{"ً":{"ٌ":151187,"ٍ":"شرح كتاب الحج من نهاية التدريب في نظم غاية التقريب للعمريطي","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: الحج من نظم الإمام العمريطي الشافعي في «نهاية التدريب في نظم غاية التدريب»\nتصنيف: محمد محيي الدين حمادة الغنيمي الميداني\nالناشر: دار اقرأ للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق- سوريا\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ ــ ٢٠٠٦ م\nعدد الصفحات: ١٩٤\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3051,"ٕ":16,"ٖ":1770156257,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":4},{"title":"شروط وجوب الحج","level":1,"page":12},{"title":"أركان الحج","level":1,"page":26},{"title":"الركن الأول من أركان الحج هو الإحرام","level":2,"page":26},{"title":"الركن الثاني الوقوف بعرفة","level":2,"page":26},{"title":"الركن الثالث: الحلق أو التقصير","level":2,"page":27},{"title":"الركن الرابع: السَّعي","level":2,"page":28},{"title":"الركن الخامس الطواف","level":2,"page":29},{"title":"الركن السادس: ترتيب معظم الأركان","level":2,"page":31},{"title":"واجبات الإحرام","level":1,"page":66},{"title":"الواجب الأول: الإحرام من الميقات","level":2,"page":66},{"title":"الواجب الثاني: الرمي","level":2,"page":67},{"title":"الواجب الثالث: المبيت بالمزدلفة","level":2,"page":69},{"title":"الواجب الرابع: المبيت بمنى","level":2,"page":69},{"title":"الواجب الخامس: التحذير من الوقوع في محرمات الإحرام","level":2,"page":69},{"title":"الواجب السادس: طواف الوداع","level":2,"page":70},{"title":"أبرز المستحبات في الحج","level":1,"page":76},{"title":"محرمات الإحرام","level":1,"page":81},{"title":"الفداء من اقتراف محظورات الإحرام","level":1,"page":113},{"title":"الدماء في الإحرام (أقسامها - خصوصيتها - ما يقوم مقامها)","level":1,"page":120},{"title":"دم التخيير والتقدير","level":2,"page":126},{"title":"دم التخيير والتعديل","level":2,"page":129},{"title":"شرب زمزمٍ ندبٌ","level":1,"page":154},{"title":"ملحق هام في أبرز مزارات مكة","level":1,"page":157},{"title":"غار ثور","level":2,"page":157},{"title":"دار الندوة","level":2,"page":169},{"title":"دار السيدة خديجة ﵂","level":2,"page":170},{"title":"الأخشبان","level":2,"page":171},{"title":"شِعبُ أبي طالب","level":2,"page":174},{"title":"المحصَّبُ","level":2,"page":175},{"title":"مسجد الراية","level":2,"page":182},{"title":"مسجد خالد بن الوليد","level":2,"page":183},{"title":"مقبرة المعلاة","level":2,"page":183},{"title":"سَرِف","level":2,"page":184},{"title":"مسجد الفتح بالجموم","level":2,"page":184},{"title":"غار حراء","level":2,"page":184}],"ٛ":{"1,1":1,"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,90":89,"1,91":90,"1,92":91,"1,93":92,"1,94":93,"1,95":94,"1,96":95,"1,97":96,"1,98":97,"1,99":98,"1,100":99,"1,101":100,"1,102":101,"1,103":102,"1,104":103,"1,105":104,"1,106":105,"1,107":106,"1,108":107,"1,109":108,"1,110":109,"1,111":110,"1,112":111,"1,113":112,"1,114":113,"1,115":114,"1,116":115,"1,117":116,"1,118":117,"1,119":118,"1,120":119,"1,121":120,"1,122":121,"1,123":122,"1,124":123,"1,125":124,"1,126":125,"1,127":126,"1,128":127,"1,129":128,"1,130":129,"1,131":130,"1,132":131,"1,133":132,"1,134":133,"1,135":134,"1,136":135,"1,137":136,"1,138":137,"1,139":138,"1,140":139,"1,141":140,"1,142":141,"1,143":142,"1,144":143,"1,145":144,"1,146":145,"1,147":146,"1,148":147,"1,149":148,"1,150":149,"1,151":150,"1,152":151,"1,153":152,"1,154":153,"1,155":154,"1,156":155,"1,157":156,"1,158":157,"1,159":158,"1,160":159,"1,161":160,"1,162":161,"1,163":162,"1,164":163,"1,165":164,"1,166":165,"1,167":166,"1,168":167,"1,169":168,"1,170":169,"1,171":170,"1,172":171,"1,173":172,"1,174":173,"1,175":174,"1,176":175,"1,177":176,"1,178":177,"1,179":178,"1,180":179,"1,181":180,"1,182":181,"1,183":182,"1,184":183,"1,185":184,"1,186":185,"1,187":186,"1,188":187,"1,189":188,"1,190":189,"1,191":190,"1,192":191,"1,193":192,"1,194":193},"ٜ":{"1":[1,194]},"ٝ":["1,1","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194"],"ٞ":{"4":[1],"12":[2],"26":[3,4,5],"27":[6],"28":[7],"29":[8],"31":[9],"66":[10,11],"67":[12],"69":[13,14,15],"70":[16],"76":[17],"81":[18],"113":[19],"120":[20],"126":[21],"129":[22],"154":[23],"157":[24,25],"169":[26],"170":[27],"171":[28],"174":[29],"175":[30],"182":[31],"183":[32,33],"184":[34,35,36]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"كتاب الحج\nمن نظم\nالإمام العمريطي الشافعي\nفي\n«نهاية التدريب في نظم غاية التدريب»","vol":"1","page":1},{"text":"كتاب الحج\n\nمن نظم\nالإمام العمريطي الشافعي\nفي\n«نهاية التدريب في نظم غاية التدريب»\n\nتصنيف\nالباحث الإسلامي\nمحمّد محيي الدين حمادة الغنيمي الميداني\n\nدار اقرأ","vol":"1","page":3},{"text":"جميع الحقوق محفوظة ... الكتاب: كتاب الحج من نظم الإمام العمريطي الشافعي\nفي «نهاية التدريب في نظم غاية التدريب».\nتصنيف: محمّد محيي الدين حمادة الغنيمي الميداني\nقياس الصفحة: ١٧ × ٢٥ سم\nالطبعة الأولى\n١٤٢٧ هـ ــ ٢٠٠٦ م\nيمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكلِّ طرق الطَّبع والتصوير والنَّقل والتَّرجمة إلَّا بإذنٍ خطِّيِّ من النّاشر\n\nدار اقرأ للطباعة والنشر والتوزيع\nE-mail: iqraa@scs-net.org\nسورية ــ دمشق ص. ب: ٥٩٥٧\nتلفاكس: ٢٢٣٩٠٣١ - ١١ - ٩٦٣++\nلبنان ــ بيروت\nهاتف: ٦٥١٣٢٧ - ١ - ٩٦١++","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\nالحمد لله ذي الجلال والإكرام، والفضل والطَّول والإنعام، الذي هدانا للإسلام، وعرفنا على الشرائع والأحكام، وجعل منها جسرًا لسعادة أصحاب الإيمان، وجعل من ذلك قاعدة مطردة في الدنيا والأُخرى على الدوام، والذي أكرمنا بأركان الإسلام وبسط من التوحيد أساسًا متينًا استندت إليه كل الأقسام، ورفع الركن الأول في هذا الصرح العظيم بالصلاة لتكون هاتف الوصل مع ربِّ العالمين من قبل كل الأنام، ورفع الركن الثاني بعبادة مالية تسري بالتراحم والتعاضد بين أبناء الإسلام، ورفع الركن الثالث بالصيام لله تعالى، الذي يجزي به كل من أخلص القصد للديّان، ثم رفع الركن الرابع بالحج إلى بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلًا فجمع فيه سائر مقاصد القرآن.\nلهذا فإن حزم الأمتعة صوب دار الإسلام الأولى، ونحو جذور التوحيد الراسخة - حيث أصولها وعبق رجالها هناك - هي أحد أركان الدين، ومن أجل القربات لرب العالمين، لأنها دعوة السماء إلى مائدة الرحمن في بيته العتيق الذي أقامه فوق هذه الأرض؛ ولأنها شعار كافة الرسل والأنبياء؛ ولأن نفحات الله في دنيا الناس تنال مكة منها النصيب الوافر، ولربما كانت جميعها تنزل هناك، ومن ثَمّ تقسم أرزاقها على العباد في أنحاء الأرض، تأخذ كل بقعة حصّتها القادمة إليها من بيت العزة والجبروت، بيت الله الحرام.","vol":"1","page":5},{"text":"إنّ الحضارة التي يطمح إليها بنو الإنسان في عدالتها، ورأفتها، ومساواتها، وتكامل أبناء البشر فيها، وتعاضدهم لإنجاز مشروع الرقي فوق كوكبنا الصغير في شتى المرافق الإنسانية: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والرياضية، الإقليمية منها والقطرية والدولية، الآسيوية والإفريقية والغربية، الروحية والمادية، إنما تتجسد وتختزل في مدرسة الحج الكبرى التي تستقدم مندوبين عن كل فعاليّات البشر لتصهر منهم خلقًا آخر يعرف قدر نسبته إلى الإنسانية الأم، في الوقت الذي لا يجهل فيه قدر انتسابه إلى بني جنسه، وقومه، ومهنته، فهما دائرتان لا تطغى إحداهما على أُخرى، كل ذلك برعاية الإسلام الذي هو أرقى دائرة تحيط بكل الدوائر المذكورة، ترعاها، وتنسق فيما بينها، وعلى الخصوص في فريضة الحج التي تنبض بالدروس العملية لسموّ بني البشر (١).\nفالذي يقصد مكة المكرمة لا بد وأن تحيا في قلبه وفكره وممارساته اليومية المعاني الحضارية التي لا يعمى عنها إلَّا من فقد نور البصيرة، وغرق في أوحال الجهل، لذلك لم يفرض الباري - ﷿ - الحج إلى المسجد الحرام إلا مرة واحدة في العمر إلا إن اضطر الإنسان لقضاء فائتٍ أو أداء نذرٍ فرضه على نفسه بنفسه؛ لأن الرحلة العظيمة في وسائلها وغاياتها تحتاج من المسلم استعدادًا تثقيفيًا بالمبادئ الحضارية التي ينسجها الإسلام من مقدّمات وموضوعات هذه الرحلة الجهادية، التي هي تكليف شاق بالجهد والمال للارتحال من مواطن الحل إلى أرض الحرم، ومن عموم الأرض إلى خصوصها، ومن مستوى محدد في\n_________\n(١) البعد الحضاري لفريضة الحج «الركن الخامس» للمؤلف، ومن ثَمّ تعرضت للعقبة الكؤود التي تعيق بروز ما دعا إليه الإسلام من مقاصد حضارية.","vol":"1","page":6},{"text":"الفيوضات الإلهية إلى جرعات عالية ترتقي بالروح والنفس، حيث ينتقل الحاج كالنحلة يرتشف من رحيق الآيات البيّنات في مكة (١) والكعبة (٢) والحجر الأسود (٣) وحجر إسماعيل (٤) والطواف (٥) والسعي (٦) والمقام (٧)\n_________\n(١) مثلًا مكة لها خط طول وحده في العالم لا يتأثر بالذبذبات المغناطيسية، وهو الشيء الذي يستلزم أن تكون البلدة الحرام الخط الرئيسي الذي ترسم من خلاله الخرائط المدنية والعسكرية في العالم، ومن جانبيه تتوالى الخطوط، وذلك بقوة الحجة العلمية التي نملكها اليوم، لا بحجة القوة التي ملكتها بريطانيا فجعلت بها الخط الرئيس يمر من قرية غرينتش قرب لندن.\nانظر للتوسع في تغطية هذه النقطة وما يتلوها من نقاط في هذه المقدمة كتاب «الركن الخامس» حيث جلَّيتُ بتوفيق الله كل شيء في موضعه.\n(٢) مثلًا أركان الكعبة في الجهات الأصلية بدقة، وبناؤها متين يقدر على مواجهة عوامل التأثير المختلفة آلاف السنين، رغم مضي آلاف السنين على بنائها، والوسائل البدائية التي استخدمت آنذاك مما يؤكد أن قواعد البيت رفعت بعناية الله، ووصايا الوحي جبريل.\n(٣) فالحجر الأسود الذي وضع في الركن المسمى باسمه علامة لبدء الطواف واختتامه في كل شوط ثبت علميًا أنه نيزك من نوع فريد لم يعرفه البشر، وهو ما يؤكد الروايات التي وردت في فضله من أنه ياقوتة نزلت من الجنة سوّدته ذنوب الخلق.\n(٤) فحجر إسماعيل من البيت، وهو موقع فيه من الأنوار التي تتنزل على عباد الله هناك ما لا حصر له، جعلني الله وإياك ممن تذوق لذة المناجاة والتذلل والانكسار بين يدي الله.\n(٥) الطواف حول البيت موافق لحركة دوران الوجود كله من النواة إلى الكواكب إلى المجرات، لذلك فإنه انسجام بين عبودية الإنسان الاختيارية وعبودية الموجودات القسرية أمَرَ به من أخضع كل شيء لحكمه، وإنْ من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم.\n(٦) السعي جزء من ماراتون المسلمين، وهو مسيرة وفاء لسعي أمنا هاجر، وتخليد لذكراها وذكرى من سار على نهجها من الصالحين.\n(٧) هو آية من آيات الله، قام عليه إبراهيم لبناء البيت، وفيما بين الركن والمقام قبور لأربعة من أنبياء الله هم نوح وهود وصالح وشعيب، كما جاء في الأثر، وإن كان لم يثبت، ولذلك لا يتنافى ذلك مع الطواف. قال العلامة ابن حجر الهيثمي بعد أن ساق الخبر في حاشيته على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص ٩: «ويرد بأن مقبرة الأنبياء لاتكره الصلاة؛ لأنهم أحياء في قبورهم يصلون ويتعبدون، فإن قلت: الكراهة أو الحرمة لازمة من جهة أُخرى وهي أن المصلي ثَمَّ يستقبل قبر نبي؟ شرط الحرمة أو الكراهة تحقق ذلك وهذا غير محقق هنا.","vol":"1","page":7},{"text":"وزمزم (١) وسواها كثير من مواقع الطهر والرحمة.\nومن الوسائل التي مارسها الإسلام في تهيئة المسلم حاجًّا أو معتمرًا لدخول مكة، أن أقام له في الطريق المواقيت، وألزمه بالإحرام، وحظّر عليه قائمة من المباحات التي صارت بإحرامه غير جائزة، وذلك على بعدٍ يمتد من عشرات الكيلومترات إلى مئاتٍ منها، حسب الميقات، وفي هذا خطوة رائدة من الركن الخامس لتثقيف المسلم قبل الوصول إلى مكة، من خلال هذه اللَّفتة التي تهز المحرم أن تهيَّأْ واستعدَّ فأنت قادم على مكّة التي لا توجد مدينة في الدنيا مثلها، ولا يَسْتَقبلُ إنسان بقعة في الوجود كله على نحوها، وهو ما يورث تفاعلًا في كيان المسلم يجعله أكثر إحساسًا بالمعاني الحضارية التي تبدأ بالتوارد على فكره وقلبه، فيصطبغ بها سلوكه، في حقيقة يتراجع عن رصدها البيان. نعم يستشعر أحدنا منذ إحرامه بالميقات خشيةً بين يدي مولاه، وتسليمًا لأمره، واستحضارًا لذكرى الموت والبلى، وتواضعًا لرب العالمين، ولعباده المسالمين، وهو يرتدي ثوب الأكفان الذي يجرده من كل شيء إلا العمل الصالح، في تشبيه بليغ بلحظة يخلد فيها إلى الموت في قبر تتبخر فيه كل الزخارف الدنيوية حين يذهب الأهل والجاه، ولا يؤنس المرء هناك إلَّا ما أخلصه من عملٍ صالح لمن لا تضيع عنده الودائع.\nومع بدء العدّ العكسي لدخول مكّة يخفق القلب، وتصفو المشاعر، وتتبلور الأفكار حين تسكب العبرات فرحًا بالوصول الموفق، حيث تحضر بقوة\n_________\n(١) زمزم آية من آيات الله، وهي تفيض أكثر من ستين ألف ليتر في الساعة، وهي ماء حير الباحثين لغزير فوائده، ثم لم يعرف مصدره بعد لكن الأنفاق الشعرية وغير الشعرية الممتدة إلى مكة تثبت أن مصادره مختلفة.","vol":"1","page":8},{"text":"هيبة رسول الله - ﷺ - الذي سبق كل الحجاج والعمار في هذه الأمة إلى البيت الحرام، وها هم أولاء على أثره تترى، يتابعون أدق تفصيلات حجه وعمرته وسائر أعماله.\nثم تبلغ الخشية شَأْوًا عظيمًا ما إنْ يُكَحِّل العين برؤية البيت، وتجوب في أنحائه بمشاهدة الآيات البيِّنات، ثم يرتفع مؤشر الهيبة والخشية إلى ذروته، ونحن نشتمُّ عبق التوحيد، وعبق الرسل والأنبياء والملائكة المكرمين، التي تفوح في جنبات البيت العتيق.\nومع كل معنى نعايشه في إحدى محطات النسك والبيت ثمة أحكام ترافقه في الزمان، والمكان، وخصوص الفعل، ولزوم المتابعة لهدي الكتاب والسنّة، وما لم يؤدّ المسلم حجه موافقًا للصواب، فهو على خطر عظيم من بطلان أو فساد.\nهذه الحاجة التثقيفية في الفكر والروح والأداء هي التي شكلت عندي الحافز للتصنيف في عبادة هي من أجلِّ فرائض وأركان الإسلام في زمن برزت فيه ظاهرة الكتابة في هذا الفن، وبلغت فيه من الكثرة حدًّا يدعو للقلق؛ لأنها في معظمها كتاباتٌ اعتمدت الاختصار والتكرار والنسخ عن بعضها بعضًا دون عَزوٍ، فيما ينسبه كل ناسخ لنفسه، مع إقصاء لغة التحقيق لموضوعاتها، والتخريج لأحاديثها، وهو ما يوحي بطبيعة هذا البعض أنهم ليسوا من أصحاب الاختصاص أو من أنصاف المتعلمين، في ظل غياب للحقوق الفكرية بين بعض رواد هذا المجال الذي يدور حول الإشراف على رحلات الحجاج والعمار إلى الديار المقدسة، والذي لا يرعوي بعض المنتسبين إليه ظلمًا وزورًا في ظل رعونات شخصية أن يحرص على وضع مصنف خاص به أمام الناس ولو","vol":"1","page":9},{"text":"بوسيلة النسخ غير المشروع لإضافة المصداقية على شخصه، وهو الذي يفتقد إلى أيّ جهة علمية رسمية أو غير رسمية توثيق لنا علمه (١).\n\nبدأت في هذه المهمة - بعد أن استشرت واستخرت الله تعالى - فعكفت على الحديث الطويل الذي يروي به جابر - ﵁ - أحداث حجة رسول الله - ﷺ - مرحلة إثر مرحلة، ومحطة تلو أُخرى، من المدينة إلى الميقات، إلى مكة، إلى المشاعر، إلى طواف الوداع، وهي دراسة لا تعتمد الأسلوب التقليدي في تقسيم المناسك إلى أركان وواجبات وآداب، فسرتُ على بركة الله أقطف من ثمار جهابذة العلماء الذين تلقتهم الأمة بالقبول قرابة ثلاث سنين، فلما أُنجز العمل بتوفيق ربي وعنايته، فوجئت بأنّ مصنَّف «الركن الخامس» يخلو من أبحاث رئيسة لم يتناولها جابر في روايته من نحو محرمات الإحرام، ومباحث الكفارات، فانشرح الصدر مرة أخرى لمتابعة البحث في كتاب آخر من خلال ما نظمه العلامة العمريطي في نهاية التدريب في نظم غاية التقريب في فقه السادة، فاخترت لك منها نظم كتاب الحج الذي يبدأ بقوله:\n(كل أمرى فملزم كما أُمِرْ ... بأن يحج مرة ويعتمرْ)\nوانتهى بقوله:\n_________\n(١) بالتأكيد لم أتحدث بكلمتي السابقة عن كتاب معاصرين لهم مصداقيتهم العلمية، من المعاهد أو الجامعات الشرعية سواء منهم من انتمى إلى سلك خدمة ضيوف الرحمن المباشر أو لم ينتم، وفي مقدمة أولئكم فضيلة أستاذنا الدكتور نور الدين عتر، وأستاذنا الدكتور توفيق رمضان البوطي، وأُستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي حفظهم الله تعالى، ونفعنا بهم وبعلومهم آمين، فهؤلاء وأمثالهم لا غنى لأحد عن مصنفاتهم المفيدة، وسمعتهم العلمية التي طارت بالآفاق، وعدالتهم التي هي كنزٌ نادر نفتقده اليوم في شريحة من المسلمين تتصدى للدعوة والعلم دون أن تمتلك أدواته ومرتكزاته.","vol":"1","page":10},{"text":"وشربنا من ماءٍ زمزم ندبْ ... للدين والدنيا وكلِّ ما طُلِبْ\nكالعلمِ والنكاحِ أيضًا والشِّفا ... وأن نزورَ بعدُ قبرَ المصطفى\nصلى عليه ربُّنا وسلّما ... وآله وصحبه وكرَّما\n\nلم أقتصرْ في هذا الكتاب على ما فاتني في سابقه، وإنما جعلت منه سفرًا متكاملًا ومستقلًا عن قرينه في كل شيء، غير أني سلكت مسلك الاختصار فيما سبق لي تغطيته مفصلًا هناك، ثم زدتُ هنا فوائد لم يكتبْ لي المولى تدوينها في «الركن الخامس» من نحو المسائل التي بحثَتها المجامع الفقهية وأصدرت فيها قراراتها بعد أن تعددت فيها آراء الناس وتضاربت، فذكرت كل قرار بنصه، ونسبته إلى المكان والتاريخ الذي صدر فيه توثيقًا مني لمادته، مما جعل العمل في هذا الكتاب مكملًا لما فات مع الكثير من التوفيق والخصوصية.\n\nهذا التصنيف لا يلغي الحاجة إلى مؤلفين معاصرين كنت طوال السنوات المنصرمة أعتمد ما دونوه مرجعًا مزدوجًا لشخصي، ولحجاجي، على حد سواء، من أمثال من صرحت بفضلهم في الحاشية، إلا أن الموضوع الذي تناولته في هذين الكتابين، هو قفزة رائدة - فيما أعتقد - في خطة بحث أكثر شمولية، وذات مقاصد وغايات عديدة، إلى جانب الغوص في الأعماق لسبر أغوار المقاصد الحضارية لرسالة الحج القديمة قدم الإنسان، الباقية مع بقاء نبض الحياة في تاريخ البشر، فهي انعكاس لمعجزة القرآن خاصة، ومعجزة الإسلام عامة، الذي لا يشبع منه العلماء، ولا تنفد كنوزه ولآلئه.\nومع كل خطوة خطوتها كنت ولا أزال أعترف بالفضل لأهله من أُمناء هذه الأمة الذين نذروا حياتهم شمعة تذوب ليحيا الإسلام، لم أستثنِ أحدًا من","vol":"1","page":11},{"text":"متقدمين أو متأخرين أو معاصرين ناسب ذكر أقوالهم في الكتاب من نحو مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد، إلى البخاري ومسلم وأصحاب السنن، إلى النووي والرافعي، إلى ابن حجر الهيثمي وابن حجر العسقلاني إلى الدكتور البوطي والزحيلي ود. عتر وغيرهما من الأئمة والعلماء الثقات الذين وثقت الكثير من موضوعات البحث بنقول عنهم، وزيَّنتُ بها الكتابين، وقاء لهم، وتبركًا بعلمهم وصدقهم، وما أرجوه من المولى ﷾ أن يجعل جهد المقلِّ هذا حسنة مقبولة في ميزان صحائفهم؛ لأنني أجدُ نفسي بالنسبة لكلِّ من بنى فيَّ لبنة نافعة في البيت أو المدرسة أو المسجد أو الجامعة، صدقة جارية في صحيفته، إنْ قُبلتْ فبفضل الله ورحمته، فبذلك فليفرحوا، وإن رُدَّت - لا سمح الله - فبتقصيري وغفلتي وخطيئتي، ولا يظلم ربك أحدًا، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.\n\nمحمد محيي الدين حمادة الغنيمي الميداني\nدمشق في ١٩/ ٣ /٢٠٠٦ م\nالموافق ٢٠/ ٢ (صفر) / ١٤٢٧ هـ","vol":"1","page":12},{"text":"كتاب الحج\nمن نظم الإمام العمريطي الشافعي\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>شروط وجوب الحج</span>\nقال العلامة العمريطي (١) في نظم نهاية التدريب\n(كل أمرى فملزم كما أُمِرْ ... بأن يحج مرة ويعتمرْ)\n(إن كان حرًا مسلمًا مكلفًا ... وأمكن المسير والخوف انتفى)\n(وواجدًا لزاده والراحلهْ ... زيادة عن كل ما يحتاج له)\n_________\n(١) هو العلامة المفضال، والفقيه الصالح الورع، شرف الدين يحيى بن نور الدين موسى بن رمضان بن عميرة العمريطي الشافعي الأنصاري الأزهري، من جمع بين العلم والعمل، وبين الرفعة والتواضع، وبين التحصيل والعطاء، وبين البحث والنظر والفتح الإلهي على يديه، حتى إنه كان أعجوبة في سلاسة وبساطة النظم للأبحاث الفقهية واللغوية والأصولية حيث حلّق في كل هذا واجاد، وتلقته الأمة بالقبول، وعلى الخصوص منها العلماء وطلاب العلوم الشرعية، وهؤلاء وجدوا فيها تسهيلًا لحفظ ما شرفهم الباري من حمل راية علومه. ألف إمامنا العمريطي نظمين في اللغة أحدهما هو هذا الذي اخترنا لك منه ما يختص بأحكام الركن الخامس وهو ما يسمى بغاية الاختصار أو «نهاية التدريب في نظم غاية التقريب» ولم يشير إلى تاريخ نظمه.\nوصنف القاضي أبو شجاع ... مختصرًا في غاية الإبداع\nوغاية التقريب والتدريب ... فصار يسمى غاية التقريب\nمع كثرة التقسيم في الكتاب ... وحصره خصال كل باب\nنظمته مستوفيًا لعلمه ... مسهلًا لحفظه وفهمه\nالثاني في الفقه هو «تحرير تنقيح اللباب» كما نظم «تسهيل الطرقات في نظم الورقات» التي اشتهرت بين الأصوليين، وهي في الأصل لإمام الحرمين أرّخ للتسهيل في ربيع الأول ٩٨٩ هـ، و«الدرة البهية في نظم الآجرومية» التي اشتهرت بين اللغويين أتم نظمها في العام ٩٧٠ هـ، كما ألف «التيسير» في نظم «التحرير» في الفقه أرّخ لإتمامه في شهر رجب في العم ٩٨٨ هـ. نسبة الشيخ إلى عَِمْريط بفتح العين وكسرها من أعمال بلبيس من نواحي الشرقية بمصر وفاته كما قال المترجمون بعد العام ٩٨٩ هـ أي بعد ١٥٨٠ م.\nانظر الأعلام للزركلي جـ ٨ صـ ١٧٥ ـ. وتهذيب تحفة الحبيب للعلامة الفشني بعناية قاسم النوري.","vol":"1","page":13},{"text":"الحج إلى بيت الله الحرام فريضة ثابتة من فرائض الإسلام، وليست أمرًا مستحدثًا ابتدعه الفقراء. كما يروق لبعض السطحيين أن يزعم! ثم رسوخ هذا الركن الشامخ ليس من المناسك الخاصة بهذه الأمة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦].\nوبين أبي الأنبياء إبراهيم وخاتم الأنبياء محمد عليهم الصلاة والسلام قرابة ألفي عام.\nوقد مر معك من روايات مسلم أسماء الأنبياء الذين ورد ذكرهم أنهم حجوا بيت الله الحرام، ومنهم موسى - ﵇ -، لذلك ورد في الأثر أنه ما من نبي إلّا وحج بيت الله الحرام، وان آدم حج البيت ماشيًا، وانه أول من حج من عباد الله ﷿ ورسله وأنبيائه (١).\nولما للحج من فضيلة عظمى فقد ذهب بعض أهل العلم إلى عده أفضل العبادات، لذلك قال الحليمي:\n«الحج يجمع معاني العبادات كلها. فمن حج فكأنما صام وصلى واعتكف وزكى ورابط في سبيل الله وغزا، لأنا دعينا إليه ونحن في أصلاب الآباء كالإيمان الذي هو أفضل العبادات» (٢).\n_________\n(١) انظر مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للعلامة الإمام محمد الخطيب الشربيني جـ ١ ص ٤٦٠.\n(٢) الراحج المعتمد أن الصلاة أفضل منه، لأنها ركن الإسلام الرئيسي وعماده الأول، ولورود أحاديث في ذلك منها الصلاة خير موضوع ... وهو ما نص عليه العلامة الخطيب الشربيني بعد أن ساق كلام الحليمي. انظر المرجع والجزء والصفحة.","vol":"1","page":14},{"text":"ولقد اختلف العلماء في السنة التي فرض فيها الحج إلى البيت العتيق، بسبب اختلافهم في الزمن الذي خرجت فيه أدلة فرض الحج على هذه الأمة، لذلك آل الأمر إلى الاجتهاد في تحديد عام الوجوب بواسطة القرائن:\nبداية: المشهور عند عامة الفقهاء أنه فرض بعد الهجرة، لكن متى؟\nالقول الأول: أنه فرض في السنة الخامسة من الهجرة، وهو ماجرم به الرافعي في الكلام على أن الحج على التراخي (١).\nالقول الثاني: أنه في السنة الثانية للهجرة. قال العلامة الشربيني: «وصححاه في كتاب السير، ونقله في المجموع عن الأصحاب، وهذا هو المشهور».\nالقول الثالث: أنه في السنة الثامنة منه. حكاه في الأحكام السلطانية.\nالقول الرابع: أن فرضه وقع في السنة التاسعة، كذا حكاه في الروضة، وصححه القاضي عياض.\nهذه خلاصة أقوال العلماء في زمن مشروعية الحج (٢) لكن القول الأخير منها هو ما رجحه أُستاذنا االدكتور مصطفى ديب البغا وكذلك أُستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي - حفظهما الله تعالى.\nقال فضيلة الشيخ د. مصطفى البغا: «لعل أرجح ما قيل في تحديد الزمن الذي شرع فيه الحج والعمرة أنه العام التاسع من هجرة النبي - ﷺ -، بدليل قوله\n_________\n(١) هذه الأقوال نقلًا عن نفس المرجع والجزء والصفحة.\n(٢) ثمة قول أخر وهوأن الحج فرض في السنة العاشرة، قال العلامة الخطيب الشربيني: قيل في العاشرة قال بعضهم: وهوغلط. انظر المرجع والجزء والصفحة.","vol":"1","page":15},{"text":"﵊: فيما رواه الشيخان، لوفد عبد القيس الذين قدموا على النبي - ﷺ - في أول العام التاسع للهجرة، وقد سألوا عن الأوامر التي يجب أن يأتمروا بها: [آمركم بالإيمان بالله، إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخُمسَ من المغنم].\nفلوكان الحج مفروضًا قبل ذلك، لعده في جملة الأوامر التي وجهها إليهم» (١).\nوقال فضيلة الشيخ د. وهبة الزحيلي: «وتاريخ مشروعيته على الصحيح أن الحج فرض في أواخر سنة تسع من الهجرة، وأن آية فرضه هي قوله تعالى:\n﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] نزلت عام الوفود أواخر سنة تسع وهو رأي أكثر العلماء، وأنه - ﷺ - لم يؤخر الحج بعد فرضه عامًا واحدًا، وإنما أخره - ﵇ - للسنة العاشرة لعذر، وهو نزول الآية بعد فوات الوقت، فكان حجه بعد الهجرة حجة واحدة سنة عشر كما روى أحمد ومسلم» (٢).\nفأقوال العلماء اختلفت في السنة التي وجب فيها الحج إلى بيت الله الحرام، لكنها اتفقت على أن رسولنا الكريم - ﷺ - حج مرة واحدة بعد الهجرة، لأجل هذا قال الإمام العمريطي:\nكل أمراءٍ فملزم كما أُمِرْ ... بأن يحج مرة ويعتمرْ\n_________\n(١) الفقه المنهجي، قسم العبادات وملحقاتها، كتاب الحج والعمرة صـ ١١٤. ولدى الاستقراء تبين لي أنه عين الذي ذهب إليه أُستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي حفظه الله، الذي ذكر ذات استدلال أُستاذنا الدكتور مصطفى البغا باستثناء شيء واحد وهو أنه يذكر أن الحج فرض في السنة العاشرة للهجرة، وليس في أواخر السنة التاسعة منه. انظر فقه السيرة فصل: حجة الوداع صـ ٤٧٩.\n(٢) الفقه الإسلامي وادلته جـ ٣ صـ ٢٠٦٥.","vol":"1","page":16},{"text":"فالحج لا يجب في العمر إلّا مرة واحد؛ يشهد لهذا الحديث الذي رواه النسائي ومسلم واللفظ له عن أبي هريرة ﵁ - قال: خطبنا رسول الله «فقال: يا أُيّها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا فقال رجل (١): أكلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، ثم قال: ذروني ما تركتكم، ولو قلتُ نَعَم لوجبت، ولما استطعتم» (٢)، ثم قال: «فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم (٣)، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» (٤).\nودليل آخر نقرؤه في صحيحي البخاري ومسلم واللفظ المسلم عن قتادة أن أنسًا ﵁ أخبره أن رسول الله - ﷺ - أعتمر أربع عُمر كلهن في ذي العقدة، إلَّا التي مع حجته (٥):\n_________\n(١) قال الإمام النووي: هذا الرجل هو الأقرع بن حابس كذا جاء مبَّينًا في غير هذه الرواية. انظر صحيح مسلم بشرح النووي جـ ٩ صـ ٤٦٤.\n(٢) قال النووي: دليل على أن الأصل عدم الوجوب، وأنه لا حكم قبل ورود الشرع، وهذا هو الصحيح عند محققي الأصوليين لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ شَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.] الإسراء الآية ١٥]. انظر نفس المرجع والجزء والصفحة.\n(٣) قال النووي: هذا من قواعد الإسلام المهمة، ومن جوامع الكلم التي أُعطيها رسول الله ﷺ ثم قال: وهذا الحديث موافق لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: الآية ١٦]، وأما قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ففيها مذهبان: أحدهما أنها منسوخة بقوله تعالى: فاتقوا الله ما أستعطتم والثاني وهو الصحيح أو الصواب وجزم به المحققون أنها ليست منسوخة، بل قوله تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم مفسرة لها ومبينة للمراد بها. قالوا: وحق تقاته: وهو امتثال أمره،، واجتناب نهيه. انظر نفس المرجع والجزء صـ ٤٦٤ - ٤٦٥.\n(٤) صحيح مسلم (١٣٣٧/ ٤١٢).\n(٥) قال إمامنا النووي: وكانت إحداهنّ في ذي القعدة عام الحديبية سنة ست من الهجرة، وصُدَّوا فيها فتحللوا وحسبت لهم عمرة، والثانية في ذي العقدة وهي سنة سبع وهي عمرة القضاء، والثالثة في ذي القعدة سنة ثمان، وهي عام الفتح، والرابعة مع حجته وكان إحرامها في ذي القعدة، وإعمالها في ذي الحجة. وأما قول ابن عمر إن إحداهنّ كانت في رجب فقد أنكرته عائشة، وسكت ابن عمر حين أنكرته، قال العلماء: هذا يدل على أنه أشتبه عليه أو نسي أوشك، ولهذا سكت عن الإنكار على عائشة ومراجعتها بالكلام ... انظر مسلم بشرح النووي صـ ٨ صـ ٣٨١.","vol":"1","page":17},{"text":"عمرة من الحديبية، وعمرة من العام المقبل في ذي العقدة، وعمرة من جعرانة حيث قسم غنائم حُنَين في ذي القَعْدة، وعمرة مع حجته (١)» (٢).\nوفي رواية عند مسلم قال: حجةً واحدة، واعتمر أربع عمر .. (٣)\nوفي رواية عن مسلم بن زيد بن أرقم: ... وأنه حجّ بعد ما هاجر حجة واحدة (٤)\nوهل حجّ رسول الله - ﷺ - غير هذه الحجة؟\nيجيب عن هذا التساؤل أستاذنا العلامة الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي بقوله: «اختلف العلماء: هل حجّ رسول الله - ﷺ - غير هذه الحجة في الإسلام؟ فقد روى الترمذي وابن ماجة أنه - ﷺ - حجّ ثلاث حجج قبل هجرته إلى المدينة. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وهو مبني على عدد وفود الأنصار إلى العقبة بمنى بعد الحج. فإنهم قدموا أولًا فتواعدوا، ثم قدموا ثانيًا فبايعوا\n_________\n(١) هذه العمرة هي التي أدخلها رسول الله - ﷺ - على الحج فصار قارنًا بعد أن كان أول الأمر مفردًا، وما ذلك إلّا مخالفة للمشركين الذين كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور. ولم يعتمر رسول - ﷺ - بعد انقضاء النسك عمرة مستقلة في شوال أو محرم، بينما فعلته عائشة من التنعيم فاعتمرت في سنة واحدة مرتين: مرة في قرانها، وأخرى بعد الحج من التنعيم بإذن من رسول الله - ﷺ -. وفي هذا دليل على جواز العمرة أكثر من مرة في العام الواحد وهو مذهب الجمهور خلافًا للمالكية.\n(٢) صحيح البخاري برقم (١٧٨٠) مسلم (١٢٥٣/ ٢١٧).\n(٣) هذه الرواية تحمل نفس الرقم عند مسلم.\n(٤) صحيح مسلم (١٢٥٤/ ٢١٨).","vol":"1","page":18},{"text":"البيعة الأولى، ثم قدموا ثالثًا فبايعوا البيعة الثانية. اهـ.\nومنهم من روى أنه ﵊ كان يحج كل سنة قبل أن يهاجر، وأيًا ما كان الأمر، فإن مما لا شك فيه أن وجوب الحج إنما شرع في العام العاشر من الهجرة، فلم يكن واجبًا قبل ذلك، ولم يحج النبي - ﷺ - بعدها غير هذه الحجة» (١).\nقال مسلم: قال أبو إسحاق: وبمكة أُخرى أي حجة قبل الهجرة (٢).\nوقد يجب الحج أكثر من مرة لعارض كما لو نذر أن يحج، وكذا فيما لو أفسد حج التطوّع فيلزمه القضاء وجوبًا (٣).\nوقد يحرم الحج إلى بيت الله كما لو حج بمالٍ حرام، لكنه لا يبطل بذلك فيما لو أتى به صاحبه صحيحًا بلا مفسد، إلّا أنه لا يبلغ به رتبة الحج المبرور، ولا يعفى فيه من الإثم والحرمة، فهو نظير الصلاة فوق أرض مغصوبة، أو الوضوء بماء مغصوب (٤).\nومن صور الحج الذي تلازمه صفة الحرمة إحرام الزوجة بحج النفل، فللزوج منعها، وله تحليلها أيضًا لفوات حقه؛ لأنه على الفور، والنسك على التراخي، ويلحق بها الولد إذا أحرم بحج التطوع من غير رضى والده، فقد أثم\n_________\n(١) انظر فقه السيرة لأستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، فصل حجة الوداع، في العبر والعظات صـ ٤٧٩.\n(٢) قال النووي: يعني قبل الهجرة، وقد روي في غير مسلم قبل الهجرة حجتان انظر صحيح مسلم بشرح النووي جـ ٨ صـ ٣٨٢.\n(٣) مغني المحتاج للشربيني جـ ١ ص ٤٦٠.\n(٤) الفقه الإسلامي وأدلته الدكتور وهبة الزحيلي جـ ٣ ص ٢٠٧٢.","vol":"1","page":19},{"text":"بذلك، وللأب تحليله أيضًا (١).\nوقد يكره الحج فيما لو منع الوالد ولده من حجة الإسلام، فلا يلزمه طاعته في هذا (٢).\nوالحج الذي يلزم المرء المسلم مرة واحدة في عمره لا يجب على الفور عند الشافعية ومن وافقهم (٣)، لأن العمر كله منذ الاستطاعة وقت للأداء، لكن بشرط العزم على الفعل في المستقبل. قال العلامة الشربيني: وإنّ أخَّر بعد التمكن، وفَعَلهُ قبل أن يموت لم يأْثَمْ لأنه - ﷺ - أخره إلى السنة العاشرة بلا مانع، وقيس به العمرة (٤)، لكن التأخير إنما يجوز بشرط العزم على الفعل في المستقبل كما مر بيانه في الصلاة، وأن لا يتضيق بنذر أو قضاء أو خوف عضب (٥) فلو خشي من وجب عليه الحج أو العمرة العضب حرم عليه التأخير، لأن الواجب الموسع إنما يجوز تأخيره بشرط أن يغلب على الظن السلامة إلى وقت فعله. قال في المجموع: قال المتولي: ومثله من خشي هلاك ماله (٦).\nولا يتنافى الوجوب على التراخي مع الندب بأداء الحج أو العمرة عقب\n_________\n(١) حاشية العلامة ابن حجر الهتمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي من ص ٢٦ إلى صـ ٢٨.\n(٢) قال العلامة ابن حجر الهتمي في حاشيته على شرح الإيضاح للنووي ص ٢٧ في الزوجة واستئذان زوجها: وخلاصة المعتمد منه أنه يسن للحرة استئذان زوجها في الإحرام بنسكها كما قال الشيخان ولا ينافيه قول المصنف هنا وفي المجموع له منعها من حجة الإسلام فإنه لا يلزم من جواز منعه حرمة إحرامها بغير إذنه.\n(٣) هو الإمام محمد صاحب الإمام أبي حنيفة النعمان. انظر الحج والعمرة في الفقه الإسلامي لأستاذنا د. نور الدين عتر صـ ١٣.\n(٤) أي العمرة لا تجب على الفور مثل الحج.\n(٥) العضب هو العجز عن الحج بنفسه لزمانة أو لهرم ونحوهما. انظر صحيح مسلم بشرح النووي جـ ٩ ص ٤٦١\n(٦) مغني المحتام للخطيب الشربيني جـ ١ ص ٤٦٠ - ٤٦١.","vol":"1","page":20},{"text":"الوجوب فورًا (١)؛ لأن السنة أن لا يؤخر الفعل عن عام الإمكان مبادرة منه إلى براءة ذمته، ومسارعة إلى التلبس بالطاعة، وامتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، لأن التأخير ربما عرّض الحج إلى الفوات، بسبب ما يفاجئ الإنسان من حوادث الزمان، وربما انتهى به الأمر إلى الإثم العظيم، بتركه إن مات قبل أن يتمكن من القيام بالنسك (٢) ولقد رجح أستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي مذهب الشافعية في هذه المسألة بقوله: وهذا الرأي أولى ليسره على الناس، وعدم الحكم بالتأثيم؛ ولأن الأحاديث التي احتج بها الجمهور كلها ضعيفة، والحج فرض سنة ست عند نزول آل عمران كما حقق الشافعية، ومن قال إنه فرض سنة عشر فقد أخطأ؛ لأن السورة نزلت قبلها قطعًا، لكن تعجيل الحج ضروري للاحتياط (٣)\nوالحج لا يجب على كل فرد مسلم على إطلاقه إلّا إن كان بالغًا، واستطاع إلى ذلك سبيلًا؛ لأنه عبادة مالية؛ مرتبط بالقدرة على تحصيل المال الكافي لذلك. من هنا قال الإمام العمريطي:\n(إن كان حرًا مسلمًا مكلفًا ... وأمكن المسير والخوف انتفى)\n(وواجدًا لزاده والراحلة ... زيادة عن كل ما يحتاج له)\n_________\n(١) قال أستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي في الفقه الإسلامي وأدلته جـ ٣ ص ٢٠٧٣: قال أبو حنيفة والمالكية في أرجح القولين والحنابلة: يجب الحج بعد توافر الاستطاعة وبقية الشروط الآتية على الفور في العام الأول، أي في أول أوقات الإمكان، فيفسق وترد شهادته بتأخيره سنينًا؛ لأن تأخيره معصية صغيره، وبارتكابه مرة لا يفسق إلّا بالإصرار ...».\n(٢) مغني المحتاج جـ ١ ص ٤٦٠.\n(٣) الفقه الإسلامي الزحيلي جـ ٣ ص ٢٠٧٤ لكن هذا الخلاف ما رجحه في موضع آخر كمات مرَّ.","vol":"1","page":21},{"text":"فلا يجب الحج على الكافر الأصلي وجوب مطالبة في الدنيا؛ لأنه لا إكراه في الدين. وكذلك لا يصح منه لو فعله.\nولا يجب على غير البالغ (أي الصبي) ولا مجنون لعدم تكليفهما به كسائر العبادات، لحديث: رُفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يبرأ (١)، لكن يصح من الصبي المميز إن باشره بإذن الولي، وأمّا الصبي غير المميز فيشترط فيه أن يحرم عنه الولي ومثله المجنون (٢). والدليل ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - لقي ركْبًا بالرَّوْحاء، فقال: من القوم؟ قالوا: المسلمون. فقالوا: مَن أنت؟ قال: رسول الله. فرفعتْ إليه امرأةٌ صبيًا فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر (٣).\nقال الإمام النووي: «فيه حجة للشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء أن حجّ الصبي منعقد صحيح يثاب عليه وإن كان لا يجزيه عن حجة الإسلام، بل يقع تطوعًا، وهذا الحديث صريح فيه. وقال أبو حنيفة: لا يصح حجه. قال أصحابه: وإنما فعلوه تمرينًا له ليعتاده فيفعله إذا بلغ، وهذا الحديث يردّ عليهم».\nأما الفقير لو حج فإنه يصح منه، ويجزئ عنه، ولو لم يجب عليه أصلًا (٤).\nوبهذا نعلم للاستطاعة شروطًا:\nمنها وجود الراحلة التي هي وسيلة نقله من بلده إلى البيت الحرام؛ لأنها\n_________\n(١) ذكر الحديث صاحب الفقه المنهجي صـ ١٢٢ وقال: رواه ابن حيان والحاكم وصححاه.\n(٢) تهذيب تحفة الحبيب في شرح نهاية التدريب، للعلامة شهاب الدين أحمد بن حجازي الفَشْني صـ ١٩٩.\n(٣) صحيح مسلم (١٣٣٦/ ٤٠٩).\n(٤) تهذيب تحفة الحبيب ... للعلامة الفَشْني صـ ١٩٩.","vol":"1","page":22},{"text":"هي التي سترحل به إلى هناك، وتعرف اليوم بالطائرة أو الحافلة أو السفينة.\nويشترط في هذه الراحلة أن تكون فاضلة عن دينه ومؤنة من تلزمه نفقتهم مدة ذهابه وإيابه. قال الشافعية: والأصح اشتراط كونه فاضلًا عن مسكنه وعبدٍ يحتاج إليه لخدمته (١).\nوذهب الشافعية أيضًا إلى أنّ مَن له مال تجارة، أو مستغلات يحصّل منها نفقته وجب عليه بيعها وصرفها للزاد والراحلة لأجل الحج في الأصح؛ لأنّ الفريضة دين عليه وهو يملك المال الكافي لأدائه فأشبه من عليه دين لأجنبي حيث يلزمه صرفُ مال تجارته لقضاء دينه (٢).\nواشتراط الراحلة لمن بينه وبين مكة أكثر من مرحلتين. أما مَن كان بينه وبين مكة المكرمة أقل من مرحلتين، وكان قادرًا على المشي لزمه الحج ماشيًا، ولو لم يملك أُجرة الراحلة استئجارًا، أو ثمنها شراء، ولا يعتبر في حقه وجود الراحلة (٣) ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة كما ذهب إليه الإمام الرافعي (٤).\nومن كان بينه وبين مكة مرحلتان فأكثر، وكان قادرًا على المشي، ولا يملك الراحلة، لم يلزمه الحج وجوبًا، لكن يندب في حقه ذلك خروجًا من خلاف من أو جبه (٥).\n_________\n(١) هي عبارة النووي في المنهاج. انظر مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للخطيب الشربيني جـ ١ صـ ٤٦٥.\n(٢) نفس المرجع والجزء والصفحة.\n(٣) تهذيب تحفة الحبيب في شرح نهاية التدريب للعلامة الحجازي الفَشْني صـ ٢٠٠.\n(٤) مغني المحتاج للعلامة الشربيني جـ ١ صـ ٤٦٣.\n(٥) نفس المرجع والجزء والصفحة.","vol":"1","page":23},{"text":"ومن شروط الاستطاعة أن يثبت الحاج على الراحلة بلا مشقة شديدة.\nدليل ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عباس أنه قال: كان الفَضلُ بن عباسٍ رديف رسول - ﷺ -، فجاءته امرأة من خَثْعَم تستفتيه، فجعل الَفضلُ ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله - ﷺ - يصرف وجه الفضل إلى الشق الأخر. قالت يا رسول الله: إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم، وذلك في حجة الوداع. (١) وفي رواية أخرى عند مسلم: إن أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج، وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره، فقال النبي - ﷺ - فحجي عنه (٢).\nقال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث العظيم المنافع:\nهذا الحديث فيه فوائد:\nمنها جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة.\nوجواز سماع صوت الأجنبية عند الحاجة في الاستفتاء والمعاملة وغير ذلك.\nومنها تحريم النظر إلى الأجنبية.\nومنها إزالة المنكر باليد لمن أمكنه.\nومنها جواز النيابة في الحج عن العاجز الميؤوس منه بهرم أو زمانه أو موت.\nومنها جواز حج المرأة عن الرجل.\n_________\n(١) صحيح مسلم (١٣٣٤/ ٤٠٧).\n(٢) صحيح مسلم (١٣٣٥/ ٤٠٨).","vol":"1","page":24},{"text":"ومنها بر الوالدين بالقيام بمصالحهما من قضاء دين وخدمة وحج عنهما وغير ذلك.