{"ً":{"ٌ":151196,"ٍ":"أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية","َ":4,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: أحكام القرآن\nالمؤلف: أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري المالكي (ت ٣٤٤ هـ)\nالتحقيق: رسالتا دكتوراة بقسم القرآن وعلومه بكلية أصول الدين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض\n١ - ناصر بن محمد آل عشوان الدوسري (من أول الكتاب - الأعراف) (عام ١٤٢٦)\n٢ - ناصر بن محمد بن عبد الله الماجد - ﵀ - (من الأنفال إلى الناس) (عام ١٤٢٦)\nعدد الصفحات: ١٨١٨\n[هذه النسخة الإلكترونية مأخوذة عن أصل الرسائل الجامعية، ومرقمة آليا]","ْ":"[أحكام القرآن - بكر بن العلاء]\n\nيتميز بعنايته الكبيرة بآثار السلف وأقوالهم، واعتماده للمنهج السليم في تفسير كلام الله تعالى، كما تميّز بالاختيارات والترجيحات التي كان يختم بها كلامه عن الآية أو المسألة.\n\nوهو مختصرٌ من كتابٍ كبيرٍ في أحكام القرآن لإسماعيل بن إسحاق الجهضميّ المالكي (ت ٢٨٢ هـ).\nوكتاب الجهضمي (الأصل) كتاب قيم وكبير الحجم، يعد من جملة التفاسير المسندة، أثنى عليه أهل العلم، حتى قال الخطيب البغدادي في تاريخه عنه: «وهو كتاب لم يسبقه إليه أحد من أصحابه إلى مثله»، وينقل عنه ابن حجر كثيرا في الفتح، والقرطبي في تفسيره. ولم يعثر منه (الأصل) إلا على قطعة صغيرة من سور النساء والنور والأحزاب، وقد طبعت، والباقي مفقود، وهو مما يزيد من قيمة المختصر\n\n• والكتاب ظهر لأول مرة عام (١٤٢٦) في أطروحتي دكتوراة بجامعة الإمام محمد بن سعود\n• ثم طُبع ضمن (جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، عام ١٤٣٧)، بتحقيق سلمان الصمدي\n• ثم طُبع عن مركز تفسير (عام ١٤٤٠) بتحقيق أطروحتي الدكتوراة المذكورتين","ٓ":"2.0","ٔ":3052,"ٕ":4,"ٖ":1770156257,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":2},{"title":"أول الكتاب - الأعراف (ناصر آل عشوان)","level":2,"page":2},{"title":"المقدمة","level":3,"page":2},{"title":"أهمية الموضوع","level":4,"page":3},{"title":"الأولى: حول أهمية تحقيق كتب التراث عمومًا ويتمثل ذلك في","level":5,"page":3},{"title":"الثانية: حول أهمية المخطوط - المقصود تحقيقه - من حيث","level":5,"page":4},{"title":"أسباب اختيار الموضوع","level":4,"page":5},{"title":"الدراسات السابقة","level":4,"page":6},{"title":"خطة البحث","level":4,"page":7},{"title":"المنهج الذي سرت عليه في الدراسة عن المؤلف والكتاب","level":4,"page":9},{"title":"أولًا: في دراستي عن المؤلف","level":5,"page":9},{"title":"ثانيًا: دراستي عن الكتاب","level":5,"page":9},{"title":"المنهج الذي سرت عليه في التحقيق يتلخص فيما يلي","level":4,"page":10},{"title":"التمهيد تعريف تفسير آيات الأحكام، ونشأته، وأهم المصنفات فيه","level":3,"page":12},{"title":"أولًا: تعريف تفسير آيات الأحكام.","level":4,"page":14},{"title":"ثانيًا: نشأته وتطوره","level":4,"page":14},{"title":"المرحلة الأولى: مرحلة ما قبل ظهور المذاهب الفقهية.","level":5,"page":15},{"title":"المرحلة الثانية: مرحلة ظهور المذاهب الفقهية.","level":5,"page":16},{"title":"ثالثًا: أهم المصنفات في تفسير آيات الأحكام.","level":5,"page":17},{"title":"القسم الأول: دراسة عن المؤلف والكتاب، وفيه فصلان","level":3,"page":24},{"title":"الفصل الأول: عصر المؤلف وحياته، وفيه مبحثان","level":4,"page":24},{"title":"المبحث الأول: عصره، وأثره عليه، وفيه ثلاثة مطالب","level":5,"page":25},{"title":"المطلب الأول: الحالة السياسية","level":6,"page":26},{"title":"المطلب الثاني: الحالة الاجتماعية","level":6,"page":28},{"title":"المطلب الثالث: الحالة العلمية","level":6,"page":31},{"title":"المبحث الثاني: حياته، وفيه ثمانية مطالب","level":5,"page":36},{"title":"المطلب الأول: اسمه ونسبه","level":6,"page":37},{"title":"المطلب الثاني: مولده ونشأته","level":6,"page":38},{"title":"المطلب الثالث: مكانته العلمية","level":6,"page":39},{"title":"المطلب الرابع: شيوخه وتلاميذه","level":6,"page":40},{"title":"أولًا: شيوخه - الذين حدث عنهم في القسم المحقق عندي -.","level":7,"page":41},{"title":"ثانيًا تلاميذه","level":7,"page":48},{"title":"المطلب الخامس: مصنفاته.","level":6,"page":52},{"title":"المطلب السادس: عقيدته.","level":6,"page":54},{"title":"المطلب السابع: مذهبه الفقهي.","level":6,"page":57},{"title":"المطلب الثامن: وفاته.","level":6,"page":57},{"title":"الفصل الثاني: دراسة الكتاب، وفيه أربعة مباحث","level":4,"page":58},{"title":"المبحث الأول: عنوان الكتاب، ونسبته إلى مؤلفه، ووصف المخطوط","level":5,"page":59},{"title":"أولًا: عنوان الكتاب.","level":6,"page":59},{"title":"١ - أحكام القرآن.","level":7,"page":59},{"title":"٢ - كتاب الأحكام.","level":7,"page":59},{"title":"٣ - مختصر أحكام القرآن.","level":7,"page":60},{"title":"ثانيًا: نسبته إلى مؤلفه.","level":6,"page":60},{"title":"ثالثًا: وصف المخطوط.","level":6,"page":61},{"title":"المبحث الثاني: مصادر المؤلف في كتابه","level":5,"page":63},{"title":"أولًا: المصادر السمعية","level":6,"page":63},{"title":"ثانيًا: المصادر النقلية","level":6,"page":64},{"title":"أ. في التفسير.","level":7,"page":64},{"title":"ب. في الفقه.","level":7,"page":64},{"title":"ج. في اللغة.","level":7,"page":67},{"title":"المبحث الثالث: منهج المؤلف في الكتاب","level":5,"page":68},{"title":"أولًا: منهجه في الاختصار.","level":6,"page":68},{"title":"ثانيًا: منهج المؤلف العام.","level":6,"page":78},{"title":"ثالثًا: منهج المؤلف التفصيلي.","level":6,"page":80},{"title":"القسم الأول: منهجه في التفسير.","level":7,"page":82},{"title":"القسم الثاني: منهجه في القراءات.","level":7,"page":94},{"title":"القسم الثالث: منهج المؤلف في تصحيح وتضعيف الأحاديث والآثار.","level":7,"page":97},{"title":"القسم الرابع: منهجه في عرض المسائل الفقهية.","level":7,"page":101},{"title":"المبحث الرابع: قيمة الكتاب العلمية","level":5,"page":110},{"title":"الأنفال - آخر الكتاب (ناصر الماجد)","level":2,"page":113},{"title":"المقدمة","level":3,"page":113},{"title":"أهمية الموضوع.","level":4,"page":115},{"title":"* سبب اختيار الموضوع.","level":4,"page":115},{"title":"* الدراسات السابقة.","level":4,"page":115},{"title":"* خطة البحث.","level":4,"page":116},{"title":"منهج دراسة الكتاب والمؤلف.","level":4,"page":118},{"title":"التمهيد.","level":3,"page":122},{"title":"- الجانب الأول: التفسير الفقهي وأثره","level":4,"page":122},{"title":"المرحلة الأولى: النشأة والظهور","level":5,"page":124},{"title":"المرحلة الثانية: الازدهار والتطور.","level":5,"page":125},{"title":"المرحلة الثالثة: الركود وانحسار حركة التأليف.","level":5,"page":126},{"title":"المرحلة الرابعة: العصر الحديث.","level":5,"page":126},{"title":"الفصل الأول: دراسة عن المؤلف وحياته بإيجاز.","level":3,"page":134},{"title":"المبحث الأول: عصر المؤلف.","level":4,"page":135},{"title":"المطلب الأول: الحالة السياسية.","level":5,"page":135},{"title":"المطلب الثاني: الحالة الاجتماعية.","level":5,"page":138},{"title":"المطلب الثالث: الحالة العلمية.","level":5,"page":140},{"title":"المبحث الثاني: حياته الشخصية والعلمية","level":4,"page":150},{"title":"المطلب الأول: اسمه، ونسبه، ومولده، ونشأته.","level":5,"page":150},{"title":"* اسمه.","level":6,"page":150},{"title":"* كنيته.","level":6,"page":151},{"title":"* نسبه.","level":6,"page":151},{"title":"* مولده.","level":6,"page":152},{"title":"* نشأته.","level":6,"page":152},{"title":"المطلب الثاني: عقيدته، ومذهبه الفقهي.","level":5,"page":154},{"title":"* عقيدته.","level":6,"page":154},{"title":"* مذهبه الفقهي.","level":6,"page":158},{"title":"المطلب الثالث: مكانته العلمية.","level":5,"page":161},{"title":"أولا: مكانته العلمية.","level":6,"page":161},{"title":"ثانيا: شيوخه وتلاميذه","level":6,"page":162},{"title":"* أولا: شيوخه.","level":7,"page":162},{"title":"* ثانيا: تلاميذه.","level":7,"page":167},{"title":"المطلب الرابع: آثاره ووفاته.","level":5,"page":169},{"title":"أولا: آثاره.","level":6,"page":169},{"title":"في علم الكتاب والسنة","level":7,"page":169},{"title":"في العقيدة","level":7,"page":169},{"title":"في الفقه وأصوله","level":7,"page":169},{"title":"وكتب أخرى","level":7,"page":169},{"title":"ثانيا: وفاته","level":6,"page":170},{"title":"الفصل الثاني: دراسة عن الكتاب.","level":3,"page":171},{"title":"المبحث الأول: التعريف بالكتاب.","level":4,"page":172},{"title":"المطلب الأول: اسم الكتاب، وتوثيق نسبته إلى المؤلف.","level":5,"page":173},{"title":"المطلب الثاني: النسخ الخطية ووصفها.","level":5,"page":176},{"title":"المطلب الثالث: مصادر المؤلف.","level":5,"page":177},{"title":"المطلب الرابع: القيمة العلمية للكتاب.","level":5,"page":179},{"title":"المبحث الثاني: منهج المؤلف في كتابه","level":4,"page":182},{"title":"المطلب الأول: الأصل الذي اعتمده في تفسيره.","level":5,"page":182},{"title":"الفقرة الأولى: التعريف بالكتاب الأصل.","level":6,"page":182},{"title":"أولا: التعريف بالمؤلف، ومكانته العلمية.","level":7,"page":182},{"title":"ثانيا: اسم الكتاب، وقيمته العلمية.","level":7,"page":185},{"title":"الفقرة الثانية: منهج القشيري في اختصار كتاب القاضي إسماعيل.","level":6,"page":186},{"title":"أولا: مادة هذا الكتاب.","level":7,"page":187},{"title":"ثانيا: طبيعة الاختصار فيه.","level":7,"page":187},{"title":"ثالثا: طبيعة الزيادات فيه.","level":7,"page":189},{"title":"المطلب الثاني: الطريقة العامة في عرض الآيات وتفسيرها.","level":5,"page":191},{"title":"* أولا: طريقته في عرض السور والآيات.","level":6,"page":191},{"title":"الفقرة الثانية: طريقته في تفسير الآيات.","level":6,"page":192},{"title":"المطلب الثالث: منهجه في التفسير بالمأثور.","level":5,"page":195},{"title":"الفقرة الأولى: تفسير القرآن بالقرآن.","level":6,"page":197},{"title":"أولا: بيان معنى اللفظ القرآني.","level":7,"page":197},{"title":"ثانيا: توضيح الأسلوب اللغوي.","level":7,"page":198},{"title":"ثالثا: بيان المقصود بالآية، وتعيين المراد فيها.","level":7,"page":200},{"title":"رابعا: الاستشهاد بالنظير على النظير.","level":7,"page":200},{"title":"خامسا: الاستدلال بالقرآن على اختياره.","level":7,"page":200},{"title":"سادسا: الاستدلال بالقرآن على معنى قرره.","level":7,"page":201},{"title":"سابعا: الاستدلال بالقرآن على رد قول المخالف.","level":7,"page":201},{"title":"الفقرة الثانية: في الاحتجاج بالأحاديث.","level":6,"page":201},{"title":"الفقرة الثالثة: العناية بآثار السلف.","level":6,"page":206},{"title":"المطلب الرابع منهجه في الاستدلال بالإجماع.","level":5,"page":214},{"title":"المطلب الخامس: منهجه في الاستدلال بلغة العرب.","level":5,"page":216},{"title":"المطلب السادس: منهجه في عرض المسائل الفقهية.","level":5,"page":223},{"title":"المطلب السابع: اهتمامه بعلوم القرآن.","level":5,"page":236},{"title":"الأول: أسباب النزول.","level":6,"page":237},{"title":"الثاني: القراءات.","level":6,"page":239},{"title":"الفصل الثالث: موازنة مع كتاب أحكام القرآن لابن العربي.","level":3,"page":252},{"title":"تمهيد: التعريف بكتاب أحكام القرآن لابن العربي ومكانته","level":4,"page":253},{"title":"أولا: التعريف بابن العربي","level":5,"page":253},{"title":"اسمه ونسبه","level":6,"page":253},{"title":"مولده ونشأته:","level":6,"page":253},{"title":"مكانته العلمية:","level":6,"page":253},{"title":"آثاره:","level":6,"page":253},{"title":"وفاته:","level":6,"page":253},{"title":"ثانيا: التعريف بالكتاب وقيمته العلمية","level":5,"page":254},{"title":"المبحث الأول: المنهج في عرض المسائل العلمية.","level":4,"page":255},{"title":"المطلب الأولى: طريقة عرض السور والآيات والمسائل.","level":5,"page":255},{"title":"المطلب الثاني: طريقة تفسير الآيات إجمالا.","level":5,"page":259},{"title":"الفقرة الأولى: مصادر الكتابين.","level":6,"page":259},{"title":"في التفسير:","level":7,"page":259},{"title":"السنن والآثار:","level":7,"page":260},{"title":"الفقه:","level":7,"page":260},{"title":"في اللغة:","level":7,"page":260},{"title":"الفقرة الثانية: العناية بالمأثور.","level":6,"page":261},{"title":"المبحث الثاني: المنهج في الاستدلال والمناقشة.","level":4,"page":268},{"title":"المبحث الثالث: المنهج في الاختيار والترجيح.","level":4,"page":274},{"title":"[مقدمة المصنف]","level":1,"page":278},{"title":"[البسملة وسورة الفاتحة]","level":1,"page":280},{"title":"سورة آل عمران","level":1,"page":703},{"title":"سورة النساء","level":1,"page":724},{"title":"سورة المائدة","level":1,"page":955},{"title":"سورة الأنعام","level":1,"page":1130},{"title":"سورة الأعراف","level":1,"page":1154},{"title":"سورة الأنفال.","level":1,"page":1198},{"title":"سورة براءة.","level":1,"page":1225},{"title":"ومن سورة يونس","level":1,"page":1260},{"title":"سورة هود - ﵇ -.","level":1,"page":1261},{"title":"ومن سورة يوسف - ﵇ -","level":1,"page":1263},{"title":"سورة الرعد","level":1,"page":1272},{"title":"سورة إبراهيم - ﵇ -","level":1,"page":1275},{"title":"سورة الحجر","level":1,"page":1277},{"title":"ومن سورة النحل.","level":1,"page":1278},{"title":"سورة بني إسرائيل","level":1,"page":1288},{"title":"ومن سورة الكهف.","level":1,"page":1301},{"title":"سورة مريم ﵍.","level":1,"page":1308},{"title":"سورة طه.","level":1,"page":1309},{"title":"ومن سورة الأنبياء ﵈.","level":1,"page":1313},{"title":"ومن سورة الحج.","level":1,"page":1318},{"title":"سورة المؤمنين.","level":1,"page":1342},{"title":"ومن سورة النور.","level":1,"page":1355},{"title":"ومن سورة الفرقان.","level":1,"page":1437},{"title":"ومن سورة الخاضعة وهي الشعراء","level":1,"page":1455},{"title":"ومن سورة النمل.","level":1,"page":1458},{"title":"سورة القصص.","level":1,"page":1459},{"title":"ومن سورة العنكبوت.","level":1,"page":1462},{"title":"ومن سورة الروم","level":1,"page":1464},{"title":"ومن سورة لقمان","level":1,"page":1466},{"title":"ومن سورة السجدة","level":1,"page":1469},{"title":"سورة الأحزاب","level":1,"page":1472},{"title":"ومن سورة سبأ.","level":1,"page":1495},{"title":"ومن سورة الملائكة.","level":1,"page":1496},{"title":"ومن سورة يس.","level":1,"page":1498},{"title":"ومن سورة الصافات.","level":1,"page":1499},{"title":"ومن سورة ص.","level":1,"page":1504},{"title":"ومن سورة الغرف وهي الزمر.","level":1,"page":1508},{"title":"ومن سورة المؤمن.","level":1,"page":1509},{"title":"ومن سورة حم السجدة.","level":1,"page":1511},{"title":"ومن سورة حم عسق.","level":1,"page":1517},{"title":"ومن سورة الزخرف.","level":1,"page":1521},{"title":"ومن سورة محمد - ﷺ -.","level":1,"page":1529},{"title":"ومن سورة الفتح","level":1,"page":1532},{"title":"ومن سورة الحجرات.","level":1,"page":1535},{"title":"ومن سورة والذاريات.","level":1,"page":1548},{"title":"ومن سورة والطور.","level":1,"page":1551},{"title":"ومن سورة والنجم","level":1,"page":1553},{"title":"ومن سورة الرحمن","level":1,"page":1556},{"title":"ومن سورة الواقعة","level":1,"page":1557},{"title":"ومن سورة الحديد","level":1,"page":1560},{"title":"ومن سورة المجادلة.","level":1,"page":1567},{"title":"ومن سورة الحشر.","level":1,"page":1588},{"title":"ومن سورة الممتحنة","level":1,"page":1601},{"title":"ومن سورة الحواريين","level":1,"page":1611},{"title":"ومن سورة الجمعة","level":1,"page":1619},{"title":"ومن سورة المنافقين","level":1,"page":1629},{"title":"ومن سورة التغابن","level":1,"page":1630},{"title":"ومن سورة الطلاق","level":1,"page":1633},{"title":"ومن سورة التحريم.","level":1,"page":1684},{"title":"ومن سورة سأل سائل.","level":1,"page":1696},{"title":"ومن سورة نوح - ﵇ -.","level":1,"page":1702},{"title":"ومن سورة الجن","level":1,"page":1703},{"title":"ومن سورة المزمل.","level":1,"page":1711},{"title":"ومن سورة المدثر.","level":1,"page":1722},{"title":"ومن سورة لا أقسم.","level":1,"page":1731},{"title":"سورة هل أتى.","level":1,"page":1735},{"title":"ومن سورة والضحى","level":1,"page":1750},{"title":"ومن سورة القارعة.","level":1,"page":1763},{"title":"ومن سورة ألهاكم.","level":1,"page":1764},{"title":"ومن سورة أرأيت","level":1,"page":1768},{"title":"خاتمة التحقيق","level":1,"page":1777},{"title":"أول الكتاب - الأعراف (ناصر آل عشوان)","level":2,"page":1777},{"title":"الأنفال - آخر الكتاب (ناصر الماجد)","level":2,"page":1779},{"title":"المصادر والمراجع","level":1,"page":1782},{"title":"أول الكتاب - الأعراف (ناصر آل عشوان)","level":2,"page":1782},{"title":"الأنفال - آخر الكتاب (ناصر الماجد)","level":2,"page":1802}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154,"1,155":155,"1,156":156,"1,157":157,"1,158":158,"1,159":159,"1,160":160,"1,161":161,"1,162":162,"1,163":163,"1,164":164,"1,165":165,"1,166":166,"1,167":167,"1,168":168,"1,169":169,"1,170":170,"1,171":171,"1,172":172,"1,173":173,"1,174":174,"1,175":175,"1,176":176,"1,177":177,"1,178":178,"1,179":179,"1,180":180,"1,181":181,"1,182":182,"1,183":183,"1,184":184,"1,185":185,"1,186":186,"1,187":187,"1,188":188,"1,189":189,"1,190":190,"1,191":191,"1,192":192,"1,193":193,"1,194":194,"1,195":195,"1,196":196,"1,197":197,"1,198":198,"1,199":199,"1,200":200,"1,201":201,"1,202":202,"1,203":203,"1,204":204,"1,205":205,"1,206":206,"1,207":207,"1,208":208,"1,209":209,"1,210":210,"1,211":211,"1,212":212,"1,213":213,"1,214":214,"1,215":215,"1,216":216,"1,217":217,"1,218":218,"1,219":219,"1,220":220,"1,221":221,"1,222":222,"1,223":223,"1,224":224,"1,225":225,"1,226":226,"1,227":227,"1,228":228,"1,229":229,"1,230":230,"1,231":231,"1,232":232,"1,233":233,"1,234":234,"1,235":235,"1,236":236,"1,237":237,"1,238":238,"1,239":239,"1,240":240,"1,241":241,"1,242":242,"1,243":243,"1,244":244,"1,245":245,"1,246":246,"1,247":247,"1,248":248,"1,249":249,"1,250":250,"1,251":251,"1,252":252,"1,253":253,"1,254":254,"1,255":255,"1,256":256,"1,257":257,"1,258":258,"1,259":259,"1,260":260,"1,261":261,"1,262":262,"1,263":263,"1,264":264,"1,265":265,"1,266":266,"1,267":267,"1,268":268,"1,269":269,"1,270":270,"1,271":271,"1,272":272,"1,273":273,"1,274":274,"1,275":275,"1,276":276,"1,277":277,"1,278":278,"1,279":279,"1,280":280,"1,281":281,"1,282":282,"1,283":283,"1,284":284,"1,285":285,"1,286":286,"1,287":287,"1,288":288,"1,289":289,"1,290":290,"1,291":291,"1,292":292,"1,293":293,"1,294":294,"1,295":295,"1,296":296,"1,297":297,"1,298":298,"1,299":299,"1,300":300,"1,301":301,"1,302":302,"1,303":303,"1,304":304,"1,305":305,"1,306":306,"1,307":307,"1,308":308,"1,309":309,"1,310":310,"1,311":311,"1,312":312,"1,313":313,"1,314":314,"1,315":315,"1,316":316,"1,317":317,"1,318":318,"1,319":319,"1,320":320,"1,321":321,"1,322":322,"1,323":323,"1,324":324,"1,325":325,"1,326":326,"1,327":327,"1,328":328,"1,329":329,"1,330":330,"1,331":331,"1,332":332,"1,333":333,"1,334":334,"1,335":335,"1,336":336,"1,337":337,"1,338":338,"1,339":339,"1,340":340,"1,341":341,"1,342":342,"1,343":343,"1,344":344,"1,345":345,"1,346":346,"1,347":347,"1,348":348,"1,349":349,"1,350":350,"1,351":351,"1,352":352,"1,353":353,"1,354":354,"1,355":355,"1,356":356,"1,357":357,"1,358":358,"1,359":359,"1,360":360,"1,361":361,"1,362":362,"1,363":363,"1,364":364,"1,365":365,"1,366":366,"1,367":367,"1,368":368,"1,369":369,"1,370":370,"1,371":371,"1,372":372,"1,373":373,"1,374":374,"1,375":375,"1,376":376,"1,377":377,"1,378":378,"1,379":379,"1,380":380,"1,381":381,"1,382":382,"1,383":383,"1,384":384,"1,385":385,"1,386":386,"1,387":387,"1,388":388,"1,389":389,"1,390":390,"1,391":391,"1,392":392,"1,393":393,"1,394":394,"1,395":395,"1,396":396,"1,397":397,"1,398":398,"1,399":399,"1,400":400,"1,401":401,"1,402":402,"1,403":403,"1,404":404,"1,405":405,"1,406":406,"1,407":407,"1,408":408,"1,409":409,"1,410":410,"1,411":411,"1,412":412,"1,413":413,"1,414":414,"1,415":415,"1,416":416,"1,417":417,"1,418":418,"1,419":419,"1,420":420,"1,421":421,"1,422":422,"1,423":423,"1,424":424,"1,425":425,"1,426":426,"1,427":427,"1,428":428,"1,429":429,"1,430":430,"1,431":431,"1,432":432,"1,433":433,"1,434":434,"1,435":435,"1,436":436,"1,437":437,"1,438":438,"1,439":439,"1,440":440,"1,441":441,"1,442":442,"1,443":443,"1,444":444,"1,445":445,"1,446":446,"1,447":447,"1,448":448,"1,449":449,"1,450":450,"1,451":451,"1,452":452,"1,453":453,"1,454":454,"1,455":455,"1,456":456,"1,457":457,"1,458":458,"1,459":459,"1,460":460,"1,461":461,"1,462":462,"1,463":463,"1,464":464,"1,465":465,"1,466":466,"1,467":467,"1,468":468,"1,469":469,"1,470":470,"1,471":471,"1,472":472,"1,473":473,"1,474":474,"1,475":475,"1,476":476,"1,477":477,"1,478":478,"1,479":479,"1,480":480,"1,481":481,"1,482":482,"1,483":483,"1,484":484,"1,485":485,"1,486":486,"1,487":487,"1,488":488,"1,489":489,"1,490":490,"1,491":491,"1,492":492,"1,493":493,"1,494":494,"1,495":495,"1,496":496,"1,497":497,"1,498":498,"1,499":499,"1,500":500,"1,501":501,"1,502":502,"1,503":503,"1,504":504,"1,505":505,"1,506":506,"1,507":507,"1,508":508,"1,509":509,"1,510":510,"1,511":511,"1,512":512,"1,513":513,"1,514":514,"1,515":515,"1,516":516,"1,517":517,"1,518":518,"1,519":519,"1,520":520,"1,521":521,"1,522":522,"1,523":523,"1,524":524,"1,525":525,"1,526":526,"1,527":527,"1,528":528,"1,529":529,"1,530":530,"1,531":531,"1,532":532,"1,533":533,"1,534":534,"1,535":535,"1,536":536,"1,537":537,"1,538":538,"1,539":539,"1,540":540,"1,541":541,"1,542":542,"1,543":543,"1,544":544,"1,545":545,"1,546":546,"1,547":547,"1,548":548,"1,549":549,"1,550":550,"1,551":551,"1,552":552,"1,553":553,"1,554":554,"1,555":555,"1,556":556,"1,557":557,"1,558":558,"1,559":559,"1,560":560,"1,561":561,"1,562":562,"1,563":563,"1,564":564,"1,565":565,"1,566":566,"1,567":567,"1,568":568,"1,569":569,"1,570":570,"1,571":571,"1,572":572,"1,573":573,"1,574":574,"1,575":575,"1,576":576,"1,577":577,"1,578":578,"1,579":579,"1,580":580,"1,581":581,"1,582":582,"1,583":583,"1,584":584,"1,585":585,"1,586":586,"1,587":587,"1,588":588,"1,589":589,"1,590":590,"1,591":591,"1,592":592,"1,593":593,"1,594":594,"1,595":595,"1,596":596,"1,597":597,"1,598":598,"1,599":599,"1,600":600,"1,601":601,"1,602":602,"1,603":603,"1,604":604,"1,605":605,"1,606":606,"1,607":607,"1,608":608,"1,609":609,"1,610":610,"1,611":611,"1,612":612,"1,613":613,"1,614":614,"1,615":615,"1,616":616,"1,617":617,"1,618":618,"1,619":619,"1,620":620,"1,621":621,"1,622":622,"1,623":623,"1,624":624,"1,625":625,"1,626":626,"1,627":627,"1,628":628,"1,629":629,"1,630":630,"1,631":631,"1,632":632,"1,633":633,"1,634":634,"1,635":635,"1,636":636,"1,637":637,"1,638":638,"1,639":639,"1,640":640,"1,641":641,"1,642":642,"1,643":643,"1,644":644,"1,645":645,"1,646":646,"1,647":647,"1,648":648,"1,649":649,"1,650":650,"1,651":651,"1,652":652,"1,653":653,"1,654":654,"1,655":655,"1,656":656,"1,657":657,"1,658":658,"1,659":659,"1,660":660,"1,661":661,"1,662":662,"1,663":663,"1,664":664,"1,665":665,"1,666":666,"1,667":667,"1,668":668,"1,669":669,"1,670":670,"1,671":671,"1,672":672,"1,673":673,"1,674":674,"1,675":675,"1,676":676,"1,677":677,"1,678":678,"1,679":679,"1,680":680,"1,681":681,"1,682":682,"1,683":683,"1,684":684,"1,685":685,"1,686":686,"1,687":687,"1,688":688,"1,689":689,"1,690":690,"1,691":691,"1,692":692,"1,693":693,"1,694":694,"1,695":695,"1,696":696,"1,697":697,"1,698":698,"1,699":699,"1,700":700,"1,701":701,"1,702":702,"1,703":703,"1,704":704,"1,705":705,"1,706":706,"1,707":707,"1,708":708,"1,709":709,"1,710":710,"1,711":711,"1,712":712,"1,713":713,"1,714":714,"1,715":715,"1,716":716,"1,717":717,"1,718":718,"1,719":719,"1,720":720,"1,721":721,"1,722":722,"1,723":723,"1,724":724,"1,725":725,"1,726":726,"1,727":727,"1,728":728,"1,729":729,"1,730":730,"1,731":731,"1,732":732,"1,733":733,"1,734":734,"1,735":735,"1,736":736,"1,737":737,"1,738":738,"1,739":739,"1,740":740,"1,741":741,"1,742":742,"1,743":743,"1,744":744,"1,745":745,"1,746":746,"1,747":747,"1,748":748,"1,749":749,"1,750":750,"1,751":751,"1,752":752,"1,753":753,"1,754":754,"1,755":755,"1,756":756,"1,757":757,"1,758":758,"1,759":759,"1,760":760,"1,761":761,"1,762":762,"1,763":763,"1,764":764,"1,765":765,"1,766":766,"1,767":767,"1,768":768,"1,769":769,"1,770":770,"1,771":771,"1,772":772,"1,773":773,"1,774":774,"1,775":775,"1,776":776,"1,777":777,"1,778":778,"1,779":779,"1,780":780,"1,781":781,"1,782":782,"1,783":783,"1,784":784,"1,785":785,"1,786":786,"1,787":787,"1,788":788,"1,789":789,"1,790":790,"1,791":791,"1,792":792,"1,793":793,"1,794":794,"1,795":795,"1,796":796,"1,797":797,"1,798":798,"1,799":799,"1,800":800,"1,801":801,"1,802":802,"1,803":803,"1,804":804,"1,805":805,"1,806":806,"1,807":807,"1,808":808,"1,809":809,"1,810":810,"1,811":811,"1,812":812,"1,813":813,"1,814":814,"1,815":815,"1,816":816,"1,817":817,"1,818":818,"1,819":819,"1,820":820,"1,821":821,"1,822":822,"1,823":823,"1,824":824,"1,825":825,"1,826":826,"1,827":827,"1,828":828,"1,829":829,"1,830":830,"1,831":831,"1,832":832,"1,833":833,"1,834":834,"1,835":835,"1,836":836,"1,837":837,"1,838":838,"1,839":839,"1,840":840,"1,841":841,"1,842":842,"1,843":843,"1,844":844,"1,845":845,"1,846":846,"1,847":847,"1,848":848,"1,849":849,"1,850":850,"1,851":851,"1,852":852,"1,853":853,"1,854":854,"1,855":855,"1,856":856,"1,857":857,"1,858":858,"1,859":859,"1,860":860,"1,861":861,"1,862":862,"1,863":863,"1,864":864,"1,865":865,"1,866":866,"1,867":867,"1,868":868,"1,869":869,"1,870":870,"1,871":871,"1,872":872,"1,873":873,"1,874":874,"1,875":875,"1,876":876,"1,877":877,"1,878":878,"1,879":879,"1,880":880,"1,881":881,"1,882":882,"1,883":883,"1,884":884,"1,885":885,"1,886":886,"1,887":887,"1,888":888,"1,889":889,"1,890":890,"1,891":891,"1,892":892,"1,893":893,"1,894":894,"1,895":895,"1,896":896,"1,897":897,"1,898":898,"1,899":899,"1,900":900,"1,901":901,"1,902":902,"1,903":903,"1,904":904,"1,905":905,"1,906":906,"1,907":907,"1,908":908,"1,909":909,"1,910":910,"1,911":911,"1,912":912,"1,913":913,"1,914":914,"1,915":915,"1,916":916,"1,917":917,"1,918":918,"1,919":919,"1,920":920,"1,921":921,"1,922":922,"1,923":923,"1,924":924,"1,925":925,"1,926":926,"1,927":927,"1,928":928,"1,929":929,"1,930":930,"1,931":931,"1,932":932,"1,933":933,"1,934":934,"1,935":935,"1,936":936,"1,937":937,"1,938":938,"1,939":939,"1,940":940,"1,941":941,"1,942":942,"1,943":943,"1,944":944,"1,945":945,"1,946":946,"1,947":947,"1,948":948,"1,949":949,"1,950":950,"1,951":951,"1,952":952,"1,953":953,"1,954":954,"1,955":955,"1,956":956,"1,957":957,"1,958":958,"1,959":959,"1,960":960,"1,961":961,"1,962":962,"1,963":963,"1,964":964,"1,965":965,"1,966":966,"1,967":967,"1,968":968,"1,969":969,"1,970":970,"1,971":971,"1,972":972,"1,973":973,"1,974":974,"1,975":975,"1,976":976,"1,977":977,"1,978":978,"1,979":979,"1,980":980,"1,981":981,"1,982":982,"1,983":983,"1,984":984,"1,985":985,"1,986":986,"1,987":987,"1,988":988,"1,989":989,"1,990":990,"1,991":991,"1,992":992,"1,993":993,"1,994":994,"1,995":995,"1,996":996,"1,997":997,"1,998":998,"1,999":999,"1,1000":1000,"1,1001":1001,"1,1002":1002,"1,1003":1003,"1,1004":1004,"1,1005":1005,"1,1006":1006,"1,1007":1007,"1,1008":1008,"1,1009":1009,"1,1010":1010,"1,1011":1011,"1,1012":1012,"1,1013":1013,"1,1014":1014,"1,1015":1015,"1,1016":1016,"1,1017":1017,"1,1018":1018,"1,1019":1019,"1,1020":1020,"1,1021":1021,"1,1022":1022,"1,1023":1023,"1,1024":1024,"1,1025":1025,"1,1026":1026,"1,1027":1027,"1,1028":1028,"1,1029":1029,"1,1030":1030,"1,1031":1031,"1,1032":1032,"1,1033":1033,"1,1034":1034,"1,1035":1035,"1,1036":1036,"1,1037":1037,"1,1038":1038,"1,1039":1039,"1,1040":1040,"1,1041":1041,"1,1042":1042,"1,1043":1043,"1,1044":1044,"1,1045":1045,"1,1046":1046,"1,1047":1047,"1,1048":1048,"1,1049":1049,"1,1050":1050,"1,1051":1051,"1,1052":1052,"1,1053":1053,"1,1054":1054,"1,1055":1055,"1,1056":1056,"1,1057":1057,"1,1058":1058,"1,1059":1059,"1,1060":1060,"1,1061":1061,"1,1062":1062,"1,1063":1063,"1,1064":1064,"1,1065":1065,"1,1066":1066,"1,1067":1067,"1,1068":1068,"1,1069":1069,"1,1070":1070,"1,1071":1071,"1,1072":1072,"1,1073":1073,"1,1074":1074,"1,1075":1075,"1,1076":1076,"1,1077":1077,"1,1078":1078,"1,1079":1079,"1,1080":1080,"1,1081":1081,"1,1082":1082,"1,1083":1083,"1,1084":1084,"1,1085":1085,"1,1086":1086,"1,1087":1087,"1,1088":1088,"1,1089":1089,"1,1090":1090,"1,1091":1091,"1,1092":1092,"1,1093":1093,"1,1094":1094,"1,1095":1095,"1,1096":1096,"1,1097":1097,"1,1098":1098,"1,1099":1099,"1,1100":1100,"1,1101":1101,"1,1102":1102,"1,1103":1103,"1,1104":1104,"1,1105":1105,"1,1106":1106,"1,1107":1107,"1,1108":1108,"1,1109":1109,"1,1110":1110,"1,1111":1111,"1,1112":1112,"1,1113":1113,"1,1114":1114,"1,1115":1115,"1,1116":1116,"1,1117":1117,"1,1118":1118,"1,1119":1119,"1,1120":1120,"1,1121":1121,"1,1122":1122,"1,1123":1123,"1,1124":1124,"1,1125":1125,"1,1126":1126,"1,1127":1127,"1,1128":1128,"1,1129":1129,"1,1130":1130,"1,1131":1131,"1,1132":1132,"1,1133":1133,"1,1134":1134,"1,1135":1135,"1,1136":1136,"1,1137":1137,"1,1138":1138,"1,1139":1139,"1,1140":1140,"1,1141":1141,"1,1142":1142,"1,1143":1143,"1,1144":1144,"1,1145":1145,"1,1146":1146,"1,1147":1147,"1,1148":1148,"1,1149":1149,"1,1150":1150,"1,1151":1151,"1,1152":1152,"1,1153":1153,"1,1154":1154,"1,1155":1155,"1,1156":1156,"1,1157":1157,"1,1158":1158,"1,1159":1159,"1,1160":1160,"1,1161":1161,"1,1162":1162,"1,1163":1163,"1,1164":1164,"1,1165":1165,"1,1166":1166,"1,1167":1167,"1,1168":1168,"1,1169":1169,"1,1170":1170,"1,1171":1171,"1,1172":1172,"1,1173":1173,"1,1174":1174,"1,1175":1175,"1,1176":1176,"1,1177":1177,"1,1178":1178,"1,1179":1179,"1,1180":1180,"1,1181":1181,"1,1182":1182,"1,1183":1183,"1,1184":1184,"1,1185":1185,"1,1186":1186,"1,1187":1187,"1,1188":1188,"1,1189":1189,"1,1190":1190,"1,1191":1191,"1,1192":1192,"1,1193":1193,"1,1194":1194,"1,1195":1195,"1,1196":1196,"1,1197":1197,"1,1198":1198,"1,1199":1199,"1,1200":1200,"1,1201":1201,"1,1202":1202,"1,1203":1203,"1,1204":1204,"1,1205":1205,"1,1206":1206,"1,1207":1207,"1,1208":1208,"1,1209":1209,"1,1210":1210,"1,1211":1211,"1,1212":1212,"1,1213":1213,"1,1214":1214,"1,1215":1215,"1,1216":1216,"1,1217":1217,"1,1218":1218,"1,1219":1219,"1,1220":1220,"1,1221":1221,"1,1222":1222,"1,1223":1223,"1,1224":1224,"1,1225":1225,"1,1226":1226,"1,1227":1227,"1,1228":1228,"1,1229":1229,"1,1230":1230,"1,1231":1231,"1,1232":1232,"1,1233":1233,"1,1234":1234,"1,1235":1235,"1,1236":1236,"1,1237":1237,"1,1238":1238,"1,1239":1239,"1,1240":1240,"1,1241":1241,"1,1242":1242,"1,1243":1243,"1,1244":1244,"1,1245":1245,"1,1246":1246,"1,1247":1247,"1,1248":1248,"1,1249":1249,"1,1250":1250,"1,1251":1251,"1,1252":1252,"1,1253":1253,"1,1254":1254,"1,1255":1255,"1,1256":1256,"1,1257":1257,"1,1258":1258,"1,1259":1259,"1,1260":1260,"1,1261":1261,"1,1262":1262,"1,1263":1263,"1,1264":1264,"1,1265":1265,"1,1266":1266,"1,1267":1267,"1,1268":1268,"1,1269":1269,"1,1270":1270,"1,1271":1271,"1,1272":1272,"1,1273":1273,"1,1274":1274,"1,1275":1275,"1,1276":1276,"1,1277":1277,"1,1278":1278,"1,1279":1279,"1,1280":1280,"1,1281":1281,"1,1282":1282,"1,1283":1283,"1,1284":1284,"1,1285":1285,"1,1286":1286,"1,1287":1287,"1,1288":1288,"1,1289":1289,"1,1290":1290,"1,1291":1291,"1,1292":1292,"1,1293":1293,"1,1294":1294,"1,1295":1295,"1,1296":1296,"1,1297":1297,"1,1298":1298,"1,1299":1299,"1,1300":1300,"1,1301":1301,"1,1302":1302,"1,1303":1303,"1,1304":1304,"1,1305":1305,"1,1306":1306,"1,1307":1307,"1,1308":1308,"1,1309":1309,"1,1310":1310,"1,1311":1311,"1,1312":1312,"1,1313":1313,"1,1314":1314,"1,1315":1315,"1,1316":1316,"1,1317":1317,"1,1318":1318,"1,1319":1319,"1,1320":1320,"1,1321":1321,"1,1322":1322,"1,1323":1323,"1,1324":1324,"1,1325":1325,"1,1326":1326,"1,1327":1327,"1,1328":1328,"1,1329":1329,"1,1330":1330,"1,1331":1331,"1,1332":1332,"1,1333":1333,"1,1334":1334,"1,1335":1335,"1,1336":1336,"1,1337":1337,"1,1338":1338,"1,1339":1339,"1,1340":1340,"1,1341":1341,"1,1342":1342,"1,1343":1343,"1,1344":1344,"1,1345":1345,"1,1346":1346,"1,1347":1347,"1,1348":1348,"1,1349":1349,"1,1350":1350,"1,1351":1351,"1,1352":1352,"1,1353":1353,"1,1354":1354,"1,1355":1355,"1,1356":1356,"1,1357":1357,"1,1358":1358,"1,1359":1359,"1,1360":1360,"1,1361":1361,"1,1362":1362,"1,1363":1363,"1,1364":1364,"1,1365":1365,"1,1366":1366,"1,1367":1367,"1,1368":1368,"1,1369":1369,"1,1370":1370,"1,1371":1371,"1,1372":1372,"1,1373":1373,"1,1374":1374,"1,1375":1375,"1,1376":1376,"1,1377":1377,"1,1378":1378,"1,1379":1379,"1,1380":1380,"1,1381":1381,"1,1382":1382,"1,1383":1383,"1,1384":1384,"1,1385":1385,"1,1386":1386,"1,1387":1387,"1,1388":1388,"1,1389":1389,"1,1390":1390,"1,1391":1391,"1,1392":1392,"1,1393":1393,"1,1394":1394,"1,1395":1395,"1,1396":1396,"1,1397":1397,"1,1398":1398,"1,1399":1399,"1,1400":1400,"1,1401":1401,"1,1402":1402,"1,1403":1403,"1,1404":1404,"1,1405":1405,"1,1406":1406,"1,1407":1407,"1,1408":1408,"1,1409":1409,"1,1410":1410,"1,1411":1411,"1,1412":1412,"1,1413":1413,"1,1414":1414,"1,1415":1415,"1,1416":1416,"1,1417":1417,"1,1418":1418,"1,1419":1419,"1,1420":1420,"1,1421":1421,"1,1422":1422,"1,1423":1423,"1,1424":1424,"1,1425":1425,"1,1426":1426,"1,1427":1427,"1,1428":1428,"1,1429":1429,"1,1430":1430,"1,1431":1431,"1,1432":1432,"1,1433":1433,"1,1434":1434,"1,1435":1435,"1,1436":1436,"1,1437":1437,"1,1438":1438,"1,1439":1439,"1,1440":1440,"1,1441":1441,"1,1442":1442,"1,1443":1443,"1,1444":1444,"1,1445":1445,"1,1446":1446,"1,1447":1447,"1,1448":1448,"1,1449":1449,"1,1450":1450,"1,1451":1451,"1,1452":1452,"1,1453":1453,"1,1454":1454,"1,1455":1455,"1,1456":1456,"1,1457":1457,"1,1458":1458,"1,1459":1459,"1,1460":1460,"1,1461":1461,"1,1462":1462,"1,1463":1463,"1,1464":1464,"1,1465":1465,"1,1466":1466,"1,1467":1467,"1,1468":1468,"1,1469":1469,"1,1470":1470,"1,1471":1471,"1,1472":1472,"1,1473":1473,"1,1474":1474,"1,1475":1475,"1,1476":1476,"1,1477":1477,"1,1478":1478,"1,1479":1479,"1,1480":1480,"1,1481":1481,"1,1482":1482,"1,1483":1483,"1,1484":1484,"1,1485":1485,"1,1486":1486,"1,1487":1487,"1,1488":1488,"1,1489":1489,"1,1490":1490,"1,1491":1491,"1,1492":1492,"1,1493":1493,"1,1494":1494,"1,1495":1495,"1,1496":1496,"1,1497":1497,"1,1498":1498,"1,1499":1499,"1,1500":1500,"1,1501":1501,"1,1502":1502,"1,1503":1503,"1,1504":1504,"1,1505":1505,"1,1506":1506,"1,1507":1507,"1,1508":1508,"1,1509":1509,"1,1510":1510,"1,1511":1511,"1,1512":1512,"1,1513":1513,"1,1514":1514,"1,1515":1515,"1,1516":1516,"1,1517":1517,"1,1518":1518,"1,1519":1519,"1,1520":1520,"1,1521":1521,"1,1522":1522,"1,1523":1523,"1,1524":1524,"1,1525":1525,"1,1526":1526,"1,1527":1527,"1,1528":1528,"1,1529":1529,"1,1530":1530,"1,1531":1531,"1,1532":1532,"1,1533":1533,"1,1534":1534,"1,1535":1535,"1,1536":1536,"1,1537":1537,"1,1538":1538,"1,1539":1539,"1,1540":1540,"1,1541":1541,"1,1542":1542,"1,1543":1543,"1,1544":1544,"1,1545":1545,"1,1546":1546,"1,1547":1547,"1,1548":1548,"1,1549":1549,"1,1550":1550,"1,1551":1551,"1,1552":1552,"1,1553":1553,"1,1554":1554,"1,1555":1555,"1,1556":1556,"1,1557":1557,"1,1558":1558,"1,1559":1559,"1,1560":1560,"1,1561":1561,"1,1562":1562,"1,1563":1563,"1,1564":1564,"1,1565":1565,"1,1566":1566,"1,1567":1567,"1,1568":1568,"1,1569":1569,"1,1570":1570,"1,1571":1571,"1,1572":1572,"1,1573":1573,"1,1574":1574,"1,1575":1575,"1,1576":1576,"1,1577":1577,"1,1578":1578,"1,1579":1579,"1,1580":1580,"1,1581":1581,"1,1582":1582,"1,1583":1583,"1,1584":1584,"1,1585":1585,"1,1586":1586,"1,1587":1587,"1,1588":1588,"1,1589":1589,"1,1590":1590,"1,1591":1591,"1,1592":1592,"1,1593":1593,"1,1594":1594,"1,1595":1595,"1,1596":1596,"1,1597":1597,"1,1598":1598,"1,1599":1599,"1,1600":1600,"1,1601":1601,"1,1602":1602,"1,1603":1603,"1,1604":1604,"1,1605":1605,"1,1606":1606,"1,1607":1607,"1,1608":1608,"1,1609":1609,"1,1610":1610,"1,1611":1611,"1,1612":1612,"1,1613":1613,"1,1614":1614,"1,1615":1615,"1,1616":1616,"1,1617":1617,"1,1618":1618,"1,1619":1619,"1,1620":1620,"1,1621":1621,"1,1622":1622,"1,1623":1623,"1,1624":1624,"1,1625":1625,"1,1626":1626,"1,1627":1627,"1,1628":1628,"1,1629":1629,"1,1630":1630,"1,1631":1631,"1,1632":1632,"1,1633":1633,"1,1634":1634,"1,1635":1635,"1,1636":1636,"1,1637":1637,"1,1638":1638,"1,1639":1639,"1,1640":1640,"1,1641":1641,"1,1642":1642,"1,1643":1643,"1,1644":1644,"1,1645":1645,"1,1646":1646,"1,1647":1647,"1,1648":1648,"1,1649":1649,"1,1650":1650,"1,1651":1651,"1,1652":1652,"1,1653":1653,"1,1654":1654,"1,1655":1655,"1,1656":1656,"1,1657":1657,"1,1658":1658,"1,1659":1659,"1,1660":1660,"1,1661":1661,"1,1662":1662,"1,1663":1663,"1,1664":1664,"1,1665":1665,"1,1666":1666,"1,1667":1667,"1,1668":1668,"1,1669":1669,"1,1670":1670,"1,1671":1671,"1,1672":1672,"1,1673":1673,"1,1674":1674,"1,1675":1675,"1,1676":1676,"1,1677":1677,"1,1678":1678,"1,1679":1679,"1,1680":1680,"1,1681":1681,"1,1682":1682,"1,1683":1683,"1,1684":1684,"1,1685":1685,"1,1686":1686,"1,1687":1687,"1,1688":1688,"1,1689":1689,"1,1690":1690,"1,1691":1691,"1,1692":1692,"1,1693":1693,"1,1694":1694,"1,1695":1695,"1,1696":1696,"1,1697":1697,"1,1698":1698,"1,1699":1699,"1,1700":1700,"1,1701":1701,"1,1702":1702,"1,1703":1703,"1,1704":1704,"1,1705":1705,"1,1706":1706,"1,1707":1707,"1,1708":1708,"1,1709":1709,"1,1710":1710,"1,1711":1711,"1,1712":1712,"1,1713":1713,"1,1714":1714,"1,1715":1715,"1,1716":1716,"1,1717":1717,"1,1718":1718,"1,1719":1719,"1,1720":1720,"1,1721":1721,"1,1722":1722,"1,1723":1723,"1,1724":1724,"1,1725":1725,"1,1726":1726,"1,1727":1727,"1,1728":1728,"1,1729":1729,"1,1730":1730,"1,1731":1731,"1,1732":1732,"1,1733":1733,"1,1734":1734,"1,1735":1735,"1,1736":1736,"1,1737":1737,"1,1738":1738,"1,1739":1739,"1,1740":1740,"1,1741":1741,"1,1742":1742,"1,1743":1743,"1,1744":1744,"1,1745":1745,"1,1746":1746,"1,1747":1747,"1,1748":1748,"1,1749":1749,"1,1750":1750,"1,1751":1751,"1,1752":1752,"1,1753":1753,"1,1754":1754,"1,1755":1755,"1,1756":1756,"1,1757":1757,"1,1758":1758,"1,1759":1759,"1,1760":1760,"1,1761":1761,"1,1762":1762,"1,1763":1763,"1,1764":1764,"1,1765":1765,"1,1766":1766,"1,1767":1767,"1,1768":1768,"1,1769":1769,"1,1770":1770,"1,1771":1771,"1,1772":1772,"1,1773":1773,"1,1774":1774,"1,1775":1775,"1,1776":1776,"1,1777":1777,"1,1778":1778,"1,1779":1779,"1,1780":1780,"1,1781":1781,"1,1782":1782,"1,1783":1783,"1,1784":1784,"1,1785":1785,"1,1786":1786,"1,1787":1787,"1,1788":1788,"1,1789":1789,"1,1790":1790,"1,1791":1791,"1,1792":1792,"1,1793":1793,"1,1794":1794,"1,1795":1795,"1,1796":1796,"1,1797":1797,"1,1798":1798,"1,1799":1799,"1,1800":1800,"1,1801":1801,"1,1802":1802,"1,1803":1803,"1,1804":1804,"1,1805":1805,"1,1806":1806,"1,1807":1807,"1,1808":1808,"1,1809":1809,"1,1810":1810,"1,1811":1811,"1,1812":1812,"1,1813":1813,"1,1814":1814,"1,1815":1815,"1,1816":1816,"1,1817":1817,"1,1818":1818},"ٜ":{"1":[1,1818]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729","1,730","1,731","1,732","1,733","1,734","1,735","1,736","1,737","1,738","1,739","1,740","1,741","1,742","1,743","1,744","1,745","1,746","1,747","1,748","1,749","1,750","1,751","1,752","1,753","1,754","1,755","1,756","1,757","1,758","1,759","1,760","1,761","1,762","1,763","1,764","1,765","1,766","1,767","1,768","1,769","1,770","1,771","1,772","1,773","1,774","1,775","1,776","1,777","1,778","1,779","1,780","1,781","1,782","1,783","1,784","1,785","1,786","1,787","1,788","1,789","1,790","1,791","1,792","1,793","1,794","1,795","1,796","1,797","1,798","1,799","1,800","1,801","1,802","1,803","1,804","1,805","1,806","1,807","1,808","1,809","1,810","1,811","1,812","1,813","1,814","1,815","1,816","1,817","1,818","1,819","1,820","1,821","1,822","1,823","1,824","1,825","1,826","1,827","1,828","1,829","1,830","1,831","1,832","1,833","1,834","1,835","1,836","1,837","1,838","1,839","1,840","1,841","1,842","1,843","1,844","1,845","1,846","1,847","1,848","1,849","1,850","1,851","1,852","1,853","1,854","1,855","1,856","1,857","1,858","1,859","1,860","1,861","1,862","1,863","1,864","1,865","1,866","1,867","1,868","1,869","1,870","1,871","1,872","1,873","1,874","1,875","1,876","1,877","1,878","1,879","1,880","1,881","1,882","1,883","1,884","1,885","1,886","1,887","1,888","1,889","1,890","1,891","1,892","1,893","1,894","1,895","1,896","1,897","1,898","1,899","1,900","1,901","1,902","1,903","1,904","1,905","1,906","1,907","1,908","1,909","1,910","1,911","1,912","1,913","1,914","1,915","1,916","1,917","1,918","1,919","1,920","1,921","1,922","1,923","1,924","1,925","1,926","1,927","1,928","1,929","1,930","1,931","1,932","1,933","1,934","1,935","1,936","1,937","1,938","1,939","1,940","1,941","1,942","1,943","1,944","1,945","1,946","1,947","1,948","1,949","1,950","1,951","1,952","1,953","1,954","1,955","1,956","1,957","1,958","1,959","1,960","1,961","1,962","1,963","1,964","1,965","1,966","1,967","1,968","1,969","1,970","1,971","1,972","1,973","1,974","1,975","1,976","1,977","1,978","1,979","1,980","1,981","1,982","1,983","1,984","1,985","1,986","1,987","1,988","1,989","1,990","1,991","1,992","1,993","1,994","1,995","1,996","1,997","1,998","1,999","1,1000","1,1001","1,1002","1,1003","1,1004","1,1005","1,1006","1,1007","1,1008","1,1009","1,1010","1,1011","1,1012","1,1013","1,1014","1,1015","1,1016","1,1017","1,1018","1,1019