ولغُرْبَتِهِ في سَفَرِهِ، ولجهادِهِ ما دام مسلِمًا، ولو جاز أن يُعْطَى الكافِرُ زكاةً لفَقْرِهِ ومسكنتِهِ ونحوِ ذلك، ما خَصَّهُ تأليفًا لقلبِهِ؛ لأنَّه لو أُعطِيَ لفقرِهِ وهو باقٍ على كُفْرِهِ، فتأليفُهُ لِيُسلِمَ مِن بابِ أَوْلى، فالكفرُ أعظمُ مِن الفقرِ.\nوذِكْرُ الجهادِ في قولِهِ: ﴿وَفِي سَبْيِلِ اللهِ﴾ [التوبة: ٦٠] إشارةٌ إلى خروجِ الكافرِ مِن جميعِ الأنواعِ إلا المؤلَّفةَ قلوبُهُمْ؛ لأنَّه لا يُجاهِدُ في سبيلِ اللهِ، على خلافٍ في استئجارِهِ والاستعانةِ به في القتالِ.\nوجمهورُ الأئمَّةِ: على أنَّ سهمَ المؤلَّفةِ قلوبُهُمْ باقٍ لم يُنسَخْ، خلافًا لأبي حنيفةَ، والصحيحُ بقاؤُهُ، ولا دليلَ يصحُّ على النسخِ، ثمَّ إنَّ العِلَّةَ التي لأجلِها شُرِعَ سَهْمُ المؤلَّفةِ قلوبُهُمْ باقيةٌ إلى قيامِ الساعةِ ما وُجدَ الكُفْرُ والإيمانُ، ونَسْخُ هذا الحكمِ مع بقاءِ عِلَّتِهِ لا يَتَّفِقُ مع أحكامِ الشريعةِ وقواعِدِها.\nواختلَفَ العلماءُ في الصَّدَقةِ مِن غيرِ الزكاةِ على الكافرِ مِن غيرِ قصدِ التأليفِ، والأظهرُ عدَمُ جوازِ ذلك إلا تأليفًا لقلبِهِ فقطْ - صدقةً وإطعامًا - إذا كان جارًا؛ لأَنَّه إذا جاز التأليفُ في الزكاةِ، ففي الصدقةِ مِن بابِ أولى.\nورُوِيَ عن بعضِ الصحابةِ الصدقةُ على الكافرِ؛ كابنِ عباسٍ وعبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، وقد تصدَّقتْ عائشةُ على يهوديَّةٍ سأَلَتْها؛ كما في \"الصحيحِ\" (١)، وسألت أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ - ﵄ - النبيَّ - ﷺ -، فقالتْ: \"قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وهي مشرِكةٌ - في عهدِ قُرَيْشٍ؛ إذْ عاهَدُوا رسولَ اللهِ - ﷺ -،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٠٤٩) (٢/ ٣٦)، ومسلم (٩٠٣) (٢/ ٦٢١).","vol":"1","page":527},{"text":"ومُدَّتِهم - مع أَبِيهَا، فاستفتَتْ رسولَ اللهِ - ﷺ -، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عليَّ وهِيَ راغِبةٌ - تطلُبُ العَوْنَ - أَفأَصِلُها؟ قال: (نَعَمْ، صِلِيهَا)؛ رواهُ البخاريُّ (١).\nوهذا ظاهرُ القُرآنِ في قولِهِ تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]، وتدخُلُ الهديةُ مِن هذا البابِ؛ لأنَّ الهَدَايَا تحبِّبُ النفوسَ وتستميلُ القلوبَ للمُهْدِي، وقد رُوِيَ في الحديثِ: (تَهَادَوْا تَحَابُّوا) (٢)، والآيةُ أخرَجَتِ الكافرَ الحَرْبيَّ، فلا يجوزُ الصدقةُ له، إلا لمَنْ غلَبَ على الظنِّ دفْعُ شرِّهِ وجلْبُ خيرِهِ؛ كهديَّةِ عُمرَ لأخيهِ في مَكَّةَ قميصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>إعطاءُ الفاسقِ والمنافقِ تأليفًا لقلبِهِ:</span>\nوإذا أُعطِيَ الكافرُ تأليفًا لقلبِهِ، فيُعطَى المسلِمُ ضعيفُ الإسلامِ ليحسُنَ إسلامُهُ ولو كان غنيًّا، إذا عُلِمَ ذلك مِن حالِه؛ ليُؤمَنَ شَرُّهُ، فشرُّ بعضِ فُسَّاقِ المسلِمِينَ ومنافِقِيهِمْ على الإسلامِ ربَّما يزيدُ عَلَى شرِّ بعضِ الكفَّارِ المعاهَدِينَ؛ فقد يكونُ المنافِقُ والفاسِقُ يُخشى عليهِ أنْ يكونَ عينًا للمشرِكِينَ أو كائِدًا متربِّصًا ببَيْضةِ الإسلامِ، والمالُ يكسِرُ قلبَهُ ويُطفِئُ هواهُ، وفي \"الصحيحَيْنِ\"، عن أبي سعيدٍ؛ أنَّ عليًّا بعَثَ إلى النبيِّ - ﷺ - بِذُهَيْبَةٍ في تُرْبَتِها مِن اليَمَنِ، فقسَّمَها بينَ أربعةِ نَفَرٍ: الأَقْرَعِ بنِ حابِسٍ، وعُيَيْنَةَ بنِ بَدْرٍ، وعَلْقَمةَ بنِ عُلَاثَةَ، وزَيْدِ الخَيْرِ، وقال: (أَتَأَلَّفُهُمْ) (٣).\nوكان النبيُّ - ﷺ - يُعطي الطُّلَقاءَ، وبعضَ مَن يَخشى بُعْدَهُ عن الحقِّ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣١٨٣) (٤/ ١٠٣).\n(٢) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٥٩٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٦٩)، وفي \"الشعب\" (٨٩٧٦).\n(٣) أخرجه البخاري (٣٣٤٤) (٤/ ١٣٧)، ومسلم (١٠٦٤) (٢/ ٧٤١).","vol":"1","page":528},{"text":"لِيَقْرُبَ، وقال: (إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>أفضلُ الصدقاتِ:</span>\nوأعظمُ الصدقاتِ ما كانت على أشدِّ المسلِمِينَ حاجةً؛ فالنفقةُ على الفقيرِ أعظَمُ أجرًا مِن النفقةِ على المِسْكِينِ، ومَن جمَعَ فقرًا وغُرْمَا وسبيلًا وجهادًا، أعظَمُ ممَّن جمَعَ بعضَها.\nوالصدقةُ على الفقيرِ الصالِحِ أَوْلَى مِنَ الفقيرِ الفاسقِ إذا اسْتَوَيَا في الحاجةِ، إلا عندَ غلبةِ الظنِّ بأنَّ الصدقةَ على الفاسقِ تقرِّبُهُ وتؤلِّفُهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>إسرارُ الصدقةِ وإعلانُها:</span>\nوفي الآيةِ: فَضْلُ الإسرارِ بالصَّدَقةِ على الإعلانِ بها، ومِن العلماءِ مَنْ حمَلَ الآيةَ على زكاةِ الفَرْضِ؛ وهو قولُ ابنِ عباسٍ، وأبي جعفرٍ.\nروى ابنُ جريرٍ، وابنُ أبي حاتِمٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال في الآيةِ: \"جعَلَ اللهُ صَدَقةَ السِّرِّ في التطوُّعِ تفضُلُ عَلَانِيَتَها بسبعينَ ضِعْفًا، وجعَلَ صَدَقَةَ الفريضةِ عَلَانِيَتَها أفضَلَ مِن سِرِّها، يقالُ بخمسةٍ وعِشْرِينَ ضِعْفًا، وكذلك جميعُ الفرائضِ والنوافلِ في الأشياءِ كلِّها\" (٢).\nومنهُم: مَن خصَّها بصَدَقةِ النَّفْلِ؛ وهو قولُ سُفْيانَ؛ لأنَّ زكاةَ الفَرْضِ لا يظهَرُ فيها كمالُ الإحسانِ والمِنَّةِ كصَدَقةِ النَّفْلِ، فالفرضُ تكليفٌ يُسقِطُهُ الإنسانُ عن نفسِهِ ومالِهِ، والرياءُ في النفلِ أقوى مِن الفَرْضِ، خاصَّةً عنْدَ مَن يؤدِّي الفرضَ والنفلَ، وأمَّا مَن لا يَعتادُ أن يؤدِّيَ في مالِه إلا زكاةً واجِبةً، فقد يدخُلُ عليه الرياءُ في فرضِهِ؛ كما يدخُلُ الرياءُ على صاحِبِ النفلِ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٧) (١/ ١٤)، ومسلم (١٥٠) (١/ ١٣٢).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٥/ ١٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٥٣٦).","vol":"1","page":529},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>إخفاءُ الطاعاتِ وإعلانُها:</span>\nوالأصلُ في الفرائضِ في الدِّينِ: الأعلانُ، وأنَّه أفضلُ مِن الإسرارِ، وقد حكى الإجماعَ على هذا ابنُ جريرٍ، إلا الزكاةَ (١)؛ ففيها خلافٌ عندَ السلفِ؛ وذلك لأنَّ الفرضَ يحتاجُ إلى التواصي وعدَمِ التواكُلِ، ولكونِها شعائِرَ دينيَّةً تحتاجُ إلى إظهارِها ليَقتدِيَ بذلك الناسُ، ولا يَجِدَ ضعيفُ الإيمانِ والمنافِقُ بابًا للخروجِ عن أدائِها بدعوى الإسرارِ، وحتَّى لا يُحسَنَ الظنُّ بصاحبِ السُّوءِ، فتتعطَّلَ بذلك مَقاصِدُ الشريعةِ.\nوالأحاديثُ كثيرةٌ في فضلِ إخفاءِ النوافلِ صَدَقةً وصلاةً وغيرَها، ومِن السَّبْعَةِ الذين يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ: (رَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ)؛ كما جاء في حديثِ أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - في \"الصحيحَيْنِ\" (٢)؛ ولذا كانت نافِلةُ الليلِ أعظَمَ مِن نافلةِ النهارِ؛ لخفائِها والخَلْوةِ فيها، وأعظَمُ ما ينفي النِّفاقَ، ويدفَعُ الرِّياءَ: عبادةُ السِّرِّ.\nوإذا قامتْ مصلحةُ التعليمِ وحَضِّ الناسِ، فلا حرَجَ مِن إعلانِ العملِ الصالِحِ ولو كان نفلًا؛ كما في حديثِ المنذِرِ بنِ جرِيرٍ، عن أبيهِ؛ قال: \"جاءَ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِن مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؛ لِمَا رَأى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا، فَأَذَّنَ وَأقَامَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ، وَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةِ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٥/ ١٧).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٦٠) (١/ ١٣٣)، ومسلم (١٠٣١) (٢/ ٧١٥).","vol":"1","page":530},{"text":"مُذْهَبَةٌ، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: (مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بها بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَام سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بها مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) (١).\nوهذه: صدقةُ العلانيةِ فيها أفضَلُ مِن السِّرِّ؛ للحاجةِ للإعلانِ لحثِّ الناسِ ودَفْعِهِمْ إلى الصَّدَقةِ لِتُسَدَّ حاجةُ الناسِ، ويخرُجَ شُحُّ النفوسِ منها، وربَّما هناك مَن يَمْنَعُهُ الحياءُ مِن النفقةِ؛ لِقِلَّةِ ما في يدِهِ؛ فلا يَرَاهُ يساوي شيئًا، فإذا رأى صاحبَ القليلِ والكثيرِ يُنفِقُ، أنفَقَ؛ لأنَّ النفوسَ تستوحِشُ مِن الانفرادِ عن فِعْلِ بني جِنْسِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>محوُ الحَسَناتِ للسيِّئَاتِ:</span>\nوفي الآيةِ: تكفيرُ الصدقةِ للسَّيِّئاتِ: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، وفي حديثِ حُذَيْفةَ في \"الصحيحِ\"؛ قال: (فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ، وَوَلَدِهِ، وَجَارِهِ: تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ، وَالصَّدَقَةُ) (٢).\nوفي \"المسندِ\"، و\"السُّنَنِ\"؛ مِن حديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرةَ؛ قال - ﷺ -: (وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ، كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ) (٣).\nوكُلُّ حسنةٍ تمحُو سيِّئةً، وكلُّ سيِّئةٍ لها أثرٌ على حَسَنةٍ، وقد تَمْحُوها، والحَسَناتُ والسِّيئاتُ يَتَغَالَبْنَ، والغَلَبةُ للأكثَرِ والأعظَمِ، إلا التوحيدَ لا يَمْحُوهُ إلا الشِّرْكُ، والشِّرْكَ لا يَمْحُوهُ إلا التَّوحيدُ، والمُشْرِكُ لا أَثَرَ لطاعاتِهِ ما لم يوحِّدُ، فلا يَكْسِبُ بها أجرًا، ولا يكفِّرُ لها ذنبًا، إلا إنْ أسلَمَ فيُكتَبُ له ما سلَفَ مِن عملِهِ الخالِصِ فقطْ؛ لقولِهِ - ﷺ -:\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٠١٧) (٢/ ٧٠٤).\n(٢) أخرجه البخاري (١٤٣٥) (٢/ ١١٣).\n(٣) أخرجه أحمد (١٥٢٨٤) (٣/ ٣٩٩)، والترمذي (٦١٤) (٢/ ٥١٣).","vol":"1","page":531},{"text":"(أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ) (١).\nومَنِ ارتَدَّ بعدَ إسلامٍ، ثمَّ أسلَمَ، فهل تَرجِعُ إليه حسناتُهُ قبل رِدَّتِهِ؟ قولانِ للعلماءِ، والصحيحُ: رجوعُها إليه؛ لأنَّ مَن تصدَّقَ زمَنَ كُفْرِهِ مخلِصًا للهِ، تُكتَبُ له حسناتُهُ تلك إذا أسلَمَ، فكيف بمُسلِمٍ تصدَّقَ، ثمَّ كفَرَ، ثُمَّ أسلَمَ؟ ! فرجوعُ حسنةٍ زمَنَ الإسلامِ أَوْلَى مِن رجوعِها زمَنَ الكُفْرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>محوُ السَّيِّئاتِ للحَسَنات:</span>\nوقدِ اختلَفَ العلماءُ في مَحْوِ السيئةِ للحسنةِ، مع اتِّفاقِهِم على محوِ الحَسَناتِ للسيِّئاتِ، والصوابُ: أنَّ السيئةَ تؤثِّرُ على الحَسَناتِ، وقد تمحُو تضعيفَها، ومضاعَفةُ الحَسَنةِ حَسَناتٌ؛ فالحَسَنةُ بعَشْرِ أمثالِها إلى سَبْعِ مِئةِ ضِعْفٍ، واللهُ يضاعِفُ لمَنْ يشاءُ، وهذا التضعيفُ معدودٌ في الحَسَنَاتِ، وهذا لا يخالِفُ أنَّ رَحْمةَ اللهِ تَسبِقُ غَضَبَهُ؛ لأنَّ الحَسَنةَ تضاعَفُ، والسيِّئَةَ تَبْقَى واحدةً، فلو محَتِ السيئةُ حسنةً فتَمْحُو تضعيفَها أو بعضَهُ، فلا تأتي على جميعِ أصلِها؛ لأنَّ السيئةَ أصعَفُ مِن الحَسَنةِ، والمُوبِقاتُ والكبائرُ أقوى مِن الصغائرِ، ولكلِّ حسنةٍ تضعيفٌ وبَرَكةٌ، ويَذهَبُ مِن تضعيفِ الحسناتِ وبَرَكَتِها بمقدارِ الذنوبِ؛ وهذا سببُ عدمِ وجودِ بَرَكةِ الحَسَنةِ مِن الفاسِقِ والمنافِقِ في نفسِهِ ومالِهِ ووَلَدِه.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣].\nفي الآيةِ: الصدقةُ على المحصورِ في سبيلِ اللهِ، الذي تسبَّب\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٤٣٦) (٢/ ١١٤)، ومسلم (١٢٣) (١/ ١١٣).","vol":"1","page":532},{"text":"إسلامُهُ في عجزِهِ عن التصرُّفِ ولو لم يكن في غَزْوِ قتالٍ؛ لأنَّه حُصِرَ لأجلِ إيمانِهِ، وهو أَوْلى مِنِ ابنِ السبيلِ الذي انقطَعَتْ به السبُلُ لأجلِ رزقِ دنياهُ، ويدخُلُ في هذا فِي بابِ أَوْلى فكَاكُ الأسيرِ بالمالِ؛ حتَّى يتمكَّنَ مِن الخروجِ إلى المسلِمِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>دفعُ الزكاةِ للأسِيرِ:</span>\nوالأسيرُ أَحَقُّ بالزكاةِ مِن الفقيرِ ومقدَّمٌ عليه؛ لأنَّ الأسيرَ يُخشى عَلَى نفسِهِ ودِينِهِ، والفقيرُ يُخشى على نفسِهِ فقطْ؛ ولذا قال - ﷺ -: (فُكُّوا العَانِيَ، وَأَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ)؛ رواهُ البخاريُّ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>حكمُ فَكَاكِ الأسيرِ:</span>\nوفَكَاكُ المرأةِ الأسيرةِ أوجَبُ مِن الرجلِ؛ لأنَّ الرجلَ يُخشى على دِينِهِ ونفسِه، والمرأةَ يُخشى على دينِها ونفسِها وعِرْضِها، وكُلَّما عَظُمَ الأثرُ على الأسيرِ في نفسِهِ وعلى مَنْ خَلْفَه، ففَكَاكُهُ أوجَبُ وأعظَمُ.\nوإذا وجَبَ القِتَالُ لِفَكِّ الأَسْرى، فبَذْلُ المالِ لذلك أَوْلى مِن بَذْلِ الدمِ، وقد روى أشهَبُ وابنُ نافعٍ، عَن مالكٍ؛ أنَّه سُئِلَ: أواجِبٌ على المسلِمِينَ افتداءُ مَنْ أُسِرَ منهم؟ قال: نَعَمْ؛ أليسَ واجب عليهم أن يُقاتِلوا حتَّى يَستنقِذوهُم؟ فكيف لا يَفْدُونَهُمْ بأموالِهِمْ؟ !\nوقال أحمدُ: يُفادَوْنَ بالرؤوسِ، وأمَّا بالمالِ، فلا أَعرِفُهُ (٢).\nولعلَّ مرادَ أحمدَ: أنَّ النبيَّ - ﷺ - كان يُفادِي الأَسرى بالأَسرى، لا بالمالِ؛ لأنَّ هذا أقوى لشَوكةِ المسلِمِينَ وهَيْبَتِهم، وألَّا يُسْتَضْعَفُوا ويُهانُوا؛ فالنفوسُ أعظَمُ منزِلةً مِن الأموالِ عند أهلِها، والرأسُ بالرأسِ مكافَأَةٌ بالمثلِ؛ لا يَظهَرُ في ذلك استضعافٌ لأحدٍ، وأَمَّا المالُ، فيَظهَرُ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٠٤٦) (٤/ ٦٨).\n(٢) \"الأوسط\" لابن المنذر (٦/ ٢٥٠)، و\"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (٥/ ٢١٠).","vol":"1","page":533},{"text":"فيه الضعفُ، مع القولِ بجوازِ دَفْعِه، بل بوجوبِهِ إن تعذَّرَتِ الرؤوسُ والقُوَّةُ، ولم يُرِدْ أحمدُ ألَّا يُفَكَّ الأسيرُ بالمالِ.\nويُروى عن عُمَرَ: أنَّ فَكَاكَ الأسيرِ يكونُ مِن بيتِ المالِ.\nوالحقُّ: أنَّ فَكَاكَ الأسيرِ أَوْلى مِن جميعِ الأصنافِ الثمانيةِ مِن بيتِ المالِ وأموالِ المسلمينَ.\nوالآيةُ نزَلَتْ في المهاجِرِينَ الذين جاؤُوا مِن مَكَّةَ إلى المدينةِ، فحَبَسَتْهُمْ هِجْرَتُهم عن حُرِّيَّةِ الضَّرْبِ في الأرضِ والرزقِ؛ لتربُّصِ المشرِكِينَ بهم وبَحْثِهم عنهم، فلا يستطيعونَ رَعْيًا في ماشيةٍ خارجَ المدينةِ، ولا سَفَرًا للشامِ أو اليَمَنِ للتجارةِ؛ خوفًا مِن تربُّصِ قريشٍ بِهم، وقطعِهِمْ لطريقِهِمْ أو تبيِيتِهِمْ؛ فقد كان لقُرَيْشٍ أَعْيُنٌ بِالمدينةِ.\nروى ابنُ جريرٍ، عنِ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ؛ في قولِه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: مهاجِرِي قُرَيْشٍ بالمدينةِ مع النبيِّ - ﷺ -، أمَرَ بالصَّدَقةِ عليهم (١).\nوبهذا قال أبو جعفرٍ والسُّدِّيُّ وغيرُهما (٢).\nويدخُلُ في هذا مَن حبَسَ نفسَهُ في سبيلِ اللهِ ينتظِرُ الغَزْوَ ودعوى النفيرِ، فمنَعَهُ تربُّصُهُ وحَبْسُهُ لنفسِهِ مِن التجارةِ والزراعةِ، وقد روى ابنُ جريرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ؛ في قولِه: ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ قال: حَصَرُوا أنفُسَهُمْ في سبيلِ اللهِ للغَزْوِ (٣).\nوفي الآيةِ: أنَّ الأصلَ في غيرِ المحصورِ والمنتظِرِ: العملُ وأكلُهُ مِن كسبِ يدِهِ، وبَذْلُهُ للأسبابِ؛ فالآيةُ جَعَلَتْ حَصْرَهُمْ لأنفسِهِمْ في\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٢٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٥٤٠).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٢٣).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٢٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٥٤٠).","vol":"1","page":534},{"text":"سبيلِ اللهِ سببًا للصَّدَقةِ عليهم، ولو حصَرَ نفسَهُ مِن غيرِ سببٍ عجزًا وتواكُلًا، لا يُعطى مِن الزكاةِ؛ كي يعمَلَ ويتكسَّبَ؛ حتَّى لا يُعانَ على نفسِهِ فيتَّكِلَ، ويُستثنَى مِن هذا: مَنْ لدَيْهِ قُدْرةٌ في بَدَنِه، وحِرْصٌ في نفسِه، لكنَّه لم يَجِدْ عمَلًا يتكسَّبُ به؛ فهذا محرومٌ مِن الكَسْبِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]، وهو المحارَفُ يُعطى مِن الزكاةِ، ويأتي الكلامُ عليه في موضِعِهِ بإذنِ اللهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>استحبابُ تفقُّدِ حالِ المحتاجِ:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾.\nفي الآيةِ: مشروعيَّةُ تتبُّعِ حالِ الفقيرِ ممَّن لا يُظهِرُ فَقْرَهُ، ومدحُ المتعفِّفينَ الذين لا يتعرَّضونَ لسؤالِ الناسِ، وفضلُ الإحسانِ إليهم، وفيها جوازُ الأخذِ بالسِّيمَا الظاهرةِ عندَ دفعِ الزكاةِ.\nوالسِّيمَا هي التخشُّعُ؛ كما قاله مجاهِدٌ وغيرُهُ (١).\nوقيلَ: تَعرِفُ في وجوهِهِمُ الجَهْدَ مِن الحاجةِ؛ كما قالَهُ الربيعُ، وبمعناهُ قال السُّدِّيُّ وغيرُه (٢).\nوقال ابنُ زَيْدٍ: \"هي رَثَاثةُ الثِّيَابِ\" (٣).\nوهذه الأوصافُ وأمثالُها ليست قطعيَّةً؛ فقد تظهَرُ البَذَاذةُ والرَّثَاثةُ مِن غنيِّ، ويظهَرُ تكلُّفُ اليسارِ مِن فقيرٍ؛ فلا حرَجَ مِن الأخذِ بالسِّيمَا والظاهرِ عندَ الفقرِ، وأمَّا إذا أظهَرَ رجلٌ الغِنَى، وأَبدى فقرًا وسأَلَ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٢٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٥٤١).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٢٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٥٤١).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٢٩).","vol":"1","page":535},{"text":"الناسَ، فيُعطى لسؤالِهِ ويصدَّقُ في قولِهِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]، وكما أُعطِيَ الفقيرُ لظاهرِ رَثَاثَتِهِ مِن غيرِ أن يتكلَّمَ وقد يُشارِكُهُ في ظاهرِهِ الغنيُّ، فكذلك الفقيرُ الذي يُظهِرُ يسارًا، الذي يُشارِكُهُ الغنيُّ في ظاهرِهِ ويُخالِفُهُ في قولِه؛ فهذا يسْأَلُ، وهذا لا يَسْأَلُ، وظهورُ الفقرِ قولًا أصدَقُ مِن ظهورِهِ صورةً وحالًا، ولكنْ يُذكَّرُ مَن يَظهَرُ منه القوةُ واليَسَارُ أنَّه يظهَرُ منك قُوَّةٌ ويَسَارٌ، وهذهِ الزَّكَاةُ لا تجوزُ لمثلِ ظاهرِ حالِكَ، وإنْ أخَذَها يُعطاها، فيُوكَلُ إلى نفسِهِ، ما لم يشتهِرْ كذبُهُ وتربُّصُهُ بأموالِ الفقراءِ وهو غنيٌّ.\nوكان النبيُّ - ﷺ - يُعطي مَن ظاهِرُهُ القُوَّةُ، ويذكِّرُهُ ويخوِّفُهُ مِن أخذِها بغيرِ حقٍّ؛ كما في \"المسنَدِ\"، وعندَ أبي داودَ والنَّسَائيِّ، عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَدِيِّ بنِ الخِيَارِ؛ أنَّ رجلَيْنِ حدَّثاهُ أنَّهما أتَيَا رسولَ اللهِ - ﷺ - يَسْأَلَانِهِ مِن الصَّدَقةِ، فقَلَّبَ فِيهِمَا البَصَرَ - وقال محمَّدٌ: بصَرَهُ - فرآهما جَلْدَيْنِ، فقال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ) (١).\nوفيهِ: أنَّ القادرَ على الكسبِ، الواجدَ للعملِ: لا تحلُّ له الزكاةُ؛ لأنَّها تُعِينُهُ على العَجْزِ والقعودِ.\nوربَّما يكونُ الفقيرُ المحتاجُ المتعفِّفُ غيرَ مُلِحٍّ، ويُلِحُّ الغنيُّ في طلبِ حاجتِهِ؛ ولذا قالَ تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾؛ أي: كدًّا وإلحاحًا.\nوالصدقةُ أخفُّ مِن الزكاةِ؛ لأنَّ الصَّدَقةَ يجوزُ دفعُها للأغنياءِ بلا خلافٍ؛ نقلَ الإجماعَ النوويُّ وغيرُهُ، والأفضلُ: تَرْكُها للمحتاجِينَ والمُعْوِزِينَ.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٧٩٧٢) (٤/ ٢٢٤)، وأبو داود (١٦٣٣) (٢/ ١١٨)، والنسائي (٢٥٩٨) (٥/ ٩٩).","vol":"1","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>الصدقةُ على الأقاربِ:</span>\nوالصدقةُ على الأقاربِ أفضَلُ مِن الأبعَدِينَ؛ لأنَّها صَدَقةٌ وصِلَةٌ، والهَدِيَّةُ على الأقرَبِينَ أفضَلُ مِن الصدقةِ على الأبعَدِينَ؛ لأثرِ هَدِيَّةِ القريبِ عليه في جَلْبِ فضائلَ عظيمةٍ كصِلَةِ الرَّحِمِ، وشَدِّ الأَزْرِ به عندَ الحاجةِ إليه في حقٍّ، وأثرُ الهديَّةِ في القريبِ أدوَمُ مِن أثرِ الصدقةِ في البعيِدِ؛ لِمَا في \"الصحيحَيْنِ\"؛ أنَّ مَيمُونةَ بنتَ الحارثِ - ﵂ - أخبَرَتْهُ: أنَّها أعتَقَتْ وَلِيدَةً ولم تَسْتَأْذِنِ النبيَّ - ﷺ -، فلمَّا كان يَوْمُها الذي يَدُورُ عليها فيه قالت: أَشَعَرْتَ يا رسولَ اللهِ أنِّي أعتَقْتُ وَلِيدَتي؟ قال: (أَوَ فَعَلْتِ؟)، قالتْ: نَعَمْ، قال: (أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ، كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ) (١).\nوتتفاضَلُ الصَّدَقةُ والهديَّةُ والزَّكاةُ بعِظَمِ أَثَرِها المتعدِّي على الدافِعِ والقابِضِ، والأصلُ: أنَّ الزكاةَ أعظَمُ؛ لأنَّها فريضةٌ، والفريضةُ أعظَمُ مِن النافلةِ، ومَن يأبى أخذَ الصدقةِ والزكاةِ تعفُّفًا مع حاجتِهِ إليها، أو مَنْ تحرُمُ عليه الزكاةُ؛ كآلِ بيتِ النبيِّ - ﷺ -: فالهديَّةُ له هنا أعظَمُ مِن الزكاةِ والصدقةِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].\nبيَّن اللهُ حُرْمةَ الرِّبا ببيانِ حالِ آكلِهِ يوم القيامةِ؛ قال ابنُ عبَّاسٍ:\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٥٩٢) (٣/ ١٥٩)، ومسلم (٩٩٩) (٢/ ٦٩٤).","vol":"1","page":537},{"text":"\"يُبْعَثُ يوم القيامةِ مجنونًا يُخنَقُ\" (١).\nويحتمِلُ أن يكون ذلك عندَ النَّشْرِ أو يوم العَرْضِ، ويحتمِلُ في الموضعَيْنِ، وبكلٍّ قال غيرُ واحدٍ مِن المفسِّرينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>تعظيمُ الرِّبَا:</span>\nوالرِّبا مِن المُوبِقاتِ، وهي أكبَرُ الكبائرِ؛ كما ثبَتَ في \"الصحيحِ\"؛ لأنَّ فيها ظلمًا للفقيرِ، وأخذًا لمالِهِ بلا حقٍّ، وزيادةً عليه بالباطلِ، والظلمُ المتعلِّقُ بحقِّ العبادِ أعظَمُ مِن الظلمِ المتعلِّقِ بحقِّ اللهِ إلا الشِّرْكَ؛ لأنَّ اللهَ قد يعفو عن حقِّه، والعبادُ لا يَعْفُونَ عن حقوقِهِمْ يومَ القيامةِ؛ ولذا قال سُفْيانُ الثَّوْريُّ: \"ذَنْبٌ واحدٌ في حقِّ العبادِ أعظَمُ مِن سبعينَ ذَنْبًا في حقِّ اللهِ\".\nوالرِّبَا محرَّمٌ حتَّى في الشرائعِ السابقةِ؛ لأنَّه ظُلْمٌ للناسِ، وكلُّ ظلمِ الناسِ محرَّمٌ في كلِّ شِرْعةٍ سابقةٍ؛ لأنَّ الشرائعَ لا تُحِلُّ الظلمَ ولا تُقِرُّهُ ولا تخرُجُ عن الفِطْرةِ، بل تُقِرُّها وتُثْبِتُها، وأَكْلُ الرِّبا مِن عادةِ يهودَ في الكَسْبِ؛ ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>تعظيمُ حقوقِ الآدميِّين:</span>\nوقد عظَّمَ اللهُ حقوقَ الآدميِّينَ؛ لأنَّ دُنْياهم لا تستقيمُ ولا تَصلُحُ إلا بذلك، فشدَّد في أمرِها والوعيدِ عليها؛ حتَّى لا تفسُدَ الأرضُ بفسادِ أفعالِهم، وجعَلَ اللهُ أعظَمَ حقوقِهِ - وهو التوحيدُ - مقترِنًا بحقوقِ الآدميِّينَ في عدمِ تكفيرِ الظُّلْمِ فيهما لأصحابِها، إلا بمبادَرَتِهِم بالخلاصِ منهما؛ التوحيدُ بالتوبةِ، والحقوقُ بإعادتِها إنْ كانت مالًا، وإنْ كانت دماءً فبالقصاصِ ما لم يتحلَّلْ؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وفي الحقوقِ قال - ﷺ -: (مَنْ كانت لَهُ\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٥٤٤).","vol":"1","page":538},{"text":"مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَلَّا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ؛ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ، أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، وَإِنْ لم تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ، أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ)؛ رواهُ البخاريُّ، عن أبي هريرةَ (١).\nوذكَرَ اللَّهُ الأكلَ في الآيةِ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾؛ لأنَّ الأكلَ أقوى مِن شَهْوةِ المَلْبَسِ والمَسْكَنِ والمَنْكَحِ؛ فلا حياةَ بدونِهِ، ويدخُلُ في معناه ولفظِهِ ما دُونَهُ مِن المَلْبَسِ والمَسْكَنِ والمَنْكَحِ؛ لأنَّ المالَ الرِّبَويَّ إذا حَرُمَ في الأكلِ، فالملبَسُ والمسكَنُ مِن بابِ أَوْلَى، وإذا حَرُمَ في الملبَسِ فلا يلزَمُ أن يحرُمَ في غيرِهِ كالمأكلِ.\nثمَّ إنَّ الأكلَ يدخُلُ في معنى الإهلاكِ والإتلافِ، وكلُّ مالٍ يُهلِكُهُ ويُتلِفُهُ الإنسانُ أو الحيوانُ أو الأرضُ أو النارُ، يُقالُ له: أُكِلَ؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣].\nوقولُ يوسفَ في تأويلِهِ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف: ٤٨]، والسبعُ التي تأكُلُ هي السِّنُونَ والأعوامُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>عقوبةُ الربا:</span>\nويجبُ على الحاكِمِ مَنْعُ الرِّبا، ويجبُ على القاضي العقوبةُ عليه بالتعزيرِ حبسًا وجَلْدًا، ومَنْ لم يَتُبْ منه معانِدًا بعدَ حَبْسِهِ وجَلْدِه، فيصحُّ قتلُهُ تعزيرًا؛ عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ في قولِهِ - ﷿ -: \" ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]: فمَن كان\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٤٤٩) (٣/ ١٢٩).","vol":"1","page":539},{"text":"مقيمًا على الرِّبا لا يَنزِعُ عنه، فحقٌّ على إمامِ المسلِمِينَ أنْ يستتِيبَهُ، فإنْ نَزَعَ وإِلَّا ضَرَبَ عُنُقَهُ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>ربا الجاهليةِ:</span>\nوكانَ رِبَا الجاهليَّةِ الزيادةَ في الأجلِ مع الزيادة بالمالِ؛ قال مجاهِدٌ فِي قولِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]؛ قال: \"كانوا في الجاهليَّةِ يكونُ لِلرَّجُلِ عِلى الرَّجُلِ الدَّيْنُ، فيقولُ: لَكَ كَذا وكَذا وتُؤخِّرُ عَنِّي، فيؤخِّرُ عَنْهُ\" (٢).\nوهذا هو المعنى الذي يُشيرُ إليه اللهُ في النهي عنِ الرِّبا في القرآنِ؛ كما في آلِ عِمْرانَ؛ قالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [١٣٠]، وأشدُّ الرِّبا أكثرُهُ تضعيفًا على الفقيرِ.\nوفي الآيةِ: دليلٌ على تحقُّقِ المَسِّ مِن الجِنِّ للإنسِ؛ وفي هذا قولُهُ - ﷺ -: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>مسُّ الجِنِّيِّ للإنسيِّ:</span>\nوالمَسُّ يقَعُ عندَ عامَّةِ أهلِ السُّنَّةِ، ونَصَّ عليه أبو الحَسَنِ الأشعريُّ وطائفةٌ مِن المتكلِّمينَ، ويكونُ ذلك مَسًّا حقيقيًّا للبدنِ، ويُنكِرُ هذا جماعةٌ مِن المتكلِّمينَ؛ كالجُبَّائيِّ، وأبي بكرٍ الرازيِّ، ونفاهُ ابنُ حَزْمٍ وكثيرٌ مِن العَقْلانيِّينَ، ومع ظهورِ آثارِهِ وحالاتِهِ إلا أنَّهم يصرِفونَهُ إلى تخيُّلاتٍ نفسيَّةٍ، وتوهُّماتٍ عقليَّةٍ تَنشَأُ في نفسِ الإنسانِ، ودليلُهُمْ للنفيِ: العقلُ المجرَّدُ، والعقلُ ليس دليلًا يصلُحُ للنفيِ؛ لقصورِ عِلْمِهِ، والعقلُ في\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٥٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٥٥٠).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٣٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٥٤٨).\n(٣) أخرجه البخاري (٢٠٣٩) (٣/ ٥٠).","vol":"1","page":540},{"text":"الإثباتِ أقوى منه في النفيِ؛ فالذي يَغِيبُ عن العقلِ أكثَرُ ممَّا يشاهِدُهُ؛ ولذا فهو يتجدَّدُ عِلْمًا كلَّ يومٍ لِسَعَةِ جَهْلِهِ.\nوالأدلَّةُ دلَّتْ على دخولِ الجِنِّ في جسَدِ الإنسيِّ، وتكلُّمِهِ بلسانِهِ، وتأثيرِهِ على نفسِهِ وبدنِهِ وعقلِهِ، وقد يكونُ المسُّ بدخولٍ في البدنِ، وقد يكونُ بلا دخولٍ؛ كالوسواسِ والخواطِرِ العابرةِ؛ وهذا كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]، وقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].\nوحقيقةُ الجِنِّ وماهيتُهُ خفيَّةٌ عنِ الإنسانِ؛ فلا مجالَ لنفيِ ما يَغِيبُ عنه، وكثيرٌ مِن الموادِّ التي تسيرُ في بَدَنِ الإنسانِ في عروقِهِ وشرايينِهِ يتعرَّفُ على أنواعِها وأجزائِها كلَّ عامٍ عندَ أهلِ الطِّبِّ، فيَعْرِفُونَ ما لا يَعرِفُه أسلافُهم، وهذا في موادَّ مشاهَدةٍ يُمكِنُ مَعرِفتُها؛ فكيف بشيءٍ يستحيلُ رؤيتُهُ على حقيقتِهِ كالجنِّ؛ حيثُ يَرَى الإنسانَ ولا يَرَاهُ؟ !\nولذا تَجِدُ الجِنَّ مِن العجمِ يتكلَّمُ على لسانِ الأعرابيِّ الذي لا يَعْرِفُ إلا لسانَهُ، فيكلَّمُ الإنجليزيَّةَ والفرنسيَّةَ والفارسيَّةَ، ولم يَسمَعْ بها مِنْ قبلُ.\nوقال عبدُ اللهِ ابنُ الإمامِ أحمدَ: \"قلتُ لأبي: إنَّ قَوْمًا يَزْعُمونَ أنَّ الجِنِّيَّ لا يدخُلُ في بَدَنِ الإنسيِّ؟ فقال: يا بُنَيَّ، يَكْذِبونَ؛ هو ذا يتكلَّمُ على لسانِهِ\" (١).\nودخولُ الجِنِّ للإنسانِ ثابتٌ في النصوصِ والمشاهَدةِ الكثيرةِ في أحوالِ الناسِ، وفي \"صحيحِ مسلمٍ\"، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، عن أبيهِ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُمْسِكْ\n_________\n(١) \"مجموع الفتاوى\" لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٩/ ١٢).","vol":"1","page":541},{"text":"بِيَدِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ) (١).\nوفي \"مسنَدِ أحمدَ\"؛ أنَّ امرأةً جاءت إلى النبيِّ - ﷺ - مَعَهَا صبيٌّ لها به لَمَمٌ، فقال النبيُّ - ﷺ -: (اخْرُجْ عَدُوَّ اللهِ، أَنَا رَسُولُ اللهِ)، قال: فَبَرَأَ (٢).\nوقولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾:\nأصلُ فسادِ الآراءِ: بالأهواءِ، وأصلُ فسادِ الأهواءِ: بالقياسِ الفاسدِ، وهو أولُ ضلالٍ في الخلقِ؛ حيثُ امتنَعَ إبليسُ مِن السجودِ لآدَمَ بسببِ تفضيلِهِ النارَ على الترابِ؛ وقياسِهِ عليه امتناعَ سجودِ الفاضلِ للمفضولِ، وقد روى الدارِمِيُّ، عن الحسَنِ؛ أنَّه تلا هذه الآيةَ: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]؛ قال: \"قاسَ إبليسُ، وهو أولُ مَن قاسَ\" (٣).\nوكثيرًا ما تَمتطي الأهواءُ القياسَ؛ لِتَصِلَ إلى غاياتٍ فاسدةٍ، وكلُّ قياسٍ فاسدٍ ففَوْقَهُ قياسٌ يُبطِلُهُ، وهذا كحُجَّةِ الدهريِّينَ؛ قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨، ٧٩]؛ أبطَلَ اللهُ قياسَهُم: أنَّ إحياءَ الميِّتِ بجسدِهِ محالٌ، فكيف بتحوُّلِ عِظَامِهِ إلى ترابٍ؟ ! فبيَّنَ اللهُ أنَّ جسَدَهُم تكوَّنَ بَعْدَ عَدَمٍ؛ فإنشاءُ مخلوقٍ بلا أصلٍ ماديٍّ سابقٍ دليلٌ على قدرةِ الخالقِ على إعادتِهِ مع وجودِ مَادَّتِه.\nوفي قولِهِ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾: دليلٌ على أنَّ الأصلَ في العقودِ والمعامَلاتِ الحِلُّ ما لم يأتِ دليلٌ على التحريمِ، والله تعالى لا يحلِّلُ المعامَلاتِ بالتعيينِ لأفرادِها؛ وإنَّما يبيِّنُ المحرَّمَ منها، أو ما ظَنَّهُ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٩٩٥) (٤/ ٢٢٩٣).\n(٢) أخرجه أحمد (١٧٥٤٩) (٤/ ١٧١).\n(٣) أخرجه الدارمي في \"سننه\" (١٩٦).","vol":"1","page":542},{"text":"الناسُ حرامًا؛ فيُبْطِلُهُ بنصٍّ؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١].\nواللهُ تعالى أمَرَ بالوفاءِ بالعهودِ والعقودِ؛ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وهذا أمرٌ لا يكونُ متوجِّهًا إلَّا لِمَا الأصلُ فيه الحِلُّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>الأصلُ في العقودِ والمعاملاتِ الحِلُّ:</span>\nوهذا قولُ جَماهيرِ العلماءِ، ونصَّ ابنُ حَزْمٍ على أنَّ الأصلَ في العقودِ والمعامَلاتِ التحريمُ؛ قال في كتابِهِ \"الإحكامِ\": \"إنَّ الأصلَ في العقودِ والعهودِ والشروطِ التحريمُ، حتَّى يَرِدَ التحليلُ\" (١).\nخلافًا لداودَ الظاهِرِيِّ وطائفةٍ مِن الظاهريِّينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>التوبةُ مِن الربا:</span>\nومَن أخَذَ الرِّبا ونَمَا مالُهُ منهُ قبلَ نزولِ آيةِ تحريمِ الرِّبا، فله ما سلَفَ ممَّا قبَضَهُ وانتَهَى؛ لقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾.\nوحالات التاركِ للرِّبا ثلاثٌ:\nالحالةُ الأُولى: مَن أخَذَ الرِّبا قبلَ نزولِ التحريمِ؛ كحالِ العبَّاسِ بنِ عبدِ المطَّلبِ وغيرِهِ، فلهم ما قبَضُوا ممَّا مضى عقدًا وقبضًا، ولم يثبُتْ عنِ النبيِّ - ﷺ - أنَّه أمَرَ أحدًا مِن الناسِ أنْ يُعِيدَ ما سلَفَ مِن نماءِ مالِهِ مِن الرِّبا قبلَ تحريمِهِ، ولو كانَ لَنُقِلَ؛ لعمومِ البلوى بذلك، ومثلُ هذه الحالِ عدَمُ نَقْلِها دليلٌ على العدمِ.\n_________\n(١) \"الإحكام\" لابن حزم (٥/ ١٥).","vol":"1","page":543},{"text":"الحالةُ الثانيةُ: مَن أخَذَ الرِّبا قبلَ العِلْمِ بتحريمِهِ وبعد نزولِ الوحْيِ، وهدا في كلِّ معامَلةٍ بعدَ نزولِ تحريمِ الرِّبا في الصحابةِ ومَن بعدَهُم؛ فقد استقرَّ التحريمُ وثبَتَ، ورُفِعَ التكليفُ عنِ الجاهلِ لجَهْلِهِ، وقد أخَذَ الرِّبا بعقدٍ يعتقِدُ صحَّتَهُ.\nفالحالةُ الأُولى والثانيةُ له ما أخَذَ؛ لتشابُهِ حالِهِما عدَ الأخذِ برفعِ التكليفِ واعتقادِ صِحَّةِ العملِ وعدمِ الإثمِ، وهذا ظاهرُ قولِهِ تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، قال سفيانُ في قولِه: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ قال: \"مغفورًا لهُ\" (١).\nفربَطَ استحقاقَ ما سلَفَ مِن كَسْبٍ بمجيءِ الموعظةِ إليه والعلمِ بها: ﴿جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾، لا بمجرَّدِ نزولِ الحكمِ واستقرارِهِ في الدِّينِ ولو لم يبلُغْهُ.\nوهذا يظهَرُ في العقودِ التي يعتقِدُ صِحَّتَها العبدُ ولو كانت حرامًا في حقيقتِها، أنَّ للمتعاقِدَيْنِ لوازمَهما؛ كنِكاحِ زوجةِ الأبِ أو الأختِ مِن الرَّضَاعِ قبلَ الوحيِ أو بعدَهُ مع الجهل به، فالمهرُ للمرأةِ، والولدُ يُنسَبُ لهما، ويفرَّقُ بَينَهما، ولو تعاقَدَا بعد الوحيِ مع العلمِ به، لوجَبَ عليهما الحَدُّ؛ كما قتَلَ النبيُّ - ﷺ - ناكِحَ امرأةِ أبِيهِ بعدَ الوَحْي (٢)، مع أنَّه قال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢].\nومِثلُهُ نكاحُ الأختَيْنِ؛ قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣].\nالحالةُ الثالثةُ: مَن أخَذَ الرِّبا وقبَضَهُ وانتَهَى قبلَ توبتِهِ وهو يَعلَمُ\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٥٤٦).\n(٢) أخرجه أبو داود (٤٤٥٧) (٤/ ١٥٧)، والترمذي (١٣٦٢) (٣/ ٦٣٥)، والنسائي (٣٣٣١) (٦/ ١٠٩)، وابن ماجه (٢٦٠٧) (٢/ ٨٦٩).","vol":"1","page":544},{"text":"بتحريمِه؛ فهذا أبرَمَ عَقْدًا يَعلمُ ببطلانِهِ، فهذا يُشبِهُ الغاصِبَ، وإنْ لم يَكُنْ غاصِبًا لوجودِ التراضي بينهما:\nفمِن الفقهاءِ: مَن يفرِّقُ بين المالِ المقبوضِ قبل التصرُّفِ فيه وبعدَهُ.\nومِنهُم: مَن يحرِّمُهُ كلَّهُ في الحالَيْنِ، ويُوجِبُ رَدَّه؛ لأنَّ المالَ المقبوض بعقدٍ فاسِدٍ مضمونٌ على القابِضِ كالمغصوبِ؛ وإلى هذا يذهَبُ أصحابُ أحمدَ وغيرُهم.\nومِنهُم: مَن يَجعلُه له في الحالَيْنِ بشرطِ التوبةِ الصادقةِ؛ وإلى هذا يميلُ ابنُ تيميَّةَ؛ وذلك أنَّ التوبةَ لو رُبِطَتْ بإعادةِ الحقوقِ الماضيةِ ولو كَثُرَتْ، لَشَقَّ ذلك على العبادِ، خاصَّةً الذين بدأَتْ أموالُهُمْ مِن الرِّبا وتنامَتْ حتى أصبَحَ كلُّ مالِهِ ربًا يتراكَمُ عبرَ السنينَ؛ فهذا يَدْفَعُهم لعدَمِ التوبةِ؛ لِطَمَعِ الإنسانِ في المالِ، ومشقَّةِ تَرْكِه، وتعذُّرِ إحصاءِ الأموالِ ومعرفةِ أهلِها، ومِنْ أكَلَةِ الرِّبا: مَن بدَأَ صِفْرًا، وملَكَ القناطيرَ مِن الرِّبا، والربا مع شِدَّةِ تحريمِهِ يختلِفُ عن المالِ المأخوذِ بلا رضًا كالمسروقِ والمغصوبِ؛ فهذا يُوجِبُ القطيعةَ والشَّحْناءَ بين الناسِ حتى في أجيالٍ لاحقةٍ، وربَّما اقتَتَلُوا عليه، فلا تتسامحُ فيه الشريعةُ بحالٍ قبلَ التوبةِ وبعدَها.\nثمَّ هو أظهَرُ في معرِفةِ الفِطْرةِ لتحريمِهِ مِن الرِّبا؛ فالرِّبا قد يَجْهَلُ تحريمَهُ حديثُ العهدِ بكُفْرٍ، والمسلِمُ البعيدُ عن معاقلِ الدِّينِ، وبعضُ صُوَرِهِ قد تخفى على بعضِ العامَّةِ حتى في بُلْدانِ العِلْمِ، ولكنَّ السَّرِقةَ والغَصْبَ لا يخفى على عاقلٍ تحريمُهُ ولو كان كافِرًا؛ فأصلُ تحريمِ الرِّبا لأجلِ الظلمِ بين العبادِ؛ وهذا ظاهرٌ في قولِهِ تعالى: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، والظلمُ في السرقةِ","vol":"1","page":545},{"text":"والغصبِ أظهَرُ، ولكنَّ الظُّلْمَ في الرِّبا أخطَرُ؛ لأنَّه يُؤخَذُ بتشريعٍ ورِضًا فينتشرُ في الناسِ، والمنكَرُ الذي يُتراضَى به يَشِيعُ، والمنكَرُ الذي لا يُتراضَى بهِ لا يَشِيعُ، بل يحارِبُهُ الناسُ ولا ينتشِرُ؛ كالسرقةِ؛ لهذا عَظُمَ الرِّبا مِن هذا الوجهِ؛ حتى لا تُؤكَلَ الأموالُ بالتراضي، فيُؤخَذَ مالُ الفقيرِ وهو راضٍ عن حاجةٍ.\nوقد يكونُ في علمِ آكلِ الرِّبا: أنَّ المالَ المقبوضَ قبلَ التوبةِ حقٌّ له؛ فيدعُوهُ ذلك إلى الانتظارِ حتى يَقبِضَهُ فيتوبَ؛ فيسوِّفَ لذلك، فيقالُ: إنَّ الآجالَ عندَ اللهِ؛ فقد يأخُذُ عبدَهُ قبل توبتِهِ، وهذا لو حَرُمَ لأجلِهِ المالُ المقبوضُ، لأصبَحَ إعلامُ اللهِ لعبادِهِ أنَّ التوبةَ تَهدِمُ ما قَبْلَها مِن كلِّ ذنبٍ ولو كان شِرْكًا - تسويفًا لهم أن يتراخَوْا في التوبةِ مِن الزِّنى والسِّحْرِ والزُّورِ، فوجودُ التراخي لا يُلغي الحكمَ، ولا يُبطِلُ رحمةَ اللهِ وفَضْلَه، وتسويفُ الإنسانِ في الرِّبا حتى يَقبِضَهُ أَهْوَنُ مِن تحريمِ مالِهِ كلِّه عليه حتى يَقْنَطَ، والقنوطُ مِن رحمةِ اللهِ أعظَمُ مِن الرِّبا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>ذَهَابُ بَرَكَةِ الأموالِ الربويَّة:</span>\nواللهُ يَمْحَقُ الرِّبا، ويُذهِبُ بركَتَهُ وأَثَرَهُ على الإنسانِ، والصدقةُ تنمِّيه وتزيدُ في بَرَكَتِهِ، وفي الحديثِ: (الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ، فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ تَصِيرُ إِلَى قُلٍّ)؛ رواهُ أحمدُ (١).\nوالبَرَكةُ المذكورةُ في القرآنِ ليست نماءَ الأرقامِ؛ وإنَّما نماءُ أثرِ المالِ بالطُّمَأْنينةِ والكفايةِ والقَنَاعةِ وتيسيرِ الحاجاتِ ولو بالقليلِ؛ لأنَّ المالَ يُسْعَى إليه طلبًا للسعادةِ والراحةِ، وكثيرٌ مِن أهلِ المالِ الحرامِ يغترُّونَ بالأرقامِ ونَمَائِها، فيزيدُهم همًّا وضِيقًا وعذابًا للنفسِ، فيخلُقُ اللهُ له الخصومَ وقطيعةَ الأرحامِ بسببِ مالِه، ويعلِّقُهُ الله بتتبُّعِ القليلِ مِن المالِ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣٧٥٤) (١/ ٣٩٥).","vol":"1","page":546},{"text":"لِيُشْقِيَهُ، حتى لو كان فقيرًا، لكان أهوَنَ مِن غناه، ومِن أعظمِ أنواعِ العذابِ: العذابُ بالنِّعْمةِ يَهَبُها اللهُ الإنسانَ ليتمسَّكَ بها - بل يَبْحَثَ عنها - فيعذِّبَهُ بها؛ فلا هو الذي يريدُ الخلاصَ مِنها برغبتِهِ؛ ليَلْزَمَ عذابُهُ، وهو يَعجِزُ عن تَرْكِه، بخلافِ العذابِ بالنِّقْمةِ والمصيبةِ والمرضِ، فالإنسانُ يطلُبُ منها شفاءً وعافيةً، ويتمنَّى منها مَخْرَجًا، فلو فُتِحَ له بابٌ إلى العافيةِ والشِّفاءِ، لَخَرَجَ، وأمَّا الغنيُّ المعذَّبُ بمالِهِ، فلو فُتِحَ له بابٌ إلى الفَقْرِ، لَمَا خرَجَ إليه، فيعذِّبُهُ اللهُ بمالِهِ وهو ممسِكٌ به.\nوقولُهُ تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾؛ مَن عادَ بعدَ عِلْمِهِ بحُرْمةِ الرِّبا، فعانَدَ وكابَرَ، استحَقَّ التشديدَ، وبمِقْدارِ العلمِ والعنادِ تكونُ العقوبةُ، والخلودُ: طُولُ المُكْثِ، وتسمِّي العربُ مولودَها: خَالِدًا؛ تيمُّنًا بتعميرِهِ، لا بتخليدِهِ بلا نهايةٍ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>الحكمةُ من تأخيرِ تحريم الربا:</span>\nأخَّر اللهُ نزولَ تحريمِ الرِّبا؛ لتعلُّقِ الناسِ به، وشِدَّةِ تمسُّكِهِمْ بأرزاقِهِمْ، فأجَّلَ نزولَ التحريمِ حتى يَقْوَى إيمانُهم؛ لِيسهُلَ عليهمُ التَّرْكُ؛ فقد روى ابنُ جريرٍ؛ مِن حديثِ سعيدِ بنِ المسيِّبِ، عن عُمَرَ بنِ الخطابِ؛ قال: \"آخِرُ ما نَزَلَ مِن القرآنِ آيةُ الرِّبَا، وإنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - قُبِضَ قَبْلَ أَن يُفَسِّرَهَا، فدَعُوا الرِّبا والرِّيبةَ\" (١).\nوربَّما تأخَّرَ تحريمُ الشيءِ وهو عظيمٌ؛ لأنَّ تعلُّقَ الناسِ به أعظَمُ،\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٦٦).","vol":"1","page":547},{"text":"فيتأخَّرُ الحكمُ رِفْقًا بالأُمَّةِ؛ لأنَّ تخلُّفَ أوَّلِها عن الامتثالِ يُورِثُها لآخِرِها، فهيَّأَ اللهُ لدينِهِ دوامَ الثباتِ والبقاءِ، ولأصحابِ نبيِّهِ - ﷺ - أسبابَ الامتثالِ ومُوجِباتِ حُسْنِ الاقتداءِ، فسببُ الرِّبا فِطْرةُ الشحِّ البشريِّ وشِدَّةُ الطمعِ، وفي هذا يقولُ تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]، وقال: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ١٩، ٢٠]، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]، فنزَعَ شُحَّ النفوسِ وطَمَعَها قبلَ تحريمِ الرِّبا؛ بإيجابِ الزكاةِ والحَثِّ على الصدقةِ والإحسانِ، ثُمَّ لمَّا ضَعُفَ شُحُّ النفوسِ وطَمَعُها، تهيَّأَتْ لقبولِ تحريمِ الرِّبا؛ فحَرَّمَهُ اللهُ.\nوللرِّبا أثرٌ في الإيمانِ، وللإيمانِ القويِّ أثرٌ في تركِ المالِ الحَرامِ، وشدةُ الطمعِ وقُوَّةُ الإيمانِ لا يَجْتَمِعانِ؛ ولذا قال في الآيةِ: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ لأنَّ شِدَّةَ الطمعِ تُوجِبُ أكلَ الحرامِ وتركَ الزكاةِ والنَّفقةِ.\nوهذه الآيةُ قِيلَ: إنَّها نزَلَتْ في العَبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ ورجلٍ مِن بني المُغِيرةِ، كانا شريكَيْنِ فِي الجاهليَّةِ يُسْلِفانِ في الرِّبا إلى أناسٍ مِن ثَقِيفٍ، وهم بنو عمرِو بنِ عُمَيْرٍ، فجاء الإسلامُ ولهما أموالٌ عظيمةٌ في الرِّبا، فنزَلَتْ: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (١).\nفالآيةُ دليلٌ على الترخيصِ بأخذِ ما تَمَّ قبضُهُ مِن المالِ المقبوضِ في الرِّبا قبلَ التوبةِ، وتحريمِ ما لم يُقبَضْ مما كان معلَّقًا؛ حَلَّ أو لم يَحِلَّ؛ إذْ لا يجوزُ قبضُ الحرامِ بعدَ العِلْمِ به ولو كان برِضَا الطرفَيْنِ، فالرِّضَا لا يُحِلُّ الرِّبا، كما لا يُحِلُّ الزِّنى والرِّشْوةَ.\nومَنْ تعاقَدَ بالرِّبا مع صاحبِ رِبًا، فلا يجوزُ له قضاءُ الرِّبا وسدادُهُ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٤٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٥٤٨).","vol":"1","page":548},{"text":"إلا بإعادةِ رأسِ مالِه، ولو كان عندَ حاكمٍ ظالمٍ يَحبسُهُ حتى يَقْضِيَ رِبَاهُ، جاز له بِنِيَّةِ الخلاصِ من الشرِّ ودفعِ السوءِ، ولا يجوزُ قضاؤُهُ إلا عندَ تحقُّقِ السجنِ أو التهديدِ به مِن قادِرٍ عليه.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩].\nوهذا تغليظٌ في أمرِ الرِّبا وتشديدٌ فيهِ؛ فآكِلُ الرِّبا يُبعَثُ كالمجنونِ ليس له حِيلَةٌ في نفسِهِ؛ فكيفَ بغَيْرِه؟ ! في وقتِ هولٍ وكربٍ يُنادَى لحربِ اللهِ؛ كما روى الطَّبَريُّ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عنِ ابنِ عباسٍ: \"يُقالُ يومَ القيامةِ لآكِلِ الرِّبا: خُذْ سِلَاحَكَ لِلحَرْبِ\" (١).\nواللهُ تعالى لم يذكُرْ حَرْبَه لأحدٍ في الوَحْي إلا في ثلاثةِ مواضعَ: للمُشْرِكِ، وللمُرَابِي كما هنا، ولمَنْ عادَى وَليَّهُ؛ كما في الحديثِ القُدُسيِّ: (مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا، فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ) (٢).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠].\nبيَّن اللهُ في الآياتِ السالفةِ رِبَا الجاهليَّةِ، وعظَّم أمرَهُ، ورِبَاهُمْ كان بالزِّيادةِ في الأجلِ والإنظارِ فيهِ، ويقابِلُها زيادةٌ في القضاءِ، فلا يُنظِرُونَ معسِرًا في الأجلِ إلا بزيادةٍ عليه، فيتضاعَفُ الرِّبا، ويتعاظَمُ على\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٥٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٥٥٠).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) (٨/ ١٠٥).","vol":"1","page":549},{"text":"المعسِرِينَ، فيزدادونَ عُسْرًا حتى يُفلِسوا، ثمَّ بيَّن اللهُ فضلَ إنظارِ المُعْسِرِ ورغَّبَ فيه بِلا زيادةٍ في الوفاءِ، والإنظارُ يكونُ في الرِّبا برأسِ مالِه، وفي الدَّيْنِ، لا في الأماناتِ؛ كما قالَه ابنُ عبَّاسٍ وعطاءٌ؛ لأنَّ الأماناتِ حقوقٌ وجَبَ أنْ تُرَدَّ؛ إذ ليس للمُؤتَمَنِ كاملُ التصرُّفِ في الأماناتِ، بخلاف الدَّيْنِ فله التصرُّفُ فيه، والأمانةُ تُرَدُّ بعينِها، بخلافِ الدَّيْنِ يُرَدُّ بمِثْلِهِ.\nومِن السلفِ: مَن خصَّ الإنظارَ بالرِّبا في الآيةِ، وفي التخصيصِ نظرٌ؛ لأنَّ الرِّبا بعدَ آيةِ تحريمِهِ صار دَيْنًا: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، ورأسُ المالِ دَيْنٌ.\nولا يصحُّ سببٌ في نزولِ الآيةِ، وما رواهُ ابنُ سعدِ والحاكمُ (١) وغيرُهُما: أنَّ الدائنَ يجوزُ له بَيْعُ المَدِينِ المُعْسِرِ الحُرِّ لِيَستَوْفِيَ دَيْنَهُ مِن ثمنِهِ، ثمَّ نسَخَ اللهُ ذلك بهذِهِ الآيةِ؛ فقد رواهُ زَيْدُ بنُ أسلَمَ، عن ابن البَيْلَمانيِّ، وابنُ البَيلمانيِّ لا يُحتجُّ بحديثِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>التعامُلُ مع المعسر في الدَّيْنِ:</span>\nولا يجوزُ حَبْسُ المُعْسِرِ ثابتِ الإعسارِ؛ لأنَّ اللهَ أرشَدَ إلى إنظارِهِ لا إلى حَبْسِه؛ قال سعيدُ بن جُبَيْرٍ: \"مَن حبَسَ مُعْسِرًا في السجنِ، فهو آثِمٌ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢).\nولأنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ لغُرماءِ الرجلِ الذي كَثُرَ دَيْنُهُ لمَّا كان مُعسِرًا: (خُذُوا مَا وَجَدتُّمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذلك) (٣).\nولو كان لهم حقٌّ في حَبْسِهِ، لَحَبَسَهُ؛ لأنَّ الحقوقَ لا يُسقِطُها إلا أصحابُها، فلما بان إعسارُ الرجلِ، لم يَجْعَلْ لهم غيرَ ما ظهَرَ مِن مالِه.\n_________\n(١) \"مستدرك الحاكم\" (٤/ ١٠١)، و\"الطبقات الكبرى\" لابن سعد (٧/ ٥٠٤).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٥٥٣).\n(٣) أخرجه مسلم (١٥٥٦) (٣/ ١١٩١).","vol":"1","page":550},{"text":"ولأنَّ الحبسَ عقوبةٌ، والشريعةُ جاءت بإنزالِ العقوبةِ لتحقُّقِ نفعٍ أو دفعِ ضرٍّ، والإعسارُ ليس ذنبًا يستوجِبُ عقوبة يعزَّرُ عليها صاحبُها؛ وإنَّما هو ابتلاءٌ، فلا يُزادُ على بلاءِ المُعْسِرِ بلاءُ الحَبْسِ، فيتقيَّدَ عن الكَسْبِ لنفسِهِ وذريَّتِهِ وغُرَمائِهِ، ويجوزُ تأديبُ المُعْسِرِ وعقوبتُهُ استظهارًا لعُسْرِهِ واستيضاحًا لجِدَتِهِ.\nفظاهرُ الآيةِ: أنَّ الأصلَ في الناسِ اليُسْرُ والجِدَةُ، وقد يكونُ منهم غنيٌّ مماطلٌ يَمنعُهُ مِن الوفاءِ البُخْلُ، فإذا حُبِسَ، أدَّى دَيْنَهُ وقضاهُ؛ وذلك لقولِهِ - ﷺ -: (لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ مِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ) (١).\nوهذا قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ والشافعيِّ وأحمدَ وعامَّةِ السلفِ.\nويُقيِّدُ مالكٌ الحبسَ إذا اتُّهِمَ أنَّه غَيَّبَ مالَهُ، فادَّعى العجزَ.\nويجوز تعزيرُهُ أيضًا إذا فرَّط في مالِ الناسِ تفريطًا يأثَمُ به؛ كمَنْ أَتلَفَهُ في حرامٍ، فهذا يعزَّرُ، لا لإعسارِهِ؛ وإنَّما لتفريطِهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>حكمُ إنظارِ المعسِرِ:</span>\nواختُلِفَ في إنظارِ المُعْسِرِ:\nفمِنهُم: مَن قال بوجوبِهِ؛ لظاهرِ الأمرِ في الآيةِ، ومِثْلُهُ قولُهُ تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والفديةُ واجبةٌ.\nومنهم: مَن قال باستحبابِهِ، وحمَلُوا الآيةَ على الترغيبِ، والمالُ حقٌّ لصاحبِهِ له أخذُهُ متى شاءَ؛ وهذا هو الأظهرُ؛ لأنَّ اللهَ لم يَجْعَلْ تركَ الإنظارِ عقوبةَ للمُعْسِرِ، بل جعَلَ للمُعسرِ حقًّا في عدَمِ عقوبتِهِ وحَبْسِهِ إنْ بان إعسارُهُ على ما تقدَّم؛ ولهذا جاءتِ الأحاديثُ مستفيضةً في بيانِ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٧٩٤٦) (٤/ ٢٢٢)، وأبو داود (٣٦٢٨) (٣/ ٣١٣)، والنسائي (٤٦٨٩) (٧/ ٣١٦)، وابن ماجه (٢٤٢٧) (٢/ ٨١١).","vol":"1","page":551},{"text":"فضلِ الإنظارِ لا في إيجابِهِ؛ ومِن ذلك: ما صحَّ في \"المسنَدِ\"؛ مِن حديثِ سُلَيْمانَ بنِ بُرَيْدةَ، عن أبيهِ؛ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَهُ صدَقَةٌ)، قال: ثمَّ سمعتُهُ يقولُ: (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، فَلَهُ بكُلِّ يَوْم مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ)، قلتُ: سمعتُك يا رسولَ اللهِ تقولُ: (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَهُ صَدَقَةٌ)، ثمَّ سمعتُك تقولُ: (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ)؟ قال: (لَهُ بِكُلِّ يَوْم صَدَقَةٌ قَبْلَ أنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ، فَإذَا حَلَّ الدَّيْنُ، فَأَنْظَرَهُ، فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ) (١).\nوهذا الفضلُ يكونُ في المستحَبَّاتِ، لا فيما حَقُّهُ الإثمُ في حالِ مخالفتِهِ.\nويَحِلُّ السؤالُ والصدقةُ على المُعْسِرِ، لِمَا في \"الصحيحِ\"، عن أبي سعيدِ الخُدْريِّ؛ قال: أُصِيبَ رجلٌ في عهدِ رسولِ اللهِ - ﷺ - في ثِمَارِ ابتاعَهَا، فكَثُرَ دَينُهُ، فقال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ)، فتصدَّقَ الناسُ عليه، فلم يبلُغْ ذلك وفاءَ دَينِهِ، فقال رسول اللهِ - ﷺ - لغُرَمَائِهِ: (خذُوا مَا وَجَدتُّمْ، وَلَيْسَ لَكمْ إلا ذلك) (٢).\nوفي الآيةِ والأحاديثِ: دليلٌ على عدمِ حقِّ صاحبِ الدَّيْنِ بإلزامِ المَدِينِ المُعْسِرِ بأنْ يُؤاجِرَ نفسَهُ عندَ صاحبِ الحقِّ حتَّى يَقضِيَ دَيْنَهُ؛ خلافًا للزُّهريِّ والليثِ وقولٍ لأحمدَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>بيعُ مالِ المعسِرِ:</span>\nوللحاكمِ أن يَبِيعَ مالَ المُعْسِرِ الزائدَ عن حاجتِهِ وأهْلِه؛ فلا يُخرَجُ مِن دارِهِ، ولا يُنزَعُ لباسُهُ، ولا يُؤخَذُ طَعَامُهُ وأولادُه، وأمَّا في الأمانات التي وضِعَتْ عَيْنًا عندَه، يأخُذُها الحاكِمُ منه بعَيْنِها ولو تضرَّرَ مِن ذلك،\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢٣٠٤٦) (٥/ ٣٦٠).\n(٢) أخرجه مسلم (١٥٥٦) (٣/ ١١٩١).","vol":"1","page":552},{"text":"ولو أُخرِجَ مِن دارِهِ إن كانتِ الدارُ أمانةً عندَه، ما لم يَبْتَعِ الدارَ دَيْنًا، ومِثلُ ذلك الطعامُ واللباسُ وغيرُ ذلك؛ لأنَّ الله يقولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].\nوقولُهُ تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أَي: تضَعُوا رؤوسَ أموالِكُمْ مِن الدَّيْنِ أو بعضِهِ على المُعْسِرِ صَدَقةً وتَيسيرًا عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>احتساب الدَّيْن من زكاةِ الدائن:</span>\nواختلَفوا في إسقاطِ الدَّيْنِ على المدِينِ الفقيرِ، وحِسَابِهِ مِن زَكَاةِ الدائنِ:\nفذهَبَ إلى عدَمِ الإجزاءِ: أبو حنيفةَ وأحمدُ وسُفيانُ وأبو عُبَيْدٍ، وهو وجهٌ للشافعيِّ، وحَكَى ابنُ تيميَّةَ عدَمَ معرفةِ النزاعِ في عدَمِ الإجزاءِ.\nوقيل: يُجْزِئهُ؛ وهو قولُ أهلِ الظاهِرِ، وهو مرويٌّ عن عطاءٍ.\nورخَّصَ في ذلك الحسنُ البصريُّ في الديونِ، لا في حقوقِ البيوعِ؛ قال: \"فأمَّا بُيُوعُكُمْ هذهِ، فَلَا\" (١).\nوعلَّل مَن قال بالإجزاءِ: أنَّه لو دفَعَ المَدِين دَيةُ لدائنِهِ، ثمَّ أرجَعَهُ للمَدِينِ مِن زَكَاتِه، جازَ وصحَّ؛ وفي هذا نظرٌ؛ وذلك أنَّ إخراجَ الزكاةِ شيءٌ، وإسقاطَ الدَّيْنِ شيءٌ؛ لأنَّ اللهَ جعَلَ في المالِ نِصَابًا وحَوْلًا ليُزكَّى، وفي النِّصَابِ زَكَاةٌ يُخرِجُها الإنسانُ مِن مالِهِ لا يُسقِطُها في مالِ غَيرِهِ؛ قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، فالزَّكَاةُ تُؤخَذُ مِن مالِهِ لا تسقُطُ مِن مالِ غيرِهِ عنه؛ فمالُ المُعسِرِ ليس مالًا له حتَّى يَقبِضَهُ الدائنُ، ثمَّ إنَّ مالَ المُعسِرِ معدومٌ\n_________\n(١) أخرجه القاسم بن سلام في كتاب \"الأموال\" (ص ٥٣٣).","vol":"1","page":553},{"text":"وغيرُ موجودِ، فلا يتحقَّقُ فيه الإخراجُ مِن الغَنِيِّ، والإعطاءُ للفقيرِ؛ كما في الآيةِ، وفي الحديثِ لمَّا بعَثَ النبيُّ - ﷺ - مُعَاذًا إلى اليمنِ، قال: (أَعْلِمْهُمْ أنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ؛ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) (١)، وإسقاطُ الذينِ خرَجَ مِن صاحبِهِ دَيْنًا أو بَيْعًا، لا زَكَاةً.\nولأنَّ حقَّه عندَ المَدِينِ لم يتعيَّنْ في مالِهِ، والزَّكَاةُ متعيِّنة في مالِهِ، والزَّكَاةُ جاءت لتدفَعَ الشحَّ، وتُغنِيَ الفقيرَ، وتَسُدَّ حاجَتَهُ فنُطعِمَهُ وتَكْسُوَهُ، وإسقاطُ الدَّيْنِ قد يكونُ يأسًا منه، فلا يظهَرُ فيه دَفعُ الشُّحِّ، ولا يَظهَرُ في إسقاطِهِ سدُّ حاجتِهِ في طعامٍ وشرابٍ ومسْكَنٍ.\nوقد يكونُ المَدِين معسرًا لا يجدُ وفاءً يستحِقُّهُ الدائنُ، وربَّما قدَرَ على سدادِ شَطْرِهِ؛ كما في الحديثِ السابِقِ: (خُذُوا مَا وَجَدتُّمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذلك)، فإسقاطُ الدَّينِ قبلَ قضاءِ القاضي يختلِفُ عن إسقاطِهِ بعد قضائِه، فقبْلَ قضائِهِ: بطبُ الدائن مالَة كلَّه، وبعدَهُ: يطلُبُ بعضَه.\nوفي إجازةِ جعلِ الزكاةِ مِن الدَّيْنِ تحجيرٌ على الدائنِ فلا يستطيعُ اختيارَ الفقيرِ الأحوَجِ، فهو يُسقِط زكاتَهُ عن دَيْنِهِ لحظِّ نفسِهِ أكثَرَ مِن حظِّ الفقيرِ، وليس هذا مِن مقاصدِ شريعةِ الزكاةِ.\nثمَّ إنَّ النبيَّ - ﷺ - لم يأمُرْ أصحاب الدَّيْنِ أن يُسقِطُوا زَكاتَهُمْ مِن حقِّهم؛ وهذا أعظَمُ في النفوسِ وأقرَبُ لإجابتِهِمْ مِن تَرْغِيبهِمْ في الإحسانِ بالصدقةِ عليه لإسقاطِ دَيْنِهِمْ في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وفي قولِ النبيِّ - ﷺ - للناسِ: (تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ)؛ أي: على صاحبِ الدَّيْنِ؛ فتصدَّقَ الناسُ عليهِ، فلم يبُلُغْ ذلك وفاءَ دَيْنِه، فقال\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٣٩٥) (٢/ ١٠٤)، ومسلم (١٩) (١/ ٥٠).","vol":"1","page":554},{"text":"رسولُ اللهِ - ﷺ - لغُرَمَائِه: (خُذوا مَا وَجَدتُّمْ، وَلَيسَ لَكُمْ إِلا ذلك)، فأمَرَ النبيُّ - ﷺ - عامَّةَ الناسِ بالصَّدَقةِ، ولم يأمُرِ الغُرَماءَ أنْ يُسقِطُوا مِن زكاةِ مالِهِمْ، بل قال: (خُذُوا مَا وَجَدتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذلك).\nوفي إسقاطِ الدَّيْنِ مِنَّةٌ ليست في الزكاةِ، تأخُذُ مِن نفسِ الفقيرِ فتَكْسِرُها، وهذا مَصُونٌ في الشريعةِ.\nوالزكاةُ مأخوذةٌ، والدَّيْنُ موضوعٌ، والزكاةُ تخرُجُ مِن الغنيِّ امتِثالًا لأمرِ اللهِ، يضَعُها وهو لا يَرْجُوها مِن أحدٍ غيرِ اللهِ، بخلافِ الدَّينِ خرَجَ مِن الغنيِّ وهو يَرْجُو مِن المَدِينِ.\nوالزكاة قُصِدَ منها طُهْرةٌ للنفسِ الشحيحةِ؛ كما في قولِهِ: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وتطهيرُ المالِ المزكَّى للنفوسِ يختلِفُ عن الدَّيْنِ الذي يُخرِجُهُ مَن يرجو عودتَهُ، وله فيه مِنَّةٌ على المَدِينِ.\nوكذلك: فإنَّ الغنيَّ تجبُ عليه الزكاةُ عينًا، وإذا أسقَطَ الدَّيْنَ، فإنَّه يُخرِجُها دَيْنًا، والدَّيْنُ ليس مِن جنسِ العَيْنِ دومًا.\nولو كان إسقاطُ الدَّيْنِ يصحُّ مِن الزكاةِ؛ لم يُغفَل في النصوصِ مع الحاجةِ إليه، ولَعَمِلَ له الخلفاء الراشدونَ وأفتَى به الصحابةُ، ولا يُعلَمُ لهم شيءٌ في هذا.\nوثمَّةَ مسألةٌ، وهي: إذا أسقَطَ صاحبُ الدَّيْنِ زكاةَ مالِهِ الذي عندَ المَدِينِ، لا زكاةَ مالِهِ كلِّه، فإذا كان له دَيْنٌ على رجلٍ ألفَ دينارٍ، فأسقَطَ زكاةَ الألفِ وهي رُبْعُ العُشرِ مِن الألفِ، فهو إنَّما أسقَطَ زكاةَ الدَّيْنِ لا زكاةَ مالِهِ، وفي هذا قولانِ للعلماءِ وفي مذهبِ أحمدَ، ورجَّحَ ابنُ تيميَّةَ الجوازَ؛ لأنَّ الزكاةَ مِن جنسِ الدَّيْنِ، فزكَّى مالَهُ وهو دَيْنٌ منه.\n* * *","vol":"1","page":555},{"text":"قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nوهذه آيةُ المدايَنةِ أطولُ آيِ القرآنِ، تسمَّى بآيةِ المدايَنة مِن المفاعَلةِ بين الناسِ، وكلُّ مالٍ يكونُ في الذِّمَّةِ، سواءٌ كان نَقْدًا أو حيوانًا أو ثمارًا أو حبوبًا أو عقارًا أو متاعًا، يسمَّى: دَيْنًا؛ كبَيْعِ العَيْنِ بالدَّيْنِ، وبيعِ الدَّيْنِ بالعَيْنِ، وهو السَّلَم.\nولا يدخُلُ في هذا البيوعُ المحرَّمةُ؛ كبيعِ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ، والرِّبا، والغَرَرِ، والآيةُ إنَّما نزَلَت في سَلمِ أهلِ المدينةِ؛ كما قاله ابنُ عبَّاسٍ وغيرُهُ، وهي تشريعٌ لكلِّ دَينٍ؛ للاشتراكِ في العِلَّةِ في الديونِ، وهي الغُرْمُ المتعلِّقُ بالذِّمَّةِ إلى أَجَلٍ، وللاشتراكِ في الحِكْمةِ مِن نزولِ الآيةِ، فالآيةُ نزَلَتْ لتعليمِ أهلِ الأموالِ حِفْظَ حقوقِهم فيما بينَهُمْ بالكِتَابةِ\nوالشهادةِ، وقد قال مالكٌ في الآيةِ: \"تجمَعُ الدَّيْنَ كلَّه\" (١).\n_________\n(١) \"المدوَّنة\" (٣/ ٦٠).","vol":"1","page":556},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-345>مشروعيةُ إقراضِ المحتاجِ:</span>\nوالإقراضُ جاء النصُّ لفَضلِهِ؛ فهو مِن تفريجِ الكُرْبةِ، وتيسيرٌ على المُعْسِرِ، وعُدَّ المُقرِضُ كالمُنفِقِ نصفَ ما أقرَضَ؛ روى ابنُ مسعودٍ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ إِلَّا كَانَ كَصَدَقَتِهَا مَرَّةً)؛ أخرَجَهُ ابنُ ماجَة (١)، وقد اختلِفَ في وقفِ الحديثِ على ابنِ مسعودٍ ورَفْعِهِ، ورَجَّحَ الدارقطنيُّ والبيهقيُّ وقْفَهُ.\nوفي \"الصحيحَيْنِ\"، عن أبي هُرَيْرةَ - ﵁ -؛ قال: قالَ - ﷺ -: (كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُولُ لِفتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فتَجَاوَزْ عَنْهُ؛ لَعَلَّ اللهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، فَلَقِيَ اللهَ فتَجَاوَزَ عَنْهُ) (٢).\nوقد يفضُلُ القرضُ على الصدفةِ إذا كان المحتاجُ متعلِّفًا، لا يَقْبَلُ الصدقةَ، ولا تنفرِجُ كربتُهُ إلا بإقراضِهِ.\nوالقرضُ رَغَّبَ اللهُ فيه الغنيَّ، وحذَّر اللهُ منه الآخِذَ له بلا حاجةٍ؛ لأنَّه يبقى في الذِّمَّةِ، وهو حقٌّ لازمٌ لا بُدَّ فيه مِن الوفاءِ، ويُغفَرُ للشهيدِ كلُّ ذنبٍ إلا الدَّيْنَ، مع عِظَمِ الشهادةِ والشهيدِ عندَ اللهِ.\nوالدَّيْنُ يَجْرُّ صاحِبهُ إلى التهاونِ به، حتَّى يكثُرَ دَينُهُ يَعجِزَ عن قضائِه، وإذا كَثُرَ الدَّيْنُ وطُلِبَ القضاءُ، وعَدَ وأخلَفَ، وقد كان النبيُّ - ﷺ - يستعيذُ منه دُبُرَ الصلاةِ، فيقولُ: (اللَّهُمَّ، إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتنَةِ المَسِيح الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتنَةِ المَحْيَا، وَفِتْنَةِ المَمَاتِ، اللهُمَّ، إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَمِ وَالمَغْرَمِ)، فقالَ له قائلٌ: ما أكثرَ ما تستعيذُ مِن المغرَم؟ فقال: (إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ، حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ)، متَّفقٌ عليه (٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (٢٤٣٠) (٢/ ٨١٢).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٤٨٠) (٤/ ١٧٦)، ومسلم (١٥٦٢) (٣/ ١١٩٦).\n(٣) أخرجه البخاري (٨٣٢) (١/ ١٦٦)، ومسلم (٥٨٩) (١/ ٤١٢).","vol":"1","page":557},{"text":"والفرضُ مباحٌ للمحتاجِ الذي يَغلِبُ على ظنِّه الوفاءُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>مِن أحكامِ السَّلَمِ:</span>\nوفي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ دليلٌ على جوازِ السَّلَمِ، وهو: بَيْعُ الدَّيْنِ بالعَيْنِ؛ أي: يُسلِفُ الرجلُ آخَرَ مالًا - كأَلْفِ دينارٍ - على أن يَقضِيَهُ عَشَرةَ أوْسُقٍ مِن البُرِّ أو الشَّعِيرِ، أو أنْ يَقضِيَهُ عَشْرًا مِن الإبلِ بعدَ عامٍ.\nقال ابنُ عباسٍ: \"أَشْهَدُ أنَّ السَّلَفَ المضمونَ إلى أجلٍ مُسَمًّى قد أحَلَّهُ اللهُ في كتابِه وأَذِنَ فيهِ، ثمَّ قرَأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ \" (١).\nوالسَّلَمُ عندَ السلفِ بَيعُ معلومٍ في الذِّمَّةِ معروفٍ بالصِّفَةِ، بعينٍ حاضرةٍ أو ما في حُكْمِها، إلى أجلٍ معلومٍ.\nفلا يجوزُ بيعُ المجهولِ، ولا سِلْعةٍ معيَّنةٍ؛ كمَن يَبِيعُ ثَمَرَ نخلٍ معيَّنٍ؛ حتَّى لا يدخُلَ فيه الغررُ والجهالةُ، فلا يُثمِرَ فتَضِيعَ الحقوقُ.\nولا خلافَ في جَوَازِ السَّلَمِ؛ للآيةِ، ولكنْ يجبُ في السَّلَمِ العِلْمُ بالكَيلِ والوزنِ والأجَلِ؛ لقولِهِ - ﷺ -: (مَنْ أسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ) (٢).\nوجوازُ السَّلَمِ ليس مِن بيعِ ما لا يَملِكُهُ الإنسانُ؛ كمَن يَبِيعُ عَيْنًا معلومةً غيْرَ مملوكةٍ له ولا مضمونةٍ عليه؛ فهذا الذي نَهَى النبي - ﷺ - حَكِيمَ بنَ حِزَامٍ عنه: (لَا تَبعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ) (٣)، وأمَّا السَّلَمُ، فعلى\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٧١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٥٥٤).\n(٢) أخرجه البخاري (٢٢٤٠) (٣/ ٨٥)، ومسلم (١٦٠٤) (٣/ ١٢٢٦).\n(٣) أخرجه أحمد (١٥٣١١) (٣/ ٤٠٢)، وأبو داود (٣٥٠٣) (٣/ ٢٨٣)، والترمذي (١٢٣٢) (٣/ ٥٢٦)، والنسائي (٤٦١٣) (٧/ ٢٨٩)، وابن ماجه (٢١٨٧) (٢/ ٧٣٧).","vol":"1","page":558},{"text":"وصفٍ ومقدارِ معلومٍ إلى أَجَلٍ، لا على عَيْنٍ مَعلومةٍ.\nويجبُ عندَ السَّلَمِ تسليمُ الثمنِ العاجلِ وإحضارُهُ، فلا يجوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ الكالئِ بالكالئِ.\nوفي الآيةِ: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وجوبُ معرفةِ الأجَلِ وتحديدِه، وتحريمُ السلَمِ إلى أجلِ مجهولٍ، وعدَمُ صحَّتِهِ بلا خلافِ، وقال الشافعيُّ بجوازِ السَّلَمِ الحالِّ؛ لانتفاءِ علَّةِ الجهالةِ في الأَجَلِ.\nوالعلماءُ يختلِفونَ في تقديرِ أدنى الأجلِ وأعلاهُ؛ حتَّى قال بعضُ الفقهاءِ؛ أَدْنَاهُ يومٌ.\nولا دليلَ على ذلك كلِّه، إلا أنَّ السَّلَمَ لا يتحقَّقُ الا بعَيْنٍ آجِلَةٍ، وثمنٍ عاجلٍ؛ فإنَّه إن كان بثمنٍ عاجلٍ، وسِلْعةٍ عاجلةٍ؛ فإنْ كانتِ السِّلْعةُ معيَّنةً مملوكةً، فهذا بيعٌ، لا سَلَمٌ، وإنْ كانتِ السلعةً معيَّنةً غيرَ مملوكةٍ، فهذا بيعُ ما لا يَملِكُ، وهو محرَّمٌ، وإنْ كانتِ السلعةُ غيرَ معيَّنةِ ولو كانت مملوكةً، فهذا بَيعُ جَهَالةٍ وغَرَرٍ، وإن كانت غيرَ معيَّنةٍ ولا مملوكةٍ، فهذا اجتمَعَ فِه الغررُ وبيعُ ما لا يَملِكُهُ الإنسانُ.\nويغتفرُ بعضُ الفقهاءِ - كمالكٍ - الغرَرَ اليَسِبرَ في الأجلِ، كالأجلِ إلى الحصادِ؛ وهو قولُ ابنِ عُمَرَ، ومنَعَ منهُ جمهورُ العلماءِ؛ كأبي حنيفةَ والشافعيِّ، وظاهرُ المذهبِ عندَ الحنابلةِ، وهو قولُ ابنِ عباسٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>حكمُ كتابةِ عقودِ الدُّيُون والبيوع:</span>\nوقولُه تعَالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ أمَرَ بالكتابةِ لضَبطِها؛ حفظًا للحقوقِ، ودفعًا للنِّزاعِ والطمعِ؛ وذلك أنَّ اللهَ قال بعدُ في التجارةِ: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾، فرفعَ الحرَجَ في التجارةِ؛ ليُثْبِتَهُ في المدايَنةِ.\nواختلَفَ العَلماءُ في حكمِ كتابةِ الديونِ على قولَيْنِ:","vol":"1","page":559},{"text":"أحدهما: الوجوبُ؛ فقد أخَذَ بظاهرِ الأمرِ؛ فأوجَبَها بعضُ السلفِ، ورجَّحهُ الطَّبَريُّ، وهذا مرويٌّ عنِ ابنِ عباسٍ، فقد روى ابنُ المنذِرِ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحَةَ، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ في قولهِ - ﷿ -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾: \"فأمَرَ بالشهادةِ بَينَهُم عند المكاتَبةِ؛ لكيلا يدخُلَ في ذلك جحودٌ ولا نِسيانٌ؛ فمَن لم يُشهِدْ على ذلك مِنكُم، فقد عَصَى\" (١).\nالقول الثاني: ذهَبَ إليه أكثرُ العلماءِ، وهو أنَّ الأمرَ على الاستحبابِ، وبه قالَ الشَّعْبيُّ والحسنُ ومالكٌ وغيرُهُ؛ وذلك أنَّ المالَ حقٌّ لصاحبِهِ، وله حقُّ إسقاطِهِ كلِّه وإبراءِ المَدِينِ منه؛ وهذا هو الأظهَرُ؛ فالأمرُ للدَّلَالةِ والإرشادِ لحفظِ الحقِّ، ومَن أسقَطَ البيِّنةَ على حقِّه، فإنَّما ترَكَ توثيقَ حقِّهِ وأسقَطَهُ بنفسِهِ، والكتابةُ لا تجبُ في عقودِ النكاحِ، وهيَ أعظَمُ مِن المالِ؛ وإنَّما يُكتفى بالشهودِ؛ لعِظَمِ الأبضاعِ في الشرعِ والطَّبْعِ.\nوإيجابُ الكتابةِ في الدَّيْنِ مشقَّةٌ مع حاجةِ الناسِ إلى المالِ وتبادُلِهِمْ لهُ لي الأسواقِ والبيوتِ والأسفارِ، فيتعاطَوْنَ الدراهمَ والدنانيرَ فُرَادَى في وقتِ الأُمِّيَّةِ، وربَّما تدايَنُوا بالقليلِ كالدِّرْهَمِ والمُدِّ والمُدَّينِ، ومثلُ هذا في إيجابِ كتابتِهِ كُلْفةٌ وعُسْرٌ، ولكنْ لا خلافَ في استحبابِ الكتابةِ، وكلَّما عَظُمَ المالُ وكَثُرَ الشركاءُ وتأخَّرَ الأجلُ، تأكَّدتِ الكتابةُ؛ لِغَلَبَةِ الظنِّ بورودِ الزاعِ وموتِ المتدايِنِينَ.\nوقد تجبُ الكتابةُ عندَ غَلَبةِ الظنِّ بالخصومةِ والنزاعِ وضياعِ الحقوقِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾؛ وفي هذا بيانُ الحِكْمةِ مِن الكتابةِ والإشهادِ؛ حفظًا للحقوقِ، ودفعًا للشكِّ والريبِ والنِّسْيانِ.\n_________\n(١) \"تفسير ابن المنذر\" (١/ ٦٧).","vol":"1","page":560},{"text":"وجعَلَ بعضُ العلماءِ الأمْرَ بالكتابةِ منسوخًا بقولِهِ: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].\nوقال آخَرونَ: بعدمِ النسخِ؛ وعلى هذا جمهورُ السلفِ؛ كابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وأبي موسى، وابنِ سِيرِينَ، ومجاهِدٍ، والشَّعْبيِّ، ورجَّحَهُ الطبريُّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>حكمُ الرَّهْنِ:</span>\nوحُكْمُ الإشهادِ حكمُ الكتابةِ، والإشهادُ أوثَقُ.\nوالأمر بالرهنِ عندَ عدَمِ وجودِ كاتبٍ لا يدُلُّ على الوجوبِ؛ لأنَّه إرشادٌ وتعليمٌ كيفَ يَضبِطُ أهلُ الأموالِ أمَوالَهُمْ عندَ التدايُنِ بها، وقد بايَعَ النبيُّ - ﷺ - ولم يُشهِدْ حينَما بايَعَ الأعرابيَّ، فاشْترى بعيرَهُ منه، والصحابةُ الذين مَعَهُ لا يَشْعُرونَ أنَّه ابتاعَهُ، فجحَدَهُ الأعرابيُّ، فشَهدَ خُزَيْمةُ بنُ ثابتٍ مع النبيِّ - ﷺ -: أنَّهُ صادقٌ، والنبيُّ لا يقول إلا حقًّا (١).\nوفي قولِهِ تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ وجوبُ الكتابةِ على الكاتبِ إذا طُلِبَ منه ذلك، والكتابةُ عِلْمٌ يَجِبُ بذلُهُ لمَنْ طَلَبَهُ.\nوقد أمَرَ الله الكاتِبَ والمُملِيَ ألَّا يضَعَا إلا الحقَّ بلا بَخسٍ، وإذا كانَ المُمْلِي عليه سفيهًا أو جاهِلًا صغيرًا، أمْلَى عنه وَلِيُّهُ بالعَدْلِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>الحجرُ على السفيه:</span>\nوفي الآيةِ: الحَجْرُ على السفيهِ، وتولِّي وَليِّهِ المالَ، والتصرُّفُ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢١٨٨٣) (٥/ ٢١٥)، وأبو داود (٣٦٠٧) (٣/ ٣٠٨)، والنسائي (٤٦٤٧) (٧/ ٣٠١).","vol":"1","page":561},{"text":"عنه، والصغيرُ السفيهُ الذي لا يُحسِنُ التصرُّفَ يستمِرُّ الحَجْرُ عليه حتَّى يَرْشُدَ ولو بلَغَ ما دامَ سَفَهُهُ متَّصِلًا، ويصحُّ ابتداءُ الحَجْرِ عليه ولو بعدَ بُلُوغِهِ؛ وهذا قولُ ابنِ عُمرَ وابنِ عبَّاسِ؛ وبه قال مالكٌ والشافعيُّ.\nوذهَبَ أبو حنيفةَ: إلى أنَّ الحَجْرَ لا يكونُ لمَنْ كان مالُهُ بينَ يدَيْهِ بعدَ البوغِ والرُّشْدِ وإنْ بَذَّرَ وأسرَفَ، ما دامَ عاقلًا ليس بمجنونٍ، وإنَّما الحجرُ عليه صغيرًا، ولا يسلَّمُ مالُهُ حتَّى يرشُدَ ولو بعدَ بلوغِهِ، وحَدَّهُ أبو حنيفةَ بخمسٍ وعشرينَ سنةَ.\nوخالفَ أبا حنيفةَ صاحباهُ محمَّدٌ وأبو يوسفَ؛ فقالا بقولِ الجمهورِ.\nوقولُهُ تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾، والإشهادُ على الندبِ على ما تقدَّمَ، وحكمُه حكمُ الكتابةِ سواءٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>حكمُ الإشهادِ في العقودِ والمعامَلَاتِ:</span>\nوإرشادُ اللهِ للإشهادِ مِن رجالِنا بقولِه: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، يُخرِجُ الكافرَ والصبيَّ والمرأةَ، وتتضمَّنُ الإضافةُ في الآيةِ الإشارةَ إلى استحبابِ إشهادِ مَن يَعرِفُ حالَكُمْ وتَعرِفونَ حالَهُ؛ تحذيرًا مِن إشهادِ المجهولِ والغريبِ الذي يَرْحَلُ ولا يَقَرُّ، ولا يَعرِفُ حالَ المتبايِعينَ والمتدايِنِينَ وحالَ سُوقِهِم، فينتفي حصولُ المقصودِ مِن الإشهادِ، فمَن كان مَجهولًا: قد يَخفى كُفْرُهُ وكذبُهُ ونفاقُهُ وخِدَاعُه، والغريبُ: قد يُسافِرُ ويُحتاجُ إليه فيُطلَبُ ولا يُوجَدُ، وهذا للإرشادِ والتعليمِ، ومِن بابِ أَوْلى إشهادُ الكافرِ، فالكافرُ ليس مِن رجالِ المسلِمِينَ، وقد اتَّفَقَ العلماءُ على عدمِ جوازِ شهادةِ الكافرِ في الديونِ والمعامَلاتِ، حكاهُ ابنُ المُنذِرِ وابنُ رُشْدٍ وغيرُهُما.","vol":"1","page":562},{"text":"وفي شهادةِ الكافرِ في الوصيَّةِ في السفرِ كلامٌ يأتي في سورةِ المائدةِ بإذنِ اللهِ.\nوأمَّا شهادةُ أهلِ الذِّمَّةِ بعضهم على بعضِ، ففيها خلافٌ مشهورٌ؛ فأجازَها عليٌّ وشُريْحٌ، وبقولِهِ قال أهلُ الكوفةِ وأبو عُبَيدٍ وإسحاقُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>شهادةُ الصبيِّ في العقود:</span>\nوفي ظاهرِ الآيةِ عدمُ جوازِ شهادةِ الصبيِّ؛ لكونِه مِن غيرِ الرجالِ؛ لأنَّ الصبيَّ ينسى ويخوَّفُ، وإن كانت فِطْرَتُهُ صحيحةً ولا يَعرِفُ الكذبَ، إلا أنَّه أكثَرُ نِسْيانًا وتلقينًا، وفي قبولِ شَهَادَتِهم خلافٌ عند السلفِ والخَلَفِ على أقوالٍ ثلاثةٍ، وهي ثلاثُ رواياتٍ عن أحمدَ:\nالأولُ: لا تجوزُ شهادةُ الصبيِّ، وبه قال الجمهورُ؛ قالَ ابنُ عباسٍ: \"ليسوا ممَّنْ يُرضَوْنَ؛ لأنَّ اللَّهَ يَقولُ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ \" (١)، وبه قال أبو حنيفةَ والكوفيونَ والشافعيُّ، وهو المشهورُ عن أحمدَ.\nولا يُعلَمُ عن أحدٍ مِن السَّلَفِ بسنَدٍ صحيحٍ قبولُ شهادةِ الصبيِّ في كلِّ شيءٍ، وإنَّما الخلافُ عندَهم في بعضِ الحقوق والأحوالِ؛ كشهادةِ بعضِهِم على بعضٍ، وشهادتِهم في الجراحِ، ومَن رُوِيَ عنه إطلاقُ الجوازِ - كابنِ الزُّبَيرِ والشَّعْبيِّ - فهيَ مقيَّدةٌ مِن وجَوهٍ أُخرى عنهم.\nالثاني: تجوزُ شهادةُ الصِّبْيانِ بعضِهِم على بعضٍ؛ وبهِ يقولُ أهلُ المدينةِ، ومالكٌ، والنَّخَعيُّ، وعُرْوةُ، وقضى بهِ عليٌّ، وقال به ابنُ الزُّبَيرِ، واشترَطَ عدَمَ تَفَرُّقِهم؛ قالَ: \"إذا جِيءَ بهم عندَ المُصِيبةِ، جازَتْ شَهَادَتُهُم\" (٢).\nوعلَّةُ اشتراطِ عدمِ الافتراقِ: حتَّى لا يَنْسَى أو يُلقَّنَ.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٥٦١).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٥٤٩٥) (٨/ ٢٤٩).","vol":"1","page":563},{"text":"وخصوماتُ الصِّبْيانِ فيما بَينَهُم لا يَشهَدُها الكِبَارُ غالبًا، وإذا لم تُؤخَذْ شهادتُهُم بَعْضِهِم على بَعْضٍ، ضاعَتِ الحقوقُ، وأُهْدِرَتِ الدِّمَاءُ.\nالثالثُ: تجوزُ شَهادتُهُمِ في الجراحِ؛ وبهِ قال عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ.\nوإنَّما كان الخلافُ في قبولِ شهادةِ الصبيِّ؛ لظاهرِ الآيةِ، ولحِفْظِ الحقوقِ؛ فالمَوْضِعُ الذي يُخشى فواتُ الحَقِّ فيه، صَحَّتْ شَهَادَتُهُمْ ممَّا يُعايِنُونَهُ عادةً كالجراحِ والقَتْلِ؛ فلا يَشْهَدُها كلٌّ أحدٍ؛ لأنَّها تقعُ عارِضةً، بحلافِ التعاقُدِ على مالٍ أو بَيْعٍ، فهذا يُستشهَدُ عليه، ويُقصَدُ الشاهدُ بعينِه، فشُدِّدَ في ذلك؛ حتَّى لا يُقصَدَ الصبيُّ بالشهادةِ، فتضِيعَ الحقوقُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>شهادةُ المرأةِ في العقودِ:</span>\nوظاهرُ الآيةِ: عدَمُ قبولِ شهادةِ المراةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قالَ: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، وقيَّدَ شهادتَهُنَّ مع الرجلِ الشاهدِ الواحدِ عندَ فَقْدِ الآخَرِ، ولا يظهَرُ جوازُ شهادةِ الأربعِ مِن النِّسَاءِ عن الرجلَيْنِ.\nوعدمُ جوازِ شهادةِ المرأةِ: إنَّما هو في الأموالِ والحدودِ والدماءِ؛ لأنَّ الشريعةَ جاءتْ بأحكامٍ مُحكَمةٍ يُتِمُّ بعضُها بعضًا، ولا يتنافى حكمٌ مع حكمٍ؛ فالمرأةُ حرَّمَ اللهُ عليها خَلْوَتَها بالرجالِ واختِلَاطَها بمَجَالِسِهم؛ فهي لا تشهَدُ تَبَعًا خصوماتِهِمْ ومبايَعَاتِهِمْ، كحالِ الرجالِ بعضِهم مع بعضٍ، فلا يُناسِبُ مساواتُها في الشهادةِ، فتُطلَبُ منها كما تُطلَبُ مِن الرجلِ؛ فالشرعُ ينفِّرُها عن مجالِسِ الرجالِ، ثمَّ يَدْعُوهَا لتشهَدَ بيوعَهم وخُصُومَاتِهم؟ ! لذا جعَلَ الله تعالى إدخالَها في الشهاداتِ للحاجةِ عندَ فَقْدِ الرجلِ، ولأنَّها تغيبُ عن معرِفةِ الحالِ، جُعِلَتْ شهادةُ امرأتَيْنِ كشهادةِ الرجلِ؛ لقِصَرِ الفَهْمِ والإدراكِ لتلك الإحوالِ؛ ولذا جاء في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أبي سعيدِ وغيرِه، قال - ﷺ -: (أَلَيْسَ شَهَادَةُ","vol":"1","page":564},{"text":"المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ ! فَذَلِك مِن نُقْصَانِ عَقْلِهَا) (١).\nولمَّا كانتِ الحدودُ تُدرَأُ بالشُّبُهاتِ، والمرأةُ يَعرِضُها النِّسْيانُ في الشهودِ لقولِهِ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾، والنِّسْيانُ شُبْهةٌ؛ لمْ تَجُزْ شهادةُ المرأةِ في الحدودِ، بل لا تُجزِئُ شهادةُ امرأتَيْنِ مع رجلٍ في غير الأموال؛ ولأنَّ اللهَ يقولُ في حدِّ الزِّنَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]، وهذا عدُد الرجالِ بالاتِّفاقِ.\nوعلى هذا جرى العملُ؛ فقد روى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن الزُّهْريِّ؛ قال: \"مَضَتِ السُّنَّةُ مِن رسولِ اللهِ - ﷺ -، والخليفتَيْنِ مِن بعدِهِ: أَلَّا تَجُوزَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ في الحُدُودِ\" (٢).\nوَيَجْرِي مَجْرَى الأموالِ في جوازِ شهادةِ المرأةِ بها على ما تقدَّمَ: المواريث، والوصايا، والودائعُ، وشبهُها.\nوتصحُّ شهادةُ المرأةِ الواحدةِ في الرَّضَاعِ.\nوكذلك القابِلةُ - طبيبةُ الولادةِ - لو شَهِدَتْ على شيءٍ رَأتْهُ مِن جِنْسِ المولودِ وحياتِهِ وعدَدِه.\nويجوز إشهادُ النساءِ وَحْدَهُنَّ على ما لا تقومُ فيه بيِّنةٌ إلا بِهِنَّ؛ كما يقَعُ بينَهُنَّ مِن جِرَاحٍ أو سَرِقةٍ في مَجَالِسِهِنَّ في الأَعْرَاسِ والوَلَائِمِ ونحوِها؛ حتَّى لا تَضِيعَ الحقوقُ.\nوحكى الاتفاقَ غيرُ واحدٍ أنَّ شهادةَ النِّساءِ على النساءِ في الولادةِ وعيوبِهنَّ جائزةٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>اشتراطُ العدالةِ في الشاهِدِ:</span>\nويُشترَطُ في الشاهدِ العَدَالةُ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٠٤) (١/ ٦٨)، ومسلم (٧٩) (١/ ٨٦).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٨٧١٤) (٥/ ٥٣٣).","vol":"1","page":565},{"text":"مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، والعَدْلُ: من لم يُعرَفْ فِسْقُهُ بكبيرةٍ، أو إصرارٍ على صغيرةٍ، وإن تعذَّرَ شاهدٌ لم يظهَرْ فسقُهُ بصغيرةٍ، ليجوزُ الإشهادُ بأهلِ الصغائرِ؛ حتَّى لا تضيعَ الحقوقُ، ولِنُذْرةِ السلامةِ منها، خاصَّةً في الأزمِنَة المتأخِّرةِ، وإنْ كَثُرَ أهلُ السلامةِ منها في بلدٍ، رُدَّتْ شهادتُهُ؛ لأنَّ قبولَ شهادةِ الفاسقِ ورَدَّها لحفظِ الحقوقِ أن تَصِيعَ، والمصلَحةُ الغالبةُ في قبولِها ورَدِّها يُؤخَذُ بها.\nوالأصل في المسلِمِ المشهورِ: العدالةُ ما لم يُجرَحْ، وأمَّا المسلِمُ المستورُ، فاختُلِفَ فيه:\nفقال مالكٌ والشافعيُّ: إنَّ الأصلَ عدَمُ قبولِ الشهادةِ، حتَّى تثبُتَ العدالةُ، وظاهِرُهُ: أنَّ مَن عُجِزَ عن معرِفةِ عدالتِهِ تُرَدُّ شهادتُه.\nوقال أبو حنيفةَ والليثُ: إنَّ الأصلَ قَبولُ شهادتِهِ، حتَّى يثبُتَ الفِسْقُ.\nوالأظهَرُ: أنَّ الأمرَ يَرجعُ إلى الزمانِ والمكانِ وغَلَبَةِ الفِسْقِ فيهما؛ فإنْ كان المستورُ في بلدٍ يعُمُّ فيهِ الفِسْقُ، اشتُرِطَ ثبوتُ العدالةِ، ولم يُقبَلِ السترُ، وإنْ كان في بلدٍ تعُمُّ فيه العدالةُ والديانةُ، فالأصلُ العدالةُ حتَّى يثبُت الفِسْقُ.\nويفرَّقُ بين الإشهادِ على الشيءِ اليسيرِ مِن الحقِّ والشيءِ الكثيرِ، في التساهُلِ بالاستيثاقِ مِن حالِ الشاهِدِ.\nومَن عُرِفَ بخُصُومةٍ أو قرابةٍ مع أحدِ أصحابِ الحقِّ، فلا تصحُّ شهادتُهُ؛ لقولِهِ - ﷺ -: (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ) (١)، ولكنْ لو شهِدَ القريبُ على قريبِهِ وليس خَصْمَا له، جازَ، وإذا شهدَ الخَصْمُ لحظِّ خَصْمِهِ، جازَ؛ لأنَّه أبعَدُ عنِ التُّهَمةِ مِن غيرِه.\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٥٣٦٥) (٨/ ٣٢٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٠١).","vol":"1","page":566},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>الشاهدُ واليمينُ:</span>\nوبهذه الآيةِ أخَذَ بعضُ الفقهاءِ بعدمِ اعتِبارِ الشاهدِ واليمينِ؛ وذلك أنَّ اللهَ حصَرَ حِفْظَ الحقوقِ بشاهدَيْنِ من الرجالِ، أو رجلٍ وامرأتَيْنِ؛ وبه قال أبو حنيفةَ وأهلُ الكُوفةِ، ولأنَّ النبيَّ - ﷺ - قال في الأشعَثِ وخَصْمِهِ: (شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ)، قال الأشعتُ: إنَّهُ إذًا يَحْلِفُ ولا يُبالي، فقال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بها مَالًا، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)، فأنزَلَ اللهُ تصديقَ ذلك، ثمَّ اقترَأ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]؛ رواهُ الشيخانِ (١).\nوجمهورُ العلماءِ على ثبوتِ الحقِّ بالشاهدِ مع اليمينِ؛ وهو قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ وأهلِ المدينةِ ومالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ؛ وذلك لأنَّ النبيَّ - ﷺ - قَضَى بالشاهدِ مع اليَمينِ؛ أخرَجَهُ مسلِمٌ، عَنِ ابنِ عبَّاسٍ (٢).\nوالآيةُ لم تحصُرْ حِفْظَ الحقوقِ الجائزةِ بشهادةِ الرجلَيْنِ أو الرجلِ والمرأتَيْنِ؛ وإنَّما دَلَّتْ وأرشَدَتْ إلى الكمالِ في ذلك؛ ولذا ذكَرَتِ الكتابةَ والإشهادَ، وبعد ذلك الرهنَ، وليسَتْ بواجبةٍ على الأرجَحِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>اليمينُ والشاهدتان:</span>\nواختُلِفَ في القضاءِ باليمينِ مع المرأتَيْنِ، على قولَينِ للفقهاءِ:\nقالَ مالكٌ بجوازِها؛ لظاهِرِ الآيةِ؛ لأنَّ المرأتَيْنِ بدلٌ عن الرجلِ، فإنْ وُجِدَا، قُضِيَ بهما مع اليمينِ.\nوخالَفَهُ الشافعيُّ؛ لأنَّ اللهَ لم يُجِزِ الشاهدتَيْنِ إلا مع رجلٍ؛ وذلك\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٥١٥) (٣/ ١٤٣)، ومسلم (١٣٨) (١/ ١٢٣).\n(٢) أخرجه مسلم (١٧١٢) (٣/ ١٣٣٧).","vol":"1","page":567},{"text":"أنَّه لا يجوز إشهادُ أربعِ نِسْوةٍ، وذلك ظاهرٌ في قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>مِن أحكامِ الاختلاطِ:</span>\nوفي قولٍ شاذٍّ استُدِلَّ بقولِهِ ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ على جوازِ اختلاطِ الرجالِ بالنِّسَاءِ في المَجَالِسِ، وهذا جَهْلٌ لا يقولُهُ إلا صاحِبُ مَرَضٍ في القلبِ؛ فالآيةُ دالَّةٌ على خلافِ ذلك؛ فاللَّهُ تعالى قال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾؛ فجعَلَ المرأتَيْنِ تَتَداكَرَانِ عندَ النِّسْيانِ، ولم يَجعَلِ المرأةَ تذكِّرُ الرجلَ، ولا يذكِّرُ الرجلُ المرأتَيْنِ؛ لأنَّ المذاكَرةَ يَلزَمُ منها مجالَسةٌ تَطُولُ، فجعَلَ اللهُ الشهادةَ جائِزةً لأنَّها عابِرةٌ وجعَلَ المذاكَرةَ للمرأتَيْنِ، لا للرجلِ والمرأتَيْنِ؛ لأنَّها مجالَسةٌ دائِمةٌ.\nوظاهرُ الآيةِ: قبولُ شهادةِ العبيدِ؛ لعمومِها ولم يُستثْنَوْا منها، وهو قولُ أحمدَ وبعضِ السلفِ.\nوالجمهورُ: على عدمِ صِحَّةِ شهادةِ العبيدِ؛ وهو عملُ أهلِ مَكَّةَ والمدِينةِ؛ كما رواهُ ابنُ المُنذِرِ عن مجاهِدٍ، قال: \"كانَ أَهْلُ مَكَّةَ وأهلُ المَدِينةِ لا يُجِيزُونَ شهادةَ العبدِ\" (١).\nوالأصلُ في تحمُّلِ الشهادةِ: الاستحبابُ، وفي أدائِها الوجوبُ، ومَن طُلِبَتْ شهادتُهُ وتَعَذَّرَ غيرُهُ، تَعَيَّنَ عليه؛ لقولهِ تَعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾، وجزَمَ بالوجوبِ ابنُ عباسٍ وغيرُهُ مِن الصحابةِ.\nوقولُهُ: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ قرينةٌ على عدمِ وجوبِ الكتابةِ والشهادةِ، وإنَّما استحبابُها؛ لأنَّه أشرَكَ صغيرَ الحقوقِ وكبيرَها في الأمرِ،\n_________\n(١) \"تفسير ابن المنذر\" (١/ ٥٧).","vol":"1","page":568},{"text":"والصغيرُ يتعذَّرُ على الناسِ امتثالُهُ على وجهِ التَّمَامِ، والشريعةُ لا تُوجِبُ ما يَشُقُّ أو يتعذَّرُ كدَيْنِ صاعِ البُرِّ والمُدِّ، والدِّرْهمِ والدرهمَيْنِ، أو أَخْذِ السِّكِّينِ والإناءِ والدَّلْوِ والحَبْلِ وديعةً وأمانةً.\nوَيرَى عطاءٌ الإشهادَ على البَيْعِ ولو قليلًا حتَّى ثُلُتِ الدِّرْهَمِ.\nوقولُهُ: ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: أعدَلُ عندَ اللهِ، واستعمالُ \"أَفعَلِ\" التفضيلِ قرينةٌ على أنَّ الكتابةَ والشهادةَ لكمالِ القِسْطِ والعَدْلِ، وأنَّ تَرْكَها ليس جَوْرًا وظُلْمًا.\nوشهادةُ الشاهدِ على خطِّهِ - أنَّه هو - ليست بشهادةٍ إذا لم يذكُرْ ما شهِدَ عليه؛ لأنَّ اللَّهَ يقول: ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾، فالكتابةُ تقوِّمُ الشهادةَ وتذكِّرُ بها، لا تُثِبتُها بنفسِها؛ وبهذا قال أكثَرُ العلماءِ.\nوجوَّز مالكٌ الشهادةَ اعتمادًا على الخَطِّ، وصَحَّ القولُ به عن طاوُسٍ مِن التابِعينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>الترخيصُ بتركِ كتابةِ بعضِ العقودِ:</span>\nوقولُهُ تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، رخصَ اللهُ في عدمِ كتابةِ التجارةِ الموصوفةِ بوصفَيْنِ:\nالأول: ﴿حَاضِرَةً﴾؛ أي: يَتِمُّ فيها التقابُضُ مِن المتبايِعَيْنِ، وفي معنى الحاضِرةِ: التجارةُ في سُوقِ البَلَدِ الواحدِ الذي يحضُرُ فيهِ المتبايِعانِ ويتجاوَرانِ في السُّوقِ كلَّ صباحٍ للبَيْعِ والشِّرَاءِ، وليست غائبةً عن أَعْيُنِهما في بلدٍ بعيدٍ يُرتَحَلُ إليه؛ فالتِّجَارةُ الغائبةُ مَظِنَّةُ التأخُّرِ والغيابِ والخطورةِ والنِّسْيانِ؛ فتضيعُ الحقوقُ.\nوأهلُ السوقِ الحاضرِ يختلِفُونَ عن أهلِ السوقِ الغائبِ؛ فأهلُ التجارةِ المتجاوِرُونَ يأنَسُ بعضُهُم لبعضٍ، وَيعرِفُ بعضُهم بَعْضًا، ونفعُ","vol":"1","page":569},{"text":"بعضِهم لبعضٍ كثيرٌ، وحاجتُهُمْ دائمةٌ بينَهُم، فجحودُ الحقِّ ونُكْرَانُهُ ضعيفٌ، والكتابةُ شاقَّةٌ على القليلِ والكثيرِ بينهم.\nالثاني: ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾، الدائرةُ التي يتعامَلُ بها أهلُ السوقِ في يومِهِم وليلتِهِم، فيكثُرُ أخذُهُم فيما بينَهم وإعطاؤُهم، فيكثُرُ بينَهُمُ المالُ في الذِّمَّةِ، ويتعذَّرُ كتابةُ كلِّ ذلك لصعوبتِه وكثْرَتِهِ.\nفخَفَّفَ اللهُ في أمرِ الكتابةِ، وحثَّ على الإشهادِ في التجارةِ الحاضِرةِ الدائِرةِ؛ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾؛ لأنَّ الكتابةَ شاقَّةٌ بمثلِ هذه التجارةِ، وأمَرَ بالإشهادِ لسهولتِهِ؛ حفظًا للحقوقِ، ودفعًا للخصوماتِ؛ فإنَّ أكثَرَ الخصوماتِ هي بسببِ التساهُلِ في البيِّناتِ عند العقودِ.\nوقولُه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾:\nالضررُ محرَّمٌ مِن الشهودِ والكاتبِ والمُمْلِي، وهم أمَناءُ على الحقوقِ؛ فَلا يجوزُ للكاتِبِ أن يزيدَ وينقُصَ فيما يُمْلَى عليه، ولا للشاهدِ كذلك فيما يَسْمَعُ وَيرَى.\nوكان عمرُ وابنُ مسعودٍ يقرآنِ: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (١) - يُضارَرْ: بالمَبنيِّ للمجهولِ - أيْ: لا يَضُرَّ أصحابُ الحقوقِ الكاتِبَ والشهيدَ عندَ طلبِهِمُ الكتابةَ والشهادةَ، ويُلِحُّوا عليهِم ويُلْزْمُوهُمْ، فيُعطِّلُوا مَصَالِحَهُمْ وراءَهُمْ فتَضِيعَ؛ وبهذا قال ابن عبَّاسٍ ومجاهِدٌ وغيرُهُما (٢).\nوالفسوقُ في الآيةِ: الإثمُ المترتِّبُ على الخروجِ عن أمرِ اللهِ وامتثالِ طاعتِهِ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٥/ ١١٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٥/ ١١٥ - ١١٦).","vol":"1","page":570},{"text":"وقد أمَرَ اللهُ بعدَ ذلك بتقواهُ فيما عَلَّمَهُم إيَّاه ممَّا يَحفَظُ الحقَّ، ويقومُ به القِسْطُ بين الناسِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].\nيصحُّ الرَّهْنُ في الحِلِّ والسفرِ، وذِكْرُ السفرِ ليس قيدًا في الآيةِ على جوازِ الرهنِ وصِحَّتِهِ؛ وذلك أنَّ اللهَ لمَّا ذكَرَ ما تُضبَطُ به الحقوقُ مِن الكتابةِ والشهادةِ وأداءِ الأمانةِ، وكان السفرُ مَظِنَّةً لعدمِ حضورِ كاتبٍ وشاهِدٍ فيه - خاصَّةً في زمنِ الأُمِّيَّةِ - أرشَدَ اللهُ إلى الرَّهْنِ، وهو صحيحٌ في السفرِ والحضرِ، وُجِدَ كاتِبٌ وشاهِدٌ أو لم يُوجَدْ؛ وهذا قولُ أكثرِ السلفِ، وهو قولُ الجمهورِ، خلافًا لأبي حنيفةَ؛ فالنبيُّ - ﷺ - ماتَ ودِرْعُهُ مرهونةٌ عند يهوديٍّ، وهو في الصحيحِ عن عائشةَ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>حكمُ الرَّهْنِ في المسَّلَمِ:</span>\nوالرهنُ في السَّلَمِ جائزٌ؛ لظاهرِ الآيةِ، فهي إنَّما نزَلَتْ في السَّلَمِ ودخلَتْ سائرُ الحقوقِ فيها تَبعًا.\nولا يجوزُ الرهنُ إلا بقَبْضِهِ؛ لقولِه: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، ولاتِّفاقِ الأئمَّةِ على ذلك.\nوذهَبَ أبو حنيفةَ إلى أنَّهُ لا يَصِحُّ رَهْنُ المُشاعِ؛ لأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ قبضُهُ، خلافًا للجمهورِ الذين قالوا بصِحَّةِ قبضِ المُشاعِ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٩١٦) (٤/ ٤١).","vol":"1","page":571},{"text":"ومثلُهُ رهنُ المجهولِ وما فيه غَرَرٌ؛ فلا يجوزُ رهُنهُ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ قبضُهُ.\nواختُلِفَ في اشتراطِ قَبْضِ الرهنِ؛ هل هو شرطٌ لصِحَّةِ الرَّهْنِ ولزومِه أو لا؟ على قولَيْنِ مشهورَيْنِ:\nالأولُ: أنَّه شرطٌ لِصِحَّتِهِ ولزومِه؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ.\nالثاني: أنَّ القبضَ ليس شرطًا لِصِحَّةِ الرهنِ؛ فيصحُّ الرهنُ ويلزمُ بالعقدِ، ولكنَّه لا يَتِمُّ إلا بالقَبْضِ؛ وهذا قولُ مالكٍ.\nوثمرةُ ذلك: أنَّ العقدَ يُلزِمُ الراهنَ بتسليمِ الرهنِ، ولا يجوزُ له الرجوعُ عنه، وإنْ لم يُقبَضْ عندَ العَقْدِ وقبلَ الافتراقِ.\nوالقولُ الأوَّلُ يَشترِطُ مصاحبَةَ قبضِ الرهنِ للعقدِ قبلَ الافتراقِ.\nواستدامةُ القبضِ شرطٌ لِصِحَّةِ الرهنِ على قولِ الجمهورِ؛ لظاهِرِ الآيةِ، خلافًا للشافعيِّ؛ لأنَّ رجوعَ الرهنِ ليدِ الراهِنِ يُخرِجُهُ مِن وصفِ القبضِ في الآيةِ.\nثمَّ أمَرَ اللهُ بأداءِ الأمانةِ وتقوى اللهِ فيها، وحَرَّمَ كِتْمانَ الشهادةِ؛ لأنَّ الإيمانَ إذا فُقِدَ، فُقِدَتِ الأمانةُ، وكُتِمَتِ الشهادة، وضاعَتِ الحقوقُ.\n* * *","vol":"1","page":572},{"text":"سلسلة منشورات مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض (١٦٦)\n\nالتفسير والبيان لأحكام القرآن\n\nتأليف\nعبد العزيز بن مرزوق الطريفي\nغفر الله له ولوالديه وللمسلمين\n\nاعتنى به\nعبد المجيد بن خالد المبارك\n\nالمجلد الثاني\n[من آل عمران إلى النساء]","vol":"2","page":null},{"text":"التَّفسِيْرُ وَالبَيَان لِأَحكَامِ القُرآن (٢)","vol":"2","page":null},{"text":"جميع حقوق الطبع محفوظة لدار المنهَاج بالريّاض\nالطبعَة الأولى\n١٤٣٨ هـ\n\nمكتبة دار المِنهَاج للنشر والتَّوزيع\nالمملكَة العَربيَّة السّعُوديَّة - الرّيَاض\nالمركز الرئيسي - الدّائري الشرقي - مَخرَج ١٥ - جنوب أسوَاق المجد\nت: ٤٤٥٦٢٢٩ - فاكس: ٤٩٦٢٠١٤ - ص ب: ٥١٩٢٩ - الرّياض: ١١٥٥٣\nالفرُوع - طريق خالد بن الوليد (إنكاس سَابقًا) ت: ٢٣٢٣٠٩٥\nمكة المكرمة - الجميزة - الطريق النازل للحَرَم - ت: ٥٧٦١٢٧٧/ ٠٢\nالمَدينَة النَّبويَّة - أمَام الجَامِعَة الإسلامية من جهة الجنوب - ت: ٨٤٦٧٩٩٩/ ٠٤\nحِسَاب الدَّار في مَوقع تويتر: Alminhajj@","vol":"2","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-359>سُورَةُ آلِ عِمْرانَ</span>\nسورةُ آلِ عمرانَ سورةٌ مدنيَّةٌ، وقد حكى الإجماعَ على ذلك غيرُ واحد، وفيها بيانٌ لجملة من الأحكام؛ كالقتالِ والطعامِ وفرضِ الحجِّ والإصلاحِ، وتضمَّنت تثبيت النبي - ﷺ - وأصحابه، وبيان مَكرِ أعدائِهِمْ كاليهود والنصارى والمنافقِين والمشركِين والتعامُل معهم.\n* قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].\nأَنْزَلَ اللهُ كتابَهُ للبيانِ وإقامةِ البُرهانِ؛ ومُقتضَى ذلك أنْ يكونَ بيِّنًا مُحْكَمًا ظاهرًا جليًّا، وهذا هو الأصلُ فيه؛ ولذا سمَّى اللهُ المُحْكَمَاتِ بـ (أمِّ الكتابِ)؛ أيْ: أصلِه، والمقصودُ مِن الكِتابِ: الإحْكَامُ، لا اللَّبْسُ، وأُمُّ الشيءِ: أصلُهُ الذي تَرجِعُ الفروعُ إليه، ولا يَرجِعُ بالضرورةِ إليها؛ كأمِّ القُرى؛ يَقصِدُها أهلُ القُرى جميعًا بقلوبِهم ووُجُوهِهم وأَبْدانِهم، ولا يقصدُ أهلُ أمِّ القُرى جميعَ القُرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>المحكَمُ والمتشابِهُ في القرآن:</span>\nوإحكامُ القرآنِ أصلٌ، والتشابهُ عارضٌ، عندَ كلِّ عربيٍّ بفهمُ لغةَ العربِ التي أُنزِلَ عليها القرآنُ، وليستِ العربيَّةَ المتأخِّرةَ التي دخلَتْها","vol":"2","page":573},{"text":"المُعجْمَةُ، فغيَّرتِ اللِّسانَ وبدَّلَته، فتُسمَّى عربيَّةً في مقابلِ العجميَّةِ، لا بالنسبةِ لفصاحتِها وبيانِها، وما زال اللسانُ العربيُّ يَضعُفُ عندَ العامَّةِ والخاصَّةِ حتى استعجَمَ كثيرٌ مِن القرآنِ على كثيرٍ مِن العربِ.\nوالمُحْكَمُ ضدُّ المُتشابِهِ، وهو ما لا يحتمل في الشريعةِ إلا قولًا ووجهًا سائغًا واحدًا، وعرَّف أحمدُ المحكَمَ: بأنه الذي ليس فيه اختلافٌ (١) ومرادُهُ: ما استقَلَّ بالبيانِ ننفسِهِ، فلم يحتجْ لغيرِهِ؛ فقد روى ابنُ أبي حاتمٍ، وابنُ المُنذِرِ، والطَّبَرِيُّ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ قال: \"مُحْكَمَاتُ الكِتابِ: ناسِخُه، وحلالُه وحرامُه، وحُدُودُه وفرائضُه، وما يُؤمَنُ به ويُعملُ به\".\nوبنحوِ هذا فال عكرمةُ ومجاهدٌ وقتادةُ وغيرُهم (٢).\nوالمُتشابهُ: ما تَرَدَّدَ معناهُ بينَ معنيَيْنِ أو أكثرَ بوجهٍ سائغٍ.\nروى ابنُ المُنذِرِ وغيرُه، عن عليٍّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ قال: \"المُتشابِهاتُ: مَنسُوخُه، ومُقَدَّمُه ومُؤَخَّرُه، وأَمْثالُه وأَقْسَامُه، وما يُؤمَنُ به ولا يُعمَلُ به\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>ما لا يُنْتسخُ من الوحي:</span>\nويدخلُ النسخُ الأحكامَ، ولا يدخُلُ من الوحيِ المنزَّلِ ثلاثةً:\nأولًا: العقائدُ؛ لأنَّها إخبارٌ عن الخالقِ وحقِّه، وهي سببُ الإيجادِ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ يعني؛ يُوحِّدوني ويُطِيعوني، ونَسْخُها نسخٌ للحِكْمةِ الأُولى مِنَ الخَلْقِ وإبطالٌ لها؛ ولهذا\n_________\n(١) \"مسائل ابن هانئ لأحمد\" (٢/ ١٦٦).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٥/ ١٩٣)، و\"تفسير ابن المنذر\" (١/ ١١٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٥٩٢).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٥/ ١٩٣)، و\"تفسير ابن المنذر\" (١/ ١١٩)، \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٥٩٣).","vol":"2","page":574},{"text":"تختلفُ شرائعُ الأنبياءِ، وتتَّفقُ عقائدُهم وأصولُ عباداتِهم للهِ؛ قال - ﷺ -: (وَالأَنبِيَاءُ إِخْوةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ)؛ رواهُ البخاريُّ (١).\nوالدِّين هو أصُولُهم، والأُصُولُ كالأَنْسَابِ، فيُنسَبُ الأبناءُ لآبائِهم وإنِ اختلَفَتْ أمَّهاتُهم وتعدَّدتْ، وأبناءُ الأمَّهاتِ مَحَارِمُ لأزواجِ آبائهم؛ يعني: أن أصولَ فُرُوعِهم وإنِ اختلَفَتْ فتَختلِفُ صورةً، وَيَبْقَى التَّشابُهُ في أصلِ التشريعِ؛ فالصلاةُ شريعةُ الأنبياءِ واحدةُ، ولكنْ تختلِفُ في صورتِها وعددِها ووقتِها.\nوالعقائدُ عليها فُطِرَ الإنسانُ، واختلافُ العقائدِ وأصولِ الشرائع تبديلٌ للفِطرةِ: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، وإذا غُيِّرَت أصولُ العقائدِ، فلا بدَّ أنْ تُغيَّرَ الفِطرةُ لِتَتَوَافَقَ معها، ولكن لمَّا كانت أصولُ العقائدِ ثابتةً لا تتغيَّرُ، ثَبتَتِ الفِطرةُ، وقضَى اللهُ بذلك لها: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾.\nثانيًا: الآدابُ والأخلاقُ؛ لأنَّ الإنسانَ فُطِرَ عليها، وهي صِلَتُهُ مع جِنْسِه، ونَسْخُها تبديلٌ للفِطْرةِ وإفسادٌ لصِلَةِ الخَلْقِ؛ كالصِّدْقِ والأمانةِ، والوفاءِ بالعهدِ، وإكرامِ الضيفِ، والعفافِ.\nفنَسْخُ العقائدِ إفسادٌ لصِلةِ المخلوقِ بالخالقِ، ونسحُ الأخلاقِ والآدابِ إفسادٌ لصِلَةِ الخَلْقِ فيما بينَهم.\nثالثًا: الأَخبَارُ؛ لأنَّ نسْخَها تكذيبٌ للمُخبِرِ؛ لذا كلُّ ما يُخبِرُ به نبيٌّ مِن أنبياءِ اللهِ، فلا بدَّ أنْ يقَعَ لا يُنسَخَ، والنبيُّ يُخبِرُ عن ربِّه، ونسخُ الأخبارِ تكذيبٌ له سبحانَه.\nويدخُلُ في الأخبارِ أحوالُ السابقِينَ واللاحِقينَ؛ مِن أشراطِ الساعةِ، وأحوالِ الخَلْقِ بعدَ موتِهم مِن حياةِ البرزخِ والبعثِ والنشورِ،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٤٤٣) (٤/ ١٦٤).","vol":"2","page":575},{"text":"وأخبارِ الغيبِ؛ كالأرواحِ والجِنِّ والملائكةِ، وعُمَّارِ السماءِ، وصفةِ السمواتِ وسُمْكِها، وغيرِ ذلك.\nوقولُه تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾: الكتابُ إذا أُطلِقَ في القرآنِ والسُّنَّةِ مجرَّدًا مِن غيرِ عطفٍ يدخُلُ فيه السُّنَّةُ؛ لأنَّها وحيٌ، ولحديثِ زيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنِيِّ وأبي هُريْرَةَ لمَّا أرادَ أن يَقْضِيَ النبيُّ - ﷺ - في الزِّنى، قال: (لأَقضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ) (١)، فقضَى بحُكْمِه، ومنه التغرِيبُ، وليس التغريبُ في المَتلُوِّ مِن القرآنِ؛ وإنَّما هو مِن السَّنَّةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>معنى المُحْكَمِ والمتشابِهِ في القرآنِ:</span>\nوللإحكامِ والتشابُهِ في القرآنِ مَعَانٍ متغايرةٌ مِن بعضِ الوُجُوهِ؛ فقد وصَفَ اللهُ القرآنَ كلَّه بالإحكامِ، ووصَفَه كلَّه بالمتشابهِ، وقسَّمَهُ إلى مُحكَمٍ ومتشابهٍ كما في آيةِ آلِ عِمرانَ هذه، فلمَّا وصَفَ اللهُ كتابَه كلَّه بالإحكامِ، قال: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١]، ولمَّا وصَفَهُ كلَّه بالمتشابهِ، قال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، والتشابُهُ في هذه الآيةِ هو في معنى الإحكامِ؛ لأنَّ المرادَ بالمتشابهِ هنا هو مشابهةُ أَحْكَامِ القرآنِ بعضِها بعضًا، فلا يُناقِضُ موضعٌ موضعًا آخَرَ، وهذا نفيٌ للتعارُضِ والتناقُضِ والاختلافِ فيه الحاصلِ في قولِ البشرِ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].\nفقولُه: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]؛ أيْ: يُشْبِهُ بعضُه بعضًا، ويُصَدِّقُ بعضُه بعضًا، ويدُلُّ بعضُه على بعضِ؛ قاله سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ وقتادةُ والسُّدِّيُّ وغيرُهم (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٦٩٥) (٣/ ١٨٤)، ومسلم (١٦٩٧) (٣/ ١٣٢٥).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢٠/ ١٩١).","vol":"2","page":576},{"text":"وأمَّا في الآياتِ، فقد تكونُ مُتشابِهةً يعَيْنِها، وإذا انضمَّتْ إلى بقيةِ الآياتِ في بابِها، أُحْكِمَتْ وبُيِّنَتْ وزالَ تشابُهُها؛ لأنَّ القرآنَ يُشبِهُ بعضُه بعضًا فلا يتناقَضُ، وهذا المرادُ في قولِه: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>أنواعُ المحكمِ والمتشابِهِ:</span>\nوهذا هو الإحكامُ العامُّ للقرآنِ، وهو المرادُ في قولِه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]؛ يعني: أنَّ آياتِ الكتابِ أُحكِمتْ جميعًا؛ فما لم يُحْكَمْ بنفسِهِ منفردًا، أُحْكِمَ بآياتٍ أُخرَى مِن الكتابِ تُزِيلُ لَبْسَهُ وما تشابَهَ منه في عقلِ القارئِ وظنِّه؛ ولذا كان إحكامُ القرآنِ على نوعينِ:\nإحكامٌ عامٌّ في القرآنِ كلِّه.\nوإحكامٌ خاصٌّ في آياتٍ معيَّنةٍ.\nوالتشابُهُ على نوعينِ:\nتشابهٌ عامٌّ في القرآنِ كلِّه؛ يُشبِهُ بعضُه بعضًا، ويُؤكِّدُ بعضه بعضًا، ولا يُوجَدُ منه ما يُناقِضُ الآخَرَ.\nوتشابُهٌ خاصٌّ في آياتٍ معيَّنةٍ.\nوالتشابُهُ العامُّ مِن معاني الإحكامِ العامِّ، والإحكامُ الخاصُّ جزءٌ مِن الإحكامِ العامِّ.\nوالمتشابِة الخاصُّ يُخالِفُ المُحْكَمَ الخاصَّ، والمُخالَفةُ يُقضَى بها للمُحكَمِ، وقد تكونُ كاملةً بالنسخِ التامِّ، أو مخالِفةً لبعضِه بتقييدِهِ وتخصيصِه.\nولا يترُكُ إحكامَ القرآنِ إلا مَن في قلبِه مرضٌ سابقٌ؛ لِيَأخُذَ بُغيَتَهُ لِيُمِرَّها على الناسِ، فيَستُرَ هواهُ بحُجَّةٍ مِن القرآنِ، فالهوى سابقٌ في قلبِه لم يُوجِدْه القرآنُ؛ ولذا قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، ومَن في قلوبِهم زيغٌ هم المنافِقونَ،","vol":"2","page":577},{"text":"فالمرضُ في قلوبِهم مستقرٌّ قبلَ نظرِهم في القرآنِ، فتعلَّقتْ لهم الشُّبُهاتُ، وأمَّا القرآنُ، فشفاءٌ للمؤمنينَ: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]، وزيادةُ غَيٍّ للمنافِقينَ: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]؛ لأنَّ المؤمِنَ يطلُبُ المُحكَمَ فيَشْفِيهِ، والمنافِقَ يطلُبُ المتشابِهَ فيُمْرِضُه؛ قال اللهُ عن المؤمنينَ: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ الآيةَ [محمد: ٢٠]، وقال عن المنافِقينَ: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾.\nوأمراضُ القلوب بالشُّبهاتِ تُعْدِي كأمراضِ الأبدانِ بالعِلَلِ، فيجبُ الحذرُ مِن مجالسةِ أَصحابِها؛ ففي \"الصحيحينِ\"، عن عائشةَ - ﵂ -؛ قالتْ: تلا رسولُ اللهِ - ﷺ -: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، إلى قولِه: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، قالتْ: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (فَإِذَا رَأَيْتِ الذينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكِ الذينَ سَمَّى اللهُ؛ فَاحْذَرُوهُمْ) (١).\nوقد جعَلَ اللهُ عِلمَ المتشابِهِ عندَ الراسخينَ لا مجرَّدِ العالِمينَ؛ فليس كلُّ عالِمٍ راسخًا، وإنْ كان كلُّ راسخٍ عالِمًا، والعالمُ الراسخُ الذي يعلَمُ المُحكَمَ والمتشابهَ؛ فيُقصَدُ بطلبِها منه، والعالِمُ غيرُ الراسخِ الذي يعلمُ المحكَمَ لا المتشابِهَ، فيُقصَدُ في المُحكَماتِ دون المتشابِهاتِ؛ قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، فيُرجَعُ في فَصْلِ المُتشابهِ إلى أهلِ الرسوخِ في العلمِ، لا إلى مجردِ وصفِ العلمِ.\nوفي قوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ إشارةٌ إلى أنَّ القرآنَ لا يتناقضُ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٥٤٧) (٦/ ٣٣)، ومسلم (٢٦٦٥) (٤/ ٢٠٥٣).","vol":"2","page":578},{"text":"في الحقيقةِ، وربَّما يتناقضُ في الأذهانِ القاصرةِ، فيُؤمِنونَ بجميعِ القرآنِ، ويَفصِلونَ في متشابِهِه بمُحكَمِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>الحكمةُ مِن وجودِ المتشابِهِ في القرآن:</span>\nووجودُ المتشابهِ في القرآنِ لا يُنافي الحِكْمةَ مِن إنزالِه، وهو الهدايةُ والنورُ والبيِّنةُ وإقامةُ الحُجَّةِ على الخَلْقِ؛ فاللهُ جعَلَ في أصلِ الحِكْمةِ مِن الخَلْقِ ابتلاءَ الناسِ واختبارَهم، والابتلاءُ على نوعينِ:\nأولًا: ابتلاءُ الأبدانِ بالآلامِ والأسقامِ، والجروحِ والقتلِ، وغيرِها.\nثانيًا: ابتلاءُ الأذهانِ - وهي العقولُ والقلوبُ - بشهواتِها ونزواتِها وأطماعِها.\nوجعَلَ لكلِّ ابتلاءٍ أسبابًا تُمكِّنُ له، ومِن هذا ابتلاءُ اللهِ للعقولِ بالمتشابهاتِ ومدى ثباتِ النفوسِ ومَيْلِها مع وضوحِ المُحكَماتِ البيِّناتِ؛ لِيختبِرَ اللهُ الصادقَ مِن المنافِقِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>المتشابِه المُطلقُ:</span>\nوقد اختَلَفَ العلماءُ في وجودِ المتشابهِ المطلَقِ في القرآن الذي لا يعلمُه أحدٌ إلا اللهُ على قولَيْنِ، واختَلَفُوا في الوقفِ على اسمِ (الله) سبحانَهُ في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾:\nفقال بالعطفِ جماعةٌ؛ كابنِ عباسٍ ومجاهدٍ والقاسم بنِ محمدٍ، قال ابنُ عباسٍ: \"أنا مِن الراسِخينَ في العِلمِ الذين يَعلَمونَ تأَويلَه\" (١).\nومَن قال بذلك، قال: إنَّ اللهَ لم يجعَلْ في كتابِه متشابهًا إلا علَّمَهُ أحدًا مِن العلماءِ، ولا تشابُهَ مطلَقٌ في القرآنِ؛ وإنَّما هو نسبيٌّ يفُوتُ على عالِمٍ أو علماءَ فيَعرِفُهُ عالمٌ أو علماءُ، ولكنَّه لا يتشابَهُ في الأرضِ\n_________\n(١) \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ١١ ط / سلامة)","vol":"2","page":579},{"text":"كلِّها على كلِّ أحدٍ؛ ويُؤيِّدُ هذا حديثُ النُّعمانِ بنِ بَشِيرٍ في \"الصحيحينِ\"؛ قال - ﷺ -: (الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) (١)، فقال: كثيرٌ، ولم يقلْ: جميعٌ، وقد يُقالُ: إنَّ هذا خاصٌّ بما يُكلَّفُ به العِبادُ عملًا وعبادةً؛ ولذا قال: (الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ)، فيدخُلُ في المتشابِه مِن أمورِ الأخبارِ والغيبِ ما لا يدخُلُ في التشريعِ حلالًا وحرامًا.\nوقد جعَلَ غيرُ واحدٍ مِن السلفِ الحلالَ والحرامَ كلَّه مُحْكَمًا، كما هو ظاهرُ قولِ ابنِ عباسٍ، قال ابنُ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ؛ في قولِه، ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾: ما فيه مِن الحلالِ والحرامِ، وما سوى ذلك فهو متشابِهٌ (٢).\nوالعطفُ في الآيةِ تشريفٌ للعلماءِ ومَنزِلَتِهم عندَ اللهِ؛ إد عَطَفَهم عليه سبحانَه.\nوقال جماعةٌ مِن السلفِ بالوَقْفِ على اسمِ (الله) سبحانَهُ؛ وهو قولُ ابنِ عمرَ، وعائشةَ، وابنِ مسعودٍ، وأُبَيٍّ، ونُقِلَ عن مالكٍ وغيرِه.\nوالتحقيقُ: أنَّ التشريعَ بالحلالِ والحرامِ لا مُتشابِهَ مطلقٌ فيه؛ لحديثِ النُّعْمانِ؛ لأنَّ اللهَ لا يُكلِّفُ العِبادَ بعملٍ، ثمَّ يجعلُهُ مُتشابهًا عليهم، وأمَّا أمورُ الأخبارِ والغيبِ، فالتشابُهُ المطلَقُ فيها إنْ وُجِدَ فهو نادِرٌ، ويُوكلُ إلى عالِمِهِ وحدَهُ سبحانَه؛ لأنَّ اللهَ قصَدَ في اللفظِ بيانَ معنًى، وما وراءَهُ مِن أمورِ الغيبِ ليس مقصودًا للعقلِ أن يتفكَّرَ فيها، فلا يُسمَّى متشابهًا مطلقًا عليه؛ لأنَّ المُتشابِهَ هو ما يَطلُبُ له العقلُ صورةً أو حقيقةً وتردَّدَ بينَ معنيَيْنِ أو صورتينِ أو أكثرَ بلا مرجِّحٍ، والعقولُ منهيَّةٌ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٢) (١/ ٢٠)، ومسلم (١٥٩٩) (٣/ ١٢١٩).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٥/ ١٩٦)، و\"تفسير ابن المنذر\" (١/ ١١٩).","vol":"2","page":580},{"text":"عن تمثيلِ اللهِ وتشبيهِ صِفاتِهِ بالمخلوقِينَ ولو في الأذهانِ، وهي مطالَبةٌ بفَهْمِ مُرادِ اللهِ مِن ذِكْرِ صفاتِه وأسمائِه؛ بمعرفةِ آثارِها على العِبادِ، والتعرُّفِ على الخالقِ وكمالِه، وجمالِه وجلالِه، وصَرْفِ العبادةِ له وحدَه، وكلُّ ما وراءَ ظواهرِ الأدلةِ في الأسماءِ والصفاتِ ليس مأذونًا للعقولِ أنْ تنظُرَ فيه، فضلًا عن أنْ تدَّعِىَ تردُّدَها في فهمهِ بينَ معانٍ وصورٍ محصورةٍ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]،، فبَحْثُ المِثْلِيَّةِ منهيٌّ عنه، وكلُّ ما وراءَ ظواهرِ الأدلةِ ممَّا يتصوَّرُهُ العقلُ: جهلٌ، والجهلُ لا يكونُ متشابِهًا وإنْ تعدَّدَ في الذهنِ؛ لأنَّ الحقَّ ليس في واحدٍ منها، والمتشابِهُ هو ما تردَّدَ الحقُّ فيه بينَ عِدَّةِ مَعَانٍ مُنقدِحةٍ في الأذهانِ، ولو صحَّ ذلك، لَسُمِّيَ كلُّ جهلٍ: متشابِهًا.\nومَن قال بنفيِ التشابُهِ المطلَقِ في القرآنِ كلِّه، علَّلَ ذلك بمخالَفةِ مقتضَى التنزيلِ، وهو الإحكامُ، ولأنَّ السلفَ لم يترُكُوا آيةً في القرآنِ إلا ولهم تأويلٌ فيها جميعِها، ولو كان في القرآنِ متشابهٌ، لَمَا جَسَرُوا عليه؛ وإنَّما ما يَتَشَابَهُ على أحدٍ يُفسِّرُه غيرُه.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨].\nوفي الآيةِ حُكْمُ الإكراهِ، ومُداراةِ الكافِرينَ عندَ خوفِهم، وأصرحُ مِن ذلك في سورةِ النحلِ في قولِه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، ويكونُ الكلامُ على الآيةِ في النحلِ، بإذنِ اللهِ.\n* * *","vol":"2","page":581},{"text":"قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٣٥، ٣٦].\nذكَرَ اللهُ نشأةَ عيسى ببيانِ نشأةِ أُمِّهِ، بيانًا لِبُطْلانِ ما يَعْتَقِدُهُ النصارى فيه مِن أنَّه ابنٌ للهِ، تعالى اللهُ عن ذلك، وأسلوبُ القرآنِ عندَ ردِّ وإبطالِ عقيدةٍ: أن يُبَيِّنَ أصْلَها فيَنقُضَه لِتَنتقِضَ هي تَبَعًا؛ فالجدالُ في فروعٍ أُصولُها خاطئةٌ لا يُوصلُ إلى حقٍّ، فيزعُمونَ أنَّ عيسى ابنٌ للهِ، تعالى اللهُ، وعيسى له أمٌّ، وأُمُّه مريمُ، ومريمُ لها أمٌّ وأبٌ، ولهما أمَّهاتٌ وآباءٌ إلى آدمَ، فمِن أين أتَتْ بُنُوَّتُهُ للهِ؟ ! ولذا ذكَرَ اللهُ الزوجيَّةَ بينَ امرأةِ عِمرانَ وعمرانَ، فقال: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾؛ إشارةً إلى الأبوَّةِ والأمومةِ لمريمَ، وذكَرَ الله اسمَ مريمَ، ولم يذكُرِ اسمَ أمِّها في القرآنِ؛ لأنَّ نَسَبَ عيسى يَرجِعُ إلى مريمَ ثمَّ أبيها، لا يَرجِعُ إلى أمِّها، والناسُ تُنسَبُ إلى آبائِهم، واسمُ أمِّ مريمَ: حَنَّةُ؛ على قولِ عِكرِمةَ وقتادةَ؛ فعيسى هو ابنُ مريمَ بنتِ عمرانَ، ولا يقالُ: عيسى ابنُ مريمَ بنتِ حَنَّةَ، وإنَّما ذُكِرتْ مريمُ؛ لأنَّ عيسى نُسِبَ إليها لعدمِ الأبِ، ولمَّا كان لمريمَ أبٌ، تُركَتِ الأمُّ حَنَّةُ، ودُكِرَ الأبُ عِمْرانُ، ولمَّا كانت أمُّ مريمَ لا أثَرَ لها في نسبِ عيسى، قال: ﴿امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾، وفي الآيةِ أنَّ مَن لا يُعرَفُ أبوهُ، لا حَرَجَ أن يُنسَبَ إلى أمِّه.\nقولُه: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾:\nالمُحرَّرُ هو المُتحرِّرُ مِن كلِّ قيدٍ يَصرِفُهُ عمَّا أُرِيدَ له، والمرادُ هنا: الانقطاعُ للكنيسةِ، فيخدُمُها وعُبَّادَها لا ينشغلُ بدُنياهُ عن ذلك.\nروى ابنُ جريرٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ؛ في قولِه: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾؛ قال: للكنيسةِ يخدُمُها.","vol":"2","page":582},{"text":"وبنحوِه قال الشعبيُّ وقتادةُ وسعيدُ بنُ جُبيرٍ والربيعُ والضحَّاكُ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>حكمُ النَّذْرِ</span>؟\nوفي الآيةِ: جوازُ النذرِ واستحبابُهُ للعبادةِ في شريعتِهم، وفي ظاهرِ الآيةِ: أنَّ امرأةَ عِمرانَ نذَرَتْ بعدَ حَمْلِها؛ طمعًا في الولدِ الذَّكَرِ، وقيل: إنَّها ندَرَتْ قبلَ حملِها؛ طمعًا في الذريَّةِ وأنْ يكونَ ذَكَرًا.\nوقد جاءَ النهيُ عن النبيِّ - ﷺ - في النذرِ، وقال: (إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيئًا، وَلَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ) (٢)، وإنَّما نُهِيَ عن النذرِ؛ لأنَّ الناذرَ يُلزِمُ نفسَهُ بعملٍ صالحٍ إذا رزَقَهُ اللهُ نِعْمَةً، أو كشَفَ عنه نِقْمَةً، وهذا يَحْمِلُه على إساءةِ الظنِّ بربِّه، فيقعُ في النفسِ أنَّ اللهَ لا يُعطِي عَبْدَهُ ويُعافِيهِ إلا إذا تَصَدَّقَ له أو صلَّى وزكَّى وصام ونَحَرَ وغيرَ ذلك مِن العباداتِ، وهذا يُنافي كمالَ ربوبيَّةِ اللهِ لعبادِه ورِزقَهُ للإنسِ والجنِّ وإنْ عصَوْهُ وتكفُّلَهُ برزقِ البهائمِ والذَّرِّ، وحقُّ اللهِ في عبادِه أنْ يعبُدُوه وإنْ حرَمَهم، ولا يعصُوهُ وإنْ وهَبَهم؛ فالعطاءُ يستوجبُ الشكرَ؛ والمنعُ يستوجبُ الصبرَ؛ وكلاهُما يستلزمانِ دوامَ العبادةِ والافتقارِ للهِ.\nويتضمَّنُ النذرُ عجْزَ النفسِ عن التقرُّبِ للهِ طواعيةً إلا بإلزامِ نفسِها بالنذرِ، وحقُّ اللهِ على عبادِه أن يُطاعَ ولا يُعصَى، برِضا النفْسِ وتسليمِها.\nوإذا احتاج المؤمِنُ إلى النفعِ ودَفعِ الضُّرِّ فإنه يدْعُو ربَّه ويُلِحُّ في عبادتِه؛ كحالِ نُوحٍ وإبراهيمَ وأَيُّوبَ وموسى وعيسى ومحمدٍ؛ مسَّهُمُ الضُّرُّ، وما ذَكَرَ اللهُ أنَّهم نذَرُوا؛ وإنَّما صبَرُوا ودعَوْا، كحالِ يُونُسَ وهو في بطنِ الحوتِ؛ قال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٣٣٣، ٣٣٥).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٦٩٣) (٨/ ١٤١)، ومسلم (١٦٣٩) (٣/ ١٢٦١).","vol":"2","page":583},{"text":"الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وكحالِ أيوبَ وقد طال مرضُهُ؛ فقال: إنِّي ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ [الأنبياء: ٨٣، ٨٤].\nوالنفوسُ الشحيحةُ لا تُخرِجُ مالَها إلا مع كرهٍ وإلزامٍ، والمؤمِنُ يكتفي بدَفْعِ شُحِّهِ بإيمانِهِ بحقِّ ربِّه عليه، ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩، والتغابن: ١٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>الوفاءُ لنذرِ المعصيةِ والطاعةِ:</span>\nومَن نذَرَ طاعةً، وجَبَ عليه الوفاءُ بندرِهِ؛ لقولِهِ - ﷺ -: (مَن نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أن يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ) (١)، وقد مدَحَ اللهُ المُوفِينَ بالنذرِ في كتابِهِ، فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]، وقد جاء ذمُّ آخِرِ الزمانِ لكثرةِ النذرِ بلا وفاءٍ فيه؛ كما في الصحيحِ عن عِمرانَ؛ قال: قال - ﷺ -: (خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الذينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الذينَ يَلُونَهُمْ - قَالَ عِمْرَانُ: لَا أدْرِي: ذَكَرَ ثِنْتَيْنِ أوْ ثَلَاثًا بَعْدَ قَرْنِهِ - ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ، يَنْذِرُونَ وَلَا يَفونَ) (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾:\nإبطالُ امرأةِ عمرانَ ليمينِها؛ لأنَّ الوفاءَ بها أصبحَ حرامًا، فهي تطمَعُ في ولدٍ ذَكَرٍ، فولَدَتْ أُنثى، والأنْثى لا تُقِيمُ في دُورِ العبادةِ، فتعتكِفُ وتنقطِعُ وَسَطَ الرجالِ، فتَختلِطُ بهم، والوفاءُ بنذرِ الطاعةِ واجبٌ، وإنَّما أبطَلَتْ نَذرَها؛ لأنَّه لا وفاءَ لنذرٍ في معصيةِ اللهِ، وسببُ المعصيةِ في وفائِها يظهَرُ في كلامِ السلفِ في أمرَيْنِ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٦٩٦) (٨/ ١٤٢).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٦٩٥) (٨/ ١٤١)، ومسلم (٢٥٣٥) (٤/ ١٩٦٤).","vol":"2","page":584},{"text":"أولًا: اختلاطُها بالرجالِ؛ فلا يجوزُ أنْ تُقِيمَ وتُدِيمَ الجلوسَ بينَ الرجالِ الأجانبِ؛ فروى ابنُ جريرٍ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن عِكْرِمةَ مَوْلَى ابنِ عباسٍ؛ قال: \"لا ينبَغي لامرأةٍ أنْ تكَونَ مع الرحالٍ\" (١).\nوعن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾، وإنَّما كانوا يُحرِّرونَ الغِلْمَانَ؛ ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ (٢).\nوقال السُّدِّيُّ: إنَّما يُحرَّرُ الغِلْمَانُ؛ يعني: للكنيسةِ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>حكمُ اختلاطِ الرجال بالنِّساءِ:</span>\nوفي هذا دليلٌ على حُرْمةِ اختلاطِ الرجالِ بالنساءِ في المَجالِسِ وأماكنِ العملِ الذي يتضمَّنُ قَرارًا، وكذلك مجالسُ التعليم، وتحريمُ اختلاطِ الرجالِ بالنِّساءِ في المجالسِ والمجامعِ الدائمةِ ثابتٌ في سائرِ الشرائعِ، وكانتِ النساءُ مِن بني إسرائيلَ يُصَلِّينَ في دُورِ العبادةِ معزولاتٍ عن الرجالِ، فلمَّا اسْتَشْرَفْنَ للرِّجالِ، مُنِعْنَ مِن ذلك؛ كما رُوِيَ عن عائشةَ وابنِ مسعودٍ.\nوالاختلاطُ على نوعَيْنِ:\nالنوعُ الأولُ: اختلاطٌ عابرٌ، وهو مرورُ النساءِ في الطريقِ والسوقِ؛ لقضاءِ الحاجاتِ، وصِلَةِ الأرحامِ، والشراءِ والبيعِ؛ فهذا جائزٌ عندَ الحاجةِ، وقد أَذِنَ اللهُ لأمَّهاتِ المؤمنينَ في خروجِهنَّ لحاجاتِهنَّ، وأسقطَ عن النساءِ صلاة الجماعةِ؛ لفضلِ قَرارِهنَّ في البيوتِ، والواجباتُ لا تسقُطُ إلا لأجْلِ مقصدٍ عظيمٍ.\nالنوعُ الثاني: اختلاطٌ دائمٌ، وهو اختلاطُ المَجالِسِ والتعليمِ والعملِ؛ فهذا محرَّمٌ بالاتِّفاقِ، ولا يُعلَمُ في مذهبٍ عندَ السلفِ والخلفِ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٣٣٨).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٣٣٧).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٣٣٨).","vol":"2","page":585},{"text":"إباحتُهُ، وإنَّما جَرَى في كثيرٍ مِن بُلْدانِ المسلِمِينَ بعدَ زمنِ احتلالِ النصارى لكثيرٍ مِن بلدانِ المسلِمينَ؛ فاختلَطُوا بهم وطال عليهم الأَمَدُ، فتطبَّعُوا عليه؛ وإلا فلا يُعرَفُ قبلَ عقودٍ قريبةٍ في مصرَ والشامِ والعراقِ واليمنِ فضلًا عن جزيرةِ العربِ.\nوقد بَيَّنْتُ أحكامَ الاختلاطِ في رسالةٍ مستقلةٍ فتُنظَرُ، ويأتي مزيدُ نظرٍ في هذا الاختلاطِ عندَ قولِ اللهِ تعالى: ﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١]، وقولِهِ: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات: ١١]، وقولِهِ تعالى في قصةِ موسى في القَصَصِ: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص: ٢٣]، وفي قولِهِ في هودٍ: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١]، وفي قولِه في طه والقصصِ: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [طه: ١٠]، ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [القصص: ٢٩]، وتقدَّمَ الإشارةُ إلى ذلك في قولِه: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nثانيًا: أنَّ المرأةَ تحيضُ ولا تَجِدُ دومًا ما تَسْتَثْفِرُ وتتحفَّظُ به، فيتنجَّسُ المسجدُ إذا أدامَتِ الاعتكافَ فيه بلا انقطاعٍ؛ وبهذا قال قتادةُ والربيعُ وعِكْرِمةُ (١).\nوفي الحديثِ: دليلٌ على فضلِ المساجدِ وصيانتِها وتَطْيِيبِها؛ فعن عائشةَ؛ قالتْ: \"أمَرَ رسولُ اللهِ - ﷺ - ببناءِ المساجدِ في الدُّورِ، وأنْ تُنَظَّفَ وتُطَيَّبَ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>مرورُ الحائضِ في المسجدِ:</span>\nويجوزُ للحائضِ العُبُورُ للحاجةِ في المسجدِ إذا أَمِنَتِ التنجيسَ؛\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٣٣٧ - ٣٣٨).\n(٢) أخرجه أبو داود (٤٥٥) (١/ ١٢٤)، والترمذي (٥٩٤) (٢/ ٤٩٠).","vol":"2","page":586},{"text":"قياسًا على الجُنُبِ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]؛ قال به الشافعيُّ وأحمدُ في المشهورِ عنه؛ وهذا على القولِ بأنَّ المرادَ بما يَجْتَنِبُهُ الجُنُبُ هو مَوْضِعُ الصلاةِ.\nومنهم مَن قال: المنعُ لقُرْبِ الصلاةِ، لا موضعِها.\nوهما قولانِ للمُفسِّرينَ مِن السلفِ، ويأتي بيانُه في سورةِ النساءِ بإذن الله.\nومَنَعَ مِن المرورِ الحنفيَّةُ؛ لأنَّ الحيضَ أشدُّ مِن الجنابةِ؛ فلا يرَوْنَهُ يُقاسُ عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>مكثُ الحائضِ في المسجِدِ:</span>\nوأمَّا مُكْثُ الحائضِ في المسجدِ، فقد اختَلَفَ فيه العلماءُ على قولينِ:\nالأولُ: المنعُ، وهو قول الأكثرِ، وهو الأَشْهَرُ، ومَن منَعَ مِن العبورِ فيَمنَعُ مِن المُكْثِ مِن بابِ أَوْلى.\nالثاني: الجوازُ عندَ أَمْنِ تنجيسِ المسجدِ؛ وذلك لأنَّ النبيَّ - ﷺ - قال لعائشةَ لمَّا حاضَتْ في حجِّها: (اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ) (١)، وظاهرُ الحديث: أنَّ لها أنْ تدخلَ البيتَ بلا طوافٍ، فلم يمنَعْها مِن دخولِه، وخَصَّ المنعَ بالطوافِ.\nولأنَّ المسلمَ لا ينجُسُ كما في الحديثِ، ومنعُ الجُنُبِ توقيفيٌّ، وأمَّا الحائضُ فنجاستُها في جيضِها، فإنْ تحفَّظَتْ واسْتَثْفَرَتْ وأَمِنَتْ مِن تنجيسِ المسجدِ، جازَ مُكْثُها فيه.\nوبهذا قال مالكٌ في قولٍ، وأحمدُ في روايةٍ، والمزنيُّ وابنُ المُنذِرِ وغيرُهم.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١٧٨٦) (٢/ ١٥٥).","vol":"2","page":587},{"text":"وأمَّا حديثُ: (لَا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ) (١)، فقد رواهُ أبو داودَ؛ مِن حديثِ جَسْرَةَ بِنْتِ دجاجَةَ، عن عائشةَ، ولا يصحُّ؛ أَنْكَرَهُ أحمدُ والبخاريُّ والبيهقيُّ وغيرُهم.\nوفي \"الصحيحِ\"، عن عائشةَ: أنَّ وليدةً كانت سوداءَ لحيٍّ مِن العربِ، فأعْتَقُوها فأسلَمتْ، قالتْ عائشةُ: \"فكان لها خِبَاءٌ في المسجدِ أو حِفْشٌ\" (٢).\nولم يُذكَرْ منعُها أو سؤالُها عن حالِها، وحيضُ النساءِ أطولُ زمنًا مِن الجنابةِ؛ فهو بالأيامِ، والجنابةُ عارضةٌ تُرفَعُ بالاختيارِ، ويجبُ رفعُها عدَ دخولِ الصلاةِ، بخلافِ الحيضِ؛ فهو باقٍ لا يَنْزِلُ ولا يُرفَعُ بالاختيارِ؛ فالحاجةُ لبيانِ حكمِ دخولِ الحائضِ ومُكثِها في المسجدِ ظاهرةٌ؛ كالجنابةِ أو قريبًا منها، ولكنْ غشيانُ الرجالِ للمساجدِ أكثرُ مِن النساءِ، والمرأةُ لا تَقْصِدُ المسجدَ عادةً إلا لصلاةٍ، والصلاةُ مرفوعةٌ عن الحائض، ولا تَبِيتُ فيه كالرِّجالِ، ولكنْ قد تقصدُهُ لغيرِ صلاةٍ كنظافتِه وتَطْيِيبِهِ؛ قد كان لمسجدِ رسولِ اللهِ - ﷺ - أمرأةٌ سوداءُ تَقُمُّ المسجدَ؛ كما في \"الصحيحينِ\" (٣).\nواحتجَّ المانِعونَ والمُجِيزونَ بما روَتْهُ عائشةُ، قالتْ: قال لي رسولُ اللهِ - ﷺ -: (نَاوِلِينِي الخُمْرَةَ مِنَ المَسْجِدِ)، قالتْ: فقلتُ: إنِّي حائضٌ! فقال: (إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ) (٤).\nفمَن أخَذَ منه التحريمَ، قال: إنَّ النبيَّ - ﷺ - أَقَرَّها على منعِ دخولِها؛ لعِلمِها به مِن قبلُ، ولكنَّه أَذِنَ لها في التناوُلِ لا المُكْثِ.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢٣٢) (١/ ٦٠).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٣٩) (١/ ٩٥).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٦٠) (١/ ٩٩)، ومسلم (٩٥٦) (٢/ ٦٥٩).\n(٤) أخرجه مسلم (٢٩٨) (١/ ٢٤٤).","vol":"2","page":588},{"text":"ومَن استدَلَّ بالجوازِ أخَذَه مِن قولِه: (إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ) على مَعْنَيَيْهِ: إمَّا أنَّكِ لا تَملِكِينَ حيضَكِ؛ فهو مِن للهِ فلا يَمْنَعُكِ شيئًا، وإمَّا أنَّ الحيضَ في الفَرْجِ لا في اليدِ، قالوا: وَيظهَرُ مِن كِلا المعنيَيْنِ الإذنُ في الدخولِ، ولم يُقيَّدْ بزمنٍ، ولا حالِ ما أُمِنَ تنجيسُ المكانِ.\nوقد روى أبو حفصٍ وابنُ بَطَّةَ؛ مِن حديثِ عبدِ الرزَّاقِ؛ حدَّثَنا الثوريُّ، عنِ المِقْدَامِ بنِ شُرَيْحٍ، عن أبيهِ، عن عائشةَ - ﵂ -؛ قالتْ: \"كُنَّ المُعْتَكِفَاتُ إذَا حِضْنَ، أَمَرَ رَسُولُ اللهِ بِإِخْرَاجِهِنَّ مِنَ المَسْجِدِ، وَأَنْ يَضْرِبْنَ الأَخْبِبَةَ فِي رَحْبَةِ المَسْجِدِ، حَتَّى يَطْهُرْنَ\" (١).\nوهذا الخبرُ لا أعلَمُهُ إلا في كتُبِ الأصحابِ من الحنابلةِ، وجوَّدَ إسنادَهُ ابنُ مُفْلِحٍ، ولا أعلَمُهُ يُروى إلا مِن حديثِ عبدِ الرزَّاقِ تفرَّدَ به عن الثوريِّ.\nوقد حُمِلَ هذا على حفظِ المسجدِ مِن التنجيسِ؛ لانعدامِ ما يَتوقَّى به نساءُ ذلك الزمنِ، ولأنَّ الحيضَ يطولُ فيصعُبُ الاحترازُ مِن تنجيسِ المسجدِ به.\nوأمَرَ النبيُّ - ﷺ - النساءَ الحُيَّضَ أنْ يَعْتَزِلْنَ مُصلَّى العيدِ؛ فذلك حتى لا يقطَعْنَ صفوفَ صلاةِ النساء، ولم يكونوا يُصَلُّونَ في مسجدٍ؛ وإنَّما كانت صلاتُهم في فَلاةٍ.\nوأما عَرَقُ الجُنُبِ والحائضِ، فلا خلافَ في طهارتِهِ، ويأتي مزيدُ ببانٍ في المسألةِ في سورةِ النساءِ، في قولِهِ تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآيةَ [٤٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>زمنُ تسميةِ المولودِ:</span>\nوفي قولِهِ: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾: تسميةُ لمولودِ عندَ ولادتِهِ فيما\n_________\n(١) أورده ابن قدامة في \"المغني\" (٣/ ٢٠٦)، وابن مفلح في \"الفروع\" (٥/ ١٦٧).","vol":"2","page":589},{"text":"يَظهَرُ؛ وذلك أنَّها سمَّتْهُ عندَما عرَفتْ جنسَهُ ذَكَرًا أم أنثى، وقرينةُ تأكيدِ ذلك قولُها: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، فسمَّتْها وعوَّذَتْها، والتعويذُ يكونُ في أولِ الولادةِ غالبًا.\nوقد كان النبيُّ - ﷺ - يُسمِّي المولودَ عدَ تحنيكِهِ؛ كما ثبَتَ في \"الصحيحِ\"، عن أنسٍ وغيرِهِ، وقد سمَّى ولدَهُ إبراهيمَ يومَ ولادتِه؛ كما في \"صحيحِ مسلمٍ\"؛ قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ، فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أبي إِبْرَهِيمَ) (١).\nوالتسميةُ قبلَ الولادةِ لا بأسَ بها، عندَ معرفةِ جنسِ المولودِ، أو يُسمِّيهِ إنْ كان ذَكَرًا ففلانٌ، وإن كانت أنثى ففلانةُ، وقد بَشَّرَ اللهُ مريمَ بعيسى، وسمَّاهُ لها قبلَ ولادتِهِ؛ قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٥].\nوفي بشارةِ اللهِ لزكريَّا بولدِه وتسميتِه له يَحْيَى قبلَ حَمْلِ أمِّه به: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران: ٣٩].\nوقد بشَّرَ اللهُ إبراهيمَ وزَوْجَهُ بابنِهما، وسمَّاهُ إسحاقَ، وبابنِ الابنِ قبلَ ولادةِ الابنِ، وسمَّاهُ يعقوبَ؛ قال اللهُ: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١].\nوقد جاء في \"المسنَدِ\"؛ مِن حديثِ سعيدِ بنِ أبي عَرُوبَةَ، وأَبَانَ العَطَّارِ؛ كلاهُما عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ، عن رسولِ اللهِ - ﷺ -؛ قال: (كلُّ غُلَامٍ رَهِينٌ بِعَقِيقَتِهِ، تذبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ، ويُسَمَّى) (٢).\nورواهُ همامٌ، عن قتادةَ، به، لكنْ قال: \"وَيُدَمَّى\"، بدلًا مِن\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٣١٥) (٤/ ١٨٠٧).\n(٢) أخرجه أحمد (٢٠١٣٩) (٥/ ٧).","vol":"2","page":590},{"text":"\"ويُسمَّى\"؛ أخرَجَهُ أبو داودَ، وقال: وهِمَ همامٌ، وليس يُؤخَذُ بهذا (١).\nوحديثُ سَمُرَةَ ليس بصريحٍ في أنَّ التسميةَ تكونُ في السابعِ؛ وإنَّما هو صريحٌ في العقيقةِ، وما في \"الصحيحينِ\" أصرَحُ وأصحُّ.\nوفي تعويذِ امرأةِ عِمْرانَ: استحبابُ الدعاءِ للأحفادِ مع الأولادِ قبلَ مجيءِ الأولادِ.\n* * *\n\n• قال تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧].\nوفي الآيةِ: إشارةٌ إلى استجابِ<span data-type=\"title\" id=toc-372> الدعاء للمولودِ عندَ ولادتِه </span>ولِمَن وُلِدَ له، وقولُهُ تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ امتنانٌ مِن اللهِ أنِ اسْتَجَابَ دعاءَ امرأةِ عمرانَ أمِّ مريمَ، وامتَنَّ عليها ببيانِ نوعِ استجابتِه، وهو القَبُولُ الحَسَنُ والنباتُ الحَسَنُ، فيُستحَبُّ الدعاءُ بالقَبولِ الحَسَنِ والنباتِ الحَسَنِ للمولودِ.\n\nالدعاءُ للمولود عند ولادتِهِ:\nولا يثبُتُ في السُّنَّةِ دعاءٌ مخصوصٌ للمولودِ عندَ ولادتِه، وليس في ذلك شيءٌ يصحُّ عن الصحابةِ، وأَمْثَلُ شيءٍ ما جاء عن الحسنِ البصريِّ أنَّه علَّمَ إنسانًا التهنئةَ، فقال: \"قلْ: بارَكَ اللهُ لك في الموهوبِ، وشكَرْتَ الواهبَ، وبلَغَ أشُدَّهُ، ورُزِقْتَ بِرَّه\"؛ رواهُ ابنُ المنذرِ وابنُ عساكرَ (٢).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢٨٣٧) (٣/ ١٠٦).\n(٢) \"تاريخ دمشق\" لابن عساكر (٥٩/ ٢٧٦).","vol":"2","page":591},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>حضانةُ المولودِ وكفالتُهُ:</span>\nوفي الآيةِ: دليلٌ على مشروعيَّةِ الحضانةِ في قولِه: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾، وقد ذكَرَ اللهُ الحضانةَ في كتابِهِ في مواضعَ عديدةٍ تصريحًا وإشارةً؛ كما في قولِه تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]؛ لأنَّ الحُجُورَ جمعُ حَجْرٍ، ولا يكونُ في الحَجْرِ إلا طفلٌ رضيعٌ، وهذه بدايةُ الحضانةِ، وفي قولِهِ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ لتَضَمُّنِ الرَّضَاعةِ للحضانةِ، وفي قولِهِ تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].\nوالحضانةُ هي حفظُ إنسانٍ لا يَسْتَقِلُّ بنفسِهِ ورعايتُهُ؛ كالصبيِّ والمجنونِ، وقد غلَبَ استعمالُه للصغيرِ، وعليه استُعمِلَ لفظُ الحضانةِ؛ لأنَّه يكونُ في الحِضْنِ والحَجْرِ، والكفالةُ أوسعُ مِن معنى الحضانةِ في اللُّغةِ والشرعِ.\nوذكَرَ اللهُ الحضانةَ والكفالةَ في كتابِه؛ لحقِّ الصبيِّ في الرعايةِ والحفظِ، وحقِّ والدَيْهِ في اننظامِ حياةِ ابنِهما بلا خوفٍ، وقطعًا للنِّزاعِ الذي يقعُ بينَ الزوجَيْنِ أو أهلِهما عندَ الطلاقِ أو الوفاةِ.\nوقولُه: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ أيْ: ضَمَّها إليه بعدَ موتِ والدَيْها، فاسْتَهَمُوا على كفالتِها؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤].\nقال مجاهدٌ: \"سَهَمَهُمْ بقَلَمِه\" (١).\nوقال الحسنُ: \"تقارَعَها القومُ، فقَرَعَ زكريَّا\" (٢).\nوفي قراءةِ أهلِ الحجازِ والبصرةِ: \"وكَفَلَهَا\" بالتخفيفِ؛ أِيْ ضَمَّها هو إليه.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٣٥٠).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٣٥٢).","vol":"2","page":592},{"text":"وبينَ مريمَ وزكريَّا قَرَابَةٌ، واختُلِفَ في تعيينِ القرابةِ:\nفقيل: خالتُها تحتَ زكريَّا، وهي أمُّ يحيى، وهو قولُ ابنِ إسحاقَ. وقال السُّدِّيُّ وقتادةُ: كانت أختُ مريمَ تحتَ زكريَّا؛ وهذا أقربُ لِمَا في \"الصحيحِ\"؛ قال - ﷺ -: (إِذَا يَحْيَى وَعِيسَى، وَهُمَا ابْنَا الخَالَةِ) (١)، وقد يَتجوَّزُ العربُ فيُنْزِلونَ أولادَ الأولادِ بمنزلةِ آبائِهم مع أولادِ أعمامِ الآباءِ وخالاتِهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>منزلةُ الخالةِ في الحضانةِ:</span>\nوكفَّلَ اللهُ مريمَ زكريَّا؛ لأنَّ خالتَها تحتَهُ، والخالةُ بمنزلةِ الأمِّ، وإنَّما جعَلَ الكفالةَ لزكريَّا؛ لأنَّ زكريَّا يكفُلُ زوجتَهُ، وزوجتُهُ تكفُلُ مريمَ؛ فوقَعَ الجميعُ تحتَ كفالةِ زكريَّا؛ لأنَّ الرجلَ يقومُ بالنفقةِ سُكْنَى وكسوةً وطعامًا، وفي هذا إشارةٌ إلى قِوامةِ الرجلِ وولايتِه.\nولأنَّ الخالةَ بمنزلةِ الأمِّ؛ لِمَا ثبَتَ في البخاريِّ \"أَنَّ عليًّا وجعفرًا وَزيدَ بنَ حَارِثَةَ - ﵃ -، تنازَعُوا في حضَانَةِ بنتِ حَمْزَةَ بعدَ أَنِ اسْتُشْهِدَ، فَقَالَ عَليٌّ: بنتُ عمِّي، وَعِنْدِي بنتُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَقَالَ زيدٌ: بنتُ أخي، وَكَانَ ﵇ قد آخَى بَينَ زيدٍ وَحَمْزَةَ، وَقَالَ جَعْفَرٌ: الحَضَانَةُ لي؛ هِيَ بنتُ عمِّي وَعِنْدِي خَالَتُهَا، فَقَالَ - ﵇ -: (الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ) (٢)، وَسلَّمَهَا إِلَى جَعْفَرٍ وجعَلَ لخالتِها الحَضَانَةَ، وَهِي ذَاتُ زوجٍ\".\nولا يَختلِفُ العلماءُ أنَّ الأمَّ أحقُّ بحضانةِ ولدِها عندَ فِراقِها مِن زوجِها، أو عندَ وفاتِه، أو غيابِه؛ ما لم تتزوَّجْ، قد حكَى الإجماعَ على ذلك غيرُ واحدٍ؛ كابن المنذرِ وابنِ عبدِ البَرِّ وغيرِهما.\nقال ابن عبدِ البرِّ: \"لا أعلمُ خلافًا بينَ السلفِ مِن العلماءِ في\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٨٨٧) (٥/ ٥٢).\n(٢) أخرجه البخاري (٢٦٩٩) (٣/ ١٨٤).","vol":"2","page":593},{"text":"المرأةِ المطلَّقةِ إذا لم تتزوَّجْ: أنَّها أحقُّ بولدِها مِن أبيهِ، ما دامَ طفلًا صغيرًا لا يُميِّزُ شيئًا، إذا كان عندَها في حِرْزٍ وكفايةٍ، ولم يثبُتْ منها فِسْقٌ، ولا تبرُّجٌ\" (١).\nوإذا تزوَّجَتِ المرأةُ، سقَطَ حقُّها في الحضانةِ بلا خلافٍ؛ لما روى عمرُو بن العاصِ أنَّ امرأةً قالتْ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَحجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَزَعَمَ أَبُوهُ أَنَّهُ يَنْزِعُهُ مِنِّي؟ ! فقال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لم تَنْكِحِي) (٢)؛ أخرَجَه أحمدُ وأبو داودَ؛ مِن حديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>الأمُّ مقدَّمةٌ في الحضانة على الأب:</span>\nوإنَّما قُدِّمَتِ الأُمُّ في حضانةِ الولدِ؛ لأنَّ ذلك في صالحِها، وصالحِ ولدِها، وصالحِ الأبوَيْنِ جميعًا، وهو إصلاحٌ مِن جهاتٍ ثلاثٍ:\nأولًا: لأنَّه أصلَحُ لنفسِ الأمِّ؛ فإنَّ الأمَّ أكثرُ تعلُّقًا بولدِها مِن أبيه، وبُعْدُهُ عنها أشدُّ على نفسِها منه على نفسِ الوالدِ لو ابتعَدَ عنه ابنُهُ، وجَعْلُ ولدِها في حضانتِها أرحمُ بها وأَرفَقُ بحالِها، وهي أحوَجُ إليه مِن والدِه، مع أنَّ الصبيَّ الصغيرَ في أوَّلِ رَضاعِهِ لا يُفرِّقُ بينَ أمِّه وغيرِها.\nثانيًا: لأنَّه أصلَحُ للولدِ؛ فالأمُّ أرحمُ به مِن أبيه، وأرفَقُ عليه منه؛ لأنَّ الأبَ لن يستقلَّ بحضانةِ الولدِ بنفسِه؛ وإنَّما سيَشرَكُهُ غيرُهُ من زوجةٍ وبنتٍ خادمةٍ وغيرِهِنَّ؛ فحضانةُ الأمِّ أعظمُ للولدِ مِن حضانةِ الأبعَدِ منها.\nثالثًا: أنَّ بقاءَ حضانةِ الصغيرِ عندَ أُمِّهِ دافعٌ لصِلَةِ الأبِ بأهلِ ولدِه،\n_________\n(١) \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢٣/ ٦٩)، وفي الاستذكار: \"لم تتزوج\"، بدل: \"ولا تبرُّج\"، والأظهر أن الصواب: \"ولا تبرج\"؛ هكذا نقله القرطبيُّ عنه، ثم إن في أول الكلام قال عبد الله: \"إذا لم تتزوج\" لا يناسبُ معه تكرارُ الكلام.\n(٢) أخرجه أحمد (٦٧٠٧) (٢/ ١٨٢)، وأبو داود (٢٢٧٦) (٢/ ٢٨٣).","vol":"2","page":594},{"text":"وأدوَمُ للمودَّةِ، وأقربُ لأمِّ الولدِ، وأحفَظُ للعهدِ؛ فالرجلُ أقربُ للقطيعةِ مِن المرأةِ؛ لانشغالِهِ ولقُوَّتِهِ، ورِقَّةِ المرأةِ وضعفِها، ولو كانتِ الحضانةُ عندَه، تثاقَلَ عن صلةِ أهلِ ولدِه، وصلتُهُ لهم أقربُ لعودةِ الزوجَيْنِ بعدَ الطلاقِ لو كان رجعيًّا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>الحضانةُ بعد التمييز:</span>\nواتَّفَقَ الأئمةُ الأربعةُ أنَّ الولدَ يكونُ عندَ أُمِّهِ إلى التمييزِ، واختَلَفُوا في بقائِه عندَها بعدَ ذلك على قولَيْنِ:\nالأولُ: قالوا: يبقَى الغلامُ إلى بلوغهِ عندَ أمِّه ما لم تتزوَّجْ أمُّه، وأمَّا الجاريةُ، فتبقَى عندَ أمِّها حتى تتزوَّجَ الجاريةُ أو تتزوَّجَ أمُّها؛ وبهذا قال مالكٌ.\nالثاني: قالوا: يبقَى الولدُ - غلامًا وجاريةً - عندَ أمِّه، حتى يتمَّ السابعةَ، ويبلُغَ الثامنةَ مِن عمرِه، ثمَّ يُخيَّرُ بينَ أبوَيْهِ؛ وبهذا قال الشافعيُّ وأحمدُ.\nوذلك لِمَا روى أبو هريرةَ: أنَّ امرأَةً جاءتْ إلى النَّبيِّ - ﷺ -، فقالتْ له: إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أبي عِنبَةَ، وَقَدْ نَفَعَنِي؟ فقال النَّبيُّ - ﷺ -: (اسْتَهِمَا عَلَيْهِ)، فقال زوجُها: مَنْ يُحَاقُّنِي فِي وَلَدِي؟ فقال النَّبيُّ - ﷺ -: (هَذَا أَبُوكَ، وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ)، فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>سقوطُ الحضانةِ بزواجِ الأمِّ:</span>\nوإذا تزوَّجَتِ الأمُّ، سقَطَ حقُّها في الحضانةِ بلا خلافٍ، واختلَفُوا في بَدْءِ سقوطِ حقِّ الحضانةِ، مع اتِّفاقِهم على أنَّه يسقُطُ بدخولِ الزوجِ الجديدِ بها، واختلَفُوا في العقدِ: هل يسقُطُ الحقُّ له قبلَ الدخولِ أم لا؟ على قولينِ:\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢٢٧٧) (٢/ ٢٨٣)، والنسائي (٣٤٩٦) (٦/ ١٨٥).","vol":"2","page":595},{"text":"الأولُ: يسقُطُ؛ وهو قولُ الشافعيِّ.\nالثاني: لا يسقُطُ حتى يدخُلَ بها؛ وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّ العلةَ مِن السقوطِ انشغالُها بزوجِها، وتضرُّرُ الولدِ مِن البقاءِ في كَنَفِ وكفالةِ غيرِ ذي قرابةٍ.\nوإذا طلَّقَها زوجُها الثاني أو مات عنها، فلها الحقُّ في إرجاعِ ولدِها ما دام في مدةِ الحضانةِ، على اختلافِهم فيه؛ لأنَّ الحقَّ يعودُ بزوالِ مانِعِه، كما يتحقَّقُ بوجودِ سببِه، كما لو أنَّها أسقَطَتْ حقَّها في الحضانةِ عامًا، ثمَّ رجَعَتْ تُريدُه، فلها ذلك، أو خرَجَتْ من البلدِ الذي فيه زوجُها الأول وسلَّمَتهُ لأبيه، ثمَّ رجَعَتْ إلى بلدِه، فلها حضانتُه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>حضانةُ غير المسلِمَةِ:</span>\nوالولدُ يكونُ في حضانةِ أمِّه ما دامتْ مسلِمةً، على الصحيحِ، وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ، خلافًا لأبي حنيفةَ؛ فلم يُفرِّقْ بينَ المسلمةِ وغيرِها في الحضانةِ، والحقُّ: أنَّ الدِّينَ مُعتبَرٌ حتى لا تنحرِفَ الفِطْرةُ ويتديَّنَ الولدُ بغيرِ دينِ الإسلامِ؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\" وغيرِهما؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ، قال - ﷺ -: (مَا مِن مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، كَمَا تُنْتِجُونَ البَهِيمَةَ، هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ، حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا!) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>الأحقُّ بالحضانةِ بعد الأمِّ من النساء:</span>\nواختلَفَ العلماءُ في الأحقِّ بالكفالةِ بعدَ الأمِّ مِن النساءِ:\nفذهَبَ عامةُ العلماءِ: إلى أنَّ أمَّ الأمِّ جدةَ الولدِ لأمَّه أحقُّ بالحضانةِ مِن أمِّ أبيه ومِن خالتِه؛ وهذا قولُ أبي خبفة ومالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ وأبي ثورٍ وغيرِهم.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٥٩٩) (٨/ ١٢٣)، ومسلم (٢٦٥٨) (٤/ ٢٠٤٧).","vol":"2","page":596},{"text":"واختلَفُوا فيمَن أحقُّ بالحضانةِ بعدَ أمِّ الأمِّ:\nفقدَّمَ الحنفيَّةُ أمَّ الأبِ ثمَّ الأخواتِ على الخالةِ.\nوقدَّمَ مالكٌ: الخالةَ على أمِّ الأبِ والأخواتِ.\nوقدَّمَ الشافعيَّةُ: أمَّ الأبِ فالأخواتِ فالخالاتِ.\nوقدَّمَ الحنابلةُ: الأبَ بعدَ أمِّ الأمِّ، ثمَّ أمَّهاتِ الأبِ، ثمَّ الجَدَّ، ثمَّ أمَّهاتِ الجدِّ، ثمَّ الأختَ، ثمَّ الخالةَ.\nوهذا كلُّه لا دليلَ خاصٌّ يقطعُ به مِن الوحي إلا الخالةَ؛ ففي الحديثِ كما تقدَّمَ؛ قال - ﷺ -: (الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ)، وما عداها أُخِذَ مِن النظرِ والقياسِ على القُرْبِ مِن الرحمِ والأحقِّ بالميراثِ.\nولا حضانةَ لمَن عُرِفَتْ بفِسْقٍ يُؤثِّرُ على الصغيرِ؛ كشُرْبِ الخمرِ أو تَعَرٍّ وسفورٍ في حضانةِ الصغيرةِ فتتربَّى عليه، أو تعليمِهِ مجونَ الرقصِ والطَّرَبِ والدِّيَاثةِ وشِبْهَ ذلك، فهذا يُسقِطُ حقَّ الأمِّ في الحضانةِ، فضلًا عمَّا دونها مِن القراباتِ نساءً ورجالًا.\nوكلُّ ما تسقُطُ به ولايةُ الرجلِ على المرأةِ مِن الفسقِ: تسقُطُ له حضانةُ المرأةِ على الصغيرِ مِن بابِ أَولى؛ لأنَّ ولايةَ الرجلِ وقِوامتَهُ أقوَى وأَوْثَقُ؛ فما سقَطَ منها يسقُطُ فيما دونَها مِن بابِ أولى.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران: ٤١].\nجعَلَ الله علامةً لزكريَّا وآيةً في قومِهِ: ألَّا يُكلِّمَهُمْ مُدَّةَ ثلاثةِ أيامٍ مِن غيرِ مرضٍ كخَرَسٍ أو شِبْهِهِ، فهو يذكُرُ الله صباحًا ومساءً، ولكنَّه مع","vol":"2","page":597},{"text":"الناسِ لا يَقدِرُ على الحديثِ؛ وإما يكتفِي قال بالإشارةِ والإيماءِ، ومعنى الرمز في قوله تعالى: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾:\nقال ابنُ عباسِ: يعني: الإشارةَ والإيماءَ؛ وبقولِه قال قتادةُ والضحَّاكُ والسُّدِّيُّ (١).\nوقال مجاهدٌ: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ يعني: الإيماءَ بالشفتَيْن (٢).\nوقد جعَلَ اللهُ عدمَ قدرةِ زكريَّا على الكلامِ مدةَ ثلاثةِ أيامٍ، وهو أمرٌ لا اختيارَ له فيه - آيةً مِن اللهِ له مع قومِه، مع قدرتِه على الكلام للهِ تسبيحًا وتهليلًا وذكْرًا للهِ فحَسْبُ، وفي ذلك إشارةٌ إلى أنَّ اللهَ لم يشَأْ أنْ يجعَلَ زكريَّا هاجِرًا لقومِه فوقَ ثلاثةِ أيامٍ، ولو كان بغيرِ اختيارِه وإرادتِه، وباختيارِه مِن بابِ أولى ألَّا يَصحَّ الهجرُ منه لهم؛ لأنَّ اللهَ خلَقَ الناسَ وحثَّهم على الخِلْطةِ والاجتماعِ، ومنعَهم من الافتراقِ والهَجْرِ، والنبيُّ مِن بابِ أولى؛ لأنَّه يُصلِحُ ويُقتدَى به، ويأمُرُ ويَنْهَى.\nولأنَّ طولَ الصمتِ يُخالِفُ أصلَ الفِطرةِ، والهجرُ لنعمةِ الكلامِ كالهجرِ لنعمةِ البصرِ والسمعِ والتفكُّرِ، ولد نَهَى النبيُّ - ﷺ - عن طولِ الصمتِ كما في \"سننِ أبي داودَ\"؛ قال: (لا صُمَاتَ يَوْم إِلَى اللَّيْلِ) (٣).\nوقيل بأنَّ صَمْتَ زكريَّا كان باختيارِه، وأنَّ اللهَ أذِنَ له في ذلك، ونسَخَ اللهُ الصمتَ لي شرْعَةِ محمدٍ - ﷺ -.\nوفي كونِه اختيارًا نظرٌ؛ فاللهُ جعَلَ عدَمَ كلامِه آية، وعدمُ الكلامِ كلُّ يقدِرُ عليه باختيارِه، والمفسِّرونَ مِن السلفِ على أنَّ ذلك بلا اختيارٍ مِن زكريَّا.\nوربَّما كان الناسُ لا يعلَمونَ سببَ صَمْتِه، والصمتُ يتضمَّنُ هجْرَهُ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٣٨٩ - ٣٩٠).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٣٨٨).\n(٣) أخرجه أبو داود (٢٨٧٣) (٣/ ١١٥).","vol":"2","page":598},{"text":"لهم، والهجرُ لا يجوزُ فوقَ ثلاثٍ؛ فقدَّرَه اللهُ بثلاثةِ أيامٍ.\nوقد جاءَ في \"الصحيحينِ\"؛ مِن حديثِ أنسٍ أن النبيَّ - ﷺ - قال: (لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَن يَهْجُرَ أخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>الهجرُ وأحكامُهُ:</span>\nوالهجرُ فوقَ ثلاثٍ محرَّمٌ لغيرِ سببٍ شرعيٍّ، ولا تخلُو أسبابُ الهجرِ بينَ الناسِ مِن سببينِ:\nالسببُ الأولُ: سببٌ مِن حظِّ أنفسِهم ودُنياهم؛ فهذا لا يجوزُ أنْ يُجاوِزَ ثلاثةَ أيامٍ، للحديثِ السابقِ.\nما لم يرتبِطْ أمرُ الدُّنيا بأمرِ الدِّينِ؛ فيَخشَى الإنسانُ مِن الوصلِ فسادَ الدِّينِ، وقطيعةَ الرحمِ، وزيادة الشرِّ والعدوانِ والخصومةِ؛ فذاك يُقدَّرُ بالعدلِ، لا بهوى النفسِ.\nالسببُ الثاني: سببٌ مِن حقِّ اللهِ؛ كمخالفةِ أمرِ اللهِ بكبيرةٍ؛ مِن شربِ خمرٍ، وسرقةٍ، وكذبٍ، وغِيبةٍ، ونميمةٍ؛ فيُهجَرُ تأديبًا له؛ وهذا على حالينِ:\nالأُولى: إذا كان الهجرُ يُؤثِّرُ في المهجورِ وَيَرْدَعُه على الشرِّ ويُبعِدُه عنه، وَيَجلِبُه إلى الخيرِ ويُقرِّبُه منه؛ فهذا متأكِّدٌ؛ قد يُستحَبُّ وقد يجبُ؛ بحسَبِ اليقينِ مِن أثرِهِ في العاصي؛ كما في هجرِ النبيِّ - ﷺ - للثَّلاثةِ الذين خُلِّفُوا، وهجرِ عبدِ اللهِ بنِ مُغَفِّلٍ لقريبه؛ ففي \"الصحيحِ\"، عن سعيدِ بن جُبَيْرٍ؛ أنَّ قريبًا لعبدِ اللهِ بنِ مغفَّلٍ خَذَفَ، قال: فنَهَاهُ، وقال: إنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عن الخَذْفِ، وقال: (إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا، وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ)، قال: فَعَادَ، فقال: أُحدِّثُكَ أنَّ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٠٧٦) (٨/ ٢١)، ومسلم (٢٥٥٨) (٤/ ١٩٨٣).","vol":"2","page":599},{"text":"رسولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عنه، ثم تَخْذِفُ؟ ! لا أُكَلِّمُكَ أبدًا (١).\nوقد هجَرَ عثمانُ ابنَ عوفٍ، وهجَرَ جماعةٌ مِن الصحابةِ والتابعينَ بسببِ مخالفةِ أمرِ اللهِ كثيرًا.\nالثانيةُ: إذا كان الهجرُ لا يُؤثِّرُ في المهجورِ ولا يَرْدَعُه، بل قد يَزِيدُهُ بُعْدًا وشرًّا وفتنةً، والهاجرُ لا يتضرَّرُ في دِينِهِ مِن قُربِهِ ضررًا يترجَّحُ على ضررِه لو هجَرَهُ؛ فإنَّ الهجرَ حِينئذٍ لا يجوزُ، وكلٌّ بحَسَبهِ، وليستِ العِبْرةُ بمجرَّدِ المعصيةِ، فيُهجَرُ العاصي لأَجْلِها، بل لا بدَّ من أثرِ الهجرِ عليه، ومنزلةِ الهاجرِ من المهجورِ، وتأثُّرهِ وتحسُّرهِ على فقْدِه؛ كالوالدِ مع ولدِه، والأخِ الكبيرِ مع أخيهِ، والشيخِ مع تلميذِه، ومِن أهلِ الكفرِ والمعاصي مَن يُرِيدُ أن يُهْجَرَ؛ لِيَسْلَمَ مِن داعي الخيرِ؛ كما كان كفارُ قريشٍ يرغَبونَ في هَجْرِ النبي - ﷺ - وإمساكِهِ عنهم، فلا يُريدونَ سماعَه، ووَدُّوا لو ترَكَهم، ومع هذا علِمَ النبيُّ أنَّ هجْرَهم يَزيدُهم بُعْدًا؛ لزُهْدِهم في الخيرِ وداعِيه، فوصَلَهُمْ في النصحِ، وصَبرَ على أذاهُم، ولم يهجُرِ النبيُّ في حياتِه إلا نفرًا يسيرًا، وفي أحوالٍ يسيرةٍ؛ وذلك لأمرينِ:\nالأولُ: لأنَّ من الناسِ كفارًا معاندين يُريدونَ هَجْرَهُ، ويتمنَّوْنَ ألَّا يسمَعُوا دَعْوَتَهُ، فيُؤثِّرَ فيهم وفي ذَرَارِيهم، فكان الهجرُ في حقِّهم محرَّمًا، والوصلُ لهم مع الصبرِ على دعوتِهم متعيِّنًا.\nالثاني: أقوامٌ يشتدُّ عليهم الهجرُ، وهو أثقل عليهم مِن حَمْلِ الحَجَرِ، ويقَعُونَ في الخطأ عمدًا وسهوًا، وهجرُهُمْ عقابٌ شديدٌ؛ لمقامِ النبوَّةِ وحبِّهم له وحِرْصِهم عليه، فيْصلِحُهم ويتألَّفُهم ويرحَمُهم ولا يهجُرُهم؛ لأنَّ مَقامَهُ ليس كمقامِ غيرِه، فربَّما اشتدَّ على الواحدِ منهم الهجرُ فضاقَ واشتدَّ له الحَرَجُ، فربَّما انقطَعَ به رجاءُ الوصلِ، وسوَّلَ له\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٩٥٤) (٣/ ١٥٤٨).","vol":"2","page":600},{"text":"الشيطانُ البُعْدَ والرَّدِّةَ عن دينِه؛ لهذا كان النبيُّ - ﷺ - أشدَّ الناسِ صبرًا وتحمُّلًا لمُخالِفِيه، ويجبُ أنَّ يكونَ أهلُ اتِّباعِه مِن العلماءِ والمُصلِحِينَ على سبيلِه في هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>سياسةُ المخالِفِينَ بالخِلْطةِ والهجر:</span>\nومِن هذا النوعِ مُنافِقونَ على اختلافِ مراتبِ نفاقِهم، فهجْرُهم يُبعِدُهم، ووَصْلُهُمُ يُؤلِّفُهم وَيَكْفِيهِم والمسلِمينَ شرَّهم، فيُوصَلُونَ ولو أخطَؤُوا؛ لمصلحتِهم؛ فلا يَبتَعِدُونَ، ولمصلحةِ المسلِمينَ؛ ألَّا يُؤذُوهُم فيُوالُوا عليهم عدوَّهم.\nوالواجب على المُصْلِحِ: أنْ يَسُوسَ الناسَ بما يُصلِحُهم ويُقرِّبُهم، وبما يُقلِّلُ شرَّهم وَيزِيدُ في خيرِهم، لا بما يَهْوَاهُ، فربَّما وجَدَ المُصلِحُ في نفسِه حبًّا بهجرِ أحدٍ ومَلَلًا مِن قُرْبِه، فإذا أخطَأَ، مالَتْ نفسُهُ لهجرِه؛ يظنُّ أنَّه يهجُرُ لله وإنَّما يهجُرُ لحظِّ نفسِهِ وهواه.\nوالهجرُ يجبُ أنْ يكونَ بمقدارِ الإصلاحِ؛ فمَن هَجْرُهُ لشهرٍ يُصلِحُه، لا يجوزُ هَجْرُهُ فوقَ ذلك، ومَن هَجْرُهُ لعامٍ يُصلِحُه، لا يجوزُ هجرُهُ فوقَ ذلك، وكلَّما زادَ الهجرُ بلا حاحةٍ، عَظُمَ الإثمُ على الهاجرِ؛ فعن أبي خِرَاشٍ السُّلَمِيِّ - ﵁ -؛ أنَّه سمِعَ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: (مَنْ هَجَرَ أخَاهُ سَنَةً، فَهُوَ كسَفْكِ دَمِهِ) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>بذلُ السلامِ بالكلامِ والإشارة:</span>\nوتتضمَّنُ الآيةُ التحيَّةَ بالإشارةِ ممَّن يَعْجِزُ عن الكلامِ؛ لقوله: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾، والأصلُ: مشروعيةُ السلام بالكلام المسموعِ إلا لمَن يَعجِزُ عن الكلام، أو حالَ بينَهُ وبينَ أخيهِ حائلٌ، أو كان المخاطَبُ بعيدًا لا يَسمَعُهُ، أو كان أصمَّ لا يَسمَعُ، فيكتفي بالإشارةِ؛ لما رواهُ النَّسَائِيُّ، عن\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٧٣٩٥) (٤/ ٢٢٠)، وأبو داود (٤١٩٥) (٤/ ٢٧٩).","vol":"2","page":601},{"text":"أبي الزُّبيرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ؛ أن رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (لَا تُسَلِّمُوا تَسْلِيمَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ فَإن تَسْلِيمَهُمْ بِالأَكُفِّ وَالرُّؤُوسِ وَالإِشَارَةِ) (١).\nولو قرَنَ الإشارةَ بالسلامِ حتى مع البعيدِ، أو مع مَن حالَ دونَ سماعِه حائلٌ، فهو أَوْلى وأَتْبَعُ للسُّنَّةِ؛ فعن أسماءَ بنتِ يزيدَ الأنصاريَّةِ - ﵄ -، أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّ في المسجدِ يومًا وعُصْبَةٌ مِن النساءِ قُعُودٌ، فأَلْوَى بيدِه إليهنَّ بالسلامِ، رواهُ أحمدُ والترمذي (٢).\nوفي قولهِ تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ دليل على فضلِ ذِكْرِ اللهِ، وأنَّ اللهَ اسْتَثْنَى ذِكْرَهُ مِن عجزِ زكريَّا عن الكلامِ؛ لأنَّ الذِّكْرَ غذاءُ القلبِ وبتركِهِ يموتُ، فيَصبِرُ الإنسانُ عن الكلامِ، ولا يَصبِرُ عن ذِكرِ اللهِ؛ فقد روى الطبريُّ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ؛ قال: لو كان اللهُ رخَّصَ لأحدٍ في تَرْكِ الذِّكْرِ، لرخَّصَ لزكريَّا؛ حيث قال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ (٣).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾. [آل عمران: ٣٩].\nيُحتمَل في الصلاةِ هنا مَعْنَيَانِ:\nالأولُ: الدعاءُ.\nالثاني: الصلاةُ المعروفة عندهم، وبهذا قال السُّدِّيُّ وغيرُه.\n_________\n(١) أخرجه النسائي في \"السنن الكبرى\" (١٠١٠٠) (٩/ ١٣٤).\n(٢) أخرجه أحمد (٢٧٥٨٩) (٦/ ٤٥٧)، والترمذي (٢٦٩٧) (٥/ ٥٨).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٣٩١).","vol":"2","page":602},{"text":"وروى معناهُ جعفرُ بنُ محمدٍ عن ثابتٍ.\nأخرَجَه ابنُ المنذرِ في \"تفسيرِه\"، وهو ظاهرُ اختيارِ ابنِ جريرٍ.\nوعلى المعنى الثاني: يحتمِلُ أنْ يكونَ<span data-type=\"title\" id=toc-383> الكلامُ في الصلاةِ </span>مباحًا، كما كان في أولِ الإِسلامِ، ثمَّ نُسِخَ، ويحتملُ أنَّه محرَّمٌ ولكن الملائكةَ كلَّمَتَّهُ لِتُبَشِّرَهُ وهو يسمَعُ لا يتكلَّمُ.\n\nالكلامُ في الصلاةِ:\nولا خلافَ عندَ علماءِ الإِسلامِ في منعِ الكلامِ في الصلاةِ الذي ليس مِن جنسِ أقوالِها، وأنَّه يُبطِلُ الصلاةَ، على خلافٍ في أدنَى ما يُبطِلُ الصلاةَ مِن الحرفِ والحرفَيْنِ؛ لقولِه - ﷺ -: (إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ من كَلَامِ النَّاسِ؛ إِنَّمَا هُوْ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ) (١).\nوأمَّا استماعُهُ لغيرِهِ، فيتَّفِقُونَ على وجوبِ الاستماعِ لما لا تتمُّ الصلاةُ إلا بالاستماعِ إليه؛ كتكبيراتِ الإحرامِ والانتقالِ والسلامِ، فلا تتمُّ المتابعةُ إلا به؛ لقولِهِ - ﷺ -: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ؛ فَإِذَا كَبَّرَ فكَبِّرُوا) (٢).\nوأمَّا حديثُ غيرِ المُصلِّي مع المصلِّي، فعلى قِسمَينِ:\nالأولُ: ما كان في مصلَحةِ الصلاةِ؛ كدَلالتِه إلى القِبْلةِ، وإرشادِهِ إليها عندَ توجُّهِهِ خطأً إلى غيرِها؛ فهذا يُستحَبُّ ويَتأكَّدُ، وقد يجبُ؛ ففي الصحيحِ عن البَرَاءِ - ﵁ -؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - صلَّى إلى بيتِ المَقدِسِ ستةَ عشَرَ شهرًا، أو سبعةَ عشَرَ شهرًا، وكان يُعجِبُهُ أن تكونَ قِبلتُه قِبَلَ البيتِ، وأنَّه صلى - أو صلَّاها - صلاةَ العصرِ، وصلَّى معه قومٌ، فخرَجَ رجلٌ ممَّن كان صلَّى معه، فمَر على أهلِ المسجدِ وهم راكعونَ، قال: أشهدُ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٥٣٧) (١/ ٣٨١).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٧٨) (١/ ٨٥)، ومسلم (٤١١) (١/ ٣٠٨).","vol":"2","page":603},{"text":"باللهِ لقد صلَّيتُ مع النبيِّ - ﷺ - قِبَلَ مَكَّةَ، فدَارُوا كما هم قِبَلَ البيتِ (١).\nوَيلحَقُ بهذا إعلامُ جبريلَ النبيَّ - ﷺ - بوجودِ نجاسةٍ في نَعْلَيْهِ وهو يُصلِّي؛ كما رواهُ أحمدُ وأبو داودَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ؛ قال: بينَما رسولُ اللهِ - ﷺ - يُصلِّي بأصحابِهِ إذ خَلَعَ نعلَيْهِ، فوضَعَهُما عن يسارِه، فلمَّا رأى ذلك القومُ، أَلْقَوْا نِعالَهُم، فلما قَضَى رسول اللهِ - ﷺ - صلاتَهُ، قال: (مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟)، قالوا: رأَيْناكَ ألقَيْتَ نعلَيْكَ، فألقَيْنا نعالَنا، فقال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (إِنَّ جِبْرِيلَ - ﷺ - أَتَانِي، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا) (٢)، ويجوزُ سؤالُ المصلِّي وهو في صلاتِه عندَ الحاجةِ.\nوهذا يُشبهُ حديثَ الملائكةِ مع زكريَّا، فهو حديثُ مَلَكٍ لنبيٍّ وهو في صلاةٍ، وإنِ اختَلَفَ نوعُ الخطابِ؛ فزكريَّا خُوطِبَ بخطابٍ لا يتَّصِلُ بصلاتِهِ، ومحمدٌ - ﷺ - خُوطِبَ بخطابٍ يتَّصِلُ بها.\nالقسمُ الثاني: الكلامُ مع المُصلِّي واستماعُهُ وهو مُنصِتٌ بكلامٍ لا يتَّصلُ بصلاةِ المصلِّي؛ فهذا الأصلُ فيه الجوازُ، شريطةَ أن يكونَ عارضًا لا طويلًا، كما في قصةِ زكريَّا، ولمَا رَوَى البخاريُّ، عن أسماءَ؛ قالتْ: أتيتُ عائشةَ وهي تُصلِّي، فقلتُ: ما شأنُ الناسِ؟ فأشارتْ إلى السماءِ، فإذا الناسُ قيامٌ، فقالتْ: سبحانَ اللهِ! قلتُ: آيةٌ؟ فأشارتْ برأسِها: أيْ: نَعَم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>الإشارةُ في الصلاةِ:</span>\nوفي حديثِ أسماءَ هذا: دليلٌ على جوازِ ردِّ المُصلِّي على غيرِهِ بالإشارةِ مِن غيرِ كلامٍ، وقد أشارَ النبيُّ - ﷺ - في صلاتِه؛ كما في\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٤٨٦) (٦/ ٢١).\n(٢) أخرجه أحمد (١١٨٧٧) (٣/ ٩٢)، وأبو داود (٦٥٠) (١/ ١٧٥).\n(٣) أخرجه البخاري (٨٦) (١/ ٢٨).","vol":"2","page":604},{"text":"\"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ جابرٍ؛ قال: أرسَلَني رسولُ اللهِ - ﷺ - وهو مُنطلِقٌ إلى بَنِي المُصْطَلِقِ، فأتيتُهُ وهو يُصلِّي على بعيرِه، فكلَّمْتُه، فقال لي بيدِه هكذا (١).\nوما جاء عن أنسٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ -: كان يُشيرُ في الصلاةِ (٢).\nوجاء ذلك من حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ وابنِ عمرَ وغيرِهما، عن النبيِّ - ﷺ -.\nوالحديثُ الذي يَمْنَعُ مِن ذلك مُنكَرٌ؛ فقد رواهُ أبو داودَ؛ مِن حديثِ أبي غَطَفَانَ، عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ - يَعنِي: فِي الصَّلاةِ - وَالتَّصفِيقُ لِلنِّسَاءِ، مَن أشَارَ في صَلَاِتِهِ إِشَارَةً تُفْهَمُ عَنْهُ، فَلْيُعِدْ لَهَا)؛ يَعْنِي: الصَّلَاةَ (٣).\nوهو حديثٌ مُنكَرٌ، قال أبو داودَ: \"هذا الحديثُ وهمٌ\".\nورَدَّهُ أحمدُ وأبو زُرْعةَ والدارقطنيُّ وغِيرُهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>الكلامُ في الصلاةِ أشدُّ من الحركةِ:</span>\nوالحركةُ أخفُّ مِن الكلامِ في الصلاةِ؛ لأنَّ الكلامَ يَشغَلُ القلبَ وَيَصرِفُ الذهنَ؛ فالكلامُ عادةً يكونُ مع الناسِ، والمُتكلِّمُ لا ينشغلُ بغيرِ كلامِه، وأمَّا الحركةُ، فقد يفعلُها الإنسانُ لنفسِه كَحَكٍّ، أو لغيرِه كَحَمْلٍ، كما حمَلَ النبيُّ - ﷺ - أمَامَةَ بنتَ زينبَ وهو يُصلِّي، ويمكنُ الجمعُ بينَ حضورِ القلبِ والحركةِ؛ كحكٍّ وحملٍ، ولا يمكنُ الجمعُ بينَ حضورِ القلبِ والكلامِ مع الناسِ؛ لهذا شُدِّدَ في الكلامِ، وخُفِّفَ في الحركةِ في الصلاةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>بذلُ السلامِ على المصلِّي وردُّ المصلِّي:</span>\nوأمَّا بَذْلُ السلامِ على المُصلِّي، فمستحَبٌّ على قولِ جمهورِ الفقهاءِ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٥٤٠) (١/ ٣٨٣).\n(٢) أخرجه أحمد (١٢٤٠٧) (٣/ ١٣٨)، وأبو داود (٩٤٣) (١/ ٢٤٨).\n(٣) أخرجه أبو داود (٩٤٤) (١/ ٢٤٨).","vol":"2","page":605},{"text":"وأكثرِ السلفِ؛ وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ، وروايةٌ عن أحمدَ، وصحَّ فِعلُه عن ابنِ عمرَ، خلافًا للحنفيَّةِ، وكرِهَه جابرُ بن عبدِ اللهِ، وعطاءٌ؛ فقد روى عبدُ الرزَّاقِ، عن جابرٍ؛ أنَّه قال: \"لَوْ مَرَرْتُ بِقَوْمِ يُصَلُّونَ، مَا سَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ\" (١).\nوالسلامُ على الجماعهِ أظهرُ في الإشغالِ مِن المنفرِدِ؛ فهم مأمورونَ بالمتابعةِ للإمامِ والإنصاتِ له؛ فالسلامُ قد يُدخِلُ تسليمَ المُسلِّمِ مع تكبيرِ الإمامِ وتسليمِه وقراءتِه، فيَخلِطُ على المأمومِ صلاتَه، ويظهرُ هذا إذا تتابَعَ الناسُ إلى الصلاةِ والإمامُ يُصلِّي بالناسِ، فسلَّمَ كل متأخِّرٍ على جماعةِ الصلاةِ، فيَنشغِلونَ عن واجبِهم بسلامِ الداخِلِينَ عليهم.\nوظواهِرُ الأدلَّةِ على استحباب السلامِ وعدمِ نسخِه بحالٍ، وتحريمُ الكلامِ على المصلِّي لا يعني مَنعَ السلامِ عليه، لأنَّ العلةَ مِن السلامِ ليستِ التحيةَ والترحيبَ والردَّ عليها فحَسْبُ، بل إشعارُ المسلَّمِ عليه بالسلامِ والأمانِ؛ وهذا مشروعٌ ولو لم يَرُدَّ، فيُشرَعُ السلامُ على الأخرسِ، وعلى مَن لا يَرُدُّ السلامَ عمدًا بسببِ هجرٍ أو قطيعةٍ.\nوالصحابةُ يُفرِّقونَ بين بَذْلِ السلامِ وبينَ ردِّه، فجابرُ يقولُ في بذلِ السلامِ: \"لَوْ مَرَرْتُ بِقَوْمِ يُصَلُّونَ، مَا سَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ\".\nويقولُ في ردِّ السلامِ: \"لَوْ سُلِّمَ عَلَيَّ وَأَنَا أُصَلِّي، لَرَدَدتُّ\" (٢).\nولم يُنكِرِ النبيُّ - ﷺ - على جابرٍ، حينَما سلَّمَ عليه ولم يَعلَم بنسخِ الكلامِ في الصلاةِ؛ وإنَّما بَيَّنَ له سببَ عدمِ ردِّه عليه، فقال: (إِنَّهُ لم يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي) (٣).\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٣٦٠٠) (٢/ ٣٣٧).\n(٢) \"الأوسط\" لابن المنذر (٣/ ٤٣٦).\n(٣) أخرجه مسلم (٥٤٠) (١/ ٣٨٤).","vol":"2","page":606},{"text":"وإذا غلَبَ على الظنِّ جهلُ المُصلِّي بالسُّنَّةِ ومنعِ الكلامِ، فلا يُسلَّمُ عليه؛ خشيةَ ردِّه السلامَ بالكلامِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>حكم رَدِّ المصلِّي السلامَ</span>؟\nوأمّا ردُّ السلامِ مِن المُصلِّي على مَن سلَّمَ عليه، فعلى حالينِ:\nالأُولى: الردُّ بالكلامِ؛ فهذا لا يجوزُ عندَ عامَّةِ الفقهاءِ، وهو قولُ الأئمةِ الأربعةِ، وعامةِ السلفِ، خلافًا لابنِ المسيَّبِ، وبقولِه قال الحسنُ وقتادةُ، فقد صحَّ عنهما القولُ بردِّ السلامِ في الصلاةِ؛ رواهُ عبدُ الرزَّاقِ عن معمرٍ عنهما (١).\nوصحَّ عن جابرِ قولُهُ: \"لَوْ سُلِّمَ عَلَيَّ وَأَنَا أُصَلِّي، لَرَدَدتُّ\" (٢).\nوالصحيحُ: المنعُ؛ لاستفاضةِ الأدلةِ المرفوعةِ على المنعِ مِن الكلامِ؛ كما في حديثِ ابنِ مسعودٍ، وزيدِ بنِ أَرْقَمَ، ومعاويةَ بنِ الحَكَمِ، وغيرِها، مع خلافٍ عندَ العلماءِ في بطلانِ الصلاةِ بردِّ السلامِ بالكلامِ على قولَيْنِ:\nفمَن ردَّ السلامَ بقصدِ ردِّ التحيةِ، وهو الأغلبُ والأصلُ، بطَلَتْ صلاتُه بِرَدِّه.\nومَن رَدَّ السلامَ وقصَدَ منه الدعاءَ، فالأصحُّ عدمُ البطلانِ؛ لأنَّه دعاءٌ، كما لو قال رجلٌ خارجَ الصلاةِ لمُصلٍّ: ادْعُ لي، فدَعَا له في صلاتِه، لم تبطُلْ صلاتُه.\nوردُّ السلامِ بالكلامِ إنَّما مُنِعَ منه ولو قَصَدَ الدعاءَ به؛ لأنه في صورر خطابٍ وردِّ جوابٍ، ويُذهِبُ طُمأنينةَ الصلاةِ وخشوعَها وحضورَ\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٣٦٠٤) (٢/ ٣٣٨)، ولفظه: من معمر، عن الحسن وقتادة؛ قالا: \"يَرُدُّ السَّلَامَ وَهُوَ فِي الصَّلَاة\".\n(٢) سبق تخريجه.","vol":"2","page":607},{"text":"القلبِ فيها، خاصَّةً إذا كثُرَ الداخِلونَ على المُصلِّي، وقد نَهَى النبيُّ - ﷺ - وأصحابُهُ معاويةَ بنَ الحكمِ لمَّا شمَّتَ عاطسًا في صلاتِه، ولم يأمُرْهُ بالإعادةِ، وتشميتُ العاطسِ مِثلُ ردِّ السلامِ أو آكَدُ منه، ولكنَّ تشميتَ العاطسِ أَظهرُ في كونِهِ دعاءً خالصًا مِن السلامِ وردِّه، ومع هذا قال - ﷺ - لمعاويةَ بنِ الحكمِ: (إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ؛ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءةُ الْقُرْآنِ) (١).\nالثانية: الردُّ بالإشارةِ؛ وهذا مشروعٌ عندَ عامةِ السلفِ، جاء فيه عن جابرِ حديثٌ مرفوعٌ في \"صحيحِ مسلمٍ\"، وكذلك مِن حديثِ صُهَيْبٍ وبلالٍ وابنِ مسعودٍ وغيرِهم، ولا تخلُو مِن علةٍ سوى حديثِ جابرٍ فهو صحيحٌ، ورُوِيَ مِن فعلِ ابنِ عمرَ وابنِ عباسٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>ردُّ المصلِّي السلامَ بالإِشارةِ:</span>\nوأمَّا صفةُ ردِّ السلامِ بالإِشارةِ بلا كلامٍ، فلا يثبُتُ في صفتِهِ صريحًا شيءٌ مرفوعٌ، ولا في مقدارِ رفعِ اليدِ، ولا جهةِ الإشارةِ بها، ولا صفةِ بسطِ الكفِّ.\nوحديثُ جابرٍ مجمَلٌ، وكذا ما صحَّ عن ابنِ عمرَ في \"الموطَأِ\"؛ قال: \"إِذَا سُلِّمَ عَلَى أَحَدِكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَا يَتَكَلَّمْ، وَلْيُشِرْ بِيَدِهِ\"؛ رواهُ عنه نافعٌ (٢).\nورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ مصافحةُ المُصلِّي لِمَنْ سَلَّمَ عليه؛ كما رواهُ عبدُ الرزَّاقِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ؛ قال: رأيتُ موسى بنَ جَمِيلِ وكان مُصلِّيًا، وابنُ عباسٍ يُصلِّي ليلًا إلى الكعبةِ قال: فرأيتُ موسى صلَّى، ثمَّ يعودُ، ثمَّ انصرَفَ، فمَرَّ على ابنِ عباسٍ، فسلَّمَ عليه، فقبَضَ\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (٧٦) (١/ ١٦٨).","vol":"2","page":608},{"text":"ابنُ عباسٍ على يدِ موسى هكذا - وقبَضَ عطاءٌ بكفِّه على كفِّه - قال عطاءٌ: فكان ذلك منه تحيةً، ولم أرَ ابنَ عباسٍ تَكَلَّمَ (١).\nورُوِيَ عن بعضِ السلفِ قولٌ ثالثٌ: وهو أنَّ ردَّ السلامِ لا يكونُ بالإشارةِ ولا بالعِبارةِ؛ وإنَّما يكونُ بعدَ الصلاةِ ردًّا بالكلامِ.\nصحَّ هذا عن عطاءٍ، وهو قولُ النَّخَعِيِّ وسفيانَ الثوريِّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>الحركةُ في الصلاةِ:</span>\nوالحركةُ في الصلاةِ أخَفُّ مِن الكلام إذا لم تُذهِبِ الطمأنينةَ والخشوعَ؛ لأنَّ الصلاةَ تَبطُلُ بالكلمةِ الواحدةِ من كلامِ الناسِ؛ كاذهَبْ، وانصرِفْ، وتعالَ، ولا تبطُلُ بالحركةِ الواحدةِ والحركتيْنِ اليَسيرتَيْنِ بإجماعِهم.\nوالحركة اليسيرةُ في الصلاةِ لمصلحةِ الصلاةِ: لا بأسَ بها، وكذلك لمصلحةِ أحدٍ خارجَ الصلاةِ بإجابتِه بإشارةٍ، أو إعانتِه بقبضِ يدِه، أو غمزِه، وكذلك المشيُ والحركةُ للحاجةِ والضرورةِ، كقتلِ حيَّةٍ أو عقربٍ، كما جاء في حديثِ أبي هريرةَ - ﵁ -؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (اقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ: الحَيَّةَ، وَالعَقْرَبَ) (٢).\nورُوِيَ عن عائشةَ - ﵂ -؛ قالت: كان رسولُ اللهِ - ﷺ - يُصلِّي تطوُّعًا، والبابُ عليه مُغلَقٌ، فجئتُ فاسْتَفْتَحْتُ، فمشَى ففتَحَ لي، ثمَّ رجَعَ إلى مُصلَّاه، وذكَرَتْ أن البابَ كان في القِبلةِ؛ رواهُ أحمدُ وأصحابُ \"السنن\" (٣).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٣٥٩٨) (٢/ ٣٣٦).\n(٢) أخرجه أبو داود (٩٢١) (١/ ٢٤٢).\n(٣) أخرجه أحمد (٢٤٠٢٧) (٦/ ٣١)، وأبو داود (٩٢٢) (١/ ٢٤٢)، والترمذي (٦٠١) (٢/ ٤٩٧)، والنسائي (١٢٠٦) (٣/ ١١).","vol":"2","page":609},{"text":"قال تعالى ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣].\nأمَرَ اللهُ مريمَ بالصلاةِ له؛ لِتَقْوَى صِلتُها به، ويَعظُمَ ثباتُها، ويَثقُلَ ميزانُها؛ فإنَّ الصلاةَ أعظمُ أعمالِ الجوارحِ، والقنوتُ في الآيةِ: طولُ الركوعِ والسكونُ والخشوعُ فيها؛ قال مجاهدٌ: ﴿اقْنُتِي﴾؛ أيْ: أطِيلِي الرُّكُودَ (١).\nومعناهُ: طولُ الانْتِصْابِ بينَ يدَيِ اللهِ؛ وبه قال أبو العاليةِ والربيعُ والأوزاعيُّ.\nوقيل: المرادُ به الطاعةُ؛ وبه قال قتادةُ وغيرُه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>صلاةُ بني إسرائيل:</span>\nوصلاةُ بي إسرائيلَ ذاتُ ركوعٍ وسجودٍ، ولكن قيل: إنَّها تَختلِفُ عن صلاةِ أهلِ الإسلامِ في عددِ الركعاتِ والصلواتِ والمواقيتِ.\nوقال بعضهم: إنَّ اللهَ أمَرَها بالركوعِ مع الراكعينَ، والمرادُ: شهودُ حضورِ أماكنِ الصلاةِ في الكنائسِ.\nوفي هذا المعنى في هذه الآيةِ نظرٌ؛ فإن اللهَ أمَرَها أن تَشْرَكَ العامِلِينَ في عملِها ممَّن سِبَقَها وحضَرَها مِن الصالحينَ؛ وهو كقولِ اللهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]؛ أيَّ: في الاتِّصافِ بصفتِهِمُ الظاهرةِ والباطنةِ، مع أنَّ صلاةَ النساءِ للجماعةِ كانت في بَني إسرائيلَ أوَّل الأمرِ، ثمَّ مُنِعْنَ من ذلك، لِما جاء مِن حديثِ عائشةَ؛ قالت: \"لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَا أحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ\"؛ متَّفَقٌ عليه (٣).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٣٩٨).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٣٩٩).\n(٣) أخرجه البخاري (٨٦٩) (١/ ١٧٣)، ومسلم (٤٤٥) (١/ ٣٢٨).","vol":"2","page":610},{"text":"ومُنِعْنَ الجماعةَ؛ لأنَّهُنَّ تَشَرَّفْنَ إلى الرجالِ، والبروزِ لهم؛ كما روى عبدُ الرزاقِ، عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالتْ: \"كَانَ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَتَّخِذنَ أَرْجُلًا مِن خَشَبٍ، يَتَشَرَّفْنَ لِلرِّجَالِ فِي المَسَاجِدِ؛ فَحَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِنَّ المَسَاجِدَ، وَسُلِّطَت عَلَيْهِنَّ الحَيْضَةُ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>حضورُ النساءِ للمساجِدِ، وفضل صلاتهنَّ بالبيوتِ:</span>\nوحضورُ النساءِ للمساجدِ في الإِسلامِ جائزٌ، وصَلاتُهنَّ في بُيُوتِهنَّ أَفْضَلُ، وصلاةُ الليلِ منهنَّ أخَفُّ مِن صلاةِ النهارِ؛ لأنَّها أستَرُ، ويتَّفِقُ السلفُ على أنَّ صلاةَ المرأةِ في بيتِها أفضلُ مِن صلاتِها جماعةً، وظاهرُ الأصولِ: أنَّ أجْرَها في بيتِها ولو منفردةً كأجرِ الرجُلِ في جماعةٍ؛ كما في الحديثِ: (بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) (٢)، لأمرينِ:\nالأولُ: أنَّ مقتضَى تفضيلِ النبيِّ - ﷺ - لهنَّ الصلاةَ في البيوتِ: يُفِيدُ فضلَ صلاةِ البيوتِ على المساجدِ جماعةً، وهنَّ لا يُدْفَعْنَ إلى عملٍ ويكونُ غيرُهُ المأمورُ بتركِهِ أعظمَ أجرًا منه.\nالثاني: أنَّ الأصلَ في عملِ الرجلِ والمرأةِ التَّساوِي في الثوابِ والعقابِ؛ فالحسنةُ بعَشْرِ أمثالها إلى سبعِ مِئةِ ضعفٍ، والسيئةُ بمِثلِها، وكلُّ عملٍ يعملُهُ الجنسانِ يتساويانِ في الثوابِ فيه، إذا أتَيَا بالصورةِ المشروعةِ لكلِّ واحدٍ منهما.\nوهذا مُقتضَى العدلِ الإلهيِّ في الجزاءِ، وكذلك فإنَّ مُقتضَى العدلِ الإلهيِّ في التشريعِ: أنَّ كلَّ عملٍ يختصُّ به الرجلُ، ولا يُناسِبُ فِطْرةَ المرأةِ، إلا وجعَلَ اللهُ مُقابلَهُ عملًا آخَرَ للمرأةِ لو عمِلتْهُ، لَنَالَتْ ثوابَ الرجلِ في عملِه، كما في الجهادِ شُرِعَ للرِّجالِ، وجُعِلَ الحجُّ للنساءِ؛\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٥١١٤) (٣/ ١٤٩).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٤٥) (١/ ١٣١)، ومسلم (٦٥٠) (١/ ٤٥٠).","vol":"2","page":611},{"text":"ففي البخاريِّ عن عائشةَ؛ قالتِ: استأذنتُ النبيَّ - ﷺ - في الجهادِ، فقال: (جِهَادُكُنَّ الحَجُّ) (١).\nوأظهَرُ منه: ما في البخاريِّ عنها؛ قالتْ: يا رسولَ اللهِ، نَرَى الجهادَ أفضلَ العملِ؛ أفلا نُجاهِدُ؟ قال: (لَا؛ لَكُنَّ أَفْضَلُ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ) (٢).\nمع أنَّ الجهادَ المفروضَ أعظمُ مِن فريضةِ الحجِّ، ونافلةَ الجهادِ أعظمُ مِن نافلةِ الصلاةِ للرِّجالِ؛ فمَن تَعَيَّن عليه الجهادُ العاجِلُ لا يجوزُ له الانصرافُ إلى الحَجِّ؛ ولو كانَتْ حَجَّةَ الإِسلامِ.\nومِن عدلِ اللهِ في عبادِهِ: أنَّ اللهَ لا يجعلُ في أحدِ عبادِهِ سببًا قدريًّا ينالُ به الأجرَ العظيمَ، ولا يكونُ للمحرومِ مِن ذلك السببِ ما يُماثِلُهُ أو يُقابِلُهُ ولو مِن غيرِ جِنسِهِ لو عَمِلَ به لَمَاثَلَ غيرَهُ في الأجرِ؛ كالمالِ؛ فاللهُ يررزُقُ عبادَهُ ولو بلا سببٍ؛ كمَن يَرثُ خيرًا، أو يُهدَى إليه الززقُ فيَغتَنِي، لا يُقالُ: إنَّ الفقيرَ ليس لدَيْهِ مِن العملِ ما لو فعَلَهُ لا يساوي الغنيَّ؛ فاللهُ لا يُعطِّلُ الأسبابَ في العِبادِ، ثمَّ يُحاسِبُهم على ذلك؛ فاللهُ تعالى جعَلَ للفقراءِ الذِّكْرَ يَلْحَقُونَ به أهلَ الغِنَى؛ ففي \"الصحيحَيْنِ\"، عن أبي هريرةَ - ﵁ -؛ أَنَّ فُقَرَاءَ المُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُول اللهِ - ﷺ -، فَقَالُوا: ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ العُلَا، وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ، فَقَالَ: (وَمَا ذَاكَ؟)، قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصدَّقُونَ وَلَا نَتَصدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (أَفَلَا أُعَلِّمُكُمُ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟)، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: (تُسَبِّحُونَ، وَتكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ، دُبُرَ كُل صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاِثينَ مَرَّةً)، قَالَ أبُو صَالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٨٧٥) (٤/ ٣٢).\n(٢) أخرجه البخاري (١٥٢٠) (٢/ ١٣٣).","vol":"2","page":612},{"text":"الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (ذلك فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ من يَشَاءُ) (١).\nفإنْ سبَقَ الغنيُّ بالمالِ فيُسابِقُهُ الفقيرُ بالذِّكْرِ، وإنْ أكثَرَ الغنيُّ يُكثِرُ الفقيرُ، فالأسبابُ بينَ أيدِيهِم، والمحرومُ مَن ترَكَ العملَ وقد تهيَّأتْ له أسبابُه.\nبل لو تمنَّى العاجزُ أنْ يكونَ غنيًّا، فيُنفِقَ كما يُنفِقُ الغنيُّ صادقًا مِن قلبِهِ، لآتاهُ اللهُ أَجْرَهُ ولو لم يَعمَلْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>صلاةُ المرأةِ في بيتها أفضل من صلاِتها في المسجِدِ:</span>\nولا أرَى أنَّ السلفَ يَختلِفونَ في أنَّ صلاةَ المرأةِ في بيتِها أفضلُ مِن صلاتِها في الجماعةِ؛ وقد روى الطبرانيُّ، عن النخَعيِّ، عن ابنِ مسعودٍ؛ قال: \"صَلَاةُ المَرْأَةِ فِي البَيْتِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِهَا فِي الدَّارِ، وَصَلَاتُهَا فِي الدَّارِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِهَا خَارِجَهُ\" (٢)، ولا أعلمُ مَن قال بخلافِه مِن الصحابةِ والتابعِين.\nوقد نقَلَ إجماعَ العلماءِ على ذلك ابنُ عبدِ البرِّ.\nوقولُه - ﷺ -: (لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ) (٣): خطابٌ للأولياءِ، لا حثٌّ للنساءِ، وغايتُهُ لهنَّ الجوازُ، فلا يجوزُ للأولياءِ أنْ يَمْنَعُوهُنَّ إذا أَرَدْنَ الصلاةَ في المساجدِ بلا رِيبةِ حقٍّ، إلا صلاةَ النهارِ، فلهم مَنْعُهُنَّ منها؛ فقد جاء النهيُ مقيَّدًا في البخاريِّ بصلاةِ الليلِ؛ فعنِ ابنِ عمرَ - ﵄ -، عن النبيِّ - ﷺ -؛ قال: (إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إلَى المَسْجِدِ، فَأْذَنُوا لَهُنَّ) (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨٤٣) (١/ ١٦٨)، ومسلم (٥٩٥) (١/ ٤١٦).\n(٢) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٩٤٨٣) (٩/ ٢٩٥).\n(٣) أخرجه البخاري (٩٠٠) (٢/ ٦)، ومسلم (٤٤٢) (١/ ٣٢٧).\n(٤) أخرجه البخاري (٨٦٥) (١/ ١٧٢).","vol":"2","page":613},{"text":"وتقييدُ الإذنِ بالليلِ دليلٌ على أن أنَّ شهودِ الجماعةِ للنساءِ في الحاجدِ مفضولٌ.\nوأمَّا الزيادةُ في حديثِ ابنِ عمرَ: \"وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ\"، فقد روَاهَا أبو داودَ في \"سُنَنِه\"؛ مِن حديثِ حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن ابنِ عمرَ (١)، وقد روى الحديثَ عنه نافعٌ وسالمٌ ومجاهدٌ، ولم يذكُرُوها.\nوروى الحديثَ عن النبيِّ - ﷺ -: عائشةُ، وزيدُ بنُ خالدٍ الجُهَنِيُّ، وأبو هريرةَ، ولم يَذْكُرُوها، وهي زيادةٌ غيرُ محفوظةٍ في حديثِ ابنِ عمرَ.\nوقد جاء معناها عندَ أحمدَ مِن حديثِ أُمِّ حُمَيدٍ امرأةِ أبي حُمَيدٍ الساعديِّ: \"أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَكَ، قَالَ: (قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاِتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاِتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي)، قَالَ: فَأَمَرَتْ فَبُنِيَ لَهَا مَسْجِدٌ في أَقْصَى شَيْءٍ مِن بَيْتِهَا وَأَظْلَمِهِ، فَكانت تُصَلِّي فِيهِ حَتَّى لَقِيَتِ اللهَ - ﷿ - \" (٢).\nوروى الطبرانيُّ نحوَهُ مِن حديثِ أمِّ سَلَمةَ.\nوروى أحمدُ مِن حديثِ درَّاجِ أبي السَّمْحِ، عن السائبِ، عن أمِّ سلمةَ، عن رسولِ اللهِ - ﷺ -؛ قال: (خَيْرُ مَسَاجِدِ النِّسَاءِ قَعْرُ بُيُوتِهِنَّ) (٣).\nوخروجُ المرأةِ بلا حاجةٍ غيرُ مندوبٍ إليه في الشريعةِ، والصلواتُ الخمسُ دائمةٌ في كلِّ يومٍ، ولو خُوطِبَتْ بفضلِ الجماعةِ كالرَّجُلِ، ما كان لأمرِ حثِّها على القَرارِ في بيتِها معنًى، وهي تَغْدُو وتَرُوحُ في اليومِ عشرَ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٥٦٧) (١/ ١٥٥).\n(٢) أخرجه أحمد (٢٧٠٩٠) (٦/ ٣٧١).\n(٣) أخرجه أحمد (٢٦٥٤٢) (٦/ ٢٩٧).","vol":"2","page":614},{"text":"مراتٍ: خمسًا في الذَّهابِ، وخمسًا في الإيابِ، وإنْ لم تَفْتِنْ غيرَها، فتَنَتْ نفسَها، والمرأةُ مجبولةٌ على القناعةِ بتأثيرِها في الرجلِ أكثرَ مِن قناعةِ الرجلِ بتأثيرِهِ في المرأةِ، فلا تخلُو مِن فتنةِ الرجلِ أو فتنةِ نفسِها؛ فقد روى أبو الأحوصِ، عن ابنِ مسعودٍ؛ قال: \"إِنَّ المَرْأةَ عَوْرَةٌ، وَإِنَّهَا إِذَا خَرَجَت مِن بَيْتِهَا، اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَان، فَتَقُولُ: مَا رَآنِي أَحَدٌ إِلَّا أَعْجَبْتُهُ، وَأَقْرَبُ مَا تَكُونُ إِلَى اللهِ إِذَا كانت فِي قَعْرِ بَيْتِهَا\" (١).\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾ [آل عمران: ٤٤].\nامْتَنَّ اللهُ على نبيِّه - ﷺ - بأنْ عَلَّمَهُ - مِن غَيْبِ الماضِينَ - تفصيلَ حالِ نبيِّ اللهِ عيسى وأُمِّهِ ووالدَيْها وكافِلِيها ونشأتِها وعبادتِها ورِزْقِه لها، ثمَّ بشارتِها بولادتِها لعيسى، ثمَّ قَصَّ عليه زمانَهُ ومكانَه، وحالَ أُمِّه مع الناسِ بعدَه، فهذا غيبٌ لا يُدرِكُه أحدٌ ولو كان في زمانِهم، وهذا كلُّه إبطالٌ لعقيدةِ النصارى في عيسى؛ لِيكونَ النبيُّ - ﷺ - على عِلمٍ بدقائقِ حالِ عيسى ونشأتِه وأُمِّه، وليكونَ على بيِّنةٍ ببطلانِ فِرْيَتِهم وكَذِبِهم على اللهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>أحكامُ القُرْعةِ:</span>\nوفي قول تعالى ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ دليلٌ على جوازِ العملِ بالقُرْعَةِ، وأنَّها مُلزِمةٌ لِمَنْ رَضِيَ بها وتخاصَمَ إليها، خلافًا لبعضِ الحنفيَّةِ في قولِ\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٩٤٨١) (٩/ ٢٩٥).","vol":"2","page":615},{"text":"مَن قال بالقُرْعةِ منهم، جعَلَوها غيرَ مُلزِمةٍ؛ وإنَّما هي لتطيب النفوسِ، ورفعِ تهمةِ المحاباة في القِسْمةِ.\nومِن ذلك: قَولُهُ تعالى في الصَّافَّاتِ: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [١٣٩ - ١٤١]، والمُساهَمةُ ها القُرْعةُ.\nوهذانِ الموضِعانِ مِن القرآنِ أصلٌ في جوازِ القُرْعةِ ومشروعيَّتِها.\nوالقُرْعةُ في كفالةِ مريمَ: وضعُهُمْ لأقلامِهم على صفةٍ اللهُ أعلمُ بها، فليس في الباب شيءٌ مرفوعٌ، وقال غيرُ واحدٍ مِن السلفِ: إنَّ المرادَ بالأقلامِ أقلامُ الَكتابةِ، وقيل: هي القِدَاحُ، وقيل: هي العِصِيُّ.\nفقيل: إنَّهم رمَوُا القِدَاحَ في النهرِ، فانْحَدَرَتِ القِدَاحُ مع جِرْيَةِ الماءِ، وبَقِي قِدْحُ زكريَّا مُرْتَزًّا صاعدًا.\nولا يَقترِعُ الناسُ إلا عندَ التنازُعِ وتساوِي الحقوقِ واشْتِبَاهِها، وقد تَرْجَمَ البخاريُّ على ذلك بقولِه: (باب القُرْعةِ في المشكِلاتِ وقولِ اللهِ - ﷿ -: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾) (١).\nوأمَّا عندَ ظهورِ صاحِبِ الحقِّ، فلا قُرْعةَ؛ لأنَّ القرعةَ شُرِعَتْ لرفعِ النِّزاع والخصومةِ، وشُحِّ النفوسِ وطمعِها؛ وهذا لا يكون إلا عندَ تساوِي الحقِّ واشتباهِهِ بينَ مُدَّعِيهِ، وأمَّا عندَ ظهورِ صاحِبِ الحقِّ، فالقرعةُ انتزاعٌ للحقِّ بالباطلِ، وأكلٌ له بغيرِ حقٍّ.\nوإنَّما تنازَعَ بنو إسرائيلَ في مريمَ؛ لأنَّها بنتُ سيِّدِهم عِمْرانَ، فكل واحدٍ طَمِعَ في كفالتِها والسبقِ بحضانتِها احتسابًا وَجَاهًا.\nوالقُرْعةُ جائزةٌ، بل قد تُستحَبُّ وتجبُ إذا كان النِّزاعُ لا يُرفَعٌ إلا\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٣/ ١٨١).","vol":"2","page":616},{"text":"بها، فما لا يُدفَعُ المُحرَّمُ إلا به فهو واجبٌ إذا لم يكنْ محرَّمًا هو في ذاتِه، وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجبٌ.\nوبجوازِ القُرْعةِ يقولُ السلفُ؛ وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ، وعن أبي حنيفةَ في ذلك قولانِ:\nالأولُ: التحريمُ؛ لمشابهتِها للأَزْلامِ، وبهذا قال أصحابُه، وذهَبَ إلى هذا جماعةٌ مِن الكوفيِّينَ وقالوا بنسخِ القرعةِ.\nوقيَّدَه الطحاويُّ: بأنَّ القرعةَ المنسوخةَ: التي تقومُ مقامَ البيِّنةِ القاطعةِ في الأحكامِ، لا القُرْعةُ التي تكونُ لتطييبِ النفوسِ كالقرعةِ بين الزوجاتِ في السفرِ ونحوِ ذلك، وعلَّلَ ذلك: بأنَّه يجوزُ له أنْ يُسافِرَ دونَهنَّ، وليس لهنَّ حقٌّ في أصلِ الصُّحْبةِ، وإذا جاز تَرْكُهنَّ جميعًا، فيجوزُ له أنْ يترُكَ بعضَهنَّ.\nوفي هذا الإطلاقِ نظرٌ؛ فإنَّ الزوجاتِ إذا اسْتَوَيْنَ مِن جهةِ القدرةِ على السفرِ والقيامِ بحقِّ الزوجِ فيه، وجَبَ الإقراعُ بينَهنَّ، وإذا اخْتَلَفْنَ في الحالِ، فيُفرَّقُ بينَ المريضةِ والصحيحةِ، ومَن لا تَجِدُ مَن يَخلُفُها في ذُرِّيَّتِها ومَن تجدُ مَن يخلُفُها؛ وهذا قول جمهورِ العلماءِ؛ قال به أبو حنيفةَ على الاستحبابِ، وإلى الوجوب ذهَبَ الشافعيُّ وأحمدُ، وهو أحدُ أقوالِ مالكٍ، وقد فعَلَهُ النبيُّ - ﷺ - مع أنَّ القَسْمَ عليه ليس بواجبٍ على الأصحِّ، وهو على غيرِه واجبٌ؛ لأنَّ السفرَ بواحدةٍ منهنَّ بلا قرعةٍ ميلٌ وتفضيلٌ ومدعاةٌ للخصومةِ والنزاعِ وقطيعةِ الأرحامِ بينَ الذُّرِّيَّةِ.\nومَن أقرَعَ بينَ نسائِهِ، فسافَرَ بواحدةٍ منهنَّ، لا يجبُ عليه أنُ يَقْسِمَ لمَن غاب عنهنَّ مِثْلَ أيامِ سفرِه؛ لأنَّه لا معنى للقرعةِ إذًا، فهي تَفصِلُ في الحقوقِ المشترَكةِ، ومَن أخَذَ واحدةً بلا قرعةٍ، وجَبَ عليه أن يَقسِمَ لمَن غابَ عنهنَّ مِثلَ أيامِ سفرِهِ أو يَتَحَلَّلَ منهنَّ.","vol":"2","page":617},{"text":"القولُ الثاني: ما نقَلَه ابنُ المنذرِ عن أبي حنيفة: أنَّه جوَّزَها، وقال: القُرْعةُ في القياسِ لا تستقيمُ، ولكنَّا ترَكْنا القياسَ في ذلك، وأخَذْنا بالآثارِ والسُّنَّةِ.\nوالعملُ بالقرعةِ بلَغَ التواتُرَ في السُّنَّةِ، وهو قطعيٌّ في الكتابِ؛ قال أبو عُبَيْدٍ: \"وقد عَمِلَ بالقرعةِ ثلاثةٌ مِن الأنبياءِ: يونُسُ وزكريَّا ونبيُّنا محمدٌ - ﷺ -\".\nوثبَتَتِ القُرْعةُ في السُّنةِ في أحاديثَ كثيرةٍ، في \"الصحيحينِ\"، وغيرِهما:\nمنها: حديثُ عائشةَ؛ قالت: \"كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أرَادَ سَفَرًا، أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ؛ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بها مَعَهُ\" (١).\nوجاء مِن حديثِ زينبَ وغيرِها.\nومنها: حديثُ أبي هريرةَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لم يَجِدُوا إِلَّا أن يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ، لَاسْتَهَمُوا)؛ رواهُ الشيخانِ (٢).\nومنها: حديثُ النُّعْمانِ بنِ بَشِيرِ مرفوعًا: (مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ ...)؛ الحديث؛ رواهُ البخاريُّ وغيرُه (٣).\nومنها: حديثُ أمِّ سلمةَ؛ قالتْ: أَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوَارِيثَ لَهُمَا، لم تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ إِلا دَعْوَاهُمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَبَكَى الرَّجُلَانِ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: حَقِّي\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٥٩٣) (٣/ ١٥٩)، ومسلم (٢٧٧٠) (٤/ ٢١٢٩).\n(٢) أخرجه البخاري (٦١٥) (١/ ١٢٦)، ومسلم (٤٣٧) (١/ ٣٢٥).\n(٣) أخرجه البخاري (٢٤٩٣) (٣/ ١٣٩).","vol":"2","page":618},{"text":"لَكَ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ - ﷺ -: (أَمَّا إِذْ فَعَلْتُمَا مَا فَعَلْتُمَا، فَاقْتَسِمَا، وَتَوَخَّيَا الحَقَّ، ثُمَّ اسْتَهِمَا، ثُمَّ تَحَالَّا) (١).\nومنها: حديثُ عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ: \"أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، لم يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا\"؛ أخرَجَه مسلمٌ وغيرُه (٢).\nومنها: ما رواهُ البخاريُّ، عن أبي هريرةَ - ﵁ -: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - عَرَضَ عَلَى قَوْمِ اليَمِينَ، فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي اليَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ\" (٣).\nومنها: ما جاء عن أبي هريرةَ: \"أنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا دَابَّةً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَأَمَرَهُمَا النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَسْتَهِمَا عَلَى اليَمِينِ\" (٤).\nورُوِيَ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - أقرَعَ عامَ خَيْبَرَ، وقد كان الناسُ ملَكُوا مِلْكًا مُشَاعًا، فلمَّا كانتِ القرعةُ، زال مِلْكُ كلِّ واحدٍ منهم عن بعضِ ما كان يَملِكُ، وملَكَ شيئًا لم يكنْ بمِلْكِهِ على الكمالِ.\nوجاء عن خارجةَ بنِ زيدِ بنِ ثابتٍ، عن أمِّ العَلَاءِ الأنصاريَّةِ، قالتْ: نزَلَ رسولُ اللهِ - ﷺ - والمُهاجِرونَ معه المدينةَ في الهجرةِ، فتَشَاحَّتِ الأنصارُ فيهم أنْ يُنزِلُوهُم في منازلِهم حتى اقترَعُوا عليهم، فطارَ لنا عثمانُ بنُ مَظْعونٍ على القُرْعةِ؛ تعني: وقَعَ في سَهْمِنا (٥).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٣٥٨٤) (٣/ ٣٠١).\n(٢) أخرجه مسلم (١٦٦٨) (٣/ ١٢٨٨).\n(٣) أخرجه البخاري (٢٦٧٤) (٣/ ١٧٩).\n(٤) أخرجه أحمد (١٠٧٨٧) (٢/ ٥٢٤)، وأبو داود (٣٦١٨) (٣/ ٣١١)، وابن ماجه (٢٣٢٩) (٢/ ٧٨٠).\n(٥) \"الطبقات الكبرى\" (٣/ ٣٩٦ ط. دار صادر). وانظر موضع الشاهد في: \"صحيح البخاري\" (١٢٤٣) (٢/ ٧٢).","vol":"2","page":619},{"text":"وقد أَقَرَّ النبيُّ - ﷺ - عليَّ بنَ أبي طالبٍ على أَخْذِهِ بالقُرْعةِ في إلحاقِ النَّسَبِ لولدٍ بأبٍ له في ثلاثةٍ وقَعُوا على امرأةٍ في طُهْرٍ واحدٍ؛ كلُّهم يَدَّعِي الولدَ له، فأقرَعَ بينَهم ودفَعَ الولدَ لِمَنْ خرَجَتْ قُرْعتُهُ وألزَمَهُ بثُلُثِ الدِّيَةِ، فبلَغَ النبيَّ - ﷺ - ذلك، فضحِكَ حتى بدَتْ نواجذُه.\nأخرَجَهُ أحمدُ وأبو داودَ وغيرهما (١).\nوعَمِلَ بالقُرْعةِ عثمانُ وعبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيْرِ.\nوأقرَعَ سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ عندَما أُصِيبَ المؤذِّنُ في القَادِسِيَّةِ، فاختَصَمَ الناسُ على الأذانِ؛ رواهُ الطبريُّ، عن شقيقٍ، عنه (٢).\nوأقرَعَتْ صَفِيَّةُ بنتُ عبدِ المُطَّلِبِ بينَ شقيقِها حمزةَ وبينَ أنصاريٍّ على ثوبينِ: أيُّهما أحقُّ بالثوبِ الكبيرِ، فيُكفَّنَ به؛ وكان ذلك لمَّا قُتِلَا ومُثِّلَ بهما في غزوةِ أُحُدٍ، وكانت صفيَّةُ أُختُ حمزةَ عمَّةَ النبيِّ - ﷺ -.\nأخرَجَهُ أحمدُ مِن حديثِ ابنِ أبي الزِّنَادِ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أَبيهِ (٣).\nوصفيَّةُ عمَّةُ النبيِّ - ﷺ - وبنتُ خالتِه؛ لأنَّ أمَّها أختً أمِّ النبيِّ - ﷺ - وهي هالةُ بنتُ وهبٍ، أختُ آمِنَةَ بنتِ وهبٍ أمِّ النبيِّ - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>الفرقُ بن القُرْعةِ والأزلامِ:</span>\nولا أعلمُ مَن منَعَ منها مِن السلفِ السابقِ، وقياسُها على الأزلامِ قياسٌ فاسدٌ مع تضافُرِ النصوصِ وتواتُرِها؛ فالاسْتِقْسَامُ بالأَزْلامِ في الجاهليَّةِ كذبٌ على اللهِ، وافتراءٌ عليه، ويفعَلُونَه عندَ أصنامِهم وأوثانِهم؛ فكان الجاهليُّونَ إذا أرادَ أحدُهم سفرًا، أو عزَمَ على فعلٍ مهمٍّ، أجَالَ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٩٣٢٩) (٤/ ٣٧٣)، وأبو داود (٢٢٧٠) (٢/ ٢٨١)، والنسائي (٣٤٨٨) (٦/ ١٨٢)، وابن ماجه (٢٣٤٨) (٢/ ٧٨٦).\n(٢) \"تاريخ الطبري\" (٣/ ٥٦٦).\n(٣) أخرجه أحمد (١٤١٨) (١/ ١٦٥).","vol":"2","page":620},{"text":"القِدَاحَ، وهي الأَزْلامُ، وهي على ثلاثةِ أَضْرُبٍ؛ منها ما كُتِبَ عليه: أمَرَني ربِّي، ومنها ما كُتِبَ عليه: نَهَاني ربِّي، ومنها غُفْلٌ لا كتابةَ عليه، يُسمَّى: المَنِيحَ، فإذا خرَجَ: أمَرَني ربِّي، مَضَى في الحاجةِ، وإذا خرَجَ: نَهَاني ربِّي، قعَدَ عنها، وإذا خرَجَ: الغُفْلُ، أجَالَها ثانيةً.\nواللهُ لا يأمُرُهم بهذا، وهذا فعلُ فردٍ لا يُشاحُّهُ عليه أحدٌ ولا يُنازِعُهُ فيه منازعٌ، ويفعَلُونَ هذا الفعلَ تيمُّنًا وتعظيمًا، والقُرْعةُ تُفعَلُ عندَ المُشاحَّةِ والنِّزاعِ عندَ استواءِ الحقوقِ وتشابُهِها، بلا تعظيمٍ، ولا ينسُبُونَ ذلك إلى اللهِ، ولا يَقصِدُونَهُ في مكانٍ مُعظَّمٍ كالمسجدِ الحرامِ أو غيرِه.\nوالقولُ بأنَّ القُرْعةَ قِمارٌ واستقسامٌ بالأزلام أو تَطَيُّرٌ: جهلٌ بالقِمارِ والتطيُّرِ والاستقسامِ بالأزلامِ والقرعةِ، فالتطيُّرُ يفعلُه الإنسانُ لنفسِهِ ولغيرِه، والقرعةُ للفصلِ في الحقوقِ بينَ المتنازِعينِ، وليس ليَفْعَلَ الإنسانُ في نفسِهِ أو لا يفعَلَ، فمَن أرادَ سفرًا أو زواجًا فوضَعَ الأقداحَ أو الأقلامَ لِتُمضِيَهُ إلى فعلٍ أو ترُدَّهُ عنه، فهذا باطلٌ، والقُرْعةُ ليستْ لعملِ الإنسانِ في نفسِهِ؛ بل للفصلِ في حقِّ المُتخاصِمين، وهذا يَظْهَر في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، يعني: مع زكريَّا في كفالةِ مريمَ.\nوكان أحمدُ يشدِّدُ على مَن يُنكِرُها، وقد سُئِلَ عن القرعةِ، ومَن قال: إنَّها قمارٌ؟ قال: إنْ كان ممَّن سَمِعَ الحديثَ، فإذا كلامُ رجلِ سُوءٍ؛ يزعُمُ أنَّ حُكمَ رسولِ الله - ﷺ - قمارٌ.\nوقال مرةً: هذا قولٌ رديءٌ خبيثٌ.\nوقال: مَن ادَّعى أنَّها منسوخةٌ، فقد كَذَبَ وقال الزُّورَ.\nوقال: القُرْعةُ حُكمُ رسولِ اللهِ - ﷺ - وقضاؤُه؛ فمَن رَدَّ القرعةَ، فقد ردَّ على رسولِ اللهِ - ﷺ - قضاءَه وفِعلَه.\n* * *","vol":"2","page":621},{"text":"قال تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)﴾ [آل عمران: ٤٩].\nجعَلَ اللهُ لعيسى مِن الإعجازِ ما خَصَّه له، ممَّا لم يُشارِكْهُ غيرُه، والمعجزاتُ منها ما يتشارَكُ فيها الأنبياءُ، كبَيانِ الوحي المُنزَّلِ بالحُجَجِ الباهرةِ، والبيِّناتِ القويَّةِ، ومنها ما هو مِن خصائصِ نبيٍّ بعَينِه، كتسخيرِ الجنِّ والريحِ وتعليمِ مَنْطِقِ الطَّيْرِ والنملِ لسُلَيْمَانَ، والعصا واليدِ البيضاءِ لموسى، وإحياءِ المَوْتَى لعيسى، وشَقِّ القمرِ لمحمدٍ.\nومِن معجزاتِ عيسى صنعُ الطيرِ مِن الطينِ بيدِه، ثمَّ النفخُ فيه ليكونَ طيرًا بإذنِ اللهِ، وكذلك شفاؤُه المَرْضَى كالأكْمَهِ والأَبْرَصِ، وخَصَّه اللهُ بإحياءِ الموتَى، والإنباءِ بما في بيوتِهم مِن مدَّخَراتٍ.\nواللهُ يجعلُ لكلِّ نبيٍّ مِن المعجزاتِ ما يُناسِبُ تعلُّقَ أهلِ زمانِهم به؛ ففي زمنِ موسى وعيسى كانت بنو إسرائيلَ يتعلَّقونَ بالسَّحَرَةِ لمعرفةِ المغيَّباتِ، وفِعلِ الخوارقِ والمعجزاتِ، وقلبِ الماديَّاتِ المُشاهَداتِ، فكانت آياتُ موسى وعيسى مِن جِنسِ هذا.\nوزاد قومُ عيسى تعلُّقًا بأهلِ الطبِّ والعلاجِ، ومعرفةِ أسبابِ الشفاءِ؛ ممَّا لم يكنْ في أسلافِهم.\nوقولُه تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: فيه جوازُ إطلاقِ اسم الخَلْقِ على فِعْلِ العِبادِ، ومِن ذلك قولُه تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وفي حديثِ ابنِ عمرَ في \"الصحيحينِ\"؛ قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (إِنَّ الذينَ","vol":"2","page":622},{"text":"يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ!) (١)، ونفيُ الخَلْقِ المذكورُ في القرآن؛ كقولِه: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣]، ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠]: المرادُ به: نفيُ الخَلْقِ بعد عدمٍ، وإيجادِ المادةِ عن لا شيءٍ، ونفيُ القدرةِ على مُضَاهَاةِ خَلْقِ اللهِ الذي بينَ أيدِيهِم، وهؤلاء المَعبُودونَ - سواءٌ كانوا أصنامًا أو بشرًا أو جِنًّا - أَعجزُ عن فعلِ ذلك.\nوالنسبةُ الجائزةُ في الخَلقِ هي الصورةٌ الظاهرةُ، أو الرسمُ؛ محاكاةً لظاهرِ المخلوقاتِ، لا لحقيقتِها.\nواللهُ يَقضِي مِن أمرِهِ ما يشاءُ لأنبيائِه وأُمَمِهم، فجعَلَ خَلْقَ عيسى بيدِهِ ما يُشابِهُ خَلْقَ اللهِ إعجازًا وآيةً، وجعَلَهُ في أُمَّةِ محمدٍ حرامًا؛ لمُضاهاتِهِ خَلْقَ اللهِ، ولكيلا يُتَّخَذَ ذريعةً للعادةِ مِن دونِه، وكل ذلك مُنْتَفٍ في فِعْلِ عيسى؛ فعيسى فعَلَ ذلك بأمر اللهِ؛ فجعَل اللهُ فِعل عيسى مخلوقًا بإذنِه، فلم يَبْقَ على حالِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>حكمُ الصُّوَرِ والتماثيلِ:</span>\nولا خلافَ أنَّ اللهَ قد حَرَّمَ على أُمَّةِ محمدٍ الصُّوَرَ والتماثيلَ المُشابِهةَ لخَلْقِ اللهِ؛ مِن ذواتِ الأرواحِ مِن حيوانٍ أو إنسانٍ، سواءٌ رُسِمَت باليدِ، أو نُحِنَتْ بحَجَرٍ أو خشبٍ أو مَعْدِنٍ، أو صُنِعَت بآلةٍ الكترونيَّةٍ؛ ففي \"الصحيحَينِ\"، عن النبيِّ - ﷺ -؛ أنّه قال: (قَالَ اللهُ - ﷿ -: وَمَن أَظَلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخلُقُ كَخَلْقِي؟ ! فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً) (٢).\nوفي حديثِ أبي جُحيفَةَ في \"الصحيحِ\"؛ قال - ﷺ -: (لعَنَ اللهُ المُصوِّرينَ) (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٩٥١) (٧/ ١٦٧)، ومسلم (٢١٠٨) (٣/ ١٦٦٩).\n(٢) أخرجه البخاري (٧٥٥٩) (٩/ ١٦١)، ومسلم (٢١١١) (٣/ ١٦٧١).\n(٣) أخرجه البخاري (٥٣٤٧) (٧/ ٦١).","vol":"2","page":623},{"text":"وفي \"الصحيحَيْنَ\"؛ مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ؛ قال: سمِعتُ النبيَّ - ﷺ - يقولُ: (إِنَّ أَشدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ: المُصَوِّرُونَ) (١).\nوقد أمَرَ النبيُّ - ﷺ - بطَمْسِ التماثيلِ عندَ القدرةِ عليها؛ كما في وصيَّتِه لعليٍّ في \"الصحيحِ\" (٢).\nولا حرَجَ مِن دخولِ أماكنِ البيعِ والأسواقِ التي فيها تصاويرُ يُعجَزُ عن نَزْعِها؛ ويكونُ ذلك بمقدارِ المرورِ والحاجةِ مع الكراهةِ القَلْبيَّةِ؛ ففي \"المصنَّفِ\" لابن أبي شيبة؛ مِن حديثِ المُعْتَمِرِ، عن أبيهِ، قال: \"سمِعتُ الحسنَ يقولُ: أوَلم يكُنْ أصحابُ محمدٍ يدخُلُونَ الخاناتِ فيها التصاويرُ؟ ! \" (٣).\nورُوِيَ هذا عن مسروقٍ والنخَعيِّ.\nوكانوا يَكرَهُونَ مِن الصُّوَرِ المنصوبَ، وأمَّا ما كان في الأرضِ والسقفِ، فلم يُشَدِّدْ فيه بعضُ فقهاءِ الكوفةِ كإبراهيمَ؛ فقد قال: \"لا بأسَ بالتمثالِ في حِلْيَةِ السيفِ، ولا بأسَ بها في سماءِ البيتِ؛ إنَّما يُكرَهُ منها ما يُنصَبُ نَصْبًا؛ يعني: الصورةَ\" (٤).\nوكلُّ مُعظَّمٍ محترَمٍ مِن الصُّوَرِ ولو كان في السقفِ، فهو حرامٌ.\nوما كان مُمْتَهَنًا في الأرضِ والبُسُطِ والأحذيةِ، وما كان مِن الأُزُرِ والسراويلِ والخِفَافِ والجواربِ والمَجالس والمراتبِ والأرائكِ: فجائزٌ، ورُوِيَ عن أكثرِ السلفِ عدمُ كراهةِ ذلك؛ صحَّ ذلك عن ابنِ سِيرِينَ، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ، وعِكْرِمةَ، وعطاءِ بنِ أبي رباحٍ، وسالمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وعروةَ بنِ الزُّبيرِ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٩٥٠) (٧/ ١٦٧)، ومسلم (٢١٠٩) (٣/ ١٦٧٠).\n(٢) أخرجه مسلم (٩٦٩) (٢/ ٦٦٦).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٥٢٠٤) (٥/ ١٩٩).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٥٢٠٧) (٥/ ١٩٩).","vol":"2","page":624},{"text":"فكان عروةُ بنُ الزبيرِ، وسالمُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وابنُ سيرينَ: يتَّكِئُونَ على المرافقِ وعليها تصاويرُ.\nوهل يُؤخذُ مِن تشريعِ اللهِ لعيسى - ﵇ - مِن صنعِ الطِّينِ في صورةِ الطيرِ لِيستحيلَ خَلْقًا بأمر اللهِ - جوازُ الرسمِ والتماثيلِ التي تستحيلُ مِن ساعتِها؛ فلا تبقَى ولا تدومُ ولا تُنصبُ؟ - الأظهرُ: جوازُ ذلك للمصلحةِ بتلك القيودِ؛ كصُنْعِ التمثالِ على صورةِ مِن العجينِ أو الطينِ أو الصَّمْغِ أو المطاطِ للتعليمِ ثمَّ إزالتِه؛ كما رُخِّصَ ذلك في لعبِ الأولادِ إذا كانت لا تُنصَبُ؛ بل يَمْتهنُها الصبيُّ، ولا يَحترمُها في العادةِ.\nوالمخلوقاتُ المُصوَّرة على أربعةِ أنواعٍ:\nالأولُ: ما له رُوحٌ ونَفسٌ، وهذا كالإنسانِ، فيَحْرُمُ وضعُ تمثالٍ أو رسمُ صورةٍ له؛ سواءٌ كانت بالنحتِ أو برسمِ القلمِ ونحوِه.\nالثاني: ما له نفسٌ بلا روحٍ؛ وذلك كالمخلوقاتِ الحيَّةِ كالزواحفِ والحشراتِ والرخويَّاتِ والقشريَّاتِ والثدييَّاتِ، واختُلِفَ في البهائمِ كالإبلِ والبقرِ والغنمِ والحَمِيرِ والخيلِ: هل لها أرواحٌ أو أنفُسٌ فقط؟ على قولَيْنِ مشهورَيْنِ.\nوهذا النوعُ لا يجوزُ أيضًا رسمُه، ولا نحتُ تمثالٍ له؛ لعمومِ الأدلةِ، إلا أنَّه أَخَفُّ مِن النوعِ الأولِ؛ لأنَّ الصورةَ يعظُمُ إثمُها بعظمةِ مضاهاةِ إعجازِ الخالقِ فيها، وإعجازُ الخَلْقِ في الإنسانِ أعظمُ مِن الحيوانِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين: ٤]، والمضاهاةُ فيه أعظمُ وأشدُّ.\nالثالثُ: ما له نموٌّ ولا نفْسَ له ولا روح؛ وذلك كالشجرِ وأشباهِه، كان بريًّا أو بحريًّا.","vol":"2","page":625},{"text":"فهذا جائزٌ بلا خلافٍ، إلا ما رواهُ ليثٌ، عن مجاهدٍ، في كراهةِ رسمِ الشجرِ المُثْمِرِ (١).\nوفيه نظرٌ.\nالرابعُ: الجماداتُ؛ كالجبالِ والرمالِ والثلوجِ، ويدخُلُ في هذا ما حرَكَتُهُ بغيرِهِ لا بنفسه؛ كالسحابِ والبِحَارِ.\nويجوزُ رسمُ ما لا رُوحَ فيه بنفسِه مِن مخلوقٍ أصلُ رسمِهِ التحريمُ، كالكَفِّ والإِصْبَعِ والقَدَمِ، إلا الرأسَ فيَحْرُمُ بلا خلافٍ.\nويجوزُ رسمُ ما لم يخلُقْه اللهُ على صورةٍ كرسمِ ثمرةٍ بعينينِ وفمٍ كالتفاح والموزِ والتمرِ؛ لأنَّه ليس على صورةِ خَلقِ اللهِ، واللهُ يقولُ: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كخَلْقِي؟ !)، ولو تُرِكَ احتياطًا، فهو الأَولى.\nورسمُ البدنِ بلا رأسٍ أو برأسٍ مطموسٍ جائزٌ؛ لأنَّه شبيهٌ بالظلِّ، وفي حديثِ أيوبَ عن عِكْرِمةَ عن ابنِ عباسِ - ﵁ -؛ قال: \"الصورةُ الرأسُ؛ فإذا قُطِعَ الرأسُ، فليس بصورةٍ\"؛ رواهُ ابنُ أبي شَيْبةَ وغيرُه (٢).\nورواهُ الإسماعيليُّ من وجهٍ عن أيوبَ به مرفوعًا.\nوكان أحمدُ بنُ حنبلٍ يقولُ: \"الصورةُ الرأسُ\".\nوكان إذا أرادَ طمْسَ الصورةِ، حَكَّ رأسَها، فإذا قُطِعَ الرأسُ، فليس هو صورةً، وهذا ما أَوْصَى به جبريلُ النبيَّ - ﷺ -، كما في \"المسندِ\" و\"السننِ\"؛ مِن حديثِ مجاهدٍ، عن أبي هريرةَ - ﵁ -؛ قال: \"استأذَنَ جبريلُ - ﵇ - على النبيِّ - ﷺ -، فقال له: (ادْخُلْ)، فقال: كيف أدخُلُ وفي البيتِ سِتْرٌ فيه تماثيلُ خيلٍ ورجالٍ؟ ! فإمَّا أنْ تُقطَعَ رؤوسُها، وإمَّا أنْ\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٥٢٩٣) (٥/ ٢٠٨).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٥٢٩٩) (٥/ ٢٠٨).","vol":"2","page":626},{"text":"تُجعَلَ بُسُطًا فتُوطَأ؟ \" (١).\nوالأَكْمَهُ الذي يُولَدُ أعمَى؛ قالَهُ الضَّحَّاكُ عن ابنِ عباسٍ؛ وهذا أبلغُ في الإعجازِ والتحدِّي (٢).\nولابنِ عباسٍ قولٌ آخَرُ: أنَّه الأعمَى بكلِّ حالٍ! وُلِدَ كذلك، أو عَمِيَ بعدَ ذلك؛ وبه قال السُّدِّيُّ وقتادةُ والحسنُ (٣).\nوقيل: هو الذي يُصابُ ببصرِه فيَرَى في النهارِ، ولا يَرَى في الليلِ؛ قالَه مجاهدٌ (٤).\nوقال عكرمةُ: هو الأَعْمَشُ (٥).\nوأمَّا إحياءُ المَوْتَى، فبدُعائِهِ اللهَ لهم، لا بقدرةٍ خاصةٍ وضَعَها اللهُ فيه.\nوالإنباءُ بالمُدَّخَرَاتِ؛ لِيُثبِتَ صِدقَهُ وتأييدَهُ مِن اللهِ؛ إذْ لا يَعلَمُ غيبَ الخَلقِ إلا الخالقُ، وعِلمُ عيسى مِن اللهِ بلا سببٍ للعِلمِ سابقٍ، ولا واسطةٍ من الإنسِ والجنِّ محسوسةٍ؛ وهذا الفرقُ بينَ المُنجِّمِينَ والكهنةِ وبينَ الأنبياءِ.\nفقيل: إنَّ عيسى لمَّا كان غلامًا يُخبِرُ الصِّبْيانَ ما يأكُلُونَهُ وما يَدَّخِرُونَهُ هم وآباؤُهم في بُيوتِهم، وربَّما لم يَعلَموا هم، فيَذهبونَ فيرَوْنَ صِدقَ ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>حكمُ ادِّخَارِ المالِ:</span>\nوفي قوله تعالى: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾: دليلٌ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٨٠٤٥) (٢/ ٣٠٥)، وأبو داود (٤١٥٨) (٤/ ٧٤)، والترمذي (٢٨٠٦) (٥/ ١١٥)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٩٧٠٨) (٨/ ٤٦١)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٦٩٤٦) (٤/ ٢٨٧).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٤٢٢).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٤٢٢).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٤٢١).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٤٢٣).","vol":"2","page":627},{"text":"على جوازِ الادِّخارِ في البيوتِ ممّا يَفِيضُ على الحاجةِ لشهرٍ أو شهورٍ أو أعوامٍ؛ فعيسى أَخبَرَهم ولم ينْهَهُم، وقد كان النبيُّ - ﷺ - يدَّخِرُ قُوتَ سَنَةٍ؛ كما في \"صحيح مسلمٍ\" (١)؛ مِن حديثٍ جابرٍ، وعيسى لم يَنهَهُم عن الادِّخارِ؛ وإنَّما أَخبَرَهم به.\nوفي \"الصحيحينِ\"، عن عمرَ - ﵁ -، أنَّ النبيَّ - ﷺ - كان يَبِيعُ نخلَ بَني النضيرِ، وَيحبِسُ لأهلِه قُوتَ سَنَتِهم (٢).\nوكان الصحابةُ يَدَّخِرونَ قُوتَ سَنَتِهم مِن التمرِ! لأنَّه أطولُ الثمرِ بقاءً إلى الحَوْلِ؛ ولذا أَرْخَصَ لهم رسولُ اللهِ - ﷺ - في العَرَايَا؛ أنْ يشْتَرُوا الرُّطَبَ بما فضَلَ مِن قُوتِ سنتِهم مِن التمرِ؛ كما رواهُ محمودُ بن لبيدٍ - ﵁ - (٣).\nولا خلافَ في جوازِ الادِّخارِ، ما لم يُضِرَّ بالناسِ، فيدَّخِرُ في بيتِه طعامَ سَنَةٍ، ولا يجدُ الناسُ طعامَ يومِهم أو شهرِهم.\nوأمَّا ما رواهُ الترمذيُّ، عن أنسٍ؛ أن النبي - ﷺ - كان لا يدَّخِرُ شيئًا لغدٍ (٤).\nفرُوِيَ مِن حديثِ جعفرِ بنِ محمدٍ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، ورواهُ مرسلًا مِن غيرِ ذِكرِ أنسٍ؛ وهو الصوابُ.\nوجاء بنحوِه مِن حديثِ هلالِ بنِ سُوَيْدٍ عن أنسٍ؛ وهو ضعيفٌ.\nوفيه: أنَّ كشْفَ تلك المدَّخَراتِ ليس مما يُعابُ أو يُستَرُ، فمَن أخبَرَ به وتحدَّثَ عنه، لم يَكشِفْ سترًا إذا قصَدَ مِن ذلك حقًّا، لا حسدًا أو شماتةً وتنقُّصًا وتعييرًا.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٠٨٤).\n(٢) أخرجه البخاري (٥٣٥٧) (٧/ ٦٣)، ومسلم (١٧٥٧) (٣/ ١٣٧٩).\n(٣) \"الأم\" (٣/ ٥٤).\n(٤) أخرجه الترمذي (٢٣٦٢) (٤/ ٥٨٠).","vol":"2","page":628},{"text":"ومنه يُؤخَذُ جوازُ إفصاح أهلِ المالِ عن مُدَّخَرَاتِهم مِن مالٍ وطعامٍ وعقارٍ وغيرِه، ووجوبُ الإفصاحِ عندَ الحاجةِ؛ وذلك فيمَن يشتبهُ به السرقةُ أو الرِّشْوةُ، أو في زمنِ ضعفٍ وكثرةِ الولاياتِ وتعدُّدِها وكثرةِ الوُلاةِ عليها ممَّن يُخشَى على بيتِ المالِ منهم، فيُفصِحونَ عن أموالِهم؛ حتى تُحفَظَ أموالُ المسلِمينَ، وأنَّ كشْفَها والإخبارَ عنها ليس ممَّا يُعابُ أو يُعزَّرُ مَن فعَلَه إلا إنْ كان على سبيلِ التشهيرِ والازدراءِ والتنقُّصِ؛ وذلك لأنَّ المالَ الحلالَ لا يُعابُ ولا يُستحْيَا مِن كسبِه؛ وإنَّما يُخشَى ويُستحيا مِن الكسبِ الحرامِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ [آل عمران: ٦١].\nبيَّنَ اللهُ حالَ نبيِّه عيسى لنبيِّه محمدٍ - ﷺ -؛ فبيَّنَ نَسَبَهُ ونسَبَ والدتِه ونشأتَه ومُعجزاتِه؛ ليكونَ على بيِّنةٍ مِن أمرِ المُفْتَرِينَ عليه، ولِيَظهَرَ عِلمُ نبيِّه عندَهم بتفاصيلِ ما يُخْفُونَ وما يَجهَلون، فلم يَعِشِ النبيُّ وَسَطَ أهلِ الكتابِ، ولم يكنْ منهم، وعِلمهُ بدقائقِ نشأةِ عيسى وأُمِّه ومعجزاتِه لا منفذَ له إلى ذلك إلا بوحيِ الخالقِ؛ فالخالقُ أَعلمُ بما خَلَق.\nثمَّ ذكَرَ اللهُ أنَّهم يُجادِلونَ ولا ينقَطِعونَ عنادًا إلا بالمُبَاهَلَةِ إنِ انقطَعوا، وقد أمَرَ اللهُ نبيَّه - ﷺ - أنْ يدْعُوَهم إلى الاجتماعِ للمُباهَلةِ، فذكَرَ حالَ اجتماعهم: الأبناءُ مع الأبناءِ، والنساءُ مع النساءِ، والرجالُ مع الرجالِ، وفي هذا بيانٌ لحالِهم وحالِ اليهودِ في استقامةِ الفِطْرةِ في تمايُزِ الجنسينِ الرجالِ والنساءِ في المَجالِسِ والمَجامِعِ، فالصِّغارُ يُفارِقُونَ","vol":"2","page":629},{"text":"مَجالِسَ الكِبارِ توقيرًا لهم ولها، فعندَ الكثرةِ يكثُرُ اللغَطُ، ويُفارِقُ الرجالُ النساءَ، والنساءُ الرجالَ في المجالِسِ؛ غَيْرةً وحياءً.\nوتقدَّمَ في البقرةِ الإشارةُ إلى شيءٍ مِن ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وفي آلِ عِمرانَ في قولِه: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ [٣٦].\nويأتي مزيدُ نظرٍ في هذا الاختلاطِ عندَ قولِ اللهِ تعالى عن إبراهيمَ في هودٍ: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [٧١]، وفي قصةِ موسى في القَصَصِ: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [٢٣]، وفي قولِهِ عن موسى في طه والقصصِ: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [١٠]، ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [٢٩] وفي قوله: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات: ١١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>أحكامُ المباهَلَةِ:</span>\nوفي قولِهِ تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ دليلٌ على مشروعيَّةِ المُباهَلةِ عندَ قيامِ سببِها ومُوجِبِها، والمباهَلَةُ مأخوذةٌ مِن الابتهالِ، وهو الاجتهادُ في الدعاءِ، ومعناهُ دعاءُ المُخْتَلِفَيْنِ على نفسَيْهِما باللَّعْنِ والعقوبةِ على ما يُحَبُّ مِن مالٍ وولدٍ وأهلٍ إنْ كان كاذبًا في دَعْوَاهُ، وأعظمُ أنواعِها ما ذكرهُ اللهُ تعالى، ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾؛ أيْ: يَجْمَعُ المُتباهِلانِ أحَبَّ ما لدَيْهما، وهو الولدُ والأهلُ، فيدْعُوانِ عليهما، ولمَّا كان الأمرُ في عيسى وبَشَرِيَّتِهِ ونسَبِهِ أصلَ ضَلالِ النصارى، كانتِ المباهَلةُ فيه متأكِّدةَ، وقد أمَرَ اللهُ نبيَّه بها إنْ لم ينقَطِعوا عن باطِلِهم إلا بذلك.\nوقد اصْطَلَحَ الفقهاءُ على إطلاقِ المُباهَلةِ على المُلاعَنةِ؛ لأنَّ المباهَلة إلحاحٌ بالدعاءِ باللعنةِ على الكاذبِ.","vol":"2","page":630},{"text":"والمُباهَلةُ معروفةٌ في كثيرٍ مِن الشرائعِ، ومنها النصرانيَّةُ، يَتباهَلُونَ على الأمورِ العظيمةِ عندَ الاختلافِ عليها، وفي \"الصحيحِ\"، عن حُذيفةَ؛ قال: جاءَ العاقِبُ والسيِّدُ، صاحِبَا نَجْرَانَ، إلى رسولِ اللهِ - ﷺ - يُريدانِ أنْ يُلاعِناهُ، قال: فقال أحدُهما لصاحِبِه: لا تفعَلْ؛ فواللهِ لئنْ كان نبيًّا، فلاعَنَنَا لا نُفلِحُ نحن ولا عَقِبُنا مِن بَعْدِنا، قالا: إنَّا نُعطِيكَ ما سألْتَنا، وابعَثْ معنا رجُلًا أمينًا، ولا تبعَثْ معنا إلا أمينًا، فقال: (لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أمِينٍ)، فاسْتشرَفَ له أصحاب رسولِ اللهِ - ﷺ -، فقال: (قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدةَ بنَ الجَرَّاحِ)، فلمّا قام، قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (هَذَا أمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ) (١).\nوأثرُ المُباهَلةِ عظيمٌ على المتباهِلِينَ في الدِّينِ والدُّنيا؛ ولهذا لا تُشرَعُ إلا في أمرٍ عظيمٍ مقطوعٍ به، ولا يجوزُ التباهُلُ في الظنيَّاتِ، ولا التباهُلُ في القطعيَّاتِ التي لا أثَرَ على المتباهِلِينَ ومَن وراءَهم فيها، فبعضُ التباهُلِ يُرفَعُ مِن شوكةِ مغمورٍ على باطلٍ، فإذا باهَلَ، ظنَّه الناسُ صادقًا فتأثَّرُوا بثباتِهِ، وهو مجازفٌ باعَ دِينَهُ بهَوَاهُ؛ ولهذا يَشتهِرُ عندَ العلماءِ مقارعةُ الخصومِ بالحُجَجِ والبيِّناتِ، وإبطالُ ضَلالِهم بالدليلِ البيَّنِ، ويندُرُ فيهم المُباهَلةُ مع خصومِهم كالصحابةِ ممَّن أدرَكُوا أهلَ البدعِ كالقَدَرِيَّةِ والمُرْجِئَةِ، والتابعِينَ وأتباعِهم ممَّن أدرَكَ الرافِضةَ والجهميَّةَ والزنادِقَةَ، وغيرِهم كالأئمَّةِ الأربعةِ وأئمَّةِ السُّنَّةِ والحديثِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>مشروعيَّةُ المباهَلَةِ، والمقصُودُ منها:</span>\nوإذا قام سببُها في أمرٍ قطعيٍّ عظيمٍ مِن شخصٍ فَتَنَ الناسَ بقولِهِ وفِعْلِه، حتى ظنُّوا ثباتَهُ، وشَكَّ أهلُ الحقِّ في حقِّهم الذي هم عليه؛ فيُشرَعُ لأهلِ الحقِّ المُباهَلةُ لِيتحقَّقَ في ذلك المقصودُ مِن المُباهَلةِ، وهو:\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٣٨٠) (٥/ ١٧١).","vol":"2","page":631},{"text":"أولًا: تثبيتُ أهلِ الحقِّ على حقِّهم؛ فلا يُفتَنُونَ ويظنُّونَ أنَّهم على باطلٍ.\nثانيًا: تشكيكُ أهلِ الباطلِ في باطِلِهم، ودفعُ توهُّمِ الحقِّ عندَهم والباطلِ عندَ خصومِهم.\nثالثًا: نزولُ العقوبةِ ولو بعدَ حينٍ بالكاذبِ؛ كفايةً لشرِّه، ودفعًا لباطِلِه؛ ففي \"المُسنَدِ\" لأحمدَ، عن ابنِ عباسٍ - ﵄ -؛ قال: \"ولو خَرَجَ الذينَ يُباهِلُونَ رسولَ اللهِ - ﷺ -، لَرَجَعُوا لا يَجِدُونَ مالًا ولا أهلًا\" (١) وهذا ليس لكلِّ أحدٍ؛ وإنَّما لِمَقامِ النبوَّةِ، ويَخُصُّ اللهُ به بعضَ عبادِهِ مِن أوليائِه ربَّما لخصيصهٍ في الدَّاعي، وربَّما لِعِظَمِ بليَّةِ مَن دُعِيَ عليه فيما يقولُ.\nولا دليلَ على زمنِ هلاكِ المبطِلِ ومكانِه، فقد يُؤخِّرُه اللهُ زمنًا، وقد يُعجِّلُه اللهُ، وقد يدَّخِرُ أمْرَه للآخرةِ لحكمتِهِ سبحانَه، وقد تتحقَّقُ جميعُ هذه المقاصدِ، وقد يتحقَّقُ بعضُها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>المباهلةُ في فروعِ الدين:</span>\nوتجوزُ المُباهَلةُ في الفروع إذا خُشِيَ مِن تبديلِها وطمسِها وتحريفِها، أو جحدِها وتكذيبِها؛ لأنَّ تبديلَ القرعِ وتكذييَهُ يُعتبَرُ مِن الأصولِ، بخلافِ العملِ بالفرعِ بعينِه، فهو فرعٌ، ولكنَّ إنكارَهُ وتبديلَهُ يُلحَقُ بالأصولِ؛ ولذا قد باهَلَ غيرُ واحدٍ مِن السلفِ كابنِ عباسٍ في الفروعِ في بعضِ مسائلِ الفرائضِ في مسألةِ الجَدِّ والجَدَّةِ، ودعَا ابنُ مسعودٍ إلى المُباهَلةِ في سببِ نزولِ سورةِ النساءِ كما رواهُ مَسْرُوقٌ عنه، وكذلك عكرمةُ في بعضِ أسبابِ النزولِ؛ كما في نزولِ قولِهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١]، ودَعَا الأوْزَاعِيُّ سُفيانَ الثوريَّ للمُباهَلةِ في مسألةِ رفعِ اليدَيْنِ في\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢٢٢٥) (١/ ٢٤٨).","vol":"2","page":632},{"text":"الصلاةِ؛ لأنَّه كان يَنْفِيها مجتهدًا كقولِ الكوفيِّينَ، وتركُ العملِ بالرفعِ شيءٌ، ونفيُ كونِهِ سُنَّةً في الصلاةِ شيءٌ آخَرُ.\nومَن جاءَ عنه مِن السلفِ في الفروعِ طلبُ المباهَلةِ فقطْ، وليس أنَّها حصَلتْ بينَهُ وبينَ أحدٍ مِن إخوانِه، فلعلَّ هذا لإثباتِ اليقينِ بالحقِّ، والإعلامِ بالصِّدْقِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>المباهَلَةُ على الأمرِ البيِّنِ:</span>\nوالأمرُ المُتَّفَقُ عليه: أنَّ المُباهَلةَ لا يجوز إلا أنْ تكونَ بعدَ علمٍ وبيانٍ، ووضوحٍ وبرهانٍ، لا بظنٍّ ووهمٍ؛ ولذاقال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا﴾، وتكونُ المُباهَلةُ بعدَ المناظرةِ والعجزِ عن الإقناعِ بالحقِّ لهوًى وعنادٍ وكِبْرٍ في الخَصْمِ.\nولم يأمُرِ اللهُ نبيَّه أنْ يُباهِلَ أحدًا إلا النصارى؛ لِعِظَمِ باطلِهم بنسبةِ عيسى ولدًا للهِ، مع وضوحِ باطِلِهم وشرِّه؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠].\nولا ينبغي استسهالُ المُباهَلةِ في كلِّ أمرٍ ولو كان قطعيًّا؛ حتى لا تُسَتسهَلَ الأَيْمَانُ ولا يُعظَّمَ المحلوفُ به والمسؤولُ سبحانَه، فاللهُ يقولُ في اليمينِ المجرَّدةِ: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، فكيف بالأيمانِ المغلَّظةِ؟ ! ووضوحُ الحقِّ لا يعني المُباهَلةَ عيه حتى تُرى آثارُها في الناسِ؛ تحقيقًا للحقِّ، ودفعًا للباطلِ، ولو شُرِعَتِ المُباهَلةُ في كلِّ أصلٍ قطعيٍّ، فما مِن أصلٍ قطعيٍّ في الشريعةِ إلا وفيه مخالِفٌ وجاحِدٌ، ومُكابِرٌ ومُعانِدٌ.\n* * *","vol":"2","page":633},{"text":"قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥].\nفي الآيةِ: جوازُ التعاقُدِ بينَ المسلمِ وبينَ الكتابيِّ والمُشرِكِ بالبيعِ والشراءِ والقرضِ والوديعةِ والأمانةِ، ولا خلافَ عندَ العلماءِ في جوازِ المبايعةِ بينَ المسلمِ والكفَّارِ المُعاهَدِينَ، وقد تبايَعَ النبيُّ - ﷺ - مع المشرِكينَ معاهَدِينَ وأهلَ حربٍ، وقد ترجَمَ البخاريُّ في \"صحيحِه\": (بابُ الشراءِ والبيعِ مع المشركِينَ وأهلِ الحربِ)، وأَسْنَدَ فيه مِن حديثِ أبي عثمانَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بكرِ - ﵄ -؛ قال: كنّا مع النبيِّ - ﷺ -، ثمَّ جاءَ رجلٌ مُشرِكٌ مُشْعَانٌّ طويلٌ بغَنَمٍ يَسُوقُها، فقال النبيُّ - ﷺ -: (بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً - أو قال: - أَمْ هِبَةً؟)، قال: لا، بل بيعٌ، فاشتَرَى منه شاةً (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>المبايَعةُ مع الحربِّيين:</span>\nوالبيعُ مع الحَرْبِيِّ على نوعينِ:\nالنوعُ الأولُ: بيعُ منفعةٍ متبادَلةٍ متساويةٍ متقارِبةٍ؛ كسائرِ البيوعِ في انتفاعِ البائعِ والمُشترِي بالبيعِ بينَهما؛ واحدٌ ينتفعُ بِالعَيْنِ، والآخَرُ ينتفعُ بالمالِ، وقد يتبايَعانِ عَيْنًا بعَيْنٍ، فإنْ تقارَبَا في الانتفاعِ، جازَ؛ وهذا هو الأصلُ في سائرِ البيوعِ، وقد كان كثيرٌ مِن صناعةِ السلاحِ مِن السيوفِ والرماحِ والألبسةِ في زمنِ النبوَّةِ: مِن صُنْعِ المُحارِبِينَ مِن أهلِ اليمنِ وفارس والرومِ والأقباطِ، قبلَ عهدِ مَن عاهَدَ، وإسلامِ مَن أسلَمَ منهم.\nوما زالَ صُنْعُ السلاحِ في اليهودِ والنصارى والمشرِكِينَ أكثرَ مِن المسلِمينَ إلى اليومِ، وعندَ المُلْحِدِينَ أكثرُ مِن غيرِهم، وسببُ قوةِ الكفارِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٢١٦) (٣/ ٨٠).","vol":"2","page":634},{"text":"بصناعةِ السلاحِ: أنَّهم أحرَصُ الناسِ على الحياةِ، فيُريدونَ الحفاظَ عليها، والمؤمنونَ أحرَصُ الناسِ على الموتِ، فلا يَحرِصونَ على أسبابِ الحياةِ، لهذا ينتصرُ المسلِمونَ بالإقدامِ أكثرَ مِن السلاحِ.\nوإنْ جازَ هذا النوعُ مِن البيعِ، فمِن بابِ أولى جوازُ البيعِ الذي ينتفِعُ به المسلِمُ أكثرَ مِن الحربيِّ.\nالنوعُ الثاني: بيعٌ ينتفِعُ له الحربيُّ أكثرَ مِن المسلمِ، فهذا أدْناهُ الكراهةُ، وأعلاهُ التحريمُ، وربَّما الكفرُ؛ فمَن باعَ عليهم شيئًا لا ينتفِعُ به انتفاعًا كبيرًا كمَنْ يشترِي لنفسِهِ الكماليَّاتِ لِيَسُدَّ لهم الحاجيَّاتِ والضروريَّاتِ؛ فهذه تقويةٌ لهم، فإنَّهم لم يكونوا مُحارِبينَ إلا وقد وَجَدُوا مَنَعَةً وقوةً في المالِ، وسدًّا في الحاجةِ، فمَنَعُوا الجِزْيَةَ، واستعَدُّوا للقتالِ، ولو احتاجُوا، لَنَزَلُوا تحتَ حُكْمِ المسلِمِينَ.\nوبمقدارِ علوِّهم ومَنَعَتِهم بمِثْلِ هذا البيعِ: يزدادُ النهيُ كراهةً فتحريمًا، ومِن أعلى مراتبِ التحريمِ: بيعُهُمُ السلاحَ لِيُقاتِلُوا به المسلِمينَ، فقد يَصِلُ ذلك بصاحِبِهِ إلى الكفرِ، إذا لم يكنْ للمسلِمينَ انتفاعٌ مقبولٌ يُقابِلُ بيعَ السلاحِ، يكونُ أكبرَ مِن انتفاعِ المشركِينَ بالسلاحِ وأعظَمَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>الشراكةُ بين المسلِمِ والكتابيِّ:</span>\nوقد اختَلَفَ العلماءُ في الشراكةِ بينَ المسلمِ والمُعاهَدِ، مع اتِّفاقِهم على جوازِ البيعِ وصِحَّتِهِ بينَهما؛ لأنَّ الشراكةَ دائمةٌ لا بيعٌ عارِضٌ، اختَلَفُوا في ذلك على أقوالٍ:\nالأولُ: قال أبو حنيفةَ بعدمِ الجوازِ؛ وهو قولُ محمدِ بنِ الحسنِ.\nالثاني: قالوا بالجوازِ إذا كان المسلمُ هو المتصرِّفَ بالبيعِ والشراءِ؛ وبهذا قال مالكٌ وأحمدُ في روايةٍ، وجوَّزَ الشراكةَ أبو يوسُفَ بلا قيدٍ.","vol":"2","page":635},{"text":"قال أحمدُ: يُشارِكُ اليهوديَّ والنصرانيَّ، ولكنْ لا يخلُو اليهوديُّ والنصرانيُّ بالمالِ دُونَه، ويكونُ هو الذي يَلِيهِ؛ لأنَّه يعملُ بالرِّبا.\nورواهُ ليثٌ عن عطاءٍ وطاوُسٍ ومجاهدٍ.\nوليثٌ مع ضعفِه فإنَّه إذا روى قولًا عن جماعةِ فقرَنَهُمْ كطاوسٍ وعطاءٍ ومجاهدٍ يقعُ منه خلطُ قولِ بعضِهم ببعضٍ.\nالثالثُ: قال الشافعيُّ وأحمدُ في روايةٍ بكراهةِ الشراكةِ مطلقًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>علةُ منعِ الشراكةِ بين السلم والكافر:</span>\nويَظهَرُ أنَّ أكثرَ مَن مَنَعَ مِن الشراكةِ بينَ المسلمِ والكافرِ لم يمنَعْها لِذَاتِ الشراكةِ؛ وإنَّما هو لخشيةِ وقوعِه في كسبٍ حرامٍ؛ ولذا قيَّدُوا جوازَها بكونِ المسلمِ متصرِّفًا، وهذا ظاهرُ قولِ مالكٍ وأحمدَ؛ ولهذا علَّلَ أحمدُ ذلك بأكلِهمُ الحرامَ، وهذا التعليل الذي لأجْلِه نَهَى السلفُ عن المشاركةِ كابنِ عباسٍ وابنِ سيرينَ والضحَّاكِ والحسنِ؛ فعن أبي حمزةَ قال: قلتُ لابنِ عباسٍ - ﵄ -: إنَّ رجُلًا جلَّابًا، يجلِبُ الغنمَ، وإنَّه لَيُشارِكُ اليهوديَّ والنصرانيَّ؟ قال: لا يُشارِكُ يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولا مجوسيًّا، قال: قلتُ: لِمَ؟ قال: لأنَّهم يربونَ، والرِّبا لا يَحِلُّ (١).\nولهذا جوَّزُوا أنْ يكونَ التصرُّفُ بيدِ المسلمِ؛ كما قال ابنُ سيرينَ: لا تُعطِ الذِّمِّيَّ مالًا مُضارَبةً، وخُذْ منه مالًا مضارَبةً، فإذا مرَرْتَ بأصحابِ صَدَقَةٍ، فأعْلِمْهُم أنَّه مالُ ذميٍّ (٢).\nومِن هذا تشديدُ أحمدَ في المجوسيِّ أكثرَ مِن الكتابيِّ؛ لأنَّه يُحِلُّ الحرامَ أكثرَ مِن الكتابيِّ، قال: ما أُحِبُّ مُخالطتَهُ ومُعاملتَهُ؛ لأنَّه يَستحِلُّ ما لا يَستحِلُّ هذا. وقال حنبلٌ: قال عمِّي: لا تُشارِكه ولا تُضارِبْه.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٩٩٨٠) (٤/ ٢٦٨).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٩٩٨٣) (٤/ ٢٦٩).","vol":"2","page":636},{"text":"ولمَّا كان أصل التبايعِ بينَ المسلمِ وغيرِ المسلمِ الحِل، والأدلةُ في ذلك مستفيضة، والشراكة إنَّما هي بيعَ وشراء، ولكَّها اختصت بالديمومةِ، فالبيعةُ الواحدةُ يقومُ عليها صاحِبُها حتى يقبضها، وأمّا البيعُ الدائم المستمر، فيحصل فيه الغفلةُ والاتكالُ وأمنُ الشريكِ، فلا يصح القولُ بتحريمِ الشراكةِ مطلقُا؛ وإنما هي على حالتينِ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>حالات الشراكة بين المسلِمِ والكافر:</span>\nالحالةُ الأولى: إذا كانت يدُ المسلمِ المتصرفةَ أو الرقيبةَ على الشراكةِ، فيأمَن مِن الحرامِ، فهي جائزة، ولو لم يكن متصرِّفًا، بل تكفي رقابتُه وضبطُه لعقودِه ومَداخلِ المالِ عليه ومَخارِجِه منه.\nوقد لا يكونُ الشريك متصرِّفًا، لكنه رقيب يَحسُبُ وَيضبِط، فحكمهُ حُكمُ المتصرف في الجوازِ، وكلما كان جنس المَبِيعِ ونوعه معروفًا، فهذا يدفَعُ ظنَّ التصرُّفِ بالمالِ حرامًا مِن الكافرِ؛ فالمضاربةُ المُطلَقة تَختلِفُ عن المقيَّدةِ، والمُزَارَعَةُ تختلِفُ عن غيرِها مِن أنواعِ الشراكةِ، وقد ترجم البخاريُّ في \"صحيحِه\"، فقال: (باب مشاركة الذميِّ والمشركِينَ في المُزارعةِ) (١)؛ لأنَّ التصرفَ في المزارعةِ أضيَق مِن المضاربةِ بالمالِ، وقد جاء في \"الصحيحِ\" جملةٌ مِن الأحاديثِ في مزارعةِ النبي - ﷺ - مع أهلِ الذمةِ؛ كما في \"الصحيحينِ\"، مِن حديثِ ابنِ عمرَ وغيرِه.\nالحالة الثانية: إذا كانت يدُ الكافرِ هي المُتصرفةَ بلا رقيبٍ مِن المسلمِ على تصرفِه، فهذه شراكةٌ لا تجوزُ؛ لاحتمالِ دخولِ الحرامِ عليه؛ مِن رِبًا ورِشوَةٍ وغَرَرٍ وغيرِ ذلك.\nوتحريم الشراكةِ بينَ المسلمِ والكافرِ مطلقًا بلا قيدٍ: مخالف للأدلة المستفيضةِ، فالشراكة مِن جنسِ البيعِ والشراءِ، ولكنها منتظِمةٌ، وفي\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٣/ ١٤٠).","vol":"2","page":637},{"text":"\"الصحيحِ\"، عن عِائشةَ، قالت: اشتَرَى رسولُ اللهِ - ﷺ - مِن يهودي طعامًا بنسيئةٍ، ورَهَنَهُ دِرْعَهُ (١).\nوقد أرسَلَ - ﷺ - إلى آخَرَ يطلب منه ثوبينِ إلى المَيسَرَةِ (٢).\nوأكلُهم المعلومُ مباحٌ؛ فقد أضافَهُ يهودي بخبزٍ وإهالةٍ سَنِخَةٍ؛ كما في \"المسنَدِ\"، و\"السُّنَّة\"؛ مِن حديتِ أنسٍ (٣)، وأصلهُ في \"الصحيح\" (٤) عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>تصرُّف الشريكِ الكافِرِ بمالِ المسلمِ:</span>\nوالتصرفُ سواءٌ كان بيدِ المسلمِ أو بيدِ الكافرِ، فهو مِن الوكالةِ بينهما، ووكالة المسلمِ للكافرِ والعكس صحيحةٌ في البيوعِ وغيرِها على الأصحِّ، ما لم تتضمَّنْ محرَّمًا جميع الخمرِ، أو إهانةً للمسلمِ وعلوًّا للكافرِ عليه؛ كشراءِ العبدِ المسلمِ للكافر، ولأجلِ هذا خالَفَ أبو يوسفَ أبا حنيفةَ ومحمدَ بنَ الحسنِ تخريجًا على جوازِ الوكالةِ والكفالةِ بينَ الشريكينِ المسلمِ والكافرِ.\nوإنْ باعَ أو اشتَرَى الشريكُ المتصرِّفُ الكافرُ ما هو محرَّمٌ على شريكِهِ المسلِم، كالخمرِ والخِنزِيرِ - فَسَدَ البيعُ، وعليه الضمانُ، لأن التصرُّفَ وكالةٌ، وعقد الوكيلِ يقعُ للموكلِ، والمسلمُ لا يثبُتُ له مِلْكٌ على الخمرِ والخِنزيرِ، ومِثل هذا: الربا والميتة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>العقودُ المحرمةُ بين المسلمِ والكافرِ:</span>\nوأمّا العقودُ المحرمةُ بينَ المسلِمينَ، فهي محرَّمةٌ بينَ المسلِمينَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٠٩٦) (٣/ ٦٢).\n(٢) أخرجه أحمد (٢٥١٤١) (٦/ ١٤٧)، والترمذي (١٢١٣) (٣/ ٥١٠)، والنسائي (٤٦٢٨) (٧/ ٢٩٤).\n(٣) أخرجه أحمد (١٣٢٠١) (٣/ ٢١١).\n(٤) أخرجه البخاري (٢٣٧٣).","vol":"2","page":638},{"text":"وبينَ أهلِ الذمَّةِ في بلادِ المسلِمينَ بلا خلافٍ، نصَّ على الإجماعِ غيرُ واحدٍ كابنِ تيميَّةَ، وكذلك فهي ممنوعة بين أهلِ الذمةِ أنفسِهم في دارِ الإسلامِ أيضًا بالاتفاقِ، وإنَّما اختُلِفَ في العقودِ المحرمةِ بينَ المسلمِ والكافرِ في دارِ حربٍ إذا دخَلَها المسلمُ بأمَانٍ أو غيرِ أمانٍ، إذا كان الانتفاعُ للمسلمِ والضررُ على غيرِه، كالرِّبا وبعضِ صوَرِ الجهالةِ والغَرَرِ، وفي ذلك أقوال:\nالأول: ذهبَ جمهورُ العلماءِ إلى التحريمِ؛ وهو قولُ المالكيةِ والشافعيَّةِ، والصحيحُ في قولِ الحنابلةِ، وهو قولُ أبي يوسُفَ والأوْزَاعِي؛ لأن تلك المعاملاتِ محرَّمةٌ بعينِها؛ فلا يجوزُ أن تكونَ عليها معاقدةٌ بين مسلمٍ ومسلمٍ، ولا مسلمٍ وكافرٍ، ولا أن يُؤذَنَ فيما بينَ كافرٍ وكافرٍ، واللهُ حرَّمَ الرِّبا حتى على أهلِ الكتابِ، كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١]، فلا يجورُ الإذن لهم بما حرَّمَهُ اللهُ عليهم، ولا يجوزُ التعامل معهم بما حرَّمَهُ الله علينا في القرآن، وحرَّمَهُ عليهم في التوراةِ والإنجيلِ والقرآنِ.\nالثاني: ذهَبَ الحنفيةُ: إلى جواز ذلك إذا كان المنتفِعُ مِن العقدِ المسلمَ، كالدِّينارِ بالدينارَيْنِ آجِلًا، ولا يجوز للمسلمِ أن يشتريَ منه الدرهمَ بدرهمَيْن.\nومِن الحنفيةِ مَن يُجِيزُه بلا قيدِ انتفاعِ المسلمِ بالعقدِ، وبقولِهم يقولُ بعضُ الحنابلةِ كابنِ مفلِحٍ، ولكن قُيدَ بعدمِ وجودِ الأمانِ.\nومِن محقِّقي الحنفيةِ من يَحمِلُ إطلاقاتِ الحنفيَّةِ بالجواز على التقييدِ بانتفاعِ المسلمِ مِن الكافرِ، وليس انتفاعَ الكافر مِن المسلمِ، كابنِ الهُمَامِ وابنِ عابدينَ، وهذا أصح؛ لأن اللهَ حينَما جعَلَ تعاقُدَ المسلِمَينِ على أن يأكُلَ أحدهما مالَ الآخَرِ بالربا وشِبْهِهِ ظلمًا وحرامًا، فتعاقُد","vol":"2","page":639},{"text":"المسلمِ مع الكافرِ على أنْ يأكُلَ الكافر مالَ المسلمِ أَظهَرُ في التحريمِ على المسلمِ أنْ يأذَنَ بذلك أو يعاقِدَ عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>تعامُل المسلِمِ بالربا مع الكافِرِ:</span>\nوالأظهرُ: تحريمُ التعاقدِ بالربا ونحوه بينَ المسلمِ والكافرِ في دارِ الكفرِ والحربِ، إلا بقيدينِ:\nالأول: أن يكونَ الانتفاعُ للمسلمِ، لا للكافرِ.\nالثاني: أن يكونَ قد دخَلَ دارَ الحربِ بغيرِ أمانٍ، فمَن دخَلَها بأمانٍ، حَرمَ عليه مالُ الكافرِ في تلك الدارِ ودَمُهُ، ومن صورِ الأمانِ: الوثائقُ والأوراقُ ولو مزوَّرةً مزيفةً، لأنَّ العِبرةَ بالظاهرِ، وإذا دخَلَها بغيرِ أمانٍ، فالأصلُ في مالِ الحربي الحِلُّ بغيرِ إذْنِهِ وعِلمِه، فإذا أخَذَه بعِلمِهِ ولو بعقدٍ أولى.\nوبغيرِ هذينِ القيدَينِ لا يجوزا التعاقُدُ بالربا ونحوِه، وهو الأولى أن يُحمَلَ عليه القول المرويُّ عن أبي حنيفةَ ومَن أطلَقَ إطلاقَه.\nوأما خبر مكحولٍ مرسلًا: (لَا رِبَا بينَ مسلِمٍ وحربيٍّ)، أو (لا رِبَا بينَ أهلِ حربٍ)، فلا أصلَ له، وقد قال الشافعي: \"ليس بثابتٍ\".\nويحتجُّ به الحنفيةُ في هذا البابِ، ولا أصلَ له حتى عندَ محقِّقيهم مِن أهلِ الحديثِ كالزَّيلَعِي، ومِن أهلِ الفقهِ كابنِ الهُمَامِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>تبايعُ المسلِمِ والكافِرِ بالخمرِ والخنزير:</span>\nولا يدخُل في هذا تجويزُ بيع الخمرِ ولحمِ الخِنزيرِ عليهم؛ لأن الخمرَ والخِنزيرَ والمَيتة محرَّمٌ لِذَاتِه وعَينه على المسلمِ، سواءٌ أخَذَهُ أو أعطاهُ بطِيبِ نفسٍ أو ببيعٍ، أما المالُ، فيجوزُ فيه الهِبةُ والعطيةُ، فهو لا يحرُمُ لِذَاتِه؛ وإنما لأنه أخِذَ بغيرِ طيب نفسٍ، فالربا أخِذَ لأن المحتاجَ أُلجِئَ إليه، فصارَ أكلًا لمالِه بالباطلِ ولو عاقَدَ عليه برِضاهُ في","vol":"2","page":640},{"text":"الظاهرِ، فهو قد ألجِئَ إليه في الحالِ وتضرَّرَ به في المال بالزيادةِ فيه.\nروى عبدُ الرزاقِ وابنُ المنذرِ، عن سُوَيْدِ بنِ غَفَلَةَ؛ قال: بلَغَ عمرَ بن الخطاب أن عمالَه يأخذون الجِزيَةَ مِن الخَمرِ، فناشدَهم ثلاثًا، فقال بلال: إنَّهم لَيَفعَلونَ ذلك، قال: فلا تفعَلُوا، ولكنْ وَلُّوهُم بَيعَها، فإنَّ اليهودَ حُرمت عليهم الشحومُ فباعوها وأكَلُوا أثمانَها (١).\nومِن الجهلِ تجويزُ سرقةِ المسلم من الكافرِ في دارِ الحرب التي دخَلَها بأمانٍ، وتخريجُ ذلك على قولِ أَبي حنيفةَ، فهذا لا أَعلمُ مَن قال به.\nوبقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ استدَلَّ بعضُ الحنفيةِ على ملازمةِ الغريمِ لغريمِه، وبعضُهم استدَل بها على جوازِ حبس المَدِينِ، وقد تقدَّمَ الكلامُ على هذا في البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران: ٧٧]\nفي الآية تغليظُ اليمينِ، وتعظيمُ عهدِ اللهِ، ووجوبُ الوفاءِ به، وأن مِن أعظمِ الحرامِ الأكلَ باليمينِ مالًا حراما؛ فذلك المالُ مِن أعظم السحتِ، ففي الصحيحِ؟ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ أبي أوفَى - ﵁ -: \"أنَّ رجُلًا أقامَ سِلعةً وهو في السوقِ، فحَلَفَ بالله لقد أعطَى بها ما لم يُعطِ؛ لِيُوقِعَ فيها رجلًا مِن المسلِمينَ، فنزَلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٩٨٨٦) (٦/ ٢٣).","vol":"2","page":641},{"text":"وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ \" (١).\nوهذه الآيةُ نزَلَتْ في الأشعثِ بنِ قيسٍ ويهوديٍّ تخاصَمَا؛ كما في \"الصحيحينِ\"؛ قال الأشعث: فِيَّ واللهِ كان ذلك؛ كان بينِي وبينَ رجلٍ مِن اليهودِ أرضٌ، فجَحَدَني، فقدمتُه إلى النبي - ﷺ -: فقال لي رسولُ اللهِ - ﷺ -: (ألكَ بَيِّنَةٌ؟)، قلتُ، لا، قال؛ فقال لليهودي: (احلِف)، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إذا يحلِفُ ويَذهَبُ بمالي، فأنزَلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، إلى آخِرِ الآيةِ (٢).\nوفي \"الصحيحِ\" أيضًا أن الخصومةَ كانت بينَ الأشعثِ وابنِ عمٍّ له (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>العهدُ يمينٌ:</span>\nوفي \"الصحيحينِ\" أيضًا قال - ﷺ -: (شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ) (٤).\nومَن قال في يمينِه: (على عهدُ اللهِ)، أو (عهدٌ عليَّ)، فهي يمينٌ على الصحيحِ؛ وهذا قولُ مالكٍ وأحمدَ؛ لأن اللهَ قدمَها على المينِ في الآيةِ لِعِظَمِها في التوكيدِ، قال: ﴿يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾، وقيَّدها عطاءٌ والشافعي بالنيةِ، فمَن نَوَاها يمينًا، فهي يمينٌ.\nوكان السلفُ يَنْهَوْنَ عن الحَلِفِ بالعهدِ، لِعظَمِهِ وعِظَمِ أثرِهِ عندَ عدمِ الوفاءِ به، قال النخَعيُّ: كانوا يَنهَونَنا عن الحلفِ بالعهدِ.\nوكلُّ يمينٍ يُؤكَلُ بها مالٌ حرامٌ، فهي غَموسٌ ولو لم تكن مُغلظةً باللفظِ، ففي \"الصحيحِ\"، عن أبي ذَرٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (ثلَاَثةٌ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٠٨٨) (٣/ ٦٠).\n(٢) أخرجه البخاري (٢٤١٦) (٣/ ١٢١)، ومسلم (١٣٨) (١/ ١٢٢).\n(٣) أخرجه البخاري (٢٣٥٦) (٣/ ١١٠).\n(٤) أخرجه البخاري (٢٥١٥) (٣/ ١٤٣)، ومسلم (١٣٨) (١/ ١٢٣).","vol":"2","page":642},{"text":"لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسولُ اللهِ - ﷺ - ثلَاث مرارٍ، قَالَ أبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، من هُم يَا رَسُولَ اللهِ؟ ! قَالَ: (المسبِلُ، وَالمَنَّانُ، وَالمنَفقُ سِلعتهُ بِالحَلِفِ الكَاذِبِ) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>كفارةُ العهدِ واليمين الغموس:</span>\nواللهُ ذَكَرَ كفَّارةَ الأيْمان، ولم يذكُرْ كفارةَ العهدِ واليمينِ الغموسِ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وفرَّقَ الله بينَ العهدِ واليمينِ هنا، فجعلَ العهدَ أعظمَ وَيلحَق به اليمين الغموسُ، وقد اختلَفَ العلماء في حُكْمِ الكفارةِ في اليمنِ الغموسِ:\nالقول الأولُ: قول جمهورِ الفقهاءِ؛ كمالكٍ وأبي حنيفةَ والثوري وأحمدَ: أنّه لا كفارةَ فيها، لأنَّ اللهَ لما ذَكَرَ العهدَ - وهو يمين غموسٌ - رهَّبَ وخوَّفَ وتوعَّدَ، ولم يَذكُرِ الكفارةَ، كما ذكَرَها في الأَيمانِ، وهذا ظاهر في حديتِ ابن مسعود في قصةِ الأشعثِ؛ حيثُ قال - ﷺ -: (مَن حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبرٍ، يَقتطعُ بها مَالَ امرِئٍ مُسْلِمٍ هوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقيَ اللهَ وَهُوَ عليه غضْبانُ) (٢)، ولم يأمُر بالكفارةِ لِعظمها، روى ابن المنذرِ عن ابنِ المسَيَّبِ؛ قال: \"اليمينُ الفاجرةُ من الكبائرِ\" (٣).\nوقد توعَّد الله قائلَها بأنَّه لا خَلاقَ له في الآخِرةِ؛ أيْ: لا نَصِيبَ له.\nوقال بأنه لا كفارةَ في اليمينِ الغموسِ جماعةٌ مِن السلفِ؛ كابنِ عباسٍ، فقد روى الطبري، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ:\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٠٦) (١/ ١٠٢).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٥٤٩) (٦/ ٣٤)، ومسلم (١٣٨) (١/ ١٢٢).\n(٣) \"الأوسط\" لابن المنذر (١٢/ ١٣٨ ط. دار الفلاح).","vol":"2","page":643},{"text":"\"اليمينُ الصبرُ الكاذبةُ، يَحْلِفُ بها الرجلُ على ظُلمٍ أو قطيعةٍ، فتلك لا كفارةَ لها إلا أن يَترُكَ ذلك الظلمَ، أو يَرُدَّ ذلك المالَ إلى أهلِه، وهو قوله - تعالى ذِكرُه -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ \" (١).\nوروى البيهقيّ، عن أبي العاليةِ، قال: قال أبو عبدِ الرحمنِ - يعني ابنَ مسعود -: كنا نعد مِن الذنبِ الذي لا كَفارةَ له اليمينَ الغموسَ، فقيل: ما اليمينُ الغموس؟ قال: \"اقتطاع الرجلِ مالَ أخيهِ باليمينِ الكاذبة\" (٢).\nالقول الثاني وهو قول الشافعي والأوزاعيِّ ومَعمَرٍ: أن اليمينَ الغموسَ فيها كفارةٌ؛ لأن اللهَ جعَلَ الإيمانَ على قسمينِ: (لَغْوٌ) وعَفَا عن كفارتها، (ومنعقِدةٌ) وهي التي فيها كفارةٌ، وهي ما عدا اللغوَ.\nوجرَى الشافعية في ذلك على قاعدتهم في كفارةِ العَمدِ؛ لأنَّهم يرَونَ العمدَ أولى في وجوبِ الكفارةِ مِن الخطأ، فتعمُّدُ الإنسان فِعلَ المحرَّمِ لا يُخْرِجُه مِن تَبِعَتِه، ومِن تَبِعتِهِ كفارتُه، وهذا يجب عندَهم فيما هو أغلظُ مِن اليمينِ كالقتلِ العمدِ، فيُوجِبونَ فيه الكفارةَ، وكقضاءِ الصلاةِ المكتوبةِ المتروكةِ عمدًا فيجب فيها القضاء، كما يجب في تركِها خطأ بالإجماعِ.\nوالقاعدةُ عندَ أحمدَ وأصحابِه: أن قتلَ العَمدِ لا كفارةَ فيه، وَيطرُدُونَ هذا في اليمينِ الغموسِ؛ فلا يرَونَ الكفارةَ فيها، وأحمد وأصحابُه يوجِبونَ القضاءَ للمكتوبةِ المتروكةِ عمدًا، كسائرِ الأئمةِ الأربعةِ، وأخرَجَ أحمدُ قضاءَ الصلاةِ المكتوبةِ مِن قاعدةِ التكفيرِ في العمدِ في القتلِ واليمينِ الغموسِ؛ أخذًا بظاهرِ الأدلةِ، ولم يُخرِجِ الصلاةَ من\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٣٧).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٣٨).","vol":"2","page":644},{"text":"القاعدةِ جماعةٌ مِن العلماءِ؛ كابنِ تيميةَ وابن رجبٍ وغيرِهما، ومسألةُ الصلاةِ تحتاج إلى بسطٍ ليس هذا محلَّه.\nويأتي الكلام على كفارة قتل العَمدِ في موضعه بإذنِ اللهِ.\nوالأرجحُ: عدم وجوبِ الكفارة في اليمينِ الغموسِ؛ لأنه قولُ عامةِ الصحابةِ وأكثرِ التابعينَ، كابنِ مسعودِ وابنِ عباسٍ وحمَّادِ بن سَلَمَةَ.\nولأنَّ اللهَ ذكَرَ كفارةَ الإيمانِ في غيرِ سياقِ العمدِ بالكذبِ، ولما ذكَرَ اليمينَ الغموسَ في هذا الموضعِ وغيرِه، لم يذكرِ الكفارةَ فيها، ومجرَّدُ اليمينِ لا يجعلُ فيها كفارة، كاليمينِ مع الاستثناءِ: لا كفارةَ فيها وهي يمين.\nوهكذا في أحاديث الوعدِ مِن اليمينِ الغموسِ لا يُذكَر معها كفارة، والأحاديث فيها متواتِر في النهي عنها والشديدِ على فاعِلِها مِنِ غيرِ ذِكرِ كفارةٍ في واحدٍ منها؛ ومن ذلكَ ما روى جابر عن النبي، أنّه قال: (مَنْ حَلَف عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ، تبوَّأَ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ) (١).\nوفي الباب عن ابنِ مسعودٍ وأبي ذرٍّ وعِمرانَ وغيرِهم.\nوعدمُ وجوب الكفارة لا يسقِط عنه تكفيرَ ذنبِه ببقية أنواعِ المُكفراتِ التي هي أعظم مِن كفارة اليمنِ؟ بالإكثارِ مِن الاستغفارِ، والطاعاتِ، والصدقاتِ، والوَجَلِ القلبي مِن الذنبِ، والخوفِ من عاقبتِه، فذلك يُخفِّف الذنبَ ويزيلُه بإذنِ اللهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>كفارةُ اليمين الخطأ:</span>\nوأما مَن حلَفَ يمينًا ويرَى أنه صادقٌ في نفسِه، فبَانَ مُخطِئًا، فلا كفارةَ عليه ولا إثمَ، إلا أنَّ يمينَه الخطأ لا تُبطِلُ حقًّا، ولا تُحِقُّ الباطلَ،\n_________\n(١) أخرجه النسائي في \"السنن الكبرى\" (٥٩٧٣) (٥/ ٤٣٧).","vol":"2","page":645},{"text":"قال إبراهيم النخَعي: \"إذا حلَفَ الرجلُ على اليمين وهو يرَى أنَّه صادقٌ، وهو كاذبٌ، فلا يؤاخَذُ بها\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>حكمُ الحاكمِ وإسقاطُ الحقِّ:</span>\nوفي الآيةِ: دليلٌ على أن حُكمَ الحاكمِ لا يُسقِطُ الحقَّ الباطنَ؛ وإنما يجري هذا على الخلافِ الظاهرِ، فيَحكُمُ على نحوِ ما يَسمَعُ وَيرَى ممَّا ظهَرَ له مِن الأدلةِ، وهذا لا خلافَ فيه في الأموالِ والدماءِ؛ وإنما الخلافُ في النكاحِ، وتقدمَ ذلك في سورةِ البقرةِ عندَ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>استحلافُ الكافِرِ:</span>\nواستحلافُ الكافر كاستحلافِ المسلم عندَ عدمِ وجودِ البينة عليه في الحقوق، فإنْ نَكَلَ، وَجَبَ عليه الحقُّ، وإن حَلَفَ، سَقطَ الحقُّ عنه، لظاهرِ حديثِ الأشعثِ وخصومتِه مع اليهوديِّ، في قولِ النبي - ﷺ - للأشعثِ؟ (أَلكَ بَيِّنَةٌ؟)، قلتُ: لا، قال؛ فقال لليهوديِّ: (احلِف) (٢).\nوتُطلَبُ اليمينُ مِن الكافرِ بصيغةٍ جائزةٍ لا مُحرَّمةٍ، فلا يُستحلَفُ بلفظِ كفرٍ؛ كقولِ النصرانيِّ: والمسيحِ، أو يُقسِمُ بالصليبِ أو مخلوقٍ، ولا أن يُقسِمَ المشرِكُ بصنمِه ووَثنَه، ولا الجاهليُّ بأبيهِ وأمِّه؛ وإنما يُستحلَفُ بالخالقِ، كقولِه: واللهِ، أو بما يُؤمِنُ به مِن ألفاظٍ تُوافِقُ الحقَّ في الظاهرِ ولو اعتقَدَها بباطنِهِ على غيرِ ذلك، وفي \"الصحيح\"؛ من حديثِ البَرَاءِ بنِ عازبٍ، أن النبي - ﷺ - قال ليهوديٍّ: (أنشدكَ باللهِ الذي أنزَلَ التَّوْرَاةَ علَى مُوسَى، أهَكذا تَجِدُونَ حَدَّ الزاني في كِتابِكم؟) (٣).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٢٥)\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) أخرجه مسلم (١٧٠٠) (٣/ ١٣٢٧).","vol":"2","page":646},{"text":"واليمينُ تنعقدُ مِن الكافرِ وكذا النَّذْر الذي يكون للهِ لا يُشرَك معه أحدٌ به، وهذا قولُ جماعةٍ مِن العلماءِ كالحنابلةِ والشافعية، سواءٌ كان حِنْثُه في يمينِه في كفرِه أو بعدَ إسلامِه؛ وذلك لِما ثبت في \"الصحيحِ\"، أن عمرَ - ﵁ - نذَرَ في الجاهليةِ أنْ يَعتكِفَ في المسجدِ الحرامِ، فأمَرَه النبي - ﷺ - بالوفاءِ بَنذْرِهِ، خلافًا لأهلِ الرأيِ كأبي حنيفةَ وغيرِه فلا يرَونَ انعقادَ يمينِ الكافرِ.\nويأتي في يمينِ الكافر مزيدٌ بيانِ في المائدةِ عندَ قولِه تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: ١٠٧].\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)﴾ [آل عمران: ٩٣]\nوإسرائيل هو يعقوبُ بن إسحاقَ بنِ إبراهيمَ، وقد نزَلَ به بلاء ومرضُ عِرقِ النَّسَا؛ كما جاءَ عن ابنِ عباس ومجاهدٍ وجماعةٍ، فجعلَ عليه إنْ عافاهُ الله أن يُحرِّمَ على نفسِه العُروقَ (١).\nوروى عكرمةُ عن ابن عباس؛ أنَّه كان يقولُ: \"حرَّمَ إسرائيلُ على نفسِه زيادةَ الكَبِدِ والكليَتَينِ والشحم، إلا ما على الظهرِ؛ فإن ذلك كان يُقرَّبُ للقُرْبَانِ فتأكلُه النار\" (٢).\nوتحريمُ هذا مِن إسرائيلَ على نفسِه قبلَ نزولِ التوراةِ وقبلَ مخاطبةِ اللهِ لأهلِ الكتابِ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٥٨٤)، و\"تفسير ابن المنذر\" (١/ ٢٩٠).\n(٢) \"تفسير ابن المنذر\" (١/ ٢٩١).","vol":"2","page":647},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-414>الأصلُ في الطعامِ الحِلُّ:</span>\nوفي الآيةِ: دليلٌ على أن الأصلَ في الطعامِ الحِلُّ، وجميع ما أوجَدَهُ اللهُ في الأرضِ مِن مأكولٍ وملبوسٍ ومشروبٍ ومسكونٍ ومفروشٍ، وقد تقدَّمَ ذلك في قولِ اللهِ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وفي قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>حكمُ تحريمِ الحلالِ وأنواعه:</span>\nويظهر أنَّ تحريمَ شيءٍ من الطعامِ على النفسِ كان في شرعَةِ يعقوبَ جائزًا، وأمّا في شرعَةِ محمدٍ - ﷺ -، فغير جائزٍ، وتحريم الإنسانِ الطعامَ على نفسِهِ أَخَفُّ مِن تحريمِه على الناسِ؛ لأن تحريمَ الحلالِ على حالينِ:\nالأول: تحريمٌ خاصٌّ عارضٌ؛ كمَن يحرِّمُ على نفسِه طعامًا، خوفًا مِن مرضٍ أو سِمنةٍ، أو طلبًا للصِّحةِ، أو خشيةً مِن ألَّا تدومَ النعمةُ فتنقطعَ فتَتَبعه النفس؛ فهذا لا بأسَ به.\nالثاني: تحريم عام على الناسِ، وهذا تشريع وحق للهِ ليس لأحدٍ مِن خَلقِه.\nوتحريم الرجل طعامًا واحدًا أو أكثرَ على نفسِه - تديُّنًا - لا يجوز بحالٍ؛ لأنَّه معارَضةٌ لتشريعِ اللهِ في حُكْمِه، وإذا كان لمقصدٍ آخَرَ غيرِ التعبُّدِ، فقد مَنَعَ اللهُ المؤمنينَ مِن ذلك، وكل تحريم لِما أحَله اللهُ يدخُلُ في عمومِ قولِه: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٨٧].\nولما حَرَّمَ النبي - ﷺ - على نفسِه العَسَلَ، أنزَلَ الله عليه قولَه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾","vol":"2","page":648},{"text":"[التحريم: ١]، وسبب النزولِ في \"الصحيحَينِ\" من حديثِ عائشةَ (١).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران: ٩٦].\nفيه منزلة البيت العَتيقِ المسجدِ الحرام مسجدِ الكعبةِ وقدَمُه، وقد وضعَ قواعدَة إبراهيمُ وابنه إسماعيلُ، كما في قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، وقيل: إنَّ المرادَ بالوضعِ في الآيةِ: هو وضع البَرَكَةِ والهُدى للناسِ، لا وضعُ البناءِ، فوضعُ القواعدِ شيءٌ، ووضع البيتِ شيءٌ، ووضعُ الهدايةِ والبَرَكةِ والأمانِ فيه شيء آخَرُ؛ فما كل أحكامِ البيتِ الحرامِ نزَلت مرةً واحدةً؛ ولذا جاء عندَ البيهقي؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو مرفوعًا: (أن اللهَ أمرَ آدَمَ وَحَوَّاء بِبِنَاءِ البَيتِ وَالطَوَافِ فِيهِ) (٢)، ولا يصح.\nوصحَّ عن بعضِ السلفِ، كقتادةَ؛ أن أولَ مَن طافَ به آدمُ.\nوفي ذلك بعضُ الأقوالِ عن وهبِ بنِ منبه وغيرِه.\nوليس في ذلك شيءٌ مرفوعٌ صحيحٌ عن النبي - ﷺ - يُعتمَدُ عليه.\nوفي \"الصحيحينِ\"، عن أبي ذر - ﵁ -؛ قال: قلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَي مسجِدٍ وُضِعَ في الأرْضِ أولُ؟ قَالَ: (المَسْجِد الحَرَامُ)، قُلت: ثُمَّ أي؟ قَالَ: (المَسْجِدُ الأقصَى)، قلتُ: كَم بَينَهمَا؟ قَالَ: (أربَعُونَ سَنَةً، وَأينَمَا أَدرَكتكَ الصلاةُ، فَصَلِّ، فَهُوَ مسجِدٌ) (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٢٦٧) (٧/ ٤٤)، ومسلم (١٤٧٤) (٢/ ١١٠٠).\n(٢) \"دلائل النبوة\" للبيهقي (٢/ ٤٥).\n(٣) أخرجه البخاري (٣٣٦٦) (٤/ ١٤٥)، ومسلم (٥٢٠) (١/ ٣٧٠).","vol":"2","page":649},{"text":"تسميةُ مكةَ بـ (بَكَّةَ):\nوسُمِّيَتْ بَكَّةَ: قيل؛ لأن الناسَ يأتونَها مِن كلِّ مكانٍ؛ وبهذا قال عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ.\nوقيل: لأنها تبُكُّ الجبابرة.\nوقيل: لأن اللهَ جعَلَ الرجُلَ فيها كالمرأةِ؛ يَبُك الرجلُ المرأةَ، وتبك المرأة الرجلَ، وهم في الحُكمِ سواء؛ وهذا مروي عن ابنِ عمرَ، وأبي جعفر محمدِ بنِ علي، وعتبة بنِ قيس.\nوقيل: تُبك الظلَمَةَ؛ فلا يقعُ فيها ظلم ويطُولُ، فاللهُ يُزِيل الظالمَ ولا يُمهِله فيها.\nوقال عكرمةُ وأبو مالكٍ والنخَعي وغيرهم: بَكَّةُ، هي الكعبة وما حولَها، وما وراءَ ذلك يُسمى: مَكةَ، وقال ابنُ عباسٍ: بَكَةُ: مِن الفَجِّ إلى التنعيمِ، ومكة: مِن البيتِ إلى البَطحَاءِ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>فضلُ المسجِدِ القديمِ:</span>\nوفي الآيةِ: فضلُ المسجدِ القديمِ على الجديدِ، وقد اختَلَفَ العلماءُ في التفضيلِ بينَ المسجدِ القديمِ والمسجدِ الحديث الذي يجتمِعُ فيه الناس أكثرَ مِن غيرِه، على قولَين؟ وهما قولانِ في مذهب الحنابلةِ، ويأتي تفصيل ذلك في سورةِ التوبةِ في قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨].\nوالمسجدُ الحرامُ أفضل مِن غيرِهِ في المنزلةِ والصلاةِ والاعتكاف وسائرِ القرُباتِ.\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٥٩٥، ٥٩٧)، و\"تفسير ابن المنذر\" (١/ ٢٩٩، ٣٠١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٧٠٨، ٧٠٩).","vol":"2","page":650},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-417>تقارب صفوف الرجالِ والنساءِ بالمسجد الحرام:</span>\nوكان هذه الآيةِ: أخَذَ بعضُ السلفِ الترخيصَ في اجتماعِ الرجالِ والنساءِ في المسجدِ الحرامِ للعبادةِ بلا مماسَّةٍ، على خلاف الأصلِ المانع مِن الاختِلاطِ.\nومن هذه الآيةِ يُؤحَذ التيسيرُ في مواضعِ الصفوف؛ خاصةً عندَ المشقَّةِ والزحامِ، ولا يَختلفُ العلماء: أن السنةَ أنَّ مواضعَ صفوف الرجالِ أمامَ النساء، وأن التباعدَ هو الأفضلُ، ولكن يُخفَّفُ في ذلك عندَ الزحام في المسجدِ الحرامِ، فقد روى ابنُ أبي حاتم، عن عُتبة بنِ قيس؛ قال: \"بكَّة بكَّتْ بَكًّا، الذكَرُ فيها كالأنثى، قيل له: عمّن هذا؟ قال: عن ابنِ عمرَ\" (١).\nوهو عنه: صحيح.\nوروى سعيد عن قتادةَ قولَه: \"إنَّ اللهَ بَكَّ به الناسَ جميعًا، فيصَلي النساءُ أمامَ الرجالِ، ولا يُفعَل ذلك في بلد إلا في مكةَ\".\nوحَكَاه ابن أبي حاتمٍ، عن مجاهدِ وسعيدٍ بنِ جبير وعِكرِمةَ وعمرِو بنِ شعيبٍ ومقاتلِ بنِ حيَّانَ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>السترةُ في المسجِدِ الحرامِ:</span>\nوبهذا استدَل غيرُ واحدٍ على أن السترةَ في البيتِ الحرامِ يخفَّفُ في حُكْمِها أكثرَ مِن غيرِه، لِما سبَقَ، ولمشقَّةِ ذلك على الناسِ، وهذا ظاهرُ قولِ مَن سبقَ مِن السلفِ، ونصَّ عليه أبو جعفرِ محمدُ بن علي بنِ الحسينِ وابن الزبيرِ وطاوس، ومحمدُ بنُ الحنفيةِ وابن جُرَيج وقال به أحمدُ، فقال \"مكةُ ليست كغيرِها؛ كأن مكةَ مخصوصةٌ\".\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٧٠٨).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٧٠٩).","vol":"2","page":651},{"text":"وقال به ابن تيميةَ.\nروى ابن أبي حاتمٍ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن أبي جعفرٍ، محمدِ بنِ عليِّ بنِ الحسينِ: مرَّتِ امرأةٌ بينَ يدي رجلٍ وهو يصلِّي وهي تَطُوفُ بالبيتِ، فدفَعَها، فقال أبو جعفرٍ: \"إنها بكةُ؛ يَبُكُّ بعضهم بعضًا\" (١).\nوروى عبد الرزاقِ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيهِ، قال: \"لا يقطع الصلاةَ بمكةَ شيءٌ، لا يضرك أن تَمرَّ المرأةُ بين يدَيك\" (٢).\nوروى عن أبي عامرٍ، قال: \"رأيت ابنَ الزبيرِ يصلي في المسجدِ، فتُريد المرأةُ أن تُجيزَ أمامَه، وهو يُريدُ السجودَ، حتى إذا هي أجَازَت سجَدَ في موضعِ قدَمَيها\" (٣).\nويعضد هذا دفع المشقةِ، خاصَّةً مع كثرةِ الناسِ رجالًا ونساء في المسجدِ الحرامِ في هذا الزمن.\nوأمَّا حديث كَثيرِ بنِ كثيرِ بن المُطلب بنِ أبي وَدَاعَةَ، عن بعضِ أهلِه، عن جدِّه؛ أنّه رأى النبي - ﷺ - يصلي مما يَلِي بابَ بَني سَهمٍ والناسُ يَمُرون بين يدَيْهِ وليس بينَهما سُترةٌ، قال سفيانُ: ليس بينه وبين الكعبةِ سترة (٤).\nفرواهُ أحمدُ وأبو داودَ، وفي إسنادِه جهالةٌ، وقد أَعَله ابن المَديني، وأشارَ البخاري إلى علَّتِه في الصحيحِ؛ لقد ترجَمَ بابًا فقال: (باب السترةِ بمكة وغيرِها) (٥).\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٧٠٨).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢٣٨٥) (٢/ ٣٥).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢٣٨٦) (٢/ ٣٥).\n(٤) أخرجه أحمد (٢٧٢٤١) (٦/ ٣٩٩)، وأبو داود (٢٠١٦) (٢/ ٢١١).\n(٥) \"صحيح البخاري\" (١/ ١٠٦).","vol":"2","page":652},{"text":"قال تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧].\nذكَرَ اللهُ أولَ بيتٍ وُضِع للناسِ وهو الذي بمكةَ، ثم عرفَ به بأنه مَقَامُ إبراهيمَ؛ أيِ: الذي أقامَ فيه الشعائرَ والنسكَ، وهو شاملٌ لكل البيتِ، وكان غيرُ واحدٍ مِن السلفِ يسمِّي كل المشاعرِ؛ الكعبةَ والصفا والمروةَ ومِنًى ومُزْدَلِفَةَ وعرفةَ ورميَ الجمارِ: مقامَ إبراهيمَ؛ لأنَّه أقامَ فيها شعائرَ الدينِ.\nوبهذا قال ابنُ عباس وسعيد بنُ جبير وعطاء ومجاهد (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>المرادُ بمقامِ إبراهيمَ:</span>\nومقام إبراهيمَ في كلامِ السلفِ يُرادُ له معنيان:\nالأولُ: المعنى الخاص، وهو الذي فيه الآيةُ البيِّنةُ، وهو المقام الذي كان يقفُ عليه إبراهيمُ لبناءِ البيتِ، وتناوِلهُ ابنه إسماعيلُ الحَجَرَ، وقد كان قريبا مِن حائطِ الكعبةِ؛ لمقتضَى البناءِ والإعانةِ عليه، ثمَّ نقَلَه عمرُ بن الخطاب كما صحّ عنه وحكَاهُ عطاء ومجاهد وغيرُهما، وذكَرَ غيرُ واحدٍ ذلك إجماعًا أن عمرَ هو مَن حركَ مكانَ المقامِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>تحريك مقامِ إبراهيمَ:</span>\nروى البيهقي، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ - ﵂ - أن المقامَ كان زمانَ رسولِ اللهِ - ﷺ - وزمانَ أبي بكرٍ - ﵁ - مُلتصقًا بالبيتِ، ثم أخَّرَه عمرُ بنُ الخظابِ - ﵁ - (٢).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٢٥)، و\"تفسير ابن أبي هاشم\" (١/ ٢٢٦).\n(٢) \"دلائل النبوة\" للبيهقي (٢/ ٦٣).","vol":"2","page":653},{"text":"ثمَّ جرَفَه السيلُ وابتعَدَ عن مكانِه، فأعَادهُ عمرُ.\nولم يُخالِف عمرَ على تحريكِه أحد مِن الصحابة، وعمرُ هو الذي أنزَلَ اللهُ الصلاةَ خلفَ المقامِ بعدَ تعريضه بذلك للنبي - ﷺ -؛ فنزَلَ القرآنُ موافقا لقوله.\nوالصلاةُ المقصودةُ بالاتِّخاذِ في قولِه تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]؛ أي: هي الصلاةُ عندَ موضعِهِ الأصلي، وليس موضعَهُ الذي يُنقَلُ إليه، فالعِبرةُ بالمقامِ لا بالحجارة، وهكذا الكَعبةُ لو قُدِّرَ أنها حُرِّكَت من مكانِها أو هُدِمَت ونقِلَت حجارتُها، وجَبتِ الصلاةُ إلى مكانِها، لا إلى الحجارةِ المنقولة، بل مَن صلى إلى حجارة الكعبةِ المنقولةِ في جهةٍ إلى غيرِ موضعِ الكعبة الذي بناهَا عليه إبراهيم، بطَلَت صلاتُهُ بلا خلاف، فما زالَ الناسُ قبلَ الإِسلامِ وبعدَه يَستعمِلونَ حجارةً جديدةً، ويُزِيلُون ما تفتَّتَ وتكسَّرَ مِن حجارةِ الكعبةِ.\nوعَلِمتُ قبلَ سنواتٍ يسيرةٍ أن حجارةً من الكعبةِ تكسرت فغُيِّرَت وأبدِلَت بأجودَ منها، ورُمِيت في البحرِ؛ حتى لا يعرَفَ موضعُها فتُقصَدَ بذاتِها مِن دونِ اللهِ بالطوافِ والتبركِ.\nالثاني: المعنى العام، وهو الحج كله صلاة وطوافًا حولَ الكعبةِ وبينَ الصفَا والمروة، والوقوف بعرفةَ، والمبيتَ بمزدلفةَ ومنى، ورميَ الجِمَار، ويدخُل في هذا ما يَلحَقُه مِن أحكام، كحرمةِ البيت، ومحظوراتِ النسك، وأفعالِ الحج والعمرةِ وأقوالِه وترُوكه.\nوقد جعَلَ الله في البيتِ الحرامِ آياتٍ بيِّناتٍ، أولها مقام إبراهيمَ، وهي مشاعر النسكِ ومواضعُه، ثم تحريمُ البيتِ الحرامِ وتعظيمُه، والأمانُ لأهلِه وللَّائِذِ فيه.\nوذكَرَ الله مقامَ إبراهيمَ في سورةِ البقرةِ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ","vol":"2","page":654},{"text":"مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، والمرادُ له معناهُ الخاص الذي هو الحجارة التي وضعَ إبراهيم قدَمَيهِ عليها، وذكَرَه هنا في آلِ عِمرانَ، والمرادُ به ها معناهُ العام، لأنَّ اللهَ جعَلَ البينة في البيت، ولم يجعلِ المقامَ هو البينةَ وحدَه، بل جعلَه منها؛ ولذا عطَفَ عليه أحكاما أخَرَ، قال: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، والأمانُ والحرمة هي للبيتِ وخارجِه في حدودِه المعروفة، وليست لمقام إبراهيم ومَوضعِ قدمهِ خاصةً.\nروى ابنُ المُنذرِ وابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتم، عن عَطَاء بنِ أبي رَبَاحٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: \"مَقَام إبرَاهِيمَ بَعدُ كَثيرٌ؛ مقَامه: الحَجُّ كُلهُ\" (١).\nوجاء عن بعضِ السلفِ: أن الآيةَ البيِّنةَ أثرُ القدمَيْن، والمقامَ المشاعرُ كلها، أي: ما وضَعَ فيه إبراهيم قدمَيهِ تعبُّدًا للهِ في البيتِ؛ مِن طوافٍ وصلاةٍ، وسعيٍ بينَ الصَّفا والمروة، ووقوف بعرفةَ، ومبيتٍ بمزدلفةَ ومِنًى، ورميِ الَجمار، وذكرِ الله، وغيرِ ذلك.\nورُوِيَ هذا عن ابنِ عباس وعطاءٍ ومجاهدٍ؛ لقد روى ابنُ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ؛ قال: \"أثرُ قدميه في المقامِ آيةٌ بيِّنةٌ، ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ قَالَ: هَدَا شَيء آخَرُ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>تحريم الصيدِ وعَضْدِ الشجرِ بمَكَّة:</span>\nوقد جعَلَ اللهُ مكةَ حَرَمًا آمِنًا لا يصادُ صَيْدُها، ولا يعضَد شَوكها، والصيدُ والشجرُ في الحَرَمِ على نوعَينِ:\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٢٥)، و\"تفسير ابن المنذر\" (١/ ٣٠٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٧١١).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٦٠٠)، و\"تفسير ابن المنذر\" (١/ ٣٠٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٧١١).","vol":"2","page":655},{"text":"النوعُ الأولُ: صيد الحرمِ وشجرُه الأصلي محرَّمٌ، والمرادُ بالشجرِ الذي ينبتُ طبيعةً في الأرضِ ولا يستنبته الناسُ.\nالنوع الثاني: صيدُ الحرمِ وشجرُه غير الأصلي، والمراد بالصيدِ غيرِ الأصلي هو المجلوبُ مِن خارجِ الحرمِ لِيُذبحَ داخِلَهُ، فهذا لا حَرَجَ فيه، والشجرُ غيرُ الأصليِّ الذي يَستنبته الناسُ في مَزارِعِهِمْ بالغرسِ أو البَذْرِ كالنخلِ والعنبِ وأشجارِ الزينةِ التي يستنبتها الناس للظل وغيرِه في البيوتِ والطرقاتِ والحدائق، فلا حُرمةَ لها، وهي كحالِ الحيواناتِ الإنسِيَّةِ الغنمِ والبقرِ والإبلِ التي تنحر وتذبح، لأنها ليست صيدًا مستوحشًا، ومِثلها الدجاجُ والحَمَام التي يربيها الإنسانُ؛ لا حُرمة لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>صيدُ الأهلي المتوحشِ:</span>\nوإذا كانتِ الحَمَام تحتَ تربيتِه، ثمَّ استوحَشت ولَحِقَت بصَيدِ الحرمِ فتوحَّشَتْ، أخَذَتِ اسم صيدِ الحرمِ وحُرمَتَهُ، ما لم يكن قد مَلَكَها بمالٍ، فلَحِقَت بصيدِ الحرم، جازَ له صيدها وتنفيرُها لأخْذِها، لأنها مِلْكٌ له، ومالُ الإنسانِ المملوكُ حقٌّ، وهو أعظمُ حُرمةً مِن صيدِ الحرم، فلا تغلب حُرمةُ الحرمِ عليه لمجرَّدِ توحشهِ بعدَ مِلكِه؛ لأن حُرْمةَ المِلكِ له أعظمُ عندَ اللهِ.\nوتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ الكلام على حُرمةِ مكةَ وحُكمِ إقامةِ الحدودِ فيها، فلتُنظَر.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ دليلٌ على فرضيةِ الحج في الإِسلام، ورُكنيته فيه، ففي \"الصحيحينِ\"، مِن حديثِ ابنِ عمرَ، قال - ﷺ -: (إِنَّ الإسلَامَ بُنيَ عَلَى خَمسٍ: شَهَادَةِ أَن لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وإقَامِ الصلاة، وإيتَاءِ الزكاة، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وحجِّ الْبَيتِ) (١).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨) (١/ ١١)، ومسلم (١٦) (١/ ٤٥).","vol":"2","page":656},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-423>ترتيبُ أركانِ الإسلامِ:</span>\nوإنَّما قُدِّمَتِ الصلاةُ والزكاةُ والصومُ على الحجِّ في الحديثِ؛ لأنَّها أَسبَقُ في زمنِ الفرضِ، وآكَدُ مِن جهةِ العملِ، وأَعَمُّ مِن جهةِ خطابِ المكلَّفينَ؛ فالصلاةُ يُؤمَرُ بها مِن غيرِ إثمٍ الصبيُّ وهو ابنُ سبعٍ، وتَجِبُ في كلِّ الأرضِ على المكلَّفِ ذَكَرًا أو أُنثى، الصحيحِ والمريضِ كلٌّ بحَسَبِه، وتتعدَّدُ في اليومِ والليلة، وأمَّا بقيةُ الأركان، ففرضُها بينَ حَوْلِيٍّ كالزكاِة والصيام، وبينَ مرةٍ في العُمْرِ كالحجِّ.\nوأمَّا الزكاةُ، فالخِطابُ يَتوجَّهُ للمكلَّفينَ أوسعَ مِن خطابِ المكلَّفينَ في الصيام، فقُدِّمَتِ الزكاةُ؛ لأنَّها تَجِبُ في الأموال، لا على الأشخاصِ؛ كزكاةِ الفِطْرِ؛ وهذا أعَمُّ في خِطابِها، فتجبُ الزكاةُ في مالِ الصحيحِ والمريض، الصغيرِ والكبير، والعاقلِ والمجنون، ومَن عَجَزَ عن القيامِ بنفسِه، قامَ بها وليُّه.\nوأمَّا الصيامُ، فعلى الأشخاصِ المكلَّفِينَ، ويسقُطُ بالعجزِ، فلا يجبُ على الصغيرِ والمجنونِ والمريضِ والمسافرِ، ثمَّ إنَّ الزكاةَ فريضةٌ متعدِّيةٌ مِن الغنيِّ إلى الفقير، بخلافِ الصوم، فهو عبادةٌ لازمةٌ لفاعِلِها، والزكاةُ قد تجبُ في الحَوْلِ أكثرَ مِن مرةٍ في الزروعِ والثِّمارِ التي يتكرَّرُ حَصَادُها وقِطَافُها في العامِ؛ لهذا كانتِ الزكاةُ أوسَعَ خطابًا مِن الصيامِ؛ فقُدِّمَتْ وتَلَتِ الصلاةَ في القرآنِ في مواضعَ كثيرةٍ؛ قال تعالى في الأمرِ بها: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وعن عيسى قال: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٣١]، وعن إسماعيلَ قال: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥]، وقال في الإخبارِ عن المؤمِنينَ: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، وقال: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ","vol":"2","page":657},{"text":"الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، وقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]، وقال عن أمَّهاتِ المؤمِنينَ: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وغير ذلك؛ فالزكاةُ أكثرُ الأحكامِ اقترانًا في القرآنِ بالصلاةِ.\nثمَّ جاء الصومُ في أركانِ الإِسلامِ بعدَ الزكاةِ على قولِ الأكثرِ؛ لأنَّه يَلِيهَا في سَعَةِ المخاطَبِينَ، ثمَّ جاءَ الحجُّ بعدَ الصيامِ؛ لأنَّ الصيامَ أوسعُ في التكليفِ؛ فهو في كلِّ عامٍ، والحجُّ في العُمْرِ مرة، ثمَّ إنَّ الحجَّ محصورٌ في بقعةٍ معيَّنةٍ، والصومُ تكليفٌ يُؤدَّى في كلِّ الأرضِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>تأخُّرُ فرضِ الحجِّ:</span>\nوإنَّما تأخَّرَ فرضُ الحجِّ؛ لأنَّ أرضَهُ التي يُؤدَّى عليها - وهي مكةُ - ليستْ في يدِ المسلِمِينَ؛ فتأخَّرَ الخطابُ حتى تتهيَّأَ الأسبابُ.\nمع أنَّ مشروعيةَ الحجِّ باقيةٌ قبلَ فرضِهِ، وكان الناسُ قبلَ البعثةِ على بقيَّةٍ مِن مناسِكِ إبراهيمَ الخليل، وقد حجَّ النبيُّ - ﷺ - على مناسِكِ إبراهيمَ قبلَ هِجْرتِهِ؛ كما في \"الصحيحينِ\"؛ مِن حديثِ جُبيرِ بنِ مُطعِمٍ، وقد لَحِقَ مناسكَ الخليلِ تبديلٌ في أهلِ مكةَ وغيرِهم إلا قليلًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>حكمُ تارِكِ الحجِّ:</span>\nوقد جعَلَ الله الحجَّ عَلَمًا على انقيادِ الناسِ وبقائِهم على دِينِ محمدٍ دِينِ الإِسلام، فكانوا يُقْبِلُونَ على النبيِّ - ﷺ - بأنفسِهم أو برُسُلِهم أو بأقوالِهم عندَ قومِهم، ويُسْلِمُونَ رغبةً ورهبةً، فيُؤاخَذونَ على ظاهرِهم، ثمَّ لمَّا فرَضَ اللهُ الحجَّ، امتازَ أهلُ الاتِّباعِ والانقيادِ مِن أهلِ النفاقِ؛ ولذا\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٦٦٤) (٢/ ١٦٣)، ومسلم (١٢٢٠) (٢/ ٨٩٤): عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ؛ قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبيَّ - ﷺ - وَاقِفًا بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: \"هَذَا وَاللهِ مِنَ الحُمْس، فَمَا شَأْنُهُ هَا هُنَا؟ ! \".","vol":"2","page":658},{"text":"قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾؛ روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن عِكْرِمةَ؛ قال: \"لمَّا أنزَلَ الله قولَهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥]، قالتِ المِلَلُ: نحن مُسلِمونَ، فأنزَلَ الله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فحَجَّ المسلِمونَ، وقعَدَ الكفارُ\" (١).\nوالكفرُ في الآيةِ يرادُ به الجُحُودُ على قولِ عامَّةِ السلفِ؛ وبهذا قال ابنُ عباسٍ وابنُ عمرَ ومجاهدٌ.\nقال ابنُ عمرَ ومجاهدٌ: مَنْ كَفَرَ؛ أيْ: باللهِ واليومِ الآخِرِ.\nوقال ابنُ عباسٍ: مَن زعَمَ أنَّه لم يَنْزِلْ (٢).\nصحَّ هذا عن ابنِ عباسٍ مِن غيرِ وجهٍ.\nولم يَثْبُتْ عنِ النبيِّ - ﷺ - في تكفيرِ تارِكِ الحجِّ كَسَلًا حديثٌ، ولا عن أحدٍ مِن الصحابةِ - ﵃ -، إلا ما جاءَ عن عمرَ بنِ الخطَّاب، فيما رواهُ البيهقيُّ والإسماعيليُّ؛ مِن حديثِ ابنِ غَنْمٍ، عن عمرَ؛ قال: \"مَن أطَاقَ الحجَّ، فلم يَحُجَّ، فسواءٌ عليه مات يهوديًّا أَو نصرانيًّا\" (٣).\nوهو صحيحٌ عنه، ويظهَرُ أنَّ مُرادَه في ذلك مَن ترَكَ الحجَّ غيرَ مؤمنٍ بوجوبِه؛ ففي لفظِه عندَ سعيدِ بنِ منصورٍ؛ مِن حديثِ الحسن، عنه؛ قال: \"أنْ يَضرِبُوا عليهم الجِزْيَةَ؛ ما هم بمسلِمينَ، ما هم بمسلِمينَ! \" (٤)، والجزيةُ لا تُضرَبُ على المُرْتَدِّ الذي دخَلَ الإِسلامَ، ثمَّ ارتدَّ بتركِ الحجِّ تساهُلًا؛ وإنَّما تُضرَبُ على الكتابيِّ الأصليِّ،\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٦٩٩).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٧١٤ - ٧١٥).\n(٣) ينظر: \"مسند الفاروق\" لابن كثير (١/ ٢٩٢)، و\"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٨٥).\n(٤) ينظر: \"الأربعون حديثًا\" للآجري (ص: ١٦٩)، و\"تفسير أبي كثير\" (٢/ ٨٥).","vol":"2","page":659},{"text":"واختُلِفَ في المشرِكِينَ؛ لأنَّ المرتدَّ يُقتَلُ؛ فعُمَرُ يُخاطِبُ مَن زعَمَ الإسلامَ ولم يُؤمِنْ بالحجِّ، لا مَن دخَلَ الإِسلامَ وخرَجَ منه بتركِ الحجِّ تهاوُنًا.\nوإدراكُ عُذْرِ تارِكِ الحجِّ شاقٌّ؛ لأنَّه يُوكَلُ إلى الأفرادِ وأمانتِهم وديانتِهم؛ فموانعُ الحجِّ كثيرةٌ ظاهرةٌ وباطنةٌ، ومِن البواطنِ ما لا يُدرِكُهُ أحدٌ إلا صاحِبُه؛ ولهذا يُشدِّدُ الحاكمُ في أداءِ الحجِّ في الخِطاب، لا في العِقابِ.\nوقد جاء القولُ بكفرِ تارِكِ الحجِّ عن ابنِ مسعودٍ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ عندَ اللالكائيِّ؛ ولا يصحُّ، ورُوِيَ ذلك عن نافعٍ والحكمِ وإسحاقَ، وهو روايةٌ عن أحمدَ، وقولُ ابنِ حبيبٍ مِن المالكيَّةِ.\nوقولُه: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾: عَرَّفَ أحمدُ الاستطاعةَ بأنَّها الزادُ والراحلةُ مِن الموضع (١) يكونُ منه، وعَدَّ المَحْرَم للمرأةِ مِنَ السبيل، والاستطاعةُ تَختلِفُ بحسَبِ الحالِ والمكانِ؛ فالاستطاعةُ للمَكِّيِّ تختلفُ عنِ الآفَاقِيِّ، والآفاقِيُّونَ يختلِفونَ قُربًا وبُعدًا، وجامعُ الاستطاعةِ: سلامةُ البدن، والزادُ للجميع، والراحلةُ (لغيرِ المكيِّ)، ولم يَثبُتْ عن النبيِّ - ﷺ - في حدِّ الاستطاعةِ شيءٌ؛ لاختلافِ أحوالِ الناسِ وتبايُنِهم مَنزِلًا وحالًا، والواردُ في ذلك بين ضعيفٍ ومُرسَلٍ، وأَمْثَلُ شيءٍ في ذلك موقوفٌ صحيحٌ مِن حديثِ عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، وقد بيَّنْتُ ذلك في شرحِ حديثِ جابرٍ الطويلِ في صِفَةِ حَجَّةِ النبيِّ - ﷺ -.\n* * *\n_________\n(١) \"مسائل ابن منصور\" (١/ ٥١٥)، و\"مسائل عبد الله\" (١٩٧).","vol":"2","page":660},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].\nذكَرَ الله<span data-type=\"title\" id=toc-426> شريعةَ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ </span>آمِرًا بها، وربَطَ الفلاحَ بتحقُّقِها؛ فلا تُفْلِحُ أُمَّةٌ ليس فيها مُصلحونَ، وقولُهُ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ أمرٌ بقيامِ أُمَّةٍ بشعيرةِ النصيحةِ والإصلاح، وعَطْفُ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ على الدعوةِ إلى الخيرِ مِن عطفِ الخاصِّ على العامِّ؛ لأنَّ الأمرَ والنهيَ دعوةٌ.\n\nشريعةُ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ:\nوالأمرُ في الآيةِ يتوجَّهُ إلى الراعي والرعيَّة، الحاكمِ والمحكومِ؛ أنْ يُندَبَ منهم مَن يقومُ بحفظِ هذه الشعيرةِ؛ كما يُندَبُ منهم جُبَاةٌ للزكاةِ، وقُضاةٌ للحدودِ، وأئمةٌ للقيامِ بالصلاةِ، ومؤذِّنونَ للقيامِ بالأذانِ.\nفيجبُ على الحاكمِ أنْ يَصْطَفِيَ مِن أهلِ العِلم والأمانةِ والصبرِ للقيامِ بالحِسْبَة، ولو ترَكَ الحاكمُ ذلك وعطَّلَه أو قام به وقَصَّرَ في حقِّه، وجَبَ على العامةِ أنْ يَنْدُبُوا منهم مِن أهلِ العلمِ والأمانةِ مَن يقومُ بحقِّ الإصلاحِ والحِسْبَةِ؛ حتى لا يتواكَلَ الناسُ بعضُهم على بعضٍ؛ فيَنْتَشِرَ الشرُّ، ويَنقُصَ الخيرُ، وكلُّ واحدٍ يتَّكِلُ على الآخَرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>وجوبُ الحِسْبةِ:</span>\nوجَعْلُ الحاكمِ الحِسْبةَ في أُمَّةٍ مِن الناسِ لا يُسقِطُ تشريعَها على الكفايةِ عن الباقِينَ؛ لأنَّ تعيينَ مَن يقومُ بها يُوجِبُها عليه عَيْنًا، ولا يُسقِطُ التكليفَ عن غيرِه؛ لأنَّ الإصلاحَ والنصيحةَ مِن فُرُوضِ الأفراد، فمتى قامَ مُوجِبُها، تعيَّنَتْ؛ لِما في \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ","vol":"2","page":661},{"text":"أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ مرفوعًا؛ قال: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا، فَلْيُغَيِّرُهُ بِيَدِه، فَإنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِه، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ؛ وَذلك أَضْعَفُ الإِيمَانِ) (١)، فقيَّدَ رسولُ اللهِ وجوبَهُ بالرؤية، والرؤيةُ تقومُ في الأشخاص، متى رأَوُا المنكرَ، وجَبَ عليهم الأمرُ والنهيُ، ولو كان في الأمَّةِ مَن انتُخِبَ للحِسْبةِ.\nوربَّما اتَّخَذَ بعضُ الحُكَّامِ تعيينَ مُصلِحينَ يقومونَ بالإصلاحِ كما يُريدُ هو، لا كما يُريدُ اللهُ؛ فيجبُ على العالِمِ إتمامُ النقصِ، وسَدُّ الخَلَلِ بعلمٍ وصبرٍ؛ لِيَتِمَّ الحقُّ، ويَثْبُتَ الدِّينُ.\nولا يدومُ تمكينُ أُمَّةٍ ليس فيها مُصلِحونَ؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١]؛ فيَبتدِئُ التمكينُ لكنَّه لا يدومُ إلا بهذه الثلاثةِ: الصلاةِ والزكاةِ والإصلاحِ؛ فالصلاةُ صِلةٌ للعبدِ بربِّه، والزكاةُ صِلةٌ للعبدِ بأخِيه، والإصلاحُ حفظٌ لِحَقِّ ربِّه وحقِّ أخِيه.\nوالإصلاحُ ركنٌ في الإِسلامِ؛ كما جاء في خَبَرِ حُذَيْفةَ موقوفًا ومرفوعًا: (الإِسْلَامُ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ: الإِسْلَامُ سَهْمٌ، وَالصَّلَاةُ سَهْمٌ، وَالزَّكَاةُ سَهْمٌ، وَالحَجُّ سَهْمٌ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ سَهْمٌ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ سَهْمٌ، وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ سَهْمٌ، وَالجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ سَهْمٌ؛ وَقَدْ خَابَ مَن لَا سَهْمَ لَهُ) (٢)؛ والصوابُ الوقفُ.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٤٩) (١/ ٦٩).\n(٢) أخرجه أبو داود الطيالسي في \"مسنده\" (٤١٣) (١/ ٣٢٩)، وعبد الرزاق في \"مصنفه\" (٥٠١١) (٣/ ١٢٥)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٩٥٦١) (٤/ ٢٣٠).","vol":"2","page":662},{"text":"* قال تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١١٧].\nضرَبَ الله مثلًا لنفقةِ الكافرِ أنَّه لا يَتقبَّلُ منها شيئًا، والصِّرُّ هو البَرْدُ الشديدُ؛ قاله ابنُ عباسٍ وعكرمةُ وسعيدُ بنُ جُبيرٍ وغيرُهم (١).\nورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ ومجاهدٍ: أنَّه النارُ (٢).\nوسببُ عدمِ انتفاعِهم هم أنفسُهم؛ فاللهُ لم يَظلِمْهم، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، فهم لم يُقدِّموا العملَ للهِ وحدَهُ، وإنْ أخلَصُوا فيه لربِّهم، فهم لم يُقدِّمُوهُ لله؛ وإنَّما لغيرِه مِن الأربابِ مِن صنمٍ أو وثنٍ أو سلطانٍ، أو طلبًا لِلجاهِ والمَنزِلةِ؛ كما كان الناسُ يَفعلونَ في الجاهليَّةِ.\nوهذه الآيةُ نظيرُ قولِهِ تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨].\nوكلُّ مَن قدَّمَ عملًا في دُنياهُ لدُنياه، لم يُؤجَرْ عليه في أُخرَاه؛ ففي \"الصحيحِ\"، عن عائشةَ؛ قالتْ: قلتُ: يا رسولَ الله، ابنُ جُدْعَانَ كان في الجاهليَّةِ يَصِلُ الرحِمَ، ويُطعِمُ المسكينَ، فهل ذاك نافِعُهُ؟ قال: (لَا يَنْفَعُهُ؛ إِنَّهُ لم يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (٣).\nومِثلُ هذا قولُ النبيِّ - ﷺ - لابنةِ حاتمٍ الطائيِّ سَفَّانَةَ، حينَما ذكَرَتْ مكارمَ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٧٠٥، ٧٠٧)، و\"تفسير ابن المنذر\" (١/ ٣٤٣، ٣٤٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٧٤١).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٧٤١).\n(٣) أخرجه مسلم (٢١٤) (١/ ١٩٦).","vol":"2","page":663},{"text":"أبيها وأخلاقَهُ، فقال لها النبيُّ - ﷺ -: (لَوْ كَانَ أَبُوكِ مُسْلِمًا، لتَرَحَّمْنَا عَلَيْه، خَلُّوا عَنْهَا؛ فَإِنَّ أَبَاهَا كَانَ يُحِبُّ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ، وَالله يُحِبُّ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ) (١).\nوذلك أنَّ مِن الكفارِ والمسلِمِينَ مَن يفعلُ الإحسانَ بلا إخلاصٍ؛ وإنَّما لِما جُبِلَ عليه الإنسانُ مِن حبِّ الخيرِ ودفعِ الشرِّ مِن إغاثةِ الملهوفِ وإكرامِ الضيفِ؛ فهذا لا يُقبَلُ ممَّن لم يَحتَسِبْهُ ولو كان مسلِمًا؛ فكيف بكافرٍ أراد بعملِه الجاهَ والسُّمْعةَ والذِّكْرَ؟ !\nفلا ينتفِعُ الكافرُ بعملِهِ الصالحِ في الدُّنيا، لانتفاءِ القصدِ في العمل، وانتفاءِ الإسلامِ مِن العاملِ؛ ولذا قال تعالى قَبلَ هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٦]، فذكَرَ استحقاقَهُمُ النارَ لكفرِهم، بعدَما ذكَرَ عدمَ انتفاعِهم بعملِهم في الدُّنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>ما يُكْتَبُ للكافِرِ من عملِهِ الصالِحِ بعد إسلامه:</span>\nوإذا أسلَمَ الكافرُ وقد سبَقَ منه عملُ خيرٍ حالَ كُفْرِه، فالأعمالُ التي عمِلَها حالَ الكفرِ على نوعَيْنِ:\nالنوعُ الأولُ: أعمالٌ أخلَصَ فيها للهِ ولو كان في نفسِهِ كافرًا؛ فإنَّ المشرِكينَ لهم أعمالٌ ودعواتٌ يُخلِصُونَ بها للهِ ولو كانوا باقِينَ على الشركِ؛ فالله لا يَقْبَلُها لكفرِهم وإنْ أخلَصُوا فيها؛ لأنَّ الكفرَ يمنَعُ رفعَ العملِ وقَبُولَهُ؛ فهذا النوع مِن العملِ يُحسَبُ لصاحِبِهِ ويُقبَلُ منه بعدَ إسلامِه؛ لِما جاءَ في \"الصحيحينِ\"، عن حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ؛ أنَّه قال للنبيِّ - ﷺ -: أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بها فِي الجَاهِلِيَّة، هَلْ لِي فِيهَا مِن شَيْءٍ؟ فقال له رسولُ اللهِ - ﷺ -: (أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ) (٢).\n_________\n(١) \"دلائل النبوة\" للبيهقي (٥/ ٣٤١).\n(٢) أخرجه البخاري (١٤٣٦) (٢/ ١١٤)، ومسلم (١٢٣) (١/ ١١٣).","vol":"2","page":664},{"text":"وإذا أخلَصَ مِن عمَلِه شيئًا حالَ كُفْرِه، فيُعَجَّلُ له نفعُهُ في الدُّنيا فيَستَمتعُ بنعيمِهِ فيها قَبلَ الآخِرةِ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠].\nالنوعُ الثاني: أعمالٌ أشرَكَ بها حالَ كُفْرِه، فجعَلَها لمعبودِه؛ أو أشرَكَ اللهَ مع معبودِه؛ فهذه لا يَقبَلُ الله منها شيئًا ولو كثُرتْ؛ لِظاهِرِ الآية، ولِما جاءَ في \"الصحيح\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال - ﷺ -: (قَالَ الله - ﵎ -: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ؛ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) (١).\nوهذه لا تُقبَلُ مِن المُسلِمِ المُرائِي، فضلًا عن الكافرِ الأصليِّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>إحباطُ عمل المرتدِّ:</span>\nومَن عَمِلَ صالحًا وهو مسلِمٌ مخلِصًا ثمَّ ارْتَدَّ، حَبِطَ عملُهُ بلا خلافٍ؛ لقولِهِ تعالى في الكافرينَ: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقولِهِ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥]، وقولِهِ: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]، وقولِهِ: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٤٧]، وقولِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]، وقولِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ١٩].\nوقولِهِ تعالى عن أَعْلَى الناسِ منزِلةً وهم الأنبياءُ: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥].\nوإنَّما وقَعَ الخلافُ فيمَن عَمِلَ صالحًا وهو مؤمنٌ، ثمَّ ارتَدَّ، ثمَّ رجَعَ إلى الإسلامِ؛ فهل يَرجِعُ إليه عملُهُ الصالحُ السالفُ حالَ إسلامِه؟\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٩٨٥) (٤/ ٢٢٨٩).","vol":"2","page":665},{"text":"تقدَّمَ الكلامُ على هذا في سورةِ البقرةِ عندَ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>توبةُ المرتَدِّ ورجوعُ عملِهِ الصالحِ الحابطِ:</span>\nوعملُ الكافرِ الصالحُ الذي يُخلِصُهُ للهِ وهو مشرِكٌ، فهذا يُعجَّلُ له نفعُه في الدُّنيا، وليس له في الآخِرةِ به مِن نصيبٍ، ومَن عَمِلَ شيئًا وأشرَكَ مع اللهِ فيه غيرَهُ وهو مشرِكٌ، فلا يَلحَقُهُ نفعُه في الدُّنيا والآخِرةِ؛ وهذا ظاهرُ قولِه تعالى: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧].\nوالله يرزُقُ الكافرَ كما يرزُقُ الحيوانَ؛ لأنَّ هذا مُقتضَى ربوبيَّتِه، فخَلَقَ الخَلْقَ وهو المتكفِّلُ بهم، وأصلُ الرزقِ مِن لوازمِ الربوبيَّة، لا مِن لوازم الألوهيَّة، وإن كان للهِ رزقٌ لمَن أطاعَهُ، ومنعٌ لِمَنْ عصاهُ؛ فهذا الرزقُ والمنعُ الخاصُّ وليس هو العامَّ، وقد سمَّى اللهُ نفسَهُ بـ (خيرِ الرازِقِينَ)؛ لأنَّه يرزقُ الكافرَ والمؤمنَ؛ لأنَّه ربُّهم جميعًا، وخَلْطُ كثيرٍ مِن العامَّةِ في هذا البابِ دفَعَ بعضَهم إلى الإلحاد، فيرَوْنَ الكافرَ يُرزَقُ مع كفرِه، ويرَوْنَ المؤمنَ يُحرَمُ مع إيمانِه، ويظنُّونَ أنَّ الرزقَ مِن لوازمِ الألوهيَّة، وهذا خطأٌ؛ فنعيمُ الدُّنيا مِن لوازمِ ربوبيَّتِه، ونعيمُ الآخِرةِ مِن لوازمِ ألوهيَّتِه؛ فالكافرُ في النار، والمؤمنُ في الجنةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>دعوةُ الكافِرِ المظلوم:</span>\nولهذا يستجيبُ اللهُ للكافرِ دعاءَهُ إذا كان مظلومًا، ولا ينظُرُ إلى دِينِه؛ كما يُروى في الحديثِ: (اتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلُومِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا) (١)؛ لأنَّ عَدْلَهُ في كونِهِ مِن ربوبيَّتِهِ كما أنَّه مِن ألوهيَّتِه؛ حتى تستقيمَ الحياةُ فلا\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٢٥٤٩) (٣/ ١٥٣).","vol":"2","page":666},{"text":"تفسُدَ، فيُجْرِي الله عَدْلَهُ وانتصارَهُ للمظلومِ حتى في الحيوانِ؛ كما في \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا؛ قال رسولُ اللهِ: (لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ القِيَامَة، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الجَلْحَاء، مِنَ الشَّاةِ القَرْنَاءِ) (١)، وَيُروى في الأثرِ: \"لو أنَّ جَبَلًا بَغَى على جَبَلٍ، لَدَكَّ اللهُ البَاغِيَ منهما\" (٢).\nويستجيبُ اللهُ للكافرِ المظلومِ دَعْوَتَهُ ولو على مسلِمٍ؛ لِمُقتضَى عدلِهِ سبحانَهُ في كونِه.\nلهذا قد يستقيمُ عيشُ الكافرِ بالعدلِ كاستقامةِ عيش الحيوانِ، ولكنْ لا تستقيمُ آخرتُهُ إلا بالإِسلام، وبالإسلامِ تستقيمُ الحياةُ الدُّنيا والآخِرةُ جميعًا، وبمقدارِ النقصِ في الإسلامِ يكونُ الميلُ في استقامةِ الحياتَيْنِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>المظالِمُ التي تكونُ بين الكافِرِ والمسلمِ:</span>\nوأمَّا حقوقُ الكافرِ التي على المسلمِ في الدُّنيا، فإنْ لم يُعجِّلِ الله للكافرِ حقَّه في الدُّنيا بعقوبةِ المسلم، أو رزقِ الكافرِ بنعيم دنيويٍّ عاجلٍ، فيُحاسَبُ عليها المسلمُ يومَ القيامةِ؛ فتَنقُصُ مِن حسناتِهِ فتُؤخَذُ منه، ولا تُوضَعُ للكافرِ ولا ينتفِعُ بها؛ لأنَّ الحسناتِ المأخوذةَ هي جزاءُ عملٍ صالحٍ للمسلمِ في الدُّنيا، فلو كانت مِن عملِ الكافرِ نفسِه، لم تُقبَلْ منه، فلا يأخذُها اللهُ مِن المسلمِ لِيُعطيَها الكافرَ لِينتفِعَ بعملِ غيرِهِ وهو لا ينتفِعُ\nبعملِ نفسِه، ولكنَّه يُحرَمُ نفْعَها لكفرِه، ويكونُ ما نزَلَ به في الدُّنيا مِن عمومِ العقوبةِ والبلاءِ الذي يُقدِّرُهُ اللهُ عليه مِن مرضٍ وخوفٍ، وهمٍّ وحزنٍ؛ فيَطُولُ عمرُ كافرٍ وَيقْصُرُ عمرُ آخَرَ، وَيمرَضُ كافرٌ ويَصِحُّ آخَرُ كحالِ البهائمِ، مع أنَّ ظُلمَهُ محرَّمٌ ويُعاقَبُ عليه الظالمُ ولو كان مسلمًا،\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٥٨٢) (٤/ ١٩٩٧).\n(٢) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٥٨٨)، عن ابن عباس.","vol":"2","page":667},{"text":"كظُلْمِ الإنسانِ المسلِمِ للبهيمةِ بقتلِها صَبْرًا، أو حرقِها وهي حيةٌ وتعذيبِها، يُعاقَبُ على فَعْلَتِهِ تلك يوم القيامة، ولكنْ لا يَلزَمْ مِن عقوبتِه انتفاعُ البهيمةِ بذلك يومَ القيامةِ بدخولِ الجنةِ والنعيمِ فيها، والكافرُ مِن بابِ أَولى.\nوإذا كان للمسلمِ على الكافرِ مَظلِمةٌ دنيويَّةٌ، فتُؤخَذُ مِن سيِّئاتِ المسلمِ وتُوضَعُ على الكَافرِ؛ لأنَّه لا حسناتِ عندَه تنفعُ المؤمنَ في آخِرتِه.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨].\nالبطانة هي أقربُ الأشياءِ إلى الإنسان، وأصلُ التسميةِ تُطلَقُ لِمَا وَلِيَ بَطْنَهُ مِن ثيابِه؛ فاللِّباسُ على نوعَيْنِ: ظاهرٍ، وباطنٍ، واللباسُ الباطنُ يُسمَّى بِطَانةً؛ لأنَّه ممَّا يَلِي بَطْنَه.\nوبطانةُ الرجلِ هم خاصَّةُ أهلِهِ الذين يَطَّلِعُونَ على سِرِّه وخَوَاصِّ أمْرِه؛ مِن زوجةٍ، وولدٍ، وأخٍ، وصاحِبٍ مُلازِمٍ، وأمينِ سرٍّ ومالٍ وعهدٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>اتخاذُ البِطَانةِ:</span>\nوقد نَهَى الله عمومَ المؤمنينَ عن اتِّخاذِ مَن عادَى اللهَ بِطَانةً، سواءٌ كان ممَّن يُظهِرُ الإِسلامَ مِن المنافِقينَ وأهلِ الظلمِ والفُجُورِ والفِسْقِ والبِدْعَةِ، أو مِن الكافِرينَ الظاهِرينَ، وكلُّ ذلك داخلٌ في الآية، وقد ذكَرَ المُفسِّرونَ مِن السلفِ جميعَ ذلك في معنَى البطانةِ في هذه الآيةِ.\nقال ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ وقتادةُ والحَسَنُ والسُّدِّيُّ وغيرُهم: هم المنافِقونَ.","vol":"2","page":668},{"text":"ويُروى عن أنسٍ: أنَّهم المُشرِكونَ.\nأخرَجَهُ عنهم ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ (١).\nوقال ابنُ عباسٍ ومحمدُ بنُ إسحاقَ: هم اليهودُ.\nرواهُ عن ابنِ عباسٍ: ابنُ جريرٍ (٢)، وعن ابنِ إسحاقَ: ابنُ المنذرِ (٣).\nوكلُّ ذلك مِن تنوُّعِ التفسيرِ، لا مِن تعارُضِه.\nولا يدخُلُ في معنى البطانةِ مؤاجَرةُ الكافرِ ومعاقدتُهُ في البيعِ والشراءِ؛ فهذا لا أثَرَ فيه على المسلِمِينَ، ولا عُلُوَّ للكافرِ فيه على المؤمِنِينَ، ولا ضرَرَ عليهم منه، وهو مباحٌ بلا خلافٍ، وقد مات النبيُّ - ﷺ - ودِرْعُهُ مرهونةً عندَ يهوديٍّ.\nوإنَّما البِطَانة هي اتِّخاذُهُ واليًا أو مستشارًا أو خازنًا للمالِ، وكلَّما كانتِ الولايةُ والاستشارةُ والخزانةُ أكبَرَ، كان أثرُها أشَدَّ وتحريمُها أعظَمَ.\nويدخُلُ في البطانةِ الكاتبُ، وأشَدُّ أنواعِهِ: كاتبُ الأسرارِ للحاكمِ والأميرِ؛ روى البيهقيُّ، عن عِياضٍ الأَشعَرِيِّ؛ أنَّ أبا موسى - ﵁ - وفَدَ إلى عمرَ بنِ الخطَّابِ - ﵁ -، ومعه كاتبٌ نصرانيٌّ، فأَعْجَبَ عمرَ - ﵁ - ما رأَى مِن حِفْظِه، فقال: قُلْ لكاتبِكَ يقرأُ لنا كتابًا، قال: إنَّه نصرانيٌّ لا يدخُلُ المسجِدَ، فانْتَهَرَهُ عمرُ - ﵁ -، وهَمَّ به، وقال: لا تُكرِمُوهُمْ إذْ أهانَهُمُ الله، ولا تُدْنُوهم إذْ أَقْصَاهُمُ اللهُ، ولا تأتَمِنُوهم إذْ خوَّنَهم الله (٤).\nوالعِلَّةُ في ذلك: ألَّا يَخُونَ أمانتَهُ فيَعظُمَ أثرُ الضررِ به، وكذلك\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٧٠٩، ٧١١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٧٤٢، ٧٤٣).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٧٠٩).\n(٣) \"تفسير ابن المنذر\" (١/ ٣٤٥).\n(٤) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٢٧).","vol":"2","page":669},{"text":"حتى لا يتأثَّرَ الناسُ بدِينِه، فيظُنُّوا أنَّ قُربَهُ للسلطانِ والحاكمِ لأجلِ دِينِه، فيُعجَبون به؛ لأنَّ الناسَ تُريدُ القُرْبَ مِن السلطانِ وتُحاكِي حاشيتَهُ وبِطانَتَه، وربَّما البطانةُ الكافرةُ والمنافقةُ تُحسِنُ مرةً ومراتٍ، وعامًا أو أعوامًا، وإذا أساءَتْ، تَرَبَّصَت فأثْخَنَتْ وضَرَّتْ وهَدَمَتْ إحسانَها في أعوامٍ؛ وذلك لأنَّها تُحسِنُ حبًّا لدُنياها وحُظْوتِها ومكانتِها، فإذا خَشِيَتِ الزوالَ أو خافتْ على نفسِها، لم يكنْ لها دِينٌ يَصُونُ رَأْيَها وفِعْلَها.\nوكذلك: فإنَّ عدمَ اتِّخاذِهم مِن تعظيمِ اللهِ وإجلالِه؛ فلا يُقرَّبُ مَن أَبْعَدَهُ اللهُ، ولا يُؤتَمَنُ مَن خوَّنَه اللهُ، ولا يُصدَّقُ مَن كذَّبَه اللهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>أنواعُ البطانةِ:</span>\nوالبطانةُ على نوعَيْنِ: بطانةُ تخييرٍ، وبطانةُ تقديرٍ:\nالأُولى: بطانةُ تخييرٍ؛ وهي مَن يَملِكُ الإنسان اتِّخاذَها باختيارِهِ وإرادتِه؛ فلا يجوزُ للمسلمِ أنْ يتَّخِذَ بطانةً مِن الكافِرينَ والمنافِقينَ.\nالثانيةُ: بطانةُ تقديرٍ؛ وهي التي يَبتَلِي اللهُ بها الإنسانَ بلا اختيارٍ منه؛ فتقرُبُ منه طلبًا للمصلحةِ وتسلُّلًا إلى دِينِهِ ودُنياهُ لِتَنتفِعَ منه، وهي مِن جُمْلةِ الابتلاءِ الذي يُقدِّرُهُ اللهُ على العبدِ؛ كالأمراضِ والأَسْقَامِ، والمصائب والهمومِ والجراحاتِ؛ فهذا النوعُ ابتلاءٌ وامتحانٌ يقعُ حتى للأنبياءِ والأولياءِ؛ ففي البخاريّ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيّ، عن النبيِّ - ﷺ -؛ قال: (مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ، ولا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ، إِلَّا كانت لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْه، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ تَعَالَى) (١).\nفالأنبياءُ لا يَختارُونَ بطانةَ الشرِّ، ولكنْ يُبتَلَوْنَ بها، يتقرَّبونَ منهم\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٧١٩٨) (٩/ ٧٧).","vol":"2","page":670},{"text":"لِيُصِيبُوا مِن دُنياهم وَيأمَنُوا بقُرْبِهم؛ كما كان يفعلُ المنافِقونَ بقُربِهم مِنَ النبيِّ - ﷺ -؛ كعبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ وغيرِه.\nوالواجبُ في البطانةِ الأولى: عدمُ التقريبِ والاصطفاءِ.\nوالواجبُ في البطانةِ الثانيةِ: توقِّيها عندَ الابتلاءِ بها؛ لأنَّها قدَرٌ، كما يَتوقَّى الإنسانُ البلاءَ؛ مِن مرضٍ وخوفٍ، وهمٍّ، وحرٍّ وبردٍ.\nويجوزُ في البطانتَيْنِ العَطِيَّةُ والهديَّةُ كفايةً للشرِّ، وأَمْنًا مِن المَكْر، وتأليفًا للقلبِ؛ لِيَقْرُبُوا مِن الحقِّ، ويَبتعِدُوا عن الباطلِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>ولايةُ الكافِرِ:</span>\nوفي قولهِ تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ دليلٌ بالأَولى على عدمِ جوازِ توليةِ الكافرِ ولايةً على المسلِمِينَ، فإنْ كان اللهُ قد نَهَى عنِ اتِّخاذِهِ بِطَانةً للمؤمن، وخاصةً صاحِبَ الولاية، فكونُ الكافرِ يُجعَلُ بنفسِهِ صاحبَ ولايةٍ أَوْلى بالنَّهْيِ؛ لأنَّه ما نُهِيَ عن البطانةِ إلا خوفًا مِن تقريبِ صاحبِ الولايةِ واصطفائِهِ له، فيُبدِي رأيَ سَوْءٍ فيَخُونُ، أو يَقتدِي به مَن يراهُ فيَتشبَّهُ به؛ وهذا في صاحبِ الولايةِ أصلٌ، والكافرُ لا يكونُ واليًا على مؤمنٍ إلا مُكْرَهًا.\nوقولُه تعالى: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾؛ يعني: مِن دونِ المؤمِنينَ، فتتَّخِذُونَ بطانةً منافقةً أو كافرةً مِن دونِ أهلِ الإيمانِ أهلِ ملَّتِكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>مجالسةُ الكافِرِ والمنافِقِ:</span>\nوفي الآيةِ: دليلٌ على جوازِ مجالسةِ الكافرِ والمنافقِ؛ لِقَصْرِ النهيِ في الآيةِ على اتِّخاذِهم بطانةً، وهو تقريبُهم، أمَّا معاملتُهم ومجالستُهم العارضةُ؛ لتعليمِهم وتوجيهِهم، وتأليفِهم وتأمينِهم؛ للأمنِ مِن مَكْرِهم، فقد كان النبيُّ - ﷺ - يُجالِسُ الصادقَ والمنافقَ، والصالحَ والفاسقَ،","vol":"2","page":671},{"text":"والمؤمنَ والكافرَ، ولكنْ لا يتَّخِذُ بطانةً إلا أهلَ الحقِّ، ولا يقولُ إلا حقًّا، والمفاصلةُ بينَ المسلمِ والكافرِ والفاسقِ والمنافقِ بكلِّ حالٍ ليس مِن الفقهِ في الدِّين، بل مِن صنعِ أهلِ الغلوِّ والجهلِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>الاستعانةُ بالكافِرِ في الحربِ:</span>\nوأمَّا الاستعانةُ بالكافِرِ في الحربِ؛ إنْ كان في قتالِ مسلِمينَ، فلا يجوزُ، وإنْ كان في قتالِ كفارٍ آخَرِينَ، فعلى حالينِ:\nالأُولى: إذا كان النفعُ بتلك الاستعانةِ للكافرينَ أكثرَ مِن المؤمنينَ، وهم رأسٌ، والمسلِمونَ تَبَعٌ لهم، فيتقوَّى بها الكفرُ ويضعُفُ الإسلامُ، فلا يجوزُ بالاتِّفاقِ؛ لأنَّ هذا مظاهرةٌ صريحةٌ لتقويةِ الكفرِ على الإسلامِ.\nالثانية: إذا كان النفعُ لأهلِ الإِسلامِ أكثرَ، ونفعُ الكفارِ دونَ ذلك، والمسلِمونَ رأسُ الأمر، والكفارُ لهم تَبَعٌ، ففي المسألةِ خلافٌ:\n- ذهَبَ مالكٌ: إلى عدمِ جوازِ الاستعانةِ بالكافرِ في الحربِ؛ لعمومِ الآياتِ في النهيِ عن اتِّخاذِهِمْ بطانةً وأولياءَ، ولِما في \"الصحيحِ\"، عن عائشةَ - ﵂ -؛ أنَّ رجلًا مِن المشرِكِينَ كان ذا جرأةٍ ونَجْدَةٍ جاءَ إلى النبيِّ - ﷺ - يومَ بدرٍ يستأذِنُهُ في أنْ يُحارِبَ معه، فقال - ﷺ - له: (ارْجِعْ؛ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ) (١).\n- وذهَبَ جمهورُ الفقهاءِ: إلى الجوازِ بقيودٍ وشروطٍ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ، واختلَفُوا في قَدْرِ هذه الشروطِ ونوعِها، والأصحُّ جوازُ الاستعانةِ في هذه الحالِ بشروطٍ:\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٨١٧) (٣/ ١٤٤٩).","vol":"2","page":672},{"text":"الأولُ: إذا كان في المسلِمينَ عجزٌ عن الاستقلالِ بأنفسِهم في قتالِ كفارٍ مُعتدِينَ أو مُتربِّصِينَ.\nالثاني: إذا كان المسلِمُونَ أهلَ حَلٍّ وعَقْدٍ في أمرِ الحَرْبِ، وهم رأسُ الأمر، والكفارُ لهم تَبَعٌ؛ كالأجَرَاءِ عندَ السيِّدِ.\nالثالثُ: أنْ يكونَ عددُ الكفارِ قليلًا؛ فلا شَوْكةَ لهم مُنفَرِدِينَ في الحربِ؛ حتى لا يَأتُوا أهلَ الإسلامِ على غِرَّةٍ عندَ النصرِ؛ فيَستَبِيحُوا حُرُماتِهم.\nالرابعُ: أنْ يكونَ الكافرُ المستعانُ به مأمونَ الأمر، لا يُعرَفُ بخيانةٍ ولا مخادعةٍ؛ فيُفشِي سرًّا للعدوِّ فيتضرَّرُ المسلِمونَ بذلك.\nوأمَّا قولُ النبيِّ - ﷺ - في غزوةِ بدرٍ: (فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ)، فهذا لانتفاءِ بعض تلك الشروطِ؛ فهو واحدٌ لا يُحتاجُ إليه، وفي المسلِمِينَ غُنْيَةٌ وكفايةٌ عنه؛ ويُؤيِّدُ هذا أنَّ النبيَّ - ﷺ - قد استعانَ بالكفارِ بعدَ ذلك؛ كاستعانتِهِ بيهودِ بني قَيْنُقَاعَ وقد قَسَمَ لهم، واستعانَ بصفوانَ بنِ أُمَيَّةَ في هَوَازِنَ، فلا يُقالُ بنسخِ حديثِ غزوةِ بدرٍ لأخبارِ خَيْبَرَ وحُنَيْنٍ وهي بعدَها.\nوالأمرُ مقرونٌ بالسياسةِ والحاجةِ، والضرورةُ يَحْكُمُها أهلُ العلمِ بحَسَبِ النوازلِ واختلافِها، وقد كان النبيُّ - ﷺ - في أولِ أمرِه يَستَنصِرُ بكافرٍ على كافرٍ؛ لعدمِ وجودِ المسلِمِ المُعِين، كانتصارِهِ بعمِّه أبي طالبٍ على قريشٍ، وكلُجُوءِ الصحابةِ إلى النجاشيِّ وكان نصرانيًّا مِن أذيَّةِ قريشٍ؛ لعدمِ وجودِ مسلم يُعِينُ، وقد استأجَرَ النبيُّ - ﷺ - الدليلَ الكافرَ كما في هِجْرَتِه، وهذا تَحْكُمُهُ الحاجةُ والعلمُ والديانةُ، لا الأهواءُ واتِّخاذُ الكافرينَ أولياءَ.\n* * *","vol":"2","page":673},{"text":"* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠].\nكان أهلُ الجاهليَّةِ يتبايَعونَ إلى أجَلٍ، فإذا أعسَرَ المشتري، فإنهم يَزيدُونَ في الأجَلِ، ثمَّ يَزيدُونَ في الدَّيْنِ، وَيزيدُونَ في الدَّيْنِ كلَّما زادُوا في الأجَلِ؛ وهذا كما أنَّه عندَهم في البيوع، كذلك يفعَلُونَهُ في القُرُوضِ.\nفأمَّا البيوعُ: فمَنْ بايَعَ رجلًا إلى أَجَلٍ بقيمةِ كذا، لَزِمَتْهُ القيمةُ في ذلك الأجَل، وإنْ طلَبَ الإمهالَ، فلا يُزادُ في القيمةِ؛ لأنَّ ذلك رِبًا، فالزِّيادةُ جاءتْ على الثمنِ الباقي في ذِمَّةِ المشتري حتى وإنْ كان أصلُ العقدِ بيعًا؛ لأنَّ القيمةَ تَحَوَّلَتْ إلى دَيْنٍ في الذِّمَّة، فيجوزُ التواطُؤُ على قيمةٍ للأجَلِ عندَ عقدِ البيع، ولا يجوزُ الزيادةُ في الدَّين، كلَّما زادَ الأجَلُ بعدَ العقدِ؛ كما كان يفعل أهلُ الجاهليَّةِ عندَ تبايُعِهم إلى أجَلٍ، فيَخْرُجونَ عن حدِّ المُباحِ عندَ العقدِ إلى الزِّيادةِ عليه؛ كلَّما زادَ الأجَلُ بعدَ العقدِ، فيَضُرُّ بالمُعسِرِ كلَّما تأخَّرَ، وقد أرشَدَ اللهُ في ذلك إلى الإِنْظَارِ وأثابَ عليه.\nفقد روى ابنُ جريرٍ وابنُ المُنذر، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ؛ قال: كانت ثقيفٌ تَدَّايَنُ في بَنِي المُغيرةِ في الجاهليَّة، فإذا حَلَّ الأجَلُ، قالوا: نَزِيدُكم وتُؤخِّرونَ؟ فنزَلَتْ: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (١).\nلأنَّ الزيادةَ في ذلك إدخالٌ لعقدٍ على عقدٍ آخَرَ، وبيعُ البائعِ الأولِ سلعةً لا يَملِكُها؛ لحيازةِ المشترِي لها، فهو يَملِكُ قيمةً ليستْ مقبوضةً بيدِه ولا قادرًا على تسليمِها لو أرادَ إقراضَها لغيرِ المشترِي لسلعتِه التي\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٥٠)، و\"تفسير ابن المنذر\" (١/ ٣٧٨).","vol":"2","page":674},{"text":"عاِقَدَهُ عليها، ثمَّ إنَّه لا يَملِكُ السلعةَ بعينِها، فله حقُّ قيمةٍ في الذِّمَّةِ فحَسْبُ.\nروى ابنُ المُنذِر، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ؛ قال: \"كانوا يتبايَعُونَ إلى الأَجَل، فإذا حَلَّ الأجَلُ، باعُوا إلى أجَلٍ آخَرَ؛ فنزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>زيادةُ الدَّيْنِ مقابِلَ الأجلِ:</span>\nفإنْ طلَبَ الزيادةَ في المالِ لأجْلِ الزيادةِ في الأجَل، فذلك مُحرَّمٌ؛ لأسبابٍ؛ منها:\nالأولُ: لأنَّه يَرى أنَّه باعَ السلعةَ بيعًا جديدًا، وهو لا يَملِكُها كي يبيعَها، والسلعةُ ملكٌ للمشترِي لا للبائعِ الأولِ.\nالثاني: لأنَّه لو مَلَكَ السلعةَ، لم تكنْ مقبوضةً لدَيْه، ولا مالكًا للتصرُّفِ فيها، ولا قادرًا على تسليمِها لو أرادَ بيعَها على غيرِ المشترِي الأولِ لها.\nالثالثُ: لأنَّ الحقَّ أنَّ عقدَ الأجَلِ والزيادةَ عليه إنَّما نزَلَ على حقِّه مِن المالِ الذي بيدِ المشترِي؛ وهذا الرِّبا الصريحُ.\nالرابعُ: لأنَّ المالَ الذي له في ذِمَّةِ المشترِي لم يكنْ في تصرُّفِهِ ولا في قبضتِه، وإنْ كان داخلًا في حقِّه في ذِمَّةِ غيرِه، كحالِ الميراثِ الذي لم يُقْسَمْ ولم يَقبِضْهُ الورثةُ ولو كان حقًّا لهم، لا يجوزُ لهم التبايُعُ فيه حتى يَقْبِضُوهُ ويَملِكُوا التصرُّفَ فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>حكمُ التورُّقِ:</span>\nواختلَفَ العلماءُ في عرضِ السلعةِ للبيعِ عاجلًا بكذا، وآجِلًا بأكثرَ:\n_________\n(١) \"تفسير ابن المنذر\" (١/ ٣٧٧).","vol":"2","page":675},{"text":"فمنهم مَن قال: بالجوازِ.\nومنهم مَن قال: بالمنعِ؛ لدخولِ الزيادةِ في الثمنِ على الأجَلِ؛ للشُّبْهةِ فيه مِن رِبا الجاهليَّةِ.\nوفي هذه المسألةِ كلامٌ طويلٌ، ليس هذا مَوْضِعَهُ.\nوهذا بخلافِ ما لو عرَضَ السلعةَ بقيمةٍ واحدةٍ آجِلةً وعاجلةً؛ فهذا جائزٌ عندَ الجميع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-440>الزيادةُ في الدُّيُونِ:</span>\nوأمَّا الديونُ: فمَنْ أقرَضَ أحدًا مالًا، فليس له أنْ يأخُذَ على القرضِ زيادةً عندَ العقدِ ولا بعدَهُ لأَجْلِ الزيادةِ في الأَجَلِ أو لغيرِه؛ فكلُّ قرضٍ جَرَّ نفعًا فهو رِبًا، ولو كان رُبُعَ درهمٍ، أو كان مِن غيرِ جنسِ الدَّيْنِ؛ كمَنْ يُقرِضُ دَرَاهِمَ ويطلُبُ الدراهمَ وفوقَها شاةً أو أرضًا أو ثمرًا؛ فهذا ربًا بالاتِّفاقِ.\nوقولُه تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ نهيٌ واصفٌ للحالِ التي كان عليها أهلُ الجاهليَّة، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الرِّبا يَعْظُمُ إثمًا بمقدارِ المضاعَفةِ في أَخْذِهِ؛ فالضِّعفانِ أعظَمُ مِن الضِّعْف، وكلَّما زادَ التضعيفُ، زادَ التأثيمُ، وليس في الآيةِ إشارةٌ إلى تهوينِ الرِّبَا في غيرِ الضِّعْف، فضلًا عن جوازِه فيما دونَ ذلك، وقد رُوِيَ في الخبرِ أنَّ درهمَ الرِّبا أعظمُ مِن الزِّنى، وله طرقٌ مرفوعًا وموقوفًا ومقطوعًا، وإنْ كانت ضعيفةً؛ فإنَّ معناهُ صحيحٌ، وليس هذا تهوينًا للزِّنى؛ بل هو تعظيمٌ للرِّبا.\nوقد تقدَّمَ الكلامُ حولَ الرِّبا وشيءٍ مِن أحكامِه في سورةِ البقرةِ عندَ آياتِ الرِّبا.\n* * *","vol":"2","page":676},{"text":"قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].\nذكَرَ اللهُ فَضْلَ المُنفِقينَ، وذكَرَ فضلَ النفقةِ في الشِّدَّةِ واللِّين، والسَّعَةِ والضِّيق، والقُدْرةِ والعَجْز، والقُوَّةِ والضَّعْفِ؛ إشارةً إلى تَوَارُدِ الحالِ عليه؛ فلا يَقبِضُ خوفَ الفقر، ولا يبسُطُ إذا أمَّلَ الغِنى، وهذا حالُ أهلِ اليقينِ؛ يَثْبُتُونَ على الطاعةِ ما قَدَرُوا عليها، وكلَّما كانتِ الحالُ أَشَدَّ، فالعملُ فيها أعظَمُ، وكلَّما كان الإنسانُ في السرَّاءِ إلى اللهِ أقرَبَ، كان اللهُ إليه في الضَّرَّاءِ أقرَبَ، وأقرَبُ الناسِ إلى اللهِ الثابتُ في سرِّه وعلانيتِه، وسرَّائِهِ وضرَّائِهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>تلازُمُ كظمِ الغيظِ معَ النفقاتِ:</span>\nوذَكَر اللهُ كَظْمَ الغيطِ مع ذِكرِهِ النفقةَ؛ تحذيرًا ممَّن يُنفِقُ لِحَظِّ نفسِه؛ فيُنفِقُ على مَن يَرْضَاهُ، ويُمسِكُ عمَّن لا يرضاهُ، وهذا مِن دقيقِ الرِّياءِ، وممَّا يَنقُصُ العملَ أو يُبطِلُهُ ويُذهِبُ بَرَكَتَهُ، وكثيرًا ما يفعلُ الإنسانُ ويظُنُّ أنَّه يفعلُهُ لله، وهو يفعلُهُ لحظِّ نفسِهِ وهَوَاهُ، وربَّما يَعرِفُ بعضُ الصالحينَ مواضعَ الرِّياءِ في العمل، ويَخْفَى عليه مواضعُ الرياءِ في التَّرْك، فيترُكُ لغيرِ اللهِ ويظُنُّ أنَّه لله، وإنَّما هو انتصارٌ لنفسِه، فمَن آذَاهُ، مَنَعَهُ النفقةَ، ومَن أحسَنَ إليه، أَحبَّهُ وأنفَقَ عليه، والنفقةُ حقٌّ للهِ وللمحتاجِ لا للغنيِّ، فيجبُ أنْ يتخلَّى الغنيُّ عن جميعِ حظوظِ النفسِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-442>فضلُ كظمِ الغيظِ:</span>\nوقولُه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾؛ أي: لا يُؤثِّرُ ذلك على فِعْلِهم ولا على تركِهم قبلَ غيظِهم، وأعظَمُ الكاظِمينَ للغيظِ أجرًا أَقْدَرُهم على الانتقام، وأمَّا الكاظمُ لغيظِهِ غيرُ القادرِ على الانتصارِ لنفسِه، فَيُؤجَرُ على قدرِ كَظْمِهِ لغيظِهِ وحَبْسِهِ لِما يَقدِرُ عليه؛ فأقلُّ الناسِ يقدرُ على الانتصارِ","vol":"2","page":677},{"text":"لنفسِهِ باللسانِ بالسَّبِّ واللعن، والبهتانِ والغِيبة، ويُؤجَرُ على كظمِهِ لها؛ ففي \"المسنَدِ\" و\"السننِ\"؛ مِن حديثِ معاذِ بنِ أنسٍ؛ قال - ﷺ -: (مَن كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللهُ - ﷿ - عَلَى رُؤُوسِ الخَلَائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللهُ مِنَ الحُورِ العِينِ مَا شَاءَ) (١).\nوربَّما يُثابُ على ما يَجِدُهُ في نفسِه مِن ألَمِ ظُلْمِه؛ لِشِدَّتِهِ عليه وهو غيرُ قادرٍ على الانتصارِ لنفسِه، أكثرَ ممَّن يكتُمُ غيظَهُ وهو قادرٌ على الانتصارِ لنفسِه، لكنَّ ألمَ غيظِه عليه ضعيفٌ؛ لِبُرُودةٍ في طَبْعِهِ وعدمِ حِدَّةٍ، أو يَحبِسُ غيظَه لغيرِ اللهِ خوفًا أنْ تسقُطَ هيبتُهُ عندَ الناس، ويقعُ هذا كثيرًا في المتكبِّرينَ؛ يترُكُونَ الانتصارَ للنفسِ كِبْرًا أنْ يَنتَصِرُوا على مَنْ دُونَهم مِن الضعفاءِ؛ فهؤلاء لا يُؤجَرُونَ على كتمِ غيظِهم؛ لأنَّهم كَتَمُوهُ لغيرِ الله، ولو قدَرُوا على الانتصارِ في الخفاء، لَانْتَصَرُوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>فضلُ العفوِ:</span>\nوقولُه: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ فيه استحبابُ العفوِ والمسامحةِ، خاصةً عندَ الحقوقِ الماليَّةِ؛ لأنَّ العفوَ وكَظْمَ الغيظِ عُطِفَ على النفقةِ الماليَّة، وقد يُؤخَذُ مِن هذا إسقاطُ الدَّيْنِ عن المَدِينِ العاجز، ويُؤجَرُ على هذا، ولكنَّ أجرَهُ عيه دونَ أجرِ مَن أخرَجَ المالَ صدقةً ابتداءً؛ لأنَّ ذلك أسقَطَ دَيْنَهُ بعدَ يأسٍ مِن الوفاءِ، وعجزٍ عن الانتفاعِ به، وذاك أخرَجَ مالَهُ وهو بيدِهِ قادرٌ على الانتفاعِ به، وفي مسألةِ إسقاطِ الدَّيْنِ واحتسابِهِ مِن الزكاةِ كلامٌ تقدَّمَ بسطُهُ في سورةِ البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠].\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٥٦٣٧) (٣/ ٤٤٠)، وأبو داود (٤٧٧٧) (٤/ ٢٤٨)، والترمذي (٢٠٢١) (٤/ ٣٧٢)، وابن ماجه (٤١٨٦) (٢/ ١٤٠٠).","vol":"2","page":678},{"text":"وفي قولِه: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ استحبابُ العفوِ عن الزَّلَّاتِ، وأحَقُّ الناسِ بالعفوِ أقرَبُهم؛ كالوالدَيْنِ والأبناء، والإخوةِ والزوجاتِ، ومِثْلُهم العَفْوُ عن الخادمِ؛ لأنَّ كثرةَ القُرْبِ والمُخالَطةِ تُؤدِّي إلى كثرةِ الأخطاءِ في حقِّ الإنسانِ؛ فالناسُ يُخْطِئُونَ، ولكنْ لا يُشاهِدُ خطَأَهم ويَتأذَّى منه إلا مَن خالَطَهم، والبعيدُ لا يَرى الخطأَ إلا بمقدارِ مُخَالَطَتِه، ثمَّ إنَّ الناسَ يَقْوَوْنَ على التصنُّعِ والتحفُّظِ مِن الخطأِ مع البعيد، ولا يَقْوَوْنَ مع القريبِ؛ لهذا كان العفوُ عن خطأِ المُخالِطِ والجليسِ أعظَمَ مِن العفوِ عن خطأِ غيرِه؛ ولذا جاءَ في \"سُنَنِ أبي داودَ\" و\"الترمذيِّ\"؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ؛ قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ - ﷺ -، فقال: يا رسولَ الله، كم نعفُو عن الخادمِ؟ فصَمَتَ، ثمَّ أعادَ عليه الكلامَ، فصَمَتَ، فلمَّا كان في الثالثة، قال: (اعْفُوا عَنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً) (١).\nوقيل: إنَّ هذه الآيةَ نزَلَتْ في العفوِ عن الخادمِ والمملوكِ؛ روى ابنُ المُنذِرِ عن أبي جعفرٍ، عن ربيعِ بنِ أنسٍ؛ في قولِ اللَّهِ - جلَّ ثناؤُه -: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾؛ قال: \"المملوكِينَ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>حدودُ العفوِ وكظمِ الغيظِ:</span>\nوالشريعةُ تَستحِبُّ العفوَ وكَظْمَ الغيظِ ما كان بمقدورِ الناسِ وفي طاقتِهم ووُسْعِهم، وما يُعجَزُ عن تحمُّلِه؛ فيُستحَبُّ الانتصارُ للنفسِ بالعَدْلِ، وطلبُ الإنصافِ بالحقِّ؛ ففي \"المسنَدِ\" وعندَ \"الترمذيِّ\" وغيرِه؛ مِن حديثِ حُذيفةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥٨٩٩) (٢/ ١١١)، وأبو داود (٥١٦٤) (٤/ ٣٤١)، والترمذي (١٩٤٩) (٤/ ٣٣٦).\n(٢) \"تفسير ابن المنذر\" (١/ ٣٨٤).","vol":"2","page":679},{"text":"نَفْسَهُ)، قالوا: وكيف يُذِلُّ نفسَه؟ قال: (يَتَعَرَّضُ مِنَ البَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ) (١).\nوالناسُ يَتفاوَتُونَ في طبائِعِهم وعزائِمِهم؛ فربَّما يكونُ الأذى واحدًا، يَقْدِرُ عليه واحدٌ، ويَعْجِزُ عنه الآخَرُ، فيَخْتَلِفُونَ في القوَّةِ الباطنة، كما يَختلِفونَ في القوَّةِ الظاهرةِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥].\nفي الآيةِ: وجوبُ الجهادِ عندَ استنفارِ الإمامِ وعندَ دَهْمِ العدوِّ، ويحرُمُ التولِّي والقعودُ في مثلِ هذه الحالِ؛ ولذا قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]، وفي \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ ابنِ عباسٍ؛ قال - ﷺ -: (وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ، فَانْفِرُوا) (٢).\nوالآيةُ نزَلَتْ في غزوةِ بَدْرٍ في تَخَلُّفِ بعضِ الصحابةِ عن أمرِ رسولِ اللهِ - ﷺ -؛ حيثُ طَلَبَ مَنهم البقاءَ في أماكنِهم فخالَفُوه، والمنافِقونَ تخلَّفُوا عن رسولِ اللهِ - ﷺ - مِن نصفِ الطريقِ قبلَ رؤيةِ العدوِّ، وكِلا الأمرَينِ محرَّمٌ.\nويَظهرُ التحريمُ في الآيةِ في موضعَيْنِ:\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢٣٤٤٤) (٥/ ٤٠٥)، والترمذي (٢٢٥٤) (٤/ ٥٢٣)، وابن ماجه (٤٠١٦) (٢/ ١٣٣٢).\n(٢) أخرجه البخاري (١٨٣٤) (٣/ ١٥)، ومسلم (١٣٥٣) (٢/ ٩٨٦).","vol":"2","page":680},{"text":"الأولُ: في قولِه: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾؛ واسْتِزلالُ الشيطانِ إثمٌ وذنبٌ.\nالثاني: في قولِه: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾؛ فلا يُعفَى إلا عن خطأٍ أو إثمٍ.\nوفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ اللهَ لا يَحْرِمُ عبدَهُ مِن عملِ الخيرِ ومباشَرةِ البِرِّ إلا بذنبٍ؛ كما في قولِه: ﴿اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾.\nوقد روى ابنُ جريرٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ؛ في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ الآيةَ: \"وذلك يومَ أُحُدٍ، ناسٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - ﷺ - تَوَلَّوْا عن القتالِ وعن نبيِّ اللهِ يومَئذٍ، وكان ذلك مِن أمرِ الشيطانِ وتخويفِهِ؛ فأنزَلَ اللهُ - ﷿ - ما تَسْمَعُونَ: أنَّه قد تجاوَزَ لهم عن ذلك وعَفَا عنهم\" (١).\nوكلَّما كان المسلِمونَ مِن العدوِّ أقرَبَ، كان إثمُ التولِّي أعظَمَ؛ لأنَّ التولِّيَ يُخِلُّ بمواضعِ قوةِ الجيشِ؛ فلا يَملِكُونَ إعادةَ سياستِهم وخُطَطِهم إذا الْتَحَمُوا، بخلافِ ما لو كان التولِّي في أولِ الطريقِ أو في أوسطِه.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١].\nنزَلَتْ هذه الآيةُ في قَطِيفَةٍ فقَدَها الناسُ، فظَنُّوا أنَّ النبيَّ - ﷺ - أخَذَها؛ كما رواهُ أبو داودَ والترمذيُّ، عن ابنِ عباسٍ - ﵄ -؛ قال: \"نزَلَتْ هذه الآيةُ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ في قطيفةٍ حَمْرَاءَ فُقِدَت يومَ بَدْرٍ،\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ١٧٢).","vol":"2","page":681},{"text":"فقال بعضُ الناسِ: لعلَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - أخَذَها! فأنزلَ اللهُ - ﷿ -: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ إلى آخِرِ الآيةِ\" (١).\nفأرادَ اللهُ تنزيهَ نبيِّهِ مِن أنْ يَخُونَ أصحابَهُ وأُمَّتَهُ، ولم يُعاتِبِ اللهُ أصحابَ نبيِّه - ﷺ - في ظنِّهم ذلك؛ لأنَّ ظنَّهم كان بحُسْنِ قصدٍ أنَّ اللهَ أباحَ له ما لم يُبِحْهُ لغيرِهِ مِن أُمَّتِه؛ فبيَّنَ اللهُ أنَّ حُكْمَ نبيِّه كحُكْمِ سائرِ الناسِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>مِن أحكام الغنائِمِ:</span>\nوالغنائمُ قَسَمَها اللهُ، وجعَلَ ذلك إليه؛ كما في قولِه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآيةَ [الأنفال: ٤١].\nوكانت مُحرَّمةً على سائرِ الأنبياءِ وأُمَمِهم؛ فخَصَّ اللهُ بإباحتِها نبيَّه؛ كما في \"الصحيحينِ\"؛ مِن حديثِ جابرٍ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (أُعْطِيتُ خَمْسًا لم يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ) (٢).\nوقولُهُ في الآيةِ: ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾؛ أيْ: يَخُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>أنواعُ الغنائِمِ:</span>\nوالغنائمُ على نوعَيْنِ:\nنوعٌ: لا يُحمَلُ ولا يُحفَظُ ولا يُنتَفَعُ به غالبًا إلا في موضعِه؛ كالشرابِ والطعامِ مِن الماءِ واللبَنِ والحليبِ والخُبزِ والفاكهة، فهذا يُطعَمُ ويُنتفَعُ به مِن غيرِ متاجَرَةٍ به.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٣٩٧١) (٤/ ٣١)، والترمذي (٣٠٠٩) (٥/ ٢٣٠).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٣٨) (١/ ٩٥)، ومسلم (٥٢١) (١/ ٣٧٠).","vol":"2","page":682},{"text":"ويُلحَقُ بهذا النوعِ المتاعُ التافِهُ؛ كالسَّوْطِ والعَصَا والسِّوَاكِ والقلمِ الرخيصِ.\nونوعٌ: يُحمَلُ ويُحفَظُ؛ فهذا مِن الغنيمةِ المُحرَّمة، لا تَحِلُّ إلا بعدَ قِسْمَتِها.\nويأتي الكلامُ في الغنيمةِ مفصَّلًا في سورةِ التوبةِ بإذنِ اللهِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٧].\nالآيةُ نزَلَتْ في المنافِقِينَ وفي ابنِ أُبَيٍّ وأصحابِهِ خاصةً فيمَن تردَّدَ في حُكْمِ الجهادِ والاستجابةِ لأمرِ اللهِ فيه؛ وذلك أنَّ الله أمَرَهُمْ بالخروجِ مع نبيِّه في أُحُدٍ، فرجَعَ ابنُ أُبَيٍّ ومعه ثُلُثُ القومِ؛ فاعتَذَرُوا بقولِهم: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾؛ أيْ: لو نعلَمُ أنَّكم تُقاتِلُونَ لَسِرْنَا معكم، ولَدَافَعْنا عنكم، ولكنَّا لا نظُنُّ أنْ يكونَ قتالٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>أكثرُ ما يُظهرُ النفاقَ:</span>\nوإنَّما هي أعذارٌ يُظهِرُ اللهُ بها النِّفاقَ، وأكثرُ ما يُظهِرُ اللهُ باطنَ المنافِقينَ بأمرَيْنِ:\nالأولُ: بالاستهزاءِ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ٦٤].\nالثاني: بالأعذارِ التي يُبْدُونَها للتملُّصِ مِن الحقِّ؛ لِضَعْفِها في","vol":"2","page":683},{"text":"مقابلِ الحُجَّة، وكلَّما كانتِ الحُجَّةُ في وجهِ الحقِّ ضعيفةً، سَتَرَتْ خلفَها كِبْرًا ونِفاقًا؛ لأنَّ النفوسَ لا تتشوَّفُ إلى المعارضةِ بلا سببٍ، فتُبدِي حُجَجًا واهيةً، وأعذارًا ضعيفةً؛ وهي في باطنِها مُعانِدةُ.\nولم يكُنِ المنافِقونَ يُعارِضونَ أمرَ النبيِّ - ﷺ - في الجهادِ؛ وإنَّما يَعتَذِرُونَ بأعذارٍ ضعيفةٍ؛ ففي غزوةِ أُحُدٍ قالوا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾، وفي تَبُوكَ قالوا: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة: ٨١]، وفيها قال الجَدُّ بنُ قَيْسٍ: ﴿ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩].\nفي أُحُدٍ لم يُظهِرُوا الامتناعَ مِن القتالِ؛ وإنَّما لا يظُنُّونَ وقوعَ القتالِ؛ فلا يرَوْنَ خروجَهم بلا فائدةٍ تتحقَّقُ، وفي تَبُوكَ لم يُظهِرُوا الامتناعَ مِن الجهادِ؛ وإنَّما خشيةَ الحَرِّ وحالُهم لو كان بَرْدًا لَخَرَجْنا، وفي تَبُوكَ أيضًا لم يُظهِرِ الْجَدُّ بنُ قَيْسٍ الامتناعَ على الجهادِ؛ وإنَّما أظهَرَ خوفَ الفتنةِ على نفسِه، وظاهرُهُ لو لم تكنْ فتنةٌ فهو مقاتِلٌ، وبكثرةِ الأعذارِ لتركِ الحقِّ يَظهَرُ النِّفاقُ.\nوهذه الأعذارُ تُخْرِجُهُمْ مِن دائرةِ الكفرِ الظاهرِ إلى النِّفاقِ؛ ولذا قال تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾، فلم يَحْكُمْ بكفرِهم للنبيِّ - ﷺ - لِيُؤاخِذَهم على الكفرِ؛ وإنَّما حَكَمَ بنفاقِهم؛ لِيُعامِلَهم به؛ ولذا عقَّبَ ذلك بقولِه: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>احتواءُ المنافِقينَ:</span>\nومِن فقهِ السياسةِ في جهادِ النبيِّ - ﷺ -: احتواءُ المنافِقينَ، وإنْ مَكَرُوا وخَدَعُوا وخَانُوا؛ كما فعَلَ ابنُ أُبَيٍّ حيثُ رجَعَ بثُلُثِ الجيش، فلم يُعاقِبْهُمُ النبيُّ - ﷺ - بعدَ أُحُدٍ؛ وإنَّما جعَلَهم في عِدَادِ الجماعة، وأخَذَهم في جِهَادٍ بعدَ ذلك؛ لأنَّ عَزْلَهُمْ عن الجماعةِ زيادةٌ لشرِّهم وخُبْثِهم؛ فهم","vol":"2","page":684},{"text":"يَرْجُونَ أنَّ الناسَ تظُنُّهم متأوِّلينَ وليسوا بمنافِقينَ، ولو أُعلِنَ نفاقُ مَن يُبطِنُ شَرَّه، لأظهَرَهُ وانسلَخَ مِن جِلْدِهِ وأعلَىَ العداوةَ، وهذا لا تتشوَّفُ إليه الشريعةُ، واعتبارُهُمْ في الظاهرِ مع جماعةِ المسلِمِينَ لا يَعنِي توليتَهم وِلَايةً، ولا اتِّخاذَهم بِطَانةً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>تكثيرُ سوادِ المسلمينَ عند القتالِ:</span>\nوفي الآيةِ: مشروعيَّةُ تكثيرِ المسلِمينَ عندَ قيامِ النَّفِير، ولو كان الناسُ في كفايةِ عددٍ؛ فالكثرةُ لها أثرٌ في نفوسِ المسلِمينَ بشَدِّ العزيمةِ وتقويةِ الهمَّةِ، ولها أثرٌ على الكفارِ ببَثِّ الخوفِ والرعب، وأكثرُ هزائمِ الجيوشِ معنويَّةٌ أكثرَ منها ماديَّةً.\nوقد روى ابنُ المُنذِر، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ؛ قال: \"تُكَثِّرُوا بأنفُسِكم ولو لم تُقاتِلُوا\"؛ وبنحوِ هذا قال الضحَّاكُ وابنُ جُرَيْجٍ وغيرُهما (١).\nوفي الآيةِ: أنَّ مَن كَثَّرَ سَوَادَ المُجاهِدِينَ، فحَضَرَ معهم ولو لم يَغْزُ: أنَّ له حُكْمَ المجاهِدِ في الأجرِ والثوابِ.\nوقال أنسُ بنُ مالكٍ: \"رأيتُ يومَ القَادِسِيَّةِ عبدَ اللهِ بنَ أمِّ مَكْتُومٍ الأعمَى، وعليه دِرْعٌ يجُرُّ أطرافَها، وبيدِه رايةٌ سوداءُ، فقيل له: أليسَ قد أنزَلَ اللهُ عُذْرَكَ؟ قال: بلى! ولكنِّي أُكثِّرُ سَوَادَ المسلِمِينَ بنفسي\" (٢).\nورُوِيَ نحوُ هذا عن سهلِ بنِ سعدٍ؛ رواهُ الطبرانيُّ والبخاريُّ في \"تاريخِه\"؛ مِن حديثِ أبي حازمٍ عنه.\nوفي قولِه: ﴿تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ بيانٌ لمَراتبِ الجهاد، وأنَّ أعلاهُ المواجهةُ مع العدوِّ، وهو المُقاتَلةُ، وكلَّما كان المجاهدُ مِن\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٢٢٤)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٤٨٢).\n(٢) \"تفسير القرطبي\" (٥/ ٤٠٤).","vol":"2","page":685},{"text":"العدوِّ أقرَبَ، كان في الأجرِ والثوابِ أعظَمَ؛ لأنَّ اللهَ أمَرَهم أن يُقاتِلُوا، وإنْ أبَوْا أنْ يكونوا مِن ورائِهم يُكثِّرونَ سَوَادَ المسلِمينَ، ويَحُوطُونَ حريمَهم لو تَقَهْقَرَ المسلِمونَ أو أحاطَ بهم عدوُّهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>جهادُ الطلب، وجهادُ الدفع:</span>\nوأخَذَ بعضُهم مِن الآيةِ الإشارةَ إلى نوعَي الجهادِ: جهادِ الطلَب، وجهادِ الدَّفْعِ؛ وهذا نسبيٌّ وليس تقسيمًا مطلَقًا في الآيةِ؛ لأنَّ خروجَ النبيِّ - ﷺ - في غزوةِ أُحُدٍ دفعٌ لا طلبٌ؛ لأنَّه عَلِمَ بقدومِ المشرِكِينَ إليه فتجهَّزَ لمُواجهتِهم وصدِّهم، وهذه الآيةُ نزَلَتْ في أُحُدٍ، ولكنَّ المتأخِّرينَ مِن وراءِ المُقاتِلينَ يُعَدُّونَ مُدافِعينَ بالنسبةِ للمُتقدِّمينَ عليهم، والمتقدِّمينَ يُعَدُّونَ مُقاتِلينَ وطالِبينَ بالنسةِ للمُتأخِّرينَ عنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>التفاضُلُ بين جهادِ الدفعِ والطلبِ:</span>\nوجهادُ الطلبِ أَعظمُ مِن جهادِ الدفعِ؛ لأنَّ جهادَ الدفعِ لا يَفتقِرُ إلى نِيَّةٍ، ومشوبٌ بقصدِ حِياطَةِ الدُّنيا وحمايتِها مِن نفسٍ وأرضٍ ومالٍ وعِرْضٍ، وأمَّا جهادُ الطلب، فالقصدُ فيه أكثرُ تجرُّدًا؛ لاشتراطِ النيةِ فيه لإعلاءِ كلمةِ الله، ثمَّ إنَّ أَصلَ جهادِ الدفعِ مِن جِنْسِ الفِطْرةِ والحَمِيَّةِ الموجودةِ في جنسِ الحيوانِ، كان إنسانًا أَو بهيمًا، فهو يدفعُ المعتديَ عليه، وأمَّا جهادُ الطلب، فمِن خصائصِ الإنسانِ وأهلِ الإيمان، وفي جهادِ الدفعِ حمايةٌ للدُّنيا وصَوْنٌ لها، وفي جهادِ الطلبِ تركٌ للدُّنيا وبَذْلٌ لها، وقد يكونُ المجاهدُ يُجاهِدُ جهادَ الدفعِ وله أجرُ جهادِ الطلبِ وفضْلُهُ إذا كان يدفعُ عن مالِ غيرِهِ ونفسِهِ وعِرْضِهِ وأرضِه؛ فهذا في جهادِهِ جهادُ دفعٍ، وأجرُهُ أجرُ طلبٍ.\nوكِلا الجهادَيْنِ الدفعِ والطلبِ فَضْلُهما عندَ اللهِ عظيمٌ، والأجرُ الواردُ في الكتابِ والسُّنَّةِ لهما في الآخِرةِ يَدْخُلانِ فيه جميعًا، ولكنَّه عندَ","vol":"2","page":686},{"text":"التفاضُلِ؛ فالطلبُ أفضلُ مِن الدفعِ في الآخِرة، وجهادُ الدفعِ أَوْجَبُ في الدُّنيا؛ وهذه المسألةُ مِن نوادِرِ المسائلِ التي يكونُ فيها النفلُ أَعظَمَ مِن الفرضِ وهما مِن جنسٍ واحدٍ.\nوأخَذَ بعضُهم مِن قولِه: ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ الإشارةَ إلى عدمِ اشتراطِ النِّيَّةِ في الدفع، فذكَرَ القتالَ فقال: ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وما ذَكَرَ سبيلَ اللهِ في الدفع، ولعلَّ الأظهرَ: أنَّ اللهَ ذكَرَ الدفعَ بعدَ المُقاتَلةِ في سبيلِ اللهِ عطفًا عليها، وتقديرُهُ: (أو ادْفَعُوا في سبيلِ اللهِ)؛ ولكنْ حذَفَ: (سبيل اللهِ) دفعًا للتكرارِ.\nولا خلافَ أنَّ جهادَ الدفعِ لا يفتقرُ إلى نِيَّةٍ؛ وإنَّما قصدُ حمايةِ العِرْضِ والدمِ والنفسِ والمالِ كافٍ في ثُبُوتِ الأجرِ؛ ففي \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو - ﵄ -؛ قال: سمِعتُ النبيَّ - ﷺ - يقولُ: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِه، فَهُوَ شَهِيدٌ) (١).\nوعندَ أبي داودَ والنَّسَائِيِّ وغيرِهما؛ مِن حديثِ سعيدِ بنِ زيدٍ: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِه، أَوْ دُونَ دَمِه، أَوْ دُونَ دِينِه، فَهُوَ شَهِيدٌ) (٢).\nوأمَّا جهادُ الطلب، فلا يُقبَلُ إلا بنيةٍ، ومَن قاتَلَ بلا نيةٍ، فمِيتَتُهُ جاهليَّةٌ؛ لِما في \"الصحيحَيْنِ\": (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ) (٣).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٤٨٠) (٣/ ١٣٦)، ومسلم (١٤١) (١/ ١٢٤).\n(٢) أخرجه أبو داود (٤٧٧٢) (٤/ ٢٤٦)، والترمذي (١٤٢١) (٤/ ٣٠)، والنسائي (٤٠٩٥) (٧/ ١١٦).\n(٣) أخرجه البخاري (١٢٣) (١/ ٣٦)، ومسلم (١٩٠٤) (٣/ ١٥١٣).","vol":"2","page":687},{"text":"قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥].\nفي الآيةِ: مساواةُ الذَّكَرِ والأُنثى في أُجورِ الأعمال، وإنْ تَبايَنُوا في التكليفِ؛ فتختصُّ المرأةُ بخصائصَ تكليفيَّةٍ تُثابُ عليها؛ كالحِجَابِ والقَرَارِ والعِدَّة، كما يختصُّ الرجلُ بالجهادِ وصلاةِ الجماعة، ويختصُّ الرجلُ عن المرأةِ والعكسُ بمنهيَّاتٍ ليستْ على الآخَرِ؛ كنَهْيِ الرجلِ عن لُبْسِ الحريرِ والذَّهَب، ونَهْيِ المرأةِ عن زيارةِ المقابر، والأصلُ: المشابَهةُ في التكليفات، وعندَ الاختلافِ في التكليفِ يُعوِّضُ اللهُ الجنسَ الآخَرَ بتشريعٍ لو عَمِلَ به لَاكْتَمَلَ له دِينُهُ؛ كما عَوَّضَ اللهُ المرأةَ بالحجِّ عن فرضِ الجهادِ؛ ففي البخاريِّ، عن عائشةَ أمِّ المؤمِنينَ - ﵂ -؛ قالتْ: استأذَنْتُ النبيَّ - ﷺ - في الجهاد، فقال: (جِهَادُكُنَّ الحَجُّ) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>تساوي الذَّكَر والأنثى في الثواب:</span>\nوكلُّ عملٍ يعمَلُهُ أحدُ الجنسَيْنِ موافقًا للتشريع، فأجرُهما فيه سواءٌ وإنِ اختلَفَتْ صورةُ الأداءِ ومكانُه؛ كالصلواتِ الخمسِ، فأجرُ المرأةِ فيه منفرِدةً في بيتِها كأجرِ الرجلِ جماعةً على الصحيحِ.\nوقد روى ابنُ جريرٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ؛ قال: قالتْ أمُّ سَلَمَةَ: يا رسولَ الله، تُذْكَرُ الرِّجالُ في الهجرةِ ولا نُذْكَرُ؟ فنزَلَتْ: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ الآيةَ (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٨٧٥) (٤/ ٣٢).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٣٢٠).","vol":"2","page":688},{"text":"وعدلُ اللهِ يكونُ في الجنسِ الواحدِ عندَ تعذُّرِ أسبابِ القيامِ بالتكاليفِ؛ فالأعمَى تَفُوتُهُ العباداتُ البَصَريَّةُ، وهذا الفَوْتُ يجعَلُهُ اللهُ في غيرِها في بقيةِ حواسِّ الإنسانِ وأركانِه، والأصَمُّ تَفُوتُهُ العباداتُ السمعيَّةُ ويجعَلُ اللهُ أجرَ ما فاتَهُ في بقيةِ حواسِّه؛ فإنَّ صلاةَ القاعدِ العاجزِ كصلاةِ القائمِ القادرِ سواءً، وهذا مُقتضَى حديثِ عِمرانَ بنِ حُصَيْنٍ؛ كما في \"الصحيح\": (صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لم تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لم تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ) (١)، وهذا عندَ العجزِ يَسْتَوِي الأجرُ؛ لأنَّ عِمرانَ كان مريضًا بالبواسيرِ.\nوعندَ التقصيرِ في العبادةِ مع القدرةِ عليها، ينقُصُ الأجرُ بمقدارِ ما ترَكَ مِن المقدورِ؛ لحديثِ: (صَلَاتُهُ قَائِمًا أَفْضَلُ مِن صَلَاتِهِ قَاعِدًا، وَصَلَاتُهُ قَاعِدًا عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاتِهِ قَائِمًا) (٢)، وهذا في النَّفْلِ؛ فإنَّ ترْكَ القيامِ مع القدرةِ عليه في الفرضِ مُبطِلٌ لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>شروطُ قبولِ العملِ:</span>\nوفي قوله تعالى: ﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ إشارةٌ إلى قَبُولِ كلِّ عملٍ عَمِلَهُ الإنسانُ مع إخلاصٍ في ظاهرِه، ومتابَعَةٍ في باطِنهِ؛ فالإخلاصُ والمتابعةُ هما شرطَا قَبولِ العمل، فالعملُ المُوافِقُ للسُّنَّةِ بلا إخلاصٍ: لا يُقبَلُ؛ ففي \"صحيحِ مسلم\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال - ﷺ -: (قَالَ اللهُ - ﵎ -: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْك، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) (٣).\nومَن أخلَصَ في عملٍ ولم يكنْ على السُّنَّة، فعملُهُ بدعةٌ لا تصحُّ منه، وشرط الإخلاصِ أقوَى مِن شرطِ المتابعةِ؛ لأنَّ اللهَ لا يَقبَلُ العملَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١١١٧) (٢/ ٤٨).\n(٢) أخرجه أحمد (١٩٨٩٩) (٤/ ٤٣٥)، وأبو داود (٩٥١) (١/ ٢٥٠).\n(٣) أخرجه مسلم (٢٩٨٥) (٤/ ٢٢٨٩).","vol":"2","page":689},{"text":"الموافقَ للسُّنَّةِ إذا تضمَّنَ شِركًا في النيَّةِ ولو كان يسيرًا، ولكنْ قد يَقبَلُ اللهُ العملَ الذي فيه شائبةُ بدعةٍ يسيرةٍ إذا أخلَصَ صاحِبُهُ فيه للهِ؛ فمَن عَمِلَ عملًا مشروعًا، ولكنِ ابتَدَعَ في وصفِهِ أو زمنِهِ أو مكانِه، فيُؤجَرُ على القَدْرِ الذي تابَعَ فيه، ويأثم بقدرِ المخالَفةِ؛ كمَن يُسبِّحُ ويَحمَدُ ويُكبِّرُ خمسينَ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ؛ فهذا العددُ لم يَرِدْ فيه دليلٌ، فقد شابَ السُّنَّةَ بشائبةِ بدعةٍ، يُقبَلُ منه الذِّكْرُ ويُؤجَرُ عليه، ولا يُؤجَرُ ويأثمُ على بدعتِه، ولو كان هذا الخَلْطُ في إخلاصِهِ لَمَا تُقُبِّلَ منه شيءٌ من عَمَلِهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>أنواعُ البدعةِ باعتبار الثواب:</span>\nوالبدعةُ لا يُؤجَرُ عليها صاحِبُها؛ وإنَّما يُؤجَرُ على ما خالَطَها مِن السُّنَّةِ؛ ولهذا فإنَّ البدعةَ باعتبارِ الإثابةِ عليها وعدمِها على نوعَيْنِ:\nالأولُ: بدعةٌ مُحدَثةٌ أصليَّةٌ، فلم تأتِ بها سُنَّةٌ؛ كبدعةِ الرقصِ للرجال، وكذا الغناءُ والتصفيقُ في الأيامِ والأزمنةِ الفاضلةِ عندَ بعضِ المُبتَدِعةِ؛ فهذا عملٌ لا يُقبَل منه شيءٌ ولو أخلَصَ فيه، ويأثَمُ به فاعلُهُ بمقدارِ بدعتِهِ وعِلْمِهِ بها وتقصيرِهِ في رفعِ جهالتِهِ عن نفسِه.\nوأعظَمُ مِن ذلك البدعُ الكبرَى في أصولِ الدِّينِ.\nالثاني: بدعةٌ إضافيَّةٌ، دَلَّ الدليلُ على ثبوتِ أصلِها، ولم يدُلَّ الدليلُ على ثبوتِ ما أُضِيفَتْ إليه؛ كمَن يُضِيفُ ذِكْرَ اللهِ وقراءةَ القرآنِ إلى مناسباتٍ وأزمنةٍ لا دليلَ عليها؛ كمَن يقرأُ القرآنَ في المآتِمِ والعزاءِ والمَوْلِدِ وليلةِ الإسراءِ والمِعراجِ؛ فهؤلاء لا يَخلُونَ مِن حالتَيْنِ:\nالحالةُ الأُولى: إنْ فعَلُوا ما فعَلُوهُ عن جهلٍ وحُسنِ قصدٍ، فإنَّهم يُؤجَرُونَ على ما خالَطَ البِدْعةَ مِن السُّنَّةِ، ولا يُؤجَرونَ على البِدْعةِ المُخالِطةِ للسُّنَّة، ويرتفعُ عنهم الإثم بمقدارِ قيامِ الجهلِ والعذرِ فيهم.\nالحالةُ الثانيةُ: إنْ فعَلُوا ما فعَلُوهُ عن علمٍ وسُوءِ قصدٍ، فيُحْدِثُونَ","vol":"2","page":690},{"text":"بدعةً ويُضِيفُونَ إليها سُنَّةً، أو يَأتُونَ بسُنَّةٍ ويُضِيفُونَ إليها بدعةً بعِلْمٍ وقصدٍ؛ فهؤلاء لا يُؤجَرونَ على عَمَلِهم سُنَّةً وبدعةً؛ لأنَّهم أنشَؤُوا العملَ المُخالِفَ للسُّنَّةِ عن عِلمٍ؛ وإنَّما يُؤجَرُوا على ما أُضِيفَ إلى البدعةِ مِن السُّنَّةِ؛ لأنَّهم يَعلَمُونَ أنَّهم لنْ يَقومُوا بالسُّنَّةِ وحدَها لو لم تكنِ البدعةُ فيها؛ فالبدعةُ هي ما جَرَّ السُّنَّةَ إليها لتُشرَّعَ البدعةُ وَيقبَلَها الناسُ، ولو لم تكنِ البدعةُ موجودةً ما جاؤُوا بالسُّنَّةِ وحدَها؛ لهذا لا يُؤجَرونَ على تلك السُّنَّةِ المُختلِطةِ بالبدعةِ؛ لِعِلْمِهم وسُوءِ قصدِهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-455>العملُ الصالحُ من الكافِرِ؛ إذا أسلَم:</span>\nويُقبَلُ العملُ مِن المُشرِكِ المُخلِصِ في عملٍ يعملُهُ يُتابعُ فيه الحقَّ إذا تابَ مِن شِرْكِهِ كلِّه؛ لما في \"الصحيحَيْنِ\"، عن حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ - ﵁ -؛ قال: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بها فِي الجَاهِلِيَّةِ مِن صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ، وَصِلَةِ رَحمٍ؛ فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: (أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ) (١).\nفحَكِيمٌ كان يعملُ عملًا في الحاهليَّةِ مُخلِصًا به لله، ولم يكنْ مُبتدِعًا، مع كونِه مُشْرِكًا في أعمالٍ أُخرَى؛ فاللهُ لا يُضِيعُ عمَلَهُ الذي أخلَصَ فيه ووافَقَ الحقَّ به بعدَ دخولِه في الإسلامِ.\nوفي عمومِ الآيةِ: ﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ دليلٌ على رجوعِ عملِ المُرتَدِّ إليه بعدَ توبتِهِ مِن كُفْرِهِ ممَّا كان يعمَلُهُ وهو مسلِمٌ كالحجِّ وغيرِه، وتقدَّمَت الإشارةُ إلى هذا في سورةِ البقرةِ عندَ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [٢١٧].\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٤٣٦) (٢/ ١١٤)، ومسلم (١٢٣) (١/ ١١٤).","vol":"2","page":691},{"text":"وقد يُؤجَرُ العبدُ على نِيَّتِهِ ولو لم يَعْمَلْ، ولا يُؤجَرُ على العملِ ولو تابَعَ فيه إذا كان بلا إخلاصٍ للهِ؛ لأنَّ اللهَ يُعطِي العبدَ على نِيَّتِهِ ما لا يُعطِيهِ على عملِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>الثوابُ على العملِ الباطل:</span>\nوفي ظاهرِ الآيةِ أنَّ كلَّ عملٍ يعملُهُ الإنسانُ لا يُضِيعُهُ اللهُ على صاحِبِهِ ما أخلَصَ فيه وتابَعَ، ولو كان باطلًا في ذاتِه ولم يَعلَمِ العبدُ ببطلانِه؛ كمَنْ يُصلِّي صلاةً على غيرِ وُضوءٍ وهو لا يَعلَمُ، فيُكتَبُ له الأجرُ؛ لأنَّه حالَ عَمَلِها يَحْسَبُ أنَّه أدَّاها بإخلاصٍ وموافَقةٍ، وإذا عَلِمَ، وجَبَ عليه الإعادةُ، وعملُهُ السابقُ مأجورٌ عليه ولا يَضِيعُ منه شيءٌ، ولكنَّه لا يُسقِطُ التكليفَ؛ فمِن الناسِ مَن يقومُ الليلَ كلَّه يَحْسَبُ أنَّه على طُهرٍ، فإذا قضَى صلاتَهُ تذكَّرَ أنَّه ليس على طُهْرٍ، فإنَّه يُؤجَرُ على ما أدَّاهُ، وإنْ أَمْكَنَهُ أن يُعِيدَ أعَادَ.\nوكثيرٌ مِن العلماءِ يُفرِّقونَ ببنَ الجاهلِ والناسي في الإعادةِ: فيُعذَرُ الجاهلُ عندَهم، ولا يُعذَرُ الناسي، وإنْ كان الأجرُ لا يَضِيعُ عليهما جميعًا، وفي \"المسنَدِ\"، و\"السننِ\"؛ مِن حديثِ أبي ذرٍّ؛ قال: \"إِنِّي كُنْتُ أَعْزُبُ عَنِ المَاء، وَمَعِي أَهْلِي، فَتُصِيبُنِي الجَنَابَةُ فَأُصَلِّي بِغَيْرِ طُهُورٍ، فَأَمَرَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِمَاءٍ، فَجَاءَتْ بِهِ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ بِعُسٍّ يَتَخَضْخَضُ مَا هُوَ بِمَلْآنَ، فَتَسَتَّرْتُ إِلَى بَعِيرِي، فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورٌ، وَإِنْ لم تَجِدِ المَاءَ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدتَّ المَاءَ، فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ) \" (١).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢١٣٠٤) (٥/ ١٤٦)، وأبو داود (٣٣٣) (١/ ٩١).","vol":"2","page":692},{"text":"قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].\nالرِّباطُ صِنْوُ الجهادِ الأصغر، وهو حمايةُ الحُرُماتِ ممَّن يَسْتبيحُها، وهو مِن المُرابَطةِ والرَّبْطِ، وهو طولُ الإقامةِ والملازَمةِ للمكان، ومَن ماتَ في رباطٍ، كان له أجرُ الشهيدِ وفضلُهُ؛ ففي \"صحيح البخاريِّ\"، عن سهلِ بنِ سعدٍ - ﵁ -؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا العَبْدُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ الغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا) (١).\nوفي \"صحيح مسلمٍ\"، عن سَلْمَانَ - ﵁ -؛ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: (رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِه، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الذي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ) (٢).\nوعن فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ - ﵁ -؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (كُلُّ المَيِّتِ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا المُرَابِطَ؛ فَإِنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَة، وَيُؤَمَّنُ مِنْ فَتَّانِ القَبْرِ)؛ رواهُ أبو داودَ والترمذيُّ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>فضلُ الرباطِ وانتظارِ العبادة:</span>\nوكلُّ طولِ انتظارٍ لعبادةٍ، فهو رباطٌ، ويَعْظُمُ الرِّباطُ بأمورٍ:\nالأولُ: بمقدارِ ورودِ الخوفِ على المُرابِطِ يكونُ الأجرُ له أعظَمَ؛ فمَن رابَطَ على ثَغْرٍ مَخُوفٍ ليس كمَنْ رابَطَ على ثغرٍ آمِنٍ.\nالثاني: بمقدارِ ما يقومُ على حمايتِه؛ فمَن يُرابِطُ على الأعراضِ والأنفُسِ أعظَمُ ممَّن يُرابِطُ على الأموال، ومَن يُرابِطُ على حُرْمةِ الدِّينِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٨٩٢) (٤/ ٣٥).\n(٢) أخرجه مسلم (١٩١٣) (٣/ ١٥٢٠).\n(٣) أخرجه أبو داود (٢٥٠٠) (٣/ ٩)، والترمذي (١٦٢١) (٤/ ١٦٥).","vol":"2","page":693},{"text":"أعظَمُ ممَّن يُرابِطُ على حُرْمةِ الدُّنيا، وأعظَمُ الرِّباطِ ما اجتمَعَتْ فيه حمايةُ الحُرُماتِ كلِّها.\nالثالثُ: بطولِ الرِّباطِ يعظُمُ الأجرُ؛ فرِباطُ اليومِ أعظَمُ مِن رِباطِ الساعة، ورِباطُ الشهرِ أعظَمُ مِن اليوم؛ ففي \"الصحيحِ\"؛ قال - ﷺ -: (رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ) (١).\nوالأحاديثُ الواردةُ في فضلِ الرِّباطِ بالعمومِ شاملةٌ لكلِّ رِباطٍ في سبيلِ الله، وبمقدارِ أسبابِ التعظيمِ يعظُمُ الأجرُ.\nويُطلَقُ الرِّباطُ على انتظارِ العبادةِ في المساجدِ والاعتكافِ فيها؛ ففي مسلمٍ، عن أبي هريرةَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟)، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: (إِسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِه، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِد، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاة، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ) (٢).\nوالمقصودُ في الآيةِ والأحاديثِ السابقةِ قبلَ حديثِ أبي هريرةَ: رِباطُ الثُّغُورِ.\nولا يتمُّ الجهادُ إلا بالرِّباط، ولا فلاحَ للأُمَّةِ إلا بهما؛ ولذا قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أيْ: لا يتحقَّقُ الفلاحُ إلا بجهادٍ ورِباطٍ على تَقْوَى مِن اللهِ وصبرٍ ومُصابَرةٍ على الحقِّ.\nويدخُلُ في فضلِ الرِّباطِ حمايةُ الأعراضِ والأموالِ والأنفُسِ في بُلْدانِ المسلِمينَ مِن السُّرَّاقِ والفُسَّاقِ عندَ غَفْلةِ أهلِها عنه، خاصةً في الليلِ؛ فرِباطُ الليلِ أعظَمُ مِن رِباطِ النهارِ وأفضَلُ؛ لأنَّه أشَدُّ وأثقَلُ وأَخْوَفُ، والناسُ إليه أَحْوَجُ.\n_________\n(١) سبق تخريجه قريبًا.\n(٢) أخرجه مسلم (٢٥١) (١/ ٢١٩).","vol":"2","page":694},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-458>سُورَةُ النِّسَاءِ</span>\nسورةُ النساءِ سورةٌ مدنيَّةٌ جميعُهَا، ولهذا قال أكثرُ السلفِ؛ ففي البخاريِّ، عن عائشة؛ أنها قالتْ: \"ما نَزَلَتْ سورةُ النساءِ إلَّا وأَنا عند رسول الله - ﷺ - يعني قد بنَى بها - \" (١).\nوكذلك فإنَّ النساءَ نزَلَتْ بعد البقرةِ في قولِ عامَّةِ العلماء، وعند جمهورِهِم: أنها نزَلَتْ بعد آلِ عمران، وفد أنزَلَ الله فيها تفاصيلَ التشريعِ والأحكامِ خاصَّةً المتعلِّقةَ بالنساءِ من نكاحِهِنَّ وحقوقِهِنَّ بالمهرِ والنفقةِ والكسوةِ، وأحكامِ المواريث وعقوبةِ الفاحشةِ وتحريمِ عَضْلِهِنَّ، وبيان المحرَّماتِ مِن النساءِ وما يحلُّ منهنَّ، والقِوَامةِ عليهنَّ، وأحكامِ هَجرِهِنَّ والإصلاح لهنَّ، وبيَّن الله فيها جملةً مِن أحكامِ الشريعةِ؛ كالجهادِ وصلاةِ الخوفِ وغيرهما.\nقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].\nفي الآيةِ: وجوبُ صِلةِ الأرحامِ؛ لأنَّ اللهَ حرَّمَ قَطْعَها وعظَّمَ أمْرَها، وكانتِ الناسُ في الجاهليَّةِ تَسألُ بها؛ إدراكًا لِعِظَمِهَا، وفي قولِه: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ قراءتانِ:\nالأُولى: بالكسرِ عطفًا على الضميرِ المُجاوِرِ في قولِه: ﴿بِهِ﴾،\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٣٤٥)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٥٤٨).","vol":"2","page":695},{"text":"وبنحوِ هذا القولِ قولُ مَن قال: مجرورٌ بالباءِ المُقدَّرَةِ؛ أيْ: تَساءَلونَ باللهِ وبالأرحام، والصحيحُ عندَ النحْويِّينَ جوازُ العطفِ على الضميرِ المجرورِ بدونِ إعادةِ الجارِّ.\nورُوِيَ القولُ بالجرِّ عن مُجاهِدٍ والنخَعيِّ والحسَنِ.\nروى ابنُ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ: \" ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾؛ قَالَ: هُوَ أَنْشُدُكَ بِاللهِ والرحِمِ\"؛ أخرَجَهُ ابنُ المُنذرِ وابنُ جريرٍ (١).\nورُوِيَتْ هذه قراءةً عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ.\nوالثانيةُ: بالنصبِ عطفًا على قولِه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: اتَّقُوا اللهَ والأرحامَ؛ وبهذا قرَأَ الجمهورُ.\nوعلى الثانيةِ يُسأَلُ باللهِ وحدَهُ، وتُتَّقَى معصيتُهُ وقطيعةُ الأرحامِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>السؤالُ بالرحِمِ:</span>\nوليس في القراءةِ الأُولى قَسَمٌ بغيرِ الله، وحَمَلَ الكسرَ فيها المفسِّرونَ على معانٍ؛ منها: ما صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ والحسنِ: \"اتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَساءَلونَ به، واتَّقُوهُ في الأرحامِ فَصِلُوهَا\" (٢).\nوصحَّ عن مُجاهدٍ وغيرِه؛ قالُوا: \"أيْ: أنْشُدُكَ بِاللهِ والرحِمِ\" (٣).\nومنها ما صحَّ عن النَّخَعيِّ؛ قال: \"اتَّقُوا اللهَ الذي تَعَاطَفُونَ به والأرحامِ؛ يقولُ: الرجلُ يَسألُ باللهِ وبالرَّحِمِ\" (٤).\nوليس في ذلك حَلِفٌ وقَسَمٌ بغيرِ اللهِ؛ وهذا نظيرُ ما رواهُ أحمدُ في \"عِلَلِه\"، وابنُ مَعِينٍ في \"معرفةِ الرجالِ\"، والطبرانيُّ، عن الشعبيِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ؛ قال: \"كنتُ أسألُ عليًّا - ﵁ - الشيءَ، فيَأْبَى عليَّ،\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٤٩٩٣).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٣٤٧ - ٣٤٨)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٥٤٩).\n(٣) سبق تخريجه.\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٣٤٤).","vol":"2","page":696},{"text":"فأقولُ: بحقِّ جعفرٍ، فإذا قلتُ: بحقِّ جعفرٍ، أَعْطَانِي\" (١).\nوهذا تذكيرٌ بحقِّ جعفرٍ، وهو رَحِمُهُ التي يتَّصلُ بها مع عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ لأنَّه أَخُوهُ، وعليٌّ عمُّ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ، وقرينةُ ذلك: أنَّه خَصَّ جعفرًا؛ لأنَّه مَعْقِدُ الوصلِ بينَهما، وحَقُّ جعفرٍ الوصلُ، وليس هذا حَلِفًا؛ بل مناشدةٌ وتعاطُفٌ؛ ويُؤيِّدُ هذا ما جاء عن ابنِ مسعودٍ؛ أنَّه قرَأَ: (وبِالأرحَامِ)، وقال: \"كانوا يتناشَدونَ بذِكرِ اللهِ والرحِمِ (٢)؛ يقولُ الرجلُ: سألتُك باللهِ والرَّحِمِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>صلةُ الرحمِ:</span>\nوقد أمَرَ اللهُ بصِلَةِ الرحِمِ في كتابِهِ في مواضعَ عديدةٍ؛ منها في سورةِ البقرةِ والرعدِ: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة: ٢٧، والرعد: ٢٥]؛ صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: \"أكبرُ الكبائرِ: الإشراكُ باللهِ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج: ٣١]، ونقضُ العهد، وقطيعةُ الرَّحِمِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥]؛ يعني: سوءَ العاقبةِ\"؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ (٣).\nوقال به قتادةُ والسُّدِّيُّ.\nوالآيةُ شاملةٌ لكلِّ قَطْعٍ لِمَا أمَرَ اللهُ بوَصْلِهِ مِن الحقِّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>الحكمةُ من صلة الرحمِ:</span>\nوصِلَةُ الأرحامِ توثيقٌ لصِلةِ القَرَابة، ووفاءٌ للحقّ، وحُسْنُ عهدٍ،\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٤٧٦) (٢/ ١٠٩)، وابن معين في \"معرفة الرجال\" (رواية ابن محرز (١/ ١٦٨) ط. القصار)، وأحمد في \"العلل ومعرفة الرجال\" (رواية ابنه عبد الله) (١/ ٣٧٧).\n(٢) \"البحر المحيط\" لأبي حيان (٣/ ٤٩٨).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١٣/ ٥١٥).","vol":"2","page":697},{"text":"وهي تقوِّي الفِطْرةَ؛ فإنَّ الشيطانَ يَقْرُبُ مِن الفردِ ويبتعِدُ عن الجماعة، فالصلةُ تُوثِّقُ غريزةَ الحياءِ والأمانة، وإذا ابتعَدَ الإنسانُ عن مَعارفِه وقَرَابتِه، ضَعُفَتْ نفسُه، وقَوِيَ شيطانُه، وسوَّلتْ له نفسُهُ الشرَّ؛ فالنفوسُ الضعيفةُ في بلدِ الغُرْبةِ غيرُها في بلدِ الأهلِ والعَشِيرَةِ؛ ولذا قَرَنَ اللهُ قطيعةَ الرحمِ بالفسادِ في ثلاثةِ مواضعَ: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ في البقرةِ والرعدِ [البقرة: ٢٧، والرعد: ٢٥]، وقال في سورةِ محمَّدٍ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [٢٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>أنواعُ الأرحامِ:</span>\nوالرحِمُ على نوعَيْنِ:\nالأولُ: الرَّحِمُ المحرَّمةُ؛ أيْ: مَنْ يَحْرُمُ الزواجُ به لو كان أحدُهما أُنْثَى، والآخَرُ ذَكَرًا؛ وهذا النوعُ أعظَمُ في الحقِّ، وكلَّما كانتِ المَحْرَمِيَّةُ أعظَمَ، كان الوصلُ أَوْجَبَ، والقطيعةُ أشَدَّ؛ فالأمُّ أعظَمُ مِن الأب، والوالدانِ أعظَمُ مِن الأبناء، والأبناءُ أعظَمُ مِن الإخوة، والإخوةُ أعظَمُ مِن الأعمامِ والأخوالِ.\nوالآباءُ وإنْ عَلَوْا حكمُهُمْ واحدٌ، إلَّا أنَّ الحقَّ يضعفُ كلَّما بَعُدَ؛ فالأبُ أعظَمُ مِن الجَدِّ، والجدُّ الأولُ أعظَمُ مِن الجدِّ الثاني، وهكذا في الأبناءِ وإنْ نزَلُوا.\nولأَجْلِ الرحِمِ حَرَّمَ اللهُ الجمعَ بينَ الأختَيْن، والجمعَ بينَ المرأةِ وعمَّتِها أو خالتِها؛ لأنَّهما لا يَحرُمانِ على الانفِرادِ؛ لأنَّ الجمعَ بينَهما يُؤدِّي إلى قطيعةِ الرحِمِ؛ ففي \"الصحيحَيْنِ\"، عن أبي هُرَيْرَةَ؛ قال - ﷺ -: (لَا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا) (١).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥١٠٩) (٧/ ١٢)، ومسلم (١٤٠٨) (٢/ ١٠٢٨).","vol":"2","page":698},{"text":"ولا يُحرِّمُ اللهُ ما أصلُهُ مباحٌ، إلا لأجلِ تفويتِ واجبٍ أو وقوعٍ في محرَّمٍ.\nالثاني: الرحمُ غيرُ المحرَّمة، وهم مَن غيرُ النوعِ الأول، وأعظَمُهم حقًّا أقرَبُهُمْ رحمًا، وأقربُهُمْ رحمًا مَن يتَّصِلُ بأقربِ الأرحامِ المحرَّمِينَ، فأقربُهم منه أعظمُهم حقًّا؛ كأولادِ العمِّ والخال، وأولادِ العمَّةِ والخالةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>حكمُ صلةِ الرحمِ:</span>\nويتَّفِقُ العلماءُ على وجوبِ صِلَةِ الأرحامِ مِن النوعِ الأول، ويختلِفونَ في وجوبِ صِلةِ النوعِ الثاني - مع الاتِّفاقِ على فضلِه - على قولَيْن، وهما قولانِ أيضًا للإمام أحمَدَ:\nفذهَبَ جمهورُ العلماءِ: إلى وجوبِ صلةِ الأرحامِ محارمَ وغيرَ محارمَ، وحقُّهم بمقدارِ قُرْبِهم حسَبَ الطاقةِ والوُسْعِ؛ لعمومِ الأدلةِ في صلةِ الرحِمِ مِن غيرِ تفريقٍ بمحرَّمةٍ وغيرِ محرَّمةٍ.\nوالأظهرُ: وجوبُ صِلَةِ الرحِمِ المُحرَّمة، وأمَّا غيرُ المُحرَّمة، فعلى حالَيْنِ:\nالأُولى: رحِمٌ غيرُ مُحرَّمٍ محتاجٌ إلى رحِمِه، فيجبُ وصلُه، وتجبُ كفايتُهُ وقضاءُ حاجتِهِ على القادرِ مِن ذوي رحِمِهِ الأقرب فالأقرب؛ لأنَّهم أَوْلى الناسِ به، ويَرِثُهُ ويَرِثُونَهُ عندَ عدمِ وجودِ أصحابِ الفُرُوضِ مِن ورَثَتِه.\nويتعيَّنُ على الحاكمِ إلزامُ قرابتِهِ القادِرِينَ بكفايةِ المحتاجِ مِن أرحامِهِمْ وسَدِّ حاجتِهِمْ، وكلَّما كانتْ حاجةُ ذوي الرحمِ أشَدَّ، كان الوصلُ له أوجَبَ؛ قال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنقال: ٧٥، والأحزاب: ٦]، وقد جعَلَ النبيُّ - ﷺ - الدِّيَةَ في العَاقِلَة، وهم القَرَابَةُ ولو كانوا مِن غيرِ ذوي الأرحامِ؛ لحقِّ الرحِمِ في العَوْنِ ولو كان بعيدًا.","vol":"2","page":699},{"text":"الثانيةُ: رَحِمٌ غيرُ مُحرَّمٍ غيرُ محتاجٍ؛ فهذا وصلُهُ مِن أعظَمِ الأعمالِ وأفضلِ البِرِّ، إلا أنَّه لا يجبُ؛ فاللهُ لم يُحرِّمِ الجمعَ بينَ بناتِ العمِّ والعمَّة، وبناتِ الخالِ والخالة، وإنْ أدَّى ذلك إلى القطيعة، وعامَّةُ الفقهاءِ على جوازِ هذا الجمعِ بينَ القَرابات، واللهُ لا يُحِلُّ شيئًا يُؤدِّي إلى حرامٍ غالبٍ أو قطعيٍّ، والقطيعةُ بينَ الضَّرَّاتِ غالبةٌ، وقد جاء تعليلُ النهيِ في الجمعِ بينَ المرأةِ وعمَّتِها أو خالتِها خوفَ القطيعةِ في بعضِ الرواياتِ عندَ ابنِ حِبَّانَ؛ قال - ﷺ -: (إِنَّكُنَّ إِذَا فَعَلْتُنَّ ذَلِكَ، قَطَعْتُنَّ أَرْحَامَكُنَّ) (١).\nوالأحاديثُ الواردةُ في الأرحامِ وصِلَتِهِم يُحمَلُ الوجوبُ منها على النوعِ الأوَّل، وعلى الحالةِ الأُولى مِن النوعِ الثاني، ويُحمَلُ الفضلُ على الجميع، وأقرَبُهم أحقُّهم وأعظَمُهم أجرًا في وصلِه، وإطلاقُ صلةِ الرحمِ مِن غيرِ تقييدٍ بقيدٍ فاصلٍ يُهدِرُ الحُكْمَ ويُضيِّعُهُ، والواجباتُ تُحكَمُ في الشريعةِ وتُضبَطُ، ولو قيل بصِلةِ كلِّ القراباتِ والأرحامِ لَمَا عُرِفَ لذلك حدٌّ ولَشَقَّ على الناسِ ذلك، وتقييدُهُ بذوي الأرحامِ هو قولُ أبي الخطَّابِ مِن الأصحاب، وقولُ جماعةٍ مِن فقهاءِ الحنفيَّةِ والمالكيَّةِ كالقَرَافِيِّ وغيرِه.\nوفي هذا يقولُ النبيُّ - ﷺ -؛ كما رواهُ أحمدُ، عن أَبِي رِمْثَةَ؛ قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ) (٢).\nوفي \"الصحيحِ\"، عن أبي هريرةَ؛ قال: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قال: (أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ) (٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (٤١١٦) (٩/ ٤٢٦).\n(٢) أخرجه أحمد (٧١٠٥) (٢/ ٢٢٦).\n(٣) أخرجه مسلم (٢٥٤٨) (٤/ ١٩٧٤).","vol":"2","page":700},{"text":"وبعضُ الفقهاءِ يجعلُ ذوي الأرحامِ الذين يجبُ وصلُهُمْ هم الذين يَرِثُونَ؛ وبهذا القولِ يخرُجُ الأخوالُ؛ وهذا ضعيفٌ؛ ففي \"الصحيحِ\": (الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ) (١)، وقد جاء مِن قولِ النبيِّ - ﷺ - في أحاديثَ في \"المسندِ\"، و\"السُّنَنِ\"، و\"المسانيدِ\"؛ مِن حديثِ عليٍّ والبَرَاءِ (٢).\nوفي \"المسندِ\"؛ مِن حديثِ عليِّ بن أبي طالبٍ؛ قال - ﷺ -: (فَإِنَّ الْخَالَةَ وَالِدَةٌ) (٣).\nوكذلك فإنَّ العمَّ بمنزلةِ الأبِ؛ كما في \"صحيح مسلمٍ\"؛ قال النبيُّ - ﷺ - لعُمَرَ: (يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ) (٤).\nوالوعيدُ الواردُ في القرآنِ والسُّنَّةِ في قطعِ الأرحامِ يُحمَلُ على ذوي\nالأرحامِ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٢، ٢٣].\nوقولِه - ﷺ -: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ) (٥).\nوالفضلُ واردٌ على جميع الأرحامِ؛ كقولِهِ: (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِه، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِه، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) (٦)، وأقربُهُمْ رَحِمًا أعظمُهُمْ حقًّا، ووصلُهُ أعظَمُ أجرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>المحرَّمُ بالرضاعِ لا يدخُلُ في الأرحامِ:</span>\nولا يدخُلُ في الأرحامِ الرَّضَاعُ بالاتِّفاقِ؛ لأنَّ الرحِمَ إنَّما سُمِّيَتْ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٦٩٩) (٣/ ١٨٥).\n(٢) أخرجه أحمد (٩٣١) (١/ ١١٥)، وأبو داود (٢٢٨٠) (٢/ ٢٨٤)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٨٤٠٢) (٧/ ٤٣٣)، عن عليٍّ.\nوالترمذي (١٩٠٤) (٤/ ٣١٣)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٨٥٢٥) (٧/ ٤٨٣)، عن البَرَاءِ.\n(٣) أخرجه أحمد (٧٧٠) (١/ ٩٨).\n(٤) أخرجه مسلم (٩٨٣) (٢/ ٦٧٦).\n(٥) أخرجه البخاري (٥٩٨٤) (٨/ ٥)، ومسلم (٢٥٥٦) (٤/ ١٩٨١).\n(٦) أخرجه البخاري (٥٩٨٦) (٨/ ٥)، ومسلم (٢٥٥٧) (٤/ ١٩٨٢).","vol":"2","page":701},{"text":"رحِمًا للولادة، لا للرَّضَاعِ؛ (خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ، قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَ: مَهْ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَة، فَقَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَك، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَذَلِكِ لَكِ) (١).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢].\nذكَرَ اللهُ أموالَ الأيتامِ بعدَ بيانِ حقِّهِ تعالى بتَقْواهُ وحُكْمِ الرحِمِ بالوصلِ؛ لأنَّ غالبَ كفالةِ الأيتامِ تكون مِن ذوي الرحِمِ والقُربى، فيتتبَّعُ الرجلُ أيتامَ أخيهِ وأختِهِ وعمِّهِ ونحوِهِمْ؛ فبَيَّنَ اللهُ حقَّهم وخصيصتَهُمْ بالحقِّ والفضلِ والحُرْمةِ.\nوأعظَمُ اليُتْمِ فَقْدُ الأبَويْن، ثمَّ فقدُ الأب، ثمَّ فقدُ الأمِّ، ويُطلَقُ في الشرعِ اليُتْمُ على مَن فقَدَ أباهُ ولو كانتْ أُمُّه باقيةً؛ قال ابنُ السِّكِّيتِ: \"اليُتْمُ في بني آدمَ مِن قِبَلِ الأب، وفي غيرِهم مِن قِبَلِ الأمِّ\" (٢).\nوتُسمِّي العربُ مَن فقَدَ أبوَيْهِ لَطِيمًا، ويستمرُّ وصفُهُ باليُتْمِ ما لم يَحتلِمْ؛ لقولِ النبيِّ - ﷺ -: (لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ)؛ رواهُ أبو داودَ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>تعظيمُ حقِّ اليتيمِ ومالِهِ:</span>\nوعظَّمَ اللهُ مالَ اليتيمِ؛ لضَعْفِهِ عن الانتصارِ لنفسِهِ ومعرفةِ حقِّه، ولمَّا كانتِ البَلْوَى تَعُمُّ بمخالَطةِ مالِهم في أموالِ مَن يَكفُلُهُمْ لتنميتِها أو\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٧٥٠٢) (٩/ ١٤٥)، ومسلم (٢٥٥٤) (٤/ ١٩٨٠).\n(٢) ينظر: \"إصلاح المنطق\" لابن السكيت (ص ٢٦٣)، و\"تاج العروس\" (٣٤/ ١٣٤).\n(٣) أخرجه أبو داود (٢٨٧٣) (٣/ ١١٥).","vol":"2","page":702},{"text":"حِفْظِها، شدَّدَ اللهُ فيها أنْ تُخلَطَ بغيرِها قَصْدَ الإضرارِ بها والتكثُّرِ بها والإفسادِ لها؛ كمَن يَخلِطُ مالَهُ بمالِ اليتيمِ لِيَأْكُلَهُ، أو لأنَّ مالَهُ قليلٌ ومالَ اليتيمِ كثيرٌ، أو مالَهُ رديءٌ ومالَ اليتيمِ جيِّدٌ وطيِّبٌ؛ ليتقاسَمَهُ بعدَ ذلك؛ فيكونَ الطيِّبُ مِن نصيبِه، والخبيثُ مِن نصيبِ اليتيمِ؛ فيُبْدِلَ هذا بهذا.\nوقال سعيدُ بنُ المسيَّبِ والزهريُّ: \"لا تُعْطِ مَهْزولًا، وتأخُذَ سَمِينًا\" (١).\nوقال إبراهيمُ النَّخَعيُّ والضحَّاكُ: \"لا تُعْطِ زائفًا، وتأخُذَ جيِّدًا\" (٢).\nوجنسُ أكلِ مالِ اليتيمِ أعظَمُ مِن جنسِ أكلِ مالِ الرِّبا؛ لأنَّ مالَ اليتيمِ يُؤخَذُ عن جهلٍ وضعفٍ، أو قهرٍ وغلَبةٍ، ويستتِرُ بأكلِهِ عن الناس، ويُؤكَلُ بالتحايُلِ وتأكُلُهُ النفوسُ الضعيفةُ الدنيئةُ، بخلافِ الرِّبا؛ فكثيرًا ما يُؤخَذُ عن رِضًا وتوافُقٍ، والنفوسُ تَعَافُ أكلَ مالِ اليتيمِ؛ لِمَا جُبِلَتْ عليه مِن الرحمةِ والأنَفةِ عن الضعيف، ولأنَّ اليتيمَ غالبًا ما يكونُ في كفالةِ ذي الرحمِ؛ لذا كان أكلُ مالِ اليتيمِ أقَلَّ وقوعًا وانتشارًا بخلافِ الرِّبا؛ لذا جاءَتِ النصوصُ في الوعيدِ في الرِّبا أكثَرَ وأشَدَّ مِن مالِ اليتيمِ؛ لأنَّ الرِّبا بلاءٌ عامٌّ، وأكْلَ مالِ اليتيمِ بلاءٌ خاصٌّ.\nوالشريعةُ تُعظِّمُ الذنبَ الذي ينتشرُ ويَشِيعُ، وتُشدِّدُ فيه أكثَرَ مِن غيرِهِ ولو كان أشَدَّ منه؛ ولهذا قُدِّمَ في الحديثِ أكلُ الرِّبا على أكلِ مالِ اليتيمِ؛ كما في البخاريِّ؛ قَالَ النبيُّ - ﷺ -: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: (الشِّرْكُ بِالله، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيم، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٣٥٢)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٥٥٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٥٥).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٣٥٢)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٥٥٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٥٦).","vol":"2","page":703},{"text":"الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ) (١).\nوجاء في روايةِ مُسلِمٍ في هذا الحديثِ تقديمُ أكلِ مالِ اليتيمِ على أكلِ الرِّبا (٢).\nوقولُه: ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾؛ يعني: إثمًا عظيمًا؛ قاله ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه (٣).\nوتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ الكلامُ على جوازِ مشارَكَةِ الكفيل لمالِ اليتيمِ والمتاجَرةِ به في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠].\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣].\nبعدَما ذكَرَ اللهُ الأيتامَ وحَقَّهم ببرِّهم وحفظِ مالِهم ذكورًا وإناثًا، أشار إلى ما تَحْتَرِزُ منه نفسُ كفيلِ اليتيمِ عادةً، مِن أمرِ المخالطةِ؛ كما تقدَّمَ في قولِهِ تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، فالناسُ تتهيَّبُ قُرْبَ مالِ اليتيمِ؛ لحُرمَتِهِ ولضَعْفِ صاحِبِه، فتخافُ الإثمَ، وخوفُها ربَّما أجحَفَ باليتيمِ وبمالِه، فيُترَكُ عن النَّمَاءِ والإصلاحِ؛ فيَهْلِكُ بأكلِهِ أو تفسُدُ عينُهُ بعدمِ العنايةِ به إذا كان زرعًا أو ماشيةً ونحوَ ذلك.\nوممَّا تتهيَّبُهُ النفوسُ: العدلُ في حقِّ اليتيمةِ التي تكونُ في حَجْرِ كفيلِها، وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾؛ يعني: تحرَّجْتُم؛ كما قاله مجاهدٌ (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٧٦٦) (٤/ ١٠).\n(٢) أخرجه مسلم (٨٩) (١/ ٩٢).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٣٥٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٥٧).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٣٦٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٥٧).","vol":"2","page":704},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-466>ولايةُ اليتيمةِ:</span>\nوالحَرَجُ المذكورَ في الآيةِ حُمِلَ على مَعانٍ عدةٍ؛ منها:\nالحَرَجُ مِن اليتيمةِ التي تكونُ في حَجْرِ وليِّها، وليس لها وليٌّ غيرُهُ يَحمِيها، ويَدْفَعُ عنها عندَ أَذِيَّتِها وأخذِ حقِّها، ويُريدُ كفيلُها مِن أوليائِها الزواجَ منها بمَهْرٍ دونَ مهرِ مِثْلِها، وربَّما كان لها مالٌ وفيها جمالٌ؛ فطَمِعَ فيها لأجلِ ذلك، وقد يُقَصِّرُ في حقِّها، وربَّما ضَرَبَها وأضَرَّ بها، فأمَرَ اللهُ النفوسَ الواجدةَ لذلك بتركِها وتزويجِها غيرَهُ، ويكون هو وليًّا لها عندَ زوجِها يَحْمِيهَا ويطلُبُ لها مهرَ المِثْل، وهو يتزوَّجُ ممَّا أحَلَّ اللهُ له مِن النِّساءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ؛ كما روى الشيخان، عن عروة، عن عائشةَ؛ في قولِه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾؛ قَالَتْ: \"أُنْزِلَتْ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْيَتِيمَةُ وَهُوَ وَلِيُّهَا وَوَارِثُهَا، وَلَهَا مَالٌ وَلَيْسَ لَهَا أَحَدٌ يُخَاصِمُ دُونَهَا، فَلَا يُنْكِحُهَا لِمَالِهَا، فَيُضِرُّ بِهَا وَيُسِيءُ صُحْبَتَهَا، فَقَالَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يَقُولُ: مَا أَحْلَلْتُ لَكُمْ، وَدَعْ هَذِهِ الَّتِي تُضِرُّ بِهَا\" (١).\nومِن مَعانيه:\nدفعُ النفوسِ التي تتحرَّجُ مِن مالِ اليتيمةِ أنْ تتحرَّجَ مِن الزِّنى كذلك، سواءٌ باليتيمةِ التي في حَجْرِهِ أو بغيرِها، وكما أمَرَهُ اللهُ بالحِيَاطَةِ في أموالِ الأيتامِ وغيرِهم، ووضَعَ له مِن ذلك مَخرَجًا، كذلك أمَرَهُ اللهُ بتجنُّبِ الزِّنى، ووضَعَ له مَخرَجًا، وهو التعدُّدُ بالأزواجِ ممَّا أباحَ اللهُ؛ كما روى ابنُ المُنذِر، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾؛ يَقُولُ: \"إنْ تَحَرَّجْتُمْ مِن ولايةِ اليتامَى وأكلِ أموالِهم إيمانًا وتصديقًا، فكذلك تحرَّجُوا مِن الزِّنى، فانكِحُوا النِّساءَ نكاحًا\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٠٩٨) (٧/ ٩)، ومسلم (٣٠١٨) (٤/ ٢٣١٤).","vol":"2","page":705},{"text":"طيِّبًا: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ \" (١).\nومِن مَعانيه:\nالحثُّ على العدلِ مع الزوجات، والتخويفُ مِن ظُلْمِهِنَّ؛ فقد روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن ابنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ فِي قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾؛ قَالَ: \"فَكَمَا خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فِي الْيَتَامَى، فَخَافُوا أَلَّا تَعْدِلُوا فِي النِّسَاءِ؛ إِنَّمَا جَمَعْتُمُوهُنَّ عِنْدَكُمْ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>تزويجُ اليتيمةِ:</span>\nوفي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ إشارةٌ إلى جوازِ تزويجِ غيرِ اليتيمةِ بأقلَّ مِن مِهرِ مِثْلِها؛ لأنَّ اللهَ لمَّا نَهَى عنه في اليتيمة، دَلَّ على جوازِه في غيرِها؛ وهذا قولُ جمهورِ الفقهاءِ خلافًا للشافعيِّ؛ فقد منع الوليَّ كالأبِ مِن تزويجِها الا بمِهْرِ مِثلِها.\nوأبو حنيفةَ يجعلُ الثيِّبَ التي لا حَجْرَ عليها لا تُزوَّجُ إلا بمهرِ مِثْلِها ولو رَضِيَتْ بأقلَّ منه، ويجعلُ مهرَ المِثْلِ مِن الكفاءةِ في النِّكاحِ.\nوظاهرُ الآيةِ والسُّنَّةِ جوازُ ذلك، وهو الصحيحُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-468>تزويجُ وليِّ اليتيمة نفسَهُ:</span>\nوتتضمَّنُ الآيةُ دَلالةً على وجوبِ الوليِّ في النكاح، وأنَّه شرطٌ فيه.\nواختَلَفَ العلماءُ في تزويجِ وليِّ اليتيمةِ مِن نفسِه:\nفمَنَعَ منه الشافعيُّ.\nوكَرِهَ مالكٌ تزويجَ الوليِّ لها حتى مِن ابنِه؛ وعلَّلُوا ذلك بحفظِ حقِّها مِن أنْ تَطمَعَ النفوسُ فيه.\nوإذا زوَّجَها منه أو مِن ابنِه سلطانٌ أو وليٌّ غيرُه، جاز عندَهم؛ لأنَّه\n_________\n(١) \"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٥٥٤).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٥٧).","vol":"2","page":706},{"text":"أحفَظُ لحقِّها ممَّا لو كان مِن وليِّ اليتيمةِ الأولِ لنفسِهِ أو لابنِهِ.\nوأجازَ أن ينكِحَ وليُّ اليتيمةِ ووصيُّها اليتيمةَ منِ نفسِهِ - وهو قولٌ لمالكٍ -: أهلُ الكوفةِ والأوزاعيُّ وأحمدُ والليثُ وغيرُهم؛ لدلالةِ التضمينِ في الآيةِ؛ فاللهُ منَعَ أنْ يُزوِّجَها الوليُّ مِن نفسِه عندَ خوفِ عدمِ القسطِ في حقِّها، ومفهومُ ذلك الجوازُ عندَ الأمنِ منِ ذلك؛ فالمنعُ حينَما تَوَجَّهَ إليه: دليلٌ على أنَّه يَملِكُ ولايتَها، ولو كانَتِ الولايةُ لغيرِه حتى لنفسِه، لم يكنْ لتوجيهِ الخطابِ إليه معنًى في قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>تزويجُ اليتيمةِ قبلَ بلوغها:</span>\nواختُلِفَ في تزويجِ اليتيمةِ حالَ يُتمِها، وقبلَ بلوغِها: فمنهم مَن أجاز تزويجَها كغيرِها مِن الصغيرات، ومَن أجاز، أخَذَ بظاهرِ الآيةِ؛ لأنَّه بالبلوغِ يرتفعُ اليُتْمُ فسمَّاها اللهُ يتيمةً: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، وقياسًا على جوازِ إنكاحِ غيرِ اليتيمةِ؛ لأنَّ العِلَّةَ الصِّغَرُ، فجاز في غيرِها ويجوزُ فيها على اختلافٍ عندَهم في حدِّ الصغيرةِ؛ وهو مرويٌّ عن بعضِ الصحابةِ؛ كعليٍّ وابنِ مسعودٍ وابنِ عمرَ وزيدٍ وأمِّ سلمةَ، والحسنِ وعطاءٍ وطاوسٍ وأهلِ الكوفةِ.\nومنَعَ الجمهورُ مِن تزويجِ اليتيمةِ قبلَ بلوغِها حتى تُستأذَنَ بنفسِها؛ لأنَّ صِغَرَها يمنَعُ مِن استئذانِها؛ وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ؛ وحمَلُوا الآيةَ في تسميةِ اليتيمةِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ على استصحابِ وصفِها قبلَ بلوغِها ممَّا عُرِفَتْ عليه؛ فمَن وُلِدَ يتيمًا وبلَغَ يَتْبَعُهُ وصفُ اليُتمِ بعدَ بلوغِه؛ ويُؤيِّدُ هذا ما رواهُ أحمدُ؛ مِن حديثِ نافعٍ، عن ابنِ عمرَ؛ قال: \"تُوُفِّيَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَتَرَكَ ابْنَةً لَهُ مِن خُوَيْلَةَ بِنْتِ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ حَارِثَةَ بنِ الْأَوْقَصِ، قَالَ: وَأَوْصَى إِلَى أَخِيهِ قُدَامَةَ بْنِ","vol":"2","page":707},{"text":"مَظْعُونٍ، قَالَ عَبْد اللهِ: وَهُمَا خَالَايَ، قَالَ: فَخَطَبْتُ إِلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ ابْنَةَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَزَوَّجَنِيهَا، وَدَخَلَ المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ - يَعْنِي: إلَى أُمِّهَا - فَأَرْغَبَهَا فِي المَالِ، فَحَطَّتْ إِلَيْه، وَحَطَّتِ الْجَارِيَةُ إِلَى هَوَى أُمِّهَا، فَأَبَيَا حَتَّى ارْتَفَعَ أَمْرُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ: يَا رَسُولَ الله، ابْنَةُ أخِي أَوْصَى بِهَا إِلَيَّ، فَزَوَّجْتُهَا ابْنَ عَمَّتِهَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، فَلَمْ أُقَصِّرْ بِهَا فِي الصَّلَاحِ وَلَا فِي الْكَفَاءَة، وَلَكِنَّهَا امْرَأَةٌ، وَإِنَّمَا حَطَّتْ إِلَى هَوَى أُمِّهَا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (هِيَ يَتِيمَةٌ، وَلَا تُنْكَحُ إِلَّا بِإِذْنِهَا)، قَالَ: فَانْتُزِعَتْ وَاللهِ مِنِّي بَعْدَ أَنْ مَلَكْتُهَا، فَزَوَّجُوهَا المُغِيرَةَ\" (١).\nقالوا: لو كانتْ صغيرةً قبلَ بلوغِها، لم يكنْ لها استئذانٌ؛ لأنَّ الصغيرةَ يُزوِّجُها وليُّها، فسمَّاها يتيمةً، وأمَرَ باستئذانِها؛ استصحابًا لاسمِ اليُتْمِ الذي كانتْ عليه قبلَ بلوغِها.\nولمَّا كانتْ ولايةُ اليتيمةِ في النكاحِ قاصرةً، شُدِّدَ في ذلك؛ فالأصلُ أنَّ النفوسَ تحتاطُ لبنتِها مِن صُلْبِها عندَ تزويجِها وهي صغيرةٌ ما لا تحتاطُ للبنتِ مِن غيرِ صُلْبِها، فربَّما أراد الوليُّ والوصيُّ الخلاصَ مِن اليتيمةِ وهي صغيرةٌ؛ وهذا لا يكونُ في الأبِ مع ابنتِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>تعدُّدُ الزوجاتِ:</span>\nوكان العربُ يَنكِحونَ في الجاهليَّةِ عشرَ نسوةٍ مِن الأَيَامَى، ثمَّ جعَلَ اللهُ ذلك في أربعِ نِسْوةٍ فقطْ؛ قاله ابنُ عبَّاسٍ (٢)، وحدُّ تعدُّدِ النساءِ بأربعٍ متَّفقٌ عليه عندَ السلفِ والخلف، وخالَفَتِ الرافضةُ.\nوكانتْ ثقيفٌ مِن أكثرِ قبائلِ العربِ في الجاهليَّةِ تعدُّدًا للنساءِ،\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦١٣٦) (٢/ ١٣٠).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٣٦٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٥٩).","vol":"2","page":708},{"text":"فربَّما كان للواحدِ مِن رجالِها عشرُ نسوةٍ؛ كعُرْوةَ بنِ مسعودٍ، ومسعودِ بنِ مُعَتِّبٍ، وأبي عقيلٍ مسعودِ بنِ عامرٍ، وسفيانَ بنِ عبدِ الله، وغَيْلَانَ بنِ سلمةَ، فلمَّا أسلَمَ أبو عقيلٍ وسفيانُ وغيلانُ، نزَلَ كلٌّ منهم عن ستِّ زوجاتٍ، وأمسَكَ أربعًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>نكاحُ أهلِ الجاهليةِ:</span>\nوأصلُ النِّكاحِ عندَ العربِ في الجاهليَّةِ شبيهٌ به في الإسلامِ؛ في المهرِ والوليِّ والإشهارِ، لكنَّهم لا يَحُدُّنَ العَدَدَ، وعندَهم أنواعٌ مِن النِّكاحِ قليلةٌ لا يفعلُها كثيرٌ منهم؛ كنكاحِ الاسْتِبْضَاعِ: أنْ يُفارِقَ الرجلُ زوجتَهُ حتى تَسْتَبْرِئَ يحيضةٍ، ثمَّ تَسْتَبْضِعَ مِن غيرِه، فإنْ حمَلَتْ وبانَ حملُها، رجَعَتْ لزوجِها ويُنسَبُ الولدُ لأبيه، وكأنَّها تُؤجِّرُهُ رَحِمَها، وهو زِنًى وسِفاحٌ، وما كان يفعلُه أكثرُ العربِ ولكنَّه فيهم، وكان موجودًا عندَ قدماءِ اليونان، وقد حكاهُ أفلاطونُ في \"جمهوريَّتِه\"، ومنه نكاحُ الرَّهْطِ الذي وَرِثَهُ بعضُ عربِ اليمنِ مِن الفُرْس، وهو أنْ يطَأَ رجالٌ دونَ العَشَرةِ امرأةً في يومٍ، ثمَّ تختارَ منهم أبًا لولدِها إنْ حمَلَتْ منهم.\nوقد أخرَجَ البخاريُّ وأبو داودَ، عن عائشةَ - ﵂ -؛ قالتْ: \"إنَّ النِّكَاحَ فِي الجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ: فَنِكَاحٌ مِنهَا نِكَاحُ النَّاسِ اليَوْمَ: يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ أَوِ ابْنَتَهُ، فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا، وَنِكَاحُ آخَرُ: كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا: أَرْسِلِي إِلَى فُلَانٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ، وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا وَلَا يَمَسُّهَا أَبَدًا، حَتَّى يتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا، أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ؛ وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الوَلَدِ؛ فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الاِسْتِبْضَاعِ، وَنِكَاحٌ آخَرُ: يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ العَشَرَةِ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى\n_________\n(١) ينظر: \"المحبر\" لمحمد بن حبيب (ص ٣٥٧).","vol":"2","page":709},{"text":"المَرْأَةِ، كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا، فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ، وَمَرَّ عَلَيْهَا لَيَالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمتَنِعَ، حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، تَقُولُ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي كَانَ مِن أَمْرِكُمْ وَقَدْ وَلَدتُّ، فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلَانُ، تُسَمِّي مَن أَحَبَّتْ بِاسْمِه، فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ بِهِ الرَّجُلُ، وَنِكَاحُ الرَّابعِ: يَجْتَمِعُ النَّاسُ الكَثِيرُ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى المَرْأَة، لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا، وَهُنَّ البَغَايَا، كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا، فَمَنْ أرَادَهُنَّ، دَخَلَ عَلَيْهِنَّ، فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ، وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا، جُمِعُوا لَهَا، وَدَعَوْا لَهُمُ القَافَةَ - أي: الَّذِينَ يَعْرِفُونَ شَبَهَ الوَلَدِ بِالوَالِدِ بِالآثَارِ الخَفِيَّةِ - ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يَرَوْنَ، فَالْتَاطَ بِه، وَدُعِيَ ابْنَهُ، لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>النكاحُ في الإسلامِ:</span>\nوقد عَظَّمَ اللهُ أمرَ النكاحِ في الإسلام، وحَفِظَ حقَّ الزوجَيْنِ والذريَّة، وسمَّى عقدَ النكاحِ وما يتضمَّنُهُ: \"المِيثَاقَ الغليظَ\"؛ قال تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١]، واللهُ لم يَصِفِ الميثاقَ بالغليظِ إلا في ميثاقِ عقدِ الزوجَيْن، وميثاقِهِ على الأنبياءِ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧]، وكذلك ميثاقُهُ على بني إسرائيلَ ألَّا يَعْدُوا في السبتِ نذيرًا لعذابِهِمُ الذي يَعْقُبُ عِصْيَانَهم للهِ: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ١٥٤].\nوإنَّما جعَلَ اللهُ المرأةَ هي التي تأخُذُ الميثاقَ في قولِهِ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١]، ولم يجعَلْهُ بينَ الزوجَيْنِ؛ لأنَّ المرأةَ هي مَن تُغلَبُ على حقِّها غالبًا؛ لضَعْفِها وقِلَّةِ قُدْرتِها على أخذِه.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥١٢٧) (٧/ ١٥)، وأبو داود (٢٢٧٢) (٢/ ٢٨١).","vol":"2","page":710},{"text":"وقيَّدَ اللهُ الرخصةَ بالتعدُّدِ عندَ الأمنِ مِن الحَيْفِ وظُلْمِ الأزواجِ؛ روى ابنُ أبي حاتم وابنُ جريرٍ، عن قتادةَ؛ قال في قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾؛ يَقُولُ: \"إِنْ خِفْتَ أَلَّا تَعْدِلَ فِي أَرْبَعٍ فَثَلاثًا، وَإِلَّا فَاثْنَيْن، وَإِلَّا فَوَاحِدَةً\" (١).\nوقولُهُ تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾؛ أيْ: ألَّا تَجُورُوا وتَميلُوا في حقِّهنَّ؛ قالتْهُ عائشةُ، وبه قال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٌ وعكرمةُ وغيرُهم، ورُوِيَ مرفوعًا مِن حديثِ عائشةَ؛ ولا يصحُّ، والصوابُ وقفُه؛ قاله أبو حاتمٍ (٢).\nوروى الشافعيُّ، عن ابنِ عُيَيْنَةَ؛ أنَّه قال: \"ذلك أَدْنَى ألَّا تَفْتَقِرُوا\" (٣).\nوقيل في قولِه: ﴿أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾؛ أيْ: كيلا تكثُرَ عيالُكُمْ فلا تَقدِرُوا على النفقةِ.\nوأظهَرُ المَعاني في هذه الآيةِ: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾؛ أيْ: ألَّا تَجُورُوا وتَمِيلُوا في حقِّ النِّساءِ فتَظلِموهُنَّ؛ كما هو قولُ عامَّةِ المفسِّرينَ، وهو ما يَجري استعمالُهُ في لغةِ العربِ وقريشٍ خاصَّةً؛ قال أبو طالبٍ:\nبِمِيزَانِ صِدْقٍ مَا يَعُولُ شَعِيرَةً ... وَوَزَّانِ صِدْقٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ\nوقال الشاعرُ:\nإِنَّا تَبِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَاطَّرَحُوا ... قَوْلَ الرَّسُولِ وَعَالُوا فِي المَوَازِينِ\nوأمَّا قولُ الشافعيِّ: إنَّ المرادَ: حتى لا تكثُرَ عيالُكُمْ، فلا تَقدِرُوا على الإنفاقِ؛ فهو قولٌ مرجوحٌ، ولم يُفسِّرْهُ بهذا أحدٌ مِن الصحابة،\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٣٦٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٥٩).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٦٠).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٦٠).","vol":"2","page":711},{"text":"وقولُ الثعلبيِّ: \"إنَّه لم يَقُلْ بهذا التأويلِ غيرُ الشافعيِّ\" (١)، فِيه نظرٌ؛ فقد رواهُ الدارقطنيُّ، عن زيدِ بنِ أَسْلَمَ؛ قال: \"ذلك أَدْنى ألَّا يكثُرَ مَن تَعُولُونَه\" (٢).\nوربَّما أخَذَهُ الشافعيُّ مِن قولِهِ - ﷺ -؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\": (وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ) (٣).\nولكنَّ النصوصَ والأثرَ تُضعِّفُ القولَ بهذا التأويلِ في هذه الآيةِ وفي هذا السياقِ؛ فلم يَثْبُتْ في تركِ الأولادِ وتكثيرِهم خشيةَ الفقرِ والنفقةِ شيءٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>حكمُ تعدُّدِ الزوجاتِ:</span>\nوتعدُّدُ الأزواجِ للقادرِ العادلِ شِرْعَةٌ نبويَّةٌ وفِطْرةٌ صحيحةٌ؛ فقد تزوَّجَ إبراهيمُ اثنتَيْن، وتزوَّجَ داودُ ألفَ امرأةٍ؛ كما جاء في التوراةِ وفي بعضِ حكاياتِ بني إسرائيلَ، وتزوَّج سليمانُ مِئَةَ زوجةٍ؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ (٤)، وجمَعَ خيرُ الناسِ محمدٌ - ﷺ - إحدى عَشْرةَ، وقيل: تسعَ نِسْوةٍ، والروايتانِ في \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ أنسٍ (٥).\nوأكثرُ الصحابةِ تزوَّجُوا أكثَرَ مِن واحدةٍ، منهم مَن جمَعَهنَّ، ومنهم مَن تزوَّجَ وفارَقَ، وقد روى البخاريُّ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ؛ قال: قال لي ابنُ عبَّاسٍ: \"هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: لا، قال: فَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً\" (٦).\nوهو شِرْعَةٌ إلهيَّةٌ لحكمةٍ عظيمةٍ، بها يتحقَّقُ دفعُ مفاسدَ عظيمةٍ مِن\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي: الكشف والبيان، عن تفسير القرآن\" (٣/ ٢٤٨).\n(٢) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٣٨٥١) (٤/ ٤٨٧).\n(٣) أخرجه البخاري (١٤٢٧) (٢/ ١١٢)، ومسلم (١٠٣٤) (٢/ ٧١٧).\n(٤) أخرجه البخاري (٢٨١٩) (٤/ ٢٢)، ومسلم (١٦٥٤) (٣/ ١٢٧٥).\n(٥) أخرجه البخاري (٢٦٨) (١/ ٦٢).\n(٦) أخرجه البخاري (٥٠٦٩) (٧/ ٣).","vol":"2","page":712},{"text":"النِّساءِ والرِّجال، وإنْ غابتْ حكمتُها عندَ بعضِ الناس؛ فلِقصورِها ومُكابَرتِها عن إدراكِ مكامنِ النفوسِ وبواطنِ الغرائزِ.\nوأكثرُ مَن يُنكِرُ شريعةَ اللهِ في التعدُّدِ مِن الرجالِ اليومَ هم ممَّن هان الزِّنى في قلبِه؛ فاللهُ يُنظِّمُ ما تفعلُهُ النفوسُ المريضةُ في السرِّ ليكونَ في العَلانِيَة، ويدفَعُ به العَنَتَ والمشقَّةَ التي تجدُها النفوسُ السويَّةُ، وبه تنتظمُ الفِطْرةُ، ويُدفَعُ الحرامُ، وتتحصَّنُ الأعراضُ، وقد قُلْتُ لأحدِ الفلاسفةِ الغربيِّينَ: \"تقييدُ تعدُّدِ الزوجاتِ بأربعٍ خيرٌ ممَّا تُبيحُونَهُ مِن الزِّنى بالعشيقاتِ بلا عددٍ؛ فالإسلامُ أمَرَ بإعلانِ ما تُخْفُونَهُ وضبَطَه وحَدَّهُ حتى لا تضيعَ الحقوقُ، وتحريمُ التعدُّدِ والزِّنى بالعشيقاتِ جميعًا اختلالٌ لفِطْرةِ المجتمع، وتكليفٌ لها بما لا تُطِيقُ، وإباحةُ الزِّنى وتحريمُ التعدُّدِ ظُلْمٌ في الدِّينِ وإهدارٌ لحقوقِ الزوجينِ\".\nوأمَّا كراهةُ المرأةِ أنْ يُعدِّدَ عليها زوجُها، فذاك ليس كُرْهًا للشريعةِ؛ ولكنَّه كُرْهٌ لأنْ تُشارَكَ هي في نصيبِها مِن زوجِها، وهذا مِن أبوابِ الغَيْرَةِ والشُّحِّ، لا مِن أبوابِ كُرْهِ التشريعِ؛ ولذا لا تجدُ المرأةُ المسلمةً حَرَجًا مِن تعدُّدِ غيرِ زوجِها، وتَكرَهُهُ في زوجِها لحَظِّ نفسِها.\nواتَّفَقَ العلماءُ أنَّ الحُرَّ يتزوَّجُ أربعَ نسوةٍ، واختلَفُوا في العبد، وهما روايتانِ عن مالكٍ: قيل: إنَّه كالحُرِّ؛ وهذا قولُ أهلِ الظاهر، وقال الجمهورُ: يتزوَّجُ اثنتَيْن، وهو الأصحُّ؛ فهو قولُ عمرَ وعليٍّ وابنِ عوفٍ، ولا أعلَمُ مَن خالَفَهم مِن الصحابةِ.\n* * *","vol":"2","page":713},{"text":"قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤].\nوالصَّدَاقُ هو المَهْرُ، ويُسمَّى في القرآنِ أَجْرًا؛ قال تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>حكمُ المهرِ:</span>\nوهو فريضةٌ في النكاحِ؛ لقولِهِ في الآيةِ: ﴿نِحْلَةً﴾؛ يعني: فريضةً؛ وبهذا فسَّرَهُ ابنُ عبَّاسٍ وعائشةُ وقتادةُ وابنُ جُرَيْجٍ (١)، وهو فرضٌ بالاتِّفاقِ كما حكاهُ غيرُ واحدٍ؛ كابْنِ رُشْدٍ.\nوالعقدُ يصحُّ بلا تسميةٍ للمهرِ على قولِ جمهورِ الفُقَهاءِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]؛ فإباحَةُ اللهِ الطلاقَ قبلَ تسميةِ المهرِ دليلٌ على صحةِ العقد، وأنَّ المهرَ والصَّدَاقَ لا يتعلَّقُ بصحةِ العقدِ؛ وإنَّما هو حقٌّ لاستباحةِ البُضْعِ؛ قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فيُبتغى النكاحُ بالأموالِ؛ سواءٌ سُمِّيَ أو لم يُسَمَّ.\nوشرطُ عدمِ المهرِ وإسقاطِهِ عندَ العقدِ فاسدٌ في نفسِهِ بالاتِّفاق، مُفسِدٌ للعقدِ على الصحيحِ؛ لأنَّ العقدَ بلا مهرٍ هِبَةٌ، والهبةُ لا تصحُّ في النكاح إلا للنبيِّ - ﷺ -؛ كما قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٠]، ولا خلافَ عندَ العلماءِ أنَّ الهبةَ في النكاحِ بلا صداقٍ لا تجوزُ، وقد نصَّ على الإجماعِ غيرُ واحدٍ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٣٨٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٦١).","vol":"2","page":714},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-475>تأخُّرُ المهرِ عن العقدِ:</span>\nولو تأخَّرَ تقابُضُ المهرِ عن العقدِ أو تمَّ العقدُ بلا تسميةٍ للمهر، جاز؛ لِمَا تقدَّمَ، ولِمَا روى أبو داودَ والترمذيُّ؛ أنَّ ابنَ مسعودٍ سُئِلَ عن رجلٍ تزوَّجَ امرأةً، ولم يَفْرِضْ لها صداقًا، ولم يَدْخُلْ بها حتى مات؟ فقال ابنُ مسعودٍ: \"لها صداقُ نسائِها، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، وعليها العِدَّةُ، ولها الميراثُ؛ فقام مَعْقِلُ بنُ سِنَانٍ الأشجعيُّ، فقال: \"قَضَى رسولُ اللهِ - ﷺ - في بِرْوَعَ بِنتِ واشِقٍ: امرأةٍ منَّا، مِثلَ ما قَضَيْتَ\" (١).\nوالأَمَةُ يجوزُ وَطْؤُها بلا مهرٍ؛ لأنَّ حقَّها غيرُ حقِّ غيرِها مِن النساءِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>المهرُ حقٌّ للمرأةِ:</span>\nوفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ المهرَ حقٌّ للمرأة، لا لوليِّها ولا لأهلِها؛ فاللهُ يقولُ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾، فأمَرَ بإعطائِهِنَّ أنفُسِهِنَّ، وأكَّدَهُ بقولِه: ﴿نِحْلَةً﴾، ثمَّ بيَّنَ أنَّ المهرَ لا يُسقِطُهُ الوليُّ؛ لأنَّه ليس مِن حقِّه، في قولِه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾، فالأمرُ بإسقاطِ شيءٍ مِن المهرِ وهبتِه: لها، لا لوليِّها، وهذا يُؤكِّدُ حقَّها وَحْدَها فيه؛ وهذا خلافُ ما كان عليه أهل الجاهليَّةِ؛ إذْ كان يتكثَّرُ الأولياءُ بمهورِ بناتِهم وأخواتِهم، وكان الرجلُ إذا وُلِدَ له بنتٌ يقالُ له: (هنيئًا لك النَّافِجَةُ) (٢)؛ يعني: ما تَزِيدُ في مالِك وتُغنِيكَ بمَهْرِها، فكان المهرُ مِلْكًا للوليِّ لا للزوجة، فأبطَلَهُ اللهُ وجعَلَهُ حقًّا للزوجة، تَضَعُ منه ما تشاءُ، وتُبقِي لها ما تشاءُ، عن طِيبِ نفسٍ منها بلا إكراهٍ، وقد كان بعضُ الجاهليِّينَ تترفَّعُ نفوسُهم عن مهورِ بناتِهم تعفُّفًا عن حَقِّهِنَّ؛ كما يقولُ الشاعرُ:\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢١١٦) (٢/ ٢٣٧)، والترمذي (١١٤٥) (٣/ ٤٤٢).\n(٢) ينظر: \"الصحاح\" (١/ ٣٤٥)، و\"لسان العرب\" (٢/ ٣٨٢)، و\"تاج العروس\" (٦/ ٢٤٦)، مادة: (ن ف ج).","vol":"2","page":715},{"text":"وَلَيْسَ تِلَادِي مِنْ وِرَاثَةِ وَالِدِي ... وَلَا شَادَ مَالِي مُسْتَفَادُ النَّوَافِجِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>تعظيم شرطِ المهرِ للنكاحِ:</span>\nوفي قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ دليلٌ على أنَّ حقَّ اللهِ في المهرِ أعظَمُ مِن حقِّ الزوجة، وأنَّ الزوجةَ لا تَملِكُ إسقاطَ جميعِ مَهْرِها ولو كان بِطِيبِ نفسٍ منها؛ ولذا قال: ﴿طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ﴾، فلا يجوزُ للمرأةِ أن تُسقِطَهُ كلَّه، ولكنْ لها أنْ تُسقِطَ منه؛ فاللهُ شرَعَهُ لتُحفَظَ به الحقوقُ، وتُكرَمَ به المرأةُ، وحتى لا يُتَّخَذَ إباحةُ إسقاطِ المرأةِ للمهرِ ذريعةً لإلغائِهِ كلِّه في العقود، فأجاز اللهُ لها إسقاطَ بعضِهِ لا كلِّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>إسقاطُ المرأةِ لبعضِ مَهْرِها:</span>\nوفي قولِه تعالى: ﴿عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ تحريمُ أخذِ المالِ بالإكراهِ وبسيفِ الحياء، ولو أظهَرَتِ الرضا؛ لحيائِها أو خوفِها، وقد حَكَى غيرُ واحدٍ مِن العلماءِ: أنَّ ما أُخِذَ مِن المالِ بسيفِ الحياءِ، فهو حرامٌ؛ لأنَّ الحياءَ، يَغْلِبُ بعضَ النفوس، فتهابُ مَعَرَّةَ الإمساك، فلا تُحِبُّ الذمَّ، فإذا أُخِذَ الحقُّ تخويفًا مِن كلامِ الناس، أو تهيبًا مِن معرَّتِهم وذمِّهم، فالمأخوذُ حرامٌ، وسيفُ الحياءِ كسيفِ الإكراه، وكلُّها مَعَانٍ تقومُ في النفسِ تدفَعُ صاحِبَها إلى بذلِ ما لا يُريدُ بَذْلَهُ لو كان مختارًا.\nفإذا لم تَملِكِ الزوجةُ إسقاطَ المَهْرِ كلِّه، فوَلِيُّها مِن بابِ أَولى؛ لأنَّه حقٌّ للهِ رخَّصَ لهم بإسقاطِ بعضِهِ لا كلِّه، والتراضِي على الإسقاطِ لا يُجِيزُ الإسقاطَ؛ كالتراضِي بينَ الطرَفَيْنِ على الرِّبا لا يُجِيزُهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>المهرُ المؤخَّر:</span>\nوفي قولِه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ دليلٌ على جوازِ تأخيرِ بعضِ المهرِ بعدَ الدخولِ أو عندَ الطلاق، وهو ما يعتادُهُ بعضُ الناسِ","vol":"2","page":716},{"text":"اليومَ بمُؤخَّرِ المهرِ؛ لأنَّ ما جازَ إسقاطُهُ جاز تأخيرُهُ، وإذا تشارَطَ الزوجانِ تأخيرَ بعضِ المهر، وجَبَ الوفاءُ به، وهو شرطٌ صحيحٌ، وفي \"السُّنَنِ\"؛ قال - ﷺ -: (المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا) (١)، وفي \"الصحيحَيْنِ\"؛ قال - ﷺ -: (إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوفَى بِه، مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفرُوجَ) (٢).\nوقوله: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ إشارةٌ لحِلِّهِ بطِيبِ نفسٍ منها، لا مكرًا ولا خديعةً، ولا إكراهًا وتغلُّبًا بسيفِ الحياءِ.\nوفي الآيةِ: دفعٌ لِحَرَجِ النفوسِ التقيَّةِ مِن قُرْبِ مهرِ الزوجةِ إذا أَحَلَّتْهُ لزوجِها أو لأبيها عن طِيبِ نفسٍ منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>شرطُ الوليِّ لنفسِهِ مالًا:</span>\nوإذا شرَطَ الأبُ حقًّا له مِن مالٍ ونحوِهِ على الزوجِ عندَ العقدِ وقَبلَهُ الزوجُ، فاختلَفَ العلماءُ في صحةِ ذلك الشرطِ على قولَينِ:\nقال بجوازِه مسروقٌ وإسحاقُ.\nوقد رُوِيَ عن مسروقٌ: أنَّه لمَّا زوَّجَ ابنتَهُ شترَطَ لنفسِهِ عَشَرةَ آلافٍ، فجعَلَها في الحجِّ والمساكين، ثمَّ قال للزوجِ: \"جَهِّزِ امرأتَك\".\nورُوِيَ هدا عن عليِّ بنِ الحُسَيْنِ (٣).\nوقال مَن جَوَّزَ ذلك للأبِ: إنَّه يَملِكُ مالَ أولادِهِ مِن غيرِ شرطٍ، وفي الشرطِ مِن بابِ أَولى.\nوقال عطاءٌ وعكرمةُ وطاوسٌ وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ والثوريُّ ومالكٌ والشافعيُّ: بعدمِ صحةِ ذلك، ويكونُ الشرطُ عندَهم - إلَّا الشافعيَّ - حقًّا\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٣٥٩٤) (٣/ ٣٠٤)، والترمذي (١٣٥٢) (٣/ ٦٢٦).\n(٢) أخرجه البخاري (٢٧٢١) (٣/ ١٩٠)، ومسلم (١٤١٨) (٢/ ١٠٣٥).\n(٣) ينظر: \"المغني\" (٧/ ٢٢٤).","vol":"2","page":717},{"text":"للمرأةِ؛ لأنَّه أخَذَ مالًا بسب نكاحِها؛ فيكونُ في حُكمِ مهرِها الذي تَملِكُه؛ فيَؤُولُ إليها، لا لأبيها.\nوهذا هو الأظهَرُ؛ لأنَّ المهرَ يَنْقُصُ لأجلِ هذا الشرطِ عادةً، فربَّما نقَصَ الأبُ ين مهرِ ابنتهِ لِيَقْبَلَ الزوجُ شرطَه لنفسِه، فيكونُ حيلةً للإضرارِ بالزوجةِ.\nونصَّ أحمدُ على أنَّ شرطَ غيرِ الأبِ كالجَدِّ والعمِّ والخالِ والأخِ في المهر، لا يصحُّ، ويعودُ الشرطُ مهرًا للزوجةِ.\nويرى الشافعيُّ الشرطَ مِن الأبِ وغيرِهِ يُفسِدُ تسميةَ المهرِ كلِّه؛ لأنَّ الشرطَ عدَ اشتراطِهِ ينقُصُ مِن حقِّها، حتى لا يُثقِلَ على الزوجِ؛ فيكونُ تسميةُ المهرِ باطلًا، ولها مهرُ المِثلِ.\nويأتي مزيدُ كلام في شرطِ النكاح في قصةِ شعيبٍ ﵇ في سورةِ القصصِ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧].\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥].\nوالنهيُ في هذه الآيةِ متوجِّهٌ للأولياءِ آباءً أو أزواجًا أو غيرَهم، والمقصودُ بالسَّفَهِ في الآيةِ: عدمُ إحسانِ التصرُّفِ؛ سواءٌ كان مِن الرجلِ أو المرأة، أو الصغيرِ أو الكبيرِ؛ وقد يكونُ سوءُ التدبيرِ في بابِ دونَ بابٍ، فما لم يُحسِنِ التصرُّفَ فيه الإنسانُ، يَدخُلُ في حُكمِ الآية، فمَن يُضارِبُ في سوقٍ لا يَعرِفها ولا يعرفُ إقبالَها ولا إدبارَها، ولا مواضعَ الربحِ والخسارةِ فيها، ولو كان عاقلًا مكلَّفًا في نفسِه، فهو داخلٌ في الآيةِ.","vol":"2","page":718},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-481>إعطاءٌ المالِ مَنْ لا يُحْسِنُ تدبيرَهُ:</span>\nوالعلماءُ مِن المفسِّرينَ مِن السلفِ يُدْخِلُونَ في الآيةِ الصغيرَ والمرأةَ التي لا تُحسِنُ التدبيرَ في المالِ؛ قاله ابنُ عبَّاسٍ وابنُ مسعودٍ والحسَنُ والحَكَمُ وغيرُهم (١).\nوقال أبو هُريرةَ: هم الخَدَمُ (٢).\nوهذا كلُّه مِن التنُّوع، لا الحصرِ في نوعٍ، فربَّما كان السفيهُ كبيرًا، وربَّما كان امرأةً، وربما كان رجلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-482>الحجرُ على السفيهِ:</span>\nوهذه الآية أصلٌ في الحَجْرِ على السَّفِيه، والحَجْرُ عليه محلُّ اتِّفاقٍ عندَ العلماءِ؛ قال ابنُ المُنذِرِ: أكثرُ علماءِ الأمصارِ يَرَوْنَ الحَجْرَ على كلِّ مُضيِّعٍ لمالِه؛ صغيرًا كان أم كبيرًا\" (٣).\nوالسَّفَهُ: هو صرفُ المالِ في الحرام، أو السَّرَفُ قي المباح، ومَن حُكِمَ عليه بالحجر، لا يصحُّ تصرُّفُه؛ لأنَّ هذا هو مقتضَى الحجر، فلا ينعقدُ شراؤُهُ ولا بيعُهُ ولا وَقْفُه، ولا يصحُّ له إقرارٌ.\nوإقرارُ المحجورِ عليه على نفسِهِ صحيحٌ مجمَعٌ عليه، إذا كان بزنًى أو سرقةٍ أو شربِ خمرٍ أو قذفٍ أو قتلٍ؛ وحكى الإجماعَ على هذا ابنُ المُنذِرِ (٤).\nوأكثرُ العلماءِ على أنَّ الحدودَ تُقامُ عليه، وإن طلَّقَ، نفَذَ طلاقُهُ ومَضَى.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٣٨٨ -، ٣٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٦٣).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٦٣).\n(٣) \"الأوسط\" (١١/ ١٠)، و\"الإشراف على مذاهب العلماء\" (٦/ ٢٣٧).\n(٤) \"الأوسط\" (١١/ ٢٠)، و\"الإشراف على مذاهب العلماء\" (٦/ ٢٤٣).","vol":"2","page":719},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-483>وجوبُ حفظِ الأموالِ وعدمِ السَّرَفِ:</span>\nوحرَّمَ اللهُ إيتاءَ السفهاءِ المالَ؛ لأنَّ المالَ ولو كان ملكًا بيدِ العبد، فهو حقٌّ لله، لا يجوزُ التخوُّضُ فيه بلا حقٍّ؛ ففي \"الصحيحِ\"؛ قال - ﷺ -: (إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القيَامَةِ) (١).\nواللهُ مَلَّكَ الإنسانَ مالَهُ لِيندبَّرَهُ وينتفِعَ ويستمتِعَ به، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وحَدَّ ذلك بالتدبيرِ وحَسْنِ التصرُّفِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف - ٣١].\nبل نَهَى اللهُ عن السَّرَفِ حتى في النفقةِ إذا أضَرَّ بصاحِبِهِ وأهلِه في غيرِ ما ضرورةٍ عامَّةٍ بالأمَّةِ؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].\nوفي \"السُّنَنِ\"؛ قال - ﷺ -: (كلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا، مَا لَمْ يُخَالِطْهُ إِسْرَافٌ أَوْ مَخِيلَةٌ) (٢).\nوفي الآيةِ: حفظٌ للمالِ حقًّا للهِ وحقًّا لصاحِبِ المالِ أنْ يُهدِرَهُ وهو في حاجة إليه؛ ولذا جعَلَ اللة الوِلايةَ والقِوامةَ، فأمَرَ بالإنفاقِ على السفيهِ والإحسانِ إليه، وأنَّ النهيَ عن تصرُّفِه في المالِ في موضعٍ لا يُحسِنُهُ: لا يعني ظُلْمَهُ والتقصيرَ في حقِّه؛ وقد روى ابنُ جريرٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عبَّاسِ؛ قال: \"كُنْ أَنْتَ الَّذِي تُنْفِقُ عَلَيهِمْ فِي كِسْوَتِهِمْ وَمُؤْنَتِهِمْ\" (٣).\nوأمَرَ اللهُ - مع حبسِ المالِ عن تصرُّفِهم والإنفاقِ عليهم - بالإحسانِ إليهم حتى في القولِ؛ تطييبًا لنفوسِهم، وكسبًا لودِّهم؛ لأنَّهم يَجهَلُونَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣١١٨) (٤/ ٨٥).\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٦٠٥) (٢/ ١١٩٢).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٣٩٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٦٤).","vol":"2","page":720},{"text":"مواضعَ النفعِ والضرِّ في أموالِهم، فربَّما كَرِهُوا الحجرَ عليهم إساءةً للظنِّ، وقولُ المعروفِ يَدفعُ ظنَّ السوء، وُيطيِّبُ النفوسَ.\nوقولُه: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾؛ أي: تَقُومُ الحياةُ بالمالِ؛ فلا يضعُفُ الإنسانُ بفقرٍ أو حاجةٍ لغيرِه، فبالمادَّةِ تقومُ الحياةُ الدُّنيا، وبالعبادة تقومُ الحياةُ الأُخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>قِوَامةُ الرجالِ على النساءِ:</span>\nوفي قولِه تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ دليلٌ على قِوَامةِ الرجالِ على النساء، فاللهُ أمَرَهُمْ بالإنفاقِ على النساءِ والصِّغَار، وفيه أنَّ العملَ والتكسُّب على الرجالِ لا على النساءِ؛ فاللهُ لم يأمُرِ النساءَ في الوحي بالتكسُّبَ والضَّرْب في الأرضِ؛ وهذه هي الفِطْرة التي جُبِلَ عليها البَشَرُ؛ كما فال تعالى لآدَمَ وحوَّاءَ في الجَنَّةِ: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]، فيَخرُجانِ جميعًا والشقاءُ لآدمَ؛ لأنَّه مَكفِيٌّ في الجنةِ مِن الضربِ في الأرضِ والعملِ والتكسُّب، وأمَّا في الدُّنيا فسيَشْقَى وحدَه، ومحلُّ حواءَ في قرارِها، واللهُ أمَرَ الرجالَ ولم يَنْهَ النساءَ عن التكسُّبِ إنِ احْتَجْنَ إليه مِن غيرِ تبرُّجٍ ولا اختلاطٍ بالرجالِ الأجانبِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>كفايةُ الأهلِ والزوجة بالنفقةِ:</span>\nولا حَدَّ للرزقِ والكسوةِ المأمورِ لها في الآيةِ؛ لعمومِ الآيةِ، ولظاهرِ السُّنَّةِ؛ كما في قولِ النبيِّ - ﷺ - لهندَ بنتِ عُتْبةَ: (خُذِي مَا يَكفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ) (١)؛ فالواجبُ الكفايةُ مِن غيرِ سَرَفٍ ولا مَخِيلَةٍ، والكفايةُ تختلِفُ بحسَبِ الأشخاصِ والأزمانِ والأحوال، والعلماءُ يتَّفقونَ على عدمِ تحديدِ حَدٍّ للكِسْوة، ويَختلفونَ في تحديدِ النفقة، والأرجحُ عدمُ تحديدِها أيضًا، وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ وأحمدَ، خلافًا للشافعيِّ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٣٦٤) (٧/ ٦٥)، ومسلم (١٧١٤) (٣/ ١٣٣٨).","vol":"2","page":721},{"text":"فيَرى تقديرَها اعتبارًا بكفارةِ اليمينِ؛ حيثُ قُدِّرَ الرزقُ فيها، ولم تُقدَّرِ الكِسْوةُ، وعلى مذهبِ الشافعيةِ يرَوْنَ على الزوجِ رزقًا واجبًا وهو مدينٌ ككفارةِ اليمينِ، وهذا قد يُقالُ به لو لم يكُنْ في البابِ حديثُ هندَ بنتِ عتبةَ، وحديثُ هندَ أصرَحُ وأوضَحُ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦].\nأمَرَ اللهُ الأولياءَ والأوصياءَ بامتحانِ اليتيمِ قبلَ دفعِ مالِهِ إليه؛ أي: اختبارِهِ لمعرفةِ بلوغِهِ النكاحَ، وسلامةِ عقلِه، وصحةِ رُشْدِه، والمرادُ ببلوغِ النكاحِ هو سنُّ التزويجِ عادةً ممَّا يُعرَفُ به مَيْلُ الرجلِ إلى المرأةِ، وله علاماتُهُ المعروفةُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>علاماتُ البلوغِ:</span>\nوعلاماتُ البلوغِ ودلالتُهُ في السُّنَّةِ بلوغُ سنِّ الخامسةَ عَشْرةَ؛ لما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديتِ نافعٍ، عن ابنِ عمرَ؛ قال: \"إنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَرَضَني يَوْمَ أُحُدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزنِي، ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الخَنْدَقِ وَأنَا ابْنُ خَمْسَ عَشرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي\"، قَالَ نَافِعٌ: \"فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وَهُوَ خَلِيفَةٌ، فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الحَدِيثَ، فَقَالَ: إنَّ هَذَا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لِمَن بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ\" (١).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٦٦٤) (٣/ ١٧٧)، ومسلم (١٨٦٨) (٣/ ١٤٩٠).","vol":"2","page":722},{"text":"وعلى هذا الحديثِ عملُ الصحابةِ والتابعينَ وجمهورِ الفقهاءِ؛ كالشافعيِّ وأحمد وصاحِبَيْ أبي حنيفةَ وبعضْ أصحابِ مالكٍ.\nوحَدَّ مالكٌ وأبو حنيفةَ البلوغَ لغيرِ المُحتلِمِ بثمانيةَ عشَرَ، وفي روايةٍ عنهما بسبعةَ عشَرَ، وفي قولٍ فرَّقَ أبو حنيفةَ بينَ الجاريةِ والغلامِ؛ فحَدَّ الجاريةَ بسبعةَ عشَرَ، ما لم يبلُغَا الاحتلامَ قبلَ ذلك؛ تمسُّكًا بظاهرِ القرآنِ في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩].\nواعتبارُ السنِّ في البلوغِ ثَبَتَتْ به السُّنَّةُ، وجَرَى عليه عملُ السلفِ، والاحتلامُ لا يُنافِيهِ؛ بل هما علامتانِ للبلوغِ قد يَجتمِعانِ وقد يَفترِقانِ؛ فمَا يسْبِقْ منهما، فهو مُثْبِتٌ للبلوغِ، فقد تتعدَّدُ العلاماتُ والأدلَّةُ على ثبوتِ الشيءِ الواحدِ مجتمِعةً ومفترِقةً، يدُلُّ على هذا العقلُ والنقلُ.\nوحدُّ البلوغِ بسنِّ الثامنةَ عَشْرةَ لا دليلَ عليه سوى ما يراهُ أبو حنيفةَ: أنَّه أقصَى ما يَغْلِبُ على الظنِّ معه بلوغُ الرجالِ حدَّ نضوجِ العقلِ والقوَّةِ، وما قَبْلَه ظنٌّ؛ وهذا نظرٌ لا يَدفَعُ النصَّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>بلوغ الفتاةِ بالحَيْضِ:</span>\nوتبلُغُ النساءُ بنزولِ الحيضِ؛ وذلك لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].\nوجعَلَ مالكٌ غِلَطَ الصوتِ وخشونتَهُ علامةً على البلوغِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>علامةُ إنباتِ الشَّعْر على البلوغ:</span>\nوالإنباتُ دليلٌ على البلوغِ ما لم يكُن ذلك عن مرضٍ في دمٍ أو هرمونٍ يَعرِفُهُ أهلُ الطِّبِّ؛ وقال بهذا أحمدُ، وهو قولٌ لمالكٍ والشافعيِّ، وهو الصحيحُ؛ لقضاءِ سعدِ بنِ معاذٍ، في يهودِ في قُرَيْظَةَ؛ أنَّ يُقتَلَ مَن أنبَتَ مِن رجالِهم، وتُسْبَى ذَرَارِيُّهم؛ فقال النبيُّ - ﷺ -: (قَضَيْتَ","vol":"2","page":723},{"text":"بِحُكْمِ اللهِ) (١).\nولم يجعَلْه أبو حنيفةَ دليلًا على البلوغِ، والصحيحُ خلافُ قولِه؛ لثبوتِ الدليلِ في ذلك؛ فقد روى أحمدُ، وأصحاب \"السُّنَنِ\"، عن عبدِ الملكِ بنِ عُمَيرِ: حَدَّثَنِي عَطِيَّةُ الْقُرَظِيُّ، قَالَ: \"كُنْتُ مِنْ سَبْي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَكَانُوا يَنْظُرُونَ؛ فَمَنْ أَنْبَتَ الشَّعْرَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ لَمْ يُقْتَلْ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ يُنْبِتْ\" (٢).\nوسندُه صحيحٌ، وله طُرُقٌ، ولو لم يكونُوا بالِغِينَ، ما قَتَلَهم، ولا قال النبيُّ - ﷺ -: (قَضَيْتَ بِحُكمِ اللهِ)؛ لأنَّ الصغيرَ غيرُ مُكلَّفٍ؛ فلا تَجرِي عليه الحدودُ، وخاصَّةَ القتلَ.\nوقولُه: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ الإيناسُ: المعرفةُ والإدراكُ؛ روى عليُّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عبَّاسٍ قال: \"عرَفْتُم منهم رُشْدًا\" (٣).\nوهذا كما في قولِهِ تعالى: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ [طه: ١٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>معنى بلوغِ الرُّشْدِ:</span>\nوالرشدُ: هو العقلُ؛ قاله مجاهدٌ (٤)؛ فما كلُّ بالغٍ راشدًا عاقلًا، فالصبيُّ ينشَأُ سفيهًا، فربَّما صاحَبَهُ السَّفَهُ بعدَ بلوغِهِ عامًا أو أعوامًا، ويُعرَفُ رُشدُهُ بمعرفةِ مواضعِ الشرِّ والخيرِ وتَوَقِّيها، ومجرد المعرِفةِ لا تجعلُهُ راشدًا حتى يتوقَّى.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤١٢١) (٥/ ١١٢)، ومسلم (١٧٦٨) (٣/ ١٣٨٨).\n(٢) أخرجه أحمد (١٨٧٧٦) (٤/ ٣١٠)، وأبو داود (٤٤٠٤) (٤/ ١٤١)، والترمذي (١٥٨٤) (٤/ ١٤٥)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٨٥٦٧) (٨/ ٢٥)، وابن ماجه (٢٥٤١) (٢/ ٨٤٩).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٤٠٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٦٥).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٤٠٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٦٥).","vol":"2","page":724},{"text":"والمقصودُ بالرشدِ في هذا الموضعِ؛ الانفرادُ بإحسانِ تدبيرِ المال، ولو كان اليتيمُ لا يُحسِنُ في غيرِ المالِ؛ كمَن يُقصِّرْ في عبادتِه، ولكنَّه حريصٌ على دُنياهُ، مُتَوَقٍّ لبذلِهِ في حرامٍ وسَرَفٍ؛ ولذا قال ابنُ عبَّاسٍ: \"إذا عرَفْتُم رشدًا في حالِهم، والإصلاحَ في أموالِهم\"؛ رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ، بسندٍ صحيحٍ (١).\nوالرشدُ: هو الشدَّةُ في حِياطَةِ المال، وحمايتُهُ والدفعُ عنه مِن المَكْرِ والخديعةِ والقُوَّةِ؛ ويفسِّرُ هذا قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢، والإسراء: ٣٤].\nوالرشدُ قد يُصاحِبُ البلوغَ وقد يتأخَّرُ عنه، ولكنَّه لا يَسبِقُهُ حُكْمًا، ولو سَبَقَهُ حقيقةً، فَعُرِفَ في الصبيِّ نجابةُ ونباهةُ الشيوخ، فلا يُدفَعُ إليه المالُ حتى يبلُغَ.\nوللرشدِ علاماتٌ؛ كصلاحِ الدِّينِ وخشيةِ اللهِ؛ قال عَبِيدَةُ بنُ عمرٍو: \"إذا أقام الصلاةَ، رشَدَ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>حَدُّ بلوغِ الرُّشدِ:</span>\nولا حَدَّ للمدةِ التي يظهَرُ فيها الرشدُ، وما يذكُرُهُ الفقهاءُ، فهو تعليقٌ للأغلبِ مِن حالِ الغِلْمانِ بعدَ بلوغِهم؛ وهذا لا يَطَّرِدُ بكلِّ حالٍ، ولا يستقيمُ في كلِّ غلامٍ؛ ولهذا قيَّدَ اللهُ معرِفةَ الرشدِ بالابتلاءِ والاختبار، لا بمدةٍ كعامٍ أو عامَيْنِ؛ لعدمِ انضباطِ ذلك.\nثمَّ بيَّنَ اللهُ أنَّ المالَ حقٌّ لهم يُدفَعُ إليهم متى ارتفَعَ مُوجِبُ الحَجْرِ والوصاية، ولا يجوزُ حبسُ مالِ اليتيم عنه عندَ جوازِ تصرُّفِهِ وتمامِ رشدِهِ إلا بإذنِه؛ قال تعالى: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٦٥).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٦٦).","vol":"2","page":725},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-491>التحرِّي عند إعطاءِ اليتيم مالَهُ:</span>\nوفي الآيةِ: شدةُ التحرِّي عندَ إعطاءِ اليتيمِ مالَهُ في قوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾، والابتلاءُ هو الاختبارُ المتكرِّرُ الذي يَثْبُتُ معه المرادُ بيقينٍ، والاختبارُ في متابعةٍ وتَحَرٍّ، وظاهرُهُ: أنْ يُختبَرَ في إحسانِ التصرُّفِ بالمال، فيُعطَى مالًا يسيرًا لا يَضُرُّ إفسادُهُ؛ سواءٌ كان مِن مالِ اليتيمِ أو مالِ الوليِّ، ومِن مالِ الوليِّ أَوْلى، ومِن مالِ اليتيمِ جائزٌ.\nولا فرقَ في ذلك بينَ ذُكُورِ الأيتامِ وإناثِهم عندَ الأئمَّةِ الأربعة، خلافًا لمالكٍ في قولٍ؛ فيَرَى أنَّ المرأةَ لا يسْتَبِينُ رَشدُها، إلَّا بعدَ تزويجِها، فيُؤنَسُ منها مع كثرةِ العِشْرةِ رشدٌ، وهذا تفصيلٌ منه، والعِبْرةُ بعمومِ الدليلِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>الأكلُ مِن مالِ اليتيمِ:</span>\nونَهَى اللهُ الأولياءَ والأوصياءَ عن مسابقةِ اليتيمِ بأكلِ مالِهِ قبلَ بلوغِهِ ورُشْدِه؛ حتى لا يُدرِكَ ما فاتَ مِن مالِهِ وما بَقِيَ منه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾؛ لأنَّ اليتيمَ إذا بلَغَ، عَرَفَ ما نَقَصَ مِن مالِه وما فَسَدَ عليه منه؛ فيأكُلُ منه قبلَ كِبَرِهِ وإدراكِه.\nوفي تقييدِ الأكلِ بالسَّرَفِ والمبادرةِ: دليلٌ على جوازِ الأكلِ في غيرِ سَرَفٍ ولا قَصْدِ الإضرارِ عندَ الحاجةِ، وهذا محدودٌ مضبوطٌ في قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.\nفأمَرَ الغنيَّ بالعفافِ، وهو التورُّعُ والاحترازُ عن أكلِ مالِ اليتيمِ مِن غيرِ حاجةٍ؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ وعائشةُ ومجاهدٌ والحسنُ وأَكثرُ المفسِّرينَ.\nوقال بعضُ المفسِّرينَ؛ كيحيى بنِ سعيدٍ وربيعةَ: إن المرادَ بالغنيِّ في الآيةِ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا﴾؛ يعني: مِن الأيتام، أُنفِقَ عليه بحسَبِ حالِه؛","vol":"2","page":726},{"text":"فلا يُجحَفُ في نفقتِهِ ويُقصَّرُ في كسوتِهِ وسُكْناهُ؛ لينالَ الوليُّ أو الوصيُّ ممَّا أبْقَاهُ مِن نفقةِ اليتيمِ؛ رواهُ نافعُ بن أبي نُعَيْمٍ عنهما؛ أخرَجَه ابنُ أبي حاتمٍ في \"تفسيرِه\" (١).\nوهذا التأويل خلافُ المشهورِ مِن كلامِ المفسِّرينَ مِن السلفِ في أنَّ المرادَ بالغني والفقيرِ هو الوليُّ والوصيُّ.\nوأَذِنَ اللهُ لوليِّ اليتيمِ ووصيِّه إنْ كان فقيرًا أنَّ يأكُلَ بالمعروفِ بمقدارِ حاجتِه؛ رَوَى عروةُ، عن عائشةَ؛ قالتْ: \"نَزَلَت فِي وَلِيِّ الْيَتِيمِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ وَيُصْلِحُهُ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا أنَّ يَأكُلَ مِنْهُ\"؛ رواهُ ابنُ جريرٍ، وابنُ أبي حاتمٍ (٢).\nوأكلُ مالِ اليتيمِ مِن غيرِ حقٍّ كبيرةٌ، وتقدَّمَ أنَّ جنسَ أكلِ مالِ اليتيمِ أعظَمُ مِن جنسِ أكلِ مالِ الرِّبا، وقال عامرٌ الشعبيُّ؛ \"هو كالمَيْتَةِ والدمِ\" (٣).\nويجبُ الاحتياطُ عندَ أكلِ الوليِّ الفقيرِ مِن مالِ اليتيمِ مِن شَرَهِ نَفْسِهِ وطَمَعِها وهَوَاهَا؛ فلا يأكُلُ طَيِّبَ مالِهِ ونَفِيسَهُ، بل يأكُلُ مِن أطرافِهِ وحواشِيه، ولا يُكثِرُ، وقد قال ابنُ عبَّاسٍ: \"يأكُلُ ثلاثِ أصابعَ\" (٤).\nومرادُهُ بلا شَرَهٍ وقضاءِ نَهَمٍ ووَطَرٍ كما يفعلُ الرجل في مالِه، وقد قال النَّخَعيُّ: \"ليس المعروف بلُبْسِ الكَتَّانِ، ولكنَّ المعروفَ: ما سَدَّ الجُوعَ، ووَارَى العَوْرَةَ\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-493>الأكلُ مِن مالِ اليتيم بمقدار ولايتهِ:</span>\nويجبُ أنَّ يكونَ أكلُ الوليِّ الفقيرِ مِن مالِ اليتيمِ بمقدارِ قيامِهِ عليه،\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٦٧).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٤٢٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٦٨).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٦٨).\n(٤) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٦٩).\n(٥) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٧٠).","vol":"2","page":727},{"text":"وما يُكلِّفُهُ مِن عملٍ مِن قيام بشأنِه، فإنْ كان يقومُ على كلِّ شأنِه، فيأخُذُ مِن وقتِهِ وعملِهِ الذي لو بُذِلَ في كسبٍ لنالَ خيرًا، فيأكُلُ بمقدارِ حاجتِهِ ودونَ ما يَفُوتُهُ ممَّا لو تفرَّغَ للعملِ لصالِحِ نفسِهِ لَحَصَّلَهُ؛ فإنَّ هذا هو العدلُ في مالِ اليتيمِ وعدمُ الإضرارِ في الوليِّ الفقيرِ.\nفإنْ كان أكلُ الفقيرِ مِن مالِ اليتيمِ يُفسِدُهُ لِقِلَّتِه، فالأَوْلى تركُ ولايتِهِ إلى غنيٍّ غيرِهِ مِن قراباتِهِ ممَّن يقومُ به كقيامِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-494>حكمُ إعادةِ الوليِّ ما أكل من مالِ اليتيمِ:</span>\nوبعضُ السلفِ جعَلَ الأكلَ مِن مالِ اليتيمِ قَرْضًا يجبُ ردُّه؛ صحَّ ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ وغيرِهما (١).\nوقيَّدَ سعيد بنُ جُبيرٍ إعادتَهُ بالقُدْرةِ قبلَ الموتِ والمُسامَحةِ بعدَهُ (٢)، وكأنَّه جعَلَ إعادتَهُ فضلًا لا فرضًا؛ ولو كان فرضًا؛ لَبَقِيَ في الذمَّةِ ولو بعدَ موتِه.\nواستدَلَّ مَن قال بالقضاءِ بما رواهُ حارثةُ بنُ مُضَرِّبٍ؛ قال: قال عمرُ بنُ الخطَّابِ - ﵁ -: \"إنِّي أَنْزَلْتُ مَالَ اللهِ تَعَالَى مِنِّي بِمَنْزِلَةِ مَالِ الْيَتِيم؛ إِنْ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ، وَإِنِ افتَقَرْتُ أَكَلْتُ بالمَعْرُوف، فَإِذَا أَيْسَرْتُ قَضَيْتُ\"؛ أخرَجَه الطبريُّ والبيهقيُّ (٣)، وله طُرُقٌ أخرى عن عمرَ؛ وهو صحيحٌ.\nوالصحيحُ؛ عدمُ وجوبِ إعادتِهِ إذا كان مِن وليٍّ فقيرٍ وبالمعروفِ؛ قال بهذا عطاءٌ والحسنُ والشافعيُّ؛ لأنَّ اللهَ سمَّاهُ أكلًا، والأصلُ في الأكلِ في القرآنِ الإباحةُ مِن غيرِ عِوَضٍ، وما جاء عن عمرَ بنِ الخطابِ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٤١٢ - ٤١٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٦٩).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٤١٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٧٠).\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٤١٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٤).","vol":"2","page":728},{"text":"محمولٌ على التورُّعِ أو كمالِ المنزِلة، فيكونُ للفقيرِ الوليِّ مع اليتيمِ في الأكلِ مِن مالِهِ حالتانِ:\nالأُولى: حالةُ فضلٍ؛ أنْ يأكُلَ ويُعِيدَ ما أكَلَ فيجعَلَهُ على نفسِه في حُكْمِ القرضِ؛ مِن عبرِ إلزامٍ إلا مِن نفسِهِ على نفسِه.