\nومنها وجوب الحج على من هو عاجز بنفسه مستطيع بغيره كولده، وهذا مذهبنا؛ لأنها قالت: أدركته فريضة الحج كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة (١).\nومنها جواز قول حجة الوداع، وأنه لا يكره ذلك، وسبق بيان هذه مرات.\nومنها جواز حج المرأة بلا محرم إذا أمنت على نفسها وهو مذهبنا» (٢).\nومن شروط الاستطاعة أن يجد كل ما يحتاج إليه من مأكل ومشرب وملبس، حتى السُّفْرة (٣) التي يأكل عليها في ذهابه إلى رجوعه إلى بلده (٤).\nكل هذا؛ لأن الغربة في السفر تورث صاحبها وحشة، حيث يتنازعه الشوق والحنين إلى الأهل والأوطان، فكان لا بد من مال يغطي نفقات الرحلة، يغدو به الحاج عزيزًا كريمًا، لا يجمع إلى غربة الوطن ووحشته، هلاك النفس في الطريق، وهلاك الأهل في محل الإقامة، وكل هذا من اعتدال الإسلام الذي ربط الحج\n_________\n(١) هذا هو النوع الثاني من الاستطاعة، أي استطاعة غير مباشرة، وهو الذي يستطيع تحصيل الحج بغيره، سواء كان معضوبًا فوكّل غيره به وكان يملك أجرة من يحج عنه بأجرة المثل، فيلزمه ذلك، أو مات ولم يحج، وفي تركته مال وجب الإحجاج عنه من تلك التركة.\nقال الإمام النووي: «وقال الشافعي والجمهور: يجوز الحج عن الميت عن فرضه ونذره سواء أوصى به أم لا، ويجزئ عنه، ومذهب الشافعي وغيره أن ذلك واجبٌ في تركته. وعندنا يجوز للعاجز الاستنابة في حج التطوع على أصح القولين». انظر نفس المرجع والجزء ص ٤٦١ - ٤٦٢.\n(٢) صحيح مسلم بشرح النووي جـ ٩ صـ ٤٦١.\n(٣) السُّفرة هي طعام يتخذ للمسافر.\n(٤) تهذيب تحفة الحبيب ... للعلامة الحجازي الفشني صـ ٢٠٠.","vol":"1","page":25},{"text":"بالاستطاعة المالية التي لا يتحقق الركن الخامس بغيابها. لا بل بلغ بالعمق الحضاري بديننا الحنيف أن ربط الراحلة التي اشترطها بهذه الرحلة المباركة بما يصلح لمثل الحاج في مكانته وهيئته. فلم يشترط أي راحلة يستطيعها الناس بإمكانياتهم المادية المحدودة، ولهم مقام ونظرة احترام خاصة في مجتمعاتهم، لذلك قال العلامة الشربيني: من شرط الاستطاعة وجود الراحلة الصالحة لمثله .. (١).\nولم يشترطوا فيها الشراء كما ذكرتُ لك، كما لم ينحوا في ذلك المنحى المادي الضيق الذي يجعل مقامات الناس حسب أرصدتهم المالية في البنوك، وإنما جعل الصالح لمثل هذا الشخص الذي لا تهتك به حرمة كرامته ولو كان فقيرًا ليس بحوزته شيء، كما لو كان من أهل العلم والجاه أو الصلاح أو الجهاد والفتوحات.\nومن الاستطاعة أمن الطريق جواُ أو بحرًا أوبرًا. فلو خاف على نفسه أو ماله سَبُعًا من سباع الأرض، أوعدوًّا يتربص به، أو رَصَديًا يقطع عليه الطريق، ولا طريق له سواه لم يجب الحج (٢).\nويشترط في المرأة أن يخرج معها زوج أو محرم أو نسوة ثقات، كما يلزمها أجرة المحرم إذا لم يخرج إلّا بها (٣).\nوالأعمى يجب عليه الحج والعمرة إن وجد قائدًا يقوده ويهديه عند نزوله ويركبه عند ركوبه (٤).\n_________\n(١) مغني المحتاج للعلامة الشربيني جـ ١ صـ ٤٦٣.\n(٢) نفس المرجع والجزء صـ ٤٦٥.\n(٣) تهذيب تحفة الحبيب ... للعلامة الحجازي الفشني صـ ٢٠٠.\n(٤) مغني المحتاج للعلامة الشربيني جـ ١ صـ ٤٦٨.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>أركان الحج</span>\nقال الإمام العمريطي:\n(أركانه الإحرام والوقوف معْ ... حلق وسعي والطواف إذْ رجعْ)\n(وكلها غير الوقوف تعتبرْ ... أركان كلِّ عمرة بها اعتمر)\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>الركن الأول من أركان الحج هو الإحرام </span>بأن ينوي الدخول في الحج لخبر البخاري: إنما الأعمال بالنيات، وهو العزم على الدخول في الحج أو العمرة، أوكليهما، أو بإطلاق النسك دون تعيين أحد الأنواع الثلاثة، والتعيين أفضل (١). ولو نوى حجتين أو نصف حجة انعقد حجة واحدة، وكذا نقول في إحرامه بالعمرة. كل ذلك قياسًا على الطلاق في مسألة النصف، ومثله ما لو نوى بتيمم فريضتين لا يستبيح به إلّا فريضة واحدة (٢).\nوالمحرم ينوي ويلبي، فإن لبى بلانية لم ينعقد إحرامه، وإن نوى ولم يلبِّ انعقد على الصحيح (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>الركن الثاني الوقوف بعرفة </span>(٤): ويبدأ الوقوف من زوال شمس اليوم\n_________\n(١) مغني المحتاج للعلامة الشربيني جـ ١ صـ ٢٧٦ - ٢٧٧.\n(٢) نفس المرجع والجزء صـ ٢٧٦.\n(٣) نفس المرجع والجزء صـ ٤٧٨.\n(٤) عرفة أو عرفات يقال إنها سمت بذلك لتعارف آدم وحواء فيها؛ أو لأن جبريل - ﵇ - عرّف فيها إبراهيم - ﵇ - المناسك؛ أو لأن الناس يعترفون فيها بذنوبهم، وهي مشعر خارج حدود الحرم المكي تقع إلى الجنوب الشرقي منه على بعد ٢٢ كم من طريق شارع المسجد الحرام. إجماليُّ مساحتها ١٠.٤ كم ٢. وفي أرض عرفة جبل الرحمة ويسمى النابت؛ لأنه مالنبتة في الأرض السهل، وبأسفل هذا الجبل مسجد الصخرات على يمين الصاعد إليه =","vol":"1","page":27},{"text":"التاسع، والأفضل أن يقفوا هناك إلى ما بعد الغروب قليلًا. ولا يدخلونها قبل الزوال ويكثر الحاج من الدعاء هناك، ويستغفر للمؤمنين في دعائه لقوله - ﷺ -: اللهمّ اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج. رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد (١)، ويكثر من ذكر الله تعالى والتكبير والتهليل.\nويجري في الموقف الاستماع لخطبتي الإمام أو نائبه، ويصلون خلفه الظهر والعصر جمع تقديم قصرًا للاتباع.\nقال العلامة الخطيب الشربيني: «وليحذر من التقصير في هذا اليوم فإنه أعظم الأيام، والموقف أعظم المجامع يجتمع فيه الأولياء والخواص، ويكثر البكاء مع ذلك، فهناك تسكب العبرات، وتقال العثرات» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>الركن الثالث: الحلق أو التقصير</span>؛ وهو ركن لتوقُّف التحلل عليه؛ ولأنه لا يجبر بالدم كالطواف وهو نسك على المشهور، فيثاب عليه؛ لأن الحلق أفضل من التقصير؛ ولأن التفضيل كما تعلم يقع في العبادات دون المباحات. قال العلامة الشربيني: وروى ابن حيان في صحيحه أنه - ﷺ - قال: لكل من حلق رأسه بكل شعرة سقطت نور يوم القيامة (٣).\n_________\n= وهو مرتفع قليلًا عن الأرض يحيط به جدار قصير، وفيه صخرات كبار وقف عندها رسول الله - ﷺ - عشية عرفة وهو على ناقته القصواء. وفي أسفل جبل الرحمة مجرى عين زبيدة. يرتفع جبل الرحمة عن سفحه (٦٥) مترًا، وعدد الردجات التي تصل إلى قمته (١٦٨) درجة، وهو يقع بين الطريق (٧) والطريق (٨). انظر «تاريخ مكة المكرمة قديمًا وحديثًا» د. محمد إلياس عبد الغني من صـ ١١٥ - إلى صـ ١٢٠.\n(١) مغني المحتاج للعلامة الشربيني جـ ١ صـ ٤٩٧.\n(٢) نفس المرجع والجزء والصفحة.\n(٣) نفس المرجع والجزء صـ ٥٠٢.","vol":"1","page":28},{"text":"وأقل التقصير ثلاث شعرات بأي وسيلة كانت، لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٧] والتقدير محلقي شعور رؤوسكم؛ لأن الرأس لا يحلق، وإنما شعوره هي التي تحلق، وفي تقصيره تكرر ذات المسألة، لذلك فإنّ أقل التقصير ما يقع عليه مسمّى الجمع وهو الثلاث، ثم إن فعله (يدل عليه).\nقال الخطيب الشربيني: ولو لم يكن هناك إلّا شعرة وجب إزالتها (١).\nولا بد أن يكون من شعر الرأس، ومن لا شعر برأسه فلا يقوم مقامه شيء من شعر اللحية أو غيرها من شعر البدن. ويستحب إمرار الموسى عليه.\nويجزي في الحلق أو التقصير الشعر الذي يحاذي الرأس قطعًا، كالمسترسل النازل عن حد الرأس.\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>الركن الرابع: السَّعي</span>، ويفعله بعد طواف صحيح من قدوم أو إفاضة، ونقل الماوردي الإجماع على ذلك.\nويخرج إلى السعي من باب الصفا ندبًا، وهو الباب المقابل لما بين الركنين اليمانيين، وشرطه أن يبدأ بالصفا، وأن يختم بالمروة، وأن يسعى بينهما سبعًا، ويشترط الترتيب بينهما، لكن لا تشترط الموالاة بين مراته كالطواف، لا بل ذلك فيه أولى.\nومن سعى بعد طواف قدوم لم تسن له إعادة السعي بعد طواف الإفاضة؛ لأنه لم يرد في ذلك شيء من السنة؛ ولأنه ليس قربة في نفسه فهو كالوقوف بعرفة (٢) هذه الإعادة تجب في صورة واحدة، وهي فيما لو بلغ الصبي بعرفة (٢)،\n_________\n(١) نفس المرجع والجزء صـ ٥٠٣.\n(٢) وهما - أي السعي والوقوف - بخلاف الطواف؛ لأنه قربة شرعية بنفسه.","vol":"1","page":29},{"text":"فحينئذ يخرج حجه من دائرة التطوع إلى عنوان الوجوب.\nويسن التحميد والتهليل للإتباع؛ لأنه من لون الذكر الذي يسن في هذا الموضوع.\nقال العلامة الفَشْني: وإنما جعل التحميد والتهليل دعاء؛ لأنه ثناء على الله ﵎، وقد قال - ﷺ - حكاية عن الله تعالى: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين. وقد قال الشاعر:\nأأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إنّ شيمتك الحياء\nإذا أثنى عليك المرء يومًا ... كفاه من تعرضه الثناء (١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>الركن الخامس الطواف:</span>\nالطواف حول البيت بأنواعه (٢) هو انسجام الإنسان في دورانه حول البيت العتيق مع دوران الكواكب والأفلاك والوجود كله حيث يطوف الكون بأسره امتثالًا لأمر الله تعالى عكس عقارب الساعة، تمامًا كما يطوف المسلم، بدءًا من الحجر الأسود حيث يجعله عن يساره، في خطورة رائدة لا يفعلها المسلمون إلّا في المسجد الحرام؛ لأنهم دائمًا يبدؤون بميامينهم في تنعلهم وترجلهم وطهورهم وفي شأنهم كلهم. وإذا كان الاتّباع هو الباعث الحثيث لطواف الصحابة حول الكعبة المشرفة إقتداء منهم بالنبي - ﷺ - الذي فعل ذلك بأمر من ربّ العزة، ذهابًا منه على جادة إبراهيم - ﵇ -، فإن الأمة الإسلامية اليوم بوسعها أن تتلمس وجهًا\n_________\n(١) تهذيب تحفة الحبيب ... للعلامة الحجازي الفَشني صـ ٢٠٥.\n(٢) طواف القدوم هو سنة - كما تعلم ـ، وطواف الإفاضة ركن: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، وطواف الوداع واجب.","vol":"1","page":30},{"text":"إعجازيًا جديدًا لهذا الدين من خلال يقين الجميع بان الذي فعله الأنبياء والرسل وأتباعهم يوافق حركة الوجود الكوني قاطبة في جريانه المستقر المرسوم دورانًا من جهة اليسار الأيمن.\nفهل من دليل أوضح من هذا يظهر أن بصمة مبدع الحياة بمجراتها ومخلوقاتها، وبصمة منزل الكتاب والأحكام تكليفًا وتشريفًا واحدة، وأنها تحكي العبودية والولاء لله رب لعالمين؟ .\nوهل من بيان أوفى من هذه اللوحة الإعجازية التي تشير إلى أن الوجود المترامي الأطراف يتحرك وفق الخطى المرسومة له خضوعًا قسريًا لسلطان ذي العزة المتعال، بينما الكائن البشري الذي زوده الله بالنظر والإرادة شُرف بالانصياع والاختيار لصاحب الإيجاد والإمداد، لكن بدافع العقل وضيائه، والفطرة وصفائها.\nوكأني بهذا الوجود الكوني يطوف حول الكعبة المشرفة كل ضمن مساره، مسبحًا لله تعالى، بدءًا من إلكترونات الذرة وبروتونات النواة، ومرورًا بالكواكب، وانتهاء بالمجرات والدروب الكونية، في الاتجاه الذي يطوف وفقه المسلم حول بيت الله، في تجل جديد لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].\nفلا عجب بعد هذا أن يصرح الأصحاب في مذهب الشافعية بأن الطواف أفضل الأركان؛ لأنه قربة في نفسه (١)؛ ولأنه يتكرر في كل وقت من ليل أو نهار؛\n_________\n(١) الزركشي ذهب إلى خلاف مذهب الشافعية - مع كونه منهم - فقال: أفضلها الوقوف بعرفة، لأن الحج عرفة، =","vol":"1","page":31},{"text":"ولأن ستين رحمة من أصل مائة رحمة تنزل على البيت تختص بالطائفين، بينما المصلون هناك ينالهم منها عشرون رحمة ومثلها من نصيب الناظرين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>الركن السادس: ترتيب معظم الأركان </span>بأن يقدم الإحرام على الجميع، ويقدّمَ الوقوف على طواف الإفاضة، وركنِ الحلقِ والتقصيرِ. ولا بد من تقديم الطواف على السعي إن لم يكن قد سعى بعد طواف القدوم.\nدليل هذا اتّباع رسول الله - ﷺ - في خطواته المباركة في حجة الوداع.\nفهذه هي الأركان التي يقوم عليها بنيان الحج الشامخ، وهي ذاتها\nـ باستثناء الوقوف بعرفة (١) - أركان العمرة التي يدخل بها المسلم محرمًا إلى مكة لشموله الأدلة السابقة لها، لذلك قال العلامة العمريطي:\nوكلّها غير الوقوف تعتبرْ ... أركان كلَّ عمرة بها عتمرْ\nفالعمرة لها أركان خمسة هي عين ما ذكر في الحج، نذكر منها الإحرام (٢)، وهو نية الدخول في نُسكها، وصفته فيها كصفته في الحج من حيث استحباب الغسل للإحرام، والتطيُّب، والتنظيف، والتلبية.\n_________\n= ولأن الحج لا يفوت إلّا بفواته ثم لم يرد غفران الذنوب في شيء كالذي ورد في الوقوف بعرفة. انظر مغني المحتاج .. للعلامة الشربيني جـ (١) صـ ٤٩٣.\n(١) أيضًا يستثنى الركن الخامس للحج وهو الترتيب؛ لأن معنى الترتيب في الحج هو ترتيب معظم الأركان وفق ما سبق بيانه، بينما الترتيب في العمرة يقصد به ترتيب جميع الأركان.\n(٢) قال العلامة ابن حجر الهتمي في حاشيته على شرح الإيضاح صـ ٤٢٥: مرّ أن المعتمد إذا اغتسل للإحرام من نحو التنعيم كفاه عن غسل دخول مكة».","vol":"1","page":32},{"text":"وللعمرة إلى جانب هذه الأركان واجبان اثنان (١).\nأحدهما: الإحرام من الميقات.\nالثاني: اجتناب محرمات الإحرام.\nثم الإحرام بالعمرة المفردة عن الحج له ميقاتان: ميقات زماني، وآخر مكاني.\nأما الزماني فجميع السنة وقت لأداء العمرة فيه. قال إمامنا النووي: «فيجوز الإحرام بها في كل وقت من غير كراهة، وفي يوم النحر، وأيام التشريق لغير الحاج (٢)، وأما الحاج فلا يصح إحرامه بالعمرة ما دام محرمًا بالحج، وكذلك\n_________\n(١) انظر مغني المحتاج للعلامة الشربيني جـ ١ صـ ٥١٣.\n(٢) هذا هو مذهب السادة الشافعية لكن اجتهاد أصحاب المذهب الحنفي هو الكراهة التحريمية للعمرة يوم عرفة وأربعة أيام بعده، هي يوم النحر وأيام التشريق، وقد ذهبوا في اجتهادهم إلى وجوب الدم على من فعلها في ذلك عندهم. لاشتغال هذه الأيام بأداء الحج، وبالتالي فإن العمرة فيها تشغل الحاج عن مناسكه، بل ربما وقع له خلل في حجه بسبب ذلك. ومما استدلوا به حديث رواه البيهقي عن عائشة قالت: حلت العمرة في السنة كلها إلّا أربعة أيام: يوم عرفة، ويوم النحر، ويومان بعد ذلك» لكن قال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي الذي ساق هذا الخبر في السنن الكبرى برقم (٨٨٢٢): وهذا موقوف أي على السيدة عائشة وليس مرفوعًا على رسول الله - ﷺ -. كما قال بعد هذا: وهو محمول عندنا على من كان مشتغلًا بالحج، فلا يُدخل العمرة عليه حتى يكمل عمل الحج كله، فقد أمر عمر بن الخطاب - ﵁ - أبا أيوب الأنصاري وهبار بن الأسود حين فات كل واحد منهما الحج بأن يتحلل بعمل عمرة انظر السنن الكبرى للبيهقي جـ ٦ صـ ٤٧٧. وهذا القول عن المذهب الحنفي ساقه أستاذنا الدكتور نور الدين عتر، ثم ساق عن كثير من فقهاء الحنفية قولهم: يكره للمكي العمرة في أشهر الحج لمن أراد الحج في ذلك العام؛ لأنه يصير بذلك متمتعًا، وأهل مكة لا تمتع لهم عند أصحاب المذهب الحنفي. وبالتالي يجب عليهم دم لإساءتهم التمتع حيث لاحق لهم فيه. ثم قال: وقال بعض كبار الحنفية: لا كراهة ولو حج من عامه ذاك ولا دم عليه لكن لا يحصّل فضيلة التمتع المسنون، «ورجحه ابن عابدين» ثم قال في تعليقه على كلامه ذاك في الحاشية: وهو معتمد للفتوى في مذهب الحنفية، أي ابن عابدين. أنظر الحج والعمرة في الفقه الإسلامي د. عتر فقرة (٨٤/صـ ١٣١ - ١٣٢).","vol":"1","page":33},{"text":"لا يصح إحرامه بها بعد التحلّلين ما دام مقيمًا بمنى للرمي، فإذا نفر من منى النَّفْر الثاني، أو الأول، جاز أن يعتمر فيما بقي من أيام التشريق (١)، لكن الأفضل أن لا يعتمر حتى تنقضي أيام التشريق (٢)» (٣).\nوأما الميقات المكاني للعمرة فهو بالنسبة لمن هو خارج مكة كالحج تمامًا، فمن كان آفاقيًا قادمًا من وراء المواقيت المكانية كأبيار علي، أو ذات عرق أو يلملم أو الجحفة أو غيرها فهذه المواقيت هي المواضع التي لا يجوز لمن أراد عمرة أن يتجاوزها إلّا بعد أن يُهل منها بعمرة وهي ذات المسألة التي عالجناها في ميقات الحج لمن أراد حجًا وقد قدم من الآفاق مارًا بأحد مواقيت الحج المذكورة.\nومن كان يقيم بين حدود الحرم المكي وأحد المواقيت المذكورة، كمن يقيم بين مكة وذي الحليفة مثلًا وهي مسافة تتجاوز بطولها، الأربعمائة كيلومتر، فهذا حكمه في العمرة حكم الحج بالضبط فيحرم من حيث أنشأ من القرية التي يسكنها لا يجاوزها بغير إحرام إن قصد من توجهه إلى مكة المكرمة حجًا أو\n_________\n(١) قال العلامة ابن حجر الهتيمي في حاشيته على شرح الإيضاح ص ٤٢٥: فعلمنا أن الملحظ الصحيح أن الوقت مستحق لبقية النسك فلا يصرف لنسك آخر. وقد دلّ على ما قلناه كلام الشافعي والأصحاب حيث قال - وتبعوه - لو نفر النفر الأول، ثم اعتمر لزمت، لأنه لم يبق عليه للحج عمل. قال أصحابه: ومتى لم ينفر نفرًا شرعيًا واعتمر في بقية أيام التشريق لم تنعقد؛ لأن ما بقي من مناسك الحج وتوابعه يمنع من الاشتغال بها كالصوم. إذا علمت ذلك ظهر لك أنه لا يصح الإحرام وإن قصد ترك الرمي والمبيت». أقول: والنفر الشرعي يكون بعد زوال شمس اليوم الثاني ورميه كما بسطه ابن حجر بعد ذلك.\n(٢) تجوز العمرة بعد انقضاء مناسك النفر من منى، حتى ولو لم يؤدِّ طواف الوداع؛ لأن الوداع كما قال العلامة السبكي آخر أفعال الحج، فلا يمكن تقديمه على العمرة، فجاز وقوع العمرة قبله، وإن كان مقتضى الأمر خلاف ذلك، إن قلنا: الطواف نسك (طواف الوداع) وهو المشهور. انظر نفس المرجع والصفحة.\n(٣) انظر نفس المرجع والصفحة.","vol":"1","page":34},{"text":"عمرة، وذلك في مذهب الشافعية والحنبلية.\nوقال المالكية: يُحرم من دارة أو مسجده لا غير. أي إنّ موقع الإحرام عندهم أضيق من القرية التي يقطنها وفق ما ذكر الشافعية.\nوقال الحنفية: ميقاته الحل كله فيحرم من أي موضع شاء من الحلّ وبهذا يكون مذهبهم أوسع المذاهب الإسلامية في إحرام القاطن في أرض المواقيت بينها وبين مكة (١).\nأما بالنسبة لمن هو في منطقة مكة، سواء كان من أهلها أو غريبًا عنها فميقاته في العمرة أدنى الحل، فيلزم المسلم هناك إذا أراد العمرة أن يخرج إلى جهة الحل، ولو بخطوة منه على حدود الحرم المكي، أو بأقل منها، ولو بأن يضع قدمًا داخلها وأخرى خارجها. ويصح ذلك من أي جانب شاء من الحرم (٢).\nوفي هذا تفترق العمرة عن الحج، فمن كان في مكة مقيمًا أو مستوطنًا وأراد الحج فإنه يحرم من داره لكن من أراد عمرة فإنه يحرم من أدنى الحل. ويذكر بعض الفقهاء الحكمة من هذا أنّ الحج يؤدّى من خارج مكة وهو عرفة فأبيح الإحرام به لمن هو في مكة من مكة نفسها، أما العمرة فيبدأ العمل بها بالنسبة لأهل الحرم وينتهي في المسجد الحرام، فلم يَجُزْ أن يحرم به من مكة، وإنما من أدنى الحل. ويذكر الشافعية أنه إنْ أحرم بالعمرة من الحرم، ثم أدى أركانها دون أن يخرج إلى الحل، فقد أجزأته، وصحت منه، لكن يلزمه دم (٣) في أصحّ قولي\n_________\n(١) انظر الحج والعمرة في الفقه الإسلامي د. نور الدين عتر فقرة (٨٤) ص ١٣٢.\n(٢) الحاشية للعلامة ابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص ٤٢٢\n(١) نفس المرجع ص ٤٢٤، والمنهاج القويم على المقدمة الحضرمية للعلامة ابن حجر الهيتمي ص ٤١٠.","vol":"1","page":35},{"text":"الشافعي ﵀ (١) وبالتالي، فإنْ أحرم بالعمرة داخل حدود الحرم المكي، فقد انعقد إحرامه، (وهذا هو الركن الأول من أركان العمرة) ويلزمه الخروج إلى يدخل الحل محرمًا، ثم يدخل لحرم، فيطوف طواف العمرة (الركن الثاني فيها)، ثم يسعى بين الصفا والمروة (الركن الثالث فيها)، ثم يحلق أو تقصير متحللًا بذلك (الركن الرابع) وبذا تكون قد تمّت عمرته، مع مراعاة الترتيب بين الأركان، ولا دم عليه، لكن الأفضل أن يؤخر الإحرام بعمرته إلى الحل.\nوأما ميقات التنعيم فقد أمر النبي محمد - ﷺ - زوجه المبجلة فلأمره - ﷺ - عائشة بالاعتمار من هناك في الحديث المتفق عليه الذي أُمر فيه عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر أُخته عائشة ﵃ جميعًا من التنعيم، وهو الموضع الذي صار يعرف اليوم بمساجد عائشة، والذي هو أقرب الحلّ إلى مكة (٢).\nوأما الحديبية، فلأنه - ﷺ - اعتمر منها عمرته الأولى حين صده المشركون سنة ست للهجرة، ثم اعتمر - ﷺ - عمرته الثانية في العام القابل سنة سبع من الحديبية أيضًا (٣)، فيما يعرف بعمرة القضاء أو القضية (٤).\n_________\n(١) القول الثاني عند الشافعي أن عمرته لا تجزيه حتى يخرج إلى الحل، وأنه لا يزال محرمًا حتى يخرج إلى هناك.\n(٢) لهذين الأمرين: اعتمار عائشة وقرب الميقات اختار الحنفية والحنبلية التنعيم على غيرها من المواقيت، فهو عندهم الميقات الأفضل. انظر الفقه الإسلامي وأدلته د. وهبة الزحيلي جـ ٣ ص ٢١٢٦، والمنهاج القويم لابن حجر ص ٤١٠.\n(٣) قال الإمام ابن حجر العسقلاني في فتح الباري جـ ٣ صـ ٧٥٩: . «..؛ لأنَّ كلًا منهما كان من الحديبية».\n(٤) قال العلامة ابن حجر العسقلاني: وقال ابن التين: في عدهم عمرة الحديبية التي صُدَّ عنها ما يدل على أنها عمرة تامة، وفيه إشارة إلى صحة قول الجمهور إنه لا يجب القضاء على من صُدَّ عن البيت خلافًا للحنفية. ولو كانت عمرة القضية بدلًا من عمرة الحديبية لكانتا واحدة، وإنما سميت عمرة القضية والقضاء؛ لأن النبي - ﷺ - قاضى قريشًا فيها، لا أنها وقعت قضاء عن العمرة التي صُدّ عنها، إذ لو كان كذلك لكانتا عمرة واحدة». انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري جـ ٣ ص ٧٦٠.","vol":"1","page":36},{"text":"هذا والجعرانة (١) موضع مشهور بين مكة والطائف، وإلى حدود الحرم أقرب، وعن مسجده يبعد ستة فراسخ أي بما يزيد عن خمسة وعشرين كيلومترًا.\nقال العلامة ابن حجر: سميت باسم امرأة كانت تلقب بالجعرانة من تميم. وقيل: من قريش وهي المشار إليها بقوله تعالى: كالتي نقضت غزلها (٢).\nوبالجعرانة ماء شديد العذوبة. قال الفاكهي: يقال إنه - ﷺ - حفر موضعه بيده الشريفة المباركة فانبجس فشرب منه وسقى الناس، أوغرز رمحه فنبع.\nقال الواقدي كمجاهد: وإحرامه - ﷺ - بها من المسجد الأقصى الذي تحت الوادي بالعدوة القصوى. قال: وكانت ليلة الأربعاء ثنتي عشرة بقين من ذي القعدة اهـ. ولا يقال: إنما اعتمر بها مجتازًا في رجوعه من الطائف لما صح من أنه - ﷺ - خرج منها ليلًا معتمرًا ثم عاد، وأصبح كبائت» (٣).\nوميقات التنعيم أمام أدنى الحل قليلًا وليس بطرفه، يقال إنه سمّي بذلك؛\n_________\n(١) للجعرانة ضبطان: الأشهر الذي نقله النووي عن الشافعي أن ذلك بكسر الجيم وسكون العين وتخفيف الراء، وهذا الضبط عند المحققين وأئمة اللغة. الثاني بكسير الجيم وكسر العين وتشديد الراء وهو صواب أيضًا، وعليه عامة المحدثين. ولا وجه لمن قال: إنه من تصحيف المحدثين. والله أعلم. انظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص ٤٢٢.\n(٢) تمام الجملة القرآنية هذه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢]، والنقض والنكث واحد، والجمع أنكاث، وفي الآية تشبيه بمن يحلف ويبرم العهد ثم ينقضه بامرأة تغزل غزلها، وتفتله محكمًا قويًا، وفي الآخر تنقضه وتحلّه، فتكون قد أضاعت وقتها دون أن تنتفع منه بشيء. وهل المثل على امرأة بعينها؟ هذا قول للمفسرين أنه في امرأة حمقاء بعينها. والقول الثاني أن ذلك ورد مضربًا للمثل، لا على امرأة بعينها، ويبدو لي أنه الصحيح، والله تعالى أعلم. انظر تفسير القرطبي جـ ١٠ صـ ١٥٣.\n(٣) الحاشية لابن حجر الهيتمي ص ٤٢٢ - ٤٢٣.","vol":"1","page":37},{"text":"لأنّ على يمينه جبلًا يقال له نعيم، وعلى يساره آخر يقال له ناعم، وهوبواد يقال له نعمان (١).\nوإنما قدّم على الحديبية لأمره - ﷺ - عائشة بالاعتمار من هناك، ولما قيل من أنه - ﷺ - جعله ميقاتًا لأهل مكة (٢)، ولما ذكر من أنه - ﷺ - غير ثوبي الإحرام هناك حين أتى مكة حاجًا (٣).\nوميقات الحديبية (٤) وهو على الطريق بين جدة ومكة، من جانب طريق جدة القديم الذي لم يعد يسلكه الحجاج والعمار اليوم، وهي في الأصل اسم لبئر هناك.\nوتفضيل الحديبية على غيرها من المواقيت سوى ما ذكرنا يعود إلى دخول رسول الله - ﷺ - منها لعمرته التي أحرم بها من ذي الحليفة، ثم صدّ عنها هناك، ثم لإحرامه في العام القابل منها أيضًا. فهي تمتاز بأنه - ﷺ - حلَّ بها معتمرًا، وصلى فيها، وبايع فوق أرضها أصحابه الكرام، وكتب فيها الصلح المعروف بصلح الحديبية، وقبله البيعة المذكورة في القرآن المشهورة ببيعه الرضوان، حيث جاء هذا كله مقدمة لفتح مكة المكرمة، لاسيما وأن سورة الفتح نزلت بشأن الحديبية،\n_________\n(١) نفس المرجع ص ٤٢٣، وانظر حاشية العلامة الباجوري جـ ١ ص ٤٧٠\n(٢) قال العلامة ابن حجر في حاشيته في نفس الصفحة: ويؤيده رواية الفاكهي وغيره كأبي داود في مراسيله عن ابن سيرين أنه ﷺ وقَّت لأهل مكة أي لعمرتهم - كما في رواية - التنعيم أقول: ومن البدهي أن المرسل وهو الذي من سنده ذكرُ الصحابي سقط، يندرج تحت مسمّى الحديث الضعيف.\n(٣) قال العلامة ابن حجر في المرجع والصفحة: لما أخرجه الطبراني أنه ﷺ غيّرَ ثوبي الإحرام عند التنعيم حين دخل مكة\n(٤) الضبط بحاء مضمومة ثم ياء أولى مخففة ثم ياء ثانية مخففة، وهي لغة أهل الحجاز. الضبط الثاني بتثقيل الياء الثانية وهي لغة أهل العراق. انظر فتح الباري جـ ٧ ص ٥٤٨.","vol":"1","page":38},{"text":"لذلك قال الإمام القرطبي: نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأْن الحديبية من أولها إلى آخرها (١).\nلهذا الذي سبق ذكره ذهب بعض علماء الشافعية إلى تقديمها على التنعيم. قال العلامة ابن حجر الهيتمي: ومن ثمة قدمها الشيخ أبو حامد على التنعيم، وعليه فأُجيب بأنّ الأمر باعتمار عائشة منه إنما كان لضيق الوقت (٢).\nولبالغ الأهمية الذي يتربّع عليه ميقات الحديبية في منعطفٍ بارز من تاريخنا الإسلامي، فإنني أتوقف عند أهم المحطات التي لوّنت تلك البقعة التي شرفت بمزيد من الفضل بحلول النبي الكريم - ﷺ - بها معتمرًا، مستقبلًا وحي ربه، لهذا أقول:\nصلح الحديبية جرى في شهر ذي القعدة، آخر سنة ست للهجرة. تعود أسبابه إلى شوق المسلمين الذي جاش في قلوبهم إلى مكة المكرمة، ونفحاتها الإيمانية، حتى إذا سنحت الفرصة وأذن الله أعلن رسول الله - ﷺ - في الملأ أنه متوجه إلى مكة معتمرًا، فما لبث أن تبعه جمع غفير من المهاجرين والأنصار، وسائر إخوانهم من المسلمين (٣)، الذين كانوا خيرَ أهل الأرض آنذاك (٤)، وبلغوا\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله القرطبي جـ ١٦ ص ٢٢١.\n(٢) الحاشية لابن حجر ص ٤٢٤.\n(٣) في صحيح البخاري في كتاب المغازي برقم (٤١٥٥) بترقيم أحاديث فتح الباري: وكانت أسلمُ ثُمْنَ المهاجرين.\n(٤) جاء في صحيح البخاري في كتاب المغازي برقم (٤١٥٤) بترقيم أحاديث فتح الباري قال عمرو: سمعت\nجابر بن عبد الله ﵄ قال: قال لنا رسول الله - ﷺ - يوم الحديبية: «أنتم خيرُ أهل الأرض. وكنا ألفًا وأربعمائة». قال الإمام ابن حجر العسقلاني في شرح صحيح البخاري: هذا صريح في فضل أصحاب الشجرة، فقد كان من المسلمين إذ ذاك جماعة بمكة وبالمدينة وبغيرهما، وعند أحمد بإسناد حسن عن أبي سعيد الخدري قال: لما كان بالحديبية قال النبيُّ - ﷺ -: لا توقدوا نارًا بليل، فلما كان بعد ذلك قال: أوقدوا واصطنعوا فإنه لا يدرك قومٌ بَعْدَكم صاعكم ولا مدّكم. وعند مسلم من حديث جابر مرفوعًا: لا يدخل النار مَن شهد بدرًا والحديبية، وروى مسلم أيضًا من حديث أم مبشر أنها سمعت النبي - ﷺ - يقول: لا يدخل النار أحد من أصحاب الشجرة. وتمسك به بعض الشيعة في تفضيل عليٍّ على عثمان؛ لأن عليًا كان من جملة من خوطب بذلك، وممّن بايع تحت الشجرة، وكان عثمان حينئذ غائبًا كما تقدم في المناقب من حديث ابن عمر، لكن تقدم في حديث ابن عمر المذكور أن النبي - ﷺ - بايع عنه فاستوى معهم عثمان في الخيرية، ولم يقصد في الحديث إلى تفضيل بعضهم إلى بعض، .... انظر فتح الباري جـ ٧ صـ ٥٥٢ - ٥٥٣.","vol":"1","page":39},{"text":"ألفًا وأربعمائة معتمر، خرجوا مع نبيّنا محمد - ﷺ - من المدينة المنورة يوم الاثنين لهلال ذي القعدة (١).\nقافلة المدينة أحرمت بعمرتها من ذي الحليفة في وادي العقيق على مقربة من المدينة المنورة (٢).\nوقد ساق قائد هذا الركب المبارك - ﷺ - الهدي معه، لتعلم قريش أنه جاء معتمرًا، معظمًا للبيت، لا محاربًا، فيأمن الناس ويطمئنوا (٣).\nوفي درس جديد من دروس الخبرة والحكمة والأخذ بالأسباب الدنيوية بعد تمام التوكل على الله تعالى، أرسل رسولنا محمد - ﷺ - بِسْرَ بن سفيان من خزاعة عينًا له (٤)، يأتيه بأخبار مكة ليدرس أحوالهم، قبل أن يصل إليهم، وسار رسول الله حتى إذا كان بغدير الأشطاط التقى بالعين، الذي قال له: إن قريشًا جمعوا لك جموعًا، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت\n_________\n(١) فتح الباري جـ ٧ صـ ٥٤٨.\n(٢) صحيح البخاري بترقيم أحاديث فتح الباري (٤١٥٧) (٤١٥٨).\n(٣) نفس المرجع والحديث.\n(٤) فتح الباري جـ ٥ صـ ٤٠٩.","vol":"1","page":40},{"text":"ومانعوك»! هناك التفت رسول الله - ﷺ - إلى أصحابه يخاطبهم باللغة التي اعتاد أن يتبادلها معهم، وهي لغة استطلاع الآراء وسبرها ودراستها، واختيار المناسب منها على طريقة الدول المتحضرة اليوم، وفي سبق واضح عليها، فقال:\n«أشيروا أيها الناس عليّ».\nفقال له أبو بكر: يا رسول الله، خرجتَ عامدًا لهذا البيت لا تريد قتلَ أحد، ولا حرب أحدٍ، فتوجَّهْ له، فمن صدّنا عنه قاتلناه.\nحينئذ أخذ رسولنا - ﷺ - بزمام الناقة وقال للركب الكريم: امضوا على اسم الله (١).\nوترسيخًا منه - ﷺ - للعمل بالأساليب الحربية الحكيمة، التي تفاجئ العدو، ولا تريق دمًا، وحرصًا منه على رسالة الأمن والسلام، وتجلية لحقيقة القصد الذي من أجله جاء وهو العمرة وثوابها دون أي رغبة أخرى قد تتمخض عن سنيّ الصراع بين الحق والباطل، أو التوحيد والوثنية فقد قال - ﷺ - لأصحابه بعد أن أُخبر بأنّ خالد بن الوليد في موضع يقال له الغميم (٢)، في خيل لقريش طليعةً (٣) لهم: من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم (٤)؟ فأجابه رجل من أسلم (٥):\n_________\n(١) نفس المرجع ورقم الحديث.\n(٢) الغميم هو مكان بين مكة والمدينة. قال العلامة ابن حجر العسقلاني جـ ٥ صـ ٤١٠: وسياق الحديث ظاهر في أنه كان قريبًا من الحديبية قال: وهو قريب من مكان بين رابغ والجحفة\n(٣) الطليعة مقدمة الجيش، وقد كان خالد في مائتي فارس فيهم عكرمة بن أبي جهل. انظر نفس المرجع والجزء والصفحة.\n(٤) انظر فقه السيرة لأستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، فصل بعنوان: صلح الحديبية صـ ٣٣٩.\n(٥) قبيلة يقال لها: (أَسْلَمْ).","vol":"1","page":41},{"text":"أنا يا رسول الله، فسلك بهم طريقًا وَعْرًا بين الشعاب، فو الله ما شعر بهم خالد بن الوليد حتى رأى من بعيد قَتَرَةَ الجيش (١)، فانطلق يركض نذيرًا لقريش، يخبرها بتسلل محمد - ﷺ - إلى تخوم مكة، أي في الوقت الذي وصل فيه المسلمون فعلًا إلى طريق في الجبل يشرف على الحديبية، ويُهبَط منها عليهم، يدعى ثنية المِرار (٢)، حيث بركت ناقة رسول الله - ﷺ -، فزجرها الناس بالقول المعهود عندهم إذا تركت ناقةٌ السير، وهو: حَلْ، حَلْ، طلبًا لقيامها فامتنعت، ولم تستجبْ لهم، فظنوا أنه قد أصابها ما يصيب النوق من الأحوال، فقالوا: خَلأتِ القصواء (٣)! فتدخل النبيُّ - ﷺ - ليذكرهم بسلطان الله على الوجود، وأنّ الناقة التي بركت يومًا في المدينة لتحدد للمسلمين موضع المسجد النبوي الذي تشد إليه الرحال من كل أرض، هي ذاتها التي تبرك اليوم بإلهام من خالقها، لأمر لا يدري عنه المسلمون شيئًا، لذلك قال لهم: ما خَلأتْ القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل (٤).\n_________\n(١) القَتَرَة الغبار الأسود، أي غبار الجيش.\n(٢) فتح الباري جـ ٥ ص ٤١٠.\n(٣) القصواء اسم ناقة رسول - ﷺ -، ومعنى خَلأت أي تأبت عن القيام؛ لأن الخَلاء للإبل كالحران للخيل. نفس المرجع والجزء ص ٤١١.\n(٤) أي حبسها الله ﷿ عن دخول مكة كما حبس الفيل عن دخولها. قال العلامة ابن حجر العسقلاني: ومناسبة ذكرها أن الصحابة لو دخلوا مكة على تلك الصورة وصدّهم قريش عن ذلك لوقع بينهم قتال قد يفضي إلى سفك الدماء ونهب الأموال كما لو قُدّر دخول الفيل وأصحابه مكة، لكن سبق في علم الله تعالى في الموضعين أنه سيدخل في الإسلام خلق منهم، ويستخرج من أصلابهم ناس يسلمون ويجاهدون، وكان بمكة في الحديبية جمع كثير مؤمنون من المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، فلو طرق الصحابة مكة لما أمن أن يصاب ناس منهم بغير عمد كما أشار إليه تعالى في قوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ [الفتح: ٢٥] الآية .. انظر فتح الباري نفس الجزء والصفحة.","vol":"1","page":42},{"text":"قال: ثم زجرها فوثبت: أي بعد أن ظنوا أولًا أنها خلأت، وفي هذا تأكيد أنها عندما بركت فإنما فعلت ذلك بأمرِ الله إشارةً منها إلى ما لم تنتبه له العقول، وأنها بمجرد وصول الرسالة عادت تستجيب للزجر فقامت من جديد.\nبعد الوثوب عدل بها النبي - ﷺ -، ومن ورائه قافلة ضيوف الرحمن، حتى نزل بأقصى الحديبية على حُفَيرة فيها ماء مثمود، أي قليل فلم يلبث الناس حتى نزحوه، وشكوا إلى رسول الله - ﷺ - العطش، فانتزع سهمًا من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فو الله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه (١).\nوفي رواية أنهم نزلوا يوم الحديبية على بئر فنزحوها، فأتَوْا رسول الله - ﷺ -، فأتى البئر، وقعد على شفيرها، ثم قال: ائتوني بدلومن ما ئها، فأُتيَ به، فبصق، فدعا، ثم قال: دعوها ساعة. فأَرْوَوْا أَنفسهم ورِكابهم حتى ارتحلوا (٢).\nوفي رواية أن الناس عطشوا يوم الحديبية، وبين رسول الله رَكْوَةٌ، فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه، فقال رسول الله - ﷺ -: مالكم؟ قالوا: يا رسول الله، ليس عندنا ماء نتوضأ به، ولا نشربُ إلّا ما في رَكْوَتك. قال: فوضع النبي - ﷺ - يده في الرَّكْوَة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، قال: فشربنا وتوَضَّأنا (٣).\nهذه الروايات جمع بعض العلماء بينها بأَنَّ ذلك وقع أكثر من مرة (٤)، وبأَنّ حديث نبع الماء من بين أصابعه - ﷺ -، والذي يرويه جابر كان حين حضرت صلاة\n_________\n(١) صحيح البخاري في كتاب الشروط برقم (٢٧٣١) ... و(٢٧٣٢).\n(٢) صحيح البخاري في كتاب المغازي برقم (٤١٥١).\n(٣) صحيح البخاري في المغزي برقم (٤١٥٢).\n(٤) نقل ذلك العلامة ابن حجر العسقلاني في فتح الباري عن الإمام ابن حِبَّان جـ ٧ صـ ٥٥١.","vol":"1","page":43},{"text":"العصر، عند إرادة الوضوء لها.\nكما يحتمل أن يكون الماء لما تفجر كم بين أصابعه ويده الشريفة في الرَكوة، حيث توضؤا جميعًا وشربوا، حينئذ أمر - ﷺ - بصب الماء الذي بقي في الرَكوة في بئر الحديبية، فتكاثر الماء من جديد، بعد أن كان تكاثر يوم ألقى سهمه الشريف فيه.\nوالحق أنها روايات ثابتة نأخذ بها جميعًا.\nقال: فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر معه، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي (١) نزلوا أعداد مياه الحديبية (٢) ومعهم العُوْذُ والمطافيل (٣)، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت، فقال رسول الله - ﷺ -:\n«إنّا لم نجئ لقتال أحد، ولكنّا جئنا معتمرين».\nهذا القول الفصل ينفي من جديد أي احتمال لاجتياح أو نية سوء مبيتة، ثم إنّ الإحرام والعدد الذي صاحب نبينا - ﷺ - يعضد ذلك.\n_________\n(١) قال العلامة ابن حجر العسقلاني: إنما اقتصر على ذكر هذين لكون قريش الذين كانوا بمكة أجمع ترجع أنسابهم إليهما. انظر نفس المرجع جـ ٥ صـ ٤١٤ ـ.\n(٢) قال العلامة ابن حجر في المرجع والجزء والصفحة: «الأعداد بالفتح جمع عِدّ بالكسر والتشديد وهو الماء الذي لا انقطاع له وغفل الداوُدي فقال: هو بموضع بمكة. وقول بديل هذا يشعر بأنه كان بالحديبية مياه كثيرة، وأن قريشًا سبقوا إلى النزول عليها فلهذا عطش المسلمون حيث نزلوا على الثَمَدِ المذكور». أقول: الثَمَدُ حُفَيرة فيها ماء.\n(٣) العُوْذُ جمع عائذ وهي الناقة ذات اللبن، والمطافيل الأمهات اللاتي معها أطفالها. قال العلامة ابن حجر في الموضع المذكور: يريد أنهم خرجوا معهم بذوات الألبان من الإبل ليتزوّدوا بألبانها ولا يرجعوا حتى يمعنوه، أو كنى بذلك عن النساء معهنّ الأطفال، والمراد أنهم خرجوا معهم بنسائهم وأولادهم لإرادة طول المقام، وليكون أدعى إلى عدم الفرار ....","vol":"1","page":44},{"text":"لكنّ الرسول الخاتم ينطق بالمبادئ الأساسية لأمته، لتتعلم أن لا تفريط في ثوابت الشريعة، ومقدساتها، ومن ذلك البيت ساحة الإسراء، والأقصى فضاء المعراج، والمسجد النبوي أحد المساجد الثلاثة التي تشدّ إليها رحال المسلمين.\nقال - ﷺ - ما يقدم لنا الجانب الآخر الذي تتكامل به الشخصية الصحيحة للحاج والمعتمر:\nوإنّ قريشًا قد أنهكتهم الحرب، وأضرّت بهم، فإنْ شاؤوا ما دَدْتُهم مدة ويخلّوا بيني وبين الناس، فإنْ أظْهَرْ فإنْ شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلَّا فقد جَمُّوْا (استراحوا)، وإن هم أبَوْا فو الذي نفسي بيده لأقاتلنّهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي (١)، ولينفذنّ الله أمره».\nفقال بديل: سأبلغهم ما تقول: فانطلق بديل فحدّث قريشًا بما سمعه من رسول الله - ﷺ -، فقام عروة بن مسعود يعرض على المشركين أن يأتي النبي - ﷺ - فيكلمهم في تفصيل ما جاء به بديل بن ورقاء. فقالوا له: دونك فاذهب.\nذهب عروة فكلم رسول الله - ﷺ - في جولة أخرى بمثل ما كلمه به بديل، لكن قال له عروة: أرأَيْتَ إن استأصلتَ أمرَ قومك، هل سمعتَ بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك».\n_________\n(١) السالفة صفحة العنق، وكنّى بذلك عن القتل؛ لأن القتيل تنفرد مقدمة عنقه. قال العلامة ابن حجر العسقلاني في موضعه ص ٤١٥: «وقال الداوُدي: المراد الموت، أي حتى أموت وأبقى منفردًا في قبري. ويحتمل أن يكون أراد أنه يقاتل حتى ينفرد وحده في مقاتلتهم». وقال ابن المثير: لعله - ﷺ - نَبَه بالأدنى على الأعلى، أي إنّ لي من القوة بالله والحول به ما يقتضي أن أُقاتل عن دينه لو انفردتُ، فكيف لا أقاتل عن دينه مع وجود المسلمين وكثرتهم ونفاذ بصائرهم في نصر دين الله تعالى».","vol":"1","page":45},{"text":"هذا هو الاحتمال الأول للصورة التي ستؤول إليها الأمور، أما الاحتمال الآخر فقد عرضه بطريقة فيها شيء من التأدب، مع مكرٍ وخبث ودهاء في طبيعة ما ألقاه على مسامع المسلمين: «وإن تكن الأخرى، فإني والله لا أرى وجوهًا، وإني لأرى أشوابًا من الناس خليقًا أن يفرُّوا ويدَعوك!».\nفلم يصرح له بالأخرى وهي أن تكون الغلبة لقريش، لكنه صرّح بشيء مسموم دسه في فؤاد هذا الكلام، وهو أنه لا يأمن على محمد - ﷺ - من نكران أصحابه له إنْ غُلب؛ لأنهم حسب وصفه ليسوا بالوجوه التي تحفظ حق الصحبة، وتعرف قدر المتبوع! كلهم أشواب أي من أخلاط شتى (١)، حقيقًا (٢) أن يسلّموك إلى قدرك المحتوم حينئذ وينفضوا عنك.\nوربما أشار هذا الكلام إلى العادة التي جرت في الجيوش في عرف تلك الأيام أن القوات المجمَّعة من قبائل وأصقاع شتى لا يؤمن عليها الفرار يوم الزحف، بخلاف المقاتلين المنتسبين إلى قبيلة واحدة؛ لأن التقاليد القبلية إنّ التقاليد تجعلهم يأنفون مثل هذا الخُلُقِ الذميم.\nلمز عروة لهذا، دون أن ينتبه إلى أن الإسلام الذي خرج ضياء ينير الطريق في ظلام الجزيرة العربية وسائر أنحاء العالم، إنما جمع أتباعه من عرب وعجم، سادة وموالٍ، فقراء وأغنياء بداوةٍ وحضر، خلف محور جامع هو العقيدة\n_________\n(١) قال العلامة ابن حجر العسقلاني: والأشواب الأخلاط من أنواع شتى، والأوباش، والأخلاط من السفلة، فالأوباش أخصّ من الأشواب. انظر نفس المرجع والجزء صـ ٤١٦ - ٤١٧.\n(٢) حقيقًا هي تفسير للفظة خليقًا وزنًا ومعنى. يقال: خليق للواحد والجمع، ولذلك وقع صفة لأشواب. اُنظر نفس المرجع والجزء والصفحة.","vol":"1","page":46},{"text":"الإسلامية التي رمزت لها كعبة الله المشرفة في قلب المسجد الحرام، الذي يقف المسلمون اليوم على أبوابه.\nهذا الكلام الاستفزازي الذي يطلقه لسان كافر حاقد جاحد بالله ورسوله والكتاب المبين، جاهل بالركائز التي يقوم عليها هذا الدين، لم يتركه الصحابة ليمرّ دون محاسبة، فانبرى أبو بكر الصديق - ﵁ - صاحب المواقف الرجولية الحاسمة، فردّ هراءه باسم الصحب الكرام جميعًا بالقول الذي لم يكن ينتظره أو يتوقعه:\nامصَصْ بظْرَ اللات، أنحن نفر عنه وندعه (١)؟ !\nفالتفت عروة قائلًا وقد أدهشه الردّ الجرئء: من ذا؟\nقالوا: أبو بكر (٢).\nقال عروة: أما والذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي (٣) لم أجزك بها، لأجبْتُك (٤).