","1,1020","1,1021","1,1022","1,1023","1,1024","1,1025","1,1026","1,1027","1,1028","1,1029","1,1030","1,1031","1,1032","1,1033","1,1034","1,1035","1,1036","1,1037","1,1038","1,1039","1,1040","1,1041","1,1042","1,1043","1,1044","1,1045","1,1046","1,1047","1,1048","1,1049","1,1050","1,1051","1,1052","1,1053","1,1054","1,1055","1,1056","1,1057","1,1058","1,1059","1,1060","1,1061","1,1062","1,1063","1,1064","1,1065","1,1066","1,1067","1,1068","1,1069","1,1070","1,1071","1,1072","1,1073","1,1074","1,1075","1,1076","1,1077","1,1078","1,1079","1,1080","1,1081","1,1082","1,1083","1,1084","1,1085","1,1086","1,1087","1,1088","1,1089","1,1090","1,1091","1,1092","1,1093","1,1094","1,1095","1,1096","1,1097","1,1098","1,1099","1,1100","1,1101","1,1102","1,1103","1,1104","1,1105","1,1106","1,1107","1,1108","1,1109","1,1110","1,1111","1,1112","1,1113","1,1114","1,1115","1,1116","1,1117","1,1118","1,1119","1,1120","1,1121","1,1122","1,1123","1,1124","1,1125","1,1126","1,1127","1,1128","1,1129","1,1130","1,1131","1,1132","1,1133","1,1134","1,1135","1,1136","1,1137","1,1138","1,1139","1,1140","1,1141","1,1142","1,1143","1,1144","1,1145","1,1146","1,1147","1,1148","1,1149","1,1150","1,1151","1,1152","1,1153","1,1154","1,1155","1,1156","1,1157","1,1158","1,1159","1,1160","1,1161","1,1162","1,1163","1,1164","1,1165","1,1166","1,1167","1,1168","1,1169","1,1170","1,1171","1,1172","1,1173","1,1174","1,1175","1,1176","1,1177","1,1178","1,1179","1,1180","1,1181","1,1182","1,1183","1,1184","1,1185","1,1186","1,1187","1,1188","1,1189","1,1190","1,1191","1,1192","1,1193","1,1194","1,1195","1,1196","1,1197","1,1198","1,1199","1,1200","1,1201","1,1202","1,1203","1,1204","1,1205","1,1206","1,1207","1,1208","1,1209","1,1210","1,1211","1,1212","1,1213","1,1214","1,1215","1,1216","1,1217","1,1218","1,1219","1,1220","1,1221","1,1222","1,1223","1,1224","1,1225","1,1226","1,1227","1,1228","1,1229","1,1230","1,1231","1,1232","1,1233","1,1234","1,1235","1,1236","1,1237","1,1238","1,1239","1,1240","1,1241","1,1242","1,1243","1,1244","1,1245","1,1246","1,1247","1,1248","1,1249","1,1250","1,1251","1,1252","1,1253","1,1254","1,1255","1,1256","1,1257","1,1258","1,1259","1,1260","1,1261","1,1262","1,1263","1,1264","1,1265","1,1266","1,1267","1,1268","1,1269","1,1270","1,1271","1,1272","1,1273","1,1274","1,1275","1,1276","1,1277","1,1278","1,1279","1,1280","1,1281","1,1282","1,1283","1,1284","1,1285","1,1286","1,1287","1,1288","1,1289","1,1290","1,1291","1,1292","1,1293","1,1294","1,1295","1,1296","1,1297","1,1298","1,1299","1,1300","1,1301","1,1302","1,1303","1,1304","1,1305","1,1306","1,1307","1,1308","1,1309","1,1310","1,1311","1,1312","1,1313","1,1314","1,1315","1,1316","1,1317","1,1318","1,1319","1,1320","1,1321","1,1322","1,1323","1,1324","1,1325","1,1326","1,1327","1,1328","1,1329","1,1330","1,1331","1,1332","1,1333","1,1334","1,1335","1,1336","1,1337","1,1338","1,1339","1,1340","1,1341","1,1342","1,1343","1,1344","1,1345","1,1346","1,1347","1,1348","1,1349","1,1350","1,1351","1,1352","1,1353","1,1354","1,1355","1,1356","1,1357","1,1358","1,1359","1,1360","1,1361","1,1362","1,1363","1,1364","1,1365","1,1366","1,1367","1,1368","1,1369","1,1370","1,1371","1,1372","1,1373","1,1374","1,1375","1,1376","1,1377","1,1378","1,1379","1,1380","1,1381","1,1382","1,1383","1,1384","1,1385","1,1386","1,1387","1,1388","1,1389","1,1390","1,1391","1,1392","1,1393","1,1394","1,1395","1,1396","1,1397","1,1398","1,1399","1,1400","1,1401","1,1402","1,1403","1,1404","1,1405","1,1406","1,1407","1,1408","1,1409","1,1410","1,1411","1,1412","1,1413","1,1414","1,1415","1,1416","1,1417","1,1418","1,1419","1,1420","1,1421","1,1422","1,1423","1,1424","1,1425","1,1426","1,1427","1,1428","1,1429","1,1430","1,1431","1,1432","1,1433","1,1434","1,1435","1,1436","1,1437","1,1438","1,1439","1,1440","1,1441","1,1442","1,1443","1,1444","1,1445","1,1446","1,1447","1,1448","1,1449","1,1450","1,1451","1,1452","1,1453","1,1454","1,1455","1,1456","1,1457","1,1458","1,1459","1,1460","1,1461","1,1462","1,1463","1,1464","1,1465","1,1466","1,1467","1,1468","1,1469","1,1470","1,1471","1,1472","1,1473","1,1474","1,1475","1,1476","1,1477","1,1478","1,1479","1,1480","1,1481","1,1482","1,1483","1,1484","1,1485","1,1486","1,1487","1,1488","1,1489","1,1490","1,1491","1,1492","1,1493","1,1494","1,1495","1,1496","1,1497","1,1498","1,1499","1,1500","1,1501","1,1502","1,1503","1,1504","1,1505","1,1506","1,1507","1,1508","1,1509","1,1510","1,1511","1,1512","1,1513","1,1514","1,1515","1,1516","1,1517","1,1518","1,1519","1,1520","1,1521","1,1522","1,1523","1,1524","1,1525","1,1526","1,1527","1,1528","1,1529","1,1530","1,1531","1,1532","1,1533","1,1534","1,1535","1,1536","1,1537","1,1538","1,1539","1,1540","1,1541","1,1542","1,1543","1,1544","1,1545","1,1546","1,1547","1,1548","1,1549","1,1550","1,1551","1,1552","1,1553","1,1554","1,1555","1,1556","1,1557","1,1558","1,1559","1,1560","1,1561","1,1562","1,1563","1,1564","1,1565","1,1566","1,1567","1,1568","1,1569","1,1570","1,1571","1,1572","1,1573","1,1574","1,1575","1,1576","1,1577","1,1578","1,1579","1,1580","1,1581","1,1582","1,1583","1,1584","1,1585","1,1586","1,1587","1,1588","1,1589","1,1590","1,1591","1,1592","1,1593","1,1594","1,1595","1,1596","1,1597","1,1598","1,1599","1,1600","1,1601","1,1602","1,1603","1,1604","1,1605","1,1606","1,1607","1,1608","1,1609","1,1610","1,1611","1,1612","1,1613","1,1614","1,1615","1,1616","1,1617","1,1618","1,1619","1,1620","1,1621","1,1622","1,1623","1,1624","1,1625","1,1626","1,1627","1,1628","1,1629","1,1630","1,1631","1,1632","1,1633","1,1634","1,1635","1,1636","1,1637","1,1638","1,1639","1,1640","1,1641","1,1642","1,1643","1,1644","1,1645","1,1646","1,1647","1,1648","1,1649","1,1650","1,1651","1,1652","1,1653","1,1654","1,1655","1,1656","1,1657","1,1658","1,1659","1,1660","1,1661","1,1662","1,1663","1,1664","1,1665","1,1666","1,1667","1,1668","1,1669","1,1670","1,1671","1,1672","1,1673","1,1674","1,1675","1,1676","1,1677","1,1678","1,1679","1,1680","1,1681","1,1682","1,1683","1,1684","1,1685","1,1686","1,1687","1,1688","1,1689","1,1690","1,1691","1,1692","1,1693","1,1694","1,1695","1,1696","1,1697","1,1698","1,1699","1,1700","1,1701","1,1702","1,1703","1,1704","1,1705","1,1706","1,1707","1,1708","1,1709","1,1710","1,1711","1,1712","1,1713","1,1714","1,1715","1,1716","1,1717","1,1718","1,1719","1,1720","1,1721","1,1722","1,1723","1,1724","1,1725","1,1726","1,1727","1,1728","1,1729","1,1730","1,1731","1,1732","1,1733","1,1734","1,1735","1,1736","1,1737","1,1738","1,1739","1,1740","1,1741","1,1742","1,1743","1,1744","1,1745","1,1746","1,1747","1,1748","1,1749","1,1750","1,1751","1,1752","1,1753","1,1754","1,1755","1,1756","1,1757","1,1758","1,1759","1,1760","1,1761","1,1762","1,1763","1,1764","1,1765","1,1766","1,1767","1,1768","1,1769","1,1770","1,1771","1,1772","1,1773","1,1774","1,1775","1,1776","1,1777","1,1778","1,1779","1,1780","1,1781","1,1782","1,1783","1,1784","1,1785","1,1786","1,1787","1,1788","1,1789","1,1790","1,1791","1,1792","1,1793","1,1794","1,1795","1,1796","1,1797","1,1798","1,1799","1,1800","1,1801","1,1802","1,1803","1,1804","1,1805","1,1806","1,1807","1,1808","1,1809","1,1810","1,1811","1,1812","1,1813","1,1814","1,1815","1,1816","1,1817","1,1818"],"ٞ":{"2":[1,2,3],"3":[4,5],"4":[6],"5":[7],"6":[8],"7":[9],"9":[10,11,12],"10":[13],"12":[14],"14":[15,16],"15":[17],"16":[18],"17":[19],"24":[20,21],"25":[22],"26":[23],"28":[24],"31":[25],"36":[26],"37":[27],"38":[28],"39":[29],"40":[30],"41":[31],"48":[32],"52":[33],"54":[34],"57":[35,36],"58":[37],"59":[38,39,40,41],"60":[42,43],"61":[44],"63":[45,46],"64":[47,48,49],"67":[50],"68":[51,52],"78":[53],"80":[54],"82":[55],"94":[56],"97":[57],"101":[58],"110":[59],"113":[60,61],"115":[62,63,64],"116":[65],"118":[66],"122":[67,68],"124":[69],"125":[70],"126":[71,72],"134":[73],"135":[74,75],"138":[76],"140":[77],"150":[78,79,80],"151":[81,82],"152":[83,84],"154":[85,86],"158":[87],"161":[88,89],"162":[90,91],"167":[92],"169":[93,94,95,96,97,98],"170":[99],"171":[100],"172":[101],"173":[102],"176":[103],"177":[104],"179":[105],"182":[106,107,108,109],"185":[110],"186":[111],"187":[112,113],"189":[114],"191":[115,116],"192":[117],"195":[118],"197":[119,120],"198":[121],"200":[122,123,124],"201":[125,126,127],"206":[128],"214":[129],"216":[130],"223":[131],"236":[132],"237":[133],"239":[134],"252":[135],"253":[136,137,138,139,140,141,142],"254":[143],"255":[144,145],"259":[146,147,148],"260":[149,150,151],"261":[152],"268":[153],"274":[154],"278":[155],"280":[156],"703":[157],"724":[158],"955":[159],"1130":[160],"1154":[161],"1198":[162],"1225":[163],"1260":[164],"1261":[165],"1263":[166],"1272":[167],"1275":[168],"1277":[169],"1278":[170],"1288":[171],"1301":[172],"1308":[173],"1309":[174],"1313":[175],"1318":[176],"1342":[177],"1355":[178],"1437":[179],"1455":[180],"1458":[181],"1459":[182],"1462":[183],"1464":[184],"1466":[185],"1469":[186],"1472":[187],"1495":[188],"1496":[189],"1498":[190],"1499":[191],"1504":[192],"1508":[193],"1509":[194],"1511":[195],"1517":[196],"1521":[197],"1529":[198],"1532":[199],"1535":[200],"1548":[201],"1551":[202],"1553":[203],"1556":[204],"1557":[205],"1560":[206],"1567":[207],"1588":[208],"1601":[209],"1611":[210],"1619":[211],"1629":[212],"1630":[213],"1633":[214],"1684":[215],"1696":[216],"1702":[217],"1703":[218],"1711":[219],"1722":[220],"1731":[221],"1735":[222],"1750":[223],"1763":[224],"1764":[225],"1768":[226],"1777":[227,228],"1779":[229],"1782":[230,231],"1802":[232]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"¬المملكة العربية السعودية - وزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين - قسم القرآن وعلومه\n\nأحكام القرآن\nلأبي الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري المالكي (المتوفى سنة ٣٤٤ هـ) «دراسة وتحقيقًا»\n\nالتحقيق:\nرسالتا دكتوراة بقسم القرآن وعلومه بكلية أصول الدين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض:\n١ - ناصر بن محمد آل عشوان الدوسري (من أول الكتاب - الأعراف) (عام ١٤٢٦)\n٢ - ناصر بن محمد بن عبد الله الماجد - ﵀ - (من الأنفال إلى الناس) (عام ١٤٢٦)","vol":"1","page":1},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-3>المقدمة</span>","vol":"1","page":2},{"text":"¬المقدمة\n\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:\nفإن من أعظم نعم الله أن أنزل الله علينا القرآن الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].\nوإن من الواجبات على الأمة الإسلامية أن تتدبر هذا القرآن، وتعمل بما فيه شكرًا لله على هذه النعم العظيمة.\nوقد قام أسلافنا ﵏ بتدبر هذا القرآن، والعمل بما فيه، فحفظوه في الصدور، ودونوه في السطور، وفهموا معانيه، وتخلقوا بأخلاقه، وألفوا في علومه وفنونه حتى تركوا لنا تراثًا هائلًا، أودعوا فيه علمهم، وجهدهم، وخبرتهم.\nولعل أقل ما يحتاجه منا هذا التراث أن نعكف على نشره وتحقيقه تحقيقًا علميًا، وأن يكون مبعث عز وافتخار لنا بمنجزات أسلافنا.\nوقد اخترت من بين هذا التراث كتاب (أحكام القرآن) للقاضي أبي الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري المالكي (ت ٣٤٤ هـ) ليكون موضوعًا لرسالتي لنيل درجة الدكتوراه في القرآن وعلومه، وجعلته بعنوان: (أحكام القرآن للقاضي أبي الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري المالكي من أول الكتاب إلى آخر تفسير سورة الأعراف دراسة وتحقيقًا).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>أهمية الموضوع:</span>\nتبرز أهمية هذا الموضوع من جهتين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>الأولى: حول أهمية تحقيق كتب التراث عمومًا ويتمثل ذلك في:</span>\n١ - إخراج أحد هذه الكتب إخراجًا علميًا حتى يمكن الاستفادة منه، لاسيما وأن تحقيق الكتب في هذا الزمان أصبح تجارة، ومن واجب الجهات العلمية أن تتبنى المحافظة عليها وإخراجها إخراجًا علميًا.\n٢ - أن تحقيق الكتب المخطوطة من قبل طلاب الدراسات العليا يعد إسهامًا جادًا في نشر تراث هذه الأمة الإسلامية على أسس علمية صحيحة.","vol":"1","page":3},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-6>الثانية: حول أهمية المخطوط - المقصود تحقيقه - من حيث:</span>\n١ - أهميته بين كتب التفسير:\nوتبرز هذه الأهمية من خلال أنه مختصر لأصل عظيم مفقود، استفاد منه العلماء قديمًا وحديثًا كابن العربي في أحكامه، والقرطبي في جامعه، وابن قدامه، وابن القيم، وغيرهم، ذلكم الأصل هو كتاب (أحكام القرآن) للقاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي (ت ٢٨٢ هـ)، الذي قال عنه الخطيب البغدادي: له كتاب أحكام القرآن لم يسبق إلى مثله. (^١)\n٢ - تقدمه على غيره من كتب أحكام القرآن؛ نظرًا لتقدم وفاة مؤلفه (٣٤٤ هـ)، وبتحقيق هذا الكتاب ونشره يكون أقدم كتاب - مطبوع كامل - في أحكام القرآن.\n٣ - قيمته العلمية من حيث روايته للحديث وعلمه بالرجال وعلل الحديث فقد كان - بكر - راوية للحديث عالمًا بماله من العلل، وكثيرًا ما يسوق الأحاديث والآثار بإسناد القاضي إسماعيل، أو إسناده.\nوتبرز قيمته أيضًا من حيث ذكره لأقوال السلف والوقوف عندها، وقد ذكر ذلك في مقدمته حيث قال: ولم يزل أهل العلم على ذلك متبعين لسلفهم، حتى حدث في القرن الرابع من هذه الأمة ومن تلاهم قوم مستخفون بقول السلف، وله هاجرون وعلى مذاهبهم زارون، يحدثون أنفسهم أن أسد الجواب ما استخرجوه وأعلاه ما استنبطوه، أخذوا ذلك عن أهل الزيغ، لا يعرجون على الرواية، ولا يلتفتون إلى باطن التلاوة، ويرون أنهم يساوون السلف في العلم بالكتاب، طعنًا بذلك على إخوان المصطفى الذين فارقهم على الصدق والوفاء والطهارة والنقاء.\n_________\n(^١) تاريخ بغداد: ٦/ ٢٨٥","vol":"1","page":4},{"text":"¬وقال أيضًا: وكفى برجل نقصا أن يرى أنه قد علم من كتاب الله ﷿ ما قصر عن عمله الصحابة والتابعون، أو يرى أنه فوقهم علمًا وفهمًا، أو يظن أنه مثلهم لقد خاب وخسر. (^١)\nوللمؤلف اهتمام بأسباب النزول، وما كان عليه العرب من عادات الجاهلية قبل الإسلام.\nويهتم أيضًا باللغة العربية، ويستشهد بأقوال العرب في ذلك شعرًا ونثرًا، وكثيرًا ما يرجع إلى ما قاله أبو عبيدة وغيره.\n٤ - عنايته بالمسائل الفقهية مقرونة بأدلتها، منسوبة لقائليها، مرجحًا في ذلك، ذاكرًا أقوال المذاهب الأخرى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>أسباب اختيار الموضوع:</span>\nبالإضافة إلى ما سبق من أهمية الكتاب، فإن هناك أسبابًا دعتني لاختيار تحقيق هذا الكتاب، لعل من أبرزها:\n١ - رغبتي في التزود من التفسير الفقهي للقرآن الكريم، الذي يعد ركيزة مهمة لتكوين طالب العلم، يقول القرطبي فيما ينبغي لصاحب القرآن أن يأخذ نفسه به: «وينبغي له أن يتعلم أحكام القرآن، فيفهم عن الله مراده، وما فرض عليه فينتفع بما يقرأ ويعمل بما يتلو، فما أقبح لحامل القرآن أن يتلو فرائضه وأحكامه عن ظهر قلب وهو لا يفهم ما يتلو، فكيف يعمل بما لا يفهم معناه؟ وما أقبح أن يسأل عن فقه ما يتلو ولا يدريه، فما مثل من هذه حالته إلا كمثل الحمار يحمل أسفارًا». (^٢)\n٢ - اكتساب معرفة جديدة في تحقيق المخطوطات حيث كانت رسالتي في مرحلة الماجستير موضوعًا، بعنوان: علوم القرآن عند ابن حزم جمعًا ودراسة.\nولا يخفى ما في التحقيق من فوائد للباحث.\n٣ - إخراج كتاب لم ير النور بعد في باب تفسير آيات الأحكام، ومن أهميته أنه يعد مرجعًا لكتاب أصيل ذلكم هو كتاب: أحكام القرآن لإسماعيل بن إسحاق الجهضمي، فبتحقيقه إخراج وإبراز لجهد علم من أعلام التفسير والفقه، وإظهار لفضل المتقدم على المتأخر.\n٤ - أن غالب ما ألف في أحكام القرآن: إما مفقود، أو مخطوط، أو مطبوع ولكن بدون تحقيق علمي.\n_________\n(^١) مقدمة المؤلف ص: ١٠٧.\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن: ١/ ٢١.","vol":"1","page":5},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-8>الدراسات السابقة:</span>\nلم يحض كتاب أحكام القرآن لبكر بن العلاء القشيري بالطبع والتحقيق؛ نظرًا لعدم وجود نسخ له مخطوطة، وأثناء رحلتي العلمية إلى المغرب التقيت ببعض أهل العلم المهتمين بالتراث فأرشدني بعضهم إلى أن هذا الكتاب يوجد منه نسخة خطية في تركيا، دون تحديد مكانها، وقد عثرت على هذه النسخة الخطية الفريدة بمكتبة (بيازد)، مستعينًا في ذلك بعد الله ببعض الإخوة الأتراك، نظرًا لعدم فهرست مخطوطات تلك المكتبة، ولكتابتها باللغة التركية، وقد تمكنت بفضل الله من تصويرها، والاطلاع على النسخة الأصلية للمخطوط - وذلك أثناء رحلة علمية قمت بها إلى تركيا - ثم قمت بتقديم القسم الأول منها إلى قسم القرآن وعلومه لأحظى بدراسته وتحقيقه.","vol":"1","page":6},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-9>خطة البحث:</span>\nوتشتمل على مقدمة، وتمهيد، وقسمين، وخاتمة، وفهارس.\nالمقدمة:\nوتشتمل على العناصر التالية:\nأهمية الموضوع، وسبب اختياره، والدراسات السابقة، وخطة البحث، والمنهج المتبع في الدراسة والتحقيق.\nالتمهيد: ويتضمن:\nتعريف تفسير آيات الأحكام، ونشأته وأهم المصنفات فيه.\nالقسم الأول: دراسة عن المؤلف والكتاب، وفيه فصلان:\nالفصل الأول: عصر المؤلف وحياته، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: عصره، وأثره عليه، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: الحالة السياسية\nالمطلب الثاني: الحالة الاجتماعية\nالمطلب الثالث: الحالة العلمية\nالمبحث الثاني: حياته، وفيه ثمانية مطالب:\nالمطلب الأول: اسمه ونسبه.\nالمطلب الثاني: مولده ونشأته.\nالمطلب الثالث: مكانته وثناء العلماء عليه.\nالمطلب الرابع: شيوخه وتلاميذه.\nالمطلب الخامس: مصنفاته.\nالمطلب السادس: عقيدته.\nالمطلب السابع: مذهبه الفقهي.\nالمطلب الثامن: وفاته.","vol":"1","page":7},{"text":"¬الفصل الثاني: دراسة الكتاب، وفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: عنوان الكتاب، ونسبته إلى مؤلفه، ووصف المخطوط.\nالمبحث الثاني: مصادر المؤلف في كتابه.\nالمبحث الثالث: منهج المؤلف في الكتاب.\nالمبحث الرابع: قيمة الكتاب العلمية.\n\nالقسم الثاني: التحقيق: وفيه تحقيق القسم الأول من الكتاب من أوله إلى نهاية تفسير سورة الأعراف.\n\nالخاتمة:\nوفيها أهم نتائج البحث، والتوصيات.\n\nالفهارس:\n١. فهرس الآيات.\n٢. فهرس القراءات.\n٣. فهرس الأحاديث.\n٤. فهرس الآثار.\n٥. فهرس الأعلام.\n٦. فهرس البلدان والمواضع والأيام\n٧. فهرس المسائل الفقهية.\n٨. فهرس الشواهد الشعرية.\n٩. ثبت المصادر والمراجع.\n١٠. فهرس الموضوعات.","vol":"1","page":8},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-10>المنهج الذي سرت عليه في الدراسة عن المؤلف والكتاب:</span>\nسرت في القسم الدراسي حسب المنهج التالي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>أولًا: في دراستي عن المؤلف:</span>\n١ - استقرأت الكتب التي تحدثت عن الفترة التي عاش فيها المؤلف، وأثرها عليه سياسيًا واجتماعيًا وعلميًا.\n٢ - استقرأت الكتب التي ترجمت للمؤلف وتحدثت عنه، واستخلصت منها حياته ونشأته، معتمدًا في ذلك على كتب طبقات المفسرين، وطبقات الفقهاء، وكتب التاريخ والتراجم الأصيلة.\n٣ - استفدت من كتاب المؤلف - القسم المقرر تحقيقه - فيما يظهر شخصية المؤلف، وشيوخه، ومصنفاته، وعقيدته، ومذهبه الفقهي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>ثانيًا: دراستي عن الكتاب:</span>\n١ - قمت بإثبات الاسم الصحيح للكتاب، وصحة نسبته لمؤلفه، وذلك باستقراء ما ورد في مقدمة الكتاب وخاتمته، وما ورد على غلاف الكتاب، وفي نهاية الجزء الأول، وبداية الجزء الثاني، وما ورد في كتب التراجم التي نصت على اسم الكتاب، أو إثبات نسبته لمؤلفه.\n٢ - استقرأت الكتاب - القسم المحقق عندي - واستخرجت منه: مصادر المؤلف في كتابه هذا، ومنهجه في اختصاره، ومنهجه في عرض المادة العلمية.","vol":"1","page":9},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-13>المنهج الذي سرت عليه في التحقيق يتلخص فيما يلي:</span>\nيتلخص منهجي في التحقيق بالنقاط التالية:\n١. نسخ القدر المطلوب تحقيقه حسب القواعد الإملائية الحديثة، ووضعت علامات الترقيم من: نقط، وفواصل، ونحوها، وفق المنهج المتعارف عليه.\n٢. مقابلة النص مع ما تبقى من كتاب القاضي إسماعيل بن إسحاق، وكتب التفسير، وكتب الأحكام التي سبقته، والمصادر التي نقل عنها المؤلف، وأثبت بالأصل ما ورد في النسخة الخطية إلا ما تحققت من خطئه فإني أثبت الصواب في الأصل وما ورد في النسخة الخطية بالحاشية، مبينًا ما اعتمدت عليه في التصويب، وما ترددت فيه أو أجد له احتمالًا فإني أبقيته على ما ورد في النسخة الخطية، مع الإشارة في الحاشية إلى ما يحتمل.\n٣. إذا وجدت خطأ في كتابة الآيات القرآنية فإني أصححها دون الإشارة إلى ذلك في الحاشية.\n٤. أشرت في أعلى كل صفحة إلى اسم السورة وأرقام الآيات المفسرة فيها.\n٥. عزوت الآيات القرآنية إلى سورها بذكر اسم السورة ورقم الآية.\n٦. وثقت القراءات القرآنية، وعزوتها إلى مصادرها.\n٧. خرجت الأحاديث، ونقلت حكم عليها الأئمة عليها، مكتفيًا بما في الصحيحين أو أحدهما، ما لم يكن الحديث الذي ذكره المؤلف من طريق آخر غير طريقهما، أو بلفظ غير لفظهما.\n٨. خرجت الآثار من مصادرها المعتمدة.\n٩. وثقت النقول وأقوال العلماء، سواء ما نص على قائله، أو ذكر القول ولم يشر إلى من قال به.\n١٠. ترجمت للأعلام الواردة في الرسالة.\n١١. عزوت الشواهد الشعرية لقائلها، ووثقتها من مصادرها.\n١٢. علقت على كلام المؤلف بما تدعو الحاجة للتعليق عليه من المسائل العلمية.\n١٣. وضحت بعض عبارات المؤلف التي قد يكون فيها بعض الغموض.\n١٤. شرحت الألفاظ الغريبة بالرجوع إلى معاجم اللغة وكتب الغريب والمعاني.\n١٥. عرفت بالقبائل والفرق الواردة في الكتاب.\n١٦. عرفت بالأماكن غير المشهورة.\n١٧. أثبت أرقام لوحات المخطوط، وذلك بالإشارة إلى بداية اللوحة.","vol":"1","page":10},{"text":"¬وأود أن أشير إلى أن ما أوردته من أمثلة في القسم الدراسي نقلته بنصه من قسم التحقيق، دون الإشارة إلى ما فيه من تعليق أو تحقيق أو توثيق، اكتفاء بما أوردته في قسم التحقيق خشية التكرار، وليكون التحقيق متكاملًا في موضعه.\n\nهذا وختامًا فإني أتوجه بالثناء والشكر إلى الله ﷾ على ما يسر وأعان، ومنّ به حتى التمام، وأسأله أن يقبله مني ويغفر زللي فيه.\nثم أتوجه بالشكر إلى - من قرن الله حقهما بحقه - والديّ الفاضلين، الذين ربياني وعلماني، وشجعاني على مواصلة الدراسات العليا، رب اغفر لهما وارحمهما كما ربياني صغيرًا، وأمدهما بالصحة والعافية، وأحسن خاتمتهما.\nوالشكر موصول لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ممثلة في كلية أصول الدين، وقسم القرآن وعلومه، والقائمين عليه، من مسؤولين وأساتذة.\nثم أتوجه بالشكر والتقدير والاحترام لشيخي الفاضل الدكتور / علي بن سليمان العبيد - وكيل الرئيس العام لشؤون المسجد النبوي، والأستاذ في قسم القرآن وعلومه سابقًا - على توجيهاته، ومتابعته لعملي في بحثي، فقد كان مرشدًا موجهًا، مع لين جانب، وحسن توجيه، استفدت من خلقه وعلمه كثيرًا، فجزاه الله عني خير الجزاء.\nكما لا أنسى أن أشكر كل من أعانني على إخراج هذا الكتاب، ممن قدم لي نصيحة، أو أعارني كتابًا، أو أبدى لي مشورة.\nاللهم اجعل عملنا هذا خالصًا لوجهك الكريم، نافعًا للكاتب والقارئ، حجة لنا لا علينا.\n\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين\nوالحمد لله رب العالمين أولًا وآخرا","vol":"1","page":11},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-14>التمهيد\nتعريف تفسير آيات الأحكام، ونشأته، وأهم المصنفات فيه</span>","vol":"1","page":12},{"text":"¬تعريف تفسير آيات الأحكام ونشأته وأهم المصنفات فيه\nلقد أنزل الله كتابه الكريم على نبيه محمد - ﷺ - ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور، فكان كتاب حق، مشتمل على الحق، يهدي للتي هي أقوم: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (^١).\nوأنزله ﷿ بلسان عربي مبين: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (^٢) لكي نعقله، ونتدبره، ونفهمه، ونستنبط ما فيه من العلوم.\nوقد حوى هذا الكتاب علومًا شتى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^٣)، يقول السيوطي: وإن كتابنا القرآن لهو مفجر العلوم ومنبعها، ودائرة شمسها ومطلعها، أودع فيه ﷾ علم كل شيء، وأبان فيه كل هدى وغي، فترى كل ذي فن منه يستمد، وعليه يعتمد، فالفقيه يستنبط منه الأحكام، ويستخرج حكم الحلال والحرام. (^٤)\nومن العلوم المتعلقة بهذا الكتاب العظيم: معرفة أحكامه (^٥)، ولما كان موضوع تحقيق هذه الرسالة: أحكام القرآن، وهو أحد المصنفات في هذا العلم، كان من المناسب الحديث عن هذا العلم - أعني معرفة أحكام القرآن - من جوانب ثلاثة: أولًا: تعريفه، ثانيًا: نشأته وتطوره، ثالثًا: أهم المصنفات فيه.\n_________\n(^١) [سورة الإسراء: ٩]\n(^٢) [سورة يوسف: ٢]\n(^٣) [سورة الأنعام: ٣٨]\n(^٤) الإتقان: ١/ ١١.\n(^٥) عده الزركشي في النوع الثاني والثلاثين من أنواع علوم القرآن في كتابه البرهان في علوم القرآن، وسماه: معرفة أحكامه، وعده السيوطي ضمن النوع الخامس والستين في العلوم المستنبطة من القرآن.","vol":"1","page":13},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-15>أولًا: تعريف تفسير آيات الأحكام</span>.\nلم أجد من عرفه من المتقدمين، مع ذكرهم له كنوع مستقل من أنواع علوم القرآن، بل حتى الذين صنفوا في أحكام القرآن لم يُعرفوه، ولعل هذا يرجع إلى التصاقه بالتفسير التصاقًا وثيقًا، حيث يعد نوعًا من أنواع التفسير، ومما يدل على ذلك أن الزركشي عندما عرف التفسير أدخل فيه تفسير آيات الأحكام، حيث قال: التفسير علم يُعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد - ﷺ -، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكمه. (^١)\nومما يدل على ذلك أيضًا: أن كتب التفسير المطولة لا تخلو من الحديث عن أحكام القرآن، وما يتعلق بالآيات من الفقه، وكذلك الكتب التي أفردت أحكام القرآن بالذكر لا تخلو من شيء من التفسير.\nومع ذلك فقد تميزت الكتب التي أفردت أحكام القرآن عن كتب التفسير الأخرى ببسط المسائل الفقهية، وبيان وجه الاستشهاد بالآيات على هذه الأحكام، والرد على المخالفين، وبهذا أصبح علمًا قائمًا بذاته يحتاج إلى تعريف يوضح أطره ومدلوله، ولم أجد تعريفًا جامعًا سوى ما ذكره الدكتور علي بن سليمان العبيد، في كتابه (تفاسير آيات الأحكام ومناهجها) بقوله: تفسير الأحكام وآياته، أو تفسير الفقهاء، أو التفسير الفقهي كما يسميه البعض، نعني به إذا أطلق: التفسير الذي يجمع آيات الأحكام الشرعية من القرآن الكريم ويفسرها في كتاب مستقل. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>ثانيًا: نشأته وتطوره:</span>\nسبقت الإشارة إلى الارتباط الوثيق بين التفسير وبين تفسير آيات الأحكام كنوع من أنواع التفسير، وعليه فإن نشأة التفسير عمومًا، ونشأة تفسير آيات الأحكام خصوصًا لا تختلف اختلافًا كبيرًا.\n_________\n(^١) البرهان: ١/ ١٠٤.\n(^٢) تفاسير آيات الأحكام ومنا هجها: ١/ ٢٥. وقد استفدت منها كثيرًا في إعداد هذا التمهيد.","vol":"1","page":14},{"text":"¬ويمكن تحديد نشأة هذا العلم من خلال مرحلتين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>المرحلة الأولى: مرحلة ما قبل ظهور المذاهب الفقهية</span>.\nوتشتمل هذه المرحلة على عهد النبوة، وعهد الصحابة، وعهد التابعين. (^١)\nأرسل الله ﷾ رسوله محمدًا - ﷺ - إلى الناس بشيرًا ونذيرًا، فكان خاتم الرسل، وأنزل عليه كتابه فكان خاتم الكتب، وقد حوى هذا الكتاب من العقائد والأحكام والأخلاق ما فيه صلاح الناس في دينهم ودنياهم.\nوقد كان مصدر التشريع في ذلك الوقت الكتاب والسنة، فكان الصحابة يفهمون ما تحمله الآيات من الأحكام الفقهية بمقتضى سليقتهم العربية، ولوضوح بعض الأحكام، وما أشكل عليهم سألوا رسول الله - ﷺ - عنه، باعتباره المبلغ عن الله، والمبين لهذا الكتاب.\nوبعد وفاة الرسول - ﷺ - واتساع الفتوحات، واحتكاك المسلمين بغيرهم من الثقافات الأخرى، حدثت قضايا ومشاكل تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي فيها، فكان الصحابة يرجعون في ذلك إلى ما عندهم من الكتاب والسنة، فإن لم يجدوا فيهما استشاروا أهل الرأي من فقهاء الصحابة، فإذا اجتمع رأيهم على شيء كان القضاء به، وذلك ما يسمى بالإجماع، فإن لم يتفقوا اجتهدوا وأعملوا الرأي على ضوء فهمهم للكتاب والسنة، يقول الشيخ مناع القطان - ﵀ -: وباتساع الفتوحات الإسلامية تتجدد مشكلات الناس، وتجد أقضية لم تكن معهودة من قبل، وليس لها نص في كتاب أو سنة، وإذا كانت مدارك الصحابة ودرجاتهم في الفهم متفاوتة، فذلك من شأنه أن يوقع الاختلاف فيما بينهم، وهكذا كان موقفهم من القضايا الجديدة، فمنها ما اتفقوا فيه على رأي، ومنها ما اختلفوا فيه. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي محمد الخضري: ٥، ٨٦، ١١٠، تاريخ الفقه الإسلامي محمد علي السايس: ١٢، ٣٦، ٥٩، التفسير والمفسرون للذهبي: ٢/ ٤١٤، التشريع والفقه الإسلامي لمناع القطان: ٢٧، ٩٥، ١٣٩، تفسير آيات الأحكام: ١/ ٢٦.\n(^٢) التشريع والفقه الإسلامي: ١٠٦.","vol":"1","page":15},{"text":"¬واستمر الحال في عهد التابعين باتباع منهج الصحابة في التعامل مع هذه القضايا، مع الأخذ بأحكام الصحابة إن كانوا حكموا في مثل هذه المسائل.\nولا بد من الإشارة إلى أنه في هذه المرحلة حدثت أمور كان لها الأثر الواضح في اختلاف مصادر الفقه الإسلامي، فبفتنة مقتل عثمان - ﵁ -، وما حدث بين علي ومعاوية ﵄، ومقتل الحسين - ﵁ -، كانت هذه بداية شر وفتنة، حيث انقسم الناس إلى شيعة، وخوارج، وجماعة، فأصبح لكل فريق من الفرق الثلاث فقهه الخاص به في الأصول والفروع، وما يزال هذا الأمر حتى يومنا هذا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>المرحلة الثانية: مرحلة ظهور المذاهب الفقهية</span>.\nوتشمل هذه المرحلة عهد الأئمة الأربعة ومن بعدهم. (^١)\nظل الأمر على ما هو عليه حتى ظهور الأئمة الأربعة، وفيه جدت حوادث كثيرة للمسلمين لم يسبق لمن تقدمهم حكم عليها؛ لأنها لم تكن على عهدهم، فأخذ كل إمام ينظر إلى هذه الحوادث تحت ضوء القرآن والسنة، وجعل كل إمام لنفسه أصولًا يقوم عليها مذهبه وحكمه.\nومع ذلك فقد كان قولهم جميعًا: إذا صح الحديث فهو رأيي، فهم جميعًا ينشدون الحق، ولا يجد أحدهم في نفسه حرجًا أن يرجع عن رأيه إلى ما يراه صوابًا، حتى وإن كان هذا الصواب هو رأي أحد الأئمة الآخرين.\n_________\n(^١) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي محمد الخضري: ١٤٢، ٢٧٥، تاريخ الفقه الإسلامي محمد علي السايس: ٨٠، ١١٧، التفسير والمفسرون للذهبي: ٢/ ٤١٥، التشريع والفقه الإسلامي لمناع القطان: ٢٠٢، تفسير آيات الأحكام: ١/ ٢٨ - ٣٠، اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر: ٢/ ٤١٥.","vol":"1","page":16},{"text":"¬ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا سنة أسلافهم في البحث عن الحق والأخذ به وإن خالف رأيه، واتبعوا التقليد القائم على التعصب المذهبي، فنزلوا أقوال الأئمة منزلة النصوص الشرعية، وحصروا جهدهم في الإكثار من كتب المناقب، ينشرون ما كان عليه إمام المذهب من سعة العلم وقوة الحجة، والديانة وحسن الخلق، وتتبع مواضع الخلاف والتصنيف فيها، وإبطال مذهب المخالف وتفنيده، وجالوا في ميدان المناظرة، وتسابقوا في حلبة الجدل، وتراشقوا التهم، بحثًا عن الانتصار للمذهب، وبعيدًا عن طلب الحق.\nولكن مع هذا الغلو والتعصب المقيت وجد من العلماء المنصفين - وهم كُثر - من يبحث عن الحق، ويتبع الدليل وإن خالف رأيه ورأي شيخه.\nومن خلال هاتين المرحلتين نشأ تفسير آيات الأحكام، وألفت فيه المؤلفات المختلفة، وتعددت مناهج المؤلفين فيه، ما بين مقل ومستكثر، وما بين متعصب ومنصف، وسأتناول أهم هذه المصنفات في المبحث التالي، مراعيًا سنة وفاة المؤلف، ليعلم المتقدم من غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>ثالثًا: أهم المصنفات في تفسير آيات الأحكام</span>.\n١.تفسير الخمسمائة آية من القرآن، مقاتل بن سليمان البلخي ت ١٥٠ هـ. (^١)\n٢. أحكام القرآن يحيى بن آدام القرشي المخزومي ت ٢٠٣ هـ. (^٢)\n٣.أحكام القرآن، محمد بن إدريس الشافعي ت ٢٠٤ هـ. (^٣)\n٤.أحكام القرآن، إبراهيم بن خالد الكلبي، أبو ثور ت ٢٤٠ هـ. (^٤)\n٥.أحكام القرآن، أحمد بن المعذل البصري ت ٢٤٠ هـ. (^٥)\n_________\n(^١) تفاسير آيات الأحكام: ١/ ٦٧، وقد حقق في رسالة علمية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\n(^٢) الفهرست لابن النديم: ٥٩، تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٦٠.\n(^٣) الفهرست لابن النديم: ٥٩، تفاسير آيات الأحكام: ١/ ٤٦١، معجم مصنفات القرآن: ١/ ٩٦.\n(^٤) الفهرست لابن النديم: ٥٩، تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٦٣.\n(^٥) الفهرست لابن النديم: ٥٩، تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٦٤.","vol":"1","page":17},{"text":"¬٦.إيجاب التمسك بأحكام القرآن، يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن التميمي المروزي ت ٢٤٢ هـ. (^١)\n٧.أحكام القرآن، علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي ت ٢٤٤ هـ. (^٢)\n٨.أحكام القرآن، حفص بن عمرو الدوري الأزدي ت ٢٤٦ هـ. (^٣)\n٩.أحكام القرآن، محمد بن عبد السلام سحنون بن سعيد التنوخي القيرواني ت ٢٥٦ هـ. (^٤)\n١٠.أحكام القرآن، محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري ت ٢٦٨ هـ. (^٥)\n١١.أحكام القرآن، داود بن علي الظاهري ت ٢٧٠ هـ. (^٦)\n١٢.أحكام القرآن، القاضي إسماعيل بن إسحاق الجهضمي ت ٢٨٢ هـ. (^٧)\n١٣.أحكام القرآن، يحيى بن منصور بن حسن السلمي أبو سعد الهروي الحنبلي ت ٢٩٢ هـ. (^٨)\n١٤.أحكام القرآن، محمد بن عبد الله بن بكير البغدادي ت ٣٠٥ هـ. (^٩)\n_________\n(^١) الفهرست لابن النديم: ٥٩، تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٦٣.\n(^٢) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٦٣، معجم مصنفات القرآن: ١/ ٩٥.\n(^٣) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٦٤، فهرست مصنفات تفسير القرآن الكريم، من جمع وإعداد مجمع الملك فهد للطباعة المصحف الشريف، من الموقع الاكتروني للمجمع: www.qurancomplex.org\n(^٤) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٦٥.\n(^٥) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٦٥، معجم مصنفات القرآن: ١/ ٩٥.\n(^٦) الفهرست لابن النديم: ٥٩، تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٦٦.\n(^٧) الفهرست لابن النديم: ٥٩، تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٦٧، وهو أصل هذا الكتاب المحقق، وسيأتي في قائمة المصادر والمراجع التعريف بالنسخة المخطوطة منه، وهو الآن في طور الطباعة حيث قام بتحقيقه الدكتور / عامر حسن صبري.\n(^٨) سير أعلام النبلاء: ١٣/ ٥٧٠، فهرست مصنفات تفسير القرآن الكريم.\n(^٩) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٦٨، معجم مصنفات القرآن: ١/ ١٠٢.","vol":"1","page":18},{"text":"¬١٥.أحكام القرآن، علي بن موسى بن يزداد القُمي الحنفي ت ٣٠٥ هـ. (^١)\n١٦.أحكام القرآن، موسى بن عبد الرحمن بن حبيب، المعروف بالقطان ت ٣٠٦ هـ. (^٢)\n١٧.أحكام القرآن، أحمد بن محمد بن زياد الفارسي القيرواني ت ٣١٩ هـ. (^٣)\n١٨.أحكام القرآن، أحمد بن سلامة الطحاوي ت ٣٢١ هـ. (^٤)\n١٩.أحكام القرآن، عبد الله بن أحمد بن محمد المُغلس البغدادي ت ٣٢٤ هـ. (^٥)\n٢٠.أحكام القرآن، قاسم بن أصبغ القرطبي ت ٣٤٠ هـ. (^٦)\n٢١.أحكام القرآن، ابن آمنة الحجاري. (^٧)\n٢٢.مختصر أحكام القرآن للقاضي إسماعيل بن إسحاق، اختصار بكر بن محمد بن العلاء القشيري ت ٣٤٤ هـ. (^٨)\n_________\n(^١) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٦٨، معجم مصنفات القرآن: ١/ ٩٦.\n(^٢) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٦٨.\n(^٣) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٦٩، فهرست مصنفات تفسير القرآن الكريم.\n(^٤) صدر الموجود منه بتحقيق الدكتور / سعد الدين أونال، انظر قائمة المراجع والمصادر.\n(^٥) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٧٠، فهرست مصنفات تفسير القرآن الكريم.\n(^٦) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٧٠، معجم مصنفات القرآن: ١/ ١١٠.\n(^٧) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٧٥، وفي فهرست مصنفات تفسير القرآن الكريم أن ابن آمنة هذا هو عبد الله بن مطرف أبو محمد المالكي القرطبي ت ٣٤٠ هـ، وقد جاء في إيضاح المكنون: ١/ ٣٠٢، ومعجم المؤلفين: ٢/ ٢٩٩ عبد الله بن مطرف بن محمد المعروف بابن آمنة أبو محمد القرطبي المالكي، مفسر فقيه من أهل قرطبة له كتاب في تفسير القرآن.\nوقال الحميدي في جذوة المقتبس: ٣٨٠: باب من نسب إلى أحد آبائه ولم أعلم اسمه: ابن آمنة الحجاري، فقيه عالم، شافعي المذهب، له كتاب في أحكام القرآن. أ. هـ.\nقلت: فلعل من ذكر أنه عبد الله بن مطرف أخطأ، حيث إن هذا مالكي والآخر شافعي.\n(^٨) هذا هو الكتاب المحقق، وسيأتي التعريف به إن شاء الله.","vol":"1","page":19},{"text":"¬٢٣.أحكام القرآن.\n٢٤.الإنباه عن الأحكام من كتاب الله، كلاهما للمنذر بن سعيد بن عبد الله البلوطي ت ٣٥٥ هـ. (^١)\n٢٥.أحكام القرآن، محمد بن القاسم بن شعبان بن الصقيل، المعروف بابن القرطي ت ٣٥٥ هـ. (^٢)\n٢٦.أحكام القرآن، أحمد بن علي الرازي، المعروف بالجصاص ت ٣٧٠ هـ. (^٣)\n٢٧.أحكام القرآن، عباد بن عباس بن عباد الطالقاني ت ٣٨٥ هـ. (^٤)\n٢٨.أحكام القرآن، محمد بن أحمد المعروف بابن الكواز كان حيًا قبل ٣٧٥ هـ (^٥)\n٢٩.أحكام القرآن، محمد بن عبدالله بن خويز منداد توفي حدود ٣٩٠ هـ. (^٦)\n٣٠.أحكام القرآن، أحمد بن علي الربعي الباغائي ت ٤٠١ هـ. (^٧)\n٣١.مختصر أحكام القرآن.\n٣٢.المأثور عن مالك في أحكام القرآن.\n٣٣.ما أغفله القاضي منذر ووهم فيه في كتاب أحكام القرآن. ثلاثتها لمكي بن أبي طالب القيسي ت ٤٣٧ هـ. (^٨)\n٣٤.أحكام القرآن للشافعي جمع وترتيب أحمد بن الحسين البيهقي ت ٤٥٨ هـ. (^٩)\n٣٥.أحكام القرآن، محمد بن الحسين المشهور بالقاضي أبي يعلى ت ٤٥٨ هـ. (^١٠)\n_________\n(^١) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٧١، معجم مصنفات القرآن: ١/ ١٠٣، ١٠٥.\n(^٢) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٧٢، فهرست مصنفات تفسير القرآن الكريم.\n(^٣) مطبوع، وانظر التعريف به وبمنهجه: التفسير والمفسرون: ٢/ ٤٢٠، تفاسير آيات الأحكام: ١/ ٩٤.\n(^٤) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٧٢، فهرست مصنفات تفسير القرآن الكريم.\n(^٥) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٧٣.\n(^٦) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٧٣، فهرست مصنفات تفسير القرآن الكريم.\n(^٧) تفاسير آيات الأحكام: ١/ ١٣٣، معجم مصنفات القرآن: ١/ ٩٦.\n(^٨) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٧٤، فهرست مصنفات تفسير القرآن الكريم.\n(^٩) مطبوع، وانظر التعريف به وبمنهجه: تفاسير آيات الأحكام: ١/ ١٥٠.\n(^١٠) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٧٥، معجم مصنفات القرآن: ١/ ٩٩.","vol":"1","page":20},{"text":"¬٣٦.أحكام القرآن، علي بن محمد الطبري المعروف بالكيالهراسي ت ٥٠٤ هـ. (^١)\n٣٧.أحكام القرآن، محمد بن عبد الله الأندلسي، المعروف بابن العربي ت ٥٤٣ هـ. (^٢)\n٣٨.أحكام القرآن، عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم بن الفرس ت ٥٩٧ هـ. (^٣)\n٣٩.الجامع لأحكام القرآن، محمد بن أبي بكر الأنصاري القرطبي ت ٦٧١ هـ. (^٤)\n٤٠.إحكام العنوان لأحكام القرآن، صلاح الدين أبو سعيد بن خليل العلائي ت ٦٧١ هـ. (^٥)\n٤١.التبيان في أحكام القرآن، ابن أبي الأحوص الحسن بن عبد العزيز بن محمد المالكي الأندلسي ت ٧٠٠ هـ. (^٦)\n٤٢.أحكام القرآن، إبراهيم بن محمد بن إسحاق أبو إسحاق برهان الدين القيسي السقاقُسي ت ٧٤٢ هـ. (^٧)\n_________\n(^١) مطبوع، وانظر التعريف به وبمنهجه: التفسير والمفسرون: ٢/ ٤٢٦، تفاسير آيات الأحكام: ١/ ١٧٨.\n(^٢) مطبوع، وانظر التعريف به وبمنهجه: التفسير والمفسرون: ٢/ ٤٢٩، تفاسير آيات الأحكام: ١/ ٢٠٢.\n(^٣) حقق محمد الصغير سورتي الفاتحة والبقرة، وعبد الله عبد الحميد من الفاتحة إلى آية ٢١٠ من سورة البقرة، ونورة الخضير من آية ٢١٥ من سورة البقرة إلى آخر آل عمران، ومنور الجدعان من آية ٢٢ من سورة النساء إلى آية ٨٧ من سورة المائدة، ومحمد إبراهيم يحيى سورتي آل عمران والنساء، وسجل بقيته في رسائل علمية في كليتي التربية والآداب للبنات بالرياض. وانظر التعريف به وبمنهجه: تفاسير آيات الأحكام: ١/ ٢٧٢.\n(^٤) مطبوع، وانظر التعريف به وبمنهجه: التفسير والمفسرون: ٢/ ٤٣٧، القرطبي مفسرًا، للدكتور علي العبيد، تفاسير آيات الأحكام: ١/ ٣١٣.\n(^٥) الوافي بالوفيات: ١٣/ ٤١١، فهرست مصنفات تفسير القرآن الكريم.\n(^٦) المرجع السابق.\n(^٧) المرجع السابق.","vol":"1","page":21},{"text":"¬٤٣.القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز، أحمد بن يوسف، المعروف بالسمين الحلبي ت ٧٥٦ هـ. (^١)\n٤٤.تهذيب أحكام القرآن، محمود بن أحمد بن مسعود، المعروف بابن سراج القونوي ت ٧٧٠ هـ. (^٢)\n٤٥.رسالة في آيات الأحكام من القرآن الكريم، علي بن شهاب الدين حسن بن محمد الهمذاني الحسيني ت ٧٨٦ هـ. (^٣)\n٤٦.تيسير البيان لأحكام القرآن، جمال الدين محمد بن علي، المعروف بابن نور الدين الموزعي ت ٨٢٥ هـ. (^٤)\n٤٧.أحكام الكتاب المبين، علي بن عبد الله الشنفكي ت ٩٠٧ هـ. (^٥)\n٤٨.الإكليل في استنباط التنزيل، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ت ٩١١ هـ. (^٦)\n٤٩.تفسير آيات الأحكام، محمد بن علي الفارسي الاستراباذي ت ١٠٢٨ هـ. (^٧)\n٥٠.أحكام القرآن، رحم علي الجعفري الفلواري ت ١١٢٩ هـ. (^٨)\n٥١.التفسيرات الأحمدية في بيان الآيات الشرعية، أحمد بن أبي سعيد بن عبد الله الحنفي ت ١١٣٠ هـ. (^٩)\n٥٢.نيل المرام من تفسير آيات الأحكام.\n_________\n(^١) تفاسير آيات الأحكام: ١/ ٣٣٩، معجم مصنفات القرآن: ١/ ١١٦.\n(^٢) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٧٥، معجم مصنفات القرآن: ١/ ١٠٧.\n(^٣) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٧٦.\n(^٤) الكتاب محقق في قسم القرآن وعلومه كلية أصول الدين بالرياض، وانظر التعريف به وبمنهجه: تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٣٧٧، وطبع أخيرًا عن طريق رابطة العالم الإسلامي.\n(^٥) حقق من أوله إلى نهاية سورة التوبة في قسم القرآن وعلومه كلية أصول الدين بالرياض، وانظر التعريف به وبمنهجه: تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤١١.\n(^٦) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٣٢.\n(^٧) معجم مصنفات القرآن: ١/ ١٠٧.\n(^٨) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٧٦.\n(^٩) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٧٧، معجم مصنفات القرآن: ١/ ١٠٧.","vol":"1","page":22},{"text":"¬٥٣.آيات الأحكام الشرعية، كلاهما لمحمد بن صديق خان ت ١٣٠٧ هـ. (^١)\n٥٤.أحكام القرآن، إسماعيل جودت المصري ت ١٣١٥ هـ. (^٢)\n٥٥.الفتوحات الربانية في تفسير ما ورد في القرآن من الأوامر والنواهي الإلهية، محمد بك عبد العزيز الحكيم ت ١٣٥٠ هـ. (^٣)\n٥٦.الآيات المحكمات في التوحيد والعبادات والمعاملات، محمد بن أحمد الملقب بـ: الداه الشنقيطي. (^٤)\n٥٧.تفسير آيات الأحكام، محمد علي السايس ت ١٣٩٦ هـ. (^٥)\n٥٨.تفسير آيات الأحكام، مناع خليل القطان ت ١٤٢١ هـ. (^٦)\n٥٩.روائع البيان في تفسير آيات الأحكام من القرآن، محمد علي الصابوني. (^٧)\n٦٠.الشامل في تفسير آيات الأحكام، منصور أبو المعاطي الجوهري. (^٨)\n٦١.المصطفى من تفسير آيات الأحكام، د. فريد مصطفى سلمان. (^٩)\n٦٢.آيات الأحكام في المغني لابن قدامة المقدسي. (^١٠)\n٦٣.تفسير آيات الأحكام في سورة النساء والمائدة، د. سليمان بن إبراهيم اللاحم. (^١١)\nوهناك مؤلفات أخرى في تفاسير آيات الأحكام آثرت هنا الاقتصار على أبرزها.\n_________\n(^١) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٧٨، ٤٧٩، معجم مصنفات القرآن: ١/ ١٢٠.\n(^٢) فهرست مصنفات تفسير القرآن الكريم.\n(^٣) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٨٠.\n(^٤) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٨١.\n(^٥) مطبوع، وانظر التعريف به وبمنهجه: تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٨٥.\n(^٦) مطبوع، وانظر التعريف به وبمنهجه: تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٨٦.\n(^٧) مطبوع، وانظر التعريف به وبمنهجه: تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٨٨.\n(^٨) تفاسير آيات الأحكام: ٢/ ٤٨٩.\n(^٩) مطبوع.\n(^١٠) عبارة عن سبع رسائل دكتوراة مسجلة في قسم القرآن وعلومه بكلية أصول الدين بالرياض جمع فيها الباحثون أقوال ابن قدامة في آيات الأحكام من خلال كتاب المغني، ثم درسوها مع مقارنتها ببقية كتب أحكام القرآن.