\nالثانيةُ: حالةُ جوازٍ؛ أنَّ يأكُلَ مِن مالِ الفقيرِ بالمعروفِ ولا يُعِيدَه؛ وهذا جائزٌ لظاهرِ القرآن، وعمرُ قصَدَ الحالةَ الأولى؛ لأنَّه أجاز الأكلَ ولم يُبَيِّنِ القضاءَ والسدادَ، وبيانُ السدادِ أوجَبُ؛ لأنَّه حقٌّ لضعيفٍ غيرِ مكلَّفٍ، وهو اليتيمُ، والأكل حقٌّ لمكلَّفٍ قويٍّ، وهو الوليُّ والوصيُّ، والقرآنُ يُبيِّنُ حقَّ الضعفاء أكثَرَ وأشَدَّ مِن بيان حقِّ الأقوياءِ.\nوقد أذِنَ اللهُ بالأكلِ مِن غيرِ ذِكرِ القضاءِ؛ كما روى أحمدُ وأصحابُ \"السُّننِ\"، عن عَمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جدِّه؛ أنَّ رجلًا سألَ رسولَ اللهِ - ﷺ -، فقال: لَيْسَ لِي مَالٌ، وَلي يَتِيمٌ؟ فَقَالَ: (كُلْ مِن مَالِ يَتِيمِكَ، غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلَا مُبَذِّرٍ، وَلَا مُتَأَثِّلٍ مَالًا، وَمِنْ غَيْرِ أَنْ تَقِيَ مَالَكَ - أَوْ قَالَ: تَفْدِيَ مَالَكَ - بِمَالِهِ) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>الإنفاق على اليتيمِ من مالِهِ:</span>\nويُنْفِقُ على اليتيم مِن مالِ اليتيمِ نفسِه، ويُسكِنُهُ في مسكنِ الوليِّ، إلَّا إنْ كانت دارُهُ ضيِّقةً، أو يَخْشَى على إناثِ محارمِهِ مِن الخِلْطَةِ به؛ فيَجُوزُ إسكانُ اليتيمِ مِن مالِهِ نَفْسِه.\nوالأَوْلى: ألَّا يأخُذَ الوليُّ زكاةَ مالِ اليتيمِ لنفسِه؛ حتى لا يُحابيَ نفسَهُ وعيالَهُ ولو كان فقيرًا، وإنْ أخَذَها بحقِّها، جازَ.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٧٠٢٢) (٢/ ٢١٥)، وأبو داود (٢٨٧٢) (٣/ ١١٥)، والنسائي (٣٦٦٨) (٦/ ٢٥٦)، وابن ماجه (٢٧١٨) (٢/ ٩٠٧).","vol":"2","page":729},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-496>الإشهادُ عندَ دفعِ مالِ اليتيم له:</span>\nثمَّ أمَرَ اللهُ بالإشهادِ عندَ دفعِ الأموالِ للأيتامِ؛ حتى لا يقَعَ في النفوسِ ظنُّ سَوْءٍ، أو تَسْرِيَ على الوصيِّ والوليِّ وِشَايةُ مَكْرٍ وقالَةُ سُوءٍ، فتُفسِدَ ما بينَهُ وبينَ اليتيم وذوي رَحِمِهِ وقراباتِه.\nوبعضُ مَن قال بأنَّ ما يأكُلُهُ الوليِّ والوصيُّ مِن مالِ اليتيمِ قرضٌ، حمَلَ الأمرَ بالإشهادِ في الآيةِ: على الإشهادِ عندَ سدادِ القرضِ وإعادتِه، والأظهَرُ: أنَّ المرادَ بالإشهادِ العمومُ في كلِّ حقٍّ لليتيمِ يُعادُ إليه؛ لأنَّ الآيةَ في حفظِ حقِّ اليتيمِ في مالِه، فيشمَلُ كلَّ حقٍّ له.\nوقيل: إنَّ الأكلَ واجبٌ؛ لظاهِرِ الأمرِ، والأظهَرُ أنَّ الأمرَ للإرشادِ لا للفرضِ؛ لأنَّ اللهَ ائتمَنَ الوليَّ والوصيَّ على قبضِ مالِ اليتيمِ كلِّه، والمُتاجَرةِ به، والأكلِ منه عندَ فقرِهِ بالمعروفِ؛ فالأمانةُ عندَ تسليمِهِ وتوثيقُها أَهْوَنُ مِن ذلك؛ وإنَّما أمَرَ بالإشهادِ؛ دفعًا للتُّهَمَةِ وتَطْيِيبًا لنفسِ اليتيمِ وقراباتِه، وهذا أمرٌ مستحَبٌّ؛ لأنَّ التهمةَ في المُتاجَرةِ والكفالةِ أَقْوَى.\nولكنْ لمَّا كان الإشهادُ على مالِ اليتيمِ والنفقةِ عليه والأكلِ منه شاقًّا، لم يُوجِبْهُ اللهُ، وجعَلَ التخويفَ مِن عقابِ اللهِ ورقابتِهِ أقوَى في حفظِ مالِ اليتيمِ؛ لأنَّ اللهَ قال بعدَ الأمرِ بالإشهادِ: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾؛ يعني: شهيدًا رقيبًا، وهذه قرينةٌ على أنَّ الأمرَ بالإشهادِ للاستحبابِ؛ وهو قولُ أكثرِ العلماءِ.\nوقد تقدَّمَ حُكْمُ الاتِّجارِ بمالِ اليتيمِ ومخالطِتهِ في سورةِ البقرةِ في قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [٢٢٠].\n* * *","vol":"2","page":730},{"text":"قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧].\nكان أهلُ الجاهليَّةِ يجعَلُونَ الميراثَ للرجالِ، وَيمْنَعُونَ النساءَ والصِّغارَ؛ فبيَّنَ اللهُ بُطْلانَ ذلك، وأنَّ حقَّهم في الإرثِ مِن حقِّهم في القَرَابَةِ، ولا فَرْقَ بينَ صغيرٍ وكبيرٍ، مِن الرجالِ والنساء، والفرقُ بينَ الذكورِ والإناثِ مقدَّرٌ بحكمتِهِ سبحانَهُ كما يأتي بيانُهُ بإذنِ اللهِ.\nقال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ وقتادةُ: \"كان المُشرِكونَ يجعلونَ المالَ للرجالِ الكِبَار، ولا يُوَرِّثُونَ النساءَ ولا الأطفالَ شيئًا\" (١).\nوالاشتراكُ في الميراثِ والحق بينهم لا يَختلِفُ في كثرةِ المالِ وقِلَّتِه؛ وذلك ظاهرٌ في قوله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾، فإذا كان المتروكُ دِرْهَمًا، كما لو كان المتروكُ قِنْطارًا، فلكلِّ حقُّهُ ونَصِيبُهُ المفروضُ، لا تَمنَعُ مِن قِسْمةِ اللهِ وحقوقِ الوارِثِينَ قِلَّةُ المال، ولا تَدْفَعُهُمْ عليها كَثْرَتُهُ.\nوقيل: إنَّ الآيةَ كانت قبلَ تقديرِ اللهِ فرائضَ الوَرَثَةِ؛ فكان لكلِّ نصيبُهُ ضربًا ما تراضَوْا، ثمَّ نُسِخَتْ بالفرائصِ في القرآنِ والسُّنَّةِ؛ وبهذا قال الشافعيُّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>تعصيبُ الأخواتِ مع البناتِ:</span>\nوفي الآيةِ: ﴿لِلرِّجَالِ﴾، وقولُه: ﴿وَلِلنِّسَاءِ﴾ دليلٌ على عدمِ التفريقِ في الحقِّ ببنَ الذكورِ والإناث، إلا ما دَلَّ عليه النصُّ، وقد اختُلِفَ في\n_________\n(١) \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٢١٩). وينظر: \"تفسير الطبري\" (٦/ ٤٣٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٧٢).","vol":"2","page":731},{"text":"الأخواتِ: هل يكُنَّ عَصَبَاتٍ مع البناتِ كما يَرِثُ الإخوةُ معهنَّ تَعْصِيبًا؟:\nفذهَبَ جمهورُ العلماءِ: إلى توريثِهِنَّ تعصيبًا.\nوذهَبَ ابنُ عبَّاسٍ: إلى عدمِ توريثِهنَّ مع البناتِ؛ وبقولِه قال داودُ.\nواختُلِفَ في إرثِ النساءِ بالوَلَاءِ:\nفذهَبَ الجمهورُ: إلى أنَّه لا ولاءَ لهنَّ، الا فيما أَعْتَقْنَ أو عَتَقَ مَن أَعْتَقْنَ أو وَلَدَ مَن أَعْتَقْنَ خصوصًا.\nوذهَبَ طاوسٌ ومسروقٌ: إلى إرثِهِنَّ مِن الولاءِ كما يَرِثْنَ مِن المالِ؛ لعمومِ هذه الآيةِ؛ وقيل بشدوذِ هذا القولِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨].\nهذه الآية فيمَن حضَرَ قِسْمةَ التَّرِكَةِ مِن غيرِ الوارِثِينَ، واختُلِفَ في نسخِها:\nفقيل: كانت هذه الآيةُ قبلَ نسخِها في حقِّ مَن حضَرَ قِسْمةَ الميراث، وشَهِدَها مِن غيرِ الوَرَثَةِ مِن الفقراءِ واليتامَى الذين تتشوَّفُ نفوسهم إلى المالِ المقسوم، فيُعطَوْنَ منه، تطييبًا لنفوسهم ضربًا يسيرًا مِن غيرِ تقديرٍ، ثمَّ نسَحَ اللهُ ذلك بآياتِ المواريثِ.\nومَن قال بالناسخِ لهذه الآيةِ جعَلَهُ جميعَ آياتِ الفرائضِ التي تُقَدِّرُ للوارِثينَ أَنْصِبَاءَهم؛ فاللهُ جعَلَ مِن الوارِثينَ ما له الثُّلُثان، ومنهم ما له النِّصْفُ، ومنهم ما له الثُّلُث، ومنهم ما له الرُّبُعُ، ومنهم ما له السُّدُسُ، ومنهم ما له الثُّمُن.\nوالقولُ بالنسخِ هو قولُ جماعةٍ مِن السلفِ مِن المفسِّرينَ، وهو قولُ","vol":"2","page":732},{"text":"الأئمَّةِ الأربعةِ؛ لأنَّهم لو جُعِلَ لهم حقٌّ في الميراثِ قبلَ قِسْمَتِه، ما كان صاحِبُ النِّصْفِ يأخُذُ النِّصْفَ، والثُّلُثِ يأخْدُ الثُّلُثَ، والرُّبُعِ يأخُدُ الرُّبُعَ، لأنَّ الميراثَ نَقَصَ قبلَ قِسْمَتِه، فنَقَصَ حقُّه.\nوجعَلَ ابنُ عبَّاسٍ ناسِخَها ما يَلِيها مِن آياتِ الميراثِ؛ كقولِه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١].\nوجعَلَ ابنُ عبَّاسٍ في قولٍ وابنُ المسيَّبِ وعطاءٌ: الناسخَ كلَّ آياتِ المواريثِ وآياتِ الوصيَّةِ.\nوهذا مِن خلافِ التنوُّع، لا التضادِّ؛ فكلُّ آياتِ المواريثِ والوصيَّةِ دالَّةٌ على وجوب حِفظِ المالِ لأهلِهِ مِن الورثةِ والمُوصَى لهم بالمقدارِ المُقدَّرِ في الوصَيَّة، وبالمقدارِ الذي قدَّرَهُ اللهُ في الميراثِ.\nوقيل بإحكامِ الآية، ومَن قال بهذا قال: هي على الاستحبابِ بطِيبِ نفسٍ مِن الورثة، وبهذا قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ والحسنُ.\nوقال جماعةٌ مِن السلفِ: إنَّ الآيةَ مُحْكَمَةٌ غيرُ منسوخةٍ، وهو قولٌ صحيحٌ عن ابنِ عبَّاسٍ، وجاء عن عائشةَ وأبي موسى وأبي العاليةِ والحسنِ وابنِ جُبيرٍ والنَّخَعيِّ والزُّهْريِّ.\nرواهُ البخاريُّ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ: \"هِيَ مُحْكَمَةٌ، وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ\" (١).\nوبهذا قال مالكٌ والشافعيُّ.\nوحمَلَ مَن قالَ بعدمِ النسخِ الآيةَ على النَّدْب، ومنهم مَن حَمَلَها على استحبابِ الوصيَّة لهم.\nوقيل بالوجوب، وفي الوجوبِ نظرٌ؛ فاللهُ لو جعَلَ ذلك حقًّا\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٥٧٦) (٦/ ٤٣).","vol":"2","page":733},{"text":"للقَرَابَاتِ أنَّ يُضْرَبَ لهم إن حَضَرُوا، فربَّما كان مَنْ هو أقرَبُ منه لم يحضُرْ، ويَلْزَمُ منه بيانُ مقدارِ الحضورِ ونوعِه؛ فمنهم: مَن شَهِد القِسمةَ كلَّها مِن أوَّلِها إلى آخِرِها، ومنهم؛ مَن حضَرَ آخِرَها، ومنهم: مَن شهِدَهم يَقْبِضُونَ لا يَقْتَسِمُونَ؛ وهذا لا يَثْبُتُ به حقٌّ بيِّنٌ، ولا يُلزِمُ له الوحيُ المُحْكَمُ.\nوالقولُ بأنَّ الآيةَ مُحكمةٌ قولٌ محتملٌ، ولكنَّ حَمْلَهُ على الوجوبِ فيه نظرٌ.\nوقد رواهُ ابن أبي نجِيحٍ، عن مُجاهدٍ، في هذه الآيةِ؛ قال: \"هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى أَهْلِ المِيرَاث، مَا طَابَت بِهِ أنفُسُهمْ\" (١).\nوروى ابن أبي حاتمٍ وابنُ جريرٍ، عن يُونُسَ بنِ عُبَيْدٍ، عن محمَّدِ بنِ سِيرينَ؛ قال: \"وَليَ عَبيدَة وصيَّةً، فأمَرَ بشاةٍ فذُبِحَت؛ فأطعَمَ أصحابَ هذه الآية، وقال: لولا هذه الآيةُ، لكان هذا مِن مالي\" (٢).\nوروى مالكٌ، عن الزُّهْريِّ: \"أنَّ عُرْوَةَ أَعْطَى مِن مالِ مُصْعَبٍ حِينَ قَسَّمَ مالَه\" (٣).\nومَن فعَلَ بهذه الآيةِ عن طِيبِ نفسٍ ولا يقولُ بالوجوب، فهو يقولُ بالنسخِ على قولِ مَن يقولُ بأنَّ الآَيةَ على الوجوب، وَيحْمِل ما جاء عن السلفِ مِن تقديرٍ لمَن حضَرَ حقًّا، أو جعَلَ الآيةَ مُحكَمةً: أنَّ الإحكامَ في الندب، لا في الوجوبِ؛ فمِن الإحسانِ إعطاءُ مَن حضَرَ وشَهِدَ القِسْمةَ إكرامًا وفضلًا.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٤٣٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٧٥).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٤٤٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٧٤).\n(٣) \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٣٢٠).","vol":"2","page":734},{"text":"قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩].\nالأمرُ في الآيةِ لمَن حضَرَ مُوصِيًا يُوصِي أنْ يَخشَى اللهَ فيه ويتَّقيَهُ، فقد تَغِيبُ بعضُ الحقوقِ عن المُوصِي، وخاصَّةً عندَ قُربِ الأجَلِ وظهورِ علاماتِه؛ لتشتُّت الذهنِ وضَعْفِ الإدراكِ؛ لأنَّ المُوصِيَ قد لا يطُولُ عمُرُهُ بعدَ وصيَّتِهِ فيَستدرِكَ، ولأنَّ مقامَ تغييرِ الوصيَّةِ عظيم مِن بعدِه، فربَّما أَوْصَى المُوصِي بكلِّ مالِهِ أو ثُلُثَيْهِ أو نِصْفِهِ ولدَيه ذريَّةٌ ضعفاءُ، وعليه حقوقٌ كثيرةٌ، فيجبُ على مَن حضَرَهُ تذكيرُه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>التشديدُ على شهودِ الوصيَّة:</span>\nوالأمرُ هنا اقترَنَ بتذكيرِ مَن شَهِدَ الوصيَّةَ أنْ ينظُرَ في نفسِهِ لو كان مُوصِيًا وترَكَ ذريَّةٌ ضعفاءَ، فهو يخافُ عليهم أكثَرَ مِن غيرِهم؛ فلا يَطمَعُ مَن حضَرَ الوصيَّةَ في الوصيَّةِ له، أو لمَن أَحَبَّ، أو فيما يُحِبُّ مِن المصارفِ وَيغْفُلُ عن حقِّ ورثةِ الميِّتِ.\nفأمَرَ اللهُ مَن شَهِدَ الوصيَّةَ بتَقْواهُ وحَذَّرَهُ مِنَ الحَيْفِ فيها، وأمَرَهُ بالقولِ السديدِ والقَصْدِ والإنصافِ في النصحِ للمُوصِي؛ حتى لا يتأثَّرَ بقولِهِ وتلقينِهِ له.\nوهذا قولُ ابنِ عبَّاسٍ والحسنِ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ ومجاهدٍ وغيرِهم.\nروى ابن جريرٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ في قولِهِ تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾، إلى آخِرِ الآيةِ: \"فهذا في الرجُلِ يحضُرُهُ الموتُ فيسمعُهُ يُوصِي بوصيَّةٍ تُضِرُّ بورثتِه، فأمَرَ اللهُ سبحانَهُ الذي سَمِعَهُ أنْ يَتَّقِيَ الله ويُوَفِّقَهُ ويُسَدِّدَهُ","vol":"2","page":735},{"text":"للصواب، ولْينظُر لورثتِه، كما كان يُحِبُّ أنْ يُصنَعَ لورثتِهِ إذا خَشِيَ عليهمُ الضَّيْعَةَ\" (١).\nوكانُوا في أولِ الأمرِ يجلِسونَ عندَ الميِّت، ويُزَهِّدُونَهُ في حقِّ ذريَّتهِ ليُوصِيَ في مالِهِ بحُسْنِ ظنٍّ، فنُهُوا عن ذلك، وكان هذا قبلَ تقديرِ الوصيَّةِ بالثُّلثِ؛ روى عطاءٌ معنى هذا عن ابنِ عبَّاسِ (٢).\nوقال بعضُ السلفِ: إنَّ الخطابَ في الآيةِ لأولياءِ اليتامَى أنْ يتَّقوا الله فيهم فيُحْسِنُوا وَيَقْصِدُوا معهم كما يُحسِنُونَ مع أولادِهم، وكما يُحِبُّونَ أنْ يُحسِنَ وُلاةُ أولادهم وكذلك أوصياؤُهم مِن بعدِهم إذا صار أولادُهم أيتامًا؛ وهو مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ (٣) وعطاءِ بنِ السائبِ.\nوقيل: هو خطابٌ للأوصياءِ أنْ يُؤَدُّوا الوصيَّةَ، كما أمَرَ بها المُوصِي؛ وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ الكلامُ على تحريمِ تبديلِ الوصيَّةِ في قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>العدلُ في الوصيَّةِ:</span>\nوتتضمَّنُ الآيةُ وجوبَ العدلِ في الوصيَّة، وتحريمَ الحَيْفِ بها، ومِن ذلك: الوصيَّةُ بما يُضِرُّ بالورثةِ ويَظلِمُ بعضُهم بعضًا، كالوصيَّةِ للوارثِ، والوصيَّةِ بأكثَرَ مِن الثُّلُثِ، والوصيَّةِ بحَرَامٍ، والوصيَّةِ بعملِ بِرٍّ وعدمِ تركِ وفاءٍ للدَّيْنِ، والوصيَّةِ بدونِ الثُّلثِ والمالُ الباقي قليلٌ لا يَرفَعُ فَقْرَ الورثةِ ولا يَدفَعُ حاجتَهم.\nوروى ابنُ طاوسٍ، عن أبيه، قال: \"لا يجوزُ لمَنْ كان ورثتُهُ كثيرًا، ومالُه قليلًا: أنْ يُوصِيَ بثُلُثِ مالِه\" (٤).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٤٤٦).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٤٤٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٧٦).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٤٥١).\n(٤) أخرجه عند الرزاق في \"مصنفه\" (١٦٣٥٣) (٩/ ٦٣).","vol":"2","page":736},{"text":"ففي \"الصحيحينِ\"؛ مِن حديثِ عامرِ بنِ سعدٍ، عن أبيهِ؛ قال: \"عَادَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ؛ مِنْ وَجَعٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى المَوْتِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ؟ (لَا)، قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: (لَا)، قُلْتُ: فَالثُّلُثِ؟ قَالَ: (وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ؛ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ\" (١).\nوسعدٌ لم يكن له إلا بنتٌ حينَها، فاستكثَرَ النبيُّ عليه الوصيَّةَ بالثُّلُثِ؛ لأنَّ الوصيَّةَ لسدِّ حاجةِ محتاجٍ وحاجةُ الورثةِ أَوْلى، وسدُّ حاجتِهم المظنونةِ أعظَم مِن سدِّ حاجةِ غيرِهم المتيقَّنةِ؛ لأنَّ الوليَّ مُكلَّفٌ بذرَيَّته أعظَمَ مِن تكليفِهِ بغيرِهم، وعنهم يُسأَلُ أعظَمَ مِن غيرِهم.\nوالورثةُ مِن غيرِ وليِّهم يَنقطِعونَ غالبًا، وغيرُهم لهم مَن يقومُ بأمرِهم وشأنِهم، لهذا جعَلَ النبيُّ - ﷺ - إغناءَ الورثةِ أَوْلى مِن سدِّ فقرِ غيرِهم.\nوقد بيَّنَ النبيُّ - ﷺ - سبَبَ تقييدِهِ الوصيَّةَ بالثُّلُثِ لسعدٍ مع استكثارِهِ لها، وهو خوفُ فقرِ الورثةِ ولسدِّ حاجتِهم وإغنائِهم؛ وذلك في قولِه: (إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً).\nمع أنَّ وريثةَ سعدٍ ابنتُهُ، والبنت غالبًا لا تحتاجُ إلى مالٍ إذا كانتْ في ذمَّةِ زَوْجٍ يقومُ عليها؛ فالنفقةُ عليه لا عليها؛ ولذا فالوصيَّة بالثُّلُثِ مع الابنِ أَوْلى باستكثارِها؛ لأنَّه أكثَرُ نفقةً على نفسِه ومَن يَعُولُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-500>حكمُ الوصيَّة بأكثر من الثلثِ:</span>\nولا تجوزُ الوصيَّةُ بأكثَرَ مِن الثُّلُثِ ولو كان المالُ عظيمًا والورثةُ قليلًا؛ لِظاهرِ الدليلِ، ولكنْ لو أنفَقَ الرجلُ في حياتِهِ وصحَّتِهِ وأكثَرَ مِن النفقةِ ولو بأكثَرَ مِن الثُّلُث، جازَ منه ذلك بلا خلافٍ؛ فقد أنفَقَ أبو بكرٍ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٤٠٩) (٥/ ١٧٨)، ومسلم (١٦٢٨) (٣/ ١٢٥٠).","vol":"2","page":737},{"text":"مالَه كلَّه، وأنفَقَ عمرُ نِصْفَ مالِه، وقد حَكَى الإجماعَ الطبريُّ كما ذكَرَهُ عنه ابن المُلَقِّن، وحكاهُ ابن حزمٍ في \"مراتبِ الإجماعِ\"، وغيرُهما.\nوإذا كانت ورثةُ الشخصِ أَغنياءَ، ومالُهم أكثَرَ مِن مالِه، فلا يجوزُ له الوصيَّةُ بأكثَرَ مِن الثُّلُثِ أيضًا، لعمومِ قولِ النبيِّ - ﷺ - لسعدٍ؛ فهو يعلَمُ أنَّ الثُّلُثَيْنِ مِن مالِ سعدٍ يُغنيانِ ابنتَهُ بعدَ موتِه، ومع ذلك استكثَرَ الثُّلُثَ؛ فغِنَى الورثةِ لا يُجِيزُ الوصيَّةَ بأكثَرَ مِن الثُّلُث، ثمَّ إنَّ النبيَّ - ﷺ - لم يَسأَلْ عن ابنتِه: هل هي غنيَّةٌ بنفسِها ولها مالٌ بيدِها يَسُدُّ حاجَتَها مِن غيرِ مالِ والدِها؟ وفي القاعدةِ: أنَّ تركَ الاستِفصال، في حكاياتِ الأحوال، يُنَزَّلُ منزلةَ العمومِ في المَقال؛ وهذه قاعدةٌ صحيحةٌ نصَّ عليها الشافعيُّ وغيرُهُ، وتَشهَدُ لها الأدلَّةُ؛ فقد قال النبيُّ - ﵇ - لغَيْلَانَ حين أسلَمَ على عَشْرِ نِسْوةٍ: (أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ) (١)، ولم يَسأَلْهُ عن الأَقْدَمِ منهنَّ وعددِ ذريَّتِهنَّ؛ فدَلَّ على أنَّه لا أثَرَ لذلك في الحُكْمِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>وصيَّةُ مَن لا وَرَثَةَ له بمالِهِ كلِّه:</span>\nومَن كان له مالٌ ولا ورثَةَ له، فقد اختُلِفَ في وصيَّتِهِ بمالِهِ كلِّه على قولَين، وهما روايتانِ عن أحمدَ.\nالأُولى: المنعُ؛ وبهذا القولِ قال مالكٌ والشافعيُّ وأهلُ المدينةِ والأوزاعيُّ.\nالثانيةُ: الجوازُ؛ وبهذا القولِ قال أبو حنيفةَ وإسحاقُ.\nوهذا القولُ مرويٌّ عن ابنِ مسعودٍ؛ وهو الأظهَرُ والأقرَبُ للصوابِ؛ لأنَّ النبيَّ منَعَ سعدًا مِن الوصيَّةِ بأكثَرَ مِن الثلُثِ، وعلَّلَ ذلك بالورثةِ وحاجتِهم، والحُكْمُ يدورُ مع عِلَّتِه.\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (٧٦) (٢/ ٥٨٦)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٤١٥٧) (٩/ ٤٦٥)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ١٩٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٨١).","vol":"2","page":738},{"text":"روى أبو مَيْسَرَةَ، قال: قال لي ابنُ مسعودٍ: \"إِنَّكُمْ مِنْ أَحْرَى حَيٍّ بِالْكُوفَةِ أَنْ يَمُوتَ أحَدُكُمْ، وَلَا يَدَعُ عَصَبَةً وَلَا رَحِمًا، فَمَا يَمْنَعُهُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَنْ يَضَعَ مَالَهُ فِي الْفُقَرَاء وَالمَسَاكِينِ؟ ! \" (١).\nوروى ابنُ سِيرينَ، عن عَبيدَةَ؛ قال: \"إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَلَيسَ عَلَيْهِ عَقْدٌ لِأَحَدٍ وَلَا عَصَبَةٌ يَرِثُونَهُ، فَإِنَّهُ يُوصِي بِمَالِهِ كُلِّهِ حَيْثُ شَاءَ\" (٢).\nوكان زيدُ بنُ ثابتٍ يرَى أنَّ بيتَ المالِ أحَقُّ بذلك مِن الوصيَّةِ بما زادَ عن الثلُثِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-502>إذنُ الورثةِ بالوصيَّةِ بأكثر منَ الثلثِ:</span>\nوإذا أَوْصَى الشخصُ بأكثَرَ مِن ثلُثِ مالِهِ، لم تكنِ الوصيَّةُ بما فوقَ الثلثِ نافذةً، واختُلِفَ في بُطْلانِها وعدمِ صحَّتِها:\nفذهَبَ عبدُ الرحمن بنُ كَيْسَانَ والمُزَنِيُّ وبعضُ الفقهاءِ مِن المالكيَّةِ والحنابلةِ: إلى بُطلانِها وعدمِ صحَّتِها.\nوذهَبَ جمهورُ الفقهاءِ: إلى أنَّها مُعلَّقةٌ بإجازةِ الورثةِ لها، وإجازةُ الورثةِ لها على حالَيْنِ:\n- إجازةٌ لها قبلَ موتِ المُوصي؛ وهذه إجازةٌ غيرُ مُعتبَرةٍ؛ لأنَّ المالَ لا يكونُ مِلْكًا لهم إلا بعدَ موتِه، وإجازتُهم للوصيَّةِ فرعٌ عن مِلْكِهم للمالِ كلِّه.\n- إجازةٌ للوصيَّةِ بعدَ موتِ المُوصِي؛ فهذه معتبَرةٌ؛ لأنَّهم مَلَكُوا المالَ، ولهم حقُّ التصرُّفِ فيه.\nوأمَّا مَن قال ببُطْلانِها أصلًا؛ فلا يرَى أنَّ عَقْدَها صحيحٌ مِن المُوصِي؛ فإنْ سَمَّى مصارفَ وأعيانًا، لا تَمْضِي إليهم كما سمَّاهُ؛ لبُطْلانِ\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٦٣٧١) (٩/ ٦٨).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٦٣٧٠) (٩/ ٦٨).","vol":"2","page":739},{"text":"أصلِ الوصيَّةِ، فلا يَلزَمُ الورثةَ إمضاءُ ما سَمَّى، ومَن قال بجوازِها مع إمضاءِ الورثة، فهو يرَى صحَّةَ عقدِها منه ابتداءً، فتَمضِي على ما سمَّاهُ المُوصِي مِن غيرِ تغييرٍ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠].\nوُرُودُ الآيةِ في التحذيرِ مِن أكلِ مالِ اليتامى بعدَ الآيةِ السابقةِ قرينةٌ لقولِ مَن قال: إنَّ الآيةَ السابقةَ يُخاطَبُ بها أولياءُ اليتامَى أن يتَّقُوا اللهَ فيهم كما يُريدونَ أنْ تُعامَلَ أيتامُهم مِن بَعدِهم لو ماتوا عنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>التشديدُ في أكلِ مالِ اليتيمِ:</span>\nوفي الآيةِ: شدَّةُ الوعيدِ لآكِلِ مالِ اليتيم، وتقدَّمَ أنَّ جنسَ أكلِ مالِ اليتيمِ أعظَمُ مِن جنسِ أكلِ مالِ الرِّبا، وقوله تعالى ﴿يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ جزاءٌ مِن جنسِ العملِ، وهذا شبيهٌ بقولِ النبي - ﷺ -: (مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ)، وهو في \"الصحيحَينِ\"؛ مِن حديثِ أمِّ سلمةَ (١).\nولكنَّ أكلَ مالِ اليتيمِ أعظَمُ؛ لأنَّه ذُكِرَ مع أكلِ النارِ: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾، وهذه عقوبةٌ زائدةٌ ليست في الأكلِ بآنيةِ الذهبِ والفِضَّةِ.\nوالصَّلْيُ هو الشَّيُّ، كما جاء في \"الصحيحِ\"؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - أكَلَ مِن شاةٍ مَصْلِيَّةٍ (٢)؛ يعني: مشويَّة.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٦٣٤) (٧/ ١١٣)، ومسلم (٢٠٦٥) (٣/ ١٦٣٥).\n(٢) أخرجه البخاري (٥٤١٤) (٧/ ٧٥)؛ من حديث أبي هريرة.","vol":"2","page":740},{"text":"وقولُه: ﴿ظُلْمًا﴾ دليلٌ على جوازِ الأكلِ مِن مالِ اليتيم بغيرِ ظلمٍ، للفقيرِ المُحتاجِ مِن غيرِ إهلاكٍ وإفسادٍ؛ كما تقدَّمَ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>إحكامُ الله لأمور الأموالِ في الإسلامِ:</span>\nمِن إحكامِ اللهِ في الأموالِ: أن ذَكَرَ المواريثَ بعدَ فصلِهِ في أمورِ الأموالِ الأُخرى في هذه السورِة؛ فالمواريثُ تكونُ بعدَ موتِ صاحِبِ المال، وَيَسبِقُ المواريثَ الوصيَّةُ؛ لأنَّها قبلَ موتِه، ويَسبقُ الوصيَّةَ نفقتُه على ذريَّتِه، وقبلَ نفقتِه على ذريتِه نفقتُه على زوجتِه، وقبلَ نفقتِه على زوجتِه مهرُها وصَدَاقُها؛ فبيَّنَ اللهُ تلك الأحكامَ بالترتيب على وقوعِها في الحياةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>ترابُطُ الأمورِ الماليَّة بعضِها ببعضٍ:</span>\nفقال تعالى في الحِيَاطةِ في أمرِ الأموالِ: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢].\nثمَّ ذكَرَ اللهُ بعدَ ذلك بدايةَ تكوُّنِ الذريَّةِ بالزواجِ، فبيَّنَ الحقوقَ الماليَّةَ لها، فقال: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤].","vol":"2","page":741},{"text":"ثمَّ بعدَ العقدِ والدخولِ تَكُونُ النفقةُ والكِسْوةُ عليها وعلى ذريَّتِها منه؛ فقال: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥].\nثمَّ بيَّنَ حالَ الوصيَّةِ وحذَّرَ مِن أسبابِ الحَيْفِ فيها.\nوهذا تسلسلٌ وإحكامٌ لا يُفهَمُ ما بعدَهُ إلا به، وعدلُ اللهِ في الأموالِ ملازِمٌ؛ لا يُفهَمُ أوَّلُهُ إلَّا بفهمِ آخِرِه، ولا يُفهَمُ أوسَطُهُ إلا بفهمِ أوَّلِهِ وآخِرِه.\nوقد تشبَّثَ بعضُ أهلِ الأهواءِ مِن الملاحِدةِ وبعضُ النصارى طعنًا في الشريعةِ: أنَّ إعطاءَ الابنِ ضِعْفَ ما للبنتِ ليس مِن العدل، وفَصَلُوها عمَّا قبلَها بن الآياتِ التي تُوجِبُ على الرجلِ القيامَ على الأُنثى؛ فإنْ كانتْ صغيرةً أو كبيرةً بلا زوجٍ، أنفَقَ عليها: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]، وهي في الصِّغار والنساءِ بالاتِّفاقِ ولو كانتِ المرأةُ كبيرةً، وأمَّا الرجُلُ لو كَبِرَ فيجبُ عليه العمل والتكسُّبُ بخلافِ المرأة، وإنْ تزوَّجَت، وجَبَ على الرجُلِ أنْ يُعطِيَها صداقَها، فهو على الرجُلِ لها، لا عليها له: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، ثم يُنفِقُ عليها بعدَ ذلك إلى موتِها أو موتِه، فكان الوريثُ الذَّكَرُ أحوَجَ للمالِ مِن الأُنثى؛ لأنَّ الأُنثى استعاضَتْ نفقةً وكفايةً قبلَ ذلك، ولا تَستقبِلُ مِثْلَها في حياتِها؛ لأنَّها في ولايةِ وكفالةِ غيرِ والدِها كزوجِها أو ابنِها، بخلافِ الذَّكَرِ؛ فهو يَستقبِلُ نفقةً على غيرِهِ مِن أبنائِهِ وبناتِهِ وغيرِهم، والأُنثى لا تجبُ عليها النفقةُ على أحدٍ، ولو كانت غنيَّةً، ووليُّها أقَلَّ منها مالًا، وجَبَ عليه أنْ يُنفِقَ عليها، لا أنْ تُنفِقَ عليه؛ فالأُنثى مكفولةٌ قبلَ الميراثِ وبعدَه، والذَّكَرُ بخلافِها؛ لهذا كان نصيبُهُ في الميراثِ أكثَرَ منها.\nوالمرأةُ لا تدخُلُ في كثيرٍ مِن التكاليفِ الماليَّةِ والغراماتِ؛ فلا تدخُلُ في عاقِلَةِ الرجُلِ عندَ الدِّيَة، ولا تَضْمَنُ على ولدِها لو أفسَدَ مالَ غيرِه؛ وإنَّما ذلك على الأولياءِ الرِّجَالِ.","vol":"2","page":742},{"text":"ومَن نَظَرَ إلى هذه الآيةِ وفَصَلَها عن انتظامِها في الشريعةِ؛ كما في هذه السورةِ، لم يَفهَمْ إحكام الشريعةِ وعَدْلَها ودِقَّتَها.\nواللهُ قدَّمَ الأولادَ على غيرِهِمْ في الذِّكْرِ والحقِّ في المواريثِ؛ لأنَّهم أَوْلى الناسِ بمالِ أبيهِم بعدَ موتِه، وإنْ كان الآباءُ والأمَّهاتُ أحَقَّ بالبِرِّ؛ ولكنَّ المواريثَ حَقٌّ ماليٌّ يتعلَّق بالحاجةِ لا بالبِرِّ الذي يفعَلُهُ الولدُ في حياتِه؛ فذاك انقطَعَ بموتِهِ عن والدَيْه، والميرِاثُ يحتاجُ إليه الأولادُ أكثَرَ مِن الوالدَينِ؛ لأنَّ الوالدَينِ استقَلَّا واكْتَفَيَا، وغالبًا ما يكونُ العمرُ الباقي منهما أقَلَّ من العمرِ الباقي مِن أولادِ الميِّتِ؛ فالأولاد يَستقبِلونَ حاجةً أشدَّ مِن حاجةِ الوالدَين، فقُدِّمُوا لهذا الأمر، وقد يكونُ الأولادُ قُصَّرًا ضِعافًا، والوالدُ كبيرًا شديدًا.\nوالوالدانِ سبَقَا الولدَ الميِّتَ بكفايةِ نَفْسَيْهما، والإخوةُ قارَنَا الأخَ الميِّتَ بكفايةِ أنفُسِهم غالبًا، والأولادُ يَقصُرُونَ عن الوالدَيْنِ والإخوةِ في كفايةِ أنفُسِهم؛ لهذا كانوا أحَقَّ بالإرثِ.\nوقد قدَّمَ اللهُ الأولادَ، ثمَّ ثنَّى بالوالدَيْنِ؛ لأنَّهما أحَقُّ مِن الإخوةِ؛ لحاجتِهما لغلَبةِ الكِبَرِ والضَّعْفِ، بخلافِ الإخوةِ.\nوقولُ الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾؛ الوصيَّةُ أمرٌ مِن اللهِ وفرضٌ منه بلا خلافٍ؛ فاللهُ ختَمَ هذه الآيةَ بقوله ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾.\nوقولُه تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾.\nذَكَرَ اللهُ الذُّكُورَةَ والأُنُوثَةَ، ولم يَذْكُرِ الرجالَ والنساءَ؛ لِيَدْخُلَ في ذلك الصغيرُ والكبيرُ مِن الجنسَيْنِ، ولا فرقَ بينَ رضيعٍ وشيخٍ كبيرٍ، ولا فرقَ بينَ مجنونٍ وعاقلٍ.","vol":"2","page":743},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-506>أحوالُ إرثِ الأولادِ:</span>\nوللأولادِ في الميراثِ باعتبارِ جنسِهم وعَدَدِهم حالاتٌ ثلاثٌ:\nالحالةُ الأُولى: إذا كان الوارثُ ذَكَرَا، سواءٌ كان واحدًا أو أكثَرَ مِن ذلك، فلهم جميعُ المالِ يتقاسَمُونَهُ بينَهم بالسويَّةِ إذا لم يُوجَدِ الأصلُ الوارثُ، وهما الأبوان، فللأبوَينِ مع الأولادِ السُّدُسُ، وللولدِ الباقي واحدًا أو جماعةً بلا خلافٍ.\nالحالة الثانيةُ: إذا كان الوارثُ أُنثَى، فإن كانت واحدةً، فلها النِّصْفُ، وإن كانَتَا اثنتَينِ فأكثَرَ، فلهما الثلُثانِ بالسويَّةِ بينَهُنَّ، وُجِدَ الأبوانِ أو لم يُوجَدَا، فنِصَابُ البناتِ واحدٌ بلا خلافٍ.\nالحالةُ الثالثةُ: إذا كان الوارثُ مِن الجنسَيْنِ ذكورًا وإناثًا، فللذَّكَرِ مِثلُ حظِّ الأُنْثَيَيْنِ مِن المالِ كلِّه إذا لم يُوجَدْ أبوان، وإن وُجِدَا أو أحدُهما، فلكلِّ واحدٍ مِن الأبوينِ السدُسُ، والباقي للأبناء، للذَّكَرِ مِثلُ حظ الأُنْثَيَيْن، بلا خلافٍ؛ لظاهِرِ الآيةِ.\nالوارثُ الابنُ الواحدُ له المالُ كاملًا؛ لأنَّ هذا ظاهِرُ الآيةِ ومفهومُها، فقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وقولُه: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾: ظاهِرُهُ: أنَّ حَظَّ البنتِ وحْدَها النصفُ، فكذلك حظُّ الابنِ المالُ كاملًا إنْ كان وحدَهُ؛ لأنَّه ضِعفُ نصيبِ البنتِ وحدَها، وهكذا فالولدُ وحدَهُ مع أبيهِ أَوْلى مِن الأخِ وحدَهُ مع أختِه؛ فاللهُ يقولُ في الكلالةِ: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦].\nوهذا لا خلافَ فيه؛ حَكَى الإجماعَ عليه جماعةٌ، كابنِ عبدِ البَرِّ وابنِ رُشدٍ وغيرِهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>حكمُ الاثنتينِ من البناتِ حكم الثلاثِ في الميراث:</span>\nواتِّفاقُ العلماءِ على أنَّ حُكمَ الاثنتَيْنِ كحُكْمِ الثلاث، وما زاد","vol":"2","page":744},{"text":"عليهنَّ لهنَّ الثلُثان، ويُحكى خلافُ هذا بسندٍ لا يَثْبُتُ عن ابنِ عبَّاسٍ في البنتَيْن، قال: إنَّ الاثنتَينِ كالواحدةِ، لا كالثلاثِ وما زاد، وإنَّ الثلُثَيْنِ لما زاد على اثنتَيْنِ؛ لظاهِرِ الآيةِ في قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾.\nوهو قولٌ لا يُعلَمُ مَن قال به من الصحابة، وقال بشذودِه وعدمِ صحَّتِه بعضُ العلماء، كابنِ عبدِ البَرِّ وغيرِه (١).\nوأمَّا القولُ بأنَّ أقَلَّ الجمعِ ثلاثةٌ، فهذا مِن مسائلِ الخلافِ، والأخذُ بأحدِ القولَيْنِ مِن مواضِعِ الاجتهاد، ولكنْ في غيرِ مواضِعِ الإجماع، وفي غيرِ ما دَلَّ الدليلُ على خلافِه، كما في مسألةِ البنتَيْنِ والإخوةِ مع الأمِّ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾، فعلى القولِ بأنَّ أقَلَّ الجمع ثلاثةٌ، لا يَحْجُبُ الأمَّ مِن الثلُثِ إلى السدُسِ إلا ثلاثةٌ مِن الإخوةِ فما زاد؛ لأنَّه أقلُّ الجمعِ.\nوقد يقولُ بعضُ الأئمَّةِ: إنَّ أقَلَّ الجمعِ ثلاثةٌ، في أصلِه، ويقولونَ بخلافِهِ في التنزيلِ؛ لأدلَّةِ خاصَّةٍ؛ كالحنابلةِ: يقولونَ بأنَّ أقلَّ الجمعِ ثلاثةٌ، ويرَوْنَ أنَّ جماعةَ الصلاةِ تَنعقِدُ باثنَيْنِ.\nوالقولُ بأنَّ أقلَّ الجمع ثلاثةٌ هو قول الجمهور، خلافًا للمالكيَّةِ والظاهريَّةِ الذين يرَوْنَ أنَّ أقلَّ الجمعِ اثنانِ.\nوربَّما أخَذَ بعضُ الفقهاءِ بأنَّ أقلَّ الجمعِ ثلاثةٌ، وجعَلَهُ في بعضِ المواضِعِ اثنَيْنِ مجازًا.\nواللهُ ذَكَرَ الإخوةَ في الآية، ولم يذكُرِ الأخَ الواحدَ، بخلافِ فَرْضِهِ في البنتِ؛ فاللهُ ذَكَرَ البناتِ ثم ذكَرَ البنتَ الواحدةَ؛ وهذا دليلٌ على أنَّ الواحدةَ خاصَّةٌ بحُكْمٍ لا يُشارِكُها الاثنتانِ والثلاث.\n_________\n(١) \"الاستذكار\" (١٥/ ٣٨٩).","vol":"2","page":745},{"text":"والحقُّ ما عليه عامَّةُ العلماءِ؛ فإنَّ قولَه: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾؛ يعني: اثنتَيْنِ وزيادةً، فقولُه: ﴿فَوْقَ﴾ صلةٌ وزيادةٌ، كما في قولهِ تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢]؛ أي: الأعناقَ وما عَلَاهَا منها.\nوبهذا جاء الحديثُ؛ كما في \"المُسنَدِ\"، و\"السنن\"؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ محمَّدِ بنِ عَقِيلٍ، عن جابرٍ؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - أَعْطَى البِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ (١).\nوقد ثبَتَ عن ابنِ عبَّاسٍ ما يُوافِقُ فيه عامَّةَ العلماءِ؛ كما رواهُ الزهريُّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّ للبنتَيْنِ الثلُثَيْنِ (٢).\nوهذا يدُلُّ على نكار ما يُحكَى عنه بأنَّ البنتَينِ تأخُذَانِ النصفَ كالبنتِ.\nواللهُ تعالى قال: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾؛ لبيانِ المُفارَقةِ بينَ الوارِثةِ الأُنثى الواحدةِ وغيرِها، فلو كان الإرثُ على هذا القولِ الشاذِّ، فيكونُ للواحدةِ النصفُ، وللثلاثِ الثلُثان، وتبقَى الاثنتانِ مِن غيرِ بيانٍ، وهذا غيرُ واردٍ في القرآنِ، فلا يُمكِنُ أنْ تُوصَفَ الاثنتانِ بدخُولِهما في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾؛ للإجماعِ في اللُّغةِ والشرعِ على عدمِ صحَّةِ ذلك ولا جوازِه؛ فدخولُ الاثنتَيْنِ في حُكمِ الثلاثِ أَوْلى مِن دخولِه في حُكمِ الواحدةِ في اللغةِ والشرعِ؛ وهذا دليلٌ على أنَّ حُكْمَ النصفِ خاصٌّ بالواحدة، لا بالاثنتَيْن، وأنَّ قولَه: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾؛ يعني: مَن خرَجَ عن الواحدةِ اثنتَيْن وزيادةَ فلهما الثلُثانِ.\nوذكَرَ تعالى: ﴿فَوْقَ﴾؛ حتى لا يُظَنَّ أنَّ الحُكْمَ خاصٌّ بالاثنتَيْنِ؛ فيُحتاجَ إلى البيانِ الجديدِ فيما زادَ على ذلك.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٤٧٩٨) (٣/ ٣٥٢)، وأبو داود (٢٨٩١) (٣/ ١٢٠)، والترمذي (٢٠٩٢) (٤/ ٤١٤).\n(٢) \"الاستذكار\" (١٥/ ٣٩٠).","vol":"2","page":746},{"text":"وكذلك: فإنَّ الأختينِ الاثنتَيْنِ يأخُذَانِ الثلُثَيْنِ عندَ عدمِ الفرعِ الوارثِ؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، فالبنتانِ أَوْلى مِن الأخَتَيْنِ بذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>ميراثُ الأبوَيْنِ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-509>ذكَرَ اللهُ ميراثَ الأبوينِ فجعَلَهُ على حالَيْنِ:</span>\nالأُولى: مع ولدِ الميِّتِ واحدًا أو أكثَرَ، لهما السدُسُ، والأمُّ مع جمعِ الإخوةِ ولو مِن غيرِ ولدٍ للميِّتِ تأخُذُ السدُسَ.\nالثانيةُ: عندَ عدمِ الولدِ وولدِ الابنِ للميِّتِ والجمعِ مِن الإخوةِ جعَلَ للأمِّ الثلُثَ.\nولهما حالٌ ثالثةٌ تُؤخَذُ مِن الأثرِ ومفهومِ الآية، وهي مع الزوجِ والأبوَين، أو الزوجةِ والأبوَيْن، فللأمِّ ثلُثُ الباقي، لا ثلُثُ المالِ المتروكِ كاملًا، بعدَ فرصِ الزوجَيْنِ على الصحيحِ؛ لأنَّ اللهَ قال في الأمِّ: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، ولم يقُلْ سبحانَه: (ثلُثُ ما تَرَكَ)؛ كما في المواضِعِ السابقةِ: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾، وقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾، ولأنَّ إعطاءَ الأمِّ الثلُثَ ممَّا ترَكَ بعدَ فرضِ الزوجِ النصفِ: يجعَل الأبَ يأخُذُ السدُسَ، فتأخُذُ الأمُّ ضِعْفَيْه، والأصلُ عندَ استواءِ الدرجةِ في الإخوةِ والأولادِ: أنَّه للذَّكَرِ مِثلُ حظِّ الأُنثيَيْن، والأبُ والأمُّ هنا متساويان، فالأصلُ تَسَاوِيهما في الإرثِ في السدُسِ مع الأولاد، أو زيادةُ الأبِ على الأمِّ بفرضٍ وتعصيبٍ أو تعصيبٍ.\nوهذا الذي عليه جمهورُ السلفِ والخَلَفِ؛ أنَّ للأمِّ ثلُثَ الباقي،","vol":"2","page":747},{"text":"لا ثلُثَ ما ترَكَ، ويَبقَى الثلُثانِ للأبِ تعصيبًا؛ لأنَّ الأبَ أَوْلى بقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ مِن الأولادِ والإخوة، وليس في الآيةِ نصٌّ يُعارِضُهُ؛ فقولُه: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ ليس فيه (ممَّا ترَكَ)، فحُمِلَ الثلُثُ على ما يُوافِقُ الأصولَ، وهو ثلُثُ الباقي بعدَ فرضِ الزوج، والزوجُ حقُّه منصوصٌ عليه ممَّا ترَكَتِ الزوجةُ؛ كما في قولِه: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢]، وفي ميراثِ الزوجةِ مِن الزوجِ قال: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢]، وأمَّا الأمُّ، فأطلَقَ حَقَّها في الثلُث، فحُمِلَ على ما يُوافِقُ الأصولَ.\nوبهذا قال زيدُ بنُ ثابتٍ؛ فروى عبدُ الرَّزَّاقِ وابنُ أبي شَيْبَةَ، عنه؛ قال: \"لا أُفَضِّلُ أُمًّا عَلَى أَبٍ\" (١).\nورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ وشريحٍ وداودَ: جَعْلُ الثلُثِ فيما ترَكَ كلِّه، فيكونُ للزوجِ النصفُ، وللأمِّ الثلُثُ، وللأبِ ما تبقَّى، وهو السدُسُ.\nولم يذكُر اللهُ الأبَ في الحالةِ الثانيةِ: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾.\nوظاهرُ الآيةِ أنَّ للأبِ الباقيَ كلَّه؛ وذلك أيضًا لقولِه - ﷺ -: (اقْسِمُوا المَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ الله، فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ، فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ) (٢)، وحقُّه في الباقي بعدَ فرضِه وهو السدُسُ، فهو باقٍ عليه، ثمَّ يأخُذُ الباقيَ زيادةً عليه.\nولا فَرْقَ في الولدِ بينَ الذكَرِ والأُنثى في قولِه: ﴿إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ﴾، والولدُ وولدُ الابنِ سواءٌ.\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٩٠٢٠) (١٠/ ٢٥٤)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣١٠٦٣) (٦/ ٢٤٢).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٧٣٢) (٨/ ١٥٠)، ومسلم (١٦١٥) (٣/ ١٢٣٤).","vol":"2","page":748},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-510>الولدُ والإخوةِ في حجبِ الأمِّ:</span>\nوالولدُ الواحدُ يُساوي الجمعَ مِن الإخوةِ في حَجْبِ الأمِّ مِن الثلُثِ إلى السدُسِ؛ وهذا دليلٌ على أنَّ الأولادَ أحَقُّ بالمالِ مِن الإخوةِ بكلِّ حالٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>حقُّ الوالدِ في الميراثِ أعظم من الأخ:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ دليلٌ على أنَّ حَقَّ الوالدِ أعظَمُ مِن حقِّ الأخِ في الميراث، فالأخُ الواحدُ لا يَنقُصُ حقَّ الوالدَينِ مِن الإرثِ حتى يكونَ الإخوةً جماعةً.\nوالأخُ لا يحجُبُ فيَنقُصَ حقَّ الأمِّ أو الأبِ منفرِدًا؛ لقوَّةِ حقِّهما على انفرادِ الواحدِ مِن الإخوة، وإنْ تعدَّدُوا ولو بالكثرة، لم يَنقُصُوا حقَّ الأمِّ عن السدُسِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-512>ترتيبُ الأحَقِّ مِن أصحابِ الفروضِ:</span>\nوظاهِرُ ترتيب الفروضِ في الآيةِ: أنَّ الأولادَ أحَقُّ مِن الأبوَيْن، والأبوَينِ أحَقُّ مِن الإخوةِ، ولا يتأثَّرُ نِصَابُ الأولادِ المذكورُ في القرآنِ بوجودِ الأبوَيْن، فمع عدمِ وجودِ الأبناءِ: فللبِنْتِ النصفُ، وللبنتَيْنِ الثلُثان، وُجِدَ الأبوانِ أو فُقِدَا، وكذلك الأبناءُ مع عدمِ وجودِ الشريكِ مِن البناتِ: يأخُذُونَ المالَ بعدَ أخذِ الوالدَيْنِ حقَّهما وهو السدُسُ؛ ففرضُ الأولادِ واحدٌ ذُكورًا وإناثًا، لا يتأثَّرُ بالوالدَيْنِ نصابًا، ولكنَّه قد يتأثَّرُ قيمةً، والذَّكَرَ أكثَرَ تأثُّرًا بقيمةِ حقِّه بسبِ والدَي الميِّتِ مِن الأُنثى؛ لأنَّ فَرْضَهُ أكثَرُ منها، فنقَصَ حقُّه إذا كان واحدًا؛ لأنَّه يأخُذُ المالَ كلَّه، فزاحَمَهُ أبَوَا الميِّت، وأمَّا البنتُ الواحدةُ، فلا يَنقُصُها الأبوان، فهي تأخُذُ النصفَ بكلِّ حالٍ، وسُدُسُ الأبوينِ يَنقُصُ مِن مالِ الابن، ولا يَنقُصُ مِن نصفِ الأُنثى الواحدةِ؛ لأنَّ سُدُسَهما لا يُزاحِمُ نِصْفَها.","vol":"2","page":749},{"text":"وتخصيصُ اللهِ<span data-type=\"title\" id=toc-513> حَجْبَ الإخوةِ للأمِّ </span>مِن الثلُثِ إلى السدُسِ دليلٌ على أنَّه لا أثَرَ مِن الإخوةِ في الأولادِ؛ فالأولادُ أقْوَى مِن الوالدَينِ في المواريثِ.\n\nحجبُ الإخوةِ للأمِّ:\nوالاثنانِ مِن الإخوةِ كالثلاثةِ فما فوقُ يَحجُبانِ الأمَّ مِن الثلُثِ إلى السدُسِ؛ وقد اختلَفَ العلماء في هذا على قولَيْنِ:\nالأولُ: أنَّ الاثنَيْنِ يَحجُبانِ كالثلاثةِ؛ وعلى هذا عامَّةُ العلماء، وبه قضَى الخلفاء الراشدونَ.\nالثاني: رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ خلافه، ويُروى عن مُعَاذٍ؛ أنَّه لا يَحجُبُ الأمَّ إلَّا الثلاثةُ مِن الإخوةِ فما فوقُ لأنَّه أقلُّ الجمعِ.\nوهذا القولُ لا يصحُّ سندُهُ عن ابنِ عبَّاسٍ، فيَرْوِيهِ شعبةُ مَوْلَى ابنِ عبَّاسٍ عنه، وهو متكلَّمٌ فيه، والعملُ على ما عليه الخلفاءُ، وهو الصوابُ؛ لأنَّ اللهَ إذا ذَكَرَ الحَجْبَ في كتابِهِ في الجمع، فهو يقعُ على الاثنَينِ فما زادَ، كحَجْبِ البناتِ بناتِ الابن، والأخواتِ مِن الأبوَيْنِ الأخواتِ مِن الأبِ، وكذلك: فإنَّ الإخوةَ تُستعمَلُ في الاثنَيْنِ؛ قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦].\nوالمرويُّ عن ابنِ عبَّاسٍ ضعيفٌ، ولو صحَّ، لقالَ به أصحابُه، وأصحابُه على خلافِه.\nوقولُه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ دليلٌ على أنَّ الإخوةَ الذكورَ والإناثَ سواءٌ، ولأنَّ اللهَ يقولُ: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً﴾ [النساء - ١٧٦].\nولا خلافَ عندَ العلماءِ في هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>تقديمُ الدَّيْنِ والوصيَّةِ على الميراثِ:</span>\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.","vol":"2","page":750},{"text":"فيه: أنَّ قِسمةَ الميراثِ تكونُ بعدَ الوصيَّة، وهذا فيه منزلةُ الوصيَّةِ في الدِّين، وعِظَمُ أثرِها على صاحِبِها ومن وراءَه.\nوقوله: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ دليلٌ على تقدُّمِ قضاءِ الدَّينِ قبلَ قِسْمةِ الميراثِ؛ لأنَّ الدَّيْنَ في ذمَّةِ الميِّتِ، والدَّيْنَ وجَبَ في مالِهِ قبلَ موتِه.\nوالدَّيْنُ والوصيَّةُ لا يَمنعانِ الإرثَ واستحقاقَ الورثةِ لحقِّهم؛ وإنَّما يَمنعانِ قِسْمةَ الميراثِ.\nوالدَّينُ مُقدَّمٌ على الوصيَّةِ؛ لأنَّه حَقُّ الآدميِّينَ، وأمَّا الوصيَّةُ، فليستْ حقًّا لأحدٍ؛ وإنَّما حقٌّ أَوْجَبَهُ الميِّتُ في مالِه، والدَّينُ يُؤخَذُ مِن رأسِ المال، وأمَّا الوصيَّةُ، فتُؤخَذُ مِن الثلُثِ بلا خلافٍ عندَ السلفِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-515>مؤنةُ تجهيزِ الميِّت مِن مالِهِ:</span>\nوتكونُ مُؤْنَةُ تجهيزِ الميِّتِ وغُسْلِهِ وتكفينِهِ وحَمْلِهِ ودَفْنِهِ مِن مالِه؛ لأنَّه مِن حملةِ النفقةِ عليه، فإذا مات غريقًا أو مفقودًا في بَرِّيَّةٍ ومَفَازَةٍ مُهْلِكَةٍ أو وقَعَ في بئرٍ، فمؤنةُ إخراجِهِ وحَمْلِهِ وما تَبِعَ ذلك، مِن مالِه؛ وهذا أحَقُّ مِن الدَّيْنِ والوصيَّةِ.\nوهذه المؤنةُ مِن رأسِ مالِه، موسرًا كان أو فقيرًا، في قولِ جمهورِ العلماء، خلافًا للزُّهْريِّ؛ فقد جعَلَ المؤنةَ في ثلُثِ مالِه إذا كان فقيرًا.\nوقد كان النبيُّ - ﷺ - يأمُرُ بتكفينِ الميِّت، ودَفَنَ، وكفَّنَ المُحْرِمَ الذي وَقَصَتْهُ ناقتُه بثوبَيْه، وكفَّنَ مُصْعَبَ بنَ عُمَيْرٍ في نَمِرَةٍ ليس عليه غيرُها، ولم يَسْأَلْ هو وأصحابُهُ عن حالِه وما بَقِيَ مِن مالِه.\nوفي قولِه: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ دليلٌ على أنَّ التَّرِكَةَ تُقسَّمُ على ما فرَضَ اللهُ، لا على ما يرَاهُ الورثةُ مِن نفعِ بعضِهم للميِّتِ؛ فاللهُ أعلَمُ بمَن هو أقرَبُ إليه، فيُغيِّرُ مَن شاء مِن حالٍ إلى حالٍ؛ مِن صلاحٍ إلى فسادٍ، ومِن فسادٍ إلى صلاحٍ، ويُثَبِّتُ مَن شاء مِن عِبادِه.","vol":"2","page":751},{"text":"وقولُه تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾؛ يعني: الوصيَّةَ في أوَّلِ الآيةِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ وما يَلِيها مِن أحكامٍ.\nثمَّ ذَكَرَ اللهُ اسمين مِن أسمائِهِ الحُسْنَى، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾؛ عليمًا بحالِكم وما يُصلِحُها، وحكيمًا في قضائِهِ وفرائضِه، وحُكْمِهِ ووصاياهُ؛ فيَضَعُها في مواضِعِها الصالحةِ لكم، وإنْ جَهِلَ البشرُ الحكمةَ منها أو مِن بعضِها؛ لِقُصُورِ عقولِهم عن إدراكِها.\nقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢].\nبعدَما ذكَرَ اللهُ مِيرَاثَ الأولاِدِ والوالدَيْن، ذكَرَ مِيرَاثَ الزوجَيْنِ بعضِهما مِن بعضٍ، والزوجانِ يَرِثَانِ بالفرضِ مِن غيرِ رَحِمٍ بينَهما، ولا نظيرَ لهما في أصحابِ المواريثِ في هذا؛ وذلك لأنَّ صِلَةَ الزوجيَّةِ وثيقةٌ، فجعَلَها اللهُ شبيهةً بالرحِمِ في الميراثِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>أحوالُ ميراثِ الزوجَيْنِ:</span>\nوجعَلَ اللهُ ميراثَ الزوجِ مِن الزوجةِ على حالتَيْنِ:\nالأُولى: إن كان للزوجةِ ولدٌ ولو مِن غيرِه، فله الربُعُ ممَّا ترَكَتْ زوجتُه.","vol":"2","page":752},{"text":"الحالةُ الثانيةُ: إن لم يكنْ لها ولدٌ، فله النِّصْفُ ممَّا ترَكَتْ.\nوجعَلَ اللهُ ميراثَ الزوجةِ مِن زوجِها على حالتَيْنِ:\nالأُولى: إنْ كان للزوجِ ولدٌ ولو مِن غيرِها، فلها الثُّمُنُ ممَّا تَرَكَ.\nالثانيةُ: إنْ لم يكنْ له ولدٌ، فلها الربُعُ ممَّا تَرَكَ.\nوإنْ تعدَّدَتِ الزوجاتُ، فهُنَّ شريكاتٌ في هذا الفرضِ: الرُّبُعِ أو الثمُنِ؛ الزوجةُ والزوجتانِ والثلاثُ والأربعُ.\nوجعَلَ اللهُ ذلك كلَّه بعدَ الوصيَّةِ والدَّيْنِ؛ فقال في ميراثِ الزوجةِ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وقال في ميراثِ الزوجِ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.\nولا خلافَ أنَّ الدَّيْنَ مقدَّمٌ على الوصيَّة، وأنَّ الوصيَّةَ مقدَّمةٌ على الميراثِ.\nولا خلافَ أنَّ حكْمَ أولادِ البنينَ كحُكمِ أولادِ الصُّلْبِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>معنى الكَلَالَةِ:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ والكلالةُ مِن الإكليلِ الذي يُحِيطُ بالرأسِ مِن جوانِبِه، فكأنَّ الورَثَةَ الذين يَرِثُونَهُ هم حَوَاشِيهِ؛ أيْ: جوانِبُه، لا أصولُهُ وهم أبواهُ وإنْ علَوْا، ولا فروعُهُ وهم أبناؤُهُ وإنْ نزَلُوا.\nفهي مَصْدَرٌ مِن قولِهم: تكلَّلَهُ النَّسَبُ تكلُّلًا وكَلَالةً؛ بمعنى: تعطَّفَ عليه النَّسَبُ.\nولهذا فسَّرَها أبو بكرٍ وعمرُ، كما روى الشُّعْبيُّ، عن أبي بكرٍ الصدِّيقِ: أنَّه سُئِلَ عن الكَلالَة، فقال: أقولُ فيها برَأْيِي، فإنْ يكُنْ صوابًا فمِن الله، وإنْ يكنْ خطأً فمني ومِن الشيطان، واللهُ ورسولُهُ بريئانِ منه، الكلالةُ: مَن لا وَلَدَ له ولا والِدَ، فلمَّا وَليَ عمرُ، قال: إنِّي لَأَسْتَحْيِي أنْ","vol":"2","page":753},{"text":"أُخالِفَ أبا بكرٍ في رأيِ رآهُ؛ رواهُ ابنُ جريرٍ وغيرُه (١)؛ ورواهُ طاوسٌ، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن عمرَ؛ أخرَجَهُ ابن أبي حاتمٍ وابنُ جريرٍ (٢).\nوبهذا قال عليٌّ وابنُ مسعودٍ وزيدُ بنُ ثابتٍ وابنُ عبَّاسٍ وأهلُ المدينةِ والعراقِ والفقهاءُ السبعةُ والأئمَّةُ الأربعةُ، وحَكَى بعضُ الأئمَّةِ الإجماعَ على هذا.\nروى أبو إسحاقَ، عن سُلَيْمِ بْنِ عَبْدٍ السَّلُولِيِّ: أنَّهم اتَّفَقُوا على هذا؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ وغيرُه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>ميراثُ الكَلَالَةِ:</span>\nواللهُ قد ذكَرَ ميراثَ الإخوةِ الأشقَّاءِ والإخوةِ لأبٍ في آيةِ الكَلالةِ؛ فللأُخْتِ الواحدةِ مِن أخِيها النِّصْفُ، وللاثنتَيْنِ منه الثلُثان، والأخُ يَرِثُها إنْ لم يكُنْ لها ولَدٌ، وهذا يختلِفُ عن حُكْمِ الإخوةِ في هذه الآيةِ؛ فدَلَّ على أنَّ الإخوةَ في آيةِ البابِ هم الإخوةُ لأمٍّ، وأنَّ حُكْمَ الإخوةِ هنا غيرُ حُكْمِ الإخوةِ هناك، ولا نَسْخَ بينَ الآيتَيْنِ.\nورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ ما يُخالِفُ ذلك: أنَّه مَن لا والِدَ له فقطْ.\nوالصحيحُ عنه: ما يُوافِقُ الخلفاءَ؛ فإنَّ الآيةَ فسَّرَتْ معنى الكلالةِ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾، فذكَرَ مَن يَرِثُهُ، وهم الإخوةُ، وهذا لا يكونُ إلا عندَ فقْدِ الأصلِ وهو الوالدُ، والفروعِ وهي الأبناءُ والبناتُ.\nوقولُه تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ والمقصودُ بالأخ والأختِ هنا هو مِن الأمِّ بالإجماعِ، قرَأَها سعدُ: (أختٌ لأمٍّ) (٤)، ورواهُ قتادةُ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٤٧٥)، و\"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٢٣٠).\n(٢) \"تفسير الطبرى\" (٦/ ٤٨٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٨٧).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٤٧٨)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٥٩٤).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٤٨٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٨٨).","vol":"2","page":754},{"text":"عن أبي بكرٍ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-519>مخالفةُ الإخوةِ لأمٍّ بقيَّة الإخوة:</span>\nوالإخوةُ مِن الأمِّ يُخالِفونَ غيرَهم مِن الإخوةِ مِن وُجُوهٍ:\nأوَّلُها: أنَّهم يَرِثُونَ مع مَن أَدْلَوْا به؛ وهي الأمُّ.\nثانيها: أنَّ ذُكُورَهم وإناثَهم في الميراثِ سواءٌ؛ فقد رَوى يونُسُ، عن الزُّهريِّ؛ قال \"قَضَى عمرُ أنَّ ميراثَ الإخوةِ مِن الأمِّ بينَهم للذَّكَرِ مِثلُ الأُنثى\"، قال الزهريُّ: \"ولا أرَى عمرَ قَضَى بذلك، حتى عَلِمَ بذلك مِن رسولِ اللهِ - ﷺ -؛ ولهذه الآيةِ التي قال اللهُ تعالى فيها: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ (٢).\nويستوي الإخوةُ مِن الأمِّ في الميراثِ ذكورًا وإناثًا؛ لأنَّهم يُدْلُونَ بالرَّحِمِ فقط.\nثالثُها: أنَّهم لا يَرِثُونَ إلَّا في الكلالةِ ممَّن مات، وليس له أبٌ ولا فروعٌ، فلا يَرِثُونَ مع الأبِ والأولادِ وأولادِ الأبناءِ.\nرابعُها: أنَّهم لا يَزيدونَ في ميراثِهم على الثلُثِ مهما كَثُرُوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-520>الإضرارُ بالوصيَّةِ:</span>\nوقولُه: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارّ﴾ نهيٌ عن المُضَارَّةِ في الدَّيْنِ والوصيَّة، وقد اختُلِفَ في عمومِ النهيِ عن الإضرارِ؛ لإتيانِه بعدَ جُمَلٍ، فهل يشمَلُها جميعًا أو يختصُّ بآخِرِها؟:\nجمهورُ العلماءِ: على أنَّ الصفةَ إذا جاءتْ عَقِبَ جُمَلٍ، فإنَّها تشمَلُ جميعَها؛ وهو قولٌ مالكٍ والشافعيِّ.\nوجعَلَها أبو حنيفةَ وأصحابُه خاصَّةً بالأخيرِ منها؛ وهي الوصيَّةُ.\n_________\n(١) \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٢٣٠).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٨٨).","vol":"2","page":755},{"text":"وعلى القولَينِ: فالآيةُ تتضمَّن نهيًا عن الإضرارِ بالوصيَّةِ والجورِ فيها بالإجماعِ؛ كمَن يَحْرِمُ بعضَ الورثة، أو مَن يخُصُّ بعضَ الورثةِ؛ فلا وصيَّةَ لوارثٍ، أو مَن يُوصي بأكثَرَ مِن الثلُث، أو يُوصِي بأقلَّ مِن ذلك ولكنَّ على الورثةِ الضررَ بالوصيَّةِ؛ لكثرتِهم أو لفَقرِهم، أو مَن يُوصِي بحَرَامٍ.\nوروى عِكْرِمةُ، عن ابنِ عبَّاسٍ، موقوفًا ومرفوعًا؛ (الإضرارُ في الوصيَّةِ مِن الكبائرِ) (١).\nوالموقوفُ أصحُّ (٢).\nورُوِيَ عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْخَيْرِ سَبْعِينَ سَنَةً، فَإِذَا أَوْصَى، حَافَ فِي وَصِيَّتِه، فَيُخْتَمُ لَهُ بِشَرِّ عَمَلِه، فَيَدْخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الشَّرِّ سَبْعِينَ سَنَةً، فَيَعْدِلُ فِي وَصِيَّتِه، فَيُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرِ عَمَلِه، فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>الوصيَّةُ للوارثِ:</span>\nوالوصيَّةُ للوارثِ غيرُ جائزةٍ على الصحيحِ؛ لما جاءَ في \"المسنَدِ\"، و\"السُّننِ\"، قال - ﷺ -: (إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ\" (٤).\nوهذا قولُ الأئمَّةِ الأَربعة، خلافًا للشافعيِّ في الجديدِ.\nوإنْ أَوْصَى أحدٌ لوارثٍ، فأجَازَها الورثةُ بعدَ موتِ المُوَرِّث، صحَّتْ إجازتُهم لها على الصحيحِ؛ ففي الحديثِ: (لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، إِلَّا\n_________\n(١) \"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٥٩٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٨٨٨).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٣٣).\n(٣) أخرجه أحمد (٧٧٤٢) (٢/ ٢٧٨)، وابن ماجه (٢٧٠٤) (٢/ ٩٠٢).\n(٤) أخرجه أحمد (٢٢٢٩٤) (٥/ ٢٦٧)، وأبو داود (٢٨٧٠) (٣/ ١١٤)، والترمذي (٢١٢٠) (٤/ ٤٣٣)، وابن ماجه (٢٧١٣) (٢/ ٩٠٥).","vol":"2","page":756},{"text":"أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ)؛ رواهُ الدارقطنيُّ، عن عمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه (١).\nوله عن ابنِ عبَّاسٍ - ﵄ -: (لَا تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ) (٢).\nولا تعارُضَ بينَ قولِهِ - ﷺ -: (لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) وبينَ قولِ اللهِ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] فالآيهُ منسوخةٌ عندَ عامَّةِ العلماء، وإنِ اختَلَفَ المفسِّرونَ في ناسِخِها.\nوهذه الآيةُ كانت في بدايةِ الإسلامِ؛ ففد كانتِ العربُ تَدفَعُ الأموالَ للأولاد، ولا تُعطي الآباءَ؛ فكانتِ الوصيَّةُ للآباءِ قبلَ فرضِ حقِّهم، ثمَّ خصَّ الله الآباءَ بميراثٍ، ووصَّى بالأقربينَ.\nوفي \"صحيحِ البخاريِّ\"، في بابِ: \"لا وصيَّةَ لوارثٍ\"، عن ابنِ عبَّاسٍ - ﵄ -؛ قال: \"كَانَ المَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْن، فَنَسَخَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْن، وَجَعَلَ لِلْأبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ، وَجَعَلَ لِلْمرأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ، وَللزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ\" (٣).\nوحديثُ: (لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) مُحكَمٌ صحيحٌ، وجعَلَهُ بعضُ الأئمَّةِ متواتِرًا؛ فقد رُوِيَ مِن حديثِ جماعةٍ مِن الصحابةِ يَزيدونَ على العَشَرةِ، وقد عدَّهُ الشافعيُّ متواترًا في \"الأمِّ\"، ثمَّ قال: \"أهلُ العلمِ بالمَغازي؛ مِن قريشٍ وغيرِهم، لا يختلِفونَ في أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال عامَ\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني \"سننه\" (٤١٥٤) (٥/ ١٧٢).\n(٢) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٤١٥٥) (٥/ ١٧٣).\n(٣) أخرجه البخاري (٢٧٤٧) (٤/ ٤).","vol":"2","page":757},{"text":"الفتحِ: (لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) \" (١).\nوالوصيَّةُ للورثةِ تُوقِعُ الحَيْفَ، وتُعطِّلُ الفرائضَ، وتُورِثُ البغضاءَ والشحناءَ بينَ الورثة، وتَقْطَعُ الأرحامَ، فيُظلَمُ أقوامٌ، ويَظلِمُ آخَرونَ.\nورُوِيَ عن طاوسٍ وعطاءِ والحسنِ وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ: القولُ بجوازِ الوصيَّةِ للوارِث، ونُسِبَ هذا القولُ لرافِعِ بنِ خَدِيجٍ؛ لأنَّه أَوْصَى ألَّا تُكْشَفَ امرأتُهُ الفَزَارِيَّةُ عمَّا أُغلِقَ عليه بابُها، ونُسِبَ للبخاريِّ؛ لإخراجِه لخبرِ رافعٍ، وترجَمَ عيه: (بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْن﴾ [النساء: ١١]) (٢).\nوفي نسبةِ هذا القولِ إلى رافعٍ والبخاريِّ نظرٌ؛ فليس هو بصريحٍ عنهما، وما جاء في خبرِ رافِعٍ أنَّه جعَلَ لزوجتِهِ - واسمُها سَلْمَى - ما أغلَقَتْ عيه بابَها مِن متاعٍ وأثاثٍ وطعامٍ ولباسٍ؛ وإنَّما رافعٌ أقَرَّ وأشهَدَ على هذا؛ لأنَّه تزوَّجَها فيما يَظهَرُ فقيرةً فبيَّنَ أنَّ متاعَ بيتِها لها لا يُنزَعُ منها؛ لأنَّها لا مالَ عندَها قبلَ زواجِهِ بها؛ وهذا قولٌ معروفٌ عندَ الفقهاءِ، يقولُ به مالكٌ وغيرُه، وهو ممَّن يقولُ أنْ لا وصيَّةَ لوارثٍ، والإقرارُ للوارثِ في حالِ الحياةِ شيءٌ، والوصيَّةُ له بعدَ المماتِ شيءٌ.\nوالنبيُّ - ﷺ - مع أنَّه لا يُورَثُ؛ كما قال في \"الصحيحِ\": (لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ) (٣)، لم تدخُلْ نفقةُ نسائِهِ ومؤونةً عامِلِهِ في تَرِكَتِهِ التي لا تُورَثُ؛ فقد جاء في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَؤُونَةِ عَامِلِي، فَهُوَ صَدَقَةٌ) (٤).\n_________\n(١) \"الأم\" (١/ ١١٤)، و\"الرسالة\" (ص ١٣٩).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٤/ ٤).\n(٣) أخرجه البخاري (٣٠٩٣) (٤/ ٧٩)، ومسلم (١٧٥٩) (٣/ ١٣٨٠).\n(٤) أخرجه البخاري (٢٧٧٦) (٤/ ١٢)، ومسلم (١٧٦٠) (٣/ ١٣٨٢).","vol":"2","page":758},{"text":"وقد ترجَمَ البخاريُّ في \"صحيحِه\": (بابٌ: لا وصيَّةَ لوارثٍ) (١)، وهي أصرَحُ مِن غيرِها، وموافقتُهُ للدليلِ وللأئمَّةِ بدليلٍ صريحٍ أَوْلى مِن مخالفتِهم بدليلٍ محتمِلٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>ميراثُ أولادِ الأولادِ:</span>\nويُنزَّلُ ابنُ الابنِ مكانَ الابنِ عندَ فَقدِهِ بلا خلافٍ في الميراثِ والحَجْبِ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ: أنَّ ولدَ الابنِ لا يَحجُبُ الزوجَ والزوجةَ مِن فرضِهما الأَعْلى إلى الأَدْنى، ولا الأمَّ مِن الثلُثِ إلى السدُس، والصوابُ خلافُه؛ لظهورِ الدليلِ.\nولا خلافَ في أنَّ بناتِ الابنِ لا يَرِثْنَ إذا استكمَلَتِ البناتُ مِن الصُّلْبِ الثلُثَيْن، إلَّا إذا وُجِدَ ابنُ الابنِ معها؛ فإنَّها تُشارِكُهُ للذَّكَرِ مِثلُ حظِّ الأُنثيَيْنِ مِن الباقي في قولِ أكثرِ العلماء، وقَضَى به عمرُ وعليٌّ وزيدٌ وابنُ عبَّاسٍ؛ وهذا ظاهرُ قولِ اللهِ تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].\nوذهَبَ قلةٌ مِن الفقهاءِ: إلى أنَّ الميراثَ الباقيَ يكونُ لابنِ الابنِ وحدَهُ؛ لعمومِ قولِهِ - ﷺ -: (اقْسِمُوا المَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللهِ؛ فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ، فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ) (٢)، وعمومُ الحديثِ ليس بأوْلى مِن عمومِ الآية، فالآيةِ؛ في اجتماعِ الذكورِ والإناث، والحديثُ عندَ بقاءِ شيءٍ مِن المالِ بينَ ذكورٍ، فيُعطى أقرَبُهم مِن الميِّتِ، ولو وُجِدَ مَثلًا مَن يُساوي أقرَبَ الرجالِ مِن الرجالِ رَحِمًا، لَوَجَبَ أنْ يُقاسِمَهُ الباقيَ، وكذلك عندَ وجودِ مَن يُساويهِ مِن الإناثِ تُشاركُه؛ للآية، وإذا انفرَدَ، يأخُذُه كلَّه؛ للحديث، ولا تعارُضَ بينَهما.\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٤/ ٤).\n(٢) سبق تخريجه.","vol":"2","page":759},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-523>ميراث الجَدِّ وحجبُهُ:</span>\nوالجَدُّ ينزلُ منزلةَ الأبِ في أخذِ جميعِ المالِ عندَ انفرادِه، ويحجُبُ الإخوةَ لأمٍّ، وله السدُسُ مع الابنِ وابن الابن، حكى الإجماعَ ابنُ المُنذِرِ وغيرُه.\nوإنَّما الخلافُ في حَجْبِ الجَدِّ للإخوة والأخواتِ وإنزالهِ منزِلةَ الأبِ في ذلك؛ فالإخوةُ يُدْلُونَ بالأبِ، وهو دونَ الجَدِّ، والجدُّ فوقَه؛ ولذا تحرَّجَ الصحابةُ مِن مراثِ الجَدِّ مع الإخوةِ والأخواتِ؛ فقد روى الدارميُّ وسعيدُ بن منصورٍ وغيرُهما، عن عليِّ بن أبي طالبٍ؛ قال: \"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَقَحَّمَ جَرَاثِيمَ جَهَنَّمَ، فَلْيَقْضِ بَيْنَ الْجَدِّ وَالإخْوَةِ\" (١).\nوجمهورُ الفقهاءِ: على أنَّ الإخوةَ يَرِثُونَ مع الجَدِّ؛ وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ والأوزاعيِّ، ورُوِيَ هذا عن عمرَ وعثمانَ وعليٍّ وزيدٍ وابنِ مسعودٍ، ورُوِيَ عن أبي بكرٍ وابنِ عبَّاسٍ وعائشةَ ومعاذٍ خلافُهُ.\nواختَلَفُوا في مقدارِ ميراثِ الجَدِّ على أقوالٍ، يأتي ذِكرُها في آيةِ الكَلالةِ مِن آخِرِ سورةِ النِّساءِ بإذنِ اللهِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥ - ١٦].\nالشهادةُ على الزِّنى أربعةٌ؛ لهذه الآية، ولقولِه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٩٠٤٨) (١٠/ ٢٦٢)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣١٢٦٧) (٦/ (٢٦٨)، وسعيد بن منصور في \"سننه\" (٥٦) (١/ ٦٦)، والدارمي في \"سننه\" (٢٩٠٢).","vol":"2","page":760},{"text":"الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]، ولقولِه: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨]، وكذلك لِما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ، في استشهادِ النبيِّ - ﷺ - للزَّاني على نفسِه أربعًا.\nوقولُه تعالى في الآيةِ: ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ تقييدٌ للشهودِ بالمؤمنينَ، ومِثلُ هذا قولُهُ في الطلاقِ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [٢] وفي البقرةِ قال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [٢٨٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>تعظيمُ فاحشةِ الزنى:</span>\nنزَلَتْ هذه الآية قبلَ آياتِ الحدودِ؛ تشنيعًا وتبشيعًا لفاحشةِ الزِّنى، وتهديدًا لفاعِلِها، ثمَّ بيَّنَ اللهُ حُكمَهُ وسبيلَهُ في سورةِ النورِ لمَّا أنزَلَ اللهُ حَدَّ الزنيةِ والزاني غيرِ المُحْصَنِ بالجَلْدِ والتغريب، والمُحصَنِ بالرَّجْمِ والجَلْدِ؛ كما في آيةِ: \"الشيخُ والشيخةُ\"، والأحاديثِ المتواترةِ في الرجمِ في \"الصحيحَيْنِ\"، وغيرِهما.\nوفي الآيةِ: أنَّ العقوباتِ لا تُنزَلُ إلا بالبيِّناتِ كالشهود، ولو مِن الوليِّ؛ كالزوجِ على زوجتِه، والأبِ على ابنتِه، وإنزالُها بالتشهِّي والظنِّ محرَّمٌ.\nوقولُه: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ هذا حُكْمٌ للنساءِ خاصَّةً في أولِ الأمرِ؛ لقوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾.\nوقولُهُ: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ حُكْمُ الرجالِ والنساء، ثمَّ جعَلَ الله حُكْمَ الجميعِ كما في سورةِ النورِ.\nوقال بعضُ السلفِ: \"إنَّ الأَذَى للرجالِ فقطْ\"؛ وهو قولُ مجاهدٍ (١).\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٦/ ٤٩٩).","vol":"2","page":761},{"text":"والأظهَرُ: عمومُ ذلك للرجلِ والمرأةِ؛ وهو قولُ عطاءٍ وعِكْرِمةَ والحسنِ (١).\nوقال ابنُ جريرٍ: إنَّ المرادَ بقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾، هما البِكْرَانِ (٢)، فالحبسُ حتى الموتِ على المُحصَنِينَ، والأذَى على غيرِ المُحصَنِ مِن الجنسَيْنِ.\nوقد يصحُّ هذا القولُ لولا أنَّ الخِطابَ الأولَ خاصٌّ بالنِّساءِ: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾، والأصلُ أنَّ التذكيرَ يَغلِبُ التأنيثَ، لا العكسُ.\nوالأشهَرُ: أنَّ العقوبةَ كانتْ في أولِ الأمرِ للمُحصَنِ وغيرِ المُحصَنِ؛ ترهيبًا مِن هذا الفعلِ، وظاهِرُ الآيةِ: أنَّ اللهَ أرادَ الترهيبَ والتشديدَ؛ لِيَعْقُبَهُ التيسيرُ فتتقبَّلَهُ النفوسُ؛ لأنَّه يُناسِبُ العقوبةَ على بشاعةِ فاحِشةِ الزِّنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>عقوبةُ الحَبْسِ:</span>\nوفي الآيةِ: دليلٌ على عقوبةِ الحبس، وهو السَّجْنُ، وهو قولُه: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾، وهكذا كانت عقوبةُ الحبسِ التعزيريَّةُ بعدَ ذلك بتعويقِ المُذنِبِ عن التصرُّفِ والسيرِ في الأرض، وعقوبةُ الحبسِ يُلجَأُ إليها ضرورةً، وليستْ عقوبةً اختياريَّةً؛ ولهذا نسَخَها اللهُ حتى في الفاحشةِ ولو في المُحصَن، وجعَلَ مكانَها الرَّجْمَ له، والجَلْدَ والتغريبَ لغيرِ المُحصنِ.\nوليس السَّجْنُ كما يَفعَلُهُ بعضُ الظَّلَمَةِ والطُّغَاةِ اليوم بالحبسِ في أَذْرُعٍ ضيِّقةٍ لا تتَّسِعُ إلا للنائمِ، وربَّما القاعد، وهذه عقوبةٌ فوقَ الحبسِ لا تجوزُ بحالٍ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٥٠٠).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٥٠١).","vol":"2","page":762},{"text":"وقولُه: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ إشارةٌ إلى الحُكْمِ المخفَّف، فسمَّاهُ سبيلًا، وهو الجَلْدُ والتغريبُ والرَّجْمُ؛ كما قاله ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه.\nقال ابنُ عبَّاسٍ - ﵁ -: \"كان الحُكْمُ كذلك، حتى أنزَلَ اللهُ سورةَ النور، فنسَخَها بالجَلْدِ أو الرجمِ\"، وكذا رُوِيَ عن عِكْرِمةَ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ والحسنِ وعطاءٍ الخراسانيِّ وأبي صالحٍ وقتادةَ وزيدِ بنِ أسلَمَ والضحَّاكِ: أنَّها منسوخةٌ، وهو أمرٌ متَّفقٌ عليه (١).\nروى مسلمٌ، عن عُبَادَةَ بنِ الصامت، عن النبيِّ - ﷺ -؛ قال: (خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ) (٢).\nوقولُه: تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ هو التوبيخُ واللَّوْمُ، وفي هذا أنَّ التوبيخَ واللومَ والتَّعْيِيرَ عقوبةٌ لا تَنزِلُ إلا على ذنبٍ؛ وكلَّما كان الذنبُ أشَدَّ، كان الأَذَى باللسانِ أشَدَّ.\nوقال بعضُ السلفِ: \"إنَّ الأذى في الآيةِ يدخُلُ فيه الضربُ باليدِ والنِّعالِ\"؛ صحَّ ذلك عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>تأديبُ فاعلِ الفاحشةِ:</span>\nوفيه: جواز إلحاقِ الأذى بفاعِلِ الفاحشةِ؛ فيؤدَّبُ باللسانِ واليدِ ممَّا لا يَصِلُ إلى الحدِّ؛ ردعًا له وتوبيخًا وتشنيعًا له على عملِه، ومَن عَلِمَ وتيقَّنَ بزِنى رجلٍ أو امرأةٍ، وغلَبَ على ظنِّه عدمُ إقامةِ السُّلْطانِ الحَدَّ عليهما لو رفَعَهما إليه، جاز له إلحاقُ الأذى بهما بالتوبيخِ واللومِ والضربِ باليدِ تأديبًا لهما.\n_________\n(١) \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٢٣٣).\n(٢) أخرجه مسلم (١٦٩٠) (٣/ ١٣١٦).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٥٠٣)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٦٠٣).","vol":"2","page":763},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-527>توبةُ الزاني:</span>\nوفي الآيةِ: وجوبُ تركِ مَن تابَ، وصحَّتْ توبتُهُ بعدَ إقامةِ الحدِّ عليه؛ فلا يُعَيَّرُ ولا يُسَبُّ ولا يُوَبَّخُ ولا يُذكرُ بذنبِه؛ حتى لا يُلازِمَهُ فيَهزِمَهُ، وقد ثبَتَ فِي \"الصحيحَيْنِ\": (إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا) (١)؛ أيْ: ثمَّ لا يجوزُ أن يُعيِّرَها بما فعَلَتْ بعدَ الحدِّ الذي هو كفارةٌ لِما صنَعَتْ.\nومِثلُه: مَن ظهَرَتْ توبتُهُ ولو لم يُقَمْ عليه الحدُّ مِن قِبَلِ السُّلْطانِ، فليس للعامَّةِ تعييرُهُ وسَبُّهُ؛ لأنَّ الحَدَّ إلى السُّلْطان، والإعراضُ الذي في الآيةِ ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ خطابٌ للسُّلْطانِ وللعامَّةِ.\nوالتوبةُ لا تُسقِطُ الحَدَّ على مَن قامَتِ البيِّنة عليه عندَ السُّلْطانِ؛ وهذا قولُ الجمهورِ؛ كمالكٍ وأبي حنيفةَ والشافعي في آخِرِ قولَيْهِ.\nوإذا تقادَمَ العهدُ بالذنبِ، وتَبِعَهُ صلاحٌ طويلٌ، وتربَّصَ أحدٌ بمصلِحٍ لأخذِهِ بسابقتِهِ البعيدةِ مِن الذنوب، فللحاكمِ أنْ يُسقِطَها عنه؛ لهذه الآية، ولا يصحُّ إسقاطُ الحدودِ بكلِّ دعوَى توبةٍ وصلاحٍ؛ فهذا يُعطِّلُ الشريعةَ، ويُكثِرُ مِن النِّفاقِ والفِسْقِ والكذبِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].\nبعدَما ذكَرَ اللهُ المواريثَ على وجهٍ مشروعٍ، نَبَّهَ على الممنوعِ منها\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٢٣٤) (٣/ ٨٣)، ومسلم (١٧٠٣) (٣/ ١٣٢٨).","vol":"2","page":764},{"text":"بالإكراهِ والتحايُلِ والإضرارِ؛ وذلك أنَّهم كانوا يَستعجلونَ مَنِيَّةَ المرأةِ، وربَّما تسبَّبُوا في ذلك أو أحَبُّوهُ، وكانوا يَحبِسُونَ النساءَ؛ ليتسبَّبَ في موتِهنَّ فيَرِثُوهنَّ، ثمَّ استثنَى مَن تأتي بفاحشةٍ - وهي الزِّنى - مِن العَضْلِ والحبسِ.\nواختُلِفَ في نسخِ هذه الآيةِ:\nفجعَلَ عطاءٌ - وتَبِعَهُ الشافعيُّ - هذه الآيةَ تابعةً للآيتَيْنِ السابقتَيْنِ في حُكْمِ مَن زنى وحَبْسِهِ حتى الموتِ، فنُسِخَتْ معها بآياتِ الحدودِ في النورِ.\nوقال آخَرُونَ: إنَّ الآيةَ مُحكَمَةٌ؛ فقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ في البخاريِّ: أنَّ أولياءَ المرأةِ بعدَ موتِ زوجِها في الجاهليَّة، كانوا أحَقَّ بها حتى مِن نفسها؛ إنْ شاؤُوا تزوَّجُوها، وإنْ شاؤُوا زوَّجُوها غيرَهم أو عَضَلُوها؛ فأعلَمَ اللهُ أنَّ ذلك حرامٌ (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ دليلٌ على الخُلْعِ وإباحِتهِ؛ لأنَّ اللهَ حرَّمَهُ مع العَضْل، وهو جائزٌ بغيرِهِ بالاتِّفاقِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>جهاتُ النشوزِ:</span>\nوللنُّشوزِ بينَ الزوجَيْنِ ثلاثُ جهاتٍ:\nالجهة الأُولى: نشوزُ الزوجةِ وحدَها مِن غيرِ تقصيرٍ مِن زوجِها؛ فيجوزُ للزوجِ أنْ يُخالِعَها، وتَفتدِيَ نفسَها بمالِها؛ وذلك حتى لا يُتَّخَذَ نشوزُ النساءِ بابًا للإضرارِ بالأزواجِ في أموالِهم.\nالجهةُ الثانيةُ: نشوزُ الزوجِ وحدَهُ مِن غيرِ تقصيرٍ مِن الزوجةِ في\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٥٧٩) (٦/ ٤٤).","vol":"2","page":765},{"text":"حقِّه؛ فلا يجوزُ للزوجِ أنْ يأخُذَ مِن مالِها شيئًا، ولا أنْ يَعْضُلَها لِتَفتدِيَ نفسَها بمالِها دفعًا لعَضْلِهِ وضررِهِ لها؛ وهذا لا خلافَ فيه إلا في قولٍ غيرِ معتبَرٍ.\nالجهة الثالثةُ: نشوزُ الزوجَينِ بعضِهما عن بعضٍ، فلا يَرْغَبانِ في البقاءِ بعضِهما مع بعضٍ؛ لانصرافِ النفسِ عن المودَّةِ والأُلْفة، مع حِرْصِهما على الإصلاحِ وبَذْلِ الحقوقِ، فيجوزُ للزوجِ مخالَعَةُ امرأتِهِ بمالٍ مِن غيرِ عَضْلِها لِتَفتدِيَ نفسَها؛ لأنَّ العضلَ إضرارٌ بالزوجة، وأمَّا المالُ فيجوزُ أَخْذُهُ؛ لأنَّ الزوجةَ نَشَزَتْ عنه، فربَّما لو كانتْ راضيةً به تُرِيدُ البقاءَ معه، لَخَفَّ نُشُوزُهُ ونُفُورُهُ منها، وقد أباحَ اللهُ للزوجَينِ الخُلْعَ عندَ الخوفِ مِن عدم إقامةِ حدودِ اللهِ لتنافُرِ نفسَيْهما عن الأُلْفةِ والمودَّةِ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-529>أخذُ الزوجِ من مهرِ زوجتِهِ:</span>\nوالأصلُ: أنَّه لا يَحِلُّ للزوج أنْ يأخذَ مِن مهرِ زوجتِهِ شيئًا إلا بطِيبِ نَفْسِها ولو لم يُرِدْ طلاقَها؛ لأنَّه حقٌّ لها، وربَّما ظَنَّتْ أنَّ بقاءَ زوجِها معها وحُبَّهُ لها مرهونٌ بإعطائِه مِن مالِها ومهرِها، فتُعطِيهِ بنفسٍ غيرِ طيِّبةٍ؛ لِيُبقِيَها في عِصْمَتِه، فحَرَّمَ اللهُ ذلك؛ على ما تقدَّمَ في أولِ السورةِ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ [النساء: ٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>حكمُ الخُلْعِ بقصدِ أخْذِ المالِ:</span>\nوفي آيةِ البابِ: نهيٌ عن مخالَعَةِ المرأةِ على وجهِ الإضرارِ بها وأَخْذِ مالِها، ولا خلافَ عندَ العلماءِ: أنَّ مَن خالَعَ امرأتَهُ؛ لِيُضِرَّ بها، ويأخُذَ مالَها: أنَّه عاصٍ وآخِذٌ للمالِ بغيرِ حقِّه، ولا يَحِلُّ له؛ بل تجبُ إعادتُه لها.","vol":"2","page":766},{"text":"وقال بعضُ أهلِ الرأي: بصحَّةِ الخُلْعِ مع الإثمِ؛ وهذا قولٌ يُخالِفُ ما عليه السلفُ وظواهرَ الأدلَّةِ؛ كهذه الآية، وحديثِ امرأةِ ثابتٍ.\nونُقِلَ عن مالكٍ جوازُهُ إذا رَضِيَتْ ولو كان النشوزُ مِن قِبَلِ الزوجِ، ويَحِلُّ له ما أخَذَهُ مِن مالِها.\nوأمَّا لو رضِيَتِ المرأةُ، وأعطَتْ زوجَها المالَ بلا شرطٍ منه، وهو يُرِيدُ طلاقَها بلا مقابلٍ، ولم يظهَرْ منه ما يُضِرُّ بها ويُلْجِئُها إلى مُخالعتِه، فأرادَت أنْ تكونَ حَسَنَةَ العهدِ، ولها اليدُ عليه، صحَّ وجازَ؛ لأنَّ اللهَ نَهَى عن الإضرار، وهذا ليس بإضرارٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>أخذُ مهرِ مَنْ فعَلَتِ الفاحشةَ:</span>\nوأباحَ اللهُ أخْذَ المهرِ منهنَّ إذا أَتَيْنَ بفاحشةٍ، والفاحشةُ هنا: كلُّ ما فَحُشَ مِن القولِ؛ مِن البذاءةِ واللعنِ والقذفِ والسَّبِّ والتعيِيرِ؛ وبهذا قال عامَّةُ السلفِ مِن المفسِّرينَ؛ فالفاحشةُ في هذا الموضِعِ غيرُ الفاحشةِ في الآياتِ السابقةِ؛ فهي هناك يُرادُ بها الزِّنى، وهذه قرينةٌ على أنَّ الآيةَ مُحكَمةٌ لا منسوخةٌ؛ كما يقولُه عطاءٌ والشافعيُّ؛ فعامَّةُ المفسِّرينَ مِن السلفِ على أنَّ الفاحشةَ في هذه الآيةِ: بذاءةُ اللسان، وقد قال ذلك ابنُ عبَّاسٍ وابن مسعودٍ والضحَّاكُ وقتادةُ.\nوخالَفَ أبو قِلَابَةَ، فقال: إنَّ الفاحشةَ في هذا الموضِعِ هي الزِّنى، ورُوِيَ نحوُه عن ابنِ سِيرِينَ.\nوهذا القولُ فيه نظرٌ؛ فالزِّنى أعْلى الفاحشة، ولكنَّ الفاحشةَ هي الزيادةُ؛ أيْ: كلُّ ما خرَجَ عن المباحِ مِن الأقوالِ والأفعال، وعندَ العربِ الفواحشُ: القبائحُ، ففي \"الصحيح\"؛ قال النبيُّ - ﷺ - لعائشةَ: (عَلَيْكِ بِالرِّفْق، وَإِيَّاكِ وَالعُنْفَ وَالفُحْشَ) (١)، وفي \"الصحيحينِ\"؛ مِن حديثِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٠٣٠) (٨/ ١٢).","vol":"2","page":767},{"text":"عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو: \"لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - ﷺ - فَاحِشًا وَلَا مُتفَحِّشًا\" (١)، وفي \"السُّنَنِ\": (إِنَّ اللهَ لَيُبغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ) (٢).\nومَن وجَدَ مِن امرأتِهِ فُحْشًا وبذاءةً في القول، جازَ له أنْ يُضَارَّها؛ حتى تَختلِعَ وتَفتدِيَ نفسَها بمالِها، وأمَّا الزِّنى، فجعَلَ اللهُ للزوجِ اللِّعانَ إنْ شاء، أو الطلاقَ بلا لِعانٍ لو أراد، خلافًا لأبي قلابةَ في قولِه: \"إنَّ للزوجِ الإضرارَ مع فاحشةِ الزِّنى لِتفتديَ نفسَها\".\nوقولُه: تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قيَّدَ الفاحشةَ بالبيِّنةِ؛ إشارةً إلى حُرْمةِ الأخذِ بالشكِّ والرِّيبة وسُوءِ الظنِّ؛ فإنَّ ذلك مِن المحرَّمات، ولا يجوزُ أخذُ المالِ إلا ببيِّنةٍ؛ لأنَّ مهرَها حقٌّ لها؛ فلا يجوزُ أخذُه بغيرِ حقٍّ وبيِّنةٍ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢٠ - ٢١].\nالأصلُ في الطلاقِ: المشروعيَّة بالاتِّفاق، وفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ الأصلَ فيه الإباحةُ، وقد يخرُجُ عنها بحسَبِ عوارضِهِ وأحوالِهِ وآثارِه؛ وهذا على قولِ أكثَرِ العلماء، خلافًا لأبي حنيفةَ، فهو يرَى أنَّ الأصلَ فيه الحظرُ مع استقامةِ الحال، وقد يُباحُ ويُكرَهُ بل ويجبُ؛ وهذا القولُ الثاني روايةٌ عن أحمدَ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٥٥٩) (٤/ ١٨٩)، ومسلم (٢٣١١) (٤/ ١٨١٠).\n(٢) أخرجه الترمذي (٢٠٠٢) (٤/ ٣٦٢).","vol":"2","page":768},{"text":"ثمَّ بيَّنَ اللهُ عِصْمةَ مالِ الزوجةِ ومهرِها، وأنَّه لا يجوزُ أَخْذُهُ لمجرَّدِ مُفارقتِها؛ لِيَنْكِحَ الرجلُ زوجةً أُخرى بمهرِها، وقولُه: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾؛ يعني: ولو كان مهرُها كثيرًا كقِنْطارِ الذهبِ، فلا يجوزُ أخذُ شيءٍ منه ولو قَلَّ، وبيَّنَ أنَّ أَخْذَهُ كبيرةٌ: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، وقال: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾، وهذانِ استفهامانِ استنكاريَّانِ.\nوقولُه: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾؛ أيْ: تَبَادَلْتُما الحقوقَ والنفعَ والإحسانَ بالعِشْرةِ والجِمَاعِ؛ كما قاله ابنُ عبَّاسٍ (١).\nوقولُه: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾؛ يعني: عقدَ النِّكَاحٍ والمهرَ معه باستحلالِ فَرْجِها به: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]؛ فما تَملَّكْنَهُ لا يُؤخَذُ منهنَّ بغيرِ حقٍّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-532>حكمُ الخُلْعِ قبل الدخولِ:</span>\nوقد أخَذَ بعضُ العلماء مِن مفهومِ خِطابِ الآيةِ: جوارَ المخالَعةِ قبلَ إفضاءِ الزوجَيْنِ بعضِهما إلى بعضٍ، وقبلَ الدخولِ؛ وبهذا قال الشافعيُّ.\nوذهَبَ مالكٌ وأبو حنيفةَ: إلى أنَّ الخُلْعَ قلَ الخَلْوَةِ بالزوجةِ جائزٌ؛ لمفهومِ الآيةِ، ولو لم تأتِ الزوجةُ بفاحشةٍ مبيِّنةٍ؛ لعدمِ الإفضاءِ بينَهما والمعاشرةِ التي قُيِّدَ تحريمُ أخذِ المالِ لأجلِه.\nوالأظهَرُ: أنَّ الآيةَ عامَّةٌ، والتعليلَ بالإفضاءِ للغالبِ مِن حالِ الزوجَيْنِ: أنَّهما يتفارَقانِ بعدَ الدخُولِ لا قَبْلَه، وللتنفيرِ ممِّا يُستقبَحُ أنْ يُؤخَذَ المهرُ بعدَ ما كان بينَهما مِن عِشْرةٍ وإفضاءٍ؛ فالنهيُ في الآيةِ عامٌّ، والتعليلُ للعمومِ لا للتقييد، وكذلك لعمومِ آيةِ البقرةِ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٥٤٢)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٦١٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٠٨).","vol":"2","page":769},{"text":"تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢].\nنزَلَتِ الآيةُ لتساهُلِ أهلِ الجاهليَّةِ في نكاحِ زوجاتِ آبائِهم؛ فقد روى ابنُ أبي حاتم وغيرُه، عن عديِّ بنِ ثابتٍ، عن رجلٍ مِن الأنصارِ؛ قال: لمَّا تُوُفِّيَ أبَو قيسٍ - يعني: ابنَ الأَسْلَتِ - وكان مِن صالِحي الأنصار، فخطَبَ ابنُهُ قيسٌ امرأتَهُ، فقالتْ: إنَّما أَعُدُّكَ ولدًا! وأنتَ مِن صالِحِي قومِكَ، ولكنْ آتِي رسولَ اللهِ - ﷺ -، فأَسْتَأْمِرُهُ، فأتَتْ رسولَ اللهِ - ﷺ -، فقالتْ: إنَّ أبا قيسٍ تُوفِّيَ، فقال خيرًا، ثمَّ قالتْ: إنَّ ابنَهُ قَيْسًا خَطَبَنِي، وهو مِن صالِحِي قَوْمِه، وإنَّما كنتُ أَعُدُّهُ ولدًا، فما تَرَى؟ فقال لها: (ارْجِعِي إِلَى بَيْتِكِ)، فنزَلَتِ الآيةُ بالتحريمِ (١).\nوبنحوِه رواهُ ابنُ جُرَيجٍ، عن عِكْرِمةَ، مُرْسَلًا؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (٢).\nوقد ذَكَرَ اللهُ المواريثَ، ثمَّ أَعْقَبَهَا بذِكْرِ المحرَّماتِ مِن النِّساءِ؛ لمعرفةِ حقوقِ القَرَابَاتِ وفَضْلِهم في الحياةِ وبعدَ المماتِ، وقدَّمَ في المحرَّماتِ نِكاحَ زوجاتِ الآباءِ على غيرِهنَّ؛ لأنَّه ممَّا يَتساهَلُ به أهلُ الجاهليَّة، وقد كان أهلُ الجاهليَّةِ يحرِّمُونَ ما حَرَّمَة اللهُ مِن النِّكاحِ إلا نكاحَ زَوْجاتِ الآباءِ والجَمْعَ بينَ الأُختَيْنِ؛ كما قاله ابنُ عبَّاسٍ (٣).\n_________\n(١) \"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٦١٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٠٩).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٥٢٣).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٥٤٩)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٦١٨).","vol":"2","page":770},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-533>أولوَيَّاتُ الإصلاحِ:</span>\nومِن الحِكمةِ: تقديمُ ما يفرِّطُ فيه الناسُ ويُضيِّعُونَهُ مِن أحكامِ اللهِ ولو كان مفضولًا، على ما يَحفَظُونَهُ وَيَعْمَلُونَ به ولو كان فاضلًا، مع عدمِ إهمالِ المحفوظِ؛ حتى لا يُنسى، وهكذا يَنزِلُ الوحيُ، وهذا مِن الحِكْمةِ التي يجبُ أنْ يَسلُكَها العالِمُ في إصلاحِه، فيَنظُرُ إلى جهتَيْنِ:\nالأُولى: أنْ ينظُرَ إلى مواضِعِ بُعْدِ الناسِ عن الحقِّ وقُرْبِهم منه، فيُقرِّبَ البعيدَ حتى لا يُفرِّطَ، ويَحفَظَ القريبَ حتى يَثبُتَ فلا يَغْلُوَ.\nالثانيةُ: أنْ ينظُرَ إلى منازِلِ الأحكامِ مِن الشريعةِ ومراتِبِها منها؛ حتى لا يُصلِحَ بالتشهِّي، أو بما يُحِبُّهُ الناسُ، فيَترُكَ المنهيَّاتِ التي يُحِبُّها الناسُ إلى المنهيَّاتِ التي لا يُحِبُّونَها، فيَظُنَّ أنَّه حَفِظَ الشريعةَ بانشغالِه بما هو محفوظٌ مِن غيرِه، ويَتْرُكَ المُهْمَلَ المُضَيَّعَ مِن حدودِ اللهِ تهيبًا للناسِ.\nولا شكَّ أنَّ نِكاحَ الأمِّ والأختِ والبنتِ أعظَمُ عندَ اللهِ مِن نِكاحِ زوجةِ الأبِ، ولكنَّ تحريمَ نكاحِ الأمِّ والأختِ والبنتِ معظَّمٌ في الجاهليَّةِ، ويَسْتَحِلُّونَ نِكاحَ زوجةِ الأبِ؛ فقدَّمَ تحريمَ نكاحِ زوجةِ الأبِ على غيرِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>العقدُ على زَوْجة الأبِ:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾، المرادُ بالنِّكاحِ هنا العَقْدُ، فيحرُمُ العقدُ على زوجةِ الأبِ ولو لم تُوطَأُ، وهذا ظاهرُ الآيةِ؛ لأنَّ الآيةَ وما بعدَها لبيانِ المحرَّماتِ نكاحًا لا سفاحًا؛ فالآيةُ في سباقِ بيانِ العقودِ؛ فاللهُ لمَّا أطلَقَ في أوَّلِ السورةِ حِلَّ النِّكاحِ مِن النِّساء، وقيَّدَ ذلك بالعدَدِ في قولِه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، احتاجَ إلى التقييدِ بالوصفِ مع العددِ؛ حتى لا يُفهَمَ الحِلُّ","vol":"2","page":771},{"text":"على إطلاقِه، والآيةُ مِن أولِ السورةِ لبيانِ ما يَحِلُّ وَيحرُمُ مِن نِكاحِ النِّساءِ والعقدِ عليهنَّ، وهذا يظهَرُ في مواضِعَ مِن هذه الآياتِ:\nالأولُ: قولُه تعالى في أولِ السورِة: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقولُه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾، والنكاحُ إذا أُطلِقَ في الشريعةِ فيُرادُ به العقدُ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فلا يقعُ الطلاقُ إلا بعدَ عقدٍ.\nوالنِّكاحُ إذا أُطلِقَ في القرآنِ؛ كقولِهِ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]؛ يعني: زوِّجُوهم، وقولِهِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]؛ يعني: لا تتزوَّجُوهُنَّ، فذكَرَ القيدَ (الإيمانَ)، وزِنى المُشرِكةِ والمؤمِنةِ محرَّمٌ لا فرقَ بينَهما، إلا أنَّ المؤمنةَ أشَدُّ إحصانًا وعِرْضًا وعِفَّةً، فهي أشَدُّ تحريمًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ يعني: تتزوَّج بل ويَدخُلُ عليها.\nومنه قولُه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، يعني: تزوَّجُوا.\nالثاني: أنَّ اللهَ ذكَرَ المحرَّماتِ بعدَ ذلك؛ فقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وهذا تحريمٌ للزَّواجِ منهنَّ والعقدِ عليهنَّ.\nفالزِّنى لا تقولُ العربُ حتى في الجاهليَّةِ بحِلِّه بِهِنَّ، فالآياتُ في سباقِ تحريمِ النِّكاح، لا وطءِ الزِّنى.\nالثالث: أنَّ اللهَ قال في المحرَّماتِ بعدَ ذلك: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وَصَفَهُنَّ بالحلائلِ؛ يعني: ما أحَلَّهُ اللهُ لهم، ولا تَحِلُّ المرأةُ إلا بعقدٍ صحيحٍ.","vol":"2","page":772},{"text":"الرابعُ: أنَّ اللهَ ذكَرَ محرَّماتٍ وقيَّدَ التحريمَ بأوصافٍ، منها إذا تزوَّجَها الأبُ، ومنها الرَّضَاعُ، ومنها جمعُ الأُختَيْن، وهذه الأوصافُ لا تُغَيِّرُ حكْمَ الزِّنى قَبلَ وُجودِهِنَّ في المرأةِ وبَعْدَه، فالزِّنى حرامٌ، كان ذلك قبلَ الرَّضاع أو بعدَه، وبَعْدَهُ أشَدُّ، والزِّنى حرامٌ قبلَ نِكاحِ الأبِ أو بعدَه، وبعدَه أشَدُّ، والزِّنى بأُختِ الزوجةِ حرامٌ قبلَ العقدِ على الزوجةِ أو بعدَه، وبعدَه أشَدُّ.\nوالقولُ بأنَّ النِّكاحَ في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ هو العقدُ: هو قولُ عامَّةِ السلفِ وجمهورِ الفقهاءِ.\nخلافًا لأبي حنيفةَ وقولٍ لمالكٍ، ولازمُ قولِ أبي حنيفةَ: أنَّ مَن زَنَى بامرأةٍ حَرُمَ على ابنِهِ الزواجُ منها؛ لأنَّ النِّكاحَ في اللُّغةِ الضمُّ والجمعُ، وهو شاملٌ لهذا المعنَى.\nويدُلُّ على خطأِ هذا القولِ: أنَّ مَن عَقَدَ على امرأةٍ، ولم يَدخُلْ بها، لا يَحرُمُ على ابنِه الزواجُ منها؛ وهذا مخالفٌ للإجماع، وقد روى عليُّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: \"كُلُّ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا أَبُوكَ أَوِ ابْنُكَ، دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَهِيَ عَلَيْكَ حَرَامٌ\"؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ (١).\nويدُلُّ على أنَّ التحريمَ مُتعلِّقٌ بالعقد، لا بالدخُولِ: أنَّ اللهَ حرَّمَ على البناتِ نِكاحَ أزواجِ أمَّهاتِهنَّ، وحرَّمَ على الأبناءِ نِكاحَ زوجاتِ آبائِهم، وقال في تحريم البناتِ على أزواجِ الأمَّهاتِ: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، فقيَّدَ التحريمَ بالدخولِ بأمهاتِهنَّ، وأطلَقَ التحريمَ في زوجاتِ الآباءِ بلا تقييدٍ، ولو كان مقيَّدًا بالدخول، لَقيَّدَهُ في حُرْمةِ زوجاتِ الآباءِ على الأبناء، كما قيَّدَهُ في حُرْمةِ أزواجِ الأمَّهاتِ على البناتِ.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩١٠).","vol":"2","page":773},{"text":"وكذلك: فإنَّ الشريعةَ لا تُحِيلُ وَصْفَ المحرَّمِ إلى ما يَشُقُّ معرفتُه، فأنَّى للأبناءِ أنْ يَعرِفُوا فواحشَ الآباءِ؟ ! ولو زَنَى الرجلُ بامرأةٍ ولم يَعلَمْ به أحَدٌ، لم يَحِلَّ له أنْ يُخبِرَ ابنَهُ بزِناهُ إذا رغِبَ في نكاحِها؛ وإنَّما له أنْ يَمْنَعَهُ ويَنهَاهُ عنها، لا أنْ يُخبِرَهُ بزِناهُ؛ لأنَّ هذا هتكٌ لسِترِه وسِترِها، وإشاعةٌ للفاحشةِ.\nوقولُه تعالى: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ يحرُمُ نكاحُ زوجةِ الأبِ وإنْ علا؛ كالجَدِّ مِن جميعِ جهاتِه؛ مِن الأمِّ والأب، ويحرُمُ ذلك على الأبناءِ وإنْ نزَلُوا، ولو كانوا أبناءَ البنتِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-535>نكاحُ الابنِ مولاةَ أبيهِ:</span>\nويحرُمُ على الابنِ وطءُ الموطوءةِ مِن أبيهِ بمِلْكِ يمينٍ؛ لأنَّه نكاحٌ مشروعٌ أَشْبَهَ النكاحَ بعقدٍ، وهذا وطءٌ عقدِ المِلكِ.\nوما يَملِكهُ الأبُ مِن الإماءِ إذا لم يَرَ الأبُ منها ما يحرُمُ عليه لو كان أجنبيًّا، جاز للابنِ الزواجُ بها، وأمَّا إذا رَأَى منها ما لا يراهُ إلا الزوجُ أو باشرَها مِن غيرِ جِماعٍ، فقد اختُلِفَ في تحريمِها على ابنِه، والصوابُ التحريمُ؛ وبه قال أَحمدُ، ورَوى ابنُ عساكرَ، عن خَدِيجٍ الخَصِيِّ مَوْلَى معاويةَ، عن معاويةَ؛ أنَّه أخَذَ بالمنعِ (١).\nوقولُه: تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ عفوٌ عمَّا مَضَى مِن الأفعالِ المُخالِفةِ لأمرِ الله، لا أنَّ اللهَ أحَلَّ لهم أنْ يُبْقُوا على نكاحِ نساءِ آبائِهم ممَّا سبَقَ نزولَ الوحيِ؛ فإنَّ اللهَ ذكَرَ في المحرَّماتِ مِن النساء، ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢ و٢٣] في موضعَيْنِ؛ الأولُ: في زوجاتِ الآباء، والثاني: في الجمعِ بينَ الأُختَيْن، وهذا لأنَّهم في الجاهليَّةِ لم يَسْلفْ منهم نكاحُ غيرِ هاتَيْنِ مِن المحرَّمات، فهم يُعظِّمونَ المُحرَّماتِ التي\n_________\n(١) \"تاريخ دمشق\" (١٢/ ٢٣٨).","vol":"2","page":774},{"text":"حرَّمَ اللهُ، ولم يكنْ يقَعُ منهم شيءٌ يُخالِفُ ما حرَّمَهُ اللهُ إلا في هذَيْنِ الموضعَيْنِ؛ كما قاله ابنُ عبَّاسٍ، فيما رواهُ عنه عكرمةُ؛ أخرَجَه ابنُ المُنذِرِ (١).\nفقد تزوَّجَ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ امرأةَ أبيهِ بعدَه، وهي فاخِتَةُ بنتُ الأَسْوَدِ بنِ عبدِ المطلبِ، وكذلك كِنانةُ بنُ خُزيمةَ تزوَّجَ امرأةَ أبيهِ وولَدَتْ له ابنه النضرَ بنَ كِنانةَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>حدودُ ما يحرُمُ من زوجاتِ الآباءِ:</span>\nولا ينتشرُ التحريمُ من زوجاتِ الآباءِ إلى أُصُولِهنَّ وفُرُوعِهنَّ وحَوَاشِيهِنَّ؛ فلا يحرُمُ على أبناءِ الآباءِ أنْ يتزوَّجُوا مِن بناتِ زوجةِ الأبِ مِن غيرِه، فإذا جاز هذا في المُحرَّمةِ بالنصِّ على التأبيدِ كالعَمَّةِ والخالة، فيجوزُ نكاحُ بنتِها، فبنتُ زوجةِ الأبِ مِن غيرِ الأبِ مِن بابِ أَوْلَى.\nوتحريمُ زوجاتِ الآباءِ على الأبناء، كتحريمِ زوجاتِ الأبناءِ على الآباءِ.\nوقول اللهِ تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾؛ يعني: بعدَ تحريمِه.\nوقيل: إنَّ وَصْفَ العاقِدِ على زوجةِ أبيهِ بعدَ التحريمِ بفاعِلِ الفاحِشةِ والمقتِ وساء سبيلًا، إشارةً إلى عدمِ كفرِه، قال: ولو كان كافرًا، لكان وصفُهُ بالكفرِ أعظَمَ مِن فعلِ الفاحشةِ والمقتِ، والمقتُ هو شدةُ البُغضِ مِن اللهِ للفعلِ وفاعِلِه.\nوهذه الآيةُ مِن مواضعِ النزاع فيمَن عقَدَ على امرأةٍ تحرُمُ عليه، وقبلَ ذِكرِ كلامِ العلماءِ في هذا، فإنَّ الأمرَ المُجمَعَ عليه: أنَّ مَن حرَّمَ ما أَحَلَّ اللهُ في كتابِه، أو حَلَّلَ ما حرَّمَه اللهُ في كتابِه: كافرٌ، ولكنَّ فِعْلَهُ\n_________\n(١) \"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٦١٨).","vol":"2","page":775},{"text":"دونَ استحلالٍ فِسْقٌ وفُحْشٌ؛ فلا يلزَمُ مِن فعلِ المُحرَّمِ تشريعُ حِلِّه، ولا مِن تركِ الحلالِ تشريعُ تحريمِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-537>حكمُ العقدِ على مَحْرَمٍ:</span>\nوإنَّما الخلافُ طرَأَ عندَ الفقهاءِ؛ لاختلافِهم في أمرِ العقودِ: هل هي استحلالٌ صريحٌ للمُحرَّمِ أو لا؟\nوالحقُّ: أنَّ مُشرِّعَ العقودِ وسَانَّها حُكْمُهُ أشَدُّ مِن حُكْمِ المُتعاقِدين، فمَن شرَّعَ العقودَ للوقوعِ في المُحرَّمِ؛ كمَن يُشرِّعُ الحرامَ بسَنِّ عقودٍ للزُّناةِ إذا أرادُوا الزِّنى، ومَن يسُنُّ ويُشرِّعُ عقودًا لمتبايِعِي الخمرِ إذا تبايَعُوا، فهذا مُشرِّعٌ مِن دونِ اللهِ حاكمًا أو نظامًا، وهذا كفرٌ باللهِ.\nوأمَّا المتعاقِدانِ على محرَّمٍ قطعيٍّ مِن نِكاحٍ أو بيعٍ أو طعامٍ ونحوِ ذلك مع العِلْمِ بتحريمِهِ؛ كمَن عقَدَ على امرأةٍ لا تَحِلُّ له:\nفقد ذهَبَ جماعةٌ مِن الفقهاءِ: إلى أنَّ ذلك ليس بتشريعٍ قطعيٍّ حتى تقومَ قرينةٌ أو بيِّنةٌ عليه، وإنَّما هو فِعلٌ للمحرَّمِ؛ وبهذا قال جماعةٌ مِن الفقهاءِ؛ كأبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعيِّ وأبي يوسُفَ ومحمدِ بنِ الحسنِ وجماعةٍ مِن فقهاءِ المالكيَّة، وهو قولُ ابنِ عبدِ الحكمِ وأبِيهِ وابنِ القاسِمِ وأَشْهَبَ وغيرِهم، وهؤلاء وإنِ اختلَفُوا في العقوبةِ وصِفةِ إنزالِها، فإنَّهم يتَّفقونَ على أنَّ المتعاقدينِ لم يَكْفُرَا.\nوظاهرُ مذهبِ أحمدَ وقولِهِ: أنَّ مَن عقَدَ على امرأةٍ محرَّمةٍ عليه تحريمًا قطعيًّا: أنَّه يُحَدُّ رِدَّةً؛ لأنَّ التعاقُدَ عليه استحلالٌ عندَهُ؛ وبهذا قال إسحاقُ والطحاويُّ وابنُ تيميَّةَ وابن كثيرٍ.\nواستدَلَّ أحمدُ: بما رواهُ هو مِن حديثِ عديِّ بنِ ثابتٍ، وأبي الجَهْمِ؛ كلاهما عن البراءِ بنِ عازبٍ؛ قال: \"مَرَّ بي عَمِّي الحَارِثُ بْنُ عَمرٍو وَمَعَهُ لِوَاءٌ قَدْ عَقَدَهُ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَقُلْتُ لَهُ: أَيْ عَمِّ،","vol":"2","page":776},{"text":"أَيْنَ بَعَثَكَ النَّبيُّ - ﷺ -؟ قَالَ: بَعَثَني إلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيه، فَأَمَرَني أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ\" (١).\nورواهُ أهل السُّننِ من طرقٍ وألفاظٍ مُتقاربةٍ (٢).\nوخلافُ العلماء في التعاقد على المحرّم هل يكون دليلًا صريحًا على الاستحلال أو لا؟ وأمَّا الاستحلال للمحرَّم القطعيِّ، فلا خلاف في كونه كفرًا.\nوالصحيحُ كما سبق: أنَّ من سنَّ العقود للناس وشرعها ليفعلوا، فهو مستحِلٌّ للفعْل، وهذا في الحُكَّام والنظم والقوانين والحكومات، والقرينة فيه مشرِّعًا أصرحُ من المتعاقدين، فالمشرِّعُ للعقود وسنِّ الأنظمةِ التي يصلُ بها المتعاقدون للمُحرَّم - البيِّنَة عليه في استحلاله للمُحرَّم أظهر وأقوى - فيأخذ حكم المستحلِّ بالكفر؛ لأن المتعاقدين تختلف مقاصدهم بين مستحِلٍّ وغير مستحِلٍّ، فهو قد شرَّع للجميع مع اليقين بوجود من يتعاقدُ منهم استحلالًا.\nوالمتعاقدان قد يتعاقدان على مُحرَّمٍ شهوةً؛ من مالٍ كالرِّبا، أو مطعمٍ كالخمرِ، فلا يحصُلُ لهما إلا بعقدٍ؛ كمن يتعاقد مع بائعٍ على بيع ربًا، أو غَرَرٍ، أو شراء خمرٍ، وهو يعلم؛ لأنَّه لا يجدُ ما يُمضي به الصفقة إلا بعقدها، فهذا لا يكفُر، وهو آثمٌ، ومثله من عقد على ذاتِ محْرمٍ يُريد الزِّنى بها، فلم يصل إلى مواقعتها وقضاء شهوته منها إلا بالعقد عليها؛ فهذا يقام عليه حدُّ الزِّنى، ولا يكفُر، وإذا قامت البيِّنةُ على من عقد على ذاتِ مَحْرَمٍ: أنَّه فعله لا لقضاءِ شهوة المواقعة، بل للبقاء والولادة منها، ولو أرادها زنًى من غير عقدٍ، وجدَها، فهذا مستحِلٌّ، وعليه يُحملُ حديث\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٨٥٧٩) (٤/ ٢٩٢).\n(٢) أخرجه الترمذي (١٣٦٢) (٣/ ٦٣٥)، والنسائي (٣٣٣١) (٦/ ١٠٩)، وابن ماجه (٢٦٠٧) (٢/ ٨٦٩).","vol":"2","page":777},{"text":"البراءِ وقول أحمد فيه؛ لأنَّ الفاعل عالمٌ بالتحريم، وظهر منه استحلاله، وأنَّه يُريد النِّكاح لا الزنى، وذلك أنّ أهل الجاهلية كانوا يعتقدون أنَّ الابن أولى بامرأة أبيه من غيره، فظهر: أنَّ مقصود ناكح امرأة أبيه العقد عليها والزواج منها، لا الزِّنى بها؛ وهذا استحلالٌ؛ كما سبق.\nوالشافعيُّ إنما جعل مَن عَقَدَ على امرأة أبيه زانيًا، فيقام عليه حدُّ الزِّنى، لا الردَّة؛ لعدم قيام البيِّنة على استحلاله.\nوالاستحلال لا خلاف فيه عند الجميع، ولكن الخلاف في تحقُّق صورته في الأفعال؛ ولذا فأبو حنيفة يرى أنَّ العقد يُقيم الشبهة على جهل المتعاقدين؛ لأنهما لو أرادا الفاحشة، لما تعاقدا، ولكنَّهما أرادَا النِّكاح المشروع، فأخطأ موضعهُ.\nوعلى هذا: فلا خلاف بين قول أحمد وبين غيره من الأئمَّة فيما قامت البيِّنَة على استحلاله من المُحرَّمات بعقدٍ أو بغير عقدٍ: أنَّ فاعله كافرٌ بالله، فإنّ أحمد يُفرِّق بين الجاهل والعالِمِ إذا نكَحَ ذات المحْرم؛ كما في رواية ابنه عبد الله:\nقال عبد الله: \"سألتُ أبي عن حديثِ النبيِّ - ﷺ -: أنَّ رجلًا تزوَّج امرأة أبيه، فأمر النبيُّ - ﷺ - بقتله وأخذ ماله؟\nقال أبي: نرى - والله أعلم - أن ذلك منه على الاستحلال، فأمر بقتله بمنزله وأخذ ماله\" (١).\nويُؤيِّد هذا: أنَّ النبيَّ - ﷺ - لم يأمر بقتل امرأة الأب التي تزوَّجَها ابن زوجها، ولم يأمُرُ بقتل الوليِّ إن وُجدَ؛ لأنَّ القرينة في قصد الابن بالزواج من امرأة أبيه أنه استحَلَّ: أظهر منه في غيره؛ فدَلَّ على أنَّ الحُكم على المتعاقدين على حرامٍ يختلف باختلاف حالهما في القصد وفي الجهل والعلم.\n_________\n(١) \"مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله\" (ص ٣٥١ - ٣٥٢).","vol":"2","page":778},{"text":"وعلى هذا: يُفرَّق بين المُحرَّم البيِّن فيما يُتعاقد عليه وبين المشتبه بحسب حال المتعاقدين وبُلدانهم ووفرة العلم فيها؛ فنكاحُ الأمِّ يختلفُ عن نكاح زوجة الأب، والبنتُ تختلفُ عن الأخت، وكلَّما كانت المرأة أشدَّ تحريمًا بالطبع والشرعِ، فالقرينة على الاستحلال أقوى.\nوإنما كان التفريقُ بين مشرِّع العقود وسانِّها للناس وبين المتعاقدين؛ أنَّ فِعل مشرِّع العقود المُحرَّمة وسانِّها يقع على العقد، لا على فعل الحرام؛ كالرِّبا والخمر والزِّنى والانتفاع به؛ فليس هو من المتعاقدين، ولا شهوة له بالمال ولا الطعام ولا الفرج الحرام المعقود عليه، وأمَّا المتعاقدان: فَفِعلهما يقع على الحصول على المحرَّم، وشبهة الاستحلال بالعقد قائمةٌ؛ لأنهما فعلا العقد لأكل مال الرِّبا وشرب الخمر وفعل الزِّني، فلم يجداهُ إلا بعقدٍ عليه، ولو وجداهُ من غير عقدٍ، لما اشترطا العقد، ولا بحثا عنه، والحاكم يسُنُّ العقود ويشرِّعُها للناس للحصول على المُحرَّم، ففعله تشريعٌ فقط، وأعظم من ذلك من يُلزم بالعقود المُحرَّمة القطعيَّة ويعاقب على تركها.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣].\nحرَّم الله تعالى في هذه الآية سبعًا بالنَّسَبِ، وسبعًا بالمصاهرةِ،","vol":"2","page":779},{"text":"وجملةُ ذلك أربع عشرة امرأةً؛ كما رواه سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ (١)، وبنحوه قال سُفيان وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>المحرَّماتُ من النساء:</span>\nوقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾: فيه المُحرَّماتُ من النَّسَبِ، وتحْرُمُ الأمَّهاتُ والعمَّاتُ والخالاتُ وإن علوْن بلا خلافٍ؛ فالجَدَّاتُ من جميع الجهات كالأمَّهات، وعمَّاتُ الآباء والأمَّهات كالعمَّاتِ مباشرةً، وخالاتُ الآباء والأمَّهاتِ كالخالاتِ مباشرةً.\nوتحرُم بناتُ البنات كالبنات، وكذلك: فإنَّ بنات بنات الأخ والأُختِ كبنات الأخ والأخت مباشرةً، سواءٌ كُنِّ بواسطة الأم أو الأب أو بهما جميعًا؛ فاللهُ إنما ذكر في الآية أُصُول المُحرَّمات.\nوبدأ الله بالأمَّهات؛ لعظم منزلتهنَّ وحقِّهنَّ وفضلهنَّ على غيرهنَّ؛ فالمرأة الواحدة قد تكون أمًّا من وجهٍ، وتكون أختًا وبنتًا وجدَّةً وعمَّةً وخالةً وبنت أخٍ وبنت أختٍ من وجوهٍ أُخرَى بحسب وشائج القربى والرَّحِم التي تتعلَّق بها؛ فقدَّم الله من هذه المنازل منزلة الأمِّ؛ لأنها أصل الرَّحِم وأوَّله، وهي أعظم حقًّا من الأب، وتقديم التحريم للأُمِّ تفضيلٌ لها وتعظيمٌ لحقِّها، ويليها في التحريم والحقِّ والصِّلة: البنتُ؛ فالبنتُ أعظم حقًّا وصلةً من الأخت، وعند التزاحُم في الحقوق تُقدَّم الأُمُّ فالبنتُ فالأختُ، ثمَّ العمَّةُ والخالة، وهما أعظم حقًّا من بنات الأخ وبنات الأخت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-539>تحريم بنتِ الزنى:</span>\nوتحرُمُ بنتُ الزِّنى على أبيها كالبنتِ مِن النِّكاح، ولو كانتْ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٥٥٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩١١).","vol":"2","page":780},{"text":"لا تنتسبُ إلى أبيها، ولا يجب بينها وبينه صلة رحم ولا نسبٌ ولا ميراثٌ؛ لأنَّ الأصل أنَّها بنتُهُ على الحقيقة، ولكنَّ اللهَ رفع الحقوق بينهما، وبقي تحريمُ الوطءِ؛ لعموم الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾؛ وهذا قول عامَّةِ الفقهاء.\nوقيل بعدم تحريم النِّكاح؛ لأنَّ الابن والبنت من الزِّنى لا يدخلون في عموم قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]؛ وهذا القول ثقيلٌ، ويلزم من هذا: أن يطأ الرجل أمّه من الزِّنى؛ وهذا يحرُم بالإجماع، ولا فرق بينها وبين أبيه؛ فالخلق من مائهما جميعًا، وتحريم الأمِّ على ولدها من الزِّنى، لا يُخالف فيه مَن قال بعدم تحريم البنت على أبيها من الزِّنى، وينبغي أن يكون تحريم البنت على أبيها والابن على أمِّه إجماع السلف، وقد كان أحمد يُنكر أن يكون السلف يتنازعون في هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-540>تحريمُ بنتِ الملاعنة:</span>\nوالملاعنُ لا يجوز له أن يطأ ابنة مُلاعنتِه، مع أنَّه لا يُقرُّ بكونها منه؛ فكيف بإقراره أنَّها منه بسِفاحٍ لا نكاحٍ؟ ! وهي ابنتُهُ حقيقةً حسيَّةً، ولكنَّها ليست ابنتهُ شرعًا، والتحريم في النكاح يثبتُ للحقيقة الحسيَّة.\nونُسِبَ القول بالجواز للشافعيِّ؛ لأنَّه نصَّ على الكراهة، والأولى: حمل مُرادِهِ بالكراهة على التحريم، لا على الجواز؛ لموافقة السلفِ والفِطْرة القويمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>المحرَّماتُ من الرَّضاع:</span>\nوأمَّا في الميراث، فلا يرثُ ولدُ الزِّنى بالاتِّفاق.\nوقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، لا يختلفُ العلماء في حُرْمة الأمَّهات والأخوات من","vol":"2","page":781},{"text":"الرَّضاعةِ، وأنَّ حُرْمة الرَّضاعة في النِّكاح كحُرْمة النَّسبِ، وليس الرَّضاعُ رحِمًا؛ لأنَّ من اتَّصلت بواسطته لم تُدْل برحِمٍ؛ وإنَّما برَضاعٍ.\nوأدْنى المُحرَّماتِ مِن النَّسَب: كبنات الأخ والأخت أعظم من أعْلى المُحرَّمات من الرَّضاع كالأمِّ من الرَّضاع وإن اشتركن في التحريم؛ لأنَّ أبعد الرَّحِم المُحرَّم أقوى مِن أدني الرَّضاع وأقربه؛ فليس الرَّضاعُ رحِمًا يجب وصلُه، ولا عاقلةً يعقل الدية عنه، ولا يلحَق به نسبٌ، وفي \"الصحيح\": أنَّ عائشة استأذن عليها عمُّها من الرَّضاع، فلم تأذن له حتى سألَتِ النبيَّ - ﷺ -، فأمرها بالإذن له بالدخول عليها (١)، وفي هذا دليلٌ على أنَّه لم يدخل عليها ولم تدخل عليه من قبل، فلم ينهها النبيُّ - ﷺ - عن قطيعته السابقة؛ لعدم وجوب صلته عليها.\nولذا أخَّر الله أقرب المُحرَّماتِ من الرَّضاع - وهنَّ الأمَّهاتُ - بعد أبعد المُحرَّمات مِن النَّسب، وهنَّ بناتُ الأخ والأخت.\nوقولُه تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ ولا خلافَ في حُرْمة الأخت مِن الرَّضاعةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-542>انتشار حُرْمة الرضاع من الأب والأمِّ:</span>\nواتَّفق العلماء في ثبوت مَحْرَميّة الرَّضاع في الأمِّ ومن يُدْلي بها، وأمَّا ثُبُوتُ مَحْرَميّة الرَّضاع للأب ومن يُدْلي بواسطتِه وحده كأب الأب وإخوته وأعمامه وأخواله، فعامَّة السلفِ على ثبوت المحرميَّة للأب ومن في جهتِه كالأُمِّ؛ وبه ثبت الدليل؛ ففي \"الصحيح\"، عن عائشة؛ أنَّ أخا أبي القُعَيس استأذن عليها، فقال النبيُّ - ﷺ -: (ائْذَني لَهُ؛ فإنَّهُ عمُّكِ) (٢).\nوأبو القُعَيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٦٤٤) (٣/ ١٦٩)، ومسلم (١٤٤٥) (٢/ ١٠٧٠).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٧٩٦) (٦/ ١٢٠)، ومسلم (١٤٤٥) (٢/ ١٠٦٩).","vol":"2","page":782},{"text":"روي سالمٌ، عن ابن عمر؛ قال: \"لا بأسَ بلبن الفَحْل\" (١).\nوروى مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن عمرو بن الشَّريدِ؛ قال: سُئل ابنُ عبَّاسٍ عن رجلٍ كانت له امرأتان، فأرضعت إحْدَاهما غُلامًا، وأرضعتِ الأخرى جاريةً، فقيل له: هل يتزوَّج الغلام الجارية؟ فقال: \"لا؛ اللِّقاحُ وَاحِدٌ\" (٢).\nولا مخالف لهم من الصحابة، وأمَّا ما رواه مالكٌ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة؛ أنَّها كان يدْخل عليها مَن أرضَعَتْه أخواتُها وبناتُ أخيها، ولا يدْخُلُ عليها مَن أرضعه نِساءُ إخوتها (٣)، فهذا عملٌ لا رفعٌ للتحريم، وقد يكون حامل ذلك الورع، وقد أدخل النبيُّ - ﷺ - عليها عمَّها من الرَّضاعة؛ فلا يُتصوَّر أن تقول بخلافِه.\nوبه قال عروة والزُّهريُّ وطاوسٌ وعطاءٌ ومجاهدٌ ومكحولٌ والنَّخعيُّ؛ وهو قول الأئمَّة الأربعة؛ لثبوت الدليل في مُشابهة التحريم من جهات الرَّضاع كالتحريم من جهات النَّسبِ؛ لهذه الآية، فتخصيصُ الأمَّهات والأخوات بالذِّكر، لا يُخرج البنات من الرَّضاعة؛ لأنَّهنَّ أولى بالتحريم من الأخوات، ولقوله - ﷺ -: (يحْرُمُ من الرَّضاعة ما يحْرُمُ مِن الوِلادَةِ)؛ مِن حديث عمرَةَ عن عائشة؛ أخرجه الشيخانِ (٤).\nوذهب بعض السلف: إلى أنَّ التحريم لا يكونُ من جهة الرَّجلِ، وهو الأب وأصولُهُ وفروعُهُ وحواشيه؛ وإنما من جهة الأمِّ خاصَّةً وفروعها وحواشيها، ورُوي هذا القول عن ابن المسيَّب وسليمان بن يسارٍ\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٣٩٤٣) (٧/ ٤٧٤).\n(٢) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (٥) (٢/ ٦٠٢).\n(٣) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (٩) (٢/ ٦٠٤).\n(٤) أخرجه البخاري (٢٦٤٦) (٣/ ١٧٠)، ومسلم (١٤٤٤) (٢/ ١٠٦٨).","vol":"2","page":783},{"text":"وأبي سلمة وغيرهم؛ فقد روى محمَّد بن عمرٍو، عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيْطٍ؛ أنَّه قال: سأل سعيد بن المُسيَّب، وعطاء بن يسارٍ، وسليمان بن يسارٍ، وأبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوفٍ، فقالوا: \"إنَّما تحرُمُ من الرَّضاعة ما كان من قبل النِّساء، ولا تحرُمُ ما كان من قبل الرِّجال\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>عددُ الرَّضعات المحرِّمة:</span>\nولا يختلفُ العلماء في أنَّ خمس الرضعات يُحرِّمْنَ؛ وإنَّما الخلافُ فيما دُونهنَّ، فقد اختلف الأئمَّة على أقوالٍ ثلاثةٍ، وهي ثلاث رواياتٍ عن أحمد:\nالقول الأول: يُحرِّم من الرَّضاع قليله وكثيره؛ لعموم الآية وإطلاقها؛ وبهذا القول قال مالكٌ، وعليه مذهبه، والحنفيَّة، وبه قال ابن المسيَّب وعروة وابن شهابٍ.\nالقول الثاني: لا يُحرِّم أقلُّ من ثلاث رضعاتٍ، وتُحرِّمُ الثلاث وما فوقها؛ وذلك لما ثبت في مسلمٍ، عن عائشة؛ أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: (لا تُحَرِّمُ المصَّةُ والمصَّتانِ) (٢).\nومِن حديث أمِّ الفضل؛ قالت: قال رسول اللهِ ﷺ: (لا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ أو الرَّضْعَتان، أوِ المصَّةُ أوِ المصَّتَانِ) (٣).\nوفي لفظٍ آخر لمسلم أيضا: (لا تُحَرِّم الإِمْلاجَةُ والإمْلاجَتَانِ) (٤).\nوقال به إسحاق وأبو عبيدٍ وابن المنذر.\nالقول الثالث: لا يُحرِّمُ من الرَّضاع إلا خمسُ رضعاتٍ فما فوقُ، ولا يُحرِّمُ أقلُّ مِن ذلك؛ وهو قول الشافعيِّ، والصحيحُ في مذهب أحمد؛ وهو قول عائشة وابن مسعودٍ وابن الزُّبير وطاوسٍ وعطاءٍ؛ وذلك\n_________\n(١) \"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٦٢٥).\n(٢) أخرجه مسلم (١٤٥٠) (٢/ ١٠٧٣).\n(٣) أخرجه مسلم (١٤٥١) (٢/ ١٠٧٤).\n(٤) أخرجه مسلم (١٤٥١) (٢/ ١٠٧٤).","vol":"2","page":784},{"text":"لما في مسلمٍ، عن عمرة، عن عائشة - ﵂ -؛ قالتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ: \"عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ يُحَرِّمْنَ\"، ثمَّ نُسِخْنَ بخَمْسٍ مَعْلومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ (١).\nورواهُ عن عائشة عروة وغيرُه.\nوجاء مرفوعًا من حديث عائشة: أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال لسهلة بنت سُهَيلٍ: (أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ) (٢).\nوهذا القول أقوى، والدليل فيه أصرحُ، والدليل إذا جمع بين الناسخ والمنسوخ كان أحكم من غيره وأقوى.\nوتقدَّم في سورة البقرة الكلام على تقييد الرَّضاع بالحَوْلين في قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].\nوقولُه تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾: يحرُمُ على الرجُل بسبب زوجته: أصلها (وهي أمُّها)، وفرعُها (وهي بنتُها)، وتحرُمُ أمُّ الزوجة بمجرَّد العقد على الزوجة ولو لم يدخل بها؛ لعموم الآية وإطلاقها، وأمَّا بنتُها، فلا تحرُمُ عليه حتى يدخل بها؛ لتقييد التحريم بذلك كما يأتي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>تحريم زوجة الولد:</span>\nويحرُمُ على المرأة بمجرَّد العقد عليها: والدُ زوجها وولدُه؛ فالوالدُ لأنها حليلةُ ابنه؛ كما يأتي في الآية، والولد لأنَّها زوجة أبيه؛ كما سبق في الآية.\nوقد روى عبد الرزَّاق، وعنه ابن أبي حاتم، عن معْمرٍ، عن قتادة؛ قال في الرجل يتزوَّج المرأة، ثم يُطلِّقُها قبل أن يراها، قال: \"لا تحِلُّ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٤٥٢) (٢/ ١٠٧٥).\n(٢) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (١٢) (٢/ ٥٠٦)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١٣٨٨٧) (٧/ ٤٦٠)، وأحمد (٢٥٦٥٠) (٦/ ٢٠١).","vol":"2","page":785},{"text":"لأبيه، ولا لابنه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-545>تحريمُ أُمِّ الزوجة:</span>\nونصَّ على تحريم أُمِّ الزوجة ولو لم يدخل ببنتها: جماعةٌ من الصحابة؛ كابن مسعودٍ وابن عمر وعمران بن حُصَينٍ، ومِن التابعين مسروقٌ وطاوسٌ وعِكْرمةُ وقتادةُ وغيرهم.\nوهذا القول هو الأصحُّ والأظهرُ، وفي المسألة قولانِ آخران:\nالأول - وهو القول الثاني في المسألة -: أنَّ الأمَّ لا تحرُمُ إلا بالدُّخُول على بنتها، وحُكْمُها كحُكْم البنت مع أُمِّها: لا تحرُمُ إلا بالدخُولِ على أمِّها، لا بمجرَّد العقد، وقد روى ابن المُنذر، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادةَ، عن عليٍّ: أنَّه جعل أمَّ الزوجة والرَّبيبةَ سواءً؛ لا تحرُمُ واحدةٌ إلَّا بالدخول على الأخرى (٢).\nوقتادةُ لم يَسمع من عليٍّ، ورواهُ حمَّادٌ عن قتادة، وجعل الواسطة خلَّاس بن عمرٍو (٣).\nورُوِيَ هذا القول عن ابن عبَّاسٍ، وخالفه ابن عمر (٤).\nوروي عبدُ الرزَّاق، وعنه ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن الزُّبير: خلاف ذلك، ولا يصحُّ عنه؛ ففي إسناده من لا يُعرفُ، يرويه رجلٌ عنه؛ قال: \"الرَّبِيبَةُ والأمُّ سواءٌ، لا بأسَ بهما إذَا لم يَدْخُلْ بالمرْأةِ\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٠٨٠٧) (٦/ ٢٧٢)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ٩١٤).\n(٢) \"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٦٢٧).\n(٣) \"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٦٢٧). وينظر: \"تفسير الطبري\" (٦/ ٥٥٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩١١).\n(٤) \"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٦٢٨).\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٠٨٣٣) (٦/ ٢٧٨)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ٩١٢).","vol":"2","page":786},{"text":"وروي ابن المُنذِرِ وابنُ جريرٍ، عن عِكْرمة بن خالدٍ، عن مجاهدٍ، قال في قولِه تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ قال: \"أُريدَ بهما الدخول جميعًا\" (١).\nومَن قال بهذا القول جعل الوصف في قولِه: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ على أمهات النِّساء وبناتِ النِّساء، فجعل قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ لما سبقه من الحالتين: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾، فجعلوا التحريم مقيَّدًا بالدخول بالنساء؛ فعلى قولهم هذا لا يحرم الأصل ولا الفرع إلا بالدخول بالمرأة، لا بمجرَّد العقد عليها.\nالقولُ الثاني - وهو القول الثالث في المسألة -: وهو قول زيد بن ثابتٍ؛ وهو التفريق بين سبب مُفارقة البنت قبل الدخول بها؛ إن كان سبب الفرقة وفاتها، لم يَجُزْ له أن ينكح أمِّها؛ لأنَّه يرثُ بنتها إرثَ الزوجيَّة، فالأمُّ تُشاركُهُ في ميراث بنتها، فليس له أن يتزوَّج أمها، وإن كان سبب الفراق طلاقهُ لها قبل دخوله بها، فله الزواج من أُمِّها.\nفقد روى ابن المُنذر، عن ابن المسيَّب، عن زيد بن ثابتٍ؛ قال: فإن تزوَّجَها فتُوفِّيَتْ، فأصاب ميراثها، فليس له أن يتزوَّج أمَّها، وإن طلَّقها، فما شاء فعل؛ يعني: إن شاء تزوَّجها\" (٢).\nوخلاف الصحابة في ذلك معروفٌ؛ فقد قال بالمنع ابن عمر وآخرون، وبالإباحة ابن عبَّاسٍ وآخرون، وتوقَّف في ذلك معاوية؛ فقد روى عبدُ الرزَّاق، وعنه ابن المنذر، عن مُسْلم بن عُوَيْمِرٍ الأجدَع، مِن بكرِ كنانة: \"أنَّ أباه أنكَحَهُ امرأةً بالطَّائِف، قال: فَلَم أجمعها حتَّى تُوُفِّيَ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٥٥٧)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٦٢٧).\n(٢) \"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٦٢٨).","vol":"2","page":787},{"text":"عمِّي عن أُمِّها، وأُمُّها ذَاتُ مَالٍ كثيرٍ، فقال أبي: هل لك في أُمِّها؟ قال: فسألتُ ابن عبَّاسٍ وأخبرتُهُ الخبر، فقال: انكحْ أُمَّها، قال: فسألتُ ابن عُمر، فقال: لا تَنكِحْها، فأخبرتُ أبي ما قال ابن عبَّاسٍ، وما قال ابن عُمر، فكتب إلى مُعاوية، وأخبرهُ في كتابه بما قال ابن عُمر وابن عبَّاسٍ، فكتب مُعاويةُ: إنِّي لا أُحِلُّ مَا حَرَّم الله، ولا أُحَرِّم ما أَحَلَّ الله، وأنت وذاك، والنِّساء كثيرٌ، ولم يَنْهني، ولم يأْذَن لي، وانصرف أبي عن أُمِّها، فلم ينكِحْها\" (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾: قيَّد اللهُ تحريم الرّبائب - وهنَّ بناتُ الأزواج - بالدخول بأمَّهاتهنَّ، فإذا دُخل بأمَّهاتهنَّ، حُرِّمت البناتُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>الجمع بين الأمِّ وبنتها:</span>\nوالجمع بين الأمِّ وبنتها أعظم حُرْمةً من الجمع بين المرأة وعمّتها أو خالتها، وأعظم من الجمع بين الأختين؛ لأنَّ الحقَّ بين الأمِّ وبنتها أعظم من حقوق غيرهنَّ من ذوي الأرحام فيما بينهنَّ، والجمع بين الأمِّ وبنتها داعٍ للقطيعة والفتنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-547>حكم ابنة الطليقة:</span>\nوإذا طلَّق الرجل المرأة، وكانت ابنتها في حَجْره، حَرُمَتْ عليه إلى الأبد بلا خلافٍ، وتحرُمُ عليه كذلك لو كانت في غير حَجْره؛ كأن تكون في حَجْر أبيها بعد طلاق أمِّها، أو كانت في حَجْر عمِّها أو خالها أو غيرهم من ذوي رحمها، وعلى هذا عامَّة السلف، وحُكي اتِّفاقُ الفقهاء عليه؛ خلافًا لداود الظاهريّ، وحُكى في هذا خلافٌ عن عليٍّ في التفريق\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٠٨١٩) (٦/ ٢٧٥)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٦٢٦٩) (٣/ ٤٨٤)، وابن المنذر في \"تفسيره\" (٢/ ٦٢٨).","vol":"2","page":788},{"text":"بين البنت التي تكون في حَجْر الزوج وبين من تكون في حَجْر غيره؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ (١).\nوالصحيحُ: أنَّ الله ذكر الحُجور وأضافها للأزواج بقولِه: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾؛ لأنَّ هذا هو الغالب؛ أنَّ البنت تتبع أُمَّها، والمعاني تُعلَّق بغالب الحال، وكذلك: فإنَّ في ذكر الحُجُور إشارةً إلى ما ينبغي أن تكون عليه الحال، ومن حُسْن العهد والمَعْشر مع الزوجة إكرام بنتها في كنفها ورعايتها معها.\nثمَّ إنَّ أحكام الحرام بيِّنةٌ، وتُناطُ بالأوصافِ والعلل الواضحة المُنضبطة، وتقييد الحُكم بالرَّبيبةِ إذا كانت في الحجر، ورفعُهُ إذا كانت في غيرهِ: لا ينضبِطُ؛ فلا تخلو الأمُّ من تعهُّد بنتها لها في حَجْر زوجها بعد أبيها، وربّما تنقَّلت البنتُ بين حَجْر زوج أمِّها وبين حَجْر أبيها أو كفيلها ووصيِّها من ذوي رحمها؛ فالبقاء في الحجورِ في مِثل هذه الصُّور لا ينضبِطُ؛ فقد تبقى البنتُ يومًا أو أسبوعًا أو شهرًا في حَجْر الزوج، ومثل هذه المدة أو قريبًا منها في حَجْر غيره، وحدُّ القَدْر الذي تكون فيه البنتُ (ربيبةً في الحجر) لا ينضبط، وأحكام التحريم تنضبط بوصفٍ بيِّنٍ؛ كزوجات الآباء، وتقييد تحريم البنات بالدخول على أُمَّهاتِهنَّ، وتحريم الرَّضاع بعددٍ معيَّنٍ وقدرٍ منضبطٍ.\nوتحرُمُ بنتُ الزوجة على زوج أمِّها، ولو وُلدَت البنتُ من رجُلٍ بعد طلاقه لأمِّها؛ لأنَّ علَّة التحريم الدخول بأمِّها.\nوتحريم زوج الأُمِّ على ابنتها شبيهٌ بتحريم زوجة الأب على ابنه، إلا أنَّ الله حرَّم نكاح زوجات الآباء بلا تقييد بالدخول بهنَّ، فيحْرُمْنَ بمجرَّد العقد، وجعل تحريم زوج الأُمِّ علي البنت بشرط الدخول بأمِّها،\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩١٢).","vol":"2","page":789},{"text":"وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ نكاح زوجات الآباء من الأبناء أشدُّ تحريمًا من نكاح أزواج الأمَّهات من البنات.\nوأكَّدَ اللهُ تقييد التحريم بالدخول، وجوازه بغيره في قوله تعالي: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ يعني: من نكاحهنَّ.\nوالدخُول: النِّكاحُ؛ قاله ابنُ عبَّاسٍ؛ رواهُ ابنُ أبي طلحة عنه (١).\nوقال طاوسٌ: الجِماعُ (٢).\nوالمراد بذلك: الدخول والتمكُّن منها، لا حقيقة الجماع، فقد يدخل بالمرأة زوجٌ لا يُريدُ جماعها؛ وإنَّما مُساكنتها ومُعاشرتها؛ لكبر سنٍّ وعجزٍ بمرضٍ ونحوه، فلا يرفع ذلك الحُكْم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>تحريم زوجة الولد:</span>\nوقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾؛ يعني: من المُحرَّمات؛ فتحرُمُ زوجة الابن بمجرَّد العقد عليها ولو لم يدخُل بها؛ لإطلاق التحريم في الآية، ولسبق التحريم المقيَّد للرَّبائب عند الدخول بأمَّهاتهنَّ فقط، ولو كان ما يتلوها مقيَّدًا مثلَها، لتأخَّر التقييدُ ليشمل الحُكْمَينِ جميعًا.\nوتحرُمُ الربائب - وهنَّ بناتُ الزوجات، وإن نزَلن - على أزواج أمَّهاتهنَّ، وإن عَلَوْا وعلوْن.\nروى ابن المُنذر، عن قتادة؛ قال: \"بنتُ الربيبة وبنتُ ابنتها لا تصلُحُ وإن كان أسفل بطونٍ كثيرةٍ\" (٣).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٥٥٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩١٢).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩١٢).\n(٣) \"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٦٣٠).","vol":"2","page":790},{"text":"ورواه قتادة عن أبي العالية؛ قال: \"وإن كان أسفل بسبعين بطنًا، لا تصلُحُ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-549>تحريم زوجة الأب:</span>\nوتحريم زوجة الأب على ابنه أعظم مِن تحريم زوج الأُمِّ على ابنتها؛ لأنَّ الله حرَّم زوجة الأب بلا قيدٍ ولا شرطٍ، وحرَّم زوجَ الأمِّ على ابنتها بقيد الدخول بأمِّها، والمُحرَّمُ بلا قيدٍ أقوى من المُحرَّمِ بقيدٍ؛ لأنَّ المُحرَّم بلا قيدٍ لا مدخل لحلِّه، أمَّا المُحرَّمُ بقيدٍ فيحِلُّ بزوال قيده، وهذه قاعدةٌ في المُحرَّمات كلِّها؛ في النِّكاح، والطعام، واللِّباس، وغيرها.\nوفي قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾؛ يعني: ما يحِلُّ لهنَّ من النِّساء، والمرأة تحِلُّ بمجرَّد العقد عليها، لا بالدخول والتمكين منه.\nورُوِيَ أن سبب نزول هذه الآية زواج النبيِّ - ﷺ - مِن امرأة زيدٍ، فقال المشركون بمكَّة بذلك وعابوه؛ فأنزل اللهُ قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾؛ رواه ابن أبي حاتمٍ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ، مرسلًا (٢).\nوالمُحرَّمُ نكاحُ حلائل الأبناء وإن نزلوا، تحرُمُ على الآباء وإن علوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>الجمع بين الأختين:</span>\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾: وهذا من المُحرَّماتِ لسببٍ، والسبب عارضٌ؛ فكلُّ أختين حلالٌ على غير المُحرَّم منهما مُفرَّقاتٍ لا مُجتمعاتٍ، وإذا طلَّق واحدةً، جاز له نكاح أختها مِن بعدها.\n_________\n(١) \"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٦٣١).\n(٢) \"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٦٣١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩١٣).","vol":"2","page":791},{"text":"ومثل ذلك المرأة وعمَّتها، والمرأة وخالتها: يحرم الجمع بينهما بالاتِّفاق؛ حكاه الشافعيُّ وغيره، ويجوز الانفرادُ بالواحدة منهنَّ ثمَّ الانفراد بالأخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>الجمع بين الأختين الأمتَيْنِ:</span>\nواختلف العلماء في الجمع بين الأختين الأمتين بالوطء على قولين:\nالقول الأول: التحريم؛ وهو قول جمهور الفقهاء، وبه قضى عليٌّ والزبير وابن مسعودٍ.\nوقد روى مالكٌ في \"الموطَّأ\"، عَنْ قَبِيصَةَ بنِ ذُؤَيْبٍ؛ أنَّ رَجُلًا سألَ عُثمانَ بنَ عفَّانَ: عن الأُخْتَيْنِ مِن مِلكِ اليَمينِ: هل يُجْمَعُ بينهُما؟ فَقالَ عُثْمَانُ: أحَلَّتْهُما آيَةٌ، وَحَرَّمَتهُما آيةٌ، وَمَا كُنتُ لأصْنَعَ ذلك، فخرج من عندِه، فلقيَ رَجُلًا مِن أصْحَاب النبيِّ - ﷺ -، فسألهُ عَنْ ذلك، فَقَال: لوْ كانَ إليَّ مِنَ الأَمْر شَيءٌ، ثمَّ وجدتُ أحدًا فعل ذلك، لجَعلتُهُ نكالًا.\nقال مالكٌ: قال ابن شهابٍ: أُراهُ عليَّ بن أبي طالبٍ؛ قال: وبلغني عَنِ الزُّبير بنِ العوَّام مثلُ ذلك\" (١).\nوروى ابن أبي حاتمٍ، عن عبد الله بن أبي عُتْبَة، عن ابن مسْعُودٍ: \"أنَّهُ سُئِلَ عن الرَّجُلِ يجمع بين الأختين الأمَتَين، فكرهه، فقال: يقول اللهُ تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]؟ فقال له ابن مسْعُودٍ: بعيرُكَ أيضًا ممَّا ملكت يمينُك! \" (٢).\nوروى مَسْروقٌ: قال ابن مسعودٍ: يحرُمُ من الإماء ما يحرُمُ من الحرائر إلا العَدَد\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (٣٤، ٣٥) (٢/ ٥٣٨، ٥٣٩).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩١٤).\n(٣) \"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٦٣٣).","vol":"2","page":792},{"text":"وهذا هو الأظهر، فالله حرَّم الجمع بين المرأة وعمَّتها أو خالتها، والجمع بين الأختين بلا قيدٍ، ويؤخذ ذلك على إطلاقه؛ فاللهُ حرَّم الجمع لحِكَمٍ وعلَلٍ؛ منها القطيعة؛ لأنَّهنَّ ضَرَّاتٌ، ويقع هذا في وطء النِّكاح ووطء التَّسرِّي.\nوحِلُّ مِلْكِ اليمين لا يلزم منه حِلُّ الوطء؛ كمِلْكِ يمين الأَمَةِ المُشركةِ والمُبَعَّضَة، لا يجوز وطؤها، والمملوكة قبل استبرائها.\nالقول الثاني: الجواز؛ وهو قول ابن عبَّاسٍ؛ حكاه عمرو بن دينارٍ عنه؛ أخرجهُ ابن المُنذر، عن حمَّادٍ، عن عمرٍو، به (١).\nوالنهيُ في الجمع بين الأختين والجمع بين المرأة وعمَّتها أو خالتها من النَّسب بلا خلافٍ، وأمَّا الجمع بين الأختين والجمع بين المرأة وعمَّتها أو خالتها من الرضاع، فقد حكى الإجماع فيه غير واحد؛ وهو قول الأئمَّة الأربعة، وخالف في ذلك بعض الأئمة؛ كابن تيمية.\nويحرُمُ الجمعُ بالوطءِ بين المرأة وعمَّتها والمرأة وخالتها من الإماء، والحُكْمُ في ذلك كالحُكْم في الجمع بين الأختين، والجمع بين الأختين أغلظُ، وأغلظُ من ذلك الجمعُ بالوطءِ بينَ الأُمِّ وبنتِها من الإماءِ.\nوقد قال تعالى في آخر آية المُحرَّمات من النِّساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ غفورًا لما سلف من مُخالفة أمره قبل العلم به في الجاهليَّة، رحيمًا بهم في تشريعه وحُكْمه وإنْ خَفِيَتْ على العباد عِلَّتُه.\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٦٣٢).","vol":"2","page":793},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٢٤].\nالإحصان يُطلق في القرآن على معانٍ:\nمنها: إحصان النِّكاح والزواجِ؛ فالمتزوِّج من الرجال والنساء يُسمَّى مُحْصَنًا.\nومن معاني الإحصان: إحصانُ عفافٍ وبُعدٍ عن الفاحشة، ومن هذا قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]؛ يعني: العفيفات، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [الأنبياء: ٩١]؛ يعني: أعفَّتْهُ وعَصَمَتْه من الحرام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]؛ يعني: العفيفات البعيدات عن الفاحشة.\nومن معاني الإحصان: الحرية، وأُلحِق وصفُ الإحصان بالحرائر؛ لغلبة العفاف عليهنَّ بخلاف الجوَاري؛ ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، وفرقٌ بين وصف الإيمان، ووصف الإحصان.\nومثله قوله تعالي في المائدة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [٥]، فسَّر ابن عبَّاسٍ الإحصان بالحرية (١).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ١٣٩).","vol":"2","page":794},{"text":"ومن مَعاني الإحصان: الإسلام؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، فسَّرَ الإحصان بالإسلام: ابن مسعودٍ والشَّعْبيُّ والحَسَنُ والنخعيُّ والسُّدِّيُّ (١) والشافعيُّ (٢).\nواختلف كلام المفسِّرين في المراد بالمُحْصَنات في هذه الآية:\nوأكثر السلف على أنَّ المراد بالمحصنات هنا هُنَّ النساء اللاتي في عِصْمة أزواجٍ؛ فهنَّ من المُحرَّمات أن يُعقَد عليهنَّ، واسْتثنى الله المملوكاتِ المسْبيَّات، ولو كُنَّ في عِصْمة زوجٍ مُشركٍ، فيبطل نكاحُها بسَبْيِها ومِلْكِها؛ روي ابن جريرٍ، عن عليِّ بن أبي طلحَة، عن ابن عبَّاسٍ، في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ يقول: \"كلُّ امرأةٍ لها زوجٌ، فهي عليك حرامٌ، إلَّا أمةً ملَكْتها ولها زوجٌ بأرضِ الحربِ، فهي لك حلالٌ إذا اسْتبرأتها\" (٣).\nورواهُ سعيدُ بنُ جُبيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ (٤).\nوقاله أبو قلابة ومكحولٌ وابن زيد وغيرُهم (٥).\nوهذا قول جمهور العلماءِ، وقيَّد أبو حنيفة وأحمدُ فَسْخ المسْبيَّةِ مِن زوجها المشرك إذا سُبِيَت وحدها دُونهُ؛ سواءٌ كان سبيُها قبلَهُ أو بعدَهُ.\nوقيل: إنَّ المراد بالمُحْصَنات في الآية: العفيفاتُ؛ وبهذا قال\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٦٠٩ - ٦١١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٢٣).\n(٢) \"تفسير القرطبي\" (٦/ ٢٣٧)، و\"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٢٦١).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٥٦٢)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٦٣٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩١٦).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٥٦٢)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٦٣٦).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٥٦٣).","vol":"2","page":795},{"text":"أبو العاليةِ وطاوسٌ وغيرُهما (١)، ومعنى ذلك على هذا القول: أنَّ الله حرَّم العفيفات إلّا بعقد نكاحٍ ووليٍّ وشهودٍ ومهْرٍ، ويحرم ما زاد عن أربعٍ منهنَّ.\nوالقولُ الأولُ أصحُّ، والقول الثاني يعضُدُ أنَّ المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]؛ أي: ما وطئها الأبُ بعقدٍ ونكاحٍ، لا بِزنًى وسِفاحٍ، وأنَّ الموطوءة بسِفاحٍ من الأب لا تحرُمُ على الابنِ.\nوالأرجحُ: أنَّ المراد بالمُحْصَنات في هذه الآية: النساء المتزوجاتُ؛ فقد نزلت الآية في سبي أوطاسٍ؛ حيث سُبين وهنَّ تحت أزواجٍ، فتحرَّج الصحابة من ذلك - ﵃ -، فأنزل اللهُ هذه الآية؛ كما روى أحمد ومسلمٌ في \"صحيحه\"؛ من حديث أبي سعيدٍ الخُدْريِّ؛ قال: \"أصَبْنَا نساءً من سَبْيِ أوطاسٍ، ولهنَّ أزواجٌ، فكرهنا أن نَقَعَ عليهنَّ ولهنَّ أزواجٌ، فسألنا النبيَّ - ﷺ -، فنزلَتْ هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، فاسْتَحْلَلْنا بها فُرُوجَهُنَّ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-552>اعتبارُ بَيْعِ الأمة طلاقًا:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: أخذ بعض السلف منه: أنَّ بيع الأمة طلاقٌ لها من زوجها؛ لأنَّ الله ذكر حِلَّها لمالكها بمجرَّد مِلْكِها، ولازم ذلك: أنَّ بيعها فسخٌ أو طلاقٌ، وقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:\nالقولُ الأولُ: أنَّ البيعَ طلاقٌ؛ وبهذا قال ابنُ مسعودٍ، كما رواهُ النخَعيُّ؛ وقد سُئِلَ: الأمَةُ تُباعُ ولها زوجٌ؟ قال: كان عبدُ اللهِ يقولُ:\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٥٦٨ - ٥٦٩)، و\"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٢٥٨).\n(٢) أخرجه أحمد (١١٦٩١) (٣/ ٧٢)، ومسلم (١٤٥٦) (٢/ ١٠٧٩).","vol":"2","page":796},{"text":"بيعُها طلاقُها، وتلا هذه الآيةَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١).\nوروايةُ النخَعيِّ عن ابنِ مسعودٍ محمولةٌ على الاتِّصالِ ولو كانتْ متقطِعةً؛ فإنَّه يَروي عن جماعةٍ عن ابنِ مسعودٍ.\nوبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ وأُبَيٌّ وجابرٌ؛ رواهُ عنهم قتادةُ (٢).\nورواهُ عن ابنِ عبَّاسٍ عِكْرِمةُ (٣).\nوبه قال ابن المسيَّبِ والحسنُ وغيرُهم (٤).\nوهو روايةٌ عن مالكٍ.\nالقولُ الثاني: قالوا: إنَّ البيعَ ليس بطلاقٍ حتى تُطلَّقَ مِن زوجِها، حرًّا كان أو عبدًا، وإنَّ الآيةَ خاصَّةٌ بمَن سُبِيَتْ، وهي تحتَ كافرٍ، وهذا سَبْيٌ وليس بيعًا، وإنَّ الزواجَ مِن الأَمَةِ قد يكونُ لغيرِ مالِكِها، فيُسقِطُ مالكُها منفعَتَهُ ببُضْعِها ويُزوِّجُها غيرَهُ لحرٍّ أو عبدٍ، فبائعُها لا يَملِكُ فَرْجَها وكذلك مُشترِيها، والمُشترِي في ذلك كالبائعِ.\nوبهذا قال جمهورُ الفقهاء، واحتَجُّوا بحديثِ بَرِيرَةَ؛ حيثُ اشتَرَتْها عائشةُ وهي في عِصْمةِ زَوْجِها مُغِيثٍ، وهو عبدٌ، حيثُ أنجَزَتْ ثَمَنَها وأعتَقَتْها، وبَقِيَتْ في عِصْمةِ مُغيثٍ زوجِها قبلَ بيعِها، وخُيِّرَتْ بينَ البقاءِ أو تركِه، فاختارتْ تَرْكَهُ، والحديثُ في \"الصحيحَينِ\" (٥).\nوهذا قولُ جمهورِ الفقهاءِ؛ كأبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ، ورُوِيَ هذا عن عمرَ وعثمانَ وعليٍّ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٥٦٥).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٥٦٦).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٥٦٧).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٥٦٦)، و\" تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٦٣٧).\n(٥) أخرجه البخاري (٥٠٩٧) (٧/ ٨)، ومسلم (١٥٠٤) (٢/ ١١٤٣).","vol":"2","page":797},{"text":"ثمَّ قال تعالى ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾؛ أيْ: أحَلَّ الله لكم غيرَ ما ذُكِرَ، وما كَتَبَ عليكم تحريمَهُ.\nوبقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ توقَّفَ بعضُ الصحابةِ والتابِعينَ في تحريمِ الجمعِ بينَ الأُختَيْنِ الأَمَتَيْنِ بالوطءِ، وقالُوا: \"أحَلَّتْهُما آيةٌ\" يَعْنُونَ هذه الآيةَ، \"وحرَّمَتْهُما آيةٌ\"؛ يعني: الآيةَ السابقةَ في قولِه تعالى منها: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣].\nوتقدَّمَ الكلامُ على ذلك.\nوفي الآيةِ: جوازُ نِكاح النِّساءِ ولو تبايَنَتْ أعمارُ الزوجَيْنِ؛ فيجوزُ أنْ يتزوَّجَ الكبيرُ الصغيرةَ، وأنْ يتزوَّجَ الصغيرُ الكبيرةَ؛ فاللهُ فَضَّلَ الحرامَ، وأجمَلَ الحلالَ، وكلُّ ما لم يُفَصِّلْهُ اللهُ ويحرِّمه، فهو مِن الحلال، وفي الآيةِ حِلُّ نِكاحِ المَوَالِي مِن الحرائر، والأحرارِ مِن الإماء، وأنَّ الناسَ يَسْتَوُونَ في بابِ النِّكاحِ في النَّسَبِ؛ إذْ لا اعتبارَ بتفاوُتِ الأَنْسَابِ والأَحْسَابِ في صِحَّةِ النِّكاح، وإنْ كانَتِ المَفاسِدُ تَلْحَقُ الزوجَ أو الزوجةَ وأهلَهما مِن ذلك، فيُنهى عن ذلك، ولا يُحرَّمُ لِذَاتِه.\nوقولُه تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ فيه إشارةٌ إلى القُدْرةِ الماليَّةِ في الرجُل، وأنْ يكونَ مُرِيدًا للإحْصَانِ والعَفافِ له أو لزَوْجِهِ.\nوفي هذا وفي قولِه تعالى بعدَ ذلك: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ دليلٌ على وجوبِ المهرِ في النِّكَاح، وتقدَّمَ الكلامُ على المهرِ وأحكامِهِفدي سورةِ البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [٢٣٧]، وفي أولِ سُورةِ النِّساءِ عندَ قولِه تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [١].","vol":"2","page":798},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-553>نكاحُ المُتْعةِ:</span>\nوفي الآيةِ: إشارةٌ إلى مُتْعةِ النِّساءِ قبلَ النسخِ في قولِه تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنّ أُجُورَهُنَّ﴾، وكان ابنُ عبَّاسٍ وأُبَيٌّ يَقرَأانِ: \"فَمَا اسْتمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أجَلٍ مسمَّى\" (١).\nوعامَّةُ السلفِ والأئمَّةِ على نسحِ نِكاحِ المُتْعةِ وتحريمِهِ؛ وإنَّما اختلَفُوا في عَدَدِ مَرَّاتِ حِلِّهِ ونَسْخِهِ:\nفمنهم مَن قال: إنَّ اللهَ أحَلَّهُ ثمَّ حرَّمَهُ ثمَّ نسَخَ التحريمَ فأحَلَّه ثمَّ نسَخَه إلى التحريم، وكان ختامُ الأمرِ النسخَ؛ وهذا قولُ الشافعيِّ.\nومنهم مَن قال: إنَّ اللهَ حرَّمَهُ مرةً واحدةً، ولم يُحرَّمْ غيرَها، وبَقِيَ التحريمُ على ذلك.\nولابنِ عبَّاسٍ قولٌ بحِلِّ نِكاح المتعةِ للحاجَة، ورُوِيَ عن أحمدَ للضرورة، ولا شَكَّ أنَّه دونَ الزِّنى؛ لأنَّ اللهَ لا يُحِلُّ الزِّنى، وقد أَحَلَّ اللهُ المتعةَ، ثمَّ حرَّمَها، والتحريمُ مقطوعٌ به مستفيضٌ في السُّنَّةِ؛ ومِن ذلك ما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ قال: \"نَهَى رسولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ نِكَاحِ المُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ\" (٢).\nومِن ذلك: ما في مسلمٍ؛ مِن حديثِ الربيعِ بنِ سَبْرَةَ بنِ مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ، عن أبيه؛ أنَّه غَزَا مع رسولِ اللهِ - ﷺ - يومَ فتحِ مكةَ، فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الاسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاء، وَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ، فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ، وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيْئًا) (٣).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٥٨٧ - ٥٨٨).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٢١٦) (٥/ ١٣٥)، ومسلم (١٤٠٧) (٢/ ١٠٢٧).\n(٣) أخرجه مسلم (١٤٠٦) (٢/ ١٠٢٥).","vol":"2","page":799},{"text":"وفي روايةٍ عندَ أبي داودَ: أنَّ ذلك كاد في حَجَّةِ الوداعِ (١)؛ وهي روايةٌ شاذَّةٌ.\nوفي مسلمٍ؛ مِن حديثِ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ: \"رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَامَ أَوْطَاسٍ فِي المُتْعَةِ ثَلَاثًا، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا\" (٢)\nوعامُ أَوْطَاسٍ وفتحِ مكةَ واحدٌ.\nورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسِ روايةٌ بالتحريم، وروايةُ الجوازِ أصحُّ عنه وأشهَرُ.\nوقولُه تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾.\nعلى قولِ مَن قال: إنَّ الآيةَ نَزَلَتْ في نِكاحِ المُتْعة، والمتعةُ هي النكاحُ إلى أجَلٍ بيِّنِ مشروطٍ، فمعنى الآيةِ: لا حَرَجَ عليكم مِن الزيادةِ على ذلك الأجَلِ المُسمَّى بإضافةِ أجَلٍ جديدٍ قبلَ أنْ يَحِلَّ الأجَلُ الأَولُ، فإذا حَلَّ، مَلَكَتْ نفسَها مِن زوجِها.\nوقال ابنُ عبَّاسٍ في التراضِي بالآيةِ بعدَ الفريضةِ: أنْ يُوَفِّيَها مهرَها ثمَّ يُخيِّرَها بينَ البقاءِ عندَهُ وبينَ مفارقتِهِ إحسانًا ومعروفًا منه، وهو صحيحٌ عنه؛ رواهُ عليُّ بنُ أبي طلحةَ عنه؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ وغيرُهُ (٣).\nوختمُ اللهِ لِمَا سَبَقَ بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ إشارةٌ إلى أنَّ اللهَ لا يَقْضِي لعِبادِهِ إلا الحقَّ والخيرَ ممَّا يُصْلِحُهُمْ، فيَحْكُمُ بعِلْمٍ ويَقضي برَحْمةٍ؛ فإنَّ مِن القضاءِ وحُكْمِ اللهِ ما لا تَظهَرُ حِكْمَتُهُ وعِلَّتُهُ لبعضِ الناسِ؛ فوَكَلَ اللهُ ذلك لعِلْمِهِ الواسعِ الذي لا يُحِيطُ له أحدٌ،\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢٠٧٢) (٢/ ٢٢٦).\n(٢) أخرجه مسلم (١٤٠٥) (٢/ ١٠٢٣).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٥٩١)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٦٤٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٢٠).","vol":"2","page":800},{"text":"والواجبُ التسليمُ والرِّضَا والانقيِادُ ولو قَصَرَتِ الأفهامُ عن المقاصِد، وهذه مرتبةُ أهلِ اليقينِ والصِّدْقِ مِن المؤمنينَ لا يَمنَعُهم خفاءُ لعِللِ عن التسليمِ والرِّضَا.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النساء: ٢٥].\nبعدَما ذكَرَ اللهُ في الآياتِ السابقاتِ ما يَحرُمُ وما يَحِلُّ مِن النِّساءِ الحرائرِ والإماءِ، ذكَرَ التفاضُلَ بينَ نِكاحِ الحرائرِ والإماءِ وأنَّ الأَوْلى نكاحُ الحرائرِ مِن الحُرِّ، وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾؛ يعني: قدرةً ماليَّةً تجعَلُهُ يتمكَّنُ مِن نِكاحِ الحرائرِ.\nوفي هذا: استحبابُ اختبارِ الزوجاتِ وتحرِّي الأعراقِ والأحسابِ الشريفةِ لنجابةِ الولدِ ونَسَبِه، وأعظَمُ ذلك حَسَبُ الدِّينِ وشرفُه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-554>الوليُّ في نكاحِ الإماءِ:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنّ﴾ فيه دلالةٌ على وجوبِ الوليِّ في النِّكاحِ حتى للإماء، ووليُّ الأَمَةِ سيِّدُها ولو كان أبوها وأخوها حيًّا معلومًا، ولو كان حرًّا؛ فهو يَمْلِكُ أَمْرَه، لا يَملِكُ أَمْرَ غيرِه.\nوالسيِّدُ وليُّ العبد، لا يَنكِحُ إلا بإذنِ سيِّدِهِ كالأمَةِ؛ وفي الحديثِ","vol":"2","page":801},{"text":"قال - ﷺ -: (أَيُّمَا عَنْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيه، فَهُوَ عَاهِرٌ) (١)، وإنْ كانتْ سيِّدةُ الأَمَةِ امرأةً، لا تُزَوِّجُها؛ لأنَّ المرأةَ لا تتولَّى في النِّكاحِ؛ لما في الحديثِ: (لَا تُزَوَّجُ المَرْأَةُ المَرْأَةَ، وَلَا تُزَوِّجُ المَرْأَةُ نَفْسَهَا؛ فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>إذنُ السيِّد لزواجِ اليتيمة:</span>\nولا خلافَ عندَ العلماءِ أنَّ الأَمَةَ لا تَتزوَّجُ إلا بإذنِ سيِّدِها؛ حتى لا يكونَ ذلك ذريعةً للزِّنى؛ لكثرةِ خروجِ الإماءِ ودخولِهِنَّ في خِدْمةِ أهلِهِنَّ، والعبدُ كالأَمَةِ إذنُهُ بيدِ سيِّدِه؛ لأنَّ نِكاحَهُ يَقتضي انشغالَهُ وحقَّ زوجِهِ عليه، وهذا يُفَوِّتُ حقَّ سيِّدِه، وهو أعظَمُ وآكَدُ؛ وهذا بلا خلافٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>حكمُ الزواجِ من الأمةِ:</span>\nوإنَّما اختلَفَ العلماءُ في أمرَيْنِ مِن نِكاحِ الإماء في الآية:\nالأولُ: عدمُ الاستطاعةِ على نِكاحِ الحُرَّة: هل هو شرطٌ واجبٌ في نِكاحِ الإماءِ؟\nالثاني: خوفُ العَنَتِ والزِّنى عندَ عدمِ نِكاحِ الأَمَةِ: هل هو شرطٌ في جوازِ نِكاحِها؟\nوهذان الأمرانِ شرطانِ عندَ الجمهورِ في جوازِ نِكاحِ الأَمَة، ورُوِيَ ذلك عن الأئمَّةِ الأربعة، وبه قال عليٌّ وابنُ عبَّاسِ وجابرٌ وعطاءٌ والزهريُّ.\nورُوِيَ عن بعضِ السلفِ ويعضِ أهلِ الرأيِ: جوازُ ذلك مع الكراهة، وأنَّ الشروطَ في نِكاحِ الأَمَةِ في الآيةِ كشرطِ العَدْلِ في التعدُّدِ؛\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٤٢١٢) (٣/ ٣٠١)، وأبو داود (٢٠٧٨) (٢/ ٢٢٨)، والترمذي (١١١١) (٣/ ٤١١).\n(٢) أخرجه ابن ماجه (١٨٨٢) (١/ ٦٠٦).","vol":"2","page":802},{"text":"كما قي قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]؛ فالنِّكاحُ جائزٌ، ويأثَمُ على عدمِ عدلِهِ وظُلْمِهِ لأزواجِه، وجمهورُ العلماءِ على جوازِ التعدُّدِ وإنْ خافَ عدمَ العدل، خلافًا لأبي حنيفةَ، فقد منَعَ مِن التعدُّدِ عندَ خوفِ عدمِ العدلِ.\nوالتفريقُ بين ابتداءِ النِّكاحِ وبينَ ديمومتِهِ هو الأَلْيَق والأَنْسَبُ لإحكامِ الشريعةِ وعدلِها؛ فأصلُ التعدُّدِ في النِّكاحِ مشروعٌ؛ لا يحرُمُ لمجرَّدِ خشيةِ عدمِ العدلِ والخوفِ منه، وإذا عدَّدَ ولم يَعدِلْ، فلا يخلُو مِن حالَيْنِ:\nالأُولى: إنْ خَشِيَ الزِّنى والعَنَتَ بطلاقِه، أَبْقاها واجتَهَدَ بالعدل، ويأثَمُ على ظُلمِه، ويُعذَرُ بنكاحِهِ خوفَ الزِّنى.\nالثانيةُ: إنْ لم يَخْشَ الزِّنى، فيحرُمُ عليه إبقاءُ الزوجةِ مع ظُلْمِها.\nفعدمُ الطَّوْلِ وخوفُ العَنَتِ ليسَا شرطًا في نكاحِ الإماء، فمَن تزوَّجَ أَمَةً، ثمَّ قَدَرَ على الزواجِ بحُرَّةٍ، لا يجبُ عليه طلاقُ الأَمَةِ بعدَ ذلك؛ وبهذا قال عطاءٌ والشافعيُّ، وهو قولُ أصحابِ أبي حنيفةَ وأحمدَ.\nوقيل: بفسخِ نِكاحِ الأَمَةِ بمجرَّدِ القدرةِ على نِكاحِ الحُرَّةِ؛ وبه قال مسروقٌ والنخَعيُّ.\nوقال أحمدُ ومالكٌ وغيرُهما: إنَّ الحرةَ تخيَّرُ بينَ البقاءِ والطلاقِ؛ إنْ لم تَعلَمْ بالأَمَةِ التي مع زوجِها قَبلَها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-557>نكاحُ الأمةِ غير المؤمنةِ:</span>\nوقولُه تعالى، ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أخَذَ منه بعضُ السلفِ عدمَ جوازِ نِكاحِ الأَمَةِ غيرِ المؤمنة، وإنْ جازَ وَطْؤُها بلا نكاحٍ تَسَرِّيًا، وهو قولُ الزُّهْريِّ والأوزاعيِّ، وبه أخَذَ مالكٌ والشافعيُّ، خلافًا لأبي حنيفةَ وجماعهِ أهلِ الرأيِ؛ لعدمِ اعتدادِهم بدَلَالةِ الخِطَابِ.","vol":"2","page":803},{"text":"ويدُلُّ على ذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]؛ فسَّرَ ابنُ عبَّاسِ وابنُ عُمَرَ الإحصانَ: بالحُرِّيَّةِ.\nوالقياسُ عندَ أبي حنيفةَ: أنَّ مَن قَدَرَ على حُرَّةٍ كتابيَّةٍ، لم يَجُزْ له نِكاحُ أَمَةٍ كتابيَّةٍ؛ لأنَّه لا يخافُ العَنَتَ بنِكاحِ الكتابيَّةِ الحرةِ؛ وهذا قياسًا على الحرةِ مع الأَمَةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>مهرُ زواجِ الأَمَةِ:</span>\nويجبُ للأَمَةِ مهرُها في زواجِها بما يُعرَفُ عندَ الناس، فلا تُبخَسُ لكونِها أمَةً، لقوله تعالي: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وظاهرُ الآيةِ: أنَّ الصَّدَاقَ للأَمَة، لا لسيِّدِها؛ وبه قال مالكٌ، خلافًا للجمهورِ؛ لأنَّ الأَمَةَ لسيِّدِها، وإنْ مَلَكَتْ بعملٍ أو إجارةٍ أو حِرْفةٍ، فهو لسيِّدِها؛ لأنَّه يَملِكُها ومالَها، وألحَقُوا المهرَ بغيرِه مِن المالِ والمنافعِ.\nوقولُه تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾: اختُلِفَ في المرادِ بالإحصانِ؛ فابنُ مسعودٍ يرَى أنَّه الإسلامُ (١)، وابنُ عبَّاسِ يرَى أنَّه النِّكاحُ (٢)، وبقولِ ابنِ مسعودٍ قال جماعةٌ، كالشَّعْبيِّ والحسنِ والنخَعيِّ والسُّدِّيُ والأعمشِ والشافعيِّ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-559>العقوبةُ على زنى الأَمَةِ:</span>\nوعامَّةُ العلماءِ على أنَّ الأَمَةَ لا رَجْمَ عليها حتى تتزوِّجَ بعدَ حُرِّيَّتِها، ولو تزوَّجَتْ وهي أَمَةٌ، ثمَّ أُعتِقتْ، لم يُعْتَدَّ بزواجِها حالَ رِقِّها إلَّا إنِ استمَرَّتْ عليه وهي حُرَّةٌ؛ لأنَّ العقوبةَ تكونُ على الزِّنى، والزِّنى لا بدَّ أنْ يَسْبِقَهُ إحصانٌ وحريَّةٌ، والرجمُ لا يُنَصَّفُ؛ فاللَّهُ يقول: ﴿فَعَلَيْهِنَّ\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٦١١).\n(٣) سبق تخريجه.","vol":"2","page":804},{"text":"نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾؛ فدَلَّ على أنَّ العقوبةَ محصورةٌ بما يُنصَّفُ، وهو الجَلْدُ، خلافًا لأبي ثَوْرٍ، فقد قال بأنَّ الأَمَةَ المُحصَنةَ تُرجَمُ.\nولا خلافَ عندَ العلماءِ: أنَّ جَلْدَها لا يَزِيدُ على الخمسينَ؛ لأنَّه الحَدُّ المنصوصُ عليه في سورةِ النورِ للحُرَّةِ؛ كلما سيأتي.\nوالسُّنَّةُ لم تُفرِّقْ بينَ الأَمَةِ المتزوِّجةِ وغيرِها في الزِّنى؛ فنصَّتْ على عقوبةٍ واحدةٍ ولو تكرَّرَ الزِّنى، مِن غيرِ تفصيلٍ في الحالِ؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال: قال - ﷺ -: (إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ، فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ئُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَبِعْهَا، وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ) (١).\nوعقوبةُ الزِّنى على الأَمَةِ حدٌّ، لا تعزيرٌ؛ لقولِه: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ عندَ عامَّةِ السلفِ؛ وإنَّما الخلافُ عندَهم في حدِّ الأَمَةِ: هل يجبُ ذلك بعدَ زواجِها أو لا فرقَ بينَ المتزوِّجةِ وغيرِ المتزوِّجةِ مِن الإماءِ؟:\nفمَن فسَّر الإحصانَ بالنِّكاحِ في الآيةِ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، فرَّقَ بينَ المتزوِّجةِ وغيرِها، وجعَلَ الحَدَّ على المتزوِّجةِ فحَسْبُ، وعلى غيرِها التعزيرَ والتأديبَ والزجرَ والتثريبَ؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ كما سبَقَ، وبه قال طاوسٌ وغيرُه.\nوالأظهَرُ: وجوبُ الحدِّ مطلقًا؛ ففي\" الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ، وزيدِ بنِ خالدٍ\" أنَّ النبيَّ - ﷺ - سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٢٣٤) (٣/ ٨٣)، ومسلم (١١٧٠٣) (٣/ ١٣٢٨).","vol":"2","page":805},{"text":"تُحْصِنْ؟ قَالَ: (إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ) (١).\nوهو قولُ الأئمَّةِ الأربعة، وعندَهم يُقاسُ العبدُ على الأَمَةِ؛ خلافًا لأهلِ الظاهرِ.\nوقولُه لعالى بعدَ ذِكْرِ عقوبةِ الحدِّ: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ذلك لأنَّ الآيةَ لدفعِ مُوَاقَعَةِ الذنبِ؛ ببيانِ الأحكامِ وسَنِّ الحدود، وإنْ لم تَضْبِطْهُ الحدودُ وتجاوَزَ الأحكامَ، فبابُ التوبةِ مفتوحٌ له؛ فاللهُ غفورٌ للمذنِبِ المتجاوِز، رحيمٌ به.\nوفي الآيةِ: ذِكرٌ لغُفرانِ اللهِ ورحمتِه بعدَ حدِّ الزِّنى للأَمَةِ؛ إشارةً إلى أنَّ الحدودَ كفَّارةٌ لأصحابِها، ولو لم يكنْ في ذلك توبةٌ خاصَّةٌ بذاتِ الذنب؛ لأنَّ اللهَ لا يَجْمَعُ على عبدِه عقوبتَيْنِ؛ ففي \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ عُبَادَةَ؛ قال - ﷺ -: (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَأُخِذَ بِهِ فِي الدُّنْيَا، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَطَهُورٌ) (٢).\nوقيل: بأنَّ الحدودَ لا تُكفِّرُ الذنبَ حتى يُتابَ منه؛ استدلالًا بما رُوِيَ مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (مَا أَدْرِي الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ لأَهْلِهَا أَمْ لَا!) (٣)، وهو حديثٌ مُنكَرٌ أَعَلَّهُ البخاريُّ؛ حيثُ أخرَجَ خلافَهُ؛ بل قال: لا يَثْبُتُ.\nوالصوابُ فيه الإرسالُ مِن مُرسَلِ الزهريِّ (٤).\n* * *\n\n(١) أخرجه البخاري (٢١٥٣) (٣/ ٧١)، ومسلم (١٧٠٣) (٣/ ١٣٢٩).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٨٠١) (٨/ ١٦٢).\n(٣) أخرجه البزار في \"مسنده\" (٨٥٤١) (١٥/ ١٧٦)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٣٦) و(٢/ ١٤ و٤٥٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٢٩).\n(٤) \"التاريخ الكبير\" للبخاري (١/ ١٥٣).","vol":"2","page":806},{"text":"* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].\nتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ الكلامً على أكلِ أموالِ الناسِ بالباطل، والتحايُلِ في أخْذِها بكَتْم البيِّناتِ والأدلَّة، وأخذِها بحُكْمِ الحاكمِ؛ في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-560>عصمةُ مالِ المسلِمِ ودَمِهِ:</span>\nوفي هذه الآيةِ وأمثالِها في القرآنِ: دليلٌ على عِصْمةِ مالِ المُسلِمِ ودمِه، وتوجيهُ الخِطَابِ في الآيةِ إلى الذين آمَنُوا: دليلٌ على أنَّ الأصلَ في أموالِ المسلِمِينَ ودمائِهم العِصْمةُ، وفي دليلِ الخِطابِ: أنَّ الأصلَ في أموالِ المشرِكِينَ ودمائِهم الحِلُّ، إلا ما عَصَمَهُ اللهُ بحُكْمٍ؛ كأهلِ الذِّمَّةِ والعهدِ والأمانِ.\nوفي قوله تعالى: ﴿تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾، وقولِه، ﴿تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ إشارةٌ إلى أنْ ينظُرَ المؤمِنُ إلى عِصْمةِ مالِ أخيهِ المسلِمِ؛ كما ينظُرُ إلى عِصْمةِ مالِه هو ودمِه؛ فنفوسُهُمْ وأموالُهُمْ سواءٌ، لا تتفاضَلُ لاختلافِ منازلِهم ومَراتبِهم وأجناسِهم وأعراقِهم؛ فعِصْمةُ مالِ الصغيرِ ودمِه كعِصْمةِ الكبيرِ ودمِه، وعِصْمةُ مالِ المرأةِ ودمِها كعِصْمةِ مالِ الرجُلِ ودمِه، وعِصْمةُ مالِ الضعيفِ ودمِه كعِصْمةِ مالِ الشريفِ ودمِه.\nوفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ دليلٌ على أنَّ الأصلَ في أعمالِ التجارةِ: الحِلُّ؛ حيت استَثْناها مِن أكلِ أموالِ الناسِ بالباطل؛ وهذا قولُ جمهورِ العلماء، وقيَّدَ التجارةَ بالرضا، وليس قيدُ الرضا وحدَه يَمنَعُ مِن تحريمِ التجارةِ؛ فقد تكونُ رِبًا أو غَرَرًا ولو عن","vol":"2","page":807},{"text":"تَرَاضٍ فتَحرُمُ، ولكنَّ سياقَ الآيةِ في بيانِ تحريمِ أخذِ مالِ الناسِ بالباطل، والأصلُ في النفوسِ المؤمنةِ: أنَّها لا تَرْضَى بالباطلِ والحرام، فجاء سياقُ الآيةِ على ذلك.\nوجاء في سببِ نزولِ هذه الآيةِ والمقصودِ منها آثارٌ عن غيرِ واحدٍ مِن السلفِ؛ مِن ذلك ما جاء عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ في الرجُلِ يشتري مِن الرجُلِ الثوبَ، فيقولُ: إنْ رَضِيتَهُ أخَذْتَه، وإلا رَدَدتَّهُ ورَدَدتَّ معه دِرْهَمًا، قال: هو الذي قال اللَّهُ: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.\nأخرَجَه ابنُ جريرٍ (١).\nوروى أيضًا عن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكْرِمةَ والحسنِ البصريِّ، قالا في قولِه ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ الآيةَ: فكان الرجُلُ يتحرَّجُ أنْ يأكُلَ عندَ أحدٍ مِن الناسِ بعدَما نزَلَتْ هذه الآيةُ، فنُسِخَ ذلك بالآيةِ التي في\" سورةِ النورِ\"؛ فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-561>أخذُ المالِ بسفِ الحياءِ:</span>\nوفي قولِهِ تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ دليلٌ على عدمِ جواز أخذِ المالِ مِن غيرِ طِيبِ نَفْسٍ؛ كأخذِهِ بسَيْفِ الحياءِ أو الترهيب، وهذا إكراهٌ، والإكراهُ على نوعَيْنِ:\nظاهرٌ: وهو الغَصْبُ والسَّلْبُ والنَّهْبُ.\nوباطنٌ: وهو أخذُهُ بسَيْفِ الحياء، أو لضَعْفِ البائعِ وقُوَّةِ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٦٢٧).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٦٢٧).","vol":"2","page":808},{"text":"المُشترِي، فيَغلِبُ على الظنِّ بيعُهُ لأجلِ الخوفِ مِن امتناعِهِ مِن البيعِ.\nوفي الآيةِ: وجوبُ ظُهورِ الرِّضا أو قرينتِهِ التي تدُلُّ على حصولِهِ باطنًا؛ فما كلُّ النفوسِ تَقْدِرُ على إظهارِ ما تَكْرَهُ، وفي قولِهِ تعالى في مهرِ الزوجةِ وصَدَاقِها: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ [النساء: ٤] فطِيبُ النفسِ لا بدَّ منه، فما يخرُجُ مع خبثِ نفسٍ وعدمِ رِضًا محرَّمٌ؛ لأنَّه إكراهٌ باطنٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>حكمُ المعاقَدة في البيوعِ:</span>\nوقد استدَلَّ بعضُ الفقهاء بقولِه: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ على وجوبِ المعاقَدةِ في البيوعِ وعدمِ جوازِ بيعِ المعاطاةِ؛ لأنَّ الشارعَ اشترَطَ الرِّضا، والرِّضا لا يظهَرُ إلا بالمعاقَدةِ كتابةً أو شهادةً أو قولًا بينَ المُتبايِعَيْنِ بالقَبولِ والإيجابِ.\nوفي هذا نظرٌ؛ فالمعاطاةُ بينَ المُتبايعَيْنِ كافيةٌ في صِحَّةِ البيعِ عندَ عامَّةِ السلف، وجاريةٌ في عُرْفِ الصَّدْرِ الأول، وخاصَّةً في صغيرِ السلعِ وحقيرِها الني يثقُلُ في مِثلِها المعاقدةُ ولو قوليَّةً، فيَجري الناسُ في أخذِها مَجرى العادةِ لمَثيلاتِها، فيدخُلُ المُشترِي مَتْجَرًا، فيأخُدُ سلعةً يَشتَهِرُ ثمنُها عُرْفًا، ويُقدِّمُ ثمَنَها للبائع، ويَمضي مِن غيرِ قولٍ أو كتابةٍ أو شهادةٍ؛ وهذا عليه عملُ الصَّدْرِ الأولِ والناسِ إلى يومِنا لا يُشدِّدونَ فيه؛ وهذا قولُ جمهورِ الفقهاءِ؛ كالمالكيَّةِ والحنفيَّةِ والحنابلةِ؛ خلافًا للشافعيَّةِ الذين لا يرَوْنَ المعاطاةَ بيعًا؛ أخذًا بظاهرِ الآية، وبقولِه - ﷺ -: (إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ) (١).\nوبعضُ فُقهاءِ الشافعيَّةِ يُقيِّدُ جوازَ بيعِ المعاطاةِ بالمُحقَّرات، ومَنَعَهُ في كرائمِ المالِ وعزيزِه.\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (٢١٨٥) (٢/ ٧٣٧).","vol":"2","page":809},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-563>عصمةُ الأموالِ والأنفُسِ والدفعُ عنها:</span>\nثمَّ ذكَرَ الله تحريمَ قتلِ النفسِ بقولِه ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ بعدَما ذكَرَ تحريمَ أموالِ المؤمِنينَ وأخذِها بالباطل، وليس هذا تعظيمًا للأموالِ على الأنفُس، ولكنْ يظهَرُ أنَّ في ذِكرِ قتلِ النفوسِ بعدَ الأموالِ إشارةً إلى أنَّ أكثرَ ما يتنازَعُ الناسُ وَيتخاصَمونَ ويَتقاتَلونَ بسببِ الأموالِ وعدمِ امتثالِ أمرِ اللهِ وحدودِه في الأموالِ؛ فيَبْغِي بعضُهم على بعض، وَيسْرِقُ بعضُهم بعضًا، ويَغُشُّ وَيَغُرُّ ويَخدَعُ ويُدلِّسُ بعضُهم على بعضٍ، فيَتنازَعونَ ويَتقاتَلونَ لِما جُبِلَتْ عليه النفوسُ مِن الشُّحِّ والطمعِ والأثَرَةِ.\nوليس في الآيةِ نهيٌ عن دفعِ الإنسانِ عن مالِهِ؛ إذا أُرِيدَ منه ظُلْمًا وغضبًا، فله أنْ يدفَعَ الصائلَ عنه، وقد استفاضَتِ الأحاديثُ في ذلك؛ ففي \"صحيحِ مسلمٍ\"، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: (فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ)، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: (قَاتِلْهُ)، قَالَ: أَرَأيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: (فَأَنْتَ شَهِيدٌ)، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: (هُوَ فِي النَّارِ) (١).\nوفي الحديثِ الآخَرِ: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِه، فَهْوَ شَهِيدٌ) (٢).\nوفي الباب مِن حديثِ قَابُوسَ بْنِ أبي المُخَارِق، عن أبيهِ؛ عندَ أحمدَ والنَّسائيِّ (٣).\nومَن أُرِيدَ مالُهُ منه غصبًا، فهو بالخيارِ: إنْ شاء قاتَلَ دونَ مالِه ولو كان قليلًا، ولو قُتِلَ فهو شهيدٌ، أو يُسْلِمُ مالَهُ ليَحفَظَ نفسَهُ كأنْ يكونَ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٤٠) (١/ ١٢٤).\n(٢) أخرجه البخاري (٢٤٨٠) (٣/ ١٣٦)، ومسلم (١٤١) (١/ ١٢٤).\n(٣) أخرجه أحمد (٢٣٥١٣) (٥/ ٢٩٤)، والنسائي (٤٠٨١) (٧/ ١١٣).","vol":"2","page":810},{"text":"المالُ المرادُ محقَّرًا، فالأَوْلى فِداءُ النفسِ به، ولو دفَعَ نفسَهُ ليَحفَظَ مالَه، جاز له، ولو قُتِلَ فهو شهيدٌ.\nومَن دافَعَ صائلًا عن مالِه، وقَتَلَ الصائلَ بأَدْنَى ما يدفَعُهُ، فكان القتلُ، فدمُ المقتولِ هَدَرٌ، فإذا لم يكنْ للقاتلِ بيِّنةٌ في دفعِ الصائل، فيقادُ به؛ لأنَّ الأصلَ عِصْمةُ دمِ المقتول، ولو قُتِلَ القاتلُ قِصاصًا وهو في الحقيقةِ يدفَعُ عن مالِه، كان شهيدًا في إقامةِ الحدِّ عليه، ويجبُ على القاضي قتلُهُ؛ لعدمِ البيِّنةِ على دَعْواه؛ لأنَّ في هذا حفظًا للأمرِ العامِّ وضبطًا له، ولىس في هذا تناقضٌ مِن إجازةِ الشريعةِ للرَّجُلِ الخالي مِن البيِّنةِ على دفعِ الصائلِ أنْ يدفَعَ الصائلَ ولو بقتلِهِ إنْ كان لا يَندفِعُ إلا به، وبينَ قتلِهِ بالمقتولِ قِصاصًا إنْ لم يكنْ معه بيِّنةٌ؛ حتى لا تُستباحَ النفوسُ بعُذْرِ دفعِ الصائلِ؛ فيَكثُرَ البَغْيُ مِن الظالمينَ على الناس، وَينتقِمَ الناسُ بعضُهم مِن بعضِ بالقتلِ بلا بيِّنةٍ.\nومِثلُ هذا دفعُ الرجلِ عن عِرْضِهِ وأهلِهِ ولو بالقتل، ولو لم تكنْ لدَيْهِ بيِّنةٌ على دفعِه، يُقادُ بِمَنْ قتَلَهُ قِصاصًا، ولو قُتِلَ قصاصًا، فهو شهيدٌ، والحاكمُ معذورٌ؛ لأنَّه يَحكُمُ بما ظهَرَ له، وهذا لا يُناقِضُ أمرَ الشارعِ له بأنْ يدفَعَ عن عِرْضِه، ولكن لِيَحميَ النظامَ العامَّ والدمَ العامَّ مِن الهدرِ والسفك، ولكيلا يتسلَّلَ الظلمُ والبغيُ والانتقامُ بحُجَج الدفعِ عن العِرْضِ؛ فيُخطَفَ الناسُ مِن بُيُوتِهم ليُوضَعُوا في البيوتِ ليُقتَلُّوا فيها بدَعْوَى الدفعِ عن العِرْض، فلو عَلِمَ أصحابُ الشهواتِ والظلمِ أنَّ القتلَ في البيوتِ يُسقِطُ الحدودَ وحدَهُ بلا بيِّنةٍ، لكان ذلك محلًّا لسفكِ الدماءِ.\nولهذا تأمُرُ الشريعةُ بالشيءِ الخاصِّ مِن وجهٍ، وتُعاقِبُ عليه مِن وجهٍ؛ فالأمرُ به لحفظِ الحقِّ الخاصِّ ببيِّنةٍ أو بغيرِ بيِّنةٍ، وتُعاقِبُ على عدمِ البيِّنةِ عليه؛ لحفظِ الأمرِ العامّ، وحتى لا تضيعَ الأموالُ وتُستباحَ","vol":"2","page":811},{"text":"الأعراضُ، فلا يَدفَعُ الرجلُ عن مالِهِ وعِرْضِهِ؛ لعدمِ البيِّنة، بل له في الشرعِ ذلك، ولا يُحاسَبُ عليه في الآخِرة، وحدودُ الدُّنيا إنَّما هي لضبطِها واستقامةِ أمرِ الناسِ وحالِهم، واللهُ أعلَمُ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١].\nبعدَما ذكَرَ اللهُ حدودَهُ والذنوبَ والكبائرَ، بيَّنَ وجوبَ الإقلاعِ عنها لنَيْلِ عفوِ اللهِ وصَفْحِهِ ومسامَحتِه، ومَن اجتنَبَ الكبائرَ، كان تركُهُ لها موجِبًا لعفوِ اللهِ له عن الصغائرِ واللَّمَمِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>التوبةُ من الصغائر، مع وجود الكبائر:</span>\nومَن تاب مِن صغيرةٍ مستوفيًا شروطَ التوبة، قُبِلَتْ توبتُهُ ولو كان مقيمًا على كبيرةٍ أخرى، لأنَّ اللهَ اشترَطَ لتكفيرِهِ وعفوِهِ عن ذنوبِ عبدِهِ الصغائرِ إنْ لم يتُبْ منها أنْ يَجتنِبَ الكبائرَ ولو لم يَتُبْ مِن صغائرِهِ بنفسِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>تكفيرُ الصغائر بالأعمالِ الصالحةِ؛ مع وجودِ الكبائر:</span>\nوقد اختلَفَ العلماءُ في تكفيرِ الأعمالِ الصالحةِ للصغائر، مع وجودِ الكبائرِ:\nفذهَبَ أكثرُ العلماءِ - وحَكَى ابنُ عبدِ البَرِّ إجماعَ العلماءِ (١) - إلى أنَّ الصلواتِ الخمسَ والجمعةَ ورمضانَ لا تُكفِّرُ الصغائرَ لِمَنْ هو مقيمٌ على كبائرَ، وأنَّ اجتنابَ الكبائرِ شرطٌ لتكفيرِ الأعمالِ الصالحةِ للصغائرِ؛ وذلك لِمَا ثبَتَ في \"صحيحِ مسلمٍ\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -؛\n_________\n(١) \"التمهيد\" (٤/ ٤٩).","vol":"2","page":812},{"text":"قال: (الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَة، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ: مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ) (١).\nوبنحوِه عندَ مسلمٍ عن عثمانَ في الصلاةِ (٢).\nوجاء عندَ النَّسائيِّ، مِن حديثِ أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ: تقييدُ الاجتنابِ للسبعِ المُوبِقاتِ حاصَّةً لتكفيرِ الصغائرِ؛ قال - ﷺ -: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، ويُخْرِجُ الزَّكَاةَ، وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ، إِلَّا فُتِّحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، فَقِيلَ لَهُ: ادْخُلْ بِسَلَامٍ) (٣).\nورواهُ أحمدُ وغيره منِ حديثِ أبي أيوبَ (٤).\nوجاء موقوفًا عن ابنِ مسعودٍ وسَلْمانَ الفارسيِّ اشتراطُ تقييدِ التكفيرِ باجتنابِ الكبائرِ (٥).\nومِن العلماءِ: مَن يَرى تكفيرَ الصلواتِ والجمعةِ ورمضانَ للصغائرِ بكلِّ حالٍ ولو لم تُجتنَبِ الكبائرُ:\nوالأولُ أصحُّ؛ لظاهِرِ الأدلَّةِ وتصريحِها.\nويُستثنى مِن هذا: ما جاء مُطلَقًا بتكفيرِ الذنوبِ مِن غيرِ قيدٍ؛ كالحَجِّ؛ كما في قولِه - ﷺ -: (مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَم يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) (٦)، وكما في تكفيرِ صومِ يومِ عرفةَ وعاشوراءَ.\nفتُحمَلُ هذه النصوصُ على عمومِها وسَعَتِها؛ فرحمةُ اللهِ أوسَعُ.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٣٣) (١/ ٢٠٩).\n(٢) أخرجه مسلم (٢٢٨) (١/ ٢٠٦).\n(٣) أخرجه النسائي (٢٤٣٨) (٥/ ٨).\n(٤) أخرجه أحمد (٢٣٥٠٢) (٥/ ٤١٣)، والنسائي (٤٠٠٩) (٧/ ٨٨).\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٧٦٤٣) و(٧٦٤٤) (٢/ ١٥٩).\n(٦) أخرجه البخاري (١٨١٩) (١١/ ٣)، ومسلم (١٣٥٠) (٢/ ٩٨٣).","vol":"2","page":813},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-566>تقسيمُ الذنوبِ إلى كبائر وصغائِرَ:</span>\nوقد ذهَبَ بعضُ المتكلِّمينَ: إلى عدمِ تقسيمِ الذنوبِ إلى كبائرَ وصغائرَ؛ كالبَاقِلَّانِيِّ والإسْفَرَايِيِنيِّ وإمامِ الحرَمَيْنِ الجُوَيْنِيِّ.\nوالنصوصُ دالَّةٌ صريحةٌ متواترةٌ على تقسيمِ الذنوبِ إلى صغائرَ وكبائرَ؛ كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]، واللممُ هي الصغائرُ، وفي قولِه تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧]، وفي هذه الآيةِ تقسيمُ الذنوبِ إلى كفرٍ وفسقٍ، وهي الكبائرُ، وعصيانٍ، وهي الصغائرُ؛ وتنويعُها بالاسمِ دليلٌ على اختلافِ قَدْرِها.\nوقد تواتَرَتِ الأحاديثُ على ذلك في \"الصحيحَيْنِ\"، وغيرِهما، وتقسيمُ الذنوبِ إلى ذلك محلُّ اتِّفاقٍ عندَ السلف، ونسبةُ غيرِ ذلك إلى بعضِ الصحابةِ؛ كابنِ عبَّاس، ليس المرادُ مِنه نفيَ تبايُنِ الذنوبِ في عِظَمِها وكِبَرِها؛ وإنَّما حتى لا يتساهَلَ الناسُ في مُقارَفةِ الصغائر، وله أقوالٌ كثيرةٌ ورواياتٌ متعدِّدةٌ في تقسيمِ الذنوبِ إلى كبائرَ وصغائرَ.\nوإنَّما يَختلِفُ السلفُ في حدِّها وعدِّها؛ فالكبائرُ فيها مُوبِقاتٌ، وفيها كبائرُ لم تُوصَفْ بالمُوبِقَة، وفي الذُّنوبِ صغائرُ تتبايَنُ في صِغَرِها، وتبايُنُ الذُّنوبِ كتبايُنِ الطاعات، والقولُ بعدمِ تبايُنِ الذُّنوبِ كالقولِ لعدمِ تبايُنِ الطاعاتِ؛ لأنَّ لكلِّ طاعةٍ مأمورٍ بها ذنبًا يُقابِلُها مِثلَها؛ سواءٌ بتركِ الطاعة، أو الابتداعِ فيها، أو التساهُلِ في أدائِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-567>اختلافُ الذنوب، بحَسَبِ القلوبِ:</span>\nوالذنوبُ تختلفُ بحسَبِ أعمالِ القلوب؛ فقد يكونُ الذنبُ عظيمًا فيَقترِفُهُ العبدُ بقلبٍ خائفٍ وَجِلٍ مِن عقوبتِهِ وَأثرِه؛ فهذا الذنبُ في حقِّه أقلُّ مِن غيرِه، وقد يَقترِفُ العبدُ الصغيرةَ وهو مستهينٌ بها غيرُ مبالٍ بمَن عَصَى؛ فتكونُ في حقِّه أكبَرَ مِن غيرِه.","vol":"2","page":814},{"text":"كما دخَلَتِ امرأةٌ النارَ في هِرَّةٍ (١)، وعفا اللهُ عمَّن لم يَعمَلْ خيرًا قَطُّ وأمَرَ أبناءَهُ بتحريقِه؛ لأنَّه فعَلَ ذلك خوفًا مِن اللهِ (٢)، والحديثانِ في \"الصحيحَيْنِ\".\nوهذا كما أنَّه في بابِ مقاديرِ الذنوب، فكذلك في تكفيرِها؛ فقد يَعظُمُ العملُ الصالحُ القليلُ في مقابلِ ذنبٍ عظيمٍ مُوبِقٍ فيُكفِّرُ اللهُ الذنبَ العظيمَ بالعملِ الصالحِ القليلِ؛ كما كفَّرَ اللهُ للبَغِيِّ زِناها لأجلِ سَقْيِها الكلبَ، والحديثُ في \"الصحيحينِ\" (٣).\nويُشكِلُ عندَ كثيرٍ مِن الفقهاءِ: أنَّ الصلواتِ والجمعةَ ورمضانَ وهي أركانُ الإسلامِ - لا تُكَفِّرُ الصغائرَ إلَّا باجتناب الكبائر، والحجُّ دونَها وقد جاء في الحديثِ في الحاجِّ: (مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) (٤)، وظاهرُه العمومُ، ولكنْ يَحمِلُونَ حديثَ الحجِّ على حديثِ الصلاةِ والجمعةِ ورمضانَ؛ لأنِّه دونَها في الرُّكْنِيَّةِ والفضل، ويَظنُّونَ أنَّ التكفيرَ يكونُ بحجمِ العمل، وهذا ليس بلازمٍ؛ ففضلُ العبادةِ في ذاتِهِ لا يَعني فَضْلَها على ما دونَها في تكفيرِ السيِّئاتِ؛ فالفضلُ للعملِ الصالحِ خاصٌّ لا يَلزَمُ منه مماثلةُ التكفيرِ؛ فالتكفيرُ يحتاجُ إلى نصِّ خاصٍّ لمعرفةِ ما يأتي عليه مِن الذُّنوبِ ونوعِها، ولا يُؤخَذُ بالقياسِ المجرَّدِ لبابِ التفاضُلِ؛ فالأذكارُ تتفاضَلُ، وأفْضَلُها قولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، ولكنَّ الاستغفارَ أَقْوَى في تكفيرِ الذنبِ المُعَيَّنِ مع فضلِ كلمةِ الإخلاصِ على الاستغفارِ؛ ولذا أرشَدَ الشارعُ عندَ الذُّنوبِ إلى الإكثارِ مِن الاستغفارِ والتوبة؛، لأنَّه أظهَرُ في قصدِ الذنبِ وتعيينِ طلبِ تكفيرِه، مع\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٣٦٥) (٣/ ١١٢)، ومسلم (٢٢٤٢) (٤/ ١٧٦٠).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٤٨١) (٤/ ١٧٦)، ومسلم (٢٧٥٦) (٤/ ٢١١٠).\n(٣) أخرجه البخاري (٣٤٦٧) (٤/ ١٧٣)، ومسلم (٢٢٤٥) (٤/ ١٧٦١).\n(٤) سبق تخريجه.","vol":"2","page":815},{"text":"أنَّ كلمةَ الإخلاصِ تُكَفِّرُ أعظَمَ الذنوب، وهو الشِّرْكُ؛ لأنَّ كلمةَ التوحيدِ أظهَرُ في قصدِ نفيِ الشركِ والبراءةِ منه؛ ولذا قد يُكَفِّرُ اللهُ بالعملِ المفضولِ ذنبًا أعظَمَ ممَّا يُكَفِّرُهُ العملُ الفاضلُ، والأجرُ في العملِ الفاضلِ أكثَرُ، ولكنْ في التكفيرِ أقلُّ، والمفضولُ في الأجرِ أقَلُّ، وفي التكفيرِ أكثَرُ؛ لظهورِ قصدِ التوبةِ وطلبِ العَفْوِ والغُفْرانِ فيه أكثَرَ.\nوقد يأتي التكفيرُ في الدليلِ للذُّنوبِ بالإطلاق، ويُقصَدُ منها الصغائرُ؛ كتكفيرِ الذنوبِ وتَحَاتِّهَا بالوُضوءِ؛ كما في الحديثِ: (إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ، تَحَاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ، كَمَا تَحَاتُّ وَرَقُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ) (١).\nوالمقصودُ مِن ذلك الصغائرُ بلا شكٍّ؛ وذلك مِن وجهَيْنِ:\nالأولُ: أنَّ ورَقَ الشجرِ؛ يعني: خفيفَ حَمْلِها وصغيرَه، لا موتَ شجرِ الذُّنوبِ وسقوطَ أغصانِه.\nالثاني: أنَّ الوضوءَ لازمٌ للصلاةِ؛ فلا صلاةَ بغيرِ طُهورٍ؛ كما في الحديثِ (٢)، والصلواتُ تُكفِّرُ ما بينَها إنِ اجْتُنِبَتِ الكبائرُ، فإذا كان الوضوءُ يُكفِّرُ الذنوبَ كلَّها الكبائرَ والصغائرَ، فالأَوْلى الاكتفاءُ بذِكْرِهِ وتعظيمِهِ في بابِ التكفيرِ على الصلاة، والنصوصُ في تكفيرِ الصلاةِ للذنوبِ أكثَرُ مِن الوضوءِ.\nوعلى هذا يُحمَلُ حديثُ أبي هريرةَ في \"الصحيحَيْنِ\"؛ قال - ﷺ - (أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟)، قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: (فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا) (٣).\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في\" شعب الإيمان\" (٢٤٨٢).\n(٢) أخرجه مسلم (٢٢٤) (١/ ٢٠٤).\n(٣) أخرجه البخاري (٥٢٨) (١/ ١١٢)، ومسلم (٦٦٧) (١/ ٤٦٢).","vol":"2","page":816},{"text":"وإنْ كان اللهُ قد جعَلَ في كلِّ عملِ طاعةٍ نوعَ تكفيرٍ لنوعٍ مِن الذنوبِ؛ لأنَّ اللهَ يُكفِّرُ الذنوب بالطاعاتِ والقُرُباتِ أوْلى مِن تكفيرِهِ لها بالمصائبِ والهمومِ؛ ولذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].\nوكلَّما كانتِ العبادةُ أظهَرَ في الخضوعِ وظهورِ التوبةِ والندمِ والتعبُّدِ لله، كان أثرُها في التكفيرِ أعظَمَ.\nوأعظَمُ المُكفِّراتِ التوحيدُ بعدَ الشِّرك، فبأتي على الذُّنوبِ كلِّها، والحجُّ والهجرةُ؛ لظهورِ التعلُّقِ والخضوعِ والرجوعِ إلى اللهِ فيها؛ كما في حديثِ عمرِو بنِ العاصِ في \"الصحيحِ\" (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ ! وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ ! وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟) (١).\nواللهُ أعلَمُ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾ [النساء: ٣٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>تمايز الجنسَيْنِ بعضهما عن بعضٍ:</span>\nهذا نَهْيٌ مِن اللهِ أنْ يتمنَّى الرَّجالُ مَنازِلَ النَّساءِ وأحكامَهُنَّ، ونهيٌ للنَّساءِ أنْ يَتَمَنَّيْنَ مَنازِلَ الرجالِ وأحكامَهم؛ فاللهُ قَسَّمَ الخَلْقَ والرِّزقَ بحِكْمَتِه؛ لِيَتِمَّ نظامُ الحياة، وكلٌّ جعَلَهُ اللهُ على خِلْقَةٍ حسَنةٍ تامَّةٍ، وإنْ رأَى أنَّ غيرَهُ أحسَنُ منه مِن وجهٍ؛ فاللهُ كَمَّلَهُ مِن وجهٍ آخَرَ، ولكنَّ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٢١) (١/ ١١٢).","vol":"2","page":817},{"text":"النفوسَ يَقْصُرُ نظرُها، ولا تنظُرُ إلى جميعِ الوجوهِ؛ لِيَصِحَّ لها النظرُ، فيَصِحَّ لها الحُكْمُ.\nوالنهيُ هنا للأمانيِّ الباطِلةِ التي يظهَرُ منها الاعتراصُ والكراهيةُ لتقديرِ اللهِ وحُكْمِه؛ كتمنِّي المرأةِ ميراثَ الرجُل، وتمنِّي الرجُلِ مهرَ المرأةِ؛ فقد قالتْ أمُّ سلَمةَ: يا رسولَ الله، لا نُعطَى الميراثَ، ولا نَغْزُو في سبيلِ اللهِ فنُقتَلَ؟ فنزلَتْ، ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (١).\nورُوِيَ أنَّها قالتْ: يا رسولَ الله، تغزو الرجالُ ولا نغزو، وإنَّما لنا نِصْفُ الميراثِ! فنزَلَتْ: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾، ونزَلَتْ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>عدلُ اللهِ في تساوي الجنسَيْنِ في الأجور:</span>\nفالله ما خَصَّ جنسًا بعملٍ صالحٍ، إلَّا وجعَلَ للجنسِ الآخَرِ مِن العملِ ما يُساوِيهِ في الأجرِ خاصًّا بجنسِه؛ كما في الجهادِ؛ فالله كتَبَهُ على الرِّجال، ولم يَحْرِمِ النَّساءَ مِن أجرِه؛ كما جاء عن عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، عَلَى النَّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: (نَعَمْ؛ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الحَجُّ وَالْعُمْرَةُ) (٣).\nوهذا مِن عدلِ اللهِ وحِكْمَتِه وفَضْلِه.\nوهكذا في كلِّ شخصٍ؛ لا يَحْرِمُ اللهُ أحدًا مِن عملٍ إلَّا جعَلَ غيرَهُ يُساوي ما يَعجِزُ عنه؛ كالمشلولِ الذي لا يستطيعُ القيامَ والقعودَ والحَرَكةَ، لم يفوِّتِ اللهِ عليه الأجورَ، بل جعَلَ فيما يستطيعُهُ مِن\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٦٦٣).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٦٦٤).\n(٣) أخرجه أحمد (٢٥٣٢٢) (٦/ ١٦٥)، وابن ماجه (٢٩٠١) (٢/ ٩٦٨).","vol":"2","page":818},{"text":"العباداتِ القوليَّةِ عوضًا للبدنيَّةِ التي تَفُوتُهُ، فتكونُ في حقِّه أعظَمَ مِن غيرِهِ؛ ليُدرِكَ غيرَهُ في الأجرِ.\nوهذا في حالِ الممنوعِينَ؛ سواءٌ بعجزٍ بدنيٍّ، أو بحُكْمٍ شرعيٍّ، وأمَّا التاركُ القادِرُ، فمحرومٌ مِن العملِ الصالِحِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>كراهةُ تمنِّي ما لا يمكِنُ تحقُّقُهُ:</span>\nولا ينبغي تمنِّي ما لا يُمكِنُ تحقُّقُهُ أو يصعُبُ تحقُّقُهُ؛ فإنَّ هذا يُورِثُ العجزَ والحَسَدَ وتمنِّيَ زوالِ نِعْمةِ الغير، وربَّما أَوْرَثَ الاعتراضَ على قَدَرِ الله، والواجب سؤالُ اللهِ مِن فَضْلِه؛ قال ابنُ عبَّاسٍ: \"لا يتمنَّى الرجلُ يقولُ: \"لَيْتَ أنَّ لي مالَ فلانٍ وأهلَه! \"؛ فنَهَى اللهُ سبحانَه عن ذلك، ولكن لِيَسْألِ اللهَ مِن فَضْلِه\" (١).\nوالنهيُ عن تمنِّي مالِ الغيرِ خاصٌّ بمَن يتمنَّاهُ لأجلِ الدُّنيا تكثُّرًا ومُتْعةً، ومَن تمنَّاهُ ليعمَلَ كعملِهِ الصالحِ مِن النفقةِ والبذلِ في سبيلِ الله، فلا بأسَ بذلك، فتمنِّي الخيرِ لفعلِهِ جائزٌ؛ كما تمنَّى النبيُّ - ﷺ - الشهادةَ في سبيل الله مرَّاتٍ، وقد روى أَبُو هُرَيْرَةَ؛ قال: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: (لَا تَحَاسُدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ القُرْآنَ، فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنّهَار، يَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذَا، لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله مَالًا يُنْفِقُهُ فِي حَقِّه، فَيَقُولُ؛ لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ، لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ) (٢).\nوقال - ﷺ -: (إِنَّمَا الدَّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَه الله مَالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ للهِ فِيهِ حَقًّا؛ فَهَذَا بِأفْضَلِ المَنَازِل، وَعَبْدٍ رَزَقهُ الله عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ؛ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٦٦٤)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٦٧٦).\n(٢) أخرجه البخاري (٧٢٣٢) (٩/ ٨٤).","vol":"2","page":819},{"text":"مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ؛ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ ...)؛ الحديثَ أخرَجَهُ الترمذيُّ (١).\nوكثرةُ التمنِّي تُغيِّبُ حِكْمةَ اللهِ في نفوسِ الِعبادِ في تقسيمِ أرزاقِهم ومَعاشِهم؛ فاللهُ قد يُعطِي عبدًا لِيُصلِحَهُ، وَيحْرِمُ آخَرَ ليُصلِحَهُ\" لاختلافِ حالِهما نفسًا ومكانًا وزمانًا، ولو تمنَّى المحرومُ ما للمرزوق، لَفَسَدَ، وإنَّما يتمنَّاهُ؛ لأنَّه ينظُرُ لحالِ المرزوقِ ولا ينظُرُ لحالِه؛ ولذا يُرْوَى عن الحسنِ قولُهُ: \"لا يَتَمَنَّ أحدُكم المالَ وما يُدْرِيه، لعلَّ هلاكَه فيه! \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>استقلالُ المرأةِ في مالِها:</span>\nوفي قولِه تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ إشارةٌ إلى استقلال المرأةِ في مالِها، وما اكتسَبَتْ؛ كالرَّجال، ولها التصرُّفُ فيه بما أحَلَّ اللهُ لها، ومالُها الذي تَملِكُهُ لا يَدخُلُ تحتَ قِوامةِ زَوْجِها عليها؛ فلها البيعُ والشراءُ والهِبَةُ منه كالرجُل، مِن غيرِ سَرَفٍ ولا مَخِيلَةٍ ولا قَصْدِ سُوءٍ، وهذا لا يُعارِضُ قولَ اللهِ تعالى السابق في أولِ النِّساءِ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، لأنَّ المرادَ أموالُ الوليِّ نفسِه لا يُفَرَّطُ في إعطائِها مَن يَخْشَى إفسادَه ممَّن يَلي أمْرَه، وَيَدخُلُ في السُّفهاءِ كلُّ مَن لا يُحسِنُ تدبيرَ المالِ وإنفاقَه؛ مِن صبيٍّ صغيرٍ وامرأةٍ ورجُلٍ، ويُنفَقُ عليهم وتُقضَى حاجتُهم بالمعروفِ.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٢٣٢٥) (٤/ ٥٦٣).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٦٦٥).","vol":"2","page":820},{"text":"قال تعالى: \" ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾ [النساء: ٣٣].\nوالمَوْلَى مِن مُشَتَرَكِ الألفاظِ التي ربَّما تقعُ على الضِّدَّيْنِ المُتقابِلَيْنِ؛ فيُسمَّى المُعَتَقُ وسيِّدُهُ كلُّ واحدٍ منهما: مَوْلًى؛ ويُسمَّى الناصرُ والمُعِينُ والعاضِدُ: مَوْلًى؛ كما في قولِه تعالى: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨]، وفي الحديثِ: (اللهُ مَوْلَانَا) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>معنى المَوْلَى:</span>\nوالمرادُ بالمَوْلى في الآيةِ: الوريثُ، والمَوَالِي: الوَرَثَةُ؛ رواهُ سعيدُ بن جُبيرٍ، وعليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ ورُوِيَ عن مجاهِدٍ وقتادةَ وغيرِهم؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (٢).\nجعَلَ اللهُ للميِّت ورثةً يَرِثُونَ مالَهُ ويَلُونَهُ بعدَ موتِه، وهؤلاءِ قد قَضَى الله في بيانِ ما لهم وما عليهم مِن الميِّتِ، كما قسَّمَهُ اللهُ في الآياتِ السابقة، وليس لأحدٍ أنْ يعترضَ على حُكْمِ اللهِ وفضلِهِ في الحقوقِ والمواريثِ، فيتمنَّى الرجلُ ما للمرأة، وتتمنَّى المرأةُ ما للرجُلِ؛ فاللهُ قسَّمَ الأرزاقَ كما قسَّمَ الأجناسَ لحِكْمةٍ بالِغةٍ، ولا يُصلِحُ دُنياهم إلَّا هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-573>عهد المؤاخاةِ والمواريثُ:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾؛ يعني: مِن عهودِ المؤاخاةِ ببنَ المُهاجِرِبنَ والأنصار، وقد كان الصحابةُ يَرِثُ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٠٣٩) (٤/ ٦٦).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٦٧١ - ٦٧٢).","vol":"2","page":821},{"text":"الأنصاريُّ المهاجِرِيَّ ولو مِن غيرِ رَحِمٍ؛ للاُخُوَّةِ التي جعَلَها النبيُّ - ﷺ - بينَهم أوَّل الهجرة، فكان المتآخِيانِ يقولُ أحدُهما للآخَرِ. دَمِي دَمُك، وهَدْمِي هَدْمُك، وثَأْرِي ثَأْرِك، وحَرْبِي حَرْبُكِ، وسِلْمِي سِلْمُك، وتَرِثُني وأَرِثُك، وتَطْلُبُ بي وأطْلُبُ بك، وتَعْقِلُ عني وأَعْقِلُ عنك؛ فيكونُ للحليفِ السُّدُسُ مِن ميراثِ الحليف، ثمَّ جاءتْ آياتُ المواريث، فنسَخَتْ توارُثَ غيرِ الأرحامِ.\nوهذا لا خلافَ فيه عندَ السلفِ؛ أنْ لا ميراثَ لمجرَّدِ الحِلْفِ؛ إنَّما اختلَفُوا في قولِه: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾: هل هو الميراثُ فيِكونَ منسوخًا، أو غيرُه فلم يُنسَخْ؟ على أقوالٍ:\nروى سعيدُ بنُ جُبَيْر، عن ابنِ عبَّاسٍ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قال: \"كَانَ المُهَاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ الأنْصَارِيُّ المُهَاجِرِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِه، لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا﴾، قال: نَسَخَتْهَا: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١).\nوقد نسَخَتْها أيضًا آيةٌ أُخرى، وهي قولُهُ تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنقال: ٧٥] والأحزاب: ٦]، ويكون هذه الآيةِ ناسخةً للتوارُثِ بالمؤاخَاةِ قال أكثرُ السلفِ؛ رواهُ عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، وقال به عكرمةُ والحسنُ وقتادةُ.\nورُوِيَ عن بعضِ الفقهاءِ مِن السلفِ: أنَّ اللهَ جعَلَ للحُلفاءِ بالمؤاخَاةِ بينَ المُهاجِرينَ والأنصارِ حقًّا بالوصيَّة، لا بالميراثِ؛ لأنَّ اللهَ قَسَّمَ الميراثَ لأهلِهِ وفصَّلَ فيه، فلم يَبْقَ لغيرِهم منه شيءٌ؛ وبهذا قال ابنُ المسيَّبِ؛ فقد روى الزهريُّ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ؛ قال: \"أمَرَ اللهُ - ﷿ -\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٧٤٧) (٨/ ١٥٣).","vol":"2","page":822},{"text":"الذين تَبَنَّوْا غيرَ أبنائِهم في الجاهليَّة، ووَرِثُوا في الإسلامِ: أن يَجعَلُوا لهم نصيبًا في الوصيَّة، ورَدَّ الميراثَ إلى ذوي الرحِمِ والعَصَبَةِ\" (١).\nوقال بعضُ السلفِ: إنَّ الآيةَ مُحكَمةٌ، وإنَّ المرادَ بقولِه، ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾؛ يعني: نصيبَهم مِن النُّصْرةِ والنصيحةِ والإعانةِ وقضاءِ الحاجة، ونحوِ ذلك؛ وهذا رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ أيضًا، وعن مُجاهدٍ والسُّدِّيِّ (٢).\nوقد نسَخَ اللهُ الحِلْفَ الذي يَتوارَثُ به الناسُ؛ فجاء في الحديثِ؛ قال - ﷺ -: (لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ) (٣).\nوفي قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ تذكيرٌ بأنَّ اللهَ لا يَقضِي إلَّا بعِلْمٍ وشهادةٍ لِمَا تَفعَلُونَهُ وفعلتُموهُ مِن عَقْدِ الأَحْلَافِ بينَكم؛ فاللهُ شَهِدَها وعَلِمَها، وقَضَى ما قَضَاهُ بعِلْمٍ وحُكْمٍ يُصْلِحُ شأنَكُمْ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ [النساء: ٣٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>قوامهُ الرجالِ على النساءِ:</span>\nفي الآيةِ: دليلٌ على قِوامَةِ الرجُلِ على المرأةِ وولايتِةِ لها؛ وهذا\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٦٨١).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٦٧٩ - ٦٨١).\n(٣) أخرجه مسلم (٢٥٣٠) (٤/ ١٩٦١).","vol":"2","page":823},{"text":"ليس خاصًّا بالزوجيَّة، بل عامٌّ في النِّساءِ والرَّجال، لعمومِ الآية، فيقومُ على المرأةِ أقرَبُ أرحامِها إنْ لم يكنْ لها زوجٌ، وإنْ كان للمرأةِ زوجٌ فهو أوْلى بقِوامتها، والقِوامةُ والوِلايةُ لا تكونُ إلا لمَن قام شروطَها، لا بمَن عطَّلَها أو عَجَز عنها، فتنتقِلُ القوامةُ ممَّن عطَّلَ شروطَها إلى القادرِ المُوفي لها، وقد تكونُ القوامةُ مِن رجُلٍ واحدٍ لعددٍ مِن النَّساءِ ولو كَثُرْنَ، كما يقومُ الرجُلُ على بناتِهِ أو على زوجاتِهِ؛ كما في الحديث: قال - ﷺ -: (حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً القَيِّمُ الوَاحِدُ) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>أنواعُ القوامةِ:</span>\nوالأصلُ في القوامةِ والولايةِ على الأشخاصِ أنَّها على نوعَيْنِ:\nقوامةٌ وولايةٌ عامَّةٌ، وقوامةٌ وولايةٌ خاصَّةٌ:\nأمَّا الأُولى - وهي الولايةُ العامَّةُ -: فتكونُ لِمَنْ لا يستطيعُ القيامَ بشيءٍ مِن أمرِه؛ كالطفلِ والمجنونِ والأسيرِ.\nوأمَّا الثانيةُ - وهي الولايةُ والقوامةُ الخاصَّةُ -: فتكونُ لمَن يستطيعُ القيامَ بأمْرِه، ولكنَّه يَضعُفُ أو يَعجِزُ عن القيامِ بأمرٍ خاصٍّ مِن أمورِه؛ كالمرأةِ في نِكَاحِها والنفقةِ عليها، واليتيمِ في مالِه، وغيرِهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>الحكمةُ من قوامةِ الرجلِ على المرأةِ:</span>\nوالقوامةُ على المرأةِ تكميلٌ لمَا يَفُوتُ مِن حقِّ المرأةِ لو استَقلَّتْ بنفسِها، وأكثَرُ ما تَقْوَى القوامةُ للرجُلِ على المرأةِ عندَ حاجتِها إلى معامَلَةِ الرجالِ؛ لذا يحرُمُ سَفَرُها بلا مَحْرَمٍ، أو خَلْوَتُها أو اختلاطُها بهم؛ لأنَّ المرأةَ تضعُفُ عندَ الرجُلِ الأجنبيِّ لحيائِها، ويضعُفُ الرجُلُ والمرأةُ - إذا كانا أجنبيَّيْنِ - بعضُهما أمامَ بعضٍ؛ لميلِ أحدِ الجنسَيْنِ إلى\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨١) (١/ ٢٧)، ومسلم (٢٦٧١) (٤/ ٢٠٥٦).","vol":"2","page":824},{"text":"الآخَرِ فِطْرةً، فتَضِيعُ الحقوقُ الماليَّةُ والزوجيَّةُ وغيرُها تحتَ ستارِ العاطفةِ.\nوإذا حَضَرَتِ العاطفةُ، فقد يغيبُ العقل، ويضيعُ العدلُ؛ لهذا فقد جعَلَ الله لها وليًّا في نِكاحِها لا تَحضُرُ العاطفةُ معه لي مُقابِلِ الرجُل، فيَحفَظُ للمرأةِ حقَّها في مهرِها واختيارِ زوحِها وشروطِ نِكاحِها، ولو جاز للنِّساءِ أنْ يَعْقِدْنَ لأنفُسِهنَّ على الرحال، لَضَاعَتْ حُقُوقُهُنَّ؛ فجعَلَ اللهُ بينَهما وليًّا يقومُ بما قد يَفُوتُ مِن حَظِّها؛ لحضورِ عاطفتِها مع الرجُلِ الأجنبيِّ عنها، وإذا زوَّجَها وليُّها، انتقَلَتِ القِوامةُ إلى زوجِها الذي كانتْ هي تحتاجُ إلى قيِّمٍ يقومُ بأمرِ زواجِها منه؛ لأنَّ الزوجَ قبلَ العقدِ أجنبيٌّ، وبَعْدَهُ قريبُ يَحفَظُ حقَّها، وَيَرْعَى شأنَها.\nوقولُه تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ يعني: أُمَرَاءَ بالحقِّ وطاعةِ اللهِ، فيجبُ على الزوجةِ طاعةُ زوجِها، وحفظُ مالِهِ وعهدِه، وولدِهِ وبيتِه، والإحسانُ إلى أهلِهِ ووالدَيْهِ؛ روى عليُّ بن أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: \"يعني: أُمَرَاءَ، عَلَيْهَا أَنْ تُطيعَهُ فِيمَا أَمَرَهَا اللهُ بِهِ مِنْ طَاعَتِه، وَطَاعَتُهُ. أَنْ تَكُونَ مُحْسِنَةً إِلَى أَهْلِه، حَافِظَةً لِمَالِه، وَفَضَّلَهُ عَلَيْهَا بِنَفَقَتِهِ وَسَعْيِهِ\" (١)؛ وبنحوِه قال الضَّحَّاكُ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-577>الإمارةُ والقوامةُ تكليفٌ:</span>\nوالأصلُ في الإمارةِ: أنَّها تكليفٌ، لا تشريفٌ؛ لأنَّ غُرْمَها أعظَمُ مِن غُنْمِها؛ لهذا جاء في الشريعةِ التحذيرُ مِن طلبِ الوِلَايةِ والتشوُّفِ لها، وأنَّ الأصلَ في أهلِ الوِلَاياتِ: أنَّهم يُبعَثونَ مَغْلُولةً أيدِيهم إلى أعناقِهم؛ حتى يَثبُتَ عَدْلُهم وبِرُّهم لِمَنْ تحتَهم.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٦٨٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٩٣٩).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٦٨٧).","vol":"2","page":825},{"text":"ويتولَّى الرجُلُ كاملُ الأهليَّةِ على المرأةِ كاملةِ الأهليَّة، لا العكسُ، ولكن تتولَّى المرأةُ على الرجلِ ناقصِ الأهليَّةِ؛ كالصغيرِ والأسيرِ والمريضِ، وبمقدارِ ما يَفُوتُ مِن الرجلِ تتولَّاهُ المرأةُ إلَّا ما اسْتَثنَتْهُ الشريعةُ بعينِه، وتتولَّى المرأةُ على المرأةِ كامِلةً أو ناقصةً إلَّا ما اسْتَثْنَتْهُ الشريعةُ؛ كالنِّكاحِ؛ فلا تُزوِّجُ الأمُّ ابنتَها؛ لأنَّه لا يَصِحُّ منها أنْ تُزَوِّجَ نفسَها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>فطرةُ اللهِ للجنسَيْنِ:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾:\nفَطَرَ اللهُ كلَّ جنسٍ على فِطْرةٍ واحدةٍ، وخَصَّ كلَّ واحدٍ منهما بخصائصَ ليستْ في الآخَرِ؛ ففي الرجُلِ مِن الخصائصِ الفِطْريَّةِ مِن القوَّةِ والصبرِ وبَسْطَةِ الجسمِ ما ليس في المرأة، وفي المرأةِ مِن الرحمةِ والتحنُّنِ على الولدِ والصبرِ على رعايتِه ما ليس في الرجُلِ؛ فلكلِّ جنسٍ فضلٌ ليس في الآخَر، وفي هذا قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾ [النساء: ٣٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>معنى التفاضُلِ بين الجنسَيْنِ:</span>\nوالمقصودُ بالفضلِ: الزيادةُ، وهو ضِدُّ النقص، والجمعُ فُضُولٌ؛ يعني: ما زادَ اللهُ به بعضَهم على بعضٍ، ولمَّا كان السِّيَاقُ في تقديمِ الرجُلِ في القِوَامةِ والوِلَاية، كان المقصودُ فَضْلَ الرجل، والفضلُ في الآيةِ على نوعَيْنِ:\nالأولُ: فِطْريٌّ خِلْقيٌّ، وهو ما ينشَأُ الرجلُ أو المرأةُ عليه؛ كقوَّةِ الرجُلِ وبَسْطَتِهِ وصبرِه؛ وهذا لا يُكتسَبُ حيثُ تَقْوَى المرأةُ على اكتسابِه؛ فهذا استرجالٌ منهيٌّ عنه، ومِثلُه تنعُّمُ الرجُلِ وترقيقُ صوتِهِ وتكسُّرُ مِشْيَتِه؛ وهو استئناثٌ منهيٌّ عنه.","vol":"2","page":826},{"text":"الثاني: مُكتسَبٌ، وهو طلبُ الرِّزْقِ والنفقهُ، وهذا يجوزُ للمرأةِ فِعْلُه، لكنَّه لا يجبُ عليها؛ وإنَّما يجبُ على وليِّها، فإنْ فقَدَتِ المرأةُ وليًّا، أُعْطِيَتْ مِن بيتِ المالِ ومِن الزَّكاةِ ولو كانتْ قادرةً على العملِ؛ لأنَّها لم تُخاطَبْ بالكَسْب والعملِ ولم تُؤمَرْ به كالرجُلِ.\nروى عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال \"فَضَّلَهُ عَلَيْهَا بِنَفَقَتِهِ وَسَعْيِهِ\"؛ وبنحوِه قال الشَّعْبيُّ وسُفْيانُ (١).\nوذِكرُ اللهِ لفَضْلِ الرجُلِ على المرأةِ في سياقِ القِوَامةِ إشارةٌ إلى أنْ لا قوامةَ لرجُلٍ لا يقومُ بسببِ قِوامتِه، وهو الفضلُ الفِطْريُّ والمُكتسَبُ، فالذي لا يعملُ بالفضلِ الفِطْريِّ وهو القوةُ، فيَرْعَى المرأةَ وَيحمِيها مما يُخافُ منه، ولا يبذُلُ ما يَكتسِبُهُ مِن مالِ فيَكْفِيها ويُنفِقُ على زوجتِه -: لا ولايةَ له عليها، فتكون ولايتُها إمَّا لأبيها أو للسُّلْطان، ويُفسَخُ النَّكاحُ إنْ شاءتْ، ما لم تُسقِطْ حَقَّ النفقةِ عنه.\nوالأصلُ في القِوامةِ: أنَّها حَقٌّ يُبذَلُ مِن الزوجِ لزوجتِهِ مُقابِلَ حقُّ منها يُبذَلُ له؛ فهي مُكافَأةٌ ومُقابَلةٌ؛ ولذا قال معلِّلًا حَقَّ الِوامةِ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، وكلَّما كان الواحدُ منهما أشَدَّ عفوًا وصَفْحًا وإحسانًا، فهو أكَرَمُ وأفضَلُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>حقيقةُ النشوزِ من الزوجةِ:</span>\nولمَّا ذكَرَ اللهُ القِوَامةَ للرجُلِ، ذَكَرَ نُشُوزَ الزوجةِ؛ إشارةً إلى أنَّ النشوزَ الذي يُعالَجُ مِن الزوجِ النشوزُ الذي ينشَأُ مع تمامِ إعطاءِ حقِّ القِوَامةِ على الزوجةِ بالنفقةِ والحِمَاية، لا ما يكونُ مِن نشوزٍ سببُهُ تعطيلُ حقِّ القِوَامةِ؛ فذلك يُعالَجُ بالوفاءِ بها وبَذْلِها.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٦٩٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٩٤٠).","vol":"2","page":827},{"text":"وفىِ قوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ إشارةٌ إلى الترغيبِ في الزوجةِ الصالحةِ ذاتِ الدِّينِ؛ لأنَّ صلاحَها في أمرِ ربِّها يَتْبَعُهُ صلاحُها في حقِّ زوجِها.\nوقولُه تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾:\nأصلُ النشوزِ: الارتفاعُ، وسببُهُ الكِبْرُ والاحتقارُ والبغضُ، ومَن تكبَّرَ واحتقَرَ وأبغَضَ، عَصَى وخرَجَ عن الطاعة، والمرادُ: خروجُ المرأةِ عن طاعهِ زوجِها بالامتناعِ عن فِرَاشِه وسائرِ حقوقهِ عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-581>نشوزُ الزوجةِ وعلاجُهُ:</span>\nقولُه تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾:\nالوعظُ: التذكيرُ بحُكْمِ اللهِ مِن كتابِ اللهِ وسُنَّةِ نبيِّه، والتخويفُ مِن عقابِه، والوعظُ بالحقِّ الفِطْريِّ العقليِّ الذي فُطِرَتِ النفوسُ عليه، والتذكير بالعهدِ المأخوذِ عليها وعليه.\nوجعَلَ اللهُ علاجَ النشوزِ على مرتبتَيْنِ:\nالأُولى: علاجُ البيوت، فلا يَخرُجُ الناسِ؛ حِفْظًا لحقِّ البيتِ وحُرْمَتِهِ مِن ذُيُوعِ ما فيه مِن أسرارِ؛ لتُحفَظَ هيبتُهُ وكرامتُهُ؛ حتى لا يقَعَ في أفواهِ مَن يُفسِدُ على أهلِ البيت أمرَهُمْ بالقَالَاتِ والنميمةِ والغِيبة، وقد جاء في \"المْسنَدِ\"، و\"السُّنَنِ\"؛ مِن حديثِ مُعاويةَ بنِ حَيْدَةَ مرفوعًا: (وَلَا يَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا يُقبِّحْ، وَلَا يَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ) (١)، فجعَلَ مَحَلَّ ذلك في البيت لا خارجَهُ؛ ليَحفَظَ للبيتِ حُرْمَتَةُ، وللزوجةِ كرامتَها، وجعَلَ اللهُ هذه المرتبةَ على حالاتٍ:\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢٠٠١١) (٤/ ٤٤٦)، وأبو داود (٢١٤٢) (٢/ ٢٤٤)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٩١٣٦) (٨/ ٢٦٦)، وابن ماجه (١٨٥٠) (١/ ٥٩٣).","vol":"2","page":828},{"text":"الحالةُ الأُولى: الوعظُ بينَه وبينَها.\nالحالةُ الثانيةُ: الهجر، وخَصَّهُ اللهُ في المَضْجَعِ؛ يعني: الفِراشَ، فلا يَهْجُرُها في المبيتِ كلِّه ويدَعُ الدارَ ويترُكُها أو يُخرِجُ المرأةَ مِن بيتِه؛ وإنَّما يكونُ معها في فِراشِها ويُولِيهَا ظَهْرَهُ؛ قاله عليُّ بنُ أبي طالبٍ وابنُ عبَّاسٍ والشَّعْبيُّ والحسنُ وقتادةُ وعامَّةُ السلفِ (١)؛ وذلك ليكونَ أقرَبَ لعودةِ النفوسِ ومراجعتِها، وأبعَدَ عن وسواسِ الشيطانِ بالخَلْوةِ.\nومِن السلفِ: مَن جعَلَ الهجرَ هنا هجرَ الكلامِ والحديثِ والمُؤانَسَةِ به، لا هَجْرَ الجِمَاعِ.\nومنهم مَن قال: هو هجرُ المؤانسةِ والجِماعِ جميعًا.\nوبالأولِ قال ابنُ عبَّاسٍ وعِكْرِمةُ والضحَّاكُ.\nوالثاني روايةٌ أُخرى عن ابنِ عبَّاسٍ.\nوالهجرُ لا يكونُ فوقَ ثلاثٍ؛ لعمومِ النهي؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديتِ أنسٍ؛ قال - ﷺ -: (لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ) (٢).\nوله أنْ يَهْجُرَ ثمَّ يَصِلَ ثمَّ يهجُرَ؛ إنْ قام مُوجِبُ الهجرِ وطال، ورأَى أنَّ الهجرَ يُصلِحُها لو طال، وظاهِرُ الآيةِ: أنَّ الهجرَ هنا هجرٌ لا يُسقِطُ الحقوقَ، فيَهجُرُ كلامَهُ معها المُشعِرَ بالمُؤانَسَةِ والقُرْبِ والرضا، ويُكلِّمُها في الضروراتِ والحاجات، لا هجرًا تامًّا؛ ولذا قيَّدَ الهجرَ بالمَضاجِعِ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾، مع أنَّ الرجُلَ يُخالِطُ زوجتَهُ في غيرِ المَضجَعِ أكثَرَ، وفي ذلك إشعارٌ بهجرِ المؤانَسَة، وعندَ الحاجةِ لهجرِ الجِماع يهجُرُ به.\nالحالةُ الثالثة: الضَّرْبُ؛ ولا يَصِيرُ إلى حالةٍ حتى يأتيَ لما يَسبقُها؛\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٦/ ٧٠٠)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٦٩٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٤٢).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٠٦٥) (٨/ ١٩)، ومسلم (٢٥٥٨) (٤/ ١٩٨٣).","vol":"2","page":829},{"text":"لأنَّ اللهَ رتَّبَ ذلك بقولِه: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾، والفاءُ للتعقيب، وبينَ كلِّ حالةٍ والتي تَلِيها ما يَكفِي لوجودِ أثرِها؛ ولذا قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ: \"يَعِظُها، فإنْ فعَلَتْ؛ وإلَّا هَجَرَها\"؛ أخرَجَه ابنُ المُنذِرِ (١).\nوظاهرُ قولِ الشافعيِّ: الترتيبُ إلا للحاجةِ؛ فيجوزُ الجمعُ بينَ العِظَةِ والهجرِ والضربِ.\nوليس المرادُ بالضربِ: المبرِّحَ الذي يُوجِعُ وَيَجرَحُ ويَكسِرُ ويُفسِدُ العُضْوَ؛ وإنَّما ما يَثْبُتُ معه التذكيرُ بالقِوامةِ؛ كالضَّرْبِ بالسِّواكِ ونحوِه؛ قاله ابنُ عبَّاسٍ وعطاءٌ (٢).\nوأمَّا المرتبةُ الثانيةُ: فهي معالجةُ نُشُوزِ المرأةِ خارجَ بيتِ زوحِها؛ وذلك بالسَّعْي بالإصلاحِ مِن الأَوْلياء، وبعثِ الحَكَمَيْنِ مِن أولياءِ الزوجَيْنِ؛ كما يأتي في الآيةِ التاليةِ.\nوالسُّنَّةُ: ألَّا يُصارَ إلى مرتبةٍ حتى يُؤتى بالأُولى.\nقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أيْ: لو رجَعَتِ الزوجةُ عن نُشُوزِها ومَنْعِ الزوجِ حقَّه منها كفِرَاشِه، فلا يجوزُ له أنْ يستمِرَّ في وعظِهِ كالمُعَيِّرِ لها لَيَكسِرَها، أو هَجْرِهِ وضَربِهِ ليُؤذِيَها ويَضُرَّها؛ لأنَّ التائبَ كمَن لا ذنبَ له، فلا يجوزُ المؤاخذةُ بما تِيبَ منه.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣].\nالشِّقاقُ هو النِّزاعُ والخُصومةُ التي يَغلِبُ على الظنِّ عدمُ علاجِها\n_________\n(١) \"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٦٩٠).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٧١١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٩٤٤).","vol":"2","page":830},{"text":"بينَ الزوجَيْنِ في بيتِهما، والخِطابُ في قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ هو للزوجَيْنِ وللسُّلطانِ؛ وحكى ابنُ جريرٍ الإجماعَ أنَّه ليس لغيرِهم؛ وإنَّما الخِلافُ عندَه في الآيةِ في المخاطَبِ بها: هل هو السُّلْطانُ، أو الزوجان، أو هما جميعًا؟ (١)، ولا أعلَمُ في تعيينِ المُخاطَبِ ببعثِ الحَكَمَيْنِ في السُّنَّةِ شيئًا.\nوقال سعيدُ بنُ جُبيرٍ: \"هو السُّلْطانُ\" (٢).\nوقال السُّدِّيُّ: \"الخِطابُ للزوجَيْنِ\" (٣).\nوكلُّ ذلك صحيحٌ؛ فلكلِّ واحدٍ مِن أولئك طلَبُ الحَكَمَيْنِ وبعثُهما، والسُّلْطانُ أظهَرُ وأقْوَى بالإلزامِ بقضاءِ الحَكَمَيْنِ وإمضائِه.\nويصحُّ توجيهُ الخِطاب إلى أهلِ الزوجَيْنِ إنْ كانوا أوصياءَ على الزوجَيْنِ لضَعْفِ الأهليَّة، أو أنابَهُما الزوجان، أو رأَوْا تمرُّدًا مِن الزوجَيْنِ وعِصيانًا لا يَصلُحُ إلَّا بانتداب الأهلَينِ لِيَبْعَثُوا حَكَمَيْنِ.\nفالأوْلى ألَّا يَمْضِيَ حُكْمُ الحَكَمَيْنِ مِن الأهلِ إلا بإمضاءِ السُّلْطانِ له؛ لأنَّ الخِطابَ في الآيةِ في قولِه: ﴿فَابْعَثُوا﴾ للسُّلْطانِ وللزوجَيْن، ودخولُ الأهلِ فيه ظنٌّ قال به بعضُ الفقهاءِ؛ لكنْ إنْ لم يكنْ ثَمَّةَ سُلْطانٌ في الأرضِ التي هم فيها، مَضَى حُكْمُ الحَكمَيْنِ مِن الأهلَينِ؛ لأنَّهما يقومانِ مقامَه، ولا تصلُحُ الحالُ ويزولُ الشِّقاقُ إلا بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-582>رضا الزوجَيْنِ بحكمِ الحَكَمَيْنِ:</span>\nوفي الآيةِ: إشارةٌ إلى عدمِ لزومِ رِضا الزوجَيْنِ بالحَكَمَيْن لمَن قال بأنَّ الخِطابَ للسُّلْطان، أو مَن قال مِن المتأخِّرينَ: إنَّ الخِطابَ لأهلِ الزوجَيْنِ؛ لأنَّه لو كان المُخاطَبُ بالبعثِ غيرَ الزوجَيْن، فلا حاجةَ إلى\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٧٢٦).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٧١٦).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٧١٧).","vol":"2","page":831},{"text":"رِضاهُما؛ فالرِّضا؛ يعني: أنَّهما أهلُ الخطابِ، والسُّلْطانُ وأهلُهما فرعٌ عنهما.\nوقولُه تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾؛ ليُصلِحا ما فَسَدَ، ولِيَأْطِرَا الزوجَيْن على الحقِّ بسيفِ الحياءِ والمروءةِ؛ فيَستَجلِيَا منهما ما جُبِلَتْ عليه النفوسُ مِن بَذْلِ الحقوقِ، وكراهةِ الظُّلْمِ، وفضلِ الإحسانِ والمروءةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-583>الحكَمانِ منَ أهلِ الزوجَيْنِ:</span>\nوالسُّنَّةُ: أنْ يكونَ الحَكَمانِ مِن أهلِ الزوجَيْنِ؛ لقولِه: ﴿حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾؛ لأنَّهما أعلَمُ الناسِ بالحالِ، وأكثَرُ الناسِ رغبةً في صلاحِ الزوجَيْنِ واستقامةِ أمرِهما، بخلافِ الأَبْعَدِينَ؛ فلا يَعلَمونَ ما يُصلِحُ الزوجَيْن، وما هما عليه مِن مصلحةٍ ومَضَرَّةٍ.\nوفي تحكيمِ الأَقْرَبِينَ مِن أهلِ الزوجَيْنِ دفعٌ لاطِّلاعِ الأَبْعَدِينَ على عيوبِ الزوجَيْنِ وما بينَهما مِن خلافٍ وخُصُومَةٍ تَتشوَّفُ الشريعةُ إلى كَتْمِه، لا إذاعتِه.\nوقد حَكَى بعضُ العلماءِ الإجماعَ على وجوبِ كونِ الحَكَمَيْنِ مِن أهلِ الزوجَيْنِ؛ كابنِ عبِدِ البَرِّ وابنِ رُشْدٍ.\nوفي حكايةِ الإجماعِ نظرٌ؛ فالآيهُ أَرْشدَتْ للأصلَحِ والأقوَمِ، وقرينةُ ذلك: أنَّ بعثَ الحَكَمَيْنِ أصلًا ليس بواجبٍ على الأظهَر، وقد قال جماعةٌ مِن فقهاءِ الشافعيَّة: إنَّ كونَ الحَكَمَيْنِ مِن أهلِهما مُستحَبٌّ، ولو بعَثْنا مِن غيرِهما للحاجةِ ولرجاحةِ ذلك في حالةٍ بعينِها، فهو جائزٌ؛ فربَّما كان أهلُ الزوجَيْنِ أو أهلُ أحدِهما سببًا في خصومةِ الزوجَيْنِ وشِقاقِهما، فبعثُ الحَكَمينِ منهما بكلِّ حالٍ محلُّ تُهَمَةٍ وضررٍ، ولكنَّ اللهَ أرشَدَ إلى الغالبِ ودَلَّ عليه؛ لِتَصْلُحَ الحالُ وتستقيمَ.","vol":"2","page":832},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-584>اتفاقُ الحَكَمَيْنِ مُلْزِمٌ:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾؛ يعني: الحَكَمَيْنِ؛ قاله ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٌ وسعيدُ بنُ جُبيرٍ وعامَّةُ السلفِ (١).\nوفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ الحَكَمَيْنِ إنِ اتفَقَا، لَزِمَ قولُهما ولو لم يَقُمِ الزوجانِ بتوكيلِهما، فالحَكَمانِ يَقضيانِ على الزوجَيْنِ بالحقِّ الذي لم يُخالِفْ حُكْمًا في الكتابِ والسُّنَّة، وحَكَى بعضُ العلماءِ الإجماعَ على أنَّ حُكمَ الحَكَمَيْنِ إنِ اتَّفَقَا مُلْزِمٌ للزوجَيْنِ.\nوهذا في حالِ اتِّفَاقِ الحَكَمَيْن، وأمَّا في حالِ اختلافِهما، فلا يَلْزَمُ قولُ كلِّ واحدٍ الآخَرَ، ولا يَلْزَمُ الزوجَيْنِ منِ ذلك شيءٌ؛ لأنَّ اللهَ جعَلَ توفيقَهُ للزوجَيْنِ في اتفاقِ الحَكَمَين، فتوفيقُ الزوجين فرعٌ عن توفيقِ الحَكَمَيْنِ كما في قوله: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>تفريقُ الحكمَيْنِ بين الزوجَيْنِ:</span>\nوهذا في اتِّفاقِ الحَكَمَيْنِ في غيرِ التفريقِ بينَ الزوجَين، وأمَّا إنِ اتَّفَقَ الحكمانِ في التفريقِ بينَ الزَّوجَيْن، فقد اختلَفَ العلماءُ في الإلزامِ به:\nالقولُ الأولُ: الإلزامُ به ولو في التفريقِ؛ وهو قولُ عثمانَ وعليِّ بنِ أبي طالب، وقولُ ابنِ عَبَّاسِ ومعاويةَ؛ وذهَبَ إليه مالكٌ، وهو أحدُ قولَي الشافعيِّ، فيُفرِّقُ بينَهما؛ فيُعطي الذي مِن أهلِها العِوَضَ، ويُطلِّقُ الذي مِن أهلِ الزوجِ.\nالقولُ الثاني: عدمُ إلزامِهما بالتفريقِ ولو اتَّفَقَا، ما لم يجعَلِ الزوجانِ ذلك إليهما؛ وهو قولُ عطاءٍ وقتادةَ والحَسَن، وذهَبَ إلى هذا\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٧٣٠ - ٧٣١)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٦٩٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٤٦).","vol":"2","page":833},{"text":"القولِ أبو حنيفةَ والشافعيُّ في القول الآخَر، وروايةٌ عن أحمدَ.\nوإنَّما قالوا بعدمِ التفريقِ ولو اتَّفَقَا؛ لأنَّ العِصْمةَ بيدِ الزوج، فلا يطلِّقُ غيرُه، وجعَلَ اللهُ للسُّلْطانِ الفسخَ بشروطٍ، ولم يجعَلْ ذلك في الحَكَمَيْن.\nوالأرجحُ: قولُ عثمانَ وعليِّ بنِ أبي طالب، ولم يُخالِفهما غيرُهما مِن الخلفاءِ الراشِدِينَ، والخليفةُ إنْ قال قولًا لا يُعارِضُ الدليلَ المعمولَ به، ولم يُخالِفْهُ أحدٌ مِن الخلفاء، فقولُهُ أقرَبُ إلى الصوابِ، هذا لو كان واحدًا، كيف وقد وافَقَه غيرُه مِن الخلفاءِ وقال بقولهما فقهاءُ الصحابةِ؛ كابنِ عبَّاسٍ ومعاويةَ؟ !\nروى ابنُ سعدٍ وابنُ المُنذِرِ؛ عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ ومعاويةَ؛ قال: بَعَثهُما - لا أعلَمُه إلَّا قال: عثمانُ - فقال: إنْ رأيتُما أنْ تَجمَعَا فاجْمَعَا، وأن تُفَرِّقَا ففَرِّقَا؛ قال: وذلك في فاطمةَ بنتِ عُتْبةَ بنِ ربيعةَ وعقِيلِ بنِ أبي طالبٍ، قال: وكانتْ قد نَشَزَتْ على عقيلٍ (١).\nوله طريقٌ أُخرى عندَ ابنِ المنذِرِ؛ مِن حديثِ ابنِ جُرَيْجٍ، عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ؛ بنحوِ هذه القصةِ (٢).\nوروى الشافعيُّ والنسائيُّ؛ مِن حديثِ عَبيدَةَ السَّلْمَانيِّ؛ أنَّ عليًّا قال لحَكَمَيْنِ: إنْ رأيتُما أنْ تَجْمَعَا فاجْمَعَا، وإن رأَيتُما أنْ تُفَرِّقَا ففَرِّقَا (٣).\nوبنحوِه روى عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ (٤).\n_________\n(١) \"الطبقات الكبرى\" لابن سعد (٨/ ٢٣٩)، و\"تفسير المنذر\" (٢/ ٦٩٦).\n(٢) \"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٦٩٦)\n(٣) أخرجه النسائي في \"السنن الكبرى\" (٤٦٦١) (٤/ ٤٢١)، والشافعي في \"مسنده\" (ص ٢٦٢).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٧٢٣)، \"تفسير ابن المذر\" (٢/ ٦٩٧)، \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٤٥).","vol":"2","page":834},{"text":"ويُؤكِّدُ القولَ بهذا: أنَّ اللهَ سمَّى الحَكَمَيْنِ بالحَكَمَيْن، لأنَّهما قاضيانِ، لا وكيلانِ ولا شاهدانِ، والحاكمُ يَقضي ويُلزِمُ.\nوالأرجَحُ: أنَّهما يُوقِعَانِ الطلاقَ، ولكنَّه يقعُ واحدةً؛ لأنَّه أَدْنى الحُكْمِ الذي تتحقَّقُ به المصلحةُ للزوجَيْنِ؛ وهذا قولُ مالكٍ.\nولا بدَّ للحَكَمَيْنِ أنْ يَعْلَمَا حالَ الزوجَيْنِ وما بينَهما مِن حقوقٍ ودَعْوَى، ورِضًا وغضبٍ، وما يُريدانِ مِن بقاءٍ وفُرْقةٍ حتى يَصْدُرَا بما يُصلِحُ الزوجَيْن، لا بما يُفسِدُهما، فيكونَ البغيُ والظلمُ.\nوتعليقُ اللهِ التوفيقَ في اجتماعِ الحَكَمَيْن، وهما اثنانِ -: دليلٌ على فضلِ الاجتماعِ، فاجتماعُ الجماعةِ الكثيرةِ مِن المُسلِمينَ على الأمرِ أقرَبُ إلى توفيقِ اللهِ وَأوْلى به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>ذمُّ الكثرةِ ومَدْحُهَا:</span>\nواللهُ ورسولُه - ﷺ - يَذكُرانِ الكثرةَ ويَذْمَّانِها إن كانتْ في عمومِ الناسِ جميعًا الكافرِ والمسلم، ويَمْدَحَانِها إنْ كانتْ في المُسلِمينَ، ومدحُ الكثرةِ في المُسلِمينَ قرينةٌ على الحقِّ، لا دليلٌ عليه، وذمُّ الكثرةِ في الناسِ كلُّهم دليلٌ على الباطل، لا قرينةٌ عليه؛ فاللهُ يقولُ: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾ [هود: ١٧]، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ [الأعراف: ١٨٧]، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة: ٢٤٣]، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ [المائدة: ١٠٣]، والكثرةُ في المُسلِمينَ محمودةٌ لكنْ ليست دليلًا بل قرينةٌ؛ فقد تكونُ الكثرةُ على الباطل، والقِلَّةُ على الحقِّ، فلم يَذُمَّ اللهُ عليه أكثر المُسلِمينَ؛ وإنَّما الذمُّ لما عليه أكثرُ الناسِ كلِّهم.\nومآلاتُ الأمورِ إلى اللهِ؛ هو أعلَمُ بصالحِها وطالحِها، وخيرِها وشرِّها؛ فمَنِ امتثلَ أمْرَهُ، جعَلَ التوفيقَ له، ومَن خالَفَ أمْرَهُ، حُرِمَهُ؛ ولذا قال بعدَ ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾.\n* * *","vol":"2","page":835},{"text":"قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦].\nأمَرَ اللهُ بتوحيدِه، ونَهَى عن ضدِّه، وهو الشِّرْكُ، وإذا أمَرَ اللهُ بشيءٍ ونَهَى عن ضدِّه، فهو مِن عظائمِ الأمورِ أو أعظَمُها؛ فالتوحيدُ أعظَمُ مأمورٍ به، والشِّرْكُ أعظَمُ منهيٍّ عنه.\nوقرَنَ اللهُ بتوحيدِهِ بِرَّ الوالدَيْنِ والإحسانَ إليهما؛ وهذا كقولِهِ تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>كيف تُعْرَفُ الأوامرُ المؤكَّدةُ والمخفَّفة</span>؟:\nوتُعرَفُ الأوامرُ المتأكِّدةُ على غيرِها بأن يُؤمَرَ بها ويُنهى عن ضدِّها في سياقٍ واحدٍ، ويَلِيها مَرتبةً: أن يُؤمَرَ بها ويُنهى عن ضدِّها في سياقٍ وموضعٍ آخَرَ، ويَلِيها: ما أُمِرَ به ولم يُنْه عن ضدِّه، وهكذا في المنهيَّاتِ: بالنهيِ عن شيءٍ والأمرِ بضدِّه، وهكذا.\nومِن قرائنِ معرفةِ الأوامرِ المتأكِّدةِ على غيرِها؛ معرفةُ عددِ وُرُودِ الأمرِ بها في الشريعةِ؛ فما يُؤمَرُ به في عشَرةِ أحاديثَ آكَدُ ممَّا يُؤمَرُ به في حديثٍ وحديثَينِ وثلاثةٍ، وهكذا في النهيِ؛ لأنَّ تَكْرارَ النهيِ ونَقْلَ الصحابةِ له دليلٌ على أهميَّتِه؛ ولهذا كثيرًا ما ينقُلُ أهلُ العلمِ بالسُّنَّةِ والأثرِ عددَ الأحاديثِ في البابِ إشارةً إلى هذا؛ فيقولُ أحمدُ والشافعيُّ وأضرابُهما: في هذا عشَرةُ أحاديثَ أو خمسةٌ، ونحوَ ذلك.\nوإذا اجتمَعَ في الشيءِ أمرانِ، فهو مِن عظائمٍ الدِّينِ:\nالأولُ: الأمرُ به والنهيُ عن ضدِّه في سياقٍ واحدٍ.","vol":"2","page":836},{"text":"الثاني: تَكْرارُ الأمرِ به والنهيِ عن ضدِّه في مواضعَ كثيرةٍ.\nولهذا كان التوحيدُ أعظَمَ وأكثرَ ما أُمِرَ به، والشِّركُ أكثَرَ وأعظَمَ ما نُهِيَ عنه، ويَلِيهِ بقيةُ أركانِ الإسلامِ.\nومَن تتَّبعَ ذلك، وجَدَ أنَّه شِبْهُ مطردٍ في الشريعة، وأنَّ الأمرَ إذا خلا مِن نهي عن ضدِّه، فغالبُه مستحَبٌّ، وأنَّ النهيَ إنْ خلا مِن أمرٍ بضدِّه، فغالبُه مكروهٌ؛ وبهذا يُفسَّرُ فقهُ الصحابةِ والتابعينَ في التشديدِ في بعضِ الأوامرِ والنواهِي والتخفيفِ في بعضِها؛ لأنَّهم أدرَكُوا مِن حرصِ النبيِّ - ﷺ - ما لم يُدرِكه غيرُهم.\nوهذا مع قرائنَ أُخرى؛ مِن وصفِ التاركِ بوصفٍ كالهلاك، والفاعلِ بوصفٍ كالنجاة، وهي أوصافٌ كثيرةٌ جِدًا تجتمعُ مع غيرِها؛ فيُؤخَذُ منها مَنزلةُ الحُكمِ في الشريعةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-588>حفظُ العالِمِ وفقهُهُ وأثَرُهُ على مراتِبِ الشريعةِ:</span>\nوكلَّما كان العالِمُ أكثَرَ حِفظًا للوحي ومعرفة لمَعانيهِ وسياقاتِه، كان أكثَرَ معرفةَ لأولويَّاتِ الشريعةِ عندَ تزاحُمَها والتدرُّج في تنزيِلها، وأبصَرَ بالسياسةِ عندَ ارتكابِ الأوامرِ المزدحِمةِ التي لا تتَّسعُ الحالُ للإتيانِ بها جميعًا، أو اجتماعِ المنهيَّاتِ التي لا بدَّ مِن ارتكابِ واحدٍ منها؛ فبهذا تُعرَفُ الأولويَّاتُ، وما شدَّدَتْ فيه الشريعةُ وما خَفَّفَتْ فيه.\nوقولُه: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾: هم أهلُ الرَّحِمِ وعمومُ أهلِ القَرَابةِ مِن النَّسَب، ولا يدخُلُ فيهم الرَّضَاعُ والمُصاهَرةُ بالأمر، ولكنَّها تدخُلُ في الفضلِ والإحسانِ وبَذْلِ المعروفِ وكريم الخُلُقِ.\nوأعظَمُ القُربى: أُولو الأرحام، واختلَفَ العلماءُ في الرحِمِ التي يجبُ وصلُها على أقوالٍ تقدَّمَ ذِكرُها في أوائلِ هذه السورةِ.\nوقولُه: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ وأَوْلى اليتامى والمساكينِ هم يتامى","vol":"2","page":837},{"text":"الرَّحِمِ ومساكينُهم؛ فلهم حقُّ القَرابةِ وحقُّ اليُتْيمِ والمَسْكَنَةِ؛ لأنَّ القريبَ أعلَمُ الناسِ بحاجةِ قريبِه، وأكثَرُ اطِّلاعًا عليها؛ فالحقُّ منه أوجَبُ، وحقُّ الرحِمِ منه آكَدُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>حقُّ الجيرانِ وأنواعُهُمْ:</span>\nوقولُه: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾:\n﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ الذي جَمَعَ مع قُرْبِهِ مكانًا: قُربَهُ نَسَبًا ورحمًا؛ فله حقُّ القَرابةِ وحقُّ الجوارِ.\nوهذا المعنى عليه أكثرُ المفسِّرينَ مِن السلفِ؛ وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ وعِكْرِمةَ ومجاهدٍ وزيدِ بنِ أسلَمَ (١).\nورُوِيَ عن عليٍّ وابنِ مسعودٍ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ: أنَّه الزوجةُ (٢).\nوقيل: هو كلُّ جارٍ مسلمٍ؛ فله حقُّ الجوارِ وحقُّ الإسلامِ.\nوفي هذا القولِ نظرٌ، والأولُ أَشْبَهُ.\nوالجارُ ذو القُربى ولو كان بعيدَ المنزلِ أحَقُّ مِن الجارِ المُلاصِقِ؛ كالأخِ والأختِ والعم والخالِ؛ لأنَّ حَقَّ الرحِمِ أعظَمُ مِن حقِّ الجارِ في النصوصِ، والنصوصُ في الأمرِ بصِلَتِها والنهي عن ضدِّها أكثَرُ وأوفَرُ، والوعيدُ في قطيعةِ الأرحامِ أعظَمُ مِن قطيعةِ الجَارِ وأذيَّتِه، وكُلٌّ إثمٌ.\nويَعضُدُ ذلك: أنَّ حقَّ الرَّحِمِ دائمٌ لا ينقطعُ بالبُعْد، وحقَّ الجارِ عارِضٌ ينقطعُ بالافتِراقِ والبُعْدِ؛ فالحقُّ الدائمُ أعظَمُ مِن العارضِ.\nفالرحِم يُوصَلُ ولو كان بعيدًا.\n﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ هو الجار المُسلِمُ الذي لا قَرابةَ له، رُوِيَ هذا\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٦ - ٧)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٧٠٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٤٨).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٤٨).","vol":"2","page":838},{"text":"عن ابنِ عبَّاسٍ، وقال به عِكْرِمةُ وقتادةُ وزيدُ بن أسلَمَ (١).\nوقال مجاهدٌ في قولٍ له: \"إنَّه رفيقُ السَّفَرِ\" (٢).\nوقيل: الجارُ الكافرُ يهوديًّا أو نصرانيًّا.\nوالأظهَرُ: أنَّه كلُّ جارٍ لا قرابةَ له، وحقُّ المُسلِمِ أَوْلى مِن غيرِه، وكلَّما كان الجارُ أقرَبَ بابًا، فهو أحَقُّ، والجارُ ذو القُربى البعيدُ، أوْلى مِن الجارِ غيرِ ذي القُربى ولو كان قرب الدارِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-590>حقُّ الصديقِ:</span>\n﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: كلُّ مُرافِقٍ في حلٍّ وسفرٍ، وأوْلى مَن يدخُلُ في هذا الوصفِ: الزوجةُ؛ وفسَّرَهُ بالزوجةِ عليُّ بنُ أبي طالبٍ وابنُ مسعودٍ وسعيدُ بنُ جُبيرٍ وغيرُهم (٣).\nوحَمَلة ابنُ عبَّاسٍ على كلِّ رفيقٍ وصاحبٍ في سفرٍ وغيرِه؛ وبه قال عِكرمةُ ومجاهدٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-591>حقُّ ابنِ السبيلِ:</span>\nوهذه الآيةُ في حقِّ الصُّحْبَةِ وحفظِ حقِّها وبَذْلِ المعروفِ إليها.\nوَيعضُدُ أن المرادَ بالصاحبِ بالجنبِ: الصاحبُ المُرافِقُ: أنَّ اللهَ ذكَرَ ما سَبَقَهُ بوصفِ الجار، وخَصَّه بالصاحب، ثمَّ إنَّ اللهَ ذكَرَ ما بَعدَه تكميلًا لحقِّ الصاحِبِ ورفيقِهِ في السفرِ على ما يَرِدانِ عليه مِن البُلْدان، وهو ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، وهو المسافِرُ، انقطَعَ زادُهُ أو لم يَنقطِعْ، فله حقٌّ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٩/ ٧ - ١٠)، و\"تفسير ابن المنذر\": (٢/ ٧٠١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٤٨).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٤٩).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٧/ ١٤)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٧٠٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٤٩).","vol":"2","page":839},{"text":"بالإحسانِ إليه، ويدخُلُ في حُكْمِهِ الأسيرُ ولو كان بينَ أهلِهِ إذا حِيلَ بينَهُ وبينَ مالِهِ بحبسِ السلطانِ الظالمِ له وقَطْعِ رِزْقِهِ عنه ولو كان غنيًّا، فهو مِن أهلِ الزكاةِ.\nوالآيةُ في غيرِ الزكاةِ؛ فتُحمَلُ على عمومِ الإحسانِ إلى الغريبِ ولو كان معه مائة وزاده، ولا تُخصَّصُ بالنفقةِ والزكاة، فيُحسَنُ إلى الغريبِ عن بَلَدِه؛ فتُؤنَسُ وَحْشَتُهُ ويُدخَلُ السرورُ عليه بإكرامِهِ والبشاشةِ في وجهِه، ودَلالتِه على الطريقِ وهدايِتهِ السبيلَ، وقضاءِ حاجتِه؛ فمَن ظَنَّ أنَّ ابنَ السبيلِ يستحقُّ الزكاةَ وحدَها في كتابِ الله، فقد أخطَأ؛ فله أوسَعُ مِن ذلك في الحقِّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-592>الجارُ مقدَّمٌ على الصديق:</span>\nوالجارُ أحَقُّ مِن الصاحِبِ والرفيق؛ لأنَّ قُربَهُ أَدْوَمُ مِن غيره؛ فهو صاحبٌ وجارٌ، فيُصاحِبُ جارَهُ في مسجدِهِ ومجلسِهِ ووليمتِهِ وحاجتِهِ وحمايةِ بيتِهِ وحِفْظِ عورتهِ وأهلِه، وأمَّا الصاحبُ فصاحبٌ فقطْ.\nثمَّ إنَّ النصوصَ في الأمرِ بحقِّ الجارِ أكثَرُ مِن حقِّ الصاحب، والنهيُ عن أذيَّةِ الجارِ أعظَمُ مِن أذيَّةِ الصاحب.\nويعضُدُ أنَّ الجارَ أحَقُّ: أنَّ حقَّه يتعدَّى إلى أهلِهِ ومَحارِمِهِ ومَن يَرِدُ إليه؛ فالزِّنى بمَحارِمِ الجارِ والاطِّلاعُ إلى عورتِه التي عندَه في الدارِ أو الواردةِ إليه أعظَمُ مِن عورةِ الصاحِبِ وأهلِهِ في النصوصِ، وفي \"الصحيحَينِ\"؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قيل له: أيُّ الذَّنبِ أَعْظَمُ؟ فقال: (أنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ ... ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ) (١)؛\nفالنصوصُ في الإحسانِ إلى الجارِ والنهيِ عن أذيَّتِه أكَثَرُ وأعظَمُ مِن الصاحِبِ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٤٧٧) (٦/ ١٨)، ومسلم (٨٦) (١/ ٩٠).","vol":"2","page":840},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-593>حقوقُ المَوَالي:</span>\nوقولُه: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: هم الموَالي عبيدًا وإماءً، والإحسانُ إليهم: إطعامُهم وكسوتُهم وعدمُ ضربِهم وسَبِّهم، وانِ احتاجُوا وخَشِيَ عليهم العَنَتَ، زوَّجَهم وكَفَاهُم، ولا يُكلِّفُهم ما لا يُطِيقُونَ، ويُجلِسُهُمْ إلى طعامِهِ ويُؤاكِلُهُم.\nوَيقضي حاجتَهُمْ كما كان النبيُّ - ﷺ - يَقضي حاجةَ خَدَمِهِ ومَوَالِيه، وخَدَمِ غيرِهِ ومَوَالِيهم، وينتصرُ لهم ممَّن ظَلَمَهم؛ كما انتَصَرَ لبَرِيرَةَ مِن ظُلْمِ أهلِها باشْتراط ولائِهِمْ مع أنَّ العِتْقَ مِن غيرِهم، وفي \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ أنِسٍ؛ قال: \"إِنْ كَانَتِ الأمَةُ مِنْ إمَاءِ أَهلِ المَدِينَة، لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَتَنطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شاءَتْ\" (١).\nوالمَوَالي أكثَرُ الناسِ تعرُّضًا للظُّلْمِ؛ لأنَّهم يَنشغِلُونَ بالخِدْمةِ وقضاءِ الحاجاتِ في الأسواقِ يَبِيعُونَ وَيشتَرُونَ، ويَجلِبُونَ المتاعَ وَيحمِلونَه، ويَسْقُونَ وَيَزرعونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-594>ذمَّ الكِبرِ وآثارُهُ:</span>\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾: ذكَرَ الله صِفَتَيْنِ: الخُيَلاءَ والفخرَ، وجامِعُهما: الكِبْرُ؛ فالكِبرُ يَحُولُ بينَ العبدِ وبينَ النفقةِ والإحسانِ إلى الفقراءِ والضعفاءِ ومُجالَسَتِهم، وبِرِّ الوالدَيْنِ والأقرَبِينَ والإحسانِ إليهم؛ فاللهُ لمَّا ذكَرَ عيسى بنَ مريمَ، ذكَرَ عنه قولَهُ: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢]؛ فالكِبرُ والتجبُّرُ يَمْنَعُ مِن البِرِّ للوالدَيْنِ فضلًا عن غيرِهم، وكلَّما زاد الكِبْرُ، نقَصَ معه البِرُّ، فالمتكبِّرُ يترفَّعُ عمَّا يَظُنُّ أنَّه يَضَعُهُ كخِدْمةِ غيرِه والابتذالِ له كوالدِه، وإنْ أراد الإحسانَ، وضَعَ بينَهُ وبينَ والدَيْهِ خادمًا، وهو قادرٌ، فلا يُباشِرُ مِن البِرِّ بنفِسهِ شيئًا.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٠٧٢) (٨/ ٢٠).","vol":"2","page":841},{"text":"ولا يترُكُ الرجُلُ بِرَّ والدَيْهِ وَيصِلُ بقيَّةَ رَحِمِهِ إلَّا لغيرِ اللهِ؛ لأنَّ برَّ الوالدَيْنِ لا آكَدَ منه في حقوقِ الناسِ.\nوالمتكبِّرُ المختال الفَخُورُ يمتنعُ عن مُخالَطةِ الضُّعَفاءِ لِعُلُوِّه؛ حتى لا ينتسِبَ إليهم قَرَابةً وصُحْبةً، وَيحبِسُ المالَ عن الصدقةِ والزكاةِ؛ خوفًا على فقدِ مالهِ الذي يرتفِعُ به، فيَنزِلُ مِن أَعْيُنِ الناس، ولو أنفَقَ، أنفَقَ لِيَعْلُوَ ويُذكَرَ ويُحمَدَ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-595>التدرُّجُ في تحريمِ الخَمْرِ:</span>\nلم يكُنِ النبيُّ - ﷺ - يُحِلُّ الخمرَ ولا يتناوَلُهَا قبلَ تحريمِه؛ وإنَّما غايةُ الأمرِ: السكوتُ عنها لسكوتِ اللهِ عنها؛ توطينًا للنفوسِ وتدرُّجًا في التشريعِ؛ وإنَّما كان النبيُّ يتركُهُ؛ لنُفُورِ الفِطَرِ الصحيحةِ عمَّا يُغَيِّبُ العقلَ وَيَجلِبُ السَّفَهَ وسُوءَ التصرُّفِ والهَذَيَانَ، وأصَحُّ الفِطَرِ فِطَرُ الأنبياء، وقد جاء الوحيُ متدرِّجًا مُستصلِحًا للفِطَرِ التي طرَأَ عليها تبديلٌ مِن أعمالِ الجاهليَّة، ولم يكُنْ مَن يشربُ الخمرَ قبلَ تحريمِهِ آثمًا؛ لأنَّ اللهَ لا يُؤاخِذُ أحدًا قبل البلاغِ والبيان، وأوَّلُ ما نزَلَ مِن القرآنِ في الخمرِ هذه الآيةُ؛ إشارةً إلى تطهيرِ العِبادةِ ومَوضِعِها مِن السُّكَارَى، وكأنَّ في الآية ذمًّا وتنقُّصًا لشارِب الخمرِ؛ إذ مُنِعَ مِن قُرْبِ الصلاةِ؛ لفَقْدِ عقلِه وعدمِ إقامتِهِ","vol":"2","page":842},{"text":"العِبادةَ على ما يُرِيدُ اللهُ؛ وهذا ظاهرٌ في قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾.\nوالعِلمُ بالصلاةِ وما فيها شرطٌ لصحَّةِ الصلاة، ولا يكونُ هذا إلا مِن عاقلٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>صلاةُ غيرِ العاقِلِ:</span>\nولا خلافَ عندَ العلماءِ: أنَّه لا تَصِحُّ صلاةُ فاقِدِ العقلِ بجنونٍ أو سُكْرٍ.\nوأمَّا مَن شَرِبَ الخمرَ، ولم يَفقِدْ عقلَهُ كشاربِ القليلِ، أو شَرِبَ كثيرًا ممَّا لا يُسكِرُ إلَّا الكثير الفاحِشُ منه، فقد أَثِمَ واستوجَبَ الحَدَّ، وصلاتُهُ صحيحةٌ لسلامةِ عقلِهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-597>حكمُ تصرُّفاتِ السَّكْرانِ:</span>\nوألحَقَ بعضُ الفقهاءِ ببُطْلانِ صلاتِهِ بطلانَ قولِهِ وفعلِهِ في غيرِ الصلاةِ؛ كالطَّلاقِ والعَتَاقِ والنِّكاحِ والبيع، وفي المسألةِ خلافٌ قديمٌ عندَ السلفِ وتَبِعَهم الخَلَفُ على أقوالٍ:\nالقولُ الأول: كلُّ قولٍ مِن السَّكْرانِ باطلٌ؛ مِن بيعٍ وعَتَاقٍ ونكاحٍ وطلاقٍ، ويُحَدُّ بما تَجْنِيهِ جوارحُهُ مِن سرقةٍ وقتلٍ وزِنًى.\nوهذا قولُ القاسمِ بنِ محمدٍ وطاوسٍ وعطاءٍ، وذهب إليه اللَّيْثُ والمُزَنِيُّ وأبو العبَّاسِ بن سُرَيْجٍ، ونَسَبَهُ بعضُ فُقهاءِ الشافعيَّةِ قولًا قديمًا للشافعيِّ، وأنكَرَ نِسبَتَهُ للشافعيِّ المَاوَردِيُّ وغيرُه.\nالقولُ الثاني: يَلزَمُ السكرانَ كلُّ شيءٍ مِن تَبِعَةِ قوْلِهِ وفِعْلِهِ؛ وهذا قولُ أبي حنيفةَ، واستثنَى ما استثناهُ غيرُه مِن العلماءِ ما كان مِن حقِّ اللهِ؛ كألفاظِ الكفرِ والرِّدَّة، وكذا الإقرارُ بالحدودِ على نفسِه.\nالقولُ الثالثُ: يَلزَمُ السَّكْرانَ الطلاقُ والعَتَاقُ والقَوَدُ، ولا يَلزَمُهُ النِّكاحُ والبيعُ؛ وهذا قول مالكٍ.","vol":"2","page":843},{"text":"وفي كلامِ بعضِ الفُقَهاءِ تداخُلٌ في بعضِ صُورِ ما يَلزَمُ السكرانَ، بخلافِ ما كان بين العلماءِ القائِلينَ بلزومِ كلِّ شيءِ وبينَ القائلينَ بعدمِ لزومِ أيِّ شيءٍ.\nوهذانِ القولانِ أقَلُّ الأقوالِ حظًّا مِن الأدلةِ ومقاصِدِ الشريعةِ.\nوللشافعيَّةِ تفصيلٌ يُعَدُّ قولًا رابعًا. وهو أنَّهم يُفرِّقونَ بينَ السَّكْرانِ بمُباحٍ كالبَنجِ المُخَدِّرِ للعلاجِ وكحالةِ المُكرَهِ، وبينَ السَّكْرانِ بمحرَّمٍ؛ فالأوَّلُ: لا يُؤخَذُ بقولِهِ ولا يَلزَمُهُ منه شيءٌ، والثاني: يُؤخَذُ بقولِهِ وتَلزَمُهُ لوازمُه؛ مِن بيعٍ وزواجٍ وطلاقٍ وعَتَاقٍ.\nوللفقهاءِ كلامٌ كثيرٌ وتفصيلٌ واستثناءٌ في مسألةِ ما يَلزَمُ السَّكرانَ وما لا يَلزَمُهُ، ومَن تتبَّعَ أقوالَ السلفِ، وجَدَ أنَّ بعضَ الاستثناءِ عندَ الفقهاءِ لا يحتاجُ إلى بحثٍ ونظرِ؛ لتَوَاتُرِ الأدلةِ على عدمِ مؤاخَذتِهِ به؛ فإنَّ السلفَ لا يَختلِفونَ في أنَّ ألفاظَ الرِّدَّةِ لا تَلزَمُ السَّكْران، وأنَّ مَن سَكِرَ مُكرَهًا أو مُخطِئًا، أو فقَدَ عَقْلَهُ ببَنْجٍ لا يُسكِرُ: أنَّه لا يُؤاخَذُ بشيءٍ مِن أقوالِه، سواءٌ بعَتَاقٍ أو طلاقٍ أو نِكاحٍ أو بيعٍ أو قَوَدٍ؛ لأنَّه في حُكْمِ المجنونِ المَطْبُوعِ على الجُنُونِ، ولا حاجةَ لاستثناءِ هذه الصُّوَرِ؛ للإجماعِ عليها عندَ السلفِ.\nوقد صَحَّ عن عثمانَ بنِ عفَّانَ: عدمُ إلزامِ السَّكْرانِ بالطلاق، مِن غيرِ تفريقٍ بينَ أسبابِ سُكْرِه؛ لارتفاعِ التكليفِ عنه ولو كان مختارًا لذلك السببِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-598>قربُ السَّكْرانِ للصلاةِ:</span>\nوفي المرادِ مِن قُرْبِ الصلاةِ في قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ خلافٌ عندَ المفسِّرينَ مِن السلفِ في قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾:\nفمنهم: مَن جعَلَ المرادَ بالقُرْبِ: قَصْدَ الصلاةِ ودخولَها، لا دخولَ","vol":"2","page":844},{"text":"المساجدِ بِعَيْنِها بلا صلاةٍ؛ وبهذا القولِ قال عليٌّ وابنُ عبَّاسٍ وسعيدُ بنُ جُبيرٍ والحسنُ وقتادةُ ومجاهدٌ، وهذا هو القولُ الأولُ.\nوالقولُ الثاني: أنَّ المرادَ بالقُرْبِ: مواضِعُها؛ وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ في روايةٍ عنه، وابنِ مسعودٍ وابنِ المسيَّبِ وعطاءٍ وعمرِو بنِ دِينارٍ وعِكْرِمةَ والزُّهْريِّ.\nوالقولُ الأولُ لا يُنافي الثانيَ، ولا الثاني يُنافي الأولَ، لأنَّ مَن منَعَ مِن دخولِ المساجدِ لا يُجيزُ دخولَ الصلاةِ للسَّكْرانِ ولو في البَرِّيَّة، ومَن قال بأنَّ المرادَ دخولُ الصلاةِ لا يَلزَمُ مِن قولِهِ حصرُ الحُكْمِ فيه؛ وإنَّما قصَدَ أنَّ المساجدَ عُظِّمَتْ لأجلِ الصلاةِ والعِبادة، ولولاها ما كانتْ مُعظَّمةً، فذكَرُوا غايةَ الحُكْمِ وترَكُوا بدايتَهُ، وتركُهُمْ للبدايةِ لا يعني خروجَها عن الحُكْمِ، ولكنْ يعني أنَّ دخولَ الصلاةِ مِن السَّكْرانِ ولو في الفضاءِ أعظَمُ عندَ اللهِ مِن دخولِهِ المسجدَ بلا صلاةٍ، ويُؤكِّدُ هذا: أنَّ اللهَ رخَّصَ في دخولِ المسجدِ عُبُورًا، ولم يُرخِّصْ في شيءٍ مِن دخولِ الصلاةِ بأيِّ حالٍ للسَّكْرانِ والجُنُبِ إلَّا مع الوضوءِ والتيمُّمِ للجُنُبِ خاصَّةً، ومِن قرائنِ هذا: أنَّه جاء عن ابن عبَّاسٍ روايتان، وأصحابُهُ منهم مَن ذكَرَ المعنى الأولَ كسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ ومجاهدٍ، ومنهم مَن ذكَرَ المعنى الثانيَ كعطاءٍ وعِكْرِمةَ.\nومِثلُ هذا كثيرًا ما يقعُ في قولِ ابنِ عبَّاسٍ وَيعُدُّهُ بعضُ الفُقَهاءِ قولَيْنِ عنه.\nوليس في حَمْلِ الآيةِ على قُرْبِ المسجدِ صرفٌ لها عن ظاهرِها، بل حملٌ لها على ظاهرِها؛ لقرائنَ؛ منها: أنَّ الله نَهَى عن القُرْبِ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾؛ كالنهيِ عن قُرْبِ الخمرِ والمَيْسِرِ: تحريمٌ لاقتنائِها والجلوسِ في موضعٍ تُستعمَلُ هي فيه.","vol":"2","page":845},{"text":"ومِن القرائنِ قولُه ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾؛ فالعبورُ إشارةٌ إلى أنَّ المرادَ به محلُّ الصلاة، فضلًا عن فِعْلِها.\nوالخِطابُ في قولِه تعالى، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ توجيهٌ للمُسْلِمِينَ قبلَ القطعِ بتحريمِ الخمرِ؛ فلم يُنْهَ الناسُ عنها فضلًا عن عِقَابِهم بالحَدِّ عليها، والنهيُ تَوجَّهَ للمؤمِنِ قبلَ سُكْرِهِ أنْ يَسكَرَ عندَ قُرْبِ الصلاةِ، فيتسبَّبَ ذلك في تركِهِ الصلاةَ أو تَرْكِهِ إقامتَها على وجهِها فلا تُقبَلَ، ويتضمَّنُ الخِطَابُ حِينَها بدَلَالةِ المفهومِ جوازَ السُّكْرِ في غيرِ وقتِ قُرْبِ الصلاة، فالخِطَابُ تَوَجَّهَ للعاقلِ ألَّا يسكَرَ عندَ قُرْبِ الصلاةِ، لا للسَّكْرانِ أنْ يقترِبَ مِن الصلاةِ؛ لأن السَّكْرانَ عيرُ مُخاطبٍ لعدمِ عقلِه.\nوفي هذا قرينةٌ على نهي الرجُلِ عن أكلِ الثُّومِ والبصلِ عندَ قُرْبِ الصلاةِ جماعةً؛ ففي الحديثِ؛ أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ الْخَبِيثَتَيْن، وَقَالَ: (مَن أَكَلَهُمَا، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا) (١)؛ فالسكرُ عندَ نزولِ هذه الآيةِ لم يكُنْ مُحرَّمًا، فنُهِيَ السكرانُ وآكِلُ الثُّومِ والبصلِ عن قُرْبِ الصلاةِ؛ يعني: موضعَها، وتعدَّى نهيُ السكرانِ عن أداءِ الصلاةِ نفسِها أيضًا؛ لعدم العقلِ عندَ أدائِها، فكان نهيُ الرجلِ عن قُرْبِ الصلاةِ وهو سكرانُ أشَدَّ؛ لهذا جاء في القرآن، وجاء النهيُ عن الصلاةِ جماعةً لآكِلِ الثُّومِ والبصلِ في السُّنَّة، ولو أدَّاها صحَّتْ منه، بخلافِ فاقِدِ العقلِ بسُكْرٍ ونحوِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-599>قربُ الصلاةِ جماعةً برائحة كريهة:</span>\nولا يجوزُ لأحدٍ أن يتعمَّدَ أكْلَ الثَّومِ والبصلِ ليُعذَرَ بتركِ الصلاةِ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٦٢٤٧) (٤/ ١٩)، وأبو داود (٣٨٢٧) (٣/ ٣٦١)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٦٦٤٧) (٦/ ٢٣٦).","vol":"2","page":846},{"text":"جماعةً؛ كما أنَّه لا يُفهَمُ مِن الآيةِ: أنَّه يجوزُ للصحابةِ شربُ الخمرِ قبلَ تحريمِهِ قُبيلَ الصلاةِ فيُعذَرُوا بتركِ الصلاةِ؛ بل إنَّ الآيةَ دالَّةٌ على النهيِ عن الفعلِ قبلَ الصلاةِ حتى لا تُترَكَ الصلاةُ؛ ولهذا كانوا يَشربونَها بعدَ نزولِ هذه الآيةِ وقبلَ التصريحِ بالتحريمِ بعدَ صلاةِ العِشاءِ وبعد صلاةِ الغداةِ؛ كما روى عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: \"كانوا لا يشربونَها عندَ الصلاة، فإذا صَلَّوُا العِشاءَ شرِبوها، ولا يُصبِحُونَ حتى يَذهَبَ عنهم السُّكْرُ، فإذا صلَّوُا الغَدَاةَ شرِبُوها؛ فما يأتي الظُّهْرُ حتى يذهَبَ عنهم السُّكْرُ\" (١).\nويُستثنَى مَن لم يَجِدْ طعامًا إلَّا ثُومًا أو بصلًا، فله أكلُهُ ولو قبلَ الصلاة، ويُعذَرُ بتركِها جماعةً، واللهُ أعلَمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-600>دخولُ المساجِدِ للجُنُب:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ يتضمَّنُ تحريمَ الصلاةِ بلا طهارةٍ، وتحريمَ دخولِ المسجدِ إلَّا برفعِ الحَدَثِ الأكبرِ أو تخفيفِهِ بوضوءٍ؛ كما هو عملُ الصحابةِ.\nوالنهيُ عن قرْبِ الصلاةِ إلَّا بغسْلٍ للجُنُب مُطلَقٌ قُّيِّدَ بما بعدَهُ مِن جوازِ التيمُّمِ عندَ فقدِ الماء، وليس في الآيةِ منعُ الجُنُب مِن قُرْبِ الصلاةِ عندَ فقدِ الماءِ في الحَضَرِ بدَلَالةِ اقترانِهِ مع السَّكْران، وذكَرَ الغُسْلَ في قوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾؛ لأن الآيةَ جَرَتْ مَجرى الغالبِ؛ فالماء يُوجَدُ في الحَضَر، وكذا في المساجدِ؛ فالمسافِرُ مَظِنَّةُ فَقْدِ الماءِ والصلاةِ في العراءِ، وليس في الآيةِ حَصْرٌ؛ وإنَّما هي لبيانِ اشتراكِ الحُكْمِ بينَ السَّكْرانِ والجُنُبِ في تحريمِ دخولِ المسجدِ فضلًا عن أداء الصلاةِ، فنهيُ الجُنُبِ قَدْرٌ زائدٌ عن نهيِ المُحْدِثِ حَدَثًا أصغَرَ، فيجوزُ للمُحْدِثِ حَدَثًا\n_________\n(١) \"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٧١٧).","vol":"2","page":847},{"text":"أصغَرَ أنْ يدخُلَ المسجِدَ، ولكنَّ السَّكْرانَ والجُنُبَ يَحرُمُ عليهما ذلك؛ لقوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا﴾؛ فالقُرْبْ قَدْرٌ فوقَ المُباشَرةِ، ولرفعِ الالتباسِ ذكَر اللهُ جوازَ تيمُّمِ الجُنُبِ عندَ فقدِ الماءِ بعدَ ذلك كما في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾؛ ففي قولِه ﴿لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ بعد قوله ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ إشارةٌ إلى اختلافِ الموضعَيْنِ في الحُكْمِ؛ فالأولُ نهيٌ عن موضعِ الصلاة، والثاني يتضمَّنُ نهيَ الجُنُبِ عن الصلاةِ بلا وضوءٍ أو تيمُّمٍ.\nولا فَرْقَ في حُكْمِ الجُنُبِ بين الحاضِرِ والمسافِرِ عندَ فقدِ الماءِ عندَ عامَّةِ السلفِ وجمهورِ الفقهاءِ؛ خلافًا لأبي حنيفةَ، وجماعةٌ مِن فُقَهاءِ الحنفيَّةِ لا يُفرِّقونَ كالجمهورِ؛ وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ والأوزاعيِّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-601>مباشرةُ المعتكِفِ لزوجتهِ:</span>\nوفي الآيةِ: دليلٌ على تحريم الجِمَاعِ في المسجدِ للمُعتكِفِ وغيرِه؛ لدلَالةِ الآيةِ بالنهي عن قُرْبِ الصلاةِ للجُنُبِ، فسببُ الجنابةِ مِن بابِ الأوْلى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-602>الاحتلامُ في المسجد، وتخفيفهُ بالوضوء:</span>\nومَن نام أوِ احتلَمَ لا يأثمُ؛ لعدمِ تكليفِهِ عندَ وُرُودِ السببِ عليه، ويخرُجُ يغتسلُ أو يتخفَّفُ مِن الجنابهِ بوضوءٍ؛ كما هو عملُ الصحابةِ؛ كما رواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ والأثرَمُ، عن عطاءٍ؛ قال: \"رأيتُ أصحابَ النبيِّ - ﷺ - يَجلِسونَ في المسجدِ وهم مُجنِبُونَ إذا توَضَّؤُوا وُضوءَ الصلاةِ\" (١).\n_________\n(١) \"التفسير من سنن سعيد بن منصور\" (٦٤٦) (٤/ ١٢٧٥)، و\"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٣١٣).","vol":"2","page":848},{"text":"وسندُه صحيحٌ.\nوبنحوِه روى زيدُ بنُ أسلَمَ عنهم.\nوقال بهذا أحمدُ وإسحاقُ: أنَّ الوضوءَ يُخفِّفُ، ويجوزُ معه المُكْثُ.\nوقال مالكٌ: بمنعِ المُكْثِ والمرورِ بكلِّ حالٍ؛ وهو ظاهرُ مذهبِ الحنفيَّة.\nوكان أبو حنيفةَ يمنعُ المرورَ إلا للمتيمِّم، وأمَّا المُكْثُ: فيمنعُهُ بكلِّ حالٍ؛ أخذًا بظاهرِ الحديثِ المرويِّ في \"سُننِ أبي داودَ\"؛ مِن حديثِ أَفْلَتَ بنِ خليفةَ، عن جَسْرَةَ بنتِ دِجَاجَةَ، عن عائشةَ مرفوعًا: (لَا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ) (١).\nوالحديثُ ضعيفٌ لا يُحتَجُّ به؛ تفرَّدتْ به جَسْرَةُ، وعنها أَفلَتُ؛ قال البخاري: \"عندَها عجائب\" (٢).\nوجَسْرَةُ كوفيَّةٌ ليستْ معروفةً بالحديثِ ولا بالفقه، وليستْ معروفةً بالأخذِ عن عائشةَ ولا بمجالستِها، ولعائشةَ أصحابٌ كثرٌ يرْوونَ عنها حديثَها، ويَحمِلونَ فِقهَها مِن الرِّجالِ والنِّساء، وفي قَراباتِها مِن النِّساءِ والرِّجالِ ما لا يَفوتُ عليهم مِثلُه، ولا يَفُوتُ عليها تحديثُهم به.\nوضعَّفَ أحمدُ أَفلَتَ مرَّةً (٣)، وقال في أُخرى: \"لا أرَى به بأسًا\" (٤).\nوجاء مِن حديثِ أبي الخطابِ، عن مَحدُوجٍ الذُّهْلِيِّ، عن جَسْرَةَ،\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢٣٢) (١/ ٦٠).\n(٢) \"التاريخ الكبير\" للبخاري (٢/ ٦٧ رقم ١٧١٠).\n(٣) ينظر: \"شرح السُّنَّة\" للبغوي (٢/ ٤٦)، و\"تهذيب التهذيب\" (١/ ٣٦٦ رقم ٦٦٨).\n(٤) \"العلل ومعرفة الرجال\" لأحمد رواية ابنه عبد الله (٣/ ١٣٦ رقم ٤٥٩٢).","vol":"2","page":849},{"text":"عن أمِّ سَلَمَةَ عندَ ابنِ ماجَهْ (١)، وفيه مجهولانِ، واضطرَبَتْ فيه جَسْرَةُ؛ تارةً تَرْوِيهِ عن عائشةَ، وتارةً عن أمِّ سلمةَ، والصحيحُ عن عائشةَ كما قاله أبو زُرْعةَ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-603>دخولُ الحائِضِ للمسجِدِ:</span>\nوقد ذهَبَ المُزَنيُّ: إلى جوازِ دخولِ الحائضِ للمسجد،\nوجعَلَ أحمدُ حُكْمَها كالجُنُبِ؛ لو توضّأتْ جاز أنْ تدخُلَ، وإنَّما ذكَرَ الجُنُبِ؛ لأنَّ وصفَ الجنابةِ يقعُ مِن الرجالِ والنساء، ولأنَّ الرجالَ أكثَرُ قُرْبًا للمساجدِ ومُكْثًا فيها.\nولا يَلزَمُ اشْتراكُ الحائضِ في الحُكْمِ؛ لأنَّ الجنابةَ سببٌ يُمكِنٌ لصاحِبِهِ رفعُهُ، بخلافِ الحيضِ؛ فالمرأةُ لا يُرفَعُ حيضُها إلَّا بأمرِ الله، وذِكرُهُ مؤكَّدٌ لو اشتركَ مع الجُنُبِ في الحُكْم، فالحائضُ أيَسرُ مِن الجُنُب، والأوْلى لها الوضوءُ إنْ دخَلَتْ بشرطِ عدمِ تلوثِ المسجدِ باستثفارٍ وحَفَائِظَ ونحوِها، وتُبتلى النساءُ لدخولِ المساجدِ كنساءِ أهلِ الصُّفَّةِ ومَن تَقُمُّ المسجدَ، وعدمُ بيانِ الحُكمِ القطعيِّ أمارةٌ على التيسيرِ.\nوحديثُ عائشةَ؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال لها: (نَاوِلينِي الْخمْرَةَ)، وهي بِسَاطٌ للصلاة، قالت: إنِّي حَائِضٌ! فقال: (إنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ) (٣).\nبيَّنَ به المرادَ: أنَّ الحَيْضَ لا يُرفَعُ كالجنابةِ فتَرفعَهُ بالغُسْلِ؛ فإنَّ الغُسْلَ لا يَرفَعُ الحيضَ ما دام نازِلًا، وانقطاعُهُ بيدِ اللهِ لا بيدِها، فخُفِّفَ في الحائضِ أكَثرَ مِن الجُنُبِ.\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (٦٤٥) (١/ ٢١٢).\n(٢) \"علل الحديث\" لابن أبي حاتم (٢/ ١٣٨).\n(٣) أخرجه مسلم (٢٩٨) (١/ ٢٤٤).","vol":"2","page":850},{"text":"واستدَلَّ جماعةٌ مِن الفُقَهاءِ بهذا الحديثِ: على منعِ الحائضِ مِن دخولِ المسجدِ.\nوليس بصريحٍ، ولو استُدلَّ به، فلخوفِ تنجيسِ أرضِ المسجدِ؛ فالنساءُ في زمانِهم لا يَجِدُ كثيرٌ منهنَّ ما يَسْتَثْفِرْنَ به؛ لِضَغفِ الحال، واللهُ أعلَمُ.\nوفي قولِه تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ استثناءٌ للتيسيرِ ورفع الحَرَج لمَن دخَلَ المسجدَ مِن غيرِ مُكْثٍ؛ كالعابرِ الذي يأخُذُ متاعًا أوَ يبحثُ عن حاجتِه، أو يدخُلُ مِن بابٍ ويخرُجُ مِن بابٍ آخَرَ لكونِه أيسَرَ له، وقد روى ابن جريرٍ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ: أنَّ سببَ نزولِ الآيةِ في رجالٍ مِن الأنصارِ كانتْ أبوابُهُمْ في المسجد، فتُصِيبُهُمْ جَنَابةٌ ولا ماءَ عندَهم، فيُرِيدُونَ الماءَ ولا مَمَرَّ لهم إلَّا في المسجدِ؛ فأنزَلَ الله هذه الآيةَ (١).\nوالخبرُ مرسَلٌ لا يصحُّ.\nورُوِيَ عن بعضِ السلفِ: أنَّ عابرَ السبيلِ في الآيةِ هو المسافرُ؛ رُوِيَ هذا عن عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ وسعيدِ بنِ جُيبرٍ (٢).\nورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ مسعودٍ وسعيدٍ وعمرِو بنِ دِينارٍ: أنَّ عابرَ السبيلِ: المارُّ (٣).\nويظهَرُ أنَّ مَن حَمَلَهُ على المسافر، حَمَلَهُ على الأغلبِ؛ لفقدِهم الماءَ الذي يَرفَعُونَ به الحَدَثَ، ويتخفَّفونَ به ولو بالوضوءِ، وليس المرادُ تقييدَهُ بالمسافرِ وخروجَ غيرِه مِن حُكْمِهِ؛ ولذا رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ المَعْنيَانِ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٥٧).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٥٠ - ٥٣)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٧٢١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٥٩).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٥٤ - ٥٨)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٧٢٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٩٦٠).","vol":"2","page":851},{"text":"ثمَّ قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.\nوفي ذِكرِ السفرِ: حَمْلٌ للأغلبِ؛ لأنَّ المسافرَ لا يَجِدُ الماءَ، وليس فيه أنَّ الحاضرَ لا يستعملُهُ عندَ فَقْدِه؛ لأن الغالبَ في الحاضرِ: أنَّه في بلدٍ معمورةٍ بالبساتينِ والآبارِ؛ بخلافِ المسافِرِ في زمانِهم.\nوالقولُ بأنَّه خاصٌّ بالمسافرِ لظاهرِ السياقِ غلطٌ؛ لأنَّه يَلزَمُ منه منعُ الصحيحِ العاجز، وجوازُهُ لكلِّ مريضٍ ولو كان قادرًا؛ لأنَّه قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾، ولأن اللهَ قيَّدَ الجميعَ بعدم وجودِ الماءِ في آخِرِها: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾؛ وبهذا استَدَلَّ أحمدُ على أنَّ كلَّ شيْءٍ يتحوَّلُ عن اسم الماء لا يتوضَّأ به؛ لظاهر الآية (١).\nوالمرضُ في الآيةِ مخصوصٌ بما يُعجَزُ معه عن استعمالِ الماءِ كالحروقِ، أو يُقدَرُ معه على استعمالِ الماءِ ولكنَّه يُؤخِّرُ العافيةَ والبُرْءَ؛ فيجوزُ التيمُّمُ، وخوفُ المرضِ كالمرضِ؛ مثِلُ البردِ الشديدِ الذي يُخشى معه مِن الموتِ والمرضِ عند الغُسْلِ والوضوءِ؛ فيجوزُ معه التيمُّمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-604>العاجزُ عن استعمالِ الماء:</span>\nومَن لا يَستقِلُّ بنفسِهِ في استعمالِ الوضوءِ وغَسلِ أعضائِه: يجوزُ له التيمُّمُ ولو كان الماءُ حاضرًا؛ كالمشلولِ الذي لا يستطيعُ رفعَ الماءِ ولا إدارتَهُ على يدَيْهِ ووجهِهِ وقدمَيْه، وَيقوَى على بسطِ كفَّيْهِ على الترابِ ورفعِهما إلى وجهِه؛ يجوزُ له التيمُّمُ ما دام لا يَستقِلُّ بنفسِهِ في استعمالِ الماءِ ولو وجَدَ مَن يُوَضِّئُه؛ كحالِ المُصلِّي الذي لا يستطيعُ القيامَ إلَّا بغيرِه؛ لا يجبُ عليه ما دام عاجزًا بنفسِه؛ وذلك كالشيخِ الكبيرِ الذي\n_________\n(١) \"مسائل ابن هانئ\" (١/ ٥).","vol":"2","page":852},{"text":"يَقْوَى على التيمُّمِ وَيعجِزُ عن الوضوءِ إلَّا بوَلَدِهِ أو زوجِهِ أو خادمِهِ، ولو وضَّأهُ غيرُهُ، صحَّ بلا خلافٍ، لكنه لا يجبُ؛ لأنَّ الخِطابَ تَوَجَّهَ إليه لا إلى غيرِه؛ كما في قولِه تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وفي الصلاةِ قولُهُ - ﷺ -: (صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا) (١).\nولو وجَبَ عليه الوضوءُ عندَ عجزِهِ مع قُدْرتهِ بغيرِه، لانصرَفَ الأمرُ إلى غيرِه بإعانتِه، ولَحِقَهُ الإثم بتقصيرِه.\nوالقدرةُ الخاصَّةُ في استعمالِ الماءِ شرطٌ في وجوبِه، بخلافِ القدرةِ الخاصَّةِ في جلبِ الماءِ واستخراجِه؛ ليستْ شرطًا في الوجوبِ؛ فمَن عجَزَ بنفسِهِ عن إخراجِ الماءِ مِن البئرِ إلَّا بإعانةِ خادمِه، وجَبَ عليه استخراجُهُ ما دام قادرًا على استعمالِهِ بنفسِه؛ لأنَّ الوحيَ نزَلَ ولا يستقِلُّ كلُّ واحدٍ مِن الناسِ بنفسِهِ في استخراجِ الماءِ وجلبِهِ، فجاء الأمرُ بالوضوءِ مِن غيرِ تقييدٍ؛ فدَلَّ على وجوبِهِ على كلِّ قادرٍ على إخراجِهِ وجلبِهِ بنفسِهِ أو بغيرِه، وجاء الاستثناءُ في الوحي على العاجزِ بمرضٍ، والعادمِ للماءِ لسفرٍ ونحوِه، وهذا معنًى يتعلَّقُ بالنفسِ لا يتعدَّاها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-605>تقديمُ المَرَضِ على السَّفَرِ:</span>\nوإنَّما ذكَرَ الله المرضَ قبلَ السفرِ؛ لأنَّ المرضَ أكثَرُ وقوعًا في الناسِ، خاصَّةً في أزمنةِ مشقَّةِ الأسفار، ولأنَّ المرضَ عذرٌ يَنْزِلُ بلا اختبارٍ ولا سببٍ مِن المريضِ؛ بخلافِ السفرِ فيختارُهُ المسافِرُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>الوضوء مِن الخارجِ من السبيلَيْنِ:</span>\nوالمراد بقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾؛ يعني: مكانَ قضاءِ الحاجةِ، وفيه كنايةٌ عن الخارج مِن السَّبِيلَيْن، وجَرَى الحُكْمُ في\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١١١٧) (٢/ ٤٨).","vol":"2","page":853},{"text":"الآيةِ مَجرى العادةِ والسلامة، لا مجرى الشذوذِ والمرض، كمَن تخرُجُ فَضَلاتُهُ مِن غيرِ السبيلَيْنِ لمرضٍ أو عاهةٍ، فالحُكْمُ واحدٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-607>الخارجُ مِن غيرِ السبيلَيْنِ:</span>\nوما خرَجَ مِن البدنِ مِن غيرِ السبيلَيْن، لا الخارجُ منهما ولو مِن غيرِهما: لا يَنقُضُ الوضوءَ؛ كالقَيْءِ والرُّعَاف، فضلًا عن النُّخَامةِ والبُزَاقِ، ولو أنتَنَ رِيحُها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-608>الخارجُ مِن السبيلَيْنِ غيرُ النجسِ:</span>\nوقد اتَّفَقَ العلماءُ في نقضِ الوضوءِ بما خرَجَ مِن السبيلَيْنِ مِن النجاسةِ والمَنِيِّ، واختلَفُوا فيما خرَجَ منهما وليس بنجسٍ، أو مِن غيرِهما؛ سواءٌ كان نجسًا أو ليس بنجسٍ؛ كرُطُوبةِ فَرْجِ المرأةِ والرُّعَافِ والقيءِ والحِجَامةِ والفَصْدِ؛ لاختلافِهم في علةِ النقضِ في الآية والأحاديثِ:\nفمنهم: مَن علَّقَ الحُكْمَ بالمَخرَجِ؛ كالشافعيِّ وأصحابِه.\nومنهم: مَن علَّقَه بالخارجِ؛ كمالكٍ وأصحابِه.\nومنهم: مَن علَّقَهُ بهما جميعًا؛ فجعَلَ الوضوءَ ينتقِضُ بما خرَجَ مِن محلِّ النجاسةِ ولو كان طاهرًا؛ لأنَّ الممرَّ يُنَجِّسُهُ، وجعَلَ كلَّ نجسٍ ينقُضُ الوضوءَ ولو مِن مَخرَجٍ طاهرٍ؛ كالرُّعافِ والحجامةِ والفصدِ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ وأحمدَ.\nوفي رطوبةِ المرأةِ عندَ أحمدَ وغيرِهِ اختلافٌ.\nولأنَّ مالكًا وأصحابَهُ عَلَّقُوا العِلةَ بالخارج؛ فلا ينتقِضُ الوضوءُ عندَهم بخروجِ الحَصَاةِ مِن الدُّبُر، وكذا الدودة والمَعْدِنُ والخيطُ والشَّعْرُ.\nوالشافعيُّ عَلَّقَهُ بالمَخرَجِ؛ فيَرَى كلَّ ما خرَجَ مِن السبيلَيْنِ ناقضًا، وما خرَجَ من غيرِهما لا ينقضُ؛ كالدمِ والرُّعَاف، والقيءِ والحِجامةِ؛","vol":"2","page":854},{"text":"قالوا: لأنَّ الريحَ تنقُضُ الوضوءَ مِن أسفلُ، ولا تنقُضُ الوضوءَ إنْ خرَجَتْ مِن أَعْلى، وكِلاهما ريحٌ خارجةٌ مِن الجَوْفِ.\nوإنْ كان هذا الرأيُ قويًّا، إلا أنَّ التعليلَ فيه نظرٌ؛ فإنَّ الرِّيحَيْنِ وإنْ خرَجَا مِن الجوف، فإنَّهما يختلِفان، فوجَبَ اختلافُ حكْمِهما، فليس جوفُهما واحدًا؛ فالفرقُ بينَ الرِّيحَيْنِ كالفرقِ بينَ الطعامينِ: القيءِ والغائطِ، فجوفُ الغائطِ غيرُ جوفِ القيء، وكذلك الريحُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-609>الجماعُ ولَمْسُ المرأةِ:</span>\nوقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ المرادُ به: الجماعُ في قولِ أكثرِ السلفِ مِن المفسِّرينَ والفقهاءِ؛ كعليٍّ وابنِ عباسٍ وأبَيِّ بنِ كعبٍ ومجاهدٍ وسعيدِ بنِ جُببرٍ والشعبيِّ وطاوسٍ وقتادةَ (١).\nوقال بعضُهم: إنَّ المرادَ بالملامَسةِ مسُّ الجسدِ مِن غيرِ جِماعٍ؛ وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ والليثِ والأوزاعيِّ.\nرَوَى طارقٌ عن ابنِ مسعودٍ؛ قال: \"اللمسُ: ما دونَ الجِماعِ\" (٢).\nوقال غيرُ واحدٍ مِن السلفِ بأنَّ مسَّ المرأةِ ينقُضُ الوضوءَ؛ كابنِ عمرَ وغيرِه فيما رواهُ نافعٌ عنه: \"أنَّه كان يتوضَّأ مِن قُبْلةِ المرأةِ\" (٣).\nولكنَّهم اختلَفُوا في الحالِ التي يجبُ معها الوضوءُ:\nفمنهم: مَن قيَّدَهُ بلمسِ الشهوةِ؛ كمالكٍ والشافعيِّ، بحائلٍ أو بغيرِ حائلٍ، ويخرُجُ على هذا مسُّ الزوجةِ للسلامِ وتناوُلِ المتاعِ، أو مسُّ المَحَارِمِ والصِّغارِ اللاتي لا يُشتهى مِثلُهُنَّ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٦٣ - ٦٨)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٧٢٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٦١).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٦٩)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٧٢٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\"، (٣/ ٩٦١).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٧١).","vol":"2","page":855},{"text":"ومنهم: مَن قيَّدَهُ بمسِّ اليدِ لا بغيرِها مِن البدنِ؛ كالأوزاعيِّ.\nوظاهرُ فعلِ ابنِ عمرَ تقييدْهُ بالشهوةِ التي يكونُ معها انتشارٌ، فإنَّه كان يتوضَّأُ مِن القُبْلةِ، وغالبًا ما يكونُ معها شَهْوةٌ، وأمَّا سائرُ المسِّ للمرأةِ، فكثيرٌ، ولو كان يَتوضَّأُ مِن كلِّ مسٍّ، لَذُكِرَ ولم تُخَصَّصِ القُبْلةِ وشِبْهُها.\nوروى سالمٌ، عن أبيهِ؛ أنَّه قال: \"مَن قَبَّلَ امْرَأتَهُ، أوْ جَسَّهَا بِيَدِه، فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ\" (١)، وظاهرهُ جَسُّ الشَّهْوةِ؛ لأنَّه قَرَنَهُ بالقُبْلةِ وما أطلَقَ المسَّ.\nويُفسِّرُ الحُكْمَ المُجمَلَ في الآيةِ - على القولِ بأنَّ اللمسَ هو ما دونَ الجِماعِ - السُّنَّةُ الثابتةُ بأنَّ النبيَّ - ﷺ - لم يكُنْ يتوضَّأ مِن لمسِ غيرِ الشهوةِ؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ من حديث عائشةَ؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - كان يُصلِّي وهي مُعْتَرِضَةٌ بينَ يدَيْه، فإذا سجَدَ، غَمَزَهَا (٢).\nوفي \"صحيحِ مسلمٍ\": أنَّها تفقَّدَتِ النبيَّ - ﷺ - في ليلةٍ وهو يُصلِّي، فوقَعَت يدُها على قَدَمِهِ وهو ساجدٌ (٣).\nويستدلُّ الشافعيُّ على أنَّ المرادَ بالمسِّ في الآيةِ: مسُّ اليدِ، لا الجنابةُ؛ لأنَّ حُكْمَ الجنابةِ مَضَى أولَ الآيةِ فلا يُكرَّرُ، وهذا يُمكنُ أن يُقالَ عندَ الاشتراكِ في الحُكْمِ في الموضعيْنِ، فالحُكْمُ بينَهما مختلفٌ؛ كما تقدَّمَ.\nومَن استدَلَّ بأنَّ اللمسَ هو مسُّ الجسدِ وليس الجِماعَ، أخذًا مِن\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (٦٤) (١/ ٤٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٢٤).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٨٢) (١/ ٨٦)، ومسلم (٥١٢) (١/ ٣٦٧).\n(٣) أخرجه مسلم (٤٨٦) (١/ ٣٥٢).","vol":"2","page":856},{"text":"النَّهي عن بيعِ المُلامسةِ وهي مسُّ اليدِ، فهذا غلطٌ؛ لأنَّ للشريعةِ وضعًا واستَعمالًا للمسِّ يفهَمُ مِن السِّباق، لا من اللفظةِ المجرَّدةِ، وقياسُ اللمسِ الواردِ في الشريعةِ بعضهِ على بعضِ لمجردِ الاشتراكِ اللفظي مِن غيرِ الاعتبارِ بالسياقِ، ليس مِن طريقةِ العربِ؛ وإنَّما مِن طريقةِ الأعاجمِ، فلا يُمكنُ أن يَفْهَمَ عربيٌّ فصيحٌ مِن النهيِ عن بيع المُلامَسةِ معنى الجِماعِ ولا ما يُقارِبه؛ بل ولا وُرُودَ للذكورةِ والأنوثةِ فيه؛ فالسياقُ له أثرٌ على الألفاظِ، وقد روى ابنُ جريرٍ وابنُ المنذِر، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ؛ قال: \"ذكَرُوا اللمسَ، فقال ناسٌ مِن المَوَالي: ليس بالجِماعِ، وقال ناسٌ مِن العربِ: اللمسُ الجِماعُ، قال: فأتيت ابنَ عبَّاسٍ، فقلتُ له: إنَّ ناسًا مِن المَوَالي والعربِ اختلَفوا في اللمسِ، فقالَتِ المَوَالي: ليس بالجِماعِ، وقالتِ العربُ: الجماعُ، قال: فمِن أيِّ الفريقَيْنِ كنتَ؟ قلت: كنتُ مِن المَوَالي، قال: غُلِبَ فريقُ الموَالي؛ إنَّ اللمسَ والمسَّ والمباشرةَ: الجِماعُ، ولكن اللهَ يُكَنِّي ما شاء بما شاء\" (١).\nوفي هذا أنَّ خطَأ بعضِ المُفسِّرين مِن السلفِ ليس مِن جهةِ وقوعِ التأويلِ على صحيحِ اللُّغة، ولكنَّ خَطَأهم بسببِ فهْمِ السياقِ وتنزيلِهِ على أصحِّ مَعاني اللغةِ المقصودِ في التنزيلِ، وهذا ما يَغْلَطُ فيه الأعاجمُ مِن السلفِ، وكذلك بعضُ العربِ الذين لم يَقْرُبُوا مِن وضعِ اللسانِ الذي نزَلَ عليه القرآنُ، فنَأتْ مساكنُهُم وتواضَعُوا على مَعَانٍ تختلفُ عن وضعِ العربِ حالَ نزولِ القرآنِ في مكَّةَ والمدينةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>التيمُّمُ وصفتهُ:</span>\nقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾:\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٦٣)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٧٢٦).","vol":"2","page":857},{"text":"لا يَختلِفون في التيمُّم، ولا في المسحِ للوجهِ واليدَين، ولا في أن المرادَ: المسحُ، لا الدَّلْكُ والفَركُ؛ ولكن يختلِفونَ في العَدَد، والترتيب، ومقدارِ ما يمَسحُلا مِن العضوَين، ونوعِ الصعيدِ المقصودِ في الآيةِ.\nوجمهور العلماءِ: على أن المسحَ يكون للوجهِ والكفينِ فقط؛ خلافًا للشافعيِّ في الجديدِ؛ فقد قال بمسحِ اليدَينِ إلى المرفقَين، ولا تصح الأحاديثُ الدالةُ على مسحِ غيرِ الكفين، وعلى هذا ظاهِر القرآن؛ فإن اللهَ قال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، واليدُ إذا أطلِقَت في القرآنِ فالمرادُ بها الكَفُّ؛ ولهذا أَطلَقَها اللهُ في آيةِ السرِقَةِ: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، ولَما أرادَ الله سبحانَه تجاوُزَ الكَف في الوضوءِ قال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]؛ ولهذا استدَلَّ أحمد.\nوقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾: الصعيدُ: ما على الأرضِ مِن الترابِ:\nفمنهم مَن جعَلَهُ في الترابِ الخالصِ الذي له غبار؛ كالشافعي وأحمدَ؛ وذلك لظاهِرِ الآية، ولقولِهِ - ﷺ -: (جُعِلَت لَنَا الأَرْضُ كُلهَا مَسْجِدًا، وَجُعلَت تربتهَا لنَا طَهُورًا)؛ رواهُ مسلم عن حُذَيفَةَ (١)؛ فإنه جعَلَ الصلاةَ في الأرض كلها، وخَصَّ التيممَ بالترابِ منها.\nومِن الفُقَهاءِ: مَن جعَلَ التيممَ بكلِّ ما صَعدَ مِن الأرضِ مِن أجزائِها؛ وهو قول أبي حنيفةَ ومالكٍ، وأجاز مالك التيممَ بالحشيش والحِجارةِ والخشبِ والملحِ.\nورُوِيَ عن حماد؛ قال: \"كلُّ شيءٍ وضَعتَ عليه يَدَكَ، فهو صعيدٌ، حتى غبارُ يَدِك، فتيمم به\" (٢).\nثم ذكر الله اسمَينِ مِن أسمائِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾؛ تنبيهًا\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٥٢٢) (١/ ٣٧١).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٦٢).","vol":"2","page":858},{"text":"على التيسيرِ في التشريعِ؛ فعفا اللهُ عن واجباتٍ، ورخَّصَ في منهيَّاتٍ؛ تيسيرًا ورحمةً وصَفحًا، وتنبيهًا على عدمِ المؤاخَذةِ على ذلك.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨].\nأمَرَ اللهُ بأداءِ الأماناتِ إلى أهلِها، وهم مُستحِقوها، والأمانةُ تذكَرُ في القرآن مُطلقة مِن غيرِ أن تُعدَّى ولا تُضَافَ، وتُذكَرُ مُتعدِّيةً ومضافةً:\nفتُطلَقُ كما في قولِه تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢].\nوتُذكَرُ متعديةً كما في هذه الآيةِ.\nوالأصل عندَ إطلاقِها: العموم؛ فيدخُلُ فيها حقُّ اللهِ وأمانته، وهو توحيدهُ وإفراده بالعبادةِ وطاعتُه، ويدخُلُ فيها حقُّ خَلقِهِ فيما بينَهم ممَّا فُطِرُوا عليه مِن حبِّ العدلِ والإنصاف وبُغضِ الظُّلْم، والعملُ بهذه الفِطرةِ.\nوعندَ تعدِيَتِها وإضافتِها، فبحسَب نوعِ الإضافةِ؛ فإن أُضِيفَت وعُدِّيت إلى فاعِلِيها، فهي عامَّةٌ في كلِّ أمانةٍ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]، وقولِه في سورةِ المؤمنونَ والمعارجِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨، والمعارج: ٣٢]، وإن عُدِّيَت وأضِيفَت إلى مُستحقِّيها كما في هذه الآية، فهي في الحقوقِ بين النَّاسِ كما في الآيةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-611>حقوق النَّاس، وأداءُ الأماناتِ:</span>\nوالمقصودُ بالأماناتِ في الآيةِ هي حقوقُ النَّاس، وهي عظيمةٌ، إذ","vol":"2","page":859},{"text":"جعَلَ اللهُ الحقَّ فيها لأصحابِها؛ لا تَذهَبُ الحقوقُ إلَّا بأدائِها أو عفوِ أصحابِها عنها؛ فأعظَمُ الخواتيِم منزلةً خاتمةُ الشهيد، فيُكفَّرُ عنه كلُّ ذنبِهِ إلَّا الأماناتِ والحقوقَ؛ فقد روى زاذانُ، عن ابنِ مسعودٍ؛ قال: \"الشهادةُ تُكفِّرُ كلَّ ذنبٍ إلا الأمانة\" (١).\nوإن لم يَختلِفِ السلف في وجوبِ أداء الأماناتِ عامَّةً إلى أهلِها، فقد اختلَفُوا في المُخاطَبِ بهذه الآيةِ:\nفقيل: كلُّ أمانةٍ وحقٍّ؛ وهذا ظاهرُ ما جاء عن ابنِ مسعودِ وابنِ عبَّاسٍ والربيعِ وغيرِهم.\nوجاء عن بعضِ السلفِ: أنَّ الخِطابَ للأمراءِ أن يَعِظُوا النِّساءَ بحفظِ حقوقِ أزواجِهِن، ويأمُرُوا الناسَ بالحقِّ والعدلِ.\nورُوِيَ نحوُ هذا عن عليِّ بن أبي طالبٍ، ورواهُ عليُّ بن أبي طَلْحةَ عن ابنِ عبَّاسٍ، وقال به زيدُ بن أسلَم؛ رواهُ ابن أبي حاتمٍ (٢).\nوهذا هو الأظهَرُ؛ أنَّ الخِطَاب لكلِّ أحدٍ، ولكن خُوطِبَ فيه الأُمَراءُ والحُكَّامُ والقُضَاة؛ لأنَّ اللهَ ذكَرَ الحُكمَ بعدَ ذلك للمخاطَبِينَ، والحُكمُ لا يكون إلا في الحُكَّامِ والسلاطِينِ؛ وذلك في قوله تعالى ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.\nويَعْضُدُ أنَّ الخِطَابَ للأمراءِ والحُكَّام: أنَّ اللهَ أمَرَ بطاعتِهم فيما بعدَ ذلك في الآية التاليةِ: \" ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-612>تعظيمُ العَدلِ مع كلِّ أحدٍ:</span>\nوالعدلُ واجبٌ ولو مع الكافِرِ والفاجِرِ.\nولا يكونُ العدلُ إلَّا بما أمَرَ الله به وقَضاهُ، ولعِظَمِ العدلِ وجريمةِ الظُّلمِ: جعَلَ اللهُ الفِطْرةَ دالَّةً عليه؛ كما تدُلُّ الفِطْرةُ على وجودِ الخالِقِ\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٨٥).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٨٦).","vol":"2","page":860},{"text":"سبحانَه ووحدانيَّتِهِ؛ فأعظَمُ الأحكامِ وأجَلُّ العِلْمِ ما دلَّت عليه الفِطْرةُ، وأكَّدَتهُ الشِّرعَةُ؛ لأنَّ الأصلَ في ذلك: أَنَّه لا يُعذَرُ أحدٌ بجهلِهِ ولو لم يَبلُغْهُ الدليلُ؛ فحُرمةُ السرقة والغَصبِ والسَّلبِ والقتلِ والتعدِّي على الأعراضِ معلومةٌ بالفِطْرة، تنزلُ الأسماءُ والأحكامُ على فاعِلِهِ ولو لم يَبلُغهُ الوحيُ؛ لأنَّه قام فيه قائمُ الفِطْرة، ولا يدخُلُ في هذا ما يحتاجُ ثبوتُهُ إلى وحيٍ مِن الحقوقِ؛ كأنواعِ الرِّبا وبيوعِ الجَهَالَةِ والغَرَرِ والقِمَارِ والمَيسِرِ؛ لأنَّ بعضَ النفوسِ الصحيحةِ قد تَرضَاهَا؛ فاحتِيجَ إلى ثبوتِ الوحيِ؛ لرفع الجهلِ وقيامِ الحُجَّةِ.\nويُعرَف العدلُ بدَلالةِ الشَّرعِ ودلالةِ الطَّبْع؛ فلا تُطبَعُ النفوسُ إلَّا على حبٍّ للعَدْلِ وكرهٍ للظُّلْم؛ فالله أمَرَ بالحُكمِ بالعدلِ لمعرفة دليلِهِ بداهةً، وفي بعض الآياتِ يأمُرُ اللهُ بالحُكْمِ لما أنزَلَ اللهُ؛ لأنَّ العدلَ لا يخرُج عن حُكمِ اللهِ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨]، وقولِه ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-613>تعارُض الطبعِ والشرعِ في الظاهِرِ:</span>\nوإن وُجِدَ تعارُضٌ بينَ نصِّ الشرعِ وبينَ الطبع، ففي أحدِهما تبديلٌ؛ إمَّا أن يكونَ نصُّ الشرعِ مُبدَّلًا، ومُحرَّفًا، فليس نصًّا للشرعِ حقيقةً، وإمَّا أن يكونَ الطبع مبدَّلًا، وإذا كان النصُّ صحيحًا صريحًا مُحكَمًا، فالطبع مبدَّلٌ منحرفٌ عن الحقِّ؛ إمَّا بهَوَى النفسِ الخاصِّ؛ كما في قولهِ تعالى ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] وإمَّا بهَوَى النفوسِ الأخرى؛ فيَمِيلُ مجاملةً ومحاباةً؛ كما حذَّرَ الله نبيَّه في قولهِ ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩].","vol":"2","page":861},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-614>التشريعُ من دونِ اللهِ:</span>\nوحُكْمُ اللهِ والعدلُ مُتلازِمان، ويُقطَعُ أنَّ العدلَ فيما أنزلَ اللهُ؛ ولذا حَكَمَ اللهُ بكفرِ مَن جعَلَ العدلَ ملازمًا لغيرِ حُكمِه، قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، أو شرَّعَ تشريعًا أو قانونًا يُخالِفُ حُكمَ اللهِ وتشريعَهُ، فأحَلَّ ما حرَّمَ الله، وحرمَ ما أحَلَّ اللهُ؛ فهذا شركٌ وكفرٌ في الأُلوهيَّةِ مُستلزِمٌ للشِّرْكِ والكفرِ في الربوبيَّةِ والأسماءِ والصِّفاتِ؛ فمَن جعَلَ مشرِّعًا غيرَ الله، صَرَفَ الحُكمَ لغيرِ اللهِ واتَّخَذَ معبودًا غيرَهُ؛ قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠]، وأمَّا استلزامُه للكفرِ بالربوبيَّةِ والإشراكِ بها، فمُقتضى كمالِ العدلِ: الخَلْقُ والعِلْمُ؛ فالعدلُ فرعٌ عن العِلْمِ بالمعدولِ به، فلا يَعدِلُ إلَّا مَن أتَمَّ العِلْمَ بما قَضَى فيه، ومُقتضى كمالِ العِلْمِ وتمامِهِ: الخَلقُ للمحكوماتِ مِن أعيانٍ ماديَّةٍ ومعلوماتٍ ذهنيةٍ؛ ولذا ربَطَ اللهُ العِلْمَ بالخَلْقِ؛ فقال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤]، فمَن جعَلَ العدلَ التامَّ لغيرِ الله، أو جعَلَ غيرَ اللهِ مساويًا لله، فضلًا عمَّن يجعَلُ حُكْمَ غيرِ اللهِ أعدَلَ عن حُكمِ اللهِ كلِّه أو في بعضهِ ولو في مسألةٍ واحدةٍ، فقد أشرَكَ وكفَرَ في ربوبيَّةِ اللهِ وألوهيَّتِهِ وأسمائِهِ وصفاتِه؛ لأنَّ كمالَ العدلِ وأحقيَّتَهُ يَقتضي كمالَ العِلْمِ بالمعدولِ فيه، وكمالُ العِلْم يَقتضي الخَلْقَ، وأمَّا الشِّركُ في الأسماءِ والصِّفات، فإنَّ اللهَ واحدٌ في أَسمائِه وصفاتِه، ومِن أسمائِه: العليمُ والحَكَمُ والحكيمُ، والخالقُ والخبيرُ؛ وهذا إشراكٌ مع اللهِ فيها.\nوقولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾؛ أيْ: نِعْمَ ما يَعِظُكُمُ اللهُ به، ويسمعُ ما تفعلونَ وتَحْكُمُون، ويُبصِرُ ما تَفعلون؛ وهذا تنبيهٌ لأمرِ العدلِ مع إخلاصٍ، وترهيبٌ مِن الفِرارِ بالظُّلْمِ مِن سمعِ المخلوقينَ وبَصَرِهم؛ فالله لا يُفَرُّ من إحاطتِهِ وسمعِهِ وبصرِهِ.\n* * *","vol":"2","page":862},{"text":"* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].\nأمَرَ اللهُ المؤمنينَ بطاعتِهِ وطاعةِ نبيِّه وأُولي الأمرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-615>معنى أُولي الأمرِ، والتلازُمُ بين السلطانِ والعلمِ:</span>\nوالمرادُ بأُولي الأمرِ: هم العلماءُ؛ لأنَّ اللهَ قَرَنَهُم بالنبيِّ - ﷺ -، ولأنَّ الأصلَ: ألَّا يُطاعَ إلَّا بمعروفٍ، ولا يَعرِفُ المعروفَ ويُنكِرُ المُنكَرَ إلَّا عالمٌ بهما، وقد كان السُّلطانُ والعِلمُ متلازمَين، فأعظَمَ ما كانا تلازُمًا في النبيِّ - ﷺ -، ثُمَّ في أبي بكرٍ فعمرَ فعثمانَ فعليٍّ، وقد كان لا يُوَلَّى أحدٌ ولايةً إلَّا وهو عالمٌ بشأنِها، حتَّى قَلَّ الأخذُ بهذا التلازُمِ وضعُفَ، فانقسَمَتِ الولايةُ بينَ سلطانٍ وعالم، حتَّى رأى كثيرٌ مِن الناسِ عدمَ لزومِ العِلمِ للسُّلْطان، وعدمَ لزومِ الأمرِ ونفوذِهِ للعالِم؛ فقَضَى الحاكمُ بجهلٍ، وانعزَلَ العالِمُ عن الأمر، وإن أمَرَ، لم يُسمَعْ له، فظهَرَتِ الفِتَنُ في النَّاسِ بتسلُّطِ الجاهلِ وإهدارِ أمرِ العالِم، وفِتنةُ الحاكِمِ: جهلُهُ، وفتنةُ العالِمِ: ضياعُ أَمْرِه، ولم يُكمِل بعضُهم بعضًا إلَّا مَن رحِمَ الله، أو ما تستقيمُ له مصالحُهُم، لا مصالحُ الناس، وربَّما حابَى العالِمُ السُّلطانَ فيما يُريدُ، فتأوَّلَ له ليَنالَ أو يحفَظَ جاهًا أو مالًا، وأعطى السلطانُ العالِمَ ما يُريدُ لِيحفَظَ له جاهَهُ وسُلطانَهُ عندَ الناسِ ويُبقِيَ هواهُ شُبهةً وشَهوةً، ولو اجتمَعَ العِلمُ والسُّلطانُ في واحدٍ، لَضعُفت دوافعُ الهوى والطمع، وقُضِيَ بالعدلِ والإنصافِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-616>تفسيرُ السلفِ لأُولي الأَمرِ:</span>\nوقد كان السلفُ يُفسِّرونَ أُولي الأمرِ بالعلماءِ والفُقهاءِ، وتارةً بالسُّلطانِ الحاكِمِ؛ وهذا مِن التنوُّع؛ لتلازمِ الوصفَيْنِ في عُرْفِهم غالبًا،","vol":"2","page":863},{"text":"وعدَّهُ كثيرٌ مِن النَّقَلَةِ قولَينِ للصحابةِ أو للتابعينَ، وأكثرهم ما كانوا يَقصِدُونَ إلَّا الدلالةَ على العينِ بأحدِ أوصافِها، فهم إنْ قالوا: أولو الأمرِ هم العلماءُ، فلا يَعْنُونَ تعدُّدَ الوُلَاةِ لتعدُّدِ العلماءِ وكثرتِهم؛ ولكنْ لأنَّ الأصلَ أنَّ العلماءَ لا يختلِفونَ في أمرِ العامَّةِ ومصالِحِ الأمَّة، وإنِ اختلَفُوا في الاجتهاد، تطاوَعُوا في العمل، فلم يتنازَعُوا لأجلِ أنفُسِهم وأهوائِهم، سواءٌ كان العالِمُ معه قوةُ سُلطانٍ أو لم يكن معه قوةُ سُلطانٍ؛ لأنَّ سلطانَ العالِمِ أقوَى مِن سلطانِ الأمرِ؛ ولذا كان أكثرُ السلفِ يُفسِّرونَ أُولي الأمرِ بالعلماء؛ فقد صحَّ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ؛ رواهُ عليُّ بنُ أبي طلحةَ، عنه (١).\nوقال به عامَّةُ السلفِ؛ كأبي العاليةِ وعطاءٍ ومجاهدٍ والحسنِ والنخَعيِّ وبكرٍ المُزَنِيِّ وعِكْرِمةَ (٢).\nوالآية نزَلَت في طاعةِ أميرِ الجيش والجندِ، وهي الولايةُ الصُّغرى؛ فالولايةُ ولايتانِ، كما أنَّ البيعةَ بيعتان، بيعةٌ وولايةٌ صُغرى، وبيعةٌ وولايةٌ كبرى؛ فقد روى الشيخان، عن ابن عبَّاس؛ قال: \"نَزَلَت فِي عَبدِ اللهِ بْنِ حُذَافةَ بنِ قَيس بنِ عَدِيٍّ؛ إِذ بَعَثَهُ النَّبيُّ - ﷺ - فِي سَرِيَّةٍ\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-617>الطاعةُ بالمعروفِ:</span>\nوتجبُ الطاعةُ بالمعروف في غيرِ معصيةِ اللهِ للأُمراءِ والحُكَّام، ولو لم يكُنِ المأمورُ به واجبًا، أو المنهيُّ عنه محرَّمًا، إنْ كان فيه مصلحةٌ للنَّاسِ: يجبُ بالأمر، ويُمنَعُ بالنهي، لا لِذَاتِه؛ وإنَّما لمآلِه، فلا يُحِلُّ ولا يُحرِّمُ الأشياءَ بِذَاتِهِ إلَّا اللهُ، ومَن جعَلَ هذا مِن خصائِصِ أحدٍ، فقد\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ١٨٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٨٩).\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٧/ ١٧٩ - ١٨١)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٧٦٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٨٩).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٥٨٤) (٦/ ٤٦)، ومسلم (١٨٣٤) (٣/ ١٤٦٥).","vol":"2","page":864},{"text":"كفَرَ، ولكن يُؤجَرُ المطيعُ للحاكِم، لا لِذَاتِ الفعلِ المُباحِ الذي أُمِرَ به، ولا لِذَاتِ التركِ للمباحِ المنهيِّ عنه؛ وإنَّما لمآلِهِ ومقدارِ انتفاعِ النَّاسِ به، ودفعِ المفاسِدِ عنهم به، ومتى انتَفَتِ المصلحةُ منه، تُرِكَ، فلا يجوزُ للحاكِمِ الأمر به ولا النهيُ عن ضدِّه، ومَن ترَكَ مِن الرعيَّةِ أمرَ الحاكمِ؛ لأنَّه يَرى أنَّ المفسدةَ في حقِّه مُنتفِيةٌ عندَ تركه وتيقَّنَ من ذلك، لم يكنْ آثِمًا لمجرَّدِ تَركِه؛ وإنَّما لوقوعِ المفسدةِ اللاحِقةِ من تركِهِ للأمرِ أو فعلِهِ للنهيِ لو وقعَت؛ لأنَّه لا يُثابُ على فعلِ المأموراتِ نفسِها، ويُؤَثَّمُ على تركِ المنهيَّاتِ نفسِها، إلَّا إن كان الآمِرُ والناهي هو اللهَ، ولو لم تتَّضِحْ للعبدِ الحِكمة مِن الأمرِ والنهيِ.\nولا تُترَكُ طاعةُ الأميرِ لمجرَّدِ الظنِّ بعدمِ وُرُودِ المفسدةِ من مخالفتِه؛ لأنَّ هذا البابَ لو فُتِحَ، لَوُكِلَ العامَّةُ إلى ظنونِهم وأهوائِهم؛ ففسَدَ أمرُ النَّاسِ واجتماعُهم؛ لِعَمَلِ كلِّ واحدٍ بظَنِّهِ لمصلحتِهِ وهواهُ، وتعطَّلَ الأمرُ، وفسَدَتْ ولايةُ السُّلْطان، وضعُفت هيبتُهُ في النفوسِ.\nولا يُطاعُ السُّلْطانُ في معصيةِ الله، ومَن أطاعَهُم في معصيةِ الله، أثِمَ؛ ففي \"المسندِ\"، و\"الصحيحَيْن\" عن عليٍّ؛ قال: \"بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَرِيَّةً، وَاستَعمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا من الأنْصَارِ، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجُوا، قَالَ: وَجَدَ عَلَيْهِم في شَيْءٍ، قَالَ: فَقَالَ لَهُم: ألَيس قَد أَمَرَكُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أن تُطِيعوني؟ قَالَ: قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَقَالَ: اجمَعُوا حَطَبًا، ثُمَّ دَعَا بنَار، فَأضْرَمَهَا فِيه، ثُمَّ قالَ: عَزَمْتُ عَلَيكُمْ لتَدخُلُنَّهَا، قَالَ: فَهمَّ القَوْمُ أن يَدْخُلُوهَا، قَالَ: فقَالَ لَهُم شَابٌّ مِنهُم: إِنَّمَا فَرَرتُم اِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنَ النَّار، فَلَا تَعجَلُوا حَتَّى تَلقَوُا النَّبِيَّ - ﷺ -، فَإن أمَرَكُمْ أن تَدخلُوهَا، فَادخُلُوهَا، قالَ: فَرَجَعُوا إِلَى النَّبيِّ - ﷺ -، فَأخْبَرُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ:","vol":"2","page":865},{"text":"(لَوْ دَخَلْتُمُوهَا، مَا خَرَجْتُمْ مِنْهَا أَبدًا؛ إِنَّمَا الطَّاعَةُ في المَعرُوفِ) \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-618>الفرقُ بين ولايةِ المسلمِ والكافِرِ:</span>\nوفي توجيهِ الخِطابِ للمؤمنينَ: دليلٌ على أنَّ الطاعةَ مِن المؤمنينَ للمؤمنينَ، لا مِن المؤمنينَ للكافرِينَ، فلا يُطاعُ الكافرُ تديُّنًا وعبادةً؛ وإنَّما يُطاعُ في الحقوقِ والأماناتِ للمصلحةِ لا تديُّنًا، ويأثَمُ المُخالِفُ بحسَبِ وُرُودِ المفسدةِ مِن فِعلِهِ ووقوعِ الضررِ على غيرِه، ولمَّا أطلقَ اللهُ الطاعةَ لأُولي الأمر، دلَّ على أنَّ المقصودَ ولايةُ المسلمِ؛ لأدلةٍ مِن هذه الآيةِ:\nالأوَّل: أنَّ الخطابَ للمؤمِنينَ، والتكليفَ منهم إليهم؛ ويدُلُّ على هذا أن الله قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾؛ يعني: مِن المؤمنينَ، لا مِن غيرِهم.\nالثَّاني: أنَّ اللهَ جعَلَ الطاعةَ لأُولي الأمرِ بعدَ طاعتِهِ وطاعةِ نبيِّه؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ مخالَفَةِ أُولي الأمرِ المؤمنينَ لأمرِ اللهِ؛ لأنَّهم تبعٌ له.\nالثالث؛ أنَّ اللهَ قرَنَ طاعةَ أولي الأمر بطاعةِ النبيِّ - ﷺ -، فجعَلَ الله طاعتَهُ بأمرِ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾، ثم جعَلَ طاعةَ النَّبيِّ والأولياءِ بأمرٍ واحدٍ: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾؛ إشارةً إلى أنَّ وِلَايتَهُم هي كولايةِ النبيِّ، وهي الإيمانُ باللهِ والانقيادُ له، وولايتُهم فرعٌ عن ولايةِ النبيِّ - ﷺ -.\nالرابعُ: أنَّ اللهَ أمَرَ عندَ النِّزاعِ بالرجوعِ إلى اللهِ والرسولِ في قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، والأمرُ للآمِرِ والمأمور، ولا ينصرفُ ذلك إلَّا إلى المؤمنينَ.\nالخامسُ: أنَّ اللهَ بعدَ ذِكرِ وجوبِ الرجوعِ عندَ النِّزاعِ إلى حُكم اللهِ والرسولِ - ﷺ - شَرَطَ الإيمان في قولِهِ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وهذا الشرطُ للمتنازِعِينَ حُكَّامًا ومحكومينَ.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦٢٢) (١/ ٨٢)، والبخاري (٤٣٤٠) (٥/ ١٦١)، ومسلم (١٨٤٠) (٣/ ١٤٦٩).","vol":"2","page":866},{"text":"السادسُ: أنَّ اللهَ ذكَرَ وَصْفَ الاتِّباعِ بعدَ النِّزاعِ بقولِه: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾؛ وهذا لا يُوصَفُ به إلَّا مؤمِنٌ؛ فلا يُوصفُ المُشرِكُ الظالِمُ لنفسِهِ في حقِّ ربِّه بالخيريَّةِ وحُسْنِ التأويلِ في عدلِهِ مع الخلقِ وهو ظالمٌ في حقِّ اللهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-619>توجُّه الخطاب في الآية للحاكم والمحكوم:</span>\nوالأمرُ الأول في الآيةِ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ عامٍّ لكلِّ المؤمنينَ، والأمرُ الذي بعدَه: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ للمحكُومِينَ مِن دونِ الحاكمِينَ، والأمرُ الذي يَلِيهِ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ للحاكِمينَ والمحكومِينَ جميعًا: أنَّ اللهَ يَقضي بينَهم جميعًا، وفيه نزولُ الحاكم والمحكومِ إلى حُكمِ اللهِ وأمرِه، وأن لا حصانةَ للحاكِمِ في حُكمِ الله، ولا يستضعَفُ محكومٌ مع حاكمٍ؛ فهم في حُكمِ اللهِ سواء.\nوفي قوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ دليلٌ على صلاحِ حُكمِ اللهِ للعِبادِ في العاجلاتِ والمآلات، وربما يستعجلُ العبادُ غيرَه، فيرونَ قليلَ خيرِ العاجِل، ولا يرَونَ عظيمَ خيرِ الآجِل، أو يرَونَ قليلَ شرِّ العاجِل، ولا يرون عظيمَ شرِّ الآجِلِ؛ فتنقلبُ أحكامُهُ على خلافِ مُرادِ اللهِ وحُكمِه.\nوفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أن أعظَمَ أسبابِ النِّزاعِ والخصوماتِ هو بسب التأويلِ الفاسِدِ الذي تَتخذُهُ النفسُ تسويغًا لخروجِها عن مُرَادِ الله والاستئثارِ في الحقوق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-620>أحوالُ طاعةِ المأمورِ للأمرِ:</span>\nوإذا تقرَّرَ أنَّ الخِطَابَ للمؤمِنِينَ، وأن الأمَّةَ مجتمِعةٌ على أنَّ السلطانَ الكافِرَ لا يُخاطب بهذه الآيةِ؛ لأنَّ البَيعةَ لا تصح له، وشرطُ البيعةِ الطاعةُ، فهل نقولُ بعدمِ جوازِ طاعةِ الحاكِم الكافرِ اختيارًا بإطلاقٍ أو لا؟ أم في المسألةِ تفصيلٌ؟ نقولُ: إن طاعةَ المَأمورِ للآمِرِ لها حالاتٌ:","vol":"2","page":867},{"text":"الحالةُ الأُولى: طاعة المأمورِ لأجلِ الَامِرِ والمأمورِ به؛ وهذه لا تكونُ إلَّا للحاكِمِ المسلِمِ صحيحِ البيعة، فيُتديَّنُ بطاعتِهِ بما أمَرَ اللهُ به بعدَ التدينِ بطاعةِ اللهِ؛ كأمرِ الأميرِ بالنفيرِ للجهادِ والصدقةِ؛ فاللهُ أمَرَ بالجهادِ والصدقة، وأمرَ بطاعةِ الأمير، والمُمتثلُ يُؤجَرُ عليهما جميعًا.\nالحالة الثانيةُ: طاعةُ المأمورِ لأجلِ الآمِرِ لا المأمورِ به؛ وذلك للحاكِمِ المسلِمِ صحيحِ البيعةِ بيعةً عامةً أو خاصَّةً؛ حينَما يأمُرُ بالمباحِ الذي لا يدُلُّ الدليل على الحَثِّ عليه، أو مكروه لا يحرُمُ لمصلحةِ اجتماعِ الناسِ عليه؛ فيطاعُ ويؤجَرُ الطائعُ على طاعِته للآمِرِ واحتسابِهِ في ذلك، لا على ذاتِ الفِعلِ المباحِ أو المكروه؛ لأنَّه لو فعَلَ المباحَ أو المكروهَ مجرَّدًا، لم يُؤجَرْ عليه، بل لو تعبَّدَ به وليس بعبادةٍ، ابتدَع.\nويُؤجَرُ الفردُ الذي يفعل المباحَ أو المكروهَ بلا أمرٍ لِذَات العلةِ، ولو لم يُؤمَرْ بذلك؛ كأنْ يرى مصلحةَ النَّاسِ ورَفْعَ الحَرَجِ عنهم بفعلِه، فيُؤجَرُ على قصدِهِ وثمرةِ عملِه، لا لِذَات فِعلِه.\nالحالة الثالثةُ: طاعةُ المأمورِ لأجلِ المأمورِ به لا لأجلِ الآمِرِ؛ وهذا يكونُ للسلطانِ الكافرِ ولو لم تَصِحَّ بيعته، ولا يجوزُ أن يُتعبَّدَ بطاعةِ الحاكم غيرِ المسلِمِ ويُتديَّنَ بها، ويُطاعُ لأجلِ المأمورِ به الذي تظهَرُ مصلحةُ الناسِ فيه؛ كالمصالِحِ العامةِ في البلدياتِ وتنظيمِ الطرُقِ والوظائفِ والحقوق، ما لم تُخالِف حُكمَ اللهِ ونبيِّه - ﷺ -، وإذا أمَرَ الحاكم غيرُ المسلِم بشيءٍ لا تظهَرُ فيه مصلحةُ الناس، لم تجب طاعته، وجازَت مخالفتُهُ؛ لأنَّ طاعتَهُ ليست بِدِينٍ، ولا يجوزُ التديُّنُ بطاعتهِ ولو أمَرَ بطاعةِ اللهِ؛ وإنما يُتدينُ للهِ وحدهُ بما أمَرَ به سبحانه.\n* * *","vol":"2","page":868},{"text":"* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-621>الحَذرُ من العدوِّ، والنهيُ عن الخوف منه:</span>\nفي الآيةِ أمَرَ الله بالحَذَر، وهذا يتضمَّنُ إعدادَ العَدَدِ والعُدَّةِ؛ فلا يكونُ حَذِرًا مَن لم يُعِدَّ ذلك؛ فالحَذَرُ ليس معنًى يكفي قيامُهُ بالنفس، بل لا بدَّ مِن إضافةِ ما يحمِيها مِن غيرِها.\nوفي الآية: الأمر بالنفِيرِ بعدَ أخذِ الحذرِ، وليس الأمرَ بالنفيرِ بلا حذرٍ، ولا الحذرِ مع قعودٍ عندَ قيامِ موجب النفيرِ.\nواللهُ يأمُرُ بالحذرِ في كتابِهِ وينهَى عن الخوفِ؛ لأنَّ الخوف يورِث الجُبنَ والتقهقُرَ والفِرارَ مِن العدوِّ، وأمَّا الحذرُ فيُورِث الثباتَ وحِفْظَ النفسِ والنكايةَ في العدوِّ، والحذرُ هو توقُّعُ السُّوءِ والتحسُّبُ به والحياطةُ منه.\nوقولُه تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾: والثُّبَاتُ: جمعُ ثبَةٍ، والثُّبَةُ: العُصبَة والجماعةُ المُنفرِدة؛ ومنه قول الشاعرِ:\nوَقَدْ أَغْدُو عَلَى ثُبَةٍ كِرَامٍ ... نَشاوَى وَاجِدِينَ لِمَا نَشاء\nوالمعنى: انْفروا جماعةً واحدةً، أو فِرَقًا وسَرَايَا وعصاباتٍ؛ روى عليٌّ، عن ابنِ عباسٍ؛ في قوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾: \"يعني: عُصَبًا سرايا متفرقين\"، وبنحوِه قال قتادةُ وعطاء الخراساني والضحاك (١).\nوروى علي، عن ابنِ عبَّاسٍ أيضًا؛ في قوله: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾؛ \"يعني: كلكم\"؛ رواه ابن جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ (٢).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٢١٨ - ٢١٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٩٨).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٢١٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٩٩).","vol":"2","page":869},{"text":"وروى ابنُ المُنذِرِ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مُجاهدٍ؛ في قوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾: \"فِرَقا قليلا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-622>تعدُّدُ الجيوش في قتالِ الدفعِ:</span>\nوفي هذه الآيةِ: دليلٌ على جوازِ تعددِ الجيوش الجماعاتِ والراياتِ في قَتالِ الدَّفْعِ عندَ الحاجةِ إليه وتعذُّرِ الاجتماع؛ لِشدةِ العدُوِّ وقوةِ صَولَتِه، وقد تكونُ الفِرَقُ عندَ دفعِ صولةِ العدوِّ أَحفَظَ للدماء، وأَثخَنَ في العدوِّ؛ لمشقةِ اجتماعِ المُسلِمينَ في موضعٍ واحدٍ أو انقيادِهم لأميرٍ واحدٍ، ولكنْ عندَ القُدرةِ تجُب الجماعةُ في كل جهادِ دفع أو طلبٍ؛ لأنَّ الافتِراق يُورِثُ سوءَ الظَّنِّ بينَ جماعاتِ المسلِمِين، فتَظُنُّ كلُّ جماعةٍ: أنَّها الأقوَى والأثخَنُ؛ لأنّها تَرى مُصَابَها ولا ترى مُصَابَ غيرها؛ وتَرى إقدامَها ولا تَرى إقدامَ غيرها، فيظهَرُ لها مِن الأسباب الموجبةِ لرِضاها عن نفسِها وعُذرِها عند تقصيرِها: ما لا تراهُ مِن الأسبابِ في غيرِها، فتتشاحَنُ النفوس وتتقاتَلُ فيما بينها، ويتغلب العدو لشتاتِهِم، وربّما تنازَعُوا على الغنيمةِ والأرضِ واقتَتَلُوا على دنيا، وكل واحدٍ يرى أَنَّه الأحَق، ويُحضِر الشيطانُ في نفس كلِّ طائفةٍ جهدها وجهادَها، وصَبرَها وآلامَها؛ حتى ترى أنَّها الأحَق مِن غيرِها بكلِّ شيءٍ؛ لأنَّها ترى في نفسِها ما لا تراهُ في غيرِها؛ لهذا أمَرَ اللهُ بالجماعةِ في كلِّ حِينٍ، ونَهَى عن الفرقةِ على كل حالِ إلا عندَ الضرورةِ والمصلحة، وهي تقدر بقدرها.\nوكانَتْ هذه الآيةُ أولَ الأمرِ في زمنِ الضعف وعدمِ كثرةِ المُسلِمِينَ وقوَّتِهم؛ ولذا قال بعض السلفِ بنسخِها كابنِ عباسٍ؛ كما روى عطاء الخُرَاساني عنه؛ أنَّها نسِختْ بقولِهِ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا\n_________\n(١) \"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٧٨٤).","vol":"2","page":870},{"text":"كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢]؛ قال ابنُ عبَّاسِ: \"ينفرْ طائفةٌ، وَيمكث طائفةٌ مع النَّبيِّ - ﷺ -، وقال: والماكِثونَ هم الذين يتفقهونَ في الدِّين ويُنذِرون قومَهم إذا رجَعُوا إليهم مِن الغزوِ بما نزَلَ مِن قضاءِ الله وكَتابِهِ وحدودِه\"؛ رواهُ ابنُ المُنذِرِ وابنُ أبي حاتمٍ، عن ابن جُرَيجٍ وعثمانَ بنِ عطاءٍ، عن عطاء الخراسانيِّ، عن ابنِ عبَّاسٍ، به (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-623>حمايةُ الشريعةِ بالعالِمِ والمجاهِدِ:</span>\nوفي هذا: دليلٌ على وجوبِ حِرَاسةِ الشريعةِ مِن داخِلِها بالعلماءِ؛ كوجوب حمايتِها من خارِجِها بالمُجاهِدِينَ، فلِوَسَطِ بُلدانِ المُسلِمينَ ثغُور في عقائدِهم ودينهم يجبُ أن تُحمَى، كما في أطرافِها مِن ثغورٍ بالرِّباطِ والمُجاهَدةِ للأعداءِ، وبحمايتِها تُحمَى الأمةُ؛ مِن داخِلِها: بالعِلمِ والأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكَر، ومِن خارِجِها بالجِهادِ والسِّلاح، فيُحمَى دِينُها وعِرْضُها ودمها ومالها وأرضُها.\nوكما أن المُجاهِدَ يُرابطُ في ثَغرٍ لا يَقرَبُهُ عدوٌّ أشهرًا أو سنينَ، لا زُهدًا مِن العدوِّ في هذا الثغرِ؛ ولكن تهيُّبًا مِن المرابِطِينَ عليه، فكذلك وجودُ العلماءِ في أرضِ المُسلِمِينَ وشهودهم بها: حمايةٌ تَحمِي مِن المنافق الذي يرِيدُ إظهارَ نِفاقه، ومِن الفاسِقِ الذي يريدُ إظهارَ فِسقه، ولو لم يُظهِرُوا فليس زهدًا منهم في الشرِّ؛ ولكن تهيُّبًا مِن حِراسةِ المرابِطِينَ، وهم العلماءُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-624>الجهاد والنفاق:</span>\nثُمَّ ذكَرَ الله بعدَ ذلك: أَنَّه لا يَتباطَأ عن الجهادِ عندَ قيامِ موجبه وتعيُّنِهِ إلَّا منافقٌ، وبمقدارِ التباطُؤِ يكونُ مقدار النفاق، وأشَدُّ الناسِ نفاقًا\n_________\n(١) \"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٧٨٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٩٨).","vol":"2","page":871},{"text":"المُتخلِّفُ عن جِهادٍ متعيِّنٍ بلا عذرٍ؛ وذلك في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢]؛ أي: يُبَطِّئ غيرَهُ ويُثَبِّطُهُ مع تخلفِه، وسبب تخلفِهِ عن داعِي النفيرِ بيَّنَهُ الله في قولِهِ: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٢]؛ وذلك خشيةَ نقص الدُّنيا؛ إمَّا نقصُ الأمنِ أو النفسِ أو الثمرات، أو فقدُ الأهلِ والزَّوجات، أو فقدُها جميعًا؛ ولهذا يرى تَركَ الشهادةِ نِعمةً، والأعظمُ: أَنَّه ينسب هذه النعمةَ إلى اللهِ: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٢]؛ فقد انتكَسَ المعنى لانتكاسِ العلم، وانتكس العِلمُ لانتكاسِ الإيمانِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-625>أصلُ النفاق:</span>\nويُظهِرُ هذا - وهو: أن التعلُّقَ بالدُّنيا وكُرهَ الجهاد، هو أصلُ النفاقِ - الآيةُ التي تَلِيها؛ لأنهم بها يَحمدون الجهادَ إن كان به نصرٌ وظَفَرٌ، وبها يَذُمُّونَهُ إنْ كان به هزيمةٌ وقتلٌ، وتختلِف عداواتُهُمْ باختلافِ منافِعِهِمْ ومصالِحِهِم، لا باختلافِ مبادئِهم؛ لأنَّ مبادئَهم على الدُّنيا لا على الدينِ؛ قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-626>تعامُل النبيِّ - ﷺ - مع المنافقين:</span>\nوذكَرَ بعضُ التابِعينَ أنَّ المُخاطَبَ بقولِهِ: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] هو عبدُ اللهِ بنُ أبَيٍّ، وسواءٌ كان هو أو غيرَه، ففي ذلك أن النَّبيَّ - ﷺ - لم يُعَزِّرْهُ على فِعلِه؛ لأنَّه يُظهِر التأولَ، لا المُعارضةَ للمَقصَدِ والغايةِ مِن الجِهادِ؛ وإنَّما يُظهِرُ عدَمَ الحاجةِ والكفايةَ، وأنَّ الضرَرَ أكبَرُ مِن النفعِ، فهو يزعم أنَّه يخالِفُهم سياسةً، لا وَلَاءً للكفرِ وبرَاءً مِن الإسلامِ؛ ولذا كان النَّبيُّ - ﷺ - لا يُسَمِّيهِ، وهكذا أسلوبُ القرآنِ؛ لأنّ","vol":"2","page":872},{"text":"المنافقَ يُظهِرُ مِن الشرِّ القليلَ، ويخفِي الكثيرَ؛ كما قال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨]؛ فتَعيينُهم عندَ إظهارِ القليلِ مِن الكيدِ يَسْتَعْدِيهِم، ويجعَلُهم يُظهِرُونَ الأكبرَ، وسياسةُ النَّبيِّ - ﷺ -: أن مَن يُظهِرُ مِن العداوةِ القليلَ ممن احتفَّتِ القَرَائِن بإخفائِهِ الأكثرَ: لا يَستعدِيهِ بعينهِ؛ حتَّى لا يُظهِرَ الأكثرَ، فتنشغِلَ الأمةُ عن مصالحِها به؛ وإنما يُحذِّرُ مِن فعلِهِ وقولِهِ ووصفِه؛ حتَّى يَحذرَ الناسُ مِن مشاركتِهِ ومُماثلَتِه، وحتى يتهيَّبَ مِن تكرارِ ما يقولُ.\nوأمَّا مَن يُظهِرُ أكثَرَ العداوةِ ولم يُبْقِ مِن شَرِّهِ الذي تُؤذَى به الأمةُ إلَّا القليلَ، فهذا يُفاصَلُ باسمِه، ويُعادَى بعَينِه، ويُعاقِبُهُ الحاكم بما يَرْدَعُه.\nوهذا كله يُرجَعُ فيه إلى الحِكمةِ والقرائنِ المحتفَّةِ بكلِّ شخصٍ؛ فالأشخاصُ يَختلِفونَ ويتبَايُنونَ بحسَبِ منازِلهم وأحوالِهم وأزمانِهم، ومَدَارُ ذلك إلى مصلحةِ الأُمَّة، لا إلى مصلحتهم، ولا إلى مصلحةِ المُصلِحينَ مِن السلامةِ منهم أو شفاءِ الصدورِ انتقامًا منهم.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤].\nفي الآيةِ: أمرٌ بالقتالِ للمخلِصِينَ، بعدَما ذكَرَ حالَ المنافِقِينَ الذين قصَدُوا شِراءَ الدُّنيا بالدِّينِ، ذكَرَ حالَ الصادِقِينَ المُخاطَبِينَ بالأمر، وهم الذين يَشرُونَ - يعني: يَبِيعُونَ - الحياةَ الدُّنيا بالآخِرةِ، فالبيعُ يسمَّى شِراءً، والشِّراءُ يُسمَّى بَيْعًا، وهما - أي: البيع والشراءُ - مِن الأضدادِ ومِن","vol":"2","page":873},{"text":"مشتركِ المَعَاني، وفي الحديث قال - ﷺ -: (البَيِّعَانِ بِالخِيارِ) (١)، وغلَبَ استعمالُ الشِّراءِ للقابِضِ للسلعةِ، والبيعِ للدافِعِ لها؛ وإنما جاز حَملُ اللفظِ على المعنيَينِ؛ لأنَّ كل واحدٍ مِن المتبايِعينِ قابِضٌ ودافعٌ؛ فالمُشترِي دافِعٌ للمالِ قابِضٌ للسِّلعة، والبائع دافِعٌ للسِّلعةِ قابِض للمالِ؛ فكلُّ واحدٍ منهما توافَرَ فيه القبضُ والدفعُ معًا.\nوذكَرَ القتالَ ولم يطلِقهُ، وإنما قَيَّدَهُ في سبيلِ اللهِ؛ لأنَّ الصدقَ والإخلاصَ هو الذي يكونُ معه بيعُ الدنيا وشراءُ الآخِرة، ومعه يكون الثبَاتُ ويَنتفي الخوفُ، ويُؤمَرُ صاحِبُهُ بالحذرِ لإقدامِهِ وصدقه، فقد يُقدِمُ يُرِيدُ الموتَ العاجِلَ وَيغِيب عنه تحقيقُ غايةِ الجهاد، وهي إقامةُ الحقِّ والعدلِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-627>القتالُ واحتمالُ النصر:</span>\nويدُلُّ الأمرُ السابقُ في قولِه تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]، وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾: أن الأصلَ في الجهادِ: أنَّه لا يكونُ فاضلًا إلَّا مع احتمالِ الأمرين، وأن القتلَ في سبيلِ اللهِ لا يُطلَبُ لِذَاتِهِ إلَّا مع احتمالِ النصر، والنصرُ قد يتحققُ حِسًّا بالتمكين، وقد يتحقَّقُ معنًى بالخوفِ والرعب والرهبةِ.\nولمَّا أمَرَ الله بالحَذَرِ، دَلَّ على وجوبِ توافرِ احتمالِ الغَلَبَةِ والنصرِ في جِهادِ الطَّلَبِ، ولو قَوِيَ احتمالُ القتلِ وغَلبَ؛ لأنَّ قَصْدَ القتلِ وطلَبَهُ بذَاتهِ لا يحتاجُ إلى حَذَرٍ، فالمسلِمُ الذي يَرْمي بنفسِهِ بينَ يدَيِ العدوِّ يتحقَّقُ له القتلُ، ولكن قد لا تتحقَّق له الغَلَبَةُ؛ لهذا لا يجوزُ القتالُ إلَّا مع توافُرِ احتمالِ النصرِ، يحكمُ فِيه مَن جَمَعَ عِلمًا بالشرعِ والحالِ واتَّصَفَ بالشجاعةِ، ونقصُ واحدٍ منها يضعفُ النظرَ، فتَخْتلُّ النتيجةُ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٠٧٩) (٣/ ٥٨)، ومسلم (١٥٣٢) (٣/ ١١٦٤).","vol":"2","page":874},{"text":"ولهذا ذَكَرَ اللهُ الأمرَينِ في قوله: ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾، ولم يَذكُرِ الهزيمةَ مع احتمالِها؛ لأن المؤمنَ الصادقَ يَثِقُ بموعودِ الله، وهو النصرُ، والهزيمةُ ولو كانت محتملةً، فذِكْرُها واستحضارُها يُورِثُ الخوف وسُوءَ الظن باللهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-628>فضلُ جهادِ الدفعِ وحَدهُ:</span>\nوأما جهادُ الدفعِ، فيدفع العدوُّ عن العِرضِ والنفسِ والمالِ ولو مع احتمالِ عدمِ النصر، ولكنه لا يحرُم بحالٍ ولو كان الدفع عن دِينارٍ واحدٍ؛ لحديث أبي هريرةَ - ﵁ -؛ قال: \"جاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسولِ الله - ﷺ -، فَقَالَ: يا رَسولَ الله، أرَأَيتَ إِن جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخذَ مَالِي؟ قَالَ: (فَلَا تُعطِهِ مَالَكَ)، قَالَ: أرَأَيتَ إن قَاتَلَنِي؟ قَالَ: (قَاتلْهُ)، قَالَ: أَرَأَيتَ إِنْ قَتَلَني؟ قالَ: (فَأنتَ شَهِيدٌ)، قالَ: أرَأَيت إِن قتلتهُ؟ قَال: (هُوَ فِي النَّارِ) (١).\nولحديثِ قابوسِ بنِ أبي مُخارِقٍ، عن أبيهِ؛ عندَ أحمدَ والنسَائيِّ؛ بمعناه (٢).\nولحديثِ عبدِ اللهِ بن عمرٍو في \"الصحيحَين\" مرفوعًا: (مَن قُتلَ دُونَ مَالِه، فَهُوَ شهيدٌ) (٣).\nولا يحرُمُ جهادُ الدفعِ بحالٍ ولو تيقَّنَ الإنسانُ عدمَ النصر؛ وإنما الخلافُ في وجوبهِ واستحبابِهِ وجوازِهِ على صاحِبِهِ بمقدارِ تحقُّقِ ثمرةِ جهادِه، ونوعِ الحقِّ الذي يَدفَعُ عنه ومقدارِه؛ فمَن يَدْفَعُ عن دِرهَمٍ يختلِفُ عمَّن يدفعُ عن مالِهِ كلِّه؛ فمَن ترَكَ دِرهَمًا أو دراهمَ أو دنانيرَ ضَنًّا بنفسِهِ ألا تُقتَلَ بالدفعِ عنها، فلا يَأثَمُ، والأمرُ فاضلٌ ومفضولٌ، ولو دفعَ وقُتِلَ،\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) سبق تخريجه.","vol":"2","page":875},{"text":"فهو شهيدٌ بكلِّ حالٍ، والدفعُ عن العِرْضِ متعيِّنٌ بكلِّ حالٍ، يَختلِفُ عن الدفعِ عن المالِ؛ لاختِلاف المَنزلتينِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-629>فضلُ المنتصِرِ المقتولِ، وأثر الغنيمةِ على النِّيَّةِ:</span>\nوفي معنى هذه الآيةِ: ما رواهُ مسلمٌ في \"صحيحِه\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"تَضَمَّنَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِه، لَا يُخْرِجُهُ إلَّا جِهَادًا فِي سبيلِي، وإيمَانًا بِي، وَتصدِيقًا بِرُسُلِي، فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أن أدخِلَهُ الجنةَ، أو أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنهِ الذي خَرَجَ مِنْهُ، نَائِلًا ما نَالَ من أجْرٍ أوْ غنيمةٍ) (١).\nوالمقتولُ المُنتصِرُ أعظَمُ عندَ اللهِ مِن المنتصِرِ الغانِمِ السالمِ، وتَحتمِل الآيةُ فضلَ المقتولِ الصادقِ ولو لم يَنتصِرْ على المنتصِرِ الغانِمِ السالم، وكلٌّ له أجرٌ عظيمٌ؛ ولذا قدَّمَ اللهُ القتلَ في الآيةِ على الغَلَبَة، فإن الغانمَ المنتصِرَ يَنقُصُ أجرُهُ عن غيرِ الغانمِ؛ كما ثَبتَ في \"صحيحِ مسلمٍ\"؛ مِن حديث عبدِ اللهِ بن عمرو؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (مَا مِنْ غازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبيلِ الله، فَيُصِيبُونَ الغَنِيمَةَ، إِلا تَعَجَّلُوا ثُلُثَي أجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَة، وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ، وَإِنْ لَم يُصِيبُوا غنِيمَةً، تَمَّ لَهُمْ أجرُهُم) (٢)، وهذا غالبٌ لا مُطَّرِدٌ؛ بمقدارِ تعلُّقِ القلبِ بالغنيمة، وهذا في النَّاسِ كثيرٌ، وربَّما لا يكادُ يَسلَمُ منه إلَّا القليلُ؛ فالغنائم مالٌ وسَبْيُ نساءٍ وثمرٌ ولباسٌ، وهذا لا بدَّ أن يَعلَق مِن القلب منه عالِقةٌ ولو قليلًا، وبمقدارِ ما عَلِقَ يَنقُصُ مِن أجرِ الآخِرة، ولكن لا يأثَمُ به صاحبهُ ما دام قاصدًا إعلاءَ كلمةِ اللهِ؛ لأنَّ اللهَ ما أحَلَّ الغنيمةَ وهم يأثمونَ بها؛ ولذا قال في الحديثِ السابقِ: (أَوْ أرجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، نَائِلًا مَا نَالَ مِن\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٨٧٦) (٣/ ١٤٩٥).\n(٢) أخرجه مسلم (١٩٠٦) (٣/ ١٥١٤).","vol":"2","page":876},{"text":"أَجْرٍ أو غنِيمَةٍ)، وهو ظاهرٌ في أن الغنيمةَ لا تُلغِي الأجرَ؛ ولكن قد تُضعِفُهُ، وقد لا تُؤثِّرُ فيه عندَ الكُمَّلِ والأصفِياء والصِّدِّيقِينَ.\nفالغنيمةُ إن كانت هي الدافِعةَ على القتال، أثَّرَتِ النيةُ في أصلِ العمل، ولكن لو كان الرجلُ محبًّا للقتالِ في سبيلِ الله، ويرغب في الغزو، لكنَّه فقيرٌ منشغلٌ بمؤنَةِ أهلِه، فوجَدَ مَن يَكفِيهِ مؤنتهُ ومؤنةَ أهلِه، فذهبَ مجاهِدًا، لم يكن ذلك مؤثِّرًا في جهادِه، ويَبقى مقدارُ نقصانِ أجرِهِ بمقدارِ ما تعلقَ مِن الدنيا بقلبِهِ.\nولذا قال الإمامُ أحمدُ: \"التاجرُ والمستأجِرُ والمُكَارِي أجرهم على قدرِ ما يخلُصُ مِن نيَّتِهم في غزواتِهم، ولا يكونُ مِثلَ مَن جاهَدَ بنفسِهِ ومالِهِ لا يَخلِط به غيرَه\".\nوكذا رُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو؛ قال: \"إذا جَمَعَ أحدُكُم على الغزوِ، فعوَّضَهُ الله رزقًا، فلا بأسَ بذلك، وأما إنْ أحدُكم إن أعطِيَ دِرهمًا غزَا، وإن مُنِعَ دِرهمًا مَكَثَ، فلا خيرَ في ذلك\".\nوبنحوِ هذا قال الأوزاعيُّ وغيرُه (١).\nوفي الآيةِ تكرَّرَ ذِكرُ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ تأكيدًا على الإخلاصِ والصدقِ في النيةِ مع الله.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥].\nفي هذه الآيةِ أمَرَ الله بالقتالِ لأجلِ المُستَضعَفِين بِمَكَّةَ مِن الرِّجَالِ\n_________\n(١) ينظر: \"جامع العلوم والحكم\" (ت الأرناؤوط) (١/ ٨٢).","vol":"2","page":877},{"text":"وَالنِّسَاءِ وَالوِلدَانِ، الذين آمَنُوا بالنبيِّ - ﷺ -، وعَجَزُوا عن الهجرةِ، وحبسُوا عنها، فبقاؤُهم بمكةَ اضطرارٌ لا اختيارٌ؛ ولذا سماهم الله المُستضعَفِين؛ أيِ: المغلوبَ على قوَّتِه وحريَّتِه واختيارِه، ثم قال في وَصفِهم وبيانِ قَهْرِهم وغَلَبَتِهم: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، فهم يتربَّصونَ الهجرةَ وحُبِسُوا عنها، فنصْرةُ المستضعفينَ واجبةٌ، وهي مِن القِتالِ في سبيلِ اللهِ كما سمَّاها اللهُ، والجهادُ تتعددُ أسبابُهُ وتتنوعُ، وكلُّ قتالٍ كان في إحقاقِ الحقِّ، ودفعِ الظُّلْم، وإقامةِ العدلِ الذي أمَرَ اللهُ به، فهو جهادٌ في سبيلِ الله، وكلُّ مجاهِدٍ على نيته وقصدِه؛ فإن الله سمى الدفعَ عن الأرضِ والأهلِ والذريةِ قتالًا في سبيلِه؛ فقال: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: ٢٤٦].\nوسمَّى اللهُ الدفعَ بأنواعهِ بالقتالِ في سبيلِهِ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]، وسمَّى القتالَ لإعلاءِ كلمةِ اللهِ على الكافرينَ قتالًا في سبيلِ اللهِ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩].\nوفي آيةِ البابِ قال مجاهدٌ: \"أمَرَ المؤمنينَ أن يُقاتِلُوا عن مُستضعفينَ مؤمنينَ كانوا بمكةَ\" (١).\nقال ابن عباسٍ: \"كُنتُ أنَا وَأمِّي مِنَ المُستضعفِينَ؛ أنَا منَ الْوِلْدَان، وَأمِّي مِن النساء\"؛ رواهُ البخاري (٢).\nثم نَسَبَ اللهُ الظُّلْمَ لأهلِ مكَّةَ لا لمكةَ، وكنَّى عنها بالقريةِ تعظيمًا لها، وقد سمَّاها في مواضعَ بالبلدِ الأمين، والحَرَم، وبَكةَ، وأمِّ القُرى.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٢٢٦)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٧٩١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٠٢).\n(٢) أخرجه البخاري (١٣٥٧) (٢/ ٩٤).","vol":"2","page":878},{"text":"والبُلْدَانُ مهما عَظُمَت تشريفًا لا تَمنَع أصحابَها مِن الظُّلمِ فيها، والتعظيمُ للبلدِ يكون إمَّا لِذاتِها، وإمَّا لأهلِها، وتعظيمُ البُلدانِ لأجلِ فضلِ أهلِها وعَمَلِهِم أعظَمُ مِن فضلِ البُلدانِ لِذَاتِها؛ فمكةُ أفضَلُ مِن المدينةِ في قولِ جمهورِ العلماءُ، ومع ذلك أمَرَ اللهُ بالهجرةِ مِن مكَّةَ مع فضلِها؛ بسببِ ظُلمِ أهلِها، إلى المدينةِ وهي مفضولةٌ؛ بسببِ فضلِ أهلِها وعملِهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-630>الهجرةُ وحكمُهَا:</span>\nوفي قوله: ﴿أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ وجوبُ الهجرةِ من بلدِ الكُفْرِ إلى بلدِ الإسلامِ، وعدمُ جوازِ الإقامةِ في بلدِ الكُفرِ إلَّا للطَّرِيدِ الفارِّ بدينِهِ مِن مِثلِها، كما هاجَرَ أهلً مكَّةَ إلى الحبشةِ بدِينِهم وأنفُسِهم؛ فيجوزُ للمسلِمِ أن يَفِرَّ بدِينهِ ولو إلى بلدِ كفرٍ.\nلكنْ لا يجوزُ لمسلم أن ينويَ الإقامةَ فيه بلا تربُّصٍ بالرجعَةِ عندَ وجودِ مكانٍ آمِنٍ يُقِيمُ دِينَه في بلدٍ مسلمٍ؛ فإنَّ الخِلطَةَ بأهلِ البلدانِ تُؤَثِّرُ في الفِطَر، وتنقلُ الطبائعَ، وتجعَلُ النفوسَ تَقْرِنُ بينَ ما لا يُقرَنُ مِن الطبائع والأخلاقِ وبين الدِّينِ؛ فإنِ استحسَنُوا الطبائعَ والعيشَ، استحسنوا الدِّينَ، فإن لم يَتأثَّرِ الرَّجُلُ بنفسِه، تأثَّرَتْ ذُريَّتُه، فإنْ سلِمَ الآباءُ، لم يَسْلَمِ الأولادُ، وإنْ سَلِمَ الأولادُ، لم يَسلَمِ الأحفادُ، وكثيرٌ في بُلدانِ الغربِ اليومَ في أوروبا وأمريكا وجود نَصَارَى مِن آباءٍ أو أجدادٍ مُسلِمِينَ، رأوْا أنَّهم يَحفَظُونَ دِينَهم، وغاب عنهم ضياعُ دينِ أولادِهم وأحفادِهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-631>الهجرةُ إلى بلدِ الكفرِ وحدودُهُ:</span>\nوالمرادُ بالظُّلْمِ في الآيةِ: الكفرُ والشركُ، وإذا أطلق الظلمُ في القرآنِ، فيُرادُ به الكفرُ، ومَن قُهِرَ في نفسِهِ ومالِهِ في بلدٍ مسلمٍ لا يجوز","vol":"2","page":879},{"text":"له الخروجُ إلى بلدِ الشركِ والإقامة فيه إلَّا عابرًا متربِّصًا ينتظِرُ الفَرَجَ ورَفْعَ الظُّلْمِ عنه ليعُودَ، لا كمَن يقيمُ ويتزوج ويستكثِر مِن الذرية، فلا يجوزُ دفعُ ظُلم الدُّنيا بإيقاع ظُلْم الدِّين، وهو الكفرُ، وكثيرٌ مِن بُلْدانِ الإسلام اليومَ تَسَلَّطَ عليها حُكَّام أَظهَرُوا الكفرَ، وقَهَرُوا الناسَ عليه، فكانت إقامةُ المُصلِحِينَ فيها كإقامتِهم في بُلْدانِ الكفرِ أو أشدَّ، فإن عَجزوا عن الصبر، فلهم أن يتحولُوا عن بلدِهم إلى بُلدانِ المُسلِمينَ الأخرى، فإنْ عَجَزُوا، جاز لهم الخروجُ إلى بُلْدانِ الكفرِ التي يَظهَرُ فيها العدلُ لهم، مُتربِّصينَ بلدًا مسلمًا يُظهِرُونَ فيه دِينَهم؛ كما خرَجَ الصحابةُ إلى الحَبَشةِ وهو بلدُ كُفْرٍ، فلما مَكَّنَ اللهُ لنبيِّه بالمدينة، خرَجُوا إليها، وقد كان الزهري عازِمًا على أنَّه إن مات هشامُ بن عبد الملك، لَحِقَ بأرضِ الرومِ؛ لأنَّ الوليد بنَ يزيدَ كان قد نذَرَ دمَهُ إن قدَرَ عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-632>بلدُ الإسلام، وبلد الكفر:</span>\nوبلدُ الإسلام هو الذي يَسكُنهُ المُسلِمونَ ويُظهِرونَ شعائرَ دِينِهم: أصولَها وفروعَها، وأعلامَها ومشهورَها؛ كالتوحيدِ والصلاةِ والزكاةِ والصيام، والحجابِ، والأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المُنكَر، والأذانِ وبناءِ المساجدِ، ولو كان الحاكم كافرًا في نفسِه، فالبلدُ يَبقى مُسلِمًا بأهلِهِ وشعائرِه، يُهاجَرُ إليه ولا يُهاجَرُ منه، فلا أثرَ لكفرِ الحاكِمِ بعينه؛ فقد يكونُ الحاكمُ مُسلِمًا والمَحكومونَ كفارًا، فبلدُهم بلدُ كُفرٍ كالحبشةِ بعدَ إسلام النجاشي؛ هو حاكمٌ مسلِمٌ ورعيتُهُ نَصَارَى، وبلدُهُ بلدُ كفرٍ وإنْ آوَوا وعَدَلُوا في حقوقِ الناسِ ولم يَظْلِمُوهم.\nوقد يكونُ العكس؛ فيكونُ الحاكمُ كافرًا، ورعيتُهُ مُسلِمةَ يُظهِرونَ الدِّين وشعائرَهُ؛ فالحُكمُ لهم لا لحاكِمِهم على الصَّحيح، ولا تخلُو قرونُ الإسلامِ وأقاليمُهُ مِن ارتكابِ بعضِ الحُكَّامِ لمُكَفِّرٍ، ومِن العلماءِ مَن يَنُصُّ","vol":"2","page":880},{"text":"على تكفيرِ حاكِمٍ بعينه، فلم يأمُرُوا المحكومِينَ بالهجرةِ مِن بُلدانِهم، وإنَّما يُنظَرُ في عزلِهِ وقدرتهم عليه، وقد حكمَ العُبَيدِيُّون مصرَ والقَيرَوانَ وغيرَها مِن المَغْرِبٍ ولم يأمُرِ العلماءُ أهلَها بالهجرةِ منها، ولم يُسَمِّها أحدٌ منهم بلدَ كفرٍ؛ لأنَّ أهلَها مُسلِمونَ يُظهِرونَ شعائرَ الدين.\nومِثلُ ذلك في ولاية البويهِيِّينَ للعراق، وكان فيها علماءُ وأَجرَوْا حُكمَ بلدِهم بحكْمِ أهلِها وما يَظْهَرُ مِن شعائرِ دِينِهم، وكان علماءُ المغربِ في القيروانِ يُنكِرونَ على أبي جعفرٍ الداوُودِي لَما أنكرَ عليهم سُكناهُم تحتَ مملَكَةِ بني عُبَيدٍ، فقالُوا له: \"اسكُتْ لا شيخَ لكَ! \" - لأنَّه لم يَتفقَّه في غالبِ أمرِهِ على شيخٍ - فإِنَّهم رأَوا أن بقاءَهُم تَثبِيتٌ لأهلِها على الإسلامِ والسُّنَّةِ، ولو خَرَجُوا منها لزَاغَ الناس؛ فثباتُ العالم ثباتٌ للعامةِ.\nوفي الآيةِ: تنبيهٌ على توكُّلِ الضعيفِ على اللهِ وطلبِ المَدَدِ والعونِ منه؛ وذلك في قولِ المستضعفِينَ: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾؛ فهم سألوا المُعِينَ والنصِيرَ مِن اللهِ لا مِن غيرِه، وإذا اجتمَعَ تمامُ الضعفِ مع تمامِ التوكُّلِ، جاء النصرُ وتحقَّقَتِ الإجابةُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-633>فكاكُ الأسيرِ:</span>\nوفي هذه الآيةِ: دليلٌ على وجوب فَكَاكِ الأسْرَى مِن المُسلِمِينَ عندَ المُشرِكِينَ ما قَدَرَ المُسلِمُونَ على ذلكَ، والأسيرُ أحَقُّ بالزكاةِ مِن الفقيرِ ومُقدَّمٌ عليه؛ لأنَّ الأسيرَ يخشى على نفِسهِ ودِينِه، والفقيرَ يَخشى على نفسِهِ فقطْ؛ ولذا قال - ﷺ -: (فُكُّوا العَانِيَ - يَعنِي: الأسِيرَ - وَأَطعِمُوا الجَائِعَ، وَعودُوا المَرِيضَ)؛ رواهُ البخاري (١).\nوفكاكُ المرأةِ الأسيرةِ أوجبُ مِن الرجلِ؛ لأنَّ الرجلَ يُخشى على دِينه ونفسِه، والمرأةَ يُخشى على دِينِها ونفسِها وعِرضِها، وكلما عَظُمَ الأثرُ على الأسيرِ في نفسِهِ وعلى مَن خَلْفَه، ففَكَاكُهُ أوجب وأعظَمُ.\n_________\n(١) أخرجه البُخاريّ (٣٠٤٦) (٤/ ٦٨).","vol":"2","page":881},{"text":"وإذا وجَبَ القِتالُ لِفَكِّ الأسرَى، فبَذلُ المالِ لذلك أَولى مِن بَذلِ الدمِ، وقد روى أشْهَبُ وابن نافعٍ، عن مالكٍ؛ أنَّه سُئِلَ: أواجبٌ على المُسلِمينَ افتداءُ مَن أُسِرَ منهم؟ قال: نَعَمْ، أليس واجب عليهم أن يُقاتِلُوا حتَّى يَستنقِذُوهم؟ ! فكيف لا يَفدُونَهم بأموالِهم؟ !\nوقال أحمد: يُفَادَوْنَ بالرؤوس، وأمَّا بالمال، فلا أَعرِفُهُ (١).\nولعلَّ مرادَ أحمدَ: أن النَّبيَّ - ﷺ - كان يُفادِي الأسرَى بالأسرَى، لا بالمالِ؛ لأنَّ هذا أَقوَى لشوكةِ المُسلِميِنَ وهَيبَتِهم، وألَّا يُستضعفوا ويُهانُوا؛ فالنفوس أعظَمُ منزلةً مِن الأموالِ عندَ أهلِها، والرأسُ بالرأسِ مُكافأةٌ بالمِثلِ؛ لا يَظهَرُ في ذلك استضعافٌ لأحدٍ، وأمَّا المالُ، فيَظهَرُ فيه الضَّعْفُ، مع القولِ بجوازِ دفعِهِ بل بوجوبِهِ إن تعذَّرَت الرؤوسُ والقوةُ، ولم يرِدْ أحمدُ: ألَّا يُفَكَّ الأسيرُ بالمالِ.\nويُروى عن عمرَ أن فَكَاكَ الأسيرِ يكونُ مِن بيتِ المالِ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-634>مراتبُ فكاكِ الأسيرِ:</span>\nوالأَوْلى في فَكَاكِ الأسيرِ: أن يكون بالقتالِ إن كان في المُسلِمينَ قوةٌ، ولهم مَنَعةٌ؛ لإظهارِ العزةِ والقُوة، وإن كانت مفاسدُ القتالِ في إضعافِ المُسلِمِينَ كبيرةُ، فيكونُ بالفِداءِ أسيرٌ بأسيرٍ، وإن تعذَّرَ، فبالمالِ، وإنما تأخَّرَ فَكاكُ الأسيرِ بالمالِ عن الفَكَاكِ بالقتالِ والفِداءِ؛ لأنَّ المالَ مع كونِه مُعينًا في ظهورِ وقوةِ الكفارِ إلا أنَّه يُطمعهم في المُسلِمِينَ، فيَأْسِرُونَ منهم لِيَغنَمُوا فَكَاكًا بالمالِ، ولكنْ لو فُكَّ الأسيرُ بالقتالِ والفِداءِ كان في ذلك ظهورٌ للمُسلِمِينَ وذلٌّ للكافِرينَ وردعٌ لهم.\nوفَكَاكُ الأسيرِ أولى مِن جميع الأصنافِ الثمانيةِ مِن بيتِ المالِ وأموالِ المسلِمينَ.\n_________\n(١) \"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (٥/ ٢١٠).\n(٢) السابق.","vol":"2","page":882},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-635>القتالُ لفكاكِ الأسيرِ:</span>\nولا خلافَ بينَ العلماءِ في فضلِ فكاكِ الأسيرِ ووجوبِهِ للأَسرَى الكثيرِ؛ وإنَّما اختلَفُوا في القتالِ لفكاكِ الأسيرِ الواحدِ والاثنَيْنِ والعددِ القليلِ جدًّا في مُقابلِ القتالِ الكبير، على قولَينِ:\nالأوَّلُ: قالوا: إنَّه ليس بفرضِ عَينٍ؛ وإنَّما على الكفايةِ وحسَبَ القدرةِ؛ وهو قولُ الحنابلةِ ووجهٌ عندَ الشافعيةِ.\nالثَّاني: قالوا: إنَّه فرضُ عَيْنٍ، ولا فرقَ بين كثيرِ الأسرى وقليلِه؛ وهو قولٌ المالكيَّةِ والحنفيَّةِ ووجهٌ عندَ الشافعيةِ؛ لعمومِ الأدلَّةِ، ولم تُفرِّقْ بينَ قليلٍ وكثيرٍ.\nوإنَّما عَظُمَ فَكَاكُ الأسيرِ في الإسلامِ؛ لأنَّ الأسرَ فيه استضعافٌ وهَوَانٌ للمُسلِمِينَ، وظهورٌ وعِزٌّ للكافرينَ، ولو قَلَّ الأسرى؛ فالفَكَاكُ للأسيرِ حَقٌّ لِعزِّ الأُمَّةِ أعظَمُ مِن كونه حقًّا لِفَرَجِ الأسيرِ؛ ومِن هذا الوجهِ لم يُفرِّقْ كثيرٌ مِن العلماءِ بينَ قليلِ الأسْرى وكثيرِهم؛ لأنَّ الاعتبارَ في ذلك واحدٌ؛ فقد يُستضعَفُ المُسلِمونَ ويُهانُونَ ويُظهِرُ الكفارُ عليهم العزةَ بأسيرٍ، ولكنْ إنْ لم يكنْ في المسلِمِينَ قدرةٌ، وكان القتالُ لفكاكِ الأسيرِ يضعفهم حتَّى يَزدادُوا هوانًا لقوةِ الكفارِ عليهم، فيرتفعُ التكليفُ عنهم ولكن لا يزولُ، فإنْ مَلَكُوا قدرةً، نزلَ الحُكمُ بعدَ ارتفاعِه، وتعيَّنَ عليهم بعدَ تخفيفِه.\nوتركُ الأسيرِ إسلامٌ له للمشركينَ؛ ففي \"الصحيحين\"؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ؛ قال - ﷺ -: (المسلِمُ أَخُو المُسْلِمِ؛ لَا يَظلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ) (١).\nوفي \"صحيحِ مسلمٍ\"؛ مِن حديث أبي هُرَيرةَ؛ قال - ﷺ -: (لَا يَظلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ) (٢)، ومن خِذلانِهِ تركُهُ في أسرِه.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٤٤٢) (٣/ ١٢٨)، ومسلم (٢٥٨٠) (٤/ ١٩٩٦).\n(٢) أخرجه مسلم (٢٥٦٤) (٤/ ١٩٨٦).","vol":"2","page":883},{"text":"وفَكَاكُ الأسيرِ مِن وَصَايَا النَّبيِّ لأمتِه؛ ففي \"الصحيحِ\"؛ أن عليًّا سُئل عما في الصَّحِيفَةِ - التي هي مِن الوحي - فقال: \"العَقلُ، وَفَكَاكُ الأَسِير، وَلَا يقتلُ مُسْلِمٌ بكَافرٍ\" (١).\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧].\nهذه الآية إخبارٌ عما كان عليه النَّبيُّ - ﷺ - في أمرِ الجهادِ زمنَ مكَّةَ قبلَ الهجرةِ، وذلك أن المسلِمينَ كانوا في ضَعْفٍ، فكان من أسلَمَ شعرَ باستذلالِ المُشركِينَ للمسلِمِينَ، فاستثقَلُوا الذِّلَّةَ على الإسلامِ بعدَ العِزةِ على الكفر، فأخَذَت بعضَهُمُ الحَمِيةُ ليَنتصِرُوا لأنفسهم وللإسلام، فاستأذَنوا النَّبيَّ في القتال، وكانوا في زمن ضعفٍ وقلَّةِ عددٍ، فأنزَلَ اللَّه على نبيه - ﷺ - هذه الآيةَ: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾؛ فقد روى النَّسائي في \"سننه\"، وابن جريرٍ، وغيرهما؛ مِن حديثِ عِكرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أَن عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ وَأصحَابًا لَهُ أتوُا النبي - ﷺ - بِمَكةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِنا كُنّا فِي عِزٍّ وَنحنُ مُشرِكُون، فلما آمنا، صِرنا أَذِلَّةً؟ ! فَقَالَ: (إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ؛ فَلَا تُقَاتِلُوا) (٢).\nوقال بعضُ السلفِ: إن الآيةَ نزَلَت في اليهودِ؛ فقد روى ابن أبي\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١١١) (١/ ٣٣).\n(٢) أخرجه النَّسائيّ (٣٠٨٦) (٦/ ٢)، والطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٢٣١)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ١٠٠٥).","vol":"2","page":884},{"text":"نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ؛ قال: \"نزلَت في اليهودِ\"؛ رواهُ ابن جريرٍ وابن أبي حاتمٍ (١).\nورواهُ ابن المنذِر، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهِدٍ، به (٢).\nوالأصحُّ: أنَّها في المُسلِمِينَ بمكةَ؛ لِما تقدَّمَ عن ابنِ عبَّاسٍ، وبنحوِه صحَّ عن قتادةَ؛ رواهُ ابن المُنذِرِ وابنُ جريرٍ (٣)، وصحَّ عن عِكْرِمةَ؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (٤).\nويُؤيِّدُ هذا: أن ابنَ عبَّاسٍ قد فسَّرَ الزكاةَ في الآيةِ بغيرِ النفقةِ؛ لأنَّ الزكاةَ لم تُفرَضْ بعدُ؛ فروى عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾؛ يعني: طاعةَ اللهِ والإخلاصَ (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-636>أسبابُ النصرِ والتمكينِ، وأنواعُهَا:</span>\nوهي هذه الآيةِ: وجوبُ اجتماعِ أسبابِ النصرِ والتمكينِ عندَ مجاهَدةِ العدوِّ، والأسبابُ في ذلك على نوعَينِ: أسبابٌ شرعيَّةٌ، وأسبابٌ كونيَّةٌ، وقد اجتمَعَ للنبيِّ - ﷺ - في مكةَ الأسباب الشرعيَّةُ، ولم تجتمِعْ له الأسبابُ الكونيَّةُ:\nأمَّا الأسبابُ الشرعيَّةُ: فهي الصِّدْقُ مع الله، والعدلُ في حقِّه وحقِّ الخَلْقِ، ومَن كانوا مع النَّبيِّ في مكةَ هم أفضلُ أهلِ الأرضِ في زمانِهم، وأفضلُ الصحابةِ الذين جاؤُوا مِن بَعْدِهم، ولكنَّ عَدَدَهم قليلٌ وعُدَّتَهم ضعيفةٌ، فما حَمَلَهم كمالُ إيمانِهم وتمامُ فَضلِهم على تركِ السببِ الكونيِّ، وهو القوةُ والقُدْرةُ، ولمَّا قَصَرُوا عنها قال اللهُ لهم: ﴿كُفُّوا\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٢٣٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٠٣).\n(٢) \"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٧٩٣).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٢٣٢)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٧٩٤).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٢٣٢).\n(٥) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٠٤).","vol":"2","page":885},{"text":"أَيْدِيَكُمْ﴾؛ لأنَّه قد يُهزَمُ المؤمِنُ الصادِقُ؛ لِضَعْفِ عُدَّتِه، وقلةِ عَدَدِه، مِن الكافرِ الظالمِ؛ لقوةِ عُدَّتِه، وكثرةِ عَدَدِه؛ لأنَّ اللهَ الذي أنرَلَ الأسبابَ الشرعيَّة، هو الذي أوجَدَ الأسبابَ المادِّيَّةَ، والأخذُ بهما مِن الإيمانِ باللهِ، وليس المأمورُ به مساواةَ العدوِّ بالعَدَدِ والعُدَّةِ أو غَلَبَتَهُ بها؛ بل أنْ يكونَ في المُسلمينَ قوةُ عُدَّةٍ وكثرةُ عَدَدٍ، يَقْوَوْنَ بإيمانِهم مِن غَلَبَةِ العدوِّ ولو كان أكثَرَ منهم.\nوالأسبابُ الشرعيَّةُ كثيرةٌ؛ أصلُها الإيمانُ بالله، والتزوُّدُ بالعملِ الصالحِ؛ فإنَّ العباداتِ تُثَبِّتُ عندَ الشدائدِ، وقد كان الله يأمُرُ بها كلَّ نبيٍّ، فلا يكونُ الاستِخلافُ والتمكينُ إلَّا لمَن أطاعَهُ وعدَلَ مع خَلْقِهِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥].\nوبمقدارِ الإيمانِ والطاعةِ يكونُ الاستخلافُ والتمكينُ، والطاعةُ هي الحضوعُ للهِ والتذلُّلُ لأمرِه، وهي باعتبارِ التمكينِ والنصرِ على نوعَيْنِ:\nالأوَّلُ: طاعةٌ في حقِّ اللهِ الخالِصِ كتوحيدِهِ وعبادتِه؛ مِن صلاةٍ وصيامٍ، وحجٍّ وعُمْرةٍ، وذِكْرٍ وبِرٍّ؛ فهذا النوعُ وعَدَ الله الأفرادَ والجماعاتِ التي تقومُ به بالعِزَّةِ والرِّفعة، وهي في الأفرادِ آكَدُ وأقرَبُ وأشدُّ مِن الجماعاتِ؛ فالفردُ موعودٌ بسَعَةِ الصدرِ واليقينِ والثباتِ والرِّضا، وكلَّما استزادَ مِن العبادة، زادَهُ الله مِن وَعْدِهِ له بذلك؛ قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، والحياةُ الطيِّبةُ شاملةٌ للدُّنيا والآخِرة، كما في قولِه تعالى في ضدِّ ذلك؛ ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].\nوكذلك: فإنَّ الجماعاتِ المؤمِنةَ باللهِ يجعَل اللهُ لها من الرحمةِ ما","vol":"2","page":886},{"text":"ليس للجماعاتِ والأمَمِ الكافرة، ولو نزَلَ بالمؤمنةِ بلاءٌ، فهو تطهيرٌ وتمييزٌ لها مِن خَبَثِها.\nولكنَّ العِباداتِ المُتعلِّقةَ بحقِّ اللهِ الخالصِ تتعلَّقُ في الدُّنيا بقِوَامِ الأفرادِ وثَبَاتِهِم أعظَمَ مِن تعلُّقِها بقِوَامِ الدُّوَلِ والجماعات، وتعلُّقُ قِوامِ الجماعاتِ والدولِ بالنوعِ الثَّاني مِن عِبادةِ اللهِ أعظَمُ؛ وهو ما يلي:\nالنوعُ الثَّاني: طاعةُ اللهِ في حقِّ العِبادِ؛ مِن إقامةِ الحدود، وإعطاءِ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، ورفعِ الظُّلْمِ والجَورِ الذي أوجَدَ الله في الفِطْرةِ نُفُورًا منه، فلا يُمَكِّنُ اللهُ لدولةٍ مؤمنةٍ به ظالمةٍ لخَلْقِه؛ لأنَّ حقَّ اللهِ يُؤَجِّلُهُ في الآخِرة، وحَقَّ عِبادِه يُعَجِّلُهُ في الدُّنيا، وهذا مُقتضى عدلِه في الخَلْقِ، فيُمَكِّنُ للحاكِم العادلِ مع الخَلْقِ ولو كان كافرًا بالخالق، ولا يُمكِّنُ للحاكِمِ الظالمِ مع الخَلقِ ولو كان مؤمنًا بالخالقِ.\nوالأسبابُ الشرعيَّةُ - وخاصَّةً العباداتِ - أن غابتْ من القلبِ واللِّسانِ والجوارحِ، لم يكن للإنسانِ تعلُّقٌ بربِّه، ولم يكنْ رَبُّهُ مُعِينًا له؛ لهذا يكونُ ميزانُ النصرِ ماديًّا كونيًّا فقطْ؛ إذْ لا عَوْنَ ربانيًّا له، وإذا وُجِدَتِ الأسبابُ الشرعيَّةُ، عَوَّضَتِ النقصَ والتفاوُتَ الكونيَّ المادِّيَّ بينَ أهلِ الحقِّ وأهلِ الباطلِ؛ حتَّى ربَّما ينتصِرُ أهل القِلَّةِ الشديدةِ على أهلِ الكثرةِ الكبيرة، والحدُّ الفاصلُ في ذلك: مرهونٌ لاعتبارِ الموجودِ والمفقودِ مِن السببَينِ الشرعيِّ والكونيِّ، ووزنُ ذلك بما لا يخرُجُ عن الوحي والحسِّ، فمَراتبُ النَّاسِ تبايَنُ؛ فقد تَقوَى الأسبابُ الشرعيَّةُ جِدًّا حتَّى يَكونَ أدنى الأسبابِ الكونيَّةِ وأقلُّها معها كافيًا في النصرِ؛ كمُوسَى وعَصَاهُ؛ فإنَّ اللهَ نَصَرَهُ بها، وليس كلُّ الناسِ كمُوسَى، وموسى لو لم يُؤمَرْ مِن ربِّه بالاكِتفاءِ بالعَصَا، لم يَكْتَفِ بها؛ فإنَّ الإنسانَ مأمورٌ بالمُوازَنةِ ينَ الأسبابِ الكونيَّةِ والشرعيَّةِ.","vol":"2","page":887},{"text":"ولكنِ الذي لا خلافَ فيه: أنَّ اللهَ لا ينصُرُ أحدًا ولو كان نبيًّا مِن أنبيائِهِ إلَّا بسببٍ كونيٍّ ولو كان يسيرًا، وهذا مقتضَى إحكامِ الكونِ وعدمِ عشوائيَّته ودَوَرَانهِ في فَلَكٍ سببيٍّ دقيقٍ لا يخرُجُ عنه؛ ولهذا لم يَفلِقِ الله لموسى البحرَ إلَّا بضربِ العَصَا، واللهُ قادرٌ على فَلقِهِ بلا عَصَا، ولم يُسقِطِ التمرَ على مريمَ إلَّا بِهَزِّ جِذْعِ النخلة، وهو قادرٌ على أنْ يُدْيِنَهُ بلا هَزٍّ، وسدَّدَ الله رَميَ النبيِّ محمدٍ - ﷺ - فلم يخطِئ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، واللهُ قادرٌ على هزيمتِهم بلا رميٍ، ولكنَّ الأسبابَ لا بُدَّ مِن وجودِها، وربّما تَدِقُّ جِدًّا حتَّى يظُنَّ الإنسَانُ في الدنيا أن لا وجودَ لها في حادثةٍ بعينها، وهي موجودةٌ؛ لكنّها خفيةٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-637>التلازُم بين أسبابِ النصر الشرعية والكونية:</span>\nوإذا قوِيَتِ الأسبابُ الشرعيةُ، عوَّضَ اللهُ بها ضَعفَ الأسبابِ الكونية، ولكنْ لا تُغني الأسباب الشرعية ولو اجتمعت، عن الأسبابِ الكونيةِ إذا انتفَت؛ فإن حدوث الحوادث في الكون بلا أسبابها يقدَحُ في إحكامِ الكون، وقد يغترُّ النَّاسُ بمَن يَجري على يديه ذلك مِن الأولياءِ ويظنُّونَهم آلهةً، فلا يُقَدِّرُ الحوادثَ بلا سببٍ إلَّا موجِدُها بعدَ العدَم، وهو اللهُ.\nولمَّا كان الذي يباشِرُ الحوادِثَ هم الخَلق، أمَرَهُمُ الله بالأخذِ بالأسبابِ التي أوجَدَها شرعيةً وكونيةً، فإن ضعفت الأسباب الكونيةُ، أكثرُوا مِن الأسبابِ الشَّرعية؛ لِيُعوِّضَهم اللهُ عنها؛ لِيحدِثَ اللهُ أسبابًا كونيَّةً أضعَفَ بالأخذِ وأيسَرَ بالأمكانِ ولو كانتْ خفيةً لطيفةً تؤثِّر أعظَمَ مِن الأسباب الظاهرة، كما كان النَّبيُّ - ﷺ - يُكثرُ مِن الدعاء، ويُلِحُّ في الشدائدِ بالدعاءِ؛ كما في أحُدٍ وبَدرٍ والأحزابِ بالدعاءِ يستجلبُ عونَ اللهِ وتسديدَهُ ونَصرَهُ؛ لهذا ما مِن نبيٍّ إلَّا وأخَذَ بالأسبابِ الشرعيةِ والكونيةِ للنصرِ جميعًا.","vol":"2","page":888},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-638>الذنوبُ وأثرُهَا على النصرِ:</span>\nومِن الأسبابِ الشرعيةِ: التخلِّي عن الذنوب؛ كما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧]، فسألوا اللهَ الغُفرانَ قبلَ سؤالِهِ الثباتَ والنصرَ؛ فإنَّ الذنُوبَ تُؤخِّرُ النصرَ وتَحيق بأهلِها؛ كما قال نبيُّ اللهِ: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود: ٦٣].\nومنها: الإكثارُ مِن الدعاء، وطلبُ النصرِ مِن الله، والتوكُّلُ عليه؛ كقولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].\nومنها: إقامةُ العدلِ، ودفعُ الظُّلْمِ؛ فالظالُم لا يُنصَرُ، وإنْ غَلَبَ لا يتمكَّنُ؛ فاللهُ لا يُمكنُ للظالمِ وإنَ جعَلَ له الغَلَبَةَ؛ قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٥]، وقد يتمكَّنُ الظالمُ على مَن هو أشد ظُلمًا منه عند غياب العادلِ؛ فالله يُمكِّنُ للأعدَلِ والأخَف ظُلمًا.\nوأما الأسباب الكونيَّةُ: فهي ما أوجَدَه اللهُ في الكونِ من قوةٍ لازمةٍ لحدوثِ حادثٍ تابعٍ للأخذِ بها، وهي مختلِفةٌ؛ فلا حَدَّ لها ولا حَصرَ، ولا يعلَمُ حدَّها، ونوعَها وعدَدَها، وقُوَّتَها وأثَرَها، ومُبتدَاها ومُنتهاها، إلَّا مُوجِدُها، وهو اللهُ، وما خَفِيَ مِن الأسباب أعظَمُ مما ظهَرَ وأكثرُ، والإنسانُ مأمورٌ بالأخذِ بما ظهَرَ له، وقد تتحققُ النتائجُ غالبًا بالأسبابِ الظاهرة، وقد لا يُحقِّقُها اللهُ لحِكمةٍ بأسبابٍ خفيَّةٍ أقوى مِن الظاهرةِ، وكلٌّ في الدُّنيا يَجري بسببٍ، ولكنَّ النَّاسَ يأخُذونَ ما يرون وقد يكونُ ضعيفَ الأثرِ بالنسبةِ لِمَا خَفِيَ عنهم.\nوفي هذه الآية: إشارةٌ إلى الأخذِ بالسببِ الكونيِّ، ولو كان ثمَّةَ","vol":"2","page":889},{"text":"كفايةٌ في السببِ الشرعيِّ؛ فحينَما طلَبَ الصحابة بمكَّةَ إلى النَّبيِّ - ﷺ - قتالَ المشرِكِين، أمَرَهُم بالعفوِ والكَفِّ، والكف والعفوُ عندَ الضَّعفِ مع التربُّصِ والإعدادِ: مِن سُنَن اللهِ في خَلقهِ كونًا وشرعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-639>طبائعُ النفوسِ، وأثَرُها على اختيارِ الحقِّ:</span>\nوقد يكونُ في بعضِ النفوسِ شجاعةٌ وإقدام تُخالِف الأمرَ الشرعيَّ، فيجبُ على أصحابِها مُجاهَدةُ أنفسِهِمْ للنزولِ لحكْم اللهِ؛ فطبائعُ النفوسِ تُؤثِّرُ في قناعاتِها؛ فمَن جَبَلَه اللهُ على الشجاعة، يظنُّ الإقدامَ هو الحق، ومَن جَبلَهُ اللهُ جَبَانًا، يظُنُّ أن الركونَ والسلامةَ هي الحق، وقد لا يُوافِقُ الحقُّ الطبعَ؛ فيجب على الشجاعِ مجاهَدةُ نفسِهِ لَيرجِعَ إذا أمَرَهُ اللهُ بالرجوعِ، ويجبُ على الجبانِ مجاهَدةُ نفسِه ليُقدِمَ إذا أمَرَهُ اللهُ بالإقدامِ، وطبائعُ النفوسِ بلاءٌ تُبتلَى به تحتاجُ معه إلى مجاهَدةٍ، وبمقدارِ قوةِ إيمانِ العبدِ وتسليمِهِ للهِ يكونُ وقوفُهُ عندَ أوامرِ الله ومجاهدتُهُ لنفسِه، وإذا ضعُفَ إيمانُ الإنسانِ، عَمِلَ الشيءَ بما يُشبعُ طَبعَهُ وهواهُ وَيظُنُّ أنَّه لله، فعمرُ بنُ الخطَّابِ جُبِلَ شجاعًا؛ فكان جهادُهُ لنفسِهِ في الإحجامِ أكثَرَ مِن الإقدام، فكان وَقَّافًا على أمر اللهِ؛ لقوةِ إيمانِهِ يَغلبُ قوةَ طبعه، وهذا كما أنَّه في القتالِ والجهاد، فكذلك طبائعُ النفوسِ في السَّرَفِ في الإنفاقِ والبخلِ؛ فمَن جُبِلَ باذلًا ولا يَحسُبُ، يُؤمَرُ بمُجاهَدةِ نفسِه حتَّى لا يُسرِفَ، ومَن جُبِلَ بخيلًا يُؤمَرُ بمجاهَدةِ النفسِ بالبَذْلِ؛ حتَّى يَعدِلَ المُسْرِفُ والمُمْسِكُ وَفقَ أمرِ الله، لا وَفْقَ كلِّ واحدٍ وما يَهوَاه.\nوالنفوسُ المطبوعةُ على شيءٍ إنْ كانت عالِمةً بالأدلة، تَحفَظُ وتَجمَعُ مِن الأدلَّةِ ما يُوافِق هواها ولا تَشعرُ، وتتغافَلُ عن نصوص تُخالِفُ طَبعَها، فتجدُ الشجاعَ يَحفَظ أدلةَ الإقدامِ وتَلتقِطها نفسه ولا يشعُرُ وتغفُلُ عما يُخالِفُها، ومِثلهُ الجبانُ يَحفَظ أدلةَ السلامةِ وتَلتقِطُها نفسُه ولا يشعُرُ وتغفُلُ عما يُخالِفُها ولو سَمِعَتهُ مِرارًا.","vol":"2","page":890},{"text":"والأسبابُ الكونية التي أمَرَ اللهُ بها كثيرةٌ:\nمنها: الاجتماعُ؛ فإن الكثرةَ تُرهِبُ العدوَّ، وتشُدُّ مِن عزائمِ أهلِها؛ وهذا أمرٌ فِطريٌّ مؤثِّرٌ في كلِّ نفسٍ مدركةٍ ولو كانت حيوانًا؛ ففي \"السُّننِ\"؛ مِن حديثِ أبي الدَّردَاءِ؛ قال - ﷺ -: (عَلَيْكُم بِالجَمَاعَةِ؛ فَإنَّمَا يأكُلُ الذئْبُ القَاصيَةَ) (١)؛ ولذا أمَرَ اللهُ بهذا السبب؛ فقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وبيَّنَ أن الفُرقةَ سببٌ للهزيمةِ؛ فقال: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، فقِلَّةٌ مجتمعةٌ أقرَبُ إلى النصرِ مِن كثرةٍ متفرِّقةٍ.\nومنها: التريُّثُ وعدمُ العَجَلَةِ؛ فإن العجلَةَ تُنافي الصبرَ، فلا ينتصر أحدٌ إلَّا بصبرٍ؛ وقد قال اللهُ عن الأنبياءِ: ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ [الأنعام: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠].\nوكثيرًا ما تُستعجَلُ النتائجُ بلا صبرٍ، فيُحرَمُ النَّاسُ النصرَ؛ فالصابرُ ولو كان على باطلٍ أقرَبُ إلى النصرِ مِن المُستعجِلِ ولو كان على حقٍّ، وربَّما يُهزَمُ الصادقُ بسببِ عَجَلتَه، وينتصِرُ الكاذبُ لصبرِه، فيشكُّ الصادق في طريقِه، وسببُ الهزيمةِ العجَلَةُ لا الحق الذي معه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-640>أثرُ طلبِ النصر بلا صبرٍ:</span>\nفإن المُستعجِلَ في طلبِ النصرِ بلا صبرٍ، لا بدّ أن يبتلى بإحدى ثلاثٍ:\n- إمَّا أن يَستبطئَ النصرَ؛ فيَنقطِعَ ويترُكَ السيرَ وينعزِلَ، وَيرَى أن الركونَ والعُزْلةَ بما معه مِن حقٍّ خيرٌ مِن سَيْرِهِ في طريقٍ لا نهايةَ له؛ وهذا أحسَنُهم حالًا.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٥٤٧) (١/ ١٥٠)، والنسائي (٨٤٧) (٢/ ١٠٦).","vol":"2","page":891},{"text":"- وإمَّا أَنْ يُبدِّلَ طريقَهُ ويتنازَلَ عن رسالتِه، فيُغيِّرَهُ كلهُ أو بعضَهُ بحسَبِ ثباتِهِ ويقينِهِ بما معه؛ لأنَّه يظُنُّ أن عدمَ وصولِه إلى النصرِ بسبب شائبةٍ في الحقِّ الذي معه، فيتنازَلُ عن بعضهِ أو يتركُهُ كلَّه؛ وأكثرُ المُنتكِسِينَ عن الحقِّ طلَبُوا النصرَ بلا صبرٍ.\n- وإمَّا أن يَستعجِلَ السيرَ بما معه مِن حقٍّ كاملٍ فيَتخِذَ أسبابًا لا تُؤخَذُ، كما لو استعجَلَ أهلُ مكَّةَ قتالَ قريش وهم بمَكةَ، ولكنَّ اللهَ عصَمَهُم بالنبيِّ - ﷺ - وما معه مِن الوحي، ومن استعجَلُوا السيرَ بما معهم مِن حقٍّ كاملٍ: يُعْمِيهِم كمالُ الحقِّ الذي معهم عن سبيلِ السلامةِ لوصولِه، فيَنهزِمُون وَيفتِنُون عدوهم وَيفتِنونَ أتْبَاعَهم؛ كما قال تعالى: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥]، وقال: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة: ٥]؛ يعني: لا تَهزمنَا بأيدِيهِم فيُفتَنُوا بهزيمتنا؛ فيظُنُّوا أنهم على الحقِّ؛ كما جاء عن ابنِ عباسٍ ومجاهدٍ وغيرِهما (١).\nوهزيمةُ أهلِ الحقِّ فتنةٌ لأهلِ الباطلِ ومن في قلبِهِ مرضٌ مِن أهلِ الحقِّ، وهذه الفتنةُ يجبُ دفعها بدفعِ أسبابِها:\nومنها: عدمُ الإقدامِ في زمنِ الضعفِ، وتركِ الإعدادِ والقتالِ في زمنِ القوةِ.\nومنها: معرفةُ أنواعِ الأعداء، وقوَّتِهم وضَعْفِهم، وقربِهم وبُعدِهم مكانًا ودينًا بالنسبةِ لقوةِ المسلِمِينَ معهم؛ فمِن السُّنَّةِ الكونية: إلَّا يُواجِهَ أهلُ الحقِّ أهلَ الباطلِ جميعًا؛ حتَّى لا يَتواطَؤوا عليهم مرةً واحدةً، فمَنِ استعدَى جميعَ أهلِ الباطلِ، اجتمَعُوا عليه؛ ولذا فإن النبي - ﷺ - فرَّقَ بينَ البَرَاءِ وبينَ الاستعداءِ؛ فالبراءُ عقيدةٌ، والاستعداءُ سياسةٌ يَقبلُ التعجيلَ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢٢/ ٥٦٩).","vol":"2","page":892},{"text":"والتأجيلَ، ولكنَّه لا يقبلُ الإلغاءَ، والبراءُ لا يقبل التأجيلَ فضلًا عن الإلغاءِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-641>التفريقُ بين الخصوم، وعدَمُ جَعلِهم في مرتبةٍ واحدةٍ:</span>\nوقد كان النَّبيُّ - ﷺ - في عَهدَيهِ بمكةَ والمدينةِ يُفرِّقُ بينَ خصومِهِ ولو اجتمعوا في المِلَّةِ؛ ففي مكَّة فَرَّقَ بينَ كافرٍ مناصرٍ كأبي طالبٍ، وبين كافرٍ مُعَادٍ كأبي جهلٍ وأبي لهبٍ وصَفْوَان وأبَيِّ بن خَلَفٍ وغيرِهم، فتبرأ مِن عقيدةِ الجميع، ولم يَستعدِ أبا طالبٍ لنُصرَتِه.\nوعندَما هاجَرَ إلى المدينةِ كَثرَ أعداؤُهُ، وكَثرَ أصحابهُ، والأعداءُ يُفرِّقُ بينَهم بحسَبِ بعدِهم وقُربِهم، وشدةِ عداوتهم وخِفَّتها؛ فباعتبارِ القُربِ والبُعدِ: فالقريبُ: كاليهودِ والمُنَافِقِينَ، والبعيدُ: كالمشرِكِينَ بمكةَ، ثم النصَارَى في الشامِ وطَيِّئِ ونَجْرَانَ وغيرِها، والمَجُوسِ في فارسَ وما وراءَها.\nوباعتبار شِدَّةِ العداوةِ وخِفَّتِها: فأشدهم عداوةً اليهودُ والمشركون؛ كما قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢]، والمشركونَ أبعَدُ مِن اليهود، وأقرَبهم مودَّةً الذين قالوا: إنّا نصارى.\nوالنصَارَى بعيدون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-642>الفرقُ بين عقيدةِ البَرَاء وسياسةِ الاستعداءِ:</span>\nوسياسةُ النَّبيِّ - ﷺ - إلَّا يستعدِيَ جميع خصومِه، وإنْ تبرَّأ مِن دِينِهم كلِّه، وفرقٌ بينَ البَرَاءِ والاستعداءِ؛ وذلك أن البراءَ مِن الدِّينِ لا يُورِثُ صاحِبَهُ خوفًا مِن العزم على مقاتلَتِه؛ فالبراءُ لا يَلْزَمُ معه المُقاتَلةُ، وأمَّا الاستعداءُ: فيُورِثُ خوفًا وترقُّبًا مِن تَبْييتهِ ومُقاتَلَته، فيُعِدُّ العُدَّةَ، ويتحالَفُ مع جميعِ الخصومِ على أهلِ الحقِّ، ومَن تأمَّلَ حالَ النَّبيِّ - ﷺ - في","vol":"2","page":893},{"text":"المدينةِ، وجَدَ أَنَّه انشغَلَ بالعدوِّ الأقرَب، وهم اليهودُ والمنافقونَ، ولم يُكاتِبْ فارسَ والرومَ ولا ملوكَ العربِ إلَّا بعدَ صلحِ الحُدَيبيةِ حينَما أمِنَ قريشًا بالعهدِ عَشرَ سنينَ، وما كتَبَ سوداءَ في بيضاءَ إليهم؛ لأنَّ مُكَاتبَتَهُم تُشْعِرُهُمْ بالاستعداءِ، وأهلُ المدينةِ في زمنِ قلةِ عَدَدٍ، وضَعف عُدَدٍ، وعدوٍّ قريبٍ أحَقَّ بالانشغالِ به.\nفانشغَلَ النَّبيُّ بالمُنافِقينَ وتَبْيِينِ صِفاتِهم، ونزَلَت عليه سورتانِ وأربعونَ آيةً لمعالجةِ شرِّهم ونفاقِهم القوليِّ والعمليِّ؛ حتَّى أصبَحُوا أشَدَّ احترازًا في إظهارِ مخالفاتِهم، ويَخافُونَ من الوحيِ أن ينزِلَ فيَفضحَهم؛ لشدةِ تتَبُّعِهِ لأقوالِهم وأفعالِهم؛ حتَّى بلغَ تتبُّعَ حركاتِهم وملامحِ وُجُوهِهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٧]، وكقولهِ: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، وكقولِهِ: ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد: ٢٠]، وهذه كلها تعابيرُ أورَثتهُم خوفًا وترقُّبًا وقلقًا، فلم تُحاصَرِ الأعمالُ والأقوالُ فحَسبُ؛ بل حُوصِرَتْ تعابيرُ الوجوهِ، وأحوالُ العيونِ؛ حتَّى حُوصِرَتِ السرائرُ؛ كما قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٦٤]، حتَّى بلَغ بخِيَارِ الصحابةِ - مع فَضْلِهم وسَبْقِهم - أنْ خافوا على أنفسِهِمْ مِن أوصافِ النِّفَاقِ، فأخَذ يَسألُ بعضُهُمْ بعضًا، حتَّى سألَ الفاروقُ عمرُ حُذَيفَةَ بنَ اليَمَانِ أمِينَ سِرِّ النبيِّ - ﷺ - نفسِه.\nوانشغَلَ النَّبيُّ - ﷺ - حِينَها باليهود، وهم العدوُّ القريبُ مع المنافقينَ، فكانتِ الآياتُ والأحكامُ في اليهودِ والمنافِقينَ في السِّتِّ السنواتِ الأولى","vol":"2","page":894},{"text":"مِن الهجرةِ أكثَرَ مِن أحكامِ غيرِهم مِن المُشركِينَ والنصارَى، ولم يَخرُجِ النَّبيُّ - ﷺ - إلى مكةَ مُعتمِرًا في السنةِ السادسةِ إلَّا وقد حَصَرَ النِّفاقَ، وشتَّتَ يهودَ وأَضعفَها.\nولمَّا كان اليهودُ مِلَّةً واحِدةً يَستَقوِي بعضُهم ببعضٍ، فرقَ بينَهم؛ فعاهَدَ قومًا وسالَمَهُم، وعادَى آخَرِينَ وحارَبَهم، وكان أولَ ما بدَأ به يهودُ بَني قَينُقَاعَ، فحارَبَهم في السنة الثانيةِ مِن الهجرة، ثم بَعدَهم بنو النَّضِيرِ في السنة الرابعةِ، ثمَّ بنو قُرَيظَةَ في السُّنةِ الخامسة، ولما شَتَّتَ يهودَ وأضعَفَهم وكسَرَ شَوْكَتُهم، توجَّهَ إلى مكةَ مُعتمِرا؛ لِيُظهِرَ حقَّ المُسلِمينَ في المسجدِ الحرام، ثم مَنَعَتْهُ قريشٌ مِن الدخولِ إليها، وقد تحقَّقَ مقصودهُ مِن إظهارِ قوَّتِه، وكثرةِ أتباعِه؛ حتَّى رأتْهُ قريشٌ فهابَتهُ، فدخَلَ بعدَها بعامٍ بقوةٍ وعزةٍ وأكثرَ تمكينًا.\nوكلُّ غزواتِ النَّبيِّ - ﷺ - قبلَ ذلك كانت دفعًا لِصَولَةِ قريشٍ؛ فبَدرٌ في السنةِ الثانيةِ مِن الهجرة، وأُحُدٌ في السنة الثالثة، والخَندَقُ في السنةِ الخامسةِ.\nومِن ذلك: تَبيِيتُ النَّبيِّ - ﷺ - لأهلِ دومَةِ الجَنْدَلِ في السنةِ الخامسةِ لمَّا عَلِمَ بكيدِهِمْ والإغارة على قوافلِ المسلِمينَ، ومِن ثمَّ العزمُ على غزوِ المدينةِ، فعاجَلَهُم النَّبيُّ - ﷺ - قبلَ استطارةِ شرِّهم، فدفَعَهُم في مكانِهم قبلَ أن يُبَيِّتُوهُ.\nولمَّا أمِنَ النبيُّ - ﷺ - مِن عدوِّه القريب، كاتب عدوه البعيدَ؛ فبدَأ بعدَ الحُدَيبِيَةِ بإرسالِ الرُّسُلِ وترغيبِهم في الحقِّ، وترهيبِهم مِن الباطلِ، وتخويفِهم مِن أمرِ اللهِ عليهم الذي يُجْرِيهِ على يدَيهِ إنْ خالَفُوه.\nوقبلَ هذه المُكاتَباتِ كلِّها كان النَّبيُّ - ﷺ - يُظهِرُ البراءَ مِن المشرِكِينَ","vol":"2","page":895},{"text":"ودِينِهم لأُمَّتِه، والوَلَاءَ للمؤمنينَ ودِينهم، ويُعظِّمُ الجهادَ ويُعِدُّ العُدَّةَ؛ ولذلك فمِنَ الفتنةِ في الدِّينِ: ألَّا يُفَرِّقَ الحاكِمُ بينَ سياسةِ النَّبيِّ - ﷺ - وحِكْمَتِهِ في مُهادَنةِ خصومِهِ ومُسالَمَتِهم، مع إعدادِ العُدَّةِ وتعظيمِ الجهادِ؛ انتظارًا لاجتماعِ القوةِ والقدرة، وبينَ مَن يتَّخِذُ مِن هذه السياسةِ بابًا لتعطيلِ الجهادِ والركونِ إلى الدُّنيا، بل والركونِ للكافِرينَ مِن دونِ المؤمِنينَ.\nومِن الأسبابِ الكونيَّةِ: إعدادُ العُدَّةِ والعَدَدِ لقتالِ العدوِّ، ويأتي تفصيلُ ذلك بإذن اللهِ في سورةِ الأنفالِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقولِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٦٥].\nومن المَعَاني الباطلةِ التي يُورِدُها بعضُ الفُقهاءِ في آيةِ البابِ: ما يستدلَّ به بعضُ فُقهاءِ الرأي المتأخِّرينَ على استحبابِ السَّدْلِ في الصلاةِ استدلالًا بهذه الآيةِ: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾، وهذا قولٌ لا سالفَ له مِن حديثِ ولا أثَرْ، ولا يُقْبَلُ في لغةٍ ولا نَظَرٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-643>الجهادُ وحُبُّ الدُّنيا:</span>\nوفي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾، وقوله فيها بعدَ ذلك: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾: إشارةٌ إلى أنَّ أعظَمَ ما يَصُدُّ الناس عن الجهادِ هو حبُّ الدُّنيا والخوفُ مِن فَوْتِها، وكلَّما تعلَّقَ الإنسانُ بالدنيا، تهيَّبَ الجهادَ ونَفَرَ منه وزَهِدَ فيه وكَرِهَهُ، وفي حديثِ نافعٍ عن ابنِ عمرَ، في \"السُّننِ\" مرفوعًا: (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالعِينَةِ، وَأَخَذتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ، وَرَضِيتُمْ","vol":"2","page":896},{"text":"بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا ...)؛ الحديثَ (١): دلالةٌ على ذلك، فذكَرَ الزرعَ وأذنابَ البقرِ؛ لأنَّ الزرعَ يطولُ انتظارُهُ فيُغرَسُ ويُسقَى ويُنتظَرُ حصادُهُ ثمَّ بيعُهُ وتَقَوُّتُه، وكذلك بيعُ العِينَةِ آجِلٌ، يختلِفُ عن البيعِ الذي ينتهي بالقبضِ ولا أجَلَ فيه؛ إشارةً إلى أنَّ هذه الأنواعَ دنيا يطولُ بها الزمنُ، وتترقَّبُها القلوبُ، وترقُّبُها وكثرتُها تزهِّدُ في الجهادِ وتنقبِضُ منه النفوسُ.\nولمَّا كانتِ الحياةُ ضدَّ الموت، كان المتعلِّقُ بها كارهًا للجهادِ؛ لأنَّ الجهادَ مَظِنَّهُ القتلِ؛ لهذا قال تعالى بعدَ هذه الآيةِ: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨]؛ في الفرارِ مِن القتلِ في سبيلِ الله، فأصلُ الفِرارِ مِن الجهادِ حبُّ الحياةِ الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-644>رغبةُ النفوس، وأثرُها على الحقِّ:</span>\nوفي قولِهِ تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾:\nعدمُ تعجُّلِ الأحكام قبلَ نزولِها، وتقديمُ حُكْمِ اللهِ على رغبةِ النفسِ وهواها، ولو كانتْ حَمِيَّتُهَا دينيَّةً؛ فما كلُّ حميَّةٍ دينيَّةٍ تُصِيبُ الحَقَّ؛ فقد تكونُ عَجَلَةً تَضُرُّ.\nوقد نَهَى النبيُّ - ﷺ - عن تمنِّي لقاءِ العدوِّ؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، فإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا) (٢)؛ وذلك أنَّ تمنِّيَ لقاءِ العدوِّ يمتزِجُ بشجاعةٍ نفسيَّةٍ تُورِثُ الإنسانَ اعتمادًا عليها فيَكِلُهُ اللهُ إليها، وكثيرٌ ممَّن يتمنَّى لقاءِ العدوِّ تدفَعُهُ الشجاعةُ الفِطْريَّةُ، وإنِ انساقَ إليها، تغيَّرتْ نيَّتُهُ، فقاتَلَ حميَّةً، ولِيُقالَ: جَرِيءٌ.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٣٤٦٢) (٣/ ٢٧٤).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٠٢٦) (٤/ ٦٣)، ومسلم (١٧٤١) (٣/ ١٣٦٢).","vol":"2","page":897},{"text":"ثمَّ إنَّ تمنِّيَ لقاءِ العدوِّ يُفقِدُ الإنسانَ حُسْنَ الاختيارِ عندَ لقائِهِ بينَ التعجيلِ باللقاءِ أو تأخيرِه، أو المواجَهَةِ عندَ الشِّدَّةِ أو الانحيازِ إلى جهةٍ وفئةٍ، فمَن تمنَّى لقاءَ العدوِّ تَغْلِبُهُ نفسُهُ عن أنْ يُقالَ عنه: جبانٌ وخائفٌ وقد تمنَّى اللقاءَ مِن قبلُ، فيُقدِمُ في محلِّ إِحْجَامٍ، تدفعُهُ حميَّتُهُ ويُظهِرُ أنَّ ذلك لِدِينِه.\nوقولُه تعالى: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾: الفَتِيلُ: ما احتُقِرَ مِن الشيءِ الذي لا تَلْتَفِتُ إليه نفسٌ، ولا تُدَقِّقُ به عينٌ لحقارتِه.\nوقيل: هو ما خرَجَ مِن الإصبَع؛ رواهُ مجاهدٌ، عن ابنِ عبَّاسٍ (١)، وبنحوِه قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ ومجاهدٌ (٢).\nوقال ابنُ عبَّاسٍ: \"هو الذي يكونُ في شِقِّ النَّوَاةِ\"، رواهُ عنه عِكْرِمةُ (٣)، وصحَّ هذا عن قتادةَ ومجاهدٍ؛ أخرَجَ هذا ابنُ المُنذِرِ وغيرُه (٤).\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣].\nنزَلَتِ الآيةُ في المُنافِقينَ الذين يُظْهِرُونَ الطاعةَ لرسولِ اللهِ - ﷺ - عندَ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ١٣١)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٧٩٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٧٢).\n(٢) ينظر: \"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٧٩٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٧٢).\n(٣) \"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٧٩٦).\n(٤) \"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٧٩٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٧٣).","vol":"2","page":898},{"text":"حضورِه، ويَعْصُونَهُ في غيابِه؛ كما قال تعالى قبلَ ذلك: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ [النساء: ٨١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-645>الصدقُ مع الأمير في الظاهِرِ والباطِنِ:</span>\nومَن أظهَرَ للأميرِ خلافَ ما يُخفِيهِ، فقد وقَعَ في شُعْبةٍ مِن النِّفاقِ؛ لأنَّ هذا يُفسِدُهُ ويُفسِدُ البلدَ التي يتولَّاها، ولا يجوزُ للناسِ والعلماءِ خاصَّةً أنْ يُظهِرُوا للسُّلْطانِ ما يُفهَمُ منه الانقيادُ له والرِّضا عنه وعلى فِعْلِه، وإقرارُهُ عليه، وهم يضمرون خلافَ ذلك؛ لأنَّ هذا في الدِّينِ نِفاقٌ، وفي السياسةِ خديعةٌ، وهو يُخالِفُ النصيحةَ في الدِّينِ؛ كما في حديثِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ في \"الصحيحِ\"؛ قال - ﷺ -: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ)، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: (لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) (١).\nومَن عَجَزَ عن النصيحة، فلا يَقْرَبِ السُّلْطانَ ولا يُجالِسْهُ؛ لأنَّ مُجالَسَةَ العالِمِ له مع عدمِ نُصْحِهِ إقرارٌ، خاصَّةً عندَ تَكْرارِها ودوامِها، ومِن أكثَرِ ما يُفسِدُ على الناصِحِينَ العلماءُ الذين يُكْثِرونَ الدخولَ على السُّلْطانِ مع سكوتِهم، فإنْ نُصِحَ السُّلْطانُ مِن غيرِهم، استحضَرَ إقرارَ الساكِتِينَ، وحَمَلَ نُصْحَ المُصلِحِينَ على مُنازَعةِ الأمرِ والتربُّصِ والفِتْنةِ.\nويَعظُمُ شرُّ الساكِتِينَ على الباطلِ إنْ مَدَحُوا السُّلْطانَ على الخيرِ، وسَكَتُوا عن الشرِّ، وظَنُّوا أنَّ سكوتَهم على الشرِّ ليس إقرارًا، وأنَّ مَدْحَهم له على الخيرِ حقٌّ؛ وإنَّما يُفتَنُ السُّلْطانُ الذي يُمدَحُ ولا يُنصَحُ ولو كان المدحُ بحقٍّ.\nوأشدُّ ذلك: أنْ يَمْدَحَ العالِمُ الحاكمَ على الشرِّ قولًا وفعلًا؛ وهذا مِن تزيين الباطلِ في صورةِ الحقِّ؛ وهو مِن أفعالِ المنافقين، لا العلماءِ الراسخين ولا الفاقهين.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٥٥) (١/ ٧٤).","vol":"2","page":899},{"text":"وإنَّما حَرُمَ على العالِمِ والجاهلِ مُجالَسَةُ الحاكِمِ والإظهارُ له خلافَ ما يُبطِنُه؛ كما في حالِ المُنافِقينَ في قولِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ [النساء: ٨١]؛ لأنَّ الحاكِمَ يَسُوسُ الأُمَّةَ بالأمرِ والنهي، وإظهارُ الطاعةِ له وإخفاءُ زَلَّتِهِ عنه وكُرْهِ الرعيَّةِ له: يجعَلُهُ يَجْسُرُ على بعضِ الأوامرِ والنَّوَاهِي في السياسةِ والجِهَادِ والأموالِ، ويَظُنُّ أنَّه ثابتٌ بثباتِ المَحْكُومِينَ معه الذين يُنافِقُهُ علماؤها، فإنْ أمَرَهم بأمرٍ أو نَهَاهُم عن أمرٍ لا يُطِيقُونَهُ، فلرُبَّما فاجَؤُوهُ بالعِصْيانِ والتمرُّدِ والخروجِ، ولكنْ لو عَلِمَ منهم مقامَهُ فيهم في ميزانِ الحقِّ والباطلِ، عَرَفَ قَدْرَ ثباتِهِ فيهم وطاعتِهِمْ له، فأصلَحَ نفسَهُ واستصلَحَ غيرَهُ، ولم يأمُرْ بما لا يُطاقُ، ولم يَجسُرْ على فعلِ ما لا يُتابَعُ عليه،؛ لأنَّه يَعرِفُ ضَعْفَ وَلاءِ رعيَّتِه، وإنْ عَرَفَ سببَ ضعفِ ولائِهِمُ، استصلَحَهُ وقَوَّمَهُ؛ لتَقْوَى شوكتُهُ فيهم بوَلَاءِ رعيَّتِهِ له، وقد روى الطَّبَرَانيُّ؛ مِن حديثِ مجاهدٍ: أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ - ﵁ -، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ أَنْتُمْ وَأَبُو أُنَيْسٍ - يَعْنِي: الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ -؟ قَالَ: نَحْنُ وَهُوَ إِذَا لَقِينَاهُ، قُلْنَا لَهُ مَا تُحِبُّ، وَإِذَا وَلَّيْنَا عَنْهُ قُلْنَا غَيْرَ ذَلِكَ، قَالَ: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَعُدُّ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنَ النِّفَاقِ (١).\nوقد كان الضحَّاكُ بنُ قَيْسٍ أبو أُنَيْس واليًا على الكوفةِ ودِمَشْقَ، وأكثرُ ثورةِ الشعوبِ على الحُكَّامِ بسببِ تصنُّعِ علمائِهِم وعُرَفَائِهِم ونُقَبَائِهِم مع الحُكَّامِ، فيُبْدُونَ لهم مِن الرضا خلافَ ما يُخْفُونَ مِن السُّخْطِ، ومِن الحُبِّ خلَافَ ما يُخْفُونَ مِن الكُرْهِ، ومِن الطاعةِ خلافَ ما يُخْفُونَ مِن المعصيةِ؛ حتى يَحمِلَ ذلك الحُكَّامَ على الثقةِ بأنفُسِهِمْ وتوهُّمِ التمكُّن، فيأمُرُونَ ويَنْهَوْنَ وربَّما يَظلِمونَ ويَبْغُونَ؛ حتى يَرَوْا مِن العامَّةِ حقيقةَ ما يُخفِيهِ عنهم بطانتُهم.\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٣٤٨٩) (١٢/ ٤٠٣).","vol":"2","page":900},{"text":"وقد كان الصحابةُ - عليهم رِضوانُ اللهِ - يَنْهَوْنَ عن نِفاقِ السُّلْطانِ، ومَن عَجَزَ عن النُّصْحِ فلا يُجالِسْ؛ حتى لا يكونَ شريكًا في خديعةِ السُّلْطانِ والرعيَّة، وقد روى نافعٌ: أَنَّ ابْنَ عُمَر قَالَ لِقَوْمِ يَأْتُونَ السُّلْطَانَ: مَاذَا رَأَيْتُمْ مِنْ مُنْكَرِ مِنْهُ غَيَّرْتُمُوهُ، أَوْ مِنْ مَعْرُوفٍ أَمَرْتُمُوهُ بِهِ؟ قَالُوا: لا، وَلكن إِذَا قَالَ شَيْئًا، قُلْنَا: صَدَقَ، وَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِه، قُلْنَا مَا نَعْلَمُ، قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ هَذَا نِفَاقًا، أَوْ مِنَ النِّفَاقِ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-646>تدبُّرُ القرآنِ وأثَرُهُ على النفاقِ:</span>\nثمَّ بيَّنَ اللهُ بعدَ ذلك سبَبَ ضَلالِ المُنافِقِينَ وانحرافِهِمْ، وأنَّه بسببِ عدمِ تدبُّرِهِمْ للقرآنِ؛ فقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]، والمُنافِقُ لضعفِ تصديقِهِ لا يتدبَّرُ القرآنَ ولا يتأمَّلُهُ؛ بل يأخُذُهُ على ظاهرِهِ ولا يَنْشَطُ لِمَعَانِيهِ وحِكَمِه وعِلَلِه، والمُنافِقونَ على مَرَاتِبَ؛ فبحسَبِ قوةِ نِفاقِهِمْ وضعفِهِ تكونُ قوةُ أخذِهِمْ للحقِّ مِن صلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وحجِّ وذِكْرٍ؛ بل حتى شربُ زمزمَ لا يتضلَّعُونَ منه؛ لضَعْفِ اليقينِ بما جاء بالوحيِ عنه، وإنْ زاد النِّفاقُ وضعُفَ اليقينُ، ضعُف الأخذُ حتى يكونَ التركُ التامُّ مع انعدامِ اليقين، واختلافُ الإنسانِ في ظاهرِهِ وعَلَانِيَتِهِ بمقدارِ يقينِهِ ونِفاقِه؛ حتى يستويَ عندَ تامِّ اليقينِ والتصديقِ الغيبُ والشهادةُ، والسِّرُّ والعلانيةُ، ورؤيةُ الناسِ وعدمُهم؛ لأنَّ المراقبةَ للهِ لا لهم، وهذا الإحسانُ، والإحسانُ نفسُهُ يَضْعُفُ ويَقْوَى.\nوقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾؛ يعني: أنَّهم يُعْلِنُونَ أخبارَ الأُمَّةِ وأسرارَها، ولا يُفرِّقونَ بينَ ما يُعلَنُ وما لا يُعلَنُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم يهتمُّ بأمرِ نفسِهِ لِيُصلِحَها، فهمُّهُ سلامتُها وغُنْمُها، ولا يَعنِيهِ أمرُ الأُمَّةِ المنوطُ بأُولي الأمرِ العارِفينَ بمصالحِها، وهم العلماءُ.\n_________\n(١) أخرجه البزار في \"مسنده\" (٥٨٦٨) (١٢/ ١٩٧).","vol":"2","page":901},{"text":"وسببُ نزولِ هذه الآيةِ: أنَّ الناسَ أذاعُوا أنَّ النبيَّ طلَّقَ نساءَهُ، ولم يكنْ كذلك، ولم يَسْتَبِينُوا ولم يَترَيَّثُوا ولم يُحِيلُوا الخبرَ والعِلمَ إلى مَن يَعلَمُ؛ فكثُرَ اللَّغَطُ والقيلُ والقالُ؛ ففي \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ عمرَ؛ قال: كَانَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ وَحَفْصَةُ تَظَاهَرَانِ عَلَى سَائِرِ نِسَاءِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَطَلَّقْتَهُنَّ؟ قَالَ: (لَا)، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي دَخَلْتُ المَسْجِدَ وَالمُسْلِمُونَ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى، يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - نِسَاءَهُ! أَفَأَنْزِلُ فَأُخْبِرَهُمْ أَنَّكَ لَمْ تُطَلِّقْهُنَّ؟ قَالَ: (نَعَمْ، إِنْ شِئْتَ)، فَلَمْ أَزَلْ أُحَدِّثُهُ حَتَّى تَحَسَّرَ الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِه، وَحَتَّى كَشَرَ فَضَحِكَ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ثَغْرًا، ثُمَّ نَزَلَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - وَنَزَلْتُ، فَنَزَلْتُ أَتَشَبَّثُ بِالْجِذْع، وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - كَأَنَّمَا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا يَمَسُّهُ بِيَدِه، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّمَا كُنْتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ؟ قَالَ: (إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ)، فَقُمْتُ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ، فَنَادَيْتَ بِأَعْلَى صَوْتِي: لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - نِسَاءَهُ! وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، فَكُنْتُ أَنَا اسْتَنْبَطْتُ ذَلِكَ الْأَمْرَ، وَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ آيَةَ التَّخْيِيرِ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-647>أوصافُ العالِمِ الذي يقضي في النوازل:</span>\nوالمرادُ بأُولي الأمرِ: هم أهلُ العِلْمِ به؛ فاللهُ أمَرَ بإحالةِ الأمرِ إلى العلماءِ مِن الناسِ؛ لِيَعْلَمَهُ مَن يَقدِرُ على استباطِ الحُكْمِ منهم، فما كلُّ عالمٍ قادرًا على استنباطِ الحُكْمِ مِن كلِّ دليلٍ لكلِّ نازلةٍ؛ ولذا قال تعالى: ﴿أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾؛ يعني: مِن المؤمِنِينَ، ثمَّ قال: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾؛ يعني: مِن العلماءِ؛ فالعلماءُ يتفاوَتونَ في الاستنباطِ بحسَبِ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٤٧٩) (٢/ ١١٠٥).","vol":"2","page":902},{"text":"معرفتِهِمْ بالأدلَّةِ والنوازِلِ والعِلَلِ المُناسِبةِ بينَها وبينَ الأدلةِ، وأفضلُ الناسِ العلماءُ، وأفضلُ العلماءِ أَوْسَعُهُمُ استنباطًا وأدقُّهُمْ صوابًا واتِّباعًا، ولا يَقضي العالِمُ في النوازِلِ إلَّا مَن عَرَفَ أشياءَ ثلاثةً:\nأولًا: الدليلُ، وكلَّما كان العالمُ أكثَرَ استيعابًا للأدلَّة، كان أقرَبَ للصوابِ، ويَقِلُّ صوابُهُ بمقدارِ ضَعْفِهِ في استيعابِ الأدلَّة، فربَّما عرَفَ دليلًا وجَهِلَ ما هو ألصَقُ بالمسألةِ المنظورةِ منه، فيَضعُفُ تنزيلُهُ؛ لبُعْدِ الدليلِ عن النازِلةِ، وبمقدارِ بُعْدِ الدليلِ يكونُ ضعفُ الاستدلالِ.\nثانيًا: النازِلةُ؛ فمَن عرَفَ النازِلةَ وعايَنَها، كان أبصَرَ بها وبالحُكْمِ المُناسِبِ لها، ومَن كان بعيدًا عنها، ضَعُفَ نظرُهُ فيها، وكلَّما كان العالِمُ بالنوازِلِ أعلَمَ، وبالحوادثِ أَخْبَرَ، فهو بمعرِفةِ ما يُناسِبُها مِن الأدلَّةِ أدَقُّ وأصوَبُ، وهذا يكونُ في العلماءِ الذين قرَؤُوا التاريخَ، وخَبَرُوا النوازلَ، وعرَفُوا ما شابَهَها، ويكونُ في الشيوخِ أكثَرَ مِن الشبابِ؛ ولذا قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ: \"رأيُ الشيخِ خيرٌ مِن مَشْهَدِ الغلامِ\" (١).\nوذلك أنَّ الغلامَ قد يشهدُ نازِلةً ولم يَعرِفْ نظيرَها، والشيخُ شَهِدَ نظائرَ أو سَمِعَ بنظائرَ ولو لم يَشْهَدْها، فالعِلْمُ بالخبرِ إذا كَثُرَ كان كالمشاهدةِ وأشَدَّ.\nثالثًا: التعليلُ المشتَرَكُ بينَ النازلةِ ودليلِها المناسِبِ لها؛ فمَنْ لم يَعرِفْ عِلَلَ الحوادث والرابطَ بينَها وبينَ أدلَّةِ النقلِ والعقل، أخطَأَ في تنزيلِ الأدلَّةِ على النوازِلِ، فربَّما الجهلُ بالتعليلِ يُخطِئُ معه العالِمُ في النازلةِ؛ إذْ يكونُ المُناسِبُ لها الشِّدَّةَ فيستعمِلُ اللِّينَ، وربَّما العكسُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-648>معنى أُولي الأمرِ في الآية:</span>\nويَعْضُدُ أنَّ المرادَ بأُولي الأمرِ هنا: العلماءُ: أمورٌ؛ منها:\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١١٣).","vol":"2","page":903},{"text":"أولًا: أنَّ اللهَ ذكَرَ هذه الآيةَ بعدَ ذِكْرِهِ لعِصْيانِ المُنافِقِينَ للنبيِّ - ﷺ - عندَ غيابِهم عنه، وإظهارِ طاعتِهِ في الشهادةِ؛ فهم المقصُودونَ هنا في هذه الآيةِ بِرَدِّ الأمر، والنبيُّ هو المقصودُ برَدِّ الأمرِ إليه، ويَتْبَعُهُ في حُكْمِهِ مَن وَرِثَ الأمرَ منه، وهم العلماءُ؛ كما قال - ﷺ -: (إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ) (١).\nثانيًا: أنَّ اللهَ قال: ﴿أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، ولا يَستنبِطُ إلَّا عالِمٌ، فالاستنباطُ هو استخراجُ الصالحِ للنازِلةِ مِن الدليلِ العامِّ؛ وهذا لا يكونُ إلَّا مِن عالِمٍ بالدليل، بصيرٍ بالتعليل.\nثالثًا: أنَّ اللهَ ذكَرَ العِلْمَ في الآية، فقال: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ﴾، ولم يَقُلْ: لأمَرَ به، أو نَهَى عنه؛ لأنَّ الأمرَ والنهيَ قد يكونُ عن عِلْمٍ، وقد يكونُ عن جهلٍ، ولكنَّه قال: ﴿لَعَلِمَهُ﴾؛ يعني: عَلِمَ العالمُ ما يصلُحُ للنازِلةِ مِن الأمرِ: إعلانَها أو إسرارَها، وصِفةَ تدبيرِها، وعمَلَ الناسِ بها، وموقفَهم منها؛ وهذا لا يكونُ إلا لوليِّ الأمرِ العالِم، لا الآمِرِ بلا عِلْمٍ.\nرابعًا: أنَّ الله قال بعدَ ذلك: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ولا يَقِي مِن سبيلِ الشيطانِ ويَجلِبُ رحمةَ اللهِ إلَّا العِلْمُ والعَملُ به.\nوقد نصَّ على أنَّ المرادَ بأُولي الأمرِ في هذه الآيةِ: العلماءُ: جماعةٌ؛ كقتادةَ وخصيفٍ وغيرِهما (٢)؛ وتقدَّمَ الكلامُ على معنى أُولِي الأمرِ بالقرآنِ في مواضِعَ.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٣٦٤١) (٣/ ٣١٧)، والترمذي (٢٦٨٢) (٥/ ٤٨)، وابن ماجه (٢٢٣) (١/ ٨١).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠١٥).","vol":"2","page":904},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-649>التحذيرُ من إشاعةِ الأخبارِ:</span>\nوإنَّما نَهَى اللهُ عن إذاعةِ الأخبارِ قبلَ عَرْضِها على أهلِ المعرِفةِ بها؛ لأنَّ الأخبارَ المُرسَلةَ يَعْتَرِيها الكذبُ والإرجافُ؛ فقد تكونُ حقًّا ولا يجوزُ إذاعتُها؛ لأنَّ فيها هتكًا لذنبٍ مستورٍ وعورةٍ مُغطَّاةٍ، وقد يكونُ في إظهارِها إرجافٌ وتثبيطٌ للمؤمِنِين؛ فأهلُ المعرفةِ يَستَوْثِقونَ مِن الأخبار، وَيَعرِفونَ صحيحَها مِن ضعيفِها والصالحَ منها للإذاعة وغيرَ الصالِحِ؛ ولذا قال اللهُ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.\nقال مجاهدُ بنُ جَبْرٍ: قولُهم: ماذا كان؟ وما سمعتُم؟ يعني: أنَّ العالمَ يَستخبِرُ ويستفهِمُ ليستوثِقَ مِن صحةِ الأخبارِ؛ رواهُ ابنُ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ؛ أخرَجَهُ ابن جريرٍ، وابنُ أبي حاتم (١).\nوبمعناهُ قال أبو العاليةِ وقتادةُ والسُّدِّيُّ (٢).\nومِن معاني الاستنباطِ: الاستخراجُ؛ كاستخراجِ الماءِ بالدَّلْوِ مِن البئر، وبنحوِه قال أبو عُبَيْدَةَ (٣).\nوقولُه تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾؛ يعني: لولا ما تفضَّلَ اللهُ به عليكم مِن وَحْيٍ وبصيرةٍ، لَسَلَكَتْ بكم نفوسُكُمْ سبيلَ الشيطان، وفي هذا: أنَّ العلماءَ رحمةٌ للأُمَّة، وهم أعظَمُ أعداءِ الشيطان، وأشَدُّ العَثَرَاتِ في الطريقِ إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-650>فضلُ علمِ الرجالِ وأخبارِهِمْ:</span>\nوفي هذا: أنَّ عِلْمَ فحصِ الأخبارِ والتوثُّقِ منها ومعرفةِ الرِّجالِ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٢٥٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠١٦).\n(٢) المرجعان السابقان.\n(٣) ينظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة مَعْمَر بن المثنَّى (١/ ١٣٤)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٨٠٧).","vol":"2","page":905},{"text":"وأحوالِهم وجَرْحِهم وتعديلِهم -: مِن فضل اللهِ ورحمتِه؛ فلولاهُ لم يكنْ للصادقِ فضلٌ على الكاذبِ، ولكان أمرُ الأُمَّةِ في دِينِها ودُنياها في فتنةٍ وشرٍّ.\nوالعالِمُ يَرُدُّ مُتشابِهَ الأخبارِ إلى مُحْكَمِها، وهي في أخبارِ الوحي أشَدُّ احتياطًا واحترازًا، فلا يُعارِضُ بعضَها ببعضٍ، ولا يَضرِبُ بعضَها ببعضٍ، فيَجمَعُ بينَها، وإنْ تحيَّرَ، سلَّمَ العلمَ إلى عالِمِه، ولم يَجسُرْ بهواهُ؛ كما قال تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧].\nوفي \"المُسنَدِ\"؛ مِن حديثِ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه؛ قال: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ وَالنَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ فِي الْقَدَر، قَالَ: وَكَأَنَّمَا تَفَقَّأَ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ مِنَ الْغَضَب، قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ: (مَا لَكُمْ تَضْرِبُونَ كِتَابَ اللهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ؟ ! بِهَذَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) (١).\nوفي لفظٍ آخَرَ في \"المسنَدِ\"؛ قال: (مَهْلًا يَا قَوْمُ! بِهَذَا أُهْلِكَتِ الْأُمَمُ مِنْ قَبْلِكُمْ؛ بِاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، وَضَرْبِهِمُ الْكُتُبَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، إِنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، بَلْ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ، فَاعْمَلُوا بِه، وَمَا جَهِلْتُمْ مِنْهُ، فَرُدُّوهُ إِلَى عَالِمِهِ) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-651>التحدثُ بكلِّ مسموعٍ:</span>\nوفي إطلاقِ اللِّسانِ بالأخبارِ آثامٌ لا تُحصى؛ لفتنةِ الناسِ بعضِهِمْ ببعضٍ، وبثِّ الخوفِ أو الجُبْنِ أو التسبُّبِ في رُكُونِهِمْ إلى الدُّنيا والافتتانِ بها؛ ففي \"السُّننِ\"، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -؛ قال: (كَفَى بِالمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) (٣)، وأخرَجَهُ مسلمٌ في مقدِّمةِ \"صحيحِه\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦٦٦٨) (٢/ ١٧٨).\n(٢) أخرجه أحمد (٦٧٠٢) (٢/ ١٨١).\n(٣) أخرجه أبو داود (٤٩٩٢) (٤/ ٢٩٨).\n(٤) \"صحيح مسلم\" - المقدمة (١/ ١٠).","vol":"2","page":906},{"text":"وفي هذه الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ المُنافِقَ همُّهُ سلامةُ نفسِهِ ومالِهِ وأهلِه، ولا يَعْنِيهِ مِن الأخبارِ ما يُضِرُّ بالأُمَّةِ ويُفسِدُها؛ فإنَّ الآيةَ في سياقِ الأخبارِ المتعلِّقةِ بمصالِحِ الأُمَّةِ ومَضَارِّها، فمِن علامةِ المؤمنِ: اهتمامُهُ بأمرِ أمَّتِهِ ولو تضرَّرَ في نفسِه لأجلِها، ومِن علامةِ المنافِقِ: اهتمامُهُ بأمرِ نفسِهِ ولو تضرَّرَتْ أُمَّتُهُ لأجلِها.\nوالخطابُ في هذه الآيةِ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ لأهلِ الإيمانِ كما هو ظاهرٌ؛ قال ابنُ عبَّاسٍ: \"فانقطَعَ الكلامُ؛ فهو في أولِ الآيةِ يُخبِرُ عن المُنافِقينَ\"؛ رواهُ عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ (١).\nوقولُه: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ يعني بالقليلِ: أهلَ الإيمانِ؛ كما رواهُ عليٌّ، عن ابنِ عبَّاسٍ (٢).\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ [النساء: ٨٤].\nوالخِطَابُ في ذلك للنبيِّ - ﷺ -؛ فالإنسانُ مرهونٌ بعملِه مكلَّفٌ به، وهذا إنْ كان للنبيِّ فهو لغيرِه مِن بابِ أَوْلى: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾.\nوقِولُه: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ يعني: عِظْهُم وحُضَّهُم على اتِّباعِ أمرِ اللهِ واجتنابِ نَهْيِه.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠١٧).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٢٦٣)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٨٠٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠١٧).","vol":"2","page":907},{"text":"فالإنسانُ مُحاسَبٌ على ما يَقْدِرُ عليه ويختارُهُ، لا على اختيارِ غيرِه؛ ولهذا كان على النبيِّ - ﷺ - البلاغُ؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [النور: ٥٤، والعنكبوت: ١٨]، وهو المعنى هنا ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولمَّا كان لا يَملِكُ تصرُّفًا إلَّا بجوارِحِه، قال له: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، وأمَّا هدايةُ التوفيقِ والتسديد، فعلى اللهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-652>مخالَفَةُ الناسِ للحقِّ، والغربةُ فيه:</span>\nوفي هذا: بقاءُ الإنسانِ على الحقِّ ولو كان وحدَهُ، وقيامُهُ بأمرِ اللهِ ولو خالَفَهُ الناسُ، ولا يكونُ إِمَّعَةً يَتْبَعُ الكثرةَ والعامَّةَ، فالهلاكُ بتركِ الحقِّ لا بتركِ الناسِ؛ وقد روى أحمدُ، عن أبي إسحاقَ؛ قال: \"قُلْتُ لِلْبَرَاءِ: الرَّجُلُ يَحْمِلُ عَلَى المُشْرِكِينَ، أَهُوَ مِمَّنْ أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ؟ قَالَ: لَا؛ لأَنَّ اللهَ ﷿ بَعَثَ رَسُولَهُ - ﷺ -؛ فَقَالَ: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، إِنَّمَا ذَاكَ فِي النَّفَقَةِ\" (١).\nومِن التحريضِ للمؤمنينَ في قولِه: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: وَعْظُهُمْ بفضلِ عملِهم وفضلِ الجهادِ والمُجاهِدينَ، وبيانٌ الأدلةِ في ذلك مِن الكتابِ والسُّنَّةِ؛ كما كان النبيُّ - ﷺ - يستحثُّ الصحابةَ والتابِعينَ على القتالِ ببيانِ فضلِهِمْ في القرآنِ والسُّنَّةِ؛ تثبيتًا وربطًا على قلوبِهم.\nوقولُه تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ هذا وعدٌ مِن اللهِ أنَّ مَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ وسبيلَهُ، كَفَّ عنه بأسَ عدوِّه، ونَصَرَهُ عليه، و(عسى) في القرآنِ تعني التحقيقَ؛ كما قال ابنُ عبَّاسٍ: \" (عسى) مِن اللهِ واجبٌ\"؛ رواهُ عليٌّ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ (٢).\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٨٤٧٧) (٤/ ٢٨١).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠١٨).","vol":"2","page":908},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-653>أثَرُ استحضارِ عَظَمَةِ اللهِ وقوَّتهِ عند لقاءِ العدوِّ:</span>\nوفي هذه الآيةِ: إرشادٌ مِن اللهِ لنبيِّه وللمؤمنينَ أنْ يَستحضِرُوا قوةَ اللهِ عندَ قوةِ العدوِّ، وَيستحضِرُوا هيبةَ اللهِ عندَ هيبةِ العدوِّ، وعزةَ اللهِ عندَ عزةِ العدوِّ، وعندَ كلِّ صفةِ قوةٍ وتمكينٍ فيهم أنْ يَستحضِرُوا أنَّ للهِ فيها الكمالَ المُطلَقَ؛ حتى لا يَضْعُفُوا ويَجْبُنُوا ويَنْتَكِسُوا؛ فقال: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾؛ يعني: لا تُرْهِبْكُمُ قوةُ العدوِّ؛ فاللهُ أَقْوَى وأشَدُّ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥].\nالمرادُ بالشفاعةِ: أنْ يُضافَ إلى الفَرْدِ مِثلُهُ وأضعافُ ذلك لِيَعْضُدُوهُ فيما يَرْجُوهُ، وغلَبَ استعمالُهُ على ما يَقبَلُ القِسْمةَ بلا كسرٍ مِن الاثنينِ والأربعة، والستةِ والثمانية، وتُسمَّى الأعدادَ الزوجيَّةَ، ولكنَّها هنا أوسَعُ؛ فالمرادُ بالشفاعةِ: ما ليس بواحدٍ، فلو اعتضَدَ الفردُ الواحدُ باثنَيْنِ لِيُعِينُوهُ، عُدَّتْ شفاعةً ولو كانوا جميعًا ثلاثةً باعتبارِ النِّسْبةِ إلى الفردِ، فهم في حُكْمِ الجهةِ الواحِدةِ، وصاحبُ الحاجةِ جهةٌ أُخرى، فجهةٌ اعتضَدَتْ بجهةٍ ولو كان عددُها فردًا، فيأتي المحتاجُ بواحدٍ أو اثنَيْنِ أو ثلاثةٍ أو أكثَرَ، فيقولُ: أستشفعُ بهم عندَ سُلْطانٍ أو غنيٍّ في كذا وكذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-654>الشفاعةُ وفضلُهَا:</span>\nوالمرادُ بالشفاعةِ في الآيةِ: شفاعةُ الناسِ بعضِهم لبعضٍ، كما قاله مجاهدٌ وغيرُه (١).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٢٦٩)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٨١٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠١٨).","vol":"2","page":909},{"text":"وفي الشفاعةِ: إعانةٌ لمَن قَصُرَتْ أسبابُه عن الوصولِ إلى مرادِه، وفي ذلك أجرٌ؛ وفي \"الصحيحَيْنِ\"؛ قال - ﷺ -: (اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ)؛ أخرَجَاهُ مِن حديثِ أبي موسى (١).\nوهو المرادُ بقولِهِ تعالى: ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾.\nوالشفاعةُ تكونُ في الخيرِ وفي الشرِّ، والمرادُ بالكِفْلِ: (الحَظُّ)، وحظُّه في شفاعةِ الحرامِ: (الإثمُ).\nويُؤجَرُ الشافعُ في الخيرِ ببذلِ الشفاعةِ ولو لم يتحقَّقْ خيرٌ أو يُدفَعْ شرٌّ، ويَأْثَمُ الشافعُ في الشرِّ ولو لم يتحقَّقْ شرٌّ أو يُدفَعْ خيرٌ؛ لأنَّ الشفاعةَ عملٌ يُحاسَبُ الإنسانُ على بَذْلِه، ثمَّ يكونُ الأجرُ والوِزْرُ بمقدارِ ما يجعَلُهُ اللهُ مِن آثارِ عَمَلِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-655>الشفاعةُ الحسنةُ:</span>\nوالشفاعةُ الحسنةُ: هي التي يُجلَبُ بها الحقُّ، ويُرفَعُ بها الظُّلْمُ، ويجبُ على الشافعِ أنْ يُبصِرَ فيما يَشفَعُ وما يَرفَعُ وما يَضَعُ؛ حتى لا يَرفَعَ شرًّا عن أحدٍ فيُوضَعَ على غيرِهِ ممَّن لا يستحقُّهُ، وَيجلِبَ خيرًا لأحدٍ بأخذِه ممَّن يستحقُّه، فلا يجوزُ له إنْ تضرَّرَ أحدٌ بشفاعتِهِ أنْ يَشفَعَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-656>أخذُ الأجرِ على الشَّفَاعَةِ:</span>\nوالشفاعةُ زكاةُ الجَاهِ؛ كما أنَّ زكاةَ المالِ النفقةُ، ويبذُلُ الشفاعةَ صاحبُ الجاهِ ولو كان قليلًا، سواءٌ كان جاهُهُ لسُلْطانِهِ أو عِلْمِهِ أو حَسَبِهِ أو نَسَبِه، ولا يجوزُ أخذُ أجرةٍ على الشفاعةِ؛ لأنَّ الشفاعةَ أخذُ حقِّ يستحقُّهُ صاحبُهُ، أو رفعُ ظلمٍ يجبُ أنْ يُرفَعَ عنه، وأخذُ المالِ على ذلك تعطيلٌ للحقوقِ ألَّا تتحصَّلَ إلَّا بدفعِ المالِ لذوي الجاه، وألَّا تُرفَعَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٠٢٦) (٨/ ١٢)، ومسلم (٢٦٢٧) (٤/ ٢٠٢٦).","vol":"2","page":910},{"text":"المظالِمُ عن الناسِ إلا بدفعِ المالِ لذوي الجاهِ؛ فيَعُمَّ الفسادُ، وتنتشِرَ الرِّشْوةُ، أو تتعطَّلَ الحقوقُ؛ حتى يبلُغَ الأمرُ بأنْ تُنزَلَ المظالِمُ، وتُقطَعَ السُّبُلُ، وتُؤخَذَ الحقوقُ ولا تُعادَ إلا بالمالِ؛ فيُروى في \"المسندِ\"، وعندَ أبي داودَ؛ مِن حديثِ القاسِم، عن أبي أُمَامَةَ؛ قال - ﷺ -: (مَنْ شَفَعَ لِأَحَدٍ شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً فَقبِلَهَا، فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنَ الرِّبَا) (١).\nتفرَّدَ به القاسمُ بنُ عبدِ الرحمنِ صاحبُ أبي أُمامةَ، عن أبي أمامةَ، ولا يُعرَفُ إلا مِن طريقِه، وقد رواهُ عبيدُ اللهِ بنُ أبي جعفر، عن خالدِ بنِ أبي عِمرانَ، عن القاسِم، به.\nوقال أحمدُ في عُبَيْدِ اللهِ مرةً: ضعيفٌ، وفي أُخرى قال: لا بأسَ به (٢).\nولكنَّ فتوى الصحابةِ عليه؛ فقد صحَّ عن ابنِ مسعودٍ وأبي مسعودٍ وغيرِهما، روى أبو الضُّحَا؛ \"أنَّ مسروقًا شفَعَ لرجلٍ بشفاعةٍ، فأَهْدَى له جاريةً، فغَضِبَ، وقال: لو عَلِمْتُ أنَّ هذا في نَفْسِكَ ما تَكَلَّمْتُ فيها، ولا أتكلَّمُ فيما بَقِيَ منها أبدًا! سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ يقولُ: مَنْ شَفَعَ شَفَاعَةً لِيَرُدَّ بِهَا حَقًّا، أَوْ يَرْفَعَ بِهَا ظُلْمًا، فَأُهْدِيَ لَهُ فَقَبِلَ، فَهُوَ سُحْتٌ، قالوا: ما كنَّا نرَى السُّحْتَ إلا الأخذَ على الحُكْمِ! قال: الأَخْذُ عَلَى الحُكْمِ كُفْرٌ\"؛ رواهُ الطبريُّ وغيرُه (٣).\nومَن اشترَطَ مالًا على شفاعتِه، استعجَلَ أجْرَهُ في دُنْياهُ مع إثمِهِ على ما أخَذَ؛ فروى ابنُ سِيرِينَ؛ قال: \"جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إِلَى أَهْلِهِ فَإذَا هَدِيَّةٌ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: الَّذِي شَفَعْتَ لَهُ، فَقَالَ: أَخْرِجُوهَا، أَتَعَجَّلُ أَجْرَ شَفَاعَتِي فِي الدُّنْيَا؟ ! \"؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي شَيْبةَ (٤).\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢٢٢٥١) (٥/ ٢٦١)، وأبو داود (٣٥٤١) (٣/ ٢٩١).\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٤).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٤٣٢).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٠٨٦٧) (٤/ ٣٤٤).","vol":"2","page":911},{"text":"لأنَّ إعادةَ الحقوقِ فرضٌ على القادِرِ مِن الأُمَّة، ويقومُ بها مَن يَكفي إنْ وُجِدَ عن بقيَّتِهم، وإلَّا أَثِمَ القادرونَ جميعًا، وأخذُ الهديَّةِ على الشفاعةِ في أخذِ الحقِّ ورفعِ الظُّلْمِ: رِشْوةٌ.\nوربَّما أطلَقَ بعضُ الفقهاءِ الجوازَ مُخالِفًا إجماعَ السلفِ في هذا النوعِ، فلو جاز أخذُ العطاء على هذا النوعِ مِن الشفاعة، بُذِلَتِ الشفاعةُ لِمَنْ لا يستحِقُّها، واشتراها أَقْدَرُهُمْ على دفعِ المال، وتَعَطَّلَتْ عن أهلِها ومستَحِقِّيها، بل مُقتضَى ذلك: جوازُ الشفاعةِ في أخذِ الزكاةِ لمستحِقِّيها، وكذلك الفيءُ وإقطاعُ الأرض، وبهذا يفسُدُ أهلُ الجاهِ وتَضِيعُ الحقوقُ عندَ الأمراءِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-657>دفعُ الضَّرَرِ بالمالِ:</span>\nومَن عجَزَ عن رَفْعِ الظُّلْمِ عن نفسِهِ أو أخذِ حقِّه، ولم يَجِدْ شافعًا إلَّا بالمال، جاز منه، وحَرُمَ على الشافعِ؛ ففي \"المسنَدِ\"، عن عمرَ - ﵁ -؛ قال - ﷺ -: (أَمَا وَالله، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيُخْرِجُ مَسْأَلتَهُ مِنْ عِنْدِي يَتَأَبَّطُهَا)؛ يَعْنِي: تَكُونُ تَحْتَ إِبْطِهِ؛ يَعْنِي: نَارًا، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ الله، لِمَ تُعْطِيهَا إِيَّاهُمْ؟ قَالَ: (فَمَا أَصْنَعُ؟ يَأْبَوْنَ إِلَّا ذَاكَ، وَيَأْبى اللهُ لِي الْبُخْلَ!) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-658>الفرقُ بين الجعالةِ والشفاعةِ:</span>\nوالفرقُ بينَ الشفاعةِ والجِعَالَةِ: أنَّ الشفاعةَ تُبذَلُ بالجاهِ لا بمجرَّدِ العملِ، والجِعَالةَ بالعملِ ولو مِن كلِّ أحدٍ، ولو تَبعَ ذلك شيءٌ مِن الجاهِ غيرِ المقصودِ بِذَاتِه، فالجِعَالةُ: عملٌ يقومُ به كلُّ أحدٍ ويمتازُ به أهلُ الخِبْرةِ ويشترِكونَ فيه، وأمَّا الشفاعةُ: فيختصُّ بها أهلُ الجاه، ولا يقومُ بها كلُّ أحدٍ بعملِهِ ولو كان خبيرًا، وأمَّا الخبيرُ الذي اكتسَبَ الخِبْرةَ بعَمَلِه؛ كالخِرِّيتِ الذي يَعرِفُ الطريقَ ومسالِكَ السلامةِ وطُرُقَ الهلاكِ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١١٠٠٤) (٣/ ٤).","vol":"2","page":912},{"text":"وجِهاتِ الأرض، فهذا يُستأجَرُ بالمالِ؛ لأنَّه استُؤجِرَ لخِبْرتِهِ لا لجاهِه، فالجاهُ لا يَلزَمُ معه عملٌ أو خِبْرةٌ.\nوإنْ تَبعَ الجِعَالةَ جاهٌ على سبيلِ التَّبَعِ لا الاستقلال، لم يَضُرَّ، وجاز أخذُ العِوَضِ.\nوالجاهُ نِعْمةٌ مِن اللهِ ومِنَّةٌ، فالأخذُ به دنيا يُفسِدُ رؤوسَ الأُمَّةِ ووُجَهَاءَها، ويَحبِسُونَ الحقوقَ بانتظارِ المالِ، ويُعَطِّلُهُمْ عنِ التكسُّبِ مع عمومِ الناس، فيَكِلُهُمْ إلى التكسُّبِ بالجاهِ لا بعملِ اليدِ.\nوهذا لا يُعارِضُ ما جاء في حديثِ ابنِ عمرَ في \"المسنَدِ\"، و\"السُّننِ\": (مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا، فَكَافِئُوهُ) (١).\nفإنَّ هذا في باذِلِ الخيرِ والإحسانِ مِن غيرِ إعادةِ حقٍّ أو رفعِ ظُلْمٍ؛ كمَن أعانَ على حَمْلِ المتاع، أو إيجادِ ضالَّةٍ، أو الإمساكِ بدابَّةٍ نادَّةٍ، ونحوِ هذا.\nوقولُه تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾: المُقِيتُ في الآيةِ: الحَفِيظُ؛ قاله ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه (٢).\nواللهُ أعلَمُ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦].\nقولُه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾: التحيَّةُ مشتقَّةٌ مِن الحياة، وفي هذا مِن\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥٣٦٥) (٢/ ٦٨)، وأبو داود (١٦٧٢) (٢/ ١٢٨)، والنسائي (٢٥٦٧) (٥/ ٨٢).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٢٧١)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٨١٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠١٩).","vol":"2","page":913},{"text":"المعنى: أنَّ الحياةَ لا تَكتمِلُ إلا ببَذْلِ أسبابِ الأمانِ والمَوَدَّةِ؛ فإنَّ الخوفَ يُضْعِفُها، وربَّما يُزِيلُها بالقتلِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-659>التوسعةُ في معنى التحيَّةِ:</span>\nوفي قولِهِ تعالى: ﴿حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ إشارةٌ إلى التَّوْسِعةِ في أمرِ التحيَّةِ؛ في صِفَتِها وألفاظِها، على ما يتعارَفُ عليه الناسُ؛ بحسَبِ لُغَاتِهِمْ وبُلْدانِهم؛ فالآيةُ أصلٌ في جوازِ صِيَغِ التحيَّةِ، ولو كانتِ التحيَّةُ هي لفْظَ السلامِ فقط، لَذَكَرَهَا، ولكنَّ المرادَ بالتحيَّةِ بَذْلُ السلامِ وما في حُكْمِهِ مِن الألفاظِ؛ كالتحيَّةِ بمَرْحَبًا وأهلًا، وكذلك ما في حُكْمِهِ مِن الأفعالِ؛ كالإشارةِ باليد، والتلويحِ بالثوبِ والراية، وغيرِ ذلك ممَّا يُشعِرُ بالسلامِ والأمانِ والإيناسِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-660>أفضلُ أنواعِ التحيَّةِ:</span>\nوأفضَلُ التحيَّةِ: السلامُ؛ لأنَّها تحيَّةُ أهلِ الجنةِ؛ كما في قولِه تعالى في سورةِ يُونُسَ وإبراهيمَ: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [يونس: ١٠]، ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣]، وفي الأحزابِ قال: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤].\nروى سعيدٌ، عن قتادةَ؛ قال: \"تَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ السَّلَامُ\" (١).\nوهي التحيَّةُ الأُولى بينَ الملائكةِ وآدمَ وبَنِيهِ وبينَ بني آدمَ بعضِهم مع بعضٍ؛ لِما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أبي هُرَيْرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (خَلَقَ اللهُ ﷿ آدَمَ عَلَى صُورَتِه، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ، قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ، وَهُمْ نَفَرٌ مِنَ المَلَائِكَةِ جُلُوسٌ، فَاسْتَمِعْ مَا يُجِيبُونَكَ؛ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، قَالَ: فَذَهَبَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ الله، قَالَ: فَزَادُوهُ:\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٩/ ١٢٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٩/ ٣١٣٩).","vol":"2","page":914},{"text":"وَرَحْمَةُ اللهِ) (١).\nوهي التحيَّةُ في الآخِرةِ وفي الجنَّةِ؛ كما سبَقَ، وكما في قولِهِ تعالى في سورةِ الفُرْقانِ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [٧٥]، وهي تحيَّةُ الملائكةِ لبَنِي آدمَ في الدُّنيا؛ كما في \"الصحيحِ\"، عن عائشةَ - ﵂ -؛ قالتْ: قال رسولُ اللهِ - ﷺ - يومًا: (يَا عَائِشُ، هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ)، فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، تَرَى مَا لَا أَرَى (٢).\nوالتحيَّةُ مِن الملائكةِ هي للمؤمنينَ مِن بَني آدمَ لا لغيرِهم؛ كما هو في ظاهِرِ الآياتِ في الدُّنيا، وعندَ قبضِ أرواحِهم؛ كما في قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل: ٣٢].\nوقد روى ابنُ أبي شيبةَ والحاكِمُ؛ مِن حديثِ محمَّدِ بنِ مالكٍ، عن البَرَاءِ بنِ عازِبٍ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]؛ قَالَ: \"يَوْمَ يَلْقَوْنَ مَلَكَ المَوْتِ لَيْسَ مِنْ مُؤْمِنٍ يَقْبِضُ رُوحَهُ إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ\" (٣).\nوبها يُحَيَّوْنَ عندَ دخولِ الجنةِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، وهي كذلك تحيَّتُهم فيما بينَهُمْ في الجنةِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣].\nوحُكِيَ عن مالكٍ حَمْلُ الآيةِ في البابِ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ على كلِّ ما يُتبادَلُ مِن اثنَيْنِ مِن دعاءٍ وذِكْرٍ، ومنه تَشْمِيتُ العاطِسِ، وردُّ المُشَمِّتِ عليه.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٢٢٧) (٨/ ٥٠)، ومسلم (٢٨٤١) (٤/ ٢١٨٣).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٧٦٨) (٥/ ٢٩).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٤٧٦٧) (٧/ ١٣٤)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣٥١).","vol":"2","page":915},{"text":"ونُسِبَ إليه إدخالُ الهديَّةِ في معنى التحيَّةِ وحُكْمِها، ولعلَّ العِلَّةَ في ذلك: ما في الهديَّةِ مِن معنى المحبَّة، وبها يتحقَّقُ الأمانُ والإيناسُ، وهذا المعنى موجودٌ في التحيَّةِ القوليَّةِ.\nوقد ذهَبَ ابنُ عُيَيْنَةَ: إلى أوسَعَ ممَّا ذهَبَ إليه مالكٌ؛ فجعَلَ التحيَّةَ كلَّ معروفٍ يُبذَلُ ورَدَّهُ بالشكرِ عليه قولًا وعملًا.\nوالظاهرُ: أنَّ الهديَّةَ وتشميتَ العاطسِ يَدْخُلانِ في العلةِ، وهي الأمانُ والإيناسُ، لا في حُكْمِ التحيَّةِ وفضلِها؛ فإنَّ التحيَّةَ إذا أُطلِقتْ يُرادُ بها السلامُ وما في حُكْمِهِ مِن الألفاظِ والإشارةِ؛ وذلك لقولِهِ تعالى في سورةِ النورِ: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [٦١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-661>التحيَّةُ بغيرِ السلامِ:</span>\nومَن بذَلَ التحيَّةَ بغيرِ السلام، جاز وقد ترَكَ الأفضلَ؛ فأفضَلُ التحيَّةِ السلامُ، وتصحُّ تحيَّةُ الأعجميِّ المُسلِمِ بلُغَتِهِ التي يَفهَمُها إذا لم يَعرِفْ معنى السلامِ.\nوهذه الآيةُ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ ظاهرةٌ في حكايةِ البَدَاءَةِ بالتحيَّةِ وآمِرَةٌ بالردِّ عليها، وهي مُشعِرةٌ بأنَّ الردَّ آكَدُ مِن البَدَاءَة، ولا خلافَ أنَّ ردَّ السلامِ آكَدُ مِن بَذْلِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-662>حُكْم ردِّ التَّحيَّةِ:</span>\nوردُّ السلامِ واجبٌ بلا خلافٍ، إلَّا مَن هُجِرَ بموجِبٍ شرعيٍّ؛ فيجوزُ عدمُ ردِّ السلامِ عليه إذا سَلَّمَ، ووجوبُ ردِّ السلامِ ظاهرٌ في الآيةِ مِن قولِه تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-663>حكمُ بذلِ التحيَّةِ:</span>\nواختُلِفَ في بَذْلِ التحيَّةِ - ومنها السلامُ - ابتداءً، على قولَيْنِ:","vol":"2","page":916},{"text":"- قيل بالوجوبِ.\n- وقيل بالسُّنِّيَّةِ؛ وحكى ابن عبدِ البَرِّ الإجماعَ عليه.\nوالأظهَرُ: التفصيلُ والتفريقُ بينَ:\n- المَجَالِسِ التي اعتاد الإنسانُ دخولَها وغِشْيانَها ورؤيةَ أهلِها كلَّ يومٍ.\n- وبينَ المَجَالِسِ التي لا يَغْشَاها إلَّا لِمَامًا أو نادرًا، أو لم يَدخُلْها إلا مرةً؛ ففي الأخيرةِ يجبُ، وكلَّما اعتاد الإنسانُ دخولَ مكانٍ، خَفَّ الأمرُ عليه؛ لأنَّ عِلةَ السلامِ الأمانُ والإيناسُ وبذلُ المودَّة، ولا تُوجَدُ في المجالسِ والدُّورِ التي لا يَغْشاها الإنسانُ إلا نادرًا أو لم يَدخلْها مِن قبلُ، حتى قال بعضُ السلفِ بوجوبِ التحيَّةِ حتى في دُخولِ الرجُلِ بيتَهُ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]، سواءٌ كان الدخولُ في بيوتِ الأهلِ أو بيوتِ الأرحامِ أو الأَبعَدِينَ أو الأسواقِ.\nوذهَبَ إلى الوجوبِ بعضُ السلف، وقد روى أبو الزُّبَيْرِ؛ قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: إذا دخَلْتَ على أهلِكَ، فسَلِّمْ عليهم: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور ٦١]؛ قال: ما رأيتُه إلا يُوجِبُه؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ وغيرُه (١).\nونَفَى عطاءٌ القولَ بالوجوبِ عن أحدٍ ممَّن سبَق؛ فقد روى ابنُ جُرَيْجٍ؛ قال: قلتُ لعطاءٍ: إذا خرَجْتُ، أواجبٌ السلامُ، هل أُسَلِّمُ عليهم؟ فإنَّما قال: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا﴾ [النور: ٦١]؟ قال: ما أعلَمُهُ واجبًا، ولا آثِرُ عن أحدٍ وجوبَةُ، ولكنْ أَحَبُّ إليَّ وما أَدَعُهُ إلَّا ناسيًا (٢).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٣٧٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٥٠).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٣٧٩).","vol":"2","page":917},{"text":"ولعلَّ عطاءَ بنَ أبي رَبَاحٍ نَفَى العِلْمَ بوجوبِ بَذْلِ السلامِ عندَ دخولِ الببوتِ التي سبَقَ إليها الإيناسُ باعتيادِ الإنسانِ دخولَها والخروجَ منها، للصلواتِ الخمس، وللسُّوق، ولإجابةِ طارقِ البابِ، وقضاءِ حاجةِ المحتاجِ، وبذلِ السلامِ عندَ الدخولِ للبيتِ ولو لم يكن فيه أحدٌ: أنَّه لا يُوجِبُهُ أحدٌ.\nويُؤيِّدُ هذا: روايةُ ابنِ جُرَيْجٍ الأُخرى؛ قال: قلتُ لعطاءٍ: فإنْ لم يكنْ في البيتِ أحدٌ؟ قال: سلِّمْ، قلِ: السلامُ على النبيِّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، السلامُ علينا وعلى عِبادِ اللهِ الصالحِين، السلامُ على أهلِ البيتِ ورحمةُ الله، قلتُ له: قولُكَ هذا إذا دخَلْتَ بيتًا ليس فيه أحدٌ، عمَّن تَأْثِرُه؟ قال: سمعتُهُ ولم يُؤثَر لي عن أحدٍ (١).\nفابنُ جُرَيْجٍ وعطاءٌ يَعْنِيَانِ بعدمِ وجوبِ السلامِ: السلامَ الخاصَّ بالبيوتِ التي اعتاد الإنسانُ دخولَها لسبقِ الإيناسِ بينَة وبينَ أهلِها، ومِثلُ هذه الحالِ: الصحيحُ أنَّ السلامَ لا يجبُ بذلُهُ، وثَمَّةَ فرقٌ بينَ الدُّورِ والمجالسِ التي اعتاد الإنسانُ غِشْيانَها بكثرةٍ؛ كَبْيتِهِ ومسجدِه، فالأمرُ ببذلِ السلامِ فيها أخَفُّ وأيسَرُ مِن المجالسِ التي لا يدخُلُها الإنسانُ إلَّا لمامًا أو لم يدخُلْها مِن قبلُ؛ فالتحيَّةُ لابدَّ منها بأيِّ لفظٍ وصيغةٍ؛ وذلك لأنَّ التحيَّةَ إنَّما شُرِعَتْ لأجلِ الإيناس، وهو يُوجَدُ في بيتِ الرجلِ ولا يُوجدُ في الأبعَدِينَ، وحُكْمُ بذلِ التحيَّةِ مقترِنٌ مع وجودِ الإيناسِ وعدمِه.\nوحَمَلَ بعضُهم الردَّ بأحسَنَ منها في قولِهِ تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ على المؤمنينَ خاصَّةً؛ رواهُ سعيدٌ عن قتادةَ، وقال به عطاءٌ والحسنُ (٢).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٣٧٩).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٢٧٥)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٨١٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٢١).","vol":"2","page":918},{"text":"ورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ عمومُ الردِّ في الكافرِ والمُسلِمِ؛ فقد روى عنه عِكرمةُ؛ قال: مَن سلَّمَ عليك مِن خَلْقِ الله، فرُدَّ عليه وإن كان مجوسيًّا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-664>ابتداءُ الكافِرِ بالتحيَّةِ والسلامِ:</span>\nويجوزُ ابتداءُ الكافرِ بالتحيَّةِ بغيرِ السلامِ مُطْلَقًا؛ كمَرْحَبًا وأهلًا ونحوِ ذلك، والردُّ عليه بمِثْلِها بالعربيَّةِ أو بما يفهمُهُ مِن لُغَتِه.\nوأمَّا تحيةُ الكافرِ بالسلامِ ابتداءً، فلا تجوزُ؛ لأنَّها تحيةُ أهلِ الإسلام، وللنهيِ الواردِ في ذلك؛ كما صحَّ مِن حديثِ أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (لَا تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَام، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ في طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ)؛ رواهُ مسلمٌ (٢).\nوهو عامٌّ في كلِّ كافرٍ كتابيًّا وغيرَ كتابيٍّ، وقد جاء في روايةٍ لحديثِ أبي هريرةَ: (إِذَا لَقِيتُمُ المُشْرِكِينَ فِي طَرِيقٍ، فَلَا تَبْدَؤُوهُمْ بِالسَّلَامِ) (٣)، وأما ما جاء في سورةِ مريمَ مِن قولِ إبراهيمَ لأبيهِ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]، فالحديثُ أصرَحُ في النهي، والآيةُ عامَّةٌ تَحتملُ الدعاءَ والخَبَرَ؛ لأنَّها في المُفارَقةِ بينَهما، لا في اللقاءِ وقد لا تُحمَلُ على معنى التحيَّةِ؛ وإنَّما على معنى الدعاءِ الذي نُهِيَ عنه إبراهيمُ بعدَ ذلك، أو على المفارَقَةِ على مُسالَمةٍ، لا مُقاتَلةٍ وحربٍ؛ وهذا شبيهٌ بقولِ اللهِ لنبيِّه - ﷺ -: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩]، فهذه موادَعةٌ ومسالَمةٌ، لا تحيَّةٌ، وكلُّ الأحاديثِ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٢٧٥)، و\" تفسير ابن النذر\" (٢/ ٨١٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٢١).\n(٢) أخرجه مسلم (٢١٦٧) (٤/ ١٧٠٧).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٩٨٣٧) (٦/ ١٠)، وأحمد (٩٧٢٦) (٢/ ٤٤٤)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (١١١١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٠٣).","vol":"2","page":919},{"text":"الآمِرةِ ببذلِ السلامِ عامَّةٌ، والعمومُ لا يَقضي على الخصوص، بل الخصوصُ يُخصِّصُهُ ويُقيِّدُه.\nوقد كان عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يَنْهَى عن بَداءةِ أهلِ الذِّمَّةِ بالسلام، ولكن يَرُدُّ عليهم (١).\nوقد كان أبو أُمامةَ يُسلِّمُ على أهلِ الكتاب، ويجعلُها أمانًا لا تحيةً؛ فقد كان يُسلِّمُ عليهم، ويقولُ: سَمِعْتُ رسولَ الله - ﷺ - يقولُ: (إِنَّ اللهَ جَعَلَ السَّلَامَ تَحِيَّةً لِأُمَّتِنَا، وَأَمَانًا لأَهْلِ ذِمَّتِنَا) (٢).\nوصحَّ عن ابنِ مسعودٍ مِن روايةِ عَلْقمةَ: أنَّه كان يُسلِّمُ على دَهَاقِينَ صَحِبُوهُ، وسُئِلَ عن ذلك؟ فقال: \"صَحِبُونِي، وَلِلصُّحْبَةِ حَقٌّ\" (٣).\nوحَمَلَ بعضُ الأئمَّةِ - كابنِ راهَوَيْهِ وابنِ تيميَّةَ - النهيَ لي حديثِ أبي هريرةَ على يهودِ بَني قُرَيْظَةَ لمَّا أراد حَرْبَهُمْ، منَعَ مِن بذلِ السلامِ لهم؛ حتى لا يَظُنُّوهُ أمانًا.\nولم أَرَ في الخَبَرِ ولا في الأثرِ عن الصحابةِ ما يُؤيِّدُ هذا، وقد أسلَمَ أبو هريرةَ راوي الحديثِ بعدَ حربِ النبيِّ - ﷺ - لبني قُريظةَ؛ وظاهرُ روايتِةِ - وهو أعلَمُ بقيدِه - العمومُ، ولو كان في عِلْمِهِ أنَّه خاصٌّ قَيَّدَهُ، وهكذا مَن رواهُ مِن العلماءِ في كُتُبِهم - كمُسْلِمٍ - لا يَذكُرُونَهُ في أبوابِ الحربِ والأمانِ؛ وإنَّما في معاني تحيَّةِ الكافر، وأكثرُ السلفِ على هذا.\nولكنَّ ظاهِرَ النصوصِ وعملِ السلفِ عدمُ التشديدِ في هذه المسألة، ولو كان بذلُ السلامِ للكافرِ شديدًا، لَوَرَدَ النصُّ فيه كثرةً واتِّفاقًا كتحريمِ الاستغفارِ له؛ فإنَّ البَلْوَى تَعُمُّ بالتحيَّةِ أشَدَّ مِن الاستغفارِ، ونصوصُ\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي سيبة في \" مصنفه\" (٢٥٧٥٠) (٥/ ٢٤٩).\n(٢) أخرجه الطبراني في\" المعجم الكبير\" (٧٥١٨) (٨/ ١٠٩).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٥٨٦٥) (٥/ ٢٥٩).","vol":"2","page":920},{"text":"النهيِ عن الاستغفارِ أَقْوَى وأكثَرُ مِن النهيِ عن بذلِ السلام، وإحكامُ الشريعةِ يَقتضي عدمَ التشديدِ؛ ولذا قال الأَوْزَاعِيُّ: \"إنْ سَلَّمْتَ، فقد سَلَّمَ الصالحون، وإنْ تركْتَ، فقد ترَكَ الصالحون\" (١).\nوظاهرُ النهيِ: أنَّه على الكراهة، لأنَّ التحيَّةَ مِن الآدابِ في العُرْفِ، وقد جاء تأييدُها وتأكيدُها في الشرعِ.\nومَن مَرَّ على مَجْلِسٍ فيه أخلاطٌ مِن المُسلِمِينَ والكافِرِينَ، سَلَّمَ عليهم؛ كما ثبَتَ ذلك عن النبيِّ - ﷺ - في \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ أسامةَ بنِ زيدٍ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-665>ردُّ السلامِ على الكافرِ:</span>\nومَن سُلِّمَ عليه مِن كافرٍ، وفَهِمَ لَفْظَهُ أنَّه أراد السلامَ الشرعيَّ، جاز له الردُّ عليه بقولِه: \"وعليكم السلامُ\"، مِن غيرِ زيادةِ الرحمةِ والبَرَكةِ؛ لأنَّ الرحمةَ والبَرَكةَ لا تَنْزِلُ إلَّا على مؤمِنٍ وأمَّا السلامُ وهو الأمانُ، فيكونُ لغيرِ المؤمِنِ؛ ولذا فإنَّ النبيَّ لم يكنْ يَدْعُو لليهودِ بالرحمةِ لمَّا كانوا يَتعاطَسُونَ عندَهُ؛ بل كان يقولُ: (يَهْدِيكُمُ اللهُ، وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) (٣)، وقد قال ابنُ عمرَ وعُقْبةُ بن عامرٍ: \"إِنَّ ﵀ وَبَرَكَاتِهِ عَلَى المُؤْمِنِينَ\"، وقد كانا لا يُسلِّمانِ على غيرِ المُسْلِمِ تسليمًا تامًّا، ولمَّا قالا السلامَ مرةً تامًّا على نصرانيٍّ يَظُنَّانِهِ مُسلِمًا، رجَعَا وقالا ذلك (٤).\nوأمَّا ما جاء فيِ \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أنسٍ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أهْلُ الْكِتَاب، فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ) (٥)،\n_________\n(١) \"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (٩/ ٣٤)، و\"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٤٦٠).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٢٥٤) (٨/ ٥٦).\n(٣) أخرجه احمد (١٩٥٨٦) (٤/ ٤٠٠)، وأبو داود (٥٠٣٨) (٤/ ٣٠٨)، والترمذي (٢٧٣٩) (٥/ ٨٢).\n(٤) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٠٣).\n(٥) أخرجه البخاري (٦٢٥٨) (٨/ ٥٧)، ومسلم (٢١٦٣) (٤/ ١٧٠٥).","vol":"2","page":921},{"text":"فإنَّما جاء بعدَ سلامِ اليهوديِّ عليه بقولِهِ: \"السَّامُ عليكم\"، فيكونُ عندَ سماعِهِ لِلَفْظِ السَّامِ، أو عندَ عدمِ إدراكِه للَّفْظِ؛ كإدغامِ الكافِرِ لِلَّفْظِ ونحوِ ذلك، ويظهَرُ أنَّ هذا الحديثَ ليس على إطلاقِهِ في كلِّ سلامٍ مِن الكافرِ أنْ يَرُدَّ عليه بعليكم فقطْ؛ وإنَّما عندَ قولِهم: \"السَّامُ\"؛ وذلك لِمَا في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: (إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ اليَهُودُ، فَإِنَّمَا يَقُولُ أَحَدُهُمُ: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْ: وَعَلَيْكَ) (١)، ولو حُمِلَ الحديثُ على ظاهِرِه، لكان خاصًّا باليهودِ دونَ النَّصارى؛ ولكنَّه عامٌّ في كلِّ كافرٍ، وخاصٌّ فيمَن قال: \"السَّامُ\" وشِبْهَهَا مِن تلبيسِ التحيَّةِ بلفظِ سَوْءٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-666>حكمُ ردِّ التحيَّةِ على الكافِرِ:</span>\nوقال عامَّةُ الفقهاءِ: بِرَدِّ التحيَّةِ على الكافِرِ، وأوجَبَهُ الجمهورُ ونصَّ بعضُهم كمالكٍ: على عدمِ الوجوبِ، ولا يأثَمُ تاركُها.\nولا يدخُلُ الكافرُ في وجوبِ التحيَّةِ بمِثلِ التحيَّةِ أو أحسَنَ منها؛ فهذا خاصٌّ بأهلِ الإيمانِ؛ كما قاله عطاءٌ وقتادةُ والحسنُ (٢).\nوحَمَلَ بعضُ السلفِ كقتادةَ قولَهُ تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ على المُسلِمِينَ، وقولَه: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾؛ يعني: على أهلِ الكتابِ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-667>يُجزِئُ سلامُ البعضِ عن الكلِّ:</span>\nوإذا دخَلَ جماعةٌ إلى مكانٍ يُجزِئُ سلامُ بعضِهم؛ لأنَّهم أخَذُوا حُكْمًا واحدًا؛ فيَسْقُطُ التكليفُ بسلامِ رؤوسِهم أو أولِهم؛ لأنَّ الجماعةَ تَبَعٌ لأميرِهم أو رأسِهم أو أولِهم، ولأنَّ المقصودَ مِن السلامِ الأمانُ\n_________\n(١) أخرجه البخارى (٦٢٥٧) (٨/ ٥٧)، ومسلم (٢١٦٤) (٤/ ١٧٠٦).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٢٧٥)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٨١٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٢١).\n(٣) المرجع السابق.","vol":"2","page":922},{"text":"والإيناسُ، ويتحقَّقُ ببعضِهم، ولأنَّهم لو سلَّمُوا جميعًا لم يَحصُلِ المقصودُ الذي يُعلِّلُ به مَن يقولُ بوجوبِ التحيَّةِ على كلِّ واحدٍ منهم، وهو الإشعارُ بالأمانِ والمودَّةِ والإيناسِ؛ فلو دخَلَ عشَرةٌ مجلسًا في وقتٍ واحدٍ، وسلَّمُوا كلُّهم، لم يَعرِفْ أهلُ المجلسِ مَن سلَّمَ منهم ممَّن لم يُسلِّمْ لِتداخُلِ أصواتِهم بعضِها ببعضٍ.\nولا خلافَ أنَّه يُستحَبُّ لكلِّ فردٍ مِن الجماعةِ الداخِلِينَ أنْ يُسَلِّمَ عندَ دخولِه ولو سَلَّمَ غيرُه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-668>يُجْزِئُ ردُّ التحيَّةِ من البعضِ عن الكلِّ:</span>\nوردُّ التحيَّةِ واجبٌ بلا خلافٍ كما تقدَّمَ، وإنْ كانوا جماعةً، أسقَطَ البعضُ المُشعِرُ بالأمانِ والإيناسِ الوجوبَ عن الباقِينَ، فلو كانوا حماعةً وسَلَّمَ عليهم جماعةً فردٌ واحدٌ مِن الجماعةِ فقطْ، لم يكنْ مُشعِرًا بالأمانِ ولا الإيناسِ؛ بل يُشعِرُ بالوَحْشةِ والنفورِ، إلَّا إنْ كان له سُلْطانٌ على المكانِ كصاحِبِ الدارِ أو أميرِ القوم، وفي غيرِ ذلك يأثَمُ مَن لم يُسلِّمْ، ولكنْ لو رَدَّ منهم مَن يَظهَرُ به النيابةُ عن الجماعة، أجزَأَ، وبذلُ التحيةِ\nمِن الواحدِ مِن الجماعةِ الداخِلينَ أيسَرُ مِن ردِّ الواحدِ مِن الجماعةِ المدخولِ عليهم؛ لأنَّ العادةَ أنَّ أهلَ المجلِسِ الواحدِ أمرُهُمْ واحدٌ، وقد ينوبُ عنهم قلةٌ منهم، بخلافِ الداخِلِينَ؛ فليس مِن العادةِ أنَّ أَمْرَهم واحدٌ؛ فربَّما توافَقُوا في الدخولِ ولا يَعرِفُ بعضُهم بعضًا، إلَّا وفودَ القبائلِ والتجارةِ والعملِ ونحوَ ذلك.\nوذهَبَ بعضُ الفُقهاءِ: إلى أنَّ ردَّ التحيَّةِ واجبٌ على الأعيانِ؛ وهو قولُ أبي يوسُفَ صاحِبِ أبي حنيفةَ.\nوالجمهورُ على خلافِ قولِه وظاهرُ حالِ السلفِ وما جَرَتْ عليه عادةُ الناسِ.","vol":"2","page":923},{"text":"والتفصيلُ في إسقاطِ الإثمِ عن الجماعةِ بِرَدِّ بعضِهم للتحيَّةِ كالتفصيلِ في حُكْمِ ابتداءِ التحيَّةِ؛ لأنَّه يَرجعُ إلى تحقُّقِ المقصودِ مِن الأمانِ والإيناسِ.\nوقد أخرَجَ أبو داودَ والبَزَّارُ؛ مِن حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ مرفوعًا: (يُجْزِئُ عَنِ الْجَمَاعَةِ إِذَا مَرُّوا أنْ يُسَلِّمَ أحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عَنِ الْجُلُوسِ أنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ) (١)، وقد تفرَّدَ به سعيدُ بنُ خالدٍ الخُزَاعِيُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ الْفَضْلِ، عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ أبي رافعٍ، عن عليّ، به.\nوبتفرُّدِه أعَلَّهُ الدارقطنيُّ (٢).\nضَعَّفَهُ أبو رُزْعَةَ وأبو حاتمٍ (٣)، وقال البخاريُّ: \"فيه نظرٌ\" (٤).\nوأَمْثَلُ شيءٍ في هذا: ما رواهُ مالكٌ في \"الموطَّأِ\"، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (إِذَا سَلَّمَ مِنَ الْقَوْمِ وَاحِدٌ، أَجْزَأَ عَنْهُمْ) (٥).\nوهو مُرسَلٌ صحيحٌ عن زيدٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-669>أَوْلَى الناسِ ببذلِ السلامِ:</span>\nوالأحَقُّ ببذلِ السلامِ: الداخلُ بالنسبةِ للجالِسِينَ، والماشي بالنسبةِ للقاعدِ والقائم، وكذا الراكِضُ والراكِبُ بالنسبةِ للماشي وما دونَهُ، وإنِ اسْتَوَوُا، اشترَكُوا في الحقِّ، وأفضَلُهُمُ الذي يبدَأُ بالسلام، وفي \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال - ﷺ -: (يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي، وَالمَاشِي عَلَى الْقَاعِد، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ (٦).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٥٢١٠) (٤/ ٣٥٣)، والبزار في مسنده\" (٥٣٤) (٢/ ١٦٧)\n(٢) \"علل الدارقطني\" (٤/ ٢٢).\n(٣) \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (٤/ ١٦) (رقم ٦٣).\n(٤) \"التاريخ الكبير\" للبخاري (٣/ ٤٦٩) (رقم ١٥٥٩)\n(٥) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (١) (٢/ ٩٥٩).\n(٦) أخرجه البخاري (٦٢٣٢) (٨/ ٥٢)، وسلم (٢١٦٠) (٤/ ١٧٠٣).","vol":"2","page":924},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-670>السلامُ على المرأةِ:</span>\nويُسلِّمُ على النِّساءِ والمرأةِ الواحدةِ عندَ انتِفاءِ التُّهَمَةِ والشُّبْهةِ والفِتْنةِ، وكَرِهَ بعضُ الفُقَهاءِ السلامَ على الشابَّةِ؛ وهذا قولٌ لبعضِ السلفِ؛ كقتادةَ وعطاءٍ ومالكٍ، ومذهبُ الشافعيِّ.\nويُستثنَى مِن ذلك المَحَارِمِ في بذلِ التحيَّةِ وردِّها؛ فهي باقيةٌ على الأصلِ، وغيرُ المَحَارِمِ يتعلَّقُ الحُكْمُ فيهم بأمنِ الفتنةِ شابَّةً أو غيرَ شابَّةٍ، بحسَبِ الحالِ والزمانِ والمكانِ.\nويُسقِطُ وجوبَ ردِّ كلِّ تحيَّةٍ التحيَّةُ بالسلامِ؛ لأنَّه أفضَلُ مِن كلِّ تحيَّةٍ على ما تقدَّمَ، وما دونَ السلامِ كالترحيبِ ونحوِهِ لا يُسقِطُ التكليفَ بِرَدِّ السلام، ويُجزِئُ منه قولُ: \"وعليكم السلامُ\"؛ وذلك لقولِه تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، ويُجزِئُ ردُّ السلامِ بقولِهِ: \"وعليك ورحمةُ اللهِ\"؛ وبهذا رَدَّ النبيُّ على أبي ذَرٍّ؛ كما في \"صحيحِ مسلمٍ\" (١).\nوحَمَلَ بعضُ السلفِ قولَهُ تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ على ردِّ كلِّ معروفٍ قوليٍّ أو عمليٍّ، وجعَلَهُ في حُكْمِ المكافأةِ على المعروفِ؛ كما في حديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: (مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا، فَكَافِئُوهُ) (٢)، وهذا التأويلُ قال به ابنُ عُيَيْنَةَ؛ كما رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ: قال سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ في قولِه: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾: \"تَرَوْنَ هذا في السلامِ وحدَهُ؟ هذا في كلِّ شيءٍ؛ مَن أحسَنَ إليك، فأحسِنْ إليه وكافِئْهُ، فإنْ لم تَجِدْ، فادعُ له وأَثْنِ عليه عندَ إخوانِه\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-671>الحكمةُ مِن مشروعيَّةِ التحيَّة:</span>\nوقد شرَعَ اللهُ التحيَّةَ لجملةٍ مِن الحِكَمِ والغاياتِ، ومنها: الأمانُ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٤٧٣) (٤/ ١٩١٩).\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٢١).","vol":"2","page":925},{"text":"والمودَّةُ والمحبةُ، ومنها: التواضعُ وكسرُ الكِبْرِ مِن النفوسِ، فيُسَلِّمُ الكبيرُ والغنيُّ والسُّلْطانُ الداخلُ على مَن دونَهم في حالِ استحقاقِهِ للسلامِ عليه، وفي الآيةِ بعدَها إشارةٌ إلى استواءِ الخَلْقِ عندَ اللهِ في الجَمْعِ الأكبرِ؛ فيجبُ أنْ يكُونوا في الحقوقِ كذلك، فقال بعدَ بيانِ حُكْمِ السلامِ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ٨٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-672>تنكيرُ السلامِ وتعريفُهُ:</span>\nوبَذْلُ السلامِ يصحُّ بالتنكيرِ: (سلامٌ عليكم)، وبالتعريفِ: (السلامُ عليكم)، وأمَّا ردُّه، فلا يكون إلا بالتعريفِ: \"وعليكم (السلامُ) ورحمةُ اللهِ وبركاتُه\"، وكلُّ ذلك - التنكيرَ والتعريفَ - جاء في الوحي، واختُلِفَ في التفضيلِ بينَ تعريفِ السلامِ وتنكيرِه:\nوظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ وروايةٌ عن أحمدَ التعريفُ.\nورُوِيَ عن أحمدَ: التخييرُ.\nوفَرَّقَ بعضُ العلماءِ بينَ السلامِ على الحيّ، والسلام على الميِّتِ؛ فيُعرَّفُ السلامُ ويُنكَّرُ على الحيِّ، وأمَّا على الميِّت، فيُنكَّرُ؛ وهو قولٌ لأحمدَ.\nوأكثَرُ الأحاديثِ في السُّنَّةِ على تعريفِ السلامِ للحيِّ، وجاء في بعضِها تنكيرُه، والتعريفُ أشهَرُ وأكثَرُ في قولِ النبيِّ - ﷺ - وكذلك أصحابُهُ، وكلُّ ذلك واردٌ في القرآن، ومنه قولُهُ تعالى في تسليمِ عيسى على نفسِهِ: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣]، وقولُه تعالى في تسليمِهِ على يحيى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٥].\nويُستحَبُّ السلامُ عندَ المُفارَقةِ، وفي الحديثِ: (إِذَا انْتَهَى أحَدُكُمْ إِلَى المَجْلِس، فَلْيُسَلِّمْ، فَإِذَا أرَادَ أنْ يَقُومَ، فَلْيُسَلِّمْ؛ فَلَيْسَتِ الْأُولَى بِأَحَقَّ","vol":"2","page":926},{"text":"مِنَ الْآخِرَةِ)؛ أخرَجَهُ أحمدُ وأهلُ السُّنَنِ (١).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٨٨].\nوَرَدَ في نزولِ هذه الآيةِ أخبارٌ متبايِنةٌ، وأصَحُّها ما جاء في \"المْسنَدِ\"، و\"الصحيحَينِ\"؛ مِن حديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - خرَجَ إلى أُحُدٍ، فرَجَعَ ناسٌ خرَجُوا معه، فكان أصحابُ رسولِ اللهِ - ﷺ - فيهم فِرقتَيْنِ: فِرْقةٌ تقولُ: نَقْتُلُهُمْ، وفِرْقةٌ تقولُ: لا؛ هم المؤمِنون، فأنزَلَ اللهُ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾، فقال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (إنَّهَا طَيْبَةُ، وَإِنَّهَا تَنْفِي الْخَبَثَ، كمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ) (٢).\nوصحَّ عن مُجاهِدٍ: \"أنَّهم قومٌ خرَجُوا مِن مكةَ حتى جاؤوا المدينةَ يَزْعُمُونَ أنَّهم مُهاجِرونَ، ثمَّ ارتَدُّوا بعدَ ذلك، فاستأذَنُوا النبيَّ - ﷺ - إلى مكةَ ليَأْتُوا ببضائعَ يَتَّجِرونَ فيها، فاختَلَفَ فيهم المؤمِنونَ؛ فقائِلٌ يقولُ: منافِقون، وقائلٌ يقولُ: هم مؤمِنون، فبيَّنَ اللهُ نِفاقَهم، فأمَرَ بقَتْلِهم، فجاؤوا ببضائِعَ يُرِيدُونَ هِلَالَ بنَ عُوَيْمِرِ الأَسْلَمِيَّ، وبينَه وبينَ محمدٍ حلفٌ، فدفَعَ عنهم بأنَّهم يَؤُمُّونَ هلالًا وبينَه وبينَ محمدٍ عهدٌ\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٧١٤٢) (٢/ ٢٣٠)، وأبو داود (٥٢٠٨) (٤/ ٣٥٣)، والترمذي (٢٧٠٦) (٥/ ٦٢)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١٠١٢٩) (٩/ ١٤٤).\n(٢) أخرجه أحمد (٢١٥٩٩) (٥/ ١٨٤)، والبخاري (١٨٨٤) (٣/ ٢٢)، ومسلم (٢٧٧٦) (٣/ ٢١٤٢).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٢٨٢)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٨٢٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٢٤).","vol":"2","page":927},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-673>اختلافُ المؤمِنِينَ بسبب المنافِقِين:</span>\nوفي هذه الآيةِ: اختلافُ المؤمِنِينَ في حالِ المنافِقِينَ، والنبيُّ - ﷺ - بينَ أَظْهُرِهم، وفيها: أنَّ الخلافَ في أمرِ المنافِقينَ قد يَشُقُّ صَفَّ المؤمِنِينَ إنْ لم يُرحَمُوا بالوحيِ المنزَّلِ أو بعالِمٍ به وبهَدْيِ النبيِّ - ﷺ - وسياستِهِ في تعامُلِه معهم، ودافِعُهُمْ في ذلك الصِّدْقُ والحَمِيَّةُ للحقِّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-674>الانشغالُ بالعدوِّ الأقوى والأخطَرِ:</span>\nوتتضمَّنُ الآيةُ الانشغالَ بالعدوِّ الأَقْوَى، وهم المُشرِكونَ، عن العدوِّ الأضعف، وهم المُنافِقون، فلو انشغل الصحابة بالمُنافِقينَ وقاتَلُوهُم وهم في مواجهةِ عدوِّهم قريشٍ، لكان ذلك ضَعْفًا فيهم وتقويةً لعدوِّهم عليهم؛ فإنَّ مِن سياسةِ النبيِّ - ﷺ - في المنافِقينَ: الترهيبَ مِن أفعالِهم، وتأليفَ أعيانِهم مع عِلْمِهِ مِن الوحيِ بكفرِهِمْ بالباطنِ؛ ولكنَّه مأمورٌ بالأخذِ بالظاهر، وقد يكونُ في صفِّ الَمُسلِمِينَ مِن الصادِقينَ مَن تدفَعُهُ الحميَّةُ لو أُخِذَ برأيِه، لَضَعُفَ المُسلِمونَ وكُسِرَتْ شوكتُهم؛ وهذا يكونُ غالبًا مِن بعضِ النفوسِ الصادقةِ المطبوعةِ على الشجاعةِ؛ فتَظُنُّ أنَّ الحقَّ دومًا في الإقدام، كما أنَّ بعضَ النفوسِ المطبوعةِ على الجُبْنِ تميلُ إلى الأمانِ والسَّلْمِ دومًا؛ فتَستحضِرُ هذه النفوسُ مِن حيثُ لا تَشعُرُ ما يَعضُدُها مِن نصوصِ الوحي، وتَغْفُلُ عمَّا يُخالِفُ طَبْعَها، والمؤمنُ الصادقُ مَن يُجاهِدُ نفسَهُ كما يُجاهِدُ عدوَّه، وقد كانتْ طبائعُ الصحابةِ مُتبايِنةً كطبائعِ سائرِ البشرِ لا يجتمعونَ على طبعٍ واحدٍ؛ ولكنَّهم كانوا أصدَقَ الناسِ؛ يَقِفُونَ عندَ الأدلَّة، وَيزِنُونَ الحالَ والمآلَ، ويُرجِّحونَ الدليلَ وصالحَ الأمَّةِ على ما يَهْوَوْنَ - ﵃ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-675>نعمةُ الشدائدِ على الأُمَّةِ:</span>\nوالأمَّةُ في الشدائدِ تتطهَّرُ مِن خَبَثِها؛ لِيَبْقَى صَفْوُها، ويزولَ كَدَرُها،","vol":"2","page":928},{"text":"فلو خرَجَ المنافقونَ مع النبيِّ إلى القتال، لَأَوْقَعُوا في صفِّه الفتنةَ، وفرَّقُوا جَمْعَهُ، وتَوَلَّوْا عندَ اللقاء، والفتنةُ حينئذٍ أشَدُّ، وإذا خرَجَ المنافقونَ مِن خيرِ الصفوفِ، وهم الصحابةُ، وتحتَ أعظَمِ أميرِ جيشٍ، وهو النبيُّ - ﷺ -، فغيرُهُمْ مِن بابِ أَوْلى، وقد تفاءَلَ النبيُّ بخروجِ المنافِقِينَ، ورآهُ نَفيَ خَبَثٍ مِن الصَّفِّ لا إضعافًا له؛ فإنَّ المنافِقِينَ يَوَدُّونَ لو انشغَلَ بهم المؤمنونَ وعظَّمُوا أَمْرَهم ومنزلتَهُمْ وشَوْكَتَهم؛ فإنَّ في ذلك التعظيمِ كسرًا لنفوسِ أوساطِ المؤمنينَ وإضعافًا لهم.