\n_________\n(١) قال العلامة ابن حجر العسقلاني في الموضع المذكور: ... والبظر بفتح الموحدة وسكون المعجمة قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة، واللات اسم أحد الأصنام التي كانت قريش وثقيف يعبدونها، وكانت عادة العرب الشتمَ بذلك لكن بلفظ الأم، فأراد أبو بكر المبالغة في سب عروة بإقامة من كان يعبد مقام أمه، وحمله على ذلك ما أغضبه منه من نسبة المسلمين إلى الفرار، وفيه جواز النطق بما يستبشع من الألفاظ لإرادة زجر من بدا منه ما يستحق به ذلك. وقال ابن المنير: في قول أي بكر تخسيس للعدو، وتكذيبهم، وتعريضٌ بإلزامهم من قولهم: إنّ اللات بنتُ الله! تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، بأنها لو كانت بنتًا لكان لها ما يكون للإناث.\n(٢) وفي رواية ابن إسحاق: فقال: من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابنُ أبي قحافة.\n(٣) اليد هي أن المغيرة بن شعبة كان قد قتل قبل إسلامه ثلاثة عشر رجلًا، فودى له عروة المقتولين، فأعانه أبو بكر فيها بعون حسن.\n(٤) وزاد ابن إسحاق: ولكن هذه بها أي جازاه بعدم إجابته عن شتمه، عن يده التي كان قد أحسن إليه بها.","vol":"1","page":47},{"text":"بعد هذا الحوار الاعتراضي عاد الكلام بين الرسول - ﷺ - وعروة مندوب قريش، الذي جعل يكلّم النبي - ﷺ -، ويأخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي - ﷺ -، ومعه السيف، وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية نبيّنا - ﵇ -، ضرب المغيرة يده بنَعْل السيف (١)، وقال له: أَخِّر يدك عن لحية رسول الله - ﷺ -.\nوهناك رفع عروة رأسه ليتساءل عن هذا الذي آذاه مرارًا، وأغضبه (٢)، فقال: من هذا يا محمد؟\nفأجابه رسول الله - ﷺ -: هذا ابنُ أخيك المغيرة بن شعبة (٣) فقال عروة: أيْ غُدَر، ألستُ أسعى في غَدْرتِك (٤)؟ وكان المغيرة صحب قومًا (٥) في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم بعد ذلك أسلم. هذا وقد علّق رسولنا محمد - ﷺ - على القصة يومها بقوله: أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلستُ منه في شيء (٦).\nقال: ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي - ﷺ - بعينيه. قال: فو الله ما تنخَّم رسول الله - ﷺ - نُخامة إلّا وقعت في كفِّ رجلٍ منهم، فدلك بها وجهه وجلده.\n_________\n(١) هو ما يكون عند قبضته من حديد أو فضة.\n(٢) قال في فتح الباري: وفي رواية أبي الأسود عن عروة: فلما أكثر المغيرة مما يقرع يده غضب، وقال: ليت شعري، من هذا الذي قد آذاني من بين أصحابك؟ والله لا أحسبُ فيكم ألأَمَ منه، ولا أشرّ منزلة. جـ ٥ صـ ٤١٨.\n(٣) هذا من رواية ابن إسحاق. وعروة بن مسعود هو عم المغيرة بن شعبة.\n(٤) ممنوع من الصرف على وزن فُعَل مثل عُمر معدول به عن عامر، بوزن فاعل، وغُدَر عن غادر.\n(٥) أي ألست أسعى في دفع شرّ غدرتك. وفي رواية: والله ما غسلت يدي من غدرتك، لقد أورثتنا العداوة في ثقيف أي؛ لأن النفر المقتولين كانوا من ثقيف.\n(٦) أي أما الإسلام فأقبله، وأما المال الذي أخذه المغيرة فلا أتعرض له لكونه أخذه غدرًا، وفي هذا دليل على أنه لا يحل مال الكفار في حال الأمن غدرًا، وأنه لا يحل إلّا بالمحاربة والمغالبة. انظر فتح الباري جـ ٥ صـ ٤١٨.","vol":"1","page":48},{"text":"وإذا أمرهم ابتدروا أمره.\nوإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه.\nوإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده.\nوما يُحدُّون إليه النظر تعظيمًا له (١).\n_________\n(١) هذه الصورة تحتاج منا إلى شرح وتعليق، بيد أني لم أجد لبيانها كلامًا وافيًا أرقى وأوفى من كلام أُستاذنا العلامة الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي في موضعين من كتابه فقه السيرة الأولى في صـ ٢٠٥: ولقد ضلَّ قومٌ حسبوا أنَّ محبة رسول الله - ﷺ - ليس لها معنى إلّا الاتباع والاقتداء. وفاتهم أن الاقتداء لا يأتي إلّا بوازع ودافع. ولن تجد من وازع يحمل على الاتباع إلّا المحبة القلبية التي تهز المشاعر وتستبد بالعواطف. ولذلك جعل الرسول - ﷺ - مقياس الإيمان بالله القلب بمحبته - ﷺ -، بحيث تغدو متغلبة على محبة الولد والوالد والناس أجمعين. وهذا يدل على أن محبة الرسول من جنس محبة الوالد والولد. أي مصدر كل منهما العاطفة والقلب وإلَّا لم تصح المقارنة والمفاضلة بينهما.\nالموضع الثاني هو في بيانه حول هذه الصورة مباشرة وفيها يقول في صـ ٣٥١ وما بعدها:\nحدثني صديق أُجلّه أن رجلًا عمد إلى الصفحة التي فيها كلام عروة هذا، من كتابي هذا: فقه السيرة فاستنسخ منها ما شاء من الصور بالـ (فوتوكوبي) وجعل يدور بها على الناس، متخذًا منها وثيقة اتهام، بل انتقاص لرسول الله - ﷺ -! ...\nوأقول: أمّا ما عمد إليه هذا الرجل من استكثاره لهذه الصفحة التي تضمنت هذا البيان، ونشرها في الناس، ولفْت انتباههم إلى ما قد دلّت عيه، فلا ريب أنه مشكور على ذلك ومأجور، لو خلصت النية وصفا القصد .. فإنّ عمله هذا ليس إلّا تأكيدًا لحقيقة ثابتة قد يجهلها كثير من الناس اليوم، ألا وهي شدة تعظيم الصحابة لرسول الله - ﷺ -، والمبْلغ الذي بلغه حبهم العجيب له! .. وما أكثر الألغاز الجاثمة التي تتحدى العقل، في معالم الفتح الإسلامي وأحداثه، لو لم يفسرها هذا الحب العظيم الذي هيمن على مجامع القلوب، وامتد إلى أغوار النفوس، والذي جاء ثمرة اليقين العقلي الجازم بأنَّ محمدًا - ﷺ - هو رسول الله ورحمته المهداة إلى الناس أجمعين.\nوأما ما قصد إليه هذا الإنسان، من وراء ذلك، من تشويه مكانة محمد - ﷺ - في القلوب، وإظهاره في أعين الناس في مظهر المدِلِّ على أصحابه، المتلذذ برؤية هذا الذي يتسابقون إليه، وإبرازه في صورة الثقيل السمج، دأْبه أن يُريَ الناس من نفسه ما كان خليقًا به أن يستره عنهم، يروضهم بذلك على حبه والاستئناس بكل ما قد يتصل به أو ينفصل عنه .. =","vol":"1","page":49},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أقول: أمّا ما قصد إليه هذا الرجل من ذلك، فقد أبْعَدَ النُّجعَةَ، وأخطأ الطريق، وخانه الهدف! .. أقول: كثيرون هم الذين سعوا هذا السعي، واعتصروا الفكر، واستنجدوا بالحيلة، وناشدوا التاريخ، كي يتاح لهم أن ينسجوا صورة من هذا القبيل لمحمد رسول الله - ﷺ -، فما عادوا من سعيهم أو محاولتهم بأي طائل. وظل كل من العقل والتاريخ والفكر الحر أمينًا على الكلمة الجامعة التي وصف الله بها محمدًا - ﷺ -: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾.\nاقرأ ما تشاء من صفحات أي كتاب في شمائل هذا الرسول العظيم، تجد نفسك أمام المثل الأعلى، والنموذج الأتم للإنسانية السامية الصافية عن الشوائب، وللذوق الرفيع في مقاييس المعاملة والسلوك، والمرهف في رعاية الآخرين والاهتمام بهم، وللنظافة والرتابة وأناقة الشكل والمظهر، وللتواضع المتناهي أمام كل فئات أصحابه.\nولم يكن يستقبل الوافدين إليه إلّا بأنظف الثياب، وأبهى الحلل.\nكان أشدّ ما يكون حرصًا على أن لا يرى الناسُ إلّا ما تُسَرُّ به العين، وأن لا تقع أُنوفهم منه إلّا على أطيب رائحة. وقد ثبت أنه كان ينفق جلَّ ماله في الطيب.\nلم يكن يأكل ثومًا أو بصلًا أو أي طعام يتأذى الناس منه برائحة كريهة. ولما كان ضيفًا في دار أبي أيوب الأنصاري، في أيامه الأولى من هجرته إلى المدينة، وعادت قصعة الطعام من عنده مرة دون أن يطعم منها شيئًا، فزع أبو أيوب وهرع إلى رسول الله يسأله عن سبب ذلك، فقال: لقد شممت فيه رائحة تلكم الشجرة (أي الثوم) وأنا أُناجى (أي يزورني الناس وأُحادثهم) أما أنتم فكلوا.\nوكان إذا مضى لقضاء حاجة، أبعدَ، ثم أبعد، حتى لا يقع الناس منه على أثر. وكان يرجّل شعره، ويتعهد فمه وأسنانه، وربما أبصر صُفْرة في أسنان بعض جلسائه، فتوجه إلى الجميع بنصيحة عامة ونقد رفيق، وقال: ما لكم لا تأتونني قُلما لا تتسوكون؟ هذا هو محمد عليه الصرة السلام، في بعض ما تتحدث عنه شمائله المعبرة عن سمو أخلاقه، ورقة شعوره وشفافية ذوقه ونبل إحساسه فهل ترى في هذه اللوحة الإنسانية النموذجية مساحة ما، لقبول أي عبث أو تزوير وتشويه؟ .\nإذن فليس في شيء من حديث عروة بن مسعود عن حب الصحابة لرسولهم، ما يلحق بالرسول أي منقصة في طبعه، أو يصمه بأي غلظة في تعامله وسلوكه، أو يبرزه في مظهر المدلِّ زهُوًّا على أصحابه، أو الدافع لهم على ما فعلوا.\nفإن أراد هذا الرجل أن يتحول بعدئذٍ بالنقد والاشمئزاز إلى أولئك الناس الذين ساقهم الحب على ما صنعوا، فإن عليه أن يتبين قبل كل شيء خصمه الحقيقي الذي أثار في نفسه بواعث النقد ولاشمئزاز حتى لا يتهم البرآء ظلمًا وعدوانًا. =","vol":"1","page":50},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وإنما خصمه في هذه الدعوى هو الحب ....\nالحب هو الذي حمل أولئك الناس على فعل ما وصفه عروة بن مسعود، وفعل ما هو أبلغ من ذلك.\nوالحب هو الذي لين تحت سلطانهم الحديد، وقرب إليهم البعيد، وجعل المستحيل بين أيديهم ممكنًا، وجعل القُبْحَ جميلًا، والملح الزُّعَاقَ حلوًا طيب المذاق.\nهذا هو شان الحب، وذلك هو جبروته وسلطانه.\nفإن علم هذا الرجل، أن في نواميس هذه الحياة سلطانًا أقوى نفوذًا إلى النفوس، وهيمنة على القلوب من سلطانه، فليَشْكُهُ إليه، وليَسْتَعْدِهِ عليه، وليصف له اشمئزاز نفسه من هذا الذي يفعله الحب، بنفوس الناس، ومن العمل الذي يحملهم عليه. ولكن يا عجبًا ... يرى ويعلم هذا الرجل وأمثاله ما يفعله الحب الأرعن بأصحابه، أعني ذلك الحب الذي يتسلل على القلب في غفلة من العقل، أومع تحدّ للعقل وأحكامه، إذْ يسوقه إلى شذوذات عجيبة من السلوك ويزجه في أوحال من المهانة والقذارة التي يشمئز من بيانها البيان، فلا يستعظم من ذلك شيئًا، ولا تشعر نفسه الحساسة بأي قرف أو اشمئزاز، بل ما أكثر ما يبارك كتّابٌ وأدباء، وشعراء، هذا هو الشذوذ (الوري)، وما أسهل أن يتصوره أو يصوّره تجسيدًا رائعًا للهيجان الخمريّ المعتق.\nحتى إذا رأى صورة ذلك الحب العلوي الذي ينسكب في المشاعر من القلب والعقل معًا، وأبصر شيئًا من آثاره في حياة صاحبه وسلوكه، تعجب واستغرب، واصطنع التأفف والاشمئزاز، وأخذ يندب اللباقة والذوق الرفيع.\nألا فليعلم هذا الرجل وأمثاله أن كل شيء في الدنيا يخضع لقانون مستقل عنه إلّا الحب، فلن تراه خاضعًا إلَّا لقانونه ذاته.\nوالويل كل الويل لمن كان حب قلبه تمردًا على عقله.\nوليهنأ ذاك الذي كان حبه القلبي تجاوبًا مع قراره العقلي. وحسب أصحاب رسول الله - ﷺ - شرفًا وفخرًا أن الحب الذي استبدّ بقلوبهم لرسول الله كان شعاع إيمانهم العقلي بصدق نبوته وسموّ مكانته عند رب العالمين ﷻ. فليفعل بهم هذا الحب ما شاء، وليحملهم على التبرك والتمسح بعرقه وبصاقه وما يتساقط من شعره، وما يتقاطر من ماء وضوئه .. فإنما هي لغة الحب .. ولا تصاغ لغة الحب إلّا في داخل بوتقته، ولا يتحكم بها غيره.\nوإني لأعلم أن في الناس اليوم من لو رأت أعينهم محمدًا - ﷺ - يمشي على الأرض لهاج بهم هائج الحب ولخروا على الأرض يلعقون الثرى الذي سما وازدهى تحت قدمي رسول الله.\nولا يخاصم منطق الحب هذا إلّا من يقارعه بمنطق الكراهية والبغض.\nوخصومة كهذه لا يقرها منطق، ولا يدعمها عقل، إذ من البديهي أن الجدل حول أمر ما، لا يتحرك =","vol":"1","page":51},{"text":"قال فرجع عروة إلى أصحابه، فقال أي قوم والله لقد وفَدْتُ على الملوك ووفَدْتُ على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إنْ رأيت مليكًا قط يعظمه أصحابه ما يعِّظمُ أصحاب محمد - ﷺ - محمدًا.\nثم ساق ما سبق ذكره ثم قال لهم:\nوإنه قد عرض عليكم خطة رُشدٍ فاقبلوها، فقال رجل من بني كنانة (١): دعوني آتيه، فقالوا: ائْته. فلما أشرف على النبي - ﷺ - قال رسول الله - ﷺ -: هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البُدنَ فابعثوها له (٢)، فَبُعِثَتْ له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدّوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البُدنَ وقد قُلِّدَتْ وأُشْعِرَتْ، فما أرى أن يصدوْا عن البيت (٣).\nقال: فقام رجل منهم يقال له مِكْرَزُ بن حَفصْ، فقال: دعوني آته، فقالوا ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي - ﷺ -: هذا مِكْرَزٌ، وهو رجل فاجر (٤).\n_________\n= ويتفاعل إلّا فوق أرض من اليقين بحقيقة مشتركة بين الطرفين.\nوقد التقطت حكمة الدهر كلمة قيل إنّ مجنون بني عامر قالها يوم سمع في الناس من يعيب عليه وينتقده لتعلقه بليلى، وهي: رفيمًا زعموا سمراء دميمة فقال: لو نظروا إليها بعيني لعلموا أنهم مخطئون.\n(١) اسمه الحُليس، وكان من رؤوس الأحابيش وهم: بنو الحارث، وبنو المصطلق، والقارة.\n(٢) أي أثيروها أمامه دفعة واحدة.\n(٣) وفي رواية ابن إسحاق: وغضب وقال يا معشر قريش، ما على هذا عاقدناكم، أيصدُ عن بيت الله من جاء معظمًا له؟ فقالوا: كف عنا يا حُلَيْسٌ حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى .. انظر فتح الباري جـ ٥ صـ ٤١٩ ـ.\n(٤) وفي رواية ابن إسحاق: وهو رجل غادر. وذلك صحيح من سيرة ميكرز فقد كان معروفًا بالغدر، وقد سبق له أن قتل عامر بن يزيد سيد بني بكرة، كما ذكر الواقدي بأنه خرج على المسلمين يوم الحديبية ليلًا بخمسين رجلًا ينوي الغدر، فأُسروا ولأَفلتَ مِكْرَز، وكأنه - ﷺ - أشار بعبارة إلى ما سيكون منه، وفي هذا إعجاز جديد. انظر نفي المرجع والجزء صـ ٤٢٠.","vol":"1","page":52},{"text":"قال: فجعل يكلم النبي - ﷺ -، فينما هو يكلمه إذْ جاء سهيل بن عمرو، فلما جاء قال النبي - ﷺ -: قد سَهُلَ لكم من أمركم (١).\nقال: فجاء سُهيْل بن عمرو فقال: هاتِ اكتُبْ بيننا وبينكم كتابًا. فدعا النبي - ﷺ - الكاتبَ (٢).\nقال النبي - ﷺ - لسيدنا علي: بسم الله الرحمن الرحيم.\nفقال سُهيْل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب: باسمك اللهمّ كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلّا بسم الله الرحمن الرحيم.\nفقال النبي - ﷺ -: اكتب باسمك: «باسمك اللهمّ».\nثم قال رسول الله - ﷺ - للكاتب: هذا ما قضى عليه محمد رسول الله.\nفقال سُهيْل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله - ﷺ - ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله.\nفقال النبي - ﷺ -: «والله إني لرسول الله وإن كذَّبتموني. اكتبْ: محمد بن عبد الله».\nوهذا كما ترى - أخي القارئ - تساهل يهدف إلى حقن الدماء، وحفظ السلام في ربوع مكة، وجنبات البيت الحرام، وسائر بقاع جزيرة العرب التي يسعى الصحابة المجاهدون إلى جعلها دارًا للإسلام بوسائل السلم إن أمكنهم ذلك. وهذا كله انعكاس لما كان قد أقسم به رسول الله - ﷺ -: «والله لا يسألونني\n_________\n(١) وفي رواية ابن إسحاق: فدعت قريش سُهَيْلَ بن عمرو فقالوا: اذهبْ إلى هذا الرجل فصالحه. قال: فقال النبي - ﷺ -: قد أرادت قريش الصلح حين بعثت هذا.\n(٢) هو علي بن أبي طالب كرم الله وجه كما بينته رواية ابن إسحاق.","vol":"1","page":53},{"text":"خطة يعظمون فيها حرماتِ الله إلّا أعطيتهم إياها» (١).\nقال النبي - ﷺ -: على أن تخلوا بيننا وبين البيت، فنطوف به.\nفقل سُهَيْلٌ: والله لا تتحدث العرب أنّا أُخِذْنا ضُغْطةً (٢)، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب.\nفقال سُهَيْلٌ: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل - وإن كان على دينك - إلّا رددته إلينا (٣).\nقال المسلمون: سبحان الله، كيف يُردُّ إلى المشركين، وقد جاء مسلمًا (٤)؟ .\nفبينما هم كذلك إذْ دخل أبو جندل (٥) بن سُهَيْل بن عَمْروٍ يَرْسُفُ في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سُهَيْل: هذا يا محمد أول من أقاضيكَ عليه أن تردّه إلي.\n_________\n(١) هذا ما صرح به الزهري أحد حلقات السند في هذا الحديث.\n(٢) أي قهرًا. وفي رواية ابن إسحاق: عنوة\n(٣) وفي رواية ابن إسحاق: على أنه من أتى محمدًا من قريش بغير إذن وليه ردّه عليهم، ومن جاء قريشًا ممن يتبع محمدًا لم يردوه عليه. انظر فتح الباري جـ ٥ صـ ٤٢١.\n(٤) وفي رواية عقيل عن الزهري: فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا منه، وأبى سهيل إلّا ذلك، فكاتبه النبي - ﷺ - على ذلك، فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال في تلك المدة إلّا رده.\nولمسلم من حديث أنس بن مالك أنّ قريشًا صالحت النبي - ﷺ - على أنه من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه إلينا، فقالوا: يا رسول الله: أنكتب هذا؟ قال نعم، إنه من ذهب إليهم فأبعده الله، ومن جاء منهم إلينا فسيجعل الله له فرجًا ومخرجًا. انظر نفس المرجع والجزء صـ ٤٢٢.\n(٥) والده سهيل بن عمروكما هي الرواية، وقد كان سبق لسهيل أن أوثقه وسجنه حين أسلم، فأفلت من حبسه، وتنكب الطريق، وركب الجبال حتى هبط على المسلمين ففرحوا به وتلقوه بالقبول، ثم كان ما كان من أمر صلح الحديبية، وإصرار أبيه سهيل على أخذه، لا بل في رواية ابن إسحاق أنه قام إلى أبي جندل فضرب وجهه.","vol":"1","page":54},{"text":"فقال النبي - ﷺ -: أنا لم نقضِ الكتابَ بعد.\nقال سُهَيْل: فوالله إذًا لم أصالحك على شيء أبدًا.\nقال النبي - ﷺ -: فأجزه لي (١).\nقال: ما أنا بمجيزهِ لكَ.\nقال النبي - ﷺ -: بلى فافعلْ.\nقال سُهيْل: ما أنا بفاعل.\nقال مِكْرز: بل قد أحزناه لك (٢).\nقال أبو جندل: أي معشر المسلمين أُرَدُّ إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما قد لقيت (٣)؟ .\nوكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا في الله.\nقال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله - ﷺ - فقلت: ألست نبي الله حقًا (٤)؟ قال رسول - ﷺ -: بلى.\n_________\n(١) أي فأمضه لي، أو فاستثنه لي من الاتفاق.\n(٢) لا تتنافى إجازته مع صفة الفجور التي نُعتَ بها؛ لأنه قال ذلك نفاقًا ومراوغة، وقد أشرت لك قبلُ إلى الغدر الذي كان منه يوم الحديبية.\n(٣) وزاد ابن إسحاق في روايته أن رسول الله ﷺ قال له: يا أبا جندل، اصبرْ وأحتسب، فإنا لا نغدر، وإن الله جاعل لك فرجًا ومخرجًا. انظر فتح الباري ح ٥ صـ ٤٢٣.\n(٤) وزاد الواقدي من حديث أبي سعيد: قال عمر: لقد دخلني أمر عظيم، وراجعتُ النبي - ﷺ -، مراجعة ما راجعته مثلها قط. أنظر نفس المرجع والجزء صـ ٤٢٤.","vol":"1","page":55},{"text":"قلت: - أي عمر: ألسنا على الحق وعدوّنا على الباطل؟ (١)\nقال: بلى.\nقلت فلم نعطي الدنيَّة في ديننا إذًا.\nقال: إني رسول الله، ولست أعصيه وهو ناصري (٢).\nقلتُ: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به (٣).\nقال: بلى، فأخبرتك أنّا نأتيه العام؟ (٤).\nقال عمر: قلت: لا.\nقال رسول الله - ﷺ -: فإنّكَ آتيه، ومطوّف به (٥).\nقال عمر: فأتيت أبا بكر (٦) فقلتُ: يا أبا بكر، أوليس هذا نبيَّ الله حقًا.\n_________\n(١) وزاد في رواية: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ فعلام نعطي الدنيّة في ديننا، ونرجع ولم يحكم الله بيننا؟ فقال: يا ابن الخطاب إني رسول الله، ولن يضيعني الله. فرجع متغيظًا، فلم يصبر حتى جاء أبا بكر. وأخرج البزار من حديث عمر نفسه مختصرًا، ولفظه، وقال عمر: «اتهموا الرأي على الدين فلقد رأيتني أردّ أمر رسول الله - ﷺ - برأي، وما ألوت عن الحق». وفيه قال: فرضي رسول الله - ﷺ - وأبَيتُ، حتى قال لي: «يا عمر تراني رضيتُ وتأبى». انظر المرجع والجزء والصفحة.\n(٢) هذا ظاهر في أن تصرفات رسول الله - ﷺ - تلك كانت تدور وفق الوحي الإلهي.\n(٣) وفي رواية ابن إسحاق أن الصحابة ما كانوا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله - ﷺ -، فلما رأوا الصلح دخلهم من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون.\n(٤) بتقدير همزة الاستفهام أي: أفأخبرتُك.\n(٥) عند الواقدي أن النبي الله - ﷺ - كان رأى في منامه قبل أن يعتمر أنه دخل وهووأصحابه البيت، فلما رأوا تأخير ذلك شق عليهم.\n(٦) لم يذكر سيدنا عمر بن الخطاب أنه راجع أحدًا غير سيدنا أبي بكر الصديق ﵄، وذلك لجلالة قدر الصديق، وسعة علمه عنده. قال في فتح الباري جـ ٥ صـ ٤٢٤: وفي جواب أبي بكر لعمر بنظير =","vol":"1","page":56},{"text":"قال: بلى.\nقلتُ: ألسنا على الحق، وعدوُّنا على الباطل؟\nقال أبو بكر: بلى.\nقلتُ: فلم نعطي الدنيَّة في ديننا إذًا.\nقال أبو بكر: أيها الرجل، إنه لرسول الله - ﷺ -، وليس يعصي ربه، وهو ناصره فاستمسكْ بغَرزه (١) فوالله إنه على الحق.\nقلت: أليس كان يحدّثنا أنا سنأتي البيت، ونطوف به؟ .\nقال: بلى، أفاخبرك أنك تأتيه العام؟\nقلت: لا قال: فإنك آتيه ومطوف به.\nقال الزهريُ:: قال عمر: فعملتُ لذلك أعمالًا (٢).\n_________\n= ما أجابه النبي الله - ﷺ - سواء، دلالة على أنه كان أكمل الصحابة وأعرفهم بأحوال رسول الله - ﷺ -، وأعلمهم بأمور الدين وأشدهم موافقة لأمر الله تعالى. وقد وقع التصريح في هذا الحديث بأن المسلمين استنكروا الصلح المذكور، وكان رأي عمر في ذلك، وظهر من الفضل أن الصديق لم يكن في ذلك موافقًا لهم، بل قلبه على قلب رسول الله - ﷺ - سواء ...\n(١) الغَرْزُ للإبل بمنزلة الركب للفرس، والمراد: فاستمسك بأمر رسول الله - ﷺ -، واترك مخالفته، تمامًا كالذي يمسك بركب الفارس فلا يفارقه.\n(٢) أي أعمالًا من الذهاب والمجيء، والجواب في طلب كشف ما خفي عليه من خطوات هذه المعاهدة التي لا تتماشى ظاهرًا مع القوة التي يملكها المسلمون آنذاك وهم على أبواب مكة، والتي ربما تخولهم لاقتحامها عنوة إن أبت قريش دخولهم معتمرين، وهو القوي العزيز الصادق في نصرة دينه، الحريص على عزة المسلمين وإذلال الكفار والمشركين. فالباعث لسيدنا عمر على أعماله تلك لم ينبع من مكمن شك، حاشاه، وهو الراسخ في دينه.","vol":"1","page":57},{"text":"قال: فلما فرغ من قضية الكتاب (١) قال رسول الله - ﷺ - لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا.\nقال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات (٢) فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة: يا نبي الله: أتحبُّ ذلك؟ اخرُجْ، ثم لا تكلمْ أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدْنَك، وتدعو حالِقكَ فيحلقَكَ (٣).\nقال: فخرج، فلم يُكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه (٤) ودعا حالقَهُ فحلقه فلما رأَوْا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد\n_________\n(١) زاد ابن إسحاق: فلما فرغ الكتاب أشهد على الصلح رجالًا من المسلمين ورجالًا من المشركين. ومنهم أبو بكر وعمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن سهيل بن عمر ومِكْرَز بن حفص وهو مشرك.\n(٢) الذهول من وقع ما حدث واستغراق التفكير فيه، ورؤية ما في هذا الصلح من نقاط الضعف - وذلك من حيث الظاهرـ وهم القادرون على صد المنع القرشي، وبلوغ قلب الحرم بالدماء والغلبة. كل هذا لم يكن بالشيء القليل وهم أبناء الحرم، وعلى أبوابه، قد قطعوا إليه مسافة طويلة محرمين ملبين. ثم يحتمل أنهم كانوا ينتظرون نسخ الحكم الشرعي بنحر البدن والتحلل بالإحصار، وربما حملوا الأمر على الندب، وربما اجتمع هذا كله في وجدانهم ومخيلتهم المشوشة فثبتوا في أرضهم لا يدرون ماذا يفعلون، رغم أن صوت نبيهم - ﷺ - يأمرهم بالنحر والتحلل بالحلق، لكنهم عنه مشدوهون ومشدودون إلى ما يجول في خلدهم، غافلون عنه، وغارقون تحت وطء الصدمة. فالأمر ليس من باب الرفض أو التأبي أو التحدي، وسياق القصة يؤكد ذلك، وامتداح الله لهم فيما نزل بعد من آيات شاهد آخر، وسيأتي من كلام أمّ سلمة يؤيد قولي في الفقرة التالية مباشرة.\n(٣) زاد ابن إسحاق: قالت أم سلمة: يا رسول الله: لا تكلمهم، فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح.\n(٤) وفي رواية هديه وعن مجاهد أنه بلغ سبعين، وأن فيه جملًا لأبي لهب كان قد غنمه رسول الله - ﷺ - في بدر، أتى به ليغيظ المشركين.","vol":"1","page":58},{"text":"بعضهم يقتل بعضًا غّمًا.\nهذا ما دار من أحداث على ثرى الحديبية والتي كان أبرزها الصلح الشهير الذي ينتسب إلى تلك البقعة الطيبة، والذي يحمل اسمها، إنه صلح الحديبية.\nوالصلح - بحد ذاته كان فتحًا عظيمًا للمسلمين جميعًا، وصورة تحكي للأجيال المسلمة الفرق الواضح يبن خطي النبوة وتدبيرها، وترتيب الجهد الإنساني وحدوده، كما كان زلزالًا قويًا بالنسبة لمن حضر من المسلمين التوقيع على تلك المعاهدة التاريخية.\nأما الفتح العظيم فقد جاء تجليًا واضحًا لتدبير الله ﷿ في هذا الكون، وترتيبه بيت هذا الصلح، في إظهار لعمل النبوة التي برزت خطواتها كما لم تبرز في أي مظهر آخر من قبل، حتى إنه كان مقدمة لكل ما جاء بعده من فتوحات، رغم ما كان يظهر على معالمه من سمات الذل والاستكانة والتقهقر والهوان، في صورة ظاهرة خفيت تدابيرها الإلهية اللطيفة على عامة المسلمين، وظهرت للبعض منهم فقط، لذلك قال الزهري: «فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم من فتح الحديبية، إنما كان القتال حيث التقى الناس، ولما كانت الهدنة ووضعت الحرب، وأمن الناس كلهم بعضهم بعضًا، والتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يكن أحد بالإسلام يعقل شيئًا في تلك المدة إلّا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك، أو أكثر، يعني من صناديد قريش».\nولقد قال العلامة ابن حجر العسقلاني بعد أن ساق كلام الزهري هذا: «ومما ظهر من مصلحة الصلح المذكور غير ما ذكره الزهري أنه مقدمة بين يدي","vol":"1","page":59},{"text":"الفتح الأعظم الذي دخل الناس عقبه في دين الله أفواجًا، وكانت الهدنة مفتاحًا لذلك ...».\nكما قال: «ولما كانت قصة الحديبية مقدمة للفتح سميت فتحًا كما سيأتي في المغازي فإن الفتح في اللغة فتح المغلق، والصلح كان مغلقًا حتى فتحه الله، وكان من أسباب فتحه صدُّ المسلمين عن البيت، وكان في الصورة الظاهرة ضيم للمسلمين، وفي الصورة الباطنة عِزٌّ لهم، فإنّ الناس لأجل الأمن الذي وقع بينهم اختلط بعضهم ببعض من غير نكير، وأسمع المسلمون المشركين القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرةً آمنين، وكانوا قبل ذلك لا يتكلمون عندهم إلّا خفية، وظهر من كان يخفي إسلامه، فذُلَّ المشركون من حيث أرادوا العزة، وأُقهروا من حيث أرادوا الغلبة» (١).\nلذلك لا غرابة أن يسمي الله ما جرى من صلح الحديبية فتحًا، وأن ينزّل على قلب نبيه - ﷺ - سورة في طريق العودة من مكة إلى المدينة، تحمل اسم الفتح، صدَّرها بقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح: ١].\nعمل النبوة في مكنونها الخفي، وغيبها المطوي في علم الله وحده، هو الذي كان يقود تلك المسيرة آنذاك منذ أن قال رسول الله - ﷺ -: لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلّا أعطيتهم إيّاها.\nفالوحي الإلهي هو الذي دعاه إلى تلك الخطة، وأخبره بها، ورسم محطاتها خطوة بعد خطوة.\n_________\n(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري جـ ٥ ص ٤٢٦ - ٤٢٧.","vol":"1","page":60},{"text":"ثم أخذت ملامح الأمر تتبدّى منذ أن قال رسول الله - ﷺ - وقد انتصب في الطريق شخص سهيل بن عَمروـ: قد سَهُلَ الأمر عليكم وقد أرادت قريش الصلح حين بعثت هذا.\nوفي تغاضي رسول الله - ﷺ - عن تمسكه في تلك المعاهدة، عن بعض الأمور، أمام إصرار الطرف الآخر لوحةٌ أُخرى تنعكس عليها هذه الحقيقة؛ لأن وحي السماء كان يواكب رحلة الصلح منذ اللبنة الأولى لها، يزيل أي صعوبة تعرقل إتمام الوثيقة، لذلك لما طلب رسول الله - ﷺ - أن توضع الحرب بين الفريقين، وأن تخلّيَ قريش بين المسلمين والبيت الحرام، ولما أبي سهيل ذلك، واعتذر بأنه لا يرضى أن تقول العرب: أنّا أُخذنا ضُغْطة أي قهرًا فإذا برسول الله - ﷺ - يتنازل عن هذا الشرط، ويرضي بقول سهيل، رغم أن أصحابه خرجوا معه من المدينة المنورة لأداء العمرة عامهم ذاك، وهم الذين تحمَّلوا لأجلها مشاقَّ السفر، وألم الغربة، ومصاعب الإحرام، ثم ها هو البيت على مرمى نظرهم، أو يزيد، وهاهم يقبلون الهدنة، وتضع الحرب أوزارها سنين عديدة، فعلًا تم التأجيل؟ هذا ما لم يدركه فهم الصحابة الكرام؛ لأنه مما يخفي على كل إنسان إلّا إن نظر بعين النبوة، لأنها تبصر بيد العناية الإلهية التي ترى ما لا يراه الناس، فهي التي كانت تضع اللمسات الأخيرة لكل فقرة من فقرات الصلح، ليرى المسلمون، وتدرك أجيالهم الفرق الشاسع بين الوحي وتعليماته، والمسيرة البشرية ومعطياتها.\nقبل هذا الموقف المؤثر كان رسولنا محمد ﵊ قد استجاب لامتناع سهيل هذا عن كتابة بسم الله الرحمن الرحيم، إلى تصدير الوثيقة بالعبارة التي كانت سائدة آنذاك: باسمك اللهمّ.","vol":"1","page":61},{"text":"ثم تلقّى المسلمون ما هو أشدّ، حين انتبهت أعصابهم المشدودة من هول مايشاهدونه، إلى فقرة هي في ظاهرها أكثر إيلامًا من سابقها، أقرّ فيها رسول الله - ﷺ - على اشتراطه الذي انتهى الأمر بالتنازل عنه، وهو أنه من أتى محمدًا من قريش بغير إذن وليّه رده عليهم، ومن جاء قريشًا ممّن يتبع محمدًا لم يردّوه عليه! هنا تألم المؤمنون، وتعجبوا، وقالوا: سبحان الله، كيف يردّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا.\nفي خضم هذا الموقف الذي تأثر منه المسلمون كثيرًا نزل فيهم ما هو أشدّ منه وقعًا وتأثيرًا بما يشبه الزلزال العظيم في كيان كل منهم، حين هبط على ساحة الحديبية التي فيها يجتمعون مسلم أسيرٌ عند قريش، حبس بداخل مكة، فاستنجد بالله والحيلة والجهد، وفرّ بدينه، يركب الجبال، يتنكب الطريق، قاصدًا الملجأ الوحيد الذي يمكنه أن يحتضنه، وهو هذا الجمع المبارك بقيادة الرسول محمد - ﷺ -، لكن والده المفاوض سهيل بن عمرو، يشترط أن يكون ولده أبو جندل أوّل ما يقاضي به رسول الله - ﷺ - في هذه المعاهدة، ويأبى إلّا أن يستردّه، ويمتنع عن إجازته للمسلمين مع تكرار الطلب بذلك من قبل رسول الله - ﷺ -.\nوإذا بالمسلمين تلفّهم دهشة أخرى، وإذا بالمشاهد المؤثرة تتقاذفهم بعد أن سمعوا نبيَّهم الكريم - ﷺ - يترك إجازة أبي جندل أمام عناد أبيه، فلا يلمحون في اللوحة التي ترتسم أمامهم سوى صغار وهوان المسلمين أمام استكبار وزهو المشركين بالانتصار في هذه المعاهدة التي تحكي ألفاظها الظاهرة هذه النتيجة. لذلك قالوا: أنكتب هذا يا رسول الله؟ ويجيب - ﷺ - بلسان الوحي والنبوة التي غفوا عنها لبرهة وجيزة بسبب الوطء الشديد للمعاهدة: إنه مَن ذهب منّا إليهم فأبعده الله، ومن جاء منهم إلينا فسيجعل الله له فرجًا ومخرجًا. لهذا كان عمر في","vol":"1","page":62},{"text":"سؤاله ومجيئه وذهابه كأنه الناطق باسمهم لما عرف عنه من الغيرة والطرجة ويتوجه لسان النبوة إلى أبي جندل بالتوجيه الدقيق التالي:\nيا أبا جندل، اصبر واحتسبْ، فإنّا لا نغدر، وإن الله جاعلٌ لك فرجًا ومخرجًا.\nوفي تعقيبه على هذه القصة يقول أستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: «إن أمر هذا الصلح كان مظهرًا لتدبير إلهي محض تجلى فيه عمل النبوة وأثرها كما لم يتجلى في أي عمل أو تدبير آخر. فقد كان نجاحه سرًا مرتبطًا بمكنون الغيب المطوي في علم الله وحده ولذلك انتزع كما - قد رأيت - دهشة المسلمين أكثر مما اعتمد على فكرهم وتدبيرهم، ومن هنا فإنّا نعتبر أمر هذا الصلح بمقدماته ومضمونه ونتائجه من الأسس الهامة في تقويم العقيدة الإسلامية وتثبيتها.\nولنتحدث أولًا عن طرف من الحكم الإلهية العظيمة التي تضمنها هذا الصلح والتي تجلت للعيان فيما بعد، حتى أضحت آيةً من آيات الله الباهرة، ثم نتحدث بعد ذلك عن الأحكام الشرعية التي تضمنتها وقائع هذا الصلح.\nفمن الحكم الباهرة أن صلح الحديبية كانت مقدمة بين يدي فتح مكة فقد كانت هذه الهدنة كما يقول ابن القيم بابًا له ومفتاحًا. وتلك هي عادة الله ﷾، يوطئ بين يدي الأمور التي تعلقت إرادته بإنجازها، مقدمات تؤذن بها وتدلُّ عليها.\nولئن لم يكن المسلمون قد تنبهوا لهذا في حينه، فذلك لأن المستقبل غائبٌ عنهم، فآن لهم أن يفهموا علاقة الواقع الذي رأوه بالغيب الذي لم يتصوروه بعد؟","vol":"1","page":63},{"text":"ولكن ما إن مضت فترة من الزمن، حتى أخذ المسلمون يستشفّون أهمية هذه الهدنة وعظيم ما قد انطوت عليه من خير. فإن الناس أمن بعضهم بعضًا، واختلط المسلمون بالكفار ونادوهم بالدعوة، وأسمعوهم القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وظهر من كان متخفيًا بالإسلام ...».\nثم قال:\n«ومن الحكم الجليلة، أن الله ﷻ أراد بذلك أن يبرز الفرق واضحًا بين وحي النبوة وتدبير الفكر البشري، بين توفيق النبي المرسل وتصرف العبقري المفكر، بين الإلهام الإلهي الذي يأتي من فوق دنيا الأسباب ومظاهرها، والانسياق وراء إشارة هذه الأسباب وحكمها.\nأراد الله أن ينصر نبوة نبيه محمد - ﷺ - أمام بصيرة كل متأمل عاقل ولعل هذا من بعض تفسيره قوله تعالى: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾، أي نصرًا فريدًا في بابه، من شأنه أن ينبه الأفكار السادرة والعقول الغافلة (١).\nفلا غرابة أن يدهش المسلمون من موقف رسول الله - ﷺ - إزاء هذه المعاهدة، وهم يرونه يعطي المشركين كل ما سألوه، ولا عجب أن يستبد الضيق بعمر بن الخطاب؛ لأنهم كانوا يقفون على أرض من بشريتهم، فلا يتبصرون إلّا بمقدارٍ دون أن تتجاوز أبصارهم ما ينتصب حولهم من حواجز الزمان والمكان والأسباب، أما رسول الله - ﷺ - فقد كان يقف في تصرفاته على أرض من حقيقة النبوة التي تتحكم بها عناية السماء بواسطة الوحي الإلهي جبريل، فهو يدرك بها فوق ما يفهمه البشر\n_________\n(١) فقه السيرة النبوية، القسم السادس الفتح ومقدماته من صـ ٣٤٥ - ٣٤٧.","vol":"1","page":64},{"text":"في عقولهم، ويرمي إلى أبعد ما تدركه خبراتهم.\nإذن، لا مطعن فيما أصابهم، وهم الذين تمتزج بكينونتهم طبيعة البشر، أمام مشهد لا مطمع فيه ليد واحدٍ منهم أن تمتد إليه بفعل من زيادة أو حذف، وهو ما حدا بعمر بن الخطاب أن يتساءل أمام رسول الله - ﷺ -: فلمَ نرضى الدنيَّة في ديننا؟\nلكنّ الإيمان الراسخ بداخلهم أقوى من سائر الزلازل التي تمتد إليه لتميد به، لذلك ما إن شاهدوا نبيَّهم - ﷺ - ينحر إبله، ويدعو حالقه فيحلق له، حتى قاموا ينحرون الإبل، ويتحللون بالحلق، يحلق بعضهم لبعض، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا لحرصهم ومسارعتهم في تنفيذ أمر رسول الله - ﷺ -.\nوهكذا صحا أصحاب محمد - ﷺ - من الوجوم الذي خيم عليهم في الحديبية، على مزيد من الإيمان بالحكمة الإلهية، ونبوة محمد - ﷺ -، حتى إنَّ عمر ﵁ يذكر أنه ما يزال يصلي ويصوم ويتصدق ويعتق خشية أن يناله شيء من الذي استدرجه إليه ظاهر صلح الحديبية.\nلقد ترسخ عندهم أن الحق ما جاء به الشرع وإنْ بدا للوهلة الأولى غير ذلك، وهو ما أورثهم يقينًا بالله وبرسوله وبكمال الشرع المطهر وصواب أحكامه وذلك فوق ما لديهم من يقين وإيمان حتى إنهم صاروا يتهمون رأيهم متحررين من غرور العقل حين يعمل على استعباد صاحبه في غفلة عن سلطان الله خالق الكون والإنسان ووسيلة الإدراك فيه هي العقل لا غير.\nجاء في الصحيح أن سُهَيْلَ بنَ سعيد - ﵁ - قال يوم صفين: «أيها الناس اتهموا","vol":"1","page":65},{"text":"رأيكم، لقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله - ﷺ - لرددته (١).\nوقال عمر: اتهموا الرأيَ على الدين، فلقد رأيتني أردّ أمر رسول الله - ﷺ - برأي (٢).\n_________\n(١) نفس المرجع ص ٣٤٩.\n(٢) فتح الباري جـ ٥ ص ٤٢٤.","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>واجبات الإحرام</span>\nقال الإمام العمريطي:\n(والواجب الإحرام من ميقاته ... والرمي للجمار في أوقاته)\n(وأن يبيت الشخص في المزدلفهْ ... وفي منى الليالي المشرّفة)\nوترك ما يُسْمى مخيطًا ساترا ... وأن يطوف للوداع آخِرَا\nالأركان بالتعريف هي التي يتوقف وجود النسك عليها، ولا تُجبر بدم. أما الواجبات، فهي التي لا يتوقف وجود النسك عليها، وتجبر بدم (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>الواجب الأول: الإحرام من الميقات</span>. وقد مر معك أن الإحرام بمعنى النية هو الركن الأول من أركان الحج، أما وقوع هذا الإحرام في الميقات لا بعده فهو الواجب الذي نتحدث عنه، لذلك لو جاوز الميقات بلا إحرام، وهو مريد للنسك لزمه العود ما لم يتلبس بنسك كطواف القدوم مثلًا، فإن لم يعد إلى الميقات أصلًا، أو عاد لكن بعد أن تلبَّس بنسك لزمه دم، ولو كان ناسيًا أو جاهلًا.\nقال العلامة الباجوري: «ولا إثم على الناسي والجاهل، والأفضل أن يحرم من أول الميقات ليقطع باقيه محرمًا إلّا في ذي الحليفة فالأفضل فيه أن يحرم من\n_________\n(١) انظر حاشية الشيخ إبراهيم البيجوري على شرح العلامة ابن قاسم الغزي على متن الشيخ أبي شجاع جـ ١ صـ ٤٦٩.","vol":"1","page":67},{"text":"المسجد الذي أحرم منه النبي - ﷺ -» (١).\nوالميقات في الأصل مأخوذ من الوقت، لكنه في اصطلاح الفقهاء زمان العبادة ومكانها، ولا يختص بوقتها فقط؛ لأن كلًا منهما حدٌّ للعبادة، والميقات لغة الحد. فالميقات على هذا مكاني وزماني: للآفاقي حجًا أو عمرة هي مواضع معينة حدّها لنا الشرع المطهر وهي بالنسبة للمدينة المنورة ومن أتى من قبلها ذا الحليفة (أبيار علي). وبالنسبة لأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل العراق ذات عرق.\nوالميقات الزماني شوال من أوله، وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، فلو أحرم بالحج قبل ذلك انعقد عمرة؛ لأن جميع السنة كما قلت زمن للعمرة (٢)؛ ولأنَّ الإحرام شديد التعلق بالوقت المرتبط به، فإذا لم يقبل الوقت إحرام المحرم بالحج انصرف إلى ما يقبله إحرامه وهو العمرة.\nوتنتهي عشر ذي الحجة مع بزوغ فجر يوم النحر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>الواجب الثاني: الرمي </span>ويشمل رمي جمرة العقبة يوم النحر بسبع حصيات فقط، والتي يدخل وقتها بنصف ليلة النحر، أما زمن فضيلته فما بين ارتفاع شمس ذلك اليوم وزوالها.\nوله وقت اختيار إلى غروب الشمس يوم النحر.\nكما له وقت جواز إلى آخر أيام التشريق الثلاثة بعدُ.\n_________\n(١) نفس المرجع والجزء صـ ٤٧٠.\n(٢) انظر تهذيب الحبيب شرح نهاية التدريب للعلامة الفشني صـ ٢٠٧.","vol":"1","page":68},{"text":"كما يشمل الرمي الجمرات الثلاث أيام التشريق الثلاثة التي تلي يوم النحر، ويرميها كل يوم بإحدى وعشرين حصاة، لكل جمرة سبع حصيات يوميًا.\nفجملة الحصى لمن لم ينفر النفر الأول سبعون حصاة.\nقال العلامة الشيخ إبراهيم الباجوري من الشافعية:\n«ولوترك رميًا من رمي أيام النحر وأيام التشريق تداركه في باقي أيام التشريق أداء؛ لأنه يدخل رمي كلِّ يوم من أيام التشريق بزوال شمسه، ويبقى وقت اختياره إلى آخر ذلك اليوم، ويبقى وقت جوازه إلى آخر أيام التشريق.\nويجوز رمي ما فاته ليلًا أو نهاره، ولا يصح الرمي بعد أيام التشريق أصلًا بل يلزمه دم بترك ثلاث رَمياتٍ فأكثر» (١).\nوليس للمرمى حد معلوم، غير أنَّ بعض المتأخرين حده بثلاثة أذرع من كافة جوانب العمود المنصوب في كل جمرة، باستثناء جمرة العقبة فليس لها إلّا جانب واحد؛ لأنها في الأصل بجنب جبل.\nولا يكفي رمي العمود المعروف في مركز كل جمرة هناك، اللهمّ، إلّا إن وقع المرميُّ في المرمى.\nهذان الواجبان متفق عليهما: أي إنشاء الإحرام من الميقات، والرمي. أما سائر الواجبات، فليست موضع إجماع، كما ذكر إمامنا النووي، والأصح وجوبُ ذلك (٢).\n_________\n(١) حاشية الباجوري جـ ١ صـ ٤٧٢\n(٢) حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي صـ ٤١٧.","vol":"1","page":69},{"text":"الواجب الثالث (١): المبيت بالمزدلفة (٢)، أي وجوده فيها لحظة من النصف الثاني من ليلة النحر (العيد)، ويسن أن يأخذ منها سبع حصيات لرمي جمرة العقبة فقط، فالمأخوذ من المزدلفة سبع لا سبعون.\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>الواجب الرابع: المبيت بمنى </span>(٣) ليالي أيام التشريق الثلاثة، وواجب المبيت في كل ليلة وجوده فيها معظم الليل (٤). لكن يسقط مبيت الليلة الثالثة إن نفر النَّفرْ الأول، كما يسقط عنه رمي يومها أيضًا.\nوقد سُمّيت مِنى بهذا الاسم لكثرة ما يمنى فيها أي يراق من دماء الأضاحي والكفارات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>الواجب الخامس: التحذير من الوقوع في محرمات الإحرام</span>، وهو ما أشار إليه العمريطي بقوله: (وتركُ ما يُسْمَى مخيطًا ساترًا)، ومعناه أن يتجرّد المحرم\n_________\n(١) عده بعض علماء الشافعية من السنن، وهو ما يقتضيه كلام الرافعي، لكنه قول مرجوح، والمعتمد أنه واجب. انظر حاشية الباجوري جـ ١ صـ ٤٧٧.\n(٢) مزدلفة تقع بين مِنى وعرفة، سميت بذلك لنزول الناس بها في زُلَف الليل، أو لأن الناس يدفعون منها زلفة أي جميعًا، أو لأن الناس يزلفون منها إلى مِنى.\n(٣) سميت مِنى لما يمنى فيها من الدماء. وتقع بين مكة والمزدلفة على بعد ٧ كم من المسجد الحرام، وفيها رمى إبراهيم - ﵇ - الجمار، وذبح كبشًا بدل إسماعيل - ﵇ -، ثم رمى فيه النبي - ﷺ - وفيه ذبح أثناء حجه، وبه مسجد الخَيْف الذي يقع في سفح جبل مِنى الجنوبي قريبًا من الجمرة الصغرى، وقد صلّى فيه النبي - ﷺ -، والأنبياء من قبله. وخلف مسجد الخَيْف مما يلي اليمن غار المرسلات الذي نزلت فيه سورة المرسلات. (صحيح البخاري: ١٨٣٠). وبمنى تمت بيعة العقبة الأولى والثانية، وبمنى نزلت سورة النصر أثناء حجة الوداع. انظر تاريخ مكة المكرمة قديمًا وحديثًا صـ ١٠٣ د. محمد إلياس عبد الغني.