\n(^١١) مطبوع.","vol":"1","page":23},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-20>القسم الأول: دراسة عن المؤلف والكتاب، وفيه فصلان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>الفصل الأول: عصر المؤلف وحياته، وفيه مبحثان:</span>\nالمبحث الأول: عصره، وأثره عليه، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: الحالة السياسية\nالمطلب الثاني: الحالة الاجتماعية\nالمطلب الثالث: الحالة العلمية\nالمبحث الثاني: حياته، وفيه ثمانية مطالب:\nالمطلب الأول: اسمه ونسبه\nالمطلب الثاني: مولده ونشأته\nالمطلب الثالث: مكانته وثناء العلماء عليه\nالمطلب الرابع: شيوخه وتلاميذه\nالمطلب الخامس: مصنفاته\nالمطلب السادس: عقيدته\nالمطلب السابع: مذهبه الفقهي\nالمطلب الثامن: وفاته","vol":"1","page":24},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-22>المبحث الأول: عصره، وأثره عليه، وفيه ثلاثة مطالب:</span>\nالمطلب الأول: الحالة السياسية\nالمطلب الثاني: الحالة الاجتماعية\nالمطلب الثالث: الحالة العلمية\n\nمن المناسب الحديث بإيجاز عن عصر المؤلف من خلال بيان الحالة السياسية، والاجتماعية، والعلمية؛ لمعرفة تلك الأحوال التي نشأ فيها المؤلف، ومدى تأثره بها سلبًا أو إيجابًا.","vol":"1","page":25},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-23>المطلب الأول: الحالة السياسية:</span>\nعاش القاضي أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجريين، وبالتحديد من سنة ٢٦٣ هـ إلى ٣٤٤ هـ.\nفهو قد عاش في العصر العباسي الثاني، وقد كان بداية هذا العصر بداية عهد الضعف الذي أصاب الأمة الإسلامية، ويعتبر عهد الخليفة المتوكل (٢٣٢ - ٢٤٧ هـ) هو بداية هذا العصر الثاني من العصر العباسي.\nولعل من أبرز أسباب هذا الضعف في هذا العصر: اعتماد الدولة العباسية على الفرس أولًا ثم على الأتراك، وإيثارهم إياهم بالمناصب المدنية والعسكرية على العرب، وقد كان من ثمرات هذا الأمر خروج السيطرة عن الخليفة، حيث أصبحت مقاليد الحكم بأيدي الأتراك من خلال سيطرتهم العسكرية على مركز الخلافة، وبقي الخليفة اسمًا أو صورة في قصره.\nوبهذا الضعف أخذت الأقطار الإسلامية تستقل عن بغداد شيئًا فشيئًا، فصارت عبارة عن دول متعددة مستقلة، لكل دولة مالها وجندها وإدارتها وأميرها، واشتغل كل واحد منهم بقتال الآخر، وشغلوا عن قنال عدوهم، فتفشت الفوضى، وانتشرت الفتن والثورات الداخلية، وطمع الأعداء من الخارج في الدولة الإسلامية فأخذوا يغيرون عليها من وقت لآخر. (^١)\n_________\n(^١) تاريخ الإسلام السياسي د. حسن إبراهيم: ٣/ ٧، التاريخ الإسلامي محمود شاكر الجزء الثاني من القسم السادس: ٧، العصر العباسي الثاني: د. شوقي ضيف: ٩، ظهر الإسلام لأحمد أمين: ١/ ٥، ٩٠.","vol":"1","page":26},{"text":"¬ولعل من أبرز تلك الثورات الداخلية: ثورة الزنج، والتي شغلت الدولة أربع عشرة سنة، لم تضع فيها الحرب أوزارها (٢٥٥ - ٢٧٠ هـ) وكانت بقيادة محمد بن علي، الذي زعم أنه متصل النسب بزيد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ولم تهدأ هذه الثورة إلا بمقتل زعيمهم سنة ٢٧٠ هـ، بعد أن عاثوا في الأرض فسادًا، فقتلوا وأخافوا، وأحرقوا المساجد، وانتهكوا الحرمات. (^١)\nوما كادت نار هذه الثورة تنطفئ حتى قامت ثورة أخرى وهي ثورة الإسماعلية والقرامطة، وكلها كانت من الحركات الباطنية التي ظاهرها التشيع لآل البيت، وحقيقتها الإلحاد وهدم الإسلام، وقد استمرت هذه الثورة أكثر من أربعين سنة (٢٧٨ - ٣٣٢ هـ)، سامو المسلمين فيها سوء العذاب، فقتلوا الرجال والنساء، وتعرضوا لحجاج بيت الله الحرام وقطعوا عليهم السبل، واشتد خطرهم وإفسادهم سنة ٣١٧ هـ عندما دخلوا مكة وقتلوا من الحجاج ما يزيد على عشرة آلاف، وقُلع باب الكعبة، واقتلع الحجر الأسود، وأخذ معهم إلى هجر، واستمرت هذه الثورة حتى مات زعيمهم سنة ٣٣٢ هـ. (^٢)\nهذا هو الحال العالم الإسلامي بصورة عامة، وإذا نظرنا إلى الحالة السياسية في مصر، وهي البلد الثاني الذي استقر به المؤلف، حيث نزل مصر قبل سنة ٣٣٠ هـ حتى مات فيها (^٣).\nفإنها لم تكن ببعيدة عن هذه الأحداث، إلا أنها أفضل حالًا في العموم، وذلك راجع إلى قوة من حكمها ذلك الوقت من الدولة الطولونية والإخشيدية.\n_________\n(^١) تاريخ الطبري: ٩/ ٤٣١، البداية والنهاية: ١١/ ٣٤، تاريخ الإسلام د. حسن إبراهيم: ٣/ ٢٠٩، التاريخ الإسلامي: ٧٤، العصر العباسي الثاني: ٢٦، ظهر الإسلام: ١/ ٧٠.\n(^٢) الكامل لابن الأثير: ٨/ ٢٠٧، البداية والنهاية: ١١/ ١٠١، ١٩٠، التاريخ الإسلامي: ٧٧، ٩٥، ١٤٣، العصر العباسي الثاني: ٣٣.\n(^٣) ترتيب المدارك: ٥/ ٢٧١.","vol":"1","page":27},{"text":"¬حيث حكمها أحمد بن طولون (٢٥٥ - ٢٧٠ هـ) واستمر حكم هذه الدولة بعد موت مؤسسها إلى عام ٢٩٢ هـ حيث رجعت ولاية تابعة لمركز الخلافة العباسية. (^١)\nثم رجعت الأمور إلى ما كانت عليه من الاضطراب والفتن، بل اشتد الأمر، حيث كانت مصر تتعرض لهجمات الفاطميين المغاربة.\nواستمر الأمر على هذه الحال حتى استقر الأمر مرة أخرى في مصر على يد محمد بن طغج الأخشيد، مؤسس الدولة الإخشيدية، حيث رجع الاستقرار على ما كان في الدولة الطولونية، وقد امتد حكم الدولة الإخشيدية من (٣٢٣ - ٣٥٨ هـ). (^٢)\nوقد كان للمؤلف ارتباط بالمؤسسة السياسية في العراق، حيث ولي القضاء ببعض نواحي العراق. (^٣)، ولعل هذا الارتباط لم يدم طويلًا حيث خرج من العراق لأمر اضطره، فنزل مصر قبل سنة ٣٣٠ هـ، وأدرك فيها رئاسة عظيمة. (^٤)\nولم تذكر لنا المصادر التاريخية ما هذا الأمر الذي اضطره للخروج من العراق، ولكن لعل السبب يرجع إلى تلك الاضطرابات السياسية والدينية في العراق، فنزل مصر في عهد الدولة الإخشيدية حيث الاستقرار، ولم تبين لنا أيضًا تلك المصادر ما تلك الرئاسة العظيمة التي أدركها في مصر، ولعلها الرئاسة في الدين والعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>المطلب الثاني: الحالة الاجتماعية:</span>\nسبق في الحديث عن الحالة السياسية أن ذلك العصر شهد كثيرًا من الاضطرابات والفتن التي كان لها الأثر الواضح على حالة الناس الاجتماعية.\nوقد تنوعت طبقات المجتمع من ناحية الجنس، والدين، والاقتصاد.\nفمن ناحية الجنس والعرق كان المجتمع يتكون من عدة عناصر من: العرب، والفرس، والترك، والمغاربة.\n_________\n(^١) البداية والنهاية: ١١/ ٥٣، ١١٦، تاريخ الإسلام د. حسن إبراهيم: ٣/ ١٢٦، التاريخ الإسلامي: ٨٧، ١٠٣.\n(^٢) تاريخ الإسلام د. حسن إبراهيم: ٣/ ١٣٥، التاريخ الإسلامي: ١٣٧.\n(^٣) ترتيب المدارك: ٥/ ٢٧١.\n(^٤) المرجع السابق.","vol":"1","page":28},{"text":"¬ومن ناحية الدين كان هناك بجانب الدين الإسلامي الذي هو الأصل ديانات أخرى، كاليهودية والنصرانية والمجوس.\nومن ناحية الطوائف كان هناك: السنة، والشيعة، والخوارج، والمعتزلة.\nومن ناحية الاقتصاد فقد انقسم الشعب إلى ثلاث طبقات: طبقة عليا، وتشتمل على الخلفاء، والوزراء، والقواد، والأمراء، وكبار رجال الدولة، ورؤوس التجار، وكانت هذه الطبقة تغرق في النعيم بشتى أنواعه وأصنافه. طبقة وسطى: وتشتمل على رجال الجيش، وموظفي الدواوين، والقضاة، والتجار، والصناع، ويدخل تحت هذه الطبقة: العلماء، والشعراء، والمغنون، وهذه الطبقة أقل حالًا من الطبقة العليا، لكنها أفضل حالًا بالنسبة للطبقة الدنيا، والتي تمثل طبقة العامة من الزراع، وأصحاب الحرف، والخدم، والرقيق. (^١)\nوقد صورت لنا كتب التاريخ تلك الحالة التي كان عليها رجال الطبقة العليا، ووصفت وصفًا دقيقًا قصورهم وكيف تم بناؤها، وما فيها من الزينة، ووسائل الراحة، وعدد من كان فيها من الخدم والجواري، وما كان عليه الخلفاء في ذلك الوقت من الترف والنعيم، وكيف كانت مجالسهم تملأ بالشعراء والمغنين، وما انغمسوا فيه من اللهو، وشرب الخمر، والرقص، والغناء.\n_________\n(^١) تاريخ الإسلام د. حسن إبراهيم: ٣/ ٤٢٢، ٤٣٤، العصر العباسي الثاني: ٥٣، ظهر الإسلام: ١/ ١٢١.","vol":"1","page":29},{"text":"¬وهنا لا بد من بيان أمرين، الأول: أن هناك من يصور هذه الأمور على أنها من حضارة العالم الإسلامي، والحقيقة أنها من أسباب ضعفه وانحطاطه، يقول الأستاذ / محمود شاكر: وبرز هؤلاء اللاهون في المجتمع لنعيمهم أو شقائهم الذي هم فيه حتى أعطوا العصر سمتهم فأُضيفت هذه الرفاهية - نتيجة الجهل - إلى نتاج ما سبق من حضارة، وظُن أنه جزء من نتاجها وثمارها، والواقع أنه كان الترف والبطر، وكان الفساد، وكانت النتيجة الضياع والانهيار، لا للحضارة التي ظهرت من قبل فحسب وإنما للأمة جميعًا، إذ من أخذ نعم الله وأداها حقها كانت له خيرًا وكانت حضارة، ومن بذل ذلك في سبيل هواه كانت النعمة نقمة، وكانت العاقبة شرًا، ليس عليه فقط وإنما على أفراد الأمة جميعًا الذين لم يأخذوا على يده. (^١)\nوالأمر الثاني: أن هناك مبالغة في تصوير وضع الترف والانغماس في الشهوات، مع الاعتراف بوجود بعض صوره، ولكن لا يزال الناس بخير، ولا يزال فيهم من يقوم بأمر الله من الأمراء والعلماء، يقول الأستاذ / محمود شاكر: وما يبالغ فيه من كثرة الجواري وفساد القصور فهذا أمر مبالغ فيه كثيرًا، أجرى أعداؤهم فيه ألسنتهم وأقلامهم حتى أصبح بهذه الصورة التي تمقتها النفس. (^٢)\nولا بد من الإشارة إلى أن المؤلف كانت له مواقف تشهد في إصلاح الناحية الاجتماعية، وخاصة ما يتعلق بالطوائف الإسلامية المنتشرة في ذلك الوقت، كالشيعة، والخوارج، والقدرية، فقد بدأ كتابه بالثناء على سلف هذه الأمة، وبيان جهل من انتقصهم، وبيان الخوارج وحكمهم. (^٣)\n_________\n(^١) التاريخ الإسلامي: ٢٩.\n(^٢) المرجع السابق: ٤٩، ٥٠.\n(^٣) سيأتي مزيد إيضاح لهذه المسألة عند الحديث عن عقيدة المؤلف إن شاء الله ص: ٤٤.","vol":"1","page":30},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-25>المطلب الثالث: الحالة العلمية:</span>\nيعتبر هذا العصر من أزهى عصور الثقافة الإسلامية بشتى أصنافها ومجالاتها، حيث انتشرت حركة التأليف، والتدريس، والرحلة في طلب العلم.\nوقد كان لهذا الانتشار والازدهار - مع تلك الظروف السياسية غير المستقرة - أسباب عدة، يمكن إجمال أهمها فيما يلي:\n١ - استقلال بعض الأقطار عن مركز الخلافة في بغداد، فأصبح كل قطر مركزًا لحركة علمية وأدبية، وأصبح الأمراء يتنافسون في تقريب العلماء، وتشجعيهم على التأليف، والمساهمة في نشر الثقافة الإسلامية.\n٢ - ظهور تلك الفرق الإسلامية والتي اتخذت الثقافة والعلم وسيلة لتحقيق مآربها السياسية، حيث كان للجدل الذي قام بين هذه الفرق وأهل السنة والجماعة أثر في هذه النهضة العلمية.\n٣ - المناظرات التي كانت تعقد في المساجد وقصور الأمراء سواء بين الفرق الإسلامية المختلفة، أو المذاهب الفقهية المعروفة، كان لها الأثر الواضح في ازدهار الحركة العلمية.\n٤ - الترجمة، وما نقل من ذخائر الأمم المختلفة من اليونان، والفرس، والهند إلى اللغة العربية، كان مؤثرًا في انتشار الثقافة.\n٥ - كثرة دور الوراقين، واهتمام الناس باقتناء الكتب وشرائها. (^١)\nهذا الازدهار للثقافة العربية ليس محصورًا في فن معين، بل كان في كل الفنون والعلوم، ابتداء بالعلوم الشريعة بكافة تخصصاتها، وعلوم اللغة العربية، والعلوم التطبيقية، والعلوم الإنسانية.\n_________\n(^١) تاريخ الإسلام د. حسن إبراهيم: ٣/ ٣٣٢، العصر العباس الثاني: ١٢٢، ١٣١، ظهر الإسلام: ١/ ٩٤.","vol":"1","page":31},{"text":"¬ولذلك نجد أن العالم الإسلامي قد برز فيه جمع من العلماء الأفذاذ الذين شاركوا بقوة في دعم الحركة العلمية، من خلال التأليف، والتدريس، نذكر جملة منهم على سبيل التمثيل لا الحصر: أبو معشر البلخي الفلكي المشهور المتوفى ٢٧٢ هـ، ابن ماجة صاحب السنن والتفسير المتوفى ٢٧٣ هـ، وأبو داود صاحب السنن المتوفى ٢٧٥ هـ، والترمذي صاحب السنن المتوفى ٢٧٩، والمبرد اللغوي المشهور المتوفى ٢٨٥ هـ، والنسائي صاحب السنن المتوفى ٣٠٣ هـ، ابن جرير الطبري المفسر والمؤرخ المتوفى ٣١٠ هـ، والزجاج صاحب معاني القرآن المتوفى ٣١١ هـ، وابن خزيمة صاحب الصحيح المتوفى ٣١١ هـ، وابن المنذر الفقيه المفسر المتوفى ٣١٨ هـ، وأبو بكر محمد بن زكريا طبيب المسلمين في ذلك العصر المتوفى حوالي سنة ٣٢٠ هـ، وأبو جعفر الطحاوي الفقيه الحنفي صاحب أحكام القرآن المتوفى ٣٢١ هـ، وأبو بكر بن مجاهد شيخ المقرئين ومسبع السبعة المتوفى ٣٢٤ هـ، وأبو بكر الأنباري اللغوي المتوفى ٣٢٧ هـ، وابن أبي حاتم صاحب التفسير والعلل المتوفى ٣٢٧ هـ، وأبو جعفر النحاس صاحب المعاني والناسخ والمنسوخ وإعراب القرآن المتوفى ٣٣٨ هـ، وأبو بكر الأدفوي المفسر المتوفى ٣٨٨ هـ، وغيرهم الكثير.\nولعل البلد الثاني الذي نزل به المؤلف وهو مصر كان له مزية من ناحية جمعه بين الحركة العلمية والاستقرار السياسي، وخاصة في عهد الإخشيدين، حيث كانت المساجد تكتظ بطلاب العلم، ومن أبرز تلك المساجد: جامع ابن طولون، وجامع عمرو بن العاص، والأزهر. (^١)\n_________\n(^١) تاريخ الإسلام د. حسن إبراهيم: ٣/ ٣٣٦، ظهر الإسلام: ١/ ١٦٤.","vol":"1","page":32},{"text":"¬ومن المناسب ونحن نتحدث عن الحالة العلمية في ذلك العصر أن نتحدث عن بيئة خاصة نشأ فيها المؤلف، وتأثر بمنهجها، وكان أحد روادها، تلكم هي المدرسة المالكية البغدادية، وسيكون الحديث عنها موجزًا من حيث روادها، ومنهجها. (^١)\nلقد كانت هناك عدة عوامل ساعدت على تكوين وظهور مدارس فقهية داخل المذهب المالكي، ومنها: الأول: منهج الإمام مالك الاستنباطي وأصوله التي بنى عليها مذهبه، حيث استدل بنوعين من السنة: السنة المرفوعة، والسنة الأثرية من أقوال الصحابة وفتاويهم، وعمل أهل المدينة وعرفهم. العامل الثاني: التخصص المزدوج لإمام المذهب، حيث جمع بين الفقه والحديث، وهذان التخصصان وإن كانا مرتبطين إلا أن تأثير كل واحد منهما منفردًا ظهر بشكل واضح على بعض تلاميذه دون الآخر. العامل الثالث: البيئة العلمية، فقد ساعدت البيئة العلمية الفقهية في العراق على نشوء منهج مختلف عن منهج من يرى تقديم الأحاديث الصحيحة على العمل، ومنهج من يرى الاعتماد على الأحاديث التي أيدها العمل، ذلكم المنهج المختلف نشأ متأثرًا بمنهج أهل الرأي، الذي كان سائدًا في العراق، وهو منهج الاحتجاج، والرد على المخالف. العامل الرابع: مراجعة الإمام مالك لآرائه الفقهية وتنقيحه لها بصورة مستمرة، جعلت روايات أصحابه وسماعاتهم عنه تختلف، ومن ثم اختلف تكوينهم الفقهي.\n_________\n(^١) انظر في هذا الموضوع: المدرسة البغدادية للمذهب المالكي نشأتها أعلامها منهجها أثرها د. محمد العلمي، وأسباب تعدد المدارس في المذهب المالكي وأهم مميزات المدرسة البغدادية د. الحبيب بن طاهر، المدرسة المالكية العراقية وصلاتها بالمدارس الأخرى د. عبد المنعم التمسماني.","vol":"1","page":33},{"text":"¬وهذه المدارس هي: المدرسة المدنية، المدرسة العراقية، المدرسة المصرية، المدرسة الإفريقية القيروانية، المدرسة الأندلسية. (^١)\nدخل المذهب المالكي إلى العراق عن طريق جماعة من أصحاب مالك، منهم: سليمان بن بلال (ت ١٧٦ هـ)، عبد الرحمن بن مهدي (ت ١٩٨ هـ)، عبد الله بن مسلمة العقعنبي (ت ٢٢١ هـ)، محمد بن عمر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ)، يحيى بن يحيى بن بكير (ت ٢٢٦ هـ)، قتيبة بن سعيد الخراساني (ت ٢٤٠ هـ)، هارون بن عبد الله الزهري (ت ٢٣٢ هـ).\nثم أتى بعد هؤلاء من درسوا على كبار أصحاب مالك، وعلى رأسهم: أحمد بن المعذل (لم تعرف سنة وفاته)، يعقوب بن إسماعيل بن حماد الأزدي (ت ٢٤٦ هـ)، يعقوب بن شيبة بن أبي الصلت (ت ٢٦٢ هـ).\nثم بدأ بعد ذلك بدأ العصر الذهبي لهذه المدرسة على يد مؤسسها الفعلي: القاضي إسماعيل ابن إسحاق الجهضمي (ت ٢٨٢ هـ).\nومن أهم روادها بعد هؤلاء: محمد بن أحمد بن سهل البركاني (ت ٣١٩ هـ)، محمد بن أحمد بن بكير (ت ٣٠٥ هـ)، أبو بكر محمد بن الجهم (ت ٣٢٩ هـ)، بكر بن محمد بن العلاء القشيري (ت ٣٤٤ هـ)، أبو بكر محمد بن عبد الله بن صالح الأبهري (ت ٣٧٥ هـ)، أبو القاسم بن الجلاب (ت ٣٧٨ هـ)، أبو الحسن علي بن عمر القصار (ت ٣٩٨ هـ)، القاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر التغلبي (ت ٤٢٢ هـ)، ثم بدأ المذهب المالكي مرحلة الضعف في العراق بعد رحيل القاضي عبد الوهاب، حتى انقطع واندثر. (^٢)\n_________\n(^١) اصطلاح المذهب عند المالكية: ٥٨، أسباب تعدد المدارس في المذهب المالكي: ٨.\n(^٢) المدرسة البغدادية للمذهب المالكي: ٩١ - ١٨١، أسباب تعدد المدارس في المذهب المالكي: ٢٢، اصطلاح المذهب عند المالكية: ٦٥.","vol":"1","page":34},{"text":"¬وقد تميزت هذه المدرسة بعدة مزايا منها:\nالتأصيل، حيث كان اهتمام علماء هذه المدرسة منصبًا على تأصيل الأصول وتقعيد القواعد، وكان هذا قائمًا أولًا على ما لديهم من تصريحات الإمام بأصوله وقواعد مذهبه، وقائمًا ثانيًا على دراسة فتاويه وأقواله، والحث عن أدلتها ومصادرها التي يظن أنها استقيت منها، ثم مقارنتها وتنظيرها، ثم استخلاص قاعدة عامة يقع تقريرها بأنها أصل من أصول المذهب.\nوهناك جانب آخر في التأصيل وهو الاستدلال للمسائل الفقهية، سواء التي أفتى بها الإمام، أو التي خرجوها على ما أفتى به، أو استنبطوها من أصوله، وهذا الاستدلال قائم على بيان أدلتها، وتعليل أحكامها. (^١)\nالخلاف والجدل: فقد كانت بغداد موطنًا لمذاهب فقهية متنافسة، كالمذهب الحنفي، والشافعي، والحنبلي، والظاهري، والمالكي.\nهذا التعدد في المذاهب الفقهية، والتأثر بالبيئة العلمية في بغداد القائم على الرأي كان له الأثر الواضح في كون الخلاف والجدل من مميزات المدرسة المالكية العراقية، حيث كان علماء كل مذهب يسعون لنشر مذهبهم، وبيان صحة أصولهم وأقوالهم، فكان للمالكية دور بارز في هذا المضمار، حيث كانت مؤلفاتهم مطبوعة بهذا المنهج، القائم على المقارنة والنقض والاستدلال، ولعل ذلك يلحظ من خلال مؤلفات علماء تلك المدرسة، وانتشار كتب الرد على المخالفين، فمن ذلك على سبيل المثال: كتاب الرد على محمد بن الحسن، والرد على الشافعي، والرد على أبي حنيفة، للقاضي إسماعيل بن إسحاق (^٢)، كما ألف القاضي بكر بن العلاء: كتاب الرد على المزني، وكتاب الأشربة في نقض كتاب الأشربة للطحاوي. (^٣)\nإذًا فقد تميزت هذه المدرسة بميلها إلى التحليل المنطقي للصور الفقهية، والاستدلال الأصولي، وذلك بإفراد المسائل، وتحرير الدلائل على رسم الجدليين، وأهل النظر من الأصول. (^٤)\n_________\n(^١) أسباب تعدد المدارس في المذهب المالكي: ٣٧.\n(^٢) ترتيب المدارك: ٤/ ٢٧١.\n(^٣) المرجع السابق: ٥/ ٢٧١.\n(^٤) أسباب تعدد المدارس في المذهب المالكي: ٤٨، اصطلاح المذهب عند المالكية: ٦٧، وانظر أيضًا: المدرسة البغدادية للمذهب المالكي: ١٩٨ - ٢٧٨ حيث تحدث عن منهج المدرسة البغدادية المالكية في الاختيارات الفقهية والأصولية، ومنهجها في التصنيف.","vol":"1","page":35},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-26>المبحث الثاني: حياته، وفيه ثمانية مطالب:</span>\nالمطلب الأول: اسمه ونسبه\nالمطلب الثاني: مولده ونشأته\nالمطلب الثالث: مكانته وثناء العلماء عليه\nالمطلب الرابع: شيوخه وتلاميذه\nالمطلب الخامس: مصنفاته\nالمطلب السادس: عقيدته\nالمطلب السابع: مذهبه الفقهي\nالمطلب الثامن: وفاته","vol":"1","page":36},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-27>المطلب الأول: اسمه ونسبه </span>(^١)\nاتفقت جميع مصادر ترجمته على أن: اسمه بكر، وأن كنيته: أبو الفضل، وأن نسبته القشيري.\nواختلف في بعض نسبه، فقال ابن حزم هو: بكر بن محمد بن العلاء بن يحيى بن زياد بن الوليد بن الجهم بن مالك بن ضمرة بن عروة بن شنوءة بن سلمة الخير بن قشير القاضي المالكي. (^٢)\nوقال القاضي عياض هو: بكر بن محمد بن العلاء بن محمد بن زياد بن الوليد بن الجهم بن مالك بن ضمرة بن عروة بن شنوءة بن سلمة الخير بن بشير بن كعب القشيري. (^٣)\nوالقُشيري - بضم القاف وفتح الشين وسكون الياء - قبيلة كبيرة، تنسب إلى قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة ابن خصفة بن قيس عيلان بن مضر. (^٤)\nقلت: فعليه يكون ما ذكره القاضي عياض في نسبه من أنه: (سلمة الخير بن بشير) تصحيف، والصواب (سلمة الخير بن قشير بن كعب).\n_________\n(^١) مصادر ترجمته: ترتيب المدارك: ٥/ ٢٧٠، سير أعلام النبلاء: ١٥/ ٥٣٧، العبر: ٢/ ٦٧، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام للذهبي (حوادث ووفيات ٣٣١ - ٣٥٠ هـ) ص: ٢٩٦، الوافي بالوفيات: ١٠/ ٢١٧، الديباج المذهب: ١/ ٣١٣، حسن المحاضرة للسيوطي: ١/ ٤٥٠، طبقات المفسرين للداودي: ١/ ١٢٠، شجرة النور الزكية: ١/ ٧٩.\n(^٢) جمهرة أنساب العرب: ٢٩٠.\n(^٣) ترتيب المدارك: ٥/ ٢٧٠.\n(^٤) جمهرة أنساب العرب: ٢٨٧، اللباب في تهذيب الأنساب: ٣/ ٣٧.","vol":"1","page":37},{"text":"¬وأما ما ذكر من أنه (ابن العلاء بن محمد) أو (ابن العلاء بن يحيى) فلم يتبين لي الصواب في ذلك، وقد ذكر أنه ابن العلاء بن محمد: ابن فرحون (^١)، والداودي (^٢)، والشيخ محمد مخلوف (^٣)، وأظنهم أخذوا ذلك من القاضي عياض.\nوقد اشتهر تسميته بـ (بكر بن العلاء القشيري) كما عنون عن ترجمته القاضي عياض، وابن فرحون، محمد مخلوف، وكما يرد اسمه في كتب أهل العلم.\nوقد يكون هذا من باب نسبة الرجل إلى جده، وهذا كثير عند أهل العلم، وقد يكون من باب تمييزه عن غيره، فبكر بن محمد كثير.\nهذا ما يتعلق بنسبه من جهة أبيه، وأما أمه فقد حكى - عن القاضي بكر - ابن عيشون الطليطلي أن أمه من ولد عمران بن حصين صاحب رسول الله - ﷺ -. (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>المطلب الثاني: مولده ونشأته</span>\nلم تبين مصادر ترجمته متى ولد، ولا أين ولد، ولا كيف كانت نشأته، ولكن يمكن استنتاج ذلك مما ذكروه في ترجمته ضمنًا.\nفقد ذكر أنه توفي في ربيع الأول سنة ٣٤٤ هـ، وأنه قد جاوز الثمانين سنة بأشهر. (^٥)\nمما يدل على أنه ولد سنة ٢٦٣ هـ.\nوأما مكان ولادته فهو البصرة، حيث إن من ذكره يقول: البصري (^٦)، بل قد نص القاضي عياض على أنه من أهل البصرة، ونقل عن الفرغاني قوله: أوله من البصرة، وخرج من العراق لأمر اضطره، فنزل مصر قبل الثلاثين والثلاثمائة. (^٧)\nفهذا يدل على أنه ولد في البصرة، وأنه نشأ بها وترعرع، وقضى معظم حياته فيها.\n_________\n(^١) الديباج المذهب: ١/ ٣١٣.\n(^٢) طبقات المفسرين: ١/ ١٢٠.\n(^٣) شجرة النور: ١/ ٧٩.\n(^٤) ترتيب المدارك: ٥/ ٢٧٠، الديباج: ١/ ٣١٣.\n(^٥) ترتيب المدارك: ٥/ ٢٧٢، العبر: ٢/ ٦٧، الديباج: ١/ ٣١٥، طبقات المفسرين للداودي: ١/ ١٢٢، شجرة النور: ١/ ٧٩.\n(^٦) انظر المراجع السابقة.\n(^٧) ترتيب المدارك: ٥/ ٢٧٠.","vol":"1","page":38},{"text":"¬وأما نشأته فالذي يظهر أنه قد نشأ من صغره في طلب العلم، والجلوس إلى العلماء، والأخذ عنهم، ويدل على هذا أنه حدث في مقتبل عمره، حيث حدث عن القاضي إسماعيل (ت ٢٨٢ هـ)، وسمع من زياد بن الخليل التستري (ت ٢٩٠ هـ)، وأبي مسلم الكجي (ت ٢٩٢ هـ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>المطلب الثالث: مكانته العلمية</span>\nيعد القاضي بكر بن العلاء من الأعلام البارزين الذين تبؤوا مكانة عالية في العلم، ومما يؤكد هذا:\n١. كونه أحد فقهاء المدرسة المالكية العراقية، الذين أسهموا في نشأتها، وحفظ تراثها من خلال ما صنفه من مصنفات، حيث أورد في كتبه كثيرًا من تراث تلك المدرسة، وكان له مساهمة في نشر تراث تلك المدرسة خارج العراق، فقد جلس للتدريس في مصر بعد انتقاله إليها، كما حدث بكتابه هذا فيها، فكان حلقة وصل بين المدرسة المالكية العراقية وغيرها من المدارس.\n٢. تنوع التصنيف عنده، حيث ألف في علوم شتى، ومجالات مختلفة، مما يدل على سعة علمه واطلاعه.\n٣. تنوع مصادر التلقي عنده، فسمع الفقه من كبار أئمة المالكية في وقته، حيث سمع من القاضي إسماعيل، وكبار أصحاب القاضي إسماعيل، وسمع الحديث من أئمة كبار، يقول الدكتور محمد العلمي: وكما كانت للقشيري تلمذة فقهية كان أيضًا مترددًا على حلقات المحدثين، وآخذًا عن أئمتها، نقادًا، وحفاظًا، ومصنفين، فكان هذا التكوين السبب الطبيعي لتبريز الرجل في الفقه والحديث والأصول. (^١)\n٤. كثرة من حدث عنه، يقول القاضي عياض: حدث عنه من لا ينعد من المصريين والأندلسيين والقرويين وغيرهم. (^٢)\n٥. شهادة أهل العلم بعلو مكانته، يقول الفرغاني: كان بكر من كبار الفقهاء المالكيين بمصر، وتقلد أعمالًا للقضاة، وكان راوية للحديث عالمًا به. (^٣)\n_________\n(^١) المدرسة البغدادية للمذهب المالكي: ١٤٨.\n(^٢) ترتيب المدارك: ٥/ ٢٧١.\n(^٣) المرجع السابق.","vol":"1","page":39},{"text":"¬ويقول القرطبي عند ترجيحه لمعنى من المعاني في تفسير آية من سورة الأحزاب: قال علماؤنا رحمة الله عليهم وهذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين، كالزهري، والقاضي بكر بن العلاء القشيري، والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم. (^١)\nويقول الذهبي: بكر بن محمد بن العلاء العلامة أبو الفضل القشيري البصري المالكي، صاحب التصانيف في الأصول والفروع. (^٢)\nويقول الشيخ محمد مخلوف: الإمام الفقيه النظار المحدث الراوية. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>المطلب الرابع: شيوخه وتلاميذه</span>\nلقد كان العصر الذي عاش فيه القاضي بكر من العصور الزاهية في العلم، وبوجوده في العراق حاضرة العالم الإسلامي في ذلك الوقت، ثم انتقاله بعد ذلك إلى مصر وهي مركز آخر من مراكز العلم والحضارة، كل ذلك ساعد على كثرة شيوخه وتلاميذه، وسأتحدث عن شيوخه الذين حدث عنهم في كتابه - في القسم المحقق عندي -، والذين ذكرت كتب التراجم أنه أخذ عنهم - ممن استطعت الوقوف على ترجمته -.\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن: ١٤/ ١٩٠، ١٩١.\n(^٢) العبر: ٢/ ٦٧.\n(^٣) شجرة النور: ١/ ٧٩.","vol":"1","page":40},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-31>أولًا: شيوخه - الذين حدث عنهم في القسم المحقق عندي </span>-.\n١. إبراهيم بن حماد بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم، أبو إسحاق الأزدي، مولى آل جرير بن حازم، تفقه بعمه القاضي إسماعيل بن إسحاق، وروى عن أبيه حماد، وجعفر الفريابي، وعنه: أبو بكر الأبهري، وابن الجهم، وأبو عبد الله التستري، إمام ثبت ثقة، ولد سنة ٢٤٢ هـ وتوفي ٣٢٣ هـ. (^١) وقد ذكر القاضي عياض وغيره أن القاضي بكر سمع منه. (^٢) وقد روى المؤلف القاضي بكر في كتابه هذا حديثًا عنه. (^٣)\n٢. إبراهيم بن عبد الله بن مسلم بن ماعز بن المهاجر، أبو مسلم البصري، المعروف بالكجي وبالكشي، صاحب السنن، سمع: محمد بن عبد الله الأنصاري، ومسلم بن إبراهيم، والقعنبي، وعنه: أبو القاسم البغوي، وإسماعيل بن محمد الصفار، وثقه الدارقطني وغيره، قيل كان مولده سنة ٢٠٠ هـ وتوفي سنة ٢٩٢ هـ، سمي بالكجي نسبة إلى الكَجّ وهو الجص، وقيل الكشي نسبة إلى جده الأعلى كش. (^٤)\nوقد ذكر الذهبي أن القاضي بكر سمع منه. (^٥)\nوقد روى عنه المؤلف حديثًا واحدًا. (^٦)\n٣. إبراهيم بن فهد بن حكيم البصري، عن قرة بن حبيب وغيره، قال ابن عدي: سائر أحاديثه مناكير، وهو مظلم الأمر، وقال البردعي: ما رأيت أكذب منه، قيل توفي سنة ٢٧٥ هـ، وقيل ٢٨٢ هـ. (^٧)\nوقد روى المؤلف عنه حديثًا واحدًا. (^٨)\n_________\n(^١) تاريخ بغداد: ٦/ ٦١، سير أعلام النبلاء: ١٥/ ٣٥، الديباج: ١/ ٢٦١، شجرة النور: ١/ ٧٨.\n(^٢) ترتيب المدارك: ٥/ ٢٧١، الديباج: ١/ ٣١٣، شجرة النور: ١/ ٧٩.\n(^٣) انظر من هذه الرسالة ص: ١٤٤.\n(^٤) تاريخ بغداد: ٦/ ١٢٠، اللباب: ٣/ ٨٥، سير أعلام النبلاء: ١٣/ ٤٢٣، طبقات المفسرين للداودي: ١/ ١٣.\n(^٥) سير أعلام النبلاء: ١٥/ ٥٣٨، العبر: ٢/ ٦٧.\n(^٦) انظر من هذه الرسالة ص: ٤٣١.\n(^٧) ميزان الاعتدال: ١/ ٥٣، لسان الميزان: ١/ ٩١.\n(^٨) انظر من هذه الرسالة ص: ٧٦٥.","vol":"1","page":41},{"text":"¬٤. أحمد بن عبيد الله بن يوسف، أبو العباس الجُبيري، حدث عن: أحمد بن الأسود بن الهيثم، ومحمد بن عبد الله بن الحكم، حدث عنه: الطبراني، وأبو بكر الإسماعيلي، وثقه الدارقطني. (^١)\nوقد روى عنه المؤلف حديثًا واحدًا. (^٢)\n٥. أحمد بن موسى. روى عنه المؤلف حديثين عنه عن القعنبي عن مالك. (^٣)\nوقد ذكر الذهبي أن بكر بن العلاء سمع الموطأ من أحمد بن موسى السامي، (^٤) وسماه الذهبي في موضع آخر فقال: سمع موطأ القعنبي من أحمد بن موسى السامري. (^٥)\nقلت: قلت وقد سماه المؤلف في موضع فقال: أخبرنا أحمد بن موسى السامي عن القعنبي عن مالك (^٦).\nوقد روى ابن عبد البر من طريق بكر بن العلاء قال: حدثنا أحمد بن موسى الشامي - بالشين المعجمة - حدثنا القعنبي عن مالك. (^٧)\nقلت: ولم أجد له ترجمة، وقد وقفت أن لأبي القاسم الطبراني (٢٦٠ - ٣٦٠ هـ) شيخ يقال له: أحمد بن موسى الشامي البصري، روى عنه في الأوسط (^٨)، والكبير (^٩)، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الصغير والأوسط عن شيخه أحمد بن موسى الشامي، ولم أعرفه. (^١٠)\nقلت: فلعله هو: أحمد بن موسى الذي يحدث عنه المؤلف في كتابه هذا.\n٦. إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل ين حماد بن زيد بن درهم بن بابك الجهضمي الأزدي، أبو إسحاق البصري المالكي، قاضي بغداد، أصله من البصرة، وفيها نشأ، واستوطن بغداد.\n_________\n(^١) سؤلات حمزة السهمي: ١٤٧، تكملة الإكمال: ٢/ ١٠٨، وتوضيح المشتبه: ٣/ ٦٥\n(^٢) انظر من هذه الرسالة ص: ٢٨٥.\n(^٣) انظر من هذه الرسالة ص: ١٩٣، ٢٥٤.\n(^٤) سير أعلام النبلاء: ١٥/ ٥٣٨.\n(^٥) تاريخ الإسلام: ٢٩٦.\n(^٦) سورة طه الآية ١٤ لوحة ١٨٣/ب.\n(^٧) التمهيد: ٥/ ١٨٣، ١٣/ ١٤٨.\n(^٨) ٢/ ٢٩٦.\n(^٩) ٨/ ٢٨٩، ٢٣/ ٢٩٥.\n(^١٠) مجمع الزوائد: ٥/ ٢٥٥.","vol":"1","page":42},{"text":"¬سمع من: محمد بن عبد الله الأنصاري، وسليمان بن حرب، وحجاج بن منهال، ومسدد، والقعنبي، وإسماعيل بن أبي أويس، ونصر بن علي الجهضمي، وأبي مصعب الزهري، وقالون عيسى وتلا عليه بحرف نافع.\nأخذ الفقه عن أحمد بن المعذل، وصناعة الحديث عن علي بن المديني.\nروى عنه: عبد الله بن حنبل، وإسماعيل الصفار، والحسن بن محمد بن كيسان. وتفقه عليه وروى عنه: ابن أخيه إبراهيم بن حماد، والنسائي، وأبو بكر بن الجهم، وابن مجاهد المقرئ، وقاسم بن أصبغ، وغيرهم كثير.\nوبه تفقه أهل العراق من المالكية، وكان شديدًا على أهل البدع، اجتمع له من صنوف العلم ما لم يجتمع لغيره، من أهم مصنفاته: أحكام القرآن الذي اختصره القاضي بكر (^١)، الموطأ، معاني القرآن وإعرابه، كتاب في القراءات، الرد على محمد بن الحسن، الرد على أبي حنيفة، الرد على الشافعي، كتاب الفرائض، المبسوط في الفقه، كتاب الصلاة على النبي - ﷺ - (^٢)، جمع حديث مالك (^٣)، وأيوب السختياني (^٤)، ويحيى بن سعيد الأنصاري.\nولد سنة ٢٠٠ هـ، ومات سنة ٢٨٢ هـ، قال عنه ابن أبي حاتم: كتب إلينا ببعض حديثه، وهو ثقة صدوق. (^٥)\n_________\n(^١) يوجد قطعة منه، انظر فهرس المصادر والمراجع.\n(^٢) طبع بتحقيق الشيخ الأباني ﵀.\n(^٣) انظر جزء حديث مالك له، فهرس المصادر.\n(^٤) انظر جزء حديث أيوب السختياني، فهرس المصادر.\n(^٥) الجرح والتعديل: ٢/ ١٥٨، تاريخ بغداد: ٦/ ٢٨٤، ترتيب المدارك: ٤/ ٢٧٦، سير أعلام النبلاء: ١٣/ ٣٣٩، الديباج: ١/ ٢٨٢، غاية النهاية: ١/ ١٦٢، طبقات المفسرين للداودي: ١/ ١٠٦.","vol":"1","page":43},{"text":"¬وقد دار جدل حول لقيا بكر بن العلاء بالقاضي إسماعيل وسماعه منه، بعد اتفاقهم على أنه أخذ كتب إسماعيل بالإجازة (^١)، فقد ذكره أبو إسحاق الشيرازي في أصحاب إسماعيل، وقال أبو عمر الطلمنكي: هو معدود في أصحاب إسماعيل بن إسحاق.\nوقال الفرغاني وغيره: إنه لم يدرك إسماعيل، ولا سمع منه.\nقال القاضي عياض: وقد حدث بكر عن إسماعيل في كتبه بالإجازة، ولا يبعد سماعه من إسماعيل؛ إذ قد أدركه بالسن كما تراه في وفاته وسِنه. (^٢)\nقلت: الذي يظهر صحة سماعه منه، إذ قد أدركه بالسن، فقد ولد القاضي بكر - كما سبق - ٢٦٣ هـ، وتوفي القاضي إسماعيل (٢٨٢ هـ) أي أن عمره كان عند وفاة القاضي إسماعيل ما يقارب التاسعة عشرة، وهذا ما أشار إليه القاضي عياض في كلامه المتقدم.\nوأمر آخر وهو أن كلاهما من أهل البصرة، حتى وإن انتقل القاضي إسماعيل إلى بغداد فلا يبعد لقياه له وسماعه منه لقرب المكان.\n_________\n(^١) الإجازة أصلها: إجوازة، فتحركت الواو وتوهم انفتاح ما قبلها فانقلبت ألفًا، وحذفت إحدى الألفين إما الزائدة أو الأصلية فصارت إجازة، وترد في كلام العرب: للعبور، والانتقال، والإباحة، واصطلاحًا: إذن في الرواية لفظًا أو كتبًا يفيد الإخبار الإجمالي عرفًا. [فتح المغيث: ٢/ ٥٧].\nولها أنواع، انظر خلاف أهل العلم في هذه الأنواع، وفي مسألة هل هي بمنزلة السماع.\n[تدريب الراوي: ٢/ ٢٨ - ٤١].\n(^٢) ترتيب المدارك: ٥/ ٢٧٠، الديباج: ١/ ٣١٣، شجرة النور: ١/ ٧٩.","vol":"1","page":44},{"text":"¬ومما يدل على صحة السماع تصريح القاضي بكر بالسماع من القاضي إسماعيل، حيث عبر عن هذا السماع بقوله: أخبرنا، ونا، وأنا، في هذا القسم الذي أقوم بتحقيقه أكثر من عشر مرات (^١)، وهذه من الألفاظ الدالة على صحة السماع من الشيخ. (^٢)\nوقد ورد في هذا القسم قول المؤلف: قال إسماعيل، فيما يقارب ستة مواضع (^٣)، فما لم يصرح فيه بالسماع فيحمل على أخذه له بالإجازة.\n٧. جعفر بن محمد بن الحسن المستفاض، أبو بكر الفريابي، قاضي الدينور، لقي المحدثين في كل بلد، استوطن بغداد، وحدث بها عن: هدبة بن خالد، وعلي ابن المديني، وعنه: أبو بكر الشافعي، ومحمد بن مخلد الدوري، وخلق يطول ذكرهم، كان ثقة أمينًا، ولد سنة ٢٠٧ هـ، ومات سنة ٣٠١ هـ. (^٤)\nذكره القاضي عياض في جملة شيوخ القاضي بكر بن العلاء. (^٥)\nوقد حدث عنه القاضي بكر في كتابه هذا بحديث واحد. (^٦)\n٨. الحسن بن علي. لم أعرفه، وقد روى عنه المؤلف حديثًا واحدًا. (^٧)\n٩. الحسن بن المثنى بن معاذ العنبري، أبو محمد، من نبلاء الثقات، سمع عفان، وأبا حذيفة النهدي، وعنه: الطبراني، ويوسف البختري، ولد سنة ٢٠٠ هـ، ومات سنة ٢٩٤ هـ. (^٨)\nحدث عنه المؤلف بحديث واحد. (^٩)\n_________\n(^١) انظر من هذه الرسالة ص: ١٢٧، ١٤١، ٢١٥، ٢٢٤، ٢٢٥، ٢٣٤، ٢٥١، ٤١٢، ٤٥٦، ٥٣٥، ٥٩٤.\n(^٢) تدريب الراوي: ٢/ ٩.\n(^٣) انظر من هذه الرسالة ص: ١٤٥، ١٤٧، ١٥٥، ٢٥٢، ٢٥٩، ٤٦٨.\n(^٤) تاريخ بغداد: ٧/ ١٩٩، سير أعلام النبلاء: ١٤/ ٩٦، الديباج: ١/ ٣٢١، شجرة النور: ١/ ٧٧.\n(^٥) ترتيب المدارك: ٥/ ٢٧١.\n(^٦) انظر من هذه الرسالة ص: ٢٨١.\n(^٧) انظر من هذه الرسالة ص: ٦٥٣.\n(^٨) الجرح والتعديل: ٣/ ٣٩، سير أعلام النبلاء: ١٣/ ٥٢٦.\n(^٩) انظر من هذه الرسالة ص: ٦٠٣.","vol":"1","page":45},{"text":"¬١٠. زكريا بن يحيى بن عبد الرحمن الساجي، أبو يحيى البصري، سمع: محمد بن بشار بندار، ومحمد بن المثنى، وعنه: أبو أحمد بن عدي، وأبو بكر الإسماعيلي، له مؤلفات حسان في الرجال، واختلاف العلماء، وأحكام القرآن، ثقة فقيه. (^١)\nروى عنه المؤلف حديثًا واحدًا. (^٢)\n١١. زياد بن الخليل، أبو سهل التستري، قدم بغداد وحدث بها عن: إبراهيم بن المنذر، ومسدد، وعنه: أبو بكر الشافعي، وعبد الصمد بن علي، ذكره الدارقطني فقال: لا بأس به. مات سنة ٢٩٠ هـ. (^٣)\nروى المؤلف عنه حديثين عن مسدد (^٤)، وروى ابن عبد البر من طريقه حديثين عن القاضي بكر بن العلاء عن زياد بن الخليل (^٥).\n١٢. أبو الضحاك بن أبي عاصم. لم أعرفه، وقد روى عنه المؤلف حديثًا واحدًا مقرونًا مع أحمد بن عبيد الله الجبيري. (^٦)\n١٣. محمد بن أحمد بن سهل البرنكاني، ويقال له: البركاني، أبو عبد الله القاضي البصري، تفقه بإسماعيل بن إسحاق وصحبه وروى عنه، وسمع من: أحمد بن عبدة، وأبي حاتم، وأبي زرعة، وعليه تفقه القشيري، والتستري، ورويا عنه، له كتاب فيما سئل عنه القاضي إسماعيل، وكتاب في فضائل مالك، ولد سنة ٢١٩ هـ ومات سنة ٣١٩ هـ. (^٧)\nوقد روى عنه المؤلف ثلاثة أحاديث. (^٨)\n_________\n(^١) الجرح والتعديل: ٣/ ٦٠١، تاريخ بغداد: ٨/ ٤٥٩، سير أعلام النبلاء: ١٤/ ١٩٨، التقريب: ٣٣٩.\n(^٢) انظر من هذه الرسالة ص: ٦٥٦.\n(^٣) تاريخ بغداد: ٨/ ٤٨١.\n(^٤) انظر من هذه الرسالة ص: ١٩٨، ٤٥٦.\n(^٥) الاستذكار: ٥/ ٤٣٠، ١٩/ ٢٥١.\n(^٦) انظر من هذه الرسالة ص: ٢٨٥.\n(^٧) الديباج: ٢/ ١٨٣، شجرة النور: ١/ ٧٨.\n(^٨) انظر من هذه الرسالة ص: ١٧٣، ٥٣٥، ٦٥٧.","vol":"1","page":46},{"text":"¬١٤. محمد بن صالح الطبري، روى عن: بندار، وأهل همذان، وعنه: علي بن الحسن بن الربيع، ليس بذاك، اتهم بالكذب وكان مخلطًا وله رحلة وحفظ. (^١) وقد ذكر القاضي عياض أنه من شيوخ القاضي بكر بن العلاء. (^٢)\nوقد روى عنه المؤلف ثلاثة أحاديث. (^٣)\n١٥. محمد بن محمد بن سليمان بن الحارث، أبو بكر الأزدي الواسطي المعروف بالباغندي، سمع من عثمان بن أبي شيبة، وعلي بن المديني، وعنه: الحسين بن إسماعيل المحاملي، وأبو حفص بن شاهين، قال فيه الدارقطني: مخلط مدلس يكتب عن بعض أصحابه ثم يسقط بينه وبين شيخه ثلاثة وهو كثير الخطأ. وقال الذهبي: صدوق من بحور الحديث، وقال ابن حجر: مشهور بالتدليس مع الصدق والأمانة، مات سنة ٣١٢ هـ. (^٤)\nوقد روى عنه المؤلف حديثًا واحدًا. (^٥)\n١٦. محمد بن معدان القطعي. لم أعرفه، وقد روى عنه المؤلف حديثًا واحدًا. (^٦)\n- وفيما يلي من وقفت على ترجمته من شيوخ المؤلف ممن ذكر في كتب التراجم أن المؤلف أخذ عنه، ولم يرو عنه في كتابه هذا.\n١٧. الفضل بن الحباب، واسم الحباب عمرو بن محمد بن شعيب، أبو خليفة الجمحي البصري الأعمى، سمع: القعنبي، ومسلم بن إبراهيم، ومسدد، وعنه: أبو عوانة، وأبو حاتم، ثقة صدوق، ولد سنة ٢٠٦ هـ ومات بالبصرة سنة ٣٠٥ هـ. (^٧)\nذكر القاضي عياض أنه ممن سمع منه القاضي بكر بن العلاء. (^٨)\n_________\n(^١) ميزان الاعتدال: ٣/ ٥٨١، لسان الميزان: ٥/ ٢٠٠.\n(^٢) ترتيب المدارك: ٥/ ٢٧١.\n(^٣) انظر من هذه الرسالة ص: ٢١٩، ٢٧٠، ٥٢٧.\n(^٤) تاريخ بغداد: ٣/ ٢٠٩، ميزان الاعتدال: ٤/ ٢٩، تعريف أهل التقديس: ١٥٠\n(^٥) انظر من هذه الرسالة ص: ٦٥٧.\n(^٦) انظر من هذه الرسالة ص: ٥٩٩.\n(^٧) سير أعلام النبلاء: ١٤/ ٧، غاية النهاية: ٢/ ٨.\n(^٨) ترتيب المدارك: ٥/ ٢٧١.","vol":"1","page":47},{"text":"¬١٨. محمد بن أحمد بن عبد الله بن بكير، أبو بكر البغدادي، تفقه بإسماعيل، وكان فقيهًا جدليًا ولي القضاء، يروي عن القاضي إسماعيل وهو من كبار أصحابه، روى عنه: ابن الجهم، والقشيري، وأبو الفرج، له كتاب في الرضاع، وفي أحكام القرآن، توفي سنة ٣٠٥ هـ. (^١)\n١٩. محمد بن يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم، أبو عمر القاضي الأزدي، سمع: الحسن بن أبي الربيع الجرجاني، وتفقه بالقاضي إسماعيل وكتب الفقه عنه، وعنه جماعة منهم: ابنه عمر، وأبو بكر الأبهري، ولد سنة ٢٤٣ هـ ومات سنة ٣٢٠ هـ. (^٢)\nذكر القاضي عبد الوهاب أنه ممن سمع منه القاضي بكر بن العلاء. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>ثانيًا تلاميذه:</span>\nلقد ساهم القاضي بكر في نشر المذهب المالكي تأليفًا وتدريسًا، فذاع صيته، واشتهر حتى صار مقصدًا لطلاب العلم، يقول القاضي عياض: حدث عنه من لا ينعد من المصريين والأندلسيين والقرويين وغيرهم. (^٤)\nوسأتحدث عن تلاميذه، وخاصة من حمل هذا الكتاب عنه - ممن استطعت الوقوف على ترجمته -.\n١. أحمد بن عون الله بن حدير، أبو جعفر الأندلسي القرطبي البزار، سمع ببلده، ورحل إلى المشرق فسمع بدمشق أبا الميمون بن راشد وغيره، وبمصر من: أحمد ابن سلمة بن الضحاك، وبكر بن العلاء القشيري، روى عنه: أبو الوليد الفرضي، وأبو عمر الطلمنكي، كان صدوقًا صالحًا، شديدًا على أهل المبتدعة، لهجًا بالسنة، ولد سنة ٣٠٠ هـ ومات سنة ٣٧٨ هـ. (^٥)\n_________\n(^١) ترتيب المدارك: ٥/ ١٦، الديباج: ٢/ ١٨٥، شجرة النور: ١/ ٧٨.\n(^٢) تاريخ بغداد: ٣/ ٤٠١، سير أعلام النبلاء: ١٤/ ٥٥٥، شجرة النور: ١/ ٧٨.\n(^٣) ترتيب المدارك: ٥/ ٢٧١.\n(^٤) المرجع السابق.\n(^٥) تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس: ١/ ٦٧، تاريخ دمشق: ٥/ ١١٧، سير أعلام النبلاء: ١٦/ ٣٠٩.","vol":"1","page":48},{"text":"¬٢. الحسن بن رشيق، أبو محمد العسكري المصري، روى الحروف عن أحمد بن شعيب النسائي، وسمع أحمد بن حماد، والمفضل بن محمد الجندي، وحدث عنه: الدارقطني، وعبد الرحمن بن النحاس، وثقه جماعة، ولينه الحافظ عبد الغني بن سعيد، مات سنة ٣٧٠ هـ. (^١)\n٣. عبد الرحمن بن عمر بن سعيد التجيبي المصري المالكي البزار، أبو محمد المعروف بابن النحاس، مسند الديار المصرية، سمع: عثمان السمرقندي، ومحمد بن وردان العامري، حدث عنه: الصوري، وأبو عمرو الداني، ولد سنة ٣٢٣ هـ ومات سنة ٤١٦ هـ. (^٢)\nوقد ذكر الحافظ الذهبي أن الحسن بن رشيق، وعبد الرحمن بن النحاس ممن روى عن القاضي بكر بن العلاء. (^٣)\n٤. عبد الرحيم بن مسعود الكتامي، أبو زيد يعرف بابن أبي غافر - بغين معجمة وفاء - سمع وتفقه ورحل فسمع من رجل المصريين، ولقي أئمة المالكيين، منهم: بكر بن العلاء القشيري وسمع منه أحكامه، وأبا حفص عمر بن حفص الإسكندراني، مات سنة ٣٩٠ هـ. (^٤)\n٥. عبد الله بن أبي زيد القيرواني، أبو محمد، واسم أبي زيد: عبد الرحمن، سكن القيروان، كان إمام المالكية في وقته، يقال له: مالك الصغير، جمع مذهب مالك ولخصه وشرحه، تفقه بفقهاء أهل القيروان، وعول على أبي بكر بن اللباد، ورحل فسمع من ابن الأعرابي، واستجاز ابن شعبان، والأبهري، صنف كتاب النوادر والزيادات، وكتاب الرسالة، واختصر المدونة، وغيرها من المؤلفات الكثيرة، ولد سنة ٣١٠ هـ ومات سنة ٣٨٦ هـ. (^٥)\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء: ١٦/ ٢٨٠، الوافي بالوفيات: ١٢/ ١٦، غاية النهاية: ١/ ٢١٢.\n(^٢) سير أعلام النبلاء: ١٧/ ٣١٣، شذرات الذهب: ٣/ ٢٠٤.\n(^٣) سير أعلام النبلاء: ١٥/ ٥٣٨.\n(^٤) ترتيب المدارك: ٦/ ٢٧٦.\n(^٥) سير أعلام النبلاء: ١٧/ ١٠، الديباج: ١/ ٤٢٧، شجرة النور: ١/ ٩٦.","vol":"1","page":49},{"text":"¬وقد أخذ كتب بكر بن العلاء بالإجازة، قال ابن أبي زيد القيرواني في مقدمة كتابه النوادر والزيادات: وما ذكرت فيه لبكر بن العلاء، وأبي بكر الأبهري،،أبي إسحاق ابن القرطي، فقد كتبوا إلي به. (^١)\n٦. عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أسد، أبو محمد الجهني الطليطلي المالكي البزار، عالم الأندلس، سمع: قاسم بن أصبغ، وارتحل فسمع من: أبي محمد بن الورد، وأبي علي بن السكن، أكثر من الأخذ عنه أبو عمر بن عبد البر، ولد سنة ٣١٠ هـ ومات سنة ٣٩٥ هـ. (^٢)\nذكر الذهبي أنه ممن سمع من القاضي بكر بن العلاء. (^٣)\n٧. محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن عفان بن عبدوس الخشني، يعرف بابن المشكيالي، من الأهل طليطلة، يكنى أبا عبد الله، روى ببلده عن: أبي عمر بن أحمد بن خليل قاضي طليطلة، رحل إلى المشرق فحج، ولقي بمصر أب القاسم حمزة بن محمد الكناني، وبكر بن العلاء القشيري سمع منه كتابه في أحكام القرآن، ولد سنة ٣١٢ هـ ومات سنة ٤٠٠ هـ. (^٤)\n٨. محمد بن أحمد بن محمد بن يحيى بن مفرج الأموي، مولاهم القرطبي، محدث الأندلس، يكنى أبا عبد الله، ويكنى أيضًا أبا بكر، رحل فسمع أبا سعيد بن الأعرابي، وقاسم بن اصبغ وطبقتهم، وسمع بالحجاز، والشام، واليمن، وكان رفيق ابن عون الله في الرحلة، حدث عنه: شيخه أبو سعيد بن يونس، وأبو الوليد بن الفرضي، صنف كتبًا في الحديث والفقه منها: فقه الحسن البصري، وفقه الزهري، مات سنة ٣٨٠ هـ، وقد جاوز الستين وقيل: السبعين. (^٥)\n_________\n(^١) ١/ ١٤.\n(^٢) جذوة المقتبس: ٢٣٤، تاريخ دمشق: ٣٢/ ٢٤٨، سير أعلام النبلاء: ١٧/ ٨٣.\n(^٣) سير أعلام النبلاء: ١٥/ ٥٣٨.\n(^٤) الصلة لابن بشكوال: ٢/ ٤٦١.\n(^٥) تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس: ٢/ ٩٣، سير أعلام النبلاء: ١٦/ ٣٩٠، الديباج: ٢/ ٣١٤، سجرة النور: ١/ ٨٩.","vol":"1","page":50},{"text":"¬وهو كما في ترجمته رفيق ابن عون الله في الرحلة أي أنه سمع من القاضي بكر كما سمع أحمد بن عون الله منه، وقد عده ابن فرحون ممن سمع من القاضي بكر. (^١)\n٩. محمد بن سليمان، وقيل: محمد بن إسماعيل، أبو بكر النعالي المصري، الفقيه العالم الزاهد، نسب إلى عمل النعال، أخذ عن أبي إسحاق بن شعبان، وبكر بن العلاء القشيري، ومحمد بن زبان، وعنه: أبو بكر بن عبد الرحمن القيرواني، والحافظ عبد الغني بن سعيد، مات سنة ٣٨٠ هـ. (^٢)\n١٠. محمد بن علي بن أحمد، أبو بكر الأدفوي المصري المقرئ النحوي المفسر، قرأ القرآن على أبي غانم المظفر بن أحمد، ولزم أبا جعفر النحاس وحمل عنه كتبه، وسمع من سعيد بن السكن كتاب السبعة لابن مجاهد، وبرع في علوم القرآن، انفرد بالإمامة في وقته في قراءة نافع، روى عنه القراءة جماعة من الأكابر منهم: محمد بن الحسن بن النعمان، ألف كتابًا في التفسير سماه الاستغناء في علوم القرآن، ولد سنة ٣٠٤ هـ ومات سنة ٣٨٨ هـ. (^٣)\nولم أجد من ذكر في ترجمة القاضي بكر أن الأدفوي ممن سمع منه، أو في ترجمة الأدفوي أن القاضي بكر من شيوخه.\nوالأدفوي ممن سمع من القاضي بكر كتابه أحكام القرآن، بل هو من روى لنا هذه النسخة، حيث يقول: أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي البصري قراءة عليه في منزله بمصر وأنا أسمع سنة إحدى وأربعين. (^٤)\n_________\n(^١) الديباج: ١/ ٣١٤.\n(^٢) الديباج المذهب: ٢/ ٢١١، شجرة النور: ١/ ٩٣.\n(^٣) الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد: ٥٥٢، معرفة القراء: ١/ ٣٥٣، غاية النهاية: ٢/ ١٩٨، طبقات المفسرين للسيوطي: ٩٧، طبقات المفسرين للداودي: ٢/ ١٩٧.\n(^٤) انظر من هذه الرسالة ص: ١٠٧، ٢٨٣، ٤٢٣، ٥٦٩، ٧٢١.","vol":"1","page":51},{"text":"¬ومما يدل على أخذ الأدفوي كتاب القاضي بكر أحكام القرآن، ما وقفت عليه مما نقله عبد الله كحيلان في رسالته الأدفوي مفسرًا من كتاب الاستغناء عند تفسير الآية ٦٧ من سورة البقرة، ما يقارب ثمانية أسطر هي نفس ما في كتاب أحكام القرآن لبكر بن العلاء (^١)، فإما أن يكون نقلها عن القاضي بكر، أو من أصله للقاضي إسماعيل، والاحتمال الأول أقرب، حيث إنه ممن سمع كتاب أحكام القرآن من القاضي بكر، كما سبق. (^٢)\n١١. محمد بن عمر بن سعد بن عيشون، من أهل طليطلة، روى عن: أبيه، وقاسم ابن أصبغ وغيره من القرطبيين، وسمع من شيوخ بلده، وبمكة، ومصر، والشام، والقيروان، سمع من ابن الأعرابي، وأبي مروان المالكي، والقشيري، وعنه: أبو الأصبغ الحزم بن أبي درهم، ولد سنة ٣١٠ هـ ومات سنة ٣٧٠ هـ. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>المطلب الخامس: مصنفاته</span>. (^٤)\nلقد خلّف القاضي بكر بن العلاء جملة من الآثار التي تدل على شخصيته العلمية، وإسهامه في حركة التأليف عامة، وفي التأليف في المذهب المالكي خاصة، وذلك باختصار مطولاته، والتأصيل له، والرد على مخالفيه، هذه المؤلفات التي أثنى عليها أهل العلم، بأنها كتب جليلة، وأنها متنوعة في الأصول والفروع (^٥)، ما تزال في عداد المفقودات، كأغلب تراث هذه الأمة.\n_________\n(^١) انظر من هذه الرسالة ص: ١٢٣، حيث نقلت النص كاملًا.\n(^٢) حاولت أن أحصل على نسخة من مخطوط كتاب الاستغناء للأدفوي فلم أستطع، حيث كلفت أحد الإخوة بإحضار نسخة من تركيا فأخبرني أن النسخة سحبت من المكتبة لترميم الكتاب حيث إنه متهالك، وعملية الترميم تأخذ وقتًا طويلًا، وكان وجود هذا الكتاب سيساعد كثيرًا على تحقيق كتاب القاضي بكر، لكن الله المستعان.\n(^٣) تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس: ٢/ ٨٣، ترتيب المدارك: ٦/ ١٧٤، الديباج: ٢/ ٢٠٥.\n(^٤) ترتيب المدارك: ٥/ ٢٧١، العبر: ٢/ ٦٧، تاريخ الإسلام للذهبي: ٢٩٦، الوافي بالوفيات: ١٠/ ٢١٧، الديباج: ١/ ٣١٤، طبقات المفسرين للداودي: ١/ ١٢١، شجرة النور: ١/ ٧٩.