\nوقولُهُ تعالى: ﴿أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾؛ يعني: رَدَّهم إلى ما هم فيه بسببِ ذنوبِهِمْ، وخاصَّةً سوءَ نيَّاتِهم؛ فالذنوبُ تَحرِمُ العبدَ التوفيقَ للعملِ الصالح، وأعظَمُ الذنوبِ الذنوبُ الباطِنةُ، سواءٌ كان مِن النيَّاتِ السيِّئة، أو ما يفعلُهُ العبدُ مِن ذنوبِ الخَلَوَاتِ خلافَ ما يُبْدِيهِ مِن طاعةٍ في العلانيَةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-676>خطَرُ المنافِقِ والمرتدِّ:</span>\nوفي قولِهِ تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ إشارةٌ إلى خطرِ النِّفاقِ، وأنَّ المُرْتَدَّ إلى الضلالةِ بعدَ الهُدَى، والمُنتكِسَ عن الحقِّ بعدَ معرِفَتِه: قلَّما يَرجِعُ إليه؛ وذلك أنَّ اللهَ ذكَرَ إضلالَهُ له، وكأنَّه قطَعَ الرجاءَ في هدايتِه؛ وذلك لأسبابٍ:\nأعظمُهَا: أنَّ الإيمانَ له حلاوةٌ، ومَن ذاقَها ما ترَكَها، ومَن دخَلَ الإسلامَ وحامَ في أطرافِهِ ولم يأخُذْهُ اليقينُ وحلاوتُهُ، جذَبَتْهُ الشُّبُهاتُ وأمواجُ الفِتَنِ، لأنَّه خفيفُ المَحمَلِ خالٍ مِن اليقين، فإذا خرَجَ مِن الحقِّ إلى غيرِه، لم يَرجِعْ إليه غالبًا؛ لأنَّه يظُنُّ أنَّ رجوعَهُ إليه رجوعٌ إلى ما عاشَهُ مِن قبلُ مِن شكٍّ وتردُّدٍ وضعفٍ، ويُفسِّرُ الإيمانَ على ما عاشَهُ مِن قبلُ هو، لا على الإسلامِ في حقيقتِه.","vol":"2","page":929},{"text":"ومِن ذلك: أنَّ النفوسَ جُبِلَتْ على حبِّ الثباتِ وعدمِ التردُّدِ؛ حتى لا تُوصَفَ بالضعفِ والتبعيَّة، والنفوسُ المُتكبِّرةُ لا تُفرِّقُ بينَ التحوُّلِ مِن الحقِّ إلى الباطلِ، وبينَ التحوُّلِ مِن الباطلِ إلى الحقِّ؛ فتَثْبُتُ على الباطلِ كِبْرًا، بل ربَّما تَثْبُتُ بعضُ النفوسِ المُتكبِّرةِ على الحقِّ لا لأنَّه الحقُّ؛ بل لِذَاتِ الثباتِ؛ فلا تُحِبُّ أنْ تُوصَفَ بالتحوُّلِ والانتكاسةِ، فتَصبِرُ وتتجلَّدُ وتنصُرُ الدِّينَ في الدُّنيا، وتُكَبُّ في النارِ في الآخِرةِ؛ فالطبائعُ لها أثرٌ في الثباتِ كأثرِ الإيمانِ فيه؛ فالنفوسُ المتكبِّرةُ يُهِمُّها الثباتُ ولو على باطلٍ، والنفوسُ المؤمِنةُ يُهِمُّها الحقُّ ولو تحوَّلَتْ، ومتى كان الإيمانُ أَقْوَى مِن الطبائع، تَحَكَّمَ فيها، ومتى كانتِ الطبائعُ أَقوى مِن الإيمان، تَحَكَّمَتْ فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-677>الكبرُ وأثرُهُ على الانقيادِ:</span>\nوالمُتكبِّرونَ إنْ خرَجُوا مِن الحقِّ، مَنَعَتْهُمْ نفوسُهُمْ مِن الرجوعِ إليه بدَعْوَى الثبات، وبعضُ النفوسِ تَقْوَى على التحوُّلِ مرةً، ولكنَّها تستثقِلُ التحوَّلَ مرتَيْنِ، ومنها ما هي ضعيفةٌ تَقْبَلُ التحوُّلَ مَرَّاتٍ.\nولكنَّ خوفَ اللهِ وقوَّةَ الإيمانِ يَضعُفُ معه حبُّ النفسِ للثَّبَاتِ ولو تحوَّلتْ مَرَّاتٍ حتى تَصِلَ إلى الحقِّ، وقد يتحوَّلُ الإنسانُ مرَّاتٍ باحثًا عن الحقِّ لِقوَّةِ صِدْقِه؛ كمَن يتحوَّلُ مِن الإلحادِ إلى الوثنيَّة، ومِن الوثنيَّةِ إلى النصرانيَّةِ، ومِن النصرانيَّةِ إلى الإسلام، وتحوُّلُهُ هذا مِن شرٍّ إلى أخَفَّ منه حتى يصلَ إلى الإسلامِ بخيرِهِ التامِّ الخالي مِن كلِّ شرٍّ، وأكثَرُ الذين يَثْبُتُونَ على الباطلِ دفَعَهُمْ كِبْرُ النفوسِ للتمسُّكِ بمبدأِ الثبات، وهكذا كان فِرْعَوْنُ وقومُهُ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وكفارُ قريشٍ: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، وكذا حالُ أبي طالبٍ؛ يَعلَمُ صِدْقَ محمدٍ ولكنَّ نفسَهُ غلَبَتْهُ","vol":"2","page":930},{"text":"تمسُّكًا بمبدأِ النفسِ المُتكبِّرةِ: حُبِّ الثباتِ وعدمِ التحوُّل، فقال للنبيِّ - ﷺ -: \"لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ؛ يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ، لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ\" (١)، فمات وهو يقولُ: \"هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ\" (٢).\nوالكافرُ الأصليُّ الناشئُ على كفرِهِ أهوَنُ في دخولِهِ للإسلامِ ممَّن كان كافرًا ثمَّ أسلَمَ ثمَّ كفَرَ، وكلَّما زاد تحوُّلُهُ، ضعُفَ رجاءُ عَوْدَتِه، ولو عاد، لم يَرجعْ كسابِقِ أمرِه؛ ولهذا لا يُشرَعُ توليةُ المُرتَدِّ بعدَ إسلامِهِ ثمَّ تاب بعدَ ذلك، ولا توليةُ المُنتكِسِ عن الحقِّ البيِّنِ المُتحوِّلِ مِن السُّنَّةِ إلى البدعة، ومِن البدعةِ رجَعَ إلى السُّنَّة، مع قَبُولِ الحقِّ منه، وله ما للمُسلِمنَ وعليه ما عليهم، ولا يُنفَّرُ مِن الحقِّ، ولا يُعيَّرُ بكُفْرِهِ السابقِ أو بدعتِه؛ بل يُتألَّفُ قَلْبُه، لكنْ لا يُصدَّرُ ولا يُوَلَّى ولايةً؛ حتى لا يكونَ رأسًا يَتْبَعُهُ الناسُ فيَرجِعَ إلى ضلالِهِ مرةً أُخرى فيَتأثَّرَ به الناسُ وَيشْمَتَ بالأُمَّةِ أعداؤُها.\nومَن سَبَرَ حالَ النبيَّ - ﷺ - وخلفائِه، وجَدَ أنَّهم لا يُوَلُّونَ أحدًا له سابقةٌ في رِدَّةٍ، أو تحوَّلَ مِن السُّنَّةِ إلى البدعةِ ثمَّ رجَعَ؛ لأنَّه لا يُؤمَنُ مِن رجوعِهِ إلى مِثْلِها وكثرةِ تحوُّلِه.\nومِثلُ الوِلَاياتِ: الشدائدُ؛ ولذلك لمَّا استنفَرَ النبيُّ - ﷺ - أصحابَهُ للجهاد، خالَفَهُ بعضُ المُنافِقِينَ، فقعَدُوا، فخرَجَ النبيُّ بالصادِقِينَ معه، فقال اللهُ: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ [التوبة: ٨٣]، فمَنَعَهُم النبيُّ - ﷺ - مِن الخروجِ معه مرةً أُخرى؛\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٥) (١/ ٥٥).\n(٢) أخرجه البخاري (١٣٦٠) (٢/ ٩٥)، ومسلم (٢٤) (١/ ٥٤)، وإنَّما قال أبو طالب: \"أنا\"، وغيَّرها الراوي إلى: \"هو على ملَّةِ عبد المُطَّلبِ\"؛ كراهةٌ لِلَّفْظِ القبيح، ذكره النوويُّ وغيره.","vol":"2","page":931},{"text":"لأنَّهم خالَفُوهُ وقعَدُوا قبلَ ذلك، فلا يُؤمَنُ أنْ يُخالِفُوهُ وَيقْعُدُوا، أو يَرجِعُوا مِن نِصْفِ الطريقِ، أو يَتَوَلَّوْا يومَ الزَّحْفِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٨٩ - ٩١].\nلمَّا أمَرَ اللهُ بقتالِ المُشرِكِينَ، ومَن أظهَرَ الإسلامَ ثمَّ لَحِقَ بالمشرِكِينَ بمكةَ تاركًا للنبيِّ - ﷺ -، وبَقِيَ في سَوَادِهم، أمَرَ بتحريمِ اتِّخاذِهِمْ أولياءَ: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ما دامُوا مُكَثِّرِينَ لِسَوَادِ المشرِكِينَ وفي وَسَطِهم ولم يَنعزِلُوا عنهم، ولكنَّ اللهَ اسثنَى منهم طائفتَيْنِ:\nالأُولى: طائفةٌ لجأَت إلى قومٍ كافِرِينَ بينَهم وبينَ المؤمِنِينَ عهدٌ، فإنْ لم يُقاتِلوا لا يُقاتَلوا، فيَأخُذُونَ حُكْمَ القومِ الذين اتَّصَلُوا بهم؛ كما في قولِه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.\nالطائفة الثانيةُ: قومٌ كَرِهُوا قتالَ النبيِّ - ﷺ -، وكرِهوا قتالَ قومِهم، فرَغِبُوا في السلامةِ مِن الأمرَيْن، وأَوْلى منهم الذين لَحِقُوا","vol":"2","page":932},{"text":"بالمُسلِمِينَ ورجَعُوا إليهم، ولكنَّهم استثقَلُوا القتالَ مع المُسلِمِينَ؛ لأنَّهم سيُقاتِلونَ قَوْمَهم وقراباتِهم، واستثقَلُوا القتالَ مع المشرِكِينَ، لأنَّهم سيُقاتِلونَ المُسلِمِينَ، ورغِبُوا في تركِ القتالِ والحياد، فهؤلاء يُترَكُونَ، وهم الذين قال اللهُ فيهم: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾.\nوهذه الآيةُ نزلَتْ في هلالِ بنِ عُوَيْمِرٍ الأَسْلَمِيّ، وسُرَاقَةَ بنِ مالكٍ المُدْلِجِيِّ، وخزيمةَ بنِ عامرِ بنِ عبدِ منافٍ؛ قالهُ عِكرمةُ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ رواهُ ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ (١).\nوقال جماعةٌ مِن السلفِ بنسخِ هذه الآية، كما جاء عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: نَسَخَتْها براءةُ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]؛ رواهُ عن عطاءٍ عنه غيرُ واحدٍ؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ (٢).\nوقال بالنسخِ جماعةٌ كقتادةَ وعِكْرِمةَ والحسنِ وابنِ زيدٍ، وأنَّها نُسِخَتْ بآياتِ القتالِ في براءةَ.\nوقولُهُ تعالى: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾؛ يعني: كَرِهَتْ قتالَ قومِهم وضاقتْ به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-678>رحمةُ اللهِ بعدمِ اجتماعِ الكفَّار على المسلمين:</span>\nوفي قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ إشارةٌ إلى نعمةِ اللهِ وفضلِهِ على المُسلِمِينَ في عدمِ اجتماعِ الكفارِ على المُسلِمِينَ، وإنَّما كَفَى الأمَّةَ شرَّهم بتفرُّقِ أهوائِهم؛ فطائفةٌ تُقاتِلُ، وطائفةٌ تُسالِمُ، وطائفةٌ تُسلِّمُ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٢٩٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٢٧).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ١٠٢٧).","vol":"2","page":933},{"text":"وتُحايدُ في القتال، وفيه: أنَّ مِن الحِكْمةِ والسياسةِ عدمَ اسْتِعْدَاءِ أُمَمِ الكُفْرِ، الذين لو اجتمَعُوا، لَمَا كان للمُسلِمِينَ قدرةٌ عليهم، فاللهُ جعَلَ كَفَّهُ لبعضِهم مِنَّةً وفضلًا منه؛ حتى يتفرَّغَ المُسلِمونَ لآخَرِينَ فيَأخُذُوا كلَّ فئةٍ وأمَّةٍ كفريَّةٍ وحدَها، ولا تنتصِرُ لها أختُها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-679>المسلمُ بين المحارِبِينَ:</span>\nومَن كان مع الكافِرِينَ المُحارِبِينَ، وأُمِرَ بالخروجِ منهم فلم يَخرُجْ وهو قادرٌ، أخَذَ حُكْمَهم، وقد كاد أقوامٌ مِن أهلِ مكةَ يَأْتُونَ إلى النبيِّ - ﷺ - يُسلِمُونَ ليَأْمَنُوهُ وَيأْبَوْنَ الهجرةَ فيَرجِعُونَ إلى مكةَ، وهم المقصودونَ بعدَ ذلك بقولِه: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾، وقد صحَّ عن مُجاهدٍ؛ قال: \"هم ناسٌ مِن أهلِ مكةَ يَأْتُونَ النَّبيَّ - ﷺ -، فيُسلِمونَ رِياءً، ثمَّ يَرجِعُونَ إلى قريشٍ، فيَرْتَكِسُونَ فِي الأوثانِ؛ يَبتَغونَ بذَلِكَ أنْ يأمَنُوا هاهنا وهاهنا، فأَمَرَ بقتالِهم\" (١).\nوقد تقدَّمَ في سورةِ البقرةِ الكلامُ على مُسالَمةِ المُشرِكينَ ومُصالحتِهِمْ عندَ قولِهِ: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، وبيَّنَّا أنَّ المرادَ بالسِّلْمِ: الإسلامُ، وحمَلَهُ بعضُ المتأخِّرينَ على المُسالَمةِ والمصالَحة، وبيَّنَّا هذا القولَ وفصَّلْنا في حُكمِ المُهادَنةِ والمُوادَعةِ تَبَعًا.\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٣٠١)، و\"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٨٢٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٢٩).","vol":"2","page":934},{"text":"قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢].\nفي الآيةِ: تعظيمُ الدَّمِ الحَرَامِ، وقد بَيَّنَ الله خَطَرَهُ بأنَّه لا يقَعُ مِن مؤمنٍ باللهِ حقَّ الإيمانِ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾؛ أيْ: لا يكونُ له، ولا يَنبغِي وقوعُهُ منه؛ وهذا كقولِهِ تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٩]، وقولِهِ: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وقولِهِ: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، وقولِهِ: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [النور: ١٦]؛ يَعني: ما ينبغي، والمرادُ بذلكَ: تعظيمُ الأمر، وهو نهيٌ في صورةِ نفيٍ؛ فإنَّه لا أعظَمَ مِن القتلِ إلَّا الكُفْرُ، ولو سُبِقَ الكفرُ بذَنْبٍ، لسبَقَهُ القتلُ.\nوقد اختُلِفَ في سببِ نزولِ هذه الآيةِ؛ فقد روى ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ؛ أنَّها نزلَتْ في عيَّاشِ بنِ أبي ربيعةَ أَخِي أبي جَهْلٍ لأُمِّه، وهي أسماءُ بنتُ مَخْرَمَةَ، وذلك أنَّه قتَلَ رجُلًا كان يُعذِّبُهُ معَ أخيهِ على الإسلام، وهو الحارثُ بن يَزِيدَ الغامديُّ، فأضمَرَ له عَيَّاشٌ السُّوءَ، فأسلَمَ ذلك الرجُلُ وهاجَرَ، وعيَّاشٌ لا يَشعُرُ، فلمَّا كان يومُ الفتح، رآهُ فظَنَّ أنَّه على دِينِه، فحمَلَ عليه فقتَلَهُ؛ فأنزَلَ اللهُ هذه الآيةَ (١).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٣٠٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٣١).","vol":"2","page":935},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-680>عصمةُ دمِ المؤمِنِ:</span>\nوقولُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ فيه دليلٌ على أنَّ الأصلَ في دمِ المؤمنِ: التحريمُ، ولا يَحِلُّ إلَّا بشروطِه، وأنَّ الأصلَ في دمِ الكافرِ: الحِلُّ، ولا يحرُمُ إلَّا بشروطِه، ولو تَساوَى الأصلانِ في التحريم، ما كان لِتَخصيصِ المؤمنِ بالذِّكْرِ هنا معنَى إلَّا عندَ اختلافِ الأثَر، والأثرُ واحدٌ، وهو الدِّيَةُ وعِتْقُ الرقبة، وإنِ اختُلِفَ في مقدارِ الدِّيةِ في المُعاهَدِ؛ فالآيةُ في بيانِ الديةِ لا مِقْدارِها.\nويدُلُّ على هذا ما في \"الصَّحيحَيْنِ\"، عنِ ابنِ مسعودٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ الَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ الله، إِلَّا بِإحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ) (١).\nوفي قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ تكرَّرَ ذِكْرُ الخَطَأِ؛ حيثُ قال في أولِ الآيةِ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾، ثمَّ قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾؛ تأكيدًا على تعظيمِ القتل، وأنَّه لا ينبغي أنْ يقَعَ مِن المؤمِنِ إلَّا خطأً.\nوفي أولِ الآيةِ ذكَرَ الفاعلَ والمفعولَ، ووصَفَهُمَا بالإيمان، فقالَ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾، وبعدَ ذلك ذكَرَ المفعولَ ولم يذكُرِ الفاعلَ، فقال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾، وفي هذا معنى أنَّ القتلَ للمؤمِنِ لا يكونُ عادةً إلَّا مِن كافرٍ لا يُعَظِّمُ اللهَ وحُرُمَاتِه، ثمَّ بيَّنَ حكمَهُ لو وقَعَ مِن المؤمنِ والكافرِ المُعاهَدِ؛ فذكَرَ المقتولَ ووصَفَهُ بالإيمان، وأضمَرَ وَصْفَ الفاعلِ، وفي هذا دليلٌ على أنَّ الكافرَ المُعاهَدَ لو قَتَلَ مؤمِنًا خطأً\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٨٧٨) (٩/ ٥)، ومسلم (١٦٧٦) (٣/ ١٣٠٢).","vol":"2","page":936},{"text":"تُفرَضُ عليه الديةُ كالمؤمِن، فحُكْمُ الديةِ عامٌّ، ولا بُقتَلُ بالخطأِ الذي لا عداوةَ فيه ولا شُبْهةَ في القصدِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-681>كفَّارةُ قتلِ الخطأ:</span>\nثمَّ ذكَرَ اللهُ كفَّارةَ القَتْلِ الخطأِ على نوعَيْنِ:\nالأولُ: حقٌّ للهِ، وهو إعتاقُ رقَبةٍ مؤمِنةٍ، وإنَّما قَدَّمَ الإعتاقَ على الدِّيَةِ، تغليبًا لجانبِ حقِّ اللهِ الذي لا يُسقِطُهُ إلا الحجزُ؛ فالديةُ يُسقِطُها أهلُ القتيل، ولكنْ لا يُسقِطُونَ تحريرَ الرَّقَبة، ولأنَّ حَقَّ اللهِ في القتلِ أظهَرُ وأَقْوَى مِن حقِّ أهلِ القتيل، فصاحِبُ الحقِّ لا يَملِكُ إسقاطَ حقِّه؛ لموتِه، بخلافِ بقيَّةِ الجِرَاحاتِ وظُلْمِ الأموالِ؛ فالحقُّ للإنسانِ فيها.\nوَيَتْبَعُ تحريرَ الرقبةِ بَدَلُها عندَ عدَمِ وجودِها، وهو صيامُ شهرَيْنِ مُتتابعَيْنِ.\nولهذا أوْجَبَ تحريرَ الرفبةِ المؤمِنةِ في كلِّ مقتولٍ خطأً مِن المعصومِينَ؛ مؤمنًا كان أو كافرًا معاهدًا، حتى في قَتلِ مَن لا وارِثَ له، أو مَن لا وارِثَ له إلَّا كافرٌ محارِبٌ، وأمَّا الديةُ، فلم يُوجِبْها اللهُ إلَّا لأهلِ المقتولِ المؤمِنِينَ أو المعاهَدِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-682>الحكمةُ من الدية، والفرقُ بين الذكر والأنثى:</span>\nالثاني: حقٌّ لأهلِ المقتول، لا للمقتولِ نفسِه، وهي الدِّيَةُ.\nوالدِّيةُ جَبْرٌ عن منفعةِ الميِّتِ لأهلِه، حيثُ تسبَّبَ القاتِلُ في فَقْدِه، ولمَّا اختَلَفَتْ منفعةُ الميِّتِ الذَّكَرِ عنِ الميتِ الأُنثى لأهلِهما، كانتْ ديةُ المرأةِ على النِّصْفِ مِن ديةِ الرجُلِ، مع أنَّهما يَتساوَيانِ في النَّفْسِ وقيمتِها عندَ القِصَاصِ، فيُقتَل الرجلُ بالأنثى، والعكسُ، بل لو تواطَأَ عَشَرةُ رجالٍ على قَتْلِ طفلةٍ في مَهْدِها، قُتِلُوا بها؛ فالديةُ ليستْ قِيمَةً للنَّفْسِ؛ وبهدا يُعلَمُ بطلانُ ما يَذكُرُهُ أصحابُ المدارسِ العقلانيةِ مِن ردِّ عدمِ","vol":"2","page":937},{"text":"تماثُلِ ديةِ الأُنثى والذَّكَرِ؛ فهذا لجهلٍ بالإسلامِ؛ فالديةُ عِوَضٌ لأهلِ القتيلِ؛ لأنَّ للرجلِ منفعةً ماليةً مفقودةً بفَقْدِهِ؛ لأنَّ اللهَ فَرَضَ على الرجلِ النففةَ والسُّكْنى والكِسْوةَ لِمَن وَليَهُ مِن النِّساء، سواءٌ كانتْ زوجةً أو أُمًّا، أو بنتًا أو أختًا، ولا يحبُ على واحدةٍ منهنَّ في الإسلامِ التكسُّبُ، بل لو كانتِ المرأةُ غنيَّةً، لا يَحِبْ عليها أنْ تُنفِقَ على زوجِها الفقيرِ القادرِ على التكسُّب، بل لا يجبُ عليها أن تُنفِقَ على نفسِها كذلك، بل يجبُ على وليِّها، ما لم تَطِبْ نفسُها بذلك، ولو كانَتْ قادرةً على العملِ، لم يجبْ عليها التكسُّب عندَ فقرِ زوجِها، ويجبُ على الحاكمِ أن يُنفِقَ على المرأةِ التي لا عائِلَ لها ولو كانَتْ قادِرةً على العملِ إنْ كانَتْ لا تُرِيدُ العملَ راغبةً.\nفاللهُ أسقَطَ عنها جانبًا في الأموالِ، وأسقَطَ مِن أحكامِها ما يُؤثِّرُ في هذا الانتظامِ؛ كالميراثِ؛ فلها نِصْفُ ميراثِ الذَّكَرِ؛ لأنَّ تكاليفَ الذَّكَرِ الماليةَ أعظَمُ، وأسقَطَ نِصْفَ دِيَتِها؛ لأن أثَرَها الماليَّ على أهلِها أضعَفُ، وهذا التبايُن تبايُن في منافعِ الأموالِ، لا تَساوِي النفوسِ؛ فلأولياءِ الجنسَيْنِ طلَبُ القِصَاصِ مِن القاتلِ العَمْدِ، ويُقتَلُ، ولا فَرْقَ بينَهما.\nوإنَّما يُؤتَى بعضُ الجَهَلَةِ بالنَّظَرِ إلى طرَفٍ مِن أحكامِ الإسلامِ التي لا تُفهَمُ إلَّا بفَهْمِ أبوابِها؛ فالديةُ تَتَّصِلُ بأبوابِ الأموالِ ومنظومتِها، ولا تُفهَمُ إلا بفَهْمِها وفهمِ جِهاتِها المتَّصِلةِ بها؛ فهي ليسَت عِوَضًا عنِ النَّفْسِ، ولا تتَّصِلُ بحقِّ المقتولِ، بل بأهلِه، فاللهُ جعَلَ النفوسَ متساويةً في التعظيمِ؛ كما في قولِه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، وفي قولِه:","vol":"2","page":938},{"text":"﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، فعندَ ذِكْرِ النفوسِ ساوَى بينَها، وعندَ ذِكرِ آثارِها فرَّقَ بينَها؛ لاختلافِ آثارِها، والتَّساوي في القِصَاصِ، يتساوَى الذَّكَرُ والأُنثى حتى في قَطْعِ الظُّفُرِ بينهما، فإنِ اعتَدَى أحدُ الجنسَينِ على الآخَرِ بظُفُرٍ، فالقِصاصُ بمثلِهِ سواءً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-683>اشتراطُ الإيمانِ في الرقبةِ:</span>\nوقولُهُ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾؛ المؤمنةُ: مَن صَحَّ إسلامُها؛ رَوى عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: \"يَعني بالمؤمنةِ: مَن عقَلَ الإيمانَ وصامَ وصلَّى\" (١).\nوقال الشعبيُّ ومجاهِدٌ وعطاءٌ وقتادةُ وغيرُهم: \"التي تُصَلِّي\" (٢).\nوظاهرُ الآيةِ؛ عدمُ صحةِ عِتْقِ الكافرة، ومَن لا يصحُّ منها الإيمانُ ولو وُلِدَتْ على الإسلامِ؛ كالرَّقَبةِ الصغيرةِ التي لا تُدرِكُ، ورُوِيَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ والشَّعْبيِّ والحسنِ وقتادةَ: عدمُ صحةِ عتقِ الصغيرِ حتَّى يصحَّ منه قصدُ الإيمانِ.\nوقصدُ الإيمانِ هو معرِفةُ معنى الشهادتَيْنِ ومعنى العبوديَّةِ؛ وذلك لِما صحَّ في \"المسنَدِ\"، مِن حديثِ الزُّهْريِّ، عن عُبَيدِ اللهِ بنِ عبدِ الله، عن رجلٍ مِن الأنصارِ؛ أَنَّهُ جَاءَ بِأَمَةٍ سَوْدَاءَ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، فَإِنْ كُنْتَ تَرَى هَذِهِ مُؤمِنَةً، أَعْتَقْتُهَا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (أَتَشْهَدِينَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟)، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: (أَتَشْهَدِينَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟)، قَالَت: نَعَمْ، قَالَ: (أَتُؤْمنِينَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٣١١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٣٢).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٣١٠ - ٣١١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٣٢).","vol":"2","page":939},{"text":"المَوْتِ؟)، قَالَت: نَعَمْ، قَالَ: (أَعْتِقْهَا) (١).\nوفي \"صحيحِ مسلمٍ\"؛ مِن حديثِ معاويةَ بن الحَكَمِ؛ أنَّه لمَّا جاءَ بتلكَ الجاريةِ السوداءِ، قال لها رسولُ اللهِ - ﷺ -: (أَيْنَ اللهُ؟)، قَالَتْ: فِي السَّمَاء، قَالَ: (مَنْ أَنَا؟)، قَالَت: أَنْتَ رَسُولُ الله، قَالَ: (أَعْتِقْهَا؛ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ) (٢).\nوعُلُوُّ اللهِ فرعٌ عن معرفةِ اللهِ ومعرفةِ حقِّه على العبادِ.\nوفي قولِه: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ الحُكْمَ في العتقِ للحُرِّ لا للعبدِ، فلا يُعتِقُ عبدٌ عبدًا؛ إذْ إنَّ تحربرَ الرَّقَبةِ في كفَّارةِ القتلِ مِن مالِ القاتلِ، والأصلُ: أنَّ العبدَ لا مالَ له، وهو ومالُهُ لسيِّدِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-684>الديةُ ومستحِقُّها:</span>\nوفي قولِه تعالى، ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، وقولِه ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ دليلٌ على ما تقدَّمَ ذِكْرُهُ: أنَّ الدِّيَةَ حقٌّ لأهلِ المقتول، لا حقٌّ للمقتولِ نفسِه؛ فلا يجبُ أن تُوقَفَ له وتُحبَسَ، ولا أن يُتصدَّقَ بها عنه، فإنْ فعَلَ أهلُهُ مِن أنفسِهم، جازَ، إلَّا أنَّهم لم يُؤمَروا بذلك.\nوفي القتلِ الخطأِ لا حَقَّ للمقتولِ على القاتِلِ في الآخِرة، ويكونُ سببُ موتِهِ قدَرًا مَحْضًا بلا اختيارٍ مِن مكلَّفٍ، كمَوْتِهِ بلَدْغةِ الحيَّة، والسُّقوطِ في بئرٍ، أو الابتلاءِ بمرَضٍ مُهلِكٍ، ونحوِ ذلك؛ فإنَّ القاتلَ تَصرَّفَ تصرُّفًا لا اختيارَ له فيه، وهو في حُكْمِ فاقدِ العقلِ؛ كمَن ماتَ ببهيمةٍ، كوَقْصِ النَّاقةِ ولَدْغةِ الحيةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-685>إسقاطُ الديةِ:</span>\nوفي قولِه تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ إشارةٌ إلى عِظَمِ استحقاقِ أهلِ القتيلِ للدِّيَةِ، وأنَّها في حُكْمِ المقبوضَةِ، وحُكْمِ المالِ المأخوذِ منهم؛\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٥٧٤٣) (٣/ ٤٥١).\n(٢) أخرجه مسلم (٥٣٧) (١/ ٣٨١).","vol":"2","page":940},{"text":"حيثُ جعَلَ إسقاطَهم للمالِ كالصَّدقةِ به وهم لم يَقْبِضوه؛ وهذا نظيرُ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، فالمالُ لصاحِبِهِ وأقرَضَهُ غيرَه، وكأنَّ الديةَ مِثلُه؛ لاستحقاقِ أهلِ القتيلِ لها؛ كأنَّما قبَضوها وأعطَوْها غيرَهم صدقةً منهم.\nوالمالُ على المُعسِرِ إلَّا إنْ أسقَطَهُ صاحبُهُ عنه، فهو في حُكْمِ الصَّدقةِ عليه، وإنْ كان إسقاطُه بسبَبِ اليأسِ منه وعدَمِ رجاءِ عودتِه، فذلك دونَ البَداءةِ ببَذلِهِ وإخراجِه من مالِهِ صدقةً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-686>التفاضُلُ بين إسقاطِ الديةِ وأخذِها:</span>\nوفي قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ تشوُّفٌ إلى العفوِ باستعمالِ لفظِ التصدُّقِ، بدلَ العفوِ والتَّرْكِ وشِبْهِه، وفضلُ الصدقةِ بالديةِ على القاتلِ وعاقلتِهِ على حالَيْنِ:\nالأُولى: أنَّ العفوَ والصدقةَ بها أَوْلى مِن قَبْضِها؛ وذلك إذا كان القاتلُ لا قرينةَ في تعمُّدِهِ القتلَ، وكان مُعسِرًا ولا عاقلةَ له تُعِينُهُ، وكان أهلُ المقتولِ أهلَ قُدْرةٍ ويَسَارٍ.\nالثانيةُ: أنَّ أخذَها أوْلى؛ وذلك لِمَن ظهَرَ منه تعمُّدُ القتلِ وقامَتْ قرينةُ العداوةِ، وضَعْفِ الدِّيَانة، وسوءِ القصدِ؛ فأخذُها تأديبٌ له ولأمثالِه.\nوأخذُ الديةِ في الحالَينِ حقٌّ لأهلِ المقتول، لا يُلامون بذلك ولا يُعاتَبونَ عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-687>مقدارُ ديةِ القتلِ:</span>\nوقولُه: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، ديةُ القتلِ مِئةٌ مِنَ الإبلِ؛ وبهذا قَضَى النبيُّ - ﷺ - وخُلَفاؤُه الرَّاشِدونَ، وهي واجبةٌ مِن الإبلِ على أصحابِ الإبلِ، ولا خِلَافَ في ذلك.","vol":"2","page":941},{"text":"ولكنْ إن لم يكُنِ القاتلُ مِن أهلِ الإبل، فقد اختَلَفُوا في مقدارِها مِن الذَّهبِ والفِضَّةِ وما يَنوبُ عنهما، مع اتِّفاقِ الأئمَّةِ الأربعةِ على جوازِ أخذِها مِن غيرِ الإبلِ مِن غيرِ أهلِها، ولمَن تَصالَحَ على غيرِها:\nفأمَّا الذهبُ، فقد رُوِيَ عن عُمرَ؛ أنَّه قوَّمَها بألفِ دينارٍ مِنَ الذهبِ، وبقضائِهِ قال الأئمةُ الأربعةُ، وهو قولُ الشافعيِّ القديمُ.\nروى الشعبيُّ، عَن عَبِيدَةَ، عن عُمَرَ، أنَّه جعَلَ الدِّيةَ على أهلِ الذهبِ ألفَ دِبنارٍ، وعلى أهلِ الوَرِقِ عشَرةَ آلافِ درهمٍ، وعلى أهلِ البقرِ مِئَتَيْ بقرةٍ، وعلى أهلِ الشَّاءِ ألفَ شاةٍ، وعلى أهلِ الإبلِ مئةً مِن الإبلِ، وعلى أهلِ الحُلَلِ مِئَتَيْ حُلَّةٍ.\nيَرويهِ عنِ الشعبيِّ؛ ابنُ أبي لَيْلَى؛ عِند ابنِ أبي شَيْبةَ (١)، والهيثمُ، رواهُ محمدُ بنُ الحسنِ في الآثارِ عن أبي حنيفةَ عنِ الهَيْثَمِ به (٢)؛ وهو ضعيفٌ.\nوأمَّا الفضَّةُ، فالجمهورُ على أنَّها اثنا عشَرَ ألفَ دِرهمٍ؛ وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ.\nوقال أبو حنيفة: هي عَشَرةُ آلافِ دِرْهمٍ.\nوإنَّما اختَلَفُوا لاختلافِ القديرِ عن عمرَ؛ فقد رُوِيَ عنه تقديرُ القيمةِ على رواياتٍ، وهي مُرسَلةٌ، ومنها ما أخرَجَهُ أبو داودَ، عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عَن أبيه، عَن جَدِّه؛ قال: كَانَت قِيمَة الدِّيَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: ثَمَانَ مِئَةِ دِيَنَارٍ أَوْ ثَمَانِيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَدِيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَوْمَئِذٍ النِّصْفُ مِنْ دِيَةِ المُسْلِمِينَ، قَالَ: فَكَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَتَّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ ﵀، فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: أَلَا إِنَّ الإِبِلَ قَدْ غَلَتْ، قَالَ: فَفَرَضَهَا عُمَرُ\n_________\n(١) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢٦٧٢٧) (٥/ ٣٤٤).\n(٢) \"الآثار\" لمحمد بن الحسن الشيباني (٢/ ٤٨٣).","vol":"2","page":942},{"text":"عَلَى أَهْلِ الذَّهبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِئَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ مِئَتَيْ حُلَّةٍ، قَالَ: وَتَرَكَ دِيَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَرْفَعهَا فِيمَا رَفَعَ مِنَ الدِّيَةِ (١).\nيَرويهِ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عثمانَ بنِ أميَّةَ، عن حُسينٍ المُعلِّمِ، عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، وعبدُ الرحمنِ ليس بالقويِّ؛ قاله أبو حاتمٍ.\nولا يصحُّ عنِ النبيِّ - ﷺ - أنَّه قَضَى الديَةَ بغيرِ الإبِل، وقد رُوِيَ مِن حديثِ ابنِ عُمرَ وابنِ عبَّاسٍ وجابرٍ: تَقديرُها بالذَّهَبِ والفِضَّةِ والحُلَلِ؛ ولا يَصحُّ.\nولكنَّ ما جاء عن عُمرَ وعثمانَ وغيرِهما مِن الصحابةِ يدلُّ بمجموعِهِ على جوازِ التقديرِ بالذهبِ والفضة، وإنِ اختَلَفَ القولُ عنهم، فهو يُثبِتُ أصلَ التقديرِ.\nولم يثبُتْ عنِ النبيِّ - ﷺ - في أَسْنَانِ الإبلِ حديثٌ، وقد جاء مِن حديثِ عمرِو بنِ شعَيْبٍ؛ أنَّ النبيَّ جعَلَ ديةَ الخطأِ أرباعًا: ثلاثونَ بنتَ مَخَاضٍ، وثلاثونَ بنتَ لَبُونٍ، وثلاثونَ حِقَّةً، وعَشَرةٌ بَني لَبُونٍ، والحديثُ في \"السُّننِ\" (٢)؛ ولا يصحُّ، وليس العملُ عليه.\nوجاء مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ مرفوعًا: أنَّ ديةَ الخطأِ مئةٌ مِن الإبلِ، منها عِشْرونَ حِقَّةً، وعِشرون جَذَعةً، وعِشرونَ بنتَ لَبُونٍ، وعشرونَ بنتَ مَخَاضٍ، وعشرونَ بَني مَخَاضٍ (٣)، وهو ضعيفٌ أيضًا.\nويعضُدُ نَكارتَهُ: أنَّ أبا عُبَيْدةَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رَوَى عن أبيهِ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٤٥٤٢) (٤/ ١٨٤).\n(٢) أخرجه أبو داود (٤٥٤١) (٤/ ٤١٨)، والنسائي (٤٨٠١) (٨/ ٤٢)، وابن ماجه (٢٦٣٠) (٢/ ٨٧٨).\n(٣) أخرجه أبو داود (٤٥٤٥) (٤/ ١٨٤)، وابن ماجه (٢٦٣١) (٢/ ٨٧٩).","vol":"2","page":943},{"text":"خلافَهُ؛ قال: ديةُ الخطأِ خمسةُ أخماسٍ: عِشرونَ حِقَّةً، وعشروَنَ جَذَعةً وعشرونَ بناتِ مَخَاضٍ، وعشرونَ بناتِ لَبُونٍ، وعشرونَ بني لَبُونٍ ذُكُور (١).\nوهو أصحُّ.\nورواهُ عنه عَلْقمةُ بنحوِه (٢).\nوأكثرُ الفقهاءِ على التخميسِ؛ رفقًا بمالِ العاقلةِ، وإنصافًا لأهلِ المقتولِ، لكنَّهم اختَلَفُوا في حدِّ الأخماسِ:\nفقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: هي خمسةُ بني مَخَاضٍ، وخمس بناتِ مخاضٍ، وخمس بناتِ لَبونٍ، وخمس حِقاقٍ، وخمسُ جِذَاعٍ.\nوقال مالكٌ والشافعيُّ: خمسُ حِقَاقٍ، وخمسُ جذاعٍ، وخمسُ بناتِ لَبونٍ، وخمسُ بناتِ مخاضٍ، وخمسةُ بَني لَبونٍ.\nوالديةُ حقٌّ لأهلِ الدم، لا يجوزُ لها النَّقصُ، لقوله تعالى: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾، والناقصةُ لا يُطلَق عليها: ديةٌ مُسلَّمةٌ، والاستِلامُ: القبضُ، وإذا لم يَتِمَّ إكمالُ الديةِ، فلا يَصِحُّ إطلاقُ قَبْضِها وهي ناقصةٌ؛ روى الزهريُّ، عنِ ابنِ المسيَّبِ؛ قال: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾؛ يَعني: تامَّةً (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-688>عتقُ الرقبة مِن مالِ القاتل، والدية على العاقلِ:</span>\nوعِتْقُ الرقبةِ يَجِبُ في مالِ القاتلِ، وأمَّا الدِّيةُ فعلى العاقلةِ، ولا خلافَ عندَ العلماءِ في ذلك، وقد ثبَتَ به النصُّ؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أبي هُريْرةَ؛ قال: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٣٣٦٢) (٤/ ٢٢٣).\n(٢) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٣٣٦٣) (٤/ ٢٢٥).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٣٢).","vol":"2","page":944},{"text":"رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ المَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا (١).\nقال الشافعيُّ: \"لم أعلَمْ مُخالِفًا أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قضى بالدِّيَةِ على العاقلةِ؛ وهذا أكثرُ مِن حديثِ الخاصَّةِ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-689>ديةُ قتلِ الإمامِ خطأ:</span>\nوأمَّا قتلُ الإمامِ أو نائبِهِ وعاملِهِ خطأً، فدِيَتُهُ على حالَيْنِ:\nالأُولى: إن كانَ قتلُهُ في حالِ عمَلِهِ في رعيَّتِهِ وقيامِهِ بشأنِهم، فأخطَأَ على واحدٍ منهم؛ كخطَأِ أميرِ الجيشِ على الأَسْرَى، والأميرِ في الحِسْبَةِ والتأديبِ: فدِيتُهُ مِن بيتِ المالِ؛ وذلك لِما في البخاريِّ؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ؛ قال: بَعَثَ النبيُّ - ﷺ - خالِدَ بنَ الوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا صَبَأْنَا، فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَياسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أقْتُلُ أَسِيرِي، وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَذَكَرْنَاهُ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَدَهُ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ، إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ - مَرَّتَيْنِ) (٣)، وبعَثَ عليًّا فوَدَى قَتْلاهُمْ وَمَا أُتْلِفَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ حَتَّى مِيلَغَةَ الكَلْبِ (٤).\nوقد كانوا يُطلِقونَ على مَن أسلَمَ: صَبَأَ، وهو ذمٌّ، فأرادُوا أنْ يُبَيِّنُوا دخولَهم في الإسلامِ وعَدْلِه، فلم يَجِدُوا إلَّا كلمةَ: صبَأْنَا، فعَدَّها خالدٌ كفرًا، ولم يَعُدَّها النبيُّ كذلك، فوَدَى قَتْلاهم مِن بيت المالِ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٩١٠) (٩/ ١١)، ومسلم (١٦٨١) (٣/ ١٣٠٩).\n(٢) \"الأم\" (٦/ ١٢٤).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٣٣٩) (٥/ ١٦٠).\n(٤) \"سيرة ابن هشام\" (ط. السقا) (٢/ ٤٣٠).","vol":"2","page":945},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-690>إطلاقُ ألفاظٍ تحتمِلُ الكفر والإسلامَ:</span>\nويَدخُلُ في حُكْمِ هذا مَن يُرِيدُ عدلَ الإسلامِ وحُكْمَهُ، ويُطلِقُ عباراتٍ تَحتمِلُ الكفرَ؛ يَظُنُّ أنَّها تعني الإسلامَ، فهو يُريدُ الخروجَ مِن الكفرِ والظلمِ، ولم يُعبِّرْ إلَّا لما يَسْمَعُهُ مِن الناسِ؛ كمَنْ يُريدُ الخروجَ مِن الكفرِ والظلمِ، ويُطلِقُ طلَبَ الحريَّةِ بلا قيدٍ، أو طَلَبَ الديمقراطيَّة، ويظُنُّها شُورَى؛ فهؤلاءِ غالبًا يُفكِّرونَ فيما خرَجُوا مِه أكثَرَ ممَّا يفكِّرون فيما يُريدونَ الدخولَ إليه، وأحوالُ هؤلاءِ تُحمَلُ على حُسْنِ القصدِ، لا على خطَأِ العبارةِ؛ حتَّى يُبِيَّنَ لهم أو يستبينَ القولُ والمعنى الحقُّ فيما يتلفَّظونَ به.\nالثانيةُ: إنْ كان قتلُهُ بسببِ شيءٍ مِن معاملاتِهِ الخاصَّةِ؛ كبيعِه وشرائِهِ لنفسِه، ومُتْعَتِهِ الخاصَّةِ به وَأهلِه: فديتُهُ في عاقِلَتِهِ أو في مالِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-691>العاقلةُ وديةُ العمدِ:</span>\nوالعاقلةُ لا تَحمِلُ ديةَ قتلِ العمدِ عندَ عامَّةِ العلماءِ، وحكى بعضُهم الاتِّفاقَ على أنَّها في مالِ القاتلِ، لا عاقلتِه، إلَّا إن أرادَتِ العاقلةُ إحسانًا؛ لأنَّ العمدَ يُحتاجُ معه إلى تأديبِ المُعتدِي، لا رفعِ الكُلْفةِ عنه، ولا تأديبِ العاقلة، بخلافِ الخطأِ؛ ففيه رفعُ الحرَجِ عن المخطئ، ومُواساةُ عاقلتِه له.\nثمَّ ذكَرَ اللهُ بعدَ ذلك حالتَيْنِ مِن قتلِ الخطأِ:\nالأُولى: في قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، والمرادُ: مَن كان مِن المؤمِنِينَ، ولكنَّه بَقِيَ بينَ الكافِرِينَ ولم يُهاجِرْ، أو قُتِلَ لأنَّه كان يَصِلُ قومَهُ المشرِكِينَ المُحارِبِينَ رَحِمًا وقَرَابَةً، فقُتِلَ بالخطأِ وَسْطَهم، فيجبُ على قاتلِهِ عِتْقُ رقبةٍ مؤمنةٍ، وليس لأهلِه ديةٌ؛ لكونِهم مُحارِبِينَ.","vol":"2","page":946},{"text":"ومَن لم يُهاجِرْ عندَ وجوبِ الهِجْرةِ عليه، فغزَا المُسلِمونَ قومَهُ الكافِرِينَ، وبَقِيَ فيهم وهو يَعلَمُ فقُتِلَ، فليس له ولا لأوليائِهِ ديةٌ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢].\nولم يأمُرِ النبيُّ أسامةَ بدِيَةِ مَن قتَلَهُ لَمَّا تشهَّدَ وهو في صَفِّ المُشرِكِينَ، والحديثُ في \"الصحيحَيْن\" (١).\nوكلُّ مسلمٍ يُقتَلُ وليس له ورَثةٌ مسلِمونَ، فلا تُعطَى الديةُ لورثتِهِ الكافِرِينَ، وأَوْلى مِن هذا إن كان الرجلُ معاهَدًا بنفسِه، وأمَّا قومُهُ فمحارِبونَ، فقُتِلَ المعاهَدُ خطأً، فلا يُعطى ورَثتُهُ المحارِبونَ ديةً.\nالثانيةُ: في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، والمرادُ هو الرجلُ المعاهَدُ، فالميثاقُ في الآيةِ العهدُ، فمَن قتَلَ معاهدًا خطأً وقومُهُ مُعاهَدُونَ، فتؤدَّى ديتُهُ إلى قومِه المعاهَدينَ، ويُحرِّرُ القاتلُ رَقَبةً مِن مالِهِ إنِ استطاع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-692>كفَّارةُ قتلِ الذمِّيِّ:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ دليلٌ على الكفَّارةِ في قتلِ الذمِّيِّ والمعاهَدِ بتحريرِ الرقبة، فالميثاقُ العهدُ والأمانُ.\nرُوِيَ هذا المعنى عن السلفِ؛ قاله سعيدُ بن جُبَيْرٍ وعِكْرِمةُ والزهريُّ وقتادةُ والنَّخَعيُّ (٢).\nوكدلك: فتُدفَعُ ديةُ المُسلِمِ إلى أهلِهِ المعاهَدينَ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٢٦٩) (٥/ ١٤٤)، ومسلم (٩٦) (١/ ٩٧).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٣٤).","vol":"2","page":947},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-693>ديةُ قتلِ المرأةِ المعاهدة:</span>\nوأمَّا مقدارُ ديةِ الكافرةِ المعاهَدة، فعلى النِّصْفِ مِن ديةِ الذَّكَرِ منهم بلا خلافٍ، ولكنِ اختَلَفَ العلماءُ في مقدارِ ديةِ ذُكُورِهم، والخلافُ في ديةِ الكتابيِّ المعاهَدِ على أقوالٍ:\nالأوَّلُ: أنَّها على النِّصْفِ مِن ديةِ المسلِمِ؛ وهو قولُ مالكٍ وأحمدَ.\nالثَّاني: ديتهُ كديَةِ المسلمِ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ، وطَرَدَ الحنفيَّةُ ذلك في كلِّ كافرٍ، فجعَلُوا ديتَهم سواءً كالمسلِمِ.\nالثالثُ: أنَّ ديةَ الكتابيِّ ثُلُثُ ديةِ المسلم، وهو قولُ الشافعيِّ.\nواتَّفَقَ مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ: أنَّ ديةَ المجوسيِّ ثمان مئةِ درهمٍ.\nوكلُّ كافرٍ غيرِ كتابيٍّ يأخُذُ حُكْمَ المجوسيِّ في ديتِه، كان وثنيًّا أو غيرَ وثنيٍّ.\nوقد روى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن داودَ بنِ الحُصَيْن، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ في قصَّةِ بني فُرَيْظَةَ والنَّضير، أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - جعَلَ دِيتَهُمْ سواءً ديةً كاملةً؛ وقد تفرَّدَ به ابنُ إسحاقَ عن داودَ (١).\nوأصحُّ منه: ما رَواهُ عبدُ الرحمنِ بنُ الحارثِ بنِ عيَّاشِ بنِ أبي ربيعةَ، عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيهِ؛ عن جدِّه: أنَّ النبيِّ - ﷺ - جعَلَ ديةَ اليهوديِّ والنصرانيِّ على النِّصْفِ مِن ديهِ المسلمِ (٢).\nوقد جعَلَ اللهُ بدَلَ عِتْقِ الرقبةِ في الأحوالِ السابقةِ صيامَ شهرَيْنِ مُتتابِعَيْنِ؛ وذلك في قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾؛ بَعني: لم يَجِدْ رقبةً مؤمنةً، أو وَجَدَ ولكِنْ لم يَجِدْ قِيمَتَها.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣٤٣٤) (١/ ٣٦٣)، وأبو داود (٣٥٩١) (٣/ ٣٠٣).\n(٢) أخرجه أبو داود (٤٥٨٣) (٤/ ١٩٤)، وابن ماجه (٢٦٤٤) (٢/ ٨٨٣)، وابن المنذر في \"الأوسط\" (١٣/ ١٧٣)، والدارقطني في \"سننه\" (٣٣٥٩) (٤/ ٢٣١).","vol":"2","page":948},{"text":"والمرادُ بقولِه تعالى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾: مَن لم يَجِدِ الرَّقَبةَ، لا مَن لم يجدِ الدِّيَةَ والرَّقَبةَ؛ لأنَّ الديةَ حقٌّ للمخلوق، لا يُعوَّضُ عنها بالصِّيَام، بخلافِ عتقِ الرَّقَبةِ؛ فهي حقٌّ لله، فيُعوَّضُ عنها - عندَ عدمِ القدرةِ - بشيءٍ مِن حقِّ اللهِ آخَرَ، وهو هنا الصَّوْمُ.\nوهو الصحيحُ الذي عليه عامةُ العلماءِ.\nوقيل: هي فيمَن لم يَجِدِ الديةَ والرقبةَ، وهو قولُ مسروقٍ؛ رواهُ عنه الشعبيُّ بسندٍ صحيحٍ؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ (١).\nولا قائلَ به مِنَ السَّلَفِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-694>الصيامُ في كفَّارةِ القتلِ:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ لا يَجوزُ قَطعُهما إلا بعُذْرٍ يجوزُ معه قطعُ فريضةِ الصِّيامِ كرمَضَانَ، وذلكَ كعُذرِ المَرَضِ والسَّفَرِ وحيضِ المرأةِ ونِفاسِها، فإنْ جازَ في صومِ رمضانَ، فمي صيامِ الكفَّارةِ مِن بابِ أَوْلى.\nولا يَختلِفُ العلماءُ في أنَّ صيامَ رمضانَ أعظَمُ أنواعِ الصيامِ كلِّه وآكَدُه.\nومَن أفطَرَ في صيامِ الشهرَيْنِ بلا عذرٍ، فقد اختَلَفَ العلماءُ في فَسادِ ما سبَقَ مِن صومِه ووجوبِ إعادتِه، مع الاتِّفاقِ على إثمِه ووجوبِ توبتِه - على قولينِ في غيرِ الحيضِ والنِّفاسِ؛ فقد اتَّفَقُوا على عدمِ قطعِهما للتَّتابُعِ:\nالأوَّلُ: قالوا: يَفسُدُ ما مَضَى من صومِه، ويجبُ عليه أنْ يُعيدَ وَيَستأنِفَ صومَهُ مِن أوَّلهِ ولو كان فِطْرُهُ مِن غيرِ عذرٍ في آخِرِه، لأنَّ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٣٣٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٣٥).","vol":"2","page":949},{"text":"التتابُعَ مقصودٌ للكفَّارةِ؛ وذلك في حُكْمِ الفِطْرِ مِن النهارِ يُعيدُ صومَ ذلك اليومِ؛ وبهذا القولِ قال جمهورُ الفقهاءِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-695>التتابُعُ في صيام كفَّارة القتلِ:</span>\nوالتتابعُ مقصودٌ في الكفارةِ؛ ولهذا ذكَرَ الصومَ بهذا القيدِ؛ كتَتابُعِ الصَّلاةِ في الرَّكَعاتِ الأربعِ؛ فمَن أفسَدَ آخِرَ ركعةٍ مِنَ الظُّهْر، وجَبَ عليه إعادتُها، وكذلك مَن نذَرَ أَنْ يُصلِّيَ عشرَ ركعاتٍ بتسليمٍ واحدٍ، ثمَّ أفسَدَ آخِرَ ركعةٍ، وجبَ عليه إعادتُها جميعًا، ولو صحَّ مِن الإنسانِ الصلاةُ ركتَتَيْنِ ركعتَيْنِ؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ: (صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى) (١)، فأحدَثَ في إحدى الركعتَيْن، فَسَدَتْ تلك الصلاةُ ولم يَفسُدْ ما فبلَها، ومَن أفسَدَ ركعةَ الوترِ، لم يَفسُدْ قيامُهُ اللَّيْلَ، لأنَّها منفصِلةٌ غيرُ متتابِعةٍ، ولو تتابعَتْ مِن غيرِ سلامٍ، أخَذَ أوَّلُها حُكْمَ آخِرِها؛ فكذلك صيامُ الشهرَيْنِ المتتابعَيْن، فمَن أفسَدَ يومًا منها، أعادَها جميعَها.\nالثَّاني: قالوا: لا يُعِيدُ مَن قطَعَ صيامَهُ بفِطْرٍ مِن غيرِ عذرٍ؛ وإنَّما تَكْفِيهِ التوبةُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-696>العجزُ عن صيام كفَّارة القتلِ:</span>\nومَن عجَزَ عنِ الصيامِ، فهَل يجبُ عليه بدلَهُ إطعامٌ؟ وقَعَ في ذلك خلافٌ:\nمِن العلماءِ: مَن جعَلَ بدَلَ الصيامِ الإطعامَ؛ ككفارةِ الظِّهارِ؛ وهو قولٌ للشافعي وبعضِ أصحابِ مذهبِنا.\nوقيلَ: لا بدلَ للصيام، وإنْ سقَطَ، فلا شيءَ عليه؛ وهو الأشبَهُ.\nوقال بعضُهم: مَن مات ولم يصُمْ، أُطعِمَ عنه عن كلِّ يومٍ مسكينٌ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٧٢) (١/ ١٠٢)، ومسلم (٧٤٩) (١/ ٥١٦).","vol":"2","page":950},{"text":"مِن مالِه، وإنْ لم يكُن له مالٌ، سقَطَ عنه، لأنَّ الصيامَ حقٌّ لله، وقال بالإطعامِ عنِ الميِّتِ مجاهدٌ وغيرُه.\nوقولُه تعالى: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾؛ يعني: غُفْرانًا مِن اللهِ لذلك الذنبِ، ودلك رحمةً مِن اللهِ أنْ جعَلَ لهذا الجُرْمِ - وهو القتلُ - كَفَّارةً، وإلَّا فيَبْقَى أثرُهُ في النفسِ إلى موتِ فاعلِه، ولو كانَ القتلُ خطأً فإنَّ النفسَ المؤمِنةَ لها عَظَمةٌ عندَ اللهِ وعندَ المؤمنينَ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].\nبعدَ ما ذكَرَ اللهُ القتلَ الخطأَ، ذكَرَ القتلَ العمدَ، وبيَّنَ خطَرَهُ، ولم يَذكُرِ اللهُ وعيدًا على فِعْلٍ بعدَ الكفرِ كما ذكَرَهُ في وعيدِ القتلِ العمدِ في هذه الآيةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-697>قتلُ العمدِ ومعناه:</span>\nوقتلُ العمدِ هو التسبُّبُ في موتِ أحدٍ، مع قَصْدِ إزهاقِ النَّفْس، بسلاحٍ وغيرِ سلاحٍ؛ فالسلاحُ: كلُّ ما صحَّ استعمالُهُ للإزهاقِ ولو كان إبرةً، وغيرُ السلاحِ: كالخَنقِ وحبسٍ النَّفَسِ بالثَّوْبِ أو اليدِ أو الحبل، ونحوِ ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-698>توافُرُ قصدِ القتلِ:</span>\nوإذا توافَرَ في القتلِ القصدُ، كَفَى في وصفِ القتلِ بالعمدِ ولو بأدنى سببٍ، وإذا توافَرَ السلاحُ القاتلُ وتُيُقِّنَ مِنِ انتِفاءِ القصد، لم يُسَمَّ القتلُ عمدًا؛ كمَن يَقتلُ بالسيفِ أو الرَّصَاصِ أو السهمِ رجُلًا، وهو يُرِيدُ صيدًا.","vol":"2","page":951},{"text":"وإذا توافَرَ السلاحُ القاتلُ، وجُهِلَ القصدُ، وتُيُقِّنَتِ العداوةُ، كان قتلَ عمدٍ؛ فالعِبْرةُ هنا بالسلاح، وإذا كان السلاحُ غيرَ قاتلٍ، ولكنْ توافَرَ قصدُ القتل، كان قتلَ عمدٍ؛ فالعِبْرةُ هنا بالقصد، وهما أمرانِ إنِ اجتَمَعَا فهو قتلُ عمدٍ بلا خلافٍ، وإنْ توافَرَ أحدُهما دونَ الآخَر، فيُنظَرُ للقصدِ معَ أدنى سببٍ يُمكِنُ به القتلُ، ولو كان بإطعامِه طعامًا مباحًا يُعلَمُ أنَّه لو أكلَهُ مريضٌ ماتَ فأطعَمَهُ بقصدِ قتلِه، فهو قتلُ عمدٍ يُقتَلُ به؛ كمَن يُطعِمُ مريضَ السُّكَّرِ السكرَ وهو يَعلَمُ أنَّه يموتُ بمِثْلِ هذا النوعِ مِنَ الطعام، ومِثْلِ هذا المقدارِ؛ فهنا وإن كان السببُ مباحًا لكنَّه في هذا الشخصِ وهذه الحالةِ محرَّمٌ.\nفمع قصدِ القتلِ تُلتمَسُ أدنى الأسباب، ومع السلاحِ القاتلِ يُلتمَسُ أدنى القصد، ولأنَّه لا يُحمَلُ السلاحُ القاتِلُ عادةً إلا للقتلِ.\nومَن قَتَلَ بغيرِ سببٍ قاتِلِ؛ كمَن رمَى حصىً مِثلَ حَصَى الخَذفِ؛ فإنَّ مِثلَهُ لا يَقتُلُ؛ ففي الحديثِ؛ (إِنَّهُ لَا يُصْطَادُ بِهِ الصَّيْدُ، وَلَا يُنْكَأُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَلَكِنَّهُ يَكْسِرُ السِّنَّ، وَيَفْقَأُ الْعَيْنَ) (١)؛ فمَن مات به، فهو قتل خطأ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-699>أنواعُ القتلِ:</span>\nوالقتلُ على أنواعٍ ثلاثةٍ:\nالنوعُ الأولُ: قتلُ الخطأِ؛ وقد تقدَّمَ في الآيةِ السابقةِ.\nالنوعُ الثاني: قتلُ العمد، وقد تقدَّمَ ذِكرُ وصفِهِ والقرائنِ الدالَّةِ عليه.\nالنوعُ الثالثُ: قتلُ شِبْهِ العمد، وهو ما توافَرَ فيه العداوةُ، وانْتَفَى\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٤٧٩) (٧/ ٨٦)، ومسلم (١٩٥٤) (٣/ ١٥٤٧).","vol":"2","page":952},{"text":"قصدُ القتل، وانتَفَى معه السلاحُ الذي يَقتُلُ مِثلُه عادةً؛ كمَن رمى بعودٍ أو حصاةٍ لا يَقتُلُ مِثلُها عادةً؛ ولو توافَرَتِ العداوةُ؛ فما كلُّ عداةٍ يُرادُ منها القتلُ؛ فالناسُ يتَخاصَمُونَ ويقَعُ منهمُ السَّبُّ واللَّعْنُ واللَّطْمُ ونحوُ ذلك، ولا يَقصِدونَ القتلَ.\nومِن هذا النوعِ ما في \"الصحيحَيْنِ\"، عن أبي هُرَيْرةَ؛ قال: \"اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاختَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَليدَةٌ، وَقَضَى بدِيَةِ المَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا\" (١).\nوأنكَرَ بعصُ الأئمَّةِ قتلَ شِبْهِ العمد، فجعَلُوا القتلَ خطأً وعَمْدًا، وأدخَلُوا شِبْهَ العمدِ في العمد، ولو ماتَ بالعَضَّةِ واللَّطْمةِ؛ وهو قولُ مالكٍ واليثِ.\nوالصحيحُ ثبوت هذا النوعِ؛ وقد قضى به النبيُّ - ﷺ - وبعضُ الخلفاءِ والصحابة، ولا مُخالِفَ لهم منهم، ولكنَّ ديةَ قتلِ شبهِ العمدِ تُغلَّظُ لا كالخطأِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-700>ديةُ شبهِ العَمْدِ:</span>\nوجمهورُ العلماءِ: على أنَّ ديةَ شبهِ العمدِ على العاقلة، لا على القاتلِ مِن مالِه؛ خلافًا لمالكٍ؛ إذْ جعَلَ شبهَ العمدِ عمدًا.\nوالأوَّلُ أصحُّ؛ فقد جعَلَ النبيُّ ديةَ الجنينِ على عاقلةِ المرأةِ؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"، مع أنَّها رمَتْ بحجرٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-701>كفَّارةُ قتلِ العمدِ وشبهِهِ:</span>\nواختلَفَ الأئمةُ في كفارةِ القتلِ العمدِ وشِبهِه، مِن تحريرِ رقبةٍ وديةٍ\n_________\n(١) سبق تخريجه.","vol":"2","page":953},{"text":"عندَ العفوِ عنِ القَوَدِ، على قولَيْنِ؛ هما قولانِ لمالكٍ، وروايتانِ عن أحمدَ:\nالأوَّلُ: في العمدِ وشِبْهِهِ الديةُ كالخطأِ؛ وهو قولُ الشافعيِّ.\nالثاني: فيه الكفارةُ؛ وهو قولُ مالكٍ وأحمدَ المشهورُ عنهما وأبي حنيفةَ.\nوعلَّلَ أحمدُ عدمَ الديةِ بعِظَمِ الذَّنْبِ وأنَّ الكفارةَ بعقِ الرقبةِ والدِّيَةِ لا يكونُ لذنبٍ معظَّمٍ؛ دونَ الشِّرْكِ مرتبةً، وفوقَ بقيةِ المُوبِقاتِ.\nوالقولُ بالديةِ يُوافِقُ النَّظرَ؛ لأنَّ الديةَ حقٌّ لأهلِ القتيل، لا حقٌّ للقتيل، وليستْ جَبْرًا للذنبِ؛ وإنَّما جبرٌ لبعضِ ما فقَدُوهُ بما لا يُضِرُّ بالقاتلِ وعاقلتِه، ولا يَهدُرُ حقَّهم في فقيدِهم، ولا يَلزَمُ مِنَ العفوِ عنِ القِصَاصِ سقوطُ الديةِ تبَعًا.\nوهذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾:\nاختُلِفَ في نَسْخِها وإحكامِها:\nوالجمهورُ: على إحكامِها؛ وهو قولُ ابنِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ وأبي هريرةَ وعُبيدِ بنِ عُميرٍ والحسَنِ وقتادةَ.\nوقد روى البخاري ومسلم، عنِ ابنِ جُبيرٍ؛ قال: \"آيَةٌ اختَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الكُوفَة، فَرَحَلْتُ فِيهَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، هِيَ آخِرُ مَا نَزَلَ، وَمَا نَسَخَهَا شَيْءٌ\" (١).\nوروى سعيدٌ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: \"إنَّ الرجلَ إذا عرَفَ الإسلامَ وشرائعَ الإسلام، ثمَّ قتَلَ مؤمِنًا متعمِّدًا، فجزاؤُهُ جهنَّمُ، ولا توبةَ له،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٥٩٠) (٦/ ٤٧)، ومسلم (٣٠٢٣) (٤/ ٢٣١٧).","vol":"2","page":954},{"text":"فذكَرْتُ ذلك لمجاهدٍ، فقال: إلَّا مَن نَدِمَ\" (١).\nورُوِيَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: أنَّه لا توبةَ له، مِن وجوهٍ متعدِّدةٍ، وقال بقولِه قِلَّةٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-702>أنواعُ الذنوبِ:</span>\nوالذنبُ الذي يقَعُ مِنَ الإنسانِ على نوعَيْنِ:\nالأوَّلُ: حقٌّ للهِ خاصٌّ، كفِعْلِ بعضِ المحرَّماتِ؛ مِن شُرْبِ الخمرِ والزِّنى، وتَرْكِ بعضِ الواجباتِ؛ كالصِّيامِ والحجِّ؛ وهذا النوعُ للهِ تعالى؛ إنْ شاءَ عاقَبَ فاعِلَهُ، وإنْ شاءَ غفَرَ له.\nالثاني: حقٌّ خاصٌّ بالمخلوق، جعَلَهُ اللهُ إليه؛ إنْ عَفَا، سقَطَ عنِ الظالِمِ ظُلْمُه؛ وذلك كضَرْبِ الإنسانِ وشجِّهِ وأخذِ مالِه ونحوِ ذلك، فهذا للمخلوقِ؛ كما جاء في \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ أبي هُرَيْرةَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظلِمَةٌ لِأَخِيه، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِه، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ، أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيه، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ) (٢).\nوحقُّ اللهِ في حقِّ الآدميِّين مبنيٌّ على المُسامَحة، واللهُ أكرَمُ مِن خَلْقِهِ في العفوِ والصفحِ! فإنْ عَفَا صاحِبُ الحقِّ، عَفَا اللهُ معَهُ لِمَن نَدِمَ، وأمَّا القتلُ، فهو حقٌّ للآدميِّ لا يمكِنُ أن يعفُوَ صاحبُهُ؛ لفَوْتِهِ بموتِه، فلا يَلتقي بالقاتلِ إلَّا في الآخِرة، وفي الآخرةِ لا يعفو الوالدُ عن ولدِه؛ ولا الخليلُ عن خليلِه.\nولعلَّ هذا مرادُ ابنِ عبَّاسٍ في عَدَمِ توبةِ القاتلِ وقَبُولِها.\nوأمَّا الكَفَّارة بتحريرِ الرقبةِ والدِّيَة، فالتحريرُ حقٌّ لله، والديةُ حقٌّ لأهلِ القتيلِ لا للقتيلِ نفسِه؛ لأنَّه لا يَنتفِعُ منها.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٨٥٥) (٥/ ٤٥)، والطبري في \"التفسير\" (٧/ ٣٤٢)؛ واللفظ له.\n(٢) أخرجه البخاري (٦٥٣٤) (٨/ ١١١).","vol":"2","page":955},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-703>توبةُ القاتِلِ:</span>\nوأمَّا آيةُ الفُرْقانِ في قَبُولِ توبةِ القاتلِ بعدَ ما ذكرَ الشِّرْكَ والقَتْلَ والزِّنى، قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠]، فحَمَلَها على المُشْرِكِ الذي يَقتُلُ في جاهليَّتِه وشِرْكِه؛ فقد روى الشيخانِ؛ مِن حديثِ سعيدِ بنِ جبيرٍ؛ قال: \"أمَرَني عبدُ الرحمنِ بنُ أَبْزَى؛ قال: سَلِ ابنَ عبَّاسٍ عن هاتَيْنِ الآيتَيْنِ؛ ما أمرُهما: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (١) [الأنعام. ١٥١]، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾؟ فسألتُ ابنَ عبَّاسٍ، فقال: لمَّا أُنزلَتِ التي في الفُرْقان، قال مُشرِكو أهلِ مكَّةَ: فقَدْ قتَلْنا النفسَ التي حرَّمَ اللهُ، ودعَوْنا مع اللهِ إلهًا آخَرَ، وقد أتَيْنَا الفواحشَ! فأنزَلَ اللهُ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [الفرقان: ٧٠]؛ فهذه لأولئكَ، وأمَّا التي في النساءِ: الرَّجُلُ إذا عرَفَ الإسلامَ وشرائعَهُ، ثمَّ قتَلَ، فجزاؤُهُ جهنَّمُ، فذكَرتُهُ لمجاهدٍ، فقال: إلَّا مَن نَدِمَ\" (٢).\nومِن العلماءِ: مَن يستدِلُّ على قَبولِ توبةِ القاتلِ بِما ثبَتَ في \"الصحيحَينِ \"! مِن حديثِ أبي سعيدٍ، في الرَّجُلِ مِن بني إسرائيلَ الذي قتَلَ تسعةً وتسعينَ نَفسًا، ثمَّ أتَمَّ المِئةَ بِراهبٍ، قَالَ: ليس لك مِن توبةٍ، حتَّى سألَ عن أَعْلَمِ أهلِ الأرض، فدُلَّ على رجلٍ عالمٍ، فقال: إنَّه قتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ، فهل له مِنْ تَوْبةٍ؟ فقال: نعَمْ، ومَن يَحُولُ بينَه وبينَ التوبةِ؟ ! الحديثَ (٣).\nوهذا وإن كان في بني إسرائيلَ إلَّا أنَّ القاعدةَ: أنَّ الأمَّةَ أوسَعُ الأممِ رَحْمةً؛ فهي داخلةٌ في ذلكَ مِن بابِ أَوْلى.\n_________\n(١) قال ابن حجر في \"فتح الباري\" (٧/ ١٦٨) - \"كذا وقَعَ في الرواية، والذي في التلاوةِ: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [٦٨] هكدا في سورةِ الفرقان، وهي التي ذُكِرَتْ في بقيةِ الحديثِ؛ فتعيَّنَ أنَّها المرادُ في أوَّلِه\".\n(٢) أخرجه البخاري (٣٨٥٥) (٥/ ٤٥)، ومسلم (٣٠٢٣) (٤/ ٢٣١٨).\n(٣) أخرجه البخاري (٣٤٧٠) (٤/ ١٧٤)، ومسلم (٣٧٦٦) (٤/ ٢١١٨).","vol":"2","page":956},{"text":"والأظهَرُ: أن ما جاءَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ محمولٌ على حق الآدميِّ الذي يكونُ فيه القِصاصُ في الآخِرةِ بالحسَناتِ والسيئات، وما كان مِن أدلَّةِ توبةِ القاتلِ - كحديتِ الإسرائيليِّ - محمولٌ على حق اللهِ الذي يُسقِطُهُ اللهُ بالتوبةِ في الدُّنيا، وأمَّا حق الآدمي فبِعَفوِه، ولكنَّه لم يَعفُ؛ لفوتِهِ بموتِه، ومَن عفا اللَه عنه يَرحَمُهُ اللهُ بإكرامِ المقتولِ بخيرٍ ممَّا يَرجُوهُ مِن قاتلِهِ من عندِه، وَيرحَمُ القاتِلَ بتوبته.\nولكن لمَّا كان القتلُ عظيمًا، فلِعظمَتِه يَستوجب توبةً تُناسِبُ عظمَتَهُ؛ مِن الإنابةِ والندم، والطاعةِ والخشية، لا تُدركُها النفوسُ الضعيفة التي تتَواكَلُ على قليلِ الطاعةِ أنْ يَمحُوَ كبيرَ المعصية، وإن تابَتْ، تابَتْ مِن غيرِ إقبالٍ ولا تعظيمِ للذنب وعاقِبتِه.\nوعندَ عدَمِ توبةِ القاتلِ، أو عدمِ قَبُولِها، يكون حقًّا للمقتولِ على القاتلِ أن يَأخُذَ مِن حسناتِهِ بقَدرِ مَظْلِمتِه، فإن كان عملهُ قليلًا فيأخُذُهُ كلَّه إلا التوحيدَ؛ لأنه لا يَأخُذُ التوحيدَ ويُزيلُهُ إلا الكفرُ، وتَبقى سيِّئاتُه، فإن عفا اللهُ عنه فبِها؛ وإلا دخلَ النارَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-704>ما ورَدَ في كفرِ القاتِلِ:</span>\nوأمَّا ما رُوِيَ في كفرِ القاتلِ، وحَمْلُ بعضِهم عدَمَ قَبولِ توبةِ القاتلِ بسبب كفرِه؛ فذلكَ لا يصحُّ، وقد روى فيه ابنُ عَدي حديثًا مِن حديثِ زيدِ بنِ جَبِيرَةَ، عن داودَ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ، مرفوعًا: (مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتعَمِّدًا، فَقَدْ كَفَرَ بِاللهِ) (١)، وهو منكَرٌ جِدًّا، وزيدٌ منكَرُ الحديثِ.\nولا يَلزَم مِن قولِ ابنِ عباسٍ بعدمِ قَبولِ توبتِهِ أنَّه عنده كافرٌ، ولم يقُلْ بهذا أحدٌ مِن أهلِ السنَّةِ إلَّا مَن استحَلَّ الحرامَ، وحالُ القتلِ في رأيِ ابنِ عبَّاسٍ كحالِ الذنوبِ التي يتَقاضاها الناسُ بينهم يومَ القيامةِ\n_________\n(١) \"الكامل في ضعفاء الرجال\" لابن عدي (طـ - زكار) (٣/ ٢٠٣).","vol":"2","page":957},{"text":"قِصاصًا بالحسَناتِ والسيِّئات، ممَّا لم يتَسامَحُوا فيها في الدُّنيا وَيعفُوا أو يَستَوفُوا.\nوالخلودُ في لغةِ العَرَبِ: هو طولُ البقاء والمُكْثِ، وليس المرادُ منه البقاءَ بلا نهايةٍ، وتُسمِّي العربُ الولدَ خالِدًا، والذِّكرَ مخلَّدًا؛ لطولِ بقائِه، لا دوامِهِ إلى ما لا نهايةَ له؛ فالقتلُ ولو استوفَى المقتول به حسناتِ القاتل، فإنَّه لا يَستوفي مِن توحيدِه، فلا يُزِيلُ التوحيدَ إلا الكفرُ والشِّركُ، والقتل ليس بكُفرٍ، وقد ثبَتَ في \"الصحيحينِ\": \"أنَّه يَخرُجُ مِن النار من كان في قلبِه مِثقالُ حَبةٍ مِن إيمانٍ\" (١).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ [النساء: ٩٤].\nلمَّا شرَعَ اللهُ الجهادَ وكتَبَهُ على المؤمِنِين، وكانتِ النفوسُ مُقبِلةً عليه متشوِّقةً له - لِمَا سَلَف مِن عداوةِ الكافِرِينَ وبغيهم على المؤمنينَ - جاءَت هذه الآيةُ داعيةً للتحرِّي والتثبتِ عندَ الخروجِ للقتالِ مِن عدمِ التمييزِ بينَ مَن يجبُ قتالُهُ ومَن لا يجبُ ومَن لا يجوزُ؛ فإن النفوس قد يَدْفَعُها العداوةُ والانتصارُ والحميَّةُ الدينيَّةُ وحبُّ الغنيمة، فتَظلِمُ وهي لا تُريدُ الظلمَ، فأوجَبَ اللهُ التبيُّنَ والاحترازَ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٤) (١/ ١٧)، ومسلم (١٩٣) (١/ ١٨٢).","vol":"2","page":958},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-705>القتالُ وقَصدُ الدنيا:</span>\nوفي هذه الآيةِ: أن القتالَ في سبيلِ اللهِ إذا دخلَتهُ الدنيا، فسَدَ وأفَسدَ أهلَهُ، فلا يُفسِدُ الجهادَ إلا طمعُ المجاهِدِينَ في الدُّنيا؛ لذا قال الله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾، فتَميلُ نفسُ المجاهدِ إذا طَمِعَ في الدنيا، وتساوَتِ الاحتمالاتُ، إلى ترجيحِ أحَدِ الاحتمالَينِ وهو الذي يَهواهُ لدنياه، فيُفسدُ الدِّينَ والدنيا، وهنا يتشوَّفُ إلى عدمِ إسلامِ الخَصْمِ عندَ اشتباهِ أمرِه؛ لاغتنامِ مالِه، وكَسبِ سُلطانِه.\nوقوله: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أمرٌ خفيٌّ لا يَعلمُهُ إلَّا اللهُ، وهو على درجاتٍ في نفوسِ مَن قاتَلَ في سبيلِ الله، وبمقداره لا يؤتِي الجهادُ ثِمَارَه، وأخرَجَ ابنُ أبي شَيبةَ وأحمدُ وابنُ المُنذِر، عن ابنِ مسعودٍ؛ قال: \"إنَّ النساءَ كُنَّ يومَ أحُدٍ خلفَ المسلِمينَ يُجْهِزْنَ على جَرحَى المشرِكينَ، فلو حلَفتُ يومئذٍ رجَوتُ أن أبَرّ أنَّه ليس أحد منَّا يُريدُ الدُّنْيا، حتَّى أنزَلَ اللهُ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] (١) \".\nوالدُّنيا - ولو كانَت قليلةً - تحجب الإنسانَ عن رؤيةِ الآخرة، فالدِّينارُ مِنَ الذهَبِ لو قَرَّبَتهُ العينُ منها، لم ترَ جبلَ الذَّهَب، فالدنيا ليست بحَجمِها؛ وإنَّما بقُربِها، فمَنِ انتفَعَ بها وأبعَدَها، لم تَضُرَّه ولو كانت كثيرةً، ومَن قرَّبَها، أعمَتهُ ولو كانت قليلةً.\nوأنْقَى الناسِ أنقاهُم مِن الدُّنيا، لأنها تحجُبُ القلبَ عن رؤيةِ الحقِّ، وَيختلِفُ أثرُ الدنيا بحسَبِ منازِلِ أصحابِها؛ فالدنيا في قلبِ\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٦٧٨٣) (٧/ ٣٧١)، وأحمد في \"مسنده\" (٤٤١٤) (١/ ٤٦٣)، وابن المنذر في \"تفسيره\" (٢/ ٤٤٥).","vol":"2","page":959},{"text":"المجاهِدِ ولو كانتْ قليلةً أشدُّ عليه وعلى الناسِ مِن الدُّنيا في غيرِه، وقليلُ الدنيا في قلبِه كثيرٌ؛ لأنَّه أقرَبُ إلى الآخِرة، ومحلُّه التجرُّدُ والخلوصُ، والدنيا في قلبِ العالِمِ أشدُّ عليه وعلى الناسِ مِن العامَّةِ؛ لأن فتنةَ العالم فتنةٌ عامَّةٌ؛ وفتنةَ آحادِ العامَّةِ خاصَّةٌ.\nوإنما نزلت هذه الآيةُ: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ لأن منِ أصحابِ النبي - ﷺ - مَن قتَلَ كافرًا أسلَمَ بعدَ طلَبه؛ لأخذِ غنيمتِه، وغاب عنه أن غنيمةَ الآخِرة، بإسلامِه أعظَمُ مِن غنيمةِ الدنيا بكُفرِه.\nوهذه الآيةُ نزلَت في بعضِ الصحابةِ الذين قتَلُوا مَن ظهَرَ إسلامُهُ وتأوَّلُوا كُفْرَه؛ ففي البخاري؛ مِن حديثِ عمرٍو، عن عطاءٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾؛ قال: قال ابن عباسٍ: \"كَانَ رَجُلٌ فِي غُنَيمَةٍ لَهُ، فَلَحِقَهُ المسلِمُونَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيكم، فَقتلوهُ وَأخَذُوا غُنَيمَتَهُ، فَأنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ إِلَى قولهِ: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ تِلكَ الغُنَيمَة (١).\nوجاء في سبب نُزولها غيرُ ذلك؛ فرُوِيَ أنها نزلَت في المِقْدَادِ بنِ الأسْوَدِ؛ أخرَجَهُ البخاري معلَّقًا ومختصَرًا (٢)، وأخرَجَة البَزَّارُ مسنَدًا ومطولًا (٣)، وجاء أنَّها نزلَت في مُحَلِّمِ بنِ جثامَةَ بنِ قَيس، أخرَجَهُ أحمدُ (٤)، وجاء أنَّها نزلَت في أسامةَ بنِ زيدٍ؛ كما رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ مِن مُرسَلِ مسروقٍ، وابنُ جريرٍ من مُرسَلِ السُّدِّيِّ (٥).\nوقد تتَعدَّدُ الحوادتُ فتَنزِلُ الآيةُ عليها جميعِها، فيَحمِلُ الصحابةُ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٥٩١) (٦/ ٤٧)، ومسلم (٣٠٢٥) (٤/ ٢٣١٩).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٨٦٦) (٩/ ٣).\n(٣) أخرجه البزار في \"مسنده\" (٥١٢٧) (١١/ ٣١٧).\n(٤) أخرجه أحمد (٢٣٨٨١) (٦/ ١١).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٣٥٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٤٢).","vol":"2","page":960},{"text":"سبب النزولِ كلُّ واحدٍ على حادثةٍ بعينِها، وربَّما حمَلَها أكثرهُم على أقربِ الحوادثِ عندَ نزولِ الآية، والآيةُ جاءَت عليها وعلى ما قبلَها، وأكثرُ أسبابِ النزولِ لا تتعارضُ؛ وإنما تتعدَّدُ، وحَمْلُها عليها جميعِها أصحُّ، وهو الأنسبُ؛ للحِكمةِ مِن آيِ القرآنِ؛ لأنَّ الأصلَ فيها أنَّها تَنزِلُ لمعالجةِ الحوادتِ العامَّةِ المتكرِّرة، لا لقضايا الأعيانِ التي لا تتكرَّرُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-706>عصمةُ دمِ مَن نطَقَ الشهادتَيْنِ:</span>\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾؛ أيْ: لِمَن نطَق الشهادتَينِ؛ فقوله: ﴿السَّلَامَ﴾؛ يعني: الإسلامَ، ولا يدخلُ الإسلامَ إلا بنطقِ الشهادتينِ؛ وذلك لقولِهِ - ﷺ -: (أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أنْ لَا إِلَهَ إلا الله وَأنَّ محَمَّدًا رَسولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، ويؤتُوا الزكَاةَ ...)؛ الحديثَ؛ أخرَجَة الشيخانِ (١).\nوليس المرادُ بالسَّلَامِ التحيةَ؛ وإنَّما إظهارُ الإيمانِ بالنطقِ بالشهادتَين، أو ما يدل عليها؛ كقولِه: أنا مسلِمٌ، أو دخَلتُ الإسلامَ، فالمرادُ في الآيةِ إظهارُهُ الاستسلامَ للهِ بالتوحيدِ إقرارًا بدينكم؛ روى ابنُ أبي نَجِيح، عن مجاهِدٍ؛ في قوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾؛ قال: راعي غَنَمٍ، لَقِيَه نَفَرٌ مِن المؤمِنِينَ فقتلوهُ، وأخَذوا ما معَهُ، ولم يَقبَلُوا منه قولَه: \"السلامُ عليكم؛ فإني مؤمنٌ\" (٢).\nوروى ابن أبي حاتم وابنُ جريرٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلحةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ قال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾؛ قال: \"حرَّم الله على المؤمنينَ أن يَقولوا لِمَن شهِدَ أن لا إلهَ إلا الله: ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ كما حرَّم عليهم الميتَةَ، فهو آمِنٌ على مالِهِ ودَمِه،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٥) (١/ ١٤)، ومسلم (٢٢) (١/ ٥٣).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٣٦١).","vol":"2","page":961},{"text":"لا تَرُدُّوا عليه قولَه\" (١).\nوكلُّ ما يدلُّ على الإسلام يأخُذُ حُكم الشهادتَين لمَن جَهِلَ الشهادتَينِ أو غلب على الظنِّ نسيانهُ لها، وإذا نطَقَ الكافرُ الشهادتَين، أو قال: أنا مسلِمٌ، بعدَ أسرِهِ والتمكنِ منه، فلا عِبرةَ بها، فيكونُ حُكمُهُ حُكمَ أسرَى الكافِرِينَ في الرِّق والفِدَاءِ.\nوذلك لما في \"صحيحِ مسلمٍ\"؛ منِ حديثِ عِمرانَ بنِ حُصينٍ؛ قال: \"كَانَت ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِي عُقَيلٍ، فَأسَرَت ثَقِيفٌ رَجُلَينِ مِن أصحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَأسَرَ أصحَابُ رَسُولِ الله - ﷺ - رَجُلًا مِنْ بنَي عقيلٍ، وَأصَابُوا مَعَهُ العَضبَاءَ، فَأتَى عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ فِي الوَثَاق، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! فَأتَاهُ، فَقَالَ: (مَا شَأنكَ؟ !)، فَقَالَ: بِمَ أَخَذتَنِي، وَبِمَ أخَذتَ سَابِقَةَ الحَاجِّ؟ ! فَقَالَ إِعظَامًا لِذَلِكَ: (أخَذْتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ)، ثم انصَرَفَ عَنه، فَنادَاهُ، فَقَالَ: يا محَمَّد، يَا مُحَمَدُ! وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَحِيمًا رَقِيقًا، فَرَجعَ إليه، فَقَالَ: (مَا شَأنكَ؟ !)، قَالَ: إِني مُسلِمٌ! قَالَ: (لَو قُلْتَهَا وَأَنتَ تملِكُ أمرَكَ، أفلَحتَ كُل الفَلَاحِ) (٢).\nففرَّقَ بينَ قولِه: \"أنا مسلِمٌ\" قبل أَسْرِهِ وبعده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-707>الفرقُ بين قتالِ الكافر، والمفسدِ في الأرضِ:</span>\nوإنما يُعتبَرُ في نُطْقِ الشهادتَينِ مَن قُوتِلَ لأَجلِ كُفرِه، فعرِضَ عليه الإسلام فأبَاهُ، ويجبُ أن يُفرَّقَ بين مَن يُقاتَلُ لأجلِ كفرِهِ ورفضِهِ للإسلام، وبينَ منَ يُقاتَلُ لأجلِ فساده في الأرضِ وقطعِهِ للسبيل، وانتهاكِهِ للأعراضِ:\nفالأوَّل: تنفَعُهُ الشهادتانِ؛ لأنه قُوتِلَ لِيَقولَها؛ لقولِهِ - ﷺ - في\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٣٦١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٤٠).\n(٢) أخرجه مسلم (١٦٤١) (٣/ ١٢٦٢).","vol":"2","page":962},{"text":"\"الصحيحَين\": (أُمِرتُ أنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يشهَدُوا أنْ لَا إِلَهَ إِلا الله وَأَن محَمَّدًا رَسولُ اللهِ) (١).\nوالثاني: لا تَنفعُه الشهادتانِ في حكْمِه في الدنيا؛ لأنَّه لم يُقاتَل لعدمِ قولِهِ لها، فنُطقُه لها لا يُؤثر في حُكمِه، سواءٌ كان مُفسِدًا مُسلِمًا أو مُفسِدًا كافرًا؛ لأنه يُقاتَلُ لأجلِ فَسَاد في الأرضِ، لا لمجرَّدِ كفرِهِ بلا فسادٍ وإفسادٍ وقطعِ سبيلٍ، فلو كان كافرًا ونطَقَ الشهادتَينِ صادقًا نفعَتْه في الآخِرةِ لا في الدنيا؛ لأنه يُقاتَلُ لأجلِ فسادِهِ وقطعِهِ السبيل، ولو كان مسلِمًا مُحارِبًا قاطعًا للسبيلِ أو خارجًا على جماعةِ المُسلِمِينَ أو باغيًا، فهو لم يُقاتَل لامتناعِهِ عنِ الشهادتَينِ؛ وإنما يُقاتَل لكَفِّ صَولَتِه وعُدْوانِه، ولو نطَقَ الشهادتين، فهو لم يُقاتَل أصلًا عليها؛ وإنما على فساده في الأرضِ؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٣، ٣٤].\nوكلُّ واحدٍ يُقاتَلُ لأجلِ غايةٍ، فمتى جاء بالغايةِ عصَمَته؛ فالكافرُ لكفرِه: إن أسلَمَ عصَمَة إسلامُه، والباغي والمفسِدُ يُقاتَلُ لبَغيِهِ وعُدوانِهِ وفسادِه؛ مسلمًا كان أو كافرًا، ولو نطَقَ الشهادتَيْن، لم تَعصِمه؛ لأنها ليستِ الغايةَ التي يقاتَلُ لأجلِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-708>نطقُ المحارِبِ للشهادتَيْنِ:</span>\nومَن قُوتِلَ مِن الكافرينَ لأجلِ كفرِه، ثمَّ نطَقَ الشهادتَين، فلا يَخلو من حالتَينِ:\n_________\n(١) سبق تخريجه.","vol":"2","page":963},{"text":"الحالةُ الأولى: كافرٌ ينطِقُ الشهادتَين قبلَ قتالِهِ! كالطوائفِ التي تَزعُمُ الإسلامَ وليسَت مسلمةً، كما تزعُمُ قريشٌ الحنيفيَّةَ وليسَت حنيفيةً؛ وذلك كالطوائفِ الباطنيةِ منِ رافضيَّةٍ ونُصَيْرِيَةٍ؛ فهؤلاءِ ينطِقُونَ الشهادتَيْنِ مِن قبلِ قتالِهم، لكن قتالَهم إنما كان لأجلِ معنى الشهادتين وكُفرِهم به، لا لأجلِ ألفاظِها؛ فلا يَعصِمهم إلا ما يدُلُّ على إقرارِهم بمعناها من قولٍ أو فعلٍ.\nالحالة الثانيةُ: كافرٌ لا يَنطِقُ الشهادتين، وهو كافرٌ بها، ولا يتدينُ بلفظِها ولا معناها؛ كالمشرِكِينَ الوثنيين واليهود والنصَارى؛ فهؤلاءِ تَعصِمُهم كلمةُ التوحيدِ إنْ قالوها عندَ التقائِهم وقتالِهم لأجلِها.\nوفي حُكْمِ الشهادتَينِ: كل لفظٍ دلَّ على معناها لِمَن عجَزَ عنِ النطقِ بها لعُجمَتهِ أو لجهلِهِ بها، بل يدخُل في معناها كل لفظٍ دلَّ عندَ الكافرِ عليها، ولو لم يكُن دالًّا عليها عندَ المُسلِمينَ؛ كقولِ الكافرِ: \"صَبأْتُ\" أو \"صَبَأنا\"، وهذه اللفظةُ ولو لم تكُن دالَّةً على الإسلامِ بذاتِها، بل ليسَتْ لفظَ مدحٍ؛ وإنَّما يتَّخذُها المشرِكونَ ذمًّا لِمَن دخَلَ الإسلامَ منهم، يقولونَ له: \"فلانٌ صَبَأ\"، فتأخُذ حُكْمَ قائلِها على ما يُريدُه، معَ أنَّه لو قالَها مسلمٌ في وسطِ المسلِمينَ لرجلٍ دخَلَ الإسلامَ وهو يعلَمُ مَعناها، لَأُدِّبَ على ذلكَ.\nوأصلُ قولِهم: \"صَبَأ\" عندَ العربِ: الخروج مِن دينِ إلى باطلٍ، ولكنَّهم يَستعمِلونَهُ لِمَن خرَجَ مِن دِينهمُ الذي يزعُمونَهُ حقًّا إلى غيرِهِ الذي يزعُمونَهُ باطلًا، فلا يُسَمُّونَ مَن رجَعَ إليِهم مُرتدًا عن الإسلامِ: صابئًا.\nولما قال جميلُ بنُ مَعمَرٍ الجُمَحِيُّ لقريشٌ في مكةَ: \"يا مَعشَرَ قريشٍ، ألَا إن ابنَ الخَطَّابِ قد صَبَأ\"، قال عمرُ: كذبَ، ولكنِّي","vol":"2","page":964},{"text":"أسلَمتُ (١)؛ ولهذا فخالد بن الوليدِ قتَلَ مَن قالَها؛ لعلِمِهِ أنَّها لا تُقالُ مدحًا، ولا يُرادُ بها الخروجُ مِن الباطلِ إلى الحقِّ؛ وإنَّما عَكسُه، ولكنَّ النبي - ﷺ - آخَذَهُ عليها؛ لأنَّهم لا يُحسِنونَ تعبيرًا عن تَركِ دينِهم إلا إيَّاها، فأرجَعُوها إلى أصلِها؛ مِن تَركِ دينٍ إلى دينٍ.\nونطقُ اليهوديِّ والنصراني لكلمةِ يتديَّن بمعناها: لا يدُلُّ على إسلامِهِ وتدينه بالحنيفيَّةِ؛ كقولِه: نحن مؤمِنونَ؛ فهم يُسمُّونَ أنفسَهم بذلك، فمَن قالَها لا تَعصِمهُ.\nوالمرادُ بعرضِ الدنيا في الآيةِ: الغَنِيمَة، فلا يَقبَلُ إسلامَ الكافر؛ لِيُحِلَّ ما معَه مِن الغنيمة، وهذا لا يكونُ إلا في قلبِ مَن ضعُفَت مغانمُ الآخِرةِ مِن قلبهِ حالَ فِعلِهِ أو غابَتْ؛ لهذا ذكَّرَ اللهُ بها في قوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-709>تذكُّرُ الضلالةِ قبلَ الهدايةِ:</span>\nوفي قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ روى\nالبخاري معلقًا في \"صحيحِه\"، عن سعيدٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: قال رسول اللهِ - ﷺ - للمِقدَادِ: (إِذَا كَانَ رَجُلٌ مُؤمِنٌ يُخفِي إِيمانَهُ مَعَ قَومٍ كفَّارٍ، فَأَظهَرَ إيمَانَهُ فَقَتَلْتَهُ، فكذَلِكَ كُنتَ أنتَ تُخفِي إِيمَانَكَ بِمَكَّةَ مِن قبل) (٢).\nوفي هذا: أنَّه ينبعي أنْ يذكُرَ المؤمن حالَهُ قبلَ هداية، وفَضْلَ اللهِ عليه، وإنْ وُلدَ مهتدِيًا يَجعَلُ مِن نفسِهِ مكاانَ عدوِّه؛ ليدرِكَ شيئًا مِن حالِ عدوِّه، فيَعذِرَه عندَ قيامِ عُذْرِه، وقد كان بعضُ الصحابةِ يَستخفِي بإيمانِهِ خوفًا مِن قومِه؛ فربَّما كان الرجلُ الذي أبْدَى إسلامَهُ عندَ القتالِ خرَجَ مُكرَهًا؛ قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾؛\n_________\n(١) أخرجه ابن حبان (٦٨٧٩) (١٥/ ٣٠٢).\n(٢) أخرجه البخارى (٦٨٦٦) (٩/ ٣).","vol":"2","page":965},{"text":"قال: \"تَستَخْفونَ بإيمانِكُم كما استَخفَى هذا الرَّاعي بإيمِانه\" (١).\nومن هذا قولُهُ تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: ٢٦]، فإن تذكَّرَ الإنسانُ سالفَ أمرِه، لا بدَّ أن يَجِدَ مِن تغيُّرِ حالِهِ ما يُدرِكُ به فضلَ اللهِ عليه.\nوتذكُّرُ الإنسانِ لسابقتِهِ يدعُوهُ إلى التواضُعِ وحضورِ العدلِ والإنصافِ في نفسِه، وكَسرِ شَوكةِ الكِبرِ منها؛ وهدا يحتاجُ إليه كل أحدٍ؛ لتطهيرِ النَّفْس، والعدلِ مع الناس، والرحمةِ بهم؛ فمَن كان عالِمًا، تذكَّرَ جَهلَهُ، فرَفَقَ بالجاهلِ وعذَرَه وعَلَّمَه، ومَن كان مسلِمًا بعدَ كُفرِه، تذكَّرَ كُفْرَه، فعرَفَ مواضِعَ مؤاخَذةِ الكافر، ومَن كان غنيًّا، تذكَّرَ فَقْرَهُ فرَحِمَ الفقيرَ وأعطاه.\nوتذكُّرُ الإنسانِ حالَة قبلَ النعمةِ يذكِّرُهُ بفضلِ اللهِ عليه ونعمتِهِ ورحمتِهِ به، فيَتواضعُ وَيرحم ويشكرُ؛ وهذا يحتاجُ إليه كل أحدٍ؛ قال اللهُ تعالى لنبيِّه - ﷺ -: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٦ - ٨]، ثم قال اللهُ مبينًا أثرَ التذكيرِ بسالفِ الأمرِ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١﴾ [الضحى: ٩ - ١١]، فذكَّرَهُ باليُتم، ثم نَهاهُ عن قَهرِ اليتيم، وذكرَهُ بعدمِ العِلْم، ثمَّ نَهاهُ عن نَهرِ السائلِ الجاهل، والسائلِ الفقيرِ.\nقال قتادةُ في قولِهِ تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾: \"كانَتْ هذه منازِلَ رسولِ اللهِ - ﷺ - قبلَ أن يَبعثَهُ اللهُ ﷾\"؛ رواهُ سعيد عن قتادةَ؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ (٢).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٣٦٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٤١).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢٤/ ٤٨٩).","vol":"2","page":966},{"text":"وفي الآيةِ: تكرارٌ للأمرِ بالتبيُّنِ؛ لأهميتِهِ وعِظمِ أثَرِ التفريطِ فيه؛ ففي أوَّلها قال: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾، ثم قال: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾.\nقال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: \"وعيدٌ مِنَ اللهِ مرَّتيَنِ\"؛ رواه ابنُ أبي حاتمٍ، عن حبيب بنِ أبي عَمرَةَ، عنه (١).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٥، ٩٦].\nفي هذه الآية: فَضْلُ المجاهِدِينَ على القاعِدِينَ غيرِ المعذورِينَ؛ ولذا قال: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾؛ لأن الآيةَ نزَلَت في بَدْرٍ؛ كما رواهُ البخاريُّ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ (٢)، وكان النفِيرُ لبَذرٍ فرضَ عينِ على مَن وجَدَ ظهرًا لإدراكِ قافلةِ قريشٍ؛ لأنَّ النبي - ﷺ - استَنْفَر أصحابَ الظهُورِ مِن أصحابِه، لا كلَّهم، فتعين على مَنِ استنفِرَ.\nولمَّا استيقَنَ أبو سفيانَ خروجَ النبي - ﷺ - إليه، استنفَرَ قومَهُ بمكِّةَ، فلحِقَهُ نحو ألف رجُلٍ، وقطَعَ النبي - ﷺ - بقَتالِهم؛ لأنهم أرادُوهُ، وربَّما لو لم يقاتِل مدَدَ قريشٍ، لَلَحِقوهُ إلى المدينة، فكان على مَن كان مع النبي - ﷺ - بعدَ قطعِهِ متعيِّنًا أن يُقاتِلَهم؛ لأنه دفعٌ لصائلةِ المشرِكِينَ التي ستتبَعُ الصحابةَ إلى المدينة، فاللهُ أعلَمَ نبيهُ بخروجِ فِرقةٍ مِن قريشٍ لنُضرةِ أبي سُفْيانَ؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٤٢).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٩٥٤) (٥/ ٧٣).","vol":"2","page":967},{"text":"وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]، والطائِفتان: قافلةُ أبي سُفيانَ، وفرْقةُ قريشٍ المُناصِرةُ له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-710>تعيُّنُ الجهادِ على بعضِ الناسِ دون بعضٍ:</span>\nفقد يتعيَّنُ الجهادُ على بعضِ الناس، ولا يتعيَّنُ على غيرِهم؛ كقيامِ الحاجه لأهلِ الظهُورِ - كالبعيرِ والفرَسِ - فيَجِبُ عليهم، ولا يجب على الراجِلِ الذي لا يُستفادُ مِن سَيرِهِ على قَدَمِه، وقد يتعيَّنُ على الرمَاةِ وحُذَّاقِ القتالِ عندَ الحاجةِ إليهم واستنفارِهم، ولا يجبُ على غيرِهم.\nوأمَّا استشارةُ النبي - ﷺ - لِمَن معَهُ في بَدرٍ في قتالِ قريشٍ لمَّا جاؤوا مِن مكَّةَ نُصْرةً للقافِلة، ثم قتالهُ، فذلك تطيبًا منه - ﷺ - لنفوسِ أصحابِه وخاصَّةً الأنصارَ؛ لأنَّهم أهل المدينةِ التي سيَرجِعونَ إليها وتُؤويهِم، فربَّما استثقَلَتْ بعض نفوسِهمُ الحربَ بعدَ أمْنِهم ورَغَدِهم في سابقِ سِنِيهِم، ولأنَّه للمُنافِقينَ فيهم كلمةٌ تُؤثِّرُ قبلَ استبانة أمرِهم وفَضْحِ القرآنِ لهم، فأرادَ النبيُّ أن تَطيب نفوسهُم بالجِهادِ ويَظهَرُوا عندَ أنفُسِهم وقومِهم ومَن وراءَهم أنهم أهلُ اختيارٍ لا إكراه؛ تطييبًا لأنفُسِهم، وقطعًا لِقالَةِ المُنافِقينَ مِن ورائِهم، وقد كانتِ الأنصارُ لَمَّا بايَعُوا النبيَّ - ﷺ - في العقَبَة، قالوا: \"إنا بُرَآءُ مِن ذِمَامِكَ حتى تَصِلَ إلى دِيَارِنا، فإذا وَصلْتَ إلينا فأنتَ في ذِمَّتِنا؛ نَمْنَعُكَ مِمَّا نمنَع مِنهُ أبناءَنا ونسَاءَنا\" (١)، فلم يكن في بيعتِهم نُصْرَتُهُ إلا على مَن دهَمَهُ بالمدينة، فأراد أن يَستظهِرَ منهم أمْرَ نصرَتِهِ خارج المدينةِ مِن عدوِّه.\nواستِشارتُهُ للأنصارِ أيضًا أدْعَى لصَبرِهم على العاقبةِ ولو كانت ثقيلةً أو شديدةً عليهم؛ لأنَّه اختيارُهم.\nوهذا نظيرُ قولِهِ تعالى على لسانِ إبراهيمَ لابنهِ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ\n_________\n(١) \"سيرة ابن هشام\" (١/ ٦١٥).","vol":"2","page":968},{"text":"أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢]؛ لشدةِ الأمرِ وثقَلِهِ على ابِنه، أرادَ بأخذِ رأيِهِ عليه أن تَطيب نفسهُ به، فيكونَ أظهَرَ في الاتباعِ والاحتِسابِ وأقوَى للصبر، والصحابةُ يَعلَمونَ أنَّ النبي - ﷺ - يرِيدُ قتالَ قريشٍ؛ لهذا قام أبو بكرٍ وعُمَرُ والمِقدادُ بنُ عمرٍو، وقام سعدٌ، فأيَّدُوهُ على إقدامِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-711>أهلُ الأعذارِ بتركِ الجهادِ:</span>\nوالمراد بأُولي الضَّرَرِ في الآية: عبدُ اللهِ بن أم مَكتُوم، ومَن في حُكْمِه؛ فإنَّما نزلَت فيه؛ قال الَبرَاءُ بنُ عازبٍ: \"لمَّا نزلَت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، كلَّمَهُ ابنُ أمِّ مكتومٍ وكان أَعمَى، فنزلَت ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾؛ رواهُ البخاريُّ، عنِ البَراءِ وزَيدِ بنِ ثابتٍ (١).\nوالضِّرَر في الآية وإن نزَلَ خاصًّا بلفظِه، فهو عامٌّ في حُكمِه؛ ولذا قال ابنُ عبَّاسٍ: \"أُولي الضَّررِ: أهلُ العُذرِ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-712>أجرُ القاعِدِ المعذورِ:</span>\nوقدِ اختلِفَ في إدراكِ القاعدِ المعذورِ لفَضْلِ المجاهِدِ:\nفمِنَ السَّلَفِ: مَنِ استَثنَى المعذورَ مِنَ التفاضُلِ في الآية، وحمَلَ ما بعدَ الاستثناءِ للمعذورِ مِن فضلٍ على الاستثناءِ السابق، فجَرَّهُ عليه كلِّه؛ ويعضُدُ ذلك: ما في \"الصحيح\"؛ مِن حديثِ حُمَيدٍ، عن أنسٍ؛ أن رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (إِنَّ بِالمَدينَةِ أقوَامًا، مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعتُمْ وَادِيًا، إِلا كَانُوا مَعَكُم)، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَهُمْ بالمَدِينَةِ؟ ! قَالَ: (وَهُمْ بِالمَدِينةِ؛ حبسَهُمُ العُذر) (٣).\nومِنَ السلَفِ: مَن جعلَ الضرَرَ في الآيةِ لرَفعِ الإثم والحرَجِ، وأمَّا\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٨٣١) و(٣٨٣٢) (٤/ ٢٤، ٢٥)، ومسلم (١٨٩٨) (٣/ ١٥٠٨).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٤٣).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٤٢٣) (٦/ ٨).","vol":"2","page":969},{"text":"في الفضلِ، فالمُجاهِدونَ أفضَلُ مِن القاعِدينَ ولو كانوا مَعذورِينَ، فحمَلَ أوَّلَ الآيةِ على رفعِ الحَرَجِ عنهم، وفي آخرِها ذكَرَ فَضلَهُم عليهِم، وهو قوله ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾؛ وذلك لقرينةِ ذِكرِ اللهِ للحُسنى للجميعِ؛ لأنَّ القاعدَ غيرَ المعذورِ في جهادِ فرضِ التعيينِ: مَقامهُ مقامُ وعيدٍ، لا مقامُ وَعْدٍ، ومقامُ تهديدٍ، لا مقام فضلٍ؛ وبمعنى هذا قال ابنُ جُرَيجٍ وغيرُه (١).\nوالأظهرُ: أن الأصلَ أنَّ القاعدَ المعذورَ يأخُذ أجرَ المجاهِدِ بمقدارِ ما يقَعُ في قلبه، كما يختلفُ المجاهِدونَ بحسَب ما يقعُ في قلوبِهم، فيتَبايَنُ فضلُ القاعِدينَ المعذورِينَ فيما بينَهم، كما يتَبايَنُ فضلُ المجاهِدِينَ النافِرِينَ فيما بينهم؛ فالقاعدُ المعذورُ الذي يَحزَنُ لعُذرِهِ غير القاعدِ المعذورِ الفَرِحِ بعُذرِه، وربَّما تساوى القاعِدُ بالمجاهِد، بل وربَّما يفضُلُ القاعد المعذورُ المجاهدَ النافرَ؛ لأن القاعدَ، وجَدَ حسرةً شديدة على عذرِه، والمجاهدَ تمنَّى القعودَ وكَرِهَ الخروجَ واستثقَلَهُ، وإنما سببُ خروجِه خشيةُ الناسِ وحديثهم.\nوالقاعدُ المعذوز يأخُذ أجرَ أصلِ الجهادِ والخروجِ الذي يَشترِكُ فيه الجميعُ؛ مِنَ السَّيرِ وقِتَالِ العدو، ولا يأخُذُ ما يختص له المجاهِدُ عن المجاهدِ في الغزوِ؛ كأجرِ الشهادة، وعاقبتِها، وفضلِ الموتِ بها، وأجرِ قتلِ الكافرِ؛ كما في الحديثِ: (لَا يَجتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلُهُ فِي النَّارِ أبدًا) (٢)، وكأجرِ الإثخانِ والأسرِ؛ فهذا لا يَشترِكُ فيه المجاهدونَ أنفسُهم؛ فيتَمايَزونَ بينَهم بحسَبِ إقدامِهم وتقديرِ الهَمِّ، فما يتبايَنُ فيه المجاهِدون أنفُسهم منَ الفضلِ لا يُساويهم فيه القاعِدونَ؛ ففي الحديثِ: (مَا سِرْتم\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٧/ ٣٧٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٤٣).\n(٢) أخرجه مسلم (١٨٩١) (٣/ ١٥٠٥)؛ من حديث أبي هريرة.","vol":"2","page":970},{"text":"مَسيِرًا، وَلَا قَطَعتُم وَادِيًا) (١)؛ فهذا يَشترِكونَ فيه جميعًا، ويَعلَمُ القاعدُ حصولَهُ منه يقينًا، لكنه لا يَعلَمُ شهادته ولا إثخانَهُ وأسرَهُ لعدوِّه، لذا كان الأصلُ فَضْلَ المجاهِدِ على القاعِدِ في الإسلامِ مِن هذه الوجوهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-713>مراتبُ المجاهِدِين:</span>\nثم ذكَرَ الله بعدَ ذلك قَدرَ التفضيلِ: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾؛ وهذا تفسيرٌ للدرجةِ المذكورةِ قبل: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾.\nومراتبُ المجاهِدين دَرَجاتٌ، فليسوا سواءً؛ بل هم بحسب ما خرَجُوا به، وبحسَبِ سرائرِهم، وبحسَب مواضعِ قَتلِهم، ونوعِ عدوِّهم، ونوعِ قتالِه؛ فقتيلُ البحرِ يختلِفُ عن قتيلِ البَرِّ، وقتيلُ الدَّفْعِ يَختلِفُ عن قتيلِ الطَّلَبِ، وقتيلُ الدفْعِ عنِ الدِّينِ يَختلِفُ عن قتيلِ الدَّفْعِ عنِ النفس والمالِ والعِرْض، وقتيلُ الدفعِ عنِ العِرْضِ يَختلِفُ عن قتيلِ الدفعِ عنِ المالِ.\nوقتيلُ الفتحِ للأرضِ المبارَكةِ ليس كقتيلِ فتح غيرِها، وقتيلُ الخوارجِ ليس كقتيلِ البُغاة، ومَن رَمى بسهمٍ يَختلِفُ عمَّن رمى بسهمَينِ، ومَن قاتَلَ يومًا ليس كمَن قاتَلَ أيامًا.\nوأَدنى درجاتِ المجاهِدِينَ مرتبةٌ عظيمةٌ، وفي \"البخاري\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ، عنِ النبيِّ - ﷺ -؛ قال: (إِنَّ فِي الجنةِ مِئةَ دَرَجَةٍ، أعَدَّهَا اللهُ لِلمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ الله، مَا بَينَ الدَّرَجَتَينِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٤٣٣) (٦/ ٨) عن أنس، ومسلم (١٩١١) (٣/ ١٥١٨) من جابر.\n(٢) أخرجه البخاري (٢٧٩٠) (٤/ ١٦)، وأخرجه مسلم (١٨٨٤) (٣/ ١٥٠١) بنحوه عن أبي سعيد.","vol":"2","page":971},{"text":"وقد روى أحمدُ والنسائيُّ؛ مِن حديثِ شُرَحبِيلَ بنِ السِّمْطِ، عن كعبِ بنِ مرَّةَ، وروى ابنُ أبي حاتمٍ، عن أبي عبيدةَ، عن أبيه ابنِ مسعودٍ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (مَن بَلَغَ بِسَهْمٍ، فَلَهُ دَرَجَةٌ)، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، وَمَا الدَّرَجَةُ؟ قَالَ: (أمَا إنها لَيسَت بِعَتَبَةِ أُمِّكَ؛ مَا بَينَ الدَّرَجَتَينِ مِئَةُ عَامٍ) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾؛ الحسنى: هي الجنَّة، ويُؤجَرُ القاعدُ الذي لم يتعيَّن عليه الجهادُ بمقدارِ نفعِهِ في قعودِه، وخلافتِهِ مكانَ المجاهِدِينَ، وأثَرِهِ في الناس، وأمَّا القاعدُ المعذورُ عن الجهاد، وهو فرضٌ عليه قبلَ عُذْرِه، أو ليس بفَرضٍ عليه، لكنه يُريدُهُ وهو عاجز عن فعلِه، فيُؤجَرُ بمقدارِ نيَّتِهِ وما يَعلمُهُ اللهُ مِن قلبِهِ مِن حبِّ الجهادِ وأهلِه، وما يجدُهُ في نفسِهِ مِن حب زوالِ عُذرِه.\nوَيختلِفُ هذا عنِ المعذورِ الذي يفرَحُ بعذْرِه، فيختلفُ عمَّن يتمنَّى زوالَ عذرِهِ وَيحزَنُ لوجودِه؛ كمَن يُكسَر ويفرَحُ لكَسرِه؛ ليَترُكَ صلاةَ الجماعة، فهذا لا يُؤتى أجر من صلَّى الجماعةَ وهو يتمنَّى نزولَ عذرٍ عليه ليمنَعَهُ مِن الصلاةِ.\nودرجاتُ المجاهِدِينَ الكثيرةُ هي التي بَيّنها اللهُ بعدُ بقوله ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾.\nوفي هذا: دليلٌ على أن الجهادَ مِن أسبابِ غُفرانِ الذنوب، ونزولِ رحمةِ اللهِ على عبادِه؛ فهو موضعُ الغُفْرانِ ومنازل الرَّحمةِ.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٨٠٦٣) (٤/ ٢٣٥)، والنسائي (٣١٤٤) (٦/ ٢٧)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ١٠٤٤).","vol":"2","page":972},{"text":"قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩].\nوصَفَ الله مَن ترَكَ الهِجرةَ مِن بلدِ كفرٍ إلى بلدِ الإسلامِ بظُلمِ النفس؛ وذلك أنَّ في البقاءِ بينَ ظَهرَانَيهِمْ تضييعًا لحدودِ اللهِ وأحكامِه، ولو أُقيمَتِ الشرائع، فربما كان في البقاءِ بين ظَهرانَيهِم تكثيرٌ لسَوادِهم، فإذا نزلَت نازلةُ حربٍ بالكافِرِين، استَنفَرُوا معهمُ المُسلِمِنَ أو أكرَهُوهم.\nروى البخاري؛ مِن حديثِ عِكرِمَةَ، عنِ ابنِ عباسٍ: \"أن نَاسًا مِنَ المُسلِمِينَ كَانُوا مَعَ المشرِكِينَ يُكَثرُونَ سَوَادَ المُشرِكِينَ، عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، يَأتِي السهمُ فَيرمَى بِه، فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ، فَيَقتلُهُ، أَوْ يُضرَبُ فيقتَلُ؛ فأنزَلَ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (١).\nوقال ابنُ إسحاقَ: \"إن الذين قال الله فيهمْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ خمسة فِتيةٍ مِن قرَيش: عليُّ بنُ أميةَ، وأبو قيسِ بنُ الفاكِه، وزَمعةُ بنُ الأسود، والعاصُ بنُ منبهٍ، ونسيتُ الخامس\"؛ رواهُ عبد الرزاق، عنِ ابنِ عُيَينة، عنِ ابنِ إسحاقَ (٢).\nوذكَرَ ابنُ جُرَيجٍ، عن عِكرِمةَ؛ أنهم عليُّ بنُ أمية، وأبو قيسِ بنُ الوليدِ بنِ المغيرة، والعاصُ بنُ منبِّهِ ينِ الحجَّاج، والحارثُ بنُ زَمعةَ (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٥٩٦) (٦/ ٤٨).\n(٢) \"تفسير القرآن\" لعبد الرزاق (١/ ١٧٢)، و\"تفسير الطبري\" (٧/ ٣٨٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٤٦)، و\"سيرة ابن هشام\" (١/ ٦٤١).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٣٨٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٤٦).","vol":"2","page":973},{"text":"وهؤلاءِ وأمثالُهم تَرَكوا الهِجرةَ مع النبيِّ - ﷺ - إلى المدينة، ولم يكونوا هاجَروا إلى الحَبشةِ مِن قبلُ، وبَقوا فيها، فأكرَهَهُمُ المشرِكونَ على الخروجِ معهم إلى بَدرٍ لقتالِ النبي - ﷺ -، وهؤلاءِ لا يُعذَرونَ مع قدرتهم على الهِجرة، وقد كانتِ الهجرةُ مِن مكةَ إلى المدينةِ متعيِّنةً على كل قادر بلا خلاف بينَ المسلِمينَ.\nوفي دليلِ الخِطَاب منِ هذه الآيةِ: فضلُ الصحابةِ؛ فمِن أعظَمِ أعمالِهم وفضلِهم: تكثيرُهم لسَوَادِ النبي - ﷺ - بالإحاطةِ به، والاجتماعِ حولَه؛ ولذا كان في خبَرِ ابن عبَّاسٍ وصفٌ لِعِلَّةِ ذمِّ مَن لم يُهاجِر ممَّن أسلَمَ: \"يكَثرونَ سَوَادَ المشرِكِينَ\"؛ فبقاؤهم بينَ ظَهرَانَيهِم تكثير لسَوادِهم، والنبي - ﷺ - في حاجةٍ لهذا السَّوَادِ الذي يَنقلهُ كل واردٍ إلى المدينةِ لأقوامِهم، فتكونُ له الشوكةُ والهيبة.\nوبعضُ جَهَلَةِ المبتدِعةِ يظُن أن لا فضلَ لصحابيٍّ إلا مَن جاء الدليلُ بفضلِهِ بعَينِه، ويَغفُلُ عن أن من كان في المدينةِ يُحِيط بالنبيِّ - ﷺ - وَيمشي في أسواقِها موالِيًا له مُكثِّرًا لسوادِه، يَرَاهُ الوارِدُ إليها، فيذكُرُهُ معَ غيرِهِ لقومِه؛ فإنَّ هذا الشهودَ المجردَ أعظَمُ عندَ اللهِ مِن عبادةِ المتعبِّدينَ ممَّن بعدَهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-714>وجوبُ الهِجرةِ:</span>\nوقوله تعالى\" ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ حملَ بعض العلماءِ الظلمَ في الآية على الكفرِ؛ كالبَغَوِيِّ (١) والوَاحِدِي (٢)؛ فجَعَلُوا الهِجرةَ مِن مَكَّةَ إلى النبي - ﷺ - في المدينةِ شرطًا في الإسلامِ لا يصحُّ إلا بها، ثم نُسِخَ ذلك بعد الفتح.\n_________\n(١) \"تفسير البغوي\" (إحياء الترات) (١/ ٦٨٥).\n(٢) \"التفسير الوسيط\" (٢/ ١٠٥).","vol":"2","page":974},{"text":"والصحيحُ: أنَّ الهجرةَ واجبةٌ، لكنَّها ليسَتْ شرطًا في الإسلامِ؛ لقولِهِ تعالى في الأنفالِ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢]؛ فسمَّاهم مؤمِنينَ، ورفَعَ عنِ المؤمنينَ وَلَايَتَهم، وليس المرادُ بهم في آيه الأنفالِ هذه المُستضعَفِينَ العاجِزِينَ عنِ الهجرةِ؛ لأنَّ نُصرَتَهم واجبةٌ على المؤمنينَ، ومُوالاتَهم كذلك، ولو كان على قومٍ بينَنا وبينَهم ميثاقٌ، فقَيدُ النُّصرةِ على قومٍ ليس بينَنا وبينَهم ميثاقٌ: دليلٌ على أنهم ليسوا بمَعذُورِينَ ببقائِهم وعدمِ تحوُّلِهم مِن دارِهم إلى دارِ الإسلامِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-715>الهجرة علامةٌ على الإسلام:</span>\nوقد كانتِ الهجرةُ مِن مكَّةَ إلى المدينةِ عَلَمًا على الإسلامِ ونفيِ الكفرِ والنفاق، وانتفاؤها كان علَمًا على الكفرِ والنفاقِ ونفيِ الإيمان، لا أن تحقُّقها إيمان بعَينه، ولا انتِفاءَها كفرٌ بعَينِه؛ وقريبٌ مِن ذلك: الجهادُ في المدينةِ بعدَ وجوبه، فترْكُهُ علَمٌ على النّفاق، والقيامُ به علَمٌ على الإيمان، والتاركُ للهجرةِ إلى المدينةِ بلا عذرٍ منافق ولو قال بالإسلام، وتاركُ الجهادِ المتعيِّنِ بلا عذرٍ منافقٌ ولو أظهَرَ الإسلامَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-716>اختلافُ أحوالِ المنافِقِين بحسَب بلدانهم:</span>\nولكن كان النبي - ﷺ - يُفرِّقُ بينَ المنافِقينَ بمكةَ والمنافقينَ بالمدينة، فيُجرِي أحكامَ الحربِ الظاهرةَ على المنافِقِ بمَكَّةَ وَسطَ المشرِكِينَ، وأحكامَ الإسلام الظاهرةَ على المنافقِ بالمدينةِ وَسطَ المسلِميِنَ، فيُجري على من كان بمَكَّةَ: أحكام الحربِ؛ مِن القتالِ والأسرِ والرِّقّ، وعلى مَن كان بالمدينةِ: عِصمةَ النفسِ والمالِ والولَدِ.\nوقد قاتَلَ النبي - ﷺ - في بدرٍ المشرِكِينَ، وفي صَفِّهم مَن أسلَمَ ولم","vol":"2","page":975},{"text":"يُهاجِرْ وبَقِيَ في مكَّةَ، فأخرَجَهُ المشرِكُونَ معَهُ للقتال، فأخَذُوا حُكْمَهم؛ فأسَرَهمُ النبي - ﷺ - كما أسَرَ المشرِكِين.\nولذا فإنَّ النبيَّ - ﷺ - قال للعبَّاسِ لمَّا أُسِرَ في بدرٍ: (افْدِ نَفسَكَ وَابنَي أَخِيكَ)، فقال العبَّاسُ: ألَم نُصَلِّ إلى قِبلَتِك، ونَشهَد شهَادَتَك؟ فقال النبي - ﷺ -: (يَا عَبَّاسُ، إِنكَمْ خَاصَمتُم فَخُصِمتُم)، فتلا عليه قوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-717>مَن وقَفَ في صفِّ المشرِكِين:</span>\nوفي هذه الآيةِ دليلٌ على أن مَن وقفَ في صَفِّ المشرِكِينَ المحارِبينَ مِن المسلِميِنَ وهو يَعلَمُ ولو مُكرَهًا -: أخَذَ حُكمَهُم في دَمِهِ ومالِه، ومَن بقِيَ في دارِ الحربِ مِنَ المسلِمِينَ ممَّن ترَكَ الهجرةَ، لم يكُنْ مجرَّدُ بقائِه كفرًا في ذاتِه؛ كما نصَّ عليه الشافعي في \"الأم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-718>مخالَطَة المشرِكِ:</span>\nومَن خالَطَ المُشرِكَ وجالسهُ ولم يكُنِ المشرِك حربيًّا وليس بينَهُ وبينَ المسلِمينَ عداوةٌ ظاهرةٌ ولا قتالٌ -: فلا يأخُذُ حُكمَهُ ولو كانتِ الهجرةَ واجبةً عليه؛ لأنه قد يَجتمِعُ به على تجارةٍ أو زراعةٍ أو قَرابةٍ، وأمَّا ما رَوَاهُ أبو داودَ، عن سَمُرةَ بنِ جُندُبٍ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (مَن جَامَعَ المشرِكَ وَسَكَنَ مَعَه، فَإِنَّهُ مثلهُ) (٢)، فلا يَصِحُّ.\nومثلهُ ما رواهُ الطبراني مرفوعًا: (إني بَرِيءٌ مِن كُلِّ مسلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ) (٣).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٣٨٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٤٧).\n(٢) أخرجه أبو داود (٢٧٨٧) (٣/ ٩٣).\n(٣) ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٦٦٣٠) (٧/ ٣٤٨)، والنسائي (٤٧٨٠) (٨/ ٣٦)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٢٦٥) (٢/ ٣٠٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ١٣٠).","vol":"2","page":976},{"text":"وليس كلُّ معيَّةٍ ومُجالَسةٍ ومخالَطةٍ للمسلمِ مع المشرِكِ تَنفي الإيمانَ، وإنَّما يِحسَبِ حقيقةِ المعيَّةِ ونُوعِها، والمخَالَطةِ وما يُرادُ مِنها؛ فالاجتماعُ بهِم للمُصالَحةِ والمؤاجَرةِ والموادَعةِ وغيرِها جائزةٌ بلا خِلافٍ.\nوقد كانَتْ للهجرةِ مِن مَكَّةَ إلى المدينةِ خصيصةٌ عن غيرِها مِن الأرضِ؛ فقد كان يأمُرُ بها اللهُ ورسولُهُ - ﷺ -، وما كان يأمُرُ النَّبِيُّ - ﷺ - سَراياهُ عندَ بَعْثِها إلى غيرِ مَكَّةَ مِن القُرَى والمُدُنِ بالإِسْلامِ والهجرة، بل كان يأمرُهُمْ كما في \"الصحيحِ\"؛ قال: (إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ - أَوْ خِلَالٍ - فأيتهن مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُم إِلَى الإسْلام، فَإنْ أجَابُوكَ، فَاقْبَل مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمَ إِلَى دَارِ المُهَاجِرِبنَ، وَأَخْبِرْهُمْ أنَّهُمْ أَنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى المُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرْهُمْ أنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ المُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ الْذِي يَجْرِي عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيْمَةِ وَالْفَيْءِ شَيءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ) ... الحديثَ (١).\nأخرَجَه مسلمٌ مِن حديثِ بُرَيدةَ، وفيه: أنَّه لم يُلزِمْهُمْ بالهِجْرَة، وإنَّما دعاهم وخَيَّرَهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-719>عذرُ الإنسانِ لنفسِهِ وهو مكلَّفٌ:</span>\nوفي هذه الآيةِ في قولِهِ: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ عدَمُ قَبُولِ الدَّعْوى ما لم تَقُمْ عليْها بيِّنةٌ، فهُمُ ادَّعَوُا الضَّعْفَ وليسوا كذلك.\nوقد تسوِّلُ النفسُ لصاحبِها عُذْرَها عندَ استِثْقالِها التكاليفَ، فتَظُنُّ أنَّها معذورةٌ، وليست كذلك؛ لذا قال اللهُ: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٧٣١) (٣/ ١٣٥٧).","vol":"2","page":977},{"text":"فِيهَا﴾؛ وإلَّا فالأصلُ أنَّ اللهَ عذَرَ المستضعَفِينَ؛ كما في قولِهِ بعدُ: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾.\nوكان النبيُّ - ﷺ - يُفرِّقُ بينَ المسْتضَعَفِ الذي لم يُهاجِرْ والقاعدِ القادرِ، وكان يدعو لهم ويدعو عَلَى عدوِّهم؛ كما في \"الصحيحينِ\"، عن أبي هريرةَ؛ قال: بَيْنَا النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي العِشَاءَ، إِذْ قَالَ: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ: (اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ نَجِّ الوَليدَ بْنَ الوَلِيد، اللَّهُمَّ نَجِّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-720>إقامةُ المسلِمِ القادِر وسْط المحارِبينَ:</span>\nوكلُّ مَن أسلَمَ بِمَكَّةَ قبلَ الفتحِ ولم يُهاجرْ مِن وَسْطِ المُحارِبينَ وهو قادرٌ، لفد أخَذَ حُكمَ الكافرِ فيها، وسَرِيرَتُهُ إلى الله، واستثنَى اللهُ المستضعَفَ الذي لا يمكَّنُ مِنَ الخروجِ؛ ولذا قال ابنُ عبَّاسٍ: \"كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ؛ أَنَا مِنَ الوِلْدَان، وَأُمِّي مِنَ النِّسَاءِ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-721>عَلَى مَنْ تَجِبُ الهِجْرة:</span>\nوقد وصَفَ اللهُ ضَعْفَهُمْ في قولِهِ: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، والمُرادُ بالحِيلَةِ: عَجْرُ الإنسانِ في نفسِه؛ بعَمًى، أو عرَجٍ وعدَمِ دابَّةٍ، أو خَوْفِه؛ فلا يجِدُ مَخرَجًا مِنْ كُفَّارِ قريشٍ، ولا مَلاذًا عنهم، وقولُه ﴿سَبِيلًا﴾؛ يَعني: طريقًا معروفًا وآمِنًا إلى المدينة، ومَن وجَدَ ثلاثةَ أشياءَ، وجبَتْ عليه الهجرةُ، وهي:\nالأوَّلُ: قُدْرةُ البدَنِ، والسلامةُ مِنَ المانعِ؛ كالعَمى.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٥٩٨) (٦/ ٤٨)، ومسلم (٦٧٥) (١/ ٤٦٧).\n(٢) أخرجه البخاري (١٣٥٧) (٢/ ٩٤).","vol":"2","page":978},{"text":"الثاني: المَلَاذُ عَن كفارِ قريشٍ، وعدمُ تمكُّنِهم منه؛ فإنَّهم يُعذِّبونَ كلَّ مَن لَحِقَ بالمُسلِمِينَ إلى الحَبَشةِ - الأُولى والثانيةَ - ثُمَّ المدينةِ وتمكَّنُوا منه.\nالثَّالثُ: معرفةُ الطريقِ إلى المدينة، ومعه زادُه فيه.\nومَن وجَدَ عُذْرًا مِن هذه الثلاثة، فهو مِن المستضعَفِينَ؛ فقد يكونُ الرجلُ أو المراةُ صحيحَ البدنِ عارفًا بطريقِ المدينة، ولكنَّه مغلوبٌ مِن قريشٍ كالمحبوسِ؛ لأنَّهم يجعَلُونَ أَعْيُنًا لِمَن خَرَجَ مِن مكةَ، وقد يكونُ عارفًا بالطريق، آمِنًا فيه ومعه زادُه، يجدُ مَلاذًا مِن قريشٍ، لكنَّه مريضٌ بما لا يستطيعُ معه الخروجَ.\nومَن كان معذورًا، فقد رفَعَ اللهُ عنه الحرَجَ؛ قال ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.\nوقولُهُ تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ هو كقَولِهِ في العنكبوتِ: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [٥٦]، وفي ذلك إشارةٌ إلى وجوبِ الخروجِ مِن مَكَّةَ ولو إلى غيرِ المدينةِ عندَ العَجْزِ عنها.\nوفي هذا: الهجرةُ مِن بلدِ الكفرِ التي لا يتمكَّنُ المُسلِمُ فيها مِن إظهارِ دِينِهِ إلى بلدِ الكفرِ التي يتمكَّنُ فيها مِن ذلك؛ كهِجْرةِ مَن هاجَرَ إلى الحبَشة، وفاعلُ ذلك معدودٌ مِنَ المهاجِرِينَ، ومُدرِكٌ لأجرِ الهجرةِ وفَضْلِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-722>الفرقُ بين بلدِ الإسلامِ وبلدِ الكفر:</span>\nوأمَّا الفرقُ بينَ بلدِ الإِسلامِ وبلدِ الكفر، فالأصلُ أنَّه يَرجِعُ إلى دينِ الناس، لا إلى حُكَّامِهم، فالشُّعُوبُ والمَحكومونَ إنْ غلَبَ عليهِمُ الإِسْلامُ وهم سَوَادُ أهلِ البلد، ويُقيمونَ شَعائرَ الدِّينِ فيها، فبَلَدُهُمْ بلدٌ مسلِمٌ، ولو كان الحاكِمُ كافرًا.","vol":"2","page":979},{"text":"فقد يكونُ البلدُ مسلِمًا، وحاكمُهُ كافرًا، كبَعْضِ دولِ الإِسلامِ في القرونِ الخاليةِ التي وقَعَ بعضُ حُكَّامِها في مكفِّرٍ ظاهِرٍ؛ كالدولةِ البُوَيْهِيَّةِ في العراق، والعُبيديَّةِ في مصرَ والقيروان، وغيرِهما؛ فالناسُ فيها يُظهِرونَ الإسلامَ وشرائعَ الدِّين، ولم يُفْتِ أحدٌ مِنْ علمائِها عمومَ الناس بالهجرةِ لأجلِ حاكمِها، ولَمَّا أَفْتَى أبو جعفرٍ الدَّاوودِيُّ علماءَ القيروانِ بالهِجرةِ أسكَتُوهُ وأنكَرُوا عليه قولَه؛ وذلك أنَّ العلماءَ إنْ تَرَكُوا العامَّةَ تَرَكُوا دِينَهم، وتَبَدَّلَتْ بلدٌ بكامِلِها بعدَما كان الخوفُ عَلَى بعضِها.\nوفرقٌ بينَ كفرِ الحاكِم وكفرِ المحكومينَ، ولا يَلزَمُ مِن كفرِ الحاكمِ كفرُ المحكوم، إلَّا عندَ بعضِ الخوارجِ.\nوقد يكونُ الحاكمُ مسلِمًا، والمحكومونَ كفِّارًا؛ فيكونُ البلدُ بلدَ كفرٍ؛ كالحبَشةِ بعدَ إسلامِ النجاشيِّ؛ فهو مسِلمٌ، ومَحكُومُوهُ نَصارى.\nويخرُجُ مِن هذا إنْ حكَمَ حاكمٌ مسلِمٌ بلدًا أكثرُهُ كفَّار بحُكْمِ الله، وأَجْرَى للمُسلِمِينَ الظُّهُورَ، ولو كانوا أقلَّ مِن غيرِهم، فغلبَت شوكةً المسلِمِينَ شوكةَ الكافِرِينَ، وظهورُ المسلِمِينَ ظهورَ الكافِرِينَ، فيَحُلُّ الظهورُ هنا مَحَلَّ الكثرة، ويأخُذُ البلدُ حُكْمَ بلدِ الإِسلامِ.\nوقد نصَّ عَلَى اعتبارِ الظهورِ والغلَبةِ غيرُ واحدٍ مِن الأصحابِ؛ كأبي يَعْلَى وابنِ مُفلِحٍ؛ فقد تكونُ بلدةٌ أو قريةٌ أهلُها عَلَى الكفر، وهي داخلةٌ في دولةِ المُسلِمِينَ، محكومةٌ بحُكمِهم، فلا تأخُذُ حُكمَ بلَدِ الكفرِ؛ كخَيبَرَ؛ فقد كان جلُّ أهلِها يهودَ، ولكنَّها تحتَ حُكْم المُسلِمينَ ودولتِهم، وخَرَاجُها لهم، وقد جَعَلَ النبيُّ - ﷺ - عليها عُمَّالَهُ، فلم يكُنْ يسكُنُها الصحابةُ كما يسكُنونَ المدينةَ، وإنَّما يُعامِلونَ أهلَها ويُبايِعُونَهم، ولو أقام فيها أحدٌ، لم يكُن مقيمًا في بلدِ كفرٍ، وإنَّما جاوَرَ كافِرِينَ؛ لأنَّ الأرضَ للمُسلِمينَ، وحُكمَهم عليها نافذٌ وظاهرٌ؛ كظُهُورِ الكثرةِ عَلَى القِلَّة، وخَرَاجَها لهم، فالنبيُّ حينَما أخرَجَهم منها، لم يُعْطِهم قيمةَ","vol":"2","page":980},{"text":"أرضِهم؛ لأنَّها للمُسلِمِينَ لا لهم، وهذا يختلِفُ عن بلدٍ أهلُها كفارٌ، ويَملِكونَها، ويُظهِرونَ فيها ما يشاؤونَ مِن دينِهم ودُنياهم.\nوبعضُ العلماءِ يجعلُ في البُلْدانِ قِسْمًا ثالثًا، وهي بُلْدانٌ لا تأخُذُ أحكامَ دارِ الحرب ولا دارِ الإِسلامِ؛ وذلكَ لاختلافِ حالِ الظُّهُورِ والتمكُّنِ والكثرةِ فَيها؛ كما أفتَى ابنُ تيميَّةَ في (ماردينَ)، فقَدْ جعَلَها مركَّبةً فيها المعنَيان، فلم يجعَلْها بمنزلةِ دارِ السِّلْمِ التي تَجري عليها أحكامُ الإِسلام، ولا بمنزلةِ دارِ الحربِ الي أهلُها كفَّارٌ، بل جعَلَها قسمًا ثالثًا متوسطًا.\nوالبلدانُ لا دوامَ لحالِها، فقد تتحوَّل كما يتحوَّلُ الإنسانُ مِنَ الإسلامِ إلى الكفر، ومِنَ الكفرِ إلى الإسلام، ومِنَ الطاعةِ إلى الفِسق، ومِنَ الفسقِ إِلى الطاعةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-723>الهجرة إلى بلدِ الكُفرِ المسالِمِ:</span>\nوقد يُهاجِرُ المسلِمُ مِن بلدِ كفرِ مُحارِبٍ إلى بلدِ كفرٍ مُسالِمٍ عندَ العجزِ عنِ الوصولِ إلى بلدِ مسلِمٍ، ويُسمَّى مُهاجِرًا وفِعلُهُ هِجْرةً، وقد سمَّى النَّبِيُّ - ﷺ - مَن هاجَرَ إلى الحبشةِ مُهاجِرًا، بل أمَرَهم بذلك، وقد قال قتادة في قولِ اللهِ تعالى في النَّحْلِ: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [٤١]؛ أنَّه فيمَن هاجَرَ إلى الحبَشةِ مِنَ الصحابةِ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-724>مُوجباتُ الهِجْرةِ:</span>\nوأَمَّا هِجْرةُ الصحابةِ مِن مَكَّةَ إلى الحَبَشة، فلِأَجْلِ إظهارِ الدِّين، لا لأجلِ الفَرْقِ بينَ الدَّارَيْن، فإنَّ الهجرةَ لها موجِبانِ:\n* منها ما يتعلَّقُ بالعمَلِ وإظهارِ الدين.\n* ومنها ما يتعلَّقُ بالبلدِ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٤/ ٢٢٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٢٢٨٤).","vol":"2","page":981},{"text":"أمَّا العملُ، فإِنْ مُنِعَ المسلمُ مِن إظهارِه - كرَفعِ الأذان، وبِناءِ المساجدِ - وجَبَ عَلَيْهِ الهِجْرةُ إلى بلدِ يُظهرُ فيه شرائعَ دِينِه، ولو كان البلدُ الذي يُهاجِرُ ممن أهلُهُ مسلِمُونَ تَسلَّطَ عليهم مَن يمنَعُهُمْ مِن إظهارِ دِينِهم، والذي يُهاجِرُ إليه أهلُه كافرونَ، والهجرةُ لأجلِ إظهارِ الشرائعِ أَوْجَبَ مِن الهِجْرةُ لأجلِ مُفارَقةِ بلدِ الكافِرِينَ.\nوأمَّا الهِجْرةُ لأجلِ البلَد، لا لأجلِ إظهارِ الشرائع، فهو أن يُهاجِرَ مِن بلدٍ كافرٍ يُظهِرُ فيه دينَهُ وشرائعَهُ إلى بلدٍ مسلمٍ يُظهِرُ فيه دينَهُ وشرائعَهُ؛ لأنَّ العِلَّةَ الأقامةُ بينَ ظَهْرَانَيْهُمْ.\nوهجرةُ الحبشةِ الأُولى والثانيةُ لأجلِ العَمَلِ وإظهارِ الدِّين، لا لأجلِ البلدِ؛ فلم تكُنِ الحبشةُ بلدَ إسلام، وهجرةُ المدينةِ لأجلِ العملِ والبلَدِ معًا، والهجْرةُ لحفظِ العملِ وإقامتِهِ أعظَمُ مِنَ الهجرةِ لأجلِ الأرضِ والبَلَدِ؛ لأنَّ البَلَدَ ولو كان فاضلًا - كمَكَّةَ والمدينةِ والمسجدِ الأقصى - لا يَلزَمُ منه القدْرةُ عَلَى إظهارِ العملِ؛ فمَنْ قدَرَ عَلَى إظهارِ دينِه، أقام، ومَن لمْ يَقدِرْ، هاجَرَ ولو إلى بلدِ مفضولٍ؛ لأنَّ فضلَ الأعمالِ أعظَمُ مِن فضلِ البُلْدان، وأثَرَ الأعمالِ عَلَى أصحابِها أعظَمُ مِن أثرِ البُلْدانِ عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-725>أحوالُ وجوبِ الهجرةِ وتحريمِها:</span>\nويَختلِفُ الفقهاءُي وجوبِ الهجْرةِ مِن بلدِ الكفر، مع القدرةِ عَلَى إقامةِ الدِّينِ وإظهارِ الشرائعِ فيه، إلَّا أنَّ ثَمَّةَ صُوَرًا لا يَخْتَلِفونَ في وجوبِ الهجرةِ فبها ولو أُقيمَتِ الشرائعُ، وصُوَرًا لا يَختلِفونَ في جوازِ الإقامةِ في بلدِ الكفرِ فيها، أو استحبابِ ذلك، وصورًا لا يَختلِفونَ في تحريمِ الهجرةِ فيها:\nأمَّا ما لا يُخْتلَفُ في وجوبِ الهجرةِ فيها مِن بلدِ الكفرِ ولو أُقيمَتِ الشرائعُ فيها: فذلك زمنَ الحربِ بينَ المُسلِمِينَ والكافِرِينَ، فلا يجوزُ","vol":"2","page":982},{"text":"لمسلمٍ أن يُقِيمَ بينَ ظَهْرَانَيهِم، ولو مكَّنُوهُ مِن إقامةِ دينِه، لأنَّه يكثِّرُ سَوادَ الكافِرِينَ، ويُعرِّضُ نفسَهُ وأهلَهُ ومالَهُ لسِهَامِ المُسلِمِينَ وقَذائفِهم.\nولا يَختلِفونَ في وجوبِ الهجرةِ عندَ عدمِ القُدْرةِ عَلَى إقامةِ الدِّينِ وشرائعِهِ اللازمةِ والمتعدِّيَةِ؛ لازمةٍ كالذِّكْرِ والصلاةِ والصوم، ومتعدِّيةٍ كالزَّكَاةِ والأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عنِ المنكرِ ودَعْوةِ الناسِ إلى التوحيدِ والسُّنَّةِ، وكذلك إقامةُ أحكامِ الدِّينِ وشرائعِهِ الظاهرةِ؛ كَبِنَاءِ المساجِد، وصلاةِ الجماعاتِ والأذانِ لها، والحجاب، وإعفاءِ اللِّحى، وكذلك الشرائعُ الباطنةُ التي إنْ أُقيمَتِ الظاهرةُ، لزِمَ قيامُ الباطنةِ مِن بابِ أَوْلى.\nوأمَّا ما لا يُختلَفُ في جَوازِه أو مشروعيَّتِه: فهو لِمَن أقامَ في بلدِ الكفرِ لدَعْوَتِهم؛ أُسوةً بالأنبياء، ولو أطالَ البقاءَ، فإن اللهَ لم يأمُرْ نبيَّه - ﷺ - بالهجرة إلَّا لمَّا منَعُوهُ مِن إظهارِ ديِنِه ودعوتِهِ وشرائعِ ربِّه، وهكذا الأنبياءُ مِن قَبْلَهِ لم يُغادِروا أرضَ قومِهم إلا كُرْهًا أو خَوْفًا مِن عذابِهم الموعودِ.\nوأمَّا ما لا يُختلفُ في تحريمِه: فالهجرةُ مِن بلدِ الإسلامِ إلى بلدِ الكفرِ الذي لا تُظهَرُ فيه الشرائعُ بل يُحارَبُ فيه الإسلامُ، ولو كان في ذلك حِفْظٌ للدُّنيا، فلا يجوزُ لمسلمٍ أن يُهاجِرَ مِن بلدِ الإسلامِ ولو ظُلِمَ فيها في دُنْياهُ، إلى بلدِ الكفرِ التي لا يُظهِرُ فيها دينَهُ ولكنْ تُحفَظُ دُنياه؛ لأنَّه لا يجوزُ حِفظُ الدُّنيا وإضاعةُ الدِّينِ؛ فإِنَّ اللهَ لم يُوحِبِ الهجرةَ عَلَى نبيِّه والمؤمنينَ إلّا وتَبِعَهَا مِن ضياعِ دُنْياهُم وتَرْكِها - مِن مالٍ وزوجةٍ وولَدٍ ودارٍ وأرضٍ - شيءٌ كثيرٌ؛ فلا يُعتبَرُ حِفظُ الدُّنيا معَ ضياعِ الدِّينِ شيئًا.\nوأمَّا مَن ظُلِمَ وقُهِرَ مِن حاكمٍ طاغٍ مُسلِمٍ تسلَّطَ عَلَى المُسلِمِينَ، وأرادَهُ عَلَى دينِهِ أو عِرْضِهِ أو نفسِه، فأرادَ الهِجْرةَ إلى بلَدِ كفرٍ يَحفَظُ دُنياهُ ويُقيمُ ديَنَهُ عندَ تعَذُّرِ بلدِ مسلِمٍ - فيجوز له ذَلكَ كما عزَمَ الزهريُّ عَلَى الهجرةِ إلى أرضِ الرومِ هربًا مِن الوليد بنِ يزيدَ؛ بشرطِ أن يكونَ","vol":"2","page":983},{"text":"متربِّصًا للعودةِ إلى بلدِ الإسلامِ في بلَدِهِ أو غيرِها، مِن غيرِ نيَّةِ دوامِ الإقامةِ في بلدِ الكفرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-726>الهجرةُ مِن بلدِ الكفرِ الذي يُظهِرُ في المسلمُ دينَهُ:</span>\nوقدِ اختلَفَ العلماءُ في الهجرةِ مِن بلدِ الكُفرِ الذي يَقدِرُ فيه أن يُقِيمَ المسلِمُ دِينَهُ، ويُظهِرَ شرائعَهُ ظاهرةً وباطنةً، عَلَى أقوالٍ؛ جِماعُها في قولَينِ:\nالقول الأَوَّلُ: وجوبُ الهِجْرة.\nالثاني: عدمُ وجوبِها.\nوالأظهَرُ التفصيلُ؛ وذلك أنَّ بقاءَ المسلمِ في بلادِ الكفرِ لا يخلو مِن حالتَينِ:\nالحالةُ الأُولى: أن تكونَ للمُسلِمِينَ مدُنٌ وقُرًى يُظهِرون فيها دينَهم، وتَظهَرُ فيها شوكتُهم؛ كالمُدُنِ والقُرَى والوِلَاياتِ التي نكونُ ضِمْنَ بلادٍ كفريَّةٍ اليومَ؛ كالهندِ وما وراءَ السِّنْدِ وما تحتَ روسيا، ففي الهندِ ولاياتٌ ومدنٌ فيها عشَراتُ الملايين وفي روسيا كذلك.\nفهؤلاءِ إن أظهَرُوا دينَهم وشعائِرَهُمُ الخاصَّةَ والعامَّةَ، لم تَجِبْ عليهِمُ الهِجْرةُ، وذلكَ أنَّ لهم شوكةً وقُوَّةً يَحْمُونَ بها شعائِرَهم ودينَهم، ولهم حميَّةٌ تَحفَظُ دينَهم ودُنياهم، ولا يأثَمُونَ ببقَائِهم ولو كانوا ضِمْنَ دولةٍ كافرةٍ، فإن كانوا عَلَى قِلَّةِ وضَعْفٍ بالنِّسْبَةِ لدولةِ الكفرِ الحاكمة، تعَبَّدُوا واكتَفَوْا بإظهارِ شعائرِ الدِّين، وتَرَكُوا جهادَ دَوْلةِ الكفرِ التي فَوقَهم، حتَّى يتمكَّنُوا منه فيُجاهِدوا لِيُقيموا حُكمَ اللهِ فيهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-727>الاحتماءُ بالكافِرِ:</span>\nوإن صال صائلٌ كافرٌ ولم يَقدِرُوا عَلَى دَفْعِهِ مِن أنفُسِهم، احتمَوْا ولو بكافرٍ، كما لم يُؤمَرْ مُهاجِرُو الحبشَةِ بالجهادِ؛ لقِلَّتِهم وضَعْفِهم في","vol":"2","page":984},{"text":"وقتٍ كان أهلُ المدينةِ مأمورينَ فيه بالجهادِ؛ لكَثرَتهم وقُوَّتهم، فلم يُؤمَرْ أهلُ الحبشةِ لما أُمِرَ به أهلُ المدينة، وقد بَقُوا في الحبشةِ بعدَ نزولِ آياتِ الجهادِ بضعةَ أعوامٍ، وأجرِيَ أهلُ الحبشةِ عَلَى ما مَضَى مِن كفِّ اليدِ الذي كانوا عَلَيْهِ في مَكَّةَ: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧].\nالحالةُ الثانيةُ: أن يكونَ المُسلِمونَ في بَلَدِ كُفْرٍ أفرادًا أو جماعاتٍ قليلةَ وأُسَرًا متفرِّقةً في أوساطِ المشرِكِينَ، فهؤلاءِ تجبُ عليهم الهِجْرةُ؛ لأنَّ القلَّةَ تذوبُ مع الكثرة، فلا شوكةَ لهم ولا هيبةَ، وربَّما تنصَّرَ الأولادُ والأحفادُ؛ بسب إقامةِ الأجدادِ وهم قِلَّةٌ وَسْطَ المشرِكِينَ، وربَّما حمَلَهم ذلك عَلَى محاكاةِ الفعلِ والتشبُّهِ بالمشرِكِينَ في الظاهرِ؛ لأنَّهم لا شوكةَ لهم ولا حميَّةَ تَحفَظُ في نفوسِهم هَيبةَ دِينِهم، وهؤلاءِ وإن أقاموا شعائرَهم فلا بدَّ أن تذوبَ ذُرِّيَاتُهم في الكفرِ؛ إن لم يكْن في الأولاد، ففي الأحفادِ ومَن بَعْدَهم، وذلك أنَّ المُسلِمينَ لمَّا تمكَّنُوا في المدينة، أرسَلَ النبيُّ - ﷺ - إلى المهاجِرِينَ في الحبشةِ أن يأتُوا إليه؛ لأنَّهم جماعةٌ قليلةٌ بالنِّسبَة لبلدٍ أهلُهُ كثيرٌ.\nوأَمِّا إنْ كان الحاكمُ لا يحكُمُ بحُكْمِ اللهِ كما في الحدودِ والتعزيراتِ في العقوبات، ولا في العقودِ والمعاملات، كما أمَرَ اللهُ في كتابِه، وأهلُ تلك البدِ مُسلِمونَ، كما هو في أكثرِ بُلْدانِ الإسلامِ اليومَ، فلا خلافَ في فضلِ تركِ تلك البلدِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-728>الأحكامُ المُبَدَّلَةُ وأثرُهَا عَلَى الهِجْرَة:</span>\nوأما في تحقُّقِ وجوبِ الهجرةِ مِنها مِن عدَمِه، فإنَّ تلك الأحكامَ المُبدَّلةَ عَلَى حالتَينِ:\nالحالة الأولى: ألَّا تُعُمَّ البَلْوَى لعمومِ المسلِمِينَ ولا جمهورِهم مِن","vol":"2","page":985},{"text":"التَّلبُّسِ بتلك الأحكامِ المبدَّلةِ؛ فلا يجبُ عليهِمُ الهِجْرةُ مِنْ بلدِهم حينئذٍ؛ بشرطِ أنْ يَقدِروا عَلَى إظهارِ الدِّينِ وشعائرِه، وبيانِ حُكْمِ الحاكِمِ والمُتحاكِمِ إلى غيرِ حُكمِ الله، والتربُّصِ بالحاكمِ وعزلِهِ عَلَى مراتبِ القُدْرةِ والقُوَّةِ والتمكينِ.\nوذلك أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بدأَتْ تَنْزِلُ عَلَيْهِ آياتُ الحدودِ والعقوباتِ والعقودِ في القرآنِ والسُّنَّة، وجماعةٌ مِن أصحابِه في الحبَشة، ولا يُقامُ فيها حُكمُ الله، فلم يأمُرُهُم بتَرْكِ الحبَشةِ واللِّحَاقِ به في المدينة، ولمَّا جاءَ جعفرٌ ومَن معَهُ بعدَ خَيْبَرَ مِنَ الحبَشةِ إلى المدينةِ في السنةِ السابعةِ مِن الهجرة، لم يُنكِرْ عليهم تأخُّرَهم، وقد بَقُوا في الحبشةِ بعدَ بَدْءِ نزولِ آياتِ الحدود والعقودِ أعوامًا.\nولأنَّ الأحكامَ تتعلَّقُ بالأفرادِ غالبًا، وتعلُّقُها بالجماعاتِ نادرٌ؛ كالقَسَامَةِ وشِبْهِها، والتلبُّسُ لها قليلٌ في الأفراد، ويتمكَّنُ المؤمنُ ممَّا تَعُمُّ به البَلْوى أنْ يُقِيمَهُ ويَقضِيَ به عَلَى نفسِهِ ومَن معَه؛ كعُقُودِ النِّكاحِ والمواريثِ، والطَّلاقِ والعِدَد، والمعامَلاتِ؛ فهو قادرٌ غالبًا عَلَى عدمِ التلبُّسِ بالحُكْمِ المخالفِ لحُكمِ اللهِ.\nوأمَّا ما يُوجِبُ الحدودَ والعقوبات، فالأصلُ عدمُ وقوعِها مِنَ المؤمن، وإنْ وقعَت منه لم يقل أحدٌ مِن العلماءِ: إنَّ مِن الكفرِ تَرْكَ المسلِمِ المحكومِ لإقامةِ الحدِّ عَلَى نفسِه، وتَرْكَ رفعِ أمرِ مَن أصابَ حدًّا مِن أهلِهِ للسُّلْطانِ القائمِ بأمرِ اللهِ عندَ وجودِه؛ فكيفَ عندَ عدمِ وجودِه؟ !\nوإنَّما نصوصُ الوحي وكلامُ العلماءِ في مسألةِ نزولِ المُتحاكِمِ مختارًا لغيرِ حُكْمِ الله، وكذلَك حُكْمُ السلطانِ بغيرِ حُكمِ اللهِ وتشريعِه.\nالحالةُ الثانيةُ: إنْ كانتِ الأحكامُ المبدَّلةُ عن حُكمِ اللهِ في بلدِ المُسلِمينَ تَعُمُّ بها البلوى لعمومِ الناسِ؛ كالإلزامِ بها والمُعاقَبَةِ عَلَى تركِها","vol":"2","page":986},{"text":"فلا يَسْلَمُ مِنها جمهورُهم، فلا ينبغي أن يكونَ في وجوبِ الهجرةِ مِن تلكَ البلدِ خلافٌ، ولو كان أكثرُ أهلِها مُسلِمِينَ.\nوأمَّا الحاكمُ المشرِّعُ غيرَ شرعِ الله، المُحلِّل لِمَا حرَّمَ اللهُ، والمحَرِّمُ لِمَا أحَلَّ اللهُ، فليس بمسلمٍ تُنْزَّلُ عَلَيْهِ نصوصُ ولاةِ الأمرِ في الإِسلام، ويجبُ عَلَى المُسلِمينَ عزلُهُ إنْ قَدَرُوا عيه، وإن عَجَزوا فلا بيعةَ له وإن نزَلُوا تحتَ سُلْطانِه وتغلُّبِه.\nولا يجبُ عليهم أن يتحوَّلُوا عن أرضِهم لأجلِه؛ بشرطِ أنْ يُظهِروا الدِّينَ، ويُقيموا شَعائِرَهم في أرضِهم، ويأمُروا بالمعروفِ ويَنهَوْا عن المُنكَرِ.\nوقد تجبُ الهِجْرةُ عَلَى قومٍ أو أفرادٍ مِن بلدٍ دون غيرِهم إلى بلدٍ آخرَ يَحفَطُ دينَهم، ويُظهِرونَ فيه الشعائر؛ لأنَّهم خُصُّوا بالأذيَّةِ والقهر، كما أمَرَ النبيُّ - ﷺ - مَن معَهُ في مَكَّةَ بالهجرةِ إلى الحبشة، ولم يخرُجْ هو وآخَرونَ معَه؛ لأنَّه يجدُ له مَنَعةً مِن ربِّه، وشوكةً مِن قومِه؛ كبني هاشمٍ، فأمَرَ بعضَ مَن لا يجدُ منَعةً بالهجرة، ممَّن يَنالُهم العذابُ ومَن قد تَصِلُ إليهم يدُ المشرِكينَ، فخرَجَ في شهرِ رجبٍ بعدَ البعثةِ بخمسِ سنينَ؛ عثمانُ بنُ عفَّانَ وزوجتُهُ رُقَيَّةُ بنتُ رسولِ اللهِ - ﷺ - في بِضْعةَ عشَرَ رجلًا وامرأةً، فتَبِعَتْهم قريشٌ إلى البحرِ لمَّا علِمَت بهم، فرَكِبُوا السفينةَ قبلَ أن يُدْرِكُوهم.\nوسبَبُ هِجْرتِهم: حفظُ دينِهم، وإقامةُ شريعتِهم، وعِصْمةُ دمائِهم؛ فما كانوا يَستطيعونَ الصلاةَ عدَ البيت، فأرادُوا إقامةَ الدينِ وحِفْظَ الأنفُسِ؛ كما قالتْ أمُّ سلَمةَ؛ \"لمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الحَبَشَة، جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ النَّجَاشِيَّ، أَمَّنَا عَلَى دِينِنَا، وَعَبَدْنَا اللهَ\" (١).\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٧٤٠) (١/ ٢٠١)، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٢/ ٣٠١)، وابن هشام في \"السيرة\" (١/ ٣٣٤).","vol":"2","page":987},{"text":"وقال ابنُ مسعودٍ - فيما رواهُ الطبرانيُّ، وابنُ سَعْدٍ، وابنُ عساكرَ -: \"كان إسلامُ عُمَرَ فَتْحًا، وكانتْ هجرتُهُ نَصْرًا، وكانت إمارتُهُ رحمةً؛ لقد رأيتُنا وما نَستطيعُ أن نُصلِّيَ بالبيتِ حتَّى أسلَمَ عُمَرُ، فلمَّا أسلَمَ عمرُ، قاتَلَهم، حتَّى ترَكُونا فصَلَّيْنا\"؛ رَواهُ القاسمُ بنُ عبدِ الرحمن، عنِ ابنِ مسعودٍ (١).\nوإسلامُ عمرَ كان عند خروجِ مَن خرَجَ مِنَ الصحابةِ إلى الحبَشَة، كما ذكَرَ ابن إسحاقَ (٢).\nوقد رجَعَ مهاجِرو الحبشةِ مِن هجرتِهِمُ الأُولى إلى مَكَّةَ في شوَّالٍ مِن عامِهم، فاشتَدَّ أمرُ قريشٍ وحُلفائِها عليهم وعلى مَن أسلَمَ مِن بعدِهم، حتَّى حُوصِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - وبنو هاشمٍ في شِعْبِ أبي طالبٍ، فرجَعُوا هم وغيرُهم مُهاحِرينَ مرَّةً أُخْرى إلى الحبَشَة، وكانوا فوقَ الثمانِينَ رجُلًا وامرأةً، حتَّى تَبِعَتْهُم قُرَيشٌ برَسُولِها إلى النَّجَاشيِّ ليُعِدَهم ويَقطَعَ ذِمَّتَهُ وجِوارَهُ لهم، فامتَنَعَ مِن ذلك.\nوقد روى أحمدُ، عنِ ابنِ مسعودٍ؛ قال: \"بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إلَى النَّجَاشِيِّ، وَنَحْنُ نَحْوٌ مِنْ ثَمَانينَ رَجُلًا، فِيهِمْ عَبْد اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَجَعْفَرٌ، وَعَبْد اللهِ بْنُ عُرْفُطَةَ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَأَبُو مُوسَى ... \"؛ الحديثَ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-729>سببُ عدمِ هجرة النبي - ﷺ - إلى الحَبَشةِ:</span>\nوإنَّما لم يُهاجِرِ النبيُّ - ﷺ - معَهُمْ إلى الحبشةِ؛ لأنَّ اللهَ أخبَرَهُ بحِفظِهِ ونَصْرِه، وبه قيامُ الدِّينِ في أُمِّ القُرى وما حولَها وما بَعْدَ عنها، فلا ينوبُ\n_________\n(١) \"المعجم الكبير\" للطبراني (٨٨٠٦) (٩/ ١٦٢)، و\"الطبقات الكبرى\" لابن سعد (٣/ ٢٧٠)، و\"تاريخ دمشق\"، لابن عساكر (٤٤/ ٤٨).\n(٢) \"سيرة ابن هشام\" (١/ ٣٤٢).\n(٣) أخرجه أحمد (٤٤٠٠) (١/ ٤٦١).","vol":"2","page":988},{"text":"عنه في قيامِ هذا الأمرِ أحدٌ، وهو ينوبُ عن كلِّ أحدٍ، فأمَرَ صحابتَهُ بالهجرةِ إلى الحبشةِ؛ ليُقِيموا دينَهم، وَيحفَظوا أنفُسَهم، حتَّى عادُوا مرَّةً أخرى متفرِّقينَ حتى السنةِ السابعةِ مِنَ الهجرةِ حينَما أرسَلَ إليهِمُ النَّبيُّ - ﷺ - لمَّا اشتدَّ أمرُ النبيِّ، وقَوِيَت شوكةُ المُسلِمينَ، وانكسَرَت شوكةُ المُشْرِكينَ، بعدَ بَدْرٍ وأُحُدٍ والحُدَيْبِيَةِ وفتحِ خَيْبَرَ، حتَّى قال النبيُّ - ﷺ -: (مَا أَدْرِي بأَيِّهِمَا أَنَا أَسَرُّ؛ بِفَتْحِ خَيْبَرَ، أَوْ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ! (١).\nوفي هذا جوازُ أن يدخُلَ بعضُ المُسلِمِينَ في حمايةِ غيرِ المُسلِمينَ؛ عندَ تعذُّرِ قوَّةٍ للمُسْلِمنَ تَحَفَظُ دينَهم ودَمَهم.\nوقد كانتْ آياتُ الجهادِ قد نزَلَت عَلَى رسولِ اللهِ - ﷺ -، والصحابةُ في الحبَشَةِ، فلم يأمرُهُمْ بالقتالِ فيها؛ لأنَّهم قليلٌ، والحاكمُ عَدْلٌ يُرْجَى إسلامُهُ بلا قتالٍ، وقد أسلَمَ بعدُ، فأخبَرَ النبيُّ - ﷺ - بموتِهِ وإسلامِهِ قبلَ فتحِ مكَّةَ.\nوفي هذا أنْ يُفَرِّقَ المسلِمونَ بينَ مواضعِ القُوَّةِ والضعفِ فيهم، ويُفرِّفوا بينَ الدولةِ الكافرةِ المُسالِمةِ المُناصِرة، والدولةِ الكافرةِ المُحارِبةِ المعاديةِ؛ فالنجاشيُّ احتُسِبَ نَصِيرًا وهو كافرٌ، فاحْتُمِيَ به زمَنَ الضَّعْفِ، فلم يُعَادَ ولم يُقاتَلْ، ثُمَّ أسْلَمَ - ﵁ -.\n* * *\n\n* قال تعالى. ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠].\nالمرادُ بالهجرةِ في الآيةِ: الهِجْرةُ إلى المدينة، والمُراغَمُ هو\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٤٧٠) (٢/ ١٠٨)، وابن هشام في \"السِّيرة\" (٢/ ٣٥٩).","vol":"2","page":989},{"text":"التحوُّلُ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومِن مكانٍ إلى مكانٍ، ومِن أرضٍ إلى أرضٍ، وبلدِ إلى بلدٍ، رُوِي هذا عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ رواهُ عنه عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ؛ رَواهُ ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ (١).\nوالمرادُ بذلكَ: الحثُّ عَلَى الهِجْرةُ، فإنَّ في الأرضِ رِزْقًا وسَعَةً، فليست الهِجْرةُ بمانعةٍ مِن ذلك، فالمرادُ بالسَّعةِ في الآيةِ الرِّزْقُ؛ وهذا كقولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]؛ يَعني: مِن رِزْقِه، وكقولِهِ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢]، وقولِهِ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧].\nوفي هذا: عدَمُ اعتبارِ طلَبِ الرِّزْقِ في الهِجْرةِ إلى الله، فمَن سافَرَ طلبًا للرِّزْقِ والعيش، لم يَكُنْ مُهاجِرًا إلى اللهِ؛ وإنَّما إلى دُنْيَاهُ، فلا يأثَمُ بذلك إن كان مِنْ بلَدِ إسلامٍ إلى بلدِ إسلامٍ، ومَن نوى رِزْقًا وعَيْشًا يُقِيمُ به دِينًا، فهو عَلَى نِيَّتِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-730>فضلُ مَنْ بَدَأَ طريقَ الحقِّ:</span>\nوفي قوله تعالى، ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]؛ يَعني: تَمَّ أجرُهُ بالشروعِ في الأمر، فمَنْ عزَمَ عَلَى إقامةِ الحقِّ، وحالَ دونَهُ حائلٌ، آتاهُ اللهُ أَجْرَهُ ولو لم يُتِمَّه.\nومَن أخَذَ بأَوَّلِ أسبابِ الحقِّ وطريقِه، ثُمَّ عجَزَ أو أدْرَكَهُ الموتُ، آتاهُ اللهُ أَجْرَهُ، وقد كان بعضُ مَن قال بالإسلامِ في مكَّةَ، سوَّلَت لهُم أنفسُهم خطَرَ الطريقِ، وخوفَ الموتِ مِن عدوٍّ وقاطعِ طريقٍ أو سَبْعٍ أو لَدْغةِ دابَّةٍ، فإن ماتوا فاتَتْهم دُنيا مَكَّةَ ودينُ المدينةِ؛ فلا حَفِظُوا دِينًا ولا دُنيا.\nفبَيَّنَ اللهُ لهم أنَّ مَنْ مات في خروجِهِ مُهاجِرًا إلى المدينةِ - ولو كان\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٣٩٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٤٩).","vol":"2","page":990},{"text":"في أولِ طريقِه - أنَّ أَجْرَهُ عَلَى الله، كما لو بلَغَ المدينةَ، وقد روى أحمدُ في \"المُسنَدِ\"، عن عبدِ اللهِ بنِ عَتِيكٍ؛ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: (مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللهِ - ﷿ - نُمَّ قَالَ: بِأَصَابِعِهِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاتِ: الْوُسْطَى وَالسَّبَابَةِ وَالإِبْهَام، فَجَمَعَهُنَّ، وَقَالَ: وَأَينَ المُجَاهِدُونَ؟ - فَخَرَّ عَنْ دَابَّتِهِ وَمَاتَ، فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ - ﷿ -، أوْ لَدَغَتْهُ دَابَّةٌ فَمَاتَ، فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله، أوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِه، فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ - ﷿ -)، وَاللهِ إِنَّهَا لَكَلِمَةٌ مَا سَمِعْتُهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ قَبْلَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: (فَمَاتَ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله، وَمَنْ قُتِلَ قَعْصًا، فَقَدِ اسْتَوْجَبَ المَآبَ) (١).\nوفضلُ الهجرةِ مِن بلدِ الكفرِ إلى بلدِ الإسلامِ يشتِركُ مع فضلِ الدخولِ في الإسلامِ في تكفيرِ ما سلَفَ مِنَ الذنوبِ؛ كما في حديثِ عمرِو بنِ العَاصِ؛ قال - ﷺ - (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ !) وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ ! وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ !) (٢).\nوليس هذا لكلِّ ما يُطلَق عَلَيْهِ هِجْرةٌ؛ وإنَّما هو خاصٌّ بالهجرةِ مِن بلدِ الكفرِ إلى بلدِ الإِسلام، وأَمَّا الهِجْرةُ مِن بلَدِ الفِسْقِ إلى بلدِ الطاعةِ، ومِنَ البلدِ المُسْلِمِ المفضولِ إلى البلدِ الفاضل، فأجرُ ذلك بمقدارِ ما ترَكَ، ومقدارِ ما أقَبَلَ عَلَيْهِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ [النساء: ١٠١].\nنزلَتْ هذه الآيةُ بعدَ إتمامِ الصلاة، وقد كانَت ركعْتَينِ ركعتَين، فزِيدَ في\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٦٤١٤) (٤/ ٣٦).\n(٢) أخرجه مسلم (١٢١) (١/ ١١٢).","vol":"2","page":991},{"text":"صلاةِ الحضَر، وأُقِرَّتْ صلاة السَّفَرِ؛ كما في \"الصحيحَينِ\"؛ مِن حديثِ عائشةَ (١)، وهذا جُعِلَ لصلاةِ المُسافِرِ الصلواتِ رَكعتَينِ جميعًا؛ كما كانَتْ قبلَ إتمامِها، إلَّا الصُّبحَ؛ فإِنَّها لم تَزِدْ فتبقى عَلَى حالِها حضَرًا وسفَرًا بلا خلافٍ، والمغرِبَ، فهي ثلاثٌ حضَرًا وسفَرًا بلا خلافٍ، وحُكِيَ عنِ ابنِ دِحْيَةَ قَصْرُها، وهو كذِبٌ لا يصحُّ القولُ بهذا عن عالِمٍ مِن أهلِ الإِسلامِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-731>قَصْرُ الصلاةِ للمسافِر:</span>\nوقد رفَعَ اللهُ الحرَجَ بِقَصْرِ الرُّبَاعِيَّةِ في السَّفرِ بقولِه، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، والجُنَاحُ: الحرَجُ؛ قالهُ ابنُ عبَّاسِ (٢).\nوقد جاء رفعُ الحرَجِ في السفَرِ مقيَّدًا بخوفِ فتنةِ الكافِرِينَ للمؤمِنِينَ وكيدِهم بِهم، ثُمَّ أمضاهُ رسولُ اللهِ لأمَّتِهِ تَوْسِعةً ورحمةً؛ ففي \"الصحيحِ\"، مِن حديثِ يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ؛ قال؛ قلتُ لعمرَ بنِ الخطَّابِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ فقد أمِنَ الناسُ؟ ! فَقَالَ: عَجِبْتُ ممَّا عجبتَ منه، فسألتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - عن ذلكَ، فَقَالَ: (صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ) (٣).\nوكانَتْ هذه الآيةُ عندَما كَثُرَتِ السَّرَايَا والغزَواتُ، ثمَّ كانت في كلِّ سفَرٍ؛ لأنَّ طولَ الصلاةِ مَظِنَّةُ تربُّصِ العدوِّ والْتِفَافِهِ بالمُسلِمينَ؛ روى ابنُ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ؛ أنَّ الآيةَ نزَلَتْ لمَّا كان النبيُّ - ﷺ - بِعُسْفَانَ والمشرِكونَ بضَجْنَانَ، فتوافَقُوا، فصلَّى النبيُّ بأصحابِهِ صلاةَ الظُّهرِ أربعَ ركَعاتٍ، ركوعُهم وسُجودُهم وقيامُهم معًا جميعًا؛ فهَمَّ به المُشرِكونَ أنْ يُغِيرُوا عَلَى أمْتِعَتِهم وأَثْقالِهم؛ رَواهُ ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ (٤).\n_________\n(١) سيأتي تخريجه بإذن الله.\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٥١).\n(٣) أخرجه مسلم (٦٨٦) (١/ ١٧٨).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٤١١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٥٢).","vol":"2","page":992},{"text":"وقوله تعالى، ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، يَعني؛ بتخفيفِ الرُّبَاعِيَّةِ إلى ركعتَيْن، لا قَصْرِ كلِّ الصلوات، فإنَّ الفجرَ والمغْرِبَ لا يُقْصَرَانِ بلا خلافٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-732>أنواعُ تخفيفِ الصلاةِ في السَّفَرِ:</span>\nوتخفيف الصلاةِ في السَّفرِ عَلَى نوعَيْنِ:\nالأَوَّلُ: تخفيف الطُّول، فلا يُقرَأ بالطِّوَالِ مِنَ السُّورِ ولا بالأواسِطِ؛ وإنَّما بالقِصارِ في كلِّ الصَّلواتِ، وهكذا كان فِعْل النبيِّ - ﷺ - وخُلَفائِهِ وأصحابِه؛ صحَّ هذا عن عُمَرَ وابنِ عُمرَ وأنَسٍ، وحكاهُ النَّخَعيُّ عنهم جميعًا، كما رواهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ؛ قال: \"كان أصحابُ رسولِ اللهِ - ﷺ - يَقرَؤونَ فِي السَّفَرِ بالسُّورِ القِصارِ\" (١).\nوهو إن لم يَسمَعْ أحدًا مِنَ الصَّحابةِ إلَّا أنَّه صحَّ عن عمرَ أنَّه قرَأَ في سَفَرِهِ للحجِّ بالناسِ في الفَجْرِ بالفيلِ وقريشٍ، وقرَأ أيضًا فيها بالكافرونَ والإخلاصِ؛ رواهُ ابنُ أبي شيبةَ (٢).\nوصلَّى أبو بكرِ بنُ أنَسِ بنِ مالكٍ بأبيهِ الفَجْرَ، فقرَأَ بتَبَارَكَ، فلمَّا انصرَفَ، قال له أنَسٌ: \"طوَّلْتَ عَلينا\"؛ رواة عبدُ الرزَّاقِ بسَنَدٍ صحيحٍ (٣).\nولا مُخالِفَ لهم مِنَ الصَّحابة، وهو قولُ طاوسٍ والنَّخَعيِّ مِن التابعينَ.\nوهذا النوعُ مِن التخفيفِ في كلِّ الصلواتِ جميعًا.\nوالنوعُ الثانِي: تخفيفُ العَدَد، وهو في الرُّبَاعِيَّةِ فقَطْ، فتكونُ ركعتَيْنِ.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٦٨٤) (١/ ٣٢٢).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٦٨٢) و(٣٦٨٣) (١/ ٣٢٢).\n(٣) أخرجه عبد الرازق في \"مصنفه\" (٢٧٣٩) (٢/ ١١٩).","vol":"2","page":993},{"text":"وهذا النوعُ هو المقصودُ في الآيةِ مِن قَصْرِ الصلاة، والأوَّلُ يدخُلُ تبَعًا باللزومِ والأثَرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-733>مراحِلُ تشريعِ الصلاةِ:</span>\nوقد شرَعَ اللهُ الصلاةَ للأمَّةِ عَلَى مراحِلَ مُجمَلةٍ ثلاث:\nالأُولى: شرَعَ اللهُ الصلاةَ رَكْعَتَينِ رَكْعَتَين، ولا فرقَ بينَ الصَّلواتِ النَّهَاريَّةِ والليليَّة، ولا بينَ الفريضةِ والرَّاتبةِ؛ وذلك كما في حديثِ عائشةَ السابقِ في \"الصحيحَيْنِ\": \"فَرَضَ اللهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَينِ رَكْعَتَين، فِي الحَضَرِ وَالسَّفر، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَر، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الحَضَر\" (١).\nالمرحلة الثانيةُ: الزيادةُ في صلاةِ الفرضِ وجوبًا، وذلك في الظهرِ والعصرِ والمغرب والعشاء، وإبقاءُ الصُّبْحِ والنوافلِ - الصبحِ فَرْضًا، والنوافلِ عَلَى السُّنَّةِ - أن تكونَ رَكْعَتَينِ رَكْعَتَينِ؛ إلَّا الوِتْرَ فواحدةً، أو وِترَ العددِ ممَّا زاد.\nواختُلِفَ في التنفُّلِ بواحدةٍ مِن غيرِ الوترِ، ورُوِيَ ذلك عن عُمرَ (٢)، وقد جاء في \"الصحيحَينِ\"؛ مِن حديثِ ابن عمرَ مرفوعًا: (صلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ، صَلَّىَ رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى) (٣)، وفي روايةٍ: (صَلَاة اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) (٤).\nالمرحلة الثالثةُ: قَصْرُ صلاةِ السَّفَرِ الرُّبَاعِيَّةِ خاصَّةً رَكْعَتَينِ رَكْعَتَينِ؛ وهذا في هذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ﴾.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٥٠) (١/ ٧٩)، ومسلم (٦٨٥) (١/ ٤٧٨).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٥١٣٦) (٣/ ١٥٤)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٦٢٤٩) (٢/ ٤٢)، والبيهقي في \"معرفة السنن والآثار\" (٢/ ٣٢٢).\n(٣) أخرجه البخاري (٩٩٠) (٢/ ٢٤)، ومسلم (٧٤٩) (١/ ٥١٦).\n(٤) أخرجه أحمد (٤٧٩١) (٢/ ٢٦)، وأبو داود (١٢٩٥) (٢/ ٢٩)، والترمذي (٥٩٧) (٢/ ٤٩١)، والنسائي (١٦٦٦) (٣/ ٢٢٧)، وابن ماجة (١٣٢٢) (١/ ٤١٩).","vol":"2","page":994},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-734>حكمُ قَصْرِ المسافِرِ للصلاةِ:</span>\nواختُلِفَ في قصرِ الصلاةِ: هل هو رُخْصةٌ أو إحكامٌ؟:\nفمَن جعَلَهُ رُخْصةً، لم يُبطِلِ الصلاةَ بالزِّيادةِ في السَّفَرِ؛ لأنَّ القصرَ رخصةٌ يجوزُ تَرْكُها.\nومَن جعَلَ القصرَ حُكمًا وإحكامًا، جعَلَ الزِّيادةَ عَلَى الركْعَتَيْنِ في السفرِ - إلَّا المغرِبَ - كالزِّيادةِ عَلَى الفرائضِ في الحضَرِ الرُّبَاعيَّةِ خَمْسًا، والثُّنائيَّةِ ثلاثًا، والثلاثيَّةِ أربعًا.\nوالسَّلَفَ مِن الصحابةِ والتابعينَ: عَلَى أنَّها رخصةٌ؛ وهو قولُ أكثرِ الفقهاء، وهو قولُ الشافعيِّ وأحمدَ، بل قال مالكٌ: إنَّها سُنَّةٌ.\nوخالَفَ أبو حنيفةَ وشيخُهُ حمَّادٌ في ذلك؛ إذْ جعَلَا القَصْرَ فرضًا في السَّفرِ، كالإتمامِ في الحضَرِ! وقد أخَذَا بظاهرِ حديثِ عائشةَ السابقِ: \"أُقِرَّت صلاةُ السَّفرِ\"، وجعَلا صلاةَ السَّفَرِ لم تكُنْ أربعًا.\nوهذا مخالِفٌ لِظاهرِ القرآنِ؛ فالله رفَعَ الحرَجَ عَنِ المُصلِّي إذا قصَرَ صلاتَهُ في سفَرِه، ورفعُ الحرَجِ يدلُّ عَلَى جوازِ القَصْر، ولا يدلُّ عَلَى وجوبِه، وفي لغةِ العربِ أنَّ الحرَجَ يُرفَعُ لإباحةِ الشيءِ وليس لوجوبِه.\nومَن نظَرَ في ظاهرِ القرآنِ والسُّنَّة، تيقَّن أنَّ قصرَ الصلاةِ في السفرِ كان بعدَ صلاةِ النبيِّ - ﷺ - بأصحابِه صلاةَ الحضَرِ تامَّةً لسِنِينَ، وعائشةُ لم تُرِدْ أنَّ القَصْرَ جاء مع زيادةِ الصَّلاةِ لأربعٍ، فهي أعلَمُ الناسِ بذلك، ولكِنْ لمَّا كان الأصلُ في الناسِ الإقامةَ، لم يكُنِ التلبُّسُ بالسفرِ أصلًا، فحمَلَتِ القصرَ العارضَ عَلَى الأصلِ السابقِ للصَّلاة، وهو الرَّكْعتان، وكأنَّ السفرَ سُكِتَ عنه، ثُم أُقِرَّ عَلَى ما مَضى، وأنَّ السكوتَ عنه يَجعلُه تابعًا للأصل، وهو الإتمامُ في الإقامة، فحُكمُ السفرِ ثبَتَ تبَعًا للحضَر، ولَمَّا جاء حُكمْ القصرِ في السفرِ بالنصّ، استقَلَّ بنفسِهِ بنصٍّ مستقلٍّ عمَّا","vol":"2","page":995},{"text":"كان عَلَيْهِ مِنَ الثبوتِ تبَعًا لنصٍّ متعلِّقٍ بحالٍ أُخرى، وهي الإقامةُ، ولَمَّا ثبَتَ بنفسِه، دلَّ عَلَى تغايُرِ حُكْمِهِ عنِ الحضَر، ولم تُرِدْ غيرَ ذلك.\nولا يصحُّ أن نجعلَ مِن حديثِ عائشةَ قولًا لها في وجوبِ القَصْرِ وقد ثبَتَ عنها أنَّها كانت تُتمُّ الصلاةَ في السفرِ؛ كما قال عطاءٌ: \"لا أعلَمُ أحدًا مِن أصحابِ النبيِّ - ﷺ - كَان يُوفِي الصلاةَ في السَّفَرِ إلَّا سعدَ بنَ أبي وقَّاصٍ، وكانَت عائشة تُوفِي الصلاةَ في السفرِ وتصومُ\"؛ رواهُ عبدُ الرزَّاقِ والطَّحاويُّ وابنُ المُنذرِ (١)؛ وهو صحيحٌ.\nورواهُ عنها عُرْوةُ، أخرَجَهُ عبدُ الرزَّاقِ (٢).\nوجاء عنها أيضًا أنَّها كانَتْ تقصُرُ في السفَرِ؛ رواهُ عنها ميمونُ بنُ مِهْرانَ وعُرْوةُ، الأَوَّلُ رواهُ عبدُ الرزَّاقِ (٣)، والثاني رواهُ ابنُ جَريرٍ (٤).\nوثبَتَ القصرُ بعدَ النبيِّ - ﷺ - عن الصحابةِ؛ كأبي بكرٍ وعُمَرَ وعثمانَ وعليٍّ وابنِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ وجابرٍ وأبي موسى وأنَسٍ وأبي بَرْزَةَ وسَلْمَانَ وغيرِهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-735>سببُ إتمامِ بعضِ السلفِ للصلاةِ في السَّفَرِ:</span>\nوما وَرَدَ عن بعضِهم مِن الإتمامِ في السفر، فليس هو عَلَى الخلافِ في أصلِ الرُّخصةِ؛ وإنَّما خِلافُهم في ذلكَ لسبَبَيْنِ:\nالأوَّلُ: لاختلافِهم في التفاضُلِ بين القصرِ والإتمامِ.\nالثاني: لاختلافِهم في تقديرِ حقيقةِ السفرِ الذي رُبِطَتْ به رُخْصةُ القَصْرِ ونوعُهُ، وتقديرُ الإقامةِ وحالِها ومُدَّتِها، وحالِ المسافرِ وقَصْدِه.\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٤٤٥٩) (٢/ ٥٦٠)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٢٤)، وابن المنذر في \"الأوسط\" (٤/ ٣٨٥).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٤٤٦١) و(٤٤٦٢) (٢/ ٥٦١).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٤٤٦٣) (٢/ ٥٦١).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٤١٠).","vol":"2","page":996},{"text":"وعلى هذا يُحمَلُ ما جاء عن عائشةَ وسعدٍ كما سبَقَ، وما جاء كذلك عن المِسْوَرِ بنِ مَحْرَمَةَ، وعبدِ الرحمنِ بنِ عبد يَغوثَ.\nوأمَّا ما جاء في الخبرِ عن عُمرَ (١) وابنِه (٢): \"صلاةُ السَّفَرِ ركعَتانِ تمامٌ غيرُ قصرٍ\"، وبنحوِه قال جابرٌ (٣)، فالمرادُ بذلك الأجرُ والثوابُ والجزاءُ وليس العَدَدَ، حتَّى لا يظُنَّ أحدٌ أن أَجْرَهُ يَنقُصُ فيَغلِبُهُ التعبُّدُ إلى الإتمامِ وتركِ السُّنَّة، وهذا المعنى الذي بيَّنَهُ ابنُ عبَّاسٍ وابنُ عمرَ لرجلٍ أتَمَّ في السفرِ وصاحِبُه يَقصُرُ، فقالا له: \"بل أنتَ الذي كنتَ تَقصُرُ، وصاحبُك الذي كان يُتِمُّ! \" رواهُ مجاهدٌ عنِ ابنِ عبَّاسِ؛ أخرَجَه ابنُ أبي شيبةَ (٤)؛ ورواهُ قتادهُ عنِ ابنِ عمرَ، عندَ عبد الرزَّاقِ (٥).\nومُرادُهما تمامُ الاتِّباعِ وقصورُهُ، وليس المرادُ تشابُهَ الحُكمِ وبطلانَ صلاةِ السفرِ بالزيادة، كبُطْلانِ صلاةِ الحضرِ بالنَّقصِ والزِّيادة، ولم يثبُتْ عن أحدٍ مِن الصحابةِ: أنَّه قال بذلك، وقد جاء عن ابنِ عبَّاس: \"مَن صلَّى في السَّفَرِ أربعًا، كان كمَنْ صلَّى في الحضَرِ ركعتَينِ\" (٦)، رواهُ الضحَّاكُ بنُ مُزاحِمٍ عنه، ولم يَسمَعْه منه، قال شُعْبةُ وابنُ المَدِينيِّ وأبو زُرْعَةَ وابنُ حِبَّانَ: وقد سُئِلَ هو عن سماعِه منِ ابنِ عبَّاسٍ، فنَفاهُ (٧).\nوقد جاء عندَ عبدِ الرَّزاق، وعنه الطبرانيُّ، عنِ النَّخَعيِّ، عنِ\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٨١٥٦) (٢/ ٢٠٣).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٨١٦٧) (٢/ ٢٠٤).\n(٣) أخرجة أبو داود الطيالسي (١٧٨٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٦٣).\n(٤) أخرجة ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٨١٧٣) (٢/ ٢٠٥).\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٤٤٦٥) (٢/ ٥٦١).\n(٦) أخرجه أحمد (٢٢٦٢) (١/ ٢٥١).\n(٧) ينظر: \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (٤/ ٤٥٨)، و\"تهذيب الكمال\" (١٣/ ٢٩٤).","vol":"2","page":997},{"text":"ابنِ مسعودٍ، قال: \"مَن صلَّى في السَّفَرِ أربعًا، أعادَ الصلاةَ\" (١).\nوهذا مُنكَرٌ، تفرَّدَ به غالبُ بن عُبَيْدِ الله، عن حَمَّادٍ، عنِ النَّخعيِّ، وغالبٌ متروكٌ.\nونسَبَ بعضُ الفقهاءِ لعائشةَ وجوبَ الإتمامِ في كلِّ سفرٍ، ولا يصحُّ عنها إنكارُ القصرِ بكلِّ حالٍ، ولم يقُلْ به أحدٌ مِن فقهاءِ التابعينَ الذين عُرِفُوا بالأخذِ عنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-736>حكمُ اشتراطِ مفارقَةِ البنيانِ للقصرِ:</span>\nوقد عُلِّقَ القَصْرُ بالضرب في الأرضِ؛ كما في قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، والضَرْبُ في الأرضِ هو السفرُ، وأُطلِقَ في الآيهِ كما أطلِقَ في السُّنَّة ولم يُقيَّدْ بنصٍّ صحيحٍ صريحٍ؛ إحالةً للعُرْفِ، ولاختلافِ الُبُلْدانِ، ولسابقِ عِلم اللهِ بتغيُّرِ البُلْدانِ والمَراكِبِ، فلو قُيِّدَ بالأيَّامِ ولو يومًا، لكان دَوَرانُ الأرضِ كلِّها اليومَ لا يُعَدُّ سَفَرًا لاختِلافِ المَراكب، ولو قُيِّدَ بمفارَقةِ البُنْيان، لسَقَطت أحكامُ السفرِ لي كثيرٍ مِن بُلْدانِ الهندِ والصينِ؛ لطولِها مع اتِّصالِ بُنْيانِها، وفي الهندِ والصين اليومَ يَسيرُ الراكِبُ نهارًا كاملًا، ولا تنفَكُّ العينُ عن بناءٍ يَتْبَعُ بناءً، وأُطلِقَ الضَّرْبُ في الأرصِ؛ لأنَّ السفرَ بتلبَّسُ به كلُّ أحدٍ، فلا يحتاجُ إلى تقييدٍ؛ لاتضاحِه في العُرْفِ عندَهم.\nولم يُحفَظْ في زمَنِ النبوَّةِ أنَّ أحدَ الصحابةِ سألَهُ عن مسافةِ القصرِ مع قيامِ الحاجةِ وعمومِ البَلْوى، ولم يَظهَرْ أنَّ الصحابةَ اختَلَفُوا فيما بينَهم في حدِّ دلك اختلافًا يرَوْنَهُ يُعارِضُ ظاهرَ القرآنِ؛ وإنَّما تختلِفُ أقوالُهُمْ وأفعالُهُمْ بحسَبِ حالِهِمْ وحالِ السائلِ، وربَّما اختلفَتْ أقوالُهم لاختلافِهم في تفاضُلِ القصرِ والإتمامِ في السفر، لا في حقيقةِ السفرِ في ذاتِه.\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٤٤٦٦) (٢/ ٥٦١).","vol":"2","page":998},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-737>اختلافُ السلفِ في مسافةِ القصرِ ... واعتبارُ العرفِ:</span>\nوبعضُ الفقهاءِ يَحمِلُ تبايُن أقوالِهم في هذا على اختلافِهم في حدِّ السفَرِ نَفْسِه، لا فيما يحتَفُّ به مِن حالٍ وقصدٍ؛ ولذلك تَوَسَّعُوا في حكايةِ حدِّ مسافةِ القَصْرِ عنِ الصحابة، ووُضِعَتْ بعضُ الأقوالِ في غيرِ موضعِها، وجعَلُوا للواحدِ منهم أقوالًا متضادَّةً متعارضةً، ومَن نظَرَ إلى المرفوعِ إلى النَّبيِّ - ﷺ - وإلى الموقوفِ على الخلفاءِ الرَّاشِدِينَ، وجَدَ أنَّها حكايةُ حالٍ.\nوهذا وغيرُهُ مما يُحكَى مِن تنوُّعِ أقوالِ الصحابةِ يعضُدُ أنَّ الأمرَ يَرجِعُ إلى العُرْفِ؛ وإنَّما خِلافُهم في حالِ المسافِرِ وما يَقترِنُ بسفَرِهِ مِن قرائنَ خارجةٍ عنه، يُنزِلون الحُكْمَ بعدَ معرفتِها على ذاتِ السَّفَر، فيُظَنُّ أنَّ اختلافَهم على مسافةِ السَّفَرِ الي يصحُّ بها القَصْرُ.\nوقد صحَّ في مسلم: أنَّ عُمَرَ قصَرَ بذي الحُلَيْفةِ (١)، وبينَها وبينَ المدينةِ اثنا عشَرَ كيلًا أوَ أقلُّ، واليومَ هي مِن المدينةِ أو أوشكَتْ، وصحَّ عنه أنَّه قصَرَ الصلاةَ إلى خَيْبَرَ؛ كما رواهُ أَسْلَمُ، وهي نحوٌ مِن مِئَةٍ وثمانينَ كيلًا! رواهُ البيهقيُّ (٢)، وصحَّ عنه أنَّه قصَرَ في ثلاثةِ أميالٍ؛ رواهُ اللَّجلاجُ العامريُّ عنه؛ أخرَجَه ابنُ أبي شيبةَ (٣).\nولم يُقيِّدْهُ عثمانُ بنُ عفَّانَ مسافةً؛ وإنَّما قيَّدَهُ بما يتَحقَّق معه السفَرُ عادةً في العُرْف، وهو الشخوصُ والبروزُ في الأرض، الذي يحتاجُ فيه معه إلى الزَّادِ، فقال: إنَّما يَقصُرُ الصلاةَ مَن كان شاخِصًا أو بحضرةِ عدوٍّ؛ وهو صحيحٌ عنه؛ أخرَجَهُ عبد الرزَّاقِ وغيرُهُ (٤).\nوصحَّ عن عليٍّ: أنَّه قصَرَ وهو منطلِقٌ إلى صفِّينَ؛ رواهُ عنه\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٦٩٢) (١/ ٤٨١).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٣٦).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٨١٣٧) (٢/ ٢٠٢).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٤٢٨٥) (٢/ ٥٢١)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٨١٥١) (٢/ ٢٠٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٣٧).","vol":"2","page":999},{"text":"عاصمٌ؛ أخرَجَهُ ابنُ المنذِرِ (١).\nوهذا الصحيحُ عنِ الخلفاءِ الراشدِين في قصرِ الصلاة، ولا أعلَمُ عن أحدٍ منهم مَن حَدَّ السفَرَ الذي يُقصَرُ فيه بمسافةٍ زمنيَّةٍ، ولا طُوليَّةٍ، وإنَّما هي أفعالٌ مجرَّدةٌ حُكِيَتْ عنهم، لا يُجزَمُ بأنَّهم أخرَجوا ما دونَها، فلا يُترَخَّصُ فيها، وهي شبيهةٌ بالأفعالِ المحكيَّةِ عنِ النبيِّ - ﷺ - التي تدلُّ على عمومِ الترخُّصِ، لا حدِّ السَّفرِ بزمَنٍ ولا بطولٍ، وما ترَكُوا ذلك إلَّا لأنَّ السَّفَرَ لا يَنضبِطُ باطِّرادِ على كلِّ زمنٍ ولا على كلِّ مَسِيرٍ.\nوقد جاء عمِّن دونَهُمْ مِن الصحابةِ أقوالٌ في حدِّ السفرِ بمَسِيرٍ أو بمكانٍ أو زمانٍ، ولكنْ ما مِن أحدٍ منهم صَحَّ الحدٌّ عنه في قولٍ إلَّا صحَّ عنه مِن وجهٍ آخَرَ ما يُخالِفه؛ فقد صَحَّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّه قال: \"لَا تَقصُرْ إلَى عَرَفَةَ وَبَطْنِ نَخْلَةَ، وَاقصُرْ إِلَى عُسْفَانَ وَالطَّائِفِ وَجُدَّةَ، وَلَا تَقصُرُوا الصَّلَاةَ إِلا فِي الْيَوْمِ التَّامِّ، وَلَا تَقصُرْ فِيمَا دُونَ اليوْمِ\"؛ رواهُ عنه عطاءٌ (٢)، ورواهُ الشافعيُّ في الأمِّ (٣)، وروى مجاهدٌ (٤) وعِكرِمةُ (٥) وأبو حِبَرَةَ (٦) عنه تَقيِيدَة باليومِ التامِّ.\nوتَرخَّصَ ابن مسعودٍ بالقَصْرِ مِن الكوفةِ إلى النَّجَفِ (٧)، وبينهما بضعةَ عشَرَ كيلًا، ونرخَّصَ أيضًا بأربعةِ فَراسِخَ (٨)، ولم يُرخِّصْ حذيفةُ\n_________\n(١) أخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٣/ ٩٣).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٤٢٩٦) (٢/ ٥٢٤)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٨١٤٠) و(٨١٤٧) (٢/ ٢٠٢).\n(٣) \"الأم\" (١/ ٢١١)\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٤٢٩٩) (٢/ ٥٢٤)، وابن أبي شيبة في \"مصنفة\" (٨١٣٥) (٢/ ٢٠١).\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٨١١٩) (٢/ ٢٠٠).\n(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٨١٣٣) (٢/ ٢٠١)\n(٧) أخرجه البيهقي في \"معرفة السنن والآثار\" (٢/ ٤٢٢).\n(٨) ينظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٩٧).","vol":"2","page":1000},{"text":"بالقَصْرِ مِنَ الكوفةِ إلى المَدائنِ (١)، معَ أنَّه رُوِيَ عنه أنَّه قصَرَ بنفسِه بينَهما (٢).\nوأمَّا ابن عمرَ، فصحَّ عن نافعٍ قولُهُ: \"كان ابنُ عمرَ أَدْنى ما يَقصُرُ إليه الصلاةَ مالٌ له يُطالِعُهُ بخيبرَ\" (٣)، وهي نحوٌ مِن مِئَةٍ وثمانينَ كيلًا، وصحَّ عنه ما يُخالفُه؛ فقد قصَرَ في أقلَّ مِن ثلثِ مسيرِه هذا إلى خيبرَ، كما رواهُ عنه سالِمٌ؛ قال: \"سافَرَ إلى رِيمٍ فقَصَرَ الصلاةَ، وهي مسيرةُ ثلاثينَ ميلًا\"؛ رواهُ مالكٌ (٤).\nوصحَّ عنه القصرُ بما هو أقصرُ مِن ذلك فيما رواهُ سالمٌ أيضًا: أنَّه قصَرَ بذاتِ النُّصُب، وهي سِتَّةَ عشَرَ فرسخًا؛ أخرَجَه مالكٌ (٥)، وهي نحوٌ مِن ثمانيةٍ وعِشرينَ كِيلًا، وصحَّ عنه القصرُ فيما هو أقصَرُ مِن ذلك؛ كما رواهُ محمدُ بن زيدِ بنِ خلَيْدةَ: أنَّ ابنَ عمرَ قال: \"تُقصَرُ الصلاةُ في مسيرةِ ثلاثةِ أميالٍ\"؛ رواهُ ابنُ أبي شيْبةَ (٦)، وصحَّ عنه مِن حديثِ جَبَلةَ بنِ سُحَيْمٍ: أنَّه قال: \"لو خرَجْتُ مِيلًا، فصَرْتُ الصلاةَ\" (٧)، وصحَّ عنه مِن حديثِ مُحارِبِ بنِ دِثارٍ: أنَّه قال: \"إِنِّي لَأُسَافِرُ السَّاعَةَ مِنَ النَّهَارِ فَأَقْصُرُ\"، رواهُ ابنُ أبي شيبةَ (٨)، وصحَّ عنه مِن حديثِ نافعٍ: أنَّه كان يُقِيمُ بمكَّةَ، فَإِذَا خَرَجَ إِلَى مِنى قَصَرَ (٩).\nوصحَّ عن أنَّسٍ. \"أنَّه قصَرَ الصلاةَ وجمَعَ إلى أرضٍ له مسافةَ خمسةِ فراسِخَ\"؛ رواهُ عنه حمادُ بن زيدٍ، عن أنسِ بنِ سيرينَ، عنه (١٠)، وهي على\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"معرفة السنن والآثار\" (٢/ ٤٢٢).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٨١١٨) (٢/ ٢٠٠).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٤٣٠٢) (٢/ ٥٢٥).\n(٤) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (١١) (١/ ١٤٧).\n(٥) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (١٢) (١/ ١٤٧).\n(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٨١٢٠) (٢/ ٢٠٠).\n(٧) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٦٧).\n(٨) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٨١٣٩) (٢/ ٢٠١).\n(٩) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٨١٨٤) (٢/ ٢٠٦).\n(١٠) أخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٤/ ٤٠٧).","vol":"2","page":1001},{"text":"نحوِ خمسةٍ وعشرينَ كيلًا، وقد حُكِيَ ذلك عن أنسٍ، مع أنَّ أنسًا يَرى القَصْرَ فيما هو دونَ ذلك؛ كما في \"صحيحِ مسلمٍ\"؛ مِن حديثِ يَحيى الهُنَائيِّ، أنَّه سأَلَ أنسَ بنَ مالكٍ عنِ القَصر، فقالك \"كان النبيُّ - ﷺ - إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، أوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ، صَلَّى رَكعَتَيْنِ\"؛ والشكُّ فيه مِن شُعْبةَ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-738>اختلافُ أقوالِ النبي - ﷺ - وأصحابِهِ في مسافة القصرِ:</span>\nومُجرَّدُ فعلِ النبيِّ - ﷺ -، وكذا الصحابيُّ، للقصرِ: ليس مقيِّدًا لأَدْنى مسافةِ القصرِ؛ وإنَّما مجوِّزٌ لها، ولمَا هو أَبْعَدُ مِنها مِن بابِ أَوْلى، ولا ينفي ما دُونَها؛ وإنَّما يُرجَعُ فيه إلى ضابطِهِ مِن عُرْفِ الناسِ؛ ققد يقصُرُ الصحابيُّ في موضعٍ، ولا يقصُرُ فيما هو أبعَدُ منه، وذلك لِعِلَّةِ خارجةٍ عن مسافةِ القصرِ؛ كعِلَّةِ الذَّهَابِ والرجوع مِن يومِه، أو قصدِ الإقامةِ في بلدٍ أتَمَّ بها، وربَّما قصَرَ في موضعٍ؛ لَأنَّه يُريدُ السيرَ أبعَدَ منه، فلا يُؤخَذُ القصرُ فيه حدًّا لأدنى مسافةٍ للقصرِ.\nوما جاء مِن أقوالٍ وأفعالٍ متبايِنةٍ عنِ الصحابة، لا يصحُّ أن يُعارَضَ القولُ بالآخَر، ولا يَنسَخَ قولٌ قولًا، لأنَّهم أبصَرُ الناسِ وأفقهُهم بلُغَةِ الشَّرْعِ ومُرادِه، وهم أهلُ لسانٍ يَفهَمونَ عُرْفَ الشارعِ وعُرْفَ الناس، ولا بدَّ مِن حملِ اختلافِ أقوالِهم المتباينةِ على تنوُّعِ الحال، لا التضادِّ والتعارُض، ومَن تأمَّلَ هذا التنوُّعَ وتبايُنَهُ، وجَدَ أنَّ أرجَحَ المَحامِلِ أن يُحمَلَ اختلافُهم على ما يحتفُّ يالسَّفَر، لا على مَسِيرةِ السفرِ وحدَها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-739>حدُّ مسافةِ السَّفَرِ:</span>\nوقد اختلَفَ الفقهاءُ مِن بعدِهم - مِنَ التَّابعينَ وأَتباعِهم والأئمَّةِ الأربعةِ - في حدِّ السفرِ الذي يصحُّ معه القصرُ والفِطْرُ؛ على أقوالٍ كثيرةٍ، وبعضُها قد يُلحَقُ ببعضٍ، وذلك تَبَعًا لاختلافِ الصحابةِ وتنوُّعِ أقوالِهم، ومِن هذه الأقوالِ:\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٦٩١) (١/ ٤٨١).","vol":"2","page":1002},{"text":"القولُ الأولُ: قولُ أبي حنيفةَ وأصحابِه؛ أنَّ السفرَ المُبِيحَ للقَصْرِ هو مسافةُ ثلاثةِ أيَّامٍ.\nالقولُ الثَّاني: قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ؛ أنَّ حدَّ السفرِ المبيحِ للقصرِ أربعةُ بُرُدٍ، وهو مسيرةُ يومَيْنِ.\nالقولُ الثالثُ: قولٌ لمالكٍ والشافعيّ، وروايةٌ عن أحمدَ؛ أنَّ حدَّ السفرِ المبيحِ للقَصْرِ هو مسيرةُ يومٍ تامٍ.\nولمالكٍ خمسُ رواياتٍ في حدِّ مسافةِ القصرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-740>اشتراطُ الخروجِ من البلدِ للترخُّصِ بالسفر:</span>\nوفي قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ إشارةٌ إلى أنَّه لا يقصُرُ حتَّى يَشرَعَ في السفَر، وهو الضَّرْبُ، ومَن نَوى السفَرَ وعزَمَ عليه أنَّه لا يقصُرُ ولا يُفطِرُ ما دامَ لم يشرَعْ في السَّفَر، ومَن شرَعَ في السَّفرِ الصحيح، وسار بمَرْكَبتِه، جاز له القصرُ إنْ كان في بلدٍ كبيرٍ كثيرِ العُمْران، فلا يجبُ عليه أن يَسْفِرَ مِنَ البيوتِ ويَبرُزَ عنها، ولو سُمِّيَ المسافِرُ مُسافِرًا؛ لإسفارِهِ وبروزِه مِن بلدِه، فأصلُ التسميةِ لا يتعلَّقُ به حُكْمٌ لازمٌ لا يُخرَجُ عنه؛ فإنَّ الأسماءَ والمصطلَحاتِ في الشريعةِ لا يُناطُ بها حُكْمُ الشرعِ مِن كلِّ وجهٍ؛ وإنَّما هي تدلُّ على حُكْمِ الشرعِ مِن بعضِ الوجوهِ أو أكثَرِها، فقد يَسْفِرُ الرجلُ مِن بلَدِه، ولا يُعَدُّ مُسافِرًا مع بُروزِه عنها، وإنَّما ذكَرَ عامَّةُ الفقهاءِ قيدَ بُروز المسافر لتَرخُّصِهِ بالقَصْر والفِطْر؛ وذلك في البُلْدانِ الصغيرة، فهو أمرٌ يَنضبِطُ في زَمانِهم؛ لأنَّ عمومَ البُلْدانِ على هذا.\nوقد يوجدُ اليومَ مِنَ البُلْدانِ التي لا يَنفكُّ البناءُ فيها عن المسافرِ ولو سار مَسيرةَ يومَيْنِ أو ثلاثةِ أيامٍ ماشيًا؛ كما في بعضِ بلادِ الهندِ والصِّينِ والقاهرةِ اليومَ، ولأنَّ الحُكْمَ في القصرِ تعلَّقَ برفعِ الحرَج، فلا يتعلَّقُ الحُكْمُ بغيرِه ما وُجِدَ اسمُ السَّفَرِ وتحقَّقَ القصدُ له؛ ولذا كان بعضُ السلفِ مِن الصحابةِ والتابعينَ يقصُرُ بعد خروجِهِ مِن بيتِهِ وأهلِه؛ كما صحَّ عن","vol":"2","page":1003},{"text":"ابنِ عُمَرَ؛ رواهُ عبدُ الرزَّاقِ (١)، وصحَّ عن طاوسٍ عندَ ابنِ أبي شَيبةَ (٢)، وكان عطاءٌ يوسِّعُ في هذا، ولا يُشَدِّدُ فيه؛ كما رواهُ عنه ابنُ جُرَيْجٍ، قال عطاءٌ: \"إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ حَاجًّا، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ حَتَّى حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَإِن شَاءَ قَصَرَ، وَإنْ شَاءَ أَوْفَى، وَمَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ\" (٣).\nوإنَّما كان أكثرُ السلَفِ يُعلِّقونَ الأمورَ بالخروجِ مِنَ البلدِ؛ حياطةً للدِّين، ودفعًا لِما يَعرِضُ للإنسانِ مِن موانعِ السَّفَر، التي ربَّما تَعْرِضُ له قبلَ خروجِهِ مِنَ البلد، ويكونُ قد أفطَرَ وهو صائمٌ، وقد قصَرَ صلاتَه، فرجَعَ قبلَ بروزِه؛ ولذا فالقولُ بجوازِ قصرِ الصلاةِ لِمَن خرَجَ مِن دارِهِ وأهلِه، وسارَ في البُلْدانِ الكبيرةِ - يجري على مقاصدِ الشريعةِ أكثَرَ مِن تقييدِ ذلك بخروجِه من بلدٍ لا يخرُجُ منِه إلَّا بمسيرةِ اليومِ واليومَيْنِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-741>الخوفُ في السفرِ:</span>\nوقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ رُوِيَ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ وأبي أيُّوبَ: أنَّ قولَه ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ نزَل بعدَ قولِه: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ بعامٍ (٤)، ولا يَصِحُّ.\nومنهم: مَن جعَلَ قولَه: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ إلحاقَ شرطٍ بحُكْمٍ سابقٍ.\nومنهم: مَن جعَلَة متعلِّقًا بما بعدَه؛ وهو صلاةُ الخوفِ؛ لتأخُّرِ النُّزولِ عن أوَّلِ الآية، والصحيحُ: أنَّها آيةٌ واحدةٌ.\nوذكَرَ الخوفَ تغليبًا للحال، لا تعليقًا للحُكمِ به؛ ففد يخافُ المُقِيمُ ولا يقصُرُ، ويأمن المسافِرُ ولا يُتِمُّ؛ لأنَّ اللهَ جعَلَ القصرَ للسفرِ كما في\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٤٣٣١) (٢/ ٥٣٢).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٨١٧٢) (٢/ ٢٠٥).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٤٣٢٩) (٢/ ٥٣١).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٤٠٦).","vol":"2","page":1004},{"text":"قولِه في أوَّلها: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ يَعني: السَّفَرَ، وأمَّا تقييدُهُ بالخوفِ في قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ فقد كان لبيانِ الحرَجِ عندَ النزولِ ليُرفَعَ به هو وغيرُه؛ كما جاء في \"الصحيحِ\"؛ أنَّ عُمَرَ سألَ النبيَّ - ﷺ - عن قيدِ الخوفِ في الآية، فقال له: (صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صدَقَتَهُ) (١)، ولم يُقيِّد أحدٌ مِن الصحابةِ قصرَ الصلاةِ في السفرِ بالخوفِ، وما جاء عند الطبريِّ عن عائشةَ (٢)، فمُنْكَرٌ جدًّا، وسندُهُ مجهولٌ، وثبَتَ عنها من وجوهٍ ما يُخالفُهُ.\nوقد جمَعَ النَّبيُّ - ﷺ - في مكَّةَ وهو آمِنٌ في حَجِّه ومعه عامَّةُ أصحابِهِ وخلفاؤُهُ مِن بعدِهِ في أمْنِهم، وقد صحَّ عنِ ابن عبَّاسٍ؛ أنَّه قال: \"كُنَّا نَسِيرُ مَعَ رَسولِ اللهِ - ﷺ - بَينَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ لَا نَخَافُ إِلا اللهَ ﷿ نُصَلِّي رَكْعَتَينِ\"؛ رواهُ الترمذيُّ والنَّسائيُّ (٣).\nوالقولُ بخلافِ ذلك مخالَفةٌ صريحةٌ للسُّنَّةِ والأثَرِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢].\nهذه الآيةُ عامَّةٌ للنبيِّ - ﷺ - أصحابِه، وغيرِهِ مِن الأئمَّةِ مع الأمَّةِ\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٤٠٩).\n(٣) أخرجه الترمذي (٥٤٧) (٢/ ٤٣١)، والنسائي (١٤٣٦) (٣/ ١١٧).","vol":"2","page":1005},{"text":"في صلاةِ الخوف، وتخصيصُهُ بقوله، ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾؛ لقصدِ التشريعِ والاقتداءِ به؛ خلافًا لأبي يوسُفَ إذْ جعَلَ صلاةَ الخوفِ خاصَّةً به - ﷺ -؛ لظاهرِ الخطابِ في الآيةِ؛ قال اللهُ لنبيِّه - ﷺ -: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾، وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ اللهَ قالَ بعد ذلكَ: ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-742>مشروعيَّةُ صلاةِ الخوفِ للأمةِ:</span>\nفالنبيُّ - ﷺ - مُعلِّمٌ يُقِيمُ لأمَّتِه، والأصلُ عمومُ الرسالةِ ووجوبُ الاقتداءِ بالرُّسُلِ، ولمَّا فعَلَ أصحابُ النبيِّ - ﷺ - ومَن وراءَهُ صلاةَ الخوف، دلَّ على تعلُّقِ الحُكْمِ بالجميعِ لا به، ولو اختَصَّ به، لفعَلَهُ وحدَه، وأمَرَ أصحابَهُ بخلافِه؛ كالزيادةِ على أربعٍ في النِّكاح، وعَرْضِ المرأةِ نفسَها عليه، وكالوِصالِ بالصِّيام، وعلى عمومِ صلاةِ الخوفِ: أصحابُهُ مِن بعدِه، ولا اختِلافَ عندَهم في ذلك.\nوجاء عنِ المُزَنيِّ صاحبِ الشافعيِّ: القول بنَسْخِ صلاةِ الخوفِ؛ وهذا بعيدٌ، وقد استَدَلَّ المُزَنيُّ نفسُهُ كما في \"مختصَرِهِ\" على جوازِ صلاةِ المتنفِّلِ بالمفترِضِ بصلاةِ النبيِّ صلاةَ الخوفِ بكلِّ طائفةٍ ركعتنِ ويُسلِّمُ، وأنَّ الرَّكعتَيْنِ الأخيرتَينِ له نافلةٌ ولهم فريضةٌ؛ كما في حديثِ جابرٍ وغيرِه، ولو كانتْ صلاةُ الخوفِ منسوخةً، لَنُسخَ ما تَبِعَها مِن أحكامٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-743>صلاةُ الخوفِ في الحَضَرِ:</span>\nوعامَّةُ العلماءِ على أداءِ صلاةِ الخوفِ في السفر، واختَلَفُوا في فِعْلِها حضَرًا على قولَيْنِ:\nفجمهورُ العلماءِ على مشروعيَّتِها عندَ خوفِ العدوِّ حضَرًا وسفَرًا، فإنْ شابهَتْ حالةُ الخوفِ مِن العدوِّ في الحضَرِ حالةَ الخوفِ منه في السَّفَرِ، صحَّ؛ فإنَّ العدوَّ قد يُداهِمُ المُسلِمِينَ وهم في الحَضَرِ، فيَدفَعونَ ويُرابِطونَ على ثُغُورِها، وحُكْمُهم حينئذٍ حُكْمُ خوفِ المسافرِ مِن العدوِّ.","vol":"2","page":1006},{"text":"وذهَبَ مالكٌ: إلى أنَّ صلاةَ الخوفِ مختصَّةٌ بالسَّفرِ؛ لظاهرِ الآيةِ في قولِه: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١]؛ وبه قال ابنُ الماجِشونِ.\nوالأصحُّ الأَوَّلُ، والآيةُ عُلِّقَت بالأغلبِ؛ أنَّ مواجَهةَ العدوِّ تكونُ في غيرِ بلَدِ المُسلِمِينَ، وأنَّها في السَّفَر، فالأصلُ في المُسلِمِينَ حمايةُ بُلْدانِهم ومعرفةُ قُرْبِ عدوِّهم وبُعْدِه، وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ الجهادَ والقتالَ يكونُ في بُلْدانِ العدوِّ، لا بُلْدانِ المُسلِمِينَ لِمَن أقامَ شريعةَ الجهادِ كما أمَرَ اللهُ بها، والخِطَابُ لِمَن أقامَها، لا لِمَن عطَّلَها فأذَلَّهُ اللهُ حتَّى أصبحَ يأتيه العدوُّ في دارِه.\nوالشريعةُ لا تُخاطِبُ المقصِّرَ في الحقِّ، وتخفِّفُ عليه العملَ لِيَزدَادَ هَوَانًا وذُلًّا ودَعَةً، فإن كانَتْ حالُهُ كذلك، فلَوْمُهُ وتقريعُه ووعيدُهُ أوْلَى مِن مُخاطبَتِهِ بالتخفيفِ؛ حتَّى لا يَظُنَّ أنَّ فِعلَهُ سائغٌ جائزٌ، وهو أحْوَجُ إلى تَدارُكِ ما فاته مِمَّا فرَّط فيه، مِن حاجتِه إلى التيسيرِ عليه؛ فالشريعةُ لم تُلْغِ أصلَ التيسيرِ؛ وإنَّما رتَّبتِ الخِطابَ بمقدارِ الحاجةِ وأولويَّتِها، وإلَّا فَإنْ قُدِّرَ أنَّ بلدًا مِن بُلْدانِ المُسلِمينَ فاجَأهُ عدوٌّ على حينِ غِرَّةٍ وخافوهُ واحتاجُوا لِصلاةِ الخوف، صَلَّوْها، والله أعلَمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-744>صلاةُ الخوفِ وغزوةُ الخندقِ:</span>\nوتأخيرُ النبيِّ - ﷺ - لصلاةِ العصرِ حتَّى غرَبَتِ الشمسُ في غزوةِ الخندق، وقولُ بعضِهم: إنَّ صلاةَ الخوفِ لو كانَتْ جائزةً للحاضِرِ لَصَلَّاها النبيُّ - صلي اله عليه وسلم - ولم يُؤخِّرِ العصرَ، وغزوةُ الخندقِ ليسَتْ سَفَرًا؛ وإنَّما في ناحيةِ المدينةِ:\nفيُقالُ: إنَّ صلاةَ الخوفِ شُرِعَت في غزوةِ ذاتِ الرِّقَاع، وقدِ اختُلِفَ في زمَنِ وقوعِ غزوةِ الخندَقِ منها:\nفمِنهم: مَن جعَلَ غَزْوةَ ذاتِ الرِّقاعِ سابقةً للخَندَقِ؛ وهو قولُ ابنِ إسحاقَ، وتَبِعَه كثيرٌ، كالواقديِّ وابنِ سعدٍ وخَلِيفةَ بنِ خيَّاطٍ.","vol":"2","page":1007},{"text":"ومِنهم مَن قال: إنَّ غزوةَ الخندقِ سابِقةٌ وتَبِعَتها ذاتُ الرِّقاعِ؛ وهو قولُ جماعةٍ؛ كالبخاريِّ وابنِ القيِّمِ وغيرِهما.\nوقد ذكَرَ ابنُ إسحاقَ: أنَّ ذاتَ الرِّقَاعِ كانَتْ في السَّنَةِ الرابعةِ والخندقَ بعدَها في السَّنةِ الخامسةِ في شوَّالٍ مِنها، وأكثرُ مَن جاء مِن بَعدِهِ قال بقولِهِ.\nوقد نَقَلَ البخاريُّ في \"صحيحِه\"، عن موسى بنِ عُقْبةَ؛ قال: كانَتْ غزوةُ الخَندقِ في شوَّالِ سنة أربعٍ (١)، وظاهرُ صنيعِ البخاريِّ الميلُ إلى قولِ ابنِ عُقبةَ، وعَضَدَهُ بعَرْضِ ابنِ عُمرَ على النَّبيِّ - ﷺ - في أُحُدٍ وهو ابنُ أربعَ عَشْرةَ، ويومَ الخندَقِ وهو ابنُ خمسَ عَشْرةَ (٢)، فما بينَ أحُدٍ والخندَقِ إلَّا سنةٌ واحدةٌ، وقد كانتْ غزوةُ أحُدٍ سنةَ ثلاثٍ مِنَ الهجرةِ.\nوالأصحُّ: أنَّ الخندقَ سابقةٌ لذاتِ الرِّقَاع، والأسانيدُ الصحيحةُ دالَّةٌ على ذلك، وهي أوْلى بالأخذِ مِن قولِ ابنِ إسحاقَ، وقد جعَلَ البخاريُّ ذاتَ الرِّقاعِ بعدَ خَيْبَرَ؛ لأنَّ أبا موسى شَهِدَها وكان مُهاجِرًا إلى الحَبَشةِ ولم يَقدَمْ إلَّاَ بعدَ خيبرَ؛ حيث قال كما في \"الصحيحِ\": \"فوافَقْنا النبيَّ - ﷺ - حينَ افتَتَحَ خيبرَ\" (٣).\nوفي \"الصحيحَينِ\"، عن أبي موسى: \"أنَّه شَهِدَ ذاتَ الرِّقاع، وأنَّهم كانوا يَلُفُّونَ على أرْجُلِهِمُ الخِرَقَ لما نَقِبَتْ\" (٤).\nوقد شهِدَها أبو هريرةَ ولم يُسلِمْ إلَّا قبلَ وفاةِ النبيِّ - ﷺ - بأربعِ سِنينَ، كما في \"السُّننِ\"، عن حُمَيدٍ؛ قال: صَحِبَ أبو هريرةَ النبيِّ - ﷺ - أربعَ سنينَ (٥)؛ ففي \"المُسنَدِ\"، و\"السُّننِ\"؛ أنَّ مَرْوَانَ بنَ الحَكَمِ سألَ\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٥/ ١٠٧).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٠٩٧) (٥/ ١٠٧).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٢٣٠) (٥/ ١٣٧).\n(٤) أخرجه البخاري (٤١٢٨) (٥/ ١١٣)، ومسلم (١٨١٦) (٣/ ١٤٤٩).\n(٥) أخرجه أبو داود (٨١) (١/ ٢١)، والنسائي (٢٣٨) (١/ ١٣٠).","vol":"2","page":1008},{"text":"أبا هريرةَ: هل صلَّيْتَ مع النبيِّ - ﷺ - صلاةَ الخوفِ؟ قال: نعَمْ، قال: متى؟ قال: عامَ غزوةِ نَجْدٍ (١).\nوذاتُ الرِّقاعِ غزوةُ نَجدٍ.\nويعضُدُهُ: ما في \"صحيحِ البخاري\"، مِن حديثِ حابرٍ؛ أن النبيِّ - ﷺ - صلَّى بأصحابِهِ في الخوفِ في غزوةِ السابعة، غزوةِ ذاتِ الرِّقَاعِ (٢).\nومِنهم: مَن حمَلَ العدَدَ في قولِه: \"السابعةِ\" على الغزوة، ومِنهم: مَن حمَلَه على محذوفٍ وهو السنةُ السابعةُ، وعلى كِلا الحَمْلَيْنِ يدلُّ هذا على تأخُّرِ غزوةِ ذاتِ الرِّقاع، وتقدُّمِ غزوةِ الخندقِ.\nولو كانتِ الخندقُ متقدِّمةً، ما كان ذلك مُسقِطًا للاحتجاجِ بصلاةِ الخوفِ؛ لإجماعِ الصحابةِ والتابعينَ عليها، وهم أعلَمُ بحالِ النبيِّ - ﷺ - وناسخِ فِعلِهِ ومنسوخِه.\nوأمَّا تأخيرُ النبيِّ - ﷺ - لصلاةِ العصرِ حتَّى غروبِ الشمسِ في الخندَقِ، فيُنظَرُ تخريجُهُ، ولا يُجعَلُ مُعارِضًا لمَا استفاضَ واشتَهَرَ مِن عمَلِهِ وعملِ أصحابِه، وقد فرَّقَ بعضُ الفقهاءِ بين حالِ المُسايَفةِ والمُواجَهةِ والانشغالِ التامِّ بالعدوِّ وبينَ غيرِها؛ ففي المُسايَفةِ لا يُمكِنُ لأَحَدٍ أن يُصَلِّيَ، فيُؤخِّرَ الصَّلاةَ إلى حينِ أَمْنِهِ ولو بعدَ وقتِها، وأمَّا في غيرِ المُواجَهةِ، فتكونُ صلاةُ الخوفِ حسَبَ القدرةِ فردًا أو جماعةً، راكبًا أو راجلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-745>اختلافُ الرواياتِ في ركعاتِ صلاةِ الخوفِ:</span>\nوقد جاءَتْ في صلاةِ الخوفِ أحاديثُ جميعُها صحيحةٌ، وكلُّ الصُّوَرِ الواردةِ المرفوعةِ مشروعةٌ؛ وذلك لأنَّ غَزَواتِ النَّبيِّ - ﷺ - تعدَّدَتْ، وصَلَواتِهِ فيها\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٨٢٦٠) (٢/ ٣٢٠)، وأبو داود (١٢٤٠) (٢/ ١٤)، والنسائي (١٥٤٣) (٣/ ١٧٣).\n(٢) أخرجه البخاري (٤١٢٥) (٥/ ١١٣).","vol":"2","page":1009},{"text":"أكثَرُ؛ ففي كلِّ غزوةٍ أيَّامٌ، وفي كلِّ يومٍ صلواتٌ، وكلُّ صلاةٍ على حالٍ مِن الخوفِ يَختلِفُ عن غيرِه، فاختَلَفَتِ الصُّوَرُ باختلافِ الحالِ التي كان عليها هو وأصحابُه، وكلُّ واحدٍ روى ما شهِدَ، وكل ذلك صحيحٌ.\nولهذا تعدَّدَ القولُ في ذلك عن الصحابةِ بتعدُّدِ الأفعال، وكلٌّ يميلُ إلى ما عَمِلَ أو ما نُقِلَ إليه ولا يُنكِرُ غيرَه، ومَن قال بصورةٍ لا يُبطِلُ القولَ بغيرِها، فلا ينبغي أن تُجعَلَ أقوالُهم متضادَّةً متعارِضةً؛ وإنَّما متنوِّعةٌ متشاكِلةٌ، وقد قال أحمدُ: \"لا أعلَمُ في هذا البابِ إلَّا حديثًا صحيحًا\" (١).\nوكان أحمدُ وكذا الشافعيُّ يُخيِّرُ بين الصِّفاتِ الواردةِ بحسَبِ الحاجةِ إليها وتغيُّرِ الحال، ولا يُقدِّمُ صفةً على أخرى بكلِّ حالٍ.\nوفرقٌ بينَ ما يتعدَّدُ مِن الرِّواياتِ مع تعدُّدِ الأفعالِ؛ كصَلاةِ الخوفِ، وبينَ ما يتعدَّدُ مِنَ الرِّواياتِ مع اتِّحادِ الفِعْلِ؛ كصلاةِ الكُسُوف، فالأوَّلُ: تُحمَلُ الرِّواياتُ على القَبُولِ إن صحَّ سنَدُها وقامَتِ القرينةُ على اختِلافِ الفِعْل، والناني: تُنكَرُ الرِّواياتُ المتعدِّدةُ ولو رَواها ثقاتٌ، ويُؤخَذُ بأصَحِّها وأقوَاها وما قامَتِ القرائنُ على ترجيحِها منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-746>أسبابُ تعدُّدِ رواياتِ صلاةِ الخوفِ</span>.\nوإنَّما تعدَّدَتْ صورُ صلاةِ الخوفِ وصِفتُها؛ لتعدُّدِ الفِعْلِ واختلافِ الحالِ؛ فمَن سبَرَ الأحاديثَ في صفةِ الخوف، وجَدَ أنَّ أسبابَ تعدُّدِها تَرجِعُ إلى أسبابٍ ثلاثةٍ.\nالأولُ: القربُ مِن العدوِّ والبعدُ عنه؛ فإذا كان العدوُّ قريبًا، احتاجَ المصلُّونَ لتخفيفِ الصلاةِ وتقليلِ عَدَدِها؛ للخشيةِ مِن ميلِهِ عليهم وأخذِهِ لهم على غِرَّةٍ؛ ولهذا جاءت صلاةُ الخوفِ ركعةً، وجاءتْ ركعتَيْن، وجاءَتْ جماعةً، وجاءتْ فُرادى عند التلاحُمِ وشِدَّةِ القُرْبِ.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٢/ ٤٥٤).","vol":"2","page":1010},{"text":"الثاني: مكانُ العدوِّ مِن المُسلِمينَ؛ فإنْ كاد مقابِلًا لهم في قِبْلَتِهم، صَلَّوْا جماعةً واحدةً على الصِّفَةِ الواردة، وإن كان خَلْفَهُمْ، صَلَّوْا جماعتَيْنِ: جماعةً تحرُسُ، وجماعةً قائمةً تُصَلِّي على الصِّفاتِ الواردةِ في السُّنَّةِ.\nالثالثُ: شدةُ الخوفِ وضَعْفُهُ مِن العدوِّ؛ فكلَّما كان المُسلِمونَ أكثَرَ خوفًا مِن مَيْل المشرِكينَ عليهم وخِدَاعِهم لهم، أخَذُوا بأخَفِّ الصِّفاتِ وأَيْسَرِها عليهم، وعَكسُها بعكسِها، وكثيرٌ مِن الفقهاءِ لا يَعتبِرونَ لِشِدَّةِ الخوفِ أثرًا في نُقصانِ صلاةِ الخوفِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-747>صفاتُ صلاةِ الخوفِ:</span>\nوقد جاءَت صِفاتٌ متعدِّدةٌ في صلاةِ الخوف، وجِمَاعُها على هذه الصِّفاتِ:\nالأُولى: أنَّ الإمامَ يَجعل الناسَ على طائفتَيْنِ؛ فيُصلِّي بواحدةٍ ركعةً والأُخرى يَحرُسونَ ظُهورَهم، فإذا قام للثانيةِ تنفصِلُ الأُولى عن الإمام، فتُتِمُّ لنفسِها ثُم تُسَلِّمُ، والإمامُ باقٍ قائمٌ في الرَّكعةِ الثانيةِ يُطِيلُ قيامَهُ، لِتُدرِكَهُ الطائفةُ الثانيةُ، فإذا سَلَّمَتِ الأُولى دخلَتِ الثانيةُ، فإذا جلَسَ الإمامُ للتشهُّدِ قامَتِ الثانيةُ تُتِمُّ لنَفْسِها؛ لتُدرِكَ الإمامَ فيَ السَّلامِ؛ لتُسلِّمَ معَهُ، وهذه الصورةُ الأشهَرُ، وبها يقولُ مالكٌ، وهي في \"الصحيحَينِ\"؛ مِن حديثِ صالحِ بنِ خوَّاتٍ، عن سهلِ بنِ أبي حَثْمَةَ (١) وتارَةً يَرْويها صالحٌ عمَّن صلَّى مع النبيِّ صلاةَ الخوفِ يومَ ذاتِ الرِّقَاعِ (٢)، وكأنَّه يَرويها عن غيرِ واحدٍ.\nوجاء نحو هذه الصِّفةِ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسِ في البخاريِّ وغيرِه (٣).\nوصحَّ عندَ ابنِ جريرٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ مِن روايةِ عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ عنه موقوفًا، لكنْ جعَلَ الإمامَ يَننظِرُ الطائفةَ الثانيةَ جالسًا بعدَ ركعتِهِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤١٣١) (٥/ ١١٤)، ومسلم (٨٤١) (١/ ٥٧٥).\n(٢) أخرجه البخاري (٤١٢٩) (٥/ ١١٣)، ومسلم (٨٤٢) (١/ ٥٧٥).\n(٣) أخرجه البخاري (٩٤٤) (٢/ ١٤).","vol":"2","page":1011},{"text":"الأولى حتَّى تُتِمَّ الأُولى لنَفْسِها ثم تَنصرِفَ، ثم تدخُلُ الثانيةُ مع الإمام، فيقومُ بها فيُصلِّي ركعةً، ثمَّ يسلِّمُ بها، ثمَّ تُكمِلُ بعدَهُ ولا يَنتظِرُها بسَلامِه (١).\nالثانيةُ: أن يَقومَ الإمامُ بطائفةٍ ركعةً، ثمَّ تَنصرِفَ إن قام للثانيةِ تحرُسُ ولا تُسلِّمُ ولا تُتِمُّ لنَفْسِها، ثم تأتي الثانيةُ فتُصلِّي معَ الإمامِ الرَّكعةَ الأُولى لها والثَّانيةَ للإمام، وتُتمُّ بعدَه، فإنْ سلَّمَتْ رجعَت فحرَسَت، ثمَّ رجعَتِ الأُولى وقضَتْ ركعتَها الثانيةَ التي ترَكَتْها ثمَّ سلَّمَتْ.\nوهذا صحَّ مِن حديثِ ابنِ عُمَرَ في البخاريِّ (٢)، ومِن حديثِ ابنِ مسعودٍ عندَ أحمدَ وأبي داودَ (٣).\nوصحَّ هذا موقوفًا عن نافعٍ عنِ ابنِ عُمرَ، رواهُ مالكٌ والبخاريُّ (٤).\nوجاء أيضًا عن أبي موسى الأشْعريِّ؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي شَيْبةَ والطبريُّ (٥).\nوروى منصورٌ عن عُمَرَ مِثْلَ هذه الصفةِ مِن فِعْلِه، إلَّا أنَّ الإمامَ يُسلِّمُ بالثانيةِ بركعةٍ واحدةٍ لها، وركعتَيْنِ له، ثم تقومُ مقامَ الطائفةِ الأُولى فتقضي الأُولى، ثمَّ تَرجِعُ لِتقومَ مَقامَ الثانيةِ؛ لتَقضِيَ مِثلَها، فقَضاءُ الطَّائفتيْن كلُّ واحدةٍ وحدَها.\nرواهُ ابنُ جريرٍ (٦) وفيه انقطاعٌ، ومِثلُ هذه الصِّفةِ رواها الحارثُ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ عندَ عبدِ الرزَّاقِ (٧)، وبِمثلِها صلَّى عبدُ الرحمنِ بنُ سَمُرةَ بالمُسلِمينَ بِكابُلَ؛ أخرَجَهُ البيهقيُّ في \"سُننِه\" (٨).\nوبهذه الصِّفةِ يقولُ الأوزاعيُّ وغيرُه.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٤٣٠).\n(٢) أخرجه أخرجه البخاري (٩٤٢) (٢/ ١٤).\n(٣) أخرجه أحمد (٣٥٦١) (١/ ٣٧٦)، وأبو داود (١٢٤٤) (٢/ ١٦).\n(٤) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (٣) (١/ ١٨٤)، والبخاري (٤٥٣٥) (٦/ ٣١).\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٨٢٩٠) (٢/ ٢١٥)، والطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٤٣٥).\n(٦) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٤٣٤).\n(٧) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٤٢٤٤) (٢/ ٥٠٨).\n(٨) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٦١).","vol":"2","page":1012},{"text":"وفرَّق بعضُهم بينَ حديثِ ابنِ عُمرَ وحديثِ ابنِ مسعودٍ؛ فجَعلَ حديثَ ابنِ عمرَ في قصاءِ الطائفتَيْنِ لأنفُسِهم جميعًا، وكأنَّ الإمامَ يَحرُسُهُم وحدَه، وجعَلَ حديثَ ابنِ مسعودٍ في قضاءِ كلِّ طائفةٍ وحدَها للركعةِ التي فاتَتْها، وذهَبَ إلى حديثِ ابنِ مسعودٍ الكوفيُّونَ.\nولا يَظهَرُ صراحةً قضاءُ الطائفتَيْنِ جميعًا في وقتٍ واحدٍ في حديثِ ابنِ عُمرَ؛ وهذا لا يتَّفِقُ مع الحِكْمةِ مِن مشروعيَّةِ صلاةِ الخوفِ والعدوُّ مِن خَلْفِهم، والأظهَرُ حملُ حديثِ ابنِ عُمرَ على حديثِ ابنِ مسعودٍ وغيرِه ممَّا سبَق ذِكرُه، واللهُ أعلَمُ.\nالثالثةُ: كسابقتِها إلَّا أنَّ كل طائفةٍ تُصلِّي مع الإمامِ ركعةً واحدةً بلا قضاءٍ للفائتة، فهي للجماعةِ ركعةٌ، وللإمامِ ركعتانِ.\nوهذا صحَّ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ؛ أخرَجَه النَّسائيُّ (١)، ومِن حديثِ حذيفة؛ أخرَجَه أحمدُ وأبو داودَ والنَّسائيُّ (٢).\nوجاء مِن حديثِ زيدٍ مرفوعًا مِثلُه؛ أخرَجَه عبدُ الرزَّاقِ والطَّحاويُّ وغيرُهما (٣).\nوهذه الصفاتُ الثلاثُ تُغلَّبُ في حالِ كونِ العدوِّ في ظهرِ المُسلِمينَ وهم يَحتاجونَ إلى حمايةِ أظهُرِهم، لا إلى وُجوهِهم.\nوهذه الصفةُ الثَّالثةُ، ربَّما يُحتاجُ إليها عندَ حاجةِ الطائفتَيْنِ للوقتِ؛ إمَّا لقُرْبِ العدوِّ أو لشدَّةِ الحذَرِ منه، وقد روى غيرُ واحدٍ مِنَ السَّلفِ أنَّ صلاةَ الخوفِ ركعةٌ واحدةٌ؛ رواة مجاهدٌ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ أخرَجَهُ مسلمٌ (٤).\n_________\n(١) أخرجه النسائي (١٥٣٣) (٣/ ١٦٩).\n(٢) أخرجه أحمد (٢٣٣٥٢) (٥/ ٣٩)، وأبو داود (١٢٤٦) (٢/ ١٦)، والنسائي (١٥٣٠) (٣/ ١٦٨).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٤٢٥٠) (٢/ ٥١٠)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣١٠).\n(٤) أخرجه مسلم (٦٨٧) (١/ ٤٧٩).","vol":"2","page":1013},{"text":"رواهُ سِمَاكٌ الحنفيُّ عنِ ابنِ عمرَ؛ أخرَجَهُ ابنُ جَريرٍ (١).\nوجاء عن جابرٍ؛ رواهُ يزيدُ الفقيرُ، أخرَجَهُ ابنُ جَريرٍ (٢)، وأصلُه في \"الصحيحِ\".\nوجاء عن حُذَيْفةَ بنِ اليَمَانِ؛ أخرَجَهُ عبدُ الرزَّاقِ وابنُ أبي شيبةَ والبيهقيُّ (٣).\nوجاء عن كَعْبٍ؛ أخرَجَه سعيدُ بنُ منصورٍ والطبريُّ (٤).\nولذا كان بعضُ السَّلفِ إنْ سُئِلَ عن صلاةِ المُسايَفةِ جعَلَها ركعةً ولو بالإيماءِ؛ كالحكَمِ وحمَّادِ ينِ أبي سُلَيْمانَ ومُجاهدٍ والضحَّاك، وقال به أحمدُ.\nوقد جعَلَ بعصُ الفقهاءِ صلاةَ الفجرِ في صلاةِ الخوفِ ركعةً واحدةً بكلِّ حالٍ؛ كمحمدِ بنِ نصرٍ وابنِ حَزْمٍ، وهذا التقييدُ يحتاجُ إلى نَصٍّ، ولا أعلَمُه ظاهرًا في الدَّليل، ولم يُفرِّقِ السّلَفُ بينَ الثُّنائيةِ والرُّباعيَّةِ في صلاةِ الخوفِ.\nالرابعةُ: يُصلِّي الإمامُ بالمُسلِمينَ جميعًا، وَيجعلُهم صفَّينِ أو أكثَرَ، ويُتابِعونَهُ في كلِّ شيءٍ، إلَّا السُّجُودَ، فيَسجُدُ الصفُّ المتقدِّمُ مع الإمامِ والمتأخِّرُ قائمٌ يَحرُسُهم، فإذا قام الإمامُ والصفُّ المتقدِّمُ، سجَدَ الصفُّ المتأخِّرُ ولَحِقَ بالإمام، فيقومُ الجميعُ الثانيةَ معَ الإمام، ويركَعونَ معَه، فإذا جاء السُّجُودُ تقدَّمَ الصفُّ المتأخِّرُ؛ لِيَكونَ متقدِّمًا، فيأخُذُ نصيبَه مِنَ السُّجودِ معَ الإمام، ويتأخَّرُ المتقدِّمُ لِيَحُلَّ محلَّ المتأخِّر، ثمَّ إنِ انتَهى الإمامُ مِنَ السُّجود، تَبِعَهمُ المتأخِّرُ فسجَدَ وتشهَّدَ معَهم، وسلَّمَ بهم جميعًا.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٤١٦).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٤١٩).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٤٢٤٩) (٢/ ٥١٠)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٨٢٧٣) (٢/ ٢١٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٦١).\n(٤) أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٢٥٠٧) (٢/ ٢٣٩)، والطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٤١٧).","vol":"2","page":1014},{"text":"وهذا ثَبَتَ في مسلمٍ؛ مِن حديثِ جابرٍ (١).\nوفي البخاريِّ؛ مِن حديثِ عُبيْدِ اللهِ بنِ عبدِ الله، عنِ ابنِ عبَّاسٍ (٢)، لكنَّه جعَلَ الصفَّ الثانيَ لا يَركَعُ ولا يَسجُدُ حتَّى يَنتهِيَ الصفُّ الأوَّلُ مِن رُكوعِهِ وسجود للرَّكْعةِ الأُولى مع الإمام، وجاء عندَ الطحاويِّ مِن حديثِ عُبيدِ اللهِ به، لكنْ مِن قولِ ابنِ عبَاسٍ؛ مِثلَ حديثِ جابرٍ (٣).\nوعندَ أحمدَ وغيره مِن حديتِ مجاهدٍ، عن أبي عيَّاشٍ مرفوعًا (٤)، ولكنَّه جعَلَ تقدُّمَ الصفِّ الثاني وتأخُّرَ الأوَّلِ قبلَ ركوعِ الركعةِ الثانيةِ لا بعدَه.\nورواهُ البيهقيُّ مِن حديثِ عِكرِمَةَ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ مرفوعًا مِثلَه (٥)، إلَّا أنَّه لم يَذكُرْ تقدُّمَ الصفِّ الآخِرِ على الأوَّل، وإنَّما ظاهرُهُ أنَّهما يَفعَلانِ الصِّفةَ كلُّ طائفةٍ في مكانِها.\nالخامسةُ: يَجعلُ الإمامُ المُسلِمينَ طائفتَيْن، فيُصلِّي بكلِّ واحدةٍ وهي منفرِدةٌ ركعتَيْن، فهي للإمامِ أربعٌ، ولكلِّ طائفةٍ ركعتانِ.\nوهذا صحَّ مِن حديثِ جابرٍ عندَ مسلمٍ (٦)، ومِن حديثِ أبي بَكْرَةَ عندَ أحمدَ وأبي داودَ والنَّسائيِّ (٧)، وفي حديثِ أبي بَكْرةَ ذكَرَ: أنَّ الإمامَ يُسلِّمُ مِن كلِّ ركعتينِ فلا يَصِلُها.\nوهاتانِ الصِّفتانِ - الرَّابعةُ والخامسةً - في حالِ كونِ العدوِّ أمامَ المُسلِمينَ.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٨٤٠) (١/ ٥٧٥).\n(٢) أخرجه البخاري (٩٤٤) (٢/ ١٤).\n(٣) أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٢٠).\n(٤) أخرجه أحمد (١٦٥٨٠) (٤/ ٥٩)، وأبو داود (١٢٣٦) (٢/ ١١)، والنسائي (١٥٤٩) (٣/ ١٧٦).\n(٥) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٥٨).\n(٦) أخرجه مسلم (٨٤٣) (١/ ٥٧٦).\n(٧) أخرجه أحمد (٢٠٤٩٧) (٥/ ٤٩)، وأبو داود (١٢٤٨) (٢/ ١٧)، والنسائي (١٥٥٥) (٣/ ١٧٩).","vol":"2","page":1015},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-748>استقبالُ القبلةِ في صلاةِ الخَوْفِ:</span>\nوهذه الصِّفاتُ الخمسُ السابقةُ تدلُّ على تأكُّدِ استقبالِ القِبْلة، ووجوبِهِ على القادرِ؛ فاللهُ لم يجعَلْ طائفةً خَلْفَهم تحرُسُ إلَّا والقِبلةُ أمامَهم، ولو جاز تركُ الاستقبالِ بكلِّ حالٍ في صلاةِ الخوف، لاستَدَارُوا جميعًا جِهَةَ العدوِّ واستقبَلُوهُ بدَلَ القِبْلة، وصلَّوْا جميعًا كما في الصِّفَةِ الرابعةِ والخامسةِ.\nوإنَّ استقبالَ القِبْلةِ لا يسقُطُ إِلَّا عندَ العجزِ عن أداء الصَّلاةِ جماعةً طائفةً أو طائفتيْن، وقد لا يسقُطُ الاستقبالُ في حالِ الصلاةِ فُرادى عندَ أمنِ الرَّجُلِ إن كانَ وحدَهُ مِن الرُّماة، وخَشيتُهُ هي مِن بروزِهِ فحَسْبُ، وهذا ما قال به ابن عُمرَ فما رواهُ عنه مالكٌ وغيره؛ قال: \"إن كان خوفًا أشدَّ مِن ذلك، صلَّوْا رِجالًا أو رُكبانًا، مُستقبِلي القِبلةِ وغيرَ مُستقبِليها\" (١).\nالسادسةُ: وهي المقصودةُ في قولِهِ تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، وهي أن يُصلِّيَ كلُّ مُسلمٍ وحدَهُ، وهذه حالُ المُسايَفةِ والمُواجَهة، فلا يتَمكَّنُ المُسلِمونَ مِنَ الاصطفافِ والاجتماعِ خوفَ رميِ العدوِّ واستِهدافِه؛ وهذا ثبَتَ في \"الصحيحينِ\"؛ مِن حديثِ ابنِ عُمرَ؛ قال: \"إِنْ كَانَ خَوْفٌ هُوَ أشَدَّ مِن ذَلِكَ، صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقدَامِهِمْ أوْ رُكْبَانًا، مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ أوْ غيْرَ مُستَقْبِلِيهَا\".\nقال نافعٌ راويهِ عنِ ابنِ عُمرَ: \"لا أرى عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ ذكَرَ ذلك إلَّا عن رسولِ اللهِ - ﷺ - \" (٢).\nوصفةُ الصلاةِ راجلًا وقائِمًا: بالإيماءِ؛ كما جاءَ عنِ ابنِ عُمرَ؛ أنَّه قال: \"إذا اختَلَطُوا فإنَّما هو الذِّكْرُ وإشارةُ الرَّأسِ\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (٣) (١/ ١٨١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٥٦).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٥٣٥) (٦/ ٣١)، ومسلم (٨٣٩) (١/ ٥٧٤).\n(٣) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٥٥).","vol":"2","page":1016},{"text":"وبهذا فال مجاهدٌ وعطاءٌ وطاوسٌ والحسنُ وسعيدُ بن جُبيرٍ والنَّخَعيُّ وغيرُهم.\nويشتدُّ هذا عندَ المُطارَدةِ؛ فقد يسقُط في بعضها حتَّى الإشارةُ ويُكتفى بالقولِ وحضورِ القبِ على قولِ جماعةٍ مِنَ السلفِ.\nوقد تعدَّدَتْ صورُ صلاةِ الخوفِ حتَّى جعَلَ بعضُ الفقهاءِ الاختلافَ اليسيرَ بينَها فَرْقًا لي الصِّفة، وقد جاء عدَ ابر حبَّانَ في \"صحيحِه\" نحوٌ مِن تِسْعٍ، وجعَلَها ابنُ حَزمٍ أربعَ عَشْرةَ صِفةً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-749>تأخيرُ الصلاةِ عد اشتدادِ القتالِ:</span>\nوقد اختُلِفَ في جوازِ تأخيرِ الصلاةِ عن وقتِها عند اشتدادِ القتال، والتحامِ الصفوف، وتعذُّرِ الإيماءِ - على قولَينِ في مذهبِ أحمدَ.\nوالجمهورُ: على أنَّها لا تُؤخَّرُ.\nوالقولُ الآخَرُ لأحمدَ: جوازُ تأخيرِها، ومال إليه البخاريُّ، وقال به مِن السَّلَفِ مكحولٌ والأوزاعيُّ؛ وعلى هذا حمَلَ بعضُهم صلاةَ النبيِّ - ﷺ - في يومِ الأحزابِ حينَما أخَّرَها حتَّى غروبِ الشمس، وبهذا عمِلَ الصحابةُ في فتحِ تُسْتَرَ حينَما التَحَمَ الصَّفَّان، فأخَّرُوا الفَجْرَ إلى الضُّحَى، كما علَّقَه البخاري: \"قال أنسُ بنُ مالكٍ: حَضَرْتُ عِندَ مُنَاهَضَه حِصْنِ تُسْتَرَ عِنْدَ إِضَاءَةِ الفَجْرِ، وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ القِتَال، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاة، فَلَمْ نُصَلِّ إِلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أبِي مُوسَى، فَفُتِحَ لَنَا، وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا\" (١).\nوكان ذلك في خِلَافةِ عُمَرَ، وفيهم صحابةٌ كثيرٌ، وهذا يَشتَهِرُ ولا يُقالُ إلَّا إنَّه جَرى على السُّنَّةِ وأحَدِ وجوهِ صلاةِ الخوف عندَهم.\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٢/ ١٥).","vol":"2","page":1017},{"text":"وهذا الاختلافُ تنوُّعٌ لا تضادٌّ، ومَن نظَرَ في عمَلِ السَّلَف، وجَدَ مِنهم مَن يُفتي وَيعمَلُ بأكَثرَ مِن صِفَةٍ؛ وذلك لاخلافِ الحال، كما كان حُذَيْفةُ وجابرٌ يَجعَلونَ صلاةَ الخوفِ ركعةً، ومرَّةً يَجعَلونَها ركعتَيْنِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-750>صلاةُ المغرِبِ عند الخوفِ:</span>\nوهذا في حميعِ الصَّلواتِ بلا فَرقٍ عندَ السَّلَفِ بينَها، إلَّا المَغرِبَ، فإن لم يَكُنِ الإنسانُ في حالِ المُسايَفةِ والمُطارَدة، فيُصلِّيها ثلاثًا؛ لأنَّها لا تُقصَرُ، وبهذا قال الحسَنُ والأشعثُ بن عبدِ الملِكِ والثَّوْريُّ، ولا مُخالِفَ لهم.\nوإن كان في حالِ المسايَفةِ والمُطارَدة، فيُصلِّيها واحدةً، وتُجزِئُ عنه؛ فإنَّه إنْ جازَ أن تُجعَلَ الرُّباعيَّةُ واحدةً مع أنَّها لا تُقصَرُ على ذلكَ في السفر، فالثُّلاثيَّةُ مِن بابِ أَوْلى، ولأنَّ الصلاةَ قد تسقُطُ كلُّها، ويُكتَفى بالذِّكرِ عندَ التِقاءِ الزَّحفَيْن، وضَرْبِ الناسِ بحضِهم بعضًا، وعدَمِ معرفةِ وقتِ الخلاصِ، فإذا حضَرَتِ الصلاةُ والحالُ هذه، فيُكتَفى بالتسبيحِ والتحميدِ والتهليلِ والتكبيرِ؛ وبهذا قال سعيدُ بن جُبَيْرٍ وأبو البَختَريِّ وأصحابهما، وكانوا يَقولونَ: \"فِتلكَ صَلاتُك ثُمَّ لا تُعِدْ\"؛ أخرَجَهُ ابن أبي شَيْبةَ (١).\nوأمَّا صفةُ صلاةِ المَغرِبِ ثلاثًا، فعَلى صورتَيْنِ:\n- إمَّا أن يُصلِّيَ بالأُولى ركعةً وبالثانيةِ ركعتَيْن، ثمَّ يُتِمَّ كلٌّ ما فاتَهُ.\n- وإمَّا عَكسُها؛ يُصلِّي بالأُولى ركعتَيْن، وبالثَّانيةِ ركعةً، ثمَّ يُتِمُّ كلٌّ ما فاتَهُ.\nوالأمرُ على التيسير، وليس في صِفَتِها خبرٌ يصحٌّ مرفوعٌ ولا موقوفٌ.\nوقد جاء عندَ الدَّارَقُطْنيِّ مِن حديثِ أبي بَكْرةَ؛ أن النبيَّ - ﷺ - صلَّى بالقومِ صلاةَ المغرِبِ ثلاثَ رَكَعاتٍ، ثمَّ انصرَفُوا، وجاء الآخَرونَ فصلَّى\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٨٢٦٠) (٢/ ٢١٢).","vol":"2","page":1018},{"text":"لهم ثلاثَ رَكَعاتٍ، فكانتْ للنبيِّ - ﷺ - ستًّا، وللقومِ ثلاثًا ثلاثًا (١).\nولا يصحُّ، ولا أعلَمُ مَن قال بالصِّفةِ في حديثِ أبي بَكرةَ مِنَ السلفِ إلَّا ما حُكيَ عَنِ الحسن، وهو غريبٌ؛ رواهُ أشعثُ الحُمرانيُّ عنِ الحسنِ عن أبي بكرةَ به، واللهُ أعلمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-751>حملُ السلاحِ في صلاة الخوفِ</span>.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾؛ رفَعَ اللهُ الحرَجَ في حَمْلِ السِّلاحِ في الصَّلاةِ وغيرِها لِمَن يَجِدُ ضَرَرًا وحَرَجًا، ورفعُ الحرَجِ دليلٌ على أنَّ الأصلَ لي حملِ السِّلاح عندَ قُرْبِ العدوِّ ومُواجهتِهِ الوجوبُ، وكلَّما قَرُبَ، عَظُمَ؛ لأنَّ فيه حِفْظًا للنفسِ والعِرْضِ والمالِ.\nورَفْعُ الجُنَاحِ في هده الآيةِ شبيهٌ برَفْعِ الحرَجِ في الآيةِ السابقةِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]؛ لأنَّ الأصلَ وجوبُ إتمامِ الصلاة، فرَفعَ الحرَجَ عنهم فرَخَّصَ في القَصْر، وهُنا جعَلَ الأصلَ في حملِ السِّلاحِ الوجوبَ، فرفَعَ الحرَجَ عندَ الأذى والمرَضِ.\nوالمراد بالمرَضِ: كلُّ ما أضعَفَ البدَنَ وآذاهُ عندَ حَمْلِ السِّلاحِ؛ كالجِرَاحاتِ والحُمَّى، والأذى: كالمطَرِ وشدَّةِ البردِ والرِّيحِ.\nومع وضعِ السِّلاحِ أمَرَ بأخذِ الحِذْرِ في قولِه ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾؛ لأنَّه يَغلِبُ معَ وضعِ السِّلاحِ الرَّاحَةً والدَّعَةُ ويَتْبَعُها الغَفلةُ، واللهُ في القرآنِ يأمُرُ بالحذرِ مِن العدوِّ، وينهى عن الخوفِ منه: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٥]؛ لأنَّ الحذرَ حَزْمٌ وعقلٌ، والخوفَ جُبْنٌ وهزيمةٌ.\nواختُلِفَ في المخاطَبِ بحَمْلِ السِّلاحِ: الطَّائفةُ الحارسةُ، أمِ\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني في \"سننة\" (١٧٨٣) (٢/ ٤١٢).","vol":"2","page":1019},{"text":"المصلِّيةُ؟ والأظهَرُ: أنَّ الخِطَابَ لهما جميعًا، وهو للمصلِّيةِ منهما أظهَرُ؛ لأنَّها أحوَجُ للتنبيهِ على هذا؛ لأنَّ في الصلاةِ شُغْلًا، فيَغلِبُ على ظنِّ المصلِّي كراهةُ حعلِ السِّلاحِ أو تَرْكُهُ ترخُّصًا، وأمَّا الحارسةُ: فالأصلُ أنَّها لا تحرُسُ إلَّا بسِلَاحٍ.\nثم إنَّ حملَ السِّلَاحِ جاء في سِياقِ صلاةِ الخوف، والألصَقُ به المُصلِّي لا غيرُه؛ لأنَّ غيرَهُ يُؤمَرُ به مِن غيرِ حاجةٍ لذِكْرِ الصلاةِ ولا حراسةِ المُصلِّينَ؛ لأنَّه مأمورٌ بأن يَحمِيَ نفسَه قبلَ غبرِه، ويدخُلُ غيرُ المصلِّي في وجوبِ حمل السِّلاحِ عندَ الخوفِ وخشيةِ مَيْلِ العدوِّ مِن بابِ أَوْلى.\nويعضُدُ أنَّ الخِطابَ أَوْلى مَن يدخُلُ فيه المصلِّي: أنَّ اللهَ رَخَّصَ في وضعِهِ في حالِ الأذى؛ كالمطَرِ والمرَض، فلو كان الخطابُ لغيرِ المصلِّي، وهو الحارِسُ، لكان هذا دليلًا على الرُّخْصةِ للمصلِّي في تَرْكِه؛ لأنَّه لم يُخاطَبْ بحملِ السِّلاحِ أصلًا، ولم يُؤمَرْ به، والحارسُ رُخِّصَ له في تَرْكِ السِّلاحِ عندَ الأذى؛ فعلى هذا: لا يَبقى أحدٌ مِنَ المُسلِمينَ يَحمِلُ السِّلاحَ؛ لا المُصلِّي ولا الحارسُ، وما شُرِعَت صلاةُ الخوفِ إلَّا لحِفظِ النَّفْسِ والمال، وتخصيصُ الخطابِ بالحارسِ يُخالِفُ هذا المَقصَدَ.\nوقال: إنَّ الخطابَ للطائفةِ المصلِّية، الشافعيُّ في أحدِ قولَيْه.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].\nوالمرادُ بالصلاةِ: صلاةُ الخوف، وقد أمَرَ اللهُ بذِكرِه، والذِّكْرُ بعمومِهِ يدخُلُ فيه الصلاةُ أيضًا؛ فيسمِّيها اللهُ ذِكْرًا، وفي هذا حثٌّ على","vol":"2","page":1020},{"text":"كونِ حالِ المجاهِدِ على قربٍ مِن الله، وحضورٍ بالصلاةِ والذِّكْر، وأحوجُ ما يكونُ العبد إلى قُرْبِ ربِّه عند خوفِهِ وتربُّصِ عدوِّه، فاحتاجَ إلى حضورِ قلبِهِ بالعبادة، ومِن أعظَمِها: الصلاةُ والذِّكرُ.\nوقال تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ حملًا للحالِ على الأغلبِ؛ لأن صلاةَ الخوفِ في حالِ خوفٍ ونَصَبٍ، وحَذَرٍ وتَعَبٍ، وليس في الآيةِ قصرٌ لحكمِ الإتمامِ في الطُّمأنية، ولا لحكمِ القصرِ في الخوفِ؛ ففد يكونُ المسافر مطمَئنًّا والمقيمُ حائفًا، فالعِبْرةُ بالسفرِ للقصرِ ولو مطمَئنًّا، وبالخوفِ لصلاةِ الخوفِ ولو مقيمًا.\nولهذا فسَّرَ غيرُ واحدٍ مِن السلفِ الطمأنينةَ في الآيةِ بالإقامةِ كمجاهِدِ وقتادةَ، وفسَّرَها أبو العاليةِ بالنزول، وفسَّرها السديُّ بالأمنِ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-752>مشروعيَّةُ الذكرِ على كلِّ حالٍ:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾، فيه مشروعيَّةُ الذِّكْرِ على كلِّ حالٍ، وفيه وجوبُ أداءِ صلاةِ الفرضِ على المريضِ ما دام مُدرِكًا حسَبَ قدرته، والمريضُ إذا عجَزَ عن القيام، يتعيَّنُ عليه القعودُ، ولو صلَّى على جنبه وهو قادرٌ على القعود، بطَلَتْ صلاتُه، كما تَبْطُلُ صلاةُ مَن صلَّى فَرْضَهُ قاعدًا وهو قادرٌ على القيامِ؛ وذلك لقولِه - ﷺ - في حديثِ عِمرانَ بنِ حُصَيْنٍ: (صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-753>وجوبُ الصلاةِ على العاجزِ عن الحركةِ:</span>\nوفي الآيةِ: إيجابُ الصلاةِ على المُسلِمِ ولو كان غيرَ قادرٍ على الإتيانِ بالركوعِ والسجودِ؛ لِشَلَلٍ أو قيدٍ أو إكراهٍ على تَرْكِها، وخوفٍ مِنَ\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٧/ ٤٤٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٠٥٦).\n(٢) أخرجه البخاري (١١١٧) (٢/ ٤٨).","vol":"2","page":1021},{"text":"القتلِ عليها لِمَن يُكِرِهُهُ عدوٌّ كافرٌ على تركِها، ولا تَسقُطُ بذلكَ كلِّه؛ لهذا وجبَتْ على الخائفِ الطَّرِيدِ ولو راكبًا أو راكضًا أن يُومِئَ إيماءً.\nولا تسقُطُ الصلاةُ عن العاقلِ؛ كلٌّ بحَسَبِهِ، ولو كان الرجلُ مشلولَ الأطرافِ؛ فاللهُ لو أسقَطَها لِعَجْزِ بدَنٍ، لَأَسْقَطَها عنِ المجاهِدِ الهارِبِ يَلحقُهُ العدوُّ، وهو على قدَمَيْهِ يخافُ مِنَ العدوِّ أن يلحقَهُ فيَقتُلَه، فلم تسقُطْ عنه بمِثلِ هذه الحالِ، وقد قال اللهُ على لسانِ عيسى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١]، فالزكاة تجبُ في المال، والصلاةُ على البدنِ، ولو كان المكلَّفُ غيرَ كاملِ القدرة، فأوجَبَ اللهُ الزكاةَ على المال، وحياةُ المالِ نِصابُه، وأوجَبَ الصلاةَ على البدَن، وحياتُهُ روحُهُ وإدراكُهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-754>صلاةُ العاجِزِ عن القعودِ والقيامِ:</span>\nوقد اختلَفَ العلماءُ فيمَن عجَزَ عنِ القعودِ؛ أيصلِّي مضطَجِعًا على جنبِه أم مُستلقِيًا على ظهرِه؟ على أقوالٍ:\nذهَبَ الشافعيُّ وأحمدُ: إلى تقديمِ الاضطِجاع على الجنبِ على الاستلقاء، ورُوِيَ في هذا حديثٌ مرفوعٌ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ أَخرَجَهُ الدارقطنيُّ (١)، وهو منكَرٌ لا يصِحُّ.\nوذهَبَ أهلُ الرأيِ وبعضُ الشافعيَّةِ: إلى نقديمِ الاستلقاءِ على الاضطجاعِ؛ فيَستلقي العاجزُ عنِ القعودِ على ظهرِه، ويستقبِلُ بقدمَيْهِ القِبْلةَ، وإن عجَزَ عن الاستلقاءِ صلَّى على جنبِهِ مستقبِلًا يوجهِه القِبْلةَ، ورُوِيَ عنِ ابنِ عمرَ صلاةُ المريضِ مستلقيًا؛ رواهُ عبدُ الرزَّاقِ (٢).\nوذهَب مالكٌ: إلى التخييرِ بينَ الصلاةِ على جنبٍ والصلاةِ مستلقيًا.\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (١٧٠٦) (٢/ ٣٧٧).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٤١٣٠) (٢/ ٤٧٤).","vol":"2","page":1022},{"text":"والصلاةُ على الجنبِ أقرَبُ للنهوضِ مِن الصلاةِ مستلقِيًا، وهي أقرَبُ للمواجَهةِ واستقبالِ القبلةِ بالوجه، وحديثُ عِمْرانَ وإن كان أمرًا له لأنَّ به ناصورًا، ولكن لا يَظهرُ أنَّ النبيَّ - ﷺ - خصَّه بالصلاةِ على جنبٍ لمكانِ مَرَضِه؛ فإنَّ المُستلقِيَ على ظهرِهِ كالمضطجعِ على جنبِه للمريضِ بالناصورِ؛ لأنَّ ضررَهُ بالقعودِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-755>شرطُ دخولِ الوقتِ للصلاةِ:</span>\nوفي قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ دليلٌ على وجوبِ أداءِ الصلاةِ في وقتِها، وأنَّ مَن أدَّاها في غيرِ وقتِها مِن غيرِ عذرٍ، بَطَلَت صلاتُهُ بلا خلافٍ، وهذه الآيةُ دَلَّتْ بدليلِ الخِطَابِ على جوازِ الجَمْعِ في السَّفَرِ؛ فاللهُ لمَّا ذكَرَ الطُّمأنِينةَ وهي في حالِ الإقامة، أوجَبَ أداءَ العبادةِ في وقتِها، ومفهومُهُ أنَّهم كانوا يَجمَعونَ في السفر، والقَصْرُ ثابتٌ في القرآنِ والسُّنَّةِ بالنصِّ، وأمَّا الجَمْعُ فثابتٌ في السُّنَّة، وهو في القرآنِ بدليلِ الخِطابِ والمفهومِ لا بالنَّصِّ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٠٤].\nبعدَما ذكَرَ اللهُ أحكامَ صلاةِ الخوفِ وصِفَتَها، وكان ذلك في سياقِ القتالِ للعدوِّ وما يصحَبُ ذلك مِن الخوفِ والحذَر، نَهَى اللهُ عن أنْ يَتسبَّبَ ذلك في وَهَنٍ في المُسلِمِينَ وضعفٍ فيهم، فيُقصِّروا أو يَترُكُوا طلَبَ الكافرينَ؛ فإنَّ القتالَ يُلازِمُهُ الحذَرُ والخوفُ والرَّهْبةُ؛ وهذا قد يُضعِفُ العزائمَ، ويُوهِنُ النفوسَ.","vol":"2","page":1023},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-756>تركُ القتالِ لمجرَّدِ الخوفِ:</span>\nووجودُ الخوفِ مِنَ العدوِّ لا يجوزُ أن يمنَعَ القتالَ، ولو جُعِلَ الخوفُ مانعًا، لَمَا شُرعَ القتالُ، بل إنَّ اللهَ يَنهى عنِ الخوف، وهو الذي يَبتلي له؛ لِيَختبِرَ المُمتثِلَ الصابرَ مِنَ العاصي الجَزعِ؛ فال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥].\nوالله يأذَنُ بوجودِ الخوفِ في النفوسِ قَدَرًا، ولكنَّ اللهَ يَنهى عن الاستجابةِ له والعملِ به والاسترسالِ معَهُ شَرْعًا، ويبيِّنُ اللهُ أنَّ خوفَ النفوسِ مِن عدوِّها ابتلاءٌ منه وسلاحٌ للشيطانِ وأوليائِهِ ليُوهِنَ الذين آمَنوا؛ فاللهُ جعَلَ الذين يُخوِّفونَ مِن عدوِّه شياطينَ الجنِّ؛ كما في قولِه: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، وشياطينَ الإنسِ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-757>تخويفُ الشيطانِ للمؤمنين:</span>\nوتخويفُ الشيطانِ للمؤمنينَ مِن أوليائِهِ يكونُ بتعظيمِ قوَّتِهم وأثَرِهمِ في نفوسِ المؤمنينَ، وتكثيرِ عدَدِهم، وتصويرِ بأسِهِم بالشِّدَّة، والأصلُ أنَّ الاستجابةَ لكلِّ خوفٍ في تعطيلِ حُكْمِ اللهِ هو وَصْفُ المنافِقينَ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩].\nولم يأمُرِ اللهُ بعدَم الاستحالةِ لكلِّ خوفٍ مِن العدوِّ؛ لأنَّ منه ما هو متحقِّقٌ يُوجِبُ الإحجامَ أو الصُّلْحَ والمهادَنةَ أو تغييرَ سياسةِ المواجَهة، ولكنَّ اللهَ جعَلَ ميزانَ الخوفِ وتقديرَهُ في تأثيرِهِ في الحُكْمِ بإرجاعِهِ إلى الشريعةِ، وبه تُوزَنُ المصالحُ والمفاسدُ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ","vol":"2","page":1024},{"text":"الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، وميزانُ ذلك: العلماءُ وَرَثةُ الأنبياء، وقد نَهَى اللهُ عن إشاعهِ أخبارِ الخوفِ والإرجافِ التي تؤثِّرُ في صفِّ المؤمنينَ، وتَفُتُّ في وَحْدَتِهم.\nوقد ذكَرَ اللهُ استجابةَ بعضِ الصالِحِين في القرآنِ لخوفِ النفوسِ مِن العدوِّ في الترخُّصِ بتركِ بعضِ المأموراتِ؛ كما في بعضِ مَن آمَنَ مع موسى في قولِهِ: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ٨٣]، فذَمَّ فِرْعَوْنَ ومدَحَهم، وكما في قولِهِ تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فجعَلَ الخوفَ بابًا للترخُّصِ بتَرْكِ بعضِ الأمورِ.\nفمَن عَظُمَ اللهُ في قلبِهِ خافَ مِن تركِ أوامرِه، وعرَفَ مقدارَ ما يَفُوتُ منها وما يحفَظُهُ عندَ العملِ بالخوف، فلا تُجازِفُ له شجاعةٌ، ولا يُعَطِّلُه جُبْنٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-758>الخوف الذي يكونُ عذرًا لتركِ العملِ:</span>\nوالميزانُ في الاستحابةِ المشروعةِ للخوفِ هو الذي يجعلُ المُسلِمَ - وخاصَّةً المجاهِدَ - يتَّخذُ الخوفَ مِنَ العدو بابًا لحفظِ دِينِ الله، لا لحفظِ لفسِه، فإن كان في الإقدامِ على القتالِ تضييعُ لدِينِ الله، تَرَكَهُ، ولو كانَتْ نفسُهُ شجَاعةً، جاهَدَها بالتَّرْك، وإنْ كان في تركِ القتالِ تضييعٌ لدِينِ اللهِ أقدَمَ، ولو كانَت نفسُهُ جَبَانةً، جاهَدَها بالإقدام، ويجعلُ نفسَهُ وحَظَّهُ الدُّنْيويَّ المجرَّدَ خارجًا عن ذلك؛ لأنَّه باعَها لواهِبِها؛ فلا يجوزُ أن يبيعَها مرَّةً أخرى؛ لأنَّها ليست له، فلا يجوز بيعُ ما لا يَملِكُ.\nولمَّا كان الخوفُ يُوهِنُ المؤمنينَ ويُضعِفُهم، نهَى اللهُ عنه، ونهى عن أثَرِهِ وهو الوَهَنُ؛ قال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٍ والربيعُ؛ في قولِه تعالى:","vol":"2","page":1025},{"text":"﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾؛ يَعني: \"لا تَضعُفوا\" (١).\nومِثلُهُ قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، ومنه قولُهُ تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤]، وقولُه: ﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤]؛ يَعني: ضَعْفًا، وفي الحديثِ: (وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ) (٢)؛ يَعني: أضعفَتْهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-759>خَطَرُ الوَهَنِ على النفسِ:</span>\nواللهُ نهى عَنِ الوَهَن، والمرادُ: النهيُ عن أسبابِ حدوثِهِ في النفوسِ؛ وذلك أنَّ الشيطانَ لظُلمِهِ يُذَكِّرُ المؤمنينَ بِمواضعِ قوةِ الكافرينَ، ويُغيِّبُ عنهم مواضعَ قوةِ المؤمنينَ، واللهُ عَدْلٌ؛ يُذكِّرُ المؤمنينَ بالحالَيْنِ: قوَّةِ المؤمنينَ، وقوةِ الكافرينَ؛ حتَّى لا يَستحضِرَ المؤمنُ قوةَ المؤمنينَ وحدَها، فيغترَّ مُعتمِدًا عليها، ولا يَستحضِرَ قوةَ الكافرينَ وحدَها، فيُصيبَهُ الوهنُ والهوانُ، فذكَّرَ اللَّهُ بالأمرَيْنِ: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾، ولكنَّ اللهَ ذكَّرَ المؤمنينَ بخصيصةٍ ليسَتْ للكافرينَ؛ وهي عِلمُهُمْ باللهِ وعزَّتِهِ وقُدْرَتِه، فيَخشَوْنَهُ وَيرْجُونَ العاقبةَ في الآخرةِ؛ ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾، والغلَبةُ للمؤمنينَ بما يُؤمِنونَ به ولو قَلُّوا عَدَدًا وعُدَّةً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-760>صلاةُ الخوفِ عند طلبِ المسلمين للمشركين:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ يُعقَّبُ به على قولِ الشافعيِّ في أنَّ صلاةَ الخوفِ لا تكونُ إلَّا عندَ طلبِ الكافِرِينَ للمُسلِمِينَ، بخلافِ ما لو كانَ المُسلِمونَ هم الطَّالِبِينَ، وذلك ظاهرٌ في قولِ الشافعيِّ: \"وليس لأحدٍ أن يُصلِّيَ صلاةَ الخوفِ في طلب العدوِّ؛ لأنَّه آمِنٌ، وطلَبُهُمْ تطوُّعٌ، والصلاةُ فرائضُ، ولا يُصلِّيها كذلك إلَّا خائفًا\" (٣).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٤٥٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٠٥٧).\n(٢) أخرجه مسلم (١٢٦٦) (٢/ ٩٢٣).\n(٣) \"مختصر المزني\" (٨/ ١٢٤).","vol":"2","page":1026},{"text":"واللهُ شَرَعَ صلاةَ الخوفِ، وعقَّبَ بعدَ تشريعِهِ لها بالنَّهْيِ عن تركِ طلبِ العدوِّ، فإنَّ طلَبَ العدوِّ يَتْبَعُهُ خوفٌ ولو كان سببَهُ المؤمنونَ، وصلاةُ الخوفِ مشروعةٌ ما تحقَّقَ الخوفُ؛ سواءٌ كان المؤمنُ طالبًا أو مطلوبًا.\nوفي الآياتِ: أنَّ اللهَ لمَّا شرَعَ صلاةَ الخوفِ تخفيفًا ورَحْمةً، كأنَّما عقَّبَ بعِلَّةِ التخفيفِ بقوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾؛ يَعني: يَسَّرَ اللهُ لكمُ الفريضةَ بصلاةِ الخوفِ؛ لِتَقْوَوْا على طبِ الكافِرينَ ولا تَضْعُفُوا عن ذلك.\nوالألَمُ في الآيةِ هو الوجَعُ مِن الإصابةِ في النفسِ والبدنِ؛ وذلك أنَّ المشركينَ آذَوْا رسولَ اللهِ وأصحابُ بالقولِ وبالجِرَاحةِ في أُحُدٍ، وألَمُ النفوسِ أشَدُّ مِن ألمِ الأبدانِ؛ ولهذا ذكَرَ النبيُّ ألَمَهُ مِن طردِ أهلِ الطائفِ له أشَدَّ مِن جِرَاحَتِه في أحُدٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-761>فضلُ جهادِ الطلبِ</span>؟\nوهذه الآيةُ في جهادِ الطلبِ؛ فقولُه: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ يَعني: لا تَضْعُفوا عن قصدِهم وطلبهِم؛ فالواجبُ أن تكونوا طالبِينَ لا مطلوبِينَ؛ فإنَّ (الابتغاءَ) في قولِه: ﴿فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ مصدرُ ابتَغَى يَبْتَغِي؛ بمعنى: طلَب يَطلُبُ، كما في قولِهِ: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]، وقولِهِ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]؛ يعني: يَطلُبونَ ويَقصِدونَ ويُريدون، وقولِه: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٤٥]؛ يعني: يَطلُبونَها ويُريدونَها منحرِفةً معوجَّةً، وقولِهِ تعالى: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧]؛ يُريدونَ لكم ويَطْلُبونَ فيكمُ الفتنةَ، ومِن هذا حالُ المؤمنينَ في الجَنَّةِ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٨]؛ يعني: لا يَطْلُبونَ انتقالًا ولا تحوُّلًا منها إلى غيرِها.\nوفي الآيةِ: دليلٌ على مُبادَأةِ العدوِّ بالغزو، ونهيٌ عنِ التقاعُسِ عن ذلك، ووجوبُ البعدِ عن أسبابِ الوَهَنِ والضَّعْفِ المُوجِبِ لتَرْكِ جهادِ","vol":"2","page":1027},{"text":"الطَّلَب، وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ - في مواضعَ - الكلامُ على جهادِ الطلبِ عندَ قولِه: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [١٩١]، وقولِه: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [٢٤٦]، ونَحْوِها، وفي آلِ عِمْرانَ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ [١٦٧].\nويأتي في مواضعَ أُخرى بإذنِ اللهِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥ - ١٠٧].\nفي الآيةِ: تعظيمُ القرآنِ وحُكمِ اللهِ يه، وأنَّ اللهَ أنزَلَهُ حقًّا لا شائبةَ باطلٍ فيه، وبيَّنَ المقصدَ من ذلك، وهو الحُكمُ بينَ الناسِ والفَصْلُ بينَهم في شأنِ دينِهم ودُنياهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-762>تقديمُ القرآنِ على الرأي:</span>\nوفي قوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ دليلٌ قاطعٌ على تحريمِ تقديمِ الرَّأْيِ على الوَحْيِ؛ فاللهُ أمَرَ نبيَّه أن يحكُمَ لما يُريهِ اللهُ، لا لما يَراهُ هو بلا وحيٍ، مع كونِ النبيِّ - ﷺ - أصحَّ الناسِ عقلًا، وأزكاهُم نفسًا، وأسَدَّهم رأيًا؛ لأنَّ الأمرَ ربَّما يتعلَّقُ بغيبٍ يؤثِّرُ العِلْمُ به في الحُكمِ المشاهَد، فلو صحَّ عقلُ الإنسانِ وزكَتْ نفسُه، لن يُصيبَ الحقَّ في ذلك؛ لغيابِ بعضِ أطرافِهِ عنه.\nوقد روى عِكْرِمَةُ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: \"إيَّاكم والرَّأيَ؛ قال اللَّهُ لنبيِّه: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، ولم يَقُلْ: بما رأيتَ\"؛ رواهُ","vol":"2","page":1028},{"text":"ابنُ أبي حاتمٍ (١).\nوحمَلَ ابن عبَّاسٍ في وجهٍ آخَرَ الذي أَراهُ اللهُ على أنَّه الكتابُ المُنزَّلُ (٢).\nوتدلُّ الآيةُ بدليلِ الخطابِ: أنَّ ما لم يَقْضِ اللهُ به في وحيِه، فلِلنَّبِيِّ - ﷺ - الحُكْمُ فيه بما يَراهُ؛ لأنَّ الأمرَ مقيَّدٌ بما بانَتْ حُجَّتُهُ مِن الكتاب، وظهَرَ مرادُ اللهِ فيه.\nروى مالكٌ، عن ربيعة الرأي قولَهُ: \"أنزَلَ اللهُ القرآنَ وترَكَ فيه موضعًا للسُّنَّة، وسَنَّ الرسولُ - ﷺ - السُّنَّةَ وترَكَ فيها موضعًا للرأيِ\"؛ رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ (٣).\nوما أَرَى اللهُ نبيَّه في قولِه: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ يَدخُلُ فيه الأمرانِ:\n- الأحكامُ القطعيَّةُ على نتائجِ الأشياء، فلا تُبحَث ولا تُنظَرُ؛ كالنَّهْيِ عنِ الشِّرْكِ والسِّحْرِ والخمرِ والزِّنى والسَّرِقة، ووجوبِ الصلاةِ والزكاةِ والصيامِ والحجِّ، والمُباحاتِ؛ كحِلِّ البيوعِ والمعامَلاتِ والملبوساتِ؛ فهذه قطعيَّةٌ لا تُبحَثُ أدواتُ إثباتِ حُكْمِها؛ لأنَّ اللهَ قضى فيها.\n- أدواتُ الحُكْمِ الموصِّلةُ إليه؛ وذلك مِن معرفةِ البيِّناتِ؛ كالشُّهودِ والإقرارِ واليمينِ وغيرِها؛ ممَّا دلَّ الدليلُ على أنَّه أداةٌ موصِّلةٌ إلى الحُكْم، فيُؤخَذُ بها ولو مالَتِ النفسُ أو عَلِمَت غيرَها، فلا يَجوزُ للحاكمِ أن يَحكُمَ بعِلْمِه، ولا بما يُحِبُّ، ولا بِتَرْكِ ما يَكرَهُ؛ ولذا قال مطرٌ في قولِه: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾؛ قال: \"بالبيِّناتِ والشهودِ\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-763>خطأ الحاكمِ إذا اجتهَدَ:</span>\nومَن حكَمَ بأدواتِ الحقِّ التي أمرَ اللهُ بها، حكَمَ لما أَرَاهُ اللهُ، ونجَا وبرِئَتْ ذمَّتُه، ولو لم يكُنْ ذلك الحُكْمُ في باطنِهِ يُوافِقُ حُكْمَ اللهِ؛\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٠٥٩).\n(٢) المرجع السابق.\n(٣) المرجع السابق.\n(٤) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٠٥٩).","vol":"2","page":1029},{"text":"لأنَّ اللهَ أمَرَ بالحُكْمِ بما يَراهُ الإنسانُ مِن أدواتِ الحقِّ التي أمَرَ اللهُ بها، وأن يَستفرِغَ وُسعَهُ في تحقيقِها، فيحكُمَ بها، وبهذا كان قصاءُ النبيِّ - ﷺ - كما في \"الصحيحَينِ\"، مِن حديثِ أمِّ سَلمةَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ بِبَابِ حُجْرَتِه، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَأَقْضِي لَهُ، فَمَنْ قَضَيتُ لَهُ بِحَقِّ مَسْلِمٍ، فَإنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّار، فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ يَذَرْهَا) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-764>سبَبُ عدمِ تساوي أجرِ المجتهدين:</span>\nويؤجَرُ الحاكمُ المحتهِدُ بأدواتِ الحقِّ ولو لم يُصِبْ، وأَجْرُ المُصِيبِ أجرانِ، وأجرُ المُخطِئِ المُجتهِدِ أجرٌ واحدٌ لاجتهادِه، وإنَّما لم يتَساوَيَا في الأجرِ مع أنَّ كلَّ واحدٍ منهما أخَذَ ما ظهَرَ له؛ حتَّى لا يُقصِّرَ الحاكمُ في استفراغِ وُسْعِهِ في طلَبِ البيِّناتِ أو الغَفْلةِ عن سماعِ الحُجَج، فتُعْجِلُهُ نفسُهُ في الحُكْمِ؛ لاستواءِ الأجرَينِ للمُصيبِ والمخطِئِ؛ فإنَّ النفوسَ تتساهلُ في سلوكِ أيِّ الطريقَيْنِ إذا كانَتْ غايتُهما واحدةً.\nوإذا ظهَرَ حُكمُ اللهِ القطعيُّ في كتابِهِ في شيءٍ، يجورُ النظرُ في أدواتِه؛ لأنَّ اللهَ اختصَرَ الطريقَ للحُكمِ بإلغاءِ أدواتِه؛ فلا يُحِلُّ أحدٌ الزِّنى والحريرَ ولُبْسَ الذَّهَبِ للرِّجالِ والسُّفُورَ للمرأةِ والاختلاطَ والخَلْوةَ بها، ونحوَ ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-765>خطأُ القاضِي لا يغيِّرُ الحقوقَ:</span>\nولو حكَمَ الحاكمُ بما ظهَرَ له، وخالَفَ حُكمَ اللهِ باطنًا، لم يَجُزْ للمحكومِ له - إنْ كان عالِمًا بأنَّ الحقَّ ليس له - أن يَأكُلَهُ بحُجَّةِ حُكْمِ القاضي؛ فإنَّ حُكمَ القاضي يُبرِّئُ ذمَّتَهُ لا ذمَّةَ المتخاصِمَيْن، وقد قال النبيُّ - ﷺ - لرجُلَيْنِ اختصَمَا في مواريثَ بينَهما قد دَرَسَتْ ليس بينَهما بيِّنةٌ،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٤٥٨) (٣/ ١٣١)، ومسلم (١٧١٣) (٣/ ١٣٣٧).","vol":"2","page":1030},{"text":"فقال لهما نحوَ ما لي حديثِ أمِّ سَلَمةَ، ثمَّ ترَكَ كلُّ واحدٍ حقَّه لصاحِبِهِ باكيًا، قال: (أمَا إِذْ قُلْتُمَا، فَاذْهَبَا فَاقْتَسِمَا، ثُمَّ تَوَخَّيَا الْحَقَّ، ثُمَّ اسْتَهِمَا، ثُمَّ لْيَحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ)؛ أخرَجَهُ أحمدُ وأبو داودَ (١).\nوتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ التفصيلُ في ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [١٨٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-766>حكمُ القاضِي بعلمِهِ:</span>\nوفي قولِه تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ عدمُ جوازِ حُكمِ الحاكمِ بعِلْمِه؛ وإنَّما يأخُذُ بحكمِ اللهِ الذي يقصي بالنتيجة، أو بحكمِ اللهِ الذي هو أدواتُ الوصولِ إلى الحقِّ، ولو خالَفَ ما يَعْلَمُهُ بنَفْسِه مِن الحقِّ، وإنَّما منَعَ اللهُ مِن حُكْمِ الحاكمِ بعِلْمِه؛ لئلَّا يكونَ ذلك ذريعةً إلى أخذِ الحقوقِ ببُرْهانٍ غائبٍ، فيُؤدِّيَ إلى فسادِ دُنيا الناسِ بفسادِ قُضَاتِهم، فبقَعُ الظُّلْمُ، وتُؤكَلُ الحقوقُ، ويُحالُ إلى برهانٍ ودليلٍ لا يَعْلَمُهُ إلَّا الحاكمُ، فيقعُ الحُكمُ بالهوى.\nثمَّ إنَّ في حكمِ الحاكم بعِلْمِه - ولو كان يقينًا - تُهَمةً له وسهولةً للوقيعةِ في عِرضِه، والطَّعْنِ في دينِهِ وَأمانتِهِ؛ فالناسُ يَجحَدونَ الحقوقَ وعليها بيِّناتٌ شاهدةٌ، ويتَّهِمونَ القُضاةَ بالمَيْلِ لِخُصُومِهم ومعَهم بيِّناتٌ؛ فكيف والبيِّناتُ غيرُ ظاهرةٍ لا يعلَمُها إلَّا الحاكمُ بها؟ ! فإنَّ هذا يفتَحُ بابًا عريضًا لتُهَمةِ الحُكَّامِ والقضاة، فصانَ اللهُ عِرْضَهم وبرَّأَ ذمَّتَهم يأمْرِهم ألَّا يَحْكُموا بعِلْمِهم.\nوإنَّما نهى اللهُ نبيَّه عن ذلك مع عَدْلِهِ وعِصْمَتِه؛ لأنَّه مشرِّعٌ لأمِّتِهِ وقدوةٌ لِمَن بعدَهُ مِن الحُكَّامِ والقضاة، فجرى عليه ما يَجري عليهم؛ حتَّى لا يستَنَّ به مُبطِلٌ، ويَظُنَّ أنَّه مِثلُه.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢٦٧١٧) (٦/ ٣٢٠)، وأبو داود (٣٥٨٤) (٣/ ٣٠١).","vol":"2","page":1031},{"text":"وحُكمُ الحاكمِ والقاضي بعِلْمِهِ ممَّا اختَلَفَ فيه الفقهاءُ.\nوالجمهورُ: على أنَّه لا يحكُمُ بعِلْمِهِ قبلَ مجلسِ قضائِه، فكلُّ ما عَلِمَهُ قبلَ ولايتِهِ لا يحكُمُ به؛ وهو قولُ مالكِ وأبي حنيفةَ وأحمدَ.\nخلافًا للشافعيِّ؛ فقد أجازَ حُكْمَ القاضي بعِلْمِه، وله قولانِ:\nأحدُهما: قيَّدَ ذلك بالأموالِ فقَطْ.\nوالثاني: أطلَقَهُ في جميعِ الأحكامِ مِن الأموالِ والحدودِ.\nوالأوَّلُ مِن قولَيْهِ هو قولُ أبي يوسُفَ ومحمَّدِ بنِ الحسَنِ أصحابِ أبي حنيفةَ.\nوقولُ الشافعيِّ بمِصْرَ يُقيِّدُ حُكْمَ الحاكمِ بعِلْمِهِ إذا كان الحاكمُ مشهورًا بالعَدْلِ بعيدًا عَنِ التُّهَمةِ.\nواختلَفَ المانِعونَ مِن حُكْمِ الحاكمِ بعِلمِه في حُكْمِ القاضي بما يَعْلَمُهُ بعدَ ولايتِه للحُكْمِ؛ يَعني: بما بانَ له مِن دليلٍ في أثناءِ الحُكْم، ولو جحَدَهُ صاحِبُهُ ولم يسمَعْهُ غيرُ القاضي، فهل له أن يحكُمَ به؟ على قولينِ:\nالأوَّلُ: قالوا بجوارِ حُكْمِ الحاكمِ بعِلْمِهِ بعدَ ولايتِهِ للقضيَّةِ ولو لم يَسمَعْهُ إلَّا هو، ولو جحَدَهُ صاحبُهُ، وقيَّدُوه بالأموالِ خاصَّةً، لا في الحدودِ؛ وبهذا قال أبو حنيفةَ والأوزاعيُّ وجماعةٌ مِن أصحابِ مالكٍ.\nالثَّاني: قالوا: إنَّه لا يَحكُمُ بعِلمِه مُطلَقًا ولو كان في مجلِسِ قضائِهِ وبعدَ ولايتِهِ للحُكْمِ في قضيَّتِه؛ وهو قولُ أحمدَ وإسحاقَ وأبي عُبَيدٍ، ومِنَ التابعينَ شُرَيْحٌ والشَّعْبيُّ.\nومَن أجازَ حُكْمَ الحاكمِ في قضيَّةٍ بعِلْمِهِ قبلَ مجلسِ قضائِه، يقولُ بجوازِه بعدَ ولايتِهِ للحُكْمِ فيها مِن بابِ أوْلَى، ومَن منَعَ منه في مجلسِ قضائِه؛ فإنَّه يَمنعُ مِن حُكْمِهِ بما يَعْلَمُهُ قبلَهُ مِن بابِ أَوْلى.\nوقد كان الشافعيُّ - وهو المخالِفُ للجمهورِ في قضاءِ القاضي","vol":"2","page":1032},{"text":"بعِلْمِه - يقولُ: \"لولا قُضاةُ السُّوء، لقُلْتُ: إنَّ للحاكمِ أن يَحكُمَ لعِلمِه! \" (١).\nوهذا مِن فِقْهِه؛ فإنَّ أصلَ منعِ القاضي أنْ يَحكُمَ بعِلْمِهِ هو تُهَمَتُه، ولو رَضِيَ الناسُ حُكْمَه، ولم يَختَلِفوا عليه ولم يتَنازَعُوا مِن بَعْدِه، مع عِلْمِه وديانتِه، وبُعْدِه عن التُّهَمةِ -: لم يَرِدْ نهيٌ قاطعٌ في الشريعة، ولا في قولِ السلفِ عن ذلك.\nوفي الأزمِنَةِ المتأخِّرةِ مع ضعفِ أمانةِ كثيرٍ مِن الحُكَّامِ والقُضَاة، فإنَّ معَ حُكْمِ الحاكمِ بعِلْمِهِ هو المتعيِّنُ الذي لا ينبغي حكايةُ الخلافِ عليه، ولو كان الخلافُ متقدِّمًا، فإنَّ خلافَ السَّلَفِ والفقهاءِ في عَيْنِ المسألةِ.\nوأمَّا مع تحقُّقِ التُّهَمةِ وضعفِ الأمانةِ والنِّزاعِ والخُصُومة، فلا أُراهم يَختلِفونَ في مَنْعِ الحاكمِ أن يحكُمَ بعِلْمِه؛ فإنَّ هذا ولو لم يَجْرِ على فروعِهم، فإنَّه يجري على أصولِهم، وقد أشار غيرُ واحدٍ مِن العلماءِ إلى هذا المعنى؛ كابنِ القيِّم، فقد قال: \"وحتَّى لو كان الحقُّ هو حُكْمَ الحاكمِ بعِلْمِه، لوَجَبَ مَنعُ قُضاةِ الزَّمانِ مِن ذلك\" (٢).\nوقد ترجَمَ البخاريُّ في \"صحيحِه\" على مِثلِ هذا القيدِ وهذا المعنى؛ بقولِه: \"بَابُ مَنْ رَأَى لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ فِي أَمْرِ النَّاس، إِذَا لَمْ يَخَفِ الظُّنُونَ وَالتُّهَمَةَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِهِنْدٍ: (خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ)؛ وَذَلِكَ إِذَا كَانَ أمْرًا مَشْهُورًا\" (٣)، وقد حكَمَ النبيُّ لهنْدٍ أن تأخُذَ مِن مالِ زوجِها بغيرِ إذنِهِ بحقٍّ؛ كما في حديثِ عائشةَ: أنَّ هندَ بنتَ عُتبةَ أتَتِ النبيَّ - ﷺ - فقالَتْ: يا رسولَ الله، إنَّ أبا سُفْيانَ رجلٌ شَحيحٌ، وليسَ لي مِنه إلَّا ما يَدخُلُ بيتي! فقال النبيُّ - ﷺ -: (خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ).\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٦٠).\n(٢) \"الطرق الحكمية\" (ط - عالم الفوائد) (٢/ ٥٣٠).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٩/ ٦٦).","vol":"2","page":1033},{"text":"والبخاريُّ حمَلَ ذلك على انتِفاءِ التُّهَمةِ؛ لكَوْنِهِ حُكْمًا خاصًّا، لا يَتْبَعُهُ خِلَافٌ ولا جحودٌ ولا نزاعٌ.\nومِنَ العلماءِ: مَن يَحمِلُ قولَ النبيِّ - ﷺ - لهِندٍ على أنَّه فَتيا لا حُكْمٌ بينَ مُتخاصِمَيْنِ.\nوعند أدنى التُّهَمِ لم يكُنِ النبيُّ - ﷺ - يقضي بعِلْمِهِ وهو الصادقُ المصدوقُ؛ فقد ثبَتَ عنِ النبيِّ - ﷺ -: أنَّه اشتَرَى فرَسًا، فجحَدَهُ البائعُ، فلم يحكُمْ عليه بعِلْمِه، وقال: (مَن يَشهَدُ لي؟)، فقامَ خُزَيْمةُ فشَهِدَ، فحَكَم (١).\nوبنحوِ هذا يَعمَلُ أبو بكرٍ وعمرُ بن الخطَّابِ - ﵄ -، فقد روى ابنُ أبي شَيْبةَ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ عَمْرِو بنِ إبراهيمَ الأنصاريِّ، عَن عمِّه الضَّحاكِ؛ قال: اخْتَصمَ رَجُلَانِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ادَّعَيَا شَهَادَتَهُ، فَقَالَ لَهُمَا عُمَرُ: \"إِنْ شِئْتُمَا شَهِدتُّ وَلَمْ أَقْضِ بيْنَكمَا، وَإِنْ شِئْتُمَا قَضَيْتُ وَلَمْ أَشْهَدْ\" (٢).\nوبمعنى هذا قال شُرَيحٌ (٣) والشَّعْبيُّ (٤).\nوما كان مِن حقِّ اللهِ وحدودِه وأحكامِه؛ كأحكامِ الطَّلَاقِ والعِدَّةِ وحدودِ الخَمْرِ والقَذْفِ والزِّنى والسَّرِقة، فإنَّها أَوْلى بِمَنعِ الحاكمِ أن يحكُمَ بعِلْمِهِ فيها؛ لأنَّ حقَّ اللهِ مبنيٌّ على المُسامَحةِ لعبادِهِ والسَّتْرِ عليهم، والشِّرِيعةُ تتشوَّفُ إلى دَفْعِها بالشبهاتِ؛ بخلافِ حقوقِ الآدَميِّينَ، فهي مبنِيَّةٌ على المشاحَّةِ، وقد روى البيهقيُّ وغيرُهُ، عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ؛ أنَّه قال: \"لو وجَدتُ رجلًا على حدٍّ مِن حدودِ الله، لم أَحُدَّهُ حتى يكونَ معي غيري\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢١٨٨٣) (٥/ ٢١٥)، وأبو داود (٣٦٠٧) (٣/ ٣٠٨)، والنسائي (٤٦٤٧) (٧/ ٣٠١).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢١٩٣٠) (٤/ ٤٤١).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢١٩٣٢) (٤/ ٤٤١).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (ط. عوامة) (٢٢٣٦٣) (١١/ ٢٩٤).\n(٥) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٤٤)، وابن المنذر في \"الأوسط\" (١٢/ ٤٥٩).","vol":"2","page":1034},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-767>الدفاعُ والمحاماةُ عن الظالمِ:</span>\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ نهي عن نُصْرةِ أهلِ الباطل، و﴿خَصِيمًا﴾؛ يَعني: مُدافِعًا نُاصِرًا.\nوقد جاء في نزولِ هده الآيةِ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ عندَ ابنِ مَرْدَوَيْهِ (١)، ومِن حديثِ قَتَادةَ بنِ النُّعْمانِ عندَ ابنِ إسحاقَ، وعنه التِّرْمِذيُّ (٢): أن رجلًا سرَقَ دِرْعَ رجلٍ وهُمْ في غزوةٍ، فشَكَا صاحبُ الدِّرْعِ السارِقَ - وكان مِن بني أُبَيرِقٍ - فلمَّا سَمِعَ السارِقُ، وضَعَ الدِّرْعَ في بيتِ رجلٍ بريءٍ، وجاء قومُهُ يُدافِعُونَ عنه ويُخاصِمونَ وهم يَعلَمونَ أنَّه السارِقُ، فطَلَبُوا إلى النبيِّ - ﷺ - أن يَعْذِرَ صاحِبَهُمْ، ويجادِلَ عنه أمامَ التاس، فنزَلَتِ الآيةُ، وفي سندِ القِصَّةِ لِينٌ.\nويعضُدُه ما جاء مُرسَلًا مِن حديثِ ابنِ أبي نَجِيحٍ عن مجاهِدٍ (٣)، وأسباطٍ عنِ السُّدِّيِّ (٤)، وابنِ جُريجٍ عن عِكْرِمَةَ (٥)، ومَعمَرٍ عن قتادةَ (٦)؛ رواها ابنُ جريرٍ، ورواهُ جُويْبِرٌ عن الضحَّاكِ؛ أخرَجَهُ ابنُ شَبَّةَ (٧)، وفيه أنَّ مَنِ اتُّهِمَ بذلك يهوديٌّ وهو بريءٌ مِنه.\nواللهُ أمَرَ بالعدلِ هي الحقوقِ حتَّى مع الكافر، فلا يُقضى لمسلِمٍ لأنَّه مسلِمٌ وهو ظالِمٌ، ولا يُقضى على الكافرِ لأنَّه كافرٌ وهو مظلومٌ، فإذا كان الولاءُ للمؤمنِ لا يُجِيزُ نُصرَتَهُ على ظُلْمِهِ إلَّا بِدَفْعِه، وولاءُ الإيمانِ أعظَمُ مِن ولاءِ النَّسَب والحَسَبِ، والأَرْضِ والعِرِق، فإنَّ الانتصارَ للظالمِ لِوَلاءٍ دونَ ولاءِ الإيمانِ أعظَمُ جُرْمًا، وأشَدُّ إثمًا.\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٧/ ٤٦٣)، و\"تفسير ابن كثير\" (٥/ ٤٠٢).\n(٢) ينظر: \"سنن الترمذي\" (٣٠٣٦) (٥/ ٢٤٤)، و\"تفسير الطبري\" (٧/ ٤٥٩)، و\"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٤٠٥).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٤٥٨).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٤٦٦).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٤٦٨).\n(٦) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٤٧١).\n(٧) \"أخبار المدينة\" لابن شبة (١/ ٢٣٠).","vol":"2","page":1035},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-768>حكمُ الوَكَالَةِ والنيابةِ في الخصومةِ:</span>\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾، والآيةِ التي بَعدَها: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ دليلٌ على جوازِ الوَكَالةِ؛ بدليلِ الخِطَاب؛ فاللهُ نهى عن المخاصَمةِ نيابةً عن الخائنِ؛ وهذا يدلُّ على جوازِها عن صاحب الحقِّ والمظلوم، ويدلُّ على هذا الآية التاليةُ في قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٠٩]؛ يَعني: كنتُم وُكلَاءَ عنهم في الدُّنيا بالباطل، ولن تكونوا كذلك في الآخِرة، وهذا يتضمِّنُ صحَّةَ الوَكالةِ في الخصومةِ وغيرِها في الدُّنيا في الحقوق، والوَكَالةُ هي: النِّيابةُ عن أحدٍ في أمرِهِ بإِذْنِه.\nوالوَكَالةُ لا خلافَ في صِحَّتِها، وقد ذكَرَها اللهُ في مواضعَ كقِصَّةِ أصحابِ الكَهْفِ: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩]، وقد توكَّلَ عنهم جميعًا بالبيعِ والشِّراءِ.\nوفي ذلك: صحَّةُ وكالهِ الواحدِ عن الجماعة، وكذلك تصحُّ الوكالةُ في مصالحِ المُسلِمينَ؛ كما في عَمَالةِ جابي الزَّكاةِ ومُقسِّمِها؛ كما في قولِه تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠].\nوقد احتجَّ الشافعيُّ للوكالةِ بآيةِ الحكَمَين، وبما جاء عن عليٍّ في بَعْثِهِ الحكَمَيْن في الشِّقاقِ بينَ الزوجَيْنِ.\nوقد جاء في السُّنَّةِ الصحيحةِ ذلك كثيرًا؛ مِن ذلك ما في حديثِ جابر؛ أنَّه أراد الخروجَ إلى خَيْبَرَ، فقال له النبيُّ - ﷺ -: (إِذَا أَتَيْتَ وَكِيلِي، فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا، فَإِنِ ابْتَغَى مِنْكَ آيَةً، فَضَعْ يَدَكَ عَلَى تَرْقُوَتِهِ)؛ رواهُ أبو داودَ (١).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٣٦٣٢) (٣/ ٣١٤).","vol":"2","page":1036},{"text":"وقد وكَّلَ النبيُّ - ﷺ - حَكيمَ بنَ حِزَامِ في شِرَاءِ شاةٍ (١)، ووكَّلَ النَّبيُّ - كما في حديثِ أبي هُرَيْرةَ - في قضاءِ دَيْنِه، كما في \"الصحيحِ\"؛ فقال: (أعْطُوهُ سنًّا مِثلَ سِنِّهِ) (٢)، وقد وكَّلَ النبيُّ - ﷺ - بعضَ الصحابةِ على خَيبرَ، وقد قام عُمرُ وابنهُ بالتوكيلِ في الصَّرف، وتصحُّ الوكالةُ في عقودِ الأَنكِحَة، كما تَصِحُّ في عقودِ البُيوعِ؛ كما وكَّل النبي - ﷺ - عَمْرَو بنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ بالعقدِ له على أمِّ حبيبةَ بنت أبي سُفيانَ في الحَبَشة، لمَّا تُوُفِّيَ زَوْجُها عُبيدُ اللهِ بنُ جَحْشٍ بالحبَشةِ وقد هاجرَ بها إليها.\nوتَصِحُّ الوكالة في الحدودِ؛ كما في قول النبيِّ - ﷺ -: (اغدُ يَا أُنيسُ إلَى امْرأةِ هَذَا، فَإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا) (٣)، وتجوز الوَكالةُ في كل ما تصحُّ فيه النِّيابةُ، وقد تقدَّمت الإشارة إلى شيء من ذلك في سورة آل عمران عند قوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥].\nوالآيةُ في جوازِ الوَكَالةِ في القاضي والترافُعِ والخصومات، وبيانِ حرْمَتِها عندَ معرِفةِ ظُلْمِ الموكِّلِ وبَغيِه، وكلُّ مالٍ يُؤخَذُ على وَكَالةٍ في ظلمٍ وخيانةٍ، فهو سُحْتٌ، وفي غيرِ ذلك فالأصلُ الإباحةُ، وقد كان عليٌّ يُوَكَّلُ في خُصومِتهِ عَقِيلَ بنَ أبي طالبٍ وعبدَ اللهِ بنَ جعفرٍ، وكان لا يَحْضُرُها بنَفْسِه، ويقولُ: \"إنَّ للخُصُومةِ قُحَمًا يَحْضُرُها الشيطانُ\"؛ رواهُ ابنُ أبي شيبةَ والبيهقيُّ (٤).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٣٣٨٦) (٣/ ٢٥٦)، والترمذي (١٢٥٧) (٣/ ٥٥٠).\n(٢) أخرجه البخاري (٢٣٠٦) (٣/ ٩٩).\n(٣) أخرجه البخاري (٢٣١٤) (٣/ ١٠٢)، ومسلم (١٦٩٧) (٣/ ١٣٢٤).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٣١٧٧) (٥/ ٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٨١).","vol":"2","page":1037},{"text":"قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾ [النساء: ١١٢].\nجاءَت هذه الآيةُ تبَعًا لسابقِ الآياتِ فيمَن سرَقَ مَتاعًا، ثُمَّ تَبرَّأَ منه، وألقَى تُهَمَتهُ على غيرِه؛ نَصَّ عليهِ ابنُ عبَّاسٍ وقتادةُ بنُ النُّعْمَانِ وابنُ سِيرِينَ وغيرُهم، وحكى ابنُ جَريرِ الإجماعَ على أنَّ مَن اتَّهَمَ البريءَ هو ابنُ أُبَيرِقٍ (١)، ولكنَّ العُلماءَ فيما يخصُّ البريءَ ودِينَهُ على خِلافٍ، والأشهَرُ أنَّه يهوديٌّ على ما تقدَّمَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-769>إقرارُ الإنسانِ على نفسِهِ دفعًا للضررِ عن غيرِهِ:</span>\nوفي هذه الآيةِ: وجوبُ أن يُقِرَّ الإنسانُ على نفسِهِ إن عَلِمَ أنَّ التُّهمَةَ وقعَت أو ستقَعُ على غيرِه، فيُؤخَذُ بجَرِيرَتِهِ بريءٌ، وهذا في كلِّ حقٍّ! سواءٌ أكان للهِ أم لغيرِ اللهِ.\nوأمَّا إقرارُ الإنسانِ على نفسِهِ فيما لا يُؤخَذُ به غيرُهُ، ولا حقَّ لآدميٍّ فيه، ولو كان فيه حقٌّ لآدميٍّ وهو قادرٌ على إعادتِهِ بلا إقرارِه لذنبِهِ؛ سترًا لنفسِه، وهو عازمٌ على التوبة، ونادمٌ على جُرْمِه -: فالصَّحيحُ: أنَّه يستُرُ نفسَهُ، ويتوبُ بينهُ وبينَ ربِّه.\nوأقوى الإقرارِ: إقرارُ الرجُلِ على نفسِه، وظاهرُ الإطلاقِ في الآيةِ: أنَّ الإقرارَ يكفي مِن الرَّجُلِ على نفسِهِ مرَّة واحدةً في قولِ جمهورِ العلماءِ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ ومالكٍ في قولٍ له، وعندَ قيامِ الشُّبهةِ في قولِهِ أو ظنِّ إكراهِهِ وخوفِه عندَ عدمِ إقراره، فيُعادُ عليه حتَّى يَستَبِينَ منه، ولا حَدَّ لأعلى الاستبانة، لكن حتَّى يَغلِبَ على الظنِّ ظهورُ الإقرارِ باختيارٍ؛ فقد تكفي مرَّةٌ، وقد لا تكفي ثلاثٌ، ولا يثبُتُ تقييدُ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٤٧٨).","vol":"2","page":1038},{"text":"عددِ الإقرارِ عنِ النبيِّ - ﷺ -، وقد روى أحمدُ وأصحابُ \"السننِ\"؛ مِن حديثِ أبي أَميَّة المَخزومِيِّ؛ أنَّ النبي - ﷺ - أُتي بلِصٍّ قدِ اعترَفَ ولم يُوجَدْ معه متاعٌ، فقال له النبي - ﷺ -: (مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ) (١)، وفي سندِه مجهولٌ، وهو أبو المنذِرِ مَوْلَى أبي ذَرٍّ، يَرْوِيهِ عن أبي أميَّةَ، به، وفي مَتْنِه اضطرابٌ، فتارة يَقولُ: (مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ) مرَّتَيْن، وتارةً يَقولُ: \"مرَّتَينِ أو ثلاثًا\"، وقد جاء مِن حديثِ أبي هريرةَ بنحوِه (٢)، والصوابُ: إرسالُهُ مِن حديثِ محمدِ بْنِ عبدِ الرَّحمنِ بن ثَوْبانَ مُرْسَلًا.\nأخرَجَه أبو داودَ (٣)، وصوَّبَ المرْسَلَ ابنُ المَديني وابن خُزَيْمةَ وغيرُهما.\nولو صحَّ الحديث، لكان في الاستبانةِ عندَ قَيامِ شُبْهةِ عدَمِ السَّرِقةِ! لعدَمِ وجودِ المتاعِ معه.\nولو كان الإقرارُ لا يصحُّ إلَّا بعددٍ يتوقَّفُ في ثبوتِهِ عليه، لصَحَّ النقلُ له بأقوى إسنادٍ؛ كما في عددِ شهادةِ المتلاعِنَينِ على نفسَيهِما، وعددِ الطلاقِ والحيضِ وغيرِ ذلك؛ فإنَّ في ذلك حِفْظًا للدِّماءِ والأعراضِ والأموال، أو تضييعًا لها، ولكنْ لمَّا كان المقصودُ الإقرارَ بعَينِه، وجَبَ على القاضي تحقيقُهُ مِن أيِّ شُبْهةٍ تُضعِفُه، ودفع الشُّبُهاتِ لا يتحقَّقُ بعددٍ معيَّنٍ، واللهُ أمَرَ بالعدلِ مع النفسِ؛ وذلك بالإقرارِ عليها بما يتحقَّقُ به العدلُ بلا عددٍ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥].\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢٢٥٠٨) (٥/ ٢٩٣)، وأبو داود (٤٣٨٠) (٤/ ١٣٤)، والنسائي (٤٨٧٧) (٨/ ٦٧)، وابن ماجه (٢٥٩٧) (٢/ ٨٦٦).\n(٢) أخرجه البزار في \"مسنده\" (٨٢٥٩) (١٥/ ٤٦)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ١٦٨)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٣٨١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٧٥).\n(٣) أخرجه أبو داود في المراسيل\" (٢٤٤) (ص ٢٠٤).","vol":"2","page":1039},{"text":"وكلَّما قَوِيَتِ القرينةُ على عدَمِ صحةِ الإقرار، زِيدَ في تكرارِ الإقرارِ واستيضاحِهِ؛ كما قال النبيُّ - صلى الله عليه ومسلم - لِمَن أقرَّ على نفسِهِ: (أَبِكَ جُنُون؛) (١)، هو أرادَ نَفيَ شُبْهةِ الجنونِ وغيابِ العقلِ؛ ولذا أعادَ النبى - صلى الله عليه ومسلم - طَلَبَ الإقرارِ بأعدادٍ متبايِنةٍ؛ فتارةً مرَّةً، وتارةً مرَّتَين، وتارةً أربعًا؛ ممّا يدلُّ على عدمِ قصدِ العددِ بعينِه، وإنَّما جِلاءُ الإقرارِ وتحقُّقُه وصِحَّتُه.\nوالإمامُ أحمد وإسحاقُ يَرَيَانِ الإقرارَ أربعًا لإقامةِ الحدِّ؛ لظاهرِ رَجمِ ماعزٍ في \"الصحيحَينِ\"؛ حيثُ شهِدَ على نفسِهِ أربعَ شهاداتٍ، وحديثِ جابرٍ في قصَّةِ رجمِ ماعزٍ؛ فإنَّما هو شهِدَ على نفسِه مِن تِلقائِها، ولم يَطلُبْ مِنه أربعًا، ثُمَّ بعدَ الرَّابعةِ قال له النَّبيُّ - صلى الله عليه ومسلم -: (أَبِكَ جنونْ؟)، فكانَتْ خمسًا، وظاهرُهُ عدمُ قصدِ الأربع؛ وإنَّما دفعُ الشبهة، والتشوُّفُ للسَّتر.\nويكون الإقرارُ عندَ مَنْ له ولايةُ الحَدِّ، وهو الحاكمُ القاضي الذي يَفصِل ويأمُرُ بتنفيذِ ما فصَلَ به، لا عند غيرِه؛ عند جمهورِ العلماءِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].\nفي الآيةِ: كَراهةُ النَّجْوَى بغيرِ المعروف، والأمرِ بالصَّدَقة، والإصلاحِ بين الناس، والنَّجْوَى: هو الحديثُ الذي يُهمَسُ به بين اثْنَيْنِ أو ثلاثةٍ، ولا يُعلَن فيُسمَعَ؛ وإنَّما يُسَرُّ به ويُخفَى؛ ومِن ذلك قولُه تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧].\nوالأصلُ في الشريعةِ: التشوُّفُ إلى الإعلان، وكراهة الإسرارِ؛ لأنَّ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٨١٥) (٨/ ١٦٥)، ومسلم (١٦٩١) (٣/ ١٣١٨).","vol":"2","page":1040},{"text":"الشيطانَ يُحِبُّ أن يتفرَّدَ بأحدٍ ليسوِّلَ له الشرَّ؛ لهذا إذا أعلَنَ الإنسانُ قولًا، ضبَطَ قولَهُ وتهيَّبَ السامِعِينَ؛ وإنْ قَلُّوا، خَفَّ عليه الرقيبُ مِن الناس، فأطلَقَ لسانَهُ ودفَعَهُ الشيطانُ؛ ما لم يَعصِمْهُ اللهُ، والصادق مِن الناسِ مَن يتحدَّثُ مع الواحدِ كما لو تحدَّثَ مع الجماعةِ؛ لأنه يُراقِبُ اللهَ، فيغيبُ حضورُ الخَلقِ مع حُضورِ الخالق، وهذا قليلٌ في الناس، بل حَتَّى الصالحينَ؛ لأثَرِ الشُّهودِ على حواسِّ الإنسانِ.\nوهذه الآية تَبَعٌ لقِصَّةِ ابنِ أُبَيْرِقِ سارِقِ الدِّرْع، ومُتَّهِم اليهوديِّ به؛ فقد كان الناس يتَناجَوْنَ في أمرِ السارق والمسروق، والمَتَّهِمِ والبريء، بلا بيِّنة ولا حُجَّةٍ، وإنَّما نهى عنِ النَّجوى ولم يَنْهَ عنِ العَلانيةِ هنا؛ لأنَّ النفوسَ لا تجسُرُ على إعلانِ ما تقوله سرًّا، فنَهى عنِ النَّجوى، وسكَتَ عن العَلانية، لِجُبْنِ النفوسِ عنها؛ لأنَّ الناسَ لا يَقبَلونَ إلَّا البيِّنات، وليس التُّهَمَ والقَذفَ بلا برهانٍ وبيِّنةٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-770>فضلُ صدقةِ السِّرِّ:</span>\nوفي قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾، دليلٌ على فضل الإسرارِ بالصَّدَقةِ على غيرِها، وهذا الأصلُ في صَدَقاتِ التطوُّع، وقد تقدَّمَ بيانُ ذلك وتعليلُهُ في سورةِ البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].\nفسَّرَ بعضُهُمُ المعروفَ في الآيةِ: ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ بالقَرْضِ؛ وذلك لاقتِرانِهِ بأمرِ الصَّدَقة، والصدقةُ أوْلَى بالإسرارِ مِن القرضِ؛ لأنَّ الصَّدَقةَ لا تحتاجُ إلى إشهادٍ، بخلافِ القرضِ فيحتاجُ إلى إشهادٍ؛ لحِفظِ الحقِّ، ولا حرَجَ مِن إظهارِه بِقَدْرٍ يُحفَظ به الحقُّ ولا يضيعُ، ولا تَظهَرُ فيه مِنَّةٌ وأذًى للمقترضِ.\nوالأصلُ: عمومُ المعروف في الآية، وعدَمُ تقييدِها بنوعٍ مِن","vol":"2","page":1041},{"text":"أنواعِه، والقاعدةُ في الإسرارِ والجَهْرِ بالعملِ الصَّالِحِ: أنَّ الأصلَ أنَّ الجَهْرَ بالفرائضِ أفضلُ مِن الإسرارِ بها، وأنَّ إخفاءَ النَّوافلِ أفضلُ مِن الجهرِ بها، ولكلِّ نوعٍ ما يُستَثنى منه بدليلٍ خاصٍّ؛ وهي قاعدةٌ غالبةٌ لا مُطَّرِدةٌ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].\nفيها: دليلٌ على عَظَمةِ الوحي، والنَّهْيُ عَنِ الخروجِ عنه، وعِصْمةُ النبيِّ - ﷺ -، والتحذيرُ مِن مخالَفتِه، وأنَّ الهُدَى لا يكونُ إلَّا معَه، والضَّلالَ في مُخالَفتِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-771>عذرُ الجاهِلِ:</span>\nوربطُ المخالَفةِ والشِّقاقِ بالتبيُّنِ في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ دليلٌ على عدَمِ دخولِ الجاهلِ في الوعيدِ فيما يصِحُّ معه العُذْرُ ويجوزُ، وما كانَت بيِّنتُهُ مِنَ الوحيِ فقَطْ، فيُعذَرُ مَن لم يَبلُغهُ الوحيُ إن لم يَسمَعْ به، وبحَثَ عنه فلم يَجِدْهُ، ومَن سَمِعَ به أو غَلَب على ظَنِّه وجودُهُ، ولم يَسْأَلْ عنه، أُوخِذَ به؛ لِتقصيرِهِ وإعراضِه، ولو كان في حقيقتِهِ لا يَعلَمُ، بخلافِ مَن كان غافلًا ولم يسمَعُ ولم يَغلِبْ على ظنِّه وجودُ ما يُخالِفُهُ مِن الوحي، فهو معذورٌ فيما كان دليلُه الشَّرْعَ، وأمَّا ما كان دليلُهُ الفِطْرةَ التي طُبعَ عَليها الناسُ، فلا يَصِحُّ العذرُ بها إلَّا للمجنونِ.\nوهذه الآية نزَلَتْ في سياقِ قِصَّةِ سارقِ الدِّرْعِ، والمخالَفة المُرادَةُ: مُخالفةُ حُكمِ اللهِ وقضائِه، وهذا مَرَدُّهُ الشَّرْعُ، ولذا ربَطَ الوعيدَ والعقابَ","vol":"2","page":1042},{"text":"بيانِ الحُكمِ؛ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾؛ لأنَّه لم يَكُنْ معلومًا مِن قبلُ، ولم يَثبُتْ إلَّا بالوَحْيِ.\nوقولُه تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ يَعني: مَن آمَنَ بِمُحمَّدٍ - ﷺ -، وأَعْلى مقصودٍ في الآيةِ وأوَّل مُراد فيها: همُ الصحابةُ - ﵃ -، وقد قال أحمدُ بنُ حنبل: \"الإجماعُ إجماع الصَّحَابة، ومَن بعدَهم تَبَعٌ لهم\"، فإذا ثبَتَ إجماعهُمْ في مسألةٍ وعلى حُكْم، كان المخالِفُ لإجماعِهم كالخارجِ عن النَّصِّ البيِّنِ مِن الوحي؛ لأنَّ اللهَ قرَنَ الخروجَ عن سبيلِ المؤمنينَ بالشِّقاقِ للرسولِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-772>دليلُ الإجماعِ من الوحي:</span>\nوفي هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّه ما مِن إجماعٍ إلَّا ودليلُهُ مِن الوحي؛ مِن كلامِ الله، وكلامِ رسولِه - ﷺ -، مِنه؛ ما هو منصوصٌ بيِّن ظاهرٌ، ومِنه: ما هو عمَلٌ استَقرَّ، ولو لم يثبُتْ دليلُه؛ فلا يجوز الخروجُ عنه؛ لأنَّه لم يُجمِع الصحابةُ وَيَخضَعوا على كَثرتِهم وتنوُّعِ بُلْدانِهم إلَّا لِحُكمٍ بيِّنِ وعمَلٍ مستقرٍّ عندَهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-773>إجماعُ الصحابةِ، وتحقُّقُهُ:</span>\nولا بدَّ مِن تحقُّقِ الإجماعِ وثُبوتِه، وقيامِ أركانِهِ وشروطِه، لا كما يتَوسَّع فيه بعضُ الفقهاءِ بحكايةِ إجماعِ الصحابةِ عندَ وجودِ القولِ عن الواحدِ مِنهم وعدَمِ المُخالِفِ له في مسألةٍ حفيَّةٍ غيرِ ظاهرةٍ، أو مِمَّا لا تَعُمُّ به البْلْوى؛ فإنَّ إدخالَ هدا النوعِ إخراج لكثيرٍ مِن التابِعِينَ مِن السَّلَفِ؛ فعمَلُ الصَّحابيِّ الواحدِ ولا مُخالِفَ له في المسائلِ المغمورةِ كثيرٌ، ومنه: ما لا يصحُّ، ومنه: ما لم يَشتهِرْ عندَ أصحابِ الصحابيِّ نَفْسِهِ مِنَ التابعينَ، فكيف بغيرِهِ مِن أقرانِهِ الأبعَدِينَ مِنَ الصحابةِ ومَن بَعْدَهم؟ !\nوبالنَّظرِ في هذا البابِ؛ فالمسائلُ التي حكى الفقهاءُ إجماعَ","vol":"2","page":1043},{"text":"الصحابةِ عليها ولا مُخالِفَ للواحدِ منهم عليها - قريبٌ مِن ألفِ مسألةٍ، وكثيرٌ منها ظنِّيٌّ غيرُ محرَّرٍ، ومنه ما لا يصِحُّ سنَدُه.\nولا بدَّ مِنَ النَّظرِ في منزِلةِ الصحابي المرويِّ عنه، وسنَدِ الرِّواية، وشهرةِ المسألة، وعدَدِ مَن روى عنه القولَ، وبَلَدِهِ التي قال بها وأَفتى، وحالِ المسألةِ ونَوْعِها، وهل مِثلُها يَشتهِرُ وَيرتفِعُ، أو هي مِن المسائلِ الخاصَّةِ التي لا تَعُمُّ بها البَلوى ولا تَشْتهِرُ؟\nفقولُ أبي بكرٍ وعُمَرَ لو جاء وصحَّ، يَختلِف عن قولِ غيرِهما، لأنَّ مِثلَه يُطلبُ ويَشتهِرُ، ولا ينزلُ قول غيرِهِمَا من بعضِ صِغارِ الصحابةِ مَنزِلتَه، وحكمُ الواحدِ مِنهم في العباداتِ يَختلِفُ عنِ التعزيراتِ والعقوبات؛ لأنَّ العباداتِ لا يُجتَهَدُ فيها إلَّا في الضيِّقات، بخلاف العقوباتِ؛ فقد وسَّعتِ الشريعةُ في العقوبات، وضَيَّقَت في العبادات.\nوقولُ الصحابيِّ على المِنبَرِ وفي مَشهَدِ جَماعةٍ، يَختلِفُ عن قولِه وفُتياهُ لواحدٍ مِن أصحابِه، والقولُ الذي يَرويهِ عنه واحدٌ غريبٌ - ولو صحَّ - يَختلِف عن قولٍ يَتتابعُ النَّقَلةُ على روايتِهِ عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-774>الجهاتُ التي يتحقَّقُ بها إجماعُ الصحابةِ:</span>\nوبيان ذلك أنَّ مَنِ التمَسَ إجماعَ الصحابةِ في قولٍ، فلا بُدَّ مِن النَّظرِ إلى جهاتٍ متعدِّدةٍ:\nالأولى: النَّظرُ إلى قائلِه؛ فكُلَّما كان الصحابي متقدِّمًا وكبيرًا أو خليفةً، كان اشتِهارُ قولِه أظهَرَ؛ كالخُلفاءِ الراشدينَ الأربعةِ وأقرانِهم؛ فإنَّ قولَهم يَشتهِرُ ويُؤخَذُ به، وهم يَختلِفونَ عَن صِغارِ الصَّحابةِ الَّذين تأخَّرَ بهِمُ العُمْرُ حتَّى ذهَبَ كبارُ الصحابة، وجلُّ مَن يَأخذُ بقولِهم مِنَ التَّابعينَ الذين لا يُعتَدُّ بخِلافِهم للصَّحابة، وغالبًا أنَّهم لا يَجسُرونَ عليه، لإجلالِهم للصَّحابةِ ولو كانوا صِغارًا، ولقِلَّةِ عِلْمِهم بالنِّسبةِ للصَّحابةِ.","vol":"2","page":1044},{"text":"وسُكوتُهم عَن قولِ الصحابيِّ لا يَعني في هذا الباب شيئًا؛ لأنَّ المرادَ هو سكوتُ الصَّحابة، وسكوتُ الصحابةِ يُرادُ مِنه الإقرارُ عليه أنَّه لَم يُخالِفْ ما جاء عَنِ النبيِّ - ﷺ -؛ وهذا لا يَكونُ في التَّابعينَ ولو كانوا كبارًا؛ لأنَّهم لم يُدرِكوا النبيَّ - ﷺ -، ومِنَ الصَّحابةِ الصِّغارِ مَن تأخَّرَ به الزَّمنُ حتَّى لم يُدرِك فَتواهُ إلَّا الواحدُ والاثنانِ مِنَ الصحابةِ مِثلِه؛ لِمَوْتِ أكثرِهم.\nوكلَّما تقدَّمَ الصحابيُّ زَمَنًا، كان القولُ بالإجماعِ على قولِهِ أظهَرَ عندَ عدَمِ المُخالِفِ له مِنهم، وكلَّما تأخَّرَ زمَنُه، ضَعُفَ القول لحكايةِ إجماعِ الصَّحابةِ على قولِهِ لِعَدَمِ مخالفتهم له.\nالثانيةُ: النَّظَرُ إلى المسألةِ المحكومِ بها مِن الصحابيِّ؛ فإنَّ مِن المسائلِ ما أصلُه السِّعَةُ والاجتهادُ، كالتَّعزيرات، ومِنه ما الأصلُ فيه التوقيفُ على النصِّ؛ كالعبادات، فقولُ الصحابيِّ وقضاؤُهُ بتعزيرِ عاصٍ على نوعٍ ووصفٍ ومقدارٍ معيَّنٍ مِن الذَّنْبِ، وسكوتُ الصَّحابةِ عنه: لا يَعْني القطعَ بكَونِ النبيِّ - ﷺ - قَضى به، ولا أنَّهم سكَتُوا عنه، للإجماعِ على عدَمِ جوازِ مُخالفَتِه.\nومِنَ المسائلِ: نَوازِلُ واردةٌ بعدَ انقِراضِ زمَنِ كبارِ الصَّحابةِ أو أكثَرِ الصحابةِ؛ فقولُ الصحابي الواحدِ فيها معَ عدَمِ المخالِفِ فيها مِنهم مِمَّن كان حيًّا: لا يَلزَمُ معه حِكايةُ الإجماعِ على ذلك.\nويفرَّقُ بين مسائلَ تعُمُّ بها البلوى، ويَشتهِرُ قولُ الواحدِ مِنهم لو قَضَى به، وبينَ مسألةٍ لا تُنقَل ولا تَعُمُّ بها البلوى عادةً؛ فالغالِبُ أنَّ النَّقَلةَ للخبَرِ لا يُبلِّغونَ به غيرَهُ مِن الصَّحابةِ.\nالثالثةُ: النَّظرُ إلى الحالِ التي وقَعَ فيها القولُ، وهل كان مِثلُهُ يَشتهِرُ أو لا يَشتهِرُ؛ فما يقولُهُ الصحابيُّ على مِنبرٍ وشُهودُهُ صَحابةٌ: أظهَرُ في حكايةِ الإجماعِ عليه عندَ عدَمِ المُخالِفِ منهم؛ كقولِ الصَّحابةِ في","vol":"2","page":1045},{"text":"خُطَبِ الجُمَعِ والعيدَينِ وفي خُطْبةِ عرَفةَ والتَّشْريقِ، وخاصَّةً إن كان الصحابيُّ كبيرًا.\nومِنَ المسائلِ: ما يقولُ بها الصحابيُّ في موضعٍ لا شهودَ للصَّحابةِ فيه؛ كما يَقوله أو يفعلُه أو يَقضي به الصحابي في الثُّغورِ، أو السَّفرِ، أو في بلَدٍ آفاقيٍّ لا شُهودَ للصَّحابةِ فيه إلا قليلًا، وهذا يَضعُفُ القولُ بإجماعِهم عليه، ولو كان لا مُخالِفَ له فيه؛ فمَعرفةُ بلَدِ الصحابيِّ وسُكناهُ بعدَ النبوَّةِ مُهِمٌّ في معرفةِ قوَّةِ مُوافقَتِه ومُخالَفتِه، وكُلَّما كان أقرَبَ لِمَساكنِ الصحابةِ وكَثرتِهم - كالمدينةِ - فهذا أقرَبُ للمُوافَفةِ على قولِه واشتهارِه.\nالرابعةُ: النَّظَر إلى نَقَلَةِ الخبرِ عن الصحابيِّ؛ لِيُعرَفَ اشتهارُه عنه، فإنْ كان الناقلُ عنه واحدًا، وعنه واحدٌ، فهذا يَعني عدَمَ اشتهارِه حتَّى عندَ أصحاب الصحابي نفسِه؛ فكيفَ ببُلوغِهِ لغيرِه مِن الصحابةِ؟ ! فلا يُبنى على سكوتِ الصحابةِ إجماعٌ، والحالةُ هذه.\nوإنِ اشْتهَرَ القَولُ عن الصحابي ونقَلَهُ عنه أصحابُهُ الذين يَشْتَرِكونَ عادةً في الأخذِ عنه وعن غيرِهِ مِن الصحابة، فهذه قرينة على اشتهارِ القول، ونَقلِهِ عنه لغيرِهِ مِن الصحابة، كما يَشترِكُ ابنُ عُمرَ وابنُ عبَّاسٍ وأبو هربرةَ وأنَسٌ في بعضِ التَّابعينَ وأخذِهم عنهم.\nوهذه المسألةُ تحتاجُ إلى مزيدِ تفصيلِ ليس هذا محلَّه، واللَّه أعلَمُ.\nومَن ترَكَ حُكمَ اللهِ وتشريعَهُ، واعتَدَّ برأيِهِ وعَقلِه، وَكَلَهُ اللهُ إلى نفسِهِ فأرْدَاهُ؛ كما قال: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾.\nوفي هذه الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ الضَّلالَ والشِّقاقَ يَبدَأ بصاحبِه عنادًا، ثمَّ يُحوِّلُه اللهُ في قلبِه ويُزَيِّنُهُ حتى يكونَ دِينًا وقناعةً؛ عقوبةً له.","vol":"2","page":1046},{"text":"قال تعالى حكايةً لقول إبليس: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩)﴾ [النساء: ١١٩].\nيَقْوَى تسلُّطُ الشيطانِ على الإنسانِ حتَّى يَأمُرَه وهو لا يَشعُرُ، يأمُره في صورةِ الإضلالِ والتمنِّي، ومِن ضَلالِه: أمرُه بقَطعِ آذانِ الأنعامِ؛ لِتَكونَ بَحِيرَةً سائحةً في الأرضِ مُحرَّمةً، وقد كان أهلُ الجاهليَّةِ يَقطَعونَ آذانَ بعضِ أنعامِهم، ويُسمُّونَها بَحيرةً وسائبةً، يَحرُمُ مَسُّها والتعرُّضُ لها؛ لآلهتِهم وأصنامِهم، وكانوا يَجعَلونَ مِن ذلك دِينًا، كما قاله قتادةُ وعِكرِمةُ والسُّديُّ وغيرُهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-775>السوائبُ في الجاهليَّة:</span>\nوكان الرَّجلُ الجاهليُّ يَنذِرُ نَذْرًا إذا قَدِمَ مِن سفَرٍ، أو عُوفِيَ مِن عِلَّةٍ، أو نَجَا مِن مَهْلَكَةٍ أو حربٍ؛ يقولُ: \"ناقتي هذه سائبةٌ\"؛ أيْ: تُسيَّبُ فلا يُنتفَعُ بظهرِها، ولا تُحَلَّأ عن ماءٍ، ولا تُمنَعُ مِن كلَإٍ، ولا تُركَبُ (٢).\nوهؤلاءِ وقَعوا في الشِّركِ مِن وجوهٍ في عمَلِهم هذا:\nأوَّلُها: أنَّهم نَذَروا لغيرِ الله، والنَّذرُ طاعةٌ لا يكونُ إلَّا له، وهؤلاءِ نذَروا لآلهتِهم.\nثانيها: أنَّهم نسَبُوا سلامتَهم مِنَ المرضِ والموتِ لآلهتِهم؛ لهذا شكَروها نَذرِهِمُ الذي يَظنونَهُ عبادةً.\nثالثها: جوَّزوا لأنفُسِهم تقطيعَ آذانِ الأنعامِ تديُّنًا، وهو لا يَصِحُّ لو\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٤٩٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٠٦٩).\n(٢) \"لسان العرب\" (١/ ٤٧٨).","vol":"2","page":1047},{"text":"كان للهِ؛ فكيف وهو لغيرِ اللهِ؟ ! والفعلُ الذي يُتدينُ به لغيرِ الله، فهو كفرٌ ولو كان أصلُهُ عادةً؛ لأنَّ فاعِلَه فعَلَهُ عبادة ونَوى به العبادةَ؛ فكان شِرْكًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-776>حكمُ وَسْمِ البهيمة:</span>\nووَسْمُ البهيمةِ لِتُعرَفَ جائزٌ إلَّا في الوجهِ؛ لما روى مسلِمٌ؛ مِن حديثِ جابرٍ؛ قال: \"نَهَى رَسُول اللهِ - ﷺ - عَنِ الضَّرْبِ فِي الوَجْه، وَعَنِ الوَسْمِ فِي الْوَجهِ\" (١).\nوليس الوَسْم لِتُعرَفَ به البهيمة مما يدخُل في النهيِ هنا؛ لاختلافِ العِلَّة، ولأنَّه قُصِدَ به حِفظُ الحَقِّ وقطعُ النِّزاعِ بين الناس، وهذا مقصدٌ صحيح لا يتحقَّقُ غالبًا إلَّا بمِثلِه، ويكون بالقَدْرِ الذي لا يعذِّبُ البهيمةَ ولا يُفسِدُها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-777>حكمُ تغيير خَلْقِ اللهِ وأحوالُهُ:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ وتغييرُ خَلْقِ اللهِ لِمخلوقاتِهِ الحيَّةِ محرَّمٌ؛ لأنه صرفٌ لها عن أصلِ فِطْرتِها التي فطَرَها عليها، فيَجعَلونَ منها مخلوقًا آخَرَ، وهذا لا يدخُل فيه إصلاحُ العيوبِ وإعادَتُها إلى قِوامِها؛ كمَن وُلدَ مِنَ البهائم أو الإنسانِ أعرَجَ أو أعمَى أوَ أصَمَّ، فيُطبَّب له فيُصلَحُ عَيْبُهُ، لأنَّه إعادةٌ له لخِلْقَتِهِ الصحيحة، لا حَرْفٌ له عن خلفتِهِ الصحيحة إلى غيرِها؛ فهو نوع ابتَلاءٍ أنزَلَه اللهُ عليه، فيُرفَعُ، كما يُتطبَّب مِنَ المرضِ معَ أنَّ اللهَ أَوْجَدَهُ، فلا يجوز كَسْرُ الصحيح، ولكن يجوزُ جَبْرُ الكَسيرِ.\nوحَمَلَ السَّلَفُ تغييرَ خَلْقِ اللهِ في الآيةِ على معنيَينِ:\nالمعنى الأولُ: تغييرُ الخِلْقَةِ الجسَديَّة، ومنها خِصاءُ البَهائمِ ونحوه؛\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢١١٦) (٣/ ١٦٧٣).","vol":"2","page":1048},{"text":"وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ وابنُ عُمرَ وأنَس وابن المسيَّبِ (١).\nوصحَّ عن ابنِ مسعودٍ قولهُ: \"لَعَنَ الله الوَاشِمَاتِ وَالمُستَوْشِمَات، وَالنَّامِصَاتِ وَالمُتَنَمِّصَات، وَالمُتفَلِّجَاتِ لِلحُسْنِ، المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ\" (٢).\nوصحَّ عَنِ الحسَنِ؛ أن التغييرَ في الآيةِ الوَشمُ (٣).\nالمعنى الثاني: الفِطْرة والصِّبغَةُ الدِّينية؛ ومِن هذا المعنى قولُهُ تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨]؛ يَعْني؛ مِلَّةَ اللهِ وشِرعَهُ وديَنَه.\nورُوِيَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، ولا يصِحُّ؛ للجهالةِ في إسنادِه، وقال به مجاهِدٌ وعِكرِمةُ والنَّخَعيُّ والحكَمُ وقتادةُ وعطاء الخراساني (٤).\nوقد صحَّ عن شَيْبانَ عن قتَادةَ؛ أنَّه قال في هذه الآيةِ: \"ما بالُ أقوامٍ جَهَلةٍ يُغيِّرونَ صِبغةَ اللهِ ولَوْنَ اللهِ؟ ! \" (٥).\nيَعني: صِبْغتَه التي طبَعَ خَلْقَهُ وفَطَرَهم عليها؛ مِن الإقرارِ بوَحْدانيةِ الله، والاتِّباعِ لداعي الفِطْرةِ؛ مِن الحياءِ والعِفَّةِ والستر، والصِّدْقِ وأداءِ الأمانةِ والإحسانِ إلى الناس، وكراهةِ الفُحْشِ والفواحشِ وبُغْضِ الكُفْرِ.\nوقوله: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، المراد بخلقِ اللهِ هنا: ما طُبعَ الناس عليه وفُطِروا عليه؛ كما فُطِروا وخُلِقوا على التَّألُّمِ مِنَ النارِ والحرِّ، فيَتألَّمونَ مِنَ الكفرِ والكذِبِ والفحْش، وكما فُطِروا وخُلِقوا على الفَرَحِ بالرِّيحِ الطيِّبة، والسعادةِ بالمال، والتلذُّذِ بالمأكلِ والمشرَبِ الحسَنِ،\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٤٩٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٠٦٩).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٨٨٦) (٦/ ١٤٧)، ومسلم (٢١٢٥) (٣/ ١٦٧٨).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٥٠١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٠٧٠).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٤٩٧ - ٥٠٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٠٦٩).\n(٥) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٠٧٠).","vol":"2","page":1049},{"text":"فيَفرَحونَ بالخُضُوعِ للهِ والإقرارِ بحقِّه وعبادتِه؛ طُبِعَتَ نفوسُهم وخُلِقَتْ على هذا.\nوهذا كقولِهِ تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، فذكَرَ الدِّينَ، ثمَّ سمَّاهُ فِطْرةً، ثمَّ بيَّنَ خَلْقَ اللهِ الإنسانَ عليه؛ فأصلُ الدِّينِ خُلِقَ الإنسانُ عليه، ثُمَّ جاءَتْ أنواعهُ وصُوَرهُ وتطبيقاتُهُ وتفصيلاتُهُ بالوحيِ.\nويدلُّ على هذا كلِّه: حديثُ أبي هُرَيرةَ في \"الصحيحَيْنِ\" مرفوعًا؛ (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطرَة، فَأَبوَاهُ يهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-778>تغييرُ الفطرةِ:</span>\nوعلى القولِ الثَّاني: فيُقالُ بإمكانِ تغييرِ أصلِ الطبعِ؛ كما يُمكِنُ تغييرُ أصلِ الشَّرْع، وتغييرُ أصلِ الشرحِ وفرعِهِ معروفٌ؛ كما عِندَ الأحبارِ والرُّهْبانِ والأئمَّةِ المضلِّينَ، أمَّا تغييرُ أصلِ الفِطْرةِ: فإنَّه نادرٌ، مع إمكانِ وقوعِهِ في أفرادٍ، لا في أمَّةٍ، فلا يمكِنُ أن يكونَ الحياءُ مذمومًا، ولا السترُ مستقبَحًا، ولا العفافُ مَعِيبًا أبدًا، وإن وقَعَ في أفرادٍ، لكنَّه لا يقَعُ في أمةٍ فتَجتمِعَ عليه، ولكنْ قد يقَعُ التبديلُ في بعضِ أحوالِهِ وصُوَرِهِ زمانًا ومكانًا، لا إطلاقًا؛ كطوافِ الناسِ عُراةً عندَ البيتِ في الجاهليَّةِ؛ فليس عامًّا، وإنَّما خاصٌّ في زمانِ ومكانٍ، ومِثلُه الحياءُ والعفافُ والصِّدْقُ وغيرُه، فإنَّه لا يُمكِن رفعُهُ مِن الإنسانِ بالكلِّيَّةِ حتَّى لا يُقالَ بوجودِه، وأعظَمُ مِن ذلك: نفيُ الخالقِ وجَحْدُ وجودِه؛ لأنَّه أثبَتُ في العقلِ والنفس مِن وجودِ النَّفسِ عندَ نفسِها، ولو أخِذَتْ أطرافُ شريعةِ دينِ اللهِ وبُدِّلَتَ أحكامُه، لا يُمكِن أن يرفَعَ أصله، وهو وجودُ الخالقِ وتفرُّدُهُ بكَوْنِهِ خَلْقًا وتصرُّفًا، ولا يمكِنُ أن يصحُّ لأحدٍ عقلٌ معَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٣٥٨) (٢/ ٩٤)، ومسلم (٢٦٥٨) (٤/ ٢٠٤٧).","vol":"2","page":1050},{"text":"نَفْيِه، ومَن زعَمَ ذلك، فهو مكابِرٌ، يقولُ بلسانهِ ما يستيقنُ قلبُهُ بنقيضِه، أو يقدِّمُ الشكَّ؛ لأنَّه يُشبعُ غريزتَه وهواهُ، على اليقين، الذي يَحرِمُه منها، فيُكابِرُ اليقينَ ويُعْطيهِ ويُظهِرُ الشَّكَّ؛ ليَجعلَه بمرتبةِ اليقينِ.\nواللهُ نهى عن تغييرِ خلقِ اللهِ مِن بدَنِ الإنسان، وقد تُقطَعُ جوارحُ الإنسانِ مِنَ الفِطْرةِ الجسديَّةِ ويَبقى البدنُ حيًّا، وقد تُقطَعُ شرائعُ الدِّينِ ويُعصَى الله بتَرْكِها لا بِجَحْدِها ويَبقَى الدِّينُ، ولكنَّ قلبَ الإنسانِ لو نُزعَ، ماتَ ولا يُمكِنُ أن يُقالَ لِحياتِه، وكذلك قلبُ الدينِ في الفِطْرةِ العقليَّةِ والنفسيَّةِ: الإقرارُ بربوبيّةِ الله، ثُمَّ حقِّه في العبادة، وتفرُّدُ الخالقِ بخَلْقِه لا يُقطَعُ مِنَ الفِطْرةِ العقليَّةِ النفسيةِ إلَّا بموتِ العقل، وهو الجنودُ، ثمَّ يَبقى حقُّ اللَّهِ في العبادةِ وصِفَةُ العبادةِ المأمورِ بها يَقوى في الشرعِ مع الطَّبع، منها ما يصحُّ الجهلُ بها مع سلامةِ العقل، ومنها ما لا يصحُّ الجهلُ بها؛ لتمكُّنِها بالفِطْرةِ أقوى مِنَ الشِّرْعةِ؛ وهذا على تفصيل طويلٍ بينَّاهُ في كتابِ مُفرَدٍ في \"حُكْمِ العُذْرِ بالجَهْلِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-779>حدودُ تحريمِ تغييرِ خلقِ اللهِ:</span>\nوقوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، المرادُ بالخَلْقِ المحرَّمِ تغييرُهُ: ما كان أصلُ الخَلْقِ عليه صحيحًا، وما يُولَدُ المخلوق عليه، وأمَّا تقليمُ الأظفارِ وحَلْقُ العانةِ ونَتفَ الإِبْط، فليس مِن إزالةِ الفِطْرةِ؛ لأنَّه لا يُولَدُ به الإنسانُ، ويَندُرُ أن يولَدَ الإنسانُ على شيءٍ ثُمَّ يُؤمَرَ بإزالتِه؛ كالخِتَان، وهو: إزالةُ القُلْفَةِ على الذَّكَر، وما يُولَدُ عيه الإنسانُ، فالأصلُ جوازُ أخذِه؛ كالشَّعرِ والظُّفُر، إلَّا بدليل يدلُّ على إبقائِه، كاللِّحْية، وما وُلدَ عليه الإنسانُ، فالأصلُ: تحريم أخذِهِ إلَّا ما دلَّ الدليلُ على أخذِهِ؛ كقُلْفَةِ الذَّكَرِ.\nوالقاعدةُ في تصرُّفِ الإنسانِ في نفسِهِ كالقاعدةِ في تصرُّفِهِ في الحيوان، وبقيودِها.","vol":"2","page":1051},{"text":"وقد يَجعَلُ الشارعُ بعضَ الأفعالِ مِنَ الفِطْرةِ؛ لأنَّها تُعِيدُ المخلوقَ على أصلِهِ مِن النَّظافةِ والطَّهارةِ؛ كتقليمِ الأظفارِ وحَلْقِ العانةِ ونَتْفِ الإبْطِ وغَسْلِ البَراحِم والاستنشاقِ واستنقاصِ الماء، وعلى قولٍ السِّوَاك؛ فقد جاء في الأثرِ أَنَّه مِنَ الفِطْرةِ؛ لأنه يعِيدُ الفمَ على فِطْرتِهِ مِن الطهارةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-780>تغييرُ العيوبِ:</span>\nوكلُّ ما خالَفَ فيه الإنسانُ السويَّ الصحيحَ، جاز له تغييرهُ بالتطيُّبِ؛ لأنَّه عيبٌ؛ كمَن وُلدَ أعمَى أو أبكَمَ أو أصَمَّ أو أبرَصَ أو أقرَعَ، وكما جازَ للثَّلاثةِ الأقرعِ والأبرَصِ والأعمى أن يَدْعُوا اللهَ فيَشْفيَهم، ولم يَسْأَلُوا حَرَامًا ولا إثمًا، كذلك لو تطيَّبُوا، وقصَّة الثلاثةِ في \"الصحيحَينِ\" وغيرِهما (١).\nوتغيير الإنسانِ للونِ شعرِ رأسِه جائزٌ؛ لأنَّه يجوزُ له قَصُّهُ أصلًا، فكيفَ بتغييرِه؟ ! ولكن لا يجوزُ له تغييرُهُ إلى لونٍ شاذٍّ لا يُعْرَفُ في فِطَرِ الناسِ عادةً، حتَّى يُوصَفَ بالشذوذِ والشهرةِ بين الناسِ.\nوقد أجازَ النبيُّ - ﷺ - تغييرَ شَعْرِ اللِّحْيةِ إلى لونٍ لا يُفْطَرُ عليه العربُ عادةً، وهو الحِنَّاءُ، فدلَّ على جوازِ تغييرِهِ إلى لونٍ لا يُنهى عنه؛ كالسَّوَادِ على الكَرَاهة، والشُّهْرةِ على التحريمِ.\nقال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾ [النساء: ١٢٧].\nيَسألُ الصحابةُ عن فرائضِ النِّساءِ وحُكْمِ اللهِ في شأنِهنَّ ممَّا يختصُّ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٤٦٤) (٤/ ١٧١)، ومسلم (٢٩٦٤) (٤/ ٢٢٧٥).","vol":"2","page":1052},{"text":"الحُكْمُ بِهِنَّ، وقد كان الناسُ في الجاهليَّةِ لا يُورِّثونَ الصِّغارَ ولا النِّساءَ؛ يقولونَ: \"أنتُم لا تَغْزُونَ، ولا تُغْنُونَ\".\nورُوِيَ هذا المعنى عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ ومجاهِدِ وقتادةَ (١)، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾، وتقدَّمَ الكلامُ على هذا في أولِ سورةِ النِّساءِ.\nوقولُه تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ \"أُنْزِلَتٍ فِي الْيَتِيمَة، تَكونُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَتَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ، فَيَرغَبُ عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَيَكْرَهُ أنْ يُزَوِّجَهَا غَيرَه فَيَشَرَكُهُ فِي مَالِه، فَيَعْضُلُهَا فَلَا يَتَزَوَّجُهَا وَلَا يُزَوِّجُهَا غَيْرَهُ\"؛ رواهُ هشامُ بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة؛ أخرَجَهُ الشيخانِ (٢).\nورُويَ عن عليِّ بنِ أبي طَلْحَةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ، معناهُ، أخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ (٣).\nوقال عَبيدَةُ السَّلْمانيُّ في قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، أيْ: \"تَرغَبونَ فيهِنَّ\" (٤).\nوحُمِلَ قولُه: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ على النَّفْيِ؛ أي: لا تَرغَبونَ أن تَنكِحُوهُنَّ؛ وذلك لقِلَّةِ جَمَالِها أو مالِها؛ نحوُ قولِهِ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، والنَّفيُ في آيةِ البابِ رواهُ ابنُ شهابٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ (٥)، وبه قال الحسَن (٦)، ومال إليه ابن جريرٍ (٧).\nومِن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾، حيث كانوا\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٥٣٤ - ٥٣٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٠٧٧).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٥١٢٨) (٧/ ١٦)، ومسلم (٣٠١٨) (٤/ ٢٣١٥).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٠٧٧).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٥٤٢).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٥٤٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٠٧٧).\n(٦) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٥٤٢).\n(٧) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٥٤٤).","vol":"2","page":1053},{"text":"لا يُورِّثونَ الصِّبْيانَ ولا النِّساءَ في الجاهليَّةِ؛ فأنزَلَ اللهُ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]؛ كما رواهُ عليٌّ (١) وابنُ جُبيرٍ (٢) عن ابنِ عبَّاسٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-781>الفرقُ بين ميراثِ الذكر والأنثى:</span>\nوقد علَّق اللهُ الحكمَ بالذكورةِ والأنوثةِ مقدارًا فقَط، ولا فرقَ في أصلِ مشروعيَّةِ الإرثِ بين الذَّكَرِ والأنثى، وإنَّما الفَرْقُ في مقدارِه، ولا فرقَ بينَ الصَّغيرِ والكبيرِ في أصلِ الإرث ولا في مقدارِهِ.\nوقد تقدَّمَ الكلامُ على ذلك في أوَّلِ سورةِ النِّساء، عندَ قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣].\nثمَّ أمَرَ الله بالعدلِ في اليتامى نفَقةً وتعاملًا وتزويجًا: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾ [النساء: ١٢٨].\nنزَلَتِ الآيةُ في سَوْدَةَ بنتِ زَمَعَةَ لمَّا خَشِيَتْ أن يُطلِّقَها النبيُّ - ﷺ -، فرَغِبَتْ في البقاءِ في عِصْمَتِه، وتَهَبُ يومَها لعائشةَ، ففعَلَ النبيُّ - ﷺ -، ونزَلَت هذه الآيةُ (٣)، وأصل ذلك في \"الصحيحَينِ\"؛ من حديثِ عائشةَ (٤).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٥٤٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٠٧٨).\n(٢) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣٠٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٦٣).\n(٣) أخرجه أبو داود (٢١٣٥) (٢/ ٣٤٢).\n(٤) أخرجه البخاري (٢٤٥٠) (٣/ ١٣٠)، ومسلم (٣٠٢١) (٤/ ٢٣١٦).","vol":"2","page":1054},{"text":"ورُوِيَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - تُوُفِّيَ عَنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِثَمَانٍ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-782>إسقاطُ المرأةِ لحقِّها:</span>\nوهذا في كلِّ امرأةٍ تَرى زُهْدَ زَوْجِها فيها، فتَرغَب في البقاءِ معَهُ، فيتَصالَحانِ على إسقاطِ ما بينَهما مِن واجبِ المَبِيت، وتَبقى على النفقةِ والسُّكْنى، والزُّهْد قد يكونُ لسببٍ فيها؛ كسُوءِ خلُقِها، أو مَرَضِها، أو كِبَرِها، أو دَمَامَتِها، أو لسببٍ فيه؛ ككِبَرِه، أو مَرَضِه، أو ضَعْفِ نفسِهِ نحوَها.\nورُوِى هذا المعنى عن عمرَ وعليٍّ وابنِ عبَّاسٍ وعائشةَ وغيرِهم مِنَ الصَّحابةِ والسَّلَفِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-783>نشوز الزوجِ:</span>\nوالنشوز هو المَيْل بسببِ البُغْضِ أوِ الكُرْهِ أوِ انصرافِ النفسِ بلا موجِبٍ ظاهرٍ، ويكونُ النشوزُ بحقٍّ أو بباطلٍ، ولا يُتصوَّر ميلُ النبيِّ - ﷺ - إلَّا بالحقِّ؛ لأنَّ له أن يطلِّقَ زوجتَهُ وله أن يمسِكَها، وقد يَمِيلُ الرجلُ عن زوجتِه نَفْسًا، فيَرَى عدَمَ قيامِها بحقِّه، ويَتْبَعُهُ تقصيرُهُ بحقِّها لو بَقِيَ معَها، فمِنَ العدلِ والحقِّ تطليقُها، فلمَّا ظَنَّتْ سَوْدَة ذلك مِن نفسِها ومنه - ﷺ -، تصالَحَت معه سَوْدةُ على إسقاطِ حقِّها في المبيت، وجعَلَتْ يومَها لأحبِّ أزواجِه، وهي عائشةُ، فلا يجدُ النبيُّ - ﷺ - بعدَ ذلك حرَجًا مِن بقائِها.\nوإذا غُلِبَ الرَّجُل على نفسِهِ بأمرٍ، وخَشِيَ مِن تركِ الواجباتِ وفِعْلِ\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٩٦).","vol":"2","page":1055},{"text":"المُحرَّماتِ، فلْيَتخفَّف مِن تَبِعَةِ ذلك بتَرْكِ موجِبِ فعلِ المحرَّمِ وتركِ الواجب والبُعْدِ عنه.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾؛ يَعْني: الزَّوجَين، وفيه تشوُّفُ المُشرِّعِ إلى بقاءِ الزَّوْجةِ في عِصْمةِ زَوْجِها ولو مع إسقاطِ بعضِ الحقوقِ بَينَهما، وأنه أوْلى مِن الطَّلاقِ؛ وذلك في قوله بعدُ: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾.\nوحمَل ابنُ عبَّاسٍ قولَه: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ على التخييرِ؛ فقال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾؛ يَعني: تُخيَّرُ المرأة بما تريدُ، ولا تُكرَهُ على شيْءٍ واحدٍ مما يُطيقهُ الرَّجُلُ (١).\nوالمرادُ فيما يتَراضَيانِ فيه مما يُطيقانِه جميعًا، ولا يُوقِعُ في حَرَامٍ لهما أو لأحدِهما.\nوقولُه تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾؛ يَعني: أن تُقدِّمَ النفوسُ حظَّها وحقَّها على حظِّ غيرِها وحقِّه؛ فالشحُّ والأثَرةُ متأصِّلٌ في النُّفوسِ.\nولا يجوزُ للرجلِ أن يُقدِّمَ مصلحتَهُ على ضرَرِ غيرِه، ولا للمرأةِ أن تُقدِّمَ مصلحتَها على ضررِ غيرِها، فأمَّا إذا أطاقا تحقُّقَ المصلحتَيْنِ أو دَفْعَ المفسدتَين، فوجَبَ عليهِما، والطلاقُ يتأكدُ عندَ وجودِ مفسَدةٍ لأحدِ الزوجَيْنِ ببقائِهما، وقد روى أبو داودَ وابن ماجَة؛ مِن حديثِ مُحاربِ بنِ دِثارٍ، عن ابنِ عُمرَ مرفوعًا؛ (أبغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللهِ الطَّلَاقُ) (٢)، وجاء مرسَلًا مِن حديثِ مُحاربٍ به (٣)، وهو أقرَبُ، ورُوِيَ مِن طُرْقٍ أُخرى.\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٥٥٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٠٨١).\n(٢) أخرجه أبو داود (٢١٧٨) (٢/ ٢٥٥)، وابن ماجه (٢٠١٨) (١/ ٦٥٠).\n(٣) أخرجه أبو داود (٢١٧٧) (٢/ ٢٥٤).","vol":"2","page":1056},{"text":"قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)﴾ [النساء: ١٢٩].\nومفهومُ هذه الآيةِ: وجوب العدلِ بينَ النساءِ؛ وهذا لا خلافَ فيه، وقد جاء في \"سنن أبي داود\" أن النبيَّ - ﷺ - قال: (مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأتانِ، فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاء يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ) (١).\nوالمراد بالاستطاعةِ المَنْفِيةِ مِن العدلِ في قوله، ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾: عدلُ القَلبِ وعدمُ مَيْلِهِ لإحدى الزوْجاتِ؛ لِمَا جعَلَهُ اللهُ فيهِنَّ مِن تاينٍ يتَبايَن معه ميل القلْب، فأمَرَ اللهُ لعدَمِ الاستجابةِ العمَليَّة لِميلِ القلبِ استجابةَ تُؤثِّرُ على العدلِ في القَسْمِ والنَّفَقةِ والعطيَّةِ؛ ولذا قال: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾.\nقال ابنُ عبَّاسِ في الاستطاعةِ المنفيَّةِ: \"هي الجِمَاعُ والحُبُّ\"؛ رواهُ عنه عليُّ بن أبي طَلْحةَ، وروِيَ هذا عن عَبِيد السَّلْمانيِّ والحسَنِ وغيرِهما.\nوقال الصَّحَّاكُ: \"هو الشَّهوةُ والجِمَاعُ\" (٢).\nوالمراد واحدٌ.\nوالميلُ المنهيُّ عنه في قوله: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ هو المَيْلُ المتعمَّدُ؛ كما قالَهُ مجاهِدٌ وغيرهُ (٣)، وهو ميلُ النَّفسِ بالعمَلِ بعدَمِ العدلِ في النَّفَفةِ والقَسْم والقولِ.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢١٣٣) (٢/ ٢٤٢).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٥٦٨ - ٥٧٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٠٨٣).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٥٧٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٠٨٣).","vol":"2","page":1057},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-784>العدلُ بين الزوجاتِ:</span>\nولا خلافَ في وجوب العدلِ بينَ النساءِ في القَسْمِ والعطيَّةِ وأصلِ النَّفَقَةِ؛ فيُبَاتُ عندَ المرأَةِ كما عندَ الأخرى، وعِمادُ القَسْمِ اللَّيلُ، ويتساوَيانِ في العطيَّة، ولكنَّ النَّفَقةَ تكون بالعدلِ لا بالتساوي، وكذلك في القَسْمِ يجب العدلُ وإد لم يتحقَّقِ التساوي.\nوالعدلُ في النفقةِ: أن يُعطِيَ كلَّ زوجةٍ حاجتَها مِن طعامٍ وشْرابٍ بحسَبِ حالِها وحاجَتِها وذُرِّيَّتِها، وقد لا يتساوَيانِ؛ لاختلافِ الدَّارِ والحالِ والحاجة، والواجبُ الكفايةُ في ذلك.\nويَجِبُ في العطيَّةِ الزائدةِ على النَّفَقةِ: التساوي، سواءٌ كانت مالًا أو متاعًا أو عَقَارًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-785>العدلُ بين الزوجاتِ بالمبيتِ والقَسمِ:</span>\nوالعدلُ في القَسمِ يكونُ بالمَبيتِ بعدَدِ اللَّيَالِي ولو لم يتساوَيا في وُقُوعِ الجِمَاعِ لأيِّ سَببٍ نفسيٍّ؛ كالعَجْزِ بمرَضٍ ونحوِه، أو ميلِ النَّفْس، أو سببٍ شرعيٍّ؛ كالهَجْرِ بشَرطِ ألَّا يتَحقَّقَ له مَفسدةٌ لها.\nوقوله: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾؛ يَعني: لا ذاتَ زَوْجٍ تأخُذُ حقَّها منه، ولا مطلَّقة تَستقبِلُ شأنَها، وتنتَظِرُ زَوْجًا غيرَه.\nوقدِ اختلَفَ العلماءُ في المَبيت والقَسْمِ به؛ هل يجبُ لكلِّ واحدةٍ ليلةٌ تَلي ليلةَ الأخرى، أم يجوزُ أن يَزيدَ في اللَّيالي عندَ كلِّ واحدةٍ، وَيزِيدَ مثلًا عندَ الأخرى؛ كلَيلتَيْن ليلتَيْن، وثلاثِ ثلاثٍ؟ على قولَينِ مشهورَين:\nالأوَّلُ: الجوازُ؛ وهو قولُ الشافعيِّ.\nالثاني: عدَمُه؛ وهو قولُ مالكٍ.","vol":"2","page":1058},{"text":"والأظهَرُ: عدَمُ جوازِه إلَّا في حالَيْنِ:\nالأولى: عندَ البِناءِ بزَوْجة، فإنْ كانَت ثَيِّبًا، مكَثَ عندَها ثلاثًا في أوَّلِ البِنَاء، وإن كانَتْ بكرًا، مكَثَ عندَها سبعًا في أوَّلِ البناء، ثمَّ يعودُ لنَسَائِه، والجمهورُ: أنَّه يعود لهن بلا حِسابٍ، كما فعَلَ معَ الزَّوْجةِ الجديدة؛ خلافًا لأبي حنيفةَ في أنَّه يعودُ إليهنَّ بحسابٍ؛ مستدلًّا بعمومِ العدلِ بينَ الزَّوْجاتِ في القَسْمِ.\nواستدَلَّ مَن قال بقولِه بحديثِ أمِّ سلَمةَ؛ أن النبيَّ - ﷺ - قال لها: (إِن شِئْتِ سَبَّعْتُ لَك، وَإنْ سَبَّعتُ لَك، سَبَّعْتُ لِنِسَائِي)؛ رواهُ مسلمٌ (١).\nوأبو حنيفةَ وأصحابة لا يَرَوْنَ الفرقَ بينَ البكرِ والثيِّب في الإقامةِ عندَهما، ومحمدُ بن الحسَنِ يَستدِلُّ بحديثِ أمِّ سلَمةَ هذا، ولا دليلَ فيه؛ فهو فيه أن لها الثلاثَ، والتسبيعُ زائدٌ، لأنَّها ثيِّبٌ، فيَجِبُ تَبَعًا معه العدلُ، وهو قضاء السَّبْعِ كلِّها، لا قضاءُ الأربعِ الزَّائدةِ على الثلاثِ؛ لأنَّ تتابُع السبعِ مؤثِّرٌ، بخلافِ تتابعِ الثَّلاثِ؛ فهوَ أخفُّ.\nوما رواهُ الدَّارَقطنيُّ في هذا الحديتِ: \"إِنْ شِئْتِ أَقَمْتُ مَعَكِ ثَلَاثًا خَالِصَةً لَك، وَإِن شِئْتِ سَبَّعتُ لَكِ ثُمَّ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي)، قالت: تُقِيمُ مَعِي ثلَاثًا خَالِصَةً (٢)؛ لا يصِحُّ، وفيه الواقديُّ، وهو منكَرُ الحديثِ.\nوحديث أم سلَمةَ في مسلِمٍ مخصِّصٌ للأحاديثِ العامَّةِ التي يَستدِل بها أبو حنيفةَ وأصحابهُ في وجوبِ العدل، ولا فرقَ بينَ الجديدةِ والقديمةِ مِنَ الزوْجاتِ.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٤٦٠) (٢/ ١٠٨٣).\n(٢) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٣٧٣٣) (٤/ ٤٣١).","vol":"2","page":1059},{"text":"وحديثُ أمِّ سلَمةَ يأخذُ به جمهورُ العُلَماءِ؛ كمالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ، وأنَّ القَسْمَ للثَّيِّبِ ثلاثٌ لا يكونُ معها قضاءٌ، أو سبعٌ يكونُ معها القضاء، وأن القَسْمَ للبِكرِ سبعٌ لا يكون معها القضاءُ! كما هو في الثلاث: للثَّيِّبِ؛ كما في روايةٍ لمسلمٍ: (لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَك، وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ، ثُمَّ دُرْتُ)، قالت: ثَلِّثْ (١)، وظاهرهُ: أنَّ التسبيعَ يَلزَمُ معه الفضاءُ، والثلاثَ ينتهي ويدورُ بلا قضاءٍ؛ ولذا لم يذكُرِ الدَّوْرَ في السَّبْعِ؛ وإنَّما ذكَرَ القضاءَ؛ لأنَّه قدرٌ زائدٌ على الدَّوْرِ.\nوفي حديثِ أمِّ سَلَمةَ: جوازُ القَسْمِ للثيِّبِ المدخولِ بها حديثًا سبعًا، زيادةً على أصلِ حقِّها في الثَّلاثِ، وأن ذِكرَ السَّبْعِ دليلٌ على أنَّه أقصى ما يجوز في القَسْمِ للمبنيِّ بها، وهي البِكْرُ، ولكنَّه حقٌّ للبِكْر، لا يُزادُ لها عليه، ولا يُزاد لِغيرِها عليه مِن بابِ أولى، وهي الثَّيِّبُ، لو أرادَتْ، فهو للبِكرِ حقٌّ، وللثيِّبِ تخييرٌ فحَسْبُ.\nالثانيةُ: عندَ تَصالُحِهنَّ وتَراضِيهِنَّ على ذلك؛ وذلك أنَّه لو جازَ للمرأةِ أن تُسقِطَ ليلتَها وتجعلَها كلَّها للأُخرى، فإنَّه يجوزُ عندَ التصالُحِ على ما دونَهُ من بابِ أولى.\nواللهُ أمَرَ بالعدل، ومِنَ العدلِ الإتيانُ بمقصدِ المبيت، وحاجتُهُنَّ للمبيتِ ليست في أمرِ الجِماعِ؛ وإنَّما هو في الإيناسِ والأمنِ مِن الطَّوارق، وقُرْبِ النَّفْسِ والمودَّة، وهذا يَفُوتُ عندَ جميعِهِنَّ لو دامَ تركُ الزَّوْجةِ لأيَّامٍ مَدَى أعوامٍ، ثُمَّ لو قيل بجَوَازِه، فلا حَدَّ لأعلاه، فلو كان لدى الرجلِ أربعٌ، وجعَلَ لكلِّ واحدةٍ ثلاثِينَ ليلةً أو أكثرَ، فلا يُوجَدُ مِن صريحِ الشَّرعِ ما يُفرِّقُ بينَ اللَّيلتَيْنِ والثلاثينَ ليلةً.","vol":"2","page":1060},{"text":"ومَن جوَّزَ ما زاد عن ليلةٍ واحدةٍ، فلا دليلَ يَمنعُهُ مِن الزيادةِ على أكثرَ مِن ذلك، وظاهر التعليلِ في منعِ الزيادةِ عن واحدةٍ: أظهَرُ مِن التعليلِ في منعِ ما زاد عن ليلتَيْن وثلاثٍ وسبعٍ وعشرٍ.\nوإنْ كان الزوجُ في يومِ واحدةٍ، فله أن يتَفقَّدَ حاجةَ الأخرى وَيطمئِنَّ عليها، ولو دخَلَ دخولًا يزيدُ عن قدرِ الحاجة، وقد نصَّ على جوازِه مالكٌ وغيرُهُ، وقد صحَّ مِن حديثِ عائشةَ؛ قالت: \"قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَينَا جَمِيعًا، فَيَدْنُو مِن كُلِّ امْرَأةٍ مِن غَيْرِ مَسيسٍ، حَتَّى يَبلُغَ إِلَى الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا فَيَبيتَ عِنْدَهَا\"؛ رواهُ أحمد وأبو داودَ (١).\nوقولُهُ بعدَ ذلك: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] فيه إشار إلى وجوبِ الاعتمادِ على اللهِ؛ فكما يُعِينُ اللهُ طالِبَ الزواج، فإنَّه يُعِين طالبَ الطلاقِ ما قصَدَ رِضوانَ اللهِ واعتمَدَ عليه، ويعينُ المتزوِّجَ، ويُعوِّضُ المطلِّقَ بخيرٍ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ [النساء: ١٣٥].\nفي الآيةِ: دليلٌ على إقرار الإنسانِ على نفسِه، ولا خلافَ في صِحَّتِه.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢٤٧٦٥) (٦/ ١٠٧)، وأبو داود (٢١٣٥) (٢/ ٢٤٢).","vol":"2","page":1061},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-786>شهادةُ الوالد على ولدِهِ بعضهما على بعضٍ:</span>\nوفيها: دليلٌ على صحةِ شهادةِ الوالِدِ على ولَدِه، والعَكس، وحُكِيَ الإجماعُ على ذلِكَ؛ لأن التُّهْمةَ: في شهادةِ أحدِهما لصالِحِ الآخَرِ لا عليه، وإنْ كان هذا في الوالِدِ والولَد، فهي في غيرِهما مِن القَراباتِ مِن بابِ أَوْلى، ما لم يَكُنْ هناكَ ظِنَّةٌ تَمنَعُ، وتُهَمَةٌ تُؤثِّرُ؛ كخصومةٍ ونِزاعٍ وحسَدٍ عُرِفُوا به.\nوذهَبَ الشَّافعيَّةِ: إلى أن شهادةَ الولَدِ على والِدِهِ لا تُقبَلُ في القِصَاص ولا في القَذفِ.\nوأمَّا شهادةُ الوالِدِ لولَدِه، والعكسُ، فلا تصِحُّ عندَ عامَّةِ العُلَماءِ؛ وهو قولُ الأئمَّةِ الأَربعة، ورُوِيَ عن بعضِ السَّلَفِ صحَّتها؛ رُوِيَ عن قلَّةٍ مِن التَّابعينَ، وقال به إسحاقُ والمُزَنيُّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-787>شهادةُ الإخوةِ والزوجَينِ بعضهم لبعضٍ:</span>\nوجوَّزَ مالكٌ شهادةَ الأخِ لأخِيهِ إنْ كان عدلًا إلَّا في النَّسَب، والجمهورُ على منعِ شهادةِ الزوجَينِ بعضِهما لبعضٍ، وجوَّزَها الشافعيُّ، وسببُ الخلافِ: تحَقُّقُ التهمةِ ومُوجِبِها، معَ قيامِ العَدالةِ والأمانةِ وقوَّتِها، وهذا يَرجعُ إلى الحالِ وقَرائنِها، ومواضعِ الشَّهادةِ ومحَلِّها، ومِقدارِ الحقِّ الضائعِ والمحفوظِ بتلكَ الشهادةِ أو عدَمِها، ووجودِ بيِّنةٍ غيرِها أو قرينةٍ تعضُدُها أو تُخالِفها؛ فقد تَقْوى القرائنُ عندَ القاضي في قبولِ شهادةِ القريبِ لقريبِهِ إن جاءَت قرائنُ تُؤكِّدُ صِدْقَه، أو تَعظُمُ المَفسَدةُ على الناسِ برَدِّها ولا تُهَمةَ فيها.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾؛ يَعني: لا تُحابوا عنيًّا لغِناه، ولا تَرحَموا مِسكينًا لِمَسكَنَتِه؛ قاله ابنُ عبَّاسٍ (١).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٥٨٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٠٨٨).","vol":"2","page":1062},{"text":"والمرادُ: أنَّ اللهَ قَضَى بِن الجميعِ وهو أعلَمُ بالغني والفقيرِ مِنهم، وهو أحق بمُعامَلتِهم بما يَعلَمُ حِكمَتَهُ، وهذا في قوله: ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾، ولا يجتمِعُ عَدْلٌ وهوًى، وكلَّما زاد الهَوَى، مال بالعدلِ وانحَرَفَ.\nوقولُه: ﴿يَاأَيُّهَا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾، لَوَى اللِّسانَ: حرَفَهُ، كما في قولِهِ تعالى: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨]، والمرادُ: حَرْفُ الحُجَّةِ بعدَمِ الإفصاحِ عنها وإبانتها، أو بيانِ بعضِها وتركِ بعضٍ؛ كما يَفعَلُ اليهودُ في كتابهم.\nوالإعراضُ: هو تركُ الحقِّ كلِّه أو بعضِه، فَتأثَّرُ الحقوقُ بذلك، وفي هذا: وجوبُ الإتيانِ بالشهادةِ إنْ كان الحَقُّ لا يثبُت إلَّا بها، ولو لم يُسْتَشهَدِ الإنسانُ عليها؛ وعلى هذا يُحمَلُ قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وقولُ النبي - ﷺ -: (ألَا أُخبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ ! الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلهَا) (١).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النساء: ١٤٠].\nفي هذه الآيةِ: وجوبُ مفارَقةِ مجالسِ المستهزِئينَ مِن الكفَّارِ والمنافِقينَ؛ حتى لا يكونَ ذلك عونًا وتأييدًا لهم على شرِّهم، وإظهارًا للرِّضا بالسكوتِ؛ فيُشارِكَهُمُ الإنسانُ في الإثمِ.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٧١٩) (٣/ ١٣٤٤).","vol":"2","page":1063},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-788>أحوال مجالِسِ المعاصي:</span>\nومَن جالَسَ قومًا في مجلِسٍ يُستهزَأُ فيه بالله وآيانِه ودينِه، فعلى حالينِ:\nالأُولى: إنْ كان راضيًا بقولِهِمْ في باطِنه، وعلامةُ ذلك مُشاركتُهُمْ في الضَّحِكِ والانبساطِ على ما يقولونَ؛ فحُكْمُهُ كحُكْمِهم؛ كما في قولِه: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾.\nالثانية: إنْ كان غيرَ راضٍ لكلامِهِمْ ولا ضاحكٍ ولا منبَسطٍ لقولِهم، فيأخُذ إثمَ السكوتِ عن المُنكَر، والسكوتُ عنِ المنكَرِ بمقدارِه، وأعظَمُ السكوتِ السكوتُ على الكفرِ.\nوإنما ذكَرَ اللَّهُ المنافِقِينَ والكافِرِينَ في الآيةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾؛ لأنَّ المُتكلِّمَ بالكفرِ كافرٌ، وجَلِيسَهُ الذي لم يُنكِرُ ولم يَقُمْ، وهو قادرٌ: منافِقٌ؛ فإن كان راضيًا ضاحِكًا، كان نِفاقُهُ أكبَرَ، وكَفَرَ باطنًا كالكافِر، وحُشِرَ معَه، ولكنَّ الجلوسَ المجرَّدَ معَ المستهزيء لا يُوجِبُ الكفرَ الظاهِرَ ولا الحَدَّ؛ وإنَّما يَلحَقُ الكفرُ والحَدُّ المتكلِّمَ وحدَهُ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢].\nفيه: فَرْضِيَّةُ القيام إلى الصلاةِ عندَ وجوبِها، وقد وصَفَ اللهُ المُتكاسِلَ عن الصلاةِ والمَتأخِّرَ عنها بالنِّفاق، فتدُلُّ على ذمِّ فاعلِ ذلك ولو أدَّاها.","vol":"2","page":1064},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-789>وجوبُ الصلاةِ على وقتها:</span>\nويجبُ أداء الصَّلاةِ على المكلَّفِ قبلَ خروجِ وقتِها، وتجبُ على مَن سَمِعَ الإقامةَ مِن الرجالِ عندَ سَمَاعِها؛ لقولِهِ: (إِذَا سَمِعتمُ الإقَامَةَ، فَامشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ)؛ رواهُ الشيخانِ عن أبي هُرَيرةَ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-790>وقتُ وجوبِ القيامِ للصلاةِ:</span>\nوالواجبُ عندَ سماعِ الإقامةِ: المشيُ، وليس التهيُّؤَ بالوضوءِ واللِّباس، ومَن غلَبَ على ظنِّه: أنَّه لا يُدرِكُ الجماعةَ لو مَشَى بعدَ الإقامة، وجَبَ عليه الكبرُ بما يُدرِكُها.\nوظاهرُ الحديثِ: وجوبُ التهيُّؤِ للصلاةِ بالوضوءِ واللِّباسِ قبلَ الإقامةِ؛ لأنَّ النبيَّ - ﷺ - أمرَ بالمشيِ إلى الصلاةِ بعدَ الإقامة، لا المَشيِ إلى الوضوءِ وغيرِه مما يُتهيَّأ له للصلاةِ.\nوإدراكُ فضلِ تكبيرةِ الإحرامِ مختَلَفٌ فيه على أقوالٍ:\nقال أحمدُ: \"تُدرَكُ بإدراكِ التكبيرةِ نَفسِها\".\nقال وكيعٌ: \"إنَّها تُدرَكُ ما لم يَختِمِ الإمامُ فاتحةَ الكتابِ\"! رواه أبو الشيخ الأصبهاني في \"طَبَقاتِ المُحدِّثينَ\" عنه (٢).\nورُوِيَ هذا عن أبي الدَّرداء، واستَنكرَهُ أحمدُ، وهذا القولُ قد يَستقِيمُ في الصلاةِ الجهريَّة، ولكنَّه يُشكِلُ في الصَّلاةِ السِّرِيَّةِ.\nوقيلَ: تُدرَكُ بإدراكِ القيامِ الأوَّلِ مع الإمامِ؛ ما لم يَركَعْ.\nوقيلَ: تُدرَكُ بإدراكِ الركوعِ الأوَّلِ؛ وهو قولُ الحنفيةِ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٣٦) (١/ ١٢٩)، ومسلم (٦٠٢) (١/ ٤٢٠).\n(٢) \"طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها\" (٣/ ٢١٩).","vol":"2","page":1065},{"text":"والقولُ الأوَّلُ أقرَبُ، وَيليِهِ في القُرْبِ القولُ الثاني؛ وذلك أنَّ إدراكَ تكبيرةِ الإحرامِ يَلحَقُ الإحرامَ، لا يَلحَقُ التأمينَ ولا الركوعَ، فجَعْلُهُ إدراكًا للركوعِ إخراجٌ له عن ظاهرِه، ثمَّ هو لا يستقيمُ على القولِ الثاني في الصَّلاةِ التي تُؤدَّى سِرِيَّةً؛ كالظُّهْرِ والعَصْرِ.\nوظهَرَ في الآيةِ: أنَّ سببَ التكاسُلِ عنِ الصلاةِ وعدَمِ الخشوعِ فيها هو الرِّيَاءُ، فإنَّ القلبَ إذا تعلَّقَ بالمخلوق، ضَعُفَ اهتِمامُهُ بالخالقِ؛ قال تعالى: ﴿قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾، فامتَلَأَ القلبُ بتعظيمِ الناسِ؛ فضَعُفَ أو خَلَا مِن تعظيمِ اللهِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾ [النساء: ١٦١].\nتقدَّم الكلامُ على حُرْمةِ الأموالِ وأَكلِها بالباطلِ في أوائلِ سورةِ البَقَرةِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ [النساء: ١٧٦].\nتقدَّمَ في أوَّلِ سورةِ النِّساءِ الكلامُ على المواريثِ وميراث الإخوة، وأرجَأنا الكلامَ على الكَلَالةِ وميراثِ الجَدِّ مع الإخوةِ إلى هذه الآيةِ.","vol":"2","page":1066},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-791>الكلالةُ وحكمُهَا:</span>\nوتُسمَّى هذه الآيةُ بآيةِ الكَلالةِ وآيةِ الصَّيف، والكَلَالةُ لها معَانٍ؛ منها: الإكليل الذي يُحِيطُ بالرَّأسِ مِن جَوَانبِه؛ إشارةً إلى أنَّ القَرَابةَ ليست أصلًا ولا فرعًا؛ يعني: لا فَوْقًا كالأبِ، ولا تَحْتًا كالابن، ومِن مَعانيها: مَن لم يَكُنْ لَحًّا مِن القرابةِ؛ يعني: قريبًا، فيقالُ: فلانٌ ابنُ عمِّ فلانِ لَحًّا، وفلانٌ ابنُ عمِّ فلانٍ كَلالةً.\nوإنَّما سمَّاها النبيُّ - ﷺ - آيةَ الصَّيْفِ؛ لأنَّه نزَلَ في الكَلالةِ آيَتانِ: آيةَ في الشِّتاء، وهي ما تقدَّمَ في أوَّلِ النِّساءِ: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]، وآية في الصَّيف، وهي هذه الآيةُ، آخِرُ آيةٍ مِنَ النِّساءِ.\nكما روى مسلمٌ في \"صحيحِه\"؛ مِن حديثِ مَعْدَانَ بنِ أبي طَلْحَةَ؛ أن عُمرَ بنَ الخطَّابِ خَطب يومَ الجُمُعة، فذكَرَ نبيَّ اللهِ - ﷺ -، وذكَرَ أبا بكرٍ؛ قال: \"إِنِّي رَأيتُ كَأنَّ دِيكًا نَقَرَنِي ثَلَاثَ نَقَرَاتٍ، وإِنِّي لَا أراهُ إِلَّا حُضُورَ أَجَلِي، وَإِنَّ أَقوَامًا يَأمُرُونَنِي أَن أَسْتَخلِفَ، وإِنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ لِيُضَيِّعَ دِينَهُ، وَلَا خِلَافَتَهُ، وَلَا الَّذِي بَعَثَ بِهِ نَبِيَّهُ - ﷺ -، فَإِنْ عَجِلَ بِي أمْرٌ، فَالخِلَافَةُ شُورَى بَيْنَ هَؤُلَاءِ السِّتَّة، الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ عَنهُمْ رَاضٍ، وَإنِّي قَدْ عَلِمتُ أن أقوَامًا يَطْعَنُون فِي هَذَا الأمْر، أَنَا ضَرَبْتُهُمْ بِيَدِي هَذِهِ عَلَى الإِسْلَام، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَأُولَئِكَ أَعْدَاءُ اللهِ الْكَفَرَةُ الضَّلَّالُ، ثُمَّ إِنِّي لَا أَدَعُ بَعْدِي شَيْئًا أهَمَّ عِنْدِي مِنَ الكَلَالَة، مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فِي شَيءِ ما راجعْتُهُ فِي الكَلَالَة، وما أَغلَظَ لِي فِي شَيءٍ مَا أغْلَظَ لِي فِيهِ، حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي صَدْرِي، فَقَالَ: (يَا عُمَرُ، أَلَا تَكفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورةِ النِّسَاءِ؟ !)، وإِنِّي إِن أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا","vol":"2","page":1067},{"text":"بِقَضِيَّةٍ، يَقْضِي بِهَا مَن يَقرَأ القُرآنَ وَمَن لَا يَقرَأ الْقُرآنَ ... \" (١).\nوالكلالةُ في أولِ سورة النِّساءِ هي مَنْ لا ولَدَ له وإن نزَلَ، ولا والِدَ له وإن عَلَا، وأمَّا الكلالة في هذه الآية، فقد اختُلِفَ فيها اختلافًا عريضًا، وقد ثبتَ عنه في \"الصحيحَينِ\"؛ أنَّه قال: ثَلَاث أيُّهَا النَّاسُ، وَدِدتُ أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ عَهِدَ إِلَينَا فِيهِنَّ عَهْدًا نَنْتَهِي إِلَيهِ: الجَدُّ، وَالكَلَالَةُ، وَأَبوَابٌ مِن أَبْوَابِ الرِّبَا\" (٢).\nوإنَّما لم يقضِ فيها النبيُّ - ﷺ -، لأنَّها آخِرُ الآياتِ نزولًا، ولم يَطُلْ بقاؤُهُ بعدَها كثيرًا، ولم يَقُمْ مُوجِبُ القضاءِ بها في زَمَنِه، وقد روى البخاريُّ ومسلِمٌ عن البَرَاءِ؛ قال: \"آخِرُ سُورةٍ نَزَلَت: (بَرَاءَةُ)، وَآخِرُ آيَةِ نَزَلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (٣).\nوقد كان السَّلَفُ يَستَشكِلونَها ويَستثقِلُونَ الكلامَ فيها؛ لأنها تتعلَّقُ بالأموالِ والحقوقِ، وهي مبنيَّةٌ على المُشاحَّةِ لا على المُسامَحةِ، والعاقبةُ فيها في الدُّنيا والآخِرَةِ شديدةٌ لِمَن قضى فيها بغيرِ علمٍ وبيِّنةٍ، وقد سأل رجلٌ عُقبةَ عن الكلالةِ؟ فقال: أَلَا تَعْجَبُونَ من هذا؟ ! يَسألُني عنِ الكلالةِ! وما أعضَلَ بأصحابِ النبيِّ - ﷺ - شيءٌ ما أعضَلَت بهِمُ الكَلالةُ (٤).\nوقد اجتَهَدَ فيها الصحابةُ؛ حَسْمًا للنِّزاعِ، ورَفْعًا للحَرَجِ، وهم معذورونَ مأجورون؛ لأنَّ بعضَ الأحكامِ التي لا دليلَ فيها صحيحًا صريحًا لو تُرِكَتْ مع قيامِ حاجةِ الناسِ إليها، وقَعَ مِن النِّزاعِ والشِّقاقِ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٥٦٧) (١/ ٣٩٦).\n(٢) أخرجه البخاري (٥٥٨٨) (٧/ ١٠٦)، ومسلم (٣٠٣٢) (٤/ ٢٣٢٢).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٦٠٥) (٦/ ٥٠)، ومسلم (١٦١٨) (٣/ ١٢٣٦).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٧٢٣).","vol":"2","page":1068},{"text":"أعظَمُ مِن تَبِعَتِها على المجتهِدِ المُخطِئِ فيها، وهذا مِن الفقهِ لا مِن التعدِّي على المسائلِ الشرعيَّةِ بلا عِلْم، ولأنَّ اللهَ لا يسكُتُ عَن حُكمٍ ولا يُبيِّنُهُ في كتابهِ ولا يفصِّلُ فيه في سُنَّةِ نبيِّه - ﷺ - إلَّا ويجعلُ فيه مِن السَعَةِ للمجتهِدِينَ أَن يَقْضوا فيه بما يُوافِقُ الأصولَ ولا يُعارِضْها، ويجري مَجرى الفروعِ ولا يُعطِّلُها، وقد جاء تفسيرُ الكلالةِ عَنِ السَّلَفِ والفُقهاءِ على معَانٍ:\nالأوَّلُ: ما قضى أبو بكرٍ به في الكَلَالة، وتَبِعَهُ عُمَرُ؛ أنَّ الكلالةَ هي ما عَدا الوالِدَ والولَدَ؛ رواهُ الدَّارِمي مِن حديثِ الشعْبيِّ عنهُما (١).\nومُرادُهما: كلُّ مَن ماتَ وليس له والدٌ ولا ولَدٌ، مهما كان وارثُهُ الموجودُ زوجًا أو أخًا أو غيرَهما.\nالثاني: أنَّ الكَلَالةَ هي مَن لا ولَدَ له؛ وبهذا قال مِن الصحابةِ: ابنُ عُمَرَ وابنُ عبَّاسٍ، ورُوِى قولًا لعُمرَ صحيحًا؛ أخرَجَهُ ابنُ جرير عنه (٢)، وبه قال طاوسٌ.\nوأخَذَ مَن جعَلَ الكَلَالةَ هي فَقْدَ الولَدِ وحدَهُ ولو كانَ الوالدُ موجودًا - بظاهِرِ قولِه تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾.\nوتُعُقِّبَ: بأنَّ عدَمَ ذِكْرِ الوالدِ للعِلْمِ به؛ لأنَّ الآيةَ نزَلَت في حالِ جابرٍ، ولم يكنْ له والِدٌ ولا ولَدٌ حِينَ نُزولها؛ ففي \"الصحيحين\"، عن حابرٍ؛ قال: \"مَرِضْتُ فَأتَانِي رَسْولُ اللهِ - ﷺ - وَأَبُو بَكرٍ يَعُودَانِي مَاشِيَين، فَأُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضوئِه، فَأفَقْتُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، كَيفَ أَقضِي فِي مَالِي؟ فَلَم يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا، حَتَّى نزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾؛ واللفظُ لِمُسلمٍ (٣).\n_________\n(١) أخرجه الدارمي (٢٩٧٢).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٤٨٠).\n(٣) أخرجه البخاري (٥٦٥١) (٧/ ١١٦)، ومسلم (١٦١٦) (٣/ ١٢٣٤).","vol":"2","page":1069},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-792>ميراثُ الأبِ والإخوة:</span>\nثمَّ إنَّ الوالِدَ هو الأبُ وإن علا؛ كالجَدِّ وأبي الجَدّ، ولم يُذكَرْ في الآيةِ؛ حتَّى لا يدخُلَ في أوَّلُ داخلٍ، وهو الأبُ، فيُظَنَّ أنَّ الإخْوةَ يَرِثُونَ معَ الأبِ، وهم لا يَرِثْونَ بالإجماعِ؛ فهو يحجُبُهم بلا خلافٍ، كما حكى الإجماعَ ابنُ المُنذِرِ وغيرُه (١)، ولم يُخالِف في هذا إِلَّا الرافِضة، ورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ، ولا يَصِحُّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-793>ميراثُ الإخوةِ لأبٍ مع الأشقَّاء:</span>\nوميراثُ الأخوةِ لأبٍ مع الإخوةِ الأشِقَّاءِ كميراث بني الابنِ مع الابنِ مِن الصُّلْبِ بلا خِلافٍ؛ فلا يَرِثُ الإخوةُ لأبٍ مع الإخوةِ الأشِقَّاءِ شَيْئًا، ولا يَرِثُ الأخواتُ لأبٍ مع الأخواتِ الشقيقاتِ شيئًا؛ لأنَّهُنَّ استَكمَلْنَ الثُّلُثَينِ؛ وذلك لأنَّ حُكْمَهُنَّ كحُكمِ بناتِ الابنِ مع الجَمْعِ مِن بناتِ الصُّلْبِ؛ وهذا لا خلافَ فيه.\nوأمَّا إن كان مع الأخواتِ لأبٍ أخٌ ذكَرٌ، فقال جمهورُ العلماءِ؛ إنَّه يُعصِّبهنَّ بما تبقَّى مِن المالِ بعدَ الثُّلثَيْن، كما يعصِّبُ ابنُ الابنِ بناتِ الابن، وقيلَ: إنَّ المالَ للأخِ دونَهُنَّ؛ وبِهذا قال أبو ثَوْرٍ.\nورُوِيَ عنِ ابنِ مسعودٍ: أنَّ الأخَ لأبٍ يعصبُ الأخواتِ لأبٍ معَهُ إن كان حقُّه فَرْضًا، وهو السُّدُسُ تكمِلةَ الثُّلثَيْن معَ الأختِ الواحدةِ التي تَستحِقُّ النِّصفَ، فالسُّدسُ الباقي بَينَهُ وبينَ مَن معَه مِن الأخواتِ لأبٍ، للذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثيَيْن، وإن أخَذَهُ تعصيبًا بما بَقِيَ مِن المالِ بعدَ استكمالِ الثُّلثَيْنِ وهو الثُّلُثُ، فالباقي له، ولا يُعصِّبُ أخواتِه معَهُ.\nولا خلافَ عندَ العلماءِ في أنَّ الأخوةَ لأبٍ يقومونَ مقامَ الإخوةِ الأشِقَّاءِ عندَ فَقدِهم، كما يقومُ أبناءُ الابنِ مقامَ أبناءِ الصُّلْبِ عندَ فقْدِهم.\n_________\n(١) \"الإجماع\" لابن المنذر (ص ٧٠).","vol":"2","page":1070},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-794>ومِن صُوَرِ الكَلالةِ التي وقَعَ فيها خِلافٌ:</span>\nلو ماتَ ميِّتٌ عن بنتٍ وأخٍ لأبٍ وأختٍ سقيقةٍ، فاتَّفَقَ العلماءُ: أنَّ البنتَ لها النِّصفُ، واختَلَفُوا في النِّصْفِ الباقي:\nفالذي عليه جمهورُ العلماءِ: أنَّ الباقيَ للأخت، ولا شيءَ للأخِ لأبٍ.\nوذهَبَ ابنُ عبَّاسٍ: أنَّ النِّصْفَ الباقيَ للأخِ دون الأختِ الشقيقةِ.\nولا خلافَ عند الفقهاءِ؛ أنَّ الأخَ يعصِّبُ أخَواتِهِ فيَأخُذنَ ما بَقِيَ بعدَ الفرضِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-795>المُشَرَّكةُ وحكمُها:</span>\nووقعَ الخلافُ في المُشَتَركةِ أو المُشرَّكةِ أو الحِمَارِيَّة، وهي هَلاكُ الهالكةِ عن زوجِها وأمِّها وأخَوَيْنِ لأُمٍّ وإخوةٍ أشقَّاءَ - على قولَينِ: هل يتَقاسَمُ الإخوةُ ما تبقَّى مِنَ المالِ جميعًا، أم لأهلِ الفرائضِ ولا يبقى للإخوةِ شيءٌ؟\nوالقولانِ هُما روايتانِ عن زيدِ بنِ ثابتٍ:\nالأول: أنَّ المالَ لأهلِ الفرائض، ولا يبقى للإخوةِ شيءٌ؛ وإلى هذا ذهب أحمَدُ، وهو قضاءُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ وأبَيِّ وأَبي مُوسى وابنِ مسعودٍ.\nوذلك لقولِ النبي - ﷺ -: (اقْسِمُوا المَالَ بَينَ أَهْلِ الفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ الله، فَمَا تَرَكَتِ الفَرَائِضُ، فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ) (١).\nالثَّاني: أنَّ المالَ يُقسَمُ بينَهم؛ وإلى هذا ذهَبَ مالكٌ والشافعيُّ والثوريُّ وكثيرٌ مِنَ التَّابعينَ؛ كشُرَيحٍ ومسروقٍ وابنِ المسيَّبِ وعُمرَ بنِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٧٣٧) (٨/ ١٥٢)، ومسلم (١٦١٥) (٣/ ١٢٣٤).","vol":"2","page":1071},{"text":"عبدِ العزيزِ وطاوسٍ؛ وذلك أنَّهم يُشارِكونَ إخوانَهم في النَّسَبِ الذي يَمُنُّونَ إلى الميِّتِ به، فوجَبَ أن يُشرِكوهم في الميراثِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-796>ميراثُ الأَخَواتِ:</span>\nوتأخذُ الأختُ مع عدَمِ الوالدِ النِّصْفَ؛ فقد روى أحمدُ، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ الله، عن مكحولٍ وعَطيَّةَ وَضَمْرَةَ وراشدٍ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ؛ أَنَّهُ سُئِلَ عَن زَوْجٍ وَأُخْتٍ لأُمٍّ وَأبٍ، فَأَعْطَى الزَّوْجَ النِّصْفَ، وَالأُخْتَ النِّصْفَ، فَكُلِّمَ فَي ذَلِكَ، فَقَالَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَضَى بِذَلِكَ (١).\nوالأخَواتُ عَصَبةٌ معَ البناتِ، وإن لم يَكُنْ معَهُنَّ أخٌ عندَ عامَّةِ العُلَماءِ؛ كمَنْ ماتَ عن بنتٍ وأختٍ، فلا خلافَ في أنَّ للبنتِ النِّصْفَ، واختلِفَ في ميراثِ الأختِ على قولَينِ:\nالأوَّل: أنْ لا مِيراثَ للأُختِ؛ لأن البنتَ حجَبَتْها؛ لأنَّها ولَدٌ؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾؛ وذلك أن الوالدَ ترَكَ بِنتًا، ومَن ترَك بِنتًا، فقَدْ ترَكَ ولَدًا؛ فلا شيءَ للأُختِ.\nوهذا القولُ رُوِيَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ الزُّبَير، وعدَّه ابنُ جريرٍ غريبًا؛ لِمخالَفةِ الأمَّةِ له، وقال: اتَّفقَ جميعُ أهلِ القِبْلةِ على أنَّ الباقيَ للأخْتِ (٢).\nوأخبَرَ الأسوَدُ بن يَزيدَ بنَ الزبيرِ بقضاءِ مُعاذِ في بنتٍ وأختٍ، فرَجَعَ عن قولِهِ هذا.\nالثاني: قولُ عامَّةِ العُلَماءِ: أنَّ للبنتِ النِّصْفَ بالفَرْضِ، وللأختِ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢١٦٣٩) (٥/ ١٨٨).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٧٢٣).","vol":"2","page":1072},{"text":"النِّصْفَ الآخَرَ بالتعصيبِ؛ وهو الصحيحُ؛ لأنَّ آيةَ الكَلالةِ تكلَّمَت عن مِيراثِ الفَرْضِ، وميراثُ الأختِ هنا مع البنتِ ليس فَرْضًا، بل تعصيبًا؛ لِمَا روى البخاريُّ، عن سُلَيمَانَ، عن إِبْرَاهِيمَ عن الأسوَدِ؛ قال: \"قَضَى فِينَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - النِّصْفُ لِلابْنَة، وَالنِّصْفُ لِلأخْت، ثُمَّ قَالَ سُلَيمَانُ: قَضَى فِينَا، وَلَمْ يَذْكُرْ: عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - (١).\nوكذلك ما رواهُ البخاري، عن هُزَيلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: \"سُئِلَ أَبُو مُوسَى عَنْ بنتٍ وَابْنةِ ابْنٍ وَأُختٍ، فَقَالَ: لِلبِنْتِ النِّصْفُ، وَللأُختِ النِّصْفُ، وَأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ، فَسَيُتَابِعُنِي، فَسُئِلَ ابنُ مَسْعُودٍ، وَأُخبِرَ بِقَوْلِ أبِي مُوسَى، فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْت إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ المُهتَدِينَ! أقضِي فِيهَا لِمَا قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ -: لِلابْنَةِ النِّصْفُ، وَلِابْنَة ابْنٍ السُّدُسُ تَكمِلَةَ الثُّلُثَيْن، وَمَا بَقِيَ فَلِلأُخْت، فَأَتَينَا أَبَا مُوسَى فَأَخبَرنَاهُ بِقَوْلِ ابنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: لَا تَسأَلُوني مَا دَامَ هَذَا الحَبْرُ فِيكُمْ\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾، ولم يَذكُرِ اللهُ شَرْطَ عدَمِ الوالد، وهو الأبُ والجَدُّ، فخرَجَ الأبُ بالإجماعِ: أنَّه يَحجُبُ الأخَ، وقد أجمَعَ العُلَماءُ: على أنَّ الجَدَّ لا يَرِثُ مع وجودِ الأَبِ، ولا يحجُبُ الجَدَّ إلا الأبُ، وأجمَعوا على أنَّ الجدَّ الرَّحِميَّ - وهو مَن تَدخُلُ في نِسبَتِهِ إلى الميِّتِ أُنثى - لا يَرِثُ معَ وجودِ أصحابِ الفرضِ والتعصيبِ؛ لأنَّه يُعَدُّ مِن ذوي الأرحامِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-797>ميراثُ الجَدِّ مع الإخوة:</span>\nوأمَّا الجَدُّ، فهَل يرِثُ معَ الإخوةِ أو لا؟ فاتَّفَقُوا على أنَّ الجَدَّ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٧٤١) (٨/ ١٥٢).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٧٣٦) (٨/ ١٥١).","vol":"2","page":1073},{"text":"الصحيحَ الذي لا تَدخُلُ في نِسْبَتِهِ إلى الميِّتِ أُنْثى: يحجُبُ الإخوةَ لأمٍّ، واختَلَفُوا في الإخوةِ الأشقاءِ والأخوةِ لأبٍ معَ الجَدِّ الصَّحيحِ على قولَيْنِ في مذهب أحمدَ:\nذهَبَ أبو بكرٍ: إلى عدَمِ توريثِ الإخوةِ - أشقَّاءَ ولأبٍ ولأمٍّ - مع الجَدِّ؛ فأنزَلَ الجَدَّ مَنزِلة الأب، وكان الناسُ على قولِه في حياتِه، ولم يُخالِفهُ أحدٌ مِنَ الصحابةِ في زَمَانِهِ؛ وذلك أنَّ الجَدَّ أبٌ؛ كما قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨]، وقال: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]؛ وهو قولُ ابنِ عبَّاسِ وابنِ الزُّبَيرِ؛ قالا: الجدُّ أبٌ.\nوقال ابنُ عبَّاسٍ: \"يَرِثُني ابنُ ابني دونَ إِخوَتي، ولا أرِثُ أنا ابنَ ابني؟ ! \" (١).\nوقال به أبو موسى وجماعةٌ مِن الصحابة، وهو مذهب أبي حَنِيفةَ وأحَدُ قولَيْ أحمدَ؛ رجَّحَه ابن تيميَّةَ وغيرُه.\nوذهَبَ جماعةٌ: إلى أنَّ الحَدَّ لا يحجُبُ الإخوةَ الأشقَّاءَ والإخوةَ لأبٍ، وإنَّما يحجُبُ الجدُّ الإخوةَ لأمٍّ فقَطْ؛ وذلك أنَّ الإخوةَ يتَساوَونَ معَ الجدِّ في سبَبِ الاستحقاقِ الذي أدْلَوْا به؛ فكِلاهُما اتَّصَلَ بالميْتِ بواسطةِ الأبِ؛ لأن الجدَّ أبُو الأب، والأخَ ابنُ الأبِ.\nوصحَّ ذلك عَن عُمرَ وعلي وابنِ مسعودِ وزيدٍ؛ وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وقولٌ لأحمدَ.\nواختَلَفوا في مِقدارِ حق الجَدِّ في الميراثِ مع الإخوةِ:","vol":"2","page":1074},{"text":"فكان عمرُ يُعطِيهِ السُّدُسَ، ثمَّ قال: إنَّا نخافُ أن نكونَ أَجحَفْنا بالجَدِّ، فأعطاهُ الثُّلُثَ؛ رواهُ محمَّدُ بنُ نصرٍ بسندٍ صحيحٍ عن عَبيدةَ بنِ عَمرٍو (١).\nوأخرَجَ سعيدُ بنُ مَنْصورٍ، عن عُبَيدِ بنِ نُضَيْلَةَ؛ أنَّ عُمَرَ وابنَ مسعودٍ كانا يُقاسِمانِ الجَدَّ مع الإخوَةِ ما بينَهُ وبينَ أن يكونَ السُّدُسُ خيرًا له مِن مُقاسَمةِ الإخوةِ (٢).\nوكان عليٌّ يُعطِيهِ السُّدُسَ بكلِّ حالٍ.\nوإنَّما اختلَفَ اجتهادُهم؛ لأنَّه ليس في المسألة نَصٌّ صريحٌ مِن الكتابِ والسُّنَّةِ في أصلِ حقِّ الإخوةِ معَهُ في الميراثِ.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾؛ يَعني: الأختَ، فيَرِثُ الأخُ أختَهُ بلا خلافٍ بكامل مالِها، إن لم يَكُنْ لها والِدٌ ولا ولَدٌ، فإنَّهم يَحْجُبُونَ الأخَ، وإن كان للأخ زوجٌ فيَرِثُ الزوجُ نصيبَهُ والباقي للأخِ.\nوقوله: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾، وحُكمُ ما زادَ عن الانثيَيْنِ مِن الأخَواتِ حُكمُ الأخَتَينِ.\nوعلى هذه الآيةِ: قاسَ العلَماءُ حُكمَ البِنتَيِنِ على حُكمِ الأُخْتَيْنِ؛ فلهما الثُّلثان، ومِن آيةِ البناتِ في أوَّلِ النِّسَاءِ: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] قاسَ العُلَماءُ ما زادَ على الأُختَيْنِ على حُكمِ ما زاد على البِنْتَيْنِ؛ فلهنَّ جميعًا الثُّلثانِ.\nوقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾،\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٤٩). وينظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٢).\n(٢) أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٥٩) (١/ ٦٦).","vol":"2","page":1075},{"text":"وهذا في الأولادِ وأولادِ الأولادِ والإخوةِ؛ ذكورًا إناثًا؛ لِلذَّكَرِ مِثلُ حظِّ الأنثيَيْنِ تعصيبًا لكلِّ طبَقةٍ مع طَبَقتِهِ مِن الجِنسَينِ.\nوقولُه تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ دليلٌ على أنَّ الخروجَ عن حُكمِ اللهِ ضلالٌ عن الحقِّ وإنِ استحسَنَهُ الناسُ.\n* * *","vol":"2","page":1076},{"text":"سلسلة منشورات مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض (١٦٦)\n\nالتفسير والبيان لأحكام القرآن\n\nتأليف\nعبد العزيز بن مرزوق الطريفي\nغفر الله له ولوالديه وللمسلمين\n\nاعتنى به\nعبد المجيد بن خالد المبارك\n\nالمجلد الثالث\n[من المائدة إلى يوسف]","vol":"3","page":null},{"text":"التَّفسِيْرُ وَالبَيَان لِأَحكَامِ القُرآن (٣)","vol":"3","page":null},{"text":"جميع حقوق الطبع محفوظة لدار المنهَاج بالريّاض\nالطبعَة الأولى\n١٤٣٨ هـ\n\nمكتبة دار المِنهَاج للنشر والتَّوزيع\nالمملكَة العَربيَّة السّعُوديَّة - الرّيَاض\nالمركز الرئيسي - الدّائري الشرقي - مَخرَج ١٥ - جنوب أسوَاق المجد\nت: ٤٤٥٦٢٢٩ - فاكس: ٤٩٦٢٠١٤ - ص ب: ٥١٩٢٩ - الرّياض: ١١٥٥٣\nالفرُوع - طريق خالد بن الوليد (إنكاس سَابقًا) ت: ٢٣٢٣٠٩٥\nمكة المكرمة - الجميزة - الطريق النازل للحَرَم - ت: ٥٧٦١٢٧٧/ ٠٢\nالمَدينَة النَّبويَّة - أمَام الجَامِعَة الإسلامية من جهة الجنوب - ت: ٨٤٦٧٩٩٩/ ٠٤\nحِسَاب الدَّار في مَوقع تويتر: Alminhajj@","vol":"3","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-798>سورة المائدة</span>\nسورةُ المائدةِ مَدَنِيَّةٌ، وجُلُّ أحكامِها في الفروع، ولذا بدَأ اللهُ بخطابِ المؤمِنينَ فيها خاصَّةً دون غيرِهم، وسورةُ المائدة سورةٌ طويلةٌ نزَلَت دَفعَةٌ واحدةٌ لا مُقسَّمةً، ولا يشابِهُها بهذا مِن الطِّوَالِ فيما أعلَمُ شيءٌ.\nوقد روى أحمدُ في \"المُسنَدِ\"؛ مِن حديثِ أسماءَ بنتِ يَزيدَ؛ قالت: \"إِنِّي لآخذةٌ بِزِمَامِ الْعَضبَاءِ - نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِذ أنزلَت عَلَيهِ المَائِدَةً كُلُّهَا، فَكَادَتْ مِن ثِقَلِهَا تَدُقُّ بِعَضُدِ النَّاقَةِ\" (١).\nوجاء نحوُهُ مِن حديثِ عبد اللهِ بنِ عمرِو (٢)، وحديثِ أم عمرٍو، عن عمَّتِها (٣)، وجاء أنَّها آخِرُ سورةٍ نزلَت على رسولِ اللهِ - ﷺ -؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو (٤)، وعائشةَ (٥)، وغيرِهما.\nومِن خصائصِها عن الطِّوالِ: أنَّها نزلَت كامِلةً، وأن المنسوخَ منها قليلٌ؛ حتى قال الحسنُ: \"لم يُنسَخْ منها شيءٌ\" (٦)، وقيل: بنسخِ آيةٍ أو آيتينِ منها؛ على ما يأتي تفصيلُه.\nوقد قال أحمد بن حنبلِ: \"في المائدة ثمانِيَ عشرَةَ فريضةً حلالٍ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢٧٥٧٥) (٦/ ٤٥٥).\n(٢) أخرجه أحمد (٦٦٤٣) (٢/ ١٧٦).\n(٣) أخرجه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٧/ ١٤٥).\n(٤) أخرجه الترمذي (٣٠٦٣) (٥/ ٢٦١).\n(٥) أخرجه أحد (٢٥٥٤٧) (٦/ ١٨٨)، والنسائي \"السنن الكبرى\" (١١٠٧٣) (١٠/ ٧٩).\n(٦) أخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٦/ ٥٨٨).","vol":"3","page":1077},{"text":"وحرام يُعْمَل بها، وليس فيها شيءٌ لا يُعمَلُ به إلا آيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ (١).\nوإنما كانت سورة المائدةِ محكمةً؛ لأنها آخِرُ سورةٍ نزلت كاملة؛ كما قال أحمد: \"إنَّ أوَّل شيءٍ نزَلَ مِن القرآن: (اقرأ)، وآخر شيءٍ نزَلَ من القرآن: المائدةُ\" (٢).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾ [المائدة: ١].\nالخطابُ في الآيةِ للمؤمِنينَ؛ ولذا قال ابنُ مسعودٍ: \"إذا سمِعتَ اللهَ يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فأَرْعِها سَمْعَك؛ فإنَّما هو خيرٌ يأمُرُ به، أو شرٌّ يَنهَى عنه\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-799>أنواع العقود والعهود:</span>\nوأولُ أمرٍ بدَأ به هو الوفاءُ بالعقود، وهي العهودُ والمواثيقُ التي تكونُ بينَ الناسِ أفرادًا وجماعاتٍ ودُوَلًا؛ فالعقودُ هي العهود، والمرادُ بالعهودِ في الآيةِ نوعان، وكلُّها خصَّها اللهُ بالذِّكْرِ في كتابِه:\nالأول: العهود التي أخَذَها اللهُ على الناسِ في كتابِهِ مِن أوامِرَ ونَوَاهٍ وتشريعاتٍ، وسُمِّيَت عهودًا وعقودًا باعتبارِ الميثاقِ الأولِ الذي أخَذَهُ اللهُ عليهم بعدَما أخرَجَهُم منِ ظَهْرِ أبيهِم آدمَ، فَقَرَّرَهم بربوبيَّتِهِ وحقِّه، وأشهَدَهُمْ على ذلك، وكذلك باعتبارِ الخَلْقِ، فالخلقُ في طوعِ الخالقِ؛\n_________\n(١) \"بدائع الفوائد\" (٣/ ٩٩).\n(٢) \"طبقات الحنابلة\" (١/ ٥٨).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ١٩٦).","vol":"3","page":1078},{"text":"لأنَّه يَملِكُهم وما يَمْلِكونَ، فيجبُ إن أمَرَهُم أن يأتَمِرُوا، وإنْ نَهَاهُم أن يَنتَهُوا، ولو لم يُعَاهِدْهُمُ ابتداءً على كلِّ أمرٍ ونهيٍ بخصوصِه، فبمجرَّدِ الأمرِ والنهي يجبُ عليهم الوفاءُ؛ وذلك أن مالكَ الشيء يَملِكُ ما دونَهُ؛ فإنَّ السيِّدَ يَملِكُ عَبدَهُ وأمَتَه، ومِن مُقتضى مِلْكِهِ طاعتُهُمْ له عندَ الأمرِ أو النهي.\nوأولُ العهودِ والعقودِ التي يجبُ الوفاءُ بها: توحيدًا للهِ وعدمُ الإشراكِ معه في عبادتِهِ شيئًا، وهو العهدُ الذي أخَذَهُ على جميع الأُمَمِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ [يس: ٦٠]، وقولِهِ في البقرةِ والرعدِ: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧]، ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [الرعد: ٢٥]، ومَدَحَ المُؤمنِينَ بعهدهِ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠)﴾ [الرعد: ٢٠].\nويدخُل في ذلك: امتثالُ كلِّ أمرٍ واجتابُ كلِّ نهيٍ، ولو أنشأهُ الإنسانُ على نفسِه كالوفاءِ بالنَّذْرِ واليمينِ؛ لأنَّ كلَّ ذلك عقدٌ بينَ العبدِ وربِّه.\nوهذا النوعُ هو المقصودُ الأوَّلُ بالخطابِ في الآية، والنوعُ الثاني التالي داخِلٌ فيه تَبَعًا؛ لأنَّ مُقتضى حقِّ اللهِ: العدلُ مع خَلْقِه، وعدَمُ ظُلْمِهم؛ كما روى عليُّ بن أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قوله، ﴿أوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾؛ يعني: \"ما أَحَلَّ وما حَرَّمَ، وما فرَضَ، وما حَدَّ في القرآنِ كلِّه؛ فلا تَغدِرُوا ولا تَنكُثُوا، ثمَّ شدَّدَ ذلك، فقال: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة: ٢٧]، إلى قولِهِ: ﴿سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] (١).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٩).","vol":"3","page":1079},{"text":"الثاني؛ العهودُ التي تكونُ بين الناسِ؛ لأن أمْرَ الناسِ لا يستقيمُ في دمائِهم وأموالِهم وأعراضِهم إلَّا بإعطاءِ الحقوقِ وحِفظِها، ولا نُحفَظُ الحقوقُ إلا بالعهودِ والعقودِ والمواثيق، فيجب الوفاءُ بها مع كلِّ مَن أُبرِمَت معه، مسلِمًا كان أو كافرًا.\nوهذا النوعُ كقولِهِ تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]، وقولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾ [المؤمنون: ٨، والمعارج: ٣٢]، وقولِهِ تعالى في مالِ اليتيمِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء: ٣٤].\nويكون هذا العهدُ فيما بينَ المؤمِنينَ أفرادًا وجماعاتٍ، ويكون بين المشرِكينَ أفرادًا وجماعاتٍ، وفي المؤمِنينَ أفرادًا؛ كما في مالِ اليتيم، وفي البُيُوعِ، وفي الأماناتِ والرَّهْنِ والوعودِ والنُّصْرةِ والإعانةِ؛ فالوفاءُ بذلك واجبٌ حسَبَ القدرة، وهو مِن العباداتِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-800>العقُود بين المسلِمِين والكفار:</span>\nويكونُ بينَ المؤمِنينَ والكفارِ أفرادًا وجماعاتٍ؛ بينَ الأفرادِ؛ كمعاملاتِ المسلِمِ للكافرِ بعقودِه، كالبيع والشراءِ والأمانِ؛ كما قال تعالى في أولِ براءة؛ ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾ [التوبة: ١]؛ فالأصلُ: وجوبُ الوفاءِ بعهدِهم؛ كما في قولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-801>خيارُ المَجْلِسِ:</span>\nولا دليلَ في هذه الآيةِ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ على نفيِ خِيَارِ المَجْلِسِ،","vol":"3","page":1080},{"text":"لعمومِ الآيةِ وخصوصِ الحديثِ الواردِ في الخِيارِ؛ كما في \"الصحيحينِ\"، مِن حديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: \"البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا\" (١)، وعادةُ القرآنِ: العمومُ والغائيَّة، والسُّنَّةُ: أوليَّةٌ تفصيليَّةٌ، والقولُ بالخيارِ لا يَتعارَضُ مع الوفاءِ بالعهدِ والعقدِ؛ وإنما يقيِّدُهُ ويبيِّنُهُ ويفصِّلُهُ، فمن مقتضَيَاتِ وجوبِ الوفاءِ بالعهدِ والعقد: العملُ بشرطِه، والتَّفرُّق بِرِضًا عليه.\nوكلَّما عَظُمَ أثرُ العقد، اشتَدَّ الأمرُ بالوفاءِ به، ولو كان أحدُ الطرَفينِ كافِرًا أو محارِبًا، فمَن وَفَى بعهدِه، وجَبَ الوفاءُ له.\nوقد عاهدَ بعضُ الصحابةِ قريشًا؛ ألَّا يُقاتِلُوا مع النبيِّ - ﷺ - في بَدْرٍ، فمَنَعَهمُ النبي - ﷺ - مِن القتالِ؛ للعهدِ الذي جعَلُوهُ معهم؛ ففي \"صحيحِ مسلمٍ\"، عن حُذَيفَةَ بنِ اليَمَانِ؛ قال: \"مَا مَنَعنِي أنْ أَشهَدَ بَدْرًا إِلَّا أنِّي خَرَجتُ أنَا وأبي حُسَيْلٌ، قَال: فَأخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيش، قَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا؟ ! فَقلنَا: مَا نُرِيدُهُ، مَا نُرِيدُ إلا المَدِينَةَ، فَأخَذُوا مِنَّا عَهدَ الله وَمِيثَاقَهُ، لَنَنصَرِفَنَّ إِلَى المَدِينة، وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ، فَأتَينا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَأخبَرنَاهُ الخَبَرَ، فَقَال: (انْصَرِفَا، نَفِي لَهُمْ بِعهدِهِم، وَنَستعين اللهَ عَلَيهِم) (٢).\nوقد اجتمَعَتْ بطونُ قريشٍ في بيتِ عبد اللهِ بنِ جُدْعَانَ، فتعاهَدُوا على ألَّا يَجِدُوا بمكَّةَ مظلومًا من أهلِها أو غيرِهم إلا قاموا معه حتَّى تُرَدَّ عليه مَظلَمَتُهُ، وسُمِّيَ ذلك الحِلْفُ: حِلْفَ الفُضُول، وقد قال في هذا الحِلفِ الرسولُ - ﷺ -: (لقَدْ شَهِدتُ فِي دَارِ عبْدِ اللهِ بنِ جُدْعَانَ حِلفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ، وَلَو أُدْعَى بِهِ في الإسلَام، لأَجبتُ) (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢١٠٩) (٣/ ٦٤)، ومسلم (١٥٣١) (٣/ ١١٦٣).\n(٢) أخرجه مسلم (١٧٨٧) (٣/ ١٤١٤).\n(٣) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٣٦٧)، وابن هشام في \"السيرة\" (١/ ١٣٤).","vol":"3","page":1081},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-802>ما يحِلُّ مِن البهائِمِ:</span>\nوقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: العربُ تسمِّي الإبل والبَقَرَ والغَنَمَ أنعامًا، ولكن المرادَ بالآيةِ: عمومُ البهائم، الإنسيَّةِ؛ كالإبلِ والبقرِ والغنم، والوحشيَّةِ؛ كالغَزَالِ وحِمارِ الوحش، لأنَّ اللهَ استثنَى بعدَ ذلك مِن الأنعامِ أوصافًا يدخلُ فيها الإبلُ والبقرُ والغنمُ وغيرُها، وذلك في قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، وهذا استثناءٌ مِن بهيمةِ الأنعام، والأنعامُ الإنسيَّةُ لا تُصادُ.\nوفي هذه الآيةِ؛ دليلٌ على إباحةِ كلِّ بهيمةٍ مِن كلِّ نوعٍ، وعلى كلِّ صورةٍ، وعلى كلِّ سنٍّ صغيرِها وكبيرِها، ولا يُستنثى مِن أحوالها إلا ما دلَّ الدليلُ على استثنائِهِ؛ كالدمِ والمَيتَةِ وما ذُبِحَ لغيرِ اللهِ منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-803>حكمُ جنين البهيمةِ:</span>\nوقد استدَلَّ جماعةٌ مِن الصحابةِ بعمومِ هذه الآيةِ على حِلِّ الجنينِ في بطنِ أمِّهِ لو وُجِدَ ميِّتًا في بطنها بعدَ ذَكَاتِها؛ وهو قولُ ابنِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-804>أحوالُ موتِ الجنين في بطنِ أمِّه:</span>\nوالجنينُ في بطنِ أمِّه يأخُذُ حُكمَها إنْ كان ميِّتًا في بطنها؛ وهو بموتِهِ في بطنِها معها على حالتينِ:\nالحالةُ الأُولى: إنْ كانت أمُّهُ لا تَحِلُّ بموتِها بخَنْقٍ أو وَقذٍ أو نَطْحٍ أو تَرَدٍّ أو ذبحٍ لغيرِ الله، فجَنِينُها مُحرَّمٌ مِثْلُها؛ فهو عضوٌ منها يحرُمُ كحُرْمةِ يدِها ورِجْلِها وأَلْيَتِها.\nالحالةُ الثانيةُ: إن كانت أمُّه ماتتْ بصورةٍ مباحةٍ؛ كالمُذَكَّاةِ ذَكَاةً شرعيَّةً، أو وُجِدَ في بطنِ الصَّيْدِ المَرْمِيِّ بسهمٍ جنينٌ؛ كالغزالِ","vol":"3","page":1082},{"text":"وحِمَارِ الوحشِ ونحوهما؛ فهو حلالٌ؛ لأنَّ موتَ أمِّه بسببٍ حلالٍ.\nوإنَّما أخَذَ الجنينُ حُكمَ أمِّه بموتِهِ معها! لأنه كحُكمِ أحدِ أعضائِها، ولا يُوجَدُ في الجنينِ حياةٌ يستقِلُّ بها عن أمِّه، وإلَّا لم يَمُتْ بموتِها، فهو حيٌّ كبقيَّةِ أعضائِها، وليس به مِن الدمِ ما يُحتاجُ لإراقتِهِ عندَ الذَّبحِ، وقد رُويَ عن ابنِ عمرَ: \"هو بمزلةِ رِئَتِها وكبِدِها\" (١).\nوقد جاء في \"السنن\"؛ من حديثِ جابرٍ (٢)، وأبي سعيدٍ (٣)؛ قال - ﷺ - (ذَكاةُ الجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ).\nوإن مات الجنينُ في بطنِ أمِّه وهي حيَّةٌ، فهو محرَّمٌ؛ سواءٌ سقَطَ مِن بَطنِها ميِّتًا، أو شُقَّ بطنُها بجراحةٍ ثم أُخرِجَ منها وهي حيَّة، فحكمُهُ كحُكمِ العضو المقطوعِ منها وهي حيَّةٌ، كقَطعِ الأَلْيَةِ واليدِ والرِّجل، فلا يجوزُ أَكلُه؛ لِمَا في الحديثِ: (مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ، فَهوَ مَيْتَةٌ) (٤)، ويستثنى مِن هذا: ما قُطِعَ مِن البهيمةِ وهي حيَّةٌ تُطلَبُ لكونِها صيدًا هاربًا، أو مِن بهيمةِ الأنعامِ التي توحَّشتْ، فرُمِيَت بسهمٍ أو سيفٍ فقُطِعَت يدُها أو رِجلُها وبَقيت حيةً، ثم ماتت بذبحٍ أو بسببِ السهم، فنزَفَ دمُها، فما قُطِعَ منها قبلَ التَّمكُّنِ منها يتبعُ حكمَها اللاحقَ على الصحيحِ.\nوإنْ خرَجَ الجنينُ حيًّا، استقَلَّ بالحُكمِ بنفسِهِ كبقيَّةِ البهائمِ.\nوقوله تعالى في الآيةِ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ دليلٌ على وجودِ التحريمِ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ١٤).\n(٢) أخرجه أبو داود (٢٨٢٨) (٣/ ١٠٣).\n(٣) أخرجه أحمد (١١٢٦٠) (٣/ ٣١)، وأبو داود (٢٨٢٧) (٣/ ١٠٣)، والترمذي (١٤٧٦) (٤/ ٧٢)، وابن ماجه (٣١٩٩) (٢/ ١٠٦٧).\n(٤) أخرجه أحمد (٢١٩٠٣) (٥/ ٢١٨)، وأبو داود (٢٨٥٨) (٣/ ١١١)، والترمذي (١٤٨٠) (٤/ ٧٤).","vol":"3","page":1083},{"text":"في بهيمةِ الأنعام، وأنَّ اللهَ تلاهُ على الأمَّةِ، وذلك في سورة البقرةِ: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [١٧٣] ونحوُها في سورةِ النحلِ [١١٥]، وفي هذه السورةِ المائدةِ بعدَ آياتٍ [٣]، وفي سورةِ الأنعامِ [١٤٥].\nوأكثرُ الأنواعِ التي تلاها اللهُ محرَّمةً مِن بهيمةِ الأنعامِ هي في سورةِ المائدةِ كما يأتي.\nوهذا الاستثناءُ في الآيةِ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ تبِعَهُ استثناءٌ آخَرُ في قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ونَصبُ (غَيْرَ) على الحالِ؛ وهذا الاستثناء دليلٌ على دخولِ بقيَّةِ البهائمِ في اسمِ الأنعامِ.\nولما أدخَلَ الله في الأنعامِ المباحةِ الإنسيَّ والوحشيَّ جميعًا، استثنَى من كلِّ نوعٍ شيئًا:\nأمَّا الإنسيُّ، فاستثنَى ما يُتلى عليكم على ما تقدَّم.\nوأمَّا الوحشيُّ، فاستثنَى مِن حِلِّه صَيْدَه للمُحْرِمِ.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ يَقْضِي ويفصِّلُ ما يُريدُهُ لكم وعليكم، ولكنَّه لا يظلمُ في حُكمِه، ولا يجورُ في قضائِه.\nويشيرُ الله في ختمِ الآيةِ إلى إضمارِ تعليلِ الحُكمِ؛ تنبيهًا إلى أن حقِّه التسليمُ والانقيادُ والطاعةً، وعدمُ تعليقِ التسليمِ ببيانِ التعليلِ؛ كحالِ المُنافِقينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-805>سببُ إضمارِ حِكمةِ التشريعِ:</span>\nوالله يُضمِرُ الحُكمَ لحِكَمٍ وعِلَلٍ كثيرةٍ، مِن أعظمِها عِلَّتانِ:\nالأُولى: للاختبارِ والامتحانِ وتمييزِ أصحابِ الإيمانِ واليقينِ مِن","vol":"3","page":1084},{"text":"أصحابِ الشكِّ والنِّفاق، وأشَدُّ العِلَلِ كشفًا لخفيِّ النِّفاقِ: العِلةُ الخفيَّةُ في الأمرِ الثقيل، والاتِّباعُ لهذا النوعِ مِن الأمرِ أعظَمُ، وامتثالُهُ مرتبةٌ عظيمةٌ، وأعلاها مرتبةُ الصِّدِّيقينَ.\nالثانيةُ: قصورُ العقولِ عن استيعابِها، فإنْ كانتِ العِلَلُ كثيرةً متجدِّدةٌ في الأزمنةِ؛ تَغِيبُ في موضعٍ وزمانٍ وتَقوَى في غيرِه، أو دقيقةً ولدِقَّتِها لا تستوعبها العقولُ؛ فاللهُ يكتمُها رحمةً بالناسِ؛ حتى لا يَرُدُّوها بضعفِ عقلِهم عن استيعابِها.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].\nتكرَّرَ النِّداء للمؤمِنينَ مع قُرْب العهدِ بنداءٍ مِثْلِه، وإذا تكرَّرَ النداءُ المتقارِبُ، دَلَّ على عِظمِ المُنادَى لأَجلِه.\nوقد بيَّنَ اللهُ عِظَمَ شعائرِ اللهِ؛ فلا تُحِلُّوها وتَعْتَدُوا عليها، وقال ابنُ عبَّاسٍ: \"شعائر اللهِ مناسكُ الحجِّ\"، وبنحوه قال مجاهد وغيرُه (١)، والمرادُ بتحليلِها في قوله: ﴿لَا تُحِلُّوا﴾؛ يعني: لا تُغَيِّرُوا حُكْمَها وتُبدِّلُوه إمَّا بتشريعٍ وتبديلٍ قوليٍّ، أو تشريعٍ وتبديلٍ فِعليٍّ، فتتواطؤوا على التغييرِ والتبديلِ حتى يكونَ تشريعًا للناسِ ولو لم تَتلفَّظُوا به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-806>تعظيمُ الأشهُرِ الحُرُمِ:</span>\nوقوله: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾؛ يعني: تعظيمَ الأشهرِ الحُرُم، وهي\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٢٢ - ٢٣).","vol":"3","page":1085},{"text":"أربعةٌ؛ كما في قولِه في سورة التوبةِ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [٣٦]، وهي: ذو القَعْدَة، وذو الحِجَّة، ومحَرَّمٌ، ورَجَبٌ، ثلاثةٌ متتاليةٌ، وواحدٌ وحدَه.\nوهذه الآيةُ عدَّها أحمدُ الآيةَ التي لم يُنْسَخْ غيرُهَا في المائدة، وأنَّ ما عداها مُحْكَمٌ (١).\nوقد تقدَّمَ في سورة البقرةِ الكلامُ على الأشهُرِ الحُرُمِ وتعظيمِها وتحريمِ القتالِ فيها ومراحلِ نَسخِه، حتى نُسِخَ القتالُ وبَقِيَ التعظيمُ.\nويتفقُ العلماءُ خلا عطاءٍ ونَزْرٍ غيرِه على نسخِ القتالِ في الأشهُرِ الحُرُم، وحكى الإجماعَ ابنُ جريرٍ (٢) وغيرُه، وأمَّا تعظيمُها؛ فبالتشديدِ في ارتكاب المحرَّماتِ والإتيانِ بالطاعات، ولا يَلزَمُ مِن دلك: تحريمُ القتالِ فيها بمجاهدةِ المشرِكينَ ودفعِ الصائلِ والباغِي؛ لأنَّه مِن أعمالِ البِرِّ والطاعةِ؛ وذلك لقولِه في براءةَ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].\nوقد صحَّ عن النبي - ﷺ - قتالُهُ في الأشهرِ الحُرُمِ؛ حيثُ غزَا هوازنَ بحنينٍ وثقيفًا بالطائفِ في شهرِ ذي القَعْدةِ؛ كما في كُتُبِ الصحيحِ.\nوأغْزَى أبا عامرٍ إلى أوْطَاسٍ في الشهرِ الحرامِ.\nوغزوةُ ذاتِ الرِّقاعِ لثمانٍ خَلَوْنَ مِن شهرِ المحرَّم، وغَزَا بني قُريظةَ لسِبعٍ بَقِينَ مِن ذي القَعدة، وغَزَا غَروَتَهُ في تَبُوكَ لخمسٍ خَلَوْنَ مِن رجبٍ.\nوقد بايَعَ النبيُّ - ﷺ - على قتالِ قريشٍ بَيْعةَ الرِّضْوانِ في ذي القَعْدة،\n_________\n(١) \"بدائع الفوائد\" (٣/ ٩٩).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٣٩).","vol":"3","page":1086},{"text":"لمَّا بَلَغَهُ أنَّ قريشًا قتَلتْ رسولَهُ عثمانَ بنَ عفَّانَ حينما أرسَلَهُ إليهم، فغَدَرُوا به، فبايَعَهم على القتال، فبانَ أنَّ عثمانَ لم يُقتَلْ فصالحَهُم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-807>شعيرةُ الهَدْي:</span>\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ حُمِلَ على معنيين:\nالمعنى الأول: يعني لا تُعَطِّلُوا الإهداءَ إلى البيتِ ولا تقليدَ الهَدْيِ عندَ سَوْقِه؛ فذلك مِن شعائرِ اللهِ؛ وهذه الآيةُ دليلٌ على فضلِ سَوْقِ الهَدْيِ مِن خارجِ مكَّةَ إليها ماشِيةً وراكِبةً؛ فإنَّ هذا مِن شعائرِ اللهِ المقصودةِ في ذاتِها، ومِن هَجْرِ إحياءِ سَوْقِ الهَدْي وتقليدِهِ تربيةُ الهَدْيِ للحُجَّاجِ في مزارعِ مكةَ ومَحْمِيَّاتِها، فهذا وإن أَسقَطَ الواجبَ إلا أنه يضيِّعُ سَوْقَ الهَدْيِ وتقليدَه.\nوالقلائدُ تميِّزُ الهدايا مِن الأنعامِ عن غيرِها مِن الدوابِّ المركوبةِ والمحلوبةِ وحاملةِ المناع، ويُسَنُّ تقليدُ الهَدْيِ مِن المِيقَات، كما فعَلَ النبيُّ - ﷺ - في حَجَّةِ الوداع، وعُمرةِ الحُدَيبِيَةِ.\nوالمعنى الثاني: أن الجاهليِّينَ كانوا يُقلِّدونَ أنفُسهُم شعرَ الأنعامِ وصُوفَها، وربَّما وضَعُوا على أجسادِهِمْ مِن شجرِ الحَرَم، ثم خرَجُوا منه؛ ليؤمِّنُوا أنفُسَهُمْ مِن القتالِ وقُطَّاعِ الطريقِ؛ رُويَ هذا المعنى عن عطاءٍ ومجاهدٍ وقتادةَ ومقاتلِ بنِ حَيَّانَ ومطرِّفٍ (١)، واللهُ يَنهاهم عن هذا الفعلِ؛ لأنَّ فيه تبديلًا وتغبيرًا لحدودِ اللهِ؛ فالله قال في أولِ الآيةِ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾، فنهاهُم الله عن تغييرِ حُكْمِ اللهِ وتحليلِهِ بتبديلِه وإضاعةِ حُكمِهِ عمَّا حَدَّهُ اللهُ.\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٨/ ٢٧، ٢٩)، و\"تفسير ابن كثير\" (٢/ ١٠).","vol":"3","page":1087},{"text":"وعلى المعنى الثاني: يُحمَلُ ما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ مِن نسخِ آيةِ القلائدِ هذه، حيثُ إن الآية جاءت بتعظيمِ القلائدِ عمومًا معًا جرى عليه عملُ الناسِ عندَ نزولِ الآية، ثم نُسِخَ عملُهمُ الزائد عن هَدْيِ النبي - ﷺ - الخاصِّ، وقد رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ نسخُ آيةِ القلائدِ هذه وآية أخرى؛ كما رواهُ الحَكَمُ، عن مجاهد، عن ابنِ عباسٍ - ﵄ -، قال: \"نُسِخَ مِن هذه السورةِ آيتانِ: آيةُ القلائد، وقولُهُ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]، أخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ (١).\nوجاء عن عامرٍ ومجاهدٍ وقتادةَ (٢): أنَّ اللهَ نَسَخَ مِن سورة المائدةِ هذه الآيةَ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾.\nورُويَ عن الحَسَنِ؛ أنَّه لم ينسَخُ منها شيءٌ (٣)، والأظهرُ: أنَّه نُسِخَ شيءٌ منها، وقد حكى ابنُ جريرٍ الإجماعَ على ذلك (٤)، وإنَّما الخلافُ في تعيينه منِ هذه السورةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-808>تقليدُ الهَدْيِ:</span>\nومِن آيةِ القلائدِ هذه أخَذَ عيرُ واحدٍ مِن السلفِ حُرْمةَ الهدايا المقلَّدةِ إلى البيت، وعدمَ جوازِ تغييرِ النيَّةِ فيها، وأن مَن ساق الهَدْيَ وقلَّدَهُ، فقد أحرَمَ؛ فيجب عليه نزعُ قميصِه، جاء ذلك عن ابنِ عباسٍ (٥).\nوذهب جماعةٌ مِن السلفِ والفقهاءِ؛ إلى أن الهَدْيَ المقلَّدَ يكونُ حقًّا للهِ بتقليدِه، ويخرُجُ حتى مِن مِلْكِ صاحِبِه، فلا يُورَثُ منه لو مات قَبْلَ ذَبْحِه؛ وهذا قولُ مالكٍ.\nوقال أحمدُ: بجواز إبدالِه بأحسنَ منه.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١١٣٥).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٣٥ - ٣٦).\n(٣) سبق تخريجه.\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٣٩).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٢٧).","vol":"3","page":1088},{"text":"وقال الشافعي: إنَّه لا يصيرُ هَذيًا محرَّمًا إلا بالنطقِ باللِّسانِ أنَّه هَدْيٌ.\nوإشعارُ الهَدْيِ هو جَرْحُهُ مِن صفحةِ سَنَامِهِ ليسيلَ الدمُ عليه فيعرِفَهُ الناسُ أنَّه هَدْيٌ، وهو سُنَّةٌ، خلافًا لأبي حنيفةَ فقد كَرِهَهُ، وهو سُنَّةٌ والقولُ بكراهته مكروهٌ؛ لثبوتِ السُّنَّةِ فيه.\nويقلَّدُ الهَدْيُ أيضًا بالصُّوفِ والوَبَرِ المَفتُولِ؛ كما في حديثِ عائشةَ (١)، أو النِعالِ؛ كما في حديثِ ابن عبَّاسٍ (٢)؛ ودلك لتُعرَفَ أنَّها هَدْيٌ كذلك.\nوحُكمُ البقرِ كالإبلِ: الإشعارُ والقلائدُ معًا، والأظهر: أنَّ الغنمَ تُقلَّدُ ولا تُشعَرُ.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾، فيه حُرْمةُ قاصِدِ البيتِ، وتحريمُ التعدِّي عليه وتخويفِهِ وصدِّهِ عن قصدِ الكعبةِ ولو كان في الحِلِّ؛ لأنَّه قاصدٌ للهِ ولبيتِه، فلا يجوزُ أن يُصَدَّ عن عبادتِه. وفيه: أن السيرَ إلى البيتِ الحرامِ عبادةٌ عظيمةٌ، لصاحِبِها حقٌّ ولو كان في أقصى الأرضِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-809>التجارةُ في الحجِّ والعُمْرة:</span>\nومَن قصَدَ البيتَ الحرامَ مِن المسلِمينَ ولو للتجارة، فله حقُّ التأمينِ وعدمِ تخويفِه، لأنه يَسُوقُ لأهلِ الحَرَمِ رزقًا: طعامًا وكساءً وسكنًا، فيجبُ احترامُهُ وتأمينُه، وعلى هذا حُمِلَ قوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ﴾؛ قال مجاهدٌ وعطاءٌ وأبو العاليةِ: \"هي التِّجارةُ\" (٣)، ثمَّ ذكَرَ الله\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٦٩٦) (٢/ ١٦٩)، ومسلم (١٣٢١) (٢/ ٩٥٧).\n(٢) \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ١٠ - ١١).\n(٣) أخرجه مسلم (١٢٤٣).","vol":"3","page":1089},{"text":"قَصْدَ البيتِ للعبادةِ بقوله: ﴿وَرِضْوانًا﴾، ومَن قصَدَ البيتَ الحرامَ لِلتجارةِ والعبادةِ ونَوَى في تجارته نَفْعَ أهلِها وقاصِدِيها، كانت تجارتهُ عبادة.\nوفي هذا: فضلُ التجارة بمَكَّةَ؛ لما فيها مِن نفعِ أهلِها والمجاورِينَ فيها والقاصدينَ للبيتِ مِن الحُجَّاجِ والعُمَّارِ والعاكِفِينَ والطائِفِينَ والمُصَلِّينَ.\nوهذا خاصٌّ بالمسلِمينَ، وأمَّا المشرِكونَ، فيجوزُ قتالهم في الأشهُرِ الحُرُمِ وتخويفُهُم إن لم يكونوا أهلَ أمانٍ وعهدٍ، ولو زعَمُوا قصدَ البيتِ؛ لأنَّه لا يجوزُ دخولُهُم إليه أصلًا؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٧]، وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-810>الصيدُ بعد التحلُّلِ:</span>\nوقولُهُ تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ بيانٌ لغايةِ نهيِ تحريمِ الصيدِ للمحرِم، فالمحرِمُ لا يجوز له الصيدُ منذُ بَدْءِ إحرامِهِ من المِيقات، وكذلك لو أحرَمَ قبلَ المِيقات، حَرُمَ عليه الصيدُ، لتعلُّقِ الصيدِ بالإحرامِ لا بالمكانِ؛ فبيَّنَ الله نهايةَ تحريمِ الصيدِ بانتهاءِ إحرامِهِ ولو كان في طريقِهِ بعدَ خروجِهِ مِن حدودِ حَرَمِ مكةَ؛ دفعًا للظنِّ أن يَبْقَى المحرِمُ على تحريمِ الصيدِ حتى يَرجعَ إلى موضعِ إحرامه الذي بدَأ منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-811>العَدْلُ مع العدوِّ:</span>\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾، والشَّنَآنُ البُغْضُ، وهذا تذكيرٌ بصَدِّ كفارِ قريشٍ للنبي - ﷺ - يومَ الحُدَيبِيَةِ عن دخولِ مَكَّةَ وهو محرِمٌ: ألَّا يَحمِلَهُمْ ما فُعِلَ بهم على","vol":"3","page":1090},{"text":"العُدْوانِ عليهم بغيرِ حقٍّ، وكذلك أن تَفعَلُوا مِثلَهم، لأنَّ الحَرَمَ للهِ وهو بيتُهُ، فإنْ أخطَؤُوا في حقِّ اللهِ معكم، فلا تُخطِئُوا في حقِّ اللهِ معهم؛ فذلك عُدْوانٌ، وفي هذا أمرٌ منه للمؤمِنينَ أن يَعزِلُوا حَظَّ أنفُسِهم وحقَّهم عن حقِّ الله، فالمؤمِنُ باع نفسَهُ للهِ؛ فلا ينتصِرُ لها بمعصيةِ اللهِ.\nوقد بيَّن اللهُ ما يجب على المؤمِنينَ مِن التعاونِ على البِرِّ وتسهيلِ سبيلِهِ وتيسيرِ أسبابِه للنَّاس، وعدمِ التعاونِ على الإثم وتسهيلِ سبيلِهِ وتيسيرِ أسبابِه، وأنَّ مُهِمَّتَهم العدلُ مع الخَلْقِ وإقامةُ حقِّ اللهِ وحُكْمِه.\nثمَّ قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، فذكَرَ شدَّةَ عِقابِه، ولم يَذْكُرُ سعةَ رحمتِه؛ لأنَّ الأمرَ في سياقِ حقِّ اللهِ العامِّ، وهو فتحُ أبوابِ العِبَادةِ للعِبَاد، وعدم التعرضِ لها بقطعِها وإحداثِ أسبابِ المشقَّةِ بينَها وبينَهم، ومن أسباب تقديمِ الله لِشدَّةِ عقابِه وعذابِه فيما يتعلَّقُ بحقِّه؛ أن يتعلَّقَ بأمرِ الأمَّةِ عامَّةً، لا بأمرِ الإنسانِ في خاصَّتِه؛ وذلك أنَّ حقوقَ اللهِ على نَوعَيْنِ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-812>أنواعُ حقوقِ الله على عبادِهِ:</span>\nالأول: حقٌّ له لازمٌ خاصٌّ بأمرِ العبدِ في نفسِه، كشُرْبِ الخمرِ وتركِ الواجباتِ الخاصَّةِ؛ فهذا يقدِّمُ اللهُ به غالبًا ما يُشيرُ إلى رحمتِهِ وعفوهِ لمَنْ تاب، ما لم يكن كُفرًا؛ فإن اللهَ يتوعَّدُ عليه ولو كان خاصًّا في ذاتِ الإنسانِ.\nالثاني: حقٌّ له متعدٍّ عامٌّ للنَّاس، كالأوامرِ العامَّةِ مِن التشريع، وتعظيمِ الشعائر، والبيتِ الحرام، والحُكمِ بينهم بما أنزَلَ اللهُ، وكذلك الحِرَابةُ وقطعُ الطريقِ؛ فاللهُ يقدِّمُ عندَ المخالفةِ له ذِكرَ عقابِه وعذابِه؛ لأنَّه مفسدةٌ عامَّةٌ، وهذه الآيةُ مِن هذا النَّوعِ.\n* * *","vol":"3","page":1091},{"text":"قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣].\nفي هذه الآيةِ: تفصيلُ ما حرَّم اللهُ مِن بهيمةِ الأنعامِ الذي ذكَرَهُ في أولِ السورةِ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]، فذكرَ الله تفصيلَ المحرَّماتِ هنا، وذكَرَ جملةً مِن أوصافٍ حتى لا تَلتبِسَ بغيرِها، وفيما بينَ بعضِ هذه الأوصافِ عمومٌ وخصوصٌ، وبينَ بعضِها اختلافٌ وتبايُنٌ:\nفيدخُلُ في وصفِ المَيْتَةِ: المنخنقةُ والموقوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وما أكَلَ السَّبُعُ، وتتبايَنُ: فالمترديةُ غيرُ المُنخنِقةِ والنَّطيحة والمَوقوذة، والمَيْتَة أعمُّ هذه الأوصاف، وكذلك: فإنَّ ما أكَلَ السَّبُعُ قد يكون بخَنْقِهِ أو بجَرْحِه، وما أُهِلَّ لغيرِ اللهِ به أعَمُّ ممَّا ذُبِحَ على النُّصُبِ؛ فقد يُهَلُّ به لغيرِ اللهِ ويكونُ على غيرِ نُصُبٍ، فالذَّبْحُ على النُّصُبِ أخَصُّ، فالآيةُ عَمَّمَتْ وخَصَّصَتْ؛ للتوضيحِ والبيانِ وإزالةِ الإشكال، حتى لا يُظَنَّ أن العمومَ يُخرِجُ بعضَ الخاصِّ، أو أنَّ الخاصَّ لا يُقاسُ عليه نظيرُهُ، ثم إن اللهَ ذكَرَ أوصافًا معروفةً لدى العربِ فخَصَّها بالذِّكْرِ وإنْ دخَلَتْ في عمومِ المَيْتَةِ؛ دفعًا لتوهُّمِ عدمِ دخولِها، وإقامةً للحُجَّةِ، وقطعًا للأعذارِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-813>المحرَّمُ مِن الأنعامِ:</span>\nوجِماعُ ما ذكَرَهُ اللهُ مِن أوصافٍ للمحرَّماتِ في هذه الآياتِ مِن المطعومِ عَشَرةُ أوصافٍ، وتقدَّمَ الكلامُ في سورةِ البقرةِ على أربعةٍ منها:","vol":"3","page":1092},{"text":"المَيْتَةُ، والدمُ، ولحم الخِنزير، وما أُهِل لغيرِ اللهِ به، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وجِماعُ المحرَّماتِ في هذه الآيةِ:\nالأولُ: المَيتَةُ: وهي ما مات حتفَ أنفِهِ بلا ذَبحِ ذابحٍ ولا جَرحِ صائدٍ؛ فماتت وحُبِسَ دمُها فيها؛ فإن الدمَ لم يُهرَق منها وبَقِي في لحمِها فاسدًا، يحرُمُ أكلُهُ ولو طُبِخَ، ففسادُ الدمِ لِذَاتِهِ لا ترتفعُ بالطبخ، كفسادِ لحمِ الخِنزيرِ ودمِهِ لا ترتفعُ بالطبخِ.\nوتحريمُ المَيتةِ والدمِ كان أولَ الإسلام، وفيه تحريمُ الفروع وبيانُها عندَ بيانِ الأصولِ لمَنْ لا يعملُ بها، ففي حديثِ أبي سُفيانَ: أنه قال لهِرَقلَ مَلِكِ الرومِ: \"نَهَانَا عن الميتةِ والدمِ\" (١).\nولكنْ لم يكنِ النبيُّ - ﷺ - يُكثرُ مِن تقرير ما حرَّمَ اللهُ مِن الفروعِ للمُشرِكينَ، إلَّا في مسائلَ قليلةٍ خاصَّةٍ ممَّا له اتِّصالٌ واشتراكٌ بالأصولِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-814>ما يَحِلُّ من المَيتةِ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-815>السمك، وما في حُكمِهِ مِن حيوانِ البحر:</span>\nواستثنى اللهُ مِن المَيتةِ صِنفَين، وهما: السَّمَكُ وما في حُكمِهِ مِن حيوانِ البحر، والثاني؛ الجرادُ، ولا تخصَّصُ ميتةُ السمكِ بالتحليلِ، بل كلُّ حيوانِ البحرِ كذلك ولو لم يكن سمكًا؛ لأنَّ اللهَ سمَّاهُ صيدًا، فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦]؛ فكلُّ ما يُصادُ مِن حيوانِ البحر، فهو حلالٌ، إلَّا ما حُرِّمَ لغيرِ علةِ الموتِ لضررِه، وفي \"المسنَدِ\" و\"السننِ\" مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال - ﷺ - عن البحرِ: (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيتَتُهُ) (٢).\n_________\n(١) \"المستخرج\" لأبي عوانة (٦٧٣٣).\n(٢) أخرجه أحمد (٧٢٣٣) (٢/ ٢٣٧)، وأبو داود (٨٣) (١/ ٢١) والترمذي (٦٩) (١/ ١٠٠)، والنسائي (٥٩) (١/ ٥٠)، وابن ماجه (٣٨٦) (١/ ١٣٦).","vol":"3","page":1093},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-816>الجرادُ:</span>\nوالجرادُ؛ لأنَّه لا دمَ فيه يُحبَسُ بموتِه، ولا يُمكِنُ ذَكَاتُه، وقد قال ابنُ عمرَ: \"أُحِلَّتْ لنَا مَيتَتَان، وَدَمَان، فَأمَّا المَيتَتَانِ: فَالحوتُ وَالجَرَادُ، وَأمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ\"؛ أخرَجَهُ البيهقيُّ (١)، وجاء مرفوعًا، وفي رفعِه نظرٌ وإنْ أخَذ حُكْمَه، رفَعَهُ أولادُ زيدِ بنِ أسلَمَ: عبدُ اللهِ وعبدُ الرحمنِ وأسامةُ، عن أبيهم، عن ابنِ عمرَ، ووقَفَهُ سليمانُ بن بلالٍ، عن زيدٍ، عن ابنِ عمرَ؛ وهو أصحُّ؛ قاله أبو زُرْعةَ (٢)، وأنكَرَ المرفوع أحمد (٣).\nوتقدَّمَ الكلامُ على ما اتَّصَلَ بالمَيْتةِ مِن جِلْدٍ وظُفُرٍ وأظلَافٍ ونحو ذلك في سورةِ البقرةِ.\nالثاني: الدمُ: وفي سورةِ الأنعامِ قال: ﴿أَو دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]؛ وبهذا فسَّرَهُ وقيَّدهُ غيرُ واحدٍ مِن السلفِ؛ كابنِ عباسٍ وعائشةَ وابنِ جُبيرٍ.\nويَحِلُّ مِن الدمِ: الكَبِدُ والطِّحَالُ؛ لأثرِ ابنِ عمرَ، ورُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ وعائشةَ (٤).\nروى عِكرِمةُ، عن ابنِ عبَّاسٍ! أنه سُئِلَ عن الطِّحَالِ؟ فقال: كُلُوهُ، فقالوا: إنَّه دمٌ؟ ! فقال: \"إنَّما حُرِّمَ عليكم الدمُ المَسفُوحُ (٥).\nودلك أن الطِّحَال والكَبِدَ لا دمَ لها يُسفَحُ، وهي أقلُّ أعضاءِ\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٥٤).\n(٢) \"علل الحديث\" لابن أبي حاتم (٤/ ٤٠٩) (رقم ١٥٢٤).\n(٣) \"العلل ومعرفة الرجال\" لأحد (رواية ابنه عبد الله) (٣/ ٢٧١ رقم ٥٢٠٤).\n(٤) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ١٥).\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٥/ ١٤٠٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٧).","vol":"3","page":1094},{"text":"الحيوانِ دمًا، وهي قطعة واحدةٌ متماسِكة تُشبه الحصى لا جوفَ فيها ولا عروقَ تُمسِك الدمَ كاللحمِ.\nوقد كانتِ العربُ في الجاهليَّةِ إذا عَطِشت أو جاعَت، تَفْصِدُ البهيمةَ مِن الإبلِ وغيرِها فتَشرب الدمَ منها، وفي ذلك يقولُ الأعشَى:\nوَإِيَّاكَ وَالمَيْتَاتِ لَا تَقرَبَنَّهَا ... وَلَا تأخُذَنْ عَظْمًا حَدِيدًا فَتَفْصِدَا\nالثالثُ: لحمُ الخِنزيرِ: والخِنزيرُ محرَّمٌ كلُّه، ما اتَّصَلَ بلَحْمِهِ وما انفصَلَ عنه، وذكَرَ اللحمَ؛ لأنه الأغلبُ، وهو المقصودُ، وغيرهُ بالتَّبَعِ؛ كالشحمِ والعَصَب، والعَظْمِ والجِلدِ والظُّفُرِ.\nويدُلُّ على عمومِ التحريمِ لجميعِ أجزاءِ الخِنزِيرِ: أن الشريعةَ حرَّمَتِ اقتناءَه، ففي الحديثِ أن عيسى في آخِرِ الزمانِ يقتُل الخنزِيرَ، ففي \"الصحيحين\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال - ﷺ -: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، لَيُوشِكَنَّ أَن يَنْزِلَ فِيكُم ابْنُ مَريَمَ حَكَمًا مُقسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنزيرَ، ويَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لَا يَقبَلَهُ أَحَدٌ\" (١).\nوقتلُهُ إياه دليلٌ على تحريمِ اقتنائِه، وما حَرُمَ اقتناؤهُ لا يَحِلُّ منه شيءٌ، وإلَّا لجاز اقتناؤه لحِلِّ ما يَحِلُّ منه فقط.\nوفي مسلمٍ؛ مِن حديثِ بُرَيْدَةَ بنِ الحُصَيْبِ الأسلَمِيِّ - ﵁ -؛ قال: قال رسول اللهِ - ﷺ -: \"مَن لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ؛ فكَأنَّمَا صَبَغَ يَدَه في لَحْمِ خنزيرٍ وَدَمِهِ\" (٢)؛ وهذا فيه دمٌ وتقبيحٌ لِلَامِسِ الخِنزيرِ باليدِ ولو لم يَطعمهُ أو يَنتفِع به.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٢٢٢) (٣/ ٨٢)، ومسلم (١٥٥) (١/ ١٣٥).\n(٢) أخرجه سلم (٢٢٦٠) (٤/ ١٧٧٠).","vol":"3","page":1095},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-817>شحمُ المَيتةِ:</span>\nودخَلَ الشحم وغيرُهُ في حكم اللحمِ؛ لأنه الأصل في الاستعمالِ في لغةِ العرب، فإنِ اشتَرَى الإنسان لحمًا أو باعَهُ، دخَلَ في حُكمِهِ ما تخلَّلَهُ من شحم وعَظم، ولكن لو اشتَرَى شحمًا وعظمًا، لم يدخُل في حُكْمِهِ اللحمُ؛ لأنَّ اللحمَ أصلٌ وَيتبعُهُ غيرُه في حُكمِه.\nوأمَّا ما احتَجَّ به أهلُ الظاهرِ في قولِهِ تعالى في سورةِ الأنعامِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَو دَمًا مَسْفُوحًا أَو لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَو فِسْقًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]؛ فجعَلُوا وصفَ الرِّجْسِ عائدًا إلى المضافِ إليه، وهو (الخِنزيرُ)، لا إلى المضاف، وهو (اللحمُ):\nفاستدلالُهم فيه نظر؛ فإنَّ الضميرَ يعود إلى المضافِ لا إلى المضافِ إليه، ولو عاد في اللغةِ إلى اللحم، فهذا لا يُخرِج غيرَهُ، وإنَّما يَحتاجُ إلى مِثلِ هذا التكلُّفِ اللُّغَويِّ مَن لم يَعرِفِ استعمال العربِ واصطلاحَهُم ووَضعَهم للألفاظ، ومَن عرَفَ استعمال العربِ الذي نزَلَ عليه القرآن، لم يحتَجْ إلى كثيرٍ من الاحتجاجِ عندَ اللُّغويِّينَ.\nوتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ كلامٌ حولَ جِلْدِ الخِنزيرِ وشَعْرِه.\nالرابعُ: ما أُهِلَّ لغيرِ اللهِ به: والمراد بالإهلالِ؛ ما رُفِعَ الصوتُ به لغيرِ الله، فسُمِّيَ غيرُ اللهِ مِن وثنٍ أو صنمٍ أو طاغوتٍ؛ وإنَّما ذُكِرَ الإهلالُ للأغلب؛ لأن العربَ كانت تَجهَرُ بذِكرِ آلهتِها عندَ نَحْرِها، فمَن نوى بذبحِهِ آلهةً غيرَ اللهِ ولو لم يُهِلَّ به، فهو داخلٌ في هذا الحُكمِ بلا خلافٍ، وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ عندَ قولِه: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [١٧٣]، الكلامَ على شيءٍ مِن أحكامِ آيةِ الباب.\nوالنَّحْرُ والذبحُ مِن أعظمِ العباداتِ؛ فمَن صرَفَها لغيرِ الله، فقد أشرَكَ، واللحمُ محرَّمٌ لا يجوزُ لأحدٍ أن يأكُلَهُ ولو لم يذبَحْهُ أو يَرْضَ به هو.","vol":"3","page":1096},{"text":"وقد ذكَرَ اللهُ في هذه السورةِ ما ذُبِحَ لغيرِ اللهِ؛ للأصنامِ والطَّواغيت، وفي سورةِ الأنعامِ مزيدُ تفصيلٍ في حُكمِ ما تُرِكَ فيه ذِكْرُ اسمِ الله، فلا يُذبَحُ لغيرِ اللهِ! وإنَّما تُرِكَتِ التسميةُ فيه نسيانًا أو عمدًا مِن غيرِ قصدِ غيرِ الله، وذلك في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾. [الأنعام: ١٢١].\nفمنهم: مَن حمَلَ المرادَ بها على معنى الإهلالِ لغيرِ اللهِ؛ كما في آيةِ البقرةِ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [١٧٣]، وآيةِ المائدةِ هذه، وآيةِ الأنعامِ الأخرى، وآيةِ النحلِ: ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣، والأنعام: ١٤٥، والنحل: ١١٥]، فجعَلَ المرادَ بعدم ذكرِ الاسمِ في سورة الأنعام، أي: ذكرَ عليها اسمَ غيرِه؛ لأن العربَ لا تذكُرُ اسمَ الله، فتذكُرُ على ذبائحِها اسمَ غيرِه، فعلَّقَ التحريمَ بعدمِ ذِكرِ اسمِ الله، لمعرفةِ الحالِ التي كان عليها التحريمُ.\nومنهم؛ مَن جعَلَ التحريمَ لمجرَّدِ تَرْكِ ذِكْرِ اسمِ الله ولو نسيانًا أو عمدًا ولو لم يكنْ قاصدًا غيرَ اللهِ.\nوالصحيحُ الأولُ.\nالخامس: المُنخَنِقَةُ: وهي التي تموتُ بخَنْقِها وحبسِ نَفَسِها، بفعلِ فاعلٍ بها، أو بفِعْلِها بنفِسها؛ كاستدارتها على حبلٍ يَخنقُها، فهي محرَّمةٌ بلا خلافٍ.\nالسادسُ: المَوقُوذَةُ: وهي التي تموتُ بشيءٍ ثقيلٍ غيرِ محدَّدٍ كالسَّيْفِ والرُّمْحِ والسهمِ؛ فتموت بالثِّقلِ؛ كرَمْيها بحَجَرٍ أو لوحِ خشبٍ أو عصًا أو سقوطِ السقفِ عليها، فتموتُ بلا ذبحٍ، وإن خرَجَ مها دمٌ يسيرٌ، فهي وقيذٌ؛ وبهذا جاء تفسيرُهُ في الحديثِ كما في \"الصحيحينِ\"؛ من حديثِ عَدِيِّ بنِ حاتمٍ؛ قال: سألتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ المِعْرَاضِ؟ فقَال:","vol":"3","page":1097},{"text":"(إذَا أصَابَ بحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَابَ بعَرضِهِ فَقَتَلَ، فَإنَّهُ وَقيذٌ؛ فَلَا تأكل) (١).\nوبهذا فسَّر الآيةَ ابنُ عباسٍ وقتادةُ وغيرهما مِن السلفِ (٢).\nوما مات مِن الصيدِ بعَرْضِ السهمِ أو بالحَجَرِ أو بالعَصَا ولم يَخْزِقْ ويَسفَحِ الدم، فلا يجوز بالإجماعِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-818>موتُ الصيدِ بثقلٍ:</span>\nوقد اختلَفُوا في موتِ الصيدِ بثِقْلِ الجارحةِ؛ كالصَّقرِ والبَازِيُ أو الكلبِ المعلَّم، ولم يَجرَحهُ، وفي المسألةِ قولانِ:\nالأوَّلُ: الحِلُّ؛ لأن اللهَ أباحَ ما أمسَكنَ علينا ولم يفصِّلْ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، حُكِيَ هذا القولُ عن الشافعيّ، ورجَّحَهُ النووي والرافعيُّ، ورواهُ الحسنُ بن زيادٍ عن أبي حنيفةَ.\nوالثاني -وهو الذي عليه الجمهورُ، وهو الأظهَرُ مِن قولِ الشافعي، ورجَّحَهُ المُزَنِيُّ-: أنه وقيذٌ؛ لحديثِ عديِّ السابقِ؛ فإنَّ الآيةَ مجمَلةٌ، والحديثَ مفسِّرٌ لها، وفي السنةِ مزيدُ بيانٍ، والعادةُ في القرآنِ الإجمالُ.\nوالصحيحُ عن أبي حنيفةَ؛ التحريمُ؛ كما نقَلَهُ عنه أبو يوسُفَ ومحمدُ بن الحسن، وهما أصحُّ نقلًا وأخذًا مِن الحسنِ بنِ زيادِ عن أبي حنيفة.\nوفي \"الصحيحَينِ\"؛ من حديثِ رافعِ بنِ خَدِيجٍ؛ قال: إِنَّا نَرجو -أو نَخَافُ- العَدُوَّ غَدًا، ولَيسَت معَنَا مُدًى، أفنذبَحُ بالقَصَبِ؟ قَال: (مَا أنهَرَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٤٧٦) (٧/ ٨٦)، ومسلم (١٩٢٩).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٥٧).","vol":"3","page":1098},{"text":"الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْه، فكُلُوهُ) (١).\nواللهُ لم يُحِلَّ ما أَمسَكَهُ الإنسانُ بنفسِه، فمات بثِقْلِه، فمِن بابِ أولى ألا يجوزَ ما أمسَكَهُ الكلب والطيرُ لصاحبِهِ ومات بثِقْلِه.\nوأمَّا الأمرُ في قولِه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، فبيانٌ لحِلِّ صيدِ هذه الجوارحِ؛ لأنَّها معلَّمةٌ، لا بيانٌ لصفةِ الذبحِ أو لسَفحِ الدمِ منها؛ فهذا حُكْمٌ يبقَى على أصلِه، سواءٌ كان الإنسانُ يُمسِكُ لنفِسهِ أو يُمسِكُ له غيرُه، أو يَرمي هو بسهمٍ أو عصًا، والكلب والطيرُ والعصا أدواتٌ يُصادُ بها، وحُكمُ المذبوحِ والمخزوقِ خارجٌ عنها؛ فكيف يَحِلُّ خنقُ الكلبِ ولا يَحِلُّ خنقُ الآدمي؟ ! والآيةُ في الترخيصِ والامتنانِ يحِلُّ الآلةِ لا بحِلِّ الصيدِ في ذاتِه؛ لأن الصيدَ حلالٌ مستقِرٌّ قبلَ ذلك.\nولو أُخِذَ بعمومِ ما أَمسَكنَ على كلِّ حالٍ، فإنَّهُنَّ ربما يُمسِكنَ بحيوانٍ محرَّمِ الأكلِ قبلَ ذلك، كذي النَّاب وذي المِخلَبِ؛ فصَيدُ الجوارحِ لا يُحِلُّه، والاحتجاجُ بعمومِ الآيةِ على ذلك ضعيفٌ.\nوالعِلَّةُ العقليَّةُ في تحريم المخنوقةِ والمَوقوذةِ يشتركُ فيها ما مات بثِقلِ الكلب والطير، أو ما مات بغيرِه، وهو حبسُ الدمِ؛ فيجبُ ألَّا يختلفَ الحُكَمُ إلَّا بدليلٍ بيِّنٍ يسلَّمُ به.\nوما جرَحَهُ الكلبُ والطيرُ وأكَلَ منه، لا يَحِلُّ مع كونِهِ مجروحًا، على الصحيح، وهو قولُ أبي حنيفةَ وصاحبَيْه والشافعيُّ وأحمدَ؛ لأنَّه صادَهُ لنفسِهِ لا لصاحِبِه، ففي \"الصحيحَيْنِ\" قال - ﷺ -: (فَإنْ أَكَلَ فَلَا تَأكل؛ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أمْسَكَ عَلَى نَفسِهِ) (٢).\nخلافًا لمالكٍ والشافعي في القديم في جوازِ ما أكَلَ منه الكلبُ،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٤٨٨) (٣/ ١٣٨)، ومسلم (١٩٦٨) (٣/ ١٥٥٨).\n(٢) أخرجه البخاري (٥٤٨٣) (٧/ ٨٧)، ومسلم (١٩٢٩) (٣/ ١٥٢٩).","vol":"3","page":1099},{"text":"وذلك لما في \"سُننِ أبي داودَ\"؛ مِن حديثِ أبي ثعلبةَ الخُشَنِيّ، عن رسولِ اللهِ - ﷺ -؛ أنه قال في صَيدِ الكلب: (إِذَا أرْسَلتَ كَلبك وَذَكَرتَ اسمَ الله، فَكل وإن أكلَ مِنْهُ، وَكُلْ مَا رَدَّت علَيكَ يَدَاكَ) (١).\nوما في \"الصحيحينِ\" أصحُّ وأقوَى.\nالسابعُ: المتردِّيَةُ؛ وهي ما سقَطَ مِن جبلٍ أو سطحٍ، أو سقَطَ في بِئرٍ مِن بهيمةِ الأنعام، فمات، فهي متردِّيَةٌ وميتةٌ محرَّمةٌ.\nالثامنُ: النَّطيحةُ: وهي ما ماتت بنَطحِ جنسِها، كنَطحِ الغَمِ للغنمِ أو البقرِ للبقرِ بالرؤوس، ويدخل فيها ما لا يُطلَقُ عليه نطحٌ في اللُّغةِ؛ كموتِ البهيمةِ بجلوسِ بهيمة عليها أو ضَربِها برِجلِها، وهو الرَّفْسُ والوَقصُ، فهي محرَّمةٌ وإنْ جُرِحَت وخرَجَ منها دم.\nالتاسعُ: ما أكَلَ السَّبُعُ: وهو ما يُوجَدُ في البَرِّيَّةِ وغيرِها ممَّا افترسته السِّباعُ؛ كالذئابِ والفهُودِ والنُّمورِ والأسودِ والضِّباعِ وشبهِها، وقد كانتِ العربُ تجدُ بقايا ما أكَلتهُ السِّباعُ فتأكُلُه، وهي محرَّمةٌ، وذلك مِن وجوهٍ:\nالأولُ: أنه لا يُعلَمُ ذابحُها؛ فقد تكونُ ماتت حَتْفَ نفسِها بمرضٍ أو لدغةِ حيَّةٍ أو نطحٍ أو سُمٍّ، فوجَدَتها السِّباعُ طَرِيَّةً فأكلَت منها، ووجَدَها إنسانٌ، فظَنَّها مِن صيدِ السِّبَاع، ثمَّ إن كانت يقينًا مِن صيدِ السِّباع، فهي حرامٌ؛ لأنَّها غيرُ معلَّمةٍ، ولكن قد تجتمع أسبابُ التحريمِ فيُغلَّظُ.\nالثاني: أن اللهَ حرَّمَ على المسلِمِ أكلَ ما صادَتهُ جارحَتُهُ المعلَّمةً إن صادَت لنفسِها؛ فكيف ما صادَتهُ سبِاعٌ غيرُ معلَّمةٍ ولا يُدرى صفةُ موتِه؟ !\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢٨٥٢) (٣/ ١٠٩).","vol":"3","page":1100},{"text":"الثالثُ: أنه يحرُمُ لو أكَلَ الكلب المعلَّمُ مِن الصيدِ ولو أرسَلَهُ صاحِبُهُ على قولِ جمهورِ العلماء؛ فكيف بما لم يرسلهُ وقد أُكِلَ كثيرٌ منه أو أكْثَرُه؟ !\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-819>حكم تَدَارُكِ الميتةِ بالتذكية:</span>\nوالله استثنى مِن ذلك كلِّه: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾؛ يعني: ما تداركتُمُوهُ ممَّا أوشَكَ على الموتِ مِن وقيذٍ ومخنوقٍ ومنطوحٍ ومترَدٍّ وما أكَلَ السَّبُعُ، فذلك على حالتينِ:\nالحالة الأُولى: إن أدركَهُ قبلَ موتِه، فذبَحَهُ وأراقَ دمَهُ وفيه حياةٌ وقوةٌ دافعةٌ لخروجِ الدمِ ودفعِه منه؛ فهو حلالٌ، وعلامةُ ذلك الرَّفْسُ واضطرابُ الأطرافِ عندَ الذبح، وتدفُّقُ الدمِ واندفاعُه.\nالحالة الثانيةُ: إنْ وجَدَهُ قد بَرَدَ، وليس فيه حياةٌ ولا قوةٌ دافعةٌ لإخراجِ الدمِ عندَ ذبحِه؛ فهو مَيتَةٌ؛ لأنه مات حقيقةً قبلَ إمرارِ المُوسَى عليه، وإنْ بقيَ فيه حركةٌ يسيرةٌ؛ فإنَّ البهيمةَ قد يَبقى في جِلْدِها وقَدَمِها حركةٌ ولو كانت مقطوعةَ الرأس، وربَّما في بعضِ الدوابِّ بعدَ سَلْخِها؛ كما في الضَّبِّ وشبهِه.\nوعلى هذا التقسيمِ يَجري قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ وجمهورِ السلف، واللهُ أعلَمُ.\nالعاشرُ: ما ذُبح على النُّصُبِ: والنُّصُبُ: ما كان من حجارةٍ عندَ الكعبةِ يَذبَحُ عليها كفارُ قريشٍ، والنُّصُبُ غيرُ الأصنامِ؛ فإن الأصنامَ تُنقَشُ وتُرسَمُ، والنُّصُبُ حجارةٌ غيرُ مرسومةٍ، وقيل: عددُ النُّصُبِ ثلاثُ مِئةٍ وستونَ؛ قالهُ ابنُ جُرَيجٍ (١).\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٧٠).","vol":"3","page":1101},{"text":"قال ابن عبَّاسٍ: \"كانوا يذبَحونَ ويُهِلُّونَ عليها\"؛ رواهُ عليُّ بن أبي طَلْحةَ، عنه، أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-820>الاستقسامُ بالأزلامِ:</span>\nثمَّ قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾؛ يعني ممَّا حرَّمَ اللهُ على المؤمِنينَ فِعلَهُ، وفيما سبَقَ حرَّمَ المأكولَ، وهنا حرَّمَ الفِعْلَ، والأزْلَامُ: جمعُ زَلَمٍ، وهي القِدَاحُ أو الحجارةً وشِبهُها، والاستقسامُ؛ هو رميُ القِدَاح، ويدخُل فيه الكتابةُ على الرُّقُوقِ والجُلُودِ أو المكعَّبات، فيكتُبُ ثلاثَ كلماتٍ: في واحدةٍ: (افْعَلْ)، وفي الثانيةِ: (لا تَفعَلْ)، والثالثة: تُترَكُ بيضاءَ، فإن عزَمَ أحدُهم على أمرٍ رمَاها ثمَّ تناوَلَ واحدةً منها لِينظُرَ ما يُؤمَرُ به، وكان عملُهُم نحوَ هذا في الجاهليَّة، قالهُ ابنُ عبَّاسٍ ومجاهِدٌ والحسنُ وغيرُهم (٢).\nويدخُل فيه كلُّ ما صرَفَ الإنسانَ أو صَدَّهُ مِن المحسوساتِ أو المعنوَيَّاتِ التي لا أثرَ ولا بيِّنةَ لها ماديَّةً ولا شرعيَّةً، فالإنسانُ تَمنعُهُ الرياحُ والأمطارُ مِن السفر، فهذا سببٌ ماديٌّ، ويمنعُهُ كذلك إن لم يجدْ مرافِقًا معه في سفرِ ليلٍ؛ لأن هذا سببٌ شرعيٌّ منَعَتِ الشريعةُ أن يُسافِرَ الرجلُ بليلٍ وحدَه.\nواستِقسامُ الحاهليِّينَ بالأزْلَامِ شِرْكٌ، وكذلك في حُكمِهم مَن صنَعَ صنيعَهُمْ ممَّن اعتمَدَ على طريقةٍ وأساليبَ حديثةٍ، ويدخُلُ في هذا اليومَ عِلْمُ الأبراجِ الذي يتطيَّرونَ له فيحملونَهُ صارفًا عن زواجٍ وتجارةٍ وإمارةٍ، أو جالبًا لها، وهو مِن أنواعِ صَرْفِ العبادةِ للكواكبِ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٧١).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٧٣ - ٧٧).","vol":"3","page":1102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-821>إظهارُ محاسِنِ الإسلامِ:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ ذكَرَ الله ذلك بعدَما عَدَّ المحرَّماتِ وساقَها؛ فبيَّنَ أن الأمَّةَ محسودةٌ على نعمتِها، ولمَّا كان السياقُ مشعِرًا بكثرةِ المحرَّماتِ على النفسِ؛ لأنَّ هذه الآيةَ أكثرُ آيةٍ في القرآنِ عُدَّتْ فيها المحرَّماتُ مِن المطعومات، وقد يقعُ في النفسِ حرَجٌ؛ ولذا جاء بعدَها: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾، وجاء السؤالُ بعدَ عَدِّ المحرَّماتِ استكثارًا لها، مع العِلْمِ بكثرةِ الحلالِ وكونِهِ أصلًا، ولكنَّ النفوسَ عندَ سياقِ المحرَّمِ وعَدِّه، تستكثره، وتغفُلُ عن الحلالِ ووَفرَتِه.\nلذا نَبَّهَ الله المؤمِنينَ على أمرٍ، وهو أن الكافرينَ يحسدُونهم على دينِهم، ليأسِهِمْ مِن أن يُجارُوه بإحكامِهِ بعقلٍ أو دينٍ مِثلِه، فيقومون بالعِنادِ والمخالفة، وحقيقتهم حسدٌ وعنادٌ؛ فقال ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾؛ فنبَّهَ الله على الباطنِ مِن أمرِهم، وهو خطابٌ للمؤمِنينَ؛ ألا تَستكثِروا الحرامَ، وتَغفُلوا عن وفرةِ الحلال، وأنَّ العدوَّ قد يتَّخِذُ ذلك سبيلًا لإشعارِ المؤمنِ بضِيقِ دِينه وشدَّتِه، وحقيقتُهُ بغيٌ وحسدٌ؛ فمَن يَئِسَ مِن مقاوَمةِ الحقّ، حرَّش بينَ أهلِهِ وآثارَ عليهم؛ ففي \"الصحيحِ\": (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَد أيِسَ أن يَعبُدَه المُصَلُّونَ فِي جَزيرَةِ الْعَرَب، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيش بَيْنَهُمْ) (١).\nولمَّا عَلِمَ اللهُ ما في نفوسِ المُشرِكينَ مِن اليأس، أخبَرَ به\nالمؤمنين، وهو الإعجابُ بالإسلامِ والعجزُ عن مجاراتِه، وفي هذا أنَّ بيانَ إعجاب الكافرينَ بدِينِ الإسلام، وعجزِهِمْ عن الإتيانِ بمِثلِه: مِن أساليب القرآنِ تقويةً للإيمان، لا اعتمادًا عليه، وإنَّما زيادةُ يقينٍ؛ فإنَّ النفوسَ تشتدُّ عندَ مدحِ عدوِّها لدِينِها وعقيدتِها، وقد يغلو بعض الكُتَّابِ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٨١٢) (٢١٦٦).","vol":"3","page":1103},{"text":"كما هو اليومَ بالمبالغةِ بإيرادِ أقوالِ الكافِرِينَ في الثَّنَاءِ على الإسلامِ والإعجابِ به أكثَرَ مِن ايرادِ نصوصِ الإسلامِ وبيانِ عظمتِها ووجوبِ التسليمِ لها واليقينِ بها.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾؛ يعني مِن إظهارِ دينِكم ومُخالفَتِكُمْ لهم، فتَهزِمُوا أنفسَكم وتُعِزُّوا نفوسَ عدوِّكم، ومِن أعظَمِ وجوهِ العزةِ إظهارُ شعائرِ الدِّينِ للمؤمنِ.\nوذِكر الخشيةِ بعدَ ذِكرِ المحرَّمات، ثم ذِكرُهُ لإعجابِ الكفارِ بالإسلامِ وجحدِهِ حسدًا: دليلٌ على أن ضَعْفَ نَفسِ المؤمنِ وعدمَ ثقتِهِ بدينه يُورِثُهُ خشيةً مِن عدوِّه، فإن أعظَمَ الهزائمِ هزائمُ النفسِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-822>نعمةُ كمالِ الدِّينِ:</span>\nثم قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾؛ وذلك في يومِ عرفةَ يومَ الجُمُعة، وقد نزَلَتِ الآيةُ على النبي - ﷺ - على راحلتِه وهو واقفٌ بعرفةَ، كما في \"الصحيحَينِ\"؛ مِن حديثِ عمرَ (١).\nوكمال الدِّينِ أعظَمُ النِّعَم، وقد سمَّى اللهُ دينَهُ نعمةً وأضافَها إليه؛ لعِظَمِها على غيرِها: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾، وقد وصَفَ اللهُ الإسلامَ بالكمال، وأكَّدَهُ بالتَّمام، وعقَّبَهُ بالرِّضا، وكلُّ دِينٍ غيرِهِ ليس بكاملٍ ولا تامٍّ ولا مَرْضيٍّ، سواءٌ كان أصلُهُ مِن نقلٍ أو مِن عقلٍ.\nثم قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ وفي ذلك التيسيرُ للمضطرِّ غيرِ القاصدِ للمحرَّمِ: بأنْ يأكُلَ المَيْتةَ إنْ خشِيَ الهلاكَ والموتَ ولم يجدْ بديلًا مِن نباتِ الأرضِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٥) (١/ ١٨)، ومسلم (٣٠١٧) (٤/ ٢٣١٢).","vol":"3","page":1104},{"text":"وحَلَالِها ولو كانت نفسُهُ لا تميلُ إليه، ما دام حلالًا؛ فيحرُمُ عليه أكلُ الحرامِ.\nقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ [المائدة: ٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-823>إذا حرَّم اللهُ شيئًا، بيَّن الحلالَ:</span>\nذكَرَ اللهُ في هذه الآيةِ ما حَلَّ بعدَما ذكَرَ ما حَرُمَ على الأمَّةِ؛ لبيانِ مِنَّتِه وفضلِه، وحتى لا تتوهَّمَ النفوسُ أن في تَعْدادِ المحرَّماتِ تكثيرًا لها؛ فالله جعَلَ الأصلَ في المأكولاتِ الحِلَّ، والأصلُ لا يُعَدُّ لكثرتِه، ومَن انشغَلَ بِعَدِّ المحظوراتِ على نفسِه، استكثَرَها حتى ظنَّ التضييقَ والتشديدَ، فاللهُ يذكُرُ المحرَّمَ، ثَمَّ يُعْقِبُهُ بالمباحِ؛ كما هنا، وعكسُ ذلك يذكُرُ المباحَ، ثم يُعقِبُهُ بالمُحرَّمِ؛ كما في سورة البقرةِ؛ قال: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]، ثم قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ [البقرة: ١٧٣]، ومثلُها في سورةِ الأنعامِ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَو دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، ومِثلُها في سورةِ النحلِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ الآية [١١٤ - ١١٥].\nواللهُ إذا حرَّمَ شيئًا، قرَنَهُ بحِلِّ غيرِهِ تصريحًا أو إشارةً، ولكنه لا يَقرِنُ في كلِّ موضعٍ الحرامَ بالحلالِ عندَ ذِكرِ نعمةِ الحلالِ؛ لأن الحلال هو الأصلُ، فالإكثارُ مِن ذِكرِ الحلالِ ونعمةِ اللهِ فيه مقصودٌ","vol":"3","page":1105},{"text":"لمداواةِ خواطرِ النفوسِ ووساوسِ الشيطانِ عليها؛ لأنَّ النفسَ تتشوَّفُ إلى الممنوعِ أكثرَ مِن تشوُّفِها إلى المسموحِ.\nوهذا ما أوقَعَ آدمَ ﵇ في أكلِ الشَّجَرةِ وهي واحدةٌ، مع كثرةِ الحلالِ في الجَنَّةِ ووَفرَتِهِ ممَّا يَذهب الزَّمَنُ الطويل عن تذوُّقهِ كلِّه.\nولمَّا كانتِ النفوسُ كذلك، ذكرَ الله الحلال مع أنه لا يُعَدُّ، أكثَرَ مِن ذكرهِ للحرامِ مع كونه معدودًا، ويَنهى الله في القرآنِ عن تحريمِ الحلالِ أكثَرَ مِن نهيِه عن تحليلِ الحرام؛ لأن التحريمَ يُشعِرُ النفوسَ بالتشديدِ ولو كان قليلًا، أكثَرَ مِن شعورِها بالتيسيرِ عندَ التحليلِ ولو كان كثيرًا.\nوهذا مِن أنواعِ البلاءِ الذي تحتاجُ النفوسُ معه إلى مجاهدةٍ، ويحتاجُ معه العلماءُ إلى موازَنةِ؛ وذلك بكثرةِ عَرْضِ الحلالِ والتذكيرِ به، وبيانِ المحرَّمِ وتعدادِهِ وحَصْرِه، مع عِظَمِ التعدِّي في الأمرَينِ في الدِّينِ: تحليلِ الحرامِ وتحريمِ الحلالِ.\nفينبغي للعالِمِ إن سُئِلَ عن محرَّم، وكان خطابُهُ عامًّا أن يَقتديَ بهَدْيِ القرآن، فيَقرِنَ معه الحلال وينصَّ عليه؛ حتى لا يَشعُرَ السامعُ لتعدادِ المحرَّمِ بالضيقِ والتشديدِ والحرَج، ويضعُفَ تسليمُهُ لأمرِ ربِّه، وهذا عندَ ذِكْرِ كل محرَّمٍ مِن مأكولٍ أو ملبوسٍ أو غيرِه، وخاصَّةً في الخِطَابِ العامّ، وأمَّا خطابُ الأفرادِ وسؤالُهُم، فالأمرُ فيه أيسَرُ؛ لأنَّ التَّبِعَةَ فيه أقلُّ؛ ولذا كثُرَ في السُّنَّةِ جوابُ أفرادٍ عن محرَّماتٍ مِن غيرِ أن يقترنَ بها مباحٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-824>تحريم الحلالِ أشدُّ مِن تحليلِ الحرامِ؛ وبيانُ الغايةِ من ذلك:</span>\nوالنهيُ عن تحريمِ الحلالِ أكثَرُ في القرآنِ وأشَدُّ مِن النهي عن تحليلِ الحرام، مع كونِ الحلالِ لا يُعَدُّ والحرام معدودًا؛ ومن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]،","vol":"3","page":1106},{"text":"وقولُهُ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وقولُهُ تعالى لنبيِّه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، وذلك لأمورٍ وغاياتٍ عديدةٍ؛ منها:\nالأوَّلُ: أن حقَّ اللهِ في تحريمِ الأشياءِ يَظهَرُ أكثَرَ مِن حقِّه في التحليلِ؛ وكلُّها حقٌّ له، والتشريعُ في التحريمِ يَظهرُ معه قوةُ تصرُّفِ المحرِّمِ والانقيادُ له أكثَرَ مِن المحلِّلِ؛ لأنَّ الحرامَ استثناءٌ، والحلال أصلٌ، والناسُ تَتْبَعُ المانعَ رغبةً ورهبةً، وتَتْبَعُ المُبِيحَ رغبةً، فالسُّلطانُ الذي يُحِلُّ تنقادُ له النَّاسُ رغبةً؛ لأنها لا تُحِبُّ المنعَ وإن لم تَقترِفِ المباحَ، ومَن يُحِلُّ ويُحرِّمُ أو يُحرِّمُ فقط، تنقادُ له الناس رغبةً ورهبةً؛ لأنَّه لا يَمنعُ -غالبًا- إلا القادرُ على عقوبةِ المخالِفِ.\nالثاني: أن الحرامَ يَلزَمُ مِن الوقوعِ فيه عقوبةٌ، بخلافِ الحلالِ، فلا يلزم مِن تَرْكِهِ عقابٌ، ولا مِن فِعْلِهِ ثوابٌ، وسواءٌ كانتِ العقوبةُ مقدَّرةً أو مُضمَرةً؛ فهي حقٌّ للهِ.\nالثالثُ: أنَّ تحريمَ الحلالِ يظهَرُ فيه الظُّلْمُ في حقِّ اللهِ وحقِّ الناس، وأمَّا تحليلُ الحرام، فيَغلِبُ عليه الظلم في حقِّ اللهِ وَحْدَه؛ لأنَّ الناسَ يَغلِبُ عليها ضبطُ حياتِها والاهتمام بالدُّنيا؛ فيُحبُّونَ العدلَ بينهم، وأمَّا حقُّ الله، فأكثر الناسِ يَحِيدُونَ عنه، ولذا ذكَرَ اللهُ أنَّ أكثَرَ الناسِ لا يُؤمِنونَ ولا يَعقِلونَ ولا يَشكرونَ.\nالرابعُ: أنَّ تحريمَ ما أحَلَّ الله ينفِّرُ مِن المحرِّمِ وشريعتِهِ أكثَرَ مِن المحلِّلِ إذا أحَلَّ المحرَّمَ! لأنَّ المحرَّماتِ يَغلِبُ عليها الشهواتُ، وأعظَمُ التحريم ما كان باسم الله، وليس منه.\nوقد جاءت آيةُ المائدةِ هذه بحِلِّ الطيِّبات، وتقدَّمَ في مواضعَ مِن سورة البقرةِ الكلامُ على الطيِّباتِ ومعناها وحِلِّها؛ منها قولُهُ تعالى:","vol":"3","page":1107},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨]، ويأتي إنْ شاء اللهُ مزيدُ بيانٍ في قولِهِ تعالى في الأعراف: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-825>نسبةُ العلْمِ كُلِّهِ إلى اللهِ:</span>\nوبعدَما ذَكَرَ اللهُ حِلَّ الطيِّباتِ في الآية، خَصَّ بالذِّكرِ منها صيدَ الكلابِ المعلَّمةِ بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾، وكلُّ عِلمٍ في الأرض، فهو مِن الله، حتَّى تعليمُ الإنسانِ للحيوانِ نعمةٌ مِن اللهِ تستوجبُ الشُّكرَ، وإنما نسَبَ اللهُ تعليمَ الإنسانِ للحيوانِ عِلْمَ الصيدِ إليه؛ لإظهارِ النعمة، ولِكَسْرِ غرورِ النفسِ التي يُشعِرُها عِلْمُها المنشورُ في الخَلْقِ بفضلِها عليهم، فتَنسى فضلَ اللهِ عليها، فتكفُرُ نعمةَ اللهِ؛ فبيَّنَ اللهُ أنه حتى تعليم الإنسانِ للحيوانِ هو مِن اللهِ؛ فكيف بتعليمِ الإنسانِ للإنسانِ؟ ! وإنَّما بَغَى وطَغَى وتكبَّرَ قارونُ بسبب اغترارِهِ بعِلْمِهِ الذي اكتسَبَ به دُنيا، فقال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، وكفر نعمةِ العِلْمِ أعظَمُ كُفرِ النِّعَم، وهو أصلٌ لكفرِ كلِّ نعمةٍ، ولا تكفرُ الأممُ نعمةَ الطعامِ والشرابِ إلا إذا كَفَرَتْ نعمةَ العِلْمِ بكسبِه، وفضلَ اللهِ بإيصالِهِ وتيسيرِه.\nوقد أمَرَ اللهُ بإيكالِ العِلْمِ إليه في كلِّ شيءٍ؛ قال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الملك: ٢٦]، وقال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ] [الأنعام: ٥٩]؛ فبيَّنَ اللهُ مصدرَ العِلمِ وأصلَهُ قبلَ بيانِ تشريعِهِ وحُكمِه؛ فبيَّنَ أنَّ تعليمَ الكلابِ مِن نِعَمِ اللهِ قبلَ بيانِ حِلِّ صيدِها، فنعمةُ العِلْمِ أعظَمُ مِن نعمةِ الصيدِ، وشُكْرُ نعمةِ العِلمِ أولى مِن شكرِ نعمةِ الصيدِ، فذكَرَ الله بالنعمةِ الأولى، حتى","vol":"3","page":1108},{"text":"لا تُنْسِيَها الثانيةُ، والعِلْمُ ب<span data-type=\"title\" id=toc-826>نعمةِ العِلْم </span>يذكِّرُ بشكرِها، وشكَرُها يَزيدُها؛ لعمومِ قولِهِ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، فمَن رزَقَهُ اللهُ علمًا وشكَرَهُ، أوْرَثَهُ الله عِلْمَ ما لم يَعلَمْ، وزاد في بَرَكَةِ علمِهِ فهمًا وتدبُّرًا، وانفجَرَت منه ينابيعُ الحِكْمةِ والتأمُّلِ والاستنباط، وأُلهِمَ السَّدَادَ.\n\nنعمةُ العِلْمِ:\nوفي الآيةِ؛ إشارةٌ إلى أنَّ نعمةَ العِلْمِ أعظَمُ مِن نعمةِ الأكلِ؛ فقد بيَّنَ اللهُ نعمةَ العِلْمِ وأضافَها إليه، قبلَ أن يُتِمَّ بيانَ حُكمِ طعامِ الصيد، ولم يُضِفْ هنا نعمةَ الطعامِ إليه؛ لوجودِ ما هو أعظَمُ منها وأحَقُّ بالإضافةِ وأولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-827>صيدُ الجوارحِ:</span>\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾: الجوارحُ هي الكواسبُ، وفي الآيةِ: دليلٌ على حِلِّ جميعِ صيدِ الجوارحِ؛ سواءٌ كانت مِن الطيورِ أو مِن السِّباع، فما أمكَن تعليمُهُ، جاز صيدُهُ إن كان جارحًا.\nوفي هذه المسألةِ خلافٌ:\nفمنهم: مَن قيَّدَهُ بالكَلبِ؛ لأنه المنصوصُ عليه في الآيةِ في قوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾؛ وهو قولٌ يُروى عن قِلَّةٍ مِن السلف، ونُسِبَ لمجاهدٍ.\nوالصحيحُ عنه خلافُه؛ رواهُ عنه خاصَّةً أصحابِه، كالقاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ وابن أبي نَجِيحٍ.\nوالجمهورُ على عمومِ ذلك في كلِّ جارحٍ معلَّمٍ، جاء عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ وعُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ؛ وهو الصحيحُ؛ لأمورٍ:\nالأول: أنه جاء في السُّنَّةِ والأثرِ النصُّ على البَازِي؛ منها حديثُ عَدِيٍّ؛ قال: سَألْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ صَيدِ البَازِي، فَقَال: (مَا أَمْسَكَ","vol":"3","page":1109},{"text":"عَلَيْكَ، فكُل)؛ رواهُ التِّرمِذيُّ (١).\nوصحَّ عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾؛ أنه قال: \"يعني بالجوارحِ: الكلابَ الضَّوَارِيَ والفُهُودَ والصُّقُورَ وأشباهَها\" (٢).\nورُويَ عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ؛ قال: \"ما صادَ مِن الطَّيْرِ -والبُزاةُ مِن الطَّيْرِ- فما أدرَكتَ فهو لك، وإلَّا فلا تَطعَمْهُ\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-828>صيدُ الكلبِ الأسوَدِ:</span>\nواستثنى أحمدُ مِن الكلابِ الأسوَدَ البَهِيمَ؛ أنه لا يجوزُ اتِّخاذُهُ ولا رخصةَ فيه أصلًا؛ لأنَّه شيطان، ومأمورٌ بقتلِه، فلا يجوزُ اقتناؤُهُ أصلًا، وتَبَعًا لا يحوزُ الصيدُ به.\nواستنكَرَ بعضُ المالكيَّةِ ذلك على أحمدَ، وقولُ أحمدَ على أصلٍ صحيحٍ؛ أنَّ ما أمَرَ الله بقتلِهِ لا يجوزُ أكلُهُ نفسِه، وأمَّا الأكلُ بكَسْبِه، فهو كذلك؛ لأنَّ مُقتضى الأكلِ بكسبِهِ جوازُ اقتنائِه، والشريعةُ تَنهى عن ذلك، وإطلاقُ الحِلِّ إذا تقرَّرَ، انسحب على كلِّ حالٍ، والشريعةُ لا تُطلِقُ قواعدَ حِلِّها وتحريمِها على الأمورِ العارضةِ.\nالثاني: أن اللهَ ذكَرَ تعليمَ الجارحة، والبَازِي يعلَّمُ كما يعلَّمُ الكلبُ، ويُؤمَرُ ويُزجَرُ ويَمتثِلُ.\nالثالث: أن اللهَ عمَّمَ في الآيةِ ذِكْرَ الجوارح بقوله ﴿مِنَ الْجَوَارِحِ﴾، وهذا وصفٌ يدخُلُ فيه كلُّ جارحةٍ معلَّمةٍ، والنَّصُّ على الكلبِ في الآيةِ لو كان المقصودُ فيه السَّبُعَ، فهو للتعريفِ لا للتقييدِ؛ فإن الكلبَ أكثَرُ في\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (١٤٦٧) (٤/ ٦٦).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٨/ ١٠٤).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٨/ ١٠٥).","vol":"3","page":1110},{"text":"الاستعمالِ وأيسَرُ في التعليمِ وأطوَعُ لصاحِبِه؛ ولذا كثُر ذِكرُهُ في الوحيِ عندَ ذِكرِ الصيدِ.\nالرابعُ: أنَّ الصيدَ بالصَّقرِ والبَازِي معروفٌ عندَ العربِ في الجاهليَّةِ والإسلامِ، ولم يَرِدْ نهيٌ عنه، ولا إخراجُهُ مِن عمومِ الآيةِ في كلامِ الصحابةِ ولا عامَّةِ التابعِينَ.\nالخامسُ؛ قد فسَّرَ ابنُ عبَّاسٍ قولَهُ تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ بالكَلَبِ، مشتقٌّ مِن الشِّدَّة، لا مِن اسمِ الكَلْبِ، ومرادُهُ منه: مُغْرِينَ للجوارحِ على الصيدِ؛ ولأن إغراءَ الجارحِ وإرسالَهُ للصيدِ علامةٌ على تعليمِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-829>صيدُ الجارحِ غيرِ المُعَلَّم:</span>\nويتَّفِق العلماءُ على عدمِ جوازِ صيدِ غيرِ المعلَّمِ مِن الجوارحِ؛ لظاهرِ الآيةِ؛ فتقييدُ الآيةِ وتخصيصها مقصودٌ، ولأنَّه يَصِيدُ لنفسِهِ، لا يصيدُ لغيرِه، ويُستثنى مِن ذلك إن أدرَكَ ذَكاتَهُ فذبَحَهُ؛ لما تقدَّمَ في الآيةِ بقولِهِ: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] بعدَما قال: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣].\nوالسَّبُعُ إنْ صاد صيدًا وهو غيرُ معلَّمٍ، أخَذَ حُكمَ سائرِ الآلاتِ التي تُمِيتُ بلا قصدٍ ولا اختيارٍ، وقد حرَّمَ اللهُ الصيدَ الذي لم يَتيقَّنِ الرجلُ أنَّ كَلْبَه صادَه أو غيرَه، ففي \"الصحيحَينِ\"، مِن حديث عديٍّ؛ أنه سأل النبيَّ - ﷺ -، فقال: فَإنْ وَجَدتُّ مَعَ كَلبِي كَلبًا آخَرَ، فَلَا أدْرِي أيُّهُمَا أخَذَهُ؟ فقال له النبي - ﷺ -: (فَلَا تَأكُلْ؛ فإنَّما سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيرِهِ) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾:\nسُمِّيَتْ جوارحَ، والجَرْحُ: هو الكَسْبُ، والعرب تقولُ: لا جارحَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٠٥٤) (٣/ ٥٤)، ومسلم (١٩٢٩) (٣/ ١٥٢٩).","vol":"3","page":1111},{"text":"لفلانٍ؛ يعني: لا كاسِبَ له؛ ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، والمرادُ: ما كَسبتُموهُ في النَّهار، وخَصَّ النَّهارَ؛ لأنَّه محلُّ الكَسْبِ وجَلْبِ الرِّزقِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-830>تعريف الجارح المُعلَّم:</span>\nوالجارحُ المُعلَّمُ هو الذي إذا أُمِرَ ائتمَر، وإذا زُجِرَ انزجَر في قصدِ الصيد، وليس المرادُ بالمُعلَّم عمومَ التعليمِ الذي يَعلَمُ الركوبَ والنزولَ مِن الدوابّ، أو القيامَ والقعودَ، والذَّهاب والمجيءَ؛ وإنَّما المرادُ عِلمُ الصيدِ والأمرِ والزَّجْرِ المُتعلِّقِ به.\nوقولُه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾: دليلٌ على تحريم ما صادَتْه الجوارحُ المُعلَّمةُ لنفِسها، فقولُه، ﴿أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾؛ يعني: حَبَسْنَ لكم؛ يُقَالُ: أمْسِكْ عليك لسانَك أو مالَك؛ يعني: احبِسْهُ لك، وفي \"الصحيحَين\"؛ من حديثِ عديٍّ؛ قال - ﷺ -: (إِذَا أرسَلْتَ كَلْبَكَ، وَذَكَرتَ اسمَ الله، فَكُلْ، فَإِنْ أكَلَ مِنْهُ، فَلَا تأكُلْ؛ فَإنَّهُ إِنَّمَا أمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ) (١)؛ وذلك أن الكلبَ قد يَصِيدُ لنفسهِ جوعًا أو نسيانًا، فنسيانُهُ أولى مِن نسيانِ الإنسان، وعلامة ذلك؛ الأكلُ، فإن أكَلَ، لم يحِلَّ ما أكَلَ منه، لانتفاءِ قصدِ صيدِه لصاحِبِه، ولو كان يَحِلُّ ما صادَهُ الكلبُ المُعلَّمُ ولو لنفسِه، لم يكنْ لِعلَّةِ التعليمِ معنًى في الآية، ولا لقوله: ﴿أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، فالله أكَّدَ قصدَ صيدِهِ لصاحِبه في موضعَيْنِ:\nالأولُ: في تقييدِ حِلِّ صيدِ الجوارحِ المُعلَّمةِ فقطْ.\nالثاني: ذِكْرُ الإمساكِ عليهم؛ لأنه قد يكونُ معلَّمًا وَيصِيدُ لنفسِه، فشدَّدَ في هذا القصدِ حتى في الجارحةِ المعلَّمة، مع أنَّ الأصلَ في المُعلَّمةِ؛ حضورُ القصدِ في الصيدِ لصاحِبِها.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٤٨٦) (٧/ ٨٨)، ومسلم (١٩٢٩) (٣/ ١٥٢٩).","vol":"3","page":1112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-831>حُكم الصيدِ الذي يأكل منه الجارحُ:</span>\nوبتحريمِ ما أكَل منه الكلبُ والطيرُ حاء النص في ظاهرِ الآية، وصح به الحديثُ! وهو قول جمهورِ العلماءِ؛ كأبي حنيفةَ والشافعي وأحمدَ والثوري، خلافًا لمالك، وبه أفتَى أكثَرُ السلفِ؛ كابنِ عباس وابنِ عمرَ وطاوس ومجاهِدٍ والشَّعبي وعِكرِمةَ وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ وعطاء.\nوعمدة مَن قال بالحِل: ما جاء عندَ أبي داودَ؛ مِن حديث أبي ثعلبةَ الخُشني؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (إِذَا أرْسَلتَ كَلْبَكَ وَذَكَرتَ اسم الله، فَكل وإنْ أكَلَ مِنْهُ) (١)، وروى النَّسَائيُّ معناهُ؛ مِن حديث عمرِو بنِ شُعَيب، عن أبيه، عن جده (٢)، وبهذه الأحاديثِ قال بعضُ السلفِ؛ كأبي هريرةَ وابنِ عمرَ في قولِه الآخَرِ وابنِ المُسيَّبِ.\nوهناك قول ثالث فرقَ بينَ أكلِ الطيرِ وبين أكلِ الكلب، فأجازَ ما أكَلَ منه الطير المُعلَّمُ، وحرَّمَ ما أكَلَ منه الكلب؛ وهو قول آخَرُ لعطاءٍ والشعبيِّ والنخَعي؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ وأحمدَ والمُزَنِي صاحِبِ الشافعي، وعلَّلَ بعضُهم ذلك: بأن الطيرَ يَشُقُّ تعليمُهُ ولا يَقبَل الضربَ كالكلبِ؛ فخُففَ فيه ويُسِّرَ.\nوحديثُ عدي أصَح وأحوَطُ وأقرَبُ لظاهرِ القرآن، ويمكِنُ أنْ يُجمَعَ بين الحديثينِ بأن أَكلَ الكلبِ في حديثِ عديِّ عندَ الصيد، وبه يتضح قصدُ الكلب المعلم، وأما في حديث أبي ثعلبة، فيُحمَلُ على أكلِ الكلبِ بعدَ الصيدِ لا عندَه؛ وذلك أن الكلبَ إن صادَ وطالَ لحاقُ صاحبِهِ به قد يَشتهي الصيدَ لنفسهِ بعدَ صيدِهِ فيأكُلُ منه، وأكلُهُ منه عندَ صيدِهِ يَظهَرُ معه القصدُ، وأمَّا أكلُهُ منه بعدَ صيده بزمن فينفَكُّ عنه القصد لطولِ\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) أخرجه النسائي (٤٢٩٦) (٧/ ١٩١).","vol":"3","page":1113},{"text":"الفصلِ؛ فإن مِن الكلابِ مَن يعتاد صاحبها إطعامها مِن صَيْدِها، فإن صادت، ربَّما أكَلَت ما تظن أن صاحبها أذِنَ لها منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-832>قرائنُ قصد الجارحِ الصيدَ لنفسه:</span>\nويَظهَرُ قصدُ الكلبِ بقرائنَ:\nمنها: إن أرسَلَهُ صاحبُه، فالغالبُ أنه يصيدُ لصاحبِهِ لا له، وإنِ انطلَقَ بنفسِهِ ولم يُؤمَرْ وليس في حالِ تحفُّزِ وتَحَرٍّ مِن صاحبهِ للصيدِ؛ فهذه قرينةٌ على أنه أرادَه لنفسِهِ إنْ أكَلَ منه.\nومِن القرائنِ: جُوعُ الكلبِ وشِبَعُهُ؛ فإن كان جائعًا وأكَلَ منه، فالغالب أنه صادَهُ لنفسِهِ.\nومن القرائنِ: طول الفصلِ بينَ صيده وأكلِه؛ فإنْ أكَلَ مباشرة عندَ الصيدِ؛ فهذه قرينة على أنه صادَ لنفسِه، وإن صادَ وانتظَرَ ثم أكَلَ، فالغالب أنه صادَ لصاحِبِه، واللهُ أعلَمُ.\nوإن انطلَقَ الكلبُ أو الطير بنفسِه فصادَ، فجمهورُ العلماءِ: على أنه صادَ لنفسِهِ؛ فعلى هذا لا يَحِل ما مات مِن صَيْدِه.\nوقولُه تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، فيه دليل على مشروعية التسميةِ عندَ إرسالِ الجارِحةِ المعلمة، وكذلك عندَ رميِ السهمِ أو إطلاقِ الرصاص، وعندَ الذبحِ بالاتفاقِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-833>وجوبُ التسْمِية عِند إرسالِ الجارحِ:</span>\nوفي وجوبِ التسمية عندَ الإرسالِ وعندَ الذبحِ خلاف، على أقوال: الأوَّلُ: الوجوب؛ وهو قولُ أحمدَ الذي صَحَّحَه عنه غير واحدٍ؛ وبه قال أهلُ الظاهرِ.","vol":"3","page":1114},{"text":"الثاني: الاستحباب؛ وهو قولُ الشافعيِّ ومالك في إحدى روايتَيْه.\nالثالث: فرقوا بين تركها عمدا وتركِها سهوًا؛ فإنْ تُرِكت عمدًا، لم تَحِل، وإن تُرِكَت سهوا ونسيانا، عُفِيَ عن ذلك؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ والثوري ومالكٍ في روايتهِ الأخرى.\nوالأظهرُ: الاستحباب، والمرادُ بذِكرِ اسم اللهِ: الإهلالُ، وهو علامة على قصدِ الذبحِ للهِ لا لغيرِه، وليس الإهلالَ في ذاتِهِ قصدا كحالِ الإهلالِ في نسُكِ الحجّ، وإنَّما جاء ذِكْرُ اسمِ اللهِ بالأمرِ؛ لأن أهلَ الجاهلية يذكرون غيرَ الله، فأمَرَ اللهُ به؛ ليَظهَرَ قصدُ التوحيدِ؛ كما كانوا يُظهِرونَ قصدَ الشّركِ؛ وهذا ظاهرٌ في آيةِ الأنعامِ في قولِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [١١٨]، فذكَرَ الإيمانَ؛ لبيانِ أن المرادَ مخالَفةً نقيضِه، وهو شِرْكُ الذبحِ لغيرِ الله، وهو المرادُ بقولِه تعالى في مواضعَ: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣، والنحل: ١١٥] ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣].\nثم إن اللهَ أحَل طعامَ أهلِ الكتابِ بعدَ هذه الآية، ولم يَذكُرِ اشتراطَ تَسميَتهم عليها، وقد جاء في \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ عائشةَ؛ أن النبي - ﷺ - سئِلَ: إن قَومَا يَأتُونَنَا بِاللحم لَا نَدرِي أَذَكَرُوا اسمَ اللهِ عَلَيْهِ أَم لَا؟ فَقَالَ: (سَمُّوا اللهَ عَليه، وَكلُوه) (١).\nوالمعروف مِن فُتيا الصحابةِ؛ كعلي وعائشةَ: أنهم يَمنَعونَ مِن ذبائحِ أهل الكتابِ عندَ سماعِهم يَذكُرونَ اسمَ غيرِ اللهِ عليها، ولم يَشترِطوا سماعَ التسميةِ ولا ذِكرَها، ولا يكاد يُعرَف مَن يُخالِفُهم من الصحابةِ والتابِعين.\nويأتي تفصيل ذلك في سورةِ الأنعامِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٠٥٧) (٣/ ٥٤).","vol":"3","page":1115},{"text":"ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨]، وقولِهِ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].\nثم أمَرَ اللهُ في الآيةِ بتقوَاه، وذَكَّرَ بأنه سريعُ الحساب، وقد يُعجِّل العقوبةَ وقد يؤجِّلُها إن لم يَعْفُ عن المُقصِّرِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥].\nذكَرَ الله حِل الطيباتِ هنا، مع ذِكرِهِ لها في هذه الآيةِ؛ لإظهارِ الامتِنان وبيانِ النِّعمةِ والتذكيرِ بشكرِها، وفيه تأكيد لِما سبَق مِن أهميةِ قرنِ سَعَةِ الحلالِ عندَ ذِكْرِ ضِيقِ الحرامِ؛ حتى لا تَستثقلَه النفوسُ.\nوإنما ذكَرَ اللهُ وخَصَّ هنا ممَّا أحَلَّ: المطعوماتِ والمنكوحاتِ؛ لأنَّها أظهَر الطيباتِ وأكثرها حاجةً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-834>طعام أهلِ الكتابِ:</span>\nوقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾؛ المرادُ: جميعُ طعامِهِم الذي يكونُ منهم مذبوحا أو مطبوخا على الوجهِ المشروع، ولو كان محرمًا على اليهودِ في دينِهم؛ كشحومِ الغنم والبقرِ وذواتِ الظُّفُرِ؛ فاللهُ حرَّمَها عليهم في دينهم: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦]، وهذا -وإن لم يكنْ طعاما لهم في دينهم- فإنه طعام حلالٌ لنا ولو تَسَبَّبُوا هم فيه،","vol":"3","page":1116},{"text":"وقد جاء في \"الصحيحِ\"؛ مِن حديث عبد اللهِ بنِ مغَفَّل؛ أنه قال: \"أَصَبتُ جِرَابًا مِن شَحم يَومَ خَيبرَ، قَالَ: فَالْتزَمته، فَقلت: لَا أعطِي اليَومَ أَحَدًا مِن هَذَا شيئا، قالَ: فَالتَفَت، فإِذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُتبسِّمًا\" (١).\nوهذا قول الشافعي ومذهب الحنفيةِ والحنابلةِ وقولُ مالك، ومَنع ممَّا حَرمَ عليهم ابن القاسم، وفرقَ أَشْهَب بينَ ما كان محرما بالتوراة، فهو حرام، وبينَ ما حرمُوه على أنفُسِهم، فهو حلالٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-835>ذبائحُ نصارى العَرَب:</span>\nوالآية عامة في أهلِ الكتاب، وهم كل يهودي أو نصراني عربي أو أعجمي على الصحيحِ.\nواختلِفَ في نصارَى العربِ؛ كبَني تغلب وتَنوخَ وبَهْرَاءَ:\nوَذهَبَ جمهورُ العلماء: إلى دخولهم في الآية، لعمومها، والتخصيص يحتاجُ إلى دليل.\nوذهَبَ الشافعي: إلى تحريمِ ذبائحِ نصارَى العربِ؛ وهذا مروي عن عمرَ وعلي؛ فإنهما نَهَيَا عن ذبائحِ بَني تَغلبَ، ولعمرَ قولا آخَر خلافًا لذلك، والأثرُ عن عليٍّ صحيح؛ روى عَبِيدَةُ، عن علي؛ قال: \"لَا تَأكلُوا ذَبَائحَ نَصَارَى بَني تَغلِب؛ فَإِنهم لَم يَتَمَسَّكُوا بشيءٍ مِنَ النَّصرَانيةِ إِلا بِشرب الخَمرِ\" (٢).\nوسندُهُ صحيح عنه.\nوظاهر كلامِ عليٍّ: أنه لم يُخرِج نصارى العرب إلا لأجلِ إعراضِهم عن دينهم وإن انتسَبُوا إليه حَمِيَّة؛ فهم كبعضِ الزَّنادِقةِ الذين يَنتِسبون\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٧٧٢) (٣/ ١٣٩٣).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٢٧١٣) (٧/ ١٨٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\".\n(٩/ ٢٨٤)، والطبري في \"تفسيره\" (٨/ ١٣٣).","vol":"3","page":1117},{"text":"للإسلام، ولم يُرِد إخراجَ مَن أقَر بدِينه ولم يُعرِض عنه، ولا أنه أخرَجَ نصارى العربِ لكونِهِم عربا.\nوأمَّا أهلُ الكتاب الذين يَنتسِبونَ لدينهم تاريخا، وهم في حقيقتِهمِ ملاحدة لا يؤمِنونَ بخالق؛ كما هو كثير في الغربِ اليومَ -: فلا يَأخُذونَ حُكمَ أهلِ الكتابِ ولو كانوا مِن نسلِ أهلِ الكتاب، أو كانت دولتهم كتابية.\nوروِيَ عن ابن عباس: أن نصارَى العربِ كغيرِهم؛ فقد روى عِكرِمةُ، عن ابنِ عبَّاس؛ قال: \"كلوا مِن ذَبَائِحِ بني تَغلبَ، وَتَزَوَّجوا من نِسَائِهِم\" (١).\nورُوِيَ مِن غيرِ هذا الوجه، عن ابنِ عباس؛ وصح هذا عن ابن المسيب والحسنِ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-836>ذبائِحُ أصحابِ الكتبِ السماويةِ:</span>\nووقعَ خلافٌ في بعضِ الدياناتِ التي تتّصِل بأهلِ الكتاب أو افترَقَت عنهم ببعضِ أصولها؛ وذلك كالسامِرِيةِ والصابِئةِ والمجوسِ:\nفأمَّا السامِرِيةُ: فهم يُؤمِنونَ بنبوةِ موسى وهارونَ ويُوشعَ وإبراهيمَ وَيتبِعُونَهم، وينسبونَ إلى السامِرِي؛ ولكنهم يُخالِفونَ اليهودَ في قِبلَتِهم؛ فاليهود يتجهونَ إلى مسجدِ بيتِ المَقدِس، والسامرة تصلي إلى جبلِ غريزيم بينَ بيتِ المَقدسِ ونابلسَ، ويرَونَه هو الطُّورَ الذي كَلمَ الله فيه موسى، ويُخطئونَ اليهودَ في قِبلَتِهم.\nوهم فرقتانِ: دوسانيةٌ، وكوسانيةٌ.\nورُوِيَ عن عمرَ؛ أنّه ألحَقَهُم باليهودِ؛ وبه قال عمرُ بن عبد العزيز،\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ١٣٢).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٨/ ١٣١).","vol":"3","page":1118},{"text":"وجزَمَ به الشافعي، وأهلُ الكوفةِ لا يلحقونَهم بأهلِ الكتابِ.\nوأمَّا الصَّابِئةُ: فاختلَفَ السلف في ذلك، فلم يُلحِقهم بأهلِ الكتابِ الأكثرُ؛ وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ، واللهُ ذكَرَهم باسمِ خاص في كتابِه، ولم يُسَمِّهم بأهلِ كتاب، ولم يَتوجهْ إليهم بنفسِ الخطاب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ﴾ [الحج: ١٧]، فهم طائفة موحِّدونَ من بقايا حنيفيةِ إبراهيمَ قبلَ الإسلام، ولا يقولونَ بالتثليث، ويرَونَ خالقا واحدا، ومعبودا واحدا، وطوائفُ منهم يعملونَ بالتوراةِ والإنجيلِ قبلَ نَسخِها، ولم يبقَ منهم اليومَ كبيرُ أحدٍ فيما أعلَم، وقد كان وهب بن منَبِّهٍ -وهو مِن العارِفينَ بأخبارِ السابقينَ وعقائدِهم- يقول في الصابئةِ: \"هم مَن يَعرِف اللهَ وحدَه، وليستْ له شريعة يعملُ بها، ولم يُحدِث كفرًا\"؛ رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ (١).\nوقال عبدُ الرحمن بن زيد: \"هم قومٌ يقولونَ: لا إلهَ الا اللهُ فقط، وليس لهم كتابٌ ولا نبيٌّ\" (٢).\nوطائفة أخرى منهم تَنصَّرَت، وأخرى تَهوَّدَت، ودخَلَتها الوثنية، وإنِ اشْتركت مع أهلِ الكتابِ في بعضِ دِينِهم، إلا أنهم ليسوا منهم، وأهلُ الكتابِ لا يَعتبرونَهم منهم، وأكثرُهم اليومَ في العراق، وفيهم عبادةُ الأوثانِ والكواكبِ والنجومِ؛ وهؤلاء لا تَحِل ذبائِحُهم ولا نساؤُهم.\nوأما المَجُوس: فقد حَكَى الإجماعَ على تحريمِ ذبائحِهم ونِكَاحِ نسائِهم: أحمد، وإبراهيمُ الحربي، وشدَّدَ أحمدُ على أبي ثورٍ بمخالفتِهِ.\nوأما ما جاء في حديثِ عبد الرحمنِ بنِ عوف المرفوعِ: \"سُنوا بِهِم\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ١٢٨) و(٤/ ١٧٦).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٣٦).","vol":"3","page":1119},{"text":"سنة أهلِ الكِتَابِ\" (١)، فلا يصح بهذا اللفظ، ولو صحَّ، فظاهرُهُ أنه في الجِزيَةِ؛ لأن النبي - ﷺ - أخَذَ الجزيةَ مِن مجوسِ هَجَرَ؛ كما في البخاري؛ مِن حديثِ عبد الرحمن بنِ عوفٍ (٢).\nوقولُه تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾، والكفار لا يُخاطَبونَ بالحلالِ والحرامِ -لأنها فروع- ما لم يتَّبِعُوا الأصولَ ويَنقادوا لها؛ وإنما الخِطَابُ هنا لأهلِ الإيمانِ: أنهم يَحِلُّ لهم إطعام أهلِ الكتابِ والإحسانُ إليهم، وإنما قدَّمَ حِل طعامِ أهلِ الكتابِ على حِل طعامِ أهلِ الإيمانِ؛ لأنَّ المؤمنِينَ أولى بالانتفاعِ من غيرِهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-837>نكاحُ الكتابيَّاتِ:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ قدَّمَ المؤمناتِ؛ لتفضيلِهِنَّ على غيرِهن، ونكاحُ المؤمِنةِ المُحصَنَةِ أفضَلُ مِن غيرِها؛ لأنَّ مَيْزةَ الدينِ أعظَمُ مِن غيرِه؛ ولذا في الحديثِ قال - ﷺ -: (إذَا جَاءكم مَن تَرْضَوْنَ دِينَه وَخُلقَه، فَأنكِحُوهُ) (٣).\nوللإحصانِ معانٍ متعدِّدةٌ، تقدمت في أولِ سورة النساءِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ومِن مَعانيهِ الحريةُ، وألحِقَ وصف الإحصانِ بالحرائرِ؛ لِغَلبَةِ العَفَاف عليهن بخلاف الجَوَارِي، ومِن هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، وقد فسرَ ابن عباسِ ومجاهِدٌ\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (٤٢) (١/ ٢٧٨)، وعبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٠٠٢٥) (٦/ ٦٨)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٠٧٦٥) (٢/ ٤٣٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٨٩).\n(٢) أخرجه البخاري (٣١٥٧) (٤/ ٩٦).\n(٣) أخرجه الترمذي (١٠٨٥) (٣/ ٣٨٧).","vol":"3","page":1120},{"text":"الإحصانَ بالحريَّةِ (١).\nوفي الآيةِ: دَلالةٌ على تحريمِ نكاحِ الزانيةِ قبلَ توبتِها، ويأتي تفصيلُ ذلك في أولِ سورةِ النورِ إنْ شاءَ اللهُ.\nوإنَّما أحَل الله نِكاحَ الكتابيةِ توسعةً للأمةِ؛ فإن أهلَ الكتابِ أكثرُ أهلِ الأرض، ومخالَطةُ المسلِمِينَ لهم ومساكنتهُم لهم كثيرة، ودخولُهُم في الإسلامِ كثير، وبقاء قراباتهم بينَهم وبينَ المُسلِمينَ مِن ذوي أرحامِهم كثيرة، ولو حرَّمَ ذلك لَشَقَّ على المُسلِمينَ، خاصَّةَ في البُلدانِ التي يتجاوَرون ويتخالَطون بينَهم فيها.\nوقد تقدَّمَ في سورةِ البقرةِ ذِكرُ الكلامِ على نكاحِ المشرِكةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وذكَرنا الكلامَ على نكاحِ الكتابيةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-838>الحكمةُ من تحريمِ تزويجِ الكتابي مسلمةً:</span>\nوإنما أحَلَّ اللهُ للمؤمِنينَ طعامَ أهلِ الكتابِ ونساءَهُم، ولم يُحِلَّ لأهلِ الكتابِ إلا طعامَ المؤمنينَ، لا نساءَهم؛ لأن النِّكاحَ فيه سلطان وقوَامة، ولا يكونُ للكافرِ على المؤمِنينَ سبيل، وأمَّا الطعام، فالتفاضُلُ وعلو اليدِ فيه وقتى وعارضٌ، لا دائم ولازم، كالقوَامةِ والولي في النكاحِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-839>وجوبُ المهرِ:</span>\nوفي الآيةِ: وجوبُ المَهرِ للمؤمنةِ والكتابيةِ؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾، وقد تقدمَ الكلام على\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ١٣٩).","vol":"3","page":1121},{"text":"المَهرِ وحكمِهِ في أولِ سورةِ النساءِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [٤]، وكذلك في البقرةِ عندَ قولِهِ: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَو تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [٢٣٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-840>أثرُ مخالَطَةِ الكفارِ:</span>\nولمَّا أحَل اللهُ نِكاحَ نساءِ أهلِ الكتاب وأحَل طعامَهم، وكان مُقتضى ذلك المُخالَطةَ، ومقتضى المخالَطةِ التأثُّرَ بهم، وقد يصلُ إلى حَدِّ الإعجاب بحالِهم واستحسانِ دينِهم؛ قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾؛ لأن النفوسَ إنِ استحسَنت الشيءَ، خلَطَت سوءَه بحَسَنِه، وعَمِيَت عن سيئتِهِ ولم تَرَها كما هي، فمَن أحَبَّ، عَمِيَ عن مساوئِ محبوبِه، كما أن مَن كَرِهَ عَمِيَ عن محاسنِ مكروهِه، ولما كان إطعام أهلِ الكتابِ للمؤمِنينَ هديةً أو إعانةَ يكسِرُ نفسَ المنتفِعِ؛ لأن المُنفِقَ يدُهُ العليا، وقد يَخلِط بينَ علو يدِهِ وبينَ قصورِ دِينِه، فيُعجب بدينهِ فيَتبِعُهُ أو يضعُفُ إيمانُه - شدَّدَ اللهُ على أنَّ اتباعَهم كفر بالله، ومُحبِطٌ للعملِ.\nوفي هذا: إشارة إلى أنه ينبغي عندَ الكلامِ على مخالَطةِ أهلِ الكتابِ وبيانِ ما يجوز منها: أن يؤكَّدَ على ما يَتبَع ذلك مِن أثرٍ، وهو ميلُ القلبِ والإعجابُ الذي يورِثُ الحبَّ ويَتبَعُه الكفر، والعالِمُ لا يُحرم ما أحَل اللهُ، ولكنه يَحفَظُ دينَ اللهِ بالتأكيدِ عليه والاحترازِ مما يَنقصه أو يَنقُضُه؛ ولذا قال تعالى بعدَ ذلك: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؛ أي: لا يُقدم ربحَ الدنيا ولذتَها مِن مَنكَح ومطعم على خسرانِ الآخِرةِ وعذابِها.\nوكذلك: فإن مِن وُجوهِ الختمِ بقولهِ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾: ألا يَتَوَهمَ متوهم إسلامَ أهلِ الكتابِ وإيمانَهم؛ لأن اللهَ أباحَ للمؤمِنِينَ ذلك منهم ولهم؛ ليتضحَ حكمُ الآخرةِ عن حُكْمِ اللهِ لهم في","vol":"3","page":1122},{"text":"الدنيا، ومع نصِّ الآيةِ على حِل النكاح، فإنها تتضمنُ التزهيدَ في ذلك؛ حيثُ ذكَّرَ بالعاقبةِ في الآخرةِ؛ فإن الكافرَ لن يدخُلَ جنةَ الآخِرةِ ولو كانت زوجة؛ فإنَّ المؤمنَ يَجِدُ في نفسِهِ أن زوجَهُ وأمَّ ولده تُساقُ إلى النارِ وهم إلى الجنَّةِ إنْ ﵏، وفي ذلك إشارةٌ إلى الاقترانِ بمؤمِنةٍ تقترِن بزوجِها في الآخِرةِ في الجنةِ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [الرعد: ٢٣]، وقولِهِ: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦]، وقولِهِ: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [غافر: ٨]، واللهُ أعلَمُ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَو عَلَى سَفَرٍ أَو جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَو لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦].\nفي الآيةِ: فرض الوُضوءِ مِن الحَدَثِ عندَ إرادةِ الصلاة، وقد قال - ﷺ -: (لَا تُقْبَل صَلَاةُ مَنْ أَحدَث حَتى يتوضأ)؛ أخرَجَاه (١)، ولم يَختلِف أحد في وجوبِ الطهارةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-841>المرادُ مِن اقترانِ الوضوءِ بالصلاة:</span>\nوذِكرُ الصلاةِ هنا عندَ بيانِ فرضِ الوضوءِ قرينةٌ على أنَّه لا يجبُ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٣٥) (١/ ٣٩)، ومسلم (٢٢٥) (١/ ٢٠٤).","vol":"3","page":1123},{"text":"الوضوء لعبادةٍ إلا لها على الأرجحِ؛ فلا يجب الوضوء لدخولِ المسجدِ ولا للاعتكافِ ولا للذكرِ ولا لقراءةِ القرآنِ ولا للطوافِ؛ وإنما يُستحَبُّ لذلك.\nوتقييد الوضوءِ بالقيامِ إلى الصلاةِ في قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾؛ حتى لا يُتوهمَ أن الوضوءَ واجب لذَاته، فيقَع الحرَجُ في الناس، لكون الواجبِ غيرَ مقيد بزمانٍ ولا مكان ولا بعمل، فيرَونَ وجوب الوضوءِ على الدوامِ؛ وهذا يُخالِفُ يُسرَ الشريعةِ ورِفقَها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-842>الوضوء لكل صلاةٍ:</span>\nوليس المرادُ في الآيةِ وجوبَ إحداثِ وضوءِ عندَ كل صلاةٍ؛ وإنما المرادُ تقييدُ الوجوبِ بعمل، ورفعُ الحَرَجِ عن باقي الفعلِ والزمانِ والمكان، إلا ما قيدَه الوحيُ بدليلٍ خاصِّ، ومن كان على طهارة سابقةٍ فيُستحب له إحداث الوضوءِ ولا يجب؛ ففي \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ أنس؛ قال: \"كَانَ النبِيُّ - ﷺ - يَتَوَضَّأ عِنْدَ كُل صَلَاةٍ، قُلت: كَيْفَ كنتم تَصنَعونَ؟ قَالَ: يُجزِئ أحَدَنَا الوُضُوء مَا لم يحدِثْ\" (١).\nولم يقُل أحد مِن الصحابةِ والتابعِينَ بوجوبِ الوضوءِ عندَ كل صلاةٍ لغيرِ المُحدِث، وما جاء عن ابنِ المُسيب؛ أنه قال: \"الوضوءُ مِنْ غَيْرِ حَدَث اعتداء\" (٢)، فترده الأحاديث الصحيحةُ، وابن المسيبِ أفقهُ مِن أن يَرِدَ عنه مِثل ذلك؛ لجلاءِ المسألةِ واشتهارِ عملِ النبيِّ - ﷺ - وعملِ الخلفاءِ مِن بعدِه، وابن المسيب مِن أعلَمِ الناسِ بذلك.\nوقد يُحمَل مرادُهُ على كراهةِ الوضوءِ لكلِّ صلاةٍ مِن غيرِ تفريق بين\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢١٤) (١/ ٥٣).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٩٥) (١/ ٣٤).","vol":"3","page":1124},{"text":"فرضٍ ولا نَفْلٍ، ولا بينَ ما تداخَلَ وتقارَبَ وتتابَعَ مِن الصلوات، فهذا لا شك أنه اعتداءٌ.\nفالمراد مِن وضوءِ النبي - ﷺ - لكلِّ صلاة يعني المكتوبات، وليس المراد: أنه يتوضأ لسُنةِ الفجرِ وضوءًا ولفريضتِها وضوءا، ولراتبةِ الفرائضِ القبليَّةِ والبَعديةِ وضوءا غيرَها، ولا لسُنَّةِ دخولِ المسجدِ وضوءًا غيرَ الفريضة، ولا لكل صلاةِ مِن قيامِ الليل، فالمراد مِن فعلِ النبي - ﷺ - هو الوضوءُ لكل فريضةٍ مكتوبةٍ ولكل سنَّة مقصودةٍ بعينِها؛ فمَن قصَدَ قيامَ الليل، توضَّأ لها كلها ولو صلَّى عشرينَ ركعة، وكذلك مَن وصَلَ قيامَ الليلِ بصلاةِ العشاء، فالسنةُ أنْ يتوضأ مرة؛ لأنها صارت في حُكمِ الصلاةِ الواحدةِ باعتبارِ الوضوءِ لها، والوضوءُ لكلِّ واحدة منها اعتداء.\nولعل هذا ما قصَدَهُ ابنُ المُسيَّب، وهو الأليقُ بفقهِه، وقد يقولُ الصحابي أو التابعي قولا على صورةِ معيَّنة، فيُنقَلُ على العمومِ في الروايةِ وفي مدوناتِ الفِقه، فيُوضعُ في غَيْرِ بابِه، وربما عُدَّ مِن شذوذاتِه وغَرَائبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-843>جمعُ الصلواتِ لوضوءٍ واحدٍ:</span>\nوالوضوء لكلِّ صلاةٍ مكتوبة وسُنَّةٍ مقصودةٍ بعينِها سُنَّة، وقد جمعَ النبي - ﷺ - الصلواتِ الخمس بوضوءٍ واحد يومَ الفتحِ؛ ففي \"صحيحِ مسلم\"؛ مِن حديثِ بُرَيدَةَ؛ أنَّ النبِي - ﷺ - صَلى الصلَوَاتِ يَومَ الفَتحِ بِوضوءِ وَاحد، وَمسحَ عَلَى خُفيه، فَقالَ لَه عُمَرُ: لَقَد صَنَعتَ الْيَومَ شيئا لَم تَكُنْ تَصنَعهُ؟ ! قَالَ: (عَمدا صَنَعتهُ يَا عُمَرُ) (١).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٧٧) (١/ ٢٣٢).","vol":"3","page":1125},{"text":"وفيه: أن الأصلَ مِن فِعلِهِ الوضوءُ لكل صلاةٍ، وهو مُستحَب وسُنة، لا واجبٌ وفريضةٌ.\nوقد كان الصحابةُ منهم مَن يتوضَّأ لكل صلاة؛ كالخلفاءِ وابنِ عمرَ وغيرِهم، ومنهم مَن لا يتوضأ إلا إذا أحدَثَ؛ كجابرِ بنِ عبد اللهِ وغيرِه.\nوقد روى ابنُ سِيرِينَ؛ قال: \"كَانَتِ الخُلَفَاءُ تَوَضَّأ لِكُل صَلَاة\" (١).\nوكما يشرَع الوضوء لكل صلاة، فتُشرَعُ الصلاةُ عندَ كل وضوءٍ؛ فإن الطهارةَ والصلاةَ مُتلازِمتانِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-844>استحبابُ الطُّهْرِ الدائمِ:</span>\nوقد كان النبيُّ - ﷺ - يحبُّ أن يكونَ على طهر دائم؛ لأنه على ذِكرٍ دائمٍ، ولا يحِب أن يذكُرَ اللهَ إلا وهو على طهارة؛ ففي \"المسنَدِ\"، وأبي داودَ؛ مِن حديثِ المُهَاجِرِ بنِ قنفذ؛ أنه سلم على النبيِّ - ﷺ - وهو يَبول، فلم يَرُدَّ عليه حتى توضَّأ، ثم قال: (إني كَرِهتُ أن أذْكُرَ اللهَ -﷿ - إِلا عَلَى طُهْرٍ - أو قَالَ: عَلَى طَهَارة) (٢)، وفي البخاري ومسلم؛ مِن حديثِ أبي الجُهيم؛ قال: أقبَلَ رَسُول اللهِ - ﷺ - مِن نَحوِ بئر جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُل فَسَلَّمَ عَلَيه، فَلَم يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَيه، حَتَّى أَقبلَ عَلَى الجدَارِ فَمَسَحَ وَجهَه وَيَدَيه، ثم رَد ﵇ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-845>أعضاء الوضوءِ:</span>\nولا يجب مِن مواضعِ الوضوءِ إلا ما جاء في الآية، وهو الذي اجتمَعَت على وصفِهِ الأحاديثُ، واختلَفَت وتبايَنَتْ في غيرِه، فكلُّها يذكرُ\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٠٢) (١/ ٣٥).\n(٢) أخرجه أحمد (١٩٠٣٤) (٤/ ٣٤٥)، وأبو داود (١٧) (١/ ٥).\n(٣) أخرجه البخاري (٣٣٧) (١/ ٧٥)، ومسلم (٣٦٩) (١/ ٢٨١).","vol":"3","page":1126},{"text":"الوجهَ واليدَينِ ومسحَ الرأسِ وغَسلَ القدمَين، وما عدا ذلك فتختلِفُ الأحاديث في إيرادِه، ويعضدُ ذلك ما في \"السنَنِ\"؛ مِن حديثِ رِفاعةَ بنِ رافع، أن النبي - ﷺ - قال لرجل: (تَوَضأ كَمَا أَمَرَكَ اللهُ) (١).\nوعلى هذا جَرَى فهمُ أكثرِ السلفِ؛ أن ما لم يذكَر في الآية، فليس بواجب؛ سواء كان ذلك في منطوقِ قولِهم أو ما جرَوْا عليه في بيانِ أحكامِ الوضوء، وقد قال عطاء لما سئلَ عن المضمَضَةِ: \"ما لم يُسَمَّ في الكتابِ يُجزِئُهُ\" (٢).\nوبهذا كان يقولُ أحمدُ بن حنبل لمَّا سُئِلَ عن المضمضةِ والاستنشاقِ أفريضةٌ؟ قال: \"لا أقول فريضة إلا ما في الكتابِ\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-846>إسباغ الوضوءِ:</span>\nوفي الآيةِ: ذكَرَ الله الغَسلَ مِن غيرِ عدد، وفي هذا: دليل على أن الواجب استيعاب العضوِ وإنقاؤه، لا ما زاد على ذلك؛ كما جاء في تفسيرِ قولِهِ - ﷺ -: (أَسبِغُوا الوضوءَ) (٤)، قال ابن عمرَ: \"إِسباغُ الوضوءِ الإنقَاءُ\" (٥).\nولا خلاف عندَ السلفِ: أنَّ الوضوء مرة واحدة مع استيعابِ الأعضاءِ أنها مجزئة، ولا خلاف عندَهم: أن الوضوءَ أكثرَ مِن ثلاث مكروه، إلا مَن توضَأ ثلاثا ولم يُنق عضوا فلم يَصِله أو بعضَهُ الماءُ: أنه يستوعبُهُ ولو برابعةٍ وخامسةٍ، وإنما ذُكِرَتِ الثلاثُ؛ لأن الغالبَ إنقاؤُها\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٨٦١) (١/ ٢٢٨)، والترمذي (٣٠٢) (٢/ ١٠٠)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١٦٤٣) (٢/ ٢٤٧).\n(٢) \"مسائل أبي داود\" (١٢).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٨/ ١٦٨).\n(٤) أخرحه مسلم (٢٤١) (١/ ٢١٤).\n(٥) \"صحيح البخاري\" (١/ ٤٠).","vol":"3","page":1127},{"text":"للأعضاءِ؛ ليكونَ حدًّا مانعا مِن السرَفِ ووسواسِ الشيطان، وهذا نظيرُ الاستجمارِ بثلاثٍ، فإن لم تُنق، فيزيد حتى يُنقِيَ.\nوفي ظاهرِ قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ إشارة إلى الوضوءِ عندَ القيامِ مِن النومِ؛ ولهذا استدَلَّ بعضُ السلفِ كزيدِ بنِ أسلَمَ، وقال به الشافعي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-847>الموالاةُ في الوضوءِ:</span>\nوفي الآيةِ أيضًا: مشروعيَّةُ المُوالاةِ؛ وذلك أن اللهَ شرَعَ الوضوءَ عندَ القيامِ إلى الصلاة، والوضوء عندَ القيامِ إلى الصلاةِ يقتضي التتابُعَ والمُبادَرةَ، بخلافِ ما لو جاء الأمرُ بالوضوءِ للصلاةِ مطلَقا مِن غيرِ تقييدٍ بوقتِ القيامِ.\nولا خلاف عندَ العلماءِ في مشروعيةِ الموالاةِ في الوضوءِ؛ وإنما الخلافُ في وجوبِه.\nوالوجوب قولُ الجمهورِ.\nوحَدَّ التتابُعَ بجفافِ العضوِ بعض السلفِ؛ كقتادةَ، وبه حدَّه أحمدُ.\nوخففَ في التتابعِ ولم يُوجِبهُ بعض فقهاءِ السلفِ؛ كعطاء وبعضِ أهلِ الرأي، ولا ينبغي حملُ قولِهم على الفصلِ الطويلِ لساعاتٍ؛ وإنَّما ما تقارَبَ عهدًا كما بينَ بيتِ الإنسان ومسجد الذي يُنادَى به للصلاةِ ويسمعُ النداءَ وتجب عليه، فلو توضَّأ وضوءًا في بيتِهِ وأكمَلَه في مسجدِه، فلا حرَجَ؛ وهذا مروي عن ابنِ عمرَ.\nوقد استدلَّ بآيةِ المائدةِ على وجوب الموالاة في الوضوءِ جماعة من الأصحابِ كما ذكره أبو الخطاب وابن مُفْلِح (١).