\n(٤) أيضًا عدّ الإمام الرافعي من الشافعية المبيت بمنى من السنن، وهو ضعيف في فتوى المذهب، والمعتمد ما صححه النووي وهو الوجوب: انظر نفس المرجع والجزء صـ ٤٧٨.","vol":"1","page":70},{"text":"الذّكَر ولو صبيًا عن المحيط على أي عضو من أعضاء البدن كالقميص والثياب ذات الأكمام، والخف الذي يحيط بالأصابع وسائر القدمين، وما إلى ذلك مما سيأتي بيانه (١).\nويستثنى في تجرده من ذلك إزار يستر به عورته، ورداء يلقيه على كتفه، وهو ما سنفيض بإلقاء الضوء عليه بإذن الله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>الواجب السادس: طواف الوداع: </span>قال العلامة الباجوري في حاشيته: «وأما طواف الوداع فهو واجب مستقل ليس من المناسك على المعتمد، فيجب على مَنْ فارق مكة ولو مكيًا أو غير حاجٍ ومعتمر غير حائض ونفساء.\nويجبر تركه بدمٍ، فإن عاد بعد فراقه قبل مسافة قصر وطاف سقط عنه الدم.\nوإن مكث بعد الطواف أعاده إلّا إذا مكث لصلاة أُقيمت، أو شغلِ سفرٍ كشراء زادٍ لم يطُلْ زمنه، وشدّ حمول لم يطلْ زمنه، وشرب ماء زمزمٍ، وانتظار رفقةٍ، وإغماءٍ، وإكراهٍ وإن طال زمنها.\nولا وداع على مَنْ خرج لغير منزله بقصد الرجوع وكان سفره قصيرًا، ولا على محرم خرج إلى منى.\nأما الحائض والنفساء فلا وداع عليهما، لكن إن طهرتا قبل مفارقة مكة لزمهما الطواف» (٢).\n_________\n(١) جرى النووي في مناسكه الكبرى على أن ذلك مستحب، وهو خلاف ما أفتى به الشافعية، فالمعتمد الوجوب في ذلك. انظر نفس المرجع والجزء صـ ٤٧٩.\n(٢) نفس المرجع والجزء صـ ٤٦٩.","vol":"1","page":71},{"text":"وقال العلامة الفَشني في قول العمريطي: (وأن يطوف للوداع آخرا): «أي إذا أراد الخروج من مكة، سواء كان حجًا أم لا آفاقيًا يقصد الرجوع إلى وطنه أم مكيًا يسافر لحاجة ثم يعود، وسواء كان سفره طويلًا أم قصيرًا، لثبوته عن رسول الله - ﷺ - قولًا وفعلًا ...» (١).\nوقال الإمام النووي: «ينبغي أن يقع طواف الوداع بعد الفراغ من جميع أشغاله ويعقبه الخروج من غير مكثٍ، فإن مكث بعده لغير عذر أو لشغل غير أسباب الخروج كشراء متاع أو قضاء دين أو زيارة صديق أو عيادة مريض ونحو ذلك فعليه إعادة الطواف.\nوإن اشتغل بأسباب الخروج كشراء الزاد بلا مكث وشدّ الرحل ونحوهما لم يُعِدْ الطواف، وكذا لو أُقيمت الصلاة فصلّاها معهم لم يُعد الطواف».\nقال الإمام ابن حجر الهيتمي في حاشيته على شرح الإيضاح لكلام النووي هذا: (قوله فإن مكث بعده لغير عذر ... الخ) عبر بنحوه في أصل الروضة ومقتضاه أن المكث مكروهًا أو للخوف على نحو مال لا يوجب الإعادة لعذره وهو كذلك كما رجحه الزركشي في الإكراه قالوا: وإن طال مكثه، وهو يؤيد ما رجحته فيما يأتي، وكالإكراه ما بعده، وألحق به الأذرعي من أُغمي عليه أو جُنّ قبل طوافه». (٢)\nوبناء على وضعه بين يديك من نقول استطيع أن أذهب إلى أن ما يجري\n_________\n(١) انظر «تهذيب تحفة الحبيب ...» صـ ٢٠٩ ـ.\n(٢) الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح للنووي صـ ٤٤٦ - ٤٤٧.","vol":"1","page":72},{"text":"اليوم من انتظار المطوّف السعودي ريثما يأتي بالحافلات التي لايسمح بامتطاء غيرها للوصول إلى مدينة رسول الله - ﷺ - هو عذر في المكث بعد طواف الوداع والله أعلم.\nهذه الأحكام استقاها الفقهاء من الأحاديث الصحيحة عن رسول الله - ﷺ - وما دار من اجتهاد واستنباط حولها، فقد روى الإمام البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: «أُمِرَ الناسُ أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلّا أنه خُفِّفَ عن الحائض» (١).\nوفي رواية عند مسلم عن ابن عباس ﵄ أيضًا قال: «كان الناس ينصرفون من كل وجه، فقال رسول الله - ﷺ -: لا ينفرنّ أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت» (٢).\nوعن ابن عباس قال: «رُخِّص للحائض أن تنفرد إذا أفاضت» (٣)\nوقال طاوُس: سمعتُ ابن عمر يقول: إنها (٤) لا تنفر، ثم سمعته يقولُ بعدُ: إن النبي - ﷺ - رخَّص لهنّ» (٥).\nفهذه الأحاديث فيها دلالة على وجوب طواف الوداع للأمر في رواية البخاري الاولى، وللنهي عن تركه في الرواية الثانية من طريق مسلم، وللتعبير في\n_________\n(١) صحيح البخاري برقم (١٧٥٥).\n(٢) صحيح مسلم برقم (١٣٢٧/ ٣٧٩).\n(٣) صحيح البخاري (١٧٦٠).\n(٤) أي الحائض.\n(٥) صحيح البخاري (١٧٦١).","vol":"1","page":73},{"text":"حق الحائض بالتخفيف، والتخفيف لا يكون إلّا من أمر مؤكد وهو ما صرّح به الإمام ابن حجر العسقلاني (١).\nفالوجوب قال به أكثر العلماء، وأنه لزمه إن تركه دم، وهو الصحيح في مذهب الشافعية وبه قال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور والحسن البصري والحكم وحماد والثوري (٢).\nوقال مالك وداوُد وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه، زيبدو أنهم حملوا الأمر على الاستحاب وربما استدلوا بتخفيفه عن الحائض بلا دم عليها، لا بل قالوا: إنه لو كان واجبًا لوجب عليهما كطواف الزيارة (٣).\nوسواء قلنا هو واجب وهو قول الأكثر، أو هو سنة في قول البعض، فليس بركن بلا خلاف.\nويشترط في طواف الوداع النية (٤)؛ لأنه نسك مستقل (وليس من جملة مناسك الحج عند الشافعية لذلك فهو يشمل العمرة)، وأن يقع بعد طواف\n_________\n(١) فتح الباري جـ ٣ صـ ٧٣٩.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم جـ ٩ صـ ٤٤٦.\n(٣) انظر الفقه الإسلامي وأدلته لأستاذنا د. وهبة الزحيلي جـ ٣ صـ ٢٠٠٦.\n(٤) لكن تعيين النية ليس بشرط عند الحنفية، فلو طاف بعد طواف الزيادة دون أن يعين شيئًا، أو نوى تطوعًا وقع عن طواف الصدر (الوداع). هذا لاجتهاد يفتح باب اجتهاد آخر في مذهبهم وهو أن المستحب عند الحنفية أن يكون الوداع أداء لا قضاء في مذهب الحنفية وبالتالي يجوز له أن يطوف للوداع ولو بعد سنة من الحج مادام في مكة مالم يستوطن البلدة الحرام. ومن هذا نفهم أن مسألة تأخير الوداع هي على الاستحباب في المذهب الحنفي بخلاف الجمهور الذين حملوها على الوجوب كما ذكرنا. انظر الفقه الإسلامي وأدلته جـ ٣ صـ ٢٠٠٨.","vol":"1","page":74},{"text":"الإفاضة (١) وسائر أعمال الحج وعند إرادة الخروج من مكة.\nولا يجب في المذهب الحنفي على أهل مكة (٢).\nومن الذي نستفيده في هذه الفقرة أنه يسن لمن فرغ من طواف الوداع أن يصلي ركعتي الطواف خلف المقام، وأن يأتي زمزم فيشرب من مائها لذلك فإن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال: إنه يسنُّ لمن فرغ من طواف الوداع أن يأتي الملتزم، فيلصق بطنه بحائط البيت، ويبسط يديه على الجدار، فيجعل اليمنى مما يلي الباب، واليسرى مما يلي الحجر الأسود ويدعوبما أحب، وأنّ المأثور منه أفضل، وهو قولك هناك: اللهمّ البيتُ بيتُك، والعبد عبدك، وابنُ أمتك.\nحملتَني على ما سخَّرتَ لي من خلقك حتى صيَّرتني في بلادك، وبلَّغتني بنعمتك حتى أعنتني على قضاء مناسكك، فإن كنت عني راضيًا فازدَدْ عني رضًا، وإلا فمُنَّ الآن قبل أن تنأى عن بيتكَ داري، ويبعد عنك مزاري.\nهذا أوانُ انصرافي إن أذِنْتَ لي، غير مستبدل بك، ولا راغب عنك، ولا عن بيتك.\n_________\n(١) قال د. وهبة الزحيلي في نفس المرجع والجزء والصفحة: «ويتأدى طواف الوداع عند المالكية بطواف الإفاضة وطواف العمرة، وحصل له ثوابه إن نواه بهما كتحية المسجد تؤدى بالفرض». أقول: هنا خلاف مذهب الشافعية والجمهور.\n(٢) قال العلامة الحنفي الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني في اللباب في شرح الكتاب: «وهو واجب إلّا على أهل مكة ومن في حكم ممن داخل الميقات لأنهم لا يصدورن ولا يودعون» جـ ١ صـ ١٩٤.","vol":"1","page":75},{"text":"اللهمّ فاصحبني العافية في بدني، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارْزُقني العمل بطاعتكَ ما أبقيتني، واجمع لي خيري الدنيا والآخرة، إنَّك على كل شيء قدير قادر على ذلك».\nقال: «ثم يصلي على النبي - ﷺ -» (١).\n_________\n(١) انظر تهذيب تحفة الحبيب ص ٢٠٩، وقد ذكر في ختام ذلك أنه يسن دخول البيت، والصلاة فيه (أي الكعبة المشرفة). وانظر اللباب في شرح الكتاب للعلامة الحنفي الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني جـ ١ صـ ١٩٤. و«الفقه الإسلامي وأدلته» لأستذنا الدكتور وهبة الزحيلي جـ ٣ صـ ٢٢٠٩.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>أبرز المستحبات في الحج</span>\nقال الإمام العمريطي:\nويستحبُّ أن يلبّيَ الفتى ... وأن يطوف للقدوم إذْ أتى)\n(وأن يكون مفردًا لما ذكرْ ... بأنْ يحج ثم بعد يعتمرْ)\n(وركعتان للطواف أُكّدا ... كذا البياض والإزار والرِّدا)\nبدأ العلامة العمريطي في هذه الأبيات بسرد سنن الحج وهي كثيرة:\nوبدأ بالتلبية التي يستحب الإتيان بها، والإكثار منها، ويتأكد ذلك عند تغاير الأحوال من ركوب ونزول أو صعود وهبوط أو وقوف، أو اختلاط رفقة، أو إقبال ليل أو نهار، أو فراغ صلاة وما إلى ذلك.\nوأَوْلاها ما كان عند الإحرام.\nوتكره في المواضع النجسة، وبالفم النجس كغيرها من الأذكار.\nوإذا رأى المحرم (١) شيئًا يعجبه أو يكره ندب له أن يقول: لبيك إن العيش عيش الآخرة (٢).\nوفي هذا يقول بعضهم:\n_________\n(١) أما إذا كان حلالًا أي غير محرم فيذكر ذلك من غير لفظة لبيك.\n(٢) أي إن الحياة الهنيئة الدائمة حياة الدار الآخرة.","vol":"1","page":77},{"text":"لا تركنن إلى الثياب الفاخرة ... واذكر عظامك حين تبلى ناخرة\nوإذا رأيتَ زخارف الدنيا فقلْ ... لبّيك إن العيش عيش الآخرهْ\nوبالجملة يسن الإكثار من التلبية في دوام الإحرام، لكن لا تسن في الطواف ولا في السعي؛ لأن لهما أذكارًا خاصة، كما لا تسن عند الرمي؛ لأنّ ذكره التكبير، وعند الرمي تنتهي التلبية.\nويسن في ذكرها رفع الصوت للرجل، ويلحق به الصبي، بشرط أن لايجهد نفسه، ولا يؤذي غيره.\nومن لم يحسن العربية أتى بها بأي لغة يحسنها، مع جواز أن يأتي بها مترجمة، وهو قادر على التلفظ بها باللغة العربية (١).\nوإذا فرغ من التلبية الأولى ثلاث مرات صلى على النبي ﷺ بأي صيغة كانت، لكن الصلوات الإبراهيمية هي الأفضل، ويسن أن يكون صوته بالصلاة على النبي - ﷺ - وما بعدها أخفض من صوته بالتلبية.\nكما يسن أن يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار، بأن يقول:\nاللهمّ إني أسالك رضاك والجنة، وأعوذ بك من سخطك والنار.\n_________\n(١) التلبية عند الحنفية لها كلمات محددة لا يجوز أن يخل بشيء من كلماتها، فإن زاد فلا بأس. قال العلامة الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني في اللباب في شرح الكتاب صـ ١٨١: «فإن كان مفردًا الإحرام بالحج نوى بتلبية الحج، لأنه عبادة، والأعمال بالنيات، والتلبية أن يقول: لبيك، اللهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. وهي المنقولة عن رسول الله - ﷺ -، ولا ينبغي أن يخلَّ بشيء من هذه الكلمات؛ لأنه هو المنقول باتفاق الرواة فلا ينقص عنه، فإن زاد فيها أي عليها بعد الإتيان بها جاز بلا كراهة أما في خلالها فيكره، كما في الدرر وغيره».","vol":"1","page":78},{"text":"ويسن أن يدعوبما شاء من أمر الدين والدنيا، وتمام ذلك أن يقول:\n«اللهمّ اجعلني من الذين استجابوا لك ولرسولك، وآمنوا بك، ووثقوا بوعدك، ووفوا بعهدك، واتبعوا أمرك.\nاللهمّ اجعلني من وفدك الذين رضيت وارتضيت.\nاللهمّ يسر لي ما نويت وتقبل مني يا كريم».\nولفظ لبيك مثنى، لكن لا يقصد منه التثنية، وإنما التكثير على عادة العرب في هذا الاستعمال من نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤].\nواللفظ مأخوذ من قولك: لبَّ بالمكان لبًا إذا أقام به.\nوأصله لبيَّنِ لك، على تقدير فعل محذوف وجوبًا وهو أُلبِّي، حيث أقيم المصدر مقامه وهو (لبيْنِ لك)، ثم حذفت النون للإضافة، ثم حذفت اللام تخفيفًا، ثم أضيفت الكاف إليه فصار لبيك (١).\nومن سنن الحج طواف القدوم، أي الطواف الذي سببه القدوم، ويطلقون عليه كذلك طواف الوداع، وطواف الورود.\nوطواف القدوم يختص بحاج دخل مكة قبل الوقوف بعرفة.\nولو دخل الحاج المسجد الحرام، والناس يؤدون الصلاة المكتوبة صلاها معهم أولًا، ثم يطوف للقدوم.\nولو أقيمت الصلاة وهو في أثناء الطواف، توقف عن طوافه، وقدم\n_________\n(١) اللباب في شرح الكتاب للعلامة الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني صـ ١٨١ صـ ٤٧٦.","vol":"1","page":79},{"text":"الصلاة عليه. وكذا لو خاف فوت الفريضة ولو لم تقم الصلاة، أو خشي فوات سنة مؤكدة فإنه يقطع طواف القدوم، ويؤدي ما يخشى فواته.\nقال العلامة الفَشني: «ويختص طواف القدوم بحاج دخل مكة قبل الوقوف، ومثله الحلال» (١).\nومن سننه الإفراد، وهو تقديم الحج على العمرة، بأن يحرم بالحج من ميقاته، ويفرغ منه، ثم يخرج من مكة إلى أدنى الحل فيحرم بالعمرة ويأتي بعملها.\nولو عكس لم يكن مفردًا، بل يكون متمتعًا.\nولو جمع بينهما كان قارنًا. بأن يحرم بهما في أشهر الحج (٢).\nوعلى كل من المتمتع والقارن دم إن لم يكونا من حاضري المسجد الحرام، وحاضروا المسجد الحرام هم من كانت مساكنهم دون مرحلتين منه.\nومن سننه ركعتان يأتي بهما بعد الطواف، ينوي سنة الطواف، يقرأ في\n_________\n(١) انظر تهذيب تحفة الحبيب صـ ٢١٠، وكذا قال مثل ذلك العلامة الباجوري في حاشيته ط ١ صـ ٤٧٧ وهو يؤيد ما أقوله دائمًا من أن مكة المكرمة تحيتها طواف القدوم للحاج وللحلال، ووداعها طواف الوداع للحاج وغيره، فهذه خصوصية لها تليق بمقام حرمتها، يؤيد هذا قول العلامة النووي «وقال البغويُّ وأبو سعيد المتولي وغيرهما: ليس هو من المناسك بل يؤمر به من أراد مفارقة مكة إلى مسافة تُقْصَرُ فيها الصلاة سواء كان مكيًا أو غير مكيّ. قال الإمام أبو القاسم الرافعيُّ: هذا الثاني هو الأصح تعظيمًا للحرم وتشبيهًا لاقتضاء خروجه للوداع باقتضاء دخوله للإحرام، ولأنهم انفقوا على أن من حج وأراد الإقامة بمكة لا وداع عليه ولو كان من المناسك لعمّ الجميع» قال العلامة ابن حجر الهيتمي في حاشيته على كلام النووي هذا صـ ٤٤٨: «ويعتبر المصنف بالحج يشمل العمرة تجوّز إذ هي مثله كما تعلم من كلام الإمام السابق».\n(٢) ويعد قارنًا من أحرام بالعمرة، ثم أحرم بالحج قبل شروعه في طواف العمرة، ثم عمل أعمال الحج. انظر تهذيب تحفة الحبيب للعلامة الفشني صـ ٢١١.","vol":"1","page":80},{"text":"الأولى بعد الفاتحة سورة الكافرون وفي الثانية سورة الإخلاص يؤديهما خلف مقام إبراهيم، فإن لم يتيسر ففي أي موضع شاء من غيره، ولا تفوت الركعتان إلّا بموته، لكن يُجزاء عنهما غيرهما من مكتوبة، أو نافلة أخرى، وقعت بعد الفراغ من الطواف، وإن كان الاحتياط أن يأتي بهما بعد غير هما من الصلوات، إن أتى بذلك عقب الطواف، كأن أقيمت صلاة الفريضة بعد الفراغ من الطواف، فالأحوط أن يأتي بهما بعد الصلاة وإن أجزأته عنهما (١).\nومن سنن الحج كون الإزار والرداء أبيضين جديدين، وإلّا فنظيفين أي مغسولين. ومن السنن والآداب التي يتهاون فيها كثير من الناس أنّ الحاج إذا أتم مناسكه، وما تزال أيام تفصل بينه وبين تمام الرحلة فإنه ينغمس في الأسواق نترددًا في ذلك بين مكة وجدة. زاهدًا بما من أجله جاء زعمًا أنه قضى نسكه، ولاشيء عليه بعد! فهذه أوقات كريمة ينبغي أن يختم بها الحاج بمسك الأعمال من ألوان الذكر والعبادة لاسيما الإكثار من العمرة والطواف. قال الإمام النووي: «فينبغي للحاج أن يغتنم بعد قضاء مناسكه مُدّة مُقامه بمكة ويستكثر من الاعتمار ومن الطواف في المسجد الحرام فإنه أفضل مساجد الأرض» (٢).\n* * *\n_________\n(١) حاشية الباجوري جـ ١ صـ ٤٧٧.\n(٢) الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح للنووي صـ ٤٣٠.","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>محرمات الإحرام </span>(١)\n\nقال الإمام العمريطي:\n(وهذه عشرُ خصالٍ تحرمُ ... من محرمٍ وكلها ستعلمُ)\n(لبس المخيط مطلقًا من الذكرْ ... وستر بعض رأسه بلا ضررْ)\nووجهها كرأسه إذا استترْ ... وقَلْم أظفارٍ كذا حلق الشعرْ)\nوقتل صيد كالحلال في الحرمْ ... والقطع من أشجاره كالصيد ثَمْ)\nوالوطء والنكاح والمباشرهْ ... بشهوة ومس طيبٍ عاشرهْ)\nثم الفدا من كل ما منها وجدْ ... إلّا النكاح فهو غير منعقدْ)\nوالظفر فيه المد والظفرانٍ ... كالشعرتين فيهما مدانٍ)\nوالنسكان مطلقًا قد أُبطلا ... بالوطء إلّا وطء من تحللا)\nوواجبٌ بالوطء هديٌ والقضا ... وكونه في فاسدٍ مضى)\nبدأ العلامة العمريطي بعشر خصال يحرم على المحرم الاقتراب منها بسبب إحرامه.\nلكن قبل إعلامك بتفصيل كل منها سأخبرك بأن ثلاثة من العشرة يعد إتيانها\n_________\n(١) هذا الفصل هو السبب الرئيسي الذي من أجله عرجت على تصنيف العمريطي في مناسك الحج؛ لأن جابرًا في حديثه لم يعرّجْ على ذلك، فكان ذلك نقصًا في كتاب «الركن الخامس» استدركه هنا بفضل الباري وتوفيقه.","vol":"1","page":82},{"text":"من الكبائر: وهي الصيد والوطء وعقد النكاح، وما سوى ذلك فكلها صغائر (١)\nفلينتبه المسلم المحرم بأحد النسكين من وقوع محذورٍ منها منذ الإحرام إلى التحلل سواء كان صغيرًا أو كبيرًا كي ينال بحرصه رتبة الحج المبرور الذي ليس له جزاء إلّا الجنة.\nأول هذه المحرمات على المهل بحج أو بعمرة، لبس المخيط مطلقًا، أو ما في معناه كالمنسوج على هيئته، سواء كان من قطن أو صوف أو جلد أو غير ذلك، شرط أن يكون محيطًا (٢) أي معمولًا على قدر البدن، أو قدر عضو منه، وشرطه أن يلبسه على الصورة المعتادة لذلك بخلاف ما لو ألقى شيئًا منه كالعباءة مثلًا على كتفه، دون أن يدخل يديه في فتحتيها، أي لا على النحو الذي يلبس عادة فإن ذلك لن يضره، ولا فديه عليه.\nومثله ما لو التحف بجبة أو عباءة عند نومه، أو جعل قميصه إزارًا، أو سرواله رداء جاز له ذلك بشرط أن يراعي أن لا يحيط ما ذكر بعضو من أعضائه أو بجملة جسمه على النحو الذي يجري فيه اللباس عادة (٣).\nوله أن يعقد إزاراه (٤)، وأن يشد عليه خيطًا ليثبت، وأن يجعل له مثل الحجزة\n_________\n(١) حاشية العلامة الباجوري جـ ١ صـ ٤٨٠.\n(٢) فالعبرة بالإحاطة سواء كان منسوجًا أو مخيطًا لذلك قال العلامة الباجوري في شرحه على كلام العلامة ابن قاسم الغزي ح ١ صـ ٤٨٠: فلو عبر بالمُحيط بضم الميم وبالحاء المهملة لكان أولى.\n(٣) لذلك لو ألقى على نفسه عباءة مثلًا، وهو مضطجع، فإن كان بحيث لو قام أستمسكت عليه، وعُدّ لابسًا لها، لزمه الفدية وإلّا فلا.\n(٤) في مذهب السادة الحنفية يكره أن يعقد أو يخلل الإزار، ولكن لو فعله فلا شيء عليه. انظر الفقه الإسلامي وأدلته لأستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي جـ ٣ صـ ٢٢٩٤، وكتاب مناسك الحج والعمرة للدكتور محمد توفيق رمضان البوطي صـ ٦٤، فيما دوّنه فقيه الحنفية في دمشق في حاشية الكتاب المذكور فضيلة الشيخ عبد الرزاق الحلبي حفظه الله.","vol":"1","page":83},{"text":"ويدخل فيه التِّكة إحكامًا.\nويستثنى من عقد الإزار ما لو شده بأزرارٍ في عرًا، فإنه ممتنع، وفيه الفدية.\nأما الرداء فلا يجوز عقده مطلقًا (١)، وتلزمه الفدية، سواء عقده بأزرار وعرى، أو عقد طرفه في طرفه الآخر.\nولا يجوز أن يزرّ رداءه، ولا أن يُخلّه بِخِلَال أو مسلة، ولا أن يربط خيطًا في طرفه ثم يربطه في طرفه الآخر؛ لأن ذلك كله فيه معنى الخياطة المحظورة، وبالتالي يترتب على صنعه الفداء.\nقال إمامنا النووي بعد أن ساق هذه الأحكام: «فافهم هذا فإنه مما يتساهل فيه عوام الحجاج، ولا تغترّ بقول إمام الحرمين: يجوز عقد الرداء كالإزار فإنه شاذ مردود، ومخالف لنص الشافعي وأصحابه، وقد روى الشافعي تحريم عقد الرداء عن ابن عمر ﵄ (٢).\nوله شد المنطقة والِهيْمَان على وسطه للحاجة إلى ذلك (٣).\n_________\n(١) هذا بخلاف ما لو عقد طرف ردائه في إزاراه، فإنه جائز، وإن كان فيه كراهة، وهو ما نص عليه المتولي من فقهاء الشافعية. انظر الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح صـ ١٧٣.\n(٢) انظر نفس المرجع صـ ١٧٤.\n(٣) روى البخاري في صحيحه عن عطاء قال في المحرم: يختَّمُ ويلبس الِهيْمَان. وقال البخاري: طاف ابن عمر\n﵄ وهو محرم، وقد حزم على بطنه بثوب. وقال: ولم تَر عائشة بالتُّبَّان بأسًا للذين يرحلون هودجها. قال العلامة ابن حجر العسقلاني في فتح الباري على صحيح البخاري: التُّبَّان: بضم المثناة وتشديد الموحدة سراويل قصير بغير أكمام. وعن يرحلون قال الجوهري: رحلت البعير: أرحله بفتح أوله رحلًا إذا شددتُ على ظهره الرحل. انظر فتح الباري جـ ٣ صـ ٥٠١. وصحيح البخاري باب الطيب عند الإحرام.","vol":"1","page":84},{"text":"وله أن يلبس الخاتم والساعة ويضع النظارات على عينيه، أو السماعة (جهاز تقوية السمع) في أذنيه، وأن يتقلد سيفًا ومصحفًا (١).\nوله أن يدخل يده في كمّ قميص منفصل عنه؛ لأنه لا يسمى لا بسًا.\nالضابط في هذا كله أن ما يطلق عليه اسم الملبوس في عرف الناس، يحصل به الترفه الذي يتنافى مع حكمة الإحرام ومشروعيته هو الحرام بالنسبة لمن أحرم بأحد هذين النسكين، وإلَّا فالأصل الإباحة (٢).\nفقه هذه الأحكام استنبطه العلماء من المدلول اللغوي والتطبيقي للرواية التي أوردها الشيخان عن نافع عن ابن عمر أن رجلًا قال: يا رسول الله: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال - ﵇ -: لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويل ولا البرانس ولا الخفاف، إلّا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفّين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيًا مسّه زعفران أو ورس» (٣).\nفالحديث النبوي الشريف نبه بالقميص والسراويل على كل مخيط معمول على قدر البدن أو على قدر عضو منه بخياطة من نحو نسج أو لزق أو ضفر أو تلبيد أو عقد أو غير ذلك.\n_________\n(١) ويزاد من جانب المرأة أن لها أن تلبس الذهب والحرير، وتتجمل بالحلي زينة مباحة عند كافة العلماء لكن ليس لها أن تظهر زينتها أمام الأجنبي سواء في زمن الإحرام أو الإحلال، وهو ما يمنع كون الحج مبرورًا.\n(٢) أي وفق هذا الحد. أنظر الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي جـ ٣.\n(٣) صحيح البخاري برقم (١٥٤٢)، وصحيح مسلم برقم (١١٧/ ١).","vol":"1","page":85},{"text":"ونبه بالعمائم والبرانس على كل ما في معناها مما يستر الرأس مخيطًا كان أو غير ذلك (١).\n_________\n(١) الأصل أنه لا يجوز لبس الخفين بنص الأحاديث الصحيحة لإحاطتهما بالعقب والكعبين، ولسترهما أصابع وظاهر القدمين، ولكنّ فَقْدَ النعلين يجيز للمحرم استعمال الخفين بشرط القطع أسفل الكعبين بدليل الحديث السابق الذي رواه الشيخان عن ابن عمر والذي أخذ به مالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء فقالوا: لا يجوز لبسهما إلّا بعد القطع. وقال أحمد: يجوز لبس الخفين بحالهما ولم يذكر اشتراط قطعهما محتجًا بما رواه مسلم عن ابن عباس برقم (١١٧٨/ ٤). قال: سمعت رسول الله - ﷺ - وهو يخطب يقول: «السراويل لمن يجد الإزار، والخُفّان لمن لم يجد النعلين، يعني المحرم» وكذا لما رواه مسلم بمعناه عن جابر. قال أصحاب أحمد: حديثا ابن عباس وجابر نسخا حديث ابن عمر المصرّح بقطع الخفين قبل لبسهما وزعموا أن قطعهما إضاعة مال! لكن جماهير فقهاء الأمة لم تأخذ بقولهم، ولم تأخذ بحديث ابن عباس وحده، وإنما أعملت الروايتين معًا فحملت المطلق في روايتيهما على المقيد في رواية ابن عمر، فأعملوا الروايات معًا، وأخذوا بزيادة الثقة، وهو هنا ابن عمر، وقالوا: زيادة الثقة مقبولة، والإعمال خير من الإهمال، والنسخ لا يجري إلّا بعد العجز عن جمع بين الروايات، والتحقق من زمن السابق واللاحق. أما إضاعة المال فقد نصوا على أن ذلك فيما لم يرد فيه شرع. وبالنسبة للكعبين الواردين بالحديث فقد فسر العلماء الكعب بالعظم الناتئ في جانبي كل قدم وفسرها أبو حنيفة بالعظم الناتئ وسط ظاهر القدم هذا يعني أن الحنفية فيما نقل عن أبي حنيفة فسروا الكعب بالشاخص في ظهر القدم، وقد ابتعدوا بهذا عن جمهور أهل اللغة الذين صرحوا بأن في كل قدم كعبين، ومن هذا ومن معنى النعلين فقد أوجب الجمهور كشف الكعبين والعقبين وأصابع القدمين وهذا هو الأصل لكن بعد أن يعتمد إلى الخف فيقطعه أسفل من الكعبين. هل يضر ما يحيط بالعقب وغيره. مما يبقى من المقطوع؟ الجواب: الأصل أنه لو كان لابسًا له باختياره ضرّ، ولكن أجاز الفقهاء ذلك في الخف؛ لأنه انصراف إليه عند الحاجة. قال العلامة سليمان البجيرمي في شرحه على الخطيب جـ ٢ صـ ٥٦٢:\n«قال ابن حجر: «وظاهر إطلاق الاكتفاء بقطعه الخف أسفل من الكعبين أنه لا يحرم وإن بقي منه ما يحيط بالعقب والأصابع وظهر القدمين وعليه فلا ينافي تحريم السرموجة، لأنه مع وجود غيرها» ثم قال: «ومحل جواز لبسهما بعد القطع عند فقد غيرهما وعند الحاجة». لكن هل على الحاج بفدية للبس الخفين عند فقد النعلين؟ قال مالك والشافعي ومن وافقهما أنه لا شيء عليه؛ لأنه لو وجبت فدية لبيَّنها رسول الله - ﷺ -، وهنا فائدة جليلة أتى على ذكرها العلامة ابن حجر الهيتمي في حاشية على شرح =","vol":"1","page":86},{"text":"والنتيجة أن كل معمول على قدر العضو مما يلحق بمعنى من المعاني المنصوص عليها هو حرام بالنسبة للمحرم، وتلزم له الفدية أيًا كانت تلك الوسيلة. (١).\nهذا السؤال توجَّه به الصحابة الكرام إلى رسول الله - ﷺ - قبل إحرامهم، بدليل ما جاء في رواية النسائي: ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا؟ (٢) أي بصيغة الاستفهام.\nوالعلماء مجمعون على أن المراد بالمحرم في هذا الحديث هو الرجل حصرًا (٣)؛ لأنه لا إحرام للمرأة في لباسها، إذ ليست معنية لا من قريب ولا من بعيد من حظر القميص أو السروال أو العمامة أو البرنس أو الخف؛ لأن إحرام النساء ينحصر في الوجه والكفين في مسألة اللباس، لذلك لمن أحرمت بأحد النسكين أن ترتدي ما تشاء من الثياب من قمصان أو جلابيب أو سراويل أو أي لون من الكساء تختاره لنفسها سواء من جهة أجزائها العلوية، أو السفلية، لا حرج في ذلك ولا ضرر، شريطة أن يكون شرعيًا.\n_________\n= الإيضاح للنووي صـ ١٧٩ حين قال: «تتمة: كل محظور جاز لحاجة فيه الفدية إلّا نحو السراويل والخفين المقطوعين وما يأتي في دم الحلق والصيد ويعلم مما مرّ، ويأتي أنه لا يجب الفدية في اللبس إلَّا على عامد عالم بالحرمة مختار لم يتحلل».\nانظر شرح النووي على صحيح مسلم صـ ٨ صـ ٢٥٢ - ٢٥٤ وفتح الباري ص ٣ صـ ٥٠٦ إلى ٥٠٨، الحج والعمرة والعمرة د. نور الدين عتر صـ ٥٧ ..\n(١) لذلك قال إمامنا النووي: «وأما ما لم يوجد فيه الإحاطة المذكورة فلا باس به وإن وجدت فيه خياطة» ثم قال عقب ذلك مباشرة: «فيجوز أن يرتدي القميص والجَّبة، ويلتحف به في حال النوم، وأن يتزر بسراويل أو بإزار ملفق من رقاع مخيطة. وله أن يشتمل بالعباءة والإزار والرداء طاقين وثلاثة وأكثر ...». انظر حاشية العلامة ابن حجر الهتمي على شرح الإيضاح للنووي صـ ١٧٢.\n(٢) فتح الباري صـ ٣ صـ ٥٠٦.\n(٣) نفس المرجع والجزء صـ ٥٠٧.","vol":"1","page":87},{"text":"هذه خلاصة قول الإمام في أولى محرمات الإحرام: (لبس المخيط مطلقًا من الذكر ..).\nأما النوع الثاني من محظورات الإحرام فقد ساقه بقوله في الشطر الثاني لهذا البيت: وسترُ بعض رأسه بلا ضرر):\nقال فقهاؤنا: يحرم على المسلم في إحرامه ستر جميع الرأس أو بعضه بكل ما يعد ساترًا عرفًا سواء كان مخيطًا أو خلاف ذلك من نحو العمامة أو القلنسوة (١) أو الطيلسان (٢) أو الطربوش أو الخرقة أو العصابة التي يعصب بها الرأس فذلك حرام، وفيه الفدية (٣).\nأما ما لا يعد ساترًا عادة كما لو انغمس في الماء، أو استظل بمَحْمِل (٤) أو داخل حافلة، أو حمل بيده مظلة تقيه الشمس أو المطر، فلا بأس بهذا كله سواء مسّ المحمل رأسه أم لا.\nومن قال: إن سقف الحافلة يعد ساترًا يحرم عليه فعله وتجب فيه الفدية\n_________\n(١) القلنسوة هو ما تدار عليه العمامة.\n(٢) هو الشال، وهو غير مخيط.\n(٣) وكذا الطين والحناء إذا كانا ثخينين؛ لأنه يصدق عليهما معنى الستر المنهي عنه في حديث المحُرم الذي خرَّ عن بعيره ميتًا فقال فيه رسول الله - ﷺ -: «لا تُخمِّروا رأسه ولا تُحنّطوه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» أما إن لم يكونا اثخينين فلا يضر، ويلحق بها المرهم إذا كان رقيقًا فلا يضر أما إذا ادّهن في جسمه أو ستر بهما سائر البدن فلا يضر أيضًا؛ لأن المنهي في الساتر أن يقع على الرأس فحسب، فالمدار على ما يعدّ ساترًا للرأس في عرف الناس حتى ولو لم يمنع إدراك لون البشرة كاالزجاج أو مادة النايلون أو الطاقية. انظر حاشية الباجوري ١/ ٤٨٣ وشرح الإيضاح للنووي في حاشية العلامة ابن حجر عليه صـ ١٦٩ - ١٧١.\n(٤) المَحَمِل بوزن مجلس. وقال العلامة الباجوري في حاشيته ١/ ٤٨١.: بفتح الميم الأولى وكسر الثانية أو بالعكس.","vol":"1","page":88},{"text":"فقد أبعد وأغرب وشذّ عن العرف ومدلول اللغة، وضوابط الفقهاء. لا بل قال النووي ما هو أشدّ من هذا حين نقل قولًا ضعيفًا إلى أن المحمل إن مسَّ رأسه لزمه الفدية! قال: «وليس بشيء» (١) وقال العلامة ابن حجر: «وفي المجموع أنه ضعيف أو باطل» (٢) فكيف بمن يقول اليوم إن سقف المحمل ولو لم يمس يعد ساترًا! هل قال لهذا أحد من السلف الصالح، أو الفقهاء المعتمدين! ألا فلنتذكر نصيحة رسول الله - ﷺ - لنا: «ولن يُشَادّ هذا الدينَ أحدُ إلّا غلبه».\nومن الأصل ما لو وضع يده على رأسه، وأطال في ذلك، أو شدّ عليه خيطًا لصداع أو غيره فلا بأس به ولو قصد به الستر. أما لو وضع على رأسه حِملًا أو نحوه ولم يقصد به الستر فيكره ولا يحرم، ولا فدية فيه (٣).\nالمحظور الثالث ساقه العمريطي في صدر البيت الثالث حين قال: «ووجهها كرأسه إذا ااستتر ...»:\nالضمير في وجهها يعود إلى المرأة المحرم، رغم أنه لم يأت لها على ذكر حتى الآن تأكيدًا منه على أنه لا إحرام للمرأة في اللباس إلّا من خلال منع ستر الوجه (٤) وهو ما أورده، هنا، ويلحق به منع ستر الكفين، وذلك لقوله - ﷺ - في رواية البخاري\n_________\n(١) حاشية ابن حجر على شرح الإيضاح للنووي صـ ١٧١.\n(٢) نفس المرجع والصفحة.\n(٣) أما إذا قصد به الستر فيضر؛ لأنه مما اعتاد الناس الستر به، والقاعدة الشرعية أنّ ما كان كذلك فالمرجح فيه هو القصد، فإن قصد الستر حرم وإلّا فلا.\n(٤) قال أستاذنا د. نور الدين عتر في «الحج والعمرة صـ ٥٧»: واستدل الحنفية بحديث عبد الله بن عمر قال: إحرام المرأة في وجهها.","vol":"1","page":89},{"text":"من زيادته على الحديث السابق (١): ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين (٢).\nفوجه المرأة في حرمة ستره كرأس الرجل في ذلك سواء بسواء، ولو كان لبعض منه، فحرام، وفيه الفدية، اللهمّ إلّا ما لا يتأتى ستر جميع الرأس إلّا به؛ لأن ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب، إذ لا يمكن استيعاب ستر الرأس إلَّا بستر قدر يسير مما يليه من الوجه (٣).\nقال إمامنا النووي: «وأما المرأة فالوجه في حقها كرأس الرجل، فتستر رأسها وسائر بدنها سوى الوجه بالمخيط وجميع ما كان لها السَّتْرُ به قبل الإحرام كالقميص والسراويل والخُفِّ. وتستر من وجهها القدْرَ اليسير الذي يلي الرأس، إذ لا يمكن ستر جميع الرأس إلّا به. والرأس عورة تجب المحافظة على ستره» (٤).\nولو رغبت المرأة بستر وجهها دون مخالفة القواعد الفقهية كأن كانت ذاتَ هيئة، أو حريصة على أن لا يتبدّى وجهها للرجال، فلها ذلك، ولو لم تدْعُ إلى ذلك حاجة من حرّ أو برد أو خوف فتنة أو نحو شيء مما ذكر، فهذا حقها، وطريقته كما ذكره الفقهاء أن تُسْدِلَ على وجهها ثوبًا متجافيًا عنه بحيث لا يمس بشرة وجهها، تباعده بما يشبه ما يضعه مرتادوا المواقع السياحية من هلالٍ بلاستيكي على جباههم يحجبون به عن أعينهم وهج الشمس المزعج.\n_________\n(١) أي حديث: ما يلبس المحرم من الثياب ....\n(٢) يلحق بالمرأة في هذا الرجل، وهو ما نص عليه الإمام النووي في شرح الإيضاح وقال: ويلزمه الفدية أما علة تحرير القفاز فكونه ملبوس عضو ليس بعورة فأشبه خف الرجل. انظر الحاشية على شرح الإيضاح صـ ١٧٦ و١٧٧ ـ.\n(٣) «... مغني المحتاج للخطيب الشربيني جـ ١ ص ٥١٩.\n(٤) «... شرح الإيضاح للنووي في حاشية ابن حجر الهيتمي عليه ص ١٧٥.","vol":"1","page":90},{"text":"هذا الذي سقته بين يديك من تحريم اللبس، المعمول على قدر العضو، وتحريم ستر الوجه واليدين، هو فيما إذا لم يكن عُذْرٌ، يبيح للمحرم لبس شيء في جسمه، أو ستر شيء لوجهها أو كفَّيها، فإن وُجد العذر جاز ذلك، وسقط الإثم، لكن تلزم الفدية (١).\nفالحاجة التي ترتقي إلى رتبة العذر في سائر محظورات الإحرام هي التي يحصل معها مشقة لا يحتمل مثلها غالبًا، جسدية كانت أو شرعية، كما لو شجَّ رأسه واحتاج إلى عصبه ومنع الجراثيم والهواء عنه، أو احتاج إليه لحرّ أو برد أو مداواة، أو احتاجت المرأة إلى ستر وجهها خشية فتنة حامت حولها، أو توقعتها من نظر بعض من حولها، فهذه مشقة شرعية (٢).\nدليل الفقهاء في هذا حديث كعب بن عُجْرَة، حين أصاب رأسه القملُ، فقال له رسول الله - ﷺ -: أيؤذيك هوامُّك؟ فقال: نعم، يا رسول الله. قال: «احلقْ رأسك، وانسكْ نسيكة، أو أطعم ستة من مساكين الحرم، أو صُمْ ثلاثة أيام» (٣).\nوقد قاس الفقهاءُ على حلق شعر الرأس عند العذر سائرَ المحظورات.\nكما قاسوا الفدية في حلق الرأس مع العذر على فعل محرمات الإحرام بدافع العذر، فأوجبوا الفدية أيضًا، حيث ذهبوا إلى رفع الإثم في كلٍّ لاتحاد الصورة.\n_________\n(١) حتى تلزم الفدية يشترط كون ذلك بما بعد ساترًا، أما لو وقفت خلف نافذة زجاجية تحجب عن الناس ما وراءها، فلا يضرها ذلك؛ لأنه لا يعد ساترًا عرفًا، على أنه أيضًا لا يطلب منها ذلك، لكنني استشهدت بهذا المثال توضيحًا مني لهذه القاعدة.\n(٢) الحاشية لابن حجر صـ ١٧٨.\n(٣) صحيح مسلم/١٢٠١/ ٨٠)، وهو أمُّ الرأس هي القمل.","vol":"1","page":91},{"text":"وبمناسبة ذكر القمل في حديث كعب بن عُجْرَة، وبمناسبة ما يتلوه في الفقرة التالية من حكم إزالة الأظفار، فإنه يحسن بي أن أعرّج على ما ذكره الفقهاء حول مسألة قتل القمل، وإلقائه، وإزالة أذاه.\nفالصحابي الجليل ترك شعره؛ لأن حلق الشعر من محظورات الإحرام، لكن ظروف السفر، وغباره جعل القمل يلحق بشعر كعب، حتى هال رسول الله - ﷺ - ما رآه، فقال: أيؤذيك هوامُّك؟، ثم أمره بإزالة شعره، وما فيه من قمل. فما حكم إزالة القمل، وقتله؟\nقبل الإجابة عن هذا السؤال أُذَكّر القارئ الكريم بأنَّ إزالة القمل في غير الإحرام مطلوب شرعًا بداهة، لما فيه من الأذى والضرر الذي يتنافى مع النظافة التي نادى بها ديننا، حيث إنَّ الإسلام دخل حياتنا على قاعدة النظافة في كل شيء، نظافة القلب، ونظافة العقيدة ونظافة اللباس والمكان والبدن.\nلذلك قال الشافعية: لا شيء في قتل القمل أو إزالته؛ لأنّ فيه دفع الأذى عن نفسه، لكنهم استحبوا له إن فعل أن يتصدَّق؛ لأنه - فيما يبدو لي - قتل شيئًا في رحلة السلام التي أقام مولانا ﷿ الحج ساحة لها.\nأما الحنفية فقد قالوا بوجوب التصدّق بما شاء.\nوفي المذهب المالكي: القمل يأخذ حكم الشعر تمامًا (١). وإذا جاز لباحث مثلي أن يجتهد، فإني أميل إلى مذهب الشافعية، لا لأني أتعبد الله وفق اجتهاداته وضوابطه الشرعية، بل، لأن السلام في هذا الوجود لا يتنافى مع إزالة ما غرز في\n_________\n(١) الحج والعمرة في الفقه الإسلامي د. نور الدين عتر، فقرة (٩٧)، ص ١٤٢ - ١٤٣.","vol":"1","page":92},{"text":"أرضه من أشواك دامية، وهو ما يتفق مع الفواسق التي استثناها الشرع من الأصل العام في حرمة الصيد والقتل.\nالمحظور الرابع: ساقه العمريطي بقوله: «وقلْم أظفار»:\nيحرم قلْم الظفر وكسره، ويحرم قطع جزء من أظفار اليد أو الرِّجل، فإن فعل المحرم شيئًا من ذلك عصى، ولزمه الفدية.\nالحرمة لا تقتصر على التقليم، لأنّ أيّ إزالة للأظفار يعد محظورًا، وتلزم الفدية. يستثنى من الحرمة والفدية ما لو انكسر بعض ظفر المحرم، وتأذى به، فله إزالة الجزء المنكسر دون غيره، وليس له إزالة باقي الظفر؛ لأنه صحيح، ولا يجوز له أن يقطع شيئًا من الصحيح (١).\nدليل تحريم قلْم الأظفار القياس في منع إزالتها على منع إزالة الشعر الذي هو أحد المحرمات كما سيأتي، بجامع الترفُّهِ في كلٍّ. قال العلامة الشربيني: «وأمّا الظفر فقياسًا على الشَّعْر لما فيه من الترفّه» (٢).\nالمحظور الخامس: هو إزالة الشعر من الرأس وغيره بالحلق، أو بأيّ وسيلة أخرى: قال الفقهاء: يحرم على المحرم إزالة الشعر بحلق أو تقصير أو نتف أو حرق أو بغير ذلك من وجوه الإزالة، سواء وقع منه ذلك في شعر الرأس أو الوجه أو الشارب أو سائر الجسد من نحو شعر الصدر أو الإبط أو العانة ولو كان لشعرة واحدة فهو حرام (٣).\n_________\n(١) الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح النووي ص ١٩٤، وحاشية الباجوري جـ ١ ص ٤٨٣.\n(٢) مغني المحتاج للعلامة محمد الخطيب الشربيني جـ ١ ص ٥٢١.\n(٣) الحاشية للعلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح للنووي ص ١٩٠ - ١٩١.","vol":"1","page":93},{"text":"وفي دليل هذا المحظور يقول الفقيه الشافعي العلامة الشيخ محمد الخطيب الشربيني ﵀: «وأما الشعر فلقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي شعرَها، وشعرُ سائد الجسد ملحق به بجامع الترفه (١). أمّا حكُّ الشعر بالظفر أو بغيره فهو مكروه» (٢).\nلكن ماذا لو نسي المحرم فأزال بعض شعره أو قلم ظفره. قال الإمام النووي في تبيانه لهذه النقطة:\n«هذا الذي ذكرناه في الحلق أو القَلْم بغير عذر (٣).\nفأمّا إذا كان بعذر فلا إثم.\nوأما الفدية ففيها صور:\nمنها الناسي والجاهل فعليهما الفدية على الأصح؛ لأنّ هذا إتلاف، فلا يسقط ضمانه بالعذر كإتلاف المال.\nومنها ما لو كثر القمل في رأسه أو كان به جراحة أحوجه أذاها إلى الحلق أو تأذّى بالحرّ لكثرة شعره فله الحلق وعليه الفدية.\nومنها: لو نبتت شعرة أو شعرات داخل جفنه، وتأذّى بها، قلعها ولا فدية. وكذا لو طال شعر حاجبه، أو رأسه، وغطّى عينه، قطع المغطى ولا فدية. وكذا لو\n_________\n(١) مغني المحتاج للعلامة الشربيني جـ ١ ص ٥٢١\n(٢) حاشية العلامة الباجوري جـ ١ ص ٤٨٣.\n(٣) أي هذا الذي ذكرناه هو في لزوم الإثم والفدية في الحلق والقَلْم بغير عذر.","vol":"1","page":94},{"text":"انكسر بعض ظفره وتأذى به قطع المنكسر ولا يقطع معه من الصحيح شيئًا» (١).\nوبالنسبة للتحلل بحلق الشعر أو تقصيره يقول أستاذنا الدكتور محمد توفيق رمضان البوطي حفظه الله: «يجوز للمحرم حلق شعر الحلال، ولا يجوز للمحرم ولا للحلال حلق شعر المحرم، فإن فعل بإذنه فالفدية على المحلوق وإلَّا فالفدية على من حلق» (٢).\nوقال استأذنا الدكتور نور الدين عتر في ذات الموضوع: فتحرم بالإحرام الأشياء الآتية: حلق الرأس بنفسه أو بواسطة غيره محرمًا كان أو حلالًا، عملًا بنص الآية. وكذا حلقُ المحرم رأس محرم آخر، وذلك ما لم يفرغ الحالق والمحلوق من أداء نسكهما ويصبح الحلق حلالًا لهما، فعندئذ لا يدخلان في الخطر، ويجوز لهما أن يحلقا لبعضهما باتفاق المذاهب» (٣).\nوقال فضيلة العلامة الحنفي الشيخ عبد الرزاق الحلبي - حفظه الله ـ: «إذا حلق المحرم للمحرم فعلى الحالق صدقة وعلى الآخر دم، وهذا إذا كان في غير أوانه. أما في أوانه فلا شيء على أحد منهما، إذ يجوز للمحرم أن يتحلل بنفسه بالحلق» (٤).\nالسادس والسابع من المحظورات - تناولهما العمريطي في البيت الرابع من محرمات الإحرام وفيه يقول:\n_________\n(١) الحاشية للعلامة ابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص ١٩٣ - ١٩٤.\n(٢) انظر مناسك الحج والعمرة وآداب الزيارة، لفضيلته باب محرمات الإحرام صـ ٦٨\n(٣) انظر الحج والعمرة في الفقه الإسلامي، لفضيلته الفقرة (٣٧) صـ ٥٨.\n(٤) مناسك الحج والعمرة د توفيق البوطي صـ ٦٨ نقلًا عن الحاشية في التعليقات التي كتبها فضيلة الشيخ عبد الرزاق الحلبي حفظه الله وشفاه.","vol":"1","page":95},{"text":"وقَتلُ صيد كالحلال في الحرم ... والقطع من أشجاره كالصيد ثَمّ\nيحرم بالإحرام صيد كل حيوان بريّ وحشي مأكول اللحم.\nخرج بالبري ما لا يعيش إلّا في البحر فيحلُّ صيده.\nوخرج بالوحشي الإنسيُّ كالدجاج والنَّعَم وإن توحش.\nوخرج بالمأكول غير المأكول كالذئب وكل ماله ناب فلا يحرم صيده (١).\nفإن أُتلف الحيوان المذكور بصيد أو غير ذلك لزمه الجزاء. فإن كان إلى جانب ذلك مملوكًا لزمه الجزاء، لأنه حق الله تعالى، ولزمه القيمة للمالك، تعويضًا عليه، لأنه حق العبد (٢).\nدليل هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ .. [المائدة: ٩٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾. [المائدة: ٩٦].\nفصيد المأكول البري الوحشي ثابت لهذه الآية من نحو بقر وحش أما صيد المتولد منه ومن غيره كمتولد بين حمار وحش وحمار أهلي فقد حمل العلماء، تحريمه على الاحتياط؛ لأن أحد أصليه ينضبط به وصف الحرمة (٣).\nوليس الصيد وحده هو الذي يحظر على المحرم الاقتراب منه لا بل إن\n_________\n(١) حاشية العلامة إبراهيم البيجوري جـ ١ صـ ٤٨٤.\n(٢) حاشية العلامة ابن حجر الهتيمي على شرح الإيضاح للنووي صـ ٢٠٢.\n(٣) مغني المحتاج للعلامة محمد الخيب الشربيني جـ ١ صـ ٥٢٤.","vol":"1","page":96},{"text":"ترويع ما أمنه الله تعالى في جنبات بيته الحرام ولو كان من نحو حيوان اعتاد الناس اصطياده، أو طير لهم عهدًا بنصب الشباك له، فإن ذلك كله ممنوع بالنسبة للمحرم والحلال. بأي صورة وقع الأمر، وعلى أي وجه جاء، كالاستيلاء عليه، أو إتلاف جزء من أجزائه، فإنه ضامن له، ولو لنحو شعرة منه.\nوكذا يحرم ما هو دون هذا كالإعانة على قتل الصيد بالدلالة على موضعه أو إعارة آلة الصيد له أو حتى بصياح، لذلك فإن مجرد التنفير، ممنوع في حرم الله الآمن، فلو تهاون في قدسية الحرم المكي، واستهتر بأمان من فيه ولو كان حيوانًا مأكولًا ولو بتنفير صيدٍ، فعثر ذلك الصيد هربًا منه فهلك أو أخذه سبع بسبب خوفه أو أنصدم بحبل أو شجرة أو ما شابه هذا لزمه الضمان. فالحيوان المنفر يبقى في عهدةَ المنفَّر حتى يسكن اضطرابه ويعود إلى حالته الأولى، فإن هلك في حال نفاره بآفة سماوية فلا ضمان على الأصح (١).\nهذا معنى الأمان الذي يجب أن يتمتع به الإنسان أو الحيوان المأكول أو الطير أو النبات الذي يقيم في حدود الحرم، وذلك لقوله - ﷺ - يوم فتح مكة: «إنّ هذا البلد حرام بحرمة الله، لا يعضد شجره، ولا ينفر صيده (٢).\nقال العلامة الشربيني: «أي لا يجوز تنفير صيده لمحرم ولا حلال، فغير التنفير أولى وقيس بمكة سائر الحرم» (٣).\nفإن أتلف من حرم عليه ذلك. صيدًا بشروطه المذكورة، مملوكًا أوغير\n_________\n(١) حاشية العلامة ابن حجر الهتيمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج صـ ٢٠٦ - ٢٠٧.\n(٢) رواه الشيخان.\n(٣) مغني المحتاج جـ ١ صـ ٥٢٤.","vol":"1","page":97},{"text":"مملوك ضمنه لقواه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. [المائدة: ٩٥].\nويحرم الجراد، كما يحرم الطيور المائية التي تغوص في الماء وتخرج.\nلكن لا يحرم السمك وصيد البحر وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَدْوِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ (١) وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (٢) [المائدة: ٩٦]، إلّا أنه يلحق بالحرمة ما يعيش في البر والبحر في وقت واحد.\nولا يحرم صيد ما ليس مأكولًا، ولا صيد ما هو متولّد من مأكول وغيره.\nويحرم على المحرم أكل صيد صاده بنفسه، أو صاده غيره له بإذنه، أو بغير إذنه (٣) كما يحرم أكل صيد أعان عليه (٤)، أو تَسبّبَ فيه، كالدلالة فيه عليه، أو إعارة\n_________\n(١) هذا حكم بتحليل صيد البحر من سمك وحيتان وسائر ما في بطنه. وطعام البحر المذكور في هذه الآية المراد به ما قذفه البحر وطفا عليه. قال الشافعي ومالك والأوزاعي والثوري وغيرهم: «يؤكل كل ما في البحر من سمك ودواب سواء اصطيد أو وجد ميتًا. وربما استدل العلماء بقوله - ﷺ -: هو الطهور ماءه، الحلَّ ميتة» وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود (٨٣) والترمذي (٦٩) وأبن ماجة (٣٨٦) و(٣٢٤٦) وغيرهم كما يشهد للجمهور حديث البخاري ومسلم (١٩٣٥) والدارمي (١٩٤٤) وغيرهم من حديث جابر في الحوت الذي يسمى العنبر وفيه فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك له فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا» فأرسلنا إلى رسول الله - ﷺ - منه فأكله.\nوقال أبو حنيفة: لا يؤكل السمك الطافي على الماء، ويؤكل ما سواه من السمك، ولا يؤكل شيء من حيوان البحر إلّا السمك. هذا والأحاديث الصحيحة ليست إلى جانبه في هذه المسألة والله أعلم.\n(٢) السّيارة هم الذين يركبون البحر أي يجوز أكل طعام البحر لمن يصطاده وهو يركب البحر، كما يجوز أكله لمن يصطاده وهو على البر. القول الثاني: السّيارة هم المسافرون مطلقًا أي فيجوز أكل طعام البحر للمسافر والمقيم على السواء. انظر الجامع لإحكام القرآن للإمام القرطبي ٦/ ٢٩٥.\n(٣) في صحيح مسلم (١١٩٣/ ٥٠) عن ابن عباس عن الصَّعْبِ بن جَثَّامة اللَّيْثيّ أنه أهدى لرسول الله - ﷺ - حمارًا وحشيًا وهو بالأبواء، أو بِوَدّان [مكانان بين مكة والمدينة] فرده عليه رسول الله - ﷺ -. قال: فلما رأى رسول الله - ﷺ - ما في وجهي قال: «إنّا لم نَرُدّهُ عليك إلّا أنّا حُرُم» هذا وترجم البخاري لهذا الحديث بالرقم (٢٥٩٦) بعنوان: «باب: من لم يقبلْ الهدية لعلة ..» والصحيح أنه كان مذبوحًا لما جاء في رواية مسلم: عَجُزَ حمارٍ وحشٍ يقطر دمًا» (١١٩٤/ ٥٤). قال الإمام الترمذي: وقال الشافعي: إنما وجْهُ هذا الحديث عندنا: إنما رده عليه لما ظن أنه صِيْدَ من أجله وتركه على التّنزّه. انظر الجامع الصحيح جـ ٣ صـ ٢٠٦. في كلامه على حديث ابن عباس الذي خرجه برقم (٨٤٩). قال الإمام النووي: «واحتج الشافعي وموافقوه بحديث أبي قتادة المذكور في صحيح مسلم بعد هذا فإن النبي - ﷺ - قال في الصيد الذي صاده أبو قتادة، وهو حلال، قال للمحرمين: هو حلال فكلوا، وفي الرواية الأخرى قال: هل معكم منه شيء؟ قالوا: معنا رِجله فأخذها رسول الله - ﷺ - فأكلها. وفي سنن أبي داوُد والنسائي عن جابر عن النبي - ﷺ - أنه قال: «صيد البرّ لكم حلال مالم تصيدوه أو يصاد لكم» هكذا الرواية يصاد بالألف، وهي جائزة على لغة، ومنه قول الشاعر: ألم يأتيك والأنباء تنمي.\nقال أصحابنا: يجب الجمع بين هذه الأحاديثِ، وحديث جابر هذا صريح في الفرق، وهو ظاهر في الدلالة للشافعي وموافقيه ..». انظر شرح النووي على صحيح مسلم جـ ٨ صـ ٢٧٨.\n(٤) قال الإمام النووي: وقال أبو حنيفة: ولا يحرم عليه ما صيد له بغير إعانة منه انظر النووي على صحيح مسلم جـ ٨ صـ ٢٧٧. أقول: حديث ابن عباس السابق في صحيح مسلم يقوي مذهب إمامنا الشافعي ومالك وأحمد وداود والظاهري والله أعلم.","vol":"1","page":98},{"text":"سكين، أو مناولة سوط، فإن أكل منه عصى لكن لا جزاء عليه بسبب الأكل.\nولو ذبح المحرم صيدًا صار ميتة على الأصح، يحرم على كل أحدٍ أكله.\nولو تحلل المحرم من إحرامه لم يحل له ذلك الصيد.\nولو صاد الحيوان المأكول حلالُ، لا لأجل أن يأكل المحرم منه، ولا تسبُّبَ المحرم فيه، جاز له الأكل، دون أن يقع عليه جزاء لما ذكرته لك في حاشية الفقرة السابقة.\nلا ينتفي عن الجاهل والناسي فكلاهما في وجوب ذلك كالعامد لكن\nلا إثم عليهما بخلاف العامد (١).\n_________\n(١) عد في متابعة هذه الإحكام إلى حاشية العلامة ابن حجر الهتيمي على شرح الإيضاح للنووي صـ ٢٠٧ - ٢٠٩.","vol":"1","page":99},{"text":"ويلحق بحرمة الصيد في الحرم من الحلال والمحرم قطع أو قلع نبات الحرم الرطب الذي يستنبتُ (١) وحده، أي لا يستنبته الآدميون، وليس مما يملكه أحد، للحديث السابق «لا يعضد شجره» (٢) أي لا يقطع، «ولا يختلى خلاه» (٣) أي لا ينتزع حشيشه الرطب.\nقال العلامة الشربيني: «وقيس بما في الخبر غيره مما ذكر. وخرج بالرطب الحشيش اليابس، فيجوز قطعه لا قلعه، والشجر اليابس فيجوز قطعه وقلعه والفرق بين الشجر والحشيش في القلع أن الحشيش ينبت بنزول الماء عليه» (٤).\nوالأظهر عند الشافعية تعلق الضمان بقطع أشجار الحرم (٥).\nوبمناسبة ذكر تحريم صيد البرّ يجدر بنا أن نأتي على ذكر ما استثناه الفقهاء من إباحة قتل بعض حيوانات الحرم بنص حديث رسول الله - ﷺ - الذي ذكر خمسًا سماهن فواسق، أجاز قتلهن في الحل والحرم على يد المحرم والحلال سواء بسواء (٦)، وذلك في الحديث المتفق على صحته، والذي يقول فيه المصطفى - ﷺ -:\n_________\n(١) أما الذي يزرعه الناس اليوم، ويستنبتوه بأنفسهم كالحبوب والأشجار المثمرة فليس بحرام.\n(٢) رواية صحيح مسلم: «إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامراء، يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ولا يعضد بها شجرة ..». (١٣٥٤/ ٤٤٦).\n(٣) قال الإمام النووي: قالوا: الخلا والعشب اسم للرطب منه (أي الكلأ) والحشيش والهشيم اسم لليابس منه.\n(٤) مغني المحتاج للعلامة محمد الخطيب الشربيني ح ١ ص ٥٢٧.\n(٥) قال في مغني المحتاج في الجزء والصفحة في بيان ذلك حول وجوب البقرة في الشجرة الحرميّة الكبيرة: «كما رواه الشافعي عن ابن الزبير ومثله لا يقال إلّا بتوقيف وسواء اخلقت الشجرة أم لا. ثم قال في وجوب الشاة في الشجرة الصغيرة: رواه الشافعي أيضًا.\n(٦) الفواسق تقتل في الحرم من الحلال والمحرم سواء بسواء كما قلت لك. وفي المقابل الصيد يحرم في الحرم من الحلال والمحرم سواء بسواء عند جمهور العلماء. لكن الخلاف في الجزاء: قال مالك والشافعي وأحمد: يجب =","vol":"1","page":100},{"text":"«خمسّ من الدوات ليس على المحرم في قتلهن جناج: الغراب (١) والحدَأة، والعقرب والفأرة والكلب العقور» (٢).\nوفي رواية عن مسلم ذكر الحية دون ذكر العقرب والحُدَيَّا عوضًا عن الحدأة (٣).\nوفي رواية عند أبي داود وقع لفظ: السبُعُ العادي (٤) أي الحيوان المفترس.\nوليس المذكور وحده مباحًا قتله، بل ما في معناه أيضًا، حيث قال الشافعية: المعنى في جواز قتلهنّ كونُهنّ مما يؤكل، لذلك قالوا: كل ما لا يؤكل،\n_________\n= على الحلال ما يجب على المحرم فيما لو قتل صيدًا على وجه قياس الحلال على المحرم فالفدية على كل منهما واحدة. وقال الحنيفة: إنْ ذبح الحلال صيد الحرم وجب عليه قيمته يتصدق بها. ولا يجوز الصوم في هذه المسألة عندهم؛ لأن الواجب هو ضمان بقتله، والصوم لا يصلح ضمانًا. انظر الحج والعمرة في الفقه الإسلامي د. نور الدين عتر (١٠١) صـ ١٤٧.\n(١) سائر الغربان ومنها الغراب الأبقع الذي وقع ذكره في رواية عند مسلم (١١٩٨/ ٦٧) وهو الذي في ظهره وبطنه بياض فذلك كله جائز قتله ويستشنى من هذا العموم غراب الزرع، ويقال له غراب الزاغ، فقد اتفق العلماء على إخراج هذا الغراب الصغير لأنه يأكل الحب ولذلك أفتوا بجواز أكله. انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري للإمام أحمد بن حجر العسقلاني جـ ٤ صـ ٥٠ وصحيح مسلم بشرح النووي جـ ٨ ص ٢٨٥.\n(٢) صحيح مسلم (١٢٠٠/ ٧٦) وفي رواية عنده برقم (١١٩٨/ ٦٦): «خمس فواسق يقتلن في الحرم». وفي أخرى برقم (١١٩٨/ ٧٠) عن عائشة قالت: «أمر رسول الله - ﷺ - بقتل خمس فواسق في الحل والحرم».\n(٣) صحيح مسلم (١١٩٨/ ٦٧). هذه الزيادة تجعل المنصوص عليه ستًا. وفي رواية قال: فقلتُ للقاسم؟ قال: «تُقتلُ بصُغْر لها» قال النووي: أي بمذلة وإهانة انظر (١١٩٨/ ٦٦) من صحيح مسلم.\nأما الحدأة بوزن عَنبَة، فلفظ يدل على الواحدة والجمع يكون بحذف التاء مثل تمره وتمر أي الجمع على «حِدَأَ».\nوهي طير يقف في الطيران. ولغة الحُدَيَّا على الإدغام، والأولى على التسهيل. انظر فقح الباري جـ ٤ صـ ٥٠ وصحيح مسلم بشرح النووي جـ ٨٩ صـ ٢٨٦.\n(٤) سنن أبي داود (١٨٤٨)","vol":"1","page":101},{"text":"أو هو متولد من مأكول وغيره جاز قتله.\nوقال مالك: المعنى فيهن كونهن مؤذيات (١).\nوفي الكلب العقور قال جمهور العلماء: ليس المراد به تخصيص الكلب المعروف، بل المراد كل عاد مفترس غالبًا كالسبع والنمر والذئب (٢) والفهد ونحوها؛ لأن معنى العاقر والعقور الجارح.\nوفي المقابل نهى رسول الله - ﷺ - عن قتل أربع من الدواب بعينها: النملة والنحلة والهُدْهُدِ والصُّرَدِ (٣)» (٤).\nوفي رواية نهى عن قتل الضفدع. (٥)\nالبيت الأخير من كلام الإمام العمريطي في محرمات الإحرام يدنن حول ما تبقى منها وهي:\n_________\n(١) صحيح مسلم بشرح النووي جـ ٨ صـ ٢٨٥.\n(٢) قال فضيلة الشيخ قاسم النوري. بعنايته بكتاب نهاية التدريب للعلامة الفشني صـ ٢١٩ «وأما الذئب فقد ثبت قتله» في حديث ابن عمر رواه الدارقطني (٢) /٢٣٢ ثم قال: «ونهى عن قتل الخطاطيف أي: الخفاش. رواه البيهقي ٩/ ٣١٨.» اهـ. على أي حال قتل الذئب يدخل في عموم الكلب العقور أو السبع العادي. ثم إن زفر من الحنفية حمل الكلب العقور في الحديث على الذئب خاصة، بينما حمله أبو حنيفة على الكلب المعروف، وألحق به الذئب. انظر شرح النووي على مسلم في الجزء والصفحة.\n(٣) قال الشيخ محمد فؤاد وعبد الباقي: الصترد في المنجد طائر ضخم الرأس، أبيض اللون، أخضر الظهر، يصطاد صغار الطير انظر ذلك في تعليقاته على سنن ابن ماجة جـ (٢) صـ ١٠٧٤.\n(٤) انظر مسند الإمام أحمد برقم (٣٠٦٦) وقد جاء في الموسوعة الحديثية على مسند الإمام أحمد حول هذا الحديث: إسناده صحيح على شرط الشيخين كما رواه ابن ماجة برقم (٣٢٢٤)، وأبو داود (٥٢٦٧).\n(٥) الحديث السابق في سنن ابن ماجة برقم (٣٢٢٤) بذكر الضفدع عوضًا عن النملة. قال الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي: في الزوائد في إسناده إبراهيم بن الفضل المخزومي وهو ضعيف.","vol":"1","page":102},{"text":"والوطء والنكاح والمباشرهْ ... بشهوة ومسّ طيب عاشره\nالوطء والمباشرة بشهوة هو ما يعبر عنه الفقهاء بقولهم: الجماع ومقدماته، ودليلهم في ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقٌ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وهي آية وردت خبرًا بمعنى النهي، والمقصود فلا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا في الحج.\nوالرفث (١) مفسر بعدة أشياء أبرزها الجماع، أي الوطء في الفرج، وهو\nقول ابن عباس وابن جبير ومالك، أي فلا جماع في الحج، أي قبل التحلل من إحرامه\n_________\n(١) وأما الفسوق والجدال الواردان في الآية فهما وفق التفصيل التالي:\nالفسوق يعني جميع المعاصي كلها، وهو المعتمد، وهو ما قاله ابن عباس وعطاء والحسن. وقال ابن عمر: الفسوق إتيان المعاصي في حال إحرامه بالحج، كقتل الصيد، وقص الظفر وأخذ الشعر .. وقال الإمام مالك: الفسوق الذبح للأصنام ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وقال الضحاك: الفسوق: التنابز بالألقاب ومنه قوله تعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ﴾ [الحجرات: ١١]. وقال ابن عمر: الفسوق السباب، ومنه قوله - ﷺ - في الحديث المتفق على صحته (البخاري ١٥٢١ ومسلم ١٣٥٠ والترمذي ٨١١ ..): «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». قال الإمام القرطبي بعد أن ساق هذه الأقوال: والقول الأول أصح؛ لأنه يتناول جميع الأقوال. انظر تفسير القرطبي جـ ٢ صـ ٤٠٤.\nوالجدال قال فيه الإمام القرطبي: «الجدال وزنه فعال من المجادلة، وهي مشتقة من الجَدْل وهو الفَتْل، منه زمام مجدول. وقيل: هي مشتقة من الجدالة التي هي الأرض، فكأن كل واحد من الخصمين يقاوم صاحبه حتى يغلبه فيكون كمن ضرب به الجدالة. انظر نفس المرجع والجزء صـ ٤٠٦. فالجدال أن يجادل رفيقه حتى يغضبه، والفسوق: هو الخروج عن الطاعة، وعلى المحرم أن يشتغل بالتلبية، وذكر الله تعالى، وقراءة القرآن، وأمرٍ بمعروف، ونهي عن المنكر، وتعليم لجاهل، وما إلى ذلك من وجوه البر والخير، بعيدًا عن الفسوق الذي هو خروج عن طاعة الله وهو حرام، وبعيدًا عن الرفث الذي هو مباح خارج الإحرام، حرام في زمنه، وبعيدًا عن الجدال الذي يتضمن استغضاب الصاحب لرفيقه، فما أشنع أن تصدر مثل هذه الأخلاق الذميمة عن المحرم، وهو الذي أحرم بأمر الله، وابتغاء رضوانه؟ !","vol":"1","page":103},{"text":"فيه؛ لأنه يفسده.\nوقال ابن عمر وطاوس وعطاء وغيرهم: الرفث: الإفحاش للمرأة في الكلام. وعند قوم: هو الإفحاش بذكر النساء، سواء كان بحضرتهن أم لا (١). ويمكن أن أختصر ذلك بما قاله بعضهم من أنه كلمة جامعة لما يريده الرجل من أهله.\nوالخلاصة أن الرفث يطلق على الجماع، ويطلق على ما يكون بين الرجل وزوجه من المغازلة والتقبيل بشهوة والمفاخذة والمعانقة واللمس باليد بشهوة، وبهذا يدخل فيه الكلام الفاضح في المسائل الجنسية التي هي من خوارم المروءة بالنسبة لغير المحرم، فكيف باقتراف ذلك زمن الإحرام.\nإنني من خلال عملية لف الأقوال أستطيع أن اجمع ذلك بما نقلته لك عن الفقهاء من قولهم: الرفث: هو الجماع ودواعيه أو مقدماته، وفي كل ذلك تجب الفدية، وإن لم يُنزلْ، إذا كان لمسًا بشهوة من دون حائل، أما إذا وقع لمس بشهوة مع حائل، أو نظر بشهوة - وهو من دواعي الجماع كما تعلم - فلا تجب فيه الفدية وإن أنزل، حتى وإن كرر النظر فأنزل من غير مباشرة لم تلزمه الفدية.\nويدخل في تلك المقدمات الاستمناء باليد، فإن أنزل وجبت الفدية، وإن لم يُنزلْ لم تجبْ.\nولو جامع المحرم بعد المباشرة بشهوة أو بعد الاستمناء باليد، دخلت فديتهما في فدية الجماع حتى ولو لم يكن الجماع ناشئًا عن أي منهما، بأن طال الزمن بين الجماع وأحد المذكورين؛ لأن القوي وهو هنا الجماع حين دخل على الضعيف\n_________\n(١) انظر نفس المرجع والجزء صـ ٤٠٣ وحاشية الباجوري جـ ١ صـ ٤٨٥.","vol":"1","page":104},{"text":"وهو هنا المباشرة بشهوة أو الاستمناء كانت الغلبة في الفدية للقوي، لاضمحلال الضعيف معه، وهو هنا على سبيل المثال لا يجب عليه الدم إن استمنى بيده، فأنزل، ثم جامع فأدخل، لدخول الأول في بدنة الجماع (١)\nزبدة القول أنه لو باشر بشهوة عامدًا عالمًا بالتحريم لزمه الفدية، لكن لا يفسد نسكه لأنه لا يفسد الحج إلّا الوطء إن كان قبل التحلل الأول، سواء وقع قبل الوقوف بعرفة. أو بعده (٢).\nأما لو باشر بشهوة ناسيًا فلا شيء عليه بلا خلاف، سواء أنزل أم لم يُنزل. فالجماع وحده الذي يفسده الحج، ومع ذلك فلا يتأثر المضي في أعمال الحج والعمرة إذا أفسدت بالجماع؛ لأن الإحرام شديد التعلق بمناسكه، بخلاف سائر العبادات كالصلاة مثلًا، لذلك ذكر فقهاؤنا أن من أفسد نسكه بالوطء في الفرج وجب عليه المضي في فاسدة من حج أو عمرة، بأن يأتي ببقية الأعمال حسب ترتيبها، وذلك لإطلاق الإتمام في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:\n_________\n(١) انظر حاشية العلامة إبراهيم البيجوري جـ ١ ص ٤٨٥.\n(٢) لو وقع الوطء بين التحللين لم يفسد الحج، مع مراعاة أن الوطء هو من المحرمات التي لا تباح إلّا بعد حصول التحلل الثاني، وكذا نقول في شأن المباشرة فيما دون الفرج بشهوة، وكذا في استمناء باليد، فإنهما يحرمان أيضًا حتى يخرج الناسك من إحرامه بالتحلل الأخير، لأنهما مما يتعلق بالنساء، وما كان من هذا القبيل فلا يجوز وقوعه حتى يتحقق التحللان بتمامها. انظر مغني المحتاج جـ ١ صـ ٤٨٦.\nهذا الوطء يفسد به الحج إن وقع قبل الوقوف بعرفة، وقبل التحلل الأول إجماعًا. بينما يفسد به الحج إن وقع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول، على خلاف في ذلك بين الفقهاء، والمعتمد إفساد الحج به؛ لأنه وطءٌ صادف إحرامًا صحيحًا لم يحصل فيه التحلل، فلا فرق بين كونه قبل الوقوف أو بعده؛ لأن الصورة في الحالتين واحدة.، وهي الإحرام الصحيح التام. وقال الإمام أبو حنيفة: يفسد الحج بالجماع فقط إن وقع قبل الوقوف بعرفة لا بعده.","vol":"1","page":105},{"text":"١٩٦]، إذ لم تفصّل الآية بين الصحيح والفاسد (١)، على حين صح ذلك بأسانيد عن جمع من الصحابة - ﵃ - ولا مخالف (٢).\nوإذا فسد الحج ووجب الإتمام، وجب بعد ذلك القضاء على الفور، وإن كان نسكه تطوعًا، لأنه يلزم الحاج أو المعتمر أن يتم ما شرع فيه للآية المذكورة فكان كنسك الفريضة من حيث لزوم القضاء فورًا.\nوإذا عزم أن يقضي نسكه الفاسد وجب أن يحرم من الميقات الذي أحرم منه أول مرة، أي حين أحرم بالنسك الذي أفسده بالوطء، فإن كان أحرم به من ميقاتٍ ما لزم أن يحرم بقضائه من ذلك الميقات. وإن كان أحرم من مكان ما قبل الميقات لزمه أيضًا أن يحرم بالقضاء من ذلك المكان (٣).\nإن فساد الحج أو العمرة بالوطء لهو من المحرمات التي أجمع عليها العلماء ولو كان إدخالًا في فرج بهيمة أو في دبر إنسان، فضلًا عن كونه في زوجة قبلًا أو دُبُرًا ولو بحائل (٤).\nومن أحكام الجماع في إطار مناسك الإحرام أنه يَحرم على المرأة الحلال تمكين زوجها المحرم من مواقعهتا لما فيه من إعانته على معصية الله.\nكما يحرم على الحلال جماع زوجته المحرمة، لكن لا فدية عليها على\n_________\n(١) حاشية العلامة إبراهيم الباجوري جـ ١ صـ ٤٨٧.\n(٢) المنهاج القويم على المقدمة الحضرمية للإمام شهاب الدين أحمد بن حجر الهتيمي صـ ٤٤٤.\n(٣) نفس المرجع والصفحة.\n(٤) حاشية الباجوري جـ ١ صـ ٤٨٥.","vol":"1","page":106},{"text":"الصحيح سواء كان الوطء زوجًا أم غيره، مُحرمًا أم حلالًا (١).\nوكما يفسد الحج بالوطء في الفرج قبل التحلل الأول وتفسد به العمرة المفردة قبل الفراغ منها بالتحلل منها بالحلق أو التقصير في ختام رحلة الإحرام والطواف والسعي لعمرته، حيث ليس للعمرة إلّا تحلل واحد (٢).\nومن محظورات الإحرام قبل التحلل منه عقد النكاح إيجابًا أو قبولًا، للخبر الذي رواه مسلم في صحيحه: «لا يَنْكح المحرم ولا يُنْكح ولا يخْطُبُ» (٣).\nلهذا الحديث ذهب جماهير العلماء ومنهم مالك والشافعي وأحمد فمن بعدهم إلى أنه لا يصح نكاح المحرم، واعتمدوا أحاديث الباب التي أوردها مسلم في كتاب النكاح، باب بعنوان: تحريم نكاح المحرم.\nوخالف أبو حنيفة والكوفيون جماهير الفقهاء فقالوا بجواز نكاح المحرم للحديث الآخر الذي رواه مسلم في الباب عن أبي الشعثاء أن ابن عباس أخبره أن النبي - ﷺ - تزوج ميمونة وهو محرم (٤).\n_________\n(١) قال العلامة الشيخ محمد الخطيب الشربيني بعد أن ساق ما سبق بيانه: وإن كانت عبارة المجموع تدل على أنها إذا كانت محرمة دونه أنّ عليها الفدية. ولنا هنا طريقة قاطعة باللازم بخلاف الصوم وقيل: إن كان الواطىء لا يتحمل عنها فعليها الفدية. مغني المحتاج جـ ١ صـ ٥٢٣.\n(٢) قال العلامة إبراهيم الباجوري في حاشيته جـ ١ صـ ٤٨٦: «والحكمة في ذلك أن الحج يطول زمنه وتكثر أعماله فجعل له تحللان، ليحلّ بعض محرماته في وقت، وبعضها في وقت آخر، بخلاف العمرة» قم قال: «نعم عمرة الفوات التي يتحلل بها من فاته الوقوف لها تحللان: فالأول: يحصل بالطواف المتبوع بالسعي إن لم يكن سعى، أو بإزالة الشعر بحلق أو غيره. والثاني يحصل بالآخر. فقولهم: العمرة لها تحلل واحد في غير عمرة الفوات».\n(٣) صحيح مسلم (١٤٠٩/ ٤٣).\n(٤) صحيح مسلم (١٤١٠/ ٤٦).","vol":"1","page":107},{"text":"أجاب الجمهور عن حديث ميمونة بأجوبة، منها تأويل حديث ابن عباس على أنه - ﷺ - تزوج ميمونة في الحرم وهو حلال؛ لأنه يقال لمن في الحرم محرم وإن كان حلالًا؛ لأنه يقال لمن هو في الحرم محرم وإن كان حلالًا. قال الإمام النووي: «وهي لغة شائعة معروفة، ومنه البيت المشهور [قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا] أي في حرم المدينة (١).\nالجواب الثاني قال به جماعة من أصحاب الشافعية أن النبي - ﷺ - كان له أن يتزوج في حال الإحرام، وهو مما خُصَّ به دون الأمة. قال العلامة النووي: وهذا أصح الوجهين عن أصحابنا (٢).\nالجواب الثالث: أن أكثر الصحابة رووا أنه - ﷺ - تزوجها حلالًا، وهو ما روته ميمونة نفسها فرواية هؤلاء أضبط من رواية من قال إنه تزوجها محرمًا. قال الإمام النووي: «قال القاضي وغيره: ولم يرو أنه تزوجها محرمًا» إلّا ابن عباس وحده، وروت ميمونة وأبو رافع وغيرهما أنه تزوجها حلالًا وهم أعرف بالقضية لتعلقهم به، بخلاف ابن عباس، ولأنّهم أضبط من ابن عباس وأكثر» (٣).\nأما قوله - ﷺ -: «ولا يُنكح فمعناه كما قال العلماء أنه لا يزوج امرأة بولاية ولا بوكالة. قال النووي: «قال العلماء: سببه أنه لما منع في مدة الإحرام من العقد لنفسه صار كالمرأة فلا يعقد لنفسه ولا لغيره». وظاهر هذا العموم أنه لا فرق بين أن يزوج بولاية خاصة كالأب والأخ ونحوهم، أو بولاية عامة وهو\n_________\n(١) صحيح مسلم بشرح النووي جـ ٩ صـ ٥٤١.\n(٢) نفس المرجع والجزء والصفحة.\n(٣) نفس المرجع والجزء صـ ٥٤٠، وثمة أجوبة أخرى ذكرها النووي فعد إليها إن شئت التوسيع.","vol":"1","page":108},{"text":"السلطان والقاضي ونائبه وهذا هو الصحيح عندنا، وبه قال جمهور أصحابنا.\nوقال بعض أصحابنا: يجوز أن يزوج المحرم بالولاية العامة؛ لأنها يستفاد بها بالخاصة وولهذا يجوز للمسلم تزويج الذمية بالولاية العامة دون الخاصة» (١). ثم قال النووي: واعلم أن النهي عن النكاح والإنكاح في حال الإحرام نهي تحريم، فلو عقد لم ينعقد سواء كان المحرم هو الزوج والزوجة أو العاقد لهما بولاية أو وكالة نهي تحريم، فالنكاح باطل في كل ذلك، حتى لو كان الزوجان والولي مُحلِّين ووكّل الوليُّ أو الزوجُ مَحرَمًا في العقد لم ينعقد (٢)». (٣)\nثم قال النووي: وأما قوله - ﷺ -: «ولا يخطب فهو نهي تنزيه ليس بحرام وكذلك يكره للمحرم أن يكون شاهدًا في نكاح المحلون» (٤).\nإذن كل نكاح وجد فيه ولي محرم، أو زوج محرم، أو زوجة محرمة فهو باطل بنص الفقهاء على هذه المسالة.\nوعلى العكس لو عقد وهو حلال وطلق وهو حلال، جاز له الرجعة في الإحرام على الأصح لكن مع الكراهة (٥)\nالأخير من محظورات الإحرام هو الطيب: «إذا أهلّ المسلم بالحج أو العمرة\n_________\n(١) نفس المرجع والجزء صـ ٥٤١.\n(٢) أما لو وكل حلال حلالًا في التزويج ثم أحرم أحدهما أو أحرمت المرأة جاز لمن أحرم أن يتزوج بعد التحللين بالولاية السابقة. انظر حاشية العلامة ابن حجر على شرح الإيضاح للنووي صـ ١٩٤.\n(٣) صحيح مسلم بشرح النووي جـ ٩ صـ ٥٤١.\n(٤) نفس المرجع والجزء والصفحة.\n(٥) الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح للنووي صـ ١٩٥.","vol":"1","page":109},{"text":"حرم عليه استعمال الطيب في بدنه وملبوسه أو فراشه».\nدليل الحرمة الإجماع. ومن النصوص التي استند إليها إجماع الفقهاء الحديث المتفق عليه عن عائشة ﵂ زوج النبي - ﷺ - قالت: «كنت أطيِّبُ رسول الله - ﷺ - لإحرامه حين يُحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت» (١).\nومن الأدلة ما أخرجه النسائي وابن ماجة موقوفًا على ابن عباس قال: إذا رميتم الجمرة فقد حلَّ لكم كلُّ شيءٍ إلّا النساء. فقال له رجل: يا ابن عباس! والطيب؟ فقال: أمّا أنا فقد رأيتُ رسول الله - ﷺ - يُضَمِّخُ رأسه بالمسك. أفطيب ذلك أم لا» (٢).\nفالطيب من أبرز مظاهر الترفه الذي تأباه حكمة الحج إلى بيت الله الحرام، ويتنافى مع قوله - ﷺ - في الحديث الصحيح: الحاجّ أشعثُ أغبر، وقوله - ﷺ -: «ولا يلبس من الثياب ما مسه ورسٌ أو زعفران» (٣). والروس هو الطيب (٤)، ويبد ولي أن الزعفران مثله (٥)، بدليل ما جاء في القاموس المحيط من أنه إذا كان في بيت لا يدخله سام أبرص اهـ وهذا ربما لرائحته، والله أعلم.\n_________\n(١) صحيح البخاري، باب الطيب عند الإحرام، وابن ماجة (٣٠٤٢) وسنن الترمذي (٩١٧).\n(٢) سنن ابن ماجة برقم ٣٠٤١.\n(٣) رواه البخاري في صحيحه باب: ما لا يلبس المحرم من الثياب، بلفظ: ولا تلبسوا من الثياب ما مسه زعفران أو ورس.\n(٤) الورس نبت أصفر طيب الريح يصبغ به. ولون صبغه بين الحمرة والصفرة. وهو أشهر طيب في بلاد اليمن. انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري للإمام ابن حر العسقلاني صـ ٣ صـ ٥٠٩، والحاشية لابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح صـ ١٨٠ ومغني المحتاج للشربيني جـ ١ صـ ٥٢٠. هذا قد جاء في مختار الصحاح: ورّس الثوب توريسًا صبغه بالورس.\n(٥) جاء في مختار الصحاح: زعفر الثوب صبغه به.","vol":"1","page":110},{"text":"فاستعمال الطيب يحرم على الحاج أو المعتمر حتى ولو كان فيه مقصود آخر كالمسك والكافور والورد والياسمين والبنفسج والنرجس والريحان وما أشبه ذلك (١).\nقال الإمام النووي: «ولا يحرم ما لا يظهر فيه قصد الرائحة، وإن كان له رائحة طيبة كالفواكه الطيبة الرائحة كالسفرجل والتفاح والأُتْرُجّ (٢) والنارنج، وكذا الأدوية (٣) كالدار صيني، والقَرَنْفُل والسُّنْبُل (٤) وسائر الأبازير الطيبة، وكذا الشِّيْحُ والقَيْصُوم والشَّقَاق وسائر أزهار البراري الطيبة التي لا تستنبت قصدًا (٥)، وكذا نَوْرُ التفاح والكُمّثْرى (٦)، وغيرهما، وكذا العُصْفُر والحناء فلا يحرم شيء من هذه ولا فدية فيه» (٧).\nومن الأشياء التي يحرم استعمالها الكحل إذا ظهر طعم الطيب فيه، أو\nريحه، ما لم يستهلك الطيب في الطعام، فإن استهلك فلا بأس به (٨). فإن بقي اللون\n_________\n(١) الحاشية لابن حجر الهيتمي ص ١٨٠.\n(٢) الأُتْرَج يعرف عند أهل الشام باسم الكبَّاد، وهو نبتٌ أصفر أضخم من الليمون.\n(٣) الخلاصة أن الذي يقصد به الأكل (التفكّه) أو التداوي، لا يحرم، ولا تجب فيه الفدية، وإن كانت له رائحة طيبة.\n(٤) ومثله المحلب.\n(٥) لأنها تنبت وحدها، ولأنها لا تعدّ طيبًا.\n(٦) ويعرف اليوم بالإجاص.\n(٧) انظر الحاشية للعلامة ابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص ١٨٠ - ١٨١.\n(٨) وبهذا يتضح لنا أنّ ثمة فرقًا بين الأبازير الطيبة التي تدخل في صناعة الطعام فهذا لا يضر، أما الطيب فإن دخل في الطعام ولم يكن مستهلكًا، فأكلُ هذا الطعام بالنسبة للمحرم حرام.\nومن الأمثلة ما يدخل الحلويات من طيب يعرف عند أهل الشام بماء الزهر، يخلط مع نوع من الحلوى يسمّى كشك الأمراء، أو الراحة أو غيرهما من ألوان الحلويات الدمشقية أو غير الدمشقية، فهذا كله حرام أكله للمحرم إنْ كان ظاهر الطعم أو الرائحة. =","vol":"1","page":111},{"text":"وحده لم يحرم في الأصح (١). قال الإمام النووي: «ولو خفيت رائحة الطيب أو الثوب المطيب بمرور الزمان والغبار ونحوه، فإن كان بحيث لو أصابه الماء فاحت رائحته حرم استعماله، فإنْ بقي اللون فقط لم يحرم على الأصح».\nثم تابع قوله: «ولو انغمر طيبٌ في غيره كماء ورد قليل انمحق في ماء لم يحرم استعماله على الأصح. وإن بقي طعمه أو ريحه حرم. وإن بقي اللون لم يحرم على الأصح» (٢).\nأمّا شم الطيب فقط دون مس فيكره عند الشافعية والحنفية والمالكية، أي لا فداء في ذلك ولا إثم. وقال الحنبلية يحرم تعمد شمّ الطيب كالمسك والكافور ويجب فيه الفداء، لكن يجوز شمّ رائحة الفواكه الطيبة عندهم، وكل نبات صحراوي كالشِّيح والقيصوم (٣) ...\nلا بل يمكنني أن أقول: إنّ أكل الفواكه ذات الرائحة الطيبة كالتفاح والليمون والنارنج والسفرجل والبرتقال وغيرها هو جائز عند جميع الفقهاء، والله أعلم. وربما يؤيد ذلك ما رواه البخاري موقوفًا على ابن عباس قال: يَشُمُّ\n_________\n= هذا في فقه السادة الشافعية، أما في فقه السادة الحنفية فعندهم أنه إن خلط الطيب بطعام قبل طبخه ثم طبَخَه معه فلا شيء عليه، وكذا لو خلطه بطعام مطبوخ بعد طبخه، فلا شيء عليه قليلًا كان أو كثيرًا. أما إن خلطه بطعام غير مطبوخ، فإن كان الطعام أكثر فلا شيء عليه وإن وجدت الرائحة غير أنه إن وجدت الرائحة معه يكره، أما إن كان الطيب المخلوط بالطعام غير المطبوخ أكثر ففيه الدم وإن لم تظهر رائحة. انظر الحج والعمرة في الفقه الإسلامي د. نور الدين عتر، الفقرة (٣٧) صـ ٥٩.\n(١) انظر الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص ١٨٢.\n(٢) نفس المرجع والصفحة.\n(٣) الحج والعمرة في الفقه الإسلامي د. نور الدين عتر، الفقرة (٣٧) صـ ٥٨.","vol":"1","page":112},{"text":"المحرم الرَّيحان، وينظر في المرآة، ويتداوى بما يأكل الزيت والسمن» (١).\n_________\n(١) صحيح البخاري، باب الطيب عند الإحرام.","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>الفداء من اقتراف محظورات الإحرام</span>\nقال الإمام العمريطي فيما يجب فيه الفداء وما لا يجب من محظورات الإحرام:\nثم الفدا في كل ما منها وجد ... إلَّا النكاح فهو غير منعقد\nأي الفدية التي سيأتي بيان تفصيلها موجودة في كل صور المحرمات المذكورة باستثناء النكاح فلا يجب فيه فداء؛ لأن وجوده كعدمه، إذ هو غير منعقد أصلًا.\nويحرم عقد النكاح بولاية أو وكالة، وكذا قبوله أو توكيله لما رواه الشافعي (٨٢٠) أن رسول الله - ﷺ - قال: ولا يُنْكحُ المحرم ولا يُنَكّح ولا يخطب».\nقال العمريطي: في تفصيل فداء ما فيه من محظورات:\nوالظُّفْر فيه المد والظفران ... كالشعرتين فيهما مدّان\nأي الظفر الواحد إذا أزاله، أو الشعرة إذا أزالها، في كل منهما مدّ من طعام، وهو ملء حفنة منه، بينما الظفران أو الشعرتان إذا أزالهما فيهما مدّان من طعام.\nولا يجب الدم إلّا باكتمال ثلاثة أظفار يزيلها أو ثلاث شعرات، وذلك في مذهب الشافعية والحنبلية (١).\n_________\n(١) في مذهب الحنفية إذا قص أظفار يد واحدة، أو رجل واحدة فأكثر - أو خمسة أظفار متفرقة من أظفاره وجبت شاة، فإن قصّ أقلّ من ذلك وجبت صدقة. وعند المالكية إن قلم ظفرًا عبثًا أو ترفهًا لزمه صدقة حفنة من طعام، فإن فعل ذلك لإماطة الأذى أو الوسخ ففيه فدية، فإن قلّمه لكسره فلا شيء عليه إذا تأذى منه، وإلَّا اقتصر على ما كسر منه. فإن قلّم ظفرين في مجلس واحد ففدية ولو لم يقصد إماطة الأذى. انظر الحج والعمرة في الفقه الإسلامي د. نور الدين عتر صـ ١٩٦ فقرة (٩٦).","vol":"1","page":114},{"text":"قال العمريطي:\nوالنسكان مطلقًا قد أُبْطِلَا ... بالوطء إلّا وطء من تحلّلا\nوواجبٌ بالوطء هدي والقضا ... وكونه في فاسد به مضى\nأي نسكا الحج والعمرة مطلقًا قد أُبطلا بالوطء في الفرج فقط وإن لم ينزل إذا وقع في العمرة قبل الفراغ منها، وفي الحج قبل التحلل الأول، وقبل الوقوف بعرفة بالإجماع، أو بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول فيبطل عند الشافعية والجمهور خلا الحنفية سواء كان الحاج أو المعتمر رقيقًا أو صبيًا مميزًا لقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقٌ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].\nفيجب بإبطال النسك ثلاثة أشياء:\nالاستمرار في حجه الفاسد لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nثانيًا: أداء حج صحيح في العام القادم قضاء للحجة الفاسدة، حتى ولو كان نفلًا.\nثالثًا: ذبح الهدي في حجة القضاء، وهو عند الأئمة الثلاثة: لا تجزئ فيه الشاة، بل تجب بدنة أي من الجمال ذكرًا أو أنثى. وهي فتوى جماعة من الصحابة لم يعرف لهم مخالف. وقال الحنفية إذا جامع قبل الوقوف بعرفة فسد حجه، ووجب القضاء، لكن تجب فيه شاة، محتجين بما رواه أبو داود في المراسيل، ومن المعروف أن المرسل من جنس الحديث الضعيف (١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) المرسل هو الذي سقط من سلسلة رواته الصحابي الذي هو حلقة الوصل بين التابعي الذي أرسل الحديث وبين رسول الله - ﷺ -، الذي نقل عنه الحديث فلا ندري هل رواه له واحد من الصحابة وكل صحابة النبي - ﷺ - ثقات، أو رواه له تابعي آخر، وإذا جهلنا التابعي فقد جهلنا الراوي هل هو موضع ثقة أو لًا.","vol":"1","page":115},{"text":"هذا يعني أنه لا يبطل بالوطء نسك من تحلل التحلل الأخير بالرمي والحلق وطواف الإفاضة الذي أعقبه سعي أو سبقه سعي بعد طواف القدوم.\nومسألة الوطء واردة على نسك الحج، ثم قاس العلماء العمرة على الحج (١).\nقال العلامة العمريطي:\nومن يَفُتْ وقوفه تحلّلا ... بعمرة إن كان عن حصر خلا\nأو فاته ركن سواه لم يَحِلْ ... من ذلك الإحرام إلّا إن فعل\nوإن يفته واجب يرق دمًا ... أو سنة فما بشيء أُلزما\nيتناول العلامة العمريطي في البيت الأول ما يعرف عند الفقهاء بالفوات، ويعنون به في اصطلاحهم بـ (ذهاب وقت عرفة)، بحيث لم يدرك الحاج الوقوف في ذلك اليوم ضمن الوقت المجزئ لذلك.\nولا فرق بين أن يقع الفوات بعذر أو بغير عذر؛ لأن الحج عرفة، لكن مع العذر لا إثم فيه (٢).\nومن فاته الوقوف فقد فاته الحج باتفاق المذاهب الأربعة، ويتحلل بعمرة؛ لأن الإحرام بعدما انعقد صحيحًا لا سبيل للخروج منه إلّا بأداء أحد النسكين؛ ولأن في بقائه محرمًا حرجًا شديدًا يعسر احتماله سواء في ذلك حج الفريضة أو\n_________\n(١) تهذيب تحفة الحبيب في شرح نهاية التدريب صـ ٢١٥.\n(٢) انظر مغني المحتاج للعلامة محمد الخطيب الشربيني جـ ١ صـ ٥٣٨.","vol":"1","page":116},{"text":"الناقلة؛ ولأن مالك في المطوطأ روى بسند صحيح عن فتوى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - ما يفيد ذلك. قال الإمام مالك: «وعلى هذا الأمرُ عندنا فيمن أحصر بغير عدو، وقد أمر عمر بن الخطاب أبا أيوب الأنصاري، وهبّار بن الأسود حين فاتهما الحج، وأتَيا يوم النحر، أن يَحِلا بعمرة، ثم يرجعا حلالًا، ثم يحجان عامًا قابلًا ويهديان. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله» (١) ومن أدلتهم ما روي عن ابن عمر وابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قال: «من فاته عرفه بليلٍ فقد فاته الحج فليتحللْ بعمرة، وعليه الحج من قابل» (٢). ومن تحلل بعمرة للفوات وجب عليه أن يطوف ويسعى ويحلق كما يفعل في أي عُمرة أخرى لكن إن كان قد سعى بعد طواف القدوم لم يجب أن يسعى بعد طواف عمرة التحلل ولا حاجة لإعادة السعي هنا (٣).\nوفي حق القارن الذي فاته الوقوف لا يتبدل الحكم الشرعي، فيتحلل كما يتحلل المفرد بطواف وسعي وحلق أو تقصير (٤)، لكنه في هذا الصورة تكون قد\n_________\n(١) موطأ الإمام مالك، باب ما جاء فيمن أحصر بغير، برقم (١٠٨).\n(٢) رواه الدارقطني، وقد نقل أستاذنا الدكتور نور الدين عتر تضعيفه في كتابه الحج والعمرة صـ ١٦٥، لكنّ التضعيف في نظري لا يضر؛ لأن مالكًا رواه في الموطأ بسند صحيح، وهو التصحيح الذي صرح به فضيلته.\n(٣) مغني المحتاج للعلامة الشربيني صـ ١ صـ ٥٣٧.\n(٤) عند الحنفية هذه المسألة لها خصوصية؛ لأنهم يطوفون في القران طوافين وسعيين أحدهما عن الحج، والآخر عن العمرة وهو ما دعاهم إلى التفصيل حيث قالوا: إن كان الحاج القارن الذي فاته الوقوف قد طاف قبل فوات الوقوف، فهو كالمفرد يتحلل بعمرة، أما إن لم يكن قد طاف فإنه يطوف ويسعى بعد الفوات عن عمرته أولًا، ثم يطوف ويسعى عن تحلله عن الحج بعمرة وقد سقط عنه الدم، لكن عليه قضاء حجه فقط؛ لأنه بطوافه وسعيه عن عمرته أبرأ ذمته منها، وبقيت ذمته ملتزمة بقضاء الحج الذي تحلل منه. انظر الحج والعمرة .. د. عتر فقرة صـ ١٦٦.\nهذه هي صورة استثنائية لفوات العمرة؛ لأن العمرة في الأصل لا تفوت أبدًا، لأنه لا وقوف فيها؛ ولأن زمنها ممتد، وتلحق بها صورة أخرى وهي فيما لو أُحصر المعتمر بالعدوّ عن المضي في نسكه وسيأتي بيان هذا بإذن الله.","vol":"1","page":117},{"text":"فاتته العمرة كما فاته الحج؛ لأنها مندرجة فيه، وتابعة له؛ ولأن إحرامه واحد فلا يتبعّض حكمه، وبهذا وجب على الحاج أن يقضي قارنًا، وعليه أن يقدم ثلاثة دماء: أولها دم لفوات عرفة وثانيها دم للقران الفائت، وثالثها دم للقران الذي أتى به في القضاء، وهو ما نص عليه في المجموع.\nوتلزمه هذه الدماء سواء قضى مفردًا أو متمتعًا أو قارنًا.\nالعمرة التي يتحلل بها من فاته الوقوف بعرفة، لا تجزئ عن عمرة الإسلام (١) وإذا تحلل فعليه هدي كدم التمتع كما سيأتي (٢)، ثم عليه القضاء فورًا بالحج من قابل تمامًا كما لو فسد بالجماع؛ لأنه في كلٍّ لا يخلو الحال من تقصير (٣).\nهذا فيمن فاته الوقوف من آحاد الناس.\nأما لو فات الحجيج جميعهم الوقوف بعرفة للخطأ في إثبات الهلال، فوقفوا يوم العاشر من ذي الحجة فالحكم الشرعي أنه تَمّ حج الناس صحيحًا اتفاقًا بين الفقهاء. قال استأذنا الدكتور نور الدين عتر، بعد أن ساق هذا:\n_________\n(١) وقيل: تنقلب عمرة، وتجزئ عن عمرة الإسلام. انظر مغني المحتاج ... جـ ١ صـ ٥٣٧.\n(٢) عند الحنفية لا دم في مسألة الفوات مخالفين بذلك ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد الذين استدلوا بما رواه مالك في الموطأ بسند صحيح عن فتوى عمر بن الخطاب بذلك، والذي اشتهر بين الصحابة دون أن ينكر منهم أحد، حتى قال الشافعية: فكان ذلك إجماعًا، على وجوب الذبح في حجة القضاء، لكن الحنفية حملوا هذا الحديث على الاستحباب لا الوجوب. انظر المرجع السابق في الجزء صـ ٥٣٨، الحج والعمرة د. عتر صـ ١٦٦.\n(٣) مغني المحتاج جـ ١ صـ ٥٣٧.","vol":"1","page":118},{"text":"«ولو وقفوا يوم الثامن من ذي الحجة ظنًا أنه التاسع لا يصح وقوفهم، ويكون الحج قد فاتهم، ويجب على كل واحد ما يجب على فائت الحج حسبما عرفته.\nوهذا مذهب الجمهور عدا الحنبلية. وقال الحنبلية: يجزئهم الوقوف.\nوهذا كله إذا علموا بالخطأ بعد فوات الوقوف بعرفة، أما إذا علموا بالخطأ قبل الوقوف فيجب عليهم الوقوف اتفاقًا، لتمكنهم منه» (١).\nهذا فيمن فاته الوقوف بعرفة، أما فيمن فاته ركن من أركان الحج سوى الوقوف بعرفة أو فاته ركن من أركان العمرة، فإنه لا يحل، أي لا يخرج من إحرامه ذاك إلّا إن فعل الركن المتروك ولو بعد سنين وطويلة؛ لأن أركان الحج والعمرة (ما خلا الوقوف بعرفه) لا آخر لوقتها، لذلك لا يتم الخروج منها إلّا بأدائها وهو ما عبر عنه العمريطي بقوله:\nأو فاته ركن سواه لم يَحِلّ ... من ذلك الإحرام إلّا إن فَعَلْ\nأما فيمن فاته واجب من واجبات الحج المعهودة كالمبيت في منى، أو رمي الجمرات أو ... عمدًا أو سهوًا، أو جهلًا، فإنه يُريق لترك أحدها دمًا وجوبًا من شاة تجزئ في الأضحية.\nأما فيمن سنة من السنين من نحو الاضطباع في الطواف، أو ركعتين بعده، أو الهرولة بين الميلين الأخضرين في السعي بين الصفا والمروة، أو الدعاء واقفًا بارزًا للشمس مستقبلًا القبلة في أرض عرفة، أو إطالة الدعاء إلى طلوع الشمس في مزدلفة، أو غسل الحَصَيَات في رمي الجمار في منى أو .... فإنه لا يلزمه بترك\n_________\n(١) الحج والعمرة ... د. عتر فقرة ١١٩ صـ ١٦٧.","vol":"1","page":119},{"text":"السنة شيء بل يفوته فضل فعلها. وهو ما يطرد في سائر العبادات.","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>الدماء في الإحرام\n(أقسامها - خصوصيتها - ما يقوم مقامها)</span>\nقال الإمام العمريطي:\nوسائر الدماء في الإحرامِ ... محصورة في خمَسةٍ أقسام\nفالأول المرتب المقدرُ ... بترك أمر واجب ويُجبرُ\nبذبح شاة أولًا وصاما ... للعجز عنه عشرة أياما\nثلاثة في الحج في محلهِ ... وسبعةً إذا أتى لأهله\nالدماء التي تجب كفارات بأمر الله تعالى على مخالفات واقعة في فريضة الحج إلى بيت الله الحرام باجتماع وصفين أو اجتماع ما يقابلهما، أو أحد الوصفين مع ما يقابل الآخر وذلك وفق البيان التالي:\nالوصف الأول هو الترتيب، فإن قلنا الكفارة واجبة على الترتيب فنعني بذلك وجوب الدم أولًا فإن عجز الحاج عدل إلى المرتبة الثانية في هذا الترتيب وهو الصيام كما في ترك أمرٍ واجب من واجبات الحج.\nوصف الترتيب يقابله التخيير فإن قلنا الكفارة على التخيير فنعني بذلك جواز الدم وجواز الصيام وربما جواز الإطعام كما في فعل محظورات الإحرام خلا الجماع وعقد النكاح.\nفالترتيب والتخيير وصفان متقابلان.","vol":"1","page":121},{"text":"الوصف الثاني التقدير: فإن قلنا الكفارة على التقدير فنعني بهذا أن الشرع قدر البدل المعدول إليه ترتيبًا أو تخييرًا، لا نريد على ذلك ولا ننقص.\nففي المثال السابق في ترك أمرٍ واجب من واجبات الحج تقع الكفارة على الترتيب والتقدير؛ لأن الشاة قدّرها ربّ العزة، فهي تقديرية؛ ثم لأنه جعلها في المقام الأول لا تترك إلى الصيام إلّا عند العجز فهي ترتيبية.\nوصف التقدير يقابله التعديل، فإن قلنا الكفارة، على التعديل. فنعني به، أنه أمر يرجه فيه إلى تقويم العدول أصحاب الثقة والخبرة يعدّلونه ويحددون قيمته.\nمثاله الإحصار فكفارته على الترتيب والتعديل فمن أحصر، بأن منعه عدو من إتمام النسك وهو محرم وجب في حقه شاة أولًا على الترتيب لا يصار إلى غيرها إلّا بالعجز، فإن لم يستطع انتقل إلى التعديل وهو إطعام بقيمة الشاة، فهو بحاجة إلى غيره لتقويم كم تساوي الشاة؟ وكم يشتري طعامًا بثمنها ليوزعه على الفقراء.\nإذا علمت هذا بدأت معك في دراسة دماء الكفارات، وما يقوم مقامها، مبينًا أنها محصورة في خمسة أقسام:\nالقسم الأول: مثاله ما سرده لنا الإمام العمريطي في الأبيات السابقة وهو الدم المرتب المقدّر وهو الواقع كفارة على ترك الواجب من الواجبات التي سبق ذكرها (١) والتي نقلها لنا مجتمعة العلامة الشافعي إبراهيم الباجوري فيما نظمه ابن\n_________\n(١) الواجب هو ما يطلب فعله من الحاج لزومًا بحيث يحرم تركه، لكن ليس إلى الحد الذي يفسد به الحج، بل إلى الدرجة التي يكون فيها الحاج مسيئًا وآثمًا؛ لأن الشارع الحكيم أقام ذبح شاة على هذا التقصير جبرًا للنقص الحادث بهذا الترك، واستدراكًا للخلل. اللهمّ! إلّا إذا بَرَزَ باعث الترك على أرض العذر المعتبر شرعًا، وذلك كمن ترك المبيت في المزدلفة بسبب اشتغاله بالوقوف بعرفة، أو بالازدحام وقت النفرة من عرفات بحيث مضت ساعاتُ ليل مزدلفة وهولا يزال في أرض عرفة، أوفي الطريق الموصل منها إلى المزدلفة دون أن يدرك طلائع حدودها.\nومثله المبيت بمنى فيما لو تركه أصحاب الأعذار كأهل السقاية، أومن به ضعف جسدي لا يتماسك معه صاحبه فوق أرض منى، أو خوفًا من ضياع مريض لا متعهد له، أومن موت قريب في غيبته أو خوفًا على نفس أو مال أو ...\nومن الأعذار التي نص عليها الحنفية في مذهبهم خاصة ترك المشي في الطواف، وفي السعي لمرض أو كبر سن، فإنه يجوز في هذه الصورة أن يطوف ويسعى محمولًا ولا فداء عليه.","vol":"1","page":122},{"text":"المقري بقوله:\n١ - أربعةُ دماءِ حجٍ تُحصر ... أولها المرتّبُ المقدْرُ\n٢ - تمتعٌ فوتٌ وحجٌ قُرِنَا ... وتركُ رمي والمبيتُ بمنى\n٣ - وتركه الميقات والمزدلفهْ ... أو لم يودّعْ، أو كمشي أخْلَفَهْ\n٤ - ناذرهُ يصوم إنْ دمًا فَقدْ ... ثلاثةً فيه، وسبعًا في البلدْ (١).\nهذا الدم قدره الشارع في محكم التنزيل، وأنزله منزلة الترتيب، وهو أولًا\n_________\n(١) هذا النظم حسن ينبغي لكل طالب علم أن يحفظه كما نصح بذلك العلامة الباجوري، لذلك أُثبته هنا بتمامه، مبتدئًا حيث انتهيتُ في الأعلى، والله الموفق:\n٥ - والثاني ترتيب وتعديلٌ وردْ ... في محصرٍ ووطءِ حجٍ إنْ فسدْ.\n٦ - إنْ لم يجْد قَوّمه ثم اشترى ... به طعامًا طعمةً للفقرا.\n٧ - ثم لعجزٍ عدْلُ ذاك صوما ... أعني به عن كل مدّ يوما.\n٨ - والثالث التخيير والتعديل في ... صيدٍ وأشجارٍ بلا تكلُّفِ.\n٩ - إن شئت فاذبحْ أو فعدّل مثل ما ... عدّلت في قيمةِ ما تقدّما.\n١٠ - وخيّرَنْ وقدّرَنْ في الرابع ... إن شئت فاذبح أو فَجُدْ بآصعِ.\n١١ - للشخص نصفٌ أو فُصُمْ ثلاثا ... نجتثُّ ما اجتَثَثْته اجتثاثا.\n١٢ - في الحلقِ والقَلْمِ ولبسِ دُهْنِ ... طيبٍ وتقبيلٍ ووطءٍ ثني\n١٣ - أوبين تحلُّل ذوي إحرام ... هذي دماء الحج بالتمام\n١٤ - والحمد لله وصلّى ربنا ... على خيار خَلْقه نبيّنا","vol":"1","page":123},{"text":"ذبح شاة مجزئة في الأُضحية بأن تكون جذعة ضأن لها سنة، أو أسقطت مقدّم أسنانها بعد ستة أشهر من تاريخ ولادتها، أوثنية معزلها سنتان، بشرط عدم العيب فيهما.\nفيجزئ شاة عن واحد أو بدنة أو بقرة عن سبعة دماء، بأن يكون نصيب الواحد منها سُبْعُ بدنة، أو سُبْعُ بقرة.\nهذا هو الواجب في المقام الأول، فإن لم يجد الحاج الشاة أو ما يقوم مقامها أو وجده بزيادة على ثمن المثل، أولم يجد الثمن الكافي لذلك الواجب انتقل إلى المرتبة الثانية في هذا الترتيب، وهي صيام عشرة أيام بدلها وجوبًا، منها ثلاثة أيام في الحج في محله أي محل إقامته، ومنها سبعة أيام يصومها إذا رجع إلى أهله، إن أراد الرجوع إليهم، لذلك لم يجز له صيامها في الطريق لنص الآية، لكن إن نوى الإقامة بمكة، واستنكف عن الرجوع إلى قومه وعشيرته صام في أرض الحرم السبعة الباقية في ذمته (١)، ويندب في صيام الثلاثة الأُوَّل، وفي السبعة الأُخر التتابع؛ لأن فيه مبادرة إلى قضاء الواجب، وخروجًا من خلاف من أوجبه.\nدليل ما ذكرت من بيان القرآن الكريم ومن صحيح السنة النبوية المشرّفة.\nفأما الكتاب العزيز ففي قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الآية: ١٩٦].\n_________\n(١) لو لم يصم الثلاثة في الحج ورجع إلى أهله لزمه صوم العشرة وفرَّق بين الثلاثة والسبعة بأربعة أيام وبمدة إمكان السير إلى الوطن.","vol":"1","page":124},{"text":"وأما صحيح السنة المشرفة ففي الحديث الذي اتفق على روايته الشيخان، وفيه قال رسول الله - ﷺ - للناس: «... مَن كان منكم أهْدى فإنه لا يَحِلُّ من شيْ حَرُم منه حتى يقضي حجّه، ومَنْ لم يكن منكم أهدى فليطُفْ بالبيت وبالصفا والمروة وليقصِّرْ وليُحَلِّلْ ثم ليهُلَّ بالحج ولْيُهْدِ (١)، فمن لم يجد هديًا فليصُمْ ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ...» (٢).\nوكما رأيت من نظم العلامة ابن المقري فأول دم مرتب مقدّر يقع على نسك التمتع بنصّ الآية الكريمة: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، علة بذلك أنه دم واجب بترك نسك، هذا النسك هو ترك المتمتع الإحرام من ميقات بلده؛ لأنه يحرم بالحج من مكة، ولو أفرد لأحرم من ميقات بلده، فلزمه على ترك هذا الواجب دم.\nومثله دم القران؛ لأنّ القارن، وهو الذي قرن في إحرامه بين الحج والعمرة معًا، إنما ترك بقرانه الإحرام بالعمرة من ميقاتها وهو أدنى الحل لمن كان بمكة، إذ لكل من الحج والعمرة ميقات زماني ومكاني، خاص بهذين النسكين قد يجتمعان، وقد يفترقان والقارن أحرم من ميقات واحد بدل أن يحرم من ميقاتين، تاركًا إحرام العمرة من ميقاتها بعد انقضاء النسك فلزمه ترك هذا الواجب دم.\nالدم الثالث الواجب تحت هذا العنوان هو دم الفوات، وقد وجب على الحاج بسبب تركه الوقوف بعرفة التي فاتته لسببٍ ما.\n_________\n(١) أي ليذبح شاة بسبب تمتعه كما سيأتي بيانه.\n(٢) صحيح مسلم (١٢٢٧/ ١٧٤).","vol":"1","page":125},{"text":"الدماء الباقية سببها ترك واجب من الواجبات كالرمي والمبيت بمنى والمبيت بالمزدلفة وطواف الوداع، فذلك ظاهر كما ترى (١).\nوبالنسبة لدم التمتع والقران فإنه يجوز أن يقدم ذبح شاة على أحد سببيها؛ لأنها عبادة مالية، والسبب الأول هنا هو تقديم العمرة على الحج، والسبب الثاني هو الإحرام بالحج.\nأما الصوم فهو عبادة بدنية، والعبادة البدنية لا يجوز تقديمها على أحد سببيها، لا بل يجب تأخيرها عن سببيها معًا، لذلك إن فقد الشاة أو ثمنها وانتقل إلى الصوم وجب عليه صوم الأيام الثلاثة الأولى بعد وقوع السبب الثاني وهو الإحرام أي يصومها في حال الإحرام، قبل يوم النحر، فإن أخرها عنه عصى ووجب عليه قضاؤها فورًا بعد يوم النحر وأيام التشريق ولا يجوز صومها في أيام التشريق في الجديد.\nوالتتابع الذي قلنا إنه يندب في الأيام الثلاثة في الحج قد يتحول إلى واجب كما لو ضاق الوقت بإحرامه في سادس ذي الحجة (٢)، ففي هذه الصورة يلزمه التتابع لضيق الوقت لا لذات التتابع حيث قلنا لا يجوز تأخير الصيام عن يوم النحر.\n* * *\n_________\n(١) حاشية الباجوري جـ ١ ص ٤٨٩ - ٤٩٠.\n(٢) إن أحرم في السادس من ذي الحجة صام في السابع والثامن والتاسع لزومًا مع مراعاة أنه يسن فطر يوم عرفة وترك صيامه، لذلك قال الفقهاء يسن لصاحب هذه الكفارة أن يحرم قبل يوم عرفة بزمن يسعها بأن يحرم قبل السادس من ذي الحجة ثم يصوم السادس ويصوم اليومين التاليين له دون أن يمس يوم عرفة بصيام.","vol":"1","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>دم التخيير والتقدير</span>\nقال الإمام العمريطي:\nثاني الدما مخيَّرٌ مقدّرُ ... بنحو حَلْقٍ من أُمورٍ تُحظرُ\nفالشاةُ أو ثلاثةٌ أيّامُ ... يصومها أو آصعٌ طعامُ\nلستةٍ هَمْ من مساكينِ الحرمْ ... لكلِّ شخصٍ نصف صاع منه ثَمّ\nالدم الثاني هو الذي يطلقون عليه الدم المخيَّر المقدَّر، وهو دم تضرب كفارته على ثمانية أفراد تدخل جميعها في دائرة الترفه والاستمتاع بما حرمه ربنا زمن الإحرام وهي بالتعداد:\n١ - دم الحلق بإزالة ثلاث شعرات فأكثر. وتجب الفدية في ذلك ولو كان ناسيًا للإحرام، أو جاهلًا بالحرمة.\n٢ - دم قَلْم الأظفار لثلاثة أظفار فأكثر.\nوفي هذين يشترط اتحاد الزمان والمكان (١).\n٣ - دم اللبس لما حرمه الله على المحرم من المحيط المحيط.\n٤ - دم الدهن للزيت في شعر الرأس أو اللحية.\n٥ - دم التطيب أي للاستمتاع بالطيب في الفراش واللباس والبدن.\n٦ - دم الجماع الثاني الذي جرى بعد أن أفسد الحج بالجماع الأول.\n_________\n(١) تهذيب تحفة الحبيب في شرح نهاية التدريب للعلامة الفشني صـ ٢١٨.","vol":"1","page":127},{"text":"٧ - دم الجماع بين التحللين، حيث لا يفسد الحج بالجماع بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني، لكن يجب في هذا الدم.\n٨ - دم المباشرة أي باشر زوجه بشهوة فيما دون الجماع فيلزم عليه دم تخيير وتقدير (١).\nالتخيير الواقع في هذه الكفارة يجري بين ذبح شاة تجب، أو صيام ثلاثة أيام تلزم (٢)، أو ثلاثة آصع من طعام يتصدق بها على ستة من مساكين الحرم (٣) لكل شخص منها نصف صاع، فلا يجوز أن تنقص حصة المسكين عن هذا المقدار، مع مراعاة أنه لا يوجد في الشرع كفارة يزيد عطاء المسكين فيها عن مدّ غير هذه.\nدليل هذه الكفارة التخييرية من كتاب الله قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nودليلها من سنة رسول الله - ﷺ - ما رواه الشيخان عن كعب بن عُجْرَة قال: أتى عليَّ رسول الله - ﷺ - زمن الحديبية، وأنا أُوْقدُ تحت قِدر لي، والقمل يتناثر على وجهي فقال: أيؤذيك هوامُّ رأسك؟ قال: قلتُ: نعم، قال: فاحلق وصُمْ ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أوانسُكْ نسيكةً. قال أيوب: فلا أدري بأيّ ذلك بدأ» (٤).\n_________\n(١) أذكر هنا أنه لو جامع بعد المباشرة فإن فدية دم المباشرة لا يطالب بها، لأنها الأضعف وقد دخلت في حلقة الأقوى وهو فدية الجماع وهي البدنة، فأغنت الأخرى عنها.\n(٢) ولو متفرقة.\n(٣) المسكين هنا نعني به الفقير، والعكس صحيح.\n(٤) صحيح مسلم (١٢٠١/ ٨٠).","vol":"1","page":128},{"text":"وفي رواية، قال كعب بن عُجْرَة - ﵁ -: فِيَّ نزلتْ هذه الآية: فمن كان منكم مريضًا ...» (١).\nوفي رواية: فاحلقْ رأسك، أو أطعَمْ فَرَقًا بين ستة مساكين. «والفَرَقُ ثلاثة آصُع ...» (٢).\nوفي رواية: أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين (٣).\nوفي رواية: أو إطعام ستة مساكين نصفَ صاع لكل مسكين. قال: فنزلت فيَّ خاصة وهي لكم عامة (٤).\nهذا ويمكنك أن تعود إلى أبيات ابن المقري من العاشر منها إلى الثالث عشر لتدارس بها ما سبق بيانه.\n* * *\n_________\n(١) صحيح مسلم (١٢٠١/ ٨١).\n(٢) صحيح مسلم (١٢٠١/ ٨٣).\n(٣) صحيح مسلم (١٢٠١/ ٨٤).\n(٤) صحيح مسلم (١٢٠١/ ٨٥).","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>دم التخيير والتعديل</span>\nقال الإمام العمريطي:\nثالثها مخيَّرٌ معدلَ ... بقطعِ نَبْتٍ أو بصيدٍ يُقْتَلُ\nفإنْ يكن للصيد مِثْلٌ في النَّعَمْ ... فلْيذبحِ المثلَ ابتداءً في الحرمْ\nأو يشتري لأهل ذلك الحرمْ ... حبًّا بقَدْر ماله من القِيَمْ\nأو يعدلُ الأمداد منه صَوْمَا ... يصومه عن كلِّ مدٍّ يوما\nوخيّروا في الصوم والإطعام في ... إتلاف صيدٍ حيث مثلهُ نُفِيْ\nالدم الثالث يسمونه مخيّرًا معدّلًا:\nهذا النوع من الدماء يقع على أمرين اثنين:\nالأول: نباتات الحرم وأشجاره وحشيشه الرطب الذي ليس مملوكًا لأحد، وليس مما يستنبته الناس.\nالثاني: صيد مأكول بري وحشي، أو صيد ما أحدُ أصليه ذلك.\nوالصيد ضربان: الضرب الأول هو الذي نطلق عليه اسم المثليّ، وهو الذي له مِثْلٌ من النَّعَمِ يشبهه في الخلقة والصورة تقريبًا (١). والنَّعَمُ كما تعلم هي الإبل والبقر والغنم.\n_________\n(١) ولا يشترط التطابق بينهما وإلَّا فأين النعامة من البدنة.","vol":"1","page":130},{"text":"في هذه المسألة ننظر: إن كان للحيوان المصيد نقلٌ ثابت عن رسول الله - ﷺ - أو عن السلف الصالح في شيء يشبه هذا الذي نتحدث عنه، حكمنا به في الحال.\nومن هذا الضرب النعامة ففي صيدها بدنة من الإبل.\nومنه الواحدة من بقر الوحش ففيها بقرةٌ من النعم، ومثله حمار الوحش.\nومنه الغزال (وهو ولد الظبية الذي لم يطلع قرناه) في فداء صيده معز صغير، ففي ذكر الغزال جديٌ، وفي أُنثاه عَنَاق (١).\nفإن طلع قرنا الغزال - أي صار كبيرًا - سمّيَ الذكَرُ ظَبْيًا، والأنثى ظبْيَة ففي الظبيّ تَيْسٌ، وفي الظبية عنز، وهي أُنثى المعز التي تم لها سنة.\nومنه الأرنب وفيه عَنَاق.\nومنه اليَرْبوع وفيه جَفْرَة.\nومنه الضبع وفيه كبش.\nومنه الثعلب وفيه شاة (٢).\nفالصيد المثليُّ جزاء قاتل المصيد فيه على التخيير والتعديل بين أشياء ثلاثة:\nالاختيار الأول: أن يذبح الجاني المثل المشابه (٣) من النَّعَمِ في مكة، ويتصدّق\n_________\n(١) العَنَاق: الأنثى من المعز إذا قويت ما لم تبلغ سنة، وهي ما فوق الجَفْرَة والجمع أعنُق وعُنُوق. والجفرة هي الأنثى من المعز إذا بلغت أربعة أشهر، والذكر يسمى جفْرًا. ثم الجدي من ولد المعز يقال للثلاثة منه أجدٍ، فإذا كثرت قيل: جداء، ولا يقال: جَدَايا ولا جِدَى. انظر القاموس المحيط للفيروزآبادي.\n(٢) انظر في توثيق هذا وضبطه حاشية العلامة الباجوري جـ ١ صـ ٤٩٥ - ٤٩٦.\n(٣) المماثلة هي في الخلقة والصورة، وذلك على سبيل التقريب - كما أوضحت لك - لهذا يلزم في الكبير كبير، وفي الصغير صغير، وفي الذكر ذكر، وفي الأنثى أنثى، وفي الحامل حامل مثله، وفي الصحيح صحيح مثله، وفي المعيب معيب مثله إن اتحد الجنس، وفي السمين سمين، وفي الهزيل هزيل.\nلكن لوفدى المريض بالصحيح، أو المعيب بالسليم، أو الهزيل بالسمين لكان أفضل.\nمثال توضيحي: اصطاد نعامة فالجزاء على جنايتها أن يذبح بدنة.\nفإن كانت النعامة كبيرة لزم أن تكون البدنة كبيرة أيضًا، وإن كانت صغيرة فالواجب أن تجاريها في الصغر.\nوإن كانت النعامة ذكرًا طولب من الصائد أن يذبح جملًا من البُدن، وإن كانت أنثى فالمطلوب ناقة.\nوإن كانت النعامة حاملًا فالجزاء عليها ناقة حامل وهكذا.\nكل هذا فهمه العلماء من قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فالآية اشترطت التماثل، وكل ما ذكر يدخل في معناه. لكن قال مالك في الصيد الصغير إنه يجب فيه كبير لقوله تعالى:\n﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، والصغير لا يكون هديًا، لأنه يجزئ في الهدي ما يجزئ في الأضحية. انظر حاشية العلامة إبراهيم الباجوري جـ ١ صـ ٤٩٥، والحج والعمرة في الفقه الإسلامي د. نور الدين عتر صـ ١٤٤ الفقرة (٩٩).","vol":"1","page":131},{"text":"به على مساكين الحرم (١).\nتوضيح ذلك لو اصطاد نعامة، فإن جزاء قتلها أن يذبح بدنة من الإبل في حدود حرم مكة الشريف بامتداداته إلى ما قبل الحلّ بأدنى شيء، فيتصدق بلحم تلك البدنة على المساكين هناك جزاء ما اقترفت يداه من قتل النعامة، وعلى تخويفه ما أمَّنه رب البيت في حرمه الآمن، ولا يجزئه فعل ذلك في الحل.\nهذا ما عبر عنه الإمام العمريطي بقوله:\nفإن يكن للصيد مثْلٌ في النَّعَمْ ... فليذبح المثلَ ابتداءً في الحرمْ\nالاختيار الثاني: أن يقوِّمَ المثل دراهم يشتري بها طعامًا مجزئًا في الفطرة (٢)،\n_________\n(١) المساكين تشمل غير القاطنين من المحتاجين. لا بل نص العلامة الباجوري في حاشيته جـ ١ صـ ٤٩٧ على أنه إذا علم أنّ غير القاطنين أحوج كان إعطاؤهم أفضل. أقول: وبهذا يندفع ما قد يتوهمه بعض الناس من الحرج عن تقديم لحوم كفاراتهم أو صدقاتهم إلى حجاج آخرين أعوزتهم الحاجة، وأقعدتهم عن السؤال عزة النفس.\n(٢) الطعام المجزئ في الفطرة هو صاع من غالب قوت البلد، فإن كان في البلد أقوات غلب بعضها على بعض وجب الإخراج من القوت الغالب. ويجزئ القوت الأعلى عن القوت الأدنى؛ لأنه زاد به خيرًا، والأقوات من الأعلى إلى الأدنى حسب الترتيب: البر ثم السُّلْت ثم الشعير ثم الذرة ثم الحِمَّص ثم الماش ثم العدس ثم الفول ثم التمر ثم الزبيب ثم الأَقِط ثم اللبن ثم الجبن غير منزوع الزبد، ثم أجزاء كل من هذه لمن هوقوته. انظر حاشية الباجوري جـ ١ صـ ٤١٧.\nوفي تقديري والله أعلم مراعاة لعرف هذا الزمان أن البر والرز على رأس هذه القائمة اليوم، وأنه أحيانًا يتغلب الرز على البر في عامة الوجبات الرئيسية، فقد صار هو الغالب والأقوى، والله أعلم.\nوفي ضبط وشرح غريب الألفاظ أقول: في اللغة:\nالسُّلْت: بوزن القُفل ضرب من الشعير ليس له قشر كأنه الحنطة.\nوالحِمَّص حب معروف. الاحتيار فتح الميم، وقال المبرّد بكسرها.\nوالماش: جاء في القاموس المحيط أنه حبّ معتدل.\nوالأقِط بوزن كَتِف معروف، وربما جاء في الشعر (إِقْط) بوزن سِقْط.","vol":"1","page":132},{"text":"ويتصدق بالطعام على مساكين الحرم.\nالتقويم هو المعنيُّ بالتعديل؛ لأنّ قاتل الصيد، إن اختار الإطعام، لزمه أن يقدّر ثمن البدنة (وفق المثال السابق حيث اصطاد نعامة)، ثم يخرج الثمن الذي قوّم به تلك البدنة من ماله ثم يشتري به طعامًا يوزعه على مساكين الديار المباركة (١).\nهذا ما عناه العمريطي بقوله:\nأو يشتري لأهل ذلك الحرمْ ... حبًّا بقَدْر ماله من القِيَمْ\nالاختيار الثالث: إن شاء الجاني قدّر الطعام الذي سيشتريه بما يساويه من الأمداد وصام عن كلّ مد يومًا.\n_________\n(١) لم يُجز الشرع أن يتصدّق بالدراهم؛ لأن الواجب أن يقوّمَ المثل بالدراهم، ثم يشتري بالدراهم طعامًا يوزعه لا أن يوزع الدراهم على المساكين.","vol":"1","page":133},{"text":"والصوم لا يخص مكة المكرمة، وإنما يجوز في سائر البلاد.\nالعمريطي أوضح ما يرمي إليه هذا الاختيار بقوله:\nأو يَعدلُ الأمدادَ منه صوما ... يصومه عن كلِّ مدٍّ يوما\nلكن خيار الصيام قد تواجهه عقبة في طريقه؛ لأن صيام اليوم الكامل يقع في مقابل المد بتمامه، فكيف نفعل إذا فضل عن الأمداد بعض مدّ؟ فهل نصوم بعض يوم؟\nالفقهاء يقولون: إن الصيام لا يتبعض، لذلك يصوم عن بعض المد (أي المد المنكسر) يومًا كاملًا (١).\nومن المسائل الهامة أنه لوحكم عدلان خبيران فقيهان فطنان، بأن هذا الصيد له مثْلٌ يشبهه، لكن حكم عدلان آخران أنه لا مثل له، فالتكييف الفقهي أنّ له مثلًا، وهو ما جزم به في الروضة؛ لأن الخبيرين الأوّلين أدركا من الشبه ما خفي على الآخرين فقُدِّما في الفتوى على القائلين بأنْ لا مثل له.\nولوحكم خبيران بأن هذا الصيد له مثل شبيه به، وحكم آخران بأن له مثلًا شبيهًا آخر، ففي هذه الحالة يتخير الجاني بين هذا المثل أو ذاك، أي بين قولي الخبيرين هذين أو ذينك (٢).\n_________\n(١) العبرة في التعديل هي بتقويم عدلين من أهل الحرم. ثم العبرة بالتقويم بقيمة المثل في مكة يوم الإخراج لا يوم الجناية. ثم المراد بمكة جميع الحرم إلى حدود الحل؛ لأنه محلّ ذبحه، ولا عبرة بموضع إتلاف الصيد، إذ لا يشترط تخصيص هذا المكان دون سواه. ثم العبرة بالتقويم أيضًا زمن الإخراج أي إخراج ثمن المثل وليس بقيمة الشيء زمن الإتلاف.\n(٢) الباجوري جـ ١ صـ ٤٩٧ «والحج والعمرة» .. د. عتر صـ ١٤٤.","vol":"1","page":134},{"text":"الضرب الثاني من الصيد ما لا مثل له يشبهه من النعم، وهو نوعان: أحدهما: ما فيه نقل عن الني - ﷺ - والسلف الصالح، وهو الحمام (١) ونحوه كاليمام (٢) والقُمْريِّ (٣) والفواخت (٤)، وكل مطوّق (٥).\nففي الواحدة (٦) من الحمام شاة من ضأن أو معز.\nهذا الوجه يتخير فيه الصائد الجاني كسابعه بين واحد من أمور ثلاثة:\nفإن شاء ذبح الشاة.\nوإن شاء قوّم الشاة بالدراهم، واشترى بثمنها طعامًا، وقسمه على مساكين الحرم.\nوإن شاء قدّر ثمن الشاة بما يعدله من أمداد الطعام، ثم قام بحساب ذلك وعدِّهِ، ثم صام عن كلِّ مدّ يومًا.\nأي إنّ ما ورد فيه نقل عن سلف هذه الأمة له حكم ما له مثله يشبهه.\nمثل ذلك: الحمام الذي ورد في واحده شاة جزاء على صيده، فهذا يحمل\n_________\n(١) الحمام هو كل ما عبَّ وهدر. ومعنى عبَّ أي شرب الماء جَرْعًا لا مصًّا. ومعنى هدر أي غرّد.\n(٢) اليمام يدخل في تعريف الحمام، لكنه يختص بالحمام الوحشي منه كما في القاموس المحيط.\n(٣) القُمْريُّ يدخل في تعريف الحمام أيضًا، ومثله: القَطَا. والقُمْري نسبة إلى طير اسمه قُمْر بوزن حُمْر، يجمع على أقْمُرْ، والأنثى قُمريّة، وهو أبيض اللون.\n(٤) الفواخت جمع فاخت، والأنثى فاختة، وهو طائر يشمله حد الحمام، لكنه ليس مما يألف البيوت، لذلك لا يقال: إن العلة في أنّ واحد الحمام فيه شاة؛ لأنه مما يألف البيوت؛ لأن الفواخت ليست كذلك، مع أنها مشمولة بحكم هذه المسألة، لذلك الصحيح أن نقول: إنّ النقل في سلف هذه الأمة إنما بلغهم عن المعصوم - ﷺ -.\n(٥) الحمام في تعريفهم هو كل ذات طَوْق، أو ما يعبرون عنه بـ «ذوات الأطواق»، ويدخل فيه كل ما سبق ذكره؛ لأن الحمامة مما يوضع في عنقها طوق عادة.\n(٦) الحمام واحده حمامة، وتقع على المذكر والمؤنث، لذلك فإنّ الهاء فيها ليست للتأنيث، بل للإفراد.","vol":"1","page":135},{"text":"حكم الثعلب الذي تشبهه الشاة وتجب جزاء على قتله.\nالحكم الفقهي في الصورتين واحد، وهو إمّا اختيار الذبح، أو تقويم الشاة بالدراهم، ويشتري بثمنها طعامًا يوزعه، أو يصوم أيامًا بعدد الأمداد التي تعدل ثمن الشاة.\nثانيهما: ما لا نقل فيه عن النبي - ﷺ -، وجمهور صحابته الكرام، من نحو الجراد، والعصافير، وما كان على شاكلتها سوى الحمام (١).\nهذا النوع من الصيد يحكم فيه أصحاب الخبرة، ثم أقل عدد يقبل في المسألة اثنان ذوا عدلٍ من أهل مكة عملًا بقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥].\nولما كانت القضية في خصوص تقويم صيد الحرم اشترط أن تكون خبرتهما فيه نصًا، لذلك قالوا: من أهل مكة.\nالخبيران يقوّمان الصيد، لأجل أن يُخرج الجاني بقيمته طعامًا يتصدق به على أهل الحرم، وهذا هو الاختيار الأول.\nأو يقوّمان الصيد، ليعمد الجاني بالثمن المرصود إلى تقدير الأمداد التي يمكنه شراؤها به، ليباشر بعد هذا التعديل إلى الصيام عن كل مدٍّ منها يومًا، وبهذا يكتمل اختياره الثاني.\n_________\n(١) لا عبرة بين أن يكون الطائر أكبر جثة من الحمام أم لا؛ لأن الحمام في واحده شاة وما سواه من سائر الطيور ليس فيه ذلك، بل المرجع إلى تعديل الخبراء المقوّمين لقيمته، وعليه فإن البطة والأوزة تجب فيها القيمة إذْ لا مثل لها.","vol":"1","page":136},{"text":"وليس ثمة اختيار ثالث هنا؛ لأن الصيد الذي نتناوله في هذه الفقرة لا شبيه له وبذلك يسقط اختيار ذبح المثيل لعدم وجوده.\nالدليل على ما نقول فتوى الصحابة رضوان الله عليهم في مسألة الجراد، حين خيّروا المستفتي بين القيمة والصيام.\nإن الجراد هو من المخلوقات التي مدّ لها ربنا رواق الطمأنينة في ربوع بيته الحرام؛ لأنها مما يؤكل، وكذلك هي مما لا يؤذي، فلا تدخل بحال في علة الفواسق التي استثناها المولى ﷿ من صكّ الأمان هذا.\nوإلى جانب هذا الضمان فإنّ الجراد مما لا مثل له، لذلك حكموا بناء على اجتماع الوصفين بالقيمة، وهي التي يرجع فيها إلى قول عدلين فقيهين فطنين كما أشرت.\nقال أستاذنا الدكتور نور الدين عتر - حفظه الله ـ: واتفق الجمهور على أنَّ في الجرادة صدقة تمر (١).\n• • •\nومن المسائل الهامة التي يمكنني تدوينها أن جناية الحلال على صيد الحرم لا تختلف عن جناية المحرم، قياسًا للأول على الثاني وذلك في مذاهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد (٢).\nولما كانت هذه الأبيات تتناول إتلاف الصيد، وإتلاف شجر الحرم أو\n_________\n(١) الحج والعمرة في الفقه الإسلامي د. عتر فقرة (٩٩) ... ص ١٤٥.\n(٢) وفي مذهب الحنفية يفترقان، فما ذكر هو في المحرم أما الحلال فلم ينقاسْ عندهم على المحرم فإن ذبح الحلال صيد الحرم وجب عليه قيمته في مذهبهم، أن يتصدق بها، ولا يجوز الصوم في هذه المسألة في اجتهادهم؛ لأن الواجب هو الضمان بقتله، والصوم لا يصلح ضمانًا. انظر المرجع السابق فقرة (١٠١) صـ ١٤٧.","vol":"1","page":137},{"text":"حشيشه مما ليس مملوكًا لأحد، ولم يستنبته الناس، فقد صار لزامًا عليّ أن أتعرَّض للثاني وهو إتلاف النبات بهذا الوصف:\nالحق أن الشافعية والحنبلية في الأصح من مذهبهم قالوا بوجوب الضمان من النعم في إتلاف شيء منه وفق ما يلي: قالوا: في الشجرة الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة شاة، أما الحشيش الرطب فضمانه بالقيمة إن لم يُخلف، فإن أخلف فلا ضمان (١).\nالمسألة الأخيرة في هذا البيان هي فيما لو أصاب المحرم الصيد بضرر ولم يقتله، حينئذ وجب عليه الجزاء بما يتناسب مع الإصابة.\nفإن كان الصيد مثليًا وجب عليه بمقدار النقص من مثله من النعم، لا بمقدار النقص من قيمة النعم.\nمثال توضيحي: لو جرح ظبيًا، واندمل جرحه بلا إزمان (٢)، فنقص عشر قيمته فعليه عشر شاة لا عشر قيمتها تحقيقًا للماثلة.\nأما إن لم يكن الصيد مثليًا فيضمن القيمة بمقدار ما نقص من الصيد بسبب الضرر النازل به.\n_________\n(١) عند الحنفية مطلقًا يضمن القاطع القيمة، فقالوا: لا مدخل للصوم في هذا الجزاء أيضًا؛ لأنه ضمان متلف.\nوعند مالك: يأثم المعتدي على الشجر والحشيش الرطب بلا ضمان، بل يستغفر الله تعالى؛ لأنّ الضمان قدر زائد على التحريم يحتاج لدليل. أما الشافعية فمذهبهم الضمان كما أشرت إليه، والمضمون هنا على التخيير والتعديل كما في الصيد. والدليل ما نقله العلامة الشربيني عمّا رواه الإمام الشافعي عن الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير من أنّ الشجرة الحرميّة الكبيرة فيها بقرة. قال الشربيني بعد أن ساق هذا: ومثله لا يقال إلّا بتوقيف. كما روى الشافعي في الشجرة الصغيرة شاة. انظر نفس المرجع والفقرة للدكتور نور الدين عتر صـ ١٤٨ ومغني المحتاج للعلامة محمد الخطيب الشربيني جـ ١ صـ ٥٢٧.\n(٢) بلا عاهة، وهو ما يطلق عليه أيضًا الزَّمانة ..","vol":"1","page":138},{"text":"أما إذا أحدث به عاهة مستديمة وهو ما يعبرون عنه بقولهم: لو أزمن الصيد فيلزمه جزاء كامل (١).\nأضاف أستاذنا الدكتور نور الدين عتر - حفظه الله ـ: أما إذا أصابه إصابة أزالت امتناعه عمن يريد أخذه وجب الجزاء كاملًا عند الحنفية، وأحد القولين عند الشافعية؛ لأنه فوّت عليه الأمن بهذا، وفي قول عند الشافعية يضمن النقص فقط.\nثم قال: هذا ويجب بسبب حلب الصيد وكسر بيضه قيمة كل من اللبن والبيض» (٢).\nقال الإمام العمريطي:\nرابعها مرتَّبٌ معدَّلُ ... فواجبُ بالحصر حيث يحصلُ\nدمٌ، فإنْ لم يستطع فليُطعِمِ ... قوتًا يرى بقدر قيمة الدم\nوصام عند العجز عن إطعامِ ... ما يعدلُ الأمداد من أيام\nالإحصار في فقه الحج أن يمنعه العدوّ عن المضيِّ في الحج من كل الطرق (٣).\nوالإحصار في اللغة من الحصر وهو المنع ومنه قوله تعلى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، أي منعوا.\nلكن الأشهر أن يقال: حصره العدو، بغير همز، وأحصره المرض، أي\n_________\n(١) انظر مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للعلامة محمد الخطيب الشربيني جـ ١ صـ ٥٢٧.\n(٢) انظر الحج والعمرة .. د. عتر فقرة (١٠٠) صـ ١٤٧.\n(٣) الحاشية للعلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح للنووي، فصل في الإحصار صـ ٥٤٦.","vol":"1","page":139},{"text":"بهمز، إلّا أن المهموز يستعمل في العدوّ والمرض معًا بدليل استعمال الإمام النووي له في هذا البحث (١).\nوالإحصار في اصطلاح الفقهاء خاص بمنع العدو؛ لأن الأصل فيه الحادثة الشهيرة التي جرت مع رسول الله - ﷺ - في السنة السادسة للهجرة، في ميقات الحديبية، حال كفار قريش دون وصول المسلمين إلى البيت، فنحر رسول الله - ﷺ - بُدْنه وحلق رأسه، وهي الحادثة المشهورة التي توسعت لك بها في موطنه من كتاب «الركن الخامس»، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ شَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ .. [البقرة: ١٩٦]\nويؤيده ما ذهب إليه ابن عباس وابن عمر وأنس من أنه في العدو خاصة (٢). قال الإمام ابن العربي من فقهاء المالكية: وهو اختيار علمائنا (٣).\nومن خلال هذه القصة النبوية الشريفة يتبين لك أن الإحصار يقع في الحج، ويقع في العمرة أيضًا؛ لأنّ الحادثة وردت في العمرة، والآية نزلت في كليهما.\nفمذهب مالك والشافعي وأحمد أن الإحصار لا يكون إلّا بالعدو أو الفتنة أو الحبس ظلمًا، مستدلين بقوله تعالى في الآية السابقة: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ .. [البقرة: ١٩٦]؛ لأن الأمن يكون من\n_________\n(١) انظر نفس المرجع والفصل والصفحة، والجامع لأحكام القرآن الشهير تفسير القرطبي جـ ٢ ص ٣٧٠، وفي القاموس المحيط الحصرُ كالإحصار ثم قال: وأحصره المرض أو البول جعله يحصر نفسه.\n(٢) صحيح البخاري، باب النحر قبل الحلق في الحصر، برقم (١٨١١).\n(٣) انظر «الجامع لأحكام القرآن» الشهير بتفسير القرطبي جـ ٢ صـ ٣٧٠.","vol":"1","page":140},{"text":"العدوّ؛ ولأن البيان الإلهي قال: أمنتم ولم يقل برأتم (١)، أي من المرض، مما يدل على أن المرض لا يدخل في الإحصار، وسيأتي (٢).\nكما استدلوا بما رواه البخاري عن نافع أن عبد الله بن عمر ﵄ قال حين خرج إلى مكة معتمرًا في الفتنة (٣): «إنْ صُدِدْتُ عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله - ﷺ -، فأهلَّ بعمرة من أجل أن النبي - ﷺ - كان أهلَّ بعمرة عام الحديبية. ثم إنّ عبد الله بن عمر نظر في أمره فقال: ما أمرهما إلّا واحد. فالتفت إلى أصحابه فقال: ما أمرهما إلّا واحد. أشهدكم أني قد أجبت الحج مع العمرة. ثم طاف لهما طوافًا واحدًا (٤). ورأى أن ذلك مجزئ عنه، وأهدى» (٥).\nوكما ترى فإن الفتنة كانت بين المسلمين، وابن عمر خشي من الحَجَّاج أن يقف مانعًا في وجهه، وهو الذي حاصر مكة بأمر من الخليفة وكلاهما مسلم، وهو ما يؤيد أن الإحصار لا يشترط أن يأتي من جهة الكافر نفسه على غرار ما حدث في الحديبية، وأنه قد يأتي من السلطان المسلم على نحو ما كان يخشاه عبد الله بن عمر أيام الفتنة.\n_________\n(١) برئ من المرض (وكذا العيب والدين) بالكسر من باب سَلِمَ، وفي لغة أهل الحجاز برأ من المرض بالفتح من باب قطع.\n(٢) تفسير القرطبي جـ ٢ صـ ٣٧١، والحج والعمرة .. د. عتر صـ ١٦٢، ونيل الأوطار للإمام الشوكاني جـ ٥ صـ ١٠٩.\n(٣) وذلك عندما نزل جيش الحَجَّاج بابن الزبير كما جاء في رواية أخرى للبخاري برقم (٨٠٧) باب: إذا أحصر المعتمر.\n(٤) هذا يشهد لمذهب الشافعية ومن وافقهم من أن القِران يُجزئ فيه طواف واحد وسعي واحد.\n(٥) صحيح البخاري، باب من قال: ليس على المحصر بدل برقم (١٨١٣).","vol":"1","page":141},{"text":"لكن إن احتاج المحرمون إلى قتال ليبلغوا مكة فهل يقاتلون؟\nإذا كان المانعون كفارًا، وكانت لديهم القدرة على قتالهم، فالأولى لهم ذلك، ليجمع الحاج بين الجهاد ونصرة الإسلام وإتمام النسك (١).\nقال الإمام النووي: «وإن احتاجوا إلى قتال فلهم التحلل، ولا يلزمهم القتال سواء كان العدو مسلمين أو كفارًا قليلًا أو كثيرًا. لكن إن كان في المسلمين قوة فالأولى أن يقاتلوا الكفار. وإن كان فيهم ضعف فالأولى أن يتحللوا.\nومتى قاتلوا فلهم لبس الدروع والمغافر وعليهم الفدية كمن لبس لحرٍّ أو بَرْد» (٢).\nثم ماذا لولم يمكنهم المضيُّ إلى مكة إلّا بجُعْلٍ من المال يبذلونهم لمن وقف على أذناب الأودية يمنع قوافل الرحمن من الوصول إلى البلدة الحرام إلّا بإلقاء مقدار معلوم؟\nهذه المسألة يعود فيها التفصيل السابق:\nفإن كان المانع كافرًا لم يجب تقديم جُعْلٍ له؛ لما فيه من هوان الإسلام والمسلمين، إلّا أنه جائز مع الكراهة، ولا يحرم كما تحرم الهبة للكفار، وهو المعتمد في فقه السادة الشافعية.\nوفي اجتهاد آخرين بذل المال لكافر لا يجب، وهو جائز مع الكراهة.\nأما إن كان المانعون مسلمين فلا يبذل المال كذلك وإن قلّ، لكن لا يحرم أيضًا عليهم لو فعلوا. ثم إن القلة هنا ليست على إطلاقها عند متأخري الشافعية،\n_________\n(١) مغني المحتاج للعلامة محمد الخطيب الشربيني جـ ١ صـ ٥٣٣.\n(٢) حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح للنووي صـ ٥٤٧، ٥٤٨.","vol":"1","page":142},{"text":"بل هي بالنسبة لطبيعة النسك، لذلك لا يضر درهم أو درهمان، فهذا مما يتهاون فيه الناس، لاسيما وأن الفريضة هذه طبيعتها الإنفاق فيبذلون هذا ولا يتحللون (١).\nقال الإمام النووي: «ولو منعوا ولم يتمكنوا من المضي إلّا ببذل مالٍ، فلهم التحلل، ولا يبذلون المال وإن قلّ، بل يكره البذل إن كان الطالب كافرًا؛ لأنّ فيه صغارًا على الإسلام» (٢).\nوقال الإمام القرطبي: «ولو سأل الكافر جُعْلًا لم يَجُزْ؛ لأن ذلك وهن في الإسلام» (٣).\nوقال الإمام القرطبي في حق المسلم إن كان هو الواقف في طريق مضي الحجاج إلى مكة: «وأما بذل الجعل، فلما فيه من دفع أعظم الضررين بأهونهما، ولأن الحج مما ينفق فيه المال، فيعد هذا من النفقة» (٤).\nأي في اجتهاد العلامة القرطبي لابأس ببذل المال للمسلم، وأنه يدخل ضمن نفقة الحج المالية.\nوالذي نخلص به من كلام الإمامين الكبيرين أنه لا يكره بذلك للمسلم؛ لأن إمامنا النووي نص على الكراهة فيما لو بذل المال لكافر، فدل على أن الكراهة\n_________\n(١) مغني المحتاج للعلامة الشربيني جـ ١ ص ٥٣٢ - ٥٣٣.\n(٢) الحاشية لابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح للنووي ص ٥٤٧.\n(٣) الجامع لأحكام القرآن للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي جـ ٢ ص ٣٧٥.\nأقول: هذا الذي أميل إليه - إن جاز لمثلي أن يملك حظًا من الاجتهاد والنظر - لما في البذل من الهوان الذي لن يقف عند سقفٍ، وسيضاعف بمرور الأعوان، الجُعل يقفون صاغرين - لاسمح الله - وهم الذين شدّوا رحالهم إلى البيت الحرام لينالوا جرعات من العبودية أعزّة على الكافرين لا يخافون في الله لومة لائم.\n(٤) نفس المرجع والجزء والصفحة.","vol":"1","page":143},{"text":"تخصه وحده، وهو ما صرح به العلامة ابن حجر الهيتمي في تعقبه لكلام النووي (١). وكذلك العلامة الشربيني في قوله: «أما المسلمون فلا يكره بذله لهم» (٢).\nوالأصل في الإحصار أن يمنع العدو المحرم من المضي في مناسك الحج من كل الطرق، وله حينئذ التحلل سواء كان وقت التحلل واسعًا أو ضيّقًا، لكن في الحالة الأولى، أي إن اتسع الوقت فالأفضل الصبر عن التحلل، لأنه ربما زال الإحصار بزوال سببه، فيدرك المحرم به فضيلة إتمام الحج إلى بيت الله الحرام (٣).\nفالتحلل من الإحرام على الجواز لا على الوجوب، اللهمّ إلّا إن لزم عليه مصابرة الإحرام في غير وقته فيجب عليه التحلل حينئذ لما في المصابرة على الإحرام زمنًا طويلًا انتظارًا لقدوم الحج الذي تعجل بالإحرام فيه، مشقة وحرجًا شديدًا لا يحتمل عادة.\nأما إن ضاق الوقت فالأفضل أن يعجّل بتحلّله، لئلا يفوت الحج.\nيستثنى من هذا ما لو يتقّن (٤) المحصر زوال الإحصار عن قرب في مدة يمكن إدراك الحج بعدها، وهي ثلاثة أيام، فإنه يمتنع تحلله في هذه الصورة.\nومثله المعتمر الذي أيقن أو غلب على ظنه أنه إن انتظر زال مانع الحصر\n_________\n(١) الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح للنووي صـ ٥٤٧.\n(٢) نفس المرجع صـ ٥٤٦ - ٥٤٧.\n(٣) حاشية العلامة إبراهيم البيجوري جـ ١ صـ ٤٩٤.\n(٤) قال الأذرعي: والظاهر أن المراد باليقين هنا هو الظن الغالب. انظر مغني المحتاج للعلامة الشربيني جـ ١ صـ ٥٣٣.","vol":"1","page":144},{"text":"لوقت قريب قدره العلماء أيضًا بثلاثة أيام، فكذلك يمتنع تحلله (١).\nولا خلاف في جواز التحلل بالإحصار ما لو أحاط العدو بالمحرم من جميع الجوانب وكانوا فرقة واحدة يعضد بعضها بعضًا، أو فرقًا متميزة لا تشد إحداها عضد الأخرى (٢) وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (٣).\nومن الإحصار ما لو صُدّ عن البيت من طريق، ثم وجد طريقًا آخر آمنًا أطول منه، وكانت لديه نفقة تكفيه، ووجدت في شخصه شروط الاستطاعة، لزمه المضيُّ فيه، سواء أطال الزمن أم قصر، حتى وإن تيقّن فوت الحج في ذلك العام، وحينئذ يتحلل بعمرة، كما نصّ عليه الشافعي ﵀، ولا يجب عليه القضاء.\nأما إذا وجد الطريق الآمن الأطول دون أن تتوفر في شخصه شروط الزاد والراحلة، وسائر ما يتعلق بها من شروط الاستطاعة، فله التحلل وقتئذ في الطريق الذي أُحصر فيه (٤).\nومن مسائل الإحصار أنه إما أن يقع عن الوقوف دون البيت، أو عن البيت دون الوقوف بعرفة، أو عن المبيت والرمي، أو عن هذا كله: فإن أُحصر الحاج عن الوقوف بعرفة دون أن يحصر من دخول مكة، فلا يتحلل حتى يدخل\n_________\n(١) نفس المرجع والجزء والصفحة، وحاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح للنووي صـ ٥٤٦ - ٥٤٧.\n(٢) فرق العلامة الشربيني بينهما بأن الفرق المعتددة التي لا يعضد بعضها بعضًا يمكنه أن يستفيد الأمن من بعضها بالتحلل والمرور بخلاف ما لو كانوا صفًا واحدًا.\nوقال العلامة ابن حجر في حاشيته صـ ٥٤٨: «بل قول المجموع: أصحها جواز التحلل لعموم الأية ...».\n(٣) حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح للنووي صـ ٥٤٨.\n(٤) مغني المحتاج للعلامة الشربيني جـ ١ صـ ٥٣٣، والمرجع السابق صـ ٥٥١.","vol":"1","page":145},{"text":"مكة المكرمة، ثم يؤدي عمرة يتحلل من إحرامه بها.\nوإن أُحصر عن البيت، ولم يمنع من الوقوف بعرفة، لزمه الوقوف فيها، ثم يتحلل، وهو الحكم الفقهي الذي نقله النووي في المجموع عن الماوردي وأيده.\nإما إن أُحصر من المبيت والرمي فلا يتحلل بالإحصار؛ لأنه يمكنه التحلل بالطواف والسعي والحلق.\nأما إن أُحصر من هذا كله، فإنه يتحلل حيث أُحصر، على التفصيل الذي مر معك.\nهذا الذي سطرته لك هو ما يعرف عند فقهاء الشافعية بالإحصار العام، لكن يلحق به صور أخرى تندرج تحت ما اصطلح عليه بالإحصار الخاص (١)، من نحو المانع الثاني من موانع الحج، ومفاده أنه إذا حبس ظلمًا كأن حبس بدين وهو معسر به جاز له التحلل كما مر في الحصر العام، ومثله ما لو كان موسرًا وله وكيل يقضي عنه ما عليه من التزامات مالية، لكن لم يقبل منه ذلك، وسيق إلى الحبس بسائق الظلم (٢).\nأما إذا حبس بحق كأن أُدخل السجن بدين، وهو يتمكن من أدائه، لم يجز له التحلل؛ لأنه يقدر على الخروج من حبسه بدفع ما عليه، ويمضي في نسكه،\n_________\n(١) الإحصار العام هو منع المحرمين عن المضيّ من جميع الطرق، والذي يقع لكل الحجاج بعمومهم، أو يقع للرُّفقة في القافلة بعمومها، أما الإحصار الخاص فهو الذي يتفق لواحد من الرفقة في هذه القافلة أو تلك، أو يجري على شرذمة منهم دون سائرهم. انظر مغني المحتاج جـ ١ صـ ٥٣٢، والحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح للنووي صـ ٥٥٠.\n(٢) حاشية الباجوري جـ ١ صـ ٤٩٤.","vol":"1","page":146},{"text":"وهو الواجب، فإن فاته الحج في الحبس لزمه المسير إلى مكة، ويتحلل بعمل عمرة، ويلزمه القضاء (١).\nالمانع الثالث (الخاص أيضًا) الأَبَوَان، ويسمى «الأصالة»، إذ ليس للولد الإحرام بغير إذن أصله وإن علا هذا الأصل كالجد أو جدّ الأب، فله أي للأصل من أبٍ ونحوه منع الولد غير المكي من الإحرام بتطوّع حج أو عمرة دون الفرض، وله تحليله إن أحرم بغير إذنه.\nالمانع الرابع (الخاص أيضًا) الزوجية:\nللزوج منع زوجته من الحج المفروض والمسنون ابتداء، وإذا ما أحرمت به فله تحليلها منه إن وقع إحرامها بغير إذنه؛ لأنّ حقه على الفور، أما فرض نسك الحج أو العمرة فعلى التراخي (٢).\nولا يقاس الحج على الصلاة والصوم؛ لأن مدة الإحرام مع ما يسبقها ويتبعها من أعمال هذه الرحلة طويلة مما يجعل كثير ضرر يلحق به، لذلك ذكر العلامة الباجوري بأنه يجب عليها التحلل بأمره. ولو جامعها قبل أن تتحلل بعد أن أمرها، فالإثم عليها (٣).\nأذكر هذا في الوقت الذي أستحضر فيه السنّة النبوية التي شرعها لنا المصطفى - ﷺ - في دعوة الزوج القادر إلى الخروج بزوجته إلى الحج، إشارة للأمر الوارد في الصحيحين من أنّ رجلًا قال: يا رسول الله: إني أريد أن أخرج في\n_________\n(١) الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح صـ ٥٥٠.\n(٢) مغني المحتاج للعلامة الشربيني جـ ١ صـ ٥٣٦.\n(٣) حاشية الباجوري جـ ١ صـ ٤٩٤.","vol":"1","page":147},{"text":"جيش كذا وكذا، وامرأتي تريد الحج، قال: اخرج معها.\nومن الإحصار الخاص ما يعرف بالدين إذْ لصاحب الدين الحال منع غريمه الموسر من الخروج حتى يوفيه حقه ولكن إذا أحرم بالنسك فليس له أن يحلله إذ لا ضرر عليه في إحرامه.\nأما الدين الحال أو المؤجل، والمدين معسر (١)، فليس له منعه من الإحرام؛ لأنه لا يلزمه أداؤه حينئذ.\nويستحب للمدين في الدين المؤجل إذا كان الدين يحل في غيبته أن يوكل من يقضيه له عند حلول الأجل (٢).\nوعلى هذا فالإحضار عند الشافعية والجمهور هو منع المحرمين عن المضي من جميع الطرق من إتمام الحج والعمرة، وحينئذ يجوز أن يتحلل من إحرامه، ولا يجب عليه ذلك سواء كان مفردًا أو متمتعًا أو قارنًا، وسواء كان المنع بقطع الطريق أو غيره، وسواء كان المانع مسلمًا أو كافرًا، وسواء أمكن المضيُ بقتال أم ببذل مال أم لم يمكن، بدليل إطلاق الآية لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٦٩]، والتقدير: فإن أحصرتم فأردتم التحلل من إحصار العدو، فعليكم ما استيسر من الهدي، بدليل نزول الآية يوم صدَّ مشركوا مكة أصحاب محمد - ﷺ - عن البيت في الحديبية، فقام رسولنا الأعظم - ﷺ - فنحر ثم حلق، وقال لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا.\n_________\n(١) تذكر أنه في الصورة الأولى المدين موسر، وهنا المدين معسر فتنبه.\n(٢) حاشية الباجوري جـ ١ صـ ٤٩٤.","vol":"1","page":148},{"text":"فعل - ﷺ - ذلك حين تحقق الإحصار، وعلم أنه ممنوع، لا سبيل لدخول الحرم، بدليل الصلح الذي أبرمه - ﷺ - في الحديبية، وحمل اسم تلك الأرض، وتعهدت فيه قريش بالإذن للمسلمين بدخول الحرم في العام القادم.\nلذلك فإن المحرم إذا تحقق الإحصار لديه فإن التحلل الذي يخرج به من نسكه يحصل بثلاثة أشياء:\nأولها: ذبح شاة أو ما يقوم مقامها من سُبُعِ بدنة أو سُبُعِ بقرة، للآية المذكورة. (١)\nثانيها: نية التحلل عند ذبح تللك الشاة لقوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات ...» (٢) لأن الشاة تذبح عادة لأكثر من غرض فكان لا بد من تحديد نية الذبح للتحلل وهي النية التي لا بد من مقارنتها لذبح الشاة (٣).\nثالثها: الحلق؛ لأن الأصح أنه نسك عن الشافعية:\nويجب تأخير الحلق إلى ما بعد الذبح لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ شَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nإن اجتماع هذه الثلاثة ضمن تقديم الذبح، وتأخير الحلق وهو شرط التحلل عند الشافعية (٤).\n_________\n(١) نفس المرجع والصفحة\n(٢) حديث صحيح أخرجه البخاري برقم (١) و(٥٤) و(٢٥٢٩) ومسلم (١٩٠٧) وأبوداود (٢٢٠١) والترمذي (١٦٤٧) والنسائي ١/ ٥٨ وابن ماجة (٤٢٢٧) والدارقطني والطيالسي وأحمد كلهم من حديث عمر بن الخطاب.\n(٣) الباجوري جـ ١ صـ ٤٩٤ والمنهاج القويم للإمام شهاب الدين أحمد بن حجر الهيثمي صـ ٤٥١.\n(٤) نص على ذلك الإمام النووي انظر حاشية العلامة ابن حجر الهيثمي على شرح الإيضاح للنووي صـ ٥٤٩.","vol":"1","page":149},{"text":"دليل الشافعية قوله تعالى في الآية السابقة ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ (١) مَحِلَّهُ (٢)﴾، قالوا والخطاب لجميع الأمة، من مُخَلّى ومُحْصَر، لكن للمُخَلّى موضعه وهو الحرم وللمحصر مَحِلّه وهو المكان الذي أحصر فيه المحرم، إقتداء فعليًا برسول الله - ﷺ - الذي نحر وأصحابه حيث أُحصروا، وتحللوا في الحديبية في الحل وهي المنطقة المحاذية لأرض الحرم، لذلك قالها الفقهاء: لا يكفي الذبح بأرض من الحل غير موضع الإحصار (٣)، إشارة إلى أن الذبح يختص به الحرم إلّا في هذه المسألة، كما ذكر وأنه لا حاجة إلى إرسال الهدي إلى الحرم من موضع إحصار المحرم بدليل قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، والمعنى: محبوسًا ممنوعًا من الوصول إلى البيت العتيق (٤)\nالدليل الآخر هو عمل رسول الله - ﷺ - حيث نحر الهدي، وأكمل تحلله بالحلق، دون أن يطلب بعث هديه إلى الحرم (٥)، فدل على وجوب الأمرين معًا.\n_________\n(١) قال الإمام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن جـ ٢ صـ ٣٧٦: الهَديُ والهديُ لغتان، وهو ما يهدى على بيت الله من بدنة أو غيرها، والعرب تقول كم هَديُ بني فلان، أي كم إبلهم. وقال أبو بكر: سميت هديًا، لأن منها ما يهدى إلى بيت الله، فسميت بما يلحق بعضها\n(٢) قال الإمام القرطبي في المرجع والجزء صـ ٣٧٧: «والمَحِلُّ الموضع الذي يحل فيه ذبحه، فالمحل في حصر العدو عند مالك والشافعي: موضع الحصر ...».\n(٣) حاشية العلامة إبراهيم الباجوري جـ ١ صـ ٤٩٤، حيث أضاف قوله: ولا يجوز نقل لحم الشاة لغير أهله إلّا للحرم إن تيسر، وكذلك لا يجوز نقل الطعام عند العجز عن الشاة لغير أهل محل الإحصار إلّا إلى الحرم، وأما الصوم فلا يتقيد بمكان. انظر صـ ٤٩٤ - ٤٩٥.\n(٤) تفسير القرطبي جـ ٢ صـ ٣٧٧.\n(٥) هذا يرد ما استشهد به السادة الحنفية من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]؛ لأن السنة هي الشارحة والمخصصة والقاطعة بالفهم النبوي، فهو خير من يقضي في مواطن الخلاف، وقد رأينا أن الحديبية كما هومعهود إلى هذه الساعة باتفاق العلماء والعامة والقاصي والداني هي من الحل. على ضوء هذا =","vol":"1","page":150},{"text":"بعد أن تكتمل حلقة التحلل بخطواتها الثلاث لنا أن نسال:\nهل يقضي المحصر في عام قابل، ما منع من أدائه اليوم؟\nالأصل في هذه المسألة أنه لا قضاء على المحصر في حج أو عمرةِ التطوع إن تحلل في الإحصار العام أو الخاص، لأن النبي - ﷺ - أُحصر وأصحابه يوم الحديبية، وقد بلغوا ألفًا وأربعمائة نفس، ثم لم يعتمر منهم في العام التالي إلّا نفر يسير.\nكما أن المصطفى صلوات الله عليه لم يأمرْ أحدًا من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئًا ولا حفظ عنه ذلك بوجه من الوجوه، ولا قال في العام المقبل الذي أدى فيه عمرته:\nإن عمرتي هذه قضاء عن العمرة التي حُصِرْت فيها، ولم يُنْقل ذلك عنه.\nأما عن سبب تسمية العمرة هذه بعمرة القضاء فليس لأنها وقعت على جهة القضاء؛ لأن تسميتها الأخرى هي عمرة القضيَّة، وهما سواء، وما ذلك إلّا لأن رسول الله - ﷺ - قاضى قريشًا وصالحهم في ذلك العام على الرجوع عن البيت وقصده من قابل (١).\n_________\n= نعلم أن الآية المذكورة لم يخاطب بها المحصر؛ بدليل فعل النبي - ﷺ - في الحديبية، وهو ما يثبت ما قاله المفسرون من أن المخاطب بالآية، الآمن الذي يجدُّ طريقه وصولًا إلى البيت الحرام، أما الرواية التي استشهد بها الحنفية عن ناحية بن جندب صاحب النبي - ﷺ - أنه قال للنبي - ﷺ -: ابْعَثْ معي الهدي فأنحْره في الحرم. قال: فكيف تصنع به؟ قال: أُخْرجُهُ في الأودية لا يقدرون عليه، فأَنطلقْ به حتى أَنحره في الحرم فقد قال فيها الإمام القرطبي بعد أن ساقها: «وأُجيب بأن هذا لا يصح، وإنما ينحر حيث حلّ، إقتداء بفعله - ﵇ - بالحديبية، وهو الصحيح الذي رواه الأئمة؛ ولأن الهَدْي تابع للمُهِدي، والمهُدي حلّ بموضعه، فالمُهدَى أيضًا يحل معه». انظر تفسير القرطبي ح ٢ ص ٣٧٧.\n(١) انظر مغني المحتاج للعلامة محمد الخطيب الشربيني جـ ١ صـ ٥٣٧، والجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي =","vol":"1","page":151},{"text":"أما إن لم يكن حجه تطوعًا فلدينا حالتان:\nالأولى: إذا كان حجه مستقرًا في ذمته كحج الإسلام أو حج القضاء أو حج النذر لزمه قضاؤه إذا أُحصر، وتبقى الفريضة في ذمته، لكن يشترط في حج الإسلام أن تقع بعد السنة الأولى من سني الإمكان، وهذا معنى أن تستقر في ذمته.\nالثانية: فإذا وقعت حجة الإسلام في السنة الأولى من سنيّ الإمكان فلا يعد الحج مستقرًا في ذمته بعد فواته بالإحصار، ولا يجب فيه القضاء، ولا يتعين إلّا باستطاعة جديدة فحينئذ يجب عليه الحج من جديد بالاستطاعة لا بالقضاء (٢).\nومن الصور التي أتى على ذكرها الشافعية في وجوب القضاء ما لوصابر الإحرام عند نقطة الإحصار مع أنه لا يتوقع زوال الإحصار، ثم فاته الوقوف بعرفة، فهنا عليه القضا. أما إذا صابر الإحرام وهو يتوقع زوال الإحصار، ثم فاته الوقوف فلا قضاء عليه (١).\nوكذا قالوا يلزمه القضاء إن أفسد نسكه قبل الإحرام ثم أُحصر، لكن يلزمه في هذه الحالة القضاء بسبب الإفساد، لا بسبب الإحصار، فليُعلمْ (٢).\n_________\n= جـ ٢ صـ ٣٧٥ في المسألة السابعة فيما نقله عن استدلال الإمام مالك. هذا وقد نقل العلامة القرطبي عن الإمام مالك أنه قال: من أحصر بعدوٍّ فلا قضاء عليه لحجه أو عمرته إلّا أن يكون صَرورة، وهو الذي لم يحج قط. انظر المرجع والجزء والصفحة. أما في مذهب الحنفية فيجب قضاء حج النافلة وعمرة النافلة كما يجب قضاء حج وعمرة الفرض سواء بسواء انظر الحج والعمرة د. عتر صـ ١٦٣.\n(١) الحاشية لابن حجر الهيثمي على شرح الإيضاح للعلامة النووي ص ٥٥١، وحاشية الباجوري جـ ١ صـ ٤٩٤، ومغني المحتاج للشربيني جـ ١ صـ ٥٣٧.\n(٢) مغني المحتاج في الجزء والصفحة.\n(٣) مغني المحتاج في الجزء والصفحة.","vol":"1","page":152},{"text":"فالإحصار فيما ذهب إليه المالكية والشافعية والحنبلية لا يكون إلّا بالعدوّ أو الفتنة أو الحبس ظلمًا أو ما يلحق ذلك من صور ذكرها الفقهاء في مبسوطات كتبهم لا تخرج عن واحدة من الثلاثة التي ذكرت.\nأما المرض فلم يدخلوا إحصاره في حصر العدو، ولم يجعلوه منه بسبب الآية أولًا؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ لا يكون إلّا من الأمن من العدو، ولو كان ذلك مرادًا لقال تعالى فإذا برأتم؛ ولأن السنة النبوية في موقع الحديبية وحادثتها التي أنزلت فيها الآية تؤيد ذلك، هو ما يتضافر مع المتمسَّك الذي يرويه الشافعي في مسنده عن أبن عباس - ﵁ - حين قال: لا حصر إلّا حصر العدو (١).\nوخالف الحنفية في هذه المسألة فأخذوا بظاهر اللغة وهو المنع، وأن الإحصار لغة هو المنع بالمرض، لذلك ذهبوا على أنه يتحقق بالمرض وبالعدوِّ، وبكل ما نع من الوقوف والطواف كفقد النفقة وعدم المحرم بالنسبة للمرأة.\nكما استدلوا لمذهبهم بالحديث الذي رواه الخمسة ومنهم أحمد في مسنده بأسنايد صحيحة عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من كُسِرَ أو عَرَج فقد حلَّ وعليه حجة أخرى». قال: فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا: «صدق» (٢).\n_________\n(١) انظر نيل الأوطار شرح نتقى الأخبار للإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني جـ ٥٨ صـ ١٠٩ باب الفوات والإحصار برقم (٢٠٧٠).\n(٢) هذه رواية الترمذي برقم (٩٤٠)، قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ورواه أبو داود برقم (١٨٦٢) و(١٨٦٣) بلفظ: من كُسِر أو عرج أو مرض فقد حلَّ وعليه الحج من قابل. وانظر مسند الإمام أحمد برقم (١٥٧٣١).","vol":"1","page":153},{"text":"أجاب الشافعية عن هذا الحديث بأنه محمول على ما إذا ما شرط التحلل بالمرض، فإذا وجد الشرط صار حلالًا، كأن يقول: نويت الحج، وأحرمت به لله تعالى، اللهمّ إن مرضت (أو نحو ذلك من الأعذار) - فأنا حلال، فإن وجد العذر، فإنه يصير به حلالًا من غير نية (١). أما الدم فيتبع الشرط، فإن اشترط التحلل بالهدي اشترط، وإن اشترط التحلل بلا هدي لم يلزمه، لهذا جاءت عبارة النووي في كتابه المنهاج (٢): «ولا تحلل بالمرض» (٣).\n* * *\n_________\n(١) مغني المحتاج للعلامة محمد الخطيب الشربيني جـ ١ ص ٥٣٤ وقد أضاف في نفس الصفحة الفائدة التالية: وإن شرط قلب الحج عمرة بذلك جاز، كما لو شرط التحلل بل أولى. فله إذا وجد العذر أن يقلب حجه عمرة وتجزئه عن عمرة الإسلام، ولو شرط أن ينقلب حجه عمرة عند العذر فوجد العذر انقلب عمرة وأجزأته عن عمرة الإسلام أيضًا كما صرح به البلقيني، بخلاف التحلل بالإحصار لا تجزئه عن عمرة الإسلام؛ لأنها في الحقيقة ليست عمرة، وإنما هي أعمال عمرة.\n(٢) نفس المرجع والجزء صـ ٥٣٣.\n(٣) لا تحلل بالمرض أي ونحوه كضلال طريق وفقد نفقة؛ لأنه بالتحلل لا ترتفع عنه علة المنع وهي الضياع في الطريق أو ذهاب النفقة بخلاف المنع بالعدو فإنه بالتحلل يرتفع عنه بالإحصار، لذلك يجب عليه أن يبقي محرمًا ويصبر حتى يزول عذره ثم إن كان محرمًا بعمرة أتمها، أو بحج وفاته تحلل بعمرة. نفس المرجع والجزء والصفحة.","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>شرب زمزمٍ ندبٌ</span>\nقال الإمام العمريطي:\nوشربنا من ماءِ زمزمٍ نُدبٌ ... للدين والدنيا وكلِّ ما طُلِبْ\nكالعلمِ والنكاحِ أيضًا والشِّفَا ... ... ... ... ... ... ... ...\nماء زمزم هو ماء الإبرار وهو شراب الأخيار، دلّ على فضله تعدد الأحاديث في خصائصه وارتقاء شأن ساقيه (١) وتنوع أسمائه وكثرتها إلى حد يسمو بشأوه فوق كل ماء في الدنيا ومن ذلك قولهم في تسميته:\nزمزم (٢) - هزمة جبريل - سُقيا إسماعيل- بركة - سيدة - نافعة- عونة -\n_________\n(١) في خاتمة الحديث الطويل الذي رواه مسلم في صحيحه عن جابر الصحابي الجليل جابر بن عبد الله في حج رسول الله - ﷺ -، قال رسول الله - ﷺ - وقد أتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم: انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنَزعتُ معكم، فناوَلوه دلوًا فشرب منه. فأقرّهم - ﷺ - على ما يفعلونه من سقاية الحجيج، وبارك لهم صنيعه، واعتذر عن أمر كان يتمناه هو مشاركتهم في شرف السقاية لكنه - ﷺ - خشي أن يعتقد الناس أن ذلك من مناسك الحج، فيزاحموهم عليه بني العباس، ويدفعوهم عنه. وفي هذا رد على المستكبرين الجاهلين الذين يعيرون من يمارس اليوم سقاية الحاج تقرّبًا إلى الله تعالى، يلمزونه بأنه سقّاء! ووالله نعم السقّاء هو، ونعمت السقاية هي خدمة لضيوف الرحمن، عملًا بما كان عليه القوم الكرام، ومباركة للصنعة من سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام.\n(٢) قال الإمام ابن حجر العسقلاني: وسميت زمزم لكثرتها، يقال ماء زمزم، أي كثير، وقيل لاجتماعها نُقلَ عن ابن هشام. وقال أبو زيد: الزمزمة من الناس خمسون ونحوهم وعن مجاهد: إنما سميت زمزم؛ لأنها مشتقة من الهزمة، والهزمة الغمز بالعقب في الأرض، أخرجه الفاكهي بإسناد صحيح عنه ...\nانظر فتح الباري شرح صحيح البخاري جـ ٣ صـ ٦٢٣.","vol":"1","page":155},{"text":"بشرى - صافية - برّة - عصمة - سالمة - ميمونة - مباركة - كافية - عافية - مغذية- طاهرة - حرمة - وغير ذلك.\nقال الإمام الشوكاني: قوله (أي في الحديث الذي رواه الدارقطني) (هزمة) بالزاي أي حفرة جبريل، لأنه ضرب بها برجله فنبع الماء ...\nوقال سقيا إسماعيل: أي أظهر الله ليسقي به إسماعيل في أول الأمر (١).\nلقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ [النساء: ٦٤].\nوتتأكد الزيارة للحاج والمعتمر أكثر من غيره لأمرين:\nأحدهما: أن الغالب على الحجيج الورود من آفاق بعيدة، فإذا قربوا من المدينة يقبح تركهم الزيارة.\nوالثاني لحديث ابن عمر: «من حجَّ ولم يزرني فقد جفاني (٢)» (٣).\n* * *\n_________\n(١) نيل الأوطار جـ ٥ صـ ١٠٥.\n(٢) الحديث أخرجه عن ابن عمر ابن عدي والدارقطني وابن حبان في ترجمة النعمان، وهذا الأخير ضعيف جدًا، لكن وثّقه عمران بن موسى. انظر نيل الأوطار للإمام الشوكاني ج ٥ ص ١١٤، والخلاصة أن الحديث هذا ضعيف، لكن العمدة في زيارة رسول الله - ﷺ - ليس هذا الحديث بخصوصه، وإنما عموم الأحاديث الداعية إلى زيارة القبور للاعتبار، ولا شك أن ينبوع العبر هو في زيارة قبره - ﷺ -، ثم إجماع السلف على ذلك، فلم يزل هذا دأب الأمة وخاصة الحجاج والعمّار أنهم يزورونه - ﷺ - كانوا ولا يزال هذا ديدنهم. والمسألة استقضت بتغطيتها تغطية شاملة في كتاب قيد الطبع أعددته في زيارة المصطفى - ﷺ - وزيارة مدينته العصماء على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.\n(٣) الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي جـ ٣ ص ٢٤٠١.","vol":"1","page":156},{"text":"وفي خاتمة المسك قال الإمام العمريطي:\nصلّى عليه ربّنا وسلّما ... وآله وصحبه وكرَّما\nجمع المصنف بين الصلاة والسلام امتثالًا لقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] وخروجًا من كراهة إفراد أحدهما عن الآخر كما ذكره النووي رحمه الله تعالى في أذكاره (١).\nوالصلاة من الله رحمة.\nومن الملائكة استغفار.\nوفي غير ذلك تضرّع ودعاء بخير.\nوالسلام بمعنى التسليم.\nأما الآل فهم المؤمنون من بني هاشم وبني المطلب.\nوأما الصحب فهو جمع صحابي وهو كل من التقى بالنبي محمد - ﷺ - وآمن به، ومات على ذلك، وعلى هذا فأبو لهب عمه ليس صحابيًا؛ لأنه لم يؤمن به، والمرتدون ليسوا صحابة، لأنهم لم يموتوا على ذلك.\nاللَّهمّ صلِّ وسلّم على محمد النبي الأُمّي الطاهر الزكي، واجعلنا ممن يعيشون لحفظ سنته، ونشر آدابه، والذود عن حياض شريعته التي شَرُفَ الوجود كلّه بها، يا خير من سُئل، ويا أكرم من أعطى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\n_________\n(١) انظر «الأذكار» للإمام النووي في كتاب الصلاة على رسول الله - ﷺ -، فصل في صفة الصلاة على رسول الله - ﷺ - صـ ١٤٨.","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>ملحق هام في أبرز مزارات مكة</span>\nمزارات مكة تطلق ويراد بها المواطن التي صلّى أو نزل فيها رسول الله - ﷺ -، وربما نزلت فيها آيات، أو حدثت معه فيها أحداث، لذلك استحب العلماء متابعة رسول الله - ﷺ - في الأرض التي يعرّج عليها، أو الفعل الذي يؤديه عندها رجاء البركة، وابتغاء المتابعة والأدلة على ذلك كثيرة استقصيتها في كتاب «حَرَمُ الحبِّ والسَّلام ..» فعد إليه فإنه مفيد. وفي هذه الدراسة المتواضعة ستحصل معرفة موثقة بالسيرة النبوية وفق كل مزار، وما يدور حول هذه المزارات من آيات وأبحاث، حتى نتمكن من قراءة سيرة كل موضع ونحن نرسم لها في مخيلتنا صورة حقيقية، مستفيدين من عبرها.\nومن أبرز مزارات مكة<span data-type=\"title\" id=toc-25> غار ثور</span>، وغار حراء، وشعب علي، ودار الأرقم وغير ذلك.\nغار ثور:\nيقع في جبل ثور، وهو في الجهة الجنوبية من المسجد الحرام على بعد (٤) كم منه، وعلى ارتفاع (٧٤٨) مترًا عن سطح البحر، و(٤٥٨) مترًا من سفح الجبل.\nوالغار في اللغة ثقب في الجبل، وهو كذلك إذ نراه صخرة مجوفة أشبه بسفينة صغيرة ظهرها إلى أعلى، في ارتفاع أقصاه ١.٢٥ م، وأقصى طوله وعرضه ٣.٥×٣.٥.\nللغار فتحتان: فتحة في ناحية الغرب وهي التي دخل منها النبيّ - ﷺ -. قبل القرن التاسع الهجري كان الشخص يدخل منها زاحفًا، لكن بعد التاريخ المذكور","vol":"1","page":158},{"text":"تمت توسعة الفتحة، ثم تلتها توسعة أخرى في نهاية القرن الثالث عشر الهجري وأقصى ما وصل إليه ارتفاعها متر واحد مع الدرج المنحوت بأسفلها.\nأما الفتحة الأخرى فهي في جهة الشرق، وهي أوسع من الأولى. يقال: إنها مستحدثة ليسهل على الناس الدخول إلى الغار من باب، والخروج من باب آخر؛ لأن المسافة بين الفتحتين قصيرة جدًا لا تتجاوز ثلاثة أمتار وخمسين سنتيمترًا.\nالصعود إلى الغار يستغرق قرابة ساعة ونصف، مما يدل على أنه كما قال من صعده وكتب عنه صعب المرتقى (١).\nغار ثور ورد ذكره في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِن اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [التوبة: ٤٠].\nوالآية هذه تلقي الضوء على حادثة هامة في تاريخ النبوة، رصدها البيان الإلهي، وفصَّلتها السنّة المشرّفة، ألا وهي حادثة الهجرة من مكة إلى المدينة، في ظل طلب مسعور من المشركين لشخص النبي محمد - ﷺ - حيًَّا أو ميتًا.\nروى البخاريُّ في صحيحه من حديث عائشة زوج النبي - ﷺ - أنها قالت:\n«(٢) .. .. فقال النبي - ﷺ - للمسلمين:\nإني أُريتُ دار هجرتكم ذاتَ نخلٍ بين لابتين، وهما الحرَّتان. فهاجر من هاجر\n_________\n(١) اُنظر «تاريخ مكة المكرمة قديمًا وحديثًا» د. محمد إلياس عبد الغني.\n(٢) الحديث طويل وقد اخترت لك خاتمته التي ترتبط ببحثنا، وهي ليست بالقصيرة.","vol":"1","page":159},{"text":"قِبَلَ المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهّز أبو بكر قِبَلَ المدينة، فقال له رسول الله - ﷺ -: على رِسْلِك، فإني أرجو أن يؤذن لي. فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: نعم. فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله - ﷺ - ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورقَ السَّمُر (١) - وهو الخَبَط (٢) - أربعة أشهر.\nقالت عائشة: فبينما نحن يومًا جلوسٌ في بيت أبي بكر في نَحْرِ الظهيرة (٣) قال قائل لأبي بكر هذا رسول الله - ﷺ - متقنّعًا (٤) - في ساعة لم يكن يأتينا فيها - فقال أبو بكر: فداءٌ له أبي وأمي، واللهِ ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. قالت: فجاء رسول الله - ﷺ - فاستأذن فأُذن له، فدخل فقال النبي - ﷺ - لأبي بكر: أخْرِجْ مَن عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك (٥) بأبي أنت يا رسول الله. قال رسول الله - ﷺ -: نعم (٦)، قال أبو بكر: فَخُذ بأبي أنتَ إحدى راحلتيَّ هاتين. قال رسول الله - ﷺ -: بالثمن (٧)، قالت عائشة: فجهَّزْناها أحثَّ الجهاز (٨)، وصنَعْنا لهما سُفرة في جرابٍ (٩)، فقطعتْ أسماءُ بنتُ أبي بكر قطعةً من نطاقها فربطت به على فم\n_________\n(١) هي شجرة أم غيلان، وقيل: كل ما له ظل ثخين، وقيل: السَّمُر ورق الطلح. انظر فتح الباري جـ ٧ صـ ٢٩٣.\n(٢) هذا مدرج من تفسير الزهري، والمراد كل ما يخبط بالعصا فيسقط من ورق الشجر. نفس المرجع.\n(٣) أي أول النهار وهو أشد ما يكون في حرارة النهار، والغالب في أيام الحر القيلولة فيها. قاله ابن حجر في فتح الباري.\n(٤) أي مغطّيًا رأسه.\n(٥) أشار إلى عائشة وأسماء. وفي رواية عند غير البخاري: «لا عينَ عليك، إنما هم ابنتاي». نفس المرجع.\n(٦) وزاد ابن إسحاق قالت عائشة: فرأيتُ أبا بكر يبكي، وما كنت أحسب أنّ أحدًا يبكي من الفرح.\n(٧) هي ناقصة القصواء وربما يكون اشتراط الثمن؛ لأنه لا يحب أن تكون هجرته - ﷺ - من مال نفسه. نفس المرجع صـ ٢٩٤.\n(٨) من الحثّ وهو الإسراع، والجَهاز بفتح الجيم وقد تكسر.\n(٩) أي زادًا في جراب؛ لأن الأصل في السفرة الزاد الذي يصنع للمسافر، ثم استعمل في وعاء الزاد ومثله المزادة للماء وكذا الراوية. نفس المرجع والصفحة.","vol":"1","page":160},{"text":"الجراب فبذلك سمّيت ذات النطاقين (١).\nقالت: ثم لحق رسول الله - ﷺ - وأبو بكر بغار في جبل ثور (٢)، فكَمنا (٣) فيه ثلاث ليالٍ، يبيت عندهما عبدُ الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثَقِفٌ (٤) لَقِنٌ (٥)، فيَدَّلج (٦) من عندهما بسحر (٧)، فيصبح مع قريش بمكة كبائت (٨)، فلا يسمع أمرًا يُكتادان (٩) به إلَّا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حتى يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامرُ بنُ فُهَرِة (١٠) مولى أبي بكر مِنحة (١١) من غنم فيُريحهما (١٢) عليهما حين تذهب ساعةٌ\n_________\n(١) شقّت سيدتنا أسماء بنتُ سيدنا أبي بكر نطاقها نصفين، فشدّت بأحدهما الزاد، واقتصرت على الآخر، فمن ثَمَّ قيل لها ذات النطاقين، وكذا ذات النطاق، وهو أصل النطاقين. والإفراد والتثنية بهذين الاعتبارين. ويبدو أن نطاق الزاد سترته بالنطاق الآخر. انظر فتح الباري صـ ٢٩٤.\n(٢) هو الغار الذي نتحدث عنه، والذي ينسب إلى الجبل فيقال: غار ثور. وقد خرجا إليه من بيت الصدّيق مباشرة. قال في فتح الباري صـ ٢٩٤ - ٢٩٥: «ذكر الواقدي أنهما خرجا من خوخةٍ في ظهر بيت أبي بكر، وقال الحاكم: تواترت الأخبار أن خروجه كان يوم الاثنين، ودخوله المدينة كان يوم الاثنين، إلا أن محمد بن موسى الخوارزمي قال: إنه خرج من مكة يوم الخميس. قلت: يجمع بينهما بأن خروجه من مكة كان يوم الخميس، وخروجه من الغار كان ليلة الاثنين؛ لأنه أقام فيه ثلاث ليال، فهي ليلة الجمعة وليلة السبت، وليلة الأحد، وخرج في أثناء ليلة الاثنين». أقول: ولتمام الفائدة فإن رسول الله - ﷺ - فارق دنياه، والتحق بمولاه ضحوة يوم الاثنين في ١٣ ربيع أول سنة ١١ للهجرة الموافق ٨ يونيو سنة ٦٣٣ م عن ٦٣ سنة قمرية كاملة وثلاثة أيام. انظر «نور اليقين» للمرحوم الشيخ محمد الخضري صـ ٢٦٤.\n(٣) أي فاختفيا فيه.\n(٤) الثّقِف الحاذق.\n(٥) اللَّقِنُ السريع الفهم.\n(٦) في مختار الصحاح ادَّلج بتشديد الدال سار من آخر الليل، أما أدْلج فقد سار من أول الليل.\n(٧) في مختار الصحاح السَّحَر قُبيل الصبح.\n(٨) من بات أي نام أي مثل من نام فيها.\n(٩) وفي رواية عند غير البخاري: يُكادان.\n(١٠) هو مولى أبي بكر اشتراه فأسلم فأعتقه.\n(١١) تطلق على كل شاة، وفي رواية أن الغنم كانت لأبي بكر.\n(١٢) الرّواح ضد الصباح، وهو اسم للوقت من زوال الشمس إلى الليل، وهو أيضًا راح يروح، لذلك جاء في رواية موسى بن عقبة:» يروح عليهما كل ليلة فيحلبان، ثم تسرح بكرة فيصبح في رعيان الناس فلا يفطن له «فتح الباري صـ ٢٩٦.","vol":"1","page":161},{"text":"من العشاء فيبيتان في رِسلٍ - وهو لبن مِنحتهما ورضيفهما (١) - حتى ينعق (٢) بها عامرُ بنَ فُهرِة بغَلَس (٣)، يفعل ذلك في كلِّ ليلة من تلك الليالي الثلاث.\nواستأجر رسول الله - ﷺ - وأبو بكر رجلًا من الدِّيل (٤)، وهو من بني عبد بن عدي هاديًا خِرِّيتًا (٥) - والخِرِّيتُ الماهر بالهداية (٦) - وقد غمس حِلفًا في آل العاص بن وائل السهميّ (٧)، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحِلَتَيْهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليالٍ براحلتَيْهما صُبْحَ ثلاث، وانطلق معهما عامرُ بنُ فُهرِة والدَّليل، فأخذ بهم طريق السواحل (٨)» (٩).\nإنّ منزلة هذا الغار تأتي من حيث إن القرآن الكريم ذكره بالقصة واللفظ، والسنة الشريفة فصّلته تفصيلًا، وما نخلص إليه من ذلك أن البيان الإلهي يخاطب من\n_________\n(١) اللبن المرضوف الذي وضعت فيه الحجارة المحماة بالشمس أو النار لينعقد وتزول رخاوته.\n(٢) أي يصيح بغنمه؛ لأن النعيق صوت الراعي إذا زجر الغنم.\n(٣) الغَلَس في اللغة ظلمة آخر الليل.\n(٤) أي ابن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة.\n(٥) الخِرِّيت هو الدليل الخبير الماهر بطرق المفاوز. واسمه عبد الله بن أرقد، وفي رواية أُرَيْقِدْ، وعند موسى بن عقبة أُرَيقِط بالتصغير وبالطاء. قال في فتح الباري جـ ٧ ص ٢٩٧:» وهو أشهر «.\n(٦) هذا مُدْرج من تفسير الزهري.\n(٧) أي هو حليفهم، وكانوا إذا تحالفوا غمسوا أيمانهم في دم أو خلوق أو في أي شيء يكون فيه تلويث.\n(٨) جاء في فتح الباري جـ ٧ ص ٢٩٧: «وفي رواية موسى بن عقبة فأجاز بهما أسفل مكة ثم مضى بهما حتى جاء بهما الساحل أسفل من عسفان، ثم أجاز بهما حتى عارض الطريق».\n(٩) صحيح البخاري برقم (٣٩٠٥).","vol":"1","page":162},{"text":"تخلّف عن غزوة تبوك معاتبًا بعد انصراف رسول الله - ﷺ - من تبوك (١): إلَّا تنصروه بالنَفْر معه، فإنّ الله ناصره ومؤيده حتى ولو كانت الملحمة مع إمبراطورية الروم، والمسلمون من قلة، والأيام من أشدّ الأوقات حرًّا في الصيف. لقد نصره ربه من قبل في أحلك الأوقات يوم خرج وحده فقيرًا، شريدًا، مطلوبًا رأسه بعد أمرٍ دُبِّرَ بليل، فنصره الله، وصاحبَهُ رجل الصدق والوفاء أبا بكر، فأين كنتم يومئذ؟ ثم أين استجممتم أيُّها المتخلفون يوم تبوك؟ ألم آخذ بيده إلى برّ الأمان. يقول العلماء: هذه الآية في فضائل الصدّيق - ﵁ - وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، ذلك أنهما بعد أن خرجا من فتحة في ظهر بيت أبي بكر، توجَّها إلى الغار دونما إبطاء، فكان أبو بكر يمشي بين يديه ساعة، ومن خلفه ساعة، فسأله - ﷺ - عن ذلك فأجابه:\nأذكرُ الطلب فأمشي خلفك، وأذكر الرصد فأمشي أمامك.\nفقال رسول الله - ﷺ - مستفهمًا: لو كان شيءٌ أَحبَبْتَ أن تُقْتَلَ دوني؟\nفأجابه بلا تردّد: إي والذي بعثك بالحق.\nلقد كان أبو بكر - ﵁ - في ذروة الإخلاص والفداء، وما كان لرسول الله - ﷺ - ليصحب معه غير هذا الصنف من الرجال في هجرة يترتب على نجاحها المضيُّ في أمانة الدعوة الإسلامية إلى غايتها، وعلى إخناقها خنق حقيقة الإسلام إلى يوم الدين.\nولقد توّج الصدّيق وفاءه الاستبساليَّ لحظة أن انتهيا إلى الغار حيث وقف على بابه يخاطب رسول الله - ﷺ - بلغة الحرص: مكانَكَ يا رسول الله حتى استبرئ لك الغار. قال: فاستبرأه (٢).\n_________\n(١) تفسير القرطبي جـ ٨ صـ ١٣٣.\n(٢) دلائل النبوة للبيهقي. انظر فتح الباري جـ ٧ صـ ٢٩٦.","vol":"1","page":163},{"text":"إن مغامرة الاستكشاف والتطهير لغار ثور هي عملية استشهادية بكل المقاييس، لأن الدخول إلى الغار يومها كان زحفًا - كما مر - فالولوج إليه مع انخفاض بابه وضيقه (١)، واحتمال وجود حيوان يؤذي من نحو حية وعقرب في منطقة نائية صعبة المرتقى في أعلى جبلٍ من جبال مكة الجرداء، قد يؤدي الاستبراء فيه إلى الذهاب بحياة أبي بكر - ﵁ - في أية لحظة، ومع ذلك فقد أصرَّ وصدق وفعل المهمة التي لا يُقبل عليها إلا الخُلَّص من الرجال.\nنعم، إنّ رسول الله - ﷺ - أُحيط بثلة من الرجال الصادقين لن تجد لهم في الدنيا نظيرًا، من هؤلاء سيدنا عليُّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه الذي اختارته يد العناية الإلهية لمهمة أخرى متممة لمهمة أبي بكر في الإخلاص والاستبسال حين أمر جبريل رسول الله - ﷺ - أن لا يبيت في فراشه تلك الليلة فدعا عليًا وأمره أن يبيت في الفراش، ويُسجِّي نفسه ببُرْد رسول الله - ﷺ - الأخضر حتى يورّي عنه عيون المشركين الذين وقفوا على بابه يحرسونه يحسبونه رسول الله - ﷺ - (٢).\nرقد عليٌ في الفراش وخرج رسول الله - ﷺ - من بين الشباب المندَبين لجريمة اغتياله رجاء أن يضيع دمه الشريف بين القبائل.\nخرج رسول الله - ﷺ - ومعه حفنة من تراب، فجعل ينثرها على رؤوس رجال الكتيبة المسلحة التي وقفت ترصده بعد أن طمس الله على أبصارهم، وغَشيَهم النوم، وهو يقرأ عليهم من صدر سورة يس إلى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)﴾ [يس: ٩] (٣).\n_________\n(١) نفس المرجع والجزء صـ ١٥.\n(٢) هذا من زيادة رواية ابن إسحاق. انظر نفس المرجع والجزء صـ ٢٩٥.\n(٣) فتح الباري جـ ٧ صـ ٢٩٥.","vol":"1","page":164},{"text":"ويكون قد اجتمع لرسول الله - ﷺ - في هذا الخروج معجزتان ليستيقنوا صدق النبوة، وضآلة من يقف في وجه أمرٍ قدّره الله وقضاه:\nالمعجزة الأولى استغراقهم في نوم غلب عليهم جميعًا دون استثناء واحد منهم.\nالمعجزة الثانية وضع رسول الله - ﷺ - التراب على رؤوس المشركين ونثره نثرًا ليتأكدوا أنه مرَّ من هنا، ولولا أنه نبي ما كان له ذلك وهم الذين أحكموا القبضة على مداخل داره، بقوة السلام.\nإنهما بطلان مستبسلان كل منهما يذود عن النبي والنبوة ابتغاء مرضاة الله، ولو ذهبت روحه فداء ذلك (١).\nفي المشهد الأول قتلةٌ وظفتهم العادات والتقاليد البالية، والعقائد الفاسدة ليثأروا من هذا النبي الذي بُعث مسفهًا لموروثات الجاهلية، يحمل في يدٍ مشعل العلم والنور ليضيء للتائهين دروب النجاة، وفي يدٍ المعجزة الإلهية الناطقة بصدقه التي يعجز عن مثلها البشر جميعًا ولو اجتمعوا لها.\nوفي المشهد الثاني اندفاع من هؤلاء القتلة ومن لفّ لفّهم بحثًا عن رسول الله - ﷺ - لقتله وتصل طلائع إجرامهم إلى فم الغار.\n_________\n(١) في رقود علي في فراش رسول الله - ﷺ - أكثر من مقصد حضاري تتعلم منه الأمة، فمن جانب هو درس في الأخذ بالأسباب؛ لأن المشركين يحسبون أن رسول الله - ﷺ - في فراشه فيطمئنون ولا يبحثون عنه بينما يكون قد اتخذ طريق الأمان في غياب عيونهم التي تتربص به سوءًا.\nالمقصد الآخر هو تعريض عليّ روحه للموت وسيأتي.\nالمقصد الثالث هو أداء الأمانات للمشركين؛ لأنهم رغم عدائهم للحبيب ما كانوا يجدون أحدًا يأمنون عنده على أماناتهم خيرًا من رسول الله - ﷺ -، وفي هذا مشهد من مشاهد الحضارة الإسلامية الناطقة في ساحة السيرة النبوية، وهي أنه لم يستبحْ أموالهم التي بين يديه مع أنهم استباحوا دمه، كما أنه لم يُرقْ لهم دمًا عندما غشيهم النوم، وبأيديهم أسلحة الجريمةفهل في الدنيا أعظم من رسول الله - ﷺ -.","vol":"1","page":165},{"text":"المشهد الأول يبدأ ليلًا حين أحاط مسلحوهم بالمنافذ المؤدية إلى دار رسول الله - ﷺ -، ونظروا من ش ق الباب فوجدوا نائمًا في الفراش، فحسبوه رسول الله - ﷺ -، فاطمئنوا إلى أنه - ﷺ - موجود، وما عليهم سوى انتظار الخروج، ولقد همّوا أن يقتحموا عليه خلوته ويقتلوه أو يقيدوه ليساق للموت لكن انتهى أمرهم إلى الانتظار حتى خرج عليهم عليٌّ كرّم الله وجهه صُبحًا فأخبرهم أن رسول الله - ﷺ - قد فات ونجا (١)، فاستشاطوا غضبًا، فانطلقوا يبحثون عنه في الفجاج والشعاب معتمدين على شبابهم وخيلهم وأهل الخبر فيهم حتى بعثوا في أثرهم قائفَين يقتفيان الأثر، أحدهما كرز بن علقمة الذي أوصلهم بالفعل إلى منطقة الغار قائلًا: هنا اختفى الأثر.\nومع انتشارهم بحثًا عنه - ﷺ - في الفيافي والقفار يبدأ المشهد الثاني صباحًا.\nوفي المشهدين تعريض النفس للموت فداء رسول الله - ﷺ -.\nفي المشهد الأول كان يمكن أن ينقضوا على الفراش فتزهق روح علي دون أن يدروا ولم يكن ثمة ضوء فيظهر المعالم والبيت منزل رسول الله - ﷺ -.\nوفي المشهد الثاني كان يمكن أن يهوي أبو بكر من الجبل الشاهق وهو يسير مضطربًا على رسول الله - ﷺ - تارة أمامه وتارة خلفه وذلك في صعود صعب لا سهل ميسَّر.\nفي المشهد الأول لحظة خروج عليّ يخبرهم بنجاة رسول الله - ﷺ - صباحًا (٢)،\n_________\n(١) تفسير القرطبي جـ ٧ ص ١٣٢.\n(٢) في رواية موسى بن عقبة عن الزهري أن رسول الله - ﷺ - مكث بعد الحج بقية ذي الحجة والمحرم وصفر ثم إنّ مشركي مكة اجتمعوا .. ثم ساق الحديث ثم قال: «وباتَ عليٌّ على فراش النبيّ - ﷺ - يورّي عنه، وباتت قريش يختلفون في أمره أيهم يهجم على الفراش فيوثقه، فلما أصبحوا إذا هم بعلي قال: فخرجوا يطلبونه في كل وجه». انظر فتح الباري جـ ٧ صـ ٢٩٥.","vol":"1","page":166},{"text":"وشعورهم بأنه انقضى وقت يتيح لمحمد - ﷺ - بسبب خديعة علي، كان من المتوقع أن يفرّغوا غيظهم في صدر علي بطعنة خنجر، أو ضربة سيف وهو الذي استدرجهم ليلة بكاملها، لكن الله سلّم.\nوفي المشهد الثاني في استبراء الغار، أو إدراك العيون للحبيب وصاحبه، الموت هو أبسط عقاب في هجرة مصيرية بالنسبة لكل من التوحيد والوثنية في مكة على حد سواء.\nأما المشهد الثالث فترسمه شجاعة عمر، في إظهاره لعزة المسلم الذي لا يخشى لومة لائم، ولا كيد حاقد على الإسلام والمسلمين.\nوهكذا فإن شموع الإسلام أبو بكر عمر عثمان وعلي وسائر الصحابة الكرام هم التضحيات التي أذابت حظوظ نفسها لأجل أن يصل الإسلام إلى البشرية نقيًا صافيًا سلسبيلًا كما أُنزل، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.\nلكنَّ الذي ذكرته الآية وأكثر من ذكره رسول الله - ﷺ - هو سيدنا أبو بكر - ﵁ -.\nأولًا: الآية وثقت حديث الغار بآية نزلت على رسول الله - ﷺ - وفي هذا مزيد خصوصية لأبي بكر أن يحكي القرآن كلامًا دار بين الحبيب وصدّيقه.\nثانيًا: أن الآية نسبت الصدّيق إلى الصحبة، ووصفته بالصاحب: «إذ يقول لصاحبه لا تحزن» (١).\nثالثًا: قوله تعالى: ﴿إِن اللَّهَ مَعَنَا﴾ أي بالنصر والرعاية والحفظ والكلاءة. فأبو بكر ناله نصر الله ورعاية ربه وحفظ مولاه، وكلاءة العناية الإلهية بصحبة رسول الله - ﷺ - في الغار، وبنص كتاب الله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ\n_________\n(١) تفسير القرطبي جـ ٨ صـ ١٣٣.","vol":"1","page":167},{"text":"يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ (١) إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.\nرابعًا: قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ الضمير في أصح القولين يعود على أبي بكر. قال ابن العربي: «وهو الأقوى؛ لأنه خاف على النبيّ - ﷺ - من القوم؛ فأنزل الله سكينته عليه بتأمين النبي - ﷺ -، فسكن جأشه، وذهب روعه وحصل الأمن ..».\nومن فضل أبي بكر الذي ترشد إليه هذه الآية مسألة الخلافة التي انتقلت إليه لفضله، الذي أطبقت الأمة عليه، ولتزكية هذه الآية على الخصوص، فقد اجتمع المهاجرون يتشاورون بعد وفاة رسول الله - ﷺ - فقالوا: انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار ندخلهم معنا في هذا الأمر. فقالت الأنصار: منّا أمير ومنكم أمير. فقال عمر - ﵁ -: مَن له مثل هذه الثلاث ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِن اللَّهَ مَعَنَا﴾ مَن هما؟ قال: ثم بسط يده فبايعه وبايعه الناس بيعة حسنة جميلة (٢).\n_________\n(١) لا يتنافى حزن أبي بكر في الغار مع منزلته التي فاقت جميع الأصحاب، فليست من قبيل الجهل والنقص، وضعف القلب كما صوّره بعض أهل الجنوح. قال الإمام القرطبي: جـ ٨ صـ ١٣٤ .. وأجاب علماؤنا عن ذلك بأن إضافة الحزن إليه ليس بنقص؛ كما لم ينقص إبراهيم حين قال عنه: ﴿نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ [هود: ٧٠]، ولم ينقص موسى قوله: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ﴾ [طه: ٦٧ - ٦٨] وفي لوط: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ [العنكبوت: ٣٣] فهؤلاء العظماء صلوات الله عليهم قد وُجدت عنهم التقيَّة نصًا، ولم يكن طعنًا عليهم ووصفًا لهم بالنقص؛ وكذلك في أبي بكر. ثم هي عند الصدّيق احتمال، فإنه قال: (لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا). جواب ثان: إن حزن الصدّيق إنما كان خوفًا على النبي - ﷺ - أن يصل إليه ضرر، ولم يكن النبي - ﷺ - في ذلك الوقت معصومًا، وإنما نزل عليه ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] بالمدينة».\n(٢) نفس المرجع والجزء والصفحة.","vol":"1","page":168},{"text":"قال الإمام القرطبي:» قلتُ: ولهذا قال بعض العلماء: في قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ ما يدل على أن الخليفة بعد النبي - ﷺ - أبو بكر الصدّيق - ﵁ -؛ لأن الخليفة لا أبدًا إلا ثانيًا. وسمعتُ شيخنا الإمام أبا العباس أحمد بن عمر يقول:\nإنما استحق الصدّيق أن يقال له ثاني اثنين لقيامه بعد النبيّ - ﷺ - بالأمر؛ كقيام النبيّ - ﷺ - به أولًا، وذلك أن النبيّ - ﷺ - لما مات ارتدّت العرب كلها، ولم يبق الإسلام إلَّا بالمدينة ومكة وجُوَاثا (١)؛ فقام أبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام ويقاتلهم على الدخول في الدين كما فعل النبيُّ - ﷺ - فاستحق من هذه الجهة أن يقال في حقه ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ (٢).\nوربما المشهد الأخير من حياة رسول الله - ﷺ - ساعد كثيرًا في اندفاع الأنصار إلى التنازل عن تقديم اسم أمير منهم ذلك أنه أغمي على رسول الله - ﷺ - في مرضه، ثم أفاق، فقال: أحضرتِ الصلاة؟ قالوا: نعم، قال: مُرُوا بلالًا فليُؤَذّن، ومُرُوا أبا بكر فليُصَلِّ بالناس، ثم أغمي عليه، وتكرر الأمر بصلاة أبي بكر خمس مرات، ثم خرج متكأ على بريرة ورجل آخر، وصلَّى خلف أبي بكر، حتى قضى أبو بكر صلاته ثم إنّ رسول الله - ﷺ - قُبض (٣).\nإنّ قيمة الغار التاريخية تأتي من فضل من نزل فيه محتميًا وهو رسول الله - ﷺ - سيد الإنس والجن، والأولين والآخرين، وأبو بكر الصاحب الأمين، والرفيق الأبدي في مكة والهجرة والمدينة، والمدفن والبرزخ والقيامة والبعث والجنة التي أعدّها الله للمتقين.\n_________\n(١) موضع بالبحرين.\n(٢) تفسير القرطبي جـ ٨ صـ ١٣٤ - ١٣٥.\n(٣) سنن ابن ماجه برقم ١٢٣٤.","vol":"1","page":169},{"text":"ولقد تكرر ذكر رسول الله - ﷺ - للغار مقترنًا بأبي بكر، ولأبي بكر مقترنًا ذكره بالغار، إقتداء بالكتاب العزيز، وإحسانًا من رسول الله - ﷺ - ووفاء لمن أحسن إليه، فالعمل من جنسه وأحسن منه (١).\nروى ابن حبان من طريق أبيع وانة في قصة بعث أبي بكر إلى الحج، وفيه: «فقال له رسول الله - ﷺ -: أنت أخي وصاحبي في الغار» (٢). وروى عبد الله بن أحمد في زيادات المسند عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار».\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>دار الندوة:</span>\nبناها قصيُّ بن كلاب حوالي ٢٠٠ ق. هـ، وسميت بذلك لتشاورهم فيها، وعقد الألوية للحروب، وغير ذلك من مهمات الأمور (٣).\nوالاسم مشتق من الندي على فعيل مجلس القوم ومتحدَّثهم، وكذا الندوة والنادي والمنتدى. قال صاحب مختار الصّحاح: «ومنه سميت دار الندوة التي بناها قُصَيّ بمكة؛ لأنهم كانوا يَنْدون فيها أي يجتمعون للمشاورة. وقوله تعالى:\n﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] أي عشيرته، وإنما هم أهل النادي، والنادي مكانه\n_________\n(١) روى البخاري في صحيحه برقم (٣٦٥٤) عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: خطب رسول الله - ﷺ - بالناس وقال: إن الله خيّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله. قال: فبكى أبو بكر! فعجبنا لبكائه أن يُخبِرَ رسول الله - ﷺ - عن عبدٍ خُيّر، فكان رسول الله - ﷺ - هو المخيَّر، وكان أبو بكر أعلمنا. فقال رسول الله - ﷺ -: «إنّ أمنَّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنتُ متخذًا خليلًا غير ربي لاتّخذتُ أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يُبْقَيَنَّ في المسجد بابٌ إلا سُدَّ، إلَّا باب أبي بكر».\n(٢) فتح الباري جـ ٧ صـ ١٣.\n(٣) «تاريخ مكة المكرمة قديمًا وحديثًا» د. محمد إلياس عبد الغني صـ ١٢٧.","vol":"1","page":170},{"text":"ومجلسه قسماه به، كما قال: تقوَّض المجلس ويراد به تقوَّض أهله» (١).\nالذي يجدر التنبيه إليه أن هذه الدار هي التي اجتمع فيها صناديد قريش ليتدارسوا الخطة النهائية لإخماد الدعوة الإسلامية إلى الأبد، بعد أن شعروا بخروج الأمر من يدهم إثر خروج المسلمين الواحد تلو الآخر سرًا من مكة، واجتماعهم في المدينة التي بدأت تتحول إلى معقل حصين للإسلام والمسلمين، لا ينقصه إلَّا هجرة محمد - ﷺ - إليه لذلك عقدوا الأمر على قتل رسول الله - ﷺ - في هذه الدار بالذات.\nنزل في دار الندوة عمر بن الخطاب ذات مرة أيام خلافته، ثم نزل فيها الخلفاء والأمراء، وكانت محل اهتمامهم حتى أدخلها المعتضد العباسي في توسعته للمسجد الحرام التي نفذها في العام ٢٨٤ هـ الموافق للعام ٨٩٧ م، وهي تقع اليوم في الجهة الشمالية الغربية ضمن الأروقة والمطاف، وتخليدًا لموقعها وأهميتها حمل أحد الأبواب في تلك الجهة اسم باب الندوة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>دار السيدة خديجة ﵂:</span>\nفي هذه الدار بنى رسول الله - ﷺ - بأُمِّ المؤمنين خديجة ﵂، وفيها ولدت بناته - ﷺ -، وفيها توفيت، وفيها نزل الوحي مرارًا. الأهم من هذا كله أن رسول الله - ﷺ - لم يزل ساكنًا في تلك الدار حتى حاصرته قريش، بعد أن اتفقوا على قتله في دار الندوة، فخرج من بينهم، وهو ينثر التراب في وجوههم، ويقرأ صدر سورة يس، كما سيأتي، أي من هذه الدار هاجر، وإلى هذه الهجرة، وما أحاد بها من مؤامرات خسيسة، ومكائد حاقدة، أشار البيان الإلهي في سورة الأنفال الآية (٩) حين قال: «وإذ يمكر بك الذين كفروا ليُثبتوك أو يقتُلوك أو يُخرجوك، ويمكرون،\n_________\n(١) مختار الصحاح باب: ن د ١.\n(٢) «تاريخ مكة المكرمة ..» د. عبد الغني صـ ١٢٧.","vol":"1","page":171},{"text":"ويمكر الله والله خيرُ الماكرين ..».\nكانت الدار تقع خلف دار أبي سفيان، فلما كانت خلافة معاوية اشتراها - ﵁ - واتخذها مسجدًا، وفتح بابًا من دار أبي سفيان - ﵁ - إلى هذا المسجد الجديد.\nقبل أن تدخل في التوسعة السعودية عام ١٣٨٥ هـ كان آخر ما طرأ عليها من تعديل أن بُني في موقعها مدرسة للبنات عام ١٣٦٩ هـ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>الأخشبان:</span>\nالأخشبان هما جبلان في مكة، وفي مختار الصحاح: الأخشبان جبلا مكة، وكل جبل خَشِن عظيم فهو أخشب، وسمّيا بذلك لصلابتهما وغِلظ حجارتهما كما أفاده الإمام ابن حجر العسقلاني.\nوقد جاء ذكرُ الأخشبين في حديث عن عائشة وقد سئل رسول الله - ﷺ -: هل أتى عليك يومٌ كان أشدّ من يوم أحد؟ فقال: لقد لقيتُ من قومك ما لقيتُ، وكان أشدّ ما لقيتُ منهم يوم العقبة إذْ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال (٢) فلم يُجبني إلى ما أردْتُ فانطلقت وأنا مهموم، على وجهي (٣)، فلم أستفقْ إلا وأنا بقرنِ الثعالب (٤)، فرفعتُ رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرتُ فإذا فيها جبريلُ، فناداني فقال:\n_________\n(١) نفس المرجع صـ ١٢٧ - ١٢٨.\n(٢) ابن عبد ياليل واسمه كنانة من أكابر أهل الطائف من ثقيف. ويقال إنه أحد رجلين أُشير إليهما في قوله تعالى: ﴿عَلَى رَطْبٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] والآخر هو عتبة بن ربيعة. وجاء أن ابن عبد ياليل لما دخل الإسلام الطائف خرج إلى الروم ومات بها والله أعلم. انظر فتح الباري جـ ٦ صـ ٣٧٩.\n(٣) أي على الجهة الموالية لي.\n(٤) هو قرن المنازل، وهو ميقات أهل نجد.","vol":"1","page":172},{"text":"إن الله قد سمع قول قومكَ لك، وما رَدُّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال (١)، لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلّم عليّ ثم قال:\nيا محمد، فقال: «ذلك فيما شئت، إنْ شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين».\nفقال النبي - ﷺ -: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» (٢).\nوالأخشبان قال في تحديدهما العلامة ابن حجر العسقلاني: «هما جبلا مكة أبو قُبَيْس والذي يقابله وكأنه قُعَيْقُعان، وقال الصفاني: بل هو الجبل الأحمر الذي يشرف على قُعَيقعان، ووهم من قال هو ثور كالكرماني (٣).\nوفي إطباقهما يقول: «والمراد بإطباقهما أن يلتقيا على من بمكة، ويحتمل أن يريد أنهما يصيران طبقًا واحدًا» (٤).\nوجبل أبو قُبيس هو الجبل الشرقي المشرف على الصفا والمسجد الحرام، وارتفاعه نحو ١٢٠ مترًا من سفح الجبل. سمّي بذلك، لأنه يقال إنّ أول من بناه كان يُدعى أبا قُبيس.\nوكان يسمى في الجاهلية الأمين لما قيل إنّ الحجر الأسود كان مستودعًا فيه قبل أن يبني إبراهيم البيت (٥).\nأما جبل قُعَيقعان فهو الجبل الضخم الآخر المشرف على المسجد الحرام من\n_________\n(١) أي الموكّل بها.\n(٢) صحيح البخاري برقم (٣٢٣١).\n(٣) فتح الباري جـ ٦ صـ ٣٨٠.\n(٤) المرجع المذكور في الجزء والصفحة.\n(٥) انظر «تاريخ مكة المكرمة قديمًا وحديثًا» د. محمد إلياس عبد الغني صـ ١٣٠.","vol":"1","page":173},{"text":"الشمال والشمال الغربي والممتد من حارة الباب إلى الشامية، ويسمى اليوم بأسماء عدة حسب إطلالته على مختلف الأحياء والجهات لذلك يسمى طرفه الشمالي الغربي جبل العبادي، وطرفه الشرقي المشرف على الحجون ومقبرة المعلاة جبل السليمانية، وبين القرارة والفلق يسمى جبل القرارة والفلق، أما الجزء الجنوبي منه فيسمى جبل هندي، لسكنى الهنود بجواره. وما أشرف على دحلة يسمى جبل السودان (١). ارتفاعه نحو ١١٠ م من سفح الجبل.\nولابد لنا في ختام هذا المشهد من وقفة تأمل عند قوله - ﷺ -:\n«بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يُشرك به شيئًا». قال هذه العبارة الراقية رغم الغلظة التي عامل بها أهل الطائف رسول الله - ﷺ - بعد أن التجأ إليهم إثر وفاة عمه أبي طالب يدعوهم إلى الإسلام، ويعرضه على ثلاثة من سادتهم وهم عبد يا ليل ومسعود وحبيب أولاد عمرو بن عُمير الثقفي، فلما عرض عليهم نصرته حتى يؤدي دعوته فردوا عليه أقبح رد، وسلطوا عليه سفهاءهم وغلمانهم يرمونه بالحجارة، فعاد مهمومًا، فلما أتيحت له فرصة الانتقام من الطائفتين بسهم واحد، صبر واحتسب عند الله، وأظهر من الرحمة والحلم ما يجسد حقيقة قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (٢).\nولقد تكرر الموقف يوم جاء إلى مكة فاتحًا على رأس جيش جرّار في مقاييس العرب في ذلك الزمان، ويومها قال ما يشبه مقولته هنا: اذهبوا فأنتم الطلقاء.\nفإلى من يجهل من هو محمد رسول الله - ﷺ - أدعوهم للتوقف عند هذين\n_________\n(١) المرجع المذكور صـ ١٣١.\n(٢) «نور اليقين» للمرحوم الشيخ محمد الخُضَري صـ ٧١.","vol":"1","page":174},{"text":"المشهدين من خلال عشر سنوات خُتِمَتْ بالمشهد الأول، وأكثر من عشرين سنة (١) من الحرب الضروس لم تكن فيها أسلحة أو وسائل محرمة من قبل عدوه، ختمت بالمشهد الثاني، وفي كلٍّ كان - ﷺ - رحمة مهداة يحمل بيده وشماله وعقله وقلبه ومنهجه ورسالته مشعل السلام لكل البشر فجزاه الله عنّا وعن البشرية خير ما جزى نبيًا عن أمته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>شِعبُ أبي طالب:</span>\nالشِّعْبُ في اللغة بكسر الشين ما انفرج بين الجبلين، والجمع شِعاب.\nوشعبُ أبي طالب، أو شعبُ بني هاشم، يطلق عليه ذلك؛ لأن منازل بني هاشم كانت هناك، ولهذا أيضًا يسمّى شعبَ عليّ؛ لأن منزل سيدنا علي بن أبي طالب ﵁ تقع في شِعب أبيه وأبناء عمومته.\nوفي هذا الشعب ما يعرف بالمولد النبويّ الشريف، وهي الدار التي وُلد فيها رسول الله - ﷺ - وتقع في فم الشِّعب. ولقد بنت الخيزران أم هارون الرشيد العباسي رحمها الله مسجدًا في موضع هذا الدار، لكن هدم، ثم بنى الشيخ عباس قطان سنة ١٣٧٠ هـ/١٩٥٠ م من ماله الخاص مكتبة عامة فوق أرض تلك الدار المباركة (٢).\nهذه الدار تقع في الجهة الشرقية من الساحة الشرقية للمسجد الحرام، وبالضبط أمام الساحات التي تقابل أبواب المسعى باتجاه القصر المشاد هناك، حيث يقع القصر عن يمينك، وأبواب المسعى خلفك، وما صار يعرف بمكتبة مكة المكرمة عن يسارك.\nقال الدكتور محمد إلياس عبد الغني: «ويأتي هذا الشِّعْبُ من بين جبل أبي قُبَيْس عن يساره والخنادم عن يمينه، فيصبُّ في بطحاء مكة فيما يعرف بسوق الليل\n_________\n(١) فتح مكة كان في السنة الثامنة من الهجرة، وظل رسول الله - ﷺ - يدعو قومه في مكة ثلاث عشرة سنة.\n(٢) المرجع المذكور صـ ١٢٣.","vol":"1","page":175},{"text":"فوق المسجد الحرام بما يقرب من ثلاثمائة متر» (١).\nهذا الشعب هو الذي تم حصار بني هاشم وبني المطلب مسلمهم وكافرهم فيه، وذلك في شهر محرم سنة سبع من النبوة، وامتدّ ثلاث سنين، وكان حصارًا شديدًا ألجأهم إلى أكل الأوراق والجلود.\nأما المكان الذي كتبت فيه الصحيفة فهو خَيْفُ بني كنانة ب<span data-type=\"title\" id=toc-30>المحصَّب </span>أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يجالسوهم ولا يقبلوا منهم صلحًا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يُسلموا لهم رسول الله - ﷺ - للقتل.\nروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ - من الغَدِ يوم النَّحر - وهو بمنى - نحن نازلون غدًا بخَيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر، يعني بذلك المحصَّب، وذلك أنّ قريشًا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يُسلموا إليهم النبيَّ - ﷺ - (٢).\nوفي رواية عند غير البخاري: «ولا يخالطوهم» وفي أخرى أيضًا: «وأن لا يكون بينهم وبينهم شيء» (٣).\nالمحصَّبُ:\nالمحصَّبُ موضعٌ بأعلى مكة يقع عند مدخل مكة من جهة منى العزيزية الشمالية إلى مقربة الحجون وهو ما يعرف اليوم بالمعابدة وامتداداتها باتجاه الحجون، وباتجاه منى.\nوالمحصّب في اللغة من الحصباء، وهي الحجارة، لذلك يقال لموضع الجمار\n_________\n(١) المرجع المذكور صـ ١٢٦.\n(٢) البخاري برقم (١٥٩٠).\n(٣) فتح الباري جـ ٣ صـ ٥٧٢.","vol":"1","page":176},{"text":"في منى المحصّب أيضًا.\nوالمحصَّب هو الشِّعبُ بين الجبلين، وهو ما جاء في القاموس المحيط.\nوبالتالي فالمحصَّب هو مسيل الوادي؛ حيث تجتمع فيه بسبب السيول، الحجارةُ الصغيرة. ويطلق عليها الحصباء، والمكان الذي تجتمع فيه يسمّى المحصّب، ويطلق المحصّب على الأبطح؛ لأنه كالمحصَّب مأخوذ من البطحاء وهي الحصى الغار.\nقال العلامة ابن حجر العسقلاني: «البطحاء التي بين مكة ومنى، وهي ما انبطح من الوادي واتسع، وهي التي يقال لها المحصّب والمقوس، وحدّها ما بين الجبلين إلى المقبرة»، ثم قال: «الثاني ما يشعر بأنه صلى بالأبطح، وهو المحصّب» (١).\nوفي المحصَّب خَيْفُ بني كنانة، والخَيْفُ في اللغة: وفق ما جاء في القاموس المحيط للفيروزابادي ما انحدر عن غليظ الجبل، وارتفع عن مسيل الماء (٢)، وبه سُمّي مسجدُ الخَيْف في منى؛ لأنه في سفح الجبل.\nولمّا كانت أرضُ المحصَّب تتبعُ بني كنانة، فإنّ المحصَّب يطلق عليه خَيْفَ بني كنانة، مع أنه في الأصل - كما قلتُ لك - يختص بما انحدر من الجبل، وهو هنا جبل زرود، وفيه ينشد المداح في مجالسهم:\nألفُ صلّى الله على زين الوجود ... مَن سكنْ طَيْبَةْ، وخيَّم في زرود\nأهمية المحصَّب تأتي من أنه المكان الذي تحالفت فيه قريش على بني هاشم وبني عبد المطلب لمقاطعتهم أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم، ولا يؤووهم؛ ولا\n_________\n(١) فتح الباري جـ ٣ صـ ٧٤٥.\n(٢) هذا ما صرّح به في فتح الباري جـ ٨ صـ ١٨.","vol":"1","page":177},{"text":"يكون بينهم شيء حتى يُسلموا لهم رسول الله - ﷺ -، وقد تم حصارهم بالفعل في شعب بني طالب. فالمحصَّب هو الموضع الذي استعلن فيه الكفر في وجه المسلمين، لذلك تعدّدت المواقف النبوية التي تعلن الإيمان وعزّة الإسلام وشعائره في الموقع الذي ارتفع فيه صوت الباطل في وجه الحق الذي نزل به الوحيُ الأمين.\nقال لهم ذلك في فتح مكة، وفي يوم النحر من حجة الوداع، وحين أراد حُنَينًا.\nروى البخاري في صحيحة عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «منزلنا - إنْ شاء الله (١)، إذا فتح الله - الخَيْفُ (٢) حيث تقاسموا (٣) على الكفر» (٤).\nمسجد البيعة:\nهو المسجد الذي بني في الموضع الذي تمّت فيه بيعة العقبة الأولى، وبيعة العقبة الثانية. ذلك أن رسول الله - ﷺ - كان يعرض نفسه على القبائل التي تتوافد إلى البيت الحرام كل عام في موسم الحج، يتلو عليهم كتاب الله، ويدعوهم إلى التوحيد، ويبشرهم إن هم منعوه حتى يبلغ رسالة ربه أن لهم العزة في الدنيا التي يملكون بها العرب، وتذلّ بها العجم، وأن لهم الجنة في الآخرة، وكان يتّبعهم إلى منازلهم في عكاظ وذي المجاز ومجنة فلا يتبعه منهم أحد؛ لأن أبا لهب كان يمضي وراءه يحذر الناس منه يقول: لا تطيعوه فإنه صابئ كاذب، فيردّون على رسول الله - ﷺ - أقبح الردّ ويؤذونه (٥).\n_________\n(١) المشيئة هنا للتبرك.\n(٢) الخَيفُ: مبتدأ مؤخر، خبره: منزلنا.\n(٣) أي تحالفوا: والضمير يعود على قريش فيما يعرف بالصحيفة.\n(٤) البخاري برقم (٤٢٨٥).\n(٥) فقه السيرة د. محمد سعيد رمضان البوطي صـ ١٦٩.","vol":"1","page":178},{"text":"وفي السنة الحادية عشرة للهجرة من البعثة المحمدية، عرض نفسه على القبائل شأنه في كل عام، يتلاطف معهم ويقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلَّا الله تفلحوا وتملكوا ..»، فبينما هو كذلك إذ لقي عند العقبة في منى رهطًا (١) من الخزرج أراد الله بهم الخير، فسألهم:\nمن أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج.\nقال: أمن موالي يهود. قالوا: نعم.\nقال: أفلا تجلسون أكلمكم، قالوا: بلى، قال: فجلسوا معه فدعاهم إلى الله\n﷿ وتلا عليهم القرآن فآمنوا.\nقال أستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: «وكان مما مهد أفئدتهم لقبول الإسلام أن اليهود كانوا معهم في بلادهم، ومعلوم أنهم أهل كتاب وعلم، فكان إذا وقع بينهم وبين اليهود نفرة أو قتال، قال لهم اليهود: إن نبيًَّا مبعوث الآن قد أطلَّ زمانه، سنتَّبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم!\nفلما كلم الرسول هؤلاء النفر، ودعاهم إلى الإسلام، نظر بعضهم إلى بعض وقالوا: «تعلمون والله إنه للنبيُّ الذي توعَّدَكم به يهود، فلا يسبقنّكم إليه».\nفأجابوه إلى ما دعاهم إليه من الإسلام، وقالوا: إنّا تركنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم\n_________\n(١) كانوا ستة: أسعد بن زرارة، وعوض بن الحارث، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله.","vol":"1","page":179},{"text":"الله عليك فلا رجل أعزّ منك. ثم انصرفوا ووعدوه المقابلة في الموسم المقبل» (١).\nعند هذه المحطة الموفقة بدأ منعطف جديد للدعوة الإسلامية على العموم، وفوق ثرى تراب المدينة المنورة على الخصوص؛ لأن النفر الستة صدقوا فيما عاهدوا الله عليه، فأخذوا ينشرون مبادئ الدين الحنيف خلال عام كامل هو زمن غيابهم بين موسمي حج متتابعين، فلما طلع العام الثاني عشر من عهد النبوة وافى موسم البيت الحرام من الأنصار اثنا عشر رجلًا بايعوا رسول الله - ﷺ - بيعة لا جهاد فيها، أي على نمط ما بايع عليه النساء ثاني يوم الفتح على جبل الصفا، أما هذه البيعة فكانت في منى فيما صار يعرف اليوم بمسجد البيعة والذي يبتعد قرابة ثلاثمائة متر عن جمرة العقبة على يمين النازل من منى إلى مكة المكرمة.\nنص البيعة: «تعالوا بايعوني على أن لا تُشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه» (٢).\nقال عبادة بن الصامت: فبايعناه على ذلك.\nفلما أرادوا الانصراف بعث معهم رسول الله - ﷺ - مصعب بن عمير الذي كان قبل الإسلام أنْعَمَ غلام في مكة، فلما دخل الإسلام، وحمل أمانته، طوى كل أسباب الرفاهية، وتصدّى لنشر دعوة الله بين عباد الله.\n_________\n(١) فقه السيرة صـ ١٧٠ - ١٧١.\n(٢) نفس المرجع صـ ١٧٢.","vol":"1","page":180},{"text":"وفي العام التالي عاد الداعية الإسلامي مصعب بن عمير ومعه ثمرة عام كامل من الدعوة إلى الله تعالى وهو لا يحمل معه إِلَّا القليل من العلم، وهو ما يؤكد أن الدعوة الإسلامية وظيفة كل مسلم لا تختص بما يسمّى خطأ رجال دين، ولا تقتصر على العلماء، الذين لهم إلى جانب هذه الوظيفة العامة مهامٌ أخرى من تبصير الناس بشرائع دينهم، وضبط إيقاع الدعاة على إسقاط الشريعة.\nوفي موسم الحج للعام الثالث عشر من بدء الدعوة واعد رسول الله - ﷺ - أواسط أيام التشريق ثلاثة وسبعين رجلًا وامرأتان، ناموا في رحالهم مع قومهم المشركين الذين استخفوا بهم منذ بدء الرحلة من المدينة، فلما مضى ثلث الليل خرج الجمع الطاهر متسللًا إلى موعد رسول الله - ﷺ - الذي جاء بصحبة عمه العباس بن عبد المطلب، فتكلم القوم وقالوا بعزيمة وصدق: خذ منا لنفسك ولربك ما أحببت .. فتكلم رسول الله - ﷺ -، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغّب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.\nفقام البراء بن معرور فأخذ بيد رسول الله - ﷺ -، ثم قال:\nنعم، والذي بعثك بالحق نبيًّا لنمنعنَّك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة (١) ورثناها كابرًا عن كابر.\nأثناء هذا الكلام قام أبو الهيثم بن التّيهان مقاطعًا البراء ومستدركًا:\nيا رسول الله، إنّ بيننا وبين الرجال حبالًا وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ .\nفأجابه رسول الله - ﷺ - مبتسمًا: بل الدمَ الدمَ والهدمَ الهدمَ، أنا منكم، وأنتم\n_________\n(١) أي السلاح كله.","vol":"1","page":181},{"text":"مني، أحاربُ من حاربتم، وأُسالم من سالمتم.\nومما جاء في هذا اللقاء المصيري أن قال لهم رسول الله - ﷺ -:\nأخرجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم، فأخرج الخزرج تسعة نقباء منهم، وأخرج الأوس ثلاثة منهم، فقال رسول الله - ﷺ - للنقباء:\nأنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي.\nفبدأت البيعة، وكان أول من ضرب على رسول الله - ﷺ - البراء بن معرور ثم بايع القوم كلهم بعد ذلك (١).\nهذه البيعة - كما ترى - لم تكن بلا جهاد على شاكلة البيعة الأولى، لذلك تمَّت، وقال لهم رسول الله - ﷺ - «ارفضوا إلى رحالكم» قال له العباس بن عبادة بن نفلة، وقد امتلأ حماسًا وإخلاصًا:\nوالله الذي بعثك بالحق إن شئت لنملينّ على أهل منى غدًا بأسيافنا؟ فأجابه رسول الله - ﷺ - بقوله: لم نؤمر بذلك (٢).\nوصل الخبر إلى قريش فسألت فأقسم المشركون من الخزرج أنّ شيئًا من ذلك لم يحصل ثم تبين لهم بعد ذلك أنه حصل.\nوللكلام تتمة تعود إليه في مظانها من كتب السيرة، وفي هذا القدر كفاية لذوي العناية، والمقصود أن ندرك سيرة المصطفى - ﷺ - في كل موقع ننزل فيه لنتعلم، ونقتدي ونعلِّم، إذ لا أجمل من فهم السيرة وأنت تتصور رسول الله - ﷺ - وصحبه في\n_________\n(١) فقه السيرة صـ ١٧٩ - ١٨٠.\n(٢) المرجع المذكور صـ ١٨٠ - ١٨١.","vol":"1","page":182},{"text":"المكان الذي تقف فيه قدماك، فأيُّ تيه وفخار مثل هذا.\nهذا المسجد كان موضع اهتمام المسلمين والخلفاء في شتى العصور، لذلك فإن بناءه الحالي عثماني فيما يبدو، وكان قبلُ قد بنى المسجد أبو جعفر المنصور سنة ١٤٤ هـ/٧٦١ م، وهو ما تصرح به لوحة مثبتة في جدار القبلة للمسجد، وهو يتكوّن اليوم من فناء مكشوف تتقدّمه مظلة (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>مسجد الراية:</span>\nمسجد الراية هو المسجد الذي بناه عبد الله بن عبّاس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس - ﵃ - في الموضع الذي ركز فيه رسول الله - ﷺ - رايته بالحجون (٢)، وهو الخبر الذي ساقه البخاري في صحيحه في كتاب المغازي من حديث طويل يحكي أسر أبي سفيان في مرّ الظهران (٣)، وإسلامه، واستعراض كتائب جيش الفتح أمامه كتيبة كتيبة، قال: «وأمرَ رسول الله - ﷺ - أن تُرْكَز رايته بالحَجون (٤)» (٥).\nولقد انتهى الدكتور محمد إلياس عبد الغني من تحقيقه في الموضع الذي رَكَز فيه رسول الله - ﷺ - رايته، ومن ثَمَّ بُني مسجد الراية في موضعه، إلى أنه اليوم يعرف بمسجد الجودرية، على شارع غزة، وسمّي بذلك لوقوعه بالجودرية، وقد جدّد بناءه الملك عبد العزيز ﵀ سنة ١٣٦١ هـ/١٩٤٢ م، ثم أُعيد بناؤه في عهد\n_________\n(١) انظر «تاريخ مكة المكرمة قديمًا وحديثًا» د. محمد إلياس عبد الغني صـ ١٣١ - ١٣٢.\n(٢) المرجع المذكور صـ ١٣٥.\n(٣) مرّ الظهران موضع يبعد عن مكة ٢٥ كيلومترًا ويعرف اليوم بوادي فاطمة أو الجموم، ويقع قبل حاجز النورانية الذي يقام بصورة دائمة في مدخل مكة، وأنت قادم من المدينة.\n(٤) قال العلامة ابن حجر في فتح الباري جـ ٨ صـ ١٣:» بفتح المهملة وضم الجيم الخفيفة هو مكان معروف بالقرب من مقبرة مكة «. أقول: والعامة اليوم يلفظون الكلمة خطأ بضم الحاء (الحُجون) فتَنبَّهْ.\n(٥) صحيح البخاري (٤٢٨٠).","vol":"1","page":183},{"text":"الملك فهد ﵀ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>مسجد خالد بن الوليد:</span>\nدخل النبيُّ - ﷺ - من أعلى مكة، وهو ما يعرف بكَداء بفتح الكاف، وهو ما رواه البخاري في صحيحه (٢)، وأمر رسول الله - ﷺ - خالد بن الوليد أن يدخل من أدنى مكة، وهو ما يعرف بكُدَا بضمّ الكاف، على رأس كتيبة تضم قبائل قضاعة وسليم وغيرهم، وأن يغرز رايته في أدنى البيوت (٣).\nومسجد خالد بن الوليد اليوم معروف في حارة الباب، في الشارع الذي يحمل اسم خالد بن الوليد وينتهي عند باب الشبيكة للحرم المكي، وقد بني في الموضع الذي ركز فيه خالد بن الوليد رايته، وقد أُعيد بناؤه مع إضافة منارة له سنة ١٣٧٧ هـ/١٩٥٧ م (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>مقبرة المعلاة:</span>\nهي من مقابر مكة الأثرية، وتقع في الجهة الشرقية من المسجد الحرام.\nقال الفاكهي: لا يعلم بمكة شعب يستقبل القبلة ليس فيه انحراف عنها إلَّا شعب مقبرة أهل مكة فإنه يستقبل وجه الكعبة كله مستقيمًا. وقد وردت أحاديث لم تصح في فضل هذه المقبرة (٥).\nمن أبرز ما يميز هذه المقبرة وجود قبر أم المؤمنين خديجة ﵂.\n_________\n(١) «تاريخ مكة المكرمة ..» صـ ١٣٦.\n(٢) صحيح البخاري برقم (٤٢٨٩) عن ابن عمر وفيه أن رسول الله - ﷺ - أقبل يوم الفتح من أعلى مكة مردفًا أسامة بن زيد ومعه بلال ومعه عثمان بن طلحة ...\n(٣) فتح الباري جـ ٨ صـ ١٣ - ١٤.\n(٤) «تاريخ مكة المكرمة» صـ ١٣٦.\n(٥) المرجع المذكور صـ ١٤٠.","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>سَرِف:</span>\nيقع بعد مرّ الظهران، بعد الحاجز الثابت عند مدخل مكة المعروف بحاجز النورانية، على يمين طريق الهجرة، وأنت قادم من مكة إلى المدينة.\nشرف هذا الموقع يأتي من أن رسول الله - ﷺ - بنى بن على أم المؤمنين ميمونة الهلالية، وبه توفيت، حيث دفنت ﵂ في المكان الذي بنى بها رسول الله - ﷺ -، وقبرها هناك على الطريق واضح معروف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>مسجد الفتح بالجموم:</span>\nالجموم قاعدة وادي مرّ الظهران، وهي تقع على بعد ٢٥ كم شمال مكة المكرمة على طريق المدينة المنورة، و١٨ كم من مسجد التنعيم.\nأرسل إليهم رسول الله - ﷺ - سرية سنة ٦ هـ (١).\nوفي سنة ٨ هـ نزل بها النبيُّ - ﷺ - قبل فتح مكة، ومعه عشرة آلاف من أصحابه، يعاونه عدد من رجال بني سُلَيم الذين يقيمون في الجموم، وبها أسلم سفيان بن حرب - ﵁ - (٢). وبها أسلم أبو سفيان بن حرب - ﵁ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>غار حراء:</span>\nيقع غار حراء شمال شرقيّ المسجد الحرام، في قمة جبل النور، الذي يقال له أيضًا نسبة إلى اسم الغار، جبل حراء.\nارتفاعه عن سفح الجبل نحو ٢٨١ مترًا، وعن سطح البحر ٦٢١ مترًا، وهو صعب المرتقى يستغرق الصعود إليه نحو ساعة من زمن.\n_________\n(١) المرجع المذكور صـ ١٣٨.\n(٢) صحيح البخاري برقم (٤٢٨٠).","vol":"1","page":185},{"text":"الغار عبارة عن فجوة بابها نحو الشمال، يتوصل إليه بعد المرور من مدخل بين الحجرين يتسع بطول ٦٠ سنتيمترًا، بينما طول الغار نحو ٣ أمتار، أما عرضه فمتفاوت بين ١.٣٠ سنتيمترًا في أقصى ما يصل إليه، في ارتفاع لا يحتاج ٢ مترًا، وبالتالي فلا يتسع لأكثر من شخصين يصليان أحدهما إمام والآخر مأموم، بينما نجد على اليمين مصطبة تتسع لشخص واحد يصلي جالسًا (١).\nكان النبيُّ - ﷺ - يتعبَّد الله فيه قبل البعثة، حيث حُبِّبَ إليه الخلاء، حتى صار يتحنَّث فيه الليالي ذوات العدد، فيرجع إلى أهله يزور خديجة، ويتزوّد لرحلة أخرى، إلى أن جاء المَلَكُ جبريل في الغار لأول مرة في تاريخ بعثته، وجرى بينهما سؤال وجواب، فأصاب المصطفى - ﷺ - من ذلك هلعٌ وذعرٌ شديد من هذا الذي ظهر له في قمة الجبل يسأله ويضمه ثم يرسله ثم يسأله، وهكذا.\nفالقيمة الدينية للغار تأتي من أنه مكان أقام فيه سيد الخلق محمد - ﷺ - زمانًا في فترات متقطعة لم تتوقف، ومن حيث إنّ الوحي جبريل بدأ أول ما بدأ في هذا الغار، وأنّ القرآن الكريم نزل أو ما نزل فيه أيضًا (٢)، وأنه بهذا كله أحدث انعطافة قوية في حياة رسول الله - ﷺ -، لأن بريد الوحي الإلهي جبريل منذ تلك اللحظة صار المؤنس لرسول الله - ﷺ - والعاضد له بأمر الله صاعدًا ونازلًا من السماء إلى الأرض، يتلو كتاب الله منجمًا خلال ثلاثٍ وعشرين سنة بدأت بالغار في جبل النور، وانتهت بالوفاة في حجرة السيدة عائشة.\n_________\n(١) هذه المعلومات مصدرها كتاب «تاريخ مكة المكرمة قديمًا وحديثًا» د. محمد إلياس عبد الغني صـ ١٢٣ - ١٢٤.\n(٢) في البخاري برقم (٤٩٢٤) عن جابر أن أول ما نزل من القرآن المدثر، وحمل العلماء ذلك على أن جابرًا قال ذلك باجتهاد وليس هو من روايته، وقيل غير ذلك. انظر فتح الباري جـ ٨ صـ ٨٦٥.","vol":"1","page":186},{"text":"روى البخاريُّ في صحيحه عن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت (١):\nكان أوّلُ ما بُدِئَ به رسولُ الله - ﷺ - (٢) الرؤيا الصادقة في النوم (٣)، فكان لا يرى رؤيا إلَّا جاءت مثل فَلَق (٤) الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء (٥)، (٦) فكان يلحقُ بغار حراءٍ فيتحنَّثُ فيه - قال: والتحنُّث: التعبُّد - الليالي ذواتِ العدد (٧)، قبل أن يرجع إلى أهله (٨)،\n_________\n(١) قال الإمام ابن حجر العسقلاني: «قال النووي: هذا من مراسيل الصحابة؛ لأن عائشة لم تدرك هذه القصة فتكون سمعتها من النبي - ﷺ - أو من صحابي». [اهـ]. وتعقّبه من لم يفهم مراده فقال: إذا كان يجوز أنها سمعتها من النبي - ﷺ - فكيف يجزم بأنها من المراسيل؟ !\nوالجواب أن مرسل الصحابي ما يرويه من الأمور التي لم يُدْرِك زمانها، بخلاف الأمور التي يدرك زمانها فإنها لا يقال إنها مرسلة، بل يحمل على أنه سمعها أو حضرها ولو لم يصرّح بذلك، ولا يختص هذا بمرسل الصحابي، بل مرسل التابعي إذا ذكر قصة لم يحضرها سميت مرسلة، ولو جاز في نفس الأمر أن يكون سمعها من الصحابي الذي وقعت له تلك القصة. وأما الأمور التي يدركها فيحمل على أنه سمعها أو حضرها لكن بشرط أن يكون سالمًا من التدليس والله أعلم .. «. فتح الباري جـ ٨ صـ ٩١٥.\n(٢) هذا تصريح من السيدة عائشة بأن البعثة لم تبدأ من الغار، وإنما بالرؤيا الصالحة التي سبقت حادثة الغار، بل هناك تسليم الحجر عليه - ﷺ - كان قبل ذلك أيضًا، لذلك قال في فتح الباري في الجزء والصفحة: «زاد في رواية عقيل كما تقدّم في بدء الوحي: «من الوحي» أي في أول المبتدآت من إيجاد الوحي الرؤيا، وأما مطلق ما يدل على نبوته فتقدمت له أشياء مثل تسليم الحجر كما ثبت في صحيح مسلم وغير ذلك» .. ثم قال عن رواية أخرى مرسلة: «أنه قال لخديجة بعد أن أقرأه جبريل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾: أرأيتُكِ الذي أحدّثك أني رأيته في المنام، فإنه جبريل استعلن».\n(٣) أي التي ليست ضغثًا ولا من تلبيس الشيطان.\n(٤) في اللغة: فَلَقَ الشيء شقّه، من باب نصر وضرب، والفَلَق الصبح.\n(٥) قال في فتح الباري جـ ٨ صـ ٩١٦: «هذا ظاهر في أن الرؤيا الصادقة كانت قبل أن يحبّب إليه الخلاء ..».\n(٦) لخلاء المكان الخالي، ويطلق على الخَلْوة، وهو المراد هنا.\n(٧) قال في فتح الباري: «وفي رواية ابن إسحاق أنه كان يعتكف شهر رمضان».\n(٨) أي خديجة وأولاده منها، فالزوجة تسمّى أهلًا، وقد ورد ذلك في حديث الإفك، ويحتمل أن يراد بذلك أقاربه أو أعم.","vol":"1","page":187},{"text":"ويتزوَّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجةَ، فيتزوَّدُ بمثلها (١)، حتى فَجِئَهُ الحقُّ وهو في غار حراء، فجاءه المَلَكُ (٢) فقال: اقرأ، فقال رسول الله - ﷺ -: ما أنا بقارئٍ (٣). قال: فأخذني فغطّني (٤) حتى بلغ منّي الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلتُ: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني الثانية حتى بلغ منّي الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلتُ: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ عَمِلَتْ (٥)﴾ (٥) [العلق: ١ - ٥].\nقالت عائشة ﵂:\n«فرجع بها رسول الله - ﷺ - تَرْجُفُ بوادرُهُ (٦)، حتى دخل على خديجة فقال: زمّلوني، زمّلوني (٧)، فزمّلوه حتى ذهب عنه الرَّوْعُ (٨).\nقال لخديجةَ: أيْ خديجةُ، ما لي لقد خَشِيْتُ على نفسي؟ فأخبرها الخبر.\n_________\n(١) الضمير يعود على الليالي، أو للخلوة أو للعبادة أو للمرات السابقة.\n(٢) وفي رواية: فجاءه الملك فيه أي في الغار. فتح الباري جـ ٨ ص ٩١٧.\n(٣) قال في فتح الباري:» وقع عند ابن إسحاق في مرسل عُبيد بن عمير أنّ النبيّ - ﷺ - قال: أتاني جبريل بنمط من ديباج فيه كتاب قال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ «.\n(٤) وفي السيرة لابن إسحاق فغتّني، وهما بمعنى، والمراد غَمَّني، وكل ذلك من الخنق. انظر المرجع المذكور. أما الحكمة من ذلك فسأتعرض له بالشرح بإذن الله.\n(٥) ما تبقى من السورة نزل بعد ذلك بزمن، ولم ينزل في الغار.\n(٦) وفي رواية عند غير البخاري:» يرجفُ فؤاده «. انظر فتح الباري جـ ٨ ص ٩١٩.\n(٧) التزميل التلفيف؛ لأن العادة جرت بسكون الرعدة بالتلفيف، قال ذلك لشدة ما لحقه من هول الأمر.\n(٨) هو بفتح الرّاء ومعناه الفزع. أما الذي يأتي بضم الرّاء فهو موضع الفزع في القلب.","vol":"1","page":188},{"text":"قالت خديجة: كلا أبْشِرْ (١)، فوالله لا يُخْزِيكَ (٢) الله أبدًا، فوالله إنّك لتصلُ الرَّحِمَ، وتَصدُقُ الحديثَ، وتحملُ الكُلَّ، وتُكْسِبُ المعدومَ، وتَقْرِيْ الضيفَ، وتُعينُ على نوائب الحق.\nفانطلَقت به خديجةُ حتى أتَتْ به ورقةَ بن نَوْفل، وهو ابنُ عَمِّ خديجة أخي أبيها، وكان امرءًا تنصَّرَ في الجاهلية، وكان يكتبُ الكتاب العربيَّ، ويكتبُ من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتبَ، وكان شيخًا كبيرًا قد عَمِيَ، فقالت خديجة: يا عَم، اسمع من ابن أخيك، قال ورقةُ: يا ابنَ أخي ماذا ترى؟ فأخبرهُ النبيُّ - ﷺ - خبرَ ما رأى، فقال ورقةُ، هذا الناموس الذي أنزل على موسى (٣)، ليتني فيها (٤) جَذَعًا (٥)، ليتني أكون حيًا - ذكر حرفًا (٦) - قال رسول الله - ﷺ -: أوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قال ورقة: نعم، لم يأتِ رجلٌ بما جئتَ إلا أوْذيَ، وإنْ يُدْركني يومُكَ حيًا أنْصُرْك نَصْرًَا مؤزَّرًا.\nثم لم يَنْشَبْ ورقةُ أن تُوفّيَ وفتر الوحيُ فترة حتى حَزن رسول الله - ﷺ -» (٧).\n_________\n(١) قال في فتح الباري جـ ٨ صـ ٩١٩: «قوله (كلا أبشرْ) بهمزة قطع ويجوز الوصل، وأصل البشارة في الخبر. وفي مرسل عبيد بن عمير «فقالت: أبشر يا ابن عم، واثبُت، فوالذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكون نبيَّ هذه الأمة».\n(٢) الخزي الوقوع في بليّة.\n(٣) قال في فتح الباري جـ ٨ صـ ٩٢٠» وقد تقدم في بدء الوحي «أنزل الله» ووقع في مرسل أبي ميسرة: «أبشِرْ فأنا أشهد أنك الذي بشّر به ابنُ مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبيّ مرسل ستؤمر بالجهاد» وهذا أصرح ما جاء في إسلام ورقة، أخرجه ابن إسحاق ..».\n(٤) أي أيام الدعوة الإسلامية.\n(٥) الجَذَع في الإنسان الشاب.\n(٦) جاء هذا الحرف في رواية بدء الوحي (إذْ يخرجك قومك).\n(٧) صحيح البخاري برقم (٤٩٥٣).","vol":"1","page":189},{"text":"حادثة بدء الوحي في غار حراء هي من أهم الفصول التي ترتبط بعقيدة الإنسان المسلم؛ لأنها الأساس الذي يترتب على فهمه والإيمان به جميع الحقائق الإسلامية؛ لأنه ما من مسألة في هذا الدين تدخل في صلب العقيدة أو التشريع، من مصدر القرآن أو السنة إلَّا وهي آتية إلى رسول الله - ﷺ - بواسطة أمين الوحي الإلهي جبريل، ومن ثَمَّ يتمُّ تبليغها إلى الأمة.\nلأجل هذا عمد من احترف غزوَ الإسلام إلى التشكيك في ظاهرة الوحي حتى يسهل عليهم نقض ما ينبني على أساسها من حقائق، ضمن تخيّلات جانحة لا توجد إلا في أوهام من ابتدعها بلا رصيد علمي، أو توثيق تاريخي فمن قائل إنّها عملية كشف تدريجي أثمرته ليالي التفكّر في حراء! ومن قائل: إنها شيء من الإلهام أو حديث النفس، أو الإشراق الروحي، أو التأملات ومن قائل غير ذلك. والنتيجة أن هناك تمحلًا عجيبًا يريد صرف الأنظار إلى أيّ شيء باستثناء أن ذلك من قبيل الإخبار الإلهي بواسطة بريد أمين هو وحي السماء جبريل لماذا؟ لأنهم ببساطة منكرون للرسول والرسالة، محترفون لغزو أمتنا في أفكارها وعقيدتها، لا يروق لهم تلاحم الأمة اليوم على عقيدة الإيمان، وإنما يبهجهم أن تنفضّ الأمة عن كتابها وسنة نبيها، ضمن ردّة تسهّل عليهم قضمها وتغيير هويتها، والإجهاز على ما تبقى من روح فيها. لكن لا، فلتعلم الدنيا أن أمّة الإسلام قد يتأثر بعض أفرادها بسيل جارف من الأفكار الوافدة الهدّامة، لكن الأمة تبقى لا ترتدُّ، ولا تنهار فهي مستعصية على الذوبان. قال ﵊: «لا أخشى عليكم أن تعودوا بعدي كفارًا فإنّ الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم، ولكن أخشى عليكم الدنيا ..».\nولما لهذا البحث من أهمية بالغة، فإني أُحيل الإجابة عليه من خلال الحديث السابق إلى أستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي الذي يقول:","vol":"1","page":190},{"text":"«ذلك أن حقيقة (الوحي) هي الفيصل الوحيد بين الإنسان الذي يفكّر من عنده، ويشرّع بواسطة رأيه وعقله، والإنسان الذي يبلّغ عن ربه دون أن يغيّر أو ينقص أو يزيد».\n«ومن أجل هذه الغاية، أخذ محترفوا الغزو الفكري، يحاولون تأويل ظاهرة الوحي، وتحريفها عما يرويه لنا المؤرخون، وتحدّث به صحاح السنة الشريفة ..».\n«ونحن حينما ننظر إلى مثل هذه التمحّلات العجيبة التي لا يرى العاقل مسوِّغًا لها إلا التهرّب من الإقرار بنبوّته ﵊، ندرك في جلاء ووضوح الحكمة الإلهية الباهرة من بدء نزول الوحي عليه - ﷺ - بهذه الطريقة التي استعرضناها الآن في حديث الإمام البخاري.\nلماذا رأى رسول الله - ﷺ - جبريل بعيني رأسه لأوّل مرة، وقد كان بالإمكان أن يكون الوحيُ من وراء حجاب؟\nلماذا قذف الله في قلبه ﵊ الرعبَ منه والحيرة في فهم حقيقته، وقد كان ظاهر محبة الله لرسوله وحفظه له يقتضي أن يلقي السكينة في قلبه، ويربط على فؤاده فلا يخاف ولا يرتعد؟\nلماذا خشي على نفسه أن يكون هذا الذي تمثّل له في الغار آتيًا من الجن، ولم يرجح على ذلك أن يكون ملكًا أمينًا من عند الله؟\nلماذا انفصل الوحي عنه بعد ذلك مدة طويلة، وجزع النبي - ﷺ - بسبب ذلك جزعًا عظيمًا حتى إنه كان يحاول - كما يروي الإمام البخاري - أن يتردى من شواهق الجبال؟\nهذه أسئلة طبيعية بالنسبة للشكل الذي ابتدأ به الوحي، ولدى التفكير في","vol":"1","page":191},{"text":"أجوبتها نجدها تنطوي على حكمة باهرة، ألا وهي أن يجد المفكر الحر فيها الحقيقة الناصعة الواقية عن الوقوع في شرك محترفي الغزو الفكري والتأثر بأخيلتهم المتكلفة الباطلة.\nلقد فوجئ محمد ﵊ وهو في غار حراء بجبريل أمامه يراه بعينه، وهو يقول له اقرأ، حتى يتبيَّن أن ظاهرة الوحي ليست أمرًا ذاتيًا داخليًا مردّه إلى حديث النفس المجرّد، وإنما هي استقبال وتلقٍّ لحقيقة خارجية لا علاقة لها بالنفس وداخل الذات.\nوضَمُّ المَلَكِ إيّاه ثم إرساله ثلاث مرّات قائلًا في كل مرة: اقرأ، يعتبر تأكيدًا لهذا التلقّي الخارجي ومبالغة في نفي ما قد يتصوّر، من أن الأمر لا يعدو كونه خيالًا داخليًا فقط.\nولقد داخله الخوف والرعب مما سمع ورأى، حتى إنه قطع خلوته في الغار وأسرع عائدًا إلى البيت يرجف فؤاده، لكي يتضح لكل مفكّر عاقل أن رسول الله - ﷺ - لم يكن متشوّفًا للرسالة التي سيُدعى إلى حملها وبثّها في العالم، وأن ظاهرة الوحي هذه لم تأتِ منسجمة أو متممة لشيء مما قد يتصوّره أو يخطر في باله، وإنما طرأتْ طروءًا مثيرًا على حياته، وفوجئ بها دون أي توقّع سابق.\nولاشك أن هذا ليس شأن من يتدرج في التأمل والتفكير إلى أن تتكوّن في نفسه - بطريقة الكشف التدريجي المستمر - عقيدة يؤمن بالدعوة إليها! ..\nثم إنّ شيئًا من حالات الإلهام أو حديث النفس أو الإشراق الروحي أو التأملات العلوية، لا يستدعي الخوف والرعب وامتقاع اللون. وليس ثمة أي انسجام بين التدرج في التفكير والتأمل من ناحية، ومفاجأة الخوف والرعب من ناحية أخرى. وإلَّا لاقتضى ذلك أن يعيش عامة المفكرين والمتأملين نهبًا لدفعات","vol":"1","page":192},{"text":"من الرعب والخوف والمفاجئة المتلاحقة».\n«أما انقطاع الوحي بعد ذلك، وتلبُّثه ستة أشهر أو أكثر، على الخلاف المعروف فيه، فينطوي على مثل المعجزة الإلهية الرائعة. إذ في ذلك أبلغ الردّ على ما يفسّر به محترفو الغزو الفكري الوحي النبوي من أنه الإشراق النفسي المنبعث لديه من طول التأمل والتكرار، وأنه أمرٌ داخلي منبعث من ذاته نفسها».\n«إن هذه الحالة التي مرّ بها رسول الله - ﷺ - تجعل مجرّد التفكير في كون الوحي إلهامًا نفسيًا، ضربًا من الجنون، إذ من البداهة بمكان أن صاحب الإلهامات النفسية والتأملات الفكرية لا يمر إلهامه أو تأمّله بمثل هذه الأحوال.\nإذن فإن حديث بدء الوحي على النحو الذي ورد في الحديث الثابت الصحيح، ينطوي على تهديم كل ما يحاول المشكّكون تخييله إلى الناس في أمر الوحي والنبوة التي أكرم الله بها محمدًا ﵊.\nوإذا تبيّن لك ذلك أدركت مدى الحكمة الإلهية العظيمة في أن تكون بداءة الوحي على النحو الذي أراده الله ﷿» (١).\nبهذه الكلمات النيّرة التي انساب بها حبر أستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ذَوْدًا عن الأساس الذي ينبثق منه الإيمان بكل مبادئ الإسلام أصوله وفروعه، على خلفية ظاهرة الوحي التي بدأت في غار حراء، أختم فصول هذا الكتاب ولساني يلهج بحمد الله وشكره على توفيقي في البحث والتصنيف لما أمدتني العناية الإلهية بإبرازه من شرائع هذه الفريضة الشامخة شموخ الإسلام في كل حين.\n_________\n(١) «فقه السيرة»، فصل: بدء الوحي، لأستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، مقتطفات صـ ٩٧ - ١٠٠.","vol":"1","page":193},{"text":"أتضرّع إليه سبحانه أن يرزقني حسن التمسك بآيات كتابه الجليل، وسنّة حبيبه المصطفى ﵊ في كل جزئية من جزئيات الركن الخامس ما استطعت إلى ذلك سبيلًا. وأسأله سبحانه أن يغفر لي ذنبي، ويصفح عن زلاتي، وأن يتجاوز عن أيّ خطأ قد أكون تلبَّست به في هذا الكتاب، فالكمال لله وحده، والتوفيق والقبول محض فضله، وعذري أنّي عزوْتُ كل مسألة إلى مصدرها وأهلها في معظم ما دوّنته بين يدي القرّاء الكرام أمانة مني تلقيتها عن شيوخ ثقات، لا تفارقني بركة أنفاسهم ونصائحهم، لعلّ هذا وسلامة القصد يشفع لي في تقصيري، وصلى الله على سيدنا محمد - ﷺ -، والحمدُ لله ربّ العالمين.\n* * *","vol":"1","page":194}]}