\n(^٥) ترتيب المدارك: ٥/ ٢٧١، العبر: ٢/ ٦٧.","vol":"1","page":52},{"text":"¬ومن هذه المصنفات:\n- في القرآن وعلومه:\n١. أحكام القرآن، مختصر من كتاب القاضي إسماعيل. (^١)\n٢. من غلط في التفسير والحديث.\n- وفي العقيدة:\n٣. تنزيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\n٤. الرد على القدرية.\n٥. ما في القرآن من دلائل النبوة.\n- وفي الأصول:\n٦. كتاب أصول الفقه.\n٧. مآخذ الأصول.\n٨. القياس.\n- وفي مسائل الخلاف:\n٩. كتاب مسائل الخلاف.\n- وفي الاحتجاج للمذهب والرد على المخالف له:\n١٠. الرد على الشافعي في وجوب الصلاة على النبي - ﷺ - في الصلاة.\n١١. الرد على المزني.\n١٢. كتاب الأشربة، وهو نقض كتاب الأشربة للطحاوي. (^٢)\n- وفي مناقب مالك:\n١٣. رسالة لمن جهل قدر مالك بن أنس من العلم.\n- وفي المسائل المفردة الفقهية:\n١٤. مسألة بسم الله الرحمن الرحيم.\n١٥. مسألة الرضاع.\n_________\n(^١) وهو محل الدراسة والتحقيق في هذه الرسالة.\n(^٢) انظر من هذه الرسالة ص: ٥٣٨، ٦٩٧.","vol":"1","page":53},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-34>المطلب السادس: عقيدته</span>.\nكان القاضي بكر على منهج أهل السنة والجماعة، متبعًا ما كان عليه محمد - ﷺ - وأصحابه، فقد تلقى هذا من أشياخه وعلى رأسهم القاضي إسماعيل، يقول القاضي عياض: وكان إسماعيل شديدًا على أهل البدع يرى استتابتهم، حتى ذُكر أنهم تحاموا بغداد في أيامه. (^١)\nويمكن استنتاج معتقده إجمالًا من خلال كتابه هذا، وذلك في النقاط التالية:\n١. افتتاح كتابه بذكر مجمل ما يعتقده من أن الخير كل الخير في اتباع سلف هذه الأمة، ورادًا على من يرى أنه فوقهم علمًا وتقوى.\nحيث يقول: ولم يزل أهل العلم على ذلك متبعين لسلفهم، حتى حدث في القرن الرابع من هذه الأمة ومن تلاهم قوم مستخفون بقول السلف، وله هاجرون، وعلى مذاهبهم زارون، يحدثون أنفسهم أن أسد الجواب ما استخرجوه، وأعلاه ما استنبطوه، أخذوا ذلك عن أهل الزيغ، لا يعرجون على الرواية، ولا يلتفتون إلى باطن التلاوة، ويرون أنهم يساوون السلف في العلم بالكتاب، طعنًا بذلك على إخوان المصطفى الذين فارقهم على الصدق والوفاء، والطهارة والتقى، ولو أخذوا ذلك عمن شاهد الوحي ونزل القرآن بلغته لكانت هذه الطائفة قد سلكت سبيل الصواب، وصادفت سديد الجواب، ولعلِمتْ أن عقول من تقدمهم تربى على عقولهم، وأفهامهم تزيد على أفهامهم، ولكنهم لما خالطوا أهل الكلام وجانبوا الورع، وصار القصد الغلبة بالجدل المحض، منعهم الله التوفيق، وحاد بهم عن الطريق.\nثم قال: وكفى برجل نقصًا أن يرى أنه قد علم من كتاب الله ﷿ ما قصر عن علمه الصحابة والتابعون، أويرى أنه فوقهم علمًا وفهمًا، أويظن أنه مثلهم، لقد خاب وخسر. (^٢)\n٢. موقفه الجلي الواضح من أصحاب الأهواء والبدع عمومًا، ومن الخوارج خصوصًا، حيث يقول: والقرآن يدل على أن كل من ابتدع في الدين بدعة فهو من الخوارج؛ لأنهم إذا ابتدعوا تجادلوا وتفرقوا، فكانوا شيعًا، فمن قدر منهم على الخروج خرج، ومن عجر فسيفه في قلبه، والله بمنه يقمعه. (^٣)\n_________\n(^١) ترتيب المدارك: ٤/ ٢٩٠.\n(^٢) انظر من هذه الرسالة ص: ١٠٩.\n(^٣) ص: ٧٣٨، وانظر ص: ١١٠، ٤٢٤.","vol":"1","page":54},{"text":"¬٣. عرضه لمذهب أهل السنة والجماعة في الإيمان وأنه قول وعمل، حيث يقول: وقد سمى الله تعالى الصلاة إيمانًا، وأن الإيمان قول وعمل. قال القاضي بكر: ومما يقوي: أن الإيمان قول وعمل قوله ﷿: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (^١) إلى آخر الآية، والإرادة: النية، والسعي: العمل، وهو مؤمن مقر (^٢).\n٤. عرضه مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة مرتكب الكبيرة، وأنه تحت المشيئة، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه، حيث يقول: والكبائر يكفرها الندم والتوبة والإقلاع، وذلك من فضل الله، قال الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٣)، وقد يغفر في الآخرة لغير التائب إن شاء، ويعذب من يشاء. (^٤)\n٥. لم يحكم بكفر كل من حكم بغير ما أنزل الله كما هو منهج الخوارج، بل جعل منه ما هو كفر مخرج عن الملة، ومنه ما ليس كذلك، حيث يقول: قال ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (^٥) فكان ظاهر ذلك يدل على أنه من فعل فعلهم، واخترع حكمًا خالف به حكم الله، وجعله دينًا يعمل به فقد لزمه ما لزمهم، حاكمًا كان أو غير حاكم. (^٦)\n_________\n(^١) [سورة الإسراء: الآية ١٩]\n(^٢) ص: ١٤٤.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٤٨]\n(^٤) انظر من هذه الرسالة ص: ٥٢٠، ٥٥٣، ٥٧٢.\n(^٥) [سورة المائدة: الآية ٤٤]\n(^٦) انظر من هذه الرسالة ص: ٦٦٩، وقد فصلت في هذه المسألة هناك.","vol":"1","page":55},{"text":"¬٦. عرضه لمذهب أهل السنة والجماعة في أنه لا واجب على الله إلا ما أوجبه على نفسه، وما أوجبه على نفسه فهو من باب التفضل، حيث يقول: كل من عصى الله فهو جاهل بحق الله عليه، فإن كان عامدًا فالتوبة، والإقلاع، والندم، وترك العودة يوجب له فيما تفضل الله به من الوعد لقبول توبته، وإذا كان مخطئًا فالندم يكفيه، ومعنى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ (^١) هو قبل الغرغرة، قبل معاينة الملائكة، وليس على الله عز وعلا شيء واجب، وإنما أوجب القبول تفضلًا ورحمة لعباده، فكل من تاب قبل المعاينة قبلت توبته، ومن تاب بعد المعاينة ضرب بتوبته وجهه. (^٢)\n٧. موافقته لمذهب أهل السنة والجماعة في وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر في المعروف، حيث يقول: وطاعة السلطان واجبة في كل طاعة لله، وكل شئ لا يخرج إلى معصية ولا إثم، وطاعة أهل الفضل في الدين والعلم، ومن يوثق بهما عليهما فيما نيط بهم يوجب رضوان الله، ويلزم أهل طاعة الله، فإن قوام الدين بهاتين الطائفتين. (^٣)\nوقد ذُكر سابقًا في مصنفات المؤلف: كتاب الرد على القدرية، وكتاب تنزيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهذان الكتابان شاهدان أيضًا على سلامة معتقده.\nأما في باب الأسماء والصفات، فإن هذا الكتاب خاص بأحكام القرآن، والغالب في مثل هذه المصنفات عدم التعرض لآيات الأسماء والصفات، ومع ذلك فقد وجدت نصًا مجملًا قد يستفاد منه موافقته لمذهب أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، فقد قال المؤلف عند قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (^٤): فالله ﵎ بهذه الصفة لم يزل ولا يزال، ومعنى الآية: إن الله عليم حكيم. (^٥)\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ١٧]\n(^٢) انظر من هذه الرسالة ص: ٤٧٨، ٥٧٢.\n(^٣) انظر من هذه الرسالة ص: ٥٥٧.\n(^٤) [سورة النساء: الآية ١٧]\n(^٥) انظر من هذه الرسالة ص: ٤٨٤.","vol":"1","page":56},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-35>المطلب السابع: مذهبه الفقهي</span>.\nلم تختلف كتب التراجم التي ترجمت للقاضي بكر بن العلاء أنه كان مالكي المذهب، وأنه أحد شيوخ المدرسة المالكية العراقية.\nقال الفرغاني: كان بكر من كبار الفقهاء المالكيين بمصر. (^١)\nويقول القاضي عياض: وهو من كبار فقهاء المالكيين رواية للحديث. (^٢)\nوعده ابن فرحون في الطبقة الخامسة الذين انتهى إليهم فقه مالك ولم يروه ولم يسمعوا منه والتزموا مذهبه من العراق. (^٣)\nوقال الذهبي: وصنف التصانيف في المذهب. (^٤)\nوقال الصفدي: أبو الفضل القشيري الفقيه المالكي. (^٥)\nويظهر هذا جليًا من خلال النظر في نوعية مصنفاته، حيث كانت تأصيلًا للمذهب المالكي، وشرحًا، وردًا على مخالفيه.\nومما يدل على ذلك أيضًا ما سار عليه المؤلف من نصرة مذهب مالك في هذا الكتاب، وسيأتي الحديث عن هذا عند ذكر منهجه الفقهي في هذا الكتاب - إن شاء الله -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>المطلب الثامن: وفاته</span>.\nتوفي بمصر ليلة السبت لسبع بقين من ربيع الأول سنة ٣٤٤ هـ، وقد جاوز الثمانين سنة بأشهر. (^٦)\nولم يخالف ما عليه جماهير المؤرخين إلا الصفدي حيث ذكر أنه توفي سنة ٣٤٣ هـ. (^٧)\nقلت: وإن كان الأول هو قول الجمهور، إلا أن القول الثاني قريب من الأول، حيث ذكر الجمهور أنه لم يعش من سنة ٣٤٤ هـ إلا ثلاثة أشهر.\n_________\n(^١) ترتيب المدارك: ٥/ ٢٧٠، ٢٧١.\n(^٢) المرجع السابق.\n(^٣) الديباج: ١/ ٣١٣.\n(^٤) سير أعلام النبلاء: ١٥/ ٥٣٨.\n(^٥) الوافي بالوفيات: ١٠/ ٢١٧.\n(^٦) ترتيب المدارك: ٥/ ٢٧١، سير أعلام النبلاء: ١٥/ ٥٣٨، العبر: ٢/ ٦٧، تاريخ الإسلام للذهبي: ٢٩٦، الديباج: ١/ ٣١٤، طبقات المفسرين للداودي: ١/ ١٢١، شجرة النور: ١/ ٧٩.\n(^٧) الوافي بالوفيات: ١٠/ ٢١٧.","vol":"1","page":57},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-37>الفصل الثاني: دراسة الكتاب، وفيه أربعة مباحث:</span>\n\nالمبحث الأول: عنوان الكتاب ونسبته إلى مؤلفه ووصف المخطوط\n\nالمبحث الثاني: مصادر المؤلف في كتابه\n\nالمبحث الثالث: منهج المؤلف في الكتاب\n\nالمبحث الرابع: قيمة الكتاب العلمية","vol":"1","page":58},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-38>المبحث الأول: عنوان الكتاب، ونسبته إلى مؤلفه، ووصف المخطوط</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>أولًا: عنوان الكتاب</span>.\nمن خلال النظر في هذا الكتاب، وكتب التراجم التي ترجمت للمؤلف، يمكن القول بأن هناك ثلاثة أسماء لهذا الكتاب، وهي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>١ - أحكام القرآن</span>.\nهكذا ورد على غلاف المخطوط في الجزء الأول والثاني، بخط قريب جدًا من خط الناسخ، إن لم يكن بخط الناسخ.\nوكذا سماه ابن خير الإشبيلي في فهرسة ما رواه من كتب عن شيوخه، حيث يقول: كتاب أحكام القرآن، لبكر بن العلاء القشيري، وهو مختصر كتاب إسماعيل القاضي، حدثني به الشيخ أبو عتاب أبو محمد بن عتاب إجازة فيما كتب به إلي، قال: حدثني به أبي ﵀ قراءة عليه وأنا أسمع، قال: قريء على أبي عثمان سعيد بن سلمة وأنا أسمع، عن أبي جعفر أحمد بن عون الله قال: نا بكر بن العلاء القشيري. (^١)\nوكذا قال الداودي في طبقاته: ألف بكر كتبًا جليلة منها كتاب أحكام القرآن المختصر من كتاب إسماعيل بن إسحاق بالزيادة عليه. (¬<span data-type=\"title\" id=toc-41>٢)\n٢ - كتاب الأحكام</span>.\nكذا قال المؤلف في خاتمة هذا الكتاب، حيث قال: قال القاضي بكر: هذا آخر كتاب الأحكام، اختصرته من كتاب إسماعيل بن إسحاق ﵀. (^٣)\nوقال القاضي عياض: وألف بكر كتبًا جليلة منها: كتاب الأحكام المختصر من كتاب إسماعيل بن إسحاق بالزيادة عليه. (^٤)، وتبعه على هذا ابن فرحون. (^٥)\nوقريبًا من هذا ما ذكره الذهبي بقوله: ومؤلفه في الأحكام نفيس. (^٦)، وقوله: صنف كتابًا في الأحكام. (^٧)\n_________\n(^١) فهرسة ابن خير الإشبيلي: ٥٢.\n(^٢) طبقات المفسرين: ١/ ١٢١.\n(^٣) لوحة ٣٢٤/ب.\n(^٤) ترتيب المدارك: ٥/ ٢٧١.\n(^٥) الديباج: ١/ ٣١٤.\n(^٦) سير أعلام النبلاء: ١٥/ ٥٣٨.\n(^٧) تاريخ الإسلام: ٢٩٦.","vol":"1","page":59},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-42>٣ - مختصر أحكام القرآن</span>.\nذكر هذا العنوان ناسخ هذا الكتاب، حيث قال في آخر الجزء الأول: تم الجزء الأول من مختصر أحكام القرآن من كتاب القاضي إسماعيل بن إسحاق، اختصار القاضي أبي الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري. (^١)\nولم أجد من ذكر هذه التسمية غيره، ولعله فهم هذه التسمية من قول المؤلف في مقدمة كتابه: فإني اختصرت في كتابي هذا أحكام القرآن، ليقرب من فهم المتعلم. (^٢)\nومن قول من ترجم للقاضي بكر: أنه ألف كتابه هذا مختصرًا من كتاب القاضي إسماعيل.\nقلت: ولعل التسمية الأولى - أعني أحكام القرآن - أقرب وأصوب، لما سبق من تعليل عند ذكر هذه التسمية.\nوأما ما ذكر من تسميته بالأحكام فيحمل على أن المراد به أحكام القرآن، حتى يكون اسمه مطابقًا لاسم الأصل المختصر منه، ويكون ما ذكره المؤلف وغيره من تسميته بالأحكام من باب الاختصار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>ثانيًا: نسبته إلى مؤلفه</span>.\nوهي نسبة صحيحة، لاشك فيها، ويمكن إثبات ذلك بأمور منها:\n١. ما سبق ذكره عن ابن خير الإشبيلي من روايته لهذا الكتاب عن مؤلفه (^٣).\n٢. ما سبق ذكره من أخذ كل من: عبد الرحيم بن مسعود الكتامي، ومحمد بن إبراهيم المعروف بابن المشكيالي (^٤) لكتاب أحكام القرآن من مؤلفه القاضي بكر.\n٣. أن كثيرًا ممن ترجم للقاضي بكر ذكر هذا الكتاب من ضمن مصنفاته. (^٥)\n٤. ما اشتمل عليه المخطوط من إثبات سماع أبي بكر الأدفوي هذا الكتاب من مؤلفه القاضي بكر بن العلاء. (^٦)\n_________\n(^١) لوحة ١٥٧/ب\n(^٢) انظر من هذه الرسالة ص: ١١١.\n(^٣) ص: ٥٠.\n(^٤) انظر ص: ٣٨، ٣٩.\n(^٥) انظر ص: ٤٢.\n(^٦) انظر ص: ٤٠ حيث ذكر فيها مواضع سماعه.","vol":"1","page":60},{"text":"¬٥. ورود اسم المؤلف في هذا المخطوط أكثر من مرة، وتصريحه بنسبة هذا الكتاب له، حيث يقول في خاتمة هذا الكتاب: قال القاضي بكر: هذا آخر كتاب الأحكام، اختصرته من كتاب إسماعيل بن إسحاق ﵀. (^١)\n٦. ما رواه المؤلف من أحاديث من طريق شيوخه الذين روى عنهم، وقد سبق ذكرهم، وذكر مواضع روايته عنهم. (^٢)\n٧. ما أحال إليه المؤلف في كتابه هذا على كتبه الأخرى، ككتاب الأشربة. (^٣)\n٨. ما وجد على غلاف المخطوط من ذكر اسم الكتاب واسم مؤلفه.\n٩. ما وجد في آخر الجزء الأول بخط الناسخ من نسبة هذا الكتاب إلى مؤلفه.\n١٠. ما ورد في هذا الكتاب مما شُهر عن المؤلف القول به من إغلاق باب الاختيار بعد المائتين. (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>ثالثًا: وصف المخطوط</span>.\nيوجد للكتاب نسخة واحدة فريدة، عثرت عليها بعد البحث في مكتبات تركيا بين مئات المخطوطات غير المفهرسة، وفيما يلي وصف لهذه النسخة:\nمكان وجودها: مكتبة بيازد بتركيا.\nرقمها: ١٨٨٦.\nعدد لوحاتها: ٣٢٥ لوحة أو ورقة، أي: ٦٥٠ صفحة.\nتقع في جزأين مجموعة في مجلد واحد، كتب على غلاف الجزء الأول: وفيه الثاني وبتمامه تم الكتاب.\nعدد الأسطر في كل صفحة ما يقارب ١٩ سطرًا، وفي كل سطر ما بين تسع كلمات إلى إحدى عشرة كلمة.\nناسخها: عبد الكافي بن محمد. لم يتبين لي لقبه، ولم أعرفه.\nتاريخ نسخها: ربيع الأول سنة ٥٨٩ هـ.\nنوع الخط: نسخ.\nنسخة كاملة، خالية من السقط والخرم، يوجد فيها بعض الكلمات اليسيرة التي لم أستطع قراءتها، ويوجد فيها بعض التصحيفات أيضًا في المعنى واللغة.\n_________\n(^١) لوحة ٣٢٤/ب.\n(^٢) انظر ص: ٣٠.\n(^٣) انظر ص: ٤٣.\n(^٤) سيأتي الحديث عن هذه المسألة بشيء من التفصيل عند الحديث عن منهج المؤلف: ٧٤.","vol":"1","page":61},{"text":"¬وهي نسخة منقولة عن نسخة مقرؤة على مؤلفها قبل موته بثلاث سنوات سنة ٣٤١ هـ.\nفي أولها سماع أبي بكر الأدفوي من مؤلفها، والذي يظهر أن سماعه منه كان في عدة مجالس، ففي أول درس سماع يسوق أبو بكر الأدفوي سماعه من المؤلف.\nوهي نسخة موثقة، في نصها وهوامشها تصويبات بخط ناسخها.\nكتب على غلاف الجزء الأول اسم الكتاب، واسم المؤلف، وأسقط كنيته، وكناه باسمه، حيث قال: الجزء الأول من أحكام القرآن تأليف القاضي الفقيه الإمام أبو بكر القشيري ﵁، وعلى غلاف الجزء الثاني اسم الكتاب واسم المؤلف كما في الجزء الأول دون كنية.\nوعلى غلاف الجزء الأول تمليكات، فكتب يملكه الفقير إلى عفو ربه محمد بن حسين، وفي تمليك آخر لم أستطع قراءة اسم صاحبه دون تاريخ تملكها في شهر ذي الحجة سنة ١٠٨٥ هـ، وعليها ختم وفيه: وقف هذا الكتاب لوجه لله الأجل الأكرم مصطفى باشا الوزير الأعظم.\nوفيما يلي نماذج من المخطوطة:","vol":"1","page":62},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-45>المبحث الثاني: مصادر المؤلف في كتابه</span>\nلم يؤلف القاضي بكر كتابه هذا ابتداء، وإنما هو مختصر من كتاب أحكام القرآن لشيخه إسماعيل بن إسحاق، فالمصدر الأساس في كتاب القاضي بكر هو كتاب القاضي إسماعيل بما حواه من نقول عن من تقدمه، ومع ذلك فقد كان للقاضي بكر بعض المصادر الخاصة به، فله زيادات على ما ذكره القاضي إسماعيل، يقول القاضي بكر في خاتمة كتابه هذا: وأما الكلام فالكثير منه كلام إسماعيل، وربما اختصرته وزدت فيه، وتكلمت بما حضرني مما ظننت أن إسماعيل لكثرة شغله أغفله، أو لزيادة زيدت علينا بعده، فاحتجت إلى الانفصال منها، مما رجوت أن يكون تقوية للمذهب، وتصحيحًا لما ذهب إليه فيه، إلا ما قلت فيه حدثنا فذلك من سائر الحديث ليس مخرجه إسماعيل. (^١)\nويمكن تقسيم مصادر هذا الكتاب إلى قسمين، الأول: المصادر السمعية، الثاني: المصادر النقلية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>أولًا: المصادر السمعية:</span>\nويقصد بها ما رواه المؤلف أو شيخه القاضي إسماعيل كل عن شيوخه، سواء ما يتعلق بالأحاديث النبوية، أو الآثار في التفسير، والفقه، واللغة، والقراءات، والجرح والتعديل، وغيرها.\nوقد سبقت الإشارة إلى شيء من ذلك عند الحديث عن شيوخ المؤلف، وما رواه عنهم.\nويمثل هذا الجانب - أعني جانب الرواية - الجزء الأكبر من المادة العلمية لهذا الكتاب، حتى وإن كان المؤلف قد حذف كثيرًا من الأسانيد، وذكر الأقوال مجردة عن سندها، إلا أنها موجودة في الأصل، والمؤلف ممن روى كتب القاضي إسماعيل إما سماعًا أو إجازة - كما سبق ذكر الخلاف في ذلك - بما فيها كتاب أحكام القرآن للقاضي إسماعيل.\n_________\n(^١) لوحة ٣٢٥/أ.","vol":"1","page":63},{"text":"¬ولم تكن الرواية محصورة في الأحاديث والآثار التفسيرية والفقهية، بل هي في كل مجال، فمثلًا نجد أن المؤلف يروي عن شيخه الفريابي عن نصر بن علي عن الأصمعي عن سفيان بن عيينة قال: إذا أردت ما لا يعرف صدقه من كذبه فعليك بأهل العراق.\nثم قال المؤلف: وقال ابن المبارك: أفسد التدليس حديث أهل الكوفة. (^١)\nوما ينقله عن شيخ شيخه علي بن المديني في علم الجرح والتعديل. (^٢)\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>ثانيًا: المصادر النقلية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>أ. في التفسير</span>.\n١. أحكام القرآن للقاضي إسماعيل.\n٢. مجاز القرآن لأبي عبيدة، وقد أكثر المؤلف من النقل عن أبي عبيدة، فتارة يصرح باسمه فيقول: قال أبو عبيدة معمر بن المثنى بن ربيعة: بسم الله إنما هو الله. (^٣)\nوهذا هو الأكثر (^٤)، وتارة يذكر القول دون التصريح باسمه، وهو في مجاز القرآن (^٥)، وتارة يصرح باسم أبي عبيدة، ولا أجده في مجاز القرآن، مما يدل على أنه ينقل من كتب أخرى لأبي عبيدة. (^٦)\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>ب. في الفقه</span>.\nأما ما يتعلق بحكاية مذهب مالك فلم أقف من خلال هذا الكتاب على الإشارة إلى اسم مصدر في هذا.\nومما لا شك فيه أن هذه الأقوال في المذهب أُخذت من أقوال الإمام مالك من خلال ما نقله ورواه عنه تلاميذه، وقد تتلمذ القاضي إسماعيل على كبار تلاميذ مالك كالقعنبي، وإسماعيل بن أبي أويس، وغيرهم (^٧).\n_________\n(^١) انظر من هذه الرسالة ص: ٢٨٢.\n(^٢) انظر من هذه الرسالة ص: ٤٨٧، ٥٢٦.\n(^٣) انظر من هذه الرسالة ص: ١١٢.\n(^٤) انظر من هذه الرسالة ص: ٢٤٠، ٣٤٩، ٤٦٩، ٤٩٠، ٥٥٩.\n(^٥) انظر من هذه الرسالة ص: ٤٣٩، ٤٩٥، ٥٢٩.\n(^٦) انظر من هذه الرسالة ص: ٣٧٤، ٤٤٣.\n(^٧) ترتيب المدارك: ٤/ ٢٧٨.","vol":"1","page":64},{"text":"¬ومن المصنفات التي جمعت أقوال الإمام مالك، وتعد مصدرًا من مصادر الفقه المالكي في المدرسة المالكية العراقية: الموطأ، ومختصر ابن عبد الحكم، يقول أبو عبد الله البركاني - أحد شيوخ المؤلف -: عرضت مختصر ابن عبد الحكم على كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - فوجدت لها أصلًا إلا اثنتي عشرة مسألة فلم أجد لها أصلًا. (^١)\nومن المصادر المعتمدة عندهم أيضًا ما ضمنه القاضي إسماعيل كتبه من أقوال مالك، كأحكام القرآن، والمبسوط في الفقه، وغيرها، يقول القاضي عياض عن جهود القاضي إسماعيل بن إسحاق: ونشر من مذهب مالك وفضله ما لم يكن بالعراق في وقت من الأوقات، وصنف في الاحتجاج له والشرح ما صار لأهل المذهب مثالًا يحتذونه وطريقًا يسلكونه. (^٢)\nولا شك أن المؤلف استفاد كغيره من المالكية من تراث القاضي إسماعيل، بل هو من خاصتهم في ذلك، إذ قد حدث عنه بكتبه، وفي هذا المختصر إشارة إلى أحد مصنفات القاضي إسماعيل، وهو كتاب الفرائض. (^٣)\nوأما ما يتعلق بحكاية المذاهب الأخرى، فمن المعلوم أن القاضي إسماعيل ألف كتبًا في الرد على أبي حنيفة، والشافعي، ومحمد بن الحسن، وكذلك ألف القاضي بكر كتبًا في الرد على المزني، والشافعي، والطحاوي، بل له كتاب في مسائل الخلاف.\nوهذه الكتب من مصادر هذا الكتاب، وإن لم يرد في موضع التصريح بذلك، إلا ما أشار إليه المؤلف بالإحالة إلى كتابه الأشربة الذي نقض به كتاب الأشربة للطحاوي. (^٤)\nوقد صرح المؤلف في موضع واحد بأحد كتب الشافعي فقال: وقال الشافعي في كتابه الرسالة. (^٥)\n_________\n(^١) الديباج المذهب: ٢/ ١٨٤.\n(^٢) ترتيب المدارك: ٤/ ٢٨١.\n(^٣) انظر من هذه الرسالة ص: ٤٦٠، ٤٧١.\n(^٤) انظر من هذه الرسالة ص: ٥٣٨، ٦٩٧.\n(^٥) انظر من هذه الرسالة ص: ٣٣٧.","vol":"1","page":65},{"text":"¬وقد ذكر المؤلف في مقدمة كتابه كلامًا أظنه يقصد به ما كتبه الشافعي في كتابه الرسالة، حيث يقول: والقرآن كله قد أحكم، وعرفت أحكامه، فما أُخرَ بيانه عن الحاجة إليه.\nفقد بيّن ما أراد الله به من عموم وخصوص، وظاهر وباطن، وغير ذلك من وجوهه وتصرفاته، ولم يوقف فلا يعمل به، على من يأتي بعد مائتين وثلاث مائة سنة، فبينه حتى يضع كتبًا يقول فيها: البيان الأول والثاني والثالث من البيان، وهذا ما لا يجوز أن يقدم عليه إلا جبريل - ﵇ - عن الله ﷿. (^١)\nوأما بقية أقوال الشافعي فبعد الاستقراء والتتبع، ظهر أن غالب هذه النصوص منقولة من كتاب الأم، وقد وثقت ذلك في موضعه.\nوقد أشار المؤلف إلى أحد أعلام المذهب الشافعي، وما جرى بينهما من مناظرة في مسألة من المسائل، وهو ابن سريج (ت ٣٠٦ هـ). (^٢)\nوأما ما يحكيه عن الأحناف فلم يصرح بمصدر ذلك، ولم استطع معرفة تلك المصادر، إلا أن المؤلف كان له اطلاع على مؤلفات الطحاوي (ت ٣٢١ هـ)، الذي توفي قبل انتقال المؤلف إلى مصر في حدود سنة (٣٣٠ هـ)، ومما يدل على ذلك ما سبق ذكره من تأليفه لكتاب الأشربة الذي نقض به كتاب الأشربة للطحاوي.\nوقد كان من المذاهب الحاضرة في ذلك الوقت، مذهب الظاهرية، وعلى رأسهم داود ابن علي، وقد ورد اسمه صريحًا في موضع واحد (^٣)، وكان لشيخ المؤلف مواقف ومناظرات مع داود بن علي، إذ قد أثر عنه أنه أخرج داود بن علي من بغداد إلى البصرة لإحداثه منع القياس. (^٤)\n_________\n(^١) انظر من هذه الرسالة ص: ١١١.\n(^٢) انظر من هذه الرسالة ص: ٥٠٩.\n(^٣) انظر من هذه الرسالة ص: ٦٧٦.\n(^٤) ترتيب المدارك: ٤/ ٢٩٠.","vol":"1","page":66},{"text":"¬قلت: ولعل ما صنفه المؤلف من كتابه المسمى: القياس، كان للرد على داود بن علي في إنكاره لمسألة القياس.\nوهذا كله يدل على أن ما خلفه أهل الظاهر كان من مصادر هذا الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>ج. في اللغة</span>.\nفي جانب اللغة نقل المؤلف عن جمع من أهل اللغة أقوالهم دون الإشارة إلى كتبهم ومنهم:\nسيبويه (^١)، والخليل بن أحمد (^٢)، والكسائي (^٣)، والأصمعي (^٤)، وأبو عمرو بن العلاء (^٥)، وعيسى بن عمر (^٦).\n_________\n(^١) انظر من هذه الرسالة ص: ٤٠٣.\n(^٢) انظر من هذه الرسالة ص: ٤٦٣، ٥٨٥.\n(^٣) انظر من هذه الرسالة ص: ٢٤٠.\n(^٤) انظر من هذه الرسالة ص: ٥٥٩.\n(^٥) انظر من هذه الرسالة ص: ٥٥٩، ٦٣٧.\n(^٦) انظر من هذه الرسالة ص: ٥٥٩، ٦٣٧.","vol":"1","page":67},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-51>المبحث الثالث: منهج المؤلف في الكتاب</span>\nسيكون الحديث حول منهج المؤلف من ثلاثة محاور، الأول: منهجه في الاختصار، الثاني: منهجه العام، الثالث، منهجه التفصيلي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>أولًا: منهجه في الاختصار</span>.\nلقد اختصر المؤلف كتابه هذا من كتاب أحكام القرآن للقاضي إسماعيل بن إسحاق، ويمكن معرفة طريقته في الاختصار بما ذكره المؤلف من منهج في كيفية اختصاره، وبمقابلة هذا المختصر بما تبقى من الأصل، حيث لم يتبق منه - فيما يخص القسم المحقق عندي - إلا اثنا عشرة لوحة من سورة النساء من آخر الآية ٢٥ إلى قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (^١)، ولوحة واحدة من سورة المائدة الآية ٤٤، وقد وثقت النص منها أثناء التحقيق.\nلقد حدد المؤلف هدفه من هذا الاختصار، فقال: فإني اختصرت في كتابي هذا أحكام القرآن ليقرب من فهم المتعلم. (^٢)\nكما حدد الطريقة التي سار عليها في اختصاره هذا بقوله: وتركت الأسانيد؛ ليقرب على المتعلم، فإن احتيج إلى الأسانيد أخذت من كتاب إسماعيل ﵀، وأما الكلام فالكثير منه كلام إسماعيل، وربما اختصرته وزدت فيه، وتكلمت بما حضرني مما ظننت أن إسماعيل لكثرة شغله أغفله، أو لزيادة زيدت علينا بعده، فاحتجت إلى الانفصال منها، مما رجوت أن يكون تقوية للمذهب، وتصحيحًا لما ذهب إليه فيه، إلا ما قلت فيه حدثنا فذلك من سائر الحديث ليس مخرجه إسماعيل. (^٣)\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٤٣]\n(^٢) انظر من هذه الرسالة ص: ١١١.\n(^٣) لوحة: ٣٢٥/أ.","vol":"1","page":68},{"text":"¬وفيما يلي بيان أهم ما اختصره المؤلف من الأصل:\n١. ترك الأسانيد، لتحقيق هدف المؤلف وهو تقريبه على المتعلم، ولسهولة الرجوع إلى الأسانيد في الأصل في ذلك الوقت.\nوإن كان المؤلف أحيانًا يذكر بعض الأسانيد، إلا أن ما تركه منها أكثر بكثير مما أبقاه، فإذا نظرنا إلى الأصل عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (^١)، نجد أنه ذكر في تفسيرها ما يزيد على الستين متنًا مسندة ما بين حديث وأثر، بينما لم يذكر المؤبف منها سندًا واحدًا.\n٢. ترك التنصيص على من قال بكل قول، فيقول: قيل كذا، وقيل كذا، ففي المثال السابق، قال اختلف الصحابة والتابعون في الكبائر، فمنهم من عدها سبعًا، ومنهم من عدها سبعين، ومنهم من قال دون ذلك، إلا أن فيها ما لا شك فيه: الكفر، وقتل النفس التي حرم الله، والربا، والزنا، والقمار. إلى آخر كلامه ولم يذكر من قال بكل قول. (^٢)\nوعند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^٣).\nقال المؤلف: قيل في ذلك: إن النساء قلن ليتنا رجالًا، فنجاهد كما يجاهد الرجال، وما أشبه ذلك، فنزلت الآية.\nبينما في الأصل ذكر ما قيل في سبب نزولها مسندًا عن أم سلمة - ﵂ - وعن مجاهد، وعن معمر عن شيخ من أهل مكة.\n٣. اختصار لفظ الرواية، وذكر معناها، وهذا الاختصار أحيانًا يكون شديدًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (^٤).\nقال المؤلف: قال سهل بن حنيف في يوم صفين قولًا عظيمًا، وقال مسروق في ذلك قولًا يوم صفين.\nولم يذكر هذين القولين، وهما بتمام سندهما ولفظهما في الأصل.\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٣١]\n(^٢) انظر من هذه الرسالة ص: ٥١٨.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٣٢] انظر من هذه الرسالة ص: ٥٢١.\n(^٤) [سورة النساء: الآية ٢٩] انظر من هذه الرسالة ص: ٥١٦،","vol":"1","page":69},{"text":"¬وعند قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (^١).\nقال المؤلف: وللرجل عندنا ومن فسر القرآن ممن انتهى إلينا تفسيره في هذه الآية: أن للرجل أن يؤدب امرأته، فما كان منه على وجه التأديب فآل الرجوع من غير قصد، فلا قود فيه، إذا علم أنه لم يتعد ما كان له، وهو الضرب الذي أبيح عند النشوز وأمثاله، ووقعت الإباحة له بهجران المضطجع تأديبًا، وليس للمرأة أن تقاتل زوجها على ما يكون من تأديبه على سائر ما ينكره، ولا لها أن تُدخل بيته إلا من يرضاه ويأذن لها، ولا أن تعطي أحدًا من ماله شيئًا، إلا ما كان على سبيل الصدقة، إذا علمت أنه لا يكره ذلك.\nوفي الأصل ذكر الروايات مسندة تامة منسوبة لأصحابها.\nوفي سورة المائدة قال المؤلف: وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أما والله إن كثيرًا من الناس ليتأولون هذه الآيات على غير ما أنزلت، وإنما أنزلت في يهود: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (^٢).\nوفي الأصل ذكرها مسندة بأطول من هذا.\n٤. الاكتفاء بذكر بعض من قال بكل قول، والإحالة إلى من بقي بقوله: وقال بذلك جماعة.\nوهذا كثير، ومن الأمثلة على ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (^٣).\nقال بعد ذكره لبعض ما قيل فيها: فالتفسير في هذه الآية من الصحابة والتابعين كثير، وكله يدور على قولين، منهم من يقول: المراد الصلاة، ومنهم من يقول: المسجد، وأكثرهم يقول: الصلاة.\nوفي الأصل ذكر هذه الأقوال كلها مسندة لأصحابها.\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٣٤] انظر من هذه الرسالة ص: ٥٢٥.\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٤٤] انظر من هذه الرسالة ص: ٥٦٥.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٤٣] انظر من هذه الرسالة ص: ٥٤١.","vol":"1","page":70},{"text":"¬٥. ترك ذكر طرق الأحاديث والآثار من المتابعات والشواهد، فقد يكون للحديث أكثر من طريق عن راوي واحد، وهذا ما يعرف بالمتابعات، وقد يكون للحديث شاهد آخر بنفس المعنى، أومن طريق آخر عن راوي آخر، فيكتفي المؤلف كثيرًا بذكر طريق واحد ويترك الباقي، ويقول: ولهذا الحديث طرق كثيرة. (^١)\nوانظر على سبيل المثال قول المؤلف: وقال زر عن علي في قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (^٢) قال: إلا أن يكون مسافرًا فلا يجد الماء، فيتيمم ويصلي.\nوفي الأصل ذكره من طريقين عن زر عن علي بن أبي طالب - ﵁ -.\nوعند نفس الآية قال المؤلف: روى المطلب أن النبي - ﷺ - لم يأذن لأحد أن يدخل المسجد وهو جنب، إلا علي بن أبي طالب - ﵁ -؛ لأن بيته كان في المسجد.\nوفي الأصل ذكر شاهدًا له فقال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال حدثنا هشيم قال أخبرنا العوام بن حوشب قال حدثنا شيخ منذ أربعين سنة: أن عليًا كان يمر في المسجد وهو جنب مجتازًا.\nومع ذلك فقد حفظ المؤلف غالب المادة العلمية للأصل، ولم يكن مجرد مختصر، بل كان اختصاره عن علم وحسن انتقاء، وله نظر في ذلك وترجيح، وزيادات، واستدراكات على صاحب الأصل، يقول القاضي بكر: وربما اختصرته وزدت فيه، وتكلمت بما حضرني مما ظننت أن إسماعيل لكثرة شغله أغفله، أو لزيادة زيدت علينا بعده، فاحتجت إلى الانفصال منها، مما رجوت أن يكون تقوية للمذهب، وتصحيحًا لما ذهب إليه فيه، إلا ما قلت فيه حدثنا فذلك من سائر الحديث ليس مخرجه إسماعيل. (^٣)\n_________\n(^١) انظر من هذه الرسالة ص: ١٨٤، ١٩٤، ٢٠٤، ٣٧١، ٤٢٣، ٤٩٨، ٦٧٨.\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٤٣] انظر من هذه الرسالة ص: ٥٣٩، ٥٤٠.\n(^٣) لوحة: ٣٢٥/أ. .","vol":"1","page":71},{"text":"¬ويمكن بيان أوجه ما زاده المؤلف على الأصل، مقارنة مع ما تبقى من الأصل:\n١. زيادته مسألة فقهية، وهي مسألة حجر الزوج على زوجته في مالها ونفسها، وأطال النفس فيها، مستدلًا لها، ومصححًا لما استدل به، ومجيبًا على الاعتراضات على ما ذهب إليه (^١).\nوهذه المسألة غير موجودة في الأصل.\n٢. ذكره لمجموعة من الأحاديث والآثار المسندة التي ليس مخرجها القاضي إسماعيل، وقد سبقت الإشارة إلى هذه الأحاديث والآثار عند الحديث عن شيوخ المؤلف وروايته عنهم (^٢).\n٣. كان له بعض الاستدراكات على شيخه صاحب الأصل، مع عرضها بشيء من الأدب والاحترام، فعند قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (^٣). نقل قول القاضي إسماعيل في مسألة حكم الإتمام في السفر، فقال المؤلف: وليس إتمام الصلاة في السفر مثل الصيام، قال القاضي إسماعيل: لأن المسافر فرضه ركعتان فلا يجوز له أن يصلي أكثر من فرضه.\n_________\n(^١) انظر من هذه الرسالة ص: ٥٢٥.\n(^٢) انظر من هذه الرسالة ص: ٣٠ وما بعدها.\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ١٨٥] انظر من هذه الرسالة ص: ٢٠٥.","vol":"1","page":72},{"text":"¬قال المؤلف معقبًا على هذا: قال القاضي: وطرق هذا الحديث كثيرة، وقد قال مالك في من أتم في السفر: إنه بعيد في الوقت. فإن قيل: إن كان فرضه ركعتين فالزيادة فيها تبطلها كما تبطل الزيادة في الأربع، قلنا: الفرض ركعتين أقوى ما روي ونقل إلينا، ولسنا مثل من جاء بعد المائتين يقول: إنما خالفه لا يجوز البتة، لو قلنا أن يصلي أربعًا يعيد أبدًا لكان عثمان وعائشة - ﵄ - ما صليا، وآراؤنا دون آرائهم، قال ابن مسعود - ﵁ - وقد صلى خلف عثمان - ﵁ - أربعًا: ليت حظي من أربع ركعتين، ولم ير الإعادة، وهذا علي بن أبي طالب - ﵁ - يقول له ابن عباس: كنت معنا نقول لأبي بكر وعمر إن الخمس لنا بالكتاب والسنة حتى أفضي الأمر إليك فقسمته على ما قسماه، قال علي: إنهما تأولا كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - وتأولنا ولسنا بتأويلنا أولى منهم بتأويليهم، فقسمتها على ما قسماها، وقال: قد كانا رشيدين وما أحب أن يؤثر عني خلافهما، فنحن ما أدركنا الوقت قلنا أيضًا بالأفضل، فإذا خرج الوقت لم نزر على الصحابة ونقول ما يكدح فيهم.\nوعند قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (^١). قال المؤلف: قال القاضي - ﵀ -: وهذه الآية والله أعلم توجب ترك قتل الذراري، والنساء، والشيخ الفاني، ومعنى قوله: ﴿قَاتِلُوا﴾ اقتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تقتلوا من لا فضل فيه لقتالكم، ألا تراه ﷿ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (^٢) فكان هذا مانعًا من قتلهم.\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٩٠] انظر من هذه الرسالة ص: ٢٢٧.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٠]","vol":"1","page":73},{"text":"¬ثم قال: قال القاضي إسماعيل: إنما أذن الله ﵎ للنبي - ﷺ - في القتال بعد قدومه المدينة، ثم أمره بالقتال على أحوال كانت، فكان يؤمر فيها بعينها فمنها والله أعلم هذه الآية التي ذكرناها وغيرها، ثم نسخ ذلك كله وأمر بقتال المشركين كافة وقتال أهل الكتاب.\nقال القاضي: فقد يجوز أن يكون كما ذكره إسماعيل، ويدخل في معناه ما قدمنا ذكره.\nوقال في موضع آخر: وقد قال قوم، وقرأوا: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ (^١) يريد تزوجن. وهذا تأويل من لم يعرف قول النبي - ﷺ -: إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها. وهذا على العموم، وقد أنكر إسماعيل القاضي: (أحصن) أسلمن، لأن الله ﷿ ذكر في أول الآية: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (^٢) فاستُغني بذلك. وهذا مما لا ينبغي له أن ينكره مع علمه باللغة واتساعه فيها، أن يقول الله ﷿: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (^٣) فإذا أحصن بالإسلام. فقد قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^٤)، ونظائر هذا في القرآن كثير، قال الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (^٥) وفي هذا كفاية، ثم قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (^٦).\nوجعل إسماعيل حجته في حد العبد والأمة الحديث دون الآية، والحديث يزيد الآية، ويبين ما فيها والله أعلم، وكان بنص فرآه بذلك.\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٢٥] انظر من هذه الرسالة ص: ٥١٢.\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٢٥]\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٢٥]\n(^٤) [سورة النساء: الآية ١٣٦]\n(^٥) [سورة البقرة: الآية ٢٢٢]\n(^٦) [سورة البقرة: الآية ٢٢٢]","vol":"1","page":74},{"text":"¬٤. الزيادة فيما طرأ من الحجة للمذهب بعد ذلك، فنجد المؤلف يذكر مثلًا قول الطحاوي في مسألة النبيذ. (^١)\n٥. الاختيار والترجيح، فلا تكاد تخلو آية - في الغالب - من ابتدائها أو ختمها بقول المؤلف: قال القاضي.\nوهذه الاختيارات مبنية على أصول منها ما يتعلق بتفسير الآية، ومنها ما يتعلق بالحديث، ومنها ما يتعلق باللغة، وستأتي الإشارة إلى بعضها عند الحديث عن منهج المؤلف التفصيلي إن شاء الله.\nولعل هذه النقطة - أعني اختيارات المؤلف وترجيحاته - لا تنسجم مع ما نقل عن المؤلف من قوله: بعدم الاختيار بعد المائتين، فقد قال ابن حزم: وكقول بكر بن العلاء القشيري المالكي: إن بعد سنة مائتين قد استقر الأمر، وليس لأحد أن يختار. (^٢)\nوقال في موضع آخر: وقول بكر بن العلاء: ليس لأحد أن يختار بعد التابعين من التاريخ.\nثم قال: ويقال لبكر من بينهم: فإذا كان لا يجوز الاختيار بعد المائتين عندك ولا غيرك، فمن أين ساغ لك وأنت لم تولد إلا بعد المائتين بنحو ستين سنة أن تختار قول مالك دون من هو أفضل منه من الصحابة والتابعين؟ أو من هو مثله من فقهاء الأمصار، أو من جاء بعد متعقبًا عليه وعلى غيره، ممن هو أعلم منه بالسنن وأصح نظرًا، أو مثله كأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وغيرهما.\nثم شدد عليه النكير بكلام شديد. (^٣)\nوقال ابن القيم: وقال بكر بن العلاء القشيري: ليس لأحد أن يختار بعد المائتين من الهجرة. (^٤)\nوما وقفت عليه من هذا مما ذكره المؤلف في كتابه هذا، هو ما يلي: قوله: والقرآن كله قد أحكم، وعرفت أحكامه، فما أُخرَ بيانه عن الحاجة إليه.\n_________\n(^١) انظر من هذه الرسالة ص: ٥٣٨، ٦٩٧.\n(^٢) الإحكام في أصول الأحكام: ٤/ ٥٥٢.\n(^٣) المرجع السابق: ٤/ ٦٢١.\n(^٤) إعلام الموقعين: ٢/ ٢٨٢.","vol":"1","page":75},{"text":"¬فقد بيّن ما أراد الله به من عموم وخصوص، وظاهر وباطن، وغير ذلك من وجوهه وتصرفاته، ولم يوقف فلا يعمل به، على من يأتي بعد مائتين وثلاث مائة سنة، فبينه حتى يضع كتبًا يقول فيها: البيان الأول والثاني والثالث من البيان، وهذا ما لا يجوز أن يقدم عليه إلا جبريل - ﵇ - عن الله ﷿. (^١)\nوقال: ولسنا مثل من جاء بعد المائتين يقول: إن ما خالفه لا يجوز البتة. (^٢)\nوقال: وقد زعم بعض الناس أنها واجبة بقول الله ﷿: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ (^٣) فجعل للحج أكبر وأصغر، وأخطأ خطأً فاحشًا؛ لأن كل من فسر هذه الآية قصد إلى اليوم، ولم يجعل حجًا أكبر وأصغر، فمن الصحابة من قال: يوم عرفة، ومنهم من قال: يوم النحر، وسئل النبي - ﷺ - عن يوم الحج الأكبر فقال: يوم النحر، وقال: أفضل الأيام يوم النحر ثم يوم النفر.\nوليس يكون من طرأ بعد المائتين خلافًا للصحابة الذين ذكروا أن الله ﷿ قصد يوم الحج الأكبر، لاسيما مع بيان النبي - ﷺ -. (^٤)\n_________\n(^١) انظر من هذه الرسالة ص: ١١١.\n(^٢) انظر من هذه الرسالة ص: ٢٠٥.\n(^٣) [سورة التوبة: الآية ٣]\n(^٤) انظر من هذه الرسالة ص: ٢٣٧.","vol":"1","page":76},{"text":"¬هذا ما وقفت عليه في كتابه هذا، وقد يكون هناك نصوص أصرح من هذه في كتبه الأخرى، لكن الذي يظهر من هذه النصوص أن المؤلف لا يرى المنع من الاختيار بعد المائتين، الاختيار المبني على الدليل، فالمؤلف يقصد بهذا أمرين، الأول: عدم إحداث قول خارج عن أقوال السلف، وقد صرح بذلك حيث قال: فمدح الله متبعهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (^١)، ومتبعهم إنما يتبعهم فيما قالوه دون مارووه، إذ كان مارُوي المتبع فيه الرسول - ﷺ -، فإذا اختلفوا وجب النظر في أقاويلهم، دون الخروج عنها، لقوله ﷿: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (^٢)، والأحسن ما أنتجه النظر، واستخرجته الدلائل والعلل من الأصول المجمع عليها من الكتاب والسنة، فبيّن ما اختلف فيه على علل ما اتفق عليه. (^٣)\n_________\n(^١) [سورة التوبة: الآية ١٠٠]\n(^٢) [سورة الزمر: الآية ١٨]\n(^٣) انظر من هذه الرسالة ص: ١٠٩.","vol":"1","page":77},{"text":"¬الأمر الثاني: وجوب الرجوع إلى فهم السلف الصالح عند الاختلاف، فإن الاختلاف دائمًا ليس في النصوص، وإنما في فهمها، ولذلك يقول المؤلف: ولم يزل أهل العلم على ذلك متبعين لسلفهم، حتى حدث في القرن الرابع من هذه الأمة ومن تلاهم قوم مستخفون بقول السلف، وله هاجرون، وعلى مذاهبهم زارون، يحدثون أنفسهم أن أسد الجواب ما استخرجوه، وأعلاه ما استنبطوه، أخذوا ذلك عن أهل الزيغ، لا يعرجون على الرواية، ولا يلتفتون إلى باطن التلاوة، ويرون أنهم يساوون السلف في العلم بالكتاب، طعنًا بذلك على إخوان المصطفى الذين فارقهم على الصدق والوفاء، والطهارة والتقى، ولو أخذوا ذلك عمن شاهد الوحي ونزل القرآن بلغته لكانت هذه الطائفة قد سلكت سبيل الصواب، وصادفت سديد الجواب، ولعلِمتْ أن عقول من تقدمهم تربى على عقولهم، وأفهامهم تزيد على أفهامهم، ولكنهم لما خالطوا أهل الكلام وجانبوا الورع، وصار القصد الغلبة بالجدل المحض، منعهم الله التوفيق، وحاد بهم عن الطريق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>ثانيًا: منهج المؤلف العام</span>.\nبدأ المؤلف كتابه بمقدمة ذكر فيها أن تفسير القرآن منه ما يعرف ويعقل بنفس الخطاب، ومنه ما بينه الله ﷿ بآيات أخرى، ومنه ما بينه رسوله - ﷺ -، ومنه ما بينه الصحابة، بما أتوه من العلم، والمشاهدة، والفضل.\nثم ذكر أن من بعدهم صار على نهجهم، حتى حدث في بعض القرون المتأخرة من يستخف بقول السلف، ويرى تقديم قوله على قولهم، وفهمه على فهمهم.\nثم بين أنه اختصر كتابه هذا ليقرب من فهم المتعلم، وأنه لم يعد فيه من السنة، وقول السلف، وما توجبه اللغة العربية التي نزل القرآن بها.\n_________\n(^١) الموضع السابق.","vol":"1","page":78},{"text":"¬ثم بدأ المؤلف كتابه بتفسير سورة الفاتحة دون أن يذكر اسمها، فذكر بعض ما فيها من الأحكام الفقهية، وذكر فيها بعض الأمور التي لا علاقة لها بسورة الفاتحة كالحديث عن معنى السورة، ومعنى القرآن.\nثم شرع في تفسير سورة البقرة، ثم آل عمران، ثم النساء، ثم المائدة، ثم الأنعام، ثم الأعراف، على ترتيب المصحف، وهو لا يتعرض إلا لما فيها من آيات الأحكام، وعند عرضه لهذه الآيات يرتبها حسب ورودها في السورة، إلا في مواضع محدودة، منها: تقديم الآية ١٤٤ من سورة البقرة على الآية ١٤٣ من السورة نفسها، والآية ٢٨٣ من سورة البقرة شرح جزء منها - وهو ما يتعلق بمسألة إذا تداعيا الراهن والمرتهن في قيمة الرهن - مع الآية ٢٨٢ من السورة نفسها، ثم رجع مرة أخرى بعد الانتهاء من الآية ٢٨٢ وبين ما في آية ٢٨٣ من بقية الأحكام، وقد قدم هذه المسألة لمناسبة الحديث عند الآية ٢٨٢ عن مسألة الاستيثاق في الديون، والقضاء بالشهادة واليمين عند الاختلاف وعدم البينة.\nوقدم المؤلف أيضًا الحديث عن الآية ٢٤٠ من سورة البقرة مع الحديث عن الآية ٢٣٤ من السورة نفسها للمناسبة بين هاتين الآيتين من حيث إن المتقدمة ناسخة للمتأخرة.\nوفي سورة آل عمران قدم الحديث عن الآية ٩٧ وأخر الحديث عن الآية ٢٨ من السورة نفسها، ولم يتبين لي السبب في ذلك.\nوقد بلغ عدد الآيات التي تناولها المؤلف - في القسم المحقق عندي - ١٥٤ آية، على النحو التالي: سورة البقرة ٦٣ آية، سورة آل عمران ٤ آيات، سورة النساء ٤٥ آية، سورة المائدة ٣١ آية، سورة الأنعام ٦ آيات، سورة الأعراف ٥ آيات.","vol":"1","page":79},{"text":"¬وقد يحيل المؤلف في تفسير آية إلى موضع آخر من كتابه (^١)، وقد لا يفسر الآية، وإنما يحيل في تفسيرها إلى كتاب آخر، كما في تفسير الآية ٢٢٦ من سورة البقرة قال: ويأتي تقصي قولهم في كتاب الاحتجاج عليهم، وعند الآية ٤٣ من سورة النساء والآية ٩٠ من سورة المائدة أحال إلى كتابه الأشربة، وعند تفسير الآية ١١ من سورة النساء أحال إلى كتاب شيخه في الفرائض.\nوأما طريقة عرضه لتفسير الآيات، فإنه يذكر الآية كاملة أو جزء منها، ثم يشرع في تفسيرها مفتتحًا ذلك - في الغالب - بإيراد أقوال السلف في معناها، أو فيما ذكر فيها من أسباب النزول، معرجًا على بيان ما ساق الآية من أجله، وهو بيان ما فيها من الأحكام الفقهية، مكتفيًا بذكر الحكم مختصرًا تارة، ومفصلًا تارة أخرى، مؤصلًا للمذهب، مستدلًا له، موردًا أقوال المخالفين وأدلتهم، مناقشًا لها، مبينًا للصحيح من الضعيف، والراجح من المرجوح.\nهذا بإيجاز منهجه العام، وسيظهر جليًا عند الحديث عن منهجه التفصيلي إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>ثالثًا: منهج المؤلف التفصيلي</span>.\nأشار المؤلف في مقدمة كتابه إلى الأصول التي فسر بها القرآن، وهي: ما يعرف ويعقل بالخطاب، وتفسير القرآن بالقرآن، وبالسنة، وبأقوال السلف، وباللغة العربية، مضمنًا كتابه الأحكام المستنبطة من القرآن.\n_________\n(^١) انظر من هذه الرسالة ص: ١٢٧، ٣٣٢، ٤٠٩.","vol":"1","page":80},{"text":"¬قال المؤلف: فأحكم الله ﷻ الفرائض والأحكام، والأصول كلها فيه جليًا وخفيًا. فمنه ما يعقل بنفس الخطاب، قال الله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (^١)، ومنه ما بينه الله ﷿ بالوحي، وهو الخفي، ألا تراه يقول: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (^٢)، وقال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (^٣)، فسأل نبينا - ﷺ - ربه ﵎ عن بيانه، فبيّنه له، ومنه مابيّنه الرسول - ﷺ - بالحكمة التي أعطاه الله، يقول الله ﷿: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (^٤)، وقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (^٥).\nومنه ما شرّف الله به أصحاب نبيه بمشاهدتهم الأسباب التي نزل القرآن من أجلها، وسنت السنن بحضرتهم عملًا وقولًا، فكانوا بالمشاهدة أعلم الخلق بما نزل، وبوجوهه وتصرفاته، ونصحهم للأمة، وصدقهم.\nثم قال: فإني اختصرت في كتابي هذا أحكام القرآن، ليقرب من فهم المتعلم، طلبًا لعظيم الأجر، وجزيل الذخر، إذ كان عماد الدين، لم أعد فيه عن السنة، وقول السلف، وما توجبه اللغة التي نزل القرآن بها. (^٦)\nويمكن تقسيم منهج المؤلف التفصيلي إلى أربعة أقسام: منهجه في التفسير، منهجه في القراءات، منهجه في تصحيح وتضعيف الحديث والأثر، منهجه في عرض المسائل الفقهية.\n_________\n(^١) [سورة فصلت: الآيتان ٣ - ٤]\n(^٢) [سورة القيامة: الآية ١٩]\n(^٣) [سورة طه: الآية ١١٤]\n(^٤) [سورة الأحزاب: الآية ٣٤]\n(^٥) [سورة النحل: الآية ٤٤]\n(^٦) انظر من هذه الرسالة ص: ١٠٨.","vol":"1","page":81},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-55>القسم الأول: منهجه في التفسير</span>.\nأ. تفسير القرآن بالقرآن: وإليه أشار المؤلف بقوله: ومنه ما بينه الله ﷿ بالوحي، وهو الخفي، ألا تراه يقول: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (^١)، وقال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (^٢)، فسأل نبينا - ﷺ - ربه ﵎ عن بيانه، فبيّنه له. (^٣)\nويمكن تحديد أبرز الصور في تفسير القرآن بالقرآن فيما يلي:\n١. استدلاله على معنى آية بمعنى آية أخرى، ومن الأمثلة على ذلك قوله: وقال ﵎ في الساحر: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ (^٤) وإنما باعوا أنفسهم للقتل بالسحر الذي فعلوه، وقال في قصة يوسف - ﵇ -: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (^٥) وإنما باعوه بثمن بخس.\nوفي موضع آخر قال: الجوارح: الكواسب، مكلبين: مسلطين معلمين، فالكلب، والصقر، والبازي وما أشبه ذلك من الجوارح، وهي الكواسب، قال الله ﵎: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ (^٦) أي: كسبتم، وقال: ﴿الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ (^٧) (^٨).\n_________\n(^١) [سورة القيامة: الآية ١٩]\n(^٢) [سورة طه: الآية ١١٤]\n(^٣) انظر من هذه الرسالة ص: ١٠٨.