\n_________\n(١) \"الانتصار\" (١/ ٢٦٠)، و\"المبدع\" (١/ ١١٥).","vol":"3","page":1128},{"text":"وقولُه تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، ابتَدَأَ اللهُ بالأمرِ بغَسلِ الوجهِ؛ لأنه أول الفروض، وفي هذا دليل على أنه لا يجب شيء قبلَه، وقد جاءتْ جملة مِن الأحكامِ السابقةِ لغَسلِ الوجهِ؛ كالتسميةِ وغَسلِ الكفَّينِ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-848>التسمية عند الوضوءِ:</span>\nفأما التسميةُ: فلم يَذكُرِ الله البسملةَ؛ لأنها سنة وليست بفريضةٍ، وقد جاء في الأمرِ بها عِدة أحاديثَ مِن طرقِ كثيرة معلولة، والصحابةُ والتابعونَ وأتباعهم وعامة الفقهاءِ على الاستحباب لا الوجوب، إلا قولا لأحمدَ، والأظهَرُ عنه: عدمُ الوجوب، وأحمَد يُعِلُّ أحاديثَ البابِ ويقولُ: \"ليس فيه إسنادٌ\"؛ يعني: يصح، وابنُ أبي شيبَةَ يُصحِّحُ الحديثَ ولم يُورِد فيه عملا للسلفِ يقول بوجوبِه.\nوفرَّقَ إسحاق بينَ العامدِ والنَّاسِي؛ فأمَرَ المتعمدَ غيرَ المتأولِ وحدَهُ بالإعادةِ.\nوحمَلَ ربيعةُ الرأيِ نفيَ صحةِ الوضوءِ بدون البسملةِ في الحديثِ على عدمِ النية، كالذي يغتسلُ ويتوضَّأ ولا يَنوي وضوءا للصلاةِ ولا غُسلًا للجنابة، وكأنه شبهَهُ بقولِ اللهِ تعالى في الذبحِ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] على قولِ كثيرِ مِن العلماءِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-849>غسلُ الكَفَّينِ في أول الوضوء:</span>\nوأما غسل الكفينِ: فهو على الاستحباب، وقد جاء في صورتينِ:\nالأولى: قبلَ كل وضوء أن تغسَلَ الكفانِ مرة أو مرتَينِ أو ثلاثا، وهو مستحبٌّ بلا خلافٍ، وهذه الغسلة مُتعلقة بالبدءِ بالوضوءِ تنقية لليدِ ممَّا يحتمِل وروده عليها؛ حتى لا يُصيبَ الماءَ أو الوجهَ وبقيةَ الأعضاءِ منه شيء.","vol":"3","page":1129},{"text":"الثانية: غسلُها عندَ الاستيقاظِ مِن النوم، وعندَ إرادةِ استعمالِ الإناءِ بوضعِ اليدِ فيه؛ سواء كان ذلك بقصدِ الوضوءِ أو بغيرِه؛ وذلك لِمَا جاء في \"الصحيحين\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ أن رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (إِذَا استيقظَ أحَدُكُمْ مِنْ نَومِه، فَلْيَغْسِلْ يدَه قَبْلَ أن يُدْخِلَهَا في وَضوئهِ؛ فَإن أَحَدَكمْ لا يَدْرِي أيْنَ بَاتَت يَدُهُ) (١)، وهذا فيه التخصيص بثلاث، وفيه الأمرُ بذلك أيضًا.\nولا خلاف في مشروعيةِ غَسْلِ اليدينِ عندَ الاستيقاظِ من نومِ الليل، وبعضُ السلفِ كالحسَنِ وإسحاقَ يَجعلونَهُ في كل نوم، ونقَلَ ابنُ حَزْمِ وابن المنذِرِ عن الحَسَنِ الوجوبَ وإراقةَ الماءِ عندَ غمسِ اليدِ فيه قبلَ غسلِها ثلاثا (٢)، والثابت عن الحسنِ فيما رواهُ هشام عنه: التخييرُ بينَ الوضوء به وبينَ إراقته (٣).\nوغَسلُهما بعدَ النومِ سُنة، ووضعهما في الإناءِ قبلَ ذلك لا يُنجِّسُ الإناءَ؛ وهذا الذي عليه السلفُ عامة.\nوغَسلُ الكفينِ قبلَ الوجهِ عندَ إرادةِ الوضوءِ لا يُجزِئ عن غَسلِهما كاملتَينِ بعدَه مِن أطراف الأصابع إلى المِرفقَين، إلا على قولِ مَن لا يرى الترتيبَ بينَ أعضاءِ الوضوءِ؛ فكَأنه غسَلَ اليدَينِ كاملتَينِ وتخلَّلَهما غَسلُهُ للوجهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-850>النيةُ للوضوء:</span>\nوأما النيةُ، فهي واجبة لدليل ظاهر خاص؛ كما في قولِهِ - ﷺ -: (إِنمَا الأَعْمَال بِالنيات، وإنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى) (٤)، والدلالة مِن الآيةِ ظاهرة\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٦٢) (١/ ٤٣)، ومسلم (٢٧٨) (١/ ٢٣٣).\n(٢) \"الأوسط\" لابن المنذر (٢/ ١٤)، \"والمحلى\" لابن حزم (١/ ٢١٠).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٨٩٣) (١/ ٨١).\n(٤) أخرجه البخاري (١) (١/ ٦)، ومسلم (١٩٠٧) (٣/ ١٥١٥).","vol":"3","page":1130},{"text":"ولو لم يُنَصَّ عليها؛ وذلك أنه قال تعالى: ﴿قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، فقصدُ القيامِ للصلاةِ هو الذي أوجب الوضوءَ، وجاء الأمرُ لأجْلِهِ في الآيةِ.\nوقولُه: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾: الوجهُ ما واجَهَ الإنسانُ به الناسَ، وحدودُهُ: مَنَابِت الشَّعرِ طبيعة، ولا عِبرةَ بالأَشعَرِ ولا بالأصْلَع، فيدخُلُ في ذلك الجبهةُ والخَدانِ واللَّحيَانِ والأذُنانِ وما بينهما، واللحيةُ مِن الوجهِ فيُغسَلُ ما اتَّصَلَ بالوجهِ مِن ظاهرِها، ولا يُغسَل باطنُها وما استرسَلَ منها؛ لأنه مِثل الرأسِ لو استرسَلَ شعر الرجلِ والمرأةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-851>تخليل اللحيةِ:</span>\nوأما تخليلُ اللحية، فقد جاءت فيه أحاديث مرفوعة عن عثمانَ وأنسِ وابنِ عمرَ وابنِ عباسِ وعمار وأبي أُمامةَ وأبي بَكرةَ وعائشةَ وأم سلمةَ، وغيرِهم، وفيه بضعةَ عشَرَ حديثًا.\nوفي أحاديث التخليلِ كلام، وقد أعَلها جميعَها أحمد وأبو حاتم وغيرُهما، وقالوا: \"لا يصح منها شيء\"، ولم يَرِدِ التخليلُ في أصحِّ أحاديثِ صفةِ الوضوءِ التي رواها الشيخانِ عن عثمانَ وعبدِ اللهِ بنِ زيدٍ في \"الصحيحين\"، ولا في حديثِ ابنِ عباسِ في البخاري، وكأن الشيخَينِ يُعلَّانِ الأحاديثَ المرفوعةَ في التخليلِ.\nولكنَّه ورَدَ عن جماعةٍ مِن الصحابةِ صحيحًا عن ابن عباسٍ وابنِ عمرَ، وصحَّ عن غَيْرِ واحدٍ مِن التابعين؛ كابنِ الحَنَفِيةِ وعبَيدِ بنِ عُمير وسعيدِ بنِ خبَير ومجاهِدٍ وطاوس وعطاء، ولكن لم يكن يُوجبه أحد مِن السلفِ؛ ولذا لم يكنِ العملُ عليه، خاصَّةً عندَ أهلِ المدينةِ؛ ولذا قال مالك: \"التخليل ليس مِن أمرِ الناسِ\" (١).\n_________\n(١) \"الاستذكار\" (٢/ ١٩).","vol":"3","page":1131},{"text":"وقد صح عن ابنِ عمرَ أنه يخَللُ أحيانًا، ويتركُ أحيانا (١).\nوقد نصَّ بعضُ السلفِ على عدمِ وجوبِ التخليل كما صح عن الحسنِ (٢) والأوزاعي (٣) والثوري؛ أنَّهم قالوا: \"ليس عَرك العارِضَينِ في الوضوءِ بواجب\".\nولا أعلَمُ مَن أوجبه مِن أهلِ القرونِ المُفضَّلةِ إلا ما ذكَرَه ابن المُنذِرِ عن إسحاقَ.\nوكل ما لم يَرِد في الآيةِ مخصوصا، ولم يَثبُت دوامُ النبي - ﷺ - عليه، فالأظهَر: عدمُ وجوبِه؛ ولذا لم يقُل أحد مِن السلفِ بإعادةِ وضوءِ تاركِ تخليلِ اللحية، ولا أمَرُوا بذلك، والله أعلَمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-852>المضمضة والاستنشاق في الوُضوءِ:</span>\nوذِكرُ غَسلِ الوجه، وعدمُ تخصيصِ المضمضةِ والاستنشاقِ بالذِّكْرِ: قرينة على عدمِ وجوبِ شيءِ في الوجهِ غَيْرِ الوجهِ بذاتِه، ولا خلافَ عندَ العلماءِ في مشروعيةِ المضمضةِ والاستنشاق، وقد اختَلَفَ العلماءُ في وجوبِهما:\nفذهَبَ إلى وجوبِهما في الوضوءِ والغُسْلِ: أحمدُ في روايةٍ.\nوذهب إلى استحبابِهما فيهما: مالك والشافعي.\nوذهَبَ أبو حنيفةَ إلى أن وجوبَهما في الغُسلِ فقط.\nوفي روايةٍ لأحمدَ: وجوب الاستنشاقِ وحدَهُ فيهما، ونقَلَ الأثرم، وابن منصور، عن أحمد: أن الاستنشاقَ أوكَد مِن المضمضةِ (٤).\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٥٥٦) (١/ ٢٧٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٥٥).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٨/ ١٦٧).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٨/ ١٦٨).\n(٤) \"مسائل ابن منصور\" (١/ ٧١)، و\"طبقات الحنابلة\" (١/ ٦٧).","vol":"3","page":1132},{"text":"وإنما خَصَّ أحمد الاستنشاقَ بالوجوب في قول؛ لثبوتِ الأمرِ في \"الصحيحَيْنِ\"؛ قال - ﷺ -: (إذَا تَوَضأ أَحَدُكم، فَليسْتَنْشق) (١).\nوالأظهَرُ: حمل الأمرِ فيه كما في الأمرِ بالمضمضة، في \"السنَنِ\" في حديثِ لَقِيطٍ: \"إِذَا تَوَضَأتَ، فَمَضمِض\" (٢)، وقد حكى الشافعي وابن المُنذِرِ: أنه لم يقل بوجوبه أحد مِن السلف، وأن مَن ترَكَه لا يُعيدُ، إلا شيئًا رُوِيَ عن عطاء، فقد صحَّ أنه سُئِلَ: أحَق عليّ أنْ أَستنشِقَ؟ قال: نعم، قيل: عمن؟ قال: عن عثمانَ (٣).\nومرة أمَرَ بإعادةِ الصلاةِ لمن لم يُمضمِض وَيستنشق (٤).\nوالأظهرُ: تركُهُ لهذا القولِ؛ ويدل على ذلك: ما جاء عنه مِن حديثِ المثنى، عنه؛ أنه قال فيمَن نَسِيَ المضمضةَ والاستنشاقَ حتى صلى: إنه لا يُعِيدُ؛ كما رواه ابن أبي شَيْبةَ (٥).\nوأما ما جاء عن ابنِ عبَّاسٍ في الأمرِ بإعادةِ الوضوءِ لِمَن ترَكَ المضمضةَ والاستنشاقَ، فلا يصحُّ.\nوقد كان أحمد قد سُئِلَ عن المضمضةِ والاستنشاقِ: أفريضة هو؟ فقال: لا أقولُ فريضة إلا ما في الكتاب، وقد تقدم هذا عنه أول الآية، وكان بعضُ الأصحابِ ينقُل عن أحمَدَ: أنه يفرق بين الفرض والواجب، فيجعلُ الفرضَ ما ثبتَ في الكتاب والواجب ما ثَبَتَ في السُّنَّة؛ كما استظهَرَهُ مِن قولِهِ أبو يعلى وابن عَقيل (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٦١) (١/ ٤٣)، ومسلم (٢٣٧) (١/ ٢١٢).\n(٢) أخرجه أبو داود (١٤٤) (١/ ٣٦).\n(٣) أخرجه ابن حزم في \"المحلى\" (١/ ٢١٠).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٠٥٧) (١/ ١٧٩).\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٠٥٩) (١/ ١٧٩).\n(٦) \"العدة\" لأبي يعلى (٢/ ٣٧٦)، و\"المسودة\" (١/ ١٦٤).","vol":"3","page":1133},{"text":"ولم يقُلْ أحد مِن فقهاءِ السلفِ بمكةَ والمدينة: بوجوبِ المضمضةِ والاستنشاقِ في الوضوءِ.\nوقد صحَّ عن قتادةَ وحمادِ بن أبي سُلَيمان: إعادةُ الوضوءِ والصلاةِ لِمَن نَسِيَ المضمضةَ والاستنشاقَ (١):\nفأمَّا قولُ حمَّادٍ، فلم يكن أهل الكوفةِ على هذا؛ سواء شيوخُ حمَّاد كإبراهيم، أو تلامذته كالحَكَمِ بنِ عُتَيْبَةَ وأبي حنيفةَ، وصح عن حمَّاد أنه قال: لا يُعيد؛ كما رواهُ عنه مُغِيرةُ (٢).\nوأما قتادة، فقد صح عنه أيضًا خلافُهُ.\nوعلى هذا: فلا يُحفَظ عن أحد مِن الصحابةِ ولا التابِعينَ ولا كِبارِ أَتباعِهم: القولُ بوجوب المضمضةِ والاستنشاقِ في الوضوء للصلاةَ قولا ثابتا لا يُعرَفُ خلافُهُ عنهم، وحَملُ قولِ هؤلاء على قول الجماعةِ أولى.\nوأمثال هذه الأحكام -كالوضوء، والصلاةِ- هي مِن الأعمالِ اليوميةِ المشهورة التي يجبُ ألا يُخرَجَ بها عن عملِ أهلِ المدينةِ إلَّا لسنة مرفوعة جليةٍ، وهي مع ذلك لا تكادُ تخرُجُ عن عَمَلِهم.\nوفقهاءُ السلفِ مِن التابعينَ وأتباعِهم الذين يكونون في العراقِ والشامِ مع فضلِهم، إلا أنَّهم ربَّما خَرَجُوا عن مقصودِ الشارعِ باجتهادِهم بحملِ الحديثِ على ظاهرِ غيرِ مراد، أو قاسوا حُكما على حُكم، ولم يكونوا قريبينَ مِن العملِ المستديمِ الذي عليه السلف مِن المدنيين؛ فإن عمَلَهم يُفسر الأدلَّةَ والأفعالَ النبويةَ، خاصةَ اليوميةَ أو الأسبوعيةَ، واللهُ أعلَمُ.\nوقد نقَلَ ابنُ جريرِ عن ابنِ عباس قولَهُ: \"لَولَا التلَمُّظُ فِي الصَّلَاة،\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ١٧٩).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٠٦٦) (١/ ١٨٠).","vol":"3","page":1134},{"text":"مَا مَضْمَضْتُ\" (١)، وذكَرَهُ في سياقِ المضمضةِ في الوضوء، وهذا فيه نظر؛ فإنَّ المرويَّ عن ابنِ عبَّاسٍ في سياقِ المضمضةِ مِن الطعام، لا المضمضة في الوضوء، والتلمظُ هو تحريكُ اللسانِ في الفمِ لتحريكِ بقيةِ الطعام، وذلك أن أكلَ الطعامِ لا يُوجب وضوءًا، وأنَّه مضمَضَ كيلا يتلمَّظَ في صلاته، ولم يَقصِد أن المضمضةَ لِذاتِها سنة بعدَ الطعامِ.\nوفي سياقِ المضمضةِ والوضوءِ مِن الطعامِ أورَدَهُ عبد الرزاقِ (٢)، وكذلك البيهقي (٣)، وليس في بابِ مضمضةِ الوضوءِ.\nومِثلُ هذا يقعُ فيه ابن جرير مع سعة عِلمِهِ في إيرادِ بعضِ الآثارِ عن السلفِ في غيرِ سياقِها، ويستدِل بها لغيرِ ما جاءت فيه، واللهُ أعلَم.\nوقد اختلَفَ القول في المضمضةِ والاستنشاقِ عن أحمد؛ فنقَلَ عنه ابنُ هانئِ القولَ بوجوبِ إعادةِ مَن صلَّى وقد تركهما في الوضوء، ونقل عنه ابنُ منصورِ وجوبَ الإعادةِ لِمَنْ تَرَكَ الاستنشاقَ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-853>غسل اليدَيْن إلى المِرفَقينِ:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾:\nفيه: وجوبُ الغَسلِ لليدَيْنِ إلى المرافِقِ ولا يُزادُ عليه؛ إذْ لم يثبُتْ في ذلك سُنَّة مرفوعة، وأما ما جاء في حديثِ أبي هُرَيرةَ - ﵁ -، في \"الصحيحَينِ\": (فَمَنِ استَطَاعَ مِنكم أنْ يُطِيلَ غرتهُ، فَلْيفعَل) (٥)، وحديثهِ الآخَرِ في مسلمٍ: (تَبلُغ الحِلية مِنَ المُؤمن، حَيث يَبْلُغُ الوَضوء) (٦)،\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ١٦٨).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٦٥٧) (١/ ١٧٠).\n(٣) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٦٠).\n(٤) \"مسائل ابن منصور\" (١/ ٧١)، و\"طبقات الحنابلة\" (١/ ٦٧).\n(٥) أخرجه البخاري (١٣٦) (١/ ٣٩)، ومسلم (٢٤٦) (١/ ٢١٦).\n(٦) أخرجه مسلم (٢٥٠) (١/ ٢١٩).","vol":"3","page":1135},{"text":"فيَجري مَجرى الحثِّ على الإسباغ، ويحتملُ: أنَّ الحث على إطالةِ الغُرةِ من قولِ أبي هريرةَ، وليس مرفوعًا عن النبي - ﷺ -؛ كما رجَّحَهُ غيرُ واحدٍ.\nولو كانتِ الزيادةُ عن المرفَقَينِ مشروعة، لَوَرَدَت في حديث صحيح موقوف مِن صفاتِ الوضوء، وقد جاء ذلك عن أبي هريرةَ أنه يَغسِلُ يدَيهِ إلى الرُّفغَينِ (١).\nوصح عن ابنِ عمرَ أنه يَنضَحُ عينَيهِ (٢)، ويبلغُ بالوضوءِ في الصيفِ إلى إِبطيه؛ كما رواهُ عنه نافع (٣).\nوروَى مجاهد عنه مَسحَهُ لِقَفَاه مع رأسِه (٤).\nوهذا كله منهم اجتهاد؛ ولذا لم يكنْ عليه عملُ السلف، ولم يَثبُت في شيء مِن المرفوع، ولو صحَّ، لَمَا تُرِكَ في العمل، خاصةَ والوضوء سنة عمليةً يومية مرات، ومثل سننِها الثابتةِ لا تغيب عن خاصة الصحابةِ وكبارِهم فضلا عن جمهورِهم، ومع هذا لم ينقُلْها ويرفَعها واحدٌ منهم.\nوقد استدَل أحمدُ بآيةِ المائدةِ هذه: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، على أن التيممَ في اليدَين إلى الكفينِ كما في آيةِ النساء: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾، فلو كان المسحُ إلى المرفَقَينِ كما في الوضوء، لحده في التيمُّم كما حده في الوضوءِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-854>مَسْحُ الرأسِ:</span>\nوقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، مسح الرأسِ واجبٌ بلا خلاف؛ وإنما الخلافُ في حدودِ الرأس، ومِقْدارِ المسح، والمجزِئِ\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٣) (١/ ٥).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٧٧).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٦٠٤) (١/ ٥٧).\n(٤) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٦٠).","vol":"3","page":1136},{"text":"منه، والصحيحُ الثابتُ: مسحُ الرأسِ مرَّة واحدة، ولا يصح العددُ بالمسح، وصِفة المسحِ ما جاء في \"الصحيحَيْنِ\" عنه - ﷺ -؛ أنه \"بَدَأ بِمُقَدَّمِ رَأسِهِ حتى ذَهب بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُم رَدهُمَا إِلَى المَكَانِ الذِي بدَأَ مِنْهُ\" (١).\nوما يكونُ يُستوعب به أكثرُ الرأسِ فهو مسح؛ لأن الشارعَ خفَّفَ في الرأس، فجعلَه ممسوحا لا مغسولا، والممسوح يُقطَعُ معه عدم اشتراطِ الإنقاء ولا الاستيعابِ كالغسلِ؛ لأن استيعابَ جميعِ أجزائِهِ مُحَال، وهذا الحكم مُطرِد في كل أحكامِ الرأس، ومنها الحلق في قولِهِ تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٧]، ولا يدخلُ فيه النهيُ في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ لأن النهيَ يقعُ على أدنى الفِعلِ وأوَّله؛ كالنهيِ عن شربِ الخمرِ ما أسكَرَ كثيرُهُ فقليلُهُ حرام، والأمر يقع على المجزِئِ منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-855>استيعاب مسحِ الرأسِ:</span>\nوقد ذهب مالكٌ وأحمدُ: إلى مسحِه جميعِهِ.\nوذهب الحنفية: إلى الاكتِفاءِ بربعِ الرأسِ؛ لإسقاطِ فرضِ المسحِ.\nوسبب الخلافِ في ذلك: هو حد المرادِ مِن الرأسِ في مُرادِ الشرعِ.\nومَن نظَرَ إلى استحالةِ استيعابِ أجزاءِ الرأسِ جميعًا، ومشقةِ الاقتصارِ على الربعِ؛ لأنه يصح في القَفَا أو في أحدِ الجهتَينِ مما فوقَ الأذنِ وحدَهُ، وهذا فيه تعطيل للمرادِ والمقصودِ مِن المسحِ: قال بمسحِ أكثرِه، ولذا كان النبي - ﷺ - يستعمل يدَيهِ جميعا لمسحِ الرأس، وهذا يعني الأغلب، والسنة تفسرُ القرآنَ وتبينه؛ ولذا قُلْنا بوجوبِ التغليب في\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٨٥) (١/ ٤٨)، ومسلم (٢٣٥) (١/ ٢١١).","vol":"3","page":1137},{"text":"المسحِ، لا الاستيعابِ التام؛ لمشقته واستحالتِه، ولا بالربُعِ وما دونَه؛ لأنه لا يتحقَّقُ به معنى الرأس، ولا يطابِقُ العملَ المرفوعَ ولا عملَ جمهورِ الصحابةِ والتابِعِين.\nويدلُّ على عدمِ الاستيعابِ: تركُ الغَسلِ في الرأس، وتركُ العَدَدِ على الصحيحِ فيه، وأكثر الصحابةِ والتابِعينَ على أن مسحَ الرأسِ لا يكون أكثَر مِن مرة، والواردُ في الزيادة على الواحدةِ في مَسحِ الرأسِ مِن الحديثِ معلول؛ ولذا قال مجاهد (١) وسعيدُ بن جبير (٢): \"لَو كُنتُ عَلَى شَاطِئِ الفُرَات، مَا زِدت عَلى مَسحَةٍ\".\nورُوِيَ عن عثمانَ (٣) وأنس (٤) العَدَدُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-856>مسحُ الرأسِ بماء جديدٍ:</span>\nويمسح الرأسُ بماء جديد؛ لأنَّه عضو جديد، وخص بالذِّكْرِ فيُخَص بالعمل، ولما في \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ عبد اللهِ بنِ زيد مرفوعا: \"وَمسَحَ بِرَأسِهِ بِمَاء غَيرِ فَضلِ يَده\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-857>حكمُ مسحِ الأذنينِ وصفتُهُ:</span>\nوأمَّا الأذُنان، فيُشرَع مسحهما بلا خلاف عندَ الصحابة، وقد جاء مسحُ النبي - ﷺ - لأذُنَيهِ في حديثِ ابنِ عباس في \"السننِ\" (٦)، وقد صح عن\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٠) (١/ ٧).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٤٢) (١/ ٢٢).\n(٣) أخرجه أبو داود (١٠٧) (١/ ٢٦) و(١١٠) (١/ ٢٧).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٤٠) (١/ ٢٢).\n(٥) أخرجه مسلم (٢٣٦) (١/ ٢١١).\n(٦) أخرجه أبو داود (١٣٧) (١/ ٣٤)، والترمذي (٣٦) (١/ ٥٢)، والنسائي (١٠٢) (١/ ٧٤)، وابن ماجه (٤٣٩) (١/ ١٥١).","vol":"3","page":1138},{"text":"عمرَ وعثمانَ وعليّ وابن عبَّاسٍ، والمسحُ يكونُ لظاهرِهما وباطنهما.\nومسح الأذنينِ سنة عندَ عامَّةِ السلف، ولم يخرِجِ الشيخانِ في مسحِ الأذنينِ حديثا، وقد جاء عن جماعةِ مِن الصحابةِ العمل على ذلك، والتيسيرُ فيه، وقد صح عن ابنِ عمرَ (١) وأبي هريرةَ (٢) قولُهما: \"الأذنَانِ مِنَ الرأسِ\"، ورُوِيَ مرفوعا (٣)، وفيه لِين، ومرادهما: في إلحاقهما بالعضوِ الممسوح، وهو الرأسُ، فيَأخُذان حكْمَهُ مسحا، ولا يَلحقانِ العضوَ المغسولَ، وهو الوجهُ، فيأخُذَا حُكْمَهُ غَسلا.\nويدل على هذا: أن ابنَ عمرَ سئلَ عن نسيانِ مسحِ الأُذنَين، فقال: \"الأذنَانِ مِنَ الرأسِ\"، ولم يرَ بذلك بأسا؛ كما صح عندَ ابنِ جرير (٤).\nوفي إيجابِ مسحِ الأذنَينِ في الوضوءِ قول متأخِّر عن الصدرِ الأولِ -كما يأتي بيانُهُ- وهو مرجوح، من وجوه:\nأولًا: أن مسحَ الأذنَينِ لم يَرِدْ في كثيرِ من أحاديثِ الوضوء الصحيحة، ولم يُخرِجِ البخاري ومسلم منها شيئا، والمسحُ لو كانتِ المداومةُ عليه، لَلَحِقَ بقية الأعضاءِ؛ لظهورِهِ في العملِ الظاهر، وعدمُ استفاضةِ النقلِ عن الصحابةِ دليل على أن الأذنَ لا تأخُذُ حكمَ العضوِ المستقل بنفسِه؛ فيَبطُلَ الوضوءُ بتركِها.\nثانيًا: لا يَثبت عن أحد مِن الصحابةِ النص على إيجابِ مسحِ الأذنَيْن، ولا إبطالِ الوضوءِ بتركِهما، بل الثابت خلاف ذلك؛ كما روى\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢٤) (١/ ١١)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٦٣) (١/ ٢٤).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢٧) (١/ ١٢).\n(٣) أخرجه أحمد (٢٢٢٢٣) (٥/ ٢٥٨)، وأبو داود (١٣٤) (١/ ٣٣)، والترمذي (٣٧) (١/ ٥٣)، وابن ماجه (٤٤٤) (١/ ١٥٢).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٨/ ١٧٠).","vol":"3","page":1139},{"text":"غَيلَان بن عبد اللهِ أنَّ ابنَ عمرَ سأله سائلٌ؛ قال: إنه توضأ ونَسِيَ أن يمسَحَ أذنَيه؟ قال: فقال ابنُ عمرَ: الأذنانِ مِن الرأس، ولم يرَ عليه بأسا (١).\nوهكذا التابِعونَ لا يُعرَف القولُ بالوجوبِ عن أحد منهم، وقد جاء عن قتادةَ قولان صحيحان؛ واحد: بالإعادة لمَن نسي، والآخَرُ: بعدمِها، والأصح قوله فيما يوافِقُ ظاهِرَ السنةِ ومَا عليه الناسُ في القرونِ المُفضلةِ.\nثالثا: أنَّ الأذُنينِ مِن الرأس، والرأس حقه التيسيرُ، وقد سمَّاه الله في كتابِه، ومع ذلك فلو ترَكَ المتوضئ شيئا بحجمِ الأذُنِ منه، لم يبطُل وضوءه وعُد ماسحا لرأسِه؛ ولذا كان حق الأُذُنِ المسحَ لا الغَسْلَ.\nومَن ترَكَ رأسَه ومسَحَ بأذنَيهِ فقط، لم يُجزِئْهُ؛ لأنها تابعة ليست مقصودة لِذَاتِها كحالِ اللحيةِ مع الوجه، والمضمضةِ والاستِنشاقِ مع الوجه، وفي هذا قرينة على عدم رجحانِ قولِ مَن قال: \"إنَّه يُجزئُ شيء يسير مِن الرأسِ ولو بحجمِ الأذَنِ\"؛ لأنه لو صح ذلك، لأجزأتِ الأذنُ عن الرأسِ بالمسحِ؛ لأنها منه على قولِهم.\nوالفمُ وداخِلة الأنفِ ألصَقُ بالوجهِ وأقرَب مِن الأذنَينِ بالنسبةِ للرأس، وكل مَن خففَ في المضمضةِ والاستنشاق، فحقُّه التخفيفُ في مسحِ الأذنين مِن بابِ أَولى.\nوعامةُ السلفِ يجعلونَ مسحَ الأذنَينِ مع الرأس لا مع الوجه، وحُكمهما المَسح لا الغَسل، ومنهم: مَن جعَلَ ما أقبَلَ مع الوجهِ فيُغسَل، وما أدبَرَ مع الرأسِ فيمسحُ؛ رُوِيَ عن الشعبي (٢)، ولا سلَفَ له،\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ١٧٠).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٦٥) (١/ ٢٤)، والطبري في \"تفسيره\" (٨/ ١٨٠).","vol":"3","page":1140},{"text":"ومنهم: مَن جعَلَهما معهما جميعا؛ تُغسلانِ مع الوجهِ عندَ غسلِه، وتمسَحانِ مع الرأسِ عندَ مسحِه؛ وهذا أضعفُ الأقوالِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-858>غَسْلُ الرجلَينِ:</span>\nوقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فيه وجوبُ غَسلِ الرجلَينِ إلى الكعبَين، ويدخُلُ الكعبانِ في الغَسْلِ كما يدخلُ المرفقان مع اليدَين، ولما كانتِ الرجلانِ آخِرَ أعضاءِ الوضوء، وتَعُم البلوى بتلبسهما بالترابِ وقَذَرِ الأرض، ويتساهلُ بهما الناسُ أكثَرَ مِن تساهُلِهم بغيرِهما؛ جاء التشديد في الحديث فيهما، وإلا فالتشديدُ للأعضاءِ جميعا، ولكن النصوصَ تأتي فيما يَتهاونُ الناس فيه غالبا ولو أخَذَ غيرُهُ مِثلَ حُكمِه، وفي \"الصحيحَينِ\"؛ مِن حديثِ عبد اللهِ بن عمرو (١) وأبي هريرةَ (٢)، مرفوعا؛ أن النبي - ﷺ - قال فيمَن ترَكَ لُمْعةً في قدمِهِ: (وَيل لِلأعقابِ مِنَ النارِ)، وقد كان الصحابةُ يَحرِصونَ على غسلِ القَدَم أكثَرَ مِن غيرِها، وصح عن ابنِ عمرَ أنه كان يغسلُ قدميهِ بأكثرِ وضوئه (٣)، وصح عنه أنه يغسلهما سبعًا سبعًا (٤)؛ روى ذلك عنه نافع.\nوفي الآيةِ قراءتان؛ الأولى بفتحِ اللامِ في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ عطفا على قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، وبكسرِ اللامِ عطفًا على قوله، ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، والأولى للغَسل، والثانية للمَسحِ.\nوكان أحمد يعبدُ آخِرَ الآيةِ في حكمِ الرِّجْلَينِ إلى أوَّلها في قولهِ: ﴿فَاغْسِلُوا﴾، ولما سُئِلَ عمن مسَحَ رجلَيه، قال: لا يجزِئُهُ،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٠) (١/ ٢٢)، ومسلم (٢٤١) (١/ ٢١٤).\n(٢) أخرجه البخاري (١٦٥) (١/ ٤٤)، ومسلم (٢٤٢) (١/ ٢١٤).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٧٦) (١/ ٢٥).\n(٤) أخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٢/ ٥٠).","vol":"3","page":1141},{"text":"يعود إلى أوَّل الآية (١).\nوفي الآيةِ: تنبيه على وجوبِ ترتيب أعضاءِ الوضوء، وبالآيةِ استدل أحمدُ على ذلك؛ كما نقَلَ عنه ابنُهُ عبد الله أنه سألهُ عن رجلِ أرادَ الوضوءَ، فاغتمَسَ بالماءِ يجزيه؟ قال: أمَّا مِن الوضوءِ فلا يجزيه حتى يكون على مخرجِ الكتابِ وكما توضَّأ النبي - ﷺ -. وكذلك نقلَهُ عنه ابنُهُ صالح من \"مسائله\"، قال أحمد: فرضه الله في القرآنِ تأليف شيءٍ بعد شيء (٢). والترتيب واجب على الصحيحِ مِن أقوالِ العلماءِ؛ وذلك مِن وجوه:\nالأول: أن ترتيب الذِّكرِ قرينة على ترتيبِ الفِعلِ في القرآنِ؛ ويؤيِّدُ ذلك: أنَّ اللهَ أدخَلَ ممسوحا -وهو الرأسُ - بينَ مغسولات؛ لبيانِ قصدِ الترتيب بينَ الأعضاءِ.\nالثاني: أن النبي - ﷺ - فسَّر الآيةَ بدوام الترتيب، فمع وضوئِهِ لكلِّ صلاة وكثرةِ وقوعِ ذلك منه وتعدُّدِ الرواياتِ الصحيحة، لم يصح أن النبيَّ - ﷺ - لم يرتب، والتيسير مَقصَد مِن مقاصدِ الشريعة، والفعلُ متكرِّرٌ في اليومِ مرَّات، ولما لم يُخالِف، دل على قصدِ الترتيبِ ووجوبِه.\nالثالثُ: أن النبي - ﷺ - يسّر في عدمِ الترتيب بينَ أعضاءِ التيمم، فصحتِ الرواياتُ في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أبي الجُهَيْم، عن النبي - ﷺ -، قال: \"فَمسَحَ بِوَجهِهِ وَيَدَيه\" (٣)، وفي حديثِ عمارِ؛ في \"الصحيحَين\": \"مَسَحَ بِهِمَا وَجهَهُ وَكَفيهِ\" (٤)، وفي رواية لمسلمٍ مِن حديثِ عمَّار؛ قال فيه: \"ضَرَبَ بِيَدَيه الأرضَ ضَربَة وَاحِدَةً، ثم مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِين، وَظَاهِرَ\n_________\n(١) \"مسائِل صالح\" (٢٧).\n(٢) \"مسائل عبد الله\" (٢٧)، و\"مسائل صالح\" (٣٣٩).\n(٣) أخرجه البخاري (٣٣٧) (١/ ٧٥)، ومسلم (٣٦٩) (١/ ٢٨١).\n(٤) أخرجه البخاري (٣٣٨) (١/ ٧٥)، ومسلم (٣٦٨) (١/ ٢٨٠).","vol":"3","page":1142},{"text":"كَفيه، وَوَجهَهُ\" (١)، مع أن آيةَ التيممِ بدأت بالوجهِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، ومع قلةِ التيممِ وقوعًا منه - ﷺ -، ومع هذا صَحتِ الروايةُ بالتقديم والتأخير، وهي وإن كان بعضُها رُوِيَ بالمعنى، فإن الراويَ إن تساهَلَ في تقديمِ شيء على شيء، دل على فهمِه التيسيرَ منه؛ ولذا فالرواةُ يُشدِّدونَ في أبوابِ ترتيب أعضاءِ الوضوءِ عندَ روايتها مع كثرتِها.\nوبعضُهم يستدِلُّ برواياتِ عدمِ الترتيب في التيمُّمِ في بعضِ الأحاديثِ على جوازِ عدمِ الترتيبِ في الوضوءِ.\nوهذا فيه نظر؛ فدَلالتُها على عكسِ ذلك أظهَر وأشد، وحق رواياتِ الوضوءِ أن تنقَلَ على عدمِ ترتيب أَولى مِن التيمم، ومع ذلك أحكِمتْ في \"الصحيحَيْنِ\" وعامَّةِ الرِّوايةِ الصحيحةِ خارجَه على ترتيب الأعضاءِ كما في القرآن، وورودُ تقديم وتأخيرِ في التيمُّمِ دال على التشديدِ في الوضوء والتخفيفِ في التيمم، لا أن إحكامَ رواياتِ الوضوءِ دالٌّ على التشديدِ في أعضاءِ التيمم، ولا أنَّ اختلافَ روايات التيممِ دال على التساهُلِ في أعضاءِ الوضوءِ؛ فالتحقيق بينَ ذلك.\nالرابع: أن اللهَ ابتدَأ بالأمرِ بغَسلِ الوجهِ في الآية، ولو لم يُقصَدِ الترتيب، لكان غسلُ اليدَينِ إلى المرفقينِ أيسَرَ للمتوضئِ؛ لأن يدَه أولُ ما يقعُ في الماء، وإنهاؤُها أقرَب وأيسر عليه مِن جهةِ النظرِ المجرَّدِ للتقديم، ولكن قُصِدَ الترتيب لحِكمة، فانتقلَ لبداءةِ بالوجهِ على اليدَيْن، واللهُ أعلَمُ.\nوبوجوبِ الترتيبِ قال غير واحد مِن السلفِ؛ كما صحَّ عن ابنِ المسيبِ.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٣٦٨) (١/ ٢٨٠).","vol":"3","page":1143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-859>ترتيبُ أعضاءِ الفرضِ الواحدِ:</span>\nوأمَّا عدمُ الترتيب بينَ أعضاءِ الفرضِ الواحدِ؛ كالقَدمَيْنِ واليدَينِ في الغَسْل، وفي الخُفينِ في المسح، فالأمرُ فيه يسير، وقد جاء عن علي وابنِ مسعود القول بجوازِ تنكيس الأعضاء، وهو منقطِع عنهما، وحمَلَهُ أحمد على تقديمِ اليُسرَى على اليمنَى في العضوِ من الفرض، كما نقَلَه عنه ابنُه عبد الله، وقد استدَلَّ أحمد بجوازِ ذلك بإجمالِ الكتابِ؛ كما نقله عنه ابن هانئ (١)؛ وهي رواية أنكرها الزركشي (٢).\nويروى عن أحمد رواية بوجوب تقديم اليمين على الشمال، وقد قال بجواز تنكيس الأعضاء جميعا النخَعي والحسَنُ والثوري، وبه قال أهلُ الرأيِ.\nويخفف بعض السلفِ في تركِ اللُّمعةِ والبُقْعةِ اليسِيرةِ من عضوٍ قد غسَلَهُ؛ فلا يرَوْنَ في استدراكِها بعدَ الوضوءِ مِن حَرَج، ولو كانتْ في غيرِ القدمِ كالوجهِ واليد، ولا يرَونَ غسلَ ما بعدَها؛ وجاء هذا عن سالمِ بنِ عمرَ.\nثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، فيه وجوبُ الغُسْلِ من الجنابة، وأن الوضوءَ لا يرفَعُهَا بالإجماعِ؛ ولكنْ يخفِّفها بما لا تُستَحَلُّ معه الصلاة، وقد استدَل أحمدُ بعمومِ الآيةِ على أن الرجلَ إن وطئ امرأتَهُ وهي حائِض: أنه يجب عليها الغسل للجنابةِ ولو لم ينقطع حيضُهَا؛ كما نقلَه عنه أبو يعلى، ونقَلَ عَنه ابن منصور التيسيرَ في ذلك (٣).\nوبهذه الآية استدَلَّ أحمدُ على عدمِ وجوب الترتيب في غسلِ\n_________\n(١) \"مسائل عبد الله\" (٢٧)، و\"مسائل ابن هانئ\" (١/ ١٤).\n(٢) \"شرح الزركشي\" (١/ ٣٤).\n(٣) \"الروايتين والوَجْهَين\" (١/ ١٠٠)، \"ومسائل ابن منصور\" (١/ ٩٠).","vol":"3","page":1144},{"text":"الجنابة؛ لأنَّ الله أجمَلَ عند الأمرِ بالغُسل، ورَتَّب عند الوضوء.\nثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَو عَلَى سَفَرٍ أَو جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَو لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، وقد تقدمَ الكلامُ على شيء مِن معنى ملامَسةِ النساءِ والتيمم والماء، وحكمِ ذلك في سورةِ النساءِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [٤٣].\nثم قال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾؛ وهذه إرادتُه الشرعيَّة، وهي أحكامُه حلالُهُ وحرامُهُ وتشريعه، فلا يُنزِلُ حُكمًا إلا وهو مقدور عليه مِن المكلَّفِينَ؛ كما قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nثم قال: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، وفي هذا ذِكْرُ التعليلِ؛ أنه سبحانَه لم يُرِدِ المشقةَ على عبادِه، ولكنه أراد تطهيرَهم وتنزيهَهُم مِن الأنجاس والأقذار، وذِكرُ التعليلِ والغايةِ مع الحُكمِ فيه تسكين للنفوسِ لِتقبلَهُ وتُسَلِّمَ به، وهذا إن كان في حكمِ الخالقِ للمخلوق، فإن حُكْمَ الحاكمِ مع المحكومِ والراعِي مع الرعيةِ: مِن باب أولى.\nوأضافَ اللهُ النعمةَ إليه؛ تعظيما لها، وهي نِعْمةُ الإسلامِ وما فيه مِن تشريع وأحكامٍ وحِكَم لصالحِ العباد، ثم أراد مِن العِبادِ شُكرَ النعمة، وأعظم النعَمِ المُستحِقةِ للشكرِ نعمةُ ديِنه وتشريعِه، وكلما تجلى للعبدِ شيء مِن عِلمِ الوحيِ أو العملِ به، فإن ذلك يَستوجب تجديدَ الشكرِ؛ ليُحفَظَ الدين مِن سُوءِ القصدِ وسُوءِ العملِ.","vol":"3","page":1145},{"text":"قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [المائدة: ٨].\nخاطب اللهُ المؤمِنينَ وأمرَهم بالعدل والقسطِ وألَّا ينتصروا لأنفسِهِم، فقال: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾؛ يعني: لا لأنفسِكُم؛ فتأخذوا بالثأرِ لها؛ فتقيموا أنفسكم مقامَ الله، وَتظنوا أنكم تنتصِرونَ له. وكثيرا ما ينتصِر الرجلُ لنفسِهِ ويظن أنه ينتصر لله؛ وذلك عند اختلاطِ حقه بحق الله فيمتزجانِ؛ فتنشط النفسُ إذا بُغِيَ عليها أكثَرَ مِن نشاطِها للحقِّ مَعَ عَدَمِ البغي عليها.\nوقوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾؛ يعني: لا يحمِلَنَّكم؛ كما قالَه ابنُ عبَّاسٍ وقتادة (١).\nوالشنآنُ هو البَغضاء، وهي في الغالب جالبة للعدوانِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢]، وهو ظاهر في تسببه في انتفاءِ العدل، كما في هذه الآية، قال: ﴿عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾.\nوقيل عن آية البابِ: نزلَت في يهودَ لما طلب منهم النبي - ﷺ -؛ الإعانةَ على دِيَةٍ، فهَموا بقتلِه، فأنزَلَ الله الآيةَ هذه فيهم (٢)، وفيه جواز الاستعانةِ بأهلِ الذمةِ والعهدِ وبأموالِهم لمصالحِ المُسلِمينَ وحاجتِهم، عندَ نزولِ نازلةٍ فيهم.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٤٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٢٢٣).","vol":"3","page":1146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-860>الفرقُ بين عدوٍّ يظهِرُ العداوةَ، وعدوٍّ يخفيها:</span>\nوفيه: تغليب النبيِّ - ﷺ - لمصلحةِ تركِهم؛ لأنهم لم يُظهِرُوا العداوةَ ويعلِنُوها؛ وإنما كان عملُهم خُفيَةً، وعداوةُ العلانيةِ أظهَرُ في الانتصارِ والصَّدِّ من عداوةِ الخفاءِ؛ فإنَّ عداوةَ الخفاءِ تكونُ مِن أفرادٍ، لا مِن الجميع، ولوأُخِذَ الجميع بعداوةِ البعضِ في الخفاء، لَقَدَرَ أهلُ عداوة الخفاءِ على إنكارِها وجحدِها واتهامِ المُسلِمينَ بالتربصِ بهم وظلمِهم، وقد يَنطلي ذلك على قومِهم وكثيرِ مِن المسلِمينَ، فينشق صفهم ويَجِدُ المُنافِقونَ مَدخَلا لقولِهم وآذانا تَسمعُ لهم؛ ولذا تحملَ النبي - ﷺ - أكثَرَ عداوة الخفاءِ مِن اليهودِ والمنافِقينَ؛ لِمَا تؤولُ إليه ممَّا سبَقَ وغيرِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-861>شهادة الخُصُومِ:</span>\nوفي هذه الآيةِ: إشارة إلى شهادةِ الخصوم، ولكنها هنا في سياقِ الإِقرارِ لهم بحقِّهم، وألا تكونَ العداوةُ مانِعة مِن إنصافِهم، وإعطائهم حقَّهم.\nولا خلاف عندَ العلماءِ أن مَن شَهِدَ لخَصمِهِ بحقِّه، وأقَرَّ له به: أنه إقرار صحيح؛ لأنه معاكِس لِلظنةِ والتُّهَمَةِ فيه، ومِثلُهُ: مَن شَهِدَ لخَصمِهِ بحق له عندَ أحدِ مِن الناسِ وليس بين الشاهدِ وبينَ الآخَرِ خصومة؛ لانتِفاءِ التهمةِ كذلك؛ وإنما ثمةَ خلاف يسير في حدودِ ما يشهَدُ عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-862>انتفاء التهمةِ في الشهادةِ:</span>\nوتَنتفي التهمة غالبًا عندَ شهادةِ الولدِ على والدِه والعكسُ، والأولادِ والإخوةِ فيما بينَهم، فضلا عما كان أبعَدَ مِن ذلك مِن القرابات، وتقدَّمَ تفصيلُ شيءٍ مِن ذلك في سورةِ النساءِ عندَ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [١٣٥]،","vol":"3","page":1147},{"text":"وقد قال الشافعيُّ: \"والذي أحفَظُ عن كل مَن سمِعتُ منه مِن أهلِ العِلم في هذه الآياتِ: أنه في الشاهد، وقد لَزِمَتهُ الشهادةُ، وأنَّ فرضًا عليه أن يقومَ بها على والدَيه وولدِه، والقريب والبعيد، وللبغيضِ القريب والبعيد، ولا يكتمَ عن أحد، ولا يُحابِيَ بها، ولا يمنعَها أحدا\" (١).\nولما كانتِ العداوةُ والشقاقُ جالبةً للظُّلم، ومُبعدةً للعدلِ؛ سقَطت شهادةُ الخصومِ بعضِهم على بعضٍ؛ لأجلِ تلك المفاسِدِ التي تخالِفُ مقصدَ الشريعةِ مِن إقامةِ العدلِ ودفعِ الظلم، والآيةُ دلت بالمفهومِ ودليلِ الخِطابِ على هذا، ورُوِيَ في ذلك أحاديث مرفوعة معلولة؛ مِن حديث عائشة وابن عمرَ وأبي هريرةَ وجابر وعبدِ اللهِ بنِ عمرو وغيرِهم: \"أنه لا تُقبَل شهادةُ ظَنينِ ولا ذي غِمْرٍ على أخِيه\".\nوأَمثَلُها حديثُ أبي داودَ وابنِ ماجَه؛ مِن حديث عمرِو بنِ شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعا: (لَا تَجوزُ شَهَادَة خَائِن ولَا خَائِنَة، وَلَا زَانٍ وَلَا زَانِيَة، وَلَا ذِي غمر عَلَى أخِيهِ) (٢).\nوالظَّنينُ: من يُظَنُّ به تُهَمَةٌ وعداوةٌ تدعوهُ للإخلالِ بالشهادةِ؛ وبهذا قال عامَّةُ السلفِ؛ فقد رواه مالك بلاغًا عن عمرَ (٣)، وجاء عن جماعةٍ كالشعبي وشُرَيح والزهري والنخَعي، وخلافُ الفقهاء: في تحقُّقِ الظِّنَّة والتُّهَمةِ ومقدارِ تأثيرِها في إبداءِ الحق، وفي بعضِ الأشخاصِ دونَ بعض، وفي بعض القراباتِ على بعض، فمنها القريبُ ومنها البعيد، وكل خلافهم ليس في أصلِ المسألةِ؛ فهم متَّفِقونَ عليها؛ وإنما في تحققِ الظنةِ والعداوة المؤثِّرةِ.\n_________\n(١) \"الأم\" (٧/ ٩٧).\n(٢) أخرجه أبو داود (٣٦٠١) (٣/ ٣٠٦)، وابن ماجه (٢٣٦٦) (٢/ ٧٩٢).\n(٣) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (٢/ ٧٢٠).","vol":"3","page":1148},{"text":"قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢)﴾ [المائدة: ١٢].\nوهؤلاءِ النقَباءُ الذين اتَّخَذَهم موسى هم رؤوس عن قومِهم، مِن كل سِبط يَبعَثونَ رجُلا؛ وذلك لمَّا أراد موسى قتالَ الجبابرة، وإنما اتخذَ النقَباءَ حتى يسمَعَ له ويطاعَ، فلا يَنشقَّ الصف ويَنهزمَ أهل الحق؛ فإن مَن قاتَلَ مِن غيرِ قناعة، ضَعُفت عزيمتُه عن الإثخانِ في العدو، فيُهزَمونَ ولو كانوا كثرةَ، لِهَوَانِ نفوسِهم بالقِلةِ الثابتة، وإنما اتخَذَ موسى واحدًا على كل قوم؛ ليكونَ شاهدًا عليهم بما يريدونَ، وضامنا لهم وضامنا عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-863>اتخاذُ النقباءِ والعرفاءِ:</span>\nولذا يتأكد على الحُكامِ اتخَاذُ النُّقَبَاءِ عن الناسِ في القتال، خاصَّة عندَ اختِلافِ الناسِ ومَشاربِهم، وضَعفِ دينهم، وهوانِ عزائمِهم؛ وهكذا فعَلَ النبي - ﷺ - حينَما بايَعَ الأنصارَ ليلةَ العَقَبَة، فكانوا سبعينَ رجلا وامرأتَين، فاتَّخَذَ النبي - ﷺ - منهم اثني عشرَ نقيبا: ثلاثة من الأوس، وتسعة مِن الخَزرَجِ؛ كما ذكرَهُ مالك وابنُ إسحاقَ (١).\nوالنقباء هم العُرَفَاءُ عندَ العرب، والنقيب: هو الأمينُ الضامنُ على قومِه، وذُكِرَ أن اللهَ أنزلَ فيهم قولَه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ\n_________\n(١) \"سيرة ابن هشام\" (١/ ٤٤٣)، و\"تاريخ دمشق\" (٩/ ٧٦).","vol":"3","page":1149},{"text":"وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-864>الحكمةُ مِنِ اتخاذِ النقباءِ والرؤساءِ:</span>\nوإنما كان اتخاذ الرؤوسِ مِن الناسِ؛ لجملةٍ مِن المصالح العظيمةِ؛ ومنها:\nالأولُ: لإشباعِ طمعِ النفوسِ في السِّيادة، وإغلاقِ مَدْخَلِ الشيطانِ عليهم: أنَّهم أخِذوا مُغالَبة وإكراهًا، فيقومونَ مُكرَهينَ، وربما تحيَّنُوا الفرصةَ للتمرُّدِ والعِصْيانِ.\nالثاني: أن رؤوسَ القومِ يُؤثرون على أَتباعِهم، والقوم يؤثرونَ على جِنْسِهم عِرقا ونَسَبًا ووطنا ودينا، أكثَرَ مِن تأثيرِ الأجنبيِّ عليهمِ؛ لهذا أسلَمَ مِن المُشرِكين كثير، ومِن النصارى عدد غيرُ قليل، ولم تتأثر يهودُ بأحد أَسلَمَ كما تأثرت بسَلمانَ الفارسي؛ لأنه كان وَسطَهم، وإن لم يتدين بدينهم كما تدينوا، ولمَّا كان تأثير الرجُلِ على قومِهِ أكثَرَ مِنٍ البعيدِ؛ قال - ﷺ -: (لَو آمنَ بِي عَشرَة مِنْ أحبَارِ الْيَهُود، لَآمَنَ بِي كُل يهودِيٍّ عَلَى وَجْهِ الأَرضِ) (١).\nواتخاذ العرفاءِ والنقباءِ متأكد في الإسلامِ على الحاكم، ويكونُ واجبًا عندَ اشتدادِ الكَرب واتِّخاذِ الأمورِ العِظام، فإن في ذلك جمعا للكلمة، وفي انتفائِهِ فتنة وشِقاق واضطراب وقتل، وما لا يتم الواجب إلا به لهو واجب، وما كان تركُهُ يُفضي إلى حرام، فتركُهُ حرامٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-865>الفرقُ بين أهل الشورى والعُرفاء والنُّقباءِ:</span>\nوالعرفاء والنقباء نُوَّاب عن سَوَادِ الناس، ولا يَلزَم مِن ذلك أن\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٨٥٥٥) (٢/ ٣٤٦)، واللفظ له، والبخاري (٣٩٤١) (٥/ ٧٠)، ومسلم (٢٧٩٣) (٤/ ٢١٥١).","vol":"3","page":1150},{"text":"يكونوا علماءَ وفُقهاءَ في الدِّينِ؛ وإنَّما مَن كان رأسًا في قومِه أو رَضُوهُ، فهو نقيب وعَرِيفٌ، وبينَ أهلِ الشورى وأهلِ الحَل والعقدِ والنقَباءِ تداخُل، وبعضها أعَم مِن بعضٍ:\nفأمَّا أهل الشُّورى: فليس كلُّ مَن استحَقَّ الشَّورَى يكون نقيبا وعَرِيفًا في قومِه؛ وإنما يستشارُ لعلمِهِ وعقلِهِ ولو كان مغمورا، وأهلُ الشورى يَتخِذهم الحاكمُ لنفسِهِ كما اتخَذَ النبي - ﷺ -، واتخَذَ خلفاؤه مِن بَعدِه، ويجب أن يتحرى الحاكمُ فيهم العِلمَ والتجردَ والعملَ والأمانةَ ليَنصَحُوا له، لا ليوافقوه ويرضوهُ فيما يقول، ويجب ألا يُفسِدَهم -بعدَما أدناهم- بالمالِ والعطاء، حتى تتشربَهُ قلوبهم؛ فيَتهيَّبُوا المخالَفةَ خوفَ فواتِ العَطيةِ والهِبة، فيَغُشُّوه؛ لأنَّه أفسَدَهمْ هو على نفسِه.\nوأما النقَباء والعُرَفاء، فلا يَلزَمُ منهم أنْ يكونوا علماءَ وفقهاءَ؛ وإنما هم علماء بقومِهم وما يحِبونَ وَيكرهونَ؛ وفقهاء بأثرِ سياسةِ الحاكمِ عليهم، وأثرِهم على الحاكم، فيكونونَ نَصَحَة لقومِهم ولسُلطانهم.\nوالعُرَفاء والنقَباءُ يَختلِفونَ عن أهلِ الشورَى بأن النقباءَ يتخذهم أقوامُهمْ عنهم؛ كما كان النبي - ﷺ - يفعلُ؛ فقد روى أحمد في \"المُسنَدِ\" بسندٍ جيد؛ مِن حديثِ كعبِ بنِ مالكٍ، وكان ممن شهِد العَقَبةَ وكانوا سبعينَ رجلا وامرأتَين، فقال لهم النبي - ﷺ - لما بايَعهم: (أخرِجُوا إِلَيَّ منكُمُ اثْنَي عَشرَ نَقيبا يكُونُونَ عَلَى قومِهِمْ)، فأخرَجوا تسعة من الخَزرَج، وثلاثة من الأوسِ (١).\nلأن الناسَ هم الأعلَم بالأصلحِ لهم، فما ذهَبَ إليه جمهورُهم ورَغبوا فيه عَرِيفا، فهو عَرِيف ولو كَرِهَهُ الحاكم لشخصِه؛ لأن المرادَ جمعُ كلمةِ قومِهِ وتأليفهم، لا تليِينُ قلبِ الحاكمِ وأُنسهُ به؛ فإن العُرَفاءَ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٥٧٩٨) (٣/ ٤٦١).","vol":"3","page":1151},{"text":"يَقطَعون على سفَهاءِ الناسِ فتنةَ ألسنتِهم وأفعالِهم، فمَن لم يَمنَعه قرآن ولا خوف سُلْطان، منَعتة هَيْبةُ قومِهِ وأَطَروهُ، فلم يَخرُج عما يَرغَبون.\nولكن يُشترطُ في العَرِيفِ الأمانة وسلامة الدينِ العامّ، ولو كان مِن أهلِ اللمَمِ.\nوقد كان النبي - ﷺ - يتَّخذُ العُرَفاءَ والنقباءَ فيما خفِيَ عليه مِن أمرِ العامَّةِ ورَغباتِ نفوسِهم، وما يتعلقُ باستنفاقِهم عندَ النوازلِ والجَدب، أو معرفةِ حقوقِ أفرادِهم وطيب خواطرِهم؛ لهذا يشق على الحاكم في الدُّوَلِ مترامية الأطراف، وقد كان النبي - ﷺ - يتخذُ ذلك في المدينةِ وأهلُها حينئذ قليل وهم على طوعِهِ وأمرِه، فلمَّا جاءَه هوازن مسلِمِينَ وقد سَبَى منهم وقَسَمَ السبيَ، فطلَبُوا إرجاعَ نسائِهم وأولادِهم، وكان الصحابة حازُوا حقهم مِن ذلك، فأرسَلَ إلى الناسِ عرَفاءَهم؛ كما في \"الصحيح\"؛ مِن حديث عروةَ بنِ الزبيرِ؛ أن مَروَانَ بنَ الحَكَم، والمِسوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ أخبَرَاهُ؛ أن رسولَ اللهِ - ﷺ - قال حِينَ أذِنَ لَهُم المسلِمُونَ فِي عتق سبيِ هَوَازِن: (إني لَا أدرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمنْ لَمْ يأذَنْ، فَارجِعوا حَتى يَرفَعَ إِلَينَا عرفَاؤُكمْ أمْرَكمْ)، فَرَجَعَ الناسُ، فَكلمَهم عُرَفَاؤُهُم، فَرَجَعوا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَأخبَرُوه أن الناسَ قَدْ طَيبوا وَأذِنوا (١).\nوقد ترجَمَ البخاري على ذلك بقولِهِ: \"بابُ العُرَفاءِ للناسِ\" (٢).\nوالعُرفاء يُوجَدونَ في الناسِ اضطرارا، لا يَنتقيهِمُ الحاكمُ اختيارا كما يريدُ، لكل ناسِ يتشكلُ فيهم رؤوس، فيكونونَ وُجَهاءَ ونُقَباءَ فيهم، يَسُودُونَ لأمرِ متراكِم فيهم؛ إما بعِلم أو مال أو نَسَب أو حسبٍ، فيَفرِضونَ أنفسَهم بالقبولِ وَسطَ الناس، فيكونونَ رؤوسا كرأسِ الهرمِ يقوم على عدد كبير مِن الحَصَى، فلم يَرفعه فرد ولا أفراد؛ وإنما جماعة\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٧١٧٦) (٩/ ٧١).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٩/ ٧١).","vol":"3","page":1152},{"text":"وأُمَّةٌ، فإذا أخَذَ الحاكمُ واختارَ مِن النَّاسِ مِن وسطِهم كمَن أخَذَ حَجَرًا مِن وسَطِ الهرمِ أو أسفلِه، فيسقُطُ عليه مَن فوقَهُ وتحدُثُ فتنةٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-866>فائِدةُ النُّقَباء، وسَبَبُ حاجةِ الغَرْبِ لصناديقِ التصويت:</span>\nنظَّمَ الإسلامُ الناسَ وحَفِظَ تركيبَهم، وأمَرَ بترابُطِهم وتواصُلِهم: بصِلَةِ الرَّحِم والأقرَبِين، وحُسنِ الجِوَار، وإِكرامِ الضيفِ، وإجابةِ دَعْوةِ الوَلِيمة، وشُهودِ صلاةِ الجَماعة، وشَرَع عبادةَ المريض، واتِّباعَ الجنازة، وبَذْلَ المعروفِ ورَدَّه، وجمْعَ الناسِ على الطعام، ومعرفةَ الأنسابِ والعاقلةِ في الدِّيَة، وغيرَ ذلك مِن الشرائعِ الدافعةِ التي يَلزَمُ منها ترابُطُ الناسِ وتعارُفُهم وتشكُّلُهم على صورةٍ يَظهَر معها فيهم عُرَفَاءُ ونُقبَاءُ يَسُودونَ لفضلِهم وسيرتِهم التي تصوَّرَتْ في الأذهانِ لعُقودٍ ليس فيها مخادَعةٌ أو تلبيسٌ ساعةً أو يومًا أو أيامًا؛ ولهذا لم يحتَجِ النبيُّ - ﷺ - وخُلفاؤه إلى معرفةِ رؤوس الناسِ وأخذ رأيهم الذي لا يحرُجُ غالبًا عن رأيِ مَن تحتَهم مِن قَومِهم؛ لأنَّ قومَهم أظهَرُوهم وسَوَّدُوهم في عُقودٍ بلا تزييفِ إعلامٍ ولا استبدادِ حاكمٍ باختيارِه، وإنْ لم يَتَّفِق على العُرَفاءِ والنُّقَباءِ جميعُ قومِهم؛ فإنَّه يَتَّفِقُ عليهم الغالبُ والسَّوَادُ، وقدِ اختَلَّ هذا الأمرُ في بعضِ القُرونِ السابقة، وفي عصرِنا اليومَ لدى كثيرٍ مِن المسلمينَ وعامَّةِ الكُفَّار:\nأمَّا الكفار -وهُمُ الغَربُ اليومَ-: فتفَكَّكَ لديهم المجتمعُ؛ لأنهم عَمِلُوا بالمبدأ اللِّيبراليِّ بتفكيكِ الروابطِ العِرْقِيَّةِ والدِّينيةِ والقَبَلِيَّةِ والأُسْرِيَّة، حتى بَلَغَ ببعضِ المجتمعاتِ تفكيكُ آخِرِ رابطٍ، وهو رابطُ الآباءِ والأبناءِ بعصِهم ببعضٍ؛ فلا يئواصَلُون أعوامًا، ولَزِمَ مِن ذلك ألَّا يوجَدَ هَرَمٌ للناس ولا رَأْس، وألَّا يشكَّلَ لديهم نُقَباءُ وعُرَفاءُ عبرَ عقودٍ، فلا يتعارَفُ الأقرَبُون فضلًا عن الأبعَدِين، فاضطرُّوا إلى معالَجةِ ما أفسَدُوه في قُرونٍ","vol":"3","page":1153},{"text":"بأن يستدرِكُوه في يومٍ، فإذا أرادُوا ترشيحَ أحدٍ قام بحملةٍ على المنابِرِ الإعلاميَّة يُعرِّفُ بنفسِه بما لا يملِكُ الناسُ معه وقتًا لتمييزِ الصادقِ مِن الكاذب، فيأخُذُون رأي الأفرادِ جميعًا في يومٍ أو أيَّامٍ على مَن لا يعرِفُه أكثرُهم إلا فيها، حتى يُنفِقَ المرشَّحُ في بعض الدُّولِ مئاتِ الملايينِ وربما مِليارًا وأكثَرَ؛ وذلك ليُعِيدوا ما فَكَّكُوه مِن روابطِ الفِطْرةِ والشريعة، ولكنْ بصُورةٍ يَغلِبُ عليها التدليسُ والخِدَاع.\nوأمَّا عند كثير مِن المسلِمِين: فذلك أنَّ الأصلَ في العُرَفاءِ والنُّقَباءِ أنهم يخرُجُون بن وسطِ الناسِ في عقودٍ حيثُ سَبَرُوا حالَهم وعَرَفُوهم خيرَهُم وشَرَّهُم وكمالَهم ونَقْصَهم، فسَادُوا بالدِّينِ والعلمِ والعَقْلِ والخُلُقِ والصِّدقِ والأمانةِ؛ فيظهَرُ العُرَفاءُ اضطرارًا لا اختيارًا، ولكن يتسلَّطُ بعضُ الحُكَّام فيضَعُ على الناسِ عُرَفاءَ ونُقَباءَ فيُقَرِّبُ مَن يوافِقُه ولو كان مِن وسطِ الناس ويُبعِدُ مَن يُخالِفُه ولو كان مِن رَأْسِهم، ثم يأخُذُ رأيَهم على أنه رأيُ رؤوسِ الناس الذين يجتمِعُون عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-867>أهلُ الحلِّ والعقدِ:</span>\nوأمَّا أهلُ الحَلِّ والعَقْدِ، فهو معنًى قديمٌ قَرَّرَتْهُ الشريعةُ ودلَّ عليه عملُ الأنبياء، ولكنَّه مصطلحٌ متأخِّرٌ، وظهَرَ في كلامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ وغيرِه ممَّن جاء بعدَهُ، وإنَّما يُتَّخَذُونَ فيما يتعلَّقُ باختيارِ الحاكمِ والأُمورِ العِظامِ التي يُخشَى مِن عدمِ انقيادِ الناسِ له بها، ويشتَرَطُ لي أهلِ الحَلِّ والعَقدِ: أن يكونوا رؤوسًا في قومِهِمْ، ولا يُشترَطُ فيهم العِلْمُ وإنما يجبُ أنْ يتوافَرَ فيهم مِن العلم العلمُ بشُروطِ الإمامِ والإمامةِ في الإسلامِ؛ وأنْ يَتوافَرَ فيهم الدِّين والأمانةُ، وإن كانوا علماءَ، فذلك أكمَلُ، ولكنَّه ليس بشرطٍ، ما دام الحاكمُ الذي يختارونَهُ تتوافرُ فيه شروطُ الإسلامِ في الحاكم.\nوأهلُ الحَلِّ والعَقْدِ يكونونَ مِن النُّقَباءِ؛ لأنَّهم أهلُ عِلْمٍ بقومِهم،","vol":"3","page":1154},{"text":"ومِن أهلِ الشُّورى؛ لأنَّهم أهلُ عِلْمٍ بالشريعةِ وغيرِها؛ لِيَجْمَعَ بينَ العارِفينَ بالناسِ؛ فلا يَخرُجوا عمَّا يُريدونَهُ فلا تقَعَ الفتنُ، وبينَ العالِمينَ بالشريعةِ؛ فلا يَخرُجوا عن أمرِ اللهِ ومراده في الحُكمِ والسياسةِ؛ فإنَّ الناسَ قد يريدونَ غيرَ ما أراد اللهُ جهلًا أو هوًى، فيُبيِّنُ لهم أهلُ العِلم ذلك، وقد يَقضي أهلُ العِلْمِ بشيءٍ لم تفصِّلْ فيه الشريعةُ ولا يُريدُهُ الناس، فتقعُ الفتنةُ.\nفاجتماعُ العلماءِ والنُّقباءِ في اختيارِ الحاكِمِ والفصلِ في أمرِ الأمَّةِ العظيمِ وخاصَّةً عندَ الفتنِ: مِن سُنَنِ الأنبياءِ والمرسَلِينَ، ويُروى في الحديث: (لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ كَانَ قبلِي إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ سَبْعَةَ نُقَبَاءَ وُزَرَاءَ نُجَبَاءَ)، رواهُ أحمدُ، عن كَثِيرِ النَّوَّاء، وهو مُتكلَّمٌ فيه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-868>اتخاذُ الجاسوسِ في الحربِ:</span>\nوفي الآيةِ: دليلٌ على اتِّخاذِ الجاسوسِ يسبُرُ أحوالَ العدوّ، ويَعرِفُ عُدَّتَهم وعدَدَهم، ومواضعَ القوةِ والضَعْفِ فيهم؛ كما فعَلَ موسى بإرسالِ النُّقباءِ إلى الجبَّارينَ، وقد اتَّخذَ النبيُّ - ﷺ - عَيْنًا، وهو بُسَيْسَةً؛ كما أخرَجَه مسلمٌ (٢).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾ [المائدة: ٣١].\nوفي هذه الآيةِ: إشارةٌ إلى سُنَّةٍ فِطْرِيَّةٍ، وهي دفنُ المَوْتَى، وقد شرَعَها الله في أولِ ميِّتٍ مِن بني آدمَ، ودفن الميِّتِ وقَبْرُهُ إرجاعٌ له إلى أصلِهِ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦٦٥) (١/ ٨٨).\n(٢) أخرجه مسلم (١٩٠١) (٣/ ١٥٠٩).","vol":"3","page":1155},{"text":"الذي منه خُلِقَ، ومنه يُبعَثُ ويُخرَج؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾ [عبس: ٢١]، وقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦].\nوالدفنُ فِطْرةٌ وسُنَّةٌ تَعَلَّمَها الإنسانُ بواسطةِ الحيوانِ، وفيه أنَّ الإنسانَ يتعلَّمُ العِلْمَ ويأخُذُهُ مِن كلِّ أحدٍ صدَقَ فيه، وقد أُخِذَ دفنُ الميِّت مِن غُرَابٍ، وهو حيوانٌ مذمومٌ شرعًا، فهو من الفواسقِ الخمسِ؛ كما في الحديثِ في \"الصحيحَيْن\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-869>الحكمةُ مِن دَفْنِ الميِّت:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-870>ودفن الميِّتِ شُرِعَ لعلَّتَيْنِ:</span>\nالأُولى: إرجاعٌ للميِّتِ إلى أصلِ خِلْقَتِهِ الأُولى، التي يُخرَجُ ويُبعَثُ منها؛ كما قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه: ٥٥].\nالثانية: سَتْرُ سَوْءَتِهِ عن الناسِ ألا يَتأذَّوْا منها، ولا ينظُروا إليها، ولا يَكرَهَ هو أنْ يكونَ كذلك لو كان حيًّا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-871>وسَوْءتُهُ هنا سوءتانِ:</span>\nالأُولى: عورةُ جِسْمِهِ المحسوسةُ بالبصرِ؛ وهي محرَّمةُ الكشفِ والنظرِ للحيِّ والميِّتِ سواءً، ويُروى في الخبرِ؛ مِن حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: (لَا تُبْرِزْ فَخِذَكَ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ)؛ رواهُ أحمدُ وأهلُ السُّننِ (٢).\nالثانية: عورتُهُ المحسوسةُ بالشمِّ لِنَتْنِها.\nفشُرِعَ الدفنُ لسَتْرِ ما يَسُوءُ الناسَ مه وما يَسُوءُهُ هو أنْ يكونَ منه ومِن غيرِهِ ذلك.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٣١٤) (٤/ ١٢٩)، ومسلم (١١٩٨) (٢/ ٨٥٧).\n(٢) أخرجه أحمد (١٢٤٩) (١/ ١٤٦)، وأبو داود (٣١٤٠) (٣/ ١٩٦)، وابن ماجه (١٤٦٠) (١/ ٤٦٩).","vol":"3","page":1156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-872>وضعُ الميِّت في البحر:</span>\nومَن لم يَجِدْ ترابًا يَدفِنُ فيه الميِّتَ؛ كمَنْ كان في سفينةِ في البحرِ ولم يجدْ أرضًا يَدفنُ فيها وطال سيرُهُ وخَشِيَ نَتْنَ الجسدِ وفسادَه، جاز له أنْ يُغسِّلَهُ ويُكفِّنَهُ كما يصنعُ به لو كان في بلدِهِ ثُمَّ يرْمِيَ به في البحر، ولا يجوزُ لهم الاستعجالُ برميه حتى يُخشى عليه تمزُّقُ الجسدِ وشدةُ النَّتْن، فقد مات أبو طَلْحةَ الأَنصاريُّ في البحر، فانتظَرُوا فيه سبعةَ أيامٍ حتى بلَغُوا جزيرةً فدفَنُوهُ ولم يَتغيَّرْ؛ كما رواهُ ابنُ حِبَّانَ وأبو يَعْلى (١).\nويفضَّلُ أنْ يُوضَعَ فيه ثِقْلٌ حتى يصلَ إلى القاعِ حتى لا يطفُوَ على سطحِ الماء، وإنَّما يَنزِلُ إلى قاعِهِ فيجتمعُ عليه ترابُ البحرِ فيَدفِنُه.\nوبعضُ فُقهاءِ الشافعيَّةِ استحبَّ أن يكونَ بينَ لَوْحَينِ ليَطْفُوَ؛ فربَّما رماهُ البحرُ إلى شاطئٍ، فيراهُ الناسُ فيَدفنونَهُ؛ وهذا اجتهادٌ يَحْكُمُهُ الحالُ وقربُ المكان، والله أعلَمُ.\nوكذلك مَنْ كان في البُلْدانِ الجليديَّةِ التي لا ترابَ فيها وتعذَّرَ ذلك، جاز دفنُهُ في الجليدِ كما يُدفَنُ في التراب، والدفنُ في الجليدِ أَولى مِن الرمي في البحرِ.\nوالماءُ بدلٌ عن الترابِ في الدفن، كما أنَّ الترابَ بدلٌ عن الماءِ في الطهارة، والله أعلَمُ.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (٤٣١٣)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٧١٨٤).","vol":"3","page":1157},{"text":"قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَو يُصَلَّبُوا أَو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَو يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤].\nبعدَما ذكَرَ اللهُ قصةَ ابنَيْ آدمَ، وأنَّ عُدْوانَ الفردِ إنْ نعدَّى، اتَّخَذَهُ الناسُ حِرَابةً فمِن قتلِ الفردِ إلى قتلِ الجماعة، جعَلَ حدودًا للفساد، وذلك ببيانِ عاقبةِ القاتلِ والمحارِبِ في الآخِرةِ وبيانِ حَدِّهِ في الدُّنيا، وفي ترتيب الآيةِ بعدَ الآياتِ السابقةِ: أنَّ اللهَ حَدَّ الحدودَ وشرَعَ العقوبات بسببِ مخالَفةِ بني آدمَ، ولولا فسادُهم ومخالفتُهم، ما كلَّفَهم ذلك، فقد ذكَر اللهُ بدايةَ فتنةَ القتلِ وخطورتَهُ ووقوعَه، ثم بيَّنَ عِقابَهُ وحَدَّهُ لرَدْعِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-873>الحِرَابةُ ومعناها ونزولُ حُكْمِها:</span>\nوالمُحارَبةُ مِن المُفاعَلةِ، وتكونُ مِن طرَفَيْنِ كالمُقاتَلةِ، وكأنَّ المحارِبَ يَستعدِي غيرَهُ ليفعَلَ مِثلَه، فيَقتتِلَ الطرَفانِ؛ فتُزهَقَ الأرواحُ وتفسُدَ الأموالُ، ويَحْمِلُ إثمَ الطرَفَيْنِ مَن تسبَّبَ في ذلك، وهو أوَّلُهم.\nولا يَلزَمُ مِن المُحارَبةِ القتلُ؛ وإنَّما أخذُ الأموالِ وسَلْبُها وتخويفُ السائِرِينَ مِن الحِرابةِ؛ ولذا قال: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾.\nوجاء الخبرُ: أنَّ هذه الآيةَ نزَلتْ في أهلِ الكتابِ، وجاء الخبرُ: أنَّها نزَلتْ في المُحارِبِينَ ممَّن ارتَدَّ من المُسلِمينَ، فقطَعَ الطريقَ وأخافَ الآمِنينَ، وجاء الخبرُ: أنَّها في كلِّ مُحارِب قاطعٍ للطريقِ مُسلِمًا مبتدِعًا أو كافِرًا.\nونزولُها فيمَن ارتَدَّ مِن المُسلِمينَ وقطَعَ الطريقَ وأخافَ الآمِنَ أصحُّ وأشهُر.","vol":"3","page":1158},{"text":"فأمَّا نزولها في أهلِ الكتاب، فقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسِ أنَّ هذه الآيةَ نزَلتْ في أهلِ كتابٍ عاهَدُوا النبيَّ - ﷺ -، ونقَضُوا عهدَهُ وأفسَدُوا في الأرضِ؛ فخيَّرَ الله رسولَهُ - ﷺ -: إنْ شاء أن يقتُلَ، وإن شاء أن يقطَعَ أيديَهم وأرجُلَهم مِن خلافٍ؛ رواهُ ابنُ جريرٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عبَّاسٍ (١).\nورُوِيَ هذا عن الضحَّاكِ وغيرِه (٢).\nورَوَى عِكْرِمةُ، عن ابنِ عبَّاس، أنَّها نزَلت في المُشرِكينَ؛ كما رواهُ عنه أبو داودَ والنسائي (٣).\nوأمَّا نزولُها في الحَرُورِيَّةِ وكلِّ مُبتدِعٍ مِن المُسلِمينَ حارَبَ المؤمِنينَ، فقد جاء عن سعدِ بنِ أبي وقاصٍ، فقد رَوَى مُصعبُ بن سعدٍ، عن أبيه، أنَّ الآيةَ نزَلتْ في الحَرُورِيَّةِ؛ رواهُ ابنُ مرْدَوَيْهِ (٤)، ومرادُ سعدٍ: أنَّ الحَروريَّةَ دخَلُوا في هذا الحُكْم، ولم يكنْ يُطلَقُ على أحدٍ حَروريَّةٌ زمن النبيِّ - ﷺ -.\nوحمَلَ هذه الآيةَ على المُحارِبِ المُسلِمِ الجمهورُ، وهو قولُ أبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعيّ، وسببُ النزولِ في المُرتدِّ لا يعني عدمَ دخولِ المسلِمِ المُذْنِبِ فيها.\nوأمَّا نزولُها فيمَنِ ارتَدَّ وقطَعَ السبيلَ، فهذا الأشهَرُ والأصحُّ؛ وقد أخرَجَ الحديثَ الشيخانِ وأصحابُ الأصول، عن أنس بن مالكٍ؛ أنَّ نَفَرًا مِن عُكْلٍ ثَمَانِيَةً، قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَبَايَعُوهُ عَلَى الإِسْلَام، فَاسْتَوْخَمُوا الأَرْضَ، وَسَقِمَتْ أَجْسَامُهُمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -،\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٣٦٠).\n(٢) المرجع السابق.\n(٣) أخرجه أبو داود (٤٣٧٢) (٤/ ١٣٢)، والنسائي (٤٠٤٦) (٧/ ١٠١).\n(٤) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٩٥).","vol":"3","page":1159},{"text":"فَقَالَ: (أَلَا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِي إِبِلِه، فَتُصِيبُونَ مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا)، فَقَالُوا: بَلَى، فَخَرَجُوا، فَشَرِبُوا مِنْ أبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَصَحُّوا، فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَطَرَدُوا الإِبِلَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَبَعَثَ فِي آثارِهِمْ، فَأدْرِكُوا، فَجِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ، فَقُطِّعَتْ أيْدِيهِمْ وَأرْجُلُهُمْ، وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ، ثُمَّ نُبِذُوا في الشَّمْسِ حَتَّى مَاتُوا (١).\nهذا لفظُ مسلم، وفي لفظٍ لهما: \"مِن عُكْلٍ، أوْ عُرَيْنَةَ\" (٢)، وفي لفظٍ: \"وَأُلْقُوا فِي الحَرَّة، يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ\" (٣).\nوفي البخاريِّ عن أبي قِلَابَةَ؛ قال: \"سَرَقُوا وَقَتَلُوا، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيْمَانِهِمْ\" (٤).\nوعنْدَ مسلمٍ عن أنسٍ؛ قال: \"وَارْتَدُّوا\" (٥).\nوقد ترَكَ النبيُّ - ﷺ - سَمْلَ الأعْيُنِ بعدُ؛ كما جاء مِن حديثِ أبي هريرةَ (٦).\nواختلافُ العلماءِ في سببِ النزولِ لا يُخرِجُ المُحارِبَ المُسلِمَ مِن الحدِّ والعقوبةِ بلا خلافٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-874>حديثُ العُرَنِيِّينَ:</span>\nوقد اختلَفَ العلماء في الحُكْمِ الواردِ لي حديثِ العُرَنِيِّينَ: هل نُسِخَ أو ما زال مُحْكَمًا؟:\nفمنهم من قال بنسخِهِ: ومَن قال بنسخِه، منهم: مَن جعَلَ الناسخَ هذه الآية؛ إذْ جعَلَ الله\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٨٩٩) (٩/ ٩)، ومسلم (١٦٧١) (٣/ ١٢٩٦).\n(٢) أخرجه البخاري (٢٣٣) (١/ ٥٦)، ومسلم (١٦٧١) (٣/ ١٢٩٧).\n(٣) أخرجه البخاري (٢٣٣) (١/ ٥٦)، ومسلم (١٦٧١) (٣/ ١٢٩٧).\n(٤) أخرجه البخاري (٢٣٣) (١/ ٥٦)، و(٦٨٠٥) (٨/ ١٦٣).\n(٥) أخرجه مسلم (١٦٧١) (٣/ ١٢٩٦).\n(٦) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٨٥٤١) (١٠/ ١٠٧).","vol":"3","page":1160},{"text":"حُكْمَ المحارِبِ وقاطِع الطريقِ القتلَ أو الصَّلْبَ أو تقطيعَ الأيدِي والأرجُلِ مِن خلافٍ أو أَنْ يُنفَوْا مِن الأرضِ.\nوممَّن قال بالنسخِ: مَن جعَلَ الناسخَ هو نهيَ النبيِّ - ﷺ - عن المُثْلَة، وأنَّ اللهَ عاتَبَهُ على ما فعَلَ؛ وقال بهذا أبو الزِّنَادِ كما رواهُ أبو داودَ (١)، ولا دليلَ على النسخ بالمُثْلةِ؛ إذْ لا دليلَ صريحًا يَعضُدُهُ.\nومِن السلفِ -كابنِ سِيرِينَ- مَن جعَلَ فِعْلَ النبيِّ - ﷺ - بالعُرَنيِّينَ كان قبلَ فرضِ الحدودِ (٢)، واستُدرِكَ: بأنَّ جريرَ بنَ عبد اللهِ روى قصةَ العُرنيِّينَ، وإسلامُهُ متأخِّرٌ بعدَ المائدةِ.\nومنهم مَن قال: بإحكامِ حُكْمِ النبيِّ - ﷺ - في العُرَنيِّينَ، وهذا قولُ الأكثرِ؛ كمالك والشافعيِّ وغيرِهما، وأمَّا سَمْلُ الأَعْيُنِ: فإنَّما فعَلَ النبي - ﷺ - ذلك قِصاصًا؛ لأنَّ العُرنيِّينَ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرُّعاة، كما ثبَتَ في مسلمٍ، عن أنسٍ؛ قال: \"إنَّمَا سَمَلَ النَّبيُّ - ﷺ - أَعْيُنَ أُولَئِكَ؛ لِأَنهُمْ سَمَلُوا أعْيُنَ الرِّعَاءِ\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-875>الحِرَابةُ في الحضرِ والسفرِ:</span>\nولا يَلزَمُ في المُحارِبِ أنْ يكونَ في فَلاةٍ؛ وإنَّما قطعُ الطريق، وتخويفُ الآمِن، وخَطْفُهُ وسَلْبُه، ولو كان في حَضَرٍ وفي بَلَدٍ معمورةٍ، فحُكْمُهُ واحدٌ عندَ جمهورِ العلماءِ؛ نصَّ عليه السلفُ؛ كمجاهدٍ وغيرِه، وقال به مالكٌ والشافعي وأحمدُ.\nخلافًا لأبي حنيفةَ؛ فقد جعَلَ الحِرَابَةَ في الفَلاة، لا في المدينةِ المعمورةِ.\nوهذا القيدُ فيه نظرٌ؛ لعموم الآيةِ وعمومِ العِلَّة، فيجبُ أنْ يَعُمَّ الحُكْمُ، بل إنَّ تخويفَ الآمِنِ وسَلْبَهُ وخَطْفَهُ في الحلِّ والحَضَرِ أعظَمُ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٤٣٧٠) (٤/ ١٣١)، والنسائي (٤٠٤٢) (٧/ ١٠٠).\n(٢) أخرجه البخاري (٥٦٨٦) (٧/ ١٢٣).\n(٣) أخرجه مسلم (١٦٧١) (٣/ ١٢٩٨).","vol":"3","page":1161},{"text":"على الناسِ مِن كونِهِ خارجَ المِصْرِ في السفرِ أو غيرِه؛ لأنَّ المسافرَ يَقْدِرُ على الحِيطةِ بالسفرِ نهارًا وبسلاحٍ ورُفْقةٍ، وأمَّا في الحلّ، فالأصلُ عدمُ الاحتياط، والاحتياطُ مِن هذا شاقٌّ، وقطعُ السبيلِ في الحَصَرِ وتخويفُ الناسِ أشَدُّ في تحقُّقِ الإفسادِ مِن السفر.\nومَن تأمَّلَ كلامَ السلف، وجَدَ أنَّهم لا يُقيِّدونَ ذلك بالسفر، وإنَّما غلَبَ استعمالُ ألفاظٍ تُوهِمُ السفرَ؛ لأنَّ عادةَ المُحارِبينَ البُعْدُ عن المدنِ خوفَ الغوثِ والنُّصْرةِ واللَّحَاقِ بهم، وكلامُهم تعليقٌ للحالِ بالأغلبِ.\nواشترَطَ الشافعيُّ في الحِرَابةِ في المِصْرِ والبلدِ: أنْ يكونَ للمحارِبةِ شوكةٌ تَقهَرُ مع انقطاعِ الغوث، وهذا المعنى صحيحٌ، فإنَّه لا يُتصوَّرُ خوفُ مَن أُخِذَ مالُهُ مِن جيبِه في السوقِ أو في طريقِ الناسِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-876>قصدُ التخويفِ في الحِرابةِ:</span>\nولا يُشترَطُ في الحِرابةِ السلاحُ؛ فإنَّ الخوفَ يتحقَّقُ بقطعِ الطريقِ والخطفِ وما يَتْبَعُ ذلك مِن مَظِنَّةِ الخنقِ أو الضربِ أو الحرقِ؛ وإنَّما الشرطُ الذي يتحقَّقُ معه وصفُ الحِرابةِ: القوةُ والقهرُ.\nواشترَطَ السلاحَ أبو حنيفةَ خلافًا لجمهورِ العلماءِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-877>حُكْم المحارِبِ:</span>\nوقولُ اللهِ تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَو يُصَلَّبُوا أَو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَو يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾:\nوحُكْمُ المحارِب كما في الآية، وجاءتْ على التخييرِ ابتداءً بالأشدّ، وهو القتلُ والصَّلْبُ، وتوسُّطًا بالقطع، وانتهاءً بالأخَفّ، وهو النفيُ منِ الأرضِ؛ يعني: الأبعادَ مِن أرضِ أهلِه، ليَغترِبَ عنهم؛ وهذا مِن عقوبةِ النفسِ والمعنى، وما قبلَهُ عقوبةُ الحِسِّ.\nولا يَختلِفُ السلفُ: أنَّ الحِرابةَ إن كان فيها قتلٌ أنَّ المُحارِبَ يُقتَلُ، واختلَفَ كلامُهم في الصَّلبُ:","vol":"3","page":1162},{"text":"فمنهم من جَعَل الصلبَ لازمًا مع كلِّ مَن قتَلَ حِرابةً ولو لم يكنْ معه أخذُ مالٍ؛ وهذا قال به النخَعيُّ في أحد قولَيْه.\nومنهم مَن أضافَ للقتلِ أخذَ المالِ ليكونَ الصلبُ؛ رُويَ هذا عن ابن عباسٍ وعطاءٍ وسعيد بنِ جُبيرٍ وأبي مِجْلَزٍ لاحِقِ بنِ حُمَيْدٍ وقتادةَ والنخَعيِّ في قولٍ له آخَرَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-878>قطعُ المحارِبِ:</span>\nواتَّفَقَ قولُ السلفِ: أنَّ القطعَ يكونُ لِمَنْ قَطَعَ الطريقَ وأخَذَ المالَ.\nوجاء عن ابنِ جُبيرٍ أنه قل تجتمِعُ على المُحارِبِ الحدودُ الثلاثةُ: القطعُ والقتلُ والصلبُ، إنْ جمَعَ التخويفَ وأخْذَ المالِ والقتلَ، فيُقطَعُ ثم يُقتَلُ ثمَّ يُصلَبُ.\nوما عدا إيجابَ القتلِ على مَن قتَلَ حِرَابةً، والقطعِ على مَن أخَذَ المالَ -اجتهادٌ من السلفِ؛ ولهذا تنوَّعَ قولُهُمْ، وإنَّما اختلَفَ كلامُهم فيه، لا في أصلِ المسألةِ؛ لاختلافِ الحالِ التي كان حديثُ الواحدِ منهم عليها؛ فقد يكونُ القتلُ في أخذِ المالِ فقطْ أو التخويفِ فقطْ إذا عظُمَ أثرُهُ، ولكنْ لا يكونُ النفيُ أو القطعُ فقطْ في حِرابةٍ فيها قتلٌ، ولا يكون النفيُ فقطْ في حِرابةٍ فيها أخذُ مالٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-879>اختلافُ أحوالِ المحارِبينَ:</span>\nوقد جاء الحكم على التخييرِ؛ لاختلافِ الأحوالِ والأشخاص، والزمانِ والمكانِ؛ فمنها ما يحتاجُ إلى التشديد، ومنها ما لا يحتاجُ إليه؛ فقد تتَّفقُ الصورةُ الواحدةُ في الظاهر، ويختلفُ الحُكْمُ؛ لاختلافِ الحالِ أو الأشخاصِ أو الزمان؛ ولذا جاء عن جماعةٍ من السلفِ إطلاق تخييرِ الإمامِ؛ رُوِيَ هذا عن ابن عبَّاسٍ وابن المسيَّبِ وعطاءٍ ومجاهدٍ والنخَعيِّ والحسن، مع أنَّ منهم مَن جَزَمَ بنوعٍ من الحدودِ على نوعٍ من المُحارَبةِ على ما سبَقَ؛","vol":"3","page":1163},{"text":"وذلك لأنَّ مِن الحِرابةِ ما يختلِفُ، فيُلحَقُ وهو أَدْنى بالأَعْلى، وقد يُخفَّفُ الأعلى لمصلحةٍ عامَّةٍ؛ كترك الصلبِ وإنفاذِ القتلِ في القاتلِ مُحاربَةً، ومنها ما لا يُترَكُ على قولِهم بحالٍ كمَن قتَلَ مُحارَبةً فلا يَختلِفونَ في عدمِ سقوطِ القَوَدِ، وما للحاكم هو إسقاطُ صَلْبِه، وإنَّما تنوَّعَ كلامُهم ذلك للاعتباراتِ السابقة، وهي اختلافُ الأحوالِ والأشخاص، والزمان والمكانِ:\nفأمَّا اختلافُ الأحوالِ: فإنَّ المحارَبةَ على مراتِبَ؛ منها ما يكونُ معه قتلٌ وانتهاكُ عِرْض، ومنها ما يكونُ فيه خطفٌ وأخذُ مالٍ، ومنها ما يكونُ فيه التخويفُ وأخذُ المال، ومنها ما يكونُ تخويفًا بلا أخذِ مالٍ ولا غيرِه، والتخويفُ على درجاتٍ، وأشَدُّها يكونُ فيه الأخذُ بأشَدِّ الأحكام، وهو القتلُ والصلب، وكلَّما خَفَّتِ الحالُ خَفَّ الحُكْمُ.\nوقد يكونُ أثرُ بعض الأحوالِ أشدَّ من غيرِه؛ كشيوعِ خبرِ الحِرَابةِ وخوفِ الناسِ منها؛ لتداوُلِ الناسِ لها في مَجالسِهم وإعلامِهم؛ فالعقوبةُ فيها أشَدُّ من حِرابةٍ مستورةٍ غيرِ متعدِّيةٍ؛ لأنَّ المقصودَ من إلحاقِ الحقِّ في حدِّ الحِرابة بالحاكمِ أنَّ فيها مصلحةَ الناسِ عامَّةً، لا مصلحة المجنيِّ عليهم خاصَّةً.\nوأمَّا اختلافُ الأشخاصِ: فالمرادُ بذلك اختلافُ شخصِ المحارِبِ وشخصِ المحارِبِ، فإنْ كان المحارِبُ له سابقةُ حربٍ وتخويفٍ وشرٍّ، فهذا يَستحقُّ التشديدَ عليه، بمقدارِ ما يَغلِبُ على الظنِّ ردعُهُ وردعُ مَن يُماثِلُه، فقد يُشدَّدُ على محارِبٍ أخافَ أشَدَّ من محارِبٍ أخافَ وسلَبَ المالَ؛ لأنَّ الأولَ اعتادَ تخويفَ الناسِ وترهيبَهم، والثاني لم يَسبِقْ له سابقةُ شرٍّ.\nومِن الأشخاصٍ المُحارِبيِنَ مَن يَظهَرُ عنادُهُ وإصرارُهُ على شرِّهِ وعدمُ توبتِهِ وندمِه؛ فهذا يُشدَّدُ عليه ولو كانتْ حِرابتُهُ مُخفَّفةً؛ أو وَقَعَ ذلك منه أوَّلَ مرَّةٍ، ومنهم مَن يَظهَرُ ندمُهُ وتوبتُهُ أو يَظهَرُ مِن حالِه الجبنُ عن تكرارِ مِثْلِ ما فعَلَ؛ فهذا يُؤخَذُ بالأخفِّ.","vol":"3","page":1164},{"text":"وكذلك: فإنَّ المحارَبَ قد يكونُ حقُّه التعظيمَ والتوقيرَ؛ كقطعِ الطريقِ على السُّلْطانِ العادل، والعالِم والقاضي الذي يحتاجُ الناسُ إلى نفعِه؛ ففي مفسدةِ التعدِّي على هؤلاء أثرٌ في كثيرٍ من الناسِ في دينِهم ودُنياهم، فاستحَقَّ المحارِبُ التشديدَ؛ للأثرِ المتعدِّي من فِعلِه على مَن حارَبَ.\nوأمَّا اختلافُ الزمانِ: فإنَّ الأزمنةَ تتبايَنُ؛ فمنها ما يشتِهرُ فيها الأمنُ ويستقِرُّ، ووقوعُ الحادثةِ الواحدةِ في المحارَبةِ لا تؤثِّرُ في استقرارِ أمنِ البلدِ وأمنِ أهلِه، ولا تُهِيبُهم عن سفرٍ وضربٍ في الأرضِ؛ لعَدِّهم إياها حادثةَ عَيْنٍ؛ فهذه حقُّها التخفيفُ ما لم يكنْ فيها قتلٌ أو انتهاكُ عِرْضٍ.\nومِن الأزمنةِ: ما انتشَرَ فيها قطعُ السبيلِ والفسادُ في الأرضِ؛ حتى تعطَّلتْ مصالحُ الناس، وخافوا السفرَ والضربَ في الأرضِ؛ فهذا يُشدَّدُ فيه؛ حتى يُؤخَذَ بالأشدِّ في أَدْنى وجوهِ المحارَبةِ؛ وهو التخويفُ.\nوأمَّا اختلافُ المكانِ والبُلْدانِ: فمنها ما حقُّها التعظيمُ، وحقُّ أهلِها في الأمن أكثَرُ من غيرِها؛ كمكَّةَ والمدينةِ وكذا بيتُ المَقْدِسِ؛ لأنَّ الله فضَّلَها على غيرِها وفضَّلَ العبادةَ فيها، وحَثَّ على قصدِ العبادةِ فيها، والمحارَبةُ في طريقِها تحقيقُ لمفسدتَيْنِ: دينيَّةٍ ودنيويَّةٍ؛ فيَلزَمُ مِن ذلك دفعُهما، ودفعُهما يكونُ بتغليبِ الأشدِّ من العقوبةِ.\nويدخُلُ في هذا قطعُ طريقِ الحاجِّ والمعتمرِ ولو كان في غيرِ هذه البُلْدانِ في أقصى الأرضِ؛ لأنَّه صدٌّ عن مصلحةٍ عُظْمَى، ويدخُلُ في ذلك أيضًا البُلْدانُ التي تعظُمُ فيها مصالحُ الناس، فيجلبون منها طعامَهم وماءَهم، وفيها سوقُهم، ولا تقومُ حياتُهم إلَّا بها؛ فقطعُ السبيلِ عنها أشدُّ من غيرِها، وقد يكونُ حدُّ الحِرَابةِ في التخويفِ فقطْ، أشَدَّ مِن حدِّ الحِرابةِ في التخويفِ وأخذِ المالِ في غيرِها.","vol":"3","page":1165},{"text":"وبالنظرِ في هذه الاعتبارات مجتمِعةً: اعتبار اختلافِ الأحوالِ والأشخاصِ، والزمان والبُلْدانِ، يُقضي بها على النازلةِ، وقد يَقْوَى وجهٌ على وجهٍ، وقد تَقْوَى من جميعِ الوجوهِ، وقد تَخِفُّ مِن جميعِ الوجوه، والأمرُ في ذلك إلى نظرِ القاضي؛ ولذا جاء في الآيةِ على التخييرِ؛ لاختلافِ تلك الأحوالِ؛ فإنَّ ذِكرَ (أَو) في الأحكام للتخيير، وقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ وعمرِو بن دِينارٍ وعطاءٍ وعِكْرِمةَ والنخَعيِّ: أنَّهم قالوا: \"كلُّ شيءٍ في القرآن (أَوْ أَوْ) يختارُ منه صاحبُهُ ما شاء\" (١).\nونصَّ على هذا أحمدُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-880>التخييرُ في حدِّ الحرابة:</span>\nوالتخييرُ بـ (أو) جاء في مواضعَ من القرآنِ؛ كما في قوله تعالى في جزاء الصيدِ وكفَّارةِ الفِدْيةِ وكفَّارةِ اليمينِ؛ قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَو كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، وقال في الفِدْيةِ: ﴿أَو بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقال في اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَو كِسْوَتُهُمْ أَو تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩].\nوبالتخيير قال جمهورُ السلف، وقد صحَّ عن ابن عبَّاسٍ؛ قال: \"من شَهَرَ السلاحَ في فِئةِ الإسلام، وأخافَ السبيلَ، ثم ظُفِرَ به وقُدِرَ عليه، فإمامُ المُسلِمينَ فيه بالخيارِ: إن شاء قتَلَه، وإن شاء صلَبَه، وإن شاء قطع يده ورجلَه\" (٢).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٩٦ - ٣٩٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١١٩٤).\n(٢) تفسير الطبري\" (٨/ ٣٧٩).","vol":"3","page":1166},{"text":"وبه قال ابنُ المسيَّبِ ومجاهدٌ وعطاءٌ والحسنُ والنخَعيُّ، وهو قولُ جمهورِ العلماءِ؛ كمالكٍ وأحمدَ.\nواستثنى ابنُ جُرَيْجٍ من التخيير ب (أَو) هذه الآيةَ: آيةَ الحِرَابة، وقال بالاستثناءِ الشافعيُّ؛ كما رواهُ البيهقيُّ (١).\nولم يثبُتْ في تقييدِ هذه الأحكامِ في الآية بنوعٍ معيَّنٍ مِن أنواعِ المحارَبةِ: حديثٌ عن النبيِّ - ﷺ -، وقد جاء من حديثِ أنسٍ مرفوعًا أخرَجَه ابنُ جريرٍ، ولا يصحُّ، وإطلاقُها دليلٌ على اختلافِ الاعتباراتِ على ما تقدَّمَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-881>صَلْبُ المحاربِ:</span>\nوقد اختُلِفَ في الصَّلْبِ: هل يُصلَبُ حيًّا حتى يموتَ، أم يُصلَبُ بعدَ قتلِه؟ على قولَيْن، وقد قطَعَ النبيُّ - ﷺ - العُرنيِّينَ، وسَمَلَ أعيُنَهم، وترَكَهم ومنَعَهم الطعامَ والشرابَ، وهذا وإن لم يكنْ صَلْبًا للحيّ، فهو في حُكْمِه؛ وعلى هذا: فالصلبُ للحيِّ حتى يموتَ جائزٌ إذا قام مُوجِبُه؛ لعظيم أمرِه، وشدَّةِ أثرِه، وقلةِ المفسدةِ من إقامتِه.\nوقد يكونُ تحقُّقُ المقصودِ من الصلبِ حيًّا أَظْهَرَ، وقد يكونُ في صَلْبِهِ حيًّا فتنةٌ للناسِ؛ بأنْ يَسمعوا منه ما يُبرِّئُ نفسَهُ ويَحلِفَ فجورًا، فيَظُنَّ الناسُ بأمرِهِ خيرًا، فتقَعَ الحَمِيَّةُ ويُساءَ بالحُكْمِ والحاكم، فيُفتَنَ الناسُ بدلًا من الاتِّعاظِ به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-882>حكمُ النفي:</span>\nوقولُهُ تعالى: ﴿أَو يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ لا يُخرَجُ مِن بُلْدانِ\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٨٥).","vol":"3","page":1167},{"text":"المُسلِمينَ؛ إذْ إنَّ الإقامةَ بينَ ظَهْرَانَي المُشرِكينَ لا تجوز إلا لشديدِ حاجةٍ أو مَظلِمةٍ؛ ويُروى عن ابنِ جُبَيْرٍ وغيرِهِ نفيُهُ مِن أرضِ الإسلامِ إلى أرضِ الكفرِ (١)، ولعلَّه أراد دَفْعَ عَادِيَتِهِ بمُطاردتِهِ وطَلَبِه، لا بإجلائِهِ ليُقِيمَ بينَ ظَهْرَانَيْهِم.\nومِن السلفِ: مَن حمَلَ النفيَ على طَلَبِهِ لو كان هاربًا؛ فلا يستقِرُّ له قرارٌ متخفِّيًا.\nومنهم مَن قال: إنَّ النفيَ هو التغريبُ إلى بلدٍ غير بلدِه.\nومنهم مَن حمَلَهُ على السجنِ؛ كمالكٍ في رواية مُطَرِّفٍ، وأبي حنيفةَ.\nوكلُّ ذلك صحيحٌ بحسَبِ الحالِ.\nوجاء عن بعضِ السلفِ: مَن جعَلَ النفيَ لمن أخافَ ولم يأخُذْ مالًا أو يَقتُلْ أو يَنتهِكْ عِرْضًا؛ وبه قال ابنُ عبَّاسٍ وابنُ جُبيرٍ والحسنُ، وأمَّا عطاءٌ: فيجعلُ النفيَ لمَن قُدِرَ عليه قبلَ أن يفعَلَ شيئًا وإنَّما عزَمَ على قطعِ الطريقِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-883>حكمُ سجنِ أهلِ الحِرَابةَ:</span>\nويَأخُذُ الحبسُ اليومَ حُكْمَ النفي؛ لأنَّ في كلٍّ منهما معنى التغريبِ ومفارقةِ الأهلِ والبلدِ.\nوحَدُّ الحِرَابةِ للقاضي، يقدِّرُهُ فيما يراهُ مِن صالحِ المُسلِمينَ لا يُقدِّرُهُ بهواهُ، وليس ذلك لأصحاب المالِ كالسرقة، وليس لأصحابِ الدمِ كالقِصَاصَ؛ لأنَّ الحِرَابةَ أذًى متعدٍّ للناسِ جميعًا بتخويفِهم وقطعِ سبيلِهم، ولا يَملِكُ حقَّ الناسِ في هذا إلا الحاكمُ، ولا يَملِكُ أصحابُ الحقوقِ إسقاطَ الحدِّ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٣٨٦).","vol":"3","page":1168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-884>التشديدُ في حدِّ الحِرابةِ:</span>\nوتشديدُ الحدِّ وتخفيفُهُ بحسَبِ الاعتباراتِ السابقة، لا بما يهوى الحاكم ويُريدُ الناسُ.\nويظُنُّ كثيرٌ من الحُكَّامِ أنَّ إسقاطَ عقوباتِ التعزيرِ وتخفيفَها أو تشديدَها إلى ما يَهْوَوْنَ هم، وهذا غلطٌ؛ ولذا ترى منهم مَن يعفو عن التعزيرِ كالجَلْدِ والحبسِ بلا سببٍ عامٍّ؛ وإنَّما لسببٍ خاصٍّ به؛ كشفاءِ الحاكمِ مِن مرضٍ أو تولِّيهِ لزمامِ حُكْمٍ؛ وهذا خلطٌ في مَنَاطِ إلحاقِ الحقِّ في أبوابِ التعزيرِ والعفوِ عن المُخطِئِينَ؛ فإنَّ مَناطَ ذلك إلى مصلحةِ المُخْطِئ ومصلحةِ مَن تأذَّى منه؛ فإنْ رَأَى أنَّ إطلاقَهُ أَصْلَحُ للمُخطئِ وللناس، أطلَقَهُ ولو كان القاضي والحاكمُ يُحبُّ بقاءَهُ، وإنْ رأى أنَّ بقاءَه أصلَحُ له وأصلُحُ لأمرِ الناس، أبقاهُ ولو كان القاضي والحاكمُ يُحبُّ إطلاقَه.\nوإجمالُ الله لحَدِّ الحِرابة، مع الجزمِ بحدوثِ القتلِ في الأحيان، وأخذِ المالِ في أكثرِها -دليلٌ على أنه لا يُشترَطُ في القتلِ المكافأةُ، ولا يُشترَطُ في القطعِ نِصابٌ في المالِ المسروقِ في الحِرابةِ؛ فليس الحدُّ حدَّ سرقةٍ، ولا يعودُ الحقُّ لصاحِبِ المال، ثم إنَّ حدَّ السرقةِ يُشترَطُ فيه أنْ يكونَ المالُ في حِرْزٍ، وحدُّ الحِرَابةِ لا يُشترَطُ فيه هذا، وشرطُ الحِرْزِ أشَدُّ مِن شرطِ النِّصَابِ عندَ إقامةِ حدِّ السرقة، وعدمُ اشتراطِ النِّصَابِ في المالِ المأخوذِ حِرابةً هو قولُ جمهورِ العلماءِ؛ خلافًا لأهلِ الرأي وقولٍ للشافعيِّ؛ فاشترَطُوا بلوغَ المالِ نصابًا لوجوبِ حدِّ الحِرَابةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-885>الحكمةُ من حدِّ الحِرَابةِ:</span>\nوقد بَيَّنَ الله تعالى الحِكْمةَ من حدِّ الحرابةِ؛ وذلك في قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾،","vol":"3","page":1169},{"text":"فأول المقاصدِ الخزيُ؛ يعني: ما تعدَّى عليه في نفوسِ الناسِ مِن العارِ والاستنكارِ لفِعْلِه، وفي هذا دفعٌ وردعٌ لمَن يفعلُ كفِعْلِه، وكبحٌ لمَن يفكِّرُ في مِثْلِ عملِه، ودَوَرانُ خبرِ ما قام بالمحارِبِ مِن عقوبةٍ في الناسِ ولو في عقودٍ وأجيالٍ: ردعٌ لمِن يفعلُ أو يفكِّرُ في فعلِ مِثْلِ فِعْلِه.\nوتتضمَّن الآيةُ جوازَ الحديثِ عمَّن أُقِيمَ عليه الحدُّ بفَعْلَتِهِ التي فعَلَ وبالعقوبةِ التي نزَلَتْ عليه؛ وليس هذا مِن الغِيبةِ؛ فهو مِن الخزي الموعود، وفيه ردعٌ للنفوسي المشابِهةِ له، شريطةَ أن يكونَ الحديثُ عن حالِه بالحقِّ والعدل، بلا ظلمٍ ولا بغيٍ ولا عدوانٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-886>تكفيرُ الذنوبِ بالحدودِ:</span>\nوذكَرَ اللهُ بعدَ ذلك عقابَ الآخِرة، فقال: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؛ وهذا لمَن أُقِيمَ عليه الحدُّ مِن الكافِرينَ، واختُلِفَ في أمرِ المُسلِم الذي يُصِيبُ ذنبًا، ثم يُعاقَبُ عليه الحدَّ في الدُّنيا: هل عقوبتُهُ تلك كَفَّارةٌ له أو لا؟ على قولَيْن: الأشهَرُ: أنه كفَّارةٌ له؛ وذلك لِمَا في \"الصحيحَيْنِ\"؛ من حديثِ عُبَادَةَ؛ قال - ﷺ -: (مَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ بِه، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيْه، فَأَمْرُهُ إلى اللهِ؛ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ) (١).\nوجاء نحوُه من حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ أخرَجَه أحمدُ والترمذيُّ وابنُ ماجَه (٢).\nوقد جاء خلاف هذا مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (مَا أَدْرِي\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٨) (١/ ١٢)، ومسلم (١٧٠٩) (٣/ ١٣٣٣).\n(٢) أخرجه أحمد (٧٧٥) (١/ ٩٩)، والترمذي (٢٦٢٦) (٥/ ١٦)، وابن ماجه (٢٦٠٤) (٢/ ٨٦٨).","vol":"3","page":1170},{"text":"الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ لأَهْلِهَا أَمْ لَا!) (١).\nوحديثُ عُبادةَ أصَحُّ، وفي حديث أبي هريرةَ عدمُ العِلْم، وظاهرُهُ: أنه سابقٌ للعِلْمِ الواردِ في حديثِ عُبادةَ، والنبيُّ - ﷺ - لا يقضي إلا بعِلْمٍ سابقٍ، ولمَّا لم يَقْضِ في حديثِ أبي هريرةَ دلَّ على انتفاءِ العِلْمِ وانتظارِ الوحي، ولمَّا جاء حديثُ عُبادةَ، دلَّ على مجيءِ الوحي به؛ قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤].\nوعدمُ إخراج الشيخَيْنِ لِمَا يُخالِفُ حديثَ عُبادةَ قرينةٌ على إعلالِ الحُكْمِ المُخالِفِ له وردِّه بنسخِهِ أو ردِّ حديثِهِ بإعلالِه، وقد أعَلَّ البخاريُّ في \"التاريخِ\" حديثَ أبي هريرةَ بالإرسال، وقال: \"المرسَلُ أصحُّ، ولا يَثبُتُ هذا عن النبيِّ - ﷺ - وقد ثبتَتَ أنَّ الحدودَ كفَّارةٌ\" (٢).\nوقد قال الشافعيُّ: \"لم أَسمَعُ في الحدودِ حديثًا أبْيَنَ من هذا\"؛ يعني: حديث عُبادةَ (٣).\nويقولُ بحديثِ عُبادةَ أنَّ الحَدَّ كفَّارةٌ ولو لم يَتُبْ صاحبُ الذنبِ منه: الثوريُّ والشافعيُّ وأحمدُ.\nوقال بعضُ العلماءِ: باشتراطِ التوبةِ مع الحدِّ؛ لظاهرِ الآية: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾، والأصلُ: أنَّ التوبةَ تكفي في إسقاطِ الذنب ولو لم يُقَمِ الحدُّ فيمَن زَنَى أو سَكِرَ أو فعَلَ غيرَ ذلك ممَّا كان مِن حقِّ اللهِ؛ فلا حاجةَ لاشتراطِ التوبةِ مع إقامةِ الحدِّ؛ لتواتُرِ الأحاديثِ على ذلك، ولكنَّ الله ذَكَرَ العقوبةَ في الآخِرةِ والدُّنيا بالخزي لِمَنْ لم يَتُبْ ولم يُقَمْ عليه الحدُّ جميعًا؛ لعدم قيامِ مُوجِبِ\n_________\n(١) أخرجه البزار في \"مسنده\" (٨٥٤١) (١٥/ ١٧٦)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٣٦) و(٢/ ١٤ و٤٥٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٢٩).\n(٢) \"التاريخ الكبير\" للبخاري (١/ ١٥٣).\n(٣) \"الأم\" (٦/ ١٤٩).","vol":"3","page":1171},{"text":"التكفيرِ من العِباد، ومَن أُقِيمَ عليه الحدُّ، سقَطَ عنه إثمُ جُرْمِه، كما أنَّ مَن تابَ ولم يُقَمْ عليه الحدُّ وحَسُنتْ توبتُه، سقَطَ عنه إثمُ جُرْمِهِ في حقِّ الله، ومُقتضى رحمةِ اللهِ: ألَّا يَجمَعَ على عبدِه عقوبتَيْنِ.\nوالأخذُ بظاهرِ الآيةِ مِن غيرِ اعتبارٍ لتفصيلِ السُّنةِ: يَلزَمُ منه أنَّ التوبةَ وحدَها مُسقِطةٌ حتى لحقوقِ الآدميِّينَ كما تُسقِطُ حقَّ الله، وتفصيلُ السُّنةِ يُخالِفُ هذا الإطلاقَ.\nوالتوبةُ في الآية مقيَّدةٌ في إسقاطِ الحدِّ عنه، وهي التوبةُ الظاهرةُ والإقلاعُ عن الذنبِ؛ فالتوبةُ الظاهِرةُ فقطْ تُسقِطُ الحدَّ بشروطِه، والتوبةُ الباطنةُ تُسقط حقَّ اللهِ في الآخِرةِ بشروطِه؛ ولذا ختَمَ اللهُ الآيةَ بقولِه: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nقال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-887>أحوالُ توبةِ المحاربينَ:</span>\nالتوبةُ مِن اللهِ مقبولةٌ من كلِّ ذنبٍ، وأمَّا في حُكْمِ المُحارِبِ في الدُّنيا، فهي على حالَيْنِ:\nالأُولى: إن كان المُحارب كافرًا يهوديًّا أو نصرانيًّا أو مشرِكًا أو ملحِدًا، فتابَ من كُفْرِهِ ومحاربتِه وأسلَمَ، فتوبتُهُ تأتي على الكفرِ وعلى المحارَبةِ وما فيها مِن إصابةِ دمٍ أو مالٍ، والإسلامُ يجُبُّ ما قبلَهُ ولو كان قتلًا وسرقةً واغتصابًا، وقد قَبِلَ النبيُّ - ﷺ - إسلامَ جماعةٍ من الصحابةِ وكانوا قبلَ ذلك يَقطَعونَ طريقَهُ وطريقَ أصحابِهِ ويُخوِّفونَهم وربَّما سلَبُوا مالَهم، ومنهم وَحْشِيٌّ، فقد قتَلَ حمزةَ بن عبد المَطَّلِب، وقد أقَرَّ بينَ يدَي النبيِّ - ﷺ - بقتلِه له؛ كما في \"الصحيحِ\" (١)، وترَكَه النبيُّ - ﷺ -.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٠٧٢) (٥/ ١٠٠).","vol":"3","page":1172},{"text":"وجعَل بعضُ السلفِ هذه الآية في المُشرِكينَ؛ صحَّ عن مجاهدٍ وقتادةَ وعطاءٍ الخراسانيِّ (١).\nولا خلافَ عند السلفِ والخَلَفِ: أنَّ المُشرِكَ المُحارِبَ تسقُطُ مُحاربتُهُ وعقوبتُهُ بإسلامِه، وكلُّ ما أصاب مِن دمٍ أو مالٍ، فهو هَدرٌ؛ وذلك أنَّ في طلبِ ذلك صَدًّا لهم عن الدخولِ في الإسلام؛ فلو عَلِمَ أحدٌ من المُشرِكينَ المُحارِبينَ أنَّ المُسلِمينَ يَطلُبونَهُ لِما سبَقَ منه مِن تخويفٍ وقطعِ سبيلٍ ودمٍ ومالٍ، لَمَا أقبَلَ على الإسلامِ أحدٌ منهم إلا ما شاء اللهُ، وما مِن أحدٍ من المُشرِكينَ المحارِبينَ بمكَّةَ إلَّا وله سابِقةُ محارَبةٍ للنبيِّ - ﷺ - وأصحابِه، ومع هذا لم يُطالِبِ النبيُّ مَن أسلَمَ منهم بشيءٍ ممَّا سبَقَ.\nالثانيةُ: إن كان المحارِبُ مُسلِمًا، فلا تخلو توبتُه مِن صورتَيْنِ:\nالصورةُ الأُولى: إنْ كان الحاكمُ قادرًا عليه لو طلَبَهُ، وإنْ طال طلبُهُ، والمُدَّة التي يطلُبُه فيها لا يكونُ فيها فسادٌ يُوازِي مصلحةَ طلبَه، فلا تُقبَلُ منه توبتُهُ ولو امتنَعَ عن تسليمِ نفسِهِ إِلَّا بقَبُولِها؛ وعلى هذا يُحمَلُ نهيُ غيرِ واحدٍ من السلفِ عن قَبُولِ توبة المحارِبِ؛ لأنَّ مصلحةَ إقامةِ الحدِّ أعظَمُ، وبتركِها وقَبُولِ توبةِ كلِّ محارِبٍ يَعرِضُ توبتَهُ: يتجرَّأُ الناسُ على الحُرُماتِ وقطعِ السبيلِ؛ وقد صحَّ عن هشامِ بنِ عُرْوةَ: أنَّهم سألُوا عُرْوةَ عمَّن تلصَّصَ في الإسلامِ فأصابَ حدودًا ثم جاء تائبًا، فقال: \"لا تُقبَلُ توبتُهُ، لو قُبِلَ ذلك منهم، اجترَؤُوا عليه، وكان فسادًا كبيرًا؛ ولكن لو فَرَّ إلى العدوّ، ثم جاء تائبًا، لم أَرَ عليه عقوبةً\" (٢).\nوبهذا قال غيرُ واحدٍ؛ كالأوزاعيِّ وغيرِه.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٣٩٢ - ٣٩٣).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٣٩٨).","vol":"3","page":1173},{"text":"وعليه يُحمَلُ ما جاء عن عِكْرمةَ والحسنِ في هذه الآيةِ: أنَّهما قالا: إنَّ آيةَ التوبةِ مِن الحِرَابةِ هذه لا تُحرِزُ المُسلِمَ.\nوالصورةُ الثانيةُ: أن يُحارِبَ فيُطلَبَ ويُعرفَ أمرُهُ ويُعجَزَ عنه، ويُعلِّقَ أمْرَ توبتِهِ بالعفوِ عنه، والإمامُ عاجِزٌ عنه، ولو لم تُقبَلْ توبتُهُ، استمَرَّ فسادُهُ وإفسادُه؛ فإنَّ توبتَهُ تُقبَلُ ويَسقُطُ عنه الحقُّ المُناطُ بالحاكم، وهو الصَّلّبُ والقتلُ والقطعُ مِن خِلَافٍ، واختُلِفَ في حقوقِ الناسِ: فقال بإسقاطِها جميعًا اللَّيْثُ.\nوبقَبُولِ التوبةِ عمِلَ الصحابةُ؛ فقد جاء عن عليٍّ وأبي موسى وابن عباسٍ والحسنِ بن عليٍّ وعبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ وغيرهم؛ كما رَوى ابنُ أبي حاتمٍ؛ من حديث مُجالِدٍ، عن الشَّعْبيِّ؛ قال: \"كان حارثةُ بن بَدْرٍ التميميُّ مِن أهلِ البصرة، وكان قد أفسَدَ في الأرضِ وحارَبَ، فكلَّمَ رجالًا من قريشٍ، منهم الحسنُ بن عليٍّ وابنُ عبَّاسٍ وعبدُ اللهِ بن جعفرٍ، فكلَّمُوا عليًّا فيه، فلم يُؤمِّنْهُ، فأتَى سعيدَ بنَ قيسٍ الهَمْدَانيَّ فخلفه في دارِه، ثم أتَى عليًّا، فقال: يا أميرَ المؤمِنينَ، أرأيتَ مَن حارَبَ اللَّه ورسولَه، وسعَى في الأرضِ فسادًا، فقرَأَ حتى بلغ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾، قال: فكتَبَ له أمانًا، قال سعيدُ بن قيسٍ: فإنَّه حارثةُ بن بَدْرٍ\" (١).\nورَوى الشعبيُّ نحوَهُ عن أبي موسى زمنَ عثمانَ بنِ عفَّانَ؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ (٢).\nوذهَبَ الضحَّاكُ وابن شهاب والليثُ ومالكٌ والأوزاعيُّ والشافعيُّ: إلى أنَّ مَن خِيفَ استطارةُ شَرِّهِ إنْ لم يُعْفَ عنه، وهو قادرٌ على\n_________\n(١) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ١٠٢). وينظر: \"تفسير الطبري\" (٨/ ٣٩٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٣٩٥).","vol":"3","page":1174},{"text":"الاستمرارِ بالإفسادِ: أنه يُعفَى عنه؛ دفعًا لشرٍّ أعظَمَ مُتحقِّقٍ؛ وهذا مِن الفقه، فيُرجَعُ في ذلك إلى تحقُّقِ استمرارِ إفسادِهِ ومدى عجزِ الحاكمِ عنه: ومال إليه ابنُ جريرٍ (١).\nويَنُصُّ مالكٌ والشافعيُّ على أنَّ ما أصابتْ يدُه مِن مالٍ أو دمٍ، وطالَبَ به مُدَّعٍ بعينِهِ وقامَتِ البيِّنةُ عليه، فإنَّ المالَ يعودُ لأهلِه؛ والدمَ يُقادُ به، ويسقُطُ عنه حدُّ الحِرابةِ المتعلِّقُ بالحاكمِ.\nومَن حارَبَ وأخافَ وقطَعَ السبيلَ، ثم تابَ واستتَرَ ولم يُعلَمْ أمرُهُ إلَّا بعدَ زمنٍ من صلاحِهِ بشهادةِ أحدٍ عليه، فإنَّه يُترَكُ إلَّا مِن الحقوقِ الخاصَّةِ؛ لدخولِهِ في التوبةِ قبلَ القُدْرة، ولكونِ المفسدةِ مِن قَبُولِ توبتِهِ منتفيةً؛ لاستتارِهِ وخفاءِ أمرِهِ وانتهاءِ زمنِها، وربَّما يكونُ في إقامةِ الحدِّ عليه بعدَ طولِ زمنِ صلاحِهِ إفسادٌ له، وقدحٌ في عدالتِهِ التي استقَرَّ عليها أمرُه.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾ [المائدة: ٣٥].\nفي هذه الآية: الإشارةُ إلى ديمومة شِرْعَةِ الجهاد، وأنَّ دَوَامَها كدوام التقوى وابتغاءِ الوسيلةِ إلى الله، وإنَّما تَختِلفُ جهتُهُ وأرضُه، ولا يجوزُ رفعُهُ من الأرض، إلَّا بزمانٍ وعهدٍ محدودٍ؛ فإنَّ العهدَ الدائمَ على تركِ الجهادِ على كلِّ الأممِ إبطالٌ له وإلغاءٌ لتشريعِه، ولكنْ قد يصحُّ عهدٌ دائمٌ لجهةٍ وأرضٍ وعدوٍّ بعينِهِ لا كلِّ الأممِ؛ فقد\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٤٠١).","vol":"3","page":1175},{"text":"تضعُف الأمَّةُ في زمنٍ فتحتاجُ إلى إنزالِ عدوِّها على عهدٍ وسَلَامٍ، ويأبى العدوُّ إلَّا السلامَ الدائمَ ليأمَنَ، وإنْ لم يقَعْ فيتربَّصُ بالمُسلِمينَ بما لا طاقةَ لهم به، فيصحُّ هذا في أُمَّةٍ دون أُمَّةٍ، لا في كلِّ الأمم؛ لأنَّه في كلِّ الأممِ إلغاءٌ لأصلِ التشريعِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-888>ديمومةُ الجهادِ:</span>\nوقد أخبَرَ اللهُ بديمومةِ الجهادِ في الأُمَّةِ؛ كما جاء على لسانِ نبيِّه - ﷺ -؛ قال: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمِّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الحَقِّ ظَاهِرينَ إلى يَوْمِ الْقِيَامَة، قَالَ: فَيَنْزِلُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ - ﷺ -، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فيَقُولُ: لَا؛ إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ، تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الأُمَّةَ)؛ أخرَجَهُ مسلمٌ من حديثِ جابرٍ (١)، وبنحوِه عندَه عن معاويةَ (٢)، وأخرَجَهُ البخاريُّ مِن حديثِ المغيرةِ (٣)، وترجَمَ عليه بهذا المعنى (٤).\nوقد تقدَّمَ في سورةِ البقرةِ الكلامُ على الجهادِ وأنواعِهِ وديمومتِهِ في مواضعَ منها، وإنَّما كانتِ الإشارةُ إلى هذا المعنى في هذه الآيةِ؛ لأنَّ اللهَ قَرَنَ الجهادَ بتَقْوَاهُ، وجعَلَه مع التقوى والعملِ الصالحِ شرطًا للفلَاح، والفلاحُ مطلوبٌ للأمَّةِ في كلِّ زمانٍ، ومتى زال الشرطُ أو نَقَصَ، زالَ فلاحُها أو نَقَصَ، وزوالُ فلاحِ الأمَّةِ لا يعني زوالَ فلاح الأفرادِ؛ لأنَّ الجهادَ شريعةُ أمَّةٍ، وزوالُ أو نقصانُ فرائضِ الإمامِ والأمَّةِ يجعلُ الأثرَ على حالِ الأمَّةِ العامِّ وحالِ إمامِها، فتُسلَبُ الفلاحَ، ويكونُ الفلاحُ في أفرادَها موجودًا؛ لقيامِ العجزِ فيهم.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٥٦) (١/ ١٣٧).\n(٢) أخرجه مسلم (١٠٣٧) (٣/ ١٥٢٤).\n(٣) أخرجه البخاري (٧٣١١) (٩/ ١٠١).\n(٤) \"صحيح البخاري\" (٩/ ١٠١).","vol":"3","page":1176},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨].\nذكَرَ الله حدَّ السرقةِ بعدَما ذكَرَ حدَّ الحِرَابةِ؛ حتى لا يُظَنَّ أنَّ الحُرْمةَ للنَّفْسِ فقطْ؛ فإنَّ الحِرَابةَ يكونُ فيها التخويفُ أو القتلُ مع أخذِ المال، فهي قصدُ المالِ من صاحِبِه، بخلافِ السرقة، فهي غالبًا أخذُ المالِ خُفْيةً بعيدًا عن عينِ صاحِبِه؛ فأنزَلَ اللهُ حدَّ السرقةِ؛ لبيانِ عِصْمةِ المالِ وحدَهُ كعصمتِهِ مع غيرِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-889>الحِكَمُ الغائبةُ في الحدودِ:</span>\nوذكَرَ الجنسَيْنِ الرجُلَ والمرأةَ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾؛ لبيانِ الاشتراكِ في الحُكْم، وأنَّ الشفقةَ الفِطْرِيَّةَ قد تُدرِكُ الإنسانَ على الأُنثى أكثَرَ من الذَّكَر، فبيَّنَ اشتراكَهما في الحُكْم، وقطعُ يدِ السارقِ ردعٌ له وعلامةٌ رادعةٌ دائمةٌ لغيرِه ممَّن يراهُ، والقطعُ -وإن كان شديدَ الأثرِ على فاعِلِه - إلَّا أنَّ الله يَحفَظُ أمرَ الأمَّةِ ويَعصِمُ مالَها ودمَها وعِرضَها به؛ فإنَّ اللهَ يَعلَمُ الآثارَ المدفوعةَ مِن إقامةِ الحدود، ولكنَّ الناسَ يَفْقِدُونَها ولا يُدرِكونَ مِقدارَها لو وقَعتْ فيَأخُذونَ بالظواهر، ولو كُشِفَ للناسِ مِن الغيبِ عن مقدارِ ما يَدفَعُ اللهُ به مِن المفاسدِ بعدَ إقامةِ الحدود، لأَقَامُوا الحدودَ بالشُّبُهاتِ؛ لِشِدَّةِ تمسُّكهم بها، ولكنَّها تَغِيبُ عنهم ويَفقِدونَها، ولا يُدرِكونَ قَدْرَها وعدَدَها وبشاعتَها، فلا يَحكُمونَ إلَّا على ما يُشاهِدونَ ويُحِسُّون به مِن الآثارِ؛ ولذا فإنَّ اللهَ كثيرًا ما يَذكُرُ اسمَهُ الحكيمَ بعدَ تشريعِهِ لأحكامٍ تَغِيبُ أكثرُ آثارِها عن الحِسِّ؛ ليُذكِّرَ بحِكْمةٍ لا يُدرِكونَها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-890>إخفاءُ الله للآثارِ السيِّئةِ المدفوعةِ بالحدود:</span>\nولعلَّ مِن حِكْمةِ اللهِ في إخفاءِ الآثارِ السيِّئةِ المدفوعة بسبب إقامةِ","vol":"3","page":1177},{"text":"الحدودِ: ألّا يَستبشعَها الناسُ فيَبغُوا في إقامةِ الحدود، ويأخُذوا بالشُّبُهاتِ والظُّنون، فيَعُمَّ الفسادُ فيهم، فأخفَى اللهُ آثارَ منافعِ إقامةِ الحدودِ لأمورٍ؛ من أعظمِها أمرانِ عظيمانِ:\nالأولُ: امتحانٌ لإيمانِ المؤمِنينَ، ويقينِهم بأمرِ ربِّ العالَمينَ، وتسليمِهم له؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].\nالثاني: حتى لا يَبغُوا في إقامةِ الحدودِ لو أدرَكُوا مقدارَ ما تَدفَعُ الحدودُ مِن شرٍّ وفسادٍ؛ لأنَّ الإنسانَ ضعيفُ التقديرِ للأمور، فيعظُمُ الشرُّ بالإسرافِ والبغي فيها، فيُؤخَذُ المُتَّهَمُ بظنٍّ، وتُجعَلُ القرائنُ براهينَ، وتُقامُ الشُّبُهاتُ مُقامَ البيِّناتِ.\nوقد كان حدُّ السرقةِ ربَّما أُقِيمَ في الجاهليَّةِ؛ فقد أقامَتْهُ قريشٌ على مَن سرَقَ كَنْزَ الكعبة، وهو رجلٌ يُقالُ له: دُوَيْكٌ الخُزَاعيُّ (١)، ولم يكونوا يُقِيمُونَهُ على كلِّ سارقٍ، ولا في كلِّ مالٍ مسروقٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-891>إقامةُ السلطانِ للحدودِ:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ خِطابٌ للسُّلْطانِ لا لغيرِه، فلا يُقِيمُها غيرُه إلا ما كان بتوكيلٍ منه؛ ويَعضُدُ ذلك: أنَّ اللهَ لمَّا جعَلَ الخِطابَ للحُكَّام، قال: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، ولمَّا كان الخِطابُ بعدَ ذلك للمُذنب، قالَ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ [المائدة: ٣٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-892>اشتراطُ النصابِ والحِرْزِ في حدِّ السرقةِ:</span>\nوظاهرُ الآيةِ: إطلاقُ إقامةِ الحدِّ على كلِّ سارقٍ، وفي كلِّ\n_________\n(١) ينظر: \"سيرة ابن هشام\" (١/ ١٩٣)، و\"تفسير ابن كثير\" (٣/ ١٠٧).","vol":"3","page":1178},{"text":"مسروقٍ؛ وبهذا أخَذَ بعضُ فُقهاء الظاهرِ؛ فلم يَشترِطُوا نِصابًا ولا حِرزًا، ومع ظاهرِ الآيةِ: يَعْتَضِدُونَ بقولِ ابنِ عبَّاسٍ لنَجْدَةَ الحَنَفِيِّ لمَّا سأَلَهُ عن الحُكْمِ في الآيةِ: عامٌّ أو خاصٌّ؟ فقال: بل عامٌّ (١).\nواستدَلُّوا بما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ أنَّ رسولَ الله - ﷺ - قال: (لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ! يَسْرَقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ) (٢).\nوهذا الحديثُ حديثٌ عامٌّ، قد جاء ما يُبيِّنُهُ ويُخصِّصُهُ، وقيمةُ الحِبَالِ والبَيْضِ تَختلِفُ وتتبايَنُ عددًا ونوعًا، فإنْ قلَّتْ غلا ثمنُها، وإنْ كثُرثْ رخُصَ ثمنُها، ويَختلفُ ثمنُها مِن نوعٍ إلى نوعٍ، ومِن زمانٍ إلى زمانٍ بحسَبِ حاجةِ الناس، ويُسْرِهم وعُسْرِهم، وفَقْرِهم وغِنَاهُم، وظاهرُهُ: التزهيدُ في وضاعةِ السارِقِ وتفاهةِ قصدِه، وسُوءِ تدبيرِهِ أنْ يُهدَرَ دمُهُ في القليل فيُضيِّعَ عضوًا مِن أعضائِه.\nوقد حمَلَ بعضُ الفقهاءِ مِن السلفِ البَيْضةَ والحبلَ في الحديثِ على بيضةِ الحديدِ وحَبْلِ السفينةِ؛ قالهُ الأعمشُ فيما حكاهُ البخاريُّ عنهُ (٣).\nوفيه نظرٌ؛ فلا تُعرَفُ حبالُ السفينةِ في الحِجَاز، والأعمشُ كُوفيٌّ بعيدٌ عن عُرْفِهم، وحديثُ أبي هريرةَ إمَّا أن يكونَ عامًّا فيُخصَّصُ، وإمَّا معارَضًا فيُنسَخُ، وإمَّا مُجمَلًا فيُبيَّنُ، واللهُ أعلَمُ.\nوالذي عليه اتِّفاقُ الأئمَّةِ الأربعة، وهو ظاهرُ قولِ عامَّةِ السلفِ: عدمُ إطلاقِ إقامةِ حدِّ السرقةِ على كلِّ سارقٍ وفي كلِّ مسروقٍ، وقد جاء\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٤٠٩).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٧٨٣) (٨/ ١٥٩)، ومسلم (١٦٨٧) (٣/ ١٣١٤).\n(٣) أخرجه البخاري (٦٧٨٣) (٨/ ١٥٩).","vol":"3","page":1179},{"text":"في السُّنَّةِ شروطٌ في إقامةِ حدِّ القطع، وإنِ اختلَفَ كلامُ السلفِ والعلماءِ في تقدير بعضِها، إلَّا أنَّهم يُقِرُّونَ بأصلِها؛ فقد اتَّفَقَ الأئمَّةُ الأربعةُ على النِّصَابِ واختلَفُوا في تقديرِه، واتَّفَقُوا على الحِرْزِ واختلَفُوا في وَصْفِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-893>شرطُ النصابِ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-894>فأمَّا شرطُ النِّصاب، فاختلَفُوا في تقديرِه على أقوالٍ:</span>\nالأولُ: أنه ثلاثةُ دراهمَ مضروبةٍ خالصةٍ، وهذا قولُ مالكٍ؛ أخذًا بما ثبَتَ؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ؛ رواه الشيخان (١).\nوهو عملُ عثمانَ؛ حيثُ قَطَعَ في أُتْرُجَّةٍ لمَّا قيَّمَ ثَمَنَها فرآهُ قد بلَغَ ثلاثةَ دراهمَ (٢)؛ قال مالكٌ: \"وهو أحَبُّ ما سمِعتُ إليَّ في ذلك\" (٣)، ومرادُ مالكٍ في عملِ الخلفاء، لا عمومُ ما ورَدَ؛ فحديثُ ابنِ عمرَ أحَبُّ وأعظَمُ، وقد رَوَى مالكٌ حديثَ ابنِ عمرَ (٤) وفِعْلَ عثمانَ في \"مُوطَّئِه\"؛ وهي صحيحةٌ.\nالثاني: أنه عشَرةُ دراهمَ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ وصاحبَيْهِ والثوريِّ؛ واحتجُّوا بما رواهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، وعمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه؛ أنَّ ثمَنَ المِجَنَّ عشَرةُ دراهمَ في زمنِ النبيِّ - ﷺ - (٥)، وقد تفرَّدَ به محمدُ بن إسحاقَ، وخالَفَ الثِّقات، وحديثُهُ مُنكَرٌ.\nالثالثُ: أنه رُبُعُ دِينارٍ؛ وهو قولُ الشافعيّ، وحُجَّةُ الشافعيِّ ما\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٧٩٥) (٨/ ١٦١)، ومسلم (١٦٨٦) (٣/ ١٣١٣).\n(٢) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (٢٣) (٢/ ٨٣٢)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٨٠٩٦) (٥/ ٤٧٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٦٠).\n(٣) \"موطأ مالك\" (عبد الباقي) (٢/ ٨٣٣).\n(٤) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (٢١) (٢/ ٨٣١).\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٨١٠٤) و(٢٨١٠٥) (٥/ ٤٧٦).","vol":"3","page":1180},{"text":"ثبَتَ؛ مِن حديثِ عائشة؛ قالتْ: قال رسولُ الله - ﷺ -: (تُقْطَعُ اليَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا)؛ رواه الشيخان (١).\nوقولُه فيه: \"فَصَاعِدًا\" دليلٌ على أنه لا يُقطَعُ في أدنى من الرُّبُع، وأصرَحُ مِن ذلك: روايةُ مسلمٍ؛ ففيها النهيُ عن القطع فيما هو أقلُّ، قال - ﷺ -: (لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا في رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا) (٢).\nوحديثُ قطعِ النبيِّ - ﷺ - في المِجَنِّ، وقطعِ عثمانَ في الأُتْرُجَّة، وأنَّها ثلاثةُ دراهمَ، لا تُعارِضُ حديثَ عائشةَ هذا؛ وذلك أنَّ صَرْفَ الدراهمِ بالدنانيرِ يتفاوَتُ بحسَبِ الحالِ والزمان، واليُسْرِ والعُسْرِ، ولكنَّه يقرُبُ مِن ثلاثةِ دراهمَ، وقد جاء صريحًا في قطع عثمانَ في الأُتْرُجَّةِ حيثُ قوَّمَها فوجَدَها تُساوي ثلاثةَ دراهمَ مِن صَرْفِ اثنَيْ عشَرَ دِرْهَمًا بدينارٍ.\nوقولُ مالكٍ والشافعيِّ مُتقارِبانِ.\nالرابعُ: جعَلَ أحمدُ العملَ بحديثِ ربعِ الدِّينارِ وثلاثةِ الدراهمِ جميعًا، وأنَّ كلَّ واحدٍ منهما نِصابٌ؛ فإنْ كان المسروقُ فِضَّةً، فيُقطَعُ في ثلاثةِ دراهمَ، وإن كان ذهبًا، ففي ربعِ دينارٍ؛ وهذا القولُ الرابعُ في المسألةِ قال به إسحاقُ وغيرُه.\nوالأظهَرُ -والله أعلَمُ- الاعتبارُ بحديثِ ربع الدِّينارِ عندَ الاختلافِ؛ لأنَّ القطعَ بثلاثةِ دراهمَ لمساواةِ الدراهمِ الثلاثةِ لرُبُعِ دينارٍ، كما جاء في فِعْل عثمانَ، ولو زادَتِ الدراهمُ على الدنانير في الصَّرْفِ وهو نادرٌ، فلا يُقطَعُ في أقلَّ مِن ربع دينارٍ ولو كان ثلاثةَ دراهمَ؛ لصراحةِ الحديثِ في \"الصحيح\": (لا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلا في رُبُع دينار\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٧٨٩) (٨/ ١٦٠)، ومسلم (١٦٨٤) (٣/ ١٣١٢).\n(٢) أخرجه مسلم (١٦٨٤) (٣/ ١٣١٢).","vol":"3","page":1181},{"text":"فَصَاعِدًا)، وهذا صريحٌ في النهي عن القطع فيما هو أقلُّ منه، وحديثُ ابنِ عمرَ فعلٌ مجرَّدٌ في القطعِ بثلاثةِ دراهمَ، وظاهرُ النهي في حديثِ عائشةَ للتحريمِ؛ لأنَّه نهيٌ عن إقامةِ حدٍّ واجبٍ، ولا يَرفَعُ الحدَّ الواجبَ إلَّا أمرٌ مؤكَّدٌ مِثلُهُ أو أشَدُّ، فحُمِلَ على المنعِ للتحريم، وحُمِلَ حديثُ ابنِ عمرَ على موافقةِ الصَّرْفِ في الدراهمِ لرُبُعِ الدِّينارِ؛ كما فعَلَه عثمانُ.\nويعضُدُ ما حَمَلْنَاهُ مِن حديث ابن عمر ما جاء في بقية الأحاديث؛ كما في رواية النَّسائيِّ: (لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِيمَا دُونَ المِجَنِّ)، قيل لعائشةَ: ما ثَمَنُ المِجَنِّ؟ قالت: ربعُ دينارٍ (١).\nوفي المسألة أقوالٌ للسلفِ أُخرى، وما سبَقَ هو الذي عليه فتوى علماءِ البُلْدان، وهو المشهورُ منها، ومِن السلفِ من قدَّرَ النِّصابَ بخمسةِ دراهمَ؛ كابنِ جُبيرٍ.\nوحديثُ ابنِ عمرَ فِعْلٌ لا يَنفي ما عَدَاهُ ولا يُثْبِتُهُ إلَّا بدَلَالةٍ أُخرى غيرِ ظاهِرِه؛ كدَلالةِ الأَوْلى، أو دَلالةِ المفهوم، أو بنصٍّ آخَرَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-895>شرطُ الحِرْزِ:</span>\nوأمَّا الحِرْزُ: فيَشترِطُهُ عامَّةُ الفُقهاءِ؛ لأنَّه لا يتحقَّقُ اسمُ السرقةِ في اللُّغةِ إلَّا ممَّا كان في حِرْزٍ، فالسرقةُ ما أُخِذَ خُفْيةً مِن موضعٍ يُؤمَنُ في مِثْلِهِ على المال، والحِرْزُ أصلٌ في تعريفِ السرقة، وما أُخِذَ من المالِ من غير حِرْزهِ لا يُسمَّى سرقةً ولا الفاعلُ سارقًا؛ ولذا فإنَّ مَنِ اؤتُمِنَ على مالٍ فاخْتَانَهُ لا يُسمَّى سارقًا؛ كالضَّيْفِ يأخُذُ متاعَ مضيِّفِه، وأمينِ المالِ يأخُذُ المالَ، وقد رَوَى جابرٌ أنَّ رجلًا أضافَ رجلًا فأنزَلَهُ في مَشرُبةٍ له، فوجَدَ متاعًا له فاخْتَانَهُ، فأتَى به أبا بكرٍ، فقال: خَلِّ عنه؛\n_________\n(١) أخرجه النسائي (٤٩٣٥) (٨/ ٨٠).","vol":"3","page":1182},{"text":"فليس بسارقٍ؛ وإنَّما هي أمانةٌ اخْتَانَهَا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-896>حِرْزُ كلِّ شيءٍ بحَسَبِهِ:</span>\nوالحِرْزُ لا وصفَ له جامعًا يشملُ جميعَ أنواعِ المالِ؛ فحِرْزُ الذهبِ غيرُ حِرْزِ الدروعِ والثياب، وحِرْزُ الدروعِ والسلاحِ غيرُ حِرْزِ المراكبِ؛ فكلُّ ما عُدَّ في العُرْفِ جرْرًا للمالِ يَحمِيه، فهو حِرْزٌ صحيحٌ يجبُ توافُرُهُ.\nوقولُه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾: يُؤخَذُ مِن إطلاقِ السارقِ والسرقةِ عمومُ المالِ المسروق، ويدخُلُ فيه الثِّمارُ والحبوبُ والعُرُوضُ وغيرُ ذلك؛ ويدلُّ على هذا ويُؤكِّدُهُ فِعلُ عثمانَ؛ ففيه القطعُ في الثِّمار، وهذا الذي عليه جمهورُ العلماء، خلافًا لأبي حنيفةَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-897>صفةُ القطعِ في السرقةِ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-898>وأمَّا صفة القطع في السرقةِ:</span>\nفإنَّه يكونُ لليدِ اليُمْنى عندَ عامَّةِ العلماء، وقد قرَأَ ابنُ مسعودٍ، فقال: \"فاقطَعُوا أَيْمانَهُما\" (٢)، وهي قراءةٌ تفسيريَّةٌ لبيانِ معنى الحُكْم، وهي في التلاوةِ في حُكْمِ الشاذِّ.\nوهذا الذي عليه عملُ عامَّةِ السلف، وبه قَضى الخلفاءُ، خلاقًا للخوارجِ الذين يَقضونَ بقطعِ اليدِ مِن الكتفِ.\nوإنْ تكرَّرتْ مِن السارقِ السرِقةُ بعدَ قطعِهِ في الأُولى، فقد اختلَفَ العلماءُ في العقوبةِ في الثانيةِ:\nوأكثَرُ العلماءِ: على بقائِها حدًّا؛ وهو القطعُ.\n_________\n(١) أخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (١٢/ ٣٢٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٤٠٨).","vol":"3","page":1183},{"text":"ومنهم مَنْ قال: بأنَّ القطعَ مرةٌ واحدةٌ، والعقوبةُ بعدَ ذلك تكونُ تعزيرًا؛ وهذا ظاهرُ قولِ عطاءٍ وأبي حنيفةَ.\nواختلَفَ قولُ مَن قال بالقطعِ بعدَ الثانيةِ فيما يُقطَعُ بعد السرقةِ الأُولى:\nفمنهم مَنْ قال: تُقطَعُ يدُه اليُسْرى؛ وهذا الذي عليه عملُ الخلفاءِ؛ كأبي بكرٍ وعمرَ، ولم يُخالِفْهم أحدٌ مِن الصحابةِ فيما أعلَمُ؛ وبه يقولُ مالكٌ والشافعيُّ وروايةٌ عن أحمدَ.\nومنهم مَن قال: تُقطَعُ الرِّجلُ مِن خِلافٍ، فلا يُقطَعُ إلا يدٌ ورِجلٌ؛ وهو قولُ الزُّهريِّ وحمَّادٍ، وروايةٌ عن أحمدَ، قال الزُّهريُّ: \"لَمْ يَبْلُغْنَا فِي السُّنَّةِ إلا قَطْعُ الْيَدِ والرِّجْلِ\" (١).\nولا نصَّ في المسألةِ؛ لنُدْرةِ وقوعِها؛ أنْ يَسِرقَ الرَّجُلُ بعدَ قطعِهِ مرةً أو مرَّتَيْنِ وأكثَرَ، ويُرجَعُ في ذلك إلى الاجتهادِ بحسَبِ الحالِ والمصلحةِ مِن تَعْيِينِ موضعِ القطعِ وأشَدِّها ردعًا وزجرًا.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩].\nبعدَما ذَكَرَ الله حَدَّ السرقة، نَبَّهَ على التوبةِ وأرشَدَ إليها، معرِّضًا بتوبتِه وغُفْرانِهِ ورحمتِهِ بالمُذنِبينَ، وفي هذه الآيةِ مسألتانِ:\nالأُولى: تكفيرُ الذنوبِ بإقامةِ الحدودِ على أصحابِها، وقد تقدَّمَ الكلامُ على هذه المسألةِ قبلَ آيةِ السرقةِ.\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٨٧٧٠) (١٠/ ١٨٧).","vol":"3","page":1184},{"text":"الثانيةُ: التفاضُلُ بينَ إقامةِ الحدِّ وطلبِ السَّتْرِ والتوبة، وقد اختلَفَ العلماءُ فِيمَنْ أصاب حَدًّا: هل الأفضلُ في حقِّه السَّتْرُ على نفسِه، والتوبةُ مِن ذنبِه، أو عرضُ نفسِهِ ليُقامَ عليه الحدُّ؟\nوممّا لا يَختلِفونَ فيه: أنَّ من أصاب حقًّا مِن حقوقِ العِبادِ في مالٍ أنه يجبُ إعادتَهُ إلى أهلِه، وأنَّ التوبةَ لا تكفي في زوالِ الحقوق، وكذلك في الدماءِ فيجبُ فيها القِصاصُ، أوِ الاستحلالُ.\nوأمَّا الحدودُ التي هي مِن حقِّ الله، فإنْ بلَغَتِ السُّلْطانَ، وجَبَ إقامتُها، ولا يجوزُ له إسقاطُها لتوبةِ المذنبِ؛ لأنَّها حقٌّ لله يجبُ أن يُقام أوجَبَهُ اللهُ لحِكْمةٍ في صالحِ العِباد، وأمَّا ما لم يَبلُغِ السُّلْطانَ، ففي التفاضل بينَ التوبةِ والحدودِ خلافٌ، والأصحُّ: فضلُ الاستتارِ بالذنب، والإقلاعِ عنه، والإكثارِ مِن التوبةِ والاستغفار، وإتباعِهِ بالعملِ الصالحِ؛ فإنَّ الحسناتِ يُذْهِبْنَ السيِّئاتِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-899>سَتْرُ أصحابِ الذنوبِ:</span>\nولم يثبُتْ عن النبيِّ - ﷺ - أنَّه أمَرَ الناسَ أو أحدًا بعينِهِ أنْ يُبدِيَ ما استتَرَ مِن ذنوبِهِ ليُقِيمَ عليهم الحدَّ، بل الثابتُ عكسُ ذلك، وهو الأمرُ بالاستتارِ والتوبة، والإعراضُ عن المُقِرِّ على نفسِهِ بالذنبِ الذي يُوجِبُ حدًّا حتى يُعِيدَ عليه، وفي مسلم؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال لماعزٍ لمَّا أقَرَّ بالزِّنى على نفسِه: (وَيُحَك؛ ارْجِعْ فاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ) (١).\nوقد قال أبو موسى الأشعريُّ: \"كُنَّا -أصْحَابَ مُحَمَّدٍ- نَتَحَدَّثُ لَوْ أنَّ مَاعِزًا أَو هَذِهِ المَرْأَةَ لَمْ يَجِيئَا فِي الرَّابِعَة، لَمْ يَطْلُبْهُمَا رَسُولُ الله - ﷺ -\"؛ رواهُ الحاكمُ (٢).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٦٩٥) (٣/ ١٣٢١).\n(٢) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٣٨٥).","vol":"3","page":1185},{"text":"وفي الحديث قال - ﷺ -: (أيُّهَا النَّاسُ، قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عن حُدُودِ الله، مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا، فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ الله، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ، نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللهِ)؛ رواهُ مالكٌ عن زيدِ بنِ أسلَمَ مُرسَلًا (١)، والحاكمُ عن ابنِ عمرَ (٢).\nوقد جاء في \"المسنَدِ\"، وعندَ أبي داودَ والنَّسائيِّ؛ مِن حديثِ يَزيدَ بنِ نُعيمِ بنِ هَزَّالٍ، عن أبيهِ؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال لأبيهِ في ماعزٍ لمَّا جاء إلى النبيِّ - ﷺ - في الرابعةِ يُريدُ الحَدَّ، فلمَّا رُجِمَ ووجَدَ مَسَّ الحجارة، جَزعَ وخرَجَ يَشتَدُّ، قال: (وَاللهِ يَا هَزَّالُ، لَوْ كُنْتَ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ، كَانَ خَيْرًا مِمَّا صَنَعْتَ بِهِ) (٣)؛ وهذا محمولٌ على أنَّ هزَّالًا ليس مِن السُّلْطان، وفي مِثلِ حالِ ماعزٍ: مقبِلٌ تائبُ، لا مُستكبِرٌ مُفسِدٌ مُعانِدٌ.\nوقد تواتَرَتِ الأدلَّةُ على فضلِ السَّتْر، وسَتْرِ المُخطِئينَ؛ كما في \"الصحيح\": (مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) (٤)، وقد تواتَرَتِ الأحاديثُ في السَّتْرِ مِن حديثِ أبي هريرةَ وابنِ مسعودٍ وابنِ عمرَ وغيرِهم.\nوقد جعَلَ اللهُ مكفِّراتِ الذنوبِ التوبةَ وإقامةَ الحدود، وإنَّما جعَلَ اللهُ الحدودَ مكفِّراتٍ، لا تزهيدًا في التوبةِ والسَّتْرِ؛ ولكنْ جَبْرًا لنفس مَن أصابَ حدًّا حينَما تقومُ عليه البيِّنةُ ويبلُغُ السُّلْطانَ؛ أنَّ الله لا يَجمَعُ عليه عذابَيْنِ.\nوبفضلِ سَتْرِ النفسِ على إقامةِ الحدِّ جزَمَ جماعةٌ من الأئمَّةِ؛ كمالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ وغيرِهم.\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (١٢) (٢/ ٨٢٥).\n(٢) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٢٤٤) و(٤/ ٣٨٣).\n(٣) أخرجه أحمد (٢١٨٩٠) (٥/ ٢١٦)، وأبو داود (٤٣٧٧) (٤/ ١٣٤)، والنسائي في السنن الكبرى (٧٢٣٤) (٦/ ٤٦١).\n(٤) أخرجه مسلم (٢٦٩٩) (٤/ ٢٠٧٤).","vol":"3","page":1186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-900>العملُ الصالحُ بعد التوبةِ:</span>\nوذكَرَ الله الإصلاحَ بعدَ التوبةِ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾؛ لأنَّ تركَ الذنبِ المجرَّدَ لا يعني التوبةَ منه، فقد يترُكُ السارقُ السرِقةَ لغِنَاهُ، ويترُكُ الزاني الزِّنى لعَجْزِهِ وكِبَرِه، ويترُكُ الفاسقُ شربَ الخمرِ لمرضِهِ أو عجزِهِ عن قيمتِه؛ فهذا التركُ لا يكفِّرُ الذنبَ، وعلامةُ التوبةِ الصادقةِ: تركُ المعصيةِ وفعلُ الطاعة، ومِن علامةِ قَبُولِها: الإتيانُ بالحَسَنةِ بعدَ السيِّئةِ؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقال - ﷺ -: (وَأَتْبعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا) (١).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾ [المائدة: ٤٢].\nفي الآيةِ: وصفٌ لليهودِ، وبيانٌ لسببِ ضلالِهم في تحريفِ كلامِ اللهِ وتبديلِ شَرْعِه، وهو ميلُهم إلى الدُّنيا، والأكلُ بدِينِ اللهِ ثمنًا قليلًا، وفي الآيةِ: تحريمُ المالِ الذي يأخُذُهُ العالِمُ على فُتيا الباطلِ وقولِه، أو سكوتِهِ عن الحقِّ؛ فإنَّ قوله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾؛ يعني: أنَّهم سَكَتُوا عن الحقِّ وأكَلُوا بسكوتِهم مالًا، فسمَّاهُ الله سُحْتًا، وتقدَّمَ في البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٨]: أنَّ المالَ الذي يأخُذُهُ الحاكمُ والعالِمُ لقولِ الباطلِ أو السكوتِ عنه أنه أشَدُّ من الرِّبا.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢١٣٥٤) (٥/ ١٥٣)، والترمذي (١٩٨٧) (٤/ ٣٥٥).","vol":"3","page":1187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-901>أخذُ العالِم للمالِ:</span>\nوربَّما يَظُنُّ العالِمُ أنَّ أَخْذَهُ للماِل لا يحرُمُ إلا إنْ كان لأجلِ قولِ الباطلِ؛ وهذا خطأٌ؛ فالمالُ يحرُمُ حتى لو كان للسكوتِ عن قولِ الحقِّ؛ فالسكوتُ عن الشرِّ عندَ ظهورِهِ من العالِمِ كتشريعِه، فإنْ أخَذَ مالا ليسكُتَ، كان مالُهُ أشَدَّ عليه مِن أكلِ الرِّبا؛ لأنَّ المُرَابِيَ يأكُلُ الدُّنيا بالدُّنيا، والعالِمَ يأكُلُ الدُّنيا بالدِّين، ثُمَّ هو بيعٌ لحقِّ الله، وأمَّا الرِّبا، فبيعٌ لحقِّ المخلوقِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-902>العدلُ بين الكفَّار:</span>\nوفي هذه الآية: أنَّ الحاكمَ يَقضي بينَ أهلِ المِلَلِ مِن أهلِ الكتابِ وغيرِهم فيما يقعُ بينَهم كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾، واختلَفَ العلماءُ في وجوبِ حُكْمِ الحاكمِ عليهم: هل يجبُ عليه وإنْ لم يترافَعُوا إليه، أو يجبُ عليه عندَ الترافُعِ؟:\nفجعَلَ مالكٌ الأمرَ إلى الحاكمِ؛ فهو مخيَّرٌ بينَ الحُكْمِ والتركِ إنْ ترافَعُوا إلى إمامِ المُسلِمينَ؛ أخذًا بظاهر قولِه، ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.\nوأوجَبَ الحُكْمَ عليهم إنْ جاؤُوا: أبو حنيفةَ والشافعيُّ في قولٍ، وجعَلُوا التخييرَ منسوخًا في قوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.\nومِن الفقهاءِ: مَن أوجَبَ الحُكْمَ عليهم بكلِّ حالٍ ولو لم يترافَعُوا إلى المُسلِمينَ.\n* * *","vol":"3","page":1188},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥].\nكان القصاصُ في بني إسرائيلَ، وظاهرُ الآية: أنَّ شرعَ مَن قَبْلَنا شرعٌ لنا ما لم يَثبُتْ خلافُهُ في شرعِنا؛ وبهذا يقولُ جمهورُ العلماء، وذلك ظاهرٌ في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]، فجعَلَ الله الحقَّ الذي فيها حُكْمًا إنْ دَلَّتْ على صِحَّتِهِ الشريعةُ، وأمَّا الأخذُ منها مباشرةً، فمنهيٌّ عنه؛ لأنَّه لا يُعلَمُ ما بُدِّلَ ممَّا لم يُبَدَّلْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-903>عمومُ آيةِ القصاص، وحُكْمُ شرعِ مَنْ قَبلَنَا:</span>\nوقد أخَذَ الصحابةُ بهذه الآيةِ وما بعدَها، مع كونِها في اليهودِ؛ لأنَّ الحكمَ مِن اللهِ واحدٌ، فأَثْبَتَهُ اللهُ في اليهود، فيَثبُتُ في هذه الأُمَّةِ ما لم يَثبُتْ خلافُه، وقد أمَرَ اللهُ نبيَّهُ أنْ يَقتدِيَ بالأنبياءِ من قبلِه، فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وأمَرَهُ أَنْ يَتَّبِعَ مِلَّةَ إبراهيمَ: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٣]، وإنْ كانتِ المِلَّةُ التوحيدَ، وهو المُشتَرَكُ بينَ الأنبياء، فإنَّ الاقتداءَ بما بَلَغَ النبيَّ - ﷺ - من الاهتداءِ في الأنبياءِ السابقِينَ دليلٌ على العموم؛ ويدلُّ على ذلك ما رواهُ البخاريُّ، عن ابنِ عبَّاسٍ: \"أنه سجَدَ في آيةِ سجدةٍ؛ فسأَلهُ مجاهدٌ عن ذلك؟ فقال: أوَمَا تَقْرَأَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:","vol":"3","page":1189},{"text":"٩٠]؟ ! فَكَانَ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ - ﷺ - أَنْ يَقْتَدِيَ بِه، فَسَجَدَهَا داوُدُ ﵇، فَسَجَدَهَا رسُولُ الله - ﷺ - \" (١).\nوفيه: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ أخَذَ بعمومِها حتى في سجودِ الآية، وفَهِمَهُ مِن النبي - ﷺ -.\nومِن ذلك: أنه قد احتَجَّ النبيُّ - ﷺ - بقضاءِ الصلاةِ المَنْسِيَّةِ بقولِهِ تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] (٢)، مع أنَّ الخِطَابَ كان لمُوسَى.\nويؤيِّدُ هذا: أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال في قضائِه في سِنِّ الرُّبَيِّع بالقِصَاص، فقال: (كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ) (٣)، ولم يُذكَرْ قِصاصُ السِّنِّ إلا في هذه الآية، وهي في بني إسرائيلَ؛ فدَلَّ على أنه أخَذَ الحُكْمَ منها.\nوقد جاء في عموم القرآنِ ما يؤكِّدُ الأخذَ بالقِصَاصِ في الجراحاتِ؛ ومن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وفي هذه الآيةِ قولُهُ، ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾.\nوأمَّا كونُ شريعةِ الإسلامِ ناسخةً لغيرِها، فذلك في الأخذِ والاتِّباعِ؛ فلا يجوزُ تتبُّعُ الحقِّ مِن رسالةِ غيرِ محمدٍ ولا مِن غير كتابِهِ وسُنَّتِه، وأنَّ الحقَّ في الدِّين لا يُؤخَذُ إلَّا مِن وحي اللهِ المنزَّلِ عليه، وأنَّ القولَ بأنَّ شَرْعَ من قبلَنا شرعٌ لنا لا يعني تتبُّعَ كُتُبِهِمْ والتديُّنِ بها؛ وإنَّما ما ثبَتَ عندَنا من غيرِ طريقِهِمْ في المنقولِ عنهم في وَحْينا.\nوما زال أكثرُ الفقهاء يَستدِلُّونَ في بعضِ المسائلِ بما ثبَتَ في الوحي عن السابقينَ؛ ومِن ذلك: استدلالُ الشافعيَّةِ على الكفالةِ بالنفسِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٨٠٧) (٦/ ١٢٤).\n(٢) أخرجه البخاري (٥٩٧) (١/ ١٢٢)، ومسلم (٦٨٤) (١/ ٤٧٧).\n(٣) أخرجه البخاري (٢٧٠٣) (٣/ ١٨٦)، ومسلم (١٦٧٥) (٣/ ١٣٠٢).","vol":"3","page":1190},{"text":"بقولِهِ تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ [يوسف: ١١]، واحتجاجُ الحنابلةِ: بجوازِ أنْ تكونَ المنفعةُ مهرًا مِن قولِهِ تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]، ومِن ذلك: احتجاجُ مالكٍ بفضلِ الكَبْشِ على غيرِهِ في الأُضْحِيةِ؛ لأنَّ اللهَ فَدَى ولدَ إبراهيمَ بكَبْشٍ، ومِن ذلك: استدلالُ الجمهورِ على الجِعَالَةِ بقولِهِ تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢].\nوقد قَضَى ابنُ عبَّاسٍ على امرأةٍ نذَرَتْ أنْ تذبَحَ ولدَها بكبشٍ؛ أخذًا مِن قصةِ إبراهيمَ (١).\nوكثيرٌ من الشافعيَّةِ يقولونَ: إنَّ شرعَ مَن قبلَنا ليس شرعًا لنا ما لم يدُلَّ دليلٌ خاصٌّ على الأخذِ به؛ وهو قولُ الأشاعرةِ والمعتزِلةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-904>تساوِي أعضاءِ الجنسَيْنِ في القصاصِ:</span>\nوفي هذه الآيةِ ذكَرَ اللهُ تَسَاوِيَ أعضاءِ بني آدمَ في القِصاص، وظاهرُ الآيةِ: أنْ لا فرقَ بينَ أعضاءِ الذَّكَرِ والأُنثى، والكبيرِ والصغير، والعاقلِ والمجنون، وفي الحديثِ قال ﷺ: (المُسْلِمُون تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ)؛ رواهُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-905>تساوي دماء الأحرارِ من الجنْسَيْنِ:</span>\nولا خلافَ عندَ الأئمَّةِ الأربعةِ في تساوي دماءِ الأحرارِ فيما بينَهم، واختلَفُوا في بعضِ أعيانِ الأحرارِ ذكورًا وإناثًا، ويُستثنى مِن ذلك دمُ\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٥٩٠٦) (٨/ ٤٦٠).\n(٢) أخرجه أحمد (٧٠١٢) (٢/ ٢١٥)، وأبو داود (٢٧٥١) (٣/ ٨٠)، وابن ماجه (٢٦٨٥) (٢/ ٨٩٥).","vol":"3","page":1191},{"text":"الوالدِ في ولدِه، على قولِ جمهورِ الفقهاءِ؛ وذلك للحديثِ: (لَا يُقَادُ الوَالِدُ بالوَلَدِ) (١)، ولحديثِ: (أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ) (٢)، والأولُ أصرَحُ، وبه يقولُ فُقَهاءُ الحِجازِ.\nورُويَ عن عليٍّ: أنَّ الرجُلَ لا يُقادُ بالمرأةِ حتى يدفَعَ أولياؤُها نصفَ الدِّيَةِ لأولياءِ الرجُلِ فيُقتَلَ بها (٣)، وحُكِيَ روايةً عن أحمدَ، وهو ضعيفٌ، وتقدَّمَ تقريرُ أنَّ الدِّيَةَ ليستْ قِيمَةً للنفسِ ذاتِها، فهي ميتةٌ؛ وإنَّما هو جَبْرٌ لأهلِ القتيلِ ممَّا فَقَدُوهُ، وتأديبٌ للقاتلِ؛ فالخصومةُ بينَ الرِّجالِ تكثُرُ وتظهَرُ مقاصدُها، وأمَّا بينَ الرِّجالِ والنِّساءِ فضعيفةٌ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الالتِقاء والمعامَلةِ إلَّا في المَحارِمِ إلَّا للحاجةِ لغيرِهم؛ ولهذا لا يُتصوَّرُ قتلُ الرجلِ للمرأةِ الأجنبيَّةِ عنه عمدًا عندَ استقامةِ شرائعِ الإسلامِ الأُخرى؛ كتحريم الخَلْوةِ والاختلاط، وأمَّا المرأةُ القريبةُ، فقتلُ القراباتِ نادرٌ، وفي الرجالِ لقراباتِهِمْ مِن النِّساءِ أندَرُ؛ ولهذا جاء التشديدُ والتقييدُ في قولِهِ: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨].\nوأمَّا في قتلِ العَمْد، فيُقادُ الجِنْسانِ بعضُهما ببعضٍ، وقد اقْتَصَّ النبيُّ - ﷺ - مِن رجلٍ يهوديِّ رضَخَ رأسَ امرأةٍ بحجارةٍ، وفعَلَ ذلك قِصَاصًا لا تعزيرًا؛ كما في \"الصحيحين\" (٤).\nوقد صحَّ عن عمرَ أنه قتَلَ ثلاثةَ نَفَرٍ مِن أهلِ صنعاءَ بامرأةٍ قتَلُوها عمدًا (٥).\nوبه قَضى الخلفاءُ مِن بعدِه، وقولُ عليٍّ في استحقاقِ نِصْفِ الدِّيَة، لا في إسقاطِ الحقِّ بالقَوَدِ.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (١٤٠٠) (٤/ ١٨).\n(٢) أخرجه أحمد (٦٩٠٢) (٢/ ٢٠٤)، وابن ماجه (٢٢٩٢) (٢/ ٧٦٩).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٧٤٨٣) (٥/ ٤١٠).\n(٤) أخرجه البخاري (٢٤١٣) (٣/ ١٢١)، ومسلم (١٦٧٢) (٣/ ١٣٠٠).\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٧٤٧٩) (٥/ ٤١٠).","vol":"3","page":1192},{"text":"وقد تقدمَ في سورة البقرةِ الكلامُ على إقامةِ الحدودِ في الحرب، وبينَ الأحرارِ والعبيدِ.\nوقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ الآيةَ: فيه تحريم البغي بالعقوبةِ فوقَ المثل؛ فذلك مِن عملِ الجاهلية، فيَجعلونَ دمَ أقوامِ فوق أقوام، وقبائلَ فوقَ قبائلَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-906>القِصَاص في الجروحِ:</span>\nوقوله تعالى، ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ دليلَ على وجوبِ القِصاصِ في الجِراحاتِ في أجزاءِ الأعضاءِ مما يُمكِنُ تنفيذ القِصاص فيه مِن غيرِ أنْ يتعدى القِصاص إلى موضع زائد عن مُماثلةِ الجُرحِ المقتَص له، وغالبًا ما تكون القدرةُ على الاستيفاء بالمماثلةِ بما له مَفصِل مِن الجسمِ؛ ولذا يجمِعُ العلماء على القِصاصِ على العضوِ الذي له مَفصِل يُقطَع به كالكف والقَدَم والإصبَع والساقِ ونحوِ هذا، وَيختلفُ العلماء في غيرِ المَفصِلِ؛ خوف أن يَسرِيَ أثر القِصاصِ إلى غيرِ محل الجناية، وهذ سبب تعددِ أقوالِهم في القِصاصِ في بعضِ الأعضاءِ:\nفيمنعُ أبو حنيفةَ والشافعي وأحمدُ وغيرُهم القِصَاصَ في جميعِ العِظام، واستثنى بعضُهم السن، والعِلةُ التي لأجلِها منَعوا القِصاصَ في بعضِ أجزاءِ الجسمِ قد تَنتفِي في زمن يتقنُ فيه الأطباء الجِرَاحةَ، وقد يكون عندَ الأطباءِ اليومَ مِن الإتقانِ في القِصاصِ في العِظامِ أعظَم مِن إتقانِ الأطباءِ السابقينَ في المَفاصِلِ التي يجمِعُ العلماءُ على القِصَاصِ فيها، وعلى هذا؛ فما أمكَنَ القِصاصُ فيه في كلّ عضو أو بعضِ عضو مع أمنِ استِشْراءِ الجنايةِ إلى غيرِ المَحَل، فيجب القصَاصُ فيه، وهو الذي ينبغي ألا يحكَى فيه خلاف؛ لانتِفاء العِلةِ التي لأجلِها منَعَ الفقهاءُ مِن القصاصِ في بعضِ مواضعِ البدن، ثم القِصاصُ هو امتثالُ القرآنِ والمساواة في العقوبة، وبه تمام الإنصافِ والعدلِ.","vol":"3","page":1193},{"text":"ويكونَ القِصاصُ بعدَ اندِمالِ جِرَاحةِ المجنيِّ عليه؛ حتى يُؤمَنَ مِن انتشارِها إلى غيرِ المحل، ويؤمَنَ على حياتِه؛ فقد يموتُ من جراحتِهِ قبلَ اندمالِها، وفي \"المسنَدِ\" أن النبيَّ - ﷺ - قال لِمَنِ استعجَلَ القِصاصَ: (لَا تعجَل حَتى يبرَأ جُرحُكَ) (١).\nومَن مات مِن القِصاص، فلا دِيَةَ على المُقتَص فيه عندَ جمهورِ العلماءِ خلافًا لأبي حنيفةَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-907>التكفيرُ بالحدود، والأجرُ بالعفوِ:</span>\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾؛ يعني: مَن تصدقَ بحقه في القِصاص، فهو كفارة للجاني، وفِيه أجر للمجني عليه، فسماهُ اللهُ صَدَقةَ؛ وفي هذا دليل على أن الحدودَ كفَّارة لأصحابِها؛ فقد جعَلَ اللهُ مجردَ إسقاطِ صاحب الحقّ حقه في القصاص كفارةَ للجاني، وظاهرة: أن مَن لم يُسقِط عن الجاني حقه، فلا يكفرُ عنه إلا بإقامةِ الحد، وقد قال ابن عباس: \"كفارة للجارح، وأجرُ الذي أصِيبَ على اللهِ\" (٢).\nومَن عُفِيَ عنه، سقَطَ إثمُ الفِعلِ عنه، وإنْ لم يتب منه، فيأثمُ على مِقدارِ ما بَقِيَ مِن عملِ قلبِه؛ كحُبِّ الجنايةِ والفرحِ بها؛ فعملُ القلبِ باق، وعمل الجوارحِ مغفور بالعفْوِ.\nوفي الآيةِ: حث على العَفوِ عمن ظهَرَ ندمُه، وزالَ دافعُ بَغيِه، وظهَرَ انتفاعُهُ وانتفاعُ غيرِهِ بالعفوِ عنه، وأمَّا مَن لم يظهَر ندمُهُ وكان مُعانِدًا لم يَظهَر صلاحُه، فأخذه بجنايتِهِ أفضَلُ.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٧٠٣٤) (٢/ ٢١٧).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٤٧٥).","vol":"3","page":1194},{"text":"قال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨].\nفي الآيةِ: ذِكرُ الأذانِ للصلاة، ولم يأتِ ذِكرهُ مطلَقًا إلا في هذا الموضع، وجاء في سورة الجمُعةِ مقيدًا بالأذانِ للجمُعة، وجاءَتِ الإشارةُ إليه كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]، وآيةُ الباب في استهزاءِ أهلِ الكِتابِ بالأذانِ وسخْرِيَّتهم منه، ومَن تأذَّى مِن الأذان للصَّلاةِ ولم يُحِبهُ لِذَاتِه، ففيه شبَه مِن الشيطانِ؛ ففي \"الصحيحَين\"؛ قال - ﷺ -: (إِذَا نُودِي لِلصلَاةِ أَدبر الشَّيطَان وَلَهُ ضراط؛ حَتى لَا يَسمَعَ التَّأذِين، فَإذَا قَضَى الندَاء أقبلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصلَاة أدْبَرَ، حَتَّى إذَا قَضَى التثوِيب أَقبَلَ، حَتَّى يخطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفسِه، يَقولُ: اذْكرْ كَذا؛ اذكرْ كذا، لِمَا لَم يَكن يَذْكرُ؛ حَتى يظَل الرجُل لَا يَدرِي كم صَلَّى) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-908>مشروعيةُ الأذانِ وفضلُه:</span>\nوفي الآيةِ: مشروعية الأذانِ وفضلُهُ، وهو مِن خصائصِ هذه الأمة، وهو فرضُ كفايةِ على أهلِ البلد، فيؤذنُ فيهم مَن يُسمِعُهمْ جميعًا، فإن توسعتِ البلدُ، تعددَ المؤذِّنونَ، ويشرَعُ حتى للمسافِرين؛ ففي \"الصحيحَينِ\"؛ قال - ﷺ - لمالكِ بنِ حُوَيرث: (إِذَا حَضَرَتِ الصلَاةُ، فَليُؤَذنْ لَكم أحَدُكمْ) (٢)، ويشرعُ للمنفَرِدِ في حَضر أو في سفرِ أنْ يُؤذن لنفسِه، فإن كان في حَضرِ فاتته الجماعة أو سقَطَت عنه، أسمَعَ نفسَهُ ومَن حولَه، ولا يَخرُج على سطحِ بيته؛ حتى لا يزاحم المُؤذنَ الراتب، وإن كان في سفر، رفَعَ صوتَه كما لو كان في المِصرِ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٠٨) (١/ ١٢٥)، ومسلم (٣٨٩) (١/ ٢٩١).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٢٨) (١/ ١٢٨)، ومسلم (٦٧٤) (١/ ٤٦٥).","vol":"3","page":1195},{"text":"وقال بأن الأذانَ بالنسبةِ للجماعةِ فرضُ كفاية: جماعةٌ مِن الفقهاءِ؛ كأحمدَ وغيرِه، والجمهورُ على سنيَّتِه، وأما المنفرِدُ فهو سُنة له باتفاقِ الأئمَّةِ الأربعة، ولأحمدَ رواية بالوجوب، والأصح أنه سنة؛ لأن الأذانَ ذِكرَ شرَعَهُ اللهُ للإعلامِ بالصلاةِ؛ كما هو ظاهرُ الآيةِ: ﴿إِلَى الصَّلَاةِ﴾، وكما هو في دَلَالةِ ألفاظِه، وفي موضعِ رفعِهِ على سطحِ المسجد، فإذا انتفَتِ العِلةُ، فلا يقالُ بوجوبِه.\nوأما في صلاةِ الجمُعة، فالأذان الثاني واجب على الكفاية، ويأتي الكلامُ على ذلك في سورة الجُمُعةِ إن شاء الله.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤].\nفي هذه الآيةِ: بيان أنَّ الشريعةَ لا تتشوَّف إلى القِتالِ لِذَاتِهِ؛ وإنما ما تحقَّقَ به مصلحةٌ راجحةٌ؛ فاللهُ ذكَرَ عن يهودَ ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾، فأظهَرَ مِنتَه بوَأدِ القتالِ؛ لأنَّ من عادةِ يهودَ شَغْلَ المسلِمينَ بالقتال، والتحريش بينَهم وبينَ خصومِهم لِيقتتلوا فيَنشغِلوا عنهم، وأن اليهودَ إنْ شعروا بقوة برَزوا للقتال، وإن شعرُوا بضَعْف حرَّشوا، ومِن حِكمةِ النبي - ﷺ - أنْ لم يكنْ يتشوف للقتالِ لِذَاتِه، ما لم تتحقَّق منه غايته، وهو عُلو كلمةِ الله، واحتمال الانتصارِ وغَلَبته.\n* * *","vol":"3","page":1196},{"text":"قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ)﴾ [المائدة: ٨٧ - ٨٨].\nتقدمَ الكلام على أصلِ حِل الطعامِ والشرابِ واللباسِ وجميعِ الطيبات، في مواضعَ كثيرة مِن سورة البقرةِ وغيرِها.\nقد ذكَرَ الله الطيباتِ ونَهَى عن تحريمها، ثم نَهَى عن الاعتداءِ على المحرمات، وفي ذلك: إشارةً إلى أن مَن ضيَّقَ على نفسِهِ الحلالَ، فإنه يدفَع نفسه إلى الحرام، وإنما جعَلَ اللهُ الحلالَ سَعة؛ ليكون كفاية وغنيةَ للإنسانِ عن الحرامِ، ولا يكاد يقع مسلِمٌ في حرامِ إلا بسبب تركهِ الحلالَ البديلَ له عنه، وتضييقه على نفسهِ فيه؛ سواء في مَطعَم أو مَنكح أو مَلبَسٍ؛ لأن النفسَ ترِيدُ إشباعَ نَهَمِها وشهوتِها وقد جعَلَ الله في الحلالِ لها كفايةَ، والعدوان في الآيةِ هو الوقوع في الحرامِ.\nوقد نزلت هذه الآية في بعضِ أصحاب النبي - ﷺ -؛ كما جاء عن أنس أن نفَرًا مِن أصحابِ النبي - ﷺ - سألُوا أزواجَهُ عن عَمَلِهِ فِي السِّر؛ فَقَالَ بعضُهُمْ: لَا أتزَوجُ النسَاءَ، وَقَالَ بَعضهم: لَا آكُل اللحمَ، وَقَالَ بَعضهُم: لَا أنَامُ عَلَى فِرَاش، فَحَمِدَ اللهَ وَأثنى عَلَيه، فَقَالَ: (مَا بَال أقوَامٍ قَالوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِني أصلِّي وَأنامُ، وَأصُومُ وَأفطِرُ، وَأتزَوجُ النسَاء؛ فَمن رَغب عَن سُنتى، فَلَيسَ مِنِّي)؛ رواهُ الشيخانِ عن أنسٍ (١).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٠٦٣) (٧/ ٢)، ومسلم (١٤٠١) (٢/ ١٠٢٠).","vol":"3","page":1197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-909>التشريعُ من دون اللهِ:</span>\nوتحريم الحلالِ كتحليلِ الحرامِ؛ فمَن فعَلَ ذلك تُشريعًا لنفسِهِ أو للناس، فذلك كُفر، وإنَّما لم يقعْ ذلك في الصحابةِ في هذه النازلةِ؛ لأنَّهم لم يَفعَلوا ذلك تشريعًا؛ وإنما فعَلُوهُ تزهدًا؛ للتفرغ لِما يرَونَة أعظَمَ تعبدًا لله، فهم امتنعوا عنه لله، وحرمُوهُ على أنفُسِهِم للهِ لا لغيرِه، فلم يُصِيبُوا الحق في ذلك.\nومَن يمتنع عن الحلالِ أو يمنعُ غيرَه مِن الحلالِ لمصلحةِ دنيويَّةِ؛ كالطيبِ في حِميَتِهِ للمريض، أو ظلمًا كمَن يَمنع غيرَهُ فضلَ الماءِ والكَلَأِ -: فليس هذا مِن تحريمِ الحلال، وتشريع ذلك.\nومِثل ذلك مَن يأذَنُ لغيرِهِ بالحرام؛ فيسقِي الخمرَ، ويضَعُ فراشًا وحصيرًا للقِمَار، فهذا إذن بفعل الحرام، لا تحليل له؛ لأنَّ الأفرادَ لا يُتصورُ منهم غيرُ الفعلِ وتسويغه، لا تشريعه، ما لم يحلُّوهُ بنصٍّ منهم أو قرينة.\nوأمَّا الحُكامُ الذين يشرِّعونَ القوانين للناس، فيكتبونَ فيها تحليلَ الحرام، وتحريمَ الحلال، فذلك كفر لا يجوز الخلاف فيه، وقد تقدمَ الكلامُ في هذا في أوائلِ سورةِ النساءِ عندَ قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [٢٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-910>حكم تحريمِ الحلالِ وكفارتُه:</span>\nوقد ذكَرَ الله هذه الآيةَ قبلَ ذِكرِهِ لِكفارةِ الأيمانِ؛ إشارة إلى فعلِ الصحابة، وأنه يمين؛ حيثُ حرمُوا على أنفسِهِم اللحمَ والنكاحَ والنومَ على الفرش.","vol":"3","page":1198},{"text":"وقد اختلَفَ العلماء في اليمينِ التي يحرِّمُ بها الحالفُ على نفسِهِ مطعمًا وملبسًا ومسكنًا: هل تحرِّمُ فِعل المحلوف عليه، وتجب عليه بها الكفارةُ عندَ الحِنث، أو لا؟ على قولَينِ:\nالأولُ: أنها لا تحرمُ الحلالَ، كما أنها لا تُحِلُّ الحرامَ، ولا يجب فيها كفارة، ورُوِيَ هذا عن ابن جُبير، وبه قال الشافعي، واستثنَى تحريم النساء؛ وذلك لظاهرِ الآية، وأن النبيَّ - ﷺ - لم يأمُرِ الصحابةُ الذين حلَفوا على تحريم الحلالِ على أنفسِهِم بالكَفَّارةِ.\nالثاني: أن اليمينَ تحرُمُ الحلالَ كما أنَّها تُوجِبُهُ، لكنَّها لا تُحِل الحرامَ؛ لأن الحرامَ يجبُ فيه التركُ، والحلالَ لا يجبُ فيه الفِعلُ ولا التركُ؛ وإنَّما استوتْ أطرافُهُ فِعلًا وتركًا، فاليمينُ أكدت أحدَ الطرَفَيْن، وكلاهُما في الشريعةِ جائزُ الفِعلِ والترك، وتحريمُ الحلالِ ليس تشريعًا عامًا؛ وإنما خاص دل الدليلُ عليه وأنه يكونُ تحريمًا، كما في سورةِ التحريمِ؛ وهذا قولُ أحمدَ.\nوعدمُ أمرِ النبيِّ - ﷺ - بالكفارة للصحابةِ الذين حرمُوا على أنفسهم اللحمَ والنِّكاحَ والنومَ: فيه نظر؛ فإن الآيةَ نزَلَت فيهم، وعقبها اللهُ بعدَ ذلك ببيان كَفارةِ اليمين، والحكم متعلق بهم ومَن شابَهَهم، ثم إنه لا فرق بين تحريم الحلالِ في النكاحِ وفي الطعامِ وغيرِه، ولما حرمَ النبي - ﷺ - على نفسِه، أنزِلَ عليه قولُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: ١]، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]؛ يعني بذلك الكفارةَ.","vol":"3","page":1199},{"text":"* قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩].\nوقد تقدَّمَ في سورةِ البقرةِ عندَ قولِ اللهِ تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾ الكلامُ على لَغْوِ اليمينِ ومعناهُ، وتفسيرِ السلف، وخلافِ العلماءِ في حدِّه، وما تجبُ فيه الكفارةُ؛ فلْيُنظَر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-911>انعقاد القلبِ في اليمينِ، وحكمُ الغَمُوسِ:</span>\nوقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ هو كقولِهِ تعالى في البقرةِ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [٢٢٥]، وكسب الشيْءِ: قصدهُ وعزمُهُ عليه، وقد فسَّرَ مجاهِد والحسن عقدَ اليمينِ بنتعمُّدِها (١)، فالقلب يفعلُ الشيءَ عن عزمٍ وقصدٍ، بخلافِ اللِّسانِ والجوارحِ، فتفعلُ سهوًا، ولما كان القلبُ لا يقع مه العملُ إلا قصدًا، سُمِّي كَسبُهُ عَقْدًا؛ ومِن هذا يُؤخَذُ أنَّ الحَلِفَ على شيءٍ يظُنّه كذا، فوقَعَ خلافَ ظنِّه، ومثْلُهُ اليمين الغَمُوسُ: أنَّه لا كفارةَ عليه؛ لأنَّ القلبَ لم يَنعقِد على شيءٍ حتى يحتاجَ حَلَّهُ، وإنَّما نزَلَتِ اليمينُ على ما لا يحتاجُ إلى حَلٍّ لفعْلِهِ أو تركِهِ؛ ولذا قال تعالى في سورةِ التحريمِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [٢]؛ ولذا يذهبُ جمهورُ العلماءِ: إلى عدمِ وجوبِ الكفَّارةِ في اليمينِ الغَمُوسِ واليمينِ التي يَحلِفُها الإنسانُ لشيء يظُنُّه كذا، والواقعُ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٦١٨).","vol":"3","page":1200},{"text":"خلافُه، فتلك أخبار كاذبة، وكفارتُهُ: التوبة والاستغفار، وهذا قول الجمهورِ.\nخلافًا للشافعي؛ وكأن الشافعيَّ نظَرَ إلى القلبِ، ولم يَنظُر إلى الظاهرِ.\nوالصوابُ: أنْ لا كفارةَ فيها؛ وذلك لقولِهِ - ﷺ -: (مَن حَلَفَ عَلَى يمينٍ يقتطع بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ عَلَيهَا فَاجِرٌ، لَقيَ اللهَ وَهُوَ عليهِ غضبَان)؛ رواهُ الشيخانِ (١).\nوقد تقدم الكلامُ على اليمينِ الغموسِ في سورةِ آل عمران، عندَ قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ٧٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-912>الأَيمان التي تجبُ فيها الكفارةُ:</span>\nواليمين التي تجبُ فيها الكفَّارةُ هي: ما انعقَدَ القلبُ فيها بقسَمِ على فِعلِ شيءٍ أو تركِه، وهذا ظاهر الآية؛ لأن القلوبَ تنعقِد على فعلٍ أو تركٍ، فالقلبُ يَعقِدُ، والكفارةُ تَحل عَقدَه، ثم إن اليمينَ سُميَت يمينًا؛ لأن العربَ تمدُّ أَيمانَها عندَ عهودِها ومواثيقِها بعضِها مع بعض، وعندَ قَسَمِها ويمينِها لغيرِها بفعلٍ أو تركٍ، ثمَّ غلَب ذلك على اللفظِ؛ لأنَّ مجردَ المصافَحةِ تقعُ على غيرِ العهدِ؛ كالسلامِ ونحوِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-913>الحلفُ بغيرِ الله، وحكم الحلفِ بالصفاتِ:</span>\nوقد نَهَى النبيُّ - ﷺ - عن الحلفِ بغيرِ الله، ولو كان معظمًا مبجلًا؛ كالنبي والكعبةِ والولي والأبَوينِ والرحِمِ ونحوِها، ولا خلافَ عندَ العلماءِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٣٥٦) (٣/ ١١٠)، ومسلم (١٣٨) (١/ ١٢٢).","vol":"3","page":1201},{"text":"في جوازِ الحلفِ بأسماء اللهِ جميعًا، وفي الحلفِ بصفاتِه خلاف:\nوعامَّة العلماءِ: على جوازِ ذلك؛ نص عليه مالك؛ كما في \"المدونَةِ\"، والشافعيّ؛ نقلَه عنه البيهقي، ومِثلهم أحمدُ، وحكى ابن هُبَيرَةَ الإجماعَ على انعقادِ اليمينِ بالصفاتِ.\nواستثنَى أبو حنيفةَ عِلمَ اللهِ وحق الله، فلم يَره يمينًا (١).\nومَن قالوا بالجوازِ اختلَفوا:\nفمنهم: مَن أطلَقَ الجوازَ بكلِّ صفة؛ فلم يَستثنوا منها شيئًا، وهم الأكثرُ.\nومنهم: مَن قيَّدَه بالصِّفاتِ الدالةِ على الذاتِ كالوجهِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقالوا: إنَّ ما لا يدُلُّ على الذات، لا يُحلَفْ به؛ كاليدِ والقَدَمِ والساقِ وغيرِها مِن الصِّفاتِ الخبريةِ.\nوالصحيحُ: جواز اليمينِ بجميعِ الصفَات، وتنعقِدُ اليمينُ بها كما تنعقدُ بالأسماءِ؛ فلو أقسم بعِزَّةِ اللهِ ووجهِهِ ويدِه، جاز وانعقَدَتِ اليمينُ؛ فقد دَلَّ الدليلُ على جواز الاستعاذةِ بالصفة؛ كما في الحديثِ الذي يَرويهِ جابرُ بن عبد اللهِ مرفوعًا: (أعُوذُ بوَجهِك) (٢)، وفي الآخَرِ: (أعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التاماتِ) (٣)، وفي غيرِهِ: (أعُوذُ بِرِضاكَ مِن سَخَطِكَ) (٤)، والاستعاذةُ أظهَرُ في التعظيمِ والعبادةِ مِن القَسَمِ.\nوقد دل الدليلُ على جوازِ القَسَمِ بالصفَةِ؛ كما في حديثِ أنس بنِ مالك، عن النبي - ﷺ -، في الذي يُغمَسُ في الجنة، فيُقالُ له: هَل رَأَيتَ\n_________\n(١) ينظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (١١/ ٥٣٥).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٦٢٨) (٦/ ٥٦).\n(٣) أخرجه مسلم (٢٧٠٨) (٤/ ٢٠٨٠)، و(٢٧٠٩) (٤/ ٢٠٨١).\n(٤) أخرجه مسلم (٤٨٦) (١/ ٣٥٢).","vol":"3","page":1202},{"text":"بُؤسًا قَط؟ يقولُ: لا وعِزتكَ وجَلالِكَ (١).\nوفي الصحيحِ: قولُ أيوب -﵇-: \"بَلَى وَعِزَّتِكَ، وَلَكِن لَا غِنَى بِي عَن بَرَكَتِكَ\" (٢).\nوقد جاء عن غيرِ واحدٍ مِن الصحابةِ القَسَمُ بصِفةِ مِن صِفاتِ الله، منهم أبو مسعودٍ؛ فقد دخَل أبو مسعودِ على حُذَيفةَ، فقال له: \"اعهَدْ إِليَّ، فَقَالَ لَهُ: ألَم يأتِكَ الْيَقِين؟ قَالَ: بَلَى وَعِزةِ رَبِّي، قَالَ: فَاعلَم أن الضلَالَةَ حَقَّ الضَّلَالَةِ أن تَعرِفَ مَا كنتَ تُنكِرُ، وَأن تُنْكِرَ مَا كُنتَ تَعرِف، وإياكَ وَالتَّلَوُّنَ؛ فإنَّ دينَ اللهِ وَاحِدٌ\" (٣).\nوقد روى البيهقي، عن أبي عِياضٍ؛ قال: سألتُ ابنَ عُمَرَ - ﵄ - عن الخمرِ؟ فقال: \"لَا، وَسَمْعِ اللهِ -﷿-، لَا يَحِل بيعهَا وَلَا ابتياعُهَا\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-914>الحلفُ بالقرآنِ:</span>\nوقد أجاز بعضُ الصحابةِ الحَلِفَ بالقرآنِ وسورة مِن القرآنِ؛ كما جاء عن ابنِ مسعود، ولا يُعلَمُ مَن خالَفَه.\nوقد ضَعفَ بعضُ العلماءِ - كابنِ رُشد وغيرِه - مَنعَ الحلفِ بصِفَاتِ الله، وما جاء عن ابنِ مسعودِ مِن منعِهِ الحَلِفَ بعِزةِ الله، فلا يصح؛ فقد رواهُ الطَّبَرانيّ وأبو نُعَيمٍ؛ مِن حديثِ المَسعودي، عن عَوْن، عنه؛ قال: \"لَا تَحلِفُوا بِحَلفِ الشَّيطَان؛ أن يَقُولَ أَحَدكُم: وَعِزةِ الله، وَلَكِن قُولُوا كَما قَالَ الله -﷿-: وَاللهِ رَبِّ العِزَّةِ\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"البعث والنشور\" (٤٣٦).\n(٢) أخرجه البخاري (٢٧٩) (١/ ٦٤).\n(٣) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٤٢).\n(٤) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٤٢).\n(٥) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٨٨٩٠)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٢٥١).","vol":"3","page":1203},{"text":"فعَون لم يَسمَعه مِن ابنِ مسعود، والمسعودي متكلم فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-915>ألفاظُ الإلزامِ والتأكيدِ:</span>\nوقد ذكَرَ اللهُ في هذه الآيةِ اليمينَ وأطلَقها في قولهِ: ﴿فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ وقوله: ﴿عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، وقولهِ: ﴿كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾، ولم يذكُر ما أُكِّدَت به مِن اسم وصفَةٍ؛ ولذا اختلَفَ العلماء في الألفاظِ التي ليست بصِيغِ قسَم ولا حَلِف، وإنَّما يَستعملها الناسُ للإلزامِ؛ كقولِهم: علي كذا وكذا، لَأفعَلَنَّ كذا، وقولِهم: إنْ فعلت كذا أو تركتُ كذا، فعليَّ كذا وكذا؛ فمنهم مَن جعلَها يمينًا تَلزَم فيها الكَفارةُ؛ كمالك، ومنهم من جعلَها نذرًا لا يمينًا، كالشافعي وأحمدَ، يجب على الناذرِ الالتزامُ بما نذَرَ، ولا يجب فيها كفارة؛ لأنها ليست بيمين، وقد جاء في ظاهِرِ القراَنِ تسميتها يمينًا؛ كما في قولِ اللهِ تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، فسمى التحريمَ يمينًا، وقد ثبَتَ في \"المسنَدِ\"، و\"السنن\"، عنه - ﷺ -؛ قال: (لَا نَذرَ في مَعصِيَةٍ، وَكفارَتهُ كَفارَةُ يمينٍ) (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَو كِسْوَتُهُمْ أَو تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-916>وقت كفارة اليمينِ:</span>\nتعجيل الكفارةِ قبلَ الحِنث جائز صحيح، ومَن فعَلَ ما حَلَفَ على تَركِه، أو ترَكَ ما حَلَفَ على فِعلِه، ثم كفرَ، جاز كذلك؛ وهو قولُ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢٦٠٩٨) (٦/ ٢٤٧)، وأبو داود (٣٢٩٠) (٣/ ٢٣٢)، والترمذي (١٥٢٤) (٤/ ١٠٣)، والنسائي (٣٨٣٥) (٧/ ٢٦)، وابن ماجه (٢١٢٥) (١/ ٦٨٦).","vol":"3","page":1204},{"text":"الجمهور، خلافًا لأبي حنيفةَ؛ فقد أوجب الحِنْثَ قبل الكفارة، واستثنى الشافعيةُ الصومَ؛ لأنه عبادة بدنيَّة لا يجوزُ تقديمُها قبلَ وقت وجوبِها، والصحيحُ: عدم التفريقِ بينَ الصيامِ والإطعامِ والكِسوة، وقد جاء في الصحيح؛ قال - ﷺ -: (إذَا حَلَفتَ عَلَى يَمِين، فَرَأيتَ غيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فكفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَائتِ الذي هُوَ خَيرٌ) (١)، وفي البخاريّ، عن أبي موسى مرفوعًا؛ قال: (لَا أَحْلِفُ عَلَى يمِين، فَأرَى غيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلا كَفرْت عَنْ يَمِيني، وَأتيتُ الَّذِي هُوَ خَير - أَو: أَتَيْت الذي هوَ خَير، وَكَفرتُ عَنْ يَمِيني) (٢).\nواختلاف ألفاظِ الحديثِ قرينة على التوسعة، ولو كان الترتيب مقصودًا، لَضَبَطَهُ النقلَة على وجهٍ واحدٍ، وقد روى الشيخانِ الحديث على الوجهَينِ تقديمًا وتأخيرًا؛ لأنَّ الترتيب غيرُ مقصود عندَهما.\nوجمهور الفقهاءِ القائلينَ بجوازِ التقديمِ والتأخيرِ يفضِّلونَ تأخيرَ الكفارة على الحنث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-917>أحوالُ كفارة اليمين:</span>\nوقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ الآيةَ، هذه كفارةُ اليمين، فجعَلَها اللهُ على حالَينِ:\nالأولى: التخييرُ؛ وهي الإطعام أو الكسوةُ أو تحريرُ رَقبةٍ.\nالثانية: الترتيب؛ وهي مَن لم يَجِدِ الأولى، فيصومُ ثلاثةَ أيام بدلًا عنها، ولا خلاف بينَ العلماءِ مِن السلفِ والفقهاءِ مِن بعدِهم على ذلك، وأن الصومَ لا يُصار إليه إلا عندَ العجزِ عن الإطعامِ والكسوةِ وعِتقِ الرقبةِ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٦٢٢) (٨/ ١٢٧)، ومسلم (١٦٥٢) (٣/ ١٢٧٣).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٦٢٣) (٨/ ١٢٨).","vol":"3","page":1205},{"text":"وأمَّا ما جاء عن ابنِ عمرَ: أنه كان إذا أكدَ اليمينَ، أعتَقَ أو كَسَا، وإذا لم يؤكِّدها، أطعَمَ، وقيل لنافعِ: ما تأكيد اليمين؟ قال: أن يَحلِفَ على الشيءِ مرارًا (١)، فهذا مِن بابِ تقديمِ إبراءِ الذمةِ والأحَظِّ للفقيرِ والأنفسِ، وهو مِن بابِ البِر والإحسان، لا مِن بابِ الترتيبِ والإلزام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-918>تلفيقُ كفارة اليمين:</span>\nوجمهورُ العلماء: على أنَّه لا يَصيرُ إلى تقسيم الكفَّارةِ الواحدةِ على أكثَرَ من نوع؛ فبدلًا مِن إطعامِ عشرة، يطعِمُ خمسة، وَيكسُو خمسة، خلافًا لأبي حنيفةَ؛ فقد أجازَه بشروط، والتوسعُ في الجوازِ يفضي إلى مخالفةِ المقصودِ مِن الكفارة.\nوعليه: فمَن قدَرَ على بعضِ الطعامِ وبعضِ الكِسوة، فله الإطعامُ أو الكِسوةُ عن بعض، وأما الصيامُ بما يَزيدُ عن مقدارِ ما نقَصَ؛ كمَن وجدَ ثلُث الإطعامِ في الكفَّارةِ أو ثُلُثَيها، فليس له أن يصومَ عَدلَ ما بَقِيَ، فلم يقُلْ بهذا أحد من السلفِ؛ ولمن قال به بعدهم شُبهةٌ؛ أنَّ اللهَ قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾، وهو واجد لبعضِه، واللهُ يقولُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]؛ ولكنه قول مخالف لقولِ السلفِ عامَّةً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-919>مقدار الإطعامِ في كفَّارةِ اليمين:</span>\nوقوله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ لا حَد لمقدارِ الطعام، ويكفي فيه الإشباعُ للناسِ الأَسوِياء، ولا يدخُلُ في هذا غيرُ السويِّ التام كالطفلِ؛ فإنه تشبعُة تمرة وتَمرتان؛ وإنما المسكينُ السويُّ، ومَن جَمَعَهم على مائدة واحدةٍ، فأكلُوا، كَفَتْهُ.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٢٣٤٢) (٣/ ٨٥).","vol":"3","page":1206},{"text":"ومِن السلفِ والفُقَهاءِ: مَن يقدرُهُ للواحدِ بمقدارِ كنِصفِ الصاع، ومنهم بالمُدّ، وهذا ليس حدا توقيفيًّا كحدِّ مقدارِ زكاةِ الفِطرِ؛ وإنما يَحُدونهُ حدا للناسِ تبرَأُ به الذِّمةُ، ويَسُد حاجةَ الفقير، وَيمنع شُح الغنيِّ؛ ولهذا اختلَفَتِ الأقاويلُ عنهم، وربما عن الواحدِ منهم؛ حتى نسبُ إلى الصحابي الواحدِ والتابعي قولان، واختلاف هذه المقاديرِ في فُتيا السلفِ دليل على أنهم يُريدون الإشباعَ؛ وإنَّما اختلَفَ القولُ عنهم لاعتباراتٍ؛ منها: اختلافُ نوعِ الطعامِ؛ فيَزِيدُ في الرديءِ حتى لا يُهضَمَ الفقيرُ، وينقُصُ في النفيس حتى لا يُغبَنَ الحالِفُ، وربَّما كان لاختلافِ قدرةِ الحالفِ وطاقتِهِ وحالِ الناسِ وزمانِهم مِن جهةِ اليَسَارِ والعَجزِ، ونوعِ الفقيرِ وما يَسد جُوعَه، ويظهَرُ ذلك لجملةٍ مِن القرائنِ؛ منها:\nأولًا: أن السَّلفَ لا يَختلفُ قولُهُم في أن مَن أجلَس عَشرةَ فقراءَ فأطعَمَهم حتى شَبِعُوا وقامُوا: أن ذلك يُجزئهُ عن كفارته؛ وهذا ظاهر في جعلِ العِلَّةِ الإشباعَ، لا الكيلَ المعلومَ؛ كما في زكاةِ الفِطرِ.\nوقد نص على أن تغديةَ الفقراءِ وتعشيتَهُم تُجزئُ: جماعة؛ كعليِّ وابنِ عباسِ والحسنِ وابنِ سيرين، ولا مُخالِفَ لهم.\nوقد صح عن ابنِ عباس أنه قال: \"إن كنتَ تُشبعُ أهلَكَ فأشبعِ المساكينَ؛ وإلا فعلى ما تُطعِمُ أهلَكَ بقَدَرِه\" (١).\nثانيًا: تباين الأقوالِ عن الفقيهِ الواحدِ منهم قرينة على أن العلَّةَ غيرُ الكَيلِ والوزنِ؛ وإنما الإشباع وسَد الحاجة، والناسُ يَتباينونَ في مقدارِ ما يًشبِعُهم، والأطعمة تَختلِفُ في سد الجُوعِ وكفايةِ الآكِلِ.\nولذا يُفتى الحسنُ وابنُ سِيرينَ بالإطعامِ على المائدةِ حتى الإشباعِ تارةَ، وتارة يقولونَ بالإجزاءِ بإخراجِ المُدِّ مع الإدامِ، ومرةً\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٦٣٥).","vol":"3","page":1207},{"text":"يُفتي الحسن بالمُدِّ وحدَهُ، ويُفتي مجاهدٌ تارةً بالصاعِ وتارةَ بالمد.\nثالثًا: أن مِن السلفِ مَن يُخيِّرُ بينَ نصفِ الصاعِ مِن الجيد، والصاعِ مما دونَه؛ كما جاء عن عمرَ؛ فقد جعَلَ مِن البر نصفَ صاع، ومِن التمرِ صاعًا، وكابنِ عباسٍ: جعَلَ مِن الجيدِ كالحِنْطةِ مُدا، ومما دونَه مدين، ومنهم مَن يأمر بالصاعِ للواجِد، وبنصفِ الصاعِ للعاجزِ.\nوفي هذا: إشارة إلى أن الشِّبَعَ يَختَلِفُ؛ فأَعلاه الصاعُ، وأدناهُ نصف الصاع، وأعلى ما تَبْرَأ به الذمة الصاعُ، وأدناهُ نِصفه، ولو كان حدا مقدرًا بالصاعِ عندَ واحدِ منهم، لم يجزِيء النصف، ويعتبَر العاجز عن الصاعِ ولو قَدَرَ على النصفِ غيرَ واجد، فينتقلُ إلى الصومِ.\nرابعًا: أن الأحاديثَ المرفوعةَ في بيانِ مِقدارِ الطعامِ معلولة، ومِثلُ الأحكامِ في الطعامِ المنضبطةِ المقدارِ كيلًا ووزنًا: تَرِدُ فيها الأحاديثُ وتتواتَر، وينقلها الصحابة، وقد ضبطَ مقدار زكاةِ الفِطرِ وهي حَولِيَّةٌ، على خلافِ في وجوبِها، مع وقوعِ كفارة الأيمان مِن الناسِ في يومِهم وليلتِهم، أو أسبوعِهم وشهرِهم؛ فمقدارُ طَعام كفارةِ اليمينِ أحوَج إلى الضبطِ والبيانِ مِن غيرِه؛ ولهذا جاء في القرآنَ بيانُ أحكامِ كفارةِ اليمين، ولم يأتِ فيه بيان أحكامِ زكاةِ الفِطرِ صريحًا، والشريعةُ لا تترك بيانَ حُكمِ أهَم وتُبينُ ما دونَهُ إلا والتركُ مقصود للتوسعةِ والتيسير، وأنه لا يَنضبِط بمقدارِ بين؛ كما في كفارةِ اليمينِ.\nخامسًا: أنَّ اللهَ وصَفَ الكفارةَ ب ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، والإطعام مُضاف إلى آكِلِه، لا إلى مُطعِمِه؛ فلَزِمَ أن يكونَ المراد إشباعَهُ.\nوعُلِمَ عقلًا وشرعًا: أنه ليس المقصود مِن الإطعام أدنَى ما يُطلَقُ عليه الطعامُ؛ كتذوُّقِ الحَبَّةِ والقَطرةِ، وهو - وإن كان يُطلَقُ عليه طعامٌ -، لكنه لا يُسمَّى في عُرفِ العربِ ولا الشرعِ إطعامًا، ففرقٌ بينَ الطعامِ وبينَ","vol":"3","page":1208},{"text":"الإطعامِ، فعندَ وصفِ الشيءِ بالطعامِ يُطلَق هذا على القليلِ والكثير، ولكن الإطعامَ لا يُطلَقُ إلا على سدِّ الحاجةِ منه؛ ومِن ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤].\nوتقييد المطعَمِ بالمسكينِ إشارة إلى جُوعِه، وما يَدفع جوعَهُ إلا الشبع.\nولا خلاف أن الغني لا يدخُلُ في الآية؛ لأن الأصلَ شِبعهُ، ولا الفقيرُ الذي يُوضَع الطعامُ أمامَهُ وهو شبعانُ من إطعامِ آخَرَ، فيَمُد يدَهُ حياءً ليأخُذَ لُقمةً وَيعجزُ عن الباقي لِشبعِه، وهذا المرادُ بالإطعامِ الواردِ في كتاب اللهِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤]، وقولِهِ تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨].\nوقد اختلَفَ الأئمةُ الأربعةُ في ذلك على اختلاف تلك الأقوالِ عن السلفِ:\nفمنهم مَن قال بإلإطعامِ بالصاعِ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ.\nومنهم من قال بالمُدِّ، وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ، وقيَّدَهُ مالك بمُدِّ المدينةِ.\nومنهم مَن قال: يجبُ مُدُّ بُرٍّ، أو مُدانِ مِن غيرِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-920>حكمُ اعتبارِ العَددِ في المساكين:</span>\nوقوله تعالى: ﴿عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾:\nاختُلِفَ في العَدَدِ: هل هو لبيان حقيقةِ عددِ الفقراء، أو هو لبيان مِقدارِ الإطعامِ الواجب؟ والأولُ لازم للثاني، والثاني ليس بلازمِ للأول، فاختلَفَ العلماءُ - بعدَ اتِّفاقِهم على وجوبِ الكفارةِ بمقدارِ إطعامِ عشرةِ مساكينَ - هل يجب إطعام عشرةِ فُقراءَ عددًا، أو يغني إطعامُ ما دُونَ العشرةِ؛ فيجوزُ إطعامُ الواحدِ والاثنين ما يكفِيهم لعَشرِ وجَباتِ؟ على قولَين:","vol":"3","page":1209},{"text":"والأصح: جوازُ ذلك، وأن العَدَدَ في الآيةِ لبيانِ المقدارِ الذي يَكفي، لا لِذَات العددِ؛ فمَن أعطَى مسكينًا طعامًا يَكفِيهِ لوجَباتِ عَشر، كان كفارة ليمينِه.\nوذهب مالك والشافعي إلى قصدِ تخصيصِ العددِ.\nولا خلاف أن مَن وجَدَ عددَ العشرة، فهو أفضلُ مِن إعطاءِ الواحدِ؛ لسدِّ حاجةِ الأكثرِ وكفايتهم في ذلك اليومِ.\nولا يَرِد على جوازِ إطعامِ الواحدِ طعامَ العشرةِ: كِسوةُ الواحدِ كِسوةَ العشرةِ؛ لأن اللباسَ لا يجزِئ فيه كِسوةُ الواحدِ بما يكفي العشَرةَ؛ لأن هذا يفضُل عن حاجتِهِ وَيرفَعه فوقَ الغِنَى؛ بخلافِ الإطعامِ؛ فإنَّ إطِعاِمَ العشرةِ لا يَكفِيهِ إلا لبضعةِ أيام، وأما كِسوةُ العشَرةِ فتَكفِيهِ بضعَ سنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-921>الكفارةُ مِن متوسط الطعامِ:</span>\nويُغني مِن الطعامِ متوسِّطه، ولا يجوزُ إخراجُ رديئه، ومعرفةُ الوسَطِ بحسَبِ حالِ المكفرِ؛ ولذا قال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، فوسط الطعامِ يَختلِف مِن رجل إلى آخَرَ؛ فمَن كان قليلَ ذاتِ اليدِ ويأكلُ رديءَ الطعامِ بالنسبةِ لغيرِه، جاز منه أن يُخرِجَهُ كفارةَ له، وقد صح عن ابنِ عباس؛ أنه قال: \"كَانَ الرجُلُ يقوتُ أهلَهُ قُوتًا فيهِ سعةٌ، وَكانَ الرجُلُ يَقوتُ أَهلَهُ قُوتًا فيه شِدة، فَنَزَلت: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ \" (١)؛ ليس بأرفَعِهِ ولا بأدناهُ.\nوَيلزَمُ أن يكونَ الفقير بالغًا، فلا يُجزِئُ إطعامُ طفلٍ تَسُدُّ حاجتَه اللُّقمتانِ والثلاثُ، ولا الرضيعِ الذي تُشبِعُهُ التمرةُ والتمرتانِ.\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (٢١١٣) (١/ ٦٨٢).","vol":"3","page":1210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-922>تكفيرُ اليمين بالكِسوةِ:</span>\nوقوله تعالى: ﴿أَو كِسْوَتُهُمْ﴾: وكسوتهُم تكون مِن أوسَط ما يكتسي به الإنسان ويَكسُو أهلَه، وحُكمُها كحُكمِ الطعامِ في نوعِها؛ فكما أن الطعامَ الذي لا يكونُ قوتًا لبلدِ لا يُخرَج في الكفارةِ؛ كالبندُقِ واللَّوزِ والزبيبِ؛ فإنَّ الناسَ لا تتخذها قوتًا ولا تطعَمُهَا تفكها اليومَ، وكذلك اللباسُ فلا يُكسَى الفقيرُ لباسًا لا يَلبَسُهُ أهلُ بلدِه؛ كمَن يُلبِسُ فقيرًا بنطالًا وهم يلبَسُونَ القميصَ، والعكسُ كذلك.\nواختلِف في مقدارِ اللباسِ:\nفمنهم: مَن أجاز كل لباسِ ولو لم يكن لجميعِ البَدَن؛ فأجاز أبو حنيفةَ والشافعي العمامةَ والسراويلَ.\nواشترَطَ مالك ما تُجزِئُ به الصلاةُ؛ يعني ما يسترُ العورةَ، وهذا تختلِفُ فيه المرأة والرجُلُ.\nوقولُ مالكٍ أَشْبَهُ وأقرَبُ؛ لأن جَعلَ مجردِ إطلاقِ لفظِ اللباسِ على الشيءِ يُجزِيء الكِسوة به: يَلزَمُ منه الإجزاءُ بما يطلق عليه الإطعامُ ولو لقمةً أو لقمتين، فعلى القولِ الأولِ: يُجزئُ الخُفانِ والنِّعالُ والحزامُ وغيرُ ذلك مما يُطلق عليه اسمُ اللِّباسِ.\nوالصحيحُ: أن المرادَ مِن اللباسِ ما يَستُرُ العورةَ؛ كالقميصِ والإزارِ والرداءِ والبنطالِ ونحوِه؛ وبهذا يقول ابنُ عمرَ وابنُ عباسِ وابنُ المسيب وابنُ جُبير والنخَعي وغيرُهم، وقليل مَن يخالِفُهم في ذلك مِن السلف، وإنِ اختلَفُوا بينَهم في تسمية ما يسترُ العورةَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-923>تكفيرُ اليمين بتحرير الرقبةِ:</span>\nوقوله تعالى: ﴿أَو تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فمِن السلفِ مَن أجاز مطلَقَ الرقابِ","vol":"3","page":1211},{"text":"مؤمِنة وكافِرةَ كأبي حنيفةَ، خلافًا لجمهورِ العلماءِ الذين قاسُوا كفَّارةَ اليمينِ على كفَّارة القتلِ.\nويختلِفُ أهلُ الأصولِ في المسائلِ التي تتَّفقُ حُكْمًا وتختلِف سببًا: هل يحمَلُ مطلَقها على مقيَّدِها أو لا؟ ومِن فروعِ هذه المسألةِ: الرقبة في كفارة اليمين.\nولما أراد معاوية بن الحَكَم عِتقَ رَقَبة، سألَها النبي - ﷺ -: (أَينَ اللهُ؟)، قَالَت: فِي السمَاء، فقال، (أعتقِهَا؛ فَإِنهَا مُؤْمِنَةْ) (١).\nوهذا في كلُّ عِتقِ رقبةٍ مِن الكفاراتِ.\nويجب أن تكونَ الرقبةُ سليمةَ مِن العيوب، ولا فرقَ بينَ ذَكَرِ وأنثى، وكبير وصغيرٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-924>تكفيرُ اليمين بالصيام:</span>\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾، لا خلافَ أنه لا يُصارُ إلى الصيامِ إلا بعدَ العجزِ عن الإطعامِ والكِسوةِ والرقبة، ويثبت العجز في الطعامِ بنقص قُوتِهِ إن أطعَمَ عن قوتِ عيالِه، وكِسوتهِ إن كَسَا عن كسوتِهم، ومِثله مَن لا يَملِكُ الطعامَ والكِسَاءَ وعِتْقَ الرقبةِ إلا بدَينٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-925>التتابُعُ في صيام الكفارة:</span>\nواختلَفَ العلماءُ في وجوبِ التتابعِ في كفارة اليمين، مع اتِّفاقِهم على فضلِه؛ لكونِه أبرَأ للذِّمةِ وأعجَلَ للبر والخيرِ:\nفذهب أبو حنيفةَ، ومعه الشافعي وأحمدُ في قولِ لهما: إلى وجوب التتابُع؛ واحتجوا بقراءةِ أبَيٍّ وابنِ مسعود: (فَصِيَام ثلَاثَةِ أيام\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٥٣٧) (١/ ٣٨١).","vol":"3","page":1212},{"text":"مُتَتَابِعَاتٍ) (١)، وصحَّ التتابُعُ عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ، وهو قولُ أصحابِ ابنِ مسعودٍ.\nوجعَلَ مجاهدٌ كلَّ صومِ في القرآنِ مُتتابعًا إلَّا قضاءَ رمضانَ؛ لأنَّ اللهَ قال فيه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] (٢).\nواحتُجَّ لهذا القولِ بوجوبِ التتابُعِ في كفَّارةِ القتلِ وكفَّارةِ الظِّهارِ: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢، والمجادلة: ٤].\nوذهَبَ إلى عدمِ وجوبِ التتابُعِ: بعضُ السلفِ؛ كعطاءٍ، وهو قولُ مالكٍ والقولُ الآخرُ للشافعيِّ وأحمدَ.\nوقد أمَرَ اللهُ بحفظِ الأيْمانِ؛ تعظيمًا للهِ عن أن يكونَ عُرْضةً في كلِّ شيءٍ وحِفْطًا للعهودِ مِن أنْ يتساهَلَ الناسُ في نقضِها؛ فتَهُونَ فيما بينَهم.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].\nتقدَّمَ الكلامُ على حُكْمِ الخمرِ والمَيسِير في سورةِ البقرةِ عندَ قولِ اللهِ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآيةَ [البقرة: ٢١٩]؛ وهذه الآيةُ أولُ آيةٍ صريحةٍ في تحريمِ الخمر، ولا خلافَ أنَّها أصرَحُ مِن آيةِ البقرةِ السابقةِ وآيةِ النِّساءِ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، ورَوَى ابنُ جريرٍ، عن سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ؛ قال: \"لمَّا نزَلَتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، فكَرِهَها قومٌ؛ لقولِهِ: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، وشَرِبَها قومٌ؛\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٦٥٢).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٦٥٢).","vol":"3","page":1213},{"text":"لقولِهِ: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]؛ حتى نزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، قال: فكانوا يَدَعُونَها في حينِ الصلاة، وَيَشرَبونَها في غيرِ حينِ الصلاة، حتى نزلَتْ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾، فقال عمرُ: ضَيْعَةً لَكِ! الْيَوْمَ قُرِنْتِ بِالمَيْسِرِ\" (١).\nوقولُه تعالى: ﴿وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾: تقدَّمَ الكلامُ على الأَزْلَامِ في أولِ المائدةِ في قولهِ: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ [٣]، وتقدَّمَ في آلِ عِمْرانَ التفريقُ بينَ الاستِقسام بالأزلامِ وبينَ القُزعةِ عندَ قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-926>نوعُ نجاسةِ الخمرِ:</span>\nوقولُه: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، فيه إشارةٌ إلى أنَّ نجاسةَ الخمرِ في معناها، وهو العملُ، لا في عَيْنِها؛ ولذا قال: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، والله يُطلِقُ الرِّجْسَ على ما خَبُثَ معناهُ وعملُهُ، لا على ما نَجِسَتْ عينُهُ؛ ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، ونحوُهُ قولُهُ: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠]، وقولُهُ تعالى: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ [الأعراف: ٧١]، وقولُهُ تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ [التوبة: ٩٥].\nولم يَدُلَّ دليلٌ على تحريمِ مماسَّةِ الكافرِ والمُنافِقِ مع تسميةِ اللهِ له رِجسًا، وإنَّما أراد أفعالَهُمْ؛ ولذا يقولُ تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٦٨١).","vol":"3","page":1214},{"text":"مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]؛ يعني: خَبَثًا وشرًّا إلى خَبَثِهم وشرَّهم، قد بيَّنَ اللهُ أنه يُريدُ رفعَ الرِّجسِ مِن بيانِ أحكامِه، ومنها: الحجابُ، وقَرَارُ أمَّهاتِ المؤمِنينَ في بُيُوتِهنَّ، وأقامُ الصلاة، وإيتاءُ الزكاةِ؛ كما في الأحزاب؛ قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، فالرِّجسُ هنا هو خَبَتُ المعاصي ودَنَسُها، والطهارةُ هي طهارةُ الإيمانِ والطاعة، ويعضُدُ ذلك: أنَّ اللهَ قَرَنَ بالخمرِ ما لا كلامَ في عدمِ نجاسةِ عَينِه، وهي الأنصَابُ والأزلَامُ، وقد بَيَّنَ اللهُ أن الأوثانَ رِجسٌ في موضعِ آخَرَ مِن غيرِ ذِكرِ الخمر؛ كما في قولِهِ في الحجِّ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠].\nوقد صحَّ عن الصحابةِ - ﵁ -: أنَّهم أراقُوا الخمرَ في مَجالِسِهِم لمَّا بلَغَهم تحريمَها؛ كما في \"الصحيحَينِ\"؛ مِن حديثِ أنسٍ - ﵁ -؛ قال: \"كُنْتُ قَائِمًا عَلَى الحَيِّ أسقِيهِم، عُمُومَتي وَأَنَا أَصغَرُهُم، الفَضيخَ، فَقِيلَ: حرِّمَتِ الخَمرُ، فَقَالَ: اكْفِئهَا، فَكَفَأنَا\" (١).\nوفي لفظِ في \"الصحيحَينِ\"؛ قال أنسٌ: \"فَجَرَت فِي سِكَكِ المَدِينَةِ\" (٢).\nولو كانت نَجِسَةَ عبنًا، لَمَا أراقُوها في الطُّرُقاتِ.\nوأيضًا: لم يأمُرِ النبيُّ - ﷺ - أحدًا مِن الصحابةِ بغَسلِ أوَانِيهِم منها، ولا تنظيفِ الأرضِ مِن أثرِها، كما أمَرَ بإراقةِ ذَنُوبِ الماءِ على بَوْلِ الأعرابيِّ في المسجد، وكما نضَحَ بَولَ الغُلَام، وغسَلَ بولَ الجارية، وقد ذهَبَ إلى طهارةِ عيَنِ الخمرِ ونجاسةِ عملِها شربًا وبيعًا وصنعًا: عامَّة الصحابةِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٦٢٢) (٧/ ١١١)، ومسلم (١١٨٠) (٣/ ١٥٧١).\n(٢) أخرجه البخاري (٢٤٦٤) (٣/ ١٣٢)، ومسلم (١٩٨٠) (٣/ ١٥٧٠).","vol":"3","page":1215},{"text":"والتابِعينَ في ظاهرِ عملِهم، وهو قولُ اللَّيثِ وربيعةَ، وقال به المُزَنيُّ وغيرُه.\nوقد فسَّرَ ابنُ عبَّاسِ الرَّجسَ في هذه الآيةِ بالسَّخَطِ مِن الله، وفسَّرَه عبدُ الرحمنِ بن زيدٍ بالشرِّ (١).\nويعضُدُ أنَّ المرادَ بالرِّجسِ النجاسةُ المعنويَّةُ: أنَّ اللهَ قرَنَ بالخمرِ مِن المحسوساتِ ما لم يَقُلْ أحدٌ من السلفِ بنجاسةِ عينِها، وهي (الأنصابُ والأزلامُ)؛ فيجوز تكسيرُ الأنصابِ والانتفاعُ بعينِها سقفًا للبيوتِ وأعنابًا لها، وجعلُها أريكةَ وسريرًا، كما يجوزُ الاستفادةُ من أقدَاحِ الأزلامِ بجعلِها أوانيَ للشُّربِ أو لِسَقي الدوابِّ والطيورِ أو غيرِ ذلك، ولو كانت نجسةٌ بعينِها، لَوَجَبَ رميُها؛ للتنجُّسِ بمسِّها.\nوالرِّجسُ والنَّجَسُ لفظان يُطلَقانِ على النجاسةِ الحسيَّةِ والمعنوَيَّة، والسياقُ يُبيِّن الحُكْمَ؛ فأما الرِّجسُ، فتقدَّمَ، وأمَّا النجاسةُ الحسيَّةً، فمعلومةٌ مستفيضةٌ، وأمَّا المعنويَّةُ، فمنه قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-927>معنى الخمرِ:</span>\nوالخمرُ: ما أُعِدَّ للسُّكر، وأمَّا وجودُ مادَّتِهِ ممَّا يُصنَع للشُّربِ وليس مهيَّأ له إلَّا بإضافةِ غيرِهِ إليه، فلا يُعَدُّ خمرًا يحرُمُ اقتناؤُه، وهو كاقتِناءِ العِنبِ والتَّمرِ والدُّبَّاءِ الذي لم يَتخمَّر، ومِثلُهُ الأطيابُ الكحوليَّةُ، فما كان منها غيرَ مُعَدِّ للشُّربِ على صورتِهِ الحاليَّة، فليس بخمرِ ولو وُجِدَ في تحليلِهِ كحول؛ لأنَّه في صورتِهِ غيرُ خمرٍ؛ إذ لو شَرِبَهُ أحدٌ على هيئتِهِ تلك، لمات أو مَرِضَ بسُمِّ ونحوِ ذلك، ولأنَّه لا يكونُ خمرًا يُشرَبُ إلَّا بإضافةِ غيرِهِ إليه.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٦٥٦).","vol":"3","page":1216},{"text":"وما كان مِن العطورِ كحولًا يُشرَبُ في صورتِهِ التي يُباعُ عليها بلا حاجةِ لإضافةِ مادَّةٍ، وإنَّما يُسكِرُ بنفسِهِ عادةً: فيحرُمُ اقتناؤُه أصلًا ولو كان طاهِرًا في ذاتِه؛ لأنَّ اللهَ أمَرَ بالبُعْدِ عنه، فقال، ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، وأمَّا العطورُ التي تحتاجُ إلى تركيبِ وإضافةٍ مع غيرِها لتُسكِرَ، فليستْ خمرًا، ولا يحرُمُ اقتناؤُها للتعطُّرِ وغيرِ ذلك.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣].\nنزَلَت هذه الآيةُ في أقوامٍ شَرِبُوا الخمرَ قبلَ نزولِ تحريمِه، وفي حُكمهم: الأقوامُ الذين شَرِبوا الحرامَ وطَعِمُوهُ ثم دخَلُوا الإسلامَ تائبينَ، فتساءَلُوا عمَّا شَرِبُوهُ وطَعِمُوهُ ونبَتَت أجسادُهُم منه، فأنزَلَ الله هذه الآيةَ؛ رفعًا للحَرَج، ودفعًا له عن نفوسِهم.\nروى الشَّيخان؛ من حديثِ آنسٍ؛ قال: \"كُنتُ سَاقِيَ القَومِ في مَنزِلِ أبِي طَلحَةَ، وَكَانَ خَمرُهُم يؤمَئِذٍ الفَضِيخَ، فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُنادِيًا يُنادِي: (أَلا إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَت)، قَالَ: فَقَالَ لِي أبو طَلحَةَ: اخرُجْ، فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجتُ فَهَرَقتُهَا، فَجَرَت فِي سِكَكِ المَدِيَنَة، فَقَالَ بَعضُ القَومِ: قَد قُتِلَ قَومٌ وَهِيَ في بُطُونهِم؟ ! فأنزَل الله، ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ \" (١).\nويدخلُ في حُكمِهم: كلُّ مؤمنٍ فيما يَطعَمُهُ وَيشرَبُهُ مِن الحلالِ مِن بابِ أولى؛ ولذا قال النبيُّ - ﷺ - لابنِ مسعودٍ: (أنتَ مِنهُم) (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٤٦٤) (٣/ ١٣٢)، ومسلم (١٩٨٠) (٣/ ١٥٧٠).\n(٢) أخرجه مسلم (٢٤٥٩) (٤/ ١٩١٠).","vol":"3","page":1217},{"text":"وهذه الآية نزَلَت بعدَ آيةِ تحريمِ الخمرِ السابقة، فرفَعَ الله بها الحَرَجَ الموجودَ في نفوسِ الصحابةِ - ﵃ -.\nوكثيرًا ما تَنزِلُ الأحكامُ في القرآن، ثم يَرفَعُ اللهُ الحَرَجَ الذي يجدُهُ الناسُ مِن فَوَاتِ شيءٍ مِن الامتثالِ السابقِ قبلَ الحُكم، فلما أمَرَ الله بالقِبلةِ والاتِّجاهِ إلى الكعبة، وجَدَ الناسُ حَرَجًا في صلاتِهِمُ السابقةِ وصلاةِ مَنْ مات منهم إلى بيتِ المَقدِس، فأنزَلَ الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، ومِثلُهُ: لمَّا حرَّمَ اللهُ في أولِ المائدةِ المحرَّماتِ وعَدَّها في أكثرِ موضعِ لعَدَدِ المحرَّماتِ المأكولةِ في القرآن، سأَلَ الصحابةُ عن الحلالِ وظَنُّوهُ ضيِّقًا، فأنزلَ اللهُ! ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]، ثم عَدَّ الطبِّباتِ عليهم؛ حتى لا يَستكثِرُوا الخبائثَ المحرَّمةَ، فيَغلِبَهم الشيطانُ عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-928>المؤاخَدَة على الحلالِ:</span>\nوظاهرُ آيةِ البابِ: أن اللهَ لا يُؤاحِذُ المؤمِنينَ فيما استمتَعُوا به مِن الشرابِ والمَطعَمِ الحلالِ ما أقامُوا الواجباتِ وأدَّوُا الفرائضَ التي عليهم، وإنَّما لم يُؤاخِذْهُمُ اللهُ؛ لأنَّه أنزَلَ الطِّيباتِ لهم ليَستمتِعوا بها وَينتفِعوا منها، ولم يَستثنِ منها إلَّا عَينًا أو وصفًا حرَّمَهُ الله، وهو قليلٌ نادرٌ؛ ولذا أطلَقَ إباحةَ الأكلِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، وقولِهِ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٥٨] وقولِهِ: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦٠].\nوإذا استمَتَع العبدُ بالطيِّباتِ مَأكَلًا ومَشرَبًا، ولم يُؤَدِّ ما عليه مِن الواجباتِ وعملِ الصالحات، وتَركِ المحرَّمات، فالأصلُ أنه مُؤاخَدٌ ومُساءَلٌ ومحاسب على مُتعتِهِ تلك، وعِلَّةُ السؤالِ والمؤاخَذةِ: أنَّ تلك المتعةَ لم تُشكَر، فمِن شُكرِها عدمُ العُدوانِ على ما حرَّمَ الله معها؛ كما","vol":"3","page":1218},{"text":"قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ١٦٨] فإنَّ كمالَ الاستمتاعِ إمَّا أن يُصاحِبَهُ شُكرٌ وعملٌ صالحٌ، أو يُصاحِبَهُ كفرٌ وعملٌ فاسدٌ؛ فإنَّ لَذَّةَ الحلالِ ومُتعتَهُ تُنسِي بعضَ العبادِ ما شَرَعَ الله، وتذكِّرُ بعضَ العِبادِ شُكْرَ نعمةِ الله، ولمَّا كان أكلُ الحلالِ سببًا للبَغْيِ ونِسيانِ نعمةِ اللهِ عندَ الكافِرِينَ والظالِمِينَ آخَذَهُم اللهُ به وحاسَبَهُم عليه؛ لهذا قلَّما يذكُرُ الله في كتابِه أكلَ الطيِّباتِ إلَّا ويَقرِنُهُ بأحدِ اللازمَينِ منه: الأمرِ بالشُّكرِ والطاعة، أو التحذيرِ مِن الكُفرِ به واتِّخاذِهِ سبيلًا لمعصيتِه، والنهيُ لا لِذَاتِه؛ فإنَّه حلالٌ؛ وإنَّما لِما أدَّى إليه مِن عملِ حرامٍ، وغفلةٍ عن الطاعة، وانشغالٍ بالمعصيةِ؛ فإن الأُمَمَ الكافرةَ ما غفَلت عن اللهِ إلَّا بسببِ الاستمتاعِ بالطيِّبات، فشغَلَتهُم عن حقِّ اللهِ عليهم؛ كما قال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا ويَلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣] وقال عنهم: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: ٤٦].\nولهذا فسَّرَ غيرُ واحدِ مِن الصحابةِ هذه الآيةَ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾: بالتقوَى واجتناب المحرَّماتِ؛ كما في ظاهرِها: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ كما جاء ذلك عن عمرَ بنِ الخطَّابِ (١).\nومِن السلفِ والفُقَهاءِ: مَن ذكَرَ بعضَ أنواعِ التَّقوَى الواجِبةِ في المالِ؛ كالزكاةِ والصدقةِ والهديةِ والصِّلةِ.\nومِن علامةِ اتِّخاذِ الطيِّباتِ سبيلًا إلى الحَرَامِ الأسرافُ في الاستمتاعِ بها، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١].\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٢٠٢).","vol":"3","page":1219},{"text":"* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)﴾ [المائدة: ٩٤].\nتذكيرٌ للمُؤمنِينَ: أنَّ اللهَ يسهِّلُ الحرامَ إلى عبدِهِ ليَختبرَ إيمانَهُ، ومِن ذلك: تحريمُ الصيدِ على المُحْرِم، فإنَّ العربَ كان كثيرُ عيشِها مِن الصيد، فإنْ أحرَمَت، مُنِعَت منه، وكان الصيدُ في البلدِ الحرامِ وما حولَه يَأْمَنُ؛ لأنَّه لا يصادُ، فيراهُ الناسُ القاصدونَ إلى المسجدِ الحرامِ وفيهم جوعٌ وفاقَةٌ، واللهُ يمنَعُهُمْ مِن ذلك.\nورُوِيَ عن مُقاتِلِ بنِ حَيَّانَ: أنَّ الصحابةَ لمَّا كانوا مع النبيِّ - ﷺ - في الحُدَيبيَة، ومنَعَتْهُ قريش مِن دخولِ مكَّةَ، وكانوا حُرُمًا قبلَ أنْ يأمُرَهُمُ اللهُ بالحِلِّ وذَبْحِ الهَدْيِ لإحصارِهم، كاد الصيدُ يأتيهِم وفيهم جوعٌ شديدٌ، فكان قُرْبُ الصيدِ منهم ابتلاءً لهم؛ ليَظهَرَ إيمانُهُمْ وامتثالُهم (١).\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَو كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ [المائدة: ٩٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-929>أنواعُ الصيدِ المحرَّمِ:</span>\nجعَلَ الله الصيدَ على المُحرِمِ حرامًا، ويحرُمُ صيدُ البَرِّ عليه بجميعِ\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٢٠٢).","vol":"3","page":1220},{"text":"أنواعه، ويحرُمُ على قاصدِ البيتِ الحرامِ وعامِرِهِ الصيدُ، وهو على نوعَيْنِ:\nالأولُ: الصيدُ المتعلِّقُ بحالٍ، وهي حالُ إحرامِه؛ فما دام مُحرِمًا يحرُمُ عيه صيدُ البَرِّ حتى يَحِلَّ، مهما كان موضعُهُ مِن الأرض، قبلَ المِيقَاتِ أو دونَهُ، فمَن أحرَمَ قبلَ الميقاتِ مِن الشامِ أو مصرَ أو بيتِ المَقْدِس، حَرُمَ عليه صيدُ البَرِّ حتَّى يَحِلَّ.\nالثاني: الصيدُ المتعلِّقُ بمكان، وهو البلدُ الحرامُ؛ سواءٌ كان الصائدُ مُحرِمًا أو غيرَ مُحرِمٍ، وقد ثبَتَتِ السُّنَّةُ بذلك في أحاديثَ كثيرةٍ؛ منها قولُهُ - ﷺ - عن مكَّةَ: (لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ) (١).\nوإن كان مُحرِمًا، فالصيدُ في البلدِ الحرامِ أغلَظُ؛ لأنَّ التحريمَ وقَعَ مِن جهتَيْنِ: مِن جهةِ الحال، ومِن جهةِ المكانِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-930>تغليظُ صيدِ الحَرَمِ:</span>\nوتحريمُ الصيدِ بالبلدِ الحرامِ أغلَظُ مِن تحريمِ الصيدِ على المحرِمِ في غيرِه؛ لأنَّ اللهَ حرَّمَ في البلدِ الحرامِ عَضدَ شجرِها، وتنفيرَ صيدِها، والتقاطَ لُقَطَتِها؛ وهذا تغليظٌ ليس في صيدِ المحرِم، ولا في لُقَطَتِهِ في غيرِ الحَرَم، ثم إنَّ المحرِمَ إنَّما حرَّمَ عليه الصيدُ؛ لأنَّه قاصدٌ البلدَ الحرامَ، ولو كان قاصدَا لغيرِه، لم يحرُم عليه شيءٌ؛ فدَلَّ على أنَّ أصلَ التعظيمِ متعلِّقٌ بالبلدِ الحرامِ.\nوقولُه تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، يحرُمُ على المحرِمِ الصيدُ ولو لم يُرِدْ أَكلَهُ كمَن يَصِيدُهُ لغيرِه، ويحرُمُ أكلُ المُحرِمِ منه ولو كان\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٣٤٩) (٢/ ٩٢).","vol":"3","page":1221},{"text":"الصائدُ حلالًا إن صِيدَ للمحرِمِ؛ فإنَّ عِلةَ التحريمِ تتحقَّقُ في ذلك كلِّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-931>صيدُ الحَلَالِ:</span>\nويخرُجُ مِن هذا: مَن صادَ صيدًا وهو حلالٌ، ثم أحرَمَ فأكَلَ صيدَهُ السابقَ في حالِ إحرامِه، فلا حرَجَ عليه، وأَولى منه: مَن أكَلَ صيدًا لم يُصَدْ له وهو مُحرِمٌ وصادَهُ رجلٌ حلالٌ، فيجوزُ له أكلُهُ.\nوقولُه تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾، وتأكيدُهُ على وصفِ القتلِ بعدَ ذلك: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾، وقولُه: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، فسمَّاهُ قتلًا لا صيدًا؛ لأنَّه يأخذ حُكْمَ المقتولِ غيرِ المأكول، فكأنَّما قتَلَ محرَّمَا عليه كذِي نَابٍ وذي مِخْلَبٍ، والعربُ تسمِّي الوحشيَّ المأكولَ: صيدًا، وغيرَ المأكولِ: مقتولًا، كما في حديثِ الفواسقِ الخمسِ ويأتي؛ ولهذه الآيةِ استَدَلَّ أحمدُ على أنَّ كلَّ ما ذبحَهُ المحرِمُ من الصيد، فهو مَيْتةٌ، وشدَّد أحمدُ من حُرْمةِ صيد المحرِمِ؛ وأنَّ مَن اضطُرَّ إلى الصيدِ أو المَيْتة، فإنه يأكُلُ المَيتةَ؛ لأنَّ الله رخَّص بها، ولم يرخِّصْ بصَيدِ المحرِمِ للضرورة.\nوفي قولِه: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ دَليلٌ على تحريم تناوُلِ الصيدِ باليدِ ولو بغيرِ آلةٍ؛ كسَهْمٍ ورُمْحِ وحَصَاةٍ ورصاصةٍ، فالعِبْرةُ بقتلِه، ولو ذُبِحَ بسكينٍ فحُكمُهُ كحُكْمِ المَيْتَةِ؛ ولذا قال تعالى فيما سبَقَ: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، فما أسَكَت به اليدُ مِن الطيور، ولو كان في حَجْرِ المحرِمِ أو ممَّا جاء طوعًا، فأمسَكَ به، فهو صيدٌ محرَّمٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-932>صيدٌ غيرِ المأكول:</span>\nولا يُسمَّى غيرُ المأكولِ صيدًا في كلامِ العربِ؛ فمَن قتَلَ غزالًا أو","vol":"3","page":1222},{"text":"ظَبْيًا أو أرنَبًا، يُقال: صادَهُ، ومَن قتَلَ عَقرَبًا أو حَيَّةً أو كلبًا، يُقالُ: قتَلَهُ، ولا يُقالُ: صادَهُ؛ لأنَّه لا يُؤكَلُ؛ ولهذا قال - ﷺ -: (خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى المُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) (١)، فقال: قَتْلِهِنَّ أو يُقْتَلْنَ، ولم يَقُلْ: صَيْدُهُنَّ أو يُصَدْنَ.\nويُقاسُ عليهنَّ: ما أخَذَ حُكمَهُنَّ ممَّا يَضُرُّ الإنسانَ، فمَن قتَلَ حيَّةً أو زُنْبُورًا أو ذُبَابةً أو بَعُوضَةً أو حَشَرةً مِن دوابِّ الأرضِ تُؤذِيه، فليستْ صيدًا، ولا شيءَ عليه فيها، ومِثلُ ذلك لو قتلَها مِن غيرِ أذيَّةٍ فلا كفَّارةَ فيها، وإنَّما رُخِّصَ في الضارِّ أن يُقْتَلَ، وغيرِ الضارِّ أن يُتْرَكَ؛ لأنَّ قتلَهُ بلا سببٍ مكروهٌ.\nوقاس أحمدُ ومالكٌ على الكلبِ: كلَّ سَبُعٍ يُؤذِي ويُخشَى منه، وخَصَّ أبو حنيفةَ الذئبَ؛ لأنَّه كلبٌ بَرِّيٌّ، ولم يَستثنِ غيرَه.\nولم يجعَلِ الشافعيُّ في قتلِ غيرِ مأكولِ اللحمِ للمحرِمِ شيئًا، ونسَبَ بعضُ الشافعيَّةِ إلى الشافعيِّ: جوازَ قتلِ كلِّ غيرِ مأكولِ اللحم، وفي إطلاقِ هذا القولِ عنه نظرٌ؛ وإطلاقُهُ بتحريمِ قتلِ الصيدِ المأكولِ لا يعني جوازَ قتلِ غيرِ المأكولِ بإطلاقٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-933>كفَّارةُ الصيدِ للمحرِمِ:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ قَضى الصحابةُ والتابعونَ بأنَّه يُحكَمُ على المتعمِّدِ والمخطِئ، ولا فرقَ بينَهما، إلَّا أنَّ المتعمِّدَ يأْثَمُ، والمُخطِئَ لا يأْثَمُ، وبهذا قال عمرُ وابنُ عبَّاسٍ ومجاهِدٌ وعطاءٌ وابنُ جُبيرٍ والنخَعيُّ؛ وهو قولُ عامَّةِ العلماءِ؛ لأنَّ السُّنَّةَ قضَت بذلك على العامدِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٨٢٦) (٣/ ١٣)، ومسلم (١١٩٩) (٢/ ٨٥٨).","vol":"3","page":1223},{"text":"والناسي سواءً، فإنَّ مَن صِيدَ له الصيدُ وهو لا يَعلَمُ به ولو كان الصائدُ حلالًا، حرُمَ عليه؛ فإنَّ تحريمَهُ على المحرِمِ نفسِهِ بغيرِ قصدِ للصيدِ منه مِن بابِ أَولى، قال الزُّهْريُّ: \"دَلَّ الكتابُ على العامِد، وجَرَتِ السُّنَّةُ على الناسي\" (١).\nومُرادُ الزُّهْريّ بالسُّنَّةِ: ما ورَدَ في الأثرِ مِن قولِ الصحابةِ؛ كعمرَ وابنِ عبَّاسِ وجماعةٍ مِن التابعينَ على ما تقدَّمَ.\nوخصَّه طاوُسٌ بالمتعمِّدِ؛ لظاهِرِ الآية، وهو روايةٌ لأحمدَ، وإنَّما ذكَرَ التعمُّدَ؛ لاعتبارِ الغالبِ؛ فالصيدُ لا يُقصَدُ عن نسيانٍ؛ لأنَّه تتبُّعٌ وقصدٌ ومشقَّةٌ لا يقعُ سهوًا ونسيانًا، والأحكامُ تُذكَرُ على غالبِ حالِها؛ ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فالغالبُ في الرَّبِيبَةِ: أنَّها تكونُ في الحَجْرِ مع أمِّها.\nوجعَلَ مجاهِدٌ التعمُّدَ في الآيةِ هو تعمُّدَ الصيدِ مع نسيانِ الإحرام، وأمَّا مَن كان ذاكِرًا لإحرامِه، فإحرامُهُ باطلٌ، واختلَفَ لفظُ المَرْوِيِّ عنه؛ فتارَةً يقولُ: \"ولا حَجَّ له\"؛ كما رواهُ ليثٌ عنه (٢)، وفي روايةٍ قال: \"فقد حَلَّ\"؛ كما رواهُ ابنُ أبي نَجِيحٍ (٣)، ولم يُوافَقْ على قولِهِ بإبطالِ النُّسُكِ.\nوقد حمَلَ الشافعيُّ قولَهُ على معنًى آخَرَ، فقال في \"الأُمِّ\": \"أَحْسَبُهُ يذهبُ إلى: أحَلَّ عقوبةَ الله، قيل له: أفتراهُ يُريدُ أحلَّ مِن إحرامِهِ؟ قال: ما أراهُ، ولو أرادَهُ، كان مذهبُ مَن أَحْفَظُ عنه خلافَهُ، ولم يَلزَمْ بقوله حُجَّةٌ\" (٤).\nوأيضًا: لو كان الإحرامُ يَبطُلُ بالصيدِ، لكان بيانُهُ في الآيةِ أَولى مِن بيانِ حُكْمِ الكفَّارة، ولمَّا لم يكنِ البطلانُ مقصودًا، لم يُذكَرُ، وذُكِرَ ما دونَهُ؛ وهو الكفَّارةُ.\n_________\n(١) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ١٩٢).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٦٧٤).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٦٧٤).\n(٤) \"الأم\" (٢/ ٢٠٠).","vol":"3","page":1224},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، والمرادُ بالمِثْليَّةِ في الآيةِ: الشَّبِيهُ في صِفَتِهِ وحالِه، فأقرَبُ الحيوانِ إلى الصيدِ يُقضَى به على الصائدِ؛ وبهذا يقولُ عامَّةُ السلف، وهو قولُ الجمهورِ؛ خلافًا لأبي حنيفةَ؛ إذ ساوَى بينَ الجزاءِ بالمِثْلِ وبينَ الإطعامِ والصيامِ في كلِّ حيوانٍ، له مثيلٌ أو ليس له مثيلٌ.\nويختلِفُ الأمرُ بحسَبِ نظرِ الناسِ في الحيوانِ وجَمْعِ الحيوانِ للصِّفاتِ المتشابِهةِ مع غيرِه؛ ولهذا تنوَّعَ كلامُ الصحابةِ والتابعينَ في تقديرِ مشابهةِ بعضِ الحيوانِ لبعضٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-934>التحكيمُ في كفَّارةِ الصيدِ:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ اشترَطَ اللهُ أهلَ العَدْلِ؛ وفي ذلك مَعَانٍ:\nالأولُ: أنَّ الحاكِمَ لا ينفرِد بالحُكمِ بحالٍ، واختُلِفَ في أنْ يكونَ المحكومُ عليه أحدَ العَدْلَينِ:\nفمنهم: مَن منَعَ حتى لا يَحكُمَ الصائدُ لنفسِه؛ حتى لا يُحابيَها فيُقصِّرَ في حقِّ اللهِ عليه؛ وبهذا يقولُ مالكٌ.\nومنهم: مَنْ أجازَ، وهو قولُ الشافعيِّ وأحمدَ! فأجازَا كونَ القاتلِ أحدَ الحَكَمَيْنِ؛ لأنَّ الثَّانيَ يَدفَع التُّهَمةَ به، وعدمَ إنصافِهِ مِن نفسِه، وجاء عن عمرَ وابنِهِ ابنِ عمرَ أنَّهما حَكَّمَا الصائدَ معه في مِثْلِيَّةِ ما صادَ، ولم يُخالِفْهما أحدٌ مِن الخُلَفاءِ وعامَّةً فُقَهاءِ الصحابةِ.\nالثاني: اشتراطُ العَدَدِ؛ فلا يَنفَرِدُ الواحدُ بالحُكمِ إلَّا عندَ العجزِ عن الآخَرِ.\nالثالثْ أنه لا يَقضِي الفاسقُ الذي لا يُؤتمَنُ على مالٍ ولا على قولٍ؛ لأنَّه ليس بعَدْلٍ، فربَّما لم يتورَّعْ عن ظلمٍ وإجحافٍ في تقديرِه.","vol":"3","page":1225},{"text":"الرابعُ: أَنَّه لا يَقضِي إلَّا عارفٌ بالحيوان وأشباهِهِ وصِفاتِه، ومَن لم يَعرِفْ أحوالَ الحيوانِ وأنواعَهُ، لم يَجُزْ له الحُكْمُ؛ حتى لا يَقضِيَ بجهلٍ؛ فإنَّ العِلْمَ أعظَمُ أصولِ العَدْل، والجَهْلَ أعظَمُ أصولِ الظُّلمِ.\nالخامسُ: اشتراطُ الإسلامِ في المُسلمينِ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ يعني: مِن المُسلِمينَ؛ كما قال تعالى، ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ﴾، والخِطابُ للمُؤمنينَ في الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-935>حكمُ الصحابةِ في صيدِ المحرِمِ:</span>\nوقضاءُ الصحابةِ ليس توقيفيًا؛ لاختلافِ الأحوالِ وتغيُّرها، ولكنَّ حُكمَهُمْ أقرَبُ إلى الحقِّ والصوابِ؛ ولذا جعَلَ أحمدُ والشافعيُّ حُكمَهم مقدَّمًا على غيرِهم؛ فما حَكَمُوا فيه يُحكَمُ فيه، وما لم يحكُمُوا فيه فيحكُمُ به ذوَا عَدْلٍ.\nوقال مالك وأبو حنيفةَ: إنَّ الحُكمَ ثابتٌ في كلِّ قضيةٍ ولو قَضَى فيها الصحابةُ، امتثالًا، لظاهِرِ الأمر، والمقطوعُ به: أنَّ قضاءَ الصحابةِ وحُكْمَهُمْ ليس وحيًا، ولا يقالُ فيمَن خالَفَهُ: خالَفَ القرآنَ والسُّنَّةَ، ما لم يُجمِعُوا؛ ولهذا اختلَفُوا في تقديرِ بعضِ الصيدِ بينَهم.\nقال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ إخراجُ فِدْيةِ الصيدِ مِن الهَدْيِ إلى البلدِ الحرام، ويجبُ ذبحُه فيها، وتوزيعُهُ على أهلِها؛ لظاهِرِ الآيةِ.\nقال تعالى: ﴿أَو كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ يعني: مَنْ لم يَجِدْ مثيلًا للصيدِ ولا قريبًا منه، فيُطعِمُ مساكينَ بقيمتِهِ؛ وبهذا قَضَى عمرُ وعثمانُ وعليٌّ وابنُ عبَّاسٍ وزيدٌ.\nوجعَلَ مالكٌ والشافعيُّ لكلِّ مسكينٍ مُدًّا.\nوذهَبَ أحمدُ: إلى أنَّ الحِنطَةَ تختلِفُ عن غيرِها؛ فمنها مُدٌّ للمسكين، ومِن غيرِها مُدَّانِ.","vol":"3","page":1226},{"text":"وذهَبَ أهلُ الرأيِ إلى أنَّ لكلِّ مسكينٍ مُدَّيْنِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-936>التخييرُ في كفَّارة الصيدِ:</span>\nواختلَفوا في التخييرِ والترتيبِ بينَ المِثْليَّةِ: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ وبينَ الإطعامِ والصِّيَامِ: هل الثلاثةُ كلُّها على التخييرِ؛ لأنَّ اللهَ خيَّرَ بينَها بقولِ: (أَو)؟ وقد اختلفَ العلماءُ في ذلك على أقوالٍ:\nذهب جمهورُ العلماءِ: إلى أنَّ التخييرَ في الجميع، وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ، وأحدُ قولَيِ الشافعيِّ وأحمدَ.\nوذهَبَ بعضُ الفقهاءِ: إلى أنَّها على الترتيبِ! فيجبُ أولًا مِثلُ الصيد، ثَمَّ يُخيَّرُ بينَ الإطعامِ أو عَدْلِ ذلك صيامًا؛ وجاء هذا عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ وعطاءٍ، وفي روايةٍ أُخرى عى هؤلاء الثلاثةِ: أَنَّها على التخييرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-937>قيمة الإطعامِ ومحلُّهُ من كفَّارةِ الصيدِ:</span>\nواختلَفُوا في قيمةِ الإطعامِ: هل تكونُ على قيمةِ الصيد، أو على قِيمةِ مِثلِهِ لو كان له مِثلٌ؟ على قولَيْنِ:\nوالجمهورُ: على أنَّ المقوَّمَ هو الصيدُ.\nوالشافعيُّ: يَرى أنَّ المقوَّمَ هو مَثِيلُهُ مِن النَّعَمِ لو كان موجودًا.\nوالأظهَرُ: أنَّ القيمةَ تكونُ للنَّعَم، لا للصيدِ؛ لأنَّ تقييمَ الصيدِ شاقٌّ، وعالبُهُ لا قيمةَ له؛ لأنَّ الناسَ لا يتبايَعُونَهُ عادةً، وفي هذا حرَجٌ على الناسِ في معرفةِ القيمة، وخاصَّةً في الأزمنةِ المتأخِّرةِ؛ فإنَّ قيمةَ الصيدِ أضعافُ قيمةِ مِثْلِهِ مِن الأنعامِ؛ لنُدْرةِ الصيدِ وكثرةِ بهيمةِ الأنعامِ.\nواختلَفوا في محلِّ الإطعامِ والصيامِ: هل يأخُدُ حُكمَ مثلِ الصيدِ مِن","vol":"3","page":1227},{"text":"النَّعَمِ؛ فيقسَّمُ في مكَّةَ على فقراءِ الحَرَمِ وذوي الحاجةِ منها، أم يُتصدَّقُ به في أيِّ موضعٍ؟:\nقال بالأولِ: عطاءٌ وطاوسٌ والشافعيُّ ومالكٌ في قولٍ.\nوبالثاني: النخَعيُّ.\nوقال أبو حنيفةَ قولًا ثالثًا؛ وهو أنَّ الإطعامَ يكونُ بمحلِّ الإصابة، وهذا قولٌ لمالكٍ آخَرُ.\nوالأظهَرُ التيسيرُ؛ لأنَّ اللهَ خَصَّ المكانَ في الهَدْيِ، ولو كان الإطعامُ يجبُ كالهَدْي، لَتَأخَّرَ بيانُ المكانِ إلى ما بعدَ الإطعام، ولو قيل: إنَّ الإطعامَ يكونُ كالهَدْي، لَلَزِمَ أنْ يكونَ ذلك في الصيام؛ لأنَّها كلَّها كفَّاراتٌ، فيجبُ الصومُ في الحَرَم، وفي هذا حَرَجٌ شديدٌ.\nوأمَّا قولُهُ: ﴿عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، فيعني: ما يُعادِلُ ذلك المقدارَ مِن الطعام، وقد قدَّرَهُ جماعةٌ مِن الصحابةِ بأنَّ كلَّ نِصْفِ صاعٍ يُعادِلُ صيامَ يومٍ؛ صحَّ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ، ولأنَّ النبيَّ - ﷺ - قد جعَلَ الكفَّارةَ على كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ: أنْ يُطعِمَ ستةَ مساكينَ؛ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ، أو أنْ يصومَ ثلاثةَ أيامٍ؛ والحديثُ في \"الصحيحَيْنِ\" (١).\nولا زمانَ محدودًا للصيامِ؛ فيصومُ حيثُ شاء ومتى شاء؛ في طريقِه، أو في مكةَ، أو في بلدِه إذا رجَعَ إليها، ولذا قال عطاءٌ: \"الصِّيَامُ حيثُ شاء\" (٢).\nوقولُه تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾؛ يعني: عقوبتَهُ؛ فوَبَالُ الشيءِ: بلاؤُه وعقوبتُهُ ونقمتُهُ على صاحِبه.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٨١٤) (٣/ ١٠)، ومسلم (١٢٠١) (٢/ ٨٦٢).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٧٠٦).","vol":"3","page":1228},{"text":"فالكفَّارةُ المذكورةُ على الصيدِ تَغفِرُ ذنبَهُ الذي فعَلَ، فإنَّما هي لمحوِ سيِّئاتِه، وليستْ عملًا صالحًا مجرَّدًا يُكتَبُ له في صحيفةِ حسناتِه، إلَّا أنْ يشاءَ اللهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-938>تكرارُ المحرِمِ للصيد:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾:\nالعَوْدُ للذنبِ مرَّةً ثانيةً أعظَمُ مِن المرَّةِ الأولى، كما أنَّ الرِّدَّةَ أغلَظُ في تَكرارِها مِن الكَفْرِ أولَ مَرَّةٍ؛ لأنَّ التَّكرارَ يَقترِنُ به الإصرارُ والاستهانةُ، بخلافِ فِعْلِ المعصيةِ مرةً.\nومِن المَعاني المرادةِ بالآيةِ: أنَّ مَن كرَّرَ السيِّئةَ عن عِلْمٍ مستسهِلًا الكفَّارةَ كحالِ الأغنياءِ الذين لا يَجِدُونَ ضِيقًا مِن الكفَّارات، فهؤلاء يُضاعَفُ عليهم العقوبةُ، فمع الكفَّارةِ مرة أُخرى وعيدٌ يَلحَقُهُمْ في الدُّنيا والآخِرةِ؛ للمُكابَرةِ والعِنادِ.\nومِن السلفِ مَن قال: إنَّ مَن كرَّرَ الصيدَ متعمِّدًا مرَّةً أُخرى، فلا يُحكَمُ عليه؛ لعِنَادِه، ويُترَكُ لانتقامِ اللهِ منه؛ رواهُ عِكرِمةُ وعليٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ (١)، وبه قال مجاهدٌ والشعبيُّ وشُرَيحٌ (٢).\nوأكثرُ السلفِ: على أنَّ الكفَّارةَ تجبُ عليه كلَّ مرةٍ، فيُحكَمُ عليه في كلِّ صيدٍ؛ وبه يقولُ عطاءٌ وسعيدُ بن جُبَيْرٍ (٣).\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٧١٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٢٠٩).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٧١٧ - ٧١٨).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٧١٥).","vol":"3","page":1229},{"text":"* قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)﴾ [المائدة: ٩٦].\nفي هذا توسعةٌ للمحرِمِ في حِلِّ صيدِ البحرِ له، ولم يُستثنَ منه شيءٌ إلَّا ما استثنى اللهُ أصلَ حِلِّهِ ممَّا يُستخبَثُ منه، فما جاز أكلُهُ مِن صيدِ البحرِ للحلال، فهو جائزٌ للمحرِمِ على السَّوَاء، وما كُرِهَ أو اختُلِفَ فيه على الحلال، فهو مكروهٌ أو مختلَفٌ يه على المحرمِ سواءً؛ ولذا قال تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾، فيَحِلُّ للمحرِمِ ما يَحِلُّ للمسافِرِ المستمتِعِ بصيدِ البحرِ، والسَّيَّارة هم أهلُ الأمصارِ وأجناسُ الناسِ كلِّهم؛ كما قالهُ مجاهدٌ وغيرُه (١).\nواختُلِفَ في بعضِ الحَيَوانِ: هل هو مِن صَيْدِ البَرِّ أو البحرِ؛ كالجَرَادِ وغيرِه؟ وطعامُ البحرِ: ما رماهُ مِن حيوانِه، فوُجِدَ ميِّتًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-939>تحريمُ صيدِ الحلالِ للمحرِمِ ولغيرِهِ:</span>\nوقولُه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، فيه دليلٌ على تحريمِ الصيدِ بذاتِه، ولو كان الصائدُ غيرَ المحرِمِ ما دام صِيدَ لأجْلِه، ومَن صادَهُ أو طلَبَ أن يُصادَ له ولو كان الصائدُ حلالًا، فالكفَّارةُ على المحرِم، وإنْ عادَهُ غيُرهُ له وهو لم يَعلَمْ، فلا كفَّارةَ عليه، إلَّا أنه يحرُمُ عليه أكلُهُ، ومَن أكَلَهُ، أَثِمَ بأكلِه ولا زيادةَ على كفَّارتِهِ السابقةِ؛ وعلى هذا عامَّةُ السلفِ وأكثرُ الفُقهاءِ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٧٣٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٢١٢).","vol":"3","page":1230},{"text":"خلافًا لعطاءٍ! فقد جعَلَ على الأكلِ كفَّارةَ أخرى خاصَّةَ به، وفي ذلك نطرٌ؛ لمخالفتِهِ لظاهِرِ الآية، والشريعةُ علَّقَتِ الحُكمَ بالصيدِ عامِدًا وجاهِلًا، ولو كان الحُكمُ ينجرُّ على الآكِلِ كذلك، لَلَزِمَ أنَّ الكفَّارةَ تَلحَقُ الآكلَ الناسيَ مِن طعامٍ وحَدَهُ لا يَعلَمُ ما هو؛ وهذا يُخالِفُ الأصولَ.\nوإذا صِيدَ الطعامُ مِن حلالٍ ولغيرِ المحرِم، فيجوزُ للمحرِمِ الأكلُ منه؛ لحديثِ أبي قتادةَ في \"الصحيحَيْنِ\"، لمَّا صادَ حمارَ وحشٍ وهو حلالٌ والنبيُّ - ﷺ - وأصحابُهُ حُرُمٌ، فأكَلُوا منه (١)؛ وبهذا أفتى عمرُ وأبو هريرةَ.\nوأمَّا صيدُ الحلالِ للمحرِم، فيحرُمُ كما لو صادَهُ المحرِمُ لنفسِهِ أو طلَبَ صَيْدَهُ له! وذلك لما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ الصَّعْب بْنِ جَثَّامَةَ؛ أنه أَهْدَى للنبيِّ - ﷺ - حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالأَبْوَاء، أَو بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْه، فَلَمَّا رَأى مَا فِي وَجْهِه، قَالَ: \"إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَا حُرُمٌ) (٢).\nوفي الآيةِ بيَّنَ الغايةُ التي يَبْقَى فيها تحريمُ الصيد، وهي بانتهاءِ الإحرامِ؛ حتى لا يُظَن أنَّ التحريمَ يَبقى حتى يعودَ الإنسانُ إلى الموضعِ الذي أحرَمَ منه، فإنَّ المحرمَ يُحرِمُ مِن مِيقاتِهِ أو قبلَهُ، فيَحرُمُ عليه الصيدُ، ولكنْ ينتهي عليه بتحلُّلِهِ مِن إحرامِه وهو بمكةَ، فيَحِلُّ له الصيدُ، ويبقى تحريمُ البلدِ الحرام، فيجوزُ للحاجِّ والمعتمِرِ أنْ يَصِيدَ في طريقِ عودتِهِ إلى أهلِهِ ولو كان مِن دونِ المِيقاتِ.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٨٢١) (٣/ ١١)، ومسلم (١١٩٦) (٢/ ٨٥١).\n(٢) أخرجه البخاري (١٨٢٥) (٣/ ١٣)، ومسلم (١١٩٣) (٢/ ٨٥٠).","vol":"3","page":1231},{"text":"* قال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)﴾ [المائدة: ٩٧].\nوالكعبةُ هي ما يُطافُ بها، لا عمومُ الحَرَمِ ولا المسجد، وإنَّما سُمِّيَت كَعْبةً؛ لأنَّها مكعَّبةٌ؛ كما صحَّ عن مجاهدٍ وعِكْرِمةَ وغيرِهما (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-940>الحكمةُ مِن وضعِ الكَعْبةِ:</span>\nوقد جعَلَ اللهُ الكعبةَ ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾؛ يعني: تَؤمُّهُمْ وتَجمَعُهُمُ على دِينٍ واحدٍ، وملَّةٍ واحدةٍ، وإنِ اختلَفُوا في أنسابِهم وأعراقِهم وبُلْدانِهم، يَجمَعُهم اللهُ على قِبْلَتِهم وبَلَدِهم الحرامِ، وقد امْتَنَّ اللهُ على العربِ أولَ الأمرِ أنْ جعَلَ الكعبةَ قيامًا لهم تَجْمَعُهم، فكان في الأممِ ملوكٌ ورؤوسٌ يَتَّحِدُونَ بهم ويَعْتصِمونَ وَيلُوذونَ بهم عندَ الشدائدِ على غيرِهم، فيتَّحِدونَ على خصومِهم بحُكَّامِهم ورؤُوسِهم، فامْتَنَّ اللهُ على العربِ أولَ أمرِهم بقِبْلةٍ واحدةٍ تَجمَعُهم يتَّفقونَ على حمايتِها ويتَّحِدونَ عليها، ويُعظِّمونَ قاصدَها فلا يَعتدونَ عليه، ثُمَّ كانت بعدَ ذلك قيامًا لكلِّ مسلمٍ.\nوقولُه ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾؛ يعني: قِيَامًا لدِينِهِمْ، ومَعْلَمًا لِحَجِّهم؛ كما جاء عن ابنِ عبَّاسِ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ (٢).\nومِثُل ذلك الشهرُ الحرامُ والهَدْيُ والقلائدُ، لقد جعَلَها الله معظَّمةً عندَهم؛ يُقِيمونَ الحقَّ بها، ويُعظِّمونَها ويُعظِّمونَ فاعلَها، وَيعصِمونَ الدمَ في الشهرِ الحرامِ ولا يَعْتدونَ فيه، ويُعظِّمونَ القلائدَ ومُقلِّدِيها، والهَدْيَ وسائقيه، فقامتْ بذلك دُنياهم تَبَعًا لقيامِ تلك الشعائرِ وحِفظِها، حتى إنَّهم\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٢١٣).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٩/ ٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٢١٤).","vol":"3","page":1232},{"text":"كانوا يتحافظونَ فيما بينَهم الأنفُسَ والأموالَ والأعراضَ، أعظَمَ مِن حفظِ الملوكِ والرؤساءِ والشُّرَطِ لرعاياهم؛ كملوكِ فارسَ والروم، والحبشةِ والسودانِ؛ حتى إنَّ مِن العربِ مَن يقلِّدُ أنعامَهُ قلائدَ الهَدْيِ لِيَعبُرَ مِن الشامِ ونَجْدٍ إلى اليمنِ؛ لِيَظُنَّ الناسُ أنَّها حرامٌ فتُترَكَ ويُترَكَ هو؛ فلا يُقصَدَ بشيءٍ.\nوفد تقدَّمَ في أولِ سورةِ المائدةِ معنى القلائد، وشيءٌ مِن أحكامِها، وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ الكلامُ على الأشهُرِ الحُرُمِ وعدَدِها وتعظمِها وأحكامِها.\nومَن أقامَ أحكامَ الله، أَدْرَكَ عِلَلَها وآثارَها عليه، وعرَفَ قَدْرَ نِعْمةِ اللهِ على الناسِ؛ ولذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)﴾، وإنَّما بفرَّطُ الناسُ في امتثالِ أحكامِ اللهِ؛ لغيابِ عِلَلِها ومنافِعِها ومَضَارَّ تَرْكِها عليهم، فيتساهَلُونَ دي ترْكِها فيقَعُ فيهم الفسادُ، ومَنِ امتثَلَها، أدرَكَ نعمةَ اللهِ عليه.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾ [المائدة: ١٠١].\nنزَلَتْ هذه الآيةُ في سؤالِ الصحابةِ عمَّا لم يكلَّفُوا به، وقد جاء ذلك في أحاديثَ؛ منها مِن حديثِ عليٍّ (١) وابنِ عبَّاسٍ (٢)\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٩٠٥) (١/ ١١٣)، والترمذي (٨١٤) (٣/ ١٦٩)، وابن ماجه (٢٨٨٤) (٢/ ٩٦٣).\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٩/ ٢٠).","vol":"3","page":1233},{"text":"وأبي هريرةَ (١) وأبي أُمَامةَ (٢): أنَّها نزلَت لمَّا سأَلُوا عن الحَجِّ: \"أفي كلَّ عامٍ؟ \"، وجاء مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ (٣) وأبي هريرةَ (٤): أنَّها نزلَتُ في سؤالِ الصحابةِ النبيَّ - ﷺ - عن آبائِهِمْ وضالَّتِهمْ، ونحوُهُ عن أنسٍ في \"الصحيحَيْنِ\" (٥).\nورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ المسألةَ التي نُهِيَ عنها هي البَحِيرَةُ والسَّائِبَةُ والوَصِيلَةُ والحَامُ؛ لأنَّ اللهَ ذكَرَها بحدَ ذلك (٦)، وقد تفرَّدَ به خُصَيْفٌ، وقد تُكُلِّمَ فيه.\nوفد نَهَى اللهُ عن السؤالِ؛ رحمةً بالأمَّةِ وتوسعةً عليها؛ فإنَّ السؤالَ يَلزَمُ منه الجوابُ، والجوابُ يُضيِّقُ سَعَةَ الحُكْمِ السابق، وكلَّما زاد السؤالُ، ضاق التكليفُ، فنَهَى اللهُ عن السؤالِ رَحْمةً بالناس، وقد جاء النهيُ في السُّنَّةِ عن السؤال، كما في \"الصحيحِ\"، عن رسولِ الله - ﷺ -؛ أنه قال: (ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ؛ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ، فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ، فَدَعُوهُ) (٧)، وفي الحديث الصحيحِ أيضًا؛ قال - ﷺ -: (إِنَّ اللهَ ﷿ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا،\n_________\n(١) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢٥٠٨)، والطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" (٤/ ١١٠)، واين حبان في \"صحيحه\" (٣٧٠٤)، والدارقطني في \"سننه\" (٢٧٠٧) (٣/ ٣٤٠)، والطبري في \"تفسيره\" (٩/ ١٨).\n(٢) أخرجه الطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" (٤/ ١١٠)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٧٦٧١)، والطبري في \"تفسيره\" (٩/ ١٩).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٦٢٢) (٦/ ٥٤).\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٩/ ١٧)، والطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" (٤/ ١١٢).\n(٥) أخرجه البخاري (٤٦٢١) (٦/ ٥٤)، ومسلم (٢٣٥٩) (٤/ ١٨٣٢).\n(٦) التفسير من \"سنن سعيد بن منصور\" (٨٣٩) (٤/ ١٦٣٣).\n(٧) أخرجه مسلم (١٣٣٧) (٢/ ٩٧٥).","vol":"3","page":1234},{"text":"وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْبَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا) (١).\nواللهُ يُنزِلُ الحُكمَ وفي اختيارِهِ أو صِفَتِهِ وزمانِهِ وعَدَدِهِ سَعَةٌ على الناس، والسؤالُ يضيَّقُ رحمةَ اللهِ تلك ويَشُقُّ على الناس، ولمَّا نزَلَتِ الأحكامُ واستقَرَّ الدَّينُ، شُرعَ السؤالُ؛ لأنَّه لن يُزادَ في الحُكْمِ؛ لانقطاعِ الوحي، فكلُّ سؤالٍ في الدَّين، فالأصلُ أنه لرفعِ الجهلِ وتحصيلِ العِلْمِ؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾، وفي هذا أنَّ السؤالَ بعدَ ثُبُوتِ الحُكْمِ للاستيضاحِ مِن مُشكِلٍ، ولاستبانةِ مُستبِهِ: محمودٌ، وقد قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، والأنبياء: ٧]، وقد أجاب اللهُ سؤالَ الصحابةِ لنبيِّهم في مواضعَ مِن القرآنِ مِن هذا النوع، ولم يُعاتِبْهم اللهُ على ذلك.\nوقد بَقِيَتْ أنواعٌ مِن السؤالِ مَنْهِيٌّ عنها:\nمنها: السؤالُ عمَّا سكَتَتِ الشريعةُ عن دقائقِهِ وأوصافِه، وطلَبُها مِن كلامِ الناسِ مِن الأممِ السابقةِ كبني إسرائيلَ، أو اللاحقةِ مِن سائرِ الفُقَهاءِ؛ فإنَّ اللهَ لمَّا نَهَى عن سؤالِه هو، وجوابُهُ حقٌّ لا يأتيهِ الباطلُ مِن بينِ يدَيْهِ ولا مِن خَلْفِه، فإنَّ سؤالَ غيرِهِ الذي يَحتمِلُ الحقَّ والباطلَ أشَدُّ في النهيِ؛ فيجبُ أن تُؤخَدَ الشريعةُ على ما ظهَرَ منها مِن غيرِ تكلُّفٍ.\nومنها: السؤالُ مُغالَطةً لا طلبًا للحقِّ، كإيرادِ الرَّجُلِ المسائلَ لِيُبيِّنَ عجزَ غيرِهِ ويُظهِرَ عِلْمَه، ومنه المناظَرةُ لغيرِ قصدِ إظهارِ الحقِّ؛ وإنَّما للإفحامِ والترفُّعِ؛ وقد رُوِيَ في \"المسنَدِ\" و\"سُنَنِ أبي داود\"، عن معاويةَ: نَهَى رسولُ الله - ﷺ - عن الْغُلُوطَاتِ (٢)، فسَّرَهُ الأوزاعيُّ بشِدَادِ المسائلِ\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٤٣٩٦) (٥/ ٣٢٥).\n(٢) أخرجه أحمد (٢٣٦٨٨) (٥/ ٤٣٥)، وأبو داود (٣٦٥٦) (٣/ ٣٢١).","vol":"3","page":1235},{"text":"وصِعَابِها (١)، ومرادُهُ: التي يُلتمَسُ بها استِزلالُ الناسِ وليس تعليمَهُمْ، وهذه تَغلِبُ عندَ مَن قصَدَ العِلْمَ لغيرِ اللهِ.\nومنها: السؤالُ عمَّا لا يَملِكُ أحدٌ جوابًا عنه إلَّا اللهُ؛ ككيفيَّةِ صِفَاتِ اللهِ تعالى، ووقتِ عِلْمِ الساعة، وأَعْمَارِ الناس، وحوادثِ المستقبل، وغيرِ ذلك مِن أمورِ الغيبِ؛ لأنَّ كلَّ جوابٍ سيكونُ كَهَانةً وخَرْصًا؛ وهذا منازَعةٌ للهِ في عِلْمِه؛ فلا يَعلَمُ الغيبَ إلَّا هو.\nومنها: السؤالُ مِرَاءً وتزيُّدًا؛ كإكثارِ السؤالِ على العالِمِ عن جزئيَّاتٍ معِ عدمِ إدراكِ الكليَّات، أو السؤالِ عن فروعٍ مع الجهلِ بالأصولِ؛ فإنَّ لطلَبِ العِلْمِ مقاصدَ:\nفإنْ كان طلبُ العِلْمِ لأجلِ العمل، فالعملُ بالأصولِ والكليَّاتِ أوْلى، وإن كان لأجلِ البلاغ، فتبليغُ الأصولِ والكليَّاتِ أَولى.\nومِثلُ ذلك السؤالُ عن الواضحاتِ تكلُّفًا، والسؤالُ عن كلِّ ما يَرِدُ على النفسِ مِن غيرِ تمييزِ ما يُناسِبُ وما يَصلُحُ للحالِ والمَقام، وكثيرًا ما يُحرَمُ المتعلِّمُ عِلْمَ العالِمِ بسبِ مِرَائِه؛ لأنَّ العالِمَ يَحبِسُ عِلْمَهُ عن أهلِ المِراء، وربَّما كان مِن عادةِ العالِمِ التفصيلُ والبسطُ في المسائلِ والتفريعُ، ولكنَّه عندَ أهلِ المِرَاءِ يَختصِرُ؛ لأنَّه يَعلَمُ أنَّ المُمَارِيَ يَلتقِطُ الجزئيَّاتِ لِيُغالِطَ فيها ويُناظِرَ عليها؛ ومِن ذلك قولُ مَيْمونِ بنِ مِهْرَانَ: \"لا تُمارِ مَن هو أعلَمُ منك؛ فإذا فَعَلْتَ ذلك، خَزَنَ عنك عِلمَهُ ولم تَضُرَّهُ شيئًا\" (٢).\nوربَّما يقعُ المِراءُ ممَّن يُحسَنُ الظنُّ به، فيَخلِطُ بينَ المِراءِ وبينَ فصلِ السؤالِ والحاجةِ إلى كثرتِه لتحصيلِ العِلْم، قال الزُّهْريُّ: \"كان أبو\n_________\n(١) أخرجه أحد (٢٣٦٨٧) (٥/ ٤٣٥).\n(٢) \"جامع بيان العلم وفضله\" (١/ ٥١٧).","vol":"3","page":1236},{"text":"سَلَمَةَ يُماري ابنَ عبَّاسٍ؛ فحُرِمَ بذلك علمًا كثيرًا\" (١).\nوكان أبو سلمةَ يقولُ بعدَ ذلك: \"لو رَفَقْتُ بابنِ عبَّاسٍ، لاستخرَجْتُ منه علمًا كثيرًا\" (٢).\nومنها: السؤالُ عمَّا لا يَنفَعُ المرءَ ولا يَغنِيهِ؛ كالسؤالِ عمَّا لا يحتاجُ إليه في عملٍ ولا تبليغٍ، أو السؤالِ عن أسرارِ الناسِ وما يُخبِّئونَ؛ فضلًا عن تتبُّعِ عيوبِهم وعَوْراتِهم، ويُروى في الخَبَرِ: (مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ: تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ) (٣).\nوقولُهُ تعالى: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾ [المائدة: ١٠٢]؛ يعني: كَفَرُوا؛ لأنَّهم لم يُريدُوا الخيرَ والاسترشادَ، فحُرِمُوا التوفيقَ إلى العملِ؛ لأنَّهم سأَلوا تكلُّفًا وتعنُّتًا.\nوكذلك في العِلْمِ؛ فمَنْ تكلَّفَ في السؤالِ وتعنَّتَ ولم يُرِدِ استرشادًا، حُرِمَ برَكةَ العِلْم، ولم يُوفَّقْ إلى العمل، ولم يَنتَفِعْ بسؤالِهِ في نفسِه، ولا في غيرِهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-941>بَرَكةُ العِلْمِ بالعملِ والبلاغِ:</span>\nوللعِلْمِ بَرَكةٌ لا يَنالُها إلَّا مَن أخَذَهُ ليعمَلَ به أو يُبلِّغَهُ، وقد كان في بني إسرائيلَ مَن يَسألُ النبيَّ تعنُّتًا وعنادًا ومغالَطةً، فلمَّا أُجِيبَ عن سؤالِه، لم يَعْمَلْ بما عَلِمَ، بل تولَّى وكفَرَ، ومَن كَثُرَ عِلمُهُ وقلَّ عملُهُ، فلسُوءِ نيَّتِهِ وقصدِه.\nوفي هذه الآيةِ: إشارةٌ إلى ما يَسُوغُ السؤالُ عنه، وهو ما يَقتضي\n_________\n(١) \"جامع بيان العلم وفضله\" (١/ ٥١٨).\n(٢) \"جامع بيان العلم وفضله\" (١/ ٥٢٠)، و\"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع\" (١/ ٢٠٩).\n(٣) أخرجه الترمذي (٢٣١٧) (٤/ ٥٥٨)، وابن ماجه (٣٩٧٦) (٢/ ١٣١٥).","vol":"3","page":1237},{"text":"العملَ والبلاغَ؛ ولهذا فينبعي على مَن قصَدَ عِلمًا أنْ يَنظُرَ قبلَ سؤالِه إلى أمرَيْنِ:\nالأولُ: العملُ؛ فإنْ كان مِن أهلِ العملِ بما عَلِمَ مِن العِلْمِ السابق، وكلَّما تعلَّمَ عَمِلَ، فإنَّ هذه أَمَارَةٌ على حُسْنِ قصدِه، وإنْ قَلَّ عملُهُ أو عُدِمَ مع كثرةِ سؤالِه، فهو يَستكثِرُ مِن حُجَجِ اللهِ عليه، والأَولى بمَن عَلِمَ شيئًا مِن العِلْمِ أنْ يعمَلَ به، وقد تتزاحَمُ العلومُ عليه، ويَستثقِلُ العملَ بكلِّ ما عَلِمَ، فلْيَعمَلْ بما عَلِمَ ولو مرَّةً؛ ليَنالَ بَرَكَةَ عِلْمِه، وقد جاء عن أحمدَ بنِ حنبلٍ: \"ما كتبتُ حديثًا عن النبيِّ - ﷺ - إلَّا وقد عَمِلْتُ به، حتى مَرَّ بي الحديثُ أنَّ النبيَّ - ﷺ - احْتَجَمَ وأَعطى أبا طَيْبَةَ دينارًا، فأعطَيْتُ الحَجَّامَ دينارًا حينَ احتَجَمْتُ\" (١).\nوالعاملُ الصادقُ يَعملُ بأَولى العِلْمِ وأَوْجَبِهِ عليه، فمَن أراد تعلُّمَ عِلْمٍ، فلْيَنظُرْ خلْفَهُ إلى ما وجَبَ عليه مِن أقرَبِ العِلْمِ الذي يَتْبَعُه، فإنْ كان مِنَ أهلِ العملِ به، فلْيتعلَّمْ ما بعدَه؛ فإنَّ العِلْمَ مراتبُ بحسَبِ التكليفِ.\nالثاني: البلاغُ؛ وذلك أنَّ العملَ قد لا يُطيقُهُ كلُّ أحدٍ، فمِن العِلْمِ ما لا يَلحَقُ المكلَّفَ تكليفٌ به؛ كطالبِ العِلْمِ الفقيرِ في أحكامِ الزكاةِ، والعاجزِ في الحجِّ والجهاد، وغيرِ التاجِرِ في أحكامِ البيوعِ وغيرِها؛ فالبلاغُ لهذا العِلْمِ مِن مقاصدِ تعلُّمِه، والناسُ يختلِفونَ في مقامِهم في الناسِ، ولا يخلو أحدٌ الناسِ مِن القُدْرةِ على البلاغِ ولو لأقرَبِ الناسِ إليه، فيَنصَحُ ويأمُرُ ويَنهى ويُعلِّمُ ولو خادمًا، أو زوجةً وولدًا، أو جارًا وصاحبًا؛ ولذا قال - ﷺ -: (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً) (٢).\n* * *\n_________\n(١) \"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع\" (١/ ١٤٤).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٤٦١) (٤/ ١٧٠).","vol":"3","page":1238},{"text":"قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ [المائدة: ١٠٣].\nتقدَّمَ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩)﴾ [النساء: ١١٩]، الكلامُ على البَحِيرَةِ والسَّائِبَة، وأنَّها مِن عملِ الجاهليَّة، ووجوهِ الشَّرْكِ فيها؛ فلْتُنظَرُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-942>معنى الوصيلةِ:</span>\nوأمَّا الوَصِيلَةُ، فهي الشَّاةُ التي تَلِدُ سبعةَ أَبْطُنٍ، فينظُرُونَ السابعَ؛ فإنْ كان ذَكَرًا أو أُنثى وهو ميِّتٌ، اشترَكَ فيه الرَّجالُ دون النِّساء، وإنْ كان أُنثى استَحْيَوْها، وإنْ كان ذكَرًا وأُنثى في بطنٍ، استحيَوْهُما، وقالوا: وصَلَتْهُ أختُهُ، فحرَّمُوهُ على أنفسِهم؛ رُوِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ (١)، ورُوِيَ غيرُه عن ابنِ إسحاقَ وابنِ زيدٍ وغيرِهما (٢)، ولا فرقَ بينَ تلك الأوصافِ؛ لأنَّ النهيَ يَنزِلُ عليها جميعِها، وربَّما اختلَفَتْ صورُ الوَصِيلَةِ؛ لاختِلافِ الناسِ في تعيِينِها؛ فإنَّ الناسَ قبائلُ مختلِفةُ العادات، وما لم يكنْ ثُبُوتُ تحريمِهِ مِن النصَّ الصريحِ بالكتابِ والسُّنَّة، فإنَّ الناسَ يضطرِبونَ في حدِّه ووصفِهِ اضطرابًا كثيرًا، كما في حدِّهم للوَصِيلَةِ والسائبةِ والبَحِيرَة، ومِثلُها الحامِي.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٢٢٢).\n(٢) ينظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٢٢٣).","vol":"3","page":1239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-943>معنى الحامِي:</span>\nوالحامِي عرَّفَه ابنُ عبَّاسٍ بأنَّه: الفحلُ مِن الإبلِ إذا وُلِدَ لوَلدِهِ؛ قالوا: حَمَى هذا ظَهْرَهُ، فلا يُركَبُ ولا يُحمَلُ عليه، ولا يَجُزُّونَ وَبَرَهُ، ولا يَمنَعونَهُ مِن حوضٍ ولا حِمًى وإن كان الحوضُ لغيرِ صاحِبِه (١).\nورُوِيَ نحوُهُ عن ابنِ المسيَّبِ (٢).\nولم تكنِ السوائبُ معروفةً عندَ العرب، وأولُ مَن شَرَعَها وسيَّبَها عمرٌو بن لُحَيَّ؛ كما جاء في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال - ﷺ -: (رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ؛ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ) (٣).\nوفي روايةٍ: (أَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ) (٤)؛ حيثُ كانتِ العربُ على بَقَايَا الحَنيفيَّةِ مِلَّةِ إبراهيمَ، وكانوا يقولونَ: نحن بنو إبراهيمَ، ودَعْوَاهُم تلك التي غالَبُوا بها محمدًا - ﷺ - الذي يَدْعُو مِثلَ دَعْواهم؛ كما قال اللهُ له: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]: دليلٌ على أنَّ العِبْرةَ بالحقيقةِ لا بالدَّعْوَى؛ كمَن يزعُمُ اليومَ أنه على الإسلامِ وعلى مِلَّةِ محمدٍ وهو يعبُدُ الأصنامَ والقبورَ والأضرِحةَ بالسجودِ لها والنَّحْرِ والنَّذْرِ لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-944>الحكمةُ من النهي عن السوائبِ:</span>\nوعِلَّةُ النهيِ عن السائبةِ والوَصِيلةِ والحامِي والبَحِيرَةِ: أنَّهم جعَلُوا سببًا للتحريمِ والتعظيمِ لم يَجعَلْهُ اللهُ كذلك، فشَرَعُوا ما لم بَشرَعْهُ اللهُ افتراءً عليه، والتحريمُ لا بدَّ فيه مِن ثُبُوتِهِ بالشَّرْعِ أو ثبوتِ ضَرَرِهِ بالحِسِّ، وأمَّا التحريمُ بمجرَّدِ المصادفةِ القَدَرِيَّة، فهذا مِن عملِ الجاهليَّة، فسمَّاهُ اللهُ\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٢٢٣).\n(٢) \"تفيسر ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٢٢٤).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٦٢٣) (٦/ ٥٤)، ومسلم (٢٨٥٦) (٤/ ٢١٩٢).\n(٤) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٠٨٠٨).","vol":"3","page":1240},{"text":"افتِراءً عليه؛ قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، وقد رَوَى أحمدُ وابنُ جريرٍ؛ مِن حديثِ أبي الأحوَص، عن أبيهِ؛ قال: أتيتُ رسولَ اللهِ - ﷺ -، فقال: (هَلْ تُنْتَجُ إِبِلُ قَوْمِكَ صِحَاحًا آذَانُهَا، فَتَعْمِدُ إِلَى مُوسَى فَتَقْطَعُ آذَانَهَا، فَتَقُولُ: هَذِهِ بُحُرٌ، وَتَشُقُّهَا، أَو تَشُقُّ جُلُودَهَا، وَتَقُولُ: هَذِهِ صُرُمٌ، وَتُحَرِّمُهَا عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِكَ؟)، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (فَإِنَّ مَا آتَاكَ اللهُ - ﷿ - لَكَ، وَسَاعِدُ اللهِ أَشَدُّ، وَمُوسَى اللهِ أَحَدٌّ) (١).\nوإنَّما ذكَرَ اللهُ العَقلَ في قولِه: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ إشعارًا بأنَّهم إنْ حُرِمُوا النَّقْلَ، فقد حُرِمُوا العقلَ كذلك؛ فإنَّ الإنسانَ يَمتنعُ عن الشيءِ للنقلِ الصحيحِ الصريحِ وللعقلِ الصريح، وهؤلاء جعَلُوا الصُّدَفَ تتحكَّمُ فيهم بلا عِلَّةٍ ثابتةٍ مِن نقلٍ ولا عقلٍ؛ فإنَّ الأُمَمَ لا تشرِّعُ تشريعاتٍ، وتَسُنُّ نُظُمًا، وتَضَعُ قوانينَ، إِلَّا وقد أدرَكَتِ النفعَ والضُّرَّ بالحسِّ إنْ لم يكنْ لدَيْها نقلٌ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾ [المائدة: ١٠٦ - ١٠٨].\nذكَرَ اللهُ الوصيَّةَ في مواضعَ مِن كتابِه، منها صريحةٌ في الحُكمِ؛\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٥٨٨٨) (٣/ ٤٧٣)، والطبري في \"تفسيره\" (٩/ ٣٠).","vol":"3","page":1241},{"text":"كما سبَقَ في سورةِ البقرةِ والنِّساءِ وهنا في المائدة، فبيَّنَ فيها شيئًا مِن أحكامِها، وذكَرَها إشارةً في سورةِ يس في قولِهِ تعالى: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٥٠]؛ وذلك عندَ قيامِ الساعةِ تُباغِتُ الناسَ؛ فلا يَتمكَّنونَ ممَّا يَتمكَّنُ مه المُحْتَضَرُ عادةً مِن الوصيَّةِ بما يُرِيدُ لمَن خَلْفَهُ؛ لمُسارَعةِ الأمرِ وانقضاءِ الأجَلِ.\nنزَلَتِ الآيةُ في الوصيَّةِ لِمَنْ حَضَرَهُ الموتُ وهو في أرضٍ غيرِ أرضِه، وبينَ سكَّانٍ ليسوا مِن أهلِه، ومعه مالُهُ ونفقتُةُ ومَرْكُبُه، ومِن خَلْفِهِ مالٌ وعيالٌ، فيَحتاجُ إلى أنْ يُوصِيَ - أنْ يدفَعَ ذلك إلى عَدْلَيْنِ مِن المُسلِمينَ أو مِن غيرِهم.\nوهذا يدُلُّ على عِظَمِ الوصيَّةِ حتى على الغريب، فلم يُعذَرْ في تركِ المالِ والوَرَثة، ويُهمِلَ الحقوقَ التي عليه وله؛ فإنَّ لصاحِبِ الحقَّ وللوارثِ حقًّا.\nوقيل بتسخِ هذه الآيةِ؛ رُوِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ (١)، وعن النخَعيَّ (٢)، وابنِ زيدٍ (٣)، فجعَلُوها قضيَّةَ عَيْنٍ، ثم نُسِخَتْ، والأكثرُ على إحكامِها، وهو الأظهَرُ، واللهُ أعلَمُ.\nوقولُه تعالى: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، به تقديمُ إشهادِ الشاهدَيْنِ مِن المُسلِمينَ على غيرِهم عندَ وجودِهم؛ قال ابنُ عبَّاسٍ: \"أمَرَهُ أنْ يُشهِدَ على وصيَّيِهِ عَدْلَيْنِ مِن المُسلِمينَ\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-945>وقولُه، ﴿مِنْكُمْ﴾ \"حُمِلَ على معنيَينِ:</span>\nأولُهما: أنَّ المرادَ: مِن القبيلةِ وقرابتِكم المُسلِمينَ؛ وهو قولُ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٩/ ١٠٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٢٣٥).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٩/ ١٠٧).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٩/ ٦٧).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٩/ ٧٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٢٢٩).","vol":"3","page":1242},{"text":"عِكْرِمةَ وعبِيدَةَ وابنِ شهاب والحسن؛ وعلى هذا المعنى فيكونُ ما بعدَهُ في قوله تعالى ﴿أَو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ المرادُ له مِن المُسلِمينَ مِن غيرِ قبيلتِكم ولا قرابتكم.\nثانيهما: أنَّ المرادَ بقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾؛ يعني: مِن المُسلِمينَ؛ وبه يقولُ ابن عبَّاسِ وابنْ المسيَّبَّ ومجاهِدٌ، وغيرُهم كثيرٌ مِن السلفِ؛ وهو الأرجَحُ.\nويؤكّدّ ذلك ويُبَيِّنُهُ: قولُهُ تعالى بعدَ ذلك: ﴿أَو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾؛ يعني: مِن عبرِ المُسلِمينَ، مِن غيرِ أهلِ مِلَّتِكم؛ وهو قولُ عامَّةِ السلفِ.\nوقولُه: ﴿أَو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ حُمِلَ على معنَيْينِ: أولُهما: أنَّ المرادَ: مِن المُسلِمينَ مِن غيرِ قبيلتِكم وعشيرتِكم؛ وهو قول عِكرِمةَ وعبِيدَةَ وابنِ شهابٍ والحسنِ (١).\nثانيهما: أنَّ المرادَ بقوله: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾؛ يعني: مِن غيرِ المُسلِمينَ؛ وبه يقولُ ابنُ عبَّاسٍ وابنُ المسيَّبِ ومجاهدٌ، وغيرُهم كثيرٌ مِن السلف؛ وهو الأرجَحُ، وهو قولُ عامَّةِ السلفِ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-946>تاركُ والصلاةِ:</span>\nوفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ تارِكَ الصلاةِ بالكليَّةِ لا يكونُ مُسلِمًا؛ لأنَّ المُسلِمَ هو الذي يَشهَدُ بعدَ صلاتِه، ومَن لم تكنْ له صلاةٌ، فليس بمُسلِمٍ، وقد فسَّرَ عامِرٌ الشعبيُّ قولَه تعالى: ﴿أَو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال: مِن غيرِ المُصَلينَ، كما رواهُ ابنُ وهبٍ في \"جامِعِه\".\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٩/ ٦٧ - ٦٩).\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٩/ ٦١ - ٦٧).","vol":"3","page":1243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-947>شهادةُ الذميِّ:</span>\nوفيها أيضًا: إشارةٌ إلى عدمِ جوازِ شهادةِ الذميِّ إلا بشرطَيْها؛ وهما في مِثْلِ هذه الوصيَّةِ: أنْ يكونَ المُسلِمُ في سَفَرٍ، وألَّا يجدَ شاهِدًا مُسلِمًا يَشهَدُ، فحتى لا يَضِيعَ حقُّهُ وحقُّ الناسِ مِن الوَرَثةِ وغيرِهم فيُشهِدُ الذِّمِّيَّيْنِ؛ وبهذا كان يَقضي السلفُ، وقد صحَّ عن شُرَيْح؛ قال: \"لا تَصِحُّ شهادةُ الذِّمِّيِّ إلَّا في سفرٍ، ولا في السفرِ إلَّا في الوصيَّةِ\" (١)؛ وبهذا يقولُ أحمدُ.\nوذهَبَ أبو حنيفةَ ومالكٌ والشافعيُّ: إلى عدمِ جوازِ شهادةِ الذميِّ على المُسلِمينَ، وجوَّزَ أهلُ الرأيِ شهادتَهم على أنفسِهم، وقد رُوِيَ عن الزُّهريِّ أنه قال: \"مضَتِ السُّنَّة أنه لا تجوزُ شهادةُ الكافرِ على المُسلِمينَ لا في حضرٍ ولا في سفرٍ\" (٢).\nوإنَّما خَصَّتِ الآيةُ السفرَ والوصيَّةَ لإشهادِ الكافرِ على حقِّ المُسلِمِ؛ بخلافِ غيرِها مِن الأحوال؛ كالبُيُوعِ والدُّيُونِ والرَّهْنِ للحاضرِ والمسافِرِ؛ لأنَّ الاحتِضارَ في السفرِ يعجِزُ معه الإنسانُ عن البحثِ عن شاهدِ يَشهَدُ له في حقِّه؛ لكونِهِ عندَ غيرِ أهلِهِ وفي غيرِ بلدِه، بخلافِ ما لو كان بائعًا صحيحًا، فعندَهُ فُسْحةِ الوقتِ وصِحَّةِ البدنِ ما يَقدِرُ على الإشهادِ على حقِّه مِن المْسلِمينَ، فكان الأمرُ للمْحتضَرِ المسافرِ في بلدِ كفر بينَ أمرَيْنِ: الموتِ بلا وصيَّةٍ وتضييعِ المالِ والحقوق، أو الوصيَّة وإشهادِ كافرِ عليها يَحتمِلُ صِدقُهُ وكذبُهُ، ويُجعَلُ للمسلِمِ مِن الوَرَثةِ الحقُّ في الطعنِ فيها وإسقاطِها عندَ قيامِ بيِّنةٍ وقرينةٍ على فسادِ تلك الشهادةِ؛ فكان أخَفَّ الحالَيْنِ وأقَلَّ المَفسدتَيْنِ إشهادُ الكافرِ على وصيَّتِه.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٩/ ٦٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٩/ ٦٨).","vol":"3","page":1244},{"text":"وإنْ رَضِيَ أهلُ الميراثِ بشهادةِ الشاهدَيْنِ؛ وذلك لأنَّهم يَعرِفونَ صِدْقَهما أو يَعرِفونَ مالَ المُوصِي كثرةً وقلةً ونوعًا، فإنَّهم يَترُكونَهما، وإنْ شكوا فيهما واتَّهَمُوهما فيَدفَعُونَهما إلى السُّلْطانِ لِيَمتحنَهما ويَستحلفَهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-948>الحلف بعد الصلاة:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾، فيه تعظيمُ الحَلِفِ بعدَ الصلاةِ؛ لكونِه مُنصرَفَ العبادة، وقريبَ العهدِ بالخضوعِ للخالق، وأقرَبَ لذِكْرِ المَعادِ وخَشْيةِ اللِّقاء، وقد خَصَّ بعضُ السلفِ الصلاةَ بصلاةِ العصرِ؛ كما قالهُ ابنُ عبَّاسٍ وعبَيدَةُ السَّلْمَانُّي والشعبيُّ وابنُ جُبيرٍ والنخَعيُّ وقتادةُ (١).\nوقال الزُّهْريُّ بعمومِ الصلاةِ في أيِّ وقتٍ أدرَكَها.\nوإن كان الشهودُ مِن غيرِ المُسلِمينَ، فيَحلِفانِ بعدَ صلاتِهما في دِينِهما؛ رُوِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسِ (٢)؛ لأن المرادَ تعظيمُ اليمينِ في نفسَيْهما، وحِفظُ الحقِّ بتخويفِهما وترهيِبهما مِن ربِّهما، وليس في ذلك إعانةٌ لهما على عِبادةِ غيرِ الله، ودَعْوَتَهما لإقامةِ صلاةٍ غيرِ صلاةِ المُسلِمينَ، وعبادةِ ربِّ غيرِ اللهِ؛ وإنَّما هو حفظٌ لحقِّ المُسِلِمينَ بعدَ صلاتِهم التي يُؤدُّونَها في دينِهم كما كانوا مِن قبلُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-949>استحلافُ الكافِرِ:</span>\nوفي هذا: دليلٌ على جوازِ استحلافِ الكافرِ على ما يُعظِّمُهُ في دِينِه، والتنزُّلِ معه بما يُشعِرُهُ بِعَظَمةِ دِيِنةِ ومَعبدِهِ مِن عيرِ تصريحٍ.\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٩/ ٧٦ - ٧٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٢٣٠)، و\"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٢١٧).\n(٢) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٢١٧).","vol":"3","page":1245},{"text":"ويُقسِمانِ على ما شَهِدَا ويبيِّنانِ أنَّهما بيَّنَا ولم يَكتُمَا لدُنيا ولا لرِشْوةٍ، ويكونُ ذلك عندَ الرِّيبةِ منهما؛ كما قال تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾، ويسقِطُ عنهما ذلك التُّهمةَ؛ لأنَّه لا بيِّنةَ عليهما، والقولُ قولُهما.\nولا يثبُتُ في الوحيِ: أنَّ الشاهدَ يَحلِفُ على شهادتِهِ إلَّا في هذا الموضعِ.\nوقولُه تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾؛ وذلك بكتمانِهما للحقِّ، وأخذِ شيءٍ مِن مال الميِّت، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾؛ أيْ: يقوم اثنانِ مِن أحَقِّ الورثةِ بالمالِ، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ أيْ: أحَقُّ بالقَبُولِ والأخذِ مِن كَذِبِهما وخيانتِهما؛ لعِلمِهما بحالِ الميِّتِ وما له وما عليه مما يجهلُ الكفَّارُ حالَهُ، ويُبيِّنانِ أنَّهما لم يَتعدَّيَا عليهما وَيَبهتاهُما بما ليس فيهما؛ وإنَّما لبُطْلانِ قولِهما على الميِّتِ؛ فلا يَتضرَّرُ صاحِبُ الحقِّ في مالِ مورِّثِه، وصاحِبُ الحقِّ مِن مالِ الميِّتِ؛ بدَيْنٍ أو رهنٍ أو هبةٍ وعطيةٍ؛ فإنَّ ذلك مِن الظُّلْمِ العظيمِ؛ وبذلك تُرَدُّ شهادةُ الكافرَيْنِ لشهادةِ المُسلِميْنِ مِن الورثةِ؛ لأنَّ اللَّه قال: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾، فجعَلَ المُسلِمَينِ بدَلَ الكافرَيْنِ.\nوإن كان الورثةُ قُصَّرًا صِغارًا واسْتُرِيبَ بشهادةِ الذِّمِّيَّيْن، فيقومُ مَقامَهما مِن عامَّةِ المُسلِمينَ ممَّن استرابَ بشهادةِ الذِّمِّيَّيْنِ؛ رُوِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ وغيرِه (١).\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٩/ ١٠٢).","vol":"3","page":1246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-950>سورة الأنعام</span>\nسورةُ الأنعامِ سورةٌ مكيةٌ، كما قاله ابنُ عبَّاس وابنُ عمرَ، وحكى الإجماعَ على ذلك غيرُ واحد، وإنَّما الخلافُ في بضعِ آياتٍ فيها، وتضمَّنت السورة تعظيم الله وآياتهِ ومخلوقاتِه، وعَرَضَتْ حُجَجَ المُبْطِلينَ المعانِدِينَ للحقّ، وأحوال بعضِ الأنبياءِ مع أقوامِهِمْ وتشابُه كفَّار الأممِ في الحججِ الواهيَةِ والعناد، وفي هذه السورة ذِكْرٌ لنعمةِ الأنعامِ وتعدِّي الكافرين عليها بالتحريمِ والتحليل بالهوى.\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ [الأنعام: ٥٤].\nهذه الآيةُ تَبَعٌ لما قبلَها، وقد نزَلَ ذلك في أعيانِ قريشٍ؛ أتَوْا رسولَ اللهِ - ﷺ -، وازْدَرَوْا جُلساءَهُ الضُّعفاءَ، واستثقَلُوا الجلوسَ معهم، حتى قالوا: إنَّا نُحِبُّ أنْ تجعَلَ لنا منك مَجلسًا تَعرِفُ لنا العَرَبُ به فَضْلَنا؛ فإنَّ وُفُودَ العربِ تأتيكَ فنَستَحْيِي أن تَرانا العربُ مع هؤلاءِ الأعْبُد، فإذا نحن جِئناكَ، فأَقِمْهم عنَّا، فإذا نحن فَرَغْنا، فاقعُدْ معهم إنْ شئتَ، فأراد النبيُّ - ﷺ - أنْ يتألَّفَهُمْ بذلك، فمنَعَهُ اللهُ أنْ يفرِّقَ بينَ ضُعَفاءِ المؤمنينَ وبينَهم، وأُمِرَ أنْ يُرحِّبَ بالضُّعَفاءِ إنْ جاؤوهُ بقولِهِ: \"سلامٌ عليكم، كتَبَ ربُّكم على نفسِهِ الرحمةَ\"؛ وقد روى ذلك مطوَّلًا ابنُ","vol":"3","page":1247},{"text":"ماجَهْ (١)، وابنُ جريرٍ (٢)، وفيه لِينٌ، وسياقُ الآياتِ يدُلُّ عليه، وقد قال اللهُ قبلَ ذلك: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [الأنعام: ٥٢].\nوأصلُ القِصَّةِ في مُسلِمٍ؛ مِن حديثِ سعدٍ؛ قال: \"كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا، قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ، وَبِلَالٌ، وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَا شَاءَ اللهُ أنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ - ﷿ -: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-951>أثرُ الجاهِ في عدم قبولِ الحقِّ:</span>\nوإنَّما طلَبَ كفَّارُ قريشٍ ذلك؛ لأنَّهم يُريدونَ أنْ يَبْقَوْا على منزلتِهم وجَاهِهِم الذي في الجاهليَّة، فيكونوا عليه في الإسلام، وهؤلاءِ إنْ دخَلُوا الإسلامَ على ذلك، عَظُمَتْ فِتْنَتُهم في الإسلامِ وانتكَسُوا وارتَدُّوا؛ لأنَّ الإسلامَ يُساوي بينَ الناسِ في أحكامِهِ وتشريعِه، فإنْ فرَّقَتْهُمْ مَجالِسُ السَّمَرِ، جَمَعَتْهم صفوفُ الصلاةِ والقتالِ والتعليمِ والحدود، ومَن دخَلَ الإسلامَ لِيُرفَعَ به، عامَلَهُ اللهُ بنقيضِ قصدِه، فوضَعَهُ وأذَلَّه؛ ولذا نَهَى اللهُ نبيَّه - ﷺ - عن التفريقِ بينَ الأشرافِ والضُّعَفاءِ؛ حتى لا يقودَ الأشرافُ الإسلامَ إلى ما يَرتفِعونَ به هم، فيُريدونَ أنْ يُحفَظَ جاهُهم بالإسلام، لا أنْ يُحفَظَ الإسلامُ بجاهِهِم، فمَن حَفِظَ الإسلامَ بجاهِهِ وسُلْطانِه، حفِظ اللهُ\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (٤١٢٧).\n(٢) أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (٩/ ٢٥٩ - ٢٦٠).\n(٣) أخرجه مسلم (٢٤١٣).","vol":"3","page":1248},{"text":"له جاهَهُ وسُلطانَه، ومَن حَفِظَ جاهَهُ بالإسلام، ضيَّعَ اللهُ عليه جاهَه، وأبدَلَ الإسلامَ به غيرَه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-952>مساواةُ الناسِ في البلاغِ:</span>\nوينبغي عدمُ تخصيصِ الكُبَرَاءِ والرُّفَعاءِ بالجلوسِ إليهم مجلسًا يُمنَعُ منه الضُّعَفاءُ والفقراءُ ولا يُدْعَوْنَ إليه، لقد نَهى اللهُ نبيَّه عن ذلك، وأتباعُهُ مِن العلماءِ مِن بابِ أَوْلى؛ لأنَّ ذلك يَزيدُ الكُبراءَ كِبْرًا، وَيَزيدُ الضُّعَفاءَ وَضْعًا وكَسْرًا، واللهُ جاء بالدِّينِ وشَبَّهَهُ بالغَيْثِ تَستوِي الأوديةُ والشِّعابُ ورؤوسُ الجِبالِ في نزولِهِ عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-953>بذلُ السلامِ مِن المدخولِ عليه:</span>\nوفي الآيةِ: سلامُ المدخولِ عليه، وهو النبيُّ - ﷺ -، على الداخِل، وهم المؤمنونَ، وقد تقدَّمَ في سورةِ النِّساءِ الكلامُ على حُكْمِ التحيَّةِ وردَّها وصِيَغِها، عندَ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَو رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦].\nوالأصلُ: أنَّ الداخلَ يسلِّمُ على المدخولِ عليه؛ لقولِهِ تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٧]، وآيةُ البابِ جاءتْ بفضلِ مُبادَرةِ المدخولِ عليه بالسلامِ على الداخِل، ويكونُ الداخلُ أحَقَّ بالسلامِ عليه إذا كان له حقٌّ وله حاجةٌ عندَ المدخولِ عليه، ومِن هذا النوعِ: سلامُ ملائكةِ الجنَّةِ على المؤمنينَ الداخِلينَ إليها؛ قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣].\nوإنَّما كانتِ المُبادَرةُ بسلامِ المدخولِ عليه على الداخلِ تحيةً تتضمَّنُ بيانًا لحقِّه وحفظًا له، وقد كان بعضُ السلفِ يُبادِرُ بالسلامِ على","vol":"3","page":1249},{"text":"القادمِ مِنْ أصحابِهِ إجلالًا ومودَّةً؛ أخذًا مِن هذِهِ الآيةِ كما جاء عن أبي العالية، كما عندَ أبي نُعَيْمٍ عن أبي خَلْدَةَ؛ قال: \"كان أبو العاليةِ إذا دخَل عليه أصحابُهُ يُرحِّبُ بهم ثم يَقْرَأُ: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] \" (١).\nوالحقوقُ والحاجةُ بينَ النبيِّ - ﷺ - والصحابةِ متبادَلةٌ، والأصلُ: أنَّ حقَّ النبيِّ أعظَمُ، وإنْ جاؤوا طالِبينَ سماعَ كلامِ الله، فحقُّهم أعظَمُ، لا لفضلِهم على مقامِ النُّبُوَّةِ؛ وإنَّما لفضلِ مطلوبِهِمْ على كلِّ مطلوبٍ، وحقِّهم على كلِّ حقٍّ؛ فواجبُ النبوَّةِ البلاغُ، وواجبُ الناسِ السماعُ والعملُ، والنبيُّ - ﷺ - يَملِكُ البلاغَ والإسماعَ، ولكنْ لا يَملِكُ قلوبَ العِبادِ؛ فدخولُ الصحابةِ لمعرِفةِ العملِ ليَعمَلوا؛ وبهذا زادُوا بالحقِّ؛ ولهذا جاء تخصيصُ مُبادَرةِ النبيِّ - ﷺ - بالتحيَّةِ على مَن دخَلَ مؤمنًا مِن قبلُ: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾، ولم تكنِ المبادرةُ بالتحيَّةِ لِمَنْ دخَلَ غيرَ مؤمنٍ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، وبطلبِ السماعِ للاتَّباعِ استحَقَّ الصحابةُ حقَّ بَذْلِ التحيَّةِ عليهم ولو كانوا هم الداخِلِين؛ فقد يكونُ المفضولُ أحَقَّ بالشيءِ مِن الفاضل، ولا يُؤثِّرُ هذا في أصلِ التفاضُلِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-954>البداءةُ بالسلامِ:</span>\nوقد جاءَتِ السُّنَّةُ بترتيبِ الأحقِّ بالبدءِ بالسلامِ؛ حتى لا يتواكَلَ الناسُ بعضُهُم على بعضٍ، وتَجِدَ النفوسُ للكِبْرِ مَوضِعًا، ويطلُبَ أحدُهُمْ حقًّا ليس له، فيَظُنَّ الرفيعُ أنَّ له الحقَّ أنْ يُسلَّمَ عليه لرِفْعَتِهِ وشَرَفِهِ بكلِّ\n_________\n(١) \"حلية الأولياء\" (٢/ ٢٢١).","vol":"3","page":1250},{"text":"حالٍ، ويظُنَّ الغنيُّ أنَّ له الحقَّ بالسلامِ عليه على الفقيرِ بكلِّ حالٍ، وقد جاء الإسلامُ بالتفريقِ بينَ الأحوالِ بالسلامِ؛ ففي \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال - ﷺ -: (يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الكَبِير، وَالمَارُّ عَلَى القَاعِد، وَالقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ) (١).\nوالتحيَّةُ لا تسقُطُ بتعطيلِ الأَوْلى ببَذْلِها؛ فإنَّ المُادِرَ بالسلامِ أفضَلُ بكلِّ حالٍ، وإنَّما جاء بيانُ الأحقِّ بها؛ حتى لا يَضَعَ الناسُ الاستحقاقَ بها على ما يَهوَوْنَ، فيَجعلُوها على الدُّنيا باعتبارِ الغِنَى أو الرياسةِ، أو الجَاهِ والشَّرَفِ والنَّسَبِ وغيرِ ذلك.\nوقد كان السلفُ يَتَّفِقونَ على أنَّ السلامَ لا يسقُطُ بتَرْكِ الأَولى به، وأنَّ المُبادِرَ بالسلامِ أفضَلُ مِن غيرِهِ؛ كما قال - ﷺ -: (وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ) (٢)؛ وبهذا يقولُ السلفُ ويَعملونَ؛ كأبي بكرٍ وعمرَ وابنِ عمرَ وابنِ مسعودٍ وشُرَيْحٍ والشَّعْبيِّ وغيرِهم، وقد جاء عن أبي هريرةَ قولُهُ: \"أَبْخَلُ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلَامِ\" (٣)، وقد صحَّ عن ابنِ عمرَ أنه ما كان أَحَدٌ يَبْدَؤُهُ -أَو يَبْدُرُهُ- بِالسَّلَامِ؛ رواهُ البخاريُّ عن بُشَيْرِ بنِ يَسارٍ، عنه، به (٤).\nوقد روى البيهقيُّ، عن زيدِ بنِ وهبٍ؛ قال: قال عبدُ اللهِ - هو ابنُ مسعودٍ -: \"إِنَّ السَّلَامَ هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَضَعَهُ اللهُ فِي الْأرْض، فَأَفْشُوهُ بَيْنَكُمْ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَرَّ عَلَى الْقَوْم، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَرَدُّوا عَلَيْه، كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ فَصْلُ دَرَجَةٍ بِأنَّهُ أَذْكَرَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَرُدُّوا عَلَيْه،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٢٣١)، ومسلم (٢١٦٠).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٠٧٧)، ومسلم (٢٥٦٠).\n(٣) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (١٠١٥)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٤٤٩٨)، والطبراني في \"الدعاء\" (٦٠)، والبيهقي في \"الشعب\" (٨٣٩٤).\n(٤) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٩٨٢).","vol":"3","page":1251},{"text":"رَدَّ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ وَأَطْيَبُ\" (١).\nوقد روى البخاريُّ في \"الأدبِ\"، عن ابنِ عمرَ: \"أَنَّ الْأَغَرَّ - وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ - وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، كَانَتْ لَهُ أَوْسُقٌ مِنْ تَمْرٍ عَلَى رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، اخْتَلَفَ إِلَيْهِ مِرَارًا، قَالَ: فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَأَرْسَلَ مَعِي أَبَا بَكرٍ الصَّدِّيقَ، قَالَ: فَكُلُّ مَنْ لَقِينَا سَلَّمُوا عَلَيْنَا، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ: أَلَا تَرَى النَّاسَ يَبْدَؤُونَكَ بِالسَّلَام، فَيَكُونُ لَهُمُ الْأَجْرُ؟ ! ابْدَأْهُمْ بِالسَّلَامِ يَكُنْ لَكَ الْأَجْرُ\"؛ يُحَدِّثُ هَذَا ابْنُ عُمَرَ عَنْ نَفْسِهِ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-955>السلامُ قبلَ الكلامِ:</span>\nوفي آيةِ البابِ: دَلالةٌ على أنَّ بَذْلَ السلامِ: قبلَ الكلامِ؛ فاللهُ تعالى أمَرَ نبيَّه بإبلاغِ المؤمنينَ برحمةِ اللهِ التي كتَبَها على نفسِهِ؛ ولكنَّه أمَرَهُ بالسلامِ قبلَ البلاغ، فقال تعالى: ﴿فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢)﴾ [الأنعام: ٧٢].\nتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ الكلامُ على حُكْمِ صلاةِ الجماعةِ، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وفي سورةِ آلِ عمرانَ الكلامُ على صلاةِ المرأةِ مع جماعةِ المسجدِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣].\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (١٠٣٩)، والبيهقي في \"الشعب\" (٨٤٠٠).\n(٢) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٩٨٤)، وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (١١٢٨)، والطبراني في \"الكبير\" (٨٧٩)، والبيهقي في \"الشعب\" (٨٤٠٩).","vol":"3","page":1252},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٦].\nجعَلَ اللهُ عيسى مِن ذريَّةِ إبراهيمَ أو نوحٍ، على خلافٍ في رجوعِ الضميرِ في قولِه تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾:\nورجوعُهُ إلى إبراهيمَ أشهَرُ؛ وبه قال يحيى بن يَعْمَرَ (١).\nوقال بعضُهم: إنَّه يَرجِعُ إلى نوحٍ؛ وهو قولُ ابنِ جريرٍ (٢)؛ ويعضُدُ قولَهُ: أنَّ اللهَ ذكَرَ لُوطًا وهو ليس مِن ذريَّةِ إبراهيمَ، وهو ابنُ أَخِيه، وقيل: ابنُ أُختِه؛ فإبراهيمُ عمُّهُ أو خالُهُ، والعربُ تُنزِلُ الخالَ والعمَّ بمنزلةِ الوالدِ؛ ففي الوالدِ قال تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]؛ فيعقوبُ هو ابنُ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ، وإسماعيلُ بن إبراهيمَ عمُّه، فسمَّاهُ اللهُ أبًا، وفي مسلمٍ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (إِنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنوُ أَبِيهِ) (٣)، وفي الخالِ روى الدارقطنيُّ في الأفرادِ؛ مِن حديثِ عائشةَ مرفوعًا؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال للأسودِ بنِ وهبٍ، وهو خالُهُ: (اجْلِسْ يَا خَالِ؛ فَإِنَّ الْخَالَ وَالِدٌ) (٤)، وفيه كلامٌ، ويعضُدُ معناهُ قولُ النبيِّ - ﷺ -:\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٣٣٥).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٩/ ٣٨١).\n(٣) أخرجه مسلم (٩٨٣).\n(٤) \"كنز العمال\" (٣٨٣٣)، وأخرجه ابن شاهين في \"الأفراد\" (ص ١٨٩)، وابن بشران في \"أماليه\" (ص ٤٠٣).","vol":"3","page":1253},{"text":"(الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ) (١)؛ رواهُ البخاريُّ عن البَرَاء، ومُقتضاهُ: أنَّ الخالَ بمنزلةِ الأب، والذكورةُ في الانتِسابِ أَقْوَى مِن الأُنوثةِ؛ ولهذا احتاجَ إلى الإلحاقِ؛ كما في قولِه - ﷺ -: (ابْنُ أَخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ)؛ رواهُ الشيخانِ عن أَنَسٍ (٢).\nوما بعدَ نوحٍ مِن الناسِ: فكلُّهم مِن ذريَّتِه، وكلُّ الأنبياءِ بعدَ إبراهيمَ مِن ذريَّةِ إبراهيمَ؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦]، وقال تعالى في إبراهيمَ خاصَّةً: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧].\nوعيسى لا أبَ له؛ وبهذا استدَلَّ مَن قال بأنَّ أولادَ البناتِ يُنسَبونَ لجَدِّهم، وأنَّهم يَدخُلُونَ في الوقفِ عندَ إطلاقِهِ في الذُّرِّيَّةِ والأولاد، وقد اختلَفَ العلماءُ في هذه المسألةِ على قولَيْنِ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-956>انتسابُ أولادِ البناتِ لجدِّهم من الأمِّ:</span>\nذهَب قومٌ: إلى أنَّ أولادَ البناتِ في حُكمِ أولادِ البنينَ، فمَن أوقَفَ مالًا على ذُرِّيَّتِهِ وأولادِه، فإنَّ أولادَ البناتِ كأولادِ البنينَ؛ لهذه الآية، ولأنَّ النبيَّ - ﷺ - قال للحَسَنِ بنِ عليٍّ: (إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ) (٣).\nوبهذا القولِ قال أبو حنيفةَ والشافعيُّ، وهو روايةٌ عن أحمدَ، وجاء عن غيرِهم، وغَلِطَ ابنُ الحاجبِ في حكايةِ الإجماعِ.\nوقد ذهَب آخَرونَ: إلى أنَّ أولادَ البناتِ لا يَدخُلُونَ في حُكْمِ الأولادِ ولا أولادِهم؛ وبهذا قال مالكٌ، وهو روايةٌ أخرى عن أحمدَ؛\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٦٩٩).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٧٦٢)، ومسلم (١٠٥٩).\n(٣) أخرجه البخاري (٢٧٠٤).","vol":"3","page":1254},{"text":"وهو الأشهرُ في مذهبِهِ عندَ المتأخِّرِين؛ وذلك هو المعروفُ عندَ العرب، وعلى عُرْفِهم نزَلَ القرآنُ، ومنه قولُهُ تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء - ١١]، فلا يَنصرِفُ إلَّا إلى الأولادِ وأولادِ الأبناءِ دونَ البناتِ؛ وبهذا استدَلَّ مالكٌ.\nومِن ذلك قولُ الشاعرِ في الحماسةِ:\nبَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا، وبَنَاتُنَا ... بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ\nوأمَّا نسبةُ عيسى لذريَّةِ إبراهيمَ ونوحٍ، مع كونِه بلا أبٍ، فإنَّ مريمَ حلَّتْ مَحَلَّ الأبِ؛ لانعدامِه، فيُنسَبُ إليها وإلى جَدِّهِ منها، ولا حُكْمَ للأُبُوَّةِ الذُّكوريَّةِ في عيسى حتى يُقالَ بِتَرْكِها، والعربُ قد تنسُبُ الولدَ لأُمِّه، وهذا كثيرٌ؛ كمحمَّدِ بنِ الحَنَفِيَّة، وهي أُمُّه، وهو ابنُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، ولكنْ لم تَحُلَّ الأُمُّ محلَّ الأبِ بإطلاقٍ؛ حيثُ إنَّه لا يُقالُ: محمدُ بن الحنفيَّةِ بن أو بنتِ فلانِ بنِ فلانٍ، فيستمِرَّ نَسَبُهُ إلى أُمِّه؛ وإنما يُقتصَرُ في نسبتِهِ إلى أُمِّه ولا يُجاوَزُ، ثم يَرجِعُ نسبُهُ إلى أبيه، بخلافِ عيسى؛ فهو عيسى بن مريمَ بنتِ عِمْرانَ، ويستمرُّ نسبُه؛ لأنَّ أمَّهُ حَلَّتْ محلَّ الأبِ مِن جميعِ الوجوهِ؛ إذْ لا وجودَ له، وهذا هو الفرقُ بينَ انتسابِ عيسى لِأمِّهِ وآبائِها وبينَ انتسابِ غيرِهِ لأمِّه؛ لأنَّه انتسابٌ قاصرٌ.\nوأمَّا انتسابُ الحَسَنِ والحُسَيْنِ إلى النبيِّ - ﷺ - وقولُهُ للحسنِ: (إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ)، وقولُهُ لمَّا رفَعَهما على المنبرِ معَهُ: (صَدَقَ اللهُ: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] (١)، فذاك نسبُ تشريفٍ، ولا خلافَ أنَّ نَسَبَ النبوَّةِ أعظَمُ نسبٍ، فإذا كانتِ العربُ تنسُبُ بعضَ وَلَدِها إلى أمَّهاتِها تعريفًا وتشريفًا، فإنَّ نِسْبةَ الحسنِ والحسينِ إلى النبيِّ - ﷺ - أولى،\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٤)، وأبو داود (١١٠٩)، والترمذي (٣٧٧٤)، والنسائي (١٤١٣)، وابن ماجه (٣٦٠٠).","vol":"3","page":1255},{"text":"ثم إنَّ الحسنَ والحُسَيْنَ مِن ولدِهِ - ﷺ - مِن بنتِه؛ وهذا جائزُ النسبةِ صحيحٌ، ولكنَّه ليس بالعُرْفِ ولا بالوضعِ عندَ العرب، فالأصلُ عندَهم والعُرْفُ فيهم الانتسابُ إلى الأب، وأمَّا إلى الأمِّ وأبيها، فيكونُ تشريفًا وتعريفًا، مع صحَّتِهِ حقيقةً؛ لوجودِ معنى الولادةِ.\nويدخُلُ على كونِ انتسابِ الحسنِ والحسينِ إلى النبيِّ - ﷺ - تشريفًا: أنَّ النسبَ عندَ حكايةِ العربِ والسلفِ في الصدرِ الأوَّلِ يَنتهي إلى المعرَّفِ والمشرَّفِ به؛ فيُقالُ: الحسنُ بن محمَّدٍ رسولِ اللهِ - ﷺ -، ويُنتهى إلى ذلك، وعندَ إرادةِ وصلِه يُرجَعُ به إلى الأبِ؛ فيُقالُ: \"الحسنُ بن عليِّ بنِ أبي طالبِ بنِ عبد المطَّلبِ\".\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٦ - ٩٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-957>التوسعةُ في استقبالِ القبلةِ:</span>\nتقدَّمَ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] الكلامُ على الحِكْمةِ مِن الحسابِ بالأَهِلَّة، وفي قولِهِ تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] الكلامُ على التوسعةِ في استِقبالِ القِبْلةِ بدَلَالةِ الشمس، لا بضَبْطِ النجومِ؛ لأنَّ دلالةَ الشمسِ أوسَعُ وأيسَرُ، ودلالةَ النجمِ أضيَقُ وأشَقُّ، وإنْ كان النجمُ أدَقَّ وأضبَطَ؛ لأنَّ المقصودَ في معرفةِ جِهَةِ القِبْلةِ التوسعةُ؛ ولهذا لا يُشترَطُ التصويبُ على القِبْلةِ لِمَنْ كان بعيدًا عنها؛ وإنَّما الواجبُ الصلاةُ إلى جِهَتِها، ولكنْ مَن كان في المسجدِ يَرى البيتَ، فلا يَجْزِيهِ إلَّا التصويبُ، وفي","vol":"3","page":1256},{"text":"\"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ، لمَّا خرَجَ النبيُّ - ﷺ - مِن الكَعْبةِ، ركَعَ ركعتَيْنِ في قُبُلِ الكعبةِ وقال: (هَذِهِ الْقِبْلَةُ) (١)، وفي البخاريِّ؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ: أنه صلَّى في وجهِ الكَعْبةِ ركعتَيْنِ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-958>استقبالُ البعيد للقبلةِ:</span>\nومَن كان في مكَّةَ فيُصلِّي جهةَ المسجدِ؛ كما فعَل النبيُّ - ﷺ - لمَّا صلَّى بالبَطْحَاء، وفيه أنه استقبَلَ جهةَ المسجدِ.\nوأمَّا مَن كان مِن غيرِ أهلِ مكَّةَ، فيَستقبلُ جِهتَها ولو لم يُصِبْها؛ لأنَّ اللهَ أمَرَ بالصلاةِ ناحيتَها؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وفي ذلك قولُهُ - ﷺ -: (مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغرِبِ قِبْلَةٌ)؛ رواهُ الترمذي؛ مِن حديثِ المَقبُريِّ، عن أبي هريرةَ (٣)، ورواهُ الدارقطنيُّ؛ مِن حديثِ نافعٍ، عن ابنِ عمرَ (٤)، والحديثُ أَعَلَّهُ غيرُ واحدٍ مِن الحُفَّاظِ كأبي زُرْعةَ، فقال: \"هذا وهمٌ، والحديثُ موقوفٌ\" (٥)، والأشبَهُ وقفُه على عمرَ؛ فقد رواهُ عبيدُ اللهِ بن عمرَ، وعبدُ اللهِ بن عمرَ، ونافعُ بن أبي نُعَيْمٍ، وموسى بن عُقْبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن عمرَ، موقوفًا.\nورواهُ مالكٌ، عن نافعٍ، عن عمرَ؛ كما في \"المُوَطَّأِ\" (٦).\nويدُلُّ على أنَّ المرادَ بقِبْلةِ المدينةِ جهةُ الجنوبِ بسَعَتِها، وتنتهي بالتصويبِ إلى الجهتَيْنِ الشرقِ والغربِ-: ما ثبَتَ في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٩٨)، ومسلم (١٣٣٠).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٩٧).\n(٣) أخرجه الترمذي (٣٤٤).\n(٤) أخرجه الدارقطني (١/ ٢٧٠).\n(٥) \"علل الحديث\" لابن أبي حاتم (٢/ ٤٧٣).\n(٦) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (١/ ١٩٦).","vol":"3","page":1257},{"text":"حديثِ أبي أيُّوبَ؛ قال - ﷺ -: (لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَو غَرِّبُوا) (١)، فجعَل النبيُّ - ﷺ - جهةَ الجنوبِ بالمدينةِ باتِّساعِها معظَّمةً؛ فلا تُستقبَلُ بالبولِ والغائطِ؛ لأجلِ القِبْلةِ.\nوقد جاء أنَّ ما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ قِبْلةٌ: عن عمرَ وعليٍّ وابنِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ وغيرِهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-959>الانتفاعُ مِن الشمسِ والقمر للحسابِ وغيرِهِ:</span>\nوقد بيَّنَ اللهُ تعالى أنه جعَل القمرَ وقدَّرَهُ مَنازلَ لمعرِفةِ الحسابِ به، ومعرفةِ الشهورِ والأعوام، والناسُ يَنتفِعونَ مِن الشمسِ في عملِهم أكثَرَ مِن انتفاعِهم مِن القمر، وَيَنتفِعونَ مِن القمرِ في حسابِهِمْ أكثَرَ مِن انتفاعِهم مِن الشمسِ؛ فإنَّ الإنسانَ يَعرِفُ بالشمسِ اليومَ والليلةَ، ودخولَ النهارِ ودخولَ الليل، وبالقمرِ يَعرِفُ حسابَ الشهورِ والأعوام، وبها تكونُ عقودُ البيعِ وعهودُ الحربِ والسلمِ وعِدَدُ الطلاقِ والوفاةِ وغيرُ ذلك، وبه تُعرَفُ مواسمُ العبادةِ؛ كرمضانَ والحجّ، والشمسُ أنفَعُ في العملِ؛ لأنَّ العملَ يتعلَّقُ بالحال، وأعظَمُ أعمالِ الحالِ الدينيَّةِ الصلاةُ، فتُعرَفُ بالشمسِ لا بالقمر، وأعظَمُ أعمالِ الدُّنيا: كَسْبُ العيشِ والضَّرْبُ في الأرض، وذلك يكونُ بالشمس، وأمَّا القمرُ فللآجالِ البعيدةِ؛ دينيَّةً؛ كالحجِّ ورمضانَ، ودنيويَّةً؛ كآجالِ البيوعِ وغيرِه، وما بينَهما مِن عِدَدِ الطلاقِ والوفاةِ ونحوِها.\nوالناسُ في يومِهم يحتاجونَ إلى نُورِ الشمس، وفي الشهورِ والأعوامِ يحتاجونَ إلى مَنَازلِ القمرِ؛ ولذا قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٦٤).","vol":"3","page":1258},{"text":"[يونس: ٥]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء: ١٢]، وقال: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-960>الحكمةُ مِن النجومِ:</span>\nوذكَرَ اللهُ النجومَ للاهتداءِ بها في سَيْرِ البَرِّ والبحرِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾، وظاهرُ ذلك: أنَّ النجومَ لم تُجعَلْ لمعرِفةِ مواقيتِ الصلاةِ، ولا جهةِ القِبْلةِ؛ فأمَّا مواقيتُ الصلاة، فتُعرَفُ كلَّها بالشمس، ودَلَالةُ الشمسِ عليها ظاهِرةٌ إلَّا صلاةَ العشاء، فدَلَالتُها عليها باطنةٌ، فبمغيبِ الشمسِ تَظهَرُ النجومُ، فإنْ بعُدَتِ اشتَبَكَتْ، فدخَلَ وقتُ العِشَاء، وإنِ اقترَبَتْ مِن المشرِق، بدأَتِ النجومُ بالإدبارِ والخَفَاءِ؛ فانتهَى وقتُ العِشَاءِ ودخَلَ الفجرُ، وهذا في حقيقتِهِ الباطنةِ مِن دلالةِ الشمس، وفي حقيقتِهِ الظاهرةِ مِن دَلَالةِ النجومِ؛ كما في \"المسنَدِ\"، و\"السُّننِ\"؛ مِن حديثِ أبي أيُّوبَ؛ قال - ﷺ -: (لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَة، مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا المَغْرِبَ حَتَّى تَشْتَبِكَ النُّجُومُ) (١)، وبإدبارِ النجومِ يَنتهي وقتُ العِشاءِ ويَطلُعُ الفجرُ؛ كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]، وصلاةُ الليلِ وقتٌ لصلاةِ العِشاءِ على الأرجح، وقد كان وقتُ قيامِ النبيِّ - ﷺ - وأصحابِهِ يَبدأُ بعدَ العِشَاءِ ويَنتهي بالفجر، وقد قال غيرُ واحدٍ مِن السلفِ: إنَّ المرادَ بقولِهِ: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ هو دخولُ الفجر، والمرادَ بالتسبيحِ الصلاةُ، وهي الركعتانِ قبلَ الصبحِ؛ كما قاله عليٌّ وابنُ عبَّاسٍ، والشعبيُّ والنخَعيُّ وقتادةُ (٢).\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٤١٧)، وأبو داود (٤١٨)، وابن ماجه (٦٨٩).\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٢١/ ٦٠٨ - ٦٠٩)، و\"تفسير القرطبي\" (١٩/ ٤٦٢).","vol":"3","page":1259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-961>الاهتداءُ بالشمس إلى القبلةِ:</span>\nوأمَّا جِهةُ القِبْلة، فيُهتدَى بها بمعرِفةِ مَطلِعِ الشمسِ ومَغرِبِها وما بينَ ذلك مِن جهاتٍ، فالمقصودُ مِن ذلك التوسِعةُ، وأمَّا الاهتِداءُ بالنجوم، فهو تضييقٌ مع كونِه أدَقَّ إلَّا أنه أشَقُّ، والتيسيرُ في أمرِ القِبْلةِ مقصودٌ؛ ولذا جعَلَ اللهُ الاهتداءَ بالنجومِ لمعرِفةِ مسالكِ السائِرِينَ في البَرِّ والبحر، لا معرفةِ تصويبِ القِبْلةِ.\nوأمَّا ما رواهُ المُعافَى بن عِمْرانَ، عن عمرَ بنِ الخطَّابِ؛ أنه قال: \"تَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ مَا تَعْرِفُونَ بِهِ الْقِبْلَةَ وَالطَّرِيقَ، ثُمَّ أَمْسِكُوا\" (١)، فقد رواهُ المُعافَى، عن مِسعرٍ، عن أبي عونٍ الثَّقَفيّ، عن عمرَ، ولم يَسمَعْهُ مِن عمرَ، وقد نقَل الأَثْرَمُ، عن أحمدَ؛ أنه قِيلَ له: قِبْلةُ أهلِ بغدادَ على الجَدْيِ؟ فجعَل يُنكِرُ أمرَ الجَدْي، فقال: أَيْشٍ الجَدْيُ؟ ولكنْ على حديثِ عمرَ: \"مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَةٌ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-962>الاستدلالُ بالنجوم على القبلةِ:</span>\nوأمَّا ما يَرِدُ في كلامِ بعضِ الأئمَّةِ السالِفينَ مِن الاستدلالِ بالنجمِ على القِبْلة، فإنَّهم يُريدونَ بذلك معرِفةَ الجهةِ لا التصويبِ؛ لأنَّ السائرَ في الليلِ يَتِيهُ عن معرفةِ الجهاتِ الأربع، فلا يَعرِفُ المشرِقَ مِن المغرِب، فهو يجعلُ النجومَ بمقامِ الشمسِ التي تُبيِّنُ له الجهات، فإنِ اهتَدى بالنجمِ إلى معرفةِ الجهات، عرَفَ القِبْلةَ مِن الجهاتِ بعدَ ذلك، وجعَل القِبْلةَ بينَ جهتَيْنِ منها، فالنجمُ يُهتدَى به إلى معرفةِ الجهةِ التي يَفقِدُها لظلامِ الليلِ بفِقْدانِ الشمس، وليس للسائرِ الذي يَعرِفُ الجهاتِ أنْ يتكلَّفَ بالنجمِ ليصوِّب إلى القِبْلةِ؛ لأنَّه يُخالِفُ المقصودَ مِن التيسيرِ\n_________\n(١) أخرجه المعافى بن عمران في \"الزهد\" (ص ٢٦٥).\n(٢) \"فتح الباري\" لابن رجب (٣/ ٦٥).","vol":"3","page":1260},{"text":"والسَّعَة، وذلك شبيهٌ بالاهتِداءِ بالحسابِ لمعرفةِ دخولِ الشهرِ وانصرامِه؛ فإنَّ الشارعَ علَّقَ الأمرَ بالرُّؤْيةِ مع كونِ الحسابِ دقيقًا؛ لأنَّ الرؤيةَ مقصودةٌ ليُسْرِها، فعُلِّقَ الحُكْمُ بها.\nوقد كانتِ العربُ تَعرِفُ الجهاتِ في الليلِ بالنجومِ والرِّيَاح، ومَنَارَاتِ الأرضِ مِن جبالٍ وسهولٍ، ولكنَّ النجومَ أوسَعُ لكلِّ أحدٍ في بَرِّه وبَحْرِه، وما يُروَى عن ابنِ عبَّاسٍ، عن النبيِّ - ﷺ -؛ أنه قال: (الجَدْيُ عَلَيْهِ قِبْلَتُكُمْ، وَبِهِ تَهْتَدُونَ فِي بَرِّكُمْ وَبَحْرِكُمْ؛ إِنَّهُ لَا يَزُولُ) (١)، فلا أصلَ له.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨]، وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-963>حكمُ التسميةِ على الذبيحةِ:</span>\nتقدَّمَ في سورةِ المائدةِ الكلامُ على حُكمِ التسميةِ على سبيلِ الإجمال، والصوابُ: أنَّ العِبْرةَ بالنِّيَّةِ والذَّبْحِ والذابحِ؛ فما ذبَحَهُ غيرُ المسلِمِ والكتابيّ، يحرُمُ ولو سُمِّيَ عليه، وما خُنِقَ أو وُقِذَ، فلا يَحِلُّ ولو سُمِّيَ عليه، ولو كان الخانقُ مسلِمًا، وما سُمِّيَ عليه وذُبِحَ مِن غيرِ المسلِمِ والكتابيّ، فلا يَحِلُّ؛ لأنَّ المجوسَ لو سَمَّوْا لم تُؤكَلْ ذبائحُهم، وجملةُ الأقوالِ في وجوبِ التسميةِ عن الأئمَّةِ قولانِ:\nالأوَّلُ: قالوا بوجوبِ التسمية، وأنَّ ما ذبُحَ ولم يُسَمَّ عيه، لا يَحِلُّ\n_________\n(١) أخرجه الديلمي في \"الفردوس بمأثور الخطاب\" (٢/ ١٢٤).","vol":"3","page":1261},{"text":"ولو كان الذابحُ مسلمًا ولم يَذكُرِ اسمَ غيرِ اللهِ عليه سواءً؛ وهذا قولُ الجمهورِ: أبي حنيفةَ ومالكٍ وأحمدَ، اتَّفَقَ هؤلاءِ في العامد، ولكنَّهم اختلَفُوا في تارِكِ التسميةِ نسيانًا، على قولَيْنِ هما روايتانِ عن أحمدَ، والجمهورُ: على أنه معذورٌ.\nوقال بعُذرِ الناسِي مِن الأصحابِ: ابنُ قُدامةَ، وجماعةٌ.\nوقيل: إنَّ الناسيَ كالعامد، وهذا روايةٌ عن أحمدَ؛ قال بها جماعةٌ مِن الأصحابِ؛ كأبي الخطَّاب، وابنِ تيميَّةَ؛ أخذًا بظاهرِ الأدلَّةِ مِن القرآنِ؛ كما في الآياتِ السابقة، وكما في قولِهِ - ﷺ -: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْه، فَكُلُوا) (١)، وأنَّه في الحديثِ قرَنَ ذِكْرَ اسمِ اللهِ وخروجَ الدمِ سواءً، فكما لا يسقُطُ خروجُ الدمِ بالنِّسْيان، فكذلك التسميةُ، وكذلك: الذابحُ خَنْقًا بلا عمدٍ كالتاركِ للتسميةِ نسيانًا.\nالثاني: أنَّ التسميةَ سُنَّةٌ ولا تَجِبُ، وتَرْكَها عمدًا فضلًا عن السهوِ لا يَضُرُّ، ما لم يَنْوِ بها غيرَ اللهِ أو يُهِلَّ به غيرَ اسمِ اللهِ؛ وهو قولُ الشافعيّ، وروايةٌ عن أحمدَ، وهو مذهبُ الشافعيَّة، وقد صحَّ هذا المعنى عن ابنِ عبَّاسٍ وجماعةٍ مِن أصحابِه؛ وهو الأقربُ للصوابِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-964>التسميةُ والإهلالُ عند الذبح:</span>\nوالمرادُ بإيجابِ التسميةِ قَصْدُ الإهلالِ؛ لأنَّ العربَ تُهِلُّ بذبحِها لأصنامِها وتذكُرُ اسمَها لا اسمَ اللهِ؛ فجاء ما يُنافي ذلك ويُناقِضُهُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، وهذا الفِسْقُ في الآيةِ هو الفِسْقُ في الآيةِ الأُخرى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَو فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]؛ فالمقصودُ به: الإهلالُ لغيرِ الله، لا مجرَّدُ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٥٠٧).","vol":"3","page":1262},{"text":"تركِ التسميةِ مِن الموحِّد، وقد تُترَكُ التسميةُ نسيانًا ولا يكونُ ذلك فِسْقًا؛ ولهذا جاء بيانُ ذلك القصدِ في مواضعَ؛ فذكَرَ اللهُ المحرَّماتِ وجعَلَ منها قولَهُ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، فلم يذكُرِ اللهُ في موضعٍ واحدٍ ما أُهِلَّ به لغيرِ اللهِ وما لم يُذكَرِ اسمُ اللهِ عليه؛ لأنَّ المقصودَ بهما معنًى واحدٌ، ولو كانَا معنيَيْن، لذُكِرَا جميعًا في آيةٍ واحدةٍ، ولكنَّهما يَتناوَبانِ بالقصدِ فيُغني أحدُهما عن الآخَرِ عندَ ذِكْرِه، والمعنى المشتَرَكُ بينَهما هو القصدُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-965>تاركُ التسميةِ عند الذبح عمدًا:</span>\nوالتارِكُ المتعمِّدُ للتسميةِ إنْ كان تركُهُ لها يَعتقِدُ عدمَ وجوبِ الذبحِ لله، فذلك فِسْقٌ كما في الآيةِ؛ لأنَّه شارَكَ المشرِكِينَ في عدمِ قصدِ الله، ولم يُشارِكْهُمْ في قصدِ أوثانِهم.\nوالمشابَهَةُ بينَ إنهارِ الدمِ بالذبحِ والتسميةِ وتركِهما، وقياسُ نِسْيانِ التسميةِ على نسيانِ الذبحِ والإماتةِ بالخَنْقِ أو الصَّعْقِ قياسٌ مع الفارقِ؛ لأنَّ عِلَّةَ الأمرِ بالذبحِ عدمُ حبسِ الدمِ في البهيمةِ؛ فنِسْيانُ الذبحِ كالعمدِ فيه، بخلافِ تعمُّدِ تركِ التسميةِ؛ فلا يُوجَدُ عِلَّةٌ تقومُ في المذبوحِ وإنَّما في الذابح، وما تعلَّقَ بالذابحِ إنْ جعَل القصدَ لغيرِ الله، فهي محرَّمةٌ، لا لخُبْثِ لحمِها؛ وإنَّما لحُكْمِها، كتحريمِ الذهبِ والحريرِ على الرِّجال، وتَلبَسُهُ النِّساءُ، فهذا مِن الأحكامِ التي لا تتعلَّقُ عِلَّةُ التحريمِ فيها بنجاسةِ العَيْنِ المحرَّمة، وإنَّما بما اقترَنَ بها.\nومَن تعمَّدَ تركَ التسميةِ تهاوُنًا ولم يَقصِدْ بها غيرَ اللهِ ولم يُسَمِّ غيرَه، فلا تحرُمُ ذبيحتُهُ على الأرجح، وإنْ قيل بتأثيمِهِ.\nفالقولُ بوجوبِ التسميةِ عندَ الذبحِ مع عدمِ تحريمِ المذبوحِ عندَ تعمُّدِ تركِها، أقرَبُ إلى الصوابِ مِن القولِ بوجوبِ التسميةِ وتحريمِ أكلِها","vol":"3","page":1263},{"text":"عندَ تعمُّدِ تركِها، ويُنسَبُ إلى بعضِ الأئمَّةِ أقوالٌ في حُرْمةِ أكلِ ما تُرِكَتِ التسميةُ عليه عمدًا مِن بهيمةِ الأنعامِ؛ لأنَّهم يقولونَ بوجوبِ التسمية، والقولُ بوجوبِ التسميةِ لا يَلزَمُ منه جعلُ الذبيحةِ في حُكْمِ الميتةِ إلَّا لِمَنْ صرَّحَ بذلك، أو كانتْ أُصولُهُ تَقتضي ذلك.\nواللهُ قد أحَلَّ ذبيحةَ أهلِ الكتاب، ولم يُلزِمْ أهلَ الإيمانِ بالتحرِّي في تسميتِهم على ذبائحِهم، وتركُهُمْ لذِكْرِ اسمِ اللهِ على الذبيحةِ يقعُ منهم أكثَرَ مِن أهلِ الإسلامِ؛ وهدا ظاهرٌ في حديثِ عائشةَ؛ أنَّ قومًا قالوا للنبيِّ - ﷺ -: إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَا بِاللَّحْم، لَا نَدْرِي: أَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فقال: (سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ)، قالتْ: وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدِ بِالكُفْرِ (١).\nوأمَّا حديثُ: (ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلَالٌ، سَمَّى أَو لَمْ يُسَمِّ، مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ، والصَّيْدُ كَذَلِكَ)، فرواهُ عبدُ بن حُمَيْدٍ في \"تفسيرِه\"؛ مِن حديثِ راشدِ بنِ سعدٍ، مرسلًا (٢).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨ - ١٣٩].\nتقدَّمَ في مواضعَ ذِكْرُ ما حرَّمَهُ الجاهليُّونَ على أنفسِهِمْ مِن السائبةِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٥٠٧).\n(٢) \"الدر المنثور\" (٦/ ١٨٨)، وأخرجه الحارث في \"بغية الباحث، عن زوائد مسند الحارث\" (٤١٠).","vol":"3","page":1264},{"text":"والوَصِيلةِ والحَام، وهذه الآيةُ في معناها؛ فقولُه تعالى، ﴿حِجْرٌ﴾؛ يعني: محرَّمًا، وهو مِن احتِجارِ الشيءِ واحتجازِهِ عن التصرُّفِ به، فهو محجورٌ لآلهتِهم؛ كما جاء معناهُ عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ وقتادةَ وغيرِهم (١)، ومِن ذلك قولُ اللهِ: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢].\nوقولُه تعالى عن قولِ الجاهليِّينَ: ﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾؛ يعني: أنَّ الأصلَ فيها الحُرْمةُ، فهم وقَعُوا في شِرْكِ التشريعِ بوجهَيْهِ: تحريمِ الحلالِ الذي أحَلَّ اللهُ، فجعَلُوهُ هو الأصلَ، وتحليلِ الحرامِ الذي حرَّمَهُ اللهُ، فجعَلُوهُ استثناءً، لِمَنْ يُريدونَ لا لِمَنْ يُريدُ اللهُ؛ فشارَكوا اللهَ في حُكْمِه.\nوقولُهم: ﴿مَنْ نَشَاءُ﴾ رُوِيَ أنَّهم جعَلوه حلالًا لنسائِهم دونَ رِجَالِهم.\nوقولُه تعالى: ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾، والمرادُ: ما حرَّمُوا ركوبَهُ مِن الأنعامِ؛ كالبَحِيرَةِ والسَّائبةِ والوَصِيلةِ والحامِ.\nومِن تلك الأنعامِ أنعامٌ لا يَذكُرونَ اسمَ اللهِ عليها؛ وإنَّما يَذكُرونَ اسمَ أصنامِهم وأوثانِهم.\nومِن تشريعِهِمُ الباطلِ: أنْ تعدَّى تحريمُهُمْ لظاهرِ الأنعامِ إلى تحريمِ ما في بطونِها مِن لَبَنٍ ووَلَدٍ، فجعَلُوا ما في هذه البطونِ حِلًّا للذكور، وحرامًا على الإناث، وما كان ممَّا وُلِدَ مِن بطونِها خرَجَ ميِّتًا فيَشترِكُ فيه الذكورُ والإناثُ؛ وهذا شِرْكٌ في التشريع، وظلمٌ في الحقوقِ.\n* * *\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٩/ ٥٨٠).","vol":"3","page":1265},{"text":"قال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-966>سببُ قتلِ الجاهليّةِ للأولاد:</span>\nكان أهلُ الجاهليَّةِ يَقتُلونَ أولادَهُمْ لعلَّتَيْنِ:\nالأُولى: قتلُهُمْ خوفَ الفقرِ والفاقة، وهذا يشملُ الذكورَ والإناثَ؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١].\nالثانيةُ: قتلُهُمْ خوفَ العارِ؛ فيَخُصُّونَ به الأُنثى دونَ الذَّكَر، فيَئِدُونَها عندَ ولادتِها أو بعدَها؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٨ - ٥٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨ - ٩].\nوكانوا يَقتُلُونَها خَشْيةَ عارِها، وعارُها يكونُ بفِعْلِها الفاحشةَ أو تَغَزُّلِ الرِّجالِ بها، أو بسَبْيِها؛ حيثُ يَقتُلُ بعضُهُمْ بعضًا، فيَتَسَابَوْنَ النِّساءَ حتى تكونَ الحُرَّةُ عندَ غزوِ القومِ عليها تُسفِرُ عن وَجْهِها؛ حتى تُظَنَّ أنَّها أَمَةٌ لا حُرَّةٌ فلا يَسْبُوها؛ فقد كانوا يَطمَعونَ في الحرائرِ ليكونَ أشَدَّ إيلامًا لعدوِّهم وأكثَرَ إذلالًا له.\nوحتى لا ينقطِعَ نَسْلُهُمْ لحاجتِهم إلى الأزواج، كانوا يَئِدُونَ جاريةً وَيَسْتَحْيُونَ أُخرى، وقد صحَّ عن عكْرِمةَ قولُهُ: \"تَئِدُ البناتِ ربيعةُ ومُضَرُ؛ كان الرجلُ يَشترِطُ على امرأتِهِ أنْ تَستَحْيِيَ جاريةً وتَئِدَ أُخرى\" (١).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٩/ ٥٩١).","vol":"3","page":1266},{"text":"وقد بيَّنَ اللهُ خسارتَهُمْ وضَعْفَ عقولِهم وجَهْلَهم؛ فقد كان الواحدُ منهم يقتُلُ ولدَهُ خوفَ الفَاقَة، ويُطعِمُ كَلْبَهُ، خِسِرُوا في الدُّنيا أولادَهم، وفي الآخِرةِ رحمةَ اللهِ ورِضاهُ؛ فلا أقامُوا دُنيا، ولا حَفِظُوا دِينًا.\nوفِعْلُ العربِ هذا كان في جاهليَّتِهم القريبةِ التي بُعِثَ فيها محمدٌ - ﷺ -، وليس في أُمَمٍ غابرةٍ؛ فإنَّ اللهَ يتكلَّمُ عمَّا كانوا عليه حالَ البَعْثةِ.\nوقد رأيتُ مَن يُنكِرُ وَأْدَ الأولادِ ذكورًا وإناثًا ويَنفِيهِ عن العرب، ويَنسُبُهُ إلى غيرِهم، وهذا خطأٌ؛ فقد روى البخاريُّ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ -﵄-؛ قال: \"إِذَا سَرَّكَ أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ العَرَب، فَاقْرَأْ مَا فَوْقَ الثَّلَاثِينَ وَمِئِةً فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-967>وأدُ الأجنَّةِ المعاصِرُ:</span>\nواليومَ يحصُلُ مِن بعضِ الناسِ وَأْدُ الأجنَّةِ بعدَ نفخِ الرُّوحِ فيها، وهو الوَأْدُ الجديدُ، بإسقاطِ الجنينِ خوفَ الفقرِ أو لتنظيمِ تسلسُلِ الأولادِ وتربيتِهم، وهذه عِلَلٌ وأعذارٌ أضعَفُ وأَوْهَى مِن أعذارِ الجاهليَّةِ الأُولى، ولكنَّ الجاهليَّةَ الأُولى فاقَتْ بعِظَمِ وأدِها أنَّها تَئِدُ مواليدَها بعدَ الولادة، والجاهليُّونَ اليومَ يَئِدُونَ الأنفُسَ في بطونِ أمَّهاتِها.\nوأمَّا إسقاطُ الأَجِنَّةِ الحيَّةِ مِن البطون، فيأتي مزيدُ كلامٍ عليه عندَ قولِه تعالى في سورةِ الكهفِ: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [٨٠].\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤/ ١٨٤).","vol":"3","page":1267},{"text":"قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١].\nوقولُهُ تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾؛ يعني: زمنَ الحصادِ والصِّرَامِ.\nوجاء في تفسيرِ معنى ﴿حَقَّهُ﴾ معنيانِ: الأوَّلُ: زكاتُهُ، والثاني: الإطعامُ منه:\nفأمَّا الزكاةُ فواجبةٌ، وبه فسَّرَهُ ابنُ عبَّاسٍ وأنسٌ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-968>حُكْم الإطعام عند الحصاد:</span>\nوأمَّا الإطعامُ عندَ الحصادِ للعابرِ والمَارّ، فقد كان معروفًا في العربِ وغيرِهم؛ يجتمِعُ الفقراءُ والمساكينُ عندَ الزروعِ ليَنالوا منه؛ كما قال تعالى عن أصحابِ الجَنَّةِ: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ١٧ - ٢٤]، وهذه الآيةُ تدُلُّ على أنَّ الإطعامَ قبلَ الزكاةِ كان واجبًا؛ لأنَّ اللهَ لا يُعاقِبُ ويُعذِّبُ بسببِ تركِ سُنَّةٍ ومُستحَبٍّ، ويكونُ الإطعامُ قبلَ كَيْلِهِ أو خَرْصِه، ثم إنْ كالَهُ أو خرَصَهُ يَعْزِلُ زكاتَهُ ولا يحسُبُ إطعامَهُ مِن الزكاةِ؛ قالهُ عطاءٌ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٩/ ٥٩٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٣٩٨).","vol":"3","page":1268},{"text":"وسعيدُ بن جُبيرٍ ومجاهدٌ وغيرُهم (١).\nوقد كان النبيُّ - ﷺ - يأمُرُ بالصدقةِ عندَ الصِّرَامِ والحَصادِ للفُقَراءِ والمُحتاجِين؛ كما روى أحمدُ، وأبو داودَ، عن جابرٍ بنِ عبد اللهِ؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - أَمَرَ مِنْ كُلِّ جَادِّ عَشَرَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْر، بِقِنْوٍ يُعَلَّقُ فِي المَسْجِدِ لِلْمَسَاكِينِ (٢).\nوكان ابنُ عمرَ يقولُ: \"كَانُوا يُعْطُونَ شَيْئًا سِوَى الزَّكَاةِ\" (٣).\nومَن فسَّرَها بالإطعامِ جعَلَ الآيةَ منسوخةً بالعُشْرِ ونِصْفِ العُشْر، ويَبقى الإطعامُ سُنَّةً لا واجبًا كسائرِ الإطعام، وبنسخِ وجوبِ الإطعامِ قال عامَّةُ السلفِ؛ كابنِ المسيَّبِ وعِكْرِمةَ والنخَعيِّ والحسنِ؛ قال عِكْرِمةُ: \"نسَخَتِ الزكاةُ كلَّ صدقةٍ في القرآنِ\" (٤).\nومُرادُ عِكْرِمةَ كلُّ صدقةٍ واجبةٍ.\nوالأظهَرُ: أنَّ النبيَّ - ﷺ - كان يأمُرُ بالإطعامِ عندَ الحَصَادِ والصَّرَامِ بلا تقديرٍ محدَّدٍ، ثم أمَرَ به بتقديرٍ، وهو الزكاةُ، وذلك في ثاني سَنَةٍ مِن الهجرة، وقال بالنسخِ بعضُ السلفِ؛ حتى لا يُظَنَّ أنَّ ثمَّةَ شيئًا واجبًا فوقَ الزكاةِ في ثمارِهم وزرعِهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-969>الزكاةُ عند الحصادِ:</span>\nوزكاةُ الثِّمَارِ والحبوبِ تكونُ عندَ حَصَادِها وصِرَامِها؛ وهذا هو حَوْلُها، ولا يُنتظَرُ حتى يَدُورَ عليها الحَوْلُ، ومَن زرَعَ في العامِ ثمرًا أكثَرَ مِن مرَّةٍ، فإنَّه يُعطي زكاتَهُ عندَ كلِّ حصادٍ وصِرامٍ ولو في العامِ مرَّاتٍ؛ لأنَّ اللهَ قيَّدَ ذلك بيومِ الحطاد، وهو حولُ الثِّمارِ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٩/ ٦٠٠ - ٦٠٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٣٩٨).\n(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٣٥٩)، وأبو داود (١٦٦٢).\n(٣) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٣٤٨).\n(٤) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٣٩٨).","vol":"3","page":1269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-970>مقدارُ الزكاةِ وأنواع الزروع:</span>\nوأمَّا مِقدارُ الزكاة، فإنَّ الزروعَ على نوعَيْنِ:\nالأوَّلُ: ما سقَتْها السماءُ، أو كان عَثَرِيًّا يَشرَبُ بعُرُوقِهِ مِن ماءِ الأرضِ في باطنِها، أو ممَّا يُزرَعُ على أطرافِ الأنهار، فيَشْرَبُ منها بلا سَقْيٍ مِن آبارٍ أو آلاتٍ؛ فهذا نِصَابُهُ نِصْفُ العُشْرِ.\nالثاني: ما سُقِيَ مِن الآبارِ والنَّوَاضِحِ؛ فإنَّ نِصابَ زكاتِهِ رُبُعُ العُشرِ.\nوهذا مِن التخفيفِ على الناسِ في مُؤْنَتِهم، فلا يُحَمَّلُونَ ما لا يُطيقونَ، وإذا كانتِ العِلَّةُ كذلك، فما شَقَّ على الناسِ مِن الزروعِ التي تُسقى مِن السماء، فجاءتِ المَشقَّةُ والمَؤُونةُ بغيرِ السَّقْيِ؛ كمشقَّةِ السقيِ ومؤونتِهِ كالذين يَزرَعُونَ زروعًا لا تَنْبُتُ وحدَها، وإنَّما تحتاجُ إلى وضعِ محميَّاتٍ تستُرُها مِن الشمسِ؛ لأنَّها لا تنبُتُ إلَّا في الظلّ، ويُكلِّفُهم ذلك كما لو كُلِّفَ مَن سَقَى بالماء، فإنَّ زكاتَهُ رُبُعُ العُشرِ كما لو سقَى بالآبارِ؛ لجامعِ العِلَّة، وهو مِن التحفيفِ وأقرَبُ إلى المقاصد، وإنْ كانتِ المشقَّةُ أخَفَّ وأيسَرَ مِن ذلك، فتجبُ كما لو سقَتْهُ السماءُ بلا مشقَّةٍ؛ إعمالًا للأدلةِ.\nوالإطلاقُ في إيجابِ إخراجِ حقِّ الثِّمارِ والزروعِ مقيَّدٌ بالمِقْدارِ الواردِ في السُّنَّة، فلا تجبُ الزكاةُ فيما كان دونَ خمسةِ أَوْسُقٍ؛ كما قال - ﷺ -: (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ) (١).\nوقولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾:\nنهَى اللهُ عن السَّرَفِ بعدَ ذِكْرِهِ لحقِّ الزكاة، والسَّرَفُ: ما\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٩٧٩).","vol":"3","page":1270},{"text":"جاوَزَ الإنسانُ به حَدَّهُ المشروعَ، ويقعُ السَّرَفُ على مَعنيَيْنِ:\nالأولُ: في المشروعِ والمباحِ؛ فلا يجوز تجاوُزُ الحدِّ به، وهذا كمَنْ يضعُ مالَهُ في مباحٍ لا ينتفِعُ منه هو ولا غيرُهُ، فذلك سرَفٌ ولو كان قليلًا، ومنه مَن يضعُ مَالَهُ في محلٍّ ويتعطَّلُ بسببِ ذلك محلٌّ أَولى منه، كمَنْ يُهدِي الهديَّةَ مِن قُوتِ عيالِهِ الذي لا يجدُونَ غيرَهُ، فهذا جمَعَ بينَ مشروعَيْنِ: الهديَّةِ والنفقةِ؛ ولكنَّ النفقةَ أوجَبُ، فكانتِ الهديَّةُ سرَفًا؛ ولذا قال السُّدِّيُّ في معنى السَّرَفِ هنا: \"لا تُعْطُوا أَمْوَالَكُمْ، وَتَقْعُدُوا فُقَرَاءَ\" (١).\nالثاني: في الممنوعِ؛ فكلُّ مالٍ وُضِعَ في حرامٍ، فهو سَرَفٌ ولو كان ذَرَّةً، وقد قال مجاهدٌ: \"لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أَبِي قُبَيْسٍ ذَهَبًا فِي طَاعَةِ الله، لَمْ يَكُنْ إِسْرَافًا، وَلَوْ أَنْفَقْتَ صَاعًا فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى، كَانَ إِسْرَافًا\" (٢).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١].\nهذه الآيةُ مِن آخِرِ ما نزَلَ على رسولِ اللهِ - ﷺ -، وهي مِن المُحْكَمات، وذكَرَها ابنُ عبَّاسٍ مِن المقصودِ بقولِهِ تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] (٣)، وعن ابنِ مسعودٍ -﵁-؛ قال: \"مَن أرادَ أنْ يقرَأَ\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٣٩٩).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٣٩٩).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٥/ ١٩٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٥٩٢).","vol":"3","page":1271},{"text":"صحيفةَ رسولِ اللهِ - ﷺ - التي عليها خاتَمُهُ، فلْيَقْرَأْ هؤلاءِ الآياتِ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، إلى قولِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (١).\nوذلك أنَّ هذه الآياتِ ممَّا نزَلَ في المدينة، وجُلُّ سورةِ الأنعامِ نزَلَ بمكَّةَ، وحَكَى ابنُ عبد البَرِّ الإجماعَ على أنَّ الأنعامَ مكِّيَّةٌ إلَّا آياتِ الوَصَايَا الثلاثَ (٢).\nوقد روى أبو عُبَيْدٍ والطبرانيُّ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّها نزَلَتْ على رسول اللهِ - ﷺ - بمكَّةَ جُمْلةً واحدةً (٣).\nوقد تقدَّمَ في آيةٍ سابقةٍ مِن الأنعامِ الكلامُ على وَأْدِ البنتِ وقتلِ الولدِ.\nوالإملاقُ هو الفقرُ، وفي قولِهِ تعالى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ أراد أنَّ الذي رزَقَ الآباءَ مِن قبلُ هو الذي يتكفَّلُ برِزْقِ الأبناءِ مِن بعدُ، فالربُّ واحدٌ؛ فقد كان يَخشى الجَدُّ على ولدِه، فرزَقَ الجَدَّ وولدَهُ، ثم خاف الأبُ على وَلَدِه، فرزَقَ الأبَ ووَلَدَه، وهكذا فرَبُّ الأجيالِ واحدٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-971>بركةُ الأولاد والآباء بعضهم على بعض:</span>\nوفي قولِه في هذه السورةِ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾، مع قولِهِ في الإسراءِ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [٣١] إشارةٌ إلى أنَّ اللهَ يرزقُ الوالدَ بالولد، ويرزُقُ الولدَ بالوالد، رحمةً من الله فيهما متبادَلةً، ومِن ذلك ما في سورةِ الكهفِ في مالِ اليتيمَيْنِ؛ قال: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا\n_________\n(١) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٣٥٩).\n(٢) \"التمهيد\" (١/ ١٤٦).\n(٣) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١٢٩٣٠)، وأبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص ٢٤٠)، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" (ص ٤١٥).","vol":"3","page":1272},{"text":"أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف - ٨٢]، وقد يَحفَظُ اللهُ الوَلَدَ بصلاحِ والدِه، ولكنْ لا يُضيِّعُهُ لضياعِ والدِهِ؛ فلا تَزِز وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى؛ ولذا قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٨ - ٣٩]؛ وهذا في الدُّنيا والآخِرةِ؛ فيَلحَقُ الولدُ والدَهُ في الخيرِ في الآخِرةِ إنْ كانا مؤمنَيْن، ولا يَلحَقُهُ في الشرِّ وجزاؤُهُ بعَمَلِهِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١].\n[قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾ [الأنعام: ١٥٢].\nتقدَّمَ الكلامُ على مالِ التيمِ وحِفْظِهِ والمُتاجَرةِ فيه وخلْطَتِه، ووقتِ بلوغِهِ ودفعِ المالِ إليه - في سورةِ البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [٢٢٠]، وفي أوائلِ سورةِ النِّساءِ.\nوالأَشُدُّ هو الرُّشْدُ في سورةِ النِّساء، وحَدَّهُ بعضُهُمْ بالحُلُمِ؛ كالشَّعْبيِّ ومالكٍ (١)، وحدَّه آخَرونَ بثمانيةَ عشَرَ (٢).\nوتقدَّمَ في سورةِ النِّساءِ الكلامُ على الشهادةِ على الأَقرَبِينَ عندَ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَو فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥].\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٩/ ٦٦٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٤١٩).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٤٢٠).","vol":"3","page":1273},{"text":"* قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢].\nالمرادُ بالنُّسُكِ: الذبحُ عندَ عامَّةِ المفسِّرينَ، وفي الآيةِ: عمومُ جَرَيانِ الأحكامِ وسَرَيانِها على المكلَّفينَ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ متى قام مُوجِبُها عليهم؛ حيثُ قيَّدَ اللهُ حقَّ اللهِ على العبدِ في حياتِهِ بقولِهِ: ﴿وَمَحْيَايَ﴾، فأطلَقَهُ في عمومِ الحياة، ولم يُقيِّدْهُ بزمانٍ ولا مكانٍ.\nومَن يقولُ مِن بعضِ المَلاحِدةِ اليومَ \"إنَّ التكاليفَ في مواضعِ العِبادةِ ودُورِها فحَسْبُ، أو هي في التكليفاتِ الخاصَّةِ بالفردِ فقطْ؛ لا تكونُ في الأشياءِ المشتَرَكةِ بينَ الناسِ في مجتَمَعَاتِهم\"؛ فيَجعَلونَهُ خاصَّةً بينَ العبدِ وبينَ ربِّه؛ كما يُقرِّرُهُ فلاسفةُ اللِّيبراليَّةِ والعَلْمانيَّةِ -: فهذا إلحادٌ وكُفْرٌ أشَدُّ مِن كفرِ الوثنيَّةِ؛ لأنَّ الوثنيَّةَ تعبُدُ اللهَ، وغيرَ الله، فتُشرِكُهُ بالعبادةِ مع أصنامِها، فقد جعَلُوا للهِ بعضَ الحقِّ في أنفسِهِمْ في كلِّ مكانٍ، وفلاسفة العَلْمانيَّةِ لم يَجعَلُوا للهِ حقًّا مطلَقًا في الحياةِ؛ تعالى اللهُ!\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].\nلا تَحمِل النفوسُ إلَّا أوزارَها وحَسَناتِها، التي كسَبَت بنفسِها أو دَلَّتْ غَيْرَها عليها؛ فأخَذَت إثمَ الدَّلَالةِ أو أجرَهَا وعَمَلَ المدلولِ ولو لم تَقُمْ بالعملِ بنفسِها؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس: ٥٤]، وقال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال: ﴿نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٨ - ٣٩]، وقال: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩].","vol":"3","page":1274},{"text":"والوِزْرُ لا يُهدَى، ولو أراد أحدٌ في الدُّنيا أنْ يتحمَّلَ وِزْرَ غيرِهِ في الآخِرة، لم يكن له ذلك ما لم يَكْنْ هو الذي عَمِلَ الوِزْرَ أو دَلَّ عليه؛ بخلافِ الثوابِ فيُهدَى بشروطِهِ ولو لم يَعْلَمِ المُهدَى إليه؛ وهذا مِن رحمةِ اللهِ وعَدْلِهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-972>ما يَنْفَعُ الحيَّ والميتَ من عملِ غيرِهِ:</span>\nوفي \"الصحيحِ\"؛ قال - ﷺ -: (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ، انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِه، أَو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) (١).\nولا خلافَ عندَ السلفِ في أنَّ الصدقةَ الجاريةَ، والعِلْمَ الذي يُنتفَعُ به، ودعاءَ الوَلَدِ: ثلاثةٌ تَصِلُ إلى الميِّتِ بعدَ مَوْتِهِ؛ لظاهِرِ الحديثِ.\nوقد دَلَّ الدليلُ على غيرِها مِن الأعمالِ التي يَصِحُّ إهداؤُها إلى الميِّت، على خلافٍ عندَ العُلَماءِ في بعضِ أحوالِها وصُوَرِها، ومنها الحجُّ والعمرةُ.\nوذِكْرُ دعاءِ الولدِ لا يُخرِجُ دعاءَ غيرِهِ للميِّتِ بالإجماعٍ، فلو دعا غيرًا لولدِ لأحدٍ وتقبَّلَهُ اللهُ، نفَعَ صاحِبَهُ، فهو موقوفٌ على قَبُولِ اللهِ له، كما أنَّ دعاءَ الرجلِ لنفسِهِ موقوفٌ على قَبُولِ اللهِ له، وقد امتدَحَ اللهُ دعاءَ المؤمنينَ لِمَنْ سَبَقَهُمْ بقولِهِ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠].\nوإنَّما ذكَرَ رسولُ اللهِ - ﷺ - الولدَ خاصَّةً؛ لأنَّه أولى الناسِ أنْ يَدْعوَ لأبيهِ وأَرْجَاهُم؛ فالميِّتُ يُنسى غالبًا إلَّا في ذُرِّيَّتِه، وفي ذلك إشارةٌ إلى استِصْلاحِ الأولادِ؛ رَغْبةً في دعائِهم.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٦٣١).","vol":"3","page":1275},{"text":"وإنَّما ذكَرَ دعاءَ الولدِ ولم يذكُرْ صَدَقةَ الولدِ مع قَبُولِها منه؛ إشارةً إلى أنَّ الأَولى أنْ يُقدِّمَ لنفسِهِ صدقةً جاريةً؛ فنفوسُ الناسِ حتى الأولادِ مجبولةٌ على الشُّحّ، فيَبخَلُ الولدُ بالنفقةِ على والدِهِ ولو كان يُحِبُّهُ، ولكنَّه لا يَبخَلُ بالدُّعَاءِ؛ لأنَّه لا يَنقُصُهُ شيئًا، فذكَرَ الصدقةَ الجاريةَ وأطلَقَها؛ إشارةً إلى أنَّ الميِّتَ ينبعي أنْ يُقدِّمَ لنفسِه، ولا ينتظِرَ غيرَه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-973>إهداءُ الثوابِ:</span>\nواختُلفَ في أكثرِ الأعمالِ كالذِّكْرِ والصلاةِ وقراءةِ القرآنِ والصومِ: هل يَصِحُّ إهداؤْها أو لا؟ على خلافٍ عندَ العلماءِ:\nوقد ذهَبَ أبو حنيفةَ وأحمدُ: إلى جوازِ إهداءِ ثوابِ جميعِ الأعمال، وإلى هذا ذهَب جماعةٌ مِن الشافعيَّة، واستثنى الحنفيَّةُ الصيامَ: فيَرَوْنَ الإطعامَ عن الميِّت، لا الصيامَ عنه.\nوذهَب مالكٌ والشافعيُّ: إلى أنه لا يَصِلُ إلى الميِّتِ إلَّا ما دَلَّ عليه الدليلُ؛ وهذا الأشبَهُ والأقرَبُ؛ لأنَّ الصحابةَ يُكثِرُونَ مِن السؤالِ عن بعضِ الأعمالِ ووصولِها إلى الميِّتِ وانتفاعِهِ بها؛ ممَّا يدُلُّ على إدراكِهِمْ أنَّ الأصلَ عدمُ وصولِها، ولو كان الأصل الوصولَ، لجاز عمَلُ الحيِّ للميِّتِ كما يَعمَلُ الحيُّ لنفسِه، وجاء الحثُّ عامًّا لا خاصًّا بصدقةٍ وحجٍّ ونحوِهما.\nوقد كان الصحابةُ والتابِعونَ أحرَصَ الناسِ على عملِ البِرِّ لغيرِهم، ولم يَرِدْ عنهم أداءُ الصلواتِ وقراءةُ القرآنِ وإهداءُ الثوابِ لغيرِهم، ومع حبِّ بعضِهم بعضًا وحبِّهم مَن سلَفَ منهم، فلم يَثبُتْ عن واحدٍ منهم ذلك، ومع حِرْصِهم على الاستزادةِ فكانوا يُوصُونَ بأشياءَ كثيرةٍ، ولم يثبُتْ أنَّ واحدًا منهم أَوْصى بالصلاةِ عنه، وقراءةِ القرآنِ عنه، والتسبيحِ والتحميدِ والتهليلِ وإهداءِ ثوابِ ذلك إليه، وقد","vol":"3","page":1276},{"text":"كانوا يَزُورُونَ القبورَ ويَستحضِرونَ أهلَها وفَضْلَهُمْ وسَبْقَهم وحاجتَهم وفرَحَهُمْ بالعملِ الصالح، ومع ذلك لم يثبُتْ عن واحدِ منهم أنه صلَّى أو قرَأَ أو سبَّحَ لميِّتٍ منهم.\nوقد جاء في الأحاديثِ والآثارِ عنهم: الدعاءُ للميِّت، ولم يَرِدْ إهداءُ ثوابِ الأعمال، مع قيامِ داعِيهِ ومُوجبِهِ وحضورِ الحاجةِ إليه، وكار السلفُ يَذكُرونَ حَسْرةَ أهلِ القبورِ على فَوَاتِ الأعمال، وحاجتَهُمْ إلى ركَعاتٍ وتسبيحاتٍ، ومع ذلك لم يَحمِلْهُمْ وَجْدُهُمْ على مَوْتاهُم على إهداءِ صلاةٍ أو قراءةٍ لهم، ولم يَفْعَلْهُ الأبناءُ بآبائِهم وهم أعظَمُ القرونِ بِرًّا بهم.\nأثرُ ذنبِ الوالدْين على الوَلَدِ:\nوفي قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ دليلٌ على أنَّ جَرِيرَةَ الوالدِ لا تنتقِلُ إلى الولد، وأمَّا ما استفاضَ في الآثارِ؛ بأنَّ جزاءَ البِرِّ وعقابَ العقوقِ دَيْنٌ ناجِزٌ في الأولاد، فليس المرادُ أنَّ اللهَ يَجعلُ إثمَ عقوقِ الوالدِ لأبيهِ على ابنِه، بل إنَّ الوَلَدَ لا يأخُذُ جريرةَ العقوقِ حتى يَعُقَّ هو بنفسِهِ أباه، لا بمجرَّدِ عقوقِ أبيهِ لجَدِّه، ولو مات قبلَ ذلك أو كان بارًّا، لم يَلحَقْهُ شيءٌ.\nومِثلُ ذلك: ما جاء في عِفَّةِ الأمِّ وأثرِ ذلك على وَلَدِها؛ كما في قولِهِ تعالى عن عفافِ مريمَ وقولِ قَوْمِها لها: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]، فليس المرادُ له أنَّ البنتَ تكونُ بَغِيًّا بمجرَّدِ زِنى أُمِّها؛ وإنَّما المرادُ أنَّ الأمَّ تُربِّي بنتَها على مِثْلِ ما هي عليه، وتَرَاها بنتُها وتَصنَعُ مِثْلَها، والعفيفةُ تُربِّي عفيفةً مِثلَها؛ وليس هذا انتقالًا للأوزارِ.","vol":"3","page":1277},{"text":"وقد تكونُ المرأةُ بغيًّا وليس لها ابنٌ ولا بنتٌ، وقد يكونُ لها بنتٌ عفيفةٌ، وقد يكونُ في الأمِّ العفيفةِ بنتٌ عَكْسُها؛ فإنَّ الزِّنى لم يكنْ في ذُرِّيَّةِ آدَمَ وحَوَّاءَ الأُولى؛ وإنَّما كان في ذراريَّ جاءتْ بعدَ ذلك بِزَمَنٍ، فلم تُسبَقْ كلُّ زانيةٍ بأمِّ مِثْلِها، فالأصلُ في بني آدَمَ العفافُ.\nوأمَّا ما يُروى في الحديثِ: (عِفُّوا تَعِفَّ نِسَاؤُكُمْ)، فرواهُ الحاكمُ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ وجابرٍ (١)، وجاء عندَ الطبرانيِّ بنحوِه من حديثِ ابنِ عمرَ وعائشةَ (٢)، وعندَ الخرائطيِّ عن ابنِ عبَّاسٍ (٣)، وفي بعضِها زيادةٌ: \"بَرُّوا آباءَكُمْ، تَبَرَّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ\"، ولا يصحُّ منها شيءٌ.\nوقد يكونُ العقوقُ في الأولادِ عقوبةً لعقوقِ الآباءِ لآبائِهم، بأنْ يكونَ في الأولادِ أسبابٌ تُوجِبُ عقوقَهُمْ لآبائِهِمْ قامتْ فيهم كما قامتْ في آبائِهِمْ مع أجدادِهم، وكلٌّ محاسَبٌ مكلَّفٌ؛ الأحفادُ والآباءُ وقد يتوبُ الوالِدُ مِن عقوقِهِ لأبيهِ فلا يَعُقُّهُ ولدُه، وقد لا يكونُ عاقًّا وقد يكونُ عاقًّا ويتوبُ ثم يَعُقُّهُ ولدُهُ! ابتِلاءً مِن الله، لا عقوبةً، وقد وُجِدَ مِن ذريَّةِ البارِّينَ أولادٌ عاقُّونَ، والعكسُ كذلك، وقد لا يكونُ للعاقِّ ذريَّةٌ ولا زوجٌ أصلًا، فلا تُعجَّلُ عقوبتُهُ مِن ولدِه.\nوإنَّما ذكَرَ اللهُ أمرًا يقعُ ويكثُرُ، وهو الجزاءُ العاجلُ بمِثْلِ ما وقَعَ منه، وليس ذلك بلازِمٍ لكلِّ أحدٍ؛ ولهذا لم تَثبُتْ بصراحتِهِ النصوصُ، وإنَّما جاء على سبيلِ الإجمالِ تعجيلُ العقوبةِ بقطيعةِ الرَّحِمِ والعقوقِ.\nوقد يُعاقِبُ اللهُ الوالِدَ بعقوقِ ولدِهِ له؛ لأنَّ الوالِدَ كان عاقًّا لأبيه، ثم يرزُقُ اللهُ الحفيدَ التوبةَ، فأَجْرَى اللهُ على يدِ الوَلَدِ عقوبةً لوالدِه، ثم\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ١٥٤).\n(٢) أخرجه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (١٠٠٢) و(٦٢٩٥).\n(٣) \"اعتلال القلوب\" للخرائطي (١/ ٦٠).","vol":"3","page":1278},{"text":"وفَّقَهُ للتوبةِ فتاب عليه؛ فكانتْ رحمةً بالوالدِ والولدِ؛ وذلك أنْ عَجَّلَ عقوبةَ الوالدِ في الدُّنيا، ووَفَّقَ الولدَ للتوبة، وقَبِلَ منهم، وكلُّهم لَقِيَ اللهَ بلا وِزْرٍ؛ وهذا مِن رحمةِ اللهِ وإحسانِهِ وحكمتِه.","vol":"3","page":1279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-974>سُورَةُ الأَعْرَافِ</span>\nسورةُ الأَعْرَافِ سورةٌ مكيَّةٌ؛ قاله ابنُ عبَّاس ومجاهدٌ والحسَنُ وعطاءٌ، ومن العلماء: مَنْ نقَل الاتفاقَ على ذلك، وقد تضمَّنت السورةُ سنةَ الله الكونيَّةَ في الأممِ المخالِفة، وتذكيرًا للناسِ بآياتِ اللهِ في الكونِ وخلقِهِ وخلقِ الإنسانِ وضعفِه، وبدايةِ عداوةِ الشيطانِ للإنسان، وذكر اللهُ فيها جملة من حجج المعاندين من الأممِ السابقةِ وحذَّر مِن سلوكِ طرِيقَتِهِم، وخوَّف من يومِ القيامةِ ومن عاقبةِ الكافرين في النار، ورغَّب بالجنَّةِ وذكَرَ عاقبةَ أهْلها.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠].\nفي هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ الأصلَ في منافعِ الأرضِ أنَّها مُشاعةٌ بينَهم، يَستوُونَ في حقِّ الانتِفاعِ منها والقَرَارِ فيها، وإنَّما جاءتِ الشرائعُ ببيانِ المحرَّماتِ والحدودِ التي تَحُدُّ هذا الإطلاقَ ولا تُلغِيه، وهذا يَظهرُ في مواضعَ عديدةِ مِن القرآنِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وقولهِ تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: ٢٢]، وقولِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [طه: ٥٣، والزخرف: ١٠]، وقولِه: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [غافر: ٦٤].","vol":"3","page":1281},{"text":"وقد جاءَ في السُّنَّةِ ما يُبيِّنُ هذا المعنى؛ كما في \"المسنَدِ\" و\"سننِ أبي داودَ\"؛ من حديثِ رجلٍ من الصحابةِ؛ قال - ﷺ -: (المُسْلِمُونَ شرَكاءُ فِي ثَلَاثٍ: المَاء، وَالْكَلَأ، وَالنَّارِ) (١).\nومِن هذا ما في \"الصحيحينِ\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-975>منافعُ الأرضِ حَقٌّ مشاعٌ:</span>\nولا يجوزُ لأحدٍ أنْ يَمْنَعَ الناسَ مِن الانتفاعِ مِن الأرضِ؛ مِن ترابِ وماءٍ وكَلَأٍ، ما لم يكنْ له مِلْكًا يَمْلِكُهُ وله فيه مَؤُونةٌ، وكان مالكُ بن أنسٍ ذهَبَ إلى أنَّ ذلك في كلأِ الفَلَواتِ والصَّحَاري، وما لا تُملَكُ رَقَبةُ الأرضِ فيه، وجعَلَ الرجُلَ أحَقَّ بكلِأ أرضِه؛ إنْ أحَبَّ المنعَ منه، فإنَّ ذلك له (٣).\nوإنَّما جاء تخصيصُ الماءِ بالنَّهْي عن بيعِ فَضْلِه، وتكاثَرَتِ الأحاديثُ في ذلك؛ لأنَّ المِنَّةَ فيه أظهَرُ، وَالحاجةَ إليه أشَدُّ، وقد يَصبِرُ الناسُ عن الحاجةِ إلى المَلْبسِ والمَسْكَنِ ولا يَمُوتونَ، ولكنْ لا يَحْيَوْنَ إلَّا بالماء، وفاقدُ الماءِ يموتُ قبلَ فاقدِ الطعام، فيَصبِرُ على الجوعِ أطوَلَ مِن صبرِهِ على العطشِ.\nونصَّ أبو حنيفةَ ومحمدُ بن الحسنِ: على أنَّ فضلَ الماءِ مِن الآبارِ يُسقى للنفوسِ لا للزُّروعِ والنخلِ؛ فيجبُ بَذْلُهُ لِشُرْبِ الناسِ ودوابِّهم إبلًا وغنمًا وغيرَها.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٦٤)، وأبو داود (٣٤٧٧).\n(٢) أخرجه البخاري (٢٣٥٣)، ومسلم (١٥٦٦).\n(٣) ينظر: \"التمهيد\" (١٩/ ١).","vol":"3","page":1282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-976>حكمُ بيعِ الماءِ وعُشْبِ الأرضِ:</span>\nوليس لأحدٍ أنْ يبيعَ ما لا يَملِكُهُ منها؛ كمياهِ البحرِ ومياهِ الأنهارِ والغُدْرانِ وعُشْبِ الأرض، ما لم يكنْ منه مَؤُونةٌ عليه؛ كالمياهِ المصنَّعةِ وعُشْبِ أرضِهِ وبُسْتانِهِ وبيتِهِ الذي يَحْمِيهِ ويَسْقِيه، وفي \"صحيحِ مسلمٍ\"؛ مِن حديثِ جابرٍ أنَّ النبيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيعِ فَضْلِ المَاءِ (١).\nومنعُ فضلِ الماءِ الذي لم تَعمَلْهُ اليدُ عن ابنِ السَّبِيلِ كبيرةٌ مِن كبائرِ الذُّنُوب، وقد قال - ﷺ -: (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ العَصْرِ؛ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللهُ: اليَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ)؛ رواهُ البخاريُّ، وهو في مسلمٍ مختصَرًا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-977>حكمُ بيعِ منافعِ الأرضِ الطبيعيَّةِ:</span>\nوكلُّ ما يَنتفِعُ الناسُ به، وجعَلَهُ اللهُ في الأرض، ولم يَملِكْهُ أحدٌ بعينِه: فلا يجوزُ لأحدٍ بيعُهُ ولو كان سُلْطانًا؛ سواءٌ كان مطعومًا كالمِلْحِ والماءِ والعُشْب، أو كان يُتَّخَذُ منه سكنٌ؛ كأعوادِ الشجرِ وحجارةِ الأرضِ وتُرابِها؛ وهذا ما تدُلُّ عليه ظواهرُ الأدلَّة، وقد جاءَ في \"المسنَد\"، و\"سُننِ أبي داودَ\"؛ حديثٌ ضعيفٌ عن بُهَيْسَةَ، أنَّ أباهَا قال: يَا نَبِيَّ الله، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: (المَاءُ)، قَالَ: يَا نَبِيَّ الله، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: (الْمِلْحُ)، قَالَ: يَا نَبِيَّ الله، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: (أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَ خَيْرٌ لَكَ) (٣).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٥٦٥).\n(٢) أخرجه البخاري (٢٣٦٩)، ومسلم (١٠٨).\n(٣) أخرجه أحمد (٣/ ٤٨٠)، وأبو داود (١٦٦٩، و٣٤٧٦).","vol":"3","page":1283},{"text":"ويدخُلُ في هذا حِمَى الملوكِ التي يَحمُونَها بلا مصلحةٍ عامَّةٍ، وَيمنَعونَ منها ابنَ السَّبِيلِ ورُعَاةَ البهائمِ أنْ تَطعَمَ وتَشرَب ممَّا لم تَعمَلْهُ أيدِيهِم فيها؛ فهذا داخلٌ في النهيِ بلا خلافٍ.\nوأمَّا ما كان له مؤونةٌ فيه كماءِ البئرِ الذي يُخرِجُهُ بنفسِه، وعُشْبِ بُستانِهِ الذي يَرْعاهُ ويَحمِيهِ ويَسقِيه، أو الحَطَبِ الذي يَحْتَطِبُهُ بنفسِه، فلا حرَجَ في بيعِه.\nوما كان في أرضِهِ ممَّا لم يَبْذُلْ فيه جهدًا؛ كأن تَنبُعَ عينٌ في أرضِهِ أو يكونَ في أرضِهِ ماءٌ مِن المطرِ:\nفذهَبَ أحمدُ في روايةٍ: أنه لا يجبُ علمِه بَذْلُه، ولكن لا يجوزُ له أنْ يَحبِسَهُ عن الناسِ وهو يَعلَمُ أنه لا يَنتفِعُ منه، فما زادَ عن حاجتِهِ مِن مائِه، فاختُلِفَ في وجوبِ بَذْلِهِ لمَن يحتاجُ إليه على قولينِ، هما روايتانِ عن أحمدَ:\nفقال الشافعيُّ: لا يَلزَمُه بَذْلُهُ، وله أخذُ عِوَضٍ عليه.\nوقال بعضُهم: بوجوب بَذلِه بلا عِوَضٍ؛ واحتجُّوا بما رُوِيَ عن عبد اللهِ بنِ عمرٍو: أنَّ قَيِّمَ أرضَهِ بالوَهْطِ كتَبَ إليه يُخبِرُهُ أنه سَقَى أرضَهُ، وفَضَلَ له من الماءِ فضلٌ يُطلَبُ بثلاثينَ ألفًا، فكتَبَ إليه عبدُ اللهِ بن عَمرٍو - ﵄ -: \"أَقِمْ قِلْدَكَ ثُمَّ اسْقِ الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ\" (١).\nفقد فَهِمَ عبدُ اللهِ بن عمرٍو مِن الحديثِ مَنْعَ بيْعِ ما زادَ عن ماءِ أرضِه.\nوكان أحمدُ في قولٍ يَنْهَى عن بيعِ فضلِ ماءِ الآبارِ والعيون، فضلًا عن الأنهارِ والبحارِ.\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٦).","vol":"3","page":1284},{"text":"وأمَّا البئرُ، فيجوزُ بيعُها؛ لأنَّها حُفِرَتْ بمؤونةٍ وعملٍ، ولو كان الماءُ الذي فيها فضَلَ عن حاجةِ صاحِبِها؛ لأنَّ البيعَ للبئر، وقد أَذِنَ النبيُّ - ﷺ -، بذلك؛ (مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ، فَيَكُونُ دَلْوُهُ فيهَا كَدِلَاءِ المُسْلِمِينَ)، فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ - ﵁ -، كما في البخاريِّ (١)، وقد سَبَّلَها عثمانُ بن عفَّانَ - ﵁ - بأمرِ النبيِّ - ﷺ - لِلمُسلمِينَ، وكان اليهوديُّ يبيعُ ماءَها.\nوفي بعضِ رواياتِ الحديثِ خارجَ \"الصحيحِ\"؛ أنَّ عثمانَ - ﵁ - اشترَى منه نِصفَها باثنَيْ عشَرَ ألفًا، ثم قال لليهوديِّ: اختَرْ إمَّا أنْ تَأْخُذَهَا يومًا، وآخُذَهَا يومًا، وإمَّا أنْ تَنْصِبَ لك عليها دَلْوًا، وأَنْصِبَ عليها دَلْوًا، فاختارَ يومًا ويومًا، فكان الناسُ يَسْتَقُونَ منها في يومِ عثمانَ لِليومَين، فقال اليهوديُّ: أَفْسَدتَّ عليّ بِئْرِي، فاشَتَرِ بَاقِيَها، فاشتراهُ بثمانيةِ آلافٍ (٢).\nومِثلُ الماءِ: الرِّمالُ والتُّرابُ والحجارةُ التي في الأرضِ غيرِ المملوكةِ: لا يجوزُ أنْ يتسلَّطَ عليها مَن يَمنَعُها إلَّا بِبَيْعِها، وأمَّا إنْ كان ذلك في مِلْكِه، فيأخُذُ حُكْمَ الماءِ على الأرجحِ؛ فما كان للإنسانِ فيه مؤونةٌ كحَفْرٍ ونقلٍ، جاز، وما لم يكنْ له مؤونةٌ وكُلْفةٌ وكان مِن فضلِ أرضِه لا يَتضرَّرُ بفَقْدِه، فلا يجوزُ بيعُهُ على الأظهَر، وإنْ كان محتاجًا إليه وليس مِن فضلِ أرضِهِ وأرادَ أن يبيعَ حقَّه منه، جاز ذلك.\nوأمَّا الأرضُ المُشَاعةُ كالماءِ المُشَاعِ مِن مياهِ الأنهارٍ والبحار، فلا يجوزُ لأحدٍ أنْ يقولَ: \"أَبِيعُ نَصِيبِي منه\"؛ كما لو تقاسَمَ الناسُ\n_________\n(١) أخرجه البخاري معلقًا قبل حديث (٢٣٥١).\n(٢) \"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (٨/ ٢٠٤)، و\"الاستيعاب في معرفة الأصحاب\" (٣/ ١٠٤٠).","vol":"3","page":1285},{"text":"الورودَ على النهرِ كلَّ يومِ لأهلِ بيتٍ أو لبَلْدةٍ أو لقومٍ، فيُرِيدُ مَن كان يومُهُمُ السبتَ أنْ يَبِيعُوا يومَهُمْ لغيرِهم، لم يَجُزْ ذلك؛ لأنَّه تحايُلٌ على بيعِ ماءِ الفَلاة، وقد كان أحمدُ يَنهى عن ذلك.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣].\nوفي هذه الآيةِ وما يَلِيها مِن آياتٍ: إخراجُ إبليسَ وإنزالُهُ إلى الأرضِ؛ إشارةً إلى نفي اللهِ له عقوبةً له، وقد تقدَّمَ الكلامُ على هذه المسألةِ في سورةِ البقرةِ عندَ قولهِ تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨]، وفي سورةِ المائدةِ في حدِّ الحِرَابَةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿أَو يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣].\n* * *\n\n[قال تعالى: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤ - ١٥].\nفي هذه الآيةِ وما قبلَها: عَدْلُ اللهِ سبحانَه بسماعِ قولِ الظالمِ وطلبِهِ قبلَ عقابِه، وهو أعلَمُ سبحانَهُ بظُلْمِهِ وعنادِهِ وسُوءِ قَصْدِه؛ وذلك أنَّ اللهَ لا يُنزِلُ عقوبةً بظالمٍ حتى يُقِيمَ الحُجَّةَ عليه؛ لِيَقطَعَ عُذرَهُ عندَ نفسِهِ قبلَ غيرِه، ومِن ذلك: أنَّ اللهَ يُقيمُ الحُجَجَ المادِّيَّةَ على العبادِ في الآخِرةِ بالبيِّناتِ عليهم، وهو أعلَمُ بهم؛ بالكتابةِ عليهم، وإشهادِ الملائكة، وإشهادِ جوارِحِهم عليهم؛ لِيَقطَعَ بذلك أعذارَهُمْ؛ وهذا مِن كَمَالِ عَدْلِه، فجعَلَهُ سبحانَهُ على نفسِه، ولم يَجْعَلْهُ عليه أحدٌ.","vol":"3","page":1286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-978>سماعُ قولِ الظالِمِ:</span>\nوفي هذه الآيةِ: أنَّه يجبُ على السُّلْطانِ والقاضي أنْ يسمَعَ قولَ الظالمِ والجانِي ولو قامَتِ البيِّناتُ عليه مِن غيرِ إقرارِه؛ لأنَّ مِن مَقاصدِ الحُكْمِ إقامةَ العدلِ في الظالمِ عندَ نَفْسِه؛ حتى لا تُسوِّلَ له نفسُهُ وشيطانُهُ أنه ظُلِمَ وبُغِيَ عليه ولم يُسمَعْ قولُه، أو يَدَّعِيَ أحدٌ مِن أهلِهِ وذويهِ أنَّ له حُجَّةً لم تُسمَعْ، فيَقَعَ ذلك في بعضِ النفوسِ الجاهلة، فإنْ وقَعَ، فهو ظُلْمٌ تسبَّبَ فيه السُّلْطانُ بتقصيرِهِ بعدمِ سماعِ قولِ الظالمِ وإزالةِ شُبْهتِهِ وعنادِهِ عندَ نفسِهِ ولو لم يُقِرَّ بذلك عندَ غَيرِه.\nوهذا إذا كان في سماع الظالِم المُعانِد، فإنَّه في حقِّ المظلومِ وصاحِبِ الحقِّ أَوْلى وأَوْجَبُ.\nوإذا كانت خصومةٌ بينَ اثنَينِ أو جماعةٍ، وجَبَ على القاضي السماعُ منهما جميعًا في مجلسٍ واحدٍ؛ حتى يستوفيَ الردودَ بينَهما، ولا يجوزُ له أنْ يسمَعَ مِن كلِّ واحدٍ في مجلسٍ؛ حتى لا يقولَ في خَصْمِهِ شيئًا وهو غائبٌ وعندَهُ حُجَّةٌ تَدفَعُهُ، وقد قال النبيُّ - ﷺ -: (يَا عَلِيُّ، إِذَا جَلَسَ إِلَيْكَ الْخَصْمَانِ فَلا تَقْضِ بَيْنَهُمَا حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الْآخَرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الْأَوَّلِ؛ فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ)؛ رواهُ أحمدُ وأبو داودَ (١)، وعندَهما عن عبد اللهِ بي الزُّبَيْرِ؛ قال: \"قَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنَّ الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَكَمِ\" (٢).\nومِن مَقاصِدِ الشرعِ في سماعِ أطرافِ الخصومةِ ولو تبيَّنَ الظالِمُ منهما: إقناعُ الباغِي ببَغْيِه، وقطعُ حُجَّتِهِ عندَ نفسِهِ حتى تَنزِلَ عليه العقوبةُ بتسليمٍ لا بعنادٍ، فتجدَ نفسُهُ مَدْخَلًا لاتِّهامِ الشريعةِ وأهلِها، فيتحوَّلَ مِن\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١/ ١١١)، وأبو داود (٣٥٨٢).\n(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٤)، وأبو داود (٣٥٨٨).","vol":"3","page":1287},{"text":"الذَّنْبِ والظُّلْمِ إلى الكفر، ومِن مَقاصِدِها: أنْ تُسَدَّ أبوابُ اتِّهامِ الشريعةِ وأهلِها مِن المُنافِقِينَ أو مِن أهل الجهلِ مِن قَرَابةِ الظالِمِ بأنَّ الظالِمَ لم يُنصَفْ وقد ظُلِمَ وبُغِيَ عليه؛ لأنَّ لَدَيهِ حُجَّةً لم تُسمَعْ منه.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢].\nفي هذه الآيهِ: سَتْرُ العَوْراتِ والسَّوْءَاتِ عندَ الخروج، ولو لم يكنْ هناك مَن يَرى العورةَ، وهذا مِن الفِطْرةِ التي فُطِرَ عليها الإنسانُ، وما عدا ذلك مُخالِفٌ للفِطْرة، منهيٌّ عنه جِبِلَّةً وشِرْعَةً، ولمَّا ظهَرَتْ عَوْراتُ حَوَّاءَ وآدمَ، خَصَفَا وقطَعَا مِن ورقِ شجرِ الجنةِ ما يستُرُ عَوْراتِهما، فلم يَنتظِرَا حتى تُؤوِيَهما دارُهُما، ولا أنْ يلُوذَا بحائطٍ أو شجرةٍ أو دارٍ؛ وذلك أنَّ الحائطَ والشجرَ يستُرُ مِن جهةٍ دونَ بقيَّةِ الجهات، وورقُ الشجرِ أقرَبُ مِن الدُّورِ؛ لأنَّه عندَهما، وتنالُهُ أيدِيهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-979>حكمُ سَتْرِ العوراتِ:</span>\nوالمبادَرةُ بسَتْرِ العَوْراتِ مِن آدمَ وحوَّاءَ ومِن وَرَقي الشجرِ مُشعِرٌ بالوجوب، وذِكْرُ السَّوْءَاتِ مؤكِّدٌ لذلك؛ لأنَّ إخراجَها يسُوءُ الإنسانَ في نَفْسِه، ويسُوءُ غيرَهُ أن يراهُ مِن أحدٍ، وهذه مِن فوارقِ الإنسانِ عن الحيوانِ.\nوليس في الجنةِ مِن الناسِ سوى آدمَ وحوَّاءَ؛ لأنَّهما أَبَوَا البَشَر، وكلُّ البشرِ بعدَهما، وإنَّما فيها مِن الملائكةِ والحيوانِ وما شاء اللهُ، ولا يثبُتُ أنه كان قبلَ آدمَ بشريَّةٌ مشابِهةٌ لبشريَّةِ آدمَ وذُرِّيَّتِه.","vol":"3","page":1288},{"text":"وقد تكلَّفَ بعضُ المعاصِرِينَ ليُوافِقَ المَلَاحِدةَ الذين يقولونَ بنظريَّةِ النُّشُوءِ والتطوُّر، وبعضَ علماءِ الطبيعةِ الذين يَذكُرُونَ عُمْرَ الأرضِ بملايينَ طويلةٍ، وتكلُّفَهم بأنَّ الأرضَ معمورةٌ قبلَ بشريَّةِ آدمَ مِن بشرٍ آخَرِينَ، وتعسَّفُوا أدلةً لذلك مِن القرآنِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-980>العورةُ بين الزوجَيْن:</span>\nوأنزَلَ اللهُ اللِّباسَ وشرَعَ الاستِتارَ بكلِّ حالٍ، وجعَلَ الاستِتارَ هو الأصلَ، والكشفَ والنَّزْعَ عارِضًا.\nولمَّا رخَّصَ اللهُ للرَّجُلِ مِن زوجتِهِ وللمولى من أَمَتِه، فالرُّخصةُ بما قامَتِ الحاجةُ إليه، فليس للزَّوجَينِ أنْ يَبْقَيَا عُرَاةً - ولو لم يَرَهُما أحدٌ - بلا حاجةٍ، ولا أنْ تبقَى الأَمَةُ متعرِّيةً عندَ سيِّدِها بلا حاجةٍ، وقد كَرِهَ مالكٌ أن يَكشِفَ الرجُلُ فَخِذَهُ عندَ زوجتِه؛ يعني: بلا حاجةٍ؛ وذلك مِن مالكِ أحفَظُ لغريزةِ الحياء، وأدوَمُ لغريزةِ الشهوةِ.\nولمَّا رُفِعَ أبوابُ العَوْراتِ بينَ الزوجَيْن، لم يكنْ ذلك مُسقِطًا لبابِ الحياءِ بينَهما، فتُكشَفُ العَوْراتُ عندَ الحاجات، ولو لم يَأْثَمَا بكَشْفِها في غيرِ حاجةٍ، ومِن الفِطْرةِ: الاستِتارُ والتزيُّن باللِّباسِ ولو بينَ الزوجَيْن، وإبداءُ السَّوْءَتَيْنِ والعوراتِ بينَ الزوجَيْنِ بلا حاجةٍ ولا مَقصَدٍ مأذونٍ به: مكروهٌ؟ لأنَّه يُسقِطُ هَيبَةَ الحياءِ في النفس، وتزهدُ نفوسُ بعضِهما في بعضٍ، وتتشوَّفُ إلى غيرِهما مِن الحرام، وقد فطَرَ اللهُ آدمَ وحوَّاءَ على ذلك، فسَتَرَا عَوْراتِهما بوَرَقِ الشجرِ مع أنه لا يَراهُما أحدٌ مِن البشرِ غيرُهما، فليس لهما ذريَّةٌ عندَ ذلك؛ ولذلك قال تعالى: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧]، فجعَل رؤيةَ بعضِهما لبعضٍ بلا حاجةٍ مِن مقاصدِ الشيطانِ ولو كانتْ مباحةً في الأصل، ولكنَّ الأصلَ السَّتْرُ واللِّبَاسُ، وأمَّا الكشفُ فعارضٌ.","vol":"3","page":1289},{"text":"وقد جعَلَ اللهُ الأصلَ في بني آدمَ السَّتْرَ باللِّباسِ؛ فتَستتِرُ المرأةُ وتَتَزيَّنُ ولو كانتْ لا يراها أحدٌ، والرجُلُ يكونُ وحدَهُ ولو في فَلَاةٍ لا يراهُ أحدٌ يُحِبُّ أن يَستُرَ بدَنَهُ، فذلك استِتارٌ تُحِبُّهُ النفسُ، وهي مفطورةٌ عليه، حتى لو كان الإنسانُ في بيتِه مُغلِّقَ الأبواب، لم يُحِبَّ أنْ يَبقى عُرْيانًا؛ لأنَّه مُخالِفٌ للفِطْرة، ولو كان الإنسانُ أعمَى البصرِ لا يَرى عورةَ نفسِهِ ولا يراهُ أحدٌ، لَأَحَبَّ أنْ يَستتِرَ؛ لحرارةِ الفِطْرةِ في نفسِهِ التي يجدُها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-981>أسباب مشروعيةِ السترِ:</span>\nوقد شرَع اللهُ الاستِتارَ باللِّباسِ؛ لجملةٍ مِن الأسبابِ:\nالأوَّلُ: حياءً مِن اللهِ؛ فاللهُ يُحِبُّ أن يُستحْيَا منه؛ وذلك مِن تعظيمِهِ وإجلالِه، واللهُ لا تُستَرُ عنه عينٌ، ولا تُستَرُ عنه عَوْرةٌ فلا يَراها؛ وإنَّما مجرَّدُ فعلِ اللِّباسِ والاستِتارِ به مِن الحياءِ مِن اللهِ ولو كان في عِلْمِ العبدِ أنَّ اللهَ يَراه؛ فالإنسانُ يستتِرُ في نفسِهِ وهو يَعلمُ نفسَهُ؛ حِفْظًا لحياءِ نفسِه، وقد جاءَ في سترِ العورةِ حياءً مِن اللهِ حديثُ بَهْزٍ؛ كما في \"المُسنَدِ\"، و\"السُّننِ\"، عن معاويةَ بنِ حَيدَةَ؛ قال: يَا رسُولَ الله، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قال: (احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَو مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ)، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضهُمْ فِي بَعْضٍ؟ قَالَ: (إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا)، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: (اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ) (١).\nورُوِيَ في بعضِ الأخبارِ: أنَّ آدمَ وحوَّاءَ استَتَرَا حياءً مِن اللهِ لمَّا بَدَت سَوْءَاتُهما؛ فعن أُبَيِّ بنِ كعبٍ مرفوعًا؛ أنَّ اللهَ قال لآدمَ: يَا آدمُ،\n_________\n(١) أخرحه أحمد (٥/ ٣)، وأبو داود (٤٠١٧)، والترمذي (٢٧٩٤)، وابن ماجه (١٩٢٠).","vol":"3","page":1290},{"text":"منِّي تَفِرُّ؟ فَلَمَّا سَمِعَ كَلامَ الرَّحْمَن، قَالَ: يَا رَبّ، لا، وَلَكِنِ اسْتِحْيَاءً (١).\nوجاءَ ذلك في بعضِ الإسرائيليَّاتِ؛ كما قال وهبُ بن مُنَبِّهِ: \"دخَلَ آدمُ فِي جَوْفِ الشَّجَرَة، فَنَادَاهُ رَبُّهُ ﷿: يَا آدمُ، أَيْنَ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا هَذَا يَا رَبِّ، قَالَ: أَلَا تَخرُجُ، قَالَ: أَسْتَحْيِيِ مِنْك يَا رَبِّ\" (٢).\nوكان بعضُ خِيارِ السلفِ يَستتِرُونَ فيُغطُّونَ رؤوسَهُمْ وهم في الخلاءِ حياءً مِن اللهِ؛ كما صحَّ عن أبي بكرٍ وطاوسٍ، فقد روى عروةُ بن الزبير، عن أبيه، أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ قال وهو يخطُبُ الناسَ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، اسْتَحْيُوا مِنَ الله، فَوَالَّذِي نَفسِي بِيَدِه، إِنِّي لَأظَلُّ حِينَ أَذْهَبُ إِلَى الْغَائِطِ فِي الْفَضَاءِ مُغَطِّيًا رَأْسِي؛ اسْتِحْيَاءً مِنْ رَبِّي (٣).\nوكان طاوسٌ يأمُرُ ابنَهُ بذلك (٤).\nوجاءَ في ذلك خبرٌ مرسَلٌ عندَ البيهقيّ، ومِن حديثِ عائشةَ مرفوعًا، ولا يصحُّ، ونَصَّ على استحبابِهِ غيرُ واحدٍ مِن الفُقَهاءِ كإمامِ الحرَمَينِ والغزاليِّ والبغويِّ وغيرِهم.\nالثاني: حياءً مِن الملائكةِ؛ فإنَّ الملائكةَ تتأذَّى ممَّا يتأذَّى منه بنو آدمَ؛ كما جاءَ في الحديث، وممَّا يتأذَّى منه بنو آدمَ: بُدُوُّ السَّوْءَةِ؛ وذلك مِن مقاصدِ قيامِ الفِطْرةِ في آدمَ وحوَّاءَ وذرَيَّتِهما، وحبِّهما للاستِتارِ في الجنةِ وليس فيها مِن البَشَرِ غيرُهما.\nوقد دلَّ الدليلُ: أنَّ الملائكةَ مجبولةٌ على الحياءِ كبني آدمَ؛ كما\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (١/ ٨٧ - ٨٨).\n(٢) أخرجه بن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٥/ ١٤٥٣).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١١٢٧).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١١٣٥).","vol":"3","page":1291},{"text":"قال - ﷺ -: (أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ المَلَاِئكَةُ) (١)؛ يعني: عثمانَ بنَ عفَّانَ.\nالثالثُ: الاستِتارُ عن الناس، والحياءُ منهم؛ فإنَّ هذا مِن أعظَمِ مقاصدِ اللِّبَاسِ واتِّخاذِ الزِّينة، ولهذا لمَّا سأَلَ معاويةُ بن حَيْدَةَ عن العَوْراتِ، كان أوَّلَ ما بدَأَ به النبيُّ - ﷺ - حفظُ العوراتِ عن أَعْيُنِ الناسِ.\nومَن حازَ له أن يُبدِيَ عورتَهُ له، فيكونُ ذلك بقَدْرِ الحاجةِ؛ حفظًا لفِطْرةِ أصلِ الاستِتارِ؛ ولذا شُرعَ سترُ عورةِ الطفلِ وليس له عورةٌ لكلِّ الناظِرِينَ، ولو كان مولودًا، لتُحفَظَ هَيْبةُ العورةِ في نفسِه، ومِن هذا ما جاءَ في التفريقِ بينَ الأطفالِ في المَضاجِعِ؛ كما في قولهِ - ﷺ -: (وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ) (٢)؛ فإنَّ مِن مقاصدِ التفريقِ: ألَّا تبدوَ العوراتُ؛ فإنَّ الصغيرَ لا يَحترِزُ في عورتِهِ في مَنامِهِ كما يَحترِزُ الكبيرُ، فأمَرَ بالتفريقِ بينَهمْ في المَضاجِعِ حتى لا تَظهَرَ سَوْءَاتُ بعضِهم لبعضٍ، فيَنشؤوا على ذلك، أو يكونَ ذلك مُثيرًا لغرائزِهم في حَرَامٍ.\nوكذلك: فإنَّه يُستحَبُّ لباسُ الزوجَينِ عندَ بعضِهما البعض مِن غيرِ دواعِي الحاجةِ إلى ذلك، وذلك حِفْظًا للفِطْرةِ بينَهما، ولِوَازِغِ الحياءِ أنْ يُكسَرَ.\nالرابعُ: الاستِتارُ عن الجنِّ؛ وذلك أنَّ الجِنَّ يُبصِرُونَ بني آدمَ، وبنو آدمَ لا يُبصِرُونَهم؛ وذلك أنَّ اللهَ لمَّا ذكَرَ قصةَ آدمَ وحوَّاءَ مع إبليسَ وما جَرَى عليهما مِن كشفِ سَوْءَتَيهِما، ذكَرَ اللهُ حالَ رؤيةِ الجنِّ للإنسانِ مِن غيرِ أنْ يَرَاهُ: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]،\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٤٠١).\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٨٧)، وأبو داود (٤٩٥).","vol":"3","page":1292},{"text":"وفي ذِكْرِ هذا المعنى في سياقِ قصةِ كشفِ عورةِ آدمَ وحوَّاءَ: إشارةٌ إلى مشروعيَّةِ الاستِتارِ عن الجانّ، وإنْ كانتِ المشروعيَّةُ عن أعيُنِ بني آدَمَ آكَدَ وأشَدَّ؛ ولذا رُوِيَ في الحديثِ مشروعيَّةً التسميةِ عندَ كشفِ الإنسانِ لعَوْرَتِه؛ حتى يَمنَعَ اللهُ بها الجِنَّ عن رُؤْيَتِهِ؛ كما في الترمذيِّ؛ مِن حديثِ عليٍّ مرفوعًا: (سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمُ الخَلَاء أَنْ يَقُولَ: بِاسْمِ اللهِ) (١).\nالخامسُ: الاستِتارُ للنَّفْسِ والحِفاظُ على فِطْرتِها! فإنَّ كشفَ السَّوْءَةِ في حالِ الخَلوة، والدوامَ على ذلك: يَكسِرُ فِطْرةَ الحياءِ والاستِتار، ولو كان الواحدُ أعمَى لا يَرَى نفسَهُ وليس عندَهُ مَن يَراه، فالهَيْبةُ لحياءِ النفسِ وهي تُحِسُّ بالتعرِّي وهيبتِهِ ولو كانتْ في ظلامٍ أو لا تُبصِرُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-982>عورةُ الرجلِ:</span>\nوعَوْرة الرجُلِ تختلِفُ عن عورةِ المرأة، وأمَّا عورةُ المرأة، فيأتي الكلامُ عليها في سورةِ النورِ والأحزاب، وأمَّا عورةُ الرَّجُل، فاتَّفَقَ العلماءُ على أنَّ السَّوْءَتَيْنِ وما أحاطَ بهما عورةٌ، واختُلِفَ في فَخِذِ الرجُلِ على قولَيْنِ:\nالأوَّلُ - وهو قولُ حمهورِ العلماءِ وقولة الأئمَّةِ الأربعةِ في المشهورِ - أنَّ الفَخِذَ عورةٌ، وأنَّ عورةَ الرجُلِ مِن سُرَّتِهِ إلى رُكْبَتِه، واختلَفُوا في عينِ الرُّكْبةِ والسُّرَّةِ: هل هما عورةٌ أو لا؟ على قولَيْنِ كما يأتي.\nالثاني: أنَّ الفخذَ ليستْ بعورةٍ؛ وهو روايةٌ عن أحمدَ، وذهَبَ إلى هذا بعضُ الفقَهاءِ مِن بعضِ المذاهب، واستدَلُّوا بأنَّ النبيَّ - ﷺ - كشَفَ\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٦٠٦).","vol":"3","page":1293},{"text":"فخذَهُ، كما ثبَتَ عن أنسٍ - ﵁ -؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - يومَ خَيْبَرَ \"حَسَرَ الإِزَارَ عَنْ فَخِذِه، حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ - \"؛ رواهُ البخاريُّ (١).\nوعن أبي موسى: \"أنَّ النبيَّ - ﷺ - كَادَ قَاعِدًا فِي مَكَانِ فِيهِ مَاءٌ، قَدِ انْكَشَفَ عَنْ رُكْبَتَيْه أَو رُكْبَتِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عُثْمَانُ غَطَّاهَا\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-983>أنواعُ عَوْرةِ الرجلِ:</span>\nوحديثَا أنسٍ وأبي موسى لا يَلزَمُ منهما أنَّ الفَخِذَ ليستْ بعورةٍ؛ وإنَّما فيهما التخفيفُ في الفخذَيْن، وأنَّ العورةَ بالنسبةِ للرَّجُلِ على نوعَيْنِ: عورةٌ مغلَّظةٌ، وعورةٌ مخفَّفةٌ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-984>فأمَّا العورةُ المغلَّظةُ: </span>فهما السَّوْءَتانِ وما أحاطَ بهما مِن مَواضعَ، وهذه العورةُ لا يجوزُ إظهارُها إلَّا لزوجةٍ وما ملَكَتِ اليمينُ؛ ولا تَظهَرُ إلَّا للضَّرورة، ولا يجوزُ إبداؤُها في الحاجاتِ؛ كرفعِ الثوبِ عن طِينِ الأرضِ ووَحَلِه، أو عندَ الاغتِسالِ في البِرَكِ والمَسابح، وكلُّ حاجةٍ: لا تَحِلُّ فيها المحرَّماتُ؛ وإنَّما تَحِلُّ المحرَّماتُ في الضروراتِ؛ كالتطبُّبِ ونحوِه.\nوأمَّا المخفَّفةُ؛ فالفَخِذ وما علَاها، ويجوزُ إظهارُها للحاجات، والحاجاتُ عارِضةٌ لا دائمةٌ، ويحرُجُ مِن هذا مَن اتَّحَذَ لِباسَا قصيرًا يُظهِرُ فخذَهُ! فهذا لباسٌ دائمٌ لا يجوزُ، ويدُلُّ على كونِها عورةً مخفَّفةً أنَّ النبيَّ - ﷺ - أبْداها في حاجة؛ كما في حديثِ أنسٍ لمَّا مَرَّ بحائطٍ بخيبرَ، أو على حالٍ لا يَظهَرُ فيه الاستدامةُ ككشفِ بعضِ الفخذِ حالَ الجلوسِ؛ كما في حديثِ أبي موسى، ففعَلَهُ النبيُّ - ﷺ - جالسًا لا قائمًا؛ ولهذا لمَّا رأى النبيُّ - ﷺ - أبا بكرٍ كَشَفَ عن رُكْبَتِهِ وهو قائمٌ مِن غيرِ مرورٍ بحائطٍ ولا وَحَلٍ؛ قال: (أمَّا صَاحِبُكُمْ، فَقَدْ غَامَرَ)؛ كما في البخاريّ، عن\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٧١).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٦٩٥).","vol":"3","page":1294},{"text":"أبي الدَّرْداءِ - ﵁ -؛ قال: \"كنتُ جالسًا عندَ النبيِّ - ﷺ - إذ أَقْبَلَ أبو بكرٍ - ﵁ - آخِذًا بطَرَفِ ثَوْبهِ حتى أَبْدَى عن رُكْبَتِه، فقال النبيُّ - ﷺ -: (أمَّا صَاحِبُكُمْ، فَقَدْ غَامَرَ)، فسلَّمَ، فذكَرَ الحديثَ\" (١)؛ وذلك أنَّ هذا الفعلَ لا يفعلُهُ إلَّا مَن نزَلَت به نازلةٌ مِن خصومةٍ أو شدَّة، والمُغامِرُ مَن يَرمي بنفسِهِ في الشدائدِ؛ وذلك أنَّ أبا بكرٍ كان بينَهُ وبينَ عمرَ شيءٌ، فجاءَ إلى النبيِّ - ﷺ - بذلك.\nثم إنَّ أنسَ بنَ مالكٍ وأبا موسى لم يَذْكُرَا كَشْفَ النبيِّ - ﷺ - للفخذِ مِن غيرِ بِيانِ السببِ والحال، ممَّا يُشعِرُ بأنَّها مخفَّفةٌ للحاجةِ لا على الدوام، بحيثُ تُفصَّلُ عليها الألبسةُ والأزُرُ والبناطيلُ، ولمَّا ذكَرَ أنسٌ أنه رأى فَخِذَ النبيِّ - ﷺ -، ظهَرَ أنه فعَلَ ذلك اعتراضًا، ولو لم يكنِ اعتراضًا، لَمَا ذكَرَهُ في موضعٍ معيَّنٍ.\nوالقولُ بأنَّ الفخذَ عورةٌ هو الاحتياطُ، ومَن قال بأنَّ الفخذَ ليستْ بعورةٍ يَشُقُّ عليه وضعُ حدٍّ للعورةِ؛ وذلك أنَّ الفخذَ كالسَّاقِ عضوٌ مُتَّصِلٌ؛ القولُ في أَدْناهُ كالقولِ في أَعْلاه، ومَنْ لم يجعَل أدْنى الفخذِ عورةً، لم يَقْدِرْ على حدِّ العورةِ بحدٍّ منضبطٍ في أعْلاها، ومَن قال بأنَّ أَدْنى الفخذِ ليس بعورةٍ، وجَبَ أن يقولَهُ في أعْلاها ممَّا ليس بفَرْجٍ، وهذا مجازَفةٌ.\nوعن مالكٍ وأبي حنيفةَ وأحمدَ في روايةِ عنه؛ أنَّ الفخذَ عورةٌ مخفَّفةٌ، وقد جاء في غيرِ ما حديثٍ أنَّ (الْفَخِذَ عَوْرَةٌ)! مِن حديثِ ابنِ عبَّاسِ (٢) وجَرْهَدِ (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٦٦١).\n(٢) أخرجه أحمد (١/ ٢٧٥)، والترمذي (٢٧٩٦).\n(٣) أخرجه أحمد (٣/ ٤٧٨)، وأبو داود (٤٠١٤)، والترمذي (٢٧٩٥).","vol":"3","page":1295},{"text":"واختُلِفَ في الرُّكْبَةِ والسُّرَّةِ: هل هما مِن العورةِ أو لا؟ على قولَيْنِ مشهورَيْنِ:\nفلم يجعَلْهما مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ في قولٍ عورةً.\nوجعَلَهما أبو حنيفةَ عورةً.\nويأتي الكلامُ على عورةِ المرأةِ في سورتَيِ النورِ والأحزابِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦].\nذكَرَ اللهُ مِنَّتَهُ فيما أنزَلَهُ وخلَقَه لآدمَ مِن النِّعْمةِ التي يجبُ عليه أنْ يأخُذَها وينتفِعَ بها، وهي اللِّباسُ؛ وهو: ما يستُرُ البدَنَ، والرِّياشُ؛ وهو؛ المالُ؛ كما قالهُ ابنُ عبَّاسِ (١)، وقيل: الرِّياشُ: هو ما يُتجمَّلُ به.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨].\nجاءتْ هذه الآيةُ بعدَ قصَّةِ آدمَ وحوَّاءَ مع إبليسَ، وما جازَى اللهُ كلًّا منهم، وكشفِ سَوْءَةِ آدمَ وحوَّاءَ، ثم تحذيرِ اللهِ لبني آدمَ مِن بَعْدِهما أنْ يُسَوِّلَ لهم الشيطان كَشْفَ عَوْرَاتِهم بقولِهِ تعالى: ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧] ثم ذكَرَ اللهُ بعدَ ذلك الفاحشةَ، مبيِّنًا أنَّ أوَّلَ ما يقعُ في بني آدمَ كَشفُ العورات، ثم تكون الفواحشُ؛ فالشَّرُّ خُطُواتٌ، فإنْ بدَأ جِيلٌ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٠/ ١٢٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٤٥٧)","vol":"3","page":1296},{"text":"بالتعرَّي، تَبِعَهُ الجِيل الذي يَلِيهِ بتطبيعِ الفاحشة، وظَنُّوها في أسلافِهم؛ كما قال تعالى بعدَ آيةِ كشفِ العوراتِ: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩].\nفي هذه الآيةِ: مشروعيَّةُ استِقبالِ القِبلةِ بالوجْهِ عندَ الصلاة، وأنَّ البدنَ لا يكفي، فيُكرَهُ الالتفاتُ ولو كان البدنُ موجَّهًا إلى القِبْلةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-985>استقبالُ القبلةِ عند الدعاءِ:</span>\nوفي الآيةِ: استحبابُ استقبالِ القِبْلةِ عند الدُّعاء، وقد تَواتَرَ ذلك عن النبيِّ - ﷺ -؛ ففي مسلم، مِن حديثِ عمرَ: لمَّا كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى المُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - الْقِبلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْه، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ ... الحديثَ (١).\nوفي البخاريِّ، عن ابنِ مسعودٍ - ﵁ -؛ قال: \"اسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - الكَعْبَةَ، فَدَعَا عَلَى نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ\" (٢).\nوكذلك كان يَستقل القِبْلةَ عندَ وقوفِهِ على الصَّفَا والمروةِ.\nويُستَحَبُّ أنْ يَستقبلَ المتكلِّمُ القِبْلةَ.\nوأمَّا توجيهُ الوجهِ إلى القِبْلة، فمُستَحَبٌّ؛ لظاهرِ الآيةِ والأحاديث، ولو نظَرَ إلى السماء، فهو سُنَّةٌ كذلك؛ فقد كان النبيُّ - ﷺ - ينظُرُ إلى\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٧٦٣).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٩٦٠).","vol":"3","page":1297},{"text":"السماءِ عدَ دعائِه، وقد ثبَت ذلك في \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ المِقْدَادِ؛ قال: رفَعَ النبيُّ - ﷺ - رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاء، فَقُلْتُ: الآنَ يَدْعْو عَلَيَّ فأَهْلِكُ! فَقَالَ: (اللَّهُمَّ أطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي، وَأَسْقِ مَنْ أَسْقَانِي) (١).\nولكنَّ رفعَ البصرِ في الصلاةِ منهيٌّ عنه ولو كان حالَ دعاءٍ وثناءٍ على الله، والنظرُ إلى السماءِ والتفكُّرُ فيها عبادةٌ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: ١٧ - ١٨]، وكان النبيُّ - ﷺ - يَرفعُ بصرَهُ إلى السماءِ كثيرًا كما في \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ أبي موسى (٢)، والنظرُ إليها والتفكُّرُ فيها يُورِثُ هَيْبةً لخالِقِها، وتعظيمًا له، وتواضُعًا وكَسْرَا للنَّفْسِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].\nنرَلَت هذه الآيةُ في حالِ العربِ في الجاهليَّةِ؛ أنَّهم كانوا يَقصِدُونَ الكَعْبَةَ عُرَاةً، ويطُوفونَ عندَها بلا لِباسٍ؛ فأنزَلَ اللهُ على نبيِّه هذه الآيةَ؛ كما صحَّ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ؛ كما في مسلم وغيرِه، عنه؛ قال: كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةٌ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ؛ الرِّجَالُ بِالنَّهَار، وَالنِّسَاءُ بِاللِّيْلِ، وَكَانَتِ المَرْأَةُ تَقُولُ:\nأَلْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَو كُلُّهُ ... وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ (٣)\nوكانت قريشٌ لا تَفعَلُ ذلك هي ومَنْ حالَفَها، وأمَّا غيرُهُمْ مِن قبائلِ العربِ الذين يأتُونَ مِن اليمنِ وغيرِها كالأعراب، فقد كانوا يُؤمَرونَ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٠٥٥).\n(٢) أخرجه مسلم (٢٥٣١).\n(٣) أخرجه مسلم (٣٠٢٨)، والطبري في \"تفسيره\" (١٠/ ١٥٠)؛ واللفظ له.","vol":"3","page":1298},{"text":"بأخذِ لِباسٍ يستُرُهُمْ مِن لباسِ قريشٍ؛ إمَّا شِرَاءً أو عَارِيَّةَ، أو يطُوفُونَ عُراةً، كما عند مسلمٍ والبخاريّ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، من أبيهِ؛ قال: كَانَتِ الْعَرَبُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرَاةً، إِلَّا الْحُمْسَ، وَالْحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ، كَانُوا يَطُوفُونَ عُرَاةً، إِلَّا أَنْ تُعْطِيَهُمُ الحُمْسُ ثِيَابًا، فَيُعْطِي الرِّجَالُ الرِّجَالَ، وَالنِّسَاءُ النِّسَاءَ (١).\nوصحَّ نحوُهُ عن الزُّهْريِّ.\nويُروى أنَّ قريشًا كانت تقولُ: نحنُ أهلُ الحَرَم، فلا ينبغي لأحدٍ مِن العربِ أنْ يطُوفَ إلَّا في ثِيَابِنا، ولا يأكُلَ إذا دخَلَ أرضَنا إلَّا مِن طعامِنا (٢).\nوليس فعلُ قريشٍ هذا على أَثَارَةٍ مِن سَلَفِ لهم؛ وإنَّما جاهليَّةٌ ابتدَعُوها؛ لتُعظِّمَهُمُ العربُ، ويَسُودُوا عليهم بالجاهِ والمالِ.\nوقول اللهِ تعالى في الآيةِ: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾، جعَلَ الخِطابَ فيه لبني آدمَ؛ تذكيرًا لهم بحالِ أبيهِم آدمَ ومَكْرِ إبليسَ به وبزوجِهِ حتى انكشَفَت سَوْءَاتُهما، التي قد ذكَرها اللهُ قريبًا في هذه السورة، وأنَّ فِعْلَ كفَّارِ قريشٍ مِن تسويلِ الشيطانِ مِن جنسٍ، ما فعَلَهُ بأبيهِم، وفِعْلُهُمْ أعظَمُ؛ لأنَّ آدمَ لم يَكشِفْ سَوْءَتَهُ بنفسِه؛ وإنَّما عُوقِبَ بكَشفِها، وقريشٌ فعَلَتْ ذلك تديُّنًا وتعبُّدًا، وفي حَرَمِ الله، وأمامَ الناظِرِين.\nوفي الخِطابِ بـ ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾، تذكيرٌ بأنَّ السترَ واللِّباسَ فِطْرةٌ آدميَّةٌ تشتركُ فيها جميعُ البشريَّة، لا تحتاجُ إلى دليلٍ مِن الوحيِ يُثْبِتُها، ولو رجَعُوا إلى فِطْرتِهِمْ بعقولِ صحيحةٍ، لَوَجَدُوا ذلك وبان لهم تَعَدِّيهِم.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٦٦٥)، ومسلم (١٢١٩).\n(٢) \"تفسير القرطبي\" (٩/ ١٩٢).","vol":"3","page":1299},{"text":"وقول اللهِ تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾:\nالمرادُ به: المسجدُ الحرامُ، ويدخلُ في حُكْمِهِ كلُّ مسجدٍ؛ للاشتراكِ في العِلَّةِ، وقولُه: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾؛ أيْ: موضعٍ تتعبَّدونَ اللهَ فيه، ويكونُ المرادُ به القصدَ؛ كلَّما قصَدتُّمُ المسجدَ، فخُذُوا زينتَكُمْ في كلِّ مرَّةٍ، فجعَلَ الموضعَ الواحدَ في كلِّ مرةٍ مسجدًا، ويُؤيِّدُ هذا قولُهُ تعالى قبل ذلك: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩]؛ أي: عندَ كلِّ مرةٍ تتعبَّدونَ اللهَ فيها للصَّلاةِ والدُّعَاءِ ولو كان الموضعُ واحدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-986>أخذُ زينةِ اللباسِ للعبادةِ ومكانُهَا:</span>\nويدخُلُ في معنى الآيةِ أخذُ الزِّينةِ لغَرَضينِ:\nالأوَّلُ: لموضعِ العبادةِ؛ سواءٌ كان لغرضِ العبادةِ أو لغيرِها، وللعبادةِ آكَدُ؛ لاجتماعِ الأمرَيْنِ؛ وذلك أنَّ مواضعَ الجادةِ محتَرَمةٌ معظَّمةٌ، فيُستحَبُّ التزيُّنُ لها وعدمُ دخولِها مع كشفِ عورةٍ أو رائحةٍ نَتْنَةٍ؛ تعظيمًا لها وللملائكةِ وللمُصلِّينَ والمُعتكِفينَ والذاكِرِين.\nالثاني: للعبادة، وهي الصلاةُ؛ فيُستحَبُّ أخذُ الزِّينة لها ولو لم يكنْ ذلك في موضع عبادة، وهو المسجِدُ، فالمقصدُ مِن الزِّينةِ العبادةُ؛ لأنَّ دُورَ العبادةِ لم تُتَّخَذْ إلَّا لأجلِ العبادة، وإنَّما عُظِّمَتِ المساجدُ لأجلِ العبادةِ فيها، ولو لم يكن فيها عبادةٌ، لم تكن معظَّمةً؛ فمَنْ أرادَ الصلاةَ، استُحِبَّ له أخذُ الزِّينةِ لها، والاستتارُ ولو كان المصلِّي في بيتِهِ لا يراهُ أحدٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-987>الأصلُ حِلُّ اللباسِ:</span>\nوفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ الأصلَ في اللِّباسِ: الحِلُّ، فسمَّى اللهُ","vol":"3","page":1300},{"text":"اللِّباسَ بالزِّينةِ ولم يَستَثْنِ منه شيئًا، وإذا ورَدَ النصُّ لإطلاقِ الحِلِّ على عَيْنٍ، دَلَّ على أنَّ الأصلَ فيها الحِلُّ، وأنَّ الاستثناءَ فيها قليلٌ، وقد صرَّحَتِ الآبة بعدَ ذلك بقولِهِ تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢].\nوالزِّينة؛ كلُّ لِباسٍ اجتمَعَ فيه أمرانِ: سَتْرُ البدنِ أو عضوٍ منه، وأنْ يكونَ اللِّباسُ حسَنًا: أمَّا سَترُ البدنِ أو عضوٍ منه: فلا يدخُلُ فيه الزينةُ التي لا تستُرُ، فليسَتْ ملبوسًا لبَدَنِ ولا لعضوٍ منه؛ كالكُحْلِ والخِضَاب ومِكْياجِ المرأةِ وحُلِيِّها، ولا يدخُلُ فيه ما لا يستُرُ البدنَ ولا عضوًا منه؛ كالخاتمِ؛ فهذا غيرُ مقصودِ مِن الزِّينةِ.\nويُسْتَحَبُّ ما ستَرَ البدنَ أو أكثَرَهُ، كالإزَارِ والرِّدَاءِ والقميصِ والثوب، أو عضوًا منه؛ كالعِمَامةِ والنعلَيْن، ورُوِيَ عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -، أنه قال ذاتَ يومٍ؛ (خُذُوا زِينَةَ الصَّلَاةِ)، قيل: وَمَا زِينَةُ الصَّلَاةِ؟ قال: (الْبَسُوا نِعَالَكُمْ، فَصَلُّوا فِيهَا) (١).\nوأمَّا حُسْنُ اللِّباسِ: فلا يدخُلُ فيه قبيحُ اللِّباسِ ولو غلا ثمنُهُ، ولا اللِّباسُ الحرامُ؛ كالحريرِ للرَّجُلِ وجلودِ الخِنْزيرِ والكلابِ وما دَلَّ الدليلُ على تحريمِه؛ لأنَّ المحرَّمَ لا يُسمِّيهِ الشارعُ لباسًا بإطلاقٍ إلَّا مع تقيِيدِ تحريمِه، فضلًا عن تسميتِهِ زِينةً.\nوأمَّا إزالةُ النجاسةِ والرِّيحِ الخبيثةِ مِن البدنِ والثوب، فذلك ممَّا يدُلُّ عليه مفهومُ الآية، لا منطوقُها؛ لأنَّ لازمَ الزِّينةِ إزالةُ الخبيث، والزِّينةُ تُتَّخَذُ، وخبيث الرائحةِ يُرفَع ويُزالُ، وذلك عكسُ الاتِّخاذِ.\nوكذلك استعمالُ الطِّيب، فدليلُهُ خاصٌّ متواتِرٌ.\n_________\n(١) أخرجه أبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (٥/ ٨٣).","vol":"3","page":1301},{"text":"ويُستحَبُّ لُبْسَ ساترِ الثيابِ وجميلِهِ في الصلاةِ وفي المساجد، وقد فضَّلَ النبيُّ - ﷺ - مِن ألوانِ الثيابِ البَيَاضَ؛ كما في \"المسنَدِ\"، و\"السُّننِ\"؛ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسِ مرفوعًا؛ (الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ؛ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-988>سَتْرُ العَوْرَةِ للصلاةِ:</span>\nوفي الآيةِ: دليلٌ على وجوبِ سترِ العورةِ للصَّلاة، فإذا وجَب التستُّرُ عندَ موضعِ العبادة، فإنَّ سَترَها للعبادةِ مِن بابِ أَولى، وسببُ نزولِ الآيةِ دالٌّ على ذلك، وبهذه الآيةِ استدَلَّ بعضُ السلفِ كمُجاهِدِ؛ قال: \"الزِّينةُ ما وارَى عورتَكَ ولو عباءةً\" (٢).\nوعورةُ المرأةِ تختلِفُ عن<span data-type=\"title\" id=toc-989> عورةِ الرجُلِ في الصلاة</span>، والسَّتْرُ في الصلاةِ يختلِفُ عن السترِ خارجَها عندَ بعضِ الفقهاءِ: فأمَّا عورةُ الرجُل، فكما تقدَّمَ في قصةِ آدمَ أنَّ عورتَهُ بينَ السُّرَّةِ إلى الرُّكْبةِ على الصحيحِ؛ وهو قولُ جماهيرِ العلماء، وقولُ الأئمَّةِ الأربعةِ في المشهورِ.\n\nعورةُ الرجلِ في الصلاة:\nواختلَفوا في عورتهِ في الصلاةِ: هل هي عَيْن عورتِهِ خارجَها، أو أنَّ عورةَ الرجُلِ في الصلاةِ ليستْ عورةً له في خارجِ الصلاةِ؟ على قولَينِ:\nذهَبَ جمهورُ العلماءِ - وهو قولُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ وأحمدَ -: إلى أنَّ عورةَ الرجُلِ في الصلاةِ ما بينَ السرَّةِ إلى الرُّكْبةِ.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١/ ٢٤٧)، وأبو داود (٣٨٧٨)، والترمذي (٩٩٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٠/ ١٥٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٤٦٥).","vol":"3","page":1302},{"text":"وذهَبَ مالكٌ إلى أنَّ عورةَ الرجلِ خارجَ الصلاةِ ليستْ عورتَهُ في الصلاةِ؛ فيَرَى أصحابُ مالكٍ: أنَّ كشفَ ما بينَ السُّرَّةِ إلى الرُّكْبةِ محرَّمٌ خارجَ الصلاة، وينجرُّ الحُكْمُ في الصلاةِ تَبَعًا وليس استقلالًا للصلاةِ إن كان هناك مَن يراهُ، فلا يعلَّقُ الحُكْمُ بالصلاةِ بخصوصِها، وجماعةٌ مِن أصحابِ مالكٍ يَجْعَلونَ كشفَ السَّوْءَتَينِ محرَّمًا في الصلاةِ ولو كان وحدَهُ، ويَجْعلونَ كشْفَهما مبطِلًا لها.\nوعلى ظاهرِ قولِ المالكيَّةِ لا تبطُلُ صلاةُ مَن بَدَتْ فخذُهُ، وجاء عن مالكٍ - وقال به بعضُ أصحابِه -: أنَّ عليه الإعادةَ ما دام في الوقت، ومنهم مَن يَستحبُّها.\nوجمهورُ العلماءِ: يَرَوْنَ عورتَهُ خارجَ الصلاةِ هي عورتَهُ داخِلَ الصلاةِ ولو كان مصلِّيًا وحدَهُ، فمَن صلَّى وبَدَت له فخذهُ لنفسِهِ هو، وجَبَ عليه الإعادةُ، بخلافِ المالكيَّة، فيرَوْنَ أنَّ سترَ العورةِ واجبٌ، لا شرطٌ لصحةِ الصلاةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-990>عورةُ المرأةِ في الصلاة:</span>\nوأمَّا عورةُ المرأةِ في الصلاةِ؛ فما سوى الوجهِ والكَفَّيْنِ؛ وهذا بالاتِّفاق، وإنَّما يختلِفُ العلماءُ في بُدوِّ القدمَينِ في الصلاة، وجمهورُ العلماءِ على وجوب تغطيةِ قدمَيْها في الصلاةِ؛ خلافًا لأبي حنيفةَ وبعضِ أهلِ الرأيِ؛ يقولونَ بأنَّ كشفَ القدمَيْنِ لا يُبطِلُ الصلاةَ، ولا تَأثَمُ له.\nوما ظهَرَ مِن عَوْرةِ الرجُلِ والمرأةِ في الصلاةِ وسُتِرَ ولم يَطُلْ كشفُهُ، فلا تبطُلُ له الصلاةُ على الصحيح مِن أقوالِ الفقهاء، ولأنَّ في إبطالِها بما يبدُو مِن العورةِ لَحْظةً - مشقَّةً) ويُغتفَرُ مِن العورةِ اليسيرُ؛ كخَرْقٍ يسيرٍ في ثوبٍ يُبدِي شَعْرَ المرأةِ أو ساعِدَها، أو فخذَ الرجُلِ؛ وبه قال أحمدُ.","vol":"3","page":1303},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، أمَرَ اللهُ بالأكل والشربِ بعدَما أمَرَ بأخذِ الزِّينةِ؛ لأنَّ كفَّارَ قريْشٍ كانت قد بذَلتْ في اللِّباس، فحرَّمتْ على غيرِها وغيرِ حُلَفائِها الطوافَ بغيرِ لِباسِها، وحرَّمت بعضَ الطعامِ؛ فجاءَ الأمرُ مُبطِلًا لفسادِ فِعْلِهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-991>الإسرافُ في الطعامِ:</span>\nثم نهَى اللهُ عن الإسراف في الطعام والشراب، وأكَّدَ النهيَ بأنَّه لا يُحبُّ المخالفِينَ لأمرِه، المُسرِفِينَ في المأكلِ والمشربِ.\nوالسَّرَفُ؛ مُجاوَزةُ الحدِّ المعروفِ في الشيء، ويقرُبُ مِن معناهُ التبذيرُ، وهو: إنفاقُ المالِ في غيرِ حقِّه؛ كما قالهُ الشافعيُّ وغيرُهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-992>حدودُ الإسرافِ الممنوع:</span>\nوالسَّرَفُ على مَراتبَ، ومنه: ما هو بيِّنٌ ظاهرٌ يَعرِفُهُ العاقلُ صاحبُ الفِطْرةِ، ومنه: ما هو خفيٌّ يشُقُّ على الناسِ دل كثيرٍ من المُتعلِّمينَ معرفتُهُ؛ لأنَّ منه ما يشتبِهُ على فاعلِهِ؛ لاختلافِ أحوالِ الناسِ غِنًى وفقرًا، وأحوالِ الناسِ جِدَةٍ وعدَمًا، واختلافِ مقاصدِ الناسِ مِن الانتفاع، ولا يمكِن معرِفةُ السَّرَفِ المصنوع إلَّا بالنظرِ إلى جهات أربعٍ:\nالجهة الأُولى: النظرُ إلى الفاعل، فلا بدَّ مِن معرفةِ غِناهُ وفَقْرِه، ومقدارِ انتِفاعِهِ ممَّا يبذُلُ عليه، فسَرَفُ الغنيِّ غيرُ سَرَفِ الفقير، فالغنيُّ الذي يجدُ طعامَهُ وشرابَه، ولباسَهُ ومَسْكَنَهُ ومَرْكَبَه: لو وضَع مِئَةَ دِينارٍ فيما ينتفع فيه مِن غيرِ ضروريَّاتِه، لم يُعَدَّ مُسرِفًا، ولو أنفَقَ الفقيرُ الذي لا يجدُ ما يستُرُ عورتَهُ ويُشبعُ بطنَهُ دِيارًا في فضولِ الانتفاع، لكان مُسرِفًا، ولو كان عينُ ما اشتراهُ الغنيُّ هو عينَ ما اشتراهُ الفقيرُ.","vol":"3","page":1304},{"text":"وبهذا كان يَحُدُّ الإسرافَ السلفُ؛ كما روي عبيد الله بن حُميْد؛ قال: مَرَّ جدِّي على عمر بنِ الخطاب؛ وعليه بُرْدةٌ، فقال: بكم ابتعْتَ بُرْدَكَ هذا؟ قال: بستِّين دِرْهمًا، قال: كم مالُك؟ قال: ألفُ درهم؛ قال: فقام إليه بالدِّرَّة، فجعَلَ يضربُهُ ويقولُ: رأسُ مالِكَ ألفُ درهمٍ، وتبتاعُ ثوبًا بستِّين درهمًا؟ ! رأسُ مالك ألفُ درهمٍ وتباعُ ثوبًا بستينَ درهمًا؟ ! (١)\nوكذلك فإنَّ حاجةَ الواحدِ مِن الناسِ إلى الانتفاعِ تختلفُ عن حاجةِ غيرِهِ مِن سلعةِ واحدة، فمَن يَشترِي بدرهمٍ شيئًا لا ينتفِعُ منه لِيَرْمِيَهَ أو يُهمِلَهُ - يُعَدُّ مُسرِفًا، ولكنَّ شراءَ غيرِهِ إنِ انتفَعَ مِن تلك السلعةِ ولو بأكثَرَ مِن درهمٍ جائزٌ، وقد كان بعضُ السلفِ يَعُدُّ شراءَ الإنسانِ لكلِّ ما يشتهيهِ سَرَفًا، كما قال عُمَرُ بن الخطَّاب: \"كفى بالمرء سَرَفًا أنَّ يأكلَ كلَّ ما اشتهى! \" (٢).\nالجهةُ الثانيةُ: العينُ المنتفَعُ بها، إمَّا أن تكونَ حرامًا، وإمَّا أن تكونَ حلالًا؛ فكلُّ مالٍ يُنفَقُ في حرامٍ، فهو إسرافٌ ولو كان وزنَ بُرَّةٍ؛ ولذا يقولُ مجاهدُ بن جَبْرٍ: \"لو أنفَقتَ مِثلَ أبي قُبَيسٍ ذهَبًا في طاعةِ الله، لم يكنْ إسرافًا، ولو أنفَقتَ صاعًا في معصيةِ الله، كان إسرافًا\" (٣).\nالجهةُ الثانيةُ: القيمةُ المبذولةُ: فكلُّ عينٍ مباحةٍ لها قيمةٌ؛ فمَنِ اشترَى ما لا قيمةَ له أو بالَغَ في قيمةِ ما قيمتُهُ حقيرةٌ؛ كمَنِ اشترَى الحَصَى والترابَ والعِظامَ، ولا انتفاعَ له به، فذلك إسرافٌ محرَّمٌ، ومِثلُهُ مَن يَشتري ما قيمتُهُ حقيرةٌ كدِرْهمِ وَيَشتريهِ بمئةِ دِينارٍ بقصدِ المباهاةِ والمُفاخَرةِ؛ فهذا محرَّمَ ولو كانتِ العينُ المُشتراةُ مباحةً، ولو كان له\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في \"إصلاح المال\" (١١١).\n(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في \"إصلاح المال\" (١٠١)، وابن المبارك في \"الزهد\" (٢٦٦).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٤٩٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٤٦٥).","vol":"3","page":1305},{"text":"انتفاعٌ بها، فانتفاعُهُ بها لا يساوِي قيمتَها في العُرْف، فهو مُسرِفٌ بمقدارِ ما زادَ فيها.\nولا يُوجَدُ شيءٌ مِن المباحِ رخَّصَ الشارعُ في الإسرافِ فيه، وما يذكُرُهُ بعضُ الناسِ ويَرفعونَهُ إلى النبيِّ - ﷺ - وتارَةً إلى عمرَ: أنَّ مَن أنفَقَ مالَهُ كلَّه أو ثُلُثهُ في الطِّيب، لم يكنْ ذلك سَرَفًا\"، فهذا لا أصلَ له.\nالجهةُ الرابعةُ: محيطُ الإنسانِ وواقعُهُ؛ فبمِقدارِ ما يُفَوِّتُهُ الفاعلُ مِن الواجبِ عليه بإنفاقِهِ على المباحِ يكون مُسرِفًا؛ إذا كان ليس لدَيهِ إلَّا مالٌ لا يكفي إلَّا لقضاءِ منفعتَيْن، فالإنقاقُ على سترِ العورةِ أوجَبُ مِن إشباعِ النفسِ بالطعام، ولو كان الشَّبَعُ مباحًا؛ لأنَّ سترَ العوث واجبٌ يَفُوتُ بالشِّبَعِ؛ فالإنفاق على الشِّبَعِ سَرَفٌ محرَّمٌ.\nومِثلُ ذلك: مَن يُهدِي إلى الأبْعَدِينَ وهو مفوِّتٌ لواجبِ النفقةِ على الوالدَيْنِ والأهلِ والذريَّة، فهو بإهدائِهِ إلى الأبعَدِينَ مُسرِفٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-993>السَّرَفُ في الطاعاتِ:</span>\nولا يدخُلُ السَّرَفُ في الطاعاتِ ولو أنفَقَ الإنسانُ عليها مالَهُ كلَّه؛ كمَن يبني المساجدَ، ويُطعِمُ الأيتامَ، ويُنفِق مالَهُ في سبيلِ الله، وقد أنفَقَ أبو بكرٍ مالَهُ كلَّه، ولم يُنكِرْ عليه النبيُّ - ﷺ -، ولم يَعُدَّ ذلك سَرَفًا، وقد ذكَرَ النبيُّ - ﷺ - أنه لا يفضُلُ العملَ في ذي الحِجَّةِ إلَّا مَن خرَجَ بنفسِهِ ومالِهِ ولم يَرجِعْ مِن ذلك بشيءٍ (١).\nويخرُجُ مِن ذلك؛ مَن يُسرِفُ على ما يَتخلَّلُ الطاعةَ ممَّا ليس منها؛ كمَن يبني المساجدَ ويُسرِفُ في تحليتِها وتصفيرِها، وكذلك مَن يَطبعُ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٩٦٩).","vol":"3","page":1306},{"text":"المصاحفَ ويُسرِفُ في تحليتِها، فهو قد أسرَفَ في شيء يظُنُّهُ عبادةً؛ لكونِهِ تخلَّلَها، وليس منها.\nوأمَّا إنْ كان الإنفاقُ على عبادةِ يُفَوِّتُ ما هو أوجَبُ منها، فذلك سَرَفٌ لا يجوزُ؛ كمَن يتوسَّع في النفقةِ على باءِ المساجدِ لما يتعطَّلُ به الجهادُ، فذلك سَرَفٌ منهيٌّ عنه؛ ولهذا جعَلَ النبيُّ - ﷺ - السَّرَفَ يَلحَقُ العبادةَ مِن هذا النوع؛ كما في حديثِ عمرِو بنِ شعَيْبٍ، عن أبيه، عن جدِّه؛ قال - ﷺ -: (كُلوا وَاشرَبُوا، وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا، فِي غَيْرِ مَخِيلَةٍ وَلَا سَرَفٍ؛ فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُرَى نِعْمَتُهُ عَلَى عَبْدِهِ)، رواهُ أحمدُ وأصحابُ \"السنن\" (١).\nومَن أسقَطَ الواجبَ الأَعْلى عليه مِن العبادةِ والنفقة، فله أنْ يُنفِقَ على ما دُونَها مِن العبادةِ والحاجة، وقد صحَّ عن محمدِ بنِ سِيرينَ: \"أنَّ تميمًا الداريَّ اشتَرى رِداءً بألفٍ، وكاد يُصلِّي فيه\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-994>حضورُ مجالس السَّرَفِ:</span>\nولا يَصْلُحُ للقُدْوةِ حضورُ مجالسِ السَّرَفِ والتبذير، والأماكنِ التي صُنِعَتْ بالتبذيرِ والسَّرَف، كإقامةِ مجالسِ العِلْمِ في مساجدَ محلَّاةٍ بالزَّخْرفةِ الفاحشة، والمزاداتِ التي تُوضَعُ للمُغالاةِ والمُباهاةِ. والمواضعُ والأماكن التي فيها سَرَفٌ على نوعَيْنِ:\nالنوعُ الأوَّلُ: أماكنُ جاء السَّرَفُ فيها تَبعًا ولم يأتِ استقلالًا، وذلك كالمساجدِ الموقوفةِ التي دخَلَها السَّرَفُ بزَخرفتِها، فهذه يجوزُ دخولُها والصلاةُ فيها للعامَّةِ دونَ القُدْوة، فدخولُها منه على سبيلِ الاعتراضِ أهوَنُ مِن دخولِها على سبيلِ الدوامِ.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ١٨٢)، والنسائي (٢٥٥٩)، وابن ماجه (٣٦٠٥).\n(٢) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١٢٤٨).","vol":"3","page":1307},{"text":"النوع الثاني: أماكنُ جاء السَّرَفُ فيها استقلالًا؛ كالمَزَاداتِ والمتَاجِرِ التي تُوضَعُ للمُباهاةِ بينَ أهلِ البَطَرِ والكِبْرِ، وتَبِيعُ ما لا قيمةَ له بقيمةٍ، كألْبِسةِ وبقايَا المشهورِينَ، مِن مَنَادِيلِهم ومَسابِحِهم وأقلامِهم وأوانيهم، ولو كانتْ بلا قيمةِ في الناسِ لو كانتْ لغيرِهم؛ فهذا لا يليقُ بعاقلِ غِشْيانُهُ، فضلًا عن القُدْوةِ الذي يتأسَّى به الناسُ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢].\nسب نزولِ هذه الآيةِ: هو سببُ نزولِ ما سبَقَها؛ فقد نزَلَتَا جميعًا لبيانِ حُكْمِ واحدٍ؛ والآيةُ السابقةُ كانتْ للأمرِ بالاستتارِ وتغطيةِ العَوْراتِ والتزيُّنِ للعبادةِ؛ وهذه الآيةُ لإبطالِ ما يعتقدونَهُ أنَّ اللِّباسَ محرَّمٌ؛ فقد كانتْ بعضُ قبائلِ العربِ تحرِّمُ على نَفسِها اللِّباسَ في بعضِ طوافِها، فتطوفُ عُرْيانةَ يُصفِّرونَ وَيُصفِّقونَ؛ كما رواهُ ابنُ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ (١).\nوصحَّ عن عليٍّ عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّ أهلَ الجاهليَّةِ يُحرِّمُونَ أشياءَ أحَلَّها الله مِن اللِّباسِ كالثِّياب، ومِن الطعامِ؛ كالوَدَكِ وغيرِه؛ فنزَلَتْ هذه الآيةُ (٢).\nوقولُه تعالى: ﴿أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾: يُرادُ بهم جميعُ الناسِ مؤمنِهم وكافرِهم؛ فالعبوديَّةُ تكونُ طَوْعًا وكَرْهًا، فالكافرُ عبدٌ للهِ ولو كَرِهَ لا يخرُجُ عن تقديرِهِ عليه، والمؤمِنُ عبدٌ للهِ طائعًا وكارهًا، فيَشترِكُ مع الخَلْقِ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ١٦٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٤٦٦).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٠/ ١٥٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٤٦٧).","vol":"3","page":1308},{"text":"بخضوعِهِ لتقديرِ الله، وَيزِيدُ بخضوعِهِ لأوامرِهِ الشرعيَّةِ؛ وبهذا اختصَّ واستحَقَّ الرِّضا، واللهُ يرزُقُ الكافرَ في الدُّنيا كما يرزُقُ المؤمِنَ؛ لأنَّ هذا مُقتضى ربوبيَّتِه؛ فالخالقُ متكفِّلٌ بالخَلْقِ، والثوابُ على طاعتِهِ والعقابُ على عِصْيانِهِ يكونُ في الآخِرة، وإنْ عجَّلَ اللهُ بعضَهُ في الدُّنيا.\nوالكفَّارُ يُشارِكونَ المؤمنِينَ في الاستِمتاعِ بالدُّنيا، لكلَّ مُتْعةَ الآخِرةِ خاصَّةٌ للمؤمنينَ، وهو المرادُ بقولِه تعالى: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، فلا تَبِعَةَ عليهم في الآخِرةِ ما الْتزَمُوا حدودَ اللهِ في الدُّنيا، فلا يَلحَقُهم مَأثَمٌ ولا لومٌ، وصحَّ عن ابنِ عبَّاس؛ أنَّهم يُشارِكونَ الكفَّارَ في الدُّنيا في هذه الطيِّبات، ويَخلُصُونَ بها في الآخِرةِ ويُحْرَمُ منها الكفَّارُ (١).\nوجاء عن الحسنِ وعِكْرِمةَ نحوُهُ (٢).\nوقولُه تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، المرادُ به؛ تمييزُ الحلالِ مِن الحرام، وفصلُ كلِّ واحدٍ منهما عن الآخَرِ لما خلَطَتها قريشٌ بتحريم ما أحَلَّ اللهُ.\nوفيه إشارةٌ إلى أنَّهم فعَلُوا ذلك جهلًا، فاستحَقُّوا العِلْمَ، وفي الآيةِ لِينُ خِطَابٍ معهم، فيُلَانُ مع الجاهل، بخلافِ المُعانِدِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].\nالدُّعَاءُ بنوعَيْهِ: دعاءِ المسألةِ، ودعاءِ العِبَادةِ: يُصرَفُ للهِ بتضرُّعٍ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٠/ ١٥٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٤٦٨).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٠/ ١٦٠)، و\"تفسير الطبري\" (٥/ ١٤٦٨ - ١٤٦٩).","vol":"3","page":1309},{"text":"وإخلاص، وإنَّما قدمَ اللهُ التضرُّعَ على الإخفاءِ؛ لأنَّ المقصودَ مِن الإخفاءِ حصولُ التضرُّعِ والخشوع، وبالتضرُّع تتحقَّق الغايةُ مِن<span data-type=\"title\" id=toc-995> إخفاءِ العبادةِ </span>وإسرارِها، فلا يتضرَّعُ إلَّا مُخلِصٌ، وقد يُخفِي العبدُ عِبادتَهُ وقلبُهُ حاضرٌ مع الناسِ.\n\nإخفاء العبادةِ:\nوفي الآيةِ: مشروعيةُ إخفاءِ العِبادةِ وسؤالِ العبدِ لربِّه؛ ففي ذلك نزع لعلائقِ الرِّياءِ مِن القلب، وغايةُ الاتِّكالِ على الله، واليقينُ بسماعِهِ وإجابتِه، وعبادةُ السِّرِّ تطهِّرُ عبادةَ العلانيَةِ مِن علائقِ الخَلْق، ولا يتحقَّقُ الإخلاصُ في قلبِ أحدٍ إلَّا وله نصيبٌ مِن عبادةِ السِّرِّ بينَهُ وبينَ رَبِّهِ لا يَعلَمُ بها أحدٌ، ولا يُبتلَى أحدٌ بالرياءِ إلَّا لأنَّ نصيبَهُ مِن عبادةِ السِّرِّ قليلٌ أو معدومٌ؛ فعن الزُّبَيْرِ بنِ العوَّام؛ قال: \"مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَبْءٌ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ، فَلْيَفْعَلْ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-996>تفاضُلُ إسْرارِ العبادةِ وإعلانِهَا:</span>\nوتختلفُ العباداتُ في فضلِ إسرارِها وإعلانِها، والأصلُ: أنَّ إسرارَ العبادةِ أفضَلُ مِن إعلانِها، ويُستثنى مِن الأسرارِ عباداتٌ دَلَّ الدليلُ على إعلانِها، وما يُستحبُّ إعلانُهُ له علاماتٌ:\nالأُولى: العباداتُ الواجبةُ: الأصلُ فيها استحبابُ الإعلانِ؛ كالصلواتِ المفروضةِ والزكاةِ - بخلافِ الصَّدَقةِ - وصومِ رمضانَ والحجِّ والأذان، وكلَّما كانتِ العبادةُ أشدَّ في الوجوبِ والفَرْضِيَّة، فإعلانُها آكَدُ ممَّا هو دونَها؛ لأنَّ الفرائضَ شرائعُ تحتاجُ إلى إعلان، وبإعلانِها يقومُ\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٤٦٢٥).","vol":"3","page":1310},{"text":"الدِّينُ، ويُعرَفُ بلدُ الإسلامِ مِن بلدِ الكفرِ، ويتمايَزُ الناسُ ويَشهَدُ بعضُهُمْ لبعضِ بالخيرِ والعدالةِ.\nوقد شرَعَ اللهُ للصلواتِ الخمسِ الأذانَ، وبه يقومُ الناسُ إلى الصلاةِ ويَشْهَدونَها ويَرى بعضُهم بعضًا، ومِثِلُهُ الزكاةُ: يُظهِرونَ حصادَهُمْ، ويَسْألونَ عن الفقير، ويَجْمَعُها السُّلْطانُ إن شاءَ منهم، وكذلك صومُ رمضانَ؛ يتراءَى الناسُ الهلالَ ويَتباشَرونَ به وَيدْعو بعضُهم بعضًا إلى الطعامِ فِطْرًا وسحورًا، وكذلك الحجُّ: مشهودٌ، ويَحْسِرُ الرِّجالُ عن رؤوسهم تذلُّلًا للهِ ولِيرَى بعضُهم بعضًا مجتمعين؛ والنِّساءُ يَحسِرْنَ وُجُوهَهن بينَهُنَّ، ولا يُستحَبُّ أنْ يَستتِرَ الواحدُ منهم عن الناسِ.\nالثانية: الجماعةُ؛ فكلُّ عبادةٍ شرَعَ الله لها الاجتماعَ، فإعلانُها أفضَلُ مِن إسرارِها ولو كانتْ في ذاتِها غيرَ واجبةٍ؛ كصلاةِ الاستسقاءِ ومجالسِ الذِّكْرِ والتعليمِ وصلاةِ العيدَيْنِ على قولٍ، وجهادِ الطلَبِ، ولم تُشرَعِ العبادةُ جماعةً إلَّا وإشهارُها مقصودٌ، فإذا اجتمَعَ مشروعيَّةُ الجماعةِ مع وجوبِها، كان ذلك آكَدَ في إعلانِها.\nالثالثة: مَن يُقتدَى به؛ فالأفضَلُ له إعلانُ عملِهِ ما لم يَخَفْ على نفسِه، وقد قال النبيُّ - ﷺ -: \"مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ\" (١)، وقال - ﷺ -: (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا) (٢).\nولمَّا كان النبيُّ - ﷺ - قُدْوةً للناسِ كافَّةً، كان عملُهُ كلُّه تُشرَعُ فيه العلانيَةُ، ولم يثْيُتْ عن النبيِّ - ﷺ - أنه كان يَستتِرُ عن أعيُنِ الناسِ بعبادتِه، فلو استَتَرَ، لم يَتعلَّمِ الناسُ دِينَهُمْ؛ لأنَّه مبلِّغٌ عن الله، ولكنْ كان النبيُّ - ﷺ - يطلُبُ الخَلْوةَ بربِّه لَتشريعِ ذلك لأُمَّتِه.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٨٩٣).\n(٢) أخرجه مسلم (١٠١٧).","vol":"3","page":1311},{"text":"والناسُ يَختلِفونَ في الاقتداءِ بهم، وأَثَرِهم على الناسِ؛ فمنهم: مَن يُؤثِّرُ في أهلِ بيتِه، ومنهم: مَن أثرُهُ في حيِّه أو بلدِه، ومنهم: مَن هو قُدْوةٌ لدى أكثرِ المُسلِمينَ كالأئمَّةِ؛ فيُستحَبُّ أنْ يُعلِنوا بعضَ العباداتِ التي الأصلُ فيها السِّرُّ، ويَجعَلُوا لهم مِن عادتِهم لربِّهم في الخَفَاءِ ما تزكو به علانيَتُهم، ومَن لا يُقتدَى به، فلا مصلحةَ مِن علانيةِ عبادتِهِ إلَّا ما يذكِّرُ له الناسَ؛ فبهذا القَدْرِ يُشْرَعُ.\nومقصدُ التعليمِ وعِظَمُ أثَرِهِ أعظَمُ مِن مقصدِ الإسرارِ؛ لأنَّ تعليمَ الحقِّ والخيرِ هو الغايةُ مِن إرسالِ الرُّسُلِ؛ ولهذا كان بعضُ السلفِ يتكلَّفُ الجهرَ بما دَلَّ الدليلُ على الإسرارِ به؛ لأجلِ التعليمِ؛ كما جهَرَ عمرُ بدعاءِ الاستفتاحِ للصلاةِ لأجلِ تعليمِ الناسِ (١)، وكان ابنُ عمرَ وأبو هريرةَ يَجْهَرانِ بالاستعاذة، وكان ذلك منهم في القليلِ لا في الكثيرِ؛ بما يؤدِّي مقصدَ التعليم، ولا يضيِّعُ شريعةَ الإسرارِ.\nالرابعةُ: ما سمَّاهُ الشارعُ شَعِيرةً؛ كالهَدْيِ والقلائدِ والتَّلْبِيْة، ومقتضى كونِهِ شَعْيرةً أنَّ إشهارَهُ سُنَّةٌ، والتعبُّدَ بإسرارِهِ بِدْعةٌ، ويَلحَقُ في ذلك ما شابَهَه في عملِ النبيِّ - ﷺ - أو أصحابِه؛ كالجهرِ بالتكبيرِ في أيَّامِ العشرِ وأيَّامِ التشريقِ؛ فقد كان عمرُ يُكبِّرُ بمِنًى فتَرتَجُّ مِنًى تكبيرًا (٢)، وكان ابنُ عمرَ وأبو هريرةَ يُكبِّرانِ في السوقِ في عشرِ ذي الحِجَّةِ (٣).\nوالأصلُ في نوافلِ الطاعاتِ والقُرُباتِ: السِّرُّ، وهو أفضَلُ مِن العلانيَةِ؛ كما تواتَرَتِ الأدلَّةُ به، سواءٌ كان قراءةَ قرآنٍ أو صدقةً أو ذِكرًا لله، قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٨٨٥١).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣١٢).\n(٣) أخرجه البخاري معلقًا في حديث (٩٦٩).","vol":"3","page":1312},{"text":"الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١]، وعن عُقْبةَ بنِ عامرٍ - ﵁ -؛ قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقول: (الجَاهِرُ بِالقُرْآنِ كَالجَاهِرِ بِالصَّدَقَة، وَالمُسِرُّ بِالقُرْآنِ كَالمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ) (١)، قال الترمذيُّ: \"ومعنى هذا الحديثِ: أن الذي يُسِرُّ بقراءةِ القرآنِ أفضَلُ مِن الذي يَجهَرُ بقراءةِ القرآنِ؛ لأنَّ صدقةَ السِّرِّ أفضَلُّ عندَ أهلِ العِلمِ مِن صدقةِ العلانيَةِ\".\nولا يَلزمُ مِن عملِ العلانيَةِ أن يَجهَرَ صاحبُهُ بفعلِهِ أمامَ الناس، بل قد يَقوَى العبدُ على فعلِ العبادةِ سرًّا وَيؤُزُّه الشيطانُ على ذِكرِها للناسِ علانيَةً، فتكونُ في حقيقتِها كأنما فعَلَها علانيَةً؛ قال سفيانُ الثوريُّ: \"إنَّ العبدَ لَيَعمَل العملَ في السِّرّ، فلا يَزَالُ به الشيطانُ حتى يتحدَّثَ به، فيَنتقِلَ مِن ديوانِ السِّرِّ إلى ديوانِ العلانيَةِ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-997>الاعتداءُ في الدعاء، وصوَرُهُ:</span>\nوقولُ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ يعني: في العبادة، وخاصَّة الدعاءَ، والمراد بالاعتداءِ هو الخروجُ عن مقصودِ اللهِ مِن شريعةِ الدعاء، ويختلِفُ مقدارُ خروجِ الناسِ عن تلك الشريعة، وصُوَر الاعتداءِ في دعاءِ اللهِ كثيرةٌ:\nمنها: أن يَدْعُوَ اللهَ بحرامٍ؛ كمَن يدعو بتيسيرِ الكفرِ والرِّبى والزِّنى، وقطعِ الأرحامِ، فذلك أعظَمُ الاعتداءِ؛ لأنَّ اللهَ شرَعَ الدُّعاءَ عبادةً وتذلُّلًا له لِيُطاعَ؛ فكيف يُدعَى بما شرَع ليُعصَى؟ !\nومنها: دعاءُ اللهِ وسؤالهُ بعيرِ ما سمَّى به نفسَهُ، وهذا يُخالِفُ الأدبَ مع الله، وهو مِن الكذبِ في الخِطابِ.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٤/ ١٥١)، وأبو داود (١٣٣٣)، والترمذي (٢٩١٩)، والنسائي (٢٥٦١).\n(٢) \"تلبيس إبليس\" (ص ١٢٩).","vol":"3","page":1313},{"text":"ومنها: أنْ يدعوَ على نفسِهِ وولدِهِ بموتِ أو فسادِ حالٍ؛ فهذا ممَّا جاءَ النهيُ فيه، وهو تَعَدٍّ في مقصدِ الدُّعاءِ المشروع، فشُرعَ الدعاءُ عبادةَ للخالقِ ومنفعةً للمخلوق، وسؤالُ العبدِ الضُّرَّ يُخالِفُ شريعةَ اللهِ في الدُّعاءِ.\nومنها: أن يدعوَ على مَن ظلَمَهُ بأعظَمَ مِن مَظْلِمَتِهِ؛ لأنَّ اللهَ ينتصِرُ ويقتصُّ للمظلوم، ومُقتضَى عدلِهِ: ألا يَظلِمَ أحدًا ولو كان ظالمًا، وسؤالُ اللهِ عقابَ الظالمِ بما هو أعظَمُ مِن ظُلمِهِ: سؤالٌ للهِ أنْ يَظلِمَ عبدَه - تعالى اللهُ - كمَن يُغتصَبُ مِن مالِهِ شيءٌ حقيرٌ كعُودِ أَرَاكٍ أو قلمٍ أو درهمٍ، فيَدْعو على المُغتصِبِ بهلاكِ نفسِهِ وولدِهِ وأهلِهِ؛ فهذا اعتداءٌ؛ لأنَّ الدُّعاءَ على الظالمِ يكونُ بقَدرِ المَظلِمَةِ.\nومنها: أن يدعوَ بتحقيقِ المحالِ؛ كأن يدعوَ أحدٌ بأن يجعَلَهُ اللهُ نبيًّا أو ملَكًا، فذلك منهيٌّ عنه يُعارِضُ أصلَ القصدِ مِن الخَلقِ والشرعِ.\nومنها: الدعاءُ بما لا يُحتاجُ إليه مِن فضولِ القولِ، الذي يُغني عنه مُجمَلُهُ، وكذلك فإنَّ الأدبَ مع اللهِ سؤالُ الحاجاتِ بإجمالٍ؛ لعلمِهِ سبحانَهُ بما يُصلِحُ العِبادَ؛ فعن ابنِ لسعدٍ أنه قال: سَمِعَنِي أبِي وَأنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْألُكَ الجَنَّةَ وَنَعِيمَهَا وَبَهجَتَهَا، وَكَذَا وَكَذَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَسَلَاسِلِهَا وَأَغلَالِهَا، وَكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: (سَيَكُون قَوْمٌ يعتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ؛ فَإياكَ أَن تَكُونَ مِنهُمْ؛ إنَّكَ إِن أعْطِيتَ الْجَنَّةَ، أُعطِيتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْخيْرِ، وَإنْ أُعِذْتَ مِنَ النَّار، أعَذْتَ مِنْهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الشَّرِّ) (١).\nومِن ذلك: ما صحَّ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ مُغَفَّلٍ سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ القَصرَ الأبيَضَ عَنْ يَمِينِ الجَنَّةِ إِذَا دَخَلتُهَا، فَقَالَ: أي بُنَيَّ!\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١٤٨٠).","vol":"3","page":1314},{"text":"سَلِ اللهَ الْجَنَّةَ، وَتَعَوَّذْ بِهِ مِنَ النَّارِ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ في الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ) (١).\nومنها: الجهرُ بالدُّعاءِ بما يُؤذِي غيرَهُ؛ فإنَّ دعاءَ الخَفَاءِ مِن علاماتِ اليقينِ بقُرْبِ اللهِ وسماعِ نَجْواهُ، فاللهُ يَعلَمُ وَيَسمَعُ، وله الكمالُ في ذلك، لا يَزِيدُ علمُهُ وسماعُهُ برفعِ صوتِ الدَّاعِي، ولا يَنقُصُ بخفضِ صوتِه.\nوكلَّما خرَجَ الدَّاعي عن المشروعِ فبمقدارِ خروجِهِ يكون معتدِيًا مخاطَبًا بقوله ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.\n* * *\n\n° قال تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣].\nجعَلَ اللهُ حقَّ الناقةِ بالأكلِ؛ لأنَّها في أرضِ الله، وكلُّ الأرضِ لله، وليس في الآيةِ أنه أمَرَهُمْ بألَّا يَمنَعُوها مِن أكلِ معيشتِهِمْ في بيوتِهم وقُوتِهم؛ وإنَّما نهاهُم عن مَنْعِها مِن الأكلِ والشربِ مِن المُشاعِ في الأرض، ويَظَهَرُ هذا في قولِهِ تعالى في سورةِ القمرِ: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [٢٨]؛ أي: إنَّ للناقةِ شِربَ يومٍ، ولهم شِرْبَ يومٍ آخَرَ، يَتزوَّدونَ مِن يومِ شِربِهم ليومِ الناقة، وفي هذا دليلٌ لِما تقدَّمَ مِن أنَّ الناسَ شركاءُ في ثلاثٍ: الماءِ والكَلَأِ والنار، ولا يجوزُ منعُ إنسانٍ أو بهيمةٍ عمَّا لم تَعمَل أيدِيهِم مِن زرعٍ أو ثمرٍ، وقد جعَلَ اللهُ لناقةِ ثمودَ مَزِيدَ تعظيمٍ؛ إذ جعَلَها آيةً لهم في هلاكِهم إنْ مَنَعوها أو عقَرُوها، واللهُ يُعظِّمُ مِن خَلقِهِ ما شاءَ، وعلى الوصفِ والقَدْرِ الذي يشاءُ.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٥٥)، وأبو داود (٩٦)، وابن ماجه (٣٨٦٤).","vol":"3","page":1315},{"text":"قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠ - ٨٤].\nسمَّى اللهُ إتيانَ الذُّكْرَانِ فاحشةً؛ تبشيعًا له، وفي قولِه: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ تأكيدٌ لبشاعتِهِ ومخالَفتِهِ للفِطْرةِ القويمةِ مع تكاثُرِ الناسِ وتعاهدِهم، وفي هذا دليل على حُجَّةِ الفِطْرةِ في الحُكمِ على الأفعالِ؛ كاسَتخباثِ الشيءِ واستطابتِه، ولو لم تكنِ الفطرةُ حُجَّةً، ما كان في ذِكْرِ إحداثِهم لهذا الفعلِ على مَنْ سبَقَهم معنًى، إلَّا لأنَّ الفِطَرَ لم تَتواطَأ على تركِهِ إلَّا لبشاعتِه، والزِّنى سابقٌ لِلِّوَاطِ؛ لأنَّ مَيلَ الذكَرِ للأُنثى فِطْريٌّ، ولكنَّه لمَّا كان بغيرِ مُعاقَدةٍ مشروعةٍ، صار محرَّمًا، لا لأصل الوقوعِ؛ وإنَّما لعدمِ توافُرِ شروطِ حِلِّه، وأمَّا فاحشةُ قومِ لُوطٍ، فلا تَحِلُّ أصلًا؛ لا بشروطٍ ولا بغيرِ شروطٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-998>تنازُعُ الغريزةِ والعقلِ:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ دليلٌ على أنَّ ما دفَعَهُمْ إلى ذلك إنَّما هو الغريزةُ لا العقلُ، والشهوةُ غريزةٌ يَشترِكُ فيها الإنسانُ مع الحيوان، والحيوانُ لا يفعلُ ذلك فيأتيَ الذَّكَرُ الذَّكَرَ، وقيل: إنَّه في أرذلِ البهائمِ؛ رُوِيَ عن ابنِ سِيرِينَ؛ قال: \"ليس شيءٌ مِن الدوابِّ يعملُ عمَلَ قومِ لوطٍ إلَّا الخِنزيرُ والحمارُ\" (١)، وفيه نظرٌ.\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٥٠١٨).","vol":"3","page":1316},{"text":"ولم يَحمِلْ قومَ لوطِ على ذلك عقلُ إنسانٍ، ولا شهوةُ حيوانٍ، فكان ذلك شَهوةً عن هوًى ومُكابَرةٍ؛ ولذا قال تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾.\nذكَرَ الشهوةَ؛ إشارةً إلى أنه لا وجودَ لعقلٍ فيما ذهَبُوا إليه، فليس المَنزَعُ عن شبهٍ فيها عِلمٌ؛ ولذا قال تعالى عنهم في سورةِ النملِ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [٥٥]، فهم مُعتدُونَ على العقلِ والدِّينِ كلِّه، ولذا قال عنهم كما في سُورةِ الشعراءِ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [١٦٦].\nفقومُ لوطٍ ألغَوُا الحقلَ وتجاوَزُوا حد الشهوةِ وجِهَتَها؛ وسَرَفُهُمْ هو تعدِّيهِم على الفِطْرةِ والشِّرْعة، ففِعلُهم غايةُ الجهلِ والمُعانَدةِ الذي لا يمكنُ أن يكونَ معه شُبهةٌ مِن عِلم أو فِطْرة، فهو محضُ جهلٍ اتبعوهُ عن مُكابَرةٍ وعنادٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-999>تدرُّجُ قومِ لوطٍ بالفاحشةِ:</span>\nويدُل النظرُ الصحيحُ البيِّنُ إشارةُ القرآنِ: أنَّ الفاحشةَ بدَأَت في قومِ لوطٍ بالزِّنى، حتى إنَّ الفِطرَ الصحيحةَ لا تَبدأُ بأدبارِ الزوجاتِ حتى يشيعَ فيها الرغبةُ في غيرِ الزوجاتِ كما يَفعَلونَ بالزوجات، ثم يَرجِعونَ إلى أدبارِ زوجاتِهم، ثم أدبارِ الزانيات، فلما استَمرَؤُوا على ذلك، تشوَّفُوا إلى الرِّجالِ.\nوهذه خطواتُ إبليسَ في كلِّ بابٍ مِن المحرَّمات، فالشيطانُ تَستعصِي عليه فِطرةُ الإنسانِ أن يُخرِجَها مِن وَطءِ الزوحاتِ بالمشروعِ إلى إتيانِ الذُّكُورِ مباشَرةً، وقد قال جامعُ بن شدَّادٍ: \"كانتِ اللُّوطَّيةُ في قومِ لوطٍ في النِّساءِ قبلَ أن تكونَ في الرجالِ بأربعينَ سنةً\" (١)، وقال مجاهدٌ:\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٥١٨).","vol":"3","page":1317},{"text":"\"إنَّما تعلَّمَ قومُ لُوطٍ اللُّوطيَّةَ مِن قِبَلِ نسائِهِمْ\"؛ أخرَجَه ابنُ أبي حاتمٍ (١).\nوقال طاوسٌ: \"كان بدْءُ عملِ قومِ لوطٍ فِعْلَ الرِّجالِ والنِّساء، ثم فعَلَه الرِّجالِ بالرِّجالِ\"؛ أخرَجَه الخَلَّالُ (٢).\nورُوِيَ في معناهُ خبرٌ مرفوعٌ، لا يصحُّ.\nوهذه طريقةُ إبليسَ في إغواءِ بني آدمَ، كما أَغْوَى الغَرْبَ مِن الإنجليزِ والأمريكانِ اليومَ بتشريعِ ما فعَلَهُ قومُ لوطٍ، وقد مَرُّوا بما مَرَّ به أسلافُهُم مِن قومِ لُوطٍ وعلى نفسِ خُطُواتِهم، وقد دَلَّ النظرُ والأثرُ على أنَّ قومَ لُوطٍ مروا بخمسِ مراحلَ في فاحشتِهم:\nالمرحلةُ الأُولى: وقوعهُمْ في الزنى، فخرَجُوا مِن المكانِ المشروعِ مِن زَوْجاتِهم، إلى المكانِ نفسِهِ مِن النساءِ المحرَّماتِ عليهم.\nالمرحلةُ الثانية: وقوعُهم في أدبارِ زوجاتِهم، قبلَ وقوعِهم في أدبارِ المحرَّماتِ عليهم.\nالمرحلة الثالثةُ: وقوعُم في أدبارِ النساءِ المحرَّماتِ عليهم.\nالمرحلة الرابعة: وقوعهم في إتيانِ الرِّجالِ شَهوةً ونزوةً، لا تشريعًا لِفعلِهم؛ كتشريعِ الشرعِ والفِطرةِ إتيانَ الرِّجالِ للنساءِ في قُبُلِهِنَّ؛ فإنَّ الأُمَمَ لا تُشرِّعُ الشهواتِ ابتداءً، ولكنْ تَبْدَأُ بها خُفيةٌ ونَزوةً يُستتَرُ بها، ثم يَجسُرُونَ على فِعلِها علانيَةً، ثم يُفاخِرونَ بها، ثم تكونُ فِعْلًا صحيحًا وشريعةً يُعمَلُ بها لا يجوزُ إنكارُها على فاعِلِها.\nالمرحلةُ الخامسةُ: تشريعُهُمْ إتيانَ الرِّجال، فبعدَما فعَلُوها شهوةً، جعَلُوها شريعةً وفخْرًا وحضارةً، وذلك أنَّهم لا يَبدؤُونَ بالمجاهَرةِ في\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٩/ ٢٩٠٤).\n(٢) \"السُّنَّة\" لأبي بكر الخلال (٤/ ١٦٤).","vol":"3","page":1318},{"text":"النوادِي إلَّا لِما يَرضَوْنَهُ؛ كما قال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩].\nوهذه الخطواتُ والمراحلُ يدُلُّ عليها النظرُ والأثرُ، وكلُّ خُطْوةٍ فيها درجاتٌ، فالنفوسُ لا تُقارِفُ الفاحشةَ حتى تَستلِذَّ النظرَ، ثم تَستلِذَّ المُصافَحةَ فالمُجالَسةَ فالمُماسَّةَ والمُقارَفةَ.\nوقد عظَّمَ قومُ لُوطٍ فاحشتَهُمْ حتى جعَلُوها مَيزةً لهم بينَ الأمم، وجعَلُوها تشريعًا كتشريعِ نِكاحِ الرِّجالِ للنساء، وقد صنَعُوا لتلك الفاحشةِ تماثيلَ مِن ذهبٍ وحجارةٍ وخشبٍ تُصَوِّرُ الفاحشةَ، فيُعظِّمونَ تلك التماثيلَ والرسومَ في مَجَالِسِهم ومَعابِدِهم، حتى أصبَحَ فَخرًا بذلك الضلالِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾؛ يعني: مُجاهَرةً ومُفاخَرةً.\nوقد زارني رجلٌ مِن أطرافِ الأُرْدُنِّ وأَراني تماثيلَ وجَدَها مِن دَفْنِ الجاهليَّةِ في أرضِ بِكْرٍ استصلَحَها للزِّراعة، فوجَدَ فيها نحوتًا مِن حجارةٍ ومعادنَ تجسِّدُ فاحشةَ قومِ لوطٍ، ومِثلُها لا يجوزُ بيعُهُ ولا اقِتناؤُهُ، بل يجبُ إتلافُه، وظهَرَ مِن تلك التماثيلِ ما بلَغَهُ قومُ لُوطٍ مِن تعظيمٍ لفاحشتِهم وتأصُّلِ العنادِ في نفوسِهِمْ لنبيِّ اللهِ لُوطٍ ﵇.\nوظاهرُ فعلِ قومِ لوطٍ: أنَّهم لم يَنحِتُوا تلك التماثيلَ إلَّا لمَّا تَفاخَرُوا بفَعْلَتِهم تلك، ويحتمِل أن الذين مثلوهم وصورُوهم هم الذين بَدَووا بتشريعِ تلك الفَعْلة، وليس أوَّلَ مَن فعَلَها فيهم؛ لأنَّ الفاعِلِينَ الأوَّلينَ لها كانوا يَستتِرُونَ بها، والفواحشُ تَبدَأُ خُفْيةً ثم تَشِيعُ ثم تُشرَّعُ، والأُمَمُ تعظِّمُ المشرِّعينَ للشُّبُهات، لا الفاعِليِنَ للشَّهَوات، والأظهَرُ: أنَّهم عظَّمُوا أولَ مَن شَرَّعَها، لا أوَّلَ مَن فعَلَها.","vol":"3","page":1319},{"text":"وما انتهَى إليه قومُ لُوط انتهَتْ إليه بعض دُوَلِ الغربِ في أوروبا وأمريكا اليومَ، فبَدَؤُوا بالمراحلِ نَفْسِها التي بدَأَ بها قومُ لُوطٍ، حتى آخِرِهِنَّ، فأقَرُّوا وشرَعُوا إتيانَ الذُّكورِ للذُّكور، والإناثِ للإناث، ووضَعُوا العقودَ والوثائقَ لذلك، وأمرُهُمْ سيَنتهِي إلى وَبَالٍ؛ سُنَّة اللهِ في أمثالِهم مِن الأُممِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1000>حكمُ تسميةِ فاحشةِ قومِ لوطٍ بـ (اللُّوطيَّة):</span>\nوتسميةُ الفاحشةِ باللُّوطيَّة جائزٌ لا كراهةَ فيه، وهي نِسْبةٌ إلى قومِ لوطٍ، لا إلى لوطٍ، فقوم لوطٍ مركَّبٌ تركيبًا إضافيًّا، ولا يُمكِنُ تعريفُ الفاحشةِ إلَّا بالثاني؛ فأُضِيفَتْ إليه - فإنَّها لو نُسِبتْ إلى الأوَّلِ مِن المركَّبِ (قومِ لُوطٍ)، لقِيلَ في نسبتِها: قَوْميَّةٌ، والفاعلُ قَومِيٌّ - كما يُنسَبُ إلى عبد قَيْسٍ، فيُقالُ: القَيْسِيُّ، ويقولُ ابنُ مالكٍ:\nوَانسُبْ لِصَدْرِ جُمْلَةٍ وَصَدْرِ مَا ... رُكِّبَ مَزْجًا وَلِثَانٍ تَمَّمَا\nإِضَافَةً مَبْدُوءَةً بِابْنٍ أَوَ ابْ ... أَو مَا لَهُ التَّعْرِيفُ بِالثَّانِي وَجَبْ\nوقد ورَدَتْ في بعضِ الأحاديث، وهي - وإنْ كانتْ لا تخلُو مِن عِلَلِ - الَّا أنَّ مجموعَها وروايةَ الرُّواةِ لها دليلٌ على جوازِ إطلاقِ تلك اللَّفْظة، ولو كانتْ تلك اللفْظةُ مُنكَرةً؛ لأنكَرَ أئمَّةُ العِلَلِ متونَ تلك الأحاديثِ؛ لوُرُودِ لفظٍ يَستقبحونَهُ فيها، وإعلالُهُمْ لأسانيدِها دونَ متونِها دليلٌ على عدمِ نَكَارةِ هذا الإطلاقِ.\nوصحَّ إطلاقُ اللَّفْظةِ في كلامِ بعضِ الصحابةِ كابنِ عبَّاسٍ، وجاء عن عبد اللهِ بنِ عمرَ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، وغيرِهم، وجماعةٍ مِن أجلَّةِ التابعينَ، واستفاضَتْ على ألسنتِهم؛ كابنِ المسيَّبِ وعطاءٍ والحسنِ والزُّهْريِّ وأتباعِهم ومَن بعدَهُم مِن الأئمَّةِ الأربعة، ولم يُنكِرْها أحدٌ منهم.","vol":"3","page":1320},{"text":"وعليها يُترجِمُ كثيرٌ مِن الأئمَّةِ عندَ الكلامِ على فاحشةِ قومِ لُوطٍ، فيُعبِّرونَ عنها باللُّوطِيَّةِ أو حَدِّ اللُّوطِيِّ ونحوِ ذلك، كما ترجَمَ على ذلك التِّرْمِذيُّ والنسائي وغيرُهما.\nوإنَّما لم يُسَمِّها اللهُ بذلك في كتابِهِ؛ لأنَّ اللهَ حَكَى القصةَ حكايةً عن تلك الحال، ولم يُوصَفْ هؤلاءِ القومُ بقومِ لُوطٍ إلَّا بعدَ هَلَاكِهِمْ لاعتِبارِ الأمَمِ بهم وقيامِ الحُجَّةِ عليهم، فلم يكنْ حِينَها اسمُ نبيِّ اللهِ لُوطٍ عَلَمًا عليهم يُعرَفونَ به، فلم يكونوا يُقِرُّونَ بنُبُوَّتِه، ولم يكنْ أكثرُ الناسِ يَنسُبُونَهُمْ إلى لوطٍ، فيقولونَ في حياتِهم وحياةِ نبيِّهم: إنَّهم قَوْمُ لُوطٍ، وكان فِعْلُهُمْ يسمَّى فاحشةً في كلامِ الله، وكلامِ نبيِّه لوطٍ، لا في كلامِهم، ثم بعدَ هلاكِهِمْ واعتبارِ الأُمَمِ بهم، لم يكنْ يُسمَّوْنَ بعدَ ذلك إلَّا بقومِ لوطٍ، وفاحشتُهم نسبةٌ إلى اسمِهِمْ بعدَ شُيُوعِ تسميةِ اللهِ والأُممِ لهم بقومِ لوطٍ.\nوما جَرَى على ألسنةِ خيرِ القرونِ واستفاضَ وشاعَ وذاعَ مِن غيرِ نكيرٍ: لا ينبغي لأحدٍ إنكارُهُ: لأنَّه في حُكْمِ الإجماع، والتنزُّهُ عمَّا أجمَعَ خيرُ القرونِ على جوازِه وعدمِ إنكارِه: لا يَلِيقُ بمَن عرَفَ قَدْرَ خيرِ القرونِ في العِلْمِ والدِّيانةِ والورعِ وتعظيمِ اللهِ وشعائرِهِ وتعظيمِ أنبيائِه.\nوقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾، ذَكَرَ الله المطرَ والمرادُ به الحجارةُ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤]، وكانتِ الحجارةُ مِن طِينٍ؛ كما قال تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣].\nوقد جعَلَ اللهُ عقوبةَ قومِ لوطِ بجعلِ عاليها سافِلَها، وإمطارِ الحجارةِ عليها؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود: ٨٢].","vol":"3","page":1321},{"text":"واختُلِفَ في عددِ قومِ لوطٍ، وهل هم قريةٌ أو قُرَى متقاربةٌ؟ وليس في ذلك شيءٌ مرفوعٌ ثابتٌ، وعن السلفِ عددٌ متبايِنٌ جِدًّا، واللهُ أعلَمُ بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1001>عقوبةُ فاعلِ اللوطيَّة:</span>\nوقد استدَلَّ بظاهرِ عقوبةِ اللهِ لقومِ لوطٍ في هذه الآيةِ وغيرِها مَن قال: إنَّ جزاءَ مَن عَمِلَ عمَلَ قومِ لوطٍ الرَّجْمُ، سواءٌ كان بِكْرًا أو ثيِّبًا؛ لأنَّ اللهَ عاقَبَهُم بقلبِ أرضِهِمْ ثم رجَمَهم.\nوفي الاستدلالِ بهذه الآيةِ على حَدِّ الرجمِ نظرٌ؛ وذلك لأنَّ اللهَ عاقَبَهُمْ لاستحلالِهم لها، لا لمجرَّدِ الفعلِ؛ فقد كان منهم فعلُ الفاحشةِ وشيوعُها زمنًا قبلَ ذلك، ثم لمَّا أعلَنُوها في نَوَادِيهم وشرَّعُوها وعظَّمُوا ذلك وافتخَرُوا به، أرسَلَ اللهُ إليهم رسولًا، ثم عاقَبَهُمْ لمَّا عَصَوْهُ.\nولا خلافَ عندَ العلماءِ أنَّ فاحشةَ قومِ لوطٍ أعظَمُ مِن الزِّنى؛ ولذا لمَّا ذكَرَ اللهُ فاحشتَهُمْ، قال: ﴿لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٨]، ولمَّا ذكَرَ الزِّنى، نَكَّرَ الفاحشةَ؛ كما في قولِهِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، فالتنكيرُ إشارةٌ إلى أنَّ الزِّنى فاحشةٌ مِن جملةِ الفواحش، وعرَّفَ فاحشةَ قومِ لوطٍ؛ لبيانِ أنَّها شاملةٌ لكلِّ فُحشٍ، وقد سمَّى الله نكاحَ زَوْجهِ الأبِ فاحشةً ومَقْتًا وساءَ سبيلًا، ولم يُسَمِّ اللُّوطيَّةَ مَقتًا؛ لأنَّ آيةَ نكاحِ زوجاتِ الآباءِ في سياقِ العقود، وذلك يتضمَّنُ تشريعًا واستِحْلالًا، كما تقدَّمَ في سورةِ النِّساءِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، فهي مَقْتٌ مِن جهتَيْها، سواءٌ أكانتْ بعقدٍ؛ فهو استحلالٌ، أم كانتْ زِنًى؛ فهو إتيانُ ذاتِ مَحْرَمٍ.\nوقد اختلَفَ العلماءُ في حَدِّ فاعلِ فعلِ قومِ لوطٍ، على أقوالٍ:\nالقولُ الأوَّلُ: ذهَبَ عامَّةُ السلفِ: إلى أنَّ فاعلَ فعلِ قومِ لوطٍ","vol":"3","page":1322},{"text":"يُقتَلُ، مُحْصَنًا وغيرَ مُحصَنٍ، وقد حكاهُ بعضُهُمْ عن الصحابةِ إجماعًا؛ كابنِ القَصَّارِ وابنِ تيميَّةَ، وهو قولُ جمهورِ الفقهاء، واختلَفُوا في صِفَةِ قتلِه؛ فقيل: يُرجَمُ، وقيل: يُرمَى مِن شاهِقٍ، وقيل: يُرمَى مِن شاهقٍ ثم يُتْبَعُ الحجارةَ كما فُعِلَ بقومِ لوطٍ؛ وقد صَحَّ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ (١) وغيرِه، وهو قولُ مالكٍ، وأحمدَ في المشهور، والشافعيِّ في قولٍ.\nوبعضُهُمْ قال بقتلِهِ على أيِّ طريقةٍ ولو بالسيف، أو رميِهِ مِن شاهِقٍ، فلم يجعَلِ الرجمَ مقصودًا لذاتِه.\nولا يُحفَظُ مِن وجهٍ يَصِحُّ عن أحدٍ مِن الصحابةِ: أنه قال بعدمِ قتلِ فاعلِ فعلِ فومِ لوطٍ؛ وإنَّما الخلافُ عنهم في صِفَةِ قتلِه؛ ومِن هنا اختلَفَ الفقهاءُ لأجلِ اختلافِهم:\nفمنهم: مَن جعَلَ اتِّفاقَهُمْ كان على حَدٍّ، لا على تعزيرٍ.\nومنهم: مَن جعَلَ اتِّفاقَهُمْ على تعزيرٍ، لا على حدٍّ؛ لأنَّ اختلافَهُمْ في صفةِ قتلِهِ يُشعِرُ بأنَّه تعزيرٌ؛ فالأصلُ في الحدودِ: تعيينُ صفةِ القتلِ؛ كما في رجمِ الزَّاني والقِصَاصِ وشِبْهِهما.\nوقد جاء في بيانِ حدِّ فاعلِ اللُّوطيَّةِ أحاديثُ مرفوعةٌ، مِن أشهرِها حديثُ عِكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ يَرفَعُهُ: (مَنْ وَجَدتُّمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَاقتُلُوا الفَاعِلَ وَالمَفعُولَ بِهِ)؛ رواةُ أحمدُ، وهو في \"السُّننِ\" (٢)، وفيه كلامٌ، وفيه عن أبي هريرةَ ومِن فعلِ أبي بكرٍ؛ وهي معلولةٌ.\nوروى أبو داودَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ ومجاهدٍ، يحدِّثانِ عن\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٨٣٣٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٣٢).\n(٢) أخرجه أحمد (١/ ٣٠٠)، وأبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦)، وابن ماجه (٢٥٦١).","vol":"3","page":1323},{"text":"ابنِ عبَّاسٍ في البكرِ يُؤخَذُ على اللُّوطيَّة، قال: يُرجَمُ (١).\nوروى صالحُ بن كَيْسانَ؛ قال: سمعتُ ابنَ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ؛ قال: \"عِنْدَنَا عَلَى اللُّوطِيِّ الرَّجْمُ، أُحْصِنَ أَو لَمْ يُحصَنْ، سُنَّةً مَاضِيَةً\" (٢).\nوبنحوِه رواهُ صالحٌ عن ابنِ شهابٍ مِن قولِه (٣).\nوجاءَ عن إبراهيمَ؛ أنه قال: \"لَوْ كَانَ يَنْبَغِي لِأحَدٍ أَنْ يُرْجَمَ مَرَّتَيْن، لَرُجِمَ اللُّوطِيُّ مَرَّتَيْنِ\" (٤).\nوعن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ: وابنِ المسيِّبِ؛ أنَّهما كانا يقولانِ: \"الفَاعِلُ وَالمَفْعولُ بِهِ بِمَنزِلَةِ الزِّنَى؛ يُرْجَمُ السَّيِّبُ وَالبِكْرُ\" (٥).\nوروى عبدُ اللهِ بن نافع، عن مالكِ بنِ أنسٍ: \"أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ، وَرَبِيعَةَ، وَابنَ هُرْمُزٍ كَانُوا يَرَوْنَ الرَّجْمَ عَلَى مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، أحصِنَ أوْ لَمْ يحصَن (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1002>قتلُ فاعلِ فاحشة قومِ لوطٍ:</span>\nومَن نظَرَ إلى عملِ الصحابةِ وعِلْيةِ التابعينَ، وجَدَ أنَّهم لا يَخْرُجونَ عن العملِ بقَتلِه، ولم يعترِضْ على ذلك فيهم مُعترِضٌ، فيُرْوَى عن أبي بكرٍ وعليِّ بنِ أبي طالبٍ وخالدٍ بنِ الوليدِ تحريقُهُ، وجاء عن ابنِ عبَّاسٍ رميُهُ مِن شاهِقٍ، واختلَفَ التابعون على اختلافِهم في ذلك.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٤٤٦٣).\n(٢) أخرجه الآجري في \"ذم اللواط\" (ص ٧٠).\n(٣) أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٥٠٠٧)، والآجري في \"ذم اللواط\" (ص ٦٧).\n(٤) أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٥٠٠٨)، والآجري في \"ذم اللواط\" (ص ٦٥).\n(٥) أخرجه الآجري في \"ذم اللواط\" (ص ٦٨).\n(٦) أخرجه الآجري في \"ذم اللواط\" (ص ٦٩).","vol":"3","page":1324},{"text":"وفي ثبوتِ تحريقِ فاعلِ فاحشةِ قومِ لوطٍ عن أبي بكرٍ ومَنْ معه نطرٌ، ورُوِيَ التحريقُ له عن ابنِ الزُّبَيْرِ وهشامِ بنِ عبد المَلِكِ؛ وفيه كلامٌ كذلك.\nوحمَلَ بعضُ الفُقَهاءِ اختلافَ الصحابةِ والتابعينَ على صفةِ القتلِ على أنه ليس بحَدٍّ، وأنَّ هذا مِن قرائنِ كونِهِمْ يَعُدُّونَهُ تعزيرًا؛ لأنَّ الحدودَ كالقِصاصِ والرَّجْمِ مبيَّنة الصِّفة، ولو كانتْ تتَّفقُ في كونِها إزهاقًا للنفسِ.\nالقولُ الثاني: قالوا: إنَّ اللِّوَاطَ كالزِّنى؛ يُرجَمُ المُحصَنُ ويُجلَدُ البِكْرُ، وهو أحدُ قولَيِ الشافعيّ، ومال إليه بعضُ أصحابِه، وذكَرَ الربيعُ بن سلَيمانَ: أنَّ الثافعيَّ رجَعَ عن القولِ بالرجمِ إلى أنه زِنّى؛ كما نقَلَهُ البيهقيُّ (١).\nوهو روايةٌ عن أحمدَ.\nوقد جاء في اعتِبارِ اللُّوطيَّةِ زِنًى خبرٌ مِن حديثِ أبي موسى: (إِذَا أَتَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ، فَهُمَا زَانِيان، وَإِذَا أَتَتِ المَرْأَةُ المَرْأَةَ، فَهُمَا زَانِيَتَانِ)؛ رواهُ البيهقيُّ (٢)، ولا يصحُّ.\nالقولُ الثالثُ: ذهَبوا إلى أنَّه تعزيرٌ ولا حَدَّ فيه لا يُتجاوَزُ، بل بما يراهُ القاضي بما يزجُرُهُ وغيرَه، وإليه ذهَبَ أبو حنيفةَ، وحُجَّتُهُمْ في ذلك اختلافُ السلف، والحدودُ قطعيَّةٌ، وأنَّ هذه الفاحشةَ معروفةٌ في الأُمَمِ السابقة، وبيانُ عقوبتِها لو كانتْ حَدًّا ضرورةٌ لا تكونُ إلَّا بنصٍّ قطعيٍّ كحدٍّ الزِّنى؛ فاللهُ ذكَرَ عقوبتَهُ في القرآن، واللُّواطُ أَولى منه.\nوقد جاء عن بعضِ السلفِ الاستدلالُ على تعزيرِ اللُّوطيِّ بقولِهِ\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٣٣).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٣٣)، و\"شعب الإيمان\" (٥٠٧٥).","vol":"3","page":1325},{"text":"تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، وقد جعَلَ المرادَ بالآيةِ اللوطيَّةَ مجاهدٌ وغيرُه (١).\nومَن أتى امرأةً أجنبيَّةً عنه في دُبُرِها، فالأظهَرُ: أنه لا يُشابِهُ حُكْمَ إتيانِ الذُّكْران، وكلاهُما كبيرةٌ عظيمةٌ، وفاحشةٌ ممقوتةٌ، ولكنَّ الفواحشَ مراتبُ؛ وذلك أنَّ أصلَ مَيْلِ الرجالِ للنِّساءِ فِطرةٌ، وأمَّا مَيلُ الرِّجالِ للرِّجال، فليس مِن الفِطْرةِ في شيءٍ.\nفإتيانُ الرجُلِ امرأةً أجنبيَّةً عنه مِن غيرِ المكانِ المشروعِ فيه تعزيرٌ، وبعضُ العلماءِ جعَلَهُ كحُكمِ الزِّنى؛ وهذا ظاهرُ مذهب الأئمَّةِ الأربعةِ؛ وهو نصُّ مالكٍ في \"المدوَّنةِ\"، والشافعيِّ في \"الأمِّ\"، وهو قولُ أبي يوسفَ ومحمدِ بنِ الحسن، وللشافعيِّ وأبي حنيفةَ قولٌ بأنَّه تعزيرٌ لا يُشبِهُ حَدَّ الزِّنى.\nوإتيانُ البهيمةِ لا يثبُتُ فيه شيء، والأظهَرُ فيه التعزيرُ، والله أعلَمُ.\nقال تعالى: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٨٥ - ٨٦].\nفي هذه الآيةِ: بيانٌ لِعِظَمِ حُرمةِ أموالِ الناسِ؛ حيثُ أرسَلَ اللهُ شُعَيْبًا إلى قومِهِ لأجلِ ذلك، وقد وقَعَ قومُ شُعَيْبٍ في تطفيفِ المِكْيالِ والمِيزان، وفي ذلك أكلٌ لأموالِ الناسِ بالباطلِ؛ حيثُ تكونُ الزيادةُ والنقصانُ بغيرِ حقٍّ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٥٠٠)","vol":"3","page":1326},{"text":"وممَّا وقَعُوا فيه مِن أكلِ أموالِ الناسِ بالباطلِ: أخذُ العُشُورِ مِن أموالِ الناسِ؛ فيَقِفُونَ في الطُّرُقاتِ ويأخُذونَ مِن كلِّ صاحبِ مالٍ عُشْرَ مالِه أو نحوَهُ بغيرِ حقٍّ، ويحذِّرونَ في طُرُقاتِهم مِن شُعَيْبٍ، ويتهمُونَهُ بالكذب، لينفِرَ الناسُ منه؛ كما قال في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1003>المكوسُ والضرائب:</span>\nويدخُلُ في حُكمِ ما فعَلَهُ قومُ شعيبٍ: المُكُوسُ المأخوذةُ على التُّجَّارِ وأهلِ الأموال، والمكوسُ هي الأموالُ المضروبةُ على الأموالِ بلا حقّ، وهي عظيمةٌ دَلَّ الدليلُ على كونِها أعظَمَ مِن الزِّنى، ولمَّا رجَمَ النبيُّ - ﷺ - امرأةً في الزِّنى، قال: \"لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكسٍ لَغُفِرَ لَهُ\" (١).\nوإنَّما كانتِ المكوسَ أعظَمَ مِن الزِّنى مع عظَمةِ الزِّنى وكونِهِ مِن المُوبِقاتِ؛ لأنَّ المكوسَ تتضمَّنُ حقَّ المخلوقينَ مع حقِّ الله، ولكونِها إفسادًا في الأرض، وهي مِن جنسِ المحارَبةِ وإن لم يكنْ فيها قطعُ طريقٍ، وهذا قد يكونَ أعظَمَ وأشَدَّ ممَّا لو كان معه قطعُ طريقٍ؛ لأنَّ قطعَ الطريقِ يُتَّقَى بالسَّيْرِ نهارًا وبرُفْقةٍ، ويفعَلُهُ الناسُ خُفيةً مع علمٍ بتحريمِه، وأمَّا المكوسُ، فتؤخذُ مع إظهارِ حِلِّها وكَوْنِها حقًّا لآخِذِها، وهذا محادَّةٌ للهِ أعظَمُ مِن عِصيانِهِ مع الإقرارِ بالمعصية، وارتكابُ الصغائرِ مع تشريعِها ونسبتِها للهِ أعظَمُ مِن ارتكابِ الكبائرِ غيرَ الشركِ مع الإقرارِ بأنَّها عِصيانٌ للهِ.\nوتعدَّدَتْ أسماءُ العُشُور، فتسمَّى الخَرَاجَ والجَماركَ والمُكُوسَ والإتاوةَ والرسومَ.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٦٩٥).","vol":"3","page":1327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1004>أنواعُ الضرائِب والعشورِ:</span>\nوالعُشُورُ التي تُؤخَذُ مِن المسلِمينَ، ويُسمَّى بعضُها اليومَ ضرائبَ؛ على نوعَيْنِ:\nالنوعُ الأوَّلُ: أموالٌ يَضرِبُها الحُكَّامُ والسلاطينُ على التُّجَّارِ وأصحابِ الأموالِ المُسلِمينَ بلا شيءٍ يُقابِلُها مِن عملٍ، فلا يَحمِلونَ لهم متاعَهم، ولا يَحْمُونَهُ لهم؛ فتلك العُشُورُ والضرائبُ محرَّمةٌ بلا خلافٍ، وهي مِن جنس ما كان يفعلُهُ قومُ شُعيْبٍ؛ كمَنْ يأخُذُ نِسْبةً على كلِّ المبيعاتِ وعلى التِّجَاراتِ والمدَّخَراتِ والمملوكات، وما يُؤخَذُ على أشخاصِ العاملينَ، فكلُّه عشورٌ محرَّمةٌ.\nالنوعُ الثاني: الأموالُ التي تؤخَذُ على التجارةِ وأصحابِ المالِ والعُمَّالِ مقابِلَ عملٍ يُقدِّمُهُ السُّلطانُ والحاكمُ ونظامُهُ لهم، وذلك بحَمْلِ متاعِهِمْ وحمايتِهِ مِن قُطَّاعِ الطريقِ:\nفإنْ كانتْ تلك الخِدمةُ التي تُقدَّمُ لأصحابِ الأموالِ مِن بيتِ المال، وفي المالِ العامِّ قُدْرةٌ على إعانةِ الناسِ وحِفْظِ مالِهِمْ ورعايتِه، فذلك حق لهم لا يُؤخَذ عليه عِوَضٌ.\nوإنْ كان في بيتِ المالِ عَجزٌ وضَعْفٌ، فيجوزُ أخذُ مالٍ على التجاراتِ والمالِ بمِقدارِ ما يُقدَّمُ عليه مِن عملٍ وجهدٍ؛ كتحميلِهِ وحفظِهِ وتخزينِه، ويكونُ بالعدلِ المقدَّر، لا بما يزيد عن ذلك؛ لأنَّ الدَّوَلَ لا تأذَنُ أنْ يقومَ الناسُ بحِفْظِ أمنِهم في الطُّرُقاتِ والأسواقِ والمَتاجِرِ فتضْعُفَ هَيبةُ السُّلْطان، ولا يقومُ ذلك إلا بأخذِ ما يُقابِلُهُ؛ وهذا كلُّه مشروطٌ جوازُهُ بشرطَيْنِ:\nالأوَّلُ: أن يكونَ مقابِلَ عملٍ يُقدَّمُ لصاحبِ المالِ والتاجرِ.\nالثاني: أن بكونَ بمِقْدارِ ذلك العملِ لا يَزيدُ عليه؛ فلا يكونَ في","vol":"3","page":1328},{"text":"المأخوذِ على صاحبِ المالِ غَبْنٌ؛ كمَن يُعبِّدُ للناسِ الجُسُورَ والطُّرُقاتِ والمصالحَ العامَّةَ، ويُفسِدُها مرورُ الناسِ عليها ويجبُ رعايتُها، فيُؤخَذُ منهم قَدْرُ رعايتِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1005>أخذُ الضرائبِ من غيرِ المسلمين:</span>\nويجوزُ أخذُ العُشُورِ والضرائبِ على أموالِ غيرِ المسلِمينَ؛ وبهذا عَمِلَ عمرُ وأقَرَّهُ الصحابةُ على ذلك، والكافرُ إمَّا أن يكون حربيًّا؛ فالأصل في مالِهِ الحِلُّ، وإمَّا أن يكونَ ذمِّيا؛ فيجوزُ أخذُ الجِزْيةِ منه، وأخذُ الجِزْيةِ منه دليلٌ على أنه في أنفُسِهم وأموالِهم حقٌّ للمسلِمينَ، يُقدِّرُهُ حاكمٌ عالمٌ عادلٌ على ما أقامَ العدلَ فيهم مِن غيرِ ظُلْمِهم.\nوقد صحَّ عن ابنِ عمرَ: \"أنَّ عمرَ بنَ الخَطَّاب كان يَأخُذُ مِنَ النَّبَطِ مِنَ الحِنطَةِ وَالزَّيْتِ نِصْفَ العُشْرِ؛ يُرِيدُ بذَلِكَ أَنْ يُكْثُرَ الحَمْلُ إِلَى المَدِيَنة، وَيَأخذ مِنَ القِطْنِيَّةِ العُشْرَ\"؛ رواهُ مالكٌ (١).\nوأخرَجَ مالكٌ أيضًا في \"الموطَّأِ\"، عن ابنِ شهابٍ، عن السائبِ بنِ يزيدَ؛ أنه قال: \"كُنْتُ غلَامًا عَامِلًا مَعَ عبد اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسعُودٍ عَلَى سُوقِ المَدِينَةِ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب، فَكُنَّا نَأخُذُ مِنَ النَّبَطِ العُشْرَ\" (٢).\nوالأحاديثُ المرفوعةُ فيها لا تصحُّ، وأعلى شيءٍ صحيحٍ في جوازِ أخذِ العشورِ مِن غيرِ المُسلِمينَ عن عُمَرَ وأقَرَّهُ الصحابةُ، ويُروى عندَ أبي داودَ؛ مِن حديثِ حربِ بنِ عبيدِ الله، عن جدِّه أَبي أُمِّه، عن أبيهِ؟ قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: \"إنَّمَا الْعُشور عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَيسَ عَلَى المسلمِينَ عُشُورٌ\" (٣)؛ ولا يصحُّ.\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (عبد الباقي) (١/ ٢٨١).\n(٢) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٨١).\n(٣) أخرجه أبو داود (٣٠٤٦).","vol":"3","page":1329},{"text":"ولا يُحفَظُ لعمرَ مخالِفٌ مِن الصحابةِ في جوازِ ذلك، وقد رَوَى عبدُ الرزَّاق، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عمرِو بنِ شعيبٍ: \"كَتَبَ أَهلُ مَنْبجَ وَمَنْ وَرَاءَ بَحْرِ عَدَنَ إِلَى عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ يَرضُونَ عَلَيْهِ أنْ يَدخُلُوا بِتِجَارَتِهِم أرْضَ العَرَبِ وَلَهُم العشُورُ مِنهَا، فَشَاوَرَ عُمَرُ فِي ذَلِكَ أَصحَابَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَأَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أخَذَ مِنْهُمُ العُشُورَ\" (١).\nولمَّا فتَحَ النبيُّ - ﷺ - خَيبَرَ، أَبْقَى رَقَبةَ الأرضِ بأيْدِي يهودَ؛ نظيرَ خَرَاجِ يُؤدُّونهُ إلى المسلِمينَ، ومِثْلَ ذلك فعَل عمرُ في سَوَادِ العراقِ.\nوإنَّما كانتِ العشورُ والجِزْيةُ على الكفَّارِ؛ لأنَّه ليس عليهم في مالِهم زكاةٌ ولا صَدَقةٌ كالمُسلِمينَ، في نقودِهِم ومَوَاشيهِمْ ونَخِيلِهم، كما قال مالكٌ: \"لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الذمةِ وَلَا عَلَى المَجوسِ فِي نَخيلِهِمْ، وَلَا كُرُومِهِم، وَلَا زُرُوعِهِمْ، وَلَا مَوَاشِيهِم: صَدَقَةٌ، لِأنِّ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا وُضِعَتْ عَلَى المُسلِمِينَ؛ تَطْهِيرًا لَهُمْ، وَرَدًّا عَلَى فُقَرَائِهِمْ\" (٢).\nولم يكنْ عمرُ يأخُذُ العُشورَ على المُسلِمينَ؛ كما قالهُ ابنُ عمرَ لمَّا سُئِلَ عن ذلك: هَل عَلِمْتَ عُمَرَ أخَذَ الْعُشْرَ مِنَ المُسلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا، لَمْ أعلَمهُ (٣).\nوقد كان عمرُ يأخُذُ مِن المُسلِمينَ زكاةً، ومِن الذمِّيِّينَ عُشُورًا؛ كما جاء عن أنسِ بنِ سيرينَ؛ قال: \"بَعَثنِي أَنَسُ بن مَالِكٍ - ﵁ - عَلَى العُشُور، فَقُلْتُ: تَبْعَثُنِي عَلَى العُشُورِ مِنْ بَينِ غِلْمَتِكَ؟ فَقَالَ: ألَا تَرضَى أَنْ أَجْعَلَكَ عَلَى مَا جَعَلَنِي عَلَيهِ عُمَرُ بن الخَطَّابِ - ﵁ -؟ ! أَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنَ\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٠١١٨ و١٩٢٨٠).\n(٢) \"موطأ مالك\" (١/ ٢٧٩).\n(٣) أخرجه أبو عبيد في \"الأموال\" (١٦٤٤).","vol":"3","page":1330},{"text":"المُسلِمِينَ رُبُعَ العُشر، وَمِن أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ العُشْر، وَمِمَّنْ لَا ذِمَّةَ لَهُ العُشْرَ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1006>أخذُ خَرَاجِ الأرضِ مع الزكاةِ:</span>\nوإذا كان المسلِمُ يَنَتفِعُ بأرضِ الخراج، فقد اختلَفَ الفقهاءُ في جوازِ أخذِ خراجٍ عليه مع الزكاةِ على قولَيْنِ:\nوجمهورُ العلماءِ: على جوازِ اجتماعِ الخراجِ والزكاةِ في مالِ المسلمِ المُنتفِعِ مِن الأرضِ الخَرَاجِيَّة؛ وذلك أنَّهم يَجعلونَها في حُكْمِ كِرَاءِ الأرضِ؛ فعليه دفعُ حقِّها إلى أهلِها، وأهلُها بيتُ المالِ؛ كما لو اكتَرَى أرضًا مِن أحدٍ، فلا يَمنَعُ الكِرَاءُ الزكاةَ، ولا الزكاةُ الكِرَاءَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1007>أخذُ المالِ مِن الناسِ عند إفلاسِ بيتِ المالِ:</span>\nوأجازَ بعضُ الفقهاءِ: أنْ يأخُذَ السُّلطانُ المالَ مِن المُسلِمينَ عندَ خُلُوِّ بيتِ المالِ مِن المال، فيأخُذَ بما يَحفَظُ قِوامَ الدَّوْلةِ وَيحمي ثغُورَها وداخِلَتَها، ولا يَظلِمُ ولا يَبغي ولا يَغبِنُ أحدَا في الأخذِ منه، والأظهَرُ: أنه لا يجوزُ للسُّلطانِ أن يأخُذَ مِن أموالِ الناسِ شيئًا عندَ خلوِّ بيتُ المالِ مِن المال، إلَّا بعدَما يَستَنفِقُهُم ويَستعطِيهِم، فيَستحِثُّ التُّجَّارَ وأهلَ الجِدَةِ على الإنفاقِ عندَ الحاجاتِ العامَّة، فإن أنفَقُوا واكتفَى بيتُ المال، لم يَجُزْ له أنْ يأخُذَ ما زادَ على ذلك، وإنْ أنفَقُوا ولم يَكف، جازَ له أن يأخُذَ بقدرِ العَوَزِ والحاجة، وقد صحَّ عن عمرَ بنِ الخطَّابِ - ﵁ -، أنه قال: \"لَوِ اسْتَقْبلتُ مِنْ أَمرِي مَا استدْبَرتُ، لَأخَذْتُ فُضُولَ الأغنِيَاء، فَقَسَمتُهَا فِي فقَرَاءِالمُهَاجِرِينَ (٢).\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢١٠).\n(٢) أخرحه ابن زنجويه في \"الأموال\" (١٣٦٤).","vol":"3","page":1331},{"text":"ولا يَحِل بغيرِ الضروراتِ ولا ما زادَ عن الحاجة؛ فإنَّه لا يَحِلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ الَّا بطِيبِ نفسٍ منه، إن النبيَّ - ﷺ - قد مَرَّت به شدائدُ وبالمُسلِمينَ فاقاتٌ وحاجاتٌ، ومِثلُ ذلك في الخُلَفاء، فما كانوا يأحُذونَ أموالَ الناسِ كَرْهَا، بل كانوا يَستَحثونَهُمْ ليُنِفِقُوا فيُنفِقون ويَكتفُون.\nولو أخَذَ الحاكمُ زكاةَ الأغنياءِ واستحَثَّهُم على الصَّدَقة، لم يَحتَجِ المُسلِمونَ غالبًا لغيرِ ذلك؛ فإنَّ أكثَرَ الفقرِ في الدولِ يكونُ بسببِ أمرَيْنِ: إمَّا بضَعْفِ جِبَايةِ الصَّدَقةِ المشروعةِ مِن الأغنياء، أو بسُوءِ قسْمتِها على الفقراءِ بعدَ جَمعِها.\nولو أقامَ الحُكامُ الدُّوَلَ على ما أمَرَ اللهُ، لم يَحتاجُوا في الغالبِ إلى سَدِّ بيتِ المالِ بغيرِ المالِ المشروعِ؛ فقد جعَلَ اللهُ لبيتِ المالِ مَوارِدَ؛ منها الزكاةُ والصَّدَقةُ والغنيمةُ والفَيْءُ.\n* * *\n\n° قال تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٠].\nذكَرَ الله في الآيةِ سجودَ السحَرَة، وظاهرُ سجودِهم: أنه مِن غيرِ صلاةٍ؛ لأنَّهم أُلْقُوا ساجِدِينَ كما كانوا يَفعَلُونَ لفِرْعَوْنَ ولآلهتِهم، وقد شرَعَ اللهُ الصلاةَ وجعَلَ فيها أعمالًا، منها: ما يصحُّ التعبُّدُ به منفرِدًا بلا صلاةٍ، ومنها: ما لا يصحُّ التعبدُ به منفرِدًا، وإنَّما جازَ لكونِهِ في صلاةٍ فالصلاةُ تتضمَّنُ أفعالًا، كالقيامِ والقعود، والركوعِ والسجود، وإشاراتٍ؛ كرفعِ اليدَيْنِ والأصبَعِ فليس كل ما جازَ في الصلاة، يجوز خارجَها، فمِن أَعمالِ الصلاةِ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1008>التعبُّدُ بالقيامِ وَحدَهُ:</span>\nالقيامُ: والقيامُ عبادةٌ في الصلاةِ لا خارجَها؛ فلا يصحُّ مِن أحدٍ أنْ","vol":"3","page":1332},{"text":"يَقِفَ متعبِّدًا للهِ بلا صلاةٍ بالاتِّفاق، ما لم يكن قيامُهُ لأجلِ عملٍ مقصودٍ أَوْلى مه كالدُّعاءِ؛ كمَن يقفُ على الصَّفَا والمَرْوَةِ يَدْعُو، فإَّنما وقَفَ لأجلِ الدُّعَاءِ لا لِذَاتِ القيام، فشُرعَ القيامُ تَبَعًا، ومِثلُهُ الوقوفُ للدُّعَاءِ عندَ الدعاءِ في رمي الجِمارِ وبعَرَفةَ، وعندَ الشدائدِ والتقاءِ الصَّفَّيْنِ؛ كما كان النبيُّ - ﷺ - يفعلُهُ في بدرٍ وغيرِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1009>التعبُّدُ بالركوعِ وَحْدَه:</span>\nومِن أعمالِ الصلاةِ: الرُّكُوعُ، وليس عبادةً مستقلَّةً بحالٍ؛ فلا يصحُّ مِن أحدٍ أن يركَعَ للهِ مِن غيرِ صلاةٍ ولو استقبَلَ القِتلةَ؛ لأنَّ الركوعَ إنَّما شُرعَ في الصلاةِ بلا خلافٍ، ولم يَتعبَّدِ النبيُّ - ﷺ - ولا أصحابُهُ بالركوعِ بحالٍ، ولم يَشرَعِ اللهُ للركوعِ سببًا في غيرِ الصلاةِ.\nومِن أعمالِ الصلاةِ: التعبُّدُ بالإشارةِ باليَدَيْنِ أو بالإصبع: وتُشرَعُ في الصلاةِ وغيرِها، ولكن بسببٍ قد دلَّ الدلِيلُ عليه؛ فقد شرَعَ النبيُّ - ﷺ - الإشارةَ في الصلاةِ عندَ تكبيرةِ الإحرامِ والركوعِ والرفعِ مه، وشَرَعها في غيرِه عندَ المرورِ بالحَجَرِ الأَسْوَدِ وبَذْلِ السلام، ولكنْ لا يُشرَعُ التعبُّدُ بها مِن غيرِ سببٍ دَلَّ الدليلُ عليه، ومِثلُها الأشَارةُ بالإصبعِ؛ فشُرِعَت في التشهُّدِ في الصلاة، ويجورُ رفعُها عندَ الدُّعاءِ خارجَ الصلاة، وعندَ النُّطْقِ بالشهادتَين، وذاتُ الإشارةِ ليست عبادةً وحدَها، فلا يُتعبَّدُ بها مجرَّدةً كما يُتعبَّدُ بالسجودِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1010>التعبُّدُ بالجلوسِ:</span>\nومِن أعمالِ الصلاةِ: الجلوسُ، وهو مشروعٌ في الصلاةِ على أحوالٍ وأوصافٍ؛ كالتشهُّدِ وبينَ السجدتَين، ويُشرَعُ التعبُّدُ لله بالجلوسِ في المسجدِ وغيرِهِ للذِّكرِ وانتظارِ الصلاةِ وغيرِ ذلك ممَّا شرَعَهُ اللهُ، ولا يُشرَعُ","vol":"3","page":1333},{"text":"التعبُّدُ لله بالجلوسِ المجرَّدِ بلا سببٍ يَقترِنُ به؛ فليس عبادةً في ذاتِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1011>حكمُ السجودِ بسببٍ وغيرِ سببٍ:</span>\nومِن أعمالِ الصلاةِ: السجودُ؛ وهو أعظَمُ أعمالِ الصلاة، وأعظَمُ مِن القيامِ والركوعِ والجلوس، وأقرَبُ ما يكونُ العبدُ إلى ربِّه، وهو ساجدٌ، ويُشرَعُ في الصلاةِ وفي غيرِ الصلاة، وفي غيرِ الصلاةِ؛ كسجودِ التلاوةِ والشُّكرِ والآية، واختلَفَ العلماءُ في جوازِ التعبُّدِ للهِ بالسجودِ بلا سببِ على قولَينِ:\nوالأصحُّ: عدمُ جوازِ ذلك؛ لأنَّه لو كانَ مشروعًا، لَدَلَّ الدليلُ على التعبُّدِ بالسجودِ؛ فهو أيَسرُ للمسلِمِ مِن إنشاءِ الصلاة، وقياس جوازِهِ على جوازِ الصلاةِ خطأٌ؛ فإنَّ الصلاةَ قد دلَّ الدليلُ على جوازِها بسببٍ وبغيرِ سببٍ؛ فشرَعَ اللهُ النوافِلَ المُطلَقة، ولم يَشرَعِ السجودَ المُطلَقَ، وهو أيسَرُ وأسهَلُ وأولى لو كان جائزًا أن يَرِدَ الدليلُ في جوازِه.\nثم إنَّه لم يثبُت عن النبيِّ - ﷺ - أنه كان يسجُدُ بلا سببٍ، لا هو ولا أصحابُه، وكلُّ السجودِ المرويِّ عنهم فكان لسببٍ خارجٍ عن مجرَّدِ السجودِ؛ كالتلاوةِ؛ فلولا التلاوةُ ما سجَدَ، وكسجودِ الآيةِ؛ فلولا الآيةُ ما سجَدَ، وكسجودِ الشكرِ؛ ولولا ظهورُ النِّعْمةِ ما سجَدَ.\nوالقولُ بمشروعيَّةِ السجودِ بلا سببٍ: يُعطِّلُ الصلاةَ، ولو كان، لَظهَرَ العمل به في السالفِين؛ فإنَّ السجودَ أَعظَمُ أعمالِ الصلاة، وتتشوَّفُ الناسُ إليه؛ ومِن ذلك ما جاءَ في \"صحيحِ مسلمٍ\" مِن قولِهِ - ﷺ -: (عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ؛ فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، إلَّا رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً) (١)، والمرادُ بذلك: الصلاةُ، لا السجودُ المجرَّدُ، فاللهُ يُسمِّي\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٤٨٨).","vol":"3","page":1334},{"text":"الصلاةَ سجودًا؛ وذلك لأنَّ الشيءَ يُسمَّى بأعظَمِ ما فيه. أو بالعظيمِ به، كما يُسمَّى الإنسانُ رَقَبةً، فيُقالُ: عتَقَ رَقَبةً، ويُقالُ في الحيوانِ والإنسانِ: رَأسٌ لأنَّ الرأسَ أعظَمُ ما فيه.\nومِن العلماءِ: مَن يقولُ بأسبابٍ تُجيزُ السجودَ غيرِ منصوصٍ عليها في الشريعةِ؛ وإنَّما أدخَلُوها مِن بابِ الاجتِهادِ؛ فحمَلَ بعضُ الناسِ قولَهُمْ ذلك على جوازِ التعبُّدِ بالسجودِ بلا سببٍ، وليس كذلك، كما ينقُلُهُ بعضُهم عن ابنِ تيميةَ؛ أنه قال: \"ولو أرادَ الإنسانُ الدُّعَاءَ، فعَفَّرَ وجهَهُ للهِ فِيِ التراب، وسجَدَ له لِيَدْعُوَهُ؛ فهذا سجودٌ لأجلِ الدُّعَاء، ولا شيءَ يَمنَعُه\" (١).\nوابنُ تيميةَ أنَّما جعَلَ سببًا جائزًا للسجود، ولم يَجعَلِ السجودَ بلا سببٍ جائزًا، وفرقٌ بين هاتَيْنِ الحالتَين، وقد نصَّ ابنُ تيميَّةَ على كراهةِ السجودِ بلا سببٍ، كما في \"اختياراتِ البعليِّ\" (٢).\nوكثيرٌ مِن العلماءِ على كراهةِ السجودِ بلا سببٍ، ونصَّ على تحريمِهِ الجُوَينيُّ وأبو حامدٍ الغزاليُّ والنَّوويُّ والعِزُّ بن عبد السلام، وغيرُهم كثيرٌ.\nومِن الفقهاءِ -خاصَّةً أهلَ الرأي المتأخرينَ منهم- من يُجيزُ ذلك، ويتوقَّفُ في مشروعيَّته، والسجودُ عبادةٌ إن لم يكنْ مشروعًا فهو ممنوعٌ.\nوظاهرُ سجودِ السَّحَرَةِ: إمَّا سجودُ آيةٍ لِمَا رأَوْا مِن دلائلِ حقِّ اللهِ عليهم، وإمَّا لأجلِ الدُّعاءِ بقَبُولِ التوبةِ وغُفرانِ ذنبِهم، وإمَّا أنْ يكونَ لإثباتِ إيمانِهم بالله، فإنَّ الأفعالَ أَثبَتُ مِن الأقوالِ؛ فأرادُوا أن يُبيِّنُوا\n_________\n(١) \"الفتاوى الكبرى\" (٥/ ٣٤٠).\n(٢) \"الاختيارات الفقهية\" لابن تيمية (ص ٩٢).","vol":"3","page":1335},{"text":"أنَّهم يَسجُدونَ لغيرِ فِرْعَوْنَ وَيعبُدُونَ اللهَ وحدَهُ، وقد يكون اجتمعتْ فيهم تلك الأسباب كلُّها، واللهُ أعلَمُ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٠].\nلمَّا دخَلَ بنو إسرائيلَ في التِّيه، أعطاهُمُ اللهُ الطعامَ والشرابَ، وقد جعَل اللهُ الشرابَ بعَدَدِهِمْ؛ فقد كانوا اثنَيْ عشَرَ سِبْطًا، لكلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ يَشْرَبُ منها هو ومَنْ معه، رَوَى عِكْرِمةُ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: \"ذَلِكَ فِي التِّيهِ؛ ضَرَبَ لَهُمْ مُوسَى الْحَجَرَ، فَصَارَ فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا مِنْ مَاءٍ، لِكُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ عَينٌ يَشْرَبُونَ مِنْهَا\" (١).\nورَوَى النَّسَائيُّ، عن سعيدٍ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عبَّاس؛ قال: (فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا، فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ ثَلَاثَةُ أَعْيُنٍ، وَأعْلَمَ كُلِّ سِبْطٍ عَينَهُمُ الَّتِي يَشْرَبُونَ مِنْهَا\" (٢).\nوبنحوِه قال مجاهدٌ وجُوَيْبِرٌ وغيرُهما (٣).\nوفي هذا: أنَّ الأصلَ مساواةُ الرعيَّةِ في العطيَّة، فإنَّ هذا أقوَمُ لصفاءِ نفوسِهم، وقضاءِ وَطَرِهم، وقطعًا للنِّزاعِ بينَهُمْ وبينَ مَن يَلِي أمْرَهم.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٧).\n(٢) أخرجه النسائي في \"السنن الكبرى\" (١١٢٦٣).\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ١٢٢).","vol":"3","page":1336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1012>اتخاذُ العرفاء والنقباء:</span>\nوفي ذلك: مشروعيَّةُ جعلِ العرَفاءِ والنُّقَباءِ على الناسِ؛ يَقُومُونَ بشأنِهم، وَيرعَوْنَ قِسْمةَ عطاياُهم بينَهم؛ كما فعَلَ الأسباطُ مع مَن كان معهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٥٩ - ١٦٠].\nومِن السياسةِ الشرعيَّةِ: جعلُ نُقَباءَ في المجتَمَعاتِ؛ على كلِّ جهةٍ وناحيةٍ وجماعةٍ مِن الناسِ واحدٌ يبيِّنُ للسُّلطانِ حالَهم، وَيرْفَعُ حاجتَهم، وَيدْفَعُ فتْنَتَهم، ولا تكونُ للواحدِ منهم شَوْكةٌ يَفتئِتُ بها على إمامِ المُسلِمينَ.\nومِن ذلك: تمييزُ ما لكلِّ بلدةٍ وجماعةٍ عمَّا للأُخرى، حتى لا تتنازَعَ مع غيرِها؛ فإنَّ الناسَ تتنافَس على الدُّنيا وتتقاتَلُ عليها، وفي فصلِ الحقوقِ وتمييزِها قطعٌ للنِّزاعِ والخلافِ؛ ولذا قال تعالى مُظهِرًا منَّتَهُ: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾، وقد قال يحيى بن النضرِ: قلتُ لجُوَيْبِرٍ: كيف عَلِمَ كل أناسٍ مَشْرَبَهم؟ قال: كان موسى يَضَعُ الحَجَرَ ويقومُ مِن كلِّ سِبْطٍ رجلٌ، ويضربُ موسى الحجرَ فينفجِرُ منه اثنتَا عشْرةَ عينًا، فينْضَحُ مِن كلِّ عَيْنٍ على رَجلٍ، فيَدْعُو ذلك الرجلُ سِبْطَهُ إلى تلك العَينِ (١).\nومِثلُ هذا العدلِ والتمييزِ يَدفَعُ الفسادَ والبَغْيَ والظُّلْمَ، ولما كان ذلك كذلك، أقامَ اللهُ بقِسْمةِ الحقوقِ والرزْقِ العَدْلَ؛ قال كما في البقرة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [٦٠]\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ١٢٢).","vol":"3","page":1337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1013>حكمُ أخذِ السلطانِ مِن بيتِ المالِ وحدودُهُ:</span>\nويأخُذُ الحاكمُ مِن بيتِ المالِ ما يَكفِيهِ ويُغنيهِ عن الاشتغالِ بالتكسُّبِ؛ حتى لا تتعطَّلَ مصالحُ المُسلِمينَ باشتغالِهِ عنهم؛ وبهذا القَدْرِ كان يأخُذُ أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ -عليهم رضوانُ اللهِ- لأنَّ المالَ مِلْكٌ للمُسلِمينَ ومصَالِحِهم، لا مِلْكٌ يخُصُّ السُّلْطانَ.\nولذا قال أبو بكرٍ الصِّدِّيق: \"إنِّي ما أصَبْتُ مِن دُنياكُم بشيءٍ، ولقد أقمتُ نفسي في مالِ اللهِ وفَيءِ المُسلِمينَ مُقَامَ الوَصِيُّ في مالِ اليتيمِ؛ إنِ استغنَى تعَّففَ، وإنِ افتقَرَ أكَلَ بالمعروفِ\" (١).\nورُوي عن عمرَ بنِ الخطَّابِ قولُهُ: \"والله، ما كنتُ أَرَى هذا المالَ يَحِقُّ لي مِن قَبْلِ أن ألِيَهُ إلَّا بحقِّه، وما كان قطُّ أَحْرَمَ عليّ منه إذْ وَلِيتُهُ، فأصبَحَ أمانتي\" (٢).\nوفي هذا المعنى عنهما شيءٌ غبرُ قليلٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1014>قِسْمَةُ المالِ العامِّ:</span>\nوالأصل: أنَّ العطيَّةَ تكونُ بينَ الرعيَّة بالسَّوَاء، إلَّا لمصلحةٍ عامَّةٍ راجحةٍ تَقتضيهِ؛ فيكونُ مِن بابِ تأليفِ القلب، ودفعِ شرِّ ذي الشرِّ.\nومِن واجباتِ السُّلْطانِ في المالِ: قِسْمةُ المالِ في مهمَّاتِه، فلا يُقدِّمُ حقًّا على أَحَقَّ منه، فضلًا عن تقديمِ شرٍّ على خيرٍ، وباطل على حقٍّ؛ فالمالُ أمانةٌ، ومَن وضَعَهُ في موضعٍ وهو يَعلَمُ موضعًا أوجَبَ منه وأحَقَّ، فقد تخوَّضَ في مالِ اللهِ بغيرِ حقٍّ كما قال - ﷺ -: (إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ في مَالِ اللهِ بِغَيرِ حَقٍّ؛ فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ) (٣).\n_________\n(١) \"تاريخ اليعقوبي\" (٢/ ٢٤).\n(٢) \" الطبقات الكبرى\" (٣/ ٢٧٧).\n(٣) أخرجه البخاري (٣١١٨).","vol":"3","page":1338},{"text":"ومَن تصرَّفَ في مالِ المُسلِمينَ بغيرِ وَجْهِه، ففيه صِفَةٌ مِن المُلُوك، ومَن صرَفَهُ بعدلٍ بينَ الناسِ بالعدلِ وعلى حقِّ الله، فهو خليفةٌ على مِنْهاج النبوَّةِ؛ فقد سأَل عمرُ سَلْمانَ الفارسيَّ: \"مَلِكٌ أنَا أمْ خَلِيفَةٌ؟ قال: إِن أَنْتَ حَبَيْتَ مِنْ أَرْضِ المُسْلِمِينَ دِرْهَمًا أوْ أَقَلَّ أَو أَكثَرَ، ثُمَّ وَضَعْتَهُ فِي غَيْرِ حَقِّه، فَأَنْت مَلِكٌ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1015>إعطاءُ الحاكِمِ مالًا لأحدٍ دُونَ غيرِهِ:</span>\nوللحاكمِ أن يُعطيَ مِن المالِ لأحدٍ ما لا يُعطِي غيرَهُ؛ إذا قامتْ مصلحةٌ عامَّةٌ، لا مصلحةٌ خاصَّةٌ يتضرَّرُ بها غيرُهُ، فردًا كان أو جماعةً، وقد أعطى النبيُّ - ﷺ - أقوامًا، وترَكَ آخَرِينَ، لمصلَحَةِ تأليفِهم، لا لمصلحةِ أشخاصِهم ودُنْياهم يَنتفِعُونَ يها وَيتضرَّرُ بذلك غيرُهم، والحاكمُ نائبٌ عن المُسلِمينَ في التصرُّفِ في المالِ بما يُصلِحُ دِينهُمْ ودُنياهم، وفي \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ سعدٍ -﵁-؛ أنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - أعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَجُلَا هُوَ أعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا لَكَ عَن فلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لَأرَاهُ مُؤُمِنًا، فَقَالَ: (أَوْ مُسْلِمًا)، فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدتُّ لِمَقَالَي، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَن فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لَأرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: (أَو مُسْلِمًا)، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أعْلَمُ مِنهُ فَعُدتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ قَالَ: (يَا سَعْدُ، إِنِّي لَأُعْطي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ؛ خشْيَةَ أن يَكُبَّهُ الله في النَّارِ) (٢).\nوقد قال النبيُّ - ﷺ -: (مَا أُعْطِيكُمْ وَلَا أَمْنَعُكُمْ؛ إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ؛ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ) (٣)، وفي لفظٍ: (إنْ أَنَا إلَّا خَازِنٌ) (٤).\n_________\n(١) \"الطبقات الكبرى\" (٣/ ٣٠٦).\n(٢) أخرجه البخاري (٢٧)، ومسلم (١٥٠).\n(٣) أخرجه البخاري (٣١١٧).\n(٤) أخرحه أحمد (٢/ ٣١٤)، وأبو داود (٢٩٤٩).","vol":"3","page":1339},{"text":"فجعَلَ - ﷺ - مِن نفسِهِ خازِنًا قاسِمًا بينَهم ما يُؤمَرُ به مِن ربِّه، وما يقومُ به قائمُ العَدْلِ في الميزانِ الذي أنزَلَهُ الله في الأرض؛ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد ٢٥٠]، فإذا لم يكنْ ذلك للأنبياء، فليس لغيرِهم مِن السلاطينِ والحُكَّامِ.\nوإذا لم يَتضرَّرْ بالعطيَّةِ أحدٌ، ووجَدَ الحاكمُ في بعضِ المُسلِمينَ قدرةً على الانتِفاعِ ونفعِ الناسِ باستِصلاحِ أراضي المُسلِمينَ ونفعِهم بها، فله أن يُعْطِيَهُ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩].\nفي هذه الآيةِ: إشارةٌ إلى حقِّ الزوجةِ بالسَّكَن، فأعظَمُ المنافعِ الجامعةِ بينَهما سُكنى النُّفوس، ولذا قال تعالى: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ فلا لسكُنُ الزَّوجُ إلى زوجةٍ إلا بسكنٍ يخلوان فيه معًا عن الناس، وسيأتي الكلامُ على مسألةِ السُّكْنى بتمامِها في سورةِ الطلاق، عندَ قولِ اللهِ تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [٦] فإنَّها أصرَحُ في المسألةِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].\nالمعروفُ: ضدُّ المُنكَر، والعُرْفُ: ضدُّ النُّكر، وفي الآيةِ: دلِيلٌ على حُجِّيِّةِ العُرْفِ والعملِ به، فيما لم يَحسِمْهُ الشرعُ ويُبيِّنْهُ؛ فكلُّ ما","vol":"3","page":1340},{"text":"تطبَّعَت نفوسُ الناسِ عليه، وتوارَدَ على الأذهانِ انصرافُ الذهنِ إليه عندَ ذِكرِه، فدلك العُرْفُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1016>أنواعُ أعرافِ الناسِ:</span>\nوتختلِفُ البلدانُ في أعرافِها، وكلُّ بلدٍ محكومٌ بعُرفِهِ ما لم يَفصِلْ فيه الحُكْمُ مِن الشرع، وقد اعتبَرَ بالعُرْفِ السلفُ لظواهرِ الأدلَّة، والعُرْفُ على نوعَيْنِ:\nعُرْفٌ فاسدٌ، وعُرْفٌ صالحٌ:\nفأمَّا العرفُ الفاسدُ: فما خالَفَ الشرعَ والفِطْرةَ الصحيحةَ، فلو تعارَفَ الناسُ على محرَّمِ وشرٍّ، فيجبُ إنكارُهُ فضلًا عن كونِهِ دليلًا يستحِقُّ الأخذَ به، فقد تعارَفَتِ الأممُ على حرامٍ جاءَ الأنبياءُ بإنكارِه؛ مِن الكُفْر، وأكلِ أموالِ الناسِ بالباطل، واللواط، وتطفيفِ المِكْيالِ والمِيزان، والتعرِّي، والبغيِ والظُّلْم، وَوَأْدِ البنات، وقتلِ الأولادِ.\nوأمَّا العرفُ الصحيحُ: فما لم يُعارِضْ ما حَدَّتْهُ الشريعةُ ووصَفَتْهُ، فالأخدُ بذلك صحيحٌ، ويُحمَلُ مجملُ الأقوالِ والأفعالِ والشروطِ عليه؛ فالقاعدةُ عندَ الفقهاء: أنَّ المعروفَ عُرْفا كالشروط شرطًا، وذلك في الحقوقِ والعقودِ والشروط، والألفاظ، كالقذفِ والسَّبِّ والاستهزاءِ وغيرِ ذلك، وقد قال اللهُ تعالىْ ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال - ﷺ - لِهِنْدٍ زَوْجةِ أبي سُفْيانَ، وقد شكَت له شُحَّ زَوْجِها: (خُذِي مَا يَكفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ)؛ رواهُ البخاريُّ (١).\nوقد يَرِدُ في الشرعِ العملُ على عُرْفِ الصدرِ الأوَّل، لا تعيينًا له\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٣٦٤).","vol":"3","page":1341},{"text":"وتحريمًا للخروجِ عليه، فيَظُنَّهُ الناسُ حدًّا شرعيًّا؛ وإنَّما هو إقرارٌ لعُرْفٍ، وعلامة ذلك خروجُ الصحابةِ خيرِ القرونِ عنه مع عِلْمِهم به، وأقوَى ذلك عمل أهلِ المدينة ومَكَّةَ.\nوما مِن فقيهٍ مِن السلفِ والأئمَّة الأربعةِ إلَّا وقد عَمِلَ بالعُرْف، ولكنْ تختلِفُ درجةُ اعتِبارِهِمْ به وجعلِهِ دليلًا مِن الأدلة؛ فذهَبَ المالكيَّةُ والحنفيَّةُ إلى كونِه دليلًا.\nوقولهُ تعالى ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، فيه عدمُ اعتِبارِ عُرْفِ الجُهَّالِ والضُّلَّال، وما تعارَفَ عليه القِلَّةُ ممَّا لا يُقِرُّ به العامَّةُ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠].\nفي هذه الآيةِ: مشروعيَّةُ الاستعاذةِ عندَ ورودِ الشيطانِ على الإنسانِ بخَطَراتِ السُّوء، أو دخولِ الإنسانِ أماكنَ يُغلِبُ عليها الشيطانُ كأماكنِ القَذَرِ والنَّجَس، أو الخَلَواتِ المُوحِشةِ والبِقاعِ المُقفِرةِ التي يَغلِبُ على الظنِّ ورودُ الجنِّ والشياطين إليها، ولو لم يَرِدْ دليلٌ في خاصَّةِ ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1017>الاستعاذةُ عند التثاؤُبِ:</span>\nومِن ذلك: الاستعاذةُ عندَ التثاؤبِ؛ فهو وإن لم يَصِحَّ فيه شيءٌ مرفوعٌ، إلا أنه لمَّا صَحَّ أنَّ التثاؤبَ مِن الشيطانِ؛ كما في قولِهِ - ﷺ -: (التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَان، فَإِذَا تَثاءَبَ أَحَدكُمْ فَلْيَرُدهُ مَا اسْتَطَاعَ؛ فَإِنَّ أحَدَكُمْ إِذَا قَالَ: هَا، ضَحِكَ الشَّيْطَانُ) (١)، فإنَّه يُستحَبُّ الاستعاذةُ عندَهُ ولو لم يَرِدْ دليلٌ بخصوصِه؛ لعمومِ الآية، ويُروى عن ابن مسعودٍ؛ قال:\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٢٨٩)، ومسلم (٢٩٩٤).","vol":"3","page":1342},{"text":"(التَّثَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ وَالْعُطَاسُ مِنَ الشَّيطَانِ؛ فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْهُ\"؛ رواهُ ابنُ أبي شيْبَةَ، عن يَزِيدَ بنِ أبي ظَبْيَاَن؛ وهو ضعيفٌ (١).\nوالاستعاذةُ عندَ الشيطانِ والشعورِ به والقُرْبِ مِن مَواضعِهِ مشروعةٌ، وهي كمشروعيَّةِ تخصيصِ الحَمدِ مِن أنواعِ الذِّكرِ بالقولِ عندَ تجدُّدِ النِّعْمةِ؛ لأنَّ مِن شُكرِها حَمْدَ اللهِ عليها؛ فلا يحتاجُ المؤمن إلى نَصِّ في كلِّ نعمةٍ تتجدَّدُ أنْ يخصَها بالحمدِ للهِ مِن دونِ الأذكارِ؛ كما أنه لا يحتاجُ إلى نصِّ في كلِّ قُرْب للشَّيْطانِ منه أن يَخُصَّهُ بالاستعاذةِ باللهِ منه مِن دونِ الأذكارِ والأدعيةِ؛ وذلك لأنَّ اللهَ عمَّمَ وقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1018>مواضعُ الاستعاذةِ:</span>\nوقد جاء في الوحيِ بيانٌ لمواضعِ الشيطانِ مِن الإنسان، وشُرِعَتْ لها عندَها الاستعادةُ:\nفمنها: الغَضَبُ؛ كما قال البنيُّ - ﷺ - للغاضبِ: (إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَان، ذَهَبَ عنْهُ مَا يَجِدُ) (٢).\nومنها: الحُلُمُ، كما قال - ﷺ -: (الحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَان، فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلُمًا يَخَافُهُ، فَلْيَبْصُق عَنْ يَسَارِه، وَلْيَتَعَوَّذ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا) (٣).\nومنها: عندَ سماعِ نَهِيقِ الحَمِيرِ؛ كما قال - ﷺ -: (إِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الحِمَارِ؛ فتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًا) (٤).\n_________\n(١) أخرجه بن أبي شيبة في \"المصنف\" (٧٩٨٥).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٢٨٢)، ومسلم (٢٦١٠).\n(٣) أخرجه البخاري (٣٢٩٢).\n(٤) أخرجه البخاري (٣٣٠٣)، ومسلم (٢٧٢٩).","vol":"3","page":1343},{"text":"ومنها: عندَ الولادةِ ووضعِ الجَنِينِ؛ كما قال - ﷺ -: (كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ في جَنْبَيْهِ بإِصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ، غَيْرَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ) (١)، وقد قالتِ امرأة عِمرانَ لمَّا وضَعَت مَرْيَمَ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]، ويكونُ التعوُّذُ للتخفيفِ مِن أثرِ الشيطانِ لا لمنعِه؛ لأنَّ اللهَ أقْدَرَهُ على الجميعِ إلَّا عيسى.\nومنها: خطَرات السُّوءِ التي يَستدرجُ بها الشيطانُ الإنسانَ ليُفسِدَ إيمانَهُ بربِّه؛ كما في قولِه - ﷺ -: (يَأْتِي الشَّيْطَان أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ، فَلْيَسْتَعذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ) (٢).\nومنها: ما جاءَ أنه مِن كيدِ الشيطانِ ووَسْواسِهِ بالإنسانِ؛ كالتفاتِ المصلِّي، وكذلك وَسْواسُهُ في صلاتِه، وحينَما اشتَكَى عثمانُ بن أبي العاصِ للنبيِّ - ﷺ - مِن ذلك، قال: (ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ: خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ، فَتَعَوَّذ بِاللهِ مِنْهُ، وَأْتْفِل عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا)؛ كما رواهُ مسلمٌ (٣)، وفيه أن الإنسانَ قد يُحِسُّ بالشيطانِ؛ ولذا قال عثمانُ بن أبي العاصِ في هذا الحديثِ: \"فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأذْهبَهُ اللهُ عَنِّي\".\nوفد تُستحَبُّ الاستعاذةُ من الشيطانِ في مواضِعَ لم يأتِ التصريحُ بعلَّتِها والحِكْمةِ منها:\nكالاستعاذةِ قبلَ القراءةِ في الصلاةِ وخارجَها، وظاهرُهُ: أنه صَرْفٌ للشَّيْطانِ أن يقطَعَ عنه تدبُّرَةُ وتأمُّلَهُ وحضورَ قَلْبِه، ولا يُشكِلُ على هذا: أنَّ قراءةَ القرآنِ في نفسِها مُنفَّرةٌ للشيطانِ؛ وذلك أنَّ الاستعاذةَ سابِقةٌ للقراءة، صارفةٌ لحضورِ الشيطانِ ولو في أولِ القراءة، وهي تتضمَّنُ الدعاءَ والالتجاءَ إلى الله، وقد يكونُ في ذلك حِكَمٌ أُخرى اللهُ أعلَمُ بها.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٢٨٦).\n(٢) أخرحه مسلم (١٣٤).\n(٣) أخرجه مسلم (٢٢٠٣).","vol":"3","page":1344},{"text":"ويُشبِه هذا الاستعاذةُ عندَ دحولِ المسجدِ؛ كما في \"السُّننِ\"؛ مِن حديثِ عبد اللهِ بنِ عمرٍو؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ، قَالَ: (أعُوذُ بِاللهِ الْعَظِيم، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيم، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيم، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (١). وعندَ ابنِ ماجَة يقولُ: (اللَّهُمَّ اعصِمْني مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ) عندَ الخروجِ مِن المسجدِ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ (٢).\nوالاستعاذةُ عندَ كلِّ موضعٍ يكونُ فِيه شيطانٌ دَلَّ الدليلُ على ذلك، دليلٌ مِن جنسِ التسبيحِ عندَ تنزيهِ الله مِن ألفاظِ وأفعالِ النقصِ ولو لم يَرِدْ في عَينِ الألفاظِ والأفعالِ حُكْمٌ خاصٌ، ومِن جنسِ الصدقة بعدَ السيِّئة، ومِن جنسِ قولِ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، عندَ التلبُّسِ بقولِ الكُفْرِ وفعلِهِ ولو مِن غيرِ قصدٍ؛ كما قال - ﷺ -: (مَن حَلَفَ فَقَالَ في حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُل: لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أقامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّق) (٣).\nوأما القولُ بعدمِ مشروعيَّةِ الاستعاذةِ عندَ التثاؤبِ؛ لأنَّ النبيَّ - ﷺ - بيَّنَ أنَّ التثاؤْبَ مِن الشيطانِ وأمَرَ بكَظْمِهِ حَسَبَ الاستطاعة ولم يُرشِدْ إلى الاستعاذة، كما أرشَدَ عثمانَ بنَ أبي العاصِ عندَ إحساسِهِ بالشيطانِ يَحُولُ بينَهُ وبينَ صلاتِه، فأمَرَهُ بالاستعاذةِ والتَّفْلِ: فهذا ككثيرِ مِن النِّعَم التي يذكُرُها اللهُ ويذكُرُ أنَّها مِن عِنْدِهِ ولا يَنُصُّ على الحمد، فليس كلُّ نِعْمةٍ يذكُرُ أنَّها مِن اللهِ ولا يأمُرُ بالحمدِ عندَ ذِكرِهِ لها: لا يُشرَعُ الحمدُ لذلك؛ كما أنه ليس كلُّ عملٍ يذكُرُ اللهُ أنه مِن الشيطانِ ولا يأمُرُ بالاستعاذةِ منه عندَ ذِكرِهِ له: لا يُشرَعُ له الاستعاذةُ؛ لكثرةِ الأنواعِ وتعدُّدِها، فاكتُفِيَ بالأمرِ العامِّ.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٤٦٦).\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٧٧٣).\n(٣) أخرحه البخاري (٤٨٦٠)، ومسلم (١٦٤٧).","vol":"3","page":1345},{"text":"قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].\nنزَلت هذه الآيةُ في الصلاة، أمِرُوا بالإنصاتِ فبها؛ تعظيمًا لها ولو لم يكنْ هناك قراءةٌ مسموعةٌ، وإذا كانتِ الصلاةُ جهريَّةً، فالإنصاتُ آكَدُ؛ ولذا قدَّمَ اللهُ الاستماعَ على الإنصاتِ؛ لأنَّه هو المقصودُ منه، فقد يُنصِتُ مَن يَسمَعُ ولا يَستمِعُ.\nوحكَى أحمدُ الإجماعَ في أن نُزُولَها في الصلاة، وحكاهُ مِثلَهُ الجصَّاصُ وغيرُه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1019>المقصودُ من الإنصاتِ في الصلاةِ:</span>\nوقد اختُلِفَ في المقصودِ مِن الإنصاتِ في الصلاةِ: هل هو منعٌ لكلامِ الناسِ أو هو شاملٌ حتى للقراءةِ؟ وقد جاءَ أنَّ هذه الآيةَ نزَلتْ في الصلاةِ بعدَما كانتِ الرُّخْصةُ لهم أنَّهم يتكلَّمونَ فيها، وقد ثبَتَ ذلك كما رواهُ ابنُ مسعودٍ؛ قال: \"كنَّا يُسَلِّمُ بعضنا على بعضٍ في الصلاة، فجاءَ القرآنُ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١).\nوجاء عن بعضِ السلفِ؛ صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ المسيِّبِ ومجاهدٍ والنخَعيُّ وغيرِهم؛ أنَّها نزَلَت في الصلاةِ للإنصاتِ خَلْفَ الإمامِ في الصلاةِ الجهريَّةِ؛ فلا يُقرَأُ القرآن وبهذا جرَّمَ أحمدُ؛ وهذا ظاهرٌ دخولُهُ في الآية؛ لأنَّ اللهَ قال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، وليس كلُّ الصلواتِ جهريَّةً يجبُ الإنصاتُ فيها لأجلِ الاستماع، فأكَثَرُ الرَّكَعات سِرِّيَّةٌ؛ ففي الفرائضِ سِتٌّ ركعاتٍ جهريَّةٍ، وهنَّ: الفجرُ وركعتَا المغربِ والعِشاءِ الأُوليَان، عدا يومِ الجمعةِ فتزيدُ فتكونُ ثمانيَ ركعاتٍ،\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٠/ ٦٥٨).","vol":"3","page":1346},{"text":"وأمَّا السِّرِّيَّةُ فإحدى عَشْرةَ ركعةً، إلَّا الجمعةَ ففيها سبعُ ركعاتٍ سِرِيَّةٍ.\nومِن السلفِ: مَن عمَّمَ الحُكْمَ لكلِّ قراءةٍ؛ في صلاةٍ وغيرِها، وفي كلِّ ذِكرٍ؛ كخُطْبةِ الجمعةِ والعيدَيْنِ وغيرِهما، وهذا ليس مِن الخلافِ في سبب نزولِ الآية، وإنَّما في تعميمِ حُكمِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1020>الإنصاتُ عند سماعِ القرآنِ خارج الصلاةِ:</span>\nومَن سمِع قرآنًا في غيرِ الصلاة، فلا يخلو مِن حالَيْنِ:\nالأُولى: أن يكونَ مقصودًا بالقراءةِ؛ كمَن يقرَأ القرآنُ في مجلسٍ هو فيه ويُجهَرُ بالقراءةِ للناس، فإنصاتُهُ مشروعٌ، ولَغْوُهُ فيه محرَّمٌ، ولا حرَجَ عليه في الكلمةِ والكلمتَيْنِ لمَن حولَهُ التي لا تُذهِبُ هَيْبةَ القرآنِ وتعظيمَهُ.\nالثانيةُ: ألا يكونَ مقصودًا بالقراءة، كمَن يَسمعُ رجلًا يَقرَأ لنفسِه، أو يَسمعُ مُقرِئًا يُقرِئُ غيرَهُ، أو حَلْقةَ علمٍ ليس هو فيها، أو إمامًا يُصلِّي بالناسِ في مسجدٍ ليس هو منهم؛ فلا يدخُلُ في مشروعيَّةِ الإنصاتِ المقصودِ في الآيةِ.\nوالوجوبُ إنما هو في الصلاةِ لا خارجَها، وقد صحَّ عن طَلْحةَ بنِ عُبَيدِ الله بنِ كَرِيزٍ؛ قال: \"رَأَيْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ، وَعَطَاءَ بْنَ أبِي رَبَاح، يَتَحَدّثَانِ وَالقَاصُّ يَقُصُّ، فَقُلْتُ: أَلَا تسْتَمِعَانِ إِلَى الذِّكرِ وَتَسْتوْجبَانِ المَوْعُودَ؟ قَالَ: فَنَظَرَا إِلَيَّ، ثُمَّ أقْبَلَا عَلَى حَدِيثهِمَا، قَالَ: فَأَعَدتُّ، فَنَظَرَا إِلَيَّ، ثُمَّ أقبَلَا عَلَى حَدِيثهِمَا، قَالَ: فَأَعَدتُّ الثَّالِثَّةَ، قَالَ: فَنَظَرَا إِلَيَّ، فَقَالَا: إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (١).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٠/ ٦٥٩).","vol":"3","page":1347},{"text":"وقال بجوازِ الكلامِ خارجَ الصلاةِ سعيدُ بن جُبَيرٍ، والشَّعبيُّ، وقتادةُ، والنخَعيُّ، وغيرُهم.\nولا يختلِفُ العلماءُ في أنَّ هذه الآيةَ نزَلَتْ في الإنصاتِ في الصلاةِ؛ كما حكَى الإجماعَ أحمدُ والجصَّاصُ؛ وإنَّما الخلافُ في فروعِ مسألةِ القراءةِ خلفَ الإمام، وقد حكَى أحمدُ إجماعَ مَن سبَقَ على أنَّ مَن ترَكَ القراءةَ خَلفَ الإمامِ في الصلاةِ الجهريةِ أن صلاتَه لا تَبطُلُ؛ فقال: \"ما سَمِعْنا أحدًا مِن أهلِ الإسلام يقولُ: إن الإمامَ إذا جهَرَ بالقراءةِ لا تُجزِئُ صلاةَ مَن خلفَه إذا لم يَقرَأْ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1021>القراءةُ خلفَ الإمامِ في الجهريَّة:</span>\nوقد اختلَفَ العلماءُ في القراءةِ خلفَ الإمامِ في الجهريَّةِ على أقوالٍ، أشهرُها أقوالٌ ثلاثة:\nالأوَّلُ: أنه لا يُقرَأُ خلفَ الإمامِ في الجَهُريَّةِ؛ وهو قولُ جماهيرِ العلماءِ وعامَّةِ السلف، وهو قولُ الأئمَّةِ الأربعة، ومنهم الشافعيُّ في القديمِ.\nومِن العلماءِ مَن قال: إنَّها لا تجبُ حتى في السِّرِّيَّةِ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ وروايةٌ عن أحمدَ؛ لظاهرِ قولِهِ - ﷺ -: (مَن كَانَ لَهُ إِمَامٌ، فَقِرَاءَتُهُ لَهُ قِرَاءَةٌ)؛ رواهُ أحمدُ وابنُ ماجه، عن جابرٍ (٢)، ورواهُ مالكٌ في \"الموطَّأِ\"، عن وهبِ بنِ كَيْسَانَ، عن جابرٍ؛ مِن قولِه (٣)، وهو أرجَحُ، وله طرقٌ مرفوعةٌ لا يصحُّ منها شيءٌ.\nالقولُ الثاني: أنَّ القراءةَ تجبُ خلفَ الإمامِ في الجَهْرِيَّة، وفي\n_________\n(١) \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٢٦٢).\n(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٣٣٩)، وابن ماجه (٨٥٠).\n(٣) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٨٤).","vol":"3","page":1348},{"text":"السرِّيَّةِ مِن بابِ أَوْلى؛ وهو قولُ الشافعيِّ في الجديد، وهو مذهب الشافعيَّة، فيُوجِبُ الشافعيُّ القراءةَ في سَكَتاتِ الإمامِ؛ لِيَجمَعَ بينَ الامتثالِ للآية، وهو الإنصاتُ، وبينَ الإتيانِ بالرُّكْن، وهو القراءةُ.\nونقَل البُوَيْطِيُّ أنه يقرَأُ فيما أسَرَّ الإمامُ بأمِّ القرآنِ وسورةٍ في الأولَيَيْن، وأُمِّ القرآنِ في الأخريَين، وفيما جهَرَ فيه الإمامُ لا يَقرَأُ مَن خَلْفَهُ إلا بأمِّ القرآنِ.\nوكان الشافعيُّ في القديمِ يُوجِبُ القراءةَ في الصلاةِ السِّرَّيَّةِ دونَ الجهريَّة، ثم أوجَبَها في الجميعِ في قولِه الجديدِ.\nوللبخاريِّ جزءٌ في القراءةِ خلفَ الإمام، أوجَبَ فيه القراءةَ حتى في الجهريَّة، ووافَقَهُ جماعةٌ مِن أهلِ الحديثِ والفقهِ.\nالقولُ الثالثُ: أنَّ القراءةَ مستَحبَّةٌ لا تجبُ؛ وهو قولُ الأوزاعيِّ واللَّيْثِ.\nوأصحُّ الأقوالِ وأرجَحُها: أنَّ القراءةَ لا تجبُ ولا تُشرَعُ أيضًا في الجهريَّةِ؛ لِمَا ثبَتَ في مسلم، في الإتمامِ بالإمام، عن أبي موسى الأشعريّ، قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وإِذَا قَرَأَ فَأَنصِتُوا)، وذكَرَ بقيَّةَ الحديث، وهو في \"السُّننِ\"، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -؛ أنه قال: (وإِذَا قَرَأ، فَأَنصِتُوا) (١)، وقد صحَّحَهُ مسلمٌ (٢)، وحديثُ أبي هريرةَ في \"الصحيحَيْنِ\"، وليس فيه هذه اللَّفْظةُ (٣)؛ ولذا أعلَّها بعضُهم.\nلأنَّ اللهَ لم يأمُرِ الإمامَ بالجهرِ بالقراءة، إلَّا لأجلِ المأمومِ، ولم\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٧٦)، وأبو داود (٦٠٤)، والنسائي (٩٢١)، وابن ماجه (٨٤٦).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٤٠٤) (٦٣).\n(٣) أخرجه البخاري (٧٢٢)، ومسلم (٤١٤).","vol":"3","page":1349},{"text":"يُفرِّق بينَ السرِّيَّةِ والجهريَّةِ إلَّا لذلك، ولا يَصِحُّ مِن جهةِ النظرِ ولا الشرعِ أنْ يُؤمَرَ أحدٌ بالجهرِ ومَن خَلْفَهُ بقراءةٍ مخالِفةٍ له في أنفُسِهِمْ، ثم يُؤمَرونَ بالخشوعِ جميعًا، والقولُ بوجوبِ القراءةِ في الجهريَّةِ لازمٌ لعدمِ اعتبارِ الخشوعِ في الصلاةِ بالنسبةِ للمأمومِ؛ فلا يحضُرُ قلبُ مَن يَتكلَّمُ في نفسِهِ وَيسمعُ مَن يَجْهَرُ بخلافِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1022>القراءةُ خلفَ الإمامِ عند الصحابةِ:</span>\nوقد كان الصحابةُ -﵁- لا يَقرَؤونَ خلفَ الإمامِ في الجهريَّة، وجَرَى على ذلك عملُ عامَّتِهم.\nصحَّ ذلك عن ابنِ مسعودٍ وابنِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ وجابرِ بنِ عبد اللهِ وأبي هريرةَ وأبي الدَّرداءِ وغيرِهم.\nفقد روى أبو وائل، عن ابنِ مسعودٍ؛ قولَهُ: \"أَنْصِتُ لِلْقُرْآن، فَإِنَّ فِي الصَّلاةِ شُغلًا، وَسَيَكفِيكَ ذَاكَ الْإِمَامُ\" (١).\nورَوَى نافعٌ، عن ابنِ عمرَ؛ أنه قال: \"يَكفِيكَ قِرَاءَةُ الإِمَامِ\" (٢)، وكان ابنُ عمرَ لَا يَقرَأُ خَلْفَ الإِمَامِ (٣).\nوتابَعَه بمعناهُ سالمٌ (٤).\nوصحَّ عن زيدٍ؛ كما رواهُ مسلمٌ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ؛ أنه سألَ زيدَ بنَ ثابتٍ عن القراءةِ مع الإمامِ؛ فقال: \"لَا قِرَاءَةَ مَعَ الإِمَامِ فِي شَيْءٍ\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢٨٠٣)، والطبراني في \"الكبير\" (٩٣١١)، والبيهقي في \"الكبرى\" (٢/ ١٦٠).\n(٢) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (١/ ٤٠٢).\n(٣) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٨٦).\n(٤) أخرجه البيهقي في \"القراءة خلف الإمام\" (٣٣٠).\n(٥) أخرجه مسلم (٥٧٧).","vol":"3","page":1350},{"text":"وصحَّ عن وهبِ بن كَيسانَ؛ قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبد اللهِ يقولُ: \"مَنْ صَلى رَكعَةً لَمْ يَقرَأُ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ؛ فَلَمْ يُصَلّ، إِلَّا أَنَّ يَكُونَ وَرَاءَ الإمَامِ\"؛ روه مالكٌ والتِّرْمِذيُّ (١).\nوجاء ذلك عن ابنِ مسعودٍ وأصحابِه، وأعلَمُ أصحابِ ابنِ مسعودٍ أبو وائلٍ شقيقُ بن سَلَمةَ -كما قاله أبو عبيدةَ بن عبد اللهِ بنِ مسعودٍ - يُفتِي بعدمِ القراءةِ خلفَ الإمامِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1023>القراءةُ خلفَ الإمامِ عند التابعين:</span>\nوقد كان كبارُ الفقهاءِ مِن التابعينَ في المدينةِ ومَكَّةَ والكُوفةِ لا يقولونَ بالقراءةِ خلفَ الإمامِ في الجهريَّة، وهم أدْرَى الناسِ بمِثلِ هذه السُّنَن، وهي مِن العِلْمِ المشهودِ المُتتابعِ كلِّ يومٍ، وتغيُّرُ الحالِ واختلافُها يَظهَرُ فيهم أكَثَرَ مِن غيرِهم؛ لأنَّ صلاتَهُمْ بمسجدِ النبيِّ - ﷺ -؛ وأئمَّتُهُمْ هم مَن شَهِدُوا النبيَّ - ﷺ - وكبارَ أصحابِه، بخلافِ بقيَّةِ البُلدانِ الذين لم تَعمُرْ أكثرُ مساجدِهم إلَّا بعدَ وفاةِ النبيِّ ووفاةِ خُلَفائِه، وقد كان ابنُ المسيَّبِ يُفتِي بالقراءةِ خلفَ الإمام في السِّرِّيَّةِ؛ كما صحَّ عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ؛ أنه قال: \"يَقْرَأَ الإِمَامُ وَمَن خَلْفَهُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ\" (٢).\nوبه قال عُرْوةُ وغيرُهُ.\nولم يَثبُتْ عن أحدٍ مِن الخلفاءِ وفقهاءِ الصحابةِ القولُ بالقراءةِ خلفَ الإمامِ في الجهريَّة، ويكونَ قولُهُ صريحًا بذلك، بل الثابتُ عن عمرَ وعليٍّ عَدَمُها، وأمَّا ما جاءَ عن عمرَ بنِ الخطَّابِ في القراءةِ خلفَ الإمامِ\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٨٤)، والترمذي (٣١٣).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٧٦٥).","vol":"3","page":1351},{"text":"في الجهريَّة، فقد رواهُ هُشيمٌ، قال: أخبَرَنا الشيبانيُّ، عن جَوَّابِ بنِ عُبيدِ اللهِ التَّيْمِيِّ؛ قال: حدَّثَنا يزيدُ بنُ شَرِيكٍ التيميُّ أبو إبراهيمَ؛ قال: سَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الإِمَامِ؟ فَقَالَ لِي: اقْرَأْ، قَالَ: قُلْتُ: وإن كُنْتُ خَلْفَكَ؟ قَالَ: إِنْ كنْتَ خَلْفِي، قُلْتُ: وَإِن قَرَأتَ؟ قَالَ: وإِنْ قَرَأتُ (١).\nفهذا إسنادٌ عراقيٌّ بتمامِهِ تُفُرِّدَ به عن عمرَ بنِ الخطَّاب، وهو عريبٌ، وجَوَّابُ بن عُبيدِ اللهِ ضعَّفَهُ ابنُ نُمَيرٍ، وابنُ نُمَيرٍ بصيرٌ بالكوفيِّينَ، وقد رأى سفيان الثوريُّ جَوَّابًا التَّيْمِيَّ وترَكَ الحديثَ عنه، ومِثلُ هذا الإسنادِ العراقيِّ لا يُحمَل في الرِّوايةِ عن مدنيِّ كبيرٍ، فضلًا عن مِثْلِ عمرَ بنِ الخطَّاب، ثم لا يُعرَفُ عندَ أصحابِه المدنيِّينَ ولا يُفتُونَ به.\nوقد ثبَتَ عن نافع وأنس بنِ سيرينَ عن عمرَ قولُهُ: \"تَكْفِيكَ قِرَاءَةُ الإمَامِ\" (٢). وإن لم يصحَّ سماعُ نافعٍ وأنسٍ مِن عمرَ، إلَّا أن حديثَ نافعٍ منقطعًا أصَحُّ مِن تفرُّدِ جوَّابِ بنِ عبيدِ اللهِ والكوفيينَ موصولًا عن عمرَ، وروايةُ نافعٍ عن عمرَ ممَّا يَحتجُّ به بعضُ الأئمةِ.\nوأصحابُ عمرَ والعارِفونَ بفِقهِهِ يُخالِفونَ بفُتياهُمْ ما تفرَّدَ به الكوفيِّونَ عن عمرَ، كابْنِهِ عبد اللهِ بنِ عمرَ وابنِ المسيَّب، ولو صحَّ عندَ الكوفيِّينَ، لَأَحْدَثَ في كبارهم عَمَلًا، وكبارُهُمْ يُفتُونَ بخلافِ ذلك؛ صحَّ عدمُ القراءةِ عن سُوَيدِ بنِ غَفَلَةَ وأبي وائلِ شقيقِ بنِ سَلَمةَ، وهما كوفيَّانِ مُخضرَمان، وفقهُ أهلِ البلدِ يُعِلُّ الحديثَ الذي يَروُونَهُ ويُخالِفونَهُ؛ كما بَيَّناهُ في \"كتابِ العِلَلِ\".\nوالقولُ بعدمِ القراءةِ خَلْفَ الإمامِ في الجهريَّةِ هو قولُ عليِّ بنِ\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٧٤٨).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٧٨٤).","vol":"3","page":1352},{"text":"أبي طالبٍ؛ فقد صحَّ عنه قولُهُ: \"يَقْرَأُ الإِمَامُ وَمَن خَلْفَهُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ، وَفِي الْأُخرَيَيْنِ بفَاتِحَةِ الْكِتَابِ\"؛ رواهُ عنه كاتبُهُ عبيدُ اللهِ بن أبي رافعٍ، عندَ ابنِ أبي شَيْبَةَ (١).\nوتخصيصُهُ للقراءةِ في الظهرِ والعصرِ دليلٌ على أنَّ الجَهْريَّةَ على خلافِها، فيَقرَأُ الإمامْ ولا يَقرَأُ مَن خَلْفَهُ.\nوظاهِرُ قولِ أحمدَ: أنَّ السلفَ عامَّةً على هذا، وقد أنكرَ على مَنْ قال له: \"قراءة الفاتحة خلف الإمام مخصوصٌ من قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾؛ قال أحمد: عمّن يقولُ هذا؟ ! أجمَعَ الناسُ أنَّ هذه الآية في الصلاةِ\" (٢).\nوكان إبراهيمُ الحربيُّ يقولُ عن أحمد: إمَّا ألفَ مرَّة إنْ لم أقُلْ، فقد سمعتُهُ يقرأُ فيما خافَتَ، ويُنصِتُ فيما جَهَرَ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1024>القراءةُ خَلْفَ الإمامِ في السريَّة:</span>\nوهناك مَن يَستدلُّ على القراءةِ خلفَ الإمامِ في الجهريَّةِ ببعضِ المُجمَلاتِ مِن الأحاديثِ والآثارِ في القراءةِ خلفَ الإمام، ويَغْفُلُونَ عن أنَّ القراءةَ خلفَ الإمام منها سِرِّيَّةٌ ومنها جَهْريَّةٌ، وأنَّ القولَ بعدمِ القراءةِ خلفَ الإمامِ في السِّرِّيَّةِ قولٌ قديمٌ، والخلافُ فيه معروفٌ عندَ السلف، وليس الخلافُ فيه مقصورًا على الجهريَّة، والخلافُ في السرِّيَّةِ على قولَيْنِ عندَ السلفِ والفقهاءِ:\nالأوَّلُ: أنه لا يُقرَأُ فيها، وقد صحَّ عن بعضِ الصحابةِ عدمُ القراءةِ\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٧٢٦).\n(٢) \"مسائل أبي داود\" (٤٨).\n(٣) \"طبقات الحنابلة\" (١/ ٩٢).","vol":"3","page":1353},{"text":"خلفَ الإمام في سِرِّيَّةٍ ولا جَهْريَّةٍ؛ كزيدِ بنِ ثابتٍ؛ فقد روى عنه ابن ثَوْبانَ قولَهُ: \"لَا يُقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَام إِنْ جَهَرَ، وَلَا إِنْ خَافتَ\" (١)، ومِن التابعينَ سُوَيْدُ بن غَفَلَةَ، وعطاءُ بن أبي رباحٍ، وسعيدُ بن جُبيرٍ.\nوهذا قولُ أبي حنيفةَ.\nالقولُ الثاني: أنه يُقرَأُ في السِّرِّيَّة، وقد صحَّ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ذلك كما تقدَّمَ، وثبَتَ هذا عن ابنِ عمرَ؛ فقد روى سالمٌ عنه؛ أنه خصَّصَ الإنصاتَ بما بَحهَرُ له الإمامُ (٢).\nومِن ذلك الإجمالِ الذي يَستدِلُّ به بعضُهُمْ على أنَّ الصحابةَ كانوا يَقرَؤُونَ خلفَ الإمامِ في الجهريَّةِ: ما يَرويهِ ابنُ أبي شَيبةَ، عن حُصَيْنٍ؛ قال: \"صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ عُبَيدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَام، قَالَ: فَلَقِيتُ مُجَاهِدًا، فَذَكَرتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ\" (٣).\nوليس في هذا ذِكْرٌ للجهرِ والإسرار، والصحيحُ: أنَّها صلاةٌ سرِّيَّةٌ؛ كما رواهُ مجاهدٌ عه مِن وجهٍ آخَرَ أنَّها صلاةُ الظهرِ (٤).\nومِن ذلك: ما في مسلمٍ، عن أبي هربرةَ؛ أنه قال في القراءةِ خلفَ الإمامِ: \"اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ\" (٥)؛ وهذا عامٌّ يَستدِلُّ به البعضُ على الجهريَّة، وفيه نظرٌ؛ فقد ثبَتَ عن أبي هريرةَ قولُه: \"اقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا يُخَافِتُ بِهِ\"؛ رواهُ ابن المُنذِرِ (٦)، وليس هذا مِن اختلافِ القولِ\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٧٨٧).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢٨١١).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٧٥٠).\n(٤) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٦٩).\n(٥) أخرجه مسلم (٣٩٥).\n(٦) أخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٣/ ٢٥٦).","vol":"3","page":1354},{"text":"لأبي هريرةَ؛ كما يحكي بعضُ الأئمَّةِ عن أبي هريرةَ في المسألةِ قولَيْنِ.\nورُوِيَ مِثلُ هذا الإجمالِ عن عمرَ وعليِّ بنِ أبي طالبٍ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ وفبادةَ وأُبَيِّ بنِ كعبٍ وأبي سعيدٍ وعائشةَ، ومنها ما هو معلولٌ، ومنها ما ليس بصريحٍ في الصلاةِ الجهريَّةِ؛ وإنَّما في القراءةِ خلفَ الإمامِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1025>سكوتُ الإمامِ ليتمكَّن المأمومُ مِن القراءة:</span>\nوجاءَ عن بعضِ السلفِ كابنِ جُبَيْرٍ: أنَّ الإمامَ يسكُتُ لِيَقْرَأَ المأمومُ في الجهريَّةِ؛ وهذا لا يُحفَظُ عن أحدٍ مِن الصحابةِ؛ روى البخاريُّ في \"جُزءِ القراءةِ\"، عن عبد اللهِ بن عثمانَ بنِ خُثَيْمٍ؛ قال: \"قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ سَمِعْتَ قِرَاءَتَهُ، إِنَّهُمْ قَدْ أَحْدَثُوَا مَا لَمْ يَكُونُوا يَصْنَعُونَهُ؛ إِنَّ السَّلَفَ كَانَ إِذَا أَمَّ أَحَدُهُمُ النَّاسَ، كَبَّرَ ثُمَّ أَنْصَتَ، حَتَّى يَظُنَّ أَنَّ مَنْ خَلْفَهُ قَدْ قَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَاب، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ \" (١).\nوصحَّ عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ قولُهُ: \"لَيْسَ خَلْفَ الْإِمَامِ قِرَاءَةٌ\" (٢).\nولا أعلَمُ أحدًا مِن الصحابةِ أوجَبَ على الإمامِ السكوتَ ليتمكَّنَ المأمومُ مِن القراءة، ولا أنْ يَتحيَّنَ المأمومُ سَكَتاتِ الإمامِ ليَقْرَأَ؛ وهذا الأمرُ لو كان في عَمَلِهم، لَنُقِلَ ولَظهَرَتْ شكوى الناسِ فيه؛ فقد كانوا يَشْتَكُونَ مِن طولِ صلاةِ بعضِ أئمَّتِهم ونوعِ ما يَقْرَؤونَ، ولم يَثبُتْ أنَّهم تكلَّموا بهذا، ولا اشتكَى الصحابةُ ولا التابعونَ للصحابةِ مِن عدمِ قراءتِهم في سَكَتاتِ أئمَّتِهم أو عدمِ سكوتِ أئمَّتِهم، مع كثرةِ المتعلِّمينَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"القراءة خلف الإمام\" (١٦٤).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٧٩٢).","vol":"3","page":1355},{"text":"والمصلِّينَ، ومِثلُ هذا الحُكْم في تتبُّعِ المأمومِ لِسَكَتاتِ الإمامِ عملٌ دقيقٌ لا يَعلَمُهُ كلُّ أحدٍ، ويجبُ ألَّا يُترَكَ بيانُه.\nوما جاء في بعصِ الآثارِ والأحايثِ مِن القراءةِ خلفَ الإمامِ إذا أنصَتَ، والسكوتِ إذا قرَأَ، يحمِلُهُ بعضُهم على القراءةِ حالَ سَكَتاتِ الإمام، والمقصودُ منه التفريقُ بينَ الصلاةِ الجَهْريَّةِ والسرِّيَّة، وركَعاتِ الجهرِ والسرِّ مِن العِشَاءِ والمَغْربِ.\nوقد جاءَ سكوتُ الإمامِ عن بعضِ التابعينَ؛ كسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ ومكحولٍ وأبي سلمةَ بنِ عبد الرحمنِ وعُرْوةَ وعطاءٍ.\nوبقراءةِ المأمومِ الفاتحةَ في سكَتاتِ الإمامِ قال الشافعيُّ كما نقَلَهُ عنه البُوَيْطِيُّ.\nفأمَّا كلامُ سعيدِ بنِ جُبيرٍ، فتقدَّمَ، وابنُ خُثَيْمٍ متكلَّمٌ فيه معِ صدقِه، ولم يُحدِّثْ عنه يحيى وعبدُ الرحمن، ومَنْ هم أوثَقُ مِن ابنِ خُثَيْمٍ يَرْوُونَ عن سعيدٍ عدمَ القراءةِ خلفَ الإمامِ؛ كما رواهُ هُشَيْمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَام، قَالَ: \"لَيْسَ خَلْفَ الْإمَامِ قِرَاءَةٌ\"؛ رواهُ ابنُ أبي شيبةَ (١).\nوهُشَيْمٌ بصيرٌ بالموقوفات، وهذا السَّنَدُ على شرطِ الشيخَيْنِ.\nثم إنَّ قولَ سعيدٍ السابقَ لم يَنسُبْهُ لأحدٍ مِن السلف، وربَّما قصَدَ كبارَ التابعينَ؛ فسعيدٌ ليس مِن طبقةِ التابعينَ المتقدِّمةِ.\nوأمَّا كلامُ مكحولٍ، فرواهُ أبو داودَ إثرَ حديثِ عُبادةَ، قال مكحولٌ: \"اقْرَأُ بِهَا -يعني الفاتحةَ- فِيمَا جَهَرَ بِهِ الْإِمَامُ إِذَا قَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسَكَتَ سِرًّا، فَإِنْ لَمْ يَسْكُتِ اقْرَأُ بِهَا قَبْلَهُ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ، لَا تَتْرُكْهَا\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٧٩٢).","vol":"3","page":1356},{"text":"عَلَى كُلِّ حَالٍ\" (١).\nومكحولٌ يؤكِّدُ ذلك ولا يُوجِبُهُ، وقد كان الأوزاعيُّ بصيرًا برأيِ مكحولٍ وعُبَادةَ بنِ الصامتِ في القراءةِ في الصلاة، ولم يكنْ يُوجِبُ قراءةَ المأمومِ في الجهريَّةِ؛ وإنَّما يَستحِبُّها، وقد كان الأوزاعيُّ يقولُ: \"أَخَذْتُ الْقِرَاءَةَ مَعَ الْإِمَامِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِت، وَمَكْحُولٍ\" (٢).\nوأمَّا ما جاءَ عن أبي سلمةَ، فهو قولُه: \"لِلْإِمَامِ سَكْتَتَان، فَاغْتَنِمُوا الْقِرَاءَةَ فِيهِمَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ\"؛ رواهُ عنه البخاريُّ في \"جزئِه\"، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عنه (٣).\nوفي القراءةِ في سَكَتاتِ الإمامِ حديثٌ مرفوعٌ عن عبد اللهِ بنِ عمرٍو، ولا يَثبُتُ.\nوأمَّا كلامُ عُرْوةَ، فرواهُ عنه إبراهيمُ بن أبي يحيى، عن شَرِيكِ بنِ أبي نَمِرٍ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيْرِ؛ قال: \"إِذَا قَالَ الْإِمَام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، قَرَأْتُ بِأُمِّ الْقُرْآن، أَو بَعْدَمَا يَفْرُغُ مِنَ السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا\" (٤)، وابنُ أبي يحيى مُتَّهَمٌ، والثابتُ عن عُرْوةَ ما يَرويهِ ابنُهُ هشامٌ عنه؛ قال: \"اسْكُتُوا فِيمَا يَجْهَرُ، وَاقْرَؤُوا فِيمَا لَا يَجْهَرُ\"؛ كما رواهُ ابن أبي شيبةَ (٥).\nوأصحُّ ما جاءَ في ذلك وأرفَعُهُ فقهًا: ما جاء عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ؛ كما رواهُ عبدُ الرزَّاق، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عنه؛ قال: \"إِذَا كَانَ الْإِمَامُ يَجْهَرُ، فَلْيُبَادِرْ بِأُمِّ الْقُرْآن، أَو لِيَقرَأُ بَعْدَمَا يَسْكُتُ، فَإِذَا قَرَأَ،\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٨٢٥).\n(٢) أخرجه ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (٤/ ٢٣٥)، و\"التمهيد\" (١١/ ٣٩).\n(٣) أخرجه البخاري في \"القراءة خلف الإمام\" (١٦٥).\n(٤) أخرحه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢٧٩١).\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٧٦٧).","vol":"3","page":1357},{"text":"فَلْيُنْصِتُوا كَمَا قَالَ اللهُ ﷿\" (١).\nوعطاءٌ يَستحِبُّ ذلك ولا يُوجِبُهُ، فهو يُخيِّرُ مَن لا يَسمَعْ الإمامَ في الجهريَّةِ بينَ القراءةِ والتسبيح؛ كما رواهُ عنه ابن جُرَيْجِ نفسُهُ؛ حيثُ قال: \"إِذَا لَمْ تَفْهَمْ قِرَاءَةَ الْإِمَام، فَاقْرَأُ إِن شِئْتَ أَو سَبِّحْ\"؛ أخرَجَهُ عبدُ الرزَّاقِ (٢)، وروى بهذا الإسنادِ عنه؛ قال: \"يُجْزِي قِرَاءَةُ الْإِمَامِ عَمَّنْ وَرَاءَهُ، قُلْتُ: عَمَّن تَأْثِرُهُ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ، وَلَكِنَّ الْفَضَائِلَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ تَأْخُدُوا بِهَا، أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ تَقْرَؤُوا مَعَهُ\" (٣)، وعن ابنِ جُرَيْجٍ أيضًا؛ قال: قُلْتُ لِعَطَاءٍ أَيُجْزِي عَمَّنْ وَرَاءَ الْإِمَامِ قِرَاءَتُهُ فِيمَا يَرْفَعُ بهِ الصَّوْتَ وَفِيمَا يُخَافِتُ؟ قَالَ: نَعَمْ (٤).\nوالقولُ بأنَّ عطاءً يُوجِبُ القراءةَ خلفَ الإمامِ؛ لقولِهِ بالقراءةِ في السَّكَتاتِ - تلفيقٌ بينَ أحدِ أقوالِه مع قولِ غيرِه؛ وهذا لا يستقيمُ لعارفٍ بالرِّواية، ولا بصيرٍ بالدِّرايةِ.\nومَن تأمَّلَ أقوالَ الصحابةِ والتابعين، وجَدَ أنه لا يثبُتُ عن واحدٍ منهم إبطالُ الصلاةِ بتركِ القراءةِ خلفَ الإمامِ؛ وهذا يدُلُّ على أنَّهم لم يكونوا يَحمِلونَ حديثَ الأمرِ بقراءةِ الفاتحةِ والقولَ بركنيَّتِها على الصلاةِ الجهريَّة، وأنَّ عامَّتَهُمْ على عدمِ القراءةِ فيها للمأمومِ.\nوبعدمِ القراءةِ خلفَ الإمامِ في الجهريَّةِ يُفتي أئمَّةُ الفُتْيا مِن التابعينَ؛ صحَّ عن أئمَّةِ المدينةِ؛ كابنِ المسيَّبِ وعُرْوةَ، وأئمَّةِ الكوفةِ؛ كسُوَيْدِ بنِ غَفَلَةَ، وسيدِ بنِ جُبَيْرٍ، والأَسْوَدِ؛ فقد رَوَى عه النخَعيُّ قولَهُ: \"لَأَنْ أَعَضَّ عَلَى جَمْرَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ أَعْلَمُ أَنَّهُ\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢٧٨٨).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢٧٧٩).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢٨١٦).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢٨١٨).","vol":"3","page":1358},{"text":"يَقْرَأُ\" (١).\nوأمَّا إيجابُ القراءةِ لظاهرِ حديثِ عُبَادَةَ في \"الصحيحَيْنِ\": (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) (٢)، ونحوِه في مسلمٍ، عن أبي هريرةَ: (مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآن، فَهِيَ خِدَاجٌ - ثَلَاثا - غَيْرُ تَمَامٍ) (٣)، فذلك هو الأصلُ، وهو وجوبُ قراءةِ الفاتحة، وهو الأغلبُ في الصلواتِ؛ لأنَّ غالبَ الصلواتِ سرِّيَّةٌ لا جهريَّةٌ، وحتى الجهريَّةُ لا تَسقُطُ الفاتحةُ عن الإمام، فهي واجبةٌ لكلِّ صلاةٍ وكلِّ ركعةٍ، ومقامُ الإمامِ في الجهريَّةِ مقامُ المَأمومِ وهو نائبُهُ فيها، فهو يَقرَأُ والمأمومُ يُنصِتُ، وللمأمومِ أجرُ ما عقَلَ مِن سماعِه؛ كما أنَّ للإمامِ ما عقَلَ مِن قراءتِه، والمأمومُ يُؤَمِّنُ بعدَ الفاتحةِ مع الإمام، والمُؤَمِّنُ كالدَّاعي، كما جعَلَ اللهُ هارونَ داعيًا وهو يُؤَمِّنُ مع موسى؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩].\nوالنصوصُ تتعلَّقُ بالأغلب، وأغلبُ الصلاةِ تجبُ فيها؛ كنوافلِ الرَّواتِب، فهي في اليومِ اثنتَا عَشْرةَ ركعةً، ويَزِيدُ في ذلك صلاةُ الضُّحَا، وتحيَّةُ المسجد، وقيامُ الليل، والفرائضُ تجبُ في جميعِها على الإمام، وفي السِّرِّيَّةِ على الجميعِ على الصحيح، والناظرُ لصلاةِ المرأةِ كلِّها جُلُّها في بيتِها ويجبُ عليها القراءةُ فيها جميعًا، وكلُّ منفرِدٍ مِن الرِّجالِ مِثْلُها لفَرْضِهِ ونَفْلِه، واستثناءُ الجهريَّةِ مِن إيجابِ القراءةِ لا يُلْغي الحُكْمَ،\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٧٨٥).\n(٢) أخرجه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤).\n(٣) أخرجه مسلم (٣٩٥).","vol":"3","page":1359},{"text":"ولا يُعطِّلُ العملَ بحديثِ عُبادةَ وأبي هُرَيْرةَ؛ وإنَّما هي عامَّةٌ دخَلَها التخصيصُ.\nوأمَّا حديثُ عُبادةَ عن النبيِّ - ﷺ -؛ (لَعَلَّكمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ)، قُلْنَا: نَعَمْ، هَذًّا يَا رَسُولَ الله، قَالَ: (لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ؛ فَإِنَّه لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا)، فرواهُ أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ؛ مِن حديثِ محمدِ بنِ إسحاقَ، عن مكحولٍ، عن محمودِ بنِ الرَّبيع، عن عُبَادةَ (١)، فالحديثُ في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ الزُّهْريّ، عن محمودِ بنِ الربيع، عن عُبادةَ؛ بلفظِ: (لَا صَلَاةَ لِمَنْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكَتَابِ) (٢)، وليس فيه هذه الزِّيادةُ.\nوقال الترمذيُّ: هذا أصَحُّ (٣).\nوابن إسحاقَ تفرَّدَ بهذه اللفظةِ بهذا الإسنادِ.\nوحديث عُبادةَ يَرويهِ الزُّهْريُّ، وهو أعلَمُ الناسِ بألفاظِ ما يَرويهِ وأحكامِه الفقهيَّة، وهو يُفتي بعدمِ القراءةِ خلفَ الإمامِ في الجهريَّة، كما رواهُ عنه مَعْمَرٌ (٤)، ولو صحَّ عنه المعنى في حديث عُبادةَ أو صَحَّ عندَهُ ما رواه ابنُ إسحاقَ، لَعَمِلَ به.\nوفي حديثِ مكحولٍ اضطرابٌ أيضًا، فتارةً يَرويهِ عن محمودِ بنِ الربيع، ومرَّةً عن ابنِه نافعِ بنِ محمودٍ، ومرَّةً عن عُبادةَ بنِ الصامتِ؛ وهذا لا يُحتمَلُ في مثلِ هذا الحديثِ.\nوقد ضعَّفَ حديثَ عُبادةَ أحمدُ وابن عبد البَرِّ وغيرُهما.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣١٦)، وأبو داود (٨٢٣)، والترمذي (٣١١).\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) \"سنن الترمذي\" إثر حديث رقم (٣١١).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢٧٨٤).","vol":"3","page":1360},{"text":"وله طريقٌ أُخرى عندَ أحمدَ؛ مِن حديثِ خالدٍ الحَذَّاء، عن محمدِ بنِ أبي عائشةَ، عن رجلٍ مِن أصحابِ النبيِّ - ﷺ -، مرفوعًا؛ قال: (لَعَلَّكُمْ تَقرَؤُونَ وَالإِمَامُ يَقْرَأُ) - مَرَّتَيْن، أَو ثَلَاثًا - قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّا لنَفْعَلُ، قَالَ: (فَلَا تَفْعَلُوا، إِلَّا أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُكُمْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) (١).\nوقد خالَفَ أيُّوبُ فيها خالدًا الحذَّاءَ، فرواهُ عن أبي قلابةَ وأرسَلَهُ كما رواهُ البخاريُّ في \"التاريخِ\" (٢)، وهو أصحُّ؛ فأيوبُ أثبَتُ مِن خالدٍ.\nورجَّحَ الإرسالَ الدارقطنيُّ (٣).\nوصوَّبَ أبو حاتمٍ الوصلَ عن خالدٍ، عن أبي قلابةَ، عن محمدٍ، به، لكنَّه لم يذكُرْ مَتْنَهُ (٤).\nولو صَحَّ مسنَدًا؛ كما رواهُ أحمدُ (٥)، والبخاريُّ في \"التاريخِ\" (٦)، عن إسماعيلَ، وابنُ أبي شيبةَ عن هُشَيْمٍ (٧)؛ كلاهُما عن خالدٍ الحذَّاءِ؛ أنه سأَل أبا قِلابةَ: ممَّن سَمِعَهُ؟ فقال: مِن محمدِ بنِ أبي عائشةَ -: فقد ساقَ المتنَ أحمدُ في \"عِلَلِه\"، وأحالَهُ إلى متنِ المُرسَل، وفيه: \"فَلَا تَفْعَلُوا\"، وليس فيه: \"إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ\"، والبخاريُّ لم يَذكُرْ مَتْنَه.\nوليس فيه أيضًا تصريحُ روايةِ محمدِ بنِ أبي عائشةَ عن أحدٍ، وقد يكون عنه مرسَلًا، ولو صحَّتْ، لَمَا ترَكَ البخاريُّ الاحتجاجَ بها ولو معلَّقةً كعادتِه.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٤/ ٢٣٦).\n(٢) \"التاريخ الكبير\" للبخاري (١/ ٢٠٧) (٦٤٧).\n(٣) \"علل الدارقطني\" (١٢/ ٢٣٧).\n(٤) \"علل الحديث\" لابن أبي حاتم (٢/ ٤٤٥).\n(٥) \"العلل ومعرفة الرجال\" لأحمد، رواية ابنه عبد الله (٢/ ٤٠٨) (٢٨٢٥ و٢٨٢٦).\n(٦) \"التاريخ الكبير\" للبخاري (١/ ٢٠٧) (٦٤٧).\n(٧) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٧٥٧).","vol":"3","page":1361},{"text":"ورواهُ أبو يَعْلَى، عن مَخْلَدِ بنِ أبي زُمَيْلٍ؛ ثنا عُبيدُ اللهِ بن عمرٍو الرَّقِّيُّ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، عن أنسٍ؛ بنحوِه (١).\nوهو غلطٌ جرَى فيه على الجادَّة، والصحيحُ فيه عن أيوبَ المرسَلُ، وقال البخاريُّ: \"لا يصحُّ عن أنسٍ\" (٢)، ومع أنَّ البخاريَّ يقولُ به، فأَعَلَّهُ؛ لأنَّ مِثلَهُ لا يُنتصَرُ به؛ لشذوذِهِ.\nوالخطأُ فيه مِن عُبَيْدِ اللهِ؛ كما قالهُ البخاريُّ، وأبو حاتمٍ (٣)، وابنُ عديِّ (٤)، واللهُ أعلَمُ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].\nجاءت هذه الآيةُ بعد الأمرِ بالإنصاتِ عندَ سَماعِ القرآن ممَّن يَتلُوه، ثم ذَكَرَ تلاوةَ الإنسانِ للقرآن في نَفْسِه لنفسِه، فكما تُشرَعُ قراءتُه للسامِعِين، فتُشرَعُ قراءتُه للنَّفْس، وأمَرَ اللهُ بالتضرُّعِ والخشيةِ عندَ قراءتِه، وهذا يتضمَّنُ الأخذَ بأسبابِ ذلك؛ مِن التَّغَنِّي بالقرآن، وتدبُّرِ معانيه، وحضورِ القلبِ معها.\nوظاهِرُ الآيةِ: أنه تُشرَعُ قراءةُ القرآنِ مع تذلُّلٍ وخشوعٍ لا مع لَهْوٍ ولَعِبٍ وضحكٍ، فالتضرُّعُ هو التذلُّل، ويكونُ هذا في الذِّكْرِ والدُّعاءِ جميعًا، كما في قولِه تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥].\n_________\n(١) أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (٢٨٠٥).\n(٢) \"التاريخ الكبير\" (١/ ٢٠٧).\n(٣) \"علل الحديث\" لابن أبي حاتم (٢/ ٤٤٥).\n(٤) \"الكامل في ضعفاء الرجال\" (٣/ ١٢٩).","vol":"3","page":1362},{"text":"وأمَرَ اللهُ أن يكونَ الذِّكرُ للنَّفْس وسَطًا لا جهرًا ولا إسرارًا، وهذا في الذِّكْرِ والقراءة، كما في الآية وكما في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1026>مشروعيةُ الذِّكْرِ وقراءةِ القرآنِ في الصَّباحِ والمَسَاءِ:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ يتضمَّنُ مشروعيةَ الذِّكرِ وقراءةِ القرآن في الصباح والمساء، وأن يكونَ للمسلمِ وِرْدٌ مِن ذلك، فالغُدُوُّ هو البُكورُ والإصباحُ، وأما الآصالُ فالعَشِيُّ.\nولا يختلِفُ السلفُ أنَّ أذكارَ الصباحِ تكونُ بعد طلوعِ الفَجْر، وأنَّ ما قَبْلَها فهو مِن أذكارِ الليل، والسُّنَّةُ والأثَرُ دالَّانِ على أنَّهم يَذكُرونَ أذكارَ الصباحِ بعد صلاةِ الفَجْر، ومَن ذَكَرَها قبلَ ذلك جاز، وقد فَسَّرَ مجاهِدٌ الغُدُوَّ في الآيةِ بأنه آخِرُ الفجر، وهو وقتُ صلاةِ الصبح.\nويمتَدُّ الصباحُ إلى نهايةِ الضُّحى، والسُّنَّةُ: التبكيرُ بالذِّكرِ؛ لأنَّ فيه حِرْزًا وحِصنًا وكِفاية، ففَضْلُه في أوَّلِ وقتِه شبيهٌ بفضلِ الصلاة أوَّلَ وقتِها، وإنْ أَخَّرَها لآخِرِه صحَّ ذلك وجازَ.\nوأمَّا العَشِيُّ - وهو الآصالُ في الآية - فقد اختلَفَ السلفُ فيه:\nفمِنهم مَن جعلَه يبدأُ مِن العَصْرِ؛ وهو قولُ مجاهدٍ.\nومِنهم مَن جعلَه يبدأُ مِن مَغِيبِ الشمس؛ كأبي وائلٍ، وبه قال ابنُ جريرٍ، ونسَبَه إلى العرب، قال معرّفُ بن واصلٍ السَّعديُّ: سمعتُ أبا وائلٍ -يعني: شَقِيقَ بنَ سَلَمَةَ- يقولُ لغُلَامِه عندَ مغيبِ الشمس: \"آصَلْنا بعدُ؟ \"؛ يعني: دَخَلْنا في الأصيل؟","vol":"3","page":1363},{"text":"وظاهِرُ الأدلَّةِ: أنَّ وقتَ الاختيارِ لأذكارِ الصباحِ كوقتِ صلاةِ الصبح؛ يبتدِئُ بطلوعِ الفَحر، وينتهي بطُلوعِ الشمس، ووقتُ أذكارِ المساء كوقتِ صلاة العصرِ؛ يبتدئُ بدخولِ وقتِها وينتهي بغُروبِ الشمس. واللهُ أعلَم.\n* * *","vol":"3","page":1364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1027>سُورَةُ الأَنفَالِ</span>\nعامَّةُ العلماءِ: على أنَّ سورةَ الأنفالِ مَدَنِيَّةٌ، وقد نزَلتْ على النبيِّ - ﷺ - يومَ بدرٍ في السَّنةِ الثانية، وجاءَ عن ابنِ عبَّاسٍ أنه يُسمِّيها سورةَ بدرٍ؛ كما في \"صحيحِ مسلمٍ\" (١)، ومنهم مَن قال في بعضِ آياتِها: إنِّها مكيَّةٌ، وهي قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠].\nقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١].\nالنَّفَلُ: الزِّيادةُ، ونافلةُ الشيءِ: ما زادَ عنه، ومِن ذلك: نافلةُ القول، ونافلةُ الصلاة، وهي: ما زادَ عن واجبِ القولِ وعن فريضةِ الصلاة، وتقولُ العربُ: نَفَّلْتُكَ كذا؛ يعني: زِدتُّك، وتُسمِّي العربُ ولَدَ الولدِ نافلةً؛ يعني: زيادةَ بَرَكَةٍ في العطاءِ للجَدِّ؛ كما قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢].\nوقد ثبت في نزولِ هذه الآيةِ ما في مسلمٍ؛ مِن حديثِ مُصْعَبِ بنِ سعدٍ، عن أبِيه، قال: \"نَزَلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ: أَصَبْتُ سَيْفًا، فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، نَفِّلْنيه، فَقَالَ: (ضَعْهُ)، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: (ضَعْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ)، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ: نَفِّلْنِيهِ يَا رَسُولَ الله،\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٣٠٣١).","vol":"3","page":1365},{"text":"فَقَالَ: (ضَعْهُ)، فَقَامَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، نَفِّلْنِيه، أَأُجْعَلُ كَمَنْ لَا غَنَاءَ لَهُ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: (ضَعْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ)، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1028>معنى الأَنْفَالِ:</span>\nوالأنفالُ: ما زادَ عمَّا في أَيدِي المُقاتِلينَ مِن مالٍ وعُدَّةٍ، فهم وجَبَ عليهم الجهادُ بما في أيدِيهِم، ثم رزَقَهم اللهُ فوقَ ذلك مِن العدوِّ مالًا، وكذلك فالمالُ المأخوذُ مِن الكفَّارِ زائدٌ عن شريعةِ اللهِ المفروضة، وهي قتالُهم وجهادُهم، فلم تكنِ الأنفالُ مقصودةً بعَينِها، ولا مطلوبةً في القتالِ بنفسِها.\nوقد سمَّى اللهُ المالَ المأخوذَ مِن الكفَّارِ بأسماءٍ، منها: الأنفالُ، والغنائمُ، والفَيْءُ، والسَّلَبُ، والجِزْيَةُ، والخَرَاجُ، وبينَ هذه الأسماءِ عمومٌ وخصوصٌ؛ مِن جهةِ اللُّغة، وفي اصطِلاحِ الشرع، وقد يُطلَقُ بعُضُها على بعضٍ؛ ولهذا استُعْمِلَتْ في بعضِ نصوصِ الوحيِ والأثرِ بما يُفيدُ جوازَ كونِها على معنًى واحدٍ بِحَسَبِ السِّياقِ؛ كالفَيْءِ والسَّلَبَ والنَّفَلِ قد يُسمَّى غنيمةً باعتبارِ أنه غُنْمٌ غَنِمُوهُ مِن الكفار، وكالغنيمةِ والفَيْءِ والسَّلَبِ قد يسمَّى نَفَلًا باعتبارِ كونِهِ مِن المالِ الزائدِ عمَّا في أيدِيهِم عندَ قتالِهم؛ فامْتَنَّ اللهُ به عليهم، ومِن ما اختلَفَ قولُ السلفِ والأئمَّةِ في تعيينِ نوعِ المرادِ مِن الأنفالِ في هذه الآيةِ: فمنهم: مَن جعَلَهُ في كلِّ مالٍ يأخُذُهُ المُسلِمونَ مِن الكافِرِينَ بغيرِ قتالٍ؛ كالبعرِ الشاردِ والخيلِ الشاذِّ منهم إلى المُسلِمينَ، فجعلوا الزِّيادةَ هنا في المالِ ممَّا لم يكنْ بقتالٍ، فكان نافلةً فوقَ نافلةِ الغنيمة، والغنيمةُ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٧٤٨).","vol":"3","page":1366},{"text":"نافلةٌ باعتارِ أنَّها قَدْرٌ زائدٌ عمَّا في أيدِيهِم؛ فصارَتِ الأنفالُ بمعنى الفَيْءِ عند الفُقهاءِ؛ كما صارَ كلُّ المالِ نَفَلًا، صحَّ أنَّ الأنفالَ هي كلُّ مالٍ مُغتنَمٍ مِن الكفارِ بقتالٍ أو غيرِهِ؛ عن ابنِ عبَّاسٍ وجماعةٍ مِن أصحابِه.\nوقد جاء عن ابنِ عبَّاسٍ: حملُ الأنفالِ على معنًى خاصٍّ، وهو ما يُعطيهِ الإمامُ الغارِيَ أو غيرَهُ مِن الغنيمةِ بعدَ قِسْمتِها (١).\nوقد امتَنَّ اللهُ على المُسلِمينَ بحِلِّ الغنائمِ ولم تكنْ مباحةً مِن قبلُ لأحدٍ مِن الأُمَمِ؛ ولذا سمَّاها اللهُ نافلةً؛ لإظهاَرِ أنَّها ليستْ فيمَن قبَلَهم كذلك، فجاءتْ زائدةً على شريعةِ مَن سبَقَ؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: (وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي) (٢).\nومنهم: مَن جعَلَ الأنفالَ الخُمُسَ؛ لأنَّه قدرٌ زادَ عن المفروضِ للغازي؛ وبهدا قال مجاهدٌ (٣)؛ وهو قولُ مالكٍ.\nومنهم: مَن جعَلَ الأنفالَ كلَّ ما زادَ مِن المالِ المضروبِ لبعضِ السَّرَايَا ممَّا تزيدُ به على الجيشِ المُقاتِلِ؛ لخصيصةٍ فيها؛ مِن شدَّةِ بأسٍ، وخطورةِ مكانٍ، وتتبُّعِ للعدوِّ وتربُّصٍ به، ويدخُلُ في ذلك سَلَبُ القتيلِ؛ فسُمِّيَ ذلك نَفَلًا؛ لأنَّه قَدْرٌ زائدٌ عن الغنيمةِ التي يَشْرَكُونَ فيها غيرَهم؛ صحَّ هذا المعنى عن ابنِ عبَّاسٍ؛ رواهُ القاسمُ بن محمدٍ عنه؛ أخرَجَهُ عبدُ الرزَّاقِ والطبري (٤).\nويَلحَقُ بهذا المعنى كلُّ زيادةٍ يَريدُها الإمامُ لأحدٍ مِن المُقاتِلِينَ لخصيصةٍ استحَقَّ بها ذلك؛ فإنَّه يجوزُ للإمامِ أنْ يَزيدَ العطاءَ للسَّريَّةِ أو\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٩)، و\"تفسير ابن كثير\" (٤/ ٦).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١١/ ١٠).\n(٤) \"تفسير عبد الرزاق\" (٢/ ١٠٨)، و\"تفسير الطبري\" (١١/ ٩).","vol":"3","page":1367},{"text":"للجيشِ أو لبعضِهم؛ لخصيصةٍ فيه، لا لمجرَّدِ الهوى والقُرْبَى؛ ففي \"الصحيحَيْنِ\" عن ابنِ عمرَ - ﵄ -؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - بعَثَ سَرِيَّةً فِيهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إِبِلًا كَثِيرَةً، فَكَانَتْ سِهَامُهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِرًا، أَو أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا (١).\nفجعَل النافلةَ ما زادَ عن سِهَامِهم في الغنيمةِ؛ وذلك أنَّ الأنفالَ هي كلُّ إحسانٍ وفضلٍ فعَلَهُ فاعلٌ لأحدٍ تفضُّلًا منه عليه مِن غيرِ أنْ يجبَ ذلك على الفاعل، وسُمِّيَ ما أُعطِيَ فوقَ الغنيمةِ نَفَلًا؛ لأنَّه قَدْرٌ زادَ به على غيرِه مِن الجيشِ.\nومنهم: مَن خصَّصَ الغنيمةَ بما أُخِذَ بقوَّةٍ وغَلَبةٍ وقتالٍ وقهرٍ للمُشرِكِينَ، وما خرَجَ عن ذلك كالبعيرِ الشاردِ والفرسِ الشاذّ، فكلُّه نَفَلٌ؛ صحَّ هذا عن عطاءٍ (٢)، وبه فسَّرَهُ أبو عُبَيْدٍ القاسمُ بن سلَّامٍ.\nوهذا قد يُرادُ في الآية، لا في جميعِ مواضعِ ما سمَّاهُ الشارعُ نَفَلًا؛ فقد كانتِ الغنيمةُ تُسمَّى نَفَلًا؛ كما في \"الصحيحينِ\"؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ؛ قال: \"قَسَمَ النبيُّ - ﷺ - النَّفَلَ: لِلْفَرَسِ سَهْمَيْن، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا\" (٣).\nومنهم: مَن جعَلَ الأنفالَ هي الخُمُسَ فقطْ، وجعَلَها معلومةً قبلَ آيةِ الغنيمة، وأنَّ السؤالَ كان عنها؛ صحَّ هذا مِن مُرسَلِ مجاهدٍ، رواهُ عنه ابنُ أبي نَجِيحٍ (٤).\nومَن نظَر إلى معنى الأنفال، وجَدَ أنَّ لها معنًى خاصًّا ومعنًى عامًّا،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣١٣٤)، ومسلم (١٧٤٩).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٧).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٢٢٨)، ومسلم (١٧٦٢).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (١١/ ١٠).","vol":"3","page":1368},{"text":"كما ورَدَ المَعْنيانِ عن الصحابةِ كابنِ عبَّاسٍ وغيرِه، وأنَّ معانيَ الأنفالِ تتحقَّقُ جميعًا في كثيرٍ مِن النصوصِ مِن جههٍ اللُّغةِ وسياقِ الآيات، وإنْ كانتْ بعضُ سياقاتِ الآياتِ والأحاديثِ تعيِّنُ أحدَ هذه الأنواع؛ كالغنيمةِ بأنَّه ما أُخِذَ بقتالٍ؛ فذلك لا يُخرِجُها عن دخولِها فيما تشترِكُ فيه مِن المعاني؛ كالنفقةِ والصدَقةِ والزَّكاة والهِبَةِ والعطاء، وكلُّها مَعانٍ تشتركُ في معنًى، وتختلفُ كلُّ واحدةٍ عن الأُخرى بنوعٍ يختصُّ بها، وقد يتَّفقُ بعضُها مع بعضٍ في المعنى في بعضِ المواضعِ مِن القرآنِ كالنفقةِ والصدقةِ؛ فهي شاملةٌ لذلك كلِّه في كثيرٍ مِن مواضعِ القرآنِ والسُّنَّةِ.\nوروى أبو داودَ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: \"قال رسولُ اللهِ - ﷺ - يومَ بدرٍ: (مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَلَهُ مِنَ النَّفَلِ كَذَا وَكَذَا)، قَالَ: فَتَقَدَّمَ الْفِتْيَانُ، وَلَزِمَ المَشْيَخَةُ الرَّايَاتِ فلَمْ يَبْرَحُوهَا، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيهِمْ، قَالَ المَشْيَخَةُ: كُنَّا رِدْءًا لَكُمْ؛ لَوِ انْهَزَمْتُمْ لَفِئْتُمْ إِلَيْنَا، فَلَا تَذْهَبُوا بِالمَغنَمِ وَنَبْقَى، فَأَبَى الْفِتْيَانُ، وَقَالُوا: جَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَنَا، فأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: ٥]؛ يَقُولُ: فَكَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا فَأَطِيعُونِي؛ فَإِنِّي أَعْلَمُ بِعَاقِبَةِ هَذَا مِنْكُمْ\" (١).\nوقد أعطى النبيُّ - ﷺ - يومَ بَدْرٍ مِن الغنيمةِ بعضَ مَن لم يُقاتِلْ ولم يحضُرِ القتالَ كعثمانَ بنِ عفَّانَ؛ لأنَّه تخلَّفَ بإذنِ رسولِ اللهِ - ﷺ - يمرِّضُ زوجتَهُ ابنةَ الرسولِ - ﷺ -، وأعطى طلحةَ وسعيدَ بنَ زيدٍ؛ لأنَّه بعَثَهما يَتجسَّسانِ على عِيرٍ لقريشٍ في طريقِ الشام، وهؤلاءِ مُهاجِرونَ، وأعطى مِن الأنصارِ أبا لُبَابةَ بنَ المُنذِرِ؛ لأنَّه خليفتُهُ على المدينة، وعاصمًا، والحارثَ بنَ حاطبٍ، والحارثَ بنَ الصِّمَّة، وخَوَّاتَ بنَ جُبَيْرٍ، وكلُّ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢٧٣٧).","vol":"3","page":1369},{"text":"واحدٍ مِن هؤلاء جعَلَهُ النبيُّ - ﷺ - في مهمَّةٍ، وربَّما نازَعَ بعضُ الصحابةِ فيهم، فأرادُوا مِثلَهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1029>أثرُ الغنائمِ على نفوسِ المُجاهدِينَ:</span>\nوقد سُمِّيَتِ الغنائمُ التي يَغنَمُها المُسلِمونَ مِن المشرِكينَ في قتالِهم أنفالًا؛ لأنَّها لم تكنْ مطلوبةً بعَيْنِها، ولا مقصودةً بِنَفْسِها، فلم يُبعَثُوا جُبَاةٌ ولا مُغتصِبِين؛ وإنَّما داعِينَ إلى الله، ومُرغِمينَ للكافرِين، فزادَهُم اللهُ على ذلك المَقصَدِ هذا المالَ المُغتنَمَ؛ وفي هذا دليلٌ على عِظَمِ المَقصَدِ في الجهاد، وخطرِ فصورِ النيَّةِ وضَعْفِها في المجاهِدِين، فمَن عرَفَ الغايةَ والمَقصَدَ مِن القتال، أقدَمَ عليها لا على غيرِها، ولم يَمنَعْهُ عدمُ الغنيمةِ مِن الجهاد، ولا يجعلُهُ يُنشِئُ الجهادَ ليَغنَمَ؛ لأنَّها نافلةٌ وزائدةٌ امتَنَّ اللهُ بها على المُسلِمينَ، وإذا تغيَّرَتِ الأولويَّاتُ وانقلَبَتِ المقاصدُ، تنازَعَ الناسُ على الغنيمة، وسفَكَ بعضُهم دمَ بعضِ لأَجْلِها، وإذا اقتتَلَ المُجاهِدونَ على الغنائم، فهذه علامةٌ على صَعْفِ القصد، وجعلِ المالِ أصلًا، والإسلامِ نَفْلًا، والأصلُ أنَّ اللهَ حَفِظَ الإسلامَ أصلًا، والمالَ نَفْلًا، ولم يُشرَعِ الجهادُ إلَّا لإعلاءِ كلمةِ اللهِ وعصمةِ المُسلِمينَ ودمائِهم بكسرِ شَوْكةِ الكافرِين، وسفكُ المُسلِمينَ دماءَ بعضٍ لأجلِ الغنيمةِ علامةٌ ظاهرةٌ على أنَّ الغنائمَ ليستْ أنفالًا، بل غاياتٌ مقصودةٌ، استتَرَتْ برِفْعةِ الإسلامِ وعلوِّ شأنِه، فلِلنَّفْسِ دفينٌ مِن مقاصدِ السُّوءِ يُظهِرُهُ الطمعُ.\nوقد كان بعضُ الصحابةِ ربَّما اختلَفُوا في الغنيمة، واشتَكَى بعضُهم إلى النبيِّ - ﷺ -، ولكنَّهم لإيمانِهم ما كانوا يَتقاتلُونَ ولا يَتقاطعُونَ ولا يَتفرَّقُونَ عن جماعةٍ واحدةٍ إلى جماعاتٍ - ﵃ -.\nوقد تقدَّمَ مزيدُ كلامٍ عن بعضِ العِلَلِ في تشريعِ اللهِ للغنائمِ وتنفيلِ المُسلِمينَ لها وحُرْمتِها على السابقينَ، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ","vol":"3","page":1370},{"text":"الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وعندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ٧٤]؛ فلْيُنظَرْ.\nولمَّا كانتِ الدُّنيا مَحَلَّ طمعٍ، والأنفالُ موضعًا للأثَرَةِ والتكثُّرِ؛ بيَّنَ اللهُ أمورًا أربعةً:\nالأوَّلُ: أنَّ مِلْكَها وفَصْلَها وتقسيمَها إلى اللهِ ورسولِه: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾؛ فلا تُقَسَمُ بالهَوَى ومَيْلِ النفسِ.\nالثاني: فضلُ التقوى والأمرُ بها: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ وهو عامٌّ لقاسِمِ الغنيمةِ ومُستحِقِّها والمنازعِ عليها؛ فكلُّ أحدٍ يتَّقي اللهَ فيما وجَبَ عليه وله؛ فالقاسمُ يَعدِلُ، والآخِذُ يَستعمِلُ المالَ في حقِّه، ويَضَعُهُ في مَوْضعِه، ولا يَرفَعُهُ فوقَ منزلتِهِ التي أنزَلَهُ اللهُ إيَّاها؛ فيكونَ غايةً ومطلوبًا أعظَمَ مِن إعلاءِ كلمةِ الله، وكذلك يُؤمَرُ المنازعُ الطامِعُ فيها يَزيدُ عن حقِّه أنْ يَتَّقِيَ اللهَ في أمرِ اللهِ وحُكْمِهِ؛ فلا يأخُذَ حقَّ غيرِهِ ومالَه.\nالثالثُ: فضلُ الإصلاحِ والأمرُ به: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾؛ لأنَّ المالَ: إمَّا أنْ يُصلِحَ، وإمَّا أنْ يُفسِدَ؛ فإنْ أفسَدَ ذاتَ البَيْن، فيجبُ الإصلاحُ بينَ المُتباغِضِينَ لأجلِه، وبيانُ الحقوقِ وفصلُها بينَ المُتحاقِقينَ.\nالرابعُ: الأمرُ بطاعةِ اللهِ وطاعةِ نبيِّه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ لأنَّ وجودَ الدُّنيا والمالِ مَظِنَّةٌ لوجودِ الهَوَى المُطاعِ والشُّحِّ المُتَّبَعِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1030>نَسْخُ آيةِ الأنفالِ وإحكامُها:</span>\nوهذه الآيةُ أوَّلُ ما نزَلَ مِن أحكامِ الغنائم، وجاء مزيدُ تفصيلٍ بعدَ ذلك بقولِهِ تعالى في هذه السُّورةِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآيةَ [الأنفال: ٤١]، وقد اختلَفَ العلماءُ في آيةِ الغنيمةِ: هل هي ناسخةٌ لآيةِ الأنفالِ أو لا؟ على قولَيْنِ:","vol":"3","page":1371},{"text":"القولُ الأوَّلُ: القولُ بالنَّسْخِ؛ صحَّ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ (١)، ويُروى عن مجاهدٍ وعِكْرِمةَ (٢)، وبه قال أبو عُبَيْدِ القاسمُ بن سلَّامِ (٣)، وقد يسمِّي بعضُ السلفِ التخصيصَ نسخًا.\nالقولُ الثاني: القولُ بأنَّ الآيتَيْنِ مُحْكَمتان، وحمَلُوا آيةَ الأنفالِ على مَحامِلَ:\nمنها: أنَّها مُجمَلةٌ، وآيةُ الغنيمةِ مفسِّرةٌ مبيِّنةٌ لها، وكلاهُما مُحْكَمٌ؛ فكانتِ الغنيمةُ كلُّها أنفالًا لرسولِ اللهِ - ﷺ -، ثم جعَلَ اللهُ له منها الخُمُسَ نافلةً، والباقيَ للغُزاةِ كما في آيةِ الغنائمِ التالِيةِ؛ فآيةُ الغنائمِ خصَّصَتْ وما نسَخَتْ على هذا القولِ.\nومنها: أنَّ السؤالَ عن الأنفالِ كان عن نافلةِ الخُمُس، لا عن أصلِ الغنيمةِ؛ فجعَلُوا حُكْمَ الغنيمةِ معلومًا قبلَ ذلك بغيرِ القرآنِ؛ وإنَّما يُريدونَ النافلةَ مِن الخُمُسِ؛ وعلى هذا لم تكنْ آيةُ الأنفالِ منسوخةً؛ كما روَى ابنُ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ؛ أنَّهم سأَلوا رسولَ اللهِ - ﷺ - عن الخُمُسِ بعدَ الأربعةِ الأخماس، فنزَلتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ (٤).\nولم يَثبُتْ أنَّ الغنائمَ كانتْ تُخمَّسُ ومعلومةَ الفصلِ في غزوةِ بدرٍ قبلَ نزولِ آيةِ الأنفالِ.\nومنها: أنَّ الأنفالَ ما شَذَّ مِن أموالِ المشركينَ بغيرِ قتالٍ؛ كالبعيرِ الشارِدِ والفرسِ الشاذَّة، وكان سؤالُ الصحابةِ عن تلك الأنفال، لا عن أصلِ الغنيمةِ؛ كما صحَّ عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾؛ قال: يَسألونَكَ فيما شَذَّ مِن المشركينَ إلى المُسلِمينَ في غيرِ قتالٍ؛ مِن دابَّةٍ أو عبدٍ أو أَمَةٍ أو متاعٍ؛ فهو نفَلٌ للنبيِّ - ﷺ - يَصنَعُ به ما يشاءُ (٥).\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٦٥٣).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٢١).\n(٣) \"الأموال\" لأبي عبيد (ص ٣٨٤).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (١١/ ١٠).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٧).","vol":"3","page":1372},{"text":"وإنَّما رجَّحَ بعضُهم النَّسْخَ؛ لأنَّ اللهَ قسَّمَ الغنيمةَ بعدَ آيةِ الأنفال، وآيةُ الأنفالِ جعَلَتِ المَغنَمَ كلَّه للهِ ورسولِهِ مِلْكًا؛ وهذا لا يَجْعَلُ فيه لغيرِهم حقًّا مقسومًا محدودًا، وكذلك فإنَّ في آيةِ قسمةِ الغنيمةِ الآتيةِ تقسيمًا للغنيمةِ وجَعْلَ خمُسِها للهِ ولرسولِهِ ولذي القُربى واليتامى والمساكين، ولا محلَّ فيها لنفَلِ الغازي إلَّا مِن الخُمُسِ.\nوالأئمَّةُ الأربعةُ يتَّفقونَ على أنَّ حُكْمَ النفَلِ محكَمٌ في ذاتِه؛ وإنَّما خلافُهم بينَهم في الموضعِ الذي يأخُذُ منه الأميرُ النفَلَ فيَخُصُّ له أحدًا: هل يكون مِن أصلِ الغنيمةِ؛ أي: قبلَ قسْمتِها، فيُنفَّلَ المُستحِقُّ ثم تُخمَّسَ، أو يُخرَجُ الخُمُسُ ويُنفَّلُ مِن الأربعةِ الأخماس، أو تُخمَّسُ ويُعطَى مُستحِقُّ النفَلِ مِن الخُمُسِ أو مِن خُمُسِ الخُمُسِ؟ على أقوالٍ:\nالأوَّلُ: أنَّ النفَلَ بكون مِن أصلِ الغنيمةِ قبلَ تخميسِها وتقسيِمِها، فيُنفِّلُ الإمامُ مَن شاءَ ثم يُقسِّمُها؛ بهذا يقولُ مَن أخَذَ بظاهرِ آيةِ الأنفالِ وأَحْكَمَها؛ كالأوزاعيِّ وأحمدَ وغيرِهما.\nالثاني: أنَّ النفَلَ يكونُ بعدَ قِسْمةِ الغنيمة، ويكونُ في الخُمُسِ؛ وبهذا يقولُ الجمهورُ، ولكنَّهم اختلَفوا فيما بينَهم في محلِّ الملِ مِن الخُمَسِ؛ هل يكونُ مِن جميعِ الخُمُسِ فللأميرِ حقٌّ بتنفيلِه كلِّه، أو لا يحقُّ له إلَّا التنفيل مِن خمُسِ الخُمُسِ الذي هو (للهِ) فقط؟ على قولينِ:\nذهَب الجمهورُ -وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأبي حنيفةَ في أحدِ قولَيْه -: إلى أنَّ محلَّه الخمسُ كلُّه، فللأميرِ أن يُنفِّلَ منه ما شاءَ ولو كاملًا.\nوحُكْمُ النفَلِ عندَ الجمهورِ حُكْمُ السَّلَب، يأخذُ القاتلُ سَلَبَ المفتول، ولا يدخلُ سَلَبُهُ في الغنيمةِ.\nوجاء عن النبي - ﷺ - أنه نفَّلَ بعدَما خمَّسَ الغنيمةَ، ففي \"الصحيحَينِ\"، عن ابنِ عمرَ -﵁-: \"أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - بَعَثَ سَرِيَّةً فِيهَا","vol":"3","page":1373},{"text":"عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ قِبَلَ نَخدٍ، فَغَنِمُوا إبلًا كَثِيرَةً، فَكَانَتْ سِهَامُهُمُ اثْنَىْ عَشَرَ بَعِيرًا، أوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا\" (١).\nوفي مسلمٍ؛ قال ابنُ عمرَ: \"نَفَّلَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - نَفَلًا سِوَى نَصيبِنَا مِنَ الْخُمس، فَأَصَابَنِي شَارِفٌ\" (٢).\nوقد روَى ابنُ أبي شَيْبة، والبيهقيُّ؛ مِن حديثِ عمرِو بنِ شًعَيْبٍ، عن أبيه، عن جده: \"أن رسولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُنَفلُ قَبْلَ أَن تَنْزِلَ فَرِيضَةُ الْخُمُسِ فِي المَغْنَم، فَلَمَّا نَزَلَتِ الآيَة: ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، تَرَكَ النَّفَلَ الَّذِي كَانَ يُنَفِّل، وَصَارَ ذَلِكَ إِلَى خُمُسِ الْخُمُسِ مِنْ سَهْمِ اللهِ وَسَهْمِ النَّبِي - ﷺ -\" (٣).\nومِن هذا الطريقِ قال النبيُّ - ﷺ -: (إِنَّهُ لَيْسَ لِي مِنَ الْفَيءِ شَيْءٌ وَلَا هَذِه، إِلَّا الْخمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ)؛ رواهُ النَّسائيُّ (٤)؛ وله شاهدٌ مِن حديتِ عُبادةَ (٥).\nوبهدا كان يقولُ جماعةٌ مِن الصحابة؛ كما ثبَتَ عن ابنِ سيرينَ: \"أن أنَسَ ننَ مَالِكِ كَانَ مَعَ عبَيْدِ اللهِ بنِ أَبِي بَكرَةَ فِي غَزَاةِ غَزَاهَا، فَأَصَابُوا سَبْيًا، فَأَرَادَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ أن يُعْطِيَ أنَسًا مِنَ السَّبْيِ قَبْلَ أَنْ يَقْسِمَ، فَقَالَ أَنَسٌ: لَا، وَلَكِنِ اقْسِمْ، ثُمَّ أعْطِنِي مِنَ الخمُسِ\"؛ رواهُ الطحاويُّ والبيهقيُّ (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣١٣٤)، ومسلم (١٧٤٩).\n(٢) أخرجه مسلم (١٧٥٠).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٣٢٨٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٣١٤).\n(٤) أخرجه النسائي (٤١٣٩).\n(٥) سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.\n(٦) أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٢٤٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٣٤٠).","vol":"3","page":1374},{"text":"والقول الآخَرُ لأبي حنيفةَ: أن النفَلَ يكونُ مِن خُمُسِ الخُمُس، وما زادَ عن ذلك، فليس للإمامِ حقٌّ فيه.\nالقولُ الثالث: أنه يُخرَجُ خُمُسُ الغنيمة، ويكونُ النفَلُ مِن الأربعةِ الأخماسِ الباقية، يُنَفَّلُونَ منها بحسَبِ منَ يَستحقُّ نفَلَهُ، ثم تُقسَّمُ.\nومِن العلماءِ: مَن جعَلَ النفَلَ والغنيمةَ للإمامِ؛ إنْ شاءَ خمَّسَها، وإنْ شاءَ نفَّلَها كلَّها، فجعَل الآيتَيْنِ مُحكَمتَيْن، وهي كالخِيارِ للإمام؛ نُسِبَ هذا إلى النخَعيِّ وعطاءٍ ومكحولٍ، وقال به بعضُ المالكيَّةِ؛ حكَاهُ المازَرِيُّ عنهم؛ وذلك أنَّ اللهَ تعالى ذكَرَ في آيةِ قسْمةِ الغنيمةِ الخُمُسَ، وجعَلَهُ للهِ ولرسولِهِ ولذي القُربي واليتامى والمساكين، وسكَتَ عن الباقي، والسكوت مُشعِرٌ بالتخييرِ وأنَّها للإمام، ونسبةُ هذا القولِ إلى مكحولٍ وعطاءٍ والنخَعيِّ بإطلاقِ غلطٌ؛ فالمرويُّ عن مكحولٍ وعطاءٍ: ما رواهُ عِمْران القَطَّانُ، عن عليِّ بنِ ثابتٍ؛ قال: \"سَألْتُ مَكْحُولًا وَعَطَاءً عَنِ الْإِمَامِ يُنَفِّل الْقَوْمَ مَا أَصَابُوا، قَالَ: ذَلِكَ لَهُمْ\" (١).\nوبنحوِه رواهُ منصورٌ عن النخَعيِّ؛ رواهُ ابنُ أبي شيبةَ (٢).\nوهذا إن صحَّ عن مكحولٍ وعطاءٍ للكلامِ في عِمرانَ، فهو فيما تُصيبُهُ الَسَّرِيَّةُ بنفسِها، فيُنفِّلُهم الإمامُ إيَّاهُ، لا ما يُصيبُهُ جميعُ الغُزاةِ فيُنفِّلُهُ الإمامُ كلَّه مَن شاءَ منهم؛ فهذا خلافُ ما عليه عامَّة السلفِ وظواهرُ الأدلَّة، والله سكَتَ في آيهِ الغنيمةِ عن الباقي منها؛ للعِلْمِ به، وذلك أنه للغانمِينَ المذكورينَ في أوَّلِ الآيةِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١]، وهو كقولِهِ تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، وسكَتَ عن الأبِ؛ يعني: أنَّ له الباقيَ، وهو الثُّلُثانِ بالاتِّفاق، لا أن يَرجعَ لغيرِه؛ كبَيْتِ المالِ.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٣٢٤٣).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٣٢٤١).","vol":"3","page":1375},{"text":"وأما ما يُحتَجُّ له أنَّ النبيَّ - ﷺ - وأصحابَهُ ترَكُوا مالَ فتحِ مَكَّةَ، وأنَّهم لم يأخُذُوهُ، وقد أَوْجَفوا عليها بخَيْلِهم ورِكَابِهم، فلِوَحْيِ خاصٍّ، فكما قسَّمَ اللهُ الغنيمةَ بوَحْي، خَصَّ مكَّةَ بوَحْيِ.\nوأمَّا إعطاءُ النبيِّ الأقرعَ بنَ حابسٍ وأصحابَهُ يومَ حُنَين مئةً مئةً، فلا يَلزَمُ مِن ذلك عدمُ تخميسِ الغنيمة، فقد يكون مالُ حُنَيْنِ كثيرًا، وكان خمسُ النبيِّ كثيرًا فأعطاهُمْ منه، وقد يكونونَ عُوِّضُوا بشيءٍ لا يُعَوَّضُهُ أحدٌ بعدَهُ، وهو أعظَمُ مَغنمٍ، وهو قُرْبُ رسولِ اللهِ - ﷺ - منهم؛ كما قال: (أمَا تَرْضَوْنَ أنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بالدُّنْيَا، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلَى بُيُوتِكُمْ؟)؛ رواه البخاريُّ ومسلمٌ (١).\nوليس لأميرِ أن يقولَ لجُنْدِهِ مِثْلَ ما قاله النبيُّ - ﷺ - لجُنْدِه؛ وهذا دليلٌ على خَصُوصِيَّتِهِ في مِثلِ هذه الحالِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأنفال: ٥، ٦].\nكان في نفوسِ بعضِ المؤمنينَ كُرْةٌ للِقَاءِ قريشٍ، فأَمْضاهُ اللهُ وحقَّقَ لقاءَ المؤمِنينَ بالمشرِكينَ؛ وفي هذا: أنَّ الأحكامَ لا تثُبتُ بكراهةِ النفوسِ ونُفُورِها، وأنَّ للنَّفْسِ كرهًا ونفورًا طبعيًا لا أثَرَ له على الأحكام، وهو ممَّا لا يُؤاخَذ به المؤمِنُ؛ ما لم يُعارِضِ الحقَّ الصريحَ بعدَ جلائِهِ بقولِهِ أو فعلِه.\nوإذا وُجِدَ كُرْهُ لقاءِ المشركِينَ مِن بعضِ الصحابة، فذلك مِن غيرِهم\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٣٣٤)، ومسلم (١٠٥٩).","vol":"3","page":1376},{"text":"مِن بابِ أَوْلى؛ وذلك لِما جُبِلَت عليه النفوسُ مِن كراهةِ فَقدِ الأهلِ والولدِ والمال، وحُبِّ الحياةِ.\nوقولُه تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾، فيه أنه ليس لاْحدٍ أن يترُكَ الجهادَ لأجلِ شيءٍ أجْراهُ الله على نبيِّه، وهو حبُّ البيوتِ وما فيها مِن مالِ وولدٍ وزوجةٍ.\nوقد يكونُ مِن بعضِ المؤمنينَ جدالٌ في الحقِّ؛ وذلك لدوافعَ كامِنةٍ مِن حُبِّ الدُّنيا؛ كما في قولِه تعالى بعدَ ذلك: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾.\nوالحقُّ هو القتالُ، فسمَّى اللهُ القتالَ حقًّا؛ لأنَّ به يُحِقُّ اللهُ الحقَّ ويُبطِلُ الباطلَ؛ فكما يُحِقُّه باللِّسان، يُحِقُّةُ بالسِّنانِ كذلك.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةُ مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١].\nفي هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ الأصلَ في الأعيانِ الطهارةُ، فاللهُ بيَّنَ طَهُورِيَّةَ ماءِ السماءِ وبيَّنَ أنه يُطهِّرُ الناسَ به، ومعلومٌ أنَّ ماءَ المطرِ يَنتفعُ منه الناسُ بعدَ نزولهِ في الأرضِ والآبارِ والأواني والغدرَانِ والأنهار، فهو يُصيبُ الأعيانَ غالبًا قبلَ انتفاع الناسِ به، فلمَّا بينَ اللهُ أنه يُطهِّرُهم به مع مرورهِ على أعيانٍ مختلِفةٍ، دَلَّ على أنَّ الأصلَ فيما يَمُرُّ عليه الماءُ أنه طاهرٌ، مِن شجر، وحجرٍ ووَبرٍ، وترابٍ ومَعْدِنٍ، وغيرِ ذلك.\nوقد حَكَى الإجماعَ على أنَّ الأصلَ في الأعيانِ الطهارةُ غيرُ واحدٍ.\n* * *","vol":"3","page":1377},{"text":"* قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال: ١٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1031>بثُّ الرعبِ في المُحارِبينَ وإرهابُهم:</span>\nفي قوله تعالى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ دليلٌ على جوازِ تخويفِ الكافِرِينَ المُحارِبِينَ وإرهابِهم بالأقوالِ والأعمالِ التي تُضعِفُ عزائمَهم، وتَهزِمُ نفوسَهم أمامَ المؤمنِينَ، وإنَّما كان إرهابُ الكفَّارِ المُحارِبينَ وترعيبُهم مشروعًا؛ لأنَّ الطمعَ والاغتِرارَ بالقوَّةِ تجعلُ صاحِبَ الباطلِ يَعتدٌّ بباطلِه، وتسوِّلُ له نفسُه أنه على حقٍّ، فإذا خافَ، زالَ ما كان تتستَّرُ به النفسُ مِن القوَّة، فرَأتِ الحقَّ وتجلَّى لها، فقَبِلَتْ وأذعنَتْ، وكثيرٌ مِن النفوسِ تُعرِضُ عن الحقِّ اغتِرارًا بقوَّتِها وسيادتِها وعزَّها وتمكينِها وجاهِها، وتخافُ إن أسلَمَتْ واتَّبعَتِ الحقَّ أن تَفقِدَهُ، فتَصبِرُ على الباطل، وتُشرِّعُهُ وتُكابِرُ في ذلك؛ ولهذا وُجِدَ في الملوكِ والرؤساءِ مَن اْقَرَّ بالحق وصدَّقَ برسالةِ محمدٍ، ولكنَّه خاف مِن زوالِ سيادتِهِ بإيمانِه، ومنهم مَن آمَنَ وأخفى إيمانَه، فجاءَ الإسلامُ ليَكسِرَ طمعَ النفوسِ وقوَّتَها؛ لينكسِرَ تَبَعًا له صنمُ الهوى، الذي يُبنَى في قلوبِهم في صورةِ حقِّ.\nوفي هذه الآيةِ: دليلٌ على جوازِ الإثخانِ في الكافرينَ المُحارِبينَ كيفما اتَّفَقَ؛ إذْ لا حُرْمةَ لِدَمِهم، ولا عِصْمة لمالِهم، فيُضرَبُ المُحارِبُ بمَقَاتِلِهِ ولا يُتَوَقَّى شيءٌ منه، وإنَّما دكَرَ الله الأعناقَ؛ لأنَّها أسرَعُ في الموت، فقال، ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاق﴾؛ يعني: الأعناقَ وما فوقَها، ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١١]؛ يعني: اثنتَيْنِ وما فوقَهما.","vol":"3","page":1378},{"text":"ثم ذكَرَ الله تعالى بعدَ ذلك الأطرافَ: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾، والبَنَانُ هو الطَّرَفُ، كما صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ وغيرِه (١).\nوهذا دليلٌ على أنَّ جميعَ أطرافِهِمَّ متساوِيةُ الحُكْمِ؛ فإنْ لم يمكَّنِ المؤمنونَ مِن القتل، فلْيَضرِبُوا ما استطاعوا مِن أطرافِهم أيدِيهِم أوأرجُلِهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1032>ما يجوزُ إصابتُهُ مِن الحَرْبيِّ عندَ المُواجَهةِ والأَسْرِ:</span>\nوهدا عندَ المُواجَهةِ والمُنازَلةِ والتبييت، وأمَّا عندَ أَسْرِهِ وتقييدِه، فالأمرُ في ذلك يختلِفُ، فإن اللهَ قد جعَل ضربَ المُحارِبِ على حالَيْنِ:\nالأُولى: عندَ المُواجَهة والمُنازَلةِ والتبييتِ؛ فيُضرَبُ منه كلُّ شيءِ مِن مَقاتِلِهِ وغبرِها؛ كرأسِهِ ووجهِهِ وعينِةِ وأطرافِه، ولو برَمْيِه بشِهابٍ مِن نار يُحْرِقُه.\nالثانيةُ: بعدَ أسرِهِ وأخذِهِ؛ فإنَّه لا يجوزُ ضربُ وجهِهِ ولا تعذيبُهُ، وإن جازَ قتلُهُ.\nويدُلُّ على التفريقِ بينَ الحالَيْنِ قولُهُ تعالى في سورةِ محمدٍ: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤]، فجعَل اللهُ الضربَ عندَ التلاقِي، وشَدَّ الوَثَاقِ عندَ الأسْرِ.\nوقد قال الأوزاعيُّ في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾؛ قال: \"اضرِبْ مه الوجهَ والعَيْن وارْمِهِ بشهَابٍ مِن نارٍ، فإذا أخَذْتَهُ، حَرُمَ ذلك كله عليك\" (٢).\nوذلك لأنَّه تحوَّلَ مِن مُقاتِلِ إلى أسيرٍ، والضربُ عندَ اللِّقاءِ يُرادُ منه\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٧٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٦٦٨).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٦٦٨).","vol":"3","page":1379},{"text":"الإثخانُ؛ كما في ظاهرِ الآية، وليس ذلك مِن التعذيبِ؛ وإنَّما منِ العقابِ الذي أَذِنَ الله به، وقد فرَّقَ النبيُّ - ﷺ - ببنَهما كما في مُرسَلِ القاسم؛ قال: قال النبيُّ - ﷺ -: (إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لِأُعَذِّبَ بِعَذَابِ اللهِ؛ إِنَّمَا بُعثْتُ بِضَرْبِ الرِّقَابِ وَشَدِّ الْوَثَاقِ) (١).\nوهذا هو المقصودُ في قولِه - ﷺ -: (إِذَا قَتلْتُم، فَأَحْسِنُوا الْقِتلَةَ)؛ كما رواهُ مسلمٌ، عن شدَّادٍ (٢)، فالأسيرُ يُحسَنُ في قتلِهِ إن أرادَ المُسلِمونَ قَتلَه، ولا يُعذَّبُ بحَرْقِ لِجَسَدِه، أو تقطيع لجِلْدِه، أو قَلْع لأظفارِه، أو تكسيرٍ لعِظامِه، حتى لو أنَّ الكفَّارَ المُحارِبينَ فعَلوا ذلك في المُسلِمينَ، فإنْ أسَرُوا واحدًا منهم، فليس للمُسلِمينَ أن يُعذبُوا أَسرَاهُم؛ كما كانوا بيُعذِّبونَ أسْرَى المؤمنينَ، وقد كان الصحابةُ يَلقَوْنَ مِن كفَّارِ قريشٍ شِدَّةَ بتعذيبِهم؛ كما فُعِلَ في عمَّارِ وأمِّهِ وبلالٍ وغيرِهم، ولم يكنِ النبيُّ - ﷺ - يَفعَلُ ذلك في أسْرَاهُمْ لمَّا تمكَّنَ منهم، فللمُسلِمينَ أن يَقتُلُوا أَسْرَاهُمْ لكنْ لا يُعذِّبونَهم، وقد كان تاريخُ المُسلِمينَ مع أعدائِهم مليئًا بأخبارٍ وآثارٍ عُذِّبَ فيها المُسلِمونَ مِن أعدائِهم زمنَ الصحابةِ والتابعينَ وأَتْباعِهم بأنواعِ العذاب، ولم لِكنِ السلفُ يَفعلونَ ذلك بأسْرَاهُم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1033>مُجازاةُ المُحارِبينَ بالمِثْلِ:</span>\nوإذا تقابَلَ المُسلِمونَ والمشركونَ في قتالٍ، ففعَلَ المشرِكونَ بالمُسلِمينَ ما لا يجوزُ للمُسلِمينَ أن يَفعَلُوهُ ابتداءً؛ كضَرْبِ مُدُنِهِمْ ومَزارعِهِمْ وبُيوتِهم، ولم يُفرِّقُوا بينَ شيخٍ وامرأةٍ وصبيٍّ ومجنونٍ، فيجوزُ للمسلِمينَ أنْ يَرمُوهم ويَضرِبوهم بمِثْلِ ذلك، مِن غيرِ أن تُقصَدَ عينُ صبيٍّ\n_________\n(١) أخرجه بن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٣١٤٥)، والطبري في \"تفسيره\" (١١/ ٧٠).\n(٢) أخرجه مسلم (١٩٥٥).","vol":"3","page":1380},{"text":"وامرأةٍ وشيخٍ، ولكنْ يَرمُونَهم بما يَهدِمُ بيوتَهم؛ كما هدَمُوا بيوتَ المُسلِمينَ، ولو كان فيها نساءٌ وصِبْيان وشيوخٌ؛ فذلك جاءَ تبَعًا، ولم يأتِ استِقلالًا وقصدًا.\nوإذا قتَلَ المشرِكونَ صبيًّا أو امرأةً أو شيخًا أو مجنونًا مِن المُسلِمينَ، فليس للمُسلِمينَ أن يقتُلُوا صبيَّهم وشيخَهُمْ وامرأتَهُمْ ومجنونَهم لو وجَدُوهُ، ما لم يكنْ مُقاتِلًا فيُقتَلُ؛ لأنَّ تلك النفوسَ حرَّمَ اللهُ قَتلَها لِذَاتِها، وذِمَّتُها مُنفكَّةٌ عن ذِمَّةِ المُعتدِي، فكلُّ نفسِ لما كسَبتْ رهينةٌ.\nوأمَّا مشروعيَّةُ الجزاءِ بالمِثْل، كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، فإنَّ العقابَ بالمِثْلِ في الكافرِ المُحارِبِ على نوعَيْنِ:\nالنوع الأوَّلُ: ما دلَّ الدليلُ على تحريمِهِ بعَيْنِه، كالزِّنى واللِّواطِ وقتلِ الصبيِّ والمرأةِ والشيخِ؛ فهذا دلَّ الدليلُ على تحريمِهِ بعينِه، فإنْ وقَع المشرِكونَ بنِساءِ المؤمنينَ، فليس للمؤمنينَ استِحلالُ الزِّنى بنسائِهم، بل يفعَلُ دي ذلك المشروعُ؛ بسَبْيِ نسائِهم وصِبْيانِهم، والتَّسَرِّي بالنِّساء، فيُقَسَّمْنَ مع الغنيمة، فيُوطَأْنَ مِلْكَ يمينٍ كما تُوطَأُ المرأةُ نِكاحًا، ولو كان في ذلك مشابَهَة في الفعلِ في الظاهر؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما وَطْءٌ، إلَّا أنَّ اللهَ حرَّمَ الزِّنى واللِّواطَ ولم يُحِلَّهُ بحالٍ ولو بالمُعاقَبةِ بالمِثْل، وفي السِّبْيِ مِن الصَّغَارِ والإذلالِ لرجالِ المشرِكينَ ما لا يَخفى؛ فإنَّه وطءٌ مع مِلْكِ يمينٍ دائمٍ للبُضْعِ والنَّفْسِ.\nويَلحَقُ بهذا قتلُ الصِّبْيانِ والنِّساءِ والشيوخِ؛ فإنَّه محرَّمٌ بالنصّ، ولم يَدُلَّ دليلٌ على استحلالِهِ في حالٍ، إلَّا لو كانوا يُقاتِلونَ فيأخُذُونَ حُكْمَ المُقاتِلِ الذي تُدفَعُ صَوْلتُه، وقتلُ الصبيِّ والمرأةِ والشيخِ أخَفُّ مِن مُماثَلةِ","vol":"3","page":1381},{"text":"العدو بالفاحشةِ؛ لأنَّ الفاحشةَ لا تَحِلُّ بحالٍ، بخلافِ قتلِ الصبيِّ والمرأةِ والشيخِ فله استثناءٌ واحدٌ، وهو القتلُ عندَ كونِهم مُقاتِلِينَ.\nالنوعُ الثاني: ما لم يَدُلَّ الدليلُ على تحريمِهِ بعَيْنِهِ؛ كرَمْيِ دُورِهم وطُرُقِهم وزُرُوعِهم؛ كما يَرْمُونَ دُورَ المؤمنينَ وطُرُقَهم وزُرُوعَهم، فذلك جائزٌ، ولو تمَّ عقابُهم بضَرْبِهم بسلاحِ يَفتِكُ بهم فلا يُفرِّقُ بينَ مُحارِبِ وغيرِ مُحارِب منهم كما يَفعَلونَ بالمؤمنينَ، لكان جائزًا، ولو كان ذلك مُحرِقًا أو مُهلِكًا لحَرثٍ ونَسْلٍ؛ لأنَّه عقابٌ بالمِثْلِ لم يُنْهَ عنه بعَيْنِه، فجاز ولو دخَلَ فيه تَبَعًا ما حَرُمَ بعينِهِ كقتلِ الصبيِّ والمرأةِ والشيخِ؛ لأنَّه لم لكن مقصودًا بنفسِه لو كان بارزًا.\nوفي هذا دليلٌ على أنَّ الإسلامَ لم يأتِ لِيُبِيدَ ويُفنِيَ، ويُهلِكَ وُيفسِدَ، وَيغنَمَ ويَفخَرَ، ويَبطَرَ ويَتجبَّرَ؛ وإنَّما جاءَ رحمةً للناس، ينشُرُ دِينَ اللهِ ويُعليه، ويَدفَعُ ما سواهُ ويُبطِلُه، والمقتولُ المؤمنُ جزاؤُهُ الجنةُ، والكافرُ المقتولُ جزاؤُه النارُ، فلا يَحزَنُ المؤمنُ على عدمِ تَشفِّيهِ مِن الكافرِ بالزِّنى بعِرْضِه، أو تعذيبِه عندَ أَسْرِهِ بحَرْقِه، أو قتلِ صَبيِّهِ ومجنونِهِ وشْيخِه؛ لأنَّ ما يجدُهُ عندَ اللهِ ممَّا توعَّدَه به أعظَمُ شفاءً لنفوسِ المؤمنينَ مِن كلِّ ما يَفعلونَهُ بعدوِّهم ممَّا يَوَدُّونَه.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَو مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦].\nنزَلَت هذه الآيةُ وما قبلَها في بَدْرٍ، وحذَّرَ اللهُ مِن الفِرارِ مِن","vol":"3","page":1382},{"text":"المشرِكِينَ ولو كانوا كثيرًا؛ فقولُه تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾؛ يعني: تقارَبْتُم وتدانَيْتُم، وإذا كَثُرَ الجيشُ يَراهُم البعيدُ كالذين يزحَفونَ على الأرضِ؛ إذْ لا تُرى أسافلُ أبدانِهم، لتلاصقِهم، وإنَّما تُرى رؤوسُهم وصدورُهم كالزاحِفِينَ على الأرض، وتوعَّدَ اللهُ مَن فَرَّ منهم يومَ بَدْرٍ بالغضبِ وعذابِ جهنمَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1034>الفِرارُ يومَ الزَّخفِ:</span>\nوالفرارُ مِن الزحفِ مِن الكبائرِ؛ كما في ظاهرِ الآية، وقد عَدَّهُ النبيُّ - ﷺ - مِن السَّبْعِ المُوبِقاتِ؛ كما في \"الصحيحَينِ\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ -﵁-؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: (الشِّرْكُ بالله، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بِالحَقّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَاَكْلُ مَالِ اليَتِيم، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْف، وَقَذْفُ المحْصَنَاتِ المُؤمِنَاتِ الغَافِلَاتِ) (١).\nويدُلُّ على عِظَمِهِ ما جاءَ في السُّنَّة، مِن قولِهِ - ﷺ -: (مَنْ قَالَ: أَسْتَغفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيِّ الْقَيُّومَ وَأتُوبُ إِلَيْه، غُفِرَ لَه وَإِن كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ) (٢)، وما جُعِلَ الفِرارُ مِن الزحفِ مِثالًا إلَّا لعِظَمِهِ عندَ اللهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1035>التحيُّزُ والتحرُّفُ عندَ لِقاءِ العدوِّ:</span>\nوأَذِنَ اللهُ للمؤمنينَ باستدبارِ المشرِكِينَ بلا فِرَارٍ على حالَيْنِ:\nالأُولى: أنْ يكونوا مُتَحرِّفينَ، كما في قولِهِ: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾، والمتحرِّفُ مِن الانحرافِ الدي يُريدُ أنْ يَدُورَ على عَدُوِّهِ مِن جهةٍ وناحيةٍ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩).\n(٢) أخرجه أبو داود (١٥١٧).","vol":"3","page":1383},{"text":"أخرى، وليس استدبارُهُ لعدوِّه هروبًا منه، ولكنِ التفافًا عليه مِن جهةٍ هي أشَدُّ إثحانًا للعدوّ، وأكثرُ أمانًا للمؤمنِ.\nومِن ذلك الذي يُبدِي للعدوِّ الفِرارَ لِيَستدرِجَهُ إلى كَمِينٍ ليُثخِنَ فيه، ويُصيبَ مه ما لا يُصِيبُهُ منه عندَ اللِّقاء، نصَّ على هذا سعيدُ بن جُبَيرٍ وغيرُه (١).\nالئانيهُ: أنْ يكونوا مُتحيِّزينَ؛ كما في قولهِ: ﴿أَو مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾، والمتحيِّزُ المُنحازُ إلى جماعةٍ أخرى مِن المؤمنينَ يَستكثِرُ بها على العدوّ، ويجوزُ التحيُّزُ إلى فئةٍ أخرى ولو كانتْ بعيدةً؛ كما فسَّرَ ذلك عمرُ بن الخطَّابِ في الآيةِ لمَّا قُتِلَ أبو عُبَيْدٍ في أرضِ فارسَ وعمرُ في المدينةِ؛ فقد روى أبو عثمانَ النَّهْدِيُّ، عن عمرَ؛ قال: لمَّا قُتِلَ أبو عُبيدٍ، قال عمرُ: \"أيُّها الناسُ، أنا فِئَتُكم\" (٢).\nوقال عبدُ المَلِكِ بن عُمَيْرٍ: قال عمرُ: \"أيُّها الناسُ، لا تَغُرَّنَّكُمْ هذه الآيةُ؛ فإنَّما كانتْ يومَ بدرٍ، وأنا فئةٌ لكلِّ مسلمٍ\" (٣).\nوليس للمؤمنينَ أنْ يَبْقَوْا في مُقابِلِ عدوٍّ لا قِبَلَ لهم به حتى يَسْتَأْصِلَهُمْ جميعًا، ولا يكونُ منهم عليه أثرٌ أو بأسٌ، ويُروى عن النَّخَعيِّ؛ قال: \"بَلَغَ عُمَرَ أن قَوْمًا صَبَرُوا بِأذرَبِيجَانَ حَتَّى قُتِلُوا، فَقَالَ عُمَرُ: لَو انحَازُوا إِلَيَّ، لَكُنْتُ لَهُمْ فِئَةً\" (٤).\nوفي \"الصحيحَيْن\"، عن البَرَاء، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ: أَكُنْتُمْ فَرَزتُمْ يَا أَبَا عُمَارَةَ يَوْمَ حُنَينِ؟ قَالَ: لَا وَالله، مَا وَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شبَّانُ أصْحَابِهِ وَأَخِفَاؤُهُمْ حُسَّرًا لَيْس بِسِلَاحٍ، فَأَتَوا قَوْمًا رُمَاةً؛\n_________\n(١) \"تفسير ابن كثير\" (٤/ ٢٧).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٨٠).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم \" (٥/ ١٦٧١).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٣٦٨٩).","vol":"3","page":1384},{"text":"جَمْعَ هَوَازِنَ وَبَنِي نَصْرٍ، مَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، فَرَشقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخطِئُونَ، فَأقبَلُوا هُنَالِكَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺوَهُوَ عَلَى بَغلَتِهِ البَيْضَاء، وَابْنُ عَمِّهِ أَبُو سُفيَانَ بْنُ الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ يَقُودُ بِه، فَنَزَلَ وَاسْتَنصَرَ، ثُمَّ قَالَ: (أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الَمُطلِبْ)، ثُمَّ صَفَّ أصْحَابَهُ (١).\nولا يجوزُ تحيُّزُ جماعةٍ إلى فئةٍ يَترُكونَ جماعةً أخرى يَنفرِدُ بهم العدوُّ فيَقتُلُهم، ولو بَقُوا معهم لَثَبَّتُوهُم وقَوُوا على العدوِّ، إلَّا عندَ عجزِ الجماعتَيْن، فيجوزُ تحيُّزُ إحداهُما إلى فئةٍ مسلمةٍ أُخرى.\nوإنْ قدَرُوا بأنفُسِهم والْتَقَوْا بالمشرِكينَ، كان الأَولى لهم عدمَ التحيُّزِ لفئةٍ بعيدةٍ عنهم، وقد كان عمرُ يزجُرُ مَن كانتْ حالُهُ كذلك؛ كما رَوَى عبدُ الرحمنِ بن أبي لَيلى: \"أَنَّ رَجُلَين فَرَّا يَوْمَ مَسْكَنٍ مِنْ مَغْزَى الْكُوفَة، فَأَتَيَا عُمَرَ، فَعَيَّرَهُمَا وَأخَذَهُمَا بِلِسَانِهِ أَخْذًا شَدِيدًا، وَقَالَ: فَرَرْتُمَا؟ ! وَأرَادَ أن يَصْرِفَهُمَا إِلى مَغْزَى الْبَصْرَة، فَقَالَا: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لَا، بَل رُدَّنَا إلَى المَغْزَى الَّذِي فَرَزنَا مِنْهُ؛ حَتَّى تَكونَ تَوْبَتُنَا مِنْ قِبَلِهِ\"؛ رواهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ (٢)، وفي سماعِ ابنِ أبي لَيْلَى مِن عمرَ خلافٌ، ولكنَّه يَروي عن طبقةِ عاليةٍ عنه.\nوتقديرُ القُدْرةِ على الكافرِ يَرجِعُ إلى المُجاهِدِ واجتهادِهِ تجرُّدًا، لا عن هَوَى وأثَرَةٍ؛ وبهذا فال غيرُ واحدٍ مِن العلماءِ؛ كالحاكمِ وغيرِه.\nواختلَفَ العلماءُ في الفئتَيْنِ: المُنحازةِ والمُنحازِ إليها: أيَعُودُونَ إلى لقاءِ الكفارِ أم لا؟ على قولَيْنِ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٩٣٠)، ومسلم (١٧٧٦).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٣٦٩٦).","vol":"3","page":1385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1036>تفاوُتُ أحوالِ الفِرارِ يومَ الزحفِ:</span>\nوكلَّما كان أثرُ النصرِ والهزيمةِ عظيمًا على المُسلِمينَ، كان الفِرارُ أشدَّ وأعظَمَ إثمًا؛ فإنَّ في الفرارِ والتولِّي يومَ الزحفِ كسرًا لِهَيْبةِ المؤمنِينَ، وإضعافًا لأَتباعِهمٍ، وتسليطًا للأُممِ عليهم، وهذه الآيةُ نزَلتْ يومَ بَدْرٍ؛ لأنَّه يومٌ عظيمٌ، وفرْقانٌ كبيرٌ بينَ الحقِّ والباطل، فجاء التشديدُ فيه أشَدَّ مِن غيرِه، ولمَّا كان يومُ أُحُدٍ خفَّفَ اللهُ في وعيدِه وتهديدِه، وذكَرَ عَفوَهُ وصَفحَهُ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، ولمَّا كان يومُ حُنَيْنٍ، وذكَرَ إدبارَ بعضِ المُسلِمينَ، قال: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]، قال بعدَ ذلك: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة: ٢٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1037>خَصُوصيَّةُ بَدْرٍ وَعِظَمُهَا:</span>\nوآيةُ البابِ نزَلتْ في بدرٍ، وقد اختلَفَ السلفُ: هل هي عامَّةٌ لكلِّ غزوةٍ، أو هي لبَدرٍ خاصَّةً؟ على قولَيْنِ:\nفمِن المفسِّرينَ مَن قال: إنَّ الوعيدَ في الآيةِ خاصٌّ بالفِرارِ يومَ بدرٍ؛ لأنَّه ليس لهم تركُ رسولِ اللهِ - ﷺ - وحدَهُ؛ وبهذا قال الحسنُ البصريُّ والضحَّاكُ، ولم يَرَوُا الفِرارَ بعدَ ذلك كبيرةً (١).\nومنهم -وهم الأكثرُ-: على عمومِ الحُكْم، وإنَّما الخاصُّ في بدرٍ أنه لا إمامَ للمؤمنينَ إلَّا رسولُ اللهِ - ﷺ -، ولا جماعةَ إلَّا جماعتُه، فالفارُّ إلى غيرِهم لا فئةَ له، ومع كثرةِ المؤمنينَ وفئاتِهم بعدَ ذلك وتعدُّدِ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٧٨).","vol":"3","page":1386},{"text":"جبهاتِهم وبُلْدانِهم وثُغُورِهم، فالتحيُّزُ أوسَعُ مِن قبلُ وأقرَبُ إلى الرُّخْصةِ فيه، كما رَوَى أبو سعيدِ الخُدْرِيُّ، قال: \"إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، لَمْ يَكُن لِلْمُسْلِمِينَ فِئَةٌ إِلَّا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنَّ المُسلِمِينَ بَعْضُهُمْ فئَةٌ لِبَعْضٍ\"؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (١).\nوالدليلُ على ذلك: كثرةُ الأحاديثِ واستفاضتُها في التحذيرِ مِن الفِرَارِ يومَ الزحف، وجعلِهِ مِن السَّبْعِ المُوبِقات، ويُجزَمُ أنَّ كثيرًا مِن الأحاديثِ تلك -إن لم يكنْ أكثرَها- كانتْ بعدَ بَدْرٍ.\nوصحَّ القولُ بالعمومِ عن ابنِ عبَّاسِ وغيرِه (٢).\nوكانتِ الآيةُ عامَّةَ في تحريمِ كلِّ فِرارٍ مِن كلِّ زحفٍ، ثم خفَّفَ الله على المؤمنِينَ بجوازِ الفِرارِ مِن ضِعْفَي المؤمنِينَ، ويجبُ عليهم الثَّباتُ أمامَ مِثلَيْهِمْ وما دونَه، وبعضُ المفسِّرينَ سمَّى ذلك نسخًا؛ كعطاءٍ؛ فجعَلُوا الناسخَ لها قولَهُ تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]؛ رواهُ عن عطاءٍ قيسُ بن سعدٍ؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ (٣).\nوقد جاء مِن طريقَيْنِ عن ابنِ عبَّاسٍ: \"مَن فَرَّ مِن اثنَيْنِ فقد فَرَّ، ومَن فَرَّ مِن ثلاثةٍ فلم يَفِرَّ\" (٤).\nوإنْ كان عددُ المشركينَ أكثَرَ مِن ضِعفَيْهم والمُسلِمونَ قادرونَ على الثباتِ والنصرِ والإثخانِ في العدوّ، كان الثباتُ أَولى؛ ولهذا قال تعالى:\n_________\n(١) تفسير الطبري\" (١١/ ٧٧).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٨١).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٨٠).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٣٦٩٠)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١١٥١).","vol":"3","page":1387},{"text":"﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا﴾ [الأنفال: ٦٥]، وبهذا قال الشافعيُّ: أنَّ الفِرارَ ممَّن فوقَ الضِّعْفِ لا يحرُمُ، والثباتُ مع القدرةِ على النصرِ أَولى.\nوالتحيُّزُ إلى فئةٍ والتحرُّفُ لقتالٍ يجورُ ولو كان العدوُّ أقَلَّ مِن المؤمنينَ، على ما تقدَّمَ مِن كلامٍ.\nوأكئرُ الآياتِ تحُثُّ المؤمنِينَ على الصبر، وعدم تعلُّقِ القلبِ بكثرةِ الكفَّارِ وقلَّةِ المؤمنينَ؛ حتى لا تُهزَمَ نفوسُ أهلِ الحقِّ ويَضْعُفوا عن لقاءِ العدوّ، كما قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩].\nوقولُهُ تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا﴾ [الأنفال: ٦٥] وقولُهُ: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦].\nهذا لتثبيتِ أهلِ الإيمانِ ولتقويةِ عزائِمِهِمْ، فإنَّما يُنصَرونَ بإيمانِهم، لا بمجرَّدِ عَدَدِهم وعَتَادِهم، وكلُّ نصرِ اللهِ لنبيِّه ولأصحابِ نبيِّه كان مع قلَّةِ عَدَدٍ وضَعْفِ عُدَدٍ.\nولو ثبَتَ المؤمنُ في لقاءِ الكافرينَ، وترَكَ الرُّخْصةَ له بالفِرارِ والتحيُّزِ والتحرُّف، ويَغلِبُ على ظنِّه الهلاكُ بلا إثخانٍ فقُتِلَ، فلا خلافَ في أنه شهيدٌ محمودُ العاقبةِ إنْ أخلَصَ، ولم يقُلْ أحدٌ مِن السلفِ ولا يفهَمُ مِن النصوصِ: أنه مُلْقٍ بنفسِهِ إلى التهلُكةِ؛ فإنَّ آياتِ الترخيصِ بالتحيُّزِ والتحرُّفِ والتخفيفِ بالفِرارِ مِن العدوِّ إنْ كان أكثَرَ مِن الضِّعْفِ -جاءتْ للترخيصِ بذلك، لا لتفضيلِه، فضلًا عن إيجابِه.\n* * *","vol":"3","page":1388},{"text":"* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٢٤ - ٢٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1038>الجهادُ حياةٌ:</span>\nالمرادُ بالحياةِ في قولِه تعالى: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ هو جهادُ الكُفَّارِ المُعانِدِينَ؛ كما قالَهُ عُرْوةُ بن الزُّبَيْرِ (١)، وابنُ إسحاقَ (٢)، وقال مجاهدٌ: هو الحقُّ (٣)، وقال قتادةُ: هو القرآنُ (٤).\nوهذا مِن التنوُّعِ لا التضادِّ، فمِن الحقِّ الذي دعا إليه النبيُّ - ﷺ - في القرآنِ: الجهادُ، وظاهرُ سياق الآياتِ قبلَها وبعدَها في قتالِ الكفَّارِ المُعانِدِين؛ ففي هذه الآيةِ سمَّى اللهُ الجهادَ حياةً: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، كما سمَّى القِصاصَ حياةً: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]؛ لأنَّ الأمَّةَ إنْ لم تُجاهِدْ عدوَّها، تسلَّطَ عليها وقتَلَها، وانشغَلَت بنفسِها فتناحَرَت وقتَلَ بعضُها بعضًا، وإنْ قاتَلَتْ عدوَّها، فلها البقاءُ والعِزَّةُ، ويُحفَظُ دمُها بقوَّةِ شَوْكَتِها، ولو كان الجهادُ في ظاهرِهِ سفكًا للدمِ وفقدًا للمال، ولكنَّ اللهَ يَحفَظُ به دماءً وأموالًا أعظَمَ ممَّا ذهَبَ منها وفَقَدَتْ، والتاريخُ شاهدٌ أنَّ الأمَّة إنِ انشغَلَتْ عن الجهاد، دَبَّ فيها القتالُ، وسفَكَ بعضُها دمَ بعضٍ، وإنِ انشغَلَت بالجهاد، حَفِظَ اللهُ دمَها ومالَها، وإن ظهَرَ لها خلافُ ذلك، فهم يَنظُرونَ للبدايات، ولا ينظُرونَ للنِّهاياتِ.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٦٧٩).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١١/ ١٠٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٦٨٠).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١١/ ١٠٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٦٧٩).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (١١/ ١٠٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٦٨٠).","vol":"3","page":1389},{"text":"وفي ذلك أنَّ الأمَّةَ التي تعطِّلُ الجهادَ كالأمَّةِ الميِّتةِ؛ لأنَّ اللهَ سمَّاهُ حياةً في قوله ﴿دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، وهو الجهادُ.\nويُظهِرُ تلازُمَ اشتِدادِ الفِتَنِ في المُسلِمينَ عندَ تعطيلِ الجهادِ: أنَّ اللهَ ذكَرَ بعدَ حياتِهم به تحذيرَهُ مِن عاقبةِ الفتنِ عليهم بقوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾؛ وذلك أنَّ الفَتنَ لا تكثُرُ إلَّا عندَ تعطيلِ الجهادِ والرُّكُونِ إلى الدُّنيا.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤].\nتقدَّمَ الكلامُ على مسألةِ الصَّدِّ عن المسجدِ الحرام في سورةِ البقرةِ عندَ قولهِ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧].\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٥].\nكانتْ قريشٌ تتعبَّدُ بالتصفيرِ والتصفيقِ عندَ البيت، والمُكَاءُ هو صفيرُ الطائرِ؛ فيقالُ: مَكَا الطيرُ يَمْكُو مُكَاءً ومَكْوَا: صَفَرَ، والطائرُ يُسمَّى المَكَّاءَ.\nوالتَّصْدِيَةُ مِن الصَّدَى، وهو ما يَسمَعُهُ الخالي بينَ جبالٍ أو في كُهُوفٍ أو عُمْرانٍ خاليةٍ، وأرِيدَ به هنا التصفيقُ.","vol":"3","page":1390},{"text":"وقد كانت قريشٌ تُريدُ صَدَّ النبيِّ - ﷺ - عن قراءةِ القرآنِ؛ حتى لا يَفتِنَهم ولا يَفتِنَ قَوْمَهم، فيُصفِّقونَ ويُصفِّرونَ ويَتمازَحُونَ باللَّغْوِ ورفعِ الصوتِ به؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] فهم يُريدون الغَلَبَةَ لآلهتِهم، والهزيمةَ لمحمد - ﷺ - ورسالته.\nوقد ذكَرَ غيرُ واحدٍ أنَّ قريشًا كانتْ تتعبَّدُ بالمُكَاءِ والتَّصْدِيَةِ في الحاهليَّة، فيَقِفُ الواحدُ منهم على الصَّفَا فيَمْكُو ليسمَعَ صَدَى صوتِهِ في جبالِ مَكَّةَ.\nوقد بيَّنَ اللهُ أنَّ غايةَ تعبُّدِهم للهِ هو هذا اللَّعِبُ واللَّهْوُ الذي بدَّلُوهُ عن الحنيفيَّة، ومنَعَهُمْ مِنَ الاستسلامِ لله، والانقيادِ والاتِّباعِ لنبيِّه - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1039>حُكمُ التصفيرِ والتصفيقِ:</span>\nوأمَّا حُكمُ التصفيرِ والتصفيق، فعلى حالَيْنِ:\nالأُولى: إذا أُرِيدَ به التعبُّدُ والتديُّنُ، فذلك محرَّمٌ، وليسا هما عبادةً في ذاتِهما في الإسلام، ولا يجوزُ التديُّنُ بهما بالاتِّفاق، إلَّا في حالةٍ واحدةٍ للمرأة، وهي عندَ إرادةِ فَتْحِها على الإمامِ عندَ سَهْوِهِ وغَلَطِهِ في الصلاة، ولم يُوجَدْ رجالٌ يَفتَحُونَ، فيستحَبُّ لها التصفيقُ؛ كما قال - ﷺ -: (التَّسْبِيح لِلرِّجَال، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ)؛ وهو في الصحيح، مِن حديثِ أبي هريرةَ (١) وسَهْلٍ (٢).\nالثانيةُ: إذا لم يُرَدْ به التعبُّدُ والتديُّنُ؛ وإنَّما يُفعَلُ في العاداتِ والمناسبات، فمنه ما يجوزُ: كتصفيرِ صاحِبِ البهائمِ لبهائمِه، فمنها ما\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٢٠٣)، ومسلم (٤٢٢).\n(٢) أخرجه البخاري (١٢٠٤).","vol":"3","page":1391},{"text":"تستجيبُ للتصفيرِ كبعضِ الطيورِ وشِبْهِها مِن غيرِها، وكتصفيقِ مَن يُريدُ تنبيهَ غافلٍ أو وَسْنَانٍ، وذلك بضربِ اليدِ أو القضيبِ على خشبٍ أو مَعدِنٍ، فلم يَرِدْ شيءٌ مِن منعِ هذا النوعِ في السُّنَّةِ وكلامِ الصحابةِ مع احتمالِ ورودِه.\nومنه: تصفيِقُ المرأةِ في النِّكاح، فذلك جائزٌ؛ لأنَّ النبيَّ - ﷺ - لمَّا أجازَ التصفيقَ للمرأةِ في الصلاة، ففي غيرِها مِن بابِ أَولى، سواءٌ كان ذلك في نكاحٍ أو أعيادٍ أو غيرِ ذلك مِن الأفراحِ.\nومنه: ما يُكرَهُ؛ وهو تصفيرُ الرِّجالِ وتصفيقُهم في الأفراحِ وعندَ سماعِ ما يُعجِبُهم وَيَسُرُّهم؛ وذلك لأنَّه قد دلَّ الدليلُ على مشروعيَّةِ التكبيرِ والتسبيح، وفد ثبَتَ في \"الصحيح\"؛ مِن حديثِ أمِّ سلمةَ، عن النبيِّ - ﷺ -؛ قال: (سُبْحَانَ اللهِ! مَاذَا أنزِلَ مِنَ الخَزَائِن، وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الفِتَنِ؟ !)، وفيه عن عمرَ أنه قال للنبيِّ - ﷺ -: طَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قال: لا، فقال عمرُ: اللهُ أَكْبَرُ (١).\nوقد ترجَمَ البخاريُّ على ذلك بقولِه: (بابُ التكبيرِ والتسبيحِ عندَ التعجُّبِ).\nوإبدالُ المشروعِ بغيرِهِ مكروهٌ، وليس التصفيرُ والتصفيقُ مِن مروءةِ رجالِ العربِ، وإنَّما قلْنا بالكراهةِ، ولم نقُل بالتحريمِ؛ لأنَّه لا دليلَ على تحريمِه، والآيةُ في التعبُّدِ به عندَ البيت، وأفعالُ العباداتِ إنْ شابَهَتِ العادات، جازَ فِعْلُها عادةً لا تعبُّدًا، ولو كانتْ ممنوعةً بعَينِها، لَمَا جازَ للمرأةِ التصفيقُ؛ لأنَّ المشابَهةَ للعبادةِ يُنهَى عنها الرجلُ والمرأةُ، والآيةُ عامَّةٌ بحكايةِ حالِ المشرِكينَ، لم تُخصِّصْ رجلًا ولا امرأةً منهم، ولأنَّ المرأةَ لو سبَّحَتْ وصفَّقَ الرجُلُ في الصلاة، لم تَبطُلْ صلاتُهما؛ وإنَّما\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٢١٨).","vol":"3","page":1392},{"text":"فعَلَا مكروهًا غيرَ مستحَبٍّ، وإنَّما كانتِ الكراهةُ؛ لأنَّه ثبَتَ في الشرعِ سُنِّيَّةُ التكبيرِ والتسبيحِ عندَ سماعِ ما يُفرِحُ ويُعجَبُ منه، ولأنَّه مِن خصائصِ النِّساءِ؛ كما في طاهرِ الحديثِ: (التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ)؛ يعني: خارجَ الصلاة، فكان لهنَّ داخِلَها، فلم يكنْ في عُرْفِ الرِّحالِ إلَّا في الزمنِ المتأخِّر، وإنْ فعَلَهُ ونُسِبَ لآحادٍ وعوامَّ عن السابقِينَ.\nوقد كان ابنُ عمرَ وأبو سلمةَ بن عبد الرحمنِ يُسألانِ عن التصفيرِ والتصفيق، فيَفْعَلانِ ذلك لبيانِه، ولو كان محرَّمًا بعَيْنِه، لَمَا جازَ فعلُهُ ولو لبيانِه؛ لأنَّ بيانَهُ بالكلامِ ممكِنٌ لكلِّ أحدٍ؛ كما رَوَى ابنُ جريرٍ، عن قُرَّةَ، عن عطيَّةَ، عن ابنِ عمرَ؛ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾؛ قَالَ: \"المُكَاءُ: الصَّفِيرُ، وَالتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ. وَقَالَ قُرَّةُ: \"وَحَكَى لَنَا عَطِيَّةُ فِعْلَ ابْنِ عُمَرَ؛ فَصَفَّرَ، وَأَمَالَ خَدَّهُ، وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ\" (١).\nوأمَّا ما رواهُ ابنُ عساكرَ في \"تاريخِه\"، عن الحسنِ البصريِّ مرسلًا؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (عَشْرُ خِصَالٍ عَمِلَهَا قَوْمُ لُوطٍ، بهَا هَلَكُلوا، وَتَزِيدُهَا أُمَّتِي بِخَلَّةٍ)، فذكَرَ الخِصالَ، ومنها التصفيقُ (٢)، فلا يَثبُتُ، وهو مُنكَرٌ.\nويجوز للمرأةِ الزَّغْرَدَةُ والتصفيرُ؛ لجوازِ التصفيقِ لها، وجعَلَهُ بعضُ فُقهاءِ المالكيَّةِ في حُكْمِ ضربِ الدُّفِّ في إظهارِ النِّكاحِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1040>التعبُّدُ للهِ بالألحانِ والآهاتِ:</span>\nأمَّا التعبُّدُ بالآهاتِ والألحان، وذِكْرُ اللهِ بها: فلا يُعرَفُ في القُرونِ المفضَّلةِ التعبُّدُ للهِ بالأذكارِ والأدعيةِ باللُّحونِ والآهات، وهذا ممَّا حدَثَ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ١٦٣).\n(٢) \"تاريخ دمشق\" (٥٠/ ٣٢٢).","vol":"3","page":1393},{"text":"في أوائلِ المئةِ الثالثةِ واشتهَرَ بعدَها، ولم يكنْ معروفًا في بُلْدانِ الإسلامِ التعبُّدُ به، ولا بالتصفيقِ والتصفير، ولا بالدُّفّ، ولا بصربِ القضيبِ.\nولمَّا ظهَرَ، أنكَرَهُ الأئمَّةُ مِن السلفِ، ولم يكنْ نهم مَن يعملُهُ، حتى كَثُرَ في الزُّهَّادِ المتصوِّفة، ثم كان في الصالحينَ، ثم اعتادَهُ بعضُ المتعلِّمِينَ، وقد أسنَدَ البيهقي في \"مناقب الشافعيِّ\" قولَهُ: \"خَلَّفْتُ ببغدادَ شيئًا أحدَثَتْهُ الزَّنادقةُ يُسَمُّونَهُ التغبيرَ، يَصُدُّونَ به الناسَ عن القرآنِ\" (١).\nوتوسَّعَ الناسُ اليومَ في إنشادِ الأشعارِ حتى شابَهُوا أهلَ المعازفِ والطَّرَب، فيُسمُّونَها إنشادًا وحُدَاءً، وليستْ بحُدَاءٍ ولا إنشادٍ، وغرَّهُم في ذلك أنَّ الآلاتِ التي تُستعمَلُ فيها ليستْ معازفَ؛ وإنَّما مِن الأصواتِ الطبيعيَّةِ والتقنيةِ الحديثة، وهذا جهلٌ بأصولِ الشريعةِ التي لا تُفرِّقُ بينَ المُتماثِلات، والمعازفُ مِن الطبيعةِ؛ فهي مِن أغصانِ الشجرِ وأعوادِها، ومِن شَعَرِ بعضِ البهائمِ وجِلْدِها، وإنَّما اختلَفَتْ في طريقةِ إحراجِ الصوت، وأكثَرَ الناسُ منها حتى بلَغُوا حَدَّ التديُّنِ بها، واتُّخِذَتْ دعوةً للفُسَّاقِ والغافِلِينَ لها، وهذا مِن الصدِّ عن كلامِ اللهِ والتغنِّي به، وعن الوعظِ المشروع، ولا يُعلَمُ أنَّ فاسقًا وغافلًا صلَحَتْ حالُه بأناشيدِ الإطرابِ وآهاتِ الأحزانِ والأفراح، بل هي حرَفَتِ الصالحينَ إلى الغَفْلة، ولم تَجلِبِ الغافلينَ إلى الصلاحِ.\nومَن صلَحَتْ حالُهُ في الظاهرِ بتلك الأسباب، فغالبًا أنَّ باطنَهُ أجوَفُ مِن الإيمان، وقلَّما يثبُتُ، وربَّما يُظهِرُ مِن الصلاحِ ويُبطِنُ مِن ذنوبِ السَّرائرِ أشياءَ عظيمةً؛ لأنَّه لا يُثبِّتُ الإيمانَ في القلبِ إلَّا الوحيُ قرآنًا وسُنَّةً والوعظُ بهما، وبمِقْدارِ ما لدى الإنسانِ منهما يكونُ صلاحُهُ باطنًا، وبمِقدارِ نُقْصانِهما فما زاد مِن صلاحِ الإنسانِ الظاهرِ\n_________\n(١) \"مناقب الشافعي\" (١/ ٢٨٣).","vol":"3","page":1394},{"text":"عليهما هو تكلُّفٌ وتصنُّعٌ لا بُدَّ أن يَزولَ عدَ أدنى شِدَّةٍ ومِحْنةِ أو تغيُّرِ حالٍ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨].\nمِنْ رحمةِ اللهِ بالكفَّارِ: عدمُ مؤاخَذَتِهم لما سلَفَ منهم مِن حقِّ اللهِ وحقِّ المخلوقِين؛ فاللهُ يُسقِطُ ذلك عنهم بعَفوِه؛ تشَوُّفًا لاتِّباعِهم الحقَّ وعودتِهم إلى فِطْرتِهم، ولو أُخِذُوا بما سلَفَ منهم مِن حقِّ اللهِ؛ مِن سَبِّ اللهِ والتعدِّي على دِينِهِ ونبيِّه، ومِن حقِّ المخلوقينَ؛ مِن قتلِ المُسلِمينَ وسَلْبِ أموالِهم وسَفْكِ دمائِهم-: لَمَا أقبَلَ منهم أحدٌ إلَّا ما رحِم اللهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1041>الكافرُ والمُرْتَدُّ والحقوقُ التي عليهما:</span>\nوالكافرُ إذا دخَلَ الإسلامَ، فعلى حالتَيْنِ:\nالحالةُ الأُولى: إنْ كان كافرًا أصليًّا؛ فيسقُطُ كلُّ حقٍّ عليه للهِ وللعباد، مِن دمٍ أو مالٍ أو عِرْضٍ بالإجماعِ؛ لظاهِرِ هذه الآية، ولاستفاضةِ عملِ النبيِّ - ﷺ - مع الداخِلينَ في الإسلام ممَّن قاتَلَهُ واعتَدَى عليه بنفسِهِ وعلى أصحابِه، فما أخَذَ على قريشٍ وأَهلِ الطائفِ طَرْدَهم وضَرْبَهم له، ولا على مَن قاتَلَهُ في بدرٍ وأُحُدٍ وحُنَيْنٍ وغيرِها، لمَّا دخَلَ الإسلامَ؛ إذْ لم يُؤاخِذْهم بشيءٍ، حتى لمَّا دخَلَ وَحْشِيٌّ الإسلامَ وكان قد قتَلَ حمزةَ، وهو أعظَمُ مُصابٍ للنبيِّ - ﷺ -، لم يُؤاخِذْه النبيُّ بذلك.\nولا يُؤخَذُ منهم المالُ الذي سَلَبُوهُ، ولا يُقادَونَ بدمٍ أراقُوه، ولا بعِرْضٍ انتهَكُوه.\nوفي هذا كلِّه دَلَالةٌ على أنَّ غايةَ المُسلِمينَ إخضاعُ الناسِ","vol":"3","page":1395},{"text":"لعِبادةِ الله، وليس الانتصافَ لأنفُسِهم مِن عدوِّهم، وتَشَفِّيَهم منه، وعُلُوَّهم في الدُّنيا عليه.\nوكلُّ ما أخَدَهُ الكافرُ الداخلُ في الإسلامِ مِن المُسلِمينَ قبلَ إسلامِه، فليس لهم مطالبتُهُمْ به؛ فإنَّما أُخِذَ للهِ؛ فعلى اللهِ أجرُهم وثوابُهم، ولا يجوزُ لهم أن يَنتقِمُوا لأنفُسِهم ممَّن دخَلَ الإسلامَ بعدَ كُفْرِهِ الأصليّ، مهما بلَغَت آلامُهم وحقوقُهم عندَهُ؛ ففي \"الصحيحَيْنِ\"، مِن حديثِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيٍّ؛ أَنَّ المِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو الكِنْدِيِّ حَليِفَ بَنِي زُهْرَةَ، حَدَّثَهُ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي لَقِيتُ كَافِرًا فَاقْتَتَلْنَا، فَضَرَبَ يَدِي بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، وَقَالَ: أسْلَمْتُ لله، آقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (لَا تَقْتُلْهُ)، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، فَإِنَّهُ طَرَحَ إِحْدَى يَدَيَّ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَمَا قَطَعَهَا! آقْتُلُهُ؟ قَالَ: (لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقتُلَهُ، وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ) (١).\nالحالةُ الثانيةُ: أنْ يكونَ مرتدًّا، فكان على الإسلامِ ثم ترَكَهُ وارتَدَّ وقاتَلَ المُسلِمينَ، وأصابَ منهم دمًا ومالًا وعِرْضًا، فقد اختلَفَ العلماءُ في مُؤاخَذَتِه في الحقوقِ التي عليه للآدميِّينَ زمنَ رِدَّتِه:\nذهَبَ أبو حنيفةَ ومالكٌ والشافعيُّ: إلى أنَّ حقوقَ الآدميِّينَ لا تسقُطُ عن المُرتدّ، ولو سقَطَتْ حقوقُ الآدميِّينَ عن المرتدِّ بعدَ معرفتِهِ للحقِّ ودخولِهِ إليه ومعرفتِهِ لثُغُورِه ومَحَارِمِ أهلِه مِن دمٍ ومالٍ وعِرْضٍ، لَاتُّحِذَ ذلك ذريعةً إلى استباحةِ تلك الأموالِ والأعراصِ والدِّماءِ بالرِّدَّة، ثم العودةِ إلى الإسلامِ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٨٦٥)، ومسلم (٩٥).","vol":"3","page":1396},{"text":"وهذه الآيةُ - وهي قولُه تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ - نزَلتْ في الكفَّارِ الأصليِّينَ بالاتِّفاقِ.\nوذهَبَ بعضُ الفُقَهاءِ مِن المالكيَّةِ وغيرِهم إلى سقوطِ كلِّ شيءٍ عنه، وأنَّه كالكافرِ الأصليِّ.\nوأمَّا حقوقُ اللهِ على المرتدِّ حالَ رِدَّتِهِ:\nفأكثرُ العلماءِ على سقوطِها عنه؛ وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ وأحمدَ في المشهورِ عنه، سواءٌ كانت عبادةً أو زكاةَ مالٍ، أو طلاقًا أو قَسَمًا ويمينًا ونحوَ ذلك.\nوقال الشافعيِّ وأحمدُ في روايةٍ أُخرى: إنَّه يَقضي ما عليه مِن حقِّ اللهِ.\nوالأظهَرُ: سقوطُ حقِّ اللهِ عنهم؛ فقد ارتَدَّ ناسٌ زمنَ النبيِّ - ﷺ - وعادُوا، ولم يأمُرْهم النبيُّ - ﷺ - بقضاءِ شيءٍ مِن حقِّ اللهِ الذي ترَكُوهُ زمنَ رِدَّتِهم؛ كابنِ أبي السَّرْح، وكالذين اتَّبَعُوا الأَسْوَدَ العَنْسِيَّ مُدَّعِيَ النبوَّةِ في زمنِهِ - ﷺ -، ولمَّا قُتِلَ، عادُوا إلى الإسلام، ولم يُؤمَرُوا بشيءٍ.\nوقد ارتدَّتْ قبائلُ وجماعاتٌ زمنَ الخلفاءِ والصحابة، ولم يثبُتْ أنَّهم أَمَرُوهم بقضاءِ شيءٍ مِن حقِّ اللهِ تعالى، وقد جاءَ الوحيُ بإسقاطِ الحقِّ عن كلِّ مَن تحوَّلَ مِن كفرٍ إلى إسلامٍ؛ كما في \"الصحيح\"؛ مِن قولِهِ - ﷺ -: (إِنَّ الإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ) (١).\nوأمَّا الذِّمِّيُّ والكافرُ الحَربيُّ الذي يدخُلُ بُلْدانَ المُسلِمينَ بأمانٍ فيَقذِفُ ويُصِيبُ حَدًّا، فإنَّه يُقامُ عليه الحَدُّ، ويُعاقَبُ ويُؤاخَذُ بما جَنَى؛ لأنَّ لازِمَ عهدِهِ وأمانِهِ وذِمَّتِهِ حِفْظُ حقوقِ المُسلِمينَ.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٢١).","vol":"3","page":1397},{"text":"قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٣٩].\nفي هذه الآيةِ: الكلامُ على قتالِ الطلَبَ، وتقدَّمَ الكلامُ على ذلك في سورةِ البقرةِ وآلِ عِمرانَ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾ [الأنفال: ٤١].\nفي هذه الآيةِ: تفصيلُ الغنيمة، وبيانُ مُستحِقِّيها مِن المُقاتِلينَ وغيرِهم، وتقدَّمَ بيانُ أنَّ اللهَ خَصَّ هذه الأمَّةَ بحِلِّ الغنيمة، وكانت أوَّلَ الأمرِ جُعِلَتْ لرسولِ اللهِ - ﷺ - يُقسِّمُها على ما أرادَ، ثم فصَلَ اللهُ في أمرِها في هذه الآيةِ.\nوالمالُ المأخوذُ مِن الكفَّارِ أنواعٌ؛ منه: الغنيمةُ والفَيْءُ والأنفالُ والسَّلَبُ والجِزْيةُ والخَرَاجُ، وبينَ بعضِ هذه الأسماءِ تداخُلٌ في المعنى، وبينَ بعضِها تطابُقٌ عندَ بعضِ السلف، والغنيمةُ هي ما أُخِذَ بإيجافِ الخَيْلِ والرِّكَاب، فتُطلَقُ على ما أُخِذَ بقتالٍ؛ كما في غَزْوةِ بدرٍ وأُحُدٍ وحُنَيْنٍ وغيرِها، والفَيْءُ ما أُخِذَ مِن المشركينَ بلا قتالٍ؛ كما كان في فتحِ مَكَّةَ، وفيه نزَلَتْ آيةُ سورةِ الحشر، فقد نزَلَتْ في بني النَّضِير، وهي بعدَ بدرٍ.\nولا يصحُّ القولُ بأنَّ آيةَ الغنيمةِ في الأنفالِ ناسخةٌ لآيةِ الفَيْءِ مِن سورةِ الحشرِ؛ كما يقولُه قتادةُ؛ لأنَّ الحشرَ في غزوةِ بَني النَّضِير،","vol":"3","page":1398},{"text":"والأنفالَ في غزوةِ بدرٍ، وبدرٌ قبلَ بني النَّضِيرِ بالاتِّفاقِ.\nوتقدَّمَ الكلامُ على الأنفالِ والسَّلَب، ويأتي الكلامُ على الجِزْيةِ في سورةِ التوبةِ بإذنِ اللهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1042>تخميسُ الغنيمةِ وحُكْمُهُ:</span>\nوفي هذه الآيةِ: ﴿غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ﴾ الآيةَ: دليلٌ على وجوبِ تخميسِ القليلِ والكثير، وأنَّه لا يُؤخَذُ منها شيءٌ يُستأثَرُ سه ولو قليلًا، وفي \"المسنَدِ\"؛ مِن حديثِ عُبَادةَ مرفوعًا: (أدُّوا الْخَيْطَ وَالمِخْيَطَ، وَأَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ وَأَصْغَرَ، وَلَا تَغُلُّوا) (١).\nوقد صحَّ عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: (السَّهْمُ تَسْتَخْرِجُهُ مِنْ جَنْبِكَ، لَيْسَ أَنْتَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ أَخِيكَ المُسْلِمِ)؛ رواهُ البيهقيُّ، عن عبد اللهِ بنِ شَقِيقٍ، عن رجلٍ مِنْ بَلْقَيْنِ مِن الصحابةِ (٢).\nوبوجوبِ تخميسِ الغنيمةِ يقولُ عامَّةُ السلفِ والفقهاءِ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ والشَّافعيِّ وأحمدَ.\nويُروى عن بعضِ السلفِ؛ كمالكٍ وبعضِ الأئمَّةِ الفقهاءِ؛ كابنِ تيميةَ: جوازُ إلَّا يَقسِمَها الإمامُ تخمسًا، وأنَّ له أنْ يجتهدَ في إعطائِها على ما يراهُ وفيما يراهُ، واستُدِلَّ بما فعَلَ النبيُّ - ﷺ - يومَ حُنَينٍ؛ كما في البخاريّ، عن عبد اللهِ؛ قال: \"لمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ، آثَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - نَاسًا؛ أَعْطَى الأَقْرَعَ مِئَةً مِنَ الإِبِل، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى نَاسًا، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا أُرِيدَ بِهَذِهِ القِسْمَةِ وَجْهُ الله، فَقُلْتُ: لَأُخْبِرَنَّ النَّبَيَّ - ﷺ -، قَالَ: (رَحِمَ اللهُ مُوسَى؛ قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ) \" (٣).\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣١٦).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٣٢٤).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٣٣٦).","vol":"3","page":1399},{"text":"واختُلِفَ فيما فعَلَهُ النبيُّ - ﷺ - يومَ حُنَيْنٍ: هل كان عطيَّةً مِن أصلِ الغنيمةِ وأنَّها لم تُخمَّسْ، أو كان ذلك بعدَ تخميسِها وكانتِ العطيَّةُ مِن خُمُسِ النبيِّ - ﷺ - خاصَّةً؟ على قولَيْنِ:\nقال بالقولِ الأوَّلِ: جماعةٌ مِن العلماءِ؛ كابنِ عدِ البَرّ، وابنِ تيميَّةَ، وابنِ حَجَرٍ، وغيرِهم، ولا يَلزَمُ في كلِّ مَن قال بأنَّ النبيَّ - ﷺ - لم يُخمِّسْ غنيمةَ حُنَيْنٍ: أنه لا يَرى وجوبَ تخميسِ الغنيمةِ على الأُمراءِ؛ فمنهم مَن جعَلَها خاصَّةً بالنبيِّ - ﷺ -.\nوقال بالقولِ الثاني: الشافعيُّ، وأبو عُبَيْدٍ القاسمُ بن سلَّامٍ، والقاضي عِياضٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1043>قِسْمةُ غنائمِ حُنَيْنٍ:</span>\nوالقولُ بأنَّ النبيَّ قَسَمَ غنائمَ حُنيْنٍ، وأنَّ ما لم يقسِمْهُ هو الخُمُسُ - هو الذي يُوافِقُ ظواهرَ الأدلَّةِ ويَسيرُ عليها؛ فإنَّ النبيَّ - ﷺ - ما زالَ يَقسِمُ الغنائمَ منذُ نزَلَتْ عليه هذه الآيةُ، ولو كان ثَمَّةَ ما يخرُجُ عن هذا الأصل، لَجَاءَ صريحًا، ولَاعْتَبَرَهُ الصحابةُ والتابعونَ ناسخًا للأمرِ بتخميسِ الغنيمة، ولَعَمِلَ الخلفاءُ به بعدَ ذلك، ويدُلُّ على بقاءِ الحُكْمِ ما جاءَ في \"السُّننِ\"؛ مِن حديثِ عدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ (١)، وعمرِو بنِ عَبَسَةَ (٢)؛ أنَّ الرسولَ قال يومَ حُنَيْنٍ - وقد أَمْسَكَ وَبَرَةً مِن سَنَامِ بَعِيرٍ بينَ إصبعَيْهِ -: (إِنَّهُ لَيْسَ لِي مِنَ الْفَيْءِ شَيْءٌ، وَلَا هَذِه، إِلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ)، ورواهُ أحمدُ عن عُبادةَ (٣)، ومالكٌ عن عمرِو بنِ شعيب (٤).\n_________\n(١) أخرجه النسائي (٣٦٨٨).\n(٢) أخرجه أبو داود (٢٧٥٥).\n(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٣١٩).\n(٤) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٤٥٧).","vol":"3","page":1400},{"text":"وهو صريحٌ في بقاءِ الحُكمِ يومَ حُنينٍ، وأنَّ النبيَّ - ﷺ - لا يَملِكُ غيرَ الخُمُسِ.\nويعضُدُ ذلك ويُستأنَسُ بما رواهُ الشافعيُّ؛ قال: \"أخبَرَنا بعضُ أصحابِنا، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - أَعطى الأَقْرَعَ وأصحابَهُ مِن خُمُسِ الخُمُسِ\" (١).\nوأمَّا كثرةُ المالِ الذي أعطاهُ، فقد أَعطَى الأَقرَعَ بنَ حابِسٍ، وعُيَيْنَةَ بنَ حِصْنٍ، وحَكِيمَ بنَ حِزَامٍ، وأبا سُفْيانَ بنَ حَرْبٍ، وابنَهُ مُعاويةَ، والحارتَ بنَ هشامٍ، وسُهَيلَ بنَ عمرٍو، وحُوَيْطِبَ بنَ عبد العُزَّى، وصَفْوَانَ بنَ أُمَيَّةَ مئةَ بَعِيرٍ، ومالكَ بنَ عَوْفٍ، والعلاءَ بنَ جَارِيَةَ الثَّقَفِيَّ حَلِيفَ بَني زُهْرةَ، وغيرَهم مِئَةً مِن الإبل، وأَعطَى عيرَهم أقَلَّ مِن المِئَة، وقد اختلَفَتْ كُتُبُ السِّيَرِ في عددِ مَن تألَّفَ قلْبَه مِن قريشٍ وغَطَفَانَ وتميمٍ وبَني قيسٍ وثقيفٍ وغيرِهم مِن الغنيمة، وقد ذكَرَ ابنُ هشامٍ تسعةً وعشرينَ رجلًا، ولو جُمِعَ صحيحُ الرِّواياتِ وضَعيفُها، فإنَّهم لا يَبلُغُونَ ستِّينَ رجلًا، ولم يُساوِهم جميعًا في العطاء، وغنائمُ حُنَيْنٍ عظيمةٌ، وقد قيل: إنَّها فوقَ أربعةٍ وعشرينَ ألفًا مِن الإبل، ومِن الغنمِ قريبُ الضِّعْفِ مِن الإبل، وبضعةُ آلافٍ مِن أَوَاقِي الفِضَّةِ والسَّبْي، والخُمُسُ مِن الإبلِ خاصَّةً - الذي يَملِكُ النبيُّ - ﷺ - وَضْعَهُ فيما يراهُ -: عظيمٌ، وَيستوفي ذلك العَدَدَ ويَزيدُ.\nوأمَّا ما جاءَ في \"الصحيحَينِ\"، عن أنسِ بنِ مالكٍ؛ أنَّ الرسولَ - ﷺ - أعطَى الطُّلَقَاءَ والمُهاجِرينَ، ولم يُعْطِ الأنصارَ شيئًا (٢)، فظاهرٌ أنَّهم لم يُعطَوْا شيئًا مِن النَّفَل، وهو الخُمُسُ، وليس بصريحٍ أنَّهم لم يُعطَوْا مِن\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٣٣٧).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٣٣٣)، ومسلم (١٠٥٩).","vol":"3","page":1401},{"text":"أصلِ الغنيمة، فغايةُ ما فيه: أنَّهم لم يُقسَمْ لهم مِن الخُمُسِ ما يُتألَّفُونَ به.\nوقسمةُ الغنيمةِ يُسكَتُ عنها باعتبارِ أنَّها حقٌّ لا اختيارَ لأحدٍ فيها؛ كما تقدَّمَ، ولمَّا كان التخييرُ للنبيِّ - ﷺ - في الخُمُسِ هو الذي تَتشوَّفُ إليه النفوسُ وتَطمَعُ في نصيبِها منه؛ لأنَّه لا حَقَّ لهم معلومٌ فيه، وزادَ مِن استغرابِ الأنصارِ: أنَّ الذين أعطاهُم رسولُ اللهِ - ﷺ - أَدْبَرُوا عنه ولم يُقاتِلُوا معه.\nوذهَبَ بعضُهم: إلى أنَّ الغنيمةَ لم تُخمَّسْ في حُنَيْنٍ، وأنَّ ذلك خاصٌّ بالنبيِّ - ﷺ -، ولا يكونُ لغيرِه؛ وذلك أنه يَملِكُ عِوضًا عن الغنيمةِ يخُصُّ به أهلَها، وهو نفسُهُ، فقُرْبُ النبيِّ - ﷺ - أعظَمُ مَغنَمٍ؛ ولذا قال: (أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - تَحُوزُونَهُ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟ !)؛ أخرَجَهُ الشيخانِ (١).\nوليس لأميرٍ ولا لخليفةٍ أنْ يقولَ ذلك لجيشِهِ ولا لجُنْدِهِ؛ لأنَّه لا يُماثِلُ النبيَّ - ﷺ - أحدٌ في فضلِ قُرْبِهِ وصُحْبتِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1044>تركُ تقسيمِ الغنيمةِ للضرورةِ:</span>\nوإنِ اضطُرَّ الإمامُ لأخذِ الغنيمةِ أو بعضِها لِسَدِّ ثَغْرٍ فُتِحَ على المُسلِمينَ لا يُغلَقُ إلَّا بمالِ الغنيمة، وليس في ذلك طمعٌ للإمامِ وهوًى له فيه أو لقَرابتِه، فإنَّ ذلك يكونُ مِن بابِ الضَّرُورات، كما لو صُرِفَتْ أموالُ الزكاةِ في غيرِ مَصْرفِها لضرورةٍ تَحُلُّ بالناس، فلا تُدفَعُ المَفسَدةُ إلَّا بذلك، ولا تقومُ المصلحةُ العظيمةُ إلَّا به كذلك، جازَ، وقد يُحمَلُ ما في قسمةِ الغنيمةِ يومَ حُنَيْنٍ على ذلك، على فرضِ أنَّها لم تُقسَمْ جميعُها على الجيشِ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٣٣٧)، ومسلم (١٠٥٩).","vol":"3","page":1402},{"text":"وأمَّا ما يَستدِلُّ به بعصُ الأئمَّةِ على عدمِ وجوبِ تخميسِ الغنيمة، وأنَّها لاجتهادِ الإمامِ: بأنَّ النبيَّ - ﷺ - فرَّقَ بنَها وبينَ قِسْمةِ الزكاةِ؛ وذلك بما رواهُ أبو داودَ، عن زيادِ بن الحارثِ الصُّدَائِيِّ -﵁-؛ قال: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَبَايَعْتُهُ، قَالَ: فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَة، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَات، حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ، فَجَزَّأَهَا ثمَانِيَةَ أجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاء، أَعْطَيْنُكَ حَقَّكَ) (١).\nفهذا الحديثُ ضعيفٌ؛ ففي سندِه عبدُ الرحمنِ بن زِيَادِ بنِ أَنْعُمٍ، عن زيادِ بنِ نُعَيْمٍ، عن زيادٍ الصُّدَائِيّ، وابنُ أَنْعُمٍ ضعيفُ الحفظِ؛ قال أحمدُ: مُنكَرُ الحديث، وضعَّفَ حديثَهُ يحيى القَطَّانُ وأبو حاتمٍ وأبو زُزْعةَ وابنُ مَعِينٍ والنَّسَائيُّ، وضعَّفَ هذا الحديثَ الدارقطنيُّ وغيرُه.\nثم إنَّ هذا الحديثَ في سياقِ الزكاةِ لا في غيرِها، ولا يَلزَمُ مِن ذلك دخولُ كلِّ مالٍ غيرِ الزكاةِ في اجتهادِ الخليفة، ولو كان كذلك، لَدَخَلَتِ المواريثُ، والعَدْلُ في عطيَّةِ الأولادِ والزوجات، وغيرُ ذلك.\nوقد تقدَّمَ في سورةِ آلِ عِمرانَ الكلامُ باختصارٍ على أنواعِ الغنيمةِ وما يجوزُ الاننفاعُ به منها بلا إذنٍ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1045>تقسيمُ الغنيمةِ:</span>\nوفي هذه الآيةِ: بيان أن الغنيمةَ تُقسَمُ على أخماسٍ، وتقدَّمَ بيانُ موضعِ الأنفالِ منها في أوَّلِ تفسيرِ هذه السورة، وهذه الأخماسُ بيَّنها اللهُ في هذه الآيةِ أنَّها على قسمَيْنِ:\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١٦٣٠).","vol":"3","page":1403},{"text":"القِسمُ الأوَّلُ: خُمسٌ واحدٌ فصَّلَهُ اللهُ في قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.\nوقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ هذا الخُمُسَ يُقسَمُ على أربعةِ أخماسٍ، فقال: كانتِ الغنيمةُ تُقسَمُ على خمسةِ أخماسٍ، فأربعةٌ منها لِمَنْ قاتَلَ عليها، وخُمُسٌ واحدٌ يُقسَمُ على أربعةٍ: فرُبُعٌ للهِ والرسولِ ولذي القُرْبَى؛ يعني: قَرَابةَ النبيِّ - ﷺ -، فما كان للهِ والرسول، نهو لقَرابةِ النبيِّ - ﷺ -، ولم يأخُذِ النبيُّ - ﷺ - مِن الخُمُسِ شيئًا، والرُّبُعُ الثاني لليَتَامى، والرُّبُعُ الثالث للمساكين، والرُّبُعُ الرابعُ لابنِ السبيلِ.\nرواهُ عليٌّ عنه؛ أخرَجَه ابنُ جريرٍ، وابنُ أبي حاتمٍ (١).\nومنهم: مَن جعَلَ الخُمُسَ كلَّه لله، يَفعَلُ به نبيُّه ما شاءَ، وفي حُكْمِ نبيِّه إمامُ المُسلِمينَ بالعَدْل، ويكونُ تصرُّفُهُ فيه بالمصلحةِ كما يتصرَّفُ في الفَيْء، وإنَّما ذكَرَ اللهُ الأسماءَ؛ لبيانِ أَولى أهلِ الحقوقِ كرسولِ اللهِ وقَرابتِهِ واليتامى والمساكينِ وابنِ السبيلِ؛ وليس هذا على سبيلِ الحصرِ.\nوهدا القولُ الذي تجتمِعُ عليه أقْوالُ أكثرِ السلف، ويُستدَلُّ بما صحَّ عندَ البيهقيّ، عن عبد اللهِ بنِ شَقِيقٍ، عن رجُلٍ مِن بَلْقَيْنِ؛ قال: أتيتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ بِوَادِي الْقُرَى، وَهُوَ يَعْرِضُ فَرَسًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا تَقُولُ فِي الْغَنِيمَةِ؟ قَالَ: (للهِ خُمُسُهَا، وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ لِلْجَيْشِ)، قُلْتُ: فَمَا أَحَدٌ أَوْلَى بِهِ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: (لَا، وَلَا السَّهْمُ نَسْتَخْرِجُهُ مِنْ جَنْبِكَ لَيْسَ أَنْتَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ أَخِيكَ المُسْلِمِ) (٢).\nوهذا الصحيحُ الذي يُوافِقُ مجموعَ الأدلَّةِ في أنَّ الخُمُسَ لرسولِ اللهِ - ﷺ - ولإمامِ المُسلِمِينَ، يُعْطِيهِ الأحَقَّ فالأَحَقَّ، والأَحْوَجَ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ١٩١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧٠٥).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٣٢٤).","vol":"3","page":1404},{"text":"فالأحوَجَ؛ ويدُلُّ على أنَّ الأمرَ فيه إلى اختيارِهِ - ﷺ - واختيارِ نائبِه: ما رواهُ أحمدُ، عن عُبَادهَ؛ قال: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّى بِهِمْ فِي غَزْوِهِمْ إِلَى بَعِيرٍ مِنَ المَقْسِم، فَلَمَّا سَلَّمَ، قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَتَنَاوَلَ وَبَرَةً بَيْنَ أُنْمُلَتَيْه، فَقَالَ: (إِنَّ هَذِهِ مِنْ غَنَائِمِكُمْ، وَإِنَّهُ لَيْسَ لِي فِيهَا إِلَّا نَصِيبِي مَعَكُمْ إلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ، فَأَدُّوا الْخَيْطَ وَالمِخْيَطَ، وَأَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ وَأَصْغَرَ، وَلَا تَغُلُّوا؛ فَإِنَّ الغُلُولَ نَارٌ وَعَارٌ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) (١).\nوهو عندَ أبي داودَ بنحوِهِ؛ مِن حديثِ عمرِو بنِ عَبَسَةَ مُختصرًا (٢).\nوقولُهُ تعالى: ﴿لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ يتضمَّنُ ما ذكَرُوا لي هذه القِسْمةِ سِتًّا: للهِ ورسولِه وذوي القُرْبى واليتامى والمساكينِ وابنِ السبيل، ولا خلافَ في كلامِ السلفِ: أنه لا يجبُ أن يُقسَمَ الخمُسُ أسداسًا، فيكونَ ستهَ أقسامٍ، وقد ذكَرَ ابنُ جريرٍ أنَّ الخلافَ في تخميسِ الخُمُسِ وتربيعِهِ وتَثليثِهِ وتنصيفِه (٣).\nوقد اختُلِفَ في المعنى الذي ذُكِرَ لأجْلِه حقُّ اللهِ في الخُمُسِ؛ فقيل: ذُكِرَ اسمُ اللهِ للتبرُّك، وأمَّا الحقوقُ فكلُّها للهِ؛ وهذا رواهُ الضحَّاكُ عن ابنِ عباسٍ (٤).\nوقيل: انَّ إلقَسْمَ الذي يكونُ لله، هو للكعبة، وأرسَل هذا القولَ أبو العاليةِ إلى رسولِ اللهِ - ﷺ -، ثم قال: قال النبيُّ: لا تَجعَلوا للهِ نصيبًا؛ فإنَّ للهِ الدُّنيا والآخِرةَ (٥).\nوأنكَرَ ابنُ جريرٍ تقسيمَ أبي العاليةِ الخُمُسَ إلى أسداسٍ (٦)، ولا أعلَمُ مَن قال بقولِ أبي الحالةِ مِن السلفِ.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣١٦).\n(٢) أخرجه أبو داود (٢٧٥٥).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١١/ ١٩١).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (١١/ ١٨٨).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (١١/ ١٩٠).\n(٦) \"تفسير الطبري\" (١١/ ١٩١).","vol":"3","page":1405},{"text":"وقد صحَّ عن عطاءٍ: أنَّ حقَّ اللهِ لرسولِ اللهِ - ﷺ - يَفْعَلُ فيه ما شاءَ (١).\nفجعَلَ حقَّ اللهِ وحقَّ رسولِهِ واحدًا؛ رُوِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ والشَّعْبيِّ والنخَعيِّ والحسنِ (٢).\nوأمَّا قولُه تعالى ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾، فقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّ ما للهِ ولرسولِه واحدٌ (٣).\nويعدَ وفاةِ النبيِّ - ﷺ - اختلَفَ الناسُ في حقِّ النبيِّ - ﷺ - مِن الخُمُسِ: فمنهم مَن قال: هو للخليفةِ مِن بعدِه.\nومنهم مَن قال: هو لإعدادِ الجهادِ؛ وبه عَمِلَ الخلفاءُ أبو بكرٍ وعمرُ؛ كما رواهُ الحسينُ بن محمدِ بنِ عليٍّ؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ (٤).\nومنهم مَن قال: حقُّ رسولِ اللهِ مردودٌ في الخُمُس، والخُمُسُ يُقسَمُ على أربعةٍ، على ما جاءَ عن ابنِ عبَّاسٍ في تقسيمِ الخُمُسِ.\nوكما جُعِلَ حقُّ اللهِ مع حقِّ نبيِّه، جعَلَ بعضُهُمْ كابنِ جُرَيجٍ حقَّ النبيِّ - ﷺ - مع حقِّ ذوي القُربى بعدَ وفاتِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1046>سهمُ قَرابةِ النبيِّ - ﷺ - مِن الغنيمةِ:</span>\nوأمَّا قولُه تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾، فالمرادُ بهم هم قَرَابةُ النبيِّ - ﷺ - خاصَّةً عندَ عامَّةِ السلف، وهم: بنو هاشمٍ، وبنو عبد المُطَّلِبِ؛ مِن أبناءِ عبد مَنَافٍ، ولعبدِ منافٍ أبناءٌ أربعةٌ: هاشمٌ، والمُطَّلِبُ، ونَوْفَلٌ، وعبدُ شمسٍ، والنبيُّ - ﷺ - مِن ولدِ هاشمٍ؛ فهو محمدُ بن عبد اللهِ بنِ عبد المُطَّلِبِ شَيْبَةِ الحمدِ بنِ هاشمِ بنِ عبد منافٍ، وخُصَّ بنو المطَّلبِ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ١٨٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧٠٣).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧٠٣).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١١/ ١٨٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧٠٣).\n(٤) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧٠٤).","vol":"3","page":1406},{"text":"مِن بني عبد منافٍ؛ لأنَّهم ناصَرُوا النبيَّ - ﷺ - تواطَأتْ عليه قريشٌ في الشِّعْب، وكان بنو المُطَّلِبِ مع بي هاشمٍ، وكان أبناءُ نَوْفَلٍ وعبدِ شمسٍ مع قريشٍ على أبناءِ عمومتِهم، ومع أنَّ كثيرًا مِن بني المُطَّلِبِ ناصَرُوا النبيَّ - ﷺ - حَمِيَّةً للقَرَابة، إلَّا أنَّ ذلك قَرَّبَهُمْ؛ ولذا قال - ﷺ -: (إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو المُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ)؛ رواهُ البخاريُّ مِن حديثِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ؛ لمَّا ذهَبَ هو وعثمانُ يَشكُوانِ إلى رسولِ اللهِ - ﷺ - عدمَ عَطِيَّتِهم، وعثمانُ مِن بني عبد شمسٍ، وجُبَيْرُ بن مُطعِمٍ مِن بني نَوْفَلٍ، وعبدُ شمسٍ ونَوْفَلٌ وهاشمٌ والمُطَّلِبُ سواءٌ؛ الجميعُ بنو عبد مَنافٍ، وفيه قال جُبيرٌ: \"ولم يَقْسِمِ النبيُّ - ﷺ - لبني عبد شمسٍ وبني نَوْفَلٍ شيئًا\" (١).\nومنهم: مَن خَصَّ القَرابةَ ببني هاشمٍ فقطْ، وهم آلُ عليٍّ وآلُ جعفرٍ وآلُ عَقِيلٍ وآلُ العبَّاس، وبنو الحارثِ بنِ عبد المُطَّلِبِ؛ وذلك لِما ثبَتَ في مسلمٍ مِن حديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ؛ كما يأتي.\nوصَحَّ عن الحسنِ البصريِّ وقتادةَ: أنَّهم قَرَابةُ الخليفةِ والوالي، وليى المقصودُ بذلك هو قَرابةَ النبيِّ - ﷺ - خاصَّةً (٢)، ومَن جعَل سَهْمَ ذوي القُربى لقَرابةِ الخليفة، فلا بدَّ أنْ يجعَلَ سهمَ النبيِّ - ﷺ - للخليفةِ؛ لأنَّه لا يصحُّ أنْ تأخُذَ قَرَابتُهُ ولا يأخُذَ هو.\nوالأوَّلُ أصَحُّ وأظهَرُ، وقَرَابةُ النبيِّ هم المُرادونَ عندَ الإطلاق، فلهم مِن الخُمْسِ الخُمُسُ، كما رَوى عِكرمةُ عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (رَغِبْتُ لَكُمْ عَنْ غُسَالَةِ الأَيْدِي؛ لِأَنَّ لَكُمْ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ مَا يُغْنِيكُمْ أَو يَكْفِيكُمْ) (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٢٢٩).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١١/ ١٩٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧٠٥).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧٠٥).","vol":"3","page":1407},{"text":"حسَّنَهُ يعضُ المُحدِّثينَ، وهو مُحتمِلٌ ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1047>أَخْذُ ذوِي القُرْبى للزَّكاةِ المفروضةِ:</span>\nلا يختلِفُ العلماءُ: أنَّ بني هاشمٍ ذوو قُربى النبيِّ - ﷺ -؛ وإنَّما الخلافُ في غيرِهم:\nفمِن العلماءِ: مَن حصَرَهم في بني هاشمٍ؛ بهذا قال مالكٌ وأبو حنيفةَ.\nوأمَّا الشافعيُّ وأحمدُ في روايةٍ: فيَرَوْنَ أنَّ الزكاةَ تحرُمُ علي بني هاشمٍ وبني المُطَّلِبِ جميعًا.\nوحُجَّةُ مَن خَصَّ بني هاشمٍ دونَ غيرِهم: ما ثبَتَ في مسلمٍ؛ مِن حديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ؛ قال: قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَينَ مَكَّةَ وَالمَدِينَة، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْه، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: (أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ، فَإنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتِابِ الله، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ)، فَحَثَّ عَلَى كِتابِ اللهِ وَرَغَّب فِيه، ثُمَّ قَالَ: (وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي)، فَقَالَ لَهُ حُصَينٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِه، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ (١).\nوحُجَّةُ مَن أدخَلَ بَني المُطَّلِبِ: ما رواهُ البخاريُّ؛ مِن حديثِ جُبَيْرِ بنِ مُطعِمٍ: (إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو المُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ) (٢).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٤٠٨).\n(٢) سبق تخريجه.","vol":"3","page":1408},{"text":"وكلُّ مَن أدخَلَ بَني المُطَّلِبِ في ذوي القُربى، وجعَلَ لهم سهمًا مِن الخُمُس، فالأصلُ أنه يَلتزِمُ بالقولِ بتحريمِ الزكاةِ عليهم تَبَعًا؛ لأنَّ اللهَ منَعَهم وعوَّضَهم، ومِن الفقهاءِ: مَن لا يَلتزمُ بذلك؛ لاختلافِ أصلِ عِلَّةِ استحقاقِ الخُمُسِ عندَه؛ فيَرى أنَّ بني المُطَّلِبِ أُعْطُوا مِن الخُمُسِ لأجلِ مُناصرتِهم النبيَّ - ﷺ - فقطْ، لا لأجلِ مجرَّدِ قَرابتِهم؛ لاستوائِهم مع غيرِهم بني نَوْفَلٍ وبني عبد شمسٍ، وهو جزاءٌ وإحسانٌ إليهم، وأمَّا الزكاةُ، فبابٌ آخَرُ تَحِلُّ لهم كغيرِهم؛ وبهذا بقولُ جماعةٌ مِن أصحابِ أحمدَ.\nوالقولُ بهذا قد يفضِّلُ بني المُطَّلِبِ علي بني هاشمٍ مِن وجهِ سَعَةِ الكسبِ؛ أنَّهم استحَقُّوا الخُمُسَ، وحَلَّتْ لهم الزكاةُ، ولا خلافَ أنَّ بني هاشمٍ أفضَلُ مِن بني المُطَّلِبِ.\nوتحرُمُ على مَوالي ذوي القُربى الزكاةُ كما تحرُمُ عليهم؛ وقد روى أبو داودَ، عن النبيِّ - ﷺ -\": (مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أنفُسِهِمْ، وَإِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ) (١).\nويدخُلُ أزواجُ النبيِّ - ﷺ - في هذا الحُكْم، وهم أَولى دخولًا مِن المَوَالي فيه؛ لأنَّهُنَّ أقرَبُ وأفضَلُ، وقد جعَلَهُنَّ اللهُ مِن آلِ بيتِه.\nوإذا مُنعَتِ القَرَابةُ الخُمُسَ، فلهم أنْ يأخُذوا مِن الصدَقةِ؛ لأنَّ اللهَ لم يَمْنَعْهم الصدقةَ إلَّا وقد عوَّضَهم مِن الخُمُس، فإذا مُنِعُوهُ، رجَعُوا فصارُوا كغيرِهم؛ حتى لا تَفسُدَ دُنياهم بمنعِ المالِ عن فاقتِهم ومَسْغَبَتِهم، ولم تُرِدِ الشريعةُ الإصرارَ بهم، بل إِكرَامَهم؛ وهذا مَقصَدٌ صحيحٌ، ولا أعظَمَ في الإضرارِ بفُقَرَائِهم مِن منعِهم الخُمُسَ والزكاةَ معًا.\nوأخذُ فقيرهم مِن الزكاةِ عندَ منعِ الخُمُسِ وحاجتِه إليها جائزٌ؛ حكَاهُ الطحاويُّ عن أبي حنيفةَ، وبه قال الفاضي يعقوبُ، ومِن الحنفيَّةِ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١٦٥٠).","vol":"3","page":1409},{"text":"أبو يوسفَ، ومِن الشافعيَّةِ الإصْطَخْريُّ، ورجَّحَهُ ابنُ تيميَّةَ، وليستْ حُرْمةُ الصدَقةِ على ذوي القُربى كحُرْمةِ المَيْتَةِ على الناس، وقد أحَلَّها اللهُ لكلِّ مُضطرٍّ غيرَ باغٍ ولا عادٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1048>أخذُ ذوي القُرْبى للزكاةِ الواجبة:</span>\nولا خلافَ عندَ العلماءِ أنَّ الزكاةَ الواجِبةَ لا تَحِلُّ لآلِ بيتِ النبيِّ - ﷺ -؛ لِما ثَبَتَ في \"الصحيحَيْنِ\"، عنه - ﷺ -؛ قال: (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لَا يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ؟) (١)، والأحاديث بمنعِ أخذِهِمُ الزكاةَ مستفيضةٌ؛ جاء مِن حديثِ أبي هريرةَ وأنسٍ وأبي رافعٍ وعبدِ المُطَّلِبِ بنِ ربيعةَ، وقد حكى الإجماعَ غيرُ واحدٍ؛ كابنِ عبد البَرِّ وابنِ قُدَامةَ وغيرِهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1049>أخذ ذوي القُربى لصدقةِ التطوُّعِ:</span>\nوأمَّا صَدَقاتُ التطوُّع، فلا حرَجَ عليهم في أخذِها في قولِ جمهورِ العلماء، ونُسِبَ إلى مذاهبِ الأئمَّةِ الأربعةِ.\nوقد حكى ابنُ مُفْلِحٍ الإجماعَ على ذلك.\nوفيه نظرٌ؛ فالخلافُ معروفٌ، ولأحمدَ قولانِ فيها نقَلَهُمَا ابنُ مُفلِحٍ؛ وذلك أنَّ عليًّا والعبَّاسَ وفاطمةَ وغيرَهم تصدَّقُوا، وأَوْفَفُوا أوقافًا على جماعةٍ مِن بني هاشمٍ وبني المُطَّلِب، والأصلُ أنَّ الزكاةَ والصدَقةَ مِن بني هاشمٍ كالزكاةِ والصدَقةِ مِن غيرِهم، فالنهيُ لم يفرِّقْ بينَهما، وقد فرَّقَ بينَهما بعضُ العلماءِ مِن أهلِ البيت، وبه قال ابنُ تيميَّةَ، وقد حمَل الشَّافعيُّ صدَقةَ عليٍّ والعباس وفاطمةَ على أنَّها صدَقةُ تطوُّعٍ لا فرضٍ، وهذا الظاهرُ، والشافعيُّ أعلَمُ بذلك؛ فهو مُطَّلِبِيٌّ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٤٨٥)، ومسلم (١٠٦٩).","vol":"3","page":1410},{"text":"وعلَّلَ بعضُ العلماءِ تحريمَ أخذِ ذوي القُرْبى الزكاةَ برفعِ يدِ الأَدنى عن الأَعلى؛ يَعني: لا تعلو يدُ غيرِ ذوي القُرْبى عليهم، وتَبَعًا لذلك أجازَ أَخْذَ بني هاشمٍ الزكاةَ مِن بني هاشمٍ، وظاهرُ الحديثِ تعليلُ الزكاةِ بأوساخِ الناسِ لا لمجرَّدِ علوِّ اليد، وعلوُّ اليدِ قد يثبُتُ بغيرِ الزكاة، فلم تحرَّمْهُ الشريعةُ؛ كفعلِ المعروفِ وقضاءِ الحاجةِ؛ فإنَّ النبيَّ - ﷺ - قال كما في \"الصحيحَينِ\": (كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ) (١)، وسمَّى اللهُ بَذْلَ الحقِّ لأهلِه والعفوَ والصَّفْحَ صدقةً؛ قال اللهُ تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، وسمَّى إنظارَ المُعْسِرِ والتخفيفَ عنه صدَقةً؛ قال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرةْ ٢٨٠]، وإنَّما تحرُمُ زكاةُ الأموالِ خاصَّةً، لا سائرُ الإعاناتِ والهِبَاتِ وقضاءِ الحاجاتِ.\nوالصحيحُ مِن مذهبِ الشافعيَّةِ والحنابلةِ والحنفيَّةِ: جوازُ أخذِ ذوي القُرْبى صدَقةَ التطوُّعِ مطلَقًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1050>صدَقةُ التطوُّعِ للنبيِّ - ﷺ </span>-:\nوقد امتنعَ النبيُّ - ﷺ - عن قَبُولِ صدَقةِ التطوُّع؛ لأنَّ النبيَّ - ﷺ - يُثِيبُ على العطيَّة، ولو كانت هَدِيَّةً،، لأثابَ عليها، ولكنَّها صدَقةٌ، والصدَقةُ لا يُثابُ عليها؛ لأنَّ مُنفِقَها يبتغي بها وجهَ اللهِ خالصةً له، ويجوزُ لي الهَدِيةِ مِن طلبِ الوُدِّ الخاصِّ والمحبَّةِ الخاصَّةِ والمكافأةِ ما لا يجوزُ في الصدَقةِ.\nوعامَّةُ الفُقَهاءِ على أنَّ النبيَّ - ﷺ - لا تَحِلُّ له صدَقةُ التطوُّعِ؛ كما أنَّها لا تَحِلُّ له الزكاةُ المفروضةُ، ومنهم: مَن حكَى الإجماعَ على ذلك\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٠٢١) عن جابر، ومسلم (١٠٠٥) عن حذيفة.","vol":"3","page":1411},{"text":"كالخَطَّابيّ، وللشافعيِّ قولٌ ولأحمدَ روايةٌ في خلافِ ذلك نقَلَها المَيْمُونيُّ.\nوفي فَهْمِ المنقولِ عن أحمدَ في ذلك نظرٌ؛ فالصريحُ عنه حكايةُ تحريمُ صدقةِ التطوُّع مِن الأموال، وأمَّا عمومُ المعروفِ فجائزٌ ولو جاء في النصِّ تسميتُهُ صَدَقةً؛ كما قال - ﷺ -: (كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ)، فيُبذَلُ للنبيِّ - ﷺ - معروفٌ مِن غيرِ الأموال، وهو بابٌ واسعٌ يَحِلُّ له ولآلِ بيتِه؛ مِن هديَّةٍ، وحَمْلِ مَتاعٍ، وقضاءِ حاجةٍ، وسائرِ الخِدْمةِ؛ فهي معروفٌ وصدَقةٌ.\nوبعضُ الفُقَهاءِ مِن أصحابِ مالكٍ: يَجْعَلُ تَرْكَ النبيِّ - ﷺ - لِصَدَقةِ التطوُّعِ تنزُّهًا، وتَرْكَهُ للزَّكاةِ المفروضةِ تحريمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1051>الهديَّةُ للنبيِّ - ﷺ - وقَرَابَتِهِ:</span>\nوالهديَّةُ حلالٌ للنبيِّ - ﷺ - بلا خلافٍ، والهديَّةً له ولقَرَابتِهِ أفضَلُ مِن الصَّدَقةِ عليهم، وإنْ كانتِ الصدقةُ وصَلَتْ إلى غيرِ ذوي القُرْبى ثم أهداها إلى واحدٍ منهم، جازَ؛ لأنَّها تتحوَّلُ بتحوُّلِ اليدِ بها؛ فعن أنسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِلَحْمٍ تُصُدِّقَ بهِ عَلَى بَرِيرَةَ مَوْلَاةِ عائشةَ -﵂-، فقال: (هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَا هَدِيَّةٌ) (١).\nولا خلافَ في جوازِ انتفاعِ ذوي القُربى مِن المالِ والطعامِ المباحِ؛ كالولائمِ والعقيقةِ وطعامِ إكرامِ الضَّيْفِ.\nوقولُه: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، منهم مَن جعَلَهم يتامَى قَرَابةِ النبيِّ - ﷺ - ومساكينَهم؛ كما صحَّ عن المِنْهالِ بنِ عمرٍو؛ قال: سألتُ عندَ اللهِ بنَ محمدِ بنِ عليٍّ، وعليَّ بنَ الحُسَيْن، عن الخُمُسِ؟ فقالا: هو\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٤٩٥)، ومسلم (١٠٧٤).","vol":"3","page":1412},{"text":"لنا، ففلتُ لعليِّ! فإنَّ اللَّهَ يقولُ: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾؟ فقالا: يتامَانَا ومَساكينُنَا (١).\nالقسمُ الثاني: أربعةُ أخماسٍ، وهي للمُقاتِلينَ؛ لأنَّ اللهَ أضافَها إليهم فيَ بيانِ الخُمسِ الأوَّلِ يقوله، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾، فجعَلَ الغنيمةَ لهم مِن جهةِ الأصلِ.\nويظُنُّ بعضُ الفُقَهاءِ مِن المالكيَّةِ وغيرِهم: أنَّ الأربعةَ الأخماسِ مسكوتٌ عنها.\nوهذا فيه نظرٌ؛ بل هي مُضافةٌ إلى أهلِها في أوَّلِ الآية، فأُخِذَ منها خُمُسٌ، وبَقيِتِ الأربعةُ الأخماسِ على مِلكِ أهلِها لها؛ فاللهُ أضافَها إليهم قبلَ أن يفصِّلَ فيها؛ وهذا دليلٌ على تملُّكِهم لها.\nوتًقسَمُ الغيمةُ على مَن شَهِدَ الغزوَ؛ كما قَسَمَها رسولُ اللهِ - ﷺ - للرَّاجِلِ سهمٌ، وللفارسِ ثلاثةُ أسهُمٍ؛ له واحدٌ ولفَرَسِهِ اثنان، ولم يكنِ النبيُّ - ﷺ - يُعطِي كلَّ راكربٍ كراكب الحمارِ والبعيرِ ثلاثةَ أسهُمٍ؛ وإنَّما هو خاصٌّ بالفَرَسِ؛ لأنَّ للفرسَ مؤونةً وكُلْفةَ على صاحبِها ليستْ في غيرِها، وأمَّا المَرَاكِبُ العسكريَّةُ إنْ كانتْ للدَّوْلةِ تَرْعاها صيانًة ومؤونةً، فليس لرَاكِبِها سهمُ الفَرَسِ.\nومَن قاتَلَ في الغزو، وقُتِلَ في أرضِ المعركة، فاختُلِفَ في الضَّرْبِ له مِن الغنيمةِ على قولَيْنِ:\nذهَبَ الشافعيُّ: إلى أنه لا يُضَرَبُ له مِن الغنيمةِ.\nوذهَبَ الأوزاعيُّ وأبو حنيفةَ: إلى أنه يُضرَبُ له.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ١٩٩)","vol":"3","page":1413},{"text":"والأوَّلُ أظهَرُ؛ قد مات أقوامٌ مِن أصحابِ النبيِّ - ﷺ - في بَدْرٍ وحُنَيْنٍ وخَيْبَرَ وغيرِها، ولم يَثُبتْ أنه قَسَمَ لواحدٍ منهم.\nولا حرَجَ مِن قِسْمةِ الغنيمةِ في أرضِ الغزو، وقبلَ الوصولِ إلى دارِ الإسلامِ؛ كما فعَل النبيُّ - ﷺ - في مواضعَ.\nومَن غَنِمَ سلاحًا واحتاجَ إليه في أرضِ المعركة، فإنَّه يُقاتِلُ به ولا يَنتظرُ قِسْمتَهُ فيتعرَّضَ إلى الهَلَكَة، ويَنتصِرَ العدوُّ.\nوالأموالُ التي تُغنَمُ على نوعَيْنِ:\nالنوعُ الأوَّلُ: أموالٌ منقولةٌ يَنتفِعُ منها الفردُ بنفسِهِ؛ كالنَّقدَينِ والأنعامِ والألبِسةِ والأجهزةِ الخاصَّة، وليس انتفاعُها محكومًا بجماعةٍ كالسُّفنِ والمراكبِ الكبيرةِ؛ فهذا النوعُ يُقسَمُ في الغنيمةِ.\nالنوعُ الثاني: أموالٌ ثابتةٌ غيرُ منقولةٍ، أو منقولةٌ لكنَّ النفعَ فيها لجماعةٍ لا لأفرادٍ؛ كالسُّفُنِ والطائراتِ والمراكبِ الكبيرةِ وآلاتِ المصانع، وأدواتِ الحربِ؛ كالمدافعِ والدبَّاباتِ وقاطراتِ الجندِ ومَرَاكِبِهم، فضَلًا عن المَزارعِ والبساتين، فهذه لم يكنْ يُقَسمُ مِثْلُها في زمنِ النبيِّ - ﷺ - ولا خلفائِه؛ وإنَّما تكونُ لصالحِ المُسلِمينَ عامَّةً في الغزوِ وغيرِه.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [الأنفال: ٤٣ - ٤٤].\nأرَى اللهُ نبيَّهُ - ﷺ - الكفَّارَ في مَنامِهِ قليلًا؛ فصارَ النبيُّ - ﷺ - مع","vol":"3","page":1414},{"text":"أصحابِهِ مُحتقِرًا لقُوَّتِهم وعَدَدِهم، وكان ذلك سببًا لقوةِ عزائمِ المؤمنينَ وقلوبهم، وثَبَاتِ أقدامِهم؛ فإنَّ القلوبَ إنْ ثَبَتَتْ، ثبَتْ تَبعًا لها البَدَنُ.\nوفي هذه الآيةِ: وجوبُ ثباتِ أميرِ الجندِ؛ فبِثاتِهِ يثُبتُ أتباعُه، ومِن خوفِهِ يَخافون؛ لأنَّه يَعلَمُ مِن العدوِّ ما لا يَعلَمونَ، وَيعلَمُ مِن قوَّتِهم ما لا يَعلَمُونَ، فالجنديُّ يعلَمُ قوَّةَ نفسِه، لكنَّه لا يعلَمُ قوةَ حميعِ الجيشِ؛ ولهذا: ثَبَّتَ اللهُ نبيَّهُ بتقليلِ عددِ المشركينَ في عيَنْهِ ليَظهَرَ على وجهِه البِشْرُ والثباتُ والفرحُ، فلا تَغلِبَهُ الشَّفَقَةُ على نفوسِ المؤمِنينَ أن يُستأصَلُوا ويُبادوا، أو يُغلَبُوا ويُؤسَرُوا؛ قال تعالى في ذلك: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ قال مجاهدٌ: \"لَفَشِلْتَ أَنْتَ، فَرَأى أَصْحَابُكَ فِي وَجْهِكَ الفَشَلَ، فَفَشِلُوا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1052>تحقيرُ العدوِّ في أعْيُنِ الجُنْدِ:</span>\nوفي هذا: مشروعيَّةُ تحقيرِ قوَّةِ المشرِكينَ في أعيُنِ الجُنْد، تثبيتًا لعزائمِهم وقلوبِهم وأقدامِهم؛ فإنَّ الخوفَ والهَلَعَ عندَ التقاءِ الصفوفِ شديدٌ، وإذا كان المشرِكونَ أكثَرَ عَدَدًا وعَدَدَا، هُزِمَتِ النفوسُ ثُمَّ غُلِبَتْ، ونصرُ اللهِ لنبيِّه كان بقُوَّةِ القلوبِ أكثَرَ مِن قوةِ الأبدان، وهكذا أصحابُهُ مِن بعدِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1053>وتحقيرُ العدوِّ وعَدَدِه وعَتادِهِ على نوعَيْنِ:</span>\nالأوَّلُ ة تحقيرُ العدوِّ لأجلِ التغريرِ بالجندِ؛ كمَنْ يحقِّرُ العدوَّ ويضعِّفُ قوَّتَهُ المُهلِكةَ في نفوسِ المؤمنِينَ؛ ليَثُبتَ المؤمنونَ على ما لا قِبَلَ لهم أنْ يثبُتُوا عليه لقِلَّةِ عَدَدِهم وعتادِهم، فيغرِّرُ بهم فيَهلِكونَ ويُؤسَرونَ.\nفهذا لا يجوزُ؛ وهو مِن الكذبِ المُحرَّمِ؛ لأنَّ المَفسدةَ فيه ظاهرةٌ،\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم \" (٥/ ١٧٠٩)","vol":"3","page":1415},{"text":"ونَصْرَ العدوِّ فيه متحقِّقٌ، فتحقيرُهُمْ كان لحَظَّ المشرِكِينَ، وهو تحقيرٌ في صورةِ استدراجِ؛ ليتمكَّنَ العدوُّ مِن المؤمنِينَ، فذلك لا يجوزُ ولو حَسُنَ قصدُ أميرِ الجندِ وقائدِهم.\nومَن رأى قوةَ الكافرينَ، وتيقَّنَ أنَّ فيهم قُوَّة وعُدَّةً وعَدَدًا مِثْلُهم لا يُنتصَرُ عليه ولو ثبَتَتِ الأقدامُ وقَوِيَتِ العزائُم فيجبُ عليه إخبارُ الجندِ بحقيقةِ ذلك، ولهم أن يَثبُتوا، ولو قُتِلوا فهم شُهَداءُ، ولهم أن يَنحازُوا أو يَتحرَّفُوا إلى فئةٍ مِن المؤمنِينَ.\nالثاني: تحقيرٌ لأجلِ الثَّبات، واحتمالِ الغلَبةِ للمؤمنِينَ، فيُشرَعُ تحقيرُ عَدَدِ العدوِّ وعُدَّتِه؛ لِتَقْوَى عزائمُ المؤمنينَ، ويُربَطَ على قلوبِهم، وتثُبتَ أقدامُهم؛ فإنَّ ذلك يعوِّضُ ما يَفُوقُهم عدوُّهم به مِن العَدَدِ والعُدَّةِ؛ فالثابتُ الواحدُ قد يَغلِبُ عشَرةَ، وقد يَغلِبُ الثابثُ بعَصَاهُ عدوَّهُ ولو كان معه سَيْفٌ؛ فإنَّه إذا ضَعُفَ قلبُ الإنسان، لم يُحسِنْ تدبيرَ ما بيدَيْه، كما في القُدْسِ اليومَ: بقتُلُ المُسلم اليهوديَّ بحجرِ وسلاحُ اليهوديِّ بيدَيْه.\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ دليلٌ على أنَّ بعضَ الخلافِ الذي يقعُ بينَ المُسلِمينَ في الثغورِ هو بسببِ الدُّنيا وحُبِّ السلامةِ فيها، وهذا وهُمْ في ثُغورٍ، فاللهُ بيَّنَ أنه سلَّمَ المؤمنينَ مِن النِّزاعِ والخلافِ بسببِ دَبِّ الخوفِ فيما بينَهم مِن أن يُغلَبوا، ولأجلِ ذلك تختلِفُ آراؤُهم وَينسحِبُ قومٌ ويَضطربُ آخَرونَ، ولو ثبَتَتْ عزائمُهم وقلوبُهم واحتقَرُوا عدوَّهم مع احتمالِ نصرِهم، لانتصَرُوا بنصرِ اللهِ لهم.\nوفي قولِه تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، ذكَرَ الصدورَ ولم يذكُرِ اللهُ الأمورَ الظاهرةَ الماديَّةَ مِن عَدَدٍ وعُدَّةٍ؛ لأنَّ النصرَ بسلامةِ الصدر، وإنْ لم تصلُحِ القلوبُ والنفوسُ، لم تَنتفِعْ بقوَّتِها مهما بلَغَتْ.\n* * *","vol":"3","page":1416},{"text":"قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].\nتقدَّمَ الكلامُ قريبًا على الثَّبَاث، وتحريمِ الفِرَارِ مِن الزَّحْف، وحُكْمِ التحيُّزِ والتحرُّفِ إلى فِئةٍ.\nوفي هذه الآيةِ: مشروعيَّةُ ذِكرِ اللهِ عندَ القتالِ؛ فإنَّه مِن أعظَمِ المثبِّتاتِ؛ فإنَّ اللهَ إذا حضَرَ ذِكرُهُ في القلب، وتعلَّقَتِ الأفعالُ به وصدَقَتْ وأخلَصَت لله، فإنَّ اللهَ يُعِينُها ويَكْفِيها ويسدِّدها، فإن كفايةَ اللهِ لعبِدِهِ بمِقْدارِ عبوديَّتِهِ له.\nولمَّا كان التقاءُ الصَّفَّيْنِ أحوَجَ ما يكونُ فيه المُقاتِلُ إلى عَوْنِ اللهِ وتسديدِه، شُرعَ له التجرُّدُ والخلُّصُ مِن كلِّ مذكورٍ إلَّا اللهَ، وقد استُحِبَّ الصمتُ عندَ لقاءِ العدِّو، فعن عبد اللهِ بنِ عمرٍو؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (لَا تتَمَنَّوْا لِقَاء الْعَدُوّ، وَسَلُوا اللهَ الْعَافِيَة، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاثْبُتُوا وَاذْكرُوا اللهَ، وَإنْ أجْلَبُوا وَصَاحُوا فَعَلَيْكُمْ بِالصَّمْتِ) (١).\nوفي الطبرانيّ، مِن حديثِ زيدِ بنِ أَرْقَمَ، مرفوعًا؛ قال: (إنَّ اللهَ - ﷿ - يُحِبُّ الصَّمْتَ عِنْدَ ثَلَاثٍ: عِنْدَ تِلَاوة الْقُرْآن، وَعِنْدَ الزَّحْفِ، وَعِنْدَ الْجِنَازَةِ) (٢).\nوفي حديثٍ قدسيِّ: (إِنَّ عَبْدِي كُلَّ عَبْدِيَ الَّذِي يَذكُرُنِي وَهُوَ مُلَاقٍ قِرْنَهُ) (٣).\nوفيها كلامٌ، وأصلُ حديثِ عبد اللهِ بنِ عمرٍو في \"الصحيحَيْنِ\"؛ من\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٩٥١٨)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٣٤١٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٥٣).\n(٢) أخرجه الطبراني في \"الكبرى\" (٥١٣٠).\n(٣) أخرجه الترمذي (٣٥٨٠).","vol":"3","page":1417},{"text":"حديثِ عبد اللهِ بنِ أبي أَوْفَى؛ قال - ﷺ -: (لَا تَتَمنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوّ، وَاسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا) (١).\nوإنَّما استُحِبَّ الصمتُ عندَ القتالِ؛ حتى لا ينشغِلَ المُقاتِلُ في الصَّفِّ بغيرِ الله، ولا يُثِيرَ الهلَعَ في نفوسِ المُسلِمينَ بخوفِهِ وفَزَعِه، ولا يدُلَّ العدوَّ عليه بكلامِه؛ بخلافِ ما يكونُ فيه الكلامُ لمصلحةِ الِمُسلِمينَ مِن التثبيتِ والتصبيرِ والدَّلالةِ على مَكامِنِ العدوِّ ومَواضعِ ضَعفْهِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1054>مدحُ الاجتماعِ والفرْقةِ وذَمُّهُما:</span>\nفي هذه الآيةِ: تعظيمٌ للاجتماع، وتحذيرٌ مِن الافتراقِ، خاصَّةً عندَ لقاءِ العدوّ، وقد قدَّمَ اللهُ طاعتَهُ وطاعةَ نبيِّه على نهيِهِ عن التنازُعِ وأمرِه بالاجتماعِ؛ للدَّلالةِ على أنَّ المرادَ بالاجتماعِ: أنه على طاعتِهما، لا على الهَوى والدُّنيا ومَطامِعِها، فالاجتماعُ على غيرِ الحقِّ مذمومٌ، والتفرُّقُ بالحقِّ محمودٌ، وهكذا فعَلَ الأنبياءُ مع أُمَمِهم، وهذا الحمدُ للاجتماعِ مُقَيَّد بالحقِّ الذي يثُبتُ به الدِّينُ، لا أنْ تختلِفَ الأُمَّةُ على فروعِ الدِّينِ اختلافًا يشُقُّ صَفَّها في مُقابِلِ عدوِّها، وتتفرَّقَ فيتسلَّطَ عليها الكفرُ ودَوْلَتُه، بحُجَّةِ أنَّ الاجتماعَ يحبُ أنْ يكونَ على حقِّ كاملِ أو يكونَ الافتراقُ، فهذا لا يقولُ به الَّا جاهلٌ مِن أهلِ الغُلُوِّ والتنُّطعِ.\n_________\n(١) أحرجه البخاري (٢٩٦٦)، ومسلم (١٧٤٢).","vol":"3","page":1418},{"text":"والاختلافُ منه ما هو مذمومٌ في كلِّ زمانِ ودي كلِّ مكان، وهو الاختلافُ على الحقِّ البيِّن، والأصلِ الواضح، ومِن الاختلافِ ما هو سائغٌ جائزٌ، كما يختلِفُ السلفُ على مسائلِ الدِّين، وهذا اختلافٌ لا يشُقُّ صَفَّ الأُمَّة، وهو مِن بابِ السَّعة، وقد لا يُناسِبُ زمانًا أو حالًا، لا لِذَاته؛ وإنَّما لِما يُحِيطُ له مِن أحوالٍ، وما يَتْبَعُهُ مِن لوازمَ، والعاقلُ يُدرِكُ مواضعَ الخلافِ ومِقْدارَ أثرِهِ على أصلِ جماعةِ المؤمنِينَ، فمِن الخلافِ: ما هو سائغٌ في ذاتِه، ولكنَّ الزمانَ والحالَ لا يَحتمِلُه؛ لِضِيقِ النفوس، وتربُّصِ العدوَّ الأقربِ المنافِقِينَ، والعدوِّ الأَبعدِ الكافرِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1055>آثارُ الاختلافِ:</span>\nومِن أعظَمِ آثارِ الاختلافِ والتفرُّقِ: ذَهَابُ النصرِ، وتسلُّطُ العدوِّ؛ فإنَّ الكفرَ لا يتسَلَّطُ على المُسلِمينَ إلَّا بسببِ تفرُّقِهم، فيُقاتِلُهُمْ مُنفرِدِينَ وهو مجتمِعٌ، ولم يَنتصِرْ عليهم لضَعْفٍ فيهم؛ وإنَّما لتفرُّقِهم، فالقويُّ المتفرِّقُ بَغلبُه الضعيفُ الجتمِعُ؛ قال مجاهدٌ: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾؛ قال: \"نصرُكُمْ\"؛ قال: \"وذهَبَتْ رِيحُ أصحابِ محمَّدِ - ﷺ - حِينَ نازَعُوهُ يومَ أُحُدٍ\" (١).\nوأصلُ نِزاع الأُمَّةِ بسببِ ذُنوبِها؛ تختلِفُ قلوبُها، ثم تختلِفُ أبدانُها وإنْ أصَّلَتْ وقعَّدَتْ لنفسِها الخلافَ بالحُجَجِ والبيِّناتِ؛ فكثيرًا ما تدخُلُ الأهواءُ على النفوسِ فتسلُكُ طريقًا، ثم تحتجُّ لذلك الطريق مِن القرآنِ والسُّنَّةِ والأثر، وهكذا نزاعُ عامَّةِ الفِرَقِ والطوائفِ والجماعاتِ في الإسلامِ؛ ولذا ذكَرَ اللهُ بعدَ نَهْيهِ عن الافتراقِ أمورًا باطنًة سيَّرَتِ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٢١٥)، و\" تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧١٢).","vol":"3","page":1419},{"text":"المشرِكِينَ وحفَزَتْهُم، فنهَى عن تسيبرِها للمؤمنينَ؛ فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٧ - ٤٨]، وفي هذا: إشارةٌ إلى أنَّ أكثَرَ خلافِ الظواهرِ بسببِ بواطنَ خفيَّةٍ؛ مِن حُبِّ الرّياء، الرَّياسة، والجاه، وطمعِ الدُّنيا.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٦ - ٥٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1056>معاهدةُ مَن نَقَضَ عهدًا سابقًا:</span>\nفي هذه الآيةِ: دليلٌ على جوازِ مُعاهَدةِ ناكِثِ العهدِ السابقِ وناقِضِه إنْ كان في مُعاهَدَتِهِ مرَّةَ أخرى صلاحٌ للمُسلِمينَ، ولو بكَسْبِ أمانِ ليومِ أو لشهرٍ أو عامٍ، بصَدِّ عَادِيَتِهِ ومَكْرِه، كما عاهَدَ النبيُّ - ﷺ - اليهودَ مع عِلْمِهِ بنقضِهِمْ للعهود، فقد كانوا عاهَدُوهُ أوَّلَ مرَّةٍ، ثم أعانُوا قًريشًا بسلاحٍ، ثم اعتذَرُوا، ثم عاهَدَهم فخانُوهُ في الخَنْدَقِ.\nوالأصلُ الحَذَرُ مِن إمضاءِ العهدِ لناقِضِ العهدِ؛ حتى لا يكونَ في ذلك استغفالٌ بالمُسلِمينَ وشماتةٌ مِن أعداءِ الدِّينِ بهم، وقد عاهَدَ أبو عَزَّةَ الجُمَحِيُّ رسولَ اللهِ - ﷺ - يومَ بَدْرٍ وترَكَهُ لِبَنَاتِهِ بلا فِدْيةٍ، وأخَذَ عليه ألَّا يُقاتِلَه، فأَخفَرَهُ وقاتَلَهُ يومَ أحُد، فدَعَا رسول اللهِ - ﷺ - ألَّا يُفلِتَ، فما أُسِرَ مِن المشركينَ رجلٌ غيرُهُ، فقال: يا محمَّدُ، امْنُنْ عَلَيَّ وَدَعْنِي لِبَنَاتِي وَأعطِيكَ عَهدًا أَلَّا أعُودَ لِقِتَالِكَ، فقال النبيُّ - ﷺ - (لَا تَمْسَحُ عَلَى","vol":"3","page":1420},{"text":"عَارِضَيْكَ بِمَكَّةَ تَقُولُ: قَدْ خَدَعْتُ مُحَمَّدًا مَرَّتَيْن)، فأمَرَ به فضُرِبَتْ عُنُقُه (١).\nويُستثنى مِن ذلك الزمَنُ الذي تتعدَّدُ فيه الأعداءُ، وتكثُرُ الثغورُ، ولا قِبَلَ للمُسلِمينَ بكلِّ أحدٍ؛ كما كانتِ اليهودُ وقريشٌ وسائرُ المشرِكِينَ يُحارِبونَ النبيَّ - ﷺ -.\nوإذا عاهَدَ المُسلِمونَ المشرِكينَ الذين عُرِفُوا بنقضِ العهد، فهل للمُسلِمينَ أنْ ينقُضُوا عهدَهم معهم متى شاؤوا؟ وجواب ذلك: أنَّ المُعاهَدينَ المعروفينَ بالنَّكْثِ على نوعَيْنِ:\nالنوع الأوَّلُ: قومٌ لم يَظهَرْ منهم ما يُبدِي تربُّصَهُمْ ومَكرَهُمْ ونَقْضَهُمْ للعهد، فلم يجهِّزوا في السِّرِّ ويَمكُروا في الباطنِ على المؤمنين؛ فهؤلاءِ يُمضَى لهم عهدُهُمْ إلى مُدَّتِهم، ولا يجوزُ نقضُ عهدِهْم لمجرَّدِ سابقةِ نقضٍ لهم؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ العهودِ وعدم نقضِها ووجوبُ الوفاءِ بها؛ على ما تقدَّمَ في صدرِ سورةِ المائدةِ.\nالنوع الثاني: قومٌ أظهَرُوا ما يُبدِي خِيَانةَ، أو جاءَتِ الأعيُنُ للمُسلِمينَ تْخبِرُهم بأنَّهم يُعِدُّونَ العُدَّةَ وَيتربصونَ الدوائرَ بالمؤمنِين؛ فهؤلاء يجوزُ أنْ يُنبَذَ إليهم عهدُهم، ولا يجوزُ تَبيِيتُهم على غِزَّةِ والعهدُ قائمٌ، بل يُنبَذُ عهدُهم ويُبَلَّغُونَ بتعطيلِ العهدِ؛ وهذا ظاهرٌ في قوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾، وللمُسلِمينَ أنْ يُقاتِلُوهم أو يُبَيتِّوهُم بعدَ ذلك إنْ شاؤوا ليلًا أو نهارًا، ولو لم يَعلَموا، ما دام نُبِذَ إليهم عهدُهم بعلْمِهم؛ فلا حُرْمةَ لهم، ولا إثمَ في أخذِهِمْ على حِينِ غَفْلةٍ وغِرَّةٍ.\nوفي قوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ\n_________\n(١) \"سيرة ابن هشام\" (٢/ ١٠٤)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٩/ ٦٥).","vol":"3","page":1421},{"text":"يَذَّكَّرُونَ﴾ مشروعيَّةُ ترجيحِ العقوبةِ الأشَدِّ عندَ التردّدِ بينَ عقوبتَيْنِ يَستحِقُّهما جانٍ أو عدوُّ، لأجلِ تشريدِ الأبعَدِينَ وتأديبِهم.\nقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٦٠].\nأمَرَ اللهُ بإعدادِ العُدَّةِ لإرهابِ الكافِرِينَ وكسرِ نفوسِهم وعزائمِهم، والإعدادُ مِن العَدِّ؛ كالإسقاءِ مِن السَّقيِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1057>إرهابُ العدوِّ وحُكْمُه:</span>\nوفي ظاهرِ الآيةِ: أنَّ أوَّلَ الغاياتِ مِن إعدادِ المُسلِمينَ للسلاحِ وإظهارِ القوةِ هو إرهابُ الكافِرِينَ قبلَ قتالِهم؛ لأنَّه يكونُ بإظهارِ القوةِ إخزاؤُهم وتخويفُهم وكسرُ عزيمتِهم، فلا يُقْدِمُونَ على قتالِ المُسلِمينَ وسفكِ دمائِهم وأخذِ أموالِهم؛ فأوَّلُ منافعِ الأعدادِ: الشَّرُّ المدفوعُ الذي لا يَعلَمُ حَدَّهُ ولا قَدْرَهُ إلا اللهُ، ثم الخيرُ المكتسبُ، والأوَّلُ لا يراهُ الناسُ لقِصَرِ نَظَرِهم، واللهُ يَعلَمُ مِن الشرور المدفوعةِ التي لا يُحِسُّ بها أو بأكثرِها الناسُ، ما لو نزَلَتْ، لكانَ في ذلك فسادٌ عريضٌ ومِحَنٌ شديدةٌ، وكثيرًا ما يمتثلُ الناسُ أمرَ الله، ولا يَرَوْنَ الشرِّ المدفوعَ ولا الخيرَ المكتسَبَ، فيَحْمِلُهُمْ ضَعْفُ إيمانِهم على تركِ أمرِ الله، فيُفتَحُ عليهم مِن الشرِّ المدفوعِ بإقامةِ شرعِ اللهِ ما لا طاقةَ لهم به.\nوقولُه تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ دليلٌ على وجوبِ استفراغِ الوُسْعِ بإعدادِ العُدَّةِ والتسلُّحِ.","vol":"3","page":1422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1058>أنواعُ القوَّةِ التي يجبُ إعدادُها:</span>\nوالقوةُ هي الرِّمايةُ بالنِّبالِ والسِّهامِ والبُنْدُقِيَّةِ وكلِّ ما دخَلَ في بابِ الرميِ باليدِ أو بالآلاتِ المستحدَثةِ مِن رصاصِ أو قذائفَ أرضيَّةِ أو جويَّةِ؛ ففي مسلم؛ مِن حديثِ عُقْبةَ بنِ عامرٍ؛ قال - ﷺ - في قولِهِ تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾؛ (ألَاإِنَّ الْقُوَّةَ الرَّميُ)؛ قالها ثلاثًا (١).\nوقولُه - ﷺ -: (الْقُوَّةَ الرَّميُ) لا يعني حَصْرَها فيها، وذلك كقولِه: (الْحَجُّ عَرَفَةُ) (٢)؛ أي: أعظَمُ أعمالِ الحجِّ عرفةُ، وأعظَمُ القوةِ الرميُ.\nوقد حَذَّرَ النبيُّ - ﷺ - مِن تركِ الرمي لِمَنْ تَعَلَّمَهُ؛ ففي مسلم؛ مِن حديثِ عُقْبةَ، عنه؛ قال: (مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ، فَلَيْسَ مِنَّا؛ أَو: قَدْ عَصَى) (٣)، ومع أنَّ اللهوَ مذمومٌ إلَّا أنَّ اللهوَ بالرميِ محمودٌ؛ لأنَّه قوةٌ يُحتاجُ إليه في زمنِ جهادِ عدوّ، أو دفعِ صائلٍ، أو نُصْرةِ مظلومٍ؛ كما قال - ﷺ -: (وَكُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ المَرْءُ المُسْلِمُ بَاطِلٌ، إِلا رَمْيَهُ بِقَوْسِه، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ، فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ) (٤).\nوالذي يُحسِنُ الرميَ أفضَلُ مِن الذي يُحسِنُ الركوبَ؛ لأنَّ الإثخانَ يكونُ بالرمي أكثَرَ؛ كما قال - ﷺ -: (ارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأَنْ تَرْمُوا أحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَن تَرْكَبُوا)؛ رواهُ أحمد وأهلُ السُّننِ (٥)؛ وذلك أنَّ الراميَ يُرهِبُ برَمْيِهِ ولو لم يُصِبْ، فيُفزعُ ويُخزِي؛ ولهذا جعَلَ اللهُ للرَّامي أجرًا على\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٩١٧).\n(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٣٠٩)، والترمذي (٨٨٩)، والنسائي (٣٠١٦)، وابن ماجه (٣٠١٥).\n(٣) أخرجه مسلم (١٩١٩).\n(٤) أخرجه الترمذي (١٦٣٧)، وابن ماجه (٢٨١١).\n(٥) أخرجه أحمد (٤/ ١٤٤)، وأبو داود (٢٥١٣)، والترمذي (١٦٣٧)، وابن ماجه (٢٨١١)، والنسائي في \"الكبرى\" (٤٤٠٤).","vol":"3","page":1423},{"text":"رَمْيِهِ ولو لم يُصِبْ هَدَفَهُ؛ كما في\" المسندِ\"، والنَّسَائيِّ؛ مِن حديثِ عمرِو بنِ عبَسَةَ، عنه - ﷺ -؛ قال: (مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَلَغَ الْعَدُوَّ، أَخْطَأَ أَو أَصَابَ، كَانَ لَهُ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ) (١).\nلأنَّه ببلوغِهِ العدوَّ يؤثِّرُ فيهم خوفًا وهَلَعًا وإرهابًا، ولو لم يَسفِكْ منهم دمًا، أو يُتلِفْ فيهم مالًا؛ لأنَّ تخويفَ العدوِّ قد يبلُغُ فيهم أشَدَّ مِن مَبلَغِ قتلِ الواحدِ والجماعاتِ منهم؛ فإنَّ مِن القتلِ ما يَحمِلُ العدوَّ على الحَمِيَّةِ والنعرةِ الجاهليَّة، فيَصبِرُ ويتجلَّدُ العدوُّ حتى يُقتَلَ كما قُتِلَ صاحبُه ولو كان على باطلٍ.\nومَن تأمَّل كلامَ السلفِ، وجَدَ أنَّهم يُفسِّرونَ القوةَ بتفسيراتٍ تجتمِعُ بأنَّ القوةَ كلُّ ما كان سببًا في نصرِ المُسلِمينَ على الكافرِين، كإعدادِ الحصونِ والأنفاقِ والخنادق، وصناعةِ السلاحِ وإنِ اختلَفَ نوعُهُ وقَدْرُه، والمراكبِ الحاملةِ للجنودِ والغُزاةِ والمُقتحِمِين، وأعظَمُهُ وأفضَلُهُ أشدُّهُ تأثيرًا على العدوِّ وقوَّة في المؤمنِين؛ ولذا فسَّرَ عِكْرِمةُ القوةَ بالحُصُونِ (٢)، وفسَّرها مجاهدٌ بذكورِ الخيلِ (٣)، وقال ابنُ المسيَّبِ: \"هي مِن الفَرَسِ إلى السهمِ فما دونَه\" (٤).\nوكلُّ ما تقوَّى به المجاهدُ ولو مِن زادِهِ ولِباسِهِ ونِعالِه، فهو مِن القوةِ؛ فعن رجاءِ بنِ أبي سَلَمةَ؛ قال: \"لَقِيَ رجلٌ مجاهِدًا بمَكَّةَ، ومع مجاهدٍ جُوَالِقٌ، قال: فقال مجاهدٌ: هذا مِن القُوَّة، ومجاهِدٌ يَتجهَّزُ للغزوِ\" (٥).\nوالشرعُ أمَرَ بإعدادِ قوَّتَيْنِ:\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٤/ ٣٨٦)، والنسائي (٣١٤٥).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٢٤٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧٢٢).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧٢٢).\n(٤) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧٢٢).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٢٤٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧٢٢).","vol":"3","page":1424},{"text":"الأُولى: القوةُ الظاهرةُ، وهي قوةُ الأبدان، وما تعلَّقَ بها مِن القوةِ الظاهرةِ؛ كإعدادِ السلاح، وتعلُّمِ استعمالِه.\nالثاني: القوةُ الباطنةُ، وهي قوةُ الإيمان، وما تعلَّقَ بها مِن المَعاني الباطنةِ؛ مِن شدِّ العزائمِ وتحريضِها، ولو بالشِّعْرِ والمَعاني الحَسَنةِ التي لا تَصرِفُ قصدَ المجاهدِ لغيرِ اللهِ؛ وإنَّما تَشُدُّ مِن عزمِه؛ كتذكُّرِ الصادِقِينَ مِن السابِقِينَ وثباتِهم وقوةِ بأسهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1059>فضل الخيلِ وحَبْسِها:</span>\nوفي الآيةِ: دليلٌ على فضلِ الخيل، فخصَّها اللهُ بالذكْرِ مع وجودِ غيرِها مِن المَرْكوبِ: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾، وقد ثبَتَ في \"الصحيحَينِ\"؛ قال - ﷺ -: (الْخَيلُ مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) (١)، وفي هذا: دليلٌ على أنه لا يُستغنى عن الخيلِ في الجهادِ إلى قيامِ الساعة، وقد استدَلَّ بهذا البخاري على ديمومةِ الجهاد، لارتباطِ الخيلِ به.\nوفي هذه الآيةِ: مشروعيَّةُ حبسِ الخيلِ وما في حُكْمِها مِن المَراكبِ في سبيلِ اللهِ للغزو، وقد جاء في ذلك أحاديثُ عن النبيِّ - ﷺ -؛ منها ما رواهُ أبو هُرَيْرةَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (الْخَيْلُ ثَلَاَثَةٌ: هِيَ لِرَجُل وِزْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ؛ فَأمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزرٌ، فَرَجُلُ رَبَطَهَا رِيَاءَ وَفَخْرًا ونِوَاءً عَلَى أَهْلِ الإسْلَامِ؛ فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ، فَرَجُل رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ الله، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ فِي ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ، وَأمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سبِيلِ اللهِ لِأَهْلِ الْإسْلَام، في مَرْج وَرَوْضَةٍ، فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ المَرْجِ أوِ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ، وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أرْوَاثِهَا وَأبْوَالِهَا\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٨٥٢)، ومسلم (١٨٧٣).","vol":"3","page":1425},{"text":"حَسَنَاتٌ، وَلَا تَقْطَعُ طِوَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أوْ شَرَفَيْن، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ أثَارِهَا وَأرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ، وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهرٍ، فَشرِبَتْ مِنْهُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا، إلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ) (١).\nوعن زيدِ بنِ ثابتٍ؛ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: (مَنْ حَبَسَ فَرَسًا في سَبِيلِ الله، كَانَ سِتْرَهُ مِنَ النَّارِ) (٢).\nوفي البِابِ أحاديثُ كثيرةٌ عن جريرٍ، وأبي كَبْشَةَ، وسَوَادَةَ بنِ الربيع، وعُبادةَ، وسَلْمانَ، وأنسٍ، وغيرِهم.\nوقوله تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ فيه دليلٌ على وجوبِ ظهورِ المُسلِمِينَ على المشرِكِينَ، وأنَّ ظهورَ المُسلِمِينَ وتمكينَهُمْ وعِزَّتَهُمْ لا يكونُ إلَّا بوجودِ خوفِ المشرِكِينَ منهم، ولا يمكنُ أنْ يتحقَّقَ ذلك بالمحبَّةِ والمودَّةِ والصداقةِ.\nوقد فسَّرَ ابنُ عبَّاسِ إرهابَ العدوِّ بإخزائِه، فقال: ﴿تُرْهِبُونَ﴾ تُخْزُونَ (٣)، ومِن لوازِمِ الخزيِ: الانكسارُ والتقهقُرُ والذَّلَّةُ والصَّغَارُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1060>أنواعُ الإرهابِ والتخويفِ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1061>والإرهابُ على نوعَينِ:</span>\nالأوَّلُ: محمودٌ، وهو الأصلُ؛ لظاهِرِ القرآن، ويكونُ للعدوِّ المُحارِبِ؛ كما في هذه الآيةِ: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، والمرادُ له الجهادُ في سبيلِ الله، فبَثُّ الرعبِ والإرهابِ في نفوسِ العدوِّ بإعدادِ المُسلِمِينَ لقوَّتِهم العسكريَّةِ مطلبٌ شرعيُّ؛ ومِن ذلك قولُه تعالى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢]\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٨٦٠)، ومسلم (٩٨٧).\n(٢) أخرجه عبد بن حميد في \"مسنده\" (٢٥٢ المنتخب).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٢٤٦)، و\" تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧٢٣).","vol":"3","page":1426},{"text":"والثاني: مذمومٌ، وهو إرهابُ المؤمِنِ وتخويفُهُ، ويَلحَقُ بالمؤمِنِ صاحبُ الأمانِ والعهدِ والذِّمَّةِ مِن الكافرِينَ، وفي المسلم قد قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (مَنْ أَشَارَ إلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَلعَنُهُ حَتَّى يَدَعَهُ، وَإِنْ كَانَ أخَاهُ لِأَبيِهِ وَأُمِّهِ)، رواهُ مسلمٌ (١).\nويحرُمُ ترويعُ المؤمنِ وتخويفُهُ وإرهابُهُ ولو بالشيءِ اليسيرِ؛ كما عندَ أبي داودَ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبي ليلى؛ قال: حدَّثَنا أصحابُ محمَّدٍ - ﷺ -؛ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَنَامَ رَجُل مِنْهُمْ، فَانْطَلَق بَعْصُهُمْ إِلَى حَبْلِ مَعَهُ فَأَخَدَهُ، فَفزعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا) (٢).\nوفي السُّنَنِ؛ قال - ﷺ -: (لَا يَأْخُذْ أَحَدُكُمْ عَصَا أَخِيهِ لَاعِبًا أَو جَادًّا، فَمَنْ أخَذَ عَصَا أَخِيه، فَلْيَرُدَّهَا إِلَيْهِ) (٣).\nوقول اللَّهِ تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾، فيه إشارةٌ إلى أنَّ اللهَ يحقِّقُ بقوةِ المؤمنينَ مَنافِعَ لا يُدرِكونَها بحِسِّهم، وَيدفَعُ عنهم شرورًا مِن عدوِّ لم يَحسِبُوا له حسابًا، وإنَّما يُخالِفُ ضعيفُ الإيمانِ ربَّه؛ لأنَّه يُدرِكُ مِن الظاهرِ شيئًا وَيَغيبُ عنه الباطنُ كلُّه أو جُلُّه؛ وهذا مِن ضَعفِ اليقينِ باللهِ؛ فاللهُ أمَرَ بإعدادِ العُدَّةِ للمشرِكِيِنَ الأبعَدِينَ بمَكَّةَ؛ لكسرِ شوكتِهم، وآخَرِينَ - وهم اليهودُ - مِن دُونِهم سينكسِرونَ تَبعًا يَتربَّصونَ بحقدٍ وعداوةٍ، لا يُدرِكُ المُسلِمونَ قَدْرَها وقوَّتَها لو تسلَّطُوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1062>المَصَالِحُ والمَفَاسِدُ الباطِنةُ والظاهِرةُ اللازمةُ لأحكامِ اللهِ:</span>\nوالمنافِعُ والمصالِحُ والمَضَارُّ والمَفاسِدُ التي يجعلُها اللهُ في لوازِمِ أوامرِهِ ونواهِيهِ على قسمَيْنِ:\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٦١٦).\n(٢) أخرجه أبو داود (٥٠٠٤).\n(٣) أخرجه الترمذي (٢١٦٠).","vol":"3","page":1427},{"text":"الأوَّلُ: ظاهرةٌ، أو تُسمَّى مكتسَبةً، وهي التي يراها الناسُ في المادِّيَّاتِ والمحسوسات، والغالبُ هي مِن المكتَسَباتِ؛ كالغنائمِ والأسْرَى وظهورِ الأمرِ والغَلَبَةِ وبَسْطِ الأرضِ؛ وهذا ما يَربِط الناسُ انقيادَهُمْ به مهما كان إيمانُهُمْ قويَّا أو ضعيفًا، ويمتازُ أهلُ الصِّدْقِ واليقينِ بالانقيادِ للأوامرِ واجتنابِ النواهي ولو لم تَظهَرِ المنافِعُ والمصالِحُ محسوسةً.\nالثاني: الباطنُة، وتُسمَّى مدفوعةً، وهي التي لا تُرَى؛ وإنَّما هي شرٌّ مدفوعٌ كان مقدَّرًا، فدُفعَ بامتثالِ الأمرِ واجتنابِ النهي، وكثيرٌ مِن امتثالِ الأوامرِ كالجهادِ وإعدادِ العُدَّةِ والقُوَّةِ لا يَلْمُسُ الناسُ أثَرَهُ؛ لأنَّ كثيرًا منه شرُّ مدفوعٌ لا خيرٌ مكتسَبٌ، فربَّما قاتَلَ المُسلِمونَ امتثالًا لأمرِ الله ولم يَفتحُوا أرْضًا ولا مِصْرًا، ولم يَغنَموا عَرَضًا مِن الدُّنيا، وقد دفَعَ اللهُ يقتالِهم ذلك عنهم مِن الشرورِ وتسلُّطِ الكفارِ عن بُلْدانِ الإسلامِ ما لا يخطُرُ بِبَالِ أحدٍ، مع أنَّهم لم يكسبُوا شيئًا ظاهرًا؛ وإنَّما دفَعَ اللهُ به شرًّا عظيمًا؛ فإنَّ الكفارَ لا يَقِفُونَ عندَ حَدِّ ولا مَطِمَع، في فإذا رأوْا بأسَ المُسلِمينَ في أقصى الأرض، كُسِرَت مطامعُهُمْ عن أدْنى بُلْدانِ المُسلِمينَ فضلًا عن قَلْبِها.\nفلو تُركَتْ تلك الأوامرُ لعَدَمِ المكتسَبِ المحسوس، لَفَتَحَ اللهُ بابًا مِن الشرورِ المدفوعةِ لا طاقةَ للمُسلِمينَ بها، ولا أعظَمَ فتنةً في الدِّينِ ممَّن يعيشُ بي قلب بلادِ الإسلامِ آمِنًا في عِرْضِهِ ومالِهِ ودمِه، ثم يقعُ في مُقاتِلينَ في ثغُورِ بأطراف بلادِ الإسلامِ بحُجَّةِ أنَّهم لم يَكسِبُوا شيئًا، ولو تَرَكُوا ما هم فيه، لَمَا توقَّفَ العدوُّ على ما هو عليه، ولَمَّا أمِنَ على نفسِه، ولكنَّ للهِ تقديرًا وتدبيرًا يَدفَعُ به عن الأمَّةِ شَرًّا بأقوامِ صالِحِين؛ ليعيشَ غيرُهُمْ صلاحَ دِينِهم ودُنياهم وهم في غَفْلةِ ولا يَعلَمون ما لو فُتِحَ","vol":"3","page":1428},{"text":"عليهم مِن ذلك البابِ المُغلَق، وأحسِبُ أنَّ لأولئك المُقاتِلينَ مِن أجرِ ما أَمِنَتْ به الأمَّةُ بسببِهم، وما أقاموهُ بسبب ذلك مِن صلاةٍ وزكاةٍ ونُسُكِ وذِكرِ ودُعَاءٍ وصِلَةِ رَحِمِ وعمارةِ المساجدِ وغيرِ ذلك، واللهُ أعلَمُ.\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١].\nتقدَّمَ الكلامُ على المُسالَمةِ والمُوادَعةِ والمُهادَنة، ومعنى السَّلْمِ والسِّلْمِ بفتحِ السِّينِ وكسرِها في سورة البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨]، وتكلَّمْنا على المَعنيَيْنِ: معنَى الدخُولِ في الإسلام، والسلمِ الذي هو بمعى المُسالَمةِ والأمان والمُهادَنةِ؛ كما في هذه الآيةِ.\nوآيةُ البابِ هذه قد اختلَفَ العلماءُ مِن السلفِ في نَسْخِها على قولينِ:\nقال بعضُ السلفِ: إنَّها منسوخةٌ، ومَن قال بالنَّسخ، اختلَفُوا في الناسخِ لها:\nفرُوِيَ عن عِكْرِمةَ والحسَنِ: أنَّها منسوخةٌ بقولِهِ تعالى في سورةِ براءةَ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] (١).\nوقيل: نُسِخَت بآيةِ القتالِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] قاله قتادةُ (٢).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٢٥٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧٢٥).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٢٥٢).","vol":"3","page":1429},{"text":"وقيل: نُسِخَتْ بسورةِ براءةَ؛ فقد نسَخَتْ كلَّ مُوادَعةٍ.\nوقيل: نَسَخَها قولُهُ: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: ٣٥]؛ حُكِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسِ (١).\nوأنكَرَ الطبريُّ القولَ بالنسخ، ومِثُلُهُ ابنُ كَثِيرِ (٢)، وغيُرُهما، وهو كذلك، حتى قال الطبريُّ في قولِ مَن قال بالنَّسْخِ: \"لا دَلَالةَ عليه مِن كتابِ ولا سُنَّةٍ ولا فِطْرة عقلٍ (٣).\nوذلك أنَّ الآيةَ التي جعَلَها قتادةُ ناسخةً هي في كفارِ قريشٍ ومَن في حُكْمِهم مِن الوثَنيِّينَ، وآيةُ براءةَ فيها قتالُ العدوِّ عندَ القُدْرةِ عليه، والمُهادَنةُ عندَ كَثْرتِه.\nوقال أكثَرُ العلماءِ: إنَّها ليست بمنسوخةٍ، بل مُحكَمةٌ، وليس فيها إبطالُ القتال، ولا الأمرُ بمُطلَقِ المُسالَمةِ والمُهادَنةِ والمُوادَعة، وهي محمولةٌ على كلِّ مَعاني السَّلْمِ التي تصلُحُ للمُسلِمينَ وتُصلِحُ حالَ الكافرينَ: كانْ يَقبَلَ الكُفَّارُ الإسلامَ؛ فلا حاجةَ لقتالِهم؛ لأنَّ غايةَ الغاياتِ تحقَّقتْ؛ ولهذا فسَّرَ ابنُ إسحاقَ (السَّلْمِ) في الآيةِ بالإسلامِ (٤)، وإن طلَبَ الكفارُ أن يَدفَعُوا الجِزْيةَ ولا يرغَبونَ في القتال، فيُنزِلونَهم عليها كما في التوبةِ ويأتي، وإنْ رَغِبُوا في الهُدْنةِ والمُسالَمةِ إلى أمَدٍ وكان للمُسلِمينَ مصلحةٌ، فلهم فعلُ ذلك، كما فعَلَ النبيُّ - ﷺ - في الحُدَيْبِيَةِ وغيرِها.\nومَن قال بإحكام الآية، لم يَجعَلْها أصلًا يُناقِضُ الجهادَ ويُعَطُلُه؛ فإنَّه لم يقُلْ بذلك أحدٌ؛ وإنَّما جعَلُوا القتالَ للمُعانِد، والسَّلْمَ لمَن تجوزُ مُصالَحَتُه.\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" (١٠/ ٦٣).\n(٢) \"تفسير ابن كثير\" (٤/ ٨٤).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٢٥٤).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٢٥٣).","vol":"3","page":1430},{"text":"وقد صالَحَ الخلفاءُ الراشدونَ ومَن بعدَهم، وما زال حُكْمُ المُسالَمةِ والمُهادَنةِ قائمًا في الأُمَّةِ مع الكافرينَ بحسَبِ مصالحِ المُسلِمين.\nوإنما الخلافُ في بعضِ فروعِ المُسالَمةِ والمُهادَنةِ؛ كمُدَّتها، وأحوالِها، ودفعِ المالِ إلى الكفارِ كفايةَ لشرِّهم، ونحوِ ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1063>السَّلْمُ مع المُشركينَ:</span>\nلا يختلِفُ العُلَماءُ: أنَّ السَّلْمَ إذا كان دائمًا مع جميعِ الأعداءِ والجهات، وإلى الأبدِ وبلا أَمَدٍ: أنه لا يجوزُ؛ لأنَّه يتضمَّنُ تعطيلًا للجهاد، وقد تواتَرَ الدليلُ على دَيمُومتِهِ وبقائهِ إلى قِيام الساعة، وقد قال ابنُ المُنذِرِ: \"ولا يجوزُ أنْ يُصالِحَهم إلى غيرِ مُدَّةٍ؛ لأنَّ في ذلك تَرْكَ قِتالِ المُشرِكينَ، وذلك غيرُ جائزٍ\" (١).\nولأنَّ ذلك يتضمَّنُ قَطْعًا ذلَّةً وهوانًا للمُسلِمينَ؛ فلا يُتصوَّرُ عدمُ وجودِ عُدْوانٍ مِن جميع البشرِ وجميع الأُممِ والدُّوَلِ على المسلِمينَ، ولا يُتصوَّرُ ألا تَبقَى أمَّةَ ودَوْلة ولو كانتْ كافِرةً بلا عُدْوانٍ لأحدٍ عليها؛ وهذا مع عدمِ صِحَّتِه عقلًا، فهو منُاقضٌ لصريحِ الوحي، وتشريعِ السماء، وعملِ النبيِّ - ﷺ - والخلفاء، فاللهُ يقولُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣، والأنفال ٣٩]، والفِتْنةُ الكُفْرُ، ولا يَزالُ الكفرُ في الأرضِ باقيًا، فيجب أنْ تبَقَى معه شريعةُ الجهادِ قائمةً، ولا يُمكِنُ أنْ تكونَ الأمَّةُ ظاهرةً إلَّا بجهادِها، وفي \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ مُعاويةَ (٢)، والمُغيرةِ (٣)، يقولُ النبيُّ - ﷺ -: (لَا تَزَالُ طَائِفَة مِن أمَّتِي قَائِمَةً بِأمْرِ الله، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَو خَالَفَهُمْ، حَتَّى يأْتِيَ أمْرًا للهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى\n_________\n(١) \"الإقناع\" لابن المنذر (٢/ ٤٩٨).\n(٢) أخرجه البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧).\n(٣) أخرجه البخاري (٣٦٤٠)، ومسلم (١٩٢١).","vol":"3","page":1431},{"text":"النَّاسِ)، وظهورُهُمْ بسبب جهادِهم؛ كما لي مسلم؛ مِن حديثِ جابرٍ (١)، ومعاويةَ (٢)، مرفوعًا: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أمَّتِي يُقَاتِلونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقيَامَةِ).\nوفد استدَلَّ البخاريُّ على دَيْمُومةِ الجهادِ بقولِهِ - ﷺ -: (الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ (٣)؛ لأنَّ المرادَ بخيريَّتها أثرُها في الجهادِ في سبيلِ اللهِ.\nولم يَرِد في السُّنَّةِ والقرآنِ أمرٌ بطلبِ السَّلْمِ؛ وإنَّما الواردُ قَبولُهُ عندَ عَرْضِهِ والحاجةِ إليه، وهذا لأنَّ النفوسَ ميَّالةٌ إلى حُبِّ السلامة، فتجدُ مِن الأمرِ ما يَدْعُوها إليه فتَرْكنُ، وأمَّا قولُهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، فالمرادُ بالسِّلْمِ الإسلامُ باتِّفاقِهم.\nوالسَّلْمُ مع العدوِّ على نوعَيْنِ:\nالأوَّلُ: سلمٌ دائمٌ مع كلِّ عدوّ، وإلى الأبد، بلا أمَدٍ؛ فهذا لا يجوزُ ولا يصحُّ، كما تقدَّمَ.\nالثاني: سلمٌ مع عدوِّ واحدٍ، أو بعضِ الأعداءِ أو أكثرِهم؛ فذلك جائزٌ بشروطِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1064>المُدَّةُ في مسالَمةِ الكافرِ:</span>\nيَتَّفِقُ العلماءُ على أنه لا حَدَّ أَدْنى لزمنِ مُسالَمةِ العدوِّ ومهادَنتِه، وأنَّه لا تجوزُ المُهادَنةُ الأبديَّةُ، وإنَّما اختلَفُوا في أَعْلى مُدَّةِ المُسالَمةِ والمُهادَنةِ على قولَينِ:\nذهَبَ جمهورُ الفقَهاءِ: إلى أنه لا بُدَّ مِن حَدٍّ لمُسالَمةِ الكفارِ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٥٦) و(١٩٢٣).\n(٢) أخرجه مسلم (١٠٣٧).\n(٣) سبق تخريجه.","vol":"3","page":1432},{"text":"ومُهادَنتِهم؛ وهذا ظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ وأحمدَ، واختلَفُوا في الحدِّ الذي يُهادَنُونَ يه، فجعَلَه الشافعيُّ وأحمدُ: إلى عَشْرِ سنينَ، والزيادةُ فوقَ ذلك باطلةٌ.\nوعلَّقَه مالكٌ - فيما رواهُ عنه ابنُ حبيبٍ - باجتهادِ الإمامِ.\nوالإمامُ مالكٌ وغيرُهُ لا يُجِيزُونَ للإمامِ مُهادَنةَ كلِّ الأممِ وإلى الأبدِ؛ لأنَّه يَقتضي ضَعْفَ المؤمنينَ، وتسلُّطَ الكافرينَ، وتعطيلَ الجهاد، ولم يُسالِمِ النبيُّ ولا الصحابةُ ولا الخُلَفاءُ على مَرَّ العصورِ الأُمَمَ إِلى الأيدِ؛ وهذا مِن بدَعِ العَصْرِ ووَهْنِ سَلَاطِينِه، التي لا يجوزُ العملُ بمُقتضاها، ويقولُ ابنُ قُدامةَ: \"لا خلافَ بينَهم على بُطْلانِ الصُّلْحِ إذا كان مؤيَّدًا\".\nوالصلحُ المُطلَقُ غيرُ المؤقَّتِ يَقتضي التأبيدَ، في ظاهرِ مذهبِ الأصحاب، وإذا كثُرَتِ الثغورُ على المُسلِمينَ وتداعَتِ الأُمَمُ، فقد تصحُّ المُهادَنةُ مع عدوٍّ واحدٍ يُخشى منه ويَأْبى النزولَ إلَّا على صُلْحٍ مُطلَقٍ ولا قِبَلَ للمُسلِمينَ بجميعِ الأمم، فيجوزُ أنْ يُطلَقَ - والحالةُ كذلك - الصلحُ معه بلا زمنٍ، حتى يَقوَى المؤمنونَ ثم يَنبِذُونَ إليه عهدَهُ على سَوَاءٍ.\nويجبُ أنْ يَجْعَلَ الإمامُ المُدَّةَ التي يُهادِنُ بها الكافرين بحسَبِ مصلحةِ المسلِمينَ، في دِينِهم ودُنياهم وألَّا يَجْعَلَ الأَمَدَ فيها يَحْكُمُهُ غيرُ ذلك.\nولا يَعقِدُ الهُدْنةَ إلَّا الإمامُ، لا الأفرادُ، خلافًا للطبريِّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1065>إعطاءُ الكفَّارِ للمسلِمِينَ المالَ على هُدْنَتِهم وأمْنِهم، والعكس:</span>\nوأمَّا المُهادَنةُ على مالٍ يَدفَعُهُ المشرِكونَ للمُسلِمينَ، فلا خلافَ في جوازِها ومشروعيَّتِها، وإنْ كان بمالٍ يَدفَعُهُ المُسلِمونَ للكافِرِينَ، فعلى حالتَيْنِ:","vol":"3","page":1433},{"text":"الحالةُ الأُولى: إنْ كان في المُسلِمينَ قوةٌ وثَباتُ لصدِّ الكافرينَ، فلا يجوزُ لهم أنْ يَدفَعُوا للكافرينَ مالًا على هُدْنَتِهم؛ لأنَّ في ذلك ضَعْفًا وإهانةً لهم؛ والمنعُ هو الأصلُ.\nوقد قال الشافعيُّ في \"الأمِّ\": \"لا يجوزُ أنْ يُهادِنَهُمْ على أنْ يُعطيَهم المُسلِمونَ شيئًا بحالٍ؛ لأنَّ القتلَ للمُسلِمينَ شهادةٌ، وأنَّ الإسلامَ أَعَزُّ مِن أنْ يُعطَى مُشرِكٌ على أنْ يَكُفَّ عن أهلِه؛ لأنَّ أهلَهُ - قاتِلينَ ومَقتولِينَ - ظاهرونَ على الحقِّ\" (١).\nالحالةُ الثانيةُ: إنْ كان في المُسلِمينَ ضَعْفٌ وخافُوا الاصْطِلَامَ وهلاكَ أهلِ الإسلام، وقد أحاطَ بهم الكافِرونَ وتكالَبُوا عليهم مِن جهاتٍ عِدَّةٍ، ولا طاقةَ لهم بالجميع، فيُرِيدونَ أنْ يُخفِّفُوا على أنفُسِهم بعضَ الكافِرِينَ؛ ليتفرَّغوا لبعضٍ دونَ بعضٍ؛ حتى يُمْكِنَهُمُ اللهُ مِن الجميعٍ؛ فالصحيحُ أنه جائزٌ؛ وبهذا قال الأوزاعيُّ ومالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ؛ فقد روى الطبرانيُّ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ؛ قال: جَاءَ الْحَارِثُ الْغَطَفَانِيُّ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، شَاطِرْنَا تَمْرَ المَدِينَة، قَالَ: (حَتَّى أَسْتَأْمِرَ السُّعُودَ)، فَبَعَثَ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيع، وَسَعَدِ بْنِ خَيْثَمَةَ، وَسَعْدِ بْنِ مَسْعْودٍ، ﵏، فَقَالَ: (إِنَّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّ الْحَارِثَ يَسْأَلُكُمْ أَنْ تُشَاطِرُوهُ تَمْرَ المَدِينَة، فَإِنْ أرَدتُّمْ أَنْ تَدْفَعُوا إِلَيْهِ عَامَكُمْ هَذَا، حَتَّى تَنْظُرُوا فِي أَمْرِكُمْ بَعْدُ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أوَحْيٌ مِنَ السَّمَاءِ؛ فَالتَّسْلِيمُ لِأَمْرِ الله، أَو عَنْ رَأْيِكَ، أَو هَوَاكَ؛ فَرَأْيُنَا تَبَعٌ لِهَوَاكَ ورَأْيِكَ، فَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تُرِيدُ الْإِبْقَاءَ عَلَيْنَا، فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَإِيَّاهُمْ عَلَى سَوَاءٍ، مَا يَنَالُونَ مِنَّا تَمْرَةً إِلَّا\n_________\n(١) \"الأم\" (٤/ ١٩٩).","vol":"3","page":1434},{"text":"بِشِرًى، أَو قِرًى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (هُوَ ذَا تَسْمَعُونَ مَا يَقُولُونَ)، قَالُوا: غَدَرْتَ يَا مْحَمَّدُ، فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ - ﵀ -:\nيَا حَارِ مَنْ يَغْدِرُ بِذِمَّةِ جَارِهِ ... أَبَدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا لَا يَغْدِرُ\nوَأمَانَةُ الْمُرِّيِّ حَيْثُ لَقِيتَهَا ... كَسْرُ الزُّجَاجَةِ صَدْعُهَا لَا يُجْبَرُ\nإِنْ تَغْدِرُوا فالْغَدْرُ مِنْ عَادَاتِكُمْ ... وَاللُّؤْمُ يَنْبُتُ فِي أُصُولِ السَّخْبَرِ (١)\nوقد رَوَى أبو عُبَيْدٍ في \"الأموالِ\"، عن ابنِ شهابٍ؛ قال: كانتْ وقعةُ الأحزابِ بعدَ أُحُدٍ بسنتَيْن، وذلك يومَ حَفَرَ رسولُ اللهِ - ﷺ - الخندقَ، ورئيسُ الكفارِ يومئذٍ أبو سُفْيانَ بن حَرْبٍ، فحاصَروا رسولَ اللهِ - ﷺ - بضعَ عَشْرةَ ليلةً، فخلَصَ إلى المُسلِمينَ الكَرْبُ، فقال رسولُ اللهِ - ﷺ - كما أخبَرَني سعيدُ بن المسيَّب -: (اللَّهُمَّ، إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ، إِنْ تَشَأْ لَا تُعْبَدْ)، وحتى أَرسَلَ رسولُ اللهِ - ﷺ - رسولًا إلى عُيَيْنَةَ بنِ حِصْنٍ وهو يومئذٍ رئيسُ الكفارِ مِن غَطَفَانَ، وهو مع أبي سُفْيانَ، فرَضَ عليه رسولُ اللهِ - ﷺ - ثُلُثَ ثَمَرِ نَخْلِ المدينةِ؛ على أنْ يَخذُلَ الأحزابَ ويَنصرِفَ ومَن معه مِن غَطَفَانَ، فقال عُيَيْنةُ: بل أَعْطِني شَطْرَ ثَمَرِها، ثم أَفْعَلُ ذلك، فأرسَلَ رسولُ اللهِ - ﷺ - إلى سعدِ بنِ معاذٍ، وهو سيدُ الأَوْس، وإلى سعدِ بنِ عُبَادَةَ، وهو سيدُ الخَزْرَج، فقال: (إِنَّ عُيَيْنَةَ قَدْ سَأَلنِي نِصْفَ ثَمَرِ نَخْلِكُمْ؛ عَلَى أَنْ يَنْصَرِفَ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ غَطَفَانَ وَيَخْذُلَ الْأَحْزَابَ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُهُ الثُّلُثَ، فَأَبَى إِلَّا النَّصْفَ، فَمَا تَرَيَانِ؟)، قالَا: يا رسولَ الله، إنْ كنتَ أُمِرْتَ بشيءٍ فافعَلْهُ، فقال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (لَوْ أُمِرْتُ بِشَيْءٍ لَمْ أَسْتَأْمِرْ كُمَا فِيه، وَلَكِنْ هَذَا رَأْيٌ أَعْرِضُهُ عَلَيْكُمَا)، قالا: فإنَّا لا نَرَى أنْ نُعْطِيَهُمْ إلَّا السيفَ، فقال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (فَنَعَمْ)، قال أبو عُبَيْدٍ: وقد فعَلَ مِثْلَ ذلك معاويةُ في إمارتِهِ (٢).\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٥٤٠٩).\n(٢) أخرجه أبو عبيد في \"الأموال\" (٤٤٥).","vol":"3","page":1435},{"text":"ورَوى أبو عُبَيْدٍ أيضًا عن الوليدِ بنِ مُسلِمٍ، عن صَفْوانَ بنِ عمرٍو، وسعيدِ بنِ عبد العزيزِ؛ أنَّ الرومَ صالَحَتْ معاويةَ على أنْ يُؤدِّيَ إليهم مالًا، وارتهَنَ معاويةُ منهم رَهْنًا، فجعَلَهُم ببَعْلَبَكَّ، ثم إنَّ الرومَ غدَرَت، فأَبَى معاويةُ والمُسلِمونَ أنْ يَستحِلُّوا قَتْلَ مَن في أيدِيهِم مِن رَهْنِهم، وخَلَّوْا سبيلَهم، واستفتَحُوا بذلك عليهم، وقالوا: وفاءٌ بغَدْرٍ، خيرٌ مِن غَدْرٍ بغَدْرٍ (١).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾ [الأنفال: ٦٥ - ٦٦].\nفي هذه الآيةِ: حاجةُ المؤمنينَ إلى التحريضِ على قتالِ الكافِرِينَ والبَرَاءةِ منهم، والتحريضُ هو الوعظُ والحَضُّ على العمل، وهذا مِن واجباتِ الإمامِ والعالِم، وقد كان النبيُّ - ﷺ - يُحرِّض أصحابَهُ على القُوَّةِ والرَّمْيِ وإعدادِ العُدَّةِ على مِنبَرِهِ وفي طريقِهِ؛ عندَ قيامِ الحاجةِ إلى ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1066>تحريضُ النبيِّ - ﷺ - على القتالِ:</span>\nوقد كان النبيُّ - ﷺ - يأمُرُ بالإعدادِ على مِنْبَرِ الجُمُعةِ للعامَّةِ والخاصَّةِ؛ كما في مسلمٍ؛ مِن حديثِ عُقْبةَ؛ أنه سَمِعَ النبيَّ - ﷺ - يقولُ وهو على المِنْبَرِ: (قَالَ الله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]؛\n_________\n(١) أخرجه أبو عبيد في \"الأموال\" (٤٤٦).","vol":"3","page":1436},{"text":"أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ) ثلاثًا (١).\nوكان يُحرِّضُ على الرمي وتعلُّمِهِ الرجالَ والغِلْمانَ؛ كما في البخاريِّ؛ مِن حديثِ سَلَمةَ بنِ الأَكْوَعِ - ﵁ -؛ قال: مَرَّ النبيُّ - ﷺ - عَلَى نَمَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ، فقال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ؛ فَإِنَّ أَبَاكَمْ كَانَ رَامِيًا) (٢).\nوقد كان النبيُّ - ﷺ - يحرِّضُهم على الأُمَمِ المخالِفةِ ويذكِّرُهم بالموافِقةِ؛ حتى يَتبيَّنوا أَمْرَهم، وربَّما فعَلَ ذلك على مِنْبَرِهِ؛ كما في \"الصحيحَيْن\"؛ مِن حديثِ نافعٍ؛ أنَّ عبدَ اللهِ أخبَرَهُ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال على المنبرِ: (غِفَارُ غَفَرَ اللهُ لهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ، وَعُصَيَّةُ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ) (٣)، وفي حديثِ ابنِ عمرَ هذا، وحديثِ عقبةَ السابقِ: رَدٌّ على مَن خَصَّ منابرَ الجُمَعِ بالتذكيرِ بالآخِرةِ والتزهيدِ في الدُّنيا، وتجنَّب ما يتَّصِلُ بدِينِ الأُمَّةِ العامِّ في نفسِها ومع عدوِّها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1067>العَدَدُ الذي يجبُ معه الثَّباتُ أمامَ العدوِّ:</span>\nوأمَّا قولُهُ تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا﴾، فكان ذلك أوَّلَ الأمرِ؛ أمِرُوا بالصبرِ على العدوِّ مهما بلَغَ عددُهُ وعُدَّتُه، ما لم يَرِدْ على عَشَرةِ أضعافٍ، ثم خفَّفَ اللهُ عن أهلِ الإيمانِ بذلك فيما بعدَها، وعامَّةُ السلفِ على نسخِ هذه الآيةِ بقولِهِ تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ وابنُ عمرَ وغيرُهما.\nرَوَى البخاريُّ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ - ﵄ -؛ قال: \"لمَّا نزَلَتْ.\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) أخرجه البخاري (٢٨٩٩).\n(٣) أخرجه البخاري (٣٥١٣)، ومسلم (٢٥١٨).","vol":"3","page":1437},{"text":"﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، فَجَاءَ التَّخْفِيفُ، فقالَ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، قالَ: فَلَمَّا خَفَّفَ الله عَنْهُمْ مِنَ العِدَّة، نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خُفِّفَ عَنْهُمْ\" (١).\nوصحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: \"مَن فَرَّ مِن ثلاثةٍ فلم يَفِرَّ، ومَن فَرَّ مِن اثنينِ فقد فَرَّ\"؛ رواهُ ابنُ أبي نَجِيحٍ (٢)، ونحوَهُ عمرُو بن دِينارٍ، عنه (٣).\nوروى الحاكمُ في \"مُستدرَكِه\"؛ مِن حديثِ أبي عمرِو بنِ العلاء، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمَرَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قرَأَ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ رَفَعَ (٤).\nوبالنسخِ قال مجاهِدٌ وعطاءٌ وعِكْرِمةُ والحسَنُ وزيدٌ والضَّحَّاكُ وجماعةٌ (٥).\nوفي قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ تأكيدٌ على الصبر، وأنَّه مَعقِدُ النصرِ ومَحَلُّهُ، فالعَدَد والعُدَّةُ ليستْ بأعظَمَ مِن الصبر، فالصابرُ أقرَبُ نصرًا ولو قَلَّ عَتَادُهُ، وإنَّما ذكَّر اللهُ بالصبرِ؛ حتى لا تتعلَّقَ النفوسُ بالعددِ فتتَّكِلَ عليه، وتَنسى معيَّةَ اللهِ وعَوْنَهُ للصابرينَ فيه، وبمقدارِ تعلُّقِ القلبِ بغيرِ اللهِ يَضعُفُ معه توكُّلُهُ ويَقِلُّ صبرُه، وهذا أمرٌ قد لا يَملِكُهُ الإنسانُ؛ ولذا قال ابنُ عبَّاسٍ: (فلَمَّا خفَّفَ الله عَنْهُمْ مِنَ العِدَّة، نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خُفَّفَ عَنْهُمْ\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٦٥٣).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"معرفة السنن والآثار\" (٧/ ٦).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧٢٨).\n(٤) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٣٩).\n(٥) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧١٩).\n(٦) سبق تخريجه.","vol":"3","page":1438},{"text":"بلوغُ جيشِ المُسلِمينَ اثنَيْ عَشَرَ ألفًا:\nوظاهرُ الآيةِ بقاءُ الحُكمِ في كلِّ عَدَدٍ مِن المُسلِمينَ كثيرًا أو قليلًا؛ أنه لا يجبُ عليهم الثباتُ إلَّا على الضَّعْفِ وما دونَهُ، وأمَّا حديثُ ابنِ عبَّاسٍ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (خَيْرُ الصَّحَابَةِ أرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعْ مِئَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ) (١)، فهذا الحديثُ رواهُ أحمدُ وأبو داودَ والتَّرمذيُّ؛ مِن حديثِ جريرٍ، عن يونُسَ بنِ يزيدَ، عن الزُّهْريِّ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عبد اللهِ بنِ عُتْبةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، به.\nوأكَثَرُ الرُّواةِ مِن أصحابِ الزُّهْريِّ يُرسِلونَهُ عنه، عن النبيِّ - ﷺ - بلا واسطةٍ؛ كمَعْمَرٍ وعُقَيْلٍ، وصوَّبَ الإرسالَ عامَّةُ النُّقَّادِ كالتَّرْمِذيِّ وأبي داودَ وأبي حاتمٍ، وقال أبو حاتمٍ: \"مُرسَل أشبَهُ، لا يَحتمِلُ هذا الكلامُ أنْ يكونَ كلامَ النبيِّ - ﷺ - \" (٢).\nولا فرقَ بينَ الاثنَيْ عشَرَ ألفًا وما دونَها وما أكثَرَ منها؛ لعمومِ الآية، وضَعْفِ الحديثِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1068>اعتبارُ تقارُبِ السلاحِ عندَ المُواجَهةِ:</span>\nوالآيةُ في اعتبارِ العَدَدِ جرَتْ مَجْرَى الغالبِ مِن أحوالِ الناسِ؛ أنَّهم في كلَّ زمنٍ يَستعمِلونَ سلاحًا واحدًا، فكلُّ زمنٍ يَستعمِلُ الناسُ سلاحًا واحدًا؛ فأهلُ كلَّ زمنٍ يَتقاتَلونَ بسلاحٍ واحدٍ؛ ففي زمنِ السِّهامِ والنِّبالِ والرِّماحِ وركوبِ الدوابِّ فهم يَتقاتَلونَ بذلك، وفي زمنِ المَنْجنِيقِ يَتقاتَلونَ به، وفي زمانِ الرصاصِ والقذائفِ والمَدافعِ فهم يَتقاتَلونَ به،\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١/ ٢٩٤)، وأبو داود (٢٦١١)، والترمذي (١٥٥٥).\n(٢) \"علل الحديث\" لابن أبي حاتم (٣/ ٤٨٨).","vol":"3","page":1439},{"text":"وإن لم يَتساوَوْا في جَوْدَتِهِ وأثرِه؛ ولهذا جاءَتِ الآيةُ باعتبارِ العَدَد، ولم تأتِ باعتبارِ العُدَدِ؛ لأنَّ العُدَّةَ يُمكِنُ للمُسلِمينَ تحقيقُها بالصناعةِ والشراء، بخلافِ العَدَدِ؛ فإنْ لم يكنْ في المسلِمينَ العَدَدُ المشروطُ للثَّبات، فليس لهم شراؤُهُ ولا اتَّخاذُهُ مِن غيرِهم.\nولمَّا جرَتِ الآيةُ مَجْرَى الغالبِ والعادة، دَلَّ على عدمِ إخراجِ العُدَّةِ مِن أيوابِ الثَّبات، فالعُدَّةُ مُعتبَرةٌ كالعَدَد، ولكنَّ تبايُنَ المُسلِمينَ بها عن المشرِكينَ نادرٌ؛ فلم يُعلَّقْ بها حُكْمٌ، فلا يقولُ فقيهٌ: إنَّه يجبُ على المؤمنينَ إذا كانوا عُزْلًا مِن كلِّ سلاحٍ أنْ يَثبُتُوا في مُقابِلِ مِثلَيْهم أو أقلَّ مِن عدوِّهم الذي يَحمِلُ السلاحَ؛ لظاهرِ الآية، فيُقابِلُوهم بأيدِيهِم أو يَرسُوهم بالحَصَى والعَصَا وهم يَحمِلُونَ الرصاصَ وشِبْهَهُ، وعدمُ ذكرِ العُدَدِ في الآية، لا يَعني عدمَ اعتبارِه؛ وإنَّما لم تذكُرِ الآيةُ اشتراطَ العُدَّةِ؛ لأمورٍ، أعظَمُها - واللهُ أعلَمُ - أمرانِ:\nالأوَّل: أنَّ هذا جرَى مجرَى الغالب، فالناسُ في كلِّ عصرٍ يَحمِلُونَ سلاحًا مِن جنسٍ واحدٍ، وإنْ لم يَتساوَوْا في نوعِهِ وإثخانِه؛ كما كان في الزمنِ الأولِ يتَّفقونَ على الرِّماحِ والسِّهامِ والسيوف، ولا يَتساوَوْنَ في حِدَّتِها وخِفَّتِها، ونفاذِها ومَدَاها، وكذلك اليومَ في الرصاصِ والقذائفِ ونوعِها ومَدَاها وأثرِها.\nالثاني: أنَّ في اشتراطِ العُدَّةِ دعوةً لتواكُلِ المُسلِمينَ وركونِهم، فلو اشترَطَ نوعًا مِن العُدَّةِ يُساوِي المشرِكِينَ، لَتَواكَلَ المُسلِمونَ وترَكُوا الإعدادَ؛ حتى لا يَلحَقَهم التكليفُ؛ لأنَّ التكليفَ مرهونٌ بالعُدَّةِ؛ ولهذا جاء الأمرُ بالأعدادِ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وجاء الاشتراطُ للعَدَدِ لوجوبِ الثَّباتِ: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، وكأنَّ اللهَ لم يَعذِرْهم بالعُدَّةِ؛ لأنَّ الأصلَ إمكانُها والقدرةُ عليها","vol":"3","page":1440},{"text":"كما قدَرَ الكفارُ عليها، وأمَّا العَدَدُ، فهو الذي لا يَملِكُونَه لو تعذَّرَ فيهم.\nولو قِيلَ بعدمِ اعتبارِ العُدَّة، لَجَازَ للمُسلِمينَ وهم مُسلَّحونَ أنْ يَفِرُّوا إذا كان عدوُّهم أكثَرَ مِن ضِعفَيْهِمْ وهم عُزْلٌ، ولوجَبَ أنْ يَثبُتُوا وهم عُزْلٌ أمامَ عدوَّهم المُسلَّحِ إذا كان مساويًا لهم أو ضِعْفَهُمْ في العَدَدِ.\nوإذا ملَكَ المُسلِمونَ جنسَ سلاحِ المشرِكينَ، وجَبَ عليهم الثَّباتُ ولو لم يَتساوَوْا في أثرِه وقوَّتِه، ما كان عددُ المشرِكِينَ لا يَزيدُ على مِثلَيْهم.\nوتقديرُ السلاحِ يُرجَعُ فيه إلى أهلِ العلمِ به مِن أهلِ الجهادِ والدَّرايةِ فيه، واللهُ أعلَمُ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨].\nنزَلَتْ هذه الآيةُ في بَدْرٍ، والأُسَارَى أُسَارَى بَدْرٍ، والمرادُ بذلك: أنَّ الطمعَ في الأَسْرَى، والمَيْلَ إلى مِلْكِهم: لا يكونُ إلَّا بعدَ إثخانٍ في الأرض، وهو الظُّهُورُ؛ كما قالهُ ابنُ عبَّاسٍ (١)؛ فإنَّ الأُمَّةَ لو مالتْ في زمنِ قِلَّتِها وضَعْفِها إلى الإكثارِ مِن الأَسْرِ والسَّبْي، رَكِنَت إلى دُنْياها، وغفَلَتْ عن عدوِّها؛ لأنَّ في الأُسَارَى طمعًا في مِلْكَهم ونفعِهم وبيعِهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1069>الغايةُ الجهادِ والأَسْرِ:</span>\nولم يكنِ الأَسْرُ مَقْصَدًا في ذاتِهِ في الإسلامِ؛ وإنَّما جاء تَبَعًا\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧٣٢).","vol":"3","page":1441},{"text":"لشريعةِ الجهاد، وشريعةُ الجهادِ لم تكنُ مقصودةً لِذَاتِها؛ وإنَّما جاءَ تَبَعًا لكفرِ الأُممِ وإعراضِها عن عبادةِ اللهِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وإذا اختَلَّتْ أولويَّاتُ المَقاصدِ الشرعيَّة، اختَلَّ ثَبَاتُ الأمَّةِ؛ لمُخالَفَتِها لأمرِ ربَّها؛ ولهذا لمَّا أَسَرَ النبيُّ - ﷺ - مِن قريشٍ في غزوةِ بَدْرٍ، وكانتْ أوَّلَ غَزَواتِهم الظاهرة، ولم تَعرِفِ الأُمَمُ بَأْسَهم، ولم يكنْ لهم ظهورٌ ورُعْبٌ في نفوسِ عدوِّهم، وشاوَرَ النبيُّ - ﷺ - أصحابَهُ فيهم، وكان أكثرُهم يرَوْنَ الفِداءَ بالمال، فمالَ لذلك النبيُّ - ﷺ -: عاتَبَ اللهُ أولئك الذين أشارُوا إلى الفِدْية، وكان عمرُ ممَّن قال بالقتل، وكان أبو بكرٍ ممَّن قال بالفِدَاء، وكان النبيُّ - ﷺ - قد أدَّى ما عليه مِن الشُّورَى والأخذِ بما عليه عامَّةُ المُسلِمينَ أو أكثرُهم بما لم يكنْ فيه نصٌّ بيِّنٌ، فإنَّ الذين قالوا بالإثخانِ بالقتلِ قِلَّةٌ؛ كعمرَ بنِ الخطَّاب، وسعدِ بنِ مُعاذٍ، وعبدِ اللهِ بنِ رَوَاحَةَ.\nوفي \"الصحيحِ\"؛ قال ابنُ عباسٍ: \"لمَّا أَسَرُوا الْأُسَارَى، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: (مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى؟)، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ الله، هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةَ، فَتَكُونَ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ؛ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَام، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (مَا تَرَى يَا بْنَ الْخَطَّابِ؟)، قُلْتُ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ الله، مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكَّنِّي مِن فُلَانٍ - نَسِيبًا لِعُمَرَ - فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا، فَهَوِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَينِ يَبْكِيَان، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟ فَإنْ وَجَدتُّ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ","vol":"3","page":1442},{"text":"أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِه الشَّجَرَةِ) - شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ - نزَلَ اللَّهُ - ﷿ - ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]، فَأحَلَّ اللهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ\" (١).\nوالمرادُ بقوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾؛ يعني: مَتاعَها وما يخرُجُ منها مِن منافعَ فتقدِّمونَهُ على أمرِ اللهِ وما يَتْبَعُهُ مِن نصيبِ الآخِرةِ؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾، وقد فسَّرَ عرَضَ الدَّنيا بخَرَاجِها: عِكرِمةُ (٢) وغيرُهُ، وقال ابنُ إسحاقَ: هو الفِداءُ يأحُذُهُ الرجُلُ (٣).\nوالمرادُ بقولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾: الإثخانُ في العدوِّ بقتلِه؛ حتى يظهَرَ الإسلامُ، وتَعْلُوَ رايتُه، ويَدِينَ الناسُ له، وقال محمدُ بن إسحاقَ في قولِهِ تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾: أي: بقتلِهم لظُهُورِ الذي يُريدونَ إطفاءَهُ الذي به تُدرَكُ الآخِرةُ (٤).\nوقولُهُ تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾؛ يعني بالكتابِ: ما أحَل اللهُ لهم به الغنائمَ مِن قبلُ؛ فاللهُ أَحَلَّ لهم العمومَ ولم يَستَثْنِ، وأمَرَ بنُصْرةِ الدِّينِ وإظهارِهِ والإثخانِ في العدوّ، فاجتمَعَ عمومانِ لدى الصحابة، فقدَّمُوا العمومَ في حِلِّ الغنيمة، فجعَلَ اللهُ ذلك عُذرًا لهم عن نزولِ عقابِهِ عليهم: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾، والمرادُ بقولِه: ﴿أَخَذْتُمْ﴾؛ يعني: الأسْرَى، وفي هذا أنه إنِ اجتمَعَ نصَّانِ عامَّانِ في نازلة، عُذِرَ المُجتهِدُ عندَ اختيارِهِ واحدًا منهما، ولو بانَ خَطَؤُهُ بعدَ ذلك.\nوالنفوسُ مهما بلَغَت مِن الكمالِ والفضلِ والعِلْمِ عندَ احتمالِ النصِّ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٧٦٣).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧٣٣).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١/ ٢٧٣١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧٣٣).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (١/ ٢٧٣١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧٣٣).","vol":"3","page":1443},{"text":"لأمرَين، أو اجتماعِ نصَّيْنِ عامَّيْنِ - قد تَمِيلُ إلى ترجيحِ دليل يُخالِفُ الصوابَ، ولا نَشُعُرُ بمَيْلِها؛ وهذا كان في هذه النازِلةِ مع جمهورِ الصحابة، وكان خطؤُهم مغفورًا، وفضلُهم محفوظًا.\nوفي هذه الآيةِ: فضلُ أهلِ بَدْرٍ؛ بأنَّ اللهَ عذَرَهم لأنَّهم أخَذُوا بدليلٍ مِن الكتابِ سابقٍ، ولم يَتَّهِمْهُمُ اللهُ بالهَوَى والعَمْدِ بالمخالَفة، ولو كان الدليلُ السابقُ متمحِّضَ الوضوح، لم يُعاتبْهم اللهُ، وإنَّما كان غالبًا في وضوحِه في نفوسِهم عندَ قولِهم وفيه ميلٌ خفيٌّ للدُّنيا لم يُدرِكُوهُ، فنزَلَ العتابُ لهذا الميل، ودُفِعَ العذابُ بما غلَبَ عليهم مِن أخذٍ بالدليلِ.\nوقد فسَّرَ بعضُ السلفِ قولَهُ تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾؛ يعني: ممَّا كتَبَهُ لأهلِ بَدْرٍ مِن المغفِرةِ والسعادةِ التي لا يَعْقُبُها عذابٌ وشقاءٌ، وبهذا فسَّرَهُ سعيدُ بن جُبَيْرِ وعطاءٌ والحسنُ ومجاهِدٌ (١).\nومنهم - كابنِ عبَّاسٍ والحسنِ (٢) -: مَن حمَلَ الكتابَ على أمِّ الكتاب، وأنَّ الغنائم لم تَحِلَّ قبلَ ذلك، فأخَذُوها قبلَ نزولِ حِلِّها، وفي الكتابِ سبَقَ أنها ستَحِلُّ لهم بعدَ ذلك؛ فلم يُعذِّبْهُمُ اللهُ لأجلِ ذلك.\nومنهم: مَن حمَلَ الكتابَ على أنَّ اللهَ لا يعذَّبُ أحدًا إلَّا بعدَ قيامِ الحُجَّةِ عليه، وأنَّه لا يُعاقِبُهُ حتى يبيِّنَ له ويَقدَّمَ إليه؛ قاله مجاهِدٌ (٣).\nوفي هذه الآيةِ: أنَّ القوَّةَ المعنويَّةَ والهَيْبةَ في نفوسِ الكفارِ أعظَمُ نفعًا للمُسلِمينَ مِن القوَّةِ الماديَّة، فقد فادَى الصحابةُ كلَّ واحدٍ مِن أسرى بَدْرٍ بأربعةِ آلافِ دِرهم، ومع ذلك فَضَّلَ اللهُ لهم القتلَ والإثخانَ؛ لأنَّ فيه إضعافًا للكافِرِين، وهيبةً وقوةً للمؤمين.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٢٨٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧٣٥).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٢٧٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧٣٤).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٢٨١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧٣٥).","vol":"3","page":1444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1070>الأَسْرُ والسَّبْيُ في زمنِ الضَّعْفِ:</span>\nوالجهادُ في زمنِ الضَّعفِ وعدمِ القوَّةِ لا ينبغي معه للمؤمِنِينَ الاستكثارُ مِن الأَسْرِ والسَّبْيِ؛ وإنَّما الإثخانُ في العدوَّ بالقتلِ؛ فإنَّ الاستكثارَ مِن الأَسْرِ يُؤدِّي إلى الرُّكُونِ إلى الدُّنيا، وطُولِ أَمَدِ الضَّعْف، وتأخُّرِ النَّصْر، والتعلُّقِ بالدُّنيا، وقد جاء عن ابنِ عبَّاسٍ في قولِه: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ قال: \"ذلك يومَ بدرٍ والمُسلِمونَ يومئذٍ قليلٌ، فلمَّا كَثُرُوا واشتَدَّ سُلْطانُهم، أنزَلَ اللهُ ﵎ بعدَ هذا في الأُسَارَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، فجعَلَ اللهُ النبيَّ والمؤمنينَ في أمرِ الأُسَارَى بالخِيَارِ؛ إنْ شاؤُوا قتَلُوهم، وإنْ شاؤُوا استعبَدُوهم، وإنْ شاؤُوا فَادَوْهُم\" (١).\nويأتي مزيدُ كلامٍ في حُكْمِ العملِ مع الأَسْرَى في سورةِ محمدٍ بإذنِ اللهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1071>الجهادُ شريعةُ الأنبياءِ:</span>\nوفي قولِه تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ دليلٌ على أنَّ الجهادَ شريعةٌ للأنبياءِ قبلَ محمدٍ - ﷺ -، على اختلافٍ في أحوالِهم؛ وهذه الآيةُ كقولِهِ - ﷺ - كما في البخاريُّ: (لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ يَلْبَسُ لَأْمَتَهُ فَيَضَعُهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ) (٢)؛ ففي الحديثِ مِن الدَّلَالةِ على ما سبَقَ كما في الآية، وقد تقدَّمَ الكلامُ على عموم مشروعيَّةِ الجهادِ على الأنبياءِ في قولِهِ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [٢١٦] مِن البقرة، وفي قولِهِ تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [١٤٦] مِن آلِ عِمرانَ.\n* * *\n_________\n(١) تفسير الطبري\" (١١/ ٢٧٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧٣٢).\n(٢) أخرجه البخاري معلقًا قبل حديث (٧٣٦٩).","vol":"3","page":1445},{"text":"قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾ [الأنفال: ٦٩].\nفي هذه الآيةِ: دليلٌ على حِلَّ الغنائمِ لأُمَّةِ محمَّدٍ - ﷺ -، وهي مِن خصائصِ هذه الأُمَّةِ على ما تقدَّمَ بيانُهُ استطرادًا عندَ قولِهِ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقولِهِ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]، وفي صدرِ هذه السورةِ الأنفالِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1072>الغنائمُ في الأُمَمِ السابقةِ:</span>\nوأمَّا ما جاءَ في بعضِ الآياتِ التي قد يُفهَمُ منها حِلُّ الغنيمةِ في الأُممِ السابقةِ؛ كقولِهِ تعالى في الشُّعَراءِ: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩]، ومِثْلِها في الدُّخَانِ: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨]، فالمرادُ بذلك قُرَاهُمْ وبُلْدانُهم وبَسَاتِينُهم وزُرُوعُهم، وليس المرادُ بذلك غنائمَ الحَرْبِ؛ فما وَرِثَتْهُ بنو إسرائيلَ: بُلْدانُهم بما فيها، وهذا يكونُ في كلِّ الأُمم، والغنائمُ تُطلَقُ على ما كُسِبَ في القتالِ والحرب، لا ما يُؤخَذُ عَقِبَ الأُممِ الهالكةِ بعذابِ الله، فتُورَثُ ببُيوتِها وبساتينِها، وتُخْلَفُ في بُلْدانِها.\nوالسُّنَّةُ صريحةٌ في أنَّ الغنائمَ التي تكونُ في القتالِ لم تَحِلَّ لأحدٍ، وفي السُّنَنِ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال - ﷺ - (لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُؤُوسِ قَبْلَكُمْ) (١)، وأصلُ خَصُوصيَّةِ هذه الأُمَّةِ بالغنيمةِ في\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٢٥٢)، والترمذي (٣٠٨٥)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١١١٤٥).","vol":"3","page":1446},{"text":"\"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ جابرٍ مرفوعًا: (أُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمْ، وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي) (١).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾ [الأنفال: ٧٢].\nتقدَّمَ في سورةِ النِّساءِ الكلامُ على الهِجْرةِ وشيءٍ مِن أحكامِها وأنواعِها، والبُلْدانِ التي تقعُ منها وإليها، وحُكْمِ تارِكِها، وحُكْمٍ المُقيم وَسَطَ الكافرين، عندَ قولِهِ تعالى في النِّسَاءِ: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ٩٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1073>وجوبُ نُصْرةِ المؤمنينَ ووجوبُ الهجرةِ:</span>\nوفي هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ الأصلَ: وجوبُ نُصْرةِ المؤمنينَ، وعدمُ خِذْلانِهم، والاستثناءُ في الآيةِ: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾، وهذه نزَلتْ في الأعرابِ الذين ترَكُوا الهِجْرةَ، ويكونُ بينَهم وبينَ المشرِكينَ قتالٌ؛ كما صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ (٢).\nوهو عامٌّ لِمَنْ كانتْ حالُهُ كحالِ المُسلِمينَ الأعراب، ومِثلُهم كذلك\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٣٥)، رمسلم (٥٢١).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٢٩٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧٤٠).","vol":"3","page":1447},{"text":"الذين كانوا بمَكَّةَ؛ فقد وجَبَتْ عليهم الهِجْرةُ، فلم يُهاجِروا، فلمَّا آثَرُوا بقاءَهم بمَكَّةَ على اللَّحَاقِ بالمؤمنينَ، سقَطَ حقُّهم في نُصْرةِ المؤمنِينَ لهم على قومٍ بينَهم وبينَ المُسلِمينَ مِيثَاقٌ وهُدْنةٌ؛ كما قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾.\nوهدا مشروطٌ بتوافُرِ الهجرةِ وتَرْكِهم لها مِن تِلْقاءِ أَنْفُسِهم، وأمَّا إنْ كانتِ الهجرةُ واجِبِةً عليهم، ولا يَجِدُونَ بلدًا يُؤْوِيهِم كما هو في كثيرٍ مِن المُسلِمينَ اليومَ في بلادِ الكُفْرِ؛ لا يجدُ كثيرٌ منهم بلدًا مسلِمًا يُهاجِرونَ إليه؛ وذلك للأنظِمةِ الحادتةِ التي تُؤْثِرُ الأرضَ لأهلِها، وتُقدَّمُ في البقاءِ الكافرَ مِن أهلِها، وتَمْنَعُ المسلِمَ المُهاجِرَ إلَّا في أبوابٍ ضيَّفةٍ كعملٍ وحِرْفةٍ مؤقَّتةٍ.\nفإذا انسَدَّ بابُ الهِجْرة، وأُغلِقَ بابُها دونَ مَن رَغِبَ في الهِجْرة، فليس للمُسلِمينَ تركُ نُصْرةِ أولئك المظلومينَ في بُلْدانِهم إنْ نزَلَ عليهم بَغْيٌ وظُلْمٌ وقهرٌ، بحُجَّةِ أنَّ بينَ المُسلِمينَ وبينَ دُوَلِ الكُفْرِ التي يُقِيمونَ فيها عهدًا وميثاقًا؛ فإنَّهم لو فُتِحَ بابُ الهجرةِ لهم، وامتنَعُوا كما امتَعَ كثيرٌ مِن مُسلِمي الأعرابِ ومَن كان بمَكَّةَ، لَسَقَطَ حقُّهم في النُّصْرةِ على قومٍ بينَهم وبينَ المؤمنِينَ ميثاقٌ.\nوقد رَوَى أحمدُ ومسلمٌ؛ مِن حديثِ بُرَيْدَةَ بنِ الحُصَيْبِ؛ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَو سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى الله، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: (اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِبلِ الله، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِالله، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ - أَو خِلَالٍ - فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَام، فَإِنْ أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ","vol":"3","page":1448},{"text":"مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ المُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى المُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ المُسْلِمِينَ؛ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى المُؤمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ) (١).\nوأمَّا ما وقَعَ مِن النبيِّ - ﷺ - مع مُشرِكي قريشٍ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ حينَما صالَحَهم على رَدَّ مَن أسلَمَ وهاجَرَ مِن مَكَّةَ إليهم، فلم يُؤْوِه، فضلًا عن أنْ يَنْصُرَهُ، فذلك بابٌ ضيَّقٌ مَرَدُّهُ إلى مصلحةٍ ضيَّقةٍ، لا يُدرَكُ مِثلُها إلَّا في وحيِ وبصرٍ ثاقبٍ وحالٍ مُشابِهةٍ، فقد سبَقَ ذلك أعوامٌ دُعِيَ المُسلِمونَ بمَكَّةَ إلى الهجرة، فتثاقَلُوا، ولهم مِن السبيلِ ما يَخرُجونَ إليه مِن واسعِ الأرضِ؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]، فلهم مُهَاجَرٌ إلى غيرِ المدينةِ ومَلجَأٌ إلى غيرِ النبيِّ - ﷺ -، بخلافِ مَنْ كان لحي بَلَدٍ لا مَلجَأَ له لا في أرضِ كُفْرٍ ولا في أرضِ إسلامٍ.\nوإن كان في الأمَّةِ ضِيقٌ وشِدَّةٌ، وفي الكفرِ قُوَّةٌ وبأسٌ، وكانتْ حالُ المُسلِمينَ كحالِ النبيِّ وصَحْبِه، وحالُ المُسلِمينَ المظلومينَ كحالِ الأعرابِ ومَن كان بمَكَّةَ، وفي الأرضِ سَعَةٌ وفُسْحةٌ ومَلجَأٌ، فله أنْ يَفْعَلَ كفعلِه، واللهُ أعلَمُ، وليس لسُلْطانِ المُسلِمينَ وحاكِمِهم أنْ يَمنعَ هجرةَ المُسلِمينَ مِن بلدِ الكُفْرِ إلى بُلْدانِ المُسلِمينَ، ويَضَعَ الميثاقَ مع الكافِرِينَ على عدمِ نُصْرةِ المُسلِمينَ المظلومينَ في بَلَدِهم.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٨)، ومسلم (١٧٣١).","vol":"3","page":1449},{"text":"وقولُه تعالى: ﴿عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ فيه دليلٌ على وجوبِ الوفاءِ بالعهدِ والميثاقِ وعِظَمِ منزلتِه، مع ما فيه مِن مشقَّةِ تركِ نُصْرةِ مُسلِمينَ مُقصَّرينَ؛ على ما تقدَّمَ مِن وصفٍ وحالٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1074>عهودُ النُّصْرةِ بينَ المُسلِمِينَ والكافِرِينَ:</span>\nومضامينُ العهودِ والمواثيقِ التي تكونُ بينَ المُسلِمِينَ والكافِرِينَ على نوعَيْنِ:\nالأوَّل: عهودٌ تتضمَّنُ المُماثَلةَ بالوَلَاءِ لكلِّ صديقٍ، والعَدَاءِ لكلِّ عدوًّ، فيتعاهَدُ المُسلِمونَ مع قومٍ كافِرِينَ على أنَّ عدوَّهم واحدٌ، وصديقَهم واحدٌ، ولا يُفرِّقونَ بينَ مؤمِنٍ وكافِرٍ؛ فهذا لا يجوزُ؛ لأنَّه يَجْعَلُ حقًّا قوقَ حقِّ اللهِ، ويُعقِدُ البَرَاءَ والوَلاءَ على غيرِ حقِّ اللهِ.\nالثاني: عهودٌ تتضمَّنُ المماثَلةَ بالنُّصْرةِ المشروطةِ بالعَدَاءِ لأُمَّةٍ كافرةٍ مُعادِيَةٍ، أو مشروطةٍ بصدِّ العُدْوانِ والبغيِ والظُّلْمِ الذي يَطرَأُ على واحدٍ منهما؛ فهذا لا يجوزُ إلَّا في حالِ ضَعْفِ المُسلِمينَ عن القيامِ بأنفُسِهم، وهي ضرورةٌ يُقدِّرُها العارِفونَ الأُمناءُ فيَتعاهَدونَ إلى أَمَدٍ، لا إلى أَبَدٍ؛ حتى لا يَركَنُوا إلى الكافِرِينَ فيَستحِقُّوا الوعيدَ مِن اللهِ: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾ [هود: ١١٣].\nوإذا كان الكفارُ تحتَ حُكْمِ المُسلِمِينَ، فلهم أنْ يُعاهِدُوهم على حِمَايتِهم ونُصْرةِ مظلومِهم، لا أنْ يَتساوَوْا زمنَ قُوَّتِهم وكِفايتِهم: بأنفُسِهم في المُوالاةِ على أحدٍ ولا البَرَاءِ مِن أحدٍ؛ لأنَّ هذا رُكُونٌ نهَى اللهُ عنه.","vol":"3","page":1450},{"text":"قال تعالى ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: ٧٥].\nكانتْ هذه الآيةُ ناسحةً لتوارُثِ المُسلِمينَ فيما بينَهم بغيرِ النَّسَبِ قبلَ نزولِ آياتِ المواريث، وقد كان المُسلِمونَ يَتوارَثونَ بالهِجْرةِ والحِلْف، فقد آخَى النبيُّ - ﷺ - بينَهم، فكانوا يَتوارَثونَ بالإسلامِ والهِجْرة، وكان الرجُلُ يُسلِمُ ولا يُهاجِرُ، لا يَرِثُ أخاهُ! فنُسِخَ ذلك بهذه الآيةِ وآيةِ الأحزاب، وهو قولُهُ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦]؛ فصارَ المِيراثُ لذوِي الأرحامِ.\n* * *","vol":"3","page":1451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1075>سورة التوبة</span>\nسورةُ بَراءةَ مدَنيَّةٌ، وهي كاشفةٌ لأحوالِ المُنافِقينَ الظَّاهِرةِ والباطِنة، ولم يَكُنْ في مَكَةَ قبلَ الهجرةِ نِفَاقٌ؛ فهو إمَّا كفرٌ، وإمَّا إيمانٌ؛ وذلك لِضَعْفِ المُسلِمينَ وقوَّةِ الكُفرِ؛ لأنَّ النِّفاقَ إخفاءُ الإنسانِ ما لا يًظهِرُه، ودافِعُ ذلك الخوفُ، فإذا أمِنَ المُنافِقُ مِن تَبِعَةِ قولِهِ وفِعلِه، أظهَرَه، وكلَّما كان المُسلِمونَ أَقْوى، كان النِّفاق أَخْفى؛ ولذا قال حُذَيْفةً بن اليَمَانِ: \"إِن المُنَافِقِينَ اليَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -؛ كَانُوا يَوْمَئِذٍ يُسِرُّونَ، وَاليَوْمَ يَجهَرْونَ\"، رواهْ البُخاريُّ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1076>سببُ النِّفاقِ:</span>\nوسببُ النِّفاقِ: هو حبُّ الدُّنيا؛ ولهذا لم يَكُنْ في المهاجِرينَ مُنافِقٌ؛ لأنَّهم خرَجُوا مِنَ الدُّنيا وترَكُوها، وكان النِّفاقُ في أهلِ المدينةِ؛ لأن الإسلامَ أتاهُم وهم على دُنياهم ولم يَخرُجُوا إليه كالمُهاجِرِين، فأَخرَجَتْ مكَّةَ أَصْفَى أهلِها وأزْكاهم قلوبًا؛ وهم المُهاجِرون، وكان في أهلِ المديةِ مُؤمِنون، وهم الأكثرُ، وفيهم مُنافِقون، يتَفاوَتونَ في نِفاقِهم وشَرِّهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1077>نُزُولُ بَرَاءةَ وأسماؤُها وإحكامُها:</span>\nوسورة بَرَاءةَ مِن أواخِرِ ما نزَلَ على النَّبيِّ -ﷺ -؛ قال البَرَاءُ: \"آخِرُ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٧١١٣).","vol":"3","page":1453},{"text":"سُورَةٍ نَزَلَت: بَرَاءَةً، وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] \"؛ رواهُ الشَّيْخانِ (١).\nوقد كان نزولُها متأخِّرًا، وليس جميعُها آخِرَ ما نزَلَ؛ وإنَّما بعضُ آياتِها، فقد كان نُزولُ أوَّلِها في فتحِ مَكَّةَ، وبعضُ آياتِ المائدةِ في حَجَّةِ الوَداع، وهو قولُهُ تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣].\nوقد قال عُثمانُ بن عفَّانَ: \"كَانَت بَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ القُرْآن\"؛ رواهُ أحمدُ وأهلُ السُّنَنِ (٢).\nواختَصَّتْ سورةُ براءةَ بالتمييزِ بينَ الصفوتِ وعَقدِ الوَلَاءِ لأهلِ الإيمان، والبَرَاءِ مِن أهلِ الكُفْرِ والنِّفاق، وكشَفَتْ دَخِيلَ الأفعالِ والأقوال، وعلاماتِ الدُّخَلاءِ على صفِّ المُسلِمينَ، ولهذا كان ابنُ عبَّاسِ يُسمِّيها الفاضِحةَ؛ كما رَوَى الشَّيْخان، عن سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ؛ قال: \"قلتُ لابنِ عبَّاسِ: سُورَةُ التَّوْبَةِ؟ قَالَ: التَّوْبَةُ هِيَ الفَاضِحَةُ، مَا زَالَت تَنْزِلُ: وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ، حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهَا لَنْ تُبْقِيَ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا ذُكِرَ فِيهَا\" (٣).\nوكان عمرُ بن الخَطَّابِ وحُذَيْفةُ يُسمِّيانِها سورةَ العَذَابِ؛ لِما فيها مِن تشديدٍ على أهلِ الزَّيْغ، ووعيدِ بالعَذَابِ العاجِلِ والآجِلِ لهم؛ كما رَوَى سعيدُ بن جُبَيْر، عنِ ابنِ عبَّاسِ -﵁-، قال: \"قيلَ لعُمَرَ بنِ الخطَّابِ -﵁-: سورةُ التَّوْبةِ؟ فقال: أيَّة سورةُ التَّوْبةِ؟ ! قالوا: بَراءَةُ، قال: هي إلى أن تَكُونَ سورةَ العَذَابِ أدنى مِن أنْ تَكُونَ سورةَ التَّوْبةِ؛ ما\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٦٠٥)، ومسلم (١٦١٨).\n(٢) أخرحه أحمد (١/ ٥٧)، وأبو داود (٧٨٦)، والترمذي (٣٠٨٦)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٧٩٥٣).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٨٨٢)، ومسلم (٣٠٣١).","vol":"3","page":1454},{"text":"أقلَعَت حتَّى ما كادَتْ تَترُكُ منَّا أحدًا\"؛ رواهُ المُستغفرِيُّ (١).\nوروى زِرٌّ أنَّ حُذيْفةَ؛ قال: \"تَقُولُونَ: سُورَةُ التَّوْبَة، وَهِيَ سُورَةُ الْعَذَاب، يَعْني: بَرَاءةَ\"، رواهُ ابن أبي شَيْبةَ والطَّبرانيُّ والحاكمُ (٢).\nوكان ثابتُ بن الحارثِ الأنصاريُّ يُسمِّيها المُبعثِرةَ (٣)؛ لأنَّها تُبعثِرُ أخبارَ المنافِقينَ، ورُوِيَ عنِ ابنِ عُمرَ؛ أنه كان يسمِّيها: المُقَشقِشةَ (٤)؛ أنَّها تُبرِّئُ مِن الشِّرْك، وَيُقالُ: قَشْقَشَ البَعيرُ: إذا رَمَى بِجِرَّتِه.\nوهذه السُّورة مِن أقلِّ سُوَرِ القُرآنِ الطِّوَالِ منسوخًا؛ لتأخُّرِ نزولِها، فجُلُّها مُحْكَمً، والمتأخِّرُ يَقْضي على المتقدِّم، وقد حكى بعضُهم أنَّ أعرابيًّا سَمِعَ قارئًا يَقرأُ هذه السُّورةَ، فقال الأعرابيُّ: إنِّي لَأَحْسَبُ هذه مِن آخِرِ ما نرَلَ مِن القُرَآن، قيلَ له: ومِن أينَ عَلِمْتَ؟ فقال: إنِّي لَأَسْمَعُ عُهودًا تُنْبَذ، ووَصَايا تُنَفَّذ (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1078>الحِكْمةُ مِن تأخُّرِ سُوَرِ فَضْحِ المنافِقِينَ:</span>\nوقد كان القرآنُ مِن أوَّلِ البَعثةِ بَيَّنَ حالَ الكُفرِ والكافرينَ، وفَصَّلَ وبيَّنَ وفرَّق، وحذَّرَ وتوعَّدَ وخوَّف، ولم يكُن للنِّفاقِ ذِكْرَ كذِكْرِ الكُفْرِ والشِّرْك، معَ وجودِهِ مِن أوَّلِ يومٍ في المدينةِ.\nوالسببُ في تأخُّرِ بيانِ المنافِقينَ وفَضْحِهم، وتقدُّمِ التحذيرِ مِن المشرِكينَ ودِينهم: أمورٌ؛ مِنها:\n_________\n(١) أخرحه المستغفري في \"فضائل القرآن\" (٢/ ٥٥٤).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٠٢٦٩)، والطبراني في \"الأوسط\" (١٣٣٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣٣٠).\n(٣) \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٤٤٤ - العلمية).\n(٤) \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٤٤٤).\n(٥) \"تفسير ابن عطية\" (٣/ ٣)، و\"زاد المسير في علم التفسير\" (٢/ ٢٣٠).","vol":"3","page":1455},{"text":"أوَّلًا: أنَّ النِّفاقَ بلاءٌ وعدوٌّ في داخلِ المُسلِمينَ، وقوَّةُ العدوِّ الداخليِّ بقوةِ العدوِّ الخارجيّ، فإذا قَوِيَ الكفرُ، قويَ النِّفاقُ، فأرادَ النبيُّ - ﷺ - كَسْرَ شوكةِ المنافِقِينَ بكَسْرِ شَوْكةِ مَن يَستَقْوُونَ به، وهذا إضعافٌ لهم بطريقِ اللزوم، وعادةُ المنافقينَ في كلِّ أمَّةِ: أنَّهم يُحِبُّودَ قوَّةَ كلِّ عدوِّ للمُسلِمينَ، ولا يَنظُرونَ إلى دِيِنِه؛ فحُبُّهم ليس لِذاتِه؛ وإنَّما لأنَّه عدوٌّ لعدوِّهم، فيَستنصِرونَ به وَيعتمِدونَ عيه، وسمعُهم وبصرُهم إليه.\nثانيًا: أنَّ النِّفاقَ باطنٌ مستتِرٌ، وأهلَهُ يتخفَّوْنَ به، وقد قَدِمَ النَّبيِّ -ﷺ - المدينةَ وهو غريبٌ على أكثرِ أهلِها، ولمَّا يتمكَّنوا من معرِفةِ دِينِه، ولَمَّا يَرسَخِ الإيمانُ في قلوبِ كثيرٍ منهم، والنِّفاقً لا يُعرَفُ حتَّى يُعرَفَ الإيمان، فلو نزَلَتْ عليه آياتُ النِّفاقِ أوَّلَ مَقدَمِه، لكان في ذلك مَدخَلٌ لِمَرْضى القلوبِ لتُهَمَتِه بتفريقِ صفِّهم وقد كانوا يَرجُونَ جمعًا ونصرًا وعِزَّةً.\nثالثًا: أنَّ النِّفاقَ له قرائنُ خفيَّةَ وقرائنُ قوَيَّةٌ، ولم يَكنِ النفاقُ في أولِ مَقْدَمِهِ قد اكتمَلَتْ قرائنُ ظهورِه، وما كلُّ أحدِ يُبصِرُ ما خَفِيَ وبطَنَ مِن صفاتِهم؛ فمِثْلُها لا يُدرَكُ إلَّا بتتبُّعٍ طويلٍ للأحوال، فلمَّا اكتمَلَتْ قرائنُه، وأطَلَّ بقرونِه، وبدَتْ علاماتُه جليَّة، نزَل القرآن ببيانِ أوصافِ أهلِهِ وأفعالِهم وأقوالِهم وتعابيرِ وجوهِهم؛ حتَّى يراهُم كل أحدٍ، ولا يشُكَّ فيهم صاحبُ بصيرةٍ ونظرٍ.\nومِن هذا يُعلَمُ أنه لا ينبَغي للمُصلِحينَ الاشتغالُ بدقائقِ النفاقِ في بلدٍ حديثِ عهدٍ بإسلامٍ واتِّباعٍ؛ لأنَّ مِثْلَهم لا يُدرِكُ ذلك، أو تَبدو منه أفعالُ النفاقِ بجهلِ وَيرتفِعُ بعِلْم، أو بهوًى عارض لا متمكِّنٍ؛ فإن الاشتغالَ بها قد يمكِّنُها في أقوامِ عنادًا، ولم تَكُنْ متمكِّنةً مِن قبلُ.\nرابعًا: أنَّ الاشتغالَ بدفعِ الشرِّ الظاهرِ أَولى مِن دفعِ الشرِّ الباطن،","vol":"3","page":1456},{"text":"مع عدمِ الغفلةِ عمَّا بَطَنَ مِن الشرورِ؛ حتَّى لا يُؤتى المُسلِمونَ على عِزَّةٍ، ودفعُ الشرِّ الظاهرِ كافٍ في إضعافِ النقاقِ بطريقِ اللزومِ.\nوأمَّا تركُ دفعِ الشَّرَّيْنِ جميعًا، فليس ذلك مِن السياسة، بل مِن تعطيلِ الحقِّ والتمكينِ للباطلِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾ [التوبة: ١ - ٤].\nأمَرَ النبيُّ - ﷺ - أصحابَهُ بالجَهْرِ بهذه الآياتِ قبلَ حَجَّتِهِ بعامٍ في مَوْسِم الحجِّ، فَيْصَلًا بينَ المؤمِنينَ والكافِرِينَ في كل مَوْسِمِ قابِل، فكان أبو بكرٍ وعلي وأبو هُرَيْرةَ وغيرهم يَطوفُونَ على الناسِ في الحج فيَتلونَ عليهم هذه الآياتِ؛ ففي \"الصحيحَينِ\"، عن أبي هُرَيرةَ؛ أن أبَا بَكرٍ - ﵁ - بَعَثَهُ في الحَجةِ الَّتِي أمرَهُ رسُولُ اللهِ - ﷺ - علَيهَا قَبْلَ حجَّةِ الوَدَاع، فِي رهْطِ يُؤذِّنُونَ فِي النَّاسِ: أَلا يَحُجَّن بَعْدَ العَامِ مُشرِك، وَلَا يَطوفَ بِالْبَيتِ عُرْيَان (١).\nوكان أبو هريرةَ يَقولُ: \"فَأذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النحرِ بِبَرَاءَةَ\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٦٥٧)، ومسلم (١٣٤٧).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٦٥٦).","vol":"3","page":1457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1079>أحوالُ المشرِكِينَ قبلَ نُزُولِ بَرَاءةَ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1080>وقد كان المشرِكونَ مع النبيِّ - ﷺ - على ثلاثِ فئاتٍ:</span>\nالفئة الأُولى: فئة مُحارِبة مُفاصِلةٌ في أصلِها، ليس لها عَهْدٌ قائمٌ ولا عهدٌ منقوضٌ، وإنَّما مُحارِبة بنَفْسِها أو مُعِينةٌ لعدوِّ المُسلِمينَ عليهم، فهذه جعَلَ النبيُّ - ﷺ - عهدَها أربعةَ أشهُرِ أَجَلًا تتدبَّرُ فيه أمْرَها، فتَتَّبِعُ الحقَّ؛ وإلا اتَّبَعَها المُسلِمونَ بالقتالِ.\nوالفئةُ الثانيةُ: فئة ليس بينَها وبينَ النبيِّ -ﷺ - شيءٌ؛ لا عهدٌ ولا نقضٌ، ولا قتلُ ولا سلْمٌ، تارِكةَ ومَتروكةٌ، وإنَّما جاءَها البلاغُ فأعرَضَت؛ فهؤلاءِ جعَلَ لهم الأجَلَ خَمْسِينَ يومًا؛ كما قال ابنُ عبَّاسِ: \"حَدَّ اللهُ لِمَنْ ليس له عهدٌ انسِلاخَ الأشهُرِ الحُرُمِ مِن يومِ النَّحْرِ إلى انسلاخِ المُحَرَّمِ خَمْسِينَ ليلةً\"؛ رواهُ ابنُ جَريرِ والطَّحاويُّ (١).\nوذلك عِشرونَ مِن ذي الحِجَّة، وهو يومُ الَبَرَاءَة، وشهرُ المُحرَّمِ كاملًا، وهو انسلاخُ الأشْهُرِ الحرُمِ؛ وهذا لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥].\nوالفة الثالثةُ: فئةٌ مُوادِعةٌ مُهادِنةٌ؛ وهم طائفتانِ:\nطائفةٌ: نقَضَتْ عَهْدَها؛ كقُرَيشٍ، وبَنِي بَكْرٍ.\nوطائفةٌ: بَقِيَتْ على عَهْدِها وحَفِظَتْةُ مستقيمًا، ولم تَنقُضْهُ؛ كخُزَاعةَ ومُدْلِجِ وبني ضَمْرَةَ.\nفجعَلَ اللهُ للناقِضينَ للعهدِ والميثاقِ حُكْمًا، وهو الإمهالُ أربعةَ أشهُرٍ يتَدبرونَ أمْرَهم ويراجِعونَ أنفُسَهم ليَتوبُوا؛ وإلَّا فالقِتالُ لهم.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (١١/ ٣٠٦)، والطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" (١٢/ ٣٨٨).","vol":"3","page":1458},{"text":"وأمَّا الطائفةُ التي حَفِظَتْ عَهْدَها، فإن كان عَهْدُها يَنتهي بانتهاءِ الأشهُرِ الحُرُمِ أو دُونَه، فمُدَّتُها تمامُ الأشهُرِ الحُرُم، يُزادُ المدَّةُ القاصرةُ؛ كما قال ابن عبَّاسٍ، وتَبقى المدَّةُ المنسلِخةُ بانِسلاخِ الأشهُرِ الحُرُمِ.\nوأمَّا مَن حَفِظَت عَهْدَها، ومُدَّتُهً محدودةٌ، لكنَّها فوقَ الأربعةِ الأشهُرِ ويُجاوِزُ الأشهُرَ الحرُمَ، ففيه قولانِ للعلماءِ:\nقيل: إنَّ عهدَهُمْ يُمْضى إلى مُدَّتِهم مطلَقًا ولو كان فوقَ الأربعةِ الأشهُرِ؛ وذلك لعمومِ قوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾.\nوقيل: يُمضى لهم ما لم يَزِدْ على الأربعة الأشهُر، فإنْ زادَ، قُصِرَ ليكونَ أربعةَ أشهُرِ؛ لظاهرِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾، وصحَّ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ.\nوفي قولِه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ دليلٌ على أنَّ عهدَ الإمامِ عهدٌ لِرَعِيَّتِه، ففد كان المُعاهِدُ رسولَ اللهِ - ﷺ -، فجعَلَهُ اللهً عهدًا للمُسلِمينَ كافَّةً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1081>العهدُ المُطلَقُ بينَ المُسلِمِينَ والمُشرِكِينَ:</span>\nومَن كان له عهدٌ وأمانٌ مُطلَقٌ لم يُقيَّدْ بمُدَّة، فإنَّه يُحَدُّ بأربعةِ أشهُرٍ، وفي هذا دليلٌ على جوازِ مُعاهَدةِ فِئَةِ معيَّنةٍ مِن الكفَّارِ - لا جَمِيعِهم - بعهدٍ مُطلَقِ غير مقيَّد، عندَ قيامِ الحاجةِ والضرورةِ إلى ذلك، وعندَ قوَّةِ المُسلِمينَ وتمكُّنِهم؛ فإنَّهم يجبُ عليهم جعلُ العهدِ المطلَقِ مقيَّدًا إلى مدَّةٍ معلومةٍ، ولا يجوزُ لهم نقضُ العهدِ ومبادَرَةُ الكافرينَ بالقتالِ؛ فإنَّ ذلك غَدْرٌ لا يَحِلُّ، وإذا أرادُوا نَقْضَ العهدِ المطلَق، فيجبُ عليهم تقييدُهُ بزمنٍ يتمكَّنُ فيه الكافرونَ مِن معرِفتِه، وتدبُّرِ أمرِهم للدخولِ في الإسلامِ أو رفضِه.","vol":"3","page":1459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1082>زَمَنُ النِّداءِ ببَرَاءةَ في المَوْسِمِ:</span>\nنزلَت اَيآتُ براءةَ على النبيِّ - ﷺ -، ثم بعَث أصحابَة إلى الحجِّ: أبا بكرِ وعليًّا وأبا هُرَيْرةَ وغيرَهم؛ وذلك قبلَ حَجَّةِ الوداعِ بعام، وأَمَرَهم أن يُنادُوا في الناسِ بالبَرَاءةِ بتلاوةِ آياتِها مِن أوَّلِ السُّورة، على خلافٍ عندَ العلماءِ في عددِ الآياتِ المتلوَّةِ منها؛ فرَوَى عبدُ اللهِ بن أحمدَ؛ مِن حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبِ؛ أنَّها عَشرُ آياتٍ (١)، وروى محمدُ بن كَعْبٍ القُرَظيُّ مرسَلًا؛ أنَّها ثلاثونَ أوأربعونَ آيةً (٢)، وروى ابنُ جريرٍ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ أنَّها أربعونَ آيةً (٣).\nولَمَّا كان نزولُ براءةَ سابقًا للنِّداءِ بها بزَمنٍ أَقَلُّهُ مَسِيرُ الصحابةِ مِن المدينةِ إلى مَكَّةَ، وقَعَ خِلافٌ عندَ السلفِ في بَدْءِ المُدَّةِ التي جعَلَها اللهُ أجَلًا للمشركينَ، وهي الأربعةُ الأشهُرِ: هل كانَتْ مِن ابتداءِ نزولها على النبيِّ - ﷺ -، أو كانَتْ مِن وقتِ النِّداءِ بها؟ وفي المسألةِ خلافٌ كثيرٌ؛ للاختلافِ في يومِ النِّداءِ بها، وفي المرادِ بالأشهُرِ الحُرُم، وقد اختَلَفَ السَّلفُ في مدَّةِ الإمهالِ على أقوالٍ:\nفقيل: كان بَدْءُ النداءِ بها في يومِ النَّحْر، وتَنتهي بتَمَامِ شهرِ اللهِ المحرَّم، وتمامُ ذلك خمسونَ ليلةً؛ رواهُ عليُّ بن أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ (٤).\nوظاهرُ قولِ ابنِ عبَّاسِ: أنه اعَتَدَّ بما قبلَ النِّداءِ مِن زمنِ الإمهالِ الفائتِ؛ وذلك أنه لو تعلَّقَتْ كلُّ أمَّةٍ ببَدْءِ بلاغِها، لَمَا كان لذلك ضابطٌ عندَ المُسلِمينَ؛ لاختلافِ زَمَنِ بلوغِ العهدِ الجديدِ وتفاوُتِ المشرِكِينَ فيه، ويكونُ المنتهَى مجهولًا؛ لاختلافِ العِلْمِ بيومِ المبتدَى، فجُعِلَ\n_________\n(١) \"زوائد المسند\" (١/ ١٥١).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٣٠٩).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٣٢١).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٣٠٦).","vol":"3","page":1460},{"text":"المُبتدَى معلومًا والمنتهَى مثَلَهُ للجميع، ومَن فاتَهُ العِلْمُ بأوَّلِه يَكْفِيهِ ما تَبَقَّى مِن آخِرِه؛ لأنَّ الأشهُرَ الأربعةَ لم تكُنْ مقصودةً لِذَاتِها وتمامِها؛ وإنَّما المرادُ أنْ يكونَ هناك فترةُ إمهالٍ يَشترِكُ فيها الجميعُ.\nوصحَّ عن ابنِ شهاب الزُّهْريِّ؛ أنَّ البدءَ مِن شوَّال، والمنتهَي إلى تمامِ شهرِ اللهِ المحرَّم، واستغرَبَ ابنُ كَثِيرٍ هذا القولَ (١)؛ لأنَّهم لا يُحاسَبونَ بمُدَّةِ لا يَعلَمونَ بها، ولمِ يَبلُغهُمْ حُكْمُها، ولو كانتِ الأيامُ معتبَرةً بتمامِها، فإنَّ الذي يُجزَمُ به أنَّ جميعَ العرَبِ لم يَسمَعوا البَرَاءةَ في يومِ واحدٍ، فقد قَدِمَ أبو بكرٍ وعليٌّ وأبو هريرةَ المَوْسِمَ وبَدَؤُوا النداءَ، ومِن العربِ مَن لم يَصِلْهُ البلاغُ أوَّلَ يومٍ، ومِنهم مَن لم يَصِلِ المَوْسِمَ بعدُ، ولو كان العِلْمُ التامُّ بالأشهُرِ معتبَرًا، لكاد لكلِّ واحدٍ منهم أجَلٌ يَبدَأُ مِن يوم عِلْمِه.\nوكأنَّ المقصودَ بالآياتِ التأكيدُ على المنتهَى أكثَرَ مِن العِلْمِ بالمبتَدَأِ؛ وذلك في قولِهِ ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، وهذا ما بلَغَ الجميعَ.\nوقد يَجعَلُ اللهُ أجَلًا لا يتَعلَّقُ الحُكْمُ بمجرَّدِ العِلْمِ به، كأَجَلِ المتوفَّى عنها زوجُها؛ يَبدَأ مِن بومِ الوفاة، لا مِن يوم العِلْم، ولكنَّ اللهَ أمَرَ بالجهرِ بالعهدِ والبَرَاءةِ في المَوْسِمِ؛ لأنَّ الأمرَ أَعظَمُ، وهو يتعلَّقُ بعهودٍ ومواثيقَ واستباحةِ دماءٍ، فكان لا بُدَّ مِن العِلْمِ ولو ذهَبَ مِن المُدَّةِ زمن لا يُخِلُّ بأصلِ الإمهالِ والإنظار، وبلوغِ المأمَن، وتدبُّرِ الأمر، واللهُ أعلَمُ.\nوقبلْ إنَّها تبتدِئُ بن عَشْرِ ذي الحِجَّة، وتنتهي بعَشْرٍ مِن ربيعٍ الآخِرِ؛ وصحَّ هذا عن مجاهِدٍ وقتادةَ، وبه قال السُّدِّيُّ والضَّحَّاكُ\n_________\n(١) \"تفسير ابن كثير\" (٤/ ١٠٣).","vol":"3","page":1461},{"text":"ومحمدُ بن كعبٍ القُرَظيُّ (١).\nوهذا القولُ اعتبرَ الأشهُرَ الأربعةَ مِن تاريخِ البلاغِ والنداءِ بالبراءةِ.\nوقيل: تبتدِئُ مِن عشرِ ذي القَعْدَةِ وتنتهي بمحرَّمٍ؛ وبه قال الضَّحَّاكُ في روايةٍ أخرى عنه (٢).\nوقيل: هي الأشهُرُ الحرُمُ الثلاثةُ السَّرْدُ، وهي ذو القَعْدةِ وذو الحِجَّةِ والمحرَّمُ، ومَعَها الفرْدُ، وهو رجَبٌ؛ رواهُ جعفرُ بن محمدٍ عن أبيه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1083>معنى الحجِّ الأكبرِ:</span>\nقال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾.\nاختُلِفَ في يومِ الحجِّ الأكبرِ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾: فذهَبَ عليٌّ (٤)، وابنُ عمرَ (٥)، وابنُ أبي أَوْفى (٦)، وحُمَيْدٌ (٧): إلى أنه يومُ النَّحْر، وقال مالكٌ: لا نَشُكُّ بذلك (٨).\nوأصَحُّ ما ورَد في ذلك عن الصحابةِ: ما ورَدَ عن ابنِ عُمرَ؛ رواهُ البًخَاريُّ (٩)، وعن عليٍّ مِن وجوهِ فيها لينٌ، لكنَّها تتَعَاضَدُ.\nوقال قومٌ: إنَّه يومُ عرَفةَ؛ وهو قولُ عطاءٍ (١٠)، ومجاهدٍ (١١)، وطاوسٍ (١٢)، وقال به الشافعيُّ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٣٠٨ - ٣١٠).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٧٥٢).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٧٥٢).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٣٢٥).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٣٣٣).\n(٦) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٣٢٥).\n(٧) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٣٣١)، وأخرجه البخاري (٤٦٥٧)، ومسلم (١٣٤٧).\n(٨) \"إحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٤٥٢).\n(٩) أخرجه البخاري (١٧٤٢).\n(١٠) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٣٢٢).\n(١١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٣٢٤).\n(١٢) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٣٢٤).","vol":"3","page":1462},{"text":"وصحَّ عن أبي إسحاقَ: سَألْتُ أبا جُحَيْفةَ عن يومِ الحجِّ الأكبرِ؟ قال: يومُ عرَفةَ، فقلتُ: أمِن عِندِك أم مِن أصحابِ محمدٍ - ﷺ -؟ قال: كلُّ ذلك (١).\nورُوِيَ عن عمرَ وابنِ عمرَ، وفيه جَهَالةٌ.\nوعن ابنِ عبَّاس قولان.\nوذهَبَ بعضهم: إلى أن يومَ الحجِّ الأكبرِ هي أيامُ الحَجِّ كاملةً؛ وبه قال مجاهدٌ (٢)، وابنُ عيَيْنةَ (٣)؛ وذلك أنَّ العرَبَ تسمِّي الأيامَ المُشترَكةَ بحُكمٍ وعِلَّةِ واحدةٍ بيومِ كذا؛ كقَوْلِهم: يومُ الجَمَل، ويومُ صِفِّينَ، وهي أيَّامٌ لا يومٌ.\nقال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾:\nوفي الآيةِ بيانٌ لحالِ أصحابِ العهودِ المُطلَقةِ أنه تمَّ تقييدُها بأربعةِ أشهُرِ؛ على ما تقدَّمَ بيانُه.\nومَن نقَضَ عهدَهُ في أثناءِ الأشهُرِ الأربحةِ فيُقاتَلُ؛ وهذا في دليلِ الخطاب مِن قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾، وفي صريحِ الخِطابِ مِن قولِهِ بعدَ ذلك: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢].\nوفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾ دليلٌ على أنَّ العهدَ المنقوصَ كالعهدِ المنقوض، فمَن نقَصَ مِن العهدِ شرطًا، فكأنَّما نقَضَهُ كلَّه.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٣٢٢).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٣٣٥).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٣٣٦).","vol":"3","page":1463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1084>أنواعُ نقضِ العهودِ:</span>\nوفي الآيةِ دليل على أنَّ نقَضَ العهدِ على نوعَيْنِ:\nالنَّوعُ الأولُ: نقضٌ مباشرٌ، وهو أنْ يَتِمَّ نقضُهُ مِن العدوِّ بنفسِه في حقِّ المُسلِمينَ أنفُسِهم بلا وسيط، كأنْ يُقاتِلَ المسلِمينَ بنفسِه، أو يُعلِنَ إبطالَهُ أو إبطالَ شرطٍ مِن شُروطِهِ؛ وهذا ظاهرٌ في قوله تعالى ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾.\nالنوعُ الثاني: نقضٌ بواسطةٍ، وهو غيرُ المباشِرِ؛ وهذا ظاهرٌ في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾؛ وهو على صورَتَيْنِ:\nالأولى: أن يقومَ العدوُّ بإعانةِ عدوِّ آخَرَ للمُسلِمينَ، فيُريدُ الإضرارَ بالمُسلِمينَ بوجهِ غيرِهِ وقُوَّتِه.\nالثانيةُ: أن يقومَ العدوُّ بإعانةِ عدوِّ آخَرَ للمُسلِمينَ، ويقومَ هذا العدؤ الآخَرُ بمُعاداةِ حليفٍ للمُسلِمينَ لا المُسلِمينَ أنفُسِهم، كما فعَلَتْ قريشٌ حينَما وقعَتْ حربٌ بينَ بني خُزَاعةَ، وهم حُلَفاءُ النبيِّ -ﷺ -، وبينَ بني بكرٍ، وهم حُلَفاء قُرَيْشٍ، فقامَت قريشٌ بإعانةِ بني بكرٍ على خُزَاعةَ، وقتَلُوا رجلًا منهم، فجاءَت خُزَاعة إلى النبيِّ - ﷺ -، فانتصَر لهم؛ كما رَوَى ابنُ إسحاقَ؛ قال: كان بينَ بني بكْرٍ وخُزَاعةَ حروبٌ وقَتْلى في الجاهليَّة، فتَشَاغَلُوا عن ذلك لَمَّا ظهَرَ الإسلامُ، فلمَّا كانتِ الهُدْنةُ، خرَجَ نَوْفَلُ بن مُعاويةَ الدِّيلِيُّ مِن بني بكرٍ في بني الدِّيلِ حتَّى بَيَّتَ خُزَاعةَ على ماءِ لهم يُقالُ له: الوَتِيرُ، فأصابَ منهم رجلًا يُقالُ له: مُنَبِّهٌ، واستَيقَظَت لهم خُزاعةُ، فاقتَتَلُوا إلى أن دخَلُوا الحَرَمَ ولم يَترُكوا القتالَ، وأمَدَّت قريشٌ بي بَكرٍ بالسِّلَاحِ وقاتَلَ بعضُهُمْ معَهُمْ ليلًا في حُفيَةٍ، فلمَّا انقَضَتِ الحربُ، خرَجَ عمرُو بن سالمٍ الخُزَاعيُّ حتَّى قَدِمَ على رسولِ اللهِ - ﷺ - وهو جالسٌ في المسجد، فقال:","vol":"3","page":1464},{"text":"يَا رَبِّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدَا ... حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الأَتْلَدَا\nقَدْ كنْتُمُ وُلْدًا وَكُنَّا وَالِدَا ... ثُمَّتَ أسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزعْ يَدَا\nفَانْصُرْ هَدَاكَ اللهُ نَصْرًا أَيِّدَا ... وَادْعُ عبَادَ اللهِ يَأْتُوا مَدَدَا\nفِيهِمْ رَسُول اللهِ قَدْ تَجَرَّدَا ... إِنْ سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا\nفِي فَيلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدَا ... إِنْ قُرَيْشًا أخْلَفُوكَ المَوْعِدَا\nوَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ المُؤَكَّدَا ... وَجَعَلُوا لِي فِي كَدَاءٍ رُصَّدَا\nوَزَعَمُوا أنْ لَسْتَ تَدْعُو أَحَدَا ... وَهُمْ أذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا\nهُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَثِيرِ هُجَّدَا ... فَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدَا\nقال ابن إسحاقَ: فقال له رسولُ اللهِ - ﷺ -: (نًصِرْتَ يَا عَمْرَو بْنَ سَالِم)، فكان ذلك ما هاجَ فَتحَ مَكَّةَ (١).\nوقد أسنَد الرِّوايةَ البيهقيُّ (٢)، وأبو نُعَيْمٍ في \"معرفةِ الصحابةِ\" (٣)، والبَزَّارُ في \"مُسنَدِه\" (٤)، والطَّبرانيُّ (٥)، وهي جيِّدةٌ، ورواهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ (٦)، والطحاويُّ (٧)؛ مِن وجوهٍ مُرسَلةٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1085>القُوَّةُ والظُّهورُ وأثَرُها على مَوَاثِيقِ الحربِ:</span>\nوفي قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾، وقوله: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾: ظهورًا لقُوَّةِ والوعبدِ الدالٌّ على السُّلْطانِ والقوةِ التي كان\n_________\n(١) \"سيره ابن هشام\" (٢/ ٣٩٠ - ٣٩٥).\n(٢) \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٩/ ٢٣٣)، و\"دلائل النبوة\" (٥/ ٦).\n(٣) \"معرفة الصحابة\" لأيى نعيم (٤/ ٢٠١٢).\n(٤) \"مسند البزار\" (البحر الزخار) (٨٠١٣).\n(٥) \"المعجم الكبير\" (١٠٥٢)، و\"المعجم الصغير\" (٩٦٨).\n(٦) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٣٦٩٠٠) و(٣٦٩٠٢).\n(٧) \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٢٩١، و٣١٥).","vol":"3","page":1465},{"text":"عليها النبيِّ -ﷺ -، ولم يَضرِب اللهُ الأَجَلَ للنبيِّ - ﷺ - مع الكفارِ إلَّا لَمَّا ظهَرَت قوَّتُه، وكان في هذا الأجَلِ العامِّ إظهارٌ للكافرينَ أنه قادرٌ عليهم بعَوْنِ اللهِ ونَصْرِه.\nوفي هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ المُعاداةَ الكاملَةَ لأُمَمِ الكُفْرِ لا تكونُ إلَّا في زمَن القُوَّةِ والظهورِ والتمكُّن، وقد كان النبيِّ -ﷺ - قبلَ ذلك يُهادِنُ قومًا، ويُقاتِلُ آخَرينَ، بحسَبِ قُدْرَتهِ وتمكينِة، فلمَّا قدَرَ على الجميع، قاتَلَ الجميع، ومُعاداةُ جميعِ الكُفَّارِ زمَنَ الضعفِ هلَكةٌ، ولم يَفعَلْها النَّبيِّ -ﷺ - إلَّا زمَنَ ظهورِه.\nوفي هذه الآيةِ: ما يدلُّ على ما تقدّمَ تقريرُهُ في سورةِ الأنفالِ وغيرِها؛ أنه يجوزُ للإمامِ أن يكتُبَ عهدًا وميثاقًا سلميًّا عامًّا مقيَّدًا بزمَنٍ للأمَمِ كلِّها، ولا يكونُ مطلَقًا؛ حتَّى لا يتعطَّلَ به الجهادُ، وذلك المقدارُ بحَسَبِ ما يَرَاهُ المُسلِمونَ مُناسبًا لقوَّتِهم في مُقابِلِ قوَّةِ عدوِّهم.\nوفي الآياتِ: رحمةُ اللهِ ونبيِّه بالناسِ؛ فلم يأمُرِ النبيُّ - ﷺ - أصحابَهُ بقتلِ الكافرينَ فَوْرَ القُدْرةِ عليهم؛ وإنَّما كان إمهالُهُمْ لِيَتحقَّقَ بذلك الإعذارُ وقيامُ الحُجَّة، وإنْ دخَلُوا الإسلامَ، فيَدخُلُونَهُ عن يقينِ وبصيرةٍ، لا عن خوفٍ مجرَّدِ فيُنافِقونَ ويتَربَّصونَ بالمُسلِمينَ الدوائرَ ويكيدونَ بهم، ويَرتَدُّونَ عندَ القُدْرةِ على الرِّدَّة، فيعُظمُ شرُّهم، وتستطيرُ فتْنَتُهم.\nوقد تقدَّمَ الكلامُ على الوفاءِ بالعهودِ وأنواعِها وشروطِها ونَقْضِها في مَواضعَ مفرَّقةِ؛ منها عندَ قولهِ تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ١٠٠]، وقولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، وقولهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١]، وقولِهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ","vol":"3","page":1466},{"text":"عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٥٦]، وقولِهِ تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٢].\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة: ٥].\nاختُلِفَ في المُرادِ بالأشهُرِ الحُرُمِ في هذه الآيةِ: هل هي التي حَرُمَ فيها القتالُ؛ ذو القَعْدةِ وذو الحِجَّةِ والمحرَّمُ ورجَبٌ، أو هي الأشهُرُ الأربعةُ التي جعَلَها اللهُ أجَلًا للمشرِكِينَ كافَّةَ يُراجِعونَ أنفُسَهُمْ فيها، وهي أسْهُرُ التَّسْييرِ؟ !\nاختَلَفَ الناسُ في ذلك على قولَيْنِ:\nالقولُ الأول: أنَّها الأشهُرُ الحرُمُ التي كان القِتالُ فيها محرَّمًا، وهي المقصودةُ بقولِهِ تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] وبهذا القولِ قال ابنُ عبَّاسٍ؛ رواهُ عنه علي بن أبي طَلْحةَ، وقال به الضحَّاكُ، ورجَّحَهُ ابنُ جَريرِ (١).\nالقولُ الثَّاني: أنَّها الأشهُرُ الأربعةُ المقدَّرةُ للمُشرِكينَ يومَ الحجِّ الأكبرِ خاصَّةً، وهي أشهُرُ التَّسْيِيرِ والسَّيْحِ في الأرض، فسُمِّيَت حُرُمًا؛ لأنَّ اللهَ حرمَ فيها قِتالَ أحَدٍ في تلك المُهْلَةِ خاصَّةً، وبه قال مجاهدٌ ومحمدُ بن إسحاقَ وقتادةُ وعبدُ الرحمنِ بن زيدٍ وغيرُهم (٢).\n_________\n(١) \"تفسير ابن كثير\" (٤/ ١١٠).\n(٢) \"تفسير ابن كثير\" (٤/ ١١١).","vol":"3","page":1467},{"text":"وقولُه تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾، فيه الأمرُ بعدَمِ الاكتفاءِ بقتالِ المشرِكينَ المُحارِبينَ عندَ لقائِهم، واعتراضِهِمُ الطَّرِيقَ: ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾؛ وإنَّما أمَرَ بالبحثِ عنهم وتَتبُّعِهِمْ في أماكنِ وجودِهم ولو كانوا مُستتِرينَ متخفِّينَ: ﴿وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾.\nوقد جعَل الضَّحَّاكُ هذه الآيةَ ناسِخةً ومنسوخةً؛ جعَلَها ناسخةً لكلِّ آيةٍ فيها ميثاقٌ مِن النبيِّ - ﷺ - معَ أحدٍ مِن المُشرِكينَ (١)، ثم جعَلَها منسوخةً بقولِهِ تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] (٢).\nومِنهم: مَن قال بعَكْسِ ذلك؛ فجعَلَ هذه الآيةَ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ناسخة لقولِهِ: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤]؛ قالَة قتادةُ (٣).\nوفي إطلاقِ النَّسْخِ نظَرٌ، فالعمَلُ بالآياتِ مُحْكَمٌ، وكلُّ موضعٍ في سياقِهِ وحالِه.\nوفي قولِهِ تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وفي الآيةِ التي تَلِيِها بآياتٍ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]: دليلٌ على أنَّ الإيمانَ قَوْلٌ وعَمَلٌ واعتقادٌ، فلم يَعْتَبِرِ اللهُ تَوْبَتَهُمْ مقبولةً حتَّى يَستسلِموا ظاهرًا بعمَل، وهذا الذي عليه إجماعُ الصَّحابةِ والتَّابعينَ، وقد بيَّنَّا هذه المسألةَ في \"العقيدةِ الخُرَاسانيَّةِ\".\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٧٥٢).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٣٤٨٩).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٣٤٩).","vol":"3","page":1468},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦].\nفي هذه الآيةِ: بيانٌ لِمَقصَدِ الإسلامِ الأعظَمِ، وهو هِدَايةُ الكافرِ ودَلَالتُهُ وإرشادُهُ، وليس أَسْرَهُ وغُنْمَ مالِه، فيَجبُ على المُسلِمينَ إبلاغُ الحقّ، ومَن جاءَ طالبًا للحقِّ مُحِبًّا للسَّمَاعِ له؛ ليَفْهَمَهُ ويَتأمَّلَهُ، فإنَّه يُسمَعُ كلامَ اللهِ ويُبيَّنُ له، ولا يُضرَبُ ولا يُحبَسُ ولا يُؤسَر، فإنْ قَبِلَ واقتنَعَ وتَشهَّدَ واستسلَمَ لله، فهو مُسلِمٌ، وإن لم يَقْبَلْ فيُترَكُ حتَّى يَبْلُغَ مَأمَنَهُ ثم يُقاتَلُ؛ وذلك أنْ يُقالَ له: بَيْننَا وبينَكَ يومُ وليلةٌ، أو شهرٌ أو شَهْرانِ أو عامٌ، فلا يُؤخَذُ وقد جاءَ يُرِيدُ سَمَاعَ كلامِ اللهِ.\nوإذا جاءَ الكافرُ المحارِبُ بنفسِهِ قبلَ أنْ يُقْدَرَ عليه وطلَبَ سَمَاعَ كلامِ الله، فيَجِبُ إسماعُهُ وتَحرُمُ أذيَّتُه، ولو كان قد أصابَ مِن قبلُ دِماءً ومالًا من المسلِمينَ؛ لأنَّه جاءَ طالبًا للحقِّ، وإذا سَمِعَ لا يُكْرَهُ على الإسلامِ مِن لَحْظَتِه، فإنْ أسلَمَ منها، وإلَّا فيُمْهَلُ حتَّى مَأْمَنِهِ ثم يُقاتَلُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1086>الفَرْقُ بينَ الأَسِيرِ والمُستجِيرِ:</span>\nوالشريعةُ تفرِّقُ بينَ مَن أمَسكَ به المُسلِمونَ مِن المُحارِبينَ، أو سلَّمَ نفسَهُ بعدَ حِصَارٍ، أو ضَلَّ الطريقَ فدخَلَ إلى المُسلِمينَ خطَأً؛ فذلك هو الأسيرُ، وأمَّا مَن جاءَ مِن المُحارِبينَ مِن تِلْقاءِ نفسِه، ولم يُقدَرْ عليه مِن قَبْل، طالبًا سماعَ كلامِ اللْهِ ليَتأمَّلَهُ؛ فهذا مستجيرٌ، وهو المقصودُ في الآيةِ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾.\nوهذه الآيةُ في حُكْمِ المستجيرِ مُحْكَمةٌ في قولِ أكثرِ السَّلفِ؛","vol":"3","page":1469},{"text":"كمجاهِدٍ (١) والحسَنِ (٢)، ومنهم: مَن جعَلَها خاصَّة بتلك الأربعةِ الأشهًرِ التي جعَلَها اللهْ أجَلًا للمُشرِكينَ، وهي أشهُرُ التَّسْيِيرِ ولا يأخُذُ حُكْمَها غيرُها (٣)، ومنهم: مَن قال: إنَّها منسوخةٌ بقولِه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]؛ وهو قولُ الضحَّاكِ والسُّدِّيِّ (٤).\nوالأظهَرُ: أنَّها مُحْكَمةٌ؛ فإنَّ الإجارةَ مِن أحكامِ الشريعةِ المُحْكَمة، والقولُ بنَسْخِ هذه الآيةِ معَ ثبوتِ الحُكْمِ في الدِّينِ فيه نظَرٌ.\nويجبُ تعليمُ المستجيرِ الدِّينَ، ويُفهمُ إيَّاة يرِفْقِ ولِينٍ؛ فإنَّ اللهَ ما أرسَلَ أنبياءَهُ إلَّا بذلك، فإنَّما هم رَحْمة لأمَمِهم، والنبيُّ - ﷺ - رحمةٌ للعالَمِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1087>مَن يَملِكُ حقَّ إجارةِ الكافرِ:</span>\nوالإمامُ وكلُّ أحدٍ مِن المُسلِمينَ له أنْ يُجِيرَ مَن شاءَ؛ رجُلًا أو امرأةً، وتَجْري إجارتُهُ على الجميع، وقد ثبَتَ في \"الصَّحيحَيْنِ\"؛ أنَّ النبيَّ -ﷺ - قال: (ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَة اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَل الله مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) (٥).\nوهذا لا خلافَ عِندَ العلماءِ فيه، إلَّا خلافٌ غيرُ معتبَرِ مخالِفٌ للدليل، يقولُ به ابنُ الماجِشونِ وابن حَبِيبٍ حيثُ جعَلَا الإجارةَ موقوفةً على نظَرِ الإمامِ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٣٤٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٧٥٥).\n(٢) \"تفسير القرطبي\" (١٠/ ١١٦).\n(٣) \"تفسير ابن عطية\" (٣/ ٩)، و\"تفسير القرطبي\" (١٠/ ١١٦).\n(٤) \"تفسير ابن عطية\" (٣/ ٩)، و\"تفسير القرطبي\" (١٠/ ١١٦).\n(٥) أخرجه البخاري (٧٣٠٠)، ومسلم (١٣٧٠).","vol":"3","page":1470},{"text":"والصوابُ: أنَّ الإجارةَ مُلزِمةٌ مِن كلِّ مسلمٍ على المُسلِمينَ، وجَعْلُها مَنُوطة بالحاكمِ تضييقٌ لِذِمَّةِ المُسلِمينَ، وتنفيرٌ مِن إقبالِ الكفَّارِ على الإسلام، والأميرُ لا يُحيطُ بِمَعْرِفةِ وسَطِ البُلْدان، فضلًا عن أطرافِها، ولا قُدْرةَ له على معرِفةِ الداخِلينَ إلى الثغور، حتَّى لو وضَعَ نُوَّابًا له على كلِّ ثَغْرٍ، فإنَّ الذِّمَّةَ لو أُنيطَتْ بالأميرِ ونائبِه، لَمَا تحقَّقَتْ ذِمَّةٌ للمُسلِمينَ، ولَسُفِكَتْ دماءٌ حقُّها أن تُعصَمَ، ولَصَدَّ ذلك عن الإقبالِ على الإسلامِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1088>أمَان المرأةِ والعبد، والصبيِّ والذمِّيِّ:</span>\nوتُجيُر المرأةُ كالرَّجُلِ؛ لظاهرِ الأدلَّةِ؛ ففي \"الصحيحَيْن\"؛ قالَتْ أمِّ هاني للنبيِّ - ﷺ - يومَ فتْح مَكَّةَ: إنَّني أجَرْتُ رجُلَيْنِ مِن أَحْمَائي، فقال - ﷺ -: (قَدْ أجَرْنَا مَنْ أجَرْتِ يَا أمَّ هَانِئٍ) (١).\nوحكى بعضُ العلماءِ الإجماعَ على ذلك؛ كابنِ المُنذِر (٢)، والخطَّابي (٣)، وغيرِهما، وقولُ ابنِ الماجِشون في خلافِ ذلك شاذٌّ غيرُ مُعتبَر، وقد صحَّ عن عائشةَ -﵂-؛ أنَّها قالتْ: \"إِن كَانَتِ المَرْأةُ لَتُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ\"؛ رواهُ النسائي والبيهقيُّ (٤).\nوفد جاء مِن طرُقِ أنَّ زينب بنتَ النبيِّ - ﷺ - امرأةَ أبي العاصِ أجارَت زَوْجَها أبا العاصِ بنَ الرَّبيع، فأجازَ رسولُ اللهِ - ﷺ - جِوَارَها (٥).\nوأما العبدُ، فقد اختُلِفَ في إجارته، والجمهورُ على صحَّتِها ولو لم\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٥٧)، ومسلم (٣٣٦).\n(٢) \"الأوسط\" لابن المنذر (٦/ ٢٧٦)، و\"الإجماع\" له (ص ٦٤).\n(٣) \"معالم السنن\" (٢/ ٣٢٠).\n(٤) أخرجه النسائي في \"السنن الكبرى\" (٨٦٣٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ١٩٤).\n(٥) ينظر مثلًا: \"مصنف عبد الرزاق\" (٩٤٤٠) و\"المعجم الكبير\" للطبراني (١٠٤٧)، و\"المستدرك\" للحاكم (٤/ ٤٥)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٩/ ٩٥).","vol":"3","page":1471},{"text":"يُقاتِلْ؛ خلافًا لأبي حنيفةَ وأبي يوسُفَ، ما لم يُؤذَن له بالقتال، والحديثُ في جَرَيانِ الذِّمَّةِ مِن كلِّ مسلمِ: يَشمَلُ العبدَ وغيرَهُ ممَّن يَصِحُّ جَرَبان العَقْدِ منه، ورَوى فُضَيْلُ بن زيدٍ - وكان غَزَا على عهدِ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ -﵁- سَبْعَ غزَواتٍ - قال: لمَّا رَجَعْنا، تَخَلَّفَ عبدٌ مِن عَبِيدِ المُسلِمينَ، فكتَبَ لهم أمانًا في صَحِيفةٍ، فرَمَاهُ إليهم، قال: فكَتَبْنا إلى عُمرَ بنِ الخطَاب -﵁-، فكتَب عُمَرُ: \"إنَّ عبدَ المُسلِمينَ مِن المُسلِمينَ، ذِمَّتُهُ ذِمَّتُهم\"، فأجَاز عمرُ -﵁- أمانَهُ؛ رواهُ ابنُ أبي شَيْبةَ والبيهقيُّ (١).\nومَن نظَرَ في كلام فقهاءِ السَّلَفِ صحابةَ وتابِعينَ، وجَدَ أنَّ عمَلَهُمْ على إمضاءِ أَمَانِ المرأةَ والعبد، وقد قال أبو عُبَيْدِ القاسمُ: \"قد أجازَ المسلِمونَ أمَانَ المَمْلوكِ\" (٢).\nوقد اختَلَفَ العلماءُ في أمَانِ الصبيِّ المميِّز، فأجازَهُ الأوزاعيُّ في أحَدِ قولَيْه، ومنَعَه أكثَرُ العلماء، وحكاهُ ابنُ المُنذِرِ إجماعًا (٣).\nويدخُلُ في عمومِ إمضاءِ أمانِ المُسلِمينَ كلُّ واحدِ منهم، ولو مبتدِعًا، فمَن صَحَّتْ صلاتُهُ صحَّ أمانُه، وقد أجازَ الأوزاعيُّ أمَانَ الخوارجِ (٤).\nولا يُقيَل أمانُ الذِّمِّيِّ على المُسلِمينَ؛ لأنَّه ليس منهم، والحديثُ فيهم لا في غيرِهم؛ قال - ﷺ -: (ذِمَّةُ المُسْلِمِيِنَ وَاحِدَةٌ) (٥)، وقال: (يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَدْنَاهمْ) (٦)، ومَنْ ليس منهم، ليس مِن أدْناهُم.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٣٣٩٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ١٩٤).\n(٢) \"الأموال\" لأبي عبيد (ص ٢٤٢).\n(٣) \"الأوسط\" (٦/ ٢٧٨)، و\"الإجماع\" (ص ٦٤).\n(٤) أخرجه ابن زنجويه في \"الأموال\" (٧٢٧).\n(٥) سبق تخريجه.\n(٦) أخرجه أحمد (٢/ ٢١٥)، وابن ماجه (٢٦٨٥).","vol":"3","page":1472},{"text":"والأمانُ يكونُ بالقولِ الصريحِ والكِنَاية، ويكونُ بالإشارةِ بالبَدِ؛ كالإشارةِ بالإصبَعِ إلى السَّمَاء، فالإشارةُ بالأمانِ أمانٌ؛ كما قالَهُ مالكٌ والشافعيُّ وغيرُهما.\nويَصِحُّ الأمانُ بكلِّ لِسانِ يَفهَمُهُ السامعُ على أنه أمانٌ؛ فقد صحَّ عن أبي وائلٍ؛ قال: \"أَتَانَا كَتَابُ عُمَرَ وَنَحْنُ بِخَانِقِينَ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: لَا تَدْهَلْ، فَقَدْ أَمَّنَهُ، وَإِذَا قَالَ: لَا تَخَفْ، فَقَدْ أَمَّنَهُ، وَإِذَا قَالَ: مَتَرْسْ، فَقَدْ أَمَّنَه؛ قَالَ: اللهُ يَعْلَمُ الأَلْسِنَةَ\"؛ رواهُ عبد الرزَّاق وابنُ أبي شيبةَ والبيهقي (١).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلَّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٧ - ٨].\nفي هذه الآيةِ: بيانٌ لسبب إنهاء العهدِ الذي بين المُسلِمينَ ومَن له عهدٌ مُطلَقٌ مِن المشرِكينَ، وأنَّ اللهَ أرادَ إنهاءَ ذلك؛ لأنَّه يُبقِيهم على الشِّرْكِ الدائمِ؛ فإنَّ الصُّلْحَ معَ المشرِكِ الوثَنيِّ إذا كان دائمًا. يُبقيهِ على وثَنيَّتِهِ وكفرِهِ دومًا، وَيجعلُهُ عاليًا نِدًّا للمُسلِمينَ، وظاهرُ الآياتِ تحريمُ العهدِ المطلَقِ إلَّا لضرورةٍ في زمَنِ ضَعْفِ المُسلِمينَ وتكالُبِ الأُمَمِ عليهم؛ فإنَّ الزمنَ الذي يكونُ فيه عهدٌ وسلامٌ مطلَقٌ: تتساوَى فيه أمَّةُ\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٩٤٢٩)، وابن أبو شيبة في \"المصنف\" (٣٣٤٠٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٩٦).","vol":"3","page":1473},{"text":"الكفرِ وأمَّة الإسلام، ويَظهَرُ إعجابُ المُسلِمِينَ بالكافِرِينَ، وَيضعُفُ الولاءُ للمؤمنينَ والبَراءُ مِن الكافرينَ، وتَكثُرُ الرِّدَّةُ فضلًا عن الفِسْقِ.\nوإنْ جازَ ذلك مِن النبيِّ - ﷺ - زمَنَ تكالُبِ الناسِ عليه، وقِلَّةِ عددِ المؤمنينَ وعَتادِهم، فإنَّ اللهَ نسَخَهُ ورفَعَ العهدَ المطلَقَ لمَّا ظهَرَ للمُسلِمينَ قوَّةٌ ولهم سُلْطانٌ يُهابُ وَيَرْعَبُ.\nوقد رفَعَ اللهُ العهدَ المطلَقَ عمَّن صالَحَهُ وعاهَدَهُ ولم ينقُضْ عهدَهُ، فضلًا عمَّن عاهَدَ ونقَضَ وظَنَّ بقاءَ عهدِه، وقد عاهَدَ النبيُّ - ﷺ - أقوامًا؛ كقُرَيْشٍ وبني بكرٍ وخُزَاعةَ.\nوفي قولِه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ عِظَمُ العهدِ عندَ البيتِ وفي الحَرَمِ؛ فإنَّ العَهْدَ والأَيْمَانَ قد تعظُمُ في زمَنٍ فاضلٍ كبَعْدِ العصرِ ويومِ الجُمُعةِ وكلِّ زمَنٍ دلَّ دليلٌ على فضلِه، وكذلك في المكانِ الفاضلِ؛ كالحَرَمِ والمساجِدِ ومِنبَرِ النبيِّ - ﷺ -.\nومَن عاهَدَهمُ النَّبيُّ عندَ المسجِدِ الحرام، قال ابنُ عبَّاسٍ: هم قريشٌ وأهلُ مَكَّةَ (١)، وبِنَحْوِهِ قال قتادةُ: أهلُ الحُدَيْبِيَةِ (٢)؛ فقد كان الصُّلْحُ بينَ الحِلِّ والحرَم، وقال مجاهدٌ: هم خُزَاعةُ (٣)، وقال السُّدِّيُّ: هم بنو جَذِيمَةَ (٤)، وقال ابن إسحاقَ: بنو بكرٍ (٥).\nوكلُّ مَنْ له عهدٌ سابقٌ فهو داخِلٌ في هذه الآية، وتخصيصُ المسجدِ الحرامِ؛ لبيانِ خصيصتِه، وتعظيمِ قدرِ العهدِ فيه.\nوفي هذه الآيةِ: أنَّ عمومَ الأمكِنةِ في قولِه تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٣٥١ - ٣٥٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٧٥٧).\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٧٥٧).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١/ ٣٥٣).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٣٥٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٧٥٦).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٣٥١).","vol":"3","page":1474},{"text":"ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] يُستَثْنى منه الحرَمُ لتعظيمِه، وقد تقدَّمَ الكلامُ على حُكْمِ القتالِ في الحرَم، وإقامةِ الحدودِ والعقوباتِ فيه عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١].\nوكذلك فإنَّ عمومَ الأزمةِ في قتالِ الكفارِ استُثْنِيَ منه الأشهُرِ الحرُمُ وأشهُرُ التسيير، وقد تقدَّمَ الكلامُ على نَسْخِ القتالِ في الأشهُرِ الحُرُمِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقولِهِ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقولِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢].\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢].\nفي هذه الآيةِ: الأمرُ بمُبادَرةِ قتالِ ناقِضِ العهدِ؛ لأنَّ تَرْكَ ناقضِ العهد، وإمضاءَ عهدِه وسَلْمِهِ له بعدَ ذلك: يُجرِّئُهُ على انتهاكِ حُرْمةِ العهودِ عامَّةً، وحُرْمةِ المُسلِمينَ خاصَّةً، ومُبادَرَتُهُ بالقتالِ عندَ القدرةِ عليه، ونبذُ عهدِهِ إليه علانيَةً كما يَفعَلُ سِرًّا: زجرٌ له وترهيبٌ لأمثالِه، وتقويةٌ لشَوْكةِ المؤمنينَ؛ حتَّى لا يُظَنَّ بهم أنَّهم إنَّما يُعاهِدونَ عن ضَعْفٍ وحبٍّ للدُّنيا وركونٍ إليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1089>العهودُ للمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ:</span>\nوفي الآيةِ: تنبيهٌ للمؤمنينَ أن يَعلَموا أنَّ حِفْظَ دينِ اللهِ أعظَمُ مِن حِفظِ دُنياهم، وأنَّهم وإنْ عاهَدوا على الدُّنيا لِمَصْلَحةٍ رأَوْها، فإنَّه يَجِبُ أن تكونَ عهودُهم ومواثيقُهمُ الدنيويَّةُ مَرَدُّها إلى صلاحِ دِينِهم؛ يتَقوَّوْنَ","vol":"3","page":1475},{"text":"بها، وألَّا يُصالِحوا عن دُنيا مَحْضةٍ؛ لا تَحفَظُ دِينًا، ولا تُقوِّي شَوْكةً للمُسلِمينَ؛ وإنَّما غايتُها زيادةُ متاعٍ وسرَفْ شَهْوةٍ، فتِلك مقاصدُ الحيوانِ لا الإنسان، وأصحابُ هذه العهودِ لا يَحفَظونَ مَنْزِلةَ الدِّينِ ولا يُعظِّمونَ حُرْمَتَه.\nولا يجوزُ للمُسلِمينَ أن يُعْطُوا أمانًا وعهدًا على دُنْيَا مَحْضَةٍ تُضِرُّ بالدِّين، ما لم تَكُنْ تلك الدُّنيا التي عاهَدُوا عليها تَحفَظُ مِن الدِّينِ مِن جهةٍ أعظَمَ مِمَّا تفوِّتُهُ مِن جهةٍ أُخرى؛ فذلك مَرَدُّهُ لِحِكْمةِ أهلِ العِلْم، ومعرفةِ أهلِ السِّياسةِ الصحيحةِ الصَّادِقةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1090>المُوجِباتُ لِنَقْضِ العهدِ:</span>\nوقد ذكَرَ اللهُ تعالى مُوجِبَينِ لقتالِ المعاهَدِينَ ونَبْذِ عَهْدِهم إليهم: الأولُ: نقضُهم لِما عاهَدوا عليه المُسلِمينَ؛ ممَّا كتَبُوهُ بأيدِيهم، أو نطَقُوه بألسنتِهم.\nالثاني: طَعْنُهم في دِينِ المُسلِمينَ.\nواختُلِفَ في كونِ الطَّعْنِ في الدِّينِ ناقِضًا لعهدِ مَن أمضى عهدَهُ الذي شارَطَ المُسلِمينَ عليه، والصحيحُ نقضُهُ؛ وذلك مِن وجوهٍ:\nأوَّلُها: أنَّ في ذِكْرِ الطَّعْنِ في الدِّينِ تبيينًا لِعظَمِه، وأنَّه وإن لم يتضمَّنِ العهودَ المنصوصةَ المكتوبةَ بينَ المُسلِمينَ وعدوِّهم، فإنَّه كالمنصوصِ المبيَّنِ؛ فهو فوقَ كلِّ مكتوبٍ، وأعظَمُ مِن كلِّ ملفوظٍ مِن الشروطِ والبُنُودِ؛ نقد يتصالَحُ المُسلِمونَ معَ المشرِكينَ على دُنيا وعِصْمةِ دمٍ وحِفْظِ مالٍ، وهذه العهودُ المنصوصةُ ولو لم تُنقَضْ بعَيْنِها، فإنَّ الطَّعْنَ في دِينِ أهلِها أعظَمُ عليهم وأشَدُّ مِن نقضِها، وإنَّ إهدارَ دِينِ المُسلِمينَ أعظَمُ مِن إهدارِ دُنياهم، وقد رُوي عن ابنِ عمرَ؛ أنه مَرَّ به راهبٌ، فقيلَ له: هذا يَسُبُّ النَّبيَّ - ﷺ -، فقال ابنُ عمرَ: \"لو سَمِعْتُهُ لَقَتَلْتُهُ؛ إنَّا لم نُعْطِهِمُ","vol":"3","page":1476},{"text":"الذِّمَّةَ على أن يَسُبُّوا نبيَّنا - ﷺ -\"؛ رواهُ الخلَّالُ (١).\nثانيها: أنَّ المؤمِنَ معصومُ الدَّم، ولو طَعَنَ في الدِّينِ لاستَحَقَّ القتلَ، فإذا كان كذلك والأصلُ في العِصْمةُ، فإنَّ الكافِرَ المعاهَدَ أَولى، وقد كان الأصل فيه استحلالَ الدمِ؛ وإنَّما استحَقَّ العِصْمةَ لعَهْدِه وأمانِه.\nثالثُها: أنَّ مَن نقَضَ شيئًا مِن شروطِ العهد، انتَقَضَ عهدُه، ولو كان لشيءٍ مِن لُعَاعةِ الدُّنيا، فإذا كان ذلك مُوجِبًا لنقضِ العهد، فإنَّ نقضَ العهدِ عندَ الطَّعْنِ في الدِّينِ مِن بابِ أَولى.\nرابعُها: أنَّ العهودَ الدنيويَّةَ إن كانتْ تُضِرُّ بالدِّين، ولا تَحفَظُ عليه أعظَمَ ممَّا تُضَيِّعُهُ منه -: لم يَجُزْ للمُسلِمينَ إبرامُها مِن جهةِ الأصلِ؛ فإنَّ إبقاءَ العهدِ والأمانِ لِمَنْ أعلَنَ الطَّعْنَ في الدِينِ أعظَمُ مِن إبرامِ عهدٍ يتَضمَّنُ جبَ محرَّمٍ مجرَّدٍ لا يحقِّقُ أعظَمَ منه في الدِّينِ.\nخامسُها: أنَّ الكُفَّارَ يقَعُ منهم مِن مخالَفةِ المُسلِمينَ في دِينِهم عَمَلٌ وقولٌ كثيرٌ، أكثَرُ مِن الطعنِ في الدِّينِ؛ كشُرْبِ الخمرِ والزِّنى وأكلِ لحمِ الخِنزيرِ والمَيْتة، وهذه الأشياءُ التي تقَعُ مِن جميعِهم أو مِن سَوَادِهم، لم يَذْكُرْها اللهُ في الآيةِ؛ فدَلَّ على أنَّ إظهارَها في ذاتِها لا ينقُضُ العهدَ، ولكنَّه يُوجِبُ العقوبةَ وإقامةَ الحدّ، فلو شرِبَ الخمرَ وأكَلَ المَيْتةَ ولحمَ الخِنْزيرِ في بيتِهِ وخاصَّةِ أهلِهِ وأهلِ دينِه، لم يُعاقَبْ بذلك، ولوأظهَرَهُ، لم يَكُنْ بإظهارِهِ ناقضًا للعَهْد، ولكنَّه موجِبٌ لإقامةِ الحدِّ عليه وتعزيرِه.\nولو لم يَكُنِ الطَّعْنُ في الدِّينِ وصفًا مؤثِّرًا في صِحَّةِ العهد، لم يَذكُرْهُ اللهُ؛ فإنَّ أهلَ الذِّمَّةِ قد يَبدُرُ منهم ما يُخالِفُ المُسلِمينَ أكثَرَ مِن سبِّ الدِّينِ والطَّعْنِ فيه؛ كشُربِ الخمرِ وتَبرُّجِ النِّساءِ وأكلِ لحمِ الخِنْزِير، وهم مأمورونَ بعدَمِ إطهارِ ما يُناقِضُ دينَ المُسلِمينَ، وأمَّا استِتَارُهُمْ\n_________\n(١) \"أحكام أهل الملل والردة\"؛ من \"الجامع لمسائل الإمام أحمد\" (ص ٢٥٦).","vol":"3","page":1477},{"text":"بعِبادَتِهِمْ وما يَستحِلُّونَهُ في دِينِهم، فلا يُؤاخَذونَ بذلك.\nوالطعنُ في الدِّينِ الذي يَنقُضُ عهدَهم العامَّ: ما بدَرَ مِن أميرِهم أو مَن يَنُوبُ عه ويمثِّلُهُ، أوأنْ يكونَ ذلك مِن عامَّتِهم لكنْ يُبرِزونَ قولَهُ ويُظهِرونَهُ ويَحْمُونَهُ ويَسْكُتونَ عنه مؤيِّدينَ له، وأمَّا انتقاضُ العهدِ الخاصّ، فيَنتقِضُ عهدُ الواحدِ منهم مِن عامَّتِهم لو خالَفَ عهدَ جماعتِه، فطَعَنَ في الدِّين، فيُؤخَذُ بنَفْسِه، ولا تَتحمَّلُ جَماعتُهُ نَقْضَه، فيَنتقِضُ عهدُ الخاصِّ لا عهدُ العامّ، ما لم يَظهَرْ تَواطُؤُهُمْ معَهُ وتأييدُهُمْ وحمايتُهُمْ له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1091>إعلان الطَّعْنِ في الدِّينِ وإسرارُهُ:</span>\nقولُه تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ ظاهرُ الآيةِ: دالٌّ على أنَّ المُؤاخَذةَ للمُعاهَدِ تكونُ في حالِ طعنِهِ في الدِّينِ عَلانيَةً؛ وذلك أنَّ الكفارَ يُعلَمُ مِن حالِهم غالبًا الطعنُ في الدِّينِ سِرًّا في مَجالِسِهم ونَوادِيهم الخاصَّةِ لا العامَّة، ولم يَكُنْ كفارُ قريشٍ يَحمَدونَ رسولَ اللهِ - ﷺ - في أنفُسِهِمْ ولا في مَجالسِهِمْ، والنبيُّ وأصحابُهُ يَعلَمونَ ذلك عدَ توقيعِ الصُّلْحِ معَهم في الحُدَيْبِيَةِ وغيرِها، وقد أشارَ اللهُ إلى العلانيَةِ بتَسْميتِهِمْ: ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾؛ فهم كفارٌ في أصلِهم، فتَحوَّلُوا إلى أئمةٍ فيه؛ لأنَّ المُعلِنَ للشرِّ إمام فيه، وعقودُ المُسلِمينَ معَهُمْ تَستلزِمُ السكوتَ عن اللهِ ودِينِهِ وكتابِهِ ونبيِّه.\nوالذِّمِّيُّ الذي يَطعُنُ في رسولِ اللهِ - ﷺ - يُقتَلُ على الصحيحِ في قولِ أكثرِ العلماءِ؛ خلافًا لأبي حَنِيفةَ؛ فهو يَرى أنه لا يَنتقِضُ عهدُهُ بذلك؛ وإنَّما يُستَتابُ ويُعاقَبُ بما يراهُ الإمامُ؛ لأنَّه تمَّ عهدُهُ وهو كافرٌ به، وما هو عليه عندَ العقدِ هو ما هو عليه بعدَه.\nولكنَّ المُؤاخَذةَ للطاعنِ في النبيِّ - ﷺ - على قدرٍ زائدٍ عن مجرَّدِ الكفرِ وحَجْدِ النبوَّة، وهو الطعنُ والسبُّ وإظهارُ ذلك؛ لأنَّ اللهَ تعالى بيَّنَ","vol":"3","page":1478},{"text":"ذلك بوصفِ الفاعِلينَ له بأئمَّةِ الكفر، لا مجرَّدِ أنَّهم كفَّارٌ، فقال: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾؛ لأنَّ مُظهِرَ الطعنِ في النبيِّ - ﷺ - يَدعُو الناسَ إلى الاقتداءِ له والتمرُّدِ على هَيْبةِ الإسلامِ والمُسلِمينَ؛ لهذا كانوا أئمَّةً في الكفرِ مِن جِهَتَيْنِ: مِن جهةِ تغليظِ كُفْرِهم؛ فالكفرُ دَرَكاتٌ، ومِن جهةِ أنَّهم قُدْوةٌ للكفارِ أن يُبْدُوا ما يُكِنُّونَهُ مِن حِقْدٍ وغِلٍّ على أهلِ الإسلامِ.\nوالعلماءُ يُفرِّقونَ بينَ أصلِ كفرِهِ الذي تمَّ العهدُ معَهُ وهو عليه، وبينَ طعنِهِ في الدِّينِ علانيَةً؛ ولذا قال مالكٌ: \"مَن شتَمَ اللهَ مِن اليهودِ والنَّصَارى بغيرِ الوجهِ الذي كفَرَ به، قُتِلَ ولم يُستَتَبْ\" (١).\nوذلك أنَّ النَّصْرانيَّ كافرٌ بقولِهِ: \"إنَّ اللهَ ثالثُ ثلاثةٍ\"؛ وهذا قَدْرٌ معلومٌ مِن دِينِةِ عندَ عهدِه، يَجهَرُ به ويَعتقِدُهُ دِيَنًا له لو سألَهُ أحدٌ عنه، ولكنَّ الطعنَ الحادثَ منه في اللهِ ودِيِنِهِ وكتابِهِ ونبيِّهِ أمرٌ استَجَدَّ أُرِيدَ منه الطعنُ في دِينٍ وأمَّةٍ معلومةٍ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾.\nوقد قتَلَ النبيُّ - ﷺ - كَعْبَ بنَ الأَشْرَفِ وقد كان معاهَدًا بلا خلافٍ، ونقَصَ عهدَهُ بطَعْنِهِ في الدِّينِ؛ ولذا قال - ﷺ -: (مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ؟ !) (٢).\nويدلُّ على أنَّ الطاعِنَ في الدِّينِ المجاهِرَ به لا أمانَ له، ولو بُذِلَ فهو مهدورٌ: أنَّ النبيَّ - ﷺ - أرسَلَ لكعبِ بنِ الأشرَفِ خمسةً مِن أصحابِه: محمَّدَ بنَ مَسْلَمَةَ، وأبا نائِلةَ، وعبَّادَ بنَ بِشْرٍ، والحارثَ بنَ أَوْسٍ، وأبا عَبْسِ بنَ جَبْرٍ، أرسَلَهم لِيَقتُلُوهُ غِيلةً، وقد خدَعُوهُ وأَظهَروا له المُوافَقةَ حتَّى تمكَّنوا منه فقتَلُوه؛ وذلك الفعلُ منهم دليلٌ على أنه لا يُمضَى عهدٌ لمِثْلِهِ أصلًا، ولو جَرى فهو باطلٌ، وأمَّا مَن يَجري لمِثْلِهِ العهدُ، فلو\n_________\n(١) \"الشفا\" للقاضي عياض (٢/ ٦٢٧).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٠٣٧)، ومسلم (١٨٠١).","vol":"3","page":1479},{"text":"أُعطِيَ أمانًا ولو بإشارةٍ، حَرُمَ على المُسلِمينَ قتلُهُ، ففرقٌ بينَ كافرٍ محارِبٍ يُدافِعْ عن كفرِه، يصحُّ لمِثْلِهِ العهدُ، وبينَ كافرٍ محارِبٍ طاعنٍ في الدِّين، لا يَصِحُّ لمِثْلِهِ عهدٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1092>صُوَرُ المجاهَرَةِ بالطَّعْنِ في الدِّينِ:</span>\nقولُه تعالى: ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾: المراد بذلك: المجاهَرةُ بالطعنِ في الدِّينِ؛ كتمزيقِ المصاحف، أو سَبِّ اللهِ ونبيِّهِ - ﷺ - في الميادينِ العامَّة، أو إشهارِ ذلك والدَّعْوةِ إليه في وسائلَ إعلاميَّةٍ عامَّةٍ، وليس في كتبٍ ورسائلَ ونوادٍ خاصَّةٍ لا تَضُرُّ المُسلِمينَ بتأليبٍ على قتالٍ، ولا استعداءٍ على انتهاكِ حُرُماتِ المُسلِمينَ.\nومِثْلُ ذلك: الاستهزاءُ علانيَةً بالشَّعَائرِ؛ كالأذانِ والصَّلاةِ والحجِّ وتعدُّدِ الزَّوْجاتِ والحُدُودِ والعقوبات، وأحكامِ اللهِ على النِّساءِ؛ مِن الحِجَابِ والعَفَاف، وأحكامِهِ على الرِّجَال؛ مِن إعفاءِ اللِّحَى وتشميرِ الإزارِ والجهادِ وغيرِ ذلك.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥].\nأرادَ اللهُ بذِكْرِ العذابِ في الآيةِ: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ عندَ المواجَهةِ بالقتالِ؛ مِن القتلِ والتشريدِ والخوفِ والرُّعْبِ وهَجْرِ الولَدِ والأهلِ والأرض، وليس المرادُ بذلك تعذيبَهم عندَ القُدْرةِ عليهم بالأَسْرِ؛ وذلك أنَّ تعذيبَ الأسيرِ محرَّمٌ.","vol":"3","page":1480},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1093>الرَّحْمةُ بالأَسْرَى وعدَمُ تعذيبِهِمْ:</span>\nوالأصلُ: أنه لا يجوزُ تعذيبُ الأسيرِ ولو كان قبلَ أَسْرِهِ عدوًّا مُثخِنًا مُصِيبًا في المُسلِمينَ؛ لأنَّ جوازَ ضَرْبِهِ كيفَما اتَّفَقَ عندَ اللِّقاءِ، وفي ساحةِ القتالِ - شيءٌ وحُكْمَ التعامُلِ معه بعدَ أَسْرِه - شيءٌ آخَرُ؛ على ما تقدَّمَ ذِكرُهُ عندَ قولِه تعالى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢].\nوقرَنَ اللهُ الإحسانَ إلى الأسيرِ بإطعامِ المِسْكِينِ واليتيم مِن المُسلِمينَ؛ كما قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٨ - ٩]، وقد قال أبو عُبَيْدٍ: \"أَثْنَى اللهُ على مَن أحسَنَ إلى أَسِيرِ المُشْرِكينَ\" (١)؛ لأنَّ اللهَ يَجعَلُ في النفوسِ أجرًا ولو كانتْ كافرةً، وقد كان النبيُّ - ﷺ - يأمُرُ بإطعامِ الأَسْرَى وكِسْوَتِهم؛ ففي السِّيَرِ: أنَّ ثُمَامَةَ بنَ أُثَالٍ الحَنَفِيَّ قد أُسِرَ، فأَمَرَ النبيُّ - ﷺ - بالإحسانِ إليه، ثم رجَعَ - ﷺ - إلى أهلِه، فقال: (اجْمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَكُمْ مِنْ طَعَامٍ، فَابْعَثُوا إلَيْهِ)، وأمَرَ بلِقْحَتِهِ أنْ يُغدَى عليه بها ويُراحَ (٢).\nوقد كَسَا عمَّه العبَّاسَ بقميصٍ لمَّا وجَدَهُ عاريًا؛ كما في \"الصَّحيحِ\"؛ مِن حديثِ جابرٍ (٣)، وبوَّبَ البخاريُّ عليه بابًا سمَّاه: \"باب الكِسْوَةِ للأُسَارَى\"، وقد كسَا النبيُّ - ﷺ - ابنةَ حاتمٍ الطائيِّ وأطلَقَها (٤).\nولم يثبُتْ أنَّ النبيَّ - ﷺ - أو أحدًا مِن خلفائِهِ وأصحابِهِ عَذَّبَ أسيرًا لفِعْلٍ فعَلَهُ قبلَ أَسْرِه، معَ كثرةِ الأَسْرى وتمرُّدِ قومِهم وشدَّةِ كُفْرِهم\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (١١/ ٣٩٦).\n(٢) \"سيرة ابن هشام\" (٢/ ٦٣٨).\n(٣) أخرجه البخاري (٣٠٠٨).\n(٤) \"سيرة ابن هشام\" (٢/ ٥٧٩).","vol":"3","page":1481},{"text":"وعنادِهم، ويُروى عنه - ﷺ - قولُهُ: (اسْتَوْصُوا بِالأُسَارَى خَيْرًا) (١)؛ ولذا قال مالكٌ لمَّا سُئِلَ عن تعذيبِ الأسيرِ؟ قال: ما سَمِعْتُ بذلك (٢).\nوإنَّما الثابتُ عن بعضِ الصحابةِ مَسُّ قِلَّةِ منهم؛ لاستظهارِ شيءٍ عظيمٍ يُبطِنونَهُ؛ كما يأتي بيانُ ذلك بشروطِه.\nوقد كان النبيُّ - ﷺ - يحذِّرُ مِن تعذيبِهم، وقد صحَّ في مسلمٍ؛ مِن حديثِ عُرْوةَ بنِ الزُّبَيْرِ؛ قال: مَرَّ هِشَامُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَلَى أُنَاسٍ مِنَ الْأَنْبَاطِ بِالشَّام، قَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْس، فَقَالَ: مَا شأْنُهُمْ؟ قَالُوا: حُبِسُوا فِي الْجِزْيَة، فَقَالَ هِشَامٌ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: (إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا) (٣).\nورأى الرسولُ أُسَارى بني قُرَيْظةَ في حَرِّ الشَّمْسِ؛ فقال: (أَحْسِنُوا إِسَارَهُمْ، وَقَيِّلُوهُمْ، وَأَسْقُوهُمْ حَتَّى يُبْرِدُوا؛ لَا تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّ الشَّمْسِ وَحَرَّ السِّلَاحِ) (٤).\nولمَّا فتَحَ رسولُ اللهِ - ﷺ - القَمُوصَ حِصْنَ ابنِ أبي الحُقَيْق، نمَّ مَرَّ بلالٌ بصَفِيَّةَ بنتِ حُيَيٍّ ومعَها ابنةُ عمٍّ لها، على قَتْلَى يهودَ، قال النبيُّ لبلالٍ: (أَنُزِعَتِ الرَّحْمَةُ مِنْ قَلْبِكَ حِينَ تَمُرُّ بالمَرْأَتَيْنِ عَلَى قَتْلَاهُمَا؟ !)؛ رواهُ ابنُ إسحاقَ عن والدِه إسحاقَ بنِ يَسَارٍ (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1094>حُكْمُ تعذيبِ الأسيرِ لإظهارِ أمرٍ:</span>\nوإذا كان لدى الأسيرِ أمرٌ يُخْفيهِ يَنتَفِعُ منه المسلِمونَ، فهل لهم تعذيبُهُ؟:\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"المعجم الصغير\" (٤٠٩).\n(٢) \"التاج والإكليل، شرح مختصر خليل\" (٣/ ٣٥٣).\n(٣) أخرجه مسلم (٢٦١٣).\n(٤) \"مغازي الواقدي\" (٢/ ٥١٤).\n(٥) \"شرح الزرقاني على المواهب اللدنية\" (٣/ ٢٧٣).","vol":"3","page":1482},{"text":"قد اختُلِفَ في ذلك، والأظهَرُ جوازُ تعذيِبهِ بشروطٍ ثلاثةٍ:\nالشرطُ الأوَّلُ: أنْ يَغلِبَ على الظنَّ وجودُ أمرٍ لَدَيْه، ولا يكونَ ذلك مِن الشكِّ المجرَّدِ والظنِّ القليل، وهذا يُعرَفُ بحسَبِ حالِ الأسيرِ؛ فالجنودُ يَختلِفونَ عن القادةِ الكِبَار، وعَوَامُّهم يَختلِفونَ عن أُمَناءِ أَسْرارِهم، ولا يجوزُ تعذيبُ الواحدِ منهم بالظنِّ والتوهُّمِ المجرَّدِ لاستظهارِ ما يُخْفيهِ؛ فذلك محرَّمٌ.\nالشرطُ الثاني: أن يكونَ ما يُخْفِيهِ ينفَعُ المُسلِمينَ لو أظهَرَهُ، وليس ممَّا يُحفيهِ ونَفْعُهُ قليلٌ لا يتعلَّقُ بنُصْرةِ المؤمِنينَ، ولا يَحفَظُ دِماءَهم، ولا يَصُونُ أعراضَهم.\nولا يخلو أسيرٌ مِن سِرٍّ يُخْفِيه، ولم يعذِّبِ النبيُّ - ﷺ - ولا أصحابُهُ مِن بَعْدِهِ أسيرًا على كلِّ ما يُخْفيهِ؛ لأنَّه ما كلُّ سرٍّ يُعذَّبُ عليه، ويُستَباحُ بمِثْلِهِ المحرَّمُ، فليس كلُّ مَن جازَ قتلُه جازَ تعذيبُه، فاللهُ أجازَ أَكْلَ لحم بهيمةِ الأنعامِ والطُّيورِ وغيرِها بقَتْلِها، وحرَّمَ تعذيبَها وشَدَّدَ في ذلك، فحِلُّ القتلِ لا يَعني حِلَّ التعذيب، وقد منَعَ مالكٌ مِن قتلِ الأسيرِ في وسطِهِ بسهمٍ أو رُمْحٍ؛ وإنَّما يكونُ بضربِ الرِّقَابِ؛ أعجَلَ له وأحسَنَ في قِتْلَتِه؛ ولهذا قبل لمالكٍ: أيُضرَبُ وَسَطُهُ؟ فقال: \"قال اللهُ: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، لا خيرَ في العبَثِ\" (١)؛ فسمَّاهُ عبَثًا.\nالشرطُ الثالثُ: ألَّا يَطُولَ التعذيبُ عن حَدِّهِ الذي يُناسِبُ حالَ الأسيرِ وما يُخْفيه، ولا يجوزُ ربطُ انقطاعِهِ بيانِ ما يَغلِبُ على الظنِّ أنه يُخْفيه، فقد يَدفَعُ التعذيبُ الأسيرَ إلى الإقرارِ بما لم يَفعَل، ويقولُ على نَفْسِهِ الكذبَ لِيَرتفِعَ عنه العذابُ، فيَأثَمُ مَن عذَّبَهُ مِن جهتَيْنِ: مِن جهةِ تعذيبِه، ومِن جهةِ حَمْلِهِ على أن يَقولَ غيرَ الحقّ، فيُؤخَذَ به.\n_________\n(١) \"التاج والإكليل، شرح مختصر خليل\" (٣/ ٣٥٣).","vol":"3","page":1483},{"text":"وقد روى مسلمٌ في \"صحيحِه\"، عن أنسٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - شَاوَرَ حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ.\nفَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِه، لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لَأَخَضْنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَدَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا، قَالَ: فَنَدَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - النَّاسَ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْرًا، وَوَرَدَتْ عَلَيْهِمْ رَوَايَا قُرَيْشٍ، وَفِيهِمْ غُلَامٌ أَسْوَدُ لِبَنِي الْحَجَّاج، فَأَخَذُوهُ، فَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَسْأَلُونَهُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِه، فَيَقُولُ: مَا لِي عِلْمٌ بِأَبِي سُفْيَانَ، وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَإذَا قَالَ ذَلِكَ ضَرَبُوهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، أَنَاَ أُخْبِرُكُمْ، هَذَا أَبُو سُفْيَانَ، فَإِذَا تَرَكُوهُ فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: مَا لِي بِأَبِي سُفْيَانَ عِلْمٌ، وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فِي النَّاس، فَإِذَا قَالَ هَذَا أَيْضًا ضَرَبُوهُ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ انْصَرَفَ، قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، لَتَضْرِبُوهُ إِذَا صَدَقَكُمْ، وَتَتْرُكُوهُ إِذَا كَذَبَكُمْ) (١).\nوقد رواهُ ابنُ إسحاقَ، عن يَزِيدَ بنِ رُومانَ، عن عُرْوةَ (٢).\nوهذا ظاهرٌ في أنَّ النبيَّ - ﷺ - إنَّما أنكَرَ عليهم طُولَ الضَّرْبَ طويلًا؛ كأنَّهم يُريدونَ منه الإقرارَ ولو بالكَذِبِ؛ فإنَّ الأسيرَ إذا ظَنَّ أنْ لا سلامةَ إلَّا بكَذِبِهِ كَذَبَ، وبظاهرِهِ يُؤخَذُ جوازُ الضَّرْبِ بالشروطِ السابقةِ.\nوقد بوَّب أبو داودَ على حديثِ أنَسٍ لمَّا أخرَجَهُ (٣): (بابٌ في الأسيرِ يُنالُ منه ويُضرَبُ ويُقرَّرُ)، ومنه أخَذَ الجوازَ جماعةٌ؛ كالخطَّابيِّ (٤)، والنوويِّ (٥)، وغيرِهما.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٧٧٩).\n(٢) \"سيرة ابن هشام\" (١/ ٦١٦).\n(٣) \"سنن أبي داود\" (٢٦٨١).\n(٤) \"معالم السنن\" (٢/ ٢٨٦).\n(٥) \"شرح النووي على مسلم\" (١٢/ ١٢٦).","vol":"3","page":1484},{"text":"وقد رَوى البيهقيُّ؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ، في قصَّةِ فتحِ خَيْبَرَ: \"فَصَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يُجْلَوْا مِنْهَا، وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ رِكَابُهُمْ، وَلرَسُولِ اللهِ - ﷺ - الصَّفْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ، وَيَخْرُجُونَ مِنْهَا، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَكْتُمُوا وَلَا يُغَيِّبُوا شَيْئًا، فَإِنْ فَعَلُوا، فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ وَلَا عَهْدَ، فَغَيَّبُوا مَسْكًا فِيهِ مَالٌ وَحُلِيٌّ لِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ كَانَ احْتَمَلَهُ مَعَهُ إِلَى خَيْبَرَ حِينَ أُجْلِيَتِ النَّضِيرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِعَمِّ حُيَيٍّ: (مَا فَعَلَ مَسْكُ حُيَيٍّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنَ النَّضِيرِ؟)، فَقَالَ: أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ، فقال: \"الْعَهْدُ قَرِيبٌ، وَالمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ\"، فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى الزُّبَيْر، فَمَسَّهُ بِعَذَابٍ، وَقَدْ كَانَ حُيَيٌّ قَبْلَ ذَلِكَ دَخَلَ خَرِبَةً، فَقَالَ: (قَدْ رَأَيْتُ حُيَيًّا يَطُوفُ فِي خَرِبَةٍ هَاهُنَا)، فَذَهَبُوا وَطَافُوا، فَوَجَدُوا المَسْكَ فِي الْخَرِبَةِ\" (١).\nوأصلُهُ عندَ أبي داودَ (٢)، وليس فيه: \"مَسَّهُ بعذابٍ\"، وعزَاهُ بعضُهم إلى البخاريّ، وليس كذلك؛ وإنَّما الذي فيه طَرَفُهُ.\nوفي هذا الحديثِ أنه وقعَتِ القرينةُ، وغلبَ الظنُّ على الكتمان، والمالُ كثيرٌ لا قليلٌ؛ تَقْوى به شوكةُ المُسلِمينَ، وسَلْبُهُ يَكسِرُ شَوْكةَ عدوِّهم، وقد ذكَرَ بعضُ أهلِ السِّيَرِ كالواقديِّ أنَّ كَنْزَ آلِ أبي الحُقَيْقِ عظيمٌ، فقد كان الحُلِيُّ في أوَّلِ الأمرِ في مَسْكِ حَمَلٍ، فلمَّا كَثُرَ جعَلُوهُ في مَسْكِ ثَوْرٍ، ثم في مَسْكِ جمَلٍ، وكان ذلك الحُلِيُّ يكونُ عندَ الأكابرِ مِن آلِ أبي الحُقَيْق، وكانوا يُعِيرونَهُ العرَبَ (٣).\nولمَّا انتَفَتْ قرينةُ نَفادِهِ وإهلاكِه، غلَبَ على الظنِّ كِتمانُهُمْ له، فمَسَّهم الزُّبَيْرُ بشيءٍ مِن العذابِ.\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٣٧).\n(٢) أخرجه أبو داود (٣٠٠٦).\n(٣) \"مغازي الواقدي\" (٢/ ٦٧١).","vol":"3","page":1485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1095>مِن مَقَاصِدِ الجهادِ: علو المؤمِنِينَ، وإذهابُ غَيْظِ قلوبِهم:</span>\nقولُه تعالى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾.\nفي هذه الآيةِ: دليلٌ على اعتبارِ انتصارِ المؤمنينَ لأنفُسِهم وتَشَفِّيهم مِن عَدُوِّهم، وأنَّ ما في قلوبِهم مِن غيظٍ، وما في نفوسِهم مِن ألمٍ: لهم أن يَنتَصِروا له، لكنَّه يكونُ تابعًا لا أصلًا في ابتداءِ قتالٍ؛ لأنَّ القتالَ لمجرَّدِ التَّشفِّي للنفسِ وإذهابِ الغيظِ مِن القلبِ قتالٌ لغيرِ الله، وهو مِن الحَمِيَّةِ الجاهليَّة، ويَستَثنى مِن ذلك انتقامُ وليِّ الدَّمِ مِن القاتل، في تفصيلٍ محلُّه كتبُ القِصَاصِ.\nوالمرادُ بالآيةِ: أنَّ اللهَ جعَلَ مرَضَ النفوسِ مِن عدوِّ اللهِ وعدوِّها، وغَيْظَ القلوبِ عليه - بابًا جائزًا لاستعمالِ قُوَّةٍ أشَدَّ، وإنزالِ بأسٍ أعظَمَ فيهم، وجوازِ دعوةِ الإمامِ الجندَ والجيشَ للانتصارِ للهِ ودينِه، ثُمَّ لذلك؛ وذلك أنَّ نفوسَ المؤمنينَ لله، فهي تابِعةٌ في حميَّتِها لدِينِه، ولكنَّها لا تَستقِلُّ عنه، وهو يستقلُّ عنها عندَ مُخالفةِ النفوس له، فما كلُّ ما تُريدُهُ النَّفْسُ: حقًّا؛ فقد تَهْوَى الباطِلَ وهي مؤمِنةٌ.\nوأصل القتالِ لإعلاءِ كلمةِ اللهِ،، ولكن مَن أدرَكَتْهُ الحميَّةُ مِن عدوِّ اللهِ وعدوِّهِ حينَما يَجرَحُهُ أو يَقتُلُ ولَدَهُ أو والِدَه، فيَشتَدُّ عزمُهُ لقتالِ العدوِّ والإثخانِ فبه، فذلك ليس بمذمومٍ؛ لأنَّه ليس إنشاءً للقتال، بل تقويةً له، فقد جعَلَ اللهُ أصلَ إنشاءِ القتالِ له في قولِه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وفي الحديثِ: (مَن قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿) (١).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤).","vol":"3","page":1486},{"text":"ويدلُّ ذلك على أنَّ المُسلِمينَ إنِ اختَلَفوا في مسألةٍ تَحتَمِلُ قولَيْنِ مُتساويَيْنِ في الشرعِ: أنَّ لهم أن يُرجِّحوا ما تَشْفَى به نفوسُهم، ويَذهَبُ به غيظُ قلوبِهم؛ كاختلافِهم في تعيينِ المصلحةِ مِن قتلِ الأَسْرَى وفي قلوبِ المُسلِمينَ على عدوِّهم غيظٌ؛ فلهم ترجيحُ قتلِهم على فِدَائِهم؛ تحقيقًا لِمَصْلَحةٍ اعتبَرها اللهُ، وهي ذَهَابُ الغيظِ وشِفاءُ النفْسِ.\nولو لم يكُنْ ذلك معتبَرًا في الشريعة، لم يذكُرْهُ اللهُ في الآيةِ ممتنًّا به على المؤمنينَ، ولكنَّه يكونُ في موضِعِهِ تابعًا لا متبوعًا، واللهُ أعلَمُ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧].\nلمَّا منَعَ اللهُ المشرِكينَ مِن دخولِ المسجدِ الحرام، لم يَصِحَّ منهم عِمارتُهُ سواءٌ بعبادةٍ أو بتشييدٍ؛ لأنَّهم ليسوا مِن أهلِه؛ فقد منَعَهُمُ اللهُ مِن دخولِ الحرَم، فضلًا عن العبادةِ فيه بحجٍّ وعُمْرةٍ واعتكافٍ وسِقَايةِ حاجِّ.\nوقد فُسِّرَتِ العِمَارةُ للمسجدِ الحرامِ بمعَنَيَيْنِ:\nالمعنى الأوَّلُ: عِمارتُهُ بالعبادةِ؛ مِن صلاةٍ وطوافٍ واعتكافٍ وصَدَقةٍ وغيرِ ذلك.\nالمعنى الثاني: عمارتُهُ بتشيدِهِ بالبناءِ والفَرْشِ والتنظيفِ والتطييبِ وغيرِ ذلك؛ وهذه عبادةٌ.\nولكنَّ المعنى الأولَ أخَصُّ مِن جهةِ كونِهِ عبادةً محضَةً؛ فإنَّ العمارةَ بالصَّلاةِ والطوافِ لا تُسمَّى عبادةً إلَّا إنْ كانتْ مِن موحِّدٍ، وأمَّا تشييدُهُ وبناؤُه، فقد يصِحُّ أن يقومَ به كافرٌ ويُسمَّى مسجِدًا، كما لو","vol":"3","page":1487},{"text":"استُؤجِرَ على ذلك، ولكنَّ اللهَ لمَّا منَعَ مِن دخولِ المشرِكينَ للمسجدِ الحرام، لم يصِحَّ منهم عِمَارتُهُ بالمعنَيَيْنِ جميعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1096>عِمَارةُ الكافرِ للمساجِدِ بِنَفْسِهِ أو بمالِه:</span>\nالأصلُ: أنَّ المساجدَ لا يعمُرُها بالبناءِ والعبادةِ إلَّا المؤمنونَ؛ لظاهرِ الآيةِ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]، وهذا ما جَرَى عليه النبيُّ - ﷺ - وخلفاؤُهُ مِن بعدِه، فلمَّا قَدِمَ النبيُّ المدينةَ، لم يَشْرَكْهُ في بناءِ مسجدِهِ مُشرِكٌ ولا يهوديٌّ، مع كونِهم في المدينةِ كثيرًا أوَّلَ الهجرةِ.\nوإذا وجَدَ المُسلِمونَ قُدْرةً بدنيَّةً ومالًا لبناءِ مَساجدِهم، كُرِهَ لهم الاستعانةُ بيَدِ كافرٍ ومالِهِ في بنائِها؛ حتَّى لا يكونَ للكافرِ عليهم وعلى مَساجدِهم يدٌ ومِنَّةٌ، ولا تكونَ لهم يدٌ عُليا على الإسلامِ.\nوإذا عجَزَ المُسلِمونَ عن القيامِ بمَسْجِدِهم بأنفُسهم وبمالِهم، فلهم الاستعانةُ بكافرٍ أو بمالِه على بِنَائِه؛ وهذا يكونُ كثيرًا في البُلْدانِ التي يَحْكُمُها نَصَارى أو مُشْرِكونَ، ويكونُ المُسلِمونَ فيها قِلَّةً، فتقومُ تلك الدُّوَلُ بإعطاءِ مِنَحٍ وأراضٍ تُقامُ عليها المساجِدُ؛ أُسوةً بمَعَابِدِ أهلِ الأديان، فإن عَجَزوا عنِ القيامِ بذلك بأنفُسِهم، جاز لهم قَبُولُ ذلك، وقد فتَحَ النبيُّ - ﷺ - مكَّةَ وقد كانتِ الكعبةُ قد هُدِمَتْ مرَّاتٍ في الجاهليَّةِ وبَناها المشرِكونَ، فلم يَنقُضْ ما فعَلُوهُ ولم يَذكُرْهُ بكَرَاهةٍ؛ لأنَّه كان في زمَنٍ لا سُلْطانَ فيه للإسلام، ولا تقومُ بيوتُ اللهِ إلَّا بذلك.\nوقد نصَّ على جوازِ عِمَارةِ المساجدِ بمالِ الكافرِ جماعةٌ؛ كابنِ مُفلِحٍ مِن الحنابلةِ (١)، وقد قَبِلَ النبيُّ - ﷺ - هَدَايَا مِن الكفار، وقَبُولُها دليلٌ\n_________\n(١) \"الفروع\" (١٠/ ٣٤٤)، و\"الآداب الشرعية\" (٣/ ٤٠٥).","vol":"3","page":1488},{"text":"على حِلِّها وحِلِّ التصرُّفِ بها، فما جازَ للنبيِّ - ﷺ - أنْ يَطعَمَهُ ويُدخِلَهُ في جَوْفِهِ لحِلِّه، جازَتْ عِمَارة المساجدِ به مِن بابِ أَولى؛ وذلك أنَّ مِثْلَ هذه العطيَّةِ والهديَّةِ لا سُلْطانَ للكافرِ بها على المؤمنينَ؛ بل هي مِن تأليفِ قلبِهِ ودفعِ شرِّه، وكفايةٌ للمؤمنينَ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٩].\nذكَر اللهُ ضلالَ قريشٍ وجَهْلَهم، باختلالِ أولويَّاتِهم، فأَغْراهُم الشيطانُ بأعمالٍ صالحةٍ يَفعَلونَها لِتَستُرَ على نفوسِهم شِرْكَهم وكُفْرَهم بالله، فاغتَرُّوا بسِقايةِ الحاجِّ وبناءِ الكعبةِ وتَشْييدِها؛ وهذا القَدْرُ مِن التلبيسِ يَلحَقُ كثيرًا مِن الناسِ؛ إذْ يقَعُ في حَبَائِلِ الشِّرْك، ويقومُ بعملٍ صالحٍ؛ مِن صِلَةِ رحمٍ، وإطعامٍ وسقايةٍ، وكفالةِ يتيمٍ وأَرْمَلَةٍ، فيَظُنُّ أنه على خيرٍ وحقٍّ، وكلُّ أعمالِه تلك لا يَقبَلُها اللهُ ولا يُثيبُهُ عليها في الآخِرةِ؛ كما تقدَّمَ بيانُ ذلك مِرارًا؛ منها عندَ قولِ اللهِ تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١١٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1097>خطَرُ الجَهْلِ بمَرَاتِبِ الأعمالِ:</span>\nواختلالُ مراتبِ العملِ الصالحِ عندَ الكافرِ والمسلمِ يَغُرُّهُ وَيستدرِجُهُ في الغيِّ والباطلِ:\nأمَّا الكافِرُ: فيَغترُّ بكُفْرِهِ ويُسلِّيهِ ما يَعمَلُهُ مِن عملٍ صالحٍ في الظاهر، ولا يَجِدُ منه في الآخرةِ شيئًا.","vol":"3","page":1489},{"text":"وأمَّا المسلمُ: فإمَّا أن يقَعَ في مفضولاتٍ تَشغَلُهُ عن فاضلاتٍ، وهذا أخَفُّ، وإمَّا أن يقَعَ في مستحَبَّاتٍ تَعُرُّهُ فيَترُكَ الواجبات، وقد يترُكُ مكروهاتٍ؛ يَظُنُّهُ أنه ورَعٌ، وهو واقعٌ في محرَّماتٍ، ويعظُمُ استدراجُ المسلمِ في ذلك بمقدارِ نصيبه مِن الجهلِ بتفاضُلِ الأعمال، وغَفْلَتِهِ عن عواقبِ الأفعال، وأخطَرُ ذلك عالِمٌ يَشغَلُ الناسَ بمفضولاتٍ، والناسُ في سَكْرَةِ المُوبِقاتِ والمُهلِكاتِ؛ كالشِّرْكيَّاتِ والبِدَعِ والمعاصي؛ ولهذا كان أكملُ العلمِ هو العِلْمَ بمراتبِ الأعمالِ فيما بينَها وتفاضُلِها؛ سواءٌ كانت خيرًا أو شرًّا، وأمَّا تمييزُ الخيرِ مِن الشرّ، فهو سهلٌ على كلِّ عاقلٍ.\nومِن هذا البابِ دخَلَ الضَّلَالُ على كفَّارِ قريشٍ؛ فظَنُّوا أنَّهم أتَوْا بأعمالٍ عظيمةٍ سبَقُوا الناسَ بها، وغرَّهُمُ الشَّيْطانُ أنَّهم اختَصُّوا بها، وغَفَلوا عن الكفرِ والشِّرْكِ الذي وقَعُوا فيه، وهو يُبِطِلُ كلَّ أعمالِهم تلك؛ كما رَوَى الطبريُّ، عن عليٍّ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال في قولِه: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: \"قال العبَّاسُ بن عبد المطَّلبِ حِينَ أُسِرَ يومَ بدرٍ: لَئِنْ كنتُم سبَقتُمونا بالإسلام والهجرةِ والجهاد، لقد كُنَّا نَعْمُرُ المسجدَ الحرامَ، ونَسْقِي الحاجَّ، ونفُكُّ العانيَ! قال اللَّهُ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾، إلى قولِه: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ يعني: أنَّ ذلك كان في الشِّرْك، ولا أَقْبَلُ ما كان في الشِّرْكِ\" (١).\nومِن هذا البابِ أيضًا وقَعَ اللَّبْسُ على العامَّةِ في تمييزِ الظالِمِينَ والمنافِقِينَ مِن الصَّادِقينَ؛ فيَرَوْنَ آحادَ أعمالِ البِرِّ للمنافِقِينَ والظَّالِمِينَ مِن صدقةٍ وسُقْيَا وعمارةِ المساجدِ، ويَغفُلونَ عمَّا هم عليه مِن محادَّةٍ للهِ؛ مِن كُفْرٍ وشِرْكٍ وسَرِقةٍ وظُلْمٍ وبَغْيٍ، والعالِمُ العارِفُ يُدرِكُ مقامَ الضَّلالاتِ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٣٧٨).","vol":"3","page":1490},{"text":"في مُقابِلِ الهدايات، والمعاصي في مُقابِلِ الطاعات، وقَدْرَ كلِّ واحدةٍ على ضدِّها، وقد روى مسلمٌ، عن مُصعَبِ بنِ سعدٍ؛ قال: دَخَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى ابْنِ عَامِرٍ يَعُودهُ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَقَالَ: أَلَا تَدْعُو اللهَ لِي يَا بْنَ عُمَرَ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: (لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ)، وَكُنْتَ عَلَى الْبَصْرَةِ (١).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1098>نَجَاسةُ الكافرِ مَعْنَوِيَّةٌ:</span>\nفي هذا: بيانٌ لنجاسةِ المشرِكينَ، ولكنَّها نجاسةُ دِينٍ وعقيدةٍ، لا نجاسةُ جسمٍ وبدنٍ، عندَ عامَّةِ السَّلَف، خِلافًا للحسَنِ؛ فقد قال: \"لا تُصافِحُوهم، فمَن صافَحَهُمْ فلْيتَوضَّأُ\"، رواهُ عنه أشعثُ بن سَوَّارٍ، عندَ الطَّبريِّ (٢).\nوكان قتادةُ يَجعَلُها متعلِّقةً بالجَنابةِ (٣)، وأنَّهم لا يَغتسِلونَ، ولكنَّ هذا لا يَرتفِعُ لو أنَّ كافرًا اغتسَلَ؛ لأنَّ الأمرَ عُلِّقَ بشِرْكِهِ لا بجَنابتِه، بخلافِ المسلم؛ فهو ممنوعٌ مِن دخولِ المسجِدِ لجَنَابتِهِ؛ كما في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]، وأمَّا المشرِكُ، فعُلِّقَ بشِرْكِهِ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾، والجَنَابةُ لا تَنْقُلُ الحُكْمَ في الَبَدَنِ مِن طاهرٍ إلى نَجَسٍ.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٢٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٣٩٩).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٣٩٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٧٧٥).","vol":"3","page":1491},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1099>غُسْلُ الكافرِ عندَ إسلامِهِ:</span>\nولا إشكالَ في استحبابِ اغتسالِ الكافرِ عندَ إسلامِه، وقد اغتَسَلَ ثُمَامةُ بن أُثالٍ عندَ إسلامِه، ولا يثبُتُ دليلٌ صريحٌ في أمرِ الكافرِ عندَ إسلامِه بالغُسْل، وأمَّا ما جاءَ مِن حديثِ أبي هُرَيْرةَ؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - مرَّ بثُمَامةَ بنِ أُثَالٍ فبعَثَ به إلى حائِط أبي طَلْحةَ، فأمَرَهُ أن يَغتسِلَ، فاغتسَلَ، وصلَّى ركعتَيْن، فقال النبيُّ - ﷺ -: (لَقَدْ حَسُنَ إِسْلَامُ أَخِيكُمْ) - فلا يصحُّ الأمرُ فيه؛ فقد أخرَجَهُ عبدُ الرَّزَّاقِ؛ مِن حديثِ عُبَيْدِ اللهِ وعبدِ اللهِ ابنَيْ عُمرَ، عن سعيدٍ المَقبُريّ، عن أبي هريرةَ؛ به (١).\nورواه عبدُ الرحمنِ بن مَهْديٍّ (٢)، وسُرَيْجٌ (٣)، عن عبد اللهِ بنِ عمرَ العُمَرِيِّ؛ به، بنَحْوِه، وليس فيه الأمرُ بالاغتِسالِ؛ وهو الصَّوابُ.\nوليس في شيءٍ مِن طرُقِ الحديثِ عَن المَقْبُريِّ؛ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أمَر ثُمامةَ بالاغتسال، وإنَّما هو فَعَلَهُ مِن قِبَلِ نفسِه؛ هكذا رواهُ الثِّقاتُ مِن أصحابِ سعيدٍ المَقْبُريِّ؛ كاللَّيْثِ بنِ سعدٍ عن المَقْبُريّ، به؛ رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ، عن اللَّيْث، به (٤)، ورواهُ مسلمٌ، عن عبد الحميدِ بنِ جعفرٍ، عن المَقبُريّ، به (٥).\nوأمَّا ما جاء عن قيسِ بنِ عاصمٍ؛ أنه أسلَمَ فأمَرَهُ النبيُّ - ﷺ - أنْ يَغتِسِلَ بماءٍ وسِدْرٍ، فقد أخرَجَهُ أحمدُ وأهلُ السنن؛ مِن حديثِ سُفْيانَ،\n_________\n= (١) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٩٨٣٤) و(١٩٢٢٦).\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٣٠٤).\n(٣) أخرجه أحمد (٢/ ٤٨٣).\n(٤) أخرجه البخاري (٤٣٧٢)، ومسلم (١٧٦٤).\n(٥) أخرجه مسلم (١٧٦٤) (٦٠).","vol":"3","page":1492},{"text":"عن الأغَرِّ بنِ الصَّبَّاح، عن خليفةَ بنِ حُصينٍ، عن جَدِّه قيسِ بنِ عاصمٍ، به (١).\nواختُلِفَ فيه على سُفْيانَ؛ فرَواهُ عنه هكذا ابنُ مَهْدِيّ، ويحيى بن سعيدٍ القطَّانُ، ووكيعُ بن الجرَّاح، وأبو عاصمٍ، وعبدُ الرزَّاق، ومحمدُ بن كثيرٍ العَبْديُّ، وأبو عامرٍ.\nوله وجهٌ آخَرُ عن وكيعِ بنِ الجرَّاح، رواهُ أحمدُ في \"مُسندِه\"؛ فقال: حدَّثَنا وكيعٌ، حدَّثنا سُفْيانُ، عن الأغَرِّ المِنقَريّ، عن خليفةَ بنِ حُصَيْنِ بنِ قيسِ بنِ عاصمٍ، عن أبيه، عن جَدِّه (٢).\nورواهُ قَبِيصةُ بنُ عُقْبةَ، عن سُفْيانَ؛ مِثْلَهُ، أخرَجَهُ البيهقيُّ (٣).\nوأبوه لا يُعرَفُ، وخليفةُ لم يَسمَعْ مِن جدِّه، وروايتُه عنه أصَحُّ.\nوالحديثُ في كِلا الطَّريقَيْنِ ضعيفٌ.\nوجاء في البابِ أحاديثُ فيها الأمرُ بالاغتسالِ؛ مِن حديثِ منصورِ ينِ عمَّارٍ، عن معروفٍ أبي الخطَّاب، عن واثِلةَ بنِ الأَسْقَعِ؛ قال: لمَّا أسلَمْتُ، أتيتُ النَّبيَّ - ﷺ -، فقال لي: (اغْتَسِلْ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاحْلِقْ عَنْكَ شَعَرَ الْكُفْرِ)؛ أخرَجَهُ الطبرانيُّ (٤)، ومنصورُ بن عمَّارٍ لا يُحتَجُّ به معَ صَلاحِه، وتفرَّدَ بالروايةِ عنه ابنُه سُلَيْمٌ، وهو ليِّنُ الحديث، وحديثُهُ هذا منكَرٌ.\nوعند الطبرانيِّ أيضًا؛ مِن حديثِ قتادةَ بنِ الفضل، عن أبيه، حدَّثَني\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٦١)، وأبو داود (٣٥٥)، والترمذي (٦٠٥)، والنسائي (١٨٨).\n(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٦١).\n(٣) أخرجه البيهقي في \"السنن الكيرى\" (١/ ١٧٢).\n(٤) أخرجه الطبراني في \"المعجم الصغير\" (٨٨٠).","vol":"3","page":1493},{"text":"هشامُ بن قتادةَ، عن أبيه؛ بمعنى حديثِ وَاثِلةَ (١)؛ وهو مُسلسَلٌ بالمَجَاهِيلِ.\nولكنَّه لا يثبُتُ دليلٌ صريحٌ في أمرِ الكافرِ بذلك، وقد ذهَبَ مالكٌ وأحمدُ: إلى إيجابِ اغتسالِه، واستَحَبَّهُ الشافعيُّ ولم يُوجِبْهُ، وروى ابنُ وهبٍ عن مالكٍ: أنه لا يَعرِفُ الغُسْلَ.\nومَن تأمَّلَ الصحابةَ وحالَهم، وجَدَ أنه لم يُولَدْ في الإسلامِ ويَبلُغْ قبلَ وفاةِ النبيِّ - ﷺ - إلَّا نفَرٌ قليلٌ، ومَن كان على جاهليَّةٍ ودخَلَ الإسلامَ، لو كان الاغتسالُ واجبًا، لكان عليهم جميعًا، أو على عامَّتِهم، وَينبَغي مِثْلُ هذا أنْ بَثبُتَ به النصُّ ويَشَتَهِرَ، والوفودُ الذين جاؤوا لِيُسْلِمُوا ويَذْهَبُوا لم يُؤمَروا بشيءٍ مِن ذلك، ولو أُمِرُوا، فهو أبْقى في أذهانِهم وأَولى بالذِّكْرِ؛ لأنَّ الذِّهْنَ يَحفَظُ اْوَّلَ ما يُؤمَرُ به الإنسانُ عندَ تَحوُّلِه.\nولا أعلَمُ فيه شيئًا يَصِحُّ عن أحدٍ مِن الخلفاءِ الراشِدينَ وفقهاءِ الصحابةِ؛ أنه أمَرَ داخِلَ الإسلامِ أن يَغتسِلَ.\nقولُه تعالى ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1100>حُكْمُ دخولِ الكافِرِ للمساجِدِ:</span>\nويتَّفِقُ العلماءُ على حُرْمةِ الإقامةِ للكافرِ في المسجدِ الحرامِ؛ فلا يَتَّخِذُهُ سُكْنَى ومُقَامًا كسائرِ الأرضِ؛ لظاهرِ الآية، وإنَّما خِلافُهم في مرورِ الكافرِ وعُبُورِه، وأكثرُ السَّلَفِ والفقهاءِ على المنع، وقد جوَّز أبو حنيفةَ دخولَ الذِّمِّيِّ.\nوللمسجِدِ الحرامِ تعظيمٌ وخصيصةٌ ليسَتْ لغيرِهِ مِن المساجدِ في الأرضِ؛ وذلك لأنَّ فيه مَناسِكَ وعبادةً لا تصِحُّ في غيرِه، ولأنَّه معظَّمٌ عندَ كثيرٍ مِن أهلِ الكتابِ والمشرِكينَ بخلافِ مسجدِ المدينة، ولهم فيه\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكير\" (١٩/ ١٤) (٢٠).","vol":"3","page":1494},{"text":"مطمَعٌ ورغبةٌ في إظهارِ العبادة، فمُنِعُوا مِن ذلك وشدِّدَ عليهم، فجاءتِ الَايهُ بالنصِّ عليه بالتحريم، ولأنَّه قِبْلةُ المُسلِمينَ، والحَدَثُ فيه ليس كغَيْرِه، فوجَبَ صِيانتُهُ وتعظيمُه.\nواختُلِفَ في تعميمِ النَّهْيِ على سائرِ مساجدِ الأرض، وبالتعميم قال عمرُ بن عبد العزيرِ ومالكٌ فقد روى ابنُ جَريرٍ، عن أبي عمروٍ؛ أنَّ عمرَ بنَ عبد العزيزِ كتَب: أنِ امنَعُوا اليهودَ والنَّصَارى مِن دخولِ مساجدِ المُسلِمينَ، وأتْبَعَ في نهيِهِ قولَ اللَّهِ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (١).\nولم يَقُلْ بالتعميمِ الشافعيُّ وجماعةٌ؛ فقد آجازَ الدخولَ بإذنِ المُسلِمينَ.\nوالأصلُ: أنَّ عامَّةَ المساجدِ لا يَدْخُلُها إلَّا مسلِمٌ، ما لم تَكُنْ حاجةٌ، وذلك لأمورٍ عدَّةٍ:\nمنها: أنَّ المساجدَ بيوتُ الله، وبيوتُهُ لا يَعْمُرُها مَن لا يَعْبُدُه، وحتَّى لا يَختلِطَ الإسلامُ بغيرِهِ مِن الكفرِ والشِّرْك، كان الأصلُ مَنْعَ المشرِكِ مِن دخولِ المساجدِ؛ بخلافِ الحاجةِ العارضةِ؛ وذلك أنَّ عِمارتَها مِن غيرِ أهلِها يُخالِفُ المقصودَ مِن بِنائِها.\nومنها: أن الإذنَ بدخولِ المشرِكينَ للمساجد، وجَعْلَ ذلك أصلًا كدخولِ المُسلِمينَ: يُذهِبُ فضلَ المساجدِ الذي اختَصَّتْ به عن بقاعِ الأرضِ؛ كما في مسلمٍ؛ مِن حديثِ أبي هُرَيرةَ؛ قال - ﷺ -: (أحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ أسوَاقُهَا) (٢)؛ فلا فَرْقَ بينَ المسجدِ والسُّوق، وإنَّما اختَصَّتِ المساجدُ بالفضلِ؛ لاختصاصِ المُسلِمينَ بها، ولاختصاصِها مِن جهةِ الأصلِ بالعبادةِ؛ وذلك أنَّ دخولَ الكافِرينَ إليها يَجعَلُهُمْ يَفعَلونَ ما يَشاؤونَ مِن اللَّغوِ والحديث، ولا\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٣٩٨).\n(٢) أخرجه مسلم (٦٧١).","vol":"3","page":1495},{"text":"يُفرِّقونَ بينَ حلالٍ وحرامٍ؛ ولا بينَ إيمانٍ ولا كفرٍ، فيَفعَلونَ ما يَفعَلونَه في سوقِهم.\nومنها: أنَّ اللهَ جعَل لِزُوَّارِ بيتِه فضلًا ومَنْزِلةً، ويُروى أنَّهم زوَّارُهُ وضُيُوفُهُ وأهلُه، وأنَّها بيوتُ المتَّقينَ، وإذا اعتادَ المشرِكُ، قَصْدَ المسجد، الْتَبَسَ هذا الفضلُ واختلَطَ بمَن لا يَستحِقُّه، وقد صحَّ عندَ عبد الرزَّاق، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ الأَوْدِيُّ؛ قال: أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (إِنَّ المَسَاجِدَ بُيُوتُ اللهِ فِي الأَرْض، وَإِنَّهُ لَحَقٌّ عَلَى اللهِ أَنْ يُكْرِمَ مَنْ زَارَهُ فِيهَا) (١).\nومَن اعتادَ دخولَ المسجدِ يُشهَدُ له بالإيمانِ؛ وهذا ظاهرُ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ١٨]،ويُروى فيه مِن حديثِ أبي سعيدٍ الخدريُّ؛ قال - ﷺ -: (إِذَا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ المَسْجِدَ، فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإِيمَانِ)، ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]؛ أخرَجَه التِّرْمِذيُّ وغيرُه (٢).\nومنها: أنَّ المساجدَ مختصَّةٌ بحِصْنِها مِن الشَّيْطان، وشهودُ الملائكةِ فيها ليس كغيرِها؛ وذلك لفضل المكانِ وفضلِ عُمَّارِه، وقد قال عبدُ الرحمنِ بن مَعْقِلٍ: \"كُنَّا نَتَحَدَّثُ أنَّ المَسْجِدَ حِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ\"؛ رواهُ ابن أبي شَيْبةَ (٣).\nوقد جعَلَها النبيُّ - ﷺ - ملجَأَ المؤمنينَ مِن الشيطانِ؛ كما رُوِيَ عندَ أحمدَ؛ من حديثِ مُعاذِ بنِ جبل؛ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: (إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ؛ يَأْخُدُ الشَّاةَ الْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ؛ فَإِيَّاكمْ وَالشِّعَابَ،\n_________\n(١) أخرحه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢٠٥٨٤).\n(٢) أخرحه أحمد (٣/ ٧٦)، والترمذي (٣٠٩٣)، وابن ماجه (٨٠٢).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٤٦١٣).","vol":"3","page":1496},{"text":"وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ وَالمَسْجِدِ) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1101>دخولُ الكافرِ المسجِدَ على سبيلِ الاعتراضِ:</span>\nوأمَّا دخولُ الكافرِ على سبيلِ الاعتراضِ والحاجةِ؛ كأنْ يُحبَسَ في موضعٍ لا ينجِّسُ المسجدَ، أو يُدخَلَ لِدَعْوتِهِ إلى الإسلام، أو لِيَعمَلَ صَنْعةً في المسجدِ لا يُحسِنُها إلَّا هو، فلا حرَجَ في ذلك، وقد أدخَلَ النبيُّ بعضَ المشرِكينَ إلى مسجدِهِ جماعةً ومُتفرّقينَ؛ كما أدخَلَ ثُمَامةَ بنَ أُثَالٍ، ووَفْدَ ثَقيفٍ ونَجْرانَ، ورُوِيَ عن الحسَنِ؛ أنَّ وفدَ ثَقيفٍ قَدِموا على رسولِ اللهِ - ﷺ -، فضرَبَ لهم قُبَّةً في المسجد، فقالوا: يا رسولَ الله، قومٌ مُشرِكونَ؟ ! فقال: (إِن الْأَرْضَ لَيْسَ عَلَيْهَا مِنْ أَنْجَاسِ النَّاسِ شَيْءٌ؛ إِنَّمَا أَنْجَاسُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ)؛ رواهُ ابنُ شَبَّةَ في \"تاريخِ المدينةِ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1102>حدودُ الحَرَمِ وتضعيفُ العبادةِ فيه:</span>\nوكلُّ ما كان يَحْرُمُ فيه الصَّيدُ، وعَضدُ الشَّجَر، فهو حَرَمٌ، والكعبةُ وما حولَها أعظَمُ وأشَدُّ؛ لكَوْنِها أقرَبَ إلى الموضعِ الذي حُرِّمَ لأَجْلِهِ حَرَمُ مَكَّةَ؛ فإنَّما كان الحَرَمُ حَرَمًا لأَجْلِ الكَعْبة، ولو لم تكُنْ كعبةٌ، لم يكُنْ في مكَّةَ حَرَمٌ، ولأنَّ ما حولَ الكعبةِ موضعٌ لعباداتٍ لا تُوجَدُ في سائرِ مساجدِ مَكَّةَ؛ كالطَّوافِ وتقبيلِ الحجَرِ واستلامِ الرُّكْنَيْن، ويختَصُّ بالتطهيرِ أعظَمَ مِن غيرِه.\nوقد عَدَّ أكثرُ العلماءِ أنَّ المسجِدَ الحرامَ هو الحَرَمُ كلُّه؛ وذلك أنَّ اللهَ يُطلِقُ المسجِدَ الحرامَ، ويُريدُ به مَواضِعَ غيرَ الكعبةِ؛ كما أُسرِيَ يالنبيُّ - ﷺ - مِن بيتِ أمِّ هانئٍ عندَ أكثرِ المفسِّرينَ، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٢).\n(٢) \"تاريخ المدينة\" (٢/ ٥١٠).","vol":"3","page":1497},{"text":"[الإسراء: ١]؛ لأنَّ بيتَها في حَرَمِ مَكَّةَ، ولكنْ في \"صحيحِ البخاريَّ\"؛ أنه أُسرِيَ به - ﷺ - مِن الحِجْر، قال: (بَيْنَمَا أَنَا فِي الحَطِيمِ - وَرُبَّمَا قَالَ: فِي الحِجْرِ - مُضْطَجِعًا، إِذْ أَتَانِي آتٍ) (١)، وكذلك ففد قال اللهُ عن فحلِ كفارِ قريشٍ بالنبيِّ - ﷺ - وأصحابِهِ: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقريشٌ قصَدَتْ إخراحَهُمْ مِن مَكَّةَ، ولم يَقصِدُوا إخراجَهُ مِن مسجدِ الكعبةِ فحَسْبُ، ولو أرادُوا البقاءَ في حَرَمِ مَكَّةَ، لم يأذَنوا لهم ولَقَتَلوهم.\nوالصلاةُ في حَرَمِ مَكَّةَ كلُه أفضَلُ مِن غيرِهِ بلا خلافٍ، ولكنَّ الخلافَ إنَّما هو في دخولِ جميعِ ما في الحرَمِ مِن المساجدِ والدُّورِ في التضعيف، وقد كان النبيُّ - ﷺ - وأصحابُهُ يَحرِصونَ على الصلاةِ في الحرَم، ففي صُلْحِ الحُدَيْبِيةِ ضرَبَ قُبَّتَهُ في الحِلِّ وكان يُصلِّي في الحرَمِ؛ كما رواهُ أحمدُ في \"مسندِهِ\"، عن محمَّدِ بنِ إسحاقَ، عنِ الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ، عن المِسوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ ومَرْوَانَ بنِ الحكَمِ؛ قال في حديثٍ طويلٍ: \"كان رسولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلي فِي الْحَرَم، وَهُوَ مُضْطَرِبٌ فِي الْحِلِّ\" (٢).\nوسنَدُه صحيحٌ؛ سَمِعه ابنُ إسحاقَ مِن الزُّهْريّ، ومعنى اضطِرابِهِ في الحِلِّ: أنَّ خِيَامَهُ مُقامةٌ فيه؛ وهذا ظاهرُ فعلِ عبد اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاص، ولا مُخالِفَ له مِن الصحابة، وقولُ عطاءٍ، ولا مُخالِفَ له منِ التابِعينَ؛ فقد روى أحمدُ في \"مُسنَدِهِ\"؛ مِن حديثِ عمرِو بنِ دينار، عن عطاءٍ، عن رجلٍ مِن هُذَيلٍ؛ قال: \"رَأيْتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرِو بنِ العاصِ وَمَنْرِلُهُ فِي الْحِلِّ، وَمَسْجِدُهُ فِي الْحَرَمِ\" (٣).\nوفيه جهالةٌ؛ لكنَّه صحيحٌ مِن وجوهٍ، أُخرى، وهذا المكانُ موضعٌ\n_________\n(١) أخرحه البخاري (٣٨٨٧).\n(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٣٢٥).\n(٣) أخرجه أحمد (٢/ ١٩٩).","vol":"3","page":1498},{"text":"مشهورٌ لعبدِ اللهِ بنِ عمروٍ؛ فقد رواهُ أبو نُعَيْمِ في \"الحِلْيةِ\"، عن عبد اللهِ بنِ بَابَاهْ؛ قال: \"جِئْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْروٍ بِعَرَفَةَ، وَرَأَيْتُهُ قَدْ ضَرَبَ فُسْطَاطًا فِي الْحَرَم، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: تَكُونُ صَلَاتِي فِي الْحَرَم، فَإِذَا خَرَجْتُ إِلَى أَهْلِي، كُنْتُ فِي الْحِلُّ\" (١).\nورواهُ عبد الكريمِ الجَزَرِيُّ (٢) ومنصورٌ (٣)، عن مجاهِدٍ، عن عبد اللهِ بنِ عمرِوٍ؛ وهو صحيحٌ.\nورواهُ عه أيضًا عطاءٌ (٤)، وغيرُه.\nوقد روى الطبريُّ، عن ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: قال عطاءٌ: \"الحرَمُ كلُّه قِبْلةٌ ومسجدٌ؛ قال: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾، لم يَعْنِ المسجدَ وحدَهُ، إنَّما عَنَى مَكَّةَ والحرَمَ؛ قال ذلك غيرَ مرَّةٍ\" (٥).\nوروى الأَزْرَقيُّ، عن عبد الجبَّارِ بنِ الوَرْدِ المَكَّيِّ؛ قال: سمِعتُ عطاءَ بنَ أبي رَبَاحٍ يقولُ: \"المسجدُ الحَرَامُ الحَرَمُ كلُّه\" (٦).\nوقد حكى المُحِبُّ الطبريُّ في \"القِرَى\" الاتِّفاقَ على أنَّ حُكْمَ الحَرَمِ ومكَّةَ في ذلك سواءٌ: (٧)، وقد ذكَرَ في \"الفروعِ\" (٨): أنَّ ظاهرَ كلامِ أصحابِ أحمدَ أنه المسجدُ خاصَّةً، مع فضلِ الحرَمِ على الحِلّ، ورجَّحَهُ في \"الآدابِ الشَّرعيَّةِ\" (٩).\nوالأظهَرُ: عمومُ ذلك في الحرَمِ كلِّه، وأمَّا قولُهُ - ﷺ -: (صَلَاةٌ فِيهِ\n_________\n(١) \"حلية الأولياء\" (١/ ٢٩٠).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٨٨٧٠).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٤٠٩٦).\n(٤) أخرحه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٥/ ١٧٩).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٣٩٨).\n(٦) \"أخبار مكة\" للأزرقي (٢/ ٦٢).\n(٧) \"القِرَى، لقاصد أم القُرَى\" (ص ٦٥٨).\n(٨) \"الفروع\" (٢/ ٤٥٦).\n(٩) \"الآداب الشرعية\" (٣/ ٤٢٩).","vol":"3","page":1499},{"text":"أَفْضَلُ مِنْ ألْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ المَسَاجِد، إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ (١)؛ فالمرادُ بـ (مسجدَ الكَعْبَةِ) التعريفُ به، لا حَصْرُهُ بالكعبةِ وما أحاط بها؛ وذلك كقولِهِ تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وليس المرادُ بذلك أنَّ الهديَ يُذبَحُ عندَ الكَعْبةِ؛ وإنَّما في الحَرَمِ؛ وذلك أيضًا في قولِهِ تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، وأكبرُ مَحِلُّ للمَنحَرِ مِنًى، وهي مِن الحَرَمِ.\nويدلُّ على أنَّ اللهَ إذا ذكَرَ المسجدَ الحرامَ أرادَ الحرَمَ كلَّه: أنه قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: ٧]؛ فقال: ﴿عَندَ﴾ وذلك لأنَّه كان لي صُلْحِ الحُدَيْبِيَة، وقد كان بينَ الحِلِّ والحَرَمِ.\nوفد جعَلَ ابنُ عبَّاسٍ مَكَّةَ الحرَمَ كلَّه، وصحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهِدٍ وعطاءٍ: أنَّ مَقامَ إبراهيمَ الذي يُتَّخَذُ مُصلَّى في: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، هو الحرَمُ كلُّه (٢).\nقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩].\nفي الآيةِ: قتالُ أهلِ الكتاب، وأخذُ الجِزْيةِ منهم عندَ عَدَمِ قَبُولِهم الإسلامَ، وإذا أَعطَوْها فيُمْسَكُ عنهم، وقد نرَلَتْ في غزوةِ تبوكَ؛ كما قاله غيرُ واحدٍ مِن السَّلَفِ (٣).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٣٩٦).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٢٢٦).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٤٠٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٧٧٨).","vol":"3","page":1500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1103>تأخُّرُ نزولِ الجِزْيةِ:</span>\nولم يأمُرِ اللهُ نبيَّه بأخذِ الجِزْيةِ إلَّا متأخِّرًا؛ وذلك بعدَ شدَّةِ التمكُّنِ وظهورِ القُوَّةِ والغَلَبة، وذلك شبيهٌ بأمرِ الأَسْرى، فقد كان اللَّوْمُ في أوَّلِ الأمرِ على فِدَائِهم؛ حتَّى لا يَركَنَ الناسُ إلى الدُّنيا والدَّعَةِ والتلذُّذِ بالعَبِيدِ والإماء والمالِ؛ فلِلدُّنيا طَعْمٌ إنْ بدَأَ بأخذِهِ السالِكونَ ولم يَذُوقُوا أَمْرَ الشِّدَّة، فقد يُصيبُهم الرُّكونُ والوَهْنُ وحبُّ الدُّنيا؛ وهذا مِن أسبابِ تأخيرِ أحذِ الجزبةِ على المؤمِنِينَ، مع أنَّ اللهَ أحَلَّ لهم قبلَ ذلك الغنائمَ والخَرَاجَ، لكن المالَ معَ شِدَّةٍ ليس كالمالِ معَ الراحة، وكثرةُ المالِ ليسَتْ كقِلَّتِه.\nومِن ذلك: أنَّ النبيَّ - ﷺ - كان مُنشغِلًا باستئصالِ المشرِكينَ بمَكَّةَ، وهم أشَدُّ كفرًا مِن أهلِ الكتاب، وإنزالُ أهلِ الكتابِ على الجِزْيةِ ومنعُ المشرِكِينَ مِن ذلك: يُورِثُهم عِنَادًا فوقَ عِنَادِهم، فيَظُنُّونَ أنه يُرِيدُ بهم استصغارًا واحتقارًا لِمِلَّتِهم، فهم يَزعُمونَ أنَّهم على دِينِ إبراهيمَ وليسوا عليه، فلمَّا ارتفَعَ عامَّةُ الشِّرْكِ مِن جزيرةِ العربِ أو أكثرِها نزَلَتْ آيةُ الجِزْيةِ.\nوهذه الأيةُ مخصِّصةٌ لعمومِ الآياتِ الآمِرةِ بالقتال، بإطلاقٍ، وقد تقدَّمَ الكلامُ على بعض أحكامِ الجِزْيةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣]، وأحكامِ أخدِ العُشورِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٨٦].\nوإذا بذَلَ أهلُ الكتاب الجِزْيةَ، لَزِمَ الإمساكُ عن قتالِهم، وليس أخذُ الجزيةِ والقتالُ محلَّ تخييرِ عندَ قتالِ المُسلِمينَ لهم؛ ففي \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ بُرَيْدةَ؛ قال - ﷺ -: (إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ،","vol":"3","page":1501},{"text":"فَادْعُهُمْ إلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ)، ثم قال: (فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ) (١)، فأمَرَ بالإمساكِ بعدَ بَذْلِ الجِزْيةِ.\nوأمَّا وضعُ عيسى للجزية، وعَدَمُ قَبُولِهِ لها مِن أهلِ الكتابِ؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ قال - ﷺ -: (وَيَضَعَ الجِزْيَةَ) (٢)؛ يعني لا يَقْبَلُها -: فذلك مخصوصٌ به، وينتهي التخييرُ، مع أنَّ عيسى يقضي بدِينِ محمَّدٍ - ﷺ -؛ لأنَّه بنزولِ عيسى يَنقطِعُ إيمانُهُمْ به؛ لأنَّه يَدْعوهم إلى الإسلامِ والإيمانِ بمحمَّدٍ - ﷺ -، وبعدَ ظهورِ عيسى وأمرِهِ فإنَّ مَن لم يُجِبْهُ ليس مؤمِنًا لا بمحمَّدٍ - ﷺ - ولا بعيسى ﵇، فتَعلُّقُهُمْ أنَّهم مُؤمِنونَ بكتابٍ قديمٍ يَقطِعُ بخروجِ نبيِّ بني إسرائيلَ فيهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1104>خَصُوصيَّةُ أهلِ الكتابِ بالجِزْيةِ:</span>\nولا خلافَ عندَ العلماءِ في أخذِ الجزيةِ مِن أهلِ الكتابِ؛ لظاهرِ الآية، وإنَّما الخلافُ عندَهم في غيرِ الكتابيِّينَ مِن الوثنيِّينَ والمَلَاحِدة، على أقوالٍ:\nالأوَّلُ: ذهَبَ الشافعيُّ، وأحمدُ في روايةٍ عنه: إلى أنَّها خاصَّةٌ بأهلِ الكتاب، وهي سُنَّةٌ فيهم لا تتَجاوَزُهم إلى غيرِهم إلَّا بدليلِ؛ وذلك لقولِهِ - ﷺ - في المجوسِ: \"سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةً أَهْلِ الْكتَابِ\" (٣)، فدَل ذلك على تخصيصِهم، والأصلُ: عدمُ دخولِ المَجُوسِ حتَّى ألحَقَهُمْ بهم.\nواختَلَفَ هؤلاءِ في العِلَّةِ التي التي أُلحِقَ لِأجْلِها المجوسُ بأهلِ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٧٣١).\n(٢) أخرجه البخاري (٢٢٢٢)، ومسلم (١٥٥).\n(٣) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٧٨)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١٠٠٢٥)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٠٧٦٥).","vol":"3","page":1502},{"text":"الكتاب، وتبعًا لذلك اختَلَفُوا في بقيَّةِ المنسوبينَ إلى كتابٍ؛ كالسَّامِرةِ وأَتْباعِ صُحُفِ إبراهيمَ والزَّبُورِ وغيرِهم.\nالثاني: ذهَب أبو حنيفةَ وابنُ وهبٍ: إلى أنه يدخُلُ مع أهلِ الكتابِ جميعُ كفَّارِ العجَمِ على اختلافِ عَقائدِهم، ولو كانوا وثَنيِّينَ أو زَنادِقةً ومَلاحِدةً، وأمَّا مُشرِكو العرَب، فلا يُقبَلُ منهم إلَّا الإسلامُ أو السَّيْفُ.\nالثالثُ؟ ذهَبَ الأوزاعيُّ ومالكٌ وأحمدُ: إلى أنَّ الجزيةَ تُقبَلُ مِن كلِّ كافرٍ؛ عربيٍّ أوأعجميًّ، كتابيُّ أو وثنيُّ، وقد أخَذُوا بعمومِ حديثِ بُرَيْدةَ السابقِ؛ فلم يُخصِّصْ أصحابَ مِلَّةٍ عن الأُخرى، وإنَّما جَعَلَ الأمرَ على كلِّ مَن يَلْقاهُ مِن عدوِّه.\nوهذا الأظهَرُ، وتأخُّرُ نزولِ الآيةِ كان لاستئصالِ المشرِكِينَ إاخراجِهم مِن جزيرةِ العرَب، فمِثْلُهم لا يُقَرُّ فيها بحالٍ إلَّا للضَّرورة، وإقرارُ الكتاببِّينَ أخَفُّ مِن إقرارِهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1105>المَجُوسُ والصابئةُ:</span>\nوالحديثُ الواردُ في مُشابَهةِ المجوسِ لليهودِ والنَّصَارى إنَّما هي في الجِزْيةِ خاصَّة، ولا تَحِلُّ ذَبائحُهم ولا نكاحُ نسائِهم، وما كانتِ العربُ تَعْرِفُهُمْ بأنَّهم أهلُ كتابٍ؛ وذلك أنَّ اللهَ قال عن كفَّارِ قريشِ ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٥، ١٥٦] يَعْنُونَ: اليهودَ والنَّصَارى؛ كما صَحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ وقتادةَ (١)؛ أي: يُخافُ أنْ تقولَ قريشٌ ذلك، فيَرَوْنَ أنَّ كُتُبَ اليهودِ والنصارى ليسَتْ على لُغَتِهم، ولا هم مِن قَوْمِهم، فقطَعَ اللهُ بإنزالِهِ القرآنَ بلسانٍ عربيٍّ\n_________\n(١) \"تفسر الطبري\" (٧/ ١٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٤٢٥).","vol":"3","page":1503},{"text":"حُجَّتَهم، فقُرَيْشٌ كانوا يَنتَقِدُونَ أهلَ الكتابِ بعدَمِ عَمَلِهِمْ بالكتاب، وأنَّ قريشًا لو نزَلَ عليهم كتابٌ بلِسَانِهم، لآمَنُوا به، ولو بَيَّنَ لهم أخطاءَهم، لَترَكُوها وكانوا خيرًا منهم بالاتِّباعِ؛ وذلك في قولِهِ: ﴿أَو تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٧]، فذكَرَ اللهُ للطائفتَيْنِ دليلًا على أنه ليس حولَ العربِ أهلُ كتاب غيرهم، مع أن المجوسَ مَعرُوفُونَ، ولم يكونوا عندَهم أهلَ كتابٍ، فلو كانوا كذلك، لكانَتِ الطوائفُ ثلاثًا.\nوكذلك: فإنَّ اللهَ تعالى لمَّا ذكَرَ الذين يَنْجُونَ يومَ القيامةِ مِن أهلِ المِلَلِ الذين ماتوا على استقامةِ دِينِهم، لم يذكُرِ المجوسَ مع أهلِ الكتاب، فقال في سورةِ البقرةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [البقرة: ٦٢]، ومِثلُها في سورةِ المائدة، إلَّا أنه قدَّمَ الصابِئِينَ على النصارى؟ ﴿وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ [المائدة: ٦٩]، ثم قال: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٩]،، وذكَر أنَّ هؤلاء قد يصدُرُ منهم عملٌ صالحٌ قبلَ العِلْمِ بالإسلام، وليس المجوسُ منهم، ولكن اللهَ لمَّا ذكَرَ الفصلَ يومَ القيامةِ بينَ الأُممِ ولم يذكُرِ النَّجَاةَ وعدَمَ الخوف، ذكَرَ المجوسَ معهم؛ كما في الحَجّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾ [الحج: ١٧].\nوفي أحسَنِ أحوالِ المجوسِ: فهذا يدُلُّ على أن الصابِئِينَ أحسَنُ منهم، وأقرَتُ للكتابِ المنزَّلِ مِن المجوس، والصابئةُ اليومَ موجودونَ في العِرَاقِ وَيعتقِدونَ بنُبُوَّةِ آدمَ وشِيثَ وسامِ بنِ نوح وإبراهِيمَ ويحيى، والنَّصَارَى يُسَمُّونَهم يُوحَنَّاسِيَّةً؛ (نسبةً إلى يوحنَّا، وهو يحيى)، وهم","vol":"3","page":1504},{"text":"طوائفُ وفِرَقٌ، وبعضُهُمْ بدَّل فأشرَكَ، وبعضهُمْ لم يُبدِّلْ وبَقِيَ على توحيدِه، وقد قال وهبُ بن مُنبِّهٍ - وهو مِن أهلِ العِلمِ بالمِلَلِ السابقةِ وأخبارِهم - لمَّا سُئِلَ عن الصابئةِ: \"الذي يَعرِفُ اللهَ وحدَهُ، وليسَتْ له شريعةٌ يَعمَلُ بها، ولم يُحْدِث كُفْرًا\" (١).\nوذكَرَ غيرُ واحدٍ مِن السلفِ: أنَّهم أهلُ كتابٍ، كالسُّديِّ (٢)، وبه قال إسحاقُ وابنُ المُنذِرِ (٣)، وكثيرٌ مِنهم يَعتقِدونَ بإلهٍ واحدٍ، لا آلةٍ، وذكَرَ ابنُ زيدٍ أنَّهم يقولونَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ (٤).\nوكلُّ فِرْقةٍ منهم لها حُكْمُها؛ فمَن لم يُبدِّلْ، أُلحِقَ بأهلِ الكتاب، ومَن بدَّل، ألحِقَ بالوثَنيِّينَ المشرِكينَ.\nومَن تأمَّلَ المنقولَ عن كتبِ الصابئةِ؛ ك (الكنزاربا) و(أدراشا أديهيا)، ونَظَرَ في عقائدِ المجوسِ وأقوالِهم، وجَدَ أنَّ الصابئِينَ أقرَبُ منهم، ولكنَّهم ليسوا في جزيرةِ العربِ حتى يُعرَفَ أمرُهُمْ وَيشتهِرَ ذِكرُهُمْ عندَ قريشٍ وأمثالِها، وهم اليومَ عددٌ قليل في العراقِ وبعضِ الشام، وإلحاقُ هذا النوعِ مِن الصابئين بأحكامِ الجزيةِ عندَ مَن يقولُ بحَصْرِها في أهلِ الكتابِ أولى مِن المَجُوس، فضلًا عن المَلَاحِدةِ والمُشرِكينَ.\nوسببُ خلافِ العلماءِ في عمومِ الجِزْيةِ وخصوصِها في الكفَّارِ هو تأخُّرُ نُزولِها، وذِكْرُ اللهِ لأهلِ الكتابِ في الآيةِ في قولِه ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، وقد نزَلَتِ الآيةُ بعدَ ذَهَابِ شَوْكةِ المشرِكينَ في جزيرةِ العرَبِ وأطرافِها، وأهلُ الكتابِ حينَها أهلُ شَوكةٍ وقُوَّةٍ، فجاءَ النصُّ عليهم، واللهُ أعلَمُ، قوله تعالى.\n﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ الصَّغَارُ هو\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ١٢٨).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ١٢٧).\n(٣) \"تفسير القرطبي\" (٢/ ١٦١).\n(٤) \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٣٦).","vol":"3","page":1505},{"text":"الذِّلَّةُ، فلا يُعطُونَ المالَ بمِنَّةٍ كالهديَّةِ والهِبَة، فتكونَ لهم اليدُ العُليا، فهذا ليس مِن مقاصدِ الجِزْيةِ؛ وإنَّما تكونُ الجِزْيةُ معَ قوةٍ، وظهورِ أمرٍ، وقدرةٍ على قتالٍ.\nوقد أحَذَ عمرُ الجِزْيةَ مِن بعضِ نصارى العرَبِ؛ كَتَغْلِبَ، لمَّا كَرِهُوا مُشابهتَهُمْ بالعَجَم، فقالوا: نحن عربٌ ولا نُؤدِّي ما تُؤدِّيهِ العجَمُ، ولكن خُذْ منَّا باسْمِ الصَّدَقةِ كما تأخُذُ مِن العرَب، كما رَوَى أبو عُبَيْدٍ، عن هُشَيْم، حدَّثَنا مُغِيرةُ، عن السَّفَّاح بن المثنَّى الشيبانيُّ، عن زُرْعَةَ بنِ النعْمانِ - أو: النُّعْمانِ بنِ زرْعَةَ -: \"أَنَّه سألَ عمرَ بنَ الخطَّابِ وكلَّمَهُ في نَصارى بني تَغلِب، وكان عمرُ قد هَمَّ أن يَأخُذَ مِنهم الجِزْيةَ، فتَفرَّقوا في البلاد، فقال النُّعمانُ بن زُرْعةَ لعُمرَ: يا أميرَ المؤمنِينَ، إنَّ بني تَغلِبِ قومٌ عربٌ يَأنَفُونَ مِن الجِزْية، وليسَتْ لهم أموالٌ؛ إنَّما هم أصحابُ حُرُوثٍ ومَوَاشٍ، ولهم نِكَايةٌ في العدوّ، فلا تُعِنْ عَدُوَّكَ عليك بهم، قال: فصالَحَهُمْ عمرُ - ﵁ - على أن تضعَّفَ عليهم الصَّدَقةُ، واشترَطَ عليهم ألَّا يُنَصِّرُوا أولادَهم\" رواهُ أبو عُبيدٍ (١).\nولهذا ضاعَفَ عليهم عمرُ الجِزْيةَ؛ كما روى الحَكَمُ بن عُتَيْبةَ؛ قال: \"سمعتُ إبراهيمَ النَّخَعيَّ يُحدِّثُ عن زيادِ بنِ حُدَيرٍ - وكان زيادٌ يومَئذٍ حيًّا - أنَّ عمرَ - ﵁ - بعثَهُ مُصَدِّقًا، فأمَرَهُ أنْ يأخُذَ مِن نصارى بَني تَغلِبَ العُشْرَ، ومِن نصارى العربِ نِصْفَ العُشْرِ\" رواهُ عبدُ الرزّاقِ (٢).\nوإنَّما ترَكَ عمرُ أَخْذَها باسْم الجِزيةِ؛ حتَّى لا تَعظُمَ الفتنةُ بهم؛ بلَحَاقِهم بعدوِّه، وانتفاعًا بمالِهم وقُوَّتِهِمْ عندَ الحاجةِ إليهم، وفي هذا أنَّ تحقُّقَ المعاني أعظَمُ مِن تحقُّقِ المصطَلَحات، وقد أخَذَ النبيّ - ﷺ - مِن\n_________\n(١) أخرجه أبو عبيد في \"الأموال\" (٧١).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٠١٢٥).","vol":"3","page":1506},{"text":"اليهودِ خَرَاجَ أرْضِهم وصالَحَهُمْ على ذلك، ولم يَكُنْ ذلك جِزْيةً، وللمُسلِمينَ أنْ يَفعَلوا ذلك مِن بَعْدِه، فأمرُ الصَّغَارِ في الجِزيَةِ مَنُوطٌ بالقُدْرةِ على الصحيح؛ كما أنَّ أصلَ القتالِ مَنوطٌ بها كذلك؛ فالجِزْيةُ مِن بابِ أَولى، والصغارُ أولى مِن ذلك كلَّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1106>مِقْدارُ الجِزْية، وممَّن تُؤخَذُ، والحِكْمةُ مِن أخْذِها:</span>\nوتؤخَذُ الجِزْيةُ مِن البالِغينَ مِن الرِّجالِ دونَ النساء، ولا تُؤخَذُ ممَّن لا يُقاتِلُ؛ كالصَّبِيِّ والمرأةِ والمجنونِ والشيخِ الفاني، وقد حكى الاتِّفاقَ على هذا غيرُ واحدٍ؛ كابنِ المُنذِرِ وابنِ قُدَامةَ (١)، وقد كان عمرُ يَنهى عن أخذِها منهم، وفي وصيَّةِ أبي بكرٍ ليَزِيدَ بنِ أبي سُفْيانَ: \"إِنَّكَ سَتَجِدُ قَوْمًا زَعَمُوا أنَّهُمْ حَبَسُوا أنْفُسَهُمْ لِله، فَذَرْهُمْ وَمَا زَعَمُوا أنَّهُمْ حَبَسُوا أَنفُسَهُمْ لَهُ\" رواه البيهقيُّ (٢).\nولا تقديرَ في القِيمَةِ المأخوذةِ على الأصحِّ؛ لأنَّ النبي - ﷺ - وأصحابَهُ اختَلَفَ أخذُهم، فلم يَكُنْ ذلك مقدَّرًا كنِصَابِ الزَّكاةِ مَشَى عليه جميعُهم؛ فدَلَّ على أنَّ ذلك بحَسَبِ المصلحةِ والقُدْرةِ.\nوأمَّا بعثُ رسولِ اللهِ - ﷺ - مُعَاذًا إلى اليمَنِ وأمرُهُ أنْ يأخُذَ الجِزْيةَ؛ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِر (٣) -: فذلك كان منه في قضيَّةِ عَيْن، فقد أخَذ بعدَ ذلك ولم يقدِّرْ مِثلَ ذلك حينَما أخَذَ مِن أهلِ البَحْرَيْنِ ونَجْرانَ؛ فقد صالَحَ أهلَ نَجْرانَ على أَلْفَيْ حُلَّةٍ؛ النِّصْفُ في صفَر، والباقي في رجبٍ (٤).\n_________\n(١) \"المغني\" (١٣/ ٢١٦).\n(٢) أخرحه مالك في \"الموطأ\" (٨/ ٤٤٨)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٩٣٧٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٨٩).\n(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٠)، والترمذي (٦٢٣)، والنسائي (٢٤٥٠).\n(٤) أخرحه أبو داود (٣٠٤١).","vol":"3","page":1507},{"text":"وأخَذَ أصحابُهُ كعُمَرَ خلافَ تقديرِهِ في أهلِ اليمنِ؛ فقد جعَلَ الجِزْيةَ على ثلاثِ أحوال: على الغنيِّ ثمانيةً وأربعينَ دِرْهَمًا، وعلى المتوسِّطِ أربعةً وعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وعلى الفقيرِ اثنَيْ عشَرَ دِرْهَمًا (١)، وقد أخَذ على تَغلِبَ ضِعفَيْ ما على المُسلِمينَ (٢).\nوهكذا فَهِمَ غيرُ واحدٍ مِن فقهاءِ السَّلَفِ؛ أنَّ الأمرَ على اليَسَارِ والمُصالَحةِ بحسَبِ اختلافِ البُلْدانِ؛ ففي البخاريّ، عن ابنِ عُيَيْنةَ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ؛ قال: قلتُ لمجاهِدِ: ما شأنُ أهلِ الشَّامِ عليهم أربعةُ دنانيرَ، وأهلُ اليمنِ عليهم دينارٌ؟ قال: جُعِلَ ذلك مِن قِبَلِ اليَسَارِ (٣).\nوذهَبَ إلى أنَّ قيمةَ الجِزْيةِ غيرُ مقدَّرةٍ كالزَّكَاة، وأنَّهم بحسَبِ ما يتَصالَحُونَ عليه معَ عدوِّهم - جماعةٌ مِن الأئمةِ؛ كعطاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ وأبي عُبَيْدٍ، وهو آخِرُ أقوالِ أحمدَ؛ كما حكاهُ الخَلَّالُ، ورجَّحَهُ ابنُ تيميَّةَ وغيرُهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1107>الحِكْمةُ مِن الجِزْيةِ:</span>\nوللجِزْيةِ حِكَمٌ متعددةٌ في تشريعِها وأَخْذِها مِن الكفَّارِ:\nمنها: إغناءُ اللهِ للمؤمِنِينَ مِن فَضْلِه؛ ليَقْوَوْا بأنفُسِهم على عدوِّهم.\nومنها: الصَّغارُ على الكافرينَ، ومنها: إبقاءُ الكفارِ ليُخالِطوا المُسلِمينَ ويرَوْهم؛ فبَدَلًا مِن قَتْلهم يُترَكونَ ليُشاهِدوا المُسلِمينَ، ويَألَفوا الإسلامَ، ولو قُتِلوا لاستحَقُّوا النارَ.\nومنها: علوُّ يدِ المؤمنينَ في الأرضِ.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٠٧٢٢) و(٣٢٦٤٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٩٦).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢١٦).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٤/ ٩٦).","vol":"3","page":1508},{"text":"وقد اختُلِفَ في مُقابِلِ الجزاءِ المقصودِ مِن الجِزْيةِ؛ فالجزيةُ في أصلِها مشتقَّةٌ مِن الجزاء، كأنَّها جَزاءٌ لشيءٍ أو أشياءَ منهم، ولمَّا كان عمرُ لم يأخُذْهَا باسْمِ الجِزْية، وإنَّما باسمِ الصَّدَقةِ؛ دلَّ على أنَّ ثَمَةَ جزاءً فوقَ الصَّغَارِ للجِزْية، ولمَّا كان أصلُ أَخدِ المالِ على أيِّ حالٍ معَ تَرْكِ القتلِ يتضمَّنُ علوَّ يدٍ للمُسلِمينَ وظهورًا على الكافرينَ، كان الأصلُ في أَخْذِ الجِزْيةِ هو عِصْمةَ دمِهم وتَرْكَهُمْ بعدَ القُدْرةِ عليهم؛ كما هو قولُ مالكٍ، وكذلك فقد جعَلَ الشافعيّ سبَبَ أخدِ الجِزْيةِ هو عِصْمةَ دمِهم وسُكْناهم دارَ المُسلِمينَ، وجَرَيان حُكْمِ المُسلمينَ عليهم؛ قال الشافعيَّةُ: \"وأشدُّ الصَّغَارِ على المرءِ: أنْ يُحكَمَ عليه بما لا يعتقِدُهُ، ويُضطَرَّ إلى احتمالِه\" (١).\nومَن كان قادرًا عليهم، عرَضَ الجِزْيةَ عليهم مُقابِلَ تَرْكِهم في دارِه، مع القدرةِ عليهم؛ بحِمَايَتِهم لو نزَلَ بهم عدوُّ أنْ يَدفَعَ عنهم المُسلِمونَ ولا يَترُكوهم.\nولا يجوزُ للمُسلِمينَ مُصالَحَةُ عدوِّهم بلا جِزْيةِ ولا خَرَاجٍ وهم قادِرونَ عليهم بالإجماع، إلَّا في حالِ الحاجةِ والضرورةِ؛ كما فعَلَ النبيُّ - ﷺ - في الحُدَيْبِيَة، وإذا كَثُرَ الأعداءُ على المُسلِمينَ، وتكالَبَتْ عليهم الأممُ وهم في حالِ ضَعْفٍ وتفرُّقٍ، فلهم المصالَحةُ والمهادَنةُ بلا خَرَاجٍ ولا جِزية، ولكنه خِلافُ الأصل، يخَعمَلُ المُسلِمونَ على عدَمِ دَوَامِه، ولا إطالةِ أمَدِه.\n_________\n(١) \"روضة الطالبين\" (١٠/ ٣١٦).","vol":"3","page":1509},{"text":"قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤].\nمَن جحَدَ وجوبَ الزَّكاة، فقد كفَرَ ولو أدَّاها، وتارِكُها بُخلًا ليس بكافرٍ على قولِ عامَّةِ السَّلَفِ والفقهاء، وعن بَعْضِهم كُفْرُه، وهو روايةٌ عن أحمدَ، وبها قال إسحاقُ وبعضُ المالكيَّة، وهو خلافُ قولِ مالكٍ.\nوالصحيحُ: عدمُ كُفْرِه؛ وهذا ظاهرُ حديثِ أبي هريرةَ في مُسلِم؛ قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَة، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَاد، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّة، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ) (١).\nولو كان كافِرًا، فلا سبيلَ له الَّا الخلودُ في النَّارِ.\nوفي الآيةِ: وجوبُ زكاةِ النَّقْدَيْنِ؛ ولا خلافَ في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1108>زَكَاةُ حُلِيِّ المرأةِ:</span>\nولا زكاةَ في حُلِيِّ المرأةِ مِن غيرِ الذهَبِ والفِضَّةِ؛ كالجواهرِ مِن اللُّؤْلُؤِ والزبَرْجَدِ والألماس، وقد حكى ابنُ عبد البَرِّ الإجماعَ على ذلك (٢).\nوأمَّا حُلِيُّ المرأةِ مِن الذهَبِ والفضَّة، فقد اختَلَفَ فيه العلماءُ:\nفذهَبَ أبو حنيفةَ: إلى وجوبِ الزَّكَاةِ كما هو في الذَّهبِ المكنوزِ؛ لعمومِ الآيةِ؛ كهذه الآيةِ وغيرِها، ولأحاديثِ الأمرِ بذلك.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٩٨٧).\n(٢) \"الاستذكار\" (٩/ ٧٥).","vol":"3","page":1510},{"text":"وذهبَ جمهورُ العلماءِ - وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ وعامَّةِ الصحابةِ -: إلى عدَمِ زكاةِ الحليِّ.\nوالأحاديثُ الواردةُ المرفوعةُ في وجوبِ زكاةِ الحليِّ وعدمِ زكاتِها: لا يَصِحُّ منها شيءٌ؛ كحديثِ جابرٍ مرفوعًا: (لَا زَكَاةَ فِي الحُلِيِّ)؛ فقد رواهُ البيهقيُّ، وفيه عافيةُ بن أيُّوبَ؛ لا يُعرَفُ، وقال البيهقيُّ: لا أصلَ له مرفوعًا (١).\nوثبَت عن جابر روايةُ القولِ بعدَمِ زكاةِ الحُلِيِّ (٢).\nوحديثُ السَّوارَيْنِ الذي فيه الأمرُ بزكاةِ الحليُّ، ويَرويهِ عمرُو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جدِّه، في \"المسنَدِ\"، و\"السُّنَنِ\" (٣)، رواهُ عن عمروٍ جماعةٌ، كابنِ لَهِيعةَ، والمثنَّى بنِ الصَّبَّاح، والحجَّاجِ بنِ أَرْطَاةَ، وحُسَيْنِ بنِ ذَكْوانَ المعلِّمِ، وجميعُها ضعيفةٌ ومعلومةٌ، وكذلك حديثُ أسماءَ بنتِ يزيدَ في \"المسنَدِ\" (٤)، وعائشةَ وأمِّ سلمةَ عندَ أبي داودَ (٥)، وابنِ مسعودٍ وفاطمةَ بنتِ قيسٍ عندَ الدارقطنيِّ (٦) -: فلا تَصِحُّ، وقد تكلَّمتُ على عِلَلِها في \"كتابِ العِلَل\".\nوقد أعَلَّ التِّرْمِذيُّ وابنُ رجبٍ أحاديثَ: البابِ جميعًا، وجاءَ عن خمسةٍ مِن الصحابةِ عدمُ زكاةِ الحُلِيِّ: أنسٌ، وجابرٌ، وابنُ عمرَ، وعائشةُ، وأسماءُ، ولا يصحُّ عن أحدٍ مِن الصحابةِ في زكاةِ الحليِّ شيءٌ: صريحٌ إلا عن ابنِ مسعودٍ.\n_________\n(١) \"معرفة السنن والآثار\" (٣/ ٢٩٨).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٧٠٤٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٨٠).\n(٣) أخرجه أحمد (٢/ ١٧٨)، وأبو داود (١٥٦٣)، والترمذي (٦٣٧)، والنسائي (٢٤٧٩).\n(٤) أخرجه أحمد (٦/ ٤٥٣).\n(٥) أخرجه أبو داود (١٥٦٤) و(١٥٦٥).\n(٦) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٢/ ١٠٦) و(٢/ ١٠٨).","vol":"3","page":1511},{"text":"قال أبو عُبَيْدٍ في \"الأموالِ\": \"ولم تَصِحَّ زكاةُ الحليُّ عندَنا عن أحدٍ مِن الصحابةِ إلَّا عن ابنِ مسعودٍ\" (١).\nوابنُ مسعودٍ صحابيٌّ كبيرٌ متقدِّمٌ، وفقهُهُ معروفٌ، وفُتياهُ تَشتهِرُ عندَ الصحابة، ولو كان مستنَدُهُ الوحيَ القاطعَ، لَعَلِمَهُ الصحابةُ، ولَسَألُوهُ عنه.\nوقد جاء عن أنسٍ؛ قال: \"إذا كان يُعارُ ويُلبَسُ، فإنَّه يُزَكَّى مرَّةً واحدةً\".\nأخرَجَه ابن زَنْجَوَيْهِ والبيهقيُّ؛ مِن حديثِ سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أنسٍ (٢).\nوظاهرُةُ: أنَّ أنسًا لا يَرَى الزَّكَاةَ، والزَّكاةُ لو وجَبَتْ لا تتقيَّدُ بعام ولا عامَيْن، وما يَمَنعُ إخراجَها في عامٍ يَمنَعُها في بقيَّةِ الأعوام، لا العكسُ، ويَظهَرُ هذا مِن وجوهٍ:\nالأولُ: أنَّ أنَسًا قال: إنْ كان يُعارُ ويُلبَسُ، فإنَّه يُزَكَّى مَرَّةً واحدةً، ولعلَّ مرادَهُ: يُزكَّى بلُبْسِهِ وعاريَّتِهِ مَرَّةً، ومَن لَبِسَتْهُ أو أعارَتْهُ مَرَّةً واحدةً، فتلك زكاتُهُ، فغيرُ واحدٍ مِن الصحابةِ والسلفِ يَجعَلونَ زكاةَ الحُلِيِّ عاريتَهُ، وكأنَّ أنسًا جعَل زكاتَهُ باللُّبْسِ والعاريَّةِ لعامٍ واحدٍ يُسقِطُ كونَهُ كَنْزًا، لا أنه يجبُ على المرأةِ أنْ تُزكِّيَهُ ما دامَتْ لم تَلبَسْهُ بقيَّةَ الأعوامِ أو تُعِرْهُ؛ فما كلُّ النِّساءِ تَجِدُ حاجةً فيها ولا عاريَّةً لغيرِها.\nالثاني: انَّه جاء عن أنسٍ نفيُ زكاةِ الحليِّ مطلَقًا؛ كما رواهُ البيهقيُّ مِن حديثِ عليِّ بنِ سُلَيْمٍ؛ أنه سألَ أنسَ بنَ مالكٍ عن زكاةِ الحليِّ؟ فقال: \"ليس فيه زكاةٌ\" (٣).\n_________\n(١) \"الأموال\" (ص ٥٤٤).\n(٢) أخرجه ابن زنجويه في \"الأموال\" (١٧٩٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٣٨).\n(٣) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٣/ ١٠٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٣٨).","vol":"3","page":1512},{"text":"الثالثُ: أنَّ راويَ الأثرِ الأوَّلِ عن أنسٍ قتادةُ، وقتادةُ يُفتي بعدَمِ وجوبِ الزَّكَاةِ على الحُلِيِّ؛ وهو أعلَمُ بقيدِ أنسٍ.\nروى ذلك عنه أبو عُبَيْدٍ في \"الأموالِ\" وغيرُه (١).\nوعمومُ البَلْوَى بالحُلِيِّ للنِّساءِ أكثَرُ مِن عمومِ البلوى ببعضِ صورِ البيعِ وأحكامِه، وقد صحَّ الدليلُ فيها بأقوى الأسانيد، وزكاةُ الحُلِيِّ لو كانتْ ثابِتةً في الشريعة، لَجَاءَ بها النصُّ بسندٍ قويٍّ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦].\nذكَرَ اللهُ عدَدَ الشهور، وذكَر منها الأربعةَ الحُرُمَ، وتقدَّم الكلامُ عليها في سورةِ البقَرةِ وغيرِها، وبيَّنَّا أنَّ تحريمَ القتالِ فيها منسوخٌ، وبقاءَ تعظيمِها محكَمٌ، وفي دليلِ الخطابِ: أنَّ العملَ الصالحَ فيها معظَّمٌ، وقد كان النبيُّ - ﷺ - يَحرِصُ على صومِ شهرِ اللهِ المحرَّم، وجعَلَ صيامَهُ أفضَلَ صيامِ نافلةِ الأشهُرِ؛ لأنَّ مُقتضى تعظيمِ الذنوبِ في موضعٍ وزمانٍ يدُلُّ على تعظيمِ الطاعاتِ فيه؛ فرحمةُ اللهِ سابقةٌ لِغَضَبِه.\nوتعظيمُ حُرْمةِ المسجِدِ الحرامِ أعظَمُ مِن الأشهُرِ الحُرُمِ؛ لأنَّ الأشهُرَ الحُرُمَ إنَّما حُرِّمَتْ لأجلِ المسجِدِ الحرام، وخَشْيةَ الصدِّ عنه، ولم تُعظَّمْ لِذَاتِها؛ كتعظيمِ رَمَضانَ وغيرِهِ مِن الزمان، ثم تَبِعَها أحكامٌ اختَصَّتْ بها؛ كما تقدَّمَ بيانُه.\n_________\n(١) أخرجه أبو عبيد في \"الأموال\" (١٢٨٤).","vol":"3","page":1513},{"text":"وقد أخَذَ بعضُ العلماءِ مِن تغليظِ السيِّئاتِ في الأشهُرِ الحُرُمِ وفي الحَرَمِ - تغليطَ العقوبةِ على مَنْ أصابَ حَدًّا فيها، وليس في ذلك شيءٌ مرفوعٌ يثبُتُ؛ وإنَّما هو اجتهادٌ مِن بعضِ السَّلَفِ والفقهاءِ؛ أخذًا مِن مُقتَضى التعظيمِ والنَّهْيِ عن الظُّلْمِ فيها؛ ولهذا اختَلَفُوا في نوعِ التغليظِ ومِقْدارِه.\nوقد ذهَبَ كثيرٌ مِن السَّلَفِ: إلى تغليظِ العقوبةِ لِمَن أصابَ حدَثًا في الحَرَمِ؛ مِنهمُ: ابنُ المسيَّب، وسعيدُ بن جُبَيْرٍ، وعطاءٌ، وطاوسٌ؛ وهو قولُ الشافعيِّ وأحمدَ.\nوذهَبَ مالكٌ وأبو حنيفةَ: إلى عدمِ التغليظِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨].\nنَزَلَت في غَزْوةِ تبوكَ لمَّا استنفَرَ النبيُّ - ﷺ - المؤمنينَ؛ كما قال مجاهدٌ: \"أُمِرُوا بغَزْوةِ تَبُوكَ بعدَ الفتح، وبعدَ الطَّائِفِ؛ وبعدَ حُنَيْنٍ؛ أُمِرُوا بالنَّفِيرِ في الصَّيْف، حينَ خُرِفَتِ النَّخْلُ، وطابَتِ الثِّمَارُ، واشتَهَوُا الظِّلالَ، وشَقَّ عليهم المَخرَجُ\" (١).\nوإذا استَنْفَرَ الإمامُ الناسَ، وجَبَ النفيرُ بلا خلافٍ، وفي \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال - ﷺ -: (وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ، فَانْفِرُوا) (٢).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٤٦٠).\n(٢) أخرجه البخاري (١٨٣٤)، ومسلم (١٣٥٣).","vol":"3","page":1514},{"text":"ورُوِيَ عن عِكْرِمةَ والحسَنِ؛ أنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ (١)، والجماهيرُ على عدَمِ نسخِها، فهي مخصوصةٌ لقومٍ استُنفِرُوا ولمِ يَنفِرُوا، وحُكْمُ النَّفيرِ يَختلِفُ عن غيرِه، ويَجِبُ على الإمامِ أنْ يَجعَلَ مِقْدارَ استنفارِهِ بحسَبِ حاجةِ الدَّفْعِ والثُّغورِ؛ حتَّى لا تَخْلُوَ البُلْدانُ مِن الناسِ ومِن علماءَ يَحْمُونَ الدِّينَ، وقُرَّاءٍ يُقرِئُونَ الناسَ؛ كما يأتي بيانُه.\nوآيةُ البابِ مخصوصةٌ بآياتٍ أُخرى، والتخصيصُ قد يُسمِّيهِ بعضُ المفسِّرينَ مِن السلفِ نَسْخًا.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٧].\nكان النبيُّ - ﷺ - يُعامِلُ المُنافِقِينَ بما يُظهِرونَهُ ولو كان يَعلَمُ مِن باطنِهم - بالوحي، ولَحْنِ القول، وببَعْضِ ما يُظهِرونَهُ - الكُفْرَ، وقد كان يأذَنُ لهم بالخَروجِ إلى الجهادِ؛ كما خرَجُوا معه في أُحُدٍ وتَبُوكَ وغيرِهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1109>شرورُ المُنافِقِينَ في صَفِّ المؤمِنينَ:</span>\nبيَّن اللهُ نِعْمَتَهُ في عدمِ خروجِ المُنافِقينَ في صفِّ المُسلِمينَ للقتال، وأنَّهم يَضُرُّونَ أكثرَ ممَّا يَنْفَعونَ، ولو كان في خروجِهم نفعٌ، فهو في تكثيرِ السواد، فيَراهُم العدوُّ كثيرًا، وأمَّا ضرَرُهم، فقد ذكَرَ الله في خروجِ المُنافِقينَ في صفِّ المؤمِنينَ شرورًا ثلاثةً:\nالأوَّلُ: أنَّهم أصحابُ رأيٍ سَوْءٍ، لا رأيٍ سديدٍ؛ وذلك في\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٤٦٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٧٩٨).","vol":"3","page":1515},{"text":"قولِهِ تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾، والخَبَالُ: هو مَرَضُ العقولِ بالهَوَى، وما يخلُصُ عنه مِن رأيٍ مُفسِدٍ، فإذا تنازَعَ المؤمِنونَ في نازلةٍ وتَشاوَرُوا فيها، لم يَكُنْ رأيُ المُنَافِقينَ إلَّا في صالِحِهمْ مِن أمرِ دنياهم؛ لأنَّ غايتَهم تحقُّقُ أطماعِهم، وسلامةُ معيشتِهِمْ، وهزيمةُ المؤمنينَ.\nالثاني: أنَّهم أصحابُ قالاتِ سَوْءٍ بالنَّمِيمةِ والغِيبة، وشَقِّ الصفِّ بالفتنةِ؛ كالتخويفِ مِن العدوِّ والترهيبِ منه؛ ليَفُتُّوا في عَضُدِ المؤمنينَ وعزيمتِهم؛ وهذا في قولهِ تعالى: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾، والإيضاعُ هو الإسراعُ، ومِن ذلك لمَّا دفَعَ النبيُّ - ﷺ - مِن مِنًى، وسَمِعَ وراءَهُ زجرًا شديدًا وضَرْبًا وصوتًا للإبل، فأشارَ بسَوْطِهِ إليهم، وقال: (أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ؛ فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالإيضَاعِ)؛ يَعني: الإسراعَ؛ رواهُ البخاريُّ (١).\nومنه قولُ امرِئِ القَيْسِ:\nأُرَانَا مُوضِعِينَ لِأَمْرِ غَيْبٍ ... وَنُسْحَرُ بِالطَّعَامِ وَبِالشَّرَابِ\nيعني: أنَّ المُنافِقينَ أصحابُ مُبادَرةٍ للفِتْنةِ يَسْعَوْنَ إليها ويَطلُبونَها؛ ليَفتَعِلوها بأنفُسِهم، لا يَنفُخُونَ فيها إن أَوْقَدَها غيرُهُمْ فحَسْبُ؛ لأنَّهم يُسارِعونَ إلى الإيقادِ، وأمَّا النَّفْخُ في الفتنة، فقد يقَعُ مِن مسلمٍ عن جهلٍ وحَمِيَّةٍ وفِسْقٍ، وأمَّا إيقادُ الفتنِ وإشعالُها، فلا يكون إلَّا مِن منافِقٍ أو عدوٍّ ظاهرٍ.\nوشَقُّ صفِّ المؤمِنِين عندَ القتالِ خاصَّةَ أشَدُّ عليهم مِن ضَعْفِ السِّلاحِ؛ لأنَّ في اجتماعِهم قُوَّةً أعظَمَ من قُوَّةِ السِّلاح، فيُهزَمُ المؤمِنونَ بإضعافِ أَقْوى ما فيهم؛ بسببِ المنافِقينَ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٦٧١).","vol":"3","page":1516},{"text":"الثالثُ: استخدامُهُمْ للغافِلِينَ مِن المُسلِمينَ، الذين يَنْشُرونَ قَالَةَ السُّوءِ بحُسْنِ قصدٍ، فتَختَلِطُ الصفوفُ بدخولِ غيرِهم في صفِّهم، ولا يُفرِّقُ الناسُ بينَ ناقلِ السوءِ ومُختلِقِ السوء، وبينَ مُوقِدِ الفتنةِ والنافخِ فيها عن جهلٍ وحَمِيَّةٍ؛ وذلك في قولِهِ تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾.\nوهؤلاءِ السَّمَّاعونَ ليسوا مُنافِقينَ؛ وإنَّما هم أحسَنُوا الظَّنَّ بقصدِ المُنافِقينَ وحَسِبُوهُمْ صادِقينَ، فتقَلُوا كلامَهُمْ، وسارُوا مَسَارَهُمْ.\nوقد قال مجاهدٌ في هؤلاء: \"فحدِّثونَ عُيونٌ غيرُ المُنافِقينَ\" (١).\nوقال قَتادةُ: \"وفيكم مَن يَسمَعُ كلامَهم ويُطيعُهم\" (٢).\nوقد يكونُ في المؤمِنِينَ مَن تُغيِّبُ نفسُهُ عَلَاماتِ النِّفاقِ عن المُنافِق، فلا يَرى إلَّا قرابَتَهُ إنْ كان قريبًا، أو وَطَنِيَّتَهُ إنْ كان بَلَدِيًّا له، أو يتأثَّرُ بما يُظهِرُهُ مِن حَمِيَّةٍ وغَيْرةٍ على المُسلِمينَ وهو يُبطِنُ غيرَها، وقد قال ابنُ إسحاقَ: \"في المُسلِمِينَ قومٌ أهلُ مَحَبَّةٍ للمُنافِقينَ وطاعةٍ فيما يَدْعُونَهم إليه؛ لِشَرَفِهم فيهم\" (٣).\nوهذه الفئةُ مِن المؤمنينَ يَصْلُحُ أمرُهم، ولا مَضَرَّةَ منهم لو غابَ المنافِقونَ عنهم، وقد امتَنَّ اللهُ على المُسلِمينَ بغِيابِ المُنافِقينَ عن صفِّهم؛ حتَّى لا يَجِدُوا مِثْلَ هؤلاء، فيُؤثِّروا فيهم، فيُضِرُّوا بلُحْمةِ المؤمنينَ وجماعتِهم.\nوقد بيَّن اللهُ أنَّ في المؤمنِينَ من هم مُنقادونَ بلا تفكُّرٍ؛ فإنْ سَمِعوا المُنافِقينَ، انقادُوا لهم، وإنْ سَمِعوا المؤمنينَ، انقادُوا لهم، وليس الشَّرُّ متأصِّلًا فيهم، وهؤلاء يُرفَق بهم، ولا يُجعَلون كحالِ المُنافِقينَ؛ فتَحْمِلَهم الجهالةُ وحميَّةُ الشيطان، فيَتمسَّكوا بالشرِّ فيَصيروا حَمَلَةً له.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٤٨٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٨٠٨).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٤٨٦).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٤٨٦).","vol":"3","page":1517},{"text":"وقولُهُ تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾، يَعني: قابِلينَ لكَلامِهم مُنصِتينَ له، والسَّمَاعُ للشيءِ: القابلُ له؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١]؛ يعني: قابِلينَ له، وقد جعَلَهُمُ اللهُ في المؤمِنِينَ بقَوْلِه: ﴿وَفِيكُمْ﴾، فلَم يَجعَلْهم مِن المُنافِقينَ.\nوقد ذكَرَ بعضُ المفسِّرينَ مِن السَّلَفِ: أنَّ أولئك عيونٌ للمنافِقينَ؛ يَنقُلُونَ الكلامَ إليهم؛ كما قالهُ مجاهِدٌ وابنُ زيدٍ والطبريُّ (١)؛ والأوَّلُ أظهَرُ وأشبَهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1110>اختلاطُ المُنافِقِ بالفاسِقِ عندَ بعضِ المُسلِمينَ:</span>\nولا بدَّ أن يكونَ في صفِّ المؤمِنِينَ مَن يُحسِنُ الظنَّ بالمُنافِقينَ؛ لِمَا يُظهِرونَهُ مِن خيرٍ، ويَخْفى علهم ما يُبطِنونَهُ مِن شرٍّ، وهذا يَغلِبُ في أهلِ الغَفْلةِ والغَرَارَةِ مِن أهلِ الإيمانِ الذين لا يُحسِنونَ رَبْطَ الحوادثِ المُتباعِدةِ بعضِها ببعضٍ، وسَبْرَ الأحوال، ومعرفةَ لَحْنِ القولِ والغايةِ منه، مع الجهلِ بِصِفَاتِهم في القرآنِ وطريقتِهم في العَدَاءِ للمؤمنينَ، وحَمْلِ ما يبدُرُ منهم مِن شرٍّ على أنه خطأٌ وفِسْقٌ، لا نِفاقٌ، وهؤلاء الذين لا يُفرِّقونَ بينَ الفاسقِ والمنافقِ؛ كما روى البخاريُّ، عن زيدِ بنِ وهبٍ؛ قال: \"كنَّا عندَ حُذَيْفةَ، فقال: مَا بَقِيَ مِنْ أَصْحَاب هَذِهِ الآيَةِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ، وَلَا مِنَ المُنَافِقِينَ إِلَّا أَرْبَعَةٌ، فَقَالَ أعْرَابِيٌّ: إِنَّكُمْ - أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - تُخْبِرُونَا فَلَا نَدْرِي، فَمَا بَالُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَبْقُرُونَ بُيُوتَنَا وَيَسْرِقُونَ أَعْلَاقَنَا؟ قَالَ: أُولَئِكَ الفُسَّاقُ، أَجَلْ، لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا أَرْبَعَةٌ، أَحَدُهُمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ، لَوْ شَرِبَ المَاءَ البَارِدَ، لَمَا وَجَدَ بَرْدَهُ\" (٢).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٤٨٦، و٤٨٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٩/ ١٨٠٦)، و\"تفسير ابن كثير\" (٤/ ١٦٠).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٦٥٨).","vol":"3","page":1518},{"text":"وهذا الأعرابيُّ لم يُفرِّقْ بينَ المنافقِ والفاسق، فاستنكَرَ على حُذَيْفةَ قِلَّةَ عدَدِهم المذكورِ مع كثرةِ الفُسَّاقِ مِن السُّرَّاقِ وقُطَّاعِ الطريق، فبَيَّنَ له حذيفةُ أنَّ أولئك فُسَّاقٌ، وفَرْقٌ بينَ المنافقِ والفاسقِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَو كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٥٣].\nعُرِفَ المُنافِقونَ بالشُّحّ، ولكنْ قد يقَعُ منهم نَفَقةٌ؛ إمَّا كَرْهًا؛ خوفًا مِن لائمةِ المؤمنينَ، أو خشيةَ الدَّوَائِر، أو طَوْعًا؛ رغبةً في غنيمةٍ، أو حبًّا لجاهٍ وسُمْعةٍ، وإنَّ نفَقتَهم تلك لن يَقبَلَها الله منهم في الآخِرة، وإنْ نَفَعَتْهم في الدُّنيا، فهو نفعٌ عاجلٌ منقطِعٌ، لا آجِلٌ دائمٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1111>قَبُولُ نَفَقةِ المُنافِقِ:</span>\nوتدُلُّ الآيةُ بدَلَالةِ الخِطابِ على جَوَازِ قَبُولِ نفقةِ المُنافِقينَ، ولم يَكُنِ النبيُّ - ﷺ - يَمنَعُ عطيَّتَهُمْ وهديَّتَهم ونفقتَهم؛ وذلك لأنَّهم يُؤاخَذونَ بما ظهَرَ منهم وأعلَنُوهُ، لا بما يُخْفُونَهُ أو يَكذِبونَهُ ولو قالوه، ويَظهَرُ قَبولُها منهم بقولِهِ تعالى بعدَ ذلك: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤]؛ يعني: أنَّهم أنفَقوا وأُخِذَتْ منهم عن كُرْهٍ.\nوتُقبَلُ صَدَقةُ المنافِقِ؛ بشرطِ ألَّا تكونَ يدُهُ العُلْيا فيها، فيقودَ المؤمنينَ إلى ما لا يَرْضَوْنَ مِن عداوةٍ وقتالٍ، وسَلْمٍ أو حربٍ، فإنْ كان كذلك، لم يَجُزْ، وأمَّا إنْ كانتْ حالُ المؤمنينَ كحالِ النبيِّ - ﷺ - وخلفائِه؛ يَدُهُمْ هي العُلْيا الآمِرةُ، ولم تَكُنْ نَفَقةُ المُنافِقينَ تجعَلُهم يَسُودُونَ ويأمُرونَ ويَنهَوْنَ، ويُقدِّمونَ ويُؤخِّرونَ، فإنَّ ذلك جائزٌ، بل قد يكونُ ذلك مستحَيًّا إن كان فيه دفعٌ لعَدَاوتِهم الباطنة، وتأليفٌ لقلوبِهم، وإشعارُهُمْ","vol":"3","page":1519},{"text":"بالأمانِ على أنفُسِهم؛ حتَّى لا يَكِيدُوا بالمؤمنينَ؛ فإنَّ الاحتواءَ وعدمَ الاستعداءِ سياسةٌ نبويَّةٌ، لا تُناقِضُ عقيدةَ الوَلَاءِ والبَراءِ.\nوظاهرُ قولِه تعالى: ﴿أَنْفِقُوا طَوْعًا﴾ إشارةٌ إلى النَّفَقةِ عندَ رجاءِ المصلَحةِ والنفعِ وظهورِ اليدِ وعُلُوِّها على المؤمِنِينَ، فإنْ رجَوْا ذلك، أنفَقُوا بنفسٍ طيِّبةٍ، وقولُهُ: ﴿أَو كَرْهًا﴾ إشارةٌ إلى أصلِ إنفاقِهم، وهو عندَ نفعِ المؤمنينَ بمالِهم وعلوِّ الإسلامِ به، ولا حَظَّ لهم فيه؛ فإنَّهم لا يُنفِقونَ إلَّا وهم كارِهونَ؛ لأنَّ إيمانَهُمْ بثوابِ الآخِرةِ ضعيفٌ أو معدومٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1112>ثوابُ الكافرِ على أعمالِهِ الحَسَنةِ في الدُّنْيا:</span>\nولا خِلافَ عندَ العلماءِ: أنَّ الكافرَ لا تَنفعُهُ نفقتُهُ في الآخِرة، بل لا يَنتفِعُ بشيءٍ مِن عمَلِه الصالحِ في الدُّنيا، وقد بيَّن اللهُ بعدَ ذلك: أنَّ سببَ عدمِ قَبُولِ نفقةِ أولئك المنافِقينَ هو كُفْرُهم الباطنُ باللهِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤]، وفي مسلمٍ؛ مِن حديثِ عائشةَ؛ قالتْ: يَا رَسُولَ الله، ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ المِسْكِينَ؛ فَهَل ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: (لَا يَنْفَعُهُ؛ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (١).\nواللهُ عَدْلٌ لا يَظلِمُ الناسَ شيئًا، فإنْ كان للكافرِ حَسَنةٌ في الدُّنيا، عَجَّلَها له، فيَنتفِعُ منها في دُنْياه، حتَّى إذا كان في الآخِرة، لم يَجِدْ مِن ذلك شيئًا، فإمَّا أنْ تكونَ مُجازاتُهُ العاجِلةُ باطِنةً؛ فيَجِدُ لها لذَّةً ونعيمًا نفسيًّا، أو ظاهرةً؛ فيُنعَّمُ في الدُّنيا بالمآكِلِ والمَشارِبِ والملابسِ والذُّرِّيَّةِ والزَّوْجاتِ وغيرِ ذلك.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢١٤).","vol":"3","page":1520},{"text":"وقد يَجتمِعُ النعيمُ الظاهرُ والباطنُ له، وقد قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]، وفي مسلمٍ؛ مِن حديثِ أنسِ بنِ مالكٍ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَة، وَأَمَّا الْكَافِرُ، فَيُطعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا للهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَة، لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَة يُجْزَى بِهَا) (١).\nوقد بيَّنَّا الكلامَ على هذه المسألةِ في (العقيدةِ الخُراسانيَّةِ) مفصَّلًا؛ فلْيُنظَرْ.\n* * *\n\nقال تعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠].\nهذه الآيةُ مِن عظائمِ الآياتِ وأُمَّهَاتِها؛ وذلك لِتفْصيلِها مَصَارِفَ الزَّكَاة، وهي مُتَّصِلةٌ بعظَمَةِ الزكاة، وهي الرُّكْنُ الثالِثُ مِن أركانِ الإسلام، وقد أوجَبَ اللهُ الزكاةَ وفَرَضَها؛ لِيكونَ المالُ دائرًا بانضباطٍ محكومٍ بينَ الغنيِّ والفقير، فلا يَستأثِرَ به الغنيُّ، ولا يُحبَسَ في بيتِ المال؛ فإنَّ مُقتَضَى ربوبيَّةِ اللهِ أنْ خَلَقَ الخَلْقَ وأَوجَدَ لهم كِفَايةً مِن رزقٍ في الدُّنيا؛ فإنَّ الفقرَ لا يَنتشِرُ في الأرضِ إلَّا لغِيابِ العدلِ وظهورِ الظُّلْمِ في الأموال، وَيَظهَرُ الظُّلْمُ في هذا البابِ في موضِعَيْن، يأتي الكلامُ عليهِما عندَ قولِهِ تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣].\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٨٠٨).","vol":"3","page":1521},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1113>هل يجبُ استيعابُ الأصنافِ الثَّمَانِيَةِ في كُلِّ زكاةٍ</span>؟:\nلا خلافَ عندَ العلماءِ في بقاءِ مصارفِ الزكاةِ للأصنافِ الثمانيةِ بعدَ وفاةِ النبيِّ - ﷺ -، إلَّا المؤلَّفةَ قلوبُهُمْ؛ ففد اختَلَفُوا في بقاءِ سَهْمِهم على قولَيْنِ؛ كما يأتي بيانُه.\nوقد اختَلَفَ العلماءُ في استيعابِ الأصنافِ الثمانيةِ: هل هو واجبٌ في كلِّ مالٍ زكَويٍّ، أو ذلك بحسَبِ الحاجةِ والإمكانِ؟ على قولَيْنِ للفقَهاءِ:\nقالتْ طائفةٌ: إنَّ استيعابَ الأصنافِ الثمانيةِ واجبٌ؛ وهذا قولُ الشافعيِّ.\nوقالتْ أُخرى: إنَّ الاستيعابَ غيرُ واجبٍ، وإنَّه يجوزُ الدَّفْعُ لواحدٍ مِن الأصنافِ الثمانيةِ ما كان أحوَجَ مِن غيرِه؛ وهذا قول أكثرِ السلفِ والفقهاء، وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ وأحمدَ، وبه قال ابنُ عمرَ وحذيفةُ وابنُ عبَّاسٍ وأبو العاليةِ وميمونُ بن مِهْرانَ وابنُ جُبيرٍ وعطاءٌ والحسنُ، ومَن تأمَّلَ فِعْلَ الصحابة، وجَدَ أنَّهم لا يَختلِفونَ في جوازِ جَعْلِها في صِنْفٍ واحدٍ، وعدمِ وجوبِ الاستيعابِ.\nوقد حكى الإجماعَ العَمَلِيَّ مالكُ؛ فقد نقَلَ عنه ابنُ وهبٍ قولَهُ: أدرَكْتُ أهلَ العِلْمِ ومَن أَرْضَى لا يَختلِفونَ في أنَّ القَسْمَ في سُهْمَانِ الصَّدقاتِ على الاجتهادِ مِن الوَالي (١).\nوالآيةُ إنَّما ذكَرَتِ المصارفَ الثمانيةَ لبيانِ مستحِقِّيها، لا لوجوبِ القسمةِ بينَهم مُتساوِيًا أو غيرَ متساوٍ؛ وذلك لأمورٍ:\nمنها: أنَّ اللهَ ذكَرَ الأصنافَ المستحِقَّةَ للزَّكَاة، ولو كان الاستيعابُ\n_________\n(١) \"أحكام القرآن\" للطحاوي (١/ ٣٧١).","vol":"3","page":1522},{"text":"مقصودًا، لَما أَخَّرَ البيانَ فيه، مع العلمِ أنَّ استيعابَ جميعِهم مِن الأمورِ الشاقَّةِ التي تحتاجُ إلى كُلْفةٍ وتَحَرٍّ شديدٍ؛ وهذا يحتاجُ إلى بيانٍ شبيهٍ ببيانِ الأصنافِ الثمانيةِ مِن بينِ بقيَّةِ الأصنافِ المحتاجةِ للمال، فليس أصلُ بيانِ الثمانيةِ بأحوَجَ مِن بيانِ وجوبِ استيعابِهم لو كان واجبًا.\nومنها: أنَّ النبيَّ - ﷺ - أخَدَ زكَواتِ كثيرٍ مِن الناس، وكذلك خلفاؤُه، ولم يثبُتْ أنه تَعمَّدَ استيعابَ الأصنافِ الثمانية، ولا نقَلَ ذلك عنه أحدٌ مِن أصحابِهِ صريحًا، ومِثلُ هذا لو كان عمَلًا لَنُقِلَ، فكيف يُقالُ بوجوبِهِ وإثمِ تارِكِه؟ !\nومنها: أنَّ استيعابَ الثمانيةِ غيرُ ممكِنٍ أو شاقٌّ جِدًّا في كثيرِ مِن الزَّكَوات، كمَنْ تجبُ عليه مِن مالِهِ زكاةٌ شاةٌ أو بقرةٌ، أو يجبُ في نقدَيْهِ مالٌ قليلٌ كدِرْهَمٍ ودِينارٍ؛ فكيف له قِسْمةُ ذلك على جميعِ الأصنافِ؟ ! ومثلُ هذا تكلُّفٌ؛ إذْ لا فَرْقَ في الوجوبِ بينَ كثيرِ الزكاةِ وقليلِها.\nومنها: أنَّ وجوبَ استيعابِ الأصنافِ الثمانيةِ يَلزَمُ منه إخراجُ الزكاةِ مِن بلَدِها إلى غيرِها مِن البُلْدانِ؛ فما كلُّ البُلْدانِ يُوجَدُ فيها قتالٌ في سبيلِ الله، ولا على أطرافِها ثغورٌ يُرابَطُ فيها، وقد قال النبيُّ - ﷺ - لمعاذٍ: (فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ) (١)، فجعَلَها في الففقراءِ ولم يُفصِّلْ له، وجعَلَها فيهم لا في غيرِهم، وقد لا يُوجَدُ فيهم جميعُ مصارفِ الزكاةِ الثمانيةِ.\nومنها: أنَّ اللهَ صدَّرَ آيةَ الأصنافِ الثمانيةِ بكَلِمةِ الحصرِ (إنَّما)؛ لبيانِ الحصرِ فيهم، لا الاستيعابِ لجميعِهم، فهي لإخراجِ غيرِهم منهم، لا لِتَسَاويهِم.\nومنها: أنَّ اللهَ بيَّنَ وجوبَ المساواةِ والعَدْلِ في العطيَّةِ في أمورٍ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٩).","vol":"3","page":1523},{"text":"أخَصَّ؛ كالنفقةِ بينَ الزَّوْجات، والعَطِيَّةِ بينَ الأولاد، وقَسْمِ الميراثِ على الوَرَثة، وأوجَبَ استيعابَ كلِّ ذي حقٍّ حَقَّهُ، وقَدَّرَ كلَّ ذلك، وليس لأحدٍ أنْ يَخُصَّ واحدًا مِن الوَرَثةِ أو الأولادِ أو الزَّوْجاتِ بعَطيَّةٍ أو هبةٍ مِن المالِ المستحَقِّ للجميع، ولو كانتْ زكاةُ المالِ مِن هذا الجنس، لَبَيَّنَها اللهُ في كتابِه، أو النبيُّ - ﷺ -؛ في قولِهِ أو عمَلِه.\nومنها: أنَّ القولَ بالاستيعابِ تعطيلٌ للأحقِّ منهم، فقد يَحتاجُ الناسُ إلى المالِ في الجهادِ في سبيلِ الله، خوفَ دَهْمِ العدوِّ عليهم، والحاجةُ تَستوعِبُ المالَ كلَّه، فلو كان الاستيعابُ واجبًا، لَتَعطَّلَ الجهادُ المتعيِّنُ، ومِثلُ ذلك لو وجَبَ الاستيعابُ وكان الفقراءُ أكثَرَ مِن المساكين، أو كانت حاجةُ المُسلِمينَ لفَقرِهم أشَدَّ مِن حاجةِ الكفَّارِ لتأليفِ قلوبِهم، لَلَزِمَ مِن الاستيعابِ تعطيلُ الأصلَحِ والأنفَعِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1114>حُكْمُ الاستيعابِ:</span>\nويُستحَبُّ استيعابُ الأصنافِ الثمانيةِ عندَ تساوي الحاجاتِ وتيسُّرِ الوصولِ إليها؛ وذلك خَشْيةَ تعطُّلِ المصالحِ الخاصَّةِ والعامَّةِ؛ فإنَّ المُسلِمينَ إنْ صرَفُوا زكاةَ أموالِهم وخَصُّوها في الفُقَراء، تَعطَّلَتِ المنافعُ الأُخرى؛ كحاجةِ أهلِ الرِّقابِ والغارِمينَ والمؤلَّفةِ قلوبُهم، وزَهِدَ الناس في الجهادِ وتَرَكُوه؛ لِعَدَمِ وجودِ تجهيزِ الغُزَاةِ وحُمَاةِ الثُّغورِ.\nوكما أنَّ المفاسدَ تتحقَّقُ بالقولِ بإيجابِ الاستيعابِ؛ فإنَّها تتحقَّقُ بتعطيلِهِ وبالقولِ بعدَمِ استحبابِ التحرِّي له وقَصْدِه.\nوالأصنافُ الثمانية التي ذكَرَها اللهُ تعالى تختلِفُ مِن جهةِ الحاجةِ إليها وقيامِها بحسَبِ اختلافِ الزمانِ والمكان، والأَولى في الغنيِّ وقاسِمِ المالِ أنْ يقومَ بقِسْمةِ المالِ بحسَبِ مقاديرِ الحاجاتِ؛ فإنْ كان الفقرُ","vol":"3","page":1524},{"text":"أشَدَّ، جعَلَ أكثَرَ زكاتِهِ فيه، وإن كان ثغرُ الجهادِ أحوَجَ، جعَلَ أكثَرَ زكاتِهِ فيه، وقسَمَ الباقيَ بحسَبِ الحاجةِ.\nوأمَّا صحَّةُ الزكاة، فتصحُّ بصَرْفِها في موضعٍ واحدٍ منها، ولكنْ كما أنَّ الصدقةَ تتَفاضَلُ في نَفْسِها بحسَبِ الحاجةِ في مَصارفِها، فإنَّ الزكاةَ كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1115>إعطاءُ الزكاةِ بالهَوَى ومَيْلِ النَّفْسِ:</span>\nولا يَحِلُّ للغنيِّ ولا للإمامِ أنْ يُعْطِيَ الزكاةَ بحسَب هوى نفسِهِ المجرَّد، بل يجبُ فيها التماسُ قِسْمةِ اللهِ لها، ولو وافَقَت هوى النفسِ ومَيْلَها، جاز ذلك، وإنِ استوَتِ الحاجةُ بينَ اثنَيْنِ وأَحَدُهما تَمِيلُ النفسُ إليه مَيْلًا مجرَّدًا، ولو كانتِ البراءةُ تتحقَّقُ بأَحَدِهما، فإنَ الأَولى إعطاءُ مَنْ لا تَمِيلُ النفسُ بهَوَاهَا إليه؛ حتَّى لا يُجحِفَ الأنسانُ بحقِّ أحدٍ، وتأخُذَ به نفسُهُ إلى الظُّلْمِ وهي لا تشعُرُ.\nوصاحبُ الحقِّ يَستحِقُّهُ ولو كَرِهَتْهُ النَّفسُ؛ فقد أَعطى النبيُّ - ﷺ - أقوامًا يَكرَهُهُمْ حالَ عَطائِهم ويُحِبُّ غيرَهم؛ كالأَقْرَعِ بنِ حابسٍ، وعُيَيْنَةَ بنِ حِصْنٍ، وغيرِهما، وفي \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ سعدٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - أَعطى رهطًا وسعدٌ فيهم؛ قال سعدٌ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: (أَو مُسْلِمًا)، فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدتُّ لِمَقَالَتِي، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: (أَو مُسْلِمًا)، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدتُّ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ قَالَ: (يَا سَعْدُ، إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ) (١).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٧)، ومسلم (١٥٠).","vol":"3","page":1525},{"text":"ولا يجوزُ أنْ يَدفَعَ الغنيُّ ولا الإمامُ الزكاةَ ليَكسِبَ بها مَدْحًا لنَفْسِه، ولا أنْ يَدفَعَ بها ذَمًّا عنها، فيُعطِيَ مَن يَحمَدُهُ وَيمنَعَ مَن لا يَذْكُرُهُ، ويُعطِيَ مَن يذُمَّهُ ليُسكِتَهُ، ويُعطِيَ مَن يسكُتُ ليَنطِقَ بمَدْحِه، فهذا يحوِّلُ الزكاةَ مِن حقٍّ لِمَنْ أَعْطاه، إلى حقٍّ له يَشتري به هَوَاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1116>مَصْرِفُ الفُقَراءِ والمساكِينِ:</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾؛ قدَّمَ الله في هذه الآيةِ الفقيرَ والمسكينَ؛ لأنَّهما أَولى بالعَطَاء، وأشَدُّ في الحاجة، وأنَّ الفقرَ والمَسْكَنةَ أوسَعُ وقوعًا في الناسِ مِن جميعِ المصارفِ التاليةِ؛ ولهذا قال طاوسٌ في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾: هو الرَّأسُ الأكبرُ؛ رواة عنه ليثٌ؛ أخرَجَه ابنُ أبي حاتمٍ (١).\nوعامَّة السَّلفِ: أنَّ المُسلِمينَ هم المقصودونَ بهذه الأصنافِ إلَّا سَهْمَ المؤلَّفةِ قلوبُهم، ورَوَى عمرُ بن نافعٍ، عن عِكْرِمهَ؛ أنَّ المرادَ بالفُقراءِ: مِن المُسلِمينَ، والمساكينِ: مِن أهلِ الكتابِ (٢)، ورَوَى ابنُ أبي حاتيم في \"تفسيرِه\"؛ أنَّ الفُقراءَ زَمْنَى أهلِ الكتابِ؛ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ (٣)، وهو مُنكَرٌ، يَرويهِ عن عمرَ بنِ الخطابِ: عمرُ بن نافعٍ، عن أبي بكرٍ العَبْسيّ، عن عُمَرَ؛ ولا يَصِحُّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1117>الفَرْقُ بينَ الفقيرِ والمِسْكِينِ:</span>\nالفقيرُ شديدُ الحاجة، ومُنكَسِرٌ فَقَارُهُ لعَجْزِهِ وذُلِّه، والفقيرُ أحوَجُ مِن المسكين، في ظاهرِ اللُّغَةِ وظاهرِ الآيةِ وظواهرِ الأدلَّة، وقد كان النبيُّ - ﷺ - يَستعيذُ مِن الفقر، ولم يثبُتْ أنه استعاذَ مِن المَسْكَنة، ورُوِيَ أنه سأَلها؛\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٨٢٢).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٥١٤).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم (٦/ ١٨١٧).","vol":"3","page":1526},{"text":"كما يُروى عندَ التِّرمذيّ، مِن حديثِ أنسٍ (١)، وعندَ ابنِ ماجهْ (٢)؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ مرفوعًا: (اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا).\nومِن العلماءِ: مَن جعَلَ المَسْكَنةَ أشَدَّ مِن الفقرِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿أَو مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦]؛ وفيه نظرٌ؛ لأنَّ اللهَ ذكَرَ المَسْكَنةَ، وهو وصفٌ عامٌّ، وزادَ عليه وصفًا آخرَ، وهو قولُهُ: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾؛ لبَيانِ شِدَّةِ ذلك؛ فدَلَّ على أنَّ وصفَ المَسْكَنةِ وحدَهُ، ليس كافيًا لبيانِ شدَّةِ الحاجة، وغلَبَتِهِ على وصفِ الفقرِ.\nوالفرقُ بين الفقيرِ والمِسْكِينِ مختلَفٌ فيه؛ لاختلافِ حدِّ كلِّ واحدٍ منهما في نفسِه، والأظهَرُ: أنَّ الفقيرَ الذي لا يَستطيعُ العيشَ بلا معونةِ الناس، وأمَّا المسكينُ فهو: مَن يستطيعُ العيشَ ولكن مع ضرَرٍ في حالِهِ وسُوءٍ في عَيْشِه، والمسكينُ مَن يَجِدُ عمَلًا وحاجةً تسُدُّ بعضَ عيْشِه، ولكنَّها لا تَكْفِيه؛ ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩].\nوفي \"الصحيحَينْ\"؛ قال - ﷺ -: (لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَان، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَان، وَلَكِنِ المِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى بُغْنِيه، وَلَا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْه، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ) (٣).\nومَن نظَرَ في النصوص، تحقَّقَ لدَيْهِ أنَّ الفقيرَ أسوَأُ حالًا مِن المسكين، وأنَّ الفقرَ والمَسْكَنةَ مُصطلَحانِ يتداخَلانِ في كثيرٍ مِن المعنى، وإنْ لم يتَطابَقَا؛ ولهذا قد يدخُلُ أحدُهما في الآخَرِ وينوبُ عنه، وقد يَفترِقانِ وقد يَجتمِعان، وقد ذهَبَ جماعةٌ مِن الفقهاءِ إلى المساواةِ بينَهما؛ كأبي يوسُفَ وابنِ القاسمِ وجماعةٍ مِن أصحابِ الشافعيِّ.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٢٣٥٢).\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٤١٢٦).\n(٣) أخرجه البخاري (١٤٧٩)، ومسلم (١٠٣٩).","vol":"3","page":1527},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1118>حَدُّ الغَنِيِّ:</span>\nوقد اختَلَفَ العلماءُ في حَدِّ الغَنِيِّ الذي يُمنَعُ معه سؤالُهُ الزَّكَاةَ وإعطاؤُه لها:\nفمِنهم: مَن جعَلَ له حدًّا معلومًا.\nومِنهم: مَن لم يَجعَلْ له حدًّا يَفصِلُ فيه؛ وقد ذهَب مالكٌ والشافعيُّ: إلى أنه لا حدَّ للغني معلومٌ؛ وإنَّما حالُهُ بحسَبِ وُسْعِهِ وطاقتِه؛ فإذا اكتَفَى بما عِندَة ولو كان قليلًا، حَرُمَتْ عليه الزكاةُ، وإنْ لم يَكتَفِ بما عِندَهُ ولو كان كثيرًا، حَلَّتْ له الزكاةُ؛ وذلك أنَّ أحوالَ الناسِ تَختلِفُ؛ فمنهم: صاحبُ زَوْجاتٍ وعيالٍ كثير، ومنهم: مَن لا زَوْجةَ له ولا ولَدَ، ومِنهم: مَن هو صحيحٌ مُعافًى، ومِنهم: مَن هو مريضٌ يَحتاجُ لعلاجِ مرَضِهِ أكثَرَ مِن طعامِ غيرِهِ لِنَفْسِهِ وولَدِه، وقد قاله الشافعيُّ: \"قد يكونُ الرجلُ بالدِّرْهَمِ غنيًّا معَ كَسْبٍ، ولا يُغْنِيهِ الأَلْفُ معَ ضَعْفِهِ في نفسِهِ وكثرةِ عِيالِه\" (١).\nومَن قال بأنَّ للغَنِيِّ حدًّا معلومًا، اختَلَفُوا في حَدِّه:\nفذهَبَتْ طائفةٌ: إلى أنَّ حَدَّهُ خمسونَ دِرْهَمًا، فمَن مَلَكهُ فهو غنيٌّ تحرُمُ عليه الزكاةُ؛ وبهذا قال الثوريُّ، وابنُ المبارَك، وأحمدُ، وإسحاقُ؛ وذلك لحديثِ ابن مسعودٍ؛ قال: قيل: يا رسولَ الله، وما الغِنَى؟ قال: (خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَو قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ) (٢)؛ رواهُ حَكِيمُ بن جُبَيْرٍ، عن محمدِ بنِ عبد الرحمنِ بنِ يَزِيدَ، عن أبيه، عن ابنِ مسعودٍ؛ به، وحكيمٌ متروكٌ، وللحديثِ وجهٌ آخرُ معلولٌ، وقد أَعَلَّ الحديثَ\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٢/ ٥٧)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٤/ ٣٠٨).\n(٢) أخرجه أحمد (١/ ٣٨٨)، وأبو داود (١٦٢٦)، والترمذي (٦٥٠)، والنسائي (٢٥٩٢)، وابن ماجه (١٨٤٠).","vol":"3","page":1528},{"text":"ابنُ مَعِينٍ (١)، والترمذيُّ (٢)، والنَّسَائيُّ (٣)، وغيرُهم (٤).\nوذهَبَتْ طائفةٌ: إلى أنَّ حدَّ الغنيِّ مِئَتَا دِرْهَمٍ، وهو نِصابُ الزكاةِ الذي تجبُ فيه؛ وهذا قولُ أهلِ الرأي، وعلَّلوا ذلك بأن اللهَ أوجَبَ الزكاةَ على الأغنياء، وتُرَدُّ في الفقراء، فمَن وجَبَتْ عليه الزكاةُ، فليس بغنيّ، فكيف تُؤخَذُ الزكاةُ منه ثُمَّ تُرَدُّ إليه؟ !\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1119>قَوِيُّ البدَنِ وأَخْذُ الزكاةِ:</span>\nإذا كان الرجل قويَّ البدَنِ صحيحَ الجوارحِ ولم يَتَكَسَّبْ، فهو على حالَتَيْنِ:\nالحالةُ الأُولى: أن يكونَ راغبًا في الكَسْبِ باحثًا عنه؛ فلم يَجِدْ عمَلًا، فهذا يُسمَّى المحرومَ والمُحارَفَ، وهو الذي لدَيْهِ قُدْرةٌ ولكنَّه لم يَجِدْ محلًّا يتكسَّبُ به، فهذا تَحِلُّ له الزكاةُ بلا خلافٍ، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤ - ٢٥]، والمحرومُ هو المُحارَفُ الذي لا كَسْبَ له، كما قالتْ عائشةُ: \"المُحارَفُ الذي لا يَكادُ يتَيسَّرُ له مَكْسَبُه\"؛ رواهُ عنها عُرْوةْ (٥).\nوقال ابنُ عبَّاسٍ: \"المحرومُ الذي يطلُبُ الدُّنيا وتُدْبِرُ عنه\"؛ رواهُ عنه عليُّ بن أبي طَلْحةَ (٦).\nوبمعنى هذا: قال مجاهِدٌ (٧)، والضَّحَّاكُ (٨).\n_________\n(١) \"تاريخ ابن معين - رواية الدوري\" (٣/ ٣٤٦) (١٦٧١).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٦٥١).\n(٣) \"السنن الكبرى\" للنسائي (٢٣٨٤).\n(٤) \"عون المعبود\" (٥/ ٣١)، و\"تحفة الأحوذي\" (٣/ ٢٥٣).\n(٥) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١٠/ ٣٣١٢).\n(٦) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٢٧٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١٠/ ٣٣١٢).\n(٧) \"تفسير الطبري\" (٢١/ ٥١٢).\n(٨) \"تفسير الطبري\" (٢١/ ٥١٣).","vol":"3","page":1529},{"text":"ويُسمِّيهِ الناسُ: العاطِلَ الذي يَبحَثُ عن العمَلِ والتكسُّب، ولا يَجِدُهُ.\nالحالةُ الثانيةُ: أنْ يكونَ قويًّا لكنَّة تاركٌ للعمَلِ راغبًا عنه؛ لِكَسَلِهِ ودَعَتِه، فهذا قد اختُلِفَ في إعطائِهِ مِن الزكاةِ على قولَيْنِ:\nمِن العلماءِ: مَن قال بعدَمِ جَوازِ إعطائِه منها؛ وبهذا قال الشافعيُّ وأبو عُبَيْدٍ وإسحاقُ.\nومِنهم: مَن قال بجوازِ ذلك ما لم يَملِكْ مِتئَتَيْ دِرْهمٍ؛ وبهذا قال مالكٌ وأهلُ الرأيِ.\nوالأظهَرُ: عدمُ جوازِ ذلك؛ فقد صحَّ في \"المسنَدِ\" و\"السُّننِ\"؛ مِن حديثِ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَدِيِّ بنِ الخِيارِ؛ قال: أخبَرَني رجُلانِ أنَّهما أتَيَا النبيَّ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاع، وَهُوَ يقَسِّمُ الصَّدَقَةَ، فَسَأَلَاهُ مِنْهَا، فَرَفَعَ فِينَا الْبَصَرَ وَخَفَصَهُ، فَرَآنَا جَلْدَيْن، فَقَالَ: (إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ) (١).\nولظاهرِ قولِه - ﷺ -: (لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذي مِرَّةٍ سَوِيٍّ) (٢)، ولأنَّ في إعطائِهِ إعانةً له على رُكُونِهِ وكسَلِهِ وتَرْكِهِ التكسُّبَ.\nوقولُه تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾، هم جُبَاةُ الزَّكَاةِ والصَّارِفونَ لها على أهلِها؛ فكلُّ مَن قامَ بجبايةِ الزَّكَاة، أو قامَ بصَرْفِها على أهلِها، أو قامَ على حِفْظِها، فهو مِن العامِلينَ عليها.\nواتَّفَقَ العلماءُ على أنه يجوزُ أنْ تُعطَى الزكاةُ جميعًا لصِنْفٍ واحدٍ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٤/ ٢٢٤)، وأبو داود (١٦٣٣)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٢٣٩٠).\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٦٤)، وأبو داود (١٦٣٤)، والترمذي (٦٥٢)؛ مِن حديث عبد الله بن عمرو.\nوأحمد (٢/ ٣٨٩)، والنسائي (٢٥٩٧)، وابن ماجه (١٨٣٩)؛ مِن حديث أبي هريرة.","vol":"3","page":1530},{"text":"مِن الأصنافِ الثمانية، لكنْ لا يَجوزُ أن تُعطَى جميعُها للعامِلينَ عليها حتَّى لا يَصِلُ منها شيءٌ لغيرِهم؛ لأنَّ العامِل أُعطِيَ لأنَّه وسيلةٌ لغيرِه، والباقونَ غايةٌ؛ فلا تُعطى الوسيلةُ لتَتعطَّلَ الغايةُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1120>صُوَرُ العَمَلِ على الزَّكَاةِ:</span>\nوالعملُ على الزكاةِ يكونُ في صورٍ ثلاثٍ:\nالصورةُ الأُولى: الذين يَقومونَ بتتبُّعِ الأغنياءِ وجَلْب الزكاةِ منهم إلى بيتِ المالِ.\nالصورةُ الثانيةُ: الذين يَقومونَ بحِفْظِها وتخزينِها وحِسَابِها عندَ وصولِها إلى بيتِ المالِ؛ وذلك أنَّ للزَّكاةِ مُقامًا بينَ الغنيِّ والفقيرِ تَحتاجُ إلى حفظٍ وجمعٍ وحسابٍ، فمَن قامَ بذلك، فهو مِن العامِلينَ عليها.\nالصورةُ الثالثةُ: الذين يَقومونَ بقِسْمَتِها على الفُقراءِ إمَّا بتتبُّعِ أحوالِ الفقراءِ وسَبْرِها حتَّى يَصِلَ المالُ على وَجْهِهِ إليهم، أو بنَقْلِ المالِ مِن بيتِ المالِ إليهم، أو حِسابِهِ وقِسْمَتِهِ بينَ الفُقَراءِ حتَّى يَستوعِبَ الأصنافَ الثمانيةَ، أو يستوعِبَ صِنفًا منهم؛ حتَّى لا يَبقى منهم ذُو فاقةٍ ويُعطى مَن دُونَهُ، فهؤلاءِ مِن العامِلينَ عليها جميعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1121>مِقْدارُ نصيبِ العامِلِينَ عليها:</span>\nوليس للعامِلينَ عليها قَدْرٌ معلومٌ؛ وإنَّما بقَدْرِ سِعَايةِ الواحدِ منهم؛ فإنَّ العمَلَ والجُهْدَ يَختلِفُ؛ فمَن يَقومُ بالجِبَايةِ والصَّرْفِ يَختلِفُ عمَّن يقومُ بجِايةِ المالِ فقطْ، ومَن يقومُونَ بالجبايةِ يَختلِفُونَ بحسَبِ جُهْدِهم وبُعْدِ مَسافاتِهم؛ وذلك بحسَب اجتهادِ الإمام، ولا يَرجِعُ ذلك إلى اجتهادِ الحامِلِ بنَفْسِه؛ حتَّى لا يَأْخُذَهَ طمَعُ نفسِهِ فيُكثِرَ فيُجحِفَ بحقٍّ الفقراءِ.\nولا يَصِحُّ أنْ يُخرِجَ الغنيُّ زكاتَهُ بشَرْطِ ألَّا يأخُذَ العامِلونَ منها","vol":"3","page":1531},{"text":"شيئًا؛ فهذا شرطٌ باطلٌ؛ لأنَّ اللهَ جعَلَ قِسْمةَ المَصارِفِ إليه، لا إلى غيرِه، ثم إنَّه بذلك تتعطَّلُ مَصالحُ المُسلِمينَ، ويُروى عندَ أبي داودَ، عن زيادِ بنِ الحارثِ الصُّدَائيِّ - ﵁ -؛ قال: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَبَايَعْتُهُ، قَالَ: فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَة، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَات، حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاء، أَعْطَيْتُكَ حَقَّكَ) (١).\nولا يجوزُ للعاملِ قَبُولُ الهديَّةِ والهِبَةِ مِن جِهتَيْها؛ مِن جِهَةِ الغنيّ، ولا مِن جهةِ الفَقيرِ؛ فتِلك رِشْوةٌ محرَّمةٌ.\nوقولُهُ تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، المرادُ بهم: الكُفَّارُ، وأهلُ الشُّرورِ مِن المُسلِمينَ الذين تُستَمالُ قلوبُهم بالمالِ؛ إمَّا لكَسْبِ خيرِهم، أو لدَفْعِ شرِّهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1122>إعطاءُ المؤلَّفةِ قلوبُهُمْ بعدَ النَّبِيِّ - ﷺ </span>-:\nوحُكْمُ تأليفِ القلوبِ باقٍ لم يُنسَخْ؛ ما قامَ سببُه، ودَعَت حاجتُه، وقد اختُلِفَ في إعطاءِ المؤلَّفةِ قلوبُهُمْ بعدَ النبيِّ - ﷺ -:\nفمِن السَّلَفِ: مَن قال بأنَّهم لا يُعطَوْنَ بعدَهُ؛ لأنَّ الإسلامَ اشتَدَّ وقَوِيَ ولا يَخافُ مِن عدوٍّ؛ لعِزَّتِهِ وعِزَّةِ أهلِه، واستُدِلَّ لذلك بما جَرَى عليه عُمَرُ؛ وبه قال الشَّعْبيُّ (٢)، والحسنُ (٣)، وجماعةٌ مِن السَّلَفِ.\nوالأظهَرُ: بقاءُ سَهْمِ المؤلَّفةِ قلوبُهم ما وُجِدَت العِلَّةُ ودعَتِ الحاجةُ؛ وبهذا قال أحمدُ، وإنَّما منَعَها عمرُ ومَن تَبِعَهُ؛ لانتفاءِ العِلَّةِ بقُوَّةِ الإسلام، وضَعْفِ الكُفْرِ وقِلَّةِ حِيلَةِ أهلِه، فليسَ أمامَهم إلَّا الإسلامُ،\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١٦٣٠).\n(٢) تفسير الطبري\" (١١/ ٥٢٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٨٢٢).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٥٢٢).","vol":"3","page":1532},{"text":"وليس في قُدْرتِهم الإضرارُ بالإسلامِ وأهلِه، وما فعَلَهُ عمرُ ليس إلغاءً للحُكْمِ ونَسْخًا له؛ وإنَّما رَفْعٌ له لانتفاءِ عِلَّتِه.\nوقد أَعطَى النبيُّ - ﷺ - أقوامًا بعدَ فتحِ مَكَّةَ وظهورِ القُوَّةِ وسُلْطانِ الإسلامِ والمُسلِمينَ؛ وذلك لقِيامِ المُوجِبِ في أعيانِ المؤلَّفةِ قلوبُهم.\nولا يثبُتُ عن النبيِّ - ﷺ - نصٌّ في نسخِ سَهْمِ المؤلَّفةِ قلوبُهم، وغايةُ ما في ذلك عملُ الصحابة، وإنَّما اختُلِفَ في فَهْمِه؛ مِنهم: مَن يَرى عمَلَهم عِلْمًا بالنَّسْخ، ومنهم: مَن يَراهُ رَفْعًا للحُكْمِ؛ لانتفاءِ العِلَّة، والصوابُ: أنه ليس بنَسْخٍ، وقد قال يونُسُ: سألتُ الزُّهْريَّ عنهم؟ فقال: \"لا أعلَمُ نسخًا في ذلك\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1123>أنواعُ المؤلَّفةِ قلوبُهُمْ:</span>\nوالمؤلَّفة قلوبُهم على نوعَيْنِ:\nالنوعُ الأولُ: كفارٌ يُتألَّفونَ؛ لِيُقبِلوا على الإسلام، أو يُدفَعَ شرُّهم عنه؛ وذلك أنَّ بعضَ الكفَّارِ يَحمِلُ كُرْهًا وحِقْدًا وغِلًّا على الإسلامِ وأهلِه؛ لكَسْرِ شَوْكَتِه، وذَهَابِ هَيْبَتِه، أو لِمَا أصابَهُ مِن فَقْدِ مالٍ ودمٍ وسُلْطانٍ، والمالُ يُقرِّبُهُ ويُلِينُ قَلْبَه، فيَتأمَّلُ الحقَّ بتجرُّدٍ بعدَ زوالِ ما يَجِدُ، كما أعطى النبيُّ - ﷺ - صَفْوَانَ بنَ أُمَيَّةَ وغيرَهُ.\nالنوعُ الثاني: مُسلِمونَ، لكنَّهم فُسَّاقٌ، أو مُنافِقونَ يُتألَّفونَ؛ لِيَحسُنَ إسلامُهم، أو يُدفَعَ شرُّهم عنه.\nوهؤلاء يُعطَوْنَ ولو كانوا أغنياءَ؛ لأنَّ العِلَّةَ التي أُعطُوا لأَجْلِها ليستِ الفقرَ، بل تأليفَ القلب، كعِلَّةِ العمَلِ عليها، فأُعطِيَ حتَّى الغنيُّ لهذا المَقصَد، وقد قال مَعقِلُ بن عُبَيْدِ اللهِ: سألتُ الزُّهْريَّ عن (المؤلَّفةِ\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" (١٠/ ٢٦٦).","vol":"3","page":1533},{"text":"قلوبُهم)، قال: مَن أسلَمَ مِن يهوديٍّ أو نَصْرانيٍّ، قلتُ: وإنْ كان مُوسِرًا؟ قال: وإنْ كان مْوسرًا (١).\nوقد أَعطَى النبيُّ - ﷺ - أقوامًا مِن المالِ؛ تأليفًا لقلوبِهم؛ ففي \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ؛ قال: \"بَعَثَ عَلِيٌّ وَهُوَ بِاليَمَنِ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِذُهَيْبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا، فَقَسَمَهَا بَيْنَ الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الحَنْظَلِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي مُجَاشِعٍ، وَبَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الفَزَارِيِّ وَبَيْنَ عَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ العَامِرِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ، وَبَيْنَ زَيْدِ الخَيْلِ الطَّائِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ، فَتَغَيَّظَتْ قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ، فَقَالُوا: يُعْطِيهِ صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا؟ ! قَالَ: (إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ) \" (٢).\nولا ستمالةِ قلوبِهِمْ مَقْصَدانِ:\nالمَقصَدُ الأوَّلُ: أن يُستَمالُوا إلى الإسلام، فيَقرُبُوا منه، وأنْ يُزَالَ ما يَجِدُونَهُ مِن نفورٍ وكُرْهٍ؛ فإنَّ للمالِ أثرًا على أكثرِ القلوبِ تُستَمالُ به، وتُحِبُّ مَن أحَسنَ إليها، ويُزِيلُ النفورَ والكُرْهَ الذي يَجِدُونَهُ على الإسلامِ وأهلِهِ فيَمِيلُونَ إليه؛ ففي \"الصحيحِ\"، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ؛ أنَّ صَفْوانَ بنَ أُمَيَّةَ قال: \"وَالله، لَقَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَا أَعْطَانِي، وَإِنَّهُ لَأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ، فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ\" (٣).\nالمَقصَدُ الثاني: أنْ يُدفَعَ شرُّهم عن أهلِ الإسلامِ وكَيْدُهم بهِم، فإنْ أَخَذُوا مالًا، زالَ ما في قلوبِهم مِن حِقْدِ وغِلٍّ وكُرْهٍ، وحُبٍّ للزوال، فإن أُعْطُوا، طَمِعُوا في مِثْلِه، ورَجَوُا العَطِيَّةَ في كلِّ عامٍ، فاندفَعَ شرُّهم؛ لِما يَرْقُبونَهُ مِن عطاءٍ ورزقٍ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٥٢١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٨٢٣).\n(٢) أخرجه البخاري (٧٤٣٣)، ومسلم (١٠٦٤).\n(٣) أخرجه مسلم (٢٣١٣).","vol":"3","page":1534},{"text":"وقولُه تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، المرادُ بالرِّقابِ: الأَرِقَّاءُ؛ فلهم نصيبٌ مِن الزَّكاةِ لإعتاقِهم، سواءٌ كان مُكاتَبًا بَقِيَ عليه شيءٌ كثيرٌ أو قليلٌ، أو كان رَقَبةً لم يُعتَقْ منه شيءٌ؛ فهو داخلٌ في هذه الآيةِ؛ وهذا قولُ أكثَرِ السَّلَفِ والفُقَهاءِ؛ كمالِكٍ وأبي حنيفةَ وأحمدَ والشافعيِّ.\nورُوِيَ عن مالكٍ في روايةٍ: أنَّ المُكاتَبَ يكونَ مِن الغارِمينَ، لا في نصيبِ الرِّقابِ.\nوالأظهَرُ: عمومُ الآيةِ في الرقيقِ وفي المكاتَب، وقد قال اللهُ في حقِّهم: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣].\nوقولُه تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾، المرادُ بالغارمِ: هو مَنْ عليه دَيْنٌ؛ كمَنِ اقتَرَضَ لرِزْقِهِ ورِزْقِ عيالِه، ولم يَجِدْ وفاءً، أو احترَقَتْ دارُهُ أو تجارتُه، أو ذهَبَ السَّيْلُ بزَرْعِهِ وماشيتِه، وقد قضى عمرُ بن عبد العزيزِ دَيْنَ القاسِمِ بنِ مُخيمِرةَ وهو تِسْعونَ دينارًا، وقال: أنتَ مِن الغارِمينَ، وأمَرَ له بخادمٍ ومَسْكَنٍ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1124>الفَرْق بينَ دَيْنِ الحيِّ ودَيْنِ الميِّتِ:</span>\nومَنْ عليه دَيْنٌ: إمَّا أن يكونَ حيًّا، وإمَّا أن يكونَ ميتًا؛ فإنْ كان ميتًا، فقد اختلَفَ العلماءُ في إعطائِهِ مِن الزكاةِ على قولَيْنِ:\nالقولُ الأولُ: قالوا بالمنعِ؛ وهذا قولُ أكثرِ العلماءِ؛ خلافًا للمالكيَّة، على أنه لا تُدفَعُ الزكاة لقَضاءِ دَيْنِه؛ وذلك أنَّ الغارِمَ هو الذي يَستحِقُّ الزكاةَ، وهو مَيِّتٌ، وإذا أُعطِيَتْ غريمَهُ، وهو الدَّائِنُ، صار الدفعُ إلى الغريمِ لا إلى الغارم، وقد قال أحمدُ بن حنبلٍ: \"الميِّتُ لا يكونُ غارِمًا، قيل له: أيُعْطى أهلُهُ؟ قال: إنْ كانتْ على أهلِه، فنعَمْ\" (٢).\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٨٢٤).\n(٢) \"المغني\" لابن قدامة (٤/ ١٢٦).","vol":"3","page":1535},{"text":"ولم يثبُتْ عن النبيِّ - ﷺ - أنه دفَعَ الزكاةَ لدَيْنِ ميِّتٍ، ولا عن خلفائِهِ كذلك، وكان النبيُّ يُؤتَى بالميتِ ويَسأَلُ عن دَيْنِه، ولا يطلُبُ له وفاةُ؛ وإنَّما كان يترُكُ الصلاةَ عليه أوَّلَ الأمر، والمَنافِعُ بقضاءِ دَيْنِ الحيِّ أَولى مِن دفعِهِ عن دَيْنِ الميتِ.\nوإفراغُ ذِمَمِ الأمواتِ مِن الحقوقِ يعطِّلُ مَصالِحَ الأحياء، ويُضعِفُ حقَّهم مِن الزكاةِ؛ لِكَثْرةِ الحقوقِ التي يموتُ أصحابُها وهي عليهم.\nالقولُ الثاني: وهو قولُ المالكيَّةِ؛ أنه تُدفَعُ إليه، ورَجَّحَهُ ابنُ تيميَّةَ.\nولا خلافَ أنَّ دَيْنَ الحيِّ عندَ التزاحُمِ أَولى بالقضاءِ مِن الزكاةِ مِن دَيْنِ الميِّتِ.\nوأمَّا إنْ كان حيًّا، فهو مِن أهلِ الزكاةِ بالاتِّفاقِ.\nوالغارِمُ الذي احتاجَ للمالِ بسبَبِ غُرْمِهِ على نوعَيْنِ:\nالنوعُ الأولُ: غارِمٌ لحظِّ غيرِه؛ وذلك لأجلِ إصلاحِ ذاتِ البَيْنِ؛ كمَنْ يُصلِحُ بينَ رجُلَيْنِ أو جماعتَين، ويَدفَعُهما عن قتالٍ بالصُّلْحِ بينَهما على مالٍ، فيتَحمَّلُهُ بنفسِهِ لِحَقْنِ الدَّمِ ودفعِ النِّزاع، فهذا يَستحِقُّ الدفعَ له مِن الزكاة، ويَحِلُّ له السؤالُ؛ كما ثبَت في مسلمٍ؛ مِن حديثِ قَبِيصَةَ بنِ مُخارِقٍ الهلاليِّ؛ قال: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: (أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا)، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: (يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ المَسأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الَمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَو قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَو قَالَ: سِدَادًا مِنْ","vol":"3","page":1536},{"text":"عَيْشٍ - فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ المَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا) (١).\nالنوعُ الثاني: غارِمٌ لحظِّ نفسِه، وهو الذي غَرِمَ مالًا استَدَانَهُ لتجارةٍ أو لِنَفَقةِ عيالِهِ وزَوْجِه، ولم يَجِدْ سِدَادًا؛ فإنَّه يُعطَى مِن الزكاةِ بلا خلافٍ.\nوالأَولى: ألَّا يُعانَ مَن اعتادَ السَّرَفَ بالاستدانةِ بلا حاجةٍ، ممَّن يأخُذُ أموالَ الناسِ ولا يُبالي؛ حتَّى لا يكونَ ذلك عونًا له على التساهُلِ في ذلك، وقد قال أبو جعفرٍ الباقِرُ محمدُ بن عليِّ بنِ الحُسَيْنِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبِ في الغارِمِ: \"هو المُستَدينُ في غيرِ سَرَفٍ\" (٢).\nوبنَحْوِه صحَّ عن مجاهِدٍ (٣)، وقتادةَ (٤)؛ قالا: \"قومٌ ركِبَتْهمُ الدُّيونُ في غيرِ فسادٍ ولا تبذيرٍ\".\nوقولُه تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، المرادُ به: الجهادُ في سبيلِ الله، وهو غَزْوُ الكفَّارِ الأصليِّين والبُغاةِ والطَّوائفِ المُمتنِعة، وكلُّ قتالٍ في سبيلِ اللهِ فهو داخلٌ في هذه الآيةِ؛ وهذا قولُ السلفِ كافَّةً، ويُعطَى الغازي ولو كان غنيًّا في قولِ عامَّةِ السَّلَفِ وأكثرِ الفقهاءِ؛ خلافًا لأهلِ الرَّأْيِ؛ فلم يُجِيزُوا صَرْفَها للغازي إلَّا المُنقطِعَ، وفيه نظَرٌ؛ فالمنقطِعُ هو سهمٌ لابنِ السبيل، لا سهمُ سبيلِ الله، وقد فرَّقَ اللهُ بينَهما.\nورُوِيَ عن بعضِ السَّلَفِ جعلُ الحجِّ والعمرةِ مِن مصارفِ الزَّكاةِ؛ يُروى عن ابنِ عبَّاسٍ، علَّقَهُ البخاريُّ عنه تمريضًا (٥)، ونُسِبَ إلى ابنِ عُمرَ:\nوالمعروفُ عن ابنِ عُمرَ: أنه جعَلَ إنفاقَ الوصيَّةِ المعيَّنةِ في\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٠٤٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٥٢٦).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٥٢٧).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٥٢٦).\n(٥) \"صحيح البخاري\" (٢/ ١٢٢).","vol":"3","page":1537},{"text":"سبيلِ اللهِ في الحجِّ والجهاد، وليس ذلك في الزكاةِ؛ فقد روى ابنُ عَوْنٍ، عن ابنِ سيرينَ، عنه؛ أنه سُئِلَ عن امرأةٍ أَوْصَتْ بثَلاثينَ دِرْهَمًا في سبيلِ اللهِ: أتُجعَلُ في الحجِّ؟ فقال: أمَا إنَّهُ مِن سُبُلِ اللهِ؛ رواهُ أبو عُبَيْدٍ في \"الأموالِ\"، وقال: \"وليس الناسُ على هذا، ولا أعلَمُ أحدًا أَفتى به؛ أنْ تُصرَفَ الزكاةُ إلى الحجِّ\" (١).\nولعلَّ ما رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ مُرادُهُ: النفقةُ المطلَقةُ التي يُرادُ بها أعمالُ البِرِّ عامَّةً، فقولُ المُوصِي: \"في سبيلِ اللهِ\" يكثُرُ استعمالُهُ في قصدِ أعمالِ البِرِّ عامَّةً، لا أنه قصَدَ مصارفَ الزكاةِ؛ لأنَّ إطلاقَ كلمةِ ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في سياقِ الزكاةِ يَختلِفُ عن إطلاقِها في سياقٍ غيرِه؛ ويؤيِّدُ ذلك ويُؤكِّدُهُ: أنَّ ابنَ عُمرَ جعَل \"في سبيلِ اللهِ\" غيرَ الحجِّ مِن أعمالِ البِرِّ؛ كما رواهُ أبو نُعَيْمٍ في \"الحِلْيةِ\"؛ مِن حديثِ ابنِ مهديٍّ؛ قال: حَدَّثَنا مُسْلِمُ بن عَقِيلٍ، عن أبيه؛ قال: \"كنَّا عندَ ابنِ عُمَرَ عندَ المسجِدِ الحرامِ فسأَلَتْهُ امرأةٌ، فقالَت: إنَّ أبا هذا أَوصَى ببَعِيرٍ في سبيلِ الله، فقال ابنُ عمرَ: إنَّ سُبُلَ اللهِ كثيرةٌ؛ مِن سبيلِ اللهِ حَجُّ البيت، ومِن سبيلِ اللهِ صِلةُ الرَّحِم، ومِن سبيلِ اللهِ قومٌ مِن المُسلِمينَ يُقاتِلونَ قومًا مِن المشرِكينَ ليس لهم مَركَبٌ\" (٢).\nوابنُ عمرَ أرادَ المعنى العامَّ في النَّفَقة، لا المعنى الخاصَّ في الزكاة، ولو كان يُرِيدُ الزكاةَ، لكان فيه على هذه الرِّوايةِ غيرُ الحجِّ؛ كصِلَةِ الرَّحِمِ وغيرِها مِن أعمالِ البِرِّ؛ كعِمَارةِ المساجد، وسُقْيا الناسِ ولو مِن غير حاجةٍ، وهذا لا يقولون به.\nوالزَّكاةُ لا يجوزُ وضعُها في جميعِ الأرحامِ؛ يتَّفِقُ العلماءُ على منعِ\n_________\n(١) أخرجه أبو عبيد في \"الأموال\" (١٩٧٧).\n(٢) \"حليه الأولياء\" (٩/ ٥٤).","vol":"3","page":1538},{"text":"بعضٍ، ويختلِفونَ في بعضٍ، ويتَّفقونَ في إعطاءِ بعضٍ، وإنَّما أجابَ ابنُ عمرَ السائلَ؛ لأنَّ الوصيَّةَ لم تتمَحَّضْ في قصدِ الغَزْوِ مِن قولِه: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ومذهبُهُ في مِثْلِ هذه الحالِ: الأخذُ بالعمومِ؛ لأنَّ المالَ ليس بزكاةٍ، كما ثبَتَ أنَّ أنسَ بنَ سِيرِينَ قال: \"قلتُ لعبدِ اللهِ بنِ عُمرَ: إنَّه أُرسِلَ إلَيَّ بدَراهِمَ أَجْعَلُها في سَبِيلِ الله، وإنَّ مِن الحاجِّ مَنْ بَيْنَ مُنقطَعٍ له وبَيْنَ مَن قد ذهَبَتْ نفَقتُهُ، أفأجعَلُها فيهم؟ قال: نَعَم، اجعَلْها فيهم؛ فإنَّه في سبيلِ الله، قال: قلتُ: إنِّي أخافُ أن يكونَ صاحبي إنَّما أرادَ المُجاهِدينَ؟ قال: اجعَلْها فيهم؛ فإنَّهم في سبيلِ الله، قال: قلتُ: إنِّي أخافُ اللهَ أنْ أُخالِفَ ما أُمِرْتُ به، قال: فغَضِبَ، وقال: ويحَكَ! أوَلَيْسَ بسَبِيلِ اللهِ؟ ! \"؛ رواهُ البيهقيُّ (١).\nومالكٌ أعلَمُ الناسِ بالمَرْوِيِّ عن ابنِ عُمرَ، وقد قال: \"سُبُلُ اللهِ كثيرةٌ\" (٢)، ولم يكُنْ يَجعَلُ الحجَّ منه.\nوقد قال أبو بكرِ بن العربيِّ: \"لا أعلَمُ خِلافًا في أنَّ المرادَ بسَبيلِ اللهِ هاهُنا الغزوُ\" (٣).\nوأمَّا المَرْويُّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، فقد رواهُ ابنُ أبي شَيْبةَ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ حَسَّانَ، عن مجاهِدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما - أنه كِان لا يَرَى بأسًا أنْ يُعطِيَ الرَّجُلُ مِن زَكَاتِهِ في الحجّ، وأنْ يُعتِقَ النَّسَمَةَ مِنها (٤).\nوذِكْرُ البخاريِّ له بصيغةِ التمريضِ يَحتمِلُ أنه لأَجْلِ مَتْنِه، أو إسنادِه، أو كِلَيْهِما؛ وهو الأظهَرُ؛ لأنَّ هذا تفرَّدَ به حسَّانُ بن\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٧٤).\n(٢) \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٥٣٣).\n(٣) السابق نفسه.\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٠٤٢٤).","vol":"3","page":1539},{"text":"أبي الأشرَس، عن مجاهِدٍ، عن ابنِ عبَّاس، وحسَّانُ كوفيٌّ ليس بمعروفٍ بالروايةِ عن مجاهِدٍ، ولا يَرويهِ أصحابُ مجاهدٍ ولا ابنِ عبَّاسٍ، والثابث روايةُ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: \"أَعْتِقْ مِن زَكاتِك\" (١)؛ وليس فيه ذِكْرُ الحجِّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1125>إدخال أعمالِ البِرِّ في مَصْرِفِ: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾:</span>\nوقد اختُلِفَ في إدخالِ سائرِ أعمالِ البِرِّ في مَصْرِفِ: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ كبِناءِ المَساجِد، وكِتَابةِ المَصَاحِفِ وكُتُبِ العِلْمِ وطِبَاعَتِها، وتشيِيدِ الجسورِ والطُّرُقِ والمستشفَيات، والذي عليه عمَلُ عامَّةِ السَّلَفِ عدَمُ دخولِها، وقد حكى بعضُهم الإجماعَ على ذلك؛ كالوزيرِ والرَّمْليِّ؛ وذلك لأمورٍ:\nمِنها: أنَّ التوسُّعَ بإدخالِ جميعِ أعمالِ البِرّ، يُلغِي المعنى المقصودَ مِن الحصرِ في أوَّلِ الآيةِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآيةَ،، فلو كانتْ أعمالُ البِرِّ جميعًا مِن مصارفِ الزكاة، فلا معنى للحَصْرِ في الآية، ولَذَكَرَ أنَّها في سبيلِ اللهِ؛ ليُفهَمَ الإطلاقُ والعمومُ، وكَفى ذلك.\nومنها: أنَّ إدخالَ جميعِ أعمالِ البِرِّ في مصارفِ الزكاةِ لم يَكُنْ مِن عمَلِ النبيِّ - ﷺ -، ولا خلفائِه، مع كثرةِ الحاجةِ إلى ذلك؛ فإنَّ أعمالَ البِرِّ أوسَعُ مِن المصارِفِ الثَّمَانِيَةِ؛ كبِناءِ المساجدِ والمستشفَيَات، وعِمَارةِ الجُسُورِ والطُّرُقِ وتنظيفِها.\nومنها: أنَّ إدخالَ جميعِ أعمالِ البِرِّ في مصارِفِ الزكاةِ يَجعَلُ مصارِفَها كمَصارِفِ سائرِ الصَّدَقاتِ والنَّفَقاتِ والتبرُّعات، والزكاةُ أشدُّ وآكَدُ وأحوَطُ، ويُجمِعُ السَّلَفُ على الاحتياطِ في الزكاةِ ما لا يُحتاطُ في غيرِها.\n_________\n(١) أخرجه ابن زنجويه في \"الأموال\" (٢٢٠١).","vol":"3","page":1540},{"text":"والتحقيقُ في صَرْفِ الزكاةِ في أعمالِ الِبرِّ غيرِ الأصنافِ الثمانيةِ: أن يُقالَ: إنَّ أعمالَ البِرِّ على نوعَيْنِ:\nالنوعُ الأولُ: أعمالُ بِرٍّ تَجِدُ مَن يقومُ عليها مِن أهلِ الغِنى ومِن بيتِ المال، سواءٌ أكانَتِ الحاجةُ إليها ضروريَّةً أم غيرَ ضروريَّةِ؛ فلا يَجوزُ حينئذٍ صرفُ الزكاةِ عليها.\nالنوعُ الثاني: أعمالُ بِرٍّ لا تَجِدُ مَنْ يقومُ عليها مِن أهلِ الغِنى واليَسَار، وليس في بيتِ المالِ قُدْرةٌ على ذلك، فإن كانتْ أعمالَ بِرٍّ عامَّةً ضروريَّةً، بتعطُّلِها تتعطَّلُ مصالِحُ شرعيَّةٌ واجبةٌ، ومصالحُ دنيويَّةٌ ضروريَّةٌ، ولا يُوجَدُ إمامٌ يَستنفِقُ أغنياءَ المُسلِمينَ على ذلك ويقومُ بها؛ كخُلُوِّ البلَدِ مِن مسجدٍ، وخلوِّ البلَدِ مِن مُستشفًى يتَطبَّبونَ فيه، والناسُ يَمرَضُونَ ولا يَجِدونَ مَن يعمِّرُ مُستَشْفاهم ولا مَن يُطبِّبُهم، أو كان البلَدُ على نَهَرٍ يَفصِلُهُ، ومَصالِحُ الناسِ متعلِّقةٌ، فلا يَتمكَّنونَ مِن صِلَةِ أرحامِهم ونَقْلِ أموالِهم إلَّا ببِناءِ الجُسُور، ولا يُوجَدُ مِن مالِ الأغنياءِ ما يُنفَقُ على ذلك، ولا في بيتِ المالِ كفايةٌ، ولا حاكمٌ يتولَّى شأنَ ذلك الأمرِ.\nوإذا كان الأمر كذلك، فلا حرَجَ مِن سدِّ ذلك مِن الزكاةِ بقَدْرِه؛ لأنَّ تلك الحاجةَ قامَتْ مَقَامَ المصارِفِ الثمانيةِ؛ فإنَّ اللهَ إنَّما جعَل ابنَ السبيلِ مِن مصارِفِ الزَّكَاةِ ولو كان غنيًّا في بَلَدِه؛ لانقطاعِ قُدْرَتِه؛ فمِثْلُهُ المريضُ الذي لا يَجِدُ طبيبًا، وعابرُ النَّهْرِ ذو المصلَحةِ الذي لا يَجِدُ جِسْرًا يعبُرُ عليه، ولا مِن مالِ الأغنياءِ ما يسُدُّ حاجتَهُ تلك؛ فإنَّه يجوزُ صرفُ الزكاةِ عليها، والحالةُ تلك.\nوأمَّا ما نُقِلَ عَن أَنَسٍ والحسَنِ البَصْريِّ في أنَّ ما يُؤخَذُ على الجُسُورِ والطُّرُقاتِ أنه صَدَقةٌ مِن الصَّدَقات، فمُرَادُهم: ما يأخُذُهُ الأمراءُ والسَّلاطِينُ الظَّلَمَةُ مِن أموالِ الأغنياءِ، فيضَعُونَهُ في الجُسُورِ والطُّرُقاتِ:","vol":"3","page":1541},{"text":"أنه يُجزِئُ عن زكاةِ أهلِ المال، ولا يَجِبُ عليهم أن يُخرِجوا الزَّكاةَ مرَّةً أُخرى؛ لأنَّ الخطأَ يَلحَقُ صارفَ الزكاةِ لا مؤدِّيَها، وقد روى عبدُ العزيزِ بن صُهَيْبٍ، عن أَنَسٍ والحسَنِ؛ قالا: \"ما أعطيتَ في الجُسُورِ والطُّرُق، فهي صدَقةٌ ماضيةٌ\"؛ رواهُ أبو عُبَيْدٍ (١).\nروى هذا الحديثَ عن عبد العزيزِ بنِ صُهَيْبٍ: إسماعيلُ، وقال: يَعني: أنَّها تُجزِئُ مِن الزَّكاةِ؛ ولهذا صحَّ عن الحسَنِ قولُهُ: \"ضَعْهَا مَوَاضِعَهَا، وَأَخْفِهَا\" (٢).\nيَعني: أنَّهم لم يضَعُوها حيثُ أمَرَ اللهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1126>الحِكْمةُ مِن تأخيرِ مَصْرِفِ الجِهَادِ في الذِّكْرِ:</span>\nوقد تأخَّرَ ذِكرُ مَصْرِفِ الجِهادِ في الآيةِ معَ عِظَمِ مَنْزِلَتِهِ وفضلِهِ على العامَّةِ والخاصَّةِ؛ وذلك لِجُمْلةٍ مِن الحِكَمِ والأسبابِ - واللهُ أعلَمُ -:\nمنها: أنَّ المَصارِفَ السابقةَ للجِهادِ: بها يتقوَّى داخِلهُ الإسلام، وبالجهادِ يتقوَّى خارِجُهُ ويتحصَّنُ مِن داخِلِه، وفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ تقويةَ الأمَّةِ يبدَأُ مِن داخِلِها، ثم يكونُ مِن خارجِها؛ فإنَّ الدولةَ الضعيفةَ، التي تُقاتِلُ عن ضَعْفٍ، وتتمدَّدُ على وَهنٍ - فتلك تتَّسِعُ رُقْعَتُها مِن خارجِها، وتتَهَاوَى مِن داخِلِها، والواجبُ أن تُغلَّبَ قوَّتُها مِن داخِلِها، ثم تتدرَّجَ بتوسُّعِها مِن خارجِها؛ وبهذا سار النبيُّ - ﷺ - وخلفاؤُه؛ وذلك حينَما سَدُّوا حاجةَ الفقيرِ والمِسْكِين، وأقامُوا على المالِ عمَّالًا يَحفَظونَهُ ويُديرونَه، وأَمِنوا أهلَ الشرِّ مِن داخلِ الإسلامِ وأطرافِهِ بتأليفِ قلوبِهم؛ حتَّى لا يتَربَّصوا بالمُسلِمينَ.\n_________\n(١) \"الأموال\" لأبي عبيد (ص ٦٨٥).\n(٢) أخرجه أبو عبيد في \"الأموال\" (١٨١٤)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٠٢٠٨).","vol":"3","page":1542},{"text":"ومنها: أنَّ المَصارِفَ السابقةَ أوسَعُ حاجةً مِن مَصرِفِ الجهادِ؛ فالفُقراءُ والمساكينُ والغارِمونَ والرِّقابُ أكثَرُ في الأمَّةِ مِن الغُزَاة، فقَدَّمَ اللهُ الحاجةَ الأوسَعَ على الحاجةِ الأضيَق، وقد قال طاوُسٌ في سَهْمِ الفقراءِ والمساكينِ والعامِلينَ عليها: \"هو الرَّأْسُ الأكبَرُ\" (١).\nومنها: أنَّ حِمَايةَ الثُّغُور، وكَفَالةَ الغُزَاةِ: شأنٌ خاصٌّ بالإمامِ غالبًا، فَيجِبُ عيه رعايتُها والاستنفاقُ لها، وأمَّا بقيَّةُ المصارِف، فهي شأنٌ عامٌّ، فالغنيُّ يجِدُ الفقيرَ والمِسْكِينَ والغارِمَ والرَّقَبةَ في قَرابتِه ورَحِمِه وجيرانِه، ولا يَجِدُ أكثرُ الأغنياءِ غازيًا يَكفُلُونَهُ.\nوقولُه تعالى: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ المرادُ بابنِ السَّبيلِ: هو العابِرُ والمُسافِرُ الذي يَنقطِعُ زادُهُ، ولو كان غنيًّا في بلَدِهِ؛ فإنَّه يُعطَى مِن الزكاةِ ما يُبلِّغُهُ إلى أهلِه؛ وهذا يَختلِفُ بحسَبِ حالِهِ ومكانِ انقطاعِه، ويدخُلُ في هذا الأسيرُ الذي حُبِسَ عن أهلِهِ في بَلَدِ كُفرٍ؛ فيُعطَى ما يَفُكُّ قَيْدَهُ ليخرُجَ إلى أهلِه.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣].\nتدُلُّ هذه الآيةُ على وجوبِ جهادِ المنافِقينَ، كما يَجِبُ جهادُ الكافرينَ، وقد تقدَّمَ الكلامُ على وجوبِ جهادِ الكفَّارِ في مواضعَ.\nوقد توجَّهَ الخطابُ إلى النبيِّ - ﷺ - بجهادِ المنافِقينَ؛ لأنَّ جهادَهم أَوْلَى ما يقومُ به سُلْطانُ المُسلِمينَ وإمامُهم؛ لخفاءِ أَمْرِهم ولِقُوَّةِ تأثيرِهِ عليهم؛ فهم يَهابونَ صاحبَ القُوَّةِ ويَخافونَهُ أكثرَ مِن غيرِه، ولأنَّ السُّلْطانَ\n_________\n(١) سبق تخريجه.","vol":"3","page":1543},{"text":"والأميرَ والعالِمَ يَبْلُغُ خِطابُهُ ما لا يَبلُغُهُ غيرُهُ مِن العامَّة، وكلَّما عَلا الرَّجُلُ مَنْزِلةً في الناس، كان خِطابُهُ في جهادِ النِّفاق والكفرِ أَوْجَبَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1127>صُوَرُ جهادِ المُنافِقينَ:</span>\nولجهادِ المنافِقينَ صُوَرٌ قامَ بها النبيُّ - ﷺ - وأصحابُهُ، ومِن هذه الصُّوَرِ:\nالصورةُ الأُولى: دَفعُهم عن مَوضِعِ العُلُوِّ والجاهِ في الناس، وعَزْلُهم عن مَنابِرِ الخَطَابةِ والإعلامِ والتصدُّر، وعدمُ اتِّخاذِهم بِطَانةً، وقد كان لعَبْدِ اللهِ بنِ أُبيٍّ مَوضِعٌ يَخطُبُ فيه في مَسجِدِ النبيِّ - ﷺ -، ولمَّا رجَعَ بالناسِ بعدَ أُحُدٍ، وخالَفَ أَمْرَ رسولِ اللهِ - ﷺ -، مُنِعَ مِن الخَطَابةِ في الناسِ؛ حتَّى لا تَقْوَى شوكتُهُ، وَيشُقَّ صَفَّ الناسِ بها.\nومِن ذلك: عدَمُ اتِّخاذِهم مَوضِعَ شورى ووِلَايةِ وإِمَارةٍ.\nالصورةُ الثانيةُ: التحذيرُ مِن أفعالِهم وأقوالِهم؛ بذِكْرِها وتِلَاوةِ الآياتِ الواردةِ فيهم، ورَبْطِها بما يَبْدُو مِن أفعالِهم؛ كما كان النبيُّ - ﷺ - يتلو آياتِهم على المَلَأِ ليَسْمَعوها فيحْذَرُوهم؛ فقد كان يَقرَأُ سورةَ (المنافِقونَ) يومَ الجُمُعة، فيَسْمَعُها الناسُ، وَيسمَعُ المنافِقونَ أوصافَهم؛ فَيهابُونَ ويَخافونَ، ويدْفَعُ شرُّهم.\nالصورةُ الثالثةُ: التغليظُ عليهم بالقولِ عندَ ظهورِ ما يُستنكَرُ منهم، وعدَمُ اللِّينِ والرِّفْقِ بهم، ما لم تَدْعُ الحاجةُ إلى ذلك؛ تأليفًا ودفعًا لشَرِّهم؛ وهذا ظاهرُ قولِهِ تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾؛ يَعني: بالقَوْلِ؛ ولهذا فَسَّرَ جماعةٌ مِن الصَّحَابةِ جِهَادَهم في الآية باللِّسَانِ؛ كما قال ابنُ عبَّاسٍ: \"جهادُ الكفارِ بالسَّيْف، وجِهادُ المنافِقينَ باللِّسانِ\" (١).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٥٦٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٨٤٢).","vol":"3","page":1544},{"text":"الصورةُ الرابعةُ: إقامةُ الحدودِ عليهم عندَ ظُهورِ معصيةٍ منهم كانتْ تَستوجِبُ حدًّا أو تعزيزًا؛ وعلى هذا حمَلَ جِهادَهُمْ في الآيةِ جماعةٌ مِن السلفِ؛ كالحَسَنِ وقتادَةَ وغيرِهما (١)، ما لم تَقُمْ مصلَحةٌ ظاهرةٌ بالتغافُلِ عن زَلَّتِهم والعَفْوِ عنها؛ كما ترَكَ النبُّ - ﷺ - قَتْلَ عبد اللهِ بنِ أُبيٍّ؛ خشيةَ أن يتحدَّثَ الناسُ أنَّ محمدًا يقتُلُ أصحابَهُ (٢).\nوقد ذكَرَ غيرُ واحدٍ مِن العُلَماءِ: أنَّ هذه الآيةَ: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ناسخةٌ لكلٍّ آيةِ فيها لِينٌ ورِفْقٌ بالمنافِقينَ، وعفوٌ وصفحٌ عنهم، وبهذا قال الفرطبيُّ (٣)، وابن تيميَّة (٤)؛ وذلك كقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨]، والأظهَرُ: أنَّ اللهَ نسَخَ ذلك؛ لتغيُّرِ حالِ نبيِّه إلى قوَّةٍ، وحالِ المُنافِقينَ إلى ضَعْفٍ، وإن كان في المُسلِمينَ مُشابَهةٌ لحالِ النبيِّ - ﷺ - الأُولى، فيُعمَلُ بآياتِ التعامُلِ معَ المنافِقينَ الأُولى، واللهُ أعلَمُ، وفي حالِ قُوَّةِ المُسلِمينَ والإسلامِ لا يجوزُ تغليبُ العفوِ والصفحِ واللِّينِ معهم.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣)﴾ [التوبة: ٨٣].\nفي هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ مَن وقَعَ منه خِيَانةٌ وغَدْرٌ وضَرَرٌ: لا يُعادُ فيُوَلَّى على ما غدَرَ به؛ وذلك أنَّ اللهَ لم يأذَن للمُنافِقينَ بعدَ ما سبَقَ منهم، ولقولِهِ - ﷺ -: (لَا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ) (٥).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٥٦٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٨٤١).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤).\n(٣) \"تفسير القرطبي\" (١٠/ ٣٠١).\n(٤) \"الصارم المسلول\" (ص ٤١١، و٤٤١).\n(٥) أخرجه البخاري (٦١٣٣)، ومسلم (٢٩٩٨).","vol":"3","page":1545},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1128>قَبُولُ تَوْبةِ المُرْتَدِّ وعدَمُ تَوْلِيَتِهِ وتصديرِهِ:</span>\nوالذين ينتكِسُونَ عن الحقِّ ثم يَعودونَ إليه، تُقبَلُ توبتُهم، وتُحمَدُ أَوْبتُهم، ولا يُشمَتُ بسابِقَتِهم، ولكنْ لا يُوَلَّوْنَ ولا يُصَدَّرُونَ لقيادةِ الأمَّة، ولا في مواضعِ التأثيرِ فيها؛ وذلك أنَّهم لا يُؤتمَنونَ في عَوْدَتِهم إلى ما كانوا عليه، فالتَّذَبذُبُ صِفةُ المُنافِقينَ، وربَّما كان ذلك يعودُ إلى عدَمِ رَجَاحةِ العقلِ وسلامتِه، وكلُّ ذلك يُضِرُّ بالأُمَّة، ولم يَكُنِ النبيُّ - ﷺ - والخلفاءُ الراشدونَ يُوَلُّونَ مرتدًّا تائبًا على بلدٍ، ولا يَجعلونَهُ إمامًا في ثَغْرٍ، وإن قَبِلُوا توبتَهُ وحَمِدُوها؛ إلَّا ما كانَ مِن جَعْلِ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ ابنَ أبي السَّرْحِ والِيًا على مِصرَ؛ وذلك بعدَما سَبَرَ حالَه واستقامةَ أمرِه، وقد تَدَرَّجَ في تولِيَتِه؛ فبَدَأ به على الخراجِ والحَرْب، ثم على صَعِيدِ مِصْرَ، ثُمَّ على مِصْر، وكان بينَ توبَتِه وولايتِهِ عليها نحوٌ مِن خَمسةَ عَشَرَ عامًا.\nوهذا يَختلِفُ عمَّن كان على كُفْرٍ أو شِرْكٍ، ثم دخَلَ إلى الإسلامِ والحقّ، ثبَتَ عليه؛ فهؤلاءِ لم يَدْخُلوا الحقَّ ثم خرَجُوا منه، وإنَّما أَتَوْهُ مُقبِلِين، ولَزِمُوهُ مُستيقِنين، وهؤلاءِ كعامَّةِ الصحابةِ؛ كانوا على جاهليَّةٍ وشِرْكٍ فدَخَلُوا إلى الخير، ولم تَكُنْ سابقتهم عَيْبًا فيهم بعدَ إسلامِهم، ولا مانِعًا مِن وِلَا يتِهم ولا سِيَادتِهم، وحالُهم وحالُ أمثالِهم يَختلِفُ عمَّن دخَلَ الإسلامَ واتَّبَعَ الحقَّ ثم ترَكَهُ بعدَ معرِفِته؛ فإنَّ هؤلاءِ لا يُؤمَنونَ مِن تركِهِ مرَّةً أُخرى؛ لأنَّهم أقلُّ ثَباتًا مِن غيرِهم غالبًا.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤].\nفي هذه الآيةِ: دليلٌ على مشروعيَّةِ صلاةِ الجنازة، وهي فرضُ","vol":"3","page":1546},{"text":"كفايةٍ عندَ جماهيرِ العُلَماءِ؛ خِلافًا لقولِ طائفةٍ مِن المالكيَّة، وقد صلَّى النبيُّ - ﷺ - وصلَّى أصحابُهُ مِن بعدِه، ولم يَتْرُكوا جنازةَ مسلمٍ يُصلَّى على مِثْلِهِ إلَّا أدَّوْا حقَّ اللهِ فيه.\nوقولُه تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ دليلٌ على أنَّ المنافِقَ والمُجاهِرَ الفاسِقَ والمُعلِنَ بكَبيرتِهِ: لا يُصلِّي عليه إمامُ المُسلِمينَ، ويُترَكُ لعامَّةِ الناسِ؛ زَجْرًا لأمثالِه، وتنفيرًا لهم مِن سابقِ فِعالِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1129>صلاةُ الجنازةِ على الكافرِ وأهلِ الكَبَائر، والصلاةُ على القَبْرِ:</span>\nوقد أجمَعَ المُسلِمونَ على تحريمِ الصلاةِ على الكفار، ولا يَحِلُّ الاستغفارُ لهم.\nوكلُّ صاحبِ كبيرةٍ وبدْعةٍ مُعلِنٍ بها، فالأَولى لإمامِ المُسلِمينَ والقُدْوةِ الرَّأْسِ فيهم ألَّا يُصلِّيَ عليه؛ لأنَّ النبيَّ - ﷺ - لم يُصَلِّ على ماعز ولم يَنْهَ عن الصلاةِ عليه، وفي مُسلمٍ؛ مِن حديثِ جابرِ بنِ سَمُرةَ؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - لم يُصَلِّ على قاتِلِ نَفْسِهِ (١).\nوفي قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ دليلُ خِطَابٍ على استحبابِ القيامِ عندَ القبرِ بعدَ الدَّفْن، والدُّعاءِ لصاحبِه، لمَغْفِرةِ والعفوِ والصفحِ.\nوأمَّا الصلاةُ على القبرِ بعدَ دَفْنِه، فقد وقَعَ فيه خلافٌ عندَ العلماء، ومنَعَ منه مالكٌ، وخصَّهُ أبو حنيفةَ بالوالي والوليِّ؛ وذلك إذا فاتَتِ الصلاةُ؛ باعتبارِ أنَّ الصحابةَ لم يتَّخِذوهُ عادةً، وقد سُئِلَ مالكٌ عن صلاةِ النبيِّ على قبرِ المرأةِ؟ فقال: قد جاء هذا الحديثُ، ولكنْ ليس عليه العمَلُ (٢).\nولو ثبتَتِ الصلاةُ عن النبيِّ - ﷺ - على القبر، فلم تَكُنْ منه عادةً،\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٩٧٨).\n(٢) \"الاستذكار\" (٨/ ٢٤٦).","vol":"3","page":1547},{"text":"وأمَّا مَن يتَّخذُها عادةً ويتَوانَى عن شهودِ الجنائز، ويتَعمَّدُ تركَ الصلاةِ عليها قبلَ دَفْنِها؛ لكونِه مُدْرِكًا لذلك بعدَ الدفن، فهذا ليس مِن السُّنَّة، ولا ينبَغي أنْ يُحكَى فيه خلافٌ.\nومَن فاتَتْهُ الصلاةُ قبلَ الدَّفْنِ لسببِ غيابِهِ وتعذُّرِ شهودِهِ لِمَن يَعرِفُهُ، أو مَنْ له حقٌّ عليه، أو لصاحبِ فضلٍ، فإنَّه يُصلِّي عليه بعدَ دفنِه، وقد صَلَّتْ عائشةُ على قَبْرِ أخيها عبد الرحمنِ (١)، وابرُ عُمَرَ على قبرِ أخيه عاصمٍ (٢)، وجاء ذلك عن جماعةٍ مِن السَّلَفِ؛ كابنِ سِيرِينَ (٣)، وسَلْمانَ بنِ ربيعةَ (٤)، وغيرِهما.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٩١ - ٩٣].\nفي هذه الآياتِ: بيانٌ لوجوبِ النفيرِ عندَ قيامِ مُوجِبِه؛ بدليلِ الخِطَابِ؛ فإنَّ اللهَ لم يَرفَعِ الحرَجَ عن المعذورينَ إلَّا لوجودِهِ على غيرِهم.\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٦٥٣٩)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١١٩٣٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٤٩).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١١٩٤٠).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١١٩٤١).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١١٩٣٨).","vol":"3","page":1548},{"text":"ومُشارَكةُ الضعفاءِ للمنافِقينَ في الوصفِ الظاهرِ - وهو التخلُّفُ عن الجهادِ - تقتضي بيانَ عُذْرِهم، وحِفْظَ فضلِهم، وهذا مِن مَقاصِدِ الآيةِ؛ فقد يَشتبِهُ بعضُ أهلِ الخيرِ ببعضِ أهلِ الشرِّ في الظاهرِ عمَلًا أو تَرْكًا، والأَوْلى بيانُ عُذْرِ أهلِ الخيرِ؛ حتى لا يتَواسى أهلُ النِّفاقِ بهم، فيَختِلِطَ عندَ الناسِ أَمْرُهم، فلا يميِّزوا أهلَ الصِّدْقِ مِن أهلِ النَّفاقِ والكَذِبِ.\nوقولُه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ رفَعَ اللهُ الحرَجَ عن الضعفاء، وهم الذين يَرغَبونَ في الوصولِ إلى الشيء، وَيعجِزونَ عن ذلك، وقيل: إنَّ هذه الآيةَ ناسخةٌ لقولِهِ تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]؛ كما قاله السُّدَّيُّ وغيرُه (١).\nوالضَّعْفُ عن القدرةِ على الجهادِ على نوعَيْنِ:\nالنوعُ الأولُ: ضَعْفُ البدَن، وهو اللازِمُ فيه، وهو ضَعْفُ البدنِ مِن هُزَالٍ أو مَرَضٍ مِن عَرَجٍ أو عَمًى أو صَمَمٍ، وغيرِ ذلك مِن عِلَلِ الأبدانِ التي تُضعِفُ الإنسانَ عن لِقاءِ العدوِّ.\nالنوعُ الثاني: ضَعْفُ العُدَّة، فلا يَجِدُ سِلاحًا يُقابِل به العدوَّ، ولا مَرْكَبًا يَحمِلُه إلى مكانِ الغزوِ وَيركَبُه، فيَكُرُّ ويتحيَّزُ ويتحرَّفُ، ولا طعامًا يتَفوَّتُهُ في طريقِهِ ورِباطِه.\nوهذانِ النوعانِ مِن الضَّعْفِ الذي يُعذَرُ بمِثْلِهِ صاحبُهُ في تَرْكِ الجهادِ الذي يتعيَّنُ عليه لو كان قادرًا.\nقولُه تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فيه إشارةٌ إلى عفوِ اللهِ عنِ المُجتهِدِ الذي بذَلَ وُسْعَهُ في الإحسانِ ووقَعَ منه تقصيرٌ لم يُرِدْهُ، وقد استَدَلَّ بها بعضُ الفقهاءِ على سقوطِ الدِّيَةِ عمَّن استَوْفَى حقَّه في القصاصِ مِن خَصْمِهِ فيما دُونَ النفسِ - كقَطْعِ اليَدِ\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٨٠٣).","vol":"3","page":1549},{"text":"والرِّجْل، وفَقْءِ العينِ - وتحرَّى العدلَ، ثم مات المُقتَصُّ منه؛ أنه لا دِيَةَ عليه؛ وبهذا قال مالكٌ والشافعيُّ وجماعةٌ، خلافًا لأبي حَنيفةَ.\nومِثلُ ذلك مَنْ دافَعَ عن نفسِهِ مِن دفعِ صائلٍ مِن إنسانٍ أو حيوانٍ؛ كفَحْلٍ هاجَ عليه فدفَعَهُ، أو رمَاهُ بما لا يُدفَعُ عادةً إلَّا به، فمات؛ فإنَّه لا دِيَةَ عليه؛ لأنَّه بِفِعْلِ ذلك مُحسِنٌ، ولم يَكُنْ قاصدًا للسُّوء، والمُحسِنُ لا سبيلَ عليه.\nومِثْلُ ذلك مَنْ قامَ بإنقاذِ غريقٍ أو حريقٍ أو هديمٍ، وجذَبَهُ بما لا يخرُجُ إلَّا بمِثْلِه، فقطَعَ يدَهُ أو جرَحَهُ أو أتلَفَ لِباسَهُ أو مَرْكَبَتَه، ومِثلُهم الذين يَعمَلونَ في إنقاذِ النفوسِ مِن الحوادثِ والكوارثِ فيُحسِنونَ إلى الناس، فيُصيبُ الناسَ منهم ضرَرٌ في أنفُسِهم وأموالِهم، ولم يَقصِدوا الإساءةَ، وتَحَرَّوُا الإحسانَ؛ فليس عليهم ضمانٌ على الصحيحِ.\nوفرقٌ بينَ الخطَأِ الذي لم تأذَنِ الشريعةُ بمُباشرتِهِ ولا الإحسانِ فيه، وبينَ ما أَذِنَتِ الشريعةُ بمباشَرَتِهِ والإحسانِ فيه:\nفأمَّا الأولُ: فكمَنْ يَسيرُ في شأنِه، فدَعَسَ بالخطَأِ رجُلًا أو أتلَفَ مالًا، فهذا عليه الضَّمَانُ؛ لأنَّ الشريعةَ لم تأذَنْ له بمُباشَرةِ التعرُّضِ للإنسانِ ولا للحيوانِ في تلك الحالِ.\nوأمَّا الثاني: فكما سبَقَ ممَّن أذِنَتْ له الشريعةُ بالتعرُّضِ للإنسانِ وللحيوانِ الصائلِ ولإنقاذِ الغريق، وإنَّما لَحِقَتِ الجِنايةُ مَن أذِنَتِ الشريعةُ بالإحسانِ في رَفْعِ شَرِّهِ والعدلِ فيه، فمَنْ لم يقصِّرْ فيما أُذِنَ له بمباشَرَتِه، فهو مُحسِنٌ، واللهُ يَقولُ: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فبَيَّنَ بقولِه: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ رَفْعَ الحَقِّ في الدُّنيا؛ إذْ لا سَبيلَ عليهم، وبَيَّنَ بقولِه: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ رفْعَ الإثمِ في الآخِرةِ.","vol":"3","page":1550},{"text":"وقولُه تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ فيه عُذْرُ الفقيرِ العاجزِ عن الجهادِ الذي لا يَجِدُ ما يَحمِلُه، ولا يجِدُ طعامًا، ولا وليًّا يَخْلُفُهُ في أهلِه، فهو معذورٌ في تَرْكِهِ للجهادِ؛ لقولِه: ﴿أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾، فلم يَمنَعْهم إلَّا عجزُ المالِ.\nوعلامةُ صِدْقِ أولئك الذين جاؤوا: أنَّهم لم يأتوا معتذِرينَ مع عَجْزِهم، بل جاؤوا راغِبينَ في أنْ يَحمِلَهم؛ فالمُعتذِرُ عن حَمْلِهم هو رسولُ اللهِ - ﷺ -؛ لأنَّه لم يَجِدْ بُدًّا مِن ذلك؛ لقِلَّةِ الظَّهْرِ.\nوقد قيلَ: إنَّهم لم يَسْأَلوا النبيَّ - ﷺ - ظَهْرًا يَركَبونَه، ولكنَّهم سأَلُوهُ نِعَالًا تَحْمِلُهم وتَحْمِيهِم مِن الحَرِّ ووَخْزِ الأرضِ؛ لأنَّهم حُفاةٌ لفقرِهم، كما رُوِيَ عن الحسنِ بنِ صالحٍ، وإبراهيمَ بنِ أَدْهَمَ (١).\nولعِظَمِ النيَّةِ فقد كتَبَ اللهُ لناوي الخيرِ الحريصِ عليه ولم يتيسَّرْ له - أَجْرَ مَن قام به، ومنهم هؤلاء الضُّعَفاءُ الذين رَدَّهم رسولُ اللهِ - ﷺ - لقِلَّةِ ما يَحمِلُهم؛ ففي \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ أنسٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (إِنَّ بِالمَدِينَةِ أَقْوَامًا، مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَهُمْ بِالمَدِينَةِ؟ قَالَ: (وَهُمْ بِالمَدِينَةِ؛ حَبَسَهُمُ العُذْرُ) (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ أنَّ النَّفْسَ الصادقةَ تَحزَنُ على فَوْتِ الخيرِ لها، ولو كانَتْ مأجورةً عليه بلا عَمَلٍ؛ لقَصْدِها وعَجْزِها، وهذا يكونُ فيمَن عَظُمَ إيمانُه، وقد ذكَرَ اللهُ الباكينَ الذين لا يَجِدُونَ مَحمَلًا يَحمِلُهم إلى الجهادِ في سِيَاقِ المدح لهم، وبِمِقْدارِ قوَّةِ إيمانِ العبدِ يكونُ حزنُهُ على ما فاتَهُ مِن الطاعة، وكلَّما ضَعُفَ إيمانُهُ، قَلَّ تأثُّرُهُ، حتَّى يَبلُغَ بالمنافِقِ الفرَحُ بفَوْتِ\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٨٦٣).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٤٢٣).","vol":"3","page":1551},{"text":"الطاعةِ وعُذْرِهِ بتَرْكِها؛ ولهذا قال اللهُ عن المؤمنينَ: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾، وقال عن المُنافِقينَ: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧]؛ فالعبادةُ واحدةٌ، ولكنَّ المؤمِنَ حزينٌ على فَواتِها، والمُنافِقَ راضٍ فَرِحٌ بذلك.\nوفي الآيةِ: عِظَمُ الإيمانِ باللهِ وأثَرُهُ على بيعِ النفوسِ له، فيَبْكونَ أنَّهم لا يَجِدُونَ مَن يأخُذُ نفوسَهُمْ إلى حيثُ مَصْرَعُها في جَنْبِ اللهِ.\nواللهُ لم يَمْدَحْهم لمجرَّدِ الحَزَنِ؛ وإنَّما لأنَّ الجالِبَ له محمودٌ، وهو حُبُّ الطاعةِ وكَرَاهةُ فَوْتِها، ولا يَبْكي على فَوْتِ الطاعةِ إلَّا قويٌّ الإيمانِ بالله، كما بَكَى الصحابةُ ألَّا يَجِدُوا ما يَحمِلُهم معَهُ في سبيلِ الله، وفرقٌ بينَ المؤمِنِ والمُنافِقِ؛ فالمؤمِنُ يُريدُ الجهادَ وهو عاجزٌ، ويَبْكِي إنْ لم يَجِدْ، والمنافِقُ يَعتذِرُ وهو غنيٌّ ويَفرَحُ لعُذْرِه: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\nهذه الآيةُ نزَلَتْ فيمَن تخلَّفَ عن رسولِ اللهِ - ﷺ - في الغَزْوِ وليسوا بمَعْذُورِينَ، فنَدِموا على تخلُّفِهم بعدَ ذَهَابِ الغُزَاة، وحاسَبُوا أنفُسَهم، ولمَّا رجَعَ الناسُ، ربَطوا أنفُسَهم بالسَّواري مُعتذِرينَ، عارِضينَ لأموالِهم في سبيلِ اللهِ؛ رجاءَ العَفْوِ والتوبةِ عليهم، ثم أُطلِقوا وأُخِذَ مِن أموالِهم صَدَقةٌ؛ كما رَوَى عليٌّ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: \"جاؤوا بأموالِهم - يَعني: أبا لُبَابَةَ وأصحابَهُ - حينَ أُطلِقُوا، فقالوا: يا رسولَ الله، هذه أموالُنا فتَصَدَّقْ بها عَنَّا، واستَغْفِرْ لنا، قال: (مَا أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ مِن أَمْوَالِكُمْ","vol":"3","page":1552},{"text":"شَيْئًا)، فأنزَلَ اللَّهُ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ يَعني: بالزَّكَاةِ: طاعةَ اللهِ والإخلاصَ، ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾؛ يقولُ: استغفِرْ لهم\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1130>أخدُ الإمامِ للزَّكَاةِ وجِبَايَتُها:</span>\nوفي الآيةِ أمَرَ اللهُ الإمامَ بجِبَايةِ الأموالِ مِن مَوَارِدِها، وإنفاقها على مَوَاردِها المشروعة، لِيَكْتَفِيَ الناسُ، ويَسُدَّ بعضُهم حاجةَ بعضٍ؛ فإنَّ السُّلْطانَ يُهابُ فتُدفَعُ الأموالُ إليه رَغْبَةً أو رَهْبةً، طَوْعًا أو كَرْهَا، ثم إنْ كان الإمامُ عادِلًا، فهو أبصَرُ بمَواضِعِ الحاجةِ والفقرِ والعَوَزِ، وهو أعلَمُ بمَواضِعِ الثغورِ؛ لأنَّ الناسَ تُكاتِبُهُ وتشتكي إليه، فيُحِيطُ بأحوالِ الناسِ والبُلْدانِ ولو تباعَدَت ما لا يُحيطُ الغنيُّ بذلك، وأيُّ خلَلٍ أو تقصيرٍ في جِبَايةِ الأموالِ مِن مَوَاضِعِها وإنفاقِها على مُستحِقِّيها، يكونُ في ذلك ظُلْمٌ في عيشِ الناس، ويَظهَرُ الظُّلْمُ في الأموالِ في جِهتَيْنِ:\nالجهةُ الأُولى: الظُّلْمُ في جِبَايةِ الأموالِ؛ وذلك بعدَمِ أخذِها كما أمَرَ اللهُ؛ فيَتِمُّ تعطيلُ مَواردِها أو بعضِها، فاللهُ أمَرَ بجِبايةِ الزَّكَاةِ مِن الأغنياءِ مِن أموالِهم وزُرُوعِهم وثِمارِهم، ومَواشِيهم وعُرُوضِهم، ويأخذِ الجِزْيةِ والخَرَاجِ مِن الكُفَّار، ومِن مَواردِها غَنائِمُ الكفارِ عندَ قتالِهم لإعلاءِ كلمةِ الله، فبِمِقْدارِ الخلَلِ في تعطيلِ مواردِ المالِ في الإسلام، يكونُ خللٌ في بيتِ المالِ؛ كجِبَايةِ السُّلْطانِ لزكاةِ لعضِ الأغنياءِ دونَ بعضٍ، أو تعطيلِ الجهادِ والجِزْيةِ والخرَاجِ.\nالجهةُ الثانيةُ: الظُّلْمُ في صَرْفِها؛ فإنَّ اللهَ أمَر بصَرْفِ الأموالِ في مَصارِفِها؛ كلُّ مالٍ بحسَبِه، فقد قسَّم اللهُ في كتابِهِ الغنيمةَ والزكاةَ، وبيَّن النبيُّ - ﷺ - مَصرِفَ سَلَبَ الكافرِ وخَرَاجِ الأرضِ والجِزْيةِ وإقطاعِ الأرض،\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٦٥٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٨٧٥).","vol":"3","page":1553},{"text":"وحُدودَهُ وضوابِطَه، وبيَّنَ أحَقَّ الناسِ بالصدقة، وأفضَلَها وأعظَمَها نفعًا وأجرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1131>حَبْسُ الصَّدَقةِ عن مُسْتَحِقِّبها، وأخذُ غيرِ أَهْلِها لها:</span>\nوقد جاء في الشريعةِ تحريمُ حَبسِ الصَّدَقةِ عن أهلِها، ووجوبُ صَرْفِها ما وُجِدَ مُستحِقُّوها، فإنَّ الأصلَ أنَّ الفقرَ والفاقةَ قد تُوجَدُ وتَطرَأُ، ولكن لا تَبقى في الناسِ إلَّا بسبَبِ مالٍ محبوسٍ عن أهلِه؛ منَعَهُ غنيٌّ، أو حبَسَه سُلْطانٌ، وقد حَثَّ النبيُّ - ﷺ - على قِسْمةِ الصَّدقةِ والتعجيلِ يها إلى أهلِها؛ ففي البخاريِّ؛ مِن حديثِ عُقْبةَ بنِ الحارثِ - ﵁ -؛ قال: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - ﷺ - العَصْرَ، فَأَسْرَعَ، ثُمَّ دَخَلَ البَيْتَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ، فَقُلْتُ أَو قِيل لَهُ، فَقَالَ: (كُنْتُ خَلَّفْتُ في البَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَة، فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ، فَقَسَمْتُهُ) (١).\nوالزكاةُ إنْ حُبِسَتْ عن أهلِها في مالٍ، أهلَكَتْهُ؛ لأنَّ للزكاةِ بَرَكةً على مالِ مُنفِقِها، وشُؤْمًا على مالِ حابِسِها؛ فعن عائشةَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (لَا تُخَالِطُ الصَّدَقَةُ مَالًا إِلَّا أَهْلَكَتْهُ)؛ رواهُ البيهقيُّ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ هِشامٍ، عن أبيه، عنها (٢)، قال الشافعيُّ: يَعني - واللهُ أعلَمُ - أنَّ خيانةَ الصَّدَقةِ قد تُتلِفُ المالَ المخلوطَ بالخيانةِ مِن الصدقةِ (٣).\nوقد حرَّم اللهُ تعرُّضَ غيرِ أهلِ الزكاةِ لها بطَلَبِها والانتفاعِ بها؛ كما حرَّم سُؤالَها مِن دونِ أهلِها؛ فإنَّ الزكاةَ قد تُؤخَذُ مِن مَواردِها ويُخرِجُها الغنيُّ أو السُّلْطانُ أو نائبُهُ طالِبًا أهلَها، فيَعتَرِضُها مَن يَطْلُبُها مِن غيرِ أهلِها، فيَنحرِفُ طريقُها ومَسارُها إلى غيرِ مقصودِها، فكما حرَّم اللهُ على\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٤٣٠).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٥٩).\n(٣) \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٣/ ٣٢١).","vol":"3","page":1554},{"text":"قابِضِ الزكاةِ أن يَصرِفَها لغيرِ أهلِها، فقد حرَّم على غيرِ أهلِها أن يَطْلُبوها ويأخُذُوها؛ فقد رَوَى أحمدُ وأهلُ السُّنَنِ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ) (١)، وفي \"المسنَدِ\" و\"السُّننِ\" أيضًا، مِن حديثِ عبد اللهِ بنِ مسعودٍ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيه، جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُمُوشٌ، أوْ خُدُوشٌ، أَو كُدُوحٌ فِي وَجْهِهِ)، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، وَمَا الْغِنَى؟ قَالَ: (خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَو قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ)، وقد أعلَّه يَحيى بن آدَمَ وغيرُهُ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1132>إخراجُ المُكْرَهِ لِزَكَاةِ مالِهِ:</span>\nوإذا أخَذَ الإمامُ الزكاةَ أو الصَّدَقةَ مِن الغنيِّ بقُوَّةٍ وقهرٍ وغَلَبةٍ، فقد اختلَفَ العلماءُ في إجزائِها عن زكاتِه، وهل يَجِبُ عليه أن يُخرِجَ عِوَضًا عنها إن تاب؟ على قولَيْن، وهما وجهانِ في مذهبِ أحمدَ:\nالأوَّلُ: تُجْزِيهِ باعتبارِ أنَّ الإمامَ نائبٌ عن المُسلِمينَ في أخذِ الحقوقِ وإعطائِها أهلَها، ونِيَّةُ الإمامِ تُجزِئُ عن نِيَّة الغنيِّ.\nالثاني: أنَّها لا تُجزِئُ عن زكاتِهِ المفروضة، ولا تُقبَلُ صَدَقةً نافلةً، ورَجَّحَة ابنُ تيميَّةَ (٣)؛ لأنَّ النبيَّ كان يأخُذُها منهم بإعطائِهم إيَّاها، ثم بيَّن عدَمَ قَبُولِهِ لها، وبيَّن العِلَّةَ في عَدَمِ القَبُولِ بأنَّهم أَعطَوْها وهم كارِهونَ، فالعبادةُ التي تخرُجُ بإكراهٍ لا طَواعِيَةً وانقيادًا: لا تُقبَل، كمَنْ يُصلِّي مُكرَهَا خوفَ الضَّرْبِ أو الحَبْس، لا تُقبَلُ منه، ولو تابَ في الوقت، وجَبَت عليه الإعادةُ.\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) أخرجه أحد (١/ ٣٨٨)، وأبو داود (١٦٢٦)، والترمذي (٦٥٠)، والنسائي (٢٥٩٢)، وابن ماجه (١٨٤٠).\n(٣) \"مجموع الفتاوى\" (٢٢/ ٢٠).","vol":"3","page":1555},{"text":"وقولُهُ تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ اختُلِفَ في المرادِ بالصَّدَقةِ المأخوذةِ: هل هي التطوُّعُ أو الزكاةُ المفروضةُ؟ على قولَيْنِ للسَّلَف، والأظهَرُ: أنه في صدَقةِ التطوُّعِ؛ لأنَّ الآيةَ نزَلَتْ فيمَن تخلَّفَ عن غَزْوةِ تَبُوكَ، فجاؤُوا مُعتذِرينَ عن تخَلُّفِهم، وطرَحُوا مالَهُمْ بينَ يَدَيِ النبيِّ - ﷺ - لأخذِه؛ رجاءَ أن يَغفِرَ اللهُ لهم ويَعْفُوَ عنهم.\nولا خلافَ أنه يدخُلُ في الأموالِ التي يَجِبُ أخذُ زكاتِها: الحَرْثُ، والماشيةُ، والنَّقْدَانِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1133>زكاةُ عُرُوضِ التِّجارةِ:</span>\nوأمَّا العُرُوضُ المملوكةُ، فعلى نوعَيْنِ:\nالنوعُ الأولُ: عروضٌ مملوكةٌ غيرُ معروضةٍ للتجارةِ؛ كالبَيْتِ المسكون، والبُسْتانِ المنتَفَعِ مه، والدابَّةِ المركوبةِ مِن فرَسٍ أو جمَلٍ، أو سيَّارةٍ أو طائرةٍ، ومِثْلُ ذلك أناثُ البيوتِ ولو غَلَا ثَمَنُه، والمقتنَياتُ مِن أوَانٍ ومَلابِسَ وفُرُشٍ مُستعمَلةٍ؛ فتلك لا زَكَاةَ فيها، ولم يَكُنِ النبيُّ - ﷺ - ولا أصحابُهُ ولا التابعونَ يَسأَلونَ عن قِنْيَةِ الناسِ وما يَنتَفِعونَ به، ولم يثبُتْ عن أحدٍ منهم؛ أنه أخرَجَ زَكَاتَها ولا أُخِذَت منه؛ وذلك أنه قد ثبَتَ عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: (لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ)؛ رواهُ الشيخانِ (١).\nوبهذا كان يَعمَل الصحابةُ، وقد صحَّ عن ابنِ عُمَرَ؛ قال: \"ليس في العَرْضِ زكاةٌ إلَّا أنْ يُرادَ به التجارةُ\"؛ رواهُ عنه نافعٌ؛ أخرَجَهُ الشافعيُّ في \"الأمِّ\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٤٦٣)، ومسلم (٩٨٢).\n(٢) \"الأم\" (٢/ ٤٩)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٣/ ٣٠٠).","vol":"3","page":1556},{"text":"وقد سُئِلَ عطاءٌ عن الرَّجُلِ يَشتَري المتاعَ فيمكُثُ السِّنِينَ: يُزَكِّيهِ؟ قال: لا (١).\nوعليه نصَّ طاوُسٌ وسُفيانُ وجماعةٌ.\nوأمَّا ما رُوِيَ عن ابنِ سِيرِينَ؛ قال: \"في المتاعِ يُقَوَّمُ ثَمَّ تُؤدَّى زكاتُه\" (٢).\nفقد رواهُ أبو هِلالٍ محمَّدُ بن سُلَيْمٍ، عن ابنِ سيرينَ؛ وهو ليس بالقويِّ؛ كما قال النَّسَائيُّ (٣)، وإنْ صَحَّ فمرادُهُ المتاعُ الذي يُشتَرى لِيُباعَ، لا لِيُنتفَعَ منه بنَفْسِه، والسَّلَفُ يُعبِّرونَ عَن العروضِ المُشتَراةِ التي تُوضَعُ في الدُّورِ لزَمَنٍ بالمتاعِ؛ لأنَّها ليسَتْ معروضةً للناس، فالعروضُ: إمَّا للتِّجَارة، أو للمَتَاع، فما كان غالِبًا في البيوت، فهو للمَتَاعِ ولو كان قد قصَدَ صاحبُهُ بيعَهُ بعدَ زمَنٍ، فيَحبِسُهُ يَنتظِرُ به الغَلَاءَ، وهذه المسألةُ ممَّا اختَلَفَ فيه السَّلَفُ على قولَيْنِ:\nذهَبَ قومٌ: إلى أنَّ المتاعَ الذي يَشتريهِ صاحبُهُ ويَدَّخِرُهُ يَنتظِرُ به الغَلَاءَ: أنه يُزكِّيهِ؛ وهذا ظاهرُ قولِ ابنِ سِيرِينَ السابق، وبه قال النَّخَعيُّ والثَّوْريُّ.\nوذهَبَ قومٌ: إلى أنه لا يُزَكِّيهِ؛ وهو قولُ طَاوُسٍ، ونُسِبَ إلى الشَّعْبيِّ وعطاءٍ وعَمْرِو بنِ دينارٍ، وفي النِّسْبةِ نظرٌ، وبه قال المالكيَّةُ، فيَرَوْنَ أنه يُزكَّى عندَ بيعِهِ مَرَّةً؛ خِلافًا لجمهورِ الفقهاءِ الذبن يَرَوْنَ أنَّ مُحتَكِرَ السِّلْعةِ للتجارةِ كالمُدِيرِ لها؛ يُزكِّيها كلَّ عامٍ؛ لأنَّه يتربَّصُ رِبْحًا، ويَملِكُ القُدْرةَ على بيعِها متى شاء، ولكنَّه يُريدُ بيعَها بثَمَنٍ أعلى وأغلى،\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٠٤٦١).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٠٤٦٠).\n(٣) \"الضعفاء والمتروكين\" للنسائي (ص ٢٣١) (ترجمة ٥١٦).","vol":"3","page":1557},{"text":"وهو في حقيقتِهِ يترقَّبُ السُّوقَ، ويَعرِفُ أسعارَهُ كلَّ عامٍ، ويتحيَّنُ الأصلَحَ له منها، كما يتحيَّنُ عارِضُ السِّلْعةِ للناسِ الثَّمَنَ الذي يُريدُهُ، والفرقُ بينَهما أنَّ المُحتكِرَ لم يَعرِضْ سِلْعَتَهُ بعَيْنِها، ولكنْ يَرقُبُ أمثالَها في السُّوق، فإنْ كان سِعْرُها جَيِّدًا أخرَجَها، وأمَّا المديرُ للسِّلْعة، فيَعْرِضُها بعَيْنِها، وكِلاهما يُريدُ البيعَ ويتحيَّنُ سِعْرًا يُناسبُه.\nواستُدِلَّ بأثَرٍ عامٍّ على عدَمِ وجوبِ الزكاةِ في العروضِ المُحتكَرة، غيرِ المُدارةِ؛ وهو ما رواهُ ابنُ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ؛ قال: \"لا زكاةَ في عَرْضٍ لا يُدارُ، إلَّا الذَّهَبَ والفِضَّةَ\" (١).\nفلا يَظهَرُ أنه يَقصِدُ المالَ المُحتكَرَ الذي يَنتظِرُ به صاحبُهُ الغَلَاءَ؛ فهذا مُدارٌ لكنَّ دَوَرَانَهُ بعيدٌ، والتُّجَّارُ منهم مَن يُديرُ المالَ في اليوم، ومنهم في الأسبوع، ومنهم في الشَّهْرِ والحَوْل، وأكثَرَ مِن ذلك، حسَبَ ما يَربَحونَ، وإنَّما قصدَ عطاءٌ العَرْضَ الذي يُشتَرى ولا يُرادُ به إدارتُهُ للتِّجارةِ؛ فلا زكاةَ فيه؛ وهذا القولُ ليس في شُيُوخِ عَطَاءٍ ولا في أقرانِه، ولا يُحفَظُ هذا مِن وجهٍ صريحٍ صحيحٍ إلَّا عن طاوُسٍ؛ كما رَوَاهُ عنه ابنُهُ، وقد أنكَرَهُ عبدُ الرزَّاقِ عليه، فقال: \"اسمٌ لا أُحِبُّ أنْ أقولَهُ: يَنتظِرُ به الغَلاءَ\" (٢).\nثم إنَّ مُدَّةَ احتكارِ السِّلَعِ تَختلِفُ بحسَبِ حاجةِ الناسِ إليها؛ فمنها: ما يُحتكَرُ شهرًا، ومنها: ما يُحتكَرُ فصلًا؛ يَنتظِرُ فيه صيفًا أو شتاءً، أو سَلْمًا أو حَرْبًا، ومنها: ما يُحتكَرُ سَنَةً وسنَتَيْنِ وثلاثًا، وهذه الأَزْمِنةُ لا تَجعَلُ السِّلْعةَ غيرَ مُدارةٍ في عُرْفِهم، ومَن تأمَّلَ الأخبارَ المرويَّةَ عن عطاءٍ يَجِدُ أنه يُسألُ عن العَرْضِ الذي لا يُدَارُ؛ يَعْنُونَ به المَتَاعَ وما يُقتَنى\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٧١٠٢).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٧٠٩٥).","vol":"3","page":1558},{"text":"ويُستمتَعُ به؛ كما قال ابنُ جُرَيْجٍ: قلتُ لعَطَاءٍ: طعامٌ أُمسِكُهُ أُرِيدُ أَكْلَه، فيَحُولُ عليه الحَوْلُ؟ قال: ليس علَيك فيه صدَقةٌ، لَعَمْرِي إنَّا لَنَفعَلُ ذلك؛ نَبتاعُ الطَّعَامَ وما نُزَكِّيه، فإنْ كنتَ تُريدُ بيعَهُ فزَكِّهِ إذا بِعْتَه (١).\nوبنحوِ هذا ومعناهُ يقولُ السَّلَفُ؛ كما رَوَى ابنُ جُرَيْجٍ؛ قال: قال لي عبدُ الكَريمِ في الحَرْثِ: \"إذا أَعْطَيْتَ زكاتَهُ أوَّلَ مرَّةٍ، فحالَ عليه الحَوْلُ عِندَك، فلا تُزَكِّهِ؛ حَسْبُك الأُولى\" (٢).\nوبنحوِه نقَلَهُ ابنُ جُرَيْجٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ (٣).\nوكلامُهُمْ وكلامُ طاوسٍ في الثِّمارِ والحبوب، وهم يَنتَفِعونَ منها ويَبيعونَ ما بَقِيَ، ولا يُدرَى عادةً مِقْدارُ ما يُرادُ بيعُهُ منه وما يَستنفِقونَهُ بالأكلِ منه، وهذا لا يُسحَبُ على عروضِ التِّجارةِ الخالِصةِ محتكَرةً أو مدارةً.\nوفد بيَّن ابنُ عبد البَرِّ الخطَأَ في فَهْم قولِ عطاءٍ، فقال: \"وأمَّا ما ذكَرَهُ عن عطاءٍ وعمرِو بنِ دينارٍ، فقد أخطَأَ عليهما، وليس ذلك بمعروفٍ عنهما\" (٤).\nالنوعُ الثاني: العُرُوضُ التِّجَاريَّةُ، وهي التي تُعَدُّ للببع، وعامَّةُ العُلَماءِ على أنَّ فيها زكاةً، خِلافًا لداودَ الظاهريِّ، والآيةُ عامَّةٌ في الإنفاقِ ووُجُوبِ أَخْذِه، ولا يُؤمَرُ بأخذِ غيرِ المفروضِ أو ما بذَلَهُ صاحبُهُ، وقد قال تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقد روى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ قولَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٠١١١).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٧٢٤٤)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٠١١٢).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٧٢٤٤).\n(٤) \"الاستذكار\" (٩/ ١١٧).","vol":"3","page":1559},{"text":"[البقرة: ٢٥٤]؛ قال \"مِن الزَّكاةِ والتطوُّعِ\" (١).\nووجوبُ إخراجِ الزكاةِ مِن عروضِ التِّجارةِ هو قولُ الأئمَّةِ الأربعة، وعمَلُ الخلفاءِ الرَّاشِدينَ؛ كعُمَرَ بنِ الخطَّابِ - ﵁ -، وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عُمَرَ، ولا خلافَ بينَ الصحابةِ في وُجُوبِه، وقد رواهُ عن عُمرَ جماعةٌ لا يَختلِفونَ عنه في وجوبِ ذلك؛ كأنَسِ بنِ مالكٍ، وزيادِ بنِ حُدَيْرٍ، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ عبدٍ القاريّ، والحسنِ البصريِّ.\nوقد روى نافعٌ، عن ابنِ عُمَرَ؛ قال: \"كان فيما كان مِن مالٍ في رَقِيقٍ أو في دوابَّ أو بَزٍّ يُدارُ لِتِجَارةٍ: الزَّكَاةُ كلَّ عَامٍ\"؛ رواهُ أبو عُبَيْدٍ وعبدُ الرزَّاقِ (٢).\nوبهذا قال التَّابِعونَ قاطِبةً، كالفقهاءِ السَّبْعةِ في المدينة، والزُّهْريّ، وهو قولُ عطاءٍ ومجاهِدٍ وعمرِو بنِ دينارٍ، ولم يُخالِفْهم أحَدٌ مِن المكِّيِّينَ وغيرِهم مِن فقهاءِ التابِعِينَ مِن بقيَّةِ البُلْدانِ؛ صحَّ عن الشَّعْبيِّ والحسَنِ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ والنَّخَعيِّ وحمَّادٍ والثُّوْريِّ مِن العِراق، ومِن الشامِ مَكْحولٌ والأوزاعيُّ، ومِن اليمَنِ طاوُسٌ، ولا مُخالِفَ لهم في بُلْدانِهم.\nوكان عُمرُ بن عبد العزيزِ يأمُرُ بأخذِ عروضِ التِّجارة، كما كتَبَ إلى زُرَيْقِ بنِ حَيَّانَ - وكان على جَوَازِ مِصْرَ -: \"أنِ انظُرْ مَن مَرَّ بك مِن المُسلِمينَ، فحُذْ ممَّا ظهَرَ مِن أموالِهم ممَّا يُدِيرُونَ مِن التِّجاراتِ\"؛ رواهُ مالكٌ (٣).\nوقد رَوَى أبو داودَ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ سَمُرةَ مرفوعًا: \"أَمَرَنا رسولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْع\" (٤).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٥٢٣).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٧١٠٣)، وأبو عبيد في \"الأموال\" (١١٨١).\n(٣) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٥٥).\n(٤) أخرجه أبو داود (١٥٦٢).","vol":"3","page":1560},{"text":"ونقَلَ ابنُ المنذِرِ إجماعَ العُلَماءِ على زَكَاةِ عُرُوضِ التِّجَارةِ (١)؛ خِلافًا للظَّاهِرِيَّةِ الذبن يَجعَلونَ النصوصَ إنَّما هي فيما خَصَّهُ الدليلُ، ولا يأخُذونَ بإطلاقاتِ الآيات، وربَّما احتَرَزوا مِن القولِ بالإطلاقِ؛ خوفًا مِن وجوبِ الزكاةِ في المتاعِ والدُّورِ والمراكبِ وطَعَامِ البيتِ؛ لكَوْنِها مِن الأرزاقِ والأموال، ولكنَّ هذا النَّوْعَ مِن الأموالِ لم يَقُلْ أحدٌ بوجوبِ الزكاةِ فيه، ولا ذكَرَ ذلك الصحابةُ ولا مَن بَعْدَهم، إلَّا ما يتعلَّقُ بحُلِيِّ المرأة، ومَن أوْجَبَ الزكَاةَ فيه لا يَجعَلُهُ مَتَاعًا، بل نَقْدًا.\nويُروى عنِ ابنِ عَبَّاسِ القولُ بعدَمِ زَكَاةِ عُرُوضِ التِّجارة، ولا يَصِحُّ عنه، بل هو مُنكَرٌ، وسائرُ أصحابِهِ على خلافِ ذلك، ولو ثبَتَ عنه ذلك، لأُسنِدَ، ولَعَمِلَ به الواحدُ مِنَ أصحابِه.\nوالنَّظَرُ دالٌّ على وجوبِ إخراجِ زكاةِ عُرُوضِ التِّجارةِ؛ فإنَّ أثمَنَ أموالِ الناسِ وأَغْلاها: ما يُتاجِرونَ به، فأكثَرُ التُّجَّارِ والأغَنياءِ يَملِكونَ عُرُوضَ التِّجارةِ أكثَرَ مِن النَّقْدَيْن، وتركُ زكاةِ ذلك مخالَفةٌ لِمَقصَدِ الشريعةِ في زكاةِ الأموال، وهضمٌ لحقِّ الفُقَراء، وبَخْسٌ لهم، ولو تُرِكَ القولُ بزكاةِ عروضِ التِّجارة، لكان بابًا للخروجِ مِن فرضِ الزكاةِ؛ يدخُلُ منه كلُّ طامعٍ أو صاحبِ هوًى، والنَّفْسُ شحيحةٌ بمالِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1134>عُرُوضُ التِّجَارةِ التي يُنتفَعُ بها مَعَ عَرْضِها:</span>\nوأمَّا المالُ الذي يَعرِضُه صاحبُهُ للتِّجارةِ وهو يَنتفِعُ به؛ كالبيتِ الذي يَسكُنُهُ يَعرِضُهُ للبَيْعِ وهو فيه، وكالمَرْكَبةِ التي تَقضي حاجتَهُ يَعرِضُها وهو يَنتفِعُ بها؛ فهذا محلُّ خِلافٍ عندَ الفقهاءِ في وجوبِ زَكاتِه، والأظهَرُ أنَّ ذلك على حالَتَيْنِ:\n_________\n(١) \"الإجماع\" لابن المنذر (ص ٤٨)، و\"الإشراف على مذاهب العلماء\" له (٣/ ٨١).","vol":"3","page":1561},{"text":"الحالةُ الأُولى: أنْ يكونَ قَصْدُهُ مِن عَرْضِهِ للبيعِ التِّجَارةَ، فيَبيعُهُ لِيَشترِيَ سِلْعةً أُخرى، ويَبِيعَهُ ويُضارِبَ بقيمتِهِ؛ ففي ذلك زكاةُ عروضِ التجارةِ.\nوالحالةُ الثانيةُ\" ألَّا يكونَ قصدُهُ التِّجارةَ؛ وإنَّما أنْ يُبدِّلَ متاعًا بمتاعٍ؛ كمَن يَعرِضُ فرَسَهُ المركوبَ، وبيتَهُ المسكونَ، وقميصَهُ الملبوسَ مِنه للبَيْع، ويُرِيدُ أن يُبدِّلَهُ بغَيرِه، فحالَ الحَوْلُ عليه وهو يَعرِضُهُ وهو منتفِعٌ به، فليس في ذلك زَكَاةٌ؛ لأنَّه لم يَعْرِضْهُ تجارةً، وإنَّما كان متاعًا وسيصيِّرُهُ متاعًا، وانتفاعُهُ منه مُوجِبٌ لسقوطِ الزكاةِ فيه؛ شريطةَ ألَّا يكونَ انتفاعُهُ مه اتفاعًا عارضًا.\nوأمَّا عروضٌ البيعِ التي لا يُنتفَعُ بها، ولا يُرادُ ببيعِها إدارتُها تجارةً؛ بل شراءُ متاعٍ بثمَنِها، كمَنْ يَعرِضُ دارًا أو مَرْكَبًا لا يَنتفِعُ بها ليَشترِيَ أُخرى يَنتفِعُ بها، ففيها زكاةٌ؛ لأنَّه يَعرِضُها لبيعِها ولا ينتفِعُ بها، وعَرْضُهُ للبيعِ في نفسِهِ تجارةٌ يَلتمِسُ منه رِبْحًا ولو كان ثمَنُها يَؤُولُ بعدَ ذلك إلى مَتَاع، ولو أُسقِطَتِ الزكاةٌ عن عروضِ التجارةِ لهذه العِلَّةِ؛ لَسَقَطَتْ عن كثيرٍ مِن العُرُوضِ التِّجاريةِ؛ لأنَّ أكثرَ الناسِ يُتاجِرونَ ليَستمتِعوا بأثمانِ تِجارتِهم في العاجلِ والآجل، وفتحُ بابِ إسقاطِ الزكاةِ في البيعِ الأوَّلِ للمعروضِ يَفتَحُ البابَ لِمَا بعدَه؛ لأنَّه لا دليلَ على وضعِ حدٌّ معيَّنٍ، وأوَّلُهُ كمُنْتهاهُ، واللهُ أعلَمُ.\nوبهيمةُ الأنعامِ والزُّرُوعُ والحبوبُ إنْ كانت عروضًا للبيع، ففيها زكاةُ عروضِ التِّجارة، لا زكاةُ الحبوبِ والثمار وبهيمةِ الأنعام، وتُقوَّمُ فيمتُها كما تُقوَّمُ عروضُ التجارة، ثم تُخرَجُ زكاتُها مِن كلِّ أربعينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ، وقد كان السَّلَفُ يَعمَلونَ بهذا؛ كعطاءٍ وعمرِو بنِ دينارِ والزُّهْريِّ ويونُسَ والشَّعْبيِّ والنخَعيِّ والثوريِّ.","vol":"3","page":1562},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1135>زكاةُ عُرُوضِ التِّجَارةِ كُلَّ حَوْلٍ:</span>\nوزكاةُ عروضِ التجارةِ تكونُ كلَّ عامٍ؛ وهذا الذي عليه عامَّةُ السلف، وصحَّ هذا عن ابنِ عُمَرَ وغيرِه، سواءٌ أَرَبحَ في تجارتِه أم لم يَربَحْ؛ وبهذا قال جمهورُ العلماء، وقد ذهَبَ مالكٌ في روايةٍ: إلى أنه إنْ حالَ الحَوْلُ على تجارتِه، ولم يَنِضَّ عليه منها شيءٌ، فليس عليه زكاةٌ، وبهذا قال ابنُ القاسم، وقد جعَلُوا حُكْمَ السِّلْعةِ البائرةِ والخاسرةِ كحُكْمِ السلعةِ المُحتكَرةِ؛ لَا تجبُ عليه الزكاةُ حتى يببعَ ويَنِضَّ له مِن النقدِ ما يبلُغُ النِّصَابَ.\nونَضُّ المالِ يَعْنُونَ به أنه صار عَيْنًا بعدَ أنْ كان متاعًا، ويُرادُ مِن ذلك أنه علامةٌ على أنَّ السِّلْعةَ ليسَتْ بائرةً، والبائرةُ في حُكمِ المُحتكَرةِ حتى تتحرَّكَ وتتحوَّلَ مِن عَرْضٍ إلى عَيْنٍ؛ كدِرْهَمٍ ودينارٍ.\nولمالكٍ قولٌ يُوافِقُ جمهورَ الفقهاءِ في عدمِ اشتراطِ البَيْعِ والرِّبْحِ في عروضِ التجارةِ إذا كان باختيارِ مالكِها؛ وهو الأصحُّ في القياس، والموافقُ للأثرِ والتعليل، وقد روى نافعٌ، عن ابنِ عمرَ، أنه كان يقولُ: \"في كلِّ مالٍ يُدارُ في عَبِيدٍ أو دَوَابَّ أو طعامِ الزكاةُ كلَّ عامٍ\" (١).\nوأمَّا عروضُ التجارةِ المجمَّدةُ التي لا يستطيعُ مالكها التصرُّفَ فيها؛ لضياعِ وثائقِها أو وَضْعِ سُلْطانٍ يدَهُ عليها، فليس فيها زكاةٌ، حتَّى يَملِكَ التصرُّفَ فيها؛ فتلك ليستْ مِن المالِ المُدار، ولا تَجْرِي على قولِ مَن أخرَجَ المُحتكَرَ مِن المُدارِ.\nومَن بارَتْ سلعتُهُ أو نزَلَتْ قيمتُها، فزكاتُها بقيمتِها التي لو عرَضَها لوجَدَ مَن يَشترِيها، ولو كان ذلك في رُبُعِ قيمتِها؛ لأنَّ زكاةَ العروضِ\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٧١٠٣)، وابن زنجويه في \"الأموال\" (١٦٩٠).","vol":"3","page":1563},{"text":"تقييمُها عندَ الحَوْل، ولا اعتبارَ بقيمتِها عندَ شِرائِها، والعروضُ التي لا تَجِدْ مشتريًا لها - لأنَّ الناسَ زَهِدُوا فيها مَهْمَا كان ثمنُها قليلًا - فهذه لا قيمةَ لها؛ وعلى هذا لا زكاةَ فيها، واللهُ أعلَمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1136>فَضْلُ الدُّعَاءِ للمتصدِّقِ:</span>\nقولُهُ تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾، فيه استحبابُ الدُّعَاءِ للمتصدِّقِ في نفسِهِ وولَدِه، وبالبرَكَةِ في مالِه؛ وقد قال أهلُ الظاهرِ بالوجوب، وليس بصحيحٍ، بل هو مستَحَبٌّ، ولم يقُلْ أحدٌ بوجوبِه مِن السلفِ والأئمَّةِ.\nوإنَّما أمَرَ اللهُ نبيَّهُ بالدعاءِ لهم؛ لعِظَمِ أثرِ دعوةِ النبيِّ - ﷺ -، وهي مخصوصةٌ بالقَبُول، ولِفَضْلِ الدعاءِ عامَّةً؛ فإنَّه يُورِثُ سَكَنًا وطُمَأْنينةً، يَجِدُهما المدعوُّ له في نَفسِه، فيتذكَّرُ اللهَ فيُخلِصُ، ويتذكَّرُ ثوابَة فيَنتظِرُهُ ويَرْجوه، ولا يتعلَّقُ قلبُهُ بما فاتَ مِن مالِه.\nوأصل الحُكمِ للنبيِّ - ﷺ - ومَن قام مقامَه، ومع أنَّ أَخْذَ النبيِّ أعظَمُ مِن أخذِ غيرِه، وإعطاءَهُ أعظَمُ مِن إعطاءِ غيرِه، وصلاتَهُ أعظَمُ مِن صلاةِ غيرِه؛ فإنَّ الأخذَ والدعاءَ مِن الجميعِ مشروعٌ، والدعاءُ عامٌّ لكلِّ قابضٍ للزكاةِ مِن دافِعِيها، وكما أنَّ الأخذَ في قولِه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ عامٌّ لكلِّ ذي أمرٍ؛ فإنَّ قولَه تعالى، ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ عامٌّ كذلك لكلِّ قابضٍ.\nوقد يَختَصُّ النبيُّ - ﷺ - بتوجيهِ الخطابِ إليه، ولا يَعني تخصيصَ الحُكْمِ به؛ وذلك لجُمْلةٍ مِن العللِ والأحكامِ:\nمنها: أنَّ الخطابَ يتَّجِهُ إلى الوُلاةِ أعظَمَ مِن غيرِهم؛ وذلك لأنَّهم أَوْلى مَن يقومُ بهذا الأمر، فتَوجَّهَ إليهم لبيانِ أنَّهم الأحَقُّ بالامتثال، وهذا كثيرٌ؛ ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]؛ لأنَّ أمورَ الجهادِ تتَّجِهُ في أصلِها إلى الحاكم، وهي","vol":"3","page":1564},{"text":"منه أعظَمُ وأَوْلى مِن غيرِه؛ سواءٌ كان ذلك في الكافِرينَ أو المُنافِقينَ، فله هَيْبةٌ، ومنه رَغْبةٌ، لا تكونُ لغيرِه، ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].\nومنها: أنَّ الأمرَ الذي يتمُّ الخِطابُ لأجلِهِ عظيمٌ، فيتوجَّهُ الأمرُ للأَعْلى؛ حتَّى لا يَظُنَّ أحدٌ خروجَهُ منه، فلا أعظَمَ ولا أشرَفَ مَقامًا في البشَرِ مِن النبيِّ - ﷺ -، فإذا توجَّه الخطابُ إليه، كان توجُّهُهُ إلى غيرِهِ أَوْلى؛ مِن حاكمٍ وسُلْطانٍ، وخاصٍّ وعامٍّ، وذَكَرٍ وأُنثى.\nومنها: أنَّ الأمرَ مختصٌّ بالنبيِّ - ﷺ -، وهذا خلافُ الأصل، وهو قليلٌ نادرٌ، ولا بدَّ مِن دليلٍ يقومُ عليه.\nوقد يكونُ الخطابُ متوجِّهًا إلى النبيِّ - ﷺ -، ولكنَّ المرادَ به غيرُهُ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]، فالشَّكُّ لا يُنسَبُ إلى النبيِّ - ﷺ -.\nوفد زعَمَ مانِعو الزكاةِ أنَّ هذه الآيةَ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ خاصَّةٌ بالنبيِّ - ﷺ -؛ شُحًّا وطمعًا في نُفُوسِهم، حمَلَهُمْ على هذا التأويل، فقاتَلَهُمْ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ والصحابةُ معه، فقال: \"وَالله، لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ\"؛ رواهُ الشيخانِ (١).\nوقد بيَّن أبو بكرٍ والصحابةُ لهم سُوءَ زَعْمِهم، وبُطْلانَ فَهْمِهم، بالحُجَّةِ والدليل، ثم قاتَلُوهم على ذلك لمَّا أصَرُّوا على منعِها، وفي ذلك أنَّ الضلالةَ ولو كانتْ بيِّنةً ظاهرةً، فالواجبُ بيانُها لأهلِها، وإقامةُ الحُجَّةِ عليهم؛ فقد يكونُ فيهم مَنْ هو جاهلٌ أو مأمورٌ وهو كارِهٌ، فإنْ تَبَيَّنَ له، عادَ إلى الحقِّ والرشدِ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٧٢٨٤)، ومسلم (٢٠).","vol":"3","page":1565},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٧، ١٠٨].\nفي هذه الآيةِ: تعظيمُ المساجدِ أنْ تُبنى لغيرِ الله، ولو كانتْ في ظاهرِها أنَّها له؛ لأنَّها مَجمَعُ المؤمِنين، ودَلَالةٌ على توحيدِ ربِّ العالَمين، وهي بيوتُه، وأهلُها زُوَّارُه، فيجِبُ أنْ تُطهَّرَ عن كلِّ مَقصَدِ سوءٍ.\nوقد بُنِيَ مسجدُ الضِّرَارِ بكيدٍ بينَ النصارى والمُنَافِقينَ؛ فقد كان في الخَزْرَجِ رجلٌ يُقالُ له: أبو عامرٍ، تنَصَّرَ وترهَّبَ وتنسَّكَ في الجاهليَّةِ بالنصرانيَّة، ولمَّا قَدِمَ النبيُّ - ﷺ - المدينةَ، وظهَر أَمْرُه، وقَوِيَتْ شوكتُه، غاظَهُ ذلك وتربَّصَ به الدوائرَ، وفَكَّرَ وقَدَّر، وقُتِلَ كيف قدَّر، ولَحِقَ بقُرَيْش يُحَرِّضُهم، ثَمَّ لَحِقَ بهِرَقْلَ وأَبْدَى نصرانيَّتَهُ، وأنَّه على مِلَّتِهم ويُريدُ الخَلَاصَ مِن مِلَّةِ محمدٍ، فكاتَبَ قومًا مِن المنافِقينَ بتلك المكيدةِ؛ لِيَبْنُوا المسجدَ ويكونَ مكانًا له يأمَنُ على مَن يُريدُهُ مِن المُنافِقينَ، ويَلتقِي بهم ويُمْلِي عليهم، ويَجمَعُ السِّلاحَ لقتالِ النبيِّ - ﷺ - وأصحابِه، فبَنَوُا المسجدَ، وجاؤوا إلى النبيِّ - ﷺ - يَلتمِسونَ برَكَتَه وتشريعَهُ للصلاةِ فيه؛ وفي هذا عِظَمُ تواطُؤِ المنافِقينَ مع اليهودِ والنَّصَارَى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1137>طُرُقُ المُنافِقينَ في حَرْبِ الإسلامِ:</span>\nوللمُنافِقينَ مسالكُ وطرقٌ في حربِ الإسلامِ والإضرارِ به، وإضعافِهِ وتشويهِ أهلِه، وجامعُ طُرُقِهِمْ في ذلك طريقانِ:","vol":"3","page":1566},{"text":"الطريقْ الأولُ: محاربتُهُ بالممنوع، وهذا الطريقُ يَسلُكونَهُ في حالِ قُوَّتِهم وأَمْنِهم، فيتَّخِذونَ وسائلَ ظاهرةَ المُحادَّةِ للإسلامِ مِن خارجِه؛ بإعانةِ الكفارِ مِن أهلِ الكتابِ وغيرِهم بالمالِ واللِّسَانِ وغَيرِ ذلك؛ كما يَفعَلُ مُنافِقو المدينةِ معَ يَهودِها، حينَما يَنصُرونَهُمْ ويُعَزِّرُونَهُمْ ويُثبِّتُونَهُمْ ويَعِدُونَهُمْ بالمُؤاخاةِ واتِّحادِ المصيرِ معَهم.\nالطريقُ الثاني: محاربتُهُ بالمشروع، وهذا الطريقُ يَسلُكونَهُ في حالِ ضَعْفِهم وخَوْفِهم، فيتَّخِذونَ وسائلَ مشروعةً يُحسِنُ الناسُ الظنَّ بها، ويُقبِلونَ عليها؛ لِيُدخِلوا مِن خلالِها ما يُريدونَ مِن خُبْثٍ وشَرٍّ، وهذا يكونُ باستعمالِ وسائلِ الإسلامِ؛ كبناءِ المساجدِ وطباعةِ الكتبِ واستعمالِ أدلَّةِ التشريعِ المُشتبِهةِ لتسهيلِ مُرُورِ ما يُريدونَ مِن الشرِّ باسْمِ الإسلامِ؛ فإذا وجَدوا دليلًا مُشتبِهًا يَعْضُدُ شَرَّهم، تمسَّكوا به وأذاعُوه وأشاعُوه؛ ليتَترَّسوا به، وإذا وجَدُوا دليلًا صريحًا مُحْكَمًا يُعارِضُ هواهُمْ، كَشَحُوا بوُجُوهِهِمْ عنه.\nوتعظيمُ المتشابِهاتِ اختبارٌ لموقفِ المُنافِقينَ مِنها؛ قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧].\nومِن هذا الطريقِ بَنَوْا مسجدَ الضِّرَارِ؛ لمَّا عجَزوا عن حربِ الإسلامِ مِن خارجِه، بَدَؤُوا به مِن داخِلِه، مع ما في بناءِ المساجدِ مِن إنفاقِ مالٍ وجهدٍ، إلَّا أنَّهم بذَلُوا ذلك لجُمْلةٍ مِن المَقَاصِدِ الظاهرةِ والخفيَّةِ:\nمنهاة شَقُّ صفِّ جماعةِ المُسلِمينَ حولَ النبيِّ - ﷺ - في مَسجِدِهِ ومَجْلِسِه، وتدليسُهُمْ أنَّهم لم يَجْمَعوا الناسَ حولَهُمْ إلَّا لأجلِ عبادةِ الله، لا لأجلِ الدُّنيا، وإنَّما غايتُهم تعطيلُ ما يَدْعو إليه رسولُ اللهِ - ﷺ -؛ وهذا ما لا يُدرِكُهُ أهلُ الغَفْلةِ والغَرَارةِ مِن المؤمنِينَ.","vol":"3","page":1567},{"text":"ومنها: أنَّهم يُريدونَ الانفِرادَ بالمؤمِنِينَ، فيَجلِسونَ إليهم، ويُحدِّثونَ بما يُريدونَ مِن الهوى والفتنة، ولا يَسْمَعُهُمْ أحدٌ كالنبيِّ - ﷺ - وخيارِ الصحابةِ وكبارِهم؛ لأنَّهم لن يتَخلَّفُوا عن الصلاةِ في مسجدِ النبيِّ - ﷺ -، وقد كان للمُنافِقينَ وَجَاهَةٌ وظهورٌ أولَ الأمر، يَقُومُونَ ويتَحدَّثونَ ويُسمَعُ لهم قبلَ انكشافِ أمرِهم؛ كما كانا لِعَبدِ اللهِ بنِ أُبَيِّ مقامٌ في مسجدِ النبيِّ - ﷺ - يَخطُبُ فيه يومَ الجُمُعةِ قبلَ غزوةٍ أُحُدٍ، ويُذكِّرُ الناسَ ويَحُثُّهم على الاقتداءِ برسولِ اللهِ - ﷺ - واتِّباعِه.\nومنها: أنَّهم يُريدونَ أن تكونَ لهم يدٌ عُلْيا على الإسلامِ وأهلِه، فيَثِقُ الناسُ بهم، ويقومونَ بقيادتِهم في مصالحِهم الأُخرى، وإذا قالوا، سُمِعَ لهم، يطمَعونُ في العلوِّ على الإسلامِ والهَيْمَنَةِ عليه بواسطةِ تشييدِ صُروحِه.\nوهذا إذا كان في مَساجِدَ ظاهرةٍ وهي بيوتُ الله، فكيف مَكرُهم بما هو دُونَ ذلك مِن خِدْمةِ العِلم ونشرِ الخيرِ وتشييدِ وَسَائِلِ الإعلامِ وغيرِ ذلك، ممَّا هوأكثَرُ خَفاءً وأشدُّ لبسًا على المُسلِمينَ؟ !\nقولُه تعالى: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾، فيه: أنَّ اللهَ دلَّلَ للنبيِّ والمؤمنينَ على سُوءِ قَصْدِ المُنافِقينَ بما سلَفَ مِن أفعالِهم وقُرْبِهم ممَّن يُحارِبُ اللهَ ورسولَه، وكانوا على قُرْبٍ ومودَّةٍ مِن أبي عامرٍ الراهب النَّصْرانيِّ عدوِّ النبيِّ - ﷺ - وأصحابِهِ؛ قال ابنُ عبَّاسِ ومجاهِدٌ وعُرْوةُ بن الزُّبَيْرِ وغيرُهم بأنَّه المقصودُ بقولِه: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (١).\nوفي هذا: أنه مِن العقلِ والحِكْمةِ سَبْرُ الأحوالِ السابقةِ للناسِ قبلَ الحُكْمِ على فعلٍ ظاهرٍ فعَلُوه، وعدَمُ فصلِ ما سبَقَ منهم عمَّا لَحِقَ؛ فإنَّ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٦٧٦ - ٦٧٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٨٨٠).","vol":"3","page":1568},{"text":"أفعالَ المُنافِقينَ تُفهَمُ بسِيَاقَاتِها لا بذاتِها، فمَنْ نظَرَ إلى بعضِها بذاتِه، استحسَنَها واغتَرَّ بها، وزعَمَ الجاهلُ توبتَهُمْ وصلاحَ أمرِهم؛ وهذا ظاهرٌ في الآيةِ.\nوفيما سبَقَ لمَّا بيَّنَ اللهُ لنبيِّه أنَّهم لو خرَجُوا للجهادِ - وهو عملٌ عظيمٌ صالحٌ - لَأَفْسَدُوا فيه؛ كما قال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧]، ثم قال مبيِّنًا دليلًا ظاهرًا للحُكْمِ عليهم: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ [التوبة: ٤٨]، فسِيرتُهُمُ السابقةُ بتقليبِ الأمورِ وقصدِ الفتنةِ حَرِيَّةٌ أنْ تَجْعَلَهم بَعِيدينَ عن فِعْلِ الخيرِ بِنِيَّةِ صادقةٍ، بل لغاياتِ شرٍّ وفتنةٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1138>تأكيدُ المُنافِقينَ أفعالَهُمُ الصالِحةَ بالأَيمَانِ:</span>\nوفي قولِه تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أنَّ كثرةَ الأَيْمَانِ لتأكيدِ الأفعالِ الصالحةِ مِن علامةِ المُنافِقينَ؛ لأنَّ المؤمِنَ تَكْفِيهِ سِيرَتُهُ السابِقةُ وظاهرُ فعلِه لإحسانِ المؤمنينَ الظَّنَّ به، وإنِ احتاجَ إلى اليمينِ فعِنْدَ الحاجةِ إليها في الأمورِ المشتبِهة، لا الأمورِ البيِّنةِ؛ فبناءُ المساجدِ لا يَحْتاجُ إلى يمينٍ مِن مؤمِنٍ لِبَيَانِ حُسْنِ قصدِه، ولكنَّ المنافِقَ يَعلَمُ مُناقَضةَ باطِنهِ لظاهِرِه، فيُكثِرُ الأَيْمانَ لتسكينِ ما يَعلَمُهُ مِن نَفْسِهِ ويَعتقِدُ اطِّلاعَ الناسِ عليه، والمنافِقُ تَعجِزُ أفعالُهُ عن الإقناعِ فيُؤكِّدُها بأَيْمانِه.\nقولُهُ تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ بَنَى المُنافِقونَ مسجِدَ الضِّرَارِ قريبًا مِن مسجدِ قُبَاءٍ؛ ليكونَ مِثلَهُ في القصدِ والبُعْدِ عن مسجدِ النبيِّ - ﷺ -، فلا يُتَّهَمُوا بقُرْبِهِ مِن مسجدِهِ فيُهدَمَ؛ فإنَّ حالَهُ كحالِ قُبَاءٍ، ويَظُنُّونَ أنَّ حُكمَهُ كحُكمِه.","vol":"3","page":1569},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1139>المَسْجِدُ الذي أُسِّسَ على التَّقْوَى:</span>\nاختُلِفَ في المرادِ بالمسجدِ الذي أُسِّسَ على التَّقْوَى المذكورِ في الآية، وتَردَّدَ قولُ السلفِ والخَلَفِ فيه بينَ مسجدِ النبيِّ - ﷺ - وبينَ مسجدِ قُباءٍ، وسببُ الخلافِ: أنَّ اللهَ ذكَر وَصْفَ المسجد، وكلُّ واحدٍ مِن المسجدَيْنِ أحَقُّ بالوصفِ مِن وجهٍ؛ وذلك أنَّ مسجدَ النبيِّ - ﷺ - أحَقُّ بوصفِ التَّقْوَى في قولِه: ﴿أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾، ومسجدُ قُباءٍ أحَقُّ بالسَّبْقِ بالبناءِ في قولِه: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾؛ فقد بُنِيَ قبلَ مسجدِ النبيِّ - ﷺ -، وقد اختَلَفَ السلفُ في ذلك علي أقوالٍ ثلاثةٍ:\nالقولُ الأولُ: قولُ جماعةِ السلفِ؛ أنَّ المرادَ به مسجدُ النبيِّ - ﷺ -؛ فقد ثبَتَ في مسلمٍ؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ؛ قال: \"دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِه، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ المَسْجِدَيْنِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَالَ: فَأَخَذَ كَفَّا مِنْ حَصْبَاءَ، فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ قَالَ: (هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا)؛ لِمَسْجِدِ المَدِينَةِ\" (١).\nوفي \"المسنَدِ\"، مِن حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ نحوُهُ (٢)، وهذا القولُ رُوِيَ عن عمرَ وابنِ عمرَ وزيدِ بنِ ثابتٍ وابنِ المسيَّبِ (٣).\nالقولُ الثاني: قولُ ابنِ سيِرينَ؛ أنَّ المرادَ به كلُّ مسجدٍ بُنِيَ على التَّقْوَى بالمدينةِ (٤).\nالقولُ الثالثُ\" قولُ ابنِ عبَّاسٍ، رواهُ عنه عليُّ بن أبي طَلْحةَ؛ بأنَّه مسجدُ قُبَاءٍ (٥)؛ لأنَّه أولُ مسجدٍ بُنِيَ في الإسلامِ لمَّا نزَل النبيُّ علي بني\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٣٩٨).\n(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٣٣١).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٦٨٢، ٦٨٣)، و\"تفسير ابن كثير\" (٤/ ٢١٦).\n(٤) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٨٨٢).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٦٨٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٨٨٢).","vol":"3","page":1570},{"text":"عمرِو بنِ عَوْفٍ في قُبَاءٍ يومَ الاثنَيْن، فأقامَ فيهم فأسَّسَ مسجدَ قُبَاءٍ، ثم ارتحَلَ عنهم يوم الجُمُعةِ إلى بني سالمِ بنِ عوفٍ، فصلَّى عِندَهم الجمعةَ، وهي أولُ جمعةٍ في الإسلام، ثم ذهَبَ ودخَلَ المدينةَ، ونزَلَ علي بني مالكِ بنِ النَّجَّارِ على أبي أيُّوبَ، فأَسَّسَ مسجِدَهُ بالمِرْبَدِ الذي كان للغُلامَيْنِ اليتيمَيْنِ.\nوبقولِ ابنِ عبَّاسِ قال الشَّعْبيُّ والحسنُ وأبو سَلَمةَ وعُرْوةُ وسعيدُ بن جبيرٍ وقتادةُ (١)، وسياقُ الآيةِ يعضُدُ ذلك؛ وذلك مِن وجوهٍ:\nالوجهُ الأولُ: أنَّ مسجدَ قباءٍ أسبَقُ مِن جهةِ البناء، والآيةُ جاءتْ في تقييدِ وصفِ المسجدِ الذي أُسِّسَ على التَّقْوَى بأنَّه الأسبقُ في الزمَن، وهو قولُه: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾، ولو جاءَ الوصفُ بأنَّه الذي أُسِّسَ على التَّقْوَى مجرَّدَا عن التقييد، لكان الأَحَقَّ به مَسْجِدُ النبيِّ - ﷺ -؛ لأنَّه أَولى مساجدِ المدينةِ بالوصفِ بلا خلافٍ.\nوأمَّا حديثُ أبي سعيدٍ السابقُ، فقد جاء جوابُ النبيِّ - ﷺ - على قَدْرِ سؤالِ أبي سعيدٍ، وهو قولُهُ: (أَيُّ المَسْجِدَيْنِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التقْوَى؟)، ولم يُقيِّدْه بـ (أَوَّلِ يَوْمٍ)؛ كما في روايةِ مسلمِ في \"صحيحِه\"، فكان جوابُ النبيِّ - ﷺ -: (لِمَسْجِدِ المَدِينَةِ).\nالوجهُ الثاني: أنَّ مسجِدَ الضِّرارِ بُنيَ قريبًا مِن قُبَاءٍ؛ كما قالَهُ بعضُ المفسِّرينَ؛ كابنِ عبَّاسٍ والضحَّاكِ وقتادةَ والسُّدِّيِّ (٢)، وأرادَ المُنافِقونَ تشبيهَهُ به، ولم يُريدوا تشبيهَهُ بمسجدِ النبيِّ - ﷺ -، فقُربُهُ مِن مسجدِهِ ضِرَارٌ بيِّنٌ، وقربُهُ مِن قُباءٍ ضِرَارٌ خفيٌّ، وهذا ما أرادُوهُ، وقد كان النبيُّ يأتي إلى مسجدِ قُبَاءٍ كلَّ سَبْتٍ للصلاةِ فيه، وكان المُنافِقونَ يَرْجُونَ أنْ يأتيَ\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٨٨٢)، و\"تفسير ابن كثير\" (٤/ ٢١٤).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٨٧٩).","vol":"3","page":1571},{"text":"إلى مَسْجِدِهم يُشرِّعُ الصلاةَ فيه ولو مَرَّةً؛ لِيَتَّخِذُوا ذلك سبيلًا لجَذْبِ الناسِ إليه، وقد بيَّن اللهُ لنبيِّه وللمؤمِنِينَ الفَرْقَ بينَ المسجدَيْن، وأمَّا مسجدُ النبيّ - ﷺ -، فأمرُهُ بيِّنٌ في فضلِهِ والصلاةِ فيه، وليس محلَّ مُشابَهةٍ لمسجدِ الضِّرارِ عندَ المُنافِقينَ، ولا عندَ غيرِهم.\nالوجهُ الثالثُ: أنَّ مسجدَ النبيِّ - ﷺ - يقومُ فيه النبيُّ وصحابتُهُ بصَلَواتِهم في يَوْمِهم ولَيْلَتِهم، وفيه مَجلِسُهم، والأحَقُّ بقوله: ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨] المسجدُ الذي لا يقومُ فيه النبيُّ - ﷺ - دَوْمًا كقُبَاءٍ، وظاهرُ الحالِ: أنَّ قيامَهُ بمَسجدِهِ متحقِّقٌ دائمٌ، وقيامَهُ في قُبَاءٍ عارِضٌ، فجاء التنبيهُ عليه، وحَمْلُ الدليلِ على التأسيسِ أوْلى مِن التأكيدِ؛ لأنَّه أقرَبُ إلى مسجدِ الضِّرارِ مكانًا ومَنْزِلةً عندَ المُنافِقينَ.\nالوجهُ الرابعُ: أنَّ سياقَ الآيةِ دالٌّ على أنَّ المرادَ مسجدُ قباءٍ؛ فقد ذكَرَ اللَّهُ وصفًا بعدَ ذلك: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾، والمقصودُ به: مسجدُ قباءٍ ومَن يُصلِّي فيه.\nوفي قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ النظافةَ مِن الإيمان، وأنَّ القَذَارةَ مِن النِّفاقِ؛ وذلك أنَّ ظاهرَهُ أنَّ المُنافِقينَ في مَسْجِدِ الضِّرَارِ ليسوا كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1140>هَدْمُ مَسْجدِ الضِّرَارِ وصُرُوحِ الفِتْنةِ:</span>\nولمَّا كان النبيُّ - ﷺ - ذا قُدْرةٍ وسلطانٍ، هدَمَ مسجِدَ الضِّرار، وفي هذا دليلٌ على أنه يجبُ على الإمامِ أنْ يَهدِمَ صروحَ الشرِّ والفتنةِ ولو كان ظاهرُها خيرًا، ولا يُعذَرُ بتَرْكِها إلَّا لسببَيْنِ:\nالأولُ: أن يكونَ عاجِزًا، وليس ذا قُدْرةٍ وقُوَّةٍ على ذلك.\nالثاني: أن يَغلِبَ على الظنِّ حصولُ فِتْنةٍ بهَدْمِها أعظَمَ مِن فتنةِ بَقَائِها، وهذا يُحكمُ بالعِلْمِ والعدلِ لا بتوهُّمِ فتنةٍ لا حقيقةَ لها ولا","vol":"3","page":1572},{"text":"لقَدِّرِها، وكثيرًا ما يتراخى السُّلْطانُ فيترُكُ الشرورَ لفِتَنِ متوهَّمةٍ، ويُقدِمُ أهلُ الغَيرةِ والحميَّةِ على دفعِ شرٍّ بقُدْرةٍ متوهَّمةٍ وفتنةٍ لاحقةٍ متحقِّقةٍ أعظَمَ، وهذا بابٌ يمضى فيه بتجرُّدِ وعِلمٍ، فلا يكفي فيه التجرُّدُ بلا عِلْمٍ، ولا يكفي فيه العِلْمُ بلا تجرُّدٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1141>دُخُولُ صُرُوحِ الشَّرِّ والفِتْنةِ:</span>\nأمَرَ اللهُ نبيَّه - ﷺ - بهَجْرِ مسجدِ الضِّرَارِ وعدمِ القيامِ فيه بقولِه، ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾؛ وذلك لأنَّ مقامَ القدوةِ يَختلِفُ عن مقامِ غبرِه، فتوجَّهَ الخطابُ إلى النبيِّ - ﷺ - مِن دونِ المؤمنينَ؛ لأنَّهم له تَبَعٌ، ثُمَّ قامَ النبيُّ - ﷺ - بهَدْمِه؛ وبذلك يُستأصَلُ شرُّه، ويتحقَّقُ كمالُ الكفايةِ للإسلامِ والمُسلِمينَ منه.\nوقد كان النبيُّ - ﷺ - قبلَ ذلك يَغْشى نَوادِيَ المشرِكينَ وأعبادَهم مُنكِرًا عليهم كُفْرَهم وشِرْكَهم ومُخالفتَهم لأمرِ الله، ولمَّا كان في المدينةِ وقَوِيَ سُلْطانُهُ واشتَدَّ أمرُهُ، نهاهُ اللهُ عن المُقامِ في أماكنِ الشرِّ والفتنةِ؛ كمَسْجدِ الضِّرارِ؛ لاختلافِ الحالَيْنِ؛ حالِ القُدْرة، وحالِ العَجْز، وكلُّ صرحٍ للشِّرْكِ والفسقِ يدخُلُ في هذا الحُكْم، ومنها غِشْيانُ المَنابرِ الإعلاميَّةِ والمَحَافِلِ العامَّةِ والنوادي والمَجامِعِ؛ فإنه في حالِ العجزِ عن إزالتِها، فإنَّ دخولَها وغِشْيانَها على حالَتَيْنِ:\nالحالةُ الأُولى: دخولُها للقيامِ بنقيضِ مقاصدِ الشرِّ الذي أُقيمَت له، فإذا كان المكانُ وُصِعَ للشِّرْك، فيَجِبُ عندَ دخولِهِ قصدُ النهي عن الشِّرْكِ؛ لأنَّ دخولَ القدوةِ لها بما يُخالِفُ هذا القصدَ الذي أُقِيمَت لَه يُعَدُّ تشريعًا، ويُعَدُّ سكوتُهُ تأبيدًا لها.\nوقد كان النبيُّ - ﷺ - يَغشى نواديَ قريشٍ وقبائلِ العرب، فيَأْمُرُهم بالتوحيدِ وينهاهُم عن الشِّرْك، ويأمُرُ بأصولِ الفِطْرةِ العظيمة، ويَنهاهُم","vol":"3","page":1573},{"text":"عمَّا بدَّلوا منها، ولم يكُنِ النبيُّ - ﷺ - يعتادُ الإنكارَ عليهم بما يَعلَمُ حُرْمَتَهُ مِن أفعالِهم وأقوالِهم التي هي دونَ الشِّرْك، فكان يبدَأْ بالشرِّ مِن أعلاهُ، وَيَرِدُ إلى أشهَرِ أسواقِ العربِ يَعرِضُ دِينَهُ في عُكَاظ ومَجَنَّةَ وذي المَجَازِ؛ كما روى أحمدُ؛ مِن حديثِ أبي الزُّبَيْر، عن جابرٍ؛ قال: مَكَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، يَتبَعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلهِمْ بعُكَاظٍ وَمَجَنَّةَ، وَفِي المَوَاسِمِ بِمِنًى، يَقُولُ: (مَنْ يُؤْوِينِي؟ مَنْ يَنْصُرُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي، وَلَهُ الجَنَّةُ؟)، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخرُجُ مِنَ اليَمَن، أَو مِنْ مُضَرَ - كَذَا قَالَ - فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ، فَيَقُولُونَ: احْذَرْ غُلَامَ قُرَيشٍ لَا يَفْتِنْكَ، وَيَمْشِي بَيْنَ رِجَالِهِمْ، وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيهِ بِالأصَابع (١).\nوقَصَدَ هذه الأسواقَ؛ لأنَّها أشهَرُ أسمواقِ العربِ ومَجْمَعُهم، وإذا ذُكِرَت مَحامعُ العرب، كانتْ هذه الثلاثةُ أوَّلَها، وقد روى البخاريُّ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: \"كَانَتْ عُكَاظٌ، وَمَجَنَّةُ، وَذُو المَجَازِ: أسْوَاقًا فِي الجَاهِلِيَّةِ\" (٢).\nوكانتِ العربُ تَرقُبُ هذه الأسواقَ كلَّ عامٍ، وتتوافَدُ إليها، وتُظهِرُ الشِّرْكَ والفِسْقَ مقرونًا ببيعٍ وشراءٍ وإنشادِ شعرٍ، وقد كانت عُكاظٌ أعظَمَ تلك الأسواقِ ببنَ نَخْلَةَ والطائف، وأمَّا ذو المَجَاز، فكان خلْفَ عرَفةَ، وأما مَجَنَّةُ - بفتحِ الميمِ وكسرِها، وبفنحِ الجيمِ والنونِ المشدَّدةِ - فهو مكانٌ على أميالٍ يسيرةٍ مِن مكةَ بناحيةِ مَرِّ الظَّهْران، وقد كانتِ العربُ تُقِيمُ بسوقِ عكاظٍ شهرَ شوَّالٍ، ثم تتحوَّلُ إلى مَجَنَّةَ فتُقيمُ فيه عِشرينَ يومًا مِن ذي القَعْدة، ثم تتحوَّلُ إلى سوقِ ذي المَجّاز، وهو على يَمينِ القادمِ مِن عَرَفةَ مِن جهةِ المُغَمَّسِ.\nوغِشْيانُ هذه المواضعِ قد يكونُ واجبًا على القدوةِ إذا كان لا يَصِلُ إلى الناسِ إلَّا بها، كما كان يَفعَلُهُ النبيُّ - ﷺ -.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣/ ٣٢٢).\n(٢) أخرجه البخاري (٢٠٥٠).","vol":"3","page":1574},{"text":"الحالةُ الثانيةُ: دخولُها لغيرِ ما يُناقِضُ مقاصدَ الشرِّ الذي أُقِيمَتْ له؛ كمَنْ يأتي صروحَ الشِّرْكِ والكفرِ لأمرٍ مباحٍ أو مشروعٍ، لكنَّه مفضولٌ لا فاضلٌ، فهذا الدخولُ لا يجوزُ؛ لأنَّه يَتضمَّنُ تأبيدَ القدوةِ وتشريعَهُ لشرِّ عظيمٍ بإنكارِ ما هو أقلُّ منه؛ كمَن يأتي صروحَ الشِّرْكِ أو الكبائرِ كالزِّنى لِيَتَحَدَّثَ عن فضائلِ الأعمالِ والأقوالِ والآدابِ والسلوكِ والتربية، وبمقدارِ قدوتِهِ في الناسِ وأَثَرِهِ عليهم يكونُ إثمُهُ وتعظُمُ فتنتُه للناس، وكثيرًا ما يَغترُّ بعضُ المُصلِحينَ بما يَقولونَ مِن خيرٍ؛ ويَغْفُلونَ عمَّا يَتْرُكُونَهُ مِن شرٍّ؛ فيَشْغَلُهُمُ المفضولُ عن الفاضلِ مِن الدِّين، فيَفتِنونَ ويُفتَنونَ، فمِن أعظَمِ فتنةِ المُصلِحينَ اختِلالُ مَرَاتبِ الشريعةِ في دَعْوَتِهم.\nومَن دخَلَها مِن سَوَادِ المُسلِمينَ ممَّن لا يُعتَدُّ بقولهِ ولا يُؤْبَهُ له، فإثمُهُ بمقدارِ ما يَلحَقُهُ هو في نفسِه مِن شرِّ منها، وبمقدارِ ما يكثِّرُ به مِن سَوَادِهم، وبحَسَبِ ما يتحقَّقُ له مِن منفعةٍ، وما يَلحَقُه وغيرَهُ مِن مَفسَدةٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1142>تعدُّدُ المساجدِ في الحَيِّ الواحدِ:</span>\nولا يجوزُ بناءُ مسجدٍ مُجاورٍ لمسجدِ الحيِّ؛ ما دامَ الناسُ يَسمَعونَ الأذانَ مِن فوقِ سطحِ المسجدِ بلا مُكبِّراتٍ في زمنِ سكونِ الرِّياح، وبلا ضجيجِ الأسواقِ والطرُقاتِ؛ فإنَّ هذا يفرِّقُ جماعةَ الناس، ويعطِّلُ بعضَ المقاصدِ مِن جَمْعِهم؛ فمِن المقاصدِ تَعَارُفُهم، وأداءُ الحقوقِ بينهم؛ مِن صلاحِ حال، وأمرٍ بمعروفٍ ونهيِ عن منكرٍ، ودفعٍ للبغضاءِ فيما بينَهم؛ فإنَّ الجِيرَانَ لو أهلَ الرَّحِم إنْ تعدَّدَتْ مَساجِدُهم تَهاجَرُوا؛ كلٌّ بمَسجِدِه، ولو جمَعَهُمْ مسجدٌ واحدٌ، تَعارَفوا وتقاربَتْ نُفوسُهم برُؤْيةِ بعضِهم بعضًا، وتَغَافَلَ بعضُهم عن زَلَّةِ بعضٍ، وقد كان بعضُ السلفِ يُسمَّي تعدُّدَ المساجدِ في المكانِ المتقارِبِ والحيِّ الواحدِ بِدْعةً، ويُروى أنَّ أنسَ بنَ مالكٍ لمَّا دخَل البَصْرةَ جعَلَ كلَّما خَطَا خُطْوَتَيْنِ رأى مسجِدًا، فقال: ما","vol":"3","page":1575},{"text":"هذه البِدْعةُ؟ ! كلَّما كَثُرَتِ المساجدُ قلَّ المُصَلُّونَ، أشهَدُ لقد كانتِ القبيلةُ بأَسْرِها ليس فيها إلَّا مسجدٌ واحدٌ، وكان أهلُ القبيلةِ يتَناوَبونَ المسجدَ الواحدَ في الحيِّ مِن الأحياءِ (١).\nوأمَّا إنْ تباعَدَتْ أطرافُ الحيِّ والبلدِ حتى لا يَسمَعُ الناسُ الأذانَ لو نُودِي مِن فوقِ سَطْحِهِ بلا مكبِّرٍ زمَنَ هدوءٍ وبلا صَخَبٍ؛ فلا حرَجَ مِن بناءِ مساجدَ؛ كما بَنى النبيُّ - ﷺ - مَساجِدَ في المدينةِ لأهلِها؛ كمسجِدِ قُباءٍ ومسجدِ بني زُرَيْقٍ وغيرِهما، وقد قيَّد النبيُّ - ﷺ - حضورَ الجماعةِ بسَمَاعِ النِّداءِ؛ كما قال - ﷺ - لِمَنِ الْتمَسَ رُخْصةً بتَرْكِها: (هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاء بِالصَّلَاةِ؟)، قال: نعَمْ، قال: (فَأَجِبْ) (٢)، ومَن سمِع النِّداءَ مِن جهتَيْنِ وتَقارَبَ منه مسجدان، لم يَفقِدْهُ الجميعُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ يظُنُّهُ في الآخَر، فلا يُعرَفُ المؤمِنونَ مِن المُنافِقينَ، ولا يتَمايَزُ الصَّالِحونَ، وتَضْعُفُ الشهادةُ للناسِ بالإيمانِ وتَزْكِيَتُهم بالخيرِ.\nوإذا كَثُرَ الناسُ وتَزاحَموا في المسجدِ حتَّى لا يُطيقَهم، فالأولى أنْ يُوَسِّعُوهُ أو يُبدِّلوهُ بمكانٍ أوسَعَ منه، ولا يَبْنُوا مسجدًا قريبًا منه فتتعدَّدَ المساجدُ في المكانِ المُتقارِبِ؛ كما نصَّ على هذا أحمدُ بن حنبلٍ وغيرُه.\nوإذا تعذَّر ذلك؛ كما يكونُ في العواصم المزدَحِمة، والمدنِ الكبيرةِ بالناس، والأبنيةِ المرتفِعةِ الشاهِقةِ التي يتعذَّرُ معَها جَمْعُهم في مسجدِ الحيِّ؛ فبعضُ الأبنيةِ الشاهقةِ اليومَ مَن يَسْكُنُها معَ صِغَرِ أرضِها آلافُ الناس، ولو كانوا على الأرض، لكانوا حيًّا كاملًا أو قريةً كاملةً، وإذا كانتِ الحالةُ تلك، فلا حرَجَ مِي تعدُّدِ المساجدِ في المكانِ المُتقارِبِ؛ لاجتماعِ مَفسدتَيْنِ؛ فيجوزُ ارتكابُ أَدْناهُما:\n_________\n(١) \"المدخل\" لابن الحاج (٢/ ١٠٠).\n(٢) أخرجه مسلم (٦٥٣).","vol":"3","page":1576},{"text":"المَفْسَدةُ الأُولى: تَرْكُهُمْ للصلاةِ جماعةً وهَجْرُهم للمساجدِ؛ لعدمِ وجودِ أماكنَ لهم فيها، ولا يَجِدونَ بُدًّا مِن سُكْنى بُيوتِهم تلك.\nوالمَفْسَدة الثانيةُ: تعدُّدُ المساجدِ في الحيِّ والمكانِ المُتقارِبِ.\nوالمفسدةُ الأُولى أعظَمُ؛ لأنَّ العُذْرَ بتعدُّدِ المساجدِ ظاهرٌ، والفتنةَ في مِثْلِه في الدِّينِ أقَلُّ مِن الفتنةِ مِن وقوعِها في حيٍّ قليلِ العددِ كثيرِ المساجد، وقال صالحُ بن أحمدَ بنِ حنبلٍ لأبيه: كم يُستحَبُّ أن يكونَ بينَ المسجدَيْنِ إذا أرادُوا أن يَبْنُوا إلى جانبِهِ مسجدًا؟ قال: لا يُبنى مسجدٌ يُرادُ له الضَّرَرُ لمسجدٍ إلى جانبِهِ؛ فإنْ كَثُرَ الناسُ حتَّى يَضِيقُ عليهم، فلا بأسَ؛ يُبْنَى وإنْ قَرُبَ ذلك منه (١).\nقولُه تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ أخَذَ منه بعضُ الفقهاءِ استحبابَ الصلاةِ في المسجدِ القديم عندَ تعدُّدِ المساجدِ في البلدِ أو الحيِّ؛ فقد ذكَرَ اللهُ عِلَّةَ التفضيلِ للمسجَدِ أنه أُرِيدَ به وجهُ الله، ثم أنه بُنِيَ قديمًا، وهذا يدُلُّ على فَضلِ الأقْدَمِ على الأحدَثِ؛ لأنَّ الغالبَ أنَّ أوَّلَ المساجدِ يُبنى في البلدِ لا يُرادُ منه إلَّا الصلاةُ وعبادةُ الله، بخلافِ المساحدِ اللاحِقةِ له، فقد يقعُ في نفوسِ عامِرِيها المُنافَسة والجاهُ، وربَّما قصدُ الضِّرَارِ والتفريق، فإنَّ أوَّلَ الأعمالِ أَصْدَقُها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1143>أوْلَى المساجِدِ بالصلاةِ عندَ كَثْرَتِها:</span>\nوإذا تعدَّدَتِ المساجدُ في البلدِ أو الحيِّ الواحد، فقد اختُلِفَ في أيِّها أَوْلى بالصلاةِ فيها:\nفمِنهم: مَن قال بتفضيلِ الأقدَمِ؛ لظاهِرِ الآية، وقد قال ثابتٌ\n_________\n(١) \"مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح\" (١/ ٢٩٤).","vol":"3","page":1577},{"text":"البُنَانيُّ: \"كنتُ أُقبِلُ مع أنسِ بنِ مالكٍ مِن الزَّاوَيَة، فإذا مَرَّ بمسجدٍ، قال: أمُحْدَثٌ هذا؟ فإن قلتُ: نَعَمْ، مَضَى، وإنْ قلتُ: عَتِيقٌ، صلَّى\"؛ رواهُ أبو نُعيمٍ الفضلٍ بنٍ دُكَيْنٍ في كتابِه الصلاةِ (١).\nوبهذا كان يَعملُ غيرُ واحدٍ مِن السلفِ؛ كما رَوَى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن عوفٍ، قال: \"قَدِمَ عَامِلٌ لِمُعَاوِيَةَ، وَكَانَ بَعَثَهُ عَلَى الصَّدَقَات، فَنَزَلَ مَنْزِلًا، فَإذَا هُوَ بِمَسْجِدَيْن، قَالَ: أَيُّهُمَا أَقْدَمُ؟ فَأُخْبِرَ بِه، فَأَتَى الَّذِي هُوَ أَقْدَمُهُمَا\" (٢).\nوبه كان يعملُ أبو وائلٍ (٣)، ومجاهِدٌ (٤)؛ رواهُ عنهما ليثٌ؛ أخرَجَه ابنُ أبي شَيْبةَ.\nومنهم: مَنْ قال بتفضيلِ المسجدِ الأكثرِ جماعةً على المسجدِ الأقدَمِ؛ وذلك لقولِهِ - ﷺ -: (إِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أزْكَى مِنْ صَلَاِتهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أزْكَى مِنْ صلَاِتِهِ مَعَ الرَّجُل، وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى)؛ رواهُ أحمد وأصحابُ \"السنن\" (٥).\nوالأظهَرُ: أنه إنْ كان في البلدِ أو الحيِّ الكبيرِ مساجدُ متعدِّدةٌ: مسجدُ الحيِّ القريبُ الذي يصلِّي فبه جِيرانُ الرجُل، ومسجدٌ قديمٌ، ومسجدٌ أكثَرُ جماعةً، فإنَّ مسجدَ الحيِّ والجِيرانِ أَولى بالتقديمِ؛ لأنَّه يتحقَّقُ مَقاصِدُ عظيمةٌ غيرُ مَقاصِدِ الجماعةِ؛ كالإحسانِ إلى أهلِ الحيِّ وتعاهُدِهم، وقضاءِ حاجتِهم، وصِلَتِهم، وإجابةِ دَعْوتِهم؛ فهذا عملٌ عظيمٌ\n_________\n(١) \"فتح الباري\" لابن رجب (١/ ٥٨٣)، وأخرجه بنحوه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٦٢٤٥).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٦٢٤٣).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٦٢٤٤).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٦٢٤٦).\n(٥) أخرجه أحمد (٥/ ١٤٠)، وأبو داود (٥٥٤)، والنسائي (٨٤٣).","vol":"3","page":1578},{"text":"قصَدَتْهُ الشريعةُ بالتفضيلِ بِذَاتِه، وإذا قصَدَ الرجُلُ مسجدًا قديمًا لا يُصلِّي فيه أهلُ حيِّه وجيرانُه، فاتَهُ ذلك الفضلُ.\nوأمَّا عملُ أنس بنِ مالكٍ، فكان مارًّا ببلدٍ ليس بلدَهُ، وفي حيٍّ ليس حيَّه، وهذا حُكْمٌ خاصٌّ لمَن كان كحالِه، وانتفَتْ عنه تلك المَقاصِدُ، فمَنْ كان حالُه كحالِ أنسٍ، فحُكمُهُ كحُكمِه، وقد رَوَى منصورٌ، عن الحسَنِ: \"أنه سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَدَعُ مَسْجِدَ قَوْمِهِ وَيَأْتِي غَيْرَهُ، قالَ: فَقَالَ الحَسَنُ: كَانُوا يُحِبُّونَ أَنْ يُكَثرَ الرَّجُلُ قَوْمَهُ بِنَفْسِهِ\" (١).\nوإذا تقارَبَ في الحيِّ مسجدانِ عن يمينٍ وشمالٍ، فالأفضلُ الصلاةُ في الأقدَمِ منهما؛ لاستواءِ المَقاصِدِ فيهما وتميُّزِ أحدِهما بفضلٍ.\nوإذا تقارَبَ في الحيِّ مسجدانِ: قديمٌ قليلٌ الجماعة، وحديثٌ كثيرُ الجماعة، وكلاهُما يتساويانِ في بقيَّةِ المَقاصِد، فمذهبُ الحنابلةِ: أنَّ القديمَ أَوْلى، والأَظْهَرُ: أنَّ المُصلِّيَ يَقصِدُ الأخشَعَ لقَلْبِهِ؛ لأنَّ الصلاةَ في مسجدٍ حديثٍ مع خشوعٍ أَوْلى مِن الصلاةِ في مسجدٍ قديمٍ يُساوِيهِ في القُرْبِ بلا خشوعٍ؛ لأنَّ الخشوعَ قلبُ الصلاةِ ولُبُّها.\nولا يجوزُ لأحدٍ أنْ يترُكَ جماعةَ المُسلِمينَ ويُفارِقَ المساجدَ بحُجَّةِ الخشوعِ في صلاتِه منفرِدًا، ولو كان ذلك صحيحًا، فيجبُ عليه شهودُ الجماعةِ مع اجتهادِ في الخشوع، ولو فاتَهُ الخشوعُ وتعذُّرَ عليه، فهو مأجورٌ بشهودِ الجماعة، غيرُ آثمٍ بفَوَاتِ خشوعٍ لا يَستطيعُه، ولا يكلِّفُ اللهُ نفسًا إلَّا وُسْعَها.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٦٢٤٨).","vol":"3","page":1579},{"text":"* قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣].\nفي هذه الآيةِ: تحريمُ الاستغفارِ لمَنْ مات على الشِّرْك، ممَّن ظهَرَ أمرُهُ وتَجَلَّتْ حالُه، لقولهِ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.\nومَن فارَقَ أحدًا وتباعَدَ عهدُهُ به، ولا يَدرِي آخِرَ حالِهِ: هل هي على كفرٍ أو على إيمانٍ؟ فالحُكمُ لأصلِهِ الذي ترَكَهُ عليه؛ فإنْ كان ترَكَهُ على كفرٍ، فالأصلُ بقاؤُهُ عليه؛ فيَحْرُمُ عليه الاستغفارُ له، وإن كان ترَكَه على إسلامٍ وشك في طُرُوءِ الكفرِ عليه، فالأصلُ بقاؤهُ على الإيمانِ؛ فيجوزُ له الاستغفارُ له.\nوتحريمُ الاستغفارِ له بعدَ موتِه لا يَمنَعُ مِن الدُّعَاءِ له حالَ حياتِهِ بالهدايةِ والرَّشادِ والاستقامةِ؛ فإنَّ ذلك مستحَبٌّ لِمَنْ كان كافرًا يَغلِبُ عليه الجهلُ؛ ففي \"الصحيحَيْنِ\"، عن عبد اللهِ بنِ مسعودٍ؛ قال: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - يَحْكِي نبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاء، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِه، وَيَقُولُ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (١).\nومَن غلَبَ عليه العِنادُ والتكبُّرُ والطُّغْيانُ، فيُغلَّبُ الدُّعَاءُ عليه على الدُّعَاءِ له في حياتِه؛ كما كان يَفْعَلُ الأنبياءُ مع أمثالِ هؤلاءِ؛ كنُوحٍ مع قومِه، والنبيِّ - ﷺ - مع قريشٍ وغيرِهم مِن مُشْرِكِي العربِ لمَّا دعا عليهم في قُنُوتِه، ودعا على كِسْرَى لمَّا مَزَّقَ كتابَهُ بأنْ يُمزِّقَ اللهُ مُلْكَه (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٤٧٧)، ومسلم (١٧٩٢).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٤).","vol":"3","page":1580},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].\nفي الآيةِ: فضلُ العِلْم، ووجوبُ حِفظِهِ وتفريغ طائفةٍ له تقومُ بتحصيلِهِ ومِن ثم تبليغِه، لقولِه: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾.\nويجبُ على إمامِ المسلِمينَ عدمُ إخلاءِ بُلْدانِ الإسلامِ مِن علماءَ يقومونَ بحِفْظِ دِينِ أهلِها وفُتْيَاهُم عندَ حاجتِهم، والإصلاحِ بينَهم عندَ خلافِهم ونِزاعِهم، وأمرِهم بالمعروفِ ونهيهِم عن المُنكَر، ويجبُ عليه بعثُ النُّذُرِ والدُّعَاةِ والعلماءِ إلى البُلْدانِ؛ لإقامةِ حُجَّةِ اللهِ عليهم، وقال بعضُ السلفِ: إن هذه الآيةَ ناسخةٌ لقولِهِ تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]؛ كما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ ومحمدِ بنِ كعبٍ وعطاءٍ الخُراسانيُّ (١).\nويجبُ على الإنسانِ ألَّا يَسكُنَ بلدًا لا يَجِدُ فبها عالمًا يَرفَعُ جَهْلَهُ في الدِّين، والناسُ يَحْرِصُونَ على البُلْدانِ التي تَصِحُّ فيها أبدانُهم ويَجِدُونَ فيها دواءَهم عندَ مَرَضِهم، ولا يَسْكُنونَ الأراضيَ المُقْفِرةَ والفَيَافِيَ البعيدةَ التي لا يَجِدُونَ فبها قِوامًا لبَدَنٍ ولا علاجًا لسَقَمٍ، فكذلك أمرُ الدِّينِ والعِلْم، وقد رَوَى ابنُ أبي حاتمٍ في \"مناقبِ الشَّافعيِّ\"؛ أنه قال: \"لا تَسكُنْ بلدًا ليس فيه عالِمٌ يُفْتيكَ عن دِينِك، ولا طبيبٌ يُنْبِئُكَ عن أمرِ بَدَنِك\" (٢).\nوفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ داخِلَ الأُمَّةِ يُحمَى بالعِلْم، وخارجَها يُحمَى بالجهاد، وأن العلماءَ حُمَاةُ الأمَّةِ مِن داخِلِها، وأنَّ المُجاهِدينَ حُمَاةٌ\n_________\n(١) \"تفسير ابن كثير\" (٤/ ١٥٧).\n(٢) \"آداب الشافعي ومناقبه\" (ص ٢٤٤).","vol":"3","page":1581},{"text":"للأمَّةِ مِن خارِجِها، وإذا صلَحَت حالُهما وتآلفَتْ كَلِمَتُهما، صلَحَ حالُ الأمَّةِ وقَوِيَت شَوْكَتُها، وإذا تنافَرَ حُمَاةُ الأمَّةِ: علماؤُها ومُجاهِدُوها، تمزَّقَت وتسلَّلَ عدوُّها مِن خلالِها.\nوحِفْظُ العِلْمِ فرضُ كفايةٍ، وفي تسميةِ طَلَبِهِ نَفِيرًا في قوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ دليلٌ على تشبيهِهِ بنفيرِ الجهاد، فالمتفرِّغُ للعِلْمِ وتحصيلِهِ وتبليغِهِ نافرٌ كنفيرِ المجاهِدِ في سبيلِ الله، والعالِمُ يُجاهِدُ بِقَلَمِهِ ولسانِه، والمجاهِدُ يجاهِدُ بسيفِهِ وسِنَانِه، وإذا قامَا بما أمَرَهما اللهُ حَقَّ قيامٍ، قامَتِ الأمَّةُ وانتصَرَتْ وسادَتْ، وبمقدارِ خَلَلِ النافرَيْنِ فيها: العالِمِ والمجاهِد، يكون ضعْفُ نصرِ اللهِ وكفايتِهِ لها، فإدا زَلَّ العالِمُ وحادَ لِسَانُه، وزَلَّ المجاهِدُ وحادَ سِنانُه، اضطَرَبَ أمرُ الأمةِ وتسلَّطَ عليها عدوُّها، وحَيْدَة قلمِ العالِمِ ولِسانِه: بكتمانِ الحِّق وتلبيسِهِ على الناسِ بالباطل، وحَيْدَةُ سِنَانِ المجاهِدِ: بحَرْفِهِ إلى المؤمنينَ، وسَفْكِهِ دَمَهم، وعدمِ التورُّعِ عن حُرُماتِهم.\nولا تتمكنُ الأمَّةُ وتُحمَى ثُغُورُها إلَّا بلِسَانٍ وسِنَانٍ؛ لِسانِ عِلْمٍ، وسِنَانِ سِدَادٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1144>التفاضُلُ بينَ مِدَادِ العالِمِ ودَمِ الشَّهِيدِ:</span>\nوقد اختَلَفَ العلماء مِن السلفِ والخلفِ في التفاضُلِ بينَ نفيرِ العالِمِ ونفيرِ المجاهِد، وبينَ مِدَادِ العالِمِ ودمِ الشهيد، وجاء في ذلك أحاديثُ مرفوعةٌ؛ مِن حديثِ أبي الدَّرْداء، وعبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، وابنِ عمرَ، وعُقْبةَ بنِ عامرٍ، وابنِ عبَّاسٍ، في تفضيل مِدادِ العالِمِ على دمِ الشهيد، لا يثبُتُ منها شيءٌ، والأظهَرُ: أنَّ لكلِّ مَقَامًا في الإسلامِ عظيمًا، ومَقامُ كلِّ واحدٍ بما يُؤدِّيهِ مِن أمرِ اللهِ عليه، فالعالِمُ لا يُفضَّلُ على الشَّهيدِ لمجرَّدِ عِلْمِه، حتى يقومَ به، والمجاهِدُ لا يُفضَّلُ على العالِمِ","vol":"3","page":1582},{"text":"لمجرَّدِ قيامِهِ وحميَّتِه، حتى ليَسُدَّ ثَغْرًا وَيحْمِيَ حُرْمةً، والأحاديثُ في فضلِ دمِ الشهيدِ أكثَرُ وأظهَرُ، ولكنْ مَن نظَرَ إلى حالِ الأنبياءِ وجَدَ أنَّهم جميعًا علماءُ، وليس كلُّهم شهداءَ، والعالِمُ إذا قامَ بأمرِ الله، كان أثرُهُ عظيمًا في يومِهِ ومَن يخلُفُهُ مِن بعدِه، والشَّهيدُ عظيم أثرُهُ على نفسِهِ وأهلِ زمنِه، ومِدَادُ العالِمِ أبْقَى في الناسِ؛ كمِدَادِ السلفِ الذين نصَرُوا الدِّينَ وأَحْيَوُا السُّنَّةَ؛ كمالكٍ وأحمدَ والشافعيِّ والبخاريِّ ومسلمٍ، ومِدادُهم اليومَ شاهدٌ على عَظَمتِهِ وفضلِهِ وبقائِهِ في الأمَّة، والمجاهِدُ أحوَجُ إلى العِلْمِ مِن العالِمِ إلى الجهاد، والعالِمُ بلا جهادٍ: يَنفَعُ، والمجاهِدُ بلا عِلمٍ: يضُرُّ.\nومِدَادُ العالِمِ منشورٌ يُقرَأُ في الدُّنيا، ودمُ الشهيدِ مَطْوِيٌّ يُنشَرُ في الآخِرة، وأصْدَقُهُمْ في الدُّنيا أكثرُهُمْ توفيقًا في الآخِرةِ.\nوالعِلْمُ في ذاتِهِ أفضَلُ مِن الجهادِ في ذاتِه، وقد يفضُلُ المجاهِدُ العالِمَ لمَقامِهِ وصِدْقِه، وبمقدارِ ما حَفِظَ وسَدَّ ووُكِلَ إليه مِن ثَغْرٍ ورِباطٍ، والعالِمُ والمجاهِدُ إنْ قصَّرَ كلُّ واحدٍ منهما في أداءِ أمانتِهِ وجعَلَ قَصْدَهُ غبرَ الله، جمَعَهما اللهُ جميعًا في النار، وكان دخولُهما واحدًا، لعِظَمِ مَقَامِهما في الدُّنيا، ويعِظَمِ المَقَامِ يكونُ عِظَمُ الخيانةِ؛ ففي مسلمٍ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ أنَّ النبيِّ - ﷺ - قال: \"إنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدتُّ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِه، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّار، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثم أُمِرَ بِه، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ في النَّار، وَرَجُلٌ","vol":"3","page":1583},{"text":"وَسَّعَ اللهُ عَلَيهِ وَأعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ كلِّه، فَأُتى بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحبُّ أنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أنْفَقتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِه، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ في النَّارِ) (١).\n* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣].\nفي هذه الآيةِ: دليلٌ على ترتيب الأعداءِ في القتال، وأنَّ الأحَقَّ بالقتالِ الأَدْنى منهم؛ لأنَّ الأصلَ أنَّ الأَدْنى أقرَب إلى إلحاقِ الضرَرِ بالمُسلِمينَ أكثَرَ مِن الأبعَد، ولأنَّ الكفرَ الأدْنى أولى بالرفْعِ والإصلاح مِن الكفرِ الأَبعَد، وقد يكون الكفرُ الأقرَبُ في ضَعْفْ فيُوادَعُ، ويُقاتَلُ الكفرُ الأَبعَدُ فإنَّ النبيَّ - ﷺ - لم يُجْلِ ويتختَلَّصْ مِن جميعِ اليهودِ قبلَ قتالِهِ قريشًا بمَكَّةَ وغيرَهُمْ مِن مُشركي جزبرةِ العرب، فقد صالَحَ يهودَ خَيْبَرَ على خَرَاجِ أرضِهم، وقاتَلَ الأَبْعَدِينَ بعدَ ذلك، فبَقِيَت يهودُ خَيبَرَ في الحجازِ وقد دانَتْ كثيرٌ مِن العربِ للنبيِّ - ﷺ - حتى أَجْلَاهُم عمرُ؛ لأنَّ شَوْكَةَ الأبعَدِ أَقْوى، وخَطَرَهُمْ على الإسلامِ أعظَمُ.\nوقد تقدَّمَ الكلامُ على مَراتبِ الأعداءِ في القتال، والتدرُّجِ في ذلك، والنظرِ إلى الأسبابِ الشرعيَّةِ والكونيَّة، والفرقِ بينَ عقيدةِ الوَلَاءِ والبَراءِ وسياسةِ الاستعداء، عندَ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوأَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧].\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٩٠٥).","vol":"3","page":1584},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1145>سُوْرَةُ يُونُس</span>\nسُمِّيَتْ بيُونُسَ لذِكْرِ يُونُسَ وقومِهِ وقريتِهِمْ فيها؛ وإلَّا فقد ذكَرَ اللهُ نبيَّه يونُسَ في سُوَرٍ عِدَّةٍ: باسمِهِ في النِّسَاءِ والأنعام، وفي سورةِ الأنبياءِ وصَفَهُ بذي النُّون، وبوصفِه بصاحِبِ الحُوتِ في الصَّافَّاتِ والقَلَم، وذكَرَ فيهما قِصَّتَهُ.\nوكانتْ هذه السورة لبيانِ عَظَمَةِ آياتِ اللهِ بنوعَيْها: آياتِهِ المُنزَّلة، وهي قرآنُهُ، وآياتِهِ التي هي مخلوقاتُهُ، وهي الأفلاكُ مِن النجومِ والكواكبِ كالشمسِ والقمر، ومخلوقاتُهُ الأُخرى، كالبَرِّ والبحر، والسَّحابِ والنَّباتِ.\nوفي هذا: بيانُ عِظَمِ التلازُمِ دينَ الآياتِ القرآنيَّةِ والآيات الكونيَّةِ في الحُجَج وبيانِ الحقِّ والردِّ على المُبطِلينَ، ومَن ملَكَ البصيرةَ بهما، قامتْ حُجَّتُهُ.\nوقد كان الصحابةُ يُسمُّونَ سورةَ يُونُسَ السابِعةَ؛ كما صحَّ عندَ ابنِ أبي شَيْبَةَ في \"مصنَّفِه\"، وابنِ حِبَّانَ في \"صحيحِهِ\"، عن أبي سعيدٍ مَوْلَى أبي أسِيدٍ الأنصاريِّ؛ قال: \"سَمِعَ عُثْمَانُ أنَّ وَفدَ أهْلِ مِصْرَ قَدْ أقْبَلُوا، فَاسْتَقْبَلَهُمْ، فَكَانَ فِي قَرْيَةِ خَارِجًا مِنَ المَدِينَة، أَو كَمَا قَالَ، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعُوا بِه، أَقْبَلُوا نَحْوَهُ إِلَى المَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيه، قَالَ: أَرَاة قَالَ: وَكَرِهَ أَنْ يَقدَمُوا عَلَيْهِ المَدِينَةَ، أَو نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ، فَأَتَوْهُ، فَقَالُوا: ادْعُ بِالمُصْحَف، فَدَعَا بِالمُصْحَف، فَقَالُوا: افْتَحِ السَّابِعَةَ، وَكَانُوا يُسَمُّونَ","vol":"3","page":1585},{"text":"سُورَةَ يُونُسَ السَّابِعَةَ، فَقَرَأَهَا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، قَالُوا: أَرَأَيْتَ مَا حَمَيْتَ مِنَ الْحِمَى، آللهُ أَذِنَ لَكَ بِهِ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرِي؟ فَقَالَ: أَمْضِه، أُنْزِلَت فِي كَذَا وَكَذَا، وَأَمَّا الْحِمَى، فَإنَّ عُمَرَ حَمَى الْحِمَى قَبْلِي لإِبِلِ الصَّدَقَة، فَلَمَّا وُلِّيتُ زَادَت إبلُ الصَّدَقَةِ؛ فَزِدتُّ فِي الْحِمَى لِمَا زَادَ مِنْ إبلِ الصَّدَقَةِ\" (١).\nوكان بعضُ السلفِ يجعلُ سورةَ يُونُسَ مِن السُّوَرِ السَّبْعِ الطِّوَال، كما صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ؛ كما روى سعيدُ بن جُبَيْرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال\" في قولِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧]، قال: هي الطُّوَلُ: البقرةُ، وآلُ عِمرانَ، والنِّساءُ والمائدةُ، والأنعامُ، والأعرافُ، ويُونُسُ.\nرواهُ ابنُ الضُّرَيْسِ في \"فضائلِ القرآنِ\" (٢)، وصحَّ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ؛ رواهُ ابنُ جريرٍ وغيرُهُ (٣).\n* قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥].\nتقدَّمَ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] الكلامُ على الحِكْمةِ مِن الحسابِ بالأهِلَّة، وفي قولِهِ\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٧٦٩٠)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٦٩١٩).\n(٢) \"فضائل القرآن\" لابن الضريس (١٨١).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١٤/ ١٠٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٢٢٧٢).","vol":"3","page":1586},{"text":"تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] الكلامُ على الوسعةِ في استقبالِ القِبلةِ بِدَلَالةِ الشمسِ لا بضَبْطِ النجوم، وتقدَّمَ الكلامُ على مَنافِع الحسابِ وحدودِ الانتفاعِ منه عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: ٩٦].\n* قال تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].\nتقدَّم الكلامُ على أحكام التحيَّةِ مفصَّلًا عندَ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَو رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]، وتقدَّمَ الكلامُ على شيءٍ من أحكامِ البَداءةِ بالتحيَّةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤].\nوتقدَّمَ الكلامُ على التحيَّةِ بالإشارةِ استطرادًا عندَ قولِهِ تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١]، وتقدَّمَ الكلامُ على تحيَّةِ المصلِّي والسلام عليه عند قولِهِ تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩].\nوفي قولِه تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ استحبابُ حَمْدِ اللهِ بعدَ انتِهاءِ المَجالِس، وهذا وإنْ كان خَبَرًا عن أهلِ الجَنَّة، فإنَّه مِن أفعالِ الاختيارِ فيهم، وأفعالُ أهلِ الجَنَّةِ: إمَّا اختيارٌ،","vol":"3","page":1587},{"text":"وإمَّا جِبِلَّةٌ لا اختيارَ لهم فيها، ومِن الجِبِلَّةِ تسبيحُهُمْ وحمدُهُمُ اللهَ؛ كما يُلهَمُونَ النَّفَسَ؛ كما في مسلمٍ؛ مِن حديثِ جابرٍ؛ قال - ﷺ -: (يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالْحَمْدَ؛ كمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ) (١)، ولا يُقالُ بمشروعيَّةِ التسبيحِ والحمدِ مع كلِّ نفَسٍ يدخُلُ ويخرُجُ.\nوأمَّا ما كان على سببلِ الاختِيارِ فاختارُوهُ، وحَمِدَهُم اللهُ عليه، فيُستحَبُّ فِعْلُهُ في الدُّنيا؛ لأنَّ نعيمَ المؤمنِ في الآخِرةِ مِن جنسِ نَعِيمِهِ في الدنيا، وإنْ لم يكن نعيمُ الدنيا مِثلَهُ ولا يُقارِبُهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1146>كفَّارةُ المَجْلِسِ:</span>\nوقد جاء عن النبيِّ - ﷺ - دعاءٌ وذِكْرٌ عندَ خِتامِ المَجْلِس، وأصَحُّ شيءٍ في هذا البابِ: ما رواهُ أحمدُ وأهلُ \"السنن\"، عن أبي هريرةَ - ﵁ -؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ، فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَن يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ) (٢).\nوقد أعَلَّ أحمدُ (٣)، والبخاريُّ (٤)، وأبو حاتمٍ وأبو زُرْعةَ (٥): بعضَ طُرُقِه، وهي روايةُ ابنِ جُرَيجٍ، عن موسى بنِ عُقْبةَ، عن سُهَيْلٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، وله وجوهٌ عن أبي هريرةَ، وربَّما أعَلَّ الحُفَّاظُ طريقًا ويُريدونَ أصلَ الحديث، وربَّما قصَدوا الطريقَ عَنهُ، ويُعرَفُ ذلك بسياقِ الكلام، وشرطِ كلِّ واحدٍ في الكتابِ الذي قالهُ فيه.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٨٣٥).\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٤٩٤)، وأبو داود (٤٨٥٨)، والترمذي (٣٤٣٣) والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١٠١٥٧).\n(٣) \"علل الدارقطني\" (٨/ ٢٠٣).\n(٤) \"التاريخ الكبير\" (٤/ ١٠٥).\n(٥) \"علل الحديث\" لابن أبي حاتم (٥/ ٤٠٧).","vol":"3","page":1588},{"text":"ورُوِيَ الحديثُ مرفوعًا مِن حديثِ أبي بَرْزَةَ (١)، وعائشةَ (٢)، وعبدِ اللهِ بنِ عمرٍو (٣)، والسائبِ بنِ يزيدَ (٤)، وبلاغًا عن إسماعِيلَ بنِ عبد اللهِ بنِ جعفرٍ (٥)، وجاءَ مرسلًا مِن وجوهٍ، وهو عندَ ابنِ أبي شيبةَ موقوفًا على ابنِ عمرَ؛ رواهُ عنه مجاهدٌ (٦)، وعملُ بعضِ الصحابةِ به يُقَوِّيهِ.\nوظاهرُ حديثِ كفَّارةِ المَجْلِسِ: أنه له يكونُ في المَجالِسِ التي يكثُرُ فيها اللَّغَطُ، لا مَجالِسِ الذِّكْرِ والخيرِ والطاعةِ؛ كقراءةِ القرآنِ والتعليمِ؛ ولهذا لم يثبُتْ أنَّ النبيَّ - ﷺ - يقولُهُ؛ لأنَّ مَجالِسَهُ ليستْ كذلك، وقد كان كثيرَ المَجالِسِ مع أزواجِهِ وولدِهِ وأصحابِهِ في الدِّينِ والدُّنيا، ولو كان يقولُهُ في كلِّ مَجلسٍ، لَنُقِلَ ذلك واستفاضَ واشتَهَر.\nولا تُشرَعُ كفَّارةُ المَجْلِسِ لِمَنْ كان جالسًا وحدَهُ، أو كان مع جماعةٍ يَنتظرونَ أو يَتحدَّثونَ ولا لَغَطَ في مَجلسِهم، فضلًا عن مَجالِسِ الذِّكرِ والصلاةِ وغيرِها.\nوأمَّا حديثُ عائشةَ عندَ النَّسَائيِّ؛ أنَّها قالتْ: مَا جَلَسَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَجْلِسًا قَطُّ، وَلَا تَلَا قُرْآنًا، وَلَا صَلَّى صَلَاةً، إلَّا خَتَمَ دَلِكَ بِكَلِمَاتٍ، قَالَت: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أرَاكَ مَا تَجْلِسُ مَجلِسًا، وَلَا تَتْلُو قُرْآنًا، وَلَا تصَلِّي صَلَاةً، إِلَّا خَتَمْتَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ؟ قَالَ: (نَعَمْ، مَنْ قَالَ خَيْرًا، خُتِمَ لَهُ طَابَعٌ عَلَى ذَلِكَ الْخَيْر، وَمَنْ قَالَ شَرًّا، كُنَّ لَهُ كَفَّارَةً: سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ) (٧).\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٤/ ٤٢٠)، وأبو داود (٤٨٥٩).\n(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٧٧)، والنسائي (١٣٤٤).\n(٣) أخرجه أبو داود (٤٨٥٧).\n(٤) أخرجه أحمد (٣/ ٤٥٠).\n(٥) أخرجه أحمد (٣/ ٤٥٠).\n(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٩٣٢٦).\n(٧) أخرجه النسائي في \"السنن الكبرى\" (١٠٠٦٧).","vol":"3","page":1589},{"text":"فقد رواهُ النَّسَائيُّ مِن حديثِ خالدِ بنِ أبي عِمْرانَ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ، ورواهُ مِن حديثِ مسلمِ وداودَ بنِ قيسٍ، عن نافعِ بنِ جُبَيْرٍ، عن أبيهِ؛ له (١)، وفي النَّفْسِ منه شيءٌ، ومِثْلُ هذا لو كان مه في كلِّ مَجلِس، لَنُقِلَ بأصحِّ الأسانيدِ؛ فقولُهُ: (مَا جَلَسَ مَجْلِسًا قَطُّ، وَلَا تَلَا قُرْآنًا، وَلَا صَلَّى صَلَاةً، إِلَّا خَتَمَ ذَلِكَ بِكَلِمَاتٍ) هذا تعميمٌ مُنكَّرٌ، ولا يستقيمُ هذا التعميمُ في التشريعِ إلَّا لِما صحَّ سندُهُ بأَقْوَى مِن هذا واستفاضَ واشتهَرَ مِن طُرُقٍ كثيرةٍ، وقد نُقِلَ عن النبيِّ مِن أذكارِ الصلاةِ وفي مجلسِهِ أدكارٌ لا يُداوِمُ عليها جاءت بأسانيدَ أقوى وطُرُقِ أشهَرَ مِن ذلك؛ فكيف بذِكْرٍ يقولُهُ ويَلزَمُهُ بكلِّ حالٍ؟ !\nوفي التِّرْمِذيِّ؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ؛ قال: \"قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُومُ مِن مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ: اللَّهُمَّ، اقْسِمْ لنَا مِنْ خشْيَتِكَ. . .\" الحديثَ (٢)، ولا يصحُّ.\nواستحَبَّ بعضُ الفقهاءِ قراءةَ الفاتحةِ عدَ خَتْمِ المَجلِس، وليس له أصلٌ؛ لا في مرفوعٍ صحيحٍ ولا موقوفٍ؛ وإنَّما الواردُ في ذلك ختمُها بقراءةِ سور العَصْرِ؛ كما رواهُ أبو داودَ في \"الزُّهدِ\"، والطبرانيُّ، والبيهقيُّ؛ مِن حديثِ حمَّادِ بنِ سلَمةَ، عن ثابتٍ، عن أبي مدينةَ الدارميّ، قال: \"كَانَ الرَّجُلَانِ مِنْ أَصْحَاب مُحَمَّدٍ - ﷺ - إِذَا الْتَقَيَا، ثُمَّ أَرَادَا أنْ يَفتَرِقَا، قَرَأَ أَحَدُهُمَا: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١ - ٢] حَتَّى بَخْتِمَهَا، ثُمَّ يُسَلِّمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ\" (٣).\nولا يُعرَفُ إلَّا مِن حديثِ حمَّادٍ عن ثابتٍ، ولا يَظهَرُ أنه عمَلُ\n_________\n(١) أخرجه النسائي في \"السنن الكبرى\" (١٠١٨٥).\n(٢) أخرجه الترمذي (٣٥٠٢).\n(٣) أخرجه أبو داود في \"الزهد\" (٤٠٢)، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٥١٢٤)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٨٦٣٩).","vol":"3","page":1590},{"text":"عامَّتِهم، ولا داوَمَ كبارُهُمْ عليه، فمِثْلُهُ يَشتهِرُ، ولعلَّهُ يقَعُ منهم تَوَاصِيًا بالحقِّ وتذكيرًا بحقِّ اللهِ بينَهما، لا دعاءً يَختَصُّ بالافتراقِ وختْمِ المَجالِس، ومِثْلُ هذا لو كان سُنَّةً، لَاستفاضَ بها العملُ، وتعدَّدتْ بها الطُّرُقُ؛ لكثرةِ الصحابة، وكثرةِ لقاءِ بعضِهم ببعضٍ، ولقاءِ الناسِ بهم مِن التابعِين.\nومِثْلُ هذا لا يَظهَرُ أنَّ النبيِّ - ﷺ - يَفْعَلُهُ، ولو فعَلَهُ، فالمقطوعُ به أنه لا يُدِيمُهُ؛ لأنَّ مِثلَهُ يُنقَلُ.\n* قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1147>حُكْمُ رُكُوبِ البحرِ والغَزْوِ فيه:</span>\nذكَرَ اللهُ تسييرَهُ لعبادِه في البَرِّ والبحرِ ممتنًّا بذلك عليهم، مذكِّرًا بنعمتِهِ ووجوبِ شُكْرِهِ وحقِّه بالعبادة، وذِكْرُ اللهِ للبحرِ وقَرْنُهُ السيرَ فيه بالبَرِّ: دليلٌ على أنَّ ركوبَ البحرِ كركوبِ البَرِّ مِن جهةِ إباحتِهِ وحِلِّه؛ وهذا له نظائرُ في القرآنِ؛ كقولِهِ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٠]، وكقَرْنِهِ الاهتداءَ بالنجومِ لسائرِ البحرِ كسائرِ البَر في قولِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]، وقال: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [النمل: ٦٣]، وجعَلَ رُكوبَهُ وتسخيرَهُ كرامةً للإنسانِ؛ كما في قولِهِ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء: ٧٠]، وجعَلَههُ","vol":"3","page":1591},{"text":"مَحَلًّا لطلبِ المَنافِعِ كالبَرِّ في قولِهِ: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤]، وقال: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الإسراء: ٦٦]، وجعَلَ الابتغاءَ مِن فضلِهِ في البحرِ في هذه الآيةِ: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ كالابتغاءِ مِن فضلِهِ في البَرِّ لمَّا دكَرَ اللهُ الانصرافَ مِن صلاةِ الجُمُعةِ: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وحَثَّ على ركوبِ البحرِ لرؤيةِ آياتِه؛ كما قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾ [لقمان: ٣١].\nوذكَرَ اللهُ مَخاطِرَ البحرِ في مَواضِعَ، ولم يَنْهَ عن ركوبِه في سياقِ واحدةٍ منها؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأنعام: ٦٣]، وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧].\nوالنهيُ الواردُ عن ركوبِ البحرِ لا يَثبُتُ عن النبيِّ - ﷺ - منه شيءٌ، فمِن ذلك ما رواهُ أبو داودَ؛ مِن حديثِ عبد اللهِ بنِ عمرٍو، مرفوعًا: (لَا يَرْكَبُ الْبَحْرَ إلَّا حَاجٌّ، أوْ مُعْتَمِرٌ، أَو غَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا، وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا) (١).\nوبنحوِه أخرَجَهُ الحارثُ عن أبي بَكْرَةَ (٢)، والبزَّار عن ابنِ عمرَ (٣)؛ ولا يصحُّ في هذا البابِ شيءٌ.\nوركوبُ البحرِ كركوبِ البَرِّ في حالِ استقامةِ الحالِ وعدمِ المَخاطِر، وعندَ المَخاطِرِ والمَخاوِفِ فيُكرَهُ ركوبُهُ، وقد يحرُمُ إنْ غلَبَ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢٤٨٩).\n(٢) أخرجه الحارث في \"مسنده\" (٣٥٩).\n(٣) أخرجه البزار في \"مسنده\" (البحر الزخار) (٥٨٩٧).","vol":"3","page":1592},{"text":"على الظنَّ الهلاكُ، وقد حكى ابنُ عبد البَرَّ الاتَّفاقَ على أنه يحرُمُ ركوبُهُ عندَ ارتجاجِه (١)، ويُروَى في \"المُسنَدِ\"؛ مِن حديثِ أبي عِمْرانَ الجَوْنِيَّ؛ قال: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، وَغَزَوْنَا نَحْوَ فَارِسَ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (مَنْ بَاتَ فَوْقَ بَيْتٍ لَيْسَت لَهُ إِجَّارٌ فَوَتَعَ فَمَاتَ، فَبَرِئَتْ مِنْهُ الذَّمَّةُ، وَمَنْ رَكِبَ الْبَحْرَ عِنْدَ ارْتِجَاجِهِ فَمَاتَ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذَّمَّةُ) (٢).\nأخرَجَهُ أحمدُ؛ مِن حديثِ محمدِ بنِ ثابتٍ، عن أبي عِمْرانَ، به؛ وابنُ ثابتٍ ضعيفٌ.\nولأنَّ البحرَ أخطَرُ مِن البَرَّ، وحِيلةَ الإنسانِ فيه ضيِّقةٌ، بخلافِ حيلتِهِ في البَرَّ؛ كان الغزوُ فيه أعظَمَ؛ لأنَّ الشَّدَّةَ والمشقَّةَ فيه أكبَرُ، فغزوُ البحرِ أفضَلُ مِن غزوِ البَرّ، وقد جاءتْ أحاديثُ كثيرةٌ في فضلِ غزوِ البحرِ وشهيدِهِ مِن حديثِ أبي أُمَامَةَ وأُمِّ حَرَامٍ وعائشةَ وابنِ عبَّاسٍ وعِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ وأبي الدَّرْداء، وهي متكلَّمٌ فيها.\nوقد جاء تفضيلُ غزوةٍ في البحرِ على عَشْرِ غزَواتٍ في البَرِّ؛ رواهُ الطبرانيُّ، وغيرُهُ؛ مِن حديثِ عبد اللهِ بنِ عمرٍو (٣)، وابنُ ماجَهُ؛ مِن حديثِ أبي الدَّرداءِ (٤)؛ ولا يصحُّ.\nوقد جاء فضلُ الميِّتِ بالغرَق، وأنَّه شهيدٌ، ولو لم يكنْ في غزوِ البحرِ وشهيدِهِ إلَّا ما يجدُهُ مِن شِدَّةٍ وخوفٍ قبلَ نَزْعِ رُوحِه، لكانِ كافيًا، قميَّتُ الغرَقِ والحَرَقِ والهَدَمِ يُدرِكُهُ مِن بُطْءِ الموتِ ومُعالجتِهِ والهَلَعِ منه: ما لا يجدُهُ غيرُهُ، فهو يَزيدُ على ألمِ الاخضارِ ألمًا فوقَهُ.\n_________\n(١) \"الاستذكار\" (١٤/ ٢٨٧).\n(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٧٩).\n(٣) أخرجه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٣١٤٤)، وابن أبي عاصم في \"الجهاد\" (٢٨٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ١٤٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٣٤).\n(٤) أخرجه ابن ماجه (٢٧٧٧).","vol":"3","page":1593},{"text":"وأَمْثَلُ ما جاء في فضلِ غزوِ البحرِ وهو صحيحٌ: ما رواهُ الشيخانِ؛ مِن حديثِ أنسِ بنِ مالكٍ - ﵁ -؛ أنه قال: \"كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدْخُلُ عَلَى أُمَّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ - وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَأَطْعَمَتُهُ وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ الله، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ - أَو: مِثْلَ المُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ -)، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ) - كَمَا قَالَ فِي الأَوَّلِ - قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: (أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ)، فَرَكِبَتِ البَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيَانَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ البَحْر، فَهَلَكَتْ\" (١).\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)﴾ [يونس: ٨٧].\nفي هذا: إشارةٌ إلى أنَّ الإمامَ يَلِي أَمْرَ مَساكِنِ الناسِ؛ وذلك لأنَّه يَملِكُ مِن السُّلْطانِ والمالِ والقُدْرةِ واختيارِ النافعِ مِن المكانِ: ما لا يَملِكُهُ العامَّةُ، وأنَّه يَعرِفُ مِن المَصالِحِ والمَنافعِ لهم والمَخاطِرِ عليهم: ما لا يَعرِفونَهُ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٧٨٨) ومسلم (١٩١٢).","vol":"3","page":1594},{"text":"في قوله تعالى: ﴿تَبَوَّآ﴾ المرادُ بالتبوُّءِ: هو اتَّخاذُ موضعٍ يُسكَنُ فيه، والتبوُّءُ: تفعُّلٌ مِن البَوْءِ؛ يعني: الرجوعَ، ومعنى ذلك أنَّ صاحبَ الدارِ يَرجِعُ إلى موضِعِهِ كلَّما خرَجَ منه، وهو سَكَنُهُ، فقولُه، ﴿تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا﴾؛ يعني: اجعَلَا قومَكما مُتَبَوِّئِينَ ببوتًا لهم.\nوعلى السُّلْطانِ اختيارُ المُدُن، ووضعُ خِطَطِها ومنافعِهِمُ العامَّةِ منها، ووضعُ نظامٍ يَضبِطُهُمْ، كما وضَعَ النبيُّ - ﷺ - أحكامًا لحقَّ الجار، وغَرْزِ الخشبةِ في الجدار، وحَرِيمِ البئر، وأحكامًا للطُّرُقاتِ وحقوقِها.\nوقولُه تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ القِبْلةُ هي الجِهةُ التي تُستقبَلُ، وقد اختُلِفَ في المرادِ بذلك لي هذه الآيةِ على أقوالٍ للسلفِ:\nمنها: استقبالُ الكعبةِ بالبيوتِ؛ وهذا مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهِدٍ وقتادةَ (١)؛ وفي هذا أن الكعبةَ قِبْلةٌ لمُوسى ومَن معه.\nومنها: أنَّ المرادَ هو أداءُ الصلاةِ في البيوت، فلا تُترَكُ بلا صلاةٍ فتكونَ كالمَقابِرِ؛ وهذا مرويٌّ عن الضحَّاكِ والنخَعيَّ وابنِ زيدٍ (٢).\nومنها: أنَّ المرادَ هو جعلُ البيوثِ مُتقابِلةً؛ فيَستقبِلُ الناسُ بعضُهم بعضًا في أبوابِهم؛ وهذا القولُ روايةٌ عن ابنِ عبَّاسٍ (٣)، وقولُ سعيدِ بنِ جُبيرٍ (٤).\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٢/ ٢٥٧ - ٢٥٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٩٧٧).\n(٢) \"تفسير ابن كثير\" (٤/ ٢٨٩).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٩٧٧).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (١٢/ ٢٦٠).","vol":"3","page":1595},{"text":"قال تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1148>فضلُ التأمينِ وإدراكِ تكبيرةِ الإحرامِ:</span>\nفي هذه الآيةِ: أنَّ التأمينَ على الدُّعَاءِ في حُكمِ التلفُّظِ بالدعاءِ؛ وذلك أنَّ موسى كان يَدْعُو اللهَ وهارونُ يؤمَّنُ عليه؛ فقال اللهُ: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ وعِكْرِمةُ وأبو العاليةِ (١)، وهذا مُقتضى التأمينِ ولازِمُه، ولم يَرِدْ في الآيةِ؛ لأنَّ اللهَ لم يَجعَلِ الإمامَ يَدْعُو والناسَ يُؤمِّنونَ والمرادُ بذلك حظُّ الداعِي بنفسِه، بل إنَّ الدعاءَ والأجرَ لهم جميعًا، ولكنَّه بحسَبِ حضورِ قلبِ كلَّ واحدٍ وتحقُّقِ مُوجِباتِ الإجابةِ فيه.\nوالمؤمَّنُ يُدرِكُ مِن الفضلِ ما أدرَكَهُ الإمامُ في قراءتِهِ الفاتحةَ، وهذا مُقتضى مشروعيَّةِ قولِهِ: \"آمِينَ\"، ويُروَى أنَّ بلالًا كان يقولُ للنبيّ - ﷺ -: \"لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ\" (٢)؛ وذلك لأنَّه يُؤذَّنُ ويُقِيمُ على سطحِ المسجد، ومِن هنا قال بعضُ السلفِ والفقهاءِ: إنَّ تكبيرةَ الأحرامِ تُدرَكُ بآمِينَ؛ وبهذا قال وكيعٌ (٣)، ويُروَى عن أبي الدَّرْداءِ أنه سمِع إقامةَ الصلاة، فقال: \"أَسرِعوا بنا نُدرِكْ آمِينَ\" (٤).\nوجمهورُ العلماءِ: على أنَّ تكبيرةَ الإحرامِ تُدرَكُ بنفِسها، وهو قولُ أحمدَ، وأنكَرَ الإدراكَ ب (آمِين)، وحديثُ بلالٍ فيه عِلَّة؛ فقد رواهُ أحمدُ وأبو داودَ، عن أبي عثمانَ، عن بلالٍ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٢/ ٢٧١ - ٢٧٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٩٨٠).\n(٢) أخرجه أحمد (٦/ ١٢)، وأبو داود (٩٣٧).\n(٣) \"طبقات المحدَّثين\" للأصبهاني (٣/ ٢١٩).\n(٤) أخرجه حرب بن إسماعيل في \"مسائله\" (ص ٤٢١).","vol":"3","page":1596},{"text":"وأبو عثمانَ النَّهُديُّ لم يَسمَعْ مِن بلالٍ شيئًا، وإنْ كان أدرَكَهُ؛ فأبو عثمانَ تابعيٌّ مُخضرَمٌ.\nأعلَّهُ بالإرسالِ غيرُ واحدٍ؛ كأبي حاتمٍ (١)، وابنِ رجبٍ (٢).\nوقد رواهُ هشامُ بن لاحقٍ، عن عاصمٍ، عن أبي عثمانَ، عن سَلْمانَ، عن بلالٍ؛ وجعَلَهُ موصولًا (٣).\nولا يصحُّ.\nوهشامٌ، ترَكَهُ الإمامُ أحمدُ (٤).\nوقال البخاريُّ: مُضطرِبُ الحديثِ عندَهُ مناكيرُ (٥).\nوقال ابنْ حِبَّانَ: مُنكَرُ الحديثِ (٦).\nوإقامةُ المؤذِّنِ فوقَ سطحِ المسجدِ ظاهرةٌ؛ لحديثِ: (إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ، فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَار، وَلَا تُسْرِعُوا؛ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا) (٧)، ولا يُؤمَرُ بالسَّكِينةِ ويُنهَى عن السُّرْعةِ إلَّا البعيدُ، ولا يَسمَعُ البعيدُ مَن داخِلَ المسجدِ.\nوإدراكُ تكبيرةِ الإحرامِ بإدراكِها بنفسِها أقرَب؛ لأنَّ الإدراكَ ب (آمِينَ) لا يَنضبِطُ في الصلواتِ السَّرَّيَّة، ثم يُشكِلُ عليه مَن يؤمَّنُ مع الإمامِ ولم يدخُلْ في الصلاةِ؛ كمَنْ كان قادمًا إليها، فلا يُعتبرُ دحولُهُ إدراكًا حتى يُكبِّرَ، فهو يُدرِكُ بتكبيرتِه، لا بمجرَّدِ تأمينِه.\n_________\n(١) \"علل الحديث\" لابن أبي حاتم (٢/ ٣٠٦).\n(٢) \"فتح الباري\" لابن رجب (٤/ ٤٩٠).\n(٣) \"فتح الباري\" لابن رجب (٤/ ٤٩٠).\n(٤) \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٣٠٦).\n(٥) \"الضعفاء الكبير\" للعقيلي (٤/ ٣٣٧)، و\"الكامل\" لابن عدي (٧/ ١١٠).\n(٦) \"المجروجين\" (٣/ ٩٠).\n(٧) أخرجه البخاري (٦٣٦)، ومسلم (٦٠٢).","vol":"3","page":1597},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1149>دعاءُ الإمامِ لِنَفْسِهِ وللناسِ في صلاِتِهِ:</span>\nوإذا دعا الإمامُ في صلاتِهِ جهرًا كالقُنُوت، فلْيَجعَلِ المأمومينَ شُرَكاءَ معه فيه؛ حتى يُؤمِّنوا على دُعَائِه، ويُروى عندَ أبي داودَ والتَّرْمِذيَّ؛ مِن حديثِ ثَوْبانَ - ﵁ -؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (لَا يَؤُمُّ رَجُلٌ قَوْمًا فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمُ) (١)؛ وفيه كلامٌ.\nولم يثبُتْ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قنَتَ في أصحابِه، فخَصَّ نفسَهُ بدُعَاءٍ، ولا فعَلَ ذلك خلفاؤُهُ.\nوإذا أَسَرَّ بينَهُ وبينَ نفسِه في سجودِهِ واستفتاحِه، فخَصَّ نفسَهُ، فلا حرَجَ؛ ققد كان النبيُّ - ﷺ - يدعو دعاءَ الاستفتاحِ في صلاتِهِ ويخُصُّ نفسَهُ؛ كما في حديثِ أبي هريرةَ في \"الصحيحَيْنِ\"، وفيه قال له: أَرَأيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَة، ما تَقُولُ؟ قَالَ: (أَقُولُ: اللَّهُمِّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدتَّ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ ...)؛ الحديثَ (٢).\nوكان يسَعيذُ لنفسِهِ بقولِهِ: (اللَّهُمَّ، إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمنْ عَذَابِ الْقَبْرِ؛ وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَات، وَمِنْ شَرَّ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ) (٣)، وكذلك دعاؤُهُ بينَ السَّجدتَيْنِ مِن حديثِ حُذَيْفةَ (٤) وابنِ عبَّاسٍ (٥).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٨٠)، وأبو داود (٩٠)، والترمذي (٣٥٧)، وابن ماجه (٩٢٣).\n(٢) أخرجه البخاري (٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨).\n(٣) أخرجه مسلم (٥٨٨).\n(٤) أخرجه أحمد (٥/ ٣٩٨)، وأبو داود (٨٧٤)، والنسائي (١١٤٥)، وابن ماجه (٨٩٧).\n(٥) أخرجه أحمد (١/ ٣١٥)، وأبو داود (٨٥٠)، والترمذي (٢٨٤)، وابن ماجه (٨٩٨).","vol":"3","page":1598},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1150>سورةُ هُودٍ</span>\nسورةُ هُودٍ سورةٌ مكيَّةٌ؛ كما قالهُ ابنُ عبَّاسٍ والحسَنُ وعِكْرِمةُ وقتادةُ وغيرُهم (١)، وفيها بيانُ فضلِ القرآنِ وإعجازِ اللهِ به، وقَصَصُ الأنبياءِ مع أمَمِهِمْ للاعتبارِ والتثبيتِ للنبيِّ - ﷺ - ولأُمَّتِه.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩)﴾ [هود: ٢٩].\nفي هذه الآيةِ: أنه ينبغي ألَّا يُؤخَدَ على دعوةِ الناسِ وإرشادِهم مالٌ؛ لأنَّ أَخْذَ المالِ يَجعَلُ يدَ المُعطِي العُلْيا، وتَنكسِرُ له النَّفْسُ الآخِذةُ، وتميلُ إليه وتُحِبُّهُ، والنَّفْسُ مجبولةٌ على حُبَّ مَن أحسَنَ إليها، وكلُّ مالٍ يَجعلُ صاحِبَهُ يقولُ الباطلَ أو يسكُتُ عن الحقِّ، فهو سُحْتٌ، وكلُّ آخِذٍ للمالِ أعلَمُ بنفسِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1151>عدمُ أَخْذِ الأنبياءِ المالَ على دَعْوَتِهم:</span>\nومع عظَمةِ منزلةِ الأنبياءِ وعِصْمتِهم إلَّا أنَّهم كانوا لا يأخُذونَ المالَ مِن أُمَمِهم؛ فقد قال نُوحٌ لقومِهِ: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" (١١/ ٦٢).","vol":"3","page":1599},{"text":"إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾، وقال مِثْلَ ذلك في الشُّعَراءِ ويُونُسَ، وقال هودٌ لقومِهِ: ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [هود: ٥١]، وقال مِثلَ ذلك في سورةِ الشُّعَراء، وقالهُ مِثلَه صالحٌ ولُوطُ لقومِهما فيها.\nوقد ذكَرَ اللهُ في كتابِهِ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ ونُوحًا وداودَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويوسُفَ ومُوسى وهارونَ وزكريَّا ويحيى وعيسى وإلياسَ وإسماعيلَ والْيَسَعَ ويونُسَ ولوطًا، ثُمَّ قال للنبيِّ - ﷺ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقال للنبيِّ - ﷺ -: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧)﴾ [الفرقان: ٥٧].\nوأمَرَ اللهُ نبيَّه بعدمِ سؤالِ الناسِ شيئًا؛ حتى لا يظُنُّوا له طمعًا فتَنصرِفَ قلوبُهُنم عنه ولو كان متجرِّدًا في نفسِه، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، وقال: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧].\nوالحِكْمةُ مِن عدمِ سؤالِ الأنبياءِ مالًا وأجرًا مِن قومِهم أمورٌ، أظهَرُها أمرانِ:\nالأولُ: أنَّ الناسَ تَزهَدُ فيمَن يأخُذُ مالًا على دَعْوتِه؛ لأنَّهم يشُكُّونَ في قَصْدِه، ويظُنُّونَهُ يطلُبُ دُنيا عاجلةً ورِفْعةً وعلوًّا وجاهًا، ويَعرِفونَ المتجرَّدَ مِن قِلَّةِ طَمَعِهِ فيهم، وسؤالِهِ الحاجاتِ منهم، وتشوُّفِهِ إلى ما في أيدِيهِم، وقد قال الرجلُ الذي جاء مِن أَقْصى المدينةِ: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾ [يس: ٢٠ - ٢١]؛ فاستدَلَّ على صِدْقِهم بعَدَمِ طَمَعِهم، ومَنِ اعتادَ أحدَّ الأجرِ على دَعْوتِهِ ونُصْحِه، واحتاجَ إلى هذا العطاءِ وتعلَّقَ به، تكلَّفَ في حديثِهِ وفِعْلِهِ حتى يُعطِيَهُ الناسُ، وأخَدَ يقولُ ما لا يُحِبُّهُ ويُؤمِنُ به ما دامَ الناسُ الذين","vol":"3","page":1600},{"text":"يُعطُونَهُ يُحبُّونَه، وقد بيَّنَ اللهُ ذلك في قولِهِ تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦].\nومع عِصْمةِ الأنبياءِ مِن التكلُّفِ والزَّلَل، إلَّا أنَّ اللهَ منَعَهمْ مِن أخذِ المالِ والأجرِ على الرَّسالةِ؛ حتى لا يظُنَّ الناسُ بهم سُوءًا، ويَتوهَّموا قولَهُمْ تكلُّفًا وهو حقٌّ.\nالثاني: أنَّ مَن سأَلَ الناسَ شيئًا على رِسالَتِه، استَثْقَلُوهُ، وضَعُفَ قَبُولُهم له، ونفَرُوا منه؛ لأنَّه يُحمَّلُهم ما لا يُحبُّونَ مِن العطاءِ ولو ظَنُّوهُ صادقًا؛ كما قال تعالى في سُورَتَيِ الطُّورِ والقَلَمِ: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠)﴾ [الطور: ٤٠، والقلم: ٤٦] يعني: أنَّ سبَبَ نُفورِهم مِنَ الحقِّ الذي معَكَ ليس لأجلِ أنَّك تطلُبُ منهم شيئًا فيَغرَمُوا؛ وإنَّما هو عِنَادٌ واستِكْبارٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1152>أخذُ المالِ على تبليغِ الدِّينِ:</span>\nوأخذُ المالِ على تعليمِ الناسِ الخيرَ، لم يكنْ محرَّمًا لذاتِ المالِ ولا لذاتِ العملِ؛ ولهذا قد يجوزُ في موضعٍ، ويُكرَهُ في موضعٍ ثانٍ، ويحرُمُ في موضعِ ثالثٍ، وذلك بحسَبِ أثرِ المالِ على الداعِي والمدعُوَّ، وذلك يَرجِعُ إلى الحالِ والزمانِ ومَقَامِ كلَّ واحدٍ مِن الآخَرِ وقصدِهِ بإعطاءِ المالِ.\nوإنَّما منَعَ اللهُ الأنبياءَ أنْ يأخُذُوا؛ لأنَّ أُمَمَهُمْ على خلافِ عقيدتِهم، ولن يُعْطُوهم المالَ حُبًّا لهم، ولكنْ لاعتقادِهم أنْ يكونَ ذلك صَرْفًا لهم أو صرفًا لأتباعِهم عن اتَّباعِ الحقِّ الذي معهم، فإنْ عجَزوا عن المتبرع، استمالُوا التابعَ، فكاد النبيُّ قدوةً لأتباعِه، وقد أَرسَلتْ مَلِكةُ سَبَأِ إلى سُلَيْمانَ هديّةً، وكان مَقصَدُها استمالتَهُ عن الحقِّ، فامتَنَعَ مِن أخذِها، والأصلُ أنَّ الملوكَ ورؤوسَ الأُمَمِ تأخُذُ بعضُها الهدايا مِن","vol":"3","page":1601},{"text":"بعضٍ؛ قال تعالى حاكيًا قولَها: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾ [النمل: ٣٥]، وكان قصدُها استمالتَهُ وصَرْفَهُ عن كُفْرِهم، وطلَبَ السلامةِ لها ولقومِها، وقد قال ابنُ زيدٍ: \"إنَّها قالتْ: إنَّ هذا الرجُلَ إنْ كان إنَّما هِمَّتُهُ الدُّنيا فسنُرْضِيه، وإن كان إنَّما يُرِيدُ الدَّينَ فلن يَقبَلَ غيرَهُ\" (١).\nوقد قال وهبُ بن مُنَبَّهٍ - وكان ممَّن يأخُذُ خبرَ أهلِ الكتابِ والأُمَمِ السابقةِ -: \"إنَّها قالتْ: إنَّه قد جاءَني كتابٌ لم يأتِني مِثلُهُ مِن مَلِكٍ مِن المُلُوكِ قبلَه، فإنْ يكُنِ الرجُلُ نبيًّا مُرسَلًا، فلا طاقةَ لا به ولا قُوَّةَ، وإنْ يكنِ الرجُلُ مَلِكًا يُكَاثِرُ، فليس بأعَزَّ منَّا ولا أَعَدَّ. فهيَّأَتْ هَدَايَا ممَّا يُهدَى للمُلوك، ممَّا يُفتَنُونَ به، فقالتْ: إنْ يكنْ ملِكًا فسيَقبَلُ الهديَّةَ ويَرغَبُ في المال، وإن يكنْ نبيًّا، فليس له في الدُّنيا حاجةٌ، وليس إيَّاها يُريدُ؛ وإنَّما يُريدُ أنْ ندخُلَ معه في دِينِهِ ونَتَّبِعَهُ على أمرِه\" (٢).\nوقد عرَفَ سُلَيْمانُ قَصْدَها مِن إرسالِها الهديَّةَ إليه؛ فامتنَعَ منها؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٦ - ٣٧].\nوالأزمنةُ تَختلِفُ، والأحوالُ تتبايَنُ، والعطاءُ الذي يأخُذُهُ الداعِي إلى الله، والحاملُ لرسالةِ الأنبياءِ: يُعرَفُ موضعُهُ مِن الشرعِ بمعرفةِ مُعطِيهِ وغايتِهِ منه؛ فإنَّ للمُعطِي رسالةً باطنةً غيرَ ظاهرةٍ تَكسِرُ القلوبَ وتُمِيلُها إلى أهواءِ المُعطِينَ ورغباتِهم، وأمَّا عطاءُ أهلِ الدَّيانةِ والأمانة، فلا يُحذَرُ منه إلَّا تشوُّفُ النَّفْسِ ولو كان المُعطِي نبيًّا، فقد أَعطى النبيُّ - ﷺ - عمرَ، فقال له عمرُ: أَعْطِهِ مَن هو أفقرُ إليه مني، فقال له: (خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ أَو","vol":"3","page":1602},{"text":"تَصَدَّق بِه، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ وَأنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ، فَخُدْهُ، وَمَا لَا، فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ)؛ رواهُ الشيخانِ؛ عن أبي عمرَ، عن أبيه (١).\nوقد كان النبيُّ - ﷺ - لا يأخُدُ أجرًا مِن قريشٍ، ولا يَسْأَلُهم إيَّاه، وقد كان يبذُلُ له أبو بكرِ الصِّدِّيق فيأحُدُهُ؛ لأنَّ يدَهُ ليستْ كيَدِ كفارِ قريشٍ، وغايتَهُ ليستْ كغايتِهم؛ فإنَّ يدَهُ مع يدِ النبيِّ - ﷺ - وغايةُ مع غايتِه، وقد كان يقولُ: (إنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أحَدٌ أمَنَّ عَلَيَّ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِيِ بكْرِ بْنِ أبِي قُحَافَةَ) (٢).\nوقد كان النبيُّ - ﷺ - بعدَما ظهَرَ أمرُهُ ونصرُهُ ودِينُهُ، وقَوِيَت شوْكَتُه، أخَذَ بقَبُولِ الهدايَا مِن الملوكِ؛ لأنَّه لا مِنَّةَ لهم عليه؛ فيدُهُ فوقَهم عُلْيَا، ففي مكةَ لم يكن يأخُذُ مالًا منهم، ومالُه حِبنَها قليلٌ، ولمَّا كَثُرَ ما في يدِه في المدينة، قَبِلَ الهديَّةَ، وهذا مِقْياسُ أهلِ الذِّين، وأمَّا مقياسُ أهلِ الدُّنيا، فيَرَوْدَ الأخذَ إذا كانتِ اليدُ خاليةً، وتَدَعُ إذا كانتْ غنيَّةً؛ لأنَّ اعتِبارَهم سلامةُ الدُّنيا، واعتبارُ الأنبياءِ سلامةُ الدِّينِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾ [هود: ٤٠].\nأمَرَ اللهُ نبيَّه نُوحًا أنْ يَحفَظَ حياةَ المؤمِنينَ معه وحياةَ الأزواجِ مِن البهائم، وفي هذا حِفْظُ البهائمِ من انقِراضِها، وحمايتُها مِن أن تَهلِكَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٤٧٣)، ومسلم (١٠٤٥).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٦٧).","vol":"3","page":1603},{"text":"جميعُها بالكوارثِ والأوْبِئةِ أو الأمطارِ؛ وذلك لِما فيها مِن منافعَ للناسِ في أنفُسِهِمْ مباشَرة، أو لنفعِها لِما يتعدَّى نفعُهُ للناسِ.\nوفي هذه الآيةِ كما أمَرَ اللهُ نُوحَا مُوجِبًا عليه حَمْلَ الحيوان، فإنَّه يحرُمُ قصدُ نوعِ مِن الحيوانِ الذي يَنتفِعُ منه الناسُ بالإهلاكِ حتى لا يَبقَى منه شيءٌ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾ [هود: ٤١].\nفي هذه الآيةِ: استحبابُ ذِكرِ اللهِ عندَ ركوبِ الدابَّةِ والسفينةِ والطائرةِ وغيرِ ذلك، ولم يكنْ ذلك مقيَّدًا بسَفَر؛ فنُوحٌ لم يكنْ مسافِرًا قاصدًا جهةً معيَّنةً، ولكنَّه كان راكبًا طلبًا للسلامةِ مِن الغرَق، ثم إنَّ ذِكرَ اللهِ عُلِّقَ بالركوبِ هنا: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ﴾، وكذلك في سورةِ الزُّخرُفِ قال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ [١٣ - ١٤]، فجعَلَ الاستواءَ على ظَهْرِ المركوبِ مُوجِبًا للذِّكْر، والراكبُ يَركَبُ دابَّتَهُ في الحَضَرِ وفي أطرافِ المدينة، ولو كان ذلك مخصوصًا بركوبِ السفَر، لجاءَ تقييدُهُ بما تُقصَرُ فيه الصلاةُ، ولجَرَى في كلامِ الصحابةِ والتابِعيِن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1153>الفَرْقُ بينَ ذِكرِ الرُّكوبِ ودُعَاءِ السَّفَرِ ورُكُوبِه:</span>\nوالواردُ عندَ السفَرِ ذِكْرٌ ودُعاءٌ، والواردُ عندَ الركوبِ مِن غيرِ سفَرٍ ذِكرٌ فقطْ:\nفأمَّا ذِكْرُ لسفَرِ ودعاؤُهُ: فكما جاء في \"صحيحِ مسلمٍ\"؛ مِن حديثِ","vol":"3","page":1604},{"text":"ابنِ عمرَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَر، كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْألُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّن عَلَينَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطوِ عَنَّا بُعْدهُ، اللَّهُمِّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَر، وَالْخَلِيِفَةُ فِي الأَهْلِ، اللَّهُمِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَر، وَكَآبَةِ المَنْظَر، وَسُوءِ المُنْقَلَبِ فِي المَالِ وَالأَهْلِ)، وإِذَا رَجَعَ قَالَهنَّ، وَزَادَ فِيهِنَّ: (آيِبُونَ تَائبُونَ عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ) (١).\nفهذا بتمامِهِ يكونُ للسفَرِ خاصَّةَ؛ لظاهِرِ الحديثِ؛ فقد قيَّدهُ بإرادتِهِ الخروجَ إلى السفَر، وللعِلَلِ ومقاصدِ الدُّعاءِ المذكورةِ فيه؛ منها قولُه: (نَسْألُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبرَّ وَالتَّقوَى)، وطلبُ تهوينِهِ عليهم، والاستعاذةُ مِن وَعثَائِه، وطلبُ الصُّحْبَةِ فيه، وطَيِّ بُعْدِه، والاستخلافِ بَعْدَه، ثم الاستعاذة مِن سُوءِ المُنقلَب، وذِكرُ الأَوْبَةِ والرَّجْعَةِ بعدَ ذلك.\nوأمَّا ذِكرُ الركوب، فكما في هذه الآيةِ: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ﴾، وفي آيةِ الزخرُفِ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ [١٢ - ١٤].\nوقد جاء العملُ بالآيتَيْنِ عندَ الركوبِ في السُّنَّة، كما لي حديثِ عليِّ بنِ رَبِيعةَ؛ قال: شهِدتُّ عليًّا - رضي الله تعالى عنه - وَأُتِيَ بِدَابَّةِ لِيَرْكَبَهَا، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ، قَال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا، قَالَ: \"الحَمْدُ للهِ\"، ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ [١٢ - ١٤] ثُمَّ قَالَ: \"الحَمْدُ لله\" - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - ثُمَّ قَالَ: \"اللهُ أَكبَرُ\" - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ:\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٣٤٢).","vol":"3","page":1605},{"text":"\"سُبْحَانَكَ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي، فَاغفِرْ لِي؛ فَإِنَّهُ لَا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنتَ\"، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقِيلَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، مِن أيِّ شَيْءٍ ضَحِكَتَ؟ قَالَ: \"رَأيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَعَلَ كَمَا فَعَلْتُ، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مِنْ أيِّ شيءٍ ضَحِكْتَ؟ \"، قَالَ: (إنَّ رَبَّكَ يَعْجَبُ مِن عَندِهِ إِذَا قَالَ: اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذَّنُوبَ غَيْرِي) (١).\nرواهُ أحمدُ وأصحابُ السنن؛ مِن حديثِ أبي إسحاقَ عن عليِّ بنِ ربيعةَ؛ به، وقد أُعِلَّ بعدمِ سماعِ عليِّ بنِ ربيعةَ الحديثَ مِن عليِّ أعَلَّه النوريُّ ويحيى القَطَّانُ (٢)، وفي بعضِ الرِّواياتِ يقولُ: أخبَرَني مَن شَهِدَ عليًّا (٣)، وذكَرَ ثبوتَ أصلِ سماعِه البخاريُّ) (٤).\nوقد أعِلَّ بعدمِ سماعِ أبي إسحاقَ له مِن عليِّ بنِ ربيعةَ، قال ابنُ مهديِّ: قال شُعْبةُ: قلتُ لأبي إسحاقَ: ممَّن سمِعتَهُ؟ قال: مِن يُونُسَ بنِ خبَّابِ؟ فأتيتُ يونُسَ بنَ خبَّابٍ، فقلتُ: ممَّن سمِعتَهُ؟ فقال: مِن رجلِ رواهُ عن عليِّ بنِ ربيعةَ (٥).\nوقد رواهُ عن عليِّ بنِ ربيعةَ: عمرُو بن المِنهالِ والحَكَمُ، وطرُقُهُمْ ضعيفةٌ.\nوالدُّعَاءُ يكونُ عندَ السفرِ حنى لو لم يكن ركوبٌ؛ كمَن يُسافِرُ على قدمَيْهِ ماشيًا، فإنَّه يذكُرُ الدُّعاءَ ولا يقولُ ذِكرَ الركوب، ومَن كان راكبًا في حَضَرِ غيرَ مُسافرٍ، فإنَّه يذكُرُ الذِّكرَ ولا يقولُ الدُّعاء.\nوإنَّما ذكَرَ اللهُ الفُلْكَ في الآية، وساقَ العلماءُ حديثَ عليِّ بنِ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١/ ٩٧)، وأبو داود (٢٦٠٢)، والترمذي (٣٤٤٦)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٨٧٤٨).\n(٢) \"علل الحديث\" لابن أبي حاتم (٣/ ٢٠٢).\n(٣) أخرجه أحمد (١/ ١١٥).\n(٤) \"التاريخ الكبير\" البخاري (٦/ ٢٧٣).\n(٥) \"علل الحدث\" لابن أبي حاتم (٣/ ٢٠٤).","vol":"3","page":1606},{"text":"أبي طالبٍ في سياقِ السفرِ في كُتُبهِمْ كأبي داودَ والتِّرمِذيِّ والنَّسائيِّ وابنِ حبَّانَ؛ لأنَّ غالبَ أحوالِ الناسِ عدمُ الرُّكُوبِ داخِلَ مُدُنِهم وقُرَاهُم، وكانت مُدُنُهم صغيرةَ وبيوتُهم مُتقارِبةً، ولم يكنِ الناسُ على الحالِ اليومَ مِن اتِّساعِ المُدُنِ والبُلْدان، وكثرةِ الركوبِ في الحَضَرِ أكثَرَ مِن السفر، بخلافِ الأوائلِ الذين يَركَبونَ في السفرِ أكثَرَ مِي الحَضَر، فأجْرِيَتْ أحاديثُ الركوبِ مُجْرَى الأسفارِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾ [هود: ٤٥].\nفي هذا أنَّ الولَدَ يدخُلُ في أهلِ الرجُلِ مع زوجتِه، فمَن أوصى وصيَّةً لأهلِه، دخَلَ فيها ولدُهُ، فنوحٌ جعَلَ ولدَهُ من أهلِه: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾، ولم يُخرِجْهُ اللهُ مِن أهلِهِ إلَّا بسبب الكفر، فقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]، فهذا تأييدٌ لكونِهِ مِن أهلِه، وأخرَجَهُ عملُهُ السِّيئُ فقطْ.\nثم إنَّ اللهَ تعالى أمَرَ نوحًا أنْ يَحمِلَ أهلَة معه بقولِهِ: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [هود: ٤٠]، ثم استثنَى مِن الأهلِ: ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠] يعني: ولَدَهْ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤)﴾ [هود: ٦٤].\nاختارَ اللهُ ناقةً لتكونَ آيةً لقومِ صالحٍ، ولم يَجْعَل ذلك مِن غيرِها","vol":"3","page":1607},{"text":"مِن بهيمةِ الأنعامِ لحِكْمةِ اللهُ أعلَمُ بها، وقد يكونُ منها أنَّ الناقةَ التي ليس معها مالكٌ لها لا تكونُ ضالَّةً كما هي الغَنَمُ والبقرُ، وأنَّ هذا عُرْفٌ قديمٌ يَعرِفُهُ الناسُ، وحتى لا يكونَ لأحدٍ بابٌ مِن الهَوى فيَزعُمَ أنَّ له الحقَّ في أخْذِها والأمساكِ بها وتملُّكِها؛ لأنَّها لا تقومُ بنفسِها؛ فهي إمَّا لمُلتقِطِها أو لأخيهِ أو للذِّئْبِ؛ ولهذا غَضِبَ النبيُّ - ﷺ - لمَّا سُئِلَ عن ضالَّةِ الإبلِ؛ كما رَوَى الشيخانِ؛ مِن حديثِ زيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنيِّ - ﵁ -؛ قال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَسَألَهُ عَمَّا يَنتَقِطُهُ، فَقَالَ: (عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ احْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، فَإنْ جَاءَ أحَدٌ يُخبِرُكَ بهَا، وَإِلَّا فَاستَنْفِقْهَا)، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، فَضَالَّة الغَنَم؟ قَالَ: (لَكَ، أوْ لِأَخِيكَ، أَو لِلذِّئْبِ)، قَالَ: ضَالَّةُ الإِبِلِ؟ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ النَّبيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: (مَا لَكَ وَلَهَا؟ ! مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، تَرِدُ المَاء، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ) (١).\nوتمعَّرَ وجهُ النبيِّ - ﷺ - لأنَّ السائلَ أعرابيُّ يَعرِفُ الإبلَ، والأعرابُ أعلَمُ الناسِ بما للإبلِ مِن خصيصةِ السَّيْرِ وحدَها، والاستغناءِ بما جعَلَهُ اللهُ فيها مِن قُدْرةِ وتحمُّلِ وصبرٍ، وكأنَّه يَسألُ ليَلتقِطَ عن عِلْمٍ، والواجبُ في مثلِهِ ألَّا يُسألَ عنه.\nوقد اختلَفَ العلماءُ في البقرِ؛ فمِنهم: مَن ألحَقَها بالإبلِ؛ كالشافعيِّ وأحمدَ، ومنهم: مَن فرَّقَ وجعَلَ الأمرَ بحسَبِ حالِها ومَوْضِعِها الذي هي فيه؛ إن كانتْ تُشابِهُ الإبلَ في أمْنِها وفي استِقلالِها بنفسِها بأكلِها وشُرْبِها، أخَذَتْ حُكمَها، وإنْ شابَهَتِ الغنمَ في ذلك، أخَذَتْ حُكْمَها؛ وهذا رواهُ ابنُ وهب عن مالك، ومنهم: مَن جعَلَ البقرَ كالغنمِ بكلِّ حالٍ.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٤٢٧)، ومسلم (١٧٢٢).","vol":"3","page":1608},{"text":"قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٦٩ - ٧٠].\nفي الآيةِ: استحبابُ إكرامِ الضَّيْفِ قبلَ سؤالِه، وعدمُ استئذانِهِ وإخبارِه؛ فإنَّ الملائكةَ لا نأكُلُ، ولو سألَهُمْ إبراهيمُ ما يَشتهُونَ وشاوَرَهُمْ بما سيُضِيفُهم به، لَمَا أذِنُوا له.\nوتقدَّمَ الكلامُ على مسألةِ التحيَّةِ والسلام في مَواضعَ، منها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦].\nوفي قولِه تعالى: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ يُستحَبُّ أنَّ مَن كَرِهَ شيئًا مِن أَضيَافِهِ ألا يُشعِرَهم بذلك، فإبراهيمُ قد عرَفوا الخشيةَ منه ولم يتكلَّمْ بها إكرامًا لهم؛ لأنَّ اللَّهَ قال: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾، والتوجُّسُ هو شعورٌ تَظهَرُ علاماتُهُ على الوجهِ والبدَن، ولا يتكلَّمُ به.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾ [هود: ٧١].\nفي هذه الآيةِ: أنَّ زوحةَ إبراهيمَ لم تكنْ جالِسةً معهم؛ وإنَّما قائمةً، فإمَّا أن تكونَ عندَ البابِ تَسمَعُ حديثَهُم؛ وهذا هو الأظهَرُ، وإمَّا أن تكونَ تقدَّمَ على خِدْمَتِهمْ ولا تجالِسُهم؛ كما يأتي الخادِمُ بالشيءِ ثم يَذهَبُ يه، وقد تقدَّمَ الكلامُ على اختلاطِ الرَّجالِ بالنَّساءِ في المَجالِسِ الدائمة، وبيان تحريمِهِ في مَواضِعَ، منها عندَ قولهِ تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقولِهِ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ","vol":"3","page":1609},{"text":"لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦]، وقولهِ تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] وقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١]، وستأني الأشارةُ إلى ذلك عندَ قولِهِ: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ﴾ [الحجرات: ١١]، وقولهِ تعالى في قصةِ موسى في القَصَصِ: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص: ٢٣]، وفي قولِهِ في طه: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [١٠]، والقَصَصِ: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [٢٩]، وقد بيَّنتُ أحكامَ هذه المسألةِ في رسالةٍ عن الاختلاطِ مستقلَّةٍ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾ [هود: ٧٨].\nلمَّا رأى لوطٌ عُدْوانَ قومِه في فاحِشَتِهم حتى بلَغَ أضيافَه، فجمَعَ مع ضلالِ الفِطْرةِ ارتفاعَ الحياءِ؛ فإنَّ الأضيافَ لا يُعتدَى عليهم ولو كانوا نساءً تَمِيلُ الفِطْرةُ إليهنَّ، فكيف وهم في صورةِ رِجالٍ؟ - أرادَ لُوطٌ دَفْعَ ضلالاتِهم وخِزْيِهم بعَرْضِ الزواجِ عليهم مِن النِّساءِ.\nوقد استدِلَّ بقوله تعالى: ﴿يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ على مشروعيَّةِ طلبِ الأزواجِ للبنات، ولكن قد اختُلِفَ في مُرادِ لُوطٍ - ﵇ - ببَناتِه في هذه الآيةِ:\nفقال قومٌ إنَّ مرادَهُ بهنَّ بَناتُهُ مِن صُلْبِه؛ وبهذا قال ابنُ إسحاقَ.","vol":"3","page":1610},{"text":"ومنهم مَن قال: إنَّه أراد نساءَ قوْمِه؛ وبهذا قال الأكثرُ؛ كمجاهِدٍ وسعيدِ بنِ جُبَيرْ (١).\nوعلى كِلا القولَيْنِ يَرِدُ إشكالٌ:\nفأمَّا إنْ كان مرادُهُ بنَاتِهِ مِن صُلْبه، فإنَّ قومَهُ أكثَرُ عددًا منهنَّ، فيستحيلُ أن يكونَ بناتُ رجُل واحدٍ يَستَوْعِبْنَ رجالَ قومِه؛ لأنَّ الخِطَابَ لهم في الآيةِ: ﴿يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾، ولعلَّه أرادَ مَن جاءَ منهم، لا جميعهم، أو أرادَ رؤساءَهم.\nوأمَّا إنْ كان مرادُهُ بَناتِ قومِه، وسَمَّاهُنَّ بَناتِه، فإنَّ النبيَّ لا يكونُ أبًا للكافرينَ، وقومُهُ رجالًا ونساءً كفارٌ؛ فلا يكونُ النبيُّ أباهم؛ فإنَّ الأنبباءَ آباءُ المؤمنينَ، وأزواجُهُمْ أمَّهاتُهم؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، وفي قراءةٍ: \"وَهُوَ أبُوهُمْ\" (٢).\nومنهم مَن قال: إنَّه لم يَعرِضْ عليهم نِكاحًا ولا سِفاحًا؛ وإنَّما أرادَ صَدَّهم عن أضيافِه (٣).\nوأصرَحُ مِن هذه الآيةِ عَرْضُ صاحِبِ مَدْيَنَ على نبيِّ اللهِ موسى ابنتهُ، ويأتي الكلامُ على ذلك في سورةِ القَصَصِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧].\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٢/ ٥٠٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ٢٠٦٢).\n(٢) \"فضائل القرآن\" للقاسم بن سلام (ص ٣٢٢).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ٢٠٦٣).","vol":"3","page":1611},{"text":"قال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوأَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾ [هود: ٨٥ - ٨٧].\nتقدَّمَ الكلامُ على أكلِ قومِ شُعَيْبٍ لأموالِ الناسِ بالباطل، وبيَّنَّا ما وقَعُوا يه، وتكلَّمْنا على العُشُورِ والضرائبِ المأخوذةِ مِن الناس، عندَ قولهِ تعالى: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥].\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾ [هود: ١١٣].\nتتعلَّقُ الآيةُ بحُكْمِ الركونِ إلى الكافِرينَ بالاستعانةِ وما في حُكْمِها، وقد تقدَّمَ نفصيلُ ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨].\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤].\nهذه الآيةُ مُفسِّرةٌ لِما أُجمِلَ مِن وجوب أداءِ الصلاةِ لِوَقتها في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣]، وقد جاءَ في القرآنِ بيانٌ لمَوَاقِيتِ بعضِ الصلواتِ أو جميعِها، منها في هذه الآيةِ.","vol":"3","page":1612},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1154>آياتُ المَوَاقِيتِ:</span>\nوقد جاءَ في وقتِ صلاةِ الصُّبْحِ والعَصْرِ قولُهُ تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]، وفي \"الصحيحَيْنِ\"؛ أنَّ النبيِّ - ﷺ - قال: (فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَلَّا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، فَافْعَلُوا)، ثم قرَأ هذه الآيةَ (١).\nوقد جاءتْ جميعُ الصلَواتِ ابتداءً مِن الظُّهْرِ بالذِّكْرِ في قولِهِ تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، والدُّلُوكُ: زوالُ الشمسِ كما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ (٢)؛ يعني: دخولَ وقتِ الظُّهْر، ثم في قولِهِ تعالى: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾؛ يعني: بقيَّةَ الصلواتِ: العصرُ والمغربُ والعشاءُ، ثم خَصَّ الفجرَ بالذِّكْرِ كما خَصَّ الظُّهْرَ، فقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾؛ يعني: صلاةَ الفجرِ.\nويذكُرُ اللهُ التسبيحَ لي مَواضِعَ مِن كتابِهِ ويُريدُ به الصلاةَ، ومِن ذلك قولُه تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨].\nوقد جاء عن ابنِ عبَّاسٍ -﵁- أنه قال: الصلواتُ الخمسُ في القرآن، فقيل له: أينَ؟ فقال: قال الله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ صلاةُ المغربِ والعِشاء، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: صلاةُ الفجر، ﴿وَعَشِيًّا﴾: العصرُ، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: الظُّهرُ (٣).\nوبنحوِه رُوِيَ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ والضَّحَّاكِ (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٥/ ٢٥).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٤٧٤)، و\"تفسير القرطبي\" (١٦/ ٤٠٨).\n(٤) \"تفسير القرطبي\" (١٦/ ٤٠٩).","vol":"3","page":1613},{"text":"وسأَلَ نافعُ بن الأَزْرَقِ ابنَ عبَّاسٍ، فقال له: هل نجدُ ميقاتَ الصلواتِ الخَمْسِ في كتابِ اللهِ؟ قال: نَعَمْ؛ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧]: المغربُ، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]: الفجرُ، ﴿وَعَشِيًّا﴾ [الروم: ١٨] العصرُ، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]: الظُّهْرُ، قال: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور: ٥٨] (١).\nوصحَّ عن قتادةَ وابنِ زيدٍ؛ أنَّهما جعَلَاها دليلًا على أربعةِ مواقيتَ، هي: المغربُ والفجرُ والعصرُ والظُّهْرُ (٢).\nوحمَلَ غيرُ واحدٍ مِن السلفِ التسبيحَ على الصلاةِ في قولِه تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠].\nوفي آيةِ البابِ: بيانُ وجوبِ أداءِ الصلواتِ في وقتِها، وأنَّ أداءَ الصلاةِ في غيرِ وقتِها لا يحقِّقُ فَضْلَها مِن كَسْبِ الحسناتِ وتكفيرِ السيِّئات، وكلَّما كانتِ الصلاةُ في وقتِها، كان ذلك أعظَمَ للأجرِ وأكبَرَ للأثر، وقد سُئِل النبيُّ - ﷺ - عن أفضَلِ العملِ؟ فقال: (الصَّلَاةُ عَلَى وَقتِهَا) (٣).\nوعامَّةُ المفسِّرينَ: أنَّ المرادَ بصلاةِ طرَفِ النهارِ الأوَّلِ هي صلاةُ الفجر، ولا يَختلِفونَ في هذا، وإنَّما يَختلِفونَ في طرَفِ النهارِ الآخَرِ وصلاةِ الزُّلَفِ مِن الليل، وهذا يدُلُّ على فضلِ الفجرِ على غيرِها، وكونِها مشهودةً؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].\nوقد قال ابنُ عبَّاسٍ في قولِهِ تعالى: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾: \"إنَّ المرادَ بالصلاةِ هنا هي المغرِبُ والفجرُ\"؛ كما رواهُ عنه عليُّ بن أبي طلحةَ (٤)، وبنحوِه رُوِيَ عن الحسنِ البصريِّ (٥).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٤٧٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٤٧٥).\n(٣) أخرجه البخاري (٥٢٧)، ومسلم (٨٥).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (١٢/ ٦٠٣).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (١٢/ ٦٠٣).","vol":"3","page":1614},{"text":"وفسَّرَ مجاهدٌ ومحمدُ بن كعبٍ والضحَّاكُ صلاةَ طرَفَي النهارِ بجميعِ صلاةِ النهار، وهي الفجرُ والظُّهْرُ والعَصْرُ (١).\nومنهم: مَن جعَلَ مع الفجرِ العصرَ خاصَّةً! ويهذا قال قتادةُ والحسنُ في قولٍ (٢).\nوهذا كلُّه مِن التنوُّعِ لا الحصرِ الخاصِّ فيما يَظهَرُ؛ لصحةِ الأقوالِ عن بعضِهم في استيعابِ صلاةِ النهارِ وصلاةِ الليلِ.\nوالزُّلَفُ هو المَنزِلةُ، والمرادُ بها الساعاتُ مِن الليل، وفسَّرَهُ ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٌ: بصلاةِ العشاءِ (٣)، والأصلُ: أنَّ مَن أدخَلَ المغربَ في طرَفَي النهار، فإنَّه يُخرِجُها مِن قولِه تعالى: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾، ومَن أخرَجَ المَغربَ مِن ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ وخَصَّها بالفجرِ والظُّهرِ والعصر، فإنَّه يُدخِلُ المغربَ في قولِه: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾؛ حتى تكونَ الآيةُ شاملةً لمواقيتِ الصلواتِ تامةً التي أوجَبَ اللهُ أداءَها على وقتِها؛ كما في قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].\nوجعَلَ الحسنُ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ صلاةَ العشاءِ وصلاةَ المغرِبِ (٤).\nواستحَبَّ ابنُ عبَّاسٍ بهذه الآيةِ تأخير العشاءِ؛ أخذًا مِن قولهِ تعالى: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾؛ كما رواهُ عنه عبدُ اللهِ بن أبي يزيدَ (٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري\" (١٢/ ٦٠٢)، و\"تفسير ابن كثير\" (٤/ ٣٥٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٢/ ٦٠٥).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١٢/ ٦٠٨).\n(٤) تفسير الطبري\" (١٢/ ٦٠٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ٢٠٩١).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (١٢/ ٦٠٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ٢٠٩١).","vol":"3","page":1615},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1155>سُورَةُ يُوسُفَ</span>\nسورةُ يوسُفَ مكيَّةٌ، ونزَلَتْ تثبيتًا للنبيِّ - ﷺ - ومَن آمَنَ معه مِن أصحابِه؛ لِشِدَّةِ ما وقَعَ ليُوسُفَ مِن ابتلاءٍ، فلم يقَعْ لنبيٍّ مِن أنبياءِ اللهِ ابتلاءٌ قبلَ مبعثِهِ كما وقَعَ ليُوسُفَ ﵇، فيوسُفُ نبيٌّ مُرسَلٌ، ونبوَّتُهُ جاءتْهُ وهو صغيرٌ قبلَ بلوغِهِ كما هي في عيسى، وقد ذكَرَ اللهُ رسالةَ يوسُفَ في سورةِ غافرٍ؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [٣٤]، وقد دعا إلى توحيدِ اللهِ في سِجْنِهِ من كان معه، وكذلك لمَّا مَكنَّهُ اللهُ بعدَ ذلك.\nوقد قال اللهُ في أوَّلِ هذه السورةِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]؛ يعني: قَصَصَ القرآن، وأخَصُّها قصةُ يوسُفَ؛ لأنَّه لا يُوجَدُ في القرآنِ قصةٌ تُوازِيها طُولًا، ولا أكثَرُ عِبْرةً وعِظةً منها.\n* قال تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٧ - ١٨].\nحذَّرَ بعقوبُ بَنِيهِ مِن أنْ يأكُلَ الذئبُ يوسُفَ؛ كما قال: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ [يوسف: ١٣]، ومع ذلك جاؤوا وقالوا: ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾.","vol":"3","page":1617},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1156>العَمَلُ بالقرائنِ عند غيابِ الأدلَّة:</span>\nوقد جاء إخوةُ يوسُفَ على قميصِهِ بدمٍ ليس دمَهُ؛ وذلك لإيجادِ قرينةٍ تُثبِتُ صِدقَهُمْ عندَه، ولم يَقبَلْ يعقوبُ ذلك، وفي هذا أنَّ القرينةَ إنْ كانتْ ظنيَّةً أو متوهَّمةً لا يَقبلُها القاضي في الخصوماتِ وغيرِها منفرِدةً، ويعقوبُ لم يَقبَلْ تلك القرينةَ التي جاؤوا بها، وهي الدمُ؛ لِقرائنَ قابَلَتْها أو غلَبَتْها:\nأوَّلُها: أنَّ يعقوبَ حذَّرَ مِن أكلِ الذئبِ ليوسُفَ؛ لعِلْمِهِ أنه أقرَبُ خطرٍ يُمكِنُ أنْ يَصِلَ إلى يوسُفَ، والعادةُ: أنَّ الرجُلَ إنْ حذَّرَ مِن شيءٍ ونبَّهَ عليه أنْ يُحذَرَ منه ويُنتبَهَ إليه، فجعَلَ يعقوبُ ذلك قرِينةً على عدمِ صِدْقِهم؛ لأنَّه حذَّرَ مِن ذلك، وفي الظاهرِ فإنَّهم إمَّا أنْ يكونوا مفرِّطِين، وإما أن يكونوا كاذبِين؛ وكِلاهما لا يَخرُجونَ فبه عن اللَّوْمِ.\nثانيها: أنَّهم جاؤوا بدمٍ كَذِبِ ليس دمَ إنسانٍ، وصاحبُ الخِبْرةِ يُفرِّقُ بينَهما، وجاؤوا بقميصِهِ وليس فيه تمزيقٌ مِن نابِ الذئبِ وأظفارِه؛ كما قال ابنُ عبَّاسٍ: \"لَوْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ، لَخَرَقَ القَمِيصَ\" (١). وبنحوِهِ قال الشَّعْبيُّ (٢)، وقد قال قتادة والسُّدِّيُّ: \"إنَّ يعقوبَ قال: إنَّ هذا لَسَبُعٌ رحيمُ! \" (٣).\nثالثُها: أنَّهم جاؤوا بقميصِهِ ولم يأتوا بشيءٍ مِن بدَنِه، ومعلومٌ أنَّ الذئبَ لا يبتلعُ الإنسانَ كابتلاعِ الحوتِ؛ فكيف استلُّوا قميصَهُ ولم يَجِدُوا جسدَهُ أو شيئًا منه؟ !\nرابعُها: أنَّ يعقوبَ عَلِمَ مِن سالفِ أمرِهم ما يدُلُّ على كَذِبِهم،\n_________\n(١) تفسير الطبري\" (١٣/ ٣٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٢١١١).\n(٢) تفسير الطبري\" (١٣/ ٣٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٢١١١).\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٢١١١).","vol":"3","page":1618},{"text":"وهذا في قولِهِ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾؛ فكأنَّه استدَلَّ بحالِ نفسِهِمُ السابقةِ معه على أمرٍ لاحقٍ، وهو التخلُّصُ منه.\nوجمعُ القرائنِ عندَ الفَصْلِ -خاصَّةً في الدماءِ- مِن واجباتِ القاضي، فإنْ أخَذَ بقرينةٍ ولم يَسبُرْ ما يُقابِلُها وَيَجمَعْهُ، وقَعَ في الخطإِ في حُكْمِهِ عندَ غيابِ الأدلَّةِ؛ فإنَّ القرائنَ تقومُ مقامَ الأدلَّةِ إنْ غابَتْ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ١٩ - ٢٠].\nوُجِدَ يوسُفُ ﵇ في البئر، قيل: بعدَ يومٍ، وقيل: بعدَ ثلاثةِ أيامٍ، وقيل أقلُّ مِن ذلك، ولمَّا وُضِعَ دَلْوُ المُسْتَسْقِينَ في البئر، تمسَّكَ به يوسُفُ ليخرُجَ منها، فلمَّا رأَوْهُ، تباشَرُوا وتواصَوْا أن يُخفُوهُ عمَّن كان معهم؛ حتى لا يُشارِكَهُمْ فيه أحدٌ؛ فعُرِضَ بمصرَ، فاشْتَرَاهُ المَلِكُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1157>حُكْمُ بَيْعِ الحُرِّ:</span>\nفي قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾؛ قال ابنُ عبَّاسٍ (١) والنخَعيُّ (٢): \"باعُوهُ ولم يَحِلَّ لهم أكلُ ثمنِهِ\"، وقد فسَّرَ الضحَّاكُ (٣) وسفيان بن عُيَيْنةَ قولَهُ: ﴿بَخْسٍ﴾ بثمنٍ حرامٍ، وفسَّرَهُ قتادةُ بأنَّه ثمنٌ ظُلْمٌ (٤)؛ لأنَّه حُرٌّ، والحرُّ لا يُباعُ، والأكثرُ على أنَّ البَخْسَ المنقوصُ الزهيدُ، وهو الأظهَرُ والمُناسِبُ للَّفْظِ والسياق، ولكن المعنى صحيحٌ في\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٣/ ٥٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٣/ ٥١).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١٣/ ٥٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٢١١٥).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (١٣/ ٥٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٢١١٦).","vol":"3","page":1619},{"text":"كونِ المالِ حرامًا، ولا يجوزُ بيعُ الحرِّ؛ ففي البخاريِّ؛ مِن حديثِ أبي هُرَيرةَ؛ قال - ﷺ -: (قَالَ اللهُ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ) (١).\nوالحرُّ لا يجوزُ بيعُهُ ولو كان عن فقرٍ وحاجةٍ، ومَن باعَ ولَدَهُ، فيجبُ تعزيرُهُ، وبهذا يَقضي عامَّةُ السلفِ؛ كابنِ المسيَّبِ (٢)، والزُّهْريِّ (٣)؛ ولا مخالفَ لهما.\nولا يُقبَلُ إقرارُ الشخصِ على نفسِه بأنَّه عبدٌ على الصحيح، كمَنْ يُريدُ إمضاءَ بيعِ نفسِه، فالأصلُ حريَّتُهُ، وإقرارُهُ على نفسِهِ باطلٌ؛ فإنَّ الحرَّ لا يكونُ عبدًا بإقرارِهِ؛ وبهذا قال عليُّ بن أبي طالبٍ (٤)، وعطاءٌ (٥)، ورُوِيَ عن عمرَ أنه يكونُ عبدًا؛ وفي انقِطاعٌ (٦).\nويوسُفُ ﵇ كان مُدرِكًا، على خلافِ في عمرِه، ويَعلَمُ مَن أخَذَهُ حريَّتَهُ، ولكنْ جَرَى حُكْمُهم عليه؛ لصِغَرِه وقلةِ حِيلَتِه، وسُلْطانِهم وسلطانِ عَزِيزِ مصرَ عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1158>حُكْمُ اللَّقِيطِ في الحُرِّيَّةِ والرِّقِّ والكَفَالةِ:</span>\nوأمَّا اللَّقِيطُ، فهو الطفلُ المنبوذُ الذي لا يُعرَفُ أصلُهُ حرٌّ أم عبدٌ، على خلافٍ عندَ الفقهاءِ في حدِّ عمرِ مَن يُوصَفُ باللقيط، ولكنَّهم لا\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٢٢٧).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٨٨٠٧).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٨٧٩٧).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٨٨٠٦).\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٨٨٠٠).\n(٦) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٨٧٩٦).","vol":"3","page":1620},{"text":"يَختلِفونَ في كونِ الطفلِ المنبوذِ قبلَ تمييزِهِ لَقِيطًا، وأنَّ المنبوذَ بعدَ بلوغِهِ ليس بلقيطٍ؛ وإنَّما خلافُهم فيمَنْ هو بينَ ذلك.\nوعامَّةُ السلفِ على أنَّ اللقيطَ حُرٌّ، وقد نقَلَ الإجماعَ على ذلك غيرُ واحدٍ؛ كابنِ المُنذِرِ (١)، ورُوِيَ هذا عن عمرَ وعليٍّ وجماعةٍ مِن السلف، فالأصلُ في اللقيطِ: الحريَّةُ، ولا يُستَرَقُّ إلا ببيِّنةٍ، ورُوِيَ هذا عن عليٍّ والحسنِ:\nفقد روى الحسنُ عن عليٍّ -﵁-؛ أنه قَضَى في اللَّقيطِ أنه حرٌّ، وقرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾.\nوقال جُهَيْرُ بن يزيدَ العبديُّ: سمعتُ الحسنَ وسُئِلَ عن اللقيطِ: أيُباعُ؟ فقال: أبي اللهُ ذلك؛ أمَا تَقْرأُ سورةَ يوسُفَ؟\nرواهُما البيهقيُّ (٢).\nورُوِيَ عن النخَعيِّ: أنَّ اللَّقِيطَ عبدٌ إنْ أخَذَهُ ليَسترِقَّهُ، وإن أخَذَهُ لكفالتِهِ احتسابًا، فهو حرٌّ (٣)، وكأنَّه أرجَعَ حريَّةَ اللقيطِ إلى قصدِ المُلتقِطِ ونيَّتِه؛ وهذا القولُ غريبٌ لم يقُلْ به أحدٌ قبلَه فيما أعلَمُ.\nوكفالةُ اللقيطِ على بيتِ المال، وكما يجبُ التقاطُهُ فيجبُ كفالتُه؛ لأنَّه لا حِيلةَ له، ولا وليَّ يقومُ بشأنِه، ولو تُرِكَ للناسِ لَتَواكَلُوا في أمرِهِ وجاعَ وتعرَّى وهلَكَ؛ وبهذا قضى عمرُ بن الخطَّاب، فقد روى مالكٌ، عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ؛ أَنَّهُ وَجَدَ مَنبُوذًا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب، قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب، فَقَالَ: \"مَا حَمَلَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ؟ \"، فَقَالَ: وَجَدتُّهَا ضَائِعَةً فَأَخَذْتُهَا، فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: \"أَكَذَلِكَ؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ\n_________\n(١) \"الأوسط\" لابن المنذر (١١/ ٤٢٧).\n(٢) \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٦/ ٢٠٢).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢١٨٩٣).","vol":"3","page":1621},{"text":"عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: \"اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ، وَلَكَ وَلَاؤُهُ، وعَلَينَا نَفَقَتُهُ\" (١).\nوأمَّا الإشهادُ على اللقيط، فمُخلَفٌ فيه عندَ الفقهاءِ على قولَيْن، هما وجهانِ في مذهبِ الحنابلة، وجمهورُ الفقهاءِ: على وجوبِ الإشهادِ؛ لأنَّه به يُحفَظُ النَّسَبُ والمالُ وسائرُ الحقوقِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1159>الغَبْنُ في البَيْعِ وأنواعُهُ:</span>\nومِن قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ أخَذَ بعضُهُمْ جوازَ شراءِ الشيءِ عظيمِ القيمةِ بثمنٍ بَخْسٍ، وأنَّه بيعٌ لازمٌ؛ وهذا داخلٌ في مسألةِ الغَبْنِ في البيع، وهو بيعُ الشيءِ بأقلَّ مِن قيمتِه؛ وسببُ ذلك: الجهلُ، أو النِّسْيانُ والغَفْلةُ، أو ضَعْفُ الخبرةِ.\nوقد جاء في الشريعةِ نهيٌ عن أسبابِ الغَبْنِ:\nمنها: النهيُ عن تلقِّي الرُّكْبَانِ والجَلَبَ، وعن بيعِ الحاضِرِ للبَادِي، وعن بيعِ النَّجْشِ؛ لأنَّه يَعُرُّ بطلبِ السلعة، فيُخدَعُ الناسُ فيَزيدونَ فيها؛ يَظُنُّونَ أنَّ السلعةَ مرغوبةٌ بما يَسمعونَ مِن زيادةِ قيمتِها.\nومن ذلك: نَهْيُ الشريعةِ عن الغِشِّ والتغريرِ بالوصفِ؛ لأنَّ ذلك يزيدُ في قيمةِ السلعةِ عن حقيقتِها، ليَقَعُ الغَبْنُ.\nومِن ذلك: نهيُ الشريعةِ عن الاحتكارِ ممَّا يَدفعُ الناسَ لاضطرارِ شرائِها بأغلى مِن قيمتِها.\nوالقاعدةُ: أنه إذا كَثُرَ تحريمُ الوسائل، فإنَّه يدُلُّ على شدَّةِ تحريمِ الغايةِ والمَقصَد، وتعظُمُ المقاصدُ مع شِدَّةِ تحريمِ وسائلِها؛ فقد نهَى النبيُّ - ﷺ - عن وسائلَ كثيرةٍ تُفضي إلى الغَبْنِ؛ فدَلَّ على أنَّ الغَبْنَ أشدُّ؛ لأنَّ الغايةَ أخطَرُ مِن الوسيلةِ.\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٧٣٨).","vol":"3","page":1622},{"text":"والغبنُ يَختلِفُ بحسَبِ مِقْدارِ الضَّرَرِ فيه، ويشتدُّ النهيُ عنه مع شدةِ الضررِ الواردِ فيه.\nولا خلافَ عندَ الفقهاءِ في كراهةِ الغبنِ الفاحشِ الذي يُضِرُّ بمُشترِي السلعةِ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ، وهو مِن جنسِ أكلِ أموالِ الناسِ بالباطلِ.\nوقد أجاز مالكٌ بيعَ دُرَّةٍ ذاتِ خطرٍ عظيمٍ بدِرْهَمٍ، ولم يَعلَمِ البائعُ أنَّها دُرَّةٌ؛ أنه يَلزَمُهُ البيعُ، ولم يَلتفِتْ إلى قولِه (١).\nوالغبنُ في التجارةِ الذي يكونُ عن تَرَاضٍ وعِلْمٍ: ممَّا لا بأسَ به؛ كمَنْ يبيعُ شيئًا قليلَ القيمةِ بثمنٍ عظيمٍ مع عِلْمِ المتبايعَيْنِ بما فيه؛ وذلك أنه يَصِحُّ منه الهديَّةُ بلا قيمةٍ، فشراؤُهُ بثمنٍ زهيدٍ أولى، ولا يتراجعانِ إلَّا برضاهُما، وقد نقَل بعضُهم الاتِّفاقَ على ذلك.\nوفي إفالةِ النادمِ على البيعِ أو الشراءِ فضلٌ، ولكنَّه ليس بلازمٍ؛ ففي \"المسنَدِ\"، و\"السنن\"؛ قال - ﷺ -: (مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا، أَقَالَهُ اللهُ عَثْرَتَهُ) (٢).\nوالغَبْنُ في نفسِه على نوعَيْنِ:\nالأوَّلُ: الغَبْنُ اليسيرُ؛ وهو ما اعتادَ الناسُ التبايُنَ في السِّعْرِ فيه؛ لأنَّه يَربحُ بعضهم مِن بعضٍ.\nالثاني: الغَبْنُ الفاحِشُ.\nوجمهورُ الفقهاءِ يُفرِّقونَ بينَ الغَبْنَيْنِ؛ فيُجيزونَ الأولَ، ولا يُجيزونَ الثاني؛ على خلافٍ عندَهم في حَدِّ الغَبْنِ فيهما جميعًا، فبينَهم خلافٌ:\nفمِنهم: مَن جعَل الفارقَ بينَ الغبنِ اليسيرِ والفاحِشِ هو الثُّلُثَ.\nومنهم: مَن قال: العُشْرُ.\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" (١١/ ٢٩٨).\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٢٥٢)، وأبو داود (٣٤٦٠)، وابن ماجه (٢١٩٩).","vol":"3","page":1623},{"text":"ومنهم: مَن قال: نِصْفُ العُشْرِ.\nوالأظهَرُ: أنَّ مَرَدَّ ذلك إلى عُرْفِ الناسِ في أسواقِهم وما يَعتادونَ عليه مِن مُرابَحةٍ، فالسِّلَعُ تَختلِفُ قِيَمُها وقصدُ الناسِ لها ومَؤونتُها وتسامُحُ الناسُ فيها، ويختلِفُ الناسُ زمنَ اليَسَارِ وزمنَ الفقرِ.\nوبعصُ الأسواقِ جرَتِ العادةُ فيها بالترابُحِ في النِّصْفِ والضِّعْف، ومِن السلعِ ما يَظهَرُ الغبنُ فيها ولو بنصفِ العُشْرِ؛ لأنَّها مُسعَّرةٌ، ومِن السلعِ ما يشُقُّ إدراكُ الغَبْنِ فيها؛ وذلك لكونِها نادرةً يَقِلُّ مثيلُها في أيدِي الناسِ؛ كقِطَعِ الآثار، والكُتُبِ المخطوطة، ونُقُوشِ الأُممِ السابقة، والقاضي يَرجِعُ عندَ التنازُعِ في الغَبْنِ في البيعِ إلى عُرْفِ أهلِ السوقِ في ذلك.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَو نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١].\nسمَّى اللهُ هذا البلاءَ ليوسُفَ تمكينًا بعدَما بِيعَ واشتراهُ العزيزُ، مع أنه تَبِعَهُ مُغالَبَةٌ على حرامٍ وتُهَمَةٌ وسَجْنٌ وطُولُ بلاءٍ، وفي هذا أنَّ أوَّلَ التمكينِ ابتلاءٌ.\nوقولُه: ﴿الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ﴾ لم يذكُرْ أنَّ المُشترِيَ عزيزُ مصرَ، ولا أنَّ المرأةَ زَوْجَتُهُ؛ وذلك لأنَّه في سياقِ البيعِ والشراء، وهذه المواضعُ تَستوِي فيها الأطرافُ؛ فعندَ العقودِ لا فرقَ بينَ حاكمٍ ومحكومٍ، فيجبُ أداءُ الحقوقِ كما لو استوَتِ المقاماتُ؛ وهذا كالخصوماتِ","vol":"3","page":1624},{"text":"والتَّقاضي فيَستوي فيه الأطرافُ؛ وهذا شبيهٌ بقولِه تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]، قال: سيِّدَها، ولم يقلْ: سيِّدَ مصرَ؛ لأنَّ السِّياقَ سياقُ خصومةٍ ونِزاعٍ، وهو وزوجتُهُ طرَفٌ فيه، فلا ينبعي حضورُهُ فيه باسمِ عزيزِ مصرَ وسيِّدِها؛ حتى يتمَّ العدلُ فلا يُبخَسَ حقُّ الأضعَفِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1160>طاعةُ المرأةِ لزوجِها وخِدْمَتُهَا له وعنايتُها بوَلَدِهِ:</span>\nفي هذا جريانُ عُرْفِ البشرِ على خِدْمةِ المرأةِ لزوجِها وقيامِها بشأنِ بيتِها ورعايةِ عيالِه، لقد وكَلَ مَن اشترَى يوسُفَ رعايتَهُ وإكرامَهُ لامرأتِه، ولم يَكِلْهُ إلى عبدِهِ ومَوْلَاتِه، أو خادمِهِ أو وزيرِه.\nوأمَّا طاعةُ المرأةِ لزوجِها في بيتِه، فمنه: ما هو محلُّ اتِّفاقٍ على وجوبِه، ومنه: ما هو محلُّ اتِّفاقٍ على عدمِ وجوبِه، ومه: ما هو محلُّ خلافٍ:\nأمَّا الطاعةُ الواجبةُ بلا خلافٍ: فما يَملِكُهُ منها، وهو بُضْعُها، فلو دعَاها إلى فِرَاشِه، حَرُمَ عليها الامتناعُ عن ذلك، وفي \"الصحيحَينِ\"، عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا المَلَاِئكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ) (١).\nوكلُّ أمرٍ يتَّصلُ بذلك، فيجبُ عليها طاعتُهُ فيه؛ كالامتناع عمَّا يَحُولُ بينَهُ وبينَ قضاءِ وطَرِهِ ووطَرِها؛ مِن أكلٍ يَكْرَهُ رائحتَه، أوَ لِبَاسٍ يُزهِّدُهُ فيها ويُنفِّرُهُ منها، وتركِ سفرٍ أو خروجٍ مباحٍ تَغِيبُ به عنه فيحتاجُ إليها ولا يَجِدُها.\nوأمَّا خروجُها مِن منزلِها، فلا يُختلَفُ في أنَّ السُّنَّةَ استئذانُ المرأةِ مِن زَوْجِها لخروجِها ولو إلى بيتِ أبوَيْها؛ ومِن ذلك قولُ عائشةَ؛ كما في\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٢٣٧)، ومسلم (١٤٣٦).","vol":"3","page":1625},{"text":"\"الصحيحَيْنِ\" للنبيِّ - ﷺ -: \"أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أبَوَيَّ؟ \" (١).\nوأمَّا مِن جِهةِ وجوبِ ذلك مِن عدمِه، فإنَّ خروجَها على حالَينِ:\nخروجٌ ليس بعارِضٍ؛ كالخروجِ إلى الأسواق، أو شهودِ الولائم، وأشَدُّ منه السفرُ؛ فذلك لا يجوزُ إلَّا بإذنِه، وقد حَكَى بعضُ العلماءِ الاتَّفاقَ على ذلك؛ قال ابنُ تيميَّةَ: \"فليس لها أنْ تخرُجَ مِن منزِلِهِ إلَّا بإذنِه، سواءٌ أمَرَها أبوها أو أمُّها أو غيرُ أبوَيْها، باتِّفاقِ الأئمَّةِ\" (٢).\nوأمَّا خروجُها لِما جرَى العُرْفُ بالخروجِ إلى مِثْلِه، كما كانتِ النِّساءُ تخرُجُ إلى المسجدِ والخَلَاء، وخروجِ المرأةِ إلى جارتِها وما أشرَفَ على دارِها، فخروجُها لمِثْلِهِ جائزٌ ما لم يَمنَعْها منه، وقد كانتْ أُمَّهاتُ المؤمِنينَ يَفْعَلْنَ ذلك، وكان النبيُّ - ﷺ - يَسألُ الواحدةَ منهنَّ: (أَيْنَ كُنْتِ؟)، كما جاء عن عائشةَ؛ قالتْ أَبْطَأْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَيلَةً بَعْدَ الْعِشَاء، ثُمَّ جِئْتُ، فَقَالَ: (أَيْنَ كُنْتِ؟)، قُلْتُ؟ كُنْتُ أَسْتِمِعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِكَ، لَمْ أَسْمَعْ مِثْلَ قِرَاءَتِهِ وَصَوْتِهِ مِنْ أحَدٍ، قَالَتْ: فَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ حَتَّى اسْتَمَعَ لَهُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ، فَقَالَ: (هَذَا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مِثْلَ هَذَا) (٣).\nومِثلُ خروجِها: إذنُها لأحدٍ بالدخولِ في بيتِه، ولو كان ذلك مِن نسائِها، فإنْ كان ممَّن لا يُعتادُ إتيانُهُ في بيتِها وزوجُها شاهدٌ، فالأصلُ عدمُ إدخالِهِ إلَّا بإذنِه؛ لِما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال - ﷺ -: (وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (٤).\nومَن جرَتِ العادةُ بدخولِهِ بيتَها؛ كأُمِّها وأُختِها وجارتِها، فذلك\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤١٤١)، ومسلم (٢٧٧٠).\n(٢) \"مجموع الفتاوى\" (٣٢/ ٢٦٣).\n(٣) أخرجه ابن ماجه (١٣٣٨).\n(٤) أخرجه البخاري (٥١٩٥)، ومسلم (١٠٢٦).","vol":"3","page":1626},{"text":"جائزٌ ولو لم يأذَنْ في كلِّ مرَّةٍ، وقد كانتِ النِّساءُ تَرِدُ إلى بيوتِ النبيِّ - ﷺ - ويُدخِلُهُنَّ أزواجُهُ ويَسألُ عنهنَّ، وفي \"الصحيحَيْنِ\"، عن عائشةَ؛ أنَّ النبيَّ - ﷺ - دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ: (مَنْ هَذِهِ؟)، قَالَتْ: فُلَانَةُ، تَذْكُرُ مِن صَلَاتِهَا، قَالَ: (مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَالله، لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا)، وَكَانَ أحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ (١).\nوأمَّا الطاعةُ غيرُ الواجبةِ بالاتِّفاقِ: فقد تحرُمُ إنْ أمَرَها بمحرَّم كالوَطْءِ في الدُّبُر، وقد تُكرَهُ إنْ أمَرَها بفعلِ مكروهٍ، وإنْ أمَرَها بما يُضِرُّ بها، فليس عليها طاعتُهُ، وأمَّا إنْ أمَرَها بما لا يُضِرُّ بها ولا منفعةَ له به؛ كانْ يأمُرَها أنْ تَلبَسَ الأبيضَ أو الأصفرَ أو الأخضرَ عندَ النِّساء، فلا يجبُ عليها ذلك؛ لأنَّ الأمرَ يتعلَّقُ بها لا به، لكنَّه لوأمَرَها ألَّا تَلبَسَ لونَ كذا وكذا عندَهُ، فهذا له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1161>وأمَّا خِدْمةُ المرأةِ لزوجِها في بيتِهِ مِن طبخِ طعامٍ ونظافةِ ثيابٍ، فقد وقَعَ فيها خلافٌ:</span>\nوقد ذهَبَ جماعةٌ مِن الفقهاءِ: إلى وجوب ذلك؛ كما هو قولُ أهلِ الرأي، وجماعةٍ مِن المالكيَّة، وأبي بكرِ بنِ أَبي شيْبةَ، ولكنَّ الحنفيَّةَ أَوجَبُوهُ دِيانةً لا قَضاءً.\nوذَهَبَ الشافعيَّةُ والحنابلةُ وجماعةٌ مِن فقهاءِ المالكيَّةِ: إلى عدمِ الوجوبِ.\nوالأظهَرُ في ذلك: أنه يُجرى على العُرْفِ؛ وذلك لأنَّ الخِدْمةَ تَختلِفُ صِفتُها يحسَبِ البُلْدانِ؛ فأحوالُ البَوادِي تختلِفُ عن القُرى، وأحوالُ المُدُنِ الكبيرةِ تختلفُ عن القُرى، وقد كان ذلك جاريًا عندَ العربِ وما زال، وقد قَضى النبيُّ - ﷺ - على فاطمةَ بخِدْمةِ رَوْجِها في بيتِه،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٣)، ومسلم (٧٨٥).","vol":"3","page":1627},{"text":"وعلى علي بالخِدْمةِ الظاهرة، وكان الصحابةُ يَتزوَّجونَ وتقومُ أزواجُهم يخِدْمتِهم؛ كما قال جابرٌ للنبيِّ - ﷺ -: \"إِنَّ عَبدَ اللهِ هَلَكَ وتَرَكَ بَنَاتٍ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً تَقُومُ عَلَيهِنَّ وَتُصْلِحُهُنَّ\" (١).\nوإنَّما لم تأتِ نصوصٌ صريحةٌ آمِرةٌ في ذلك؛ لأنَّ كلَّ البيوتِ كانتْ تَجري على العُرْف، فتُرِكَتْ على ما هي عليه، والنِّساءُ يَعمَلْنَ في بيوتِ أزواجِهِنَّ ولا يُؤمَرْنَ بذلك، ويقومُ الزوجُ بعلاجِ زَوْجَتِهِ إنْ مَرِضَتْ، وأكثرُ الفقهاءِ كالمذاهبِ الأربعةِ لا يُوجِبُونَ ذلك عليه، ويَفْعَلُ ذلك عادةً وإحسانًا بلا تعاقُدِ ولا مُشارَطةٍ عليه، ولو دخَلَتِ المُشارَطةُ والعقودُ في مِثلِ هذا العُرْف، لَفَسَدَتِ البيوتُ وقلَّ الإحسانُ بينَ الزوجَيْنِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٣].\nنادَتِ امرأةُ العزيزِ يوسُفَ بعدَ مُراوَدةٍ على الفاحشة، وإغلاقٍ للأبوابِ عن الخَلْق، وقد ذكَرَ اللهُ وقوعَ المُراوَدةِ مِن امرأةِ العزيزِ لوسُفَ بقوله ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾؛ يعني: أنه أُرِيدَ مِن ذاتِ سُلْطانٍ وجاهٍ، وهذا مِن عظيمِ الفتنةِ للرِّجالِ؛ كما قال - ﷺ - في السَّبْعَةِ الذين يُظِلُّهم اللهُ في ظِلِّه: (وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ) (٢)، فقدَّمَ المَنصِبَ على الجمال، لِأَثَرِهِ في النفوس، والأصلُ: أنَّ الملوكَ لا يَختارونَ إلَّا ذاتَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٣٦٧)، ومسلم (٧١٥).\n(٢) أخرجه البخاري (١٤٢٣)، ومسلم (١٠٣١).","vol":"3","page":1628},{"text":"الجمالِ ولو كانت بلا دِينٍ، ولم يذكُرِ اللهُ جمالَ امرأةِ العزيزِ في السورةِ؛ لأنَّها حتى لو كانتْ كذلك، فلا يَلِيقُ أنْ يُظَنَّ بنبيٍّ أنه ينطُرُ إليها، فذكَرَ الله المَنصِبَ والجاهَ: ﴿هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾، ولم يذكُرْ جمالَها، فالجاهُ يحضُرُ في قلبِ الإنسان، خاصَّةً إن كان متَّصِلًا به بسببٍ؛ كحالِ يوسُفَ؛ فهو مُشترًى منهم، مُستعبَدٌ لدَيهم، وجاهُهُمْ لم يتكلَّفْ يوسُفُ حضورَهُ في قلبِه، كما يكلَّفُ الإنسانُ عادةً النظرَ إلى المرأةِ؛ فحضورُ الجاهِ واردٌ، وإطلاقُ البصرِ صادرٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1162>أسبابُ امتِناعِ يُوسُفَ مِنِ امرأةِ العَزِيزِ:</span>\nوامتنعَ يوسُفُ مِن امرأةِ العريزِ لِسَبَبَيْنِ:\nالأوَّلُ: الخوفُ مِن اللهِ؛ لقولِه: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾، وهذا التجاءٌ إلى اللهِ مِن أن يقَعَ فيما يُغْضِبُه.\nالثاني: تعظيمُ خيانةِ مَن ائتمَنَكَ على بيتِهِ وأهلِهِ؛ وذلك في قولِه تعالى: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾؛ قال مجاهدٌ وابنُ إسحاقَ: ﴿رَبِّي﴾؛ يعني: سيِّدي (١)؛ يُريدُ: العزيزَ؛ فإنَّه ائتمَنَهُ على بيتِهِ وأهلِه، فإنَّ الفِطَرَ والشرائعَ دالَّةٌ على أنَّ الحرامَ الواحدَ يغلَّظُ إنِ اجتمَعَ فيه أسبابٌ مكروهةٌ أُخرى؛ فإنَّ اللهَ جعَلَ الزِّنى بحَلِيلَةِ الجارِ أعظَمَ مِن الزِّنى بالبعيدة، وقد سُئِلَ النبيُّ - ﷺ -: أيُّ الذنبِ أعظَمُ؟ فقال بعدَما ذكَرَ الشِّرْكَ: (أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ) (٢)، والزِّنى بذَاتِ المَحرَمِ أعظَمُ مِن غيرِها، وزِنى الشيخِ الأُشَيْمِطِ أعظَمُ مِن رِنى الشابِّ؛ كما في مسلمٍ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (ثَلَاثَةٌ لَا\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٣/ ٧٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٢١٢٢).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٤٧٧)، ومسلم (٨٦).","vol":"3","page":1629},{"text":"يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ -قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَلَا يَنْظُرُ إِليْهِمْ - وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ) (١).\nويوسُفُ عظَّمَ الذنبَ مِن جهتَيْه: مِن جهةِ حقِّ الله، ومِن جهةِ حقِّ المخلوقِ عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1163>حُكْمُ الوَعْظِ بوازِعِ الطَّبْعِ:</span>\nوفي هذا: دليلٌ على جوازِ الاستِدلالِ بوَازِعِ الطبعِ على الإقلاعِ عن المحرَّم، ولكنَّ الكمالَ ألَّا يُذكَرَ إلَّا بعدَ وازِعِ الشرع، وهو الخوفُ مِن الله، وأنَّه يجوزُ وعظُ الناسِ للإقلاعِ عن المحرَّمِ بوازعِ الطبعِ؛ كقولِ: لا يصحُّ مِن العربِ ولا أخلاقِهم الخيانةُ والغدرُ والفجورُ؛ وذلكَ أنَّ طلبَ الإقلاعِ عن المحرَّمِ أهوَنُ مِن طلبِ الامتثالِ بالعبادة، وأعظَمُ الغاياتِ في الحرامِ هو أن يُترَكَ، وأعظَمُ الغاياتِ مِن فعلِ العبادةِ إخلاصُها للهِ؛ فإنَّ الحرامَ لو ترَكَهُ الإنسانُ لغيرِ الله، لم يَأْثَمْ، لكنَّه لا يُؤجَرُ، ولكنَّ العبادةَ لو فعَلَها أحدٌ لغيرِ الله، أشرَكَ بفعلِه ذلك، بل تركُهُ لها خيرٌ مِن إنشائِها لغيرِ اللهِ.\nولا بجوز أن يُوعَظَ الناسُ بالطبعِ المجرَّدِ عن قصدِ التعبُّدِ بفعلِ العبادات، ولكنْ يصحُّ تَبَعًا؛ كأنْ يأمُرَهُ بالصلاةِ والصيامِ والحجِّ ويُذكِّرَهُ بحقِّ اللهِ ووجوبِ الوفاءِ له بامتثالِ أمرِه، ثم يذكُرَ فضلَ قومِهِ وأخلاقَهُمْ وصِدقَهُمْ وعادتَهُمْ للهِ.\nويَدُلُّ على جوازِ الوعظِ للإقلاعِ عن المحرَّمِ بوازعِ الطبعِ قولُهُ - ﷺ -: (مَنِ اتَّقَى الشُّبُهَات، اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ) (٢)؛ يعني: حتى لا يقَعَ الناسُ فيه؛ فعليه أنْ يَحمِيَ عِرْضَهُ بتَرْكِ الشُّبُهاتِ.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٠٧).\n(٢) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩).","vol":"3","page":1630},{"text":"وقال تعالى: ﴿الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾، ولم يقُلْ: \"في بيتِ العزيزِ\"؛ إشارةً إلى أنَّ المرأةَ سيِّدةٌ في بيتِها، ولمَّا ذكَرَ اللهُ العزيزَ، قال: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]؛ يعني: أنَّ المرأةَ سيَّدةٌ في بيتِها، والزوجَ سيِّدٌ على زوجتِه؛ كما جاء في حديثِ أبي هريرةَ عندَ ابنِ السُّنِّيِّ (١): \"وإذا حضَرَتْ سيادةُ الزوج، غابتْ سيادةُ المرأةِ\"، كما يأتي في الآيةِ التاليةِ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَو عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥].\nفي قولهِ تعالى: ﴿سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾؛ يعني: زَوْجَها، قال: \"سيِّدَها\"، ولم يقُل: \"سيِّدَ مصرَ\"؛ لأنَّ السِّياقَ سياقُ خصومةٍ ونِزاعٍ، وهو وزوجتُهُ طرَفٌ فيه، فلا ينبغي حضورُهُ في باسمِ عزيزِ مصرَ وسيِّدِها؛ حتى يتمَّ العدلُ فلا يُبخَسَ حقُّ الأضعَف، ولكنْ لم يقَعْ ذلك؛ فحضَرَ في الأمرِ باسمِ سيِّدِ مصرَ ومكانتِهِ فيها، فظُلِمَ يوسُفُ ﵇، والواجبُ عندَ التقاضي والخصوماتِ: أنْ تُنزَعَ الألقابُ.\nوفي قوله تعالى: ﴿سَيِّدَهَا﴾ إشارةٌ إلى سيادةِ الزوجِ على امرأتِه، وسيادتِها على بيتِه، فبعدَما قال في الآيةِ السابقةِ: ﴿هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ [يوسف: ٢٣]، فنسَبَ البيتَ إليها، فلمَّا جاءَ زوجُها، قال: ﴿سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾، وفي هذا إنكارُ ما أُخِذَ مِن عادةِ الغَرْبِ اليومَ مِن تسميةِ نساءِ المُلُوكِ بسيِّدةِ الدَّوْلةِ والبلدِ؛ فإنَّ اللهَ جعَلَ امرأةَ العزيزِ سيِّدةَ بيتِها\n_________\n(١) سيأتي تخريجه.","vol":"3","page":1631},{"text":"فحَسْبُ، ولا يتعدَّى شأنُها ذلك، كسائرِ النِّساءِ في بيوتِهنَّ.\nويُروى عن زيدِ بنِ ثابتٍ؛ أنه قال: \"الزوجُ سيِّدٌ في كتابِ الله، ثم قرَأ: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾؛ السيِّدُ: الزوجُ\" (١)، ويُروى عندَ ابنِ السُّنِّيِّ؛ مِن حديثِ أبي هريرة -﵁-؛ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: (كُلُّ نَفْسٍ مِنْ بَنِي آدَمَ سَيِّدٌ، فَالرَّجُلُ سَيِّدُ أَهْلِه، وَالمَرْأَةُ سَيِّدَةُ بَيْتِهَا) (٢).\nوقد كانتِ المرأةُ مِن السلفِ تسمِّي زوجَها سيِّدًا؛ كما روى مسلمٌ؛ مِن حديثِ طَلْحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ بنِ كَرِيزٌ؛ قال: حَدَّثَتْنِي أُمُّ الدَّرْدَاء، قَالَتْ: حَدَّثَنِي سَيِّدِي -تعني: زوجَها أبا الدرداءِ-: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: (مَنْ دَعَا لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْب، قَالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ) (٣).\nوسيادةُ الزوجِ على زوجتِهِ هي قِوامتُهُ التي جعَلَها الله، وتقدَّمَ الكلامُ على ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].\nوسيادةُ الزوجِ على زوجتِهِ تكليفٌ يتضمَّنُ تشريفًا، وليس تشريفًا يتضمَّنُ نكليفًا؛ لأنَّ الأولَ غُرْمُهُ أعظَمُ مِن غُنْمِه، والثانيَ غُنمُهُ أعظَمُ مِن غُرْمِه، وكذلك بالنسبةِ لسيادةِ المرأةِ في بيتِها، فإنَّه تكليفٌ يتضمَّنُ تشريفًا؛ كما في \"الصحيحِ\"؛ قال - ﷺ -: (الرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا) (٤).\nوالمرأةُ لدى الرجُلِ كالأَسِيرَةِ العانِيَة، كما في الحديثِ؛ قال - ﷺ -: (اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا؛ فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٣/ ١٠٢).\n(٢) أخرجه ابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (٣٨٨).\n(٣) أخرجه مسلم (٢٧٣٢).\n(٤) أخرجه البخاري (٨٩٣).","vol":"3","page":1632},{"text":"غَيْرَ ذَلِكَ) (١)، وقالتْ أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ: \"النِّكَاحُ رِقٌّ؛ فلْينظُرْ أحدُكم عندَ مَن يُرِقُّ كريمتَه\" (٢).\nوإنَّما قال النبيُّ - ﷺ - ذلك؛ للتنبيهِ على عِظَمِ حقِّها، ووجوبِ الرحمةِ بها؛ فإِنَّ أخلاقَ العظماءِ تتَّضحُ مع نسائِهم؛ كما قال - ﷺ -: (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِه، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي) (٣) فإِنَّ كلَّ أحدٍ يستطيعُ تصنُّعَ الخُلُقِ الحسَنِ مع الغُرَباء، ولكنْ تَظهَرُ الأخلاقُ مع الأهلِ؛ لأن الخُلُقَ الدائمَ لا يُمكِنُ أن يُتصنَّعَ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٨].\nاختُلِفَ في الشاهدِ الذي شَهِدَ على امرأةِ العزيزِ:\nفمنهم مَن قال: إنَّه صبيٌّ نَطَقَ في مَهْدِه؛ وهذا رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسِ (٤)، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ (٥)، والحسنِ (٦).\nومنهم مَن قال: إنَّه مِن غيرِ الإنس، وبهذا قال مجاهدٌ (٧).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (١١٦٣)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٩١٢٤)، وابن ماجه (١٨٥١).\n(٢) أخرجه سعيد بن منصور في \"سنته\" (٥٩١).\n(٣) أخرجه الترمذي (٣٨٩٥).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (١٣/ ١٠٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٢١٢٨).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (١٣/ ١٠٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٢١٢٨).\n(٦) \" تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٢١٢٨).\n(٧) \"تفسير الطبري\" (١٣/ ١١١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٢١٢٨).","vol":"3","page":1633},{"text":"وقيل: رجلٌ مِن أهلِها، ورُوِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسِ وقتادةَ وعِكْرمةَ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1164>شهادةُ القَرِيبِ على قَرِيبِه، والأخذُ بالقرائنِ:</span>\nوفي قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ دليلٌ على قَبُولِ شهادةِ القرب على قريبِه؛ وذلك أنَّ الشاهدَ مِن أهلِها لو شهِدَ لامرأةِ العزيز، لكان مُتَّهَمًا، ولكنَّه لمَّا شهِدَ عليها، دَلَّ على صِدْقِه.\nوشهادةُ القَراباتِ وأهلِ الميتِ تُقبَلُ مِن بعضِهم على بعضٍ، ما لم يكنْ هناك تُهَمَةُ خصومةٍ؛ لأنَّ القرب مع قريبِهِ والشريكَ مع شريكِهِ بينَهما محبَّةٌ ومودَّةٌ، ويُحِبُّ جَلْبَ الخيرِ له ودفْعَ الشرِّ عنه، فإِنْ شَهِدَ عليه، فكان لتمحُّضِ صِدْقِهِ وإخلاصِهِ في طلبِ الحقّ، ما لم يكنْ هاك تُهَمةٌ بينَهما ككراهيةٍ؛ كشهادةِ الزوجةِ على زوجِها وبينَهما خصومةٌ وكُرْهٌ، وكذلك سائرُ القَرَابات، وهذا يُرجَعُ فيه إلى معرفةِ الحال، وأمَّا شهادةُ القراباتِ والشُّرَكاءِ بعضِهم لبعضٍ، فلا تُقبَلُ؛ للتُّهَمةِ في ذلك.\nوقد تقدَّمَ الكلامُ على ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]، وقولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].\nوفي هذا: اعتبارُ القريةِ في الفَصْلِ في الخصوماتِ؛ فإنَّ قميصَ يوسُفَ شُقَّ مِن دُبُرِه؛ لأنَّها كانت تطلبُهُ وهو يهرُبُ منها إلى الباب، فجُعِلَ شَقَّ القميصِ مِن الخَلْفِ قرينةَ على هروبِهِ منها، وجُعِلَ شقٌّ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٣/ ١٠٨ - ١١٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٢١٢٩).","vol":"3","page":1634},{"text":"القصيصِ مِن الإمامِ قرينةً على إقبالِهِ عليها، وجُعِلَ وجودُ شقِّ في القميصِ قرينةً على وجودِ ممتنِعٍ مِن الفاحشةِ مِن الطرَفَيْنِ.\nوالقرائنُ مُعتبَرةٌ في الشريعة، ومتى قَوِيَت ولم يُوجَدْ قرينةٌ أَقوى منها تُخالِفُها وكانت قويَّة، قامت مقامَ الدليل، وإذا وُجِدَ ما هو مِثلُها أوأَقْوى منها أو ما يُقارِبُها ممَّا يُذهِبُ قُوَّتَها، تُرِكَتْ، كما تقدَّمَ في قرينةِ وضعِ الدمِ على قميصِ يوسُفَ، ورَدِّ يعقوبَ لها بقرائنَ أَقْوى منها.\nوالقرائنُ ليستْ على مَرْتَبةٍ واحدةٍ في الشريعةِ ولا في العقلِ؛ فإمَّا أن تكونَ قاطعةً، أو ظنيَّةً، أو متوهَّمةً، وكلُّ واحدةٍ مِن هذه القرائنِ تختلِفُ منزلتُها مِن حاكمِ إلى آخَرَ، ومِن حالٍ إلى أُخرى؛ بحسَبِ ما يقعُ في النفوسِ:\nفأمَّا القرائنُ القاطعةُ: فهي ما كان الحُجَجُ فيه غيرَ بيَّناتِ: ممَّا يَقطعُ معها الحاكمُ لزومَ الحقِّ لجهةٍ، كانْ يُوجَدَ سجينٌ مقتولٌ بآلةٍ أو بخَنْقٍ بيِّنٍ، ولا يُوجَدُ معه إلَّا واحدٌ، ولا يدخُلُ عليهما أحدٌ، وانتفَتْ قرائنُ الانتحار، وقد تجتمِعُ عِدَّةُ قرائنَ ظنيَّةٍ وتكاثَرُ ولا يُقابِلُها شيءٌ، فتكونُ مجتمِعةً قرينةً قطعيَّةً، وإن كانت كلُّ واحدةٍ منها ظنيَّةً.\nوالقرائنُ القاطعةُ مُعتبَرةٌ عندَ أكثرِ الفقهاء، وقد قَضَى النبيُّ - ﷺ - لأحدِ ابنَيْ عَفرَاءَ لمَّا تداعَيَا قتلَ أبي جهلٍ، فقال لهما رسولُ اللهِ - ﷺ -: (هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟)، قَالَا: لَا، فَنَظرَ في السَّيْفَيْن، فَقَالَ: (كِلَاكُمَا قَتَلَهُ)، وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بنِ عَمرِو بْنِ الْجَمُوحِ (١). فأخَذَ بأثرِ السيفِ وما عليه مِن دمٍ.\nومِن ذلك: أنَّ النبيَّ - ﷺ - أمَرَ المُلْتَقِطَ أن يدفَعَ اللُّقَطَةَ إلى واصِفِها، وأمَرَهُ أن يَعرِفَ عِفاصَها ووِعاءَها ووِكَاءَها؛ فجعَل وَصْفَهُ لها قرينةً تُملِّكُهُ الحقَّ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣١٤١)، ومسلم (١٧٥٢).","vol":"3","page":1635},{"text":"وأمَّا القرائنُ الظنيَّةُ: فهي ما كان مِن القرائنِ التي لا تكفي وحدَها للحُكمِ على أحدٍ بحقٍّ، ولا يجسُرُ الحاكمُ معها على تكذيب صاحِبِها ولا تصديقِه، ما لم يأتِ بقرينةِ مِثلِها أو أَقْوى منها، كعدمِ تمزيقِ قميصِ يوسُفَ: قرينةٌ على براءةِ الذئب منه، وكشَقِّ قميصِ يوسُفَ مِن ورائِه: قرينةٌ على أنَّها تُراوِدُهُ لا يُراوِدُها، وقد تجتمِعُ مع ظنيَّاتٍ أُخَرَ، كما تقدَّمَ؛ فتكونُ قرينةً قاطعةً.\nوأمَّا القرائنُ المتوهَّمةُ: فهي القرائنُ التي لا اعتبارَ بها، ولو انضَمَّ إليها مِثْلُها، ما لم تَستفِضْ؛ وذلك كوجودِ طعامٍ في بيتِ أحدٍ اتُّهِمَ بسرقتِه، وهذا الطعامُ يُوجَدُ في بيوتِ أكثَرِ الناسِ مِثلُهُ كالتمرِ والعنب، ما لم يكن في بَبْدَرٍ أو وَسْقٍ أو حاويةٍ على وَصفٍ ولونٍ يَختَصُّ بالمسروقِ؛ فتلك قرينةٌ أُخرى تَرفَعُ التوهُّمَ إلى الظنِّ.\nومِن القرائنِ: ما لا يُمكِنُ وصفُهُ ولا تمييزُه؛ وذلك ممَّا يبدو على وجوهِ المُتخاصِمِينَ؛ مِن جسارةٍ بالمُطالَبة، أو ارتباكٍ، أو حِرْصٍ، أو تناقُضِ وتردُّدٍ، فهذا مما لا يَقدِرُ القاضي على التعبيرِ عنه بالكتابة، ولكنَّها قرائنُ تقوِّي غيرَها.\nوقد تجتمِعُ قرائنُ مِن ذلك، ظنيَّات مع متوهَّماتٍ، تقوِّي القضاءَ بالقرينة، كما في قولِ سُلَيْمانَ نبيِّ اللهِ - ﷺ - للمرأتَينِ اللتَيْنِ ادَّعَتَا الولدَ، فحكَمَ به داودُ - ﷺ - للكُبْرى، فقال سُلَيْمان: \"ائتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا\"، فسمَحَتِ الكُبْرى بذلك، فقالتِ الصُّغرى: \"لَا تَفْعَل يَرْحَمُكَ اللهُ، هُوَ ابْنُهَا! \"، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغرَى (١).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٤٢٧)، ومسلم (١٧٢٠).","vol":"3","page":1636},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠].\nفيه جوازُ الظلُّم، وقد يُستَحَبُّ؛ بل ويجبُ إنْ تعلَّقَ بأمرٍ عظيمٍ يتَّصلُ بدِينِ الشخصِ ويحُولُ بينَهُ وبينَ الحقِّ الذي يُوصلُهُ إلى الناس، ولم يَسقُطْ حقُّ يوسُفَ مع تقادُمِهِ ومُضِيٍّ سنواتِ عليه.\nوفي ذلك مِن حِكْمةِ يوسُفَ أنه لم يَنسُب العُدوانَ عليه وظُلْمَهُ إلى زوجةِ العزيزِ؛ إنَّما إلى النِّسْوة، فقال: ﴿مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾؛ لأنَّ ذِكْرَه لامرأةِ المَلِكِ يجعلُهُ تأخُذُهُ حميَّةٌ جاهليَّةٌ فيَنتصِرُ لأهل بيتِهِ بالباطلِ ولو ظلَمَ وبَغَى، فمرادُ يوسُفَ الوصولُ إلى الحقِّ ورفعُ الظُّلْم، وليس مرادُهُ التشفِّيَ، وهذا لا يقعُ إلَّا ممَّن أُوتِي حُكْمًا وعِلْمًا؛ كما قال تعالى عن يوسُفَ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [يوسف: ٢٢].\nوالظالِمونَ يَنتصِرونَ لأنفُسِهم ولو كانتِ الحُجَجُ ضِدَّهم؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥]، فهم رأَوْا حُجَجَ براءةِ يوسُفَ ومع ذلك سجَنُوهُ.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥].\nطلَبَ يوسُفُ الوِلَايةَ والوِزَارةَ بعدَما رأى فسادَ البلادِ وإقبالَها على شرٍّ أعظَمَ ممَّا هي عليه، وفي هذا جوازُ طلبِ الوِلَايةِ والإِمَارةِ إنْ كانتِ الحالُ كتلكَ الحالِ.","vol":"3","page":1637},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1165>طلبُ الإمَارةِ والوِلَايةِ:</span>\nوالأصلُ: أنَّ طلبَ الوِلَايةِ مكروهٌ، وقد نهَى النبيُّ - ﷺ - عن ذلك؛ وذلك لأنَّ طالِبَها يتشوَّفُ إليها، ومَن قصَدَ الوِلَايةَ طمعًا في الجاهِ والمال، لم يتحقَّق فيه قصدُ العدلِ؛ فمِثلُهُ لا بدَّ أن يَظلِمَ في قليلِ أو كثيرٍ، ويُسلَبُ عونَ اللهِ وتوفيقَهُ له في وِلايتِهِ بمِقْدارِ حِرْصِهِ عليها، وفي \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ عبد الرحمنِ بنِ سمُرَةَ - ﵁ -؛ قال: قال لي النبيُّ - ﷺ - (يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا؛ وَإِن أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا\" (١).\nوكذلك: فإنَّ النفوسَ تُقبِلُ وتَتشوَّفُ إليها، وتَحرِصُ عليها، وعاقبتُها على طالِبِها ندامةٌ في آخِرِها، وإنْ وجَدَ لذَّةً في أوَّلِها، وفي البخاريّ، عن أبي هريرةَ - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ -؛ قال: (إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَة، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَة، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ، وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1166>وطلبُ الإمارة على حالتَينِ:</span>\nالحالةُ الأُولى: مَن طلَبَها وسأَلَها لحظِّ نفسِهِ فقطْ، فيُريدُ منها جاهًا وسُؤْدَدًا، فهذا الطلبُ منه مكروهٌ، وقد يحرُمُ، بحسَب ما يفوِّتُهُ حظُّ نفسِهِ مِن حظوظِ الناس، وتوليتُهُ على ذلك ممَّن يَملِكُ حقَّ التوليةِ مكروهٌ، وقد يحرُمُ، بحسَبِ ما سبَقَ، ولم يكنِ النبيُّ - ﷺ - يُوَلِّي مَن حرَصَ على الولايةِ وسألَها؛ ففي \"الصحيحَينِ\"، مِن حديثِ أبي موسى - ﵁ -؛ قال: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَا وَرَجُلَانِ مِن قَوْمِي، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَينِ: أمِّرْنَا يَا رَسُولَ الله، وَقَالَ الآخَرُ مِثلَهُ، فَقَالَ: (إِنَّا لَا نُولِّي هَذَا مَنْ سأَلَهُ، وَلَا\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٦٢٢)، وسلم (١٦٥٢).\n(٢) أخرجه البخاري (٧١٤٨).","vol":"3","page":1638},{"text":"مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ) (١).\nالحالةُ الثانيةُ: مَن طلَبَها وسألَها لحظِّ الناس، فغايتُهُ نفعُ الناسِ وجَلْبُ الخيرِ إليهم، ودفعُ الضُّرِّ عنهم، كما فعَلَ يوسُفُ، وهذا الطلبُ بحسَبِ أحوالِ الناسِ وزمانِهم: فإنْ كان الزمنُ زمنَ استقرارِ حالِ ويقوم بالوِلَايةِ والعدلِ فيها مَنْ تولَّاها مِن سائرِ الناس، فالأَوْلى عدمُ طلبِها؛ لأنَّه قد يُدرِكُهُ مِن الغُرْمِ أكثرُ ممَّا يُدرِكُهُ مِن الغُنْمِ.\nوإنْ كان الناسُ في زمنِ شرٍّ وفسادٍ وظُلمٍ وإقبالِ على هلاكٍ كما في مصرَ زمنَ يوسُفَ، فقد يجبُ على مَن عَلِمَ مِن نفسِهِ إنقاذَ الناس، وغلَبَ على ظنِّه ألَّا يُحسِنَ أحدٌ إحسانَهُ، ولا يَملِكَ مِن أمورِ النجاةِ مِثلَهُ، وبمِقْدارِ كثرةِ الشرِّ المدفوعِ يتأكَّدُ طلبُ الوِلاية، وبمِقدارِ قِلَّتِهِ يَخِفُّ، ودفعُ الشرِّ أعظَمُ مِن جلْبِ الخيرِ للناسِ! لأنَّ جلبَ الخيرِ يُحسِنُهُ الكثيرُ، ودَفْعَ الشرِّ وإصلاحَ الفسادِ والظُّلْمِ لا يُحسِنُهُ إلَّا القليلُ.\nوبينَ هاتَيْنِ الحالتَينِ مَراتِبُ ودرجاتٌ دقيقةٌ، تَتفاوَتُ في مقاصدِ النفوسِ من طلبِ الوِلَايةِ بينَ حظِّ النَّفْسِ وحظِّ الناسِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1167>طَلَبُ الوِلَايةِ في بلدِ الكُفْرِ:</span>\nلم تكن مصرُ في زمنِ يوسُفَ بلدَ إسلام، وقد بعَثَهُ اللهُ إلى قومٍ مُشرِكينَ فشَكُّوا في رِسَالتِه، ولم يُصدِّقوهُ في دَعْوتِهِ حتى مات؛ كما قال تعالى في سورةِ غافرٍ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤)﴾ [غافر: ٣٤].\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٧١٤٩)، ومسلم (١٧٣٣).","vol":"3","page":1639},{"text":"وإنَّما كلامُ السلفِ هو في إسلامِ عزيرِ مصرَ ومَلِكِها، وقد اختُلِفَ في إسلامِهِ:\nلقد صحَّ عن مجاهدٍ: أنه أسلَمَ (١).\nوذهَب جماعةٌ مِن العلماءِ ومِن النَّقَلَةِ عن بني إسرائيلَ: أنه لم يكنْ مسلمًا.\nوعلى أحسَنِ أحوالِ مُلْكِهِ أنه كحالِ النَّجَاشِيِّ؛ مسلمٌ على قومٍ مشرِكينَ، كما في ظاهرِ الآيةِ أنَّ قومَه مُشرِكونَ، وإذا كان كذلك، فإنَّه لم يُظهِر إسلامَهُ كحالِ النَّجَاشِيِّ.\nوقد أخَذ بعضُ العلماءِ جوازَ تَوَلِّي المسلمِ الولايةَ تحتَ حُكمٍ كافرٍ لإقامةِ العدلِ ودفعِ الظُّلْم، وإذا جازَ مِن النَّجَاشِيِّ ومِن مَلِكِ مصرَ - إنْ صحَّ إسلامُهُ - أنْ يحكُمَ قومًا كافرينَ، ولا يُظهِرونَ حُكمَهُمْ فيهم بحُكمِ اللهِ الظاهرِ لهم الذي به يَعرِفُ الناسُ إسلامَهم، فإنَّ جوازَهُ لِمَنْ تولَّى وِلايةَ صُغْرَى تحتَهُ مِن بابِ أَولى، فلو كان تحتَ النَّجَاشِيِّ والٍ يكتُمُ إسلامَهُ مِثلَهُ ولم يَعلَمْ أحدُهما بالآخَر، وتولَّى ليقومَ بالقِسْطِ ويَدفَعَ الظُّلْمَ، ويظُنُّ أن الملِكَ النَّجَاشِيِّ باقٍ على كفرِه، فإنَّه لا يصحُّ أن يُحْكَمَ بكفرِ مَن تحتّ النجَاشِيِّ ويُحكَمَ بإسلامِ النجَاشِيِّ نفسِه، فإنْ صحَّ للنجاشِيِّ الإسلامُ وحالُه تلك، فإنَّ صحَّتَهُ لِمَنْ دونَهُ مِن بابِ أَولى، بل إنَّ الأمرَ بيدِ النحاشِيِّ أَقْوى مِن يدِ مَن دونَهُ مِن أصحابِ الوِلاياتِ الصُّغرى.\nوقد تولَّى بعضُ الأئمَّةِ كصلاحِ الدِّينِ الأيوبيِّ الوِزَارةَ في الدولةِ العُبَيْدِيَّة، وتولَّى جماعة القضاءَ فحكَمُوا بالعدلِ في زمنِ الدولة البُوَيْهِيَّةِ والعُبَيدِيَّة، ولم يحكُمِ الأئمَّة بكفْرِهم لمجرَّدِ كونِهم تحتَ وِلَايةٍ مشركةٍ،\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٣/ ٢٢٢).","vol":"3","page":1640},{"text":"مع سَعَةِ الأقطارِ التي حكَمَتْها تلك الدولُ، وطُولِ المدَّةِ التي تولَّوْا فيها، وإنَّما هم مَوْكُولونَ إلى عملِهم وما قام بأنفُسِهم، واللهُ يفصِلُ بينهم بما يعملودَ هُم أنفسُهم.\nوقد كان النبيُّ - ﷺ - يُسمِّي النَّجَاشِيِّ الملِكَ العادلَ الذي لا يَظلِمُ ولا يُظلَم عندَه أحدٌ، وذكَرَ بعضُ الرُّواةِ أنه سماهُ الملِكَ الصالِحَ؛ وفي هذا: دليلٌ على أن مَن قامَ بالعدلِ على مرادِ اللهِ حسَبَ طاقتِه، فهو عادلٌ وإنْ عجَز عن نِسْبةِ عملِهِ إلى شريعةِ الله، فموافقتُهُ لها في حُكمِهِ كافيةٌ في وصفِهِ بالعدلِ وحالُهُ تلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1168>شروطُ مَنْ يُوَلَّى على الوِلَاياتِ:</span>\nوفي قولِه تعالى: ﴿حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ذكَرَ اللهُ شَرْطَي الولايةِ:\nالأَوَّلُ: الأمانةُ؛ وهو قولُهُ تعالى: ﴿حَفِيظٌ﴾؛ أي: أمينٌ.\nالثاني: القوةُ، وهو قولُه: ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أي: عليمٌ بالأمرِ خبيرٌ به، وليس المرادُ ذلك قوَّةَ البدَنِ فحَسْبُ، بل القوَّةَ التي يَتحصَّلُ بها معرفةُ الحقّ، سواءٌ كانتْ عقليَّةً، وهي العِلْمُ، أو بدنيَّةً، وهي قُدْرةُ البدَنِ على التصرُّفِ.\nوذِكرُ اللهِ لهذَيْنِ الشرطَينِ نظيرُ قولِ ابنةِ صاحِبِ مَدْيَنَ عن موسى: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [القصص: ٢٦]، وقال عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ لسليمانَ: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩]، وقد مدَحَ اللهُ جِبريلَ لِمَا جَعَلَهُ عليه مِن ذلك فقال تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠، ٢١].\nفمَنْ جمَعَ الشرطَين، كان أهلًا للوِلَاية، فقولُه ﴿حَفِيظٌ﴾؛ أي: أمينٌ، وقولُه: ﴿عَلِيمٌ﴾ عالِمٌ عارِفٌ بما وُلِّيتُ عليه؛ فقد يكونُ الرجلُ أمينًا في نفسِه، صادقًا في نِيَّتِهِ وقصدِه، ولكنَّه جاهلٌ فيما يتولَّاهُ، فيُفسِدُ","vol":"3","page":1641},{"text":"بجهلِه، ولا ينتفِعُ الناسُ بأمانتِه، وقد يكونُ الرجُلُ عالمًا عارفًا بما تولَّاه صاحِبَ خِبْرةٍ به، ولكنَّه ضعيفُ الأمانةِ والدِّيانة، فيَسرِقُ ويَخُونُ ويأخُذُ الرِّشْوةَ في عملِه، فلم ينتفعِ الناسُ بعِلْمِهِ وخِبْرتِه.\nوتجبُ المُوازَنةُ بينَ تحصيلِ القوةِ والأمانةِ في صاحِبِ الولاية، وهذا لا بدَّ معه مِن النظرِ إلى نوعِ الولايةِ:\nفمِن الولاياتِ ما تحتاجُ إلى تغليب الأمانةِ على القوةِ عندَ فَقدِ الجمعِ بينَ كمالِ الاثنتَيْن، كولايةِ المالِ؛ فلن ينتفعَ بيتُ المالِ ووِزَاراتُ المالِ مِن خبيرِ بالاقتصادِ والحسابِ دقيقِ به إنْ كان ضعيفَ الأمانةِ؛ فيَسرِقُ ويختلِسُ ويَرتشِي؛ فقد يقعُ منه مِن ضياعِ الأموالِ ما لو تولَّى مَن هو أقلُّ منه خِبْرة لَصَلَحَ الحالُ.\nومِن الولاياتِ: ما ينبغي تغليبُ القوةِ البدنيَّةِ والعقليَّةِ على الأمانةِ إن لم يُمكِن الجمعُ بينَ الاثنتَيْنِ؛ وذلك في القتالِ وجهادِ العدوِّ؛ فإنَّه يحتاحُ إلى الخِبْرةِ العسكريَّةِ أكثَرَ مِن الأمانةِ التي يُحتاجُ إليها في الأموالِ والأعراضِ أكثَرَ.\nوكثيرًا ما يُلتفَتُ اليومَ إلى العِلْمِ والخِبْرة، ويُنظَرُ في الشهادات، وتُوَلَّى الولاياتُ لأجلِ ذلك، ويُغفَلُ جانبُ الأمانةِ؛ حتى أصبَحَ في أكثرِ الدولِ لا اعتبارَ له، ولا يُفرَّقُ لينَ ما يجبُ أن تُغلَّبَ فيه الأمانةُ، وما يجبُ أن يُغلَّبَ فيه العِلْمُ، وتغليب أحدِ الوصفَينِ لا يَعني جوازَ انعدامِ الوصفِ الآخَر، ولكنْ يُقبَلُ ضَعْفهُ وقِلَّتُه.\nوإذا خرَجَ الحاكمُ في الولايةِ عن هذَيْنِ الوصفَين، واختارَ مَن يهواهُ لمحبَّةٍ وقَرَابةٍ وصداقةٍ، ضاعَ مِن أمرِ الأمَّةِ بمِقدارِ ما فاتَ مِن هذَيْنِ الوصفَين؛ فقد روى البيهقيُّ؛ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ مرفوعًا: (مَنِ اسْتَعْمَلَ عَامِلًا مِنَ المُسْلِمِينَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فِيهِمْ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُ وَأَعْلَمَ","vol":"3","page":1642},{"text":"بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّه، فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمِيعَ المُسْلِمِينَ) (١).\nوقد روى إسماعيلُ بن إبراهيمَ بنِ مهاجرٍ، عن عمرَ بن الخطَّابِ -﵁-؛ أنَّه قال: \"مَن استعمَلَ رجلًا لِمَوَدَّةٍ أو لقَرَابةٍ، لا يستعملُهُ إلَّا لذلك، ففد خانَ اللَّهَ ورسولَهُ والمؤمِنينَ\" (٢).\nويكثُرُ اختِلالُ هذَيْنِ الوصفَيْنِ في الولاياتِ في آخِرِ الزمانِ عندَ ضَعْفِ الدِّيانةِ والأمانةِ، وبأولئك تكثُرُ الفِتَنُ ويعظُمُ الظُّلْمُ، وقد قال -ﷺ-: (إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِه، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ)؛ رواهُ البخاريُّ (٣).\nوغيرُ أهلِه هم الذين فقَدُوا الوصفَيْنِ، فوَلَّوْا وتَوَلَّوْا بالهَوَى.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف: ٦٦].\nفي هذه الآيةِ: ضمانُ إخوةِ يوسُفَ احضارَ أَخِيهِم، وفي هذا: دليلٌ على أنَّه يصحُّ ضمانُ الحضور، وهي كفالةُ بدَنِ مَن عليه دَيْنٌ، وهي صحيحةٌ عندَ عامَّةِ العلماء، فمَن ضَمِنَ حضورَ أحدٍ وكَفَلَهُ، وجَبَ عليه ولَزِمَهُ ذلك، وقد ذهَبَ الشافعيُّ: إلى ضَعْفِها مِن جهةِ القياس، وظاهرُ الكتابِ ثبوتُها؛ كما في هذه الآيةِ.\nوأمَّا الضمانُ للمالِ، فيأتي الكلامُ عليه في قولِهِ: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢].\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١١٨).\n(٢) \"مسند الفاروق\" لابن كثير (٢/ ٥٣٧).\n(٣) أخرجه البخاري (٦٤٩٦).","vol":"3","page":1643},{"text":"* قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠)﴾ [يوسف: ٧٠].\nفي هذه الآيةِ: جوازُ اسنعمالِ الحِيلَةِ لدفعِ الضُّرِّ وأخذِ الحقِّ البيِّنِ وإعادتِهِ إلى صاحِبِه، فيوسُفُ أحَقُّ بأخيهِ منهم، ولم يَقدِرْ أنْ يأخُذَ أخاهُ منهم ببيِّنةٍ، وإنَّما قدَرَ أن يأخذَهُ بتلك الحِيلةِ فأخَذَهُ.\nوفي قوله تعالى: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ وصفٌ للجميعِ وهو يَقصِدُ إخوانَهُ، وَيَحتمِل أنَّه خاطَبَهُمْ بالسرقة الحادثةِ وهو يُريدُ سرقتَهُم القديمةَ له مِن أبيهِ بتحايُلٍ عليه؛ فأرادَ أن يُعامِلَهم بمِثْلِ ذلك؛ فالجزاءُ مِن جنسِ العملِ.\nواستعمالُ الحِيَلِ إنَّما هو سلوكٌ لطُرُقٍ خفيَّةٍ غيرِ معتادةٍ ولا يُتفطَّنُ لها إلَّا بذكاءٍ؛ لأخذِ الحقِّ ودفعِ الظُّلْمِ عندَ العجزِ عن ذلك بالطرُقِ المعروفة، وسلوكُ تلك الطرُقِ الخفيَّة لا يَلزمُ منه كونُها محظورةً بعَينِها؛ وإنَّما المَأْخَذُ فيها أنَّها خفيَّةٌ لا يظُنُّ الخَصْمُ أنَّها مقصودةٌ، فيتعاملُ معها على اعتقادٍ ظاهرٍ يُخالِفُ الباطنَ.\nوقد تكونُ الحِيَلُ مباحةً، وقد تكونُ محرَّمةً؛ وذلك بحسَبِ النظرِ إلى الغايةِ ونوعِ الوسيلةِ، فبالنظرِ إلى هاتَيْنِ الجهتَيْنِ تُعرَفُ مَرتبةُ الحِيَلِ بين الحِلِّ والحُرْمةِ، والوجوبِ والكراهةِ والاستحبابِ.\nولمَّا كانتِ الحِيَل أخذًا بغبرِ الظاهر، كَرِهَها كثيرٌ مِن السلف، ولم يكونوا يكتبُونَ فيها ولا يُعلِّمونَها الناسَ؛ فليست عِلمًا يُتَّخَذُ أصلًا في التعامُلِ وأخذِ الحقوق، فمَن جعَلَهُ أصلًا في تعامُلِه وخصوماتِهِ وقَعَ في المنهيِّ عنه بلا ريبٍ.\nوأسوأُ الحِيَلِ: التي تُتَّخَذُ للوصولِ إلى ما حرَّمَ اللَّهُ؛ كالتحايُلِ على","vol":"3","page":1644},{"text":"أكلِ الحرامِ كما فعَلَتِ اليهودُ، وكنكاحِ التحليلِ والشِّغَارِ وغيرِ ذلك.\nواستعمالُ يوسُفَ: مِن الحِيلَةِ المشروعة، التي لا يُرتكَبُ فيها وسيلةٌ محظورةٌ ولا الوصولُ إلى غايةٍ محرَّمةٍ، بل هي مِن الوسائلِ المباحةِ والغاياتِ المشروعة، وقد جعَلَ اللَّهُ ذلك مِن الكيدِ الذي وَفَّقَ له يوسُفَ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦].\nومِن هذا قولُهُ تعالى لأيُّوبَ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤].\nومِن ذلك: ما جاء في \"الصحيحَيْنِ\"؛ و\"السُّننِ\"، مِن حديثِ أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ -﵄-؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنيِب، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟)، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّه، إنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَينِ بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: (فَلَا تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا) (١).\nفأراد النبِيُّ -ﷺ- مَخْرجًا للوصولِ إلى الحلالِ بوسيلةٍ مباحةٍ، والحِيَلُ قد تكون خفيَّةً جِدًّا، وقد يكونُ خفاؤُها ليس شديدًا؛ كما في حديثِ التمرِ الجَنِيبِ هذا.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢].\nلمَّا أُعلِنَ في الناسِ فَقْدُ صُوَاعِ الملِكِ ولم يُعرَفْ مكانُهُ منهم، جعَلَ لمَن يجدُهُ جائزةً، وهي حِمْلُ البعير، وضَمِنَها لواجِدِها.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٢٠١)، ومسلم (١٥٩٣).","vol":"3","page":1645},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1169>حُكْمُ الجِعَالَةِ:</span>\nوفي هذه الآيةِ: دليلٌ على مشروعيَّة الجِعَالةِ، والجِعَالةُ: هي ما يُكافَأُ له الإنسانُ على أمرٍ يفعلُهُ، وهي جائزةٌ عندَ عامَّةِ السلفِ وجماهيرِ الفقهاءِ خلافًا للحنفيَّةِ، وقد أقَرَّ النبيُّ -ﷺ- الصحابةَ على أخْذِهم الجِعَالةَ على ما فعَلُوهُ؛ كما في \"الصحيحَينِ\"؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ؛ أنَّ رَهْطًا مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- انْطَلَقُوا فِي سَفْرَةِ سَافَرُوهَا، حَتَّى نَزَلُوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَب، فَاسْتَضَافُوهُم فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ، فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ قَدْ نَزَلُوا بِكُمْ، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْهُمْ، فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ، إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، فَسَعَينَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ شَيْءٌ؟ لَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، وَاللَّهِ إِنِّي لَرَاقٍ، وَلَكِن وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقِ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الغَنَم، فَانْطَلَقَ فَجَعَلَ يَتْفُلُ وَيَقْرَأُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، حَتَّى لَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِن عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي مَا بِهِ قَلَبَةٌ، قَال: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صالَحُوهُمْ عَلَيَهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ، فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ: (وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ! أَصَبْتُمُ، اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهُمٍ) (١).\nولم يُجوِّزْها الحنفيَّة بحُجَّةِ الجَهَالةِ والغَرَرِ فيها، وذلك أنَّ النتيجةَ مظنونةٌ، ولا يُشْترَطُ تعيينُ العاملِ فيها، وهذا لا يُقالُ به مع ثبوتِ الدليل، والشريعةُ تُراعي الحاجاتِ في صُوَرٍ فتُجِيزُها مع اشتراكِها ببعضِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٧٤٩)، ومسلم (٢١٠١).","vol":"3","page":1646},{"text":"وجوهِ العلةِ في المحرَّماتِ كما هو في العَرَايَا، والحنفيَّة لا يُجيزونَ العرايَا، كما لا يُجيزونَ الجِعَالةَ.\nونقَلَ الطحاويُّ وغيرُه حُجَّةَ الحنفيَّةِ: أنَّ حديثَ جوازِ العرايَا هو في الهبةِ والهديَّةِ؛ وهذا لا يُوافِقُ ظاهرَ الحديثِ، ولا اصطلاحَ السلفِ.\nوالجِعَالةُ هي نوعٌ مِن أنواعِ الإجارةِ، ولكن ثَمَّةَ فروقٌ بينَهما:\nوذلك أنَّ الإجارةَ عقدٌ لازمٌ لا يجوزُ فسخُهُ، بخلافِ الجِعَالةِ فليست عقدًا لازمًا.\nوكذلك فإنَّه في الجِعَالةِ لا يجوزُ اشتراطُ تعجيلِ الأجرِ قبلَ العملِ الذي به يستحقُّهُ، بخلافِ الإجارةِ فيجوزُ تقديمُ الأجرِ.\nوالجِعَالةُ فيها احتمالُ الغَرَرِ والجهالةِ في العمل، بخلافِ الإجارةِ فلا بدَّ أن يكونَ العملُ فيها معلومًا.\nوالمنفعةُ في الجِعَالةِ لا يستحقُّها المالكُ إلَّا بعدَ تمامِ العملِ وإنجازِهِ، بخلافِ الإجارةِ فينتفِعُ المستأجِرُ بجزءٍ مِن العملِ.\nولا يَلزَمُ في الجِعَالةِ حضورُ المُتعاقِدَيْنِ، بخلافِ الإجارةِ فلا بدَّ مِن معرفةِ أحدِهما للآخَر، أو معرِفةِ مَن يقومُ مقامَهما، فمَن أحضَرَ صُوَاعَ المِلْكِ ليوسُفَ، استحَقَّ حِمْلَ البعيرِ ولو لم يكنْ معروفًا ليوسُفَ ولا خَوَّلَهُ يوسُفُ بعَيْنِهِ.\nوقولُه تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ دليلٌ على وجوبِ أن يكونَ الجُعْل معلومًا، فلا يصحُّ أن يكونَ الجُعْلُ مجهولًا؛ كمَن يقولُ: مَن جاء بكذا وكذا، فله شيءٌ، لا يُسمِّيهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1170>حُكْمُ الضَّمَانِ:</span>\nقولُهُ تعالى: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ الزعِيمُ هو الضامنُ والكفيلُ؛ كقولِهِ","vol":"3","page":1647},{"text":"تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠)﴾ [القلم: ٤٠]، ومنه قولُه -ﷺ-: (أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ) (١) زعيمٌ؛ يعني: كفيلًا، ومَن ضَمِنَ الشيءَ يجبُ عليه الوفاءُ به، وتجوزُ مُؤاخَذتُهُ عندَ تفريطِه، وقد جاء عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: (الزَّعِيمُ غَارِمٌ)؛ رواهُ أحمدُ وأصحابُ السنن؛ مِن حديثِ أبي أُمامةَ (٢).\nوإذا ضَمِنَ رجلٌ مالًا على أحدٍ، فلم يَفِ صاحبُ المالِ الأصليُّ بما عليه، فالعلماءُ يتَّفِقونَ على أنَّ الغرِيمَ الأصليَّ مُطالَبٌ بكلِّ حالٍ، ولا يسقُطُ الحقُّ عنه بمجرَّدِ وجودِ الضامن، ولكنِ اختلَفَ العلماءُ في صاحِبِ الحقِّ: هل يكونُ مخيَّرًا بالأخذِ ممَّن شاء منهما مِن الأصليِّ والضامنِ؟ على قولينِ:\nذهَبَ جمهورُ العلماءِ: إلى أنَّه يأخُذُ ممَّن شاء منهما حتى يَستوفِيَ حقَّه؟ وهذا قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ، خلافًا لمالكٍ في قولٍ له متأخِّرِ أنَّه لا يأخُذُ مِن الضامنِ حتى يَعجِز عن الأصليِّ؛ إما لِغِيَابِه، أو إفلاسِهِ.\nويصحُّ ضمانُ الحضور، وهي كفالةُ بدَنِ مَنْ عليه دَيْنٌ، وهي صحيحةٌ عندَ عامَّةِ العلماءِ؛ فمَنْ ضَمِنَ حضورَ أحدٍ وكفَلَه، وجَبَ عليه ولَزِمَه ذلك، وقد ذهب الشافعيُّ: إلى ضَعْفِها مِن جهةِ القياس، وظاهرُ الكتابِ ثبوتُها، وذلك في قولِهِ تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾ [يوسف: ٦٦].\n* * *\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٤٨٠٠).\n(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٦٧)، وأبو داود (٣٥٦٥)، والترمذي (١٢٦٥)، وأبو ماجه (٢٤٠٥).","vol":"3","page":1648},{"text":"* قال تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣)﴾ [يوسف: ٧٣].\nفي هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ السَّرِقةَ مِن الفسادِ في الأرضِ؛ فقد وَصَفُوا ما اتَّهِموا به بأنَّه فسادٌ في الأرض، ويجوزُ أن يُلحِقَ الحاكمُ السَّرِقةَ المتكرِّرةَ بالفسادِ في الأرص، فيَقتُلَ السارقَ كثيرَ السَّرقةِ عظيمَ الشرِّ تعزيرًا؛ وذلك في زمنِ انتشارِ السرقةِ وذيوعِها، وعندَ القدرةِ على أهلِها، والأمنِ مِن الفتنِ والفسادِ التابعِ لذلك.\nولا يجوزُ أن تُجعَلَ السرقة المجرَّدةُ الواحدة حِرَابَةً؛ فإنَّ في ذلك إسقاطًا لحدِّ القَطْعِ، والحِرَابةُ حَدٌّ تعزيريٌّ واسعٌ، والقطعُ حدٌّ ضيِّقٌ، ولا يختلِفُ العلماءُ أنَّه إنْ تحقَّقَتِ السرقةُ الأُولى بشروطِها أنَّه يجبُ فيها القطعُ، ولكنْ إنِ اقترَنَ بالسرقةِ دعوةٌ إلى فِعْلِها والارتِزاقِ منها، أو تكرَّرت تكرُّرًا فاحشًا واقترَنتْ بخَوْفٍ ولو داخِلَ البلدِ وليس في المَفازاتِ، فلا حرَجَ مِن إلحاقِها بالفسادِ في الأرضِ.\nوأمَّا ما جاء عندَ أبي داودَ والنَّسائيِ؛ مِن حديثِ جابرٍ، في قتل السارقِ في الخامسةِ؛ قال جابرُ بن عبد اللَّهِ: جِيءَ بِسَارِقٍ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: (اقْتُلُوهُ)، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ: (اقْطَعُوهُ)، قَالَ: فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةَ، قَقَالَ: (اقْتُلُوهُ)، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ: (اقْطَعُوهُ)، قَالَ: فقُطِعَ، ثَمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: (اقْتُلُوهُ)، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ: (اقْطَعُوهُ)، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: (اقْتُلُوهُ)، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنَّمَا سَرَقَ، قَالَ: (اقْطَعُوهُ)، فَأُتِيَ لهِ الخَامِسَةَ، فَقَالَ: (اقْتُلُوهُ)، قَالَ جَابِرٌ: فَانْطَلَقنَا بِهِ فَقَتَلْنَاهُ، ثُمَّ اجْتَرَرْنَاهُ فَأَلْقَينَاهُ فِي بِئْرٍ، وَرَمَينَا عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ (١).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٤٤١٠)، والنسائي (٤٩٧٨).","vol":"3","page":1649},{"text":"فهو حديثٌ لم يَعْمَل به أحدٌ مِن الصحابةِ ولا التابعينَ، وقد أنكَرَهُ النَّسَائيُّ (١)، وابنُ عبد البَرِّ (٢)، وقد عدَّه الشافعيُّ منسوخًا (٣)، وحكَى عدمَ معرِفةِ الخلافِ في ذلك ابنُ عبد البَرِّ (٤).\nوقال النَّسائيُّ: \"لا يصحُّ في البابِ شيءٌ\" (٥).\nوقد جاء أنَّ السارقَ يُقطَعُ أربعَ مرَّاتٍ مِن أطرافِهِ مِن حديثِ أبي هريرةَ (٦)، وعِصْمَةَ بنِ مالكٍ (٧)، ولا يصحُّ، والثابتُ عن أبي بكرٍ: قطعُ الرِّجْلِ في الثانيةِ (٨)، وأرادَ عمرُ قطعَ اليدِ في الثالثة، وخالَفَهُ فيه عليُّ بن أبي طالبٍ، فرجَعَ إلى قولِ عليٍّ (٩)، فعليٌّ لا يَرى القطعَ في الثالثةِ.\nوصحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ قطعُ يدِ السارقِ مِن خِلَافٍ إذا سرَقَ مرَّتَيْنِ (١٠)؛ تُقطَعُ يدُهُ اليُمنى ورِجْلُهُ اليُسرى.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦].\nكان يوسُفُ يَعلَم أنَّ هذا أخوه، ولكنَّه لا يستطيعُ غَصْبَهُ منهم بلا بيِّنةٍ منه، وفي هذا: أنَّه لا يجوزُ حُكْمُ الحاكمِ بعِلْمِه، فضلًا عن حُكْمِهِ\n_________\n(١) \"سنن النسائي\" (٤٩٧٨).\n(٢) \"الاستذكار\" (٢٤/ ١٩٦).\n(٣) \"فتح الباري\" لابن حجر (١٢/ ٩٩).\n(٤) \"الاستذكار\" (٢٤/ ١٩٥).\n(٥) \"السنن الكبرى\" للنسائي (٧٤٢٩).\n(٦) أخرجه الدارقطني في سننه (٣/ ١٨١)، والبيهقي في \"معرفة السنن والآثار\" (٦/ ٤١٠).\n(٧) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٤٨٣)، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ١٧٣).\n(٨) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٨٧٧٠).\n(٩) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٨٧٦٦).\n(١٠) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٨٧٦٣).","vol":"3","page":1650},{"text":"بعِلْمِهِ لحظِّ نفسِه، ولم يأخُذْ يوسُفُ بعِلْمِهِ المجرَّدِ حتى يُقيمَ عليه بيِّنةً وحِيلَةً.\nوقد تقدَّمَ الكلامُ مفصَّلًا على مسألةِ حُكمِ الحاكمِ بعِلْمِهِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾ [يوسف: ٧٧].\nتكلَّمَ إخوةُ يوسُفَ بالسُّوءِ في يوسُفَ مع تقادُمِ العهدِ وبُعْدِه، مع ما فعَلُوهُ به مِن تغييبٍ، وما لَحِقَهُ بعدَ ذلك مِن استعبادٍ ومُراودةٍ على فتنةٍ، ثُمَّ سَجْنِهِ وطُولِ مُكْثِهِ فيه، ومع ذلك كلِّه لم يَنتصِرْ يوسُفُ لنفسِهِ منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1171>انتصارُ الحاكِمِ للَّهِ ولِنَفْسِهِ:</span>\nوفي هذا: أنَّه ينبغي لمَن كان عملُهُ للَّه ويقومُ بأمرِ اللَّهِ في الناسِ: أنْ يَغِيب انتصارُهُ لنفسِه؛ لأنَّه إنْ كان الانتصارُ لنفسِهِ في كلِّ ما فاتَ مِن حقِّه، غابَ معه العدلُ، والقائمُ للَّهِ قد باعَ نفسَهُ له، فلا يَليقُ بمَن باعَ نفسَهُ للَّه أن يَنتصِرَ لها؛ فَإِنَّها ليستْ له.\nوهكذا ينبغي لأصحابِ الولاياتِ -وخاصَّةً الكُبْرى- أَلَّا يَنتصِرُوا لأنفُسِهم! لأنَّ مَنِ اتَّسَعَ أمرُهُ في الناسِ وسُلْطانُه، نالَ الناسُ منه ووقَعُوا فيه؛ لكثرةِ الجُهَّالِ والظَّلَمَة، وربَّما تكلَّمَ فبه بعضُ الناسِ بحقِّ، فإنِ انتصَرَ لنفِسهِ في كلِّ مَظلِمةٍ مِن فعلٍ وقول، انشغَلَ بالانتِصارِ لنفسِهِ عن الانتصارِ لأمَّتِه، وعاشَ لنفسِهِ ولم يَعِشْ لأُمَّتِه، وقد وقَعَ أقوامٌ مِن الجَهَلةِ","vol":"3","page":1651},{"text":"والمُنافِقينَ والظَّلَمةِ في النبيِّ -ﷺ- وهم تحتَ سُلْطانِهِ، فلم يَنتصِرْ لنفسِه، كما وقَعَ فيه جماعةٌ مِن جَهَلةِ الأعرابِ، وذو الخُوَيْصِرَة، وبعضُ المُنَافِقينَ كعبدِ اللَّهِ بنِ أُبَيٍّ وغيرِه.\nوالوقوعُ في الحاكِمِ وعِرْضِهِ ممَّن تحتَ سُلْطانِه ليس على حالةٍ واحدةٍ، وإنَّما هو على حالَتَيْنِ:\nالحالةُ الأُولى: إنْ وقَعَ أحدٌ في شخصِهِ مجرَّدًا، فأساء إليه أمامَهُ أو خلفَهُ، فلا ينبغي أن ينتصِرَ الحاكمُ والسُّلْطانُ لنفسِه؛ وإنَّما يعفو أو يَتغافَلُ! كما كان الأنبياءُ والنبيُّ -ﷺ- يفعل؛ لأنَّ الانتصارَ في مِثْلِ هذه الأشياءِ تتَّسِعُ دائرتُهُ؛ لكثرةِ أشخاصِ الناسِ وانفرادِ الحاكِمِ بشخصِه.\nالحالةُ الثانيةُ: أن يكونَ الوقوعُ فيه لا لِذَاتِه؛ وإنَّما لِما يَدْعُو إليه مِن دِينِ اللَّهِ وحُكْمِهِ وبيانِ شرعِه؛ فإنَّ هذا يتحوَّلُ مِن الكلام في نفسِ الحاكمِ إلى الكلامِ في شريعتِهِ ودِينِهِ وعدلِه، وقد كان النبيُّ -ﷺ- يُفرِّقُ بينَ مَن يقَعُ في ذاتِهِ وبينَ مَن يقعُ في دِينِه، وبينَ مَن يقعُ في ذاتِهِ وبينَ مَن يقعُ في ذاتِه وهو يُريدُ دِينَه، وفي \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ عائشةَ؛ قالت: \"وَاللَّهِ، مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ، حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمْ لِلَّهِ\" (١).\nفإِنْ كان الذي وقَعَ في دِينِهِ وشريعتِهِ وعدلِ اللَّهِ الذي يقومُ به في الناسِ -لم يَجهَرْ بذلك في الناس، ولم يَدْعُ الناسَ إلى قولِه-: فيُترَكُ كما ترَكَ النبيُّ -ﷺ- ذا الخُويَصِرَةِ وجَهَلةَ الأعرابِ حينَما قالوا ذلك أمامَهُ.\nوإن كان وقوعُهُ في دِينِهِ وشريعتِهِ وعدلِ اللَّهِ الذي يقومُ به في الناسِ -علانيَةً وَيَدْعُو الناسَ إلى قولِهِ-: فذاك يَبْغي فتنةً في دِينِ الناسِ وإبعادًا لهم عن دِينِهم؛ ومِن هذا قَتْلُ النبيِّ -ﷺ- لبعضِ مَن وقَعَ فيه ويُؤذِيهِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٧٨٦).","vol":"3","page":1652},{"text":"يبغي دِينَهُ وشريعتُهُ وَصَدَّ النَّاسِ عن اتِّباعِه؛ كما فَعَل بكعبِ بنِ الأَشْرَفِ وأَمْثَالِه.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤].\nبكَى يَعْقُوبُ وهو نبِيٌّ على ولدِهِ يوسُفَ، وبكى النبيُّ محمَّدٌ -ﷺ- على ولدِهِ إِبراهيمَ (١)، وبكى عنْدَ مَوْتِ إحدى بناتِهِ أثناءَ دَفْنِها (٢)، والحديثانِ في الصحيحِ مِن حَديثِ أَنَسٍ.\nوبكى أيضًا -ﷺ- عندَ وفاةِ حفيدِهِ ابنِ إِحْدى بنَاتِه؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\" مِن حديثِ أسامةَ بنِ زيدٍ (٣).\nوقد زارَ النبيُّ -ﷺ- قبرَ أُمِّهِ، فبَكَى وأبكَى مَنْ حولَهُ؛ كما في مسلمٍ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ (٤).\nوفي هذا: دليلٌ على جوازِ البُكَاءِ على الميِّت، وعدمِ الحرَجِ فيما يَغلِبُ النَّفْسَ مِن الحُزْنِ.\nوإنَّما طال حزنُ يعقوبَ ولم يطُلْ حزنُ النبيِّ -ﷺ-؛ لأنَّ يُوسُفَ غائبٌ يُرجَى في الدُّنيا، وإبراهيمَ ميِّتٌ لا يُرجَى فيها.\nوأمَّا الأحاديث الواردةُ في أنَّ الميِّتَ يُعذَّبُ ببكاءِ أهلِهِ عليه، منها حديثُ ابنِ عمرَ في \"الصحيحَيْنِ\" (٥)، فذلك محمولٌ على ما كانتْ تفعلُهُ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٣٠٣)، ومسلم (٢٣١٥).\n(٢) أخرجه البخاري (١٢٨٥).\n(٣) أخرجه البخاري (١٢٨٤)، ومسلم (٩٢٣).\n(٤) أخرجه مسلم (٩٧٦).\n(٥) أخرجه البخاري (١٢٨٦)، ومسلم (٩٢٨).","vol":"3","page":1653},{"text":"العربُ في الجاهليَّةِ مِن الوصيَّةِ بالبُكَاءِ والحُزِنِ عليه، واللَّطْمِ وَشَقِّ الجيوبِ، واستئجارِ النائحاتِ.\nوالمقصودُ من بَكَاءِ النبيِّ -ﷺ- وغيرِهِ من الأنبياءِ: هو ما تُغلَبُ النَّفْسُ عليه مِن رحمةٍ وشفقةٍ وألمِ الفَقْدِ؛ ولذا قال -ﷺ- لمَّا بكَى ابنَ بنْتِهِ وسأَلَهُ سعدُ بنُ عُبادةَ: ما هذا؟ ! قال: (هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّما يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) (١).\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾ [يوسف: ٩٣].\nأمَرَ يوسُفُ إخوتَهُ بالرجوعِ إلى أبيه، ووَضْعِ القميص على وجهِهِ والإتيانِ به، وظاهرُ الأمرِ: أنَّ الأصلَ أنْ يذهَبَ يوسُفُ بنفسِهِ إلى أبيهِ؛ لحقِّه عليه ولطُولِ غيابِهِ عنه، ولكنْ لمَّا كان يوسُفُ على وِلَايةٍ عامَّةٍ تَتَّصلُ بأسبابِ بلدٍ كاملٍ بمالِهِ ودماءِ أهلِهِ وأعراضِهِم وأموالِهِم، كان بقاؤُهُ أَولى مِن ذَهَابِه؛ فإنَّ ذَهابَهُ مصلحةٌ خاصَّةٌ تتحقَّقُ بغيرِه، وبقاؤُهُ مصلحةٌ عامَّةٌ لا تقوم غالبًا إلَّا به، ثمَّ إنَّ في ذَهَابِه غيابًا عن الناسِ واحتجابًا عنهم، وقد قال -ﷺ-: (مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ ﷿ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ)؛ رواهُ أبو داودَ (٢).\nوفي هذا: أنَّ حقَّ الرعيَّةِ على الحاكِمِ أَولى من حقِّ والدَيْهِ عليه، وأنَّ احتجابَهُ عن مَصَالحِهم أعظَمُ من احتجابِهِ عن والدَيْه؛ لظاهرِ تقديمِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٢٨٤)، ومسلم (٩٢٣).\n(٢) أخرجه أبو داود (٢٩٤٨).","vol":"3","page":1654},{"text":"بقاءِ يوسُفَ في مِصْرَ على الذَّهَابِ إلى والدَيْهِ؛ فقد جاء في إضاعةِ أمرِ الرعيَّةِ من التَّبِعَةِ الكبيرةِ والإثمِ العظيم قولُه -ﷺ- فيما رواه مسلمٌ: (اللَّهُمَّ، مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ) (١).\nوفي \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ مَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ؛ قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: (مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) (٢).\nوفي روايةٍ لمسلمٍ؛ قال -ﷺ-: (مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ، إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ الْجَنَّةَ) (٣).\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].\nلمَّا اكتمَلَ ليوسُفَ أمرُهُ، وانتهَى ما رآهُ مِن مقدورِهِ في إقامةِ أمرِ اللَّهِ وامتثالِهِ في إبلاغِ دِينِهِ، سأَلَ اللَّهَ الخِتَامَ على الإسلامِ واللَّحَاقَ بالصالحِين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1172>سؤال اللَّهِ حُسْنَ الخِتَامِ، وحُكْمُ تمنِّي الموتِ:</span>\nوفي هذا: أنَّ العبد إنْ بلَغَ مَرْتَبةً يَرى فيها أقصى ما يُدْرِكُهُ مِن الكمال، أن يَسأَلَ اللَّه الخِتَامِ على الإسلام واللَّحَاقَ بالصالِحِين؛ لأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ الغالِبةَ في الناس جَرَتْ أنَّ أقصَرَ مَراحلِ الإنسانِ مرحلةُ كَمَالِه، وهي كرأس الهَرَمِ ليس يعقُبُها إلَّا الموتُ عليه أو الانحدارُ وراءَهُ، ومَن\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٨٢٨).\n(٢) أخرجه البخاري (٧١٥١)، ومسلم (١٤٢).\n(٣) أخرجه مسلم (١٤٢).","vol":"3","page":1655},{"text":"نظَرَ في سِيَرِ الأنبياءِ والمُرسَلِينَ والأئمَّةِ الصالِحِين، وجَدَ أنَّ مرحلةَ البلاءِ والشِّدَّةِ أطولُ مِن مرحلةِ التمكينِ، ومِن ذلك حالُ يوسُفَ؛ فقد ذكَرَ كمالَ نِعَمِ اللَّه عليه الدُّنيويَّةِ والدِّينيَّةِ قبلَ سؤالِ اللَّهِ اللَّحَاقَ بالصالحينَ، فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾.\nوقد صحَّ عن قتادةَ قولُه: \"لمَّا جمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ وأَقَرَّ عينَهُ وهو يومئذٍ مَغْمُوسٌ في بيتِ نعيمٍ من الدُّنيا وَمُلْكِهَا وَغَضَارَتِهَا، اشتَاقَ إلى الصالِحِينَ قبلَه\" (١).\nوقد حمَلَ بعضُ السلفِ هذه الآيةَ في قولِ يوسُفَ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ على تمنِّي الموتِ، وقد رَوى السُّدِّيُّ، عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّه قال: \"هذا أوَّلُ نبيٍّ سأَلَ اللَّهَ الموتَ\" (٢).\nوبنحوِه قال قتادةُ (٣).\nومن هذا دعاءُ عمرَ؛ كما رواهُ مالكٌ في \"الموطَّأِ\"، عن سعيدِ بنِ المسيَّب؛ أنَّ عمرَ لمَّا أفاضَ من مِنًى أَنَاخَ بِالْأَبْطَحِ، ثُمَّ كَوَّمَ كَوْمَةً بَطَحَاءَ، ثُمَّ طَرَحَ عَلَيْهَا رِدَاءَهُ واسْتَلْقَى، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ، كَبِرَتْ سِنِّي، وَضَعُفَتْ قُوَّتِي، وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مُضَيِّعٍ وَلَا مُفَرِّطٍ\" (٤).\nوقد جاء النهيُ في السُّنَّة عن تمنِّي الموت مقيَّدًا بنزولِ الضُّرِّ وطلبًا للفِرَارِ من البأسِ، والواجبُ في ذلك: الثباتُ والصبرُ واحتسابُ الأجرِ،\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٣/ ٣٦٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٢٢٠٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٣/ ٣٦٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٢٢٠٤).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١٣/ ٣٦٦).\n(٤) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٨٢٤).","vol":"3","page":1656},{"text":"وسؤالُ اللَّهِ الموتَ عندَ نزولِ كلِّ ضُرٍّ: إساءةُ ظنٍّ باللَّهِ، ففي \"الصحيحَيْنِ\"؛ قال -ﷺ-: (لَا يَتَمَنَّيْنَّ أَحَدَكُمْ المَوْتُ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلِيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتُوفِّنِي إِذَا كَانَتْ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي) (١).\nوأمَّا ما جاءَ عن مريمَ مِن قولِها: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]، فذلك أنَّها تَمَنَّتِ الموتَ قبلَ نزولِ ما بها؛ لأنَّ البلاءَ سيَتْبَعُهُ قذفٌ لا تستطيعُ دفْعَهُ بحُجَّةٍ عقليَّةٍ، أمَا وقد نزَلَ فلم تَسْأَلِ اللَّهَ الموتَ فرارًا؛ وإنَّما ثبتَتْ وأخَذَتْ بالأسبابِ.\nوإذا نزَلَ بعبدٍ فتنةٌ في دِيِنِهِ، ولم يَقدِرْ على الثباتِ فيها، ولا القيامِ بواجبِ اللَّهِ عليه عِنْدَها، وَيَخشَى أن تُدرِكَهُ، فلا حرَجَ عيه مِن سؤالِ اللَّهِ الوفاةَ على الإسلامِ، ومِن ذلك سؤالُ السَّحَرَةِ مِن اللَّهِ الموتَ على الإسلامِ لمَّا خافوا مِن فِرْعَوْن وتهديدِهِ، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦].\nومِن ذلك: ما جاء في حديثِ ابنِ عبَّاسِ ومعاذٍ: \"وَإِذَا أرَدتَّ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ\"؛ رواهُ التِّرْمِذيُّ (٢).\nوطولُ العمرِ ليس محمودًا إِلَّا إنِ اقترَنَ بحُسْنِ العملِ، وطولُ العمرِ مع حُسْنِ العملِ خيرٌ مِن قصيرِهِ مع عملٍ حسَنٍ مُسَاوٍ له، ويومٌ في الدُّنيا يُخْتَمُ للإنسانِ به على طاعةٍ خيرٌ له مِن التعميرِ في الدُّنيا على كفرٍ وضلالةٍ، وقد رَوَى أحمدُ في \"المسنَدِ\"؛ مِن حديثِ أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ؛ قال: كَانَ رَجُلَانِ مِنْ بَلِيٍّ -حَيٌّ مِنْ قُضَاعَةَ- أَسْلَمَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَاسْتَشْهَدَ أَحَدُهُمَا، وَأُخِّرَ الْآخَرُ سَنَةً. قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ:\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٣٥١)، ومسلم (٢٦٨٠).\n(٢) أخرجه الترمذي (٣٢٣٣) و(٣٢٣٤).","vol":"3","page":1657},{"text":"فَأُرِيتُ الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ الْمُؤَخَّرَ مِنْهُمَا أُدْخِلَ قَبْلَ الشَّهِيدِ، فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَأَصْبَحْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-، أَوْ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: (أَلَيْسَ قَدْ صَامَ بَعْدَهُ رَمَضَانَ، وَصَلَّى سِتَّةَ آلَافِ رَكْعَةٍ، أَوْ كَذَا وَكَذَا رَكْعَةً صَلَاةَ السَّنَةِ؟) (١).\nوَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عن النَّبِيِّ -ﷺ-؛ قَالَ: (خَيْرُكُمْ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ) (٢).\nوسؤالُ اللَّهِ حُسْنَ الختامِ، وطلبُ الشهادةِ: ليس مِن تمنِّي الموتِ المنهيِّ عنه؛ بل هو مِن الأمورِ المحمودةِ.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٣٣).\n(٢) أخرجه أحمد (٤/ ١٨٨)، والترمذي (٢٣٢٩).","vol":"3","page":1658},{"text":"سلسلة منشورات مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض (١٦٦)\n\nالتفسير والبيان لأحكام القرآن\n\nتأليف\nعبد العزيز بن مرزوق الطريفي\nغفر الله له ولوالديه وللمسلمين\n\nاعتنى به\nعبد المجيد بن خالد المبارك\n\nالمجلد الرابع\n[من الحجر إلى الناس]","vol":"4","page":null},{"text":"التَّفسِيْرُ وَالبَيَان لِأَحكَامِ القُرآن (٤)","vol":"4","page":null},{"text":"جميع حقوق الطبع محفوظة لدار المنهَاج بالريّاض\nالطبعَة الأولى\n١٤٣٨ هـ\n\nمكتبة دار المِنهَاج للنشر والتَّوزيع\nالمملكَة العَربيَّة السّعُوديَّة - الرّيَاض\nالمركز الرئيسي - الدّائري الشرقي - مَخرَج ١٥ - جنوب أسوَاق المجد\nت: ٤٤٥٦٢٢٩ - فاكس: ٤٩٦٢٠١٤ - ص ب: ٥١٩٢٩ - الرّياض: ١١٥٥٣\nالفرُوع - طريق خالد بن الوليد (إنكاس سَابقًا) ت: ٢٣٢٣٠٩٥\nمكة المكرمة - الجميزة - الطريق النازل للحَرَم - ت: ٥٧٦١٢٧٧/ ٠٢\nالمَدينَة النَّبويَّة - أمَام الجَامِعَة الإسلامية من جهة الجنوب - ت: ٨٤٦٧٩٩٩/ ٠٤\nحِسَاب الدَّار في مَوقع تويتر: Alminhajj@","vol":"4","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1173>سورة الحجر</span>\nسورةُ الحِجْرِ مكيَّةٌ، وقد حُكِيَ الإجماعُ على ذلك (١)؛ ولهذا كانت الأحكامُ فيها قليلةً؛ فهي للتَّذكيرِ والاعتبارِ للمشرِكينَ بمَن سَبَقَهُمْ، وبيانِ مُشابَهةِ حُجَجِ المُعانِدينَ المتأخِّرينَ لأمثالِهم من السابِقِين، وفيها بيانٌ لِما في القرآنِ مِن الحُجَجِ والبراهينِ الدالَّةِ على حقِّ اللَّهِ على خَلْقِه.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٧، ٩٨].\nأخبَرَ اللَّهُ نبيَّه بعِلْمِهِ بما يَجِدُهُ النبيُّ -ﷺ- في صدرِهِ من ضِيقٍ وحَرَجٍ مِن قولِ كفارِ قريشٍ، ثم أمَرَهُ بالصلاة والذِّكْرِ عندَ وجودِ شيءٍ من الضِّيقِ والحزنِ واشتداد الأمورِ وصعوبتِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1174>صلاةُ الكَرْبِ، وإذا حَزَبَ الأمرُ:</span>\nوفي هذه الآيةِ: دليلٌ على مشروعيَّةِ الصلاة عندَ الشِّدَّةِ وحَزْبِ الأمرِ والهَمِّ، وأنَّ من وجَدَ شيئًا من ذلك، شُرِعَتْ له الصلاةُ كما تُشرَعُ عندَ قيام أسبابِها؛ كصلاةِ الضُّحا والاستخارةِ، وهي من ذوات الأسبابِ وتأخُذُ حُكْمَها، إلَّا أنَّ هذه الصلاةَ غيرُ مقدَّرِة الركَعاتِ؛ فجاءَ الحثُّ\n_________\n(١) \"زاد المسير\" (٢/ ٥٢٢)، و\"بصائر ذوي التمييز\" (١/ ٢٧٢).","vol":"4","page":1659},{"text":"عليها بلا عَدَدٍ، فتُصلَّى ركعتَيْنِ ومُضاعفاتِها، بخلافِ صلاةِ الاستخارةِ وصلاةِ الضُّحا، وتحيَّةِ المسجد، وركعتَي الطوافِ، فالأصلُ فيها أنَّها معدودةٌ، وإنَّما لم يُجعَلْ عددٌ لهذه الصلاةِ؛ لأنَّها تعلَّقتْ بأمرٍ، وهو شِدَّةُ الأمرِ والهمُّ منه، فتُشرَعُ الصلاةُ حتى يزولَ ذلك السببُ، كما تُشرَعُ صلاةُ الكُسُوفِ والخُسُوفِ حتى يزولَ السببُ.\nوقد كان النبيُّ -ﷺ- يَفزَعُ إلى الصلاةِ إذا حزَبَهُ أمرٌ، فكان يُصلِّي قُبَيْلَ لقاءِ العدوِّ، وعندَ اجتماع الأحزابِ، قال حُذَيْفةُ: \"رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- لَيْلَةَ الأَحْزَابِ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ فِي شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا حزَبَهُ أمرٌ صَلَّى\" (١).\nوقد قال عليُّ بن أبي طالبٍ: \"لَقَدْ رَأَيْتُنَا لَيْلَةَ بَدْرٍ وَمَا فِينَا إِلَّا نَائِمٌ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي وَيَدْعُو حتَّى أَصْبَحَ\" (٢).\nوالصلاةُ مِن أعظَمِ ما يُعِينُ العبدُ عند اشتدادِ الأمورِ، وإغلاقِ الأبوابِ، وانقطاع الأسباب، وقد قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، ولمَّا اشتَدَّ الأمرُ بموسى وقومِهِ، أُمِرُوا بالصلاةِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس: ٨٧].\nوهي كفايةٌ للعبدِ وعونٌ له ولو لم يَنْزِلْ به أمرٌ، فكيف إذا اشتدَّت عليه الأمورُ، وتكاثَرت عليه الهمومُ؟ ! وقد جاء في الحديثِ القدسيِّ: قال اللَّهُ: (يَا بْنَ آدَمَ، لَا تَعْجِزْ عَنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهارِ، أَكْفِكَ آخِرَهُ) (٣).\n_________\n(١) أخرجه المروزي في \"تعظيم قدر الصلاة\" (٢١٢).\n(٢) أخرجه المروزي في \"تعظيم قدر الصلاة\" (٢١٣)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٨٢٥).\n(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٢٨٦)، وأبو داود (١٢٨٩)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٤٦٨).","vol":"4","page":1660},{"text":"وكما تُشرَعُ الصلاةُ عندَ الكَرْبِ وإِذا حزَبَ الأمرُ، فيُشرَعُ الذِّكْرُ، وقد كان النبيُّ -ﷺ- يَخُصُّ بعضَ الذِّكَرِ دونَ بعضٍ عندَ ذلك؛ كما روى الشيخان؛ مِن حديثِ ابن عبَّاسٍ؛ أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَربِ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) (١).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٣٤٦)، ومسلم (٢٧٣٠).","vol":"4","page":1661},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1175>سورة النحل</span>\nوهي مكيَّةٌ؛ والأحكامُ فيها قليلةٌ، فهي تذكُرُ آياتِ اللَّهِ ومخلوقاتِهِ وتسخيرَهُ إيَّاها للإنسانِ، وتذكرُ نِعَمَهُ ورِزْقَهُ له، وما في ذلك مِن الدلالاتِ على ألوهيَّتِهِ وحَقِّهِ في العبادةِ، ومنها بضْعُ آياتٍ نزَلتْ بينَ مكَّةَ والمدينةِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥].\nإظهارُ النِّعْمةِ في هذه الآيةِ بالانتفاعِ مِن صُوفِ الأنعامِ ووَبَرِها وجلودِها: دليلٌ على طهارةِ جلودِها.\nوالآيةُ ذكَرَتِ الانتفاعَ بالجلودِ والشَّعَرِ والصوفِ بقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾، ولم يُذكَرِ الذَّبْحُ، وذلك لا دَلالةَ فيه صريحةً على مسألةِ جِلدِ المَيتَةِ؛ وذلك لأنَّ اللَّهَ تعالى ذكَرَ الأكلَ بعدَ ذلك فقال: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، ولا يعني ذلك جوازَ أكلِ المَيْتَةِ، ثمَّ إنَّ الآيةَ جرَتْ على الأصلِ؛ أنَّ الناسَ تَذبَحُ بهائمَ الأنعامِ ولا تُمِيتُها بخَنقٍ وغيرِ ذلك.\nوفي الآيةِ قُدِّمَ الدِّفءُ على الأكل، لأنَّه أظهَرُ فِي النفع وأكثَرُ؛ فإنَّ الناسَ تَلبَسُ وتَستدفئُ مِن الشُّعُورِ والصُّوفِ والجِلدِ أكثَرَ مِن أَكلِها لِلَّحْمِ، فالاستِدفاءُ واللُّبسُ دائمٌ، والأكلُ عارضٌ، ثمَّ إنَّ اللُّبسَ أدوَمُ وأَبْقى","vol":"4","page":1663},{"text":"فيَلبَسُ الإنسانُ مِن جلودِ الأنعامِ وشَعَرِها ما يَبقى معه أعوامًا، والأكلُ منها يَستهلكُه في يومِه.\nوظاهرُ القرآنِ والسُّنَّة دالٌّ على أنَّ جلودَ بهائمِ الأنعامِ المُذَكَّاةِ طاهرةٌ جائزةُ الاستعمالِ، وهذا لا خلافَ فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1176>الانتفاعُ مِن جُلُودِ المَيْتَةِ:</span>\nوقد اختلَفَ العلماءُ في جلودِ المَيتَةِ: هل يجورُ الانتفاعُ بها بعدَ دَبْغِها أم تأخُذُ عمومَ تحريم المَيتَةِ؟ على أقوالٍ:\nذهَب أكثَرُ الفقهاءِ إلى أنَّ الدِّباغَ يُطهِّرُها، والسُّنَّة دالَّةٌ على أنَّ جِلدَ المَيتةِ إذا دُبِغَ فهو طاهرٌ؛ وذلك لقولِه -ﷺ- في حديثِ ميمونةَ لمَّا مَرَّ بمَيتةٍ: (هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ) (١)، وقولِهِ -ﷺ-: (أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ) (٢).\nولمالكٍ قولٌ أنَّ جلودَ المَيتةِ لا تَطهُرُ بالدِّباغ، ولكنَّه يُنْتفَعُ مِن الجِلدِ بالشيءِ اليابس ولا يُصلَّى عليه ولا يُؤكَلُ فيه، كما رواهُ عنه ابنُ عبد الحَكَمِ (٣).\nوذهَب أحمدُ إلى أنَّ المَيتةَ لا يُنتفَعُ منها بشيءٍ؛ لحديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عُكَيْمٍ (٤)، وقد ضعَّفَ الحديثَ ابنُ مَعِينٍ (٥) وغيرُه.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٣٦٣).\n(٢) أخرجه أحمد (١/ ٢١٩)، والترمذي (١٧٢٨)، والنسائي (٤٢٤١)، وابن ماجه (٣٦٠٩).\n(٣) \"التمهيد\" (٤/ ١٥٦ - ١٥٧)، و\"تفسير القرطبي\" (١٢/ ٣٩٨).\n(٤) أخرجه أحمد (٤/ ٣١٠)، وأبو داود (٤١٢٨)، والترمذي (١٧٢٩)، والنسائي (٤٢٤٩)، وابن ماجه (٣٦١٣).\n(٥) \"تاريخ ابن معين\" - رواية ابن محرز (١/ ١٢٣).","vol":"4","page":1664},{"text":"وأمَّا جلودُ ما دَلَّ الدليل على نجاستِه كالكلب والخِنزيرِ، فجمهورُ العلماءِ على تحريمِ الانتِفاعِ بجِلدِه، ولا يَطهُرُ بالدِّباغ، خلافًا لداودَ وسُحْنُونٍ.\nوقد خصَّ مالكٌ المنعَ مِن الخِنزيرِ وحدَه، ولم يَرَ تحريمَ الانتفاعِ بجِلدِ الكلبِ، لأنَّه لا يَرى نجاسةَ بدَنِه، ويخُصُّها بلُعابِه.\nوأمَّا صوفُ المَيتةِ وشعورُها، فهو حلالٌ، وبهذا قال مالكٌ وأبو حنيفةَ والشافعيُّ في أحدِ أقوالِه.\nواستحَبَّ المالكيَّةُ غسْلَها؛ لِما رُوي عن أمِّ سلمةَ -﵂- عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: (لَا بَأْسَ بِمَسْكِ المَيْتَةِ إِذَا دُبِغَ، وَلَا بَأْسَ بِصُوفِهَا وَشَعَرِهَا وَقُرُونِهَا إِذَا غُسِلَ بِالمَاءِ).\nوقد رواهُ الطبرانيُّ والدارقطنيُّ (١)، ولا يصحُّ؛ ففيه يوسُفُ بن السَّفْرِ، وهو متروكُ الحديثِ.\nوقال الشافعيُّ في أحدِ قولَيْهِ بنجاسةِ شَعَرِ المَيتةِ وصُوفِها، وهو الصحيحُ عندَ جماعةٍ مِن أصحابِه.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦].\nفيه: أنَّ التجمُّلَ ببهائم الأنعام، وإظهارَ النِّعمةِ بذلك، والاكتِفاءَ عن الخَلقِ: من الأمورِ الجائزة، وفيه أنَّ مِن مَقاصدِ اتِّخاذِ بهائمِ الأنعامِ جَمَالَها في غُدُوِّها ورَوَاحِها، وفيه جوازُ شرائِها وبيعِها لأجْلِ جَمَالِها؛ لظاهرِ الآيةِ، وذلك أنَّ الرجُلَ يُغالي بثمنِ شاةٍ أو جملٍ أو بقرةٍ لِلَونِها\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٣/ ٢٥٨)، والدارقطني في \"سننه\" (١/ ٤٧).","vol":"4","page":1665},{"text":"وطولِها، ولو لم يكنْ ذلك لأجلِ لحمِها وصوفِها ولبنِها، فقد ذكَر المنافعَ وعَدَّها، وهي. (الأكلُ)، و(الدِّفْءُ)؛ يعني: مِن جلودِها وشَعَرِها وصوفِها ووبَرِها، و(جَمَالُها)، ثمَّ ذكَر بعدَ ذلك حَمْلَ الأثقالِ وشُربَ الألبانِ في قولِه تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ [النحل: ٧]، وقولِه: ﴿لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦].\nوما ذكَره اللَّهُ مِنَ النِّعَمِ، فيجوزُ جعلُ قيمةٍ له، ولكنَّ اللَّهَ قد جعَل الجَمَالَ بعدَ منفعةِ الأكلِ والدِّفءِ؛ لأنَّ تقديمَه عليها يكونُ مِن بابِ الفُضولِ والسَّرَفِ، ويفعلُه غالبًا أهلُ الغِنى والبَطَر، ومع جوازِ شراءِ الأنعامِ وبيعِها لجَمَالِها، إلَّا أنَّه يحرُمُ المغالاةُ في ذلك، كما يفعلُه أهلُ المُباهاةِ اليومَ ببيعِ الإبلِ والغنمِ بألوفٍ مؤلَّفةٍ وملايينَ كثيرةٍ مِمَّا يُغني قبائلَ بأَسْرِها، ويُطعِمُ فقراءَ بلدِ كاملٍ مِن أطايبِ اللحم، ويَكسُوهم مِن أجودِ الجلودِ والشعَرِ، فهو إنْ حُرِّمَ فيُحرَّمُ لأجلِ السَّرَفِ والمباهاةِ، لا لأجلِ كونِ البيعِ يكونُ للجَمَالِ؛ فإنَّ اللَّهَ ذكَرَه وعَدَّه نعمةً.\nويجوزُ اتِّخاذُ الأنعامِ والبهائمِ لأظهارِ العفَّةِ والغَناءِ عن الناسِ؛ لِما ثبَت في قولِ النبيِّ -ﷺ- في الخيلِ في الصحيحينِ: (وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا، وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً، فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ) (١).\nوقد ذكَر النبيُّ -ﷺ- أنَّ بعضَ الأنعامِ تُتَّخَذُ لعِزِّ أهلِها وكِفايتِهم وإظهارِ غِناهُم عن الناسِ، لا فخرًا ولا بطَرًا، كما قال -ﷺ-: (الْإِبِلُ عِزٌّ لِأَهْلِهَا، وَالْغَنَمُ بَرَكَةٌ، وَالْخَيْرُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)؛\nرواهُ ابنُ ماجَهْ (٢)، وأصلُه في \"الصحيحينِ\" بذِكرِ الخيلِ فقط (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٧٣٥٦)، ومسلم (٩٨٧).\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٣٠٥).\n(٣) أخرجه البخاري (٢٨٥٢)، ومسلم (١٨٧٣).","vol":"4","page":1666},{"text":"وإنَّما جعَلَ اللَّه العِزَّ في الإبلِ؛ لأنَّها أكثَرُ الأنعامِ منافعَ، فيُنتفَعُ منها باللِّباسِ والأكلِ واللبنِ والحَمْلِ والغزوِ، ولكنْ لا يُكَرُّ عليها ولا يُفَرُّ.\nوالبرَكَةَ في الغنمِ؛ لكثرةِ نمائِها، وما فيها مِن السَّكِينةِ في نفسِها وعلى أهلِها.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧، ٨].\nلمَّا ذكَرَ اللَّهُ تعالى بهيمةَ الأنعام، وذكَرَ منافعَها، وعَدَّها بأنَّها الانتفاعُ بجلودِها وشعَرِها وصوفِها وأكلِها وجَمَالِها-: ذكَرَ في هذه الآيةِ حَمْلَ الأثقالِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1177>أنواعُ الانتفاعِ مِن الأنعامِ والدوابِّ:</span>\nوفرَّقَ سبحانَه بينَ حَمْلِ الأثقالِ: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾، وبينَ الركوبِ بقولِه، ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾؛ وذلك أنَّ حملَ الأثقالِ؛ يعني: المتاعَ والزادَ في الطريق، والركوبُ ركوبُ الناسِ عليها في الأسفارِ، وهذا يختلِفُ بحسَبِ بهائمِ الأنعامِ:\nأمَّا الغنمُ: فلا تُركَبُ بالاتِّفاقِ؛ لأنَّ ذلك تعذيبٌ لها؛ فهي لا تَحتمِلُ راكبَها، فإذا كانتِ البقرُ لا تُركَبُ، فالغنمُ مِن بابِ أَولى، ولكنْ قد يُوضَعُ على الكبيرِ منها خفيفُ الماءِ ونحوُهُ ممَّا تَحمِلُهُ عادةً.\nوأمَّا البقرُ: فتَحمِلُ بسيرَ الأثقالِ، ولكنَّها لا تُركَبُ، لأنَّها لا تَقْوَى على حَمْلِ صاحبِها، ولم تُخلَق لذلك، ولكنْ يجوزُ حملُ بعضِ الأثقالِ","vol":"4","page":1667},{"text":"عليها ممَّا تَحمِلُهُ عادةً؛ كآلةِ الحَرْثِ التي تَجُرُّها وشِبْهِها، وقد ثبَتَ في \"الصحيحَيْن\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال -ﷺ-: (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً لَهُ، قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا، الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ الْبَقَرَةُ، فَقَالَتْ: إنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا؛ وَلَكِنِّي إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ)، فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ -تَعَجُّبًا وَفَزَعًا- أَبَقَرَةٌ تَكَلَّمُ؟ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: (فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) (١).\nوأمَّا الإبلُ: فيجوزُ اتِّخاذُها لحملِ الأثقالِ والركوبِ بلا خلافٍ.\nويُكرَهُ البقاءُ على ظهورِ الدوابِّ بلا سَيْرِ وحاجةٍ، فإنَّ ذلك يُؤذِيها، والركوبُ مع الحركةِ يسيرٌ عليها، وقد روى أبو داودَ في \"سُننِه\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ -ﷺ-؛ قال: (إِيَّاكُمْ أنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ، وَجَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فَعَلَيْهَا فَاقْضُوا حَاجَتَكُمْ) (٢).\nويُروى مِن حديثِ معاذٍ الجُهَنِيِّ: \"لَا تَتَّخِذُوهَا كَرَاسِيَّ\"؛ رواهُ أحمدُ (٣).\nولا يُشكِلُ على ذلك وقوفُهُ على ظَهْرِ دَابَّتِهِ في عَرَفةَ ويومَ النَّحْرِ؛ وذلك لأنَّه وقَفَ موقفًا يُرِيدُ أن يراهُ الناسُ فيَقتدُوا به، لا أن يَستتِرَ عنهم؛ وهذا مِن المَصالحِ التي تفوقُ ركوبَ الإبلِ بالسَّيْرِ بها والحَمْلِ عليها.\nوالمرادُ: كراهةُ إيذاءِ البهائِم وتكليفِها ما لا تُطِيقُ، وعدمُ استعمالِها بغيرِ حاجةٍ وضرورةٍ، وقد رَوَى أَحمدُ؛ مِن حديثِ أبي الدَّرداءِ مرفوعًا: (لَوْ غُفِرَ لَكُمْ مَا تَأْتُونَ إِلَى الْبَهَائِمِ، لَغُفِرَ لَكُمْ كَثِيرًا)، ورُوِيَ موقوفًا (٤)؛ والموقوفُ أصحُّ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٦٦٣)، ومسلم (٢٣٨٨).\n(٢) أخرجه أبو داود (٢٥٦٧).\n(٣) أخرجه أحمد (٣/ ٤٣٩).\n(٤) أخرجه أحمد (٦/ ٤٤١).","vol":"4","page":1668},{"text":"وذِكرُ اللَّهِ تعالى للخيلِ والبِغَالِ والحَمِيرِ وتخصيصُها بالركوبِ: دليلٌ على أنَّ السابقَ منِ الأنعامِ لا يُركَبُ، وهي الغنمُ والبقرُ، وأمَّا الإبلُ، فتُركَبُ وتَحمِلُ الأثقالَ بلا خلافٍ، وإنَّما لم يَذكُرْها اللَّهُ تعالى فيما يُركَبُ؛ لأنَّ النِّعْمةَ فيها بما تشرِكُ فيه مع غيرِ المركوبِ أظهَرُ، وهي استعمالُ الجلودِ والصُّوفِ وحملُ الأثقالِ؛ فهو أكثرُ مِن الانتفاعِ مِن رُكوبِها، وأمَّا الخيلُ والبغالُ والحميرُ، فيُنتفَعُ منها بالركوبِ أكثَرَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1178>لُحُومُ الخَيْلِ والحَمِرِ والبِغَالِ:</span>\nوقد استدَلَّ بعضُ الفقهاءِ بقولِهِ وتعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ على عدمِ جوازِ أكلِ لحومِ الخبلِ والبغالِ والحميرِ، ولا الانتفاعِ بجلودِها، وهذه الآيةُ ليستْ صريحةً في ذلك؛ لأنَّ ذِكْرَها في سياقِ الركوبِ هو كذِكْرِ الجَمَالِ في سياقِ حَمْلِ الأثقالِ: لا يعني أنَّه لا يجوزُ ركوبُها.\nوقد اختلَفَ العلماءُ في لحومِ الخَيْلِ على قولَيْنِ:\nوأكثرُ العلماءِ: على حِلِّ لحومِها.\nخلافًا لأبي حنيفةَ وقولٍ لمالكٍ؛ فقد كرِهها، والمعتمَدُ في مذهبِه تحريمُها.\nوالصوابُ: حِلُّها؛ فقد أكَلَها النبيُّ -ﷺ- وأصحابُهُ؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ -﵄- قالتْ: \"نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -ﷺ- فَرَسًا، فَأَكَلْنَاهُ\" (١).\nوقد رَوى الدارقطنيُّ؛ مِن حديثِ جابرٍ -﵁-؛ قال: \"سافَرْنا مَعَ رسولِ اللَّهِ -ﷺ-، فكنَّا نأكُلُ لحومَ الخَيلِ ونَشْرَبُ أَلْبَانَها\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٥١٠)، ومسلم (١٩٤٢).\n(٢) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٤/ ٢٨٨).","vol":"4","page":1669},{"text":"وقد استدَلَّ مَن قال بكراهةِ أكلِ لحومِها بدليلِ الخِطابِ في الآيةِ؛ حيثُ ذكَرَها اللَّهُ للركوبِ ولم يَذكُرْها للأكلِ، واللامُ في قولِهِ: ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ للتعليلِ، فذكَر اللَّهُ عِلَّةَ خَلْقِهِ لها، والعِلةُ المنصوصةُ تُفيدُ الحصرَ.\nوهذا الإطلاقُ فيه نظرٌ؛ وذلك لو صحَّ، لكان مانعًا مِن ركوبِ الإبلِ؛ فاللَّهُ ذكَرَها في الأكلِ والدِّفْءِ وحَمْلِ الأثقالِ، ولم يَذكُرْها في الركوبِ، وإنَّما المرادُ: أنَّ اللَّهَ يذكُرُ أظهَرَ النِّعَمِ في البهائم، وليس في ذلك حصرُها، ولو كانتِ الآيةً حاصرةً، لامتنَعَ لذلك جوازُ حَرْثِ الأرضِ بالبقرِ وغيرِه.\nوأمَّا الاستدلالُ بحديثِ خالدِ بنِ الوليدِ؛ أنَّه قال: \"نَهَى رسولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ، وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ\"، فقد رواهُ أبو داودَ (١) وغيرُهُ، ولا يصحُّ؛ أعَلَّه البخاريُّ وغيرُهُ (٢).\nثمَّ إنَّ سورةَ النحلِ مكيَّةٌ بلا خلافٍ، وأحاديثُ إباحةِ لحومِ الخيلِ مدنيَّةٌ بلا خلافٍ، ثمَّ إنَّ الآياتِ المكيَّةَ يُرادُ منها ذِكْرُ وجوهِ الاعتبارِ وحِكَمِ اللَّهِ في خَلْقِه، وليس المرادُ بذلك تفاصيلَ التشريعِ وحدودَه؛ فذلك إنَّما يَكونُ في السُّوَرِ المدنيَّةِ، والمكيُّ بَغلِبُ فيه الاعتبارُ لا التشريعُ.\nوعامَّةُ السلفِ على حِلِّ لحومِ الخيلِ، إلَّا ما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ، وقد جاء حِلُّ أكلِها عن جماعةٍ؛ كعبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ، وفَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ، وأنسِ بنِ مالكٍ، وأسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، وبه قال كبارُ التابعينَ: سُوَيْدُ بنُ غَفَلَةَ، وعَلْقمةُ، والأسْوَدُ، وعطاءٌ، وشُرَيْحٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والحسنُ البصريُّ.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٣٧٩٠)، والنسائي (٤٣٣٢)، وابن ماجه (٣١٩٨).\n(٢) \"شرح النووي على مسلم\" (١٣/ ٩٦).","vol":"4","page":1670},{"text":"وأمَّا الحميرُ، فالحميرُ على نوعَيْنِ: أهليَّةٌ ووحشيَّةٌ، والمقصودُ في الآيةِ الحُمُرُ الإنسيَّةُ؛ لأنَّ الوحشَّةَ لا تُركَبُ؛ لأنَّها تَنفِرُ مِن الناسِ، واللَّهُ ذكَرَ في الآيةِ نعمةَ الركوبِ، والحُمُرُ الأهليَّةُ يحرُمُ أكلُها، وقد حَكَى الإجماعَ على ذلك بعضُهم؛ كابنِ عبدِ البَرِّ (١)، وغيرِه، وقد ثبَتَ في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ -﵄-؛ قال: \"نهَى النبيُّ -ﷺ- عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ\" (٢).\nومِثلُه عندَهما مِن حديثِ أبي ثَعْلَبةَ (٣).\nوعلى ذلك عملُ الصحابةِ في تحريمِ أكلِ لحومِ الحُمُرِ الأهليَّةِ؛ كما قال أحمدُ: \"خمسةَ عشَرَ مِن أصحابِ النبيِّ -ﷺ- كرِهوها\" (٤).\nوأمَّا حمارُ الوحشىِ، فحلالٌ أكلُهُ، وقد أكَلَهُ النبيُّ -ﷺ- وأصحابُه، كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أبي قَتَادَةَ -﵁-؛ أنَّه صادَ حمارًا وحشيًّا وأتى بقطعةٍ منه للنبيِّ -ﷺ-، فأكَلَ منه، وقال لأصحابِهِ -ﷺ-: (هُوَ حلَالٌ؛ فكُلُوهُ) (٥).\nوأمَّا حمارُ الوحشِ الذي يَسَتأهِلُ، فيَبقى على أصلِهِ في حِلِّه، وحمارُ الأهلِ إذا توحَّشَ يَبقى على أصلِه في تحريمِه؛ كما قال الشافعيُّ؛ لأنَّ خُلُقَ الحُمُرِ الأهليَّةِ يُبابِنُ خُلُقَ الحُمُرِ الوحشيَّةِ مُبايَنَةَ يَعرِفُها أهلُ الخِبْرةِ بها.\nوأمَّا البِغالُ: فهي ما تولَّدَ من أصلَيْنِ محرَّمٍ ومباحٍ، أو مِن مباحَيْنِ، فإنْ تولَّدَ مِن مباحَيْنِ؛ كأنْ تكونَ أمُّهُ فرسًا وأبوه حمارَ وَحْشٍ، فهو\n_________\n(١) \"التمهيد\" (١٠/ ١٢٣).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٢١٩)، ومسلم (١٩٤١).\n(٣) أخرجه البخاري (٥٥٢٧)، ومسلم (١٩٣٦).\n(٤) \"المغني\" (١٣/ ٣١٧).\n(٥) أخرجه البخاري (١٨٢٣)، ومسلم (١١٩٦).","vol":"4","page":1671},{"text":"مباحٌ، لأنَّ أصلَيْهِ مباحانِ، وأمَّا إنْ تولَّدَ مِن أصلَيْنِ أحدُهما مباحٌ والآخَرُ محرَّمٌ؛ كالحمارِ الأهليِّ والفرسِ، فقد حكَى الاتِّفاقَ غيرُ واحدٍ على تحريمِ أكلِه، وقد رَوَى أبو داودَ؛ مِن حديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ -﵄-؛ قال: \"ذَبَحْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ، وَالْبِغَالَ، وَالْحَمِيرَ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ البِغَالِ وَالْحَمِيِرِ، وَلَمْ يَنْهَنَا عَنِ الْخَيْلِ\" (١).\nوقد سُئِلَ قتادةُ عن البغالِ؟ فقال: وهل هي إلَّا حمارٌ؟ (٢).\nوعلى هذا عامَّة السلفِ، وعن مالكٍ قولانِ: الكراهةُ المغلَّظةُ، والتحريمُ، ومحقِّقو أصحابِهِ يقولونَ بالتحريمِ.\nوقد اختلَفَ الفقهاءُ في الحيوانِ المتولِّدِ مِن أصلَيْنِ محرَّمٍ ومباحٍ كالغلِ:\nفمنهم: مَن يغلِّبُ التحريمَ مطلقًا؛ وهم الجمهورُ.\nومنهم: مَن يجعلُهُ يَتْبَعُ أُمَّه مطلقًا؛ وهو قولُ أهلِ الرأي مِن الحنفيَّةِ، ويختلفُ قولُهم بحسَب خِلافِهم في الأمِّ؛ فالبغلُ الذي أمُّه أَتَانٌ يحرُمُ أكلُ لحمِه؛ لأنَّه تَبَعٌ لأمِّه، والذي أمُّه فرسٌ فيَختلِفونَ فيه على خلافِهم في أكلِ الخيلِ؛ فهو مكروهٌ عندَ أبي حنيفةَ، ومباحٌ عندَ صاحبَيْهِ أبي يوسُفَ ومحمدِ بنِ الحسَنِ.\nوالأظهَر: أنَّه يغلِبُ عليه التحريمُ؛ وهذا عامٌّ في كلِّ مَن كان منه التولُّدُ مِن أصلَيْنِ مختلفَيْن مِثلُ السِّمْعِ الذي يكونُ متولِّدَا بَيْنَ الذِّئْبِ وَالضَّبُعِ، والعِسْبَارِ المتولِّدِ بينَ الضِّبْعَانِ والذِّئْبةِ.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣/ ٣٥٦)، وأبو داود (٣٧٨٩).\n(٢) \"المغني\" (١٣/ ٣١٩).","vol":"4","page":1672},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾ [النحل: ١٤].\nتقدَّم الكلامُ على صيدِ البحرِ ومَيْتَتِهِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقولِهِ تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)﴾ [المائدة: ٩٦].\nوفي الآيةِ: دليلٌ على حِلِّ حِلْيَةِ البحرِ وطهارةِ عَيْنِها، والإطلاقُ في قولِه: ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ دليلٌ على جوازِ حِلْيَةِ البحرِ للرِّجَالِ والنِّسَاءِ، إلَّا أنَّه لمَّا كان التحلِّي مِن عادةِ النِّسَاءِ، غلَبَ عليهنَّ؛ كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ [الزخرف: ١٨]، والمرادُ المرأةُ، ولكنْ لو تحلَّى الرجُلُ بحِلْيةِ البحرِ بالتختُّمِ بخاتَم اللؤلؤِ وغيرِه مِن الجواهرِ، جازَ ذلك بلا مُشابَهةٍ لصِفَةِ لُبْسِ النِّساءِ، وإنَّما ذكَرَ اللَّهُ اللُّبسَ ولم يخصِّصْ رجالًا ولا نساءً؛ لأنَّ حِلْيةَ البحرِ ليستْ ذهبًا ولا فِضَّةً ولا حريرًا؛ وهي محرَّمةٌ على الرِّجالِ بلا خلافٍ؛ كما قال -ﷺ-: (إنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي) (١).\nويُستثنى مِن ذلك تحليةُ السيفِ؛ باعتبارِ أنَّها ليستْ ملبوسةً؛ بل مستعمَلةً وكلُّ ما يَستعملُهُ الرجُلُ مِن الذهبِ والفضةِ ولا يكونُ مبوسًا كالقلمِ والدَّوَاةِ والمِفْتاحِ، فالأصلُ فيه الحِلُّ، والأرجحُ حِلُّ استعمالِ الذهبِ والفضةِ مِن ذلك للرِّجالِ.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١/ ١١٥)، وأبو داود (٤٠٥٧)، والنسائي (٥١٤٤) وابن ماجه (٣٥٩٥).","vol":"4","page":1673},{"text":"ويحرُمُ على الرِّجالِ والنِّساءِ الأكلُ في صحائفِ الذَّهَب والفِضَّةِ، والأكلُ في آنيتِهما؛ سواءٌ كانتِ الأواني والصحائفُ مِن ذهبٍ خالصٍ أو مَطليَّةً بالذهبِ؛ فالحُكْمُ لِما ظهَرَ منها.\nولس في الحليِّ المستعملِ والمُعَارِ زكاةٌ؛ كما تقدَّمَ بيانُهُ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ [التوبة: ٣٤].\nوتقدَّمَ الكلامُ على ركوبِ البحرِ وأحوالِه، وحُكْمِ الغزو فيه وفضلِه، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ [النحل: ٦٦].\nفي هذه الآيةِ: حِلُّ الألبانِ مِن بهيمةِ الأنعام، وما أحَلَّ اللَّهُ لحمَهُ فإنَّ لبنَةُ حلالٌ؛ وذلك لأنَّ اللحمَ أصلٌ واللبنَ فرعٌ، وضرر اللحومِ أشَدُّ مِن ضررِ الألبانِ؛ وذلك لأنَّ اللبنَ يتحوَّلُ مِن طعامٍ تحوُّلًا خفيفًا، بخلافِ اللحمِ؛ فإنَّ طعامَ البهيمة يتحوَّل إلى لحم في بَدَنِها في وقتٍ أطوَلَ مِن اللبنِ، فما حَلَّ لحمُهاِ مِن البهائمِ، فإنَّ لبنَها حلالٌ مِن بابِ أَولى كالخيلِ، وما حَرُمَ لحمُها، فلبنُها حرامٌ؛ كلبنِ الحمارِ.\nوأمَّا الاستدلالُ بالقرينةِ على أنَّ اللَّهَ ذكرَ الأنعامَ، وهي البهائمُ مِن الغنمِ والبقرِ والإبلِ، فذلك دليلُ خِطَابٍ على تحريمِ لَبَنِ غيرِها:\nففي هذا نظرٌ؛ لأنَّ الآيةَ مكيَّةٌ، ولم تأتِ لبيانِ محرَّماتِ الأطعمةِ؛","vol":"4","page":1674},{"text":"وإنَّما جاءتْ في سياقِ الاعتبارِ وذِكْرِ مِنَنِ اللَّهِ ونِعَمِهِ على عباده الموجِبةِ لِشُكْرِهِ وتوحيدِه.\nوكلامُ أئمَّةِ المذاهبِ الأربعةِ مُشعِرٌ بتحريمِ لبنِ الحميرِ، وفي كلام الحنفيَّةِ والشافعيَّةِ وجهانِ، والصحيحُ المنعُ، وهذا الذي صوَّبَهُ النوويُّ وابنُ الهُمَامِ.\nورُوِيَ عن بعضِ السلفِ؛ كعطاء والزُّهْريِّ وطاوسٍ: جوازُ التداوِي بلَبنِ الأَتَانِ، والأظهَرُ منعُهُ؛ فما حَرُمَ أكلُهُ وشربُهُ لا يَحِلُّ التداوِي به.\nوما يحرمُ أكلُ لحمِهِ يحرُمُ أكلُ وشربُ شيءٍ منه، وذلك كبَيْضِ ما حَرُمَ مِن الطيورِ، فهو حرامٌ كذلك؛ لحُرْمةِ أصلِهِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥].\nفي هذه الآيةِ: سَلْبُ قدرةِ المملوكِ، وأنَّه لا يَملِكُ شيئًا، ولكنَّ العلماءَ يتَّفقونَ على أنَّ العبدَ يملِكُ بُضْعَ زوجتِهِ، ويتَّفِقُونَ على أنَّه لا يَملِكُ بالميراثِ، وأنَّه لا يَملِكُ إلَّا ما ملَّكَهُ سيِّدُه؛ كما حكَى الاتِّفاقَ الماورديُّ (١) مِن الشافعيَّةِ وغيرُه.\nوقد اختلَفَ العلماءُ في العبدِ فيما إذا وقَعَ في يدِهِ شيءٌ مِن المالِ ملَّكَه له سيِّدُه: هل له تمامُ التصرُّفِ فيه ببيعٍ وشراءٍ أو لا؟ على قولَيْنِ، هما قولانِ عن الشافعيِّ:\nقال مالكٌ: إنَّ العبدَ يَملِكُ المالَ بتمليكِ سيِّدِه؛ حتى يجوزُ له أن يَشترِيَ ويتصرَّفَ في المالِ كيف يشاءُ؛ وهذا قولُ الشافعيِّ القديمُ.\n_________\n(١) \"الحاوي الكبير\" (٥/ ٢٦٥).","vol":"4","page":1675},{"text":"وأمَّا الجديدُ: فإنَّه يقولُ بأنَّه لا يَملِكُ التصرُّفَ فيما ملَّكَهُ سيِّدُهُ؛ لا ببيعٍ ولا شراءٍ، إلَّا بإذنِ سيِّدِهِ؛ وهذا قولُ أبي حنيفةَ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾ [النحل: ٨٠]\nقدَّمَ اللَّهُ الانتفاعَ باللِّباسِ كما سبَقَ على الانتفاعِ بصناعةِ البيوتِ مِن جلودِ الأنعامِ وشعَرِها؛ لأنَّ سَتْرَ البدَنِ أولى مِن الاستظلالِ بالبيوتِ، ولو خُيِّرَ الإنسانُ بينَ لِبَاسٍ يستُرُ بدَنَهُ بلا دارٍ، أو دارٍ تُؤْوِيهِ عاريًا، لاختارَ ما يستُرُ بدَنَه، لأنَّه لا يستطيعُ الانتفاعَ والضَّرْبَ في الأرضِ مع التعرِّي، وهذا يدُلُّ على عَظَمةِ سَترِ الأبدانِ ونِعْمةِ اللَّهِ فيها، وكلا السَّتْريْنِ نعمةٌ: سَتْرُ البدنِ باللِّباسِ، وسَترُ الأشخاصِ بالبيوتِ والسَّكَنِ فيها؛ ولكنَّ النِّعَمَ مَراتبُ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].\nقرَنَ اللَّهُ العدلَ والإحسانَ وإيتاءَ ذي القُرْبى بالنَّهْي عن الفاحشةِ والبغي؛ لأنَّه إذا حضَرَ العدلُ، غابَ البغيُ والفواحشُ، وهناك تلازُمٌ بينَ صِلَةِ الرَّحِمِ والإفسادِ في الأرصِ؛ أنَّ النفوسَ بينَها صِلَةٌ ومجبولةٌ على الحياءِ بعضِها مِن بعضٍ، فيَحتشِمونَ ويتهيَّبونَ مِن قومِهم، وإنْ أحَبَّ","vol":"4","page":1676},{"text":"السُّوءَ، ترَكَهُ لأجلِ أهلِهِ وقومِه، فإذا تقطَّعَتِ الأرحامُ، ظهَرَ الفسادُ؛ كما قال تعالى: ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢].\nوقد تقدَّم الكلامُ على القَرَابةِ وفضلِ صِلَةِ الرحِمِ ومَرَاتبِهم في أوَّلِ سورةِ النِّساءِ، وتقدَّم الكلامُ على قَرَابهِ العمِّ والخالِ وتفاضُلِهما عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤)﴾ [الأنعام: ٨٤]، وتقدَّم كلامٌ على فضلِ الإحسانِ إلى القَرَابةِ بالصَّدَقةِ والهَدِيَّةِ وقضاءِ الحاجة في مَوَاضِعَ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾ [النحل: ٩١].\nأمَرَ اللَّهُ بالوفاءِ بالعهدِ وأداءِ الأماناتِ، ونَهَى عن نَقْضِ الأيمانِ، وأوجَبَ مراقَبةَ اللَّهِ واستحضارَ عَظَمَتِهِ؛ لأنَّه هو الذي عَظَّمَها، وقد تقدَّم الكلامُ في صدرِ سورةِ المائدةِ على العهودِ والمواثيقِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢)﴾ [النحل: ٩٢].\nتقدَّم الكلامُ مفصَّلًا عن كفَّارةِ الأيْمانِ، وحُكْمِ اليمينِ الغَمُوسِ،","vol":"4","page":1677},{"text":"وكفَّارتِها، عندَ فولِهِ تعالى في آلِ عِمْرانَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾ [٧٧]، والمائدةِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨].\nأمَرَ اللَّهُ بالاستعاذةِ مِن الشيطانِ عندَ قراءةِ القرآنِ؛ لأنَّ الشيطانَ مع كُرْهِهِ للذِّكْرِ ونفورِهِ منه، إلَّا أنَّه يَتسلَّطُ على العبدِ باستحضارِ معاني السُّوءِ ومتُشابهاتِ القرآنِ ابتغاءً للفتنةِ منه، فيَصرِفُهُ عن التدبُّرِ والتفكُّرِ.\nوالاستعاذةُ ليستْ آيةً في أوائلِ السُّوَرِ، وليس كلامُ السلفِ فيها كالبسملةِ؛ وإنَّما الاستاذةُ دعاءٌ والْتِجاءٌ مِن العبدِ لربِّه عندَ قراءتِهِ القرآنَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1179>حُكْمُ الاستعاذةِ عندَ القِرَاءةِ:</span>\nويُشرَعُ عندَ استفتاحِ الصلاةِ بالفاتحةِ أن يستعيذَ القارئُ مِن الشيطانِ الرجيم، ولا خلافَ في ذلك، وإنَّما خلافُ السلفِ في وجوبِ الاستعاذةِ عندَ ذلك على قولَيْنِ؛ هما روايتان عن أحمدَ:\nفذهَبت طائفةٌ: إلى الوجوبِ؛ وهو قولُ عطاءٍ والثوريِّ والأوْزاعيِّ وداودَ، وهو روايةٌ عن أحمدَ اختارَها ابنُ بَطَّةَ مِن أصحابِنا، وقد حمَلُوا الأمرَ في الآيةِ على الوجوبِ، ومِن السلفِ: مَن يَرى وجوبَ الاستعاذةِ ولو مَرَّةً في العمرِ؛ فيرَوْنَ المَرَّةَ مُسقِطةً للوجوبِ.\nوذهَبتْ طائفةٌ: إلى استحبابِ التعوُّذِ عندَ ذلك؛ وهو قولُ أكثرِ العلماءِ، وهو المذهبُ عندَ أحمدَ.","vol":"4","page":1678},{"text":"والأظهَرُ: أنَّ الأمرَ في الآيةِ للاستحبابِ لا للوجوبِ، ولم يثبُتْ أنَّ النبيَّ -ﷺ- أمَرَ بالاستعاذةِ عندَ القراءةِ أمرًا حمَلَهُ أصحابُهُ على الوجوبِ، ومَن تأمَّلَ كلامَ السلفِ، وجَدَ أنَّهم لا يُوجِبونَ الاستعاذةَ، ويكادُ يكونُ ذلك عندَهم إجماعًا، وقد حكى الإجماعَ ابنُ جريرٍ (١) وغيرُه.\nوقد كان النبيُّ -ﷺ- يُعلِّمُ أصحابَهُ الصلاةَ، ولم يكنْ يأمُرُهُمْ بالاستعاذةِ، ولو كاد واجبًا، لَمَا ترَكَ ذلك؛ ومِن ذلك تعليمُهُ المُسِيءَ في صلاتِه، وهو في \"الصحيحَيْنِ\"، فقد عَلَّمَهُ النبيُّ -ﷺ- الصلاةَ، فقال له: (إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ. . .) (٢)، فعلَّمَهُ الصلاةَ، ولم يُعلِّمْهُ الاستعاذةَ.\nعلى خلافٍ عندَ الفقهاءِ في مُوجِبِ الاستعاذةِ في الصلاةِ: هل هو للصلاةِ أو للقراءةِ؟:\nومَن يَرى أنَّها للصلاةِ، يرى الاستعاذةَ ولو لم يَتَمكَّنِ المصلِّي مِن القراءةِ؛ فيكونُ حُكْمُها مستقِلًّا كحُكْمِ الاستفتاحِ؛ وإلى هذا ذهَبَ أبو يوسُفَ.\nوجمهورُ العلماءِ: على أنَّ الاستعاذةَ للقراءةِ، ويرَوْنَها في الفَرْضِ والنَّفْلِ، وكان مالكٌ يُقيِّدُها بالنفلِ ويَكْرَهُها في الفرضِ.\nوإذا لم تَجِبِ الاستعاذةُ عندَ القراءةِ في الصلاةِ، فإنَّها في خارجِها مِن بابِ أولى.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٤/ ٣٥٧).\n(٢) أخرجه البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧).","vol":"4","page":1679},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1180>صِيَغُ الاستعاذةِ:</span>\nوقد كان النبيُّ -ﷺ- يستعيذُ بألفاظٍ وصِيَغٍ متعدِّدةِ، وذلك بحَسَبِ المُوجِبِ والمُقتضِي مِن الأحوالِ؛ منها قولُهُ: (أَعُوذُ بِوَجْهِكَ) (١)، ومنها: (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ) (٢)، ومنها قولُهُ: (أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ) (٣)، وله استعاذةٌ عندَ دخولِ الخلاءِ، وهي قولُهُ: (اللَّهُمَّ، إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ) (٤)، وله استعاذةٌ عندَ الفَزَعِ، وهي قولُهُ: (بِاسْمِ اللَّهِ، أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ، وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَنْ يَحْضرُونِ) (٥)، وله استعاذةٌ عندَ تعويذِه بَنِيهِ؛ كما صنَع مع الحسَنِ والحُسَيْنِ، وهي قولُهُ: (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّه، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّه، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّه)، وذكَر أنَّ إبراهيمَ كان يُعوِّذُ بها إسماعيلَ وإسحاقَ (٦)، وكان للنبيِّ -ﷺ- استعاذةٌ عندَ دخولِهِ المسجدَ، وهي قولُه: (أعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (٧)، ورُوِيَ له استعاذةٌ عندَ نزولِ المَنزِلِ (٨)، وعندَ دخولِ البلدِ (٩)، وعندَ خطَراتِ النَّفْسِ ولَمَّةِ الشيطانِ (١٠).\nوأمَّا الاستعاذةُ عندَ القراءةِ، فأصحُّ شيءٍ في ذلك هو ظاهرُ القرآنِ، وقولُه -ﷺ-: (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)؛ كما جاء في حديثِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٦٢٨).\n(٢) أخرجه مسلم (٢٧٠٨) و(٢٧٠٩).\n(٣) أخرجه مسلم (٤٨٦).\n(٤) أخرجه البخاري (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥).\n(٥) أخرجه أحمد (٢/ ١٨١)، وأبو داود (٣٨٩٣)، والترمذي (٣٥٢٨)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١٠٥٣٣).\n(٦) أخرجه البخاري (٣٣٧١).\n(٧) أخرجه أبو داود (٤٦٦).\n(٨) أخرجه مسلم (٢٧٠٨).\n(٩) أخرجه النسائي في \"السنن الكبرى\" (٨٧٧٥).\n(١٠) أخرجه الترمذي (٢٩٨٨)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١٠٩٨٥).","vol":"4","page":1680},{"text":"أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ (١)، وابنِ عمرَ، ولم يَختلِفِ العلماءُ على هذه الصيغةِ، وقد حكى الإجماعَ عيها غيرُ واحدٍ؛ كالشاطبيِّ وغيرِه.\nوجاء في \"المسنَدِ\" و\"السُّننِ\": الاستعاذةُ عندَ القراءةِ بقولِه: (أعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ؛ مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ، ثُمَّ يَقْرَأُ) (٢)، كما جاء في بعضِ ألفاظِ حديثِ أبي سعيدٍ وورَدَ ذِكْرُهُ في قيامِ الليلِ؛ كما في \"السُّننِ\"، ومنهم مَنْ حكى الإجماعَ على ذِكْرِ \"السميعِ العليمِ\" فيه؛ كأبي عمرٍو الدانيِّ، وهذا في بعضِ ألفاظِ حديثِ أبي سعيدٍ، ومِن حديثِ جُبَيْرِ بنِ مُطعِمٍ (٣)، وابنِ مسعودٍ (٤)، وأبي أُمامةَ (٥)، وقد تكلَّمْنا على هده الأحاديثِ في كتاب \"العِلَلِ\".\nوأمَّا الاستعاذةُ، فلا يُجهَرُ بها، كما هو الأصحُّ في البسملةِ، وهي أَوْلَى بالإسرارِ مِن البسملةِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦].\nنزَلتْ هذه الآيةُ في عَمَّارِ بنِ ياسرٍ لمَّا عذَّبَتْهُ قريشٌ، وأكرَهُوهُ على قولِ الكفرِ؛ كما رواهُ الحاكمُ والبيهقيُّ، عن أبي عبيدةَ بنِ محمدِ بنِ عمارِ بنِ ياسرٍ، عن أبيه؛ قال: أَخَذَ المُشْيكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، فَلَمْ\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢٥٨٩).\n(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٥٠)، وأبو داود (٧٧٥)، والترمذي (٢٤٢)\n(٣) أخرجه أحمد (٤/ ٨٠)، وأبو داود (٧٦٤)، وابن ماجه (٨٠٧).\n(٤) أخرجه أحمد (١/ ٤٠٣)، وابن ماجه (٨٠٨).\n(٥) أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٣).","vol":"4","page":1681},{"text":"يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِيَّ -ﷺ-، وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرِ، ثُمَّ تَرَكُوهْ، فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: (مَا وَرَاءكَ؟)، قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ! قَالَ: (كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟)، قَالَ: مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ، قَالَ: (إِنْ عَادُوا فَعُدْ) (١).\nوالإكراهُ المقصودُ: هو الذي لا اختيارَ ولا قُدْرةَ للإنسانِ معه؛ كالتهديدِ بقتلِه، أو إتلافِ عضوٍ منه، أو تعذيبِهِ بما لا يُطيقُه، مِن قادرٍ على ذلك، ويَفِي عادةً لو توعَّدَ.\nولم يَختلِفِ العلماءُ على أنَّ الإسلامَ يصحُّ مع الإكراهِ على الكفر، ومَن أُكرِهَ على الكفرِ ولا حَيْدةَ له عنه، فلا شيءَ عليه في ذلك ما دام قلبُهُ مطمئنًّا بالإيمانِ.\nوالتفاضُلُ في بابِ الإكراهِ يَختلِفُ؛ فبعضُ المَقاماتِ يجبُ فيها الصبرُ ولو قُتِل الإنسانُ؛ كمَن يتيدَّلُ الدِّينُ بإظهارِه الكفرَ، وهذا كمَقَامِ الأنبياءِ؛ ولهذا لم يرخِّصِ اللَّه لنبيٍّ في التلبُّسِ بالكفرِ ولو قُتِلَ على إيمانِه، ومِثْلُهم أعيانُ ورَثَتِهم الذين تعيَّنَ على الواحدِ منهم الوقوفُ بالحقِّ والثباتُ عليه، فيكونُ مَقامُهُ في قومِهِ كمَقامِ النبيِّ في أُمَّتِهِ؛ تفرُّدًا وانقيادًا للناسِ معه، والناسُ في هذا مقاماتٌ؛ فمَقَامُهُمْ في الناسِ كمَقَامِهِمْ في العُذْرِ، وكلَّما ارتفَعَ مَقامُهم، نقَصَ عذرُهم.\nومع وجودِ الرخصةِ ففد حكَى بعضُ العلماءِ الإجماعَ على أنَّ مَن اختار القتلَ وهو قادرٌ على الثباتِ عندَ الشِّدَّةِ، فإنَّه أفضلُ ممَّن اختار الرخصةَ.\nولا فرقَ في الإكراهِ بينَ الأقوالِ والأفعالِ على الصحيحِ؛ وهو قولُ الجمهورِ، والأشْهَرُ عن أحمدَ، ويتعيَّنُ مع فعلِ أو قولِ الكفرِ والمعصيةِ\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣٥٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٠٨).","vol":"4","page":1682},{"text":"كراهيتُها بالقَلْبِ؛ وإلا كان استحلالًا؛ وهو معنى قوله: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾.\nوأمَّا ما جاءَ مِن حديثِ عُبادةَ (١)، وأبي الدرداءِ (٢): \"لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُطِّعْتُمْ، أَوْ حُرِّقْتُمْ، أَوْ صُلِّبْتُمْ\"، فهذا عامٌّ مخصوصٌ بالقلبِ؛ وذلك لظاهرِ الآيةِ: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)﴾ [النحل: ١١٥].\nتقدَّم الكلامُ على المحرَّماتِ مِن بهيمةِ الأنعامِ في مَواضِعَ، منها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقولِهِ تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ [النحل: ١٢٦].\nفي هذا: أمرٌ بالعدلِ حتى عندَ العقابِ والانتصارِ للنَّفْسِ، فيجبُ العدلُ مع الظالمِ كما يجبُ العدلُ للمظلومِ، ولمَّا كانتْ كثيرٌ مِن النفوسِ\n_________\n(١) أخرجه المروزي في \"تعظيم قدر الصلاة\" (٩٢٠).\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٤٠٣٤).","vol":"4","page":1683},{"text":"يَغيبُ عنها العدلُ عندَ انتصارِها لنفسِها؛ لِمَا جُبِلَتْ عليه مِن التشفِّي والأثَرةِ، أمَرَها اللَّهُ بالعدلِ وتحرِّي الإنصافِ عندَ الانتصارِ وعقابِ الظالمِ، وأن يكونَ ذلك بالمِثْلِ، وقد جاء بمعنى هذه الآيةِ آياتٌ كثيرةٌ؛ منها قولُهُ تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقولُهُ تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾ [الحج: ٦٠].\nوقد تقدَّم الكلامُ على الانتصارِ للنفسِ بمِثْلِ ما بُغِيَ عليها عندَ قولِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وسيأتي بيانُ أحوالِ الانتصارِ للنفسِ عندَ قولِهِ تعالى في سورةِ الشعراءِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ [الشعراء: ٢٢٧].\n* * *","vol":"4","page":1684},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1181>سورة الإسراء</span>\nسورةُ الإسراءِ سورةٌ مكيَّةٌ، كما قالهُ ابنُ عبَّاسٍ وجمهورُ المفسِّرين، واختُلِفَ في بعضِ آياتِها (١)، وجاءتْ في بيانِ معجِزاتِ النبيِّ -ﷺ-، والتذكيرِ بأحوالِ السابِقينَ مِن المُعانِدينَ لأنبيائِهم، وأمَرَ اللَّهُ فيها بتوحيدِهِ وببعضِ أصولِ الفِطْرةِ، وذكَرَ بعضَ الشرائعِ العِظَامِ والنواهِي المُوبِقةِ تعظيمًا لها؛ ليَعلَمَ الناسُ أنَّ دِينَ الإسلامِ دِينُ فِطْرةٍ؛ لا يخرُجُ عن دعوةِ الأنبياءِ جميعًا، ولا عن دواعِي الفِطْرةِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ (١٢)﴾ [الإسراء: ١٢].\nجعَلَ اللَّهُ دَوَرانَ الأفلاكِ؛ لمعرِفةِ الحسابِ ولتحديدِ المواقيتِ نفعًا للناسِ في دِينِهم ودُنياهم؛ بها يَعرِفونَ أوقاتَ العباداتِ ومواسمَها، وبها يَعرِفونَ مصالحَهم في دِينِهم ودُنياهم، وقد تقدَّم عندَ قولِهِ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] وقولِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] الكلامُ على الحِكْمةِ مِن الحسابِ بالأهِلَّةِ، وتقدَّم الكلامُ على منافعِ الحسابِ وحدودِ الانتفاعِ منه عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: ٩٦].\n_________\n(١) \"زاد المسير\" (٣/ ٧)، و\"الدر المنثور\" (٩/ ١٣٨).","vol":"4","page":1685},{"text":"وتقدَّم في قولِهِ تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] الكلامُ على التوسِعةِ في استقبالِ القِبلةِ بدَلَالةِ الشمسِ لا بضبطِ النجومِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦)﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٦].\nأمَرَ اللَّهُ ببِرِّ الوالدَيْنِ والإحسانِ إليهما بمكَّةَ، وقرَنَ بِرِّ الوالدَيْنِ بتوحيدِه، وهذا في مواضعَ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦] وقولِهِ تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: ١٥١].\nوبِرُّ الوالدَيْنِ تدعو إليه الفِطْرةُ، وهو مِن أعظَمِ شِيَمِ النفوسِ؛ فإنَّها مجبولةٌ على ردِّ المعروفِ إلى مَنْ أحسَنَ إليها، وأعظَمُ مُحْسِنٍ عليها مِن الخَلْقِ الوالدانِ.\nوفي قولِه تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ استحبابُ الدعاءِ للوالدَيْنِ المُسلِمَينِ بعدَ موتِهما، وهو مِن البِرِّ الذي لا ينقطِعُ.\nوقد تقدَّم الكلامُ على بِرِّ الوالدَيْنِ، وصِلَةِ الأرحامِ والأقاربِ، وحدودِهم، ومَن يجبُ وصلُهُ منهم، في صدرِ سورةِ النِّساءِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].\nوقولُه تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦)﴾،","vol":"4","page":1686},{"text":"فيه فضلُ الإحسانِ بالمالِ والنفقةِ على المحتاجِ، وقدَّمَ القَرَابةَ على غيرِهم؛ لأنَّ النفقةَ عليِهم صَدَقةٌ وصِلَةٌ، والهديَّةُ للأقرَبِينَ التي تؤلِّفُ القلبَ ويُوصَلُ بها رحمٌ: أفضلُ مِن الصَّدَقةِ على بعيدٍ متوسِّطِ الحاجةِ.\nوقد نَهَى اللَّهُ عن التبذيرِ حتى في الصَّدَقةِ، والمرادُ بذلك: الإنفاقُ بما يُضِرُّ بمالِ الرجُلِ وأهلِهِ وولدِهِ ومَنْ له حقٌّ عليه؛ وهذا كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧].\nوتقدَّم الكلامُ على السَّرَفِ والتبذيرِ وأنواعِهِ وحدودِهِ وكيفيَّةِ معرفتِهِ، عندَ آيةِ الأنعامِ السابقةِ، وعندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].\nوقد أمَرَ اللَّهُ بالإنفاقِ على مَنْ لا يُحسِنُ تدبيرَ المالِ، ونهَى عن إعطائِهِ إيَّاهُ؛ حتى لا يَضَعَهُ في غيرِ موضعِه؛ إمَّا بحرامٍ أو بسَرَفٍ في حلالٍ؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥]؛ ولهذا جاء النهيُ عن الوصيَّةِ فوقَ الثُّلُثِ؛ لأنَّ الوصيَّةَ فوقَ الثلُثِ تُضِرُّ بالورثةِ، وقد بيَّنَ اللَّهُ فضلَ الإحسانِ إلى الورثةِ مِن بعدِ الموتِ بِتَرْكِ مالٍ لهم؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾ [النساء: ٩]، وعندَ هذه الآيةِ تكلَّمْنا على الوصيَّةِ بالثُّلُثِ، وحُكْمِ الوصيَّةِ بما زاد عليها، ووصيَّةِ الرجُلِ بمالِهِ كلَّه إنْ لم يكنُ له ورثةٌ.\n* * *","vol":"4","page":1687},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾ [الإسراء: ٣١].\nتقدَّم في سورة الأنعامِ قولُهُ تعالى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [١٥١] وأراد أنَّ الذي رزَقَ الآباءَ مِن قبلُ هو الذي يتكفَّلُ برِزَقِ الأبناءِ مِن بعدُ، فالربُّ واحدٌ، فقد كاد يَخشى الجَدُّ على ولدِه، فرزَقَ الجَدَّ وولدَه، ثمَّ خاف الأبُ على ولدِه، فرزَقَ الأبَ وولدَه؛ وهكذا فرَبُّ الأجيالِ واحدٌ.\nوفي قوله تعالى في هذه السورة ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ مع قولِهِ في سورةِ الأنعامِ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [١٥١]، إشارةٌ إلى أنَّ اللَّهَ يرزُقُ الوالدَ بالولدِ، ويرزُقُ الولدَ بالوالدِ؛ برَكةً متبادَلةً، ومِن ذلك ما في سورةِ الكهفِ في مالِ اليتيمَيْنِ، قال: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [٨٢]، وقد يَحفَظُ اللَّهُ الولدَ بعملِ والدِه، ولكنْ لا يُضيِّعُهُ لضياعِ والدِه؛ فلا تَزِرُ وَازِرةٌ وِزْرَ أُخرى؛ ولذا قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾ [المدثر: ٣٨ - ٣٩]؛ وهذا في الدُّنيا والآخِرةِ، فيَلحَقُ الولدُ والدَهُ في الخيرِ في الآخِرةِ إنْ كانَا مؤمنَيْنِ، ولا يَلحَقُهُ في الشرِّ، وجزاؤُهُ بعملِه؛ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١].\nوقد تقدَّم الكلامُ على قتلِ الأولادِ في الجاهليَّةِ وأسبابِه، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ [الأنعام: ١٤٠].\n* * *","vol":"4","page":1688},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٣ - ٣٥].\nفي هذا حقُّ الأولياءِ بالقِصاصِ والعفوِ في قتلِ العَمْدِ، ولهم العفوُ عن الدِّيَةِ في قتلِ الخطأِ؛ فقد بيَّنَ اللَّهُ أنَّ للوليِّ السلطانَ في ذلك، فلا يجوزُ لأحدٍ أن يتقدَّمَ على الوليِّ في ذلك مهما بلغ سلطانُهُ وجاهُهُ ومالُه.\nوقد قال ابنُ عبَّاسٍ: \"بيِّنةٌ مِن اللَّهِ -﷿- أنزَلَها يطلُبُها وليُّ المقتولِ: العَقلُ، أو القَوَدُ؛ وذلك السُّلْطانُ\" (١).\nثمَّ حذَّر اللَّهُ ولِيَّ المقتولِ مِن البغيِ والعُدْوان، وذلك بالإسرافِ في القتلِ، فيقتُلُ غيرَ قاتِلِه؛ كمَن يقتُلُ سيِّدًا مِن أولياءِ القاتلِ يُريدُ أن يتشفَّى منهم؛ فإنَّ اللَّهَ جعَلَ نفوسَ المؤمِنينَ واحدةً، فلو قتَلَ رجلٌ ضعيفٌ رجلًا قويًّا غنيًّا سيِّدًا، فإنَّه يُقتَلُ الضعيف بالقويِّ، ولا يُقتَلُ مِن قومِ الضعيفِ قويٌّ مِثلُ المقتولِ؛ فهذا سرَفٌ ومِن عملِ الجاهليَّةِ.\nومِن السَّرَفِ قتلُ اثنَينِ بواحدٍ، أو التمثيل وإفسادُ المالِ مع القتلِ، وقد بيَّن اللَّهُ نصرَ اللَّهِ له بحُكْمِهِ وفَصْلِه، ولكنَّه لا يجوزُ له مجاوزةُ حُكمِ اللَّهِ وشرعِه، ومنهم مَن قال: إنَّ المُعتدَى عليه منصورٌ في الحالَيْنِ.\nوقد تقدَّم الكلامُ على القِصاصِ في مواضعَ؛ منها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقولِهِ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥].\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٤/ ٥٨٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٢٣٢٩).","vol":"4","page":1689},{"text":"وتقدَّم الكلامُ على مالِ اليتيمِ وحِفْظِهِ والمتاجَرَةِ فيه وخلْطتِه، ووقتِ بلوغِهِ ودفعِ المالِ إليه، في سورةِ البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وفي أوائل سورةِ النِّساءِ.\nوتقدَّم الكلامُ على الوفاءِ بالعهودِ في صدر المائدة، وتقدَّم الكلامُ على التطفيفِ بالمِكْيالِ والمِيزانِ وأخذِ العُشُور والضرائب عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١)﴾ [الإسراء: ٧١].\nفي هذه الآية: فضلُ الأخذِ باليمينِ، وأنَّ استعمالَ اليمينِ: في الأمورِ الشريفةِ والكريمةِ؛ وهذا ظاهرٌ في قولِهِ تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧)﴾ [طه: ١٧]، فقد كان يُمسكُ عصًا بيمينِهِ، وفي قولِهِ تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ [العنكبوت: ٤٨]، فجعلَ الخطَّ والكتابةَ باليمين؛ وهذا هو الأقرَبُ إلى الفِطْرةِ، وهو السُّنَّةُ؛ لأنَّ الكتابةَ شريفةٌ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨].\nالدُّلُوكُ: زوالُ الشمس؛ كما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمَر (١)؛ يعني: دخولَ وقتِ الظُّهر، ثمَّ في قولِهِ تعالى، ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾؛ يعني:\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٥/ ٢٥).","vol":"4","page":1690},{"text":"بقيَّةَ الصلوات: العصرَ والمغرِبَ والعشاءَ، ثم خَصَّ الفَجْرَ بالذِّكْر؛ كما خَصَّ الظُّهْرَ، فقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]؛ يعني: صلاةَ الفجرِ.\nوفي هذه الآية: بيانٌ لبعضِ مواقيتِ الصلاة، وقد تقدَّم مزيدُ تفصيلٍ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]\nشرَعَ اللَّهُ لنبيِّهِ التهجُّدَ بمكَّةَ، وهذا دليلٌ على فضلهِ؛ فإنَّ اللَّه شرَعَ له أفضلَ الأعمالِ وأعظَمَها بمَكَّةَ، وتقدُّمُ التشريعِ دليلٌ على الفضلِ؛ لهذا تقدَّمَ بيانُ التوحيدِ وتشريعُ بعضِ أركانِ الإسلام، ويأتي الكلام على قيامِ الليلِ -بإذنِ اللَّهِ- في سورة المُزَّمِّلِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].\nوفي هذا: بيانٌ لخَفَاء أمرِ الرُّوحِ، وأنَّها ممَّا لا يتمكَّنُ أحدٌ مِن الوقوفِ على حقيقتِهِ، فضلًا عن التحكُّمِ والتصرُّف فيه، وغايةُ ما يفعلُهُ العلماءُ: تعريفُ الرُّوحِ ومحاوَلَةُ تمييزِها عن النَّفْسِ، وقد كتَبُوا في ذلك كثيرًا.\nوفي هذه الآيةِ: دليلٌ على بُطْلانِ ما يُسمَّى بطِبِّ الأرواحِ","vol":"4","page":1691},{"text":"وعلاجِها، فهم إن قَصَدُوا طِبَّ النفوسِ، فهذا ممكِنٌ؛ لمعرفةِ كثيرٍ مِن أحوالِ النَّفْسِ ممَّا ظهَرَ منها ودَقَّ، وقد أخبَرَ اللَّهُ في القرآن، والنبيُّ -ﷺ- في السُّنَّةِ، عن كثير من أَمْرِها ومَداخِلِها، وتصرُّفِها في صاحِبِها، وسياستِها، وطِبِّها وأدوائِها.\nوإنَّما يبطل ما يُسمَّى بطِبِّ الأرواحِ؛ لخَفاءِ الرُّوح بذَاتِها، فضلًا عن العِلْمِ بها، فضلًا عن الحديثِ عن علاجِها؛ فإنَّ أهلَ الطبِّ يَعجِزونَ ويتعسَّرُ عليهم معرِفةُ كثير من بعض الأمراض البدنيَّةِ المحسوسة وتحديدُ علاجها؛ فكيف بشيءٍ أخفاه اللَّهُ عن الإنسانِ؟ ! والكتُبُ المصنَّفة في هذا الباب ككتُبِ الرُّوح والنَّفْس هي في بيانِ حَدِّ الرُّوح ومحاولة الوقوفِ على شيءٍ ممَّا ذُكِرَ عنها، وكلُّ ما ورَدَ في ذلك من غيرِ الوحي تكهُّنات، لا حُجَجٌ ولا بيِّنات.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٧، ١٠٨].\nذكَرَ اللَّه أهلَ الإيمانِ والعِلْمِ، وذكَرَ من أفعالِهم الخضوع للَّهِ وَخَشْيَتَهُ، وذلك بالسجودِ للَّهِ عندَ قيامِ مُوجِبِ ذلك، وقد تقدَّم الكلامُ على أسباب السجود في غير الصلاة، وحُكُم السجودِ من غيرِ سببٍ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨]، وقولِهِ تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠)﴾ [الأعراف: ١٢٠].\nوحمَلَ بعضُهم السجودَ في هذه الآيةِ على سجودِ التلاوةِ؛ لاقترانِهِ","vol":"4","page":1692},{"text":"بقراءةِ القرآن، وسجودُ التلاوةِ سُنَّةٌ، وعلى هذا عملُ الخلفاءِ الراشِدِينَ والصحابة، وهو قولُ جمهورِ الفقهاءِ؛ لِما في \"الصحيحَيْنِ\"، مِن حديثِ زيِد بنِ ثابتٍ: \"أنَّه قرَأَ على النبيِّ -ﷺ- سورةَ النَّجْمِ، فلم يَسْجُدْ فيها\" (١).\nوفي البخاريِّ، عن عمرَ؛ قال: \"إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُود، فَمَنْ سَجَدَ، فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدُ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ\"، وقال ابنُ عمرَ: \"إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفرِضِ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ\" (٢).\nوفي قولهِ تعالى: ﴿سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ [الإسراء: ١٠٧، ١٠٨] مشروعيَّةُ التسبيحِ في السجود، ويأتي الكلامُ على التسبيح في السجودِ والركوعِ وحُكْمِهِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)﴾ [السجدة: ١٥].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠].\nسمَّى اللَّهُ قراءةَ القرآنِ صلاةً في هذه الآيةِ، كما سمَّى الصلاةَ قرآنًا في قولِهِ تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].\nوهذه الآيةُ نزَلَتْ بمكَّةَ حينَما كاد النبيُّ -ﷺ- يَجهَرُ بالقرآنِ فيَنفِرُ منه كفارُ قريشٍ ويُؤْذونَهُ، وربَّما خافَتَ حتى لا يَكادَ يَسمعُهُ مَن يَسْتخفِي مِن المؤمِنينَ؛ كما في \"المسنَدِ\" و\"الصحيحَيْنِ\"، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: نزَلَتْ هذه الآيةُ ورسولُ اللَّهِ -ﷺ- مُخْتَفٍ بمكَّةَ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾؛ قال: كان إذا صلَّى بأصحابِه، رفَعَ صوتَهُ بالقرآن، فلمَّا سَمِعَ ذلك\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٠٧٢)، ومسلم (٥٧٧).\n(٢) أخرجه البخاري (١٠٧٧).","vol":"4","page":1693},{"text":"المشركون، سَبُّوا القرآنَ وسَبُّوا من أنزَلَهُ ومَنْ جاءَ به، قال: فقال اللَّهُ تعالى لنبيِّه -ﷺ-: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾؛ أي: بقراءتِكَ فيَسمَعَ المشرِكونَ فيَسُبُّوا القرآنَ، ولا تخافت بها ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابِك، فلا تُسْمِعُهم، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (١).\nوهذه الآيةُ تتَّصِلُ بالدعوةِ وتبليغِ الناسِ والأخذِ بالحِكْمةِ في ذلك، ومِن العلماءِ: مَن حمَلَها على مسألةِ الجهرِ بالقراءةِ في الصلاةِ وقراءةِ المأمومِ خلفَ الإمامِ، وقد تقدَّم ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].\n* * *\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١/ ٢٣) والبخاري (٤٧٢٢)، ومسلم (٤٤٦).","vol":"4","page":1694},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1182>سورة الكهف</span>\nهذه السورةُ مكيَّةٌ، وهي من العِتَاقِ الأُوَلِ التي نزَلَتْ على النبيِّ -ﷺ-؛ كما قال ابنُ مسعودٍ في بني إسرائيلَ والكهفِ ومريمَ وطه والأنبياءِ: إنَّهُنَّ مِن العِتَاقِ الأُوَلِ، وهنَّ من تِلَادِي (١).\nوهي مِن قَصَصِ القرآنِ للاعتبارِ والاتِّعاظِ والإعجازِ مِن ذِكْرِ خبرِ الماضِينَ، وأحكامُها مستنبَطةٌ لا منصوصةٌ، وهي متعلِّقةٌ بشرعِ مَنْ قبلَنا، ومقدارِ ما تُوافِقُهُ شريعتُنا، وفي هذه المسألةِ كلامٌ، تقدَّم شيءٌ منه عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف: ١٢].\nمكَثَ أهلُ الكَهْفِ في كَهْفِهم سِنينَ لا يَعلَمُونَ هم قَدْرَها ولا أهلُ المدينةِ الذين خرَجُوا إليهم كذلك، فلم يَعلَمِ الكفارُ ولا المؤمِنونَ ذلك القَدْرَ، وقد اختُلِفَ في المقصودِ بالحِزبَيْنِ؛ فقيل: إنَّهم قومُ الفِتْيةِ، ومنهم مَن قال: قومُهم وغيرُهم.\nوفي هذه الآيةِ: دليلٌ على أثرِ عِلْمِ الحسابِ والتاريخِ في الاعتبارِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٧٣٩).","vol":"4","page":1695},{"text":"والاتِّعاظِ؛ فقد جعَلَ اللَّهُ إحصاءَ معرِفةِ ذلك مِن آياتِه، وكلَّما كان الإنسانُ أكثَرَ نظرًا وسَبْرًا للأحوالِ وأزمِنَتِها وما تَغَيَّرتْ خِلَالَه، كان أكثَرَ اعتبارًا مِن غيرِهِ ممَّن لا يَرَى إلَّا المشاهَداتِ ولا يَصِلُها بما مضى مِن حالِها.\nوفي هذه الآيةِ: فضلُ عِلْمِ الحسابِ والتاريخِ، وفضلُ تعلُّمِهِ وتعليمِهِ ونشرِهِ للناسِ، مع بيانِ أثرِهِ على الإيمانِ باللَّهِ، وما فيه من إظهار آياتِه وقُدْرتِه.\nواللَّهُ تعالى قدَّر على أهلِ الكهفِ ما نزَلَ بهم، وقدَّر زمَنَ بقائِهم والناسِ من حولِهم، ويَعلَمُ ذلك قبلَ كونهِ، بعلمٍ سابق، وبعدَ بعلمٍ لاحِق، فقول: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾؛ يعني: لِنَعْلَمَ ذلك واقعًا، ويَظهَرَ أمرُهم علانيَةً، وعلمُ اللَّهِ اللاحقُ موافقٌ لِعلْمِهِ السابِقِ، لا مخالفٌ له، وعلمُه السابقُ علمٌ بأنَّ هذه الأحداثَ ستكون، وعلمُهُ اللاحقُ علمٌ بأنَّها كانت أو تكونُ بعد علمِهِ بأنها ستكون، واللَّهُ يُجْرِي الأحداثَ ليُظهِرَ منها أشياءَ للناسِ، ويبتليهم ويقيمَ عليهم الحجةَ بذلك؛ ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾ [آل عمران: ١٥٤]، فلمَّا ذكَرَ أنَّه يَبتلِيهِم ليُخرِجَ ما في قلوبِهم، قال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ يعني: أنَّه يَعلَمُهُ ولو لم يَظهَرَ؛ وإنَّما يُظهِرُهُ لكم لِيَعْلَمَهُ واقعًا، فَتَرَوْهُ وتَسْمَعوه.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾ [الكهف: ١٨].\nذكر اللَّهُ مع أصحابِ الكهفِ كلبًا، وأضافَهُ إليهم في قولِهِ:","vol":"4","page":1696},{"text":"﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾؛ أي: كَلْبُهم الذي كان معهم مِن قَبْلُ، لا كلبُ غيرهم، وقد عَدَّهُ معهم لكونِهِ منهم، فلو لم يكنْ مُصاحبًا لهم قبلَ دخولِهم الكهفَ، لم يَذكُرْهُ في العَدَدِ معهم، وذلك في قولِهِ تعالى بعدُ: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، وقال: ﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، وقال: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢].\nومن القرائن كذلك قولُه تعالى: ﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾؛ يعني: في فِنَاءِ الكهفِ في صورةِ الحارسِ لهم لِيُهَيِّبَهم، وفي ذلك قال تعالى، ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾؛ يعني: منهم ومِن كلبِهم؛ لأنَّه معدودٌ فيهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1183>حُكْمُ اقتِناءِ الكَلْبِ للحِرَاسةِ وغيرِها:</span>\nوقد ثبَتَ في الشريعةِ: أنَّ الأصلَ في اقتناءِ الكلبِ المنعُ؛ وذلك لِمَا ثبَتَ في \"الصحيحَيْنِ\"، عن أبي هريرةَ -﵁-؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: (مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا، إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ قَالَ أَوْ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ، انْتَقَصَ مِن أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ) (١).\nوفي \"الصحيحَيْنِ\"؛ من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ -﵄-؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: (لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ) (٢).\nوامتناعُ الملائكةِ عن الدخولِ دليلٌ على دخولِ الشياطِينِ وحضورِها؛ وهذا دليلٌ على عدمِ جوازِ دخولِها بلا حاجةٍ، وأكثرُ العلماءِ على التحريمِ.\nومِن العلماءِ -كابنِ عبدِ البَرِّ (٣) - مَن حمَلَ الحديثَ على الكراهةِ؛\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٣٢٢)، ومسلم (١٥٧٥).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٢٢٥)، ومسلم (٢١٠٦).\n(٣) \"التمهيد\" (١٤/ ٢٢١).","vol":"4","page":1697},{"text":"لأنَّ الحديثَ يُفيدُ نُقْصانَ الأجرِ، ونُقصانُ الأجرِ لا يَلزمُ منه ارتكابُ المحرَّمِ، ولو كان يَحمِلُ الإثمَ، لكان ذِكْرُ الإثمِ أَولى مِن ذِكْرِ نُقْصانِ الأجرِ.\nوالأظهَرُ التحريمُ؛ لأنَّه لا تُحبَطُ أعمالٌ بمِثْل هذا القَدْرِ الدائمِ وهو قِيرَاطٌ إلَّا عن إثمٍ، والأصلُ أنَّه لا يُحبِطُ الحَسَناتِ إلَّا السيِّئاتُ، والأُجورُ تَنقُصُ لسببَيْنِ:\nالأولُ: تنقُصُ بسببٍ في العملِ الصالحِ أو لازمٍ لها؛ كعَدَمِ الخشوعِ في الصلاةِ؛ فإنَّه يَنقُصُ الأجرَ؛ فلا يُقبَلُ منها إلَّا رُبُعُها أو ثُلُثُها؛ كما لي حديثِ عمَّارٍ (١)، وكذلك المَنُّ الذي يَتَبَعُ الصَّدَقةَ؛ فقد قال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، فهذا يُحبِطُ أجرَها، ولا يَلزَمُ إلحاقُ وِزْرٍ بصاحِبِها.\nالثاني: تَنقُصُ الأجورُ بسببٍ خارجٍ عن العملِ وغيرِ لازِمٍ له، كإحباطِ الجهادِ بالرِّبا، وإحباطِ أجورِ بعضِ الأعمالِ باقتناءِ الكلبِ كما هنا، فإذا انفَكَّ السببُّ الناقصُ لأجرِ العملِ عن العمل، ولم يكنْ لازمًا له، فهذه أمَارةٌ على كونِهِ محرَّمًا.\nوأمَّا القولُ بأنَّ ذِكْرَ الإثمِ أَولى مِن ذِكْرِ نُقصانِ الأجر، فهذا ليس بلازِمٍ؛ فلا أعظَمَ مِن الشِّرْكِ وقد ذكَرَ اللَّه إحباطَهُ للعملِ.\nوإذا كان اللَّهُ يُحبِطُ السيِّئاتِ بالحسناتِ، فرحمتُهُ سبَقَتْ غضَبَهُ، فلا يُحبِطُ الحسناتِ بالسيِّئاتِ إلَّا بما هو أعظَمُ مِن إحباطِ الحسنةِ للسيِّئةِ.\nوالقِيراطُ غبرُ محدودِ القَدْرِ، ولا ينبغي حملُهُ على قِيراطِ شهودِ الجنازةِ واتِّباعِها وأنَّه كجَبَلِ أُحُدٍ؛ فرحمةُ اللَّهِ أعظَمُ مِن ذلك، وإنَّما المرادُ قَدْرٌ مقدَّرٌ ونصيبٌ محدَّدٌ يُؤخَذُ منه كلَّ يومٍ.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٤/ ٣٢١)، وأبو داود (٧٩٦)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٦١٥).","vol":"4","page":1698},{"text":"وإنَّما ذكَرَ النبيُّ -ﷺ- إحباطَ الأجرِ؛ للترهيبِ منه وبيانِ خطورتِه، وإذا اقترَنَ بعدمِ دخولِ الملائكة ولزومِ ذلك لدخولِ الشياطينِ، كان القولُ قويًّا في التحريمِ.\nوظاهرُ الآيةِ: أنَّ الكلبَ في قولِهِ: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ كلبُ حراسةٍ لهم، وقد اختلَفَ العلماءُ في اقتناءِ كلبِ الحراسةِ الذي يَحمي به الرجُلُ نفسَهُ من لِصٍّ أو مُعْتدٍ أو مِن حيوانٍ مفترِسٍ.\nوأمَّا الكلابُ التي تُقتني للمرافَقةِ والمصاحَبةِ والأُنْسِ والمداعَبةِ ويَحْمِيها صاحبُها أكثَرَ من أنْ تَحْمِيَهُ هي، فهي محرَّمةٌ، ولا ينبغي أن يكونَ في ذلك خلافٌ؛ لظاهِرِ الدليلِ.\nوأمَّا كلابُ الحراسةِ التي تَحمي هي صاحِبَها أكثَرَ ممَّا يَحمِيها هو، فقد اختلَفَ العلماءُ في ذلك على قولَيْنِ:\nالقولُ الأولُ: قال بعضُ العلماءِ: بتحريمِ اقتناءِ كلِّ كلبٍ غيرِ ما استثناهُ الدليلُ، على خلافٍ عندَهم في عددِ ما استثناهُ، بسببِ اختلافِ الرِّوايات في ذلك؛ فعن ابنِ عمرَ أنَّه لم يُرخِّصْ إلَّا بكلبِ الصيدِ والماشيةِ، ولم يُرخِّصْ بكلبِ الزرعِ.\nوأكثَرُ ما استثنَاهُ الفقهاءُ من الكلاب المحرَّمة ثلاثةُ أنواعٍ، وهي: الصيدُ والماشيةُ والزرعُ؛ لحديثِ أبي هريرةَ (١)، وعبدِ اللَّه بنِ مُغَفَّلٍ (٢)، ولبعضِ الرِّوايات في حديثِ ابنِ عمرَ (٣).\nالقولُ الثاني: قالوا بالجوازِ، وأنَّ كلَّ ما قامت فيه حاجةٌ مساوِيةٌ أو أشَدُّ من الحاجةِ لكلبِ الصيدِ والزرعِ والماشيةِ، فإنَّه يأخُذُ حُكْمَه؛ وذلك أنَّ حاجةَ الإنسانِ في حراسةِ أهلِهِ ونفسِهِ أَوْلى مِن حراسةِ ماشيتِهِ\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) أخرجه مسلم (١٥٧٣).\n(٣) أخرجه مسلم (١٥٧٤).","vol":"4","page":1699},{"text":"وزَرْعِه، وإنَّما ذكَرَ النبيُّ -ﷺ- الماشيةَ والزرعَ والصيدَ؛ لأنَّها الغالِبةُ في الاستعمالِ، وقد يُوجَدُ في الناس مِثْلُها بحسَبِ تغيُّرِ الأحوالِ واختلافِ البُلْدانِ.\nومِن القرائنِ على ذلك: أنَّه ليس كلُّ الأحاديثِ تذكُرُ الأنواعَ الثلاثةَ المأذونَ بها، وهي الصيدُ والزرعُ والماشيةُ؛ ففي بعضِها ذكَرَ اثنَيْن؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: (مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارِيًا، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ) (١)، فذكَرَ كلبَ الصيدِ والماشيةِ، ولم يذكُرِ الزرعَ؛ كما في حديثِ أبي هريرةَ السابقِ، وفي روايةٍ لمسلمٍ؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ ذكَرَ الثلاثةَ (٢)، وفي روايةٍ في حديثِ أبي هريرةَ في \"الصحيحَيْنِ\"؛ قال: (إلَّا كَلْبَ حَرْثٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ) (٣)، ولم يذكُرْ كلبَ الصيدِ؛ وهذا يدُلُّ على أنَّ المقصودَ التمثيلُ بالحاجاتِ لا الحصرُ.\nويدخُلُ في الحاجاتِ من اقتناءِ الكلبِ: الكلابُ المدرَّبةُ على معرِفةِ المُسْكِراتِ والمخدِّرات واكتشافِ المتفجِّراتِ؛ فإنَّ نوعًا مِن الكلابِ يُدرَّبُ على إطعامِهِ أو تشميمِهِ نوعًا من الموادِّ المسكِرةِ والمخدِّرةِ أو فيها متفجِّراتٌ؛ حتى يعتادَهُ، ثمَّ يُدمِنُ عليه، فإذا وجَدَ رائحتَهُ، نبَحَ واتَّجَهَ إليه، وهذا أعظَمُ حاجةً مِن كلبِ الزرعِ والماشيةِ والصيدِ، وفيه تحقيقُ مصالحَ عامَّةٍ عظيمةٍ، بخلافِ الصيدِ والزرعِ والماشيةِ، فهي مَصالِحُ خاصَّةٌ لا عامَّةٌ، ولا خلافَ أنَّ المصالحَ العامَّةَ مقدَّمةٌ على المصالحِ الخاصَّةِ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٤٨٢)، ومسلم (١٥٧٤).\n(٢) أخرجه مسلم (١٥٧٤) (٥٦).\n(٣) أخرجه البخاري (٣٣٢٤)، ومسلم (١٥٧٥) (٥٩).","vol":"4","page":1700},{"text":"وكلُّ ما أُمِرَ بقتلِهِ في الشرعِ، فلا يجوزُ اقتناؤُهُ ولا يدخُلُ في الاستثناءِ؛ وذلك كالكلبِ الأَسْودِ البهيمِ؛ فقد جاء الأمرُ بقتلِه، وما أُمِرَ بقتلِهِ لا يدخُلُ في الرُّخْصةِ، قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: \"ما أعلَمُ أحدًا يُرخِّصُ في أكلِ ما قَتَل الكلبُ الأسودُ من الصيدِ\" (١).\nوبهذا قال غيرُ واحدٍ مِن السلفِ؛ كقتادةَ والحسنِ البصريِّ وإبراهيمَ النخَعيِّ وإسحاقَ.\nوقد أمَرَ النبيُّ -ﷺ- بقتلِ ثلاثةٍ من الكلابِ:\n- الأسودُ البهيمُ؛ وذلك كما جاء في \"المسند\" و\"السُّننِ\"؛ مِن حديثِ عبد اللَّه بن مغفَّلٍ، عن النبيِّ -ﷺ-؛ قال: (لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ، لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا؛ فَاقْتُلُوا مِنْهَا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ) (٢).\n- وأمَرَ بقتلِ ذي النُّقطتَيْنِ البيضاوَيْنِ؛ كما في مسلمٍ، عن جابرِ بنِ عبد اللَّهِ -﵁-؛ قال: أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِقَتْلِ الْكِلَابِ، حَتَّى إِنَّ المَرْأَةَ تَقْدَمُ من الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلُهُ، ثُمَّ نَهَى النَّبِيُّ -ﷺ- عَنْ قَتْلِهَا، وَقَالَ: (عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ؛ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ) (٣).\n- وأمَرَ بقتلِ الكلبِ العَقُورِ، وهو ما فيه سُعَارٌ وعُدْوانٌ على الناسِ بالهجومِ عليهم وعَضِّهم وتمزيقِ ثيابِهم وقَتْلِ مَوَاشِيهِم؛ وذلك لِما ثبَتَ في \"الصحيحَيْنِ\"، عن عائشةَ -﵂-؛ قالتْ: قال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: (خَمْسٌ فَوَاسِقَ يُقْتَلْنَ فِي الحِلِّ والْحَرَمِ: الْحيَّةُ، وَالْغُرَابُ الأَبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا) (٤).\n_________\n(١) \"المغني\" (١٣/ ٢٦٧).\n(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٨٥)، وأبو داود (٢٨٤٥)، والترمذي (١٤٨٦)، والنسائي (٤٢٨٠)، وابن ماجه (٣٢٠٥).\n(٣) أخرجه مسلم (١٥٧٢).\n(٤) أخرجه البخاري (١٨٢٩)، ومسلم (١١٩٨).","vol":"4","page":1701},{"text":"ومَن جازَ له اقتناءُ الكلبِ لحاجةٍ، فلا يجوزُ له أن يتعدَّى حاجتَهُ؛ فمَن اتَّخَذَهُ للزرعِ أو الماشيةِ أو الصيدِ، فلا يجوزُ له أن يتَّخِذَهُ في غيرِ موضعِه؛ كمَنْ يصطحِبُ كلبَ الماشيةِ في سَفَرٍ لا ماشيةَ فيه، أو يصطحِبُ كلبَ صيدٍ في السُّوقِ والطُّرُقاتِ التي لا صَيْدَ فيها؛ وذلك لِمَا روى أبو هريرةَ -﵁-؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- قال: (لَا تَصَحَبُ المَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلَا جَرَسٌ) (١).\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)﴾ [الكهف: ١٩].\nقام أهلُ الكهفِ بإرسالِ واحدٍ منهم بما معهم من دراهمَ ليشترِيَ مِن المدينةِ زادًا طيِّبًا، وأن يكون ذلك مع حذرٍ وتلطُّفٍ؛ لأنَّهم يَذْكُرونَ قومَهم على كفرٍ فيَخشَوْنَ منهم؛ ولذا قالوا: ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ [الكهف: ١٩ - ٢٠].\nوقد استجاب هؤلاء الفتيةُ للحقِّ؛ وإن كان شيوخُ المدينةِ وكبارُهم لم يُؤمِنوا، مع أنَّ الكبارَ أكملُ عقولًا ولكنَّهم أشَدُّ عنادًا وأنَفَةً؛ ولهذا يُقبِلُ الفِتْيانُ على الحقِّ أسرَعَ وأشَدَّ من الشيوخِ، وهذا مع أكثرِ الأنبياءِ، وقد قال اللَّه عمَّن آمَنَ مع موسى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣]؛ يعني: فِتْيَانَهم.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢١١٣).","vol":"4","page":1702},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1184>مشروعيَّةُ الوَكَالةِ والنِّيَابةِ:</span>\nوفي هذه الآية: دليلٌ على جواز الوَكالةِ، وهو أن ينوبَ أحدٌ عن أحدٍ فيما يُريدُهُ منه، ومِن معنى الوكالةِ: قولُهُ تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠]؛ فإنَّها تتضمَّن نيابةً ووكالةً، وقريبٌ منها قولُهُ: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥]، وقولُهُ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ [يوسف: ٩٣]، وقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٣٥].\nوالأصلُ في الوكالة: الجوازُ بلا خلافٍ؛ كما حكاهُ ابنُ عبد البَرِّ (١)، وابنُ قُدَامةَ (٢)؛ وذلك لظاهِرِ القرآنِ والسُّنَّةِ، وقد أنابَ النبيُّ -ﷺ- عن نفسِهِ ووكَّل غيرَهُ عنها، في بيعٍ وشراءٍ ونكاحٍ وقضاءِ دَيْنٍ؛ ومِن ذلك ما رواهُ الشيخانِ؛ من حديثٍ أبي هريرة -﵁-؛ قال: كَانِ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- سِنٌّ من الإِبِلِ، فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: (أَعْطُوهُ)، فَطَلَبُوا سِنَّهُ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إلَّا سِنًّا فَوْقَهَا، فَقَالَ: (أَعْطُوهُ)، فَقَالَ: أَوْفَيْتَنِي أَوْفَي اللَّهُ بِكَ، قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: (إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً) (٣).\nوقد وكَّل النبيُّ -ﷺ- عُرْوةَ البارِقيَّ ليشترِيَ شاةً بدِينارٍ، فاشتَرَى شاتَيْنِ بدينارٍ، وباع واحدةً بدينارٍ، وجاء إلى النبيِّ -ﷺ- بدينارٍ وشاةٍ (٤).\nوكان أبو رافع وكيلًا بين النبيِّ -ﷺ- وميمونةَ حينَ تزوَّجَها (٥)، ووكَّل عمرَو بن أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ في نِكاح أمِّ حَبِيبةَ رَمْلةَ بنتِ أبي سُفْيانَ (٦).\nوقد وكَّل النبيُّ -ﷺ- في إثباتِ الحدودِ واستيفائِها؛ كما أرسَلَ\n_________\n(١) \"التمهيد\" (٢/ ١٠٨).\n(٢) \"المغني\" (٧/ ١٩٧).\n(٣) أخرجه البخاري (٢٣٠٥)، ومسلم (١٦٠١).\n(٤) أخرجه البخاري (٣٦٤٢).\n(٥) أخرجه أحمد (٦/ ٣٩٢)، والترمذي (٨٤١)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٥٣٨١).\n(٦) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٢٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٣٩).","vol":"4","page":1703},{"text":"أُنَيْسًا، فقال له: (وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِن اعْتَرَفَتُ فَارْجُمْهَا) (١).\nوالجمهورُ: على جوازِ ذلك في الحدودِ إثباتًا واستيفاءً؛ خلافًا لأبي حنيفةَ؛ فقد فرَّق بينَ الإثباتِ والاستيفاءِ، وقصةُ أُنيسٍ فيهما جميعًا.\nوأرسَلَ أقوامًا من أصحابِهِ بكُتُبِهِ إلى الملوكِ والرؤساءِ، وجَلْبِ الزكاةِ، وإبلاغ القبائل أمرَهُ ونهيَهُ.\nولا تصحُّ الوكالةُ إلَّا بصيغةٍ صحيحةٍ صريحةٍ تتضمَّنُ الإيجابَ والقَبولَ بينَ الطرَفَيْنِ، وأن يكونَ الموكَّلُ فيه مملوكًا للموكِّلِ؛ فلا تُقبَلُ الوكالةُ ممَّن لا يَملِكُ التصرُّف فيه؛ فإنَّه إنْ لم يصحَّ منه، فلا يصحُّ مِن غيرِهِ وكالةً عنه.\nوتصحُّ الوكالةُ العامَّةُ من غيرِ تعيينِ شيءٍ معيَّنٍ ولا وصفِهِ؛ كالوكالةِ في البيعِ والشراءِ كافَّةً في قولِ الحنفيَّةِ والمالكيَّةِ؛ خلافًا للحنابلةِ والشافعيَّةِ الذين منَعُوا من التوكيلِ العامِّ؛ لأنَّه يتضمَّنُ جهالةً فاحِشةً تُضِرُّ بالناسِ.\nويجوزُ توكيلُ جماعةٍ على أمرٍ واحدٍ، ولا ينفرِدُ الواحدُ منهم بالأمرِ عن غيرِهِ حتى يَتَّفِقوا فيه؛ لعمومِ الأدلَّةِ؛ وهذا قولُ جمهورِ الفقهاءِ.\nوقد ذهَبَ الحنفيَّةُ إلى أنَّه ينفرِدُ كلُّ واحدٍ عن الباقِينَ ولو كانتِ الوكالةُ للجميعِ.\nولا يملكُ الوكيلُ توكيلَ غيرِهِ إلَّا أنْ يشاءَ الموكِّلُ.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٣١٤)، ومسلم (١٦٩٧).","vol":"4","page":1704},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ [الكهف: ٢١].\nكان في أهل الكهفِ عِبْرةٌ وعِظَةُ للناس، فعظَّمُوهُمْ وأَكْبَرُوا مَنْزِلَتَهم؛ حتى قال بعضُ كِبَارِهم من الأمراء والسلاطين: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مسجدًا؛ التماسًا لصلاحِهم؛ لأنَّ اللَّه لا يجعلُ المعجزةَ والكرامةَ إلَّا لِمَنْ أحَبَّ؛ وهذا الأمرُ قاله كُبَراؤُهم: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾؛ يعني: أهلَ الغلَبةِ من ذوي الأمرِ والقهرِ.\nوهذا الفعلُ استدَلَّ به بعضُ الجُهَّالِ على جواز اتِّخاذِ القبورِ مساجدَ، وعلى جوازِ دَفْنِ الصالِحِينَ فيها؛ وهذا لا حُجَّةَ فيه؛ فإنَّ الذين طلبوا ذلك ليسوا المُسلِمِين الصالِحِينَ؛ وإنَّما أهلُ القهر والتسلُّطِ والاستبدادِ، كما في ظاهرِ الآية: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾، وقد قال ابنُ عبَّاسٍ كما في روايةِ العُوْفِيِّ عنه: \"إنَّ قائلَ ذلك عدوُّهم\" (١).\nوما يُذكَرُ في القرآنِ من أحوالِ الأُمَمِ السابقةِ لا يجوزُ أخذُهُ إنْ خالَفَ ما جاءت به شِرْعةُ محمَّدٍ -ﷺ-، ولو جَاز ذلك، لَجَازَ اتِّخاذُ الأصنام؛ وذلك لقولِهِ تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣]، وقد كان النبيُّ -ﷺ- يَنْهَى عن التصاوير واتِّخاذِ الأصنام؛ بل يأمُرُ بكَسْرِها وطَمْسِها؛ كما ثبَتَ في \"الصحيح\"، عن أبي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: \"قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٥/ ٢١٧).","vol":"4","page":1705},{"text":"مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟ ! أَلَّا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ\" (١).\nولا يختلف العلماءُ على النهي في اتِّخاذ القبورِ مساجدَ ولا وضعِها فيها، وفي \"الصحيحَيْنِ\"؛ من حديثِ عائشةَ مرفوعًا: (لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)، قالتْ عائشةُ: لَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ؛ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا) (٢).\nوكان النبيُّ -ﷺ- يُسمِّي مَنْ يفعلُ ذلك شِرَارَ الخَلْقِ؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ من حديثِ عائشةَ -﵂- أنَّ أمَّ سَلَمةَ -﵂- ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ، فَذَكَرَتْ لَهُ مَا رَأَتْ فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: (أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الْعَبْدُ الصَّالِحُ -أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ- بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ) (٣).\nوقد كان السلفُ من الصحابةِ يُطبِقونَ على منعِ بناءِ المساجدِ في المقابرِ، وعلى منعِ وضع القبورِ في المساجدِ، ومنعِ الصلاةِ إليها ولو كان خارجَ المسجدِ؛ لأنَّه إنَّما نُهِيَ عن اتِّخاذِ القبورِ مساجِدَ؛ لعِلَّةِ العبادةِ فيها، ولو لم تكن مَحَلَّ عبادةٍ، لم يُنْهَ عن ذلك، ونُهِيَ عن البناءِ على القبورِ؛ خشيةَ التعظيمِ الذي يَتْبَعُهُ عبادةٌ ولو بعدَ قرونٍ، وقد كان الصحابةُ يَنْهَوْنَ عن الصلاةِ إلى القبرِ ولو لم يكنِ الرجُلُ قاصدًا؛ لأنَّ في ذلك مشابَهَةَ بالمشرِكينَ، وقد روى مسلمٌ؛ من حديثٍ أبي مَرْثَدٍ؛ أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: (لَا تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا) (٤).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٩٦٩).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٤٤١)، ومسلم (٥٢٩).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٣٤)، ومسلم (٥٢٨).\n(٤) أخرجه مسلم (٩٧٢).","vol":"4","page":1706},{"text":"وروى ابنُ ماجَه وغيرُهُ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁-: \"أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى أَنْ يُبْنَى على القبورِ، أو يُقعَدَ عليها، أو يُصلَّي عليها\" (١).\nوقد رُوِيَ ثابتٌ البُنَانِيُّ، عن أنسٍ -﵁-؛ قال: \"كنتُ أُصلِّي قريبًا مِن قبرٍ، فرآني عمرُ بنُ الخطَّاب، فقال: القَبْرَ القَبْرَ! فرفَعْتُ بَصَرِي إلى السماءِ وأنا أحسَبُهُ يقولُ: القَمَرَ!؟ \" (٢).\nوقد رَوَى قتادةُ، عن أنسٍ؛ أنَّه مَرَّ على مَقْبَرةٍ وهم يَبْنُونَ مسجدًا، فقال أنسٌ: \"كَانَ يُكْرَهُ أَنْ يُبْنَى مَسْجِدٌ فِي وَسَطِ الْقُبُورِ\" (٣).\nوقال أشعثُ: عن ابنِ سِيرِينَ: \"كانوا يَكْرَهونَ الصلاةَ بينَ ظَهْرَانَيِ القبورِ\" (٤).\nوعلى هذا ينُصُّ الأئمَّةُ على اختلافِهم، وقد نقَلَ النوويُّ (٥) وغيرُهُ فُتْيَا العلماءِ على إزالةِ ما يُبْنَى على القبورِ ومِن قِبَابٍ ممَّا صنَعَهُ جُهَّالُ الملوكِ، والملبِّسون مِن العلماءِ، حتى نقَل الهيتميُّ فُتيا الأئمَّةِ بإزالةِ ما بُنِيَ على قبرِ الشافعيِّ وغيرِهِ بمصرَ (٦).\nوقد اختلف العلماءُ في الصلاةِ المؤدَّاةِ في المقبرة: هل تصحُّ أو تجبُ إعادتُها؟ على قولَيْنِ -هما روايتانِ عن أحمدَ-:\nالأوَّل: أنَّها لا تُعادُ؛ وهذا قولُ الأكثرِ؛ وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ.\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (١٥٦٤)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (١٠٢٠)؛ واللفظ له.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٥٨١)، وعلقه البخاري قبل حديث (٤٢٧).\n(٣) أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢٦٧٩).\n(٤) \"فتح الباري\" لابن رجب (٢/ ٣٩٨).\n(٥) \"المجموع\" (٥/ ٢٩٨).\n(٦) \"تحفة المحتاج، في شرح المنهاج\" (٣/ ١٩٨).","vol":"4","page":1707},{"text":"الثاني: أنَّها تُعادُ؛ وهذا الأشهَرُ عن أحمدَ، وعليه عامَّةُ أصحابِهِ.\nورُوِيَ عن أحمدَ: إعادةُ الصلاةِ على مَن صلَّى إلى القبورِ أو صلَّى بينَها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1185>الصلاةُ على الجنازةِ في المَقْبَرةِ:</span>\nصلاةُ الجنازةِ أَخَفٌّ مِن غيرِها؛ لأنَّه لا ركوعَ فيها ولا سجودَ، وقد اختلَفَ العلماءُ في حُكْمِها على قولَيْنِ، -وهما روايتانِ عن أحمدَ-:\nالأوَّل: الكراهةُ؛ وهذا قولُ الشافعيِّ، وبه قال مِن السلفِ: عليٌّ، وعبدُ اللَّه بن عمرٍو، وعطاءٌ؛ وذلك لأنَّ صلاةَ الجنازةِ تُسمَّى صلاةً، وفيها مِن جِنْسِ الصلاةِ المعتادةِ، وقد جاء النهيُ عامًّا؛ كما رواهُ أحمدُ وأهل \"السُّننِ\"؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن النبيِّ -ﷺ-؛ قال: (الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ، إلَّا المَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ) (١).\nوقد روى الطبرانيُّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ -﵁-: \"أنَّ النبيَّ -ﷺ- نَهَى أن يُصلَّى على الجنائزِ بينَ القبورِ\" (٢).\nالثاني: الجوازُ؛ وهو مذهبُ أهل الرأي؛ وذلك أنَّ النبيَّ -ﷺ- كان يُصلِّي الجنازةَ على القبورِ؛ كما صلَّى على المرأةِ التي كانتْ تَقُمُّ المسجدَ (٣)، وكان أصحابُهُ يُصَلُّونَ كذلك، وقد ذكَر النبيُّ -ﷺ- رجلًا مات، فقال: (فَدُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ)، فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ؛ رواهُ الشيخانِ (٤).\nوعن ابنِ عبَّاسٍ: \"أنَّه مَرَّ مع النبيِّ -ﷺ- عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ، فَأَمَّهُمْ،\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣/ ٨٣)، وأبو داود (٤٩٣)، والترمذي (٣١٧)، وابن ماجه (٧٤٥).\n(٢) أخرجه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٥٦٣١).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٥٨)، ومسلم (٩٥٦).\n(٤) أخرجه البخاري (١٣٣٧)، ومسلم (٩٥٦).","vol":"4","page":1708},{"text":"وَصَلَّوْا خَلْفَهُ\" (١).\nوقد صلَّى على القبرِ جماعةٌ مِن السلفِ صحابةً وتابِعِينَ؛ كعليٍّ وأنسٍ وسَلْمانَ بنِ رَبِيعةَ وأبي حَمْزةَ ومَعْمَرٍ.\nولم تكنْ تلك الصلاةُ واجِبةً على النبيِّ -ﷺ- حتَّى يؤدِّيَها، وهناك مَن يفرِّقُ بينَ الصلاةِ في المَقْبرةِ على الميِّتِ المدفونِ فيُجِيزونَها، وعلى الميِّتِ البارِزِ قبلَ الدَّفْنِ، ولا شَكَّ أنَّ المدفونَ أخَفُّ، والتفريقُ لا يُخرِجُ الأُخرى مِن الجوازِ؛ للاشتراكِ في الصورةِ الظاهرةِ التي نُهِيَ لأجلِها عن اتِّخاذِ القبورِ مساجدَ.\nوقد روى عبدُ الرزَّاقِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: \"قُلْتُ لِنَافِعٍ: أَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَسَطَ الْقُبُورِ؟ قَالَ: لَقَدْ صَلَّيْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَسَطَ الْبَقِيعِ، قَالَ: وَالْإِمَامُ يَوْمَ صَلَّيْنَا عَلَى عَائِشَةَ -﵄- أَبُو هُرَيْرَةَ، وَحَضَرَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ\" (٢).\nولا خلافَ عندَ أحمدَ أنَّ صلاةَ الجنازةِ أخَفُّ، وأنَّها لو صُلِّيَتْ لا تبطُلُ، وإنَّما الخلافُ عندَه في الكراهةِ، ولو بطَلَتْ، لَبطَلَتْ صلاةُ النبيِّ -ﷺ- على القبرِ.\nوأمَّا حديثُ أنسٍ عندَ الطبرانيِّ، ففي صحَّتِه نظرٌ، والصوابُ فيه: أنَّه مِن مُرسَلِ الحسَنِ؛ رجَّحَهُ الدارقطنيُّ (٣)، وهو محمولٌ إنْ صحَّ على كراهةِ اتِّخاذِ مواضعَ للصلاةِ على الجنائزِ وَسَطَ القبورِ، وقد رَوَى ابنُ أبي شيبةَ، عن أنسٍ: \"أنَّه كان يَكرَهُ أن يُبنى مسجدٌ بينَ القبورِ\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخارى (١٣٣٦)، ومسلم (٩٥٤).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٥٩٣).\n(٣) \"علل الدارقطني\" (١٢/ ٧٢).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٧٥٨٠).","vol":"4","page":1709},{"text":"وصلاةُ الجنازةِ تختلِفُ عن غيرِها؛ فقصدُ صلاةِ الجنازةِ نفعُ الحيِّ للميِّت، وقصدُ الصلواتِ الأُخرى عندَ القبورِ نفعُ الميِّتِ للحيِّ، واختلافُ العِلَّةِ يُغايِرُ الحُكْمَ، وكان السلفُ يُفرِّقونَ بينَ صلاةِ الجنازةِ وغيرِها، وقد روى منصورٌ، عن إبراهيمَ؛ قال: \"كانوا إذا خرَجُوا مِن الجنائز، لم يُصَلُّوا بينَ المقابرِ تطوُّعًا، فإذا حضَرَتْ صلاةٌ مكتوبةٌ، تَنَحَّوْا عن القبورِ فصَلَّوْا\" (١).\nوقد قال أحمدُ: \"لا يُصلَّى في مسجدٍ ببنَ المقابرِ إلَّا الجنائرُ؛ لأنَّ الجنائزَ هذه سُنَّتُها\" (٢).\nولا خلافَ عندَ العلماءِ على أنَّه لا يجوزُ دفنُ الميِّتِ قبلَ الصلاةِ عليه مع القدرةِ على ذلك، وأنَّه لا يجوزُ لهم إرجاءُ الصلاةِ عليه بعدَ الدفنِ وهم مُختارُونَ لها قبلَ ذلك.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤].\nفي هذه الآيةِ: مشروعيَّةُ الاستثناءِ عمَّا يَعزِمُ الإنسانُ على فعلِهِ أو قولِهِ في المستقبَل، وهو أن يقولَ: \"إنْ شاءَ اللَّهُ\"؛ فإنَّها تُقالُ بَرَكةً وتوكُّلًا على اللَّهِ واستعانةً به، وتُقالُ رفعًا للحَرَجِ عندَ اليمينِ والوعدِ بشيءٍ.\nوالاستثناءُ ينفعُ صاحِبَهُ في إيمانِهِ بربِّهِ ويقينِهِ به وتوكُّلِهِ عليه واستعانتِهِ به ولو كان مُنفصِلًا، فمَنْ نَسِيَهُ ينبغي له استدراكُه؛ فإنَّه يُعلِّقُ القلبَ باللَّه، ويُعِينُ على تحقيقِ الغاياتِ المطلوبةِ، وفي \"الصحيحَيْنِ\"؛\n_________\n(١) \"نسخة أبي مسهر\" (٥٥).\n(٢) \"فتح الباري\" لابن رجب (٢/ ٤٠٠).","vol":"4","page":1710},{"text":"مِن حديثِ أبي هريرةَ، قال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: (قَالَ سُلَيْمَانُ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً، كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّه، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَطَافَ عَلَيهِنَّ جَمِيعًا فَلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1186>الاستثناءُ في اليمينِ:</span>\nوذِكْرُ الاستثناءِ في اليمينِ يَحُلُّ عَقْدَها؛ فإنَّ لليمينِ عَقْدًا لا بدَّ أن يَبقى، ويُحَلُّ بالاستثناءِ أو الكفَّارة، ومَن استثنَى عندَ حَلِفِه، لم يَلزَمْهُ الوفاءُ باليمينِ؛ لأنَّ الاستثناءَ يَحُلُّها ويجعلُ الحالفَ كأنَّه لم يَحلِفْ، ويُروى في الحديثِ مرفوعًا: (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإنَّ لَهُ ثُنْيَاهُ) (٢).\nورُوِيَ عن ابنِ عمرَ نحوُهُ مرفوعًا (٣) وموقوفًا (٤)، والأرجحُ وقفُه.\nوبعضُ الفقهاءِ مِن أصحابِ مالكٍ يَرَى أنَّ الاستثناءَ يَرْفَعُ الكفارةَ، ولكنَّه لا يَحُلُّ اليمينَ.\nوالأشهَرُ: أنه حَلٌّ لليمين، وعلى هذا عامَّةُ السلفِ.\nوعامَّةُ العلماءِ: أنَّ الاستثناءَ إنْ كان متَّصِلًا باليمين، فإنَّه يَرفعُ وجوبَ وفائِهِ بها، ولكنَّهم اختلَفوا في حدِّ الاتِّصالِ المعتبَرِ تأثيرُهُ في الاستثناءِ، وفي الاستثناءِ المنفصلِ خلافٌ يسيرٌ.\nأمَّا الاستثناءُ المتَّصِلُ: فيتَّفِقونَ على أنَّ ما كان اتصالُ الاستثناءِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٦٣٩)، ومسلم (١٦٥٤).\n(٢) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٣٠٣).\n(٣) أخرجه أحمد (٢/ ١٠)، وأبو داود (٣٢٦١)، والترمذي (١٥٣١)، والنسائي (٣٨٢٨).\n(٤) \"سنن الترمذي\" (١٥٣١).","vol":"4","page":1711},{"text":"بالكلامِ مع كلمةِ الحَلِفِ والقَسَمِ: أنَّه معتبَرُ التأثيرِ في اليمينِ، وما لم يتَّصِلْ بالكلامِ اختُلِفَ فيه:\nفمنهم مَن قال: يُعتبَرُ بالاستثناءِ ما دام في المَجْلِسِ؛ وبهذا قال طاوسٌ والحسنُ.\nوقال عطاءٌ والشَّعْبيُّ والنخَعيُّ: إنَّه لا يصحُّ إلَّا موصولًا بالكلام، ولا يَضُرُّ فصلُ النَّفَس، وإذا انفصَلَ الحديثُ في أمرٍ آخَرَ ولو اتَّحَدَ المجلِسُ، فلا اعتبارَ بالاستثناءِ؛ وهذا قولُ جمهورِ العلماءِ؛ كمالكٍ والشافعيِّ والأوزاعيِّ.\nوعن أحمدَ: أنَّه ما دام في ذلك الأمر، ولم يتحوَّلْ إلى حديثٍ غيرِه، فإنَّ الاستثناءَ صحيحٌ، وظاهرُهُ: أنَّه إنِ انتقَلَ إلى حديثِ آخَرَ ولو اتَّحَدَ المجلسُ، فإنَّ الاستثناءَ لا يصحُّ.\nوأمّا الاستثناء المنفصِلُ: فعامَّتُهم على عدمِ اعتبارِه.\nوروى مجاهدٌ، عن ابنِ عبَّاسٍ، في الرجُلِ يَحلِفُ؛ قال: \"له أن يَستثنيَ ولو إلى سَنَةٍ، وكان يقولُ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ \" (١).\nوبنحوِه قال أبو العاليةِ رُفَيعُ بن مِهْرانَ والحسنُ؛ فقد روى الربيِعُ عن أبي العاليةِ؛ في قولِه: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ الاستثناءَ، ثمَّ ذكَرْتَ فاستَثنِ (٢).\nونحوُهُ عن الحسنِ؛ رواهُ الطبريُّ (٣).\nحمَلَ بعضُ الفقهاءِ ذلك: على أنَّ الاستثناءَ المنفصِلَ معَتبرٌ في إسقاطِ الكفَّارةِ ولو طال الزمنُ، ولعلَّ ما رُوِيَ في ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ الاستثناءَ -ولو انفصَلَ- يصحُّ إلحاقُهُ بالكلامِ الأولِ ولو طال الفصلُ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٥/ ٢٢٥).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٥/ ٢٢٥).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١٥/ ٢٢٦).","vol":"4","page":1712},{"text":"تبرُّكًا، وليس هذا مَساقَ إبطالِ الأَيْمانِ وإسقاطِ الكفَّارات، والآيةُ آمِرةٌ بالاستثناءِ عندَ العَزْم على مستقبلٍ: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيت﴾.\nوحمَل قِلَّةٌ الأمرَ على الوجوب، والمرادُ: أنَّ المؤاخَذةَ والمُخالَفةَ تسقُطُ باستدراكِ الاستثناءِ ولو بعدَ عامٍ، لا أنَّه يُسقِطُ الكفارةَ؛ فهذا لا يُناسِبُ فِقْهَ ابنِ عبَّاسٍ، ومَن استوعَبَ قولَهُ في أبوابِ كفَّاراتِ الأَيمان، عرَفَ أنَّه لا يستقيمُ معه حملُ تفسيرِه لهذه الآيةِ على إسقاطِ الكفارة؛ فإنَّ ابنَ عبَّاسٍ له أقوالٌ في أبوابِ الكفَّاراتِ، ولم يكن يُسقِطُها بالاستثناءِ، والآيةُ جاءتْ لبيانِ ذِكْرِ اللَّهِ عندَ النِّسْيان، والمشيئةِ عندَ العزمِ على ما يُستقبَلُ، وليست في مساقِ الأَيْمانِ والاستثناءِ بعدَها منفصِلًا.\nومَن نظَرَ في فقهِ أصحابِ ابنِ عبَّاسٍ، وجَدَ أنَّهم لا يقولونَ بهذا القول، ولو كان قولُ ابنِ عبَّاسٍ كذلك، لَمَا تَرَكُوهُ جميعهم؛ لجلالةِ قَدْرِه، والمرويُّ عنهم خلافُه؛ كعطاءٍ وطاوُسٍ وغيرِهما.\nوالقولُ بصحَّةِ الاستثناءِ المنفصِلِ كلِّه ضعيفٌ يُبطِلُ أبوابَ الأَيْمانِ وتعظيمَها، وكَفَّاراتِها، ومَن نظَرَ في كلامِ أهلِ العربيَّة، وجَدَ أنَّهم لا يَعتبِرونَ الاستثناءَ المنفصِلَ كلامًا صحيحَ الاتِّساقِ، ولا معدودًا في كلامِ العرب، ولو صحَّ الاستثناءُ ولو بعدَ شهرٍ أو عامٍ، لم يكنْ للكفَّاراتِ قِيمةٌ، ولا لوجوبِ الوفاءِ بالأَيْمانِ قَدْرٌ في الشرع، ويكونُ مَن حلَفَ يَستثني ولو بعدَ عامٍ ولا يُكفِّرُ ولا يَفِي، فلم يكنْ للأمرِ بالكفَّارةِ معنًى، والنبيُّ -ﷺ- يُرشِدُ إلى الوفاءِ والكفَّارةِ بعدَ لزومِ اليمينِ ولا يأمُرُ بالاستثناءِ؛ كما في \"الصحيحِ\"؛ قال -ﷺ-: (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ) (١).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٦٥٠).","vol":"4","page":1713},{"text":"واختُلِفَ في الاستثناءِ في غيرِ اليمِينِ؛ كالطلاقِ والعَتَاق، وعن أحمدَ ثلاثُ رواياتٍ:\nإحداها: أنَّ الاستثناءَ يصحُّ فيها كاليمينِ؛ وبهذا قال أبو حنيفةَ والشافعيُّ.\nوثانيتها: أنَّ الاستثناءَ لا يصحُّ إلَّا في اليمينِ؛ وبهذا قال مالكٌ والأوزاعيُّ.\nوفي ثالثةٍ: أنَّه توقَّفَ، وعلى هذا أكثرُ الرواياتِ عنه.\nولا يصحُّ الاسثناءُ بالقَلْب، بل لا بدَّ مِن النُّطْقِ به في قولِ العلماءِ كافَّةً، خلافًا لبعضِ الفقهاءِ مِن أصحابِ مالكٍ، حيثُ جعَلُوا قياسَ قولِ مالكٍ صحةَ الاستثناءِ بالنِّيَّةِ.\nومَن عادتُهُ في يمينِهِ أنَّه يَستثنِي، وحلَفَ ونَسِيَ ماذا قال، وشَكَّ في استثنائِه، فيُحمَلُ على عادتِهِ ويُعتبَرُ مستثنيًا، وعكسُهُ بعكسِه.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩)﴾ [الكهف: ٣٩].\nفي هذا: مشروعيَّةُ قولِ: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ عندَ رؤيةِ ما يَسُرُّ الإنسانَ ويُعجِبُهُ مِن النعيمِ والأشياءِ الحسَنةِ التي رُزِقَها العبدُ، وممَّا يُستحَبُّ كذلك الدُّعَاءُ بالبرَكةِ ممَّن يراها فيه مِن الناسِ.\nالدُّعاءُ والذِّكْرُ المستحَبُّ عندَ رؤيةِ النعيمِ والفضلِ:\nوالواردُ عندَ رؤيةِ النعيمِ وما يَسُرُّ مِن الفضلِ قولانِ:\nالأولُ لصاحبِ النعيمِ ومالكِهِ أنْ يقولَ: ما شاء اللَّه لا قُوَّةَ إلَّا باللَّهِ؛ ففي ذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا","vol":"4","page":1714},{"text":"بِاللَّهِ﴾، وفي ذلك نسبةُ الفضلِ إلى اللَّه، والبراءةُ مِن الحَوْلِ والقوةِ إلَّا به، ودفعٌ لكِبْرِ النَّفْسِ وبَطَرِها واغترارِها؛ وذلك ظاهرٌ في قولِ اللَّه بعدُ: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾؛ وفي هذا مِن كَسْرِ النَّفْسِ والكِبْر والعَيْن ما فيه.\nويُروى عندَ البيهقيِّ في \"الأسماءِ والصفاتِ\"، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيْرِ؛ أنه كان إذا رأى مِن مالِه شيئًا يُعجِبُهُ، أو دخَلَ حائطًا مِن حيطانِه، قال: \"ما شاءَ اللَّهُ لا قوةَ إلَّا باللَّهِ\" (١)؛ يتأوَّلُ قولَ اللَّهِ: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.\nوكان يفعلُ ذلك جماعةٌ مِن السلفِ؛ كما رَوَى ابن أبي حاتمٍ، عن زيادِ بنِ سعدٍ؛ قال: \"كان ابنُ شِهَابٍ الزُّهْريُّ إذا دخَلَ أموالَهُ، قال: (ما شاء اللَّهُ، لا قُوَّةَ إلَّا باللَّهِ)؛ يتأوَّلُ قولَ اللَّهِ: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ \" (٢).\nورَوَى عن مُطرِّفٍ؛ قال: \"كان مالكٌ إذا دخَلَ بيتَهُ، قال: (ما شاءَ اللَّهُ)، قلتُ لمالكٍ: لِمَ تقولُ هذا؟ قال: ألَا تَسْمَعُ اللَّهُ يقولُ: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ الآية؟ ! \" (٣).\nورَوَى عن حفصِ بنِ مَيْسَرةَ؛ قال: \"رأيتُ على بابِ وهبِ بنِ مُنبِّهٍ مكتوبًا: (ما شاء اللَّهُ لا قوةَ إلَّا باللَّهِ)، وذلك قولُ اللَّه، ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ الآية\" (٤).\nالثاني لِمَنْ رأى نعيمَ غيرِه: أن يَدْعُوَ بالبَرَكة، وذلك لِما جاء عن أبي أمامةَ بنِ سهلِ بنِ حُنَيْفٍ؛ قال: \"مَرَّ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ بِسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٣٧١).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٢٣٦٢).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٢٣٦٢).\n(٤) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٢٣٦٢).","vol":"4","page":1715},{"text":"وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَقَالَ: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ! فَمَا لَبِثَ أَنْ لُبِطَ بِه، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَقِيلَ لَهُ: أَدْرِكْ سَهْلًا صَرِيعًا، قَالَ: (مَنْ تَتَّهِمُونَ بِهِ؟)، قَالُوا: عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ، قَالَ: (عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ ! إذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ، فَلْيَدْعُ لَهُ بِالْبَرَكَةِ)، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَأَمَرَ عَامِرًا أَنْ يَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْن، وَرُكْبَتَيهِ وَدَاخِلَةَ إِزَارِه، وَأَمَرَهُ أَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ\" (١).\nوالجمعُ بينَهما لا بأسَ له للرَّائي والمالكِ؛ لأنَّه مِن المَعَانِي الحَسَة، وقد روَى البخاريُّ؛ مِن حديثِ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ؛ قال: كان النبيُّ -ﷺ- إِذَا صَلَّى صَلَاةً، أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِه، فَقَالَ: (مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟)، فَإِنْ رَأَى أحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ: (ما شَاء اللَّهُ) (٢)، ولكنَّه في روايةٍ في البخاريِّ؛ قال: \"فَيُقَصُّ عَلَيْهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أنْ يُقَصَّ\" (٣)، وفي روايةٍ له أُخرى؛ قال: \"فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أنْ يَقُصَّ\" (٤).\nوإنَّما شُرعَ الدعاءُ بالبَرَكةِ عندَ ذلك؛ لأنَّ النَّفْسَ تجدُ عندَ استحسانِها لشيءٍ مِن نعيمٍ وفضلٍ لغيرِها شيئَيْنِ:\nالأولُ: أنَّها تَفقِدُهُ، وليس لدَيْها مِثلُهُ ولا أحسَنُ منه.\nالثاني: تجدُ أنَّ غيرَها اختَصَّ بذلك عنها.\nوالحَسَدُ يأتي مِن الثاني أكثَرَ مِن الأول، ومِن هذَيْنِ يتولَّدُ الحسدُ، وتقعُ العينُ، فشُرعَ الدعاءُ بالبَرَكةِ لسدِّ ما تجدُهُ النفسُ؛ فإنَّ الدعاءَ بالبرَكةِ يتضمَّنُ الزيادةَ في خيرِ مَن أُعْطِيَ، وفي ذلك دفعٌ لِما تجدُهُ مِن\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣/ ٤٨٦)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٧٥٧١)، وابن ماجه (٣٥٠٩).\n(٢) أخرجه البخاري (١٣٨٦).\n(٣) أخرجه البخاري (٧٠٤٧).\n(٤) أخرجه البخاري (٧٠٤٧).","vol":"4","page":1716},{"text":"اختصاصِ غيرِها به؛ ويتضمَّنُ أنَّ اللَّهَ هو مَن وهَبَ ورزَقَ وليس مِن تدبيرِ الناسِ واختيارِهم، وهذا يَكْسِرُ ما تجدُهُ النفسُ مِن حسدِ الناسِ على حُسْنِ تدبيرِهم؛ فإنَّ اللَّهَ هو مَنْ وهَبَهم، وما تدبيرُهم إلَّا سببٌ.\nوأمَّا ما يُذكَرُ عن النبيِّ -ﷺ-: (مَنْ رَأَى شَيْئًا فَأَعْجَبَهُ، فَلْيَقُلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ، لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) (١)، وما جاء مِن حديثِ عُقْبةَ بنِ عامرٍ: \"مَنْ أنعَمَ اللَّهُ عليه بِنِعْمةٍ، فأرادَ بقاءَها، فلْيُكثِرْ مِن قولِ: لا حولَ ولا قوةَ إلَّا باللَّهِ\"، ثمَّ قرَأ رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (٢)، فلا يَصِحَّانِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]\nفي هذه الآيةِ قام موسى وغلامُهُ بتتبُّعِ آثارِهما، ومَن يَعرِفُ الآثارَ ومواطئَ الأقدامِ والأصابعِ وشَبَهَ الرجُلِ بأخيهِ - يُسمَّى قَائِفًا، وسُمِّيَتْ قِيَافَةً؛ لأنَّ قافيةَ كلِّ شيءٍ تكونُ آخِرَه، ومنه قافيةُ الشِّعرِ؛ لأنَّها تَقْفُو البيتَ.\nوفي هذا: دليلٌ على اعتبارِ القافةِ قرينةٌ توصِّلُ إلى المقصودِ؛ لاعتبارِ نبيِّ اللَّهِ موسى لها، وقد ثبَتَ أنَّ النبيَّ -ﷺ- اعتبَرَها واستأنَسَ بها، وقد جاء أنَّه بعَثَ في أثرِ العُرَنِيِّينَ الذين سرَقُوا إبلَ الصدقةِ مَن يتتبَّعُ آثارَهم (٣)، وكذلك حينَما اتُّهم زيدُ بن حارثةَ في ابنِه أسامةَ؛ لأنَّ أسامةَ أَسْوَدُ، ووالدُهُ زيدٌ أبيضُ، وكان النبيُّ -ﷺ- يُحِبُّهما ويسُوءُهُ ما يسُوءُهما،\n_________\n(١) أخرجه الديلمي في \"الفردوس بمأثور الخطاب\" (٥٦٩٧).\n(٢) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٨٥٩)، و\"الأوسط\" (١٥٥).\n(٣) أخرجه البخاري (٢٣٣)، ومسلم (١٦٧١).","vol":"4","page":1717},{"text":"كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ أنَّ النبيَّ -ﷺ- دخَلَ على عائشةَ ذاتَ يومٍ تبرُقُ أساريرُ وجهِه، فقال: \"يَا عَائِشَةُ، أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا المُدْلِجِيَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَرَأَى أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ، قَدْ غَطَّيَا رُؤُوسَهُمَا، وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ؟ ! \" (١).\nوقد عَمِلَ بالقَافَةِ عمرُ وعمَّارٌ وأنسُ بنُ مالكٍ.\nوإنَّما تُعتبَرُ القيافةُ عندَ غيابِ الأدلَّةِ والبيِّنات، ولا تُعتبَرُ عندَ وجودِ البيِّناتِ ولا النقلِ عن الأصلِ الثابتِ؛ كَوَلَدِ الفِرَاشِ وغيرِ ذلك.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩].\nفي هذه الآيةِ: أنَّ الخَضِرَ خرَقَ السفينةَ؛ ليجعَلَ فيها عَيْبًا؛ لأنَّها تمُرُّ على مَلِكٍ ظالمٍ يأخُذُ الصالحَ مِن السُّفُنِ له، وكان في خَرْقِ الخَضِرِ لها دفعٌ لمفسدةٍ أعظَمَ، وهي سلْبُ سفينتِهم كاملةً، وعِلمُ الخَضِرِ بالغايةِ -وهي المَفسدة الكُبرى- جعَلَهُ يَرتكبُ المَفسَدةَ الصُّغرى.\nوفي هذه الآيةِ: جوازُ ارتكابِ أَدنى المَفسدتَيْنِ لدفعِ أعلاهُما، وكلَّما كان الإنسانُ بالمَفاسِدِ أبصَرَ، كان في بابِ السلامةِ أدَقَّ نظرًا وأكثَرَ توفيقًا، ومَن عرَفَ مَفسَدةً واحدةً، فإنَّه يعملُ على ما يَعلمُ، ولو كان معذورًا عندَ نفسِه، إلَّا أنَّه فد يُفسِدُها، وإنْ كان حاكمًا، أفسَدَ الناسَ معه، وقد كان النبيُّ -ﷺ- أعلَمَ الناسِ بالمَفاسِدِ المجتمِعة، وأحكَمَهم بتخطِّي أعلاها بأدناها، وتركُهُ لهدمِ الكعبةِ مِن هذا البابِ، وتركُهُ للأعرابيِّ الذي بال في المسجدِ منه كذلك.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٧٧١)، ومسلم (١٤٥٩).","vol":"4","page":1718},{"text":"وكلَّما كان العالِمُ أو الحاكمُ بالمَفاسِدِ أعلَمَ، وبتعدُّدِها أبصَرَ، كان الاعتراضُ عليه ممَّن دونَه أشَدَّ؛ لأنَّه يَرى ما لا يرَوْنَ، ويختارُ ما لا يختارُون، ويَنقُدونَ على ما يَعلَمونَ، ويجبُ عليه أن يَصبِرَ على ما يَعلَمُ، مع بيانِ حقيقةِ ما يَعلَمُ إنْ كان له قدرةٌ على البيانِ، وإنَّما تُؤتى الأممُ وتسقُطُ الدولُ؛ لأنَّها عرَفَتْ جهةً مِن المَفاسِدِ ولم تَعرِفْ جهاتٍ، وضررُها فيما تجهلُ أشَدُّ ممَّا تعلَمُ، فتتجنَّبُ ما تَعلَمُ، وتقعُ فيما تَجهَلُ، تظُنُّها السلامةَ، وهو الهلاكُ.\nوالعِلْمُ بالمَفاسِدِ عظيمٌ، وهو دقيقٌ لا يُدرِكُهُ كلُّ أحدٍ، وهو خلافُ العلمِ بالمَصالِح، فالنفوسُ تتشوَّفُ إليه وتُقبِلُ عليه.\nقولُه تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ إنَّما ذكَرَ اللَّهُ المساكينَ ولم يَذْكُرْ غيرَهم؛ لأنَّ الظالمينَ يتسلَّطونَ على الضُّعَفاءِ ويترُكونَ الأقوياءَ، ولأنَّ الأقوياءَ ينصُرونَ أنفُسَهُمْ ولا يحتاجونَ غالبًا إلى ناصرٍ، ونُصْرةُ الضعيفِ أعظَمُ ثوابًا مِن نُصْرةِ القويِّ.\nوفي هذا: أنَّ المسكينَ قد يَملِكُ مَركَبًا وسفينةً؛ لكنَّها لا تسُدُّ حاجتَهُ ولا تَكفِيه، والفقيرُ أشَدُّ منه حاجةً وأضعَفُ منه قدرةً ويدًا.\nومَن فعَلَ ما فعَلَ الخَضِرُ فهو مُحسِنٌ، وليس بضامنٍ ما أفسَدَ على الصحيح؛ وذلك لِما تقدَّمَ في قولِهِ تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨٠ - ٨١].\nذكَرَ اللَّهُ إيمانَ الوالدَيْنِ وكُفْرَ الوَلَدِ، وذكَرَ أنَّ الولدَ لم يكنْ كفرُهُ على نفسِه؛ بل يُريدُ إرهاقَ والدَيْهِ به وبتَبِعَاتِه، وقد جاء مِن حديثِ أُبيِّ بنِ","vol":"4","page":1719},{"text":"كعبٍ؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- قال: (وَأَمَّا الْغُلَامُ، فَطُبعَ يَوْمَ طُبعَ كَافِرًا) (١).\nوقولُه تعالى: ﴿يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ جاء في معناهُ ما في \"المسنَدِ\"؛ مِن حديثِ أُبيِّ بنِ كعبٍ: \"فَيَحْمِلُهُمَا حُبُّهُ عَلَى أَنْ يُتَابِعَاهُ عَلَى دِينِهِ\" (٢).\nوقد جاء عن غيرِ واحدٍ مِن المفسِّرينَ مِن السلفِ: أنَّ اللَّهَ أبدَلَهما به وَلَدًا مسلِمًا، كان حَمْلًا في بطنِ أمِّه عندَ قتلِ أخيه.\nوفي هذه الآيةِ: أنَّ الغلامَ لم يُقتَلْ إلَّا لِعِلَّةِ إرهاقِهِ والدَيْهِ بطُغْيانٍ وكفرٍ، ومفهومُ الآيةِ: أنه لو كان كفرُ الغلامِ على نفسِه، وكان بارًّا بوالدَيْهِ: أنه لم يَقتُلْهُ الخَضِرُ.\nوحياةُ الوالدَيْنِ أَولى مِن حياةِ ولدِهما ولو كان مسلِمًا، فضلًا عن كونِهِ كافرًا، ومَن ألحَقَ بوالدَيْهِ ضررًا وشرًّا باختيارِهِ لعقوقِهِ حتى خِيفَ على حياتِهما، فإنَّه يجوزُ للحاكمِ قتلُهُ تعزيرًا.\nوأمَّا مجرَّدُ العقوقِ، فلا يثبُتُ ما ورَدَ في قتلِ العاقِّ لوالدَيْهِ؛ فقد رواهُ أبو حازمٍ، عن أبي هريرةَ مرفوعًا: (مَنْ ضَرَبَ أَبَاهُ، فاقْتُلُوهُ) (٣)، ولا يصحُّ، والصوابُ إرسالُهُ عن أبي حازمٍ عن المسيَّبِ؛ هكذا رواهُ هشامُ بن عُرْوةَ، عن أبي حازمٍ، به (٤).\nويقعُ العقوقُ الذي ليس فيه رهَقٌ بطُغْيانٍ وكفرٍ في القرونِ الأُولى، ولم يثبُتْ عن أحدٍ مِن الصحابةِ قتلُ مِثْلِ هذا العاقِّ تعزيرًا.\nوإذا تعارَضَتْ حياةُ الولدِ في بطنِ أُمِّه وحياةُ أمِّه، فحياةُ أمِّه مقدَّمةٌ عليه، كمَنْ تَحمِلُ ولدًا يتَّفقُ الأطباءُ على أنه إنْ تُرِكَ حتى تَلِدَهُ ماتتْ بسببه، فيجوزُ إسقاطُهُ لتبقَى حيَّةً ولو مات جنينُها.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٣٨٠).\n(٢) أخرجه أحمد (٥/ ١٢٠).\n(٣) أخرجه ابن عدي في \"الكامل في ضعفاء الرجال\" (٢/ ٣٨).\n(٤) أخرجه أبو داود في \"المراسيل\" (٤٨٥).","vol":"4","page":1720},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢].\nكان للغلامَيْنِ حائطٌ، وتحتَهُ كَنزٌ لهما، وقد اختُلِفَ في الكَنْزِ: هل هو كَنْزُ عِلْمٍ وكتُبٍ، أو كَنْزُ مالٍ؟ فقد جاء عن ابنِ عبَّاسٍ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ ومجاهدٍ: أَنَّه كَنْزُ عِلْمٍ (١)، وجاء عن الحسَنِ أنَّه لَوْحٌ مِن ذهبٍ مكتوبٌ فيه (٢)، وجاء عن عِكْرِمةَ وقتادةَ: أنَّه كَنْزُ مالٍ (٣).\nوقد حَفِظَ اللَّهُ الغلامَينِ بصلاحِ والدِهما، وإنَّما ذكَرَ صلاحَ الوالدِ؛ لأنَّ الولدَيْنِ على خلافِ ذلك؛ فحفظُ الولدِ بصلاحِ نفسِهِ أَولى مِن حفظِه بصلاحِ غيرِه.\nوفي هذه الآيةِ: حفظُ مالِ اليتيم وفضلُ رعايتِه، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢] وما بعدَها، وعندَ قولِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]، وتقدَّم الكلامُ على الاتِّجارِ به واستصلاحِهِ عندَ قولِهِ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وتقدَّم الكلامُ في حفظِهِ حتى يبلُغَ ومقدارِ الأخذِ منه بالمعروفِ في قولِهِ تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].\nوتقدَّم الكلامُ في حفظِ مالِ الصغيرِ وعدمِ وَضْعِ المالِ في يدِه حتى\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٥/ ٣٦٢ - ٣٦٣).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٥/ ٣٦٤).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١٥/ ٣٦٥).","vol":"4","page":1721},{"text":"يَكْبَرَ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف: ٩٤].\nفي هذه الآيةِ: وجوبُ تحصينِ البُلْدانِ والمُدُنِ والناسِ ممَّن يُفسِدُ عليهم أمرَهم، وفيها: وضعُ الحصونِ عندَ المَخاطرِ.\nوقولُه تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾، ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف: ٩٥]، قولُهُ: ﴿خَرْجًا﴾؛ يعني: أَجْرًا، وذلك كقولِه تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾.\nعرَضُوا على ذي القَرْنَيْنِ جمعَ المالِ لبناءِ السدِّ، فامتنَعَ لكِفَايتِه، وفي هذا: جوازُ جمعِ الحاكمِ والسُّلْطانِ المالَ مِن الناسِ عندَ الشدائدِ والحروبِ لدفعِ العدوِّ، وإنْ كان في بيتِ المالِ كفايةٌ، فالأَوْلى أن يستغنيَ به عن مالِ الناسِ؛ كما استغنى ذو القرنَيْنِ عن ذلك؛ فقال: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾؛ أي: إنَّ الذي أَعطاني اللَّهُ مِن القُدْرةِ والقُوَّةِ خيرٌ لي مِن الذي تَجمَعونَه، واستعانَ بما يَقدِرونَ عليه ولا يَقدِرُ عليه، وهو عملُ أبدانِهم؛ فقال: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٥ - ٩٦].","vol":"4","page":1722},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1187>سورة مريم</span>\nوهي مكيَّةٌ مِن العِتَاقِ، وهي ممَّا نزَلَ قبلَ هجرةِ جعفرٍ إلى الحبشةِ؛ فقد كانتْ معه فقرَأَها على النَّجَاشِيِّ، ففي \"المسنَدِ\"؛ مِن حديثِ أمِّ سلمةَ؛ قالتْ: قال النَّجاشِيُّ لجعفر بنِ أبي طالبٍ: هل معَكَ ممَّا جاء به نبيُّكم شيءٌ؟ قال: نَعَمْ، فقال له النَّجَاشِيُّ: فاقرَأْهُ عليَّ، فقرَأَ عليه صدرًا مِن (كهيعص)، قالتْ: فبكَى واللَّهِ النجاشِيُّ حتى أَخْضَلَ لحيتَهُ وبكَتْ أساقفتُهُ حتى أَخْضَلُوا مَصَاحِفَهم حينَ سَمِعُوا ما تلا عليهم، ثم قال النَّجَاشِيُّ: إنَّ هذا -واللَّهِ- والذي جاء به موسى: لَيخرُجُ مِن مِشكاةٍ واحدةٍ! انطلِقَا؛ فواللَّهِ لا أُسلِمُهم إليكم أبدًا (١).\nوكانتْ هذه السورةُ لبيانِ حقيقةِ عيسى وأمِّه، وإبطالِ مَزاعِمِ اليهودِ والنَّصارى حولَهما، مِن القولِ الشنيعِ في مريمَ والتأليهِ لعيسى، وبيَّن اللَّهُ أصلَها، وقَصَّ نسَبَها، وفضلَ آلِ عِمْرانَ ونزاهتَهُمْ وشرَفَ بيتِهم.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾ [مريم: ٧].\nفي هذه الآيةِ: تسميةُ المولودِ قبلَ ولادتِه؛ وهذا جائزٌ بلا خلافٍ، وفيه: جوازُ التسميةِ باسمِ لم يُسبَقْ إليه ما كان المعنى حسَنًا،\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١/ ٢٠٣).","vol":"4","page":1723},{"text":"وقد جعَلَ اللَّهُ مِن خصائصِ اسمِ يحيى أنَّه لم يُسبَقْ مِن قبلُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1188>تسميةُ المولودِ ووقتُها:</span>\nوقد جاءتْ مشروعيَّةُ التسميةِ اليومِ السابع؛ كما جاء مِن حديثِ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه: أنَّ النَّبيَّ -ﷺأَمَرَ بِتَسْمَيَةِ المَوْلُودِ يَومَ سَابِعِهِ، وَوَضْعِ الأذَى عَنْهُ، وَالعَقِّ\"؛ أخرَجَهُ الترمذيُّ (١)، وعندَ أحمد وأهلِ \"السنن\" نحوُهُ مِن حديثِ سَمُرَةَ (٢)، وجاء مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ (٣) وغيرِه.\nوقد سمَّى النبيُّ -ﷺ- ولدَهُ إبراهيمَ في اليومِ الذي وُلدَ فيه؛ كما جاء في مسلمٍ؛ من حديثِ أنسٍ مرفوعًا؛ قال: (وُلدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ، فَسَمَّيْتُهُ باسْمِ أَبِي إبرَاهِيمَ) (٤)، وفي \"الصحيحَيْنِ\": \"إنَّه وُلِدَ لأبي موسى ولدٌ، فأَتى به النبيَّ -ﷺ- فحنَّكَهُ وسمَّاه إبراهيمَ\" (٥)، وفيهما مِن حديثِ سهلِ بنِ سعيدٍ: \"أنَّ النبيَّ -ﷺ- سمَّى المُنذِرَ بنَ أبي أُسَيْدٍ حينَ ولادتِه\" (٦).\nوفي الآيةِ: التسميةُ قبلَ الولادة، وفي حديثِ أنسٍ وأبي موسى وسهلِ بنِ سعدٍ التسميةُ يومَ الولادة، وفي حديثِ ابنِ العاصِ وسمُرةَ التسميةُ يومَ السابعِ؛ وكلٌّ ذلك جائزٌ، ولكنِ اختلَفَ العلماءُ في الأفضلِ على أقوالٍ:\nفمنهم مَن قال: إنَّ التسميةَ في اليومِ السابعِ أفضَلُ؛ وبهذا قال جمهورُ العلماءِ؛ كمالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٢٨٣٢).\n(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٧)، وأبو داود (٢٨٣٨)، والترمذي (١٥٢٢)، والنسائي (٤٢٢٠)، وابن ماجه (٣١٦٥).\n(٣) أخرجه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٥٥٨).\n(٤) أخرجه مسلم (٢٣١٥).\n(٥) أخرجه البخاري (٥٤٦٧)، ومسلم (٢١٤٥).\n(٦) أخرجه البخاري (٦١٩١)، ومسلم (٢١٤٩).","vol":"4","page":1724},{"text":"ومنهم مَن قال: إنَّ التسميةَ في اليومِ الأولِ أفضلُ؛ وبهذا قال جماعةٌ مِن الفقهاءِ مِن المالكيَّةِ؛ وهو وجهٌ في مذهبِ أحمدَ.\nومَن نظَرَ في الأحاديثِ في التسميةِ عندَ الولادة، وجَدها أصَحَّ مِن التسميةِ في اليومِ السابعِ؛ كما قاله البيهقيُّ (١).\nومنهم مَن قال: إنَّه إنْ أرادَ أن يَعُقَّ عنه فيُسمِّيهِ مع عقيقتِهِ في السابعِ، ومَن لم يُرِدْ أن يَعُقَّ فيُسمِّيهِ أولَ يومٍ؛ وإلي هذا مالَ البخاريُّ، حيثُ بوَّبَ في كتابِه \"الصحيحِ\": (بابُ تسميةِ المولودِ غداةَ يُولَدُ لِمَن لم يَعُق) (٢)، وقد سمَّى النبيُّ -ﷺ- ولدَه إبراهيم يومَ وُلدَ، وأمَّا الحسنُ والحُسَيْنُ، فسمَّاهُما يومَ السابعِ؛ كما في حديثِ عائشةَ؛ حيثُ قالتْ: \"عَقَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَن حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ يَوْمَ السَّابِعِ وَسَمَّاهُمَا\"؛ رواهُ ابنُ حِبَّانَ وغيرُهُ (٣).\nوالآيةُ دالَّةٌ على جوازِ التسميةِ قبلَ الولادةِ؛ وذلك متوقِّفٌ على معجزةٍ؛ فلا يَعلَمُ الجنينَ ونوعَهُ قبلَ تكوُّنِهِ إلَّا اللَّهُ: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤]، وهي في سياقِ البُشْرى وتأكيدِها، ومُقتضى التأكيدِ وتمامُ البشرى والنعيمِ التعجيلُ بالتسميةِ؛ لضمانِ تحقُّقِ المقصودِ وتمامِه.\nوأمَّا التكنِّي، فبابُهُ واسعٌ؛ لأنَّ الكُنْيةَ لا يُقصَدُ بها مولودٌ بعَيْنِه؛ فقد يتكنَّى الرجُلُ ولا ولَدَ له، وقد يتكنَّى بذَكَرٍ وولدُه أُنثى، وقد يتكنَّى بأُنثى وولدُهُ ذكَرٌ، بخلافِ التسميةِ؛ فهي متعيَّنةٌ لولدٍ بعَيْنِه.\n* * *\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" البيهقي (٩/ ٣٠٥)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٩/ ٥٨٩).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٧/ ٨٣).\n(٣) أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (٥٣١١)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٢٣٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٩٩).","vol":"4","page":1725},{"text":"* قال تعالى: ﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣].\nفي هذه الآيةِ: أنَّ مريمَ تمنَّتْ أن تكونَ قد ماتتْ قبلَ نزولِ ما نزَلَ بها، ولم تَتَمَنَّ الموتَ بعدَ نزولِ ما حَلَّ بها، بل سلَّمَتْ لأمرِ اللَّهِ وخَضَعَتْ له، وقد تقدَّم الكلامُ على تمنِّي الموتِ وأحوالِهِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨].\nذكَّرَ قومُ مريمَ مريمَ بسيرةِ أهلِها وفضلِهم وعَفَافِهم وطُهْرِهم، وأنَّ سِيرَتَها لا بنبغي أن تخرُجَ عنها، وقد استَنْكَروا أن يكونَ بيتُ العفافِ يخرُجُ منه أمرٌ استنكَروه؛ فبيَّنَ اللَّهُ لهم بإنطاقِ عيسى معجِزةً له ولها.\nوفي هذه الآيةِ: جوازُ استعمالِ وازعِ الطَّبْعِ لاستنكارِ المُنكَرِ ولو كان وازعُ الطبعِ وحدَهُ، عندَ رؤيةِ مَن يَرَى عليه عملَ سَوْءٍ أو قولَ مُنكَرٍ، فيُنكِرُ عليه ذلك تذكيرًا له بأهلِهِ وخُلُقِهِ وقومِه وقبيلتِه.\nوالنهيُ عن المُنكَرِ يُخفَّفُ فيه، بخلافِ الأمرِ بالعبادةِ؛ فلا يجوزُ الأمرُ بالتعبُّدِ للَّهِ بوازعِ الطبعِ مجرَّدًا، ما لم يكنْ تابِعًا لوازعِ الشَّرْعِ؛ حتى لا يمتثِلَ الناسُ العباداتِ تقليدًا ورِياءً وسُمْعةً، فيقَعُوا في الشِّرْكِ؛ حيثُ لم يُخلِصوا في عَمَلِهم للَّهِ.\nوقد تقدَّم الكلامُ على وازعِ الطَّبْعِ والشَّرْعِ والفرقِ بينَهما عندَ قولِهِ تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٣].\n* * *","vol":"4","page":1726},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١].\nفي هذه الآيةِ: أنَّ الصلاةَ واجِبةٌ على العاقلِ ما دام حيًّا، ولو لم يكنْ قادرًا ببدَنِهِ لمرضِ؛ ككَسْرٍ أو شَلَلٍ، أو ضعفٍ؛ كهُزَالٍ وكِبَرِ سِنٍّ، أو عجزٍ بتقييدِ يدَيْهِ ورِجلَيْهِ، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧].\nالسلامُ في الآيةِ مِن المُسالَمةِ والأَمَانِ، وتتضمَّنُ الاعتِزالَ والمُفارَقةَ، وقد فَهِمَ بعضُهم منها جوازَ بَذْلِ السلامِ للكفارِ، وليس كذلك، بل هو الأمانُ لأَبِيهِ؛ كما قالهُ ابنُ جريرٍ (١) وغيرُه.\nوأمَّا الاستغفارُ، فقد بدَأَهُ إبراهيمُ ثَمَّ ترَكَهُ، لمَّا تبيَّن له إصرارُه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤]، وقد قال تعالى للنبيِّ محمَّدٍ -ﷺ- والمؤمِنِينَ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣].\nوقد تقدَّم الكلامُ على حُكْمِ تحيَّةِ الكافرِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَو رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦].\n* * *","vol":"4","page":1727},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥].\nفي الآيةِ ذكَرَ اللَّهُ فضلَ إسماعلَ، وأنَّه كان يأمُرُ أهلَه بالصلاةِ والزكاة، وكان عندَ ربِّه مَرْضِيًّا لذلك الفعلِ مه وغيرِه، و<span data-type=\"title\" id=toc-1189>أمرُ الأهلِ بالصلاةِ </span>والزكاةِ مهمةُ الأنبياءِ والأولياءِ والصالِحِين، وقد أمَرَ اللَّه نبيَّه بذلك في قولِهِ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢].\n\nأَمْرُ الأهلِ بالصلاةِ:\nوهو تكليفٌ لجميعِ المُسلِمِينَ أن يتعاهَدوا أهلَهُمْ بأعظَمِ الأركانِ بعدَ الشهادتَيْنِ؛ وذلك أنَّ أَولى الناسِ بالنُّصْحِ الأَقْرَبُونَ، وأَولى الأَقْربِينَ أهلُ البيت، وقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]، فأولُ ما يجبُ على الإنسانِ خلاصُ نفسِهِ ونجاتُها، ثمَّ خلاصُ أهلِه ونجاتُهم، ثمَّ نجاةُ الأَقرَبِين؛ كما قال تعالى لنبيِّه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، فأمَرَه بالأقربينَ قبلَ الأَبْعَدِينَ.\nوقولُه تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾: أهلُ الرجُلِ: زوجتُهُ وأولادُهُ؛ فقد قال اللَّه عن إبراهيمَ: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [الذاريات: ٢٦]، وقال عن موسى: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [طه: ١٠]؛ يعني: زوجتَهُ، وقد ذكَرَ اللَّهُ أهلَ لُوطٍ ثمَّ استثنَى زوجتَهُ منهم، فقال: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [الأعراف: ٨٣]؛ يعني: لمَّا كانتْ زوجتُهُ مِن أهلِه، استثناها لكفرِها، ومِثلُهُ قولُ نوحٍ: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥]، فقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]، فأَقَرَّه على كونِهِ مِن أهلِه نَسَبًا، وأخرَجَهُ منهم لِكُفْرِه.\nويُطلَقُ الأهلُ على مَن تأهَّلَ في البيتِ واشترَكَ في سُكْناه، ومِن","vol":"4","page":1728},{"text":"ذلك قولُهُ تعالى عن رُكَّابِ السفينةِ: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ [الكهف: ٧١]، ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦]؛ يعني: مِن أهلِ بيتِها، ومِثلُهُ قولُهُ تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ﴾ [يوسف: ٦٢].\nوكان السلفُ يَتعاهَدونَ كلَّ أهلِ بيوتِهم بالصلاةِ والزكاةِ واستصلاحِ أمرِهم ولو كانوا خَدَمًا وجَوَارِيَ وعبيدًا، وقد روى الببهقىُّ؛ مِن حديثِ عاصمٍ؛ قال: جاء رجلٌ إلى الحسَنِ، فقال له: يا أبا سعيدٍ، إنَّ لي جاريةً حسَنةً الصوتِ، لو عَلَّمْتُها الغناءَ لعلِّي آخُذُ بها مِن مالِ هؤلاءِ، قال الحسَنُ: إنَّ إسماعيلَ كان يأمُرُ أهلَهُ بالصلاةِ والزكاةِ، وكان عندَ ربِّه مَرضِيًّا، فأعاد عليه الرجُلُ القولَ ثلاثَ مرَّاتٍ، كلَّ ذلك يقولُ له الحسَنُ: إنَّ إسماعلَ كان يأمُرُ أهلَهُ بالصلاةِ والزكاةِ (١).\nوقد أمَرَ اللَّهُ بأمرِ الأولادِ بالصلاةِ وتعاهُدِهم عليها، ويجبُ ذلك على الوليِّ عندَ تمييزِ الولدِ بالكلامِ أمرًا، وضَرْبًا غيرَ مبرِّحٍ عندَ العِصْيانِ عندَ العاشرةِ؛ كما في قولِهِ -ﷺ-: (مُرُوا أوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجِعِ) (٢).\nوظاهرُ الحديثِ: أنَّ الولدَ لا يؤمَرُ بها قبلَ السابعةِ، ولا يُضرَبُ قبلَ العاشرةِ، ولكن قبلَ السابعةِ يُعرضُ له: (لو صَلَّيتَ معنا، وماذا ترى بالصلاةِ مع الناسِ؟)، وهذا لي حالِ قُرْبِهِ مِن التمييزِ، ولا يؤتى به إلى مواضعِ الصلاةِ وصفوف المُصلِّينَ إنْ كان يقطعُها ويُذهِبُ خشوعَهُمْ ببكائِهِ ولَعِبِه.\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٢٦).\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٨٧)، وأبو داود (٤٩٥).","vol":"4","page":1729},{"text":"ويُستحَبُّ تعاهُدُ الأهلِ بصلاةِ النافِلةِ، وخاصَّةَ الزَّوْجةَ؛ فقد كان النبيُّ -ﷺ- يتعاهَدُ أهلَهُ وَيُوقِظُ أهلَهُ لصلاةِ الوِتْرِ، وكان يحُثُّ الناسَ على ذلك، ففي \"السُّننِ\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ وأبي سعيدِ؛ قال -ﷺ-: (إِذَا أَيْقَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّبَا أَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا، كُتِبَا فِي الذَّاكِرِينَ وَالذَّاكِرَاتِ) (١).\nوفيها أيضًا عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: (رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قامَ مِنَ الَّليْلِ فَصَلَّى، وَأْيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ، نَضَحَ فِي وَجْهِهَا المَاءَ، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، وَأَيْقَظَتْ زَوجَهَا، فَإِنْ أَبَى، نَضَحَتْ فِي وَجهِهِ المَاءَ) (٢).\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].\nذكَرَ اللَّهُ الأنبياءَ ومَن اتَّبَعَهُمْ ممَّن اقتفَى أثرَهُم، وذكَر مَنْ خَلْفَهم ممَّن مالوا وحادُوا عن الصراطِ المستقيم، وأولُ وصفِ سوءٍ لهم ذكَرَهم به: أنَّهم: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾، فقرَنَ اللَّهُ إضاعةَ الصلواتِ باتِّباعِ الشهواتِ؛ لأن الصلاةَ لا يُضِيعهُا إِلَّا غارِقٌ في الشهوةِ، يستمتِعُ بالعاجلِ فيَصرِفُهُ عن الآجِلِ.\nوقد كان السلف يَعُدُّونَ كلَّ شَهْوةٍ صارفةٍ عن الطاعةِ هي مِن هذا البابِ؛ وذلك أنَّ ثَمَّةَ تلازُمًا بينَ الشهواتِ وتركِ الصلاةِ؛ فكلَّما زادَتِ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١٣٠٩)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١٣١٢)، وابن ماجه (١٣٣٥).\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٢٥٠)، وأبو داود (١٣٠٨)، والنسائي (١٦١٠)، وابن ماجه (١٣٣٦).","vol":"4","page":1730},{"text":"الشهواتُ، نقَصَتِ الصلاةُ، وقد رَوَى البيهقيُّ في \"الشُّعَبِ\"؛ مِن حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو، عن محمدِ بنِ المُنكدِرِ؛ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عامرِ بنِ ربيعةَ، قال: \"اغْتَسَلْتُ أَنَا وَآخَرُ، فَرَآنَا عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ وَأَحَدُنَا يَنْظُرُ إِلَى صَاحِبِهِ، قَالَ: إِنِّي لأَخْشَى أَنْ يَكُونَا مِنَ الخَلْفِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ \" (١).\nولا يكونُ تركُ الصلاةِ بالكليَّةِ والانغماسُ في الشهواتِ في الأُمَمِ إلَّا مع بُعْدِ عهدٍ بالنبوَّةِ، فتُطمَسُ معالمُها، ويَقِلُّ المُصلِحونَ فيها، وقد صحَّ عن مجاهدٍ أنَّ ذلك يكونُ في آخِرِ الزمانِ؛ كما رواهُ ابنُ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ؛ قال في قولِه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾: \"عندَ قيامِ السَّاعةِ وذَهَابِ صَالِحي أمَّةِ مُحَّمدٍ -ﷺ- يَنْزُو بعضُهم على بعضٍ في الأَزِقَّةِ\" (٢).\nوقد حمَلَ بعضُ السلفِ الأضاعةَ في هذه الآيةِ على كفرِ تاركِ الصلاةِ؛ حيثُ حمَلَ الإضاعةَ على التركِ؛ لقربةِ الغَيِّ الذي لا يكونُ مِثلُهُ إلَّا لكافرٍ؛ كما جاء عن ابنِ مسعودٍ في قولِه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾؛ قال: \"الغَيُّ نهرٌّ حَمِيمٍ في النارِ يُقذَفُ فيه الذين يَتَّبِعُونَ الشهواتِ\" (٣).\nوقد حمَل بعضُ السلفِ الإضاعةَ في الآيةِ على تأخيرِها عن وقتِها؛ كما قال بذلك القاسمُ بنُ مُخيمرةَ؛ قال في قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾: \"إنَّما أضاعوا المواقيتَ، ولو كان تركًا، كان كفرًا\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٧٤٠١).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٥/ ٥٧٠).\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٧/ ٢٤١٣)، والبيهقي في \"البعث والنشور\" (٤٧١).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (١٥/ ٥٦٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٢٤١٢).","vol":"4","page":1731},{"text":"وقد اتَّفَقَ السلفُ على كفرِ تاركِ الصلاةِ؛ وإنَّما خلافُهُمْ في كونِهِ كفرًا مُخرِجًا مِن الملَّةِ، أو كفرًا أصغَرَ.\nوقد ذهب أحمدُ في المشهورِ عنه -وهو قولٌ للشافعيِّ- إلى كفرِ تاركِها؛ لقولِ النبيِّ -ﷺ-: (بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّركِ وَالكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ) (١)، ويأتي تفصيلُ القولِ في تاركِ الصلاةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٥].\n* * *\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٨٢).","vol":"4","page":1732},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1190>سورة طه</span>\nوهي مِن السُّوَرِ المكيَّةِ العِتَاقِ الأُوَلِ؛ كما ثبَتَ مِن حديثِ ابنِ مسعودِ في \"الصحيحِ\" (١)، وهي لتثبيتِ البنيِّ -ﷺ- على رسالته ببيانِ الغايةِ منها، وجاء فيها ذِكْرُ بعضِ الأنبياءِ وثَبَاتِهِمْ وصبرِهم على أداءِ رسالةِ اللَّهِ، وتحمُّلِهِمْ وأدائِهِمْ للأمانةِ؛ ليكونَ في ذلك تثبيثٌ وتسليةٌ للنبيِّ -ﷺ- فيما هو فيه، وما يَستقبِلُهُ مِن أمرِ الناسِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠].\nرأى موسى النارَ ونَأى بأهلِهِ عن الحضورِ معه؛ وذلك لأنَّ الغالبَ في الأسفارِ الرِّجَالُ، ولا يصحُّ منه الإتيانُ بأهلِهِ بينَهم؛ وذلك أنَّه لو كان معه صاحبٌ رجلٌ لَأخَدَهُ معه، ولم يقُلْ له: (امْكُثْ)؛ يتقوَّى ويأنَسُ به، وقد تقدَّمَ الكلامُ على مسألةِ اختلاطِ الجنَسَيْنِ وتفصيلُهُ عندَ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقولِهِ تعالى: ﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١]، وقولِهِ: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، وقولِهِ تعالى في هودٍ: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [٧١]، وتأتي\n_________\n(١) سبق تخريجه.","vol":"4","page":1733},{"text":"الإشارةُ إلى ذلك في قولِهِ في القصصِ: ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [٢٩]، وقولِه في الحُجُراتِ: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [١١].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)﴾ [طه: ١٢].\nأمَرَ اللَّهُ نبيَّه موسى بخَلعِ نَعْلَيْهِ حينَما أنَبَأَهُ بأنَّه بمكانٍ مقدِّسٍ معظَّمٍ، وفي هذا تشريفُ الأماكنِ المعظَّمةِ وتطهيرُها، واستحبابُ الإتيانِ أليها بما حَسُنَ مِن اللِّباسِ وطابَ مِن الرائحةِ، وقد تقدَّمَ الكلامُ على قصدِ المساجدِ بالزِّينةِ عندَ قولهِ تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1191>العِلَّةُ مِن أمرِ موسى بخلعِ نعلَيْهِ:</span>\nوقد اختُلِفَ في سببِ أمرِ اللَّهِ موسي بَنَزْعِ نعلَيْهِ خاصَّةً؛ مع وضوحِ أنَّ هذا الموضعَ مكانٌ مقدَّسٌ معظَّمٌ:\nفقيل: إنَّ النِّعَالَ كانتْ مِن جِلْدِ مَيْتهٍ، ولا يثبُتُ ذلك؛ وذلك أنَّهم أخَذُوهُ ممَّا روى التِّرْمِذيُّ (١)؛ مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ مرفوعًا: \"كانَ عَلَى مُوسَى يَوْمَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ كِسَاءُ صُوفٍ، وَجُبَّةُ صُوفٍ، وَكُمَّةُ صُوفٍ، وَسَرَاوِيلُ صُوفٍ، وَكَانَتْ نَعْلَاهُ مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ\"، وقد أعَلَّ الحديثَ غيرُ واحدٍ مِن العلماءِ؛ كالترمذيِّ وغيرِه.\nوبعضُهم جعَل ذلك للاستحبابِ؛ أيْ: عندَ حضورِ الأماكنِ\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (١٧٣٤).","vol":"4","page":1734},{"text":"المعظَّمةِ ولقاءِ العُظَماءِ يُستحَبُّ نَزْعُ النِّعَالِ، وإنْ صحَّ ذلك فيُمْكِنُ تخصيصُهُ بمَن قَبْلَنا؛ لأنَّ النبيَّ -ﷺ- ثبَتَ عنه الصلاةُ في النِّعَالِ، ودخولُ المسجدِ بها، بل دخَلَ النبيُّ -ﷺ- البيتَ الحرامَ ببَعِيرِه، وفعَلَ مِثْلَهُ جماعةٌ مِن أصحابِهِ وأزواجِه، وطافُوا حولَ البِيتِ عليه، وليستْ أقدامُ البهائمِ بأطهَرَ من أقدامِ بَني آدمَ، فضلًا عن الأنبياءِ.\nوقد وقَفَ النبيُّ -ﷺ- عندَ المَقامِ بنعلَيْهِ؛ كما رواه أحمدُ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ (١)، وطاف ابن الزُّبَيْرِ بنعلَيْهِ؛ كما رواهُ الفاكهيُّ (٢).\nوظاهرُ قولِه تعالى بعدَ الأمرِ بخَلْعِ النِّعالِ: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾: أنَّ العلةَ مِن خَلْعِ النِّعالِ هو قُدْسِيَّةُ المكانِ وخَصُوصِيَّتُه، ويتَّفقُ العلماءُ على أنَّ قدسيَّةَ المسجدِ الحرامِ ومسجدِ النبيِّ -ﷺ- أعظَمُ مِن قدسيَّةِ الوادِي المقدَّسِ طُوًى.\nولكنْ يَحتمِلُ أن العلةَ في ذلك هي أنَّ لذلك المكانِ مِن القُدْسِيَّةِ التي جعَلَها اللَّهُ فيه عندَ قدومِ موسى وسماعِ كلامِ اللَّهِ بلا واسطةٍ في الأرضِ: ما ليس في غيرِه، ثمَّ رُفِعَ ذلك القَدْرُ مِن القُدْسِيِّةِ بانتهاءِ ذلك؛ وذلك أن اللَّهَ كلَمَ موسى في الأرصِ بلا واسطةٍ، ولم يُسبَق موسى بأحدٍ مِن الأنبياءِ أنْ كَلَّمَهُ اللَّهُ كذلك، وأمَّا نبيُّنا -ﷺ- فقد كَلَّمَهُ اللَّهُ بلا واسطةٍ، ولكنْ في السماءِ، لا فى الأرضِ.\nويَحتمِلُ أن يكونَ الأمرُ بذلك مِن جنسِ أمرِ جبريلَ النبيَّ -ﷺ- بنَزْعِ نعلَيْهِ؛ لأنَّه كان فيهما قذَرٌ، وذلك كما جاء في حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ؛ قال: بينَما النبيُّ -ﷺ- يُصَلِّي بِأصْحَابِهِ إذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ القَوْمُ، أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٤٢٢).\n(٢) أخرجه الفاكهي في \"أخبار مكة\" (٥٨٠).","vol":"4","page":1735},{"text":"صَلَاتَهُ، قَالَ: (مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟ !)، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ، فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (إِنَّ جِبْرِيلَ -ﷺ- أَتَانِي، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيْهِمَا قَذَرًا -أَوْ قَالَ: أَذًى-)، وَقَالَ: (إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى المَسْجِدِ، فَلْيَنْظُرْ: فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أذًى، فَلْيَمسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا)؛ رواهُ أحمد وأبو داودَ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1192>الصلاةُ في النِّعَالِ، ودُخُولُ المساجدِ بها:</span>\nولا يُؤخَذُ مِن هذه الآيةِ: عدمُ استحبابِ الصلاةِ بالنِّعَالِ؛ فإنَّ الصلاةَ بها محلُّ اتِّفاقٍ عندَ العلماء على جوازِها، وإنَّما الخلافُ عندَهم في الاستحبابِ مِن عَدَمِه؛ وذلك لثبوتِ الصلاةِ بها عن النبيِّ -ﷺ-؛ فقد كان يُصلِّي في نعلَيْه؛ كما ثبَت في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديث أنسٍ (٢)، بل كان يأمُرُ بذلك؛ كما أخرج أبو داودَ؛ مِن حديثِ شَدَّادِ بن أَوْسٍ؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: (خَالِفُوا الْيَهُودَ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ) (٣)، وقد كان -ﷺ- يَفعلُ ذلك تارَةً وَيَنْزِعُهما تارَةً؛ كما روى عمرُو بن شُعَيْبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه؛ قال: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي حَافِيًا وَمُنْتَعِلًا\"؛ أخرجَهُ أبو داودَ وغيرُهُ (٤).\nوقد اختلَفَ العلماءُ في النجاسةِ التي تُصِيبُ أسفَلَ النعلِ: هل تطهُرُ بدَلْكِها بالأرضِ وطولِ المشي عليها، أو لا بُدَّ مِن قَصْدِها بالغَسْلِ والتطهيرِ؟ على أقوالٍ ثلاثةٍ، وهي ثلاثُ روايات عن أحمدَ:\nفقيل: إنَّها تطهُرُ بالدَّلْكِ وطولِ المشي في الأرضِ؛ وهذا قولٌ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣/ ٩٢)، وأبو داود (٦٥٠).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٨٦)، ومسلم (٥٥٥).\n(٣) أخرجه أبو داود (٦٥٢).\n(٤) أخرجه أحمد (٢/ ١٧٤)، وأبو داود (٦٥٣)، وابن ماجه (١٠٣٨).","vol":"4","page":1736},{"text":"للشافعيِّ قديمٌ، وبه يقولُ بعضُ أهلِ الحديثِ؛ كأبن أبي شَيْبةَ، ويحيى بنِ يحيى النَّيْسابوريِّ.\nوقيل: بعدمِ طهارتها.\nوفرَّق قومٌ بينَ نجاسةِ البولِ ونجاسةِ العَذِرَةِ بأنَّ البولَ يطهُرُ بالدَّلكِ بخلافِ العَذِرَةِ.\nوظاهرُ الأحاديثِ: أنَّ الدَّلْكَ وطولَ المشي يَكفِيها في تطهيرِها، ولم يثبُتْ عن النبيِّ -ﷺ- الأمرُ بغَسْلِ النِّعالِ.\nوالمساجدُ اليومَ ليست كالمساجدِ بالأمسِ؛ ففيها الفُرُشُ الغاليةُ التي يَظْهَرُ فيها أَدْنى وَطْءٍ للنِّعالِ، فضلًا عن النجاساتِ والقاذوراتِ، فتَلزَقُ بها ويَبقى أثرُ عينِها ورائحتُها فيها، وينبغي صيانتها عن النِّعالِ طاهرةً وغيرَ طاهرةٍ، ما لم تكنِ النِّعالُ تُلبَسُ للمسجدِ خاصَّةً، وقد كان يفعلُ ذلك بعضُ السلفِ؛ يَجعلونَ للمسجدِ نعالًا خاصَّةً به؛ كما روى مروانُ بنُ الأصفرِ؛ قال: رأيتُ طاوُسًا يأتي المسجدَ، فإذا بلَغَ البابَ، نزَعَ نعلَيْهِ، وأخرَجَ نعلًا له أُخرى، فلَبِسَها ودخَلَ (١).\nوإذا كان المصلِّي مِن أهلِ الحاجةِ والضرورةِ، فيتعاهدُ نَعْلَهُ، ويتحرَّى في مَوْطِئِه، ويدخُلُ ولا حرَجَ عليه، ولا ينبغي المساواةُ بين هيئةِ المساحِدِ التي كان السلفُ يُصَلُّونَ فيها بنِعَالِهم وببنَ أكثرِ المساجدِ اليومَ التي تُفرَشُ وتُبلَّطُ بالرخامِ.\nوالبَلَاطُ أشدُّ مِن التُّرابِ، فينيغي صيانةُ المساجدِ التي فيها بلاطٌ أكثَرَ مِن المساجدِ التي فيها ترابٌ؛ وذلك لأنَّ الترابَ يُوطَأُ وينقلِبُ ويكونُ أعلاهُ أسفلَهُ وتُدفَنُ فيه القذاراتُ، بخلافِ البلاطِ فتَبْقَى على\n_________\n(١) أخرجه الفاكهي في \"أخبار مكة\" (١٤٩٥).","vol":"4","page":1737},{"text":"سطحِه، وتَلزَقُ القذاراتُ في البلاطِ أشدَّ مِن الترابِ، وتَظهرُ عليه أشَدَّ مِن ظهورِها على الترابِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤].\nفي هذا: وجوبُ إقامةِ الصلاةِ المكتوبةِ وأدائِها إذا نُسِيَتْ بعدَ تذكُّرِها، واللامُ في قولِه تعالى: ﴿لِذِكْرِي﴾ حُمِلَتْ على معنيَيْنِ:\nفقيل: إنَّها لامُ سببٍ؛ يعني: أَقِمِ الصلاةَ لِتذكرَني بها.\nوقيل: هي بمعنى (عندَ)، والمرادُ: أقِمِ الصلاةَ متى ذكَرْتَها؛ وهذا الأشهَرُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1193>قضاءُ الفرائضِ الفائتةِ وترتيبُها:</span>\nوتُقضَى الفرائضُ في كلِّ وقتٍ متى ذكَرَها ناسِيها؛ وذلك لظاهرِ الآيةِ، سواءٌ كان ذلك في وقتِ نهيٍ أو غيرِه؛ لأنَّ الفرائضَ المنسيَّةَ آكَدُ ذواتِ الأسبابِ.\nوعلى هذا عامَّةُ السلفِ وأكثرُ الفقهاءِ.\nخلافًا لأبي حنيفةَ، فقد جعَل تقدُّمَ النبيِّ -ﷺ- لمَّا نام عن صلاةِ الفجرِ وقام عندَ طلوعِ الشمسِ: أنَّ ذلك كان بسببِ أنَّها كانت بينَ قَرْنَيْ شيطانٍ، وهو وقتُ نهيٍ، فتقدَّمَ حتى ترتفِعَ.\nوهذا غيرُ ظاهرٍ في الحديثِ، ولا فَهِمَهُ كذلك أحدٌ مِن الصحابةِ، وفي الحديثِ قال: (فَمَا أَيْقَظَنَا إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ) (١)، وحرُّ الشمسِ لا يَكونُ إلَّا بعْدَ ارتفاعِها، واللَّهُ أعلَمُ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٤٤)، ومسلم (٦٨٢).","vol":"4","page":1738},{"text":"وقد أمَرَ النبيُّ -ﷺ- بذلك؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أنسٍ: (مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا؛ لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾) (١).\nوأمَّا ما يقولُهُ بعضُ الفقهاءِ: أنَّ الصلاة المنسيَّةَ لا تُقضى إلَّا مع مَثِيلَتِها مِن الغدِ، فهذا لا دليلَ عليه، ويُخالِفُ ظاهرَ القرآنِ، وصريحَ السُّنَّةِ، وعملَ الصحابةِ -﵃-.\nوإذا اجتمَعَتْ صلاتانِ: حاضرةٌ ومنسيَّةٌ، والوقتُ متَّسِعٌ، فالواجبُ عندَ عامَّةِ الفقهاءِ المذاهبِ الأربعةِ تقديمُ المنسيَّةِ؛ لأنَّها أسبَقُ، ولحقِّ الترتيبِ بينَهما؛ فهما في حُكْمِ الصلاتَيْنِ الحاضرتَيْنِ المجموعتَيْنِ؛ كالظُّهْرِ والعصْرِ، والمغرِبِ والعِشَاءِ، ولمَّا فاتتْ صلاةُ العصر النبيَّ -ﷺ- حتى غابتِ الشمسُ، صلَّاها ثمَّ صلَّى المغرِبَ؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ حابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ؛ أن عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفارَ قُرَيْشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كِدتُّ أُصَلِّي العَصْرَ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغرُبُ! فقال النبيُّ -ﷺ-: (وَاللَّهِ مَا صَلَّيتُهَا!)، فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ (٢).\nولم يثبُتْ أنَّ النبيَّ -ﷺ- صلَّى على غيرِ ترتيبٍ؛ لا صلواتٍ فائتةً، ولا صلواتٍ حاضرةً مجموعةً.\nوإذا كان الوقتُ ضيِّقًا لا يتَّسعُ لتقديمِ الفائتةِ على الحاضرةِ، وإنَّما يَكفي للحاضرةِ فقطْ، فيُقدِّمُ الحاضرةَ على الفائتةِ، ويسقُطُ عنه الترتيبُ؛ حتى لا يكونَ في حقِّه فائتتانِ بدلًا مِن صلاةٍ فائتةٍ واحدةٍ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤).\n(٢) أخرجه البخاري (٥٩٦)، ومسلم (٦٣١).","vol":"4","page":1739},{"text":"وعلى هذا أكثرُ الفقهاءِ مِن المذاهب؛ وبهذا قال ابن المسيَّبِ والحسنُ وربيعةُ.\nوخالَفَ في ذلك المالكيَّةُ، فقالوا بوجوبِ الترتيبِ ليسيرِ الفوائتِ ولو فاتتِ الصلاةُ الحاضرةُ، وهو روايةٌ عن أحمدَ اختارَها بعضُ أصحابِه؛ كالخلَّالِ وأبي بكرٍ.\nوالفقهاءُ يختلِفونَ في وجوبِ الترتيب وإنْ قالوا بمشروعيَّتِهِ جميعًا، على أقوالٍ ثلاثةٍ:\nقالتْ طائفةٌ: بوجوب الترتيب بينَ فوائتِ الصلواتِ كثيرِها ويسيرِها؛ وهذا ظاهرُ مذهبِ أحمدَ، لأَنَّ القضاءَ يَحكِي الأداءَ.\nوذهبت طائفةٌ: إلى وجوبِ الترتيب في يسيرِ الفوائتِ لا كثيرِها؛ وهذا ظاهرُ مذهب المالكيَّةِ والحنفيَّةِ، واختلَفُوا في الفَرْقِ بينَ الكثيرِ واليسيرِ، وعامَّتُهم على أنَّ اليومَ والليلةَ يسيرٌ يجبُ الترتيبُ فيه.\nوذهبتْ طائفةٌ: إلى استحباب الترتيبِ عندَ قضاءِ الفوائتِ، وأنَّه لا يجبُ؛ وهذا مذهبُ الشافعيَّةِ؛ وذلَك أنَّ الفوائتَ كالدُّيونِ لا يضُره بأيِّها بدَأَ.\nوظاهرُ الأقوالِ: أنَّ الصلواتِ الكثيرةَ لا يجبُ فيها الترتيبُ، وهو قولُ جمهورِ الفقهاءِ مِن الحنفيَّةِ والمالكيَّةِ والشافعيَّةِ، خلافًا لأحمدَ فلا يُفرِّقُ بينَ قليلٍ وكثيرٍ.\nومَن نَسِيَ صلاةً فائتةً، ثمَّ صلَّى حاضرةَ، فتذكَّرَ الفائتةَ في الوقتِ، فلا يجبُ عليه أن يُعِيدَ الحاضِرةَ عندَ أحمدَ؛ فإنَّه يُسقِطُ الترتيبَ بالنِّسْيانِ، وأمَّا ما رُوي عن ابنِ عمرَ -﵄-، عن النبيِّ -ﷺ-، قال: (مَن نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا وَهُوَ مَعَ الإِمَامِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَلْيُعِدِ","vol":"4","page":1740},{"text":"الصَّلاةَ الَّتي نَسِيَ، ثُمَّ لْيْعِدِ الصَّلَاةَ الَّتي صَلَّاهَا مَعَ الإِمَامِ) (١)، فلا يصحُّ، بل قال أبو زُرْعةَ: هو خطأٌ. وأنكَرَه ابنُ مَعِينٍ (٢) وعامَّةُ النُّقَّادِ.\nوالصوابُ وقفُهُ؛ كما رجَّحَهُ أبو زرعةَ (٣)، والدارقطنيُّ (٤)، وابنُ عديٍّ (٥)، والبيهقيُّ (٦)، وغيرُهم.\nويسقطُ الترتيبُ خشيةَ فَوْتِ صلاةِ الجماعةِ، للأمرِ الصريحِ بها، ولأنَّه لا يصحُّ انفرادُ الرجلِ بصلاةٍ فائتةٍ والناسُ يُصَلُّونَ في المسجدِ جماعةً؛ وهذا قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ، وإنَّما خلافُهُمْ في إعادةِ ما صلَّاهُ مع الإمامِ بعدَ أداءِ الفائتة ليتحقَّقَ له الترتيبُ؛ لأنَّه امتثَلَ الأمرَ فصلَّى جماعةً ولم يَنفرِدْ وحدَهُ، والأرجحُ: أنَّه لا يُعبدُ؛ وهذا قولُ الشافعيِّ وأحمدَ في روايةٍ عنه، واختارَها ابنُ تيميَّةَ.\nوالجمهورُ: على أنَّه بُعِيدُ الصلاةَ؛ وهذا قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ والمشهورُ عن أحمدَ، وهو قولُ ابنِ عمرَ، وقد صحَّ عنه في \"الموطَّأ\"، عن نافعٍ؛ أنَّ ابنَ عمرَ قال: \"مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، فَلَمْ يذْكُرْهَا إِلَّا وَهُوَ مَعَ الإِمَام، فَإذَا سَلَّمَ الإِمَامُ، فَلْيُصَلِّ الصَلَاةَ الَّتِي نسِيَ، ثُمَّ ليُصَلِّ بَعْدَهَا الَأُخْرَى\" (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1194>هل للصَّلَاةِ الفائِتةِ أذانٌ وإقامةٌ</span>؟\nظاهرُ الآيةِ: أنَّ اللَّهَ أمَرَ بأداءِ الصلاةِ المنسيَّةِ ولم يأمُرْ بشيءٍ قبلَها،\n_________\n(١) أخرجه البيهقى في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢٢١).\n(٢) \"علل الحديث\" لابن أبي حاتم (٢/ ١٧٢ - ١٧٣).\n(٣) \"علل الحديث\" لابن أبي حاتم (٢/ ١٧٢).\n(٤) \"علل الدارقطني\" (١٣/ ٢٤).\n(٥) \"الكامل في ضعفاء الرجال\" (٣/ ٤٠٠).\n(٦) \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٢/ ٢٢١).\n(٧) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ١٦٨).","vol":"4","page":1741},{"text":"وقد اتَّفَقَ الأئمَّهُ الأربعةُ على أنَّه يُقامُ للصلاةِ الفائتة، ولكنَّهم اختلَفُوا في الأذانِ لها على قولَيْنِ:\nذَهب مالكٌ والشافعيُّ وغيرُهما: إلى أنَّه لا يُؤذَّنُ لها؛ لأنَّ الإقامةَ إشعارٌ لقُرْب الدخولِ في الصلاةِ، بخلافِ الأذانِ؛ لأنَّ إعلامٌ بدخولِ الوقت.\nوذهب أحمدُ وأبو حنيفةَ: إلى أنَّه يُؤذَّنُ لها كما يُقامُ.\nوذهَبَ سُفْيانُ: الى أنَّه لا يُؤذَّنُ لها ولا يُقامُ.\nوإنَّما اختَلَفَ الفقهاءُ في ذلك؛ لاختلافِ الرِّواياتِ في قضاءِ النبيِّ -ﷺ- لِمَا فاتَ منه في الخَنْدَقِ وفي قصةِ التَّعْرِيسِ لصلاةِ الفجرِ؛ ففي بعضِها يذكُرُ الأذانَ وفي بعضِها لا يذكُرُهُ، والثابتُ في \"الصحيحِ\": أنَّ النبيَّ -ﷺ- أمَرَ بلالًا أن يُؤذِّن في الناسِ، وذلك عندَما نام النبيُّ -ﷺ- والصحابةُ عن صلاةِ الفجرِ حتى طلَعَ حاجبُ الشمسِ، وفيه قال النبيُّ -ﷺ- لبلالٍ: (يا بلَالُ، قُمْ فَأَذِّنْ بِالنَّاسِ بِالصَّلَاةِ)، فَتَوَضَّأَ، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ وَابْيَاضَّتْ، قَامَ فَصَلَّى (١).\nوحمَلَ بعضُهم ذلك على دعوةِ الناسِ إلى الصلاةِ وجَمْعِهم لا النداءِ المعروفِ.\nوهذا الحملُ فيه نظر، وعدمُ ذِكْرِهِ في بعضِ الرِّواياتِ لا يعني عدمَ فِعْلِه؛ فإنَّ عدمَ الذِّكْرِ لا يدُلُّ على العدمِ، وقد جاء صريحًا في حديثِ أبي قتادةَ؛ قال: (إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدهَا عَلَيْكُمْ حِينَ شَاءَ، يَا بِلَالُ، قُم فَأَذِّنْ بالنَّاسِ بالصَّلَاةِ)، فَتَوَضَّأَ، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ وَابْيَاضَّتْ، قَامَ فَصَلَّى (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٩٥).\n(٢) سبق تخريجه.","vol":"4","page":1742},{"text":"وجاء ذلك صريحًا عندَ النَّسَائيِّ؛ مِن حديثِ بُرَيْدِ بنِ أبي مريمَ، عن أبيه (١).\nوعندَ أحمدَ مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ (٢).\nوالأظهرُ: أنَّ الحالَ تختلِفُ؛ فمَنْ كان في حَضَرٍ ونام عن الصلاةِ، فإنَّ أذانَهُ للصلاةِ يدعو الناس إليها، وحالُهُمْ ليستْ كحالِه، والأفضلُ في حقِّه: تركُ الأذانِ في الحَضَرِ، وإنْ رأى أن يُؤذِّنَ فلْيُؤَذِّنْ لنفسِه؛ حتى لا يُلبِّسَ على الناسِ؛ كما صرَّح بهذا جماعةٌ مِن أصحابِ أحمدَ والشافعيِّ؛ وإنَّما أمَرَ النبيُّ -ﷺ- بالأذانِ وهو في سفرٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1195>حُكْمُ قضاءِ النوافلِ:</span>\nوأمَّا قضاءُ النوافلِ، ففيه خلافٌ عندَ الفقهاءِ على أقوالٍ، وأشهرُها قولانِ، وهما روايتانِ عن أحمدَ:\nالأولُ: قالوا بالقضاءِ؛ وهو الصحيح عندَ الشافعيَّةِ.\nالثاني: أنَّها لا تُقضى؛ وبه قال أبو حنيفةَ ومالكٌ وجماعةٌ.\nومنهم: مَن فرَّق بينَ تركِ النافلةِ نِسْيانًا وشُغْلًا وبينَ تَرْكِها عمدًا؛ فعندَ النِّسْيانِ والشُّغْلِ: يَرى قضاءَها، وعندَ العَمْدِ: لا يرى ذلك؛ لأنَّه ترَكها عمدًا وأداؤها في وقتِ غيرِ وقتِها يَقتضي تبديلًا بالهوى لمواقيتِ النوافلِ، وهي توقيفيَّةٌ، ولو أُطلِقَ الجوازُ ولم يُعلَّقْ بعُذْرٍ، كان بابًا لتفويتِ عبادةٍ عن وقتِها.\nوالتفريقُ وجيهٌ؛ وذلك لِما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أمِّ سلمةَ؛ أنَّ النبيَّ -ﷺ- ترَكَ الركعتَيْنِ بعدَ الظُّهْرِ فصلَّاهما بعدَ العصرِ، ثمَّ قال: (إِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ بِالْإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ\n_________\n(١) أخرجه النسائي (٦٢١).\n(٢) أخرجه أحمد (١/ ٤٥٠).","vol":"4","page":1743},{"text":"اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ) (١)، وهذا تركٌ مِن النبيِّ -ﷺ-، وبيَّن سببَهُ، وهو الشُّغْلُ عنها.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٧ - ١٨].\nفي هذه الآيةِ: استحبابُ استعمالِ اليدِ اليُمْنى في الحاجاتِ، والأَخْذِ والإعطاءِ، والضربِ والهَشِّ، فضلًا عن الأكلِ والشربِ، والسلام، والكتابةِ؛ ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ [العنكبوت: ٤٨].\nومِن هذا يُؤتى المؤمِنونَ كُتُبَهُم بأَيْمانِهم، ويُؤتى الكفارُ كُتُبَهُمْ بشِمالِهم يومَ القيامةِ؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١)﴾ [الإسراء: ٧١].\nوأمَّا النجاساتُ والقذارةُ والأذى، فتُستعمَلُ فيها الشِّمَالُ، ويُكْرَهُ استعمالُ اليمينِ؛ لقولِ عائشةَ عن النبيِّ -ﷺ-: \"وَكَانَتِ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ، وَمَا كَانَ مِن أذًى\" (٢)، وعن حفصةَ؛ قالتْ: \"وَكَانَ يَجْعَل يَمِينَهُ لِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ، وَوُضُوئِهِ وَثيَابِهِ، وَأَخْذِهِ وَعَطَائِهِ، وَكان يَجْعَلُ شِمَالَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ\" (٣).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٢٣٣)، ومسلم (٨٣٤).\n(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٢٦٥)، وأبو داود (٣٣).\n(٣) أخرجه أحمد (٦/ ٢٨٧)، وأبو داود (٣٢).","vol":"4","page":1744},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: ٢٩ - ٣٢].\nفي هذا: استحبابُ اتِّخادِ الوُزَراءِ والمستشارِينَ الثِّقاتِ يَعْضُدُونَ في الحقِّ ويُعِينُونَ عليه، وكلَّما كانتِ الأمانةُ أعظَمَ، كانتِ الحاجةُ إلى المُعِيِنِ عليها أظهَرَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1196>استحبابُ اتِّخاذِ البِطَانةِ الصالحةِ والوزيرِ المُعِينِ:</span>\nوإنَّ اللَّهَ جعَلَ القُرْبَ مِن الوجيهِ بعِلْمٍ أو سُلْطانِ أمرًا مقدورًا عليه؛ فعليه أن يُقرِّبَ إليه الصادقنَ قبلَ أن يَسبِقَ إليه غيرُهُمْ؛ وذلك لأنَّ الناسَ تَطمَعُ في ذي اليدِ والجاهِ والمالِ والقُوَّةِ، وفي \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ؛ قال: قال النبيُّ -ﷺ-: (مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُهُ عَلَيْهِ؛ وَبطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ) (١).\nوهذا إن كان في الأنبياءِ والخُلَفاءِ، فهو في غيرِهم مِن السلاطينِ والعلماءِ مِن بابِ أولى؛ وذلك لأن الناسَ يَقرُبون فيَختلِطُ أمرُهم، وكلُّهم يُبدِي مصلحةَ من قَرُبُوا منه، ولا يعلَمُ بواطنَهُم إلَّا اللَّهُ، والواجبُ على الحاكمِ والعالِمِ: اتِّخاذُهم قبلَ أنْ يَتَّخِذوه، وقد كان النبيُّ -ﷺ- يدنو منه الأولياءُ والصالحونَ ويدنو منه المُنافِقونَ والمُرتزِقُون، وكان يتَّخِذُ بِطانةً منهم ولا يتَّخذُونَه؛ فبِطانتُهُ أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ وغيرُهم مِن خِيارِ الصحابةِ، ولا يَمنَعُ جليسًا مُرِيدًا للخيرِ؛ لكنَّه لا يتَّخِذُ كلَّ أحدٍ أمينًا ووزيرًا وبِطَانةً، وقد يدخُلُ عليه البَرُّ والفاجرُ، وفي \"الصحيحِ\"، قال عمرُ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٦١).","vol":"4","page":1745},{"text":"له: \"يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَيكَ الَبَرُّ وَالفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بِالحِجَابِ\" (١).\nومِن توفيقِ اللَّهِ لعبدِهِ: أن يُقدِّرَ له بطانةَ خيرِ ووزراءَ حقِّ؛ فعن عائشةَ مرفوعًا: (مَنْ وَليَ مِنْكُم عَمَلًا فَأَرَادَ اللَّه بِهِ خَيرًا، جَعَلَ لَهُ وَزِيرًا صَالِحًا؛ إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ)؛ رواهُ أحمدُ وأبو داودَ والنَّسائيُّ (٢).\nوأكثَرُ ما يُؤتى السلطانُ والعالِمُ مِن بطانتِه، فيتَّخِذونَهُ بِطَانةً قبلَ أن يتَّخِذَهُم، فيُقرِّبُ مَن يُصلِحُ دُنياه، ولا يَلتفِتُ لِما يُصلِحُ دِينَهُ، وبينَهما مراتبُ كثيرةٌ، واستخبارُ الناسِ وتجرِبتُهم وتتبُّعُهم واصطفاءُ الصادِقِينَ أهلِ القوةِ والأمانةِ: مَطْلَبٌ واجبٌ كلَّما علا قَدْرُ الرجُلِ في الناسِ وعَظُمَ أمرُهُ واتِّباعُ الناسِ له.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣)﴾ [طه: ٣٣].\nفي هذه الآيةِ: فضلُ الذِّكرِ والتسبيحِ خاصَّةً، والاجتماعِ عليه بالتذكيرِ وعمارةِ المَجالِسِ به، وأنَّ مِن مقاصدِ صُحْبةِ الصالحينَ الإعانةَ على ذِكرِ اللَّهِ، فإذا كان هذا احتاج إليه موسى وهو نبيٌّ، فغيرُهُ مِن بابِ أَولى مِن عامَّةِ الناسِ.\nوهذا نظيرُ قولِه تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]؛ فإنَّ صُحْبةَ الصالحينَ تحتاحُ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٤٨٣).\n(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٧٠)، وأبو داود (٢٩٣٢)، والنسائي (٤٢٠٤).","vol":"4","page":1746},{"text":"إلى صبرٍ، وهي مِن أعظَمِ ما يُعِينُ على طاعةِ اللَّهِ بالصلاةِ والذِّكْرِ والدُّعاءِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ [طه: ٤٠].\nفي هذه الآيةِ: مشروعيَّةُ كفالةِ الصغيرِ، وخاصَّةَ اليتيمَ ومَن فُقِدَتْ أُمُّه، وقد تقدَّم الكلامُ على مسألةِ الرَّضَاع عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وتقدَّم الكلامُ على الحضانةِ للصغيرِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧].\nلمَّا قام السَّامِرِيُّ بصناعةِ العِجْلِ مِن ذهبِ بني إسرائيلَ، وعبَدَهُ هو ومَن معه، غَضِبَ موسى على ما فعَلَ، وقام بحَرْقِهِ ونَسْفِهِ في البحرِ.\nوفي هذا أنَّ موسى قام بإتلافِ المالِ، وهو الذهبُ، ولم يقُمْ بحفظِهِ ولا تغييرِهِ بصياغتِه؛ خشيةَ تعلُّقِ قلبِ بني إسرائيلَ به؛ فقد أُشرِبَتْ قلوبُهم حُبَّهُ وتعظيمَهُ؛ كما قال تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣]؛ يعني: امتزَجَ بقلوبِهم كما لو شَرِبُوه فجَرَى في عُرُوقِهم.\nودَلَّتِ الآيةُ على أنَّ حِفْظَ ضرورةِ الدِّينِ مقدَّمةٌ على حفظِ ضرورةِ المالِ، وأنَّه لا حُرْمةَ للأموالِ إن كانت تُعارِصُ إقامةَ توحيدِه، وأنَّه يجبُ","vol":"4","page":1747},{"text":"إتلافُها إن كانتِ الحالةُ كذلك؛ فإنَّ موسى لو غيَّرَها بصياغتِها، لكان في بني إسرائيلَ من يجمعُها، أو يَعبُدُ ما صاغَهُ منها وقطَعَهُ ولو في قلائِدَ في أعناقِ النِّساءِ.\nوإذا كان هذا ما فعَلَهُ موسى، وهو وَحْيٌ، فمِثْلُ ذلك ما يتعلَّقُ بالأصنامِ التي يتعلَّقُ الناسُ بها وبأصولِها ولو كانتْ ثمينةَ القيمةِ لتاريخِها ونَفَاسةِ جَوْهَرِها؛ فإنَّه لا أعظَمَ ولا أشدَّ نَفَاسةً مِن توحيدِ اللَّهِ الذي لأجلِهِ وُجِدَ الخَلْقُ وَأُرْسِلَتِ الرُّسُل، وأُنْزِلَتِ الكُتُب.\nوإن كانتِ الأصنامُ تُصنَعُ مِن جوهرٍ نفيسٍ ولم تتعلَّق بِعْيِنِها النفوسُ، ويُمكِنُ تغييرُها وصَهْرُها وانتفاعُ الناسِ بها مِن غيرِ مَفْسَدةٍ لاحقةٍ، فالأمرُ في مِثلِ هذه الحالةِ يَختلفُ؛ لاختلافِ الحالِ والعِلَّةِ، فإنَّ الحُكْمَ يختلِفُ تَبَعًا؛ فإنَّ الحكمَ يدورُ مع عِلَّتِهِ وجودًا وعدمًا.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ [طه: ١١٧].\nفي هذه الآيةِ: بيانُ أنَّ الكسبَ والنفقةَ على الرجُلِ واجِبٌ، وأنَّه فرضٌ عليه فِطْرةً جُبِلَ عليها آدمُ وحَوَّاءُ مِن أولِ الخَلْقِ؛ وذلك أنَّ اللَّهَ تعالى قال لآدمَ وحَوَّاءَ وهما في الجنةِ قبلَ خروجِهما، محذِّرًا مِن الأكلِ مِن الشجرةِ استجابةً لتلبيس إبليسَ: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾؛ أي: تخرُجانِ جميعًا والشقاءُ لآدمَ؛ لأنَّه كان مَكْفِيًّا في الجنةِ مِن الضَّرْبِ في الأرضِ والعملِ والتكسُّبِ، وأمَّا في الدُّنيا، فسيَشْقَى وحدَهُ، ومحلُّ حواءَ في قَرَارِها، واللَّهُ أمَرَ الرِّجَالَ؛ لكنَّه لم يَنْهَ النِّساءَ عن التكسُّبِ إنِ احتَجْنَ إليه مِن غيرِ تبرُّجٍ ولا اختلاطٍ بالرِّجالِ الأجانبِ.","vol":"4","page":1748},{"text":"وقد بيَّنَّا وجوبَ كَسْبَ الرجُلِ وكفايةِ المرأةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]، وقولِهِ تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥]، ويأتي شيءٌ مِن ذلك عندَ قولِهِ تعالى في سورةِ القَصَصِ: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [٢٣].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١].\nجازَى اللَّهُ آدَمَ وحوَّاءَ بظهورِ سَوْءَتَيْهِما في الجنةِ بعدَ عِصْيانِه، وقامَا بسَتْرِ عورتَيْهما مِن الوَرَقِ؛ لأنَّ سَتْرَ العَوْراتِ فِطْرةٌ جُبِلَ عليها الإنسانُ، ولو لم يَرَهُ أحدٌ بلا حاجةٍ، ولو كانتْ عندَه زوجُهُ ومَن يَحِلُّ له كأَمَتِه، وقد تقدَّمَ الكلامُ في هذا، وبيانُ حُكْمِ العَوْراتِ، وما جَرى لآدمَ وحَوَّاءَ في الجنةِ، وحقيقةِ السَّتْرِ في الصلواتِ وغيرِها، وحدودِ ذلك، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠].\nفي هذه الآيةِ: أمرٌ بالصبرِ، وبيانٌ بما يُعِينُ عليه، وهو ذِكْرُ اللَّهِ","vol":"4","page":1749},{"text":"وإقامةُ الصلاةِ له في مواقيتها؛ فإنَّ ذلك مِن أعظَمِ ما يُعِينُ على الحقِّ وقولِهِ، وأكبرِ ما يُعِينُ على الثَّبَاتِ على الطاعةِ واليقينِ بها؛ كما قال عالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، وقد تقدَّم الكلامُ على مواقيتِ الصلاةِ في القرآنِ، ومعنى التسبيحِ عندَها في سورةِ هودٍ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [١١٤].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢].\nأمَرَ اللَّهُ نبيَّه بأنْ يأمُرَ أهلَهُ بالصلاةِ والصبرِ عليها أمرًا وأداءً؛ لأنَّ حِفْظَ الأقرَبِينَ أَولى مِن غيرِهم، واستصلاحَهُمْ أَوَجَبُ؛ وبهذا أمَرَ اللَّهُ نبيَّه بقولِهِ تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، وقد تقدَّم بيانُ حقِّ الأهلِ والذريَّةِ بالأمرِ بالصلاةِ عندَ ذِكْرِ اللَّهِ لإسماعيلَ ومَدْحِهِ على ذلك عندَ قولهِ تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥].\n* * *","vol":"4","page":1750},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1197>سورة الأنبياء</span>\nوهي سورةٌ مكيَّةٌ مِن العِتَاقِ الأُوَلِ السابقةِ التي نزَلَتْ على النبيِّ -ﷺ- بمَكَّةَ، وفيها مِن قصصِ الأنبياءِ وما أُنزِلَ عليهم مِن كُتُبٍ وعِبَرٍ وحُجَجٍ، وذِكْرُ ثباتِهم وحُسْنِ عاقبتِهم، وسُنَّةِ اللَّهِ في الظالمينَ مِن أُمَمِهم، وذِكْرُ آياتِ اللَّهِ ومخلوقاتِهِ العظيمةِ الدالَّةِ على قُدْرَتِهِ وحقِّه في العبادةِ، وذِكْرُ خَلْقِ الإنسانِ وضَعْفِهِ وطُغْيانِهِ وعَجَلَتِهِ في أمرِهِ واتِّباعِهِ لنفسِهِ وهوَاه.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠].\nفي هذه الآيةِ: دليلٌ على مشروعيَّةِ الذِّكْرِ المُطلَقِ في كلِّ زمانٍ، وقد ثَبتَ في الوحي مشروعيَّةُ الذِّكْرِ بإطلاقٍ؛ وذلك في عموماتٍ ثلاثةٍ:\nالأولُ: يُشرَعُ الذِّكْرُ في كلِّ زمانٍ بلا استثناءٍ؛ لهذه الآيةِ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾، وقولِ عائشةَ -﵂-: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ\"؛ رواهُ مسلمٌ، وعلَّقَهُ البخاريُّ (١).\nوليس للذِّكْرِ زمانٌ مخصوصٌ به كالصلاةِ والصيامِ والحجِّ؛ فهو أعَمُّ منها.\nالثاني: يُشرَعُ الذِّكْرُ على كلِّ حالٍ بلا استثناءٍ؛ كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، وقال تعالى:\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٣٧٣)، والبخاري معلَّقًا قبل حديث (٣٠٥).","vol":"4","page":1751},{"text":"﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١].\nالثالثُ: يُشرَعُ الذِّكْرُ في كلِّ مكانٍ، وهذا العمومُ دخَلَهُ استثناءٌ يسيرٌ، كعندِ قضاءِ الحاجةِ وما يَلحَقُ بها؛ وذلك لأنَّ النبيَّ -ﷺ- لم يَرُدَّ السلامَ على مَن سَلَّمَ عليه وهو على حاجتِهِ (١).\nوالشريعةُ خَصَّتْ بعضَ الأحوالِ والأزمانِ والأمكنةِ بذِكْرٍ مخصوصٍ فيكونُ فيها الذِّكْرُ سُنَّةً، ويكونُ فاضلًا وغيرُهُ مفضولًا، بل إنْ تعمَّدَ تَرْكَ الفاضلِ في هذا الموضعِ والمداوَمةَ على غيرِهِ فيما جاءتِ السُّنَّةُ بخلافِه، فذلك بِدْعةٌ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣].\nفي هذه الآيةِ نسَبَ إبراهيمُ تحطيمَ الأصنامِ إلى كبيرِ الأصنامِ مع أنَّه هو الذي فعَلَهُ، وليس هذا من الكذبِ الصريحِ؛ لأنَّ قومَهُ يَعْلَمونَ أنَّ الأصنامَ لا تتحرَّكُ، وليس فيها قوةٌ ذاتَيَّةٌ تَقدِرُ على التصرُّفِ؛ وإنَّما أرادَ إرجاعَهُمْ إلى الحقِّ فيتفكَّرونَ فيما يَعبُدونَ مما لا يَملِكُ لنفسِهِ نفعًا ولا ضرًّا.\nويُسمَّى ذلك تجوُّزًا بالكذبِ؛ لأنَّه يُخالِفُ الحقيقةَ الملفوظةَ ولو كان معلومًا به معنًى عندَ القائلِ به وسامِعِه، وهذه هي المَعَارِيضُ، والمعاريضُ تُستَعملُ عندَ الحاجةِ وتجوزُ، ولستْ مِن الكذبِ المَحْضِ؛ كما في قولِ عِمرانَ: \"إِنَّ فِي المَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ\" (٢)، وبينَ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٣٧٠).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٦٠٩٦)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٨٥٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٩٩).","vol":"4","page":1752},{"text":"المعاريضِ والكذبِ عمومٌ وخصوصٌ؛ فالكذبُ أعَمُّ مِن المعاريضِ، والمعاريضُ أخَصُّ؛ وذلك أنَّ المعاريضَ هي ما يُخالِفُ الحقيقةَ ظاهرًا، ويُوافِقُها باطنًا، وأمَّا الكذبُ فهو ما يُخالفُ الحقيقةَ ظاهرًا وباطنًا؛ فاتَّفَقَتِ المعاريضُ مع الكذبِ في مخالفةِ الظاهرِ.\nوقد جاء مدحُ إبراهيمَ في السُّنَّةِ: أنَّه لم يَستعمِل إلَّا المعاريضَ وفي مواضعَ ثلاثةٍ؛ كما أخرَجَ البخاريُّ؛ عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللَّهِ -ﷺ- قال: (لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ ﵇ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ، ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ ﷿: قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾)، قال: (بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ، إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَا هُنَا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أُخْتِي، فَأَتَى سَارَةَ قَالَ: يَا سَارَةُ، لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ، وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، فَلَا تُكَذِّبِينِي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللَّهَ فَأُطْلِقَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ، فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ، فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ؛ إِنَّمَا أَتَيْنُمُونِي بِشَيْطَانٍ! فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ، فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: مَهْيَا؟ ! قَالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الكَافِرِ -أَوِ الفَاجِرِ- فِي نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هَاجَرَ)؛ رواهُ البخاريُّ (١).\nوجاء في \"صحيحِ مسلمٍ\"، في حديثِ الشفاعةِ؛ أنَّ إحدى كَذَبَاتِه ﵇ هي قولُه للشمسِ والقمرِ والكوكبِ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦، ٧٧، ٧٨]، ولم يذكْرُ قصةَ الجبَّارِ (٢).\nوأخرَجَ التِّرمذيُّ، عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: (لَمْ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٣٥٨).\n(٢) أخرجه مسلم (١٩٤).","vol":"4","page":1753},{"text":"يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وَلَمْ يَكُنْ سَقِيمًا، وَقَوْلِهِ لِسَارَةَ: أُخْتِي، وَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ \" (١).\nومَن نظَرَ في أقوالِ إبراهيمَ ﵇، وجَدَ أنَّها مَعاريضُ، وإنَّما سُمِّيَتْ كذبًا؛ لكونِها تُفهَمُ مِن السامعِ على خلاف مُرادِ المتكلِّمِ، وأنَّ منها ما هو في جَنْبِ اللَّهِ:\nأولُها: قولُه: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾؛ فإنَّ إبراهيمَ يَعلَمُ -وقومُهُ مِثلُهُ- أنَّ الأصنامَ لا تَنطِقُ ولا تَنتصِرُ لنفسِها؛ وإنَّما قال هذا القولَ؛ لِيَرْجِعَهُمْ إلى أنفُسِهم، فيتفكَّروا فيما غفَلُوا عنه.\nوإحقاقُ الحقِّ بالمعاريضِ جائزٌ، بل مشروعٌ؛ ومِن ذلك قولُ يوسُفَ ﵇: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠].\nومِن جنسِهِ قولُهُ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]؛ يُريدُ منهم التفكُّرَ والتأمُّلَ؛ فقاله ليُراجِعُوا أنفُسَهُمْ، وليس مُقِرًّا به ليأخُذُوا ذلك عنه، وهو شبيهٌ بالتنزُّلِ مع الخَصْمِ الذي يَعلَمُ أنَّك لا تُقِرُّ بما معه إلَّا تنزُّلًا؛ لتَصِلَ إلى غايةٍ يتَّضِحُ منها الحقُّ والباطلُ، ولا يُوقَف عندَ مبتدًى يَفْصِلُ المناظرةَ بلا حقٍّ ولا باطلٍ.\nورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّه عبَدَهُ حتى أفَلَ (٢)؛ وهذا مُنكَرٌ؛ فالنبيُّ -ﷺ- حينَما عَدَّ هذه مِن معاريضِ إبراهيمَ، دَلَّ على أنَّها لم تكنْ على الحقيقةِ؛ وإنَّما باطنُها يُخالِفُ ظاهِرَها، ولو كانتْ على ظاهرِها وعبَدَ الكَوْكَبَ حتى أفَلَ، لم يكنْ لتسميةِ قولِه: (هَذَا رَبِّي) كذبًا - معنًى؛ لأنَّه شِرْكٌ؛ وهذا لا يصحُّ من إبراهيمَ.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٣١٦٦).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٩/ ٣٥٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٣٢٨).","vol":"4","page":1754},{"text":"وثانيها: قولُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ في سورةِ الصافَّاتِ، وذلك في قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٨٣ - ٩٨].\nوإنَّما قال: \"إنِّي سَقِيمٌ\"؛ لكي يتخلَّفَ عنهم في ذَهَابِهم، ويبقى عندَ أصنامِهم ليُحطِّمَها؛ وهذا يدخُلُ في المُخادَعةِ للعدوِّ، وهذا مِن جنسِ قولِهِ -ﷺ-: (الحَرْبُ خَدْعَةٌ) (١)، وكان النبيُّ -ﷺ- إذا أراد غزوةً، وَرَّى بغيرِها (٢).\nوثالثُها: قولُهُ لِسَارَةَ: (أُخْتِي)؛ فإنَّه أراد الدفعَ عن زوجتِهِ، ودفعُ الرَّجُلِ عن عِرْضِهِ يجبُ ولو بدفعِ الصائلِ علمِه، فإنْ جازَ الدمُ، فغيرُهُ كالكذبِ مِن بابِ أَولى؛ لأنَّه دُونَهُ؛ ففد قال النبيُّ -ﷺ-: (مَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)؛ رواهُ أحمدُ وأهلُ السُّنَنِ؛ مِن حديثِ سعيدِ بنِ زيدٍ (٣).\nولو خُيِّرَ إنسانٌ بينَ وقوعِ صائلٍ على عِرْضِهِ وانتهاكِ فرجِ امرأتِهِ وبينَ دفعِهِ بالكذبِ، لكان ذلك جائزًا؛ بل واجِبًا، وهذا يَقضِي به العقلُ والنقلُ، وإنَّما تورَّعَ إبراهيمُ؛ لِعُلوِّ منزلتِهِ ومَقَامِه، ومقاماتُ الأنبياءِ والأولياءِ ليستْ كمقامِ غيرِهم؛ فإنَّهم يُنزِلونَ في أنفُسِهم لا لغيرِهم بعضَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٠٣٠)، ومسلم (١٧٣٩).\n(٢) أخرجه البخاري (٢٩٤٧)، ومسلم (٢٧٦٩) (٥٤).\n(٣) أخرجه أحمد (١/ ١٩٠)، وأبو داود (٤٧٧٢)، والترمذي (١٤٢١)، والنسائي (٤٠٩٥).","vol":"4","page":1755},{"text":"المباحاتِ مَقَامٍ المكروهاتِ والمحرَّماتِ، لا لِذَاتِها؛ وإنَّما لتعظيمِهِمْ للَّهِ، ويُنزِلونَ في أنفُسِهم بعضَ المكروهاتِ مَقامَ المْوبِقاتِ؛ لِمَقَامِ الخالقِ، لا لِذَاتِ الفعلِ؛ فهم ينظُرونَ إلى عَظَمةِ مَن يُخالِفونَ أَمْرَه، لا إلى عَظَمةِ فِعْلِهم، وقد وصَفَ اللَّهُ إبراهيمَ بالصِّدِّيقيَّةِ، وهي مرتبةٌ فوقَ الصادقيَّةِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1198>الأحوالُ التي جاء الترخيصُ فيها بالكَذِبِ للمَصْلَحةِ:</span>\nالأصلُ في الكذبِ: التحريمُ، ولا يجوزُ أن يتحوَّلَ الإنسانُ إلى الكذبِ إلَّا للضرورةِ بقبيودٍ، وكلُّ حقٍّ يستطيعُ أن يُحِقَّهُ الرجُلُ بالصِّدْقِ، فلا يَحِلُّ له الكذبُ فيه لإحقاقِه، وكلُّ باطلٍ يستطيعُ الرجُلُ دَفعَهُ بالحقِّ، فلا يجوزُ له الكذبُ فيه لدفعِه.\nوقد جاء في السُّنَّةِ الترحيصُ بمواضعَ محدودةٍ مِن الكذبِ، وكلُّها لا تُلحِقُ ضررًا بأحدٍ، ولا تُذهِبُ حقًّا، ولا تَجلِبُ باطلًا؛ وإنَّا تُحِقُّ الحقَّ وتُبطِلُ الباطلَ، ولقِلَّتِها وضِيقِها وحضورِ القصدِ للَّهِ فيها؛ فإنها لا تَطبَعُ صاحِبَها على كذبٍ.\nوقد صحَّ في مسلمٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﵇؛ أنَّه قال: (لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصلِحُ بَينَ النَّاسِ، وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا)، وفيه أيضًا عن ابنِ شهابٍ؛ أنَّه لم يُرَخَّصْ في شيءٍ مِن الكذبِ إلَّا في ثلاثٍ: الْحَرْبُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْن النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ المَرْأَةِ زَوْجَهَا (١).\nوكلُّ ما لا يتحقَّقُ مِن المصالحِ إلَّا بالكذبِ، فاختُلِفَ في دخولِهِ في الأنواعِ الثلاثةِ؛ وذلك أنَّ كثيرًا مِن الفقهاءِ لم يَجعلوا الثلاثةَ في الحديثِ للحصرِ؛ وإنَّما للبيانِ الذي تجتمِعُ فيه عللُ المصالحِ الي يجوزُ فيها الكذبُ.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٦٠٥).","vol":"4","page":1756},{"text":"ولا يَحِلُّ الكذبُ لجلبِ كلِّ مصلحةٍ؛ فمنها المصالحُ الضعيفةُ الحقيرةُ التي لا تُساوِي عظَمَةَ الكذبِ، ولا يجوزُ الكذبُ في دفعِ كلِّ سوءٍ؛ لأنَّ مِن السوءِ ما هو ضعيفٌ لا يُساوي عظَمَةَ الكذبِ وقُبْحَهُ على صاحِبِه، والموازنةُ في ذلك لا تكونُ في كلِّ الأحوالِ سواءً؛ وإنَّما ينظُرُ فيها العالِمُ العارِفُ بتجرُّدٍ وصِدْقٍ، مُبعِدًا هواهُ، صادقًا مع اللَّهِ في قَصْدِه.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿ودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨].\nتخاصَمَ رجلانِ إلى داودَ وابنِهِ سُلَيْمانَ؛ أحدُهما صاحبُ غَنَمٍ، والآخَرُ صاحبُ حَرْثٍ، فدخَلَتِ الغنمُ على الحرثِ، فأكَلَتْهُ وأفسَدَتْه، فقضى داودُ أنَّ الغنمَ لصاحبِ الحرثِ بدلًا عمَّا أتلَفَت، وقضى سليمانُ أنَّ صاحبَ الغنمِ يأخُذُ الحرثَ ويُصلِحُهُ ويَسقِيهِ حتى يصيرَ كما كان عندَ أكلِه، والغنمُ تكونُ عندَ صاحبِ الحرثِ ينتفِعُ منها حتى ينتهِيَ صاحبُها مِن إصلاحِ الزرعِ ويُثمِرَ، ثمَّ يأخُذُ غَنَمَه.\nوكان ذلك ليلًا؛ حيثُ قال تعالى: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾، والنَّفْشُ يكونُ في الليلِ، وبهذا قضى النبيُّ -ﷺ- في ناقةٍ لبَراءِ دخَلَتْ حائطَ قومٍ فأفَسدَتْهُ، فجعَلَ النبيُّ -ﷺ- على أهلِ المَواشي حِفْظَها بالليلِ، وعلى أهلِ الأموالِ حِفْظَها بالنهارِ؛ رواهُ أحمدُ وأبو داودَ (١).\nوقد اختلَفَ العلماءُ في الضمانِ فيما أفسَدَتِ البهائمُ مِن المالِ، سواءٌ كان حَرْثًا أو متاعًا:\nذهَبَ مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ: إلى التفريقِ بينَ ما تُفسِدُهُ بالليلِ\n_________\n(١) أخرجه احمد (٥/ ٤٣٦)، وأبو داود (٣٥٦٩).","vol":"4","page":1757},{"text":"وبينَ ما تُفسِدُهُ بالنهارِ؛ فأمَّا ما تُفسِدُهُ بالليلِ، فالضمانُ على صاحِبِها؛ وذلك لِما جاء في قصةِ البَرَاءِ، ولِما جاء في قصاءِ سُلَيْمانَ ﵇، وإنْ أفسَدَتْ بالنهارِ، فلا ضمانَ على صاحِبِها؛ لعمومِ قولِهِ -ﷺ-: (الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ)؛ رواهُ الشيخانِ (١).\nوفرَّقوا بينَ الليلِ والنهارِ؛ للتفريقِ بينَهما في الوحي.\nوذهَب أبو حنيفةَ: إلى أنَّه لا ضمانَ في الليلِ والنهارِ على صاحِبِها، وعمَّمَ حديثَ: (الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ)، ولم يُقيِّدْه، والصوابُ: تقييدُهُ بالنهارِ؛ لأنَّ إطلاقَ ذلك يُفسِدُ على الناسِ مالَهم، وليس في الناسِ قُدْرةٌ على اليقظةِ في الليلِ؛ لحمايةِ منافِعِهم وبساتينِهم، ولكنْ للرَّاعِي قُدْرةٌ على حفظِ البهائمِ في مُرَاحِها، وأمَّا النهارُ، فهو مَحَلُّ عملٍ ورؤيةٍ لصاحبِ المالِ أنْ يحفَظَ مالَه، والبهائمُ مطلقةٌ تَرعى يصعُبُ قيدُها في النهارِ عكسَ الليلِ.\nويَلحَقُ بهذه المسألةِ ما تُسبِّبُهُ البهائمُ مِن حوادثَ في الطُّرُقاتِ؛ فما تسبَّبَتْ به ليلًا، فالضمانُ على صاحِبِها، وما تسبَّبَتْ به نهارًا، فلا ضمانَ عليه؛ للحديثِ؛ وذلك أنَّ السيرَ في الطريقِ نهارًا يَرى معه الراكبُ طريقَهُ مَدَّ بَصَرِهِ بخلافِ الليلِ، وإن أصاب بهيمةً أو أصابتْهُ بهيمةٌ في طريقِه، فبسببِ إهمالِهِ أكثَرَ مِن إهمالِ صاحِبِها.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩].\nاجتهَدَ داودُ وسُلَيْمانُ في القضاءِ في شكوى الرجُلَيْنِ، وفي هذا دليلٌ على جوازِ الاجتهادِ في مواضعِهِ وعندَ مَن يَملِكُ آلتَهُ، ومَن اجتهَدَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٩١٢)، ومسلم (١٧١٠).","vol":"4","page":1758},{"text":"فهو مأجورٌ؛ وذلك لِما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ عمرِو بنِ العاصِ؛ أنَّه سمِع رسولَ اللَّهِ -ﷺ- يقولُ: (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ) (١).\nولا يجوزُ لأحدٍ أن يقضيَ في مسألةٍ برأيِه إلَّا بشروطٍ:\nالأولُ: أن يكونَ عالمًا يَملِكُ آلةَ الاجتهادِ بما يَقضي فيه؛ ولهذا وصَفَ النبيُّ -ﷺ- المجتهِدَ المأجورَ بـ (الحاكمِ)؛ يعني: الذي يَعرِفُ مفاصلَ الحُكْمِ ومقاطِعَ الحقوقِ وأدلَّتَها، ولا يسمَّى حاكمًا إلَّا وقد تأهَّلَ للحُكْمِ، ومَن تكلَّمَ بأمرٍ مِن غيرِ تأهُّلٍ فيه، فهو خارِصٌ لا حاكِمٌ، وكذلك فإنَّ اللَّهَ قال عن داودَ وسليمانَ مبيِّنًا سببَ تأهُّلِهما للحُكْمِ: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾.\nالثاني: أن يَستفرغَ وُسْعَهُ باجتهادِه؛ فإنَّ العالِمَ لا يَلزَمُ مِن كونِه عالمًا أن يُطلِقَ الحُكْمَ مِن غيرِ تأمُّلٍ وتفكُّرٍ واستفراغٍ للوُسْعِ؛ بجمعِ الأدلَّةِ وعَرْضِها وتميزِها، ومعرفةٍ لِما ورَدَ مِن الأدلَّةِ وما لم يَرِدْ، وبالنظر في دَلَالاتِ النصوص وهل حسَمَ الشارعُ المسألةَ بنصٍّ قطعيٍّ أو ظنيٍّ أو ترَكَها؛ فإنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ)؛ يعني: أنَّه أفرَغَ وُسْعَهُ ولم يتكلَّمْ بخَرْصٍ، ففد يتساوى العالِمُ بالجاهلِ عندَ خَرْصِه، فلا فَرْقَ بينَ جاهلٍ يجتهِدُ وعالِمِ خارِصٍ؛ فكلاهُما قال بغيرِ عِلْمٍ، وفي \"السُّننِ\"؛ قال النبيُّ -ﷺ-: (الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ؛ فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ، فهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ، فَهُوَ فِي النَّارِ) (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦).\n(٢) أخرجه أبو داود (٣٥٧٣)، والترمذي (١٣٢٢)، والنسائي فى \"السنن الكبرى\" (٥٨٩١)، وابن ماجه (٢٣١٥).","vol":"4","page":1759},{"text":"الثالثُ: أنْ يكونَ عارِفًا بالنازِلةِ التي يَقضي فيها؛ فإنَّ الإحاطةَ بالأدلَّةِ لا تَكْفي للحُكْمِ على نوازِلَ لا يُحيطُ بها العالمُ، فقد يَستعمِلُ الدليلَ في غيرِ موضعِهِ وما لا يُناسِبُه، فيُخطئُ بتقصيرٍ لا باجتهادٍ.\nوالعالِمُ المجتهِدُ المخطِئُ مأجورٌ أجرًا واحدًا، والمصيبُ المجتهِدُ له أجرانِ؛ كما في الحديثِ؛ فكلاهُما استحَقَّ أجرًا لاجتهادِه، والمصيبُ استحَقَّ الثانيَ لصوابِهِ وتسديدِه، وإنَّما كان الفرقُ بينَهما في الأجرِ مع أنَّ جميعَهما استفرَغَ وُسْعَه؛ وذلك حتى لا يتواكَلَ العالِمُ في الفُتيا ويتعجَّلَ، فكان للأجرِ الثاني نصيبٌ بالطلبِ والقصدِ، فلو تساوَيَا، لم يكنْ للمصيبِ ولا للصوابِ خصيصةٌ، وفي النفوسِ تساهُلٌ خَفِيٌّ وجَلِيٌّ يُدرِكُها ولو كانتْ صالحةً إنْ عَلِمَتْ تَساوِيَ الأجرِ في الحالَيْنِ، ولأنَّه للصوابِ شرفٌ وعلوُّ منزلةٍ، فلا بدَّ أن يَختَصَّ صاحبُهُ بمنزِلةٍ مِثْلِ منزِلتِه.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠].\nفي هذه الآيةِ: مشروعيَّةُ اتِّخادِ السلاحِ وحَملِهِ يتَّقي به الإنسانُ العدوَّ الصائلَ، وفجأةَ البأسِ عليه مِن حيوانٍ مفترِسٍ وإنسانٍ باغٍ.\nويتضمَّنُ هذا أنَّ دفعَ الإنسانِ عن نفسِهِ صَوْلةَ الصائلِ عليه سُنَّةٌ فِطْريَّةٌ، قبل كونِهِ شِرْعةً سماويَّةً، وأنَّ اتِّخاذَ السلاحِ ولو في غيرِ الحربِ محمودٌ لدَفْعِ ما يَطرأُ مِن بأسٍ، خاصَّةً زمنَ الفتنِ والتساهُلِ بالأعراضِ وسفكِ الدماءِ، وقد كان النبيُّ -ﷺ- وأصحابُهُ يتَّخِذونَ السلاحَ في المدينةِ مِن غيرِ خوفِ تبيِيتِ عدوٍّ؛ حتى إنَّهم لاتِّخاذِهم السلاحَ نَهَى النبيُّ -ﷺ- الناسَ عن رفعِهِ عندَ دخولِهمُ المسجدَ به؛ فقال: (إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي","vol":"4","page":1760},{"text":"مَسْجِدِنَا أَوْ فِي سُوقِنَا وَمَعَهُ نَبْلٌ، فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا -أَوْ قَالَ: فَلْيَقْبِضْ بِكَفِّهِ- أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ مِنهَا شَيْءٌ) (١).\nوفي البخاريِّ ومسلمٍ، عن جابرٍ: \"أَنَّ رَجُلًا مَرَّ فِي المَسْجِدِ بِأَسْهُمٍ قَدْ أَبْدَى نُصُولَهَا، فَأُمِرَ أَنْ يَأْحُذَ بِنُصُولِهَا؛ لَا يَخْدِشُ مُسْلِمًا\" (٢)، وفي البخاريِّ، عن أبي موسى؛ أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: (مَنْ مَرَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِنَا أَوْ أَسْوَاقِنَا بِنَبْلٍ، فَلْيَأْخُذْ عَلَى نِصَالِهَا؛ لَا يَعْقِرْ بِكَفِّهِ مُسْلِمًا) (٣).\nوفي \"الصحيحِ\"، عن عائشةَ؛ قالت: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي وَالحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ\" (٤)، وفي لفظٍ: \"وَالحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ\" (٥).\nوقد تقدَّم ما يتعلَّقُ باتِّخاذِ السلاحِ وإعدادِ العُدَّةِ للكافرينَ، عندَ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٧٠٧٥)، ومسلم (٢٦١٥).\n(٢) أخرجه البخاري (٧٠٧٤)، ومسلم (٢٦١٤).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٥٢).\n(٤) أخرجه البخاري (٤٥٤).\n(٥) أخرجه البخاري (٤٥٥)، ومسلم (٨٩٢) (١٨).","vol":"4","page":1761},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1199>سورة الحج</span>\nسورةُ الحجِّ مكيَّةٌ، وسُمِّيَتْ بالحجِّ؛ لأنَّها أولُ آياتٍ نزَلتْ فيها تفاصيلُ الحجِّ والنُّسُكِ، وكانتْ فبلَ فرضِ الحجِّ على النبيِّ -ﷺ-، وكان فرضُ الحجِّ بالآيات التي نزَلَتْ على النبيِّ -ﷺ- في المدينةِ، وهي في البقرةِ وآلِ عِمْرانَ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].\nفي هذه الآيةِ: تعظيمُ المسجِدِ الحرامِ وتعظيمُ الصَّدِّ عنه؛ فقد جعَلَهُ اللَّهُ لكلِّ متعبِّدٍ موحِّدٍ، لا يجوزُ صَدُّ مَن يَقصِدُه، ولا أحدَ أحَقُّ به مِن أحدٍ؛ فهو لهم جميعًا؛ وذلك ظاهرُ قولِه تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾، فيَستوي فيه المقيمُ فيه، وهو ﴿الْعَاكِفُ﴾، أو الغريبُ القادمُ إليه، وهو ﴿الْبَادِ﴾؛ وبهذا فسَّرَهُ غيرُ واحدٍ مِن السلفِ؛ كابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ وقتادةَ (١)، وقد عَدَّ بعضُ العلماءِ هذه الآيةَ مدنيَّةً؛ لذِكْرِ الصَّدِّ فيها (٢).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٦/ ٥٠٢).\n(٢) \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ٤٠٩).","vol":"4","page":1763},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1200>حُكْمُ بيعِ رِبَاعِ مَكَّةَ ودُورِها:</span>\nلا يختلِفُ السلفُ على أنَّ أماكنَ المَناسِكِ الخاصَّةَ لا يجوزُ بيعُها؛ كالمَطَافِ والمَسْعَى ومَرْمَى الجِمَارِ، وقد حكى الإجماعَ غيرُ واحدٍ؛ كابنِ عقيلٍ (١) وابنِ تيميَّةَ مِن أصحابِنا، وكذلك: فإنَّ مزارعَ مكَّةَ يجوزُ بيعُها، وبه قال الجماهيرُ، وقد حكى ابنُ تيميَّةَ الإجماعَ على ذلك (٢)، ولكنَّ الفقهاءَ اختلَفوا في دُورِ مكَّةَ ومَساكنِها ورِبَاعِها؛ هل يجوزُ بيعُها؟ على أقوالٍ ثلاثةٍ، هي ثلاثةُ أقوالٍ عن مالكٍ:\nالأولُ: ذهَبَ الشافعيُّ: إلى جوازِ تملُّكِها وبيعِها؛ وذلك لِما ثبَتَ في \"الصحيحَيْنِ\"، عن أسامةَ بنِ زيدٍ؛ أنَّه قال: قلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: (وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ، أَوْ دُورٍ؟)، \"وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ\" (٣).\nوقد جاء عن بعضِ الصحابةِ أنَّهم اشتَرَوْا مِن أرضِ مَكَّةَ، كما اشترى عمرُ بن الخطَّابِ مِن صَفْوانَ بنِ أميَّةَ دارَهُ بمَكَّةَ، فجعَلَها سِجْنًا بأربعةِ آلافِ درهمٍ (٤).\nورُوِيَ عن عمرَ خلافُ ذلك؛ وفيه نظرٌ.\nوقد قال بهذا القولِ طاوسٌ وعمرُو بنُ دينارٍ.\nالثاني: مذهبُ جماعةٍ مِن السلفِ؛ كعطاءٍ ومجاهدٍ، وبه قال أبو حنيفةَ وإسحاقُ: أنَّها لا تُباعُ؛ وعلى هذا مشهورُ مذهبِ الحنابلةِ، واستُدِلَّ لذلك بما رواهُ ابنُ ماجَهُ؛ مِن حديثِ علقمةَ بنِ نَضْلَةَ؛ قال:\n_________\n(١) \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٣٦٧).\n(٢) \"مجموع الفتاوى\" (٢٩/ ٢١١).\n(٣) أخرجه البخاري (١٥٨٨)، ومسلم (١٣٥١).\n(٤) أخرجه البخاري معلقًا قبل حديث (٢٤٢٣)، والبيهقي فى \"السنن الكبرى\" (٦/ ٣٤).","vol":"4","page":1764},{"text":"\"تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَمَا تُدْعَى رِبَاعُ مَكَّةَ إِلَّا السَّوَائِبَ؛ مَنِ احْتَاجَ سَكَنَ، وَمَنِ اسْتَغْنَى أَسْكَنَ\" (١).\nوهو مرسَلٌ ضعيفٌ.\nوبما روى عبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو -﵄-؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: (مَكَّةُ مُنَاخٌ؛ لَا تُبَاعُ رِبَاعُهَا، وَلَا تُؤَاجَرُ بُيُوتُهَا)؛ أخرَجَهُ الدارقطنيُّ (٢)، وفيه جهالةٌ، وروَى نحوَهُ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، ولا يصحُّ رفعُهُ (٣).\nوأمَّا ما رواهُ أحمدُ وأهلُ \"السُّننِ\"؛ مِن حديثِ عائشةَ؛ قالتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَبْنِي لَكَ بِمِنًى بَيْتًا أَوْ بِنَاءً يُظِلُّكَ مِنَ الشَّمْسِ؟ فَقَالَ: (لَا، إِنَّمَا هُوَ مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ) (٤)، فهو في أماكنِ المَناسِكِ؛ فمِنًى مِن مواضعِ النُّسُكِ كعَرَفةَ ومُزْدَلِفَةَ والمَسْعَى ومَرْمَى الجِمَارِ: لا تُملَكُ، وإنَّما كلامُ الفقهاءِ عامَّتُهُ في رِبَاعِ مكَّةَ، لا في مَناسِكِها.\nالثالثُ: مذهبُ أحمدَ: أنَّها تُملَكُ وتُوَرَّثُ وتُباعُ، لكنَّها لا تُؤجَّرُ؛ فمَن استغنى عنها أسكَنَها؛ وبهذا قال ابنُ تيميَّةَ.\nوقال قومٌ بالكراهةِ، فأجازوا البيعَ على كراهةٍ فيه؛ وهذا مرويٌّ عن مالكٍ وغيرِه.\nوالأظهَرُ: جوازُ بيعِ دُورِ مكَّةَ ورِبَاعِها وإجارَتِها، وقد كان الصحابةُ ومَن بعدَهم يَبْنُونَ دُورًا ويَبيعونَها ويُؤْجِرونَها، ولو كان النهيُ صريحًا لجميعِ رِباعِ مَكَّةَ، لكان واردًا بنصٍّ قطعيٍّ يجري عليه عملُ الصحابةِ ولا يَختِلِفونَ فيه، فقد كان بمكَّةَ جماعةٌ مِن الصحابةِ، ولم يثبُتْ عنهم القطعُ\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (٣١٠٧).\n(٢) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٣/ ٥٨).\n(٣) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٣/ ٥٧).\n(٤) أخرجه أحمد (٦/ ١٨٧)، وأبو داود (٢٠١٩)، والترمذي (٨٨١)، وابن ماجه (٣٠٠٦) و(٣٠٠٧).","vol":"4","page":1765},{"text":"بذلك، ثمَّ إنَّ البيعَ كالمِيراثِ، وثبَتَ أنَّ أهلَ مكَّةَ يَتوارَثونَ، والإرثُ انتقالُ المِلْكِ مِن شخصٍ لشخصٍ، والبيعُ مِثلُهُ ولكنْ باختلافِ السببِ، وفي المنعِ مِن بيعِ دُورِ مكَّةَ ورِباعِها مِن الضِّيقِ والحرَجِ ما اللَّهُ به عليمٌ.\nوالناسُ يَتوارَثونَ ويَتبايَعونَ مَساكنَ مكَّةَ ودُورَها إلى اليومِ، وعملُهم الشائعُ في كلِّ القرونِ عليه.\nوقد بيَّن اللَّهُ عَظَمَةَ الصَّدِّ عن المسجدِ الحرامِ في مواضعَ؛ منها قولُه تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤].\nوتقدَّم الكلامُ على تعظيمِ المسجدِ الحرامِ، وحُرْمةِ الصدِّ عنه وقطعِ الطريقِ إليه، في مواضعَ؛ منها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧].\nوقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ لِعَظَمةِ البيتِ جعَلَ اللَّهُ مَن هَمَّ بظُلْمٍ فيه مستحِقًّا للعقوبةِ ولو لم يَفعَلْ، وقد فسَّر بعضُ السلفِ -كابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ- الظُّلمَ في الآيةِ: بالشِّرْكِ (١).\nوقد تقدَّمَ الكلامُ على أمانِ مكَّةَ وحُرْمتِها، وما وقَعَ فيها مِن شدائدَ وقتلٍ، وما يقَعُ فيها بعدَ ذلك، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥].\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٦/ ٥٠٧).","vol":"4","page":1766},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦].\nفي هذا: فضلُ التوحيدِ؛ إذْ هو أعظَمُ المقاصدِ مِن تشييدِ البيتِ وعِمَارتِه، وكلُّ ما كان من عباداتٍ، فهي تابعةٌ له؛ مِن طوافٍ وسعيٍ وسُقْيَا وإطعامِ طعامٍ، فالتوحيدُ أعظَمُ مِن كلِّ عملٍ وقولٍ، وقد قال تعالى مبيِّنًا منزلتَهُ على غيرِهِ ممَّا كان يغترُّ به كفارُ قريشٍ مِن عملٍ صالحٍ فيُعْمِيهِم عن منزِلةِ التوحيدِ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٩].\nوتقدَّم الكلامُ على تطهيرِ البيتِ وأنواعِهِ وفضلِهِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧].\nفي هذا: مشروعيَّةُ الداءِ بالحَجِّ لِمَنْ يجهلُهُ والتذكيرِ لِمَنْ ينساهُ أن يتعاهَدُوا البيتَ الحرامَ بالحجِّ في مَوْسِمِهِ مِن كلِّ عامٍ مؤدِّينَ لفريضةِ اللَّهِ عليهم؛ حتى لا يُهجَرَ البيتُ ويَقِلَّ قاصِدُوهُ، وهذه السورةُ مكيَّةٌ، ووجوبُ الحجِّ لم يُؤخَذْ مِن هذه الآيةِ، بل ممَّا في سورةِ البقرةِ وآلِ عِمْرانَ مِن آيات الحَجِّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1201>تفاضُلُ المَشْيِ والرُّكُوبِ في الحَجِّ:</span>\nوفي قولِه تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ الرِّجَالُ؛ يعني:","vol":"4","page":1767},{"text":"السائِرِينَ على أرجُلِهم ماشِينَ، والمرادُ بقوله: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾؛ يعني: راكِبِينَ، والضامِرُ: المهزولُ الخفيفُ، وهي الخيلُ، وقد أخَذ بعضُهم مِن تقديمِ اللَّهِ للراجِلِينَ على الراكِبِينَ فضلَ المشي على الركوبِ في المَناسِكِ، وقد اختلَفَ العلماءُ في هذه المسألةِ:\nفمِنهم: مَن فضَّل المشيَ؛ لتقديمِ الآيةِ، ولكونِه أكثَرَ نَصَبًا؛ فقد قال النبيُّ -ﷺ- لعائشةَ لمَّا أَهَلَّتْ مِن التَّنْعِيمِ: (وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ) (١)، وهذا قولٌ للشافعيِّ وإسحاقَ.\nومنهم: مَن فضَّل الركوبَ؛ وهذا قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ.\nوالأظهَرُ: أنَّ الفضلَ يعودُ إلى العملِ؛ فمَن كان أداؤُهُ للعبادةِ والنُّسُكِ أفضلَ حالَ ركوبِه، فيَركَبُ، ومَن كان أداؤُه لها أفضَلَ حالَ مشيِه، فالمشيُ أفضَلُ؛ وذلك أنَّ مِن الناسِ في دَفْعِهِ مِن عَرَفةَ مَن يزدحِمُ الناسُ عليه ويَخشى التأخُّرَ في وصولِهِ إلى عَرَفةَ إنْ لم يَركبْ، فرُكوبُهُ أفضَلُ مِن مشي يتأخَّرُ به، ومِثلُهُ لو كانتِ المراكبُ مزدحِمةً ويتأخَّرُ لو رَكِبَ، فالأفضَلُ له أن يمشيَ ليَصِلَ على الوقتِ المشروعِ.\nومِثلُ ذلك التعَبُ والنَّصَبُ؛ فمَن رأى أنَّه إنْ مَشَى، ضَعُفَ في العبادةِ ولم يُؤدِّها كما جاءتْ بها السُّنَّةُ، فركوبُهُ أفضَلُ، والناسُ يَختلِفونَ في ذلك.\nوقد سار النبيُّ -ﷺ- مِن ذي الحُلَيْفَةِ مُحرِمًا على راحلتِهِ، وعليها أهَلَّ وكبَّر وحَمِدَ وسبَّح (٢).\nوقد تقدَّمَ في سورةِ البقرةِ الكلامُ على المَنَاسِكِ، في آياتِ الحجِّ، وفي سورةِ آلِ عِمرانَ الكلامُ على الاستطاعةِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [٩٧].\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٧٨٧)، ومسلم (١٢١١) (١٢٦).\n(٢) أخرجه البخاري (١٥٥١).","vol":"4","page":1768},{"text":"* قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ [الحج: ٢٨].\nفي أداءِ المناسكِ: منافعُ دينيَّةٌ ودنيويَّةٌ؛ فالدينيَّةُ: تحقيقُ التوحيدِ، وتعظيمُ اللَّهِ وعبادتُهُ، وكسبُ الأجرِ، وتكفيرُ الذنوبِ، والدنيويَّةُ: كالتجارةِ، وجَلْبِ الأرزاقِ الى ساكنِي المسجدِ الحرامِ، وإطعامِ الفقراءِ وغيرِ ذلك، ومِن المفسِّرينَ: مَن قيَّدَها بالمنافعِ الدنيويَّةِ، وبكلا القولَيْنِ قال ابنُ عبَّاسٍ (١)، ومجاهدٌ (٢)؛ وهذا مِن التنوُّعِ لا التعارُضِ؛ فالمقصودُ عمومُ المنافعِ.\nوقصدُ الدُّنيا مع قصدِ الحجِّ مُبَاحٌ لا حرَجَ فيه؛ وفي ذلك قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، بل لو قصَدَ المسلِمُ مَكَّةَ للتجارةِ وكان قد أدَّى فريضةَ الحجِّ مِن قبلُ، فلا حرَجَ عليه، ولكنْ لا ينبغي لمَن كان حاجًّا أن بُعطِّلَ واجباتِ الحجِّ ومناسكَة طلبًا للدُّنيا، فينسى آخِرتَهُ ويذكُرَ دُنياه؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢].\nوقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾: اختُلِفَ في المرادِ بالأيَّامِ المعلوماتِ، وأشهَرُ الأقوالِ قولانِ، وكلاهُما جاء عن ابنِ عبَّاسٍ، وهما روايتانِ عن أحمدَ:\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٤٨٨).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٦/ ٥٢١).","vol":"4","page":1769},{"text":"قيل: إنَّها أيَّامُ النَّحْرِ، وأولُها يومُ العيدِ وثلاثةُ أيامٍ بعدَه، وهي أيامُ التشريقِ (١)؛ وعلى هذا فالأيامُ المعلوماتُ هنَّ المعدوداتُ المذكوراتُ في سورةِ البقرةِ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [٢٠٣]؛ وصحَّ عن ابنِ عمرَ أنَّ المعلوماتِ تشترِكُ مع المعدوداتِ؛ فقد جاء عنه: أنَّ الأيامَ المعلوماتِ والمعدوداتِ هنَّ جميعًا أربعةُ أيامٍ؛ فالمعلوماتُ: يومُ النحرِ ويومانِ بعدَه، والمعدوداتُ: ثلاثةُ أيامٍ بعدَ النحرِ (٢)؛ ولهذا القولِ قال مالكٌ.\nوقيل: إنَّها أيامُ عَشْرِ ذي الحجَّةِ؛ وبهذا قال أبو موسى الأشعريُّ وأكثرُ أصحابِ ابنِ عبَّاسٍ؛ كمجاهدٍ وعطاءٍ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وهو قولُ قتادةَ، وإليه ذهَبَ الشافعيُّ وأحمدُ في المشهورِ عنه (٣).\nوفى الأيامِ المعلوماتِ قولٌ ثالثٌ، لم أَرَهُ يصحُّ عن أحدٍ مِن الصحابةِ؛ وإنَّما قال به ابنُ زيدٍ، وبه أخَذ أبو حنيفةَ: أنَّ الأيامَ المعلوماتِ يومُ عَرَفةَ ويومُ النحرِ وما بعدَه (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1202>الهَدْيُ والأُضْحِيَّةُ والأَكْلُ منها:</span>\nقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾: فيه مشروعيَّةُ الأكلِ مِن الهَدْي وإطعامِ الفقيرِ؛ كما فعَلَ رسولُ اللَّهِ -ﷺ- حيثُ نحَرَ هَدْيَهُ بيدهِ ثمَّ أكَلَ منه لمَّا طُبخَ له وشَرِبَ مِن مَرَقِه، وقد ثبَت أنَّ النبيَّ -ﷺ- أمَرَ أنْ يُوضَعَ مِن كلِّ هَدْيٍ ذبَحَةُ قِطْعةٌ في قِدْرٍ فيُطبَخَ ليَطعَمَ مِن جميعِه، مع أنَّه ساقَ مِئةً مِن الإبلِ ونحَرَ بيدِه ثلاثًا وستينَ، وجعَل عليًّا يَنحَرُ ما بقِي منها؛ كما جاء في \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ جابرٍ (٥).\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٤٨٩)، و\"تفسير ابن كثير\" (٥/ ٤١٦).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٤٨٩).\n(٣) \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ٤١٥).\n(٤) \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ٤١٦).\n(٥) أخرجه مسلم (١٢١٨).","vol":"4","page":1770},{"text":"وأفضلُ الإطعامِ أن يكونَ للأشدِّ فقرًا؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾، والبائسُ: المُضطرُّ الذي طهَرَ بؤسُةُ مع فقرِه، وهو قدرٌ زائدٌ عن مجرَّدِ الفقرِ.\nويُستحَبُّ الأكلُ مِن الهَدْيِ كلِّه واجبِهِ ومستحَبِّهِ عندَ عامَّةِ السلفِ وجماهيرِ العلماءِ.\nخلافًا للشافعيِّ؛ فقد ذهَبَ الى أنَّه لا يأكُلُ المُهدِي مِن لحمِ هَدْيِهِ الواجبِ؛ لأنَّه هَدْيٌ وجَبَ بالإحرامِ، فلم يَجُزِ الأكلُ منه؛ كدَمِ الكَفَّارةِ، وأجاز الأكلَ مِن هَدْيِ التطوُّع فقطْ.\nوهذا يُخالِفُ ما ثبَتَ في السُّنَّةِ، فلم يُفرِّقِ النبيُّ -ﷺ- بينَ الهَدْيِ الواجبِ والمستحَبِّ، ولا علَّمَ أصحابَهُ ذلك مع كثرةِ هَدْيِهم ودخولِ بعضِهِ في بعضٍ.\nولا يأكُلُ المُهدِي مِن جزاءِ صيدِهِ وفِدْيةِ أَذَاهُ.\nوذهَبَ بعضُهم: إلى وجوبِ الأكلِ مِن الهَدْيِ والأُضْحِيَّةِ؛ لظاهرِ الأمرِ في الآيةِ، وهو قولٌ لأحمدَ.\nوالأظهَرُ: الاستحبابُ؛ لأنَّ اللَّهَ إنَّما أمَر بذلك؛ لأنَّ العربَ كانتْ تعتقِدُ حُرْمةَ الأكلِ مِن هَدْيِهم، فجاء الأمرُ رافعًا لِما توهَّموهُ مِن حظرٍ، لا موجِبًا لحُكْم، وفرقٌ بينَ أمرٍ جاء عندَ استواءِ الأمرَيْنِ بينَ حظرٍ وإباحةٍ، وبينَ أمرٍ جاء بعدَ حظرٍ، فالأمرُ وحدَهُ بعدَ الحظرِ لا يُفيدُ الوجوبَ إلَّا بغيرِهِ مِن عملٍ وقرينةٍ أُخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1203>نقسيمُ الهَدْيِ والأُضْحِيَّةِ:</span>\nوأخَذ بعضُ الفقهاءِ منِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ نقسيمَ الهَدْيِ والأُضْحِيَّةِ إلى نِصْفَيْن: نصفٌ يَطعَمُهُ صاحبُ الهَدْيِ وأهلُ بيتِه، ونصفٌ للفقراءِ.","vol":"4","page":1771},{"text":"وذهَبَ جماعةٌ: إلى أنَّه يُقسَّمُ ثلاثةَ أقسامٍ؛ أخذًا مِن قولِهِ تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]؛ وبه قال ابنُ مسعودٍ وابنُ عمرَ، وإليه ذهَب أحمدُ والشافعيُّ.\nوالتقسيمُ ثلاثًا أصَحُّ، ولم يصحَّ عن أحدٍ مِن الصحابةِ تقسيمُ الهَدْيِ إلى نِصْفَيْنِ.\nوقد روى نافعٌ، عن ابنِ عمرَ؛ قال: \"الضَّحَايَا والهدايَا ثُلُثٌ لِأَهْلِك، وثُلُثٌ لك، وثُلُثٌ للمساكينِ\"؛ رواهُ ابنُ حزمٍ (١).\nوروى ابنُ أبي شَيْبةَ والطبراني، عن علقمة، عن ابنِ مسعودٍ -﵁-: \"كَانَ يَبْعَثْ بِالْبُدْنِ مَعَ عَلْقَمَةَ، وَلَا يُمْسِكُ عَمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ المُحْرِمُ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ إِذَا بَلَغتْ مَحِلَّهَا أنْ يَتَصَدَّقَ ثُلُثًا، وَيَأْكُلَ ثُلُثًا، وَيَبْعَثَ إِلَى ابْنِ أَخِيهِ عَنْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ثُلُثًا\" (٢).\nوهي صحيحةٌ، ويُروى في ذلك مِن حديثِ ابن عبَّاسٍ في صفةِ أُضْحِيَّةِ النبيِّ -ﷺ-، قال: (ويُطْعِمُ أَهْلَ بَيْتِهِ الثُّلُثَ، وَيُطْعِمُ فُقَرَاءَ جِيرَانِهِ الثُّلُثَ، وَيَتَصَدَّقُ عَلَى السُّؤَّالِ بالثُّلُثِ) (٣).\nويُروى عندَ مُسدَّدٍ في \"مسندِه\"؛ مِن حديثِ إبراهيمَ مؤذِّنِ أهلِ المدينةِ، عن أبيهِ؛ قال: \"شهِدتُّ أبا هُرَيرةَ -﵁- بالمصلَّى قال لرجُلَيْنِ: ما عندَكما ما تُضحيِّانِ به؟ قالا: لا، فانطلَقَ بهما الى منزلِهِ وأخرَجَ شاتَهُ، قال تقبَّلَ اللَّهُ مِن أبي هُرَيْرةَ ومِن فلانٍ وفلانٍ، ثمَّ أخَذ كَبِدَها أو شيئًا منها، فأكَلُوا منها، ثمَّ حزَّأَها ثلاثةَ أجزاءٍ، فانقلَبَ الرجُلانِ بثلُثَيْها،\n_________\n(١) أخرجه ابن حزم في \"المحلَّى\" (٧/ ٢٧١).\n(٢) أخرجه سعيد بن أبي عروبة في \"المناسك\" (٤٥).\n(٣) أورده ابن قدامة فى \"المغني\" (١٣/ ٣٨٠)، وقال: \"رواه الحافظ أبو موسى الأصفهاني في \"الوظائف\"، وقال: حديث حسن\".","vol":"4","page":1772},{"text":"ودخَلَ بيتَ أبي هريرةَ -﵁- الثُلثُ\" (١)؛ وفيه جهالةٌ.\nوكان السلفُ يُفْتُونَ بذلك في العقيقةِ أيضًا؛ كما روى عبدُ القُدُّوسِ، عن عطاء ومجاهدٍ؛ أنَّهما قالا: \"كانوا يقولونَ في العقيقةِ: ثُلُثٌ للجيرانِ، وثُلُثٌ للمساكينِ، وثُلُثٌ لأهلِ البيتِ\"؛ أخرَجَه أبو طاهرٍ السِّلَفِيُّ في \"المشيخةِ البغداديَّةِ\" (٢).\nواختُلِفَ في القَدْرِ الذي تُقسَّمُ عليه الأُضْحِيَّةُ والهَدْيُ: هل تُقسَّمُ أثلاثًا أم ثلاثًا؟ فلا يَلزَمُ مِن كلِّ تثليتٍ أن يكونَ أثلاثًا، كما لا يَلزَمُ مِن التشطيرِ تَساوِي القَدْرِ في الاثنَيْنِ، ولا يَظهَرُ أنَّ السلفَ يتكلَّفونَ الوزنَ، والأظهَرُ: أنَ تقسيمَ الهَدْيِ والأُضْحِيَّةِ يكونُ بحسَب الحالِ؛ فإنْ تقارَبَتْ حالُ المُضحِّي والمُهدِي مِن حالِ غيرِهِ الذي يُهدِيهِ أو يتصدَّقُ عليه، فإنَّه يُقسِّمُها أثلاثًا، وإن كانتِ الحاجةُ في إحدى الجهاتِ أشَدَّ، فإنَّه يُقسِّمُها ثلاثًا لا أثلاثًا، ويَزيدُ في الجهةِ المحتاجةِ.\nولا حَدَّ لقَدْرِ كلِّ قِسْمٍ يَلزَمُ معه تَساوِيها؛ وذلك أنَّه قد تكونُ الحاجةُ إلى الإطعام أشَدَّ مِن الأكلِ، والحاجةُ إلى الأكلِ أشَدَّ مِن الإطعامِ، فيَزِيدُ في هذا، وينقُصُ مِن هذا؛ وذلك لِما جاء عندَ التِّرْمِذِيِّ مِن حديثِ بُريدةَ؛ أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: (كُلُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا) (٣)، وأصلُه في مسلمٍ (٤)، وجاء في \"الصحيحَيْنِ\"، مِن حديثِ عائشةَ بلفظِ: (فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتصَدَّقُوا) (٥)، وعندَهما مِن حديثِ جابرٍ، وفيه: (كُلُوا وَتَزَوَّدُوا) (٦)، وعندَهما مِن حديثِ سَلَمةَ بنِ\n_________\n(١) \"المطالب العالية\" (٢٣٠٠).\n(٢) الجزء الثاني والثلاثون من \"المشيخة البغدادية\" (٦).\n(٣) أخرجه الترمذي (١٥١٠).\n(٤) أخرجه مسلم (٩٧٧) و(١٩٧٧).\n(٥) أخرجه البخاري (٥٥٧٠)، ومسلم (١٩٧١).\n(٦) أخرجه البخاري (١٧١٩)، ومسلم (١٩٧٢).","vol":"4","page":1773},{"text":"الأكوعِ، وفيه: (كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا) (١)، وهو كما قال مالكٌ: \"لا حَدَّ فيما يأكُلُ ويتصدَّقُ ويُطعِمُ الفقراءَ والأغنياءَ؛ إنْ شاءَ نِيئًا، وإن شاءَ مطبوخًا\" (٢).\nوظاهرُ عملِ النبيِّ -ﷺ-: التوسعةُ في الأُضْحِيَّةِ مِن المأكولِ والمتصدَّقِ به والمُهْدَى منه، وقد روى مسلمٌ في \"صحيحِه\"، عن ثوبانَ؛ قال: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ضَحِيَّتَهُ، ثُمَّ قَالَ: (يَا ثَوْبَانُ، أَصْلِحْ لَحْمَ هَذِهِ)، فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ المَدِينَةَ (٣).\nوأمَّا ما جاء في حديثِ عائشةَ، عندَ أبي داودَ؛ مِن طريقِ مالكٍ -وهو في \"موطَّئِه\" (٤) - عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي بكرٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، وفيه أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: (ادَّخِرُوا الثُّلُثَ، وَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ) (٥)، فالأظهَرُ: أنَّه تصحيفٌ، واللفظُ: (ادَّخِرُوا لِثَلَاثٍ)؛ يعني: لثلاثةِ أيامٍ، وليس (الثُّلُثَ)؛ لمناسبةِ السياقِ، والحديثُ في مسلمٍ؛ مِن طريقِ مالكٍ؛ قال -ﷺ-: (ادَّخِرُوا ثَلَاثًا، ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ) (٦).\nوفقهُ مالكٍ يُخالِفُ ذِكْرَ الثُّلُثِ، وهذا مِن قرائنِ تحريفِها، وإنْ كانتْ في نُسَخٍ عتيقةٍ؛ فهذا يقعُ مِثلُهُ في كتُب السُّنَّةِ؛ وقد تكلَّم عليه الأئمةُ النُّقَّاد.\nومِن الفقهاءِ: مَن أوجَبَ التصدُّقَ مِن لحمِ الأُضْحِيَّةِ إنْ كانتْ تطوُّعًا، ولو قليلًا بما يُطلَقُ علبه اسمُ الصدَقةِ؛ وهو قولٌ في مذهبِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٥٦٩)، ومسلم (١٩٧٤).\n(٢) ينظر: \"الكافي في فقه أهل المدينة\" لابن عبد البر (١/ ٤٢٤)، و\"اختلاف الأئمة العلماء\" لابن هبيرة (١/ ٣٣٩).\n(٣) أخرجه مسلم (١٩٧٥).\n(٤) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٤٨٤).\n(٥) أخرجه أبو داود (٢٨١٢).\n(٦) أخرجه مسلم (١٩٧١).","vol":"4","page":1774},{"text":"أحمدَ، وهو الصحيحُ مِن مذهبِ الشافعيَّةِ وقولُ جمهورِهم المتقدِّمينَ، والأفضلُ عندَهم: التصدُّقُ بأكثرِها.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩].\nيُشرَعُ يومَ النَّحْرِ أنْ يأخُذَ الحاجُّ بأسبابِ التحلُّلِ، وأوَّلُها رميُ جمرةِ العَقَبةِ، وبها يتخلَّلُ تحلُّلَهُ الأولَ على الأرجحِ، ويُستحَبُّ أن يأتيَ بأعمالِ النحرِ؛ كما فعَلَها رسولُ اللَّهِ -ﷺ- مرتَّبةً، فيَبدأْ بجَمْرةِ العَقَبةِ، ثمَّ يَنحَرُ هَدْيَه، ثمَّ يَحلِقُ، ثُمَّ يطوفُ بالبيت؛ وذلك أنَّ اللَّه تعالى يقولُ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nولو قدَّم أو أخَّر شيئًا على شيءٍ مِن أعمالِ يومِ النحرِ، جاز له ذلك؛ وذلك أنَّ النبيَّ -ﷺ- فعَلَ هذه الأعمالَ ولم يُلزِمْ بها، بل خَفَّفَ لمَن اجتهَدَ وقد قَدَّمَ بينَها وأَخَّرَ، كما ثبَت في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: (اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ)، فَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: (ارْمِ وَلَا حَرَجَ)، فَمَا سُئِلَ يَومَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدَّمَ وَلَا أُخِّرَ، إِلَّا قَالَ: (افْعَلْ وَلَا حَرَجَ) (١).\nوالتَّفَثُ في قولِه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ هي أعمالُ النحرِ؛ مِن الرَّمْيِ، والحَلْقِ، ولُبْسِ المَخِيطِ، وقَصِّ الأظفارِ والشاربِ، وجاء عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ أنَّها جميعُ أعمالِ المناسكِ (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٧٣٦)، ومسلم (١٣٠٦).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٦/ ٥٢٦).","vol":"4","page":1775},{"text":"وقولُه تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ هو الذَّبْحُ يومَ النحرِ.\nوفي هذه الآيةِ: دليلٌ على مشروعيَّةِ نحرِ الهَدْيِ في جميعِ الأَنْسَاكِ: الإفرادِ والقِرَانِ والتمتُّعِ، فقد جعَلَهُ اللَّهُ عملًا مِن أعمالِ يومِ النحرِ ولم يُخصِّصْ، وقد كان الصحابةُ يُهدُونَ في كلِّ أَنْسَاكِهم وإنْ لم يكنْ واجبًا عليهم، وكان النبيُّ -ﷺ- يَسُوقُ هَدْيَهُ معه حتى في العمرةِ كما في الحُدَيْبِيَةِ، بل قد كان يَبعثُ بهَدْيِهِ إلى مَكَّةَ ليُذبَحَ يومَ النحرِ، وهو في المدينةِ حلالٌ.\nوفي قولِه تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾؛ يعني: طوافَ الحجِّ، وهو طوافُ الإفاضةِ، وهو ركنُ الحجِّ بالإجماعِ، والطوافُ آخِرُ أعمالِ يومِ النحرِ.\nوفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ الحجَّ يصحُّ بطوافِ الإفاضةِ؛ لأنَّه آخِرُ الأركانِ وبه يتحلَّلُ، وأمَّا غيرُهُ، فواجِباتٌ أو مستحبَّاتٌ؛ لا تُسقِطُ الحجَّ ولا تُبطِلُه، ولكنَّها تَنْقُصُه.\nوتشرَعُ المبادَرَةُ بإنجازِهِ؛ كما فعَلَ النبيُّ -ﷺ-؛ فقد طاف ضُحًى.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾ [الحج: ٣٠ - ٣٣].\nحُرُماتُ اللَّهِ كثيرةٌ، والمرادُ هنا حُرُماتُه في الحجِّ، وهي شعائرُ دِينِهِ التي أمَرَ بإقامتِها، فامتثالُ أمرِهِ في النُّسُكِ بفعلِ المأمورِ واجتنابِ","vol":"4","page":1776},{"text":"المحظورِ مِن محظوراتِ الحجِّ: ذلك مِن تعظيمِ حُرُماتِهِ وشعائرِه.\nوبَيَّنَ اللَّهُ في قولِه: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أنَّه سبحانَهُ جعَلَ الأصلَ في البهائمِ الحِلَّ، وجعَلَ المُستثنَى قليبلًا مَتْلُوًّا، وأضمَرَ الحلالَ لكثرتِه، وسمَّى الحرامَ لقِلَّتِه.\nوقولُه تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾، في هذه الآيةِ: بيانُ أنَّ المَقصَدَ الأعظَمَ مِن الحجِّ هو إقامةُ توحيدِ اللَّهِ ونبذُ الشِّرْكِ؛ حيثُ ذكَرَ اللَّهُ اجتنابَ الأوثانِ وأمَر بالحنيفيَّةِ مِلَّةِ إبراهبمَ بأحكامِ المناسكِ؛ ليُشعِرَ أنَّها المرادةُ، وقد كان الجاهليُّونَ لا يُقِيمُونَ شعيرةً مِن المناسكِ إلَّا خلَطُوها بشِرْكٍ وكفرٍ.\nوفي الآيةِ: تعظيمُ شهادةِ الزُّورِ وقَرْنُها بالشِّرْكِ، وهو الافتراءُ بقولِ الباطلِ مع زَعْمِ رؤيتِه، وهو مِن المُوبِقاتِ، وأعظَمُ أنواعِهِ ما كان فيه شركٌ وتبديلٌ لدِينِ اللَّهِ، ثمَّ ما كان فيه أَكلٌ لأموالِ الناسِ بالباطلِ، ويأتي كلامٌ يسيرٌ عليه عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾ [الفرقان: ٧٢].\nقولُهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾: المرادُ بشعائرِ اللَّه هنا كلُّ المناسكِ، وأَخَصُّها بالذَّكرِ: الهَدْيُ؛ وذلك لأنَّه قال بعدَ ذلك: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ وعطاءٌ والضحَّاكُ (١)، وتعظيمُ شعيرةِ الهَديِ باختيارِ الطيِّبِ السَّمِينِ.\nوقد كان رسولُ اللَّهِ -ﷺ- يتحرَّى الطَّيِّبَ فيُضحَّي به؛ كما جاء عن أنسٍ: \"أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- ضحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ\" (٢).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٦/ ٥٤٠ و٥٤٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٤٩٢).\n(٢) أخرجه البخاري (٥٥٦٥)، ومسلم (١٩٦٦).","vol":"4","page":1777},{"text":"وذِكْرُ أنسٍ لهذا الوصفِ دليلٌ على أنَّهما قُصِدَا تلمُّسًا للطَّيِّبِ مِن الغنمِ، ولو لم يكنِ الوصفُ مؤثِّرًا، ما ذكَرَهُ في سياقِ عبادةٍ.\nوقد ذكَرَ بعضُهم الإجماعَ على استحسانِ لونِ الأُضْحِيَّةِ كالنوويِّ (١)؛ ففي \"السُّنَنِ\"؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ: \"أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- ضَحَّى بِكَبْشٍ أَقْرَنَ فَحِيلٍ، يَأُكُلُ فِي سَوَادٍ، وَيَمْشِي فِي سَوَادِ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ\" (٢).\nوقد قال أبو أمامةَ بنُ سهلٍ: \"كُنَّا نُسَمِّنُ الأُضحِيَّةَ بِالمَدِيَنَةِ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ يُسَمِّنُونَ\"؛ رواهُ البخاريُّ (٣).\nوفي قولِه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إباحةُ الانتفاعِ بالهَدْيِ قبلَ نحرِه، وذلك بركوبِه، والحَمْلِ عليه، والانتفاعِ بصُوفِهِ ووَبَرِهِ وشَعَرِه، وفي \"الصحيحَيْنِ\"، عن أنسٍ؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ لَهُ: (ارْكَبْهَا)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا بَدَنَةٌ؟ ! قَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الرَّابِعَةِ: (ارْكَبْهَا وَيْلَكَ، أَوْ وَيْحَكَ!) (٤).\nوفي الحجِّ مناسكُ وشعائرُ عظيمةٌ، نعظيمُها وامتثالُ التعبُّدِ بها بما جاء عن النبيِّ -ﷺ-: مِن تعظيمِ شعائرِ اللَّهِ؛ فقد قال -ﷺ-: (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ) (٥)؛ يعني: عنه؛ فكلُّ أعمالِ المناسكِ مِن شعائرِ اللَّهِ؛ كالصَّفا والمروةِ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، ومِن شعائرِ اللَّهِ: الأشهُرُ الحرُمُ، والقلائدُ، وقاصدو البيتِ الحرامِ،\n_________\n(١) \"شرح النووي على مسلم\" (١٣/ ١٢٠).\n(٢) أخرجه أبو داود (٢٧٩٦)، والترمذي (١٤٩٦)، والنسائي (٤٣٩٠)، وابن ماجه (٣١٢٨).\n(٣) أخرجه البخاري معلقًا قبل حديث (٥٥٥٣).\n(٤) أخرجه البخاري (٢٧٥٤)، ومسلم (١٣٢٣).\n(٥) أخرجه مسلم (١٢٩٧).","vol":"4","page":1778},{"text":"والهَدْيُ؛ كما قال تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]، وكذلك فى البُدْنِ والهَدْيِ كما يأتي؛ في قولِهِ تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦]\nوقد تقدَّمَ الكلامُ على تلك الشعائرِ في مواضعِها.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤)﴾ [الحج: ٣٤].\nإراقةُ الدِّماءِ بذَبْحِ ونَحْرِ بهائمِ الأنعامِ شريعةٌ لكلِّ الأُممِ، وفيه يَظهرُ فيهم التوحيدُ، وبه يُفارِقونَ المشرِكِين، فقد ذكَرَ اللَّهُ نَحْرَ الهَدْيِ وذِكْرَ اسم اللَّهِ عليه، وبيَّنَ أنَّ الغايةَ منه إقامةُ شعيرةِ الوحيدِ؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾، فأمَرَ بذِكرِ اسمِهِ وحدَه، لا كما يذكُرُهُ الجاهليُّونَ على هَدْيِهم مِن ذِكْرِ آلهتِهم.\nوقولُه تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾: فيه مشروعيَّةَ التسميةِ عندَ الذبح والنحرِ، وقد تقدَّمَ تفصيلُ ذلك عندَ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] وقولِهِ تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، وقولِهِ تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾ [الأنعام: ١١٨]، وقولِهِ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١].\n* * *","vol":"4","page":1779},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾ [الحج: ٣٦].\nبعدَما ذكَرَ اللَّهُ بهيمةَ الأنعامِ على سبيل الإجمالِ، لم يُسَمِّ اللَّهُ هنا إلَّا، البُدْنَ منها، ويتَّفِقُ العلماءُ على أنَّ الإبلَ مِن البُدْنِ في الآيةِ، وإنَّما اختلَفُوا في دخولِ البقرِ فيها؛ وذلك أنَّ البُدْنَ في لغةِ العربِ هو ما ضَخُمَ مِن الأشياءِ:\nوقد ذهَبَ ابنُ عمرَ وعطاءٌ وابنُ المسيَّبِ والحسنُ أنَّ البقرَ داخلٌ في البُدْنِ في الآيةِ (١).\nوقد قال مجاهدٌ: ليس البُدْنُ إلَّا الإبلَ (٢)؛ وذلك لنَفَاسَتِها وفضلِها، ومِن هذا أخَذَ العلماءُ فضلَ البُدْنِ في الهَدْيِ على غيرِها؛ وذلك أنَّ النبيَّ -ﷺ- لمَّا حَجَّ في حجةِ الوداعِ، ساقَ مِئَةً مِن الإبلِ، ونحَر بيدِهِ ثلاثًا وستينَ، ولم يَنحَرْ بقرةً ولا شاةً بيدِه، وإن كان -ﷺ- أَهدى عن نسائِهِ بالبَقَرِ؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\" (٣).\nولا يختلِفُ العلماءُ: أنَّ البَدَنَةَ والبَقَرةَ تُجزِئُ عن سبعةٍ، ولا يَختلِفونَ أنَّ البقرةَ لا تَزِيدُ في إجزائِها عن ذلك، ولكنَّهم اختلَفوا في البَدَنةِ، وفد ثبَتَ أنَّ البدَنةَ تُجزِئُ عن سبعةٍ؛ كما في حديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ؛ قال: \"نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَامَ الْحُدَيبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ\". أخرَجَه مسلمٌ (٤).\n_________\n(١) \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ٤٢٥).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٤٩٣)\n(٣) أخرجه البخاري (٢٩٤)، ومسلم (١٢١١).\n(٤) أخرجه مسلم (١٣١٨).","vol":"4","page":1780},{"text":"ومنهم: مَن جعَلَ البدَنةَ عن عَشَرةٍ؛ وبه قال إِسحاقُ؛ وذلك لِما رواهُ أحمدُ وأهلُ \"السنن\"، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّه قال: \"كنا مع رسولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَ الأَضْحَى، فَاشْتَرَكْنَا فِي البَقَرَةِ سَبْعَةً، وَفِي البَعِيرِ عَشَرَةً\" (١).\nوالشاةُ لا بجوزُ الاشتراكُ في تملُّكِها لِمَنْ أراد أن يُضحِّيَ بها، مع جوازِ أن يُشرِكَ غيرَهُ في الأجرِ بها، مِن أهلِ بيتِهِ وغيرِهم، كما فعَلَ النبيُّ -ﷺ-، وأمَّا الاشتراكُ في مِلْكِ البقرةِ والبعيرِ، فيجوزُ لمَن أراد أن يُضحِّيَ أو يُهدِيَ هَدْيًا واجبًا أن يُشرِكَ غيرَهُ فيها الى سبعهِ أشخاصٍ؛ لِما تقدَّمَ، ولم يكنِ الصحابةُ يتشارَكونَ في مِلْكِ الهَدْيِ والأُضْحِيَّةِ إلَّا في الإبلِ والبقرِ، ولم يثبُتْ عنهم ذلك في الغنمِ.\nوأمَّا ما رواهُ أحمدُ؛ مِن حديثِ أبي الأشَدِّ، عن أبيه، عن جدِّه؛ قال: \"كنْتُ سَابعَ سَبْعَةٍ مَعَ رَسولِ اللَّهِ -ﷺ-؛ قَالَ: فَأَمَرَنَا نَجمَعُ لِكُلِّ رَجُلِ مِنَّا دِرْهَمًا، فَاشْتَرَيْنَا أُضْحِيَّةً بِسبْعَةِ الدَّرَاهِمِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ أَغْلَيْنَا بِهَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: (إِنَّ أَفْضَلَ الضَّحَايَا أَغْلَاهَا وَأَسْمَنُهَا)، فأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَأَخَذَ رَجلٌ بِرِجْلٍ، وَرَجُلٌ بِرِجْلٍ، وَرَجُلٌ بِيَدٍ، وَرَجُلٌ بِيَدٍ، وَرَجُلٌ بِقَرْنٍ، وَرَجُلٌ بِقَرْنٍ، وَذَبَحَهَا السَّابعُ، وَكَبَّرْنَا عَلَيْهَا جَمِيعًا\" (٢)، فلا يصحَّ؛ وذلك أنَّ في سندِهِ جهالةً، ولو صحَّ، فليس في الحديثِ أنَّ الأُضْحِيَّةَ مِن الغنمِ.\nويجوزُ أن يشترِكَ اثنانِ في مِلْكِ شاةٍ يُريدانِ أن يُضَحِّيَا عن شخصٍ واحدِ غيرِهما؛ لأنَّه مِن التبرُّعِ، وبابُه واسعٌ، وذلك كما لو قامَا بدفعِ قيمتِها إلى المُضحَّى عنه؛ ليَشترِيَها ثمَّ يَذْبَحَها.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١/ ٢٧٥)، والترمذي (١٥٠١)، والنسائي (٤٣٩٢)، وابن ماجه (٣١٣١).\n(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٤٢٤).","vol":"4","page":1781},{"text":"وقولُه تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾؛ يعني: الأجرَ في الآخِرةِ، والنفعَ في الدُّنيا مِن اللبنِ والركوبِ.\nوقولُه تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ فيه مشروعيَّةُ نحرِ الإبلِ قائمةً معقولةً، وفي \"الصحيحَيْنِ\"، عن ابنِ عمرَ: \"أنَّه أَتَى عَلَى رَجُلِ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ يَنْحَرُهَا، قَالَ: ابْعَثْها قِيامًا مُقَيَّدَةً؛ سُنُّةَ مُحَمَّدٍ -ﷺ-\" (١).\nوبهذا كان يعملُ الصحابةُ كما عندَ أبي داودَ؛ مِن حديثِ جابرٍ (٢)، وقد قال ابنُ عبَّاسٍ: \"إذا أَردتَّ أن تنحَرَ البدَنةَ، فأَقِمْها على ثلاثِ قوائمَ معقولةً، ثمَّ قلْ: باسمِ اللَّه واللَّهُ أكبرُ، اللَّهُمَّ منك ولك\" (٣).\nوقولُه تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ وجَبَتْ جُنُوبُها؛ يعني: سقَطَتْ، ثمَّ أمَرَ بالأكلِ منها، والفاءُ هنا للتعقيبِ، مع أنَّها لا تُؤكَلُ نِيئَةً؛ ولكنْ للإشعار بالإسراع بذلك، كما فعَلَ النبيُّ -ﷺ- بهَدْيِهِ فنحَرَ ثلاثًا وستينَ ببدِه، ثمَّ جُزِرَت وقُطِّعَتْ وطُبِخَتْ، وأكَلَ مِن جميعِها، وهو ما زال في ضُحَا يوم النحرِ.\nوفيه: مشروعيَّةُ الإطعامِ مِن الهَدْي، والتماسُ الفقيرِ، وهو المُعتَرُّ، والتماسُ المتعفِّفِ الذي يُظهِرُ القناعةَ وهو محتاجٌ، وهو القانعُ، وفي هذه الآيةِ تأكيدٌ على تتبُّعِ أحوالِ الناسِ في مِثْلِ هذا اليومِ، ومِثلِ هذا المكانِ، والتماسِ المحتاجِ منهم.\nوقد اختلَفَ العلماءُ في صفةِ تقسيم الهَدْيِ، وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]؛ مِن هذه السورةِ.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٧١٣)، ومسلم (١٣٢٠).\n(٢) أخرجه أبو داود (١٧٦٧).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٤٩٤).","vol":"4","page":1782},{"text":"* قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾ [الحج: ٣٧].\nبيَّنَ اللَّهُ أنَّ ما يفعلُهُ المُسلِمونَ في يومِ النحرِ مِن طاعتِهِ؛ بسَوْقِ الهَدْي، واستسمانِ الأضاحيِّ، واختبارِ طيِّبِها: أنَّ هذا نفعٌ لأنفُسِهم، وتقويمٌ لقلوبِهم على تَقوَى اللَّهِ، وليس ذلك مِن نفعِ اللَّهِ في شيءٍ، فما يصلُ الى اللَّهِ تَقْوَاهُم، لا لحومُهُمْ وهَدْيُهم، فيأجُرُهم على ما يَعلمُ مِن صِدْقِهم وما عمِلُوهُ مِن عملٍ صالحٍ.\nوقيل: إنَّ الجاهليِّينَ كانوا يَنحَرُونَ هَدْبَهم ويَنْصِحُونَ بدماءِ الهَدْيِ البيتَ لإظهارِ التقرُّبِ إلى اللَّهِ؛ فبيَّنَ اللَّهُ أنَّه أرادَ ظهورَ التقوى في قلوبِكم، لا أنْ تتكلَّفوا ذلك في بيتِه، فلن يصلَ ذلك إلى اللَّهِ كما يتوهَّمُهُ الجاهليُّونَ؛ لأنَّه بِدْعةٌ وضلالةٌ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾ [الحج: ٣٩ - ٤٠].\nفي هذه الآيةِ: إشعارٌ للنبيِّ بالقتالِ لمَّا أخرَجَهُ قومُهُ مِن مَكَّةَ ظُلْمًا وبغيًا، وهذه الآيةُ أولُ ما نزَلَ مِن آياتِ القتالِ، قال ابنُ عبَّاسٍ: \"لمَّا خرَجَ النبيُّ -ﷺ- مِن مَكَّةَ، قال أبو بكرِ: أَخرَجُوا نبيَّهم، إنَّا للَّهِ وإنَّا إليه راجِعونَ، لَيَهْلِكَنَّ القومُ! فنزَلَتْ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾","vol":"4","page":1783},{"text":"الآيةَ، قال أبو بكرٍ: فعَلِمتُ أنَّه سيكونُ قتالٌ؛ قال ابنُ عبَّاسِ وهي أولُ آيةِ نزَلت في القتالِ\" (١).\nوبهذا قال عروةُ؛ أنَّها أولُ آيةٍ نزَلَت في الجهادِ (٢).\nقد قال ابنُ زَيْدٍ: \"أذِنَ لهم في قتالِهم، بعدَما عفا عنهم عَشْرَ سنينَ\" (٣).\nوإنَّما تأخَّر تشريعُ الجهادِ تلك المدةَ؛ لأنَّ الصحابةَ كالوا في زمنِ صَعْفٍ وقلةِ عددٍ، وكان الكافرونَ في موضعِ قوةٍ وبأسٍ، واللَّهُ لا يأمُرُ الناسَ بشيءٍ إلَّا وهو مُقترِنٌ بأسابٍ كونيَّةٍ ظاهرةٍ، ما لم يَجعَلِ اللَّهُ مِن ذلك إعجازَا لنبيٍّ مِن أنبيائِه، واللَّهُ لا يُرِيدُ ذلك في كل أفعالِ الأنبياءِ؛ حتى لا يُصابَ أتباعُ الأنبياءِ بالوَهْنِ والضَّعْفِ مِن بعدِ موتِ أنبيائِهم، ولكنَّ اللَّهَ جعَلَ نصرَ الأنبياءِ مِن جنسِ نصرِ الصحابةِ؛ فذلك أَدْعَى لثَباتِهم وقوَّتِهم وشدةِ عزائمِهم بعدَ استخلافِهِ لهم بعدَهم.\nويُؤخَذ مِن تأخُّرِ نزولِ الآيةِ مع شِدَّةِ البأسِ والعذاب على الصحابةِ: أنَّه يجبُ على الناسِ عندَ تسلُّطِ عدوِّ ظالِمِ عليهم ألَّا يَغلِبَ عليهم حظُّ أنفُسِهم بالتشفِّي والانتقامِ على النظرِ إلى عاقبةِ الدِّينِ؛ فإنَّ للنفوسِ إقبالًا، على الانتصارِ لنفسِها والانتقامِ مِن عدوِّها ولو هلَكَت.\nوالواجبُ: النظرُ الى عاقبةِ الحقِّ، ومدى قُدْرةِ العدوِّ على استئصالِهِ باستئصالِهم؛ فإنَّهم -وإن كانوا قد باعوا أنفُسَهم اللَّه- يجبُ أن يَعلَموا أنَّ اللَّهَ استوْدَعَهُمْ حِفْظَ دِينِه، فهم باعوا أنفُسَهم ولم يَبِيعُوا دِينَهُ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١/ ٢١٦)، والترمذي (٣١٧١)، والنسائي (٣٠٨٥)، والطبري في \"تفسيره\" (١٦/ ٥٧٤)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٨/ ٢٤٩٦).\n(٢) \"تفسير ابن أبى حاتم\" (٨/ ٢٤٩٦).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١٦/ ٥٧٥)، \"تفسير ابن أيي حاتم\" (٨/ ٢٤٩٦).","vol":"4","page":1784},{"text":"ولا يَملِكونَ ذلك، بل يجبُ عليهم حِفظُهُ والتمكينُ له، وأن يتجرَّدُوا مِن الجُبْنِ فلا يتظاهَروا بالحِكْمةِ، وأن يتجرَّدوا مِن التهوُّرِ والعَجَلةِ والانتقامِ للنَّفْسِ فلا يتظاهَروا بالشجاعةِ، وقد يقَعُ في النفوسِ الصادقةِ حبٌّ عظيمٌ للحقَّ فتستعجِلُ الانتصارَ له، بل يجبُ عليها التجرُّدُ والوقوفُ عندَ أوامرِ اللَّهِ وحدودِه، والنظرُ إلى العواقبِ بتجرُّدٍ، كما تجرَّدَ الصحابةُ عندَما وجَدُو مِن أنفسِهم حبًّا للحقِّ عظيمًا، فاستأذَنُوا للانتقامِ مِن عدوِّهم مِن أولِ يومٍ بمَكَّةَ؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧] ويُروى أنَّه لمَّا بايَعَ أهلُ يَثْرِبَ ليلةَ العَقَبةِ رسولَ اللَّهِ -ﷺ-، وكانوا نيِّفًا وثمانينَ، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ألَا نَمِيلُ على أهلِ الوادي -يَعْنُونَ أهلَ مِنًى- لياليَ مِنًى فنَقتُلَهم؟ فقال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: (إِنِّي لَمْ أُومَرْ بِهَذَا) (١).\nوقولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾، بيَّنَ اللَّهُ فيه: أنَّ المقصودَ بأولئك المظلومينَ الذين يُقاتَلونَ هم الذين أُخرِجوا مِن ديارِهم، وهي مَكَّةُ، بغيرِ حقٍّ، إلَّا أنَّهم وحَّدوا اللَّهَ وعَبَدُوهُ بلا شريكٍ.\nوقولُه تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾، فيه: أنَّ اللَّهَ يَدفَعُ المشرِكِينَ بالمؤمِنينَ ليُقيمَ دِيَنَهُ ويُعْلِيَ ذِكْرَه، وفي هذا: بيانٌ للمَقصَدِ مِن الجهادِ، وهو إعلاءُ كلمةِ اللَّهِ؛ كما قال -ﷺ-: (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيِلِ اللَّهِ) (٢).\nوتدُلُّ هذه الآبةُ على أنَّه يجوزُ القتالُ لدَفْعِ الإنسانِ عن أرضِهِ، وأنَّه\n_________\n(١) \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ٤٣٤)، و\"سيرة ابن هشام\" (١/ ٤٤٨).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٨١٠)، ومسلم (١٩٠٤).","vol":"4","page":1785},{"text":"في سبيلِ اللَّهِ، وقد بيَّنَّا ذلك عندَ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: ٢٤٦]، وقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥].\nوفي قولِه تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ بيانُ أنَّ نَصْرَ اللَّهِ يكونُ بمِقْدارِ نصرِ دِينِه؛ لأنَّ نصرَهُ يكونُ بعَوْنِهِ وكفايتِه، وكفايةُ اللَّهِ تكونُ بمِقْدارِ عبوديَّتِهِ سبحانَه، وقد تقدَّم الكلامُ على الأسبابِ الشرعيَّةِ والكونيَّةِ للنصرِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧].\nوقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ أمرٌ للأخذِ بأسبابِ النصرِ، فاللَّهُ قادرٌ على إحداثِ إعجازٍ بنصرِهم بلا قتالٍ ولا عملٍ، ولكنَّه يُرِيدُ مِن المُسلِمينَ الأخذَ بالأسبابِ التي يَنتصِرونَ بها؛ حتى لا تتواكَلَ نفوسُهم عن العملِ للَّهِ ولدِينِه، فإنَّ مَن يتحقَّقُ له النصرُ بلا سببٍ ولا تعبٍ، بماذا يَسْتحِقُّ الجنةَ؟ ! ولو كان كلُّ مُتَّبِعٍ للإسلامِ والرسالةِ المحمديَّةِ ينتصِرُ بلا سببٍ يأخُذُ به، ولا محنةٍ وشِدَّةٍ تمُرُّ عليه، وتُسيِّرُهُ الأقدارُ بلا اختيارٍ، لأقبَلَ على الإسلام كلُّ أحدٍ؛ لِمَا يَرَوْنَهُ مِن عاجلِ الدُّنيا والتمكينِ فيها، واللَّهُ لا يُريدُ لدِينِهِ إلَّا مقبِلًا بصدقٍ وإخلاصٍ يُرِيدُ اللَّهَ والدارَ الآخِرةَ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤١].\nبيَّنَ اللَّهُ حالَ الذين يُمكِّنُهُمُ اللَّهُ في الأرضِ مِن القيامِ بأمرِهِ وإظهارِ","vol":"4","page":1786},{"text":"دِينِه، والعباداتُ تجبُ على الإنسانِ بمقدارِ تمكُّنِهِ في الأرضِ؛ فمِن العباداتِ ما يتعلَّقُ بالفردِ، ومنها ما يتعلَّقُ بالجماعةِ، وكلَّما ضَعُفَ تمكينُ الإنسانِ، تقلَّصَتِ الواجباتُ عليه، حتى لا يجبَ عليه إلَّا ما يَصِحُّ به إسلامُه، وإذا زاد تمكينُة، زاد تكليفُهُ، ومَن لم يَعرِفْ مقدارَ تمكينِه، اضطرَبَ في محرفةِ تكليفِه؛ فإمَّا أن يستعجلَ أحكامًا لا تجبُ عليه؛ فيُضِرَّ بنفسِهِ وبدِينِه، وإمَّا أن يَتراخى في الإتيانِ بما يجبُ عليه؛ فيُقصَّرَ في حقِّ اللَّهِ عليه.\nوكثيرٌ مِن الناسِ يَعرِفونَ مقاديرَ التكليفِ، ولكنَّهم لا يَعرِفونَ مقاديرَ التمكينِ؛ فيُخطِئونَ في تقديمِ الدَّينِ أو تأخيرِه، وقد كان النبيُّ -ﷺ- يُعلِّمُ أصحابَهُ الأمرَيْنِ؛ حتى يستقيمَ دِينُ العبدِ ودِينُ الدَّوْلةِ.\nوأوَّلُ ما يَبدأُ التمكينُ: مِن الأفرادِ، ثمَّ يكونُ في الجماعاتِ، ثمَّ يكونُ في الدولِ، ومَن لم يُفرِّقْ بينَ تمكينِ الأفرادِ وتمكينِ الجماعاتِ وتمكينِ الدُّوَلِ، وجعَلَ واحدةً في منزِلةِ الأُخرى، أَخَلَّ باستقرارِ الشريعةِ، فلا يَلزَمُ مِن تمكيِن الفردِ تمكينُ الجماعةِ، ولا مِن تمكينِ الجماعةِ تمكينُ الدولةِ، ولكنَّه يَلزَمُ مِن تمكينِ الجماعةِ تمكينُ الفردِ، ومِن تمكينِ الدولةِ تمكينُ الجماعةِ والفردِ.\nوقد بَيَّنَ النبيُّ -ﷺ- ذلك كلَّه.\nوقد يقعُ في المؤمنِ مِن الغَيْرةِ والحميَّةِ للَّهِ ولدِينِه ما يجعلُهُ يتعجَّلُ حُكْمًا قبلَ تمكينِ، فلا يجدُ الحُكْمُ أرضَ تمكينٍ فيسقُطُ وينهارُ؛ فإنَّ التمكينَ للتكليفِ كالأرضِ المستويةِ لقواعدِ الكُرْسِيِّ، فاستقرارُ التكليفِ ودوامُهُ باستواءِ التمكينِ، ومَن أقامَ تكليفًا على غيرِ تمكينٍ، تكلَّفَ في تثبيتِهِ تكلُّفًا يشُقُّ عليه مشقةً شديدةً، وغالبًا أنَّه لا يدومُ إلَّا مع مخالفةِ أمرِ اللَّهِ، فيَعْصِي اللَّهَ في الدفعِ عمَّا استعجَلَ إقامتَهُ مِن حيثُ يُرِيدُ أن","vol":"4","page":1787},{"text":"يُرضِيَهُ؛ لأنَّه يَخشى أن يقَعَ في التفريطِ أن تسقُطَ شرائعُ اللَّهِ وهو يَرَاها، فيقَعُ في مخالَفةِ أمرِ اللَّهِ في تثبيتِها، وقد كان في سَعَةٍ لو عرَفَ مراحلَ التمكينِ في إقامةِ دِينِ اللَّهِ التي بيَّنها اللَّهُ لنبيِّه، ولو مات العبدُ وهو يسيرُ إلى التمكينِ لآتاهُ أجرَ النهايةِ ولو كان في البدايةِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠]؛ فاللَّهُ احتسَبَ الأجرَ لِمَنْ خرَجَ مِن بيتِهِ قاصدًا الهجرةَ ولو كان على عَتَبةِ بابِه، ما لم يُقِمْ في دارِهِ راكنًا إلى دُنياه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1204>مَرَاتِبُ التمكينِ وشروطُهُ:</span>\nوللتمكينِ مراتبُ ودرجاتٌ يجبُ على المُصلِحينَ إبصارُها؛ حتى يَعرِفوا مقدارَ ثباتِ ما يُقِيمُونَ عليه دِينَ اللَّهِ؛ فليستِ الدُّوَلُ ولا الأممُ على مرتبةٍ واحدةٍ في التمكينِ، وقد قال تعالى في ذلك: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦]، وكلَّما زادتُ أسبابُ القوةِ وقَبُولِ الناسِ، زادتْ أسبابُ التمكينِ، فقد يكونُ للإنسانِ بَسْطَةٌ في مالِهِ وسُلْطانِهِ، وليس له بسطةٌ على الناسِ، فالمالُ وحدَهُ ليس تمكينًا ما لم يكنْ معه رجالٌ يُمكِّنونَ له؛ ولهذا لمَّا أراد ذو القَرْنَيْنِ بناءَ سَدِّ يأجوجَ ومأجوجَ، عَلِمَ أنَّه بحاجةٍ إلى تمكينَيْنِ: تمكينِ مالٍ، وتمكينِ رجالٍ، ولمَّا قيل له: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾ [الكهف: ٩٤]، عرَضُوا عليه المالَ، وهو (الخَرَاجُ)، ردَّ عليهم: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٥]، فكان لدَيْهِ تمكينُ مالٍ، ومع الناسِ تمكينُ رِجالٍ، فاجتمَعَ التمكينانِ على القيامِ ببناءِ الرَّدْمِ بينَ الناسِ وبينَ يأجوجَ ومأجوجَ.","vol":"4","page":1788},{"text":"وأولُ ما يَبدأْ التمكينُ: في الفردِ، ولكنَّ التمكينَ إذا أُطلِقَ في القرآنِ لا يُراد به تمكينُ الأفرادِ؛ وإنَّما يُرادُ به تمكينُ الجماعةِ والأمَّةِ، ومَن ظَنَّ أنَّ الفردَ إنْ تمكَّنَ مِن إقامةِ دِينِهِ، فيعني دلك تمكينَ دِينِه، فقد أخطَأَ؛ ولهذا لمَّا طلَبَ الصحابةُ مِن النبيِّ -ﷺ- بمكَّةَ قتالَ قريشٍ لمَّا آذَوْهُمْ وفتَنُوهم، منَعَهُمُ اللَّهُ مِن ذلك؛ لعدمِ تمكينِهم؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧]، فلم يَجْعَلِ اللَّهُ إقامتَهم للصلاةِ وإيتاءَهم للزكاةِ تمكينًا لجماعتِهم ودَوْلَتِهم، فالصلاةُ والزكاةُ تمكينُ أفرادٍ، والجهادُ تمكينُ جماعةٍ ودَوْلةٍ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥]، فقد جعَلَ اللَّهُ تمكينَ أمَّتِهِمْ واستخلافَهُمْ في الأرضِ مُمْسِكينَ بأسبابِها -بعدَ إيمانِهم وعملِهم الصالحِ في أنفُسِهم- فلم يجعلْ مجرَّدَ إيمانِ الأفرادِ وعملِهم الصالحِ تمكينًا واستخلافًا، بل جعَلَ التمكينَ والاستخلافَ بعدَه؛ وذلك أنَّ تمكينَ الأفرادِ يكونُ مع خوفٍ، وتمكينَ الدَّولةِ يكونُ مع أمنٍ؛ وهذا ظاهرٌ في قولِه: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥]؛ يعني؛ أنَّهم كان زمنُ إيمانِهم وعملِهم الصالحِ الخاصِّ زَمَنَ خَوْفٍ، والتمكينُ كان زمنَ الأمنِ.\nومِن هذا: ما كان عليه موسى؛ فقد كان ومَنْ آمَنَ معه على إيمانٍ وعملٍ صالحٍ، ولم يكونوا على تمكينٍ؛ ولهذا وصَفَهم اللَّهُ بالضَّعْفِ والخوفِ، قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [القصص: ٥]؛ يعني: موسى ومَن معه، ثمَّ ذكَرَ تمكينَهُمْ بعدَ ذلك، فقال: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٦]، فمع إيمانِهم وعملِهم الصالحِ الخاصِّ لم يَجْعَلْهم اللَّهُ ممكَّنِين؛ بسببِ الضَّعْفِ والخوفِ.","vol":"4","page":1789},{"text":"وتحقُّقُ التمكينِ التامِّ له شروطٌ ثلاثةٌ:\nالشرطُ الأولُ: الأخذُ بأسبابِ الأرضِ، والقُدْرةُ على الانتفاعِ منها، وذلك بحَرْثِها وغَرْسِها وسَقْيِها وحَصَادِها وصَرَامِها؛ فمَنْ كان في أرضٍ ولا يَملِكُ أن ينتفِعَ بأرضِها لخوفٍ أو ضَعْفٍ، فليس ممكَّنًا فيها، ومِن ذلك قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠]، ومَن لم يتمكَّنْ معاشُهُ مِن أرضِهِ مِن مُبتداهُ إلى مُنتهاهُ، فليس ممكَّنًا فيها، فمَنْ له سلطانٌ على الأرضِ، مَلَكَها ومَلَكَ انتفاعَهُ بها، وكان له قدرةٌ على تمكينِ الناسِ مِن الانتفاعِ منها بمَنْحِهم وإقطاعِهم؛ كما كان النبيُّ -ﷺ- يُقطِعُ بالمدينةِ بعضَ أصحابِه لمَّا تمكَّنَ مِن أرضِها.\nوليس مِن التمكينِ على الأرضِ مَنْ يأخُذُ ثمارَها ولا يتمكَّنُ مِن مُبتدى ذلك بحرثٍ وغَرْسٍ وحصادٍ؛ لأنَّ أخذَ ثمارِها فقطْ يَقدِرُ عليه مَن لم يتمكَّنْ؛ وذلك كأخذِهِ بتخويفِ أهلِها، وقد يَقدِرُ عليه السُّرَّاقُ الذين يُبَيُتُونَ الناسَ على أرزاقِهم، وقد كان النبيُّ -ﷺ- متمكِّنًا مِن خَيْبَرَ، وصالَحَ اليهودَ عليها، فأَذِنَ لهم بحَرْثِها وغَرْسِها وسَقْيِها وصَرَامِها، فجعَلَهم كالعمَّالِ فيها، فهو قادرٌ -ﷺ- على أن يجعلَ المُسلِمينَ يقومونَ بذلك، ولكنَّه صالَحَ اليهودَ عليها.\nالشرطُ الثاني: السَّيْرُ في الأرضِ بأمانٍ، فمَن كانوا في الأرضِ لا يتمكَّنونَ مِن السيرِ فيها والتبوُّءِ والسكَنِ منها حيثُ شاؤوا، لا يُعتَبَرُونَ ممكَّنينَ فيها؛ فاللَّهُ لم يجعلْ يوسُفَ ﵇ ممكَّنًا في مصرَ حتى أمكَنَه السيرُ فيها حيثُ شاءَ؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف: ٥٦]، فمَنْ كان لا يسيرُ في أرضِهِ إلَّا خائفًا متستِّرًا، فلا يُعَدُّ ممكَّنًا فيها، فالتمكينُ لا يجتمعُ مع شدةِ الخوفِ،","vol":"4","page":1790},{"text":"ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥]، وقد قال اللَّهُ عن تمكينِ قريشٍ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧]، فقد كان لكفارِ قريشٍ تمكينُ أرضٍ، لكنْ ليس لدَيْهِمْ تمكينٌ مِن العملِ الصالحِ، وقد كان للنبيِّ -ﷺ- تمكينٌ مِن العملِ الصالحِ، ولكنْ ليس لدَيْهِ تمكينٌ في أرضِ مَكَّةَ حِينَها، فلم يُؤمَرْ بإقامةِ كثيرٍ مِن التكاليفِ؛ لأنَّ قدْرَ التمكينِ أقصَرُ منها، فقُصِرَتِ التكاليفُ معها، ولو اجتمَعَ التمكينانِ له، لأُمِرَ بإقامةِ شعائرِ اللَّهِ كلِّها في مكَّةَ كما أقامَها في المدينةِ.\nالشرطُ الثالثُ: الأخذُ بأسبابِ الناسِ حتى ينقادوا أمرًا ونهيًا؛ رغبةً أو رهبةً، ومِن هذا تمكينُ النبيِّ -ﷺ- في المدينةِ، فقد تمكَّنَ في الأرضِ أولَ قدومِهِ وأَمِنَ فيها، ولم يكنِ الناسُ كلُّهم على انقيادٍ تامٍّ فيها، وإنَّما تدرَّجَ تمكينُه، ومع تدرُّجِ تمكينِه تدرَّجَ تكليفُه؛ ولهذا نزَلَتْ عليه الشرائعُ والأحكامُ والحدودُ تِبَاعًا.\nوقد يتحقَّقُ لسلطانٍ أو قومٍ أحدُ شروطِ التمكينِ ويَفقِدُ غيرَها، فلا يكونُ متحقِّقَ التمكينِ، وذلك كحالِ النَّجَاشِيِّ في الحبشةِ؛ فقد كان مَلِكًا على الحبشةِ، له البَسْطةُ على أرضِها والانتفاعُ منها، وآمِنًا فيها؛ لكنَّه لا يَملِكُ الأخذَ بأسبابِ الناسِ أمرًا ونهيًا في الحقِّ، فقد جاءَهُ الحقُّ وآمَنَ به وحدَه، وأُمَّتُهُ كلُّها نصرانيِّةٌ، فلو أمَرَهُمْ ونهاهُم، لَمَا أطاقوا أمرَهُ، ولقاموا عليه، فأسلَمَ وكتَمَ إيمانَه، ولم يُعادِ الحقَّ وأهلَه، بل نصَرَهُمْ، وعذَرَهُ اللَّهُ لعدمِ تمامِ تمكينِةِ بالحقِّ، ولو كان مستوفِيًا تمامَ التمكينِ، لم يكنْ معذورًا عندَ اللَّهِ، فلمَّا عُذِرَ، دَلَّ على أنَّه صحَّ إسلامُهُ وعُذِرَ بما ترَكَ لعَجْزِه، وهذا يختلِفُ عمَّن كان ممكَّنًا بالحقِّ ولكنَّه أكرَهَ الناسَ على الباطلِ.","vol":"4","page":1791},{"text":"وفرقٌ بينَ مَن كانتْ وِلايتُهُ على باطلٍ، فتدرَّجَ بنَقْضِ عُرَا الباطلِ، وبينَ مَن كانتْ وِلايتُهُ على حقٍّ، فتدرَّجَ بنَقْضِ عُرَا الحقِّ.\nوقد يكونُ لأحدٍ تمكينٌ كاملٌ وأخذٌ بأسبابِ الأرضِ والناسِ جميعًا، وهذا مِن جنسِ تمكينٌ اللَّهِ لذي القَرْنَيْنِ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)﴾ [الكهف: ٨٤].\nوبتمامِ التمكينِ تقومُ شرائعُ كثيرةٌ، وبنقصِهِ يُعذَرُ العاجزونَ عنها، كما يُعذَرُ العبدُ في نفسِه في أداءِ الصلاةِ قائمًا لمرضٍ، فيُصلِّيها قاعدًا أو على جَنْبٍ.\nوفي قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: ذِكْرٌ لأسبابِ دوامِ التمكينِ وحِفْظِه، فما مِن أحدٍ يُتِمُّ اللَّهُ له تمكينَهُ، ثمَّ يقومُ بحِفظِ شعيرةِ الصلاةِ في نفسِهِ وفي الناسِ كما أمَرَ اللَّهُ، ويأخُذُ الزكاةَ ويَقسِمُها بالعدلِ كما أمَرَ اللَّهُ، ويأمُرُ ويَنهَى على ما أمَرَ اللَّهُ، إلَّا دامَ تمكينُهُ بمقدارِ حِفْظِهِ لهذه الثلاثةِ، ويَنقُصُ تمكينُهُ بمقدارِ نقصِها، ومَن أقامَ التكاليفَ أكثَرَ مِن قدرِ التمكينِ له في الأرضِ، لم يَدُمْ تمكينُه، وقد يظُنُّ فيه بعضُ المُنافِقِينَ والظالِمِينَ أنَّه لم يُمكَّنْ إلَّا بسببِ عدمِ صلاحِ شريعتِهِ ودِينِه، وإنَّما هو بسببِ تعجُّلِ التكليفِ قبلَ التمكينِ، ففَتَنَ الناسَ وصرَفَهُمْ عن الحقِّ، فأساؤُوا الظنَّ به، فهزائمُ أهلِ الحقِّ فتنةٌ لأهلِ الباطلِ بثباتِهم على باطلِهم؛ وفي هذا يقولُ تعالى: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥]؛ قال مجاهدٌ في معناهُ: \"لا تُصِبْنا بعذابٍ مِن عندِك ولا بإيدِيهِم، فيُفتَتَنُوا ويقولوا: لو كانوا على حقٍّ، ما سُلَّطْنا عليهم ولا عُذِّبُوا\" (١).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٢/ ٢٥٣).","vol":"4","page":1792},{"text":"وأمَّا عن شريعةِ الجهادِ، فقد تقدَّم الكلامُ على زمنِ مشروعيَّةِ القتالِ ومراحلِه، وبعضِ معاني التمكينِ، ووجوبِ الجمعِ بينَ الأسبابِ الشرعيَّةِ والكونيَّةِ للنصرِ، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾ [الحج: ٦٠].\nأَذِنَ اللَّه للمؤمِنينَ بالعقابِ بمِثْلِ ما عُوقِبَ الإنسانُ به، وجعَلَ ذلك حقًّا له، وتوعَّدَ الباغيَ بعدَ ذلك بالهزيمةِ، والمنتصِرَ بالنصرِ؛ وهذه الآيةُ في معنى قولِهِ تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].\nوقد تقدَّم الكلامُ على الانتصارِ للنَّفْسِ بمِثْلِ ما بُغِيَ عليها عندَ قولِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وسيأتي بيانُ أحوالِ الانتصارِ للنَّفْسِ عندَ قولِهِ تعالى في سورةِ الشعراءِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ [الشعراء: ٢٢٧].\nويُروى أنَّ هذه الآيةَ نزَلَتْ في سَرِيَّةٍ مِن الصحابةِ، لَقُوا جمعًا مِن المشرِكِينَ في شهرِ المحرَّمِ، فناشَدَهُمُ المُسلِمونَ لئلا يُقاتِلوهم في الشهرِ الحرامِ، فأبى المشرِكُونَ إلَّا قتالَهم وبغَوْا عليهم، فقاتَلَهُمُ المُسلِمونَ، فنصَرَهم اللَّهُ عليهم؛ روى ابنُ أبي حاتمٍ هذا عن مُقاتِلٍ (١)، ورواهُ ابنُ جريرٍ الطبريُّ عن ابنِ جُرَيْجٍ (٢).\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٥٠٣).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٦/ ٦٢٠).","vol":"4","page":1793},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨].\nفي هذا: فضلُ جهادِ اللِّسانِ؛ فهذه الآيةُ مكيَّةٌ، وقد شرَعَ اللَّهُ فيها مجاهَدَةَ الكفارِ بالحُجَّةِ والبيانِ والبرهانِ، وحينَما أمَرَ اللَّهُ بجهادِ اللِّسانِ، وصَفَ النوعَ الذي يأمُرُ به بوصفَيْنِ في كتابِهِ لم يَصِفْ بهما جهادَ السِّنانِ مع عظَمتِهِ وفضلِهِ وجلالةِ قَدْرِه:\nالأولُ: أنَّه جهادٌ كبيرٌ؛ كما في قولِهِ تعالى في سورةِ الفُرْقانِ: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢].\nوالثاني: أنَّه حقُّ الجهادِ؛ كما في هذه الآيةِ: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾.\nوجهادُ اللِّسانِ أمضَى من جهادِ السِّنانِ لمَن قدَرَ عليه وسدَّدَهُ اللَّهُ.\nوقولُه تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾: المرادُ بالأُبوَّةِ: الأبوَّةُ الدينيَّةُ؛ فإبراهيمُ إمامُ الحُنَفاءِ، وهو أبٌ للمؤمِنينَ بهذا المعنى تعظيمًا وإجلالًا، وكما تُطلَقُ الأبوَّةُ على إبراهيمَ بهذا المعنى، فإنَّها تُطلَقُ على النبيِّ -ﷺ-؛ فإنَّما أخَذَتْ أُمَّهاتُ المؤمِنينَ منه الأُمُومةَ، وفي قراءةِ ابنِ مسعودٍ وأُبيِّ بنِ كعبٍ وابنِ عبَّاسٍ، ومجاهدٍ والحسنِ وقتادةَ: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ) (١).\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" (١٩/ ١٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٩/ ٣١١٥)، و\"تفسير القرطبي\" (١١/ ١٧٧)، و\"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٣٨١).","vol":"4","page":1794},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1205>سورة المؤمنون</span>\nسورةُ المؤمِنونَ مكيَّةٌ، وتَظهَرُ مكيَّتُها في مَعانِيها ودَلالاتِها؛ فغايتُها بيانُ وَحْدانيَّةِ اللَّهِ بذِكْرِ آياتِه في خَلْقِه؛ كتدبيرِ الأكوانِ، وخَلْقِ الإنسانِ، وتسخير الأنعامِ، وعاقبةِ الظالمينَ مِن الأُممِ السابقِين؛ تذكيرًا بعاقبةِ كفرِهم وعنادِهم، وأنَّ مَن لَحِقَ بطريقِهم فنهايتُهُ كنهايتِهم.\nوقد صلَّى النبيُّ -ﷺ- بالناسِ بمَكَّةَ، وقرَأَ بهذه السورةِ في صلاةِ الصُّبْحِ بالناسِ؛ كما روى مسلمٌ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ السائب؛ قال: \"صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ -ﷺ- الصُّبْحَ بِمَكَّةَ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ المُؤْمِنِينَ، حَتَّى جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ، أَوْ ذِكْرُ عِيسَى -شكَّ بعضُ الرُّواةِ- أَخَذَتِ النَّبِيَّ -ﷺ- سَعْلَةٌ، فَرَكَعَ\" (١).\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].\nقدَّمَ اللَّه الخشوعَ في الصلاةِ على سائرِ صفاتِ المؤمِنينَ؛ لأنَّ قوةَ إيمانِ الإنسانِ بمِقْدارِ خشوعِهِ في صلاتِه، وكأنَّ ما يلي مِن صفاتٍ هي تَبَعٌ لهذه الصفةِ؛ فكاملُ الخشوعِ في الصلاةِ حاضِرُ القلبِ فيها: لا بدَّ أن يكونَ محقَّقًا لغيرِ ذلك مِن صفاتِ الخيرِ منها؛ كالإعراضِ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٤٥٥).","vol":"4","page":1795},{"text":"عن اللَّغْوِ، وأداءِ الزكاةِ، وحِفْظِ الفُرُوجِ، ومراعاةِ الأمانةِ والعهدِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1206>معنى الخشوعِ:</span>\nوالخشوعُ هو السكونُ والذُّلُّ عندَ أوامرِ اللَّهِ وكلامِهِ هَيْبةً ورَهْبةً وتعظيمًا؛ كما قال تعالى في حالِ الظالِمِينَ: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: ٤٥]، ومِن ذلك سُمِّيَتِ الأرضُ خاشعةً: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت: ٣٩]، فحركةُ الجسم تُنافي خشوعَهُ، ومِثْلُها الحركةُ في الصلاةِ، فخشوعُ الشيءِ ثباتُهُ وسكونُهُ مع انكسارِهِ؛ كقولِه: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ [القلم: ٤٣، والمعارج: ٤٤].\nوبينَ الصلاةِ والخشوعِ تلازُمٌ، فلا تكتمِلُ الصلاةُ إلَّا بخشوعٍ، ولا يكتمِلُ الخشوعُ إلَّا مع الصلاةِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]؛ يعني: أنَّ الصلاةَ ثقيلةٌ وكبيرةٌ على مَنْ لم يَخْشَعْ فيها.\nوممَّا يُعِينُ العبدَ على الخشوعِ كثرةُ ذِكْرِ اللَّهِ، وقراءةُ القرآنِ بتدبُّرٍ وتأمُّلٍ؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]، وبيَّنَ أنَّ قسوةَ القلبِ بسببِ قراءتِه بلا تدبُّرٍ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]، وكذلك فإنَّ الذِّكرَ كلَّه والسجودَ مع حضورِ القلبِ يَزيدُ في الخشوعِ ويُقوِّيهِ، كما قال تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء: ١٠٩].\nوقدَّمَ اللَّهُ الخشوعَ في سورةِ (المؤمِنونَ) على الحِفَاظِ على الصلاةِ، مع أنَّه لا يَخشَعُ في صلاتِهِ إلَّا مَن حافَظَ عليها؛ لأنَّ الخشوعَ هو المقصودُ مِن الصلاةِ، وليس حركةَ البَدَنِ بقيامٍ وركوعٍ وسجودٍ مجرَّدٍ.","vol":"4","page":1796},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1207>حُكْمُ الخشوعِ في الصلاةِ:</span>\nوالخشوعُ في الصلاةِ عظيمُ القَدْرِ؛ به رِفْعةُ العبدِ وبه وَضْعُه، وهو قلبُ الصلاةِ ولُبُّها، وهو مَنَاطُ استحقاقِ الأجرِ فيها؛ فإنَّه ليس للإنسانِ إلَّا ما عقَلَ مِن صلاتِه، وقد روى أحمدُ؛ مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عَنَمَةَ؛ قال: رَأَيْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ دَخَلَ المَسْجِدَ فَصَلَّى، فَأَخَفَّ الصَّلَاةَ، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ، قُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ، لَقَدْ خَفَّفْتَ! قَالَ: فَهَلْ رَأَيْتَنِي انْتَقَصْتُ مِنْ حُدُودِهَا شَيْئًا؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِنَّي بَادَرْتُ بِهَا سَهْوَةَ الشَّيْطَانِ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا إِلَّا عُشُرُهَا، تُسُعُهَا، ثُمُنُهَا، سُبُعُهَا، سُدُسُهَا، خُمُسُهَا، رُبُعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا) (١).\nفجعَلَ النبيُّ -ﷺ- أجرَ الصلاةِ بمقدارِ خشوعِ المُصلِّي فيها، وفَهِمَ عمارُ بنُ ياسرٍ أنَّ العِبْرةَ بحضورِ القلبِ، لا بمجرَّدِ طولِها.\nوعندَ الكلامِ على حُكْمِ الخشوعِ في الشرعِ، فلا بدَّ مِن الكلامِ عليه مِن جهتَيْنِ:\nالجهةُ الأُولى: حُكْمُهُ مِن جههِ أصلِه: فأمَّا أصلُه، فمختلَفٌ فيه، وفي ذلك روايتانِ عن أحمدَ، والأرجحُ: أنَّ أصلَهُ مستحَبٌّ لا واجبٌ، وحكى النوويُّ الإجماعَ على عدمِ وجوبِهِ، وفيه نظرٌ؛ فقد قال بوجوبِهِ جماعةٌ؛ فهو روايةٌ عن أحمدَ، قال بها الغزاليُّ مِن الشافعيَّةِ، ورجَّحَها ابنُ حامدٍ وابنُ تيميَّةَ مِن الحنابلةِ، وجعَلَهُ الرازيُّ شرطَ صحةٍ.\nوالصوابُ سُنيَّتُهُ مع جلالةِ فضلِه؛ وذلك أنَّ الخشوعَ لو قيل بوجوبِهِ، لكان في ذلك مشقةٌ؛ إذْ لا يَسلَمُ أحدٌ حِينَها مِن إثمٍ، إذْ لا\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٤/ ٣٢١).","vol":"4","page":1797},{"text":"يَسلَمُ أحدٌ مِن سهوٍ يَتْبَعُهُ استرسالٌ عن عمدٍ بمقدارِ إيمانِ الإنسانِ، منهم مَن يقطعُهُ مِن أولِه، ومنهم مَن يأخُذُ منه لحظةً ومنهم لحظاتٍ، والقولُ بتأثِيمِ أولئك أمرٌ دقيقٌ، لو كان، لم تترُكِ الشريعةُ التشديدَ فيه.\nويَظهرُ أنَّ نصوصَ الكتابِ والسُّنَّةِ جاءتْ ببيانِ فضلِ الخشوعِ، ولم تأتِ بألفاظِ الوعيدِ لتاركِه؛ فدَلَّ على قصدِ الفضلِ، ووجودِ الحرَجِ بالإيجابِ، ويَعْضُدُ ذلك قولُ عمرَ بنِ الخطَّابِ: \"إنِّي لأُجهِّزُ جيشي وأنا في الصلاةِ\"؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (١)؛ وهو صحيحٌ عنه، وعلَّقَهُ البخاريُّ فى كتابِ الصلاةِ مِن \"صحيحِه\"، في بابِ تفكُّرِ الرجُلِ الشيءَ في الصلاةِ (٢).\nوهذا مِن عُمَرَ لا يكونُ إلَّا مع شيءٍ ولو يسيرًا مِن الاسترسالِ المقصودِ، ولو كان يُغالِبُ أصلَه، ومنه ما لا يَقْوى عليه ولا يشعُرُ به، وقد رُوِيَ: \"أنَّ عمرَ صلَّى المغرِبَ فلَم يَقرأْ، فلمَّا انصرَفَ، قالوا: يا أميرَ المؤمِنينَ، إنَّك لم تَقرأْ؟ ! قال: إِنِّي حَدَّثْتُ نَفْسِيَ وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ بِعِيرٍ وَجَّهْتُهَا مِنَ المَدِيَنَةِ، فَلَمْ أَزَلْ أُجَهَّزُهَا حَتَّى دَخَلَتِ الشَّامَ! ثمَّ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَالْقِرَاءَةَ\" (٣).\nورَوَى مالكٌ بلاغًا عن عمرَ؛ قال: \"إنِّي لأضطجِعُ على فِرَاشِي، فما يأتيني النَّوْمُ، وأقومُ إلى الصلاةِ فما تتوجَّهُ إليَّ القراءةُ؛ مِن اهتمامِي بأمرِ الناسِ\" (٤).\nورُوِيَ عنه: \"إِنِّي لَأَحْسُبُ جِزْيَةَ الْبَحْرَيْنِ وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٧٩٥١).\n(٢) أخرجه البخاري معلقًا قبل حديث (١٢٢١).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٤٠١٢).\n(٤) \"شرح السُّنَّة\" للبغوي (٣/ ٢٥٧).\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٧٩٥٠).","vol":"4","page":1798},{"text":"وحكايةُ عمرَ ذلك عن نفسِهِ ليستْ في سياقِ ارتكابِ المحرَّمِ والتحدُّثِ به؛ وإنَّما لبيانِ ما يُغلَبُ عليه وهو معذورٌ به ولو كان منه استرسالٌ فيه.\nبل إنَّ بعضَ الأئمَّةِ يَرى أنَّ الخاطِرةَ التي تَغلِبُ صاحِبَها ولو كانتْ تطولُ لو فكَّر بها، وتركُها يُشوَّشُ عليه: لا يجبُ عليه الخروجُ منها، كما نصَّ على ذلك الشاطبيُّ، فقال: \"لا يجبُ على مَن ابتُلِيَ بالخاطرِ الخروجُ منه، إذا كان خروجُهُ يُشوِّشُ خاطرَهُ أكثَرَ\". ويَبقى بعدَ هذا النَّظرُ في وجوبِ إعادةِ الصلاةِ أو استحبابِها أو سقوطِها.\nومِن قرائنِ الفضلِ والاستحبابِ وعدمِ الوجوبِ: ما جاء في حديثِ عمارِ بنِ ياسرٍ السابقِ: \"إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا إِلَّا عُشُرُهَا، تُسُعُهَا، ثُمُنُهَا، سُبُعُهَا. . . \" (١)، فذكَرَ نُقْصانَ الأجرِ، ولم يذكُرْ لَحَاقَ الوِزْرِ، ولو كان الفعلُ محرَّمًا، لَذَكَرَ الإثمَ، ولكنَّه بيَّنَ نُقْصانَ الأجرِ؛ لعدمِ التمامِ فيها، لا لارتكابِ محرَّمٍ.\nالجهةُ الثانيةُ: حُكْمُهُ مِن جهةِ أثرِه؛ فإنَّ أثرَ الخشوعِ عظيمٌ على الإيمانِ، وأثرُ فقدِهِ كبيرٌ عليه كذلك على ما تقدَّمَ؛ فإنَّ اللَّهَ لم يُقدَّمِ الخشوعَ على بقيَّةِ أوصافِ المؤمِنينَ إلَّا لأثرِهِ عليه، وأنَّ تفويتَهُ سببٌ لإطلاقِ اللِّسانِ باللَّغْوِ، وعدمِ حِفْظِ الفروجِ، وتضييعِ الزكاةِ، وتضييعِ الأماناتِ، وخَرْمِ العهودِ، فتركُ الخشوعِ المتسبِّبُ في ذلك يأثَمُ به صاحبُه، وإنْ لم نَقُلْ بوجوبِ أصلِ الخشوعِ، ولكنَّ القَدْرَ الذي يفحُشُ حتى يُفضِيَ إلى ضَعْفِ الإيمانِ، والابتلاءِ بالمحرَّماتِ، وتضييعِ الأماناتِ والعهودِ: محرَّمٌ، فيجبُ مِن الخشوعِ القَدْرُ الذى يَحفَظُ للعبدِ خشيةَ اللَّهِ، ويحُولُ بينَهُ وبينَ ما حَرُمَ، وهذا القَدْرُ -وإن تعسَّرَ على كثيرٍ مِن الناسِ\n_________\n(١) سبق تخريجه.","vol":"4","page":1799},{"text":"تمييزُهُ في الكتابةِ وتحريرِ العِلمِ- إلَّا أنَّهم يستطيعونَ تمييزَهُ في العملِ والعبادةِ؛ فللصَّلاةِ أثرٌ على صاحِبِها بمقدارِ خشوعِهِ فيها، واللَّهُ أعلَمُ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧].\nفي هذه الآيةِ: وجوبُ حِفْظِ الفَرْجِ مِن جميعِ الفواحشِ، وصيانتِهِ مِن الحرامِ؛ وهذا مِن أخَصِّ أوصافِ المؤمِنينَ، واستثنَى اللَّهُ مِن حِفْظِ الفَرْجِ: الزوجاتِ وما ملَكَتِ الأَيْمانُ، فرفَعَ اللَّه اللومَ في ذلك ولو استكثَروا؛ فإنَّ اللَّهَ لم يُحرِّمْ حرامًا إلَّا وفي الحلالِ غُنْيَةٌ عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1208>حُكْمُ الاستمناءِ:</span>\nوبهذه الآيةِ استدَلَّ مالكٌ على منعِ الاستمناءِ، وتُسمِّيهِ العربُ: جَلْدَ عُمَيْرَةَ، وهي التي تُسمَّى في اصطلاحِ أهلِ الاجتماعِ اليومَ بالعادةِ السِّرِّيَّةِ، وسُمِّيَتْ بذلك لقُبْحِها؛ لأنَّ مَن فعَلَها يعتادُها ويستتِرُ بها عن الخَلْقِ حتى عن زوجِهِ وما مَلَكَتْ يمينُهُ؛ لأنَّه مِن الفِعْلِ المكروهِ الذي يَحِيكُ في النَّفْسِ، وقد قال حَرْمَلةُ بنُ عبدِ العزيزِ: سألتُ مالكًا عن الرجُلِ يَجْلِدُ عُمَيْرَةَ؟ فتلا هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (١).\nولا يختلِفُ العلماءُ على أنَّ مَن خَشِيَ على نفسِهِ الزِّنى؛ لقُرْبِهِ منه،\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" (١٥/ ١١).","vol":"4","page":1800},{"text":"وانفتاحِ أبوابِهِ عليه: أنَّ ذلك الفعلَ لا يحرُمُ عليه، وكذلك فإنَّه يُباحُ فعلُهُ ببدَنِ الزوجةِ، ومنهم مَن حكى الاتِّفاقَ على هذا، وقد كَرِهَ فِعْلَهُ بها بعضُ الفقهاءِ مِن الشافعيَّةِ والحنفيَّةِ.\nوأمَّا أصلُ الفعلِ، فقد اختُلِفَ ليه على قولَيْنِ، وهما روايتانِ في مذهبِ أحمدَ.\nوجماهيرُ العلماءِ على المنعِ منه، ومنهم مَن نصَّ على تحريمِه، وهو الأظهَرُ؛ لأنَّه يُزهَّدُ في النكاحِ المشروعِ، ويَدفعُ صاحِبهُ في كثيرٍ مِن الأحيانِ إلى الحرامِ ويُرغِّبُهُ فيه أكثَرَ مِن صَرْفِهِ عنه، ويذكُرُ أهلُ الطبِّ ضرَرَهُ على فاعلِهِ في بَدَنِهِ ونَفْسِه.\nوالأحاديثُ الواردةُ في الاستمناءِ لا يصحُّ منها شيءٌ، وقد كَرِهَهُ عطاءٌ، وقال: \"مكروهٌ؛ سمِعتُ أنَّ قومًا يُحشَرونَ وأيدِيهِم حُبَالَى، فأظُنُّ أنَّهم هؤلاءِ\" (١).\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢١ - ٢٢].\nفي هذه الآيةِ: نعمةُ اللَّهِ على العبادِ بأنْ رزَقَهُمْ ما يَشرَبونَ مِن ألبانِ الأنعامِ، وما يأكُلُونَ مِن لحومِها، وذِكْرُ منافعِها الكثيرةِ، ومنها الركوبُ، ومنها الانتفاعُ بالجلودِ والشَّعَرِ والصوفِ.\nوقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ﴾ قدَّمَ الاعتبارَ على الانتفاعِ؛ لأنَّه أعظَمُ وأجَلُّ؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى تعظيمِ الخالقِ وعبادتِهِ\n_________\n(١) \"تفسير البغوي\" (٥/ ٤١٠).","vol":"4","page":1801},{"text":"والخضوعِ له، وأمَّا الاتفاعُ مِن غيرِ اعتبارٍ، فإنَّه يُؤدِّي إلى بَطَرٍ وكِبْرٍ وغَفْلةِ عن حقِّ اللَّهِ.\nوقد تقدَّم الكلامُ على مسألةِ جلودِ الأنعام عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ [النحل: ٥].\nوتقدَّم الكلامُ على ركوبِ البحرِ وأحوالِهِ وحُكْمِ الغزوِ فيه وفضلِهِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢].\n* * *\n\n* قال تعالى لنوحٍ: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٧].\nفي هذه الآيةِ: وجوبُ حِفْظِ أرزاقِ العِبادِ ومنافعِهم عندَ الكوارثِ، ووجوبُ تنميتِها، وحِفْظِ الحيوانِ مِن الانقراضِ؛ فلا يجوزُ استئصالُ جنسِ أُمَّةٍ مِن الحيوانِ؛ كما تقدَّمَ ذلك عندَ قولهِ تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾ [هود: ٤٠].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩)﴾ [المؤمنون: ٢٨ - ٢٩].\nيُستحَبُّ ذِكْرُ اللَّهِ عندَ الركوبِ، وعندَ نزولِ مَنزِلٍ لم يَنزِلْهُ مِن قبلُ؛","vol":"4","page":1802},{"text":"فإنَّ في ذلك تبرُّكًا بالمذكورِ سبحانَهُ، وتعرُّضًا لكفايتِهِ وحِفْظِه، وتبرُّؤًا مِن حَوْلِ الإنسانِ وقُوَّتِهِ في حُسْنِ الاختيارِ للجهةِ ومكانِ النزولِ، وقد تقدَّم الكلامُ على ذِكْرِ الركوب ودعاء السَّفَرِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾ [هود: ٤١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1209>دعاءُ نزولِ المَنْزلِ:</span>\nوأمَّا دعاءُ نزولِ المنزلِ، فظاهرٌ في قولِه تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩)﴾، وظاهرُهُ: أنَّه في نزولِ منزِلٍ لم يُنزَلْ مِن قبلُ، وليس في نزولِ المنزِلِ الذي يعتادُةُ الإنسانُ؛ كدخولِهِ بيتَهُ وبُستانَهُ والمكانَ الذي يَبْدُو فيه، فلو كان الأمرُ كذلك، لاشتهَرَ القولُ به والعملُ عليه في السُّنَّة.\nويكونُ هذا الدعاءُ عندَ اتِّخاذِ المنازلِ الجديدةِ والرِّباطِ الجديدِ في ثَغْرٍ مِن الثُّغُورِ، ولو كان النزولُ عارضًا لا دائمًا؛ كمَنْ يَبْدُو في بَرِّيَّةٍ، أو يَتَّخذُ مكانًا لماشيتِهِ مِن غنمٍ وإبلٍ وغيرِ ذلك.\nوأمَّا إنْ كان النزولُ في مكانٍ يعتادُهُ، أو جديدٍ كذلك، فيُستحَبُّ له الدعاءُ بما ورَدَ في مسلمٍ؛ مِن حديثِ خَوْلَةَ؛ أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: (مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا، ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، حَتَّى يَرْتَحِلَ مِن مَنْزِلِهِ ذَلِكَ) (١).\nوهذا يُستحَبُّ في كلِّ مكانٍ يُنزَلُ ولو اعتادَهُ، وأمَّا بيتُ الرجُلِ ومسكنُهُ الدائمُ، فلا يُستحَبُّ قولُ ذلك إلَّا عندَ كلِّ نزولٍ.\nوالنزولُ في الحديثِ يُرادُ به المُكْثُ في مكانٍ جديدٍ أو مكانٍ عَتِيقٍ، لكنْ بعدَ انقطاعٍ عنه؛ وهذا ظاهرٌ في حديثِ خولةَ السابقِ؛ حيثُ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٧٠٨).","vol":"4","page":1803},{"text":"قال فيه: (حَتَّى يَرْتَحِلَ مِن مَنْزِلِهِ)؛ يعني: أنَّه ليس مسكَنًا له، ومِثلُ ذلك حديثُ أنسٍ عند أحمدَ وأهل \"السنن\"؛ قال: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا نَزَلَ مَنزِلًا، لَمْ يَرْتَحِلْ حَتَّى يُصَلِّيَ الظُّهْرَ\" (١)، فالمَنازلُ تُطلَقُ على ما يحُطُّ المسافِرُ والعابرُ فيه رَحْلَه.\nومَن كان يدخُلُ في بيتِهِ ويخرُجُ وهو مقيمٌ في بلدِهِ لا يُسمَّى دخولُهُ بيتَهُ كل يومٍ مرَّاتٍ: نزولًا؛ وإنَّما النزولُ الذي يكونُ بعدَ سفرٍ، أو كان في مكانٍ جديدٍ يُسكَنْ مِن قبلُ، ومَن كان في بيتِهِ ساكنًا حاضرًا لا يُسمَّى الدخولُ فيه نزولًا إلَّا لِمَنْ كان غريبًا، فيُقالُ: نزَل فلانٌ عندَ فلانٍ، ولا يُقالُ لصاحبِ الدارِ: نازلٌ، إلَّا إن كان بعدَ سفرٍ، أو طولِ عهدٍ، أو في مكانٍ جديدٍ.\nويُستحَبُّ لمَن كانتْ هذه حالَهُ -أي: في غيرِ موضعِ إقامةٍ- الدعاءُ بما في الآيةِ؛ لأنَّها تتضمَّنُ طلَبَ البَرَكةِ في مكانِهِ وموضعِهِ الجديدِ، والدعاءُ بما في الحديثِ؛ لأنَّه يتضمَّنُ الالتجاءَ مِن شرِّ مَن فيه وشرِّ عامِرِيه.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣/ ١٢٠)، وأبو داود (١٢٠٥)، والنسائي (٤٩٨).","vol":"4","page":1804},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1210>سورة النور</span>\nسورةُ النورِ مدَنيَّةٌ، وقد حُكِيَ الإجماعُ على ذلك (١)، ويَظهرُ ذلك في تفاصيلِ أحكامِها مِن أحكامِ النظرِ، والحِجَابِ، والتحيَّةِ، والاستئذانِ عندَ الدخولِ، وحقوقِ البيوتِ وأهلِها، والحدودِ الواردةِ فيها كحَدِّ الزِّنى والقذفِ، ممَّا لم يكنْ مِثلُهُ يَنزِلُ بمَكَّةَ، وهذه الأحكامُ والتفاصيلُ نزَلَتْ بالمدينةِ بعدَ استقرارِ التوحيدِ وتحقُّقِ التمكينِ للنبيِّ -ﷺ-.\nوفي هذا: إشارةٌ إلى أنَّ الأحكامَ العامَّةَ والحدودَ إنَّما يُؤمَرُ بها عندَ التمكينِ في الأرضِ وعندَ التمكُّنِ مِن الناسِ وقَبُولِ كثيرٍ منهم للحقِّ، لأنَّ الحقَّ إذا أُقِيمَ في ناسِ لا يُريدونَهُ جمعًا، كان مَدْعاةً للتنكُّرِ له وجحوده وحَرْبِهِ ورَدِّهِ كلِّه، حتى وإنْ كان الاعتراضُ على بعضِه، فلا تُقامُ الحدودُ إلَّا عندَ التمكينِ ووجودِ ناصرٍ مِن الناسِ يَحمِيهِ عندَ تمرُّدِ بعضِ الناسِ عليه، وقد تقدَّمَ الكلامُ على التمكينِ ومَراتبِهِ وشروطِهِ وأحوالِهِ مفصَّلًا عندَ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [الحج: ٤١].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢].\nبيَّنَ اللَّهُ تحريمَ الزِّنى وعِظَمَ خطرِهِ وكَوْنَهُ مِن المُوبِقاتِ، وهو مِن\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" (١٥/ ١٠٠).","vol":"4","page":1805},{"text":"الأفعالِ المنبوذةِ التي لو رضِيَها الإنسانُ في عِرْضِ غيرِهِ، لم يَرْضَها في عِرْضِه؛ وذلك أنَّ النفوس تَعْمَى عندَ الحرامِ إنْ كان لها، وتُبصِرُهُ إنْ كان لغيرِها؛ لأنَّ المتعةَ إن قامتْ في النَّفْسِ، عَميَتِ الأنفُسُ عن التمييزِ.\nوقد تقدَّم الكلامُ على فاحشةِ الزِّنى وبشاعتِها، وبيانُ أولِ ما نزَلَ في عقوبةِ فاعلِها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء: ١٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1211>حَدُّ الزاني والزَّانِيَةِ:</span>\nفي هذه الآيةِ: بيانٌ لحدِّ الزانيَيْنِ، وقد جاءتِ الآيةُ بالإطلاقِ هنا مِن غيرِ تفريقٍ بينَ مُحْصَنٍ وغيرِ مُحصَنٍ، ولكنَّ السُّنَّةَ قد خصَّصتْهُ بالبِكْرِ لا الثَّيِّب، وفي السُّنَّةِ تفصيلُ ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1212>فأمَّا البِكْرُ:</span>\nفلا خلاف عندَ العلماءِ أنَّ عليه الجَلْدَ مِئَةً؛ لظاهرِ الآيةِ: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، ولِمَا يأتي مِن أحاديثَ.\nوأمَّا العبدُ والأمَةُ إنْ زنَيَا، فعليهما نِصْفُ ما على المُحصَنِ مِن العذاب ولو كانا ثَيِّبَيْنِ في قولِ جماهيرِ الفقهاءِ، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وقد حَكَى غيرُ واحدٍ مِن الأئمَّةِ أنَّ العبدَ والأَمَةَ لا يُرجَمادِ في الزِّنى بلا خلافٍ عندَ السلفِ، وقد قال الشافعيُّ: \"ولم يَختلِفِ المُسلِمونَ في أنْ لا رَجْمَ على مملوكٍ في الزِّنى\" (١).\n_________\n(١) \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٢٦٥).","vol":"4","page":1806},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1213>وأمَّا المُحْصَنُ:</span>\nفهو الذي وَطِئَ بنكاحٍ صحيحٍ وهو حرٌّ عاقلٌ بالغٌ، وحدُّهُ الرجمُ بلا خلافٍ، وقد رَجَمَ النبيُّ -ﷺ- ورجَمَ خلفاؤُهُ مِن بعدِه، ولم يَختلِفِ الأمرُ في ذلك في القرونِ المفضَّلةِ، ولا عندَ فقهاءِ الإسلامِ في سائرِ المذاهب الفقهيَّةِ، وقد كان الرجمُ مِن أحكام القرآنِ، فنُسِخَ لفظًا وبَقِيَ حُكمًا، وهي كما قال عمرُ: \"كان ممَّا أنزِلَ عليه: آيةُ الرَّجْمِ: (الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيًا، فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ) (١).\nورَوَى مسلمٌ، عن عُبَادةَ بنِ الصامتِ، عن النبيِّ -ﷺ-؛ قال: (خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا؛ الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ) (٢).\nومِن ذلك ما ثبَت في \"الصحيحين\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ، وزيدِ بنِ خالدٍ؛ قالا: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَامَ خَصْمُهُ، وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ، فَقَالَ: اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأْذَنْ لِي، قَالَ: (قُلْ)، قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بامْرَأَتِهِ، فَافْتَدَيتُ مِنْهُ بِمئَةِ شاةٍ وَخَادِمٍ، ثُمَّ سَأَلْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، فَأخبَرُونِي: أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِئَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَعَلَى امْرَأَتِهِ الرَّجْمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بَينَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ -جَلَّ ذِكْرُهُ-: المِئَةُ شَاةٍ وَالخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا)، فغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفتْ فَرَجَمَهَا (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٨٣٠)، ومسلم (١٦٩١).\n(٢) أخرجه مسلم (١٦٩٠).\n(٣) أخرجه البخاري (٦٨٢٧)، ومسلم (١٦٩٧).","vol":"4","page":1807},{"text":"وبهذا يَعمَلُ وَيقضِي الخلفاءُ، وفي \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ -﵄-؛ قال: قال عمرُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ، حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ: لَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، أَلَا وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أَحْصَنَ، إِذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الحَبَلُ، أَوِ الِاعْتِرَافُ، أَلَا وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ (١).\nولم يَختلِفِ الفقهاءُ في ذلك، وقد ظهَر في الزمنِ المتأخِّرِ مَنْ أدرَكَهُ وَهَنُ الغربِ، والْتمَسَ مِن الفهومِ ما يُذلِّلُ به ما يتوهَّمُهُ من قسوةِ الشريعةِ على الفجورِ والظُّلْمِ، فقالوا ببُطْلانِ الرَّجْمِ، وأنَّه ليس مِن الحدودِ، ومنهم مَن نفَى شرعيَّتَةً، ولا يُوجَدُ مَن تشرَّبَ اللَّيبراليَّةَ إلَّا أصابَهُ وَهَنُ الغربِ في إضعافِ المحرَّماتِ، فرَقَّتْ في قلبِهِ عظَمةُ الزِّنى، ورَقَّ في قلبِهِ منزِلةُ الحجابِ والاختلاطِ بالنِّساءِ، فمَن ضَعُفَ في قلبِهِ منزِلةُ الزِّنى وبشاعتُه، ضَعُفَتْ في قلبِهِ منزِلةُ حدودِه، فاستكثَرَ واستعظَمَ الحدَّ على ما رَقَّت منزلتُهُ في قلبِه، ولو نطَق بخلاتِ ذلك تهيُّبًا للشريعةِ.\nويدُلُّ على أنَّه لا يُنكِرُ حدَّ الرجمِ إلَّا مَن كانتْ منزِلةُ الزِّنى في قلبِهِ ليستْ منزلتَهُ في الشريعةِ والفِطْرةِ الصحيحةِ: أنِّي لم أرَ أحدًا ممَّن أنكَرَ الرجمَ اليومَ ولو كان ممَّن يُظهِرُ التديُّنَ والفقهَ إلَّا وذرائعُ الزِّنى هيِّنةٌ في قلبِهِ كالححابِ والاختلاطِ والخَلْوةِ، ومِن علاماتِ ضَعْفِ بشاعةِ الزِّنى: ضَعْفُ ذرائعِهِ في النَّفسِ؛ فإنَّ هوانَ الوسائلِ يدُلُّ على هوانِ الغاياتِ، وهوانُ الغايةِ يدفعُ الى استعظامٍ واستبشاعِ الرجمِ عليها، والزِّنى أهونُ الأفعالِ اليومَ في الغربِ؛ يُشرِّعونَهُ ولا يُحرِّمونَهُ، ولكثرتِهِ وانتشارِهِ فيهم وتشريعِهِ في محاكمِهم؛ لا يَتصوَّرونَ عقوبةً تقعُ على مِثْلِ ما شاعَ فيهم ورأَوْهُ في أنفْسِهم.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١).","vol":"4","page":1808},{"text":"وأمَّا ما يشتبِهُ على بعضِهم ممَّا ورَدَ عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي أَوْفَى -﵁-: \"أنَّه سُئِلَ: هل رجَمَ رسولُ اللَّهِ -ﷺ-؟ فقَالَ: نَعَمْ، ثمَّ سُئِلَ: بَعْدَمَا أُنزِلَتْ سُورَةُ النُّورِ أَمْ قَبْلَهَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي\" (١).\nفجعَلُوا نزولَ سورةِ النورِ ناسخًا للفعلِ السابقِ، وتكلَّفُوا أنَّ الرجمَ كان قبلَها؛ لعدمِ عِلْمِ ابنِ أبي أَوفى، فعبدُ اللَّهِ بنُ أبي أَوفى لم يُنكِرِ الرجمَ، بل نَفَى عِلْمَهُ بتوقيتِهِ، فحمَلُوا نفيَهُ للزمانِ على شَكِّهِ في الحُكْمِ، وهذا باطلٌ لم يقُلْهُ ولا فَهِمَهُ عنه أحدٌ مِن السلفِ ولا الفقهاءِ في قرونِ الإسلامِ الفاضلةِ، والرجمُ كان بعدَ سورةِ النورِ قطعًا؛ وذلك أنَّ نزولَ سورةِ النورِ كان في قصةِ الإفكِ، وهي بينَ الأربعِ والستِّ للهجرةِ، لا قبلَ ذلك ولا بعدَهُ، والرجمُ كان بعدَها، وقد حضَرَهُ أقوامٌ مِن الصحابةِ، وإنَّما كان إسلامُهم بعدَ حادثةِ الإفكِ كأبي هُرَيْرةَ، فقد حضَرَهُ وإنَّما أسلَمَ هو قبلَ وفاةِ النبيِّ -ﷺ- بأربعِ سِنِينَ؛ كما قالهُ حُمَيْدُ بنُ عبدِ الرحمنِ عنه (٢)، وهو مِن أخصِّ أصحابِه، وحضَرَ الرجمَ ابنُ عبَّاسٍ وقد جاء مع أمِّه إلى المدينةِ بعدَ نزولِ سورةِ النورِ وحادثةِ الإفكِ؛ وذلك سنةَ تسعٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1214>حُكْمُ الجَلْدِ مع الرجمِ للمُحْصَنِ:</span>\nوإنَّما الخلافُ عندَ الفقهاءِ في الجمعِ بينَ الرجمِ والجَلْدِ للمُحصَنِ: فهل يُجلَدُ قبلَ رَجْمِهِ فيبقى حُكْمُ الرجمِ عليه أو لا؟ على خلافٍ عندَهم، على قولَيْنِ:\nذهَبَ جمهورُ الفقهاءِ: إلى أنَّ حُكْمَ الرجمِ على المُحصَنِ يُسقِطُ الجَلْدَ عنه؛ لأنَّ النبيَّ -ﷺ- لم يثبُتْ أنَّه مَن رجَمَهُ كمَاعِزٍ والأَسْلَمِيَّةِ،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٨١٣)، ومسلم (١٧٠٢).\n(٢) أخرجه أحمد (٤/ ١١١)، وأبو داود (٨١)، والنسائي (٢٣٨).","vol":"4","page":1809},{"text":"وأمَر أُنَيْسًا أن يَغْدُوَ إلى امرأةِ الرجُلِ فإنِ اعرَفَت فيَرْجُمُها، ولم يأمُرْهُ بجَلْدِها.\nوحديثُ عُبادةَ السابقُ متقدِّمٌ، وهو في أولِ حدِّ الزِّنى.\nوذهَبَ أحمدُ وإسحاقُ: إلى الجمعِ بينَ الجَلْدِ والرجمِ؛ وذلك لظاهرِ حديثِ عُبادةَ السابقِ في الجمعِ بينَهما؛ حيثُ قال -ﷺ-: (وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ) (١)؛ فالجَلْدُ للزِّنى، والرجمُ للإحصانِ.\nوبهذا فعَلَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ -﵁-؛ حيثُ جَلَدَ شُرَاحَةَ الهَمْدَانيَّةَ يومَ الخميسِ، ورجَمَها يومَ الجمعةِ، وقال: \"أَجْلِدُهَا بكِتَابِ اللَّهِ، وَأَرْجُمُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-\"؛ رواهُ البخاريُّ وغيرُهُ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1215>حُكْمُ التغريبِ:</span>\nواختلَفَ الفقهاءُ في التغريبِ؛ وذلك لأنَّ اللَّهَ لم يذكُرْهُ في سورةِ النورِ:\nوقد ذهَبَ مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ: إلى بقائِهِ، وأنَّه مُحكَمٌ، وعدمُ ذِكرِهِ كعدمِ ذِكْرِ الرجمِ، وكلاهُما ثابتٌ في السُّنَّةِ، وقد صحَّ التغريبُ عن النبيِّ -ﷺ-، وورَدَ مِن حديثِ جماعةٍ؛ كعُبَادةَ وأبي هُرَيْرةَ وزيدِ بنِ خالدٍ، وبه قضى الصحابةُ كأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ وابنِ مسعودٍ وأبي الدرداءِ.\nولم يقُلْ بالتغريب أبو حنيفةَ وأصحابُهُ؛ وهذا بناءً على أصلِهم مِن منعِ القولِ بنسخِ الكتابِ بالسُّنَّةِ، ويرَوْنَ أنَّ الزيادةَ على حُكْمِ القرآنِ نسخٌ له، وجعَلَ أبو حنيفةَ التغريبَ الى الإمامِ، وجعَلَهُ اجتهادًا في التأديبِ لا حدَّا لازمًا.\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) أخرجه البخاري (٦٨١٢)، وأحمد (١/ ٩٣)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٧١٠٢).","vol":"4","page":1810},{"text":"وأمَّا مالكٌ، فقال بالتغريبِ؛ ولكنَّه ذهَبَ إلى تغريب الرجُلِ دونَ المرأةِ؛ لأنَّ تغريبَها يُضِرُّ بمَحْرَمِها، ويَلزَمُهُ لَحَاقُهُ بها، وهذا ضررٌ؛ فقد تغرَّبَ كما تغرَّبتْ.\nويقومُ الحبسُ اليومَ مقامَ التغريبِ؛ كالحبسِ في البيوتِ وعدمِ الخروجِ، وهو للنِّساءِ خاصَّةً أحسَنُ من حَبْسهِنَّ في دُورٍ يَختلِطُ بها النِّساءُ المحبوساتُ في مُوجاتٍ شتَّى؛ كسَرِقةٍ وقتلٍ وغيرِ ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1216>شهودُ الجَلْدِ والرَّجْمِ:</span>\nقال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ويُرادُ مِن ذلك: تأديبُ النفوسِ المريضةِ التي تُرِيدُ الفاحشةَ أو تفعلُها؛ لِتخشَى مَغَبَّةَ فِعْلِها وعاقبتَهُ، وليكونَ ذلك الفعلُ مستبشَعًا في النفوسِ فيزدادَ بشاعةً فيها، ويَكسرَ سَوْرَةَ مَن تَستحسِنُهُ نفسُه.\nوشهودُ الناسِ للحَدِّ مستحَبٌّ لا واجبٌ في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، مع اختلافِهم في حدِّ الطائفةِ، وصحَّ عن ابنِ عباسٍ وعِكْرِمةَ ومجاهدٍ: أنَّ الواحدَ طائفةٌ (١).\nولا ينبغي أن يكونَ هناك خلافٌ أنَّ الاستتارَ بالحدودِ كلِّها، وإخفاءَها عن الناسِ حتى لا يُظَنَّ أنَّ الحدودَ تُقامُ: لا يجوزُ؛ فإنَّ المقصودَ مِن إقامةِ الحدودِ هو الجزاءُ لِمَنِ اقترَفَها، وتأديبُ مَن يطمعُ فيها؛ كما قال اللَّهُ في السرقةِ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨].\nوحينَما يقولُ العلماءُ بعدمِ وجوبِ الإشهارِ، لا يُريدونَ مِن ذلك: تعطيلَه؛ وإنَّما لا يجبُ في كلِّ حدٍّ حتى لا يصحَّ إلَّا به، ولكنْ لا يجوزُ إخفاؤُهُ مطلَقًا؛ حتى لا يظُنَّ الناسُ تعطيلَ الحدودِ.\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٥٢٠).","vol":"4","page":1811},{"text":"* قال تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣].\nفي هذا: تحريمُ الزِّنى وبيانُ عَظَمتِه، وأنَّه لا تُطاوعُ عليه إلَّا زانيةٌ أو مشرِكةٌ، ولا يُطاوعُ المرأةَ عليه إلَّا زانٍ أو مشرِكٌ؛ وأُرِيدَ مِن ذلك تنزيهُ أهلِ الإيمانِ عن ذلك.\nوفيه: التنفيرُ مِن نكاحِ الزَّوَانِي واتِّخاذِهِنَّ زوجاتٍ حتى يَتُبْنَ إلى اللَّهِ، وقد حرَّم اللَّهُ نِكَاحَ الزانيةِ العاهِرةِ، وقرَنَ نكاحَها بالاقترانِ بالمشرِكِ: ﴿لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، وظاهرُ الآيةِ: تبشيعُ الزِّنى، وأنَّه لا يَلِيقُ وقوعُهُ مِن المؤمِنينَ، وأنَّه يقَعُ مِن المشرِكينَ الذين لا يُقيمونَ لِحُرُماتِ اللَّهِ وَزْنًا، وليس المرادُ بذلك تحقُّقَ مفهومِه؛ أنْ يجوزَ للمُسلِمةِ الزانيةِ نكاحُ المشرِكِ، أو للمسلِمِ الزاني نكاحُ المشرِكةِ غيرِ الكتابيَّةِ.\nوقد تقدَّم الكلامُ على حُرْمةِ إنكاحِ المشرِكينَ ونكاحِ المشرِكاتِ، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، وحُكْمِ نكاحِ الكتابيَّاتِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1217>حُكْمُ نكاحِ الزانيةِ وإنكاحِ الزاني:</span>\nاختلَفَ العلماءُ في المرادِ بالنكاحِ في قولِه تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾؛ فقيل: المرادُ له وَطْءُ الزِّنى، وقيل: المرادُ به وطءُ النكاحِ الصحيحِ:\nذهَب أحمدُ: إلى أنَّه لا تُزوَّجُ العفيفةُ مِن الزاني الباقي على فجورِه، ولا يُزوَّجُ العفيفُ مِن الزانيةِ الباقيةِ على فجورِها.","vol":"4","page":1812},{"text":"وكان أحمدُ بنُ حنبلٍ لا يَرَى صحةَ العقدِ الذي يكونُ بينَ عفيفٍ وزانيةٍ، أو عفيفةٍ وزَانٍ.\nويُروى عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّ طُرُوءَ الزِّنى يَفسَخُ النكاحَ.\nوذهَبَ الجمهورُ: إلى الجوازِ، وكَرِهَهُ مالكٌ والشافعيُّ، ولم يُحرِّماه.\nوالصحيحُ عن ابنِ عبَّاسٍ: عدمُ فَسْخِه، وحملُ الآيةِ على الزِّنى لا النكاحِ بعقدٍ صحيحٍ؛ قال: \"ليس هذا بالنكاحِ؛ وإنَّما هو الجِمَاعُ؛ لا يَزني بها إلَّا زانٍ أو مشرِكٌ\" (١).\nومِن القرائنِ الدالَّةِ على تصويب مرادِ ابنِ عبَّاسٍ هذا، وأنَّ المقصودَ بالنكاحِ: وَطْءُ الزِّنى: ذِكْرُ الإشراكِ في الآيةِ، فلا يَحِلُّ لمسلمٍ زانٍ أنْ يَنكِحَ مشرِكةً ولو عفيفةً عن الفاحشةِ؛ لأنَّ اللَّهَ قال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، فقال: ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، ولم يقُلْ: حتى يَعْفِفْنَ أو يُحْصَنَّ، ومِثلُهُ فإنَّ الزانيةَ لا يَحِلُّ لها نكاحُ المشرِكِ ولو كان عفيفًا مِن الفاحشةِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾، فقال: ﴿حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾، ولم يقُلْ: حتى يُحصَنُوا أو يَعِفُّوا.\nوحملُ النكاحِ في الآيةِ على النكاحِ الصحيحِ مُحتمِلٌ أيضًا؛ فقد جاءتْ رواياتٌ عديدةٌ في أسبابِ نزولِ الآيةِ في أقوامٍ أرادُوا الزواجَ مِن زانياتٍ يَعرِفونَهُنَّ في الجاهليَّةِ، فمُنِعُوا مِن ذلك، وحملُ الآيةِ على معنَيْينِ لاستيعابِ وإصلاحِ أمرَيْنِ في الناسِ واردٌ، وتَقتضيهِ سَعةُ ألفاظِ الوحيِ واعجازُ لغةِ القرآنِ.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٥٢٢).","vol":"4","page":1813},{"text":"والأظهَرُ: أنَّه لا يجوزُ تزويجُ العفيفِ الزانيةَ، ولا الزاني العفيفةَ؛ وهذا قولُ أحمدَ وجماعةٍ مِن السلفِ؛ كالحسَنِ وقتادةَ.\nوأمَّا حديثُ ابنِ عبَّاسٍ: جاءَ رجُلٌ إلى رسولِ اللَّهِ -ﷺ-، فقال: إِنَّ عِنْدِي امْرَأَةَ، هِيَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَهِيَ لَا تَمَنَعُ يَدَ لَامِسٍ؟ ! قَالَ: (طَلِّقْهَا)، قَالَ: لَا أَصْبِرُ عَنْهَا، قَالَ: (اسْتَمْتِعْ بِهَا)، فقد رواهُ أبو داودَ والنَّسَائيُّ (١)، وقال أحمدُ: حديثٌ منكَرٌ (٢)، وقال النَّسَائيُّ: ليس بثابتٍ (٣)، ولو صحَّ، فليسِ المرادُ بذلك الزِّنى على الأرجحِ؛ فقد حمَلَهُ بعضُهم على السَّخَاء المُسرِفِ الذي يُهدِرُ مالَ الزَّوْج؛ وبهذا قال الأصمعيُّ وأحمدُ (٤)، والنبيُّ -ﷺ- لا يُقِرُّ رجلًا أن يكونَ دَيُّوثًا، فقد جاءَهُ مَن يتَّهِمُ زوجتَهُ في الزِّنى، فقال له: (البَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ في ظَهْرِكَ) (٥).\nوأمَّا تزويجُ الزانيَيْنِ بعضِهما مِن بعضٍ، فأكثرُ السلفِ على جوازِه، وقال ابنُ عبَّاسٍ (٦) وابنُ عمرَ (٧): \"أولُه سفاحٌ، وآخِرُه نكاحٌ\".\nوصحَّ عن ابن المسيَّبِ وعلقمةَ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ وعطاءٍ ومجاهِدٍ، وقال عِكْرمةُ: \"هو بمنزِلةِ رجلٍ سرَقَ نخلةً ثمَّ اشتراها\" (٨).\nومنَعَ من تزويجِ الزانيَيْنِ بعضِهما مِن بعضٍ بعضُ السلفِ، وليس كلُّ مَن قال بمنعِ نكاحِ الزانيَيْنِ ببنَهما جعَلَهُ مؤبَّدًا، بل الصحيحُ عندَهم: عدمُ تأبيده؛ وإنَّما في حالِ عدمِ التوبةِ، ومِن السلفِ: مَن يَرى منعَ الجمعِ ببنَ مجلودَيْنِ في حدِّ الزِّنى.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢٠٤٩)، والنسائي (٣٢٢٩).\n(٢) \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ١٢).\n(٣) \"سنن النسائي\" (٣٢٢٩).\n(٤) \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٢٢٦).\n(٥) \"أخرجه البخاري (٢٦٧١).\n(٦) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٢٧٨٧)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٦٧٧٩).\n(٧) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٦٧٨٢).\n(٨) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٦٧٨٨).","vol":"4","page":1814},{"text":"وثبَت عن عمرَ جوازُ تزويجِ الزانيةِ بعدَ التوبةِ؛ وهو الصحيحُ؛ بشرطينِ:\nالأولُ: التوبةُ ممَّا بدَرَ منها؛ فمَن تاب مِن ذنبٍ، كان في حُكْمِ مَن لم يَقترِفْهُ، وقد روى طارقُ بنُ شهابٍ: \"أنَّ رجلًا أراد أن يُزَوِّجَ ابنةً، فقالتْ: إنِّي أخشى أنْ أَفضحَكَ؛ إنِّي قد بَغَيْتُ! فإتى عمرَ، فقال: أليستْ قد تابتْ؟ قال: نعم، قال: فزوِّجْها\"؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (١).\nورُوِيَ عن عمرَ: \"أنَّه أمَرَ بسَتْرِها وتزويجِها على ما صلَح مِن حالِها\" (٢).\nالثاني: وجوبُ استبراءِ الرحمِ؛ فلا يجوزُ إنكاحُ الأمَة والزانيةِ حتى يُستبرَأَ رحمُها مِن ماءِ غيرِها بحَيْضَةٍ.\nومِن السلفِ مَن عَدَّ هذه الآيةَ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ منسوخةً بقولِهِ تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]؛ وبهذا قال ابنُ المسيَّبِ (٣) والشافعيُّ (٤)، ولا تعارُضَ بينَ الآيتَيْنِ؛ فكلٌّ له بابُه، والثانيةُ عامَّةٌ، والأولى خاصَّةٌ في حُكْمِ الزانيَينِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤ - ٥].\nقذفُ المُحصَناتِ مِن أكبرِ الكبائرِ، وهو مِن المُوبِقاتِ المُهلِكاتِ\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٦٩٣٨).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٠٦٨٩).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ١٥٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٥٢٤).\n(٤) \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ١٣).","vol":"4","page":1815},{"text":"لصاحِبِها؛ وذلك لِما يَلحَقُ المؤمِنينَ مِن أذًى، وأعظَمُ الأذى القذفُ في العِرْضِ، وما يَتْبَعُهُ مِن طعنٍ في النَّسَبِ، وزُهْدِ الناسِ في القُربِ مِن المقذوفِ، وتَعدِّي ذلك إلى أهلِهِ وولدِ ومَنِ اتصَلَ به بسببٍ ونَسَبٍ؛ ولهذا قدَّرَ اللَّهُ على بعضِ نِسَاءِ الأنبياءِ الكُفْرَ، ولكنَّه لم يُقدِّرْ على واحدةٍ منهنَّ العَهْرَ؛ لأنَّ العَهْرَ يتعدَّى إلى عِرْضِ الزوجِ، والكفرُ لازمٌ لمَن كفَرَ لا يتعدَّى إلى أهلِهِ؛ ولذا عَدَّ النبيُّ -ﷺ- قَذْفَ المُحصَناتِ مِن المُوبِقاتِ؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ من حديثِ أبي هريرة؛ قال -ﷺ-: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: (الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ) (١).\nوالحِكْمةُ في عدمِ ذِكْرِ النبيِّ -ﷺ- (الزِّنى) مِن السَّبْعِ المُوبِقاتِ في حديثِ أبي هريرةَ: أنَّه ذكَر قَذْفَ المُحصَناتِ به؛ للدَّلالةِ على بشاعتِه؛ فإنَّ مجرَّدَ القذفِ به مُوبِقٌ ومُهلِكٌ، فكيف بالوقوعِ فيه؟ ! فاتِّهامُ بريءٍ به مِن السَّبْعِ المُوبِقاتِ، فكيف لو زَنى القاذفُ نفسُه؟ ! وهذا نظيرُ اتهامِ أحدٍ بالكفرِ وهو بريءٌ منه، فهو عظيمٌ، ووقوعٌ القاذفِ في الكفرِ أعظَمُ مِن ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1218>القذفُ الصَّرِيحُ والكنايةُ:</span>\nلا يختلِفُ الفقهاءُ على أنَّ القذفَ الصريحَ يُقامُ فيه الحَدُّ كالرمي بالزِّنى، وإنَّما اختلَفُوا في إقامتِهِ على القذفِ غيرِ الصريحِ؛ وذلك لاختلافِ الناسِ في مُرادِ المتكلِّمِ وفهمِ السامعِ له؛ فإنَّ ألفاظَ الكنايةِ تختلِفُ في قُرْبها مِن الصريحِ، فليستْ متطابِقةً في مُرادِ السامعِ ولا في\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩).","vol":"4","page":1816},{"text":"مُرادِ المتكلِّمِ، ويختلِفُ الناسُ فيها مِن بلدٍ إلى بلدٍ؛ كالوصفِ بالعَهْرِ وعدمِ الشرَفِ ونحوِ ذلك ممَّا يَحتمِلُ معانيَ، منها الزِّنى، وقد اختلَفوا في ذلك على قولَيْنِ، هما روايتانِ عن أحمدَ:\nفرأى بعضُهم إقامةَ الحدِّ؛ وهو قولُ مالكٍ، وبه قَضَى عمرُ.\nوذهَبَ أبو حنيفةَ والشافعيُّ: إلى عدمِ إقامةِ الحدِّ؛ وهؤلاء الذين يُسقِطونَ الحدَّ لا يُسقِطونَ التعزيرَ بغيرِ الحدِّ بحسَبِ ما يَراهُ الحاكمُ مِن زجرٍ وتأديبٍ.\nوالأظهَرُ: أنَّ الحاكمَ يُقِيمُ حدَّ القذفِ في قذفِ الكنايةِ إنْ غلَبَ استعمالُهُ بينَ الناسِ على الزِّنى، ما لم يكنْ في سياقِ القولِ قرينةٌ تَصرِفُهُ عن الغالبِ؛ كمَن يتَّهِمُ غيرَهُ بعدَمِ الشرَفِ في سياقِ الحديثِ عن الرِّشْوةِ في الحقوقِ ونحوِ ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1219>قذفُ الحُرَّةِ والأَمَةِ والكافِرةِ:</span>\nوحدُّ الحُرِّ في القذفِ ثمانونَ بلا خلافٍ، سواءٌ كان ذَكَرًا أو أُنثى.\nولا خلافَ أنَّ حدَّ القذفِ حقٌّ للمقذوفِ؛ وإنَّما يَختلِفونَ في إقامتِهِ لحقِّ اللَّهِ عندَ عفوِ صاحبِ الحقِّ:\nوالجمهورُ: أنَّه لا يُقامُ حتى يُطالِبِ المقذوفُ بحقِّه؛ لأنَّه حقٌّ له، تَلحَقُهُ مَعَرَّتُهُ، وله إسقاطُه؛ وبهذا قال الشافعيُّ وأحمدُ.\nولا خلافَ أنَّ الحدَّ لا يسقُطُ بتوبةِ القاذفِ قبلَ طلبِ المقذوفِ.\nوقيَّد اللَّهُ الحدَّ على قاذفِ المُحصَناتِ، وليس على مَن قذَفَ غيرَهُنَّ، وقد تقدَّم الكلامُ على مَعاني الإحصانِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وذكَرْنا أنَّه يُطلَقُ على الإسلامِ والعَفافِ والحريَّةِ والنِّكاحِ، والمرادُ به هنا هو العِفَّةُ بلا خلافٍ؛ وإنَّما اختُلِفَ في إرادةِ بعضِ مَعاني الإحصانِ الأُخرى","vol":"4","page":1817},{"text":"-كالإسلامِ والحريَّةِ- في آيةِ حدِّ القذفِ للمُحصَناتِ - على قولَيْنِ:\nالقولُ الأولُ: أنَّ الحريَّةَ والإسلامَ مقصودانِ في هذه الآيةِ؛ وبهذا قال جمهورُ العلماءِ، وقد قَيَّدَ اللَّهُ القذفَ بالإيمانِ في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: ٢٣]، فذِكْرُهُ للإيمانِ للدَّلالةِ على الإسلامِ، وذِكرُهُ للغَفْلةِ للدَّلالةِ على العفافِ، ودَلَّ ذلك على أنَّه أرادَ بالإحصانِ في قولِه: ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ الحريَّةَ، وقد رَوَى عليُّ بن أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّه فسَّر المُحصَناتِ في الآيةِ بالحرائرِ (١).\nويُروى في الحديثِ: (مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ، فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ)؛ رواهُ الدارقطنيُّ؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ (٢)، وهو متكلَّمٌ في رفعِه.\nالقولُ الثاني: أنَّ الحريَّةَ والإسلامَ غيرُ مُرادَيْنِ؛ وبهذا قال مالكٌ.\nوعلى هذَيْنِ القولَيْنِ يتفرَّعُ عندَ أصحابِهما القولٌ بحدِّ قاذقِ الأَمَةِ والكافرةِ.\nوالعبدُ والأَمَةُ يُجلَدانِ في القذفِ نِصْفَ حدِّ الحُرِّ والحُرِّةِ، وعلى هذا الأئمَّةُ الأربعةُ، خلافًا للأوزاعيِّ وأبي ثورٍ وأهلِ الظاهرِ.\nقولُه تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾: فيه زجرٌ للقاذفِ وردعٌ له، حينَما وقَعَ في أعظَمِ ما يختَصُّ بعِرْضِ الإنسانِ وشَرَفِه، ولا يختلِفُ العلماءُ في أنَّ شهادتَهُ مردودةٌ قبلَ توبتِه؛ لأنَّه أسقَطَ عدالتَهُ بقَذْفِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1220>شهادةُ القاذفِ بعد توبتِهِ:</span>\nويختلِفُ العلماءُ في قَبُولِ شهادتِهِ بعدَ توبتِه، والجمهورُ على قَبُولِها بعدَ توبتِه، خلافًا لأبي حنيفةَ؛ حيثُ أسقَطَها مطلَقًا؛ لظاهرِ قولِه\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٥٢٨).\n(٢) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٣/ ١٤٧).","vol":"4","page":1818},{"text":"﴿أَبَدًا﴾، ولكنَّ هذا الإطلاقَ قُيِّدَ بعدَهُ بقولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾؛ والاستثناءُ عائدٌ على الشهادةِ والفسقِ جميعًا.\nويُشترَطُ للتوبةِ إظهارُها بعملٍ صالحٍ، وأمَّا حديثُ: (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلَا مَحْدُودٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ)، فقد رواهُ أحمدُ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه (١)، ولا يصحُّ، والرُّواةُ عن عمرٍو متكلَّمٌ فيهم، ولو صحَّ فهو كعمومِ الآيةِ يُقيَّدُ بزوالِ العلةِ، وهي عدمُ التوبةِ.\nوبقَبُولِ شهادتِهِ بعدَ توبتِه أخَذَ عمرُ بنُ الخطَّابِ وابنُ عبَّاسٍ وابنُ المسيَّبِ وعطاءٌ وطاوُسٌ ومجاهدٌ والشَّعْبيُّ وقتادةُ.\nوذهَب الى عدمِ قَبُولِها مِن السلفِ ما دام حيًّا وإنْ تابَ: سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ والحسَنُ ومكحولٌ والنخَعيُّ.\nومَن لم يَقبَلْ شهادةَ القاذفِ أبدًا، جعَلَ الاستثناءَ في الآيةِ عائدًا على الفسقِ فقطْ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٦ - ١٠]\nبعدَما ذكَرَ اللَّهُ حدَّ الزانيَيْنِ، وعقوبةَ القذفِ، بيَّنَ اللَّهُ تعالى حُكمَ قذفِ الزوجِ لزوجتِه؛ لأنَّ الأمرَ يختلِفُ؛ لأنَّ قذفَ الرجُلِ لعِرضِهِ ثقيلٌ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٢٠٨)، وابن ماجه (٢٣٦٦).","vol":"4","page":1819},{"text":"عليه وعلى أهلِهِ وولدِه، وأثرُهُ على الزوجةِ وما تَستقبِلُهُ مِن أمرِها ونسَبِ ولدِها عظيمٌ، وقذفُ الأَبعدِينَ بعضِهم بعضًا قد يقعُ كُرْهًا وانتقامًا، ولا يتضرَّرُ القاذفُ، بل يتضرَّرُ المقذوفُ، ولكنَّ الزوجَيْنِ يتضرَّرانِ جميعًا، فجعَلَ اللَّهُ لقذفِ الزوجِ لزوجتِهِ حُكْمًا خاصًّا يختلِفُ عن أحوالِ القذفِ الأُخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1221>سببُ نزولِ لِعانِ الزَّوْجَيْنِ:</span>\nويَظهرُ أنَّ سببَ نزولِ هذه الآيةِ كان في هِلَالِ بنِ أُمَيَّةَ وزوجتِهِ، واتَّهَمَ بها شَرِيكَ بنَ سَحْمَاءَ، ومثلُهُ وقَعَ مع عُوَيْمِرٍ العَجْلَانِيِّ وزوجتِه، وكِلا الحديثَيْنِ في \"الصحيحَيْنِ\"، وفيهما جميعًا: أنَّ اللَّهَ أنزَلَ فيهما؛ ففي قصةِ هلالٍ وزوجتِهِ، قال ابنُ عبَّاسٍ -وهو راوي الخبرِ-: \"فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، فقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ \" (١)، وفي قصةِ عُوَيمِرٍ وزوجتِه، قال سهل بن سعدٍ راوي الخبرِ: إِنَّ النبيَّ -ﷺ- قال لعُوَيمِرٍ: (قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ) (٢).\nأمَّا حديثُ ابنِ عبَّاسٍ، فقد رواهُ البخاريُّ عنه: أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: (البَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ البَيِّنَةَ؟ ! فَجَعَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَقُولُ: (البَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ)، فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَأَرْسَلَ إلَيْهَا، فَجَاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ، وَالنَّبِيُّ -ﷺ- يَقُولُ: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أحَدَكُمَا كَاذِبٌ،\n_________\n(١) سيأتي تخريجه.\n(٢) سيأتي تخريجه.","vol":"4","page":1820},{"text":"فَهَل مِنْكُمَا تَائِبٌ؟)، ثُمَّ قَامَت فَشَهِدَت، فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الخَامِسَةِ وَقَّفُوهَا، وَقَالُوا. إِنَّهَا مُوجِبَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ اليَوْمِ، فَمَضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: (أَبْصِرُوهَا؛ فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ العَيْنَيْنِ، سَابِغَ الأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ)، فَجَاءَت بهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: (لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ) (١).\nوأمَّا حديثُ سهلِ بنِ سعدٍ، فرواهُ الشيخانِ عنه؛ أَنَّ عُوَيْمِرًا العَجْلَانِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَاصِمُ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتَهِ رَجُلًا، أَيَقتُلُهُ فَتَقتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَن ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَسأَلَ عَاصِمٌ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- المَسَائِلَ وَعَابَهَا، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِن رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ الَى أَهْلِهِ، جَاءَ عُوَيْمِرٌ، فَقَالَ: يَا عَاصِمُ، مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَقَالَ عَاصِمٌ: لَم تَأْتِنِي بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- المَسأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا، قَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا، فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَسْطَ النَّاسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: (قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا)، قَالَ سَهْلٌ: فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا فَرَغَا، قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (٢).\nوشرَعَ اللَّهُ لِعانَ الزوجَيْنِ لأمرَيْنِ:\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٧٤٧).\n(٢) أخرجه البخاري (٥٢٥٩)، ومسلم (١٤٩٢).","vol":"4","page":1821},{"text":"الأولُ: إذا قذَفَ الزوجُ زوجتَهُ بالزِّنى، ولم يأتِ بالشهودِ الأربعةِ على قولِه، فإنَّه يُلاعِنُ لِيَدْرَأَ الحدَّ عن نفسِه.\nوالثاني: أن يُرِيدَ نفيَ الولدِ الذي وضَعَتْهُ زوجتُهُ عنه.\nوقد اختلَفَ الفقهاءُ في اشتراطِ تقييدِ قذفِ الزوجِ لزوجتِهِ بمُشاهدتِهِ لها على الفاحشةِ على قولَيْنِ:\nفذهب مالكٌ: إلى اشتراطِ تقييدِ رؤيتِهِ لها على الفاحشةِ؛ وذلك لظاهِرِ قصةِ هلالِ بنِ أُميَّةَ مع زوجتِهِ، وقصةِ عُوَيمِرٍ العَجْلانيِّ مع زوجتِه.\nوالذي عليه جمهورُ الفقهاءِ: عدمُ اشتراطِ هذا القيدِ، ولا يَلزَمُ أن يكونَ الزوجُ مُقِرًّا برؤيتِهِ لزِنَى زوجتِهِ حتى يُقبَلَ منه اللِّعانُ؛ لأنَّه قد يُلاعِنُ لنفي الولدِ، فيَرَى أنَّه ليس بولدِه، كأنْ يَدَّعِيَ أنَّه لم يَطَأْ زوجتَهُ مطلَقًا؛ لمرَضٍ، أو ضَعْفٍ وعجزٍ، أو هجرٍ، أو غيابٍ بسجنٍ، أو هجرةٍ ونفيٍ عنها، فحمَلَتْ ولم يرَ زوجتَهُ على الزِّنى، لكنَّه أراد نفيَ الولدِ، فيُلاعِنُهَا على قذفِهِ لها؛ لأنَّه لا يقعُ حملٌ إلَّا بوَطْءٍ، والوطءُ: إمَّا مِن نِكَاحٍ، وإمَّا مِن سِفاحٍ.\nوقد اختُلِفَ في آيةِ اللِّعانِ وكونِها مخصِّصةً لآيةِ القذفِ أم مؤسِّسةً لحُكْمٍ جديدٍ:\nفذهَب جماعةٌ: إلى أنَّ آيةَ القذفِ عامَّةٌ لكلِّ فاذفٍ ولو كان زوجًا لزوجتِه، ثمَّ خصَّصَ اللَّهُ قذفَ الزوجِ لزوجتِه بآيةِ اللِّعانِ.\nومنهم: مَن قال: إنَّ آيةَ القذفِ نزَلَتْ ولم يدخُلْ فيها الزوجانِ ابتداءً، فقذفُ الزوجِ لزوجتِه له حُكْمُهُ بآيتِه.\nوذهَب آخَرونَ: إلى أنَّ آيةَ اللِّعانِ مخصِّصةٌ لآيةِ القذفِ، وأنَّ آيةَ القذفِ يدخُلُ فيها الزوجانِ قبلَ نزولِ اللِّعانِ المخصِّصِ لهما؛ وذلك لقولِ النبيِّ -ﷺ- لهلالِ بنِ أميَّةَ: (البَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ)، فقال هلالٌ:","vol":"4","page":1822},{"text":"\"وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ\"، قال ابنُ عبَّاسٍ: \"فَنَزَلَ جِبْرِيلُ\" (١)، فأَجْرَى النبيُّ -ﷺ- حالَ هلالٍ مجرَى كلِّ قاذفٍ، وهو الحدُّ.\nوقد قال بعمومِ آيةِ اللِّعانِ في كلِّ زوجٍ قاذفٍ مسلمٍ أو كافرٍ، حرٍّ أو عبدٍ: مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ في روايةٍ.\nوقال بأنَّها خاصَّةٌ بالزوجَيْنِ المُسلِمَينِ الحرَّيْنِ العدلَيْنِ أبو حنيفةَ، وجعَلَ الشروطَ في المتلاعنَيِنِ كالشروطِ في الشهودِ؛ وذلك أنَّ اللَّهَ سمَّاهما شهودًا في قولِه تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾؛ فكلُّ ما لا تصحُّ شهادتُهُ لا يصحُّ لِعانُهُ عندَهُ لأجلِ ذلك، ولكنَّ اللَّهَ يُسمِّي اليمينَ شهادةً، كما قال تعالى عن المُنافِقينَ: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١]، ثمَّ سمَّى اللَّهُ فِعلَهم بعدَ ذلك يمينًا بقولِه: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1222>مَرَاحِلُ قَذْف الزَّوْجِ لزوجتِهِ:</span>\nوقذفُ الزوجِ لزوجتِهِ على مراحلَ خمسٍ:\nالمرحلةُ الأُولى: طلبُ الشهودِ؛ وبهذا يتَّفقُ الزوجُ مع غيرِهِ مِن الناسِ الذي يقَعونَ في القذفِ، فكلُّهم يُطالَبُ بأربعةِ شهداءَ لإثباتِ قولِهِ؛ يَشهَدونَ أنَّهم رأَوُا الفاحشةَ بأعينهم رأوُا الوطءَ الصريحَ كالمِيلِ في المُكْحُلَةِ، فإن جاءَ الزوجُ بالشهودِ، أُقِيمَ الحدُّ على الزوجةِ، وهو الرجمُ، ولا تُطالَبُ بالشهادةِ لنفسِها، ولا يَدْرَأُ عنها العذابَ شيءٌ، بعدَ بيِّنِة الشهودِ، ويَنتهي أمرُ القذفِ بذلك.\nخلافًا للشافعيِّ، فإنَّه يَرى أنَّها تَدفَعُ عن نفسِها العذابَ بالشهادةِ\n_________\n(١) سبق تخريجه.","vol":"4","page":1823},{"text":"واللَّعْنةِ ولو أتى الزوجُ بالشهودِ عليها، ففَرْقٌ بينَ شهودِ الزوجِ على زوجتِهِ وبينَ شهودِ الرَّجُلِ الأجنبيِّ عليها؛ فشهودُ الأجنبيِّ يُقامُ به عليها الحدُّ بالإجماعِ، وأمَّا شهودُ زوجِها، فاستثناهُمُ الشافعيُّ في حُكْمِ اللِّعانِ.\nوأمَّا إنْ كان لدى الزوجِ شهودٌ، فهل له أن يختارَ اللِّعَانَ ويَدَعَ إقامةَ البيِّنِة، ليتحقَّقَ نفيُ الولدِ، ويُرفَعَ عنها الحدُّ فلا تُرجَمَ؟ فقد اختُلِفَ في ذلك:\nوقد ذهَب مالكُ والشافعيُّ: إلى أنَّه يَحِقُّ للزوجِ اختيارُ اللِّعَانِ وإن قامَتِ البيِّنةُ عندَه بالشهودِ.\nوذهَبَ أبو حنيفة وداوُد: إلى عدَمِ جوازِ اللِّعانِ إن قامَتِ البيِّنةُ بالشهودِ على زِناها.\nالمرحلة الثانيةُ: إذا لم يكنْ لدى الزوجِ شهودٌ على قَذْفِهِ لزوجتِه؛ فإنَّه يُطلبُ منه الشهادةُ لنفسِهِ بالصِّدْقِ أربعًا، ويَلعَنُ في الخامسةِ نفسَهُ إنْ كان كاذبًا، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وشهادتُهُ ولعنُهُ لنفسِهِ ليس بيِّنةً على زوجتِهِ بوقوعِها في الفاحشةِ، ولكنَّه يَرفَعُ عنه الحدَّ فقطْ، وقد يكونُ كاذبًا وقد يكونُ صادقًا.\nوإنِ امتنَعَ الزوجُ عن الشهادةِ واللعنِ، فإنَّه يُجلَدُ حدَّ القذفِ ثمانينَ جَلْدةً؛ كما يُجلَدُ كلُّ قاذفٍ بلا بيِّنةٍ؛ وبهذا قال جمهورُ العلماءِ.\nخلافًا لأبي حنيفةَ؛ فإنَّه رأَى تعزيرَهُ بحبسٍ، ولم يجعلْ في نُكُولِهِ حَدًّا؛ لعدمِ النصِّ عليه، ولكنَّه معنًى ثْبَتَ بدَلَالةِ السياقِ بلا نصٍّ، بدَلَالةِ ذِكْرِ اللَّهِ نُكُولَ المرأةِ أنَّه يُوجِبُ الحَدَّ عليها بقولِهِ تعالى، ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ وظاهرُ السياقِ: أنَّ الشهادةَ تَدرأُ عنه العذابَ كذلك.","vol":"4","page":1824},{"text":"المرحلةُ الثالثةُ: طلبُ الشهادةِ مِن الزوجةِ بعدَ شهادةِ الزوجِ لتُبرِّئَ نَفْسَها مِن تُهَمَتِه، فإنْ شهِدَت على زوجِها بالكذبِ أربعًا، وشَهِدَت في الخامسةِ أنَّ عليها الغضبَ إنْ كان زوجُها صادقًا-: بَرِئَتْ مِن الحدِّ؛ وذلك قولُه تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾.\nوإن لم تَشهَدْ على نفسِها، وامتنعَتْ ناكِلةً، فقد اختُلِفَ في الحدِّ المقصودِ في قولِه تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾:\nفجمهورُ العلماءِ: على أنَّ المرادَ بالعذابِ هو حدُّ الزِّنى.\nخلافًا لأبي حنيفةَ؛ فإنَّه لم يَجعَلِ العذابَ في الآيةِ حَدًّا؛ وإنَّما جعَلَهُ تعزيرًا فقال بحَبْسِها حتى تُلاعِنَ، ودفَعَ عنها الدمَ بأنَّ الأصلَ عِصْمةُ الدمِ؛ كما في حديثِ: (لَا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسْلِمٍ) (١)، ولا بدَّ مِن بيِّنةٍ، والنكولُ ليس ببيِّنةٍ تُوجِبُ سفكَ الدمِ، وإلى قولِهِ ذهَبَ بعضُ الفقهاءِ مِن الشافعيَّةِ؛ كالجُوَيْنِيِّ، وبعضُ الفقهاءِ مِن المالكيَّةِ؛ كابنِ رشدٍ.\nولا يختارُ الموتَ ويترُكُ اليمينَ في مِثلِ هذه الحالِ إلَّا مَن قام الحقُّ عليه، ومنَعَهُ مِن اليمينِ عاقبتُها وشؤمُها في الدارَيْنِ.\nالمرحلة الرابعةُ: التفريقُ بينَ المتلاعنَيْنِ بعدَ اللِّعانِ؛ وذلك لقولِهِ -ﷺ- لعُوَيمِرٍ العَجلَانِيِّ: (لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا) (٢)، وقد اختلَفَ العلماءُ في سببِ التفريقِ: هل هو حُكْمٌ لازِمٌ في الشرعِ فيكونَ أبديًّا، أو لأجلِ حُكْمِ الحاكمِ فيه؟ على قولَيْنِ:\nقال بالتفريقِ شرعًا مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ، وقال بالتفريقِ بحُكْمِ الحاكمِ أبو حنيفةَ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦).\n(٢) أخرجه البخاري (٥٣١٣)، ومسلم (١٤٩٣).","vol":"4","page":1825},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1223>نَفْيُ الوَلَدِ باللِّعَانِ:</span>\nالمرحلة الخامسةُ: نفيُ الولدِ؛ فلا خلافَ أنَّ الزوجَينِ إنْ لم يتلاعَنَا بعدَ قذفِ الزوجِ لزوجتِه، فإنَّ الولدَ لا يُنفى؛ بل يَبقى نسَبُهُ لأبيه، ولو قذَفَ أُمَّهُ به، فالولدُ للفِرَاشِ حتى يُلاعِنَ صاحبُه، وقد ثبَت في \"الصحيحَيْنِ\"، عن أبي هريرةَ؛ أَنَّ أعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَت غُلَامًا أَسْوَدَ، وَإنِّي أَنْكَرْتُهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: (هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟)، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (فَمَا أَلْوَانُهَا؟)، قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: (هَل فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟)، قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقَا، قَالَ: (فَأَنَّى تُرَى ذَلِكَ جَاءَهَا؟)، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِرْقٌ نَزَعَهَا، قَالَ: (وَلَعَلَّ هَذَا عِرْقٌ نَزَعَهُ)، وَلَم يُرَخِّصْ لَهُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ (١).\nوفي روايةٍ لمسلمٍ؛ قال أبو هُرَيرةَ في الرجُلِ: \"وَهُوَ حِينَئِذٍ يُعَرِّضُ بِأَنْ يَنْفَيَهُ\" (٢).\nوإذا لاعَنَ الزوجُ زوجتَهُ، فإنَّه لا يَلزَمُ مِن اتِّهامِ زوجتِهِ بالزِّنى أنْ يَجعَلَ ما في بطنها مِن الزِّنى؛ فإنَّ قذفَه لها وملاعنتَهُ قد يكونُ لأجلِ الوقوعِ في الفاحشةِ، لا لأجلِ الولدِ، وربَّما يكون لأجلِ الولدِ ولو لم يَرَها تَفعَل شيئًا بعينِه، فإنْ كاد الزوجُ لا يُريدُ نفيَ الولدِ، فإنَّه لا يَنتفي، ويَبقى ولدَهُ ولو بعدَ اللِّعانِ.\nوأمَّا إنْ كان يُريدُ نفيَهُ، فالثابتُ أنَّه يَنفيهِ بعدَ اللِّعَانِ، وهذا طاهرُ السُّنَّةِ؛ ففي \"الصحيحَيْنِ\"، عن ابنِ عمرَ -﵄-، أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ النَّبِيُّ -ﷺ- بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الوَلَدَ بِالمَرْأَةِ (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٧٣١٤)، ومسلم (١٥٠٠).\n(٢) أخرجه مسلم (١٥٠٠) (١٩).\n(٣) أخرجه البخاري (٦٧٤٨)، ومسلم (١٤٩٤).","vol":"4","page":1826},{"text":"وصحَّ إلحاقُ الولدِ بأمِّه عن ابنِ عبِّاسٍ؛ رواهُ عنه عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ (١).\nولا وجهَ للقولِ بأنَّ الولدَ لا ينتفي مِن أبيهِ إنْ أرادَ نفيهُ باللِّعانِ، بحُجَّةِ أنَّ كلَّ واحدٍ مِن الزوجَيْنِ شَهِدَ على نفسِهِ بالصِّدْقِ ولعَنَ نفسَهُ إنْ كان كاذبًا؛ وذلك لأمورٍ:\nأولًا: أنَّ الشهادةَ لِدَرْءِ الحدِّ عن الزوجَينِ؛ فالزوجُ يَشهدُ ليَدفعَ عن نفسِه حدَّ القذفِ، والزوجةُ تَشهدُ لتَدرأ عنها حدَّ الزِّنى؛ كما هو في ظاهرِ الآيةِ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، والولدُ لا يتعلَّق حُكْمُهُ بمجرَّدِ وقوعِ التلاعُنِ بينَهما؛ لأنَّ القذفَ قد يكونُ لأجلِ الفاحشةِ، وقد يكونُ لأجلِ نفيِ الولدِ، فربَّما يتَّهِمُ الزوجُ زوجتَهُ بالفاحشةِ ولا يتَّهِمُها بولدِها.\nثانيًا: أنَّ أعظَمَ أسابِ المُلاعَنةِ نفيُ الولدِ، وقد قال ابنُ القيِّم: \"إنَّه أجَلُّ فوائدِ اللِّعانِ\" (٢).\nوأكثرُ الناسِ لو رأى زوجتَهُ على فاحشةٍ ولا يَخشى الولدَ منها ولا يُرِيدُها، فَارَقَها؛ لأنَّه بعدَ فذفِهِ ثمَّ مُلاعَنتِهِ لها لا يتحقَّقُ له إلَّا المُفارَقةُ منها، وهذا يستطيعُهُ بلا قذفٍ ولا لِعانٍ؛ بطلاقٍ أو خُلْعٍ، فلا حاجةَ له إلى تقحُّمِ القذفِ واللِّعانِ والتشهيرِ بنفسِهِ وزوجِهِ وولدِهِ السابقِ منها وهو قادرٌ على المُفارَقةِ لو لم يكنْ ولدٌ، والحقُّ وظاهرُ الدليلِ: أنَّ نفيَ الولدِ حقٌّ للزَّوْجِ؛ فله أن يَنفيَهُ وله أن يُبقيَهُ، وأمَّا حقُّ زوجتِهِ مِن اللِّعانِ، فتَدْرَأُ عن نفسِها العذابَ، ويَلحَقُ الولدُ بها، ولا يؤخَذُ منها لمجرَّدِ نفيِ أبيهِ له؛ كما ثبَتَ في \"الصحيحِ\"، في ولدِ زوجةِ عُوَيْمِرٍ، قال سهلٌ: \"فَكَانَ بَعْدُ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ\" (٣)، وفي \"المسنَدِ\"، وعندَ أبي داودَ؛ مِن حديثِ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ١٨٥).\n(٢) \"زاد المعاد\" (٥/ ٣٥٧).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٧٤٥).","vol":"4","page":1827},{"text":"ابنِ عبَّاسٍ؛ قال في قصةِ هلالِ بنِ أميَّةَ وزوجتِهِ وولدِها: \"فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَهُمَا، وَقَضَى أَلَّا يُدْعَى وَلَدُهَا لِأبٍ، وَلَا تُرْمَى، وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا، وَمَن رَمَاهَا أَوْ رَمَى وَلَدَهَا، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ\" (١).\nثالثًا: لو كان الزوجُ لا يَقدِرُ على نفيِ الولدِ بعدَ اللِّعَانِ لمجرَّدِ شهادةِ الزوجةِ ومُلاعَنتِها، فهذا يُبقهِ منسوبًا إله وهو في عِلْمِهِ أنَّه ليس ولدَهُ، وهذا مَجْلَبةٌ لمَفاسِدَ عظيمةٍ لاحِقةٍ بينَهُ وبينَ زوجِهِ والولدِ، والشريعةُ ما جاءت باللِّعانِ إلَّا لتُغلِقَ البابَ على شرٍّ وفتنةٍ طويلةٍ.\nوأمَّا ما جاء في قصةِ هلالِ بنِ أميَّةَ وزوجِهِ؛ حيثُ قال النبيُّ -ﷺ-: (أَبْصِرُوهَا؛ فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ العَيْنَيْنِ، سَابغَ الآليَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَينِ، فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ) (٢)، وما جاء في قصةِ عُوَيْمِرٍ وزوجِهِ؛ حيثُ قال النبيُّ -ﷺ-: (انْظُرُوا؛ فَإنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ، أَدْعَجَ العَيْنَيْنِ، عَظِيمَ الأَلْيَتَينِ، خَدَلَّجَ السَّاقَينِ، فَلَا أَحْسِبُ عُوَيمِرًا إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَت بِهِ أُحَيْمِرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ، فَلَا أَحْسِبُ عُويمِرًا إِلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا) (٣)، فإنَّ النبيَّ -ﷺ- لم يُرِدْ بالأَشْبَاهِ أنَّ إلحاقَ الولدِ غيرُ مُعتبِرٍ باللِّعانِ فيه، فذلك لم يَفهَمْه أحدٌ مِن الصحابةِ؛ وإنَّما أراد النبيُّ -ﷺ- بيانَ الصادقِ مِن الكاذبِ، وأنَّ الشهادةَ واللعنَ تَدرأُ عن صاحِبِها الحَدَّ ولو قامَتِ القرائنُ عليه، ولو كانتِ الأشباهُ تُلحِقُ النَّسَبَ، لَمَا رَدَّ النبيُّ -ﷺ- الرجُلَ لاختلافِ لونِ ولدِهِ عنه، فذكَّرَهُ باختلافِ ألوانِ إبلِه.\nوالعلماءُ يتَّفقونَ على أنَّ الزوجَ يَنتفي ولدُهُ بعدَ اللعانِ إنْ كان لِعانُهُ لها لأجلِ نفي الولدِ؛ وإنَّما الخلافُ عندَهم في زمنِ نفي الولدِ.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١/ ٢٣٩)، وأبو داود (٢٢٥٦).\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) أخرجه البخاري (٤٧٤٥).","vol":"4","page":1828},{"text":"والصحيحُ: أنَّ اللعانَ يكونُ حالَ الحَمْلِ وقبلَ الوضعِ في قولِ جمهورِ العلماءِ.\nخلافًا لأبي حنيفةَ وصاحبَيْه والمُزَنِيِّ، فقد منَعوا مِن اللِّعانِ قبلَ الوضعِ.\nوظاهرُ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ وسهلٍ: أنَّ اللِّعانَ كان زمنَ الحَمْلِ لا الوضعِ.\nوأمَّا حديثُ: (الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَللْعَاهِرِ الحَجَرُ) (١)، فهو في غيرِ لِعانِ الزوجِ لزوجِتهِ لنفي الولدِ، والفِراشُ قد ارتفَعَ باللِّعانِ، ولو لم يكنْ لعانٌ، لكان الولدُ له.\nومَن أرادَ نفيَ الولدِ، ولم يَتَّهِمْ زوجتَهُ بالزِّنى، فقال: الولدُ ليس لي، ولا أتَّهِمُها بزِنًى، فقد اختلَفَ العلماءُ في ذلك على قولَيْنِ، هما قولانِ للشافعيِّ، وروايتانِ عن أحمدَ:\nالأُولى: أنَّهما يَتلاعَنانِ، ويَنتفي الولدُ.\nوالثانيةُ: أنَّه لا لعانَ، والولدُ للفِراشِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1224>قَذْفُ الزوجةِ لزوجِها:</span>\nوإذا قذَفتِ الزوجةُ زوجَها، فهي تأخُذُ أحكامَ القذفِ لا اللِّعانِ؛ لأنَّ اللِّعانَ خاصٌّ بقذفِ الزوجِ لزوجتِه؛ كما في الآيةِ والأحاديثِ، لا بقذفِ الزوجةِ لزوجِها؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٠٥٣)، ومسلم (١٤٥٧).","vol":"4","page":1829},{"text":"* قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩].\nحرَّم اللَّهُ إشاعةَ الفاحشةِ، وبيَّنَ عاقبةَ مشِيعِها في العاجلِ والآجلِ؛ وذلك أنَّ إشاعةَ الفاحشةِ بينَ الناسِ؛ بالحديثِ عنها، وبتحبيبِها إليهم، وتزيينِها لهم: أعظَمُ مِن فعلِ الرَّجُلِ الفاحشةَ في نفسِها مستتِرًا بها؛ وذلك لأنَّ الأشاعةَ تُفسِدُ جماعةً مِن الناسِ وتُوقِعُهم فيها، فيأخُذُ المُشِيعُ إِثْمَهم جميعًا، وفاعلُ الفاحشةِ يأخُدُ إثمَ نفسِه.\nوإشاعةُ الفاحشةِ محرَّمٌ ولو كانتْ صحيحةً، كمَن يتحدَّثُ عن واقعةِ فُحْشٍ بينَ الناسِ وان لم يُسَمِّ أهلَها، فلا يَحِلُّ له ذلك ولو كان صادقًا، فالشريعةُ لم تَنْهَ عن إشاعةِ الفاحشةِ لكونِها كذبًا؛ بل نَهَتْ عنها؛ حتى لا يُرقِّقَ ذلك النفوسَ عن تعظيمِ الحرامِ وتبشيعِهِ؛ فإنَّ الحديثَ عن الفاحشةِ يُشوِّفُ إليها ويُهوِّنُها، وقد أخرَجَ ابنُ أبي حاتمٍ، عن عطاءٍ؛ قال: \"مَن أشاعَ الفاحشةَ، فعليه النَّكَالُ، وإنْ كان صادقًا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1225>إشاعةُ الفاحشةِ وسَبَبُ عَدَمِ جعلِ الشريعةِ لها حَدًّا:</span>\nوإشاعةُ الفاحشةِ تعظُمُ بمقدارِ إشاعتِها بينَ الناسِ، وعَدَدِ مُتلقِّيها، وحجمِ تأثيرِها فيهم؛ وهذا هو السببُ في أنَّ الشريعةَ لم تَجْعَلْ حدًّا لإشاعةِ الفاحشةِ؛ لأنَّها تختلِفُ، ولا تنضبِطُ؛ فبينَ يسيرِها وجليلِها كما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ، بخلافِ بقيَّةِ الآثامِ التي وضَعَتِ الشريعةُ لها حَدًّا كالزِّنى والسَّرِقةِ والقتلِ وشربِ الخَمرِ وغيرِها، فأوصافُها محدودةٌ مضبوطةٌ، ولو وضَعَتِ الشريعةُ حَدًّا لإشاعةِ الفاحشةِ، لوُصِفَتِ الشريعةُ\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٥٥٠).","vol":"4","page":1830},{"text":"بالتناقُضِ ومساواةِ ما لا يَتشابَهُ في الصورةِ في العقوبةِ، ولاستَوَتْ إشاعةُ الفاحشةِ في مَجلِسٍ فيه واحدٌ مع إشاعتِها في وسائلَ إعلاميَّةٍ يُشاهِدُها ألوفٌ مؤلَّفةٌ؛ ولهذا كانت عقوبةُ إشاعةِ الفاحشةِ التعزيرَ؛ تَبدأُ بأدنى العقوباتِ، وتَننهي بأشَدِّها؛ وهو القتلُ والصَّلْبُ.\nوتعظيمُ إشاعةِ الفاحشةِ الذي تُقدَّرُ به عقوبةُ المُشِيعِ لها تعزيرًا - مرتهِنٌ بأمورٍ ثلاثةٍ:\nالأولُ: نوعُ الفاحشةِ المُشاعةِ؛ فالفواحشُ تختلِفُ في نوعِها؛ منها الصريحُ، ومنها الكنايةُ، ويختلِفُ الصريحُ منها في نوعِه، منه ما يُخالِفُ الفِطْرةَ كاللِّواطِ والسُّحَاقِ ونكاحِ المَحارمِ ونحوِه، ومنه ما يُوافِقُ الفِطْرةَ مِن وجهِ ويُخالِفُها مِن وجهٍ؛ كمَيْلِ الجنسينِ بعضِهما إلى بعضٍ؛ فهذا يُوافِقُ الفِطْرةَ مِن هذا الوجهِ، ويُخالِفُها إذا كان الميلُ بغيرِ ما أحَلَّ اللَّهُ كالزِّنى.\nوقد يكونُ فعلُ الرَّجُلِ ما أحَل اللَّهُ له علانيَةً مِن إشاعةِ الفاحشةِ؛ لأنَّ اللَّهَ ما جعَلَ كلَّ حلالٍ يجوزُ المُجاهَرةُ به، فإذا فعَلَ الرجلُ مع زوجتِهِ في الأسواقِ والطُّرُقاتِ ما يُستحْيَا منه ولا يُفعَلُ إلَّا في البيوتِ، عُوقِبَ على ذلك ولو كانت زوجتَهُ؛ لأنَّ هذا يدفعُ الناسَ إلى تقليدِهِ ومحاكاتِه، ويدفعُ مَن يَتَّخِذ أَخْدَانًا أن يفعلَ مِثلَ فعلِه؛ فإنَّ المحرَّماتِ تبدأُ مِن المكروهاتِ، ولا تفسُدُ أخلاقُ الأُممِ إلَّا بعدَ سقوطِ سُورِ المروءاتِ؛ فليس كلُّ المروءاتِ واجبةً؛ ولكنَّها سُورٌ يَحمي النفوسَ مِن الجُرأةِ على الحرامِ.\nالثاني: مِقْدارُ إشاعتِها؛ فبمقدارِ سَعَةِ إشاعةِ الفاحشةِ تعظُمُ؛ فمَن يُشِيعُها في مجلِسِ غيرُ مَن يُشِيعُها في قريةٍ وبلدٍ، ومَن يُشيعُها في بلدِ غيرُ مَن يُشيعُها في كلِّ بلدٍ، وبمقدارِ سَعَتِها تُغلَّظُ العقوبةُ عليه، واليومَ يَقدِرُ","vol":"4","page":1831},{"text":"كثيرٌ مِن أهلِ الفسادِ على إشاعةِ الفاحشةِ في وسائلَ إعلاميَّةٍ تَصِلُ إلى بُلْدانٍ ودُوَلٍ وملايينِ الناسِ.\nالثالثُ: مكانُ إشاعتِها؛ فإنَّ إشاعةَ الفاحشةِ في موضعٍ مُعظَّمٍ كالمساجدِ تختلِفُ عن المَجالِسِ، وإشاعتُها في البُلْدانِ المقدَّسةِ كمكَّةَ والمدينةِ وبيت المَقدِسِ تختلِفُ عن غيرِها؛ لأنَّ محادَّةَ اللَّهِ فيها أعظَمُ مِن غيرِها؛ لأن مُقتضى تحريمِ المسجدِ الحرامِ ومُقتضى تعظيمِ المدينةِ وبيتِ المَقْدِسِ والبَرَكةِ فيها: إجلالُها وتعظيمُها والبُعْدُ عن عِصْيانِ اللَّهِ فيها.\nوقول اللَّهِ تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ آخِرَ الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ اللَّهَ حرَّم إشاعةَ الفاحشةِ وشدَّد فيها؛ لأنَّ لها أثرًا لا يَعلَمُهُ إلَّا هو، وأكثرُ حِكْمَتِهِ غائبةٌ، ولو أدرَكَ الناسُ تمامَ الحِكْمةِ لَسَلَّموا وتيقَّنوا جميعًا بصلاحِ الحُكْمِ، ولكنَّهم يَحْكُمونَ على ما ظَهَر، ويَغِيبُ عنهم ما خَفِيَ مِن الأَثَر.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢٧ - ٢٨].\nنَهَى اللَّهُ عن دخولِ البيوتِ إلَّا بإذنِ أهلِها؛ فإنَّ لها حُرْمةً وعَوْرةً لا يجوزُ الاطِّلاعُ عليها، حتى وإنْ غلَبَ على ظنِّ الإنسانِ الإذنُ له، أو أنَّه لا يَرَى شيئًا يَكرَهُهُ أهلُها لكونِهم أهلَ احتشامٍ دائمٍ، فهذا لا يجوزُ؛ كما أنَّه لا يجوزُ له أن ينظُرَ مِن ثَقْبِ بابٍ، أو مِن فوقِ سُورٍ بحُجَّةِ أنَّ أهلَهُ أهلُ احتشامٍ دائمٍ! لأنَّ الحُكْمَ تعلَّقَ بالفعلِ ولو لم تُوجَدِ العِلَّةُ.","vol":"4","page":1832},{"text":"وفي قولهِ تعالى: ﴿غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ دَلَالةٌ على أنَّ بيتَ الإنسانِ لا يجبُ عليه الاستئذانُ ممَّن فيه، بل يدخُلُهُ بلا استئذانٍ ممَّن فيه؛ وهذا ظاهرُ قولِهِ تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١].\nوقولُه تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾: الاستئناسُ؛ يعني: الاسئذانَ مِن أهلِها، وقد قرَأَها ابنُ مسعودٍ وابنُ عبَّاسِ وأبَيٌّ وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: (حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا) (١)، وسُمِّيَ الاستئذانُ استئناسًا؛ لأنَّه يُؤنِسُ صاحبَ الدارِ ويُبعِدُ عنه الوَحْشةَ والوجَلَ والخَوْفَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1226>حُكْمُ الاستئذانِ عندَ دخولِ البيوتِ وصِفَتُهُ وعددُهُ:</span>\nوتحريمُ دخولِ البيوتِ إلَّا بالاستئذانِ دليل على وجوب الاستئذانِ، لأنَّ المحرَّمَ الذي لا يُستحَلُّ إلَّا بشرطٍ، فذلك الشرطُ واجبٌ له.\nوالاستئذانُ شُرِعَ لحُرْمةِ الدُّورِ وحُرْمةِ أهلِها، فلا يجوزُ دخولُها بدونِه؛ وقد رَوَى البخاريُّ ومسلمٌ، عن سهلِ بنِ سعدٍ، قال: اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ -ﷺ- وَمَعَ النَّبيِّ -ﷺ- مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأسَهُ، فَقَالَ: (لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ، لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ؛ إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِن أَجْلِ البَصَرِ) (٢).\nوأمَّا صفَة الاستئذانِ عندَ إرادةِ دخولِ البيوتِ، فتكونُ بإيصالِ صوتِ الداخلِ إلى أهلِها مِن غيرِ أن يدخُلَ فيها، ولا أن يَقِفَ وَسَطَ أبوابِها، بل يتنحَّى عنها يمينًا أو شمالًا؛ حتى لا يَرى مَن فيها؛ كما روى أبو داودَ؛ مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ بُسْرٍ؛ قال: كان رسولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٢٤١)، و\"تفسير القرطبي\" (١٥/ ١٨٨).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٢٤١)، ومسلم (٢١٥٦).","vol":"4","page":1833},{"text":"أَتَى بَابَ قَوْمِ، لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْبَابَ مِن تِلْقَاءِ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ مِن رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ، وَيَقُولُ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ)؛ وَذَلِكَ أَنَّ الدُّورَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ سُتُورٌ (١).\nويكونُ ذلك بطلبِ الإذنِ بالدخولِ؛ كقولِه: (أأدخُلُ)، أو رفعِ الصوتِ بالنحنحةِ، ويدخُل في ذلك كلُّ صوتٍ أو كلامٍ مُشعِرٍ بوجودِ مُستأذِنٍ للدخولِ؛ لاختلافِ أعرافِ أهلِ البُلْدانِ في ذلك.\nويكونُ الاستئذانُ ثلاثًا لا أكثَرَ مِن ذلك؛ حتى لا يكونَ مؤذِيًا لهم؛ فقد يكون أهلُ البيتِ نيامًا أو في شُغْلٍ، وفي \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ؛ قال -ﷺ-: (إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَليَرْجِعْ) (٢)، وأمَّا إطالةُ الاستئذانِ فوقَ ثلاثٍ، فلا يجوزُ إلَّا مِن ضرورةٍ؛ كنذيرِ القومِ، وصاحِبِ النازلةِ المستجيرِ منها.\nورخَّص مالكٌ في الزيادةِ في الاستئذانِ فوقَ ثلاثٍ لمَن عَلِمَ أنَّه لم يُسمَعْ، فلا يَرَى بأسًا أن يَزِيدَ إذا استيقَنَ أنَّه لم يُسمَعْ.\nويَلحَقُ بالاستئذانِ ثلاثًا الاتصالُ عبرَ وسائلِ الاتصالِ، فيكونُ ثلاثًا لا يُجاوِزُها؛ لأنَّ الاتصالَ في حُكمِ الاستئذانِ لا يكونُ فوقَ ثلاثٍ.\nويسقُطُ الاستئذانُ للدخولِ لِمَنْ دُعِيَ، فجاء مُجِيبًا في الزمانِ والمكانِ الذي دُعِيَ فيه، وقد رَوَى أبو الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ؛ قال: \"إذا دُعِيتَ، فهو إِذْنُك؛ فسَلِّمْ ثمَّ ادخُلْ\" (٣).\nوقولُه تعالى: ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ فيه مشروعيَّةُ السلامِ عندَ دخولِ البيوتِ؛ إشعارًا لهم بالأمانِ والطُّمَأْنِينةِ مِن الداخلِ عليهم، وقد تقدَّمَ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٥١٨٦).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٢٤٥)، ومسلم (٢١٥٣).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٥٨٢٨).","vol":"4","page":1834},{"text":"الكلامُ على حُكمِ بَذْلِ السلامِ وأحوالِهِ وفضلِهِ ومَراتبِه عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1227>السلامُ عندَ دخولِ البيوتِ وصفَتُهُ وعددُهُ:</span>\nويُشرَعُ السلامُ عندَ دخولِ البيوتِ، ويكونُ ثلاثًا بما يُسمِعُ به أهلَ البيتِ، ما لم يكنْ داخلًا على واحدٍ بعينِهِ ليس في الدارِ غيرُهُ فيكفي مرةً واحدةً، وفي \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ أنس -﵁-: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا سَلَّمَ، سَلَّمَ ثَلَاثًا، وإذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ، أَعَادَهَا ثَلَاثًا\" (١).\nوفد زار رسولُ اللَّهِ -ﷺ- سعدَ بنَ عُبَادةَ، فقال: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ)، فلم يَرُدُّوا، ثمَّ قال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ)، فلم يَرُدُّوا، ثمَّ قال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: (السَّلَامُ عَلَيكُمْ)؛ فانصرَفَ رسولُ اللَّهِ -ﷺ-، فلمَّا فقَدَ سعدٌ تسليمَهُ، عرَفَ أنَّه قد انصرَفَ، فخرَجَ سعدٌ في أثرِهِ حتى أدرَكَهُ، فقال: وعليكم السَّلَامُ يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما أَرَدْنا أن نَستكثِرَ مِن تسليمِكَ، وقد واللَّهِ سَمِعْنا، فانصرَفَ رسولُ اللَّهِ -ﷺ- مع سَعْدٍ حتى دخَلَ بيتَه (٢).\nولا يكفي الاستئذانُ عن السلامِ، وقد كان السلفُ يَعُدُّونَ السلامَ مِفْتاحَ الدخولِ، والسلامُ قد ينوبُ عن الاستئذانِ، ولكنَّ الاستئذانَ لا ينوبُ عن السلامِ؛ فقد رَوَى عطاءٌ؛ قال: \"سمعتُ أبا هريرةَ يقولُ: إذا قال: أأدخلُ؟ ولم يُسلِّمْ، فقل؛ لا، حتى تأتيَ بالمفْتاحِ، قلتُ: السلامُ؟ قال: نَعَمْ\"؛ رواهُ البخاريُّ في \"الأدبِ\" (٣).\nورَوَى صالحٌ البغدادي؛ قال: \"بَعَثَنِي أَهْلِي الَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٢٤٤).\n(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٤٢١)، وأبو داود (٥١٨٥)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١٠٠٨٤).\n(٣) أخرجه البخاري فى \"الأدب المفرد\" (١٠٨٣).","vol":"4","page":1835},{"text":"بِهَدِيَّةٍ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى الْبَابِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقُلْتُ: أَدْخُلُ؟ فَسَكَتَ، ثَلَاثًا، قَالَ: قُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، قَالَ: فَدَخَلْتُ، فَقَالَ: لَمْ أَرَك تَهْتَدِي إِلَى السُّنَّةِ، فَعَلَّمْتُك\"؛ رواهُ ابن أبي شَيْبةَ (١).\nوأمَّا إنْ كان صاحبُ الدارِ قريبًا يَسمَعُ أولَ كلامِ الداخلِ، فيُشرَعُ تقديمُ السلامِ على الاستئذانِ؛ لأنَّ السلامَ هنا أخَذَ حُكْمَ اللقاءِ؛ فقد رَوَى أحمد وأهلُ \"السنن\"؛ مِن حديثِ رِبْعِيٍّ؛ قال: حدَّثَنا رجلٌ مِن بَني عامرٍ: أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وَهُوَ فِي بَيْتٍ، فَقَالَ: أَلِجُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- لِخَادِمِهِ: (اخْرُجْ إِلَى هَذا، فَعَلِّمْهُ الِاسْتِئذَانَ، فَقُلْ لَهُ: قُلِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأدْخُلُ؟)، فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- فَدَخَلَ (٢).\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [النور: ٢٩].\nرخَّص اللَّهُ بدخولِ البيوتِ التي لا ساكِنَ لها، وليس المرادُ بذلك أنَّه يجوز دخولُ البيتِ الذي ليس فيه أهلُهُ لسفرٍ أو غيرِه، وإنَّما المرادُ بالبيوتِ غيرِ المسكونةِ التي ليس لها عامِرٌ، أو لها عُمَّارٌ ولكنْ مِن الأماكنِ العامَّةِ التي يسكُنُها الناسُ كالمستَشْفَيَاتِ والمساكنِ المُشاعةِ التي لا تَختَصُّ بساكنٍ.\nوذكَرَ اللَّهُ جوازَ ذلك بقولِه: ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾، للإشارةِ إلى أنَّ\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٥٨٣٠).\n(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٣٦٨)، وأبو داود (٥١٧٧)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١٠٠٧٥).","vol":"4","page":1836},{"text":"الولوجَ والخروجَ في البيوتِ والمساكنِ ولو كانتْ غيرَ مسكونةٍ ينبغي أن يكونَ لسببٍ وحاجةٍ، لا عن فضولٍ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠].\nأمَرَ اللَّهُ المؤمِنينَ بغضِّ البصرِ، قبلَ أمرِهم بحِفظِ الفروجِ؛ لبيانِ أنَّ إطلاقَ البصرِ جالِبٌ للفاحشةِ وبابٌ لها، وحبلٌ من حبالِ الشيطانِ الموصِّلةِ إليها، فقدَّمَ الوسيلةَ على الغايةِ، وجعَلَ اللَّهُ ذلك ﴿أَزْكَى لَهُمْ﴾؛ يعني: أنَّه أطهَرُ للنفوسِ وأطيَبُ لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1228>الحِكمةُ مِن تقديمِ أمرِ الرِّجالِ على أمرِ النِّساءِ بغضِّ البصرِ:</span>\nوإنَّما قدَّمَ اللَّهُ أمرَ الرِّجالِ بغضِّ البصرِ قبلَ أمرِ النِّساءِ بذلك؛ لأمورٍ:\nمنها: أنَّ الرِّجالَ أكثَرُ عُرْضةً لرؤيةِ العَوْراتِ؛ لكثرةِ خروجِهم وكَسْبِهم وتعرُّضِهم للتعامُلِ مع الناسِ، فالأصلُ في الرجالِ: الخروجُ والكسبُ، والأصلُ في النساءِ: القَرَارُ والكفايةُ؛ ولهذا نَهَى النبيُّ -ﷺ- الرجالَ عن الجلوسِ في الطُّرُقاتِ؛ حتى لا يتعرَّضوا لرؤيةِ العَوْراتِ، فلما أبْدَوْا حاجتَهم بها، أمَرَهم بغضِّ البصرِ؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ قال: (إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ في الطُّرُقَاتِ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّتُ فِيهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: (فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ)، قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: (غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ) (١).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٤٦٥)، ومسلم (٢١٢١).","vol":"4","page":1837},{"text":"ومنها: أنَّ أثرَ النظرِ على الرجالِ أشَدُّ مِن أثرِهِ على الشاءِ، وفتنةَ النساءِ للرِّجالِ أشَدُّ مِن فتنه الرجالِ للنساءِ، كما قال -ﷺ- فى \"الصحيحَيْنِ\" (مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ) (١)، فناسَبَ تقديمَ أمرِهم بغضِّ البصرِ قبلَ أمرِ النساءِ.\nومنها: أنَّ الرجالَ أجسَرُ على مَدِّ البصرِ مِن النساءِ؛ فإنَّ الرجلَ إن كان ضعيفَ الإيمانِ مريضَ القلبِ فهو أجسَرُ على مدِّ البصرِ وإطالتِه، بخِلافِ نظرِ المرأةِ إلى الرجُلِ، فهي أضعَفُ؛ لِما جُبِلَت عليه مِن حياءٍ وضَعْفٍ وخوفٍ.\nومنها: أنَّ الرجالَ أجسَرُ على ما يَتْبَعُ البصرَ مِن تتبُّعِ الفاحشةِ، بخلافِ المرأةِ؛ فإنَّ الرجلَ قد يُتبعُ البصرَ مِن مَناهي الكلامِ كالفُحْشِ والتغزُّلِ ما لا تفعلُهُ المرأةُ؛ فإنَّها تُطلِقُ البصرَ وتتهيَّبُ الإقدامَ على ما وراءَهُ، وقد سمَّى النبيُّ -ﷺ- نظرَ العينِ زِنَاها، وجعَلَ النظرَ أُولى خُطُواتِ الرجُلِ إلى الزِّنى؛ يَبدأُ به ثمَّ يتْبِعُهُ بكلامِ ثمَّ مشي القدَمِ والمسِّ؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ: (كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَى، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ؛ فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1229>لا تلازُمَ بينَ غضِّ البصرِ وسُفُورِ النساءِ:</span>\nولمَّا كان النهيُ عامًّا في الآيةِ: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، دَلَّ على أنَّ المرادَ تحريمُ النظرِ إلى جميعِ العَوْراتِ ولو في غِيرِ النساءِ كالنظرِ إلى\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٠٩٦)، ومسلم (٢٧٤٠).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٢٤٣)، ومسلم (٢٦٥٧).","vol":"4","page":1838},{"text":"الأَمْرَدِ، وكذلك في النساءِ، فَنَظَرُهُنَّ بَعْضِهِنَّ إلى بعضٍ بشهوةٍ داخلٌ في هذا البابِ.\nوأمَّا ما يحتجُّ به بعضُ أهلِ الأهواءِ على جوازِ سفورِ المرأةِ لأنَّ اللَّهَ أمَرَ الرجالَ بغضِّ البصرِ؛ لأنَّه لو لم يَكُنَّ كاشفاتٍ، لم يأمُرِ الرجالَ بغضِّ أبصارِهم، فهذا غلطٌ؛ وذلك لأنَّ اللَّهَ نَهَى عن نظرِ الرجلِ لا إلى موضعِ معيَّن مِن المرأةِ، وإنَّما نَهى نهيًا عامًّا لكلِّ ما يحرُمُ النظرُ إليه، وما لم يحرُمِ النظرُ إليه إذا كان فيه فِتْنةْ كنظرِهِ الى لِبَاسِها وشَخْصِها طُولًا وعَرْضًا، وكذلك في نظرِ الرجلِ إلى الرجلِ الذي مثِلُهُ يُفتَنُ به، فلو قيل بذلك، لجاز القولُ: إنَّ الرجالَ والنساءَ يجوزُ لهم كشفُ ما يشاؤونَ مِن أبدانِهم؛ لأنَّ اللَّهَ أمَرَ بغضِّ البصرِ، ولا يأمُرُ بغضِّ البصرِ إلَّا عن شيءٍ مكشوفِ السترِ، فلا تلازُمَ عندَ العلماءِ بينَ عَوْرةِ السَّتْرِ وعورةِ النَّظَرِ؛ فقد يأمُرُ اللَّه بغضِّ البصرِ عن شيءٍ أمَرَ بسَتْرِه؛ كسَتْرِ المرأةِ عن غيرِ مَحْرَمِها، وعورةِ الرجالِ عن الرجالِ، وقد يأمُرُ بغضِّ البصرِ عن شيءٍ لم يأمُرْ بسَتْرِه؛ كشاخصِ المرأةِ، وكما قد يُوجَدُ في بعضِ النفوسِ المريضةِ مِن ميلِ إلى بعضِ نسائِه مِن مَحَارِمِهِ، كأُختِهِ وعمَّتِهِ وخالتِهِ وبنتِه، فاللَّهُ أمَرَهُ بغضِّ بصرِهِ عمَّا يَفتِنُهُ منهنَّ ممَّا أجازَ لهُنَّ إظهارَهُ، ولا تناقُضَ ببنَ نصوص الكشفِ ونصوصِ النظرِ؛ فلكلٍّ جهتُهُ وموضعُهُ؛ ولهذا قال -ﷺ-: (لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا المَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ المَرْأَةِ)؛ رواهُ مسلمٌ عن أبي سعيدٍ (١)؛ فنَهَى اللَّهُ الرجُلَ عن النظرِ إلى عورةِ الرجلِ، مع أمرهِ الرجلَ بسَتْرِ عورتِهِ؛ كما في الحديثِ عند أحمد وأهلِ السُّننِ: (احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِن زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ) (٢)، فذاك حُكْمُ الناظرِ، وهذا حُكْمُ المنظورِ.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٣٣٨).\n(٢) أخرجه احمد (٥/ ٣)، وأبو داود (٤٠١٧)، والترمذي (٢٧٦٩)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٨٩٢٣)، وابن ماجه (١٩٢٠).","vol":"4","page":1839},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1230>حُكْمُ نَظَرِ الرَّجُلِ الى المرأةِ:</span>\nلا يختلِفُ العلماءُ أنَّ نظرَ الرجلِ إلى ما يجوزُ للمرأةِ إظهارُهُ بشهوةٍ، أو عَلِمَ أنَّ نظرَهُ إليها يُثِيرُ فتنةً فيه: أنَّه حرامٌ، سواءٌ كانت شابَّةً أو قاعدًا، وسواءٌ كانتِ المرأةُ على الحقيقةِ أو صُورةً لها، ولو لم يكنْ يَعرِفُها؛ لأنَّ اللَّهَ حَرَّمَ النظرَ إلى المرأةِ لعِلَلٍ كثيرةٍ، مِن أَجَلِّها ما يَتْبَعُ النظرَ مِن إثارةِ الفتنةِ في الناظرِ وتشوُّفِهِ إلى الفاحشةِ؛ فالنظرُ يُحبِّبُ الحرامَ ولو في غيرِ المنظورِ إليها، وجُلُّ مَن وقَعُوا في النظرِ الحرامِ لم يقَعُوا في الزِّنى بِجُلِّ مَن نظَروا إليهِنَّ؛ وإنَّما في أُخْرَيَاتٍ غيرِهن؛ فالنظرُ الحرامُ وَقُودُ الزِّنى.\nوالأصلُ: أنَّ نظرَ الرجلِ إلى المرأةِ يُثِيرُ فتنةً؛ ولهذا جاء الأصلُ بالنهيِ عنه مِن غيرِ تقييدٍ؛ فإنَّ الفتنةَ قد لا تُوجَدُ مِن أولِ نظرةٍ ولا ثانيها ولا ثالثِها؛ وإنَّما تَحْيَا بالقلبِ مع إدامةِ النظرِ، فجاء النهيُ عن أولِه؛ حتى لا ينتهي بصاحِبِهِ إلى فتنةٍ في آخِرِه، ولمَّا كانتِ الفتنةُ غالبةً في النظرِ -خاصَّةَ المتكرِّرَ- جاء النهيُ عامًّا، ويشتدُّ الإثمُ بمقدارِ ورودِ الفتنةِ في صاحِبِه، وقد يكونُ النظرُ المحرَّمُ سهلًا في أولِه؛ لعدمِ قيامِ الفتنةِ فيه، ولكنَّه مع إدامتِهِ يكونُ كالقَيدِ الذي يُفتَلُ ويُوثِقُ صاحِبَهُ، والعينُ تَفتِلُ قيدَ القلب بإدامةِ النظرِ حتى يتقيَّدَ ولا يستطيعَ صَرْفَ البصرِ؛ ولذا لمَّا سأَل جريرٌ -﵁- رسولَ اللَّهِ -ﷺ- عن نظرِ الفَجْأَةِ، قال له: (اصْرِفْ بَصَرَكَ) (١).\nويجوزُ نظرُ الرجُلِ إلى المرأةِ للضرورةِ؛ كنظرِ القاضي في الخُصُوماتِ والحقوقِ الى وجهِ المرأةِ عندَ استشكالِهِ لحقيقتِها، إنْ لم يُوجَدْ مَن ينوبُ عنه في ذلك مِن النساءِ.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢١٥٩)، وأحمد (٤/ ٣٦١)، وأبو داود (٢١٤٨)، واللفظ لهما.","vol":"4","page":1840},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].\nأمَرَ اللَّهُ المؤمناتِ بغضِّ البصرِ، وقدَّمَ غضَّ البصرِ على حِفْظِ الفَرْجِ، لأنَّ إطلاقَ البصرِ طريقٌ يَنتهي بإضاعةِ الفَرْجِ؛ فقدَّمَ اللَّهُ حِفْظَ الوسيلةِ لتُحفَط الغايةُ، ثمَّ نَهَى اللَّهُ نساءَ المؤمنِينَ عن إبداءِ الزِّينةِ، وثَمَّةَ تلازُمٌ بينَ إطلاقِ البصرِ وبينَ الزَّينةِ؛ وذلك أنَّه لا تُكثِرُ التزيُّنَ للرِّجالِ الأجانبِ إلَّا مَن أطلَقَت بصَرَها فيهم، فتشوَّفَتْ إليهم ببَصَرِها، فَزيَّنَتْ بدَنَها ولِبْسَها، ولو لم تُطلِقْ بصَرَها لم يكنْ في القلبِ داعٍ للتزيُّنِ لهم، ومَن حَفِظَت بصَرَها، حَفِظَت فَرْجَها، ولم يقعْ في قلبِها جذبُ الرجالِ إليها في الزينةِ؛ لأنَّ القبَ خالٍ منهم؛ ولهذا قدَّمَ اللَّهُ حِفظَ البصرِ على حِفظِ الفَرْجِ والنهي عن الزينةِ؛ لأنَّ البصرَ حبلٌ يَجذِبُ القلوبَ ويحرِّكُها إلى التزيُّنِ لإغراءِ الرِّجالِ وإغرائِهم والوقوعِ فى الحرامِ.\nوشدَّدَ اللَّهُ على الرَّجُلِ في غضِّ البصرِ، وشَدَّدَ على المرأةِ في الحِجَابِ؛ حتى يُقلِّلَ ما بينَهما مِن تجاذُبٍ ومَيْلٍ، ولا يعني هذا أنَّه يجوزُ للرجلِ إبداءُ مَفَاتِنِه، ولا أنَّه يجوزُ للمرأةِ إطلاقُ بَصَرِها فتُفتَنَ، ولكنَّ الوحيَ يشُدُّ الحبالَ المُرتَخِيَة في النفوسِ أشَدَّ مِن الحبالِ الثابتةِ فيها، وأقرَبُ الناسِ إلى السقوطِ يُجذَبُ أشَدَّ مِن البعيدِ عنها؛ حتى تكتمِلَ فِطْرةً العَفَافِ وتَصِحَّ، فإذا لم يَغُضَّ الرجلُ بَصَرَهُ، فإنَّ المرأةَ تَدْفَعُ فِتنتَهُ","vol":"4","page":1841},{"text":"بحجابِها، وإنْ لم تتحجَّبِ المرأةً، فالرجلُ يدفعُ فِتنتَها بغضِّ بصرِه؛ ولهذا ربَطَ اللَّهُ بينَ غضِّ البصرِ وبينَ الزِّنى؛ لأنَّه سببٌ له، فقال للرِّجالِ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]، وقال للنِّساءِ: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾؛ ولكنَّه زادَ في النساءِ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾.\nولا يختلِفُ العلماءُ على أنَّ نظرَ المرأةِ إلى ما يَفتِنُها مِن الرجالِ محرَّمٌ، سواءٌ كان نظرًا الى أَبْشَارِهم أو شخوصِهم، وأمَّا نظَرُ المرأةِ الى ما يجوزُ للرجلِ إبداؤُهُ مِن غيرِ فتنةٍ فيه، فقد وقَعَ في ذلك نزاعٌ بينَ الفقهاءِ:\nفمِن العلماءِ: مَن أخَذَ بعمومِ النهي في الآيةِ، ولأنَّ الغالِبَ أنَّ نظرَ المرأةِ الى الرجلِ أنَّه فِتْنةٌ آجِلةٌ أو عاجِلةٌ؛ فمَن أطلَقَتْ بصرَها، انتهى بها إلى الافتتانِ؛ وهذا الصحيحُ مِن مذهب الشافعيِّ وأحمدَ، وعلى هذا جمهورُ الصحابةِ والتابعِين.\nواللَّهُ قد أمَرَ النساءَ بمِثلِ ما أمَرَ به الرجالَ، ولم يفرِّق بينَهم، بل زاد النساءَ عدمَ إبداءِ الزينةِ.\nوذهَب قومٌ: إلى جوازِ نظرِ المرأةِ إلى الرجلِ بغيرِ شَهْوةٍ؛ وذلك لأنَّ النبيَّ -ﷺ- أَذِنَ لعائشةَ نَظَرَها إلى الحبشةِ وهم يَلْعَبونَ في المسجدِ، وظاهرُهُ: أنَّ عائشةَ تنظُرُ إلى لَعِبِهِمْ، لا إلى وجوهِهم، ولم تكنْ قريبةً منهم، فلم تكنْ تخُصُّ واحدًا منهم بل ترى حَرَكةَ الجماعةِ، ولم تكنْ أمامَ وجوهِهم بحيثُ تأخُذُ حُكمَ المُتقابلَيْنِ، ولم يكنِ النبيُّ -ﷺ- يَأذَنُ لنسائِهِ بمحادَثَةِ الرجالِ وجهًا لوجهٍ، فتنظُرُ إليهم كما ينظُرُ الرجلُ إلى جليسِه.\nوغالبًا ما تُطلِقُ المرأةُ أو الرجُلُ البصرَ ولا يَجِدَانِ الفتنةَ مِن النظرةِ","vol":"4","page":1842},{"text":"الأُولى، ثمَّ ما يزالُ الشيطانُ يُسوِّلُ لهم الجوازَ؛ لإنعدامِ العِلَّةِ الداعيةِ للنهي؛ حتى تتولَّدَ الفِتْنةُ مع تَكْرارِهِ، فيُوقِعَهُمُ الشيطانُ في شِرَاكِه؛ فله خطواتٌ تَبدأُ بالمُباحِ وتَنتهي بالحرامِ الذي لا ينفكُّ منه صاحبُهُ.\nوقولُه تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾:\nنَهى اللَّه المرأةَ عن ابداءِ زينتها عندَ الرجالِ الأجانبِ، وهذه الآية دالَّةٌ بصريحِ الخِطَابِ على سَتْرِ الزينةِ حتى لا تَفتِن الرجالَ، ولم يأمُرِ اللَّه الرجالَ بعدمِ إبداءِ الزينةِ؛ لأنَّ المرأةَ فُطِرَتْ على التزيُّنِ أكثَرَ مِن الرجلِ، وتميلُ إليه فِطْرةَ، وتتنوَّعُ فيه، وتستكثِرُ فه، وتنشأُ عليه؛ كما قال تعالى عنها: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]، ولأنَّ زينةَ المرأةِ تَجذِبُ الرجلَ أشدَّ مِن جذبِ زينةِ الرجلِ للمرأةِ، ولأنَّ الرجلَ أجسَرُ على إطلاقِ البصرِ المرأةِ.\nوقولُه تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾: الخِمَارُ: اسمُ مصدرٍ؛ خَمَّرَ يُخمِّرُ تخميرًا، يعني: غطَّى، ومنه سُمِّيَ الخَمْرُ خمْرًا؛ لأنَّه يُغطِّي العقلَ، والخِمَارُ: لِبَاسٌ تَلَبَسُهُ وتشُدُّهُ المرأةُ في أعلاها على الرأسِ وما دونَه، ويُسمَّى النَّصيفَ، ويُستعملُ الخِمَارُ لتغطيةِ ثلاثةِ مواضعَ وشَدِّها، وكل واحدٍ منها يُضرَبُ عليه بالخمارِ:\nالأولُ: الرأسُ؛ لظاهرِ الآيةِ، فالرأسُ مُرتكَزُ الخِمارِ وقاعدتُهُ، وفي بعضِ الأحاديثِ تُسمَّى عمامةُ الرَّجُلِ خِمَارًا؛ جاء ذلك مِن حديثِ المُغِيرةِ (١) وثَوْبانَ (٢) وبلالٍ (٣) وسَلْمانَ (٤)، وكانت أمُّ سلمةَ تمسحُ على\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٤/ ٢٥٤).\n(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٨١).\n(٣) أخرجه مسلم (٢٧٥).\n(٤) أخرجه أحمد (٥/ ٤٣٩)، وابن ماجه (٥٦٣).","vol":"4","page":1843},{"text":"خمارِها (١)؛ يعني: بدلَ شَعَرِ رأسِها، وصحَّ عن نافعٍ مَوْلى ابنِ عمرَ؛ قال: \"رأيتُ صفيَّةَ بنتَ أبي عُبَيْدٍ توضَّأَتْ وأنا غلامٌ، فإذا أرادت أنْ تَمْسَحَ رأسَها، سلَخَتِ الخِمارَ\" (٢).\nوصحَّ نحوُهُ عن ابنِ المسيَّبِ (٣) والنخَعيِّ (٤).\nوصحَّ عن عطاءِ بنِ أبي رياح في المرأةِ إذا أرادت أن تَمَسَحَ رأسَها، قال: \"تُدخِلُ يدَيها تحتَ الخِمَارِ، فتَمْسَحُ مُقدَّمَ رأسِها يُجزِئُ عنها\" (٥).\nوصحَّ عن ابنِ سيرينَ: \"أنَّه كَرِهَ أن تُصلِّيَ المرأةُ وأُذُنُها خارجةٌ مِن الخِمارِ\" (٦).\nالثاني: الصَّدْرُ، لظاهرِ قولِهِ: ﴿عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، لأنَّ الجيوبَ هي ما على الصدورِ مِن الثيابِ، والضَّرْبُ يأتي مِن أعلى ويَنْزِل على جَيْبِ المرأةِ، وهو صَدْرُها؛ فالجبوبُ هي الصدورُ؛ ولذا جاء في الحديثِ نَهْيُ النبيِّ -ﷺ- عن شَقِّ الجيوبِ (٧)، نهيًا للمرأةِ أن تشُقَّ جَيْبَها عندَ المصيبةِ.\nالثالثُ: الوجهُ؛ فإنَّ الخِمَارَ قماشٌ طويلٌ ممتدٌّ مشدودٌ تُنزِلُهُ المرأةُ مِن قاعدتِه، وهي الرأسُ، على ما شاءتْ، ومنه الوجهُ، وصحَّ عن هشامٍ، عن حفصةَ بنتِ سِيرِينَ أمِّ الهُذَيْلِ؛ قالتْ: \"تُخمَّرُ المرأةُ الميِّتةُ\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٢٣)\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٥١)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٤٢).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٥٠).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٥١).\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٤٦).\n(٦) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٥٠٥١).\n(٧) أخرجه البخاري (١٢٩٤)، ومسلم (١٠٣).","vol":"4","page":1844},{"text":"كما تُخمَّرُ الحيَّة، وتُدَرَّعُ مِن الخِمَارِ قَدْرَ ذِرَاعٍ تُسْدِلُهُ على وَجْهِها\" (١).\nوقال الفَرَزْدَقُ:\nنِسَاءٌ بِالمَضَايِقِ مَا يُوَارِي ... مَخَازِيَهُنَّ مُنْتَقِبُ الخِمَارِ\nوكذلك: فإن الخِمارَ يُسمَّى نَصِيفًا عندَ العربِ، وفي لغةِ الشرعِ؛ ولذا جاء في \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ أنسٍ مرفوعًا: (لَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِن نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلعَتْ إِلَى الأَرْضِ، لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَمَلَأَتْ مَا بَينَهُمَا رِيحًا، وَلَنَصِيفهَا -يَعْنِي: الخِمَارَ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) (٢)، وقد جاء في \"المسنَدِ\"، مِن حديثِ أبي هريرةَ تفسيرُ الخِمارِ بالنَّصيفِ صريحًا مِن قولِ أبي هريرةَ (٣).\nوالنَّصِيفُ -وهو الخِمارُ- تُطلِقُه العربُ على ما يُغطَّى به الوجهُ، وقد قال:\nسَقَطَ النَّصِيفُ وَلَمْ تُرِدْ إِسْقَاطَهُ ... فَتَنَاوَلَتْهُ وَاتَّقَتنَا بِالْيَدِ\nويُستعمَلُ الخِمارُ لهذه الثلاثةِ أو بعضها، ولكنَّ أصلَ استعمالِ النساءِ للخِمارِ: أنَّ له محيطًا ووسطًا؛ يَبْدَأُ مِن الرأسِ ويُحيطُ به، ويَنزِلُ تَبَعًا على الكَتِفَيْنِ والوجهِ والصدرِ؛ كما قال ابنُ خُزَيمَةَ في \"الصحيحِ\": \"الخِمارُ الذي تستُرُ به وجهَها، بل تُسدِلُ الثوبَ مِن فوقِ رأسِها على وجهِها\" (٤).\nوإنْ كشَفَتِ المرأةُ خِمارَها عن وَجْهِها لمَحْرَمِها، بَقِيَ مُحيطًا بوجهِها، وقد جاء في حديثِ مُسلمِ بنِ أبي حُرَّةَ؛ قال: \"لمَّا حُصِرَ ابنً الزُّبَيْرِ، دخَلَ على أُمِّهِ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، فقَبَّلَها وقبَّلَ ما بينَ\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٦٢٢٠).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٥٦٨).\n(٣) أخرجه أحمد (٢/ ٤٨٣).\n(٤) \"صحيح ابن خزيمة\" (٢/ ١٢٧٦).","vol":"4","page":1845},{"text":"الخِمَارِ إلى الوَجْهِ فوقَ الجبهةِ\"؛ رواهُ الحاكمُ (١).\nوالأصلُ: أنَّ الخِمارَ لا يَبقى على الرأسِ، بل يكونُ منه على ما دونَهُ؛ ففي \"صحيحِ البخاريِّ\": \"أنَّ عائشةَ كانَتْ تذكُرُ نَذْرَها -الذي نذَرَتْهُ ألَّا تُكلِّمَ عبدَ اللَّهِ بنَ الزُّبيرِ- فتَبْكِي حتى تَبُلَّ دُمُوعُها خِمَارَها\" (٢).\nقال أبو نُعَيْمٍ الأصبهانيُّ: \"الجِلْبابُ فوقَ الخِمَارِ ودونَ الرِّداءِ تَستوثِقُ المرأةُ صدرَها ورأسَها\" (٣).\nوالغالبُ: أنَّ المرأةَ عندَ تغطيتِها لوجهِها تأخُذُ الخِمَارَ مِن أسفلِهِ الذي على صدرِها وتَرفَعُهُ على وجهِها، وبالنسبةِ للجلبابِ تُدْنِيهِ مِن فوقِ رأسِها وتسدِلُهُ أو تَضرِبُ به على وجهِها، ويصحُّ العكسُ، خاصَّةً إن كان الخِمارُ واسعًا، سدَلَتْ منه شيئًا مِن رأسِها على وجهِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1231>أنواعُ زِينَةِ المَرْأةِ:</span>\nوللمرأةِ زينةٌ في بَدَنِها خُلِقَتْ عليها، ولها زينةٌ مُكتسَبةٌ تضَعُها:\nفأمَّا زينتُها التي خُلِقَت عيها: فوَجْهُها وشَعَرُها، ولَوْنُها وصُورةً خِلْقَتِها.\nوأمَّا الزينةُ المكتسَبةُ: فهي ما تَلبَسُهُ مِن حُلِيٍّ وثيابٍ، وما تضعُهُ مِن لونٍ، كحِنَّاءٍ وأصباغٍ على وجهِها ويدَيهَا وشَعْرِها.\nواللَّهُ ذكَرَ في الآيةِ الزينةَ، وجعَلَها إجمالًا على نوعَيْنِ:\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٥٢٥).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٠٧٣).\n(٣) \"المسند المستخرج على صحيح مسلم\" (٢/ ٤٧٤).","vol":"4","page":1846},{"text":"الأُولى: الزينةُ الباطنةُ التي لا تَظهَرُ لأحدٍ، وهذا في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾، ثمَّ أَتْبَعَها بالاستثناءِ.\nالثانيةُ: الزينةُ الظاهرةُ، التي تَظهَرُ لمَنْ خَصَّهُمُ اللَّهُ بها، بقولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، وبعضُ الناظرِينَ لتفسيرِ السلفِ لقولِه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يَحمِلُ تفسيرَهُمْ أنَّهم يُظهِرُونَهُ للأجانبِ غيرِ المَحارِمِ، فيَنْقُلُونَ عن جماعةٍ مِن الصحابةِ والتابعينَ قولَهُمْ في ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أنَّه (الكَفُّ والوجهُ)؛ كما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ والضحَّاكِ (١)، أو (الكُحْلُ والخضَابُ والخاتَمُ)؛ كما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ (٢) ومجاهدٍ (٣) وابنِ جُبَيْرٍ (٤)، أو (الكُحْلُ والخاتَمُ)؛ كما رُوِيَ عن أنسٍ (٥)، أو (الخِضَابُ والكُحْلُ)؛ كما رُوِيَ عن عطاءٍ (٦)، أو (الكُحْلُ)؛ كما رُوِيَ عن الشعبيِّ وقتادةَ، أو (الوجهُ والثيابُ)؛ كما رُوِيَ عن الحسنِ وقتادةَ أيضًا (٧)، أو (الوجهُ وثُغْرةُ النَّحْرِ)؛ كما جاء عن عِكرِمةَ (٨)، أو (الكُحْلُ والثيابُ)؛ كما جاء عن الشَّعْبيِّ (٩)؛ وهذا أصحُّ ما جاء عن الصحابهِ والتابعبنَ مِن تفسيرِ آيةِ الزينةِ.\nوالأظهَرُ أنَّ كلامَ هؤلاء السلفِ إنَّما هو في الزِّينةِ الظاهِرةِ للمَحارِمِ مِن النَّسَبِ والرَّضَاعِ، والصحابهُ والتابعونَ كانوا على قَدْرٍ شديدٍ مِن العفافِ والسترِ، حتى إنَّهم قلَّما يُسْأَلُونَ عمَّا تُبْدِيهِ الحُرَّةُ للرجلِ الأجنبيِّ.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٥٧٤).\n(٢) \"تفسير البغوي\" (٦/ ٣٤).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٢٦٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٥٧٤).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٧٠١٥).\n(٥) \"الدر المنثور\" (١١/ ٢٣).\n(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٧٠١٢).\n(٧) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٢٦١).\n(٨) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٧٠٢١).\n(٩) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٧٠٠٧).","vol":"4","page":1847},{"text":"ويوضِّحُ أنَّ مرادَ الصحابةِ والتابعينَ كشفُ الزينةِ الظاهرةِ للمَحَارِمِ لا الأجانب: نصوصُهُمُ الأُخرى ونصوصُ غيرِهم الصريحةُ في ذلك، التي لا تتفِقُ وتجتمِعُ إلَّا على هذا المعنى؛ وذلك مِن أربعةِ وجوهٍ:\nالوجهُ الأولُ: أنَّ جميعَ مَن صَحَّ عنه نفسيرُ الزينةِ الظاهِرةِ في آيةِ النورِ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، قد صحَّ عنه ما يَحمِلُ تفسيرَهُ على تخصيصِهِ للمَحَارِمِ صريحًا في موضعِ آخَرَ:\nأما عبدُ اللَّهِ بنُ عبَّاسٍ: فصحَّ عنه أنَّه قال: \"الزينةُ الظاهرةُ: الوجهُ وكُحْلُ العَيْن وخِضَابُ الكفِّ والخاتَمُ، فهذا تُظهِرُهُ في بيتِها لمَنْ دخَلَ عليها\" -ثمَّ قال صريحًا-: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾، والزينةُ التي تُبدِيها لهؤلاءِ الناسِ قُرْطَاهَا وقِلَادَتُها وسِوَارَاها، فأمَّا خَلْخَالُها ومِعْضَدَتُها ونَحْرُها وشَعَرُها، فلا تُبديهِ إلا لزوجِها\".\nأخرَجَهُ البيهقيُّ، عن عليٍّ، عن ابنِ عبَّاسٍ، وهو صحيحٌ (١).\nوصحَّ عن ابنِ عبَّاسِ أيضًا لمَّا ذكَرَ المَحارِمَ: \"الزِّينةُ التي تُبدِيها لهؤلاءِ: قُرْطَاهَا وقِلادتُها وسِوَارَاها، وأمَّا خَلْخَالاهَا ومِعْضَدَاهَا ونحرُها وشعرُها، فإنَّها لا تُبديهِ إِلَّا لزوجِها\"؛ أخرَجَهُ ابنْ جريرٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عبَّاسٍ (٢).\nوعلى هذا اتَّسَقَ جميعُ تفسيرِ ابنِ عبَّاسِ وأقوالِهِ في كلِّ أبوابِ الفقهِ؛ كالحجِّ وآيةِ الأحزابِ، وفي آيةِ القواعدِ (العجائزِ): ﴿فَلَيْسَ\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٩٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٢٦٤).","vol":"4","page":1848},{"text":"عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠]، قال: (الجلابيبُ) (١)، وهي التي على الشابَّةِ؛ كما صَحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ قولُهُ: \"أمَرَ اللَّهُ نساءَ المؤمِنينَ إذا خرَجْنَ مِن ببوتِهنَّ في حاجةٍ أن يُغَطِّنَ وجوهَهُنَّ مِن فوقِ رؤوسِهنَّ بالجلابيبِ، ويُبدِينَ عينًا واحدةً\" (٢)، وصحَّ عنه أيضًا قولُه: \"تُدْلِي الجلبابَ على وَجْهِها\" (٣).\nوجميعُ أصحابِ ابنِ عبَّاسٍ الذين رُوِيَ عنهم ما يُشابِهُ قولَهُ - لم يكونوا يُسألونَ عن غيرِ المَحَارِمِ، والسؤالُ عنهم غيرُ واردٍ؛ لوضوحِهِ وجلائِه، وقد كانوا على نوعٍ مِن العفافِ والسِّتْرِ شديدٍ، فيُطلِقونَ إطلاقاتٍ لا يَفهَمُها مَن تأثَّرَ بواقعِ السُّفُورِ والتعرِّي، حتى أصبَحَتْ مِن النساءِ مَن تَلبَسُ عندَ الأجانبِ ما لا تَلبَسُهُ نساءُ السلفِ عندَ أبيها وأخيها وابنِها، ومَن جمَعَ أقوالَ أولئِكَ السلفِ المفسِّرينَ للزِّينةِ مِن أبوابِ السَّتْرِ والعَوْراتِ، ظهَر له مرادُهم جليًّا:\nفأمَّا سعيدُ بنُ جُبيرٍ: فصحَّ عنه أنَّ تخفيفَ اللَّهِ عن القواعدِ (العجوزِ) هو وضعُ (الجلابيبِ) فقطْ؛ قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: لا تتبرَّجْنَ بوضعِ الجلبابِ أن يُرى ما عليها مِن الزينةِ (٤)، والجلابيبُ هي ما يستُرُ الوجوهَ على ما يأتي بيانُهُ في آيةِ القواعدِ: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٦٠]، وآيةِ الأحزابِ: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [٥٩]، فإنْ كانتْ هذه هي الرُّخْصةَ عندَ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ للعجوزِ، فهي ليستْ رخصةً للشابَّةِ، وقد أجمَعَ العلماءُ أنَّه لا يَحِلُّ للعجوزِ إظهارُ شَعَرِها؛ حَكَى الإجماعَ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٣٦٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٤١).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٩/ ١٨١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١٠/ ٣١٥٤).\n(٣) \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٤/ ٩)، و\"مسائل الإمام أحمد رواية أبى داود\" (ص ١٥٤) مسألة (٧٣٢).\n(٤) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٤٢).","vol":"4","page":1849},{"text":"ابنُ حَزْمٍ (١) والجَصَّاصُ (٢).\nوأمَّا عطاءُ بنُ أبي رباحٍ: فقد صحَّ عنه تفضيلُهُ سَتْرَ الشعرِ عن المَحارمِ؛ ففد قال في الرجُلِ يَرى مِن النساءِ ما يحرُمُ عليه نكاحُهُ: \"رؤوسُهُنَّ إنْ سُتِرَتْ أحَبُّ إليَّ، وإنْ رأَى فلا بأس\"؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي شيبةَ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ (٣)، وهو صحيحٌ.\nثمَّ إنَّه قد صحَّ عن عطاءٍ ما صحَّ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ في العجوزِ أنَّه تضعُ جلبابَها، والجلبابُ ما على الوجهِ.\nوأما مجاهِدُ بنُ جَبْرٍ: فصحَّ عنه أنَّه لا يَرى وضعَ الخِمَارِ عندَ المرأةِ الكافِرةِ، نكيف يُحمَلُ قولُه في الزينةِ الظاهرةِ: (الخاتَمُ والكحلُ) أنَّها للرجالِ الأجانب مشرِكِينَ ومسلِمينَ؟ ! فقد روى ليثٌ، عن مجاهدٍ؛ قال: \"لا تضعُ المسلِمةُ خمارَها عندَ مشرِكةٍ ولا تُقبِّلُها؛ لأن اللَّهَ تعالى يقولُ: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾؛ فليس مِن نسائِهنَّ\"؛ رواهُ البيهقيُّ عنه (٤)، وروايةُ ليثٍ عن مجاهدٍ كتابٌ ونُسْخةٌ؛ ذكَرَهُ ابن حِبَّانَ.\nوقد صحَّ عن مجاهدٍ كما صحَّ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ وعطاءٍ في العجوزِ، وأنَّ اللَّهَ رخَّصَ لها بوضعِ جبابِها (٥)، وهذه خصيصةُ العجوزِ عندَه عن الشابَّةِ.\nوأمَّا قولُ عامرٍ الشَّعْبيِّ: (الكحلُ والثيابُ)، وقولُ عِكرِمةَ مَولى ابنِ عبَّاسٍ: (الوجهُ وثُغْرةُ النَّحْرِ): فقد صحَّ عنهما أنَّهما كانا يَنْهَيانِ أن تضَعَ المرأةُ خِمارَها عندَ عمِّها وخالِها؛ خلافًا لجمهورِ العلماءِ، فكيف\n_________\n(١) \"المحلَّى\" (١٠/ ٣٢).\n(٢) \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ١٩٦).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٧٢٧٩).\n(٤) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٩٥).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٣٦٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٤٠).","vol":"4","page":1850},{"text":"يُحمَلُ قولُهما في ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: أنَّ المرأةَ تُبدِي وجهَها وكفَّيْها وكُحْلَها للأجانبِ الأبعدِيَن، وهما يُشدِّدَانِ في المحارمِ غيرِ المذكورِينَ في الآية؟ ! فقد روى داودُ، عن الشَّعْبيِّ وعِكْرِمةَ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ حتى فرَغ منها، قالا: \"لم يُذكَرِ العمُّ والخالُ؛ لأنَّهما يَنعَتانِ لأبنائِهما، وقالا: لا تضعُ خِمَارَها عندَ العمِّ والخالِ\"؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (١) وابنُ جريرٍ (٢) وابنُ المنذِرِ (٣).\nويعضُدُ هذا: ما رواهُ جابرٌ، عن عامرٍ: \"أنَّه كَرِهَ أن ينظُرَ إلى شَعَرِ كلِّ ذي مَحْرَمٍ\"؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (٤).\nثمَّ إنَّه قد صحَّ عن الشَّعْبيِّ (٥) ما صحَّ عن ابنِ جُبَيْرٍ وعطاءٍ ومجاهدٍ في العجوزِ.\nوأمَّا الحسَنُ البصريُّ: فإنَّه لا يَرَى أن يَرَى الأخُ أختهُ بلا خمارٍ على رأسِها؛ فقد صحَّ عن هشامٍ، عن الحسنِ، في المرأةِ تَضَعُ خِمَارَها عندَ أخيها؟ قال: \"واللَّهِ؛ ما لها ذاك\"؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (٦)؛ وهو صحيحٌ، وهذا دليلٌ أنَّه يَقصِدُ المحارِمَ، وما كانوا يُسألونَ عن غيرِ المَحارمِ، ولا يَقصِدونَ غيرَهم، لشِدَّةِ ورعِهم.\nوقد صحَّ عن الحسنِ البصريِّ مِثْلُ ما صحَّ عن ابنِ جُبَيْرٍ وعطاءٍ ومجاهِدٍ والشَّعْبيِّ في العجوزِ، وأنَّ اللَّهَ خصَّها بوضعِ الجلبابِ (٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٧٢٩٣).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٩/ ١٧٣)\n(٣) \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٤٧).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٧٢٨٢).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٣٦٣).\n(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٧٢٨١).\n(٧) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٤١).","vol":"4","page":1851},{"text":"وأمَّا الضحَّاكُ: فيدُلُّ على أنَّه يتكلَّمُ عن المَحارِمِ، ما رواهُ مزاحمٌ عنه أنَّه قال: \"لو دخَلْتُ على أمِّي، لقلتُ: غطِّي رأسَكِ\"؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (١).\nوأمَّا قتادةُ: فصَحَّ عنه ما صَحَّ عن ابنِ جُبَيْرٍ وعطاءٍ ومجاهدٍ والشعبيِّ والحسنِ في العجوزِ (٢).\nوعلى هذا المعنى لم يخرُجْ واحدٌ مِن أصحابِ ابنِ عبَّاسٍ وغيرِهم مِن التابعِين؛ فقد روى عِكْرِمةُ وأبو صالحٍ: أنَّ الزينةَ الظاهِرةَ (الدِّرْعُ) (٣)، والدِّرْعُ: ثَوْبُ البيتِ لا ثَوْبُ الخروجِ؛ كما هو معروفٌ، لأنَّ الدرعَ يَظهَرُ معه الشَّعرُ والنَّحْرُ، وهو محرَّمٌ بالإجماعِ.\nوصحَّ عن طاوُسٍ: \"ما كان أكرَهَ إليه مِن أن يَرَى عَورةً مِن ذاتِ مَحرَمٍ، قال: وكان يَكْرَهُ أن تَسلَخَ خِمارَها عندَه\"؛ رواهُ عبدُ الرزاقِ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيهِ (٤)؛ وهو صحيحٌ.\nوأمَّا عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ: فإنه قد صحَّ عنه أنَّه جعَلَ ما استثناهُ اللَّهُ للعجوزِ أن تَكشِفَهُ هو جِلْبَابَها (٥)، ويتفقُ العلماءُ أنْ لا خصيصةَ للعجوزِ في ذلك، فبَقِيَ جلبابُ الوجوهِ على الشابَّةِ، ولا يليقُ بفقهِ الصحابةِ ولا بعقولِهم وفَهْمِهم ضربُ أقوالِهم في البابِ البيِّنِ الواضحِ، كحجابِ المرأةِ ولباسِها.\nوعلى هذا بوَّبَ البيهقيُّ في \"سُنَنِه\"؛ فقد ترجَمَ على تفسيرِ ابنِ عباسٍ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾؛ فقال: \"بابُ ما\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٧٢٨١).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٤١).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٧٠٠٥).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٢٨٣١).\n(٥) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٤٠، و٢٦٤١).","vol":"4","page":1852},{"text":"تُبدِي المرأةُ مِن زينتِها للمذكورينَ في الآيةِ مِن مَحَارِمِها\"، ثمَّ أورَدَ قولَ ابنِ عبَّاسٍ الذي فيه: والزينةُ الظاهِرةُ: الوجهُ وكُحْلُ العَيْنِ وخِضَابُ الكفِّ والخاتَمُ، فهذا تُظهِرُهُ في بيتِها لمَنْ دخَلَ عليها (١).\nونَصَّ على هذا ابنُ عبدِ البَرِّ، فجعَلَ كشفَ الزِّينةِ وإظهارَها للمَحارِمِ لا للأجانبِ، فقال: \"إنَّ ذَوي المَحارِمِ مِن النَّسَبِ والرَّضاعِ لا يُحتجَبُ منهم ولا يُستتَرُ عنهم إلَّا العَوْراتُ، والمرأةُ فيما عَدَا وجهَها وكفَّيْها عَوْرةٌ\" (٢).\nومَن نظَرَ إلى تفسيرِ بقيَّةِ الصحابةِ في ذلك، وجَدَ أنَّه يتطابَقُ مع هذا المعنى ويُوافِقُهُ؛ كما صحَّ عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ؛ أنَّ الزِّينةَ الظاهِرةَ (الثيابُ) (٣)؛ وعلى هذا جميعُ أصحابِهِ وغيرُهم مِن العراقيِّينَ، كأبي الأحوصِ والنخَعيِّ والحسنِ وابنِ سيرينَ وغيرِهم، وقال به مجاهِدٌ (٤)، ومرادُهُ بالثيابِ التي تكونُ تحتَ الجِلْبابِ ممَّا على الثيابِ الداخليَّةِ مِن رخرفةٍ وزينةٍ، فالجلبابُ يستُرُ زينةَ الملابسِ الداخليَّةِ، فلِلْمَحَارِمِ رؤيةُ ذلك؛ لأنَّ الزينةَ تكونُ بالثيابِ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]؛ يعني: زينةَ ثيابِكم، وبهذا فسَّر أبو إسحاقَ السَّبِيعيُّ قولَ ابنِ مسعودٍ؛ فقد تلا هذه الآيةَ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ لمَّا روى تفسيرَ ابنِ مسعودٍ عن أبي الأخْوَصِ عنه (٥).\nالوجهُ الثاني: أنَّ فِقْهَ السلفِ في غيرِ التفسيرِ في بقيَّةِ أبوابِ السَّتْرِ والنظرِ دالٌّ على هذا المعنى؛ فقد صحَّ عن ابنِ شهابِ الزُّهْريِّ قولُهُ:\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٩٤).\n(٢) \"التمهيد\" (٨/ ٢٣٦).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٦٧/ ٢٥٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٥٧٣).\n(٤) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٥٧٤).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٢٥٧).","vol":"4","page":1853},{"text":"\"لا بأسَ أن ينظُرَ الرجلُ إلى قُصَّةِ المرأةِ مِن تحتِ الخِمَارِ إذا كان ذا مَحرَمٍ، فأمَّا أن تَسلَخَ خِمارَها عندَهُ، فلا\" (١).\nوعن الزّهْريِّ أيضًا في المرأةِ تَسلَخُ خِمارَها عندَ ذي مَحْرَمٍ، قال: \"أمَّا أنْ يرى الشيءَ مِن دونِ الخِمَارِ، فلا بأسَ، وأمَّا أن تَسلَخَ الخِمارَ، فلا\"؛ أخرَجَهُ عبدُ الرزاقِ، عن مَعمَرٍ، عنه (٢)؛ وهو صحيحٌ.\nومَن جمَعَ أقوالَ السلفِ في جميعِ الأبوابِ، ونظَرَ فيها في سياقٍ واحدٍ، أدرَكَ حَجْمَ وَرَعِهم وتحفُّظِ نسائِهم، وأدرَكَ أنَّهم يَدُورُونَ في دائرةٍ أخرى مِن العِفَّةِ والاحتياطِ على غيرِ ما يَحمِلُهُ كثيرٌ مِن الكتَّابِ عنهم، فإنَّهم لا يُرِيدونَ مِن معنى الزينةِ التي تتعلَّقُ بالوجهِ وما حولَهُ للأجانبِ الأبعدِين، وهم لا يختلِفونَ في جوازِ كشفِ المرأةِ لوجهِها للأقرَبِينَ، ولا يخوضونَ في ذلك؛ وإنَّما يذكُرونَ الوجهَ اختصارًا لإجازةِ زينتِهِ تَبَعًا مِن الكُحْلِ والقُرْطِ والخِضابِ، ويذكُرونَ اليدَ اختصارًا ليدخُلَ فيها زينتُها مِن الخاتَمِ والخِضَابِ والسِّوَارِ، ولا يَعْنُونَ الوجهَ بذاتِه، ومَن نظَر في مجموعِ تفسيرِهم، أدرَكَ ذلك يقينًا.\nالوجهُ الثالثُ: أن اللَّهَ رخَّصَ للقواعدِ أنْ يَضَعْنَ ثيابَهُنَّ، فقال: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠]، وقد اتَّفَقَ المفسرونَ مِن الصحابةِ والتابعينَ: أنَّ الثيابَ التي رخَّصَ اللَّهُ بها للعجوزِ هي (الجلابيبُ)؛ جاء ذلك بسندٍ صحيحٍ عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ مسعودٍ وابنِ عمرَ والشَّعْبيِّ وابنِ جُبَيْرٍ والحسنِ ومجاهِدٍ وعطاءٍ وعِكْرِمةَ وقتادةَ وغيرِهم، وهؤلاءِ كلُّهم لهم تفسيرٌ للزِّينةِ؛ كما تقدَّمَ\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٢٨٢٩).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٢٨٣٠).","vol":"4","page":1854},{"text":"أنها: \"الزينة الظاهرة\"، واتفَقوا هنا على أنَّ ما تَختَصُّ به العجوزُ عن الشابَّةِ رفعُ الجلبابِ فقطْ، والجلابيبُ هي ما تَختصُّ بسَتْرِ الوجهِ مِن بَشَرةِ الجسمِ، وتكونُ فوقَ بقيَّةِ الثيابِ ثوبًا على ثوبٍ، فالجلبابُ فوقَ الخِمَارِ، ويدُلُّ على أنَّ الجلابيِبَ ما كانتْ تستُرُ الوجوهَ للشابَّةِ جُمْلةٌ مِن تفسيرِ أفصحِ الناسِ وأقرَبِهم إلى الوحي، وهم الصحابةُ والتابعونَ:\nمنها: قولُ عائشةَ: \"تُسدِلُ المرأةُ جِلْبابَها مِن فوقِ رَأْسِها على وَجْهِها\"؛ أخرَجَهُ سعيدُ بنُ منصورٍ بسندٍ صحيحٍ (١)، وقولُها في \"الصحيحَيْنِ\": \"فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي\" (٢).\nومنها: قولُ ابنِ عبَّاسٍ: \"تُدْلي الجِلْبابَ على وجهِها\"؛ أخرَجَهُ أبو داودَ في \"المسائلِ\" بسندٍ صحيحٍ (٣)، وقولُه: \"أمَرَ اللَّهُ نساءَ المؤمِنينَ إذا خَرَجْنَ مِن بُيُوتِهِنَّ في حاجةٍ أنْ يُغَطِّينَ وجوهَهُنَّ مِن فوقِ رؤوسِهِنَّ بالجلابيبِ، ويُبدِينَ عينًا واحدةً\"؛ رواهُ ابنُ جريرٍ بسندٍ صحيحٍ (٤).\nومنها: ما رواهُ عاصمٌ الأحولُ؛ قال: كنَّا ندخُلُ على حَفْصةَ بنتِ سيرينَ، وقد جعَلَتِ الجلبابَ هكذا، وتَنَقَّبَتْ به، فنقولُ لها: رَحِمَكِ اللَّهُ! قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]، وهو الجلبابُ؟ قال: فتقولُ لنا: أىُّ شيءٍ بعدَ ذلك؟ فنقولُ: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠]، فتقولُ: هو إثباتُ الجِلْبابِ (٥).\nوإذا اتَّفَقَ الصحابةُ على أنَّ رُخْصةَ النساءِ العجائزِ وضعُ الجلابيبِ، وكشفُ الوجهِ مِن غيرِ زينةٍ، فماذا يُحِلُّونَ للمرأةِ الشابَّةِ أمامَ الأجانبِ؟ !\n_________\n(١) \"فتح الباري\" لابن حجر (٣/ ٤٠٦).\n(٢) أخرجه البخاري (٤١٤١)، ومسلم (٢٧٧٠).\n(٣) سبق تخريجه.\n(٤) سبق تخريجه.\n(٥) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٩٣).","vol":"4","page":1855},{"text":"وقد حكى الإجماعَ غيرُ واحدٍ مِن العلماءِ على أنَّه لا يجوزُ للعجوزِ أنْ تَكشفَ شَعَرَها للأجانبِ مهما بلَغَ سِنُّها؛ حكى الإجماعَ ابنُ حَزمٍ (١)، والجَصَّاصُ (٢)، وغيرُهما، فشعَرُ العجوزِ عورةٌ للأجانبِ كشَعَرِ الشابَّةِ بلا خلافٍ.\nوإذا كان تفسيرُ ابنِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ جُبَيْرٍ وعِكرِمةَ والحسنِ والشَّعْبيِّ والضَّحَّاكِ ومجاهدِ وقتادةَ لآيةِ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: أنَّها الوجهُ والكَفَّانِ ويُرادُ بها للأجانبِ، فما الفائدةُ مِن تزولِ آيةِ القواعدِ، والترخيصِ لها بالجلبابِ؟ !\nالوجهُ الرابعُ: أنَّ اللَّهَ نَهى عن إظهارِ الزينةِ بقولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾، ثمَّ استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، ثمَّ أرادَ أنْ يُبيِّنَ المَعْنِيِّينَ بالإظهارِ مُفصِّلًا لمَراتبِهم بحسَب قُرْبِهم، فقال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ الآية، وقد يَستشكِلُ البعضُ ذِكْرَ الزوجِ مع أنَّه لا يُستثنى دونَهُ شيءٌ، وإنَّما ذُكِرَ مع غيرِهِ مِن المَحارمِ مِن بابِ حصرِ المعنيِّينَ؛ حتى لا يُظَن أن الخِطابَ للأبعَدِينَ، وليس المرادُ أنَّ الزِّينةَ له كالزِّينةِ لغيرِه؛ ولذا بدَأَ به للخَصُوصِيَّةِ، فالمفسِّرونَ يَعلَمونَ اختلاف مَراتبِ المذكورينَ؛ روى ابنُ وهبٍ، عن ابنِ زيدٍ؛ قال: \"والزوجُ له فضلٌ، والآباءُ مِن وراءِ الرجُلِ لهم فضلٌ، قال: والآخَرونَ يتفاضَلونَ، قال: وهذا كلُّه يَجمَعُهُ ما ظهَرَ مِن الزينةِ\"؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ (٣).\nفقولُ عبدِ الرحمنِ بنِ زيدِ بنِ أسلَمَ: \"وهذا كلُّه يَجمَعُهُ ما ظهَرَ مِن\n_________\n(١) \"المحلَّى\" (١٠/ ٣٢).\n(٢) \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ١٩٦).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١٩/ ١٧٤).","vol":"4","page":1856},{"text":"الزينةِ\"؛ يعني: أنَّ المذكُورِينَ هم المَحارِمُ، وهم المعنيُّونَ بقولِه قبلَ ذلك: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، وليس الأجانِبَ، فذُكِرُوا للبيانِ والإيضاحِ، والزوجُ له فضلٌ على الجميعِ وخَصوصِيَّةٌ؛ كما قاله ابنُ زيدٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1232>التدرُّجُ في فَرْضِ الحِجابِ:</span>\nيذهب بعضُ المفسِّرينَ: أنَّ الحِجابَ لم يُفرَض جُمْلةً واحدةً؛ وإنَّما جاء متدرجًا، فأوَّلُ ما نزَلَ وذُكِرَ فيه عمومُ المؤمناتِ: آياتُ النورِ، ثمَّ آياتُ سورةِ الأحزابِ، ومِن هؤلاء ابنُ جريرِ الطَّبَرِيُّ وأبو بكرٍ الجَصَّاصُ وابنُ تيميَّةَ وغيرهم، وهؤلاء يتَّفقونَ مع غيرِهم في الغايةِ والنهايةِ التي استقَرَّ عليها الحُكْمُ، وإنِ اختلَفوا مع غيرِهم في المراحلِ.\nوكثيرٌ ممَّن ينظُرُ في كتُبِ المفسِّرينَ فينظُرُ في سورةِ النورِ فيَراهُم ينقُلونَ كلامَ السلفِ في الزينةِ الظاهرةِ بإجمالٍ، ثمَّ يُعلِّقُ أولئك الأئمَّةُ في سورةِ النورِ ويَنُصُّونَ على جوازِ كشفِ المرأةِ لوجهِها وكفَّيْها، ولو نظَروا في كلامِهم في سورةِ الأحزابِ، لَوَجَدوا أنَّهم يَمنَعونَ، وليس هذا اضطرابًا ولا قولَينِ؛ فالمؤلِّفُ واحدٌ، والكِتابُ واحدٌ؛ وإنَّما لأنَّهم يرَوْنَ تقدُّمَ آيةِ الحِجابِ مِن سورةِ النورِ على آيةِ الحِجابِ مِن سورةِ الأحزابِ، فيُفسِّرونَ كلَّ موضعٍ بحسَبِ ما فهِمُوهُ في موضعِهِ، ومَن جَهِلَ المتقدِّمَ والمتأخِّرَ مِن السُّوَرِ عندَ الأئمَّةِ، لم يَفهَمْ مَقاصدَ القرآنِ وأحكامَهُ عندَ المفسِّرينَ:\nقال ابنُ جريرٍ الطبريُّ في سورةِ الأحزابِ: \"لا يَتَشَبَّهْنَ بالإماءِ في لباسِهِنَّ إذا هُنَّ خَرَجْنَ مِن بيوتِهنَّ لحاجتِهنَّ، فكشَفْنَ شُعُورَهنَّ ووُجُوهَهنَّ، ولكنْ لِيُدْنِينَ عليهنَّ مِن جلابيبِهنَّ\" (١)، وذكَرَ تفسيرَ السلفِ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٩/ ١٨١).","vol":"4","page":1857},{"text":"لتغطيةِ الوجهِ بالجلابيبِ، وهكذا فسَّر آيةَ القواعدِ في سورةِ الأحزابِ.\nوقولُهُ هنا في سورةِ النورِ بأنَّ المرأةَ تُبدِي وجهَها يَحكي المرحلةَ الأولى مِن فَرْصِ الحِجابِ، وآيةُ الأحزابِ بعدَها.\nوابنُ جريرٍ إمامٌ بصيرٌ ينقُلُ أقوالَ السلفِ في الموضعِ ويُبيِّنُه، ولو كانتِ الآيةُ في حُكْمٍ سابقٍ، ثمَّ تَبِعَتْهُ آياتٌ تَزِيدُ عليه في الحُكْمِ، فيذكُرُ عندَ كلِّ آياتٍ حُكْمَها، وهذا له نظائرُ كثيرةٌ في \"تفسيرِه\".\nوهكذا الإمامُ الجصَّاصُ ذكَرَ معنى ما ذكَرَهُ ابنُ جريرٍ في آيةِ النورِ؛ لأنَّها سابقةٌ، ثمَّ في آيةِ الأحزابِ المتأخِّرةِ قال: \"في هذه الآيةِ دَلَالةٌ على أن المرأةَ الشابَّةَ مأمورةٌ بسَتْرِ وجهِها عن الأجنبيِّينَ، وإظهارِ السَّتْرِ والعفافِ عندَ الخروجِ\" (١).\nوهكذا كثيرٌ مِن المفسِّرينَ؛ يُفسِّرونَ آيةَ النورِ على حالٍ سابقةٍ؛ كما جاء عن ابنِ جريرٍ، ثمَّ يَنُصُّونَ صراحةً على منعِ المرأةِ مِن كشفِ وجهِها عندَ آيةِ الآحزابِ، ومِن هؤلاء المفسِّرينَ: أبو الليثِ نَصْرٌ السَّمَرقَنديُّ الحَنَفيُّ في \"تفسيرِه\" (٢)، وأبو عبدِ اللَّهِ بنُ أبي زَمَنِينَ (٣)، والثعلبيُّ (٤)، والْكِيَا الهرَّاسيُّ (٥)، والزمخشريُّ (٦)، والعِزُّ بنُ عبدِ السلام (٧)، والبيضاويُّ (٨)، والنَّسَفِيُّ (٩)، وابنُ جُزَيٍّ (١٠)، والسُّيُوطيُّ (١١)، والبِقَاعيُّ (١٢)، وأبو السعودِ (١٣) وغيرُهم.\n_________\n(١) \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٢٤٥).\n(٢) \"تفسير السمرقندي\" (٣/ ٧٠).\n(٣) \"تفسير القرآن العزيز\" (٣/ ٤١٢).\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" (٨/ ٦٤).\n(٥) \"أحكام القرآن\" للكيا الهراسي (٤/ ٣٥٠).\n(٦) \"تفسير الزمخشري\" (٣/ ٥٦٩).\n(٧) تفسير العز بن عبد السلام\" (٢/ ٥٩٠).\n(٨) \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٢٣٨).\n(٩) \"تفسير النسفي\" (٣/ ٤٥).\n(١٠) \"تفسير ابن جزي\" (٢/ ١٥٩).\n(١١) \"تفسير الجلالين\" (ص ٥٦٠).\n(١٢) \"نظم الدرر\" (٦/ ١٣٥).\n(١٣) \"تفسير أبى السعود\" (٧/ ١١٥).","vol":"4","page":1858},{"text":"وكثيرٌ ممَّن ينقُلُ أقوالَهُمُ السابقةَ في إبداءِ الزينةِ الظاهرةِ يُهمِلُ أقوالَهُمُ المُحْكمةَ في سورةِ الأحزابِ، التي نزَلَتْ بعدَ ذلك.\nوسواءٌ قيل: إنَّ الحِجابَ نزَل متدرِّجًا أم نزَلَ مرةً واحدةً وتنوَّعتْ نصوصُ القرآنِ في الخِطَابِ، فالغايةُ واحدةٌ، وهو ما ظهَرَ في جميعِ الآياتِ وتجلَّى صريحًا في سورةِ الأحزابِ.\nومَن لم يَعرِفْ أزمِنةَ نزولِ آياتِ الحجابِ، ولم يَجمَعْ أقوالَ الصحابةِ في آياتِ الحجابِ والسَّترِ بعضَها إلى بعضٍ، ولم يَنظُرْ في مذاهبِهم فيما تعلَّقَ بباب لِباسِ المرأةِ وسترِها وحجابِها - أشكَلَ عليه ذلك، وضرَبَ بعضَها ببعضٍ على ما تقدَّمَ بيانُه؛ فآياتُ الححابِ في سورةِ النورِ والأحزابِ لم تَنزِلْ دَفْعةً واحدةً، وأقوالُ الصحابةِ في التفسيرِ تتنوَّعُ حسَبَ الحالاتِ والمواضعِ، ولا تتعارَضُ، ومِن بابِ أَولى أقوالُ الصحابيِّ في المسألةِ الواحدةِ؛ كما تقدَّم؛ وقد بَسَطنا أحكامَ لباسِ المرأةِ وحِجابِها في كتابِ \"الحجاب في الشَّرْعِ والفِطرة؛ بين الدليل، والقولِ الدَّخِيل\".\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢].\nأمَرَ اللَّهُ الأولياءَ بتزويجِ الأَيَامَى؛ يعني: مَنْ لا زوجَ له مِن النِّساءِ والرِّجالِ، الأحرارِ والعبيدِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1233>حُكْمُ تزويجِ الأَيَامَى:</span>\nوالأمرُ في الآيةِ ظاهرُهُ الوجوبُ؛ أنَّه يجبُ على الوليِّ تزويجُ بنتِهِ إنْ جاءها مَن يَرضى دِيَنهُ وخُلُقَه، وإنْ منَعَها مِن ذلك بلا موجِبٍ شرعيٍّ، فمنعُهُ عَضْلٌ محرَّمٌ، وفتنةٌ له ولها ولِمَنْ خطَبَها مِن الصالِحِينَ ولم","vol":"4","page":1859},{"text":"يُزوِّجْه، وفي التِّرمِذيِّ وغيرهِ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: (إذَا خَطَبَ إلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَونَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ، فَزَوِّجُوهُ؛ إلَّا تَفْعَلُوا، تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ) (١).\nوذِكرُ الفتنةِ والفسادِ العريضِ في تركِ ذلك دالٌّ على وجوبِ الفعلِ، والفتنةُ المذكورةُ خاصَّةٌ وعامَّةٌ:\nأمَّا الفتنةُ الخاصَّةُ: ففتنةُ الخاطبِ والمخطوبِ في دِينِهِ عندَ تأخُّرِ تزويجِه، بأن يتعرَّضَ للحرام نظرًا أو قولًا أو لَمْسًا أو مُقارَفةً، وفتنةٌ للوليِّ بإلحاقِ إثمِ العَضْلِ به، أَو الدعاءِ عليه.\nوأمَّا الفتنةُ العامَّةُ: فإنَّ الناسَ إنْ عطَّلوا إحصانَ نسائِهم ورجالِهم، فُتِحَت أبوابُ الحرامِ والتعدِّي على حدودِ اللَّهِ، وشاعَتِ الفاحشةُ، وتَبِعَتْها عقوبةُ اللَّهِ عليها بأنواعِها، فتَنشأُ المخالَفةُ لأوامرِ اللَّهِ خاصَّةً ثمَّ تكون عامَّةً، وأولُ أسبابِ فتحِ الحرامِ يكون بإغلاقِ أبوابِ الحلالِ، فاللَّهُ لم يخلُقْ في الناسِ مَيلًا إلى شيءٍ إلَّا وجعَلَ في الحلالِ منه كفايةً وسَعَةً بما يُغنِيهِم عن فتحِ أبوابِ الحرام، وفتَحَ أبوابَ الوَطْءِ وحَدَّها وجعَلَ الحرامَ منه فتنةً؛ اختبارًا وابتلاءً لعبادِه، وكلَّما أُغلِقَ بابٌ مِن الحلالِ، قابَلَهُ بابٌ مِن الحرامِ يُفتَحُ، فإذا وجَدتَّ الناسَ قد كثُروا على الحرامِ، فابحَثْ عن أبوابٍ مِن الحلالِ مغلَقةٍ.\nوقد تُغلَقُ أبوابُ الحلالِ في النكاحِ بعَضْلِ الفتياتِ، أو غلاءِ المَهرِ، أو منعِ التعدُّدِ، وثَمَّةَ دوافعُ للحرامِ كالتعرِّي والسُّفُورِ وإطلاقِ البصرِ وغيرِ ذلك، فتلك دوافعُ للحرامِ، كما للحلالِ دوافعُه؛ كالعفافِ والحِجَابِ وحِفْظِ البصرِ، وكلُّ دافعٍ حرامٍ يُقابِلُهُ مِثلُهُ في الحلالِ.\nوقد جاء الأمرُ في السُّنَّةِ للشَّبَابِ، كما جاء الأمرُ في القرآنِ للأولياءِ؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ -ﷺ-؛\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (١٠٨٤)، وابن ماجه (١٩٦٧).","vol":"4","page":1860},{"text":"أنَّه قال: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ، فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) (١).\nومَنْ لم يَقدِرْ على حِفْظِ نفسِهِ مِنْ الحرامِ ولا يَدفَعُهُ عنه إلَّا النكاحُ، فإنَّ النكاحَ واجبٌ عليه بلا خلافٍ.\nوالخِطابُ في الآيةِ توجَّهَ إلى الأولياءِ؛ لأنَّهم يَلُونَ أمرَ البناتِ، والنفعُ مُتبادَلٌ بينَ الزوجَيْنِ، وكأن الوليَّ وهو يُزوِّجُ ابنتَه لمسلمٍ فهو يُعِينُ الاثنَيْنِ في التزويجِ والإحصانِ.\nوفي قولِه تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ أنَّ نكاحَ العبدِ والأَمَةِ لا يصحُّ إلَّا بإذنِ سيِّدِه، وقد روى ابن عمرَ، عن النبيِّ -ﷺ-: (إِذَا نَكَحَ الْعَبْدُ بِغَيرِ إذنِ مَوْلاهُ، فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ) (٢)، وعن جابرٍ بنحوِه (٣)؛ رواهُما أبو داودَ، وقد حكى الإجماعَ على هذا غيرُ واحدٍ، كابنِ المُنذِرِ (٤) وغيرِه.\nوقد تقدَّم الكلامُ على شرطِ الوليِّ للحُرَّةِ في النكاحِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١].\nوفي قولِه تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: أنَّ مِن أسبابِ الغِنى والكفايةِ الزواجَ، فلا يَمنَعُ الفقيرَ فقرُهُ أن يتزوَّجَ؛ فاللَّهُ لم يأمُرْ بشيءٍ إلَّا وقد تكفَّلَ برِزقِ أهلِهِ فيه، ولكنَّ الناسَ يُبتلَوْنَ بضَعْفِ اليقينِ، فيُوكَلُونَ إلى ظنِّهم بربِّهم، واللَّهُ عندَ ظنِّ عبدِهِ به.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٠٦٥)، ومسلم (١٤٠٠).\n(٢) أخرجه أبو داود (٢٠٧٩).\n(٣) أخرجه أحمد (٣/ ٣٠١)، وأبو داود (٢٠٧٨)، والترمذي (١١١١).\n(٤) \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٥/ ١٤١).","vol":"4","page":1861},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)﴾ [النور: ٣٣].\nأمَر اللَّهُ مَن لم يَجِدْ قدرةً على النكاحِ؛ كمَنْ لا يَجِدُ مهرًا يُنفقُهُ، ولا دارًا تُؤوِيهِ: أن يَسْتَعِفَّ بسَعْيِهِ في طلبِ الرِّزقِ بالكسبِ حتى يُغنيَهُ اللَّهُ مِن فضلِه، وفي هذا أمرٌ بالأخذِ بالأسبابِ حتى لا يتواكَلَ الناسُ.\nوقد أمَرَ اللَّهُ مَن لم يجدْ مالًا يتزوَّجُ به أن يتكسَّبَ، ولم يأمُرْهُ بالترهُّبِ والتخلِّي للعبادةِ والانقطاعِ لها؛ لأنَّ النكاحَ سُنَّةُ الإنسانِ وفطْرةُ الحيوانِ.\nوقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾: فيه مشروعيَّةُ مُكاتَبةِ المَوَالي إنْ أرادُوها وفيهم قدرةٌ على الوفاءِ، فمَنْ رَغِبَ مِن العبيدِ في المُكاتَبةِ لإعتاقِ نفسِه، فيُكاتَبُ إنْ ظهَرَتْ قُدرَتُهُ على الوفاءِ وحُسْنُ قصدِه.\nوالجمهورُ على أنَّ المكاتَبةَ للاستحبابِ لا للوجوبِ، وهو الأظهَرُ، ومنهم مَن جعَلَ المكاتبةَ واجبةً، وهذا رُوِيَ عن عطاءٍ وأبي حنيفةَ؛ وبه يقولُ أهلُ الظاهرِ.\nوالذي عليه الجمهورُ: أنَّ الخيرَ في الآيةِ هو المالُ، وصحَّ هذا عن عطاءٍ (١) ومجاهدٍ.\nقال مجاهدٌ: \"إنْ علِمتُم لهم مالًا، كائنةً أخلاقُهُمْ وأديانُهُمْ ما كانتْ\" (٢).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٢٨٢).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٢٨١).","vol":"4","page":1862},{"text":"وفي هذا أنَّ مَن لا حِرْفةَ له ولا كسْبَ يُحسِنُهُ: أنَّ الأفضلَ عدمُ مكاتبتِه؛ حتى لا يَعِدَ ولا يَفِيَ، وربَّما أصابَ المالَ بحرام؛ ليتخلَّصَ مِن مُطالبتِه؛ ولو كاتَبَ مَن لا كَسْبَ له، جازَ، كما كاتَبَ أَهلُ بَرِيرَةَ بَرِيرَةَ ولا كَسْبَ لها، وقد جاءتْ إلى عائشةَ تطلُبُ العونَ (١).\nوالمرادُ بقولِه تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ إعانتُهُم بالتخفيفِ عنهم بإسقاطِ بعضِ المكاتَبَةِ، وقد كاتَبَ عمرُ وابنُهُ وابنُ عبَّاسٍ عَبِيدًا، ووضَعُوا عنهم شيئًا مِن مُكاتَبَتِهم.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: ٣٦].\nفي هذه الآيةِ: فضلُ بناءِ المساجدِ وتشييدِها، ورفعِها وإبرازِها؛ لِيَراها الناسُ؛ فيَقصِدُوها للعبادةِ مِن صلاةٍ واعتكافٍ وذِكرٍ.\nوقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ قولُه: \"هي المساجدُ يكرِمونَهُنَّ، ونَهى عن اللَّغْوِ فيها\" (٢).\nوصحَّ هذا عن مجاهدٍ وقتادةَ وغيرِهما (٣).\nومِن السلفِ: مَن حمَلَ البيوتَ على مساكنِ الناسِ عامَّةً؛ كعِكْرِمةَ (٤)، وجعلَ في ذلك مشروعيَّةَ ذِكْرِ اللَّهِ فيها وعمارتها بطاعتِه.\nومنهم: مَن خصَّها ببيوتِ النبيِّ -ﷺ- (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٥٦١)، ومسلم (١٥٠٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٣١٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٠٤).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٠٥).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٣١٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٣٦٠٥).\n(٥) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٠٤).","vol":"4","page":1863},{"text":"وقولُه تعالى: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ الأصلُ فيه أنَّه رفعٌ معنويٌّ بالذِّكْرِ والعبادةِ، وتنزيهِها عن اللَّغوِ والنَّجَسِ.\nوقد تقدَّمَ الكلامُ على عِمَارةِ المساجدِ وتشييدِها وبنائِها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧].\nوقولُه تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾، يعني: الصلاةَ فيها بُكْرةً وعَشِيًّا، فالتسبيحُ هنا الصلاةُ، وهذا نظيرُ قولِهِ تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١]، ويُشرَعُ في هذا الوقتِ الذِّكرُ والصلاةُ؛ ففيه مع صلاةِ الصبح وصلاةِ العَشيِّ أذكارُ الصباحِ وأذكارُ المساءِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧].\nذكَرَ اللَّهُ التجارةَ وعَدَّها مِن العوارضِ التي لا تُلهِي أهلَ الإيمانِ؛ إشارةً إلى أنَّها مِن أكثرِ ما يُلهي غيرَهم؛ وذلك لِما للمالِ مِن فتنةٍ وجاهٍ ومتعةٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1234>تركُ الأسواقِ والبَيْعِ وقتَ الصلاةِ:</span>\nقولُه تعالى: ﴿تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾ ذكَرَ اللَّهُ البيع بعدَ ذِكْرِهِ التجارةَ مع أنَّ التجارةَ بيعٌ وشراءٌ فلا يدورُ مالُ التاجرِ إلَّا بهما؛ لأنَّ المقصودَ أهلُ البيعِ، وهم الباعةُ، وأهلُ المَتاجِرِ، وفي ذِكْرِ (البيعِ) في الآيةِ مَقاصِدُ وحِكَمٌ أظهرُها -واللَّهُ أعلَمُ-:","vol":"4","page":1864},{"text":"أولا: أن الفتنةَ والشُّغْلَ بالبيعِ أكثَرُ مِن الفتنةِ بالشراءِ؛ فإنَّ ذِهْنَ مَن يبيعُ سِلْعةً ينشغِلُ بها أكثَرَ ممَّن يبحثُ عن سلعةٍ يَشترِيها، والبائعُ يهتمُّ بتدويرِ مالِه، بخلافِ المُشترِي، فغالبًا الناسُ تَشترِي لتستهلِكَ، والبائعُ يبيعُ سلعتَهُ ليشترِيَ مِثلَها ويبيعَهُ ويتكسَّبَ.\nثانيًا: أنَّ المقصودَ بها أهلُ الحوانيتِ والدكاكينِ والمَتاجِرِ، وهؤلاء يَبِيعونَ فيها أكثَرَ مما يَشترونَ، والبائعُ ثابِتٌ والمُشترِي عابرٌ، والتاجِرُ في مَتجَرِهِ يَشغَلُهُ البيعُ أكثَرَ مِن الشراءِ؛ لأنَّه يشترِي الشيءَ الكثيرَ مرةً واحدةً ثمَّ يبيعُهُ مُجَزَّأً، فيَعرِضُونَ سِلَعَهُمْ للناسِ طُولَ اليومِ، وهذا خِطابٌ لهم أنَّهم إن سَمِعوا النداءَ للصلاةِ أنْ يُجيبوا، ولا تَشغَلَهُمْ مَتاجرُهم وأسواقُهم عن الصلاةِ.\nثالثًا: أنَّ البائعَ يتحكَّمُ في السلعةِ والسوقِ أكثَرَ مِن المُشترِي، والبائعُ أقدَرُ على حِرْمانِ المشترِي مِن الانتفاعِ مِن السلعةِ، وهو يتمكَّنُ مِن الاحتكارِ والتسعيرِ والإضرارِ بالسوقِ والناسِ.\nرابعًا: أنَّ البائع غالبًا تاجرٌ، وأمَّا المشترِي فكثيرًا ما يكونُ محتاجًا وربَّما فقيرًا؛ فهو يَشترِي لانتَفاعِهِ لنفسِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1235>أمْرُ الناسِ وأهلِ الأسواقِ بالصلاةِ:</span>\nويَظهَرُ مِن هذا تعظيمُ قَدْرِ صلاةِ الحماعةِ، وتأكيدُ تركِ الأسواقِ لها، وهذه الآيةُ نزَلَت في تركِ أهلِ الأسواقِ أسواقَهُمْ لأداءِ الصلاةِ، وقد أمَرَ اللَّهُ بالجماعه عندَ التقاءِ الصفينِ في القتالِ؛ فكيف لا يُؤمَرُ بها عندَ التقاءِ المتبايِعَينِ في الأسواقِ؟ !\nولم تكنِ الأسواقُ تُفتَحُ في المدينةِ بعدَ الأذانِ تعظيمًا لهذه الشعيرةِ، فقد روى ابنُ مَرْدَويهِ في \"تفسيرِه\"، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبَّاسٍ -﵁-؛ قال: \" ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾: كانوا رجالًا يَبتغونَ مِن","vol":"4","page":1865},{"text":"فضلِ اللَّهِ يَشتَرُونَ ويَبِيعُونَ، فإذا سَمِعُوا النداءَ بالصلاةِ، ألقَوْا ما بأيدِيهِم وقاموا الى المساجدِ فصَلَّوْا\" (١).\nورَوَى عليُّ بنُ أبى طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: \"عن الصلاةِ المكتوبةِ\" (٢).\nوأخرَجَ عبدُ الرزاقِ وابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ، عن عمرِو بنِ دِينارٍ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ: \"أنَّه كان في السوقِ فأقيمَتِ الصلاةُ، فأغلَقوا حوانيتَهم، ثمَّ دخَلُوا المسجدَ، فقال ابنُ عمرَ: فيهم نزَلتْ ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ \" (٣).\nوأخرَجَ سعيدُ بنُ منصورٍ وابنُ جريرٍ، عن ابنِ مسعودٍ: \"أنَّه رأى ناسًا مِن أهلِ السوقِ سَمِعُوا الأذانَ، فترَكُوا أمتعتَهُمْ وقاموا إلى الصلاةِ، فقال: هولاء الذين قال اللَّهُ: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ \" (٤).\nوكان هديُهُ -﵊- تنبيهَ الناسِ في الطريقِ وإقامتَهُمْ إلى الصلاةِ، وألَّا يكِلَهُمْ إلى إيمانِهم وصلاحِهم، ولا إلى سماعِهم النداءَ؛ كما جاء عن مسلمِ بنِ أبي بَكْرةَ، عن أبيه؛ قال: \"خرَجْتُ مع النبيِّ -ﷺ- لصلاةِ الصبحِ، فكان لا يمُرُّ برجُلٍ إلَّا ناداهُ بالصلاةِ أو حرَّكَهُ برِجْلِهِ\"؛ رواهُ أبو داودَ (٥).\nورُوِيَ هذا في أحاديثَ كثيرةٍ بمعناهُ؛ فقد روى أحمدُ في \"مسندِه\"،\n_________\n(١) \"الدر المنثور\" (١١/ ٨٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٣٢٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٠٨).\n(٣) \"تفسير عبد الرزاق\" (٢/ ٦١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٠٧)، و\"الدر المنثور\" (١١/ ٨٥).\n(٤) تكملة كتاب \"التفسير من سنن سعيد بن منصور\" (٦/ ٤٥٠)، و\"تفسير الطبري\" (١٧/ ٣٢٢).\n(٥) أخرجه أبو داود (١٢٦٤).","vol":"4","page":1866},{"text":"عن عبدِ اللَّهِ بنِ طِهْفَةَ؛ أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- كان إذا خرَجَ، جعَلَ يُوقِظُ الناسَ: (الصلاةَ، الصلاةَ!) (١).\nوقد كانتِ الأسواقُ في زمنِ النبيِّ -ﷺ- تُفتَحُ مع صلاةِ الفجرِ، فبيَّنَ بعضُ الصحابةِ خطورةَ التخلُّفِ عن صلاةِ الجماعةِ، والمبادَرَةِ إلى الأسواقِ قبلَها؛ فقد روى ابنُ أبي عاصمٍ في \"الوُحْدَانِ\"، ومِن طريقِهِ أبو نُعَيْمِ بسندٍ صحيحٍ، عن مِيثَمٍ رجلٍ مِن أصحابِ النبيِّ -ﷺ- قال: \"يَغْدُو المَلَكُ برايتِهِ مع أولِ مَن يَغدُو إلى المسجدِ، فلا يزالُ بها معه حتى يَرجعَ فيَدْخُلَ بابَ مَنْزِلِهِ، وإنَّ الشيطانَ لَيَغْدُو برايتِهِ مع أوَّلِ مَنْ يَغدُو إلى السُّوقِ\" (٢).\nوكان عملُ الصحابةِ -﵃- عدمَ البيعِ وقتَ الصلاةِ، بلِ الانصرافَ مِن السوقِ وتركَهُ إلى المساجدِ؛ فروَى أحمدُ بسندٍ جيِّدٍ، عن زيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنِيِّ، قال: \"كُنَّا نُصلِّي مع النبيِّ -ﷺ- المَغْرِبَ، وننصرِفُ إلى السُّوقِ\" (٣).\nيعني: أنَّهم قطَعوا الضَرْبَ في الأسواقِ عصرًا بدخولِ وقتِ المغرِبِ، ثمَّ انصرَفوا إلى سُوقِهِمْ مرةً أُخرى.\nوكان الأمرُ بذلك والطوافُ على الناسِ وتنبيهُهُمْ في أولِ الأمرِ في المدينةِ وفي آخرِ حياتِهِ -ﷺ-، وفي أسفارِهِ أيضًا، كما في حَجَّةِ الوداعِ؛ كما رواهُ أبو نُعَيْمٍ في \"معرفةِ الصحابةِ\"، عن مسلم بنِ يَسَارٍ، عن أَبيهِ؛ قَالَ: خرَجْتُ مع مَوْلايَ فَضَالَةَ بنِ هِلَالٍ في حَجَّةِ الوداعِ، فسَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- يقولُ: (الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ!) (٤).\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٦).\n(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٢٧١٥)، وأبو نعيم في \"معرفة الصحابة\" (٦٣٥٤).\n(٣) أخرجه أحمد (٤/ ١١٤).\n(٤) أخرجه أبو نعيم في \"معرفة الصحابة\" (٦٦٥٤).","vol":"4","page":1867},{"text":"وقد جاء في أولِ الأمرِ ما رواهُ ابنُ خُزَيمةَ في \"صحيحِه\"، والطبرانيُّ، عن خالدٍ الحَذَّاءِ، عن أبي قِلابةَ، عن أنسٍ؛ قال: \"كانتِ الصلاةُ إذا حضَرَتْ على عهدِ النبيِّ -ﷺ-، سعى رجلٌ إلى الطريقِ، فنادَى: الصلاةَ الصلاةَ! \" (١).\nوكان هذا العملُ في زمنِ الخلفاءِ الراشدِين: يُنَبِّهونَ على الصلواتِ النائمين، فضلًا عن القائِمِنَ والقاعِدِينَ في الأسواقِ، ويأمُرُونَهم بذلك؛ فقد اشتهَرَ هذا في فعلِ الخلفاءِ عمرَ وعليٍّ يقومونَ به بأنفُسِهِمْ لا يُنِيبُونَ عليه أحدًا؛ قال أبو زَيْدٍ المجاجيُّ في شرحِهِ على \"مختصرِ ابنِ أبي جَمْرةَ\": \"ذكَرَ غيرُ واحدِ ممَّن ألَّفَ في السِّيَرِ أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ وعليًّا كانا مِن عادتِهما إذا طلَعَ الفجرُ، خرَجَا يُوقِظانِ الناس لصلاةِ الصبحِ\" (٢).\nوروَى كثيرٌ مِن أهلِ المسانيدِ والسِّيَرِ؛ كالطبريِّ وابنِ عساكِرَ والخطيبِ، بأسانيدَ أكَثرَ مِن أن تُساقَ في موضعٍ، ومتونٍ أشهَرَ مِن أن يَتطرَّقَ إليها احتمالُ الشكِّ بضَعْفٍ، منها عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن أبي رافعٍ: \"كان عمرُ يَخْرُجُ يُوقِظُ الناس للصَّلاةِ صلاةِ الفجرِ\".\nوروَى ابنُ سعدٍ بإسنادٍ صحيحٍ إلى الزُّهريِّ: \"خرَجَ عمرُ يُوقِظُ الناسَ للصَّلاةِ صلاةِ الفجرِ، وكان عُمَرُ يَفعلُ ذلك\" (٣).\nوإذا كان هذا حالَ النائمِ في زمنِهِ، فكيف باليَقْظانِ يبيعُ ويَشترِي ويَفترِشُ الطرُقاتِ؟ ! بل قد كان الأعرابيُّ يَقدَمُ المدينةَ ومعه الجَلَبُ ليبيعَهُ في سوقِ المدينةِ وقتَ الصلاةِ ولا يجدُ الناسَ في السوقِ، فيَلزَمُ الصلاةَ معهم، ويخرُجُ بعدَها إلى السوقِ، كما رواهُ ابنُ أبي الدُّنيا في \"إصلاحِ\n_________\n(١) أخرجه ابن خزيمة فى \"صحيحه\" (٣٦٩)، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٥٩٨٤).\n(٢) \"التراتيب الإدارية\" لعبد الحي الكتاني (١/ ١٣٤).\n(٣) \"الطبقات الكبرى\" (٣/ ٣٤٥).","vol":"4","page":1868},{"text":"المالِ\"، عن أَصْبَعَ بنِ نُبَاتَةَ؛ قال: \"خرَجتُ أنا وأبي من ذِرْوَدٍ -وهو جبلٌ مِن أطرافِ الباديةِ- حتى ننتهيَ الى المدينةِ في غَلَسٍ والناسُ في الصلاةِ، فانصرَفَ الناسُ مِن صلاتِهم، فخرَجَ الناسُ على أسواقِهم، ودفَع الينا رجلٌ معه دِرَّةٌ له، فقال: يا أعرابيُّ، أتبيعُ؟ فلم أزَلْ أساوِمُ به حتى أرضاهُ على ثَمَنٍ، وإذا هو عمرُ بنُ الخطَّابِ، فجعَلَ يطوفُ في السُّوقِ يأمُرُهُم بتقوى اللَّهِ ﷿ يُقبِلُ فيها ويُدبِرُ\" (١).\nوكما ثبَتَ هذا عن غيرِ واحدٍ من التابعينَ؛ كأيُّوبَ بنِ أبي تَمِيمةَ السَّخْتيَانيِّ؛ كما رواهُ البيهقيُّ في \"الشُّعبَ\"، عن ضَمرةَ، عن ابنِ شَوْذَبٍ؛ قال: \"كان أيوبُ يَؤُمُّ أهلَ مسجدِهِ -يعني: في البصرةِ- ويقولُ هو للناسِ: الصلاةَ الصلاةَ! \" (٢).\nيعني: يطوف عليهم مذكِّرًا لهم.\nويُستحَبُّ في حقِّ الوالي أن يمنحَ الأعمى والعاجِزَ ما يُوصِلُهُ إلى المسجدِ جماعةً مِن قائدٍ ومَركَبٍ، ما تيسَّرَ على المُسلِمينَ المالُ ولم بشُقَّ على المصلِّي؛ فقد روى ابنُ سعدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمةَ؛ قال: \"جاء عمرُ -﵁- سعيدَ بنَ يَرْبُوعٍ إلى منزلِه، فعزَّاهُ في ذَهَابِ بصرِهِ، وقال: لا تَدَعِ الجُمُعةَ ولا الصلاةَ في مسجِدِ رسولِ اللَّهِ -ﷺ-، قال: ليس لي قائدٌ، فقال الفاروقُ: فنحن نَبْعَثُ إليك بقائِدٍ، فبعَثَ إليه بغلامٍ مِن السَّبْيِ\" (٣).\nوكانتِ الأسواقُ لا تُقامُ والصلاةُ حاضِرةُ في الحواضرِ، وإذا قَدِمَ أهلُ البَوادِي، أخَذُوا حُكْمَ الحواضرِ؛ كما رواهُ أحمدُ في \"مسندِه\"،\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في \"إصلاح المال\" (ص ٧٥).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٣٠٠٥).\n(٣) \"الطبقات الكبرى\" -متمم الصحابة- الطبقة الرابعة (ص ٣٦٢).","vol":"4","page":1869},{"text":"والبيهقيُّ في \"الشُّعَبِ\" -واللفظُ له- وغيرُهما، عن المغيرةِ بنِ عبدِ اللَّهِ اليشكُريِّ، عن أبيه؛ قال: \"قَدِمتُ الكُوفةَ أنا وصاحبٌ لي لِأَجلِبَ منها نعالًا، فغدَوْنا إلى السُّوقِ ولمَّا تُقَمْ، فقلتُ لصاحبي: لو دخَلْنا المسجدَ\" (١).\nورُوِيَ عن الحسنِ: \"واللَّهِ، لقد كانوا يَتبايَعُونَ في الأسواقِ، فإذا حضَرَ حقٌّ مِن حقوقِ اللَّهِ، بدؤوا بحقِّ اللَّهِ حتى يَقْضُوهُ، ثمَّ عادُوا إلى تجارتِهم\" (٢).\nوفي \"الحِليَةِ\" لأبي نُعَيمٍ، عن سُفْيانَ الثوريِّ: \"كانوا يَشْتَرُونَ وَيَبِيعُونَ، ولا يَدَعُونَ الصلواتِ المكتوباتِ في الجماعةِ\" (٣).\nوكان جماعةٌ مِن المفسِّرينَ مِن التابعينَ على تبايُنِ بُلْدانِهم، يَحمِلونَ قولَ اللَّهِ تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ على تركِ البيعِ والشراءِ والانصرافِ للصلواتِ، وممَّن قال بهذا: عطاءُ بنُ أبي رَبَاحٍ، وأبو العاليةِ رُفَيْعُ بنُ مِهرانَ، وأيوبُ، والحسنُ، وقتادةُ، ومطرٌ الورَّاقُ، والربيعُ بنُ أنسٍ، والسُّدِّيُّ، والثوريُّ، ومقاتلُ بنُ حَيَّانَ، والضحَّاكُ بن مَخْلَدٍ (٤).\nوقد كانتِ الأسواقُ في بُلْدانِ المُسلِمينَ على ذلك؛ كانوا يَدَعُونَ أسواقَهُمْ، ويتَّجهونَ إلى الصلاةِ؛ كما قال أبو طالبِ المَكِّيُّ في \"قُوتِ القلوبِ\"، ذاكرًا حالَ الأسواقِ عندَ السالِفِينَ: \"إذا سَمِعوا الأذانَ، ابتدَرُوا المساجِدَ، وكانتِ الأسواقُ تخلو مِن التجارِ، وكان في أوقاتِ\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٤٧٢)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (١٠٦٢٠).\n(٢) \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ١٨٩).\n(٣) \"حلية الأولياء\" (٧/ ١٥)، و\"شعب الإيمان\" (٢٦٦١).\n(٤) ينظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٠٧ - ٢٦٠٩)، و\"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٦٩)، و\"صحيح البخاري\" (٣/ ٥٥).","vol":"4","page":1870},{"text":"الصلاةِ معايشُ للصِّبْيانِ وأهلِ الذِّمَّةِ، وكانوا يستأجِرُونَهم التجارُ بالقراريطِ والدوانيقِ؛ يَحْفَظُونَ الحوانيتَ إلى أوانِ انصرافِهم مِن المساجدِ\" (١).\nوقال أبو حامدٍ الغزاليُّ في \"الإحياءِ\": \"كان السلفُ يَبتدِرونَ عندَ الأذانِ، ويُخلُونَ الأسواقَ للصِّبْيانِ وأهلِ الذِّمَّةِ، وكانوا يُستأجَرُونَ بالقراريطِ لحفظِ الحوانيتِ في أوقاتِ الصلواتِ\" (٢).\nوقال ابنُ تيميَّةَ في \"الفتاوى\": \"إذا تعمَّدَ الرجُلُ أن يَقعُدَ هناك ويترُكَ الدخولَ إلى المسجِدِ كالذين يقعُدُونَ في الحوانيتِ، فهؤلاءِ مُخطِئونَ مُخالِفونَ للسُّنَّة\" (٣).\nوأكثرُ المؤرخينَ لا يَنُصُّونَ عليه؛ لاشتهارِهِ؛ وإنَّما يذكُرونَه على سبيلِ مناقبِ الأفرادِ المخصوصِينَ ببعضِ الوِلَاياتِ، وبَلَغَ عملُ الحكَّامِ به أقاصيَ بلادِ الإسلامِ حتى بلادِ المغرِبِ الأقصى؛ كالسُّلطانِ أبي عنانَ المَرِينِيِّ حاكمِ المغرِبِ الأوسطِ كلِّه في القرنِ الثامنِ، كما ذكَرَهُ أبو زيدٍ الفاسيُّ في تاريخِهِ \"تاريخ بيوتاتِ قاسٍ\" لدى كلامِه على بيتِ بَنِي زَنْبَقٍ؛ ذكَر أنَّ السُّلْطانَ يُنِيبُ أبا المكارمِ منديلَ بنَ زَنْبَقٍ؛ ليُحرِّضَ الناسَ في الأسواقِ على الصلاةِ في أوقاتِها، ويَضرِبَ عليها بالسِّياطِ والمَقَارعِ بأمرِ أميرِ المؤمنينَ أبي عنانَ (٤).\nوالأمرُ بذلك إلى اليومِ في الحجازِ ونجدٍ وسائرِ جزيرةِ العربِ؛ يُؤمَرُ به ويُعمَلُ، وأكثرًا الناسِ يَدَعُونَ متاجِرَهم رَغْبةً لا رَهْبةً.\n* * *\n_________\n(١) \"قوت القلوب\" (٢/ ٤٣٧)\n(٢) \"إحياء علوم الدين\" (٢/ ٨٥).\n(٣) \"مجموع الفتاوى\" (٢٣/ ٤١١).\n(٤) \"بيوتات فاس الكبرى\" لإسماعيل بن الأحمر (ص ٥٠)، و\"التراتيب الإدارية\" (١/ ١٣٤).","vol":"4","page":1871},{"text":"* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٨].\nأمَرَ اللَّهُ باستئذانِ المَوَالِي عندَ دخولِهم بيوتَ أسيادِهم، والأحرارِ الصِّغَارِ الذين لم يبلُغُوا الحُلُمَ، في أوقاتٍ ثلاثةٍ:\nالأولُ: قبلَ صلاةِ الفجرِ؛ لأنَّه موضعُ نومٍ وتكشُّفٍ.\nالثاني: عندَ الظهيرةِ؛ لأنَّها موضعُ القيلولةِ وما فيها مِن راحةٍ تُوضَعُ فى مِثْلِها الثيابُ.\nالثالثُ: بعدَ صلاةِ العشاءِ؛ لأنَّه موضعُ وضعِ لِبَاسٍ وراحةٍ ومُعَاشَرةٍ.\nوالخِطابُ تَوجَّهَ إلى المَوَالي والصِّغَارِ؛ وذلك أنَّهم يُعلَّمُونَ حُكمَ اللَّهِ فيهم إن لم يُدركُوهُ بأنفُسِهم.\nوقد بيَّنَ اللَّهُ العلةَ مِن الأمرِ بالاستئذانِ، وهي ظهورُ العَوْراتِ وما يَكرَهُ الإنسان رؤيتَهُ، وذلك في قوله: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾.\nوأصل لفظِ العورةِ يُطلَقُ على النقصِ والخللِ، ولمَّا كان صاحبُ النقصِ يَكْرَهُ أن يُرى وينكشِفَ نقصُهُ، دخَلَ في معنى (العَورةِ) كلُّ ما يَشترِكُ في كراهةِ رؤيتِهِ عقلًا أو شرعًا أو عُرفًا ولو كان في حقيقتِهِ كامِلًا:\nففي العُرْفِ لا يُحبُّ الناسُ أن تُرى بيوتُهُمْ مِن الداخلِ إلَّا بإذنِهم؛ فقال اللَّهُ على لسانِ المُنافِقينَ: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣] تُدخَلُ ونحن نَكْرَهُ ولا أحدَ يَمنَعُ، فتُسمَّى البيوتُ المفتوحةُ عَوْرةً ولو كانتِ البيوتُ لا عَيبَ فيها ولا نقصَ.","vol":"4","page":1872},{"text":"ويُطلَقُ على الجهةِ التي يَكرَهُ الإنسانُ أن يُدخَلَ عليه منها عَوْرةٌ؛ كبابِ البيتِ ونافذتهِ وثَقْبِ البابِ، وجهةِ الحيِّ والمدينةِ التي لا حارسَ عليها مِن عدوٍّ أو سارقٍ؛ قال لَبِيدٌ:\nحَتَّى إِذَا أَلْقَتْ يَدًا فِي كَافِرٍ ... وَأَجَنَّ عَورَاتِ الثُّغُورِ ظَلَامُهَا\nومن هذا جاء النهيُ في هذه الآيةِ حتى لا يُرى صاحب البيتِ مِن خادمِهِ ومولاتِهِ والصغيرِ على حالِ يَكرَهُها ولو لم تكن خَطَأً أو حرامًا؛ كتخفُّقهِ مِن لِباسِهِ أو مباشرتِهِ لزوجتِه، وقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ قولُهُ: \"إذا خلا الرجلُ بأهلِهِ بعدَ العِشاءِ، فلا يدخُل عليه خادمٌ ولا صبيٌّ إلَّا بإذنِهِ حتى يُصلِّيَ الغَدَاةَ\" (١).\nوقد عَدَّ بعضُ السلفِ الآيةَ منسوخةً؛ وذلك لأنَّهم رأَوْا أنَّها نزَلَت في حالِ ضَعْفِ الحالِ وعدم الستر والأبوابِ والغُرَفِ التي تُحكَمُ وتُغلَقُ بأبوابٍ وأقفالٍ، قالوا: \"ولذلك يرتفِعُ الحرَجُ عن المَوَالي والصِّغَارِ\".\nوالصحيحُ: إحكامُها، وارتفاعُ العلةِ لا يعني ارتفاعَ الحُكْمِ؛ فقد تعودُ العلةُ؛ فيعودُ الحُكمُ معها، ثمَّ إنَّها لم تَرتفِع بإطلاقٍ وإنِ ارتفَعَت مِن عامَّةِ الناسِ لليسارِ والنعيمِ الذي هم فيه.\nوقد روى أبو داودَ، عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ أبي يزيدَ، سَمِعَ ابنَ عبَّاسٍ يقولُ: لَم يُؤمَرْ بهَا أَكْثرُ النَّاسِ؛ آيَةَ الإذنِ، وإنِّي لَآمُرُ جَارِيتِي هَذِهِ تَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ\" (٢).\nوروى أيضًا عن عِكْرِمةَ: \"أنَّ نَفَرًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالُوا: يَا بْنَ عَبَّاسٍ، كَيْفَ تَرَى فِي هَذِهِ الآيَةِ الَّتي أُمِرنَا فِيهَا بمَا أُمِرْنَا، وَلَا يَعْمَلُ بِهَا أحَدٌ: قول اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبى حاتم\" (٨/ ٢٦٣٤).\n(٢) أخرجه أبو داود (٥١٩١).","vol":"4","page":1873},{"text":"وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ إلى ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ حَلِيِمٌ رَحِيمٌ بِالمُؤْمِنِينَ يُحِبُّ السَّتْرَ، وَكَانَ النَّاسُ لَيْسَ لِبُيُوتِهِمْ سُتُورٌ وَلَا حِجَالٌ (جمعُ: حَجَلَةٍ، وهي بيتٌ كالقُبَّةِ يُسْتَرُ بالثيابِ، يَجْعَلُونَها للعَرُوسِ)، فَرُبَّمَا دَخَلَ الْخَادِمُ أَوِ الْوَلَدُ أَوْ يَتِيمَةُ الرَّجُلِ وَالرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ، فَأَمَرَهُمُ اللَّه بالاِسْتِئْذَانِ فِي تِلْكَ الْعَوْرَاتِ، فَجَاءَهُمُ اللَّهُ بِالسُّتُورِ وَالْخَيْرِ، فَلَمْ أرَ أَحَدًا يَعْمَلُ بِذَلِكَ بَعْدُ\" (١).\nوأمرُ الصبيِّ في الآيةِ ليس مُتوجِّهًا إليه؛ لأنَّه غيرُ مكلَّفٍ؛ وإنَّما يتوجَّهُ إلى وليِّهِ أن يأمُرَهُ ويُعلِّمَهُ ويُؤدِّبَهُ إنْ خالَفَهُ؛ وذلك كقولِهِ -ﷺ-: (مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ) (٢).\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٩].\nفي هذا: تشديدٌ على الصِّغارِ بعدَ بُلوغِهم في دخولِهم على والدِيهِمْ وإخوانِهم وأخواتِهم وأعمامِهم وخالاتِهم، وأنَّ ثبوتَ المَحْرَمِيَّةِ لا يعني جوازَ الدخولِ بلا إذنِ؛ لأنَّ ثَمَّةَ عَوْراتٍ لا يصحُّ لأحدٍ أن يَراها حتى الأرحامُ سوى الزوجاتِ، وثَمَةً أحوالٌ يَكرَهُ الإنسانُ رؤيتَهُ عليها ولو مِن زَوْجِه.\nوكان ابنُ مسعودٍ يقولُ: \"عليكم الإذنَ على أمَّهاتِكم\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٥١٩٢).\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٢٤٥).","vol":"4","page":1874},{"text":"وقولُه تعالى: ﴿بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ﴾ خطابٌ لأطفالِ الناسِ، وليس لأطفالِ الأَبعدِينَ، فإنْ كان هذا الحُكْمُ في أطفالِهم، فأطفالُ الأبعَدِينَ مِن بابِ أَولى.\nوقولُه تعالى: ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أى: إنَّهم أخَذُوا حُكْمَ مَن سبَقَهم مِن البالغِين، على ما تقدَّمَ بيانُهُ مِن صفةِ الاستئذانِ وبَذْلِ السلامِ.\nواللَّهُ قد خفَّفَ على الصِّغارِ في حالِ صِغَرِهم، ولكنَّه بعدَ البلوغِ أَلْحَقَهم بمَن سبَقَهُمْ مِن الحالِمين، فقد جعَلَ الأطفالَ الصِّغارَ والمواليَ يَستأذِنونَ في الأوقاتِ الثلاثةِ، ولكنْ جعَلَ استئذانَهُمْ بعدَ بُلُوغِهم: كلَّ وقتٍ، كما تقدَّمَ في غيرِهم.\nوقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ قولُهُ: \"أمَّا مَن بلَغَ الحُلُمَ، فإنَّه لا يدخُلُ على الرجُلِ وأهلِهِ -يعني: مِن الصِّبْيانِ الأحرارِ- إلَّا بإذنٍ على كلِّ حالٍ، وهو قولُه: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ \" (١).\nوجاء عن عطاءٍ في قوله: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾؛ قال: \"واجبٌ على الناسِ أجمَعِينَ أنْ يَستَأْذِنُوا إذا احتلَمُوا، على مَن كان مِن الناسِ\" (٢).\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٣٥٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٣٧).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٣٥٩).","vol":"4","page":1875},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠].\nالمرأةُ القاعِدُ: هي التي قعَدَتْ عن الحَيْضِ والوَلَدِ لكِبَرِها، ولا تُرغَبُ غالبًا مِن الرِّجالِ؛ فيجوزُ لها وضعُ ثيابِها غيرَ متزيِّنةٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1236>حِجابُ القواعدِ مِن النِّساءِ:</span>\nاتَّفَقَ المفسِّرونَ مِن الصحابةِ والتابعينَ: أنَّ الثيابَ التي رخَّصَ اللَّهُ بها للعجوزِ هي (الجلابيبُ)، والجلابيبُ جمعُ جِلْبابٍ، وهو ما يكونُ مِن لِباسٍ فَضْفَاضٍ فوقَ الخِمَارِ يَستوعِبُ أعلى الَبَدَنِ ووَسَطَه، ويُسدَلُ فيُغطَّى به الوجهُ والصدرُ؛ ففي \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ عائشةَ -﵂-؛ قالتْ: \"فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي\" (١).\nوالجِلْبابُ قريبٌ مِن العَبَاءةِ اليومَ، لكنَّه غيرُ مفصَّلٍ، ويُسمَّى القِنَاعَ أو المُلَاءةَ.\nوالفرقُ بينَ الخِمارِ والجلبابِ: أنَّ الخِمارَ يكونُ تحتَ الجلبابِ، والخِمارُ تَلبَسُهُ المرأةُ وتشُدُّهُ على رأسِها وما دونَه، ويكونُ ملاصقًا للجسمِ مشدودًا، بخلافِ الجِلْبابِ فهو غطاءٌ زائدٌ فوقَهُ فَضْفاضٌ يُرخَى غالبًا ولا يُشَدُّ؛ لا على الوجهِ، ولا على الصدرِ، بحيثُ يُبرِزُ حجمَ العضوِ؛ ولذا ورَدَ في \"صحيحِ مسلمٍ\"، عن أمِّ سُلَيْمٍ: (أنَّها خَرَجَتْ مُسْتَعْجِلَةً تَلُوثُ خِمَارَهَا) (٢)؛ يعني: تُدِيرُهُ على رأسِها وتشُدُّه، والخِمَارُ\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) أخرجه مسلم (٢٦٠٣).","vol":"4","page":1876},{"text":"هو الذي تَصُرُّ بطرَفِهِ بعضُ النِّساءِ الأوائلِ دنانيرَها؛ لتَماسُكِهِ وثباتِهِ عليها.\nوالصحابةُ والتابعونَ رخَّصُوا للقاعدِ أنْ تضَعَ الجلبابَ الذي تُؤمَرُ به الشابَّةُ كما في آيةِ الأحزابِ، وقد جاء بسندٍ صحيحٍ ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ مسعودٍ وابنِ عمرَ والشَّعْبيِّ وابنِ جُبَيْرٍ والحسنِ ومجاهِدٍ وعطاءٍ وعِكرِمةَ وقتادةَ وغيرِهم، وهؤلاءِ كلُّهم لهم تفسيرٌ للزِّينةِ الظاهرةِ التي تُنهى الشابَّة عن إبدائِها إلَّا لِمَنْ أذِنَ اللَّهُ لهنَّ أنْ يُبدِينَه؛ كما تقدَّمَ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١].\nواتفَقوا هناك على أنَّ ما تَختَصُّ به العجوزُ عن الشابَّةِ رفعُ الجلبابِ فقطْ، والجلابيبُ: هي ما تَختَصُّ بسَتْرِ الوجهِ مِن بَشَرةِ الجسمِ، وتكونُ فوقَ بقيَّةِ الثيابِ ثوبًا على ثوبٍ، فالجلبابُ فوقَ الخِمَارِ، ويدُلُّ على أنَّ الجلابيبَ ما كانتْ تستُرُ الوجوهَ للشابَّةِ جملةٌ مِن تفسيرِ أفصَحِ الناسِ وأقرَبِهم إلى الوحي، وهم الصحابةُ والتابعونَ، ولقد تقدَّم ذكْرُ هذه الآثارِ عند تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾؛ فلتنظَرْ هناك.\nواتِّفاقُ الصحابةِ والتابعينَ على هذا المعنى دليلٌ على القَدْرِ الباقي الذي اختصَّتْ به الشابَّةُ وميَّزَها عن القاعدِ، وما اختصَّتْ به القاعدُ عن الشابَّةِ.\nولا يتحقَّقُ فَهْمُ حِجابِ القواعدِ إلَّا بفَهْمِ حجابِ الشابَّةِ، ويُعِينُ فهمُ حجابِ القواعدِ على فهمِ حجابِ الشابَّةِ.\n* * *","vol":"4","page":1877},{"text":"* قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١].\nلمَّا أنزَلَ اللَّهُ على الناسِ تحريمَ أكلِ أموالِهِمْ بالباطلِ وشدَّدَ في ذلك عليهم، تحرَّجُوا لوَرَعِهِمْ مِن الأكلِ مِن بيوتِ بعضِهم بعضًا ممَّا كانوا يَتسامَحُونَ به قبلَ ذلك؛ فبيَّنَ اللَّه لهم أنْ لا حرَجَ مِن الأكلِ مِن بيوتِ قرَاباتِهم وما جَرَتِ العادةُ بالإذنِ به كبيوتِ الأصدقاءِ والقَرَاباتِ وغيرِهم، وقد صحَّ عن ابنِ عباسِ أنَّه قال: \"لمَّا أنزَلَ اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]، قال المُسلِمونَ: إنَّ اللَّه قد نَهَانَا أن نأكُلَ أموالَنا بينَنا بالباطلِ، والطعامُ هو أفضلُ الأموالِ، فلا يَحِلُّ لأحدٍ منَّا أن يأكُلَ عندَ أحدٍ، فكَفَّ الناسُ عن ذلك؛ فأنزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾، إلى قولِه: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ \"؛ رواهُ الطبريُّ وابنُ أبي حاتمٍ (١).\nوبنحوِه قال عِكْرِمةُ والحسنُ.\nوفي قولِه تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ الآيةَ: دليلٌ على جوازِ الأكلِ مِن بيوتِ القَرَاباتِ التي جَرى العُرْفُ بالتسامُحِ فيها، ولا يَلزَمُ أن تَستأذِنَ الزوجةُ مِن زوجِها لإطعامِ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٣٦٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٤٨).","vol":"4","page":1878},{"text":"قَرَابَاتِهِ وقراباتِها في بيتِه؛ قال السُّدِّيُّ: \"كان الرجُلُ يدخُلُ بيتَ أبيهِ أو أخيهِ أو ابنِهِ، فتُتحِفُهُ المرأة بشيءٍ مِن الطعامِ، فلا يأكُلُ مِن أَجلِ أنَّ رَبَّ البيتِ ليس ثمَّ\" (١).\nوقولُه تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾؛ يعني: المَوالِيَ والخَدَمَ ومَن يخلُفُ الرجلَ في بيتِهِ عندَ ذَهَابِهِ للغزوِ، فيأكُلونَ مِن بيتِهِ بالمعروفِ؛ قال بهذا عائشةُ (٢)، وبنحوِه عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ والسُّدِّيِّ (٣).\nوقولُه: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾؛ يعني: أنَّ دخولَ الرَّجُلِ إلى بيتِ صديقِه وإذنُهُ له بالدخولِ يُجِيزُ له الأكلَ بلا حَرَجٍ في ذلك مما يجدُهُ ولو لم يَستأذِنهُ، وقد صحَّ عن قتادةَ قولُه: \"لو دخَلْتَ على صديقٍ ثمَّ أكَلتَ مِن طعامِهِ بغيرِ إذنِه، لكان لك حلالًا\" (٤).\nوقد حمَلَ بعضُ السلفِ هذه الآيةَ يةَ على تركِ الجهادِ لِمَن كان معذورًا عندَ وجوبِهِ على الناسِ كزَمَنِ النفير والدفعِ، وحمَلُوها على معنى قولِه تعالى في التوبةِ: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]؛ وهذا يُروى عن عطاءٍ الخُرَاسانيِّ (٥) وابنِ زيدٍ (٦).\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٤٦).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٤٦).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٤٦).\n(٤) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٤٦).\n(٥) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٤٦).\n(٦) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٣٦٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٤٤).","vol":"4","page":1879},{"text":"ومنهم: مَن حمَلَهُ على تحرُّجِهم مِن الأكلِ مع الأعمى؛ لأنَّه لا يُبصِرُ الأكلَ وما فيه مِن طيِّباتٍ، فتحرَّجُوا مِن الاستئثارِ بأكلِ الطيِّبِ دونَهُ، والأعرجِ الذي لا يستقيمُ مقعدُهُ لتناوُلِ الأكلِ كالصحيحِ المُعافَى، والضعيفِ المريضِ الذي لا يَقْوَى على أكلِ ما تَشتَهِيهِ نفسُهُ فيمنعُهُ العجزُ أو المرضُ؛ وهذا رُوِيَ عن ابنِ جُبيرٍ ومِقْسَمِ والضحاكِ وسُلَيْمانَ بنِ موسى (١).\nوصحَّ عن قتادةَ أنَّه قال: \"مُنِعَتِ البيوتُ زمانًا كان الرجلُ لا يُطعِمُ أحدًا ولا يأكُلُ في بيتِ غيرِهِ تأثُّمًا من ذلك؛ فكان أولُ مَن رُخِّصَ له في ذلك الأعمى، ثم رُخِّصَ بعدَ ذلك للناسِ عامَّةٌ\" (٢).\nوقد قال مجاهدٌ: \"كان الرجلُ يذهبُ بالأعمى والمريضِ والأعرجِ إلى بيتِ أبِيهِ، أو إلى بيتِ أخيهِ، أو عمِّه، أو خالِه، أو خالتِه، فكان الزَّمْنَى يَتحرَّجونَ من ذلك؛ يقولونَ: إنَّما يَذْهَبُونَ بنا إلى بيوتِ غيرِهم، فنزلَت هذه الآيةُ رُخْصةَ لهم\"؛ رواهُ ابنُ جريرٍ، وابنُ أبي حاتمٍ (٣).\nقولُهُ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾؛ جاء عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّه قال: \"كانوا أيضًا بَأنَفُونَ ويتحرَّجونَ أن يأكُلَ الرجلُ الطعامَ وحدَهُ حتى يكونَ معه غيرُه؛ فرخَّصَ اللَّهُ لهم في ذلك؛ فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ \"؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ (٤).\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٤٣ - ٢٦٤٤).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٤٦).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٣٦٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٤٥).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٣٧٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٤٨).","vol":"4","page":1880},{"text":"ورُوِيَ نحوُهُ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ وقتادةَ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1237>فضلُ الاجتماعِ على الطعامِ:</span>\nوقد جاء استحبابُ الأكلِ جماعةٌ في أحاديثَ وآثارٍ؛ وذلك لِمَا في جَمعِ الناسِ على الطعامِ مِن بَرَكةِ الإطعامِ، والدُّعَاءِ، وذِكرِ اللَّهِ عليه، وحَمْدِهِ على تلك النِّعْمةِ، وما فيه مِن الإكرامِ والإحسانِ إلى الآكِلِ ولو كان غنيًّا.\nوفي \"المسنَدِ\"، و\"السُّنَنِ\"؛ أنَّ رجلًا قال للنبيِّ -ﷺ-: إِنَّا نَأْكُلُ وَلَا نَشْبَعُ؟ ! قال (لَعَلَّكُمْ تَأْكُلُون مُتَفَرِّقِينَ؟)، قالُوا: نَعَمْ، قالَ: (فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ\" (٢).\nويُروى عندَ ابنِ ماجَهْ؛ مِن حديثِ عُمَرَ، عن رسولِ اللَّهِ -ﷺ-؛ أنَّه قال: (كُلُوا جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ) (٣).\nويُروى من حديثِ جابرٍ مرفوعًا: (إِنَّ أَحَبَّ الطَّعَام إِلَى اللَّهِ مَا كَثُرَتْ عَلَيْهِ الأَيْدِي)؛ رواهُ أبو يَعْلَى (٤) وغيرُهُ.\nقولُه تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، فيه: مشروعيَّةُ بَذْلِ السلامِ والتحيَّةِ عندَ دخولِ البيوتِ والأماكنِ ولو لم تكنْ دُورًا مملوكةً، وقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ والنَّخَعيِّ حملُ قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا﴾ على المساجدِ (٥).\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٤٩).\n(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٥٠١)، وأبو داود (٣٧٦٤)، وابن ماجه (٣٢٨٦).\n(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٢٨٧).\n(٤) أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (٢٠٤٥)، والطبراني في \"الأوسط\" (٧٣١٧).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٣٨١).","vol":"4","page":1881},{"text":"وصحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ عمومُ البيوتِ (١).\nويُستحَبُّ ذلك حتى في دخولِ الرجُلِ بيتَهُ، فيُسلِّمُ على مَنْ فيه مِن زوجِهِ وولدِهِ وخادمِهِ وعبدِهِ وأَمَتِه، بل لو لم يكن فيه أحدٌ؛ لوجودِ الملائكةِ، وفيه إيناسٌ وإذهابٌ للوَحْشةِ حتى في باذلِ السلامِ، والبيوتُ مُنَكَّرةٌ في الآيةِ: ﴿بُيُوتًا﴾؛ لتشملَ كلَّ مَسْكَنٍ.\nوقولُه تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾؛ كقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]؛ فالمرادُ المُسْلِمونَ، فهو دليلٌ على أنَّ السلامَ خاصٌّ بالمؤمِنينَ على ما تقدَّمَ بيانُهُ؛ وذلك أنَّ الكافرَ ليس مِن أنفُسِهم، ولكنْ لهم أنْ يُحَيُّوهُ بغيرِ تحيَّةِ الإسلامِ؛ لأنَّ تحيَّةَ الإسلامِ السلامُ، وهي مِن عندِ اللَّهِ مباركةٌ طيِّبةٌ، وتلك لا تكونُ لكافرٍ.\nوقد تقدَّمَ الكلامُ على أحكامِ التحيَّةِ وحُكْمِها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢].\nفيه: تعظيمُ أمرِ النبيِّ -ﷺ- وطاعتِه، وبمقدارِ الإيمانِ به يكونُ الامتثالُ له، وهذه الآيةُ وإن كان نزولُها خاصًّا، فهي عامَّةٌ في كلِّ أمرٍ.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٥٠).","vol":"4","page":1882},{"text":"وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ هو في كلِّ أمرٍ يَلزَمُ فيه اجتماعُ الناسِ وشهودُهُمْ؛ كالجهادِ، والجُمُعةِ، والعيدَيْنِ.\nودليلُ الخِطَابِ مِن الآيةِ يُجِيزُ الذَّهَابَ مِن غيرِ استئذانٍ في غيرِ الأمرِ الجامعِ؛ كالتقاءِ الناسِ جماعاتٍ في الأسواقِ والولائمِ ونحوِها مِن الأمورِ التي الأصلُ في الانصرافِ منها: عدمُ الإذنِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].\nكان الناسُ يَتجوَّزونَ في مُناداةِ النبيِّ -ﷺ- باسمِهِ أو كُنيتِهِ؛ كما يَفْعَلُونَ بأنفُسِهم، فنَهَاهُمُ اللَّهُ عن ذلك، وأمَرَهُمْ بدُعائِهِ بأوصافِ الإجلالِ والتكريمِ؛ كقولِهم: يا رسولَ اللَّهِ، أو يا نبيَّ اللَّهِ، أو يا أيُّها النبيُّ؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى وهو الخالقُ المعبودُ، والنبيُّ -ﷺ- مخلوقُهُ وعبدُهُ: يقولُ له في ندائِه: \"يا أيُّها النبيُّ\".\nوناسبَتْ هذه الآيةُ ما قبلَها أنَّ اللَّهَ أمَرَ في الآيةِ السابقةِ أنْ يَستأذِنُوا النبيَّ -ﷺ- عندَ ذَهَابِهم مِن عندِهِ في الأمورِ الجامِعةِ، فكان مناسِبًا تعليمُهُمْ أسلوبَ النِّداءِ عندَ الاستئذانِ والخطابِ.\nوقد جاء عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهِدٍ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ: \"أنَّ الناسَ كانوا يقولونَ: يا محمَّدُ، يا أبا القاسمِ، فنَهاهُم اللَّهُ عن ذلك\" (١).\nقولُه تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾: المرادُ به\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٥٥).","vol":"4","page":1883},{"text":"الذين يَنسحِبُونَ مُتسلِّلِينَ مُسْتَخْفِينَ عن الأعيُنِ مُخالِفينَ أمرَ اللَّهِ بطاعةِ نبيِّه، وهذا نَزَلَ في المُنافِقِينَ الذي يُحبُّونَ المُخالَفَةَ ولا يُرِيدونَ أن يَرَاهُم أحدٌ عليها، ولا يَفعلُونَ الطاعةَ إلَّا إنْ رآهُم الناسُ؛ تَظاهَرُوا بها وتصنَّعُوها ولو كانوا يَكْرَهُونَها.\nوقولُه تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فيه: أنَّه بمقدارِ المُخالَفةِ لأمرِ رسولِ اللَّه تكونُ الفتنةُ، ولا يَدفَعُ الفتنةَ عن الناسِ إلَّا اتِّباعُ النبيِّ -ﷺ-.\n* * *","vol":"4","page":1884},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1238>سورة الفرقان</span>\nسورةُ الفُرْقانِ مكيَّةٌ بكاملِها، وعامَّةُ السلفِ على هذا، ويُحكى عن ابنِ عبَّاسٍ وقتادةَ؛ أنَّهما قالا: إلَّا ثلاثَ آياتٍ منها نزَلَتْ بالمدينةِ، وهي قولُه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، إلى قولِه: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠] (١)، والصحيحُ عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ هذه الآياتِ الثلاثَ مكيَّةٌ أيضًا كما في الصحيحِ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ؛ أنَّه سألَ سعيدَ بنَ جُبَيْرٍ: \"هَلْ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]، فقال سعيدٌ: قَرَأْتُهَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا قَرَأْتَهَا عَلَيَّ، فَقَالَ: هَذِهِ مَكِّيَّةٌ نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ\" (٢)؛ يُريدُ: قولَهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآيةَ [٩٣].\nولم يُوافَقِ الضَّحَّاكُ على قولِهِ: إنَّها مدنيَّةٌ إلَّا الآياتِ الثلاثَ مِن أوَّلها إلى قولِه: ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣] (٣)، وآياتُ السُّورةِ ومقاصدُها دالَّةٌ على كونِها مكيَّةً لا مدنيَّةً؛ فإنَّ اللَّهَ ذكَرَ في السورةِ فَضْلَه بإنزالِ القرآنِ، وشيئًا مِن صِفاتِه، وقرَّر توحيدَه، وحذَّر مِن ضلالِ المشرِكينَ باتِّخاذِ إلهٍ مع اللَّهِ، وذكر ما طلَبَهُ المشركونَ إلى النبيِّ -ﷺ- بمكَّةَ مِن معجزاتٍ مقتَرَحةٍ تعنُّتًا وعنادًا، وبيَّنَ عاقِبَتَهم في الآخِرةِ، وذكَرَ سببَ ذلك، وأنَّ أعظَمَ ما\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" (١٥/ ٣٦٤).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٧٦٢).\n(٣) \"البحر المحيط\" لأبي حيان (٦/ ٤٣٩).","vol":"4","page":1885},{"text":"وقَعوا فيه الشِّرْكُ والقتلُ والزِّنى، وقد حرَّم اللَّهُ الزِّنى بمكَّةَ؛ لأنَّه أصلٌ فِطْريٌّ، ثمَّ تأخَّرَ تشريعُ تحريمِ وسائلِه وضبطُها في المدينةِ؛ لأنَّ مَن لا يُقِرُّ بالغايةِ لا يشدَّدُ عليه في الوسيلةِ حتى يُؤمِنَ بحُرْمةِ الغايةِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧].\nفي هذه الآيةِ: ما كان عليه النبيُّ -ﷺ- وسائرُ الأنبياءِ مِن مخالَطةِ الناسِ وفِعْلِ ما يَفعلونَ، وعدمِ الترفُّعِ عمَّا هم عليه مِن مَلْبَسٍ ومأكلٍ ومَشْرَبٍ ومكْسَب، وأنَّه لا يجوزُ لِمَنْ سلَك طريقَ الأنبياءِ أنْ يَتَّخِذَ مِن الدِّينِ سُلَّمًا إلى دنياه، فيَتخِذَ جاهًا ومالًا وسلطانًا لنفسِه، ولمَّا كان كفارُ قُريشٍ أصحابَ دُنيا وحُبِّ للسُّؤْدَدِ والعُلُوِّ والجاهِ، لم يسلِّموا للنبيِّ -ﷺ-؛ لكونِه يَدْعوهم إلى اتِّباعِه وهو مِثلُ الناسِ في مأكلِه ومَشْرَبِه ومَمْشَاه، وإنَّما لم بجعَلْه اللَّهُ عاليًا في مَالِه وسلطانِه عليهم؛ لأنَّهم سيُؤمِنونَ طمعًا لا صِدْقًا، وخوفًا ورهبةً لا رغبةً ويقينًا، ثمَّ إنَّ دلك سيُتَّخَذُ سُنَّةً مِن بعدِه لأتباعِه؛ أنْ يَطلُبوا الدُّنيا والعلوَّ والسُّلْطانَ بالدِّينِ، فيُصبحُ الدِّينُ سُلَّمًا لمُبتغِي الدُّنيا لا لمُبتغي الآخِرةِ، ويَدخُلُه كلُّ صاحبِ طمعٍ، ويحرَّفُ الدِّينُ لتُحَقَّقَ الغاياتُ، وكلُّ سلطانٍ وصاحبِ جاهٍ يَتَّخِذُ النبيَّ -ﷺ- له أُسوةً في قصدِ المالِ والشرَفِ.\nوالأصلُ: أنَّ النَّفسَ إنِ امتلأتْ مِن الدُّنيا، لم يبقَ للدِّينِ شيءٌ، وقد جعَل اللَّهُ فيها مِن كلِّ واحدٍ نصيبًا، ونصيبُ الدِّينِ هو الأكبرُ.\nويُستحَبُّ للعلماءِ ألَّا يَخرُجوا عن عاداتِ الناسِ ما لم تُخالِفْ أمرَ اللَّهِ، فيكونونَ مِثلَهم في مَلْبَسِهم ومَشْرَبِهم ومَأْكَلِهم ومَسْكَنِهم","vol":"4","page":1886},{"text":"ومَمْشاهم وقضاءِ حوائجِهم، وألَّا يَتكلَّفوا حالًا تميِّزُهم عنهم، فلا يُوجَدُ في الإسلامِ زِيٌّ يُسمَّى زِيَّ العلماءِ، ولا لِباسٌ يُسمَّى لِباسَ الصالحِين؛ وإنَّما الذي فيه زِيُّ المُسلِمينَ ولباسُهم، فهم فيه سواءٌ، ومَن خرَج عن هذا اللِّباسِ هو الذي امتاز عن المُسلِمينَ بالمخالَفةِ؛ كمَن يَلبَسُ الحريرَ والذهبَ من الرجالِ، ولِباسَ الشُّهْرةِ والمُسْبَلَ مِن الثيابِ، وقد كان النبيُّ -ﷺ- يَلبَسُ كما يَلبَسُ قومُه: عمامةً وإزارًا ورِداءً، وربَّما ثوبًا وقميصًا وجُبَّةً، ويَتخِذُ لونًا كألوانِهم، وحذاءً كأحذيتِهم، ومَرْكَبًا كمَراكِبِهم، ومَسْكَنًا مِثلَهم، ويَقضي حاجتَهُ وحاجةَ أهلِه كما يَقضي الناسُ حاجتَهم، وهذا هَدْيُ جميعِ الأنبياءِ مِن قبلِه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠].\nوقد جعَلَ اللَّهُ هذا التفاضُلَ بينَ الخَلْقِ: رفيعٌ ووضيعٌ، وقويٌّ وضعيفٌ، وغنيٌّ وفقيرٌ، ومَلِكٌ ومملوكٌ، وسيِّدٌ وعبدٌ - فتنةً، ليستْ بذاتِها حقًّا ولا باطلًا، وإنَّما الذي يُميِّزُ الحقَّ مِن الباطلِ تمييزُهما بنفسَيْهما؛ فالحقُّ حقٌّ بنفسِه؛ فقد يكونُ مع عبدٍ وقد يكونُ مع سيِّدٍ، وقد يكونُ مع رفيعٍ وقد يكونُ مع وضيعٍ؛ قال عِكْرِمةُ في قولِه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠]: هو التفاضُلُ في الدُّنْيا والقُدْرةِ وقهرِ بعضِكم لبعضٍ؛ فهي الفتنةُ التي قال اللَّهُ: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠] (١) فهي فتنةٌ وابتلاءٌ للتمايُزِ، وتحقيقِ سُنَّةِ التدافُعِ، وتركيبِ منظومةِ الكونِ ليستقيمَ أمرُه؛ فإنَّه لا يصحُّ كونٌ الخلقُ فيه مِن جنسٍ ونوعٍ واحدٍ.\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٧٥).","vol":"4","page":1887},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠].\nاشتكى النبيُّ -ﷺ- لربِّه مِن هَجْرِ قومِه للقرآنِ، وعدمِ أخذِهم له، مع كونِهِ كلامَ ربِّهم الذي خلَقَهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1239>هَجَرُ القرآنِ وأنواعُه:</span>\nوهجرُ القرآنِ هو تركُهُ وعدمُ الاعتبارِ به قراءةً وتدبُّرًا وعملًا، وأعظَمُ مِن ذلك إذا تَبِعَ هجرَ القرآنِ عُدْوانٌ عليه بوصفِهِ بالسِّحْرِ والخُرَافةِ، أو إهانتِهِ بتمزيفِهِ ورميِه، وهكذا كانتْ تَفْعَلُ قريشٍ؛ حيثُ هجَروه وكفَروا به، وقالوا فيه الباطلَ؛ ليَصُدُّوا الناسَ عنه، فهم قد زادُوا على مجرَّدِ تركِه في أنفُسِهم قولَ الباطلِ فيه؛ ليترُكَهُ غيرُهم فيَصُدُّوا الناسَ عنه؛ كما قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦].\nوفي قولِه تعالى: ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾؛ قال مجاهدٌ: يقولونَ: هو سِحْرٌ (١)، وقال النخَعيُّ: قالوا فيه غيرَ الحقِّ (٢)، وقال ابنُ زيدٍ: لا يُريدونَ أنْ يَسْمَعوه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1240>وهجرُ القرآنِ على مَراتِبَ وأنواعٍ ثلاثةٍ:</span>\nالنوعُ الأولُ: هجرُ قراءتِه وتلاوتِه:\nوتُشرَعُ قراءةُ القرآنِ لمَن يَحْفَظُه ومَن لا يَحْفَظُه، والقرآنُ شديدُ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٤٤٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٨٧).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٤٤٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٨٨).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٤٤٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٦٨٨).","vol":"4","page":1888},{"text":"التفلُّتِ أكثَرَ مِن غيرِه مِن الكلامِ، وقد جعَلَ اللَّهُ فيه خَصلتَيْنِ مُتقابلتَيْنِ؛ أنَّ مَن أقبَلَ على القرآنِ أقبَلَ عليه، ومَن أدبَرَ عنه أدبَرَ عنه:\nفالأُولى: أنَّ اللَّهَ جعَل حِفْظَهُ أسهَلَ مِن غيرِه لمَنْ حَسُنَت نيَّتُه وسَلِمَ قصدُه؛ وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧].\nوالثانيةُ: أنَّ نِسيانَه أسرَعُ مِن غيرِه مِن الكلامِ المحفوظِ.\nفقد جعَل اللَّهُ إقبالَهُ سهلًا يسيرًا لقاصدِه، وإدبارَهُ سريعًا عن المُعرِضِ عنه؛ فلا يَبقى فى قلبِ مَن زهِد فيه ورغِب عنه؛ كما قال -ﷺ- (بِئْسَمَا لِأَحَدِهِم يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ، اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ؛ فَلَهُوَ أَشدُّ تَفَصِّيَّا من صُدُورِ الرِّجَالِ، مِنَ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا)؛ رواهُ الشيخانِ مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ (١).\nوفي الصحيحينِ أيضًا، عن أبي موسى الأشعريِّ مرفوعًا: \"تَعَاهَدُوا هَذَا القُرآنَ؛ فَوَالَّذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَهُوَ أشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا\" (٢).\nولمَّا كانتِ المَعاصي مِن الإعراضِ عنه ولو إعراضَ عملٍ، فإنَّ القرآنُ يُعرضُ عن صاحِبِه بمقدارِ هجرِه للعملِ به؛ كما روى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن الضَّحاكِ؛ قال: مَا تَعَلَّمَ رَجُلٌ القُرآنَ ثُمَّ نَسِبَهُ إِلَّا بِذَنبٍ؛ ثمَّ قرأ الضَّحَّاكُ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، ثمَّ قال الضَّحَّاكُ: وَأَيُّ مُصيبَةٍ أَعْظَمُ مِن نِسْيَانِ القُرْآنِ؟ ! (٣).\nومَن قرَأ القرآنَ لنفسِه، فلا يجبُ عليه أن يَسمَعَه مِن غيرِه، لكنْ يُستحَبُّ له ذلك ويُسَنُّ؛ لأنَّ للأُذُنِ حقًّا كما أنَّ للِّسانِ والقلبِ حقًّا، وقد\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٠٣٢)، ومسلم (٧٩٠).\n(٢) أخرجه البخاري (٥٠٣٣)، ومسلم (٧٩١).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٩٩٩٦).","vol":"4","page":1889},{"text":"كان النبيُّ -ﷺ- يَفعلُ ذلك، كما روى الشيخانِ، مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ؛ قال: قال رسول اللَّهِ -ﷺ-: (اقْرَأْ عَلَيَّ)، قَالَ: قُلْتُ: أَقْرَأْ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ ! قَالَ: (إنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِن غَيرِي)، قَالَ: فقَرَأْتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، قَالَ لِي: (كُفَّ -أَو أَمْسِكْ-)، فَرَأَيْتُ عَينَيهِ تَذْرِفَانِ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1241>أَدْنَى الزمنِ الذي يُشرَعُ فيه خَتْمُ القرآنِ وأَعْلاه:</span>\nأَدْنَى الزمنِ الذي يُشرَعُ فيه خَتْمُ القرآنِ ثلاثةُ أيامٍ، ونقَلَ ابنُ حزمٍ اتِّفاقَهم على جوازِ الخَتْمِ في ثلاثةِ أيامٍ (٢)؛ وإنَّما خلافُهم في دونِ الثلاثِ على قولَيْنِ:\nوالواردُ: النهيُ عن قراءتِه في دونِ ثلاثِ؛ كما في السُّنن؛ مِن حديث عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو مرفوعًا: (لَا يَفْقَه مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ) (٣).\nوصحَّ عن ابنِ مسعودٍ قولُه: \"اقرَؤُوا القرآنَ في سَبْعٍ، ولا تَقْرَؤوهُ في أقلَّ مِن ثلاثٍ\"؛ رواهُ سعيدٌ (٤).\nوكَرِهَ ذلك معاذُ بنُ جبلٍ؛ كما رواهُ أبو عُبَيْدٍ عنه (٥).\nوذلك أنَّ مَن قرَأَهُ في أقلَّ مِن ثلاثٍ، لم يَعقِلْ غالبًا ما قرَأَ؛ ففوَّت\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٠٥٥)، ومسلم (٨٠٠).\n(٢) \"مراتب الإجماع\" (ص ٢٥١).\n(٣) أخرجه أحمد (٢/ ١٦٤)، وابن ماجه (١٣٤٧)، وأبو داود (١٣٩٤)، والترمذي (٢٩٤٩).\n(٤) التفسير من \"سنن سعيد بن منصور\" (١٤٦).\n(٥) أخرجه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص ١٨٠)، وعبد الرزاق في \"مصنفه\" (٥٩٥٠)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٨٥٧٧).","vol":"4","page":1890},{"text":"التدبُّرَ والتأمُّلَ، وحتى لا يَغلبَ عليه حبُّ التكثُّرِ بإقامةِ الحروفِ على إقامةِ المعاني، وحتى تأخُذَ النَّفسُ نصيبَها مِن القرآنِ خشوعًا وخضوعًا؛ فإنَّ النَّفْسَ لا تخشعُ على الحقيقةِ إلَّا إذا فَهِمَتِ المعانيَ -وأمَّا خشوعُها بلا فهمٍ للمعنى، فغالبًا يكونُ لأجلِ صوتِ القارئِ؛ فإنْ قرأه بالتحزينِ، حَزِنَ مَن لم يَفهمِ المعنى، وإنْ قرَأ بالتغنِّي، وجَدَ في نفسِه نشوةً- ويجدُ السامعُ خشوعًا ولو لم يَفهمِ المعنى؛ لأثرِه في طردِ الشياطينِ ووساوسِ النفسِ وكونِه شفاءً لِما في الصدورِ، ولكنَّ هذا الأثرَ يزولُ غالبًا إن ترَك القراءةَ، أمَّا فهمُ مَعاينه، فتُورِثُ في القلبِ خضوعًا وخشوعًا وإيمانًا يدومُ في القلبِ ما دام فيه ذلك المعنى حاضرًا.\nوذهَبَ بعضُ السلفِ: إلى جوازِ قراءتِهِ دونِ ثلاثٍ، وبه عمِل بعضُهم؛ كعثمانَ وتميمٍ الداريِّ وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ وأبي بكرِ بنِ عيَّاشٍ ومنصورِ بنِ زاذانَ ويحيى بنِ سعيدٍ القَطَّانِ، كانوا: يَختِمونَ كلَّ يومٍ (١)، وصحَّ عن مجاهدٍ والشافعيِّ: تخصيصُ رمضانَ بالخَتْمِ فيه كلَّ يومٍ؛ فيَختِمُ مجاهدٌ مرَّةً، والشافعيُّ مرَّتَيْنِ؛ رواهُ عن مجاهدٍ ابنُ أبي داودَ (٢)، وعن الشافعيِّ رواهُ الرَّبيعُ، وأسنَدَه عنه البيهقيُّ (٣)، ورُوِيَ عن أبي حنيفةَ نحوُه (٤).\nوكان ابنُ المسيَّبِ يختمُ في ليلتَيْنِ (٥)، وكان الأسودُ بنُ يزيدَ يختمُهُ في رمضانَ كلَّ ليلتَيْنِ (٦).\n_________\n(١) ينظر: \"مختصر قيام الليل\" للمروزي (ص ١٥٧)، و\"التبيان فى آداب حملة القرآن\" (ص ٥٩ - ٦١)، و\"تحفة الأحوذي\" (٨/ ٢٧٢ - ١٧٣).\n(٢) \"التبيان في آداب حملة القرآن\" (ص ٦٠).\n(٣) \"مناقب الشافعي\" (٢/ ١٥٩).\n(٤) \"تاريخ بغداد\" (١٥/ ٤٨٤)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ٤٠٠).\n(٥) \"مختصر قيام الليل\" للمروزي (ص ١٥٧).\n(٦) \"الطبقات الكبرى\" (٦/ ٧٣) و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٥١).","vol":"4","page":1891},{"text":"والأفضلُ: عدمُ الخَتْمِ دونَ ثلاثٍ إِلَّا في الأزمنةِ الفاضلةِ كالعَشْرِ الأخيرِ مِن رمضانَ، والناسُ يتفاوتونَ في مقدارِ ذكائهم وقُدْرتِهم على التدبُّرِ والتأمُّلِ؛ ولكنَّ الغالبَ أنَّ مَن قرَأ دونَ ثلاثٍ، فاتَهُ كثيرٌ من معاني القرآنِ أو أكثرها، وإذا كان السلفُ، وهم مَن هم في الفصاحةِ والبيانِ، ونزَل القرآنُ على لسانِهم، يذهب أكثرُهم إلى عدمِ القراءةِ دونَ ثلاثٍ، فغيرُهم في الزمنِ المتأخِّرِ مع شدةِ العُجْمةِ وضَعْفِ اللسانِ - أولى بالتزامِ ذلك.\nويُسَنُّ ألَّا يَتجاوزَ في قراءةِ القرآنِ الأربعينَ، فإنْ تجاوَزَها، كُرِهَ له ذلك، وهو أقصى حدٍّ ثبَت فيه الخبرُ؛ قال أحمدُ: \"أكثرُ ما سَمِعتُ أنْ يَختِمَ القرآنَ في أربعينَ\" (١).\nوقد ثبَت في \"الصحيحَيْنِ\"؛ أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال لعبدِ اللَّه بنِ عمرٍو: (اقْرَأ القُرْآنَ فِي شَهْرٍ)، قال: إِنِّي أجِدُ قُوَّةَ، حَتَّى قَال: (فَاقْرَأهُ فِي سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِك) (٢).\nوقد روى أبو داودَ؛ أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرٍو سَألَ النَّبِيَّ -ﷺ-: كَم يُقْرَأ القُرْآنُ؟ قَال: (فِي أَرْبَعِينَ يَومًا)، ثُمَّ قَالَ: (فِي شَهْرٍ)، ثُمَّ قَالَ: (فِي عِشْرِينَ)، ثُمَّ قَالَ: (فِي خَمْسَ عَشْرَةَ)، ثُمَّ قَالَ: (فِي عَشْرٍ)، ثُمَّ قَالَ: (فِي سَبْعٍ)، لَمْ يَنْزِلْ مِنْ سَبْعٍ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1242>نِسْيانُ القرآنِ:</span>\nلا يَختلِفُ العلماءُ: أنَّ نِسيانَ القرآنِ إن كان عن إعراضٍ وصدٍّ زهدًا فيه ورغبةً عن العملِ به: أنَّ ناسيَهُ يأثمُ بذلك، وأنَّ نِسيانَهُ إن كان مِن غيرِ قصدٍ، لا يأثمُ به صاحبهُ؛ كمَنْ يَنساهُ لكِبَرٍ وهَرَمٍ أو\n_________\n(١) \"مسائل الإمام أحمد\" رواية أبي داود (ص ١٠٣)، و\"المغني\" (٢/ ٦١١).\n(٢) أخرجه البخاري (٥٠٥٤)، ومسلم (١١٥٩).\n(٣) أخرجه أبو داود (١٣٩٥).","vol":"4","page":1892},{"text":"مصيبةٍ ونازلةٍ أفقَدَتْهُ حضورَ ذهنِه، ونقَلَ ابنُ رشدِ المالكيُّ الإجماعَ على أنَّ مَن نَسِيَ القرآنَ لاشتغالِه بعلمٍ واجبٍ أو مندوبٍ، فهو غيرُ مأثومٍ (١).\nوقد اختلَفَ العلماءُ في نسيانِ القرآنِ تهاونًا وكسلًا: هل يأثمُ به صاحبُه؟ على قولَيْنِ:\nالقولُ الأولُ: قال قومٌ يأثمِ ناسِيهِ؛ إلى هذا ذَهَبَ جماعةٌ مِن أصحابِنا، وبه قال ابنُ تيميَّةَ، وهو مذهب الشافعيَّةِ، ومنهم مَن جعَل ذلك كبيرةً كالرافعيِّ، ومِثْلُه ابنُ حجرِ الهيتميُّ في \"الزَّوَاجرِ\" (٢)، ونقَل العلائيُّ عن النوويِّ ذلك، ولعلَّه أراد سكوتَه عن كلامِ الرافعيِّ، فجعَلَهُ إقرارًا، والنوويُّ أعَلَّ الحديثَ الذي استُدِلَّ به على كونِه كبيرةً، ولم يجعل بعضُ الشافعيَّةِ هذا قولًا للنَّوويِّ كالبُلقَينِيِّ والزَّرْكَشيِّ (٣)،\nواحتَجَّ مَن جعَلَهُ كبيرةً بما رواهُ أبو داودَ والترمذي، عن أنسٍ مرفوعًا: (عُرضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي، فَلَمْ أَرَ ذَنبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورةٍ مِنَ القُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا) (٤).\nورَوَى أيضًا عن سعدِ بنِ عُبَادةَ مرفوعًا: (مَا مِنِ امرِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَنسَاهُ، إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ ﷿ يَوْمَ القِيَامَةِ أَجْذَمَ) (٥).\nوحديثُ أنسٍ مُنْكَرٌ؛ أنكَرَه ابنُ المَدِينيِّ والبخاريُّ (٦)، وحديثُ سعدٍ ضعيفٌ؛ لانقطاعِه، وفيه يزيدُ بن أبي زيادٍ، وفيه كلامٌ معروفٌ، وقد\n_________\n(١) \"مسائل ابن رشد\" (ص ٦٩١).\n(٢) \"الزواجر، عن اقتراف الكبائر\" (١/ ١٩٩).\n(٣) ينظر: \"الزواجر، عن اقتراف الكبائر\" (١/ ٢٠٠ - ٢٠١).\n(٤) أخرجه أبو داود (٤٦١)، والترمذي (٢٩١٦).\n(٥) أخرجه أبو داود (١٤٧٤).\n(٦) سنن الترمذي (٢٩١٦).","vol":"4","page":1893},{"text":"ضعَّف الحديثَ الدارقطنيُّ (١) وابنُ عبدِ البَرِّ (٢).\nوالأحاديثُ الواردةُ في تأثيمِ ناسِي حِفْظِ القرآنِ معلولةٌ؛ وإنَّما عامَّةُ السلفِ على النهي عن ذلك والتشديدِ فيه، وصحَّ عن أبي العاليةِ -وهو مِن كبارِ التابعِين-: \"كنَّا نَعُدُّ مِن أعظَمِ الذنوبِ أن يتعلَّمَ الرجُلُ القرآنَ ثمَّ ينامَ عنه حتى يَنساه\" (٣).\nوعن ابنِ سِيرينَ في الذي يَنسى القرآنَ: كانوا يَكرَهونَهُ ويقولونَ فيه قولًا شديدًا (٤).\nوقد قال أحمد: \"ما أشَدَّ ما جاء فيمَن حَفِظَهُ ثمَّ نَسِيَه\" (٥).\nالقولُ الثاني: قال قومٌ: إنَّ ناسيَ حروفِ القرآنِ يُكرَهُ له ذلك، ولكنَّه لا يأثمُ ما دام عاملًا به ولم يترُك حدودَه، وحمَلُوا النِّسيانَ الواردَ في الأحاديثِ على هجرِ العملِ به، وممَّن قال بهذا: ابنُ عُيَينَةَ، وأبو يوسُفَ صاحبُ أبي حنيفةَ، وأبو شامةَ شيخُ النوويِّ، وقد سمَّى اللَّهُ الإعراضَ عن القرآنِ وتركَ العمل به نِسْيانًا؛ كما في قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦]، وفيه قال اللَّهُ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٤، الأعراف: ١٦٥]، أي: تَرَكوا، وقال ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤]، وقال: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥]، قال ابنُ عُيَيْنَةَ: \"ليس مَن اشتهى حِفْظَهُ وتفلَّتَ منه بنَاسٍ له إذا كان يحلِّلُ\n_________\n(١) \"علل الدارقطني\" (٢٥٨٣).\n(٢) \"التمهيد\" (١٤/ ١٣٦).\n(٣) أخرجه أحمد في \"الزهد\" (ص ٢٤٥).\n(٤) \"فتح الباري\" لابن حجر (٩/ ٨٦).\n(٥) \"مسائل الإمام أحمد\" رواية أبي داود (ص ١٠٣)، و\"الفروع\" لابن مفلح (٢/ ٣٨٢).","vol":"4","page":1894},{"text":"حلالَه ويحرِّمُ حرامَه، قال: ولو كان كذلك، ما نَسِيَ النبيُّ شيئًا منه؛ قال اللَّهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧]، وقد نَسِيَ رسولُ اللَّهِ منه أشياءَ، وقال: (ذَكِّرَني هَذَا آيَةً أُنْسِيتُهَا) \" (١).\nوحمَل أبو يوسفَ معنى النِّسيانِ الواردِ في وعيدِ نَاسِي القرآنِ: على نِسيانِ قراءتِه من المصحفِ، فيَنْسَى عِلمَ القراءةِ وحروفَ العربِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1243>النوعُ الثاني من الهجرِ: هجرُ تدبُّرِ مَعانيهِ وأحكامِه:</span>\nوالمقصودُ مِن إنزالِ القرآنِ: تدبُّرُه وتأمُّلُه للعملِ بما فيه، ومَنْ شغَلَتْه حروفُ القرآنِ عن حدودِهِ فضَيَّعَها، كان ذلك أظهَرَ القوادحِ في نِيَّتِهِ وقصدِه، وأنَّه يطلُبُه لغيرِ اللَّهِ، ومَن عَمِلَ بالقرآنِ ولم يَعرِف حروفَهُ خيرٌ ممَّن يُقِيمُ الحروفَ وهو مضيِّعٌ للحدودِ.\nوقراءةُ القرآنِ مع عدمِ تدبُّرٍ مِن صفاتِ المُنافِقينَ؛ كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، وتدبرُ القرآنِ يفتحُ القلبَ للحقِّ ويُرقِّقُهُ للاتِّباعِ، وعدمُ التدبُّرِ عَلَامةٌ على الأعراضِ، ولا يُحرَمُ عبد تدبُّرَ القرآنِ إلَّا بذنبٍ، فيَقْسُو قلبُه به، ثمَّ يُعرِضُ عنه، يكونُ ثقيلًا عليه؛ قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1244>النوعُ الثالثُ: هجرُ العملِ بما فيه مِن أوامرَ وأحكامِ:</span>\nوهو أعظَمُها وأشَدُّها؛ لأنَّ المقصودَ مِن التلاوة والقراءةِ العملُ، فقد يَقْرَأُ القارئُ القرآنَ ولا يعملُ به، وقد يتدبَّرُ مَعانِيَهُ ويعرِفُ أحكامَهُ ويُعرِضُ عنها، وكلَّما كان الإنسان بالقرآنِ أعلَمَ، كان التكليفُ عليه أشَدَّ، والإعراضُ منه أكبَرَ؛ فإنَّما يُؤاخَذُ العبدُ بتركِ ما عَلِمَ، لا بتركِ ما لم يَعلَم.\n_________\n(١) أخرجه ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (٨/ ٥٨).","vol":"4","page":1895},{"text":"وهجرُ العملِ به على أنواعٍ كثيرةٍ: منها هجرُ الإيمانِ به، وهجرُ امتثالِ أوامرِهِ. واجتنابِ نواهيِهِ، وهجرُ الحاكمِ والسُّلطانِ والقاضي لأحكامِه وتعطيلُها، والقضاءُ بالهوى والرأي، وسَنُّ القوانينِ المُخالِفةِ له.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢].\nالمرادُ بالجهادِ هنا: هو الجهادُ باللِّسَانِ، وبيانُ الحقِّ بالقرآنِ وحُجَحِه وبراهينِه، وجهادُ اللِّسَانِ والبيانِ أعظَمُ مِن جهادِ السِّنَان؛ فإنَّ الأولَ قد يقومُ بدونِ الثاني، والثانيَ لا يقومُ إلَّا بالأولِ، وهذه الآيةُ مكيَّةٌ كهذه السُّورةِ، ونزَلَتْ ولم يُفرَضِ الجهادُ بعدُ.\nوحِينَما أمَر اللَّهُ بجهادِ اللِّسَانِ وصَفَ النوعَ الذي يأمُرُ به بوَصْفَيْنِ في كتابِه لم يَصِفْ بهما جهادَ السِّنَانِ؛ الأولُ: أنَّه جهادٌ كبيرٌ؛ كما في الآيةِ، والثاني: أنَّه حقُّ الجهادِ؛ كما في قولِه تعالى في سورةِ الحجِّ: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [٧٨].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٥٧].\nفي هذه الآيةِ: وجوبُ تجرُّدِ المُصلِحِ وإعراضِهِ عن دُنيا الناسِ؛ حتى لا يظُنُّوا به سُوءًا؛ كطمعٍ في الدُّنيا والجاهِ؛ وذلك أنَّ أولَ ظنِّ الظاِلمينَ بالمُصلِحِينَ حينَما يُنكِرونَ عليهم ضلالَهم: أنَّهم يُرِيدونَ مُزاحَمَتَهم على سُلْطانِهم وجَاهِهم؛ لأنَّ نفوسَهم تتشرَّبُ مِنِ اتِّباعِ ذلك،","vol":"4","page":1896},{"text":"فيَخافُ الإنسانُ على أنفَسِ شيءٍ عليه؛ لذا يَخافُونَ المُزاحَمة؛ فيَشُكُّونَ في المُصلِحيِنَ، وهكذا ظَنُّوا بالنبيِّ -ﷺ- بمكَّةَ، فعرَضُوا عليه المالَ والنِّساءَ، وفي \"المسنَدِ\"، عن عبدِ الرحمنِ بنِ شِبْلٍ؛ أنَّه قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ يقولُ: (تَعلَّمُوا الْقُرآنَ، فَإِذَا عَلِمْتُمُوهُ، فَلَا تَغْلُوا فِيهِ، وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ، وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ) (١).\nوقد تقدَّمَ الكلامُ على الحِكْمةِ مِن نهي الأنبياءِ وأَتْباعِهم عن ذلك، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [هود: ٢٩].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤].\nفي هذا: تعظيمُ نافلةِ الليلِ وفضلُها على نافلةِ النهار؛ حيثُ ذكَرَها اللَّهُ في خصائصِ عبوديَّةِ أهلِ الإيمانِ، ولا يخلِفُ العلماءُ على أنَّ نافلةَ الليلِ المُطلَقةَ أفضَلُ مِن نافلةِ النهارِ المطلَقةِ؛ كما قال -ﷺ- (أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ المُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ)، رواهُ مسلمٌ مِن حديثِ أبي هريرةَ (٢).\nويأتي الكلامُ على قيامِ الليلِ، وكيفيَّةِ تقسيمِهِ في سورةِ المُزَّمِّلِ؛ بإذنِ اللَّهِ.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣/ ٤٤٤).\n(٢) أخرجه مسلم (١١٦٣).","vol":"4","page":1897},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].\nفي هذه الآيةِ: مشروعيَّةُ القصدِ والاعتدالِ حتى في النفقةِ والصَّدَقةِ؛ فلا يُجحِفُ المتصدِّقُ على نفسِهِ ويضيِّعُ مَن يَعُولُ، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك في قولِه تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]\nالزُّورُ: الكذبُ والبُهْتانُ؛ ومِن ذلك قولُه تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان: ٤]، وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]، وكلُّ قولٍ مُفترًى فهو زُورٌ، ويعظُمُ إذا كان مقرونًا بالشهادةِ، فيَشهَدُ الإنسانُ على شيءٍ لم يَرَهُ ولم يَسمَعْه، وهذا أعظَمُ مِن مجرَّدِ قولِ الزُّورِ وفِعْلِه؛ فإنَّ الإنسانَ قد يقولُ الباطلَ فينسُبُ باطلًا لأحدِ ولم يَزعُم أنَّه رآهُ ولا سَمِعَه منه، فهذا مع كونِه عظيمًا إلَّا أنَّ الأعظَمَ منه إذا زعَم أنَّه شاهِدٌ عليه بِسَمعِه أو بصرِه؛ فهذه شهادةُ الزُّورِ.\nوقد غلَّظ النبيُّ -ﷺ- شهادةَ الزُّورِ، وحذَّر منها تحذيرًا شديدًا؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"، مِن حديثِ أبي بكرةَ -﵁-، قال: قال رسولُ اللَّهِ -ﷺ- (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ -ثَلَاثًا-؟ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الِوالِدَينِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ -أو قَولُ الزُّورِ-)، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَمَا","vol":"4","page":1898},{"text":"زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيتَهُ سَكَتَ (١).\nوقد قرَن النبيُّ -ﷺ- شهادةَ الزُّورِ بالإشراكِ مع اللَّهِ شيئًا، وفي ذلك يُروى حديثٌ في \"السُّننِ\"، مِن حديثِ خُرَيْمِ بنِ فَاتِكٍ الأسدِيِّ، قال: صلَّى رسولُ اللَّهِ -ﷺ- صلاةَ الصُّبْحِ، فلمَّا انصرَفَ، قامَ قائمًا، فقال: (عُدِلَتْ شَهَادَة الزُّورِ بِالإِشرَاكِ بِاللَّهِ) ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠ - ٣١] (٢).\nوكِتمانُ الشهادةِ شبيهٌ بشهادةِ الزُّورِ؛ قال تعالى: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦]، وقد قال ابنُ عبَّاسٍ في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]: \"شهادةُ الزُّورِ مِن أكبرِ الكبائرِ، وكتمانُها كذلك\" (٣).\nقال السُّدَّيُّ: ﴿آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ \"أي: فاجرٌ قلبُه\" (٤).\nوقد قال قتادةُ: لا تقُلْ: \"رأيتُ\" ولم تَرَ، و\"سَمِعتُ\" ولم تَسمَعْ، و\"عَلِمْتُ\" ولم تَعلَمْ؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى سائلُك عن ذلك كلِّه\" (٥).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٦٥٤)، ومسلم (٨٧).\n(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٣٢١)، وأبو داود (٣٥٩٩)، وابن ماجه (٢٣٧٢).\n(٣) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٧٢٨).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٥/ ١٢٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٥٧٢).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (١٤/ ٥٩٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٣٣٣١).","vol":"4","page":1899},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1245>سورة الشعراء</span>\n* قال تعالى: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١ - ١٨٣].\nفيه: تعظيمُ بَخْسِ الحقوقِ وظُلْمِ الخَلْق؛ حيثُ كان قومُ شُعَيْبٍ إذا اكتالُوا لأنفسِهم زادُوا، وإذا كالُوا للناسِ، بَخَسُوهم، وقولُه: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾؛ يعني: المُنقِصِينَ للكَيلِ.\nوعقابُ الظُّلْمِ في حقوقِ الناسِ أعجَلُ مِن الظُّلْمِ في حقِّ اللَّهِ؛ لأنَّ اللَّهَ ينتصِرُ لعِبادِه المظلومِينَ في حقوقِهم أسرَعَ مِن انتصارِه لحقِّه سبحانَه؛ لكمالِ غِناهُ وعلوِّ شأنِه، إذْ لا يَضُرُّه مخلوقٌ، ويُمهِلُ الخَلقَ في حقِّه غالبًا، ويعجِّلُ في حقوقِ العِباد؛ لأنَّ هذا مُقتضى ربوبيَّتِه لهم، وقد كان السلفُ يُحذِّرونَ مِن البقاءِ بأرضِ يَظهرُ فيها ظُلمُ الناسِ ويَشِيعُ ويُشرَّعُ، وقد صحَّ عن ابنِ المسيَّبِ قولُه: \"إذا كنتَ بأرضٍ يُوفُونَ المكيالَ والميزانَ، فلا تَعجَلْ بالخروجِ منها، وإذا كنتَ بأرضٍ لا يُوفُونَ المكيالَ والميزانَ، فعَجِّلْ بالخروجِ منها\" (١).\nوهذه الآيةُ في قومِ شُعَيْبٍ وما وقَعوا فيه مِن ظُلْمِ الأموالِ، وقد تقدَّم الكلامُ على ما وقَعُوا فيه مِن أكلِ أموالِ الناسِ بالباطلِ عندَ\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٩/ ٢٨٨١).","vol":"4","page":1901},{"text":"قولِه تعالى: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٨٥].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٨ - ٢٢٠].\nجاء ذِكْرُ النبيِّ -ﷺ- حينَ قيامِهِ وتقلُّبِهِ في الساجدِين، ورؤيةِ اللَّهِ له في ذلك؛ فمِن السلفِ مَن حمَل المعنى على تقلُّبِه في صُلبِ آبائِه؛ كما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ (١)، وجاء عن مجاهدِ أنَّه حمَلَ معنى قوله: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ على رؤيتهِ لمَن خَلْفَهُ وهو يصلِّي (٢).\nوحمَلَ عِكْرِمةُ وقتادةُ وعطاءٌ الخُرَاسانيُّ قولَه: ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ على صلاةِ النبيِّ -ﷺ- منفرِدًا، وقولَه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ على صلاتهِ جماعةً مع المصلِّين (٣).\nوفي هذا: مشروعيَّةُ أن يكونَ للعبدِ صلاةٌ منفرِدًا مع صلاتِهِ جماعةً مع المُسلِمينَ، يخلُو بانفرادِهِ بها بربِّه يُناجِيهِ؛ ليتطهَّرَ باطنُهُ مِن آثارِ رؤيةِ الخَلْقِ له وسماعِهم لذِكْرِه، فيكونُ في موضعٍ لا يَسمَعُهُ إلَّا اللَّهُ ولا يُبصِرُهُ إلَّا هو، وهذا إنِ احتاج إليه الأنبياءُ مع عِصْمَتِهم وطهارةِ قلوبِهم، فإنَّ حاجةَ غيرِهم آكَدُ وأعظَمُ.\nوقد تقدَّم الكلامُ على حُكمِ الصلاةِ جماعة عندَ قولِه تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٩/ ٢٨٢٨).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٦٦٧)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٩/ ٢٨٢٩).\n(٣) \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ١٧١).","vol":"4","page":1902},{"text":"* قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧].\nفي هذه الآيةِ: مشروعيَّةُ انتصارِ المظلومِ مِن ظالمِهِ بمقدارِ مَظْلِمَتِهِ مِن غيرِ بَغْيٍ، وقد جاء في القرآنِ حمدُ العفوِ عمَّن ظلَمَ في مواضع؛ منها قولُهُ تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]، وقولُهُ تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، وقولُهُ تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1246>انتصارُ المظلومِ مِن ظالمِه وأحوالُه:</span>\nوفي هذه الآيةِ حَمِدَ اللَّهُ المنتصِرَ بعدَ ظُلمِه: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾؛ وذلك أنَّ الانتصارَ مِن الظالمِ على نوعَيْنِ:\nالنوعُ الأولُ: انتصار خالص للنَّفس ممَّن ظلَم؛ فهذا الانتصارُ حقُّ، ولكن العفوَ عندَ القدرةِ والتحمُّلَ للأذى أفضَلُ؛ وهذا أكثَرُ حمدِ العفوِ عليه في الكتابِ والسُّنَّةِ.\nالنوعُ الثاني: انتصارٌ للَّهِ ولِدِينِه، ولو امتزَجَ بشيءٍ مِن حقِّ النَّفْسِ، فالانتصارُ للَّهِ متأكِّدٌ وواجب، ما لم تَقُم مَفسَدةٌ في الدِّينِ أعظَمُ مِن مَفْسَدةِ البَغْيِ الذي يُرادُ الانتصارُ منه، وقد كان النبيُّ -ﷺ- لا يَنتصِرُ لنفسِه؛ وإنَّما ينتصرُ للَّهِ وحُرُماتِه إذا انتُهِكَت، وهذه الآيةُ انتصارٌ للَّهِ؛ وذلك أنَّ سببَ نزولِها كان بسببِ ظُلْمِ قريشٍ للنبيِّ -ﷺ- بإنشادِ الشِّعْرِ فيه","vol":"4","page":1903},{"text":"وسبِّه وتشويهِ رسالتِه، فقام بعضُ الأنصارِ مِن الصحابةِ بالانتصارِ منهم بمِثْلِ ما قالوهُ مِن الشِّعْرِ؛ قال ابنُ عبَّاسٍ: \"يرُدُّونَ على الكفارِ الذين كانوا يَهجُونَ به المؤمنِينَ\" (١).\nوفي \"الصحيحَيْنِ\" أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- قال لحسَّانَ: (اهْجُهُمْ -أَوْ هَاجِهِمْ- وَجِبْرِيلُ مَعَكَ) (٢).\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٦٨١).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٢١٣)، ومسلم (٢٤٨٦).","vol":"4","page":1904},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1247>سورة النمل</span>\n* قال تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩].\nسمَّى اللَّهُ تبسُّمَ سليمانَ ضحِكًا؛ وبهذه الآيةِ استدَل بعضُ السلفِ على أنَّ التبسُّمَ في الصلاةِ يأخُذُ حُكْمَ الضحكِ، وفيه نظرٌ؛ كما روى الحكمُ بنُ عطيَّةَ، عن ابنِ سيرينَ، أنَّه سُئِلَ عن التبسُّمِ في الصلاةِ؟ فقرَأَ هذه الآيةَ: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾: لا أعلَم التبسُّمَ إلَّا ضحكًا؛ أخرَجَهُ ابن أبي شيبةَ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1248>حُكْمُ الضحكِ في الصلاةِ والتبسُّمِ:</span>\nالضحكُ في الصلاةِ مُبطِلٌ لها؛ لأنَّه يُخالِفُ وقارَها، وهو أشَدُّ وأعظَمُ من كثيرِ الحركةِ والالتفاتِ، وإن كانتِ العربُ لا تَعُدُّ الضحكَ كلامًا، إلَّا أنَّه أعظَمُ مِن الكلامِ في الصلاةِ وأبشَعُ منه؛ فإنَّه قد يكونُ الكلامُ في الصلاةِ مع خشوعٍ وخضوعٍ وحاجةٍ، وأمَّا الضحكُ والقهقهةُ، فليس فيها خضوعُ قلبٍ ولا حضورُه، ولا تعظيمٌ للموقوفِ بينَ يدَيْه، وعامَّةُ السلفِ على بُطْلانِ صلاةِ مَن قَهْقَهَ في صلاتِهِ وضَحِكَ؛ صحَّ هذا عن جابرٍ (٢)، ولا مُخالِفَ له مِن الصحابةِ.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٩٠٦).\n(٢) سيأتي تخريجه.","vol":"4","page":1905},{"text":"وصحَّ عن حُمَيْدِ بنِ هلالٍ، قال: كانوا في سفرٍ فصلَّى بهم أبو موسى؛ فسقَطَ رجلٌ أعورُ في بئرٍ أو شيءٍ، فضَحِكَ القومُ كلُّهم غيرَ أبي موسى والأحنفِ؛ فأمَرَهم أن يُعبدوا الصلاةَ (١).\nوقد حكَى ابنُ المُنذِرِ (٢) الإجماعَ على بطلانِ صلاةِ مَن ضَحِكَ.\nوأمَّا التبسُّمُ مِن غيرِ ضحكٍ وقهقهةٍ، فقد ذهَب عامَّةُ السلفِ إلى عدمِ بطلانِ الصلاةِ بالتبسُّمِ، وفرَّقوا بينهُ وبينَ القهقهةِ، وقد قال جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ: \"التبسُّمُ لا يَقطَعُ، ولكنْ تقطعُ القرقرةُ\" (٣).\nوبهذا قال مجاهدٌ (٤)، والحسنُ (٥)، والنَّخَعيُّ (٦)، ويُروى هذا عن ابنِ مسعودٍ (٧)؛ وهو الصحيحُ الذي لا ينبغي خلافُه؛ لأنَّ التبسُّمَ تعابيرُ في الوجهِ، وقد يكونُ الحاملُ له معنًى مِن مَعاني القرآنِ؛ كالفرَحِ بنعيمِ الجنةِ وسَعَةِ فضلِ اللَّهِ ورحمتِه، وليس هو مِن جنسِ ضَحِكِ القهقهةِ الذي لا يكونُ عن تعظيمٍ وسرورٍ بالحقِّ؛ وإنَّما خروج عن مَقَامِ الصلاةِ وعَظَمتِها.\nوقد رُوِيَ عن ابنِ سيرينَ أنَّه جعَل التبسُّمَ ضحكًا؛ كما رواهُ الحكمُ بنُ عطيُّةَ، عن ابنِ سيرينَ؛ أنَّه سُئل عن التبسُّمِ في الصلاةِ؟ فقرَأ\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٩١٤).\n(٢) \"الأوسط\" (٣/ ٤٣٩)، و\"الإجماع\"؛ لابن المنذر (٣٤).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٩٠٢)، وعبد الرازق في \"مصنفه\" (٣٧٧٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢٥١).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٩٠٤)، وعبد الرازق في \"مصنفه\" (٣٧٧٥).\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٩٠٥).\n(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٩٠٣).\n(٧) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٩٠١)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٨٧٣٦).","vol":"4","page":1906},{"text":"هذه الآيةَ: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾: لا أعلَمُ التبسُّمَ إلَّا ضحكًا (١).\nولا أعلَمُ مَن قال بقولِ ابنِ سيرِينَ هذا مِن الصحابةِ ولا مِن التابعينَ في أنَّ التبسُّمَ يُبطِلُ الصلاةَ، وتفرَّدَ به عنه الحكمُ بنُ عطيَّةَ، وقد ضعَّفَه النَّسَائيُّ (٢)، وقد قال فيه أحمدُ: \"حدَّث بمناكيرَ\"؛ قال المَرُّوذيُّ؛ \"كأنَّه ضعَّفه\" (٣).\nويتَّفقُ العلماءُ على أنَّ الضحكَ والقهقهةَ خارجَ الصلاةِ لا يُبطِلُ الوضوءَ؛ كما حكاهُ ابنُ المُنذِرِ (٤)، وأنَّ الضحكَ بلا قهقهةٍ لا ينقُضُ الوضوءَ في أثناءِ الصلاةِ؛ كما حكاهُ النوويُّ؛ وإنَّما خلافُهم في الضحكِ مع القهقهةِ في أثناءِ الصلاةِ: هل يُبطِل الصلاةَ والوضوءَ، أم يُبطِلُ الصلاةَ فحَسْبُ؟ والصحيحُ: عدمُ نقضِهِ الوضوءَ، وهو قولُ جمهورِ العلماءِ؛ لعدمِ الدليلِ الصحيحِ على ذلك، خلافًا لأبي حنيفةَ، بل الصحيحُ عن الصحابةِ: عدمُ النقضِ؛ فقد ثبَت عن جابرٍ قولُه: \"إذا ضحِك في الصلاةِ، أعادَ الصلاةَ ولم يُعِدِ الوضوءَ\" (٥)\nوكلُّ الأحاديتِ الواردةِ في نقضِ الوضوءِ بالضحكِ معلولةٌ، وقد بيَّنتُها في \"كتابِ العللِ\".\n* * *\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) الضعفاء والمتروكين للنسائي (ص ٨٠).\n(٣) \"العلل\" للإمام أحمد، رواية المروذي وغيره (ص ٧٨).\n(٤) \"الأوسط\" (١/ ٣٣٠)، و\"الإجماع\" لابن المنذر (ص ٣٤).\n(٥) أخرجه البخاري معلقًا قبل حديث (١٧٦)، ووصله عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٣٧٦٦)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٩٠٨)، والدارقطني في \"سننه\" (١/ ١٧٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٤٤).","vol":"4","page":1907},{"text":"* قال تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١].\nفي هذا: وعيدُ سليمانَ للهُدهُدِ بالعذابِ الشديدِ أو الذَّبْحِ، وجاء أنَّ سببَ تفقُّدِ سليمانَ للهُدهُدِ وتوعُّدِه له عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّه جلَسَ إلى عبدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ، فسأله عن الهُدْهُدِ: لِمَ تَفقَّدَه سليمانُ مِن بينِ الطيرِ؟ فقال عبدُ اللَّهِ بن سَلَامٍ: إنَّ سليمانَ نزَلَ منزلةً في مسيرٍ له، فلم يَدرِ ما بُعْدُ الماءِ، فقال: مَن يَعلَمُ بُعْدَ الماءِ؟ قالوا: الهدهدُ؛ فذاك حينَ تفقَّدَه؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (١).\nقولُه تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، وقد توعَّدَه بعذابِه، وقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ (٢)، ومجاهدٍ (٣): أنَّ عذابَه بنَتْفِ رِيشِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1249>حُكْمُ تأديبِ الحيوانِ وتعذيبِه:</span>\nفي هذه الآيةِ: تجويزُ تعذيبِ الحيوانِ، وهو الهدهدُ، وإنَّما توعَّدَهُ سليمانُ؛ لأنَّ الحيوانَ يُدرِكُ أَمرَ سليمانَ له؛ فقد علَّم اللَّهُ سليمانَ مَنطِقَ الطيرِ، ولكنَّ اللَّهَ لم يعلمِ الطيرَ مَنطِقَ سليمانَ، فالإعجاز لنبيِّ اللَّهِ لا للطَّيرِ؛ لأنَّ اللَّهَ قال على لسانِ سليمانَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦]، وفي الحيوان نوعُ إدراكٍ، ولكنْ ليس ببنَهُ وبينَ بني آدمَ خطابٌ مفهومٌ، وقد حجَبَ اللَّه الخطابَ بينَهم؛ فلم يَستطِعِ الإنسانُ خطابَ الحيوانِ بلِسَانِه، ولا الحيوانُ خطابَ الإنسانِ بلسانِه.\nوفي الآيةِ: جوازُ تأديب الحيوانِ؛ ففي الحيوانِ نوعُ إدراكِ،\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٣٠).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٣٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٩/ ٢٨٦٢).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٣٣).","vol":"4","page":1908},{"text":"فيُعاقَبُ حسَبَ ما يُدرِكُ، والحيواناتُ تتبايَنُ مِنْ جهةِ إدراكِها ومقدارِه ونوعِه؛ ولهذا جعَلَ منها ما يَقبَلُ التعليمَ؛ كالكَلْبِ والطَّيرِ والفَرَسِ، ومنها ما لا يَقبَلُهُ؛ كالجرادِ والفَرَاشِ والنملِ.\nوقد دلَّ الدليلُ على أنَّ الحبوانَ يُدرِكُ تقديرَهُ الفِطْريَّ الذي أوجَدَهُ اللَّهُ لأجلِه، بل يُدرِكُ بعضَ الحقوقِ عليه في الدُّنيا، ويُحاسَبُ على مِثْلِها في الآخِرةِ بالقِصَاصِ فقطْ بلا جنةٍ ولا نارٍ؛ كما في الصحيحِ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ -ﷺ-، قال: (لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ) (١)، وعلى هذا فسَّر بعضُهم قولَهُ تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وفي \"المسنَدِ\"، عن أبي ذَرٍّ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى شَاتَيْنِ تَنْتَطِحَانِ، فَقَالَ: (يَا أَبَا ذَرٍّ، هَلْ تَدْرِي فِيمَ تَنْتَطِحَانِ؟)، قَالَ: لَا، قَالَ: (لَكِنَّ اللَّهَ يَدْرِي، وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا) (٢).\nورُوِيَ في الفصلِ بين الهائمِ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ، وعبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو (٣).\nوقد روى عبدُ الرزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: (كَانَتِ الضِّفْدَعُ تُطْفِئُ النَّارَ عَنْ إِبْرِاهِيمَ، وَكاَنَ الْوَزَغُ يَنْفُخُ فِيهِ)، فنَهى عن قتلِ هذا، وأمَرَ بقتلِ هذا (٤).\nوفي \"المسنَدِ\" وابنِ ماجَهْ، عن سائبةَ مولاةِ الفاكِهِ: أَنَّهَا دَخَلَت عَلَى عَائِشَةَ، فَرَأَت فِي بَيْتِهَا رُمْحًا مَوْضُوعًا، فَقَالَتْ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، مَا تَصْنَعِينَ بِهَذَا؟ ! قَالَت: نَقْتُلُ بِهِ هَذِهِ الأَوْزَاغَ؛ فَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- أَخْبَرَنَا؛ أنَّ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٥٨٢).\n(٢) أخرجه أحمد (٥/ ١٦٢).\n(٣) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٥٧٥).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٨٣٩٢).","vol":"4","page":1909},{"text":"إِبْرَاهِيمَ لمَّا أُلْقِيَ فِي النَّارِ، لَمْ تَكُنْ فِي الأَرْضِ دَابَّةٌ إِلَّا أَطْفَأَتِ النَّارَ، غَيْرَ الْوَزَغِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ تَنْفُخُ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِقَتْلِهِ (١).\nولم يُؤاخَذِ الوزغُ إلَّا لأنَّه يَعلَمُ ما فعَلَ، ويُدرِكُ إبراهيمَ مِن غيرِه.\nواقتصاصُ اللَّهِ بينَ البهائمِ حقوقَها دليلٌ على أنَّ فيها نوعَ إدراكٍ، لأنَّ اللَّهَ لا يقتصُّ ببنَ مَجَانِينِ بني آدمَ وأطفالِهم الحقوقَ التي تكونُ بينَهم؛ لأنَّهم لا يُدرِكونَ، فدَلَّ على أنَّ إدراكَ البهائمِ فوقَ إدراكِهم، ولكنَّ اللَّهَ حجَب الوساطةَ والرابطةَ بينَ الحَيَوانِ وبينَ بَني آدمَ، وهو اللِّسَانُ، ولم يَخُصُّ بها إلَّا سليمانَ ومَن شاء مِن خَلْقِه.\nوضربُ الحيوانِ لتعليمِه، أو لتأديبِهِ وعقابِهِ على جنايتِهِ وخطئِه - على نوعَيْنِ:\nالنوعُ الأولُ: ضربُ الحيوانِ على ما يتعلَّمُه؛ كضربِ الكلبِ ليَتعلَّمَ، والفرَسِ والجمَلِ ليُسرعَ، وكذلك عقابُهُ على خطئِه؛ كضربِ الكلب إنْ أكَلَ مِن الصَّيدِ دونَ إذنِ سيِّدِه، ويكونُ ضربُهُ وتأديبُهُ بما يحصُل المقصودُ منه، لا يَزِيدُ عليه فيُعذِّبَهُ؛ فإنَّ الزيادةَ على ذلك محرَّمةٌ.\nولا يجوز ضربُ الحيوانِ الذي لا يَتعلَّمُ مِثلُهُ بقصدِ تعليمِه، ولا تعذيبُ مَن لا يُدرِكُ خطَأَهُ مِن الحيوانِ بقصدِ زجرِه عن تَكرارِ فِعلِه؛ وإنَّما يجوز ضربُهُ لدفعِهِ عن الإضرارِ وحمايةِ النفسِ منه بما يَدْفَعُه.\nالنوعُ الثاني: تعذيبٌ وضربٌ له على ما لا يُدرِكُه مِن تصرُّفِه، وعلى ما لا يَتأدَّبُ عن تركِهِ أو فعلِه؛ لأنَّه لا يَفْهَمُ المقصودَ مِن الضربِ، ولا على أيِّ شيءٍ نزَلَ به، فهذا لا يجوزُ إلَّا بمقدارِ ما يَدْفَعُ الإنسان عن حقِّه مِن مالٍ وزرعٍ ومَسْكَنٍ، وإذا كان لا يندفعُ أذاهُ إلَّا بقتلِه، قتَلَه؛ كما أَذِنَ النبيُّ -ﷺ- بقتلِ الفواسقِ الخمسِ.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦/ ٨٣)، وابن ماجه (٣٢٣١).","vol":"4","page":1910},{"text":"قولُه تعالى: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: لم يُنزِلْ سليمانُ العذابَ بالهدهدِ حتى أمهَلَهُ لِيَأْتِيَهُ ببيِّنةٍ تَعذِرُهُ غيابِه؛ وفي هذا أنَّه لا يجوزُ إنزالُ العقابِ على المخطئِ حتى تُسمَعَ حُجَّتُه، وإنْ طلَب الإمهالَ يُمهَلُ ليأتيَ ببيِّنِتهِ وشاهِدِه، وفي الصحيحِ: أنَّ الأشعثَ بنَ قيسٍ جاء مُدَّعِيًّا إلى النبيِّ -ﷺ- على يهوديٍّ، فقال له النبيُّ -ﷺ-: (ألَكَ بَيِّنَةٌ؟) (١)، ولمَّا جاءه هلالُ بن أمَيَّةَ، وقد قذَفَ زوجتَهُ، قال له النبيُّ -ﷺ- (البَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ) (٢).\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣].\nاستنكَرَ الهدهدُ ما رآهُ مِن قومِ سَبَأٍ ومَلِكَتِهم، فذكَرَ ما لم تَجْرِ العادةُ به، وهو مُلْكُ المرأةِ على القومِ والبُلْدانِ؛ وفي هذا أنَّ فِطَرَ الحيوانِ والإنسانِ جُبِلَتْ على قيامِ الرِّجالِ بالمُلْكِ وسيادةِ البُلْدانِ وسياسةِ الناسِ.\nوليس في الآياتِ إقرارٌ مِن سليمانَ لها على مُلْكِها لقومِها، بل فيها إقرارٌ مِن سليمانَ للهدهدِ على استنكارِه، وقومُ سبأٍ لم يكونوا على الإسلامِ، والأنبياءُ يُخاطِبونَ الأُمَمَ بأعظَمِ أخطائِهم، وهو الكفرُ والشِّرْكُ، ولا يشتغِلُونَ بما دونَهُ حتى يُصلِحوا ما هو أعلى منه؛ ولهذا لمَّا دخَلَت ملكةُ سبأٍ في مُلْكِ سليمانَ، لم يُوَلِّها شيئًا.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٤١٦).\n(٢) أخرجه البخاري (٢٦٧١).","vol":"4","page":1911},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1250>وِلَايةُ المرأةِ:</span>\nووِلَايةُ المرأةِ على نوعَيْنِ:\nالنوعُ الأولُ: وِلَايةٌ عامَّةٌ، وما تجزَّأَ عنها؛ فهذه ولايةٌ لا تجوزُ للمرأةِ، ويتَّفقُ الصحابةُ على هذا، وذلك أنَّ كلَّ ما جعَلَهُ اللَّهُ إلى السُّلْطانِ والإمامِ، فهو ممَّا قال فيه النبيُّ -ﷺ-: (لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً) (١).\nوما يتجزَّأُ مِن وِلَايةِ الإمامِ: القضاءُ؛ وذلك لتضمُّنِهِ العقوبةَ والحَبْسَ والجَلْدَ والقِصَاصَ والتغرب، وولايةُ الشُّرَطِ والجندِ والجيوشِ، وإمارةُ الجهادِ، وتنفيذِ الحدودِ، وولايةُ البُلْدانِ والقُرَى، وتلك الولاياتُ التي تجزَّأت عن ولايةِ الإمامِ لا يُقالُ: \"إنَّها جائزةٌ، لكونِها ليستْ ولايةً عامَّةً\"؛ بل هي ولايةُ عامَّةٌ تجزَّأتْ، ولو صَحَّتْ أنْ تَلِيَها المرأةً، لجازَ للإمامِ الأعظَمِ أنْ يقسِّمَ ولاياتِهِ إلى أجزاءٍ، ويضَعَ على كلِّ جزءٍ امرأةً، ويُنِيبَهُنَّ عنه؛ فتكونُ حينَها الولايةُ الكبرَى بيدِ المرأةِ في صورةِ رجلٍ؛ وهذا لا يجوزُ.\nواللَّهُ قد جعَل الرِّجَالَ قوَّامينَ على النِّساءِ؛ كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ فلا يصحُّ أن تكونَ المرأةُ في بيتِها تَأْتَمِرُ بأمرِ زوجِها وتخرُجُ منه بإذنِه، ثمَّ تَنتهي ولايتُهُ وقِوامتُهُ عليها عندَ خروجِها لِتَلِيَ أمرَ زَوْجِها وأمْرَ الأمَّةِ، فإنْ كانتْ في بيتِها، كانتْ تحتَ قِوامتِه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، وإن خرَجَتْ، كانتِ الأمَّةُ تحتَ قِوَامَتِها؛ وهذا لا تقرِّرُ مِثلَه الشريعةُ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٤٢٥).","vol":"4","page":1912},{"text":"وعملُ الأُمَّةِ في كلِّ القرونِ الفاضلةِ وما بعدَها على ذلك في سائرِ البُلْدانِ وفي عملِ سائرِ المذاهب؛ لم تكنِ المرأةُ تَلِي شيئًا مِن هذا النوع مِن الوِلَايةِ، كما قال القَرَافِيُّ: \"لم يُسمَعْ في عصرٍ مِنَ العصورِ أنَّ امرأةً وَلِيَتِ القضاءَ؛ فكان ذلك إجماعًا، لأنَّه غيرُ سبيلِ المؤمنينَ. . . وقياسًا على الإمامةِ العُظْمى\" (١).\nوقد كانتْ أمَّهاتُ المؤمنينَ أفضَلَ نساءِ زمانِهِنَّ، ومات النبيُّ -ﷺ- عن أكثرِهِنَّ، وكذلك نساءُ الصحابةِ مِن المُهاجِراتِ والأنصاريَّاتِ، لم يثبُت أنَّ الصحابةَ وَلَّوُا امرأةً منهنَّ، مع عَقْلِهنَّ ودِينِهنَّ وعِلْمِهنَّ.\nوينسُبُ بعضهم إلى ابنِ جريرٍ الطبريِّ القولَ بِولَايةِ المرأةِ للقضاءِ؛ وهذا لا يثبُتُ عنه، وهو مِن الكذب عليه، فلا يُوجَدُ في كتبِه صريحًا، ولا أُصولُهُ تَجري على مِثْلِ هذا القوَلِ.\nوأمَّا قولُ أبي حنيفةَ: إن المرأةَ تَقضي فيما تَشهَدُ فيه، فليس ذلك توليةً لها للقضاءِ فتتولاهُ وتنتصِبُ له؛ وإنَّما يصحُّ منها الفصلُ العارضُ؛ لأنَّ إمضاءَ الحُكْمِ شيءٌ، والانتصابَ للوِلَايةِ عليه شيءٌ؛ فأبو حنيفةَ يَكرَهُ للمرأة الشابَّةِ خُرُوجَها إلى المساجدِ نهارًا؛ حتى لا يراها الرجالُ؛ فكيف يُنصِّبُها قاضيةً لهم؟ !\nويُنسَبُ توليةُ المرأةِ مَنْصِبَ القضاءِ إلى الحنفيَّةِ، وهذا باطلٌ أيضًا؛ وفقهاءُ الحنفيَّةِ عبرَ القرونِ الماضيةِ مع انتشارِ مذهبِهم في الدولةِ العثمانيَّةِ لم يكنْ واحدٌ منهم يعملُ بذلك، ولا جوَّزَهُ للسُّلْطانِ، ولا وضَعُوا مدارسَ لتعليمِ المرأةِ القضاءَ والفصلَ ببنَ الخصومِ، ولم يثُبُتْ في عصورِ دولةِ الإسلامِ تَوَلِّي امرأةٍ للقضاءِ إلَّا أمَّ موسى القَهْرَمَانةَ حينَما وَلَّتْها في بغدادَ أمُّ المُقتدِرِ حينَما تولَّى ابنُها وهو دونَ البلوعِ، فوَلَّتْها باستبدادٍ وقهرٍ، لا بعِلْمٍ وفُتْيا، ولم يُوَلِّها خليفةٌ مسلِمٌ، وكانتْ معروفةٌ بالشرِّ\n_________\n(١) \"الذخيرة\" (١٠/ ٢٢).","vol":"4","page":1913},{"text":"والظُّلْمِ، ويأتيها الناسُ ضرورةً لا اختيارًا، ولم تكنْ مهمتُها إلَّا التوقيعَ على الصكوكِ والمراسمِ، لا الفصلَ والفضاءَ، ثمَّ لمَّا رأى المقتدِرُ بعدُ فسادَهَا في الأموالِ والتصرُّفاتِ، حبَسَها.\nالنوعُ الثاني: وِلَايةٌ خاصَّةٌ، وهي ولايةُ المنافعِ، وهي ما لا يَتجزَّأُ عن ولايةِ الإمامِ، ويصحُّ أن يقومَ به الرجالُ والنساءُ مِن غيرِ إمامٍ؛ كوِلَايةِ المنافعِ مِن ولايةِ المرأةِ على البيعِ والشراءِ، وولايتِها على الأيتامِ والأراملِ أفرادًا أو جماعاتٍ أو مؤسَّساتٍ، وولايتِها على نساءِ جنسِها بتعليمِهِنَّ، وولايتِها على المدارسِ والمَصَحَّاتِ التي لا يتَّصلُ بها مَفاسِدُ تتعدَّى بها إلى محرَّمٍ؛ فتحرُمُ حينئذٍ لأجلِ غايتِها، لا لأجلِ مجرَّدِ الولايةِ؛ كولايةِ المرأةِ على تعليمِ الرجالِ والنساءِ؛ فذلك لا يصحُّ، لا لأجلِ كونِها ولايةً؛ ولكنْ لكونِ ذلك يَلزَمُ منه مَفاسِدُ، كاختلاطِها بالرجالِ الأجانبِ؛ فهي إمَّا أن تختَلِط بهم أو تُقصِّرَ في ولايتِها؛ وكلا الأمرينِ لا يجوزُ؛ فامتنَعَ تَوَلِّيها.\nوإنَّما حازتْ هذه الأنواعُ؛ لأنَّها ولاياتٌ لا يَلْزَمُ في قيامِها إذنُ الإمامِ، وليستْ مِن ولايتِهِ ولا جزءًا منها، فيجوزُ للناسِ أن يُعلِّموا صبيانَهم، ويَحفَظوا أموالَهم، ويُعالِجوا أنفسَهم، ويَبْنُوا دُورًا لذلك، ولا يُشترَطُ عندَ الفقهاءِ إذنُ الإمامِ بهذا؛ لأنَّها ليستْ مِن ولايتِهِ ولا مِن أجزائِها، ما لم يكنْ قد وضَعَ الأمامُ نظامًا يُصلِحُ أحوالَ الناسِ ويَضبِطُ حياتَهم؛ حتى لا يَبغِيَ بعضُهم على بعضٍ، فيُلتزَمُ ذلك، لا لكونِهِ لا يصحُّ عمل الناسِ وتلك الولايةُ إلَّا به، ولكنْ لأنَّه أصلَحُ للناسِ فتجبُ طاعتُه.\nوهذا بخلافِ ولايةِ الجُنْدِ والجيشِ والقضاءِ وإمارةِ البُلْدانِ والقُرَى، فهذا لا بدَّ له مِن إذنِ الإمامِ؛ لأنَّه مِن ولايتِه وأجزائِها؛ إذْ لا يجوزُ للناسِ أن يضَعُوا لقريتِهم أوَ حيَّهم قاضيًا أو أميرًا -دون إذن","vol":"4","page":1914},{"text":"الإمام- يَفصِلُ في أمرِهم ويُقِيمُ الحدودَ ويأمُرُ ويَنهى، ما لم يكونوا في بلدٍ لا إمامَ أكبرَ فيه.\nوولايةُ المرأةِ قد تحرُمُ لذاتِها، وقد تحرُمُ لِمَا تُفضي إليه:\nأمَّا تحريمُها لذاتِها: فهي ما تقدَّمَ مِن الوِلَايةِ الكُبرى وما تجزَّأَ عنها مِن ولايةِ الإمامِ.\nوأمَّا تحريمُها لِمَا تُفضي إليه: فكولايتِها الجائزةِ في ذاتِها، ولكنَّها تُفضي الى محَّرمٍ؛ كأنْ تُؤَدِّيَ إلى سفرٍ بلا مَحَّرَمٍ، أو اختلاطٍ بالرِّجالِ، أو بُروزٍ دائمٍ إليهم.\nوأمَّا ما ينقُلُه بعضُهم أنَّ عمرَ وَلَّى الشِّفَاءَ الحِسْبةَ على السوقِ، فليس لهذا أصلٌ، وقد أنكَرَهُ ابنُ العَرَبيِّ، وقال: \"هو مِن دسائسِ المُبتدِعةِ\" (١).\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨].\nيُشرَعُ كتابةُ الحاكمِ المسلِمِ إلى ملوكِ البُلْدانِ ورؤوسِ الناسِ غيرِ المُسلِمينَ، ودعوتُهم إلى الإسلامِ؛ وهذا أعظَمُ مهمَّاتِ صاحبِ الولايةِ: حِفْظُ الدِّينِ على الناسِ، ونشرُهُ وتبليغُه؛ لأنَّه ينوبُ عن النبيِّ -ﷺ- في ذلك.\nولا يجوزُ للحاكمِ أن تَختَصَّ صِلاتُهُ ومكاتَبَاتُه مع الأُمَمِ والدولِ غيرِ المسلمةِ بالمَصَالِحِ الدُّنيَوِيَّةِ كالاقتصادِ والأنظمةِ، ويَتْرُكَ الأعظَمَ، وهو دَعْوَتُهم إلى الإسلامِ، ولو كانتِ الدعوةُ تقومُ بغيرِه؛ لأنَّ قيامَهُ بهذه المهمةِ تعظيمٌ لها، وهيَ مهمةُ الخُلَفاءِ الأُولى؛ فالمُكاتَبةُ منه لها أثرٌ على\n_________\n(١) \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٣/ ٤٨٢).","vol":"4","page":1915},{"text":"الناسِ والرؤساءِ والملوكِ، بخلافِ غيرِه، ودعوةُ مَن دُونَهُ لا تصلُ غالبًا إلى رؤوسِ الناسِ؛ وإنَّما تقتصِرُ على الشعوبِ، وفي نفوسِ الكُبَرَاءِ والرؤساءِ أنَفةٌ وكِبْرٌ وعلوٌّ لا يَقبَلونَ غالبًا إلَّا مِن مِثْلهم.\nوقد كتَبَ سليمانُ إلى مَلِكَةِ سبأٍ يدْعُوها إلى الإسلام؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٠ - ٣١].\nوقد كاتَبَ النبيُّ -ﷺ- رؤوسَ الأممِ وملوكَ الأقطارِ يَدْعُوهم إلى الإسلامِ:\n- فقد أرسَلَ دِحْيَةَ الكَلْبيَّ إلى هِرَقْلَ إمبراطورِ بِيزَنْطةَ؛ فسلَّمَهُ ببُصْرَى كتابَ النبيَّ -ﷺ-.\n- وأرسلَ عبدَ اللَّهِ بنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ إلى كِسْرَى مَلِكِ الفُرْسِ؛ فتسلَّمَهُ في المدائنِ، ومزَّق كتابَ النبيِّ -ﷺ-.\n- وأرسَلَ عمرَو بنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ إلى النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الحبشةِ؛ وبه أسلَمَ واتَّبَعَ الحقَّ بنفسِه.\n- وأرسَلَ حاطِبَ بنَ أبي بَلْتَعَةَ إلى المُقَوْقِسِ حاكمِ مصرَ؛ فسلَّمَهُ في الإسكندريَّةِ.\n- وأرسَلَ العلاءَ بنَ الحَضْرَمِيِّ إلى المُنذِرِ بنِ سَاوَى التميميِّ مَلِكِ البحرَيْنِ، وهي ما فوقَ الأحساءِ إلى ما وراءَ القطيفِ؛ فأسلَمَ وتبع النبيَّ -ﷺ-.\n- وأرسَلَ سَلِيطَ بنَ عمرٍو إلى هَوْذَةَ بنِ عليٍّ ملِكِ اليمامةِ.\n- وأرسَلَ إلى الحارثِ الغَسَّانيِّ رأسِ الغَسَاسِنَةِ، والحارثِ الحِميَرِيِّ ملِكِ حِمْيَرَ، وغيرُهم كثيرٌ.\n* * *","vol":"4","page":1916},{"text":"* قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٠ - ٣١].\nابتدَأَ سليمانُ كتابَهُ إلى مَلِكةِ سبأٍ بباسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ؛ تيمُّنًا وتبرُّكًا، وتعظيمًا للَّهِ تعالى واستعانةً به، وبراءةً مِن الحَوْلِ والقوةِ إلَّا به سبحانَهُ، وإشعارًا للمخاطَبِ بمَقَامِ الكتابِ والمكتوبِ؛ فإن البسملةَ تكونُ في الأمورِ والمَصَالِحِ الشريفةِ ذاتِ البالِ، ولا تكونُ في الوضيعةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1251>البَداءةُ بالبَسْمَلَةِ والفَرْق بينَها وبينَ الحَمْدَلَةِ:</span>\nيُشرَعُ عندَ المُكاتَباتِ والمُراسَلاتِ بينَ الناسِ البَدَاءة بالتسميةِ، وخاصَّةً عندَ الأمورِ الجليلةِ ذاتِ البالِ، ومِثلُ دلك عقودُ التجارةِ والديونِ والرهنِ والأجارةِ والصلحِ والإقطاعِ، وغيرُ ذلك.\nوقد كان النبيُّ -ﷺ- يَبدأُ بالبسملةِ في مُراسَلاتِه؛ كما في كتاباتِه إلى رؤوسِ البُلْدانِ وملوكِهم؛ ككتابِه إلى كِسْرَى فارسٍ، وهِرَقْلَ عظيمِ الرومِ، والمُقَوْقِسِ عظيمِ القِبْطِ، والنجاشِي مَلِكِ الحبشةِ، وملِكِ البحرَيْنِ المُنذِرِ بنِ سَاوَى، وقد جاء في \"الصحيحَيْنِ\" كتابُه إلى عظيمِ الرومِ، وفيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ مِن محَمَّدِ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: سَلَامٌ عَلَى مَن اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ. . . \" (١).\nوكان يَبْدَأُ بالبَسْملةِ في عقودِ الصلحِ كصُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وكتاباتِ الإقطاعِ، كما في كتاباتِهِ لإقطاعِ بعضِ أصحابِه ككتابِهِ لتميمٍ الداريِّ، وسَلَمةَ بن مالكٍ، وغيرِهما.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٧)، ومسلم (١٧٧٣)؛ من حديث عبدِ اللَّه بن عباس -﵄-.","vol":"4","page":1917},{"text":"والبداءةُ بالبسملةِ مشروعةٌ لذلك، ولأنَّ اللَّهَ ابتدَأ بها أعظَمَ كلامٍ، وهو كلامُهُ، والبسملةُ مِن كلامِ اللَّهِ -كما في سورةِ النملِ هنا- فالبداءةُ بها بَرَكةٌ وتيمُّنٌ.\nوأمَّا الفرق بينَ البداءةِ بالبَسْمَلةِ وبينَ البداءةِ بالحَمْدَلةِ، فذلك أنَّ البسملةَ تكونُ في المراسَلاتِ والمَقَالاتِ، ومِثلُها أوراقُ العقودِ الماليَّةِ، وعقودُ الصلحِ؛ فلمَّا صالَحَ النبيُّ -ﷺ- كفارَ قريشٍ في الحُدَيْبِيَةِ، كَتَبَ البسملةَ ولم يكتُبِ الحَمْدَلةَ.\nوأمَّا الحَمْدَلةُ، فتكونُ في الخُطَبِ وما في حُكمِها، ولا تبتدئُ الخُطَبُ بالبَسْملةِ؛ وإنَّما بالحَمَّدَلةِ، ومِثلُ الخُطَبِ: الكتُبُ المؤلَّفةُ لبسطِ عِلْمٍ ونشرِ فقهٍ، وما شابَهَ المُراسَلاتِ مِن الكُتبِ لصغرِه، فلا حرَجَ مِن الاكتفاءِ بالبسملةِ فقطْ؛ لمناسَبةِ مَقَامِهِ بمَقَامِ المُراسَلاتِ والعقودِ، واللَّهُ أعلَمُ.\nوالشِّعْرُ كالنَّثْرِ؛ فما كان مِن مَعَانِيهِ الحَسَنةِ الحميدةِ، فيُبْدَأُ فيه بالبسملةِ أو الحمدلةِ بحسَبِ مَقامِه وموضوعِه، ولا يثبُتُ عن النبيِّ -ﷺ- ولا عن الصحابةِ التفريقُ بينَ كتابةِ الشِّعْرِ والنثرِ في البداءةِ بالبسملةِ، وما جاء عن الزُّهْريِّ والشَّعْبيِّ مِن كراهةِ البداءةِ بالبسملةِ في الشِّعْرِ، فلا يصحُّ عنهما، وعن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ جاء الجوازُ، وفي سندِهِ كلامٌ، وكلُّها رواها الخطيبُ في \"الجامعِ لأخلاقِ الرَّاوي\" (١)، والأصلُ اشتراكُ الشِّعْرِ والنَّثْر في الحُكْمِ، ولا يحتاجُ الجوازُ إلى دليلٍ خاصٍّ.\n* * *\n_________\n(١) ينظر: \"الجامع لأخلاق الراوي\" (١/ ٢٦٣ - ٢٦٤).","vol":"4","page":1918},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٥ - ٣٧].\nلمَّا جاء كتابُ سليمانَ إلى مَلِكةِ سبإٍ وقرَأَتْه، أرسَلَت بكتابٍ إليه تَسْتَمِيلُهُ لكفِّ ما يُرِيدُه، مِن لَحَاقِها به، وخضوعِها للَّه، ونزولِها تحتَ حُكْمِه، وأرادتْ أن تَختبِرَ صِدْقَ دعْواه: هل هو صاحبُ دُنْيا؛ فتُسكِّنَهُ الهديَّةُ -لأنَّ صاحبُ الدُّنيا إنْ جاءه ما يُريدُ، سكَنَ طمعُه؛ لتحقُّقِ مقصودِهِ- أو صاحبُ دِينٍ ومقصودُهُ عبادةُ اللَّهِ وحدَه؟ كما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّه قال: بعَثَتْ إليه بوصائِفَ ووُصَفَاءَ، وألبسَتهُمْ لِبَاسًا واحدًا؛ حتى لا يُعرَفَ ذكَرٌ مِن أُنثى، فقالتْ: إن زَيَّلَ بينَهم حتى يَعرِفَ الذَّكَرَ مِن الأُنثى، ثمَّ ردَّ الهديَّةَ، فإنَّه نبيٌّ، وينغي لنا أنْ نترُكَ مُلْكَنا، ونتَّبعَ دِينَه، ونَلحَقَ به (١).\nوقال ابنُ زيدٍ: إنَّها قالتْ: إنَّ هذا الرجلَ إنْ كان إنَّما هِمَّتُهُ الدُّنيا، فسنُرْضِيه، وإنْ كان إنَّما يُرِيدُ الدِّينَ، فلن يَقبَلَ غيرَهُ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1252>حُكْمُ قَبُولِ الهديَّةِ التي يُرادُ منها صَرْفٌ عن الحقِّ:</span>\nولمَّا جاءتِ الهديَّة سليمانَ، رَدَّها ولم يَقْبَلْها؛ لأنَّ اللَّهَ لم يبعَثْهُ جابيًا للمالِ باحثًا عنه؛ وإنَّما مريدًا للناسِ العِبادةَ واستسلامَهُمْ للَّهِ، لا له.\nوفي هذه الآيةِ: دليلٌ على عدمِ جوازِ قَبُولِ العالِمِ والمُصلِحِ الهديَّةَ إنْ كان مُهدِيها يُريدُ بها استمالةَ المُصلِحِ إلى ضلالِهِ أو إسكاتَهُ عنه؛ فإنَّ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٥٣).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٥٤).","vol":"4","page":1919},{"text":"النفوسَ مجبولةٌ على حُبِّ مَنْ أحسَنَ إليها، وسليمانُ لم يَرُدَّ هديَّةَ مَلِكةِ سبإٍ إلَّا لأنَّها جاءتْ بعدَ كتابِهِ إليها بالدخولِ في الإسلامِ.\nومَنْ كان قائمًا بأمرِ اللَّهِ، منابِذًا للكفرِ، رافعًا رايةَ الإصلاحِ: لا يجوزُ له قَبولُ هدايا المُعانِدينَ؛ خشيةَ كَسْرِ نفسِه وسكونِها.\nونظرُ العالمِ إلى حالِ المُهْدِي عندَ بَذْلِ الهديَّةِ واجبٌ؛ فإنَّ أحوالَ المُهدِينَ تَنطوِي تحتَها مَقاصدُهم، ومَقَامُ العالِمِ ليس كمَقَامِ غيرِه؛ فمِن الناسِ مَن يبذُلُ الهديَّةَ حبًّا في الإسلامِ وأهلِه، ومنهم مَن ببذُلُها كُرْهًا لهم فيَراهم شرًّا لا يُدفَعُ إلَّا بالمالِ، وإهداءُ المالِ ليس عَلَامةً على المودَّةِ في كلِّ حالٍ.\nوقد يُبذَلُ المالُ وتُهدَى الهديَّةُ ويَقصِدُ به قابلُها تأليفًا لقلبِ المُهدِي، لا رغبةً في الدُّنيا؛ كما قَبِلَ النبيُّ -ﷺ- هدايا الملوكِ كالمُقَوْقِسِ وغيرِه.\nوقد تقدَّمَ الكلامُ على أخذِ الأَجْرِ على نشرِ الخيرِ وقَبُولِ الهدايا والعطايا عليه، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [هود: ٢٩].\n* * *","vol":"4","page":1920},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1253>سورة القصص</span>\nسورةُ القَصَصِ مكيَّةٌ، ويتجلَّى هذا في مَعاني آياتِها وخِطابِها، ومِن علاماتِ السُّوَرِ المكيَّةِ: تقريرُ التوحيدِ، وذِكرُ القَصَصِ والعِبَرِ؛ ولهذا لم يكنْ في سورةِ القَصَصِ تشريعاتٌ وأحكامٌ ظاهرةٌ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧].\nفي هذا: أنَّ أَوْلى الناسِ برَضَاعِ الصغيرِ أُمُّه، وإنْ رَغِبَتْ في ذلك، فلا يجوزُ أن يُنقَلَ إلى غيرِها، وقد تقدَّم الكلامُ على الرَّضَاعِ وأحكامِه في سورةِ البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [٢٣٣]، ويدُلُّ على الرَّضاع قولُه تعالى في هذه السورةِ: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢]، وفيها وجوبُ كفالةِ الصغيرِ ورعايته، وتقدَّم الكلامُ على الكفالةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠].\nائتمَرَ فرعونُ وشاوَرَ قومَه في قتلِ مرسى، وتواطَؤوا على ذلك،","vol":"4","page":1921},{"text":"ولم يكن ذلك مُعلَنًا؛ حتى لا يَعلَمَ موسى، فيَهْرُبَ وينجوَ مِن ظُلْمِهم، فجاء رجلٌ فأخبَرَ موسى بأمرِهم.\nوفي هذا: أنَّه لا حُرْمةَ للأسرارِ إنْ كانتْ تُضِر بمظلومٍ، فيجبُ إفشاؤُها لِمَنْ بُغِيَ عليه ومَن له حقُّ النُّصْرةِ؛ حتى يُدفَعَ الظُّلْمُ عن المظلومِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1254>حِفْظُ الأسرارِ وإفشاؤُها:</span>\nوقصدُ فرعونَ ومَنْ معه قَتْلَ موسى كان سِرًّا؛ كما في ظاهرِ السياقِ وما يَقتضيهِ الحالُ.\nوإفشاءُ الأسرارِ التي تَنطوي على ظُلْمٍ وبغيٍ وحربٍ للَّهِ ومُحَادَّهٍ للَّهِ - واجبٌ، ويدُلُّ على وجوبِه أمرانِ:\nالأولُ أنَّ حِفظَ الأسرارِ واجبٌ، ولا يَنتفِضُ الوجوبُ إلَّا بما هو مِثلُهُ أو آكَدُ منه؛ وذلك أنَّ مَنِ اؤْتُمِنَ على شيءٍ، وجَبَ عليه حِفظُهُ وعدمُ الخيانةِ فيه؛ كما ثبَتَ في \"الصحيحَيْنِ\"، في حديثِ أبي هريرةَ؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- قال: (آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) (١).\nالثاني: أنَّ دفعَ الظُّلْمِ والبَغي واجبٌ على الكفايةِ، ويتعيَّنُ الدفعُ على مَنْ لا يَقدِرُ عليه إلَّا هو، فمَن عرَفَ سرًّا فيه بغيٌ وظُلْمٌ وعُدْوان على الناسِ في أنفُسهم أو أموالِهم أو أعراضِهم أو دِينِهم، تعيَّنَ عليه دفعُهُ بإفشاءِ ما يَعلَمُ إلى مَن يستطيعُ الاحترازَ مِن ظُلْمِ الظالم وبَغْي الباغي.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩).","vol":"4","page":1922},{"text":"وقولُه تعالى على لسانِ الرجُلِ: ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ دليلٌ على أنَّ فِعلَه بِرٌّ واحسانٌ ونصحٌ، لا خيانةٌ للأمانةِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣].\nلمَّا جاء موسى إلى مَدْيَنَ، ورَدَ موضعَ ماءٍ يجتمعُ الناسُ عليه لِيَسْقُوا، وقد هيَّأَ اللَّهُ لموسى خروجَ المرأتينِ ليكونَ بدايةً لصلاحِ أمرِهِ وأمانِه.\nقولُه تعالى: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾: قال: ﴿مِنْ دُونِهِمُ﴾؛ أي: ليستَا معهم؛ للدَّلَالةِ على أنَّ المرأةَ لا تَختلِط بمَجامِعِ الرِّجالِ، بل تَعتزِلُهم، فقد كانتَا تَذُودَانِ؛ قال ابنُ عبَّاسٍ: \"يعني لذلك حابستَيْنِ غَنَهما\" (١)، وقال أبو مالكٍ: \"تَحبِسانِ غنَمَهما حتى يفرُغَ الناسُ وتَخْلُوَ لهما البئرُ\" (٢).\nويظهَرُ هذا في قولِهما: ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾، وفي هذا استحبابُ عَرضِ قضاءِ حاجةِ المرأةِ عندَ ظهورِ تعطيلِها؛ لأنَّهُنَّ غالبًا يَمنعُهُنَّ حياؤُهُنَّ عن طلبِ مُسَاعدةِ الرِّجالِ.\nوقولُهما: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ دليلٌ على ما سبَقَ؛ ففيه بيانُ عُذرِهما بحضورِهما إلى هذا الموضعِ مِن مواضعِ الرجالِ، ويُرِدْنَ بذلك\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٢٠٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٩/ ٣٩٦٢).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٢٠٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٩/ ٢٩٦٣).","vol":"4","page":1923},{"text":"بيانَ أنَّ أباهُما كان يقومُ بذلك، ولكنْ لمَّا كَبِرَ، لم تَجِدَا بُدًّا مِن الإتيانِ إلى هذا الموضع، وقد تقدَّم الكلامُ على حُكْمِ اختلاطِ المرأةِ بالرجالِ، وبيانِ أحوالِهِ وأَنواعِه، في مواضعَ مضَتْ؛ منها عندَ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقولِه تعالى: ﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١]، وقولِه: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، وقولِه تعالى في هود: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [٧١]، وقولِه في طه: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [١٠]، ويأتي الإشارةُ إلى ذلك في قولِه: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات: ١١]، وقد بَيَّنْتُ ذلك مفصَّلًا في كتابِ: \"الاختلاطُ: تحريرٌ، وتقريرٌ، وتعقبٌ\".\nوفي قوله تعالى: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ وجوب قيامِ الرَّجُلِ بالكسب ومَؤُونَةِ أهلِه، زوجًا كان أو أبًا، أو أخًا أو ابنًا؛ وذلك لِما جعَلَ اللَّهُ فيهم مِن خَصِيصةٍ وقوَامةٍ؛ فاللَّهُ فَضَّلَهُمْ لأجلِ أشياءَ، منها كَسْبُهم ونفقتُهم على أهلِيهِم ومَنْ يَلُونَ مِن النساءِ ومَن لا يَملِكُ قوةً وكفايةً، فبناتُ صاحبِ مَدْيَنَ اعتذَرْنَ عن أبيهِنَّ، وذلك لأنَّ السؤالَ قام في ذهنِ موسى وغيرِه، فأَجَبْنَ مع أنَّه لم يَسْأَلهُنَّ، لأنَّ المَقامَ ليس مَقامَهُنَّ؛ بل مَقامُ وَليِّهِنَّ.\nوقد بيَّنَّا ذلك عندَ قولِه تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]، وقولِه تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥]، وقولِه تعالى لآدمَ وحَوَّاءَ: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]؛ أي: تَخْرُجانِ جميعًا والشقاء لآدمَ؛ لأنَّه مكفيٌّ في الجنةِ مِن الضَّرْب في الأرضِ والعملِ والتكسُّبِ، وأمَّا في الدُّنيا، فسيَشْقَى وحدَه، ومَحَلُّ حَوَّاءَ في","vol":"4","page":1924},{"text":"قَرَارِها، واللَّهُ أمَر الرِّجالَ ولم يَنْهَ النِّسَاءَ عن التكسُّبِ إنِ احتَجْنَ إليه مِن غيرِ تبرُّجٍ ولا اختلاطٍ بالرِّجالِ الأجانبِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].\nفيه: جوازُ اتِّخاذِ الخادمِ، وعملُ الرفيعِ جمع مَنْ هو دُونَهُ أو مِثلُهُ في الفضلِ، ومشاورةُ البنتِ لأبيها، وقَبُولُ رأيِها.\nوفي هذه الآيةِ: دليلٌ على صحةِ الإجارةِ في الشريعةِ، وهذا محلُّ اتِّفاقِ عندَ الجميعِ، وقد تقدَّم الكلامُ على الفَرقِ ينَ الإِجَارةِ والجِعَالةِ عندَ قوله تعالى في سورةِ يُوسُفَ: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [٧٢].\nوفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ بيانٌ لأركانِ وشروطِ مَن يصلُحُ للأمانةِ والوِلَايةِ على الأموالِ، وقد تقدَّمَ هذا عندَ قولِه تعالى في سورةِ يوسُفَ: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [٥٥].\nوتتضمَّنُ الآيةُ ما تقدَّمَ مِن إيجابِ الكسبِ على الرجالِ، وأنَّ الرجُلَ إنْ عَجَزَ عن الكسب لبَناتِهِ وقدَرَ على استئجارِ مَن يَكْفِيهِنَّ المؤونةَ، وجَبَ عليه، ما لمَ يكن فقيرًا أو لم يَجِدْ مَن يأتمِنُهُ على أهلِه، فيُعذَرُ؛ لأنَّ استئجارَ صاحبِ مَدْيَنَ لموسى: يَكفي بناتِهِ مِن الخروجِ إلى مواضعَ يَلْزَمُ منها خِلْطَةٌ بالرِّجَالِ كوُرُودِ الماءِ وشِبْهِه، وطلبُ بناتِ صاحبِ مَدْيَنَ جَرى على الفِظرةِ الصحيحةِ التي فُطِرَ عليها البشرُ.\nولمَّا استأجَرَهُ صاحبُ مَدْيَنَ مع ما رأى فيه مِن ديانةٍ وأمانةٍ، عرَضَ عليه الزواجَ مِن إحدى بناتِهِ مقابِلَ عملِهِ معه ثمانيَ سنينَ مَهرًا لها؛ حتى","vol":"4","page":1925},{"text":"لا يدومَ بقاءُ غيرِ مَحْرَمٍ في البيتِ وليس فيه إلَّا نساءٌ وأَبُوهُنَّ شيخٌ كبيرٌ، كما ظهَر ذلك في الآيةِ بعدَه، وهذا جريًا على الفِطْرةِ، لا تغليبًا للتُّهَمَةِ؛ فإنَّ التزامَ الشرعِ في الحجابِ وغضِّ الطَّرْفِ وتحريمِ الخَلْوةِ والاختلاطِ مع قرارٍ: عامٌّ لجميعِ المكلَّفين؛ لا مقامَ فيه لتمييزِ الصالحينَ عن غيرِهم.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧].\nلمَّا رأى صاحبُ مَدْيَنَ مِن موسى أمانَتَهُ وصيانتَهُ لعِرْضِهِ وهو غريبٌ، لَمَسَ منه الوِلَايةَ والدِّيَانةَ، فعرَضَ عليه الزواجَ مِن ابنتِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1255>عَرْضُ البناتِ لتزويجِهِنَّ:</span>\nوفي قوله تعالى: ﴿أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ استحبابُ عَرْضِ البناتِ والأخواتِ على الأزواجِ الأكفَاءِ، وذلك لا يَعِيب الرجلَ ولا ابنتَهُ، وقد عرَضَ عمرُ بنُ الخطَّابِ حَفْصةَ على بعضِ خِيارِ الصحابةِ كأبي بكرٍ وعثمانَ؛ كما أخرَجَ الإمامُ البخاريُّ في بابِ (عَرْضِ الإنسانِ ابنتهُ أو أختَهُ على أهلِ الخيرِ): \"أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ حِينَ تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَة السَّهْمِيِّ، وَكَانَ مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَتُوُفيَ بِالمَدِينَةِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَعرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ، فَقَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي، فَلَبَثْتُ لَيَالِيَ ثُمَّ لَقِيَنِي، فَقَالَ: قَدْ بَدَا لِى أَلَّا أتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا، قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ زَوَّجْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمْ يَرْجِع إِلَيَّ شَيْئًا، وَكُنْتُ أَوْجَدَ عَلَيهِ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ، فَلَبِثتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ خَطَبَهَا","vol":"4","page":1926},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرِ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ وَجَدتَّ عَلَيَّ حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ، فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكَ شَيِئًا؟ قَالَ عُمَرُ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ أَبُو بَكرٍ: فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجعَ إليكَ فِيمَا عَرَضْتَ عَلَيَّ، إلَّا أَنِّي كُنْتُ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ ذَكَرَهَا، فَلَمْ أَكُنْ لِأُفْشِيَ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَوْ تَرَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، قَبِلْتُهَا\" (١).\nوفي قولِه تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ دليلٌ على مشروعيَّةِ المَهْرِ، وأنَّه مِن شرائعِ الأنبياءِ، ومَهْرُ صاحب مَدْيَنَ لِبَنَاتِهِ أنْ يَرْعَى موسى عليه ماشيتَهُ ثمانيَ سِنِينَ، فإنْ تبرَّعَ موسى بزيادةِ سنتَيْنِ فهو إليه، وإلَّا ففي ثمانٍ كفايةٌ.\nوقد تقدَّم الكلامُ على المَهرِ وحُكْمِهِ وتفصيلِهِ، وتسميتِهِ وحدِّه وحُكْمِ استردادِه، وذلك مفرَّقًا عندَ قولِه تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ\nالنِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وعندَ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]؛ وقولِه تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، وقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]، وقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠].\nوقد استدَلَّ بعضُ الفقهاءِ بالآيةِ على جوازِ استئجارِ الأجيرِ على الطعامِ والكِسْوةِ؛ وذلك أنَّ موسى استُؤجِرَ على أن يكونَ رعيُهُ وخدمتُهُ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥١٢٢).","vol":"4","page":1927},{"text":"مَهْرًا، ولازِمُ ذلك إطعامُهُ وإسكانُهُ ولباسُه؛ وبهذا قال أحمدُ، ويُروى في هذا: ما أخرَجَهُ ابنُ ماجَهْ؛ مِن حديثِ الحارثِ: بنِ يزيدَ، عن عُلَيِّ بنِ رَبَاحٍ؛ قال: سَمِعْتُ عُتْبَةَ بْنَ النُّدَّرِ يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَرَأَ: ﴿طسم﴾ [القصص: ١]، حَتَّى إِذَا بَلَغَ قِصَّةَ مُوسَى، قَالَ: (إِنَّ مُوسَى -ﷺ- أجَرَ نَفْسَهُ ثَمَانِي سِنِينَ، أَوْ عَشْرًا، عَلَى عِفَّةِ فَرْجِهِ، وَطَعَامِ بَطْنِهِ) (١).\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص: ٢٩].\nفي هذه الآيةِ: ما في سورةِ طه عندَ قولِه تعالى: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [١٠]؛ وذلك أنَّ موسى رأى النارَ ونأَى بأهلِهِ عن الحضورِ معه؛ وذلك لأنَّ الغالبَ في الأسفارِ الرِّجَالُ، ولا يَصِحُّ منه الإتيانُ بأهلِهِ بينَهُمْ؛ وذلك أنَّه لو كان معه صاحبٌ رجلٌ، لأخَذَهُ معه، ولم يقُلْ له: (امْكُثْ)؛ يتقوِّى ويأنَسُ به، ويَحتمِلُ أنَّ موسى أراد مع إبعادِها عن مواضعِ الرِّجَالِ إبعادَها عن مواضعِ الخوفِ، فلو رأَوْهُ وحدَهُ مع أهلِهِ، لَسَوَّلَ لهم الشيطانُ مكروهًا.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (٢٤٤٤).","vol":"4","page":1928},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1256>سورة العنكبوت</span>\nسورةُ العنكبوتِ مكيَّةٌ، وإنَّما الكلامُ على مدَنِيَّةِ أوَّلِها، وهي إحدى عَشْرَةَ آيةً مِن أولِها، فقال جماعةً بأنَّها نزَلَت في المدينةِ؛ وذلك لأنَّ اللَّهَ افتتَحَ السورةَ بخِطابِ المؤمنِين، وحذَّر مِن النِّفَاقِ في الحاديةَ عشْرَةَ، فقال: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت: ١١]، والنِّفاقُ ظهَرَ في المدينةِ، والناسُ في مكةَ: إمَّا مؤمنونَ، وإمَّا كفارٌ ظاهِرون، ثمَّ بعدَ ذلك بدَأ الخِطابُ بحالِ الكافرينَ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]؛ فهذا وما بعدَه نزَل بمَكَّةَ عندَ الأكثرِ (١).\nويَظهرُ في آياتِها ما تُعرَفُ به السُّوَرُ المكيَّةُ مِن خِطَابِ الكافرِين، وذِكْرِ الآياتِ وإعجازِ القرآنِ، والعِبَرِ والأمرِ بالاعتبارِ والمعجِزاتِ، وقَصَصِ بعضِ الأنبياءِ مع أُممِهم، والوعيدِ في الآخرةِ للمُعانِدِين.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٨].\nأمَر اللَّهُ بالإحسانِ إلى الوالدَيْنِ، ونَهَى عن طاعتِهما في الشِّرْكِ، ولم يذكُرْ جميعَ المعاصي، مع أنَّه لا طاعةَ لأيِّ مخلوقٍ في معصيةِ\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير ابن عطية\" (٤/ ٣٠٥)، و\"زاد المسير\" (٣/ ٣٩٨)، و\"تفسير القرطبي\" (١٦/ ٣٣٣).","vol":"4","page":1929},{"text":"الخالقِ ولو كان والدًا، وذلك لأنَّ الخِطابَ كان للمُسلِمينَ في أولِ الأمرِ، وكان آباؤُهُمْ يُريدونَهُمْ على الشِّرْكِ، لا على مجرَّدِ المعاصي.\nوقد قرَنَ اللَّهُ بِرَّ الوالدينِ بتوحيدِهِ وعبادتِهِ لعظَمتِه؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقره: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: ١٥١]، وتقدَّم الكلامُ في بِرِّ الوالدَينِ وفضلِهِ فيما سبَقَ مِن الآياتِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩].\nذكَرَ اللَّهُ فاحشةَ قومِ لُوطٍ، وكرَّر ذِكرَها في القرآنِ؛ لبشاعتِها وقُبْحِها وسُوئِها ومنافَرَتِها للفطرة؛ حيثُ عاقَبَ عليها عقابًا لم يُعاقِبْ أُمَّةً مِثلَه، وقد تقدَّم الكلامُ على جُرْمِهم وما فعَلُوه، ومراحلِ تدرُّجِهم في الفاحشةِ، وكيف وصَلُوا إلى نهايتِها، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥].","vol":"4","page":1930},{"text":"أمَرَ اللَّهُ بتلاوةِ القرآنِ، وقرَنَ ذلك بالأمرِ بالصلاةِ؛ للدَّلَالةِ على أنَّ العبادةَ مع العِلْمِ متلازِمانِ لا ينفكُّ واحدٌ عن الآخَرِ، وأنَّ مَن اجتمَعَ عِلمُهُ بالقرآنِ بعبادتِه، اكتمَلَتْ فيه أركانُ الثباتِ على الحقِّ؛ وذلك لأنَّ العِلْمَ والعبادةَ كالقَدَمَيْنِ لا يُقامُ إلَّا عليهما؛ فالعلمُ يُزِيلُ الشُّبُهاتِ، والعبادةُ تُزِيلُ الشَّهَواتِ؛ كما في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، وقد تقدَّم الكلامُ على حُكْمِ الصلاةِ وفرضِ صلاةِ الجماعةِ في مواضِعَ مِن هذا الكتابِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨].\nامتَنَّ اللَّهُ على نبيِّه بالقرآنِ وإعجازِهِ بفصاحتِهِ وبيانِه، مع جعلِهِ النبيَّ -ﷺ- أُمِّيًّا حتى لا يُتَّهَمَ أنَّه قرَأَ ما يَتْلُوهُ مِن أُممٍ سابقةٍ، وليس كاتبًا حتى لا يُتَّهَمَ أنَّه كتَبَهُ لهم مِن تِلْقاءِ نفسِه، وكانت كفارُ قريشٍ تعرِفُ أُمِّيَّةَ النبيِّ -ﷺ-؛ لأنَّه نشَأَ بينَهم.\nوقولُه: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ فيه فضلُ استعمالِ اليمينِ في الكتابةِ وكلِّ شريفٍ ومكرَّمٍ، والتعاملِ بالأخذِ والعطاءِ؛ كما تقدَّمَتِ الإشارةُ إلى ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [الإسراء: ٧١]، وقولِه تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ١٧]؛ فقد كان موسى يُمسِكُ عصًا بيمينِه.","vol":"4","page":1931},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1257>سورة الروم</span>\nسورةُ الرُّومِ مكيَّةٌ، وقد حكَى بعضُهم الإجماعَ على ذلك (١)، وسُمِّيَتْ بسورةِ الرُّومِ؛ لأنَّهم لم يُسَمَّوْا في القرآنِ بذلك إلَّا فيها، ومِن وجُوهِ تسميةِ السُّوَرِ تفرُّدُها بذِكْرِ شيءٍ؛ كآلِ عِمْرانَ ولُقْمانَ وقريشٍ والمائدةِ والنحلِ والعنكبوتِ وغيرِ ذلك.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ١ - ٥].\nكانتْ فارسُ والرومُ في سِجَالٍ وقتالٍ وعَدَاءٍ، وقد قاتَلَ الفرسُ الرومَ في الشامِ وطرَدُوهم حتى ألجَؤُوهُمْ إلى القُسْطَنْطِينيَّةِ، وكانتْ فارسُ مجوسًا تعبُدُ النارَ ونقولُ بإلهَيْنِ، وكانتِ الرومُ كتابيَّةً نصرانيَّةً، وليس للمجوسِ كتابٌ باقٍ، وليس في شرائعِهم قُرْبٌ مِن شرائعِ الإسلامِ كالنَّصَارى، وليس في كُتُبِهم إشارةٌ إلى نُبُوَّةٍ قادمةٍ ولا تبشيرٌ بها كما هي لدى أهلِ الكتابِ.\nوقد قيل: إنَّ لهم كتابًا، وبدَّلُوه تبديلًا أشَدَّ وأبشَعَ مِن تبديلِ\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير ابن عطية\" (٤/ ٣٢٧)، و\"زاد المسير\" (٣/ ٤١٥)، و\"تفسير القرطبي\" (١٦/ ٣٩٢).","vol":"4","page":1933},{"text":"النصارى واليهودِ، حتى أَحَلُّوا نكاحَ المَحَارمِ، فرُفِعَ ما بَقِيَ مِن كتابِهم ولم يبقَ لدَيْهِمْ منه شيءٌ، وكان حُكْمُهم كحُكْمِ سائرِ الوثنيِّينَ، إلَّا ما دلَّ عليه الدليلُ كالجِزْيةِ فساوَوْا أهلَ الكتابِ، وقد روَى عبدُ الرزَّاقِ والشافعيُّ، عن عليٍّ -﵁-؛ قال: \"كان المجوسُ أهلَ كتابٍ يَقْرَؤُونَهُ، وعِلْمٍ يَدْرُسونَه، فشَرِبَ أميرُهم الخمرَ، فوقعَ على أختِه، فلمَّا أصبَحَ، دعا أهلَ الطمعِ فأعطاهُم، وقال: إنَّ آدَمَ كان يُنكِحُ أولادَهُ بناتِه، فأطاعُوه، وقتَلَ مَن خالَفَهُ، فأُسْرِيَ على كتابِهم وعلى ما في قلوبِهم منه، فلم يَبْقَ عندَهم منه شيءٌ\" (١).\nوأخرَجَهُ عبدُ بنُ حُمَيْدٍ في \"التفسيرِ\" بإسنادٍ صحيحٍ، عن ابنِ أَبْزَى، عن عليٍّ؛ بنحوِه (٢).\nوقد كان النبيُّ -ﷺ- وأصحابُه يَرَوْنَ أنَّ أهلَ الكتابِ أقلُّ شرًّا مِن المجوسِ، والرومَ أقرَبُ مِن فارسَ لهذا الأمرِ؛ فكانوا يُحِبُّونَ الغَلَبةَ للرُّومِ على فارسَ، وإنْ كان الصحابةُ قاتَلُوهُمْ جميعًا.\nوقد روَى أحمدُ والترمذيُّ؛ مِن حديثِ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ -﵄-؛ في قولِه تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾؛ قال: \"غُلِبَتْ وَغَلَبَتْ، قَالَ: كَانَ المُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أَنْ تَظْهَرَ فَارِسُ عَلَى الرُّومِ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ أَوْثَانٍ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أَنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، فَذَكَرُوهُ لِأَبِي بَكْرٍ، فذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: (أَمَا إِنَّهُمْ سَيَغْلِبُونَ)، قَالَ: فَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لَهُمْ، فَقَالُوا: اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ أَجَلًا؛ فَإِنْ ظَهَرْنَا، كَانَ لَنَا كَذَا وَكَذَا، وَإِنْ ظَهَرْتُمْ، كَانَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا، فَجَعَلَ أَجَلًا خَمْسَ سِنِينَ، فَلَمْ\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٩٢٦٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٨٨).\n(٢) ينظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (٦/ ٢٦١)، و\"الدر المنثور\" (١٥/ ٣٣٧).","vol":"4","page":1934},{"text":"يَظْهَرُوا، فَذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: (أَلَا جَعَلْتَهَا إِلَى دُونِ -قَالَ: أُرَاهُ قَالَ: الْعَشْرِ؟ -) -قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْبِضْعُ: مَا دُونَ الْعَشرِ- ثُمَّ ظَهَرَتِ الرُّومُ بَعْدُ، قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ \" (١).\nوجاء نحوُه عن ابنِ مسعودٍ (٢)، والبَرَاءِ (٣)، ونِيَارِ بنِ مُكْرَمٍ (٤)، وغيرِهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1258>فَرَحُ المؤمنينَ بهزيمةِ أحَدِ العَدُوَّيْنِ على الآخَرِ:</span>\nوفي هذا: جوازُ فرحِ المُسلِمينَ بهزيمةِ عدوٍّ على عدوٍّ آخَرَ أشَدَّ منه، وليس هذا حبًّا لنُصْرةِ الكافرِ؛ بل لأنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ الشرَّ الأعظَمَ بيدِ عدِّوه، فيَبقى أخَفُّ العدوَّيْنِ ضررًا فينفرِدُ بصدِّهِ المُسلِمونَ، وهذا مِن سُنَّةِ اللَّهِ في الدفعِ التي يُجْرِيها لحِكَمٍ بغيرِ إرادةِ المؤمنِين.\nوفَرَحُ النبيِّ -ﷺ- وأصحابِهِ في ذلك: دليلٌ على استحبابِ الفَرَحِ في مِثْلِ هذا، وقد كان سببُ فرحِ النبيِّ -ﷺ- وأصحابِهِ في هزيمةِ فارسَ وغَلَبةِ الرومِ سببَيْنِ:\nالأولُ: أنَّ كفارَ قريشٍ أشدَّ عَدُوٍّ قريبٍ للنبيِّ -ﷺ-: يُحِبُّونَ الفُرْسَ أكثَرَ مِن الرومِ؛ لأنَّهم مِثْلُهم ليسوا بأهلِ كتابٍ، وهزيمةُ فارسَ كسرٌ لنفسِ قريشٍ وهزيمةٌ لعزائمِهم؛ فأحَبَّ النبيُّ ذلك.\nالثاني: أنَّ فارسَ أشَدُّ عداوةً مِن الرومِ، وكِلاهما عدوٌّ للمُسلِمينَ؛\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١/ ٢٧٦)، والترمذي (٣١٩٣)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١١٣٢٥).\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (١٨/ ٤٥٥).\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٩/ ٣٠٨٦).\n(٤) أخرجه الترمذي (٣١٩٤).","vol":"4","page":1935},{"text":"فأَحَبَّ أن يزولَ العدوُّ الأعلى بالعدوِّ الأدنى، بدلًا مِن قتالِ عدوَّيْنِ، أو قتال العدُوِّ الأعلى.\nوفَرَحُ النبيِّ -ﷺ- بما يَغِيظُ قريشًا دليلٌ على استحبابِ الفرحِ بما يَغيظُ ويُصيبُ العدوَّ المُحارِبَ، وقد اعتبَرَ اللَّهُ مِن مقاصدِ قتالِ العَدُوِّ: شفاءَ صدورِ المؤمنينَ، وذَهَابَ غَيْظِ قلوبِهم؛ كما تقدَّم عندَ قولِه تعالى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥].\nوفي هذه الآياتِ: بيانٌ لحِكْمةِ النبيِّ -ﷺ- وأصحابِهِ في معرفةِ مَراتبِ الأعداءِ قُرْبًا وبُعْدًا مِن الحقِّ؛ فإنَّ الأعداءَ ليسوا على بابٍ واحدٍ في الشرِّ والعَدَاءِ، ولا يَتعامَلُ مع الأعداءِ على أنَّهم شيءٌ واحدٌ إلَّا وهو يتعاملُ مع الحُلَفاءِ على أنَّهم شيءٌ واحدٌ، فيُؤتَى مِن مَأْمَنِه، ويجتمِعُ أعداؤُهُ عليه فيَستأصِلُونَه؛ وهذا جهلٌ بالسياسةِ، وليس مِن الفِقْهِ في الدِّينِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1259>رِهانُ أبي بَكْرٍ بِمَكَّةَ، والرِّهَانُ في إظهارِ الحقِّ:</span>\nوقد راهَنَ أبو بكرٍ بعضَ قريشٍ في غَلَبةِ الرُّومِ على فارسَ؛ كما تقدَّمَ في حديثِ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ مسعودٍ والبَرَاءِ ونِيَارٍ، وجاءتِ القصةُ مِن مُرْسَلِ قتادةَ (١)، وعِكْرِمةَ (٢)، وابنِ شهَابٍ، وعبدِ اللَّهِ بنِ عُتْبةَ بنِ مسعودٍ (٣)، وقد كان ذلك بمكةَ قبلَ تحريمِ الجَهالةِ والغَرَرِ والرِّبا، والنهيُ عن المُقامَرةِ ونزولُ آيتِها كان بالمدينةِ في غزوةِ بني النَّضِيرِ بعدَ أُحُدٍ، وقد اختلَفَ العلماءُ في دخولِ رِهَانِ أبي بكرٍ في النهي؛ فإنْ كان داخلًا فهو منسوخٌ، وإنْ لم يكنْ داخلًا في النهي، فهو داخلٌ في عمومِ ما استُثنِيَ؛ كما روى أحمدُ وأهلُ السُّننِ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال: قال\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٤٥٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٩/ ٣٠٨٧).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٤٥٠).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٩/ ٣٠٨٧).","vol":"4","page":1936},{"text":"رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: (لَا سَبَقَ إِلَّا فِي خُفٍّ أَوْ فِي حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ) (١)؛ وذلك أنَّ غلَبةَ الرومِ على الفُرْسِ كان عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وبه استحَقَّ أبو بكرٍ المالَ على رِهَانِه.\nوقد قال بأنَّ فِعْلَ أبي بكرٍ داخلٌ في المنسوخِ جمهورُ العلماءِ؛ وذلك أنَّ الفقهاءَ يرَوْنَ منعَ الرِّهَانِ إذا كان المالُ مِن الجميعِ حتى فيما استُثنِيَ في الحديثِ، ما لم يدخُلْ محلِّلٌ، وجعَلُوا ما جاء به حديثُ أبي بكر أَوْلى بالمنعِ والقولِ بنَسْخِه، وأنَّ الحديثَ استثنى مِن السَّبَقِ المالَ المبذولَ مِن بعضِ المتسابِقِينَ لا مِن الجميعِ، وأمَّا مِن الجميعِ فلا يُجِيزُونَهُ إلَّا بمحلِّلٍ؛ ليتحوَّلَ مِن مالٍ بذَلَهُ الجميعُ إلى مالٍ بذَلَهُ بعضُهم؛ كما يأتي بيانُه.\nوقال الحنفيَّةُ بجوازِ الرِّهَانِ بينَ المسلمِ والحَرْبيِّ؛ لإظهارِ الحُجَّةِ؛ وقوةِ الحقِّ.\nوبعضُ العلماءِ عمَّمَ وقال بجوازِ المسابَقَةِ في إظهارِ الحُجَّةِ التي بها يحرَّضُ الناسُ على الحقِّ، ويُدفَعُ الشرُّ، وتُفتَحُ القلوبُ للإسلامِ، وبها يَعتزُّ ويرتفعُ، وأيَّدَ هذا القولَ ابنُ تيميَّةَ وابنُ القيِّمِ، وعلى هذا حُمِلَ حديثُ مصارَعَةِ النبيِّ -ﷺ- لرُكَانَةَ.\nومِن أسبابِ الخلافِ: أنَّ العلةَ الجامعةَ للثَّلَاثِ التي استثناها رسولُ اللَّهِ -ﷺ- مِن الرِّهانِ المحرَّمِ: الجامعُ بينَها إظهارُ القوةِ وإعدادُ العُدَّةِ للجهادِ بالسِّنَانِ واللِّسَانِ؛ سواءٌ كان برمي السِّهامِ، وهو قولُه: \"نَصْلٍ\"؛ يعني: سهمًا، أو كان بسباقِ الخيلِ، وَهو قولُه: \"حَافِرٍ\"، أو بسباقِ الإبلِ، وهو قولُه: \"خُفٍّ\"، أو كان ذلك بالمُناظَرَاتِ والحُجَجِ؛ فمَنْ رأى\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٤٧٤)، وأبو داود (٢٥٧٤)، والترمذي (١٧٠٠)، والنسائي (٣٥٨٥)، وابن ماجه (٢٨٧٨).","vol":"4","page":1937},{"text":"عمومَ هذه العلةِ، أدخَلَ فيها ما في حُكْمِها ممَّا يُظهِرُ قوةَ الإسلامِ وعِزَّتَهُ، فأجازُوا الرِّهَانَ في مسائلِ العلمِ، والرهانَ على المباحَثَاتِ والمناظَرَاتِ، وخاصَّةً ما كان بينَ المُسلِمينَ وغيرِهم مِن رؤوسِ المِلَلِ الكُفْرِيَّةِ؛ كرُهْبانِ النصارى وأحبارِ اليهودِ.\nوالجمهورُ القائلونَ بالمنعِ يختلِفونَ في الحيوانِ الذي يجوزُ فيه أخذُ السَّبَقِ، وهو (العِوَضُ)، واختلافُهُمْ دليلٌ على عدمِ استقرارِ علةِ الترخيصِ الواردِ في الحديثِ عندَهم:\nفالأظهرُ عندَ الشافعيَّةِ جوازُ السَّبَقِ بأنْ يكونَ في الخيلِ، والإبلِ، والفِيلِ، والبغلِ، والحمارِ، ويَرى المالكيَّةُ: أنَّه مقصورٌ على الخيلِ والإبلِ، ويَرى الحنفيَّةُ: جوازَ السَّبَقِ على الأرجُلِ بلا رُكُوبٍ.\nوالأظهرُ: عمومُ العلةِ في كلِّ قوةٍ يكونُ في مِثْلِها إعدادٌ وظهورٌ للحقِّ؛ فإنَّ الاقتصارَ على نصِّ الحديثِ يَقصُرُهُ على رمي السِّهامِ، ويَمنَعُ من الرمي بالسلاحِ والرصاصِ اليومَ؛ وهو أشَدُّ وأعظَمُ نِكايةً في العدوِّ؛ ولا يشُكُّ عاقلٌ في هذا.\nوقد تصارَعَ النبيُّ -ﷺ- مع رُكَانَةَ على شاةٍ يَغْرَمُها المغلوبُ، ورُويَتْ تلك القصةُ بأسانيدَ، منها المتصِلُ، ومنها المُرسَلُ، يدُلُّ على أنَّ لها أصلًا، ولم يُنكَرِ الفعلُ الواردُ فيها مِن نُقَّادِ المتونِ، وأمَّا ما رَوى أبو داودَ أنَّ النبيَّ -ﷺ- أرجَعَ المالَ لِرُكَانةَ ولم يأخُذْهُ، فهو مخرَّجٌ في \"مَراسيلِه\" (١).\nوجهادُ اللِّسَانِ أَمْضَى مِن جهادِ السِّنَانِ لِمَنْ قدَرَ عليه وسدَّدَه اللَّهُ، وقد سمَّى اللَّهُ جهادَ اللِّسَانِ جهادًا كبيرًا؛ فقال: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٢]، وسمَّاهُ حقَّ الجهادِ: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]، وهذا كان بِمَكَّةَ، ولم يُسَمِّ اللَّهُ جهادَ السِّنانِ\n_________\n(١) \"المراسيل\" لأبي داود (٣٠٨).","vol":"4","page":1938},{"text":"بالجهادِ الكبيرِ، ولا حقِّ الجهادِ، مع عظَمَتِهِ وفضلِه وجلالةِ قَدْرِه، فإنْ جاز الرِّهَانُ في إظهارِ الحقِّ بالسِّنانِ في النَّصْلِ والخُفِّ والحافرِ، ففي المناظَرةِ والمُحاجَجةِ مِثلُهُ أو آكَدُ منه، ولا يكونُ هذا بابًا يدخُلُ منه المُتسابِقونَ في فضولِ العلمِ التي لا تُحِقُّ الحقَّ في الناسِ، فلم يكنِ الفقهاءُ يُدخِلونَ هذا النوعَ فيما أجازُوهُ من فِعْلِ أبي بكرٍ -﵁-.\nوأمَّا ما جاء في حديثِ البَرَاءِ في رِهَانِ أبي بكرٍ مع قريشٍ عندَ ابنِ أبي حاتمٍ؛ أنَّه قال في المالِ: فجاء به أبو بكرِ إلى النبيِّ -ﷺ-، فقال: (هَذَا السُّحْتُ، تَصَدَّقْ بِهِ) (١)، وما أخرَجَ أبو يَعْلَى في حديثِ البراءِ أيضًا؛ قال فيه: فقال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: (هَذَا لِلنَّجَائِبِ) (٢)، وكأنَّه جعَلَ المالَ للحيوانِ لا يأكُلُهُ الإنسانُ-: فحديثُ البَرَاءِ تفرَّدَ به مؤمَّلُ بنُ إسماعيلَ؛ وفي حفظِهِ وهَمٌ وغَلَطٌ.\nوأمَّا ما رواة ابنُ خُزَيمةَ في \"التوحيدِ\"، في حديثِ نِيَارِ ينِ مُكْرَمٍ في رِهانِ أبي بكرٍ، وفيه: \"وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِي الرِّهَانِ مَا نَزَلَ\" (٣)، فحديثُ نِيَارِ تفرَّدَ به ابنُ أبي الزِّنادِ، عن أبيه، عن عروةَ بنِ الزُّبَيْرِ، عن نِيَارٍ؛ به، ثمَّ هو ليس مِن كلامِ نِيَارٍ؛ وإنَّما مِن كلامِ بعضِ الرُّواةِ عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1260>أحكامُ العِوَضِ (السَّبَقِ) واشتراطُ المحلِّلِ في الرِّهانِ:</span>\nلا يختلِفُ الفقهاءُ في جوازِ أخذِ المالِ في الرِّهَانِ والمسابَقَةِ إنْ كان المالُ مبذولًا مِن بيتِ المالِ، أو مِن مالِ الإمامِ أو نائبِه، وقد حكى الإجماعَ الزركشيُّ (٤) وغيرُه، وقد كان النبيُّ -ﷺ- يفعلُ ذلك؛ كما ثبَت مِن\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٩/ ٣٠٨٦).\n(٢) \"إتحاف الخيرة\" البوصري (٥٧٨١)، و\"المطالب العالية\" لابن حجر (٣٦٨٠).\n(٣) \"التوحيد\"؛ لابن خزيمة (١/ ٤٠٥).\n(٤) \"شرح الزركشي على الخرقي\" (٤/ ٣٢١).","vol":"4","page":1939},{"text":"حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ: \"أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- سَبَّقَ بالْخَيْلِ وَرَاهَنَ\"؛ أخرَجَهُ أحمدُ (١)، وفي روايةٍ عندَه: \"وَأَعْطَى السَّابِقَ\" (٢).\nوأمَّا إنْ كان العِوَضُ مبذولًا مِن مالِ عامَّةِ الناسِ مِن غيرِ المتسابقِينَ، فعامَّةُ العلماءِ على جوازِه، وحُكِيَ عن مالكٍ المنعُ؛ لأنَّه مِن خصائصِ الإمامِ؛ لتعلُّقِهِ بالجهادِ؛ حكاهُ ابن قُدَامَةَ (٣)، والمشهورُ عن مالكٍ والذي يَحْكِيهِ أصحابُه: جوازُ ذلك، وحكى جماعةٌ مِن فقهاءِ المالكيَّةِ الاتِّفاقَ على جوازِ ذلك.\nوأمَّا إنْ كان العِوَضُ (السَّبَقُ) من أحدِ المتسابقِينَ المشاركِينَ؛ فإنْ سبَقَ هو، أَبْقَى مالَهُ له، وإنْ لم يَسبِقْ، أَعْطاهُ لِمَنْ سبَقَه منهم، فهذا قد جوَّزَهُ جمهورُ الفقهاءِ، وقد قال مالكٌ: لا يُعجِبُني، ثمَّ قال: لا بأسَ به (٤)، وكأنَّه رأى تَرْكَهُ تورُّعًا مع عدمِ القولِ بعدمِ جوازِه، وحكى ابنُ قدامةَ عنه روايةً بالمنعِ (٥).\nويَرى كثيرٌ مِن الفقهاءِ مِن أصحابِ مالكٍ: جوازَ ذلك بشرطِ ألَّا يعودَ السَّبَقُ إلى صاحبِه في حالةِ سَبْقِهِ هو؛ وإنَّما يَدفعُهُ لغيرِه ممَّن شهِدَ السِّباقَ إنْ كان السباقُ بينَ اثنَيْنِ، وإنْ كان المتسابِقونَ جماعةً وسبَقَ هو، جعَلَ العِوَضَ (السَّبَقَ) للمتسابِقِ الذي بعدَه، وقد حكى ابنُ عبدِ البَرِّ ذلك عن ربيعةَ ومالكٍ والأوزاعيِّ: أنَّ الأشياءَ المسبَّقَ بها لا تَرجِعُ الى المسبَّقِ بها (٦).\nوقد عَدَّ القاضي عبدُ الوهَّابِ ذلك قياسًا على حالِ الإمامِ؛ فإنَّه يُخرِجُ المالَ ولا يَرجِعُ إليه، وهو تعليلٌ ليس بالقويِّ؛ فالإمامُ لا يُشارِكُ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٦٧).\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٩١).\n(٣) \"المغني\" (١٣/ ٤٠٨).\n(٤) \"الكافي في فقه أهل المدينة\" (١/ ٤٩٠).\n(٥) \"المغني\" (١٣/ ٤٠٨).\n(٦) \"الاستذكار\" (١٤/ ٣١٠).","vol":"4","page":1940},{"text":"المُتسابِقِينَ سباقَهم في الأغلبِ، ولو شارَكَهُمَ، لكان له حقٌّ كحقِّهم عندَ فوزِه، إلَّا إنْ كان مَنْ قال بهذا القولِ أَجْرَى العِوَضَ مجرى الهبةِ التي لا يجوزُ أن يَرجعَ فيها صاحبُها، وإن كان كذلك، فهو وهَبَها هبةً مشروطةً بالغَلَبةِ والفَوْزِ، وقد يتحقَّقُ وقد يَنتفي فيه وفي غيرِه، والجِعَالةُ يجوزُ فيها أنْ يبذُلَ الشخصُ مالًا لمَن يأتيهِ بضَالَّتِهِ، ثمَّ يُشارِكَهم البحثَ عنها؛ فإنْ وجَدَها هو، بَقِيَ له مالُه، وان وحَدَها غيرُه، أعطاهُ إيَّاه.\nوعامَّةُ الفقهاءِ على جوازِ أن يكونَ السَّبَقُ مِن أحدِ المُتسابِقِينَ أو مِن بعضِهم، وأمَّا إنْ كان مِن جميعِهم، ففي المسألةِ خلافٌ عندَهم، والجمهورُ على المنعِ مِن ذلك وحُرْمتِه؛ لدخولِه في القِمَارِ، ما لم يدخُلْ محلِّلٌ بينَهم لا يَدفعُ عِوَضًا، فيُجِيزونَه.\nويُريدُ الفقهاءُ بالمحلِّلِ: أنَّه المتسابقُ الذي يُساوِي بقيةَ المتسابِقِينَ في السِّباقِ، لكنَّه لا يبذُلُ عِوَضًا لمَن سبَقَه، ويأخُذُ العوضَ إذا سبَقَ هو، وسمَّاهُ الفقهاءُ محلِّلًا؛ لأنَّه يُحلِّلُ للسابقِ أخذَ المالِ، فإنَّ المحلِّلَ يَجعلُ العَقدَ حلالًا، ويُخرِجُه عن كونِه قِمَارًا؛ وذلك أنَّ القِمَارَ: أنْ يكونَ المتسابِقُونَ متردِّدينَ بينَ الغُنْمِ والغُرْمِ، وأمَّا المحلِّلُ، فإمَّا غانمٌ، وإمَّا سالمٌ ليس بغارمٍ، وله لا يكونُ العقدُ قِمارًا، ويُسمَّى المحلِّلُ عندَ بعضِ الفقهاءِ: الدخيلَ أو المُحِلَّ أو الميسِّرَ، وللفقهاءِ في دخولِ المحلِّلِ أقوالٌ ثلاثةٌ:\nالأولُ: دخولُ المحلِّلِ، وأنَّه لا يصحُّ العَقْدُ إلَّا به؛ وإليه ذهَبَ جمهورُ العلماءِ، وعليه مذهبُ الحنفيَّةِ والشافعيَّةِ والحنابلةِ، وهو أحدُ قولَيْ مالكٍ، واشترَطُوا لدخولِه: ألَّا يَدْفَعَ مِن مالِه شيئًا، وأنْ يُساويَهما فيُكافئَ فرسُهُ فرسَيْهما، أو بعيرُهُ بعيرَهما، أو رميُهُ رميَهما، فلا يكونُ دخولُه صوريًّا، وأن يأخُذَ المالَ إنْ سبَقَ هو مِن بينِهم؛ واستدَلُّوا على","vol":"4","page":1941},{"text":"دخولِ المحلِّلِ بما جاء عندَ أحمدَ وأبي داودَ؛ مِن حديثِ سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: (مَن أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُو لَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ، فَهُو قِمَارٌ) (١).\nوقد رواهُ مالكٌ في \"الموطَّأِ\"، فوقَفَهُ مِن حديثِ يحيى بنِ سعيدٍ؛ أنَّه سمِع سعيدَ بنَ المسيَّبِ يقولُ: \"لَيْسَ بِرِهَانِ الْخَيْلِ بَأْسٌ إِذَا دَخَلَ فِيهَا مُحَلِّلٌ، فَإِنْ سَبَقَ أَخَذَ السَّبَقَ، وَإِنْ سُبِقَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ\" (٢).\nالثاني: كراهةُ دخولِ المحلِّلِ؛ وإلى هذا ذهَبَ بعضُ الحنابلةِ المحقِّقينَ؛ كابنِ تيميَّةَ وابنِ القيِّمِ؛ وذلك أنَّهم يرَوْنَ البَذْلَ مِن الجميعِ غيرَ جائزٍ أصلًا، وإدخالُهُ نوعُ تحايُلٍ عندَ مَن يحرِّمُهُ، ويرَوْنَ أنَّ المنعَ مِن السَّبَقِ بمحلِّلٍ وغيرِ محلِّلٍ أولى بالأخذِ مِن القولِ بتحريمِهِ ثمَّ تحليلِهِ بالمحلِّلِ.\nالثالثُ: لا يجوزُ إدخالُ المحلِّلِ؛ وله قال جماعةٌ مِن الفقهاءِ المالكيَّةِ، وهو معتمَدُ المذهبِ عندَهم، وقد أنكَرَ مالكٌ العملَ بقولِ سعيدِ بنِ المسيَّب بالعملِ بالمحلِّلِ، ولا يجوزُ عندَ مالكٍ أنْ يَجعلَ المتسابقانِ سبَقَينِ يُخرِجُ كلُّ واحدٍ منهما سَبَقًا مِن قَبَلِ نفسِهِ على أنَّ مَن سبَقَ منهما، أحرَزَ سبَقَهُ وأخَذَ سبَقَ صاحبِه، وقد قال مالكٌ: \"لا يجبُ المحلِّلُ في الخيلِ، ولا نأخُذُ فيه بقولِ سعيدٍ\" (٣).\nوالفرق بينَ مَن قال بالكراهةِ ومَنْ قال بعدمِ الجوازِ: أنَّ مَن قال بالكراهةِ يَرى أنَّ دخولَهُ لا يؤثِّرُ في الحِلِّ، ومَن يرى عدمَ الجوازِ رأَى دخولَه لا يؤثِّرُ في التحريمِ.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٥٠٥)، وأبو داود (٢٥٧٩)، وابن ماجه (٢٨٧٦).\n(٢) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٤٦٨).\n(٣) \"تفسير القرطبي\" (١١/ ٢٨٥).","vol":"4","page":1942},{"text":"ولمالكٍ في دخولِ المحلِّلِ قولٌ بجوازِه يُوافِقُ فيه قولَ ابنِ المسيَّبِ إلَّا أنَّه خلافُ المشهورِ عنه.\nوعلَّلَ بعضُ المالكيَّةِ عدمَ جوازِ دخولِ المحلِّلِ بأنَّ الشرعَ منَعَ في بابِ المعاوضةِ مِن اجتماعِ العِوَضَيْنِ لشخصٍ واحدٍ لم يَبذُلْ، ويُحرَمُ منه الباقونَ الباذِلُون، وذلك في مُعاوَضاتِ البيعِ والإجارةِ والشُّفْعةِ؛ ففي البيعِ يكونُ الثمنُ والمثمَّنُ -وهو السلعةُ- مقسَّمَيْنِ بينَ البائعِ والمشترِي الذي انتقَلَ إليه المثمَّنُ، وهو المَبِيعُ.\nوحديثُ أبي هريرةَ السابقُ في المحلِّلِ لا يثبُتُ رفعُهُ؛ فقد رفَعَهُ سفيانُ بنُ حُسَيْنٍ، عن الزُّهْريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ مرفوعًا، وسفيانُ يَهِمُ في حديثِ الزُّهْريِّ؛ كما أشار إلى هذا أحمدُ (١)، وابنُ مَعِينٍ (٢)، والنَّسائيُّ (٣).\nوأصحابُ الزُّهْريِّ الكِبارُ لا يَرفَعُونَهُ بل يَقْطَعونَه؛ كمَعْمَرِ بنِ راشدٍ، وعُقَيْلِ بنِ خالدٍ، وشُعَيْبِ بنِ أبي حَمْزةَ، واللَّيتِ بنِ سعدٍ، وغيرِهم (٤)، ثمَّ إنَّ تراكيبَ الحديثِ لا تُشبِهُ كلامَ النبيِّ -ﷺ-، ولا الغالبَ مِن كلامِ الصحابةِ؛ وإنَّما تُشبِهُ فُتْيَا التابعِين.\nوقد رجَّح الحُفَّاظُ القطعَ كأبي حاتمٍ؛ قال أبو حاتم في المرفوعِ: \"هذا خطأٌ، لم يَعْمَلْ سفيانُ بنُ حُسَيْنٍ شيئًا، لا يُشبِهُ أنْ يكونَ عن النبيِّ، وأحسنُ أحوالِهِ أن يكونَ عن سعيدِ بنِ المسيَّب مِن قولِه\" (٥).\nونسَبَ بعضُهم إلى الدارقطنيِّ أنَّ الرفعَ محفوظٌ، وفيه نظرٌ؛ فإنَّه لم يُرِدْ ذلك في \"عِلَلِه\"؛ وإنَّما أرادَ أنَّ روايةَ سعيدِ بنِ بَشِيرٍ عن قتادةَ عن\n_________\n(١) \"العلل ومعرفة الرجال\" لأحمد، رواية المروذي وغيره (٢٨).\n(٢) \"تاريخ ابن معين\"، رواية الدارمي (ص ٤٤).\n(٣) \"السنن الكبرى\" للنسائي (٣٢٨٠).\n(٤) ينظر: \"الفروسية\" لابن القيم (ص ٢٢٩ - ٢٣٨).\n(٥) \"علل الحديث\" لابن أبي حاتم (٥/ ٦٧٥).","vol":"4","page":1943},{"text":"ابنِ المسيَّبِ لهذا الحديثِ وَهَمٌ، وأنَّه عن الزُّهْريِّ عن ابنِ المسيَّبِ، فهو يرجِّحُ بينَ وجهَيْنِ مرجوحَيْنِ جميعًا، لا بينَ وجهٍ مرجوحٍ ضعيفٍ وبينَ وجهٍ راجحٍ صحيحٍ (١).\nوجاء في المحلِّلِ مِن حديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا (٢)، وفيه عاصمُ بنُ عمرَ، متكلَّمٌ فيه؛ قال البخاري: مُنكَرُ الحديثِ (٣).\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨].\nفي هذه الآيةِ: فضلُ الصلاةِ على مواقيتِها؛ فقد ذكَرَ اللَّهُ في هذه الآيةِ مواقيتَ الصلاةِ جميعَها، وقد جاءَ عن ابنِ عباسٍ -﵁-؛ أنَّه قال: الصلواتُ الخمسُ في القرآنِ، فقيل له: أينَ؟ فقال: قال اللَّه تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: صلاةُ المغربِ والعِشاءِ، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: صلاةُ الفجرِ، ﴿وَعَشِيًّا﴾: العصرُ، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: الظُّهرُ (٤).\nوبنحوِه رُوِيَ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ والضحَّاكِ (٥).\nوسأَل نافعُ بنُ الأَزْرَقِ ابنَ عبَّاسٍ، فقال له: هل تَجِدُ ميقاتَ الصلواتِ الخَمْسِ في كتابِ اللَّهِ؟ قال: نَعَمْ؛ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: المغربُ، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: الفجرُ، ﴿وَعَشِيًّا﴾: العصرُ،\n_________\n(١) \"علل الدارقطني\" (١٦٩٢).\n(٢) أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (٤٦٨٩).\n(٣) \"التاريخ الكبير\" للبخاري (٦/ ٤٧٨/ ترجمة ٣٠٤٢).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٤٧٤)، و\"تفسير القرطبي\" (١٦/ ٤٠٨).\n(٥) \"تفسير القرطبي\" (١٦/ ٤٠٩).","vol":"4","page":1944},{"text":"﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: الظُّهْرُ، قال: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور: ٥٨] (١).\nوصحَّ عن قتادةَ وابنِ زيدٍ أنَّهما جعَلَاها دليلًا على أربعةِ مواقيتَ، هي: المغربُ والفجرُ والعصرُ والظُّهْرُ (٢).\nوقد تقدَّم الكلامُ على المواقيتِ الواردةِ في القرآنِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤].\nوتقدَّم الكلامُ على أذكارِ الصباحِ والمساءِ وفضلِها وحدِّها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١].\nفيه: إظهارُ مِنَّةِ اللَّهِ أنْ خلَقَ الأزواجَ مِن الأنفُسِ، وجعَلَها تسكُنُ وتَمِيلُ وترتاحُ وتأنَسُ إليها، فلا تَستوحِشُ منها لو كانتْ مِن غيرِ جنسِها، وجعَلَ في ذلك بينَ الزوجَيْنِ مَوَدَّةً ورحمةً لا تكونُ بينَ اثنَيْنِ، ولا يَسبِقُها ويعظُمُ عليها إلَّا مودَّةُ الإيمانِ ومحبَّتُه.\nوذِكْرُ اللَّهِ للسُّكُونِ في قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ فيه إشارةٌ إلى السَّكَنِ؛ لأنَّ الإنسانَ لا يتحقَّقُ له معنى سكون النَّفْسِ إلى زوجهِ إلَّا بِسَكَنٍ يَجْمَعُهما، ويخلو بها فيه، ولمَّا ذكَرَ اللَّهُ أعظَمَ الغاياتِ مِن\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٤٧٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٤٧٥).","vol":"4","page":1945},{"text":"النِّكاحِ، وهو سكنُ النفوسِ، دَلَّ على أنَّ ما لا تتحقَّقُ تلك الغايةُ إلَّا به فهو مقصودٌ ومشروعٌ؛ ومِن هذا تُؤخَذُ قرينةٌ على وجوبِ السُّكْنَى للزَّوْجةِ، وهذه الآيةُ نظيرُ ما تقدَّم في قولِهِ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، وسيأتي الكلامُ على مسألةِ السُّكْنى بتمامِها في سورةِ الطلاقِ، عندَ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [٦]؛ فإنَّها أصرَحُ في المسألةِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم: ٢٣].\nوفي هده الآيةِ: مِنَّةُ اللَّهِ على عِبادِه بتقليب الأوقاتِ وتغيُّرِها؛ لِتُناسِبَ تقسيمَ أعمالِ الإنسانِ بينَ عملٍ وراحةٍ، فجعَلَ الليلَ للمَبِيتِ والمَنامِ، وجعَلَ النهارَ للكَسْبِ والمعاشِ وطلبِ الفضلِ، وكان ذلك مِن اللَّهِ آيةً لعبادِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1261>القَيْلُولَةُ في نصفِ النهارِ:</span>\nوحمَلَ بعضُهم قولَه تعالى: ﴿مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ على القَيْلُولَةِ، وهي نَوْمَةُ نصفِ النهارِ واستراحتُه، وأنَّها مِن الفِطْرةِ التي يحتاجُ إليها الإنسانُ في يومِه، ولا يَلْزَمُ في القيلولةِ أن يكونَ معها نَوْمٌ؛ ولكنَّها تكونُ للرَّاحةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1262>وقد ذكَر اللَّهُ القيلولةَ في مواضعَ:</span>\nمنها: في أصحاب الجنةِ؛ ولكنَّها ليستْ عن نَصَبٍ ووَصَبٍ وتَعَبٍ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، والمَقِيلُ والقَيْلُولَةُ: استراحةُ الإنسانِ نصفَ النهارِ وإنْ لم يكنْ معها نومٌ.","vol":"4","page":1946},{"text":"ومِن ذلك: قولُهُ تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤].\nوفي القيلولةِ نفعٌ لنشاطِ البدنِ لِما بَقِيَ مِن عملِ النهارِ، ومعونةٌ على قيامِ الليلِ، وقد ذكَرَها اللَّهُ تعالى في قولِه: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ [النور: ٥٨].\nوالقيلولةُ فِطْرةٌ ومستحَبَّةٌ عندَ أكثرِ العلماءِ، ويُروى في الأمرِ بالقيلولةِ أحاديثُ؛ منها قولُه: (قِيلُوا؛ فَإنَّ الشَّيَاطِينَ لَا تَقِيلُ)؛ كما رواهُ الطبرانيُّ في \"الأوسطِ\"، وأبو نُعيمٍ في \"الطبِّ\" (١)، ومنها قولُه: (اسْتَعِينُوا بِطَعَامِ السَّحَرِ عَلَى صِيَامِ النَّهارِ، وَبِالْقَيْلُولَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ)؛ كما رواهُ ابنُ ماجَهْ (٢)؛ وفيها كلامٌ.\nوقد ثبتَتِ القيلولةُ مِن فعلِ النبيِّ -ﷺ- في أحاديثَ كثيرةٍ مِن حديثِ أُمِّ حَرَامٍ (٣)، وابنِ عمرَ (٤)، وأنسٍ (٥)؛ وكلُّها في الصحيحِ.\nوجاءتْ مِن فعلِ الصحابةِ عامَّةً في البخاريِّ مِن حديثِ أنسٍ (٦)، وفي \"الصحيحَيْنِ\" عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ مِن حديثِ سهلٍ (٧)، وفيها مِن فعلِ ابنِ عمرَ (٨).\nوجاء عن ابنِ عمرَ أنَّه قال: \"كنَّا ونحن شبابٌ نَبِيتُ في عهدِ رسولِ اللَّهِ -ﷺ- في المسجدِ ونَقِيلُ\" (٩).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٢٨)، وأبو نعيم في \"الطب النبوي\" (١٥١).\n(٢) أخرجه ابن ماجه (١٦٩٣).\n(٣) أخرجه البخاري (٢٧٨٨)، ومسلم (١٩١٢).\n(٤) أخرجه البخاري (٣٩١٦).\n(٥) أخرجه البخاري (٦٢٨١)، ومسلم (٢٣٣١).\n(٦) أخرجه البخاري (٩٠٥) و(٩٤٠).\n(٧) أخرجه البخاري (٤٤١)، ومسلم (٢٤٠٩).\n(٨) أخرجه البخاري (١١٢١)، ومسلم (٢٤٧٩).\n(٩) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٤٩١٤)، وأحمد (٢/ ١٢).","vol":"4","page":1947},{"text":"* قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٠ - ٣٢].\nأمَر اللَّهُ نبيَّه بتوجيهِ وَجْهِهِ إلى اللَّهِ وتسليمِهِ له، وبيَّن أنَّ التوحيدَ هو الفِطْرةُ التىِ خُلِقَ الناسُ مَفطورِينَ عليها، وفي \"الصحيحَيْنِ\"، عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنْصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ !) (١).\nيعني: أنَّ الإنسانَ يُولَدُ مفطورًا على الإيمانِ بخالقٍ واحدٍ، ومفطورًا على عبادتِهِ والخضوعِ له، وجعَلَ اللَّهُ فِطْرةَ الإنسانِ مُوافِقةً لشرائعِه، فلا يوجدُ شيءٌ منها خلافَ الآخر، ولكنَّ الإنسانَ ينحرفُ بتسويلِ الشيطانِ والنَّفسِ؛ كما في \"صحيحِ مسلم\"، عن عِيَاضِ بن حِمَارٍ؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: يقولُ اللَّهُ: (إنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ) (٢).\nوقد جعَلَ اللَّهُ الفِطْرة هي الدِّينَ؛ كما في هذه الآيةِ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾؛ ولهذا لا يجوز تغييرُ الفِطْرةِ وتبديلُها على ما تستنكِرُهُ الشريعة والأوامر الربانية، وقد تقدَّم الكلامُ على الفِطرةِ وحُكْمِ تغييرِها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨).\n(٢) أخرجه مسلم (٢٨٦٥).","vol":"4","page":1948},{"text":"وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨]، ونبَّهنا على ذلك في صدرِ كتاب \"العقليَّةِ الليبراليةِ\".\nوفي قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: قرينة على كفرِ تاركِ الصلاةِ في مُشابهتِهِ لهم بتركِه لها، وتقدَّمَت الإشارةُ إلى ذلك في قولِه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، ويأتي الكلامُ على كفرِ تاركِها في سورة الماعونِ بإذنِ اللَّه.\nوفي قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾: أنَّ الفِرَقَ والأحزاب في المُسلِمينَ ليس مِن أمرِ الفِطْرةِ التي فُطِرَ الناسُ عليها؛ فاللَّه جعَلَهم أُمَّةً واحدةً: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢]؛ فالفِطرةً تُحِبُّ الجماعةَ والوَحْدةَ، والواجبُ نفيُ وجوهِ التمايزِ والتفرقِ؛ للاجتماعِ على الحقِّ على الصِّراطِ الذي خَطَّهُ النبيُّ -ﷺ- لأمَّتِهِ بقولِهِ وفعلِه.\nوأمَّا تمايُزُ أهلِ الحقِّ عن أهلِ الضلالِ والبدعِ والكفرِ، فهذا حقٌّ، ويدُلُّ على ذلك حديثُ الافتراقِ، فقد مَدَحَ النبيُّ -ﷺ- الفِرقةَ المُتَّبِعَةَ ولو تمايَزتْ عن فرَقِ الضَّلَالِ، في قولِهِ -ﷺ-: (إِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثِنْتَيْن وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ، إِلا وَاحِدَةً) (١)، ومِن وجوهِ الحِرْمانِ والضلالِ: أنْ تتعدَّدَ الفِرَقُ في الأمَّةِ والأحزابُ بدَعْوَى أنَّ كلَّ واحدةٍ تَرى أنَّها هي تلك الفِرْقةُ الناجية وليستْ هي إلَّا ما كان عليه النبيُّ -ﷺ- وأصحابُه.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣/ ١٢٠)، وابن ماجه (٣٩٩٣).","vol":"4","page":1949},{"text":"والمُسلِمونَ في بَلَدِ الكفرِ يجبُ عليهم أن يتمايزُوا عن المشرِكِين، ولو بأحزابٍ وجماعاتٍ ومنظَّماتٍ، ولكنَّه تمايُزٌ بينَ إسلامٍ وكفرٍ، لا تمايُزٌ بينَ مُسلِمينَ ومُسلِمينَ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٨ - ٣٩].\nفيه: فضلُ الإحسانِ، وأنَّه على ذوي القُرْبَى أفضلُ مِن غيرِهم، والصدقةُ على الأقاربِ أفضلُ مِن الصدقَة على الأَبْعَدِينَ؛ لأنَّها صَدَقةٌ وصِلَةٌ، والهديَّةُ للأَقْرَبِينَ أفضلُ مِن الصدقة على الأَبْعَدِين؛ لأثرِ هديَّةِ القريب عليه في جلبِ فضائلَ عظيمةٍ؛ كصِلَةِ الرحمِ، وشدِّ الأزرِ به عندَ الحاجةِ إليه في حقٍّ، وأثرُ الهديةِ في القريبِ أَدْوَمُ مِن أثرِ الصَّدَقةِ في البعيدِ؛ لِمَا في \"الصحيحَيْنِ\"؛ أنَّ ميمونةَ بنتَ الحارث -﵂- أعْتَقَتْ وَليدَةً وَلَمْ تَسْتَأْذِنِ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ، قَالَتْ: أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي؟ قالَ: (أَوَ فَعَلْتِ؟)، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: (أمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ، كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ) (١).\nوقد تقدم بيانُ فضلِ الصدقةِ والإحسانِ على الأَقْرَبِينَ في مواضعَ؛ منها عندَ قولِه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٥٩٢)، ومسلم (٩٩٩).","vol":"4","page":1950},{"text":"وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1263>إهداءُ الهديَّةِ رجاءَ الثوابِ عليها:</span>\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ فسَّرَهُ جماعةٌ بمَن يُعطي الهديَّةَ والعطيَّةَ أو الصدقةَ، ويُريدُ مقابلًا عليها؛ فهذه لا يتقبَّلُها اللَّهُ مِن صاحِبِها؛ لأنَّه لم يُرِدْ بها وجهَ اللَّهِ؛ وهذا مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، ومجاهدٍ، وطاوسٍ (١).\nوقد رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ في قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ قال: \"هو ما يُعطِي الناسُ بينَهم بعضُهم بعضًا؛ يُعطِي الرجلُ الرجلَ العطيةَ يُريدُ أنْ يُعطَى أكثَرَ منها\" (٢).\nوصحَّ عن طاوُسٍ، قال: \"هو الرجلُ يُعطِي العطيَّةَ، ويُهدِي الهديَّةَ؛ ليُثابَ أفضَلَ مِن ذلك، ليس فيه أجرٌ ولا وِزْرٌ\" (٣).\nوهذا لا يتعارضُ مع كونِ النبيِّ -ﷺ- يَقْبَلُ الهديَّةَ ويُثِيبُ عليها، كما ثبَت في \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ عائشةَ (٤)؛ فهذا فعلُ المُهْدَى إليه، وليس فِعلَ المُهْدِي، والمُهْدِي ينبغي له أن يُهْدِيَ الهديَّةَ والعطيَّةَ والصدقةَ ولا ينتظرُ ثوابَها؛ ليتحقَّقَ له الأجرُ، وأمَّا المُهْدَى إليه، فيُستحَبُّ له أن يُثيبَ على الهديَّةِ؛ ردًّا للمعروفِ وإكرامًا للمُهْدِي ولو لم يَنتظِرْها، وهذا يَرِدُ مِثلُه في الشريعةِ؛ فنظيرُ ذلك: أنَّه يجوزُ للرجلِ أو قد يُستحَبُّ أن\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٥٠٣ - ٥٠٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٥٠٣).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٥٠٤).\n(٤) أخرجه البخاري (٢٥٨٥).","vol":"4","page":1951},{"text":"يقومَ إكرامًا لشخصٍ يدخُلُ عليه؛ لكنَّه لا يجوزُ للداخلِ أن يُحِبَّ أن يَمْثُلَ الناسُ له قِيَامًا؛ كما في الحديثِ المرفوعِ: (مَنْ سَرَّهُ إِذَا رَأَتْهُ الرِّجَالُ مُقْبِلًا أَنْ يَتَمَثَّلُوا لَهُ قِيَامًا، فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْتًا فِي النَّارِ) (١).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٩/ ٣٢٠).","vol":"4","page":1952},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1264>سورة لقمان</span>\nسورةُ لُقْمانَ مكيَّةٌ، وإنَّما الخلافُ في بعضِ آياتِها (١)، وموضوعُها وآياتُها دالَّةٌ على ذلك، وفي السورةِ: تعظيمُ القرآنِ، وفضلُ اللَّهِ بإنزالِه، وبيانُ ما يَصرِفُ الناسَ عنه مِن اللَّهْوِ واللَّغْوِ، وبيانُ آياتِ اللَّهِ ومُعْجِزاتِهِ في خَلْقِه؛ مِن السماءِ والأرضِ والكواكبِ، وذِكرُ اللَّهِ مِن أخبارِ مَن سبَقَ وقصصِهم كلُقْمانَ، وبيانُ عاقبةِ المُعانِدينَ، والتذكيرُ بيومِ المَعادِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦].\nكانت قريشٌ تَتَّخِذُ الغناءَ تَلْهُو به عن سماعِ كلامِ اللَّهِ، وهو أحسنُ الحديث؛ كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، فسمَّى اللَّه غِناءَهم ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾.\nوقد فسَّر لَهْوَ الحديثِ في هذه الآيةِ بالغِناءِ جماعةٌ مِن الصحابةِ والتابعينَ؛ كابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وجابرٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، ومجاهِدٍ، وعِكْرِمةَ، ومكحولٍ وقتادةَ وغيرِهم (٢).\nوقد روَى ابنُ جريرٍ والبيهقي، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ -﵁-؛ أنَّه\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير القرطبي\" (١٦/ ٤٥٥).\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٥٣٤ - ٥٣٨)، و\"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٣٣١).","vol":"4","page":1953},{"text":"قال: \"واللَّهِ الذي لا إِلهَ إلَّا هو، إنَّ لَهوَ الحديثِ لَهُوَ الغِناءُ\"، ثمَّ ذكَرَها ثلاثًا (١).\nوابنُ مسعودٍ هو مِن أعلَمِ الصحابةِ بالتفسيرِ، إنْ لم يكن أعلَمَهُمْ على الإطلاقِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1265>الغِناءُ والمَعَازِفُ والفَرْقُ بينَهما:</span>\nوقد جاء في الشريعةِ النهيُ في هذا البابِ عن شيئَينِ يَخلِطُ بينَهما كثيرٌ مِن الناسِ: الأول: الغِناءُ، والثاني: المعازفُ، ولا يَلزَمُ اجتماعهما؛ فقد يكونُ الغِناءُ بلا مَعازِفَ، وقد تكون المعازِفُ بلا غِناءٍ، وقد يجتمعانِ.\nأمَّا الأولُ: فالغِناءُ، والمرادُ به هو إنشادُ الشِّعْرِ بالصوتِ الحسَنِ المجرَّدِ عن أيِّ مضافٍ إليه من الآلاتِ، وهذا النوعُ نُهِيَ عنه لا لِذَاتِه؛ وإنَّما إنْ كان يتضمَّنُ صدًّا عن ذِكرِ اللَّهِ، كما كانت تتَّخِذُهُ قريشٌ في مَكَّةَ؛ حتى لا تَسْمَعَ كلامَ اللَّهِ وكلامَ النبيِّ -ﷺ-.\nولا يَلزم مِن الغناء أن يكون معه مَعازِفُ، ولكنَّه غلَبَ في استعمالِ الناسِ أنَّ الغِناءَ هو الذي يكونُ معه آلاتُ الطرَبِ، وليس مقصودًا بهذا المعنى عندَ العرَبِ.\nومَن نظَرَ إلى النصوصِ مِن أفعالِ الصحابةِ وكذلك أشعارِ العربِ، وجَدَ أنَّهم يُطلِقونَ الغِناءَ ويُريدونَ به الشِّعْرَ والحُدَاءَ، حتى أشكَلَ ذلك على كثيرٍ مِن المتأخِّرِين، وظَنُّوا أنَّ قولَ السلفِ في الغِنَاءِ إنَّما هو المَعازفُ كما هو اصطلاحُ المتأخِّرِين؛ وهذا جَهْلٌ وسوءُ فَهْمٍ؛ فإنَّ هذا لم يكنْ موجودًا عندَ السلفِ مطلَقًا.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (١٨/ ٥٣٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٢٣).","vol":"4","page":1954},{"text":"فالغِناءُ عندَ العربِ هو صوتُ الفَمِ؛ كما يقولُ حُمَيدُ بنُ ثَوْرٍ:\nعَجِبْتُ لَهَا أَنَّى يَكُونُ غِنَاؤُهَا ... فَصِيحًا وَلَمْ تَفْغَرْ بِمَنْطِقِهَا فَمَا (١)\nويَرِدُ عن بعضِ السابِقينَ: أنَّه سَمِعَ الغِنَاءَ، والمرادُ بذلك: هو إنشادُ الشِّعرِ بالصوتِ الحسَنِ، وليس المرادُ الموسيقا والمعازفَ.\nوالغِناء عندَ السلفِ جاء النهيُ عنه لا لِذَاتِه؛ وإنَّما إنْ صَدَّ عن ذِكْرِ اللَّهِ، ومِثلُه إنشادُ الأشعارِ باللُّحُونِ، وإنْ لم يَصُدَّ جازَ.\nوقد قال ابنُ الجوزيِّ: \"كان الغِنَاءُ في زمانِهم إنشادَ قصائدِ الزُّهْدِ، إلَّا أنَّهم كانوا يُلحِّنونَها\" (٢).\nومِن هذا قولُ بعضِ الفقهاءِ بحَضْرةِ الرشيدِ لابنِ جامعٍ: الغِنَاءُ يُفطِرُ الصائمَ، فقال: ما تقولُ في بيتِ عمرَ بنِ أبي ربيعةَ إذْ أنشَدَ:\nأَمِنْ آلِ نُعْمٍ أَنْتَ غَادٍ فَمُبْكِرُ ... غَدَاةَ غَدٍ أَمْ رَائِحٌ فَمُهَجِّرُا\nأيُفطِرُ الصائمَ؟\nقال: لا؛ قال: إنَّما هو أنْ أَمُدَّ به صوتي، وأُحرِّكَ به رأسي (٣).\nومِن هذا: قولُ عطاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ: \"لا بأسَ بالغِنَاءِ والحُدَاءِ للمُحْرِمِ\" (٤).\nوأمَّا الثاني: فالمَعازِفُ، وهي آلاتُ الطرَبِ مِن العُودِ والقَصَبِ، والمِزْمارِ والموسيقا، والآلاتِ الإلكترونيَّةِ الحديثةِ التي تُخرِجُ ما يَخرُجُ مِن المعازفِ، فإنَّها تأخُذُ حُكْمَها؛ لأنَّ الشريعةَ لا تفرِّقُ بينَ المتماثِلاتِ، فإنَّها لم تحرِّمِ الخمرَ لكونِهِ تمرًا أو زَبيبًا أو دُبَّاءً أو غيرَ\n_________\n(١) ينظر: \"لسان العرب\" (١٥/ ١٣٩) (غنا)، و\"تاج العروس\" (٣٩/ ١٩٣) (غني).\n(٢) \"تلبيس إبليس\" (ص ٢٠٣).\n(٣) \"محاضرات الأدباء\" للراغب الأصفهاني (١/ ٨١٦).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٣٩٥١).","vol":"4","page":1955},{"text":"ذلك؛ وإنَّما لأنَّه يُخامِر العقلَ ويُسكِرُه ويغطِّيه؛ فكلُّ ما كان فيه هذه العلةُ يُسمَّى خمرًا محرَّمًا ولو كان مِن غيرِ تلك الأصنافِ؛ بل حتى لو كان إلكترونيًّا كما حدَثَ في هذا الزمنِ ممَّا يُسمَّى بالمخدِّراتِ الإلكترونيَّةِ؛ إذ تُوضَعُ سمَّاعاتٌ في الأُذُنِ وتُحدِثُ أصواتًا متناغمةً على نسقٍ معيَّنٍ يُؤثِّرُ في انتظامِ العقلِ فيَختلُّ، ويكونُ السامعُ بعدَ وقتٍ فاقدًا لعقلِهِ كنَشْوةِ السَّكْرانِ، ثمَّ لا يلبثُ إلَّا ويُفيقُ.\nوالمعازِفُ حُرِّمَتْ لذاتِها؛ فما كان آلةَ عَزْفٍ واتُّخِذَ لذلك، فهو محرَّمٌ ولو لم يكنْ معه شِعْرٌ وكلامٌ؛ وذلك لقولِ النبيِّ -ﷺ-: (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ)؛ رواهُ البخاريُّ (١)، وقال بتعليقِه ابنُ حزمٍ (٢)، وليس كذلك، وقد بيَّنَّا وَصْلَهُ وصِحَّتَهُ في رسالةِ \"الغِنَاءِ\".\nوتحليلُ المعازفِ اليومَ مِن علاماتِ النبوَّةِ التي أخبَرَ عنها النبيُّ -ﷺ-، يَزِيدُ المؤمِنَ يقينًا بصِدْقِ رسالتِه لإخبارِه، ولا يُشكِّكُهُ في حُكْمِ المعازِفِ؛ إذْ لا يوجدُ مذهبٌ مِن المذاهبِ الأربعةِ، ولا قَرْنٌ مِن قرونِ الإسلامِ، ولا بلدٌ مِن بُلْدانِه خلا من عالِمٍ يَحكِي الإجماعَ على حُرمتِها.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧].\nأمَرَ لُقْمانُ ابنَه بالصلاةِ، وقرَنَ الأمرَ بها بأمرٍ آخَرَ، وهو الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المُنكَرِ، يعني: اؤمُرْ غيرَك؛ لأنَّ صلاةَ العبدِ إنْ كَمَلَتْ، نَهَتْهُ هو عن الفحشاءِ والمُنكَرِ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿إِنَّ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٥٩٠).\n(٢) \"المحلَّى\" (٩/ ٥٩).","vol":"4","page":1956},{"text":"الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، فأمَرَ لقمان ابنَهُ أن يأمُرَ غيرَهُ؛ لاكتفائِهِ بقيامِ صلاته بذلك في نفسه؛ فمَن تَمَّتْ صلاتُه، تمَّ باقي دِينِه، وبمقدارِ نَقْصِها والتفريط فيها وفي خشوعِها يَنقُصُ دِينُهُ ويضعُفُ أثرُها عليه.\nوقولُه تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، فيه: أنَّ دعوةَ جميعِ الأنبياءِ والأولياءِ الجمعُ بينَ (الأمرِ) و(النهي): أمرٍ بمعروفٍ، ونهيٍ عن منكَرٍ، ولا يُقتصَرُ على واحدٍ دون الآخَرِ.\nوبعضُ المُصلِحِينَ يَمِيلُ إلى إظهارِ المعروفِ، ويعطِّلُ النهيَ عن المنكَرِ؛ لأنَّ الناسَ لا يُحِبُّونَ مَن يَنْهاهُم عن شهواتِهم، وهؤلاءِ المُصلِحونَ قاموا ببعضِ الكتابِ وترَكُوا بعضًا، ومنَعَهُمْ خشيةُ تفويتِ محبةِ الناسِ واستعدائِهم، وهذا ليس طريقًا للأنبياءِ.\nوقوله: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾، فيه: أنَّ البلاءَ لا بدَّ أن يَلحَقَ الآمِرَ بالخيرِ والناهيَ عن الشرِّ لا محالةَ؛ ولهذا لم يأمُرهُ بتجنُّبِ البلاءِ؛ وإنَّما أمَرَهُ بالصبرِ عليه؛ لكونِ البلاءِ متحقِّقًا قَدَرًا؛ سواءٌ قَلَّ أو كثُر، ولكنْ يجبُ معه الصبرُ.\nوقد تقدَّم الكلامُ على شريعةِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكَرِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩].\nفي هذه الآيةِ: إرشادٌ إلى الاعتدالِ في المشي والكلامِ؛ فيكونُ","vol":"4","page":1957},{"text":"وسطًا؛ فلا يُسرِعُ في مَشْيِه، ولا يكونُ بطيئًا كسَيْرِ المتكبِّرِ، وقد فسَّر مجاهِدٌ قوله: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ بالتواضُعِ (١)، وقال قتادةُ: \"نَهَاهُ عن الخُيلاءِ\" (٢).\nوفسَّر يزيدُ بن أبي حبيب القصدَ في المشيِ بالسُّرْعةِ (٣)، ولعلَّه حمَلَ ذلك على أنَّ السُّرْعةَ في المشي تُنافِي الخُيَلاءَ؛ فعادةُ أهلِ الكِبْرِ السَّيْرُ البطيءُ المتكلَّفُ.\nوقد كان النبيُّ -ﷺ- يَحُث على السَّكِينةِ، ويأمُرُ بالتوسُّطِ، ويَنهى عن الإسراعِ المتعجِّلِ؛ ومِن ذلك قولُهُ -ﷺ-: (أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ؛ فَإنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ) (٤)، والإِيضاعُ الإسراعُ، وأمَّا ما يُروى من حديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ -ﷺ-؛ قال: (سُرْعَةُ المَشْي تُذْهِبُ بَهَاءَ المُؤْمِنِينَ)؛ فقد رواهُ أبو نُعَيْمٍ في \"الحِليةِ\" (٥)؛ ولا يصحُّ.\nوغَضُّ الصوتِ خَفْضُه؛ فليس بالمرتفع الصارخ كصوتِ الحمارِ، ولا بالخافضِ الذي لا يُسمَعُ، وقولُه: ﴿أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾؛ يعني: شَرَّها.\nوكان عمرُ لا يَرَى التكلُّفَ برفعِ الصوتِ حتى في الأذانِ؛ كما روى البيهقيُّ، عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، عن أبي مَحْذُورَةَ؛ قال: لمَّا قَدِمَ عُمَرُ مَكَّةَ، أَذَّنْتُ، فَقَالَ لِي عُمَرُ: بَا أَبَا مَحْذُورَةَ، أَمَا خِفْتَ أَنْ يَنْشَقَّ مُرَيْطَاؤُكَ؟ ! (٦).\nوهذه الآياتُ مكيَّةٌ كما هو أصلُ السورةِ، وعادةُ السُّوَرِ المكيَّةِ لا تأمُرُ بمِثْلِ هذه الآدابِ والسلوكِ؛ وإنَّما تأمُرُ بما تدُلُّ عليه الفِطْرةُ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٥٦٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٩/ ٣٠٩٩).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٥٦٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٩/ ٣١٠٠).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٥٦٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٩/ ٣١٠٠).\n(٤) أخرجه البخاري (١٦٧١).\n(٥) \"حلية الأولياء\" (١٠/ ٢٩٠).\n(٦) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٩٧).","vol":"4","page":1958},{"text":"عامَّةً، وأمَّا الآدابُ كصِفَةِ المشي والقيامِ والقعودِ واللِّبَاسِ والكلامِ وأحكامِه، فإنَّه من علاماتِ السُّوَرِ المَدَنيَةِ، ولكنَّ هذه الآياتِ جاءتْ في سياقِ قصةِ لُقْمانَ، ولم تكن أمرًا للناسِ في مَكَّةَ وتشريعًا يَختصُّونَ به، وإنِ انتفَعُوا مِن ذلك بالاقتداءِ بمنْ سبَقَ كما يَرِدُ في القرآنِ كثيرٌ مِن الآداب في قَصَصِ الأنبياءِ كإبراهيمَ وموسى وعيسى وغيرِهم.\n* * *","vol":"4","page":1959},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1266>سورة السجدة</span>\nسورةُ السَّجدةِ سورةٌ مكيَّةٌ، واستثنى بعضُ السلفِ منها بِضعَ آياتٍ؛ منهم مَنْ جعَلَها ثلاثًا، ومنهم مَن جعَلَها خمسًا (١)، وسياقُ آياتِها سياقُ المكيَّاتِ في موضوعِها؛ ففيها بيانُ تنزيلِ القرآنِ والحِكْمةِ منه، وتذكيرُ الإنسانِ بضَعْفِ خِلْقَتِه، وتدبيرُ اللَّهِ للغَيْثِ وتسييرُه له، وبيانُ عاقبةِ الإنسانِ وتذكيرُهُ بوقوفِهِ بينَ يدَيْ رَبِّهِ وأحوالِ الناسِ في الآخرةِ، والتذكيرُ ببعضِ الرُّسُلِ السابقِين.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥].\nذكَر اللَّهُ خِصالَ المؤمنينَ، وذكَرَ منها أنَّهم يَخِرُّونَ سُجَّدًا للَّهِ، ويُسبِّحون في سجودِهم، وفي هذه الآيةِ: مشروعيَّةُ التسبيحِ بحمدِ اللَّهِ في السجودِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1267>حُكْمُ التسبيحِ في السُّجُودِ والرُّكُوعِ:</span>\nولا خلافَ في مشروعيَّةِ التسبيح بحمدِ اللَّهِ في السجودِ؛ لثُبُوتِهِ في القرآنِ وعملِ النبيِّ -ﷺ- وأصحابِه، وإنَّما الخلافُ عندَ الفقهاءِ في وجوبِ\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير ابن عطية\" (٤/ ٣٥٧)، و\"زاد المسير\" (٣/ ٤٣٧)، و\"تفسير القرطبي\" (١٧/ ٥).","vol":"4","page":1961},{"text":"التسبيحِ في السجودِ، ومِثلُه الركوعُ، على قولَيْنِ للفقهاءِ، هما روايتانِ عن أحمدَ:\nالأولى: الوجوب؛ وهو قولُ داودَ، وهو مذهبُ الحنابلةِ، ورجَّحه جماعةٌ من محقِّقي المذهبِ، وقال به داودُ؛ وذلك لِما رواهُ أحمدُ وأبو داودَ؛ مِن حديثِ عُقْبةَ بنِ عامرٍ -﵁-؛ قال: لمَّا نزلَتْ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤ و٩٦، والحاقة: ٥٢]، قال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: (اجْعَلُوهَا فِي رُكوعِكم)، فلمَّا نزَلَتْ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قال: (اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ) (١)، وحمَلُوا الأمر الواردَ في الحديثِ على الوجوبِ.\nالثانيةُ: الاستحبابُ؛ وهو قولُ جمهورِ الفقهاءِ؛ وذلك أنَّ النبيَّ -ﷺ- لم يعلِّمْهُ المُسِيءَ في صلاتِه، وما عَلَّمَهُ إلَّا ما تصحُّ به الصلاةُ.\nوحديث عُقبةَ متكلَّمٌ فيه، يَرويهِ موسى بنُ أيوبَ، عن عمِّه إياسِ بنِ عامرٍ، عن عُقْبةَ، وإياسٌ مستورٌ قليلُ الحديثِ لا يُعرَفُ راوٍ عنه غيرُ ابنِ أخيه، وموسى في حديثهِ المرفوعِ عن عمِّه كلامٌ؛ فقد ضعَّف ابنُ مَعِينٍ حديثَهُ المرفوعَ عن عمِّه (٢).\nثمَّ أيضًا فإنَّ قولَهُ تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] في سورة الأعلى، وقولَه تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤ و٩٦، والحاقة: ٥٢] في سورةِ الواقعةِ والحاقَّةِ، وهذه السَّوَرُ الثلاثُ مكيَّةٌ، وتقييدُ الأمرِ بها عندَ نزولها دالٌّ على أنَّ الوجوب كان بمَكَّةَ، ومِثلُ هذه الأذكارِ وجنسُ هذه الواجباتِ مِن الأقوالِ في الصلاةِ: لم يُفرَضْ إلَّا في المدينةِ، ولو كان فرضًا قديمًا لاشتهَرَ فرضُه، وتمَّ تعليمُهُ الناسَ مع تعليمِ الصلاةِ لكلِّ أحدٍ.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٤/ ١٥٥)، وأبو داود (٨٦٩)، وابن ماجه (٨٨٧).\n(٢) ينظر: \"الضعفاء الكبير\" للعقيلي (٤/ ١٥٤).","vol":"4","page":1962},{"text":"وأمَّا التسبيحُ الواردُ في السجودِ الذي أُشِيرَ إليه في الآيةِ، فقد جاء عن النبيِّ -ﷺ- في صِيَغٍ، منها ما يَشترِكُ فيه الركوعُ والسجودُ، ومنها ما ينفرِد به السجودُ؛ ومِن ذلك:\n- ما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديث عائشةَ -﵂-؛ قالت: كان النبيُّ -ﷺ- يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي)؛ يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ (١).\n- ومنها: ما في مسلمٍ؛ مِن حديثِ عائشةَ؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- كان يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: (سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبِّ المَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ) (٢).\n- ومنها: عندَه مِن حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ أنَّ النبيَّ -ﷺ- كان إذا سَجَدَ، قال: (اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدتُّ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ) (٣).\n- ومنها: ما في \"المسنَدِ\"؛ من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: بِتُّ عندَ خالتي مَيْمُونةَ؛ قال: فانتبهَ رسولُ اللَّهِ -ﷺ- مِن اللَّيْلِ، فذكَرَ الحديثَ، وفيه قال: ثمَّ ركعَ، قال: فرأَيْتُهُ قال في ركوعِهِ: (سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ)، ثمَّ رفَعَ رأسَهُ، فحَمِدَ اللَّهَ ما شاءَ اللَّهُ أَنْ يَحْمَدَه، قال: ثمَّ سجَدَ، قال: فكان يقولُ في سُجُودِه: (سبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى)، قال: ثمَّ رفَعَ رأسَهُ، قال: فكان يقولُ فيما بينَ السَّجْدَتَيْنِ: (رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَارْفَعْنِي، وَارْزُقْنِي، وَاهْدِنِي) (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨١٧)، ومسلم (٤٨٤).\n(٢) أخرجه مسلم (٤٨٧).\n(٣) أخرجه مسلم (٧٧١).\n(٤) أخرجه أحمد (١/ ٣٧١).","vol":"4","page":1963},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1268>سورة الأحزاب</span>\nسورة الأحزابِ مدَنيَّةٌ (١)، ويَظهرُ ذلك في دَلَالةِ آياتِها على الأحكامِ والتشريعاتِ وأحكامِ النِّساءِ في الطلاقِ والعِدَدِ والمِيرَاثِ والحِجَابِ، وما تضمَّنتْهُ مِن أحكامِ النَّسَبِ، وخِطابِ أمَّهاتِ المؤمنينَ، وبعضِ أحكامِ بيتِ النبوَّةِ.\nوفي سورةِ الأحزابِ نزَلَ حَدُّ الرجمِ للزَّاني المُحْصَنِ، وأحكامٌ كثيرةٌ تُعادِلُ أو تُقارِبُ سورةَ البقرةِ، ثمَّ نُسِخَ منها ما نُسِخَ لفظًا وحكمًا، وما نُسِخَ لفظًا وأُبقِىَ حُكْمًا كحدِّ الرجمِ؛ كما روى أحمدُ؛ مِن حديثِ زِرٍّ؛ قال: \"قَالَ لِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: كَأَيِّنْ تَقْرَأُ سُورَةَ الأَحْزَابِ؟ أَوْ كَأَيِّنْ تَعُدُّهَا؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ آيَةً، فَقَالَ: قَطُّ! لَقَدْ رَأَيْتُهَا وَإِنَّهَا لَتُعادِلُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَلَقَد قَرَأْنَا فِيهَا: الشَّيْخُ وَالشَّيْخَهُ إِذَا زَنَيَا، فَارْجُمُوهُمَا البَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ\" (٢).\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤ - ٥].\nيزعُمُ المشرِكونَ أنَّهم يَفْهَمونَ ما لم يَفهَمْه النبيُّ -ﷺ-، وأنَّ للواحدِ\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" (١٧/ ٤٨).\n(٢) أخرجه أحمد (٥/ ١٣٢).","vol":"4","page":1965},{"text":"منهم قَلْبَيْنِ يَفهَمُ بهما أعظَمَ مِن النبيِّ -ﷺ-، ومن أَشَدِّ صوارفِ أهلِ الضلالِ عن الحقِّ دَعْوَى الفَهْمِ بالوَهْمِ، فما يزالُ يَتوهَّمُ أنَّه يُدرِكُ ما لا يُدرِكُه غيرُه، وتَغُرُّه نفسُه؛ حتى يُختَمَ له بُسوءٍ، فإنَّ النَّفْسَ إنْ أرادتْ صَرْفَ الإنسانِ عن الحقِّ، وَهَّمَتْهُ أنَّ عقلَهُ خيرٌ مِن أتباعِ الحقِّ؛ لتُسَلِّيَهُ وتُبْقِيَهُ على الباطلِ، فالنَّفْسُ لا تَقْوى على العقلِ إلَّا بخداعِه.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، فيه: إبطالٌ لطلاقِ الجاهليةِ الذي كانوا يَضُرُّونَ به المرأةَ، فيُظاهِرُونَ منها ويُحرِّمونَها عليهم كأمَّهاتِهم، وسيأتي الكلامُ على الظِّهارِ وأحكامِهِ في سورةِ المجادَلَةِ بإذنِ اللَّهِ.\nوقولُه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾: كانتِ العربُ تتبنَّى الولدَ وتسمِّيهِ باسمِها، فينتسِبُ كأولادِهم من أصلابِهم، ويَرِثُونَ منهم كأبناءِ النَّسَبِ، ويُصبحُ مَحْرَمًا كمَحَارِمِ الأولادِ، فأبطَلَ اللَّهُ ذلك كلَّه، وبيَّن أنَّ تلك ألفاظٌ يُطلِقونَها عليهم (يا بُنَيَّ)، وليستْ مِن الحقِّ في شيءٍ، ولا أثَرَ لها في الأحكامِ.\nوقد حرَّم اللَّهُ على الرجُلِ أنْ يَنسُبَ لِنَفسِهِ ولدًا ليس ولدًا له، وحرَّم على الولدِ أن ينتسبَ إلى أبٍ ليس أبًا له، وشدَّد في ذلك فجعَلَهُ كبيرةً؛ لاستحقاقِه اللعنَ، ولأنَّه مِن كُفْرِ النعمةِ ونُكْرانِ الفضلِ وجَحْدِه، وفي \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ سعدٍ؛ قال -ﷺ-: (مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ) (١)، وفيهما مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ، فَهُوَ كُفْرٌ) (٢)، وفي مسلمٍ؛ مِن حديث عليٍّ مرفوعًا: (مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ انْتَمَى إِلَى\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٧٦٦)، ومسلم (٦٣).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٧٦٨)، ومسلم (٦٢).","vol":"4","page":1966},{"text":"غَيْرِ مَوَاليِهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعينَ؛ لَا يقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) (١).\nوقد أمَر اللَّهُ بنداءِ الناسِ بأَنْسَابِهم الصحيحةِ، ومَنْ جُهِلَ نَسَبُهُ فيُدْعَى بالأُخوَّةِ الإيمانيَّةِ أو النداءِ بالمَوْلَى؛ كما قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.\nوعفا اللَّهُ عمَّا جَرى على اللِّسَانِ مِن غيرِ قصدٍ للمعنى، ولكنَّ الإثمَ بالقصدِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب: ٦].\nفي هذا: عِظَمُ حقِّ النبيِّ -ﷺ- على المؤمنينَ، وأنَّه أَوْلَى منهم بأنفُسِهم، فيجبُ طاعُتهُ وتعظيمُهُ فوقَ كلِّ طاعةٍ وإجلالٍ لكلِّ مخلوقٍ، وإنْ أمرَهم بشيءٍ يُخالِفُ أهواءَهم وما يَرْغَبونَ، فيجبُ عليهم طاعتُه؛ لأنَّه أَولى بهم مِن أنفُسِهم.\nوذِكْرُ هذه الآيةِ بعدَ الآيةِ السابقةِ في تحريمِ أُبُوَّةِ غيرِ النَّسَبِ تنبيهٌ على أنَّ ما كان مِن أبوابِ الإجلالِ -كأنْ يقولَ الرجُلُ لأحدٍ: والدُنا؛ إجلالًا، والسامعُ يَعلَمُ قصدَ الإجلالِ- أنَّ ذلك جائزٌ؛ ولهذا قال في هذه\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٣٧٠).","vol":"4","page":1967},{"text":"الآيةِ: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾؛ يعني: لَسْنَ أُمَّهاتِ رَحِمٍ؛ ولكنَّهُنَّ أُمَّهاتُ إجلالٍ وإكرامٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1269>أُمَّهَاتُ المؤمنينَ ومَقامُهُنَّ:</span>\nقال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾؛ فكلُّ زوجةٍ للنبيِّ -ﷺ-، فهي أمَّ للمؤمنينَ؛ لعمومِ الآيةِ، على خلافٍ عندَ الفقهاءِ في حدِّ ذلك، وقد ذهَبَ الشافعيُّ: إلى أنَّ كلَّ زوجةٍ له: أمٌّ للمؤمنينَ ولو طلَّقَها، وبعضُهم خَصَّ أمَّهاتِ المؤمنينَ بالمدخولِ بِهِنَّ؛ وهو قولُ إمامِ الحَرَمَيْنِ.\nوقد رُوِيَ أنَّ الأشعثَ بنَ قَيْسٍ نكَحَ المُستعيذةَ في زمنِ عمرَ -﵁-، فهَمَّ برَجْمِه، فأخبَرَه أنَّها لم تكنْ مدخولًا بها، فكَفَّ عنه، وفي روايةٍ: أنَّه هَمَّ برَجْمِها، فقالتْ: ولِمَ هذا وما ضُرِبَ عَلَيَّ حجابٌ، ولا سُمِّيتُ للمُسْلِمينَ أُمَّا؟ ! فكَفَّ عنها (١).\nورُوي كذلك عن ابنِ عباسٍ مِثلُه مع أسماءَ بنتِ النُّعمان (٢).\nوإنَّما أخَذْنَ الأمُومةَ مِن أُبُوَّتِهِ -ﷺ-؛ فهو أبو المؤمنينَ؛ كما جاء في قراءةِ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ في هذه الآيةِ؛ قال: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبُوهُمْ) (٣)، والأنبياءُ آباءٌ للمؤمنينَ أبوَّةً دينيَّةً؛ كما قال تعالى عن إبراهيمَ: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]، وحُرمةُ النبيِّ كحُرْمةِ الوالدِ وأعظَمُ.\nوإنَّما سُمِّيَت أزواجُ النبيِّ -ﷺ- بـ (أُمَّهَاتِ المؤمنينَ)، ولم يُسَمَّ النبيُّ -ﷺ- بـ (أبي المؤمنينَ)، مع أنَّ أُمُومَتَهُنَّ منه؛ لأنَّ الرجلَ يُسمَّى\n_________\n(١) \"التلخيص الحبير\" (٣/ ١٣٩)، و\"تفسير الآلوسي\" (٢١/ ١٥١).\n(٢) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٣٧).\n(٣) \"فضائل القرآن\" لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص ٣٢٢)، و\"الدر المنثور\" (٨/ ١٠٨).","vol":"4","page":1968},{"text":"بأعظَمِ أوصافِهِ وأشرفِها؛ فأشرفُ الأسماءِ والأوصافِ هو النبوَّةُ، وأشرفُ أوصافِ أزواجِهِ هو أمَّهاتُ المؤمِنِين، وعندَ نِدائِهِ يُسمَّى بأشْرفِها وأَسْمَاها، وإن جاز أَدْناها اعتراضًا لا الْتِزَامًا.\nوأمَّا قولُهُ تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، فالمرادُ به تحريمُ الانتسابِ إليه أُبُوَّةَ نسَبٍ؛ فقد كان هناك مَن يَنْتسِبُ إليه بالتبنِّي، وقد كان النبيُّ -ﷺ- قد تبنَّى قبلَ النبوَّةِ زيدَ بنَ حارثةَ، فلم يكنْ أباه، وإن كان قد تبنَّاه.\nوفي هذه الآيةِ: تحريمُ نكاحِ أمَّهاتِ المؤمنينَ بعدَ النبيِّ -ﷺ- بلا خلافٍ؛ فلا يجوزُ للرجُلِ أن يتزوَّجَ أمَّه.\nوبعضُ الفقهاءِ يَرى أنَّ الخِطابَ للذكورِ مقصودٌ في قولِه: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾، وأنَّهُنَّ أمَّهُاتُ رجالِ المؤمنينَ لا نسائِهم، وفي هده المسألةِ خلافٌ.\nوقد رَوَى مسروقٌ؛ قال: قالتِ امرأةٌ لعائشةَ: يا أُمَّهْ، فقالتْ لها عائشةُ: \"أنا أمُّ رجَالِكم، ولستُ أُمَّ نِسَائِكم\"؛ رواهُ ابنُ سَعْدٍ والبيهقيُّ بسندٍ صحيحٍ (١).\nورَوى ابنُ سعدٍ، عن مصعبِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي أميَّةَ، عن أمِّ سَلَمةَ زوجِ النبيِّ -ﷺ-، أنَّها قالتْ: \"أنا أَمُّ الرِّجالِ منكم والنِّساءِ\" (٢).\nوالأظهرُ: العمومُ، وأنَّهُنَّ أمَّهاتُ المؤمنينَ رجالًا ونساءً؛ لأنَّهُنَّ أَحَذْنَ أمومتَهُنَّ مِن أُبوَّتِه -ﷺ-، وأبوَّتُهُ هي للمؤمنينَ كافَّةً، وقراءةُ أُبَيِّ بنِ كعبٍ: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ، وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ) (٣) إشارةٌ إلى ذلك، ولعلَّ مرادَ\n_________\n(١) أخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (٨/ ٦٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٧٠).\n(٢) \"الطبقات الكبرى\" (٨/ ١٧٩ و٢٠٠).\n(٣) \"تفسير القرطبي\" (١٧/ ٦٣)، و\"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٣٨١).","vol":"4","page":1969},{"text":"عائشةَ بقولها: \"أنا أمُّ رجالِكم\": أنَّ الحُرْمةَ مع الرِّجالِ أعظَمُ وأشَدُّ مِن جهةِ النِّكاحِ وميلِ القلبِ والطمعِ فيهنَّ، بخلافِ النِّساءِ؛ فهذا ليس موجودًا فِيهِنَّ.\nوقولُه تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: هذه الآيةُ ناسخةٌ لكلِّ ما كانتْ تفعلُهُ العربُ مِن التوريثِ بالتبنِّي والمؤاخاةِ والحِلْفِ، وأنَّ المِيرَاثَ يكونُ لأُولِي الأرحامِ بحَسَبِ مَرَاتبِهم المذكورةِ، وقد تقدَّم الكلامُ على شيءٍ مِن ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾ [النساء: ٣٣]\nوفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ جوازُ فعلِ المعروفِ لِمَنْ يُوَالُونَهم، ويُحْبَوْنَ في حالِ الحياةِ بالهديَّةِ والعطيَّةِ والصَّدَقةِ، ولكنْ لا يدخُلُونَ في الميِرَاثِ بعدَ الموتِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].\nفي هذه الآيةِ: حثٌّ على الاقتداءِ بالنبيِّ -ﷺ-، والتأسِّي بفعلِه؛ وذلك أنَّ النبيَّ -ﷺ- معصومٌ في قولِه وفعلِه، ويُشرَعُ التأسِّي بهَدْي جميعِ الأنبياءِ؛ كما قال تعالى لنبيِّه -ﷺ-: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقال اللَّهُ عن إبراهيمَ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾","vol":"4","page":1970},{"text":"[الممتحنة: ٤]، وكلُّ ما استَثْنَتْهُ نبوَّةُ النبيِّ -ﷺ- مِن أفعالِ الأنبياءِ، فهو دلِيلٌ على نسخِه، وأعظَمُ التأسِّي يكونُ بالاقتداءِ بفعلِ النبيِّ -ﷺ-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1270>أنواعُ أفعالِ النبيِّ -ﷺ</span>-:\nوأفعالُ النبيِّ -ﷺ- على أنواعٍ:\nالنوعُ الأولُ: أفعالُ عبادةٍ؛ وهي الأصلُ في أفعالِ النبيِّ -ﷺ-، فالأصلُ فيما ورَدَ عنه مِن ذلك أنَّه تشريعٌ ويُتأسَّى به فيه، وما لم يكنْ تشريعًا تعبديًّا، فهو مِن الأفعالِ الحسنةِ التي لا تكونُ مذمومةً بحالٍ؛ فقد اختار اللَّهُ لنبيِّه أحسَنَ الأفعالِ، كما اختار له أحسَنَ الحديثِ.\nوما كان مشتبِهًا مِن فعلِهِ وتردَّدَ: هل هو عبادةٌ أو عادةٌ؟ ولا مرجِّحَ بينهما، فيُلحَقُ بأصلِه، وهو التعبُّدُ.\nالنوعُ الثاني: أفعالُ عادةٍ؛ وهي ما يفعلُها النبيُّ -ﷺ- على ما اعتادَهُ الناسُ مؤمِنُهم وكافِرُهم، ولم يَخُصَّ ذلك الفعلَ بتأكيدٍ وحثٍّ عليه بالقولِ؛ وذلك مِثلُ لُبْسِهِ العِمَامةَ والإزارَ والرِّداءَ والقميصَ، ورُكُوبِهِ الدوابَّ، فهذا الأصلُ فيه الاشتراكُ مع الناسِ المؤمِنِ والكافِرِ، ولم يَختَصَّ به المؤمنونَ عن غيرِهم؛ فحينئذٍ يُقالُ بأنَّه عادةُ الناسِ، لا سُنَّةٌ وعبادةٌ.\nوأمَّا ما فعَلَهُ النبيُّ -ﷺ- ممَّا كان الناسُ يفعلونَهُ مؤمِنُهم ومشرِكُهم، ولكنَّه حَثَّ عليه بالقولِ، فهذا تشريعٌ وعبادةٌ، وذلك كتشميرِ الإزارِ ورفعِهِ فوقَ الكعبَيْنِ؛ وذلك أنَّه مِن عادةِ العربِ تشميرُ الأُزُرِ؛ وذلك أنَّهم يرَوْنَهُ علامةً على القوةِ وتركِ النعومةِ والدَّعَةِ، وكانوا يَمْدَحونَ فاعِلَ ذلك؛ كما قال الشاعرُ:","vol":"4","page":1971},{"text":"كَمِيش الإِزَارِ خَارجٌ نِصْفُ سَاقِهِ ... صَبُورٌ عَلَى الضَّرَّاءِ طَلَّاعُ أَنْجُدِ (١)\nويقولُ الآخَرُ:\nوَكُنْتُ إِذَا جَارِي دَعَا لِمَضُوفَةٍ ... أُشَمِّرُ حَتَّى يَنْصُفَ السَّاقَ مِئْزَرِي (٢)\nولكنَّ النبيَّ -ﷺ- فعَلَ ذلك ورفَعَ إزارَه، وأمَرَ بذلك بقولِه؛ فخرَجَ عن كونِه عادةً إلى كونِه عبادةً؛ كما قال -ﷺ-: (مَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ فَفِي النَّارِ)؛ رواه البخاريُّ (٣).\nوعن أبي ذَرٍّ -﵁-؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِمْ وَلَا يُزَكيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا! مَن هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (المُسْبِلُ، وَالمَنَّانُ، وَالمُنَفَّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ)؛ رواهُ مسلمٌ) (٤).\nوعن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ -﵄-؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- قال: (بَيْنَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ، إِذْ خُسِفَ بِهِ، فَهُوَ بَتَجَلَّلُ فِي الأَرْضِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)؛ رواهُ البخاريُّ (٥).\nالنوعُ الثالثُ: أفعالُ الجِبِلَّةِ: وهي ما يُجبَلُ عليها الانسانُ ويُطبَعُ؛ مِن لَوْنِه وخِلْقَتِه، وطُولِه وضخامتِه، ويَلحَقُ بذلك ما لا يَتكلَّفُهُ الإنسانُ\n_________\n(١) البيت لدُرَيْد بن الصِّمَّة؛ كما في \"الأصمعيَّات\" (ص ١٠٨)، و\"الشعر والشعراء\" (ص ٧٥١).\n(٢) البيت لأبي جُنْدَبٍ الهُذَلِيِّ؛ كما في \"لسان العرب\" (٩/ ٣٣١)، و\"تاج العروس\" (٢٤/ ٥٨).\n(٣) البخاري (٥٧٨٧).\n(٤) مسلم (١٠٦).\n(٥) البخاري (٥٧٩٠).","vol":"4","page":1972},{"text":"مِن صفةِ مشْيَتِه؛ فإنَّ الإنسانَ يُطبَعُ على ذلك ويُجبَلُ ولا يَتكلَّفُهُ ولا يكتسِبُهُ؛ فهذا لا يُمدَحُ الإنسانُ بفعلِهِ وتكلُّفِهِ لو قدَرَ عليه.\nومِن ذلك: مِشْية النبيِّ -ﷺ- ففي مسلم؛ مِن حديثِ أنسٍ؛ قال: \"كان رسولُ اللَّهِ -ﷺ- أَزْهَرَ اللَّوْنِ، كَأَنَّ عَرَفَهُ اللُّؤْلُؤُ، إِذَا مَشَى، تَكَفَّأَ\" (١).\nوفي الحديثِ الآخَرِ: \"أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا مَشى، تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِن صَبَبٍ\"؛ رواهُ أحمدُ والتِّرمذيُّ، مِن حديثِ عليٍّ (٢).\nومَن نظَرَ في فقهِ الصحابةِ -﵃-، وجَدَ أنَّهم يُكثِرونَ مِن ذِكْرِ أفعالِ النبيِّ -ﷺ- التعبُّديَّةِ، ويذكُرونَها في سياقِ الاقتداءِ، وأمَّا بقيةُ أفعالِهِ كأفعالِ العادةِ والأفعالِ الجِبليَّةِ، فلا يذكُرونَها إلَّا اعتراضًا وفي سياقِ الوصفِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦)﴾ [الأحزاب: ٢٦].\nلمَّا اجتمَعَتِ الأحزابُ ضدَّ النبيِّ -ﷺ- لقتالِه، قام اليهودُ مِن بني قُرَيْظَةَ بمظاهَرةِ أولئك وإعانتِهم على رسولِ اللَّهِ -ﷺ-، فنقَضُوا عَهْدَهم الذي كان مع النبيِّ -ﷺ-.\nوقد ذكَرَ اللَّهُ إنزالَ بني قُرَيظَة ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، وهي حصونُهُمْ، لإعانةِ المشركينَ؛ مِنَّةً منه؛ ليَكشِفَ شدةَ ما تُكِنُّهُ صدورُهم مِن حقدٍ وبغضاءَ وتربُّصٍ وتحيُّنٍ للفُرَصِ لقتلِ المؤمنين؛ وفي هذا أنَّ اللَّه يُنزِلُ الشدائدَ في الأمَّةِ، وفي رَحِمِها مِنَنٌ وخيرٌ لهم.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٣٣٠).\n(٢) أخرجه أحمد (١/ ٩٦)، والترمذي (٣٦٣٧).","vol":"4","page":1973},{"text":"وقولُه: ﴿ظَاهَرُوهُمْ﴾؛ يعني: صارُوا لهم ظهيِرًا؛ كالظَّهْرِ مِن خَلْفِ الإنسانِ يقومُ به ويُسنِدُه.\nوفي هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ مِن ظاهَرَ العدوَّ على المُسلِمينَ، أخَذَ حُكْمَهم؛ كما قال تعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، فقتَلَ النبيُّ -ﷺ- رجالَ بني قُرَيْظَةَ لأجلِ ذلك، وسَبَى نساءَهم وذَرَارِيَّهم.\nوبنو قُرَيْظةَ لم يُقاتِلوا النبيَّ -ﷺ-؛ وإنَّما كانوا ظهرًا لقريشٍ، فأخَذُوا حُكْمَهم؛ فإنَّ مَن قاتَلَ مواجَهةً، أو كان ظهيرًا لِمَنْ قاتَلَ المُسلِمينَ، فإنَّه يأخُذُ حُكْمَهم في جوازِ قتالِه، وقد تقدَّم الكلامُ على حُكْمِ المظاهِرينَ والحُلَفاءِ للأعداءِ مِن نَقَضَةِ العهودِ مِن المعاهَدينَ في مواضعَ؛ منها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)﴾ [البقرة: ١٠٠]، وقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، وقولِهِ تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ (٤)﴾ [التوبة: ٤].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩].\nأمَر اللَّهُ نبيَّه أَنْ يُخيِّرَ أزواجَهُ بين اختيارِه وبين اختيارِ الحياةِ الدُّنيا والنعيمِ فيها والتلذُّذِ بلَذَّاتِها؛ وذلك لأنَّ النبيَّ -ﷺ- لم يَبعَثْهُ اللَّهُ ليتنعَّمَ في","vol":"4","page":1974},{"text":"الدُّنيا ويَرْكَنَ اليها، وأراد اللَّهُ تشريفَ مَقَامِهِ وتنزيهَهُ عن لُوثَاتِ الدُّنيا وطمعِها عن لَذَّةِ الآخِرةِ ونعيمِها المقيمِ.\nوفي \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ؛ أنَّ عائشةَ -﵂- زوجَ النبيِّ -ﷺ- أخبَرَتْهُ؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- جَاءَهَا حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنَّ يُخَيِّرَ أَزْوَاجَهُ، فبَدَأَ بِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: (إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلا عَلَيْكِ أَلَّا تَسْتَعجِلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبوَيْكِ)، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثَمَّ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إِلَى تَمَامِ الآيَتَيْنِ)، فَقُلْتُ لَهُ: فَفِي أَيَّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ ! فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ (١).\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب: ٣٢ - ٣٣].\nخَصَّ اللَّه نساءَ النبيِّ -ﷺ- بالخِطابِ، وقال: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾؛ وذلك لمَقَامِ النبوَّةِ، فهنَّ قدوةٌ لنساءِ العالَمِينَ جميعًا، بخلافِ غيرِهِنَّ، ولأنَّ أثرَ خَطَئِهِنَّ يتعدَّى إلى الزوجِ؛ وهو رسولُ اللَّهِ -ﷺ-؛ فإنَّ تُهمَةَ المرأةِ في عِرْضِها تتعدَّى إلى زوجِها في إقرارِه لها على ذلك، والأمرُ يتَّصلُ بعِرْضِه ونَسَبِه، بخلاف الكفرِ؛ لهذا قدَّر اللَّهُ في نساءِ بعضِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٧٨٥)، ومسلم (١٤٧٥).","vol":"4","page":1975},{"text":"الأنبياءِ الكفرَ كنُوحٍ ولُوطٍ، ولكنَّه سبحانَهُ لم يقدِّرِ العَهْرَ على امرأةِ نبيٍّ؛ لأنَّ الشرفَ والعَهْرَ يتعدَّى إلى النَّسَبِ.\nوفي هذا: عِظَمُ منزلةِ القدوةِ على غيرِهِ في وجوبِ احتياطِهِ واحتياطِ أهلِ بيتِه؛ وذلك كلَّما كان قدوةً في قومِهِ وبلدِه، كان أَولى بالاحتياطِ مِن غيرِه.\nوقولُه تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾؛ يعني: لا تُرَفِّقْنَهُ ولو كان ذلك عن حُسْنِ قصدٍ؛ فإنَّ النهيَ ليس لأَجْلِهِنَّ فقطْ، بل لأجلِ السامعينَ، فيَمِيلُ مَن في قلبِهِ طمعٌ ومرضٌ إِليْهِنَّ؛ فيَتَسَبَّبْنَ في إهلاكِه.\nوقولُه: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾؛ يعني: مِن الخيرِ الذي لو سَمِعَهُ الناسُ، ما استنكَرُوهُ، فيكونُ كلامُهُنَّ مع الواحدِ ككلامِهِنَّ مع الجماعةِ في خيرِهِ وعفافِه.\nومِن علامةِ الكلامِ المباحِ الذي يجوزُ للمرأةِ أنَّ تتكلَّمَهُ مع الرجلِ الأجنبيِّ: أن تتكلَّمَ بكلامٍ لو سَمِعَهُ الناسُ منها معه، ما استنكَرُوهُ وهُ ولم تَسْتَحْي هي منه، فيَعرِفُهُ الناسُ ولا يستنكرونَه، وهكذا ينبغي أنَّ تكونَ العفيَفةُ في خِطَابِها إنِ احتاجتْ إلى رجلٍ لا يسمعُها أحدٌ: أن تُخاطِبَة بحديثٍ لو سَمِعَهُ زوجها وولدُها والناسُ، لم يستنكِروه، ولَعَدُّوهُ معروفًا.\nوفي قولِ اللَّهِ: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ جعَلَ الطمعَ في الرجلِ، مع احتمالِ ورودهٍ مِن جنسِ المرأةِ عامَّةً؛ وذلك تعظيمًا للنبيِّ -ﷺ- وتطهيرًا لنسائِه مِن أنْ يُظَنَّ بهنَّ ظَنُّ السَّوْءِ، ولبيانِ خَصوصيَّةِ الرجالِ بالجَسَارةِ والميلِ أكثَرَ مِن النساءِ.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، أمَرَهنَّ بالقَرَارِ في البيوتِ وعدمِ الخروجِ إلَّا لحاجةٍ، ونَهاهُنَّ عن تبرُّجِ","vol":"4","page":1976},{"text":"الجاهليَّةِ مِن الاختلاطِ بالرجالِ، وإظهارِ المَفاتِنِ بالسُّفُورِ، ووصَفَ ذلك بأنَّه جاهليَّةٌ لا عن عِلْمٍ وصلاحٍ.\nوقد ذكَرَ بعضُ المفسِّرينَ كمُقاتلِ بنِ حَيَّانَ (١): أنَّ تبرُّجَ الجاهليَّةِ الأُولى -قَبلَ وجودِ العربِ- الذي نَهى اللَّهُ عنه في قولِه: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾: أنَّهنَّ كُنَّ يُلقِينَ الخِمارَ على رُؤُوسِهنَّ ولا يَشْدُدْنَهُ، ومع ذلك نَهى اللَّهُ عنه، وشَدَّدَ عليه، وذكَرَهُ مثالًا لفعلٍ سَوْءٍ، وقد جاء عن بعضِ السلفِ كابنِ عبَّاسٍ (٢) وغيرِه: أنَّ تبرُّجَ الجاهليَّةِ الأُولى كان بينَ نوحٍ وإدريسَ، ولو كان هناك تبُّرجٌ عامٌّ في التاريخِ بعدَهُ أسوأُ منه، لذكَرَه اللَّهُ مثالًا.\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أمَرَ اللَّهُ أمَّهاتِ المؤمنينَ بإقامةِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ، وطاعةِ اللَّهِ ورسولهِ؛ لبيانِ أنَّ العفافَ لا يكمُلُ إلَّا بعبادةٍ وطاعةٍ للَّهِ ورسولِه.\nوفي هذه الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ الحِجابَ والعفافَ فِطْرةٌ، وما لم يُقرَنْ بعبادةٍ مِن صلاةٍ وزكاةٍ وغيرِ ذلك، فإنَّه يكونُ عادةً يسهُلُ تحوُّلُها؛ ولهذا أمَرَ اللَّهُ أمَّهاتِ المؤمنينَ ونساءَهم بالعبادةِ مع العفافِ، وكثيرٌ مِن البُلْدانِ التي طَرَأت عليها عاداتٌ فاسدةٌ مِن تبرُّجٍ وسفورٍ تَرى أنَّه ينسلِخُ مِن الحِجَابِ فيها نِسَاءُ العاداتِ، ويثبُتُ نِسَاءُ العبادات، وهذا نظيرُ إعفاءِ اللِّحَى؛ فقَد كانَتِ الرِّجالُ تَراهُ فِطرَةً، وجاءَ الإسلامُ العَرَبَ وهو يُعْفُونَ لِحَاهُم عادةً لا عبادةً، ولم تَكُنِ اللِّحَى علامَةً على دِيَانَةٍ؛ لأنَّها أصلٌ للمؤمِنِ والكافِرِ والصالِحِ والفاسِقِ، حتى اختَلَطَ العَرَبُ بالعَجَمِ؛ فتأَثَّرُوا بِهِم، فزالَتْ لِحَى العُرُوبَةِ؛ لأنَّها (عادةٌ)، وبَقِيَتْ لِحَى الإسلامِ لأنَّها (عِبادةٌ)، فأصبَحَتْ عندَ المتأَخِّرِينَ علامَةً على الدِّيانةِ، بخلافِ السابِقِينَ؛\n_________\n(١) \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٤١٠).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٩/ ٩٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٩/ ٣١٣٠).","vol":"4","page":1977},{"text":"فإنَّما هي شُعبةٌ مِن شُعَبِ الإيمانِ ليسَتْ وحدَها علامَةً على شيءٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1271>عمومُ أصلِ الخِطَابِ بالحِجَابِ وخَصُوصيَّةُ نساءِ النبيِّ -ﷺ</span>-:\nوالخِطابُ في هذه الآيةِ وما قبلَها وما بعدَها وإنْ كان موجَّهًا لأمَّهاتِ المؤمنينَ، إلَّا أنَّه عامٌّ يشترِكُ معَهُنَّ فيه في عمومِ الحُكْمِ بقيَّةُ النِّساءِ؛ ولكنَّ نساءَ النبيِّ أشَدُّ وأعظَمُ تأكيدًا؛ ولهذا قال: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]؛ يعني: أنَّ أصلَ العذابِ مشتَرَكٌ؛ ولكنَّ الفَرْقَ تضعيفُ الحُكْمِ وتشديدُه، ومِثلَ ذلك قالَهُ في الثوابِ: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١]؛ يعني: أنَّ هناك ثوابًا مشتَرَكًا مع بقيةِ النِّساءِ؛ ولكنْ لَهُنَّ الثوابُ مضاعَفٌ.\nوبيانُ عمومِ أصلِ الحُكْمِ في هذه الآياتِ، واشتراكِ عمومِ نساءِ المؤمنينَ به - مِن وُجُوهٍ:\nأولًا: أنَّ القرآنَ عامٌ للناسِ بجميعِهِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]؛ أي: مَن يَبْلُغُهُ ما فيه ممَّن يجيءُ بعدَكم، فهو حُجَّةٌ عليه، والعِبْرةُ بعمومِ حُكْمِه، وإنْ تمَّ تخصيصُ الخِطَابِ لأعلى البشرِ، وهم الأنبياءُ، فضلًا عن آحادِ الصحابةِ وأزواجِ الأنبياءِ؛ لقولهِ -ﷺ- كما في \"صحيحِ مسلمٍ\": (إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ المُؤْمِنِينَ، بِمَا أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ) (١)، فإذا كان خِطابُّ الأنبياءِ الواردُ في القرآنِ المخصوصونَ به عامًّا لأهلِ الإيمانِ، فكيف بخِطَابٍ توجَّهَ لِمَنْ هو دونَهم؟ ! فإذا دخَلَ المؤمنونَ في خِطابِ الأنبياءِ، فدخولُ النِّساءِ في خِطاب أمَّهاتِ المؤمنينَ أَوْلى.\nثانيًا: أنَّ تخصيصَ القرآنِ لأحدٍ بعينِهِ لمزيدِ اهتمامٍ فيه، وأنَّه أَولى بالاتِّباعِ مِن غيرِه، والخَصُوصِيَّةُ لا تثبُتُ إلَّا بدليلٍ زائدٍ عن مجرَّدِ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٠١٥)؛ من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"4","page":1978},{"text":"الخِطابِ؛ كما هي عادةُ القرآنِ في خصائصِ النبيِّ -ﷺ-؛ قال تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢].\nثالثًا: أنَّ آيةَ الحِجَابِ جاء معها في الخِطَابِ نفسِه أوامرُ أُخرى: ﴿وَاذْكُرْنَ﴾ -يعني: يا أزواجَ النبيِّ- ﴿مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]؛ فالذِّكْرُ ليس خاصًّا بهنَّ، فلو قيل بالخَصُوصِيَّةِ، لم يُشرَعْ ذِكرُ ما يُتْلَى في بيوتِهِنَّ مِن القرآنِ والسُّنةِ إلَّا لأزواجِه! مع أنَّ هذه الآيةَ أظهَرُ في الخَصُوصيَّةِ؛ حيثُ قال: ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ وأمَّا في آيةِ الحِجابِ الآتيةِ، فقال: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، فما قال: (حِجَابِكُنَّ) كما هنا ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، وهل يُفهَمُ مِن هذا التخصيصِ الزائدِ: ألَّا يَدخُلَ فيه تلاوةً الآياتِ والحِكْمةِ في بيوتِ غيرِكُنَّ، ولا تلاوةً غيرِكنَّ في بيوتِهنَّ وبيوتِ غيرِهنَّ؟ ! وهذا لا يُقالُ به، ولا يَلتزِمُهُ مَن يقولُ بخَصُوصيَّةِ الحِجَابِ، مع أنَّه في نفسِ الآياتِ ونفسِ السِّياقِ.\nرابعًا: ما أجمَعَ عليه العلماءُ: أنَّ الأحكامَ تدورُ مع العللِ والمقاصدِ مِن التشريعِ؛ فاللَّهُ تعالى قال هنا: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾، وقال في آيةِ الحجابِ مخاطِبًا الصحابةَ: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، والعلةُ موجودةٌ في عمومِ الجنسَيْنِ على اختلافِ مَرَاتبِهم، ثمَّ ما الشيءُ الذي يُريدُ اللَّهُ إبعادَهُ مِن قلوبِ الصحابهِ وأمَّهاتِ المؤمنينَ، ولا يُوجَدُ عندَ بقيَّةِ النساءِ وبقيِةِ الرجالِ؛ إذا التقَوْا في المَجالسِ والبيوتِ والتعليمِ؟ ! وما الشيءُ الذي يَجِدُهُ الصحابةُ تُجَاهَ أمَّهاتِهِمْ أمَّهاتِ المؤمنينَ ولا يجدونَهُ في بقيةِ النساءِ؟ ! فإذا كان الحجابُ أطهَرَ لقلوبِهم، فمَنْ بعدَهم أحوَجُ إلى هذه الطهارةِ.\nخامسًا: أنَّ اللَّهَ قال: ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ﴾، فجعَل طهارةَ قلوبِ الصحابةِ مَطْلَبًا بذاتِهِ؛ وهذا يحصُلُ في جميعِ النساءِ، بل هو في غيرِ","vol":"4","page":1979},{"text":"أمَّهاتِ المؤمنينَ أكثَرُ؛ لأنَّ نظرَ الصحابةِ لأمَّهاتِ المؤمنينَ نظرُ إجلالٍ وتعظيمٍ وتوقيرٍ.\nسادسًا: أنَّ قولَه تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ لا يُتصوَّرُ خَصُوصيَّةُ أمَّهاتِ المؤمِنِينَ به، فيُقالُ: إنَّه يجوزُ لغيرِهِنَّ أنْ يتبرَّجْنَ تبرُّج الجاهليَّةِ الأُولى، وأمَّا أمَّهاتُ المؤمنينَ، فيحرُمُ، والحقُّ أنَّه محرَّمٌ في حقِّ الجميع؛ ولكنَّ أمَّهاتِ المؤمنينَ أشَدُّ في التحريمِ.\nسابعًا: أنَّ الصحابيَّاتِ اعتَدْنَ على تتبُّعِ أمَّهاتِ المؤمِنِينَ؛ فما فَعَلْنَهُ يَرَيْنَهُ تشريعًا لهنَّ مِن بابِ أَولى؛ كما جاء في \"الصحيحَيْنِ\"، عن عمرَ؛ أنَّ زوجتَهُ راجَعتْه، فقالتْ له محتجَّةً بأُمَّهاتِ المؤمنينَ: \"مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ ! فَوَاللَّهِ، إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيَّ -ﷺ- لَيُرَاجِعْنَهُ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ! \" (١).\nثامنًا: أنَّ اللَّهَ يخصَّصُ في بعضِ السياقاتِ الأنبباءَ والصحابةَ تنبيهًا إلى دخولِ غيرِهم مِن بابِ أَوْلى في الحُكْمِ، وهذا أسلوبٌ شرعيٌّ كثيرٌ في الأحكامِ؛ تنبيهًا إلى أنَّه لمَّا دخَلَ الأعظمُ والأجلُّ، فغيرُهُ أَولى؛ لهذا قال -ﷺ- في بيانِ الحدودِ: (لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا) (٢)، وقال في تحريمِ الرِّبا: (أَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ) (٣)، وقال في تحريم دماءِ الجاهليَّةِ: (إِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ) (٤)، وربيعةُ ابنْ عمِّ النبيِّ -ﷺ-.\nتاسعًا: لو قُلْنا بالخَصُوصيَّةِ، فخَصُوصيَّةُ النبيِّ -ﷺ- مِن بابِ أَولى\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٤٦٨)، ومسلم (١٤٧٩).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٤٧٥)، ومسلم (١٦٨٨)؛ من حديث عائشة -﵂-.\n(٣) أخرجه مسلم (١٢١٨)؛ من حديث جابر -﵁-.\n(٤) أخرجه مسلم (١٢١٨)؛ من حديث جابر -﵁-.","vol":"4","page":1980},{"text":"في المواضعِ التي يَتوجَّهُ الخِطَابُ إليه لمَزِيَّةٍ له ليستْ في أحدٍ مِن الأتباعِ، فالآياتُ التي يُخاطَبُ بها النبيُّ عامَّةٌ له ولغيرِه، مع كونِ الخِطاب خاصًّا به ليس بمشتَرَكِ بالمقابَلَةِ مع المؤمنينَ؛ كما هنا: ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣].\nفلا يُقالُ بأنَّ دخولَ البيوتِ بلا استئذانٍ جائزٌ؛ لخَصُوصيَّةِ النصِّ بالنبيِّ -ﷺ- هنا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، ولكنَّ المقصودَ مزيدُ تشديدٍ في بيتِه كما أنَّ التشديدَ رائدٌ في نسائِه.\nومِثْلُ ذلك السَّرَاحُ والطلاقُ والمُتْعةُ؛ فخطابُ النبيِّ به لا يجعلُهُ خاصًّا له ولأزواجِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ [الأحزاب: ٢٨]\nوهل مَن تُرِيدُ اللَّهَ ورسولَهُ مِن النساءِ لا تدخُلُ في استحقاقِ الأجرِ العظيمِ؛ كما جاء في سياقِ نفسِ آياتِ الحِجابِ الموجَّهةِ لأمَّهاتِ المؤمنينَ: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ﴾ -أي: يا نساءَ النبيِّ- ﴿تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩]؟ !\nعاشرًا: دفَعَ فَهْمَ الخَصُوصيَّةِ في آياتِ الحجاب غيرُ واحدٍ مِن مفسِّري السلفِ؛ كما رواهُ عبدُ الرزاقِ في \"تفسيرِه\"، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ؛ قال: \"لمَّا ذكَرَ اللَّهُ أزواجَ النبيِّ -ﷺ-، دخَلَ نساءُ المسلِمَاتِ عليهنَّ، فقُلْنَ: ذُكِرْتُنَّ ولم نُذكَرْ، ولو كان فينا خيرٌ، ذُكِرْنَا، فأنزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] \" (١).\nحاديَ عشَرَ: أنَّ المفسِّرينَ يُطبِقونَ على هذا الأمرِ على اختلافِ\n_________\n(١) \"تفسير القرآن\" لعبد الرزاق (٢/ ١١٦).","vol":"4","page":1981},{"text":"مَشَاربِهم ومَذَاهبِهم، قال الجَصَّاصُ: \"وهذا الحُكْمُ وإنْ نزَلَ خاصًّا في النبيِّ -ﷺ- وأزواجِه، فالمعنى عامٌّ فيه وفي غيرِه\" (١).\nوقال القُرْطُبيُّ: \"في هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ اللَّهَ تعالى أَذِنَ في مَسْأَلَتِهِنَّ مِن وراءِ حجابٍ في حاجةٍ تَعرِضُ، أو مسألةٍ يُستفتَيْنَ فيها، ويدخُلُ في ذلك جميعُ النساءِ بالمعنى\" (٢).\nوعلى هذا نَصَّ ابنُ جريرٍ (٣)، وابنُ كثيرٍ (٤)، وأئمَّةُ التفسيرِ.\nثانيَ عشَرَ: سببُ تخصيصِ أزواجِ النبيِّ -ﷺ- لمزيدِ تشديدٍ عَلَيْهِنَّ؛ لأنَّ أمرَهُنَّ يَمَسُّ النبيًّ -﵊- فمعلومٌ أنَّ حِفظَ العِرْضِ يُقدَّمُ في بعصِ الأحوالِ على حِفْظِ الدِّينِ كَوْنًا وقَدَرًا؛ اهتمامًا به؛ فقد تكونُ زوجةُ نبيٍّ مِن أنبياءِ اللَّهِ كافرةً كامرأةِ لُوطٍ وامرأةِ نُوحٍ، لكنْ لا يُمكِنُ أن تقَعَ في الزِّنى، واللَّهُ يَعْصِمُهُنَّ مِن ذلك؛ لأنَّ الزِّنى أَذِيَّتُهُ متعدِّيةٌ للزَّوْجِ وعِرْضِه، فمَن يَبقى مع زانيةٍ وهو عالِمٌ: دَيُّوثٌ في الشرعِ، بخلافِ مَن يَبقى مع كافرةٍ؛ لهذا أجاز اللَّهُ زواجَ اليهوديَّةِ والنصرانيَّةِ بقولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، وكَرِهَ نكاحَ الزانيةِ ولو مُسْلِمةً: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]، وقال: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور: ٢٦]، وأُمَّهاتُ المؤمنينَ قدوةٌ، والتشديدُ عليهنَّ أَوْلى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ [الأحزاب: ٣٠]، مع أنَّ تحريمَ الفاحشةِ على جميعِ النساءِ، ولكنْ لنساءِ النبيِّ مزيدُ تشديدٍ، وهو في الحجابِ وفي الاختلاطِ والفاحشةِ سواءٌ، ولتمامِ عدلِ اللَّهِ ورحمتِهِ بِهِنَّ جَعَلَهُنَّ في بابِ الثوابِ أعظَمَ مِن الصحابيَّاتِ -فضلًا عن نساءِ الأُمَّةِ- في الإثابةِ\n_________\n(١) \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٢٤٢).\n(٢) \"تفسير القرطبي\" (١٧/ ٢٠٨).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١٩/ ١٦٦).\n(٤) \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٤٠٨).","vol":"4","page":1982},{"text":"على العملِ: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١].\nوحينَما ذكَرَ المضاعَفةَ في العقابِ والثوابِ، دَلَّ على أنَّ بقيَّةَ النساءِ على إثمٍ وثوابٍ ولكنْ لا مُضاعَفةَ فيه.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧].\n* * *\n\nزوَّج اللَّه نبيَّه مِن طليقةِ زيدِ بنِ حارثةَ؛ لأنَّ زيدَ بنَ حارثةَ كان النبيُّ -ﷺ- قد تبنَّاه، وكانتِ العربُ تجعلُ ابنَ التبنِّي كابنِ النَّسَبِ في الميراثِ والتحريمِ، فأراد اللَّهُ أن يُذهِبَ ذلك الأمرَ والحرَجَ الذي رسَخَ في نفوسِهم بأنْ يفْعَلَهُ قدوةُ العالمينَ محمدٌ -ﷺ-؛ فزوَّجه اللَّهُ ابنةَ عمَّتِه زينبَ بنتَ جَحْشٍ، وعمَّتُه أُمَيْمَةُ بنتُ عبدِ المُطَّلِبِ، وكانتْ طليقةَ زيدٍ، فكانوا يعتبرونَها زوجةَ وَلَدِه، ولمَّا زوَّجه اللَّهُ إيَّاها، قام فدخَلَ عليها النبيُّ -ﷺ- بلا استئذانٍ (١)، وكانتْ تَفخَرُ بذلك على سائرِ أزواجِ النبيِّ -ﷺ-، وتقولُ: \"زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ\" (٢).\nوهذا يدُلُّ أنَّ انتسابَ التبنِّي وثبوتَ المَحْرَمِيَّةِ عندَ العربِ كان شديدًا في نفوسِهم لمَّا طال العهدُ به بينَهم، وفي هذا: أنَّه احتِيجَ -لرَفْعِهِ مِن نفوسِهم- أنْ يفعلَهُ رسولُ اللَّهِ -ﷺ- بنفسِه؛ ليَفْعَلُوهُ هم بطُمَأْنينةٍ.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٤٢٨)؛ من حديث أنس -﵁-.\n(٢) أخرجه البخاري (٧٤٢٠)؛ من حديث أنس -﵁-.","vol":"4","page":1983},{"text":"* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩].\nذكَرَ اللَّهُ في هذه الآيةِ المطلَّقةَ التي لم تُمَسَّ ولم يُدخَلْ بها، ولم يَجعَلْ عليها عِدَّةً، وأَوجَبَ اللَّهُ لها المُتْعةَ، ولم يُوجِبْ لها المهرَ.\nولا خلافَ عندَ العلماءِ على أنَّه يجوزُ تطليقُ المرأةِ بعدَ العَقْدِ وقبلَ الدخولِ، وبمجرَّدِ وقوعِ الطلاقِ عليها فهي بائنةٌ بلا عِدَّةِ؛ لها أنْ تتزوَّجَ، وللرِّجالِ أنْ يَخطُبوها.\nوقد روى مالكٌ في \"الموطَّأِ\" -وعنه الببهقيُّ- مِن حديثِ معاويةَ بنِ أبي عيَّاشٍ: \"أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ؛ قَالَ: فَجَاءَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ البُكَيْرِ، فَقَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَمَاذَا تَرَيَانِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: إِنَّ هَذَا الأَمْرَ مَا لَنَا فِيهِ قَوْلٌ؛ فَاذْهَبْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ؛ فَإِنِّي تَرَكْتُهُمَا عِنْدَ عَائِشَةَ، فَسَلْهُمَا، ثُمَّ ائْتِنَا فَأَخْبِرْنَا، فَذَهَبَ فَسَأَلَهُمَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: أَفْتِهِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؛ فَقَدْ جَاءَتْكَ مُعْضِلَةٌ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا، وَالثَّلَاثَةُ تُحَرَّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ\" (١).\nوفي روايةٍ أنَّ عائشةَ تابَعَتْهما على ذلك (٢).\nوبهذا قَصَى عليُّ بنُ أبي طالبٍ (٣)، وابنُ مسعودٍ (٤)، وزيدٌ (٥)،\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥٧١)، واالبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٣٥، و٣٥٥).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٥٥).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١١٠٨٤) وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٧٨٥٨).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١١٠٨٤) وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٧٨٥٨).\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١١٠٨٤) وابن المنذر في \"لأوسط\" (٩/ ١٥٩).","vol":"4","page":1984},{"text":"وعبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو (١)؛ ولا مخالفَ لهم.\nوفي قولِه تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ دليلٌ على أنَّ الطلاقَ لا يقعُ إلَّا بعدَ النِّكَاحِ؛ لقولِه تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾؛ فلا بدَّ للطلاقِ مِن نكاحٍ يَسْبِقُهُ، فمَنْ قال: \"إنْ تَزَوَّجْتُ فلانةَ، فهي طالقٌ\"، فإنَّها لا تَطلُقُ منه إنْ تزوَّجَها.\nوبهذا يقولُ جمهورُ العلماءِ؛ كالشافعيِّ وأحمدَ، وبه يعملُ أكثرُ الصحابةِ؛ فقد روى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّه قال في قولِ الرجُلِ: كلُّ امرأةٍ أتزوَّجُها في طالقٌ، قال: ليس بشيءٍ؛ مِن أَجْلِ أنَّ اللَّهَ تعالى يقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ (٢).\nورُوِيَ مِن مُرسَلِ طاوسٍ (٣)، ومِن حديثِ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ (٤)، ومِن حديثِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ (٥) ومعاذٍ (٦) مرفوعًا: (لَا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ).\nوقال بهذا عليٌّ وعائشةُ وجابرٌ وابنُ المسيَّبِ وطاوسٌ والقاسمُ وعروةُ والحسنُ وعطاءٌ، وخَلْقٌ مِن السلفِ، وقد ذكَرَ البخاريُّ في \"صحيحِه\" في بابِ (لا طلاقَ قبلَ نكاحٍ) أكثَرَ مِن عشرينَ نَفْسًا مِن السلفِ على ذلك (٧)، وبالتتبُّعِ هم نحوُ الثلاثينَ.\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥٧٠)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٧٨٥٤).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١٠/ ٣١٤٢).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١١٤٥٧)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٧٨١٥).\n(٤) أخرجه أبو داود الطيالسي في \"مسنده\" (٢٢٦٥)، وابن أبي شيبه في \"مصنفه\" (١٧٨١٤).\n(٥) أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٨).\n(٦) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١١٤٥٥)، والدارقطني في \"سننه\" (٤/ ١٧)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٤١٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٢٠).\n(٧) \"صحيح البخاري\" (٧/ ٤٥).","vol":"4","page":1985},{"text":"وقد جاء عن ابنِ مسعودٍ أنَّه خالَفَ في ذلك، ووافَقَهُ على قولِه أبو حنيفةَ، وأنكَرَ ابنُ عبَّاسٍ على ابن مسعودٍ ذلك؛ كما روى الحاكمُ والبيهقيُّ؛ مِن حديثِ يزيدَ النَّحْويِّ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: ما قالها ابنُ مسعودٍ، وإن يكنْ قالَها، فزَلَّةٌ مِن عالمٍ، في الرجلِ يقولُ: إنْ تزوَّجْتُ فلانةَ، فهي طالقٌ؛ قال اللَّهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾، ولم يقل: إذا طلَّقْتُم المؤمناتِ ثمَّ نَكَحْتُمُوهُنَّ (١).\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)﴾ [الأحزاب: ٥٠].\nبيَّن اللَّهُ ما أحَلَّهُ لنبيِّه -ﷺ- مِن النساءِ، وقد جعَلَ شَرْطَ جوازِ نكاحِهِ منهنَّ: أنْ يَكُنَّ مؤمناتٍ، ويُؤْتِيَهُنَّ أجورَهُنَّ، وهي مُهُورُهُنَّ.\nوفي هذه الآيةِ: دليلٌ على وجوبِ المَهْرِ وفَرْضِه، وأنَّه إن وقَعَ المهرُ مِن النبيِّ -ﷺ- مع النساءِ مع رغبتِهِنَّ فيه وفضلِهِ على الرجالِ والنساءِ جميعًا، فهو على غيرِهِ مِن بابِ أَولى، وقد تقدَّم الكلامُ على المَهْرِ وحُكْمِه وتفصيلِه وتسميتِهِ وحَدِّهِ وحُكْمِ استردادِه؛ وذلك مفرَّقًا عندَ قولِهِ تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٠٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٢٠).","vol":"4","page":1986},{"text":"الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وعندَ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقولِه تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، وقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]، وقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ [النساء: ٢٠].\nولكنَّ اللَّهَ خَصَّ نبيَّه بأنْ أحَلَّ له مَنْ تَهَبُ نفسَها له؛ كما قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فأحَلَّ اللَّهُ لنبيِّه مَن تَهَبُ نفسَها له، وهذا خاصٌّ به؛ لظاهرِ الآيةِ.\nوفي قولِه تعالى: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ دليلٌ على أنَّ نكاحَ القراباتِ يَسْتَوِي في الحِلِّ مع نكاحِ البعيداتِ؛ فقد أحَلَّ اللَّهُ لنبيِّه -ﷺ- ذلك كلَّه على السَّوَاءِ، ولا يُحِلُّ اللَّهُ لنبيِّه إلَّا الطيِّباتِ.\nوأمَّا ما يُنسَبُ إلى النبيِّ -ﷺ-: (لا تَنكِحُوا القَرَابَةَ القَرِيبَةَ؛ فَإِنَّ الوَلَدَ يُخْلَقُ ضَاوِيًا)، وكذلك مقولةُ: \"اغْتَرِبُوا؛ لا تُضْوُوا\"، فباطلٌ لا أصلَ له في السُّنَّةِ، وإنَّما يُنسَبُ مِن قولِ عمرَ؛ أنَّه قال لآلِ السائب: \"قد أَضْوَيْتُم، فانكِحُوا النوابغَ\"؛ رواهُ إبراهيمُ الحَرْبيُّ في \"غريبِ الحديثِ\"؛ ولا يصحُّ (١)، وقد تزوَّجَ النبيُّ -ﷺ- ابنةَ عمَّتِهِ زينبَ بنتَ جحشٍ، وزوَّجَ فاطمةَ مِن ابنِ عمَّه عليِّ بنِ أبي طالبٍ.\n_________\n(١) ينظر: \"غريب الحديث\" لإبراهيم الحربي (٢/ ٣٧٩)، و\"البدر المنير\" (٧/ ٥٠٠)، و\"التلخيص الحبير\" (٣/ ١٤٦).","vol":"4","page":1987},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ قراءتانِ: قراءةٌ بكسرِ (إِنْ)، وقراءةٌ بفتحِها، وحمَل بعضُهم الكسرَ على عدمِ الوقوعِ عندَ نزولِ الآيةِ، والمعنى: إنْ وهَبَتْ؛ يعني: إنْ وقَع ذلك، فهو حلالٌ خاصٌّ بك، والحاملُ في ذلك قولُه: ﴿أَحْلَلْنَا﴾، فليس مجرَّدُ وَهْبِ النَّفْسِ مجيزًا للنِّكاحِ إلَّا للنبيِّ -ﷺ-.\nوقد اختُلِفَ في هذا: هل وقَعَ أنْ تزوَّجَ النبيُّ -ﷺ- امرأةً وهَبَتْ نفسَها له أو لا؟ على قولَيْنِ للعلماءِ؛ كما اختلَفَ مَن قال بحدوثِ ذلك في تعيينِها، وليس هذا محلَّ الكلامِ عليه، ولكنَّ الثابتَ أنَّ منهنَّ مَن وهَبتْ نفسَها كما في \"الصحيحينِ\"؛ مِن حديثِ عائشةَ (١)، وسهلِ بنِ سعدٍ (٢)؛ وإنَّما النِّزاعُ في قَبُولِهِ لها، واللَّهُ أعلَمُ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١].\nفي هذا: توسعةٌ لرسولِ اللَّهِ -ﷺ- في تعامُلِهِ مع نسائِه، وقد قال بعضُ السلفِ: إنَّ اللَّهَ خَفَّفَ عليه في أمرِ التسويةِ في القَسْمِ، ورُوِيَ هذا عن قتادةَ ومجاهِدٍ والضحَّاكِ (٣)، وقال جماعةٌ مِن الفقهاءِ: \"إنَّ القَسْمَ بينَ الزوجاتِ ليس واجبًا عليه\".\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٧٨٨)، ومسلم (١٤٦٤).\n(٢) أخرجه البخاري (٥٠٣٠)، ومسلم (١٤٢٥).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١٩/ ١٣٩)، و\"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٤٤٦).","vol":"4","page":1988},{"text":"وقال جماعةٌ ومِن السلفِ: إنَّ المرادَ بذلك: هو أنَّ لك أنْ تُبقِيَ مَن تشاءُ في عِصْمَتِكَ، وتطلِّقَ مَن تشاءُ؛ ورُوِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ والحسنِ (١)؛ وفي هذا أنَّ اللَّهَ أباحَ له مِن النِّساءِ الزواجَ بلا عدَدٍ، وقد نصَّ على هذا المعنى الشافعيُّ في \"الأمِّ\" (٢).\nوبعضُهم حمَل الإرجاءَ في قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾؛ يعني: مِن الواهباتِ أنفُسَهُنَّ لك، وقال بهذا الشعبيُّ (٣).\nوحمَل بعضُ المفسِّرينَ الآيةَ على العمومِ في إرجاءِ الواهباتِ أو إمساكِهِنَّ، وفي أمرِ القَسْم بينَ الزوجاتِ أنَّه بالخيارِ، واستُدِلَّ عليه بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ (٤)؛ أي: أنَّ أمَّهاتِ المؤمنينَ إنْ عَلِمْنَ أنَّ اللَّهَ أذِنَ لكَ وليس بحقٍّ لهنَّ ذلك، فالأمرُ أهوَنُ في نفوسِهنَّ فلا يَحْزَّن ولا يَجِدْنَ حرَجًا، ولا يجدُ النبيُّ -ﷺ- حرَجًا مِن ذلك، فلا يُظَنُّ به مَيْلٌ لواحدةٍ دونَ أُخرى.\nومع ذلك كان النبيُّ -ﷺ- يَعدِلُ بينَ نسائِه ويَستأذِنُهُنَّ تطييبًا لنفوسِهِنَّ، وقد روى البخاريُّ ومسلمٌ، عن عائشةَ \"أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَسْتَأْذِنُ فِي يَوْمِ المَرْأَةِ مِنَّا، بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾، فَقُلْتُ لَهَا: مَا كُنْتِ تَقُولِينَ؟ قَالَتْ: كُنْتُ أَقُولُ لَهُ: إنْ كَانَ ذَاكَ إلَيَّ، فَإنِّي لَا أُرِيدُ -يَا رَسُولَ اللَّهِ- أَنْ أُوثِرَ عَلَيْكَ أَحَدًا\" (٥).\nوكانتْ عائشةُ -﵂- تقولُ: \"كان رسولُ اللَّهِ -ﷺ- لَا يُفَصِّلُ بَعْضَنَا\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٩/ ١٤٠).\n(٢) \"الأم\" (٥/ ١٥١).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١٠/ ٣١٤٥).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (١٩/ ١٤٣)، و\"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٤٤٦).\n(٥) أخرجه البخاري (٤٧٨٩)، ومسلم (١٤٧٦).","vol":"4","page":1989},{"text":"عَلَى بَعْضٍ الْقَسْمِ\" (١).\nوقد كان رسولُ اللَّهِ -ﷺ- يستأذِنُ أزواجَهُ في أنْ يمرَّضَ في بيتِ عائشةَ -﵂- (٢).\nوفي وجوبِ عدلِ النبيِّ -ﷺ- عليه مع أزواجِه خلافٌ عندَ الفقهاءِ، ولكنَّهم لا يختلِفونَ في وجوبِ العدلِ في غيرِه مع أزواجِهم، وقد قال ابنُ قُدَامةَ: \"لا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العِلمِ في وجوبِ التسويةِ بينَ الزوجاتِ في القَسْمِ خِلافًا، وقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وليس مع الميل معروفٌ، وقال اللَّهُ تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] (٣)، وقد تقدَّمَ الكلامُ على مسألةِ العدلِ في القَسْمِ بينَ الزَّوْجاتِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾ [الأحزاب: ٥٢].\nبعدَما بيَّن اللَّهُ لنبيِّه ما يَحِلُّ له، بيَّن سبحانَهُ ما يحرُمُ عليه مِن النساءِ، وقد اختُلِفَ في المرادِ بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدُ﴾:\nفمِنهم مَن قال: إنَّ المرادَ بذلك: أنَّ اللَّهَ حرَّم على نبيِّه أن يتزوَّجَ النساءَ بعدَ هذه الآيةِ، وألَّا يطلِّقَ نساءَهُ، وحمَلَ ذلك على مجازاةِ أمَّهاتِ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢١٣٥).\n(٢) أخرجه البخاري (١٩٨)، ومسلم (٤١٨).\n(٣) \"المغني\" (١٠/ ٢٣٥).","vol":"4","page":1990},{"text":"المؤمنينَ حينَما خَيَّرَهُنَّ اللَّهُ بينَ النبيِّ -ﷺ- وبينَ الحياةِ الدُّنيا، فاختَرْنَ رسولَ اللَّهِ؛ وهذا القولُ ذهَبَ اليه جماعةٌ منِ السلفِ؛ كابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ وقتادةَ وغيرِهم (١).\nوقد جاء أنَّ اللَّهَ أباحَ للنبيِّ -ﷺ- النِّكاحَ بعدَ ذلك، ولكنَّه لم يتزوَّجْ، وعلَّلَهُ بعضُهُمْ: أنْ تكونَ المِنَّةُ لرسولِ اللَّهِ -ﷺ- عليهنَّ؛ إكرامًا له وإحسانًا إليه، وقد روى أحمدُ وهو في \"السُّننِ\" أيضًا، عن عائشةَ -﵂-؛ قالتْ: \"مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ\" (٢).\nوقد قال بأنَّ تحريمَ النساءِ عليه نُسِخَ جماعةٌ؛ كالشافعيِّ وغيرِه، ومِن السلفِ مَن قال: إنَّ التحريمَ باقٍ عليه إلى وفاتِه -ﷺ-، وإنَّ آيةَ التحريم لم تُنسَخْ، ورُوي هذا عن ابنِ عبَّاسٍ (٣)، والحَسَنِ (٤)، وابنِ سِيرِينَ (٥).\nومنهم مَن قال: إنَّ المرادَ بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدُ﴾؛ يعني: ما عَدَّهُ اللَّهُ في الآيةِ السابقةِ ممَّا أحَلَّهُ اللَّهُ لنبيِّه، فما بَعْدَهُ يحرُمُ عليه؛ ورُوِيَ هذا عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ (٦)، وقولًا لمجاهدٍ (٧).\nوالقولُ الأولُ أشهَرُ، وعليه جمهورُهم.\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٩/ ١٤٧)، و\"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٤٤٧).\n(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٤١)، والترمذي (٣٢١٦)، والنسائي (٣٢٠٤).\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١٠/ ٣١٤٦)، و\"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٤٤٨).\n(٤) \"تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣١٤٧)، و\"تفسير القرطبي\" (١٧/ ١٩٧).\n(٥) \"تفسير القرطبي\" (١٧/ ١٩٧).\n(٦) السابق.\n(٧) \"تفسير القرطبي\" (١٧/ ١٩٧)، و\"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٤٤٨).","vol":"4","page":1991},{"text":"* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ [الأحزاب: ٥٣].\nفي هذه الآيةِ: تعظيمٌ لحُرْمةِ بيتِ النبوَّةِ، فحرَّم الدخولَ إلى بيوتِهِ إلَّا بإذنِهِ ولو كان ذلك لحاجاتٍ، وذلك بعدَما فرَضَ اللَّهُ الحِجابَ عليهنَّ؛ زيادةً في تطهيرِ بيتِ النبوَّةِ، ودفعًا للحرَجِ الذي يجدُهُ النبيُّ -ﷺ- مِن كثرةِ الناسِ الواردينَ إلى بيتِهِ بحاجاتِهم فيُؤذُونَهُ ويُؤذُونَ أهلَه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾.\nوفي هذا: عِظَمُ حياءِ النبيِّ -ﷺ- مِن أصحابِه، مع علوِّ مَقَامِهِ وسيادتِهِ في الخَلْقِ؛ فإنَّ الرفيعَ عادةً يَجسُرُ على مَنْ دونَهُ ولا يجدُ في نفسِهِ حياءً كما يجدُهُ ممَّن هو مِثلُهُ أو فوقَه؛ وهذا مِن كمالِ الخُلُقِ وصِفاتِ الأنبياءِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، وقد جاء في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ؛ قال: \"كان النبيُّ -ﷺ- أَشَدَّ حَيَاءَ مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا\" (١).\nوالحياءُ ممَّن دونَ الإنسانِ هو محلُّ اختبارِ كمالِ الأخلاقِ ونُبلِها، وأمَّا حياءُ الإنسانِ ممَّن هو مِثلُه وفوقَه، فيجدُهُ أكثَرُ الناسِ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٥٦٢)، ومسلم (٢٣٢٠).","vol":"4","page":1992},{"text":"وقد تقدَّم الكلامُ على مسألةِ الاستئذانِ عندَ دخولِ البيوتِ وصِفَتِهِ، وبَذْلِ السلامِ عندَ دخولِها، في سورةِ النورِ.\nوقولُه تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾؛ يعني: غيرَ منتظِرِينَ نُضْجَ الطعامِ واستواءَهُ؛ وذلك أنَّ منهم مَن كان يأتي إلى بيتِ النبيِّ -ﷺ- وقتَ غدَائِهِ مِن غيرِ دعوةٍ، فنهاهُم اللَّهُ عن ذلك، وأَذِنَ لهم بدخولِ البيتِ عندَ الدعوةِ فحَسْبُ، مِن غيرِ مجيءٍ لانتظارِ الغداءِ، بلا دعوةٍ منه -ﷺ-.\nوقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، في هذا تعظيمٌ لحُرْمةِ أمَّهاتِ المؤمنينَ بعدَما بيَّن حُرْمةَ بيتِه.\nوالمتاعُ: كلُّ ما يُستمتَعُ له مِن البيوتِ عادةً؛ مِن طعامٍ وشرابٍ وإناءٍ ولِباسٍ.\nوالحِجَابُ يُستعمَلُ في الكتَابِ والسُّنَّةِ بمعانٍ، أشهَرُها وأَعَمُّها -وهو المرادُ هنا-: أنَّه بمعنى الحاجزِ الساترِ بينَ شيئَيْنِ، ويكونُ مِن جدارٍ أو قُمَاشٍ أو خَشَبٍ، وليس هو في القرآنِ والسُّنَّةِ يُطلَقُ على معنًى مِن مَعاني اللِّبَاسِ أو اللّبْسِ، وهو المرادُ في الآيةِ لأُمَّهَاتِ المؤمنينَ: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، ومِن هذا المعنى: قولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]، وقولُهُ عن مريمَ: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [١٧]، وقولُه عن نبيِّه سليمانَ: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾ [ص: ٣٢]، وقولُه عن قولِ الكفارِ للنبيِّ -ﷺ-: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥)﴾ [فصلت: ٥]، وكذلك هو في السُّنَّةِ بمِثْلِ هذا المعنى، فليس هو لِباسًا يختَصُّ به أحدٌ؛ وإنَّما هو ساتِرٌ بينَ جهتَيْنِ أو شيئَيْنِ:","vol":"4","page":1993},{"text":"فقد يُطلَقُ في اللُّغةِ على الفصلِ بينَ رجالٍ ورجالٍ؛ كما في حديثِ أنسٍ في \"الصحيحَيْنِ\"، في قصةِ موتِ النبيِّ -ﷺ-؛ قال: \"أَوْمَأَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ، وَأَرْخَى النَّبِيُّ -ﷺ- الحِجَابَ، فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ\" (١).\nوقد يُطلَقُ على الفصلِ بينَ الرجالِ والنساءِ؛ كما في قولِ عمرَ في الصحيحِ: \"يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ وَالفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بِالحِجَابِ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجَابِ\" (٢).\nوإنَّما شدَّد اللَّهُ على نساءِ النبيِّ؛ تعظيمًا للنبيِّ -ﷺ-، وبقيَّةُ النساءِ يَدخُلْنَ في هذا الحُكْمِ؛ لكنَّ حُكْمَهُنَّ أخَفُّ؛ لأنَّ التَّبِعَةَ عليهنَّ وعلى أزواجِهنَّ أيسَرُ، ولأنَّ اللَّهَ ذكَرَ علةً مشترَكةً لكلِّ النساءِ: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾، ولا يسُوغُ أنَّ طهارةَ قلوبِ سائرِ المؤمناتِ وسائرِ المؤمنينَ ليس بمَطلَبٍ في الشرعِ، وقد ذكَرَ اللَّهُ ذلك في أمَّهاتِ المؤمنينَ؛ وهنَّ أطهَرُ نساءِ العالَمِين، وفي الصحابةِ؛ وهم أطهَرُ الأمَّةِ بعدَ نبيِّها، فغيرُهم أحوَجُ إلى ذلك، وقال بعمومِ هذه الآيةِ ابنُ جريرٍ الطبريُّ، وابنُ عبدِ الَبرِّ، وغيرُهما (٣).\nوهذه الآيةُ جاءتْ في حُكْمِ الاحتجابِ عن الرجالِ في البيوتِ، ومِثلُهُ التعليمُ والعملُ؛ لأنَّه يطولُ الحديثُ والقعودُ فيها، فكانتْ آيةُ الحجابِ مبيِّنةً لحُكْمٍ، وآيةُ الجلابيبِ مبيِّنةً لحُكْمٍ آخَرَ، وهو اللِّباسُ عندَ إرادةِ الخروجِ إلى الطُّرُقاتِ والسوقِ والمساجدِ وغيرِها.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٨١)، ومسلم (٤١٩).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٤٨٣).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (١٩/ ١٦٦)، و\"التمهيد\" (٨/ ٢٣٦).","vol":"4","page":1994},{"text":"* قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥)﴾ [الأحزاب: ٥٥].\nلمَّا أنزَلَ اللَّهُ على نبيِّه أَمْرَهُ أمَّهاتِ المؤمنينَ بالاحتجابِ، وعدمِ الخِطَابِ وإعطاءِ المتاعِ إلَّا مِن وراءِ حجابٍ، استثنَى المَحَارِمَ مِن قَرَابَاتِهِنَّ؛ حتى لا يُظَنَّ أنَّ الحُكْمَ عامٌّ لكلِّ أحدٍ مِن الناسِ ولو كان مَحْرَمًا، فرفَعَ اللَّهُ الحرَجَ عنهنَّ بهذا البيانِ، فأجاز لَهُنَّ إدخالَ مَحَارِمِهِنَّ؛ مِن آبائِهنَّ، وأبنائِهنَّ، وإخوانِهنَّ، وأبناءِ إخوانِهنَّ، وأبناءِ أخواتِهنَّ، وجميعِ النساءِ، وما ملكَتِ الأَيمانُ مِن المَوَالي.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب ٥٦].\nفي هذه الآيةِ: فضلُ الصلاةِ على النبيِّ -ﷺ-؛ حيثُ أخبَرَ اللَّهُ أنَّه يُصلِّي على نبيِّه، وملائكتُهُ يُصَلُّونَ معه؛ وهذا شرفٌ عظيمٌ، ومنزلةٌ جليلةٌ؛ أنْ يكونَ هذا مِن اللَّهِ وملائكتِه لرسولِ اللَّهِ -ﷺ-، وفي الآيةِ إشعارٌ: أنَّكم أيُّها المؤمنونَ أحَقُّ وأَوْلى بالصلاةِ عليه مِن غيركم؛ لأنَّ اللَّهَ امتَنَّ به عليكم، وأكرَمَكُمْ به وبرسالتِه، وأخرَجَكُمْ به مِن الظُّلُماتِ إلى النورِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1272>الصلاةُ على النبيِّ -ﷺ-: معناها، وحُكْمُها:</span>\nوصلاةُ اللَّهِ على نبيِّه؛ تعني: ثناءَهُ عليه في المَلَأِ الأعلى؛ كما قاله أبو العاليةِ (١).\n_________\n(١) أخرجه البخاري معلقًا قبل حديث (٤٧٩٧)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (١٠/ ٣١٥١).","vol":"4","page":1995},{"text":"وصلاةُ المؤمنينَ على النبيِّ -ﷺ- ليستْ شفاعةً له منهم، ولكنَّه جزاءٌ له على فضلِهِ عليهم، ولكرمِ اللَّهِ وشرفِ نبيَّه جعَلَ اللَّهُ المؤمنينَ ينتفعونَ بصَلَاتِهم عليه؛ كما في \"صحيحِ مسلمٍ\"؛ قال -ﷺ-: (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا) (١)، وفي الترمذيِّ مرفوعًا: (أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ القِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً) (٢).\nوظاهرُ الأمرِ بالصلاةِ على النبيِّ -ﷺ- في الآيةِ: الوجوبُ، وقد حكى ابنُ عبدِ البَرِّ الإجماعَ على وجوبِ الصلاةِ على النبيِّ للآيةِ (٣)، ويُريدُ بذلك أصلَ الصلاةِ، وأمَّا مواضعُ الصلاةِ، فعلى خلافٍ معروفٍ.\nوقد ذهَبَ جماعةٌ مِن الأئمَّةِ: إلى أنَّ الصلاةَ على النبيِّ -ﷺ- فرضٌ على المؤمنِ بالرسالةِ إجمالًا، مِن غيرِ تعيينِ زمانٍ ولا مكانٍ؛ وهذا نُسِبَ إلى أبي حنيفةَ ومالكِ والثوريِّ والأوزاعيِّ.\nوأوجَبَه الشافعيُّ -وأحمد في روايةٍ- في كلِّ تشهُّدٍ أخيرٍ في الصلاةِ.\nولا يَتعيَّنُ في الصلاةِ، ولا في وقتٍ من الأوقاتِ.\nواختلَفَ العلماءُ في حُكْمِ الصلاةِ على النبيِّ -ﷺ- عندَ ذِكْرِهِ في المَجالِسِ، على أقوالٍ:\nمنهم مَن قال: بوجوبِ الصلاةِ عندَ ذِكْرِهِ كلَّ مرةٍ، ولو تكرَّرَ الذِّكْرُ في المَجْلِسِ الواحدِ؛ وإلى هذا ذهَبَ الطحاويُّ والحَليِمِيُّ وابنُ بَطَّةَ وغيرُهم.\nومنهم مَن قال: باستحبابِ الصلاةِ عندَ ذِكْرِه، وعدمِ وجوبِه.\nوالأظهَرُ: أنَّه يجبُ عندَ ذِكْرِهِ في المَجْلِسِ مرَّةً، وإنْ تكرَّرَ بعدَ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٣٨٤).\n(٢) أخرجه الترمذي (٤٨٤).\n(٣) \"الاستذكار\" (٦/ ٢٥٥)، و\"التمهيد\" (١٦/ ١٩١).","vol":"4","page":1996},{"text":"ذلك فُيستحَبُّ؛ لأنَّ الصلاةَ الواحدةَ تُسقِطُ الإيجابَ فيما بَقِيَ، وهو أدنى ما يُمتثَلُ به في الآيةِ، ويُستحَبُّ أنْ تكونَ الصلاةُ عندَ أولِ ذِكْرٍ له؛ حتى لا يَتَّكِلَ منَ ينشغِلُ ذهنُهُ ويَغفُلَ عما بَقِيَ مِن ذِكْرِه، وقد لا يُذكَرُ في المَجْلِسِ إلَّا مرةً، والكمالُ لأهلِ الكمالِ هو الصلاةُ عليه عندَ كلِّ ذِكْرٍ له -ﷺ-.\nوقد قال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: (رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ) (١)، وقال -ﷺ-: (البَخِيل الَّذِي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ) (٢)؛ رواهُما التِّرمذيُّ.\nوتصحُّ الصلاةُ على النبيِّ -ﷺ- بأيِّ لفظٍ، مختصَرًا كان أو مطوَّلًا، وأفضلُ أنواعِها الجمعُ بينَ الصلاةِ والتسليمِ؛ لظاهرِ الآيةِ: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فيُقالُ مختصرًا: (﵊)، أو (ﷺ)، وأتَمُّ أنواعِ الصلاةِ: الصلاةُ الإبراهيميَّةُ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾ [الأحزاب: ٥٩].\nلمَّا جاء الخِطابُ السابقُ خاصًّا بأُمَّهاتِ المؤمنينَ، ويَشترِكُ في أصلِ الحُكْمِ عامَّةُ المؤمناتِ، جاء اللَّهُ بخِطابٍ للنبيِّ -ﷺ- يبيِّنُ حاجةَ جميعِ نساءِ المؤمنينَ إلى ذلك؛ حتى لا تُظَنَّ خَصُوصيَّةُ نساءِ النبيِّ -ﷺ- باللِّباسِ.\nقال تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾:\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٢٥٤)، والترمذي (٣٥٤٥)؛ من حديث أبي هريرة -﵁-.\n(٢) أخرجه الترمذي (٣٥٤٦)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٨٠٤٦)؛ من حديث عليٍّ -﵁-.","vol":"4","page":1997},{"text":"أمَر اللَّهُ بإدناءِ الجِلْبابِ، والجِلْبابُ هو ما يكونُ مِن لِبَاسٍ فَضْفاضٍ فوقَ الخِمَارِ يَستوعبُ أعلى البَدَنِ ووسطَه، ويُسدَلُ فيُغطَّى به الوجهُ والصدرُ؛ ففي \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ عائشةَ -﵂-؛ قالتْ: \"فَخَمَّرْتُ وَجْهي بِجِلبَابِي\" (١).\nوالجِلْبابُ قريبٌ مِن العباءةِ اليومَ لكنَّه غيرُ مفصَّلٍ، ويُسمَّى: القِنَاعَ أو المُلَاءةَ.\nوالجِلْبابُ ليس غِطَاءً خاصًّا بالوجهِ وحدَه؛ ولكنَّه للوجهِ وغيرِه؛ ولذا قال: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾؛ يعني: نأخُذُ شيئًا مِن جِلبْابِها ونُنزِلُه على وجهِها؛ كما يأتي بيانُه.\nوالفرقُ بينَ الخِمَارِ والجِلْبابِ: أنَّ الخِمارَ يكونُ تحتَ الجِلْبابِ، والخِمارُ تَلبَسُهُ المرأةُ وتشُدُّهُ على رأسِها وما دُونَه، ويكونُ ملاصِقًا للجسمِ مشدودًا، بخلافِ الجلبابِ؛ فهو غطاءٌ زائدٌ فوقَهُ فَضْفاضٌ يُرخَى غالبًا ولا يُشَدُّ لا على الوجهِ ولا على الصدرِ بحيثُ يُبرِزُ حجمَ العضوِ؛ ولذا جاء في \"صحيح مسلمٍ\"، عن أمِّ سُلَيْمٍ: \"أنَّها خَرَجَتْ مُسْتَعْجِلَةً تَلُوثُ خِمَارَهَا\" (٢)؛ يعني: تُدِيرُهُ على رأسِها وتشُدُّه، والخِمارُ هو الذي تَصُرُّ بطرَفِه بعضُ النِّساءِ الأوائلِ دنانيرَها؛ لتَماسُكِهِ وثباتِهِ عليها.\nقال أبو نُعَيْمٍ الأصبهانيُّ: \"الجلبابُ فوقَ الخِمَارِ ودونَ الرِّداءِ تَستوثِقُ المرأة صدرَها ورأسَها\" (٣).\nوقولُه تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ﴾:\nالأدناءُ مِن الدنوِّ، وهو القُرْبُ، ويكونُ مِن مكانٍ عالٍ أو مُوَازٍ،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤١٤١)، ومسلم (٢٧٧٠).\n(٢) أخرجه مسلم (٢٦٠٣).\n(٣) \"المسند المستخرج على صحيح مسلم\" (٢/ ٤٧٤).","vol":"4","page":1998},{"text":"والدنوُّ نزولٌ، فيسمَّى أسفلُ الشيءِ وأقرَبُه: أدناهُ، ويسمَّى النازلُ الهابطُ بالنسبةِ للعالي: أَدْنى ودانيًا؛ كما في قولِه: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)﴾ [الروم: ٣].\nوالأمرُ في الآيةِ هو لتغطيةِ المرأةِ وَجْهَها، فالجِلْبابُ في الأَعلى، فأُمِرَتْ أن تُنزِلَهُ على وجهِها وتُرْخِيَهُ عليه؛ قال الزَّمَخشَرِيُّ: \"يُقالُ إذا زَلَّ الثوبُ عن وجهِ المرأةِ: أَدْنِي ثَوْبَكِ على وجهِكِ\" (١).\nويدُلُّ على أنَّ الإدناءَ في الآيةِ يتضمَّنُ القُرْبَ مِن علوٍّ: قولُ ابنِ عبَّاسٍ: تُدْلِي عَلَيْها مِنْ جَلَابِيبِهَا؛ كما عندَ الشافعيِّ والبيهقيِّ (٢)؛ ففسَّر (الإِدْناءَ) بـ (الإِدْلاءِ)، والإِدْلاء يكونُ مِن الشيءِ العالي؛ ومنه قولُه: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٥ - ٩]، وهو قُرْبُ جبريلَ مِن النبيِّ -ﷺ-، فكان عاليًا ثمَّ دنا فتَدَلَّى إليه، ومنه سُمِّيَ الدَّلْوُ دَلْوًا؛ لأنَّه يُدْلَى به مِن عُلْوٍ إلى أسفلِ البئرِ.\nوقد فسَّرَ إدناءَ الجلابيبِ بتغطيةِ الوجهِ في هذه الآيةِ وغيرِها جماعةٌ مِن الصحابةِ؛ صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ وعائشةَ، ومِن التابعينَ: عَبِيدةُ السَّلْمانيُّ، ومحمدُ بنُ سِيرِينَ، وابنُ عَوْنٍ، ولا أعلَمُ أحدًا مِن الصحابةِ أو التابعينَ خالَفَ هذا المعنى:\nأمَّا ما جاء عن ابنِ عبَّاسٍ، فقولُه: \"أَمَرَ اللَّهُ نساءَ المؤمِنينَ إذا خَرَجْنَ مِن بُيُوتهنَّ في حاجةٍ أنْ يُغَطِّينَ وجوهَهُنَّ مِن فَوْقِ رؤوسِهِنَّ بالجلابيبِ، ويُبدِينَ عَيْنًا واحدةً؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ، عن\n_________\n(١) \"تفسير الزمخشري\" (٣/ ٥٦٩).\n(٢) مسند الشافعي\" (ص ١١٨)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٤/ ٩).","vol":"4","page":1999},{"text":"عليٍّ، عن ابنِ عبَّاسٍ (١)، وهي صحيفةٌ قوَّاها أحمدُ، واحتَجَّ بها البخاريُّ (٢).\nوأمَّا ما جاء عن عائشةَ، فقولُها: \"تُسدِلُ المرأةُ جِلْبابَها مِن فوقِ رأسِها على وَجْهِها\"؛ أخرَجَهُ سعيدُ بنُ منصورِ في \"سُنَنِه\" بسندٍ صحيحٍ (٣).\nوأمَّا ما جاء عن عبيدةَ السَّلْمانيِّ، فما رواهُ ابنُ عونٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ؛ قال: \"سألتُ عَبِيدةَ السَّلْمانيَّ عن قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾، فغطَّى وَجْهَهُ ورأسَهُ، وأبرَزَ عينَهُ اليُسْرَى\"، وبهذا فسَّره ابنُ سِيرِينَ وابنُ عونٍ؛ رواهُ ابنُ جريرٍ وغيره (٤).\nوعلى هذا كان عمل نساءِ الصحابةِ جميعًا في الصَّدْرِ الأولِ؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ حفصةَ بنتِ سِيرينَ، عن أُمِّ عطيَّةَ وغيرِها؛ أنَّ النبيَّ -ﷺ- لمَّا أمَر بحضورِ النساءِ للعِيدَيْنِ، سُئِلَ: أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لم يَكُنْ لَهَا جِلبَابٌ أَلَّا تَخْرُجَ؟ قَالَ: (لِتُلْبسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، ولْتَشْهَدِ الخَبْرَ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ) (٥).\nوقولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾ تمييزٌ بينَ حِجابِ الحرائرِ والإماءِ؛ وذلك أنَّ فُسَّاقًا في المدينةِ كانوا يُؤذُونَ الحرائرَ يظُنُّونَهُنَّ إماءً، فأمَرَهُنَّ اللَّهُ بالحِحَابِ؛ حتى يُعرَفْنَ ويَتَمَيَّزْنَ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٩/ ١٨١)، و\"تفسير ابن أبى حاتم\" (١٠/ ٣١٥٤).\n(٢) ينظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (٨/ ٤٣٨ - ٤٣٩).\n(٣) كما في \"فتح الباري\" لابن حجر (٣/ ٤٠٦).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (١٩/ ١٨١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١٠/ ٣١٥٥)، و\"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٤٨٢).\n(٥) أخرجه البخاري (٣٣٤)، ومسلم (٨٩٠/ ١٢).","vol":"4","page":2000},{"text":"بلِباسِهِنَّ عن غيرِهِنَّ؛ دفعًا للفتنةِ، ودفعًا للتعدِّي عليهِنَّ ممَّن في قَلْبِهِ مرضٌ.\nوعَدَّ جماعةٌ مِن الأئمَّةِ: أنَّ آيةَ الأحزابِ نزَلتْ بعدَ آيةِ الزِّينةِ في النُّورِ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]؛ كابنِ جريرٍ وغيرِه؛ ويُفسِّرونَ آيةَ النورِ على إبداءِ الزينةِ الظاهرةِ، ويُفسِّرونَ آيةَ الأحزابِ على الحِجَابِ التامِّ وتغطيةِ المرأةِ وَجْهَها، فيجدُ مَن ينظُرُ في كثيرِ مِن كتُبِ التفسيرِ أنَّ كلامَ المفسِّرِ الواحدِ في آيةِ النورِ يَخْتلِفُ عن كلامِه في تفسيرِ آيةِ الأحزاب، فيُقرِّرُ هناك ما لا يُقررُه هنا؛ كابنِ جريرٍ: في النورِ يقولُ كلامًا في إبداءِ الزينةِ وظهورِ الوجهِ (١)، وهنا في الأحزابِ يأمُرُ بتغطيتِه (٢)؛ لأنَّه يرى آيةَ النورِ قبلَ آيةِ الأحزابِ، فيُفسِّرُها على ما أُنزِلَتْ عليه، لا على ما استقَرَّ عليه الحُكْمُ، ومَن لَا يفهمُ هذا، الْتَبَسَ عليه كلامُ الأئمَّةِ؛ حتى أصبَحَ كلامُ كثيرِ مِن الأئمَّةِ عندَ تفسيرِ وآيةِ النورِ محلَّا للتتبُّعِ والأخذِ بالمُشتبِهِ عندَ مَن يَجْهَلُ ذلك، وقَدْ بَسَطْنَا الكلامَ على مسألةِ لباسِ المرأةِ وسترِها في كتابِ \"الحِجَاب في الشَّرع والفِطْرَة\"، وفي آيَةِ الزِّيَنَةِ مِن سُورةِ النُّورِ مَزِيدُ كلامٍ في هذا الكتابِ.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢].\nفي هذه الآيةِ: عِظَمُ الأمانةِ، وخطورةُ شأنِها، وجليلُ قَدرِها وتَبِعَتِها على أصحابِها، وأعظَمُ الأمانةِ: حقُّ اللَّهِ الذي تحمَّلَهُ الإنسانُ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٢٦١ - ٢٦٢).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٩/ ١٨١).","vol":"4","page":2001},{"text":"بالعبوديَّةِ له ولامتثالِ لأمرِهِ، ثمَّ يَلِيهِ الوفاءُ بالعهدِ والمِيثَاقِ وبَذْلُ الحقوقِ التي تكونُ للناسِ.\nوفي هذه الآيةِ: بيانٌ لِجَسَارة الإنسانِ بالإقدامِ على المَخاطِرِ وتجاهُلِ العواقب؛ وذلك لظُلمِه لنفسِه، وجهلِه بعاقبةِ أمرِه.\nوقد تقدَّمَ الكلامُ على العهودِ والأماناتِ الواجبةِ على العِبَادِ في صدرِ سورةِ المائدةِ وغيرِها، وعندَ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].\n* * *","vol":"4","page":2002},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1273>سورة سبأ</span>\nسورةُ سَبَأِ سورةٌ مكيَّةٌ (١)، وآياتُها ومَعَانِيها في خِطَابِ الكافِرِينَ وذِكْرِ أحوالِهم وعنادِهم وجحودِهم، وذِكْرِ اللَّهِ لقصَّةِ سليمانَ وما وهَبَهُ اللَّهُ مِن مُلكٍ وقومِ سبأٍ وعاقبِتهم، وحالِ الشيطانِ في إغواءِ الإنسانِ، وعاقبةِ المشرِكِينَ في الآخِرةِ مع معبودِيهِم، ونَفْي شفاعتِهم لهم، وذِكْرِ اللَّهِ لقُدْرَتِهِ وكَرَمِهِ في رزقِهِ لعبادِهِ، ونفي ذلك عَن آلهتِهم، وحالِ الضُّعَفاءِ مع أسيادِهم المُستكبِرِين.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢)﴾ [سبأ: ١٢].\nسخَّر اللَّهُ لسُلَيْمانَ ما لم يسخِّرْ لأحدٍ مِن بَعْدِه؛ فقد جعَلَ اللَّهُ له الرِّيحَ مسخَّرةً بأمرِهِ تَسِيرُ وتحمِلُ له ما شاءَ إلى ما يُريدُ مِن الأرضِ، وجعَلَ اللَّهُ له مِن القُدْرةِ ما تَسِيلُ له بعضُ المعادنِ، وهي عَيْنُ القِطْرِ، والمرادُ به النُّحَاسُ؛ كما قاله ابنُ عبَّاسٍ وعِكْرِمةُ وقتادةُ وغيرُهم (٢).\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" (١٧/ ٢٥٢).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٩/ ٢٣٨ - ٢٢٩)، و\"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٤٩٩).","vol":"4","page":2003},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1274>الاستعانةُ بالجنِّ:</span>\nوفي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ تسخيرُ اللَّهِ الجِنَّ لسليمانَ يَأتَمِرُونَ بأمرِه، ويَنتهُونَ بنَهْيِه، وتوعَّدَهم اللَّه إنْ خالَفُوا أمرَ نبيِّه سليمانَ بالعذابِ، وهو الحَرْقُ.\nوالجِنُّ كالإنسِ خلَقَهُمُ اللَّهُ لعبادتِه، ولكنَّ اللَّهَ جعَلَهُمْ عالَمًا مجهولًا للإنسِ، وجعَلَ الإنسَ عالمًا معلومًا للجنِّ، والأصلُ في تعامُلِ الخَلْقِ فيما ببنَهم الإباحةُ؛ ولكنَّ تعامُلَ الجَانِّ مع الإنسانِ تعامُلُ معلوم مع مجهولٍ بالنسبةِ للإنسانِ، وتعامُلُ معلومٍ مع معلومٍ بالنسبةِ للجانِّ، وبالنظرِ إلى التعامُلِ بالنسبةِ للإنسانِ، وهو المقصودُ هنا، فإنَّ التعامُلَ على نوعَيْنِ:\nالنوعُ الأولُ: تعامُلٌ عارِضٌ؛ مِن السؤالِ والجوابِ، وردِّ القولِ والاستنطاقِ عندَ المَسِّ والضُّرِّ، والوعظِ والنُّصْحِ، والترهيبِ والترغيبِ؛ فذلك جائزٌ، وقد حادَثَ النبيُّ -ﷺ- الجانَّ، واسْمَعَهُمْ كلامَ اللَّهِ، ووعَظَهم وعلَّمَهم؛ لأنَّه رسولٌ إليهم أُرسِلَ إلى الثَّقَلَيْنِ، ولأنَّ النفعَ في ذلك للجانِّ، لا للإنسانِ، فالإنسانُ بادلٌ لا آخِذٌ.\nالنوعُ الثاني: التعامُلُ الدائمُ؛ كأنْ يَتخِذَ الإنسانُ جِنِّيًّا أو جِنًّا يُحادِثُهم، ويَستخبِرُهم ويُخبِرونَه، ويستعينُ لهم ويُعِينُونَه، ويَسألُهم ويُعطُونَه، فهذا لا يجوز؛ لأمورٍ:\nأولًا: لأنَّ الجانَّ مجهولٌ لا يُعرَفُ كفرُهُ مِن إيمانِه، وصِدقُهُ مِن كذبِه، وعِلْمُهُ مِن جهلِه، ومِثلُ هذا التعامُلِ الدائمِ لا يصحُّ أنْ يكونَ مع إنسانٍ هذه حالُه؛ فكيف بجانٍّ؟ ! وإنْ أحازَهُ أحدٌ لنفسِهِ مرةً، فإنَّه لا يُجِيزُهُ لنفسِه مرَّاتٍ، حتى يكونَ تعامُلُهُ معه كتعامُلِ المعروفِ مع المعروفِ مِن الإنسِ.","vol":"4","page":2004},{"text":"ثانيًا: أنَّ خبرَ المجهولِ لا يصحُّ العملُ به، ونقلُهُ مذمومٌ، وكما جاء في الخبرِ: (كَفَى بِالمَرْء إثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ ماَ سَمِعَ) (١)، وهذا في أحاديثِ الإنسِ، فكيف بأحاديثِ الجانِّ؟ ! وغالبُ ما يُحدِّثونَ به مَن يستعينُ بهم هو مِن الغيبيَّاتِ والظنيَّاتِ التي لا يتمكَّنُ الإنسانُ مِن رؤيةِ حقيقتِها بعَيْنَيْه؛ وإنَّما هي ظنونٌ، وقد يُخبرُ ببعضِ الحقِّ ليَخدَعَ الإنسانَ فيصدِّقَهُ، ثمَّ يَمزُحُهُ بباطلٍ كثيرٍ؛ فيَضِلُّ الإنسانُ بالباطلِ الكثيرِ؛ اغترارًا بالحقِّ القليلِ.\nثالثًا: أنَّ الجانَّ يُعادِي الإنسانَ، بخلافِ الإنسانِ فإنَّه لا يُعادِي الجانَّ، وكثيرٌ منهم شياطين مَرَدَةٌ، ومَن كانتْ هذه حالَهُ، كَثُرَتْ شرورُه، وعَظُمَتْ مَخَاطِرُه؛ قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١٢٨]؛ ولهذا كانت الإنسُ في الجاهليَّةِ تخافُ الجِنَّ وضَرَّها وشَرَّها؛ حتى عَبَدَتها دَفْعًا لِشَرِّها؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ [الجن: ٦]، وشياطنُ الجانِّ فيهم شرٌّ عظيمٌ على المُسلِمينَ؛ ولهذا ذكَرَ اللَّهُ وقوفَ الجانِّ وإعانتهُمْ للكافِرِينَ على المؤمِنِينَ، وتسليطَهُمْ عليهم، وتَلْقِينَهُمُ الحُجَجَ مِن حيثُ لا يَشعرُونَ؛ قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢].\nرابعًا: أنَّ الغالبَ أنَّ الجانَّ لا يَنفَعُ الإنسانَ إلَّا بما يَستَمتِعُ به منه، فإنْ لم يكنْ له مطلوبٌ في أولِ مرةٍ، فسيكونُ له مطلوبٌ بعدَ ذلك، وقد يَستدرجُ الإنسانَ في نفعِهِ وإخبارِهِ بالغيبِ؛ حتى يعلِّقَهُ به ولا يستطيعَ معه الفَكَاكَ والاستغناءَ عنه، فيطلُبُ منه الجانُّ ما يُريدُ، ويصبحُ الإنسانُ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٤٩٩٢).","vol":"4","page":2005},{"text":"بينَ أمرَيْنِ عظيمَيْنِ في نفسِه: بينَ أنْ يقدِّمَ للجانِّ ما يُريدُ، أو أنْ يتخلَّى عن مُتْعتِهِ العظيمةِ التي أعطاهُ إيَّاها واعتادَها، وربَّما آتاهُ اللَّهُ جاهًا بها عندَ الناسِ؛ بإخبار عن غيبٍ، أو سيادةٍ، أو منافعَ دنيويَّةٍ كقضاءِ الحاجاتِ ونحوِ ذلك، وأكثَرُ هؤلاءِ يَقَعُونَ في شِرَاكِ التأويلِ؛ فيَبدؤونَ ببَذْلِ ما يُريدُهُ الجانُّ منهمْ تأويلًا ثمَّ كفرًا صريحًا؛ ويَتوهَّمونَ أنَّهم متأوِّلونَ؛ حيثُ أعْمَتْهُم مُتْعَتُهم مِن الجانِّ، ولو زالتْ تلك المتعةُ، لأبْصَروا ما هم ليه مِن كفرٍ وشِرْكٍ بيِّنٍ صريحٍ.\nخامسًا: أنَّ الاستعانةَ الدائمةَ بالجانِّ فتنةٌ لا تَنتهي غالبًا إلى حَدٍّ، فمَن تشَرَّبَها قلَّما يُقلِعُ عنها، ولو رأى ضُرَّها عليه مرةً أو مرتَيْنِ، فإنَّه لا يَقدِرُ عليها؛ فلها فتنةٌ على أصحابِها أشَدُّ مِن فتنةِ إدمانِ الخمرِ والمُسْكِراتِ، وقد ذكَرَ بعضُ مَن أَنْجَاهُ اللَّهُ مِن هذا السبيلِ أنَّهم كانوا يظُنُّونَ أنفُسَهُمْ بَقدِرُونَ على الرجوعِ مِن أولِ طريقِهم، فاستُدرِجُوا حتى قيَّدَهم الشيطانُ بفتنتِه، ومَن دخَلَ في هذا البابِ بنيَّةٍ صالحةٍ، وأدرَكَ ما هو فيه مِن بلاءٍ، لا يُصوِّرُ نفسَه أنَّه يَتعاملُ معهم بالشِّرْكِ والكفرِ والمعاصي والشهواتِ، بل يُصوِّرُها للناسِ على أنَّها أبوابُ وَلَايةٍ وكرامةٍ، وعامَّتُهم ليس فيهم عبادةٌ ولا يَشتهِرونَ بديانةٍ بينَ الناسِ؛ فلا يَعرِفُهُمُ الناسُ بكثرةِ صلاةٍ ولا بكثرةِ صيامٍ ولا وَرَعٍ؛ بل منهم مَن يُذكَرُ بخلافِ ذلك، ممَّا يَقطَعُ معه العارف أنَّ الجانَّ لم يَخُصَّهُمْ بذلك كَرَامةً لهم ولا حبًّا لهم في دِينِ اللَّهِ.\nسادسًا: أنَّ القولَ بتجويزِ التعامُلِ الدائمِ مع الجانِّ بابٌ يُفتَحُ للسَّحَرَةِ والكهَنةِ للدخولِ فيه بهذه الذريعةِ؛ فلا يُعرَفُ الساحرُ والكاهنُ مِن غيرِه، وهذه فتنةٌ عظيمةٌ، وشرٌّ كبيرٌ.\nولا يُنكَرُ أنَّ السلفَ يَعرِضُ لهم شيءٌ مِن الكَرَاماتِ في هذا","vol":"4","page":2006},{"text":"البابِ، ولكنَّها لم تكنْ لأحدٍ منهم دائمةً وبطلبٍ منه يَتَّبِعُها ويتعاملُ مع قرينِهِ كما يتعاملُ الجانُّ، بل سَمِعْنا منهم مَن يَسمَعُ أصواتًا تُوقِظُهُ للصلاةِ إنْ كان نائمًا، ويسمعُ نداءً يُرْشِدُهُ إنْ كان تائهًا، وهذا عارضٌ، ليس طلبًا وبحثًا منهم عن ذلك، كما يتعاملُ مَن يَقصِدُ الجِنَّ بالسؤالِ والجلوسِ إليهم والخَلْوةِ بهم في البَرَّ والظُّلُماتِ؛ فليس هذا مِن هَدْيِهم ولا يُجِيزُونَه.\nوهذه الأمورُ كلُّها قد دفَعَها اللَّهُ عن نبيَّه سُلَيْمانَ، فأَطْلَعَهُ على ما لم يُطلِعْ عليه غيرَهُ مِن أمرِ الجانِّ، وسخَّرَهم له كالعبدِ مع سيِّدِه.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣].\nسخَّرَ اللَّهُ الجِنَّ لسليمانَ يَعْمَلُونَ له ويَصْنَعونَ معه ما يشاءُ مِن المحاريبِ، وهي الأبنبةُ مِن مساكنَ وغيرِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1275>حُكْمُ التماثيلِ وصُوَرِ ذواتِ الأرواحِ:</span>\nوأمَّا قولُه تعالى: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾، فقيل: هي الصُّوَرُ؛ كما قالهُ السُّدِّيُّ والضحَّاكُ (١).\nولم يثبُتْ في شيءٍ مِن السُّنَّةِ ولا مِن أقوالِ أحدٍ مِن الصحابةِ: أنَّ التماثيلَ التي كانت تُعمَلُ لسليمانَ أنَّها صورُ ذاتِ أرواحٍ، والتماثيلُ لا يَلزَمُ من إطلاقِها أن تكونَ صورًا لذي روحٍ؛ فقد تكونُ لشجرٍ وكوكبٍ وآنيةٍ؛ فالتمثالُ هو المجسَّمُ الذي يكونُ مثالًا لشيءٍ محسوسٍ؛ سواءٌ كان\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٩/ ٢٣١)، و\"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٥٠٠).","vol":"4","page":2007},{"text":"ذا رُوحٍ أو ليس بذي رُوحٍ؛ وعلى هذا فلا ذريعةَ لِمَنْ قال بجوازِها مِن هذا الوجهِ، ولو كانتْ لسليمانَ جائزةً وهي ذاتُ أرواحٍ، لم يصحَّ الاستدلالُ بها؛ لأنَّ اللَّهَ حرَّمَ التماثيلَ وتصاويرَ الأرواحِ، كما أجاز اللَّهُ لسليمانَ مِلْكَ الجِنِّ والتصرُّفَ فيهم، ولم يُجِزْه لغيرِه؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: (إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ جَعَلَ يَفْتِكُ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ؛ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمْكَنَنِي مِنْهُ فَذَعَتُّهُ، فَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى جَنْبِ سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ، حَتَّى تُصْبِحُوا تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ أَجْمَعُونَ -أَوْ كُلُّكُمْ- ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]، فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا) (١).\nوتصاويرُ ذواتِ الأرواحِ محرَّمةٌ كذلك على الأمَّةِ، والأحاديثُ فيها متواترةٌ؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ عائشةَ؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- قال: (أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ) (٢).\nوفيهما أيضًا؛ قال -ﷺ-: (إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ!) (٣).\nوفيهما عن أبي زُرْعةَ؛ قال: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي دَارِ مَرْوَانَ، فَرَأَى فِيهَا تَصَاوِيرَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: (قَالَ اللَّهُ -﷿-: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي؟ فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً) (٤).\nوفيهما عن ابنِ عبَّاسٍ -﵄-؛ أنَّ رجلًا قال له: إِنِّي رَجُلٌ أُصَوَّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ، فَأَفْتِنِي فِيهَا، فَقَالَ لَهُ: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: ادْنُ مِنَّي،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٦١)، ومسلم (٥٤١)؛ من حديث أبي هريرة -﵁-.\n(٢) أخرجه البخاري (٥٩٥٤)، ومسلم (٢١٠٧/ ٩٦).\n(٣) أخرجه البخاري (٥٩٥٧)، ومسلم (٢١٠٧/ ٩٦)؛ من حديث عائشة -﵂-.\n(٤) أخرجه البخاري (٥٩٥٣)، ومسلم (٢١١١).","vol":"4","page":2008},{"text":"فَدَنَا حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِه، قَالَ: أُنَبِّئُكَ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: (كل مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يَجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا: نَفْسًا، فَتُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ) (١).\nوأمَّا التصاويرُ التي لا يَتصرَّفُ فيها الإنسانُ؛ وَإِنَّمَا هُوَ تَثْبِيتٌ لِمَا هو مِن خَلْقِ اللَّهِ، كَمَا يَظهَرُ فِي المِرْآةِ وَالمَاءِ والشاشاتِ العاكسةِ، مباشرةً أو مسجَّلةً، وما ثبَتَ فِيهَا مِنْ صُوَرٍ، فهذا ليس مِنْ صنعِ الإنسانِ ولا تدبيرِه؛ وإنَّما هو انعكاسٌ لخَلْقِ اللَّهِ كانعكاسِ المِرْآةِ وَالماءِ، إلَّا أنَّ هذا وقتيٌّ ويزُولُ، وذاك يُقدَرُ على تثبيتِه، عَلَى اختلافٍ فِي مُدَّةِ تثبيتِه، فيجوزُ فعلُ ذلك بشرطَيْنِ:\nالشرطُ الأولُ: ألَّا يُتصرَّفَ في تلك التصاويرِ بشيءٍ يُخرِجُها عمَّا هي عليه بطبيعتِها التي خَلَقَها اللَّهُ عليها؛ لا بتضخيمٍ ولا بتحقيرٍ، ولا بتغييرِ لَوْنٍ أو عَيْنِ أو أَنْفٍ أو أُذُنٍ للإنسانِ؛ فإنَّ تغييرَ ذلك يجعلُها مرسومةً بخطِّ الإنسانِ ويدِه.\nالشرطُ الثاني: ألَّا تُعظَّمَ، وممَّا يُشعِرُ بتعظيمِها تعليقُها في المَجالِسِ والميادينِ، وكلَّما كانتْ هيئةُ التعظيمِ أظهَرَ، كان التحريمُ أشَدَّ، وتعليقُ المعظَّم محرَّمٌ، وقد لا يكونُ ذا رُوح، والغالبُ أنَّ الناسَ تُعلِّقُ صورَ ذواتِ الأَرواحِ للتعظيم، وتُعلِّقُ صورَ الطبيعةِ للتَّزْيِينِ، وتعليقُ غيرِ المعظَّمِ مباحٌ؛ كما لا يُعرَفُ عادةً أنَّ الناسَ تُعظِّمُه؛ كصُوَرِ وتماثيلِ الأشجارِ والأواني والجبالِ والأفلاكِ والبحارِ والأنهارِ والسحابِ.\nوقد رُخِّصَ بالصُّوَرِ المُمتهَنةِ، والتي لم يَنسُجْها أو يَصْنَعْها الإنسانُ بنفسِه، ومِثلُ ذلك: الصُّوَرُ التي تكونُ على النَّعْلِ والخُفِّ والسراويلِ والفُرُشِ الأرضيَّةِ، بخلافِ ما يُعلَّقُ على الحِيطَانِ معتدلًا مَبرُوزًا، وما\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٢٢٥)، ومسلم (٢١١٠).","vol":"4","page":2009},{"text":"يُوضَعُ على صدورِ الملابسِ وعلى ما يُلبَسُ على الرأسِ؛ كالعِصَابةِ.\nوهذان الشرطانِ يَظهَرانِ في علةِ تحريمِ التماثيلِ والتصويرِ؛ لأنَّ اللَّهَ حرَّم التماثيلَ لعلَّتَيْنِ: الأُولى: مضاهاةُ خَلْقِ اللَّهِ، والثانيةُ: حتى لا تُعظَّمَ مِن دونِ اللَّهِ ولو مع طُولِ الأمَدِ؛ فكلُّ ما يُحقِّقُ العلتَيْنِ، فهو محرَّمٌ، فخرَجَتْ بالشرطِ الأولِ العلةُ الأُولى، وخرَجَتْ بالشرطِ الثاني العلةُ الثانيةُ، واللَّهُ أعلَمُ.\nوقد تقدَّم شيءٌ مِن التفصيلِ حولَ الصُّوَرِ والتماثيلِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩].\nوقولُه: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾: الجِفَانُ: جمعُ جَفْنَةٍ، وهي وعاءٌ كحَوْضِ الإبلِ ونحوِه، وقال ابنُ عبَّاسٍ: \"كالجَوْبَةِ مِن الأرضِ\" (١).\nوالقُدُورُ الراسيةُ: الكبيرةُ الثابتةُ لِعِظَمِها.\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٩/ ٢٣٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١٠/ ٣١٦٣).","vol":"4","page":2010},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1276>سورة فاطر</span>\nسورةُ فاطرٍ سورةٌ مكيَّةٌ (١)، ذكَرَ اللَّهُ فيها حقيقةَ خَلْقِ الملائكةِ، وذكَّر العِبادَ بنِعْمةِ اللَّهِ عليهم، وخَلْقِهِ لهم، وضَعْفِ أصلِهم، وذكَر عاقبةَ المكذِّبِين، وأسبابَ ضلالِ المشرِكِين، وإبداعَ اللَّهِ في صُنْعِهِ وخَلْقِهِ في الأرضِ والسماء، وذكَرَ الجنةَ والنارَ، وأمَرَ بالاعتبارِ بأحوالِ السابِقِينَ المكذِّبِين.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر: ١٢].\nفي هذا: مِنَّةُ اللَّهِ على عِبَادِهِ بأنْ هيَّأَ لهم شرابًا سائغًا يَستمتِعُونَ به ويَرْتَوُونَ منه، وجعَلَ ماءً مالحًا أُجَاجًا، وهو البحرُ، ورزَقَ عِبَادَهُ فيها نِعَمًا، أظهَرُها:\nأكلُ اللَّحْمِ الطَّرِيِّ، وهي الأسماكُ، وما في البحرِ مِن كائنٍ فالأصلُ فيه حِلُّ الأكلِ، واستخراجُ الحُلِيِّ مِن الجواهرِ كاللُّؤْلُؤِ وغيرِه، وركوبُ البحرِ بالسُّفُنِ التي يَسيرُ فيها الناسُ إلى منافعِهم مِن بلدٍ إلى بلدٍ، ومِن موضعٍ إلى آخَرَ، وقد تقدَّمَ كلامٌ على صَيْدِ البحرِ ومَيْتَتِهِ عندَ\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" (١٧/ ٣٤٠).","vol":"4","page":2011},{"text":"قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقولِه تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦].\nوتقدَّمَ الكلامُ على ركوبِ البحرِ وأحوالِه، وحُكْمِ الغزوِ فيه وفَضْلِه، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢].\n* * *","vol":"4","page":2012},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1277>سورة يس</span>\nسورةُ يس مكيَّةٌ، وقد حكَى الإجماعَ على ذلك غيرُ واحدٍ مِن العلماءِ؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ وعائشةُ وقتادةُ، وقيلَ بمدنيَّتِها، وهو قولٌ شاذٌّ، إلَّا آياتٍ يسيرةً هي موضعُ نظرٍ بينَ القَوْلِ بمكيَّتِها والقولِ بمدنيَّتِها (١).\nوقد بيَّن اللَّهُ فيها نِعْمةَ القرآنِ وما فيه مِن فصلِ القولِ والهدايةِ والرَّشادِ لطالِبِه، ومهمةَ النبيِّ -ﷺ- وحقيقةَ رسالتِه، والتذكيرَ بآياتِه الكونيَّةِ وخَلْقِ الإنسانِ وضَعْفِه، وأحوالَ بعضِ المُعانِدينَ لرُسُلِهِمْ مِن السابِقِين، والتذكيرَ بالآخِرةِ وفَجْأَتِها، ووعيدَ اللَّهِ للظالمِين.\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٤٨ - ٥٠].\nذكَرَ اللَّهُ تعالى أَمْرَ قيامِ الساعةِ، واستعجالَ المشرِكِينَ لها، وبيَّن أنَّها صيحةٌ واحدةٌ مُفاجِئةٌ تَبْغَتُهُمْ وهم في خِصَامِهم ونِزَاعِهم غافلونَ عنها، وهذه الصيحةُ هي نفخةُ الصَّعْقِ، وبيَّن اللَّهُ أنَّ نهايتَهم لا تجعلُهُمْ\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير ابن عطية\" (٤/ ٤٤٥)، و\"زاد المسير\" (٣/ ٥١٦)، و\"تفسير القرطبي\" (١٧/ ٤٠٣)، و\"الدر المنثور\" (١٢/ ٣١١).","vol":"4","page":2013},{"text":"يتمكَّنونَ مِن الوصيَّةِ لأحدٍ، ولا الرجوعِ إلى أهلِهم، فتأخُذُهُمْ في أماكنِهم.\nوفي هذه الآيةِ: عِظَمُ الوصيَّةِ للأحياءِ، وخاصَّةً فيما يَنفَعُ الميِّتَ بعدَ مَوْتِهِ والحيَّ بعدَهم في حياتِه، وقد تقدَّم الكلامُ على حُكْمِ الوصيَّةِ وأحكامِها عندَ قولِه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠]، وقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨١]، وقولِه تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩].\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧١ - ٧٣].\nأرشَدَ اللَّهُ إلى النظرِ والاعتبارِ في مخلوقاتِه، ومنها الأنعامُ التي يتملَّكُونَها، وهي أقرَبُ إليهم مِن غيرِها مِن خَلْقِ اللَّهِ، فسَخَّرَها اللَّهُ مُذلَّلةً لهم؛ لِتَنْفَعَهم بركوبٍ وأكلٍ وشُرْبٍ وغيرِ ذلك، وقد تقدَّمَ الكلامُ على أحكامِ ركوبِ الدوابِّ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧ - ٨].\n* * *","vol":"4","page":2014},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1278>سورة الصافات</span>\nسورةُ الصافَّاتِ مكيَّةٌ بالإجماعِ؛ وبِمكِّيَّتِها قال ابنُ عبَّاسٍ (١)؛ وإنَّما الخلافُ في آياتٍ يسيرةٍ، وقد ذكَرَ اللَّهُ في هذه السورةِ عَظَمةَ الملائكةِ وأنَّهم ليسوا بناتٍ للَّه، وذكَرَ خَلْقَ الأفلاكِ، وحِفْظَ السماءِ مِن المَرَدَةِ، وذكَّر بالعاقبةِ ومرجعِ الناسِ إليه، وذكَر خصومةَ المُعانِدِينَ يومَ القيامةِ وتَلَاوُمَهُم وتحسُّرَهم، وذكَّر بالجحيمِ والنعيمِ وأنواعِه، وذكَرَ أساليبَ المُعانِدينَ المُنكِرِينَ للبعث، وذكَّر بعنادِ قومِ نوحٍ، وذكَرَ إبراهيمَ وحالَهُ مع ولدِه الذبيح، وقومَ موسى ولوطٍ ويونُسَ وغيرهم، وذكَر ضلالَ المشرِكِينَ فيما نسَبُوهُ إلى اللَّهِ مِن باطلٍ وافتراءٍ عليه.\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١].\nلمَّا كان يونُسُ في الفُلْكِ مع قوم واضطرَبَ البحرُ وماجَتِ الأمواجُ وخَشِيَ مَن على ظَهْرِ الفُلْكِ الهلاكَ، رأَوْا أنْ يَخرُجَ مِن ظَهرِهِ بعضُهم؛ لِيَخِفَّ وزنُهُ فلا يَغْرَقوا جميعًا، وكان الفُلْكُ مليئًا بالناسِ ومتاعِهم؛ كما قال تعالى: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠]، فاقْتَرَعوا فخرَجَتْ على يونُسَ أنْ يَرْمِيَ نفسَهُ منه، وفي هذه الآيةِ مَعانٍ جليلةٌ:\nمنها: مشروعيَّةُ القُرْعَةِ عندَ الحاجةِ إليها؛ وقد تقدَّم الكلامُ عليها\n_________\n(١) ينظر: \"زاد المسير\" (٣/ ٥٣٥)، و\"تفسير القرطبي\" (١٨/ ٣)، و\"الدر المنثور\" (١٢/ ٣٨٣).","vol":"4","page":2015},{"text":"وأدلَّتِها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وهاتانِ الآيتانِ أصلٌ في مشروعيَّةِ القُرْعةِ في القرآنِ؛ كما نصَّ على ذلك الشافعيُّ وغيرُه (١).\nومنها: ارتكابُ المَفْسَدةِ الدُّنْيا لدفعِ العُلْيا، وأنَّ الضررَ العامَّ أشَدُّ مِن الضررِ الخاصِّ.\nومنها: جوازُ الأخذِ بغَلَبةِ الظنِّ؛ فمَنْ كان في الفُلْكِ، وغلَبَ على ظنِّهم الهلاك، عَمِلُوا بذلك ولو بإزهاقِ نَفْسٍ.\nومنها: استواءُ نبيِّ اللَّهِ يونُسَ مع غيرِه في الحقوقِ وفي القضاءِ والحُكْمِ، فلم يَسْتَثْنِ نفسَهُ، ولم يَطلُبْ ذلك لِمَقَامِهِ ونُبُوَّتِه.\n* * *","vol":"4","page":2016},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1279>سورة ص</span>\nسورةُ ص مكيَّةٌ، وقد حكى الإجماعَ غيرُ واحدٍ مِن العُلَماءِ؛ وبذلك قال ابنُ عبَّاسٍ (١)، وقد حكى الدَّانِيُّ لبعضِهم أنَّها مَدَنيَّةٌ (٢)؛ وهو قولٌ غريبٌ.\nذكَرَ اللَّهُ في سورةِ ص القرآنَ، وأقسَمَ به على بيانِ عنادِ الكافرينَ واستكبارِهم بشِرْكِهم وظُلْمِهم لِأَنْفُسِهم، وذكَرَ اللَّهُ بعضَ الأممِ المُعانِدةِ كقومِ نُوحٍ وعادٍ وفِرْعَوْنَ وثمودَ وقومِ لُوطٍ وغيرِهم، وغَفْلَتَهُمْ عن الحقِّ، وبيَّن صبرَ الأنبياءِ وثباتَهم تثبيتًا لنبيِّه -ﷺ-، وبيَّن اللَّهُ فيها إبداعَ خَلْقِهِ في الكونِ وآياتِهِ المُعجِزةَ، وما خَصَّ اللَّهُ به بعضَ الأنبياءِ مِن مُلْكٍ وقوةٍ كسُلَيْمانَ، وذكَرَ حالَ بعضِ الأنبياءِ مع ربِّهم ومع أُمَمِهم؛ ليكونَ أولئك أُسوةً للنبيِّ -ﷺ- ولأمَّتِه، وذكَرَ الجنةَ ونعيمَها، وجهنمَ وعذابَها، تذكيرًا بعاقبةِ الفريقَيْنِ.\nوذكَرَ بدايةَ الصِّراع والنِّزاعِ بينَ آدمَ وإبليسَ عندَ بدايةِ خَلْقِ آدمَ؛ تذكيرًا ببدايةِ الصراعِ والتربُّصِ والمَكْرِ، وأنَّه ليس بجديدٍ، وسيبقى إلى قيامِ الساعة، ولكلِّ سلفٌ مِن الصادِقِينَ ومِن المُعانِدِين.\n* * *\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير ابن عطية\" (٤/ ٤٩١)، و\"زاد المسير\" (٣/ ٥٥٧)، و\"تفسير القرطبي\" (١٨/ ١٢١)، و\"الدر المنثور\" (١٢/ ٥٠١).\n(٢) \"البيان، في عد آي القرآن\" لأبي عمرو الداني (ص ٢١٤).","vol":"4","page":2017},{"text":"* قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٣ - ٢٤].\nليس في تفصيلِ قصةِ الخَصْمَيْنِ اللَّذَيْنِ اختصَمَا عندَ داودَ شيءٌ، وسببُ فتنةِ داودَ في ذلك ليس فيه شيءٌ يثبُتُ في المرفوعِ، ولا شيءٌ عن الصحابةِ، وقد رَوَى يزيدُ بنُ أبي زيادِ الرَّقَاشيُّ عن أنسٍ فيها خبرًا، وهو ضعيفٌ (١).\nوهذانِ الخَصْمانِ اختصَمَا لداودَ في أنَّ لأحدِهما تسعًا وتسعينَ نعجةً، وللآخَرِ نَعْجةً واحدةً، فطَمِعَ صاحبٌ الكثيرِ في القليلِ الذي مع أخيهِ؛ ليُكمِلَ ما لدَيْهِ فتكون مئةً.\nقال الأخُ صاحبُ التِّسْعِ والتسعينَ نَعْجةَ: ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾؛ يعني: أَطْلِقْها وأَعْطِني إيَّاها.\nوقولُه: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾؛ يعني: غلَبَني في قولِهِ وإلحاحِهِ عليَّ، فظَلَمَني وقَهَرَني؛ إذْ أخَذَ النَّعْجةَ إلى نِعَاجِه، وترَكَ أخاهُ بلا شيءٍ.\nوفي قولِه: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ دليلٌ على أنَّ ما أُخِذَ مِن الحقوقِ بسيفِ الحياءِ والإلحاحِ: لا يجوزُ، ويجبُ أنْ يُعادَ إلى صاحِبِه؛ وذلك أنَّ لكثيرٍ مِن النفوسِ كَسْرًا وضَعْفَا، فتُقهَرُ بالحياءِ؛ كمَنْ يُطلَبُ حقُّه بثمنٍ بَخْسٍ مِن رجلٍ عزيزٍ أمامَ مَلَأٍ، ويُستحَثُّ فيه كَرَمُه، وأنَّ الناسَ تُعيِّرُهُ إنْ باع بغيرِ بَخْسٍ، فببيعُ خَجَلًا مِن الناسِ؛ فهذا البيعُ باطلٌ، والمالُ أُخِذَ بغيرِ طِيبِ نَفْسٍ.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١٠/ ٣٢٣٩)، و\"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٦٠).","vol":"4","page":2018},{"text":"وتقدَّم الكلامُ على أنَّه لا يجوزُ أخذُ الشيءِ بِسَيْفِ الحياءِ والإلحاحِ عندَ قولِهِ تعالى في صدرِ سورةِ النساءِ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [٤]، وقولِهِ تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [٢٩].\nوقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، فيه دليلٌ على جوازِ خِلْطَةِ بهيمةِ الأنعام، والخِلْطةُ تُصيِّرُ المالَ المُختلِطَ في حُكْمِ المالِ الواحدِ إذا كان مجموعُها يبلُغُ النِّصابَ وإذا كان أصحابُ المالِ مِن أهلِ الوجوبِ، ويُشترَطُ في الخِلْطةِ الاشتراكُ في المَرَاحِ والمَسْرَحِ والمَرْعَى، فيَسْرَحْنَ جميعًا ويَرْجِعْنَ جميعًا، وفَحْلُهما واحدٌ، فإنْ كانتِ الخليطةُ كذلك فهي في حُكْمِ المالِ الواحدِ؛ سواءٌ كانت شراكةَ أعيانٍ أو أوصافٍ، وعندَ الزكاةِ لا يجوزُ التفريقُ بينَهما خشيةَ الصَّدَقةِ؛ بل تجبُ الزكاةُ فيهما جميعًا كالمالِ الواحدِ؛ وذلك لقولِه -ﷺ-: (لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّق بَيْنَ مُجْتَمِعٍ؛ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ) (١)، (وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْن، فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ) (٢).\nوجماهيرُ العلماءِ على أنَّ الخِلْطةَ لا تؤثِّرُ في الزكاةِ إلَّا في بهيمةِ الأنعامِ، وأمَّا غيرُه مِن المالِ، فلو اختلَطَ، لوجَبَتِ الزكاةُ على كلِّ واحدٍ في نصيبِه، وإنْ كان الجميعُ يبلُغُ الزكاةَ ولكنْ لو تفرَّقوا جميعًا، لم يبلُغْ كلُّ واحدٍ نصابًا، لم تجبْ عليهم الزكاةُ.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٤٥٠)؛ من حديث أنس -﵁-.\n(٢) أخرجه البخاري (١٤٥١)؛ من حديث أنس -﵁-.","vol":"4","page":2019},{"text":"* قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤].\nأقسَمَ أيُّوبُ أنْ يَضرِبَ زوجتَهُ مِئَةَ جَلْدةٍ؛ لِفَعْلَةٍ فَعَلَتْها، قيل: إنَّها باعَتْ ضَفِيرتَها بخُبْزِ فأطعَمَتْهُ إيَّاه، فلامَها على ذلك، وكان حِينَها مريضًا -ﷺ-، وليس في فَعْلَتِها شيءٌ يثبُتُ في السُّنَّة، ولمَّا شفَاهُ اللَّهُ، أمَرَهُ اللَّه أن ياخُذَ عُودًا فيه مِئَةُ قضيبٍ، وقبل: حُزْمةً مِن عِيدَانٍ فيها مِئَةُ عُودٍ، وقيل: الضِّغْثُ مِن الأَثْلِ، فيَضرِبُها به ضَرْبةً واحدةً كما لو ضرَبَها مِئَةً متفرِّقةَ، فجعَل اللَّهُ ذلك مخرَجًا له في يمينِهِ فلا يَحنَثُ، ورحمةً بزوجِه.\nومِن الفقهاءِ: مَن حمَلَ هذا على الحِيَلِ المشروعةِ، ومنهم: مَن لم يَجْعَلْها مِن الحِيَلِ؛ وإنَّما جعَلَها مِن حَمْلِ اليمينِ على الألفاظِ ومقاصدِها.\nوقد تقدَّم الكلامُ على الحِيَلِ وأنواعِها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠)﴾ [يوسف: ٧٠].\n* * *","vol":"4","page":2020},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1280>سورة غافر</span>\nسورةُ غافرٍ مكيَّةٌ بلا خلافٍ؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ والحسنُ ومجاهدٌ وعِكْرِمةُ، ولا مخالِفَ لهم مِن السلفِ؛ وإنَّما النزاعُ في آيةٍ أو آيتَيْنِ منها (١)، ورُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّ جميعَ الحواميمِ مكيَّةٌ (٢).\nوفي سورةِ غافرٍ دعوةُ الكافِرِينَ إلى اللَّهِ، وتحذيرُهُمْ مِن عقابِه، وتذكيرُهُمْ بطريقِ مَن سبَقَهم، وبيانُ عَظَمةِ اللَّهِ وخَلْقِهِ كالملائكةِ والسماءِ والماءِ، وحذَّر مِن يومِ القيامةِ وما فيه مِن حسابٍ وعذابٍ، وذكَّر المشركينَ بجَحْدِهم لبعضِ الأنبياءِ السابقينَ المشابِهِينَ لرسالةِ محمدٍ -ﷺ-، فكانتْ عاقبتُهم السُّوءَ، وذكَّر الإنسانَ بضَعْفِهِ وعَظَمةِ اللَّهِ وقُدْرَتِه.\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٧٩ - ٨٠].\nذكَّر اللَّهُ بنِعْمَتِه بخَلْقِ الأنعامِ وركوبِها وتعدُّدِ منافعِها، وهذا في القرآنِ كثيرٌ؛ لأنَّها ألصَقُ النِّعَمِ بالإنسان، وأظهَرُها بينَ يدَيْه، ومع هذا كان في غَفْلَةٍ عن عَظَمتِها وعن شكرِ اللَّهِ عليها، وقد تقدَّم الكلامُ على\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير ابن عطية\" (٤/ ٥٤٥)، و\"تفسير القرطبي\" (١٨/ ٣٢٢).\n(٢) ينظر: \"الدر المنثور\" (١٣/ ٥).","vol":"4","page":2021},{"text":"أحكامِ ركوبِ الدوابِّ عندَ قولِه تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧ - ٨]، وتقدَّم الكلامُ على ركوبِ البحرِ وأحوالِه، وحُكْمِ الغزوِ فبه وفضلِه، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢].\n* * *","vol":"4","page":2022},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1281>سورة فصلت</span>\nسورةُ فُصِّلَتْ مكيَّةٌ، وقد حُكِيَ الإجماعُ على ذلك (١)، ومَعَانِيها ظاهرةٌ في الدعوةِ إلى التوحيد، وبيانِ منزلةِ القرآنِ وخصائصِهِ المعجِزةِ، ورسالةِ النبيِّ -ﷺ- وحقيقةِ دَعْوتِه، وخصومِهِ وأقوالِهِمُ الباطلةِ، وخَلْقِ اللَّهِ وإبداعِهِ الخَلْقَ والكَوْنَ، وذِكْرِ قصصِ بعضِ السابِقِينَ وأحوالِهم وعاقِبَتِهم، وأحوالِ المُعانِدِينَ يومَ العَرْضِ، وحالِ المُتَّقِينَ الصابِرِينَ وحُسْنِ عاقبتِهم، وبيانِ سَعَةِ عِلْمِ اللَّهِ وقُوَّتِهِ وإحاطتِه.\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧].\nفي هذا: وعيدٌ مِن اللَّهِ لتارِكِ الزكاةِ، وجعَلَ ذلك مِن أوصافِ المشرِكِين؛ وبهذا قال قِلَّةٌ مِن العلماءِ؛ أنَّ تاركَ الزكاةِ كافرٌ؛ لأنَّ اللَّهَ ذكَرَ أسبابَ كفرِ المشرِكِينَ وعَدَّ منها الزكاةَ، وفي هذا نظرٌ؛ لأنَّ اللَّهَ ذكَرَ شِرْكَهم، وذلك أنَّه أخرَجَهُمْ مِن عبادةِ إلهٍ واحدٍ كما يوحِّدُ المؤمنونَ، ولكنْ ذكَرَ تَرْكَهم للزَّكَاةِ علامةً على عدمِ إيمانِهم لها، ومِن القرائنِ على ذلك: أنَّ سورةَ فُصِّلَتْ مكيَّةٌ، وفي زمنِ فرضِ الزكاةِ خلافٌ، ولا خلافَ\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير القرطبي\" (١٨/ ٣٨٨).","vol":"4","page":2023},{"text":"أنَّ الزكاةَ مشروعةٌ بمكةَ، ولكنَّ النزاعَ في فرضيَّتِها، ثمَّ إنَّه لا خلافَ حتى عندَ مَن قال بأنَّها فُرِضَتْ بمَكَّةَ أنَّ جِبَايتَها وتقديرَ نِصَابِها لم يُفرَضْ إلَّا في المدينةِ.\nوقد ذهَبَ غيرُ واحدٍ مِن الفقهاءِ: إلى أنَّ فرضَ أصلِ الزكاةِ كان في المدينةِ في السَّنَةِ الثانيةِ مِن الهجرةِ؛ وإليه ذهَبَ النوويُّ وغيرُه، والوعيدُ الواردُ في تاركِ الزكاةِ في السوَرِ المكيَّةِ هو لجاحدِ التشريعِ لا للبخيلِ؛ وذلك أنَّ المُسلِمينَ بمكةَ قِلَّةٌ وغالبُهم أهلُ فقرٍ وضَعْفٍ، وأمَّا أهلُ الغِني والسيادةِ، فلم يُسْلِمُوا أصلًا إلَّا ما ندَرَ، وكلُّهم يُزَكُّونَ، فليس بمكةَ قبلَ الهجرةِ مؤمِنٌ فاسِقٌ ولا منافِقٌ، فمَن آمَنَ فإنَّه يُؤمِنُ بكليَّتِه؛ لِشِدَّةِ ما يُلاقِيهِ مِن نُكْرانِ قومِهِ وهَجْرِهم وتسلُّطِهم بالعذابِ، ولا يُتصوَّرُ مؤمِنٌ بالرسالةِ قبلَ الهجرةِ تاركٌ للزَّكاةِ بخلًا.\nوقد روى أحمدُ والنَّسَائيُّ وابنُ ماجَهْ؛ مِن حديثِ قيسِ بنِ سعدِ بنِ عُبَادَةَ؛ قال: \"أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا نَزَلَتِ الزَّكَاةُ، لَمْ يَأْمُرْنَا وَلَم يَنْهَنَا، وَنَحْنُ نَفْعَلُهُ\" (١).\nوزكاةُ الفِطرِ فُرِضَتْ بعدَ رمضانَ، ورمضانُ فُرِضَ في المدينةِ بلا نزاعٍ، وفي هذا الحديثِ أنَّ الزكاةَ بعدَهُ، ولعلَّ فرضيَّتَها يُقصَدُ بها بيانُ مقاديرِها ونِصابِها وجِبايتُها، وقد تكونُ مفروضةً قبلَ ذلك بلا تقديرٍ، وكان صرفُها موكولًا إلى أصحابِها.\nويعضُدُ ما جاء في حديثِ سعدٍ -أنَّ الزكاةَ متأخِّرةٌ-: ما رواهُ الطبريُّ؛ مِن حديثِ عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ في قولِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤] قال: السكينةُ: الرحمةُ؛ ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]؛ قال: إنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه بعَثَ نبيَّه\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦/ ٦)، والنسائي (٢٥٠٧)، وابن ماجه (١٨٢٨).","vol":"4","page":2024},{"text":"محمدًا -ﷺ- بشهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، فلمَّا صدَّقوا بها، زادَهم الصلاةَ، فلمَّا صدَّقوا لها، زادَهم الصيامَ، فلمَّا صدَّقوا له زادَهم الزكاةَ، فلمَّا صدَّقوا بها، زادَهم الحجَّ، ثمَّ أكمَلَ دِينَهم؛ فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] (١).\nوقد تقدَّم الكلامُ على حُكْمِ تاركِ الزكاةِ بخلًا، والنِّزاعِ في كُفْرِهِ عندَ الأئمَّةِ، وأنَّ الذي عليه عامَّتُهُمْ أنَّه مرتكِبٌ لكبيرةٍ، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ [التوبة: ٣٤].\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٦].\nتُشرَعُ الاستعاذةُ عندَ ورودِ الشيطانِ على الإنسانِ بالوَسْوَسةِ وخَطَراتِ السُّوء، أو دخولِ الإنسانِ أماكنَ يَغلِبُ عليها الشيطانُ؛ كأماكنِ القَذَرِ والنَّجَسِ، أو الخَلَواتِ المُوحِشةِ التي يَغلِبُ على الظنِّ ورودُ الجِنِّ والشياطينِ إليها، ولو لم يَرِدْ دليلٌ في خاصَّةِ ذلك، وقد تقدَّم الكلامُ على أحكامِ الاستعاذةِ في سورةِ الأعرافِ عندَ قولِه تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [٢٠٠].\nوتقدَّم الكلامُ على صِيَغِها عندَ قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].\n* * *","vol":"4","page":2025},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1282>سورة الشورى</span>\nسورةُ الشُّورَى مكيَّةٌ؛ رُوِيَ ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ، وحكى بعضُهم الإجماعَ على ذلك، واستَثْنَى بعضُ السلفِ آياتٍ منها (١)، وتضمَّنتْ سورةُ الشُّورَى تذكيرًا بحقِّ اللَّهِ بإِفرادِهِ بالعبادة، والتحذيرَ مِن الإشراكِ معه شيئًا، والتذكيرَ بنعمةِ القرآنِ حُجَّةً وبيانًا وإعجازًا، وذكَرَ اللَّهُ تعالى فيها أحوالَ بعضِ الأُمَمِ السابقةِ ووصاياهُ لهم وعنادَهم لها، وبيَّن حِكمتَه في قسمةِ الرِّزقِ والمعاشِ وتهيئةِ الأرضِ والبحرِ لهم، وذكَّر فيها بالبعثِ والجزاءِ، والثوابِ والعقابِ.\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)﴾ [الشورى: ١٥].\nأمَرَ اللَّهُ نبيَّه أنْ يَدْعُوَ إلى دِيِنِه، وأنْ يكونَ مع دَعْوتِه مستقيمًا على ما أمَرَهُ اللَّه في نفسِهِ ودَعْوتِه وفي حُكمِه في غيرِهِ؛ فقولُه تعالى: ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ لنبيِّه، وهو المعصومُ، أنْ تكونَ استقامتُهُ وحُكْمُهُ كما أمَره اللَّهُ، فغيرُهُ مِن بابِ أَولى أَلَّا يجتهِدَ بهَوَاهُ وما يَشتهي متخلِّيًا عن الوحي المنزَّلِ.\n_________\n(١) ينظر: \"زاد المسير\" (٤/ ٥٨)، و\"تفسير القرطبي\" (١٨/ ٤٤٠)، و\"بصائر ذوي التمييز\" (١/ ٤١٨).","vol":"4","page":2027},{"text":"وفي قولِهِ تعالى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أنَّ اللَّهَ أنزَلَ القرآنَ لإِقامةِ الدِّينِ وإصلاحِ الدُّنيا، ولا يُلتمَسُ عدلٌ كعَدْلِه، وتُصِيبُ العقولُ التي خلَقَها اللَّهُ كثيرًا مِن الحقِّ بفِطْرتِها، ولكنْ لا تُصيبُ الحقَّ كاملًا إلَّا بالقرآنِ.\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣].\nدعا اللَّهُ المُصلِحِينَ إِلَى التجرُّدِ والإعراضِ عن دُنْيا الناسِ؛ حتى لا يظُنُّوا بهم سُوءًا؛ كطمعٍ في الدُّنيا والجاهِ؛ وذلك أنَّ أولَ ظنِّ الظالمينَ بالمُصْلِحِين حينَما يُنكِرُونَ عليهم ضلالَهُمْ: أَنَّهم يُرِيدونَ مُزَاحَمَتَهم على سُلْطَانِهم وجَاهِهِم؛ لأنَّ نفوسَهم تتشَرَّبُ مِن اتباعِ ذلك، فيَخافُ الإنسانُ على أنفَسِ شيءٍ عليه؛ لذا يَخافونَ المزاحَمةَ، فيَشُكُّونَ فِي المُصلِحِينَ، وهكذا ظَنُّوا بالنبيِّ -ﷺ- بمكةَ، فعرَضُوا عليه المالَ والنِّساءَ، وفي \"المسنَدِ\" عن عبدِ الرحمنِ بن شِبْلٍ؛ أَنَّه قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- يقولُ: (تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ، فَإِذَا عَلِمْتُمُوهُ، فَلَا تَغْلُوَا فِيهِ، وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ، وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ) (١).\nوقد تقدَّم الكلامُ على الحِكْمةِ مِن نهي الأنبياءِ وأَتْباعِهم عن ذلك، عندَ قَولِهِ تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [هود: ٢٩].\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣/ ٤٤٤).","vol":"4","page":2028},{"text":"وفي قولِهِ تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ قد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قالِ: \"كان لِرسولِ اللَّهِ -ﷺ-: قَرَابةٌ مِن جميعِ قُريْشٍ، فلمَّا كذَّبوهُ، وَأَبَوْا أنْ يُبايِعُوهُ، قال: يا قومِ؛ إذا أَبَيْتُم أنْ تُبايِعُوني، فاحفَظُوا قَرَابَتِي فيكُم، ولا يكونُ غيرُكُم مِن العَرَبِ أَوْلى بِحِفْظِي ونُصْرَتي مِنكم\"؛ رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ (١).\nورَوَى البخاريُّ مِن حديثِ طاوُسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ -﵄-؛ أنّه سُئِلَ عن قولِهِ تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾، فقال سعيدُ بن جُبَيْرٍ: قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ، فقال ابنُ عبَّاسٍ: عَجِلْتَ! إنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَمْ يَكْنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إلَّا كَانَ لَهُ فِيهُمْ قَرَابَةٌ، فَقَالَ: إِلَّا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ مِنَ القَرَابَةِ (٢).\nوظاهِرُ هذِهِ الآيةِ: أنَّها في صِلةِ الرَّحِمِ وأداءِ الحقِّ بيْنَ النّبيِّ -ﷺ- وبينَ قوْمِهِ قُريْشٍ؛ لأنَّ السورةَ مكيَّةٌ، والخِطابَ بينَهُ وبينَ قريشٍ لا سائِر العربِ.\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨].\nذكَرَ اللَّهُ صِفاتِ المستجيبِينَ للَّه، وذَكَر أوَلَها إقامَ الصلاةِ؛ وذلِك لِأنَّها أعظَمُ الشعائِرِ الظاهِرة، وأظهَرُ التعبُّدِ يُكونُ فيها؛ ولِهذا جاء التأكيدُ عليها في الشريعةِ أشَدَّ مِن غيْرها مِن الأعمال البدنيَّة، ثمَّ ذَكَرَ التشاوُرَ بعدَما ذكَر الصلاةَ؛ لأنَّ مِن أقامَ الصلاةَ كما أمَرَ اللَّهُ، صحَّ رأيُه وسَلِمَ فِكرُهُ مِن الأهواء، فلا يُشيرُ عن طمعٍ وحظِّ نَفْسٍ، وأمَّا رأيُ غيرِهم،\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١٠/ ٣٢٧٥).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٨١٨).","vol":"4","page":2029},{"text":"فيكونُ بحَسَبِ أهوائِهم وطمعِهم، وفي الآيةِ إشارةٌ باطنةٌ إلى أنَّ غيرَ المُصلِّين ليسوا بأهلِ شُورَي يُصْدَرُ عن رأيِهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1283>الشُّورَى وفضلُها وشيءٌ مِن أحكامِها:</span>\nوفي ذِكْرِ الشُّورَى في هذه السورةِ المكيَّةِ بيانٌ لفضلِ الشُّورَى، وأنَّها مِن الأمورِ التي دعَت إليها الشريعةُ في أولِ الأمرِ والناسُ قليلٌ، ومعلومٌ أنَّ الناسَ بمكةَ مع قلَّتِهم على يقينٍ، فالمؤمِنُ منهم لم يُؤمِنْ إلَّا بإقبالٍ وقوةِ إيمانٍ وصِدْقٍ، ومع ذلك حَمِدَ اللَّهُ تشاوُرَهُمْ وأَثنى عليه، مع أنَّهم لو أُمِروا بشيءٍ، لم يُخالِفُوه، وإذا كان هذا في زمنِ قوةِ الإيمانِ واليقينِ وقلةِ العددِ، فهو مع ضَعْفِ الإيمانِ وكثرةِ العددِ آكَدُ.\nوقد قال بعضُ السلفِ: \"إنَّ الآيةَ قُصِدَ بها الأنصارُ في المدنيةِ\"؛ وبهذا قال ابنُ زيدٍ (١)؛ فحَمِدَهم اللَّهُ لنبيِّه وهو بمكةَ لمّا أسْلَموا وأَبْدَوْا خيرًا في اتِّباعِ الحقِّ، وتشاوُرًا في أمرِهم.\nوفي قولِهِ تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ أنَّ الشُّورَى في أمرِهم، لا في أمرِ اللَّهِ، فما قَضَى اللَّهُ فيه، لا يجوز أنْ يُجعَلَ بينَ الناسِ شُورَى؛ فذلك مُحادَّةٌ للَّهِ؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فليس للمُسلِمينَ فيما قضَى اللَّهُ ورسولُهُ فيه إلَّا اختيارُ قضائِهما، وأمَّا أَمْرُهُمُ فشُورَى بينَهم، لا يَفصِلُ أحدٌ عن جماعتِه فيه.\nوما قضَتْ فيه الشريعةُ واختارَتْهُ، ولكنَّها وسَّعتْ في زمانِهِ ومكانِهِ كالجهادِ، فللمُسْلِمينَ التشاوُرُ في تعيينِ جهةِ القتالِ وزمانِه؛ لأنَّ التشريعَ لا يُشاوَرُ فيه، وكالوِلَايةِ! قضَى اللَّهُ أنْ لا سُلْطَانَ على المُسلِمِينَ إِلَّا\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢٠/ ٥٢٣).","vol":"4","page":2030},{"text":"منهم، فلا يجوزُ التشاوُرُ بينَ وِلايةِ كافرٍ ومسلمٍ باختيارِهم، ما لم يُقهَرُوا، ولكن لهم التشاوُرُ بينَ المُسلمِينَ فيَختارُونَ مَن يصلُحُ منهم.\nوالشُّورَى فيما لم يَقْضِ اللَّهُ فيه سُنَّةٌ؛ كالذي يَتعلَّقَ بمصالحِ العبادِ والبُلْدانِ من الأموالِ والأعمالِ والنُّظُمِ، وإذا عرَضَ الأميرُ الأمرَ على المُسلِمِينَ، فتَشاوَرُوا، فهل يكونُ رأيُهم مُلزِمًا للأميرِ أو مُعْلِمًا له؟ إنْ أجمَعَ أهلُ الشُّورَى على أمرٍ، فلا يجوزُ للأميرِ مخالفتُهُ إذا كان أمرًا عامًّا ومصلحةً للناسِ؛ وذلك لِمَا في خروجهِ عن إجماعِهم مِن فتنةٍ عليه وعليهم جميعًا، وأمَّا إنِ اختلَفُوا فيما بينَهم وغلَبَ بعضُهم على بعضٍ كثرةً وسَوَادًا في الرأي، فلا يخلو مِن حالَيْنِ:\nالأُولى: إن كان الأميرُ عالمًا بصيرًا مستنبِطًا، فالشُّورى بالنسبةِ له مُعْلِمَةٌ تُعطيهِ عِلْمًا إلى عِلْمِه، فقد يَرى ما لا يرَوْنَ، فيجوزُ له مخالفتُهم ما دام عالمًا فيما استشارَهم فيه.\nالثانيةُ: إن كان الأميرُ جاهلًا فيما استشارَهم فيه، فالشُّورَى مُلزِمةٌ له على الصحيحِ؛ لأنَّه إنْ صدَرَ بأمرِهِ سيصدُرُ عن جهلٍ وهوًى، ولا يكادُ اليومَ يُوجَدُ في الأمَّةِ حاكمٌ عالمٌ، وإنْ عَلِمَ في بابٍ، فإنَّه على خلافِ ذلك في عامَّةِ الأبوابِ، وقد أمَرَ اللَّهُ بإرجاعِ الأمر إلى العالِمِينَ المُستنبِطِينَ؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، ومن لا يَعْلَمْ لا يَستنبِطْ، ومَن لا يَستنبِطْ لا يَفصِلُ، وإنْ كان عِلمُهُ بغيره، فيَحكُمُ ويَفصِلُ بمَنْ يَستشيرُهُ ويُعْلِمُه، واللَّه أعلَمُ.\nوقد تقدَّم الكلام على الشُّورَى وأحكامِها وأحوالِها، عندَ قولِه تعالى: ﴿جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، وقولِهِ تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢].","vol":"4","page":2031},{"text":"* قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٣٩ - ٤١].\nشرَع اللَّهُ لِمَنْ بُغِيَ عليه أن يَنتصِرَ لنفسِه، وألَّا يَبْغِيَ عندَ انتصارِهِ فَتغلِبَهُ نفسُهُ فيَزِيدَ في حقِّه مِن مالِ أو عِرْضٍ أو دمٍ، فيَتزايَدَ الناسُ في طلبِ البغي الذي لا ينتهي، فيَتعاظَمَ ويَشْتدَّ الظُّلْمُ بتَزَايُدِهِمْ في انتصارِهم لأنفُسِهم، وكثيرًا ما يدخُلُ المظلومُ بابَ الانتصارِ لنفسِهِ حتى يُصبِحَ ظالمًا وقد كان مظلومًا، وما يَزالونَ يتزايدونَ في الانتصارِ لأنفسِهم كما يَتَرَابَى أهلُ الأموالِ رِبَا الأموالِ؛ ولهذا حَثَّ اللَّهُ على تقديمِ العفوِ؛ حتى لا يقعَ الناسُ في شيءٍ مِنِ ذلك، فيكونَ شرًّا عامًّا بدلًا مِن شرٍّ وبَغْيٍ خاصٍّ.\nوهذه الآية نظيرُ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ [النحل: ١٢٦]، وقولِهِ تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾ [الحج: ٦٠]، وقد تقدّم الكلامُ على الانتصارِ للنَّفْسِ بمِثلِ ما بُغِيَ عليها في سورةِ البقرةِ عندَ قولهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقد تقدَّم أيضًا الكلامُ على أحوالِ الانتصارِ للنَّفْسِ، ومتى يجب أن ينتصِرَ الإنسانُ مِن الظالمِ ومتى يُستحَبُّ له العفوُ والصَّفحُ، في سورةِ الشُّعَراءِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ [الشعراء: ٢٢٧].\n* * *","vol":"4","page":2032},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1284>سورة الزخرف</span>\nسُورةُ الزُّخْرُفِ حُكِيَ الإجماعُ على مكيَّتِها (١)، وفيها بيانُ فضلِ القرآن، وسُنَّةِ اللَّهِ في الأوَّلينَ وحالِهم في الإعراض، وبيانُ آياتِهِ الكونيَّةِ وإبداعِ خَلْقِهِ وصُنْعِه، وحَقِّ اللَّهِ بالتوحيدِ، وذِكْرُ بعضِ الأنبياءِ وحالِ أُمَمِهم معهم، والتذكيرُ بآخِر الزمانِ وقُرْبِ الساعة، وحالِ الفريقَينِ في الآخِرةِ.\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢].\nهذا تذكيرٌ مِن اللَّهِ بنِعَمِهِ وخَلْقِهِ الأزواجَ لتتناسَلَ وتتكاثَرَ؛ ليدومَ نعيمُه، وتقومَ حُجَّتُه، وذكَّر بشيءٍ مِن النِّعَم، وهو ركوبُ الدوابِّ والفُلْكِ لمنافعِ الناس، وقد تقدَّم الكلامُ على أحكامِ ركوبِ الدوابِّ عندَ قُولِهِ تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧، ٨]، وتقدَّم الكلامُ على ركوبِ البحرِ وأحوالِه، وحُكْمِ الغزوِ فيه وفضلِه، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير القرطبي\" (١٩/ ٥).","vol":"4","page":2033},{"text":"حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢].\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤].\nذكَر اللَّهُ نِعْمةَ الركوبِ على الدوابِّ والفُلْك، وأشار إلى أنَّ أعظَمَ المواضعِ التي يَتذكَرُ فيها العبدُ نِعَمَهُ هي حالُ انتفاعِهِ منها، وأمَرَ بشكرِ المُنعِمِ عندَ ذلك وذِكْرِه، واظهارِ الافتقارِ إليه، والبراءةِ مِن الحَوْلِ والقوةِ إلَّا به؛ حتى لا يَغتَرَّ الإنسان بما فعَلَ مِن تدبيرٍ، وهذه الآيات نزَلَتْ والمراكبُ مِن الأنعامِ: الإبلِ والبقرِ والغنم، ولم يَصنَعِ الإنسانُ حينَها إلَّا الفُلْكَ بيدِه، ومع ذلك ذكَّر اللَّهُ بتلك النِّعَم، وأمَرَ بالافتقارِ وعدمِ الاغترار، والإنسان اليومَ أحوَجُ إلى ذلك وهو يصنعُ طائراتٍ وسيَّاراتٍ وقاطراتٍ وأنواعَ المراكبِ التي لم تكنْ فيمَن قبلَهم، وفتنتُهم فيها أشَدُّ ممَّن قبلَهم.\nوفي هذه الآيةِ: بيانٌ لذِكْرِ الركوبِ على المراكبِ، وقد تقدَّم الكلامُ على ذِكْرِ الركوبِ ودُعَاءِ السفرِ وذِكرِه، والفرقِ بينَهما، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾ [هود: ٤١]\n* * *","vol":"4","page":2034},{"text":"* قال اللَّهُ تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨].\nذكَر اللَّهُ المرأةَ فوصَفَها بأنَّها تُنَشَّأُ لابسةً حُلِيًّا وزِينةً مِن صِغَرِها، وفي ذلك أنَّ الحِلْيَةَ مِن خصائصِ المرأة، وأمرُها في ذلك فيه سَعَةٌ؛ فيجوزُ للمرأةِ أن تَلبَسَ مِن الحُلِيِّ ما شاءتْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1285>لُبْسُ الصبيِّ والرجُلِ للحُلِيِّ:</span>\nوالأصلُ: أنَّه لا يُشرَعُ تَحْلِيَةُ الغلام، ولا أنْ يتحلَّى الرجلُ؛ لأنَّ هذا ليس مِن خصائصِه الفِطْريَّةِ، وتَحْلِيَتُهُ بالحُلِيِّ كالقِلادةِ والسِّوَارِ تأنيثٌ له، فيُكرَهُ إلباسُ الصبيِّ المعادِنَ تحليةً له ولو لم تكنْ ذهبًا، فهي إن لم تحرُمْ لكونِها ذهبًا وفضةً، إلَّا أنَّه يُمنَعُ منها لمُخالَفَتِها للفِطْرة، وقد قال -ﷺ- في أسامةَ بنِ زيدٍ: (لَوْ كَانَ أُسَامَةُ جَارِيَةً، لَحَلَّيْتُهُ وَكَسَوْتُهُ؛ حَتَّى أُنَفِّقَهُ)؛ رواهُ أحمدُ وابنُ ماجَه (١)، فكما أنَّ الجاريةَ تُفارِقُ الغلامَ في الكِسْوة، فإنَّها تُخالِفُه كذلك في الحُلِيِّ.\nوأمَّا الذهبُ، فقد حرَّم اللَّهُ على الرجالِ التحلِّيَ به، وقد قال النبيُّ -ﷺ- في الذهبِ والحَرِيرِ: (أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لإِنَاثِ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا)؛ رواهُ أحمدُ والنَّسائيُّ (٢)، وقد رأى النبيُّ -ﷺ- على رجلٍ خاتَمًا مِن ذهبٍ، فقال له: (يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ، فَيَجْعَلُهَا في يَدِهِ)؛ رواهُ مسلمٌ (٣).\nفلا يجوزُ لُبْسُ الرجلِ لخاتَمِ الذهبِ، وأمَّا خاتَمُ الفضةِ، فجائزٌ أنْ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦/ ١٣٩)، وابن ماجه (١٩٧٦).\n(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٣٩٢)، والنسائي (٥١٤٨).\n(٣) مسلم (٢٠٩٠).","vol":"4","page":2035},{"text":"يَلْبَسَهُ الرجلُ، وقد ثبَتَ عنه -ﷺ- أنَّه اتَّخَذَ خاتَمًا مِن فِضَّةٍ؛ كما في \"الصِحيحَيْنِ\"، عن أنسٍ؛ قال: \"لَبِسَ رسولُ اللَّهِ -ﷺ- خَاتَمَ فِضَّةٍ فِي يَمِينِهِ\" (١).\nوفي قولِه: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ أنَّ المرأةَ جُبِلَتْ على حياءٍ وانكسارٍ! فلا تَقْوَى على إظهارِ الحُجَّةِ عندَ الخصوماتِ والخلافاتِ، وفي هذا ضَعْفُ منزلتِها في أبوابِ القضاءِ والحُكْمِ، فمَن لم يكنْ كاملًا في الإفصاحِ عن حُجَّتِهِ عندَ النِّزاعِ، فإنَّ قضاءَهُ عندَ تخاصُمِ الناسِ إليه أظهَرُ في الضَّعْف، فالمرأةُ تَغلِبُها العاطفةُ والشفقةُ، وتُفقِدُها تمييزَ الحقوق، فتَلِينُ مع مَن يُبْدِي ضَعْفًا ومَسْكَنةً وبُكاءً ورِقَّةً ولو كانتْ حُجَّتُهُ ضعيفةً، على مَن كان ثابتًا قويًّا ولو كانتْ حُجَّتُهُ قويَّةً، وقد تقدَّم الكلامُ على وِلَايةِ المرأةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣].\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٨٧٠)، ومسلم (٢٠٩٤).","vol":"4","page":2036},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1286>سورة الأحقاف</span>\nسورةُ الأَحْقَافِ مكيَّةٌ؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ والحَسَنُ وعِكْرِمةُ، وإنَّما الخلافُ في آياتٍ يسيرةٍ (١).\nويَظهَرُ في الأحقافِ الدعوةُ إلى التوحيدِ، واتفاقُ دعوةِ الرُّسُلِ عليه وعلى التحذيرِ مِن الشِّرْكِ، وبيانُ خطرِ عاقبةِ المشرِكِينَ وحَسْرَتِهم، وفي السُّورةِ: الدعوةُ إلى بعضِ أصولِ الفِطْرةِ العامَّةِ كالبِرِّ والإحسانِ، وفيها ذِكْرٌ لآياتِ اللَّهِ الكونيَّةِ وتفرُّدِهِ بالخَلْقِ واستحقاقِهِ لذلك للعبادةِ وَحْدَه.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ [الأحقاف: ١٥].\nوقد أمَرَ اللَّهُ بالإحسانِ إلى الوالدَيْنِ في آياتٍ كثيرةٍ، بل قد قرَنَ اللَّهُ بِرَّ الوالدَيْنِ بتوحيدِه وعِبَادتِهِ؛ لِعَظَمَتِهِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [العنكبوت: ٨]، وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا\n_________\n(١) ينظر: \"زاد المسير\" (٤/ ١٠٢).","vol":"4","page":2037},{"text":"مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: ١٥١]، وتقدَّم الكلامُ في بِرِّ الوالدَينِ وفضلِهِ فيما سبَقَ مِن الآياتِ.\nوقولُه تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾؛ يعني: على كُرْهٍ وشدةٍ وألمٍ، وقدَّم اللَّهُ الأُمَّ وخَصَّها بالذِّكْرِ؛ لِفَضْلِها وتقدُّمِ حقِّها على حقِّ الأبِ بالإجماعِ، وفي هذا يقولُ النبيُّ -ﷺ- كما رواهُ أحمدُ: \"أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاَك، ثُمَّ أَدْنَاكَ فَأَدْنَاكَ\" (١).\nوفي \"الصحيحَيْنِ\" عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، مَن أحَقُّ النَّاس بِحُسنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: (أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1287>أكثَرُ الحملِ والرَّضَاعِ وأقَلُّهُ:</span>\nوفي قولِهِ تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ إشارةٌ -لا صريحُ عبارةٍ- إلى أنَّ أقلَّ الحملِ ستةُ أشهُرٍ؛ وذلك أنَّ اللَّهَ جعَلَ مدةَ الرَّضَاعِ حولَيْنِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ وذلك أنَّ اللَّهَ جعَلَ الحملَ والرَّضَاعَ ثلاثِينَ شهرًا، والحَوْلانِ أربعةٌ وعشرونَ منها، وبَقِيَ ستةُ أشهُرٍ.\nورُوِيَ الاستدلالُ لذلك عن عمرَ وعثمانَ وعليٍّ وابنِ عبَّاسٍ؛ فقد رَوَى ابنُ أبي حاتمٍ، عن أبي الأسودِ الدِّيَلِيِّ؛ أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ رُفِعَتْ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٢٢٦).\n(٢) أخرجه البخاري (٥٩٧١)، ومسلم (٢٥٤٨).","vol":"4","page":2038},{"text":"إليه امرأةٌ ولَدَتْ لستةِ أشهُرٍ، فهَمَّ برَجْمِها، فبلَغَ ذلك عليًّا، فقال: ليس عليها رَجْمٌ؛ قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وستةُ أشهُرٍ؛ فذلك ثلاثونَ شهرًا (١).\nوقد أخرَجَ ابنُ جريرٍ، عن بَعْجَةَ بنِ زيدِ الجُهَنيِّ؛ أنَّ امرأةً منهم دخَلَت على زَوْجِها، وهو رجلٌ منهم أيضًا، فولَدَتْ له في ستةِ أشهرٍ؛ فذُكِرَ ذلك لعثمانَ بنِ عَفَّان، فأمَرَ بها أنْ تُرْجَمَ، فدخَلَ عليه عليٌّ بن أبي طالبٍ، فقال: إنَّ اللَّهَ يقولُ في كتابِه: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، وقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، قال: فوَاللَّهِ، ما عَبِدَ عثمانُ أنْ بعَثَ إليها تُرَدُّ (٢).\nوقد أخرَجَهُ عبدُ الرزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي عُبَيْدٍ مَولى عبد الرحمنِ بنِ عوفٍ، وذكَرَ أنَّ المُستدِلَّ إنَّما هو ابنُ عبَّاسٍ (٣).\nوهو صحيحٌ، وقد ذكَره مالكٌ في \"الموطَّأِ\" بلاغًا (٤).\nوربَّما كان ذلك في نوازلَ متعدِّدةٍ، وقد اختلَفَ العلماءُ في أقلِّ الحمل، والذي عليه الجمهورُ: أنَّ أقَلَّه ستةُ أشهُرٍ؛ وذلك لِمَا سبَقَ.\nوقد يُوجَدُ مَن يُولَدُ لأقلَّ مِن ستةِ أشهْرٍ، لكنَّه لا يعيشُ غالبًا بعدَ ولادتِهِ إلَّا بمُنقِذٍ مِن الآلاتِ والأجهزةِ الحديثة، والنادرُ لا حُكمَ له في أبوابِ الإطلاق، وإلَّا لم يصحَّ إطلاقٌ ولا عمومٌ ولا قاعدةٌ، وليس في إثباتِ الولادةِ لأقلَّ مِن سِتٍّ ما يُشكِّكُ في الوحي؛ كما يَزعُمُ أهلُ الباطلِ؛ وذلك أنَّ القرآنَ لم يصرِّحْ بذلك؛ وإنَّما جَعَلَهُ تقريبًا، لا حدًّا\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٤٢٨).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢٠/ ٦٥٧)، وفيه: \"قَالَ ابن وَهْبٍ: عَبِدَ: اسْتَنْكَفَ\".\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٣٤٤٦).\n(٤) \"موطأ مالك\" (٣/ ٨٢٥).","vol":"4","page":2039},{"text":"فاصلًا لا يَستأخِرُ ولا يَستقدِمُ؛ لأنَّ حَوْلَي الرَّضَاعةِ يجوزُ قَصْرُهما في قولِهِ تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وكان الرَّضَاعُ والحَمْلُ يَكْفِيهِ ثلاثونَ شهرًا، فلو وُلِدَ لتِسْعٍ، فَإن قُصِرَ الرَّضَاعُ ثلاثةَ أشهُرٍ، فذلك لا يؤثِّرُ على كمالِ الطفلِ، ولا حقِّه في الإرضاعِ على أبيهِ أو أمِّه ومُرْضِعتِه، وكأنَّه بيانٌ لحدِّ الكفايةِ؛ فما فاتَهُ مِن غذاءٍ في بطنِ أمِّه يَستدرِكهُ بإتمامِ الحولَيْن، وما أَتمَّهُ في بطنِ أمِّه يجوزُ قصرُهُ مِن الرَّضَاعِ عن الحولَيْن، وبذلك يتمُّ حقُّه بالطعام، وهو ثلاثونَ شهرًا؛ وهذا مُحْتمَلٌ.\nثمَّ إنَّ الحياةَ بغيرِ الرَّحِمِ، والسلامةَ مِن غيرِ تكييفٍ خارجٍ عن العادةِ - ليستْ مقصودًا في الآيةِ؛ فاللَّهُ ذكَر الحَمْلَ: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾؛ يعني: على شِدَّةٍ وكُرْهٍ ومشقةٍ، فهي الحاملةُ لا غيرُها، وأمَّا الحملُ في غيرِ الرحمِ كما يكونُ في الطبِّ الحديث، فذلك غيرُ مقصودٍ في إحصاءِ المُدَّةِ في الآيةِ.\nوقد اخْتُلِفَ في أكثرِ مدةِ الحملِ أيضًا:\nوأكثرُهُ عندَ الجمهورِ: أربعُ سنواتٍ، وهو قولُ المالكيَّةِ والشافعيَّةِ والحنابلةِ.\nوفي قولٍ لبعضِ الفقهاءِ مِن المالكيَّةِ: أنَّها خمسُ سنواتٍ.\nومذهبُ الحنفيَّةِ -وبه يقولُ بعضُ الحنابلةِ-: أنَّها سنتانِ.\nومنهم: مَن حَدَّ أعلاهُ بسَنَةٍ، كابنِ عبدِ الحكمِ وابنِ رُشْدٍ (١).\nومن العلماءِ: مَن لم يجعلْ للحملِ حَدًّا، لا في قليلِه ولا في كثيرِه؛ وله قال أبو عُبَيْدٍ (٢).\n_________\n(١) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٣٥٨).\n(٢) \"المغني\" (١١/ ٢٣٣).","vol":"4","page":2040},{"text":"وهذا التقديرُ مِن الفقهاءِ جريًا على ما سَمِعُوهُ مِن أحوالِ النساءِ، وليس في ذلك شيءٌ يَفصِلُ مِن الشرعِ ولا يثبُتُ، وفي كتبِ التاريخِ والسِّيَرِ مرويَّاتٌ في الحملِ سِنِيِنَ، وهذا كلُّه ممَّا لا يثبُتُ، ومه ما يُجزَمُ بكذبِه، وما صحَّ سندُهُ، فإنَّ الناسَ قد يظُنُّونَ انتفاخَ بطنِ المرأةِ حملًا لجهلِهم، ويُظُنُّونَ أنَّ ما فيها ولدٌ، ويَطَؤُها زوجُها ويظُنُّها موطوءةً على حَمْلٍ، فتَحمِلُ منه بعدَ ذلك، ويظُنُّ أنَّ حَمْلَها بدَأَ مِن حسابِ حَمْلِها الكاذبِ؛ وذلك لقلةِ الطبِّ ومعرفةِ الناس، وأقوالُ الفقهاءِ في ذلك ليستْ عن نصٍّ، وإنَّما لسماع أحوالٍ بَنَوْا عليها واحتاطُوا، وفي هذا يقولُ ابنُ عبدِ البَرِّ: \"وهذه مسألةٌ لا أصلَ لها إلَّا الاجتهادُ، والرَّدُّ إلى ما عُرِفَ مِن أمرِ النساءِ\" (١).\n* * *\n_________\n(١) الاستذكار (٢٢/ ١٧٩).","vol":"4","page":2041},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1288>سورة محمد</span>\nسُوْرَةُ مُحَمَّدٍ تُسمَّى سورةَ القِتَالِ؛ لِمَا فيها مِن أحكامِ القتالِ والأَسْرى، وهي مَدَنِيَّةٌ على الأصحِّ، وقد حُكِيَ الإجماعُ على ذلك (١)، وليس كذلك؛ فمِن العلماءِ مَن قال: بأنَّها مكيَّة، وهذا يُروى عن سعيدِ بنِ جُبَير، والضَّحَّاكِ، والسُّدِّيِّ، والذي عليه أكثرُ السلفِ؛ أنَّها مدَنيَّةٌ، وهو مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ، وعبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَير، ومجاهِدٍ، وقال بذلك عبدُ الرزَّاقِ (٢)، وعامَّةُ المفسِّرينَ (٣).\nوتضمَّنتْ سورةُ محمَّدٍ حالَ الكافِرِينَ والمؤْمِنِينَ في اتِّبَاعِ الحقِّ، وعاقبةَ الفريقَيْنِ ومُستقَرَّهم، وحُكْمَ قتالِ الكافِرِينَ ومُهادَنَتِهم، ومواقفَ المُنافِقِينَ منه وأوصافَهم، وفضلَ النفقةِ في سبيلِ اللَّهِ.\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤)﴾ [محمد: ٤].\nأمَرَ اللَّهُ بجهادِ الكافِرِينَ والشِّدَّةِ عليهم في ذلك، وعندَ لقاءِ العدوِّ\n_________\n(١) \"تفسير ابن عطية\" (٥/ ١٠٩).\n(٢) \"تفسير القرآن\" لعبد الرزاق (٢/ ٢٢٠).\n(٣) ينظر: \"زاد المسير\" (٤/ ١١٥)، و\"تفسير القرطبي\" (١٩/ ٢٣٩)، و\"الدر المنثور\" (١٣/ ٣٤٨).","vol":"4","page":2043},{"text":"في الحربِ يُضرَبُ بما يُفنِيهِ، ويُقدَّمُ القتلُ على الأَسْرِ؛ حتى يتحقَّقَ الإثخانُ فيهم، فإذا تمَّ الإثخانُ فيهم وتحقَّقَ تنكيلُهم، يُقدَّمُ الأَسْرُ، وهذه الآيةُ نظيرُ قولِهِ تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)﴾ [الأنفال: ٦٧]، وقد تقدَّم فيها الكلامُ على تقديمِ القتلِ على الأَسْرِ في بدايةِ القتالِ والحِكْمةِ مِن ذلك، وكذلك تقدَّم حُكْمُ ضربِ العدوِّ كيفما اتَّفَقَ وإصابتِهِ في أيِّ موضعٍ، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1289>حُكْمُ أَسْرَى المشرِكِينَ:</span>\nفي قولِه تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ التخييرُ في التعامُلِ مع الأَسْرَى: إمَّا بالمَنِّ عليهم وإطلاقِهِمْ تأليفًا لهم ولقومِهم، وإمَّا بمُفاداتِهم بأَسْرَى المُسلِمِينَ أو بالمالِ.\nوقد اختُلِفَ في نَسْخِ هذه الآيةِ:\nفمنهم: مَن قال: بأنَّها منسوخةٌ بقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]؛ وبه قال قتادةُ (١)، والحَكَمُ (٢)، ويُروى النسخ عن أبي عبَّاسٍ؛ رواهُ عنه العَوْفِيُّ (٣)، وقد خالَفَه عليُّ بنْ أبي طلحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ بعدمِ النَّسْخِ، وأنَّ الإمامَ مخيَّرٌ (٤)؛ وهو أصحُّ.\nوأكثرُ العلماءِ على عدم النَّسْخِ، وبه قال مِن السلفِ عطاءٌ والحسنُ وعمرُ بن عبدِ العزيزِ وغيرُهم (٥).\nوقد اختلَفَ العلماء في أَسْرَى المشركينَ بينَ التخييرِ بينَ القتلِ والمَنِّ والفِداءِ، وبينَ تقديم واحدٍ منها على الآخَرِ، على أقوالٍ:\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢١/ ١٨٤).\n(٢) \"تفسير القرطبي\" (١٩/ ٢٤٥).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٢١/ ١٨٥).\n(٤) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧٣٢).\n(٥) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٢١/ ١٨٥ - ١٨٦)، و\"تفسير القرطبي\" (١٩/ ٢٤٦).","vol":"4","page":2044},{"text":"قالت طائفةٌ: إنَّه مخيَّرٌ بينَ المَنِّ والفِدَاءِ، وليبس له القتلُ؛ أخذًا مِن ظاهرِ الآية، وأنَّ اللَّهَ خيَّرَ بينَهما، ولم يُخيِّرْهُ بالقتلِ؛ وصحَّ هذا عن عطاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ والحَسَنِ (١)، ورأَوْا أنَّ الأسيرَ لا يُقتَلُ إلَّا في الحربِ.\nوقال بعضُهم: إنَّه يجبُ فيهم القتلُ، وإنَّ التخييرَ منسوخٌ على ما تقدَّمَ حكايتُه، وممَّن قال بهذا القولِ مَن جعَلَ الآيةَ خاصَّةً بأهلِ الأوثانِ؛ فلا يُفادَوْنَ ولا يُمَنُّ عليهم؛ وفيه نظرٌ.\nومنهم مَنِ استثنى المرأةَ؛ لأنَّها لا تُقتَل، فيجوزُ الفِداءُ بها.\nوبقتلِ الأُسارَى قال أبو حنيفةَ؛ حتى لا يعُودوا لقتالِ المُسلِمِينَ.\nوقال جمهورُ الفقهاءِ: بأنَّه مخيَّرٌ بينَ القتلِ والمَنِّ والفِدَاءِ والاسترقاقِ، وهذا الأرجحُ، فقد قتَلَ النبيُّ -ﷺ- أقوامًا مِن أَسْرَى الكافرينَ؛ ففي بَدْرِ قتَلَ النضرَ بنَ الحارث، وعُقْبةَ بنَ أبي مُعَيطٍ، وقد روى البخاريُّ ومسلمٌ أنَّ ثُمَامَةَ بنَ أُثَالٍ قال لرسولِ اللَّهِ -ﷺ- حينَ قال له: \"مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ \": \"إِن تَقْتُلْ تَقتُل ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِن كُنْتَ تُرِيدُ المَالَ، فَسَل تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ\" (٢).\nوإنَّما لم يُذكَرِ القتلُ في الآيةِ؛ لظهورِه، وقد كان سابقًا مِن النبيِّ -ﷺ- في مواضعَ مِن الأَسْرَى، والحاجةُ ماسَّةٌ لبيانِ الحقِّ بالفِدَاءِ أو المَنِّ، وقد قتَلَ النبيُّ -ﷺ- أَسْرَى في بدر، وقتَلَ رجالَ بني قُرَيْظةَ، وهذا العملُ المشتهِرُ لو كان منسوخًا، لنُسِخَ بنصٍّ واضحٍ بيِّنٍ؛ لأنَّه ليس بالأمرِ الهيِّنِ، ولَتَجَلَّى في عملِ الصحابةِ.\nوبالتخييرِ بينَ القتلِ والمَنِّ والفِدَاءِ والرِّقِّ قال جمهورُ الأئمَّةِ، وهو\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢١/ ١٨٥ - ١٨٦).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٣٧٢)، ومسلم (١٧٦٤).","vol":"4","page":2045},{"text":"الصحيحُ عن ابنِ عبَّاسٍ، وجاء عن ابنِ عمرَ والشوري والأوزاعيِّ، وهو مذهب مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ، وهو قولٌ لأبي حنيفةَ حكاهُ عنه الطحاويُّ.\nوقد رَوَى عليُّ بن أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ في قولِهِ تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، قال: ذلك يومَ بَدْرٍ والمُسْلِمونَ يَوْمَئِذٍ قليلٌ، فلمَّا كَثُرُوا واشتَدَّ سُلْطَانُهم، أنزَلَ اللَّهُ تعالى بعدَ هذا في الأُسَارَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾، فجعَلَ اللَّهُ النبيَّ والمؤمنين في الأُسَارَى بالخِيَارِ: إنْ شاؤوا قَتَلُوهم، وإنْ شاؤوا استعبَدُوهم، وإن شاؤوا فادَوْهم (١).\nوقد حكى الجصَّاصُ الاتفاقَ على جوازِ قتلِ الأسيرِ (٢)، والصوابُ: أنَّه المذهبُ الصحيحُ لعامَّتِهم.\nوقد تقدَّم الكلامُ على مسألةِ فَكَاكِ أَسْرَى المُسلِمِينَ ومُفاداتِهم بأَسْرَى الكفار، وحُكْمِ فَكاكِ أَسْرَى المُسلِمِينَ بهم وبالمال، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وقولِه تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥].\nوتقدَّم الكلامُ في التعامُلِ مع الأسيرِ وتعذيبِهِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٤].\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٢٧٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٧٣٢).\n(٢) \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٢٦٩).","vol":"4","page":2046},{"text":"* قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ [محمد: ٢٢].\nذكَرَ اللَّهُ أنْ لو تولَّى المؤمنون عن شريعةِ اللَّه، ومنها الجهادُ، وأنَّ تَوَلِّيهم سيكونُ سببًا للفسادِ في الأرضِ كما كان الناسُ في الجاهليَّةِ، وفي هذا بيانُ أنَّ الجهادَ إنَّما شرَعَهُ اللَّهُ لحربِ الفسادِ في الأرضِ وإعلاءِ كلمةِ الحقِّ، وأنَّ عقوبةَ تَرْكِهِ تمزيقُ الأُممِ وتقاتُلُها، وذلك أنَّ الناسَ إنْ لم يُقاتِلُوا بالحقِّ الباطلَ، اقتتَلَ الحقُّ فيما بينَهُ حتى يُمزَّقَ، ثمَّ يَخلُفُهُ الباطلُ، ويَقتتِلُ الباطلُ فيما بينَهُ حتى يُمزَّقَ، ثمَّ يَخلُفُهُ الحقُّ، فيَدُور البشرُ في دائرةِ الفسادِ والإفسادِ، فيَدفَعُ اللَّهُ الفسادَ كلَّه بالجهادِ.\nوفي قَرْنِ اللَّهِ لقطيعةِ الأرحام مع الإفسادِ في الأرضِ إشارةٌ إلى أنَّ الرحِمَ إنْ قُطِعَتْ، فسَدَتِ الأُمَمُ؛ لأنَّ الأرحامَ ووَصْلَها يعني اجتماعَ الناسِ؛ وذلك يَحفَظُ في النفوسِ الحياءَ وفطْرتَها الصحيحةَ، ولكنْ إنْ تمزَّقتْ، ذهبَ الحياءُ، وضَعُفَتِ الفِطْرةُ، وفعَلَتِ الحرامَ بلا خشيةٍ مِن اللَّهِ ولا حياءٍ مِن الناسِ؛ ولهذا شدَّدَ اللَّهُ في أمر الرَّحِمِ وعَظَّمَ شأنَها، وقد روى الشيخانِ؛ مِنْ حديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ -ﷺ-، قال: (خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ، قَامَتِ الرَّحِمُ فَأَخَذَت بِحَقْوِ الرَّحْمَن، فَقَالَ لَهُ: مَهْ؟ قَالَت: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَة، قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَك، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَذَاكِ)، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (١).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٨٣٠)، ومسلم (٢٥٥٤).","vol":"4","page":2047},{"text":"وقد تقدَّم الكلامُ على صِلةِ الأرحامِ عندَ قولِه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ [محمد: ٣٣].\nأمَرَ اللَّه المؤمنينَ بحِفْظِ أعمالِهم الصالحةِ وحَسَنَاتِهم، وألَّا يَنقُضُوها بعملٍ سَيِّئٍ؛ سواءٌ كان كفرًا يُحبِطُ العملَ كلَّه، أو كان كبيرةً تُحبِطُ الحَسَنات، فإنَّه لا خلافَ عندَ السلفِ: أنَّ الحسناتِ تُذهِبُ السيِّئاتِ؛ وذلك لقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، ولِمَا تواتَرَ في السُّنَّةِ، وإنَّما خلافُ أهلِ السُّنَّةِ في إحباطِ السِّيئاتِ للحسناتِ؛ والدليلُ يعضُدُ ثبوتَ ذلك؛ وبه قال الحسنُ، والزُّهْريُّ (١)، وقتادةُ، وقد حمَلَ بعضُ السلفِ قولَه تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ على هذا النوع، كما صحَّ عن قتادةَ أنَّه قال في قولِهِ: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾: مَن استطاعَ منكم ألَّا يُبْطِلَ عملًا صالحًا عَمِلَهُ بعمل سيِّئٍ، فلْيَفْعَل، ولا قوةَ إلَّا باللَّهِ! فإنَّ الخيرَ يَنسَخُ الشرَّ، وإنَّ الشرَّ يَنسَخ الخيرَ، وإنَّ مِلاكَ الأعمالِ خواتيمُها (٢).\nوقد تقدَّم الكلامُ على أنواعِ إحباطِ العملِ الصالحِ استطرادًا عندَ قولِه تعالى مِن سورةِ الكهفِ: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾ [١٨].\nوتقدَّم الكلامُ على إحباطِ الرِّدَّةِ للعملِ الصالحِ عندَ قولِه تعالى:\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير القرطبي\" (١٩/ ٢٨٧).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢١/ ٢٢٦).","vol":"4","page":2048},{"text":"﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧].\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥)﴾ [محمد: ٣٥].\nنَهَى اللَّهُ المؤمنينَ عن أسبابِ الهَوَانِ والصَّغَارِ، ومِن ذلك أن يَطْلُبوا السَّلْمَ مع الكافِرِينَ رمنَ قُوَّتِهم وقُدْرتِهم وتمكُّنِهم؛ فإنَّ الكافرينَ وإنْ أظهَروا اللِّينَ والمودَّةَ، فهم يَطْوُونَ في نفوسِهم المَكْرَ والخديعةَ والتربُّصَ؛ فنَهى اللَّه عن مُسالَمَتِهم زمنَ قوةِ المُسلِميِنَ وتمكُّنِهم؛ فإنَّ دوامَ المُسالَمةِ تَدفَعُ المُسلِمينَ إلى مُخالَطَتهم والقَرَارِ بينَ ظَهرَانَيْهِمْ والإعجابِ بهم.\nوقد تقدَّم الكلامُ على أحكامِ السَّلْم والهُدْنةِ وحدودِها وآثارِها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]، وقولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ [الأنفال: ٦١]، وقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ٩٧].\nوقد تقدَّم الكلامُ على مَراتب الأعداء في القتالِ، والتدرُّجِ في ذلك، والنظرِ إلى الأسبابِ الشرعيَّةِ والكونيَّةِ، والفرقِ بينَ عقيدةِ الوَلَاءِ والبَراءِ وسياسةِ الاستعداءِ، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧].\n* * *","vol":"4","page":2049},{"text":"* قال اللَّهُ تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾ [محمد: ٣٨].\nعظَّم اللَّهُ منزلةَ النفقةِ في سبيلِه، وحذَّر مِن البخلِ عندَ حاجةِ المُسلِمينَ إلى ذلك، وخاصَّة عندَ حاجتِهم للجهادِ في سبيلِ اللَّهِ وصدِّ عدوِّه، وقد بيَّن اللَّه أنَّ تَرْكَ النفقةِ عندَ قيامِ مُوجِبِها هلاكٌ للمُمْسِكِين، ومَحْقُ بَرَكةٍ للقادرِين، وسمَّى اللَّهُ المحذِّرينَ مِن الإنفاقِ، الداعِينَ للإمساكِ: بالمُنافِقينَ؛ كما في سورةِ (المُنافِقونَ) وغيرِها.\nوقد تقدَّم الكلامُ على النفقةِ في سبيلِ اللَّهِ وحُكْمِها عندَ قيامِ موجبِها عندَ قولهِ تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].\n* * *","vol":"4","page":2050},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1290>سورة الفتح</span>\nسورةُ الفتحِ مدنيَّةٌ، وبه قال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهِدٌ (١)، وقد رَوى الزُّهْريُّ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيْرِ، عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ ومَرْوَانَ؛ قالا: \"نزَلتْ سورةُ الفتحِ بينَ مكَّةَ والمدينةِ؛ كلُّها في شأنِ الحُدَيْبِيَةِ\" (٢)، وفي \"صحيح مسلم\"؛ مِن حديثِ أنسٍ؛ أنَّها نزَلتْ مُنصرَفَهُ مِن الحُدَيبِيَةِ، ثمَّ قال: (لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا) (٣).\nوقد حَكَى الإجماعَ على مدَنيَّتِها جماعةٌ؛ كالزَّجَّاجِ وابنِ الجَوْزِيِّ وغيرِهما (٤)، وتضمَّنَتِ السُّورةُ البُشْرَى بالفتحِ المُبِينِ للمؤمنينَ، وذلك إشارةٌ إلى صُلْحِ الحُديبيَةِ وما يَعقُبُهُ مِن خيرٍ، وتضمَّنَت فضلَ أهلِ بَيْعَةِ الشجرةِ مِن الصحابةِ، ووجوبَ الإعدادِ، وخطرَ النِّفاقِ، وبيانَ أهلِ الأعذارِ عن الجهادِ، وفيها ذِكْرُ الصِّراعِ بينَ المؤمِنِينَ والمشرِكِين.\n* * *\n_________\n(١) ينظر: \"معاني القرآن\" للنحاس (٦/ ٤٩١)، و\"تفسير القرطبي\" (١٩/ ٢٩٤)، و\"الدر المنثور\" (١٣/ ٤٥٤).\n(٢) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٠/ ١٧) والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٤٥٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٢٣).\n(٣) أخرجه مسلم (١٧٨٦).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج (٥/ ١٩)، و\"زاد المسير\" (٤/ ١٢٥)، و\"تفسير القرطبي\" (١٩/ ٢٩٤).","vol":"4","page":2051},{"text":"* قال اللَّهُ تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)﴾ [الفتح: ١٦].\nخَصَّ اللَّهُ الأعرابَ بالخِطَابِ في هذه الآيةِ عندَ قُرْبِ قتالِ المُسلِمنَ للمشرِكِينَ؛ وذلك لِمَا سلَفَ منهم مِن تَوَلِّ عن رسولِ اللَّهِ -ﷺ- ورغبةٍ بأنفُسِهم عن نفسِه، وأمَّا القومُ الذين وصَفَهُمُ اللَّهُ بأنَّهم أُولُو بأسٍ شديدٍ، فقيل: إنَّهم هَوَازِنُ، وقيل: إنَّهم ثقيفٌ، وقيل: إنَّهم بنو حَنِيفةَ، وقبل: إنَّهم الفُرْسُ والرُّومُ، وقيل: التُّرْكُ؛ وبكلِّ هذا قال بعضُ السلفِ، والأظهرُ: عمومُ ذلك لكلِّ قومٍ يُقاتِلُهم المُسلِمونَ على الكفرِ.\nوتتضمَّنُ هذه الآيةُ وجوبَ الجهادِ عندَ استنفارِ الإمامِ؛ لظاهرِ قوله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ﴾، ثمَّ توعَّدهم إنْ تخلَّفوا: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)﴾، وقد تقدَّم الكلامُ على حُكْمِ استنفارِ الإمام وإجابتِهِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾ [آل عمران: ١٥٥]، وقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]، وقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١)﴾ [النساء: ٧١].\nوفي قولِه تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ دليلٌ على دَيْمُومةِ الجهادِ ما وُجِدَ الإسلامُ والكفرُ؛ وهذه الآيةُ نظيرُ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣].","vol":"4","page":2052},{"text":"وقد تقدَّم الكلامُ على دَيْمُومةِ الجهادِ عندَ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ [الأنفال: ٦١]، وقولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾ [المائدة: ٣٥].\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾ [الفتح: ١٧].\nلمَّا بيَّن اللَّهُ حُكْمَ الجهادِ ووجوبَهُ عِندَ النفيرِ، بيَّن عُذْرَ أهلِ الأعذارِ وفصَّل الأمرَ بينَ القادِرِينَ وبينَ العاجِزِينَ؛ حتى لا يَتوهَّمَ أحدٌ أنَّه قادِرٌ وهو عاجِزٌ، ولا يَتوهَّمَ أحدٌ أنَّه عاجِزٌ وهو قادِرٌ.\nوقد تقدَّم الكلامُ على أهلِ الأعذارِ الذين يجوزُ تخلُّفُهم عن الجهادِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١].\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠)﴾ [الفتح: ١٩ - ٢٠].\nفي هذه الآيةِ: مِنَّةُ اللَّهِ على المؤمِنِينَ في حِلِّ الغنائمِ لهم والأنفالِ وما أصابُوهُ مِن المشرِكِين، وقد سمَّاهُ اللَّهُ حلالًا طيِّبًا؛ كما قال تعالى في الأنفالِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩].","vol":"4","page":2053},{"text":"وقد تقدَّم الكلامُ على الغنائمِ بأنواعِها في صَدْرِ سورةِ الأنفالِ، وفي قولِه تعالى منها: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [٤١]، وفي البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [٢١٦]، وقولِهِ تعالى في آلِ عِمْرانَ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [١٦١].\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾ [الفتح: ٢٥].\nذكَرَ اللَّهُ ما فعَلَتْهُ قريشٌ مِن أمرٍ عظيمٍ، وهو صدُّ النبيِّ -ﷺ- ومَنْ معه مِن المُسلِمِينَ مِن الدخولِ إلى حَرَمِ اللَّهِ، ومَنَعُوهم مِن إيصالِ هَدْيِهم أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ فيُنحَرَ يومَ النحرِ للَّهِ، فجعَلَ اللَّهُ ذلك أمرًا عظيمًا، وعملًا خطيرًا، وقد توعَّدَهم اللَّهُ بالعذابِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ [الأنفال: ٣٤].\nوقد تقدَّم الكلامُ عن مسألةِ الصدِّ عن المسجدِ الحرامِ وما فعَلَتْهُ قريشٌ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧].\n* * *","vol":"4","page":2054},{"text":"* قولُه تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الفتح: ٢٥].\nكان في مَكَةَ مُسلِمونَ يكتُمُونَ إسلامَهُمْ؛ منَعَهُمْ مِن الهِجْرةِ والخروجِ العُذْرُ؛ فبيَّن اللَّهُ أنَّه لم يُسلطِ المؤمنينَ على الكافرينَ في مكةَ فيَستبيحُوهُمْ قتلًا وتشريدًا بسببِ طائفةٍ مؤمنِةِ تكتُمُ إيمانَها خوفًا ورهبةً، وبيَّن اللَّهُ أن هؤلاءِ المؤمِنِينَ مُخْتَفُونَ؛ ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾، وأنَّكم لو أَصَبْتُموهم، أصبتُموهم بغيرِ عِلْمٍ.\nوفي هذا تعظيمُ دمِ المسلمِ وبيانُ شديدِ حُرْمَتِه، فأخَّر اللَّهُ قتالَ النبيِّ -ﷺ- للمشرِكِينَ؛ حتى تتحَقَّقَ مِن ذلك مصالحُ؛ منها خلاصُ المُسلِمِينَ بأنفُسِهم فيَلْحَقُونَ بالمؤمنينَ، وكذلك مَن كان في ريبٍ مِن المشرِكِينَ وتردُّدٍ، وكتَب اللَّهُ عليه الرحمةَ: أنْ يَلحَقَ بالمؤمنِين.\nوفد بيَّن اللَّهُ تعالى أنَّه إنَّما أخَّر الأمرَ بالقَتالِ لأجلِ ذلك، فقال: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾؛ يعني: لو تَمَايَزوا وخرَجَ المؤمنونَ عن الكافرينَ، لاستحَقُّوا القتالَ والنَّكَالَ والعذابَ بأَيدِي المؤمنِين.\nوقد صحَّ عن قتادةَ؛ أنَّه قال: \"هذا حيِنَ رُدَّ محمدٌ وأصحابُهُ أنْ يدخُلُوا مكةَ، فكان بها رجالٌ مؤمنونَ ونساءٌ مؤمناتٌ، فكَرِهَ اللَّهُ أنْ يُؤْذَوْا أو يُوطَؤوا بغيرِ عِلْمٍ، فتُصيبَكم منهم مَعَرَّةٌ بغيرِ عِلْمٍ\" (١).\nوقد رُويَ أنَّ عددَ أولئك المؤمنينَ المُختلِطينَ بالمشرِكينَ ومَن قصَدَ اللَّهُ بالرحمةِ قليلٌ؛ حتى قيل: إنَّهم تسعةُ نَفَرِ؛ كما رَوَى الطبرانيُّ؛ مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عوفٍ؛ قال: \"سمعتُ جُنَيْدَ بنَ سَبُعٍ يقولُ: قاتَلْتُ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- أولَ النهارِ كافرًا، وقاتَلْتُ معه آخِرَ النهارَ مسلِمًا، وفينا نزَلَتْ: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾، قال: كنَّا تسعةَ نَفَرٍ: سبعةَ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢١/ ٣٠٥).","vol":"4","page":2055},{"text":"رجالٍ وامرأتَيْنِ\" (١).\nورُوِيَ أنَّهم ثلاثةُ رجالٍ، وتِسْعُ نِسوةٍ (٢).\nوقولُه تعالى: ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ المَعَرَّةُ: الإثمُ، وهو مشتقٌّ مِن العارِ، وهو العَيْبُ.\nوأخَذَ منه بعضُهم وجوبَ الدِّيَةِ عندَ قَتْلِهم؛ كما قالهُ ابنُ إسحاقَ (٣)، والأظهَرُ: عدمُ وجوبِ الديةِ؛ لأنَّ اللَّهَ أسقَطَ الديةَ وأوجَبَ الكفارةَ في قتلِ المؤمِنِ الذي يكونُ في صَفِّ المشرِكينَ ولا يُعلَمُ له؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢].\nولم يأمُر النبيُّ أسامةَ بدِيَةِ مَن قتَلَهُ لَمَّا تشهَّدَ وهو في صفِّ المشرِكِينَ، والحديثُ في \"الصحيحينِ\" (٤)، وقد تقدَّم الكلامُ على هذه المسألةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1291>حُكْمُ تترُّسِ المشرِكِينَ بالمُسلِمِينَ:</span>\nالتترُّسُ مأخوذٌ مِن التُّرْسِ، وهو نوعٌ مِن السلاحِ يُتَوَقَّى به، وتَترَّسَ الرجُلُ بالتُّرْسِ؛ يعني: أنَّه تَوَقَّى به.\nومسألةُ تترُّسِ الكفارِ بالمُسلِمِينَ مِن المسائلِ المعروفةِ عندَ السلفِ والفقهاءِ، والكلامُ فيها ليس على بابِ واحدٍ أو نوعٍ مُتَّحِدٍ؛ وإنَّما هي\n_________\n(١) أخرجه الطبرانى في \"المعجم الكبير\" (٢٢٠٤).\n(٢) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٣٥٤٣).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٢١/ ٣٠٦).\n(٤) أخرجه البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦).","vol":"4","page":2056},{"text":"على أحوالٍ؛ وذلك أنَّه لا يخلو الجهادُ غالبًا مِن ذلك، خاصَّةً في الزمنِ المتأخِّرِ في زمنِ تكاثُرِ الشعوبِ والأُمَمِ واختلاطِها، وتترُّسُ الكفارِ بالمُسلِمينَ على أقسامٍ:\nالقسمُ الأوَّل: أنْ يتترَّسَ الكفارُ بفئةٍ مِن المُسلِمينَ، ومرادُهم حمايةُ أنفُسِهِمْ فقطْ، ولا خوفَ ولا ضررَ على جماعةِ المُسلِمينَ مِن تركِ أولئك الكافِرِينَ وإمهالِهِمْ حتى ينجوَ المؤمنونَ ولو طال الأمدُ، فلا يجوزُ رميُ المُشْرِكينَ بما يُقتَلُ به المُسلِمونَ؛ وذلك كحالِ النبيِّ -ﷺ- مع قريشٍ؛ إذْ منَعَهُ اللَّهُ مِن دخولِ مكةَ بقتالٍ يومَ الحُدَيْبيَةِ؛ لأنَّ في ذلك وَطْئًا للمُسلِمينَ المتخفِّينَ بإيمانِهم وَسَطَ المشركينَ، فيُقتَلُونَ مِن حيثُ لا يَعلَمُ المؤمنونَ، وإلى هذا ذهَب جمهورُ العلماءِ، خلافًا للحنفيَّةِ؛ فقد أجازُوا الضَّرْبَ بكلِّ حالٍ مع عدمِ قصدِ المُسلِمينَ عندَ الرَّمْي، ولو أصابوهم، فلا شيءَ عليهم.\nالقسمُ الثاني: أن يتترَّسَ الكفارُ بفئةٍ مِن المُسلِمينَ، وليس مرادُهُمْ حمايةَ أنفُسِهم فقطْ، بل للإضرارِ بالمُسلِمينَ، وبتركِ قتالِ المشرِكِينَ يَلحَقُ المُسلِمِينَ ضررٌ؛ وذلك كأنْ يتترَّسَ الكفارُ بالمُسلِمينَ ويَتَّخِذُوهُمْ دروعًا ليتقدَّمُوا ويَقتُلوا ويُصِيبوا المُسلِمينَ برَمْيِهِمُ الرصاصَ والقذائفَ والسِّهامَ، فيَظفَروا بالمُسلِمينَ وحُرُماتِهم، فإنِ امتنَعَ المُسلِمونَ عن رميهم، تضرَّرَ المُسلِمونَ، وإنْ صَدُّوهم، قتَلُوا المُسلِمينَ مع الكافرينَ، فلا يخلو الضررُ الذي يَلحَقُ المؤمنينَ مِن حالينِ:\nالأُولى: أن يكونَ رميُ المشركينَ يُحقِّقُ ضررًا بالمُسلِمينَ المتترِّسينَ أشَدَّ مِن الضررِ اللاحقِ لجماعةِ المُسلِمينَ عندَ رمي العدوِّ لهم، كأنْ تكونَ الجماعةُ المُتترَّسُ بها كثيرةً كأَلْفِ رجلٍ وامرأةٍ مِن المُسلِمينَ، ولو رماهُم المُسلِمونَ، لَقَتَلُوهم جميعًا، ولو ترَكُوا العدوَّ يَرمِيهِم، فإنَّه","vol":"4","page":2057},{"text":"لا يُصِيبُ منهم إلَّا قدرًا يسيرًا لا يُذكَرُ، فلا يجوزُ قتلُ المُسلِمينَ الذين يتترَّسُ بهم العدوُّ على الأرجحِ؛ وهذا كما تترَّسَ الباطنيُّونَ هذه الأيامَ مِن النُّصَيْرِيَّةِ بألفَيْنِ مِن المُسلِمينَ في بعضِ نَواحي الشامِ يَحْتَمُونَ بهم، وما يَلحَقُ أهلَ السُّنَّةِ مِن رَمْيِهم أقلُّ مِن عُشْرِ مِعْشَارِ ما لو رمَوْهم وقتَلُوهم مع المُسلِمينَ، فيجبُ عليهم عَدَمُ رَمْيِهم؛ حتى لا يُصابَ المُسلِمونَ لكثرتِهم؛ وإنَّما يُحاصِرونَهم حتى يُنجِيَ اللَّهُ المؤمنينَ ويَدفَعَ شرَّ الباطنيِّين.\nالثانيةُ: أن يكونَ رميُ المشرِكِينَ يَدفَعُ عن المُسلِمينَ ضررًا أشَدَّ مِن الضررِ الذي يَلحَقُ المُسلِمينَ الذين تترَّسَ بهم العدوُّ؛ كأنْ يتترَّسَ العدوُّ بعددٍ قليلٍ، ويقومَ برمي المُسلِمينَ بما يُمْكِنُهُ مِن القذائفِ، فيُصيبَ منهم ويقتُلَ أكثَرَ ممَّا يقتُلُهُ المُسلِمونَ مِن إخوانِهم الذين يتترَّسُ بهم العدوُّ، ولو تُرِكَ العدوُّ لأجلِ تترُّسِهِ لَتَقَدَّمَ وأَثْخَنَ بالمؤمِنِينَ واستباحَ الدماءَ والأعراضَ.\nفيجوزُ رميُ المشرِكِينَ ولو قتَلُوا معهم مَن تترَّسُوا بهم مِن المؤمنينَ، وقد حكى الاتفاقَ على جوازِ ذلك جماعةٌ مِن العلماءِ كالقُرْطُبيِّ (١)، وابنِ تيميَّةَ (٢)، وقد ذكَر النوويُّ وجهًا للشافعيَّةِ بالمنعِ (٣).\nوبعضُ الفقهاءِ يجعلُ مَناطَ المنعِ والجوازِ هو ضررَ المُسلِمِينَ مِن غيرِ تفصيلٍ، والصحيحُ التفصيلُ، والحاجةُ ماسَّةٌ إليه، خاصَّةً في زمنِنا؛ لكثرةِ المُسلِمِينَ وتسلُّطِ الكفارِ والمشرِكِينَ، فقد يُحيطُ المشرِكُونَ ويتترَّسُونَ بأهلِ قريةٍ كاملةٍ مِن المُسلِمِينَ، وفيها آلافُ المُسلِمِينَ، والمشرِكونَ قليلٌ؛ ولكنَّهم تمكَّنُوا منهم بقوةِ سلاحٍ معهم، كما تترَّسَ الباطنيُّونَ وهم قليلٌ في الشام بسِجْنٍ فيه عشَرةُ آلافِ مسلِمٍ مِن أهلِ السُّنَّة؛ فلا يجوزُ ولا يصحُّ أنْ يُقالَ: إنْ كان في هؤلاء المشرِكِينَ ضررٌ\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" (١٩/ ٣٣٣).\n(٢) \"مجموع الفتاوى\" (٢٠/ ٥٢).\n(٣) \"روضة الطالبين\" (١٠/ ٢٤٦).","vol":"4","page":2058},{"text":"ولو قليلًا على جماعةِ المُسلِمينَ المقاتِلةِ، فإنَّه يجوزُ لهم أنْ يُبِيدُوا المشرِكِينَ ومَن تترَّسُوا به مِن أهلِ القريةِ جميعًا، وأسلحةُ اليومَ ليستْ كأسلحةِ السابقينَ، والتترُّسُ اليومَ ليس كالتترُّسِ السابقِ؛ وإنَّما الواجبُ التفصيلُ في مقدارِ الضررِ في التترُّسِ اللاحقِ مِن جِهَتَي المُسلِمينَ المُتترَّسِ بهم والمُقاتِلةِ.\nوقد جاء عن مالكٍ؛ أنَّه سُئِلَ عن قومٍ مِن المشرِكِينَ في البحرِ في مَرَاكِبِهم أخَذُوا أُسَارَى المُسلِمينَ، فأدرَكَهُمْ أهلُ الإسلامِ وأرادوا أنْ يُحْرِقُوهم ومَرَاكِبَهم بالنارِ ومعهم الأُسارَى في مراكبِهم؟ قال مالكٌ: لا أرى أن تُلقى عليهم النارُ، ونَهَى عن ذلك وقال: يقولُ اللَّهُ -﵎- في كتابِهِ لأهلِ مكةَ: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (١).\nويجبُ أن يُعلَمَ أنَّ العلماءَ حينَما ينُصُّونَ على جوازِ قتلِ المتترَّسِ به عندَ وجودِ الضررِ بالمُسلِمِينَ، فإنَّهم يتكلَّمونَ على ضررٍ متحقِّقٍ، لا ظنيٍّ متوهَّمٍ.\nالقِسْمُ الثالثُ: التترُّسُ الذي يكونُ حالَ القتالِ وبتركِهِ يتعطَّلُ الجهادُ؛ وذلك أنَّه لا يتعلَّقُ بجهةٍ أو بقعةٍ وجماعةٍ معيَّنةٍ؛ وإنَّما يتعطَّلُ به سَيْرُ الجهادِ، ولا يتقدَّمُ المُسلِمونَّ له إلَّا بالرمي؛ ففي المسألةِ قولانِ قويَّانِ:\nذهَبَ الشافعيُّ: إلى جوازِ الرمي ولو قُتِلَ المتترَّسُ بهم؛ لأنَّ حُرْمةَ تعطيلِ الجهادِ أعظَمُ وأشَدُّ.\nوذهَب الأوزاعيُّ واللَّيْثُ: إلى المنعِ.\nومَن قال بالجوازِ احتَجَّ بأنَّ اللَّهَ حرَّم قَتْلَ النساءِ والصِّبْيانِ والشيوخِ مِن المشرِكينَ، ولكنْ إنْ كان لا يستمرُّ الجهادُ ولا يُتمكَّنُ من العدوِّ إلَّا بذلك، جاز فعلُهُ مِن غيرِ قصدِهم؛ كما جاء في حديثِ الصَّعْبِ بنِ\n_________\n(١) \"المدوَّنة\" (١/ ٥١٢).","vol":"4","page":2059},{"text":"جِثَّامَةَ -﵁-؛ قال: سُئِلَ رسولُ اللَّهِ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ؟ قَالَ. (هُمْ مِنْهُمْ)، وفىِ روايةٍ: (هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ) (١).\nولكنَّ حديثَ الصَّعْبِ في حُرُماتِ ذَرَارِيَّ المشرِكِينَ ونسائِهم وشيوخِهم، لا في حُرْمةِ المُسلِمينَ؛ لتفاوُتِ الحُرْمَتَيْنِ، فاللَّهُ لمَّا منَعَ نبيَّه -ﷺ- مِن قتالِ قريشٍ خشيةَ إصابةِ المُسلِمِينَ فيهم، لم يذكُرْ نساءَ المشرِكِينَ وذَرَارِيَّهم.\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾ [الفتح: ٢٧].\nوعَدَ اللَّهُ نبيَّه ومَنْ معه بدخولِ مكةَ في عامٍ آتٍ بعدَ الحُدَيْبِيَةِ، ولم يُعيِّنْ لهم عامًا محدَّدًا، وذكَرَ الحَلْقَ والتقصيرَ؛ لبيانِ أنَّ دخولَهُمْ سيكونُ في نُسُكٍ؛ تطمينًا لنفوسِهم ونفوسِ المؤمنينَ كافَّةً.\nوفي هذه الآيةِ: تفضيلُ الحَلْقِ على التقصيرِ؛ حيثُ قدَّمَهُ عليه، وقد تقدَّم الكلامُ على الحَلْقِ والتقصيرِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقولِهِ تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩].\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٠١٢)، ومسلم (١٧٤٥).","vol":"4","page":2060},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1292>سورة الحجرات</span>\nسورةُ الحُجُرَاتِ مدنيَّةٌ؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ وابنُ الزُّبَيْرِ (١)، وقد حَكَى الإجماعَ على ذلك جماعةٌ (٢)، وهذا ظاهرٌ في آياتِها؛ ففيها تعظيمُ النبيِّ -ﷺ-، ووجوبُ توقيرِهِ واتِّباعِه، والأدبُ معه عندَ سماعِهِ ومناداتِه، ووجوبُ التثبُّتِ عندَ الأخبارِ وحالَ القتالِ الذي يقعُ بينَ المؤمِنِينَ، والتحذيرُ مِن أسبابِ الشِّقَاقِ بينَهم مِن السُّخْرِيَّةِ والتنابُزِ بالألقابِ والغِيبَةِ والتجسُّسِ وسوءِ الظنِّ.\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ١ - ٢].\nفي هذه الآيةِ: تعظيمُ النبيِّ -ﷺ-، ومِن تعظيمِهِ: عدمُ التقدُّمِ بينَ يدَيْهِ ويدَيْ قولِهِ حيًّا وميِّتًا، فإذا سُمِعَ حديثُهُ ولو مِن غيرِه، فينبغي غضُّ الصوتِ وخَفْضُهُ تعظيمًا للوحي؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤].\n_________\n(١) \"الدر المنثور\" (١٣/ ٥١٦).\n(٢) ينظر: \"تفسير ابن عطية\" (٥/ ١٤٤)، و\"زاد المسير\" (٤/ ١٤١)، و\"تفسير القرطبي\" (١٩/ ٣٥٢).","vol":"4","page":2061},{"text":"وقد قال ابنُ عبَّاسٍ في قولِه تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: لا تقولوا خِلافَ الكتابِ والسُّنَّة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1293>تعظيمُ أقوالِ النبيِّ -ﷺ- وأصحابِه:</span>\nولا يجوزُ لأحدٍ إذا سَمِعَ حديثَ النبيِّ -ﷺ- أن يقدِّمَ عليه قولَ أحدٍ مِن الناسِ، وقولُه تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ نزَلَ في أبي بكرِ وعمرَ مع أنَّهما أفضلُ الأمَّةِ بعدَ نبيِّها، فجرَى عليهم التشديدُ مع مَقَامِهم وفَضلِهم؛ فكيف بغيرِهم؟ ! وقد ثبَتَ في البخاريِّ؛ مِن حديثِ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ؛ قال: كَادَ الخَيِّرَانِ أَنْ يَهلِكَا: أبو بَكْرٍ وَعُمَرُ -﵄-؛ رَفَعَا أَصوَاتَهُمَا عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- حِينَ قَدِمَ عَلَيهِ رَكْبُ بنِيِ تَمِيمٍ، فَأشَارَ أَحَدُهُمَا بِالأَقْرَعِ بن حَابِسٍ أخِي بنِي مُجَاشعٍ، وَأَشَارَ الآخَرُ بِرَجُلٍ آخَرَ -قَالَ نافِعٌ: لَا أَحْفَظُ اسْمَهُ- فَقَالَ أَبُو بَكْر لِعُمَرَ: مَا أرَدتَّ إِلَّا خِلَافِي، قَالَ: مَا أرَدتُّ خِلَافَكَ، فَارْتَفَعَت أَصْوَاتُهُمَا فِي ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ الآيةَ، قَالَ ابْنُ الزُّبَيرِ: فَمَا كَانَ عُمَرُ يُسْمِعُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ حَتَّى يَسْتَفهِمَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ؛ يَعْنِي: أَبَا بَكْرٍ -﵁- (٢).\nومِن تعظيمِ النبيِّ -ﷺ-: تعظيمُ قولِ أصحابِه، خاصَّةً خلفاءَهُ؛ لأنَّهم أعلَمُ الناسِ بمُرادِهِ -ﷺ-؛ فأقوالُهم وأفعالُهم تخصِّصُ أقوالَهُ وتوجِّهُها؛ لأنَّهم يَعْلَمونَ منه ما لا يَعلَمُهُ غيرُهم، ولفضلِهم وديانتِهم لا يُمكِنُ أنْ يتعمَّدُوا عِصْيَانَه، ولا يجوزُ لأحدٍ أنْ يترُكَ قولَ الخُلَفاءِ الراشدينَ بحُجَّةِ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢١/ ٣٣٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١٠/ ٣٣٠٢).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٨٤٥)","vol":"4","page":2062},{"text":"أنَّهم ليسوا معصومينَ؛ فإنَّه لا يقولُ مسلمٌ بعِصْمَتِهم، ولكنَّهم أعلَمُ الناسِ برسولِ اللَّهِ -ﷺ-، ولا يقدِّمُ أحدٌ فَهْمَهُ على فهمِهم، إلَّا مَن لم يَعرِفْ قَدْرَهم.\nوقد كان مالكُ بنُ أنسٍ يَنهى عن تقديمِ أقوالِ فقهاءِ التابِعِينَ -مع فضلِهم- على أقوالِ الخلفاءِ الراشِدِينَ كعُمَرَ؛ بل يَدْعو إلى استتابةِ مَن يفعلُ ذلك؛ كما روى ابنُ حزمِ عن الهَيْثَمِ بنِ جَمِيلٍ؛ قال: قلتُ لمالكِ بنِ أنسٍ: با أبا عبدِ اللَّهِ، إنَّ عندَنا قومًا وضَعُوا كتبًا يقولُ أحدُهم: ثنا فلانٌ، عن فلانٍ، عن عمرَ بنِ الخطَّابِ بكذا وكذا، وفلانٌ عن إبراهيمَ بكذا، ويأخُذُ بقولِ إبراهيمَ؟\nقال مالكٌ: وصحَّ عندَهم قولُ عمرَ؟\nقلتُ: إنَّما هي روايةٌ؛ كما صحَّ عندَهم قولُ إبراهيمَ.\nفقال مالكٌ: هؤلاءِ يُستتابُونَ، واللَّهُ أعلَمُ (١).\nوهذا في فقيهٍ تابعيٍّ متأخِّرٍ، ويَعُدُّهُ بعضُهم مِن أتباعِ التابعينَ، مع تقدُّمِ زمانِهِ وجلالةِ قَدْرهِ في الفقهِ؛ فتقديمُ قولِ غيرِه ممَّن كان بعدَهُ مِن بابِ أولى أنْ يُزجَرَ فاعلُه.\nوأقوالُ الصحابةِ عمومًا مقدَّمةٌ على أقوالِ التابعينَ، وأقوالُ التابعينَ مقدَّمةٌ على أقوالِ أتباعِهم؛ وذلك أنَّه كلَّما قَرُبَ العهدُ مِن النبيِّ -ﷺ-، كان القولُ أقرَبَ إلى الصوابِ، وأسلَمَ مِن الهَوَى.\nوالأصلُ في أقوالِ الصحابةِ: أنَّ مُستنَدَها الرفعُ؛ إمَّا مِن قولِ النبيِّ -ﷺ- أو فعلِهِ أو تقريرِهِ، أو ما سكَتَ عنه ولم يُبيِّنْ فيه شيئًا، وانِ اختلَفَتْ أقوالُ الصحابةِ فيما بينَهُمْ، فاختلافُهم دليلٌ على معنًى مرفوعٍ، وهو أنَّ المسألةَ مِن مسائلِ السَّعَةِ، لا مِن مسائلِ التشديدِ.\n_________\n(١) \"الإحكام، في أصول الأحكام\" (٦/ ١٢٠ - ١٢١).","vol":"4","page":2063},{"text":"والأصلُ في أقوالِ التابعينَ: أنَّ مُستنَدَها الوقفُ على الصحابةِ؛ إمَّا عن واحدٍ أو عن جماعةٍ؛ ولهذا يقولُ أحمدُ بنُ حنبلٍ: \"لا يكادُ يجيءُ عن التابعينَ شيءٌ إلَّا يُوجَدُ فيه عن أصحابِ النبيِّ -ﷺ-\" (١).\nإنَّما عُظِّمَتِ القرونُ المفضَّلةُ الأُولى؛ لقُرْبِها مِن النبيِّ -ﷺ-؛ فعُظِّمَ الزمانُ بتعظيمِه.\nوقولُه تعالى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾، فيه: أنَّ مِن أعظَمِ ما يُحبِطُ الأعمالَ: عدمَ تعظيمِ سُنَّةِ النبيِّ -ﷺ-؛ بالإعراضِ عنها عندَ سماعِها، أو رفعِ الصوتِ عندَها، أو تقديمِ أقوالِ الرِّجالِ عليها.\nوفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ السيِّئاتِ تُحبِطُ قَدْرًا مِن الحسناتِ، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك.\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦].\nأمَرَ اللَّهُ بالتثبُّتِ في روايةِ الأخبارِ والأقوالِ، وكلَّما كان أثرُ الخبرِ عظيمًا على الناسِ، كان التثبُّتِ فيه أعظَمَ وأوجَبَ، وأوجَبُ الأقوالِ أنْ يُتثبَّتَ فيها: هي الأقوالُ المنقولةُ عن اللَّهِ ورسولِه؛ وذلك أنَّ أعظَمَ الكذب هو الكذبُ على اللَّهِ؛ قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠)﴾ [النساء: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩)﴾ [يونس: ٦٩]، ووصَفَ اللَّهُ مَن افتَرَى عليه الكذبَ بعدم الإيمانِ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾ [النحل: ١٠٥].\n_________\n(١) \"العدة في أصول الفقه\" (٢/ ٥٨٢).","vol":"4","page":2064},{"text":"ولا يجوزُ نقلُ الكلامِ عن اللَّهِ وعن نبيِّه والنَّفْسُ تشُكُّ في كذبِهِ وعدمِ صحَّتِه؛ ولذا يقولُ النبيُّ -ﷺ-: (إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ ليْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ) (١)، ويُروى عنه -ﷺ-؛ أنَّه قال: (مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبَينِ) (٢)، فأخَذَ حُكْمَ الكذبِ، مع كونِه ناقلًا لا مفترِيًا.\nإذا كان الكلامُ يتَّصلُ بغيرِ اللَّهِ ورسولِه، فأعظَمُهُ: أشَدُّهُ موضعًا؛ كالذي يتعلَّقُ بأعراضِ الناسِ كالقَذْفِ، وما يتعلَّقُ بأماناتِهم وأموالِهم، وما تُؤكَلُ به حقوقُهم.\nوكلَّما كان الأثرُ عظيمًا، وجَبَ التثبُّتُ فيه، ولو لم يكنْ بالنقلِ عن شخصٍ بعينِه؛ كالكلامِ الذي يتعلَّقُ بخوفِ الناسِ وأمْنِهم؛ فقد جعَلَ اللَّهُ نَقْلَ مِثلِ هذا الكلامِ بلا تثبُّتٍ مِن صفاتِ المُنافِقينَ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].\nونقلُ الكلامِ لا يُعفي ناقِلَه، ولو لم يكنْ قائلَه؛ فالناقلُ شريكٌ في حكايةِ الأقوالِ بلا تثبُّتٍ؛ كما قال -ﷺ-: (كَفَى بِالمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) (٣).\nوبمقدارِ الجَهَالةِ على الناسِ في نقلِ الأقوالِ عنهم يكونُ عِظَمُ الإثمِ؛ قال تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٢٩١)، ومسلم (٤)؛ من حديث المغيرة -﵁-.\n(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٢٥٠)، والترمذي (٣٦٦٢)، وابن ماجه (٤١)؛ من حديث سمرة بن جندب -﵁-.\n(٣) أخرجه أبو داود (٤٩٩٢)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١١٨٤٥)؛ من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"4","page":2065},{"text":"* قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠].\nهذه الآيةُ في قتالِ أهلِ البَغْي، وكلُّ قتالٍ بغيرِ حقٍّ بين المُسلِمينَ فهو مِن قتالِ البَغْي، وقد يكونُ البَغْيُ مِن جهةٍ واحدةٍ، وقد يكونُ مِن الجهتَيْنِ بتساوِيهِما بَالعُدْوانِ بعضِهما على بعضٍ.\nواللَّهُ أمَرَ بالإصلاحِ بين المُقتتِلِينَ مِن المُسلِمينَ، وهذه الآيةُ نزَلَتْ في قتالٍ بين الأنصارِ؛ حيثُ اقتتَلَتِ الأَوْسُ والخَزْرَجُ؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أنس بنِ مالكٍ -﵁-؛ قال: قِيلَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ-، وَرَكِبَ حِمَارًا، فَانْطَلَقَ المُسْلِمُونَ يَمْشُونَ مَعَهُ، وَهِيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ، فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَقَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي، وَاللَّهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارِكَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْهُمْ: وَاللَّهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ، فَغَضِبَ لِعبدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَشَتَمَهُ، فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ وَالأَيْدِي وَالنِّعَالِ، فَبَلَغَنَا أَنَّهَا أُنْزِلَتْ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (١).\nوفي هذه الآيةِ: دليلٌ على فضلِ الصُّلْحِ بينَ المُسلِمينَ، وأنَّ البغيَ والظُّلْمَ والقتلَ بغيرِ حقٍّ مع كونِهِ كبيرةً ومُوبِقًا، فإنَّه لا يُخرِجُ صاحِبَهُ مِن الإيمانِ، وفي البخاريِّ؛ مِن حديثِ أبي بَكْرَةَ؛ أنَّه قال: رَأيْتُ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٦٩١)، ومسلم (١٧٩٩).","vol":"4","page":2066},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى المِنْبَرِ وَالحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ، وَهُوَ يُقبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةٌ وَعَلَيْهِ أُخْرَى، وَيَقُولُ: (إِنَّ ابنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1294>الفَرْقُ بينَ البُغَاةِ والخَوَارجِ:</span>\nوهذه الآيةُ نزَلَتْ في البُغاةِ وليستْ في الخوارجِ، وفرقٌ ما بينَهما؛ فالخوارجُ إنَّما خرَجُوا عن جماعةِ المُسلِمينَ كلِّها، وأمَّا البُغاةُ، فبَغَوْا على طائفةٍ منهم، والخوارجُ كان بَغْيُهم في ضلالِ اعتمادِهم، فكفَّروا بغيرِ مكفِّرِ، واستحَلُّوا الدمَ الحرامَ لأجلِ ذلك، وأمَّا البُغاةُ، فقتالُهم ليس عن تكفيرِ المُسلِمينَ؛ وإنَّما لتأوُّلِهم حقًّا هم أَوْلى به مِن غيرِهم؛ كالقتالِ على الوِلَايةِ، والقتالِ على المالِ والثأرِ متأوِّلِينَ، ولشُبْهةٍ اعتقَدُوها وظَنُّوا أنَّهم الأحَقُّ، فبغَوْا على غيرِهم لأجلِ ذلك، ويجتمعُ البُغاةُ مع الخوارجِ في بَغْيِهم وظُلْمِهم الظاهرِ، ولكنَّهم يَختلِفونَ في الجهةِ والقصدِ الباطنِ.\nوالخوارجُ يُقاتِلونَ بتأويلٍ باطلٍ، والبُغاة يُقاتِلونَ بتأويلٍ مُحتمِلٍ.\nوبعضُ الفقهاءِ لا يفرِّقُ بينَ البُغاةِ والخوارجِ إلَّا في الاسمِ.\nوهذا فيه نظرٌ، وقد فرَّق الصحابةُ وأئمَّةُ السلفِ بينَ الخوارجِ وبينَ أهلِ الجَمَلِ وصِفِّينَ.\nوالخوارجُ شرٌّ مِن البُغاةِ؛ ولهذا جاء في السُّنَّةِ تغليبُ قتلِهم على استصلاحِهم؛ قال -ﷺ-: (لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ، لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ) (٢)، وجاء في القرآنِ تغليبُ استصلاحِ البُغاةِ على قتالِهم، وتغليبُ قتالِ الخوارجِ لا يَعني تَرْكَ استصلاحِهم؛ فالصحابةُ استصلَحُوا الخوارجَ وناظَرُوهم،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٧٠٤).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٣٤٤)، ومسلم (٤١٠٦)؛ من حديث أبي سعيدٍ الخُدريِّ.","vol":"4","page":2067},{"text":"وكذلك فإنَّ تغليبَ استصلاحِ البُغاةِ لا يَعني تَرْكَ قتالِهم؛ وإنَّما كان التغليبُ؛ لأنَّ الخوارجَ لا يزولُ شرُّهم إلَّا بقتالٍ، ولكنَّه قد يَخِفُّ بالاستصلاحِ، والبُغاةُ قد يزولُ شرُّهم باستصلاحِهم بالبيانِ والمالِ وإنزالِهم على ما يَرضَوْنَ به؛ ولهذا أمَر النبيُّ -ﷺ- بقتالِ الخوارجِ ابتداءً؛ لأنَّه لا يَدفَعُ شَرَّهُمْ إلَّا هذا، وأمَرَ بإصلاحِ أمرِ البُغاةِ ابتداءً قبلَ قتالِهم؛ لأنَّه قد يَصْلُحونَ بلا قتالٍ.\nوالخوارجُ يُؤمَرُ بقتالِهم ولو لم يَبْغُوا على أحدٍ؛ لأجلِ ما يعتقدونَهُ في المُسلِمينَ ويَحمِلُونَهُم على معتقدِهم بكفرِ المُسلِمينَ واستحلالِ دَمِهم؛ ولذا قال -ﷺ-: (أَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ؛ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ) (١)، وإنْ كان اصطلاحُ اللُّغةِ يجعلُ كلَّ خارجيٍّ باغيًا، ولكنَّه لا يكونُ كلُّ باغٍ خارجيًّا؛ ولهذا يَتجوَّزُ بعضُ الفقهاءِ بذِكرِ قتالِ الخوارجِ في أبوابِ قتالِ أَهلِ البَغْي.\nوإنِ اشترَكَ البُغاةُ مع الخوارجِ في الفعلِ الظاهرِ، فإنَّ الفارقَ بينَهما: أنَّ الخوارجَ يكفِّرونَ بغيرِ مُكفِّرٍ، ويُقاتِلونَ لأجلِ ذلك، وأمَّا البُغاةُ، فيُقاتِلونَ المُسلِمينَ بتأويلٍ، لا بتكفيرٍ بذنبٍ ولا بمُبَاحٍ، وقد فرَّق النبيُّ -ﷺ- بينَ البُغاةِ والخوارجِ في قولِه -ﷺ-: (تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ) (٢).\nوقد أمَرَ بالإصلاحِ بينَ الفئتَيْنِ المُقتتِلتَيْنِ مِن المُسلِمينَ، وإنْ أَبَتْ إحداهُما الإصلاحَ، وأَصَرَّتْ على القتالِ، فيجبُ على المُسلِمينَ دفعُ شرِّها وبغيِها بقتالِها، وإنِ امتنَعَتِ الطائفتانِ جميعًا عن الصلحِ وأَبَتَا إلَّا الاقتتالَ والانتقامَ حتى تُفنيَ إحداهُما الأُخرى، فإنْ كان لجماعةِ المُسلِمينَ شوكةٌ وقوةٌ، فيجبُ عليهم قتالُ الطائفتَيْنِ؛ لاستحقاقِهما وَصْفَ البغي جميعًا،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٩٣٠)، ومسلم (١٠٦٦)؛ من حديث عليٍّ -﵁-.\n(٢) أخرجه مسلم (١٠٦٤)؛ من حديث أبي سعيد الخدريِّ -﵁-.","vol":"4","page":2068},{"text":"واللَّهُ أمَرَ بقتالِ الباغي؛ سواءٌ كان الوصفُ في واحدةٍ أو في اثنتَيْنِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾.\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١].\nلمَّا ذكَرَ اللَّهُ فيما سبَقَ اقتتالَ المؤمنينَ فبما بينَهُمْ وبَغْيَ بعضِهم على بعضٍ، نَهَى هنا عن إطلاقِ اللِّسَانِ بسُخْرِيَّتِهم بعضِهم مِن بعضٍ، والسَّبِّ والتعييرِ والتنابُزِ بالألقابِ؛ وهذا فيه إشارةٌ أنَّ إطلاقَ اللِّسانِ بالباطلِ أعظَمُ أسبابِ الفِتَنِ الكُبْرَى التي يَقتتلُ فيها المؤمنونَ؛ فمَنْ لم يَحفَظْ لِسَانَهُ عن أخيه، لا يُؤمَنْ مِن إطلاقِ سِنَانِهِ عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1295>الكِبْرُ واحتقارُ سببٌ للفِتَنِ بينَهم:</span>\nقال تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾، والسُّخْرِيَّةُ هي استصغارُ الناسِ واحتقارُهم، ولا يكونُ ذلك إلَّا مِن متكبِّرٍ، وبمقدارِ كِبْرِهِ ينطلِقُ لسانُه في الناسِ تحقيرًا وتصغيرًا، وقد ثبَتَ في الصحيحِ، عن رسولِ اللَّهِ -ﷺ-؛ أنَّه قال: (الْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ) (١)، وفي لفظٍ: (وَغَمَصَ النَّاسَ) (٢)، ومَن تكبَّرَ احتقَر؛ لأنَّه لا يُحبُّ أنْ يَعلُوَهُ أحدٌ.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٩١)؛ من حديث عبد اللَّه بن مسعود -﵁-.\n(٢) أخرجه الترمذي (١٩٩٩).","vol":"4","page":2069},{"text":"وأعظَمُ السُّخْريةِ والاحتقارِ هي التي تُطلَقُ على جماعةٍ؛ كسُخْريةِ قبيلةٍ مِن قبيلةٍ، وأهلِ بلدٍ مِن أهلِ بلدٍ؛ حتى تكونَ الفتنةُ بينَهم أشَدَّ ممَّا يقعُ مِن واحدٍ لواحدٍ، فيتباغَضُونَ ويتنازَعُونَ وتَذهَبُ بينَهم حرارةُ الأُخُوَّةِ الإيمانيَّةِ، وطعنُ القبائلِ والشعوبِ بعضِهم في بعضٍ مِن الكبائرِ، ويتساهلُ الناسُ بذلك، فتطعُنُ أمَّةٌ في أمَّةٍ لأجلِ رجلٍ واحدٍ منهم أساءَ، ويَسخَرُ شعبٌ مِن شعبٍ لأجلِ واحدٍ منهم، وقد رَوَى ابنُ ماجَهْ؛ مِن حديثِ عائشةَ، عن النبيِّ -ﷺ-؛ قال: (إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ فِرْيَةً لَرَجُلٌ هَاجَى رَجُلًا، فَهَجَا الْقَبِيلَةَ بِأَسْرِهَا، وَرَجُلٌ انْتَفَى مِنْ أَبِيهِ وَزَنَّى أُمَّهُ) (١).\nوقولُه تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ بيَّن اللَّهُ أنَّ الخيريَّةَ لا تُوزَنُ بالظواهرِ التي يُزْدَرَى فيها الناسُ غالبًا، وذلك لأشكالِهم أو ألوانِهم أو لِباسِهم أو بُلْدانِهم، فاللَّهُ ذكَّر بأمرٍ لا يَراهُ الناسُ، وهو أمرُ البواطنِ، وفيه تنبيهٌ أنَّه يجبُ على مَنْ وقَعَ في نفسِهِ ازدراءٌ لأحدٍ أو تنقُّصٌ له، أنْ يتذكَّرَ أمرَ البواطنِ التي لا يراها إلَّا اللَّهُ، وقد يكونُ في سريرتِهِ خيرًا مِن الساخرِ به، وقد نبَّه النبيُّ -ﷺ- على هذا؛ فقد ثبَتَ في الصحيحِ؛ مِن حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ؛ أنَّه قال: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: (مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟)، فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا -وَاللَّهِ- حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آحَرُ، فَقَالَ لَه رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: (مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟)، فَقَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَلَّا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَلَّا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَلَّا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: (هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا) (٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (٣٧٦١).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٤٤٧).","vol":"4","page":2070},{"text":"وقولُه تعالى: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ خَصَّ اللَّهُ النساءَ بالذِّكْرِ مع دخولِهِنَّ في عمومِ قولِه تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ فهُنَّ مِن القومِ؛ وذلك لأنَّ النساءَ عادةً لا يُطلِقْنَ ألسِنَتَهُنَّ إلَّا في بعضِهِنَّ؛ لِمَا فيهنَّ مِن الغَيْرةِ أكثَرَ مِن غَيْرةِ الرجالِ بعضِهم مِن بعضٍ، فكلامُ النساءِ في النساءِ وسُخْرِيَّتُهُنَّ بهنَّ أكثَرُ مِن كلامِ الرجالِ في الرجالِ وسُخريتِهم بعضِهم ببعضٍ، وكذلك: فإنَّ النساءَ لا يُخالِطْنَ الرجالَ ولا يَعرِفْنَ عيوبَهم وأحوالَهم؛ وإنَّما يتخالَطْنَ بينَهُنَّ، والإنسانُ يُطلِقُ لِسانَهُ فيما يراهُ ويُبصِرُه؛ فغلَبَ إطلاقُ النساءِ بالنساءِ، وذلك غالبُ ما يقعُ مِن النساءِ، ولا يتكلَّمْنَ في الأقوامِ والشعوبِ والقبائلِ والأُممِ بالسُّخْرِيَّةِ كحالِ الرجالِ.\nومِن أسبابِ تخصيصِهِنَّ بالذِّكْرِ: أنَّ جرأةَ المرأةِ: في لسانِها، وجرأةَ الرجلِ: في جوارحِه؛ ولهذا جاء نهيُ النساءِ عن إطلاقِ اللَّسَانِ أكثَرَ مِن الرجالِ، وجاء نهيُ الرجالِ عن إطلاقِ الجوارحِ أكثَرَ مِن النساءِ، واللَّهُ أعلَمُ.\nومِن المفسِّرينَ: مَن جعَل الخِطابَ الأولَ في قولِه: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ خاصًّا بالرجالِ، ولفظُ (القومِ) مِن الألفاظِ العامَّةِ التي قد يُرادُ بها الخصوصُ، وقد جاء استعمالُها في القرآنِ للرِّجَالِ، وجاء استعمالُها للرجالِ والنساءِ.\nوقد تقدَّم الكلامُ على اختلاطِ الرجالِ بالنساءِ في المَجالِسِ الدائمةِ وبيانِ تحريمِهِ في مواضعَ؛ منها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقولِهِ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦]، وقولِهِ تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، وقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿تَعَالَوْا","vol":"4","page":2071},{"text":"نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١]، وقولِه تعالى في قصةِ موسى في القَصَصِ: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [٢٣]، وفي قولِه في طه والقَصَصِ: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [طه: ١٠]، ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [القصص: ٢٩]، وقد بيَّنتُ أحكامَ هذه المسألةِ في رسالةٍ مستقلَّةٍ.\nقولُه تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾، نَهَى اللَّهُ عن التنابُزِ ولَمْزِ المؤمنِ لأخيهِ، وجعَلَ ذلك كلَمْزِهِ لنفسِه، وفي هذا تنبيهٌ إلى الأخوَّةِ الإيمانيَّةِ ووجوبِ أنْ يشعُرَ المؤمنُ بأخيهِ، وأنَّ وقوعَهُ فيه كوقوعِ غيرِهِ فيه، وأنَّه يجبُ أنْ يُحِسَّ بأَخِيهِ كإحساسِهِ بنفسِه، وكثيرًا ما يذكُرُ اللَّهُ ذلك تذكيرًا للمؤمنِ يما ينساهُ مِن حقِّ الأخوَّةِ الإيمانيَّةِ؛ كما قال في تحريمِ الأموالِ: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]؛ أي: فأنتَ تأكُلُ مالَ نفسِكَ، وكقولِهِ في القتلِ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].\nوقد روى ابنُ جريرٍ؛ مِن حديثِ سعيدٍ، عن قتادةَ؛ قولَهُ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]؛ أي: لا يقتُلْ بعضُكم بعضًا، ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، ونفسُك يا بنَ آدمَ أهلُ مِلَّتِك (١).\nوقولُه: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾؛ يعني: لا يطعُنْ بعضُكم في بعضٍ، والتنابُزُ يالألقابِ إطلاقُ أوصافِ السُّوءِ وأسمائِها، وأشَدُّها ما يكونُ في دِينِه؛ كقولِه: يا كافرُ، أو يا يهوديُّ، أو يا مجوسيُّ، أو في عِرْضِه؛ كقولِه: يا زاني، أو يا عاهرُ، وغيرَ ذلك، ويأتي بعدَ ذلك ألقابُ التعبيرِ والتنقُّصِ، وكلامُ الناسِ بعضِهم في بعضٍ له مواضعُ ومقاصدُ، ولمزُ الناسِ بعضِهم بعضًا وتنابُزُهم على موضعَيْنِ:\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٢٠٢).","vol":"4","page":2072},{"text":"الموضعُ الأولُ: في أشياءَ غيرِ اختياريَّةٍ؛ وذلك كألوانِهم وقبائلِهم وخِلْقتِهم؛ فهذا أعظَمُ عندَ اللَّهِ؛ لأنَّهم لم يَختارُوا هذا الشيءَ لأنفُسِهم؛ وإنَّما اختارَهُ اللَّهُ لهم.\nالموضعُ الثاني: في أشياءَ اختياريَّةٍ؛ كلِبَاسِهم وبيوتِهم وعاداتِهم؛ فهذا محرَّمٌ؛ لأنَّه لا يُوجَدُ أُمَّةٌ إلَّا ولها عادةٌ ولِباسٌ يختَلِفُ عن الأُخرى، وكلُّ أمَّةٍ تَرى أنَّها أَمْثَلُ مِن غيرِها في اختيارِها، ولو جاز لأمَّةٍ تعييرُ أمَّةٍ بما اختارتْهُ لنفسِها، لوقَعَ الناسُ بعضُهم في بعضٍ.\nولا يجوزُ السُّخْرِيَّةُ مِن الناسِ حتى وإنْ وقَعُوا في حرامٍ ومعصيةٍ؛ لأنَّ السُّخْرِيَّةُ شيءٌ مذمومٌ لذاتِه؛ لأنَّه يتضمَّنُ علوَّ النَّفْسِ وكِبْرَها، ويجعلُها تَنسى فضلَ ربِّها عليها أنْ وَفَّقَها إلى الخيرِ وحَرَمَ غيرَها، وربَّما تُستدرَجُ حتى تَحِيدَ ولو بسُوءِ القصدِ، فتغترُّ ثمَّ يكونُ عقابُها عندَ اللَّهِ أشَدَّ ممَّن سَخِرَتْ منه، والواجبُ فيمَن وقَعَ في حرامٍ نصحُهُ وأمرُهُ ونهيُهُ بما يُصلِحُه، والشفقةُ عليه لا السُّخْرِيةُ منه، فمَن أضَلَّهُ قادرٌ على أنْ يُضِلَّ غيرَه.\nوالسَّبُّ والتعييرُ فيه التعزيرُ؛ كلُّ كلمةٍ بحسَبِ معناها وأثرِها في المقصودِ بها، وبمقدارِ انتشارِها بينَ الناسِ، ويقدِّرُ القاضي الضررَ في ذلك، ويُوقِعُ التعزيرَ بمقدارِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1296>التعويضُ عن الضررِ المعنويِّ:</span>\nوأمَّا التعويضُ المادِّيُّ عن الضررِ المعنويِّ، فمَحَلُّ خلافٍ عندَ الفقهاءِ؛ فقد اختلَفُوا فيمَن وُقِعَ في عِرْضِه أو أُسِيءَ إليه بأيِّ نوعٍ مِن الإساءةِ المعنويَّةِ: هل له أن يُعوَّضَ عنها بالمالِ أو لا؟ في المسألةِ خلافٌ على قولَيْنِ:","vol":"4","page":2073},{"text":"ذهَبَ جمهورُ العلماءِ: إلى أنَّه لا يُعوَّضُ عن الأضرارِ المعنويَّةِ؛ وإنَّما يُكتفَى بتعزيرِ المُخطِئِ والجاني، وإنِ اقتضَى رفعُ الضررِ المعنويِّ إعلانَ عقوبتِهِ حتى يرتفعَ الضررُ المعنويُّ عن المتضرِّرِ، فيُعلَنُ؛ زجرًا له، ورفعًا للحَرَجِ عن المتضرِّرِ.\nوإنَّما منَع الجمهورُ مِن ذلك، لأنَّهم لا يُجيزونَ التعزيرَ بالمالِ، وهذه المسألةُ فرعٌ عن ذلك.\nوقال بعضُ الفقهاءِ: بجوازِ التعويضِ بالمالِ؛ وهو قولٌ منسوبٌ لأبي حنيفةَ، ومحمدِ بنِ الحسنِ.\nوالأضرارُ المعنويَّةُ التي تَلحَقُ الناسَ اليومَ أشَدُّ مِن الأضرارِ المعنويَّةِ السابقةِ؛ وذلك لاختلافِ الوسائلِ، وسُرْعةِ انتشارِ الأقوالِ، وتنوُّعِ وسائلِ ذلك مرئيَّةً ومكتوبةً ومسموعةً، وما يترتَّبُ على ذلك مِن فسادِ تجاراتٍ، وكَسَادِ سِلَعٍ، وتشوُّهِ أعراضٍ، وقد ضَعُفَتِ الدِّيانةُ في الناسِ في ارتكابِ تلك الوسائلِ واتِّخاذِها للإضرارِ بالناسِ، والشريعةُ قد جاءتْ بأصلٍ كما في الحديثِ: (لَا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ) (١)؛ فما كان مِن الأضرارِ التي جَعَلَتِ الشريعةُ فيها العقوبةَ تعزيرًا، فإنَّ دَفْعَ الضررِ بالمالِ فيها جائزٌ، وقد جعَلَتِ الشارعُ أصلَ العقوبةِ بالتعزيرِ موسَّعًا بما يراهُ الحاكمُ مُصلِحًا للحالِ وزاجرًا، فإنْ كان هذا جائزًا ولو بإتلافِ النَّفْسِ بالقتلِ أو القطعِ، فإنَّ أَخْذَ ما دونَ النَّفْسِ كالمالِ مِن بابِ أَولى أظهَرُ بالجوازِ.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١/ ٣١٣)، وابن ماجه (٢٣٤١)؛ من حديث ابن عباس.","vol":"4","page":2074},{"text":"* قال اللَّهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢].\nنَهى اللَّهُ عن كثيرٍ مِن الظنِّ؛ لأجلِ السُّوءِ في بعضِه، وهذا لا يكونُ إلَّا في أهلِ الدِّيالةِ والصِّدْقِ؛ وهذه الآيةُ أصلٌ في الورَعِ.\nوإنَّما لم يَنْهَ اللَّهُ عن حميعِ الظَّنِّ؛ حتى لا يشملَ الظَّنَّ الحسَنَ؛ فاللَّهُ يأمُرُ بإحسانِ الظنِّ بالناسِ، وحَمْلِ أقوالِهم وأفعالِهم على محاملَ حسنةٍ، وقد قال -ﷺ-: (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ) (١).\nوإنَّما نَهَى اللَّهُ عن الظنِّ قبلَ نهيِهِ عن التجسُّسِ في قولِه: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾؛ لأنَّ التجسُّسَ يَبدأُ بظنِّ السُّوءِ، ثمَّ يُريدُ الظانُّ أنْ يُؤكِّدَ ظنَّه، فيتجسَّسُ على غيرِه، وبمِثلِ الآيةِ رتَّب النبيُّ -ﷺ- النهيَ، فنَهى عن الظنِّ قبلَ نهيِه عن التجسُّسِ؛ لأنَّ الظنَّ يَدفَعُ إليه؛ قال: (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تَنَافَسُوا، ولا تَحَاسَدُوا، ولا تَبَاغَضُوا، ولا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا)؛ رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ، عن أبي هريرةَ (٢).\nوالتجسُّسُ كبيرةٌ مِن كبائرِ الذنوبِ، ويكونُ التجسُّسُ بالسماعِ لمَن يَكرَهُ سماعَهُ وهو مستتِرٌ بقولِهِ عن الناسِ، أو بالبصرِ كمَن يُطلِقُ بصرَهُ عمَّن يستتِرُ بعَوْرتِهِ عن الناسِ، ويكونُ بتحسُّسِ البدَنِ وهو بلَمْسِ ما يُخفِيهِ الناسُ ويستُرُونَهُ عن الناسِ؛ وكلُّ ذلك داخلٌ في التجسُّسِ المنهيِّ عنه.\nويدُلُّ على كونِ التجسُّسِ كبيرةً: أنَّ اللَّهَ جعَلَ جزاءَ مَن يطَّلِعُ بعينِهِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥١٤٣)، ومسلم (٢٥٦٣)؛ من حديث أبي هريرة.\n(٢) أخرجه البخاري (٥١٤٣)، ومسلم (٢٥٦٣).","vol":"4","page":2075},{"text":"على عَوْرةِ بيتٍ أنْ يُفقَأَ عينُه؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: (لَوْ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ) (١)، ولا تُهدَرُ العينُ إلَّا بفعلِ كبيرةٍ مِن الكبائرِ، ثمَّ إنَّ الأصلَ فيما نَهى اللَّهُ عنه صريحًا في القرآنِ: أنَّه كبيرةٌ، ما لم يدخُل عليه قرينةٌ تَصرِفُهُ عن ذلك.\nوقولُه تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، فيه تحريمُ الغِيبَةِ، وهو ذِكْرُكَ أخاكَ بما يَكرَهُ؛ كما جاء أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: (أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟)، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ)، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: (إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ، فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَقَدْ بَهَتَّهُ)؛ رواهُ مسلمٌ (٢).\nوإذا كان المتكلَّمُ فيه شاهدًا، فليستْ بغِيبَةٍ، وقد يكونُ مباحًا وقد يكونُ حرامًا؛ بحسَبِ الدافعِ له والمقصودِ منه، وبحسَبِ مطابَقَةِ الكلامِ للحقِّ.\nوالغِيبةُ مِن الكبائرِ، وتكونُ عَظَمَتُها بمقدارِ الكلامِ المتلفَّظِ به، وبحسَبِ أثرِها على أهلِها وعلى الناسِ، والغِيبةُ أكثرُ ما يُهلِكُ الناسَ ويُذهِبُ حسناتِهم وهم لا يَشْعُرون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1297>الأحوالُ التي تجوزُ فيها الغِيبَةُ:</span>\nوالأصلُ في الغِيبَةِ التحريمُ، إلَّا أنَّها تجوزُ في حالاتٍ ستٍّ:\nالحالةُ الأُولى: المظلومُ، الذي يذكُرُ ظالمَهُ بالقَدْرِ الذي يرجو به عَوْدةَ حقِّه، وعندَ مَن يظُنُّ أنَّه ينصُرُهُ أو يُعِينُهُ برأيٍ، وبالقَدْرِ الذي\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٩٠٢)، ومسلم (٢١٥٨).\n(٢) أخرجه مسلم (٢٥٨٩)؛ من حديث أبي هريرة.","vol":"4","page":2076},{"text":"لا يخرُجُ عن طلبِ الحقِّ إلى البَغْي والتشفِّي والتعبيرِ، وكثيرًا ما يكونُ المظلومُ ظالمًا؛ لكثرةِ بَغْيِهِ على ظَالمِهِ بالقولِ، وتسلُّطِهِ على عِرْضِهِ بالعَيْبِ؛ فيصيرُ ظالمًا وهو يَحسَبُ نفسَهُ مظلومًا.\nومَن كان مظلومًا بأخذِ مالِهِ أو انتقاصِ عِرْضِهِ، فيجوزُ له ذِكرُ أخيهِ بما يَكْرَهُهُ بشرطَيْنِ.\nالأولُ: أن يكونَ ذِكْرُهُ له عندَ مَن يرجو أنَّه ينصُرُهُ ويُنصِفُهُ؛ سواءٌ برأيٍ أو سلطانٍ، ولا يَتكلَّمُ لذلك عندَ مَن لا يرجو منه نصرًا ولا رأيًا.\nالثاني: أن يكونَ بالقَدْرِ الذي يكفي فيه بيانُ الحالِ؛ فلا يَزيدُ كلامًا في غيرِ مَظْلِمَتِه، ولا يُكثِرُ مِن التظلُّمِ بما يخرُجُ عن طلبِ النُّصْرةِ إلى التشفِّي والبَغْي.\nالحالةُ الثانيةُ: المُعَرِّفُ، الذي يعرِّفُ بأحدٍ عندَ مَنْ لا يَعرِفُهُ ويحتاجُ إلى معرفةِ حالِه؛ كالسؤالِ عن أحوالِ رُوَاةِ الحديثِ والأخبارِ؛ ليُعلَمَ صِدْقُهم مِن كَذِبِهم، وكذلك التعريفُ لتمييزِ الأشخاصِ بلا تَشَهٍّ وهوًى؛ كوصفِ أحدٍ بأنَّه أعمَى أو أعرَجُ أو قصيرٌ أو طويلٌ تعريفًا لا تنقُّصًا، وأمَّا إنْ كان وصفُهُ في سياقِ تنقُّصِهِ لا في سياقِ التعريفِ به، فذلك غِيبَةٌ محرَّمةٌ، وفي \"السُّننِ\"؛ أنَّ عائشةَ قالت: قلتُ للنبيِّ -ﷺ-: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا -تَعْنِي قَصِيرَةً- فقال لها رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: (لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً، لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ، لَمَزَجَتْهُ!) (١).\nالحالةُ الثالثةُ: المُحَذِّرُ مِن صاحبِ سُوءٍ؛ فلا حرَجَ مِن ذِكْرِهِ بما هو فيه؛ بشرطِ أن يكونَ التحذيرُ منه عندَ مَن يُخشَى عليه منه وَيَعْنِيهِ ذِكْرُهُ بما يَكرَهُ؛ وذلك كالتحذيرِ من خيانةِ تاجرٍ غيرِ أمينٍ عندَ مَن يُشارِكُهُ، وكالتحذيرِ مِن زوجٍ فاسقٍ يُظهِرُ الصلاحَ ليتزوَّجَ وهو خلافُ ذلك.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦/ ١٨٩)، وأبو داود (٤٨٧٥)، والترمذي (٢٥٠٢).","vol":"4","page":2077},{"text":"ويجوزُ مِن بابِ التحذيرِ ذِكْرُهُ بسُوءٍ؛ بشرطَيْنِ:\nالأولُ: أن يكونَ عندَ مَن يَعْنِيهِ أمرُهُ، ولا يجوزُ ذِكرُهُ عندَ مَن لا يَعْيِنهِ أمرُه؛ فلا يجوزُ له أن يذكُرَ أحدًا بما يَعلَمُهُ عنه مِن فُحْشٍ وبُخْلٍ عند مَن لا يُريدُ أنْ يزوِّجَهُ، ولا ذِكْرُهُ بما يَعلَمُهُ عنه مِن ضعفِ أمانةٍ عندَ مَن لا يُعامِلُهُ بالمالِ، ولا يُعامِلُهُ بعَهْدٍ ولا سِرٍّ.\nالثاني: أن يكونَ ذِكْرُهُ بما هو فيه؛ لا يَزيدُ عليه وصفًا لا يَعْنِيهِ؛ كالتاجرِ يَعْنِيهِ الأمانةُ، والزوحةِ يَعْنِيها الدِّيانةُ والخُلُقُ.\nالحالةُ الرابعةُ: غِيبَة المُجاهِرِ بفِسْقِه؛ كمَن يُعلِنُ للناسِ شُرْبَهُ للخمرِ، أو المرأةِ التي تخرُجُ سافرةً أمامَ الناسِ؛ فذِكْرُ هذا بما هو فيه مِن غيرِ تشَفٍّ جائزٌ، ولا يجوزُ ذِكرُهُ على وجهِ السُّخْريَّةِ والتشفِّي؛ لذلك شماتةٌ مذمومةٌ.\nوقد حكى ابنُ عبدِ البَرِّ الإجماعَ على أنْ لا غِيبةَ للمُجاهِرِ بفِسْقِهِ.\nوجوازُ غِيبَةِ المُجاهِرِ بفسقِهِ لا يَعني استباحةَ عِرْضِه فيما لم يُجاهِرْ به؛ وإنَّما كلامُ العلماءِ في المُجاهرِ بفسقِه إذا اغتِيبَ بما جاهَرَ به، فأمَّا ما لم يُجاهِرْ به، فلا تجوزُ غيبتُهُ فيه؛ كالمسلِمِ الذي يُجاهِرُ بمعصيةٍ كشُرْبِ الخمرِ، لا يجوزُ غِيبتُه بما يَكرَهُهُ مِن غيرِ ذلك، وهذا بلا خلافٍ.\nالحالة الخامسةُ: المستفتي في أمرٍ يحتاجُ معه إلى ذِكْرِ مَن يتعلَّقُ بفتواهُ؛ كالزوجةِ تَستفتِي، فتحتاجُ أن تذكُرَ زوجَها بالبخلِ أو الضربِ أو الهجرِ، وتُريدُ حُكْمًا فيه؛ فلا حرَجَ عليها في ذلك، ومِن ذلك ما جاء في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ عائشةَ؛ أنَّ هندَ بنتَ عُتْبَةَ قالتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أبا سُفيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، إِلَّا مَا","vol":"4","page":2078},{"text":"أخَذْتُ مِنهُ وَهُوَ لا يَعْلَمُ؟ فَقَالَ: (خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَولَدَكِ بِالمَعْرُوفِ) (١).\nالحالة السادسة: طالبُ الإعانةِ على صاحبِ مُنكَرٍ؛ فيجوزُ ذِكْرُ مُنكَرِه ولو كان مستترًا به ما دام يُضِرُّ لصاحِبِهِ ويخشى عليه مِن دوامِهِ عليه؛ فيجوزُ غِيبتُهُ حينئذٍ بشرطَيْنِ:\nالأولُ: أن يذكُرَهُ عندَ مَن يرجو منه عونًا لإصلاحِ مُنْكَرِه؛ كمَن يَشرَبُ الخمرَ أو يبيعُ محرَّمًا؛ فلا حرَجَ مِن الاستشارةِ أو الاستعانةِ بمَن يَملِكُ العونَ والرأيَ فيه.\nالثاني: أن يكونَ المُنكَرُ مستحِقًّا لطلبِ النُّصْحِ؛ كالمُنكَراتِ الكبيرةِ، ولا يكونَ مِن اللَّمَمِ الذي لا يتعدَّى غالبًا إلى غيرِه، ولا ما يَستَرُ به صاحبُهُ مِس عوارضِ المنكَراتِ التي لا يُدِيمُ عيها صاحبُها عادةً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1298>غِيبةُ الكافرِ:</span>\nظاهرُ الآيةِ: أنَّها في عِيبةِ المؤمِنِ؛ وذلك أنَّ اللَّهَ خاطَبَ المؤمنينَ في الآيةِ، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ثمَّ قال تعالى بعدُ: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، ومِثلُه في الحديثِ، قال -ﷺ-: (ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ)؛ فالمؤمنُ مِن نَفْسِ المؤمِنِ وبعضٌ منه، بخلافِ الكافرِ، فليس منه، وعدمُ دخولِ الكافرِ في حُكمِ الغِيبةِ في الآيةِ لا يُجِيزُ بُهتانَهُ ولا الافتراءَ والبَغْيَ عليه؛ فهذا لا خلافَ في تحريمه، وأمَّا ذِكْرُهُ في حالِ غيابِهِ بما هو فيه ويَكْرَهُه، فإنْ كان حربيًّا، فلا خلافَ في جوازِ ذلك، وأمَّا إن كان ذميًّا ومعاهَدًا، فقد اختُلِفَ في ذِكْرِهِ بما يَكرَهُهُ وهو فيه، على قولَيْنِ:\nالأولُ: قال بعضُهم بتحريمِ غِيبَةِ الذِّمِّيِّ؛ لأنَّ ذلك يُنفِّرُهُ مِن دفعِ الجزيةِ؛ ولهذا قال زكريَّا الأنصاريُّ والغزاليُّ؛ واستُدِلَّ على ذلك بما\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٣٦٤)، ومسلم (١٧١٤).","vol":"4","page":2079},{"text":"رواهُ ابنُ حِبَّانَ مرفوعًا: (مَنْ سَمَّعَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، دَخَلَ النَّارَ) (١)؛ يعني: سمَّعَهُ ما يُؤْذِيهِ ويَكرَهُهُ، وهذا لا دليلَ فيه؛ لأنَّ الغِيبةَ فيمَن لم بَسمَعْها، وإنْ سمِعها لم نكنْ غيبةً؛ وإنَّما أذًى، قد يحرُمُ وقد يجوزُ؛ بحسَبِ نوعِه وقدْرِه وأثرِه وكونِه حقًّا أو باطلًا.\nالثاني: الجوازُ، وبه قال ابنُ المُنذِرِ؛ وذلك لأنَّ الكافرَ لا حُرمةَ له ولا دليلَ على تحريم غِيبتِه، وقد استدَلَّ على ذلك بعضُهم بحديثِ عائشةَ -﵂-: أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: (بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ، وَبِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ)، فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَط إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ، قَالَت لَهُ عَائِشَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا، ثمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إلَيْهِ؟ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: (يَا عَائِشَةُ، مَتَى عَهِدتِّنِي فَحَّاشًا؟ ! إنَّ شَرَّ النَّاسِ عندَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ: مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ) (٢).\nوقد جعَلَهُ بعضُ الأئمَّةِ أصلًا في جوازِ غِيبةِ الفاجرِ والكافرِ.\n* * *\n\n* قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣].\nفي هذه الآيةِ: فضلُ معرفةِ الأنسابِ، وبيانُ منفعتِها، وأنَّها لتعارُفِ الناسِ فيما بينَهُمْ، وتراحُمِهِمْ وتواصُلِهِمْ وتناصُرِهِمْ، وحينَما ذكَرَ اللَّهُ التعارُفَ، جعَلَ فوقَهُ الإيمانَ، وأنَّ معرِفةَ الإيمانِ والتواصُلَ به أعظَمُ مِن\n_________\n(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه (٤٨٨٠)؛ من حديث أبي موسى -﵁-.\n(٢) أخرجه البخاري (٦٠٣٢)، ومسلم (٢٥٩١).","vol":"4","page":2080},{"text":"التواصُلِ بالأنسابِ والأحسابِ؛ فجعَلَ مَرْتَبةَ الأنسابِ دونَ مَرْتَبةِ الإيمانِ.\nويُروى عن النبيِّ -ﷺ-: قال: (تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ؛ فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الأَهْلِ، مَثْرَاةٌ فِي المَالِ، مَنْسَأَةٌ فِي الأَثَرِ)؛ رواهُ أحمدُ والترمذيُّ عن أبي هريرةَ (١).\nوالأنسابُ بها يَتعارَفُ الناسُ ولا يَتنافَرُون؛ لكنْ لا ولاءَ ولا وَشِيجَةَ أعظَمُ مِن ولاءِ الإيمانِ ووَشِيجَتِه، ولا بَرَاءَ أعظَمُ مِن بَرَاءِ الكفرِ، والكافرُ بعيدٌ ولو قَرُبَ نَسَبًا، والمؤمِنُ قريبٌ ولو ابتعَدَ نسَبًا.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٧٤)، والترمذي (١٩٧٩).","vol":"4","page":2081},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1299>سورة ق</span>\nسورةُ ق سورةٌ مكيَّةٌ؛ قالهُ ابنُ عبَّاسٍ والحَسَنُ ومجاهدٌ وقتادةُ (١)، وقد حكى الإجماعَ على ذلك جماعةٌ كابنِ حَزْمٍ وغيرِه (٢)، وتضمَّنَتِ التذكيرَ بعَظَمةِ القرآنِ، والترهيبَ مِن الآخِرةِ، والتخويفَ مِن عذابِ اللَّهِ، والتذكيرَ بالموتِ وقِصَرِ الدُّنيا، والحسابِ والكتابةِ على العبدِ ما يَعمَلُه، وما بعدَ الموتِ مِن سؤالٍ وعَرْضٍ، وعذابٍ ونعيمٍ.\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩].\nأمَرَ اللَّهُ نبيَّه بالصبرِ على ما يَسْمَعُهُ مِن المشرِكِينَ، والاستعانةِ على ذلك بشَغْلِ القلبِ عمَّا يقولونَهُ بتعظيمِ اللَّهِ والحضورِ بينَ يدَيْهِ في الصلاةِ، وكان هذا قبلَ فَرْضِ الصلواتِ الخمسِ، فأمَرَ اللَّهُ نبيَّه بالصلاةِ قبلَ طلوعِ الشمسِ، وهي صلاةُ الغَدَاةِ صلاةُ الفَجْرِ، وقبلَ الغروبِ، وهي صلاةُ العَشِيِّ، وهي العصرُ، وبَقِيَ هذا الحُكمُ عامًّا في تعظيمِ هاتَينِ الصلاتَيْنِ؛ لأنَّهما أولُ ما فُرِضَ مِن الصلواتِ المكتوبةِ مِن الصلواتِ الخمسِ، وفي \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ جريرِ بنِ عبدِ اللَّهِ -﵁-؛ قال: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً -يَعْنِي: البَدْرَ- فَقَالَ: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ\n_________\n(١) ينظر: \"زاد المسير\" (٤/ ١٥٦)، و\"تفسير القرطبي\" (١٩/ ٤٢٤).\n(٢) \"الناسخ والمنسوخ\" لابن حزم (ص ٥٧)، و\"تفسير ابن عطية\" (٥/ ١٥٥).","vol":"4","page":2083},{"text":"رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَلَّا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا؟ فَافْعَلُوا)، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (١).\nوقد تقدَّمَ الكلامُ على مواقيتِ الصلاةِ في القرآنِ عندَ قولِه تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤].\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠].\nأمَرَ اللَّهُ بالتسبيحِ في الليلِ، والمرادُ بالتسبيحِ هنا: الصلاةُ على الأظهَرِ مع احتمالِ المعنيَيْنِ؛ لأنَّ اللَّهَ ذكَرَ التسبيحَ في الليلِ وأدبارَ السجودِ؛ ولكنَّ حَمْلَهُ على ذِكرِ التسبيحِ لا يأتي على قولِ بعضِ السلفِ: إنَّ المرادَ بقوله: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ أنَّه صلاةُ السُّنَّةِ البَعْدِيَّةِ بعدَ المكتوبةِ؛ كما يأتي.\nوهذه الآية هي نظيرُ قولِهِ تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، وقولِهِ تعالى: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠].\nوأمَّا تفاضُلُ الذِّكْرِ في السَّحَرِ، فإنَّ الاستغفارَ أفضلُ مِن التسبيحِ، وقد خَصَّهُ اللَّهُ مِن بينِ الذِّكرِ في قولِهِ تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]، وقولِهِ: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧].\nوقولُه تعالى: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: حُمِلَتْ هذه الآيةُ على مَعانٍ ثلاثةٍ:\nالمعنى الأول: أنَّ المرادَ بالتسبيحِ أدبارَ السجودِ: هو سُنِّيَّةُ الأذكارِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣).","vol":"4","page":2084},{"text":"بعدَ الصلاةِ، وخاصَّةً التسبيحَ؛ على ما ثبَتَ في السُّنَّة، وقد جاء عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّه يَرى التسبيحَ في الآيةِ بعدَ الصلواتِ كلِّها؛ كما رواهُ البخاريُّ في \"صحيحِه\"؛ مِن حديثِ مجاهدٍ؛ قال ابنُ عبَّاسٍ: أَمَرَهُ أَنْ يُسَبِّحَ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا؛ يَعْنِي: قَوْلَهُ: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ (١)، وقد ذكَرَ النبيُّ -ﷺ- التسيحَ دُبُرَ الصلاةِ كما في قولِه: (مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاِثِينَ. . .) الحديثَ (٢).\nوعلى هذا المعنى يُحمَلُ التسبيحُ في الآيةِ؛ في الليلِ: على معنى الصلاةِ، وفي أدبارِ السجودِ: على الذِّكْرِ، وعامَّةُ السلفِ على أنَّ المرادَ بالتسبيحِ في الليلِ الصلاةُ، وليس هو ذِكْرَ التسبيحِ: (سبحانَ اللَّهِ).\nوقد ثبَت في \"الصحيحَيْنِ\"، عن أبي هريرةَ -﵁-؛ أَنَّ فُقَرَاءَ المُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَا، وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ، فَقَالَ: (وَمَا ذَاكَ؟)، قالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: (أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمُ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟)، قَالُوا: بَلَى يا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: (تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ، دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً)، قَالَ أَبُو صالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: سَمِعَ إِخوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) (٣).\nالمعنى الثاني: أنَّ المرادَ بالتسبيحِ أدبارَ السجودِ: هو صلاةُ السُّنَّةِ بعدَ المغرِبِ؛ وعلى هذا المعنى يُحمَل التسيحُ في الآيةِ في الموضعَيْنِ:\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٨٥٢).\n(٢) أخرجه مسلم (٥٩٧)؛ من حديث أبي هريرة -﵁-.\n(٣) أخرجه البخاري (٨٤٣)، ومسلم (٥٩٥).","vol":"4","page":2085},{"text":"﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾ ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ على معنى الصلاةِ، وهنا خَصَّصَهُ عامَّةُ السلفِ على الركعتَيْنِ بعدَ المغرِبِ، وبهذا حمَلَهُ الصحابةُ والتابعونَ؛ كعمرَ وعليٍّ وابنِ عبَّاسٍ والحسنِ وأبي هريرةَ وأبي أُمامةَ ومجاهِدٍ والشَّعْبيِّ وعِكْرِمةَ والنَّخَعيِّ وغيرِهم (١).\nوكان الأوزاعيُّ يقولُ: \"الركعتانِ بعدَ المَغْرِبِ في كتابِ اللَّهِ\"، ويذكُرُ قولَه: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ (٢).\nإلَّا أنَّ ابنَ زيدٍ يَرَى أنَّها النوافلُ خلفَ الفرائضِ (٣)، ولم يُوافِقْهُ على ذلك كبِيرُ أحدٍ؛ حتى إنَّ ابنَ جريرٍ قال: \"ولولا ما ذكَرْتُ مِن إجماعِها عليه، لَرَأَيْتُ أنَّ القولَ في ذلك ما قالهُ ابنُ زيدٍ\" (٤).\nالمعنى الثالث: أنَّ المرادَ بالتسبيحِ أدبارَ السجودِ: هو التسبيحُ في السجودِ، وقد ذكَرَهُ الجَصَّاصُ (٥)؛ وهو قولٌ غريبٌ شاذٌّ.\n* * *\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٢١/ ٤٦٩ - ٤٧٢)، و\"تفسير القرطبي\" (١٩/ ٤٦٢)، و\"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٤١٠).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢١/ ٤٧٢).\n(٣) السابق (٢١/ ٤٧٣).\n(٤) السابق (٢١/ ٤٧٣).\n(٥) \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٢٩٣).","vol":"4","page":2086},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1300>سورة الذاريات</span>\nسورةُ الذَّارِيَاتِ سورةٌ مكيَّةُ؛ كما قالهُ ابنُ عبَّاسٍ وابنُ الزُّبَيْرِ (١)، وقد حكى الإجماعَ على ذلك جماعةٌ (٢)، وتتضمَّنُ آياتُها ذِكْرَ آياتِ اللَّهِ في الكونِ وتدبيرِهِ وتسخيرِهِ له بحِكْمةٍ ودِقَّةٍ، وذِكْرَ أوصافِ الفريقَيْنِ: أهلِ النعيمِ وأهلِ الجحيمِ وأعمالِهِما، وذِكْرًا لبعضِ قَصَصِ الأنبياءِ والأممِ السابقِينَ للاعتبارِ.\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩].\nذكَرَ اللَّهُ أجَلَّ صفاتِ المؤمنينَ، ومنها النفقةُ وتفقُّدُهُمْ أحوالَ المُعْوِزِينَ الذين يَسْأَلُونَ والذين يَتكفَّفونَ مِن أهلِ الحاجةِ، والمحرومُ هو الذي فيه قوةٌ، لكنَّه لا يجدُ عملًا يَتكسَّبُ منه؛ لكسادِ السوقِ، أو لجَدْبِ الأرضِ، أو بسببِ الخوفِ كأزمنةِ الحروبِ وغيرِ ذلك، وقد تقدَّم الكلامُ على معنى المحرومِ خاصَّةً، وأهلِ الزكاةِ عامَّةً، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠].\n* * *\n_________\n(١) \"الدر المنثور\" (١٣/ ٦٤٩).\n(٢) \"تفسير ابن عطية\" (٥/ ١٧١)، و\"زاد المسير\" (٤/ ١٦٧)، و\"تفسير القرطبي\" (١٩/ ٤٦٨).","vol":"4","page":2087},{"text":"* قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥].\nفي هذا: بَذْلُ إبراهيمَ التحيَّةَ للملائكةِ وردُّهُمْ عليها بمِثْلِها، وقد تقدَّم الكلامُ على بَذْلِ التحيَّةِ وأحكامِها وألفاظِها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦].\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٦ - ٢٧].\nأكرَمَ إبراهيمُ أضيافَهُ الملائكةَ ولم يَستَأْذِنْهُمْ ولم يُشاوِرْهم، ولو شاوَرَهم، لَمَا أذِنُوا له؛ لأنَّ الملائكةَ لا تأكُلُ ولا تَشْرَبُ، وفي هذا استحبابُ إكرامِ الضيفِ مِن غيرِ سؤالٍ واستئذانٍ، وهذه الآيةُ وما قبلَها مِثلُ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩]، وقد تقدَّمتْ.\n* * *","vol":"4","page":2088},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1301>سورة الطور</span>\nسورةُ الطُّورِ سورةٌ مكيَّةٌ؛ كما قالهُ ابن عبَّاسٍ وابنُ الزُّبَيْرِ (١)، ومِن العلماءِ مَن نَصَّ على الإجماعِ على ذلك (٢)، وفي السورةِ ذِكْرٌ لآياتِ اللَّهِ وبديعِ مخلوقاتِهِ السماويَّةِ والأرضيَّةِ، وتذكيرٌ بما بعدَ المَوْتِ للمُعانِدِينَ والمؤمِنِينَ، وذِكرٌ لأقوالِ بعضِ المُعانِدينَ وأحوالِهم الذين استَكْبَروا عن قَبُولِ الوحيِ.\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٨ - ٤٩].\nأمَرَ اللَّهُ نبيَّه بالصبرِ على حُكْمِ اللَّهِ وأمرِهِ بالامتثالِ له، وعلى ما يَسمَعُهُ مِن الكفارِ والإعراضِ عنه، وقد بيَّن اللَّهُ مِنَّتَهُ علي عبدِهِ أنَّه مُصطفِيهِ مِن بينِ خَلْقِه، وحافظُهُ وحامِيهِ مِن فتنةِ أعدائِه.\nوقولُه تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ حُمِلَ معنى القيامِ في هذه الآيةِ على مَعانٍ:\nمنها: أنَّه حُمِلَ على ذِكْرِ اللَّهِ وتسبيحِهِ عندَ القيامِ إلى الصلاةِ؛ وهذا\n_________\n(١) \"الدر المنثور\" (١٣/ ٦٧٧).\n(٢) \"تفسير ابن عطية\" (٥/ ١٨٥)، و\"زاد المسير\" (٤/ ١٧٥)، و\"تفسير القرطبي\" (١٩/ ٥١١).","vol":"4","page":2089},{"text":"قولُ الضحَّاكِ والربيعِ وعبدِ الرحمنِ بنِ زيدٍ (١).\nومنها: أنَّه حُمِلَ على القيامِ مِن النومِ؛ وبهذا قال أبو الجَوْزَاءِ (٢) وابنُ جربرٍ الطبريُّ (٣)، وعلى هذا فمعناهُ ذِكَرُ الاستيقاظِ أو عندَ الانتباهِ والتَّعَارِّ على الفِراشِ في الليلِ، ومِن ذلك ما في \"المسنَدِ\" والبخاريِّ؛ مِن حديثِ عُبَادةَ بنِ الصامتِ، عن رسولِ اللَّهِ -ﷺ-؛ قال: (مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ. لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلَّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي -أَوْ قَالَ: ثُمَّ دَعَا- اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ عَزَمَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صلَّى، تُقُبِّلَتْ صَلَاتُهُ) (٤).\nومنها: أنَّه حُمِلَ على القيامِ مِن المَجْلسِ؛ وبهذا قال مجاهِدٌ وأبو الأحوصِ وعطاءُ بنُ أبي رباحٍ (٥)، وذلك في معنى كفَّارةِ المَجلِسِ، فتُختَمُ المَجالِسُ بالذِّكْرِ والحمدِ، وقد تقدَّم الكلامُ على الذِّكْرِ في ختام المَجْلِسِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس: ١٠].\nوقولُه تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ فسَّرَهُ ابنُ عبَّاسٍ وقتادةُ بأنَّه الركعتانِ قبلَ صلاةِ الفجرِ (٦)، وذلك بعدَ ذَهَابِ الليلِ وإدبارِ نجومِه، وإقبالِ الفجرِ وضَوْئِه، وذِكْرُ اللَّهِ لها في كتابِهِ دليلٌ على فضلِها، وهىِ أعظَمُ السُّننِ الرواتبِ فضلًا، وأشَدُّها تعاهُدًا مِن النبيِّ -ﷺ- عليها؛ كما\n_________\n(١) \"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٤٣٨، ٤٣٩).\n(٢) \"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٤٣٩).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٢١/ ٦٠٦).\n(٤) أخرجه أحمد (٥/ ٣١٣)، والبخاري (١١٥٤).\n(٥) \"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٤٣٩).\n(٦) \"تفسير الطبري\" (٢١/ ٦٠٨).","vol":"4","page":2090},{"text":"في \"الصحيحَيْنِ\"، عن عائشةَ -﵂-؛ قالتْ: \"لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى شيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مِنْهُ تَعَاهُدًا عَلَى رَكْعَتَي الفَجْرِ\" (١).\nوقد جاء في \"صحيحِ مسلمٍ\"، عنه -ﷺ-؛ أنَّه قال: (رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) (٢).\nومنهم: مَن حمَلَ المعنى في التسبيحِ إدبارَ النجومِ على صلاةِ الفجرِ؛ وهو قولُ الضحَّاكِ وابنِ زيدٍ، ورجَّحَه ابنُ جريرٍ (٣).\nوقد تقدَّم الكلامُ على الاهتداءِ بالنجومِ لمعرِفةِ الصلاةِ والعبادةِ، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧].\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١١٦٩)، ومسلم (٧٢٤).\n(٢) أخرجه مسلم (٧٢٥)؛ من حديث عائشة -﵂-.\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٢١/ ٦٠٩).","vol":"4","page":2091},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1302>سورة النجم</span>\nسورةُ النَّجْمِ سورةٌ مكيَّةٌ؛ كما قاله ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه (١)، وقد نصَّ غيرُ واحدٍ على الإجماعِ على ذلك (٢)، وقد وعَظ اللَّهُ وذكَّر، ورهَّب ورغَّب كفارَ قريشٍ، وبيَّن اللَّهُ صِدْقَ نبيِّه وإعجازَ كلامِه، وكيف نزولُ وحيِهِ، وفَضْلَ النبيِّ -ﷺ- وصِدْقَه، وذكَر بعضَ ضلالِ وكفرِ المشرِكِينَ وعِنادَهم، وصفاتِ المؤمنينَ والمُعانِدِينَ، وحالَ الناسِ في الحسابِ، والعذابَ والنعيمَ، وآياتِ اللَّهِ وإعجازَه، وحالَ بعضِ الأُمَمِ الغابِرةِ المُعانِدةِ، وما آلَ بهم عنادُهُمْ إليه.\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣٢].\nذكَر اللَّهُ مِن صفاتِ المؤمِنِينَ الصادِقِينَ: خشيةَ اللَّهِ، ومُفارَقةَ السيِّئاتِ، واجتنابَ أسبابِ غضبِه، وتعظيمَه، ومفارقةَ الذنوبِ صغيرِها وكبيرِها؛ تعظيمًا للَّهِ، مِن غيرِ تفريقٍ بينَ صغيرةٍ وكبيرةٍ؛ لأنَّهم ينظُرونَ إلى عِظَمِ مَن يُعصَى، ولا ينظُرونَ إلى صِغَرِ المعاصي.\n_________\n(١) \"الدر المنثور\" (١٤/ ٥).\n(٢) \"تفسير ابن عطية\" (٥/ ١٩٥)، و\"زاد المسير\" (٤/ ١٨٣).","vol":"4","page":2093},{"text":"وقولُه تعالى: ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾، فيه: دليل على التفريقِ بينَ الذنوبِ كبيرِها وصغيرِها، وأنَّها على مَراتِبَ وليستْ على مرتبةٍ واحدةٍ، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك وتفصيلُهُ وبيانُ موقفِ السلفِ منه، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١].\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩].\nبيَّن اللَّهُ أنَّ الإنسانَ لا يُثابُ إلَّا على مَا كسَبتْهُ يمينُه، وسَعَى إليه بنفسِه؛ وذلك للحثِّ على المبادَرةِ وعدمِ الاعتمادِ على ثوابٍ يأتيهِ مِن غيرِ كَسْبِه؛ فيَنْدَمُ على تفريطِهِ وتسويفِه، وَيُستثنى مِن هذه الآيةِ ما خَصَّهُ الدليلُ؛ ومنه قوله -ﷺ-: (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ، انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صدَقَةٍ جَارِيةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) (١).\nوقد تقدَّم الكلامُ على مسألةِ إهداءِ الثوابِ وأُجُورِ القُرَبِ للمَيِّتِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)﴾ [النجم: ٦١].\nذكَر اللَّهُ لَهْوَ كُفَّارِ قريشٍ عن سماعِ الوحي، ورُوِيَ عن بعضِ السلفِ: أنَّ معنى السُّمُودِ هنا هو الغِناءُ، والمرادُ: الانشغالُ بالغناءِ عن كلامِ اللَّهِ؛ رواهُ عِكْرِمةُ عن ابنِ عبَّاسٍ قولَه: ﴿سَامِدُونَ﴾ قال: هو الغناءُ؛\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٦٣١)؛ من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"4","page":2094},{"text":"كانوا إذا سَمِعوا القرآنَ تَغَنَّوْا ولَعِبوا، وهي لُغةُ أهلِ اليمنِ؛ قال اليَمَانيُّ: اسْمُدْ؛ رواهُ ابن جريرٍ (١).\nولا يُوجَدُ قومٌ يُعرِضونَ عن اللَّهِ إلَّا وكان مِن أعظَمِ أسبابِ إعراضِهم: فُشُوُّ الغِناءِ واللَّهْوِ، وقد تقدَّم الكلامُ على الغِناءِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦)﴾ [لقمان: ٦].\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢٢/ ٩٧).","vol":"4","page":2095},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1303>سورة القمر</span>\nسورةُ القَمَرِ سورةٌ مكيَّةٌ، وحُكِيَ الإجماعُ على ذلك (١)، وانشقاقُ القمرِ حدَثَ لمَّا كان النبيُّ -ﷺ- بمكَّةَ، وفي هذه السُّورةِ ذِكرٌ لآياتِ اللَّهِ ومعجزاتِه، وترهيبٌ للمُعانِدينَ، وتذكيرٌ لهم بعاقبتِهم، وتحذيرٌ مِن كُفْرِهم وشِرْكِهم، وذِكْرٌ لطريقةِ أمثالِهم السابقينَ ونهايتِهم.\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨].\nبعَث اللَّهُ الناقةَ آيةً لثمودَ قومِ صالحٍ، وأمَرَهم ألَّا يمَسُّوها بسُوءٍ، وجعَل لها مَوْرِدًا إلى الماءِ في يومٍ غيرَ مَوردِهم، وجعَل اللَّهُ لكلٍّ مَشْرَبَه؛ حتى لا يَتنازَعُوا فيُسوَّلَ لهم الشيطانُ عدوانًا عليها لمُزاحَمَتِها لهم وعدمِ كفايتِهم؛ ليقطَعَ عنهم العُذْرَ، وتقومَ عليهم الحُجَّةُ.\nوفي هذه الآيةِ: أنَّ العدلَ في قِسْمةِ المالِ ومنافعِ الأرضِ مُوجِبٌ لدفعِ النِّزاعِ والخلافِ بينَ الناسِ، إلَّا لِمَنْ ظهَرَ بغيُهُ وعنادُه، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك في مواضعَ، عندَ قولِه تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير ابن عطية\" (٥/ ٢١١)، و\"زاد المسير\" (١٩٦/ ٤)، و\"تفسير القرطبي\" (٢٠/ ٧١)، و\"بصائر ذوي التمييز\" (١/ ٤٤٥).","vol":"4","page":2097},{"text":"عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٠]، وقولِهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (١٠)﴾ [الأعراف: ١٠]، وقولِهِ تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣].\n* * *","vol":"4","page":2098},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1304>سورة الرحمن</span>\nسورةُ الرحمنِ سورةٌ مكيَّةٌ، كما قالهُ ابنُ عبَّاسٍ وعائشةُ وابنُ الزُّبَيْرِ وجماعةٌ، وهو قولُ الأكثرِ (١)، وسورةُ الرحمنِ نزَلَتْ في تعظيمِ اللَّهِ وذِكْرِ آياتِهِ ومخلوقاتِهِ، وبيانِ عِظَمِ شرائعِه مِن الأمر بالعدلِ والتحذيرِ مِن الظُّلْمِ والبغي، وتذكيرِ الإنسانِ بأصلِهِ وضَعْفِه، وعمومِ ربوبيَّةِ اللَّهِ وحقِّه في العبادةِ، وبيانِ الفرقِ بين الحياةِ الدُّنيا الفانيةِ والآخِرةِ الباقيةِ، وما في الجنةِ مِن نعيمِ، وما في النارِ مِن عذابٍ أليمٍ.\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَان﴾ [الرحمن: ٧ - ٩].\nأمَر اللَّهُ بالعدلِ، وحذَّر مِن الظُّلْمِ ولو كان قليلًا، وقد وضَعَ اللَّهُ الميزانَ عندَما خلَقَ السماءَ؛ لبيانِ أنَّه بالعدلِ قامتِ السمواتُ والأرضُ، فليس العدلُ ولا الميزانُ جديدًا، بل مأمورٌ به فِطْرةً قبلَ نزولِ الشرائعِ السماويَّةِ.\nوقد تقدَّم بيانُ ما وقَع فيه قومُ شُعَيْبٍ مِن أكلِ أموالِ الناسِ بالباطلِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير القرطبي\" (٢٠/ ١١١)، و\"الدر المنثور\" (١٤/ ١٠٠).","vol":"4","page":2099},{"text":"وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٨٥ - ٨٦] وتقدَّم الكلامُ على حُرْمةِ مالِ المسلمِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] وقولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦].\nوصَف اللَّهُ نساءَ الجنةِ وحُورَهُنَّ أنَّهُنَّ يَقصُرْنَ نَظَرَهُنَّ على أزواجِهِنَّ، مع أنَّ داعيَ الشرِّ والفتنةِ في نفوسِهِنَّ ونفوسِ غيرِهِنَّ لا وجودَ له في الجنةِ، وفي ذلك مزيدُ إكرامٍ لأزواجِهِنَّ، وهذا مِن تمامِ النعيمِ المعنويِّ.\n* * *\n\nوقولُهُ تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ الطَّمْثُ: هو الجِمَاعُ، ونفيُ الشيءِ دليلٌ على إمكانِ وقوعِه، وليس المرادُ نفيَ المُحَالِ؛ وذلك أنَّ الجنَّ والإنسَ يُجامِعونَ، ومِن هذا أخَذَ بعضُهُمْ إمكانَ زواجِ الإنسِ مِن الجِنِّ، والعكسِ، وليس في الوحي شئٌ صريحٌ يثبُتُ به، وقد صنَّفَ بعضُ الحنفيَّةِ الدِّمَشقِيِّينَ المتأخِّرينَ كتابًا في ذلك، وقد جوَّز وقوعَ ذلك وحدوثَهُ غيرُ واحدٍ كابنِ تيميَّةَ، وكلُّ ما يَحكِيهِ الناسُ مِن وجودِ الولدِ بينَ الإنسِ والجنِّ، فممَّا لا طريقَ للتثبُّتِ منه.","vol":"4","page":2100},{"text":"وأمَّا دخولُ الجانِّ للإنسانِ وتخبُّطُهُ به، فهذا ثابثٌ في القرآنِ والسُّنَّة.\nوأمَّا الاستدلالُ على الزواج بمِثْلِ قولِهِ تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الإسراء: ٦٤]، فليس دليلًا، وليستِ الآيةُ في هذا السِّياقِ؛ وإنَّما المرادُ تسويلُ الحرامِ لهم، وتحبيبُهُ إليهم؛ كالرِّبا والمَيْسِرِ والتطفيفِ والزِّنى؛ ولهذا قال تعالى بعدَ ذلك: ﴿وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤].\n* * *","vol":"4","page":2101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1305>سورة الواقعة</span>\nسورةُ الواقعةِ مكيَّةٌ (١)، وهي تذكيرٌ بالآخِرةِ وعلاماتِها عندَ قيامِها، والبعثِ والنشورِ، وما بعدَ ذلك مِن أحوالِ وأهوالٍ ومَنازِلَ للمؤمنينَ والكافِرِينَ.\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩].\nفي هذه الآيةِ: تعظيمٌ للقرآنِ الكريمِ؛ لأنَّه كلامُ اللَّهِ، وهو أعظَمُ الكلامِ وأشرَفُه، وقد قالتْ كفارُ قريشٍ: إنَّ الشياطِينَ تَنْزِلُ به على محمدٍ -ﷺ-، فبيَّن اللَّهُ أنَّ الذي نزَل به الملائكةُ وليستِ الشياطينَ الذين لا يَتمكَّنونَ مِن السمعِ فضلًا عن المَسِّ؛ فقال في سورةِ الشعراءِ: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢].\nولا يختَلِفُ المفسِّرونَ مِن الصحابةِ والتابعينَ ممَّن صَحَّ عنه النقلُ أنَّ المرادَ بقولِه: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ الكتابُ الذي في السماءِ، وهذا جاء عن ابنِ عبَّاسٍ وأبي العاليةِ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ ومجاهِدٍ وجابرِ بنِ زيدٍ وقتادةَ (٢)، ومنهم: مَن أدخَلَ في حُكْمِهِ غيرَه، فجعل حُكمَ القرآنِ\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" (٢٠/ ١٧٥).\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٢٢/ ٣٦٢ - ٣٦٦).","vol":"4","page":2103},{"text":"المنزَّلِ بينَ أيدِينا يأخُذُ الحُكْمَ الذي تضمَّنَهُ الخبَرُ في قولِه: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾.\nوهذه الآيةُ نظيرُ قولِهِ تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٢ - ١٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1306>الطهارةُ عندَ القراءةِ ومَسِّ المُصْحَفِ:</span>\nلا يختلِفُ العلماءُ في مشروعيَّةِ التطهُّرِ عندَ ذِكْرِ اللَّهِ، وأعظَمُ الذِّكرِ كلامُ اللَّهِ، ومِثْلُ ذِكْرِ اللَّهِ مَسُّ كتابِه، وكذلك فإنَّ قراءةَ القرآنِ بلا طهارةٍ مِن الحدَثِ الأصغرِ ولا مسٍّ للمُصْحَفِ جائزةٌ عندَ السلفِ، ولا يَكادونَ يختلِفونَ إلَّا في كراهتِها، وقد رَوَى سعيدُ بنُ جُبَيْرِ، عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ؛ قال: كانا يَقْرَأَانِ أجزاءَهما مِن القرآنِ بعدَما يخْرُجانِ مِن الخلاءِ قبلَ أنْ يَتوضَّأَ (١).\nوصحَّ مِثلُهُ عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ؛ أنَّ أبا هريرةَ كان يخرُجُ مِن المَخرَجِ ثمَّ يحدُرُ السُّورةَ (٢).\nوبمِثلِهِ كان يُرخِّصُ ابنُ مسعودٍ (٣) وأصحابُهُ كعَلْقَمةَ والأسودِ (٤) وعبدِ الرحمنِ بنِ يَزيدَ (٥)، وكذلك جاء عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ (٦).\nأخرَجَه ابنُ أبي شيبةَ عنهم.\nوأمَّا صاحبُ الحدَثِ الأكبرِ، فأكثرُهُمْ على أنَّه لا يَقْرَأُ القرآنَ؛\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١١٠٢).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١١٠٣).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١١٠٦).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١١٠١).\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١١٠٠).\n(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١١٠١).","vol":"4","page":2104},{"text":"وهو قولُ عمرَ وعليٍّ وابنِ مسعودٍ، وصحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ جوازُ ذلك، ورخَّص عِكْرِمةُ له بقراءةِ الآية والآيتَيْنِ.\nوأمرُ الحائضِ أخفُّ وأيسَرُ مِن الجُنُبِ؛ لأنَّه يطولُ عليها حيضُها، وليس بيدِها رفعُهُ، بخلافِ الجُنُبِ؛ فإنَّه يَملِكُ رفعَ جنابتِه؛ فشُدِّدَ في أمرِه، فيجوزُ للحائض أنْ تَقْرَأَ القرآنَ؛ حتى لا تنساهُ، وتذكُرَ وِرْدَها، وتُحصِّنَ نقسَها في ذِكْرِها ليومِها وليلتِها.\nويختلِف العلماءُ في وجوبِ التطهُّرِ عندَ مسِّ المصحفِ؛ سواءٌ قصدَ القراءةَ أو غيرَ القراءةِ؛ وذلك لاختلافِهم في المعنى الذي تحتمِلُهُ هذه الآيةُ: هل يتعدَّى إلى مسِّ المُصْحَفِ الذي بأيدي الناسِ، أو هو خبرٌ عمَّا في اللَّوْحِ لا يَقتضي حُكْمًا؟:\nالقولُ الأولُ: أنَّ الآيةَ تَحتمِلُ معنى المصحفِ؛ وعليه نصَّ الشافعيُّ، فقال: وهذا المعنى تحتمِلُهُ الآيةُ (١).\nوهو الذي عليه جمهورُ العلماءِ وعامَّتُهم؛ أنَّه يجبُ التطهُّرُ عندَ مسِّ المصحفِ، وألَّا يَمَسَّ القرآنَ إلَّا طاهرٌ، وهذ مرويٌّ عن الأئمَّةِ الأربعةِ، وقد شدَّد في ذلك مالكٌ، وقال: \"إنَّه لا يُمَسُّ ولو بحائلٍ كعِلَاقةٍ ووِسَادةٍ وقُمَاشٍ\" (٢).\nوعلى هذا الصحابةُ وفقهاءُ الحجازِ كالفقهاءِ السَّبْعةِ وغيرِهم:\nفقد جاء عن سَلْمانَ الفارسيِّ أنَّه قضى حاجتَهُ، فقيل له: لو توضَّأتَ؛ لعلَّنا نسألُك عن آيٍ مِن القرآنِ؟ فقال: سَلُونِي؛ فإنِّي لا أمَسُّهُ، وإنَّه لا يمَسُّهُ إلَّا المطهَّرونَ، قال: فسألْناه، فقرَأَ علينا قبلَ أن يوضَّأَ،\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"معرفة السنن والآثار\" (١/ ١٨٥).\n(٢) \"موطأ مالك\" (١/ ١٩٩)، و\"تفسير القرطبي\" (٢٠/ ٢٢٤).","vol":"4","page":2105},{"text":"أخرَجَهُ ابنُ أبي شَيْبة والدارقطنيُّ والبيهقيُّ؛ مِن حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، عنه (١)؛ وهو صحيحٌ.\nورَوَى مالكٌ في \"الموطَّأِ\"؛ مِن حديثِ مُصْعَبِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ؛ أنَّه قال: \"كُنْتُ أُمْسِكُ المُصْحَفَ عَلَى سَعْدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ، فَاحْتَكَكْتُ، فَقَالَ سَعْدٌ: لَعَلَّكَ مَسِسْتَ ذَكَرَكَ؟ ! قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: قُمْ، فَتَوَضَّأْ، فَقُمْتُ فتَوَضَّأتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ\" (٢).\nوهو صحيحٌ.\nورُوِيَ في قصةِ إسلامِ عمرَ -﵁- أنَّه قال حِينَ دخَلَ على أُختِه: فَإِذَا بِصَحِيفَةٍ وَسَطَ الْبَابِ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ الصَّحِيفَة هَاهُنَا؟ فَقَالَتْ لِي: دَعْنَا عَنْكَ يَا بْنَ الْخَطَّابِ؛ فَإِنَّكَ لا تَغتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، ولا تَتَطَهَّرُ؛ وَهَذَا لا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ\".\nأخرَجَهُ الحاكمُ والبَزَّارُ، ثمَّ قال البزَّارُ: \"وهذا الحديثُ لا نَعلَمُ رواهُ عن أسامةَ بنِ زيدٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه، عن عمرَ، إلَّا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ الحُنَيْنِيُّ، ولا نَعلَمُ يُروى في قصةِ إسلامِ عمرَ إسنادٌ أحسَنُ مِنِ هذا الإسنادِ\" (٣).\nقلتُ: وإسحاقُ وأسامةُ ضعيفانِ في الحديثِ.\nوقد رواهُ الدارقطنيُّ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ القاسمِ بنِ عثمانَ، عن أنسٍ، والقاسمُ ليس بالقويِّ (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١١٠٠)، والدارقطني في \"سننه\" (١/ ١٢٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٩٠).\n(٢) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٤٢).\n(٣) أخرجه البزار في \"مسنده\" (البحر الزخار) (٢٧٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٥٩).\n(٤) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (١/ ١٢٣)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٥٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٨٨).","vol":"4","page":2106},{"text":"ورواهُ محمدُ بنُ عثمانَ بنِ أبي شيبةَ في \"تاريخِه\"، وعنه أبو نُعَيْمٍ؛ مِن حديثِ إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن أَبَانَ بنِ صالحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ به؛ وإسحاقُ متروكُ الحديثِ (١).\nوقد رَوَى عبدُ الرحمنِ بنُ أبي الزِّنادِ، عن أبيه، عمَّن أدرَكَ مِن فقهاءِ أهلِ المدينةِ الذين يُنتهَى إلى قولِهم؛ أنَّهم كانوا يقولونَ: \"لا يَمَسُّ القرآنَ إلَّا طاهرٌ\" (٢).\nالقول الثاني: قالوا بعدمِ احتمالِ الآيةِ لمعنى مسِّ المُصْحَفِ، وجوَّزُوا مسَّه بلا طهارةٍ؛ ورُوِيَ هذا عن أبي حنيفةَ وداودَ الظاهريِّ، وهو مرويٌّ عن الحَكَمِ وحمَّادٍ.\nالقولُ الثالثُ: جوازُ مسِّ حَواشِي المُصْحَفِ لا مسِّ حروفِه؛ وهو قولٌ لأبي حنيفةَ.\nوالأظهَرُ: أنَّ القرآنَ لا يُمَسُّ إلَّا عن طهارةٍ؛ تعظيمًا له، وإنْ لم تَحتمِلِ الآيةُ هذا المعنى، فيَحتمِلُهُ عملُ الصحابةِ والتابعينَ؛ فبه يقولُ سَلْمانُ الفارسيُّ وسعدٌ، ولا مُخالِفَ لهما مِن الصحابةِ، وإنْ لم يُقطَعْ بإثمِ مَنْ مَسَّهُ بغيرِ طهارةٍ؛ لعدمِ وجودِ النصِّ الصريحِ في ذلك، وإنَّما يُكتفى بالأمرِ بالطهارةِ؛ تعظيمًا للقرآنِ وتطهيرًا له، والسلفُ كانوا يَأْمُرونَ بأشياءَ ولا ينُصُّونَ على نوعِ الأمرِ وشِدَّتِه؛ لأنَّهم يُريدونَ الامتثالَ، حتى توسَّعَ الفقهاءُ في النظرِ، فأخَذُوا يُفصِّلونَ في مُجمَلِ ألفاظِهم وأوامرِهم وما يَنهَوْنَ عنه؛ حتى يُنسَبَ للواحدِ منهم أكثَرُ مِن رأي والقولُ عنه واحدٌ، وسندُهُ إليه واحدٌ، وحكايةُ الأمرِ لشيءٍ على سبيلِ الإجمالِ لا يُنافي الرُّفْقَ وتحريرَ الفقهِ، وقد يكونُ جملةً تعظيمًا للشريعةِ، وكثيرًا ما\n_________\n(١) \"حلية الأولياء\" (١/ ٤٠)، و\"دلائل النبوة\" لأبي نعيم (ص ٢٤١).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"معرفة السنن والآثار\" (١/ ١٨٥).","vol":"4","page":2107},{"text":"يكونُ تفصيلُ الأوامرِ تهوينًا في نفوسِ الناسِ فيترُكُونَها زهدًا فيها؛ لأنَّهم يُرِيدونَ فِعْلَ الواجبِ وتَرْكَ المحرَّمِ والاقتصارَ عليه.\nوإطلاقُ الأمرِ والنهي مِن غيرِ تمييزٍ لمرتبةِ المأمورِ به والمنهيِّ عنه: مِن الأساليبِ النبويَّةِ والصحابيَّةِ، ولو كان مستقِرًّا عندَ عامَّةِ الصحابةِ مرتبةُ المقصودِ مِن السياقِ، إلَّا أنَّه ليس مستقِرًّا عندَ كثيرٍ مِن التابعينَ ولا عندَ أكثَرِ أتباعِهم، وما كان الصحابةُ يَتكلَّفونَ التمييزَ في ذلك.\nوقد جاء في السُّنَّةِ الأمرُ بالتطهُّرِ عندَ مسِّ المُصْحَفِ؛ كما رَوى مالكٌ في \"موطَّئِه\"، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرو بنِ حَزْمٍ؛ أن في الكتابِ الذي كتَبَهُ رسولُ اللَّهِ -ﷺ- لعمرِو بن حزمٍ: (أَنْ لا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ) (١).\nورَوَى أبو داودَ في \"المراسيلِ\"؛ مِن حديثِ الزُّهْريِّ؛ قال: قرأتُ في صحيفةٍ عندَ أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حزمٍ؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- قال: (وَلَا يَمسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ) (٢).\nوكتابُ النيِّ -ﷺ- لعمرِو بنِ حزمٍ ثابتٌ في أصلِه؛ وإنَّما الخلافُ في ثبوتِ بعضِ نصوصِهِ وحروفِه، وصحَّحَ أصلَ الكتابِ ابنُ مَعِينٍ (٣) وأحمدُ (٤) والشافعيُّ (٥) ويعقوبُ بنُ سفيانَ (٦).\nوقد رَوَى الدارقطنيُّ؛ مِن حديثِ سالمٍ، عن ابنِ عمرَ مرفوعًا: (لَا يَمسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ) (٧).\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ١٩٩).\n(٢) \"المراسيل\" لأبي داود (٩٤).\n(٣) \"تاريخ ابن معين\"، رواية الدوري (٦٤٧).\n(٤) \"مسائل الإمام أحمد\"، رواية البغوي (٣٨ و٧٣)، و\"الكامل في ضعفاء الرجال\" لابن عدي (٣/ ٢٧٥).\n(٥) \"الرسالة\" (١/ ٤٢٢ - ٤٢٣).\n(٦) \"المعرفة والتاريخ\" (٢/ ٢١٦).\n(٧) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (١/ ١٢١).","vol":"4","page":2108},{"text":"وقد احتَجَّ أحمدُ بحديثِ ابنِ عمرَ هذا؛ كما قالهُ الأثرمُ (١).\nوأمَّا ما رواهُ الشيخانِ، عن ابنِ عمرَ: \"أن رسولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالقُرآنِ اِلَى أرْضِ العَدُوِّ\" (٢)، فذلك مخافةَ أن يَنالَه العدوُّ.\nوقد كان بعضُ السلفِ يرخِّص في تحويلِ المصحفِ من موضعِ إلى موضعٍ بلا طهارةٍ، ولم يَجعَلوهُ كالمسِّ الطويلِ؛ كما صحَّ عن ابنِ سيرِينَ فيما رواهُ هشامٌ عنه، أنَّه لم يكنْ يَرَى بأسا أنْ يحوِّلَ الرجلُ المصحفَ وهو غيرُ طاهرٍ (٣).\nوجوَّز مِثلَ هذا بعضُ الفقهاءِ من الشافعيَّةِ.\nوكتُبُ التفسيرِ ليستْ قرآنًا، فيجوزُ مسُّها بلا طهارةٍ، ومِن بابِ أَوْلى كتُبُ الفقهِ، والمراسلاتُ التي تتضمَّنُ قرآنًا؛ فقد رَوَى البخاريُّ ومسلمٌ؛ أنَّ في كتابِ رسولِ اللَّهِ -ﷺ- إلى هِرَقْلَ آيةً مِن القرآنِ الكريمِ، وهي قولُه تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] (٤).\n* * *\n_________\n(١) ينظر: \"التلخيص الحبير\" (١/ ١٣١)، و\"نيل الأوطار\" (١/ ٢٥٩).\n(٢) أخرجه البخاري (٢٩٩٠)، ومسلم (١٨٦٩).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٧٤٢٦).\n(٤) أخرجه البخاري (٧)، ومسلم (١٧٧٣)؛ من حديث ابن عباسٍ -﵁-.","vol":"4","page":2109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1307>سورة الحديد</span>\nسورةُ الحديدِ مدَنيَّةٌ، وقد قال ذلك ابنُ عبَّاسٍ وابنُ الزُّبَيْرِ (١)، وقد حَكَى الإجماعَ على ذلك غيرُ واحدٍ (٢)، وقيل بمكيَّةِ بعضِها (٣).\nوتضمَّنَتِ السُّورةُ ذِكرَ آياتِ اللَّهِ وقُدْرتهِ وصُنْعِهِ في مخلوقاتِه، ونِعَمِهِ وأفضالِهِ على عِبادِه، والتحذيرَ مِن النِّفاقِ وأوصاف أهلِه، وحثًّا على تدبُّرِ القرآنِ والتفكُّرِ فيه، وحثًّا على الإنفاقِ، وذِكْرَ بعضِ أحوالِ السابِقِينَ للاعتبارِ.\n* قال اللَّه تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾ [الحديد: ٧].\nأمَر اللَّه بالصَّدَقةِ والبَذْلِ؛ شكرًا لِما وهب اللَّهُ العبدَ مِن نِعَمِ الأرضِ وخيراتِها، وذِكْرُ اللَّهِ للاستخلافِ في الآيةِ: دليلٌ على أنَّ الصدَقةَ مِن أعظَمِ ما يُثبِّتُ النِّعَمَ، وتستقرُّ به الأُممُ.\nوقد تقدَّم الكلامُ على فرضِ الزكاةِ فيما يخرُجُ مِن الأرضِ مِن المعادنِ والنِّفْطِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وزكاةِ عُرُوضِ التجارة عندَ قولِهِ تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ\n_________\n(١) \"الدر المنثور\" (١٤/ ٢٥٥).\n(٢) \"تفسير القرطبي\" (٢٠/ ٢٣٥).\n(٣) ينظر: \"تفسير ابن عطية\" (٥/ ٢٥٦)، و\"زاد المسير\" (٤/ ٢٣٢).","vol":"4","page":2111},{"text":"عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وزكاةِ الثمارِ والحبوب عندَ قولِه تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١].\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥].\nأمَرَ اللَّهُ تعالى بالعدلِ بين الناسِ، وبيَّن أنّه أنزَلَ الوحيَ لإصلاحِ الدِّينِ وإصلاح الدُّنيا؛ وذلك لأنَّ الدُّنيا لا تقومُ إلَّا بالعدلِ فيها، وهكذا الدولُ والأممُ لا تستقر إلَّا بالعدلِ.\nوذِكْرُ اللَّهِ للحديدِ في سياقِ المِنَّةِ فيه، بعدَ ذِكْرِهِ للعدلِ والأمرِ به: إشارةٌ إلى أنَّ العدلَ لا يقوم إلَّا بقوةٍ وأَطْرٍ للنفوسِ عليه؛ حتى تَكْبَحَ شهواتِها وشُبُهاتِها عن الطمعِ والشُّحِّ؛ فلا تَسرِقَ ولا تَغتصِبَ ولا تَستأثِرَ؛ ولهذا شرَع اللَّه الحدودَ والعقوباتِ في ذلك.\nويُقامُ العدلُ بالحديدِ في موضعَيْنِ: في الجهادِ، وفي الحدودِ والعقوباتِ.\n* * *","vol":"4","page":2112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1308>سورة المجادلة</span>\nسورةُ المُجادلةِ مدَنيَّةٌ (١)، وقد ثبَت في \"الصحيحِ\"؛ مِن حديثِ عائشةَ، قالتِ: \"الْحَمْدُ للَّه الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ؛ لَقَدْ جَاءَتِ المُجَادِلَةُ إِلَى النَّبيِّ -ﷺ- تُكَلِّمُهُ وَأَنَا فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، مَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾، إلى آخرِ الآيةِ [المجادلة: ١] \" (٢)، وتضمَّنَتِ السُّورةُ أحكامَ الظِّهارِ وبعضَ الآدابِ المتعلِّقةِ بالحديثِ والمَجَالسِ، وأحكامُ الآداب مِن أواخرِ ما نزَلَ على رسولِ اللَّهِ -ﷺ-.\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٢ - ٤].\nفي هذه الآيةِ: تحريمٌ لمُظاهَرةِ الرجُلِ مِن امرأتِه، وهو أن يُشبِّهَها بظَهرِ أُمِّهِ التي تحرُمُ عليه تحريمًا معظَّمًا لا يُحِلُّهُ شيءٌ؛ فيقولُ: (أنتِ\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" (٢٠/ ٢٨٠).\n(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٤٦)، والنسائي (٣٤٦٠)، وابن ماجه (١٨٨)، والبخاري معلقًا قبل حديث (٧٣٨٦).","vol":"4","page":2113},{"text":"عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي)؛ وهذا لأنَّه تحريمٌ لِمَا أحَلَّ اللَّهُ، وإلحاقٌ له بما حرَّمَهُ اللَّهُ تحريمًا مغلَّظًا أبديًّا، وفيه تَعَدٍّ على حدودِ اللَّهِ وشريعتِه؛ ولذا قال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾، وبيَّن اللَّهُ أنَّ هذا القولَ لا يَجْعَلُ مِن زوجاتِهم أُمَّهاتِهم: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾، ولا يَختلِفُ المُسلِمونَ في حُرْمةِ الظِّهَارِ لأجلِ ذلك؛ فقد سمَّاهُ اللَّه مُنكَرًا وزورًا، وهو شِدَّةً الكذبِ.\nوكان الجاهليُّونَ يُفارِقونَ نساءَهم بعباراتٍ متعدِّدةِ، منها الظِّهارُ، فيَجْعلونَها فِراقًا مغلَّظًا، فنَهى اللَّهُ عن ذلك، وأثبَتَ المُفارَقةَ بالطلاقِ بحدودِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1309>ألفاظُ الظِّهارِ المُتَّفَقُ والمُختلَفُ فيها:</span>\nلا يَختلِفُ السلَفُ والخلَفُ على أنَّ قولَ الزوجِ لزوجِه: (أنتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي)؛ أنَّه ظِهارٌ، ولكنَّهم يَختلِفونَ فيمَن ذكَرَ شيئًا غيرَ ظَهْرِ أُمِّهِ كبَطْنِها وفَرْجِها، والذي عليه الجماهيرُ: أنَّه ظِهارٌ، وهو قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ، وللشافعيِّ قولٌ: أنَّه ليس بظِهارٍ، وجاء عن أبي حنيفةَ: أنَّه يكون ظِهَارًا في كلِّ عضوٍ مِن أُمِّه يحرُمُ نظرُهُ إليه، ومرادُهُ أنَّه إنْ قال لزوجتِه: أنتِ عليَّ كيَدِ أُمِّي ووَجْهِها، فإنَّها لا تحرُمُ؛ لأنَّه لا يحرُمُ عليه النظرُ إلى ذلك مِن أُمِّه.\nوالأظهَرُ؛ أنَّ ذِكْرَ العضوِ ليس مقصودًا لِذَاتِه؛ وإنَّما إنْ لم يذكُرْ عضوًا مِن أُمِّه وحرَّمَها كأُمِّه، فهو ظِهارٌ، ولو ذكَرَ لِباسَ أُمِّه الذي لا يَظهَرُ إلَّا لزوجِها، وقصَدَ به حُرْمةَ النِّكاحِ، فهو ظِهار، والشريعةُ جاءتْ على ذِكْرِ قولٍ عندَ العربِ، والغايةُ مِن التحريمِ: عدمُ مشابَهةِ الزوجةِ لحُرْمةِ الأُمِّ، والأُمُّ أغلَظُ المحرَّماتِ على الرجُلِ؛ فكلُّ ما دَلَّ على هذا المعنى وقُصِدَ به تحريمُ الزوجةِ كتحريم الأُمِّ، فهو ظِهارٌ.","vol":"4","page":2114},{"text":"واختلَفُوا فيما إذا جعلَ زوجتَهُ كأُختِه، فقال: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أُختي أو عمَّتي أو خالتي، وغيرِها مِن المَحَارِمِ.\nوالذي عليه جمهورُ العلماءِ؛ أنَّ ذلك كلَّه ظِهارٌ؛ وهو الصوابُ؛ لأنَّ الشريعةَ إنَّما حرَّمَتِ الظِّهارَ الملفوظَ في زمانِهم لِعلَّتِه، لا لمجرَّدِ ألفاظِه؛ فلا فرقَ بين ظَهْرِ الأمِّ وبطنِها؛ بل لو قال: فَرْجُها، لكان أغلَظَ مِن بطنِها، لأنَّ العلةَ فيه أظهَرُ وأصرَحُ، وكذلك أيضًا فالعلةُ في جميعِ المَحَارِمِ سواءٌ كانتِ ابنتهُ أو أختَهُ أو عمَّتَهُ أو خالتَهُ.\nولا يصحُّ مُظاهَرةُ المرأةِ لزوجِها، كأنْ تقولَ: (أنتَ عليَّ كأبي وأخي)؛ باتِّفاقِ الأئمَّةِ الأربعةِ؛ لأنَّ الظِّهارَ يُرادُ منه المفارَقةُ والطلاقُ، والعصمةُ بيدِ الرجُلِ لا بيدِ المرأةِ.\nوليس في مُظاهَرتِها كفارة ظِهارٍ ولا يمينٍ، على الصحيحِ.\nومِن العلماءِ: مَن جعَلَ ظِهارَها مِن زوجِها يمينًا عليها يجبُ عليها فيها الكفارةُ، وقد أوجبَ الكفارةَ عليها كفارةَ يمينٍ: الأوزاعيُّ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1310>كفارةُ الظِّهارِ:</span>\nقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾: في العَودِ المذكورِ في الآيةِ خلافٌ عندَ السلفِ ومَنْ بعدَهم مِن الفقهاءِ، على أقوالٍ:\nمنهم مَن قال: إنَّ المرادَ بالعَوْدِ هو العودةُ إلى المُظاهَرةِ بعدَ تحريمِها، فحمَلُوا العَوْدَ على الظِّهارِ؛ وهذا رُوِيَ عن مجاهِدٍ (٢) وطاوسٍ (٣)، وروايةٌ عن أبي حنيفةَ، ولازمُ هذا القولِ: أنَّ كفارةَ الظِّهارِ تجبُ بمجرَّدِ المُظاهَرةِ ولو رَغِبَ الزوجُ في مُفارَقةِ زوجِته بلا رجعةٍ.\n_________\n(١) ينظر: \"الاستذكار\" (١٧/ ١٢٧)، و\"تفسير القرطبي\" (٢٠/ ٢٨٩).\n(٢) \"تفسير البغوى\" (٨/ ٥١).\n(٣) \"الدر المنثور\" (١٤/ ٣٠٩).","vol":"4","page":2115},{"text":"ومنهم مَن قال: إنَّ العَودَ هو تَكْرارُ الظِّهارِ أكثَرَ مِن مرةٍ، فجعَلُوا التَّكْرارَ عَوْدًا؛ وهذا قولُ داودَ (١)؛ وفيه نظرٌ؛ لأنَّ التَّكرارَ إنَّما هو تأكيدٌ لا عَوْدٌ.\nومنهم مَن قال: إنَّ المرادَ بالعَوْدِ هو العودةُ إلى الزوجةِ والرغبةُ في إبقائِها في عِصْمَتِهِ وعدمِ مُفارَقتِها؛ وهذا الأرجحُ، وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ، وبه قال جماعةٌ مِن السلفِ؛ كأبي العاليةِ وسعيدِ بنِ جُبَيْرِ والحسنِ وقتادةَ (٢)، ولازمُهُ: أنَّ الزوجَ إنْ ظاهَرَ وأَمضى ظِهَارَهُ وفارَقَها، فلا شيءَ عليه.\nولكنَّ منهم: مَن قيَّد العَودَ بالوطءِ كمالكٍ، ومنهم: مَن وسَّعَهُ وجعَلَهُ إرادةَ الوطءِ والإبقاءَ بالعِصْمةِ ولو مِن غيرِ وطءٍ، والأخيرُ أظهَرُ؛ وهو قولٌ لأبي حنيفةَ وأحمدَ، وظاهرُ كلامِ الشافعيِّ.\nوأمَّا الظِّهارُ المؤقَّتُ؛ كأنْ يقولَ: أنتِ عليَّ كأُمِّي شهرًا كاملًا، فيُعتبَرُ فيه التوقيتُ في قولِ جمهورِ العلماءِ؛ فمَن فارَقَ زوجتَهُ مدةَ توقيتِه، فظِهارُهُ يَنتهي بتوقيتِهِ، وتسقُطُ عنه الكفارةُ؛ وهو مذهب الحنفيَّةِ والحنابلةِ والشافعيةِ في القولِ الأظهَرِ، ولا يكونُ المُظاهِرُ عائدًا إلَّا بالوطءِ في المُدَّةِ.\nوذهَبَ المالكيَّةُ وبعضُ الشافعيَّةِ في غيرِ الأظهَرِ: إلى أنَّ الظِّهارَ لا يصحُّ فيه التوقيتُ، فإنْ قيَّدَهُ بوقتٍ، تأبَّدَ كالطلاقِ، ويَصيرُ مظاهِرًا أبدًا؛ لوجود سببِ الكفارةِ.\nومنهم: مَن جعَلَ الظِّهارَ المؤقَّتَ لَغْوًا، فلم يُرتِّبْ عليه شيئًا، وهو قولٌ لبعضِ الشافعيَّةِ؛ وفيه نظرٌ.\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" (٢٠/ ٢٩٤ - ٢٩٥).\n(٢) ينظر: \"تفسير ابن كثير\" (٨/ ٣٩ - ٤٠).","vol":"4","page":2116},{"text":"وحُمِلَتِ اللامُ في قولِه: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ على معنى (في)؛ وذلك نحوُ قولهِ تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]؛ يعني: \"فيه\"، وقوله: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]؛ يعني: في وقتها.\nوكفارةُ الظِّهارِ كما في الآيةِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾، والكفارةُ على الترتيبِ المذكورِ بلا خلافٍ.\nولا يجوزُ له قُرْبُ زوجتِهِ بجِمَاعٍ قبلَ تكفيرِه؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، وصحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّ المَسَّ الجِمَاعُ (١)، وبه قال عطاءٌ والزُّهريُّ وقتادةُ ومُقاتِلُ بن حَيَّانَ (٢)، وهو قولُ أحمدَ والشافعيِّ.\nوذهبَ جمهورُ العلماءِ: إلى أنَّ المسَّ هو المباشَرةُ ولو دُونَ الفَرْجِ، وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ والشافعيِّ في قولٍ له، وقد قال الزُّهْريُّ: \"ليس له أنْ يُقبِّلَها ولا يَمَسَّها حتى يُكفِّرَ\" (٣).\nوقد جعَلَ مالكٌ النظرَ إلها بتلذُّذٍ في حُكْمِ المسِّ.\nومَن مَسَّ امرأتَهُ بعدَ ظِهارهِ منها وقَبلَ كفَّارته، فلا يُسقِطُ مسُّهُ وجوبَ الكفارةِ عليه، وهو بفعلِهِ ذلك آثِمٌ يجب عليه التوبةُ، وقد رَوَى أهلُ السُّننِ؛ مِن حديثِ عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّ رجلًا قال: يا رَسولَ اللَّهِ، إِنِّي ظَاهَرتُ مِنِ امْرَأَتِي، فَوَقَعْتُ قَبلَ أَنْ أَكَفِّرَ؟ قَالَ: (وَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟)، قَالَ: رَأَيْتُ خَلخَالَهَا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ،\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢٢/ ٤٦١).\n(٢) \"تفسير ابن كثير\" (٨/ ٤٠).\n(٣) \"تفسير ابن كثير\" (٨/ ٤٠).","vol":"4","page":2117},{"text":"فَقَالَ: (لَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَ اللَّهُ ﷿) (١).\nوالصوابُ إرسالُهُ عن عِكْرِمةَ (٢).\nوذهَبَ بعضُهم: إلى أنَّ على مَنْ مَسَّ قبلَ الكفارةِ كفارتَيْنِ.\nوالصحيحُ: أنَّ عليه كفَّارةً واحدةً؛ وهو قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ، وقد روَى سليمانُ بنُ يَسَارٍ، عن سلَمةَ بنِ صَخْرٍ البَياضِيِّ، عن النبيِّ -ﷺ-؛ فِي المُظَاهِرِ يوَاقِعُ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ، قَالَ: (كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) (٣).\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ٨ - ١٠].\nكان اليهودُ إن مَرَّ بهم مسلِمٌ تناجَوْا؛ حتى يظُنَّ المسلِمُ أنَّهم يَقصِدُونَهُ ويَأتمِرونَ عليه لِيَحْزَنَ ويَخشى، وقد كانوا يُحَيُّونَ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- بغيرِ تحيَّةِ الإسلامِ، فيقولونَ: (السَّامُ عليكَ)؛ ليُوهِمُوهُ بأنَّهم يُسلِّمونَ عليه، وهم يدْعُونَ عليه بالموتِ.\nوفي \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ عائشةَ -﵂-؛ أنَّ اليَهُودَ دَخَلُوا عَلَى\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (١١٩٩)، والنسائي (٣٤٥٧)، وابن ماجه (٢٠٦٥).\n(٢) أخرجه أبو داود (٢٢٢١، ٢٢٢٢)، والنسائي (٣٤٥٨، ٣٤٥٩).\n(٣) أخرجه الترمذي (١١٩٨)، وابن ماجه (٢٠٦٤).","vol":"4","page":2118},{"text":"النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَلَعَنتهُم، فَقَالَ: (مَا لَكِ؟)، قُلتُ: أَوَ لَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ ! قَالَ: (فَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ؟ !) (١).\nوقد وجَّه اللَّهُ الخِطَابَ بعدَ ذلك للمؤمنينَ محذِّرًا مِن مشابَهةِ اليهودِ بالتَّناجِي على طريقتِهم، بما يُوغِرُ الصدورَ ويُوقِعُ البَغْضاءَ؛ فلا يجوزُ أن يتناجَى أحدٌ مع أحدٍ بقصدِ إحزانِ أحدِ الحاضِرِينَ ولو لم يكنْ مقصودًا بذلك؛ فما دام أنَّه يَظُن أنَّه المرادُ، فلا يجوز التناجِي أمامَهُ ولو كان في المَجلِسِ غيرُه؛ وذلك لظاهرِ الآيةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1311>أنواعُ النَّجوَى المنهيِّ عنها:</span>\nوقد نَهى اللَّهُ ونبيُّه عن النَّجْوَى والمُسَارَّةِ في الحديثِ في حالاتٍ ثلاثٍ:\nالحالةُ الأُولى: التناجِي بالإثمِ والعُدْوانِ، والغِيبةِ والنميمةِ، والمَكْرِ والخديعةِ، فهذه مع كونِها محرَّمةً في ذاتِها إلا أنّه خُصَّ النهيُ عن التناجِي بها؛ لأنَّ الإسرارَ بالشرِّ يُنمِّيهِ ويجسِّرُ النفوسَ على المزيدِ منه وفعلِه، ولا يجدُ فاعلُهُ مُنكِرًا عليه؛ لأنَّ الناسَ لا يَرَوْنَهُ، ولو قُصِدَ أحدٌ بسُوءٍ بتلك النجوى، لم يَحتَطْ لنفسِه مِن شرِّهم، وأمَّا الجهرُ به، فمع كونه محرَّمًا إلَّا أنَّ فاعلَهُ يجدُ مُنكِرًا يُنكِرُ عليه لو سَمِعَهُ، والنَّفْسُ تَنفِرُ مِن المُجاهَرةِ بالسُّوءِ بطَبْعِها، والمُنكَرُ المُعلَنُ لا يدومُ؛ لأنَّ الفِطْرةَ والناسَ يُقاوِمونَهُ ويَدفَعونَه، بخلافِ المُنكَرِ الذي يَستتِرُ به، فيَدومُ وتتوطَّنُ عليه النَّفْسُ؛ ولهذا تَبدَأُ الشرورُ سِرًّا في الناسِ حتى يَتطبَّعوا عليها، ثمَّ يُعلِنونَ بها، فالسِّرُّ أصلُ كلِّ شرٍّ.\nالحالةُ الثانيةُ: التناجِي لإحزانِ أحدٍ أو جماعةٍ مِن المؤمِنِينَ،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٩٣٥)، ومسلم: (٢١٦٥).","vol":"4","page":2119},{"text":"وذلك بإظهارِ التآمُرِ عليهم، وقصدِ عَيْبِهم وغِيبتَهم؛ فهذا محرَّمٌ ولو كان المتناجُونَ في جَمْعِ مِن الناسِ، ما دام قصدُهم هذا، وما دام يُفهَمُ منهم ذلك، ومِن الناسِ مَن يُناجِي صاحِبَهُ وليس لدَيْهِ قول سوءٍ؛ وإنَّما لِيُشعِرَ مَن يَكرَهُهُ أنَّه يطعُنُ يه عندَ أخيهِ، وهذا محرَّمٌ، ومِن النجوى المنهيِّ عنها.\nالحالةُ الثالثة: أن يَتناجَى اثنانِ عندَ وجودِ الثالثِ ولو لم يكنْ مقصودًا بالنجوى، وقد ثبَتَ في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ؛ أن النبيَّ -ﷺ- قال: (إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً، فلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دونَ الآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُحْزِنَهُ) (١).\nوإذا كثر الناسُ، فالأمرُ أخَفُّ، ما لم يكنِ القصدُ معروفًا عندَ واحدٍ مهم، فيَغلبُ على ظنِّه أنَّه المَعْنيُّ بالنجوى، وقد رَوَى ابنُ حِبَّانَ، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عمرَ؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: (لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا، فَإنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ)، قَالَ أبو صَالِحٍ: فَقُلْتُ لِابنِ عُمَرَ: فَأرْبَعَةٌ؟ قَالَ: لا يَضُرُّكَ (٢).\nوقد رَوى مالكٌ في \"موطَّئِه\"، عن عبدِ اللَّهِ بنِ دِينارٍ؛ قال: كُنْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ عِنْدَ دَارِ خَالِدِ بنِ عُقْبَةَ الَّتِي بِالسُّوقِ، فَجَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ ينَاجِيَهُ، فَدَعَا عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُ الرَّجُل الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُنَاجِيَهُ، فَدَعَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ رَجلًا آخَرَ حَتَّى كُنَّا أَرْبَعَةً، فَقَالَ لِي وَللرَّجُلِ الَّذِي دَعَاهُ: اسْتَأْخِرَا شَيئًا! فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ؛ (لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ) (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٢٩٠)، ومسلم (٢١٨٤).\n(٢) أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (٥٨٤).\n(٣) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٩٨٨).","vol":"4","page":2120},{"text":"ويدخُلُ في حُكْمِ النجوى حديثُ الإنسانِ بلُغَةٍ لا يَفهَمُها إلَّا هو ومن يتحدَّثُ معه عندَ مَن يَسمَعُها ولا يَفهَمُ المرادَ، ويَعلَمُ تكلُّفَهُمْ بقصدِ عدمِ إفهامِه ما يقولونَ؛ كمَن يتكلَّمُ بالفارسيَّةِ والإنجليزيَّةِ عندَ مَن لا يَعرِفُ إلَّا العربيَّةَ، وهم يَعرِفونَ جميعًا الكلامَ بالعربيَّةِ مِثلَه؛ ولكنَّهم تَكلَّفُوا تَرْكَها، لعدمِ فهمِهِ لمرادِهم.\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى؛ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١].\nهذه الآية في آدابِ المَجالِس، وفيها حثٌّ على حِفْظِ حقِّ الداخِلينَ بالجلوسِ، وفضلُ التوسعةِ لهم وإيوائِهم؛ ففي ذلك من المودَّةِ والمحَبَّةِ والرحمةِ ما يُؤلَّفُ به بين القلوبِ، وعلى هذا كان يَحرِصُ السلفُ، وقد قال سعيدُ بنُ العاصِ: \"لجليسي عليَّ ثلاثُ خِصالٍ: إذا دَنَا رَحَّبْتُ به، وإذا جلَسَ وَسَّعْتُ له، وإذا حدَّث أَقْبَلْتُ عليه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1312>ما يُستحَبُّ للداخِلِ إلى المَجالِسِ:</span>\nويُستحَبُّ للداخِلِ أحكامٌ؛ منها: الاستئذانُ، وبَذْلُ السلامِ، على ما تقدَّم في سُورةِ النورِ وغيرِها، ومنها: أن يَجلِسَ حيثُ يَنتْهي به المَجلسُ، وهكذا كان يَفْعَلُ النَّبيُّ -ﷺ- وأصحابُهُ؛ فقد رَوَى أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ وغيرُهُم عن جابرِ بنِ سَمرَةَ؛ قال: \"كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا النَّبِيَّ -ﷺ-، جَلَسَ أَحَدُنَا حَيْثُ يَنْتَهِي\" (٢).\n_________\n(١) \"تاريخ دمشق\" (٢١/ ١٣٧)، و\"تهذيب الكمال\" (١٠/ ٥٠٧).\n(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٩١)، وأبو داود (٤٨٢٥)، والترمذي (٢٧٢٥)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٥٨٦٨).","vol":"4","page":2121},{"text":"وقد رَوَى الطبرانيُّ؛ مِن حديثِ شَيْبةَ بنِ عثمانَ مرفوعًا، قال: (إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى المَجْلِسِ، فَإِنْ وُسِّعَ لَهُ، فَلْيَجْلِسْ؛ وَإِلا فَلينظرْ إِلَى أَوْسَعِ مَكَانٍ يَرَى، فَلْيَجْلِسْ) (١).\nولا يقومُ بالتفريقِ بينَ اثنَيْنِ ليَجلِسَ بينَهما؛ فقد يكونُ بينَهما حديثٌ أو مودَّةٌ أو مصلحةٌ، فيَقطَعُ ذلك؛ فيَحمِلانِ في نَفْسَيْهما عليه! ففي \"المسنَدِ\"، و\"السُّننِ\"؛ من حديثِ عمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيهِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- قال: (لَا يَحِلُّ لِرَجلٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إلَّا بإذْنِهِمَا) (٢).\nويُستحَبُّ للداخِلِ: ألَّا يُضيِّقَ على جالسٍ فيُزاحِمَهُ وفي المكانِ سَعةٌ، ولا أن يَجلِسَ في مَجلِسِ مَنْ قام عنه ليَجلِس مكانَه! فربَّما قام حياءً فيَجلِسُ مكانَه كِبْرًا، ما لم يَتيقَّنْ أنَّه يَفرَحُ بإجابةِ دَعْوَتِهِ لمكانِه؛ لأنَّه يُحِبُّ إكرامَهُ ويدخُلُ السرورُ عليه بذلك، ورَوَى أحمدُ وأبو داود، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي عَمْرَةَ الأنصاريِّ؛ قال: أُخبِرَ أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ بِحِنَازةٍ، فَعَادَ تَخَلَّفَ حَتَّى إِذَا أَخَذَ النَّاسُ مَجَالِسَهُمْ، ثمَّ جَاءَ، فَلَمَّا رَآهُ الْقَوْمُ، تَشَذَّبُوا عَنْهُ، فَقَامَ بَعضُهمْ لِيَجْلِسَ فِي مَجْلِسِهِ، فَقَالَ: لَا؛ إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: (إِنَّ خَيْرَ المَجَالِسِ أَوْسَعُهَا)، ثُمَّ تَنَحَّى وَجَلَس فِي مَجلسٍ وَاسِعٍ (٣).\nوأمَّا إقامةُ أحدٍ للجلوسِ مكانَهُ، فهذا لا يجوزُ بصريح السُّنَّة؛ فقد صحَّ عن ابنِ عمرَ؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- قال: (لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَقْعَدِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ؛ وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا) (٤).\nوإنْ قام مِن مَجلسِه قريبًا، فعاد إليه، فهو أحَقُّ به، ما لم يكنْ ذلك من المَجالسِ العامَّةِ والمَرَافِقِ والمَيَادِينِ، التي لا يتوطَّنُ الإنسانُ فيها\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٧١٩٧).\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٢١٣)، وأبو داود (٤٨٤٥)، والترمذي (٢٧٥٢).\n(٣) أخرجه أحمد (٣/ ١٨)، وأبو داود (٤٨٢٠).\n(٤) أخرجه البخاري (٦٢٦٩)، ومسلم (٢١٧٧).","vol":"4","page":2122},{"text":"موضعًا خاصًّا، وقد رَوَى مسلمٌ، عن أبي هريرةَ؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ قَالَ: (إِذَا قَامَ أحَدُكُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) (١).\nومِن السلفِ: مَن حمَلَ الآيةَ على صفوفِ الجهادِ ومَجالسِها، فحمَلَ التفسُّحَ على النَّفيرِ في قولِه: ﴿تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾، ويُروى هذا عن ابنِ عبَّاسٍ وغيرِه (٢).\nوقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾؛ يعني؛ الإجابةَ لكلِّ داعٍ يدعو إلى خيرٍ وهدًى، فيجبُ أن يُجابَ.\n* * *\n\n* قال اللَّهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: ١٢ - ١٣].\nلمَّا أكثَرَ الناسُ المسائِلَ على رسولِ اللَّهِ -ﷺ-، وأثقلُوا عليه في الجليلِ والدقيقِ، أراد اللَّه أن يُخفِّفَ عن نبيِّه -ﷺ- ذلك، فأمَر مَنْ أراد أن يَسألَ نبيَّه أن يُقدِّمَ بينَ يَدَيْ نَجْوَاهُ صدقةً لفقراءِ المُسلِمِينَ يُنفِقُها رسولُ اللَّهِ -ﷺ- عليهم؛ لأنَّه لا تَحِلُّ له الصدقةُ ولا لآلِه، ولم تُقدَّرِ الصدقةُ بقَدْرٍ معيَّنٍ؛ وإنَّما بما يَقدِرُ عليه السائلُ ثمَّ لمَّا شَقَّ عليهم ذلك، نسَخَهُ اللَّه بقولِه: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾، وقد تحقَّقَ المراد بنزولِ هذه الآيةِ ولو نُسِخَتْ، فأدرَكَ الناسُ إثقالَهُمْ على رسولِ اللَّهِ -ﷺ- بما أنزَلَ اللَّه في ذلك ونسَخَهُ.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢١٧٩).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢٢/ ٤٧٨)، و\"تفسير ابن كثير\" (٨/ ٤٨).","vol":"4","page":2123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1313>سورة الحشر</span>\nسورةُ الحَشرِ مدَنيَّةٌ، وقد قال ذلك ابنُ عباسٍ وابنُ الزُّبَيْرِ (١)، وقد حكى الإجماعَ على ذلك غيرُ واحدٍ (٢)، وقد أنزَلَها اللَّهُ على نبيِّه لبيانِ بعضِ أحكامِ تعامُلِه مع بعضِ أعدائِهِ! كبني النَّضِيرِ مِن اليهودِ، وما يُفِيءُ اللَّهُ به عليه مِن أموالِهم، وبيَّن اللَّه فيها فضلَ الصحابةِ وخطرَ المُنافِقينَ، وأحوالَ الفريقينِ في الآخرةِ، وقد كان ابنُ عبَّاسٍ يُسمِّيها سورةَ بني النضيرِ (٣)؛ لأنَّها نزَلت فيهم.\n* قال اللَّه تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ [الحشر: ٥].\nلمَّا دخَلَ النبيُّ -ﷺ- أرضَ بني النضيرِ، قطَعَ ثمارَهُمْ مِن نخيلٍ وثمرٍ؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"، عن ابنِ عمرَ؛ أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- حَرَّقَ نَخْلَ بِني النَّضيرِ وَقَطَعَ، وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ (٤).\nوقيل: إنَّ الصحابةَ اختلَفُوا في إحراقِ نخلِ اليهودِ وإفسادِه، فأنزَلَ اللَّهُ على نبيِّه هذه الآيةَ، وفي \"السُّننِ\"؛ مِن حديثِ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ،\n_________\n(١) ينظر: \"الدر المنثور\" (١٤/ ٣٣١).\n(٢) ينظر: \"تفسير ابن عطية\" (٥/ ٢٨٣)، و\"زاد المسير\" (٤/ ٢٥٣)، و\"تفسير القرطبي\" (٢٠/ ٣٣٣).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٠٢٩).\n(٤) أخرجه البخاري (٤٨٨٤)، ومسلم (١٧٤٦).","vol":"4","page":2125},{"text":"عن ابنِ عبَّاسٍ؛ في قولِه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾؛ قال: اسْتَنْزَلُوهُمْ مِنْ حُصُونِهِمْ، وَأُمِرُوا بِقَطْعِ النَّخْلِ، فَحَاكَ فِي صُدُورِهمْ، فَقَالَ المُسْلِمُونَ: قَدْ قَطَعْنَا بَعْضًا، وَتَرَكْنَا بَعْضًا، فَلَنَسْأَلَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: هَلْ لَنَا فِيمَا قَطَعْنَا مِنْ أَجْرٍ، وَهَلْ عَلَيْنَا فِيمَا تَرَكْنَا مِنْ وِزرٍ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه ﷿: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً﴾ (١).\nوفي هذا: أنَّ اللَّهَ لم ينكِر على نبيِّه ولا على صحابتِه فِعْلَهم؛ وهذا ظاهرٌ في قوله تعالى: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾، ولم يكنِ اللَّهُ لِيأذَنَ لنبيٍّ بمحرَّمٍ، بل سمَّاه هنا خِزْيًا على المُنافِقينَ، وذُلًّا وصَغَارًا لهم.\nوقد اختلَفَ العلماء في جوازِ إتلافِ حَرْثِ العدوِّ المُحَارِبِ ودُورِهم، على قولَيْنِ:\nذهَبَ جماعةٌ: إلى جوازِ ذلك إنْ كان فيه مصلحة للمُسلِمينَ؛ كأنْ يَعلَموا أن هذا المالَ لن يَؤُولَ إلى المُسلِمِينَ ولن يَنتفِعوا منه؛ وبهذا قال أبو حنيفةَ ومالكٌ والشافعيُّ؛ أخذًا مِن ظاهرِ فِعْلِ النبيِّ -ﷺ- في بَني النضيرِ، ولم يَنهَهُ اللَّهُ ولم يُعاتِبْهُ على ذلك.\nوقد أجاز أحمدُ الحَرقَ إذا كان بلا عبثٍ؛ وإنَّما لمصلحةٍ؛ كالمواضعِ التي لا بدَّ منها، وبنحوِهِ قال إسحاقُ؛ فقد جَوَّزَهُ نِكايةً، بل جعَلَهُ سُنَّةً بذلك القَيْدِ.\nوذهب الأوزاعيُّ في قولٍ وغيرُهُ: إلى المنعِ مِن ذلك (٢)، وجعَلَ فِعْلَ الناسِ في بَني النَّضيرِ منسوخًا، وأنَّه قضيَّةُ عَيْنٍ نُهِيَ عنها بعدَ ذلك، واستَدَلَّ بما رَوَى مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ؛ أَنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَعَثَ\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٣٣٠٣)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١١٥١٠).\n(٢) ينظر: \"سنن الترمذي\" (١٥٥٢).","vol":"4","page":2126},{"text":"جُيُوشًا إلَى الشَّامِ، فَخَرَجَ يَمْشِي مَعَ يَزِيدَ بنِ أبي سُفيَانَ، وَكانَ أَمِيرَ رُبُعٍ مِنْ تِلكَ الأَرْبَاعِ، فقال: \"إِنِّي مُوصِيكَ بِعَشْرٍ: لا تَقْتَلنَّ امْرَأَةً، ولا صَبِيًّا، ولا كَبيرًا هَرِمًا، ولا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، ولا تُخَربَنَّ عَامِرًا، ولا تَعْقِرَنَّ شَاةً ولا بَعِيرًا إِلا لِمَأْكَلَةٍ، ولا تَحْرِقَنَّ نَخلًا، ولا تُغَرِّقَنَّهُ، ولا تَغْلُلْ، ولا تَجْبُنْ\" (١)، وهو مُرسَلٌ، وقد جاء مِن وجهٍ آخَرَ؛ فرواهُ عثمانُ بنُ عطاءٍ، عن أبيهِ، عن أبي بكرٍ؛ وهو مرسَلٌ أيضًا.\nوهذا لا يَتعارضُ مع قولِ مَنْ أجازَ؛ لأنَّ مَنْ قال بجوازِ ذلك، لم ينفِ مَنْعَه عندَ تحقُّقِ كونهِ إفسادًا، أو لم يكنِ العدوُّ منتفِعًا مِن الزرعِ، ولا أثَرَ عليه بحَرْقِه، فإنْ كانتِ الحالُ كذلك، فيُقالُ فيه كما قاله أبو بكرٍ.\n* * *\n\n* قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٦ - ٧].\nصالَحَ النبيُّ -ﷺ- يهودَ بني النَّضيرِ في قُرَاهم فَدَكَ وما حَوْلَها، فأَعطَوْهُ مالَهُمْ ليَدْفَعوا عن أنفُسِهم القتالَ، فسمَّى اللَّهُ ذلك المالَ فَيْئًا؛ لأنَّ المالَ الذي يغنَمُ مِن العدوِّ بلا قتالٍ فَيْءٌ؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾؛ يعني: أنَّكم لم\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٤٤٨).","vol":"4","page":2127},{"text":"تُسْرِعوا بخَيْلِكم وإِبِلِكم في غزوٍ ولا كَرٍّ ولا فَرٍّ في قتالِ العدوِّ؛ وإنَّما هو نعمة مِن اللَّهِ أنْ مَكَّنَكم منهم بلا قتالٍ.\nوالفَيْءُ الذي يُغنَمُ بغيرِ قتالٍ قد اختُلِفَ في تقسيمِه:\nفمِن العلماءِ: مَن جعلَهُ خالصًا لرسولِ اللَّهِ -ﷺ- يُقسِّمُهُ كما يشاءُ؛ لأنَّ اللَّهَ ذكَرَ ذلك ولم يُخَمِّسْهُ؛ كما في قولِه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.\nومِن العلماءِ: مَن جعَلَ الفَيْءَ يُقسَّمُ كالغنيمةِ، وأنَّ الآيةَ ذكَرَتِ الخُمُسَ الخاصَّ برسولِ اللَّهِ -ﷺ-، وأمَّا الأخماسُ الأربعةُ الباقيةُ، فمسكوتٌ عنها، وتَلحَقُ في حُكْمِها حُكْمَ الغنيمةِ؛ لأنَّ اللَّهَ ذكَرَ ذلك في الغنيمةِ؛ ذكَر خُمُسَ النبيِّ -ﷺ-، وسكَتَ عن الباقي للعِلْمِ به؛ كما قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]؛ ولهذا قال الشافعيُّ؛ فجعَل معنى آيةِ الحَشْرِ كمعنى آيةِ الأنفالِ، وذلك أنَّ الفيءَ يُخمَّسُ كالغنيمةِ، وأربعةُ أخماسِها للنبيِّ -ﷺ- يَتصرَّفُ بها، وبعدَهُ تكونُ للمُقاتِلِين، والخُمُسُ الباقي فيمَن سمَّى اللَّهُ.\nوله قولٌ آخَرُ: أنَّ ما كان لرسولِ اللَّهِ -ﷺ- يكونُ بعدَ وفاتِهِ في بيتِ مالِ المُسلِمِينَ ومَصَالحِهم.\nوقد عَدَّ بعضُ السلفِ آيةَ الفيءِ هنا منسوخةً بما في سورةِ الأنفالِ؛ وذلك أن الفيءَ يُخمَّسُ كالغنيمةِ؛ وبهذا قال قتادةُ وغيرُه (١).\nوالأرجحُ: أنَّ كِلتا الآيتَيْنِ مُحْكَمةٌ، وأنَّ المالَ الذي يُكسَبُ بلا قتالٍ يَختلِفُ عن المالِ الذي يُغنَمُ بقتالٍ، وفرقٌ بين آيةِ الغنيمةِ وآيةِ الفَيْءِ؛ فآيةُ الغنيمةِ بَيَّنَتْ أنَّ للنبيِّ -ﷺ- الخُمُسَ بقولِهِ تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢٢/ ٥١٨).","vol":"4","page":2128},{"text":"خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، فبيَّنتْ أنَّ الباقيَ أربعةُ أخماسٍ، وأمَّا آيةُ الفَيءِ هنا، فلم تذكُرْ أنَّ للنبيِّ -ﷺ- قدْرًا محدودًا: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآيةَ، ثمَّ أكَّدتْ أنَّ الفَيْءَ على الرسولِ لا على غيرِه، بخلافِ آيةِ الغنيمة، فنَسَبَتِ الغُنْمَ للمُسلِمينَ؛ كما في قولِهِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١]، فالغنيمةُ كسَبُوها فاستحَقُّوها، وأمَّا الفيءُ، فلم يَكْسِبوه؛ وإنَّما هو فضلٌ مِن اللَّهِ خالصٌ؛ ويدُلُّ على ذلك: ما رواهُ أحمدُ والشيخانِ، عن عمرَ -﵁-؛ قال: \"كَانَت أَمْوَالُ بنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ -ﷺ- مِمَّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ ولا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- خَالِصَةً، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْهَا نَفَقَةَ سَنَتِهِ -وَقَالَ مَرَّةً: قُوتَ سَنَتِهِ- وَمَا بَقِيَ جَعَلَهُ فِي الكُرَاعِ وَالسِّلاحِ عُدَّةَ فِي سَبِيل اللَّهِ -﷿-\" (١).\nوبهذا قال مالكٌ وأحمدُ وجماعةٌ.\nوقد حمَلَ جماعةٌ مِن المفسِّرينَ قولَهُ تعالى في الفَيْءِ هنا: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ على كلِّ ما غُنِمَ بلا قتالٍ؛ كالجِزْيةِ وخَرَاجِ أرضِ المشرِكِين؛ كما نصَّ على هذا مَعْمَرٌ وغيرُه (٢).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١/ ٢٥)، والبخاري (٢٩٠٤)، ومسلم (١٧٥٧).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢٢/ ٥١٦).","vol":"4","page":2129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1314>سورة الممتحنة</span>\nسورةُ المُمْتَحَنَةِ سورةٌ مدَنيَّةٌ بلا خلافٍ (١)، وفيها بيَّن اللَّهُ وجوبَ موالاةِ المؤمنينَ ومعاداةِ الكافرينَ، وبيَّن ما تُخْفِيهِ صدورُ الكافِرِينَ والمُنافِقينَ على الإسلامِ وأهلِه، وبيَّن بعضًا مِن أحكام التعامُلِ والصِّلَةِ بينَ المسلِمِ والمنافِقِ والكافِرِ مُحارِبًا ومُسالِمًا، وبعضَ أَحكامِ المُهاجِراتِ وما لَهُنَّ وعلَيْهِنَّ.\n* قال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)﴾ [الممتحنة: ٤].\nأمَر اللَّهُ بالتأسِّي بإبراهيمَ وما هو عليه ومَنْ معه مِنْ توحيدٍ وسُنَّةٍ، في تعامُلِهم مع المُشرِكِينَ، وظاهرُ الآيةِ: أنَّ التأسِّيَ بهم في أصولِ الدِّينِ كما هو ظاهرِ السِّياقِ، واتِّباعُ الأنبياءِ في الأُصولِ ممَّا لا خلافَ فيه، وإنَّما الخلافُ في الشرائعِ، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥].\n* * *\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير ابن عطية\" (٥/ ٢٩٣)، و\"زاد المسير\" (٤/ ٢٦٦)، و\"تفسير القرطبي\" (٢٠/ ٣٩٥).","vol":"4","page":2131},{"text":"* قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨ - ٩].\nجعَلَ اللَّهُ الكفارَ على نوعَيْنِ: مُحارِبِينَ ومُسالِمِينَ، فلم يَنْهَ اللَّهُ عن صِلةِ المُسالِمِينَ والإحسانِ إليهم، وأنَّ هذا لا يَقتضي مُخالَفةَ أمرِ اللَّهِ بالبراءةِ مِن المشرِكِينَ، وقد ثبَتَ في \"المسنَدِ\"، و\"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ -﵄-؛ قالتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ في عَهْدِ قُرَيْشٍ إذْ عَاهَدُوا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّه، إِنَّ أُمِّي قَدِمَت وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ) (١).\nوهذه الآية في كلِّ مشرِكٍ غبرِ مُحارِبٍ، والسلفُ إنَّما يَختلِفون في سببِ نزولِها والمقصودِ فيها؛ فقد صحَّ عن مجاهدٍ؛ أنَّ المقصودينَ هم الذين آمَنوا بمَكَّةَ ولم يُهاجِروا ولم يُقاتِلوا (٢).\nوقال غيرُهُ: إنَّها في غيرِ مُشرِكِي مكةَ ممَّن لم يُعادِ مِن العربِ، وهي في كلِّ مشرِكٍ مسالِمٍ سواءٌ.\nوقال ابنُ عبَّاسٍ بنَسْخِ هذه الآيةِ بسورةِ براءةَ (٣)؛ قال تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١]، ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، وبالنَّسْخِ قال عِكْرِمةُ والحسنُ وقتادةُ وابنُ زَيْدٍ وغيرُهم (٤).\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦/ ٣٤٧)، والبخاري (٢٦٢٠)، ومسلم (١٠٠٣).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢٢/ ٥٧٢).\n(٣) \"تفسير ابن المنذر\" (٢/ ٨٢٢ - ٨٢٣).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٢٩٨ - ٣٠٠) و(٢٢/ ٥٧٣).","vol":"4","page":2132},{"text":"وثبَتَ النَّسْخُ في حالِ النبيِّ -ﷺ- وأصحابِهِ؛ لمَّا قَوِيَ أمرُهم وكَمُلَ إتيانُ مَن أراد الحقَّ مِن المشرِكِينَ، فآمَنوا ولَحِقوا بالمؤمِنِينَ، ثمَّ أمَرَ اللَّهُ بقتالِ مَن تبقَّى، والحكمُ باقٍ يُعمَلُ به لمَن كانتْ حالُهُ كحالِهم عندَ نزولِ النصِّ الأول، ويُؤخَذُ بالثاني الناسخِ إنْ كانتْ حالُهم كحالِ المُسلِمِينَ حينَها؛ وذلك أنَّ الصحابةَ ما زالوا يَعمَلونهَ بالحُكْمَيْنِ جميعًا لا يَختلِفونَ في جوازِ البِرِّ بالكافِرِ المُسالِمِ وتأليفِه.\nوقد ترجَمَ البخاريُّ في كتابِه الصحيحِ على هذه الآيةِ: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾، وذكَرَ فيه أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ أرسَلَ بهديَّةٍ إلى أخيهِ بمَكَّةَ قبلَ أنْ يُسلِمَ؛ كما في البخاريِّ، عن ابنِ عمرَ -﵄-؛ قال: رَأَى عُمَرُ حُلَّةً عَلَى رَجُلٍ تُبَاعُ، فقَالَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: ابْتَعْ هَذِهِ الحُلَّةَ تَلْبَسْهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَإِذَا جَاءَكَ الوَفْدُ، فَقَالَ: (إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذَا مَنْ لا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ)، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْهَا بِحُلَلٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ مِنْهَا بِحُلَّةٍ، فَقَالَ عُمَرُ: كَيْفَ أَلْبَسُهَا وَقَدْ قُلْتَ فِيهَا مَا قُلْتَ؟ قَالَ: (إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا؛ تَبِيعُهَا، أَوْ تَكْسُوهَا)، فَأَرْسَلَ بِهَا عُمَرُ إِلَى أَخٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1315>الإحسانُ إلى الكافرِ بالهديَّةِ وقَبولُ شفاعتِه:</span>\nوالمشرِكونَ في بابِ الإحسانِ إليهم، والهَدِيَّةِ لهم، والنفقةِ عليهم، علي نوعَيْنِ:\nالنوعُ الأول: مشرِكونَ مُحارِبونَ؛ فالأصلُ: عدمُ جوازِ الإحسانِ إليهم، والإغلاظُ عليهم، والشِّدَّةُ معهم، وعدمُ اللِّينِ في ذلك؛ لعمومِ قولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣، والتحريم: ٩]، وقولِه تعالى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣].\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٦١٩).","vol":"4","page":2133},{"text":"ومَن كان مِن الكفارِ شَرُّهُ لا يَندفِعُ لقوَّتِه وسُوئِه، وعجَز المُسلِمونَ عنه إلَّا بتأليفِه بالمالِ، فهذا يجوزُ في المُحارِبِ على الاستثناءِ لا على الأصلِ؛ كما كان النبيُّ -ﷺ- عزَمَ على إعطاءِ غطَفانَ بعضَ ثمرِ المدينةِ كفايةً لشرِّها، وكما كان يفعلُهُ مع المُنافِقينَ في المدينةِ مع ظهورِ بَغْيِهم وشَرِّهم.\nالنوعُ الثاني: مشرِكونَ مُسالِمونَ كأهلِ الذِّمَّةِ والعهدِ؛ فالأصلُ جوازُ الإحسانِ إليهم، وقد يُستحَبُّ ويُؤجَرُ عليه فاعلُهُ إنْ قصَدَ خيرًا مِن تأليفِ قلبِهِ وتقريبِهِ مِن الإسلامِ، وقد كان جماعةٌ مِن الصحابةِ يُهْدُونَ بعضَ الكافِرِينَ مِن جيرانٍ ونحوِهم؛ كابنِ عبَّاسٍ، وعبدِ اللَّه بنِ عمرٍو، وعائشةَ، وغيرِهم.\nوصحَّ عن عائشةَ -﵂-: أنَّ امرأةً يهوديَّةً سأَلَتْها فأَعْطَتْها (١).\nوكان النبيُّ -ﷺ- يَقبَلُ الهديَّةَ منهم ويُجازِيهم عليها، وكان يَقبَلُ مِن بعضِ المُنافِقينَ؛ ككساءِ عبدِ اللَّهِ بنِ أُبَيٍّ للعبَّاس، ومُجازاةِ النبيِّ -ﷺ- له بعدَ ذلك، وقد ثبَتَ في \"الصحيحَيْنِ\"، عن أبي حُمَيدٍ الساعديِّ؛ قال: \"أَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ بُرْدًا، وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ\" (٢)؛ يعني: بَلَدَهم.\nوقد أَهْدَى ملكُ كِسْرَى وأُكَيْدِرُ دُومَةِ الجَنْدَلِ للنبيِّ -ﷺ-، فقَبِلَ منهما.\nوأمَّا الإهداءُ للكافِرِينَ المُسالِمينَ وقَبُولُ ذلك منهم في يومِ عيدِهم الدنيويِّ، فجائزٌ، وأمَّا أعيادُهم التي يتقرَّبونَ بها لغيرِ اللَّهِ، فلا يجوزُ قَبُولُ ما يتقرَّبونَ به لآلهتِهم مِن مذبوحٍ وغيرِه، وما لم يكنْ قُرْبةً فالأظهَرُ جوازُه.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦/ ٢٣٨)، والبخاري (١٠٤٩)، ومسلم (٩٠٣).\n(٢) أخرجه البخاري (١٤٨١)، ومسلم (١٣٩٢).","vol":"4","page":2134},{"text":"وقد كان النبيُّ -ﷺ- يُبيحُ قَبُولَ شفاعةِ الكافرِ المُحارِبِ، كما في \"الصحيحِ\"؛ أنَّه قال في أُسَارَى بَدْرٍ: (لَوْ كَانَ المُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى، لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ) (١).\n* * *\n\n* قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [الممتحنة: ١٠ - ١١].\nلمَّا صالَحَ النبيُّ -ﷺ- قريشًا في الحُدَيْبيَةِ، وكان مِن شروطِ صُلْحِهِ: أنَّ مَن أسلَمَ مِن قريشٍ، رَدَّهُ إليهم، ومَن ارتَدَّ مِن المُسلِمِينَ أنَّهم لا يَرُدُّونَه، استثنى اللَّهُ بعدَ ذلك على نبيِّه النِّساءَ المُهاجِراتِ أنَّه لا يَحِلُّ له رَجْعُهُنَّ إليهم.\nوقد أمَر اللَّهُ نبيَّه أن يَختبِرَ النِّساءَ وصِدْقَهُنَّ في الهجرةِ أنَّهنَّ لم يُهاجِرْنَ لدُنيا وطمعٍ، وتحوُّلًا مِن بلدٍ إلى بلدٍ، ولا بُغْضًا لأزواجِهِنَّ وفرارًا منهم، فكانوا يَستحلفونَهُنَّ على ذلك.\nوجعَلَ بعضُ السلفِ الآيةَ مُخصِّصةً للسُّنَّةِ أو ناسخةً لها.\nقولُه تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾: ذكَر فيها سببَ عَدَمِ رَجْعِهِنَّ: أنَّ اللَّهَ لا يُحِلُّهنَّ لأزواجِهنَّ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣١٣٩)؛ من حديث جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ -﵁-.","vol":"4","page":2135},{"text":"بشِركِهم، وقد تقدَّم الكلامُ على تزويجِ المُسلِمةِ المُشركَ عندَ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1316>إسلامُ الزوجَيْنِ أو أحدِهما:</span>\nإذا أسلَمَ الزوجانِ جميعًا في وقتٍ واحدٍ، فيَمْضي نكاحُهما السابقُ بلا خلافٍ، وإنْ تقدَّم أحدُهما الآخَرَ، لكنْ كان إسلامُهما في زمنِ العِدَّةِ، فيَمضي زواجُهما بعقدِهما السابقِ بلا شهودٍ ولا صداقٍ عندَ أكثرِ العلماءِ؛ وهو قولُ الشافعيِّ وأحمدَ والأوزاعيِّ، وذلك لِما رَوَى مالكٌ في \"الموطَّأِ\": أنَّ زوجةَ صَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ أسلَمَتْ قبلَ زوجِها بنحوِ شهرٍ، ثمَّ أسلَمَ زَوْجُها، فلم يُفرِّقِ النبيُّ -ﷺ- بينَهما (١).\nوقد أسلَمَتْ أمُّ حَكِيمِ بنتُ الحارثِ بنِ هشامٍ، ولم يُسلِمْ زوجُها عِكْرِمةُ بنُ أبي جهلٍ، ثمَّ أسلَمَ بعدُ، فرَدَّهما النبيُّ -ﷺ-، ولم يُذكَرْ عقدٌ (٢).\nولم يكنِ النبيُّ -ﷺ- ولا أصحابُهُ يَطْلُبونَ ممَّن يدخُلُ الإسلامَ مِن الأزواجِ تجديدَ عَقْدِهما مع إسلامِهما، وإنْ أسلَمَ أحدُهما، وبَقِيَ الآخَرُ مشرِكًا، فهما أجنبيَّانِ عن بعضِهما؛ لا يَحِلُّ استمتاعُ بعضِهما ببعضٍ، إلَّا إنْ أسلَمَ الزوجُ وبقِيَتِ الزوجةُ كتابيَّةً أو نصرانيَّةً، فيَبقى الزواجُ صحيحًا؛ لصحةِ زواجِ المسلمِ مِن الكتابيَّة خاصَّةً.\nوقد اختلَفَ العلماءُ في اشتراطِ العَقْدِ الجديدِ لعودةِ أحدِ الزوجَيْنِ إلى الآخَرِ بعدَ انقضاءِ العِدَّةِ على تأخُّرِ إسلامٍ، على أقوالٍ عِدَّةٍ، أَشهرُها:\nالأولُ -وهو قولُ أكثرِ الفقهاءِ-: أنَّها إنِ انتهَتْ، خرَجَتْ مِن\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥٤٣).\n(٢) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥٤٥).","vol":"4","page":2136},{"text":"عِصْمَتِه، ويُشتَرطُ أن يكونَ ذلك في زمنِ عِدَّتِها؛ فإنَّ للمُسلِمةِ مِن الزوجِ الكافرِ عِدَّةً كعِدَّةِ المطلَّقةِ، فالمطلَّقةُ تَبْدَأُ عِدَّتُها مِن طلاقِ زوجِها، والزوجةُ تَبدأُ عِدَّتُها بإسلامِها.\nالثاني: ذهَبَ بعضُ الأئمَّةِ: إلى أنَّ إسلامَ أحدِ الزوجَيْنِ وتأخُّرَ الآخَرِ لا يَلزَمُ معه عودتُهما بعقدٍ جديدٍ مهما طالتِ المُدَّةُ، ما لم تتزوَّجِ المرأةُ بعدَ زوجِها ثمَّ تُطلَّقْ، وقد رَجَعَ النبيُّ -ﷺ- ابنتَهُ زينبَ إلى زوجِها أبي العاصِ بنِ الربيعِ بنكاحِها الأولِ (١)، وبينَ إسلامِهما سِنُونَ؛ فقد تَبِعَها بإسلامِهِ سنةَ ثمانٍ.\nواحتَجَّ به أحمدُ؛ قيل له: أليس يُروى أنَّه ردَّها بنكاحٍ مستأنَفٍ؟ قال: ليس له أصلٌ (٢).\nويكثُرُ في الصدرِ الأولِ إسلامُ أحدِ الزوجَيْنِ وتأخُّرُ الآخَرِ، ولم يثبُتْ أنَّ النبيَّ -ﷺ- أمَرَ بعقدٍ جديدٍ.\nوأمَّا ما رواهُ عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه مرفوعًا: (أنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَدَّ ابْنَتَهُ عَلَى أَبِي العَاصِ بِمَهْرٍ جَدِيدٍ ونِكَاحٍ جَدِيدٍ)، فقد أعَلَّه أحمدُ والبخاريُّ والترمذيُّ (٣).\nوقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ النكاحَ باقٍ ما لم تتزوَّجْ بعدَ انقضاءِ عِدَّتِها؛ كما روى البخاريُّ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: كَانَ المُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ- وَالمُؤْمِنِينَ: كَانُوا مُشْرِكِي أَهْلِ حَرْبٍ؛ يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ، وَمُشْرِكِي أَهْلِ عَهْدٍ؛ لا يُقَاتِلُهُمْ ولا يُقَاتِلُونَهُ، وَكَانَ إِذَا هَاجَرَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ، لَمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ، فَإِذَا\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١/ ٢١٧)، وأبو داود (٢٢٤٠)، والترمذي (١١٤٣)، وابن ماجه (٢٠٠٩).\n(٢) \"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٠).\n(٣) \"مسند أحمد\" (٢/ ٢٠٧)، و\"سنن الترمذي\" (١١٤٢)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ١٨٨).","vol":"4","page":2137},{"text":"طَهُرَتْ، حَلَّ لَهَا النِّكَاحُ، فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا -يعني: أسلَمَ وهاجَرَ- قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ، رُدَّتْ إلَيْهِ (١).\nوهذا قولُ عمرَ بنِ الخطَّابِ والنَّخَعِيِّ وجماعةٍ، وقد روى محمدُ بنُ سِيرينَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ يَزيدَ الخَطْمِيِّ: أنَّ نصرانيًّا أسلَمَتِ امرأتُهُ، فخيَّرها عمرُ بنُ الخطابِ: إنْ شاءتْ فارقَتْهُ، وإنْ شاءَتْ أقامَتْ عليه (٢).\nويَذهَبُ بعضُ العلماءِ: إلى أنَّ إسلامَ أحدِ الزوجَيْنِ وتأخُّرَ الآخَرِ يَفسَخُ النكاحَ ولو كان تأخُّرُه يسيرًا، وهذا لم يَقُلْ به -فيما أعلَمُ- أحدٌ مِن الصحابةِ، ولا أحدٌ مِن متقدِّمي فقهاءِ الحجازِ، وهم العمدةُ في الفتوى في مِثلِ هذه الأبوابِ.\nويَفهَم بعضُ المعاصرينَ ما يُروَى في ذلك عن عمرَ وعليٍّ في الزوجةِ التي أسلَمَتْ عن زوجٍ كافرٍ: أنَّ زَوْجَها أَمْلَكُ ببُضْعِها (٣)، وأنَّه أحَقُّ بها ما لم تخرُجْ مِن مِصْرِها (٤) - وحملوا ذلك على أنَّه يَحِلُّ له وطؤُها وهو كافرٌ.\nوهذا غلطٌ وتحميلٌ لقولِهما ما لا يَحتمِلُه، ولا يَحِلُّ وطءُ المُشرِكِ للمُسلِمةِ، ومرادُهما: أنَّه أَولى بها مِن غيرِهِ إنْ أرادَها بعدَ إسلامِه، ويَبقى على عقدِه الأولِ ما لم تتزوَّجْ بعدَ عِدَّتِها، ولم يكنِ الصحابةُ يبحثونَ مسألةَ وطءِ الكافرِ لمسلِمةٍ، ولكنْ لمَّا بَعُدَتِ الأفهامُ عن مقاصدِهم ورَقَّ الدِّينُ، حَمَلَ هؤلاءِ كثيرًا مِن محتمِلاتِ ألفاظِهم على غيرِ مُرادِهم.\nوقولُه تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾؛ يعني: أزواجَهُنَّ المشرِكينَ يُرسِلُ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٢٨٦).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٠٠٨٣) و(١٢٦٦٠)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٨٣٠٩).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٨٣٠٧) عن عليٍّ.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٠٠٨٤) و(١٢٦٦١) عن عليٍّ.","vol":"4","page":2138},{"text":"المُسلِمونَ إليهم مُهُورَهمُ التي سلَّموها لأزواجِهم، وهذا مِن عدلِ الإسلامِ في الوفاءِ بما عليه الصلحُ، فلمَّا استثنى اللَّهُ النساءَ مِن التسليمِ وهُنَّ في شروطِه، لم يُسقِطْ حقَّهم في المالِ بذلك.\nوقولُه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، فيه: جوازُ نكاحِ المُهاجِراتِ اللاتي أزواجُهُنَّ مشركونَ بعدَ إعطائِهنَّ مهورَهُنَّ، وقد تقدَّم في صدرِ سورةِ النِّسَاءِ الكلامُ على الصَّدَاقِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [٤].\nوقولُه تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، فيه: تحريمُ نكاحِ المسلِمِ للمُشرِكةِ، وقد تقدَّم ذلك في سورةِ البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [٢٢١]، وتقدَّم الكلامُ على حِلِّ النكاحِ مِن الكتابيَّةِ خاصَّةً، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].\nوقولُه تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ فيه المُماثَلةُ؛ فكما أنَّ المُهورَ تُدفَعُ للمُشرِكِينَ، فكذلك يُدفَعُ للمؤمِنِينَ مهورُ نسائِهِمْ عندَ لَحَاقِهِنَّ بأهلِهِنَّ مِن المشرِكِين.\nوفي قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ جوازُ إعطاءِ المؤمنِ الذي لَحِقَتْ زوجتُهُ بأهلِها المشرِكِينَ مِن مهورِ أزواجِ المشرِكِينَ اللاتي هاجَرْنَ، فبدلًا مِن إرسالِ المَهْرِ للمُشرِكِ، يُعطَى المسلِمُ الذي رجَعَتْ زوجتُهُ مِن مهورِهم.\nوقال بعضُهم: إنَّ العقابَ في قولِه: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾؛ يعني: غَنِمْتُمْ مِن المشرِكِينَ مالًا، فأصبتُمْ منهم عُقْبَى، فيُعطى المسلمُ مهرَ زوجتِهِ الخارجةِ","vol":"4","page":2139},{"text":"ممَّا أصابُوهُ منهم؛ رُوِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ ومسروقٍ والزُّهْريِّ وجماعةٍ (١).\n* * *\n\n* قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٢].\nكان النبيُّ -ﷺ- يُبايعُ النِّساءَ كما يُبايعُ الرِّجالَ، وكان يُشْرِكُهُنَّ مع الرِّجالِ ببعضِ ألفاظِ البَيعْةِ، وكان يَخُصُّهُنَّ ببعضِ الألفاظِ التي تتعلَّقُ بهنَّ، مع اشتراكِ الجنسَيْنِ في عامَّةِ المحرَّماتِ؛ ولكنَّه قد يَغلِبُ على جنسٍ الوقوعُ في محرَّمِ ويضعُفُ عندَ الآخَر، فأمَرَ اللَّهُ نبيَّه أنْ يُبايعَ النساءَ على عدمِ السرقةِ والزِّنى، وعدمِ قتلِ الأولادِ مِن إملاقٍ أو مِن حياءٍ، ومَنْعِهِنَّ مِن كلِّ بُهْتانٍ ظاهرٍ وخفيٍّ.\nوكانتْ عادةُ النبيِّ -ﷺ- أنَّه يُصافِحُ مَنْ بايَعَهُ، إلَّا أنَّه لم يُصافِحِ النساءَ، ولم يَجْعَلْ رجلًا يُصافِحُهُنَّ عنه.\nوقد ذكَرَ بعضُهم أنَّه صافَحَهُنَّ بحائلٍ، وبعضُهُمْ ذكَرَ أنَّه أَوكَلَ المصافحةَ لِعُمَرَ، وهدا منكَرٌ ليس له أصلٌ، وقد كان يقولُ -ﷺ-: (إِنِّي لا أُصَافِحُ النِّسَاءَ) (٢).\nوقد رَوَى البخاريُّ، أنَّ عائشةَ زوجَ النبيِّ -ﷺ- أخبَرَتْ: أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَمْتَحِنُ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِ مِنَ المُؤْمِنَاتِ بِهَذِهِ الآيَةِ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢٢/ ٥٩١ - ٥٩٣)، و\"تفسير ابن كثير\" (٨/ ٩٥).\n(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٣٥٧)، والنسائي (٤١٨١)، وابن ماجه (٢٨٧٤).","vol":"4","page":2140},{"text":"بقَوْلِ اللَّهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾، إلى قولِه: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا الشَّرْطِ مِنَ المُؤْمِنَاتِ، قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: (قَدْ بَايَعْتُكِ) كَلَامًا، ولا وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ فِي المُبَايَعَةِ، مَا يُبَايِعُهُنَّ إِلَّا بِقَوْلِهِ: (قَدْ بَايَعْتُكِ عَلَى ذَلِكِ) (١).\nوقد كان يُبايِعُهُنَّ على الفضيلةِ والحياءِ، ويَنهاهُنَّ عن ضدِّ ذلك، وهذا داخلٌ في قولِه تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، وقد رَوَى عمرُو بنُ أبي سَلَمةَ، عن زُهَيْرِ بنِ محمدٍ؛ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾؛ قال: لا يَخْلُو الرجلُ بامرأةٍ (٢).\nوقال قتادةُ في قولِه: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾؛ قال: لا يُحَدِّثْنَ رجلًا (٣).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٨٩١).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢٢/ ٦٠١).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٢٢/ ٥٩٧).","vol":"4","page":2141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1317>سورة الجمعة</span>\nسورةُ الجُمُعَةِ مدَنيَّةٌ، ولا خلافَ في ذلك (١)، وقد بيَّن اللَّهُ فيها فَضْلَهُ على الناسِ عَرَبِهم وعَجَمِهم ببعثِ نبيِّه، وحذَّر مِن تدليسِ اليهودِ وطريقتهم في تحريفِ كُتُبِهِ ودِينِه، ثم بيَّن شريعةَ صلاةِ الجُمُعَةِ وفَضْلَها وفضلَ شهودِها، وبعضَ أحكامِها.\n* قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٦ - ٧].\nكانتِ اليهود تَصْطَفِي نفَسها بينَ الناس، وتَرَى أنَّها صفوةُ خَلْقِ اللَّهِ وأَحِبَّاؤُهُ كذبًا وزورًا عليه؛ كما قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨].\nولمَّا كان وليُّ اللَّهِ وحبيبُهُ يتمنَّى لقاءَ محبوبِه، أمَرَهُمُ اللَّهُ بتمنِّي الموتِ للقاءِ اللَّهِ إنْ كانوا صادقِين، ودُعُوا إلى المُباهَلةِ أنَّ الموت على الكاذب، ولكنَّهم يَكذِبونَ وهم أحرَصُ الناسِ على حياةٍ، وأشَدُّهم فرارًا مِن الموت، لأنَّهمِ يَعْلَمونَ جُرمَهُمْ وظُلْمَهُمْ وعنادَهم وتكبُّرَهم، فلن يتمنَّوا الموتَ؛ لأنَّهم يَعْلَمونَ ما يَلقَوْنَ بعدَه؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" (٢٠/ ٤٥١).","vol":"4","page":2143},{"text":"كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٥]. وقد رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: يقولُ اللَّهُ لنبيِّه -ﷺ-: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ أي: ادعُوا بالموتِ على أيُّ الفريقَينِ أَكْذَبُ، فأبَوْا ذلك على رسولِ اللَّهِ -ﷺ-، ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٥]؛ أي: بعِلْمِهم بما عندَهم مِن العِلْمِ بك، والكفرِ بذلك، ولو تَمَنَّوْهُ يومَ قال لهم ذلك، ما بَقِيَ على الأرضِ يهوديٌّ إلَّا مات (١).\nوقد تقدّم الكلامُ على حُكْمِ تمنِّي الموتِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ [الجمعة: ٩ - ١١].\nأمَرَ اللَّهُ المؤمِنِينَ بالسَّعْي إلى صلاةِ الجُمُعةِ عندَ سَمَاعِ الأذانِ لها، والمرادُ بالأذانِ هنا هو الأذَانُ الدي يكونُ مع دخولِ الإمامِ وقُبَيْلَ خُطْبتِه.\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٢٧٣)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٣١).","vol":"4","page":2144},{"text":"وقد تقدَّم الكلامُ على الأذانِ وحُكْمِهِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾ [المائدة: ٥٨]، وتقدَّم الكلامُ على الموضعِ الذي يُؤذِّنُ فيه المؤذِّنُ مِن المسجدِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧].\nقولُه تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، فيه: إشارةٌ إلى أنَّ الجُمُعةَ على الحواضرِ، لا على المسافِرِينَ؛ لأنَّ الأسواقَ والضَّرْبَ فيها لا يكونُ إلَّا في القُرَى والمُدُن، لا في طرُقِ الأسفار، خاصَّةً في الزمنِ الغابر، فلم تكنِ المَتاجِرُ والأسواقُ في طرُقِ المسافِرِينَ كما هي اليومَ، حتى إنَّ الناسَ يُسافِرونَ أيامًا لا يَتزوَّدونَ لا ماءً ولا طعامًا، وكانوا في السابقِ يتزوَّدُ أحدُهُمْ لو خرَجَ شَطْرَ النهارِ ولو بالماءِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1318>مَن تجبُ عليه الجُمُعةُ:</span>\nلا يختلِفُ العلماءُ على أنَّ الجُمُعةَ تجب على كلِّ ذَكَرٍ حُرٍّ حاضرٍ مستطيع بالغٍ في قَرْيةٍ، ولم تشرَعْ في السُّنَّةِ إلَّا على أهلِ القُرَى ومَن حولَها؛ على هذا عملُ الصحابة، وقد جاء في ذلك آثارٌ وأحاديثُ؛ منها ما يُروى: \"لَا جُمُعَةَ ولا تَشْرِيقَ إِلَّا فِي مِصْرٍ\"، وهذا صحيحٌ عن عليٍّ، ولكنَّه لا يصحُّ مرفوعًا، كما رواهُ سعدُ بنُ عُبَيْدةَ، عن أبي عبدِ الرحمنِ؛ قال: قال عليٌّ: \"لَا جُمُعَةَ، وَلَا تَشْرِيقَ، وَلَا صَلَاةَ فِطْرٍ وَلَا أَضْحَى، إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ، أَوْ مَدِينَةٍ عَظِيمَةٍ\".\nرواهُ ابنُ أبي شَيْبةَ (١).\nومَن كان مقيمًا في أطرافِ المدينة، فعليه شهودُ الجُمُعةِ؛ ما لم\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٥٠٥٩).","vol":"4","page":2145},{"text":"يكنْ بعيدًا عنها لو خرَجَ ماشيًا بعدَ سماعِهِ الأذانَ لم يُدرِكْها.\nوأمَّا تقييدُ وجوبِ حضورِ الجُمُعةِ لِمَنْ هم في أطرافِ المدينةِ بخروجِهم إلى الصلاةِ وعَوْدَتِهم قبلَ مَغِيبِ الشمس، فلا يثبُتُ في ذلك شيءٌ، وقد جاء فيه مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (الجُمُعَةُ عَلَى مَنْ آوَاهُ اللَّيْلُ إِلَى أَهْلِهِ)، رواهُ الترمذيُّ، وأنكَرَهُ أحمدُ جِدًّا (١)، ورُوِيَ نحوُه مِن مُرسَلِ أبي قِلَابةَ، وأنكَرَهُ حمادُ بن زيدٍ (٢).\nوفي الترمذيِّ؛ أنَّ النبيَّ -ﷺ- كان يأمُرُ أهلَ قُبَاءَ بشهودِ الجُمُعةِ معه (٣)، ولا يصحُّ؛ للجهالةِ فيه.\nومِن مُرسَلِ الزُّهْريِّ: أنَّهم كانوا يَشْهَدونَ الجُمُعةَ مع النبيِّ -ﷺ- مِن ذي الحُلَيفَةِ؛ رواهُ ابنُ أبي شَيْبةَ (٤)، ومراسيلُه ضعيفةٌ.\nوقد جاءت أحاديثُ في تعيينِ مَن تجبُ عليه ومَن لا تجبُ، وليس في ذلك شيءٌ يثبُتُ، إلَّا أنَّ عملَ الصحابةِ والتابعينَ بيِّنٌ في ذلك ولو لم يصحَّ الخبرُ، وقد سُئِلَ أحمدُ بن حنبلٍ: على مَن تجبُ الجُمُعةُ؟ فلم يذكُرْ في ذلك شيئًا (٥)، وعدمُ ذِكْرِهِ لشيءٍ في مِثلِ هذه المسألةِ المشهورةِ دليلٌ على عدمِ صحةِ الأحاديثِ التي تُسمِّي أهلَ الوجوبِ عندَهُ وغرابتِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1319>حُكْمُ الجُمُعةِ للمسافرِ:</span>\nولا تجبُ على المسافرِ ولو مَرَّ على قريةٍ يُصلِّي أهلُها الجُمُعةَ، فإِنْ\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥٠٢).\n(٢) ينظر: \"تهذيب الكمال\" (٢٨/ ١٤٥ - ١٤٦)، و\"البدر المنير\" (٤/ ٥٩٣).\n(٣) أخرجه الترمذي (٥٠١).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٥٠٨٦).\n(٥) \"سنن الترمذي\" (٥٠٨٦)","vol":"4","page":2146},{"text":"صلَّى معهم، صلَّاها بنيَّةِ الظُّهْرِ وشهِد الخُطْبةَ ودعوةَ المُسلِمينَ، وقد صلَّى النبيُّ -ﷺ- الجُمُعةَ ظهرًا وجمَعَ إليها العصرَ بعَرَفَةَ، ولم يكنِ الصحابةُ يُصلُّونَ الجُمُعةَ وهم مسافِرونَ، ولا كذلك فقهاءُ التابعينَ وخاصَّةً أهلَ الحجاز، وقد صحَّ عن عمرَ بنِ عبد العزيزِ أَنَّه كان مسافرًا فترَكَ شهودَ الجمعةِ وكان في البلد، ففي \"مصنَّفِ ابنِ أبي شَيْبةَ\"، عن أبي عبيدٍ مَوْلى سيمانَ بنِ عبد الملك، قال: خرَجَ عمرُ بن عبد العزيزِ مِن دَابِقٍ، وهو يومئذٍ أميرُ المؤمِنِينَ، فمَرَّ بحَلَبَ يومَ الجُمُعةَ، فقال لأميرِها: جَمِّعْ؛ فإنَّا سَفْرٌ (١).\nوإنْ صلَّى المسافرُ مع المُقِيمِينَ الجُمُعةَ، ونَوَاها جُمُعةً، فليس له أنْ يَجمَعَ إليها العصرَ، وإنْ صلَّاها معهم، ونَوَاها ظهرًا، فله جمعُ العصرِ إليها.\nولا يصحُّ نهيٌ عن السَّفَرِ ضُحَا الجُمُعةِ، فيجوزُ السفرُ للمحتاجِ قبلَ الأذانِ؛ لأنَّه بالأذانِ يجبُ عليه السعيُ إلى الصلاة، وسعيُهُ إلى غيرِهِ مخالفٌ للآيةِ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، ولا يصحُّ في النهي عن السفرِ ضُحَا الجمعةِ حديثٌ.\nوأمَّا حديث ابنِ عمرَ مرفوعًا: (مَنْ سَافَرَ يَوْمَ الجُمُعَة، دَعَت عَلَيْهِ المَلَائِكةُ ألَّا يُصْحَبَ فِي سَفَرِهِ):\nفقد أخرَجَهُ الدارقطنيُّ في \"الأفرادِ\"، وفيه ابنُ لَهِيعَةَ؛ وهو مُنْكَرٌ (٢).\nورواهُ الخطيبُ البغداديُّ في كتابِه \"الرُّواةِ عن مالكٍ\"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (مَنْ سَافَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، دَعَا عَلَيْهِ ملَكَاهُ) (٣).\nوفيه الحُسينُ بن علوانَ: كذابٌ، قاله يحيى وابنُ أبي حاتمٍ (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصفه\" (٥١٠٥).\n(٢) ينظر: \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٦٦).\n(٣) ينظر: \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٧٣).\n(٤) \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (٣/ ٦١).","vol":"4","page":2147},{"text":"والثابتُ عن الصحابةِ جوازُ ذلك؛ فقد جاء عن عُمَرَ مِن وجهَيْنِ: الجُمُعةُ لا تَمْنَعُ مِن سَفَرٍ (١).\nوهو عنه صحيحٌ.\nومِثلُ هذا الحُكْمِ لا يَخفى على عُمَرَ؛ فهي مسألةٌ ظاهرةٌ يُبتلَى بها ويحتاجُ إليها الناسُ، وما تَعُمُّ به البَلْوَى لا يَخفى على مِثْلِ الخُلَفاء، فعملُهم وقولُهم أصلٌ في هذه الأبوابِ حُكْمًا، وله أثرٌ في إعلالِ ما يُروى مرفوعًا.\nولا يصحُّ في النهي عن السفرِ يوم الجُمُعةِ حديثٌ؛ قبلَ أذانِ صلاةِ الجمعةِ ولا بعدَ الجمعةِ.\nوقد رَوى أبو داودَ في \"المراسيلِ\"، عن الزُّهريِّ أنَّه أراد أن يُسافرَ يومَ الجُمُعة ضَحْوةً، فقيل له في ذلك، فقال: إنَّ النبيَّ -ﷺ- سافَرَ يومَ الجُمعةِ (٢).\nوهذا الذي عليه جمهور العلماءِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1320>العَدَدُ الذي تَنعقِدُ به الجُمُعةُ:</span>\nولا يثبُتُ عددٌ محدَّدٌ في أهلِ قريةٍ حتى تجبَ الجُمُعةُ عليهم؛ فكلُّ جماعةٍ في قريةٍ يجبُ عليهم صلاةُ الجُمُعةِ، والأحاديثُ الواردةُ في حدٍّ مُلزِمٍ للوجوبِ لا يصحُّ منها شيءٌ، وقد روى الدارقطنيُّ، وغيرُهُ عن جابرٍ مرفوعًا: (مَضَتِ السُّنَّة: أَنَّ فِي كُلِّ ثَلَاثَةٍ إِمَامًا، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ جُمُعَةً، وَأَضْحَى، وَفِطْرًا؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ جَمَاعَةٌ) (٣)، ولا يصحُّ، ورَوى\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٥٥٣٦)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٥١٠٦).\n(٢) أخرجه أبو داود في \"المراسيل\" (٣١٠)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٥١١٣).\n(٣) أخرجه الدارقطني في \"مصنفه\" (٣/ ٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٧٧).","vol":"4","page":2148},{"text":"الطبرانيُّ تحديدَها بخَمْسِينَ مِن حديثِ أبي أُمامةَ (١)، ولا يصحُّ، ورَوَى ابنُ عديٍّ تحديدَها بثلاثةٍ مِن حديثِ أمِّ عبدِ اللَّهِ الدَّوْسِيَّةِ (٢)، ولا يصحُّ.\nومَن نظَر في السُّنَّة وتأمَّلَ الأثرَ عن الأصحابِ، وجَد أنَّه لا يصحُّ في تعيينِ عددٍ للجُمُعةِ حديثٌ، ولم يكنِ الصحابةُ يُقيِّدونَها به مع الحاجةِ إلى الحُكْمِ وأهميَّتِهِ لأهلِ القُرَى والأمصارِ؛ فأمرُهُ ممَّا تتعلَّقُ به صحةُ الصلاةِ وفسادُها، ولمَّا لم يَرِدْ مِن وجهٍ قويٍّ، وليس فيه شيءٌ مِن أقوالِ الصحابةِ وبيانِهم وتشديدِهم فيه، دلَّ على نُكْرانِ الواردِ فيه ممَّا حمَله بعضُ الضُّعَفاءِ والمتروكينَ، وتعدُّدُ مَخارجِها لا يُقوِّيها.\nوفي البابِ: ما يُعارِضُها مِن السُّنَّة المرفوعةِ؛ وهو حديثُ جابرٍ في خروجِ الصحابةِ للتجارةِ والنبيُّ -ﷺ- يخطُبُ، فبَقِيَ عندَهُ اثنا عشَرَ رجلًا، والحديثُ في \"الصحيحَيْنِ\" (٣).\nوأمَّا ما رواهُ أحمدُ والترمذيُّ، مِن حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ؛ أنَّه قال: جَمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَنَحْنُ أَرْبَعُونَ، فَكُنْتُ فِي آخِرِ مَنْ أَتَاهُ، قَالَ. \"إِنَّكُمْ مَنْصُورُونَ، وَمُصِيبُونَ، وَمَفْتُوحٌ لَكُمْ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ، وَلْيَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ، وَلْيَنْهَ عنِ المُنْكَرِ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) (٤).\nفليس صريحًا أنَّ الجَمْعَ لصلاةِ الجُمُعةِ، وليس فيه استحبابُ العددِ ولا اشتراطُه؛ وإنَّما إخبارٌ عنه.\nوقد تكلَّم بعضُ الحُفَّاظِ في سماعِ عبدِ الرحمنِ مِن أبيه ابنِ مسعودٍ.\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٧٩٥٢).\n(٢) أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٢٠٤)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٧٩).\n(٣) أخرجه البخاري (٩٣٦)، ومسلم (٨٦٣).\n(٤) أخرجه أحمد (١/ ٤٣٦)، والترمذي (٢٢٥٧).","vol":"4","page":2149},{"text":"ومِثلُهُ ما رواهُ أبو داودَ وابنُ ماجَهْ؛ مِن حديثِ محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي أُمامةَ بنِ سهلٍ، عن أبيهِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ كعبِ بنِ مالكٍ، وَكَانَ قَائِدَ أَبِيهِ بَعْدَمَا ذَهَبَ بَصَرُهُ، عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، تَرَحَّمَ لِأَسْعَدَ بنِ زُرَارَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِذَا سَمِعْتَ النِّدَاءَ، تَرَحَّمْتَ لِأَسْعَدَ بنِ زُرَارَةَ؟ قَالَ: \"لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِنَا فِي هَزمِ النَّبِيتِ مِنْ حَرَّةِ بنِي بَيَاضَةَ فِي نَقِيعٍ يُقَالُ لَهُ: نَقِيعُ الْخَضِمَاتِ\"، قُلْتُ: كَمْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: \"أَرْبَعُونَ\" (١).\nفإنَّما هو إخبارٌ عن الحالِ، لا بيانٌ للحُكمِ ولا التشريعِ.\nومحمدُ بنُ إسحاقَ تفرَّدَ به عن محمدِ بنِ أبي أُمامةَ، وهو صدوقٌ صرَّح بسماعِهِ عندَ الدارقطنيِّ وغيرِه (٢)، ويَمِيلُ أحمدُ إلى ثبوتِ هذا الحديثِ (٣).\nقولُه تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: لا يجوزُ البيعُ بعدَ أذانِ الجُمُعةِ وقعودِ الخطيبِ، ولا خلافَ في ذلك، وإنَّما الخلافُ في بُطْلانِ البيعِ وصِحَّتِه.\nوقد كان السلفُ يَزجُرونَ مَن يَبِيعُ بعدَ أذانِ خُطْبةِ الجُمُعةِ، بل منهم مَن يُعزِّرُه، وقد ذكَر سُحْنون في \"نوازلِهِ\" أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ يأمُرُ إذا فُرغَ مِن صلاةِ الجُمُعةِ مَن يخرُجُ، فمَن وجَدَ لم يحضُرِ الجُمُعةَ، ربَطَهُ بعُمُدِ المسجدِ (٤).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١٠٦٩)، وابن ماجه (١٠٨٢).\n(٢) ينظر: \"صحيح ابن خزيمة\" (١٧٢٤)، و\"صحيح ابن حبان\" (٧٠١٣)، و\"المعجم الكبير للطبراني\" (٩٠٠)، و\"سنن الدارقطني\" (٢/ ٥)، و\"المستدرك\" للحاكم (١/ ٢٨١).\n(٣) ينظر \"العلل ومعرفة الرجال\" لأحمد، رواية ابنه عبد اللَّه (٢/ ٥٢٠)، و\"مسائل الإمام أحمد\"، رواية ابنه عبد اللَّه (ص ١٢٠).\n(٤) ينظر: \"البيان والتحصيل\" (١٧/ ١٥٨).","vol":"4","page":2150},{"text":"وكان مالكٌ يُخالِفُ قولَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ بالرَّبْطِ في المسجدِ، وإنَّما ينبعي أنْ يُؤدَّبَ على ذلك بالسَّجْنِ أو الضربِ، كما ذكَرَهُ ابنُ رشدٍ (١).\nوقد تقدَّم الكلامُ على ما جاء في البيعِ بعدَ أذانِ الصلواتِ الخمسِ عندَ قولِهِ تعالى مِن سورةِ النورِ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [٣٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1321>قيامُ الخطيبِ في الخُطْبةِ:</span>\nقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾، فيه: مشروعيَّةُ قيامِ الخطيبِ في أثناءِ خُطْبتِه، وهو مشروعٌ بالاتِّفاقِ، ويُسَنُّ له الجلوسُ عندَ قيامِ المؤذِّنِ للأذانِ، والجلوسُ بينَ الخُطبتَيْنِ، ولو فصَلَ بينَ الخُطبتَيْنِ، ولكنَّه لم يَجلِسْ، صحَّتْ خُطبتَاه.\nوقد اختلَفَ العلماءُ في وجوبِ قيامِ الخطيبِ حالَ خُطْبتِه، وهل تصحُّ منه وهو جالسٌ؟ على روايتَيْنِ عن أحمدَ، والأظهرُ: وجوبُ القيامِ عليه إنْ كان مستطيعًا؛ وهو الذي عليه أكثرُ الفقهاءِ وحُكِيَ الإجماعُ؛ وفيه نظرٌ.\nويسقُطُ الوجوبُ عن الخطيبِ الذي يَعجِزُ عن القيامِ، لِمَرَضٍ أو رهبةٍ مِن الناسِ؛ لأنَّ القيامَ ركنٌ في الصلاةِ ويسقُطُ عندَ العجزِ، وهو أَوْجَبُ مِن القيامِ في خُطْبةِ الجمعةِ؛ فإنْ جاز في الصلاةِ المكتوبةِ القعودُ للعجزِ، فإنَّه في خُطْبةِ الجمعةِ مِن بابِ أَولى.\nولم يخطُبِ النبيُّ -ﷺ- قاعدًا ولو مرةً حتى لمَّا كَبِرَتْ سِنُّهُ وحَطَمَهُ الناسُ، ومِثلُه أبو بكرٍ وعمرُ وعليٌّ، وقد رَوَى مسلمٌ؛ مِن حديثِ جابرِ بنِ\n_________\n(١) \"البيان والتحصيل\" (١٧/ ١٥٩).","vol":"4","page":2151},{"text":"سَمُرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا، فَقَدْ كَذَبَ، فَقَدْ وَاللَّهِ صَلَّيْتُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ (١).\nوقد ثبَت عن كعبِ بنِ عُجْرَةَ؛ أنَّه \"دَخَلَ المَسْجِدَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُمِّ الْحَكَمِ يَخْطُبُ قَاعِدًا، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الخَبِيثِ يَخْطُبُ قَاعِدًا، وَقَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ \"؛ رواهُ مسلمٌ (٢).\nوأمَّا ما يُرْوَى عن عثمانَ مِن الخُطْبةِ جالسًا (٣)، فهو كالصلاةِ جالسًا للعاجزِ؛ فقد كَبِرَتْ سِنُّهُ ومات في عَشْرِ التسعينَ، وكان فيه رِعْدَةٌ لكِبَرِه، ومِثلُه ما جاء عن معاويةَ، فالأصلُ عدمُ تركِ الصحابةِ لِمِثْلِ هذا الأمرِ المستديمِ والتهاوُنِ فيه، وقد رَوَى موسى بنُ طَلْحةَ؛ قال: شَهِدتُّ عُثْمَانَ يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ قَائِمًا، وَشَهِدتُّ مُعَاوِيَةَ يَخْطُبُ قَاعِدًا، فَقَالَ: \"أَمَا إِنِّي لَمْ أَجْهَلِ السُّنَّةَ؛ وَلَكِنِّي كَبِرَتْ سِنِّي، وَرَقَّ عَظْمِي، وَكَثُرَتْ حَوَائِجُكُمْ، فَأَرَدتُّ أنْ أَقْضِيَ بَعْضَ حَوَائِجِكُمْ وَأَنَا قَاعِدٌ، ثُمَّ أَقُومَ فَآخُذَ نَصِيبِي مِنَ السُّنَّةِ\" (٤).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٨٦٢).\n(٢) أخرجه مسلم (٨٦٤).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٥٢٥٨).\n(٤) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٩/ ٣٢٤).","vol":"4","page":2152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1322>سورة الطلاق</span>\nسورةُ الطَّلاقِ سورةٌ مدَنيَّةٌ بلا خلافٍ (١)، وقد أنزَلَ اللَّهُ فيها أحكامَ الطلاقِ والمطلَّقاتِ، وبيَّن اللَّهُ ما لهنَّ وما عليهنَّ، وتفاصيلُ هذه الأحكامِ نزَلَتْ في المدينةِ، سواءٌ في هذه السورةِ أو غيرِها، وكان ابنُ مسعودٍ يسمِّيها: سورةَ النِّسَاءِ القُصْرَى (٢).\n* قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ١ - ٢].\nأحكامُ الطلاقِ جليلةٌ، ولأنَّها عظيمةُ الأثرِ خاطَبَ اللَّهُ نبيَّه -ﷺ- بها، مع أنَّ الخِطابَ للمؤمِنِينَ كافَّةً؛ فنادَى اللَّهُ نبيَّه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ للتعظيمِ، ثمَّ بيَّن عمومَ الحُكْمِ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.\n_________\n(١) \"تفسير ابن عطية\" (٥/ ٣٢٢)، و\"زاد المسير\" (٤/ ٢٩٥)، و\"تفسير القرطبي\" (٢١/ ٢٦).\n(٢) ينظر: \"صحيح البخاري\" (٤٥٣٢) و(٤٩١٠)، و\"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٥٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١٠/ ٣٣٦١).","vol":"4","page":2153},{"text":"وقد جاء أنَّ هذه الآيةَ نزَلَتْ في تطليقِ النبيِّ -ﷺ- لحَفْصَةَ، فأمَرَهُ اللَّهُ بإرجاعِها، فقيل له: رَاجِعْهَا؛ فإنَّها صوَّامةٌ قوَّامةٌ (١).\nوقد ثبَت في \"الصحيحَيْنِ\"، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ؛ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ قَالَ: (لِيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا؛ فَتِلْكَ العِدَّةُ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ ﷿) (٢).\nوقد بيَّن اللَّهُ قبلَ ذلك في سورةِ البقرةِ عِدَّةَ المطلَّقةِ الحائضِ عندَ قولِه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [٢٢٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1323>طلاقُ السُّنَّة وطلاقُ البِدْعةِ:</span>\nقولُه تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.\nللطَّلاقِ عِدَّةٌ وموضعٌ يُنزَلُ فيها، وليس للزَّوْجِ أن يتكلَّمَ بالطلاقِ بهواهُ وفي الوقتِ الذي يشاءُ هو؛ فقد جعَلَ اللَّهُ للطلاقِ موضعًا، وموضعُهُ أنْ يُطلِّقَها في طُهْرٍ لم يُجامِعْها فيه، أو يُطلِّقَها حاملًا قد اتَّضَحَ حَمْلُها.\nوقد قال ابنُ مسعودٍ (٣)، وابنُ عبَّاسٍ (٤)، وابنُ عمرَ (٥)؛ في قولِه تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾: إنَّه في طُهْرٍ مِن غيرِ جِماعٍ؛ وبه قال عطاءٌ ومجاهدٌ والحسنُ وعِكْرِمةُ وميمونُ بنُ مِهْرَانَ (٦).\nوكلُّ طلاقٍ لم يُوافِقِ السُّنَّةَ، فهو طلاقٌ بدْعيٌّ، أمَّا السُّنيُّ فتقدَّم، وأمَّا الطلاقُ البِدْعيُّ:\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٣٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١٠/ ٣٣٥٩).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٩٠٨)، ومسلم (١٤٧١).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٢٣).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٢٩).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٢٨)، وتفسير ابن كثير\" (٨/ ١٤٣).\n(٦) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٢٥ - ٢٧)، و\"تفسير ابن كثير\" (٨/ ١٤٣).","vol":"4","page":2154},{"text":"فهو تطليقُ الزوجةِ في حَيْضِها أو نِفَاسِها، أو في طُهْرٍ قد جامَعَها فيه، أو يُطلِّقُها في زمنِ عِدَّتِها مِن تطليقةٍ سابقةٍ، أو يُطلِّقُها أكثَرَ مِن طلقةٍ مرةً واحدةً.\nوأمَّا الصغيرةُ والآيسةُ التي لا تَحِيضُ، فلا طلاقَ بدْعيًّا يتعلَّقُ بحَيضِها ونِفاسِها؛ وإنَّما البِدْعيُّ يتعلَّقُ بتطليقِها في زمنِ عِدَّتِها مِن طلقةٍ سابقةٍ، أو تطليقِها بأكثَرَ مِن واحدةٍ مرةً واحدةً.\nومِن الأئمَّةِ كالشافعيِّ: مَن لم يَجعَلْ مجرَّدَ الطلاقِ ثلاثًا بِدْعةً ما دام طلاقُها في طُهْرٍ لم يُجامِعْها فيه؛ فاعتبَر الزمانَ ولم يَعتبرِ العَدَدَ، ولكنْ أمَرَ النبيُّ -ﷺ- ابنَ عمرَ أن يُراجِعَها، ثمَّ إنَّ اللَّهَ تعالى قال بعدُ: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، والأمرُ: الرَّجْعةُ، وهذا يدُلُّ على أنَّ المرادَ بقولِه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ طلاقُ الرَّجْعةِ، وهو الأصلُ، والثلاثُ على قولِهِ لا رجعةَ فيها، وقد أخَذَ بعمومِ الآيةِ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، فوسَّعَ في عددِ الطَّلَقاتِ ما دام في العِدَّةِ، وقد تقدَّم الكلامُ على الطلاقِ الثلاثِ بلفظٍ واحدٍ أو مجلِسٍ واحدٍ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].\nوقولُه تعالى: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ أمَرَ اللَّهُ بضبطِ العِدَّةِ؛ لأنَّ ذلك يتعلَّقُ به حقوقٌ واستحلالُ فُرُوجٍ وتحريمُها، ومِن ذلك الميراثُ؛ فلو مات أحدُ الزوجَيْنِ في آخِرِ يَوْمٍ مِن عِدَّةِ طلاقِ الرَّجْعةِ ولم تخرُجْ منها، فإنَّهما يَتوارَثانِ، وتعتدُّ الزوجةُ لوفاةِ زوجِها، وبضبطِ العِدَّةِ تُحفَظُ الأرحامُ مِن أن يكونَ فيها نُطْفةٌ لزوجٍ سابقٍ، فتتزوَّجُ غيرَهُ فيَنتسِبُ الولدُ إلى غيرِ أبيه، وكلُّ خِطْبةٍ لزوجةٍ في عِدَّةِ طلاقِها فهي محرَّمةٌ؛ لأنَّها في عِصْمةِ زوجِها واحتمالِ رَجْعتِها إليه، فضلًا عى حُرْمةِ وطءِ غيرِ زوجِها لها -ولو كان بعقدٍ- في أثناءِ العِدَّةِ.","vol":"4","page":2155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1324>السُّكْنَى للمطلَّقةِ:</span>\nقال تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾، نَسَبَ اللَّهُ البيوتَ إليهنَّ، فقال: ﴿بُيُوتِهِنَّ﴾؛ ليبيِّنَ حقَّهُنَّ فيها بالسُّكْنَى في أثناءِ عِدَّتِها، فالمطلَّقةُ الرجعيَّةُ لا يجوزُ لزوجِها إخراجُها بعدَ تطليقِهِ لها حتى تخرُجَ مِن عِدَّتِها؛ كما أنَّه لا يجوزُ لها أن تخرُجَ هي مِن بيتِ زوجِها: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾؛ لأنَّها وإن كانتْ مطلَّقةً فهي في عِصْمةِ زَوْجِها لا تخرُجُ إلَّا بإذنِه.\nوإنْ خرَجَتِ المطلَّقةُ مِن بيتِ زوجِها بغيرِ إذنِه، فلا نَفَقةَ لها ولا سُكْنى؛ وهذا مُقتضَى سياقِ الآيةِ.\nوقولُه تعالى: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ بيَّن اللَّهُ أنَّ المرأةَ إنْ أتتْ بفاحشةٍ بيِّنةٍ، وهي الزِّنى، فلزَوْجِها إخراجُها مِن منزلِه؛ لأنَّها خانتْ أمانتَهُ وعَهْدَهُ معها وميثاقَ اللَّهِ الذي أخَذَهُ عليها.\nوقد فسَّر الفاحشةَ بالزِّنى جماعةٌ، كابنِ مسعودٍ وابنِ عبَّاسٍ وجماعةٍ مِن السلفِ (١).\nومِن السلفِ: مَن حمَلَ الفاحشةَ هنا على فُحْشِ اللِّسَانِ وبَذَاءتِه؛ كأنْ تتسلَّطَ بالفُحْشِ على الزوجِ وعلى أهلِهِ كأُمِّه وأبيهِ؛ وهذا مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ (٢).\nومنهم: مَن حمَلَ الفاحشةَ على كلِّ معصيةٍ، ورُوِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ أيضًا (٣)، وصوَّبه ابنُ جريرٍ (٤).\nوقولُه تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ بيانٌ بأنَّ أحكامَ الطلاقِ والعِدَدِ والسُّكْنَى أحكامٌ للَّهِ لا يجوزُ الخروجُ عنها مهما بلَغَتِ البَغْضاءُ بينَ الزوجَيْنِ، فأمرُ اللَّهِ وحَدُّهُ فوقَ ذلك كلِّه، ومَن\n_________\n(١) \"تفسير ابن كثير\" (٨/ ١٤٣).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٣٤).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٣٤).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٣٦).","vol":"4","page":2156},{"text":"خالَفَ تلك الحدودَ مِن الزوجَيْنِ، فظُلْمُهُ على نفسِه؛ فاللَّهُ لم يَشرَعِ الأحكامَ إلَّا لمنفعتِهِ ولو جَهِلَ ذلك أو غابتْ عنه حِكْمَتُه، وبيانُ ذلك في قولِه تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾؛ يعني: أنَّ اللَّهَ يُحدِثُ مِن تغيُّرِ الحالِ والرأي بينَ الزوجَيْنِ بعدَ عجَلةِ الطلاقِ ما يَنْدَمانِ عليه، فيَتراجَعانِ عن قُرْبٍ قبلَ خروجِ الزوجةِ مِن بيتِها، وقبلَ انقضاءِ العِدَّةِ، فجعَلَ اللَّهُ العِدَّةَ أجَلًا للنظرِ ومراجعةِ النَّفْسِ، فلو تَفَرَّقَ الزوجانِ مِن أولِ وقوعِ الطلاقِ، وخرَجَتِ الزوجةُ مِن بيتِ زوجِها، كانتِ الرجعةُ أشَقَّ، ومكابَرَةُ النفوسِ وعنادُها أشَدَّ، فتُهلِكُ العجَلةُ أهلَها، واللَّهُ يُريدُ بهم رِفْقًا.\nوقد صحَّ عن عليٍّ قولُه: ما طلَّقَ رجلٌ طلاقَ السُّنَّةِ، فَنَدِمَ (١).\nوذلك أنَّ اللَّهَ لم يشرِّعْ ذلك ويَضَعْ له عِدَّةً وحَدًّا إلَّا لتخرُجَ الزوجةُ مِن نَفْسِ زوجِها، والزوجُ مِن نفسِ زوجتِه، ولا يَجِدَا ألمًا وحَسْرةً على الفِراقِ، ولكنْ يَندَمُ الناسُ على الطلاقِ بمقدارِ مُخالفتِهم لحدودِ اللَّهِ فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1325>السُّكْنى للمُطلَّقةِ المَبْتُوتةِ:</span>\nوقد ذكَرَ غيرُ واحدٍ مِن السلفِ أنَّ الأمرَ في قولِه تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ أنَّ المقصودَ هو الرَّجْعةُ؛ كما قاله الشَّعْبيُّ وعطاءٌ وقتادةُ والثوريُّ (٢).\nوأخَذ غيرُ واحدٍ مِن الأئمَّةِ مِن لازِمِ هذه الآيةِ ودليلِ خِطابِها: عَدَمَ وجوبِ السُّكْنَى والنفقةِ للمطلَّقةِ المبتوتةِ؛ لأنَّ اللَّهَ لن يُحدِثَ لها مع زوجِها أمرًا فتَرجِعَ إليه، وبقاؤُها في عِصْمَتِهِ قد تَتْبَعُهُ مَفْسَدةُ أنْ يَستحِلَّ\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٧٧٣٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٢٥).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٣٨ - ٣٩).","vol":"4","page":2157},{"text":"منها ما حَرُمَ عليه كنَظَرٍ ومباشَرةٍ؛ لأنَّه أجنبيٌّ عنها؛ وبهذا القولِ قال أحمدُ وجماعةٌ، وقد رَوى أيُّوبُ، قال: سمعتُ الحسنَ وعِكْرِمةَ يقولانِ: المطلَّقةُ ثلاثًا، والمُتوفَّى عنها: لا سُكْنَى لها ولا نفقةَ؛ قال: فقال عِكْرِمةُ: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، فقال: ما يُحدِثُ بعدَ الثلاثِ (١).\nوالأئمَّةُ الثلاثةُ -أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ- يُوجِبونَ السُّكْنَى للمُطلَّقةِ ثلاثًا، ولكنَّهم يَختلِفونَ في النفقةِ؛ فأَوجَبَها أبو حنيفةَ لها، ولم يُوجِبْها مالكٌ والشافعيُّ.\nوأُلحِقَ بذلك في قولِ أحمدَ المُتوفَّى عنها زوجُها: أنَّه لا يجبُ لها سُكْنى؛ لانتفاءِ علةِ الرَّجْعةِ بموتِ الزوجِ، وهي العلةُ التي أمَرَ اللَّهُ بعَدَمِ إخراجِها مِن بيتِها، ونهاها هي عن الخروجِ منه، وعدَمُ وجوبِ السُّكْنى لا يعني وجوبَ إخراجِها ولا استحبابَهُ، بل لها مِن مالِ زوجِها كما لبقيَّةِ الوَرَثةِ.\nولم يجعلِ النبيُّ -ﷺ- للمَبتوتةِ نفقةً ولا سُكْنى؛ كما في حديثِ فاطمةَ بنتِ قيسٍ الفِهْرِيَّةِ، حينَ طلَّقَها زَوْجُها أبو عمرِو بنُ حفصٍ آخِرَ ثلاثِ تطليقاتٍ، وكان غائبًا عنها باليمنِ، فأرسَلَ إليها بذلك، فأرسَلَ إليها وكيلُهُ بشعيرٍ -نفقةً- فتَسخَّطَتْهُ، فقال: واللَّهِ ليس لكِ علينا نفقةٌ، فأتتْ رسولَ اللَّهِ -ﷺ-، فقال: (ليس لكِ عليه نفقةٌ ولا سُكْنَى)، وأمَرَها أن تَعْتَدَّ في بيتِ أمِّ شَرِيكٍ، ثمَّ قال: (تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ) (٢).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٣٨).\n(٢) أخرجه مسلم (١٤٨٠).","vol":"4","page":2158},{"text":"وقد جاء عن عمرَ بنِ الخطَّابِ (١)، وابنِ مسعودٍ (٢) وابن عبَّاسٍ: أنَّه للمطلَّقةِ المبتوتةِ حاملًا وغيرَ حاملٍ السُّكْنَى والنفقةُ.\nومِن العلماءِ: مَن لم يَجعَلْ للمبتوتةِ سُكْنَى ولا نفقةً إلَّا إنْ كانتْ حاملًا؛ لأنَّ اللَّهَ خصَّها بالذِّكْرِ فيما يأتي، وخَصُوصِيَّةُ الذِّكْرِ دليلٌ على الاستثناءِ.\nوقولُه تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾: جعَلَ اللَّهُ نهايةَ العِدَّةِ نهايةَ أجَلِ الإمهالِ المتعلِّقِ بالرَّجْعةِ وحقِّ الزوجةِ الرَّجْعيَّةِ في النفقةِ والسُّكنى، وقد أمَرَ اللَّهُ مَن رَغِبَ في الرَّجْعةِ أن يَرجِعَ زوجتَهُ بمعروفٍ، وإنْ رَغِبَ في الفِراقِ أنْ يُفارِقَها بمعروفٍ بلا أذيَّةٍ ولا سُوءٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1326>الإشهادُ على إرجاعِ المطلَّقةِ:</span>\nوأمَر اللَّهُ بالإشهادِ على ذلك لمعرِفةِ انقضاءِ الأجَلِ؛ حتى تتزوَّجَ المرأةُ زوجًا غيرَهُ إن شاءتْ، وإنْ رَغِبَ في إرجاعِها في العِدَّةِ، أشهَدَ على ذلك؛ لظاهِرِ الآيةِ، ولا خلافَ عندَ العلماءِ في مشروعيَّةِ الإشهادِ؛ وإنَّما خلافُهم في وجوبِه.\nواختلَفُوا في إيجابِ القولِ بالرَّجْعةِ، وهل تصحُّ بالفعلِ وحدَه؛ كمَن يُقبِّلُ زوجتَهُ ويُباشِرُها يُريدُ رَجْعَتَها بذلك، أو لا بدَّ مِن القولِ؟:\nفمَن قال بوجوبِ الإشهادِ، فلازمُ قولِه: أنَّ الرَّجْعةَ لا تصحُّ إلَّا بالقولِ، فقد اختلَفُوا في وجوبِ الإشهادِ على قولَيْنِ، هما قولانِ في مذهبِ أحمدَ والشافعيِّ:\nقال جماعةٌ مِن العلماءِ بالوجوبِ؛ وذلك لظاهرِ الأمرِ في الآيةِ،\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (١٤٨٠/ ٤٦).\n(٢) ينظر: \"سنن سعيد ين منصور\" (١٣٦١)، و\"مصنف ابن أبي شيبة\" (١٨٦٥٤)، و\"سنن الترمذي\" (١١٨٠).","vol":"4","page":2159},{"text":"ولِما رَوى أبو داودَ وغيرُهُ، عن عِمرانَ بنِ حُصَيْنٍ: أنَّه سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ يَقَعُ بِهَا، وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى طَلَاقِهَا، ولا عَلَى رَجْعَتِهَا؟ فَقَالَ: طَلَّقْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ، وَرَاجَعْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ، أَشْهِدْ عَلَى طَلَاقِهَا، وَعَلَى رَجْعَتِهَا، ولا تَعُدْ (١).\nورَوى ابنُ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ؛ أنَّه كان يقولُ في قولِه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: لا يجوزُ في نكاحٍ ولا طلاقٍ ولا رِجاعٍ إلَّا شاهِدَا عَدْلٍ؛ كما قال اللَّهُ ﷿، إلَّا أنْ يكونَ مِن عُذْرٍ (٢).\nوذهَب جماعةٌ مِن العلماءِ: إلى أنَّ الأمرَ بالإشهادِ في الآيةِ على الاستحبابِ، وأنَّ الأمرَ للإرشادِ؛ كما في الإشهادِ في البيعِ؛ وذلك في قولِه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ وبهذا يقولُ أبو حنيفةَ ومالكٌ، وكذلك الشافعيُّ وأحمدُ في أحدِ قولَيْهِما، وهو الأظهَرُ؛ فالرَّجْعةً تتعلَّق بالزوجِ لا بالزوجةِ، فتحتاجُ إلى قَبُولٍ منها، والقولُ قولُهُ في ذلك، ولمَّا كان البيعُ لا يجبُ فيه الإشهادُ، وفيه قَبُولٌ وإيجابٌ، وجاء الأمرُ فيها بصيغةِ الأمرِ هنا؛ فالإشهادُ في الرَّجْعةِ مِن بابِ أَولى أنَّه للإرشادِ والدَّلَالةِ.\n* * *\n\n* قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].\nهذا وعدٌ مِن اللَّهِ لمَن امتثَلَ أمْرَهُ في الطلاقِ والرَّجْعةِ، والإمساكِ والتسريحِ بمعروفٍ، والإشهادِ على ذلك - أنْ يَجعَلَ اللَّهُ له مَخْرَجًا ممَّا\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢١٨٦)، وابن ماجه (٢٠٢٥).\n(٢) \"تفسير ابن كثير\" (٨/ ١٤٥).","vol":"4","page":2160},{"text":"يَستقبلُه مِن ضِيقٍ، ومَن صحَّتْ نيَّتُه، اتَّسَعَتْ مَخارجُ فَرَجِه، وهذه الآيةُ نظيرُ قولِهِ تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]، ونظيرُ قولِه: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، فيُجازي اللَّهُ الزوجَيْنِ بحسَبِ امتثالِهما لأمرِ اللَّهِ، وبحسَبِ قصدِهما.\n* * *\n\n* قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤].\nبيَّن اللَّهُ في الآيةِ عِدَّةَ المطلَّقةِ اليائسِ، وهي التي لا تَحِيضُ لِكِبَرِ سنِّها، ومِثلُها الصغيرةُ التي لا تحيضُ: أنَّ عِدَّتَهُنَّ ثلاثةُ أشهُرٍ.\nوقولُه تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾؛ يعني: في معرِفةِ العِدَّةِ لَهُنَّ، فعِدَّتُهُنَّ هي ما يُبيِّنُهُ اللَّهُ لكم؛ وبهذا المعنى قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ (١)، وقال مجاهدٌ: إنِ ارتبتُم بما فِيهِنَّ مِن دمٍ: هل هو حيضٌ أم استحاضةٌ؟ (٢)، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ أَفْقَهُ وأبصَرُ، وإنْ كان يصحُّ قولُ مجاهدٍ ومَن وافَقَهُ في حُكْمِ المُرتابةِ بينَ دمِ الحَيْضِ والاستحاضةِ، إلَّا أنَّ سياقَ الآيةِ أقرَبُ إلى قولِ سعيدٍ، واللَّهُ أعلَمُ.\nوقد صحَّ عن عِكْرِمةَ أنَّه قال: إنَّ مِن الرِّيبةِ المرأةَ المُستحاضَةَ، والتي لا يَستقيمُ لها الحيضُ؛ تَحِيضُ في الشهرِ مِرارًا، وفي الأشهُرِ مرَّةً؛ فعِدَّتُها ثلاثةُ أشهُرٍ (٣).\n_________\n(١) \"تفسير ابن كثير\" (٨/ ١٤٩).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٤٩).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٥٢).","vol":"4","page":2161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1327>عِدَّةُ الحاملِ مِن الطلاقِ والوفاةِ:</span>\nوأمَّا عِدَّةُ الحاملِ، فلا تخلو: إمَّا أن تكونَ عِدَّةَ وفاةٍ، أو عِدَّةَ طلاقٍ:\nأمَّا عِدَّةُ الحاملِ التي طُلِّقتْ عندَ استبانةِ حَمْلِها، فعِدَّتُها أنْ تَضَعَ ولدَها؛ وهذا في قولِ عامَّةِ السلفِ، وحُكِيَ الإجماعُ على ذلك؛ حكاهُ ابنُ جريرٍ (١).\nوأمَّا عِدَّةُ الحاملِ مِن وفاةِ زوجِها، فعلى حالَيْنِ:\nالأُولى: حاملٌ بَقِيَ مِن وَضْعِها فوقَ أربعةِ أشهُرٍ وعشرٍ؛ تخرُجُ مِن عِدَّتِها بوَضْعِ حَملِها بلا خلافٍ.\nالثانيةُ: حاملٌ وأجَلُ وَضعِ حَمْلِها دونَ أربعةِ أشهُرٍ وعشرٍ؛ فعامَّةُ الفقهاءِ مِن السلفِ والخلفِ: على أنَّها تخرُجُ مِن عِدَّةِ وفاتِها بوَضْعِ حَمْلِها ولو وضَعَتِ الحَمْلَ بعدَ الوفاةِ بساعةٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.\nوبهذا قَضى عمرُ وعثمانُ وزيدٌ وابنُ مسعودٍ وابنُ عبَّاسٍ وأبو هريرةَ، وقد رَوَى البخاريُّ، عن أبي سَلَمةَ؛ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ وأبو هُرَيْرَةَ جَالِسٌ عِنْدَهُ، فَقَالَ: أَفْتِنِي فِي امْرَأَةٍ وَلَدَتْ بَعْدَ زَوْجِهَا بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: آخِرُ الأَجَلَيْنِ، قُلْتُ أَنَا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، قَالَ أبو هُرَيْرَةَ: أنَا مَعَ ابنِ أَخِي -يَعْنِي: أَبَا سَلَمَةَ- فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ غُلَامَهُ كُرَيْبًا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُهَا، فَقَالَتْ: قُتِلَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ وَهِيَ حُبْلَى، فَوَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَخُطِبَتْ، فَأَنْكَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَانَ أَبُو السَّنَابِلِ فِيمَنْ خَطَبَهَا (٢).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٥٤).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٩٠٩).","vol":"4","page":2162},{"text":"ورَوَى علقمةُ بنُ قيسٍ؛ أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودٍ قال: مَن شاءَ لَاعَنْتُهُ، ما نزَلَتْ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ إلَّا بعدَ آيةِ المتوفَّى عنها زوجُها، قال: وإذا وضَعَتِ المُتوفَّى عنها زوجُها، فقد حَلَّتْ؛ يُريدُ بآيةِ المتوفَّى عنها زوجُها: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] (١).\nوقد تقدَّم الكلامُ على هذه المسألةِ، وعمومِ عِدَّةِ المتوفَّى عنها زوجُها، في سورةِ البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [٢٣٤].\n* * *\n\n* قال اللَّه تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦].\nأمَر اللَّهُ بسُكْنى المطلَّقةِ، وأنَّه لا يجوزُ إخراجُها حتى تخرُجَ مِن عِدَّتِها، فتَسْتَبِينَ أمْرَها، وإذا أمَرَ اللَّهُ بإسكْانِ المطلَّقةِ في عِدَّتِها، فوجوبُ السُّكْنى على الزوجِ للزوجةِ مطلَقًا واجبٌ متعيِّنٌ، وهو أَولى.\nوقولُه تعالى: ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ أَسْكِنُوهُنَّ بحسَبِ قُدْرَتِكم وما تَجِدُونَهُ مِن قوةٍ واستطاعةٍ، وقد جعَلَ اللَّهُ السُّكْنى بحسَبِ قدرةِ الزوجِ، لا بحسَبِ حاجةِ الزوجةِ؛ حتى لا يُضِرَّ بنفسِهِ وولدِه.\nوقولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾: لا تَفْعَلوا شيئًا مِن الضِّيقِ والحَرَجِ الذي يَدفَعُهُنَّ إلى تركِ حَقِّهِنَّ مِن السُّكْنى؛ هربًا مِن الأذى؛\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٢٣/ ٥٤)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٥٦٨٦).","vol":"4","page":2163},{"text":"فتكونوا أخرَجتُمُوهُنَّ ولو لم تَنطِقوا بذلك، بل هو أشَدُّ؛ فقد جمعتُم سَيِّئَتَيْنِ، وهما: سيئةُ الأذى، وسيئةُ الإخراجِ.\nوقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾: ذكَر اللَّهُ الحاملَ وخَصَّها بالذِّكْرِ هنا؛ لأنَّ أجَلَها قد يطولُ، فرُبَّما يَستثقِلُ بعضُ الأزواجِ سُكْناها ونفقتَها تسعةَ أو ثمانيةَ أشهُرٍ إنْ كان طلاقُها بدايةَ حَمْلِها، فأمَرَ اللَّهُ بالإنفاقِ عليها وإسكانِها حتى تَضَعَ حَمْلَها.\nوقولُه تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ يدُلُّ هذا على أنَّ المرأةَ إنْ كانتْ في عِصْمةِ زوجِها لا تَستحِقُّ أُجْرةَ الرَّضَاعِ؛ وإنَّما لها النفقةُ الكافيةُ، ولكنْ إنْ كانتْ مطلَّقةً، فيجبُ على الزوجِ إعطاؤُها نفقةَ الرَّضَاعِ؛ لانقطاعِ نففتِها الخاصَّةِ بها، والولدُ شِرْكٌ بينَ أَبَوَيْهِ؛ فكما تستحقُّ زيادةَ النفقةِ لأجلِهِ وهي في عِصْمَتِه، فإنَّها تستحقُّ ذلك القَدْرَ بعدَ طلاقِها منه وخروجِها مِن العِدَّةِ.\nوقد حمَلَ بعضُ السلفِ وجماعةٌ مِن العلماءِ هذه الآيةَ: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ على الحاملِ المطلَّقةِ البائنِ؛ وذلك لأنَّ الرَّجْعيَّةَ زوجةٌ، فالنفقةُ عليها كسائرِ النفقةِ على الرَّجْعيَّاتِ سواءٌ كانتْ حاملًا أو غيرَ حاملٍ؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ (١).\nوقولُه تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾، فيه: وجوبُ التناصُحِ بينَ الزوجَيْنِ حتى بعدَ الطلاقِ، وأن يكونَ بينَهما العدلُ لا الشُّحُّ والأَثَرَةُ والطمعُ، وفي هذا تطهيرٌ لقلوبِ الزوجَيْنِ مِن الانتصارِ للنَّفْسِ والانتقامِ مِن الآخَرِ لِما سلَفَ مِن سُوءِ عِشْرَةٍ.\nوقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾؛ يعني: لم تَتوافَقُوا على أمرِ الرَّضَاعِ أو أُجْرَتِه، فيجبُ كِفايتُه بمُرضِعةٍ أُخرى، وهذه الآيةُ في\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٦٢).","vol":"4","page":2164},{"text":"إرضاعِ الأمِّ المطلَّقةِ، وقد تقدَّم في البقرةِ آيةُ الرَّضَاعِ عامَّةً، وقد تقدَّم الكلامُ على الرَّضاعِ وأحكامِهِ عندَ قولِه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].\n* * *\n\n* قال اللَّه تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧].\nأمَرَ اللَّهُ الوالدَ أنْ يُنفِقَ على ولدِهِ مِن زوجتِهِ المطلَّقةِ، وذلك ما يَقتضيهِ السياقُ؛ لاتِّصالِهِ بما سبَقَ، ولم يَجعَلِ اللَّهُ ذلك على العُسْرِ، بل باليُسْرِ وبحسَبِ الطاقةِ.\n* * *","vol":"4","page":2165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1328>سورة التحريم</span>\nسورةُ التحريمِ سورةٌ مدَنيَّةٌ بلا خلافٍ (١)، ذكَرَ اللَّهُ فيها حُكْمَ تحريمِ الحلالِ على النَّفْسِ وما وقَعَ مِن النبيِّ -ﷺ- في ذلك، وحُكْمَ ذلك وكفَّارتَه، وبيانَ بعضِ حالِ النبيِّ مع أزواجِه، وذكَرَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ وأمَرَ بجهادِهم والشِّدَّةِ عليهم.\n* قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ١ - ٢].\nقد حرَّم النبيُّ -ﷺ- شيئًا، وقد اختُلِفَ في عَيْنِ ما حرَّمه على نفسِه، وقد ورَدَ في نزولِ سورةِ التحريمِ أسبابٌ متعدِّدةٌ، ولكنَّ أصَحَّ ما جاء في نزولِها ما ثبَتَ في \"الصحيحَيْنِ\"، عن عائشةَ؛ قالتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَيَمْكُثُ عِنْدَهَا، فَوَاطَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ عَلَى: أَيَّتُنَا دَخَلَ عَلَيْهَا، فَلْتَقُلْ لَهُ: أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مغَافِيرَ! قَالَ: (لَا، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ، لا تُخْبِرِي بِذَلِكِ أَحَدًا) (٢).\nوإنَّما قُلْنَ ذلك لتنفيرِ النبيِّ -ﷺ- مِن الإكثارِ مِن الدخولِ على بعضِ\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" (٢١/ ٦٧).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٩١٢)، ومسلم (١٤٧٤).","vol":"4","page":2167},{"text":"أزواجِهِ واختصاصِها له بطعامٍ دُونَهُنَّ، وقد جاء في \"الصحيحَيْنِ\"؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- كان يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الرِّيحُ؛ ولهذا قُلْنَ له: أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؛ لأنَّ ريحَها فيه شيءٌ، فلمَّا قال: (بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا)، قُلْنَ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ (١).\nومرادُهما بذلك: رعَتْ نَحْلُهُ شجرَ العُرْفُطِ الذي صَمْغُهُ المَغَافِيرُ؛ فكان له رائحةٌ على شاربِه.\nوفي مسلمٍ؛ مِن وجهٍ؛ أنَّ عائشةَ وسَوْدَةَ تواطَأَتَا، وأنَّ مَن سقَتْهُ العسلَ حَفصةُ (٢).\nوالأولُ أرجَحُ، وصحَّ عن عمرَ؛ أنَّهما عائشةُ وحفصةُ؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\" (٣).\nوقد صحَّ أنَّ النبيَّ -ﷺ- حرَّم أمَّ إبراهيمَ عليه؛ كما رَوَى الهيثمُ بنُ كُلَيْبٍ في \"مسندِه\"، عن عمرَ؛ قال: قال النبيُّ -ﷺ- لحفصةَ: (لَا تُخْبِرِي أَحَدًا، وَإِنَّ أُمَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيَّ حَرَامٌ)، فقالتْ: أتُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لك؟ قال: (فَوَاللَّهِ لا أَقْرَبُهَا)، قال: فلم يَقرَبْها حتى أَخبَرَتْ عائشةَ، قال: فأنزَلَ اللَّهُ، ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٤).\nورَوَى ثابتٌ، عن أنسٍ؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ يَطَؤُهَا، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ حَتَّى حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، إِلَى آخِرِ الآيَةِ (٥).\nوقد صحَّ عن جماعةٍ مِن السلفِ: أنَّ الذي حرَّمه النبيُّ -ﷺ- على نفسِه هو وَطْءُ جاريتِهِ؛ منهم مسروقٌ (٦) وقتادةُ (٧).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٩٧٢)، ومسلم (١٤٧٤).\n(٢) أخرجه مسلم (١٤٧٤/ ٢١).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٩١٣)، ومسلم (١٤٧٩).\n(٤) ينظر: \"المختارة\" للضياء المقدسي (١٨٩)، و\"تفسير ابن كثير\" (٨/ ١٥٩).\n(٥) أخرجه النسائي (٣٩٥٩).\n(٦) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٨٤).\n(٧) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٨٨).","vol":"4","page":2168},{"text":"وأقوَى ما جاء فيما حرَّمه النبيُّ -ﷺ- على نفسِهِ: العسلُ والجاريةُ، وكلُّ ذلك صحيح، وصحةُ الاثنَيْنِ ليس اضطرابًا؛ وإنَّما وقَعَا جميعًا، ومِثلُ بيتِ النبوَّةِ مع كثرةِ أزواجِه، وتنافُسِهِنَّ عليه، وغِيرَتِهِنَّ بعضِهِنَّ مِن بعضِ: يَحتمِلُ تكرُّرَ مِثلِ هذا، والقرآنُ قد يَنزِلُ على واحدةٍ منهما، أو ينزِلُ عليهما جميعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1329>تحريمُ الحلالِ لا يجعلُهُ حرامًا:</span>\nوإذا حرَّم الإنسانُ حلالًا على نَفْسِه، لا يكونُ ما حرَّمه محرَّمًا في نفسِه؛ وإنَّما الحرامُ والحلالُ مِن مصطَلَحاتِ الشريعةِ واختصاصِ المشرِّع؛ وذلك أنَّ اللَّهَ جعَلَ تحريمَ الحرامِ أمرًا لا يمكنُ تحقيقُه؛ فقد سمَّاهُ زُورًا؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]، والزُّورُ لا يتحقَّقُ، والاستفهامُ في قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ استفهامُ إنكارٍ، ويتضمَّنُ إنكارًا؛ لأنَّ مضمونَه إنشاءٌ.\nوتحريمُ الحلالِ لا أَثَرَ له على العَيْنِ المحرَّمةِ في ذاتِها، ولا تحرُمُ به مطلقًا باتفاقِ الأئمَّةِ الأربعةِ، خلافًا لقولٍ يُنسَبُ إلى أبي حنيفةَ وميلٍ لأبي الخطَّابِ مِن الحنابلةِ.\nوقد ذَمَّ اللَّهُ تحريمَ الحلالِ وتحليلَ الحرامِ وجعَلَهُما في الأمرِ سواءً في مَقَامِ المخالَفةِ لتشريعِه؛ فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]، وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]؛ فلو كان تحريمُ الحلالِ مؤثِّرًا على العَيْنِ لمجرَّدِ تحريمِ الإنسانِ على نفسِه، لجاز أن يكونَ ذلك في تحليلِ الحرامِ، فالتغيُّرُ الذي يَلْحَقُ العَيْنَ تشريعٌ، وليس مجرَّدَ إلزامِ بامتناعِ النَّفْسِ عنها.","vol":"4","page":2169},{"text":"وأمَّا مَنْ يجعلُ العينَ تحرُمُ يذلك؛ لقولِه تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ بعدَما ذكَر اللَّهُ تحريمَ نبيِّه على نفسِه، فإنَّ قولَه تعالى: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ ليس المرادُ به التحليلَ بعدَ تحريمٍ، وإنَّما المرادُ له الحِلُّ بعدَ عَقْدٍ؛ فاليمينُ تُعقَدُ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، فالكفارةُ تَحُلُّ ما انعقَدَ عليه القلبُ، وليس الحُكْمَ الذي انعقَدَ على العَيْنِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1330>تحريمُ الحلالِ يمينٌ وكَفَّارتُه:</span>\nومَنْ قصَدَ بتحريمِهِ حلالَ الطعامِ والشراب واللِّباسِ على نفسِهِ أنْ تكونَ يمينًا تَمنعُهُ عن تلك الأشياءِ، لقد اختُلِفُ في جعلِ تحريمِ الحلالِ يمينًا، وفي المحلوفِ به فيها:\nفمِن العلماءِ: مَن كرِهها؛ كأحمدَ وجماعةٍ مِن أصحابِه؛ حيثُ حُمِلَتْ على مشابهةِ الحَلِفِ بغيرِ اللَّهِ.\nوجمهورُ العلماءِ: على جوازِها؛ لأنَّ الحالفَ لم يَحلِفْ بمخلوقٍ؛ وإنَّما هو الزامٌ للنَّفْسِ بشيءٍ أمامَ اللَّهِ، وحالُه كحالِ النَّذْرِ.\nقولُهُ تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾: لمَّا ذكَر اللَّهُ تعالى تحريمَ الحلالِ، ذكَر أَنَّه ينعقدُ على إلزامٍ كاليمينِ الصريحةِ، فجعَل له حَلًّا في قولِه: ﴿تَحِلَّةَ﴾، ثمَّ سمَّاهُ اللَّهُ تعالى يمينًا في قولِه: ﴿أَيْمَانِكُمْ﴾.\nولكنَّ السلفَ مختلِفونَ في تحريمِ النبيِّ -ﷺ- على نَفْسِه: هل كان تحريمًا مجرَّدًا فتكونَ التَّحِلَّةُ متعلِّقةً بالتحريمِ المجرَّدِ، أو اقترَنَ بيمينٍ فتكونَ التَّحِلَّةُ. في الآيةِ على اليمينِ لا على التحريمِ:\nفمِن السلفِ: مَن قال: إنَّه حرَّم على نَفْسِهِ فجعَلَها اللَّهُ يمينًا ولم يكنْ معها يمينٌ؛ وهذا ظاهرُ قولِ الحسنِ وقتادةَ (١).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٨٨).","vol":"4","page":2170},{"text":"ومنهم مَن قال: إنَّ النبيَّ -ﷺ- حلَفَ يمينًا مع تحريمِه؛ وهذا قولُ الشَّعْبيِّ ومسروقٍ وابنِ زيدٍ (١).\nوقد اختلَفَ العلماءُ في كفارةِ تحريمِ الحلالِ المجرَّدِ عن لفظِ اليمينِ: هل يَلزَمُ عليه كفارةٌ أو لا؟\nذهَب الحنفيَّةُ والحنابلةُ: إلى لزومِ الكفارةِ فيه؛ لِمَا تقدَّم حيثُ جعَلَ اللَّهُ تحريمَ الحلالِ يمينًا، ثمَّ جعَلَ له تَحِلَّةً، وله قال عمرُ؛ رواهُ عنه عِكْرِمةُ (٢)، وقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّه قال: \"إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] \"؛ رواهُ مسلمٌ (٣).\nوجاء عن ابنِ مسعودٍ (٤)، وعائشةَ (٥): أنَّ فِيه كفارةَ يمينٍ، وقد صحَّ هذا عن جماعةٍ مِن التابعينَ، منهم مسروقٌ والحَسَنُ وقتادةُ (٦).\nويدُلُّ على ذلك: أنَّ اللَّهَ تعالى لمَّا ذكَرَ تحريمَ الحلالِ، لم يرتِّبْ عليه حُكمًا؛ وإنَّما نَهَى عنه، ورتَّب الحُكْمَ على اليمينِ؛ سواءٌ كانتْ بلفظِ اليمينِ أو لفظِ الحرامِ؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٨٧]، ولم يذكُرْ حُكْمًا غيرَ النهي، ثمَّ لمَّا ذكَر اليمينَ بعدَها، رتَّب عليها حُكْمَ الكفارةِ؛ فقال\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٨٤).\n(٢) أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" (١٧٠١)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٨١٨٩)، وأحمد في \"مسنده\" (١/ ٢٢٥)، والدارقطني في \"سننه\" (٤/ ٤٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٥٠).\n(٣) أخرجه مسلم (١٤٧٣).\n(٤) أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" (١٦٩٣)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٨٢٠٠)، وابن المنذر في \"الأوسط\" (٩/ ١٩٠) والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٩٦٣٢).\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٨١٩١)، والدارقطني في \"سننه\" (٤/ ٦٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٥١).\n(٦) ينظر: \"تفسير ابن كثير\" (٨/ ١٥٩).","vol":"4","page":2171},{"text":"تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ الآيةَ [المائدة: ٨٩]، وجعَلَ كلَّ يمينٍ لفظًا وما قُصِدَ به اليمينُ معنًى، أخَذَ حُكْمَها في الكفارةِ، والصحابةُ لم يَجْعَلوا في الحرامِ سوى الكَفَّارةِ.\nوذهَب المالكيَّةُ والشافعيَّةُ: إلى أنَّ تحريمَ الحلالِ ليس فيه كفارةٌ حتى يكونَ بلفظِ الحَلِفِ باللَّهِ الصريحِ، واستُدِلَّ لذلك بما تقدَّم مِن أنَّ اللَّهَ نَهَى عن تحريمِ الحلالِ، ولم يُوجِبْ عليه كفارةً، ولمَّا ذكَرَ اليمينَ أَوْجَبَ فيها كفَّارةً، وأنَّ النبيَّ -ﷺ- حَلَفَ مع تحريمِهِ ولم يكنْ تحريمًا مجرَّدًا؛ كما جاء في قولِ الشَّعْبيِّ وقتادةَ -في روايةٍ- وزيدِ بنِ أسلَمَ (١)، والتَّحِلَّةُ في آيةِ التحريمِ على يمينِهِ، لا على تحريمِه.\nوالأظهَرُ: وجوبُ الكفارةِ في التحريمِ؛ وذلك أنَّ المنعَ مِن الفعلِ بالتحريمِ كالمنعِ منه باليمينِ، وهو قولُ الصحابةِ، وليس بينَهم اختلافٌ، وأمَّا ما جاء عن بعضِ السلفِ: أنَّ النبيَّ -ﷺ- حلَفَ مع تحريمِه، فلا يَلْزَمُ القولَ بأنَّه حلَفَ أنَّ التحريمَ لا يكونُ يمينًا وَحْدَهُ عندَهم، ولكنَّ اليمينَ تصريحٌ وتأكيدٌ، وقد كان قتادةُ يَرْوِي أنَّ النبيَّ -ﷺ- حلَف مع تحريمِه، ومع ذلك يُوجِبُ الكفارةَ في التحريمِ، ومِن الرُّواةِ مَن ينقُلُ الحَلِفَ ويجعلُه هو معنى التحريمِ ومقتضاهُ، ولا يريدُ أنَّ النبيَّ -ﷺ- حلَفَ بنفسِهِ بلفظٍ مستقِلٍّ عن التحريمِ، وقد رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ قولُه: فَصَيَّرَ الحَرَامَ يَمِينًا (٢).\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٨٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٨٧).","vol":"4","page":2172},{"text":"* قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣].\nلمَّا أطلَعَ اللَّه نبيَّه على ما تظاهَرَتْ به عائشةُ وحفصةُ، عرَّف النبيُّ -ﷺ- حفصةَ بعضَ ذلك، وأعرَضَ عن بعضِه الآخَرِ؛ أي: أخبَرَها بشيءٍ مِن أمرِها، ولم يُخبِرْها بشيءٍ آخَرَ.\nوفي هذا: أنَّ السُّنَّةَ التغافُلُ عمَّا لا يحسُنُ ذِكْرُه، أو ما كان ذِكْرُهُ يُحْيِيهِ ويُعظِّمُ شأنَ المذكورِ وهو دون ذلك، ويُكتفَى بذِكْرِ بعضِه، لِيَسْرِيَ العلاجُ على باقِيه.\nوقولُه تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾، فيه: أنَّه مِن الحِكْمةِ أنَّ بعضَ الأمورِ لا يصلُحُ فيها التغافُلُ التامُّ المُشعِرُ بالغَفْلةِ والبلادةِ، بل يُبيَّنُ طرَفُها المُشعِرُ بالعِلْمِ، ويُكتَمُ القَدْرُ الذي لا حاجةَ إليه، أو كانتِ الحاجةُ إلى ذِكْرِهِ ضعيفةً، أو يكونُ ضررُ إخراجِهِ أشَدَّ مِن ضررِ كَتْمِه.\nوالتغافُلُ ليس على مَرْتبةٍ واحدةٍ، بل هو على مَراتِبَ بحسَبِ الأمرِ الذي جاء فيه:\nفمِنَ الأمورِ:\nما يُستحَبُّ التغافُلُ عنه بالكليَّةِ.\nومنها: ما يُستحَبُّ أنْ يُبدِيَ بعضًا ويَكتُمَ الآخَرَ، ويَختلِفُ قَدْرُ ما يُبدِيهِ وما يُخفِيهِ؛ كلُّ حالهٍ بحسَبِها، وهذا يَرجِعُ إلى حِكْمةِ الإنسانِ وعِلْمِه، ومِن الناسِ: مَن يظُنُّ أنَّه إنْ كان ذا حقِّ، فله أن يُبدِيَ مِن حقِّه ما يشاءُ؛ مِن غيرِ نَظَرٍ إلى ما يُصلِحُ الأمرَ ولا ما يُفسِدُه.","vol":"4","page":2173},{"text":"ويُعرَفُ العاقلُ بمِقْدارِ غَفْلتِه ومواضعِها، وكثيرٌ مِن الشرورِ علاجُها بالتعافُلِ، وذِكْرُها يُحْيِيهَا ويُذْكِيهَا حتى تعظُمَ وتسيطرَ.\nوللتغافُلِ ألمٌ عاجلٌ، ولذَّةٌ آجِلةُ؛ قال الأعمشُ: \"السكوتُ جوَابٌ، والتغافُلُ يُطفِئُ شرًّا كثيرًا (١) \".\nوقد قال محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الخُزَاعيُّ: \"سَمِعتُ عثمانَ بنَ زائدةَ يقولُ: العافيةُ عشَرةُ أجزاءٍ، تسعةٌ منها في التغافُلِ، ثمَّ قال: فحدَّثتُ به أحمدَ بنَ حنبلٍ، فقال: العافيةُ عشَرةُ أجزاءٍ، كلُّها في التغافُلِ\" (٢).\nويقولُ الشافعيُّ: \"الكَيِّسُ العاقِلْ، هو الفَطِنُ المُتغافِلْ\" (٣).\nوأحوَجُ ما يكونُ الإنسانُ إلى التغافُلِ مع مَنْ يُكثِرُ خِلْطَتَه؛ كالزوجةِ والولدِ والخادمِ وذوي الأرحامِ والأصحابِ والجِيرانِ، فلو تتبَّعَ الإنسانُ كلَّ ما يَجِدُ في نَفْسِه منه، لَمَا بَقِيَ له عمرٌ، ولم تصلُحْ له حالٌ، ويتحوَّلُ مِن فِتنةٍ إلى أُخرى.\n* * *\n\n* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩].\nأمَرَ اللَّهُ نبيَّه بجهادِ الكفارِ والمُنافِقينَ؛ وذلك أنَّهم أشدُّ أعداءِ الأُمَّةِ؛ فالكفارُ مِن خارجِها، والمُنافِقونَ مِن داخِلِها، وقد تقدَّم الكلامُ على جهادِ الكفارِ في مواضعَ، خاصَّةً سورةَ البقرةِ، وأمَّا جهادُ المُنافِقينَ، فقد تكرَّرت هذه الآيةُ بحروفِها في موضعَيْنِ: الأولُ في التوبةِ، الآية\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٨١٠١).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٨٠٢٨).\n(٣) أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٨٠٣٠).","vol":"4","page":2174},{"text":"الثالثة والسبعين، والثاني هنا، وقد تقدَّم الكلامُ على جهادِ المُنافِقينَ وصُوَرِهِ في الموضعِ الأولِ في سورةِ التوبةِ؛ فلْيُنظَرْ.\n* * *","vol":"4","page":2175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1331>سورة القلم</span>\nسورةُ القلمِ مكيَّةٌ، وقد حُكِيَ الإجماعُ على ذلك، وإنَّما اختُلِفَ في بعضِ آياتِها (١)، وفي هذه السُّورةِ: بيانُ حُجَّةِ اللَّهِ على المشرِكِيِنَ بآياتِهِ وكَلِماتِه، ورَدُّ بُهْتانِهم باتِّهامِ نبيِّه وكتابِه، وكيدِهم ومَكْرِهم عليه وحُجَجِهم الباطلةِ، وذِكْرُ ما ينتظِرُهم يومَ القيامةِ مِن عذابٍ أليمٍ.\n* قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠].\nذكَر اللَّهُ صفةَ بعضِ خصومِ النبيِّ -ﷺ- بمكةَ، وهو كثرةُ الحَلِفِ لإثباتِ باطلِهم وسترِ حُجَّتِهم الضعيفةِ، وكلَّما كانت الحُجَّةُ قويَّةً، كانتْ ناطقةً بإثباتِ نفسِها، لا تحتاجُ إلى أَيْمانٍ مغلَّظةٍ.\nوكان في العربِ تعظيمٌ للَّهِ وهم على شِرْكٍ، وكانوا يَمدَحونَ قليلَ الحَلِفِ به، الذي لا يجعلُهُ عُرْضَةً لكلِّ قولٍ؛ كما قال الشاعرُ:\nقَلِيلُ الأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ ... وَإِنْ صَدَرَتْ مِنْهُ الْأَلِيَّةُ بَرَّتِ (٢)\nوقولُه تعالى: ﴿مَهِينٍ﴾؛ يعني: ضعيفَ الحُجَّةِ.\nوفي هذه الآيةِ: كراهةُ وذمُّ اتِّخاذِ اللَّهِ عُرْضةً عندَ كلِّ قولِ حقٍّ وباطلٍ، بالحَلِفِ والأَيْمانِ، وقد تقدَّم الكلامُ على دلك عندَ قولِهِ تعالى:\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير ابن عطية\" (٥/ ٣٤٥)، و\"زاد المسير\" (٤/ ٣١٨)، و\"تفسير القرطبي\" (٢١/ ١٣٥).\n(٢) البيت لكُثَيِّرِ عَزَّة في \"ديوانه\" (ص ٣٢٥).","vol":"4","page":2177},{"text":"﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٤].\n* * *\n\n* قال اللَّه تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١].\nذكر اللَّهُ الهَمَّازَ، وهو كثيرُ الوقوعِ بأعراضِ الناسِ تصريحًا وتلميحًا، ذمًّا وقدحًا، وفي هذه الآيةِ تقبيحٌ لوصفَيْنِ:\nالأولُ: الغِيبَةُ؛ وهي في قولِه تعالى: ﴿هَمَّازٍ﴾، وقد فسَّرها بالغِيبَةِ جماعةٌ مِن السلفِ؛ كابنِ عبَّاسٍ وقتادةَ (١)، وقد تقدَّم الكلامُ على الغِيبةِ وذمِّها، وعظيمِ أثرِها، والأحوالِ الضيِّقةِ التي تجوزُ فيها، عندَ قولِه تعالى في سورةِ الحُجُراتِ: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [١٢]، وقولِهِ فيها: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [١١].\nالثاني: النَّمِيمَةُ، وهي كبيرةٌ مِن كبائرِ الذنوبِ، والنميمةُ أعظَمُ مِن الغِيبةِ؛ لأنَّ الغِيبةَ وقوعٌ في العِرْضِ في غَيْبةِ المتكلَّمِ عنه عندَ مَن يَعرِفُه ومَن لا يَعرِفُه، ولا يَلْزَمُ قصدُ التفريقِ، وأمَّا النميمةُ، فهي الوقيعةُ في عِرْضِ أحدٍ عندَ مَن يَعرِفُه بقصدِ التفريقِ بينَهما؛ فأثرُ النميمةِ في إفسادِ الناسِ فيما بينَهم أشدُّ وأعظَمُ مِن الغِيبةِ، والغِيبةُ قد تقعُ مِن فلَتاتِ بعضِ الصالِحِينَ وزَلَّاتِهم؛ ولكنَّ النميمةَ لا تقعُ مِن صالحٍ ولو مِن فلتاتِ لِسَانِه؛ لأنَّ النميمةَ يَسبِقُها قصدٌ خبيثٌ متأصِّلٌ في النَّفْسِ، وهو قصدُ التفريقِ، وهذا القصدُ وحدَهُ لا يُوجَدُ في نفسٍ صالحةٍ، وأثرُ النميمةِ على الإيمانِ شديدٌ؛ ولهذا جاء في الوعيدِ في النَّمَّامِ ما لم يأت في المُغتابِ، بل جاء في النمَّامِ ما لم يأتِ في الكذَّابِ.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ١٥٩)، و\"تفسير ابن كثير\" (٨/ ١٩١).","vol":"4","page":2178},{"text":"وقد جاء في \"الصحيحَيْنِ\"، عن حُذَيْفةَ -﵁-، قال: قال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: (لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ) (١).\nوعن ابنِ عبَّاسٍ -﵄-؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- مَرَّ بقبرَيْنِ، فقال: (أَمَا إِنَّهُمَا ليُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا، فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الْآخَرُ، فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ ينْ بَوْلِهِ) (٢).\nوقال -ﷺ-: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟)، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: (فَشِرَارُكُمُ المُفْسِدُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، المَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْبَاغُونَ الْبُرَآءَ الْعَنَتَ) (٣).\n* * *\n\n* قال اللَّه تعالى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٧ - ١٨].\nذكَر اللَّهُ حالَ أصحابِ الجَنَّةِ الذين بَخِلُوا بثمرِهم عن الفقراءِ، فقَصَدوا جَنَّتَهم ليَحْصُدوا حَبَّهم ويَصرِمُوا ثَمَرَهم قبلَ قدومِ الفقراءِ إليهم، وحمَلَهُمْ شِدَّةُ شُحِّهم وطمعِهم على الحَلِفِ على ذلك، ونَسُوا أن يَستثنُوا ويقولوا: (إنْ شاء اللَّهُ)؛ اعتمادًا على الأسبابِ، وغاب عن نفوسِهم مسبِّبُها، وهو اللَّهُ، فحَنَّثَهم اللَّهُ فأهلَكَ جَنَّتَهُمْ؛ كما قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ١٩ - ٢٠].\nوقد قيل: إنَّ الاستثناءَ عندَهم كان تسبيحًا، ولذا قال عن أَوْسَطِهم: إنَّه قال لهم: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨]؛ قاله مجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، وابنُ جُرَيْجٍ (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٠٥٦)، ومسلم (١٠٥).\n(٢) أخرجه البخاري (٢١٦)، ومسلم (٢٩٢).\n(٣) أخرجه أحمد (٦/ ٤٥٩)، من حديث أسماء بنتِ يزيد.\n(٤) \"تفسير ابن كثير\" (٨/ ١٩٦).","vol":"4","page":2179},{"text":"وقد فسَّر قولَه في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ بقولِ: \"إنْ شاء اللَّهُ\" غيرُ واحدٍ مِن السلفِ؛ كمجاهدٍ وابنِ جُرَيْجٍ (١)، وقال عِكْرِمةُ: لا يَستثنُونَ حقَّ المساكينِ (٢).\nوقد أخَذ محمدُ بنُ الحسنِ مِن هذه الآيةِ أنَّ القَسَمَ يمينٌ؛ لأنَّ الاستثناءَ لا يكونُ إلَّا في اليمينِ (٣)، ولكنَّ الاستثناءَ يكونُ مشروعًا في اليمينِ وفي غيرِها ممَّا يَعزِمُ الرجُلُ على فِعْلِهِ فيَعِدُ أو يُخِبِرُ به، إلَّا أنَّ الاستثناء يُبطِلُ اللازمَ على القَسَمِ كما يُبطِلُ اللازمَ على اليمينِ.\n* * *\n_________\n(١) \"زاد المسير\" (٤/ ٣٢٣)، و\"تفسير القرطبي\" (٢١/ ١٦٣)، و\"تفسير ابن كثير\" (٨/ ١٩٧).\n(٢) \"زاد المسير\" (٤/ ٣٣٣)، \"تفسير القرطبي\" (٢١/ ١٦٣).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٣/ ٧).","vol":"4","page":2180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1332>سورة المعارج</span>\nسورةُ المَعارِجِ سورةٌ مكيةٌ، وحَكَى الاتِّفاقَ على ذلك جماعةٌ (١)، وخاطَبَ اللَّهُ فيها المعانِدينَ والمُستَكْبرِينَ مِن كفارِ قريشٍ وغيرِهم، وذكَّر بيومِ القيامةِ وما يَسبِقُهُ وما فيه وما بعدَهُ مِن أهوالٍ وعظائمَ، وذكَر اللَّهُ صفاتِ المُعانِدِينَ وصِفاتِ المؤمِنِينَ المصدِّقِينَ.\n* قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٢ - ٢٣].\nذكَر اللَّهُ صِفاتِ المؤمنينَ، وأعظَمُها الصلاة الدائمةُ، ولم يقدِّمِ اللَّهُ على هذه الصِّفةِ شيئًا؛ لأنَّها أظهَرُ العلاماتِ عليهم، وأَدَلُّها على إيمانِهم بربِّهم، وقد فرَّق اللَّهُ بينَ المصلِّينَ وبينَ الذين هم على صلاتِهم دائمونَ؛ فليس كلُّ مُصَلٍّ يَحفَظُ صَلاتَه؛ فمِنهم مَن يؤدِّيها ولا يكونُ له إلَّا رفعُ الإثمِ وإسقاطُ الواجبِ، وقد تقدَّم الكلامُ على المُحافَظةِ على الصلاةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].\nوتقدَّم الكلامُ على الخشوعِ في الصلاةِ عندَ قولِه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].\n* * *\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير ابن عطية\" (٥/ ٣٦٤)، و\"زاد المسير\" (٤/ ٣٣٥)، و\"تفسير القرطبي\" (٢١/ ٢١٨).","vol":"4","page":2181},{"text":"* قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤ - ٢٥].\nذكَر اللَّهُ النفقةَ، وأنَّها أَخَصُّ صفاتِ المؤمنينَ المصلِّين، فذكَر الزكاةَ بعدَ الصلاةِ، وأكثَرُ أركانِ الإسلامِ -بعدَ الشهادتَيْنِ- تلازُمًا في الكتابِ والسُّنَّة: الصلاةُ والزكاةُ.\nولم يُطْلِقِ اللَّهُ فضلَ الصدَقةِ هنا؛ وإنَّما خَصَّ اللَّهُ الذين يُنفِقونَ للسائلِ والمَحرومِ، وفيه شِدَّةُ التحرِّي على مَن يُنفَقُ عليه، وتفاوُتُ مَواضعِ الصدَقةِ، فالصَّدَقاتُ تتفاضلُ مِن جهاتٍ متعدِّدةٍ؛ منها مِن جهةِ صاحِبِها؛ فأعظَمُها أنفَسُها عندَه، ومِن جهةِ الفقيرِ ونفعِهِ بها وأثرِها على الناسِ في زمنِ الشِّدَّةِ والفقرِ والفاقةِ.\nوالسائلُ: مَن طَلَبَ إلى الناسِ سَدَّ حاجتِه، وقد نَصَّ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ على أنَّ السائلَ لو كانَ صادقًا لم يُفْلِحُ مَن رَدَّهُ.\nوالمحرومُ: هو المُحارَفُ الذي فيه قُوَّةٌ ولكنَّه لا يَجِدُ عملًا يَتكسَّبُ منه، وقد تقدَّم الكلامُ عليه في أثناءِ تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠].\n* * *\n\n* قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المعارج: ٢٩ - ٣١].\nمدَح اللَّهُ المصلِّينَ والمنفِقِينَ والذين يَخشَوْنَ ربَّهم ويَحفَظونَ","vol":"4","page":2182},{"text":"فُرُوجَهم، وقد تقدَّم الكلامُ على ما تضمَّنَتْهُ هذه الآيةُ مِن حُكْمِ حِفْظِ الفَرْجِ مِن جميعِ ما يحرُمُ عليه، عندَ نظيرتِها في صَدْرِ سورةِ المؤمنونَ.\n* * *","vol":"4","page":2183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1333>سورة المزمل</span>\nسورةُ المُزَّمِّلِ سورةٌ مكيَّةٌ، ولم يُختلَفْ في ذلك (١)، وكانتْ خطابًا للنبيِّ -ﷺ- في مكةَ في بدايةِ نزولِ الوحي عليه، إلَّا قولَهُ تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠]، فقد تأخَّرَ نزولُهُ عن أولِ السُّورةِ على خلافٍ في موضعِه؛ فقيل: بمكةَ، وقيل: بالمدينةِ؛ كما قالَهُ ابنُ عبَّاسٍ (٢) وعطاءٌ، وفي هذه السُّورةِ توجيهُ النبيِّ -ﷺ- إلى العبادةِ، وصِفةُ التعامُلِ مع الوحي المنزَّلِ عليه.\n* قال اللَّه تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٢ - ٤].\nأمَر اللَّهُ نبيَّه بقيامِ الليلِ وهو ما زال بمَكَّةَ وفي أولِ نزولِ الوحي؛ وهذا يدُلُّ على فضلِ صلاةِ الليلِ وعبادةِ الخَلَواتِ؛ فهي مِن أعظَمِ المثبِّتاتِ للعبدِ، وما مِن نبيٍّ مِن الأنبياءِ إلَّا أمَره اللَّهُ بالعبادةِ قبلَ الرِّسالةِ؛ لأنَّ الأصلاحَ يَتْبَعُهُ شِدَّةٌ، والشِّدَّةُ تحتاجُ إلى ثَباتٍ، ولا يُثبِّتُ المُصلِحَ شيءٌ كتقويةِ صِلَتِه باللَّهِ بالعبادةِ؛ ولهذا قال اللَّهُ لنبيِّه: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ثمَّ بيَّن سببَ ذلك: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥].\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير ابن عطية\" (٥/ ٣٨٦)، و\"زاد المسير\" (٤/ ٣٥٢)، و\"تفسير القرطبي\" (٢١/ ٣١٣).\n(٢) ينظر: \"تفسير الماوردي\" (٦/ ١٢٤)، و\"زاد المسير\" (٤/ ٣٥٢)، و\"تفسير القرطبي\" (٢١/ ٣١٣)، و\"الدر المنثور\" (١٥/ ٣٥).","vol":"4","page":2185},{"text":"وصلاةُ الليلِ أفضلُ النوافلِ؛ كما قال -ﷺ-: (أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ: الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ) (١)، وإنَّما فضَّل اللَّهُ نافلةَ الليلِ على بقيَّةِ النوافلِ لأمورٍ؛ أعظَمُها:\nالأولُ: أنَّ الليلَ هو وقتُ نزولِ الخالقِ سبحانَهُ إلى السماءِ الدُّنيا، ويبسُطُ يدَهُ ويستجيبُ لمَن دعاهُ أسرَعَ وأعظَمَ مِن بقيَّةِ الأوقاتِ؛ كما في الصحيح، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللَّهِ -ﷺ-؛ قال: (يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ، فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَنَا المَلِكُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ فلا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ) (٢).\nالثاني: أنَّ الليلَ محلُّ غفلةِ الناسِ وغفوتِهم، والعبادةُ فيه يخلو بها العبدُ بربِّه؛ وهذا أعظَمُ في خُلُوِّ القلبِ وتجرُّدِه وصِدْقِ لجوئِهِ إلى ربِّه، وعبادةُ الخَفَاءِ أعظَمُ مِن عبادةِ العَلَانِيَةِ، ولا يكادُ يشوبُ عبادةَ قيامِ الليلِ رِياءٌ وسُمْعةٌ كما يشوبُ عبادةَ العلانيَةِ في النهارِ.\nالثالثُ: أنَّ في قيامِ الليلِ تثبيتًا للعبدِ وعونًا له مِن ربِّه أشَدَّ مِن غيرِه مِن العباداتِ؛ ولهذا جعَلَهُ اللَّهُ لنبيِّه أولَ أمرٍ في تعبُّدِه لربِّه مِن أركانِ أعمالِهِ.\nوقولُه تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾، فيه: أنَّه لا يُشرَعُ قيامُ الليلِ كاملًا، فلم يَشرَعْهُ اللَّهُ لنبيِّه -ﷺ- ولا لغيرِه؛ حيثُ إنَّ اللَّهَ جعَلَ الليلَ سُباتًا ومَنَامًا وسَكَنًا، وفطَرَ البشرَ على ذلك، ويُستثنى مِن ذلك ما كان اعتراضًا كالأزمِنةِ الفاضلةِ؛ كالعَشْرِ الأواخرِ مِن رمضانَ.\nوفي \"الصحيحَيْنِ\" قصةُ النَّفَرِ الثلاثةِ الذين سألوا عن عبادةِ النبيِّ -ﷺ-، وأنَّهم تَقَالُّوها حتى إنَّ أحدَهم قال: أنا أقومُ ولا أنامُ، فقال\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١١٦٣).\n(٢) أخرجه مسلم (٧٥٨).","vol":"4","page":2186},{"text":"النبيُّ -ﷺ-: (لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ. . . فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي) (١).\nقولُه تعالى: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾: السُّنَّةُ في قيامِ الليلِ: عدمُ قيامِهِ كلِّه؛ وإنَّما يقومُ بعضَه، وأفضَلُهُ آخِرُه، والسُّنَّةُ: أن ينامَ أولَهُ ويقومَ في نصفِهِ الأخيرِ قَدْرَ الثُّلُثِ منه؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"؛ مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عن النبيِّ -ﷺ-؛ أنَّه قال: (أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ ﵇، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، ويَصُومُ يَوْمًا، وَيُفطِرُ يَوْمًا) (٢).\nوقد كان النبيُّ -ﷺ- ينامُ أولَ الليلِ حتى ينتصِفَ، وقد جاء ذلك في أحاديثَ كثِيرةٍ، ومنها: ما رواهُ ابن عبَّاسٍ في مَبِيتِه عندَ خالتِه ميمونةَ، وفيه قال: \"نَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ -أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيِلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ- ثُمَّ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَجَلَسَ، فَمَسَحَ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ آيَاتٍ خَوَاتِيمَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ معَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي\" (٣).\nوفيهما: أنَّه كان يقومُ إذا سَمِعَ الصارخَ، كما روى مسروقٌ قال: سألتُ عائشةَ -﵂-: أيُّ العملِ كان أَحَبَّ إلى النبيِّ -ﷺ-؟ قالتِ: الدَّائِمُ، قال: قلتْ: فأيَّ حينٍ كان يقومُ؟ قالت: \"كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ\" (٤)، والمرادُ بذلك هو صِياحُ الدِّيكِ.\nوأولُ ما يَصرُخُ الدِّيكُ نصفُ الليلِ غالبًا، وربَّما قبلَهُ بقليلٍ، وقد رَوى أحمدُ، وأبو داودَ، عن زيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنِيِّ؛ أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال:\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١)؛ من حديث أنسٍ -﵁-.\n(٢) أخرجه البخاري (١١٣١)، ومسلم (١٨٩/ ١١٥٩).\n(٣) أخرجه البخاري (١١٩٨)، ومسلم (٧٦٣).\n(٤) أخرجه البخاري (١١٣٢)، ومسلم (٧٤١).","vol":"4","page":2187},{"text":"(لَا تَسُبُّوا الدِّيكَ؛ فَاِنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلَاةِ) (١).\nويُستحَبُّ أنْ يكونَ الوِتْرُ آخِرَ الليلِ، وإنْ أوتَرَ أيَّ وقتٍ منه، فلا حرَجَ؛ كما رَوى مسروقٌ؛ قال: قلتُ لعائشةَ: متى كان يُوتِرُ رسول اللَّهِ -ﷺ-؟ قالتْ: \"كُلَّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَ؛ أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَوَسَطَهُ، وَآخِرَهُ، وَلَكِنِ انْتَهَى وِتْرُهُ حِينَ مَاتَ إِلَى السَّحَرِ\" (٢).\n* * *\n\n* قال اللَّه تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠].\nأمَر اللَّهُ نبيَّه بقيام الليلِ في صَدْرِ السورةِ؛ تثبيتًا له عندَ الشدائدِ وما يَلْقاهُ مِن قومِه مِن شِدَّةٍ؛ فإنَّ أعظَمَ الحبالِ مع الخالقِ يَنسِجُها العبدُ بالعبوديَّةِ للَّهِ تُثبِّتُهُ وتُقوِّيهِ وتُنجِيهِ ويَكفِيهِ بها اللَّهُ، ثمَّ أمَرَ اللَّهُ نبيَّه بالصبرِ على ما يراهُ ويسمعُهُ ويجدُهُ منهم مِن الأذى.\nوقولُه: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾: أمَر اللَّه نبيَّه بمُفارَقةِ المشرِكِينَ، والبُعْدِ عنهم، وعدمِ مقابلةِ أذاهم بمِثْلِه، وقد قال بعضُ السلفِ كقتادةَ: \"إنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ يسورةِ براءةَ؛ حيثُ أمَر اللَّهُ بقتالِهم\" (٣)، ومَن كانتْ حالُه كحالِ النبيِّ -ﷺ- حالَ نزولِها، فحُكمُهُ كحُكْمِه، وإنَّما قال قتادةُ بالنَّسْخِ؛ لأنَّ حالَ النبيِّ -ﷺ- تغيَّرتْ، فتغيَّرَ الحُكْمُ تَبَعًا لذلك، ولم يَرفَعِ اللَّهُ حُكْمَ الهَجْرِ الجميلِ بذاتِهِ عندَ الحاجةِ إليه، وقد تقدَّم الكلامُ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ١٩٢)، وأبو داود (٥١٠١)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١٠٧١٥).\n(٢) أخرجه البخاري (٩٩٦)، ومسلم (٧٤٥)، وأبو داود (١٤٣٥)؛ واللفظ له.\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٣٨٠).","vol":"4","page":2188},{"text":"على مسألةِ الهَجْر وأحوالِهِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١].\n* * *\n\n* قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠].\nكان النبيُّ -ﷺ- ومَنْ معه مِن أصحابِه يقومونَ تارةً ثُلُثَي الليلِ، وتارةً نِصْفَه، وتارةً ثُلُثَه؛ وذلك لمَّا أمَر اللَّهُ له ابتداءً، وقد لَقِيَ الصحابةُ مِن ذلك شِدَّةَ ومشقَّةً، فخفَّف اللَّهُ عنهم في ذلك، وجعَلَ قَدْرَ ما يقومونَهُ بحسَبِ ما تيسَّرَ لهم مِن غيرِ أمرٍ، وقد رَوَى سعدُ بن هشامٍ؛ قال: انْطَلَقْنَا إِلَى عَائِشَةَ، فَاسْتَأْذَنَّا عَلَيْهَا، فَدَخَلْنَا، قُلْتُ: أَنِبِئنِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَتْ: \"أَلَسْتَ تَقْرَأ هَذِهِ السُّورَةَ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]؟ \"، قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: \"فَإِنَّ اللَّهَ افتَرَضَ القيامَ فِي أَوَّلِ هَذ السُّورَةِ، فَقَامَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا، حَتَّى انْتَفَحَتْ أَقدَامُهُمْ، وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا اثنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ ﷿ التَّخفِيفَ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ\" (١).\nوالتخفيفُ ظاهرٌ في الآيةِ في قولِه تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٧٤٦)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١١٥٦٣)؛ واللفظ له.","vol":"4","page":2189},{"text":"عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، فذكَر القرآنَ؛ لأنَّه هو أطولُ ما بصلاةِ الليلِ، وتُسمَّى الصلاةُ قرآنًا؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، ويُسمَّى القرآنُ صلاة كذلك؛ كما في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]؛ يعني: قراءتَك.\nودَلَّ على وجوبِ قيامِ الليلِ أولَ الأمرِ قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾، والمرادُ بالإحصاءِ: الطاقةُ، ثمَّ رفَع الحرَجَ بالتوبةِ على التارِكِ.\nوقد بيَّن اللَّهُ سببَ عُذْرِهِ لعِبادِهِ بذلك في قولِهِ: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ وذلك لأنَّ مِن الناسِ مَنْ يكونُ مريضًا أو يحتاجُ إلى نشاطٍ في نهارِه ليتكسَّبَ ويطلُبَ الرِّزْقَ، وطولُ قيامِهِ الليلَ يُزاحِمُ نشاطَهُ في النهارِ.\nوإسقاطُ اللَّهِ لنافلةِ الليلِ لا يُسقِطُ فريضةَ الصلاةِ، وحتى لا يُظَنَّ ذلك قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾؛ يعني: الفريضةَ.\nثمَّ رغَّب اللَّهُ في تقديمِ العملِ الصالحِ وعدمِ التكاسُلِ عنه، فهو قرضٌ يكونُ وفاؤُهُ يومَ القيامةِ بعظيمِ الأجرِ والثوابِ؛ كما قال: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n* * *","vol":"4","page":2190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1334>سورة المدثر</span>\nسُوْرَةُ المُدَّثِّر سورةٌ مكيَّةٌ باتِّفاقِهم (١)، وقد نزَلت بعدَ سورةِ \"اقرَأْ\"، وفي البخاريِّ ومسلم؛ أنَّ جابرًا عَدَّها أولَ شيءٍ: نزَلَ (٢)، والأكثرُ على أنَّها نزَلت بعدَ \"اقرَأْ\"، وقد روى جابرٌ -﵁-؛ قال: إنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: (بَيْنَا أنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَجُئِثتُ مِنْهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: زَمِّلُوني زَمِّلوني، فَدَثَّرُوني؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾) (٣).\nوفي السورةِ: بدايةُ البعثِ وإرسالِ النبيِّ -ﷺ- إلى قومِه، وفيها وصايا مِن اللَّهِ له قبلَ رسالتِهِ ومعها ممَّا يُعِينُهُ على مَرْضاةِ اللَّه ويُثبِّتُهُ على أمرِهِ ونهيِه، وفيها تذكيرٌ بالآخرةِ وتزهيدٌ في المكذِّبينَ لها وتحقيرٌ لحُجَجِهم وأهوائِهم، وفي هذا تثبيثٌ للدَّاعي على دَعْوتِه؛ أنْ يَعلَمَ قَدْرَ مَن يُقابِلُهُ، وعِظَمَ عاقبةِ النبيِّ وسوءَ عاقبةِ عدوِّه.\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير ابن عطية\" (٥/ ٣٩٢)، و\"زاد المسير\" (٤/ ٣٥٨)، و\"تفسير القرطبي\" (٢١/ ٣٥٤).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٩٢٤)، ومسلم (١٦١/ ٢٥٧).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٩٢٥).","vol":"4","page":2191},{"text":"* قال اللَّه تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤].\nأمَر اللَّهُ نبيَّه بالنِّذارةِ بقولِه: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢]، ثمَّ أمَرهُ بتطهيرِ ثيابِه، وحمَلَ عامةُ المفسِّرينَ مِن السلفِ تطهيرَ الثيابِ على التطهيرِ المعنويِّ، فيجبُ تطهيرُ الثيابِ مِن الإثمِ والحرامِ، والجوارحِ مِن أعمالِ السُّوءِ، وقد كانتِ العربُ تسمِّي الغادرَ دَنِس الثيابِ؛ يقولُ غَيلَانُ بن سَلَمة:\nوَإِنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لَا ثَوبَ فَاجِرٍ ... لَبِسْتُ وَلَا مِنْ غَدْرَةٍ أَتَقَنَّعُ (١)\nوقلةٌ مِن السلفِ كابنِ سِيرينَ (٢) حمَلُوهُ على تطهيرِ الثيابِ بالماءِ مِن الأنجاسِ والأقذارِ؛ وبهذا القولِ قال الشافعيُّ، ولفظُ التطهيرِ يَحتملُهُ هنا مِن جهةِ اللُّغةِ، لا مِن جهةِ الوضعِ.\nوقد استدَلَّ بعضُ الفقهاءِ كالشافعيِّ بهذه الآيةِ على وجوبِ تطهيرِ الثيابِ مِن النجاساتِ، وقد اختلَفَ العلماءُ في وجوبِ تطهيرِ الثوبِ مِن النَّجَسِ للصلاةِ على قولَيْنِ، وهما قولانِ في مذهبِ مالكٍ:\nقيل: إنَّ التطهيرَ سُنَّةٌ للصلاةِ ليس بواجبٍ لها؛ وإنَّما هو مِن تمامِها وكمالِها، ومَن صلَّى بلِباسٍ غيرِ طاهرٍ، فصلاتُهُ صحيحةٌ؛ وذلك أنَّ مَن صلَّى بالاستجمارِ مِن غيرِ غَسْلِ للمَحَلِّ، فإنَّ صلاتَهُ صحيحةٌ، مع القطعِ بوجودِ شيءٍ مِن النَّجَسِ الذي يُمكِنُ إزالتُهُ بالاستنجاءِ بالماءِ.\nوقال جماعةٌ مِن الفقهاءِ -وهو قولُ الشافعيِّ وأحمدَ-: إنَّه يجبُ تطهيرُها؛ لفعلِ النبيِّ -ﷺ- حينَما خلَعَ نَعْلَيهِ وهو في الصلاةِ لمَّا أنبَأَهُ جبريلُ أنَّ بهما قَذَرًا؛ كما روى أبو داودَ؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٤٠٥).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٤٠٩).","vol":"4","page":2192},{"text":"الخُدْرِيِّ -﵁-؛ قال: بَينَمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ، إِذ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فلَمَّا رَأَى ذَلِكَ القَوْمُ، أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسولُ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاتَهُ، قَالَ: (مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟)، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ، فَأَلْقَينَا نِعَالَنا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: (إِنَّ جِبْرِيلَ -ﷺ- أَتَانِي فَأَخبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا -أَوْ قَالَ: أَذًى-)، وَقَالَ: (إِذَا جَاء أَحَدُكُمْ إِلَى المَسجِدِ، فَلْيَنْظُرْ: فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى، فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا) (١).\nوأمَّا الاستجمارُ، فهذا تخفيفٌ مِن الشارعِ في شيءٍ لا ينبغي أن يُنقَضَ به الأصلُ؛ وذلك أنَّ التخفيفَ فيه كتخفيفِ الشارعِ في بولِ الغلامِ، وتخفيفُهُ لا يَعني حَمْلَ غيرِهِ عليه، ولا أنَّه في ذاتِهِ طاهرٌ.\nوالتخفيفُ في الاستجمارِ أظهَرُ في الحاجةِ مِن التخفيفِ في بولِ الغلامِ؛ لعموم البَلْوَى به مِن كلِّ أحدٍ، والتيسيرُ فيه رحمةٌ ويُسْرٌ؛ دفعًا للحرَجِ والمشقَّةِ، وهي مِن جنسِ العَرَايَا في البيوعِ، وإباحتُها لا يعني نَقْضَ الأصلِ بها؛ ولكنَّها تُحمَل على التيسيرِ والتخفيفِ.\n* * *\n\n* قال اللَّه تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥].\nبعدَما أمَرَ اللَّهُ نبيَّه بتطهيرِ ظاهرِهِ مِن الأعمالِ التي لا يُحِبُّها اللَّهُ، أمَرَهُ بمفارَقهِ بِقَاعِها، وهي الأصنامُ وأماكنُها، والمرادُ بالرَّجْزِ هي أصنامُهم وأوثانُهم؛ وذلك أنَّ مفارَقةَ العملِ السيِّئِ لا تتمُّ إلَّا بمفارَقةِ أماكِنهِ التي يُقامُ فيها؛ فإنَّ إنكارَ المُنكَرِ لا يكونُ مع مخالطِته بلا حاجةٍ ولا ضرورةٍ.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣/ ٩٢)، وأبو داود (٦٥٠).","vol":"4","page":2193},{"text":"وقد تقدَّم الكلامُ على الهَجْرِ وأحوالِهِ عندَ قولهِ تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، وفي العقيدةِ \"الخراسانيَّةِ\" كلامٌ حولَ ذلك.\n* * *","vol":"4","page":2194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1335>سورة القيامة</span>\nسُورَةُ القِيامَةِ سورةٌ مكيَّةٌ بإجماعِ السلفِ (١)، وقد نصَّ على مكيَّتِها ابنُ عبَّاسٍ وابنُ الزُّبَيْرِ وغيرُهما (٢)، وفيها تذكيرٌ بالقيامةِ والصوارفِ عنها، والتذكيرُ بعظَمةِ اللَّهِ وخَلْقِهِ وتدبيرِهِ وإبداعِ صُنْعِهِ للإنسانِ وجميعِ المخلوقاتِ، وفيها وصايَا لنبيِّه في التعامُلِ مع الوحي في نفسِهِ وبلاغِهِ لغيرِه، وتذكيرٌ بالموتِ والاحتضارِ وما بعدَهُ؛ فمَن عرَفَ العاقِبةَ، لم يَحمِلْ همَّ السبيلِ.\n* * *\n\n* قال اللَّه تعالى: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة: ٢٧].\nذكَر اللَّهُ احتضارَ الميِّتِ ودُنُوَّ أجَلِهِ وحضورَ الملائكةِ لقَبْضِه.\nومِن السلفِ: مَن حمَلَ قولَه: ﴿رَاقٍ﴾ على أنَّه إخبارٌ عن كلامِ المَلَكِ بعضِهم لبعضٍ، ومرادُهم الذي يَرْقَى برُوحِهِ منهم؛ وهذا مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ (٣).\nورُوِيَ أنَّ المرادَ بذلك الرَّاقِي الذي يَرْقِيهِ ويُداوِيهِ؛ وهذا مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ أيضًا وعِكْرِمةَ (٤).\n_________\n(١) \"تفسير ابن عطية\" (٥/ ٤٠١)، و\"زاد المسير\" (٤/ ٣٦٨).\n(٢) \"الدر المنثور\" (١٥/ ٩٥).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٥١٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١٠/ ٣٣٨٨).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٥١٣)، و\"تفسير ابن كثير\" (٨/ ٢٨٢).","vol":"4","page":2195},{"text":"وقيل: المرادُ به الطبيبُ؛ كما قالهُ ابن عبَّاسٍ وأبو قِلابةَ والضحَّاكُ وقتادةُ (١).\nومنهم: مَن حمَلَهُ على الرَّاقِي والطبيبِ، والعربُ تُسمِّي الطبيبَ راقيًا، والراقيَ بالذِّكرِ طبِيبًا.\nوذِكرُ الرَّاقي والطبيبِ المعالِجِ عندَ الاحتضارِ مِن بابِ اليأسِ وأنَّه لا يَنفَعُ؛ ومِن ذلك قولُ الشاعرِ:\nهَلْ لِلْفَتَى منْ بَنَاتِ الدَّهْرِ مِنْ وَاقِي ... أَمْ هَلْ لَهُ مِنْ حِمَامِ المَوْتِ مِنْ رَاقِي؟ ! (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1336>حُكْمُ الرُّقْيَةِ:</span>\nوالآية تَحتمِلُ المعنَييْنِ جميعًا، وفيها على المعنى الثاني دليلٌ على جوازِ التطبُّبِ ومشْروعيَّةِ الرُّقْيةِ عندَ المرضِ، وقد رَقَى النبيُّ -ﷺ- ورُقِيَ، ولم يَسْتَرقِ لنفسِه، وقد سمَّى النبيُّ -ﷺ- الرُّقيةَ نفعًا، وحَثَّ على بَذْلِها لمَن كان عارفًا بها ووجَدَ أثرًا على غيرِهِ منه، وقد رَوَى مسلمٌ؛ مِن حديثِ جابرٍ؛ قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الرُّقَى، فَجَاءَ آلُ عَمْرو بنِ حَزْمِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ كَانَتْ عِندَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ، وَإِنَّكَ نَهَيْتَ عَن الرُّقَى، قَالَ: فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: (مَا أَرَى بَأْسًا، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ، فَلْيَنْفَعْهُ) (٣).\nولا تجوزُ الرُّقيةُ بالشِّرْكِ وما لا يُعرَفُ لفظُهُ ولا معناه، وقد رَوَى عوفُ بنُ مالكٍ مرفوعًا: (اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ) (٤).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٥١٣ - ٥١٤)، و\"تفسير القرطبي\" (٢١/ ٤٣٤).\n(٢) البيت ليزيد بن خَذَّاق في \"الشعر والشعراء\" لابن قتيبة (ص ٣٨٦)، و\"جمهرة الأمثال\" لأبي هلال العسكري (٢/ ٣٥٩)، ونسب خطأً في \"المفضَّليات\" (ص ٣٠٠) للممزَّق العبدي؛ كما أشار إلى ذلك العلامة أحمد شاكر.\n(٣) أخرجه مسلم (٢١٩٩).\n(٤) أخرجه مسلم (٢٢٠٠).","vol":"4","page":2196},{"text":"ولا يُشرَعُ أن يُنصِّبَ الإنسانُ نفسَهُ متفرِّغَا للرُّقيةِ كما يتفرَّغ المؤذِّنُ للأذانِ، والإمامُ للإمامةِ، ولم يكنِ السلفُ يَفْعَلونَ ذلك، بل ولا يَستحبُّونَهُ، وهذا يُورِثُ تعلُّقًا بالرَّاقي، وضَعْفًا في التعلُّقِ بكلامِ اللَّهِ، وقد طلبَ رجلٌ إلى سعدِ أبي وقَّاصٍ أن يَرقِيَه، فقال له سعدٌ: أجعلْتَني نبيًّا؟ ! ارْقِ نفسَك.\nولم يكنِ السلفُ يَضْرِبونَ لِمَنْ يأتيهِم مِن المَرْضى آجالًا يتعاهَدونَهم بالزيارةِ لرُقْيَتِهم، وإنْ قَبِلوا ذلك على سبيلِ الاعتراضِ، لا على سبيلِ الانتصابِ لذلك.\nولم يَستَرْقِ النبيُّ -ﷺ- لنفسِه، وقد أذِنَ لغيرِهِ أنْ يَسترقِيَ لغيرِه، وحَثَّ المحتاجَ على ذلك؛ كما في البخاريِّ ومسلمٍ؛ مِن حديثِ أمِّ سلَمةَ -﵂-؛ أنَّ النبيَّ -ﷺ- رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ، فقال: (اسْتَرْقُوا لَهَا؛ فَإِنَّ بِهَا النَّظرَةَ\") (١).\nوفَرْقٌ بينَ طلبِ الإنسانِ الرُّقْيةَ لنفسِهِ وبينَ طلبِهِ لغيرِه مِن ولدٍ وزوجةٍ، وإنَّما فضَّل النبيُّ -ﷺ- عدمَ طلبِ الرُّقيةِ؛ لأنَّ اعتاد ذلك ينافي التوكُّل.\nويُشرَعُ مع الرُّقيةِ النَّفْثُ على المريضِ؛ لِمَا روتْ عائشةُ؛ أنَّ النبيَّ -ﷺ - كان ينفُثُ في رُقْيَتِه، وأصلُه في \"الصحيحَيْنِ\" (٢)؛ وعندَهما أيضًا مِن حديثِ جابرٍ.\nوقد ثبَت التَّفْلُ في السُّنَّة؛ كما في \"الصحيحَيْنِ\"، مِن حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، وفيه قال: فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ، وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفِلُ، فَبَرَأَ، فَأَتَوْا بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لا نَأْخُذُهُ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَسَأَلُوهُ،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٧٣٩)، ومسلم (٢١٩٧).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٤٣٩)، ومسلم (٢١٩٢).","vol":"4","page":2197},{"text":"فَضَحِكَ وَقَالَ: (وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ! خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ) (١).\nوجاء التَّفلُ مع القراءةِ في أحاديثَ، وجاء التفلُ بدونِ القراءةِ، وجاءتِ القراءةُ بدونِ تَفْلٍ ولا نَفْثٍ ولا نفخٍ، ولكنْ لا يُتبرَّكُ بِرِيقِ أحدٍ وحدَهُ بلا قراءةٍ إلَّا النبيَّ -ﷺ-.\nوثَمَّةَ فرقٌ بين النَّفْثِ والتَّفْلِ والنَّفْخِ؛ فالنَّفْثُ: ما كان الأصلُ فيه الهواءَ، والرِّيقُ فيه تبَعٌ، وأمَّا التَّفْلُ: فما كان فيه إخراجُ الرِّيقِ، والهواءُ فيه تبَعٌ، وأمَّا النَّفْخُ: فهو إخراجُ الهواءِ بلا رِيقٍ.\nوقد كَرِهَ بعضُ السلفِ النفثَ والتفلَ في الرُّقْيةِ؛ كعِكْرِمةَ وجماعةٍ مِن العراقيِّين، وبعضُهم يَكْرَهُ النفثَ، ويُجيزُ النفخَ؛ كالأَسْوَدِ؛ ولكنَّ السُّنَّةَ صريحةٌ في مشروعيَّةِ ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1337>حُكْمُ التداوي مِن المرضِ:</span>\nوالآية دالَّةٌ على جوازِ التداوي بالمُبَاحِ مِن المرضِ بلا خلافٍ؛ وإنَّما الخلافُ عندَهم في التفاضُلِ بينَ تَرْكِه وفِعْلِه:\nوجمهورُ العلماءِ: على أنَّ التداويَ مباحٌ.\nوذهَبَ الشافعيَّةُ -وهو قولُ جماعةٍ مِن أصحابِنا أصحابِ أحمدَ؛ كابنِ عَقِيلٍ وأبي الفَرَجِ-: أنَّه مستحَبٌّ، وقد سأل الصحابةُ النبيَّ -ﷺ- عن التداوي؟ فقال: (تَدَاوَوْا؛ فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ؛ الْهَرَمُ) (٢).\nوجمهورُ الأصحاب: على أنَّ تَرْكَ التداوي أفضَلُ؛ وذلك لأنَّه أحفَظُ للتوكُّلِ على اللَّهِ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٧٣٦)، ومسلم (٢٢٠١).\n(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٢٧٨)، وأبو داود (٣٨٥٥)، والترمذي (٢٠٣٨)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٧٥١١)، وابن ماجه (٣٤٣٦).","vol":"4","page":2198},{"text":"وتفاضُلُ التداوي يُعرَفُ بالنظرِ إلى جهاتٍ متعدِّدةٍ؛ منها: النظرُ إلى المرضِ وطُولِهِ وقِصَرِه، وإمكانِ الشِّفَاءِ أو اليأسِ منه.\nومنها: النظرُ إلى أثرِه على دِينِ العبدِ؛ وذلك أنَّ التداويَ له أثرٌ على توكُّلِ العبدِ وتعلُّقِه باللَّه.\nومنها: النظرُ إلى الأثرِ المتعدِّي على غيرِه كالناسِ وأهلِه.\nأمَّا مِن جهةِ النظرِ إلى عَيْنِ المرضِ: فمِن الأمراضِ ما يرتفِعُ بلا دواءٍ وإن طال وقتُهُ، فهذا الصبرُ عليه أفضَلُ، ومثلُه إن كان المرضُ غالبًا أنَّه لا يُشْفَى منه؛ فترك التداوي أفضَلُ مِن طلبِه، ما لم يُفوِّتْ تركُ التداوي مصلحةَ في دِينِ العبدِ أو دُنياهُ راجحةً على قعودِه.\nوأمَّا مِن جهةِ النظرِ إلى أثرِه على العبدِ: فذلك أنَّه كلَّما كان أثرُ تَداويهِ على دِينِه ودينِ الناسِ أفضَلَ، كان التداوي في حقِّه أفضَلَ، وذلك كحالِ الرجلِ في الغزوِ الذي يَمرَضُ ولو ترَكَ التداويَ، لَلَحِقَ المُسلِمِينَ بتركِه ضُرٌّ، فتَداويهِ أولى وآكَدُ، ومِثلُه في العِلْمِ والإصلاحِ وحاجةِ الأهلِ والولدِ وتفرُّدِ المريضِ بقضائِها.\nومَن إذا ترَكَ التداويَ، تأثَّرَ في دِينِهِ وضعُف؛ كأنْ يطولَ قعودُهُ عن النوافلِ وقيامِ الليلِ والصَّدَقةِ؛ فإنَّ القلبَ يَستوحِشُ مِن قِلَّةِ الطاعاتِ إنْ طال وقتُ تركِ العبدِ لها ولو كان معذورًا؛ فهذا التداوي له أفضَلُ.\nوذهَبَ بعضُ الحنابلةِ: إلى وجوبِ التداوي إن أمكَنَ الشفاءُ.\nوإيجابُ التداوي ليس مِن قولِ السلفِ؛ وإنَّما هو لبعضِ الفقهاءِ المتأخِّرِين.\n* * *","vol":"4","page":2199},{"text":"* قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩].\nذكَر اللَّهُ حالَ الاحتضارِ والإشْرافِ على مغادَرةِ الدُّنيا، والإقبالِ على الآخِرةِ، وقال ابنُ عبَّاسٍ: \"إنَّ معنى ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾: آخِرُ يومٍ مِى أيامِ الدُّنيا، وأولُ يومٍ مِن أيامِ الآخِرةِ؛ فتَلتقِي الشِّدَّةُ بالشِّدَّةِ إلَّا مَن رحِم اللَّهُ\" (١)؛ وبنحوِه قال مجاهِدٌ وقتادةُ (٢).\nوقد قال الضحَّاكُ: \"أهلُ الدُّنيا يُجهِّزونَ الجسدَ، وأهلُ الآخِرةِ يُجهِّزونَ الرُّوحَ\" (٣).\nوبهذا قال أكثرُ السلفِ، وقد قال ابنُ زيدٍ: \"لا نشُكُّ أنَّها ساقُ الآخرةِ، وقرَأَ: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: ٣٠]؛ قال: لمَّا التفَّتِ الآخِرةُ بالدُّنيا، كان المَسَاقُ إلى اللَّهِ\" (٤).\nوحمَلَهُ ابنُ المسيَّبِ والشَّعْبيُّ والحسنُ والسُّدِّيُّ: على التفافِ الساقَيْنِ على الحقيقةِ؛ وهذا قولٌ لقتادةَ (٥).\nوكلا المعنيَيْنِ تَحتمِلُهُ بلاغةُ القرآنِ، وفيها على المعنى الثاني مشروعيَّةُ تكفينِ الميِّتِ وتجهيزِه، وذلك مشروعٌ بلا خلافٍ، وهو مِن فروضِ الكفايةِ.\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٥١٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١٠/ ٣٣٨٨).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٥١٦).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٥١٧).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٥١٨).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٥١٩ - ٥٢١)، و\"تفسير القرطبي\" (٢١/ ٤٣٥).","vol":"4","page":2200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1338>سورة الإنسان</span>\nقد اختُلِفَ في نزولِ سورةِ الإنسانِ؛ فمِن السلفِ: مَن قال بمكيَّتِها، ومنهم: مَن قال بمدَنيَّتِها، ومنهم: مَن جعَل منها المكيَّ ومنها المدَنيَّ (١)، وقد بيَّن اللَّهُ فيها خَلْقَ الإنسانِ ونشأتَهُ وضَعْفَ خَلْقِه، وحالَهُ في الدُّنيا، وعاقِبتهُ في الآخِرةِ بينَ السعادةِ والشقاوةِ، وبينَ الجنةِ والنارِ.\n* * *\n\n* قال اللَّه تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨].\nذكَر اللَّهُ مِن صفاتِ أهلِ الجنةِ إطعامَ الطعامِ وهم يُحِبُّونَه، فيُنفِقونَ مِن نفيسِ مالِهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، وبعضُ السلفِ جعَلَ الآيةَ فيمن يُتألَّفُ مِن الكفارِ.\nوفي هذه الآيةِ: فضلُ إطعامِ الأسيرِ والإحسانِ إليه والرِّفْقِ به، وقد تقدَّم الكلامُ على التعامُلِ مع الأسيرِ وأحكامِهِ عندَ قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٤].\n* * *\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير ابن عطية\" (٥/ ٤٠٨)، و\"زاد المسير\" (٤/ ٣٧٤)، و\"تفسير القرطبي\" (٢١/ ٤٤٣)، و\"الدر المنثور\" (١٥/ ١٤٢).","vol":"4","page":2201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1339>سورة عبس</span>\nسورةُ عَبَسَ سورةٌ مكيَّةٌ؛ قاله ابنُ عبَّاسٍ (١)، وقد حُكِيَ الإجماعُ على ذلك (٢)، وتتضمَّنُ توجيهَ النبيِّ -ﷺ- في دَعْوَتِهِ وتعامُلِهِ مع أهلِ الاتِّباعِ وأهلِ العنادِ، وفيها تذكيرٌ بنعمةِ اللَّهِ على عبادِهِ وقدرتِه عليهم، وتذكيرٌ بالآخِرةِ والبعثِ والنُّشورِ وحالِ الناسِ فيها.\n* * *\n\n* قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١].\nقد تقدَّمَ الكلامُ على دفنِ المَوْتَى عندَ قولِه تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١].\n* * *\n_________\n(١) \"الدر المنثور\" (١٥/ ٢٣٩).\n(٢) ينظر: \"تفسير ابن عطية\" (٥/ ٤٣٦)، و\"زاد الميسر\" (٤/ ٣٩٩)، و\"تفسير القرطبي\" (٢٢/ ٣٦).","vol":"4","page":2203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1340>سورة الانفطار</span>\nسورةُ الانفطارِ سورةٌ مكيَّةٌ، وقد حُكِيَ الاتِّفاقُ على ذلك (١)، وتضمَّنَتِ التذكيرَ بالآخرةِ وأهوالِها، وعاقبةِ الفريقَيْنِ: أصحابِ النعيمِ، وأصحابِ الجحيمِ.\n* * *\n\n* قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤].\nفي هذا: أنَّ دَفْنَ المَوْتَى سُنَّةٌ فِطرِيَّةْ تجرِي عليها الأُمَمُ، فالأَصْلُ في الموتَى: الدَّفْنُ واتِّخاذُ القُبورِ لهم في كُلِّ الأُمَمِ والشرائِعِ السماويَّةِ، وقد تقدَّمَ في سورةِ المائدةِ الكلامُ على دفنِ الميِّتِ عندَ قولِه تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [٣١].\n* * *\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير ابن عطية\" (٥/ ٤٤٦)، و\"زاد المسير\" (٤/ ٤١٠)، و\"تفسير القرطبي\" (٢٢/ ١٢٠).","vol":"4","page":2205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1341>سورة المطففين</span>\nسُورَةُ المُطَفِّفِين، قيل: إنَّها نزَلَت بمكَّةَ؛ ورُوِيَ هذا عن ابنِ مسعودٍ، وقيل: بالمدينةِ؛ ورُوِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ، وقيل: إنَّ جزءًا منها بمكةَ والآخَرَ بالمدينةِ، على خلافٍ عندَهم في حَدِّ المدَنيِّ مِن المكيِّ منها، وقد عَدَّ ابنُ عبَّاسٍ أنَّ منها ثمان آياتٍ بمكةَ، وقيل غيرُ ذلك (١).\nوفي سُورةِ المُطَفِّفِينَ: تذكيرٌ بالحسابِ ودِقَّتِهِ على العبادِ، وذكَر اللَّهُ أحوالَ المُعانِدِينَ للحقِّ وأعمالَهُمْ، وعاقبةَ المُتَّقِينَ.\n* * *\n\n* قال اللَّه تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١ - ٣].\nأمَرَ اللَّهُ بالعدلِ عندَ البيعِ بالوزنِ والكَيْل، وعدمِ الظُّلْمِ في الأموالِ، وقيل: إنَّ هذا كان لأهلِ المدينةِ؛ ققد كانوا أهلَ تجارةٍ، ويقعُ فيهم الظُّلْمُ والغِشُّ؛ فنُهُوا عن ذلك، وقد رَوَى عِكرِمةً، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: \"لمَّا قَدِمَ النبيُّ -ﷺ- المدينةَ، كانوا مِن أخبَثِ الناسِ كَيلًا؛ فأنزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، فأحسَنُوا الكيلَ\" (٢).\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير ابن عطية\" (٥/ ٤٤٩)، و\"زاد المسير\" (٤/ ٤١٣)، و\"تفسير القرطبي\" (٢٢/ ١٢٨).\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٢٢٣)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١١٥٩٠).","vol":"4","page":2207},{"text":"وقد ذكَّر اللَّهُ أولئك بالبعثِ والنُّشورِ، وما فيه مِن دقيقِ الحسابِ على الظالمينَ ولو كاد شيئًا يسيرًا؛ وذلك في قولِه تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٤ - ٦].\nوقد تقدَّم معنا مِرارًا الكلامُ على حُرمةِ أكلِ أموالِ النَّاسِ بالباطلِ، في مواضِعَ؛ منها عندَ قولِه تعالى في سورةِ البقرة: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [١٨٨]، وقولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، وتقدَّم الكلامُ على العُشُورِ والضرائب عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٨٥].\n* * *","vol":"4","page":2208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1342>سورة الانشقاق</span>\nسورةُ الانشقاقِ سورةٌ مكيَّةٌ (١)، وفيها تذكيرٌ بالآخرةِ وعلاماتِها، وأحوالِ الناسِ يومَ الحسابِ.\n* قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الانشقاق: ٧].\nذكَر اللَّه علامةَ تكريمِ أهلِ الإيمانِ أنَّهم أُعُطُوا كتابَهم بيمينِهم، وفي هذا علامةٌ على شرفِ اليمينِ، واستحباب استعمالِها عندَ ما يَكرُمُ، وَيُشرُفُ، وفي نظيرِ هذه الآيةِ قولُهُ تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [الإسراء: ٧١].\nوهذا المعنى في الآيةِ ظاهِرٌ في قولِهِ تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ١٧] فقد كان يُمسِكُ عصًا بيمينِهِ، وفي قولِهِ تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، فجعَلَ الخَطَّ والكتابةَ ياليممِنِ؛ وهذا هو الأقرَبُ إلى الفِطْرةِ، وهو السُّنَّة؛ لأنَّ الكتابةَ شريفةٌ.\nوأمَّا النجاساتُ والقَذَارةُ والأَذى، فتُستعمَلُ فيها الشِّمَالُ، ويُكرَهُ استعمالُ اليمينِ فيها، لقولِ عائشة عن النبيِّ -ﷺ-: (وَكَانَتِ الْيُسْرَى\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير ابن عطية\" (٥/ ٤٥٦)، و\"زاد المسير\" (٤/ ٤١٩)، و\"تفسير القرطبي\" (٢٢/ ١٥٧).","vol":"4","page":2209},{"text":"لِخَلَائِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى) (١)، وفي لفظٍ عن حفصةَ؛ قالتْ: \"كَانَ يَجْعَلُ يَمِينَهُ لِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ، وَوُضُوئهِ وَثيَابِهِ، وَأَخذِهِ وَعَطَائِهِ، وَكان يَجْعَلُ شِمَالَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ\" (٢).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦/ ٢٦٥)، وأبو داود (٣٣).\n(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٢٨٧)، وأبو داود (٣٢).","vol":"4","page":2210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1343>سورة الماعون</span>\nسورةُ المَاعُونِ سورةٌ مكيَّةٌ، ومِن العلماءِ مَن حَكَى اتِّفاقَهم على ذلك، ولكن ثَمَّةَ قولٌ لبعضِ المفسِّرينَ: بأنَّها مدَنيَّةٌ، ويُنسَبُ إلى ابنِ عبَّاسٍ وقتادةَ وغيرِهما، ولابنِ عبَّاسٍ قولٌ آخَرُ بمكيَّتِها (١).\nوفيها: أمرٌ بالبَذْلِ وتطهيرِ النَّفْسِ مِن الشُّحُّ، وأمرٌ بالعبادةِ، وتحذيرٌ مِن النِّفاقِ وشُعَبِهِ ومُراءاةِ الناسِ، وتلازُمُ الرِّياءِ والشُّحِّ ظاهرٌ؛ فكلاهما مِن علاماتِ النِّفاقِ.\n* قال اللَّه تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥].\nتوعَّد اللَّهُ الغافلِينَ عن الصلاةِ المتكاسِلينَ عنها بالوعيدِ الشديدِ، وهذه الآيةُ فيمَن يصلِّي؛ لأنَّ اللَّهَ قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾؛ يعني: أنَّهم يُصَلُّونَ لكنَّهم يَتكاسَلونَ وَيغْفلونَ عنها حتى يؤخِّروها عن وقتِها؛ وهذا ظاهرُ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ فبيَّن أنَّهم ساهونَ عنها، وليسوا تاركينَ لها، ولا أنَّهم ساهونَ فيها فقطْ؛ لأنَّ السَّهْوَ عنها هو غفلةٌ عن أصلِ الصلاةِ، والسهوُ فيها هو عدمُ الخشوعِ فيها؛ ولهذا قالا عطاءُ بنُ دِيَنارٍ: \"الحمدُ للَّهِ الذي قال: ﴿هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، ولم\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير ابن عطية\" (٥/ ٥٢٧)، و\"زاد المسير\" (٤/ ٤٩٥)، و\"تفسير القرطبي\" (٢٢/ ٥٠٩).","vol":"4","page":2211},{"text":"يقُلْ: في صلاتِهم ساهونَ\" (١).\nلأنَّ ذَهَابَ بعضِ الخشوعِ لا يكادُ يَسلَمُ منه أحدٌ، وقد سأَلَ مُصعبُ بنُ سعدٍ سعدًا، فقال: ﴿هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾: أهو ما يحدِّثُ به أحدُنا نفسَهُ في صلاتِه؟ قال: لا؛ ولكنَّ السهوَ أن يُؤخِّرَها عن وقتِها (٢).\nوقد تقدَّم الكلامُ على الخشوعِ وحُكْمِهِ في أولِ سورةِ المؤمنونَ.\nوحمَلَ هذه الآيةَ على تأخيرِ الصلاةِ عن وقتِها، لا تركِها بالكليَّةِ: جماعةٌ مِن السلفِ؛ كسعدٍ وابنِ عبَّاسٍ والشعبيِّ، ومسروقٍ (٣).\nومِن السلفِ: مَن حمَلَها على التركِ، وهذا قولٌ لابنِ عبَّاسٍ رواهُ عنه عليُّ بن أبي طَلْحةَ، ولكنَّ ابنَ عبَّاسٍ قيَّد التَّرْكَ بتركِ المنافِقِ سِرًّا ويَفعَلُها علانيَةً، فقال: \"فهم المُنافِقونَ؛ كانوا يُراؤُونَ الناسَ بصَلَاتِهم إذا حضَرُوا، ويترُكُونَها إذا غابُوا، وَيَمنَعُونَهُمُ العَارِيَّةَ بُغضًا لهم، وهو الماعونُ\" (٤).\nوبهذا المعنى قال جماعةٌ؛ كمجاهِدٍ والضحَّاكِ وغيرِهما (٥).\nوهذا المعنى صحيحٌ، ولا يخرُجُ عن القولِ السابقِ له، لأنَّ المنافِقَ إمَّا أن يكونَ نفاقُهُ أكَبَرَ؛ فيَتْرُكَ الصلاةَ المفروضةَ في السِّرِّ بالكليَّةِ، ويُنشِئَها رِياءً وعلانيَةً للناسِ، وإمَّا أن يكونَ نفاقُهُ ليس بأكبَرَ؛ فيَجذِبَهُ الإيمانُ عن التَّرْكِ، ويَجعلَهُ نفاقُهُ يَتراخَى عن وقتِها، وهو بينَ مَدِّ النِّفاقِ وجَزْرِ الإيمانِ للوقتِ، ومِن هذا ما ثبَتَ في مسلمٍ أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ-\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢٤/ ٦٦٤).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢٤/ ٦٦٠).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٢٤/ ٦٦٠).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٢٤/ ٦٦١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١٠/ ٣٤٦٨).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (٢٤/ ٦٦٢ و٦٦٥)، و\"تفسير القرطبي\" (٢٢/ ٥١١).","vol":"4","page":2212},{"text":"قال: (تِلْكَ صَلَاةُ المُنَافِقِ؛ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا، لا يَذكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا) (١)، وهذا النِّفاقُ الأصغرُ الذي لم يُخرِجْهُ مِن المِلَّةِ، ولو كان أكبرَ، لم يَقُمْ لأدائِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1344>التلازُمُ بينَ الرِّياءِ وتأخيرِ وقتِ الصلاةِ:</span>\nوثَمَّةَ تلازُمٌ بينَ تأخيرِ الصلاةِ عن وقتِها وبينَ الرِّياءِ، وكلَّما كان الرِّياءُ في قلبِ العبدِ عظيمًا، كان تَراخِيهِ عن الصلاةِ شديدًا، فإنِ اكتمَلَ الرِّياءُ، اكتمَلَ التَّرْكُ، وقد جعَلَ اللَّهُ الرِّياءَ مُلازِمًا للتساهُلِ في الصلاةِ في كتابه؛ كما في قولِه هنا: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٦]؛ فبمقدارِ الرِّياءِ يكونُ السهوُ عنها، وكذلك قرَن اللَّهُ الرِّياءَ بالتكاسُلِ عن الصلاةِ في قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢]، وكذلك هو في الحديثِ السابقِ فيمَن اعتاد تأخيرَ الصلاةِ إلى قُبَيْلِ المغربِ، قال -ﷺ-: (تِلْكَ صَلاةُ المُنَافِقِ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1345>تاركُ الصلاةِ وحُكْمُهُ:</span>\nوالصلاةُ الرُّكنُ الثاني مِن أركانِ الإسلامِ، وهي أولُ الواجباتِ البدَنيَّةِ، وشريعةٌ في كلِّ الرِّسالاتِ، وفرَضَ اللَّهُ خَمسَها في السماءِ بلا واسطةٍ؛ بخلافِ بقيَّة الشرائعِ المفروضةِ والمسنونةِ.\nوأمَّا تركُ الصلاةِ، فقد استفاضَتِ النصوصُ على كفرِ فاعلِهِ مرفوعةً وموقوفةً، وقد رَوَى مسلمٌ؛ مِن حديثِ جابرٍ؛ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: (إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ) (٢).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٦٢٢).\n(٢) أخرجه مسلم (٨٢).","vol":"4","page":2213},{"text":"فجعَلَ الصلاةَ حائلًا بِينَ الرجُلِ وبينَ الكفرِ، وإنْ ترَكَها بالكليَّةِ، فقد زالَ الحائلُ بينَهما، ودخَلَ الرجُلُ إلى الكفرِ.\nوقد جعَلها النبيُّ -ﷺ- فَيْصَلًا بينَ مَن أَسْلَمَ وَجهَهُ للَّهِ وبينَ مَن أسلَمَ وَجْهَهُ لغيرِهِ ممَّن نطَقَ الشهادتَيْنِ، فقال كما في السُّننِ: (الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَينَهُمُ الصَّلَاةُ؛ فَمَنْ تَرَكَهَا، فَقَدْ كَفَرَ) (١)، وبهذا كان يقولُ الصحابةُ ويفرِّقونَ بينَهم وبينَ الكفارِ؛ كما قال مجاهدُ بن جَبْرٍ لجابرٍ -﵁-: \"مَا كَانَ يُفَرِّقُ بَينَ الكُفْرِ وَالْإِيمَانِ عِنْدَكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: الصَّلَاةُ\" (٢).\nويقولُ عبدُ اللَّهِ بنُ شقِيقٍ العُقَيْلِيُّ: \"كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ -ﷺ- لا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ\" (٣).\nوعلى هذا كان التابعونَ، وكانوا يُطلِقُونَ على التاركِ الكفرَ، كما قال أيُّوبُ: تَرْكُ الصَّلَاةِ كُفْرٌ لا يُخْتَلَفُ فيِهِ (٤).\nولا يُوجَدُ مِن كلامِ الصحابةِ ولا التابعينَ ما يُخرِجُ هذا العمومَ أو يُقيِّدُهُ ويُخصِّصُهُ، إلَّا حملُ ذلك على التَّرْكِ بالكليَّةِ، وأمَّا مَن كان يُؤدِّي بعضَ الصلواتِ ويترُكُ يعضًا، فهذا ليس تاركًا لها بالكليَّةِ؛ وإنَّما يدخُلُ في الوعيدِ في هذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، وقد جاء عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قَبِلَ إسلامَ مَن لم يُؤدِّ الصلاةَ كلِّها، كما صحَّ عن نَصْرِ بنِ عاصمٍ اللَّيْثِيِّ، عن رجلٍ منهم: \"أنَّه أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَأَسْلَمَ عَلَى أَنْ يُصَلِّيَ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٤٦)، والترمذي (٢٦٢١)؛ والنسائي (٤٦٣)، وابن ماجه (١٠٧٩).\n(٢) أخرجه المروزي في \"تعظيم قدر الصلاة\" (٨٩٣).\n(٣) أخرجه الترمذي (٢٦٢٢).\n(٤) أخرجه المروزي في \"تعظيم قدر الصلاة\" (٩٧٨).","vol":"4","page":2214},{"text":"صَلَاتَيْنِ، فَقَبِلَ مِنْهُ\"؛ رواهُ أحمدُ (١).\nولم يكنِ النبيُّ -ﷺ- لِيُقِرَّهُ على الكفرِ، وإنَّما قَبِلَ منه الإسلامَ ولو كان مُسرِفًا على نفسِهِ أهوَنَ مِن بقائِهِ على الكفرِ.\nوإنَّما اختلَفَ العلماءُ في تفسيرِ ما أُطلِقَ مِن كلامِ النبيِّ -ﷺ- والصحابةِ والتابعينَ ومرادِهم في كفرِ تاركِ الصلاةِ، فمنهم مَن حمَلَهُ على الكفرِ الأكبرِ، ومنهم مَن حمَلَهُ على الأصغرِ.\nوالمعروفُ عن أحمدَ والمشهورُ عندَ الأصحابِ: كفرُ تاركِ الصلاةِ، وليس في كلامِ أحمدَ ما يُخالِفُ ذلك، وعامَّةُ الرُّواةِ عنه ينقُلُونَ كفرَ تاركِ الصلاةِ، وأمَّا ما نقَلَهُ عنه صالحٌ في \"المسائلِ\" أنَّه سأَلَهُ عن زيادةِ الإيمانِ ونُقصانِه، فقال له: كيف يَزِيدُ ويَنقُصُ؟ قال: زيادتُه بالعملِ، ونقْصانُه بتركِ العملِ؛ مِثْلُ تركِهِ الصلاةَ والزكاةَ والحجَّ وأداءَ الفرائضِ (٢).\nفهذا لا يُخالِفُ ما تقدَّم تقريرُه؛ وذلك أنَّ أحمدَ أخرَجَ حديثَ نصرِ بنِ عاصمٍ في \"مسندِه\"، وظاهرُه: أنَّه لا يُخالِفُه، فالنُّقْصانُ يكونُ بتركِ صلواتٍ، لا تركِ الصلاةِ كلِّها.\nوقد اختَلَفَ القولُ في ذلك عن مالكٍ والشافعيِّ؛ فنُقِلَ عنهم الكفرُ وعدمُهُ، وإن لم يأتِ عنهما نصٌّ في التصريحِ، وإنَّما هي حكاياتٌ مِن الأئمَّةِ عنهم، والمشهورُ في المَحْكِيِّ عنهما في تاركِ الصلاةِ: أنَّ كفرَهُ ليس بأكبَرَ.\nوأمَّا أبو حنيفةَ، فجماهيرُ أصحابِهِ ينقُلُونَ عنه عدمَ الكفرِ.\nوفي كتابِ \"صفةِ صلاةِ النبيِّ -ﷺ-\" مزيدُ كلامٍ على هذه المسألةِ.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٦٣).\n(٢) \"مسائل الإمام أحمد\"، رواية ابنه صالح (٢/ ١١٩).","vol":"4","page":2215},{"text":"* قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧].\nذكَر اللَّهُ حَبْسَ النفقةِ عن أهلِها بعدَما ذكَر الغَفْلةَ عن الصلاةِ، فجعَلَ حَبْسَ النفقةِ صفةً للغافِلِينَ عن صلاتِهم الساهِينَ عنها؛ وذلك أنَّ كمالَ الصلاةِ علامةٌ على قوةِ الإيمانِ بالآخِرةِ، ومَن قَوِيَ إيمانُه بالآخرةِ، انبسطَت يدُهُ بالصدقةِ، لعِمَارةِ آخِرتِه، وقدَّم لها ما ينتظرُهُ فيها مِن أجرٍ، ومَن ضعُفَتْ صلاتُه، ضعُف إيمانُه، وانقبَضَت يدُهُ عن الصدقةِ بمقدارِ ضَعْفِ إيمانِه؛ فإنَّ الإنسانَ في الدُّنيا يَعْمُرُ بيوتَها بمقدارِ أَمَلِه بالبقاءِ فيها، فتجدُهُ لا يعمُرُ بيتًا في بلدٍ يعبُرُها مسافرًا، وكلَّما كان يقينُهُ بالبقاءِ فيها أطوَلَ، كانتْ عمارتُهُ لها أشَدَّ.\nوقوله تعالى: ﴿الْمَاعُونَ﴾ على وزن (فَاعُول)؛ مشتقٌّ مِن المَعْنِ، وهو الشيءُ القليلُ اليسير؛ فكلُّ ما يحتاج إلبه الناسُ ويُعِينُهم في استمتاعِهم يُسمَّى ماعونًا، ثمَّ غلَبَ استعمالُهُ على الآنيَةِ؛ لأنَّها أغلبُ ما ينتفِعُ به الناسُ في الطعامِ والشرابِ (١). ومِن السلفِ: مَن حمَلَ قَولَه: ﴿الْمَاعُونَ﴾ في الآيةِ على منعِ كلِّ خيرٍ ولو كان نفقةَ دِرْهَمٍ ودِينارٍ.\nبل مِن السلفِ: مَن حمَلَهُ على إعانةِ الناسِ بمهنتِهم إنْ طلَبُوا عَوْنًا.\nومِن هنا تنوَّعُ كلامُ السلفِ في تفسيرِ الماعونِ في الآيةِ:\nفمنهم: مَن قال: هي الزكاةُ؛ كعليٍّ وابنِ عمرَ ومجاهدٍ وابنِ الحَنَفِيَّةِ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ والحسنِ والزُّهْريِّ (٢).\nومنهم: مَن قال: هو القِدْرُ والدَّلْوُ الفأسُ وما في حُكْمِه مِن\n_________\n(١) انظر: \"الصحاح\" للجوهري، و\"لسان العرب\"، و\"تاج العروس\"، مادَّة (م ع ن).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢٤/ ٦٦٦ - ٦٧٠)، و\"تفسير ابن كثير\" (٨/ ٤٩٥).","vol":"4","page":2216},{"text":"متاعٍ؛ كابنِ مسعودٍ ونسَبَهُ إلى أصحابِ النبيِّ -ﷺ- (١)؛ وبه قال عليٌّ وابنُ عبَّاسٍ وعِكرِمةُ والنَّخَعيُّ (٢).\nومنهم: مَنْ جعَله منْعَ كلِّ حقٍّ ومالٍ يُسألُ الإنسانُ إيَّاهُ ولا يُعطِيهِ؛ كابنِ عمرَ (٣).\nومنهم: مَن حمَلَهُ على العاريَّةِ؛ كما قالهُ ابنُ عبَّاسٍ ومجاهِدٌ وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ (٤).\nومنهم: مَن حمَلَهُ على النقدَيْنِ الذهبِ والفضةِ؛ كما قالهُ ابنُ المسيَّب (٥).\nومنهم: مَن حمَلَهُ على المِهْنةِ وإعانةِ المُحتاجِ بها عندَ طَلبِها؛ فيُعان بجُهْدِ البَدَنِ؛ كما قالت أمُّ عطيَّةَ (٦).\nوهذا كله مِن السلفِ تنوُّعٌ لا تضادٌّ، ومنعُ كلُ ما ذكَرُوهُ هو ممَّا يدخُلُ في قولِه تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1346>حُكْمُ العاريَّةِ وحَبْسٍ ما يُعِينُ المحتاجَ:</span>\nوتضمَّنَتِ الآيةُ مَنْحَ العاريَّةِ وبَذْلَ ما يُعِينُ الناسَ في حاجاتِهم، وإنَّما اختلَفَ العلماءُ في وجوبِ إعطاءِ العاريَّةِ ومنحِها، على قولَيْنِ في مذهبِ أحمدَ، وقد نصَّ على الوجوبِ جماعةٌ؛ كابنِ تيميَّةَ وغيرِه، والأظهَرُ الوجوبُ؛ لكنْ بشروطٍ:\n_________\n(١) \"سنن أبي داود\" (١٦٥٧)، و\"السنن الكبرى للنسائي\" (١١٦٣٧)، و\"تفسير الطبري\" (٢٤/ ٦٧٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١٠/ ٣٤٦٩).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢٤/ ٦٧٧)، و\"تفسير ابن كثير\" (٨/ ٤٩٦).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٢٤/ ٦٦٨).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٢٤/ ٦٧٥).\n(٥) \"تفسير الطبري\" (٢٤/ ٦٧٨).\n(٦) \"مصنف ابن أبى شيبة\" (١٠٦٢٤)، و\"شرح مشكل الآثار\" (١/ ٩٣٤)، و\"المعجم الكبير\" للطبراني (٢٥/ ٦٦)، و\"الدر المنثور\" (١٥/ ٦٩٠).","vol":"4","page":2217},{"text":"الأولُ: أن يكونَ طالبُ العاريَّةِ محتاجًا لها؛ لا يَستعِيرُها ترَفًا وتكثُّرًا.\nالثاني: أن يكونَ المتاعُ المُستعارُ لا يحتاجُ إليه صاحبُهُ بمِثْلِ أو أشَدَّ مِن حاجةِ طالبِه، فإنْ كان محتاجًا له، فله منعُهُ لنفسِهِ ولعيالِه، ويكونُ بَذْلُه مِن بابِ الإيثارِ على النَّفْسِ وهذه مرتبةُ أهلِ الفضلِ بالبَذْلِ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].\nالثالث: أن يكونَ المستعيرُ مؤتمَنًا على حِفْظِ المتاعِ لا يُفسِدُه، ومَن عُرِفَ بأخذِ العاريَّةِ وجحدِها أو إتلافِها وإضاعتِها وإفسادِها، فلا يجبُ على صاحبِها بَذلُها ولو كان المستعيرُ محتاجًا لها، ويكونُ بذْلُ العاريَّةِ في حَقِّه فضلًا وحَسَنةً بمقدارِ حاجةِ طالبِها.\n* * *","vol":"4","page":2218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1347>سورة الكوثر</span>\nاختلَفَ العلماء في موضعِ نزولِ سورةِ الكوثرِ، والأكثرُ على مَكِّيَّتِها، وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ، ورُوِيَ عن عِكرِمةَ والحسنِ: أنَّها مدَنيَّةٌ (١)، وفي مسلمٍ مِن حديثِ أنسٍ ما يدُلُّ على أنَّها نزَلَتْ بالمدينةِ (٢)، واستدَلَّ بعضُهم لمكيَّتِها بأنَّ الأبْتَرَ هو العاصُ بن وائلٍ، وقيل: هو أبو جَهْلٍ، وقيل: عُقْبةُ بنُ أبي مُعَيْطٍ، وقيل غيرُهم مِن كفارِ فريشٍ (٣).\n* قال اللَّه تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢].\nأمَر اللَّه بتوحيدِهِ وبَذْلِ العبادةِ له أداءً للصلاةِ أو نَحْرًا للنُّسُكِ، والآيةُ عامَّة في كلِّ صلاةٍ وفي كلِّ منحورٍ، وهي نظيرُ قولِهِ تعالى في سورةِ الأنعامِ: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [١٦٢ - ١٦٣].\nومِن السلفِ: مَن خصَّصَ النزولَ بصلاةِ العيدِ ونَحْرِ الهَدْي والأُضْحِيَّةِ؛ كمجاهدٍ وعطاءٍ وعِكْرمةَ (٤)، وهو ظاهرٌ، للتلازُمِ بينَ الصلاةِ\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير ابن عطية\" (٥/ ٥٢٩)، و\"زاد المسير\" (٤/ ٤٩٧)، و\"تفسير القرطبي\" (٢٢/ ٥١٩).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٤٠٠).\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" (٢٤/ ٦٩٧ - ٧٠٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١٠/ ٣٤٧١)، و\"تفسير ابن كثير\" (٨/ ٥٠٤).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٢٤/ ٦٩٤) و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (١٠/ ٣٤٧٠).","vol":"4","page":2219},{"text":"والنحرِ، لأنَّهما يكونانِ مشروعَيْنِ في يومِ النحرِ، وهو عيدُ الأَضْحَى؛ ولهذا قال -ﷺ-: (مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ المصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، ولا نُسُكَ لَهُ) (١).\nويُرْوَى عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ: أنَّ المرادَ بالنحرِ رفعُ اليدَيْنِ في الصلاةِ؛ وهو مُنكَرٌ، يَرويهِ مُقاتِل بنُ حَيَّانَ، عن الأصْبَغِ بنِ نُبَاتَةَ، عنه؛ أخرَجَه ابنُ أبي حاتمٍ (٢).\nويُروى عنه: أنَّه قَبْضُ اليمينِ على الشِّمَالِ في الصلاةِ (٣)؛ ولا يصحُّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1348>حُكْمُ الأُضْحِيةِ ووقتُها:</span>\nوقولُه تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، يتضمَّنُ أحكامًا في النَّحْرِ، منها: ذِكْرًا للَّهِ والتسميةُ عندَ ذَبْحِ بهيمةِ الأنعامِ، ومنها: مسألةُ وجوبِ الأُضْحِيَّةِ، ومنها: تقديمُ صلاةِ العيدِ على ذبحِ الأُضْحِيَّةِ:\nفأمَّا التسميةُ عندَ الذبحِ والنحرِ: فهذا قد تقدَّم الكلامُ عليه عندَ قولِه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨]، وقولِه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وتقدَّم الكلامُ على التسميةِ عندَ إرسالِ الصيدِ عندَ قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤].\nوأمَّا حُكْمُ الأُضْحِيَّةِ: فهو مختلَفٌ فيه عندَ الأئمَّةِ، والأرجحُ عدمُ الوجوبِ؛ وهو قولُ جمهورِ العلماءِ، خلافًا لأبي حنيفةَ والأوزاعيِّ وقولِ لمالكٍ بوجوبِها، ولم يكنِ الخلفاءُ الراشدونَ يُوجِبونَها كأبي بكرٍ وعمرَ،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٩٥٥).\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١٠/ ٣٤٧٠).\n(٣) \"تفسير الطبري\" (٢٤/ ٦٩٠).","vol":"4","page":2220},{"text":"وقولِ جماعةٍ مِن الصحابةِ؛ كابنِ عمرَ وبلالٍ وأبي مسعودٍ البَدْرِيِّ، وأئمَّةِ التابعينَ؛ كابنِ المسيَّبِ وعلقمةَ.\nولا يثبُتُ عن النبيِّ -ﷺ- نصٌّ صريحٌ على وجوبِ الأُضْحِيَّةِ، ولا نهيٌ صريحٌ مؤكَّدٌ عن تركِها، وأمْثَلُ ما يَحتجُّ به مَن يقولُ بوجوبِها: ما رواهُ ابنُ ماجَهْ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (مَنْ كَانَ لَهُ سعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ، فلا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا) (١)، وهو حديثٌ يَرويهِ عبدُ اللَّهِ بنُ عيَّاشٍ القِتْبَانِيُّ، عن الأعرجِ، عن أبي هريرةَ مرفوعًا، وابنُ عيَّاشٍ مختلَفٌ فيه، وهو ضعيفُ الحديثِ؛ قاله أبو داودَ والنَّسَائيُّ وغيرُهما (٢)، وفي الحديثِ اختلافٌ في الرفعِ والوقفِ، وقد أنكَرَ أحمدُ رَفْعَه، وقال: \"هذا حديثٌ مُنكَرٌ\" (٣).\nوقد كان أبو بكرٍ وعمرُ يَتْرُكانِ الأُضْحِيَّةَ؛ خشيةَ المشقَّةِ على الناسِ فيظُنُّونَها سُنَّةً، كما قال أبو سَرِيحَةَ حُذَيفةُ بن أسِيدٍ: \"رأيتُ أبا بكرٍ وعمرَ وما يُضَحِّيَانِ\"؛ رواهُ عبدُ الرَّزاقِ (٤).\nوروى عبد اللَّه بنُ أحمد في \"علله\" (٥)، عن حُذَيْفَةَ بنِ أَسِيدٍ؛ قال: لقد رأيتُ أبا بكرِ وعمرَ وما يُضَحِّيَانِ عن أهلِهما؛ خشية أنْ يُستَنَّ بهما.\nورَوَى الخطيبُ في \"المتَّفِقِ\"، عن العلاءِ بنِ هلالٍ؛ أنَّ رجلًا سأَل\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٢١)، وابن ماجه (٣١٢٣).\n(٢) \"تهذيب الكمال\" (١٥/ ٤١١).\n(٣) ينظر: \"تنقيح التحقيق\"؛ للذهبي (٢/ ٦٢)، و\"الفروسية\" لابن القيم (ص ٢٦١)، و\"تفسير ابن كثير\" (٥/ ٤٣٢).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٨١٣٩).\n(٥) \"العلل ومعرفة الرجال\" لأحمد، رواية ابنه عبد اللَّه (٣/ ٣٣٧).","vol":"4","page":2221},{"text":"ابنَ عمر عن الأُضْحِيَّةِ؟ فقال ابنُ عمرَ: أيَحسَبُها حَتْمًا؟ لا، ولكنَّها حسَنةٌ (١).\nوأمَّا ما رواهُ الشيخانِ؛ مِن حديثِ جُنْدُبِ بنِ سُفْيانَ البَجَليِّ؛ قال: ضَحَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أُضْحِيَّةً ذَاتَ يَوْمٍ، فَإِذَا أُنَاسٌ قَدْ ذَبَحُوا ضَحَايَاهُمْ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، رَآهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ- أنَّهُمْ قَدْ ذَبَحُوا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: (مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ حَتَّى صَلَّيْنَا، فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ\" (٢).\nفهذا تشريعُ توقيتٍ، والمواقيتُ تكونُ في السُّننِ، كما تكونُ في الواجباتِ، وما جاء توقيتُه، فليس لأحدٍ تقديمُهُ ولا تأخيرُهُ عما وُقِّتَ فيه؛ كتشريع الوِتْرِ آخِرَ صلاةِ الليلِ في قولِه -ﷺ-: (اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيلِ وِتْرًا) (٣)، وذلك أنَّ التوقيتَ للعبادةِ حُكْمٌ غيرُ حُكْمِ العبادةِ في نفسِها.\nوأمَّا وقتُ الأُضْحِيَّةِ: فلا يختلفُ العلماءُ في أنَّ الأُضْحِيَّةَ تُشرَعُ بعدَ صلاةِ العيدِ، وأنَّ ذَبْحَها قبلَ ذلك ليس وقتًا لها؛ كما جاء عن البَرَاءِ؛ أنَّه قال: خَطَبَنَا النَّبِيُّ -ﷺ- يَوْمَ النَّحْرِ؛ قَالَ: (إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ؛ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ عَجَّلَهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ)، فَقَامَ خَالِي أبو بُرْدَةَ بنُ نِيَارٍ، فَقَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أُصَلِّيَ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ؟ قَالَ: (اجْعَلْهَا مَكَانَهَا -أَوْ قَالَ:\n_________\n(١) \"المتفق والمفترق\" للخطيب البغدادي (٣/ ١٧٣٧).\n(٢) أخرجه البخاري (٥٥٠٠)، ومسلم (١٩٦٠).\n(٣) أخرجه البخاري (٩٩٨)، ومسلم (٧٥١).","vol":"4","page":2222},{"text":"اذْبَحْهَا- وَلَنْ تَجْزِيَ جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ)؛ رواهُ الشيخانِ (١)، وكذلك قولُه -ﷺ- في حديثِ جُنْدُبٍ السابقِ: (مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى) (٢).\nومِثلُه عندَهما مِن حديثِ أنسٍ (٣).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٩٦٨)، ومسلم (١٩٦١).\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) أخرجه البخاري (٩٥٤)، ومسلم (١٠/ ١٩٦٢).","vol":"4","page":2223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1349>سورة النصر</span>\nسورةُ النصرِ سورةٌ مدَنيَّةٌ باتِّفاقِهم، وقد حَكَى الإجماعَ على ذلك خَلْقٌ مِن الأئمَّةِ (١)، وهي في بيانِ البُشْرى بالفتحِ على نبيِّه وتمكينِه وعلوِّ شأنِه وأمرِه، ونَعْي نفسِه له بعدَ التمكينِ له، فأشعَرَهُ اللَّهُ بدُنُوِّ أجَلِهِ وقُرْبِهِ مِن فترةِ تمكينِهِ ونصرِه.\n* قال اللَّه تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣].\nلمَّا مكَّنَ اللَّهُ لنبيِّه وأعلَمَهُ بقُرْبِ نصرِه وفتحِه، نَعَى إليه قُرْبَ أَجَلِه، حيثُ أمَرَهُ بالإكثارِ مِن التعبُّدِ للَّهِ بالصلاةِ والتسبيحِ والاستغفارِ، وفي هذا: أنَّه يُشرَعُ الإكثارُ مِن التعبُّدِ في كل حِينٍ وخاصَّةَ عندَ دنوِّ الأجَلِ والشعورِ به؛ ليُختمَ للعبدِ على ذلك، وقد روى مسلمٌ؛ مِن حديثِ عائشةَ؛ قالتْ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكثِرُ مِنْ قَوْلِ: (سُبحَان اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ)، قَالَت: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَاكَ تُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ: (سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيهِ\"؟ فَقَالَ: (خَبَّرَنِي رَبِّي أَنِّي سَأَرَى عَلَامَةً فِي أُمَّتِي، فَإِذَا رَأَيْتُهَا، أَكْثَرْتُ مِنْ قَوْل:\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير ابن عطية\" (٥/ ٥٣٢)، و\"زاد المسير\" (٤/ ٥٠١)، و\"تفسير القرطبي\" (٢٢/ ٥٣٨).","vol":"4","page":2225},{"text":"سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأُتُوبُ إِلَيْهِ؛ فَقَدْ رَأَيْتُهَا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]؛ فَتْحُ مَكَّةَ، ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ٢]؛ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾) (١).\nوقد كان جماعةٌ مِن الصحابةِ يُفسُرونَها بظاهرِها، وكان عمرُ وابنُ عبَّاسٍ وغيرِّهما يَعلَمونَ منها نَعْيَ النبيِّ -ﷺ- والشعورَ بقُرْبِ أجَلِه، وفي ذلك يقولُ ابنُ عبَّاسٍ: \"كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الفَتَى مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟ ! فَقَالَ: إنَّهُ مِمَّن قَدْ عَلِمْتُمْ، قَالَ: فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَعَاني مَعَهُمْ، قَالَ: وَمَا رئِيتُهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إلَّا لِيُرِيَهُمْ مِنِّي، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا. . .﴾ [النصر: ١، ٢] حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ؟ فَقَالَ بَعْضهُمْ: أُمِرنَا أن نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَينَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نَدْرِي، أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيئًا، فَقَالَ لِي: يَا بْنَ عَبَّاسٍ، أكَذَاكَ تَقولُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُو أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَعْلَمَهُ اللَّه لَهُ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؛ فَتْحُ مَكَّةَ، فَذَاكَ عَلَامَةُ أجَلِكَ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، قَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ\" (٢).\nوالمرادُ لذلك: الإكثارُ مِن العبادةِ عمومًا عندَ كمالِ النِّعْمةِ وتمامِها، وعندَ الكبَرِ والشعورِ بدُنُوِّ الأَجَلِ ولو مِن مرضٍ عاجلٍ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٤٨٤).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٢٩٤).","vol":"4","page":2226},{"text":"ونحوِه، وقد ذهَبَ بعضُ العلماءِ إلى مشروعيَّةِ الإكثارِ مِن الاستغفارِ في خواتيمِ كلِّ شيءٍ، وخاصَّةً خواتيمَ الأعمالِ؛ وذلك لظاهرِ سورةِ النصرِ، ولقولِهِ تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٠٠].\n* * *","vol":"4","page":2227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1350>سورتا المعوِّذَتَيْنِ</span>\nاختُلِفَ فيهما؛ فقيل: نزَلَتَا بالمدينةِ، وقيل: نزَلَتَا بمكةَ، والأكثرُ على مدَنيَّتِهما، ولابنِ عبَّاسٍ وقتادةَ قولانِ في ذلك (١)، وهي في تعليمِ النبيِّ -ﷺ- وأُمَّتِهِ الالتجاءَ إلى اللَّهِ، والتعوُّذَ به وحدَهُ مِن كلِّ سوءٍ وشرٍّ ظاهرٍ أو باطنٍ، خفيٍّ أو علنيٍّ.\n* قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١].\nأمَر اللَّهُ نبيَّه بالاستعاذةِ له سبحانَهُ مِن شرِّ كلِّ ذي شرٍّ، وذلك يُشرَعُ على سبيل العمومِ؛ وذلك لقولِهِ تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢]، فهذا عامٌ، ويُشرَعُ عندَ الشعورِ بأسبابِ يحتاجُ معها العبدُ إلى اللُّجوءِ إلى اللَّهِ؛ وذلك عندَ مَوَارِدِ الشيطانِ على النَّفْسِ بالخطَراتِ، وعندَ القُرْبِ مِن أماكنِ شياطينِ الجنِّ، كالحُشُوشِ والنجاساتِ والخَلَواتِ وبعضِ الفلَواتِ المُوحِشَةِ، وأماكنِ شياطين الإنسِ كمَجالِس الكفرِ والفجورِ ومَواردِ الشُّبُهاتِ فيها، وكثيرٌ مِن الشُّبُهاتِ تَرِدُ على الأسماعِ وترفُضُها العقولُ، وتُدخِلُها الشياطينُ إلى النفوسِ وتُسوِّلُ لها حتى تَستسيغَها بعدَ نُكْرانِها، وكم ممَّن يَسمَعُ باطلًا يُنكِرُهُ ثمَّ يُعيدُهُ الشيطانُ عيه مِرارًا حتى\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير ابن عطية\" (٥/ ٥٣٨ و٥٤٠)، و\"زاد المسير\" (٧/ ٥٠٤ و١٥٠)، و\"تفسير القرطبي\" (٢٢/ ٥٦٧).","vol":"4","page":2229},{"text":"تتشرَّبَه نفسُهُ؛ ولهذا تُشرَعُ الاستعاذة مِن أذَى الخَلْقِ وشرورِهم جِنًّا وإنسًا.\nوقد تقدَّم الكلامُ على أحكامِ الاستعاذةِ عندَ قولِهِ تعالى في سورةِ الأعرافِ: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [٢٠٠].\nوتقدَّم الكلامُ على صِيَغِها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].\n\nوهذا ختامُ ما تيسَّرَ مِن الكلامِ على أحكامِ القرآنِ، وكان مُبتداهُ في الرابعِ مِن شهرِ ربيعٍ الأولِ مِن عامِ ألفٍ وأربعِ مِئَةٍ وثلاثةٍ وثلاثينَ للهجرةِ، ونَحمَدُ اللَّهَ على عَوْنِهِ وتسديدِه، ونسألُهُ الثباتَ على الحقِّ إلى يومِ اللِّقاءِ، وصلَّى اللَّه وسلَّمَ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِه وصحبِهِ أجمعِين.\n* * *","vol":"4","page":2230}]}