\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ١٠٢] انظر من هذه الرسالة ص: ١٢٦.\n(^٥) [سورة يوسف: الآية ٢٠]\n(^٦) [سورة الأنعام: الآية ٦٠]\n(^٧) [سورة الجاثية: الآية ٢١]\n(^٨) ص: ٦١٣، وانظر من هذه الرسالة أيضًا ص: ١٦٤، ٥١٦، ٧٤٥.","vol":"1","page":82},{"text":"¬٢. تفسير أسلوب قرآني بمثله في آية أخرى، ومن الأمثلة عليه: ما ذكره المؤلف بقوله: قال القاضي: فقد جاء الاختلاف في الحاج يحصر على ما وصفنا، وقد قال الله ﷿: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (^١)\nفلولا أنا قد علمنا أن هذه الفدية لكل محرم أصابه أذى من رأسه لكان الظاهر يدل على أن هذا إنما أنزل في المحصر خاصة، وكذلك: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (^١) استعملها الناس في كل محرم ساق الهدي، وأنه لا ينبغي أن يحلق حتى ينحر هديه، وهذا النحو يأتي في القرآن كثير يذكر القصة ثم يذكر بعدها أمور أخرى ثم يعاد إلى القصة الأولى، قال الله ﷿: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ (^٢) ثم ذكر بعد هذا القسم قصة أصحاب الأخدود، ثم قال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ (^٣) وقال: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ (^٤) إلى قوله: ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ (^٥) ثم ذكر بعد ذلك ما ذكرتم، ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (^٦) هذا هو القسم، وقال: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (^٧) فعلم أنه عنا بقوله (إلا قليلًا) عطفًا على (لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلًا)، ولولا فضل الله عليهم ورحمته لاتبعوا الشيطان كلهم.\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٩٦] انظر من هذه الرسالة ص: ٢٤٨ ..\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٣) [سورة البروج: الآيات ١ - ٣]\n(^٤) [سورة البروج: الآية ١٢]\n(^٥) [سورة الفجر: الآيتان ١ - ٢]\n(^٦) [سورة الفجر: الآية ٥]\n(^٧) [سورة الفجر: الآية ١٤]\n(^٨) [سورة النساء: الآية ٨٣]","vol":"1","page":83},{"text":"¬فلما قيل: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (^١) ثم ذكر بعد ذلك ما ذكر، ثم قيل: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (^٢) أعيد ذكر ذلك الهدي للتراخي وللكلام الذي وقع بين ذلك.\nومثال آخر: قال الله ﵎: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (^٣).\nبدأ الله بذكر الوصية قبل الدين لفظًا، واللفظ لا يوجب التبدئة، وإنما يوجب الكلام إخراج الوصية والدين، فكانت البغية الأمر بإخراجهما ووضعهما في مواضعهما؛ لأن قوله من بعد كذا وكذا يريد ﷿: أن ما بعد هذين الصنفين موروث، قال الله ﵎: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (^٤) أي: لا تطع أحدًا من هذين الصنفين، وقد يقول الرجل مررت بفلان وفلان ويكون الثاني هو المبتدأ به، كما يجوز أن يكون الأول، وهذا اللفظ لا يقتضي التبدئة، وإنما يقتضي الأفعال، قال الله ﵎: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (^٥) فعلم أنها أمرت بذلك كله، ولم تؤمر بالتبدئة. (^٦)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٣) [سورة النساء: الآية ١٢] انظر من هذه الرسالة ص: ٤٧٣.\n(^٤) [سورة الإنسان: الآية ٢٤]\n(^٥) [سورة آل عمران: الآية ٤٣]\n(^٦) انظر من هذه الرسالة أيضًا ص: ٥١٣، ٦٠٦، ٦١٠، ٦٢٨.","vol":"1","page":84},{"text":"¬٣. تفسير الآية من سياقها: ومن الأمثلة عليه ما ذكره المؤلف عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (^١) من خلاف في من الذي بيده عقدة النكاح، قال: فإذا اختلف في تأويل آية وجب النظر، فرأينا الله ﷿ قال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (^٢) فكانت المخاطبة للأزواج، لا يقدر أحد أن يدعي خلافًا لذلك في تأويل ولا معقول، ثم قال: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (^٣) وهذه مخاطبة للأزواج، ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (^٤) وهن النساء البوالغ اللواتي أَمْرُهن إليهن، لا ولاية عليهن: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (^٥) فهو الولي الذي يجوز له العقد شاءت أم أبت، وليس يجوز أن يعنى بذلك الزوج؛ لأن كلام الله إيجاز واختصار، فلو عنى الزوج لقيل إذ كانت المخاطبة له: (أو تعفون رجال) أولى بأن يقال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (^٦) فترك الخطاب بما هو معقول بالمواجهة، ويخاطب بما يشكل ويقع فيه التأويلات، ويكثر فيه الاختلاف. (^٧)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٣٧]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٣٧]\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٣٧]\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ٢٣٧]\n(^٥) [سورة البقرة: الآية ٢٣٧]\n(^٦) [سورة البقرة: الآية ٢٣٧]\n(^٧) ص: ٣٨٣، وانظر على سبيل المثال: ص: ٤٨٨، ٥٠٤، ٥٤٥، ٥٨٢.","vol":"1","page":85},{"text":"¬٤. الجمع بين ما يتوهم أنه مختلف من الآيات، وكيف يجمع بينها، يعد نوعًا من أنواع تفسير القرآن بالقرآن، ومن الأمثلة عليه ما ذكره المؤلف بقوله: قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (^١). وحق تقاة الله ﷿: أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى، وهذا ما لا يطيقه إلا من عصمه الله بالورع، وحال بينه وبين ما ألزمه اجتنابه، وإنما يطيق ذلك النبي - ﷺ - وأمثاله، ولما علم الله جل وعز ذلك خفف عن عباده رحمة لهم فقال ﵎: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ (^٢) لأنهم لو أخذوا بحق تقاته، فاجتمع أهل السماوات وأهل الأرضين على أن يبلغوا حق تقاته ما بلغوا ذلك؛ لعظم حقه، وإنما أراد ﷻ أن يعلم خلقه قدرته، ثم يأتيهم برحمته، فنسخها وهون على خلقه بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (^٣) إذ الآية الأولى تكليف ما لا يطاق. (^٤)\nب. تفسير القرآن بالسنة: وأشار إليه المؤلف بقوله: ومنه مابيّنه الرسول - ﷺ - بالحكمة التي أعطاه الله، يقول الله ﷿: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (^٥)، وقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (^٦) (^٧).\n_________\n(^١) [سورة آل عمران: الآية ١٠٢]\n(^٢) [سورة التغابن: الآية ١٦]\n(^٣) [سورة التغابن: الآية ١٦]\n(^٤) ص: ٤٣٧، والأمثلة على ذلك كثيرة وخاصة آيات الناسخ والمنسوخ. ص: ٣٦٨، ٤٧٦، ٥٢٢.\n(^٥) [سورة الأحزاب: الآية ٣٤]\n(^٦) [سورة النحل: الآية ٤٤]\n(^٧) انظر من هذه الرسالة ص: ١٠٨.","vol":"1","page":86},{"text":"¬ويمكن تحديد منهجه في أمرين:\n١. توضيح لفظ مشكل في الآية أو توضيحها، ومن الأمثلة على ذلك: حديث عدي ابن حاتم المشهور في تفسير قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (^١).\nومن الأمثلة أيضًا ما ذكره المؤلف بقوله: قال أبو بكر رضوان الله عليه: إنكم تقرؤون هذه الآية فتضعونها في غير موضعها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (^٢)، وإنما سمعنا رسول الله - ﷺ - يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه. (^٣)\n٢. ذكر حديث في معنى الآية، ومن الأمثلة عليه: قال الله ﵎: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^٤) عن أم سلمة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله - ﷺ -: إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بجحته من بعض فأقضي له بما أسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطعه له به قطعة من النار. (^٥)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٨٧] انظر من هذه الرسالة ص: ٢١٤.\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ١٠٥] انظر من هذه الرسالة ص: ٧١٧.\n(^٣) ومن الأمثلة أيضًا ص: ٢١٥، ٢٥١، ٤٣٢، ٧٣٠، ٧٣٦. .\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ١٨٨]\n(^٥) ص: ٢٢١، ومن الأمثلة أيضًا ص: ٣٢٥، ٣٣٢، ٥٥٦، ٥٩٤، ٧١٣.","vol":"1","page":87},{"text":"¬ج. تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين: وقد بين المؤلف مكانة الصحابة في ذلك فقال: ومنه ما شرّف الله به أصحاب نبيه بمشاهدتهم الأسباب التي نزل القرآن من أجلها، وسنت السنن بحضرتهم عملًا وقولًا، فكانوا بالمشاهدة أعلم الخلق بما نزل، وبوجوهه وتصرفاته، ونصحهم للأمة، وصدقهم، فمدح الله متبعهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (^١)، ومتبعهم إنما يتبعهم فيما قالوه دون مارووه، إذ كان مارُوي المتبع فيه الرسول - ﷺ -، فإذا اختلفوا وجب النظر في أقاويلهم، دون الخروج عنها، لقوله ﷿: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (^٢)، والأحسن ما أنتجه النظر، واستخرجته الدلائل والعلل من الأصول المجمع عليها من الكتاب والسنة، فبيّن ما اختلف فيه على علل ما اتفق عليه. (^٣)\nوقد سبقت الإشارة في منهج المؤلف العام إلى طريقة عرضه لأقوال السلف في تفسير الآية، وسيقتصر الحديث هنا على بيان أهم المجالات التي يورد المؤلف فيها أقوال السلف وهي:\n١. بيان معنى لفظة في الآية، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها: قوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (^٤) فالشطر ههنا: تِلقاءه، قِبَلَهُ، قال ذلك علي - ﵁ -، والبراء، وأبو العالية، وقال مجاهد: نحوه، قتادة، وزيد بن أسلم: قصده.\n_________\n(^١) [سورة التوبة: الآية ١٠٠]\n(^٢) [سورة الزمر: الآية ١٨]\n(^٣) انظر من هذه الرسالة ص: ١٠٨.\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ١٤٤] انظر من هذه الرسالة ص: ١٤٢.","vol":"1","page":88},{"text":"¬وتارة يأتي بالمعنى العام للآية ثم يقول وبهذا قال: فلان وفلان، ومن الأمثلة عليه: قال الله ﵎: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^١) معنى هذه الآية: أن من قبل الدية واتبع بها فليس له أن يقتل بعد ذلك، فإن قتل فهو الذي توعده الله تعالى، قال ذلك سعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك بن مزاحم.\n٢. يورد أقوالهم في بيان أسباب النزول، ومن الأمثلة على ذلك: قال الله ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ (^٢)\nقال البراء: إن هذه الآية نزلت فيمن كان يشرب الخمر قبل التحريم، ومات على ذلك قبل أن تحرم. وقال جابر بن عبد الله: اصطبح قوم الخمر، ثم قتلوا شهداء. وقال أنس: إن الذين شربوها قبل التحريم أتوا رسول الله - ﷺ -، فسألوه عما مضى من أفعالهم فنزلت الآية.\n٣. إيراد أقوالهم في بيان الناسخ والمنسوخ، ومن الأمثلة على ذلك قوله: وقد اختلف التابعون في تفسير ذلك، فقال جماعة منهم: إن قوله سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (^٣) ناسخ لقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (^٤). وقال جماعة منهم: إن قوله عز من قائل: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (^٥) غير منسوخة، وأن الأخرى وهي قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (^٦) عطف على الأولى.\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٧٨] انظر من هذه الرسالة ص: ١٦٢.\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٩٣] انظر من هذه الرسالة ص: ٧٠١.\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٤٩] انظر من هذه الرسالة ص: ٦٦٠.\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ٤٢]\n(^٥) [سورة المائدة: الآية ٤٢]\n(^٦) [سورة المائدة: الآية ٤٩]","vol":"1","page":89},{"text":"¬٤. إيراد أقوالهم في بيان الحكم الفقهي، ومن الأمثلة على ذلك قوله: قال الله ﷿: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (^١) قال القاضي: قال ابن عمر: إذا رجعت إلى أهلك، وقال بعضهم - أعني التابعين -: إن شاء صام في الطريق وإن شاء صام إذا رجع إلى أهله، وقال عطاء: إذا رجع من منى.\nومن الأمثلة أيضًا قوله: عن علي في قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (^٢) قال: إلا أن يكون مسافرًا فلا يجد الماء، فيتيمم ويصلي، وقال ابن مسعود - ﵁ -: هو اختراق المسجد، وقال ابن عباس: لا يقرب الصلاة وهو جنب، إلا أن يكون مسافرًا فلا يجد الماء، فيتيمم ويصلي.\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٩٦] انظر من هذه الرسالة ص: ٢٩١.\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٤٣] انظر من هذه الرسالة ص: ٥٤٠.","vol":"1","page":90},{"text":"¬ويلحظ عند المؤلف في إيراده لأقوال السلف في تفسير الآية اهتمامه بجانبين، الأول: التصحيح والتضعيف لهذه الآثار، وسيأتي الحديث عن هذا - إن شاء الله - عند الحديث عن منهج المؤلف في الأحاديث والآثار، والجانب الثاني وهو الاختيار والترجيح بين هذه الأقوال، ومن الأمثلة عليه: ما ذ كره عند قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ (^١) قال: فأمر المُوصي بالعدل في الوصية، وأمر الموصى إليه بوعظه وأن يأخذه بالإصلاح فيما يوصي إليه، هذه الألفاظ معاني ما روي عن طاووس، وعطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومن فسر هذه الآية، وقد قال قوم: إن هذه الآية قبل نزول الفرائض قال ذلك زيد بن أسلم واحتج بقول الله ﷿: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (^٢) يقول: صوابًا، يأمر هذا الموصي أن يسدد في ذلك، فلما عجزوا فرض الله الفرائض وسماها لأهلها. وقال قتادة في هذه الآية: إن الإمام يردها إلى كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -، فردُها واجب عليه.\nفهذا مع قول زيد أحسن ما قيل في هذه الآية والله أعلم.\nومن الأمثلة أيضًا قوله: قال الله ﵎: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٨٢] انظر من هذه الرسالة ص: ١٧٢.\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٩]\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٤٣] انظر من هذه الرسالة ص: ٥٤٤.","vol":"1","page":91},{"text":"¬قال ابن عباس - ﵁ -: الملامسة الجماع، وأصحابه مثله. وقال ابن مسعود - ﵁ -: القبلة والجسّة من الملامسة. وقال ابن عمر - ﵁ -: القبلة والجسة هي الملامسة. وتابعهما على ذلك خلق كثير من التابعين، وروي في هذا الباب أحاديث مرفوعة أنكرها النقاد، وطعنوا بها على حديث بن أبي ثابت، ولكن ما روي عن ابن عباس - ﵁ -، وابن مسعود، وابن عمر، ومن تابعهم من التابعين صحيح، والنظر يوجب ما قاله ابن مسعود، وابن عمر، وكذلك ظاهر الآية؛ لأن الملامسة ذكرت مع الغائط الذي يكون منه الوضوء في الموضعين. (^١)\nد. تفسير القرآن بلغة العرب، قال المؤلف: لم أعدُ فيه عن السنة، وقول السلف، وما توجبه اللغة التي نزل القرآن بها. (^٢)\nويأتي في مقدمة ذلك ما ذكره المؤلف عن الصحابة والتابعين في تفسير الآيات، وهو أعلى درجات التفسير اللغوي، فالصحابة عرب خلص، وبلغتهم نزل القرآن، والتابعون أخذوا علم اللغة عن الصحابة، فمنزلة تفسيرهم أعلى من رتبة غيرهم من اللغويين الذين أتوا بعدهم، بل هم أولى لجمعهم بين اللغة ومشاهدة أسباب النزول، ومعرفة أحوال العرب، وأما بعض اللغويين المتأخرين فتعاملوا مع النص القرآني على أنه نص لغوي بحت، دون النظر إلى هذه المعاني.\nومن الأمثلة على تفسير السلف اللغوي ما ذكره المؤلف عند تفسير قوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ (^٣). قال ابن عباس: لي القاضي، وإعراضه إلى أحد الخصمين دون الآخر، وقال مجاهد، وغيره: هي في الشهود، إذا كتموا الشهادة، أو حرفوا.\n_________\n(^١) وانظر أيضًا ص: ٣٢٤، ٥٤١.\n(^٢) انظر من هذه الرسالة ص: ١١١.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ١٣٥] انظر من هذه الرسالة ص: ٥٩٧.","vol":"1","page":92},{"text":"¬وأما ما نقله المؤلف عن أهل اللغة المتأخرين فقد سبقت الإشارة إلى ذكرهم، ومواضع النقل عنهم. (^١)\nوهناك جانب من جوانب التفسير اللغوي عند المؤلف، ذلكم هو الاستشهاد بأشعار العرب، وكان استشهاده بالشعر لأمرين، الأول: بيان معنى لفظة في الآية، ومن الأمثلة على ذلك: ما ذكره عند تفسير قوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (^٢)، قال: تلقاءه، نحوه، قصده، ثم قال: وأنشدنا لابن أحمر:\nتعدو بنا شَطْرَ جَمْعٍ وهي عاقدةٌ ... قد كارب العقْدُ من إيقادها الحُقُبا\nوقال لقيط:\nوقد أَظلّكُمُ مِنْ شَطْرِ ثَغرِكُمُ ... هولٌ له ظُلَمٌ يَغْشَاكُمُ قِطَعَا\nوعند قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ (^٣) قال: وقد احتج من قال: إنه الزنا بقول الحطيئة:\n\nويحرم سر جارتهم عليهم ... ويأكل جارهم أَنْف القصاع (^٤)\n_________\n(^١) انظر مبحث مصادر المؤلف ص: ٦٤، ٦٧.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٤٤] انظر من هذه الرسالة ص: ١٤٣.\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٣٥] انظر من هذه الرسالة ص: ٣٧٣.\n(^٤) وانظر على سبيل المثال أيضًا ص: ١٧٢، ١٨٦، ٣٤٥، ٣٤٩، ٤٠٩، ٤٢٠، ٤٤٢.","vol":"1","page":93},{"text":"¬الأمر الثاني: استشهاده بالشعر على أسلوب عربي قرره في الآية، ومن الأمثلة على ذلك قوله:، فلما قيل: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ (^١) علم أنه مبتدأ في كل ذي عسرة عليه دين، فصار في معنى: وإن وقع ذو عسرة، كما يقول القائل: قد كان الأمر، أي وقع، وكما يقول: أعرفه منذ كان، وقال الله ﵎: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ (^٢) فقرئت بالرفع؛ لأن ذلك لم يعطف على شئ قد مضى فينصب، وإنما هو في معنى: وإن وقع تجارة حاضرة، وقال الشاعر:\nفدا لبني شيبان أمي وخالتي ... إذا كان يوم ذو كواكب أشهب\nأي إذا وقع يوم بهذه الصفة.\nومن الأمثلة أيضًا قوله: وقوله ﷿: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (^٣) وامسحوا روؤسكم واحد، وهذه الباء تدخل في الكلام، والمعنى فيها وفي إسقاطها واحد عند أهل اللسان؛ لأنك تقول: ليس فلان قاتلًا، وليس فلان بقاتل، قال الشاعر:\nكفى الشيب والإسلام للمرء ناهيًا\nفكان مثل قوله: كفى بالشيب والإسلام. (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>القسم الثاني: منهجه في القراءات</span>.\nاهتم المؤلف بجانب القراءات، فيذكرها مع من قرأ بها، ولا يلتزم ذكر القراء السبعة المعروفين؛ لأن مسبع السبعة ابن مجاهد (٢٤٥ - ٣٢٤ هـ) عاصر صاحب الأصل القاضي إسماعيل (ت ٢٨٢ هـ)، وصاحب المختصر القاضي بكر بن العلاء (ت ٣٤٤ هـ)، فقد يكون هذا التقسيم لم يشتهر إلا بعد ذلك.\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٨٠] انظر من هذه الرسالة ص: ٤٠٤.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٦] انظر من هذه الرسالة ص: ٦٣٢.\n(^٤) وانظر أيضًا ص: ٣١٢، ٤٨٤، ٥٦٠.","vol":"1","page":94},{"text":"¬ومن الأمثلة على ذكره للقراءات مع ذكر من قرأ بها قول المؤلف: وكذلك هي في المصحف: ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ (^١) وبها قرأ أهل المدينة وأهل العراق. وروي عن ابن عباس - ﵁ - أنه قرأها: (آية بينة).\nوفي الغالب ذكره للقراءة دون من قرأ بها، كما في قول المؤلف: قال الله ﷿: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (^٢). قرأها بعضهم: (فَتُذْكِرَ إحداهما) بالتخفيف. وقرأها آخرون بالتثقيل، وهما لغتان مستعملتان والمعنى فيهما واحد، تقول: ذكرّت فلانًا وأذكرت فلانًا، ومعناهما إن نسيت إحداهما أذكرتها الأخرى.\nوعند قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٣)\nوقد قرئ: تقاة، وتقية، ومعناهما واحد. (^٤)\nوللمؤلف اهتمام بتوجيه القراءات، ومن الأمثلة على ذلك ما قاله عند قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (^٥). من قرأ: (ننسها) وأسقط الألف جعلها من النسيان، ومن قرأ: (ننساها) وأثبت الألف فإنه جعلها من التأخير كأنه أراد: أو يؤخرها، فأثبت الألف؛ لأنها همزة اسكنت الحركة منها لموضع الجزم، وبقيت الهمزة ساكنة فكتبت ألفًا؛ لأنه يقال: نسأت الشيء أي: أخرته.\n_________\n(^١) [سورة آل عمران: الآية ٩٧] انظر من هذه الرسالة ص: ٤٢٨.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] انظر من هذه الرسالة ص: ٤١٣.\n(^٣) [سورة آل عمران: الآية ٢٨] انظر من هذه الرسالة ص: ٤٣٧.\n(^٤) انظر على سبيل المثال ص: ٥١٢، ٦٢٧.\n(^٥) [سورة البقرة: الآية ١٠٦] انظر من هذه الرسالة ص: ١٣٣.","vol":"1","page":95},{"text":"¬ومن الأمثلة أيضًا ما قاله عند قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (^١). اختلف الناس في الأرجل، فقرأها قوم: (وأرجلِكم) خفضًا، وقرأها بعضهم: (وأرجلَكم) نصبًا، فمن قرأها (وأرجلِكم) خفضًا فقال: يغسل، ومنهم من قال: يمسح، والغسل سنة. ومن قرأها (وأرجلَكم) نصبًا فهو الغسل، ومن قرأها بالخفض فجعلها معطوفة على الرؤوس؛ لأنها تليها، وقد يعطف الشيء على ما يليه، وقد يعطف على الذي قبله. (^٢).\nويذكر المؤلف القراءات الشاذة، ويرجح المعنى الذي تدل عليه القراءة الصحيحة، ومن الأمثلة على ذلك قول المؤلف: وأما قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (^٣) فإن ابن عباس كان يقرؤها: (وعلى الذين يُطَوَّقُونَهُ)، ولا يطيقونه، ويقول: إنها في الشيخ والشيخة إذا عجزا عن الصيام.\nوروي عنه ضد ذلك رواه حماد بن زيد عن سلمة بن علقمة عن محمد بن سيرين عن ابن عباس: أنه قرأ هذه الآية (فديةُ طعامِ مساكين) قال: هي منسوخة.\nثم قال: وأما قراءة من قرأ (يطوقونه) فإن هذه القراءة ليست في مصحفنا المجتمع عليه، والذي يبطل ذلك قوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (^٤) فكيف يقال لمن لا يطيق: وأن تصومه خير لك؟\nومن قرأ (فدية طعام مسكين وطعام مساكين) فإنه يصير إلى معنى واحد، فمن قرأ (مسكين) يريد عن كل يوم مسكين، ومن قرأ (مساكين) يريد عن الأيام بعددها مساكين.\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٦] انظر من هذه الرسالة ص: ٦٢٧.\n(^٢) وانظر أيضًا ص: ١٩٠، ٤١٣، ٤٢٩، ٤٣٧.\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ١٨٤] انظر من هذه الرسالة ص: ١٨٠، ١٩٠.\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ١٨٤]","vol":"1","page":96},{"text":"¬وقراءة أبي عمرو بن العلاء - وهو أعلم القراء باللغة -، وتابعه قراء العراق على ذلك (طعام مسكين).\nوفي مثال آخر يقول: والقراءة: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ (^١) إنما تقع هي بالرفع، فلما كانت كذلك علم أنه لم يعن بها صاحب الربا؛ لأنه لو كان عُني بها صاحب الربا لقيل: (وإن كان ذا عسرة) أي: إن كان الذي عليه الربا ذا عسرة، فلما قيل: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ (^٢) علم أنه مبتدأ في كل ذي عسرة عليه دين، فصار في معنى: وإن وقع ذو عسرة، كما يقول القائل: قد كان الأمر، أي وقع، وكما يقول: أعرفه منذ كان، وقال الله ﵎: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ (^٣) فقرئت بالرفع؛ لأن ذلك لم يعطف على شئ قد مضى فينصب، وإنما هو في معنى: وإن وقع تجارة حاضرة. (^٤)\nومما لاحظته أن المؤلف قد أغفل بعض القراءات التي لها أثر في اختلاف الأحكام الفقهية، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (^٥)، وقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>القسم الثالث: منهج المؤلف في تصحيح وتضعيف الأحاديث والآثار</span>.\nسبقت الإشارة إلى أن المؤلف حذف جل الأسانيد في هذا الكتاب، ولم يبق منها إلا النزر اليسير (^٧)، ومع ذلك فقد كان له دور بارز في جانب الحكم على الأحاديث والآثار، ولا غرو في ذلك فقد كان - كما وصفه غير واحد - راوية للحديث، عالمًا به وبعلله. (^٨)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٨٠] انظر من هذه الرسالة ص: ٤٠٣.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٨٠]\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]\n(^٤) وانظر أيضًا ص: ٤٢٩، ٧٢٥.\n(^٥) [سورة البقرة: الآية ٢٢٢]\n(^٦) [سورة النساء: الآية ٤٣]\n(^٧) انظر منهج المؤلف في الاختصار ص: ٦٨.\n(^٨) ترتيب المدارك: ٥/ ٢٧١، الديباج المذهب: ١/ ٣١٤.","vol":"1","page":97},{"text":"¬ويمكن تحديد أهم ملامح منهجه في أربع نقاط:\nالأولى: تصحيحه للأحاديث والآثار التي يستدل بها، ومن الأمثلة على ذلك: قوله عند حديثه في مسألة شهادة العبيد: أنا إسماعيل قال: نا علي بن المديني قال: نا عبدالله بن وهب قال: نايونس بن يزيد الأيلي عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: قضى عثمان بن عفان - ﵁ - في الصغير يشهد بعد كبره، والنصراني بعد إسلامه، والعبد بعد عتقه، أنها جائزة إن لم تكن ردت عليهم قبل ذلك. وهذا قول إمام بإسناد جيد. والروايات في هذا تكثر. (^١)\nوفي موضع آخر وهو يتحدث عن مسألة الحجر على المرأة في مالها ونفسها لزوجها، قال: ولما رواه داود بن أبي هند وحبيب بن الشهيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن النبي - ﷺ - قال: لا يجوز لامرأة هبة في مالها إذا ملك زوجها عصمتها. وهذا الحديث قد روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مطلقًا، فجاز أن يكون عن محمد بن عبد الله جد عمرو، فيكون من جملة الصحيفة، فجوزه داود وحبيب، فأخرجاه عن الصحيفة، بأن شعيبًا رواه عن جده لا عن أبيه، ولا يشك في سماع شعيب عن جده، هكذا قال علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، وقال علي: كلما رواه عمرو من الصحيفة فصحيح. وعلى أن محمد بن عبد الله بن عمرو مات قبل أبيه، وإنما أخذ الصحيفة شعيب عن عبد الله، كذا كان علي يقول.\nقال القاضي نا به محمد بن صالح قال: أنا يوسف بن موسى قال: نا حجاج عن حماد بن سلمة عن داود وحبيب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ -. وله أسانيد كثيرة، وداود من أهل الضبط والدين، بحيث لاخفاء به، وكذلك حبيب بن الشهيد، وإن كان دونه. (^٢)\n_________\n(^١) انظر ص: ٤١٢.\n(^٢) ص: ٥٢٥، وانظر أيضًا ص: ٥٨٠.","vol":"1","page":98},{"text":"¬الثانية: تضعيفه للأحاديث والآثار من جهة السند، ومن الأمثلة على ذلك: وهو يتحدث عن مسألة الاشتراك في الهدي، قال: وعلى أن حديث يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة - ﵂ -: نحر رسول الله - ﷺ - عن نسائه بقرة في حجة الوداع. غلط من يونس؛ لأن يحيى بن سعيد رواه عن عمرة، وعبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، ومالك وحماد عن عبدالرحمن قال: ذبح عن نسائه البقر. وكان ذلك في حجة الوداع. وهذه أسانيد الفقهاء الذين يعلمون ما يحتاج إليه، ويميزون ما يسمعون. (^١)\nومن الأمثلة أيضًا ما ذكره عند مسألة الخلع هل هو طلاق؟ ومسألة حكم الطلاق ثلاثًا بلفظ واحد، قال: وقال الناس جميعًا إلا طاوس: إن الخلع طلقة، وروى طاوس عن ابن عباس - ﵁ -: أنه فسخ بغير طلاق. فعوتب طاوس في ذلك، فعزاه إلى إنسان، وأنكر أن يكون سمعه من ابن عباس.\nوروي عن طاوس أيضًا: أنه روى عن ابن عباس في المطلق ثلاثًا أنها واحدة، وأنكر الناس ذلك على طاوس؛ لأن سعيد بن جبير روى عن ابن عباس - ﵁ - في رجل طلق مائة تطليقه، فقال ابن عباس - ﵁ -: ثلاث منها تبينها، وسائرهن اتخذت بها آيات الله هزوًا.\nثم قال: ولم يختلف الناس في أن الثلاث تقع إلا هذه الرواية الضعيفة، قال أيوب السختياني: كانوا يعجبون من كثرة خطأ طاوس، وكان رجلًا صالحًا من خيار المسلمين إلا أنه كان كثير الخطأ. (^٢)\nوقال في مسألة مس المرأة هل ينقض الوضوء: وروي في هذا الباب أحاديث مرفوعة أنكرها النقاد، وطعنوا بها على حديث بن أبي ثابت. (^٣)\n_________\n(^١) ص: ٢٧٤.\n(^٢) ص: ٣٥٩.\n(^٣) ص: ٥٤٤، وانظر على سبيل المثال: ١٦٥، ٢١١، ٣٧٨، ٣٩١، ٣٩٨، ٦٢٦، ٦٥١، ٧٠٩.","vol":"1","page":99},{"text":"¬الثالثة: تضعيفه للأحاديث والآثار من جهة المتن، فلم يكتف المؤلف بتضعيف سنده، بل ضعفها من جهة متنها، ومن الأمثلة على ذلك: في مسألة الاشتراك في الهدي أورد حديث جابر قال: نحر النبي - ﷺ - يوم الحديبية سبعين ناقة أشرك بين كل سبعة في جزور. ثم قال المؤلف: والقوم أيضًا ما كانوا حساب سبعين بدنة عن ألف وأربعمائة، كيف تكون البدنة عن سبعة؟ هذا عن عشرين، وقد يجوز أن يفضل بعضهم على بعض في القسم، فتكون إن كانت الأحاديث تصح دفع إلى جابر وستة معه بدنة؛ لأن ما وجب لا ينتقل. (^١)\nوفي مسألة صداق المثل لمن مات عنها زوجها ولم يسم، أورد حديث بروع بنت واشق، ثم قال المؤلف: وهذا حديث غير صحيح ولا مقبول، أيتوهم متوهم أن قومًا عندهم قضية من رسول الله - ﷺ - وهم يترددون شهرًا إلى ابن مسعود، حتى يقول: أقول فيها برأي فإن يك صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ﵎ ورسوله - ﷺ - منه بريئان. هذا ما يتوهمه ذو لب. (^٢)\nالرابعة: نقده للرجال، والحكم عليهم، ومن الأمثلة على ذلك: قوله عند مسألة الاشتراك في الهدي: وقد روى أبو جمرة عن ابن عباس: شركة في دم وهو شح. وخالفه أيوب عن محمد عن ابن عباس، وثقات أصحاب ابن عباس، فوها ما رواه، والمعتمد في العلم على الثقات المعروفين بالضبط. (^٣)\nومن الأمثلة أيضًا ما ذكره المؤلف عند مسألة من الذي بيده عقدة النكاح قال: روى عيسى بن عاصم عن شريح عن علي: أنه الزوج. قال عيسى: وقال شريح: هو الولي.\nوروى عمار بن أبي عمار عن ابن عباس - ﵁ -: أنه الزوج، وقال شريح مثل ذلك.\n_________\n(^١) ص: ٢٧٢.\n(^٢) ص: ٣٧٨، وانظر ص: ٢٧٤، ٧٥٢.\n(^٣) ص: ٢٧٨.","vol":"1","page":100},{"text":"¬قال القاضي: فأما عيسى بن عاصم فليس بشيء، ولا يثبت بمثله رواية؛ لأنه شيخ ضعيف، وكذلك عمار بن أبي عمار، ولكن قد روي عن جماعة من التابعين: أنه الزوج. وقال عمر، وكم شاء الله من التابعين: إنه الولي. (^١)\nولا يعني هذا التسليم المطلق بكل ما ذكره المؤلف من تصحيح أو تضعيف، فهناك أحاديث صحيحة ضعفها المؤلف (^٢)، وهناك أحاديث تصح من طرق أخرى حكم عليها بالضعف، وقد أشرت إلى ذلك في موضعه.\nكما لا يعني التسليم المطلق في حكمه على الرجال، ففي مثال سابق تكلم في أبي جمرة، مع أنه ثقة ثبت من رجال البخاري.\nوقد أورد المؤلف حديثًا موضوعًا، ونسبه إلى الرسول - ﷺ -. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>القسم الرابع: منهجه في عرض المسائل الفقهية</span>.\nيمكن تحديد أهم معالم منهجه في عرض المسائل الفقهية من خلال ما يلي:\n١. افتتاحه للمسألة بإيراد ما فيها من الأحاديث والآثار ثم يتبعها ببيان الحكم الفقهي، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٤)\nقال مجاهد: غير باغ على المسلمين، ولاعاد عليهم، فمن خرج يقطع الطريق أو في معصية الله فاضطر إلى الميتة لم تحل له، إنما تحل لمن خرج في طاعة الله، وقال سعيد بن جبير مثل ذلك، وقال ابن عباس: غير باغ في الميتة، ولا عاد في الأكل، وقال الحسن مثل ذلك.\n_________\n(^١) ص: ٣٨٢، وانظر ص: ٣٦١، ٤٨٧، ٧٤٩.\n(^٢) منها حديث في صحيح مسلم، انظر ص: ٢٧٩.\n(^٣) ص: ٣٩١.\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ١٧٣] انظر من هذه الرسالة ص: ١٥١.","vol":"1","page":101},{"text":"¬قال القاضي بكر - ﵀ -: وأرجو أن تكون الرخصة للجميع؛ لأن الذي خرج في معصية الله قد مضى فعله فقتله نفسه معصية ثانية، لا نأمره بها وهو في سعة من أن يحيي نفسه.\nوعند قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^١). أورد حديث جابر بن عبد الله قال: قيل يا رسول الله: العمرة واجبة؟ قال: لا، ولأن تعتمر خير لك.\nوقال علي بن أبي طالب - ﵁ - وقد سئل عن قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^٢) قال: أن تحرم بهما مؤتنفتين من دويرة أهلك. ووافق عمر عليًا في ذلك، واختلف التابعون فمنهم من لم يرها واجبة، ومنهم من رآها واجبة.\n٢. وأحيانًا يفتتح المسألة بذكر الخلاف الفقهي، ثم يستدل عليه بالسنة والأثر، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (^٣). حكي عن بعض أهل العراق أنه قال: لا بأس أن يزوج الرجل أمته من عبده بغير صداق. (^٤).\n٣. ومن حيث ذكر الخلاف: يبدأ بذكر مذهب مالك - في الغالب -، ثم يذكر من خالفه، وأكثر ما يذكر مذهب أبي حنيفة والشافعي، وأحيانًا بشير إلى مذهب أهل الظاهر، وأما مذهب الإمام أحمد فلم يورده في كتابه، ولعل هذا راجع إلى أن البعض لا يعد الإمام أحمد من الفقهاء، بل من المحدثين، كما فعل ابن جرير في كتابه اختلاف العلماء، وغيره.\nومن الأمثلة قول المؤلف: وزعم غيرنا أن الحيض لا يكون أقل من يوم وليلة، وقال العراقيون: ثلاثة أيام بلياليها. وليس لهم أصل في ذلك من كتاب ولا سنة ولا قياس. (^٥)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٩٦] انظر من هذه الرسالة ص: ٢٣٤.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٢٥] انظر من هذه الرسالة ص: ٥٠٨.\n(^٤) وانظر أيضًا ص: ٣٤٩، ٣٦٦، ٦٣٦.\n(^٥) ص: ٣٣٩.","vol":"1","page":102},{"text":"¬وقال في موضع آخر: قال أبو مصعب: قال مالك - ﵁ -: أحسن ما سمعت في تأويل هذه الآية: الحر بالحر يريد الجنس الذكر والأنثى سواء، وكذا العبد بالعبد الذكر والأنثى سواء، وإعادة ذكر الأنثى بالأنثى إنكار لما كان من أمر الجاهلية، ألا تراه سبحانه قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (^١) إلى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (^٢) فالمساواة في ذلك، الحرية في جنسها والعبودية في جنسها.\nوزعم أهل العراق: أنهم يقتلون الحر بالعبد، والمسلم بالكافر وسووا بينهم. (^٣)\n٤. التزم المؤلف بإيراد المسائل الفقهية حسب ورودها في الآيات بما يتفق وترتيب المصحف، إلا أنه شذ عن ذلك في بعض المسائل فأتى بها في غير موضعها لمناسبة الحديث عنها، ومن ذلك: تقديمه مسألة قصر المسافر للصلاة عند الحديث عن الصيام في السفر (^٤)، مع أن موضعها عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (^٥).\nوقدم مسألة الاختلاف في قيمة الرهن عند الحديث عن مسألة الاستيثاق للديون (^٦)، مع أن حقها التأخير عند قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (^٧).\nوقدم مسألة حكم أكل السباع، وأكل الضب عند قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (^٨) مع أن حقها التأخير عند قوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (^٩).\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٤٥]\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٤٥]\n(^٣) ص: ١٥٦.\n(^٤) ص: ٢٠٠.\n(^٥) [سورة النساء: الآيتان ١٠١ - ١٠٢]\n(^٦) ص: ٤١٧.\n(^٧) [سورة البقرة: الآية ٢٨٣]\n(^٨) [سورة المائدة: الآية ١٠١] انظر من هذه الرسالة ص: ٧١٣.\n(^٩) [سورة الأنعام: الآية ١٤٥]","vol":"1","page":103},{"text":"¬٥. إكثاره من الجدل الفقهي، وذكر الاختلاف، والرد على المخالف، وهذا أمر بارز في هذا الكتاب، متأثرًا بما سبق ذكره عن المدرسة المالكية العراقية (^١)، وقد عد هذا الكتاب أصلًا يستفاد منه في هذا، ويدل عليه ما ورد في وصية ابن أبي زيد القيرواني لبعض طلابه، حيث قال لهم: وإذا دخلت العراق، فاكتب ما تجد لأهل الوقت من الخلاف والحجة، وإن كانت لك رغبة في الرد على المخالفين من أهل العراق والشافعي: فكتاب ابن الجهم إن وجدته، وإلا اكتفيت بكتاب الأبهري إن كسبته، وكتاب الأحكام لإسماعيل القاضي، وإلا اكتفيت باختصارها للقاضي ابن العلاء. (^٢)\nومن السمات البارزة في هذا الجانب: إلزامه للمخالف بقوله في مسألة بقول وفي مسألة أخرى بقول، ومن الأمثلة على ذلك قول المؤلف: وزعم أهل العراق: أنهم يقتلون الحر بالعبد، والمسلم بالكافر وسووا بينهم، وقد فرّق الله وجعل القصاص بالتساوي، وفرّق بين الحرية والعبودية، وبين المسلم والكافر، فلم يوجب على من قذف كافرًا وعبدًا ما أوجبه على من قذف حرًا مسلمًا، والحدود يرد بعضها إلى بعض. وقد ناقضوا أيضًا فزعموا: أنهم يقتلون الحر المسلم بالعبد والكافر، ولا يفقؤون عينه بعينه، وكذلك سائر الجراح وذلك في نسق الآية، فزعموا أن النفس تساوي النفس، واليد لا تساوي اليد، فإن كانوا أرادوا الجسم فالمساواة ظاهرة بينه، وإن أرادوا الجنس فالجنسان مختلفان. (^٣)\n_________\n(^١) ص: ٢١.\n(^٢) مخطوط الذب عن مذهب مالك، نقلت هذا النص عن: الجدل الفقهي عند مالكية بغداد، د. محمد العلمي: ١٣٣، المدرسة المالكية العراقية، د. حميد لحمر: ٥٠٨.\n(^٣) ص: ١٥٧.","vol":"1","page":104},{"text":"¬وقوله في موضع آخر: واختلف الناس أيضًا في الجماعة تسرق ما قيمته ثلاثة دراهم أو عشرة، على مذهب أهل العراق فقالوا: لا قطع عليهم حتى يكون مقدار ما أخذوه ما يلزم كل إنسان ما يقطع فيه اليد، وقال المالكيون: يقطعون؛ لأن ما دون المقدار هو التافه، والقطع إنما هو في المقدار والحرز، فإذا كان المقدار لا يستقل به الواحد، ولا يقدر عليه إلا بآخر قُطعا جميعًا، وألزموا العراقي والشافعي ذلك، بالاتفاق أنهم يقتلون الجماعة بالواحد، وليس كل واحد منفرد بإماتت النفس، كما ليس كل واحد منفرد بإخراج السلعة التي قيمتها ثلاثة دراهم، وألزموا الشافعي أن يقول ذلك؛ لقوله في مائة نفر ملكوا مائتي درهم لكل واحد درهمان: أنهم يزكون. (^١)\nومن السمات في هذا الجانب أيضًا قوله: فإن قالوا قلنا، وإن قيل قلنا. (^٢)\nومن السمات أيضًا إيراده لمسائل مشابهة لما ذكر وبيان الفرق بينها، ومن الأمثلة على ذلك قوله: وليس إتمام الصلاة في السفر مثل الصيام، قال القاضي إسماعيل: لأن المسافر فرضه ركعتان فلا يجوز له أن يصلي أكثر من فرضه، والمسافر والمريض إنما أجيز لهما الفطر رفقًا بهما، وأن يؤخرا فرضهما من وقت إلى وقت، ولم يسقط عنهما من الفرض شيء لا بدل له كما حط من الصلاة، ولو كان قصر الصلاة يشبه تأخير الصوم لجاز للمريض أن يقصر الصلاة كما جاز للمسافر أن يقصر، فلما لم يجز ذلك علم أن أمر الصوم لا يشبه قصر الصلاة. (^٣)\n_________\n(^١) ص: ٦٥٥، وانظر أيضًا ص: ٢٢٢، ٥٠٩، ٧٦٤.\n(^٢) انظر على سبيل المثال: ٥٠٣، ٥٢٥، ٦٥٠.\n(^٣) ص: ٢٠٠.","vol":"1","page":105},{"text":"¬وقوله: ولما كان ستر العورة من فرض البدن فيجوز للرجل أن يصلي في ثوب واحد؛ لأنه يستر ما أمره الله بستره. والمرأة في درع سابغ وخمار، وهو أقل ما أمرها الله بستره من بدنها. والأمة في ثوب وخمار، ولم يكن هذا من فرض الصلاة، وإنما هو من فرض الأبدان، ووافق الصلاة؛ لأنه لو كان من فرض الصلاة كالوضوء كما شبهه الشافعي لكان إذا لم يجد الثوب لم يصل، كما أنه إذا لم يجد الماء ولا الصعيد لم يصل، فإن قال قائل متأخر: يصلي ويعيد. فقد أمره بصلاة لا تجزئه ولا تنفعه، وهو آثم فيها.\nثم قال: وقال بعضهم ممن تكلف الكلام في هذه المسألة: إن لم يقدر على الماء والصعيد صلى ولم يعد. وهو قول من لا يعرف الأصول كيف وضعت، ولو جاز هذا لكانت الحائض تصلي، وإنما سقطت الصلاة عنها؛ لعجزها عن الطهارة، ولعل الرواية خطأ، وإنما فرض الله السترة لا للصلاة لحقوق البدن، فإذا لم يقدر عليه لم يسقط الفرض. (^١)\n_________\n(^١) ص: ٧٤٠، وانظر على سبيل المثال ص: ٦٢٢.","vol":"1","page":106},{"text":"¬٦. محاولته في مواضع عديدة الربط بين الحكم الفقهي والآية وجعله مأخوذًا من الآية، ومن الأمثلة على ذلك قوله: وقد اختلف أيضًا في الرهن إذا تداعيا ما عليه، فقال المرتهن: هو عندي على مائة، وقال الراهن: بل هو على خمسين. فقال أكثر المفسرين: القول قول المرتهن، وقال بعضهم: القول قول الراهن، وقال بعضهم: القول قول المرتهن إلى قيمة الرهن، وهذا الأخير هو قول مالك - ﵁ - وأهل المدينة، وهو أشبه بظاهر القرآن؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (^١) فوعظ المرتهن ولم يعظ الراهن؛ لأنه قد توثق منه، فكان الرهن وثيقة لحقه، كالشهادة وثيقة لحقه، فكل من كان القول قوله موعوظًا، ألا تراه قال في أول الآية: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (^٢) ولم يقل ذلك عن الشهادة والرهن (وليتق الله ربه)؛ لأنه قد توثق منه فصار القول قول المرتهن مع يمينه إلى مبلغ قيمة الرهن. (^٣)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٨٣]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]\n(^٣) ص: ٤١٧.","vol":"1","page":107},{"text":"¬ومن الأمثلة أيضًا قوله: وقد قال العراقيون - مخالفة لباطن الآية ومخالفة للسنة - بترك إجازة الشاهد واليمين، ولما جعل الله الشاهدين - مع علمه بأن أحدهما قد يموت قبل صاحبه ويبقيه - لم يجز أن يأمر بما في علمه أنه غير وثيقة، فلما علم الله ﷿ ذلك، وكانت اليمين للمدعى عليه إذا لم تكن بينة يدفع بها عن نفسه لقوته باليد المدعى عليه، كان المدّعي إذا مات أحد الشاهدين أقوى بالشاهد الواحد من المدعى عليه باليد؛ إذ كانت يده بيانًا منه، وشهادة الشاهد بيانًا للمدعي من غيره، فوجب بذلك أن تكون اليمين له، فيكون ما أمر الله به وثيقة صحيحة منا، إذا بطل بعضها لم يبطل المال ببعضها، كالرهن الذي جعله الله وثيقة متى تلف تلفًا ظاهرًا كان المال ثابتًا على الغريم لا يزول بتلف الرهن، فيكون ما حكم به النبي - ﷺ - من الشاهد واليمين مستخرجًا من باطن الآية. (^١)\n٧. استنباطاته الدقيقة لبعض الأحكام الفقهية من آيات لا يتوقع أن يستخرج منها هذه الأحكام، ومن الأمثلة على ذلك: مسألة ذبح ما حقه النحر ونحر ما حقه الذبح أوردها عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (^٢)، ومسألة الحجر على المرأة في مالها ونفسها لزوجها، أوردها عند قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (^٣)، ومسألة الخروج من صيام التطوع، وكذلك مسألة بيع الخيار أوردهما عند قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) ص: ٤١٥، وانظر أيضًا ص: ٥٠٤، ٥٤٥، ٦١٥، ٦٥٦.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٦٧] انظر من هذه الرسالة ص: ١٢١.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٣٤] انظر من هذه الرسالة ص: ٥٢٥.\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ١] انظر من هذه الرسالة ص: ٦٠١.","vol":"1","page":108},{"text":"¬٨. تأصيل المؤلف لمذهبه المالكي، ورده على المخالفين له، وهذا واضح جلي في كتابه، ومع ذلك فإنه عند دراسته للمسألة يرجح ما يراه وإن خالف مذهبه المالكي، ومن ذلك مسألة: هل على المحصر هديين أم هدي واحد؟ (^١)، ومسألة: إذا قال هذا عليّ حرام لشيء من الحلال عدا الزوجة فهل تلزمه كفارة؟ (^٢)، ومسألة: حكم قراءة الفاتحة للمأموم. (^٣)\nومن المسائل التي خالف فيها مشهور مذهب مالك: جواز وطء الحائض إذا تيممت (^٤)، ومسألة: الرخصة بالأكل من الميتة للمسافر سفر معصية (^٥).\nومع ذلك فلم يسلم المؤلف من التعرض للأئمة والشدة عليهم، وخاصة الإمام الشافعي، حيث انتقصه أكثر من مرة بكلام ينبغي لأهل العلم الترفع عنه، ولقائل أن يقول: أن فترة المؤلف في ذلك الوقت كانت مليئة بكتب الردود والمناظرات بين أصحاب المذهب مما يذكي هذا، إلا أن هذا لا يعد مبررًا لتجريح الأئمة والانتقاص منهم، بل المفترض أن تكون هذه المناظرات وغيرها مجالًا رحبًا للمناقشة العلمية الهادئة البعيدة عن التعصب، وأن تكون طريق خير في توحيد هذه الأمة.\n_________\n(^١) ص: ٢٥٠.\n(^٢) ص: ٦٨٢.\n(^٣) ص: ٧٦١.\n(^٤) ص: ٣٣٨.\n(^٥) ص: ١٥٢.","vol":"1","page":109},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-59>المبحث الرابع: قيمة الكتاب العلمية</span>\nلقد كان لذلك العصر الذي عاش فيه المؤلف، والذي يعتبر من أزهى العصور من الناحية العلمية، وللبيئة الخاصة التي كونت شخصية المؤلف، وهي المدرسة المالكية العراقية (^١)، ولمكانة المؤلف العلمية، أقول: كان لهذا انعكاس إيجابي على هذا الكتاب، فمما لاشك فيه ما لهذه العناصر من أثر في جعل الكتاب ذا قيمة علمية، ولعل مما يبين هذه القيمة له ما يلي:\n١. كونه مختصر لأصل عظيم مفقود، استفاد منه العلماء قديمًا وحديثًا، وأكثروا من النقل عنه، كالجصاص، وابن العربي، وأبي الوليد الباجي، وابن عبد البر، وابن قدامة، والقرطبي، وابن القيم، وابن حجر، وغيرهم، ذلكم الأصل هو (أحكام القرآن) للقاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي، الذي قال عنه الخطيب البغدادي: له كتاب أحكام القرآن لم يسبق إلى مثله. (^٢)\nفتبرز قيمة هذا الكتاب من قيمة أصله.\n٢. بإخراج هذا الكتاب ونشره يكون أقدم كتاب - مطبوع كامل (^٣) - في أحكام القرآن.\n٣. ثناء العلماء على هذا الكتاب، فقد سبق قول ابن أبي زيد القيرواني: وإذا دخلت العراق، فاكتب ما تجد لأهل الوقت من الخلاف والحجة، وإن كانت لك رغبة في الرد على المخالفين من أهل العراق والشافعي: فكتاب ابن الجهم إن وجدته، وإلا اكتفيت بكتاب الأبهري إن كسبته، وكتاب الأحكام لإسماعيل القاضي، وإلا اكتفيت باختصارها للقاضي ابن العلاء. (^٤).\nوهذا قول معتبر من إمام معتبر عند المالكية وغيرهم.\n_________\n(^١) انظر الحالة العلمية لعصر المؤلف ص: ١٩.\n(^٢) تاريخ بغداد: ٦/ ٢٨٥.\n(^٣) هناك كتب أحكام القرآن للطحاوي (٣٢١ هـ) أقدم منه، لكنه ناقص.\n(^٤) مخطوط الذب عن مذهب مالك، نقلت هذا النص عن: الجدل الفقهي عند مالكية بغداد، د. محمد العلمي: ١٣٣، المدرسة المالكية العراقية، د. حميد لحمر: ٥٠٨.","vol":"1","page":110},{"text":"¬وقال القاضي عياض: وألف بكر كتبًا جليلة منها: كتاب الأحكام المختصر من كتاب إسماعيل بن إسحاق بالزيادة عليه. (^١)\nوقال الذهبي: ومؤلفه في الأحكام نفيس. (^٢)\n٤. وما يدل على قيمته العلمية أيضًا ما حواه من الأحاديث والآثار في تفسير الآيات، وبيان الأحكام، ما لا يوجد في غالب كتب أحكام القرآن، فهذا الكتاب يعد بحق من كتب تفسير الأحكام بالمأثور.\n٥. ما حواه من طرق للأحاديث والآثار - وإن كانت قليلة - قد لا تكون في غيره، مما يكون له الأثر الواضح في تقوية الأحاديث والآثار، وذلك بتعدد طرقها.\n٦. ما حواه من أقوال وآراء للإمام مالك في التفسير والفقه، قد لا توجد في غيره، وخاصة أقواله في التفسير.\n٧. بروز شخصية المؤلف في التصحيح والتضعيف، والاختيار والترجيح.\n٨. دقته في نسبة الأقوال لأصحابها، مقدمًا أقوال السلف على غيرهم.\n٩. اعتماده للمنهج الصحيح في التفسير من تقديم تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال السلف، ثم باللغة.\n١٠. تصديه لأهل الأهواء والبدع، الطاعنين في سلف هذه الأمة، متبعًا ما كان عليه أهل السنة والجماعة في الاعتقاد.\nوأخيرًا فإن قيمة الكتاب تظهر ببيان ما له وما عليه، وقد ذكرت طرفًا مما له هنا، وذكرت طرفًا آخر عند الحديث عن منهجه.\nوأما ما عليه: فقد سبق ذكر أهم ذلك - وهي قليلة في هذا البحر الزاخر - عند الحديث عن منهجه: كتضعيفه لبعض الأحاديث والآثار الصحيحة، أو تضعيفها دون النظر إلى طرقها التي تتقوى بها، وكذلك شدته على المخالف المخالفة لأدب الحوار والمناظرة.\nفالعصمة يأباها الله إلا لكتابه، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا المعصوم - ﷺ -، وهكذا كل جهد بشر قابل للتصحيح والتوجيه.\nنسأل الله ﷿ أن يعفو عنا وعنه، وأن يجزل له الأجر على ما قدم، وأن ينفع بعلمه وبهذا الكتاب.\n_________\n(^١) ترتيب المدارك: ٥/ ٢٧١.\n(^٢) سير أعلام النبلاء: ١٥/ ٥٣٨.","vol":"1","page":111},{"text":"¬أحكام القرآن\nللقاضي أبي الفضل بكر بن محمد القشيري (ت: ٣٤٤ هـ)\nمن أول سورة الأنفال إلى آخر الكتاب، دراسة وتحقيقا\nإعداد: ناصر بن محمد بن عبد الله الماجد\nإشراف أ. د/ إبراهيم بن سعيد الدوسري\nخطة البحث:\nتشتمل على: مقدمة، وتمهيد، وقسمين، وخاتمة، وفهارس.\nالمقدمة:\nتشتمل على: أهمية الموضوع، وسبب اختياره، وخطة البحث، ومنهج الدراسة والتحقيق.\nالتمهيد:\nيتضمن تعريفا بالتفسير الفقهي، وبيان أثره، وأشهر المصنفات فيه.\nالقِسم الأول: دراسة عن المؤلف والكتاب\nالفصل الأول: دراسة عن المؤلف وحياته بإيجاز.\nالفصل الثاني: دراسة عن الكتاب.\nالفصل الثالث: موازنة مع كتاب أحكام القرآن لابن العربي.\nالقسم الثاني: تحقيق المخطوط.\nمن أول سورة الأنفال إلى آخر الكتاب، في ثلاث وسبعين ومائة لوحة من لوحات المخطوط.\nالخاتمة.\nوفيها ذكرت أهم النتائج التي توصلت لها في هذا البحث\nالفهارس\nذكرت عدد من الفهارس التي تخدم البحث وتساعد الناظر فيه","vol":"1","page":112},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-61>المقدمة</span>\n\nإنّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠].\nأما بعد:\nفمن رحمة الله تعالى بهذه الأمة أن أنزل عليها هذا الكتاب الحكيم، والذكر المبين، فجمعها من شتات فرقتها، ووحد مِزَق صفها، وآلف في محرابه أرواحها، وطهر قلوبها بآياته، وزكى نفوسها بعظاته، وأقامها على سنن الفطرة، فكانت خير أمة أخرجت للناس.\nومن نعمته ﷿ وعظيم منته على هذه الأمة، أن هيأ لكتابه الكريم أئمة من أساطين العلم وحملته، أخذوا على أنفسهم نفي تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، أحيوا بكتاب الله قلوبا غلفا، وبصروا بآياته أعينا عميا، وفتحوا بهداياته آذانا صمّا، عمروا بكتاب الله أوقاتهم، تلاوة ودراسة، وعلما وعملا، وبلغوه من جاء بعدهم، غضا طريا كما نزل.","vol":"1","page":113},{"text":"¬وخلَّفوا ﵏ وأجزل مثوبتهم - تراثا ضخما، يشي بمبلغ عنايتهم بكتاب ربهم، وعظيم قيامهم به، ويشهد لهم بسبقهم وتقدمهم على من جاء بعدهم.\nوإن من بعض حقهم علينا، اعترافا بالفضل لأهله، والسبق لمن تقدم، أن نعتني بتراثهم، خدمة له، وعناية به، حتى يظهر في أبهى حلة، وأكمل صورة.\nوكتاب أحكام القرآن، لأبي الفضل القشيري المالكي، المتوفى سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، بقية من ذلك التراث وقبس من ضيائه، اختصره مؤلفه من كتاب كبير ضخم في أحكام القرآن ألفه القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي، المتوفى سنة اثنين وثمانين ومئتين للهجرة.\nوقد منَّ الله - بفضله وكرمه - عليّ فوفقني لاختياره موضوعا، أتقدم به لقسم القرآن وعلومه، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، لنيل درجة الدكتوراه، تحت عنوان:\nأحكام القرآن\nللقاضي أبي الفضل بكر بن محمد القشيري ت: ٣٤٤ هـ\nدراسة وتحقيقا: من أول سورة الأنفال إلى آخر الكتاب.\n\nوقد اخترت أن يكون لي شرف الإسهام في تحقيق هذا الكتاب؛ لما يتميز به من أهمية، وقيمة علمية خاصة، أُبينها في الفقرة الآتية.","vol":"1","page":114},{"text":"¬*<span data-type=\"title\" id=toc-62> أهمية الموضوع</span>.\n\nأولا: يعتبر هذا الكتاب من أقدم ما أُلّف في أحكام القرآن الكريم، التي وصلت إلينا، وانتهت بين أيدينا، ذلك أن مؤلفه أبا الفضل القشيري ﵀ توفي في أوائل القرن الرابع الهجري عام أربع وأربعين وثلاثمائة للهجرة، وهو بهذا يعتبر من أقدم المؤلفات في أحكام القرآن الكريم.\nثانيا: يتميز هذا التفسير من حيث مادته العلمية بجملة من السمات تجعله جديرا بالعناية حقيقا بالدراسة، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - في قسم الدراسة بسطها، غير أني أذكر منها سمة بارزة، قيمة، وهي تلك العناية الكبيرة بآثار السلف وأقوالهم، فلا تكاد تخلو آية من الآيات التي تكلم عنها، من جملة من الآثار والروايات، بل قد حوى عددا من الآثار، التي لم أقف عليها في شيء من المصادر أو المراجع، وهذه السمة لها عدد من المتعلقات، وتحتاج إلى مزيد بسط وإيضاح، سأعرض لها بإذن الله تعالى على نحو موسّع في قسم الدراسة.\nثالثا: وسمة بارزة لهذا الكتاب لا يخطئها الفهم، ولا تعشو عنها العين، هو ما تميز به الكتاب من تلك الاختيارات والترجيحات، التي يختم بها المؤلف كلامه عن الآية أو المسألة، على نحو دالٍ على رسوخ قدمه في العلم، وعلو كعبه فيه.\nرابعا: كتاب \" أحكام القرآن \" للإمام القشيري، وهو في أصله كتاب مختصر من كتاب كبير في أحكام القرآن للقاضي إسماعيل بن إسحاق البصري (ت: ٢٨٢)، وتبرز هذه السمة من جانبين، أولهما: مكانة المؤلف، فهو إمام مقرئ حافظ ناقد، من أعيان المالكية ومقدميهم، والجانب الآخر: قيمة الكتاب العلمية، إذ كان محل ثناء العلماء وتقديرهم، على نحو لافت للنظر، يكفي في ذلك مقولة الخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٢٥٨) وهو يثني على القاضي إسماعيل: \" وانضاف إلى ذلك علمه بالقرآن، فإنه ألف في القرآن كتبا تتجاوز كثيرا من الكتب المصنفة فيه، فمنها: كتابه أحكام القرآن، وهو كتاب لم يسبقه إليه أحد من أصحابه إلى مثله \".\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-63> سبب اختيار الموضوع</span>.\n\nأولا: أهمية الموضوع، وقد أشرت في الفقرة السابقة، إلى قيمة هذا الكتاب.\nثانيا: الإسهام في إحياء تراث سلفنا الصالح، والعناية به، من خلال إكمال تحقيق هذا المخطوط، وجعله قريبا في متناول أيدي الباحثين والدارسين - ولا سيما - أن المخطوط من المؤلفات التي اعتنت كثيرا بأقوال السلف وقَدَمَتها.\nثالثا: دراسة آيات الأحكام، والوقوف على مذاهب العلماء، واختلاف أنظارهم، ومنازع استدلالهم بنصوص الكتاب الكريم، على مسائل الخلاف، وطرائقهم في الترجيح والاختيار.\nرابعا: إثراء المكتبة القرآنية، بكتاب قيم، يعتني بتفسير آيات الأحكام.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-64> الدراسات السابقة</span>.\n\nبحسب ما أعلم فإن كتاب أحكام القرآن للقاضي أبي الفضل القشيري، لم يُحَقّق ولم يُطبع، وقد سُجّل الجزء الأول منه، بقسم القرآن وعلومه، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، حيث تقدم به الأخ الكريم/ ناصر بن محمد الدوسري، لنيل درجة الدكتوراه، والفضل يعود بعد الله - جل وعلا - إليه في العثور على هذا المخطوط القِّيم، وتقديمه لقسم القرآن وعلومه، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.","vol":"1","page":115},{"text":"¬*<span data-type=\"title\" id=toc-65> خطة البحث</span>.\nوتشتمل على: مقدمة، وتمهيد، وقسمين، وخاتمة، وفهارس.\nالمقدمة.\nوتشتمل على العناصر الآتية:\n١. أهمية الموضوع، وسبب اختياره.\n٢. خطة البحث.\n٣. منهج الدراسة والتحقيق.\nالتمهيد.\nويشتمل على:\nأولا: التفسير الفقهي وأثره.\nثانيا: أشهر المصنفات في أحكام القرآن الكريم.\n\nالقسم الأول: دراسة عن المؤلف والكتاب.\nوفيه ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: دراسة عن المؤلف وحياته بإيجاز.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: عصر المؤلف.\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: الحالة السياسية.\nالمطلب الثاني: الحالة الاجتماعية.\nالمطلب الثالث: الحالة العلمية.\nالمبحث الثاني: حياته الشخصية والعلمية.\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: اسمه، ونسبه، ومولده، ونشأته.\nالمطلب الثاني: عقيدته، ومذهبه الفقهي.\nالمطلب الثالث: مكانته العلمية.\nالمطلب الرابع: آثاره ووفاته.","vol":"1","page":116},{"text":"¬الفصل الثاني: دراسة عن الكتاب.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: التعريف بالكتاب.\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: اسم الكتاب، وتوثيق نسبته إلى المؤلف.\nالمطلب الثاني: النسخ الخطية، ووصفها.\nالمطلب الثالث: مصادر المؤلف.\nالمطلب الرابع: القيمة العلمية للكتاب.\nالمبحث الثاني: منهج المؤلف في كتابه.\nوفيه سبعة مطالب:\nالمطلب الأول: الأصل الذي اعتمد عليه في تفسيره.\nالمطلب الثاني: الطريقة العامة في عرض الآيات، وتفسيرها.\nالمطلب الثالث: منهجه في التفسير بالمأثور.\nالمطلب الرابع: منهجه في الاستدلال بالإجماع.\nالمطلب الخامس: منهجه في الاستدلال بلغة العرب.\nالمطلب السادس: منهجه في عرض المسائل الفقهية.\nالمطلب السابع: اهتمامه بعلوم القرآن.\nالفصل الثالث: موازنة مع كتاب أحكام القرآن لابن العربي.\nوفيه تمهيد وثلاثة مباحث:\nتمهيد: التعريف بكتاب أحكام القرآن لابن العربي، ومكانته.\nالمبحث الأول: موازنة في عرض المسائل العلمية.\nالمبحث الثاني: موازنة في الاستدلال.\nالمبحث الثالث: موازنة في الترجيح، والاختيار.","vol":"1","page":117},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-66>منهج دراسة الكتاب والمؤلف</span>.\n١. الوقوف على أبرز الكتب التي درست الفترة التي عاش فيها المؤلف، من الجوانب السياسية والعلمية والاجتماعية، مما يساعد على فهم طبيعة الفترة التي عاش فيها المؤلف، لاستخلاص ترجمة شاملة للمؤلف، وعصره من خلالها.\n٢. توثيق اسم الكتاب، والتدليل على صحة نسبته للمؤلف، بتتبع كتب التراجم والطبقات، والنظر في مظانه من الكتب الأخرى: ككتب التفسير، والفقه، والكتب التي تعتني بالمصنفات العلمية ومؤلفيها.\n٣. ذكر مصادر المؤلف والتعريف بها.\n٤. ذكر شيوخ المؤلف، والآخذين عنه، ممن ورد ذكرهم في ثنايا الكتاب.\n٥. استجلاء منهج المؤلف في كتابه، والتعرف على معالمه، والوقوف على سماتها، بالنظر في طريقة المؤلف في عرض الآيات، ومنهجه في ذكر السنن والآثار، وسبيله في ذكر الأقوال وحكاية الخلاف بين المذهب والعلماء، ومدى عنايته بنسبة الأقوال إلى قائليها، ونحو ذلك مما يكشف عن منهجه ويبين عن طريقته.","vol":"1","page":118},{"text":"¬القسم الثاني: تحقيق المخطوط.\nوفيه تحقيق كتاب أحكام القرآن للقشيري، من أول سورة الأنفال إلى آخر الكتاب، وهي تقع في ثلاث وسبعين ومائة لوحة من لوحات المخطوط.\n\nمنهج التحقيق والدراسة.\n١. إخراج النص كاملا، والاستعانة بكتب التفسير، وكتب الأحكام التي تقدمت على هذا المخطوط.\n٢. عزو الآيات إلى موضعها.\n٣. توثيق القراءات القرآنية.\n٤. تخريج الأحاديث من مصادرها الأصيلة، مقدما في الذكر ما كان أقرب للفظ المؤلف، مع بيان حكم أهل العلم عليها إن وجد، وإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بهما عن الإحالة إلى غيرهما.\n٥. تخريج الآثار من المصادر الأصيلة التي تعتمد الإسناد، كالصحاح، والسنن، والمستدركات، والمستخرجات، والمصنفات، والأجزاء، والمعاجم، والتفاسير المسندة، ولم أُحِل على المصادر غير المسنده إلا في حال لم أهتد إليها في تلك المصادر.\n٦. توثيق المسائل الفقهية التي يذكرها المؤلف، والتأكد من صحة نسبتها إلى قائليها، بالإحالة على المصادر الأصيلة المعتمدة في المذاهب المشهورة، وغيرها.\n٧. التعريف بالأعلام والقبائل والأماكن.\n٨. عزو الشواهد الشعرية ونسبتها إلى قائليها.\n٩. بيان غريب الألفاظ والمصطلحات.\n١٠. العناية بضبط ما يحتاج إلى ضبط من الألفاظ والأعلام والأماكن.\n١١. التعليق على ما تدعو إليه الحاجة من المسائل العلمية","vol":"1","page":119},{"text":"¬١٢. لم أتصرف فيما يوجد في المخطوط من خطأ أو تصحيف أو تحريف بشيء، بل أثبت الأصل كما هو، ونبهت على ما ظهر لي أنه خطأ في الحاشية، واستثنيت من ذلك الخطأ في كتابة الآيات، حيث صوبتها في الأصل وأشرت إلى الخطأ في الحاشية.\n١٣. رتبت ذكر المصادر والمراجع التي أُحيل عليها، بحسب تاريخ وفاة مؤلفيها.\n\nالخاتمة.\nوفيها أهم نتائج البحث.\nالفهارس.\n\" الآيات.\n\" القراءات.\n\" الأحاديث.\n\" الآثار.\n\" الأعلام.\n\" المسائل الفقهية.\n\" الشواهد الشعرية.\n\" الأماكن والقبائل.\n\" الملل والطوائف.\n\" المصادر والمراجع.\n\" الموضوعات.","vol":"1","page":120},{"text":"¬وبعد: فإني أتوجه بالحمد، والثناء على الله - تعالى - بما هو أهله، حمدا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، على نعمه التي لم تزل تترى، وآلائه التي لا أحصي لها عدا، ولا أعرف لها حدا، ثم أقدم الشكر والعرفان لكل من كان له عليّ فضل في هذه الرسالة، بمعونة أو نصح أو توجيه، ولا سيما والداي الكريمان، سائلا الله - تعالى - أن يجزل مثوبتهما ويرفعا درجاتهما، كما أخص بالشكر والعرفان فضيلة الشيخ الدكتور: إبراهيم بن سعيد الدوسري، الأستاذ بقسم القرآن وعلومه بجامعة الإمام، على توليه الإشراف الدقيق على هذه الرسالة، وتقديم النصح والتوجيه بخاطر سمح وخلق ندي، فأسأل الله - تعالى - أن يجزل له المثوبة، وأن يبارك له في علمه وعمله، وأن ينسأ في أثره، ويصلح عقبه.\nوأصل الشكر ممتنا لصاحب الفضيلة الأستاذ الدكتور علي بن سليمان العبيد وكيل الرئيس العام لشؤون المسجد النبوي، وأخيه فضيلة الدكتور سعيد بن جمعه الفلاح الأستاذ المشارك بكلية أصول الدين، على قبولهما مناقشة هذه الرسالة، وتصويبها، كما أتقدم بالشكر والتقدير لجامعة الإمام ممثلة في قسم القرآن وعلومه على ما تبذله من خدمة للعلم وطلابه، سائلا الله تعالى أن يبقيها مشعلا يستضاء بها، ومنارة يهتدى بها.\nوأخيرا: فهذه الرسالة جهد المقل، أسأل الله تعالى أن يعصمني فيها من سلطان الهوى، وغلبة الجهل، وخطل الرأي، كما أسأله - وهو البر الرحيم - أن يجعل عملنا خالصا له - سبحانه - مقربا مرضاته.\nسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه والطيبين ..","vol":"1","page":121},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-67>التمهيد</span>.\n\nلما كان موضوع البحث في تحقيق كتابٍ يتناول تفسير آيات الأحكام من الكتاب العزيز، فمن المناسب التمهيد له، بتناول التفسير الفقهي من جانبين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>الجانب الأول: التفسير الفقهي وأثره</span>.\nالجانب الثاني: أشهر المصنفات في أحكام القرآن الكريم.\n\n- الجانب الأول: التفسير الفقهي وأثره.\nمصطلح: التفسير الفقهي، أو تفاسير الفقهاء، أو تفسير آيات الأحكام، جميعها مصطلحات أطلقت على:\nالتفسير الذي يجمع آيات الأحكام من القرآن الكريم، ويفسرها في كتاب مستقل (^١).\nويمكن أن تُعّرف - أيضا - بأنها:\nالكتب التي أُلفت لتفسر الآيات القرآنية، الدالة على الأحكام الشرعية.\n\nوهذه الآيات التي تناولها المفسرون الفقهاء، بالبيان والتأويل، والنظر والتدليل، اختُلِف في عدها وتعيينها، لاختلاف أنظار العلماء في الاستنباط والفهم، واشتهر عند بعض أهل العلم أنها تبلغ خمسمائة آية، وقيل غير ذلك، قال السيوطي: \" قال الغزالي\n_________\n(^١) تفاسير آيات الأحكام، ومناهجها ص ٢٥، للدكتور علي العبيد، رسالة مقدمة لقسم القرآن وعلومه بجامعة الإمام، لنيل درجة الدكتوراه في عام ١٤٠٧ هـ.","vol":"1","page":122},{"text":"¬وغيره: آيات الأحكام خمسمائة آية، وقال بعضهم: مائة وخمسون آية \" (^١) وقال صديق حسن خان: \" فهذه الآيات التي يحتاج إلى معرفتها راغب في معرفة الأحكام الشرعية القرآنية، وقد قيل: إنها خمسمائة آية، وما صح ذلك، وإنما هي مائتا آية، أو قريب من ذلك، وإن عدلنا عنه، وجعلنا الآية: كل جملة مفيدة يصح أن تسمى كلاما في عرف النحاة، كانت أكثر من خمسمائة آية، وهذا القرآن من شك فيه؛ فليعد\" (^٢).\nوأيّا يَكُن العَدُّ، فلا يُفهم من هذا، أن أحدا من الأئمة الأعلام، الذين تكلموا عن هذه الآيات، حصروا الآيات القرآنية التي تستنبط منها الأحكام الشرعية، في هذا العدد أو ذاك، إذ القرآن الكريم كله كتاب هداية وبيان، وحِكَم، وأحكام، لا تنقضي عجائبه، ولا تنحصر آياته، ولا تشبع منه العلماء، وإنما مرادهم - في الغالب ـ: جمع الآيات التي اعتنى بها الفقهاء في مؤلفاتهم الفقهية، وكثر البحث فيها، والنظر في دلالاتها، واشتهر الاستدلال بها على مسائل الحلال والحرام، كما هو الشأن في أحاديث الأحكام، التي انتقاها مصنفوها، من بين أحاديث المصطفى، وسننه ﵊، قال الزركشي: \" ثم قيل: إن آيات الأحكام خمسمائة آية، وهذا ذكره الغزالي وغيره، وتبعهم الرازي، ولعل مرادهم: المصرح به، فإن آيات القصص والأمثال وغيرها، يستنبط منها كثير\" (^٣) وفي هذا المعنى قال عز الدين بن عبد السلام فيما نقله السيوطي: \" معظم آيّ القرآن لا يخلو عن أحكام مشتملة على آداب حسنة، وأخلاق جميلة، ثم من الآيات ما صرح فيه بالأحكام، ومنها ما يؤخذ بطريق الاستنباط\".\n_________\n(^١) الإتقان في علوم القرآن (٢/ ١٠٣٧).\n(^٢) نيل المرام من تفسير آيات الأحكام (١/ ٤٧).\n(^٣) البرهان في علوم القرآن (٢/ ١٣٠).","vol":"1","page":123},{"text":"¬وهذا الاتجاه في التفسير، جزء من الانطلاقة العلمية، التي شهدها علم التفسير بعامة، في مراحل نشوئه وتطوره، وتاريخ تدوينه والتأليف فيه، وإذا أُريد تمييز هذا الاتجاه - بعينه - في التفسير، باستقراء تطوره، وتاريخ التدوين فيه، أمكن تمييز أربع مراحل، مَرّ بها هذا الاتجاه في التفسير، وهي (^١):\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>المرحلة الأولى: النشأة والظهور</span>.\nوهذه المرحلة تصدق على عصر الصحابة، والتابعين لهم، وتمتد إلى قريبٍ من منتصف القرن الثاني الهجري، حيث كان التفسير الفقهي جزءا من التفسير العام، في نشأته وتطوره، وخصائصه وسماته، فبيان آيات الأحكام لا يخرج عن مقصود التفسير بعامة، بل هو جزء منه، ولذا يجد المتتبع لآثار الصحابة والتابعين، كثيرا من الآثار المتعلقة بآيات الأحكام، بل ويستطيع الجزم: أن آيات الأحكام حازت قصب السبق في هذه المرحلة، لما نراه من كثرة الآثار عن السلف في تفسيرها وبيانها.\nوهذه المرحلة من تاريخ تطور التفسير والتدوين فيه، قد تكلم عنها المؤلفون في نشأة التفسير، وتاريخ تدوين علومه، وبينوا خصائصها وسماتها (^٢).\n_________\n(^١) هذا التقسيم لمراحل النشأة والتطور، هو تقسيم إجمالي، لا يقصد به التحديد الدقيق، إذ التحديد الدقيق غير ممكن، باعتبار تمازج المراحل وتداخلها، وأَخْذِ بعضها بِحُجَز بعض.\nثم إن هذا التقسيم - أيضا - يعتمد على ما تناقلته الكتب التي اعتنت بالمسيرة العلمية وتاريخ تدوين العلوم.\n(^٢) من أوسع من كتب عن هذه المرحلة في التفسير، وبين مراحلها، وميز سماتها؛ د. محمد حسين الذهبي في كتابه: التفسير والمفسرون المجلد الأول، وينظر كذلك: كتاب المدخل لدراسة القرآن الكريم لأبي شهبة ص ٢٧.","vol":"1","page":124},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-70>المرحلة الثانية: الازدهار والتطور</span>.\nوهذه المرحلة ازدهر فيها هذا الاتجاه في التفسير، وهي تمتد من الفترة ما بين منتصف القرن الثاني الهجري، إلى القرن السادس الهجري.\nوفيها استقل الاتجاه الفقهي عن الاتجاه العام في التفسير، بحيث ظهرت كتب مفردة، يقتصر مؤلفوها على آيات الأحكام فقط، وإن ذكروا غيرها ذكروه تبعا لا قصدا، وأول الكتب التي استقلت - كما تنقله المصادر التاريخية - هو كتاب: تفسير الخمسمائة آية، تأليف: مقاتل بن سليمان الخراساني البلخي، المتوفي سنة ١٥٠ هـ، يقول د. علي العبيد عن هذا الكتاب: \" ألف هذا الكتاب مقاتل بن سليمان الخراساني البلخي، في تفسير آيات الأحكام من كتاب الله، ويعتبر أقدم كتاب اطّلَعتُ عليه في تفسير آيات الأحكام من كتاب الله \" (^١).\nوالجدير ذكره - هنا - أن هذا الاتجاه الفقهي في التفسير، ازدهر وتطور بشكل كبير - ولا سيما - في القرن الثالث والرابع الهجريين، فهما أزهى عصور التأليف في أحكام القرآن وأَوْرَقِهَا، وذلك بعد أن استقرت أصول المذاهب الفقهية المشهورة، وتحررت قواعدها، وطرائق أخذها واستدلالها، وكان قصب السبق في ذلك لأتباع تلك المذهب من أهل العلم، حيث تناولوا آيات الأحكام بالتفسير والبيان، واحتجوا بها على صحة مذاهبهم، وكشفوا منازع أئمتهم منها، وأجابوا عن قول من خالفهم، فَهْمَا واستدلالا.\nوإنه إن يكن الباعث لهم على ذلك نصرة مذهبهم؛ فلقد أفاد ذلك الحركة العلمية المتعلقة بالدراسات القرآنية، حيث أَثْرَوْها بكتب أصيلة في فنها، متينة في مضمونها، ولا أدل على ذلك؛ من أنك لا تكاد تجد كتابا في أحكام القرآن، أُلِف استقلالا، دون أن يكون صاحبه تابعا لمذهب فقهي، قاصدا التدليل عليه، ومبتغيا الاحتجاج له.\n_________\n(^١) تفاسير آيات الأحكام ومناهجها ص ٨١.","vol":"1","page":125},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-71>المرحلة الثالثة: الركود وانحسار حركة التأليف</span>.\nوتمتد هذه المرحلة ما بين القرن السابع إلى بداية العصر الحاضر، وفي هذه المرحلة شهد النشاط العلمي، المتعلق بهذا الاتجاه من التفسير، ركودا وانحسارا، إذ ضعفت حركة التأليف بشكل كبير، وذلك أن من أهم الأسباب الباعثة على التأليف في أحكام القرآن: نصرة المذهب، وبيان دلالة آيات القرآن عليه، والإجابة عن قول المخالفين، وهذه الغاية قد تحققت بشكل كبير في المرحلة السابقة، حيث وجد أهل هذه المرحلة أن من سبقهم قد كَفَوْهُم المؤونة، بما ألفوه من كتب، أغنتهم عن ابتداء التأليف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>المرحلة الرابعة: العصر الحديث</span>.\nفي عصرنا الحاضر ظهرت عدد من المؤلفات، التي اعتنت بتفسير وبيان آيات الأحكام، تميزت عما سبقها من مراحل؛ بأن النَفَس المذهبي ضَعُف فيها، حتى لا ترى له أثرا، سواء في ابتداء التأليف، وانتهاء بالاختيار والترجيح، حيث ينظر المؤلفون في هذا العصر إلى خلاف السلف - وفي جملتهم أصحاب المذاهب المتبوعة - ثم يوازنون بين الأقوال، ويرجحون بحسب ما تبين لهم من الدلائل والبرهان، دون التزام باختيار مذهب، أو قول إمام، يقول د. علي العبيد \" غالب الكتب المؤلفة في أحكام القرآن في العصر الحاضر، وضعت وفق منهج دراسي معين لا يخرج عنه مؤلفه، ... كما أنها لم تأخذ طابع المذهبية غالبا، فخلت من التعصب الذي ظهر في بعض المؤلفات القديمة\" (^١) ومن أبين الأمثلة على هذه المرحلة كتاب: نيل المرام من تفسير آيات الأحكام لصديق حسن خان (ت: ١٣٠٧).\nوالجدير ذكره هنا: أن معظم المؤلفات في هذه المرحلة، لم يكن من قصد أصحابها تأليفها ابتداء، وإنما كتبت كمذكرات لطلبة الدراسات الشرعية بالجامعات الإسلامية، ولذا فلا يوجد في كثير منها من التحرير والتدقيق، مثل ما كان عليه الحال في المؤلفات المتقدمة (^٢).\n_________\n(^١) تفاسير آيات الأحكام ومناهجها ص ٦١٩.\n(^٢) ينظر: اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر الهجري (٢/ ٤١٨).","vol":"1","page":126},{"text":"¬وبعد: فلقد كان للتفسير الفقهي بمراحله التي مر بها، وخصائصة التي تميز بها، أثره الطيب المبارك، على الحركة العلمية بعامة، وعلى الجانب المتعلق بالدراسات القرآنية بخاصة، وربما كان الأمر يستدعي بحثا أوسع، ونظرا أَحَدّ لاستجلاء تلك الآثار الطيبة، لهذا الاتجاه في تفسير القرآن الكريم، وسأذكر هنا طرفا من تلك الآثار:\nأولا: لقد كان للمؤلفات في أحكام القرآن، أثرها البين في الحركة العلمية المتعلقة بالدراسات القرآنية، يلمس ذلك كل ناظر في كتب التفسير، أو تلك المؤلفات القرآنية ذات الصلة بالتفسير، والتي جعلت من كتب أحكام القرآن الكريم مرجعا أصيلا لها، تعتمده في دراسة آيّ القرآن الكريم - ولا سيما - حين تتعرض تلك المؤلفات والدراسات للمسائل الفقهية في الآيات القرآنية، فتراهم يعولون عليها، ويرجعون إليها، بل ربما استغنوا بهذا الرجوع عن العود إلى أمهات كتب الفقه (^٢).\nثانيا: ومن الآثار الحسنة لهذا الاتجاه في التفسير، أنه أسهم في توسيع دلالات آيّ القرآن الكريم، بما تضمنته تلك المؤلفات من بحوث عميقة، واستنباطات دقيقة، وفهم وَقَّادٍ، لدلالات آيّ القرآن، ومن أصدق الشواهد على ذلك: كتاب الجامع لأحكام القرآن\n_________\n(^٢) ينظر مثالا على هذا الأثر: ما ورد في كتاب: ابن العربي المالكي وتفسيره أحكام القرآن دراسة وتحليل ص ٣٩٣، فقد عقد فصلا بين فيه أثر كتاب أحكام القرآن لابن العربي المالكي على من جاء بعده، وضرب له أمثلة عديدة.","vol":"1","page":127},{"text":"¬للإمام القرطبي، فقد حوى بحوثا ومسائل قَلّ أن تراها في غيره، خاصة ما تعلق باستنباط الأحكام الشرعية (^١).\nثالثا: ومن الآثار الطيبة المباركة لهذا الاتجاه في التفسير، أنه ربط الناس بالدليل، وقيدهم بالنص، فهما واستنباطا، فعلى نصوص الكتاب يردون، وعن دلالتها يصدرون، معتمدين على دلالات القرآن الكريم فهما واختيارا، على نحو لا تجده في بعض المؤلفات التي جُردت عن الدليل من الكتاب والسنة.\nرابعا: تفاسير الفقهاء تطبيق عملي للتّأصيل الفقهي، الذي قرره الأئمة في كتب أصول الفقه وقواعده، على اختلاف مذاهبهم، على نحو بديع مُعْجِب، يُنَمي في طالب العلم بعامة، والمشتغل بتفسير كلام الله بخاصة، ملكة الاستدلال، ويذكي جذوة الاستنباط، ويوقفه على طرائق العلماء في فهم الخطاب، ومنازعهم في الاستدلال. خامسا: اعتنت تفاسير آيات الأحكام، بتحرير مذاهب الأئمة - ولا سيما الأئمة الأربعة - في المسائل الفقهية، التي تدل عليها آيات القرآن الكريم، وقربتها للناس، ووَطَّأَت أكنافها لهم، على نحو استغنى به كثير من المؤلفين عن الرجوع إلى كتب المطولات والأمهات الفقهية، يقول د. علي العبيد \" ومن هنا سهل على الباحثين والفقهاء الإطلاع على الأحكام الشرعية، وفق مذاهب الأئمة، من خلال الآيات القرآنية\" (^٢).\nسادسا: تميزت تفاسير آيات الأحكام بعنايتها بتقرير قول المذهب، واختيار الأصحاب فيه، والاستدلال له، والجواب عن مسلك المخالف، على نحو قوي مقنع، فالناظر - مثلا - في تقرير الجصاص لمذهب أبي حنيفة وانتصاره له، يحسب أن الصواب معه،\n_________\n(^١) مقدمات أساسية في علوم القرآن ص ٣٧١.\n(^٢) تفاسير آيات الأحكام ومناهجها ص ٦٢.","vol":"1","page":128},{"text":"¬وأنه لم يدع لمتكلم مقالا، فإذا نظر فيما حققه ابن العربي المالكي وأَصّلَه، استدلالا لمذهب مالك، تردد بين القولين، واحتار بين الرأيين، أيهما بالصواب أشبه، وإليه أقرب.\nومع هذه الآثار الطيبة المباركة، وغيرها مما لم يُذكر، فإن أكثر المآخذ على هذا المنحى في التفسير والاتجاه في التأليف، أنه خرج بالتفسير عن مقصوده، إلى بحوث فقهية صِرْفَة، لا تعلق لآيات القرآن بها، وفي هذا يقول أبو حيان الأندلسي: \" وقد تعرض المفسرون في كتبهم لحكم التسمية في الصلاة، وذكروا اختلاف العلماء في ذلك، وأطالوا التفاريع في ذلك، وكذلك فعلوا في غير ما آية، وموضوع هذا كتب الفقه، وكذلك تكلم بعضهم عن التعوذ وعلى حكمه، وليس من القرآن بإجماع، ونحن في كتابنا هذا لا نتعرض لحكم شرعي، إلا إذا كان لفظ القرآن يدل على ذلك الحكم، أو يمكن استنباطه منه بوجه من وجوه الاستنباطات \" (^١).\nومما أُخِذ على هذا الاتجاه في التفسير، أن أكثر المؤلفات فيه اتسمت بالتعصب للمذهب، والانتصار لقول إمامه، حتى إنه من النادر جدا أن ترى فيها اختيارا يخالف المذهب، وهذا النوع من التعصب للمذهب يَحْمِلُ على الحِّدَة على المخالف، بل ربما أودى به التعصب إلى البغي أحيانا، على تفاوت بين المؤلفين، بين مقل ومستكثر، يقول الذهبي: \" ولقد بلغ الأمر ببعض هؤلاء المقلدة، إلى أن نظروا إلى أقوال أئمتهم كما ينظرون إلى نص الشارع، فوقفوا جهدهم العلمي، على نصرة مذهب إمامهم وترويجه، وبذلوا كل ما في وسعهم لإبطال مذهب المخالف وتفنيده .. \" (^٢).\n_________\n(^١) البحر المحيط (١/ ١٢٩).\n(^٢) التفسير والمفسرون للذهبي (٢/ ٤١٦).","vol":"1","page":129},{"text":"¬- ثانيا: أشهر المصنفات في أحكام القرآن الكريم.\nالاتجاه الفقهي في التفسير واكب الحركة العلمية، التي شهدتها المعارف الإسلامية عموما، والدراسات القرآنية خصوصا، وبدأ التدوين فيه منذ وقت مبكر، وازدهر النِتَاج العلمي في العصور الذهبية للحركة العلمية، واستمر بعد ذلك إلى عصرنا، لتكون حصيلة هذه العصور، عددا غير قليل من المؤلفات في أحكام القرآن الكريم، منها (^١):\n١. تفسير الخمسمائة آية من القرآن، لمقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠) (^٢).\n٢. أحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي (ت: ٢٠٤) (^٣).\n٣. أحكام القرآن، لأبي الحسن علي بن حُجْر السعدي (ت: ٢٤٤) (^٤).\n_________\n(^١) لمطالعة المزيد من المؤلفات في أحكام القرآن، ينظر: الفهرست ص ٥٧، والبرهان في علوم القرآن (٢/ ١٢٦) وكشف الظنون (١/ ٢٠) وأبجد العلوم (٢/ ٥٠٢) ومعجم مصنفات القرآن (١/ ٩٢) تفاسير آيات الأحكام ومناهجها.\n(^٢) ينظر: طبقات المفسرين للداودي (٢/ ٣٣١) كشف الظنون (١/ ٢٠) وتفاسير آيات الأحكام ص ٦٧، وقال عنه في ص ٨١: \" والكتاب لا زال مخطوطا، ويوجد منه نسخة كاملة فريدة، كتبت بقلم نسخي معتاد ... وتبلغ أوراقه ١٠٣ ورقة \".\n(^٣) ينظر: البرهان في علوم القرآن (٢/ ١٢٦) كشف الظنون (١/ ٢٠) وتفاسير آيات الأحكام ومناهجها ص ٤٦١.\nوهو غير الكتاب الذي جمعه الإمام البيهقي، بعد تتبع مؤلفات الشافعي وأقواله، وقد أشار إليه الزركشي، وذكر أن الشافعي أول من ألف في ذلك، قال في البرهان في علوم القرآن (٢/ ١٢٦): \" وقد اعتنى الأئمة بذلك وأفردوه، وأولهم الشافعي .. \" بل إن الإمام الشافعي نفسه قد أشار إلى مؤلفه هذا في كتابه الرسالة ص ١٤٥، حيث قال: \" وفي القرآن ناسخ ومنسوخ غير هذا، مفرق في مواضعه في كتاب أحكام القرآن\"، ومما يدل على أن الشافعي قد ألف كتابا في أحكام القرآن، أن أبا الحسن علي بن موسى القمي الحنفي (ت: ٣٠٥) كتب كتابا في نقض أحكام الشافعي أسماه: نقض ما خالف فيه الشافعي العراقيين في كتاب أحكام القرآن. ينظر: طبقات المفسرين (١/ ٤٤٠)، وهو متقدم على البيهقي المتوفى سنة ٤٥٨ هـ.\n(^٤) ينظر: تذكرة الحفاظ للذهبي (٢/ ٤٥٠) وطبقات المفسرين (١/ ٤٠١).","vol":"1","page":130},{"text":"¬٤. أحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري (ت: ٢٦٨) (^١).\n٥. أحكام القرآن، لأبي سليمان داود بن علي الأصبهاني البغدادي الظاهري (ت: ٢٧٠) (^٢)\n٦. أحكام القرآن، للقاضي أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق المالكي (ت: ٢٨٢) وسيأتي له ذكر - إن شاء الله - في الفصل الثاني من هذه الرسالة.\n٧. أحكام القرآن، لأبي الحسن علي بن موسى القمي الحنفي (ت: ٣٠٥) (^٣).\n٨. أحكام القرآن، لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي الحنفي (ت: ٣٢١) (^٤).\n٩. أحكام القرآن، لأبي الفضل بكر بن محمد القشيري (ت: ٣٤٤) وهو محل الدراسة في هذه الرسالة.\n١٠. أحكام القرآن، لأبي بكر أحمد بن محمد الجصاص الرازي الحنفي (ت: ٣٧٠) مطبوع.\n١١. أحكام القرآن، لأبي العباس أحمد بن علي الباغاني (ت: ٤١٠) (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: الديباج المذهب ٢٣١، وترتيب المدارك (٤/ ١٥٩).\n(^٢) ينظر: الفهرست لابن النديم ص ٣٠٣، وطبقات المفسرين (١/ ١٧٣).\n(^٣) ينظر: طبقات المفسرين (١/ ٤٤٠) وكشف الظنون (١/ ٢٠).\n(^٤) ينظر: طبقات المفسرين (١/ ٧٦) وكشف الظنون (١/ ٢٠)، وقد صدر ما بقي منه بتحقيق د. سعد الدين أونال.\n(^٥) ينظر: الديباج المذهب ٣٨، وتفاسير آيات الأحكام ومناهجها ص ١٣٣، وقال عنه: \" والكتاب لا زال مخطوطا، ويوجد منه نسخة خطية واحدة - حسب علمي - بالمكتبة الأزهرية \".","vol":"1","page":131},{"text":"¬١٢. اختصار أحكام القرآن، لأبي محمد مكي بن طالب القيسي المالكي (ت: ٤٣٧) (^١).\n١٣. أحكام القرآن، لأبي الحسن علي بن محمد الكيا الهراسي الشافعي (ت: ٥٠٤) مطبوع.\n١٤. أحكام القرآن للقاضي أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المالكي (ت: ٥٤٣) مطبوع.\n١٥. أحكام القرآن لأبي محمد عبد المنعم بن الفَرَس المالكي (ت: ٥٩٧).\n١٦. القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز، لأبي العباس أحمد بن يوسف الحلبي، المعروف بالسمين الحلبي (ت: ٧٥٦) (^٢)\n١٧. تيسير البيان لأحكام القرآن، لابن نور الدين محمد بن علي الموزعي (ت: ٨٢٥)\n١٨. أحكام الكتاب المبين، لعلي بن عبد الله بن محمود الشنكفي الشيرازي (ت: ٩٠٧) (^٣).\n١٩. الإكليل في استنباط التنزيل، لجلال الدين أبي الفضل عبد الرحمن بن الكمال السيوطي (ت: ٩١١) مطبوع.\n٢٠. نيل المرام من تفسير آيات الأحكام لأبي الطيب صديق بن حسن خان (ت: ١٣٠٧) مطبوع.\n٢١. روائع البيان تفسير آيات الأحكام من القرآن، لمحمد علي الصابوني، مطبوع.\n_________\n(^١) ينظر: معجم الأدباء (١٩/ ١٦٩) وكشف الظنون (١/ ٢٠).\n(^٢) ينظر: طبقات المفسرين (١/ ١٠٢) وتفاسير آيات الأحكام ومناهجها ص ٣٤٦، وقال عنه: \" هذا الكتاب لا يزال مخطوطا، ويوجد منه - حسب علمي - تسعة أجزاء متفرقة من عدة نسخ \".\n(^٣) ينظر: تفاسير آيات الأحكام ومناهجها ص ٤١٤، وقال عنه: \" هذا الكتاب لا زال مخطوطا، ويقع في جزء واحد عدد أوراقه ١٧٩ ورقة ويوجد منه نسخة واحدة كاملة - حسب علمي في المكتبة الأزهرية \".","vol":"1","page":132},{"text":"¬ومما يلاحظ أن المذهب المالكي تميز عن سائر المذاهب الفقهية المشهورة بعنايته بأحكام القرآن، ظهر ذلك في كثرة مؤلفاتهم في أحكام القرآن، يقول د. علي العبيد: \" ويلاحظ أن المذهب المالكي حظي بالنصيب الأوفر من المؤلفين في الأحكام، حيث بلغت مؤلفاتهم ثمانية عشر كتابا \" (^١)، ويلاحظ - أيضا - أن مدرسة المالكية بالعراق - التي ينتمي إليها المؤلف وشيخه - حازت قصب السبق بين مدارس الفقه المالكي، حيث كانت أكثر المؤلفات تعود لمالكية العراق.\n_________\n(^١) تفاسير آيات الأحكام ومناهجها ص ٦٣.","vol":"1","page":133},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-73>الفصل الأول: دراسة عن المؤلف وحياته بإيجاز</span>.","vol":"1","page":134},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-74>المبحث الأول: عصر المؤلف</span>.\nوفيه ثلاثة مطالب:\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>المطلب الأول: الحالة السياسية</span>.\nالمطلب الثاني: الحالة الاجتماعية.\nالمطلب الثالث: الحالة العلمية.\n\nالمطلب الأول: الحالة السياسية.\nعاش أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري في حدود الفترة ما بين عام ستين ومائتين إلى تاريخ وفاته عام أربع وأربعين وثلاثمائة للهجرة النبوية، وهذه الفترة تندرج في زمن مُلك بني العباس، الذين قامت إمارتهم على أنقاض بني أمية.\nوقد تميزت هذه المرحلة التي عاشها المؤلف من مُلك بني العباس بأنها الفترة التي أخذ فيها نجم بني العباس يَخْفُت، وبدأت سلطتهم تضعف، ونفوذهم ينحسر، على نحو آذن بقيام الإمَارات الصغيرة، التي قطعت أوصال الأمة، كل يطمع أن يستقل بدويلة أو إمارة، فلا تزال المعارك والحوادث تنشب هنا وهناك.\nوأشهر الإمارات التي قامت في تلك الفترة إمارة بني بويه، التي كان لها نفوذ كبير على بلاد ما وراء النهر، بل امتد نفوذهم حتى بلغ العراق، واجترؤوا حتى على خلع الخليفة العباسي (^١)، وكان أثرهم على بلاد العراق سيئا إذ أكثروا البطش وأثاروا الفتن، يقول د. حسن إبراهيم: \" وكان لسياسية بني بويه، أسوأ الأثر في العراق، فقد قامت الفتن الطائفية،\n_________\n(^١) ينظر: دولة الإسلام (١/ ٢٠٥) والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر الجزء الثاني من المجلد السادس.","vol":"1","page":135},{"text":"¬وثار الجند كل في وجه الآخر، وانتشرت الفوضى، وعم الاضطراب، وساد الفزع قلوب الأهلين\" (^١).\nومن آثار هذا الضعف أن الأمة شغلت بنفسها عن عدوها، مما مكن العدو من استباحة أرضها، فغزاها بعد أن كانت غازية، واقتطع جزءا من أرضها بعد أن كانت تحوي البلاد والممالك، فتحولت الحال من المغالبة إلى المدافعة.\nوكما فتح الباب على مصراعيه لظهور كثير من النزاعات والفتن والاضطرابات الداخلية بين أبناء الإسلام، وأصبحت للحركات الباطنية ـوأشدها القرامطة - صولة وجولة، ولا يزال التاريخ يذكر في تلك الحقبة الزمنية، ما فعله القرامطة في بيت الله العتيق من نقض أساس الكعبة، وأخذ الحجر الأسود، واستباحة دماء حجاج بيت الله، حتى أسالوا منهم الدماء، وانتهكوا الحرمات المعصومة، ونهبوا الأموال وعاثوا في الأرض فسادا (^٢).\nوأما أمر الخلافة فقد بلغ من الاضطراب مبلغا عظيما، إذ كانت الخلفاء يثب بعضهم على بعض، ويقوم الواحد منهم مقام الآخر، مع استعمال الكيد والمكر، ومن ورائهم الوزراء والقادة، المنتفعون بسلطتهم ونفوذهم، كل يستميل الآخر إلى صفه، ويغريه بالرشاوى، ويملي له بالوعود والعطايا، حتى فسد أمر الخلافة، وذهبت هيبتها من النفوس، حتى النساء والخدم، كان لهم في هذا الميدان صولة، وكانت لهم فيه جولة، وأحسن ما يصور هذا الاضطراب والتلاعب بأمر الخلافة، ما نقله الصولي عن الخليفة الراضي بالله، حيث قال: \" كأني بالناس يقولون: أرضي هذا الخليفة أن يدبر أمره عبد تركي، يتحكم في المال، وينفرد بالتدبير، ولا يدرون أن هذا الأمر أفسد قَبْلِي، وأخل فيه قوم بغير شهوتي، ... ويتعدى الواحد منهم أو من أصحابهم على بعض الرعية، وآمره فيه فلا يُمْتثل، ولا ينفذ،\n_________\n(^١) تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي (٣/ ٤٤)، وينظر كذلك: الآثار الباقية للبيروني ص ١٣٢.\n(^٢) ينظر: البداية والنهاية (٩/ ٨٤) وتاريخ الخلفاء ص ٣٩٨.","vol":"1","page":136},{"text":"¬ولا يستعمل، وأكثر ما فيه أن يسألني كلب من كلابهم، فلا أملك رده، وإن رددته غضبوا وجمعوا وتكلموا .. \" (^١).\nولهذا الاضطراب فقد عاصر أبو الفضل القشيري تسعة من خلفاء بني العباس، هم: المعتضد بالله، والمكتفي بالله، والمقتدر بالله، والقاهر بالله، والراضي بالله، والمتقي لله، والمستكفي بالله، والمطيع لله، والطائع لله، وبعض أولئك لم تدم خلافتهم إلا بضعة أشهر.\nومصر - وهي المنزل الثاني للقشيري - لم تكن من هذا ببعيد، فقد كانت تخضع لسلطان بني العباس، يجري عليها ما جرى على حاضرة الخلافة العباسية، وكانت تعاني كسائر حواضر الإسلام من اختيار الأمراء الذين كانوا يعدون إمارتهم فرصة لنهب البلاد والعباد.\nوظلت الحال على هذا، حتى تولى ابن طولون عام ٢٥٤ هـ، فتمكنت له الحال، ورسخت قدمه فيها، وتوطدت إمارته، فاستطاع إقامة إمارة بلغت من القوة أن ضمت إليها الشام، وجزءا من العراق، بل وأرهبت الروم المتربصين بالبلاد، فمنعتهم من كثير من أطماعهم، وآيستهم من كثير من آمالهم (^٢).\nوهذه الحال لم تدم طويلا، حيث أسقط الخليفة العباسي إمارة بني طولون، فعادت الحال كما كانت، حتى كان عام ٣٢٣ هـ، حيث قامت إمارة الإخشيديين على مصر، وبسطت نفوذها على ما جاورها (^٣).\nوهذا النوع من الاستقرار وإن لم يدم طويلا، فقد جعل مصر تشهد نوعا من الاستقرار السياسي، الذي عادت آثاره طيبة على البلاد، فكانت مصر حاضرة علمية يردها العلماء الأفذاذ للاستقرار فيها، كما فعل القشيري ﵀ حيث استوطنها في آخر حياته.\n_________\n(^١) كتاب الأوراق ص ٢٣٣، لأبي بكر الصولي.\n(^٢) ينظر: النجوم الزاهرة (٣/ ١٥).\n(^٣) ينظر: النجوم الزاهرة (٣/ ٢٥١) وخطط المقريزي (١/ ٣٢٩).","vol":"1","page":137},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-76>المطلب الثاني: الحالة الاجتماعية</span>.\n\nما من شك في الصلة الوثيقة بين البناء الاجتماعي والوضع السياسي، فأثرهما متبادل، وتأثيرهما مشترك، فالأوضاع السياسية الآمنة المستقرة، تظهر آثارها بادية على مجتمعِ الناسِ وبيئتهم، وينعكس ضؤوها على حياتهم، ففي ظلال الأمن والاستقرار، تنشأ المجتمعات، وتزدهر المدنيات، وتتطور الحضارات.\nوكما تقدم فإن أواخر القرن الثالث الهجري والقرن الرابع الهجري، شهدا انقسامات سياسية في بلاد المسلمين، نشأت على إثرها إمارات ودويلات، كان لها أثرها البالغ على حياة الناس.\nومن اللافت للنظر أن أكثر تلك الإمارت من غير العرب، فكانت لهم عوائدهم العجمية التي تأثرت بالمدنيات السابقة، ظهر ذلك فيما بدأت عليه تلك الإمارات، من حرص على الظهور بأشد أنواع الترف، على نحو لا يعرفه العرب ولا يحسنونه، فتنافس الأمراء في تشييد القصور، وتباروا في زخرفتها وتجميلها، واستنبتوا الحدائق والبساتين النظرة، وأنفقوا عليها من الأموال ما لا يأتي تحت حصر، ومَلَؤوها خدما من الغلمان والجواري، وتحكي كتب الأدب والتاريخ شيئا يظن الظان أنه نَسْجُ خيال، وأحلام يقظان (^١).\nوهذا الترف، والمبالغة في البذخ التي كان عليها الأمراء والوزراء، أورثت حياة كان شعارها المجون، ودثارها رقة الدين وقلة الحياء، فكثرت مجالس الطرب، التي يجتمع عليها الندماء، سماعا للمِزْمَار، وشربا للراح، وتغزلا بالملاح، حتى أمسى لهذه المجالس أدبها الخاص، وتقاليدها التي عرفت بها.\n_________\n(^١) ينظر: العقد الفريد المجلد الثامن، والبداية والنهاية (٩/ ٤٣)، وكتاب ظهر الإسلام (١/ ١٠٠).","vol":"1","page":138},{"text":"¬وانعكست هذه الحال على عامة الناس، فقد ازدهرت تجارة الرقيق، حتى أصبحت العراق من أكبر الأسواق، ولا سيما تجارة الجواري المغنيات، اللآتي يتقن أصوات الغناء، ويُجِدْن فنون المجون، وتفنن القوم في ذلك وبلغوا حدا مسرفا، يصور ذلك ما ذكره أبو حيان التوحيدي، حيث يقول: \" وقد أحصينا - ونحن جماعة من الكَرخ - أربعمائة وستين جارية في الجانبين، ومائة وعشرين حرة، وخمسة وتسعين من الصبيان البُدو، يجمعون بين الحذق والحسن، والظُّرف، والعِشرة، هذا سوى من كنا لا نظفر به، ولا نصل إليه لعزته، وحرسه، ورُقبائه، وسوى ما كنا نسمعه ممن لا يتظاهر بالغناء \" (^١).\nبل لقد تجاوز الخطر هذا القدر، إلى أن بات للجواري والغلمان أثرهما البالغ على سياسة الدولة، وتوجيه دِفة الأمور، فكثرت الدسائس والمكائد، فيهن ومنهن، وحتى الغلمان بات منهم القادة، الذين يأتمر بأمرهم الجند، ومنهم من تولى بعض أعمال عامة الناس، كالتجارة والصناعة والزراعة، فأثّروا على أديان الناس وأخلاقهم.\nوهذه الحياة الباذخة الفارهة لا بدلها من مورد لا ينضب، فما كان من الأمراء والوزراء، إلا أن تجبي الأموال والضرائب من الناس، وكثيرا ما أثقلت كواهلهم، ودقت أعناقهم، مما جعل ظاهرة اللصوص والشطار تزداد، حتى لقد عُرفت أسماء كانت كَنَارٍ في رأس علم.\nولا يظن من يقرأ هذه الأسطر، أن المجتمع قد علته الظلمة والقتامة، فأبلس من الخير، وأعدم من البر، أبدا فلم تزل - بحمد لله - في ذلك الوقت، شعائر الإسلام ظاهره، وحدوده قائمة، والأمر فيه للشريعة، والقهر فيها لسلطانها، ولم يزل العلماء لهم مكانتهم ومقامهم، هم قادة الناس وساستهم.\nوجانب آخر مضيء في هذه الحقبة، أنها رفعت من المستوى الحضاري في المجتمع المسلم، المتمثل في جوانب عديدة، كالعناية بالمرضى بإنشاء المستشفيات والمصحات، ورعاية الضعفة والمسنين، وذوي الاحتياجات الخاصة من المعاقين.\nوجانب آخر هو أعظمها بهاء، وأشدها ضياء، وأبهاها سناء، ما لقيته الحركة العلمية من نهضة قلَّ نظيرها، ووثبات قلَّ مثيلها، ولِمَا لها من تميز واضح، أُفْرِدها بالحديث في المطلب التالي.\n_________\n(^١) الإمتاع والمؤانسة (١/ ١٨٣).","vol":"1","page":139},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-77>المطلب الثالث: الحالة العلمية</span>.\n\nيعتبر القرنان الثالث والرابع الهجريان من أكثر القرون زهوا في تاريخ الحركة العلمية، وأعظمها تفتحا على آفاق المعرفة وميادين العلم.\nففي هذه الفترة ازدهرت حركة التأليف والتدوين في شَتّى العلوم، ومختلف المعارف والفنون، سواء ما كان منها متعلقا بالحديث رواية ودراية، أم بالفقه، ولا سيما فقه المذاهب المتبوعة المشهورة، أو ما كان في اللغة وآدابها ومعارفها، أو التاريخ والأخبار، أو العلوم التطبيقية والطبية.\nوفي تلك الفترة بدأت حركة الترجمة إلى العربية، تنشط وتزدهر، وخاصة ما تم نقله من حضارة الفرس، وآدابها، ومعارفها المختلفة، على نحو أثرى المسيرة العلمية وطورها، وفتح الأذهان وفتقها، وآذن - أيضا - بظهور مذاهب شتى ونِحَل مختلفة.\nوإن يكن الأمراء والوزراء قد أسهموا في تقسيم البلاد، فقد كان لهم فضل دعم المسيرة العلمية، ومؤازرة العلماء، وتشجيعهم، فبدلا أن تكون بغداد والبصرة مركزي العلم والعلماء دون غيرها، أصبح بجانبها: شيراز، والرَّي، وأصبهان، وهمذان، وبخارى، وسمرقند، والقاهرة، ودمشق، ولكل منها سماتها وخصائصها (^١).\nوبعد أن كان الخليفة وحده هو الذي يشجع العلم والعلماء، أصبح هناك أمراء متعددون، يحرصون أشد الحرص على مؤازرة العلماء وتشجيعهم، وإجراء الأرزاق عليهم،\n_________\n(^١) تاريخ الأدب العربي ص ١٦ للسباعي بيومي.","vol":"1","page":140},{"text":"¬بل وتنافسوا على استصحاب العلماء في مجالسهم، وإسناد وزارات الدولة ووظائفها إليهم، بل حتى في جمع الكتب وحيازتها، حتى كان عظم خزائنهم من الكتب مدعاة للتفاخر (^١).\nولقد كانت الجوامع الكبار منارات علمية، أشبه ما تكون بالجامعات في عصرنا الحاضر، تُدَرّس فيها مختلف العلوم، وشتى المعارف والفنون، وكانت مجالس الدرس والسماع، تزدحم بمختلف شرائح المجتمع، وشتى طبقاته، من الأمراء إلى سوقة الناس وعامتهم.\nـ وفي الحق - فقد كانت حقبة زمنية ازدانت بأئمة أعلام كبار، كانت لهم آثارهم الواضحة، على المسيرة العلمية في تاريخ الحضارة الإسلامية، ولا يستطيع المرء أن يحصي ذكرهم، وسأكتفي بذكر بعض أشهر الأئمة في المذاهب المتبوعة، أو أولئك الذين برزوا في بعض فنون العلم وميادين المعرفة، ممن عاش في نفس الفترة التي عاشها المؤلف، ومقتصرا على العراق ومصر، إذ كان فيهما مقامه ومنزله، فمنهم (^٢):\n١. المَحَامِلي، أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل الضبي (ت: ٣٠٣) الإمام صاحب السنن.\n٢. ابن الأنباري، أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن الأنباري (ت: ٣٠٤) إمام اللغة والنحو.\n٣. الطبري، محمد بن جرير بن غالب الطبري (ت: ٣١٠) شيخ المفسرين.\n٤. الطحاوي، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي الحنفي (ت: ٣٢١) محدث الديار المصرية وفقيهها.\n٥. نفطويه، أبو عبد الله بن محمد العتكي الأزدي (ت: ٣٢٣) إمام النحو، صاحب التصانيف البديعة.\n٦. ابن مجاهد، أبو بكر أحمد بن موسى بن مجاهد البغدادي (ت: ٣٢٤) الإمام المقرئ مصنف كتاب السبعة.\n٧. الاصْطَخْرِي، أبو سعيد الحسن بن يزيد الاصطخري الشافعي (ت: ٣٢٨) الفقيه الشافعي.\n٨. الأشعري، أبو الحسن علي بن بشر الأشعري اليماني البصري (ت: ٣٣٠) الإمام رأس المتكلمين.\n٩. الجصاص، أبو يوسف يعقوب بن عبد الرحمن الجصاص البغدادي (ت: ٣٣١) الإمام الفقيه الحنفي.\n١٠. ابن عقدة، أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني (ت: ٣٣٢) أحد أعلام الحديث وحفاظ زمانه، وصاحب التصانيف الكثيرة.\n١١. الأثرم، أبو العباس محمد بن أحمد البغدادي الأثرم (ت: ٣٣٦) الإمام المقرئ المحدث.\n١٢. أبو إسحاق المروزي، إبراهيم بن أحمد المروزي (ت: ٣٤٠) شيخ الشافعية وصاحب ابن سريج.\n١٣. الكَرْخِي، أبو الحسن عبيد الله بن الحسين بن دلال البغدادي (ت: ٣٤٠) مفتى العراق شيخ الحنفية.\n١٤. ابن الحداد، أبو بكر بن أحمد بن محمد الكناني المصري (ت: ٣٤٥) وصاحب كتاب الفروع في المذهب الشافعي.\n_________\n(^١) ينظر: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع (١/ ٢٨٦). آدم متز.\n(^٢) ينظر: تاريخ بغداد، وسير أعلام النبلاء المجلد الخامس عشر، والبداية والنهاية المجلد السادس، والنجوم الزاهرة المجلد الثالث والرابع.","vol":"1","page":141},{"text":"¬١٥. السمرقندي، أبو عمرو عثمان بن محمد السمرقندي المصري (ت: ٣٤٥) الإمام المحدث المسند.\n١٦. المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي (ت: ٣٤٥) صاحب مروج الذهب.\n١٧. ابن يونس، أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس المصري (ت: ٣٤٧) الإمام الحافظ المتقن، صاحب تاريخ علماء مصر.\n\n* المدرسة المالكية العراقية (^١).\nفي هذه الحقبة الزمنية، الزاخرة بالعلم، الناضحة بالعلماء، الناضجة بالمعرفة، عاش عالمنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء، الذي أسهم في هذه المسيرة العلمية الراشدة، ولا سيما في المدرسة المالكية بالعراق، حيث كانت تلك المدرسة المالكية تعيش أزهى عصورها وأنضج مراحلها، وسأختصر الكلام عن هذه المدرسة في النقاط الآتية:\n\" نشأة المدرسة العراقية.\nكان الإمام مالك بالمدينة النبوية قبلة طلاب العلم ورواته، وردوا إليه من مختلف الحواضر والعواصم الإسلامية، كل ينهل من مورده، وقد برز من هؤلاء طائفة التزمت مذهب مالك وأصوله الفقهية، وحفظوا عنه أقواله وآراءه الفقهية، فأخذوا في نشرها في البلاد التي أقاموا بها، ولم ينشب الأمر حتى تطور، ليصبح أولئك النفر القليل، نَبتاتٍ مباركات لمدارس قامت في عدد من الأمصار، ترجع في أصلها إلى تلك المدرسة الأم في المدينة، وأستاذها الأول: مالك بن أنس، وهي خمس مدارس:\n_________\n(^١) ينظر حول هذه المدارس: اصطلاح المذهب عند المالكية ص ٥٧، والمذهب المالكي: مدارسه، ومؤلفاته، خصائصه، وسماته، تأليف محمد المختار محمد المامي ص ٤٣، والمدرسة البغدادية للمذهب المالكي: نشأتها، أعلامها، منهجها، أثرها (رسالة علمية مقدمة لكلية الأداب بجامعة محمد الخامس) إعداد محمد العلمي، أسباب تعدد المدارس في المذهب المالكي، وأهم مميزات المدرسة البغدادية (بحث مقدم للمؤتمر العلمي بدولة الإمارات العربية، حول القاضي عبد الوهاب البغدادي) أعده الحبيب بن طاهر.","vol":"1","page":142},{"text":"¬١. مدرسة المالكية في المدينة المنورة\n٢. مدرسة المالكية في العراق.\n٣. مدرسة المالكية في مصر.\n٤. مدرسة المالكية في القيروان.\n٥. مدرسة المالكية بالأندلس.\n\nلقد كان من أبرز العوامل التي أسهمت في قيام هذه المدارس؛ هو أستاذها الأكبر مالك بن أنس، فقد كان ﵀ متضلعا من علمي الحديث والفقه، ظهرت آثار تضلعه على تلاميذه، فتميز بعضهم بعلم الحديث وروايته، وتميز الآخر بالفقه ودرايته، فكانت هذا المدارس جميعها، يظهر فيها أحد اتجاهين اثنين:\nالاتجاه الأول: من يرى تقديم الأحاديث الصحيحة على ما جرى عليه العمل، ولقد تزعم هذا الاتجاه المدنيون، وتابعهم عليه أئمة من المدارس الأخرى.\nالاتجاه الثاني: يرى الاعتماد على الأحاديث التي أيدها العمل وتقديمها، وبمعنى آخر: اتخاذ عمل أهل المدينة عملا مثاليا ومفسرا للسنة.\nومحل النظر هنا من بين هذه المدارس جميعها: المدرسة العراقية، التي يعتبر أبو الفضل القشيري وشيخه القاضي إسماعيل، أحد آثارها، حيث تميزت هذه المدرسة بعامل آخر كان له أثره البارز على اتجاهها، على نحو ميزها عن سائر المدارس المالكية الأخرى:\nوهي البيئة التي ظهرت فيها هذه المدرسة، فقد كانت بيئة العراق العلمية يغلب عليها اتجاه أهل الرأي، فظهر ذلك على طريقة العراقيين من أتباع مالك، حتى كانت مؤلفاتهم مسلكا جديدا على الفقه المالكي،","vol":"1","page":143},{"text":"¬إذ تميزوا \" بإفراد المسائل، وتحرير الدلائل، على رسم الجدليين، وأهل النظر من الأصوليين\" (^١)، كما أنهم تميزوا بدراسة \" المذهب دراسة مقارنة بالمذاهب الأخرى، ولهم في هذا فضل السبق والابتكار \" (^٢) ولهذا يقول الخطيب البغدادي وهو يتكلم عن القاضي إسماعيل، الذي يعتبر بحق رأس هذه المدرسة وإمامها: \" وصنف في الاحتجاج لمذهب مالك والشرح له، ما صار لأهل هذا المذهب، مثالا يحتذونه، وطريقا يسلكونه \" (^٣).\nكما امتازت هذه المدرسة عن غيرها من المدارس المالكية الأخرى، بسمة التقعيد للمسائل، والتأصيل للقضايا، ولعل هذا التميز كان أثرا من آثار البيئة التي ظهرت فيها حيث كانت المدرسة الحنفية والشافعية متميزة في هذا الأمر (^٤).\nكما امتاز علماء المذهب المالكي بالعراق - أيضا - عن غيرهم من علماء المدارس المالكية الأخرى، بسعة الاطلاع على نتاج ومؤلفات وكتب المذاهب الأخرى، والاقتباس من طرقها وأساليبها.\n\" أشهر روادها.\nيعتبر عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وسليمان بن بلال، وأحمد بن المُعَذِّل، هم الرواد الأوائل الذين أدخلوا مذهب مالك إلى العراق، ومهدوا لقيام المدرسة العراقية،\n_________\n(^١) أزهار الرياض للمقري (٣/ ٢٢).\n(^٢) ينظر: بحث: المدارس الفقهية المالكية بالعراق عوامل نشأتها وأبرز أعلامها، أعده محمد التمسماني.\n(^٣) تاريخ بغداد (٦/ ٢٨٥).\n(^٤) ينظر: المذهب المالكي مدارسه ومؤلفاته ص ٨٥، وبحث: أسباب تعدد المدارس في المذهب المالكي للحبيب ابن طاهر ص ٣٧.","vol":"1","page":144},{"text":"¬غير أن أسرة آل حماد يُدان لها بفضل نشر المذهب في العراق، وأخذه مكانه بين العراقيين، وعلى رأس هذه الأسرة الكريمة، يأتي الإمام إسماعيل بن إسحاق (ت: ٢٨٢) - شيخ المؤلف - والذي يعتبر بحق: المؤسس الفعلي للمدرسة المالكية في العراق، ثم تبعه بعد ذلك أبو بكر محمد بن عبد الله الأبهري (ت: ٣٧٥)، وأبو القاسم عبيد الله بن الحسين بن الجلاب (ت: ٣٧٨)، وأبو الحسن علي بن عمر بن القصار (ت: ٣٩٨)، الذين كانوا دعامة المهذب المالكي في العراق، ثم خلفهم القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر (ت: ٤٢٢) الذي يُعتَبر خاتمة الأئمة الكبار من مالكية العراق، فلم تدم هذه المدرسة بعده طويلا.\n\" أبرز آثارها.\nمن أبرز الآثار التي خلفتها المدرسة العراقية، أنها استطاعت المزاوجة بين الاتجاه الأثري الأصيل في المذهب المالكي، واستعمال المنهج الاستنباطي الفقهي التعليلي، القائم بالعراق \" فأهل العراق جعلوا مصطلحهم في مسائل المدونة كالأساس، وبنوا عليها فصول المذهب، بالأدلة والقياس ... ودأبهم القصد إلى إفراد المسائل، وتحرير الدلائل، على رسم الجدليين، وأهل النظر من الأصوليين\" (^١)،\nوظهر أثر هذا المنهج على المذهب المالكي، وانعكست آثاره رسما باديا على شخصيات بارزة فيه، فظهر جليا تأثر أبي زيد القيرواني (^٢)، وكذلك أبي الوليد الباجي\" حيث تعمق في درس مناهج الفرع المالكي العراقي، جامعا في دراسته بين الفقه والحديث، حتى إذا عاد إلى الأندلس أضحى مدرسة قائمة بذاتها ... ولقد كان لتلاحم هاتين الطريقتين،\n_________\n(^١) أزهار الرياض (٣/ ٢٢).\nينظر كذلك: بحث: أسباب تعدد المدارس في المذهب المالكي للحبيب بن طاهر ص ٤٠.\n(^٢) ينظر: أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربي.","vol":"1","page":145},{"text":"¬وامتزاجهما في التكوين العلمي للباجي، أثرهما الواضح في منهجه: مناقشة ومناظرة، وبحثا، وتأليفا \" (^١)، وكذا الشأن في الإمام ابن رشد، حيث طبق هذه الطريقة الجامعة في كتابه المقدمات والممهدات، وتبعه بعده القاضي عياض في شرحه للمدونة شرحا \" جمع فيه بين الطريقة العراقية، التي تعتمد على القياس والتأصيل، وتحقيق المسائل، وتقرير الدلائل، والطريقة القروية التي تعتمد على الضبط والتصحيح، وتحليل المسائل والمباحث\" (^٢).\nومن آثار هذه المدرسة ما خلفته من مؤلفات، تَشِي بمدى روح الإبداع والتنوع عند هذه المدرسة، مع ما تميزت به كثير من تلك المؤلفات من نَفَسٍ عالٍ في التحقيق والتدقيق، وجودة النظر والتعليل، وسأذكر طرفا من المؤلفات التي أنتجتها المدرسة العراقية، على أيدي أئمتها الكبار، فمنها (^٣):\n* مؤلفات القاضي إسماعيل بن إسحاق.\n١. المبسوط.\n٢. مختصر المبسوط.\n٣. أحكام القرآن.\n٤. الرد على محمد بن الحسن.\n٥. الرد على أبي حنيفة.\n٦. الرد على الشافعي.\n_________\n(^١) اصطلاح المذهب عند المالكية ص ٢٠٢.\n(^٢) أعلام الفكر الإسلامي ص ٥٤.\n(^٣) ينظر: كتاب دراسات في مصادر الفقه المالكي، وكتاب اصطلاح المذهب عند المالكية.","vol":"1","page":146},{"text":"¬* مؤلفات أبي بكر بن الوراق.\n١. مسائل الخلاف، لأبي عبد الله بن بكير.\n٢. مسائل الخلاف والحجة على مذهب مالك.\n٣. شرح مختصر ابن الحكم.\n٤. الرد على محمد بن الحسن.\n\n* مؤلفات أبي الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري.\n١. أحكام القرآن.\n٢. كتاب مسائل الخلاف.\n٣. الرد على الشافعي.\n٤. الرد على المزني.\n٥. كتاب الأشربة.\n\n* مؤلفات أبي بكر الأبهري.\n١. شرح المختصر الكبير.\n٢. شرح المختصر الصغير.\n٣. مسلك الجلالة في مسند الرسالة.\n٤. كتاب الأمالي.\n٥. كتاب إجماع أهل المدينة.\n٦. كتاب الرد على المزني.\n٧. كتاب الأصول.\n٨. مسألة إثبات حكم القافة.\n٩. كتاب فضل المدينة على مكة.\n١٠. مسألة الجواب والدلائل والعلل.","vol":"1","page":147},{"text":"¬* مؤلفات ابن الجلاب.\n١. كتاب في مسائل الخلاف.\n٢. شرح المدونة.\n٣. التفريع (مختصر الجلاب).\n\n* القاضي عبد الوهاب البغدادي.\n١. التلقين.\n٢. شرح رسالة أبي زيد القيرواني.\n٣. شرح المدونة.\n٤. الممهد في شرح مختصر أبي محمد.\n٥. المعونة.\n٦. الإشراف على نكت مسائل الخلاف.\n٧. النصرة لمذهب إمام دار الهجرة.\n٨. الفروق في مسائل الفقه.\n٩. عيون المسائل.\n\nهذه المؤلفات التي نقلتها لنا المصادر التاريخية، وغيرها مما توارى في زاويا التاريخ وأرفف التراث، جميعها تدل على ما بلغته تلك المدرسة من ازدهار ونشاط علمي.\nومن تأمل في هذه المؤلفات والمدونات العلمية، سيلحظ أمرين جليين:","vol":"1","page":148},{"text":"¬أولهما: العناية الخاصة بالجانب الفقهي، تأليفا وشرحا، وتعليلا ونظرا، على نحو طغى على ما سواه من الفنون العلمية، والمباحث الشرعية، ولعل العذر في هذا أن القوم كانوا في بيئة غلب عليها مدرسة أهل الرأي الفقهية، مما استوفز الهمم، وشد العزائم، على التقرير والتحرير، والاستدلال والتعليل، إعلاما بالحضور، وإيذانا بالوجود.\nوثانيهما: تجلى في هذه المدرسة - وهي نَبْتُ بيئتها - نشاط ملحوظ، وجلد ظاهر على الجدل والمناظرة، والرد والمحاورة، مَثّلَه بشكل ظاهر، هذه المؤلفات الكثيرة في الردود على المخالفين، على نحو لا يوجد عن المدارس المالكية الأخرى (^١)، ولعل الذي حمل أئمة المدرسة على ذلك، قربهم الشديد من مخالفيهم، من المذاهب الأخرى ولا سيما الأحناف، حيث ضربت بجرانها في العراق، على أن القوم وإن أكثروا، فإنهم لم يبدؤوا هذا السجال، بل كانوا مدافعين عن إمام المذهب، يردون عنه صولات الناقدين، يقول الاستاذ الحبيب بن طاهر: \" وإن هذا المنهج هو طابع مميز لهم عن غيرهم من علماء المدارس المالكية الأخرى، الذين كان التأليف فيهم في علم الخلاف نادرا، كما كان مقتصرا على الأثر دون أن يبلغ مستوى النظر وإعمال الرأي ومقارعة الحجج العقلية بما يناسبها\" (^٢).\n\" أسباب اندثارها.\nدب الضعف للمدرسة العراقية في القرن الخامس الهجري، وربما كانت بوادره بدأت برحيل القاضي عبد الوهاب عنها إلى مصر (^٣)، حتى إذا انتصف القرن الخامس لم يبق في العراق إمام مالكي يقوم بالمذهب، يقول القاضي عياض: \"انقطع المذهب ببغداد فلم يبق بها إمام من نحو الخمسين والأربعمائة، عند وفاة أبي الفضل ابن عبدوس\" (^٤)، وقد ساعدت عدد من العوامل والأسباب في ضعف المذهب المالكي في العراق حتى انقطع، فمع النكبات السياسية التي حلّت بأتباع المذهب، فهناك خروج القضاء عن المالكية، وتلاحق وفاة كبار علماء المذهب، وخروج أغلبهم من العراق (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: بحث: المدارس الفقهية المالكية بالعراق عوامل نشأتها وأبرز أعلامها، أعده محمد التمسماني، وبحث: أسباب تعدد المدارس في المذهب المالكي للحبيب بن طاهر ص ٤٨.\n(^٢) بحث: أسباب تعدد المدارس في المذهب المالكي ص ٥٠.\n(^٣) ينظر: اصطلاح المذهب عند المالكية ص ٦٩.\n(^٤) ترتيب المدارك (١/ ٢٤).\n(^٥) ينظر بتوسع: بحث: المدرسة البغدادية للمذهب المالكي، ص: ١٧٤، إعداد: محمد العلمي، وقد تناول فيه أسباب ضعف المدرسة العراقية بتوسع.","vol":"1","page":149},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-78>المبحث الثاني: حياته الشخصية والعلمية </span>(^١).\nوفيه أربعة مطالب:\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>المطلب الأول:<span data-type=\"title\" id=toc-80> اسمه</span>، ونسبه، ومولده، ونشأته</span>.\nالمطلب الثاني: عقيدته، ومذهبه الفقهي.\nالمطلب الثالث: مكانته العلمية.\nالمطلب الرابع: آثاره، ووفاته.\n\nالمطلب الأول: اسمه، ونسبه، ومولده، ونشأته.\n* اسمه.\nهو: بكر، بن محمد، بن العلاء، بن محمد، بن زياد، بن الوليد، بن الجهم، بن مالك، بن ضمرة، بن عروة، بن شنوءة، بن سلمة الخير، بن كعب القشيري، المالكي البصري (^٢).\nوجاء في بعض المصادر (^٣) أنه: بكر بن العلاء بن محمد، وهو الاسم المشهور في المصادر التي يرد فيها ذكر أبي الفضل القُشَيْرِي.\n_________\n(^١) ينظر مصادر ترجمته في:\nترتيب المدارك للقاضي عياض (٥/ ٢٧٠)، الوافي بالوفيات (١٠/ ١٣٦)، وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٣٧) والعبر في خبر من غبر (٢/ ٢٦٩)، والديباج المذهب لابن فرحون ص ١٠٠، وطبقات المفسرين للداودي (١/ ١٢٠)، ومرآة الجنان (٢/ ٣٣٦)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٦٦)، وهدية العارفين (١/ ٢٣٤) وشجرة النور الزكية ص ٧٩، والأعلام للزركلي (٢/ ٦٩)، معجم المؤلفين (٣/ ٧٤)، حسن المحاضرة (١/ ٤٥٠).\n(^٢) ينظر: الوافي بالوفيات (١٠/ ١٣٦)، وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٣٧) وشذرات الذهب (٢/ ٣٦٦).\n(^٣) ينظر: الديباج المذهب ص ١٠٠.","vol":"1","page":150},{"text":"¬والذي يظهر أن اسمه بكر بن محمد، وذلك اعتمادا على ما ورد في ذات كتابه أحكام القرآن، فيما حكاه عنه تلميذه الذي سمعه، فقد ذكر أبو بكر الأدفوي اسم القاضي أبي الفضل القشيري في مواضع عديدة من الكتاب، وفي جميعها يقول: أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي (^١)، وعلى هذا النحو جاء في أكثر المصادر التي ترجمت له، ولا يشكل على هذا أن تسميته بكر بن العلاء، هو أكثر ما يتردد في المصادر، لأنه يجوز أن ينسب الرجل إلى جده، وربما كانت تلك ال<span data-type=\"title\" id=toc-82>نسبة </span>ليتميز بها عن غيره، ممن يشاركه في اسمه واسم أبيه.\nوحكى محمد بن عمر بن عيشون الطليطلي، عن أبي الفضل القشيري، أن أمه من ولد عمران بن حصين - ﵁ -، صاحب رسول الله - ﷺ - (^٢).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-81> كنيته</span>.\nأبو الفضل، نصت على ذلك كتب التراجم، ونص عليه - أيضا - أبو بكر الأدفوي تلميذه، الذي سمع منه كتابه أحكام القرآن.\n* نسبه.\nيرجع نسبه إلى: القشيري، والقشيري كما تذكر كتب الأنساب، نسبة إلى بني قشير (^٣)، وهي قبيلة من قبائل العرب الكبرى، أبناء كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، من العدنانيين (^٤).\nوإليها ينتسب عدد من الأئمة الكبار، من أشهرهم:\nمسلم بن الحجاج القشيري، صاحب الصحيح (^٥).\nوأبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: مقدمة المخطوط، وكذلك المواضع الآتية: سورة النور أية (٣١) والشورى (١٣) والمعارج (٢٣).\n(^٢) ينظر: ترتيب المدارك (٥/ ٢٧٠) والديباج المذهب ص ١٠٠.\n(^٣) ينظر: الأنساب (٤/ ٥٠٢).\n(^٤) ينظر: الإنباه على قبائل الرواة ص ٧٣.\n(^٥) ينظر: الأنساب (٤/ ٥٠٣).\n(^٦) المصدر السابق.","vol":"1","page":151},{"text":"¬*<span data-type=\"title\" id=toc-83> مولده</span>.\nولد القاضي أبو الفضل بكر بن محمد القشيري، في عام أربعة وستين ومائتين للهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.\nوكتب التراجم - التي وقفت عليها - لم تنص صراحة على مولده، غير أن ابن فرحون ﵀ ذكر أن أبا الفضل توفي بعد أن بلغ ثمانين سنة، يقول: \" وتوفى بمصر ليلة السبت لسبع بقين من ربيع الأول، سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، وقد جاوز الثمانين سنة بأشهر\" (^١).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-84> نشأته</span>.\nليس في المصادر التي ترجمت لأبي الفضل القشيري، حديث يذكر عن نشأته، يروي الظمآن، ويشفي الغليل، وقد ذكر القاضي عياض حادثة حكاها أبو الفضل نفسه، تلقي شيئا من الضوء على نشأته الأولى، قال: \" احتبس بولي وأنا صبي، نحو سبعة أيام، فأتى بي والدي إلى سهل التستري ليدعو لي، فمسح بيده على بطني، فما هو إلا أن خرجنا؛ بُلت على عنق الغلام \" (^٢) وهذه الحادثة - وإن كانت عابرة - فربما بقيت نقشا في ذاكرة الغلام الصغير، لتكون بعد ذلك دافعا من تلك الدوافع والأسباب، التي حفزته على ملازمة الشيخ العابد الزاهد: سهل بن عبد الله التستري، حتى عرف به، واشتهر بحكاية أخباره، ورواية أقواله، وسنرى في هذا الكتاب طرفا منها (^٣).\n_________\n(^١) الديباج المذهب ص ١٠٠.\n(^٢) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧١) ينظر كذلك: الديباج المذهب ص ١٠٠.\n(^٣) ينظر: ما ذكره عند قوله تعالى: (فمن كان يرجوا لقاء ربه) وقوله: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره).","vol":"1","page":152},{"text":"¬وهذه الحادثة تدل - أيضا - على أن أبا الفضل القشيري ولد في البصرة، أو على الأقل نشأ فيها منذ صغره، فإن سهل بن عبد الله التستري، كان مقامه بالبصرة وبها توفي سنة ٢٨٣ هـ.\nومن غلبة الظن أن أبا الفضل عاش جُل حياته - أيضا - بالبصرة، فإن سماعه من القاضي إسماعيل بن إسحاق (ت: ٢٨٢) كان في أول نشأته، ربما كان في أواخر العقد الثاني، أو أول العقد الثالث من عمره، وسمع - أيضا - من كبار تلاميذ القاضي إسماعيل، وكلهم بصريون، وهذا مما يرجح أنه عاش أكثر حياته بالبصرة.\nومن سماعه للقاضي ندرك أن أبا الفضل طلب العلم مُذْ كان صغيرا، فإن سماعه من القاضي إسماعيل كان في آواخر العقد الثاني تقريبا.\nعلى أن أبا الفضل وإن يكن نشأ بالبصرة وعاش بها، فقد شاء الله - تعالى - له أن ينتقل إلى مصر قبل الثلاثين وثلاثمائة، ليعيش أواخر حياته فيها، وليتبوأ فيها مكانة مرموقة، بعد أن ذاع صيته، وعرفت مكانته، قال القاضي عياض: \" وخرج من العراق لأمر اضطره، فنزل مصر قبل الثلاثين والثلاثمائة، وأدرك فيها رئاسة عظيمة \" (^١).\nوهذا النص الذي ذكره ابن فرحون، وإن كان أشار إلى أن خروج أبي الفضل لم يكن رغبة عن البصرة، بل كان لأمر اضطره إلى هذا، فإنه لم يذكر لنا هذا الذي اضطره إلى الخروج أي شيء كان.\nأما المناصب التي تقلدها فقد اشتهر أنه ولي القضاء ببعض نواحي العراق (^٢)، وقد اشتهر بذلك حتى كان لقب القاضي قرين اسمه.\nوأما قول الشعر فلم يعرف عنه، إلا أن ابن عيشون قال: \" وأنشدنا بكر بن العلاء:\nومن شيمتي ألا أفارق صاحبا نقل ... على حالة إلا سألت له رشدا\nفإن عاد بي ودي رجعت ولم أكن ... كآخر لا يرعى ذماما ولا عهدا (^٣)\nهذه بعض الومضات من نشأة الإمام أبي الفضل القشيري، لم تسعف المصادر التاريخية - التي وقفت عليها - بأكثر منها.\n_________\n(^١) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧١).\nينظر كذلك: الوافي بالوفيات (١٠/ ١٣٦) والديباج المذهب ص ١٠٠.\n(^٢) ينظر: ترتيب المدارك (٥/ ٢٧١)، وكذلك: الوافي بالوفيات (١٠/ ١٣٦) والديباج المذهب ص ١٠٠.\n(^٣) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧١).","vol":"1","page":153},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-85>المطلب الثاني:<span data-type=\"title\" id=toc-86> عقيدته</span>، ومذهبه الفقهي</span>.\n* عقيدته.\nمعرفة عقيدة علم من الأعلام، تكون بطرق ثلاث:\nالأولى: أن ينص إمام من الأئمة على عقيدته، ويبين حقيقتها، وكتب التراجم زاخرة بكثير من النقول عن الأئمة في هذا الباب.\nالثانية: أن يوجد نص يؤثر عن العالم نفسه، يكشف عن عقيدته ويحكي حال نفسه، وهي طريقة يسلكها بعض المؤلفين في مقدمات كتبهم.\nالثالثة: أن يُنظر في مؤلفاته، وتُسْتَقرأ كتبه، للوقوف على معتقد مؤلفها، من خلالها.\nولئن كانت كتب التراجم شحيحة، لم تجد بشيء عن عقيدة المؤلف، إلا ما أشار إليه الذهبي، من أن أبا الفضل القشيري، ألف كتابا في الرد على أهل القدر (^١)، فإن في الكتاب الذي بين أيدينا، إشارات واضحة، تكشف عن عقيدة أبي الفضل، مرة عن المعتقد إجمالا، ومرة عن مسائل منه تفصيلا.\nوقد دلت تلك المواضع من كتابه؛ على أن أبا الفضل القشيري، كان صاحب سنة، على طريقة السلف ﵏ في الاعتقاد.\nوسأذكر ما استخلصته من كتابه، مما يدل على عقيدته إجمالا أو تفصيلا:\n\" في باب التزام طريقة السلف، وتقديمهم على من جاء بعدهم.\nافتتح المؤلف ﵀ كتابه بمقدمة ذكر فيها أن خير السبل، وأسدَّ المسالك، وأبين الطرق؛ ما كان عليه سلف الأمة من الصحابة، ومن تبعهم من أهل القرون المفضلة، وأن أهل العلم لم يزالوا على هذه الطريقة حتى \" حدث في القرن الرابع من هذه الأمة ومن تلاهم،\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٣٧).","vol":"1","page":154},{"text":"¬قوم مُسْتَخِّفون بقول السلف، وله هاجرون، وعلى مذاهبهم زارون، يحدثون أنفسهم أن أسد الجواب ما استخرجوه، وأعلاه ما استنبطوه، أخذوا ذلك عن أهل الزيغ، لا يعرجون على الرواية، ولا يلتفتون إلى باطن التلاوة، ويرون أنهم يبارون السلف في العلم بالكتاب ... - إلى أن قال - وكفى بالرجل نقصا؛ أن يرى أنه قد علم من كتاب الله ﷿ ما قصر عن علمه الصحابة والتابعون، أو يرى أنه فوقهم علما أو فهما، أو يظن أنه مثلهم، لقد خاب وخسر\" (^١).\nوقد بين ﵀ أن سبب هذا الانحراف عن مسلك السلف ومنهجهم، يعود إلى أنهم: \" خالطوا أهل الكلام، وجانبوا الورع، وصار القصد الغلبة بالجدل المحض، منعهم الله التوفيق، وحادوا عن الطريق\" (^٢).\nوقد ألزم نفسه في هذا الكتاب ألا يخرج \" عن السنة، وقول السلف، وما توجبه اللغة التي نزل القرآن بها \" (^٣).\n\" في باب الخوف والرجاء.\nعرض لقول أهل السنة والجماعة في باب الخوف والرجاء على نحو ما كان عليه السلف، من الجمع بينهما، إلا أن المؤمن في حال عمله وسعيه في هذه الدنيا الأولى له أن يُغّلِب جانب الخوف، وعلل ذلك بقوله: \" ومن وصف المؤمنين الخوف مقرونا بالرجاء ... فلا ينبغي للمؤمن أن يكون إلا خائفًا؛ لكي لا يتكل فَيَقِلَّ عمله الصالح فالخائف يعمل ما لا يعمله الراجي بلا خوف\" (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: مقدمة كتابه أحكام القرآن.\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة (١/ ١٤١).\n(^٣) ينظر: مقدمة المؤلف في كتابه أحكام القرآن اللوحة رقم [٣].\n(^٤) ينظر من هذا الرسالة (١٥٣).","vol":"1","page":155},{"text":"¬\" في باب عصمة الأنبياء ﵈.\nذكرت كتب التراجم أن أبا الفضل القشيري، قد ألف كتابا في\" تنزيه الأنبياء\" (^١) وفي هذا المخطوط محل الدراسة، قد أشار إلى طرف من هذه المسألة، التي وقع بين أهل السنة خلاف في بعض صورها (^٢)، حيث قرر أن النبي - ﷺ - لم تقع منه ذنوب تُكفر عنه، قال ﵀: \" وقوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ لأنها لا تكفر عنه ذنبا كما تكفر عن غيره، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فعل به ذلك من غير ذنب، فكل أعماله درجات له، غير مقابل بها ذنوب تكفر\" (^٣)، ولذلك لما عرض لقول قتادة، عند قوله - تعالى ـ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (^٤)؛ لم يرتضه، ولم يعجبه، قال: \" قال قتادة: ذنوب أثقلته. قال القاضي: قول قتادة لا يعجبني؛ لأن ذنوبه - ﷺ - أصغر الصغائر، وقد وضعها الله عنه وما يكون بعد ذلك في سورة الفتح وقد غفرت الصغائر لمن دونه إذا اجتنبت الكبائر\" (^٥) ولهذا فقد قرر قاعدة عامة في هذه الباب في كل ما يرد في القرآن الكريم، فقال عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ (^٦): \" وهذا عندي - والله أعلم - وإن كانت مخاطبة للنبي - ﷺ -، فإنما يراد به أمته، وكذلك كل ما كان من أشكاله، والله أعلم\" (^٧).\n\n* في باب ما يجب لأصحاب النبي - ﷺ -.\nلقد كان العصر الذي عاش فيه المؤلف - كما تقدم - عصرا مضطربا يموج بعدد من التيارات العقدية، وأشدها أثرا في الأمة في تلك الفترة: الباطنية، والرافضة، وكانت العراق على وجه الخصوص شديدة التأثر بهاتين الفرقتين، ولذا فقد كان المؤلف ﵀ يقرر في كتابه في مواضع عدة، فضل الصحابة، وأنهم خير الأمة، بل ويذكر الصحابة على التفضيل الذي قرره أهل السنة يحكي ذلك إجماعا منهم، يقول: \" لا اختلاف بين العلماء أن العشرة أفضل الصحابة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، وهم ألف وأربعمائة، ثم من أسلم وهاجر قبل فتح مكة، ثم يتلوهم الذين جاءوا أفواجا \" (^٨).\nوفي موضع آخر يذكر روايات في سبب نزول قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ ثم رجح أن تكون\" نزلت في النبي - ﷺ - وفي الأربعة الخلفاء - رحمة الله - عليهم \" (^٩).\nوأهل العراق وقد ظهر فيهم من يطعن في عثمان - ﵁ - وينال منه، نجد المؤلف ﵀ يورد خبرا في سورة الحشر عن علي بن الحسين يتضمن تنزيه عثمان وَتَوَلِيه - ﵁ - (^١٠).\n_________\n(^١) أشار إليه: في الديباج المذهب ص ١٠٠.\n(^٢) ينظر: منهاج السنة النبوية (٢/ ٤٠٠).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة (١/ ٩٥).\n(^٤) سورة الشرح (١).\n(^٥) ينظر من هذه الرسالة: سورة الشرح الآيات رقم (٢، ٣).\n(^٦) سورة المدثر (٦).\n(^٧) ذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.\n(^٨) ذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ [الحديد: ١٠].\nينظر في عقيدة أهل السنة في تفاضل الصحابة ومنازلهم: السنة للخلال (١/ ٣٧١).\n(^٩) ذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].\n(^١٠) ينظر ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠].","vol":"1","page":156},{"text":"¬وفضلا عن هذا فله في مواضع عدة، كلام عن بعض ما كان من الخوارج على عثمان - ﵁ -، أو أولئك الذي قاتلهم علي بن أبي طالب - ﵁ -، كلها تدل على تعظيم صحابة نبي الله والذب عنهم، ورد قول من تنقص أحدا منهم (^١)، وقد نقل ﵀ عن الإمام مالك كلمته المشهورة الجامعة في هذا الباب، وهي قوله: \" من سب أحدا من الصحابة كائنا من كان أو تنقصه، وهم الذين قال النبي - ﷺ -: دعوا لي أصحابي فمن آذاهم فعليه لعنة الله فليس من المسلمين الذين يقسم فيهم الفيء، ولا حق لهم فيه، وتلا محمد بن مسلمة هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ \" (^٢).\n\" في باب القدر.\nأشارت كتب التراجم إلى أن أبا الفضل القشيري قد ألف كتابا في الرد على أهل القدر (^٣)، وقد ذكر في كتابه أحكام القرآن؛ أن أهل السنة يرون أن أعمالهم هي مَنٌّ من الله - تعالى - عليهم \" فلولا منّ الله عليه بها، لم يكن بالقادر عليها، فإذا قاله وهذا اعتقاده ومذهبه السنة، حسن منه\" (^٤)، ونقل كلاما عن سهل التستري، يصف فيه طائفة من المخالفين لأهل السنة، في هذا الباب يسميهم بالقدرية \" وإنما يكون الرياء في أهل القدر الذين يعتقدون أنهم عملوها بالاستطاعة المركبة فيهم \" (^٥).\n\n\" في باب الفرق والملل.\nجرى للمؤلف ذكر لأشهر الفرق المنتسبة للإسلام ولا سيما الخوارج، فقد أوردهم في أكثر من موضع، وتضمن هذا الإيراد ردا على بعض ما عندهم، وإن كان المؤلف لم يقصد له ابتداء.\n_________\n(^١) ينظر المواضع الآتية: ٩٨، ١٣٣، ١٣٤، ١٧١، ٣٥٨\n(^٢) ينظر سورة الحشر الآية (١٠).\n(^٣) ينظر: الوافي بالوفيات (١٠/ ١٣٦) والديباج المذهب ص ١٠٠، سيرد - إن شاء الله - في المطلب المتعلق بمكانته العلمية، الإشارة إلى ذلك.\n(^٤) ينظر من هذه الرسالة: ص ٥١٥.\n(^٥) ينظر من هذه الرسالة: ص ٥١٥.","vol":"1","page":157},{"text":"¬بل إن المؤلف فصل في بعض فرق الخوارج، وكان من رأيه: أنهم داخلون في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ (^١) وإن لم يكن ابتداء فبالمعنى، قال ﵀: \" والأقوى: أن يكونوا أهل الكتاب، والمجتهدون منهم؛ لأنه قيل في إثر الكلام: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ (^٢) ولا ندفع أن يدخل الخوارج من الصُفْرية، والإباضية، والأزارقة، والحرورية، والرافضة في معانيهم؛ لأن النبي - ﷺ - سماهم كلاب النار\" (^٣).\nكما أورد المؤلف أشهر الملل المخالفة للإسلام، فذكر اليهود، والنصارى وأشهر فرقهم (^٤)، والمجوس، والصابئة، والمشركين، غير أن هذا الإيراد لم يَعْدُ مجرد الذكر، دون خوض في مقالاتهم، إلا أنه نبه على مسألة اختلف فيها أهل العلم، وكان من رأيه فيها أنهم وإن اجتمعوا في مسمى الكفر، فلكل منهم مذهب في كفره، يقول: \" وإن كان الكفر كله عندنا ملة واحدة، كلهم كافر، فكفرهم يفترق على ضروب: فالنصارى جنس وهم كفرة ومن تولاهم، ... وكذلك اليهود، وكذلك المجوس، والصابئون كلهم كافر، وكل له مذهب في كفره \" (^٥).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-87> مذهبه الفقهي</span>.\nلم تختلف كتب التراجم التي ترجمت لأبي الفضل القشيري، سواء منها العام، أو تلك الخاصة بتراجم فقهاء المذاهب، لم تختلف جميعا في أمرين:\n_________\n(^١) سورة الكهف (١٠٥).\n(^٢) سورة الكهف (١٠٥).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: ص ١٠١.\n(^٤) ذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾.\n(^٥) ينظر من هذه الرسالة (١/ ١٧).","vol":"1","page":158},{"text":"¬الأول: أنه كان مالكي المذهب، وفي هذا السبيل نقل ابن فرحون أن أبا القاسم الشافعي عزاه \" في شيوخ المالكيين الذين لقيهم وانتمى إليهم\" (^١).\nوالثاني: أنه بصري المنزل والمحل (^٢).\nوهذان الأمران يكشفان عن مذهبه الفقهي بجلاء: فهو مالكي المذهب، على طريقة المدرسة المالكية بالعرق، وقد تقدم الحديث عن مدارس المذهب المالكي في المبحث السابق.\nومن الغريب اللافت للنظر - حقا - أن أبا الفضل نُسب إليه القول بغلق باب الاجتهاد بعد المائتين، إذ نقل ذلك الإمام ابن حزم، فقال في الإحكام: \"وكقول بكر بن العلاء القشيري المالكي: إن بعد سنة مائتين قد استقر الأمر، وليس لأحد أن يختار \" (^٣) ونحو ذلك نقل عنه ابن قيم الجوزية في إعلام الموقعين، ونصه: \" وقال بكر بن العلاء القشيري المالكي: ليس لأحد أن يختار بعد المائتين من الهجرة \" (^٤)، وغرابة هذا الرأي والمسلك، من وجهين:\nالأول: أنه لا ينسجم مع البيئة العلمية التي عاش ونشأ فيها أبو الفضل، فقد كانت بيئة العراق الفقهية والعلمية، تتمتع بقدر كبير من اعتبار الرأي، والنظر والتحليل والمقايسات، وشيخه القاضي إسماعيل أحد أشهر رموز المدرسة المالكية بالعراق، قد أخذ بكثير من هذه السمات، التي ميزت المدرسة العراقية عن سائر المدارس المالكية الأخرى، وقد تقدم في المبحث السابق الإلمام بطرف من هذا المعنى.\n_________\n(^١) الديباج المذهب ص ١٠٠.\n(^٢) ينظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٥/ ٢٧٠) والوافي بالوفيات (١٠/ ١٣٦) والعبر في خبر من غبر (٢/ ٢٦٩) وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٣٧) والديباج المذهب ص ١٠٠، ومرآة الجنان (٢/ ٣٣٦) وشذرات الذهب (٢/ ٢٦٦) وشجرة النور الزكية ص ٧٩.\n(^٣) الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٦٠٤).\n(^٤) أعلام الموقعين عن رب العالمين (٢/ ١٩٦) وانظر كذلك: إرشاد النقاد للصنعاني ص ٢٧.","vol":"1","page":159},{"text":"¬الثاني: أن أبا الفضل كانت له في كتابه أحكام القرآن - محل هذه الدراسة - نظرات في معاني القرآن الكريم، واختيارات في دلالاته، وترجيحات كثيرة بين أقوال السلف، حيث كان يقوي بعضها على بعض، ويختار منها، ويدفع بعضها إن بان له ضعفها، على ما سيرد ذكرها - إن شاء الله تعالى - في الفقرة الخاصة باختياراته وترجيحاته (^١).\nوعليه؛ فربما كان قصده التشديد في فتح باب الاجتهاد، لكثرة الأهواء والمبتدعات، حتى تُحْصَر دائرة الاجتهاد فيما لا يخرج عن أقاويل السلف، إما اختيارا من بينها، أو تخريجا وبناء عليها، قال ﵀ في مقدمة الكتاب: \" حدث في القرن الرابع من هذه الأمة ومن تلاهم، قوم مُسْتَخِفون بقول السلف، وله هاجرون، وعلى مذاهبهم زارون، يحدثون أنفسهم أن أسد الجواب ما استخرجوه، وأعلاه ما استنبطوه، أخذوا ذلك عن أهل الزيغ، لا يعرجون على الرواية، ولا يلتفتون إلى باطن التلاوة، ويرون أنهم يساوون السلف في العلم بالكتاب، طعنا بذلك على إخوان المصطفى الذين فارقهم على الصدق والوفاء، والطهارة والتقى، ولو أخذوا ذلك عمن شاهد الوحي ونزل القرآن بلغته؛ لكانت هذه الطائفة قد سلكت سبيل الصواب، وصادفت سديد الجواب، ولعَلِمتْ أن عقول من تقدمهم تربى على عقولهم، وأفهامهم تزيد على أفهامهم، ولكنهم لما خالطوا أهل الكلام وجانبوا الورع، وصار القصد: الغلبة بالجدل المحض، منعهم الله التوفيق، وحاد بهم عن الطريق .... قال القاضي: والقرآن كله قد أحكم، وعرفت أحكامه، فما أُخرَ بيانه عن الحاجة إليه، فقد بيّن ما أراد الله به من عموم وخصوص، وظاهر وباطن، وغير ذلك من وجوهه وتصرفاته، ولم يوقف - فلا يعمل به - على من يأتي بعد مائتين وثلاثمائة سنة، فبينه حتى يضع كتبا يقول فيها: البيان الأول والثاني والثالث من البيان، وهذا ما لايجوز أن يقدم عليه إلا جبريل - ﵇ - عن الله ﷿ بل قد عمل به السلف، واتبعهم على ذلك الثاني والثالث من الخلف، وهم عارفون بأقدارهم، مقتدون بهم، وكفى بالرجل نقصا؛ أن يرى أنه قد علم من كتاب الله ﷿ ما قصر عن علمه الصحابة والتابعون، أو يرى أنه فوقهم علما أو فهما، أو يظن أنه مثلهم، لقد خاب وخسر\" (^٢).\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: ص ١٧٠.\n(^٢) ينظر: مقدمة المؤلف اللوحة رقم [٣].","vol":"1","page":160},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-88>المطلب الثالث: مكانته العلمية</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>أولا: مكانته العلمية</span>.\nتجمع المصادر التي ترجمت لأبي الفضل، بأنه كان فقيها في مذهب مالك، وأنه برع في التصانيف المتنوعة في الأصول والفروع، فقد عده صاحب الديباج المذهب، في أول الطبقة الخامسة \" الذين انتهى إليهم فقه مالك ولم يروه، ولم يسمعوا منه، والتزموا مذهبه من العراق\" (^١).\nوقال الذهبي في كتابه: العبر في خبر من غبر، في معرض الثناء عليه: \" العلامة أبو الفضل القشيري، البصري المالكي، صاحب التصانيف في الأصول والفروع\" (^٢).\nيضاف إلى ما تميز به من رئاسة في الفقه أنه كان - أيضا - \" راوية للحديث عالما بماله من العلل \" (^٣)، وكتابه محل الدراسة يشهد له بهذا، فقد تضمن روايات مسندة عنه، كما تضمن كلاما له عن بعض علل السند والمتن، وسيأتي بيان ذلك - إن شاء الله مفصلا في الفصل الخاص بمنهجه.\nويذكر صاحب الديباج المذهب أن أبا الفضل القشيري، لما انتقل إلى القاهرة في آخر حياته أدرك بها منزلة عالية، يقول: \" وخرج من العراق لأمر اضطره، فنزل مصر قبل الثلاثين والثلاثمائة، وأدرك فيها رئاسة عظيمة \" (^٤).\nوجانب آخر يكشف عن مكانة أبي الفضل، أن أهل العلم احتجوا بكلامه وآرائه، وبين يدي نص قيم له أكثر من دلالة، فقد أورد الزيلعي نقلا عن أبي الفضل نصا يتعلق بتوهين خبر الغرانيق، وأجدني مضطرا - مع طول النص - لنقله كاملا، قال الزيلعي وهو يتكلم عن بطلان هذه القصة: \" وصَدَقَ القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال: لقد بُلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير، وتعلق بذلك الملحدون، مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته، فقائل يقول: إنه في الصلاة، وآخر يقول: قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة، وآخر يقول: قالها وقد أصابته سنة، وآخر يقول: بل حدث نفسه فَسَها، وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه، وأنه ﵇ لما عرضها على جبريل قال: ما هكذا أقرأتك، وآخر يقول: بل علمهم الشيطان أنه - ﷺ - قرأها، فلما بلغ النبي ذلك قال: والله ما هكذا أنزلت، إلى غير ذلك من اختلاف الرواة، ومن حكيت عنه هذه الحكاية من المفسرين وغيرهم، لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم ضعيفة، والمرفوع فيها حديث البزار، وقد بين البزار أنه لا يُعرف من طريق يجوز ذكره، سوى ما ذكر، وفيه من الضعف ما فيه، مع وقوع الشك، وحديث الكلبي الذي أشار إليه، لا تجوز روايته لكذبه، وقوة ضعفه، والذي منه في الصحيح: أنه ﵇ قرأ والنجم وهو بمكة، فسجد وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس، انتهى، هذا توهينه من جهة النقل، ثم ذكر توهينه من جهة المعنى، بوجوه كثيرة يطول ذكرها \" (^٥) أ. هـ.\nوفي الحق، فهذا النص قيم جدا يكشف بجلاء عن تمكن أبي الفضل من علم الكتاب والسنة.\nومما يُبين عن مكانته أنه تولى منصب القضاء بنواحي العراق، واشتهر بها حتى أصبح ملازما لاسمه (^٦).\n_________\n(^١) الديباج المذهب ص ١٠٠.\n(^٢) العبر في خبر من غبر (٢/ ٢٦٩)، ونحوه ما ورد في شذرات الذهب (٢/ ٣٦٦).\n(^٣) الديباج المذهب ص ١٠٠.\n(^٤) الديباج المذهب ص ١٠٠.\n(^٥) تخريج الأحاديث والآثار (٢/ ٣٩٣).\n(^٦) ينظر: الوافي بالوفيات (١٠/ ١٣٦) وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٣٧) والديباج المذهب ص ١٠٠.","vol":"1","page":161},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-90>ثانيا: شيوخه وتلاميذه</span>\nلقد اجتمع لأبي الفضل القشيري، عاملان رئيسان أثرا في مكانته العلمية؛ عامل الزمان، وعامل المكان، فقد عاش ﵀ في أحد أزهى العصور من الناحية العلمية، وأكثرها نضجا وازدهارا من الناحية المعرفية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: فقد كان مقامه بالعراق بلاد الرافدين، حيث حاضرة الإسلام، وعاصمة الثقافة والعلم، مدينة بغداد مدينة السلام، وصدق بكر بن عَيَّاش إذ يقول: \" الإسلام ببغداد، وإنها لصيادة تصيد الرجال، ومن لم يرها لم ير الدنيا \" (^١).\nفلا غَرْوَ - والحال هذه - أن تكون العراق منزل أهل العلم، وقبلة طلابه، وقد ظهر أثر هذا على عدد ممن سمع منهم، أو أخذوا عنه، يصور هذا ابن فرحون بقوله: \" حدث عنه من لا يعد كثرة من: المصريين، والأندلسيين، والقرويين، وغيرهم\".\n*<span data-type=\"title\" id=toc-91> أولا: شيوخه</span>.\nسيكون من الصعب حصر من سمع منهم، وأخذ عنهم أبو الفضل، وهو في العراق حاضرة الدولة الإسلامية، يَرِدُها من لا يحصى كثرة من العلماء، وقد نَصَّت المصادر على عَدَدٍ ممن لقيهم وأخذ عنهم، وفي كتابه: أحكام القرآن، ذكر عددا ممن روى عنهم وسمع منهم، وسأقتصر على من له رواية في هذا الكتاب، مكتفيا بطرف يسير من ترجمتهم:\n\" القاضي إسماعيل بن إسحاق بن حماد.\nسيأتي في الفصل الثاني (^٢) حديث أبسط من هذا عن القاضي إسماعيل، باعتباره مؤلف كتاب أحكام القرآن الأصل، الذي اختصره أبو الفضل القشيري في هذا الكتاب محل البحث، وإنما الذي له تعلق بهذا الجزء من الدراسة هو: هل صح سماع أبي الفضل القشيري من القاضي إسماعيل، أم لا؟ فقد نقل القاضي عياض عن الفرغاني وغيره، أن أبا الفضل: \" لم يدرك إسماعيل، ولا سمع منه، وقد حدث بكر عن إسماعيل في كتبه بالإجازة \" (^٣)، ولم يستبعد ﵀ احتمال أن يكون قد سمع من القاضي إسماعيل، وهذا هو الظاهر، وذلك لأمرين:\nالأول: أن أبا الفضل قد أدرك القاضي إسماعيل، في وقت يجوز سماعه منه، فقد توفي القاضي إسماعيل في عام ٢٨٢ هـ وولد أبو الفضل في عام ٢٦٤ هـ، أي أنه كان وقت ذاك في أواخر العقد الثاني، وهذا المعنى أشار إليه القاضي عياض، وتبعه ابن فرحون حيث قالا: \" ولا يبعد سماعه من إسماعيل، إذ قد أدركه بالسن كما تراه، في وفاته وسنه\" (^٤).\nالثاني: أن أبا الفضل صرح بسماعه من القاضي إسماعيل، في كتابه أحكام القرآن في أربعة مواضع (^٥)، فقال مرة: أخبرنا (^٦)، وقال في أخرى: أخبرناه (^٧).\n_________\n(^١) تاريخ بغداد (١/ ٤٧) ..\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: ص ٨٢.\n(^٣) الديباج المذهب ص ١٠٠.\n(^٤) المرجع السابق.\n(^٥) يقتصر هذا الإحصاء على القدر الذي قمت بتحقيقه من الكتاب.\n(^٦) ذكر ذلك في المواضع الآتية:\n١. في سورة النور عند الآية رقم (٣).\n٢. في سورة النور عند الآية رقم (٣٢).\nفي سورة الجن رقم (٩).\n(^٧) ذكر ذلك في موضع واحد في سورة النور عند الآية رقم (٦).","vol":"1","page":162},{"text":"¬\" إبراهيم بن فهد بن حكيم الساجي.\nهو: إبراهيم بن فهد بن حكيم الساجي، أبو إسحاق البصري، قال ابن عدي: وسائر أحاديث إبراهيم بن فهد مناكير، وهو مظلم الأمر، وقد بين أبو نعيم سبب ذلك بقوله: ذهبت كتبه وكثر خطؤه لرداءة حفظه.\nوهو أحد شيوخ المؤلف الذين سمع منهم، وله رواية في كتابه أحكام القرآن، حيث أسند أبو الفضل من طريقه حديثا واحدا (^١).\nتوفي بالبصرة سنة ٢٨٢ هـ (^٢).\n\" محمد بن العلاء بن زياد القشيري.\nهو: محمد بن العلاء بن زياد بن الوليد القشيري، والد المؤلف، لم أجد له ترجمة سوى ما ورد في ترجمة ابنه أبي الفضل القشيري.\nوهو أحد شيوخ المؤلف الذين سمع منهم، وله رواية في كتابه أحكام القرآن، حيث أسند أبو الفضل من طريقه حديثا واحدا (^٣).\n\" سهل بن عبد الله التُسْتَري.\nهو: سهل بن عبد الله بن يونس التستري، نسبة إلى تستر من كور الأهواز من خوزستان، أبو محمد الصوفي، له كلمات نافعة ومواعظ حسنة، وقدم راسخ في الزهد.\nواشتهر عن المؤلف القشيري ملازمته له، وروايته لكلماته ومواعظه، نص على ذلك الذهبي في السير (^٤)، لكنه لم يرو عنه أثرا مسندا في كتابه أحكام القرآن، وإنما حكى بعض أقواله ومواعظه (^٥).\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: ص ٣٥٠.\n(^٢) ينظر: الكامل في الضعفاء (١/ ٢٧٠) وطبقات المحدثين (٣/ ١٥٨) ولسان الميزان (١/ ٩١).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: سورة الأحقاف آية رقم (٤).\n(^٤) ينظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٣٨).\n(^٥) ينظر من هذه الرسالة: سورة الكهف آية رقم (١١٠).","vol":"1","page":163},{"text":"¬توفي ﵀ سنة ٢٨٣ هـ (^١).\n\n\" زياد بن الخليل التَّسْتري.\nهو: زياد بن الخليل التستري، أبو سهل، حَدّث ببغداد ثم صار إلى البصرة، قال الحاكم: لا بأس به، وذكره الدارقطني، وقال: لا بأس به.\nوهو أحد شيوخ المؤلف الذين سمع منهم، وله رواية في كتابه أحكام القرآن، حيث أسند أبو الفضل من طريقه حديثا واحدا (^٢).\nتوفي أبو سهل بالبصرة سنة ٢٨٥ هـ، وقيل: مات بالحج سنة ٢٨٦ هـ (^٣).\n\" محمد بن الحسين بن مكرم.\nهو: محمد بن الحسين بن مكرم البغدادي، أبو بكر البصري، وثقه الدارقطني، وقال ابن فهد: ما قدم علينا من بغداد أعلم بحديث رسول الله - ﷺ - من أبي بكر بن مكرم.\nوهو أحد شيوخ المؤلف الذين سمع منهم، وله رواية في كتابه أحكام القرآن، حيث أسند أبو الفضل من طريقه حديثا واحدا (^٤).\nتوفي بالبصرة سنة ٣٠٩ هـ (^٥).\n\" محمد بن أحمد بن سهل البرنكاني.\n_________\n(^١) ينظر: صفة الصفوة (٤/ ٦٤) وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٣٠) ..\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة النور آية رقم (٦).\n(^٣) ينظر: سؤالات الحاكم ص ١١٧ وتاريخ بغداد (٨/ ٤٨١).\n(^٤) ينظر من هذه الرسالة: سورة الأحقاف آية رقم (٤) ص ٢٨٥.\n(^٥) ينظر: تاريخ بغداد (٢/ ٢٣٣) وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٨٦).","vol":"1","page":164},{"text":"¬هو: محمد بن أخمد بن سهل البرنكاني، ويقال: البركاني، أبو عبد الله القاضي المالكي البصري، ولي القضاء بفارس والبصرة، وألف كتابا كبيرا في فضائل مالك وأخباره.\nعده ابن فرحون من شيوخ المؤلف (^١)، وهو كذلك، فقد أسند أبو الفضل في كتابه أحكام القرآن، من طريقه حديثا واحدا (^٢).\nتوفي ﵀ بالبصرة سنة ٣١٠ هـ (^٣).\n\" إبراهيم بن حماد بن إسحاق الأزدي.\nهو: إبراهيم بن حماد بن إسحاق الأزدي، مولاهم، أبو إسحاق البصري، كان ﵀ إماما ثقة عابدا، قال الدارقطني: ثقة جبل، وقال الجراحي: ما جئته إلا وجدته يقرأ، أو يصلي.\nعده ابن فرحون من شيوخ المؤلف (^٤)، وهو كذلك، فقد أسند أبو الفضل في كتابه أحكام القرآن، من طريقه عددا من الأحاديث بلغت ثلاثة أحاديث (^٥).\nتوفي أبو إسحاق البصري سنة ٣٢٣ هـ (^٦).\n\" محمد بن إبراهيم بن خُشْنَام الأصبهاني\nهو: محمد بن إبراهيم بن خُشْنَام، أبو عبد الله الأصبهاني، قدم بغداد، وحدث بها عن يوسف بن عدي، وروى عنه محمد بن مخلد الدوري (^٧).\n_________\n(^١) الديباج المذهب ص ١٠٠.\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة طه آية رقم (١٢).\n(^٣) ينظر: الديباج المذهب (٢/ ٢٤٢) وتاريخ دمشق (٥١/ ٤٨).\n(^٤) الديباج المذهب ص ١٠٠.\n(^٥) ينظر من هذه الرسالة: سورة المؤمنون الآية (٦٠)، وسورة النور في موضعين من الآية (٦).\n(^٦) ينظر: تاريخ بغداد (٦/ ٦١) وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٣٥).\n(^٧) ينظر: تاريخ بغداد (٥/ ٢٥٢).","vol":"1","page":165},{"text":"¬عده القاضي عياض من شيوخه (^١)، وهو كذلك، فقد أسند أبو الفضل في كتابه أحكام القرآن، من طريقه حديثا واحدا (^٢).\n\" محمد بن يوسف بن حماد.\nهو: محمد بن يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد، أبو عمر القاضي، قال الخطيب: لا نظير له عقلا وحلما وذكاء وتمكنا ... وحسن التأني في الأحكام، والحفظ لما يجري تحت يده.\nعده القاضي عياض وبن فرحون من شيوخ المؤلف، وهو كذلك، فقد أسند أبو الفضل من طريقه حديثا واحدا.\nتوفي سنة ٣٢٠ هـ (^٣).\n\" أبو مسلم الكجي.\nهو: إبراهيم بن عبد الله بن مسلم بن ماعز البصري، أبو مسلم الكجي، قال عنه الطرابلسي: الحافظ المسند صاحب كتاب السنن.\nعده الذهبي في شيوخ المؤلف، وهو كذلك، فقد أسند أبو الفضل من طريقه حديثا واحدا.\nتوفي سنة ٢٨٢ هـ (^٤).\n\" أحمد بن موسى السامي.\n_________\n(^١) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧١) وينظر: الديباج المذهب ص ١٠٠.\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة الطلاق الآية رقم (٢).\n(^٣) تاريخ بغداد (٣/ ٤٠١).\n(^٤) ينظر: الثقات (٨/ ٨٩) وتاريخ بغداد (٦/ ١٢٠) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٢٠).","vol":"1","page":166},{"text":"¬هو: أحمد بن موسى السامي، لم أعثر له على ترجمة، إلا ما ذكره الذهبي في ترجمة أبي الفضل القشيري، حيث عده من شيوخه، وقال: \" سمع الموطأ من أحمد بن موسى السامي\" (^١).\nوهو أحد شيوخ المؤلف الذين سمع منهم، فمرة جاء في الكتاب أنه قال: أحمد بن موسى السامي، ومرة جاء فيها قوله: الشامي، وله رواية في كتابه أحكام القرآن، حيث أسند أبو الفضل من طريقه ثلاثة أحاديث (^٢).\n\" جعفر بن الليث، ومحمد بن يحيى بن حبان.\nلم أعثر لهما على ترجمة، وهما من شيوخ المؤلف الذين، لهم رواية في كتابه أحكام القرآن، حيث أسند أبو الفضل من طريقهما حديثا واحدا (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-92> ثانيا: تلاميذه</span>.\nهذا العمر المديد الذي عاشه أبو الفضل القشيري، نحوا من ثمانين سنة، قضاها في محراب العلم عالما متعلما، جعله قبلة لطلاب العلم، وأهل الرواية، خصوصا من أهل المذهب، يصور هذا ما قاله القاضي عياض وهو يترجم لأبي الفضل قال ﵀: \" حدث عنه من لا يعد كثرة، من المصريين، والأندلسيين، والقرويين، وغيرهم \" (^٤).\nومن أشهر تلاميذه:\n\" الأدفوي.\nهو: أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأدفوي، مفتي الديار المصرية، كان ﵀ مقرئا مفسرا نحويا.\nولأبي بكر الأدفوي مكانة خاصة، فهو الذي سمع كتاب أحكام القرآن من أبي الفضل القشيري مشافهة، وقد نص الأدفوي على ذلك في نفس الكتاب في مواضع كثيرة (^٥)، وبين فيها مكان السماع وزمانه، فكان في كل مرة يقول: أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي البصري، قراءة عليه في منزله بمصر سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة.\nوالأدفوي كان إماما مفسرا نحويا فقيها، ألف في التفسير كتابا اسمه: الاستغناء، استفاد فيه مما حصله من شيخه أبي الفضل القشيري (^٦).\n\" عمر بن عراك الحضرمي.\nهو: عمر بن محمد بن عراك بن محمد الحضرمي، أبو حفص المصري، إمام جامع مصر، وكان عالما برواية ورش، أستاذا فيها، عده ابن فرحون ممن أخذ عن أبي الفضل القشيري (^٧)، توفي سنة ٣٨٨ هـ (^٨).\n_________\n(^١) ينظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٣٨).\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة المؤمنون آية رقم (١).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: سورة طه، آية (١٤).\n(^٤) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧١) وينظر: الديباج المذهب ص ١٠٠.\n(^٥) سيأتي في المبحث التالي في الفقرة الخاصة بتوثيق الكتاب، بيان المواضع التي نص فيها الأدفوي على سماعه من أبي الفضل لكتابه أحكام القرآن.\n(^٦) ينظر: الأدفوي مفسرا، رسالة ماجستير تقدم بها: عبد الله كحيلان، لقسم القرآن وعلومه بجامعة الإمام عام ١٤٠٥ هـ.\n(^٧) الديباج المذهب ص ١٠٠.\n(^٨) ينظر: غاية النهاية (١/ ٥٩٧) ومعرفة القراء الكبار (١/ ٢٨٥).","vol":"1","page":167},{"text":"¬\" أبو عمر بن عيشون.\nهو: محمد بن عمر بن سعد بن عيشون، وسمع من شيوخ بلده، وبمكة، ومصر، والشام، والقيروان، وروى عنه ابن أصبغ وأبو الأصبغ الجزم وابن أبي درهم وابن الفرضي وغيرهم كثير، فقيه حافظ للمسائل ولي قضاء بلده.\nوقد نص القاضي عياض وابن فرحون على أن أبا الفضل القشيري، من شيوخه (^١).\n\" الحسن بن رشيق.\nهو: الحسن بن رشيق المعدل، أبو محمد العسكري المصري، مسند مصر ومحدثها، توفي سنة ٣٧٠ هـ (^٢).\n\" عبد الرحمن بن عمر بن النحاس.\nهو: عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن سعيد التجيبي، المالكي المصري، مسند مصر ومحدثها، توفي سنة ٤١٦ هـ (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: ترتيب المدارك (٥/ ٢٧١) والديباج المذهب ص ٢٥٥.\n(^٢) ينظر: تذكرة الحفاظ (٣/ ٩٥٩) وسير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٨٠)\n(^٣) ينظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٣١٣).","vol":"1","page":168},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-93>المطلب الرابع: آثاره ووفاته</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>أولا: آثاره</span>.\nترك أبو الفضل القشيري عددا من المؤلفات التي تدل - مع كثرتها - على تنوع معارفه، وتعدد مواهبه، ولقد كان هذا التعدد والتنوع، لافتا لنظر بعض من ترجم له وعرف به، ولذا وجدناهم يشيرون إلى هذه السمة عند أبي الفضل، فهذا القاضي عياض وابن فرحون يذكران أنه ألف كتبا جليلة، ثم أخذا في عدها (^١)، وصاحب الوفيات يقول: ألف في المذهب كتبا جليلة، والذهبي وابن العماد يقولان عنه: صاحب التصانيف في الأصول والفروع.\nوالمصادر التاريخية وإن تكن شحيحة في ترجمتها لأبي الفضل، فقد ذكرت قدرا طيبا من مؤلفات أبي الفضل القشيري، منها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>في علم الكتاب والسنة:</span>\n١. كتاب أحكام القرآن.\n٢. كتاب من غلط في التفسير والحديث.\n٣. ومسألة باسم الله الرحمن الرحيم.\n٤. كتاب ما في القرآن من دلائل النبوة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>في العقيدة:</span>\n١. كتاب تنزيه الأنبياء ﵈.\n٢. كتاب الرد على القدرية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>في الفقه وأصوله:</span>\n١. كتاب الأشربة.\n٢. ومسألة الرضاع.\n٣. كتاب أصول الفقه.\n٤. كتاب القياس.\n٥. كتاب مأخذ الأصول.\n٦. كتاب الرد على المزني.\n٧. كتاب الرد على الشافعي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>وكتب أخرى:</span>\nرسالة إلى من جهل محل مالك بن أنس في العلم.\n_________\n(^١) ينظر: ترتيب المدارك (٥/ ٢٧٠) والديباج المذهب ص ١٠٠.","vol":"1","page":169},{"text":"¬وسواها مما لم تنقله كتب التراجم والسير، وهذا القدر الطيب الذي خلفه أبو الفضل القشيري ﵀ يكشف عددا من السمات في شخصيته العلمية والمعرفية، منها:\nأولا: تدل هذه الكتب على التنوع المعرفي والعلمي عند أبي الفضل، هذا التنوع والتعدد الذي يجده من يقرأ عناوين هذه المصنفات، فقد ضرب بسهمه في التفسير، والحديث، والعقيدة، والفقه وأصوله.\nثانيا: تشير هذه المصنفات - أيضا - إلى العناية الفائقة بالفقه ومسائله، فقد كانت جلها في الفقه وأصوله، وهذا منسجم تماما مع المدرسة المالكية في العراق، التي اعتنت بتحرير المسائل، والبناء على الأصول، تبعا للبيئة العلمية التي ظهرت فيها.\nثالثا: لا تخطئ العين رؤية تلك المؤلفات العديدة في الرد على المخالفين، ولا سيما من أهل المدرستين الحنفية والشافعية، وقد شمل هذه الرد مؤسس المدرسة الشافعية، وكذلك أحد أركانها المزني، وتناول أيضا أبا جعفر الطحاوي أحد كبار أئمة الحنفية المعاصرين له، ولم يكن مثل هذا النوع من التأليف مستغربا على البيئة العراقية التي ضمت بين جنباتها المذهب الأربعة جميعا، بأصحابها المدافعين عنها الرادّين على المخالفين قولهم، فهي بيئة تستوفز - بهذا الاختلاط بين المذاهب - همم العلماء على الرد والمجادلة.\nرابعا: ويَلْحَظُ أيضا من ينظر في هذه المؤلفات، أنها تناولت جوانب دقيقة من العلوم التي تندرج تحتها، ففي التفسير والحديث، تناول من غلط فيهما، وفي العقيدة تناول مسألة دقيقة جدا في الرد على أهل القدر، وعصمة الأنبياء، وهذا يلقي مزيدا من الضوء على التكوين العلمي الذي تميز به أبو الفضل بكر بن محمد القشيري، وانطبعت آثاره على كتابه أحكام القرآن.\nومن المؤسف حقا أن هذه الكتب القيمة التي ألفها أبو الفضل، وسواها كثير مما تركه لنا سلفنا ﵏ وجمعنا بهم - قد ذهبت مع ما فُقِدَ من تراثنا، فلم يبق من كتب أبي الفضل جميعا، إلا كتاب أحكام القرآن، الذي هو محل الدراسة في هذه الرسالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>ثانيا: وفاته</span>.\nتكاد المصادر التاريخية وفي جملتها كتب تراجم فقهاء المالكية، تجمع أنه توفي في شهر ربيع الأول، من سنة أربع وأربعين وثلاثمائة للهجرة النبوية (^١)، ويتميز القاضي عياض فيكون أكثر دقة وتحديدا، فيحدد اليوم والليلة، حيث يقول: \" توفي ليلة السبت لسبع بقين من ربيع الأول\" (^٢).\nوانفرد صاحب الوافي بالوفيات بين المصادر كلها؛ فذكر أنه توفي في سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة للهجرة، وتابعه صاحب شذرات الذهب على هذا (^٣)، والظاهر أنه توفي سنة أربع وأربعين، وذلك لأنه قول أكثر أهل التراجم عموما، وقال به - أيضا - من ألف في طبقات المالكية خصوصا.\nودفن ﵀ رحمة واسعة بالمقطم بالقاهرة (^٤).\n_________\n(^١) منها: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٥/ ٢٧٠) وتاريخ الإسلام (٣٣١ - ٣٥٠) والعبر في خبر من غبر (٢/ ٢٦٩) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٣٧) الديباج المذهب ص ١٠٠، وطبقات المفسرين للداودي (١/ ١٢٠) مرآة الجنان (٢/ ٣٣٦) وهدية العارفين (١/ ٢٣٤) شجرة النور الزكية ص ٧٩، وحسن المحاضرة (١/ ٤٥٠) وترتيب المدارك للقاضي عياض (٥/ ٢٧٠).\n(^٢) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧٢) وينظر: الديباج المذهب ص ١٠٠.\n(^٣) ينظر: الوافي بالوفيات (١٠/ ١٣٦) وشذرات الذهب (٢/ ٣٦٦).\n(^٤) الديباج المذهب ص ١٠٠.","vol":"1","page":170},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-100>الفصل الثاني: دراسة عن الكتاب</span>.","vol":"1","page":171},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-101>المبحث الأول: التعريف بالكتاب</span>.\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: اسم الكتاب، وتوثيق نسبته إلى المؤلف.\nالمطلب الثاني: النسخ الخطية ووصفها.\nالمطلب الثالث: مصادر المؤلف.\nالمطلب الرابع: القيمة العلمية للكتاب.","vol":"1","page":172},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-102>المطلب الأول: اسم الكتاب، وتوثيق نسبته إلى المؤلف</span>.\nأولا: اسم الكتاب:\nتشير غالب المصادر التي ترجمت للقاضي أبي الفضل القشيري، إلى كتابه أحكام القرآن، وقد تقاربت عباراتهم في الإشارة إليه وتسميته:\nفأصرح ما ورد في تسميته، ما ذكره ابن خير الإشبيلي قال: \" كتاب أحكام القرآن لبكر بن العلاء القشيري، وهو مختصر كتاب إسماعيل القاضي\" (^١).\nوأسماه ابن فرحون: \" كتاب الأحكام، المختصر من كتاب إسماعيل بن إسحاق والزيادة عليه \" (^٢).\nوأسماه الداودي في طبقات المفسرين: \" كتاب أحكام القرآن، المختصر من كتاب إسماعيل بن إسحاق، بالزيادة عليه .. \" (^٣).\nوأشار إليه في الوافي بالوفيات دون تسميته قال: \" وصنف في المذهب كتبا جليلة: كتابا في الأحكام ... \" (^٤) ومثله فعل الزركشي في البرهان (^٥)، والسيوطي في الإتقان (^٦).\nأما المؤلف نفسه فلم يبن اسم الكتاب بشكل صريح، وإنما قال في مقدمة كتابه\" فإني اختصرت في كتابي هذا أحكام القرآن ... \" (^٧) وقال في خاتمة الكتاب: \" هذا آخر كتاب الأحكام، اختصرته من كتاب إسماعيل بن إسحاق ﵀ \" (^٨).\n\nويقوى في الظن أن يكون اسم الكتاب: «أحكام القرآن» وذلك لثلاثة أمور:\nالأول: وروده بهذه التسمية الصريحة في بعض المصادر: كالفهرست، وطبقات المفسرين، على ما تقدم في أعلاه.\nالثاني: أنه كُتِب على طرّة المخطوط: أحكام القرآن للقاضي بكر القشيري، وفي بداية الجزء الثاني كُتِب: الثاني من أحكام القرآن، ومما يزيد الثقة بهذه الكتابة أنها خط ناسخ الكتاب نفسه.\nالثالث: أن هذه التسمية أعني: \" أحكام القرآن \" هي التسمية المألوفة، المستعملة في ذلك الوقت، وقد تقدم في التمهيد من هذه الرسالة ذكر بعض تلك المؤلفات التي تحمل نفس هذه التسمية (^٩).\n\nوأما مطابقة التسمية لمحتوى الكتاب ومضمونه، فقد كانت تامة وافية، فمادة الكتاب كلها، تتناول آيات الأحكام بالشرح والبيان، لم تخرج عنها.\n_________\n(^١) الفهرست ص ٥٢.\n(^٢) الديباج المذهب ص ١٠٠.\n(^٣) طبقات المفسرين (١/ ١٢١)\n(^٤) الوافي بالوفيات (١٠/ ١٣٦).\n(^٥) البرهان في علوم القرآن (٢/ ١٢٧).\n(^٦) الإتقان في علوم القرآن (٢/ ١٠٣٧).\n(^٧) ينظر من المخطوط اللوحة رقم (٢).\n(^٨) ينظر من هذه الرسالة: ص ٨٥٩\n(^٩) ينظر من هذه الرسالة: ص ٢٣.","vol":"1","page":173},{"text":"¬ثانيا: توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف.\nيمكن توثيق نسبة كتاب أحكام القرآن إلى القاضي أبي الفضل القشيري، من طريقين:\nالطريق الأول: من كتب التراجم والمصادر التأريخية.\nحيث تشير غالب المصادر التاريخية التي ترجمت لأبي الفضل القشيري، إلى أنه ألف كتابا في أحكام القرآن:\nفهذا القاضي عياض يقول: \" وألف بكر كتبا جليلة، منها: كتاب الأحكام المختصر من كتاب إسماعيل بن إسحاق والزيادة عليه \" (^١)، وبنحوه قال - أيضا - ابن فرحون. (^٢)\nوالذهبي يشير إلى كتابه مثنيا عليه بقوله: \" ومؤلفه في الأحكام نفيس\" (^٣).\nوكذا قال الداودي في طبقات المفسرين: \" كتاب أحكام القرآن، المختصر من كتاب إسماعيل بن إسحاق، بالزيادة عليه .. \" (^٤).\nوعدا هؤلاء، فقد أشار الزركشي في البرهان (^٥)، والسيوطي في الإتقان (^٦)، ورضا كحالة في معجم المؤلفين (^٧)، وكذلك في معجم المصنفات في علوم القرآن (^٨)، إلى أن القاضي أبا الفضل القشيري قد ألف كتابا في أحكام القرآن.\nوقد نص بعضهم على أنه مختصر من كتاب القاضي إسماعيل، ومنهم من أغفل ذلك فلم يذكره.\nالطريق الثاني: من ذات الكتاب.\nومما يزيد الثقة بصحة نسبة الكتاب إلى القاضي أبي الفضل، حتى لا يدع مجالا للشك؛ أن في ذات الكتاب دلائل قوية على ذلك، منها:\nأولا: ورود اسم أبي الفضل القشيري صريحا، في الكتاب في مواضع كثيرة، بلغت أكثر من عشرين موضعا (^٩)، كان يُذكر فيها في كل مرة: \" قال بكر \".\nثانيا: تصريح راوي الكتاب أبو بكر محمد بن علي الأدفوي، في مواضع كثيرة بأن هذا الكتاب هو مما حدث به أبو الفضل القشيري، مثال ذلك قوله: \" أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأدفوي، قال: أنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءة عليه في منزله بمصر، سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وأنا أسمع ... \" (^١٠).\nثالثا: مما يدل على صحة نسبة الكتاب لأبي الفضل القشيري، ما جاء في خاتمة الكتاب، وفيها: \" قال القاضي بكر: هذا آخر كتاب الأحكام، اختصرته من كتاب إسماعيل بن إسحاق ﵀ ... وأما الكلام فالكثير منه كلام إسماعيل، وربما اختصرته وزدت فيه، وتكلمت بما حضرني، مما ظننت أن إسماعيل لكثرة شغله أغفله، أو لزيادة زِيْدَت علينا بعده\" (^١١).\n_________\n(^١) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧١).\n(^٢) الديباج المذهب ص ١٠٠.\n(^٣) سير أعلام النبلاء (١/ ١٢١).\n(^٤) طبقات المفسرين (١/ ١٢١)\n(^٥) البرهان في علوم القرآن (٢/ ١٢٧).\n(^٦) الإتقان في علوم القرآن (٢/ ١٠٣٧).\n(^٧) معجم المؤلفين.\n(^٨) معجم المصنفات في علوم القرآن (١/ ٩٢).\n(^٩) هذا فقط في الجزء الذي قمت بتحقيقه في هذه الرسالة.\n(^١٠) ينظر من هذه الرسالة: ص ٥٦٩.\n(^١١) ينظر من هذه الرسالة: ص ٨٥٩.","vol":"1","page":174},{"text":"¬رابعا: ويدل - أيضا - على صحة نسبة الكتاب إلى أبي الفضل القشيري، ما جاء فيه من إشارة إلى بعض مؤلفات القشيري نفسه، مثل: كتاب الأشربة، وكتاب الخمس، وكتاب الرد على الشافعي، وكتاب الرد على المزني.\nخامسا: يدل على ذلك - أيضا - ذكر عدد غير قليل من الأحاديث والآثار، المسندة، التي مخرجها من شيوخ المؤلف، مما يقوي الثقة في صحة نسبة الكتاب إليه، وقد ذكرت في الفصل الأول عددا من الشيوخ الذين روى عنهم، وضربت أمثلة على رواياتهم هناك (^١).\nسابعا: من القرائن - أيضا - ما جاء في جلد الكتاب في الجزء الأول والثاني، حيث نسب فيها الكتاب إليه، وهي بخط الناسخ نفسه.\nثامنا: ومن القرائن: أنه قد جرى في الكتاب ذكر بعض العلماء والأئمة، الذين عاصروا القشيري، كابن سريج الشافعي (ت: ٣٠٦) (^٢) وأبي جعفر الطحاوي الحنفي (ت: ٣٢١) (^٣).\n\nوفي الحق فهذه القرائن مجتمعة، تعطي دلالة يقينية، على صحة نسبة هذه الكتاب لأبي الفضل القشيري، فالحمد لله على ذلك.\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: ص ٦٣.\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة المجادلة الآية رقم (١).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: سورة الطلاق الآية رقم (٢).","vol":"1","page":175},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-103>المطلب الثاني: النسخ الخطية ووصفها</span>.\nيوجد للكتاب نسخة فريدة في إحدى المكتبات بتركيا، تقع بين مئات المخطوطات المتنوعة، التي لم تفهرس، ولم توضع للتداول، وفيما يلي وصف هذه النسخة:\nمكان وجودها: توجد هذه النسخة الفريدة في مكتبة: بيازد بدولة تركيا، تحت رقم: (١٨٨٩).\nعدد أجزائها: تقع هذه المخطوطة في جزأين.\nعدد لوحاتها: خمس وعشرون وثلاثمائة لوحة.\nعدد الأسطر: في كل صفحة تسعة عشر سطرا.\nعدد الكلمات في السطر: في كل سطر ما بين تسع كلمات، إلى اثنتي عشرة كلمة.\nراوي النسخة: الإمام أبو بكر محمد بن علي الأدفوي.\nاسم ناسخها: عبد الكافي بن محمد.\nتاريخ نسخها: تم الفراغ من نسخها في ربيع الأول سنة تسع وثمانين وخمسمائة للهجرة.\nنوع الخط: خط نسخ.\nوصف النسخة:\nأولا: هي نسخة كاملة سالمة من الخرم والسقط، والمحو والطمس.\nثانيا: خطها واضح.\nثالثا: يوجد في هوامشها تصحيحات بخط ناسخها.\nرابعا: النسخة مقابلة، إذ يوجد على هامشها بلاغات.\nخامسا: نسخت من نسخة قرأها الإمام أبو بكر الأدفوي على مؤلفها بمصر، عام ٣٤١ هـ.\nسادسا: كثير ما أُسقط الحرفان العاطفان: الفاء والواو، من أوائل الآيات الواردة فيها.\nسابعا: وردت بعض الأسماء والألفاظ مضبوطة بالشكل.\nثامنا: وقعت بعض المواضع التي أغفل فيها الناسخ إثبات الألف الدالة على النصب، نحو: شيئا، حملا، محتجا، وقد بلغت هذه المواضع ثلاثة عشر موضعا، وقد أثبت الألف لدفع توهم الرفع في تلك المواضع.\nتاسعا: يوجد بعض التعليقات وأبيات الشعر في ظهر عنوان الجزء الثاني، ليست ذات صلة بالكتاب ولا موضوعه، منها:\n\" قال رسول الله - ﷺ -: (خير الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام فأمره ونهاه في ذات الله فقتله).\nوقال - ﷺ -: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر).\nووصف - ﷺ - عمر - ﵁ - فقال: (قرن من حديد، لا تأخذه في الله لومة لائم، تركه قول الحق وما له من صديق).\nوروي أن معاوية حبس العطاء، فقام له أبو مسلم الخولاني، فقال له: يا معاوية إنه ليس من كدك، ولا من كد أبيك، ولا من كد أمك، فغضب معاوية ونزل المنبر، وقال لهم: مكانكم، ثم خرج عليهم، وقال: إن أبا مسلم كلمني بكلام فأغضبني، وإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (الغضب من الشيطان، والشيطان خلق من النار، وإنما يطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليغتسل، وإني دخلت واغتسلت، وصدق أبو مسلم، إنه ليس من كدي، ولا من كد أبي، فهلموا إلى عطائكم. أ. هـ.","vol":"1","page":176},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-104>المطلب الثالث: مصادر المؤلف</span>.\n\nمن الصعب استبانة المصادر التي اعتمدها أبو الفضل القشيري في كتابه أحكام القرآن، والموارد التي استقى منها؛ وذلك لأنه لم يُؤلِفْ كتابه ابتداء - حتى يُمكن التعرف على مصادره - وإنما اختصره من كتاب شيخه القاضي إسماعيل، ومن المعروف أن المختصرات تعتمد في جُلِّ مادتها العلمية، على الأصل الذي اخُتُصِرت منه، اكتفاء به عن الرجوع إلى مصادر أخرى.\nوإذا: فالأصل الذي اختصره هو المصدر والأساس له - إن جاز التعبير - ولهذا سيكون من نافلة القول الإشارة إليه.\nعلى أنه وإن تكن الحال ما ذُكر، فقد ألمح المؤلف إلى عدد من المصادر التي استفاد منها وانتفع بها، غير أن ما ذكر منها في كتابه لم يكن كثير العدد، أو بعبارة أدق: لم يكن المنصوص عليه منها عديْدَا.\nويمكن تقسيم تلك المصادر بحسب موضوعاتها إلى ثلاثة مصادر، على النحو الآتي:\n\" مصادر السنن والآثار.\nوكان اعتماد المؤلف في ذكر السنن والآثار والاستشهاد بها على الرواية عن الشيوخ، والسماع من الرواة، فقد عاش ﵀ شطر عمره في أواخر القرن الثالث، وشطره الآخر في أوائل القرن الرابع، وهذان القرنان من القرون التي شهدت عناية كبيرة بالرواية والسماع، ولهذا فالشيوخ الذين اتصل بهم القشيري، وسمع منهم، وروى عنهم، ظهر أثرهم في كتابه، حيث كان يسند بعض الروايات والآثار على نحو ما سمعه من شيوخه، ومن أمثلة ذلك: ما أسنده من طريق: أبيه محمد بن العلاء، ومحمد بن الحسن بن مكرم، عن النبي - ﷺ - في معنى قوله تعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال: حدثنا محمد بن الحسين بن مكرم، وحدثني أبي قالا: حدثنا محمد بن بشار بُنْدار قال: حدثنا يحي بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن صفوان بن سليم، عن أبي سلمة، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - في قوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ قال:؟ الخط؟ (^١).\n\" المصادر الفقهية.\nسيكون من العسير الوقوف على المصادر الفقهية، في كتاب يعتبر الفقه هو أساس مادته، وصلب موضوعه؛ لأن المؤلف سيحتاج إلى النظر في عدد كبير من المصادر الفقهية، المتنوعة بتنوع المذاهب وتعدد الأقوال، ولقد كان أبو الفضل يستعرض في كتابه الخلاف مع المذاهب الفقهية، ولا سيما مع الأحناف والشافعية، فيورد قول أئمة هذين المذهبين - على وجه الخصوص - ويرد عليهم، ويناقشهم في قولهم، ويخطئ رأيهم، وهو في هذا كله، لا ينص على كتاب بعينه، ولا يحيل على مصدر بذاته، مكتفيا بشهرتهم، وظهور أقوالهم بين الناس، ومن أولئك الأئمة الذين أورد قولهم:\n١. أبو حنيفة النعمان.\n٢. محمد بن إدريس الشافعي.\nوقد نقل عنهما أقوالهم فأكثر، لكنه لم يحل على مصدر بعينه، ومن المثال على ما نقله عن أبي حنيفة وأصحابه؛ ما أورده عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ قال أبو حنيفة وأصحابه: إن القاذف إذا تاب لم تقبل شهادته،\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة الأحقاف الآية رقم (٤).","vol":"1","page":177},{"text":"¬واحتجوا بأن الاستثناء لم يقع على كل ما ذكر في القرآن، وأن الدليل على ذلك، أنه لو تاب لم يسقط عنه الحد\" (^١).\nومن مثال إيراده كلام الشافعي ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (^٢) قال: \" وقد حكي عن الشافعي أنه قال في المملوك يسأل سيده المكاتبة: أن ذلك لا يجب على السيد، وأنه إذا كاتبه وجب أن يُجْبر السيدُ، على أن يضع عنه مما عقد عليه الكتابة شيئا ما .. \" (^٣).\nوقد وجدت له موضعا واحدا نص فيه على كتاب الربيع - وهو أحد أشهر الرواة عن الشافعي - قال: \" وزعم الشافعي أن حجته على من ذهب إلى ما روي عن النبي - ﷺ -:؟ أن الماء لا ينجسه شيء؟؛ ما روي عنه - ﷺ - أن الكلب إذا ولغ في إناء غسل سبع مرات، وهو يزعم في كتاب الربيع أنه قال في الكلب بالسنة\" (^٤).\n٣. أبو جعفر الطحاوي.\nومن أولئك العلماء الذين أورد قولهم، وحكى مذهبهم: أبو جعفر الطحاوي الحنفي، فقد أورد عند قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٥) ما نصه: \" وزعم الطحاوي في حكاية ذكرها، أن سهيلا سُئل عن الحديث، فلم يعرفه .. \" (^٦).\n٤. مؤلفاته الأخرى.\nومن المصادر التي اعتمدها القشيري، وأحال عليها في كتابه أحكام القرآن، بعض مؤلفاته الفقهية الأخرى، فنجده في بعض المواضع يشير إليها ويحيل عليها، وربما اكتفى بذلك عن الكلام عن الآية، مثال ذلك ما وقع له في سورة النحل عند قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ (^٧) قال: \" ولنا في هذه الآية: وصف ما كان القوم يفعلون، ثم لما وقع التحريم عُلِم بهذه الآية أن الخمر من هاتين الشجرتين، وقد شرحنا ذلك في كتاب الأشربة \" (^٨).\n٥. مؤلفات القاضي إسماعيل.\nمن مصادره الفقهية - أيضا - كتب شيخه، صاحب الأصل، القاضي إسماعيل، فمع كونه أحد شيوخه الذي سمع منهم، وأخذ عنهم، فقد كان يحيل على بعض مؤلفاته، وربما اكتفى بذلك عن مناقشه قول المخالف، كما وقع في سورة الحشر، عند قوله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ﴾ (^٩) فقد اكتفى بالإحالة على أحد كتب القاضي إسماعيل، ولم يتكلم عن الآية، قال: \" هذه الآية قد تكلم فيها القاضي إسماعيل في: كتاب الخمس، بما لا يحتاج إلى زيادة فيه \" (^١٠).\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة النور الآية (٤).\nومن الأمثلة التي يمكن الرجوع لها للاستزادة ما ذكره المؤلف في الصفحات الآتية: ٣٥٩، ٤٤٦، ٧٠٢.\n(^٢) سورة النور (٣٣).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: سورة النور الآية (٣٣).\nومن الأمثلة التي يمكن الرجوع لها للاستزادة ما ذكره المؤلف في الصفحات الآتية: ٢٣١، ١٩٥، ٤٦٧، ٧٠٤.\n(^٤) ينظر من هذه الرسالة: ص ٤٨٨.\n(^٥) سورة الطلاق (٢).\n(^٦) ينظر من هذه الرسالة: سورة الطلاق الآية (٢).\n(^٧) سورة النحل (٦٧).\n(^٨) ينظر من هذه الرسالة: سورة النحل الآية (٦٧).\n(^٩) سورة الحشر (٦).\n(^١٠) ينظر من هذه الرسالة: سورة الحشر الآية (٦).","vol":"1","page":178},{"text":"¬\" المصادر اللغوية.\nمع أن الكتاب إنما هو في أحكام القرآن، فقد تضمن وقفات حسنة في بعض المباحث اللغوية (^١)، ونقل كلام عدد من كبار أئمة اللغة، مستشهدا به على معاني الآيات الكريمة، ومن أولئك الأئمة الذي أورد قولهم:\n١. أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنى.\n٢. أبو عمرو بن العلاء.\n٣. سيبويه.\n٤. أبو عمر الجَرْمي.\n٥. الأصمعي.\nوسأذكر الأمثلة - إن شاء الله تعالى - على أخذه عنهم، ونقله لكلامهم، في المطلب الخاص بمنهج المؤلف في الاحتجاج بلغة العرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>المطلب الرابع: القيمة العلمية للكتاب</span>.\n\nلعل ما سبق من تعريفٍ بالمؤلف، يكشف لنا عن جانب من قيمة هذا الكتاب، ومكانته العلمية، وفي هذا المطلب سأذكر - بعون الله - عددا من النقاط الدالة على قيمة هذا الكتاب، ومكانته في المكتبة القرآنية، وبين كتب أحكام القرآن خصوصا، وذلك فيما يلي:\nأولا: يدل على القيمة العلمية لهذا الكتاب، مكانة مؤلفه أبي الفضل القشيري، وقد تقدم في الفصل السابق الحديث بالتفصيل عن المكانة العلمية التي تبوأها، وأذكر هنا أن له مكانة علمية خاصة في التفسير، وقد سبق ذكر كلام الزيلعي واستشهاده بكلامه في مسألة تتعلق بالتفسير (^٢)، وهنا أشير - أيضا - إلى أن الإمام القرطبي، استشهد برأيه ووصفه بأنه من المحققين في التفسير الراسخين في العلم، وذلك لما ذكر اضطراب بعض المفسرين في كلامهم عن معنى الخشية في قوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (^٣) ثم بين معنى الخشية هنا بقوله: \" وخشي رسول الله - ﷺ - أن يلحقه قول من الناس، في أن يتزوج زينب بعد زيد وهو مولاه، وقد أمره بطلاقها، فعاتبه الله تعالى على هذا القدر، من أنه خشي الناس في شيء قد أباحه الله له، بأن قال أمسك مع علمه بأنه يطلق، وأعلمه أن الله أحق بالخشية، أي في كل حال، قال علماؤنا - رحمة الله عليهم ـ: وهذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين\n_________\n(^١) سيأتي - إن شاء الله - في المطلب الخامس الكلام عن منهجه اللغوي.\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: ص ٦٢.\n(^٣) سورة الأحزاب (٣٧).","vol":"1","page":179},{"text":"¬والعلماء الراسخين: كالزهري، والقاضي بكر بن العلاء القشيري، والقاضي أبي بكر بن العربي\" (^١).\nثانيا: ومما يشهد لمكانة هذا الكتاب وقيمته العلمية، أنه اختصار لكتاب أحكام القرآن الكبير للقاضي إسماعيل، وستأتي الإشارة إلى مكانة كتاب أحكام القرآن، ومنزلة مؤلفه القاضي إسماعيل في أول المبحث الثاني.\nثالثا: أثنى أهل العلم الذين ترجموا لأبي الفضل القشيري على كتابه أحكام القرآن، فهذا القاضي عياض يقول: \" وألف بكر كتبا جليلة منها: كتاب الأحكام المختصر من كتاب إسماعيل بن إسحاق والزيادة عليه \" (^٢)، ونحو هذا قال ابن فرحون (^٣) وقال الصفدي: \" وصنف في المذهب كتبا جليلة: كتابا في الأحكام والرد على المزني .. \" (^٤)، والذهبي يقول عنه: \" ومؤلفه في الأحكام نفيس\" (^٥).\nويقول ابن أبي زيد القيرواني في وصيته لأحد طلابه: \" ... وإن كانت لك الرغبة في الرد على المخالفين من أهل العراق، وعلى الشافعي، فكتاب ابن الجَهْم إن وجدته، وإلا اكتفيت بكتاب الأَبْهُري إن اكتسبته، ففيه فوائد، وكتاب الأحكام لإسماعيل القاضي، وإلا اكتفيت باختصارها للقاضي ابن العلاء ... \" (^٦)، وهذه شهادة قيمة جدا من أحد أبرز رموز المذهب المالكي وأئمته.\nرابعا: يعتبر كتاب أحكام القرآن للقشيري، من أقدم الكتب التي انتهت إلينا، وصارت بين أيدينا، مما ألف في أحكام القرآن الكريم، ذلك أن مؤلفه أبا الفضل القشيري ﵀ توفي في أوائل القرن الرابع الهجري، عام أربع وأربعين وثلاثمائة للهجرة، وهو بهذا يعتبر من أقدم المؤلفات في أحكام القرآن الكريم.\nخامسا: يتميز أحكام القرآن للقشيري، بسمة بارزة جديرة بالعناية، دالة على قيمته العلمية، هي ما يلاحظه الناظر من عناية كبيرة بآثار السلف وأقوالهم، فلا تكاد تخلو آية من آيات الأحكام التي تكلم عنها، من جملة من الآثار والروايات عن الصحابة والتابعين.\nوأكثر من هذا أنه تضمن عددا من الآثار، التي لم أقف عليها في شيء من المصادر التفسيرية أو الحديثية، وقد أشرت في فهرس الآثار إليها وميزتها عن غيرها.\nسادسا: وسمة بارزة لهذا الكتاب، تزيد من قيمته ومكانته العلمية، ما تضمنه من اختيارات وترجيحات لأبي الفضل القشيري، كان كثيرا ما يختم بها كلامه عن الآية أو المسألة، على نحو دال على رسوخ قدمه في العلم، وعلو كعبه فيه.\nوهذا يدلنا على أن كتاب أبي الفضل القشيري، لم يكن مجرد اختصار على غرار بعض المختصرات، التي اكتفى مؤلفوها بالحذف والاختصار، بل تميز بهذه الزيادات في المسائل العلمية، مع الاختيار والترجيح.\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ١٨٥).\n(^٢) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧١).\n(^٣) الديباج المذهب ص ١٠٠.\n(^٤) الوافي بالوفيات (١٠/ ١٣٦).\n(^٥) سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥٣٨).\n(^٦) الذب عن مذهب مالك لابن أبي زيد القيرواني، وقد أرشدني إليه الأخ الدكتور/ أحمد العلمي، وذكر أنه مخطوط في شستربتي برقم ١٠٠ لوحة رقم: ٢٠١.","vol":"1","page":180},{"text":"¬المبحث الثاني: منهج المؤلف في كتابه\nوفيه سبعة مطالب:\nالمطلب الأول: الأصل الذي اعتمده في تفسيره.\nالمطلب الثاني: الطريقة العامة في عرض الآيات وتفسيرها.\nالمطلب الثالث: منهجه في التفسير بالمأثور.\nالمطلب الرابع: منهجه في الاستدلال بالإجماع.\nالمطلب الخامس: منهجه في الاستدلال بلغة العرب.\nالمطلب السادس: منهجه في عرض المسائل الفقهية.\nالمطلب السابع: اهتمامه بعلوم القرآن.","vol":"1","page":181},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-107>المطلب الأول: الأصل الذي اعتمده في تفسيره</span>.\nكتاب أحكام القرآن لأبي الفضل القشيري، هو اختصار لكتاب أحكام القرآن للقاضي إسماعيل بن إسحاق.\nوهذا المطلب يلقي الضوء على ذلك الأصل الذي اختصره القشيري، مع بيان طريقته في اختصاره، وذلك في فقرتين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>الفقرة الأولى: التعريف بالكتاب الأصل</span>.\nالفقرة الثانية: منهج القشيري في اختصار كتاب القاضي إسماعيل.\n\nالفقرة الأولى: التعريف بالكتاب الأصل.\nاختصر القشيري في مُؤَلَفِه هذا، كتابا كبيرا، اسمه: أحكام القرآن، ألفه شيخه القاضي: إسماعيل بن إسحاق، وفي هذه الفقرة سأعرف بالكتاب ومؤلفه، في ضوء الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>أولا: التعريف بالمؤلف، ومكانته العلمية </span>(^١).\n\" اسمه وكنيته ولقبه: هو القاضي: إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم الجَهْضَمِي الأَزْدِي، مولى آل جرير بن حازم، أبو إسحاق البصري المالكي.\n\" نشأته: ولد ﵀ سنة تسع وتسعين ومائة، في بيت آل حماد، وهم أهل بيت بالعراق، عرفوا بالعلم، قال ابن فرحون عن هذه الأسرة الكريمة: \" كانت هذه البيتة على كثرة رجالها، وشهرة أعلامها، من أجل بيوت العلم بالعراق، وأرفع مراتب السؤدد في الدين والدنيا، وهم نشروا هذا المذهب هناك، وعنهم اقتبس، فمنهم من أئمة الفقه ومشيخة الحديث عِدَةٌ، كلهم جلة، ورجال سنة، روي عنهم في أقطار الأرض، وانتشر ذكرهم ما بين المشرق والمغرب، وتردد العلم في طبقاتهم، وبيتهم نحو ثلثمائة عام .. \" (^٢).\n\" شيوخه: سمع من: محمد بن عبد الله الأنصاري، ومسلم الفَرَاهِيدى، وسليمان بن حرب، وحجاج بن مِنْهَال الأَنْمَاطِي، ومُسَدد بن مُسَرهد، والقَعْنَبي، وأبي الوليد الطيالسي، وإبراهيم بن الحجاج السامي، وأحمد بن يونس، وإسماعيل بن أبي أويس، وعلى بن المديني، وسواهم كثير.\n\" تلاميذه: روى عنه: موسى بن هارون، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأبو القاسم البغوي ويحيى بن صاعد، وأبو عمر القاضي، وابن عرفة النحوي، وأبو بكر بن الأنباري، والمحاملي، ومحمد بن مِخْلَد الدوري، وإسماعيل الصفار، وابنا بُكَير، وابن الجهم، وبكر بن محمد القشيري، والفريابي، وابن أصبغ، وعدد كثير سوى هؤلاء.\n_________\n(^١) ينظر في ترجمته: تاريخ بغداد (٦/ ٢٨٤) الثقات لابن حبان (٨/ ١٠٥) طبقات الفقهاء ص ١٦٦، ومعجم الأدباء (٢/ ١٩٤) والوافي بالوفيات (٩/ ٥٦) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٢٥) وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٣٩) والديباج المذهب ص ٩٢، وطبقات القراء لابن الجزري (١/ ١٦٢) ومرآت الجنان (٢/ ١٩٤) وشذرات الذهب (٢/ ١٧٨)\n(^٢) الديباج المذهب ص ٩٢.","vol":"1","page":182},{"text":"¬أخذ القراءة عن قالون، والفقه عن ابن المعذل، والحديث عن علي بن المديني.\nوكان عالما باللغة بارعا بالتصريف، حتى قال المُبَرِّد: \" لولا أنه مشتغل برياسة العلم والقضاء لذهب برياستنا في النحو والأدب \" (^١).\n\" أعماله: ولي قضاء بغداد وجمعت له في وقت، ولم تجتمع لأحد قبله، وأضيف إليه قضاء المدائن والنهروانات، وولى قضاء أَخْيَرا، ومكث فيه مدة طويلة تزيد عن أربعين سنة (^٢)، وكان ﵀ قويا في الحق شديدا على أهل البدع، إذ كان من رأيه أن يستتابوا، حتى إنهم تحاموا بغداد في أيامه (^٣).\n\" مكانته العلمية: لقد كان للقاضي إسماعيل ﵀ أثر كبير في نشر مذهب مالك في العراق، وتقوية طريقته ورأيه، والاحتجاح له، على نحو لم يكن لأحد قبله من أهل العراق، حتى إنه يُعْتَبر - بحق - المؤسس الفعلي للمدرسة المالكية بالعراق، فهو الذي رسم ملامحها، وأسس قواعدها، ومهد طريقتها (^٤)، ولهذا فقد كان ثناء أهل العلم عليه عَطِرا، وعباراتهم في ذلك تدل على قدر ما بلغه من مكانة علمية، ومنزلة بين أهل العلم.\nوفي هذا السبيل أذكر نصا قَيّما من كلام الخطيب البغدادي في تاريخه، يكشف عن جوانب شخصيته العلمية المتميزة، قال ﵀: \" وتقدم في هذا العلم حتى صار علما فيه، ونشر من مذهب مالك وفضله، ما لم يكن بالعراق في وقت من الأوقات، وصنف في الاحتجاج لمذهب مالك والشرح له، ما صار لأهل هذا المذهب مثالا يحتذونه،\n_________\n(^١) طبقات الفقهاء ص ١٦٧.\n(^٢) الديباج المذهب ص ٩٤.\n(^٣) ينظر: طبقات المفسرين للداودي (١/ ١٠٧).\n(^٤) ينظر من هذه الرسالة: التمهيد ص ٣٨.","vol":"1","page":183},{"text":"¬وطريقا يسلكونه، وانضاف إلى ذلك علمه بالقرآن، فإنه ألف في القرآن كتبا تتجاوز كثيرا من الكتب المصنفة فيه، فمنها: كتابه في أحكام القرآن، وهو كتاب لم يسبقه إليه أحد من أصحابه إلى مثله، \" (^١).\nبل نقل ابن فرحون عن الأصولي البارع أبي الوليد الباجي، أنه بلغ رتبة الاجتهاد المطلق، وقال: \" ولم تحصل هذه الدرجة بعد مالك بن أنس إلا لإسماعيل القاضي \" (^٢).\n\" آثاره العلمية: خلف القاضي إسماعيل ﵀ عددا كبيرا من الآثار العلمية الدالة على مكانته، وتفننه في العلوم، وتبحره في الفنون، منها:\n١. كتاب أحكام القرآن.\n٢. الموطأ.\n٣. كتاب في القراءات.\n٤. كتاب معاني القرآن وإعرابه.\n٥. كتاب الرد على أبي حنيفة.\n٦. كتاب في الرد على الشافعي في مسألة الخمس وغيره.\n٧. كتاب المبسوط في الفقه.\n٨. المغازي.\n٩. كتاب الصلاة على النبي - ﷺ - (مطبوع).\n١٠. مسند حديث أيوب السختياني (مطبوع).\n١١. كتاب الأصول.\nومما يؤسف له أن غالب هذه المصنفات وسواها مما لم يذكر، هي في عداد المفقود من تراثنا العلمي.\n_________\n(^١) تاريخ بغداد (٦/ ٢٨٤).\n(^٢) الديباج المذهب ص ٩٣.","vol":"1","page":184},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-110>ثانيا: اسم الكتاب، وقيمته العلمية</span>.\nاسم الكتاب الذي ألفه القاضي إسماعيل بن إسحاق، واختصره أبو الفضل القشيري هو: «أحكام القرآن».\nوقد أشار إلى هذا الكتاب واسمه، أكثر من ترجم للقاضي إسماعيل (^١).\nلقد كان هذا الكتاب محط تقدير العلماء وثنائهم عليه، فأكثروا من النقل عنه والأخذ منه، ولذا قال الخطيب البغدادي: \" كتابه في أحكام القرآن، وهو كتاب لم يسبقه إليه أحد من أصحابه إلى مثله \" (^٢)، ونحو هذا قال ابن فرحون (^٣)، والداودي (^٤)، وقال ابن العربي المالكي في معرض الثناء على كتاب القاضي إسماعيل: \" وأعظم من انتقى منه الأحكام بصيرة؛ القاضي أبو إسحاق، فاستخرج دُرَرَها، واستحلب دَرّها، وإن كان قد غير أسانيدها، لقد ربط معاقدها، ولم يأت بعدهما من يلحق بهما\" (^٥).\n\" التعريف بما بقي منه (^٦).\nمما يؤسف له أن يكون هذا الكتاب القيم الذي ألفه القاضي إسماعيل في عداد المفقود من تراثنا، غير أنه حَفِظَت لنا بعض المكتبات العلمية قطعة صغيرة من ذلك الكتاب الضخم، تلقي مزيدا من الضوء على طبيعة الكتاب، وطريقة تأليفه، وسأعرف بهذه القطعة من المخطوط الأصل في ضوء الآتي:\nالسور التي تضمنتها:\n١. جزء من سورة النساء.\n٢. جزء من سورة المائدة.\n٣. جزء من المؤمنون.\n٤. جزء من النور.\n٥. الجمعة.\n٦. المنافقون.\n٧. التغابن.\n٨. جزء من الطلاق.\nمكان وجودها: توجد هذه النسخة الفريدة في مكتبة رقادة بالقيروان بتونس.\nعدد النسخ: يظهر أن هذه القطعة المتبقية، هي ملفقة من عدد من النسخ، ذلك أنها كتبت بخط مختلف.\nعدد الأسطر: بلغ عدد الأسطر في إحدى النسخ سبعة وعشرين سطرا، وتراوح عدد الكلمات ما بين ١٠ - ١٣ كلمة.\nوفي النسخة الثانية بلغ عدد الأسطر واحدا وعشرين سطرا، وتراوح عدد الكلمات في السطر ما بين ١٠ - ١١ كلمة.\nاسم ناسخها: لا يعرف، فهي غير كاملة.\nنوع الخط: نسخة بخط أندلسي قديم سيء، والثانية أندلسي جيد.\nوصف النسخة: هناك عدد من الملاحظات على النسخة، منها:\n_________\n(^١) ينظر: تاريخ بغداد (٦/ ٢٨٤) وسير أعلام النبلاء ٠ (١٣/ ٣٣٩) والديباج المذهب ٩٤، والفهرست ص ٥٧، والبرهان في علوم القرآن (٢/ ١٢٦) وطبقات المفسرين (١/ ١٠٦) وكشف الظنون (١/ ٢٠) وأبجد العلوم (٢/ ٥٠٢) ومعجم مصنفات القرآن (١/ ٩٢).\n(^٢) تاريخ بغداد (٦/ ٢٨٤).\n(^٣) الديباج المذهب ص ٩٤\n(^٤) طبقات المفسرين (١/ ١٠٧).\n(^٥) أحكام القرآن (١/ ٣).\n(^٦) ومن الجدير ذكره أن هذه القطعة المتبقية من الأصل، يقوم أحد الباحثين على تحقيقها، وقد ذكر أنه شارف على طباعتها، فأسأل الله له الإعانة والتوفيق.","vol":"1","page":185},{"text":"¬أولا: هذه القطعة عبارة عن جزء صغير من كتاب القاضي إسماعيل، تضمنت أجزاء من بعض السور، كما تضمنت سورا أخرى تامة، على نحو ما في المختصر، وهي:\nالسور التامة على نحو ما وردت في المختصر، فهي: سورة الجمعة، وسورة المنافقون، وسورة التغابن.\nوأما السور التي ذكر بعضها في هذه القطعة، فهي: سورة النساء، وسورة المائدة، وسورة المؤمنون، وسورة النور، وسورة الطلاق.\nثانيا: يوجد في النسختين خرم ومحو.\nثالثا: يوجد في هوامشهما تصحيحات بخط ناسخها.\nرابعا: يوجد عليها بلاغات.\nوهذه القطعة وإن تكن صغيرة فهي قيمة جدا إذ ساعدت بشكل كبير على معرفة منهج أبي الفضل القشيري في اختصاره لكتاب القاضي إسماعيل - رحمهما الله ـ.\n\n\" مختصرات كتاب أحكام القرآن.\nلهذه المكانة المتميزة لكتاب القاضي إسماعيل، فقد اعتنى به أهل العلم، ولا سيما من المالكية، وقد اهتم به على وجه الخصوص تلامذته الذين أخذوا عنه، فكان منهم من قام باختصار هذا الكتاب الضخم، تقريبا لطلاب العلم وتيسيرا للإفادة منه، كابن المعذل، وهذه المختصرات جميعها في عداد المفقود من تراثنا، عدا مختصر القاضي أبي الفضل القشيري، ﵏ جميعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>الفقرة الثانية: منهج القشيري في اختصار كتاب القاضي إسماعيل</span>.\nمما يؤسف له أن كتاب أحكام القرآن الأصل، في عداد تراثنا العلمي المفقود، الذي لا يعرف مصيره، ولذا فإن استبانة طريقة تلميذه أبي الفضل في اختصاره، لن تكون بالصورة التي تُرجى، غير أن هذا العائق لا يمنع استبانة المعالم العامة لذلك الاختصار، والملامح المجملة له.\nويمكن ترسمُ تلك المعالم، وتمييز تلك الملامح، بعد الاستعانة بالله - تعالى - بثلاثة عوامل:\nالعامل الأول: المنهج الذي رسمه أبو الفضل نفسه، وذكر أنه سلكه في اختصاره، وهو الركن الأساس في هذه الاستبانة.\nالعامل الثاني: وجود قطعة من الأصل المختصر، ستكون بعون الله خير معين على الكشف عن طبيعة هذا الاختصار، حيث ساعدت كثيرا على معرفة المنهج الذي سار عليه المؤلف في اختصاره.\nالعامل الثالث: مقارنة النصوص التي نقلها أهل العلم من كتاب القاضي إسماعيل بمواضعها من مختصر أبي الفضل القشيري، إذ سيظهر من خلالها ما أبقى الاختصار منها، وما حذف.","vol":"1","page":186},{"text":"¬\" طريقة المؤلف في اختصار كتاب القاضي إسماعيل.\nرسم أبو الفضل القشيري الطريقة التي سلكها في الاختصار، وبين المنهج الذي اتبعه، حيث جاء في آخر الكتاب\" قال القاضي بكر: هذا آخر كتاب الأحكام، اختصرته من كتاب إسماعيل بن إسحاق ﵀ وتركت الأسانيد ليقرب على المتعلم، فإن احتيج إلى الأسانيد أخذت من كتاب إسماعيل ﵀، وأما الكلام فالكثير منه كلام إسماعيل، وربما اختصرته وزدت فيه، وتكلمت بما حضرني، مما ظننت أن إسماعيل لكثرة شغله أغفله، أو لزيادة زِيْدَت علينا بعده، فاحتجت إلى الانفصال منها، مما رجوت أن يكون تقوية للمذهب، وتصحيحا لما ذهب إليه فيه، إلا ما قلت فيه حدثنا فذلك من سائر الحديث ليس مخرجه إسماعيل ... \" (^١).\nفهذا النص يكشف عن عددٍ من الأمور المتعلقة بمنهج الاختصار، ويلقي الضوء على طريقة القشيري في اختصار كلام القاضي إسماعيل، على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>أولا: مادة هذا الكتاب</span>.\nأن هذا الكتاب أصل مادته من كتاب القاضي إسماعيل، وهذا يقتضي أن يكون القشيري سار على منوال الكتاب الأصل، في اختيار الآيات وعرضها وترتيب ذكرها، وهذا ما يدل عليه المختصر، فقد كان القشيري يذكر أسماء بعض السور ولا يتكلم عنها، ويعلل ذلك بما يفيد أنه تابع الأصل على ذلك، كما وقع في سورة الدخان والجاثية، ذلك أنه لَمّا أنهى كلامه عن سورة الزخرف، قال: \"لم يأت في الدخان والجاثية بتفسير \" وقال عند سورة الملك والقلم: \" ليس في تبارك الذي بيده الملك ونون والقلم شيء\" (^٢)، وكذا في سورة الشمس، والليل، والتين، والعلق، والبينة، وغيرها.\nومما يدل على ذلك؛ أن القطعة التي بقيت من كتاب القاضي إسماعيل، كان ترتيب الآيات فيها على نحو ما في المختصر، بل حتى ما وقع في المختصر من تأخير لبعض الآيات عن ترتيبها، هو بعينه كان في الأصل (^٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>ثانيا: طبيعة الاختصار فيه</span>.\nدل ما ذكره أبو الفضل القشيري على أنه تصرف في كتاب القاضي إسماعيل، باختصار كلامه فيه، لكنه ﵀ لم يبين ضابط هذه الاختصار، ولا طبيعته، إلا إشارته إلى حذف الأسانيد.\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: ص ٨٥٩.\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: ص ٧٧٠\n(^٣) كما وقع في سورة التغابن من تقديم وتأخير لبعض الآيات.","vol":"1","page":187},{"text":"¬وقد قُمت بمقابلة المختصر مع القطعة المتبقية من الأصل، وظهر لي من خلال المقارنة عدد من الحقائق المهمة:\n\" أن قدر ما اختصره من الأصل كان كبيرا ربما بلغ نصف الكتاب أو زاد عليه.\n\" وقع أكثر الاختصار، على سبعة أمور، شكلت مجتمعة جُلَّ الاختصار، إن لم يكن كله، وهي:\n١. حذف أسانيد الأحاديث والروايات.\nوهذا - في الحقيقة - بلغ نسبة كبيرة من الكتاب، فإذا نظرنا إلى كثرة الأحاديث والآثار في مختصر القشيري التي ساقها بغير إسناد، وتصورناها وردت مسندة في كتاب القاضي إسماعيل، سندرك حجم الاختصار الذي حصل بحذف تلك الأسانيد، وقد أشار إلى هذا أبو الفضل عند بيانه لطريقته في الاختصار على ما تقدم.\nعلى أن هذا الحذف وإن كان السمة الغالبة، لهذا الاختصار، فقد بقيت بعض الآثار والأحاديث في المختصر، على حالها بسند القاضي إسماعيل، وهي قليلة جدا في مقابل ما حذف من الأصل.\n٢. اختصار الروايات في المعنى الواحد.\nاعتنى القاضي إسماعيل بآثار السلف، حيث أكثر من ذكر الروايات عنهم في معاني الآيات، وربما اجتمع له في المعنى الواحد للآية آثار كثيرة عن السلف، فكان يذكرها بتمامها وإسنادها، فعمد أبو الفضل إلى تلك الروايات المتفقة في المعنى فأورد المعنى ونص على من قال به من السلف، دون ذكر لفظ رواياتهم، اكتفاء بما قدمه من بيان المعنى، وهذا أخذ قدرا كبيرا من الاختصار، ومثال ذلك عند قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١)، فقد حكى القشيري الخلاف في تزويج الزانيين، وفيه قال: \" ومنهم من رأى التزويج صوابا، وزَوَّجَ الزانيين ورأى الجمع بينهما بالنكاح، منهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، وجماعة من المفسرين\" (^٢) وقد اكتفى بتسمية من قال به، دون ذكر نص الروايات عنهم، وبمقارنة ذلك بالقطعة المتبقية من الأصل، ندرك مدى الاختصار الذي حصل بصنيعه هذا، حيث إن جميع من ذكرهم القشيري من الصحابة والتابعين والمفسرين، قد أسند عنهم القاضي إسماعيل روايات تدل على مضمون ما أشار إليه.\nوقريبا من هذا أن يذكر رواية عن أحد السلف، ثم يقول: وبنحوه قال فلان وفلان، فيذكر عددا من السلف قالوا بمعنى تلك الرواية.\n٣. اختصار لفظ الرواية.\nقد تكون الرواية في الأصل طويلة، فيعمد القشيري إلى اختصارها بذكرها بالمعنى أو بذكر الشاهد منها على محل الاستدلال فقط، ومن الأمثلة الدالة على هذا؛ ما وقع في سورة الممتحنة عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ فإنه لما ذكر حديث صلح الحديبية وما يدل عليه قال: \" وطرق هذا الحديث وألفاظه كثيرة، وقد أتيت بالمعنى\" (^٣).\nومن الأمثلة على ذلك ما وقع للمؤلف عند قوله تعالى: وأما قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (^٤) حيث ذكر رواية عن زيد بن أسلم، نصها: \" قال زيد بن أسلم: لو بقي التكليف على قوله ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ لكان ما لا يطاق، ولكن الله - جل وعلا - رحم عباده، فنسخها بهذه الآية\" (^٥)، وبمقارنة هذه الرواية مع القطعة المتبقية من الأصل، نجد أنها رواية طويلة، اختصرها القشيري.\n_________\n(^١) سورة النور (٣).\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة النور الآية (٣).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: ص ٦٧٢.\n(^٤) سورة التغابن (١٦).\n(^٥) ينظر من هذه الرسالة: سورة التغابن الآية رقم (١٦).","vol":"1","page":188},{"text":"¬٤. حذف الطرق والمتابعات.\nكان القاضي إسماعيل كثيرا ما يذكر طرقا كثيرة عن راو واحد، والمعنى لا يختلف فيها، مما جعل أبا الفضل يختصر الكتاب بحذف جميع تلك الطرق، ومن الأمثلة على ذلك ما أورده القشيري عند قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١)، حيث قال: \" اختلف السلف في هذه الآية: فزعم قوم منهم؛ ابن مسعود وغيره: أن الزانيين إذا تزوجا بعد ذلك لا يزالا زانيين ما اصطحبا .. \" ونلحظ هنا أنه ذكر قول ابن مسعود المشهور في هذه المسألة، ثم انتقل إلى القول الآخر، وبمقارنة هذا الموضع مع الأصل، يتبين أن القاضي ذكر ست روايات مسندة عن ابن مسعود - ﵁ -، كلها في نفس المعنى الذي أشار إليه القشيري.\n٥. اختصار بعض الروايات.\nوقد يكتفي أبو الفضل القشيري بذكر بعض الآثار المروية عن عدد من السلف، ويدع طائفة من الروايات، فلا يذكرها ولا يشير إلى قائليها؛ لأنها في معنى ما ذكر، مثال ذلك ما وقع عند قوله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ (^٢) فذكر طائفة من الآثار وسمى عددا من السلف، وبمقارنة ذلك مع القطعة المتبقية من الأصل، نجد أنه أغفل بعض الآثار ولم يشر إلى قائليها، على أن ذلك المحذوف لا يخرج في حقيقة الأمر عن معنى ما ذَكَر.\n٦. اختصار المسائل الفقهية.\nوقد يكون الاختصار بحذف بعض المسائل الفقهية، التي ليست من المسائل المشهورة، مثال ذلك ما أورده صاحب الأصل - القاضي إسماعيل - في سورة الجمعة، من روايات طويلة تتعلق بصفة قيام الخطيب على المنبر، فهذه المسألة بتمامها ليست في مختصر القشيري.\n٧. اختصار كلام القاضي إسماعيل.\nوقد يقع الاختصار من كلام القاضي نفسه، فقد رأيت أن القشيري يختصر من كلام القاضي إسماعيل فيعبر عنه بالمعنى المؤدي له، بلفظ أكثر اختصارا، أو اكتفاء بدلالة ما أبقى على ما حذف من الكلام، وقد نص على ذلك بقوله: \" وأما الكلام فالكثير منه كلام إسماعيل، وربما اختصرته وزدت فيه \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>ثالثا: طبيعة الزيادات فيه</span>.\nأشار بعض من تكلم عن كتاب أحكام القرآن للقشيري، إلى أنه تضمن زيادات عما في الأصل: كالقاضي عياض، وابن فرحون، والداودي، (^٤).\nبل إن أبا الفضل القشيري ذاته أشار إلى هذه الزيادة، وبين السبب الذي حمله على هذه الزيادة؛ فذكر سببين:\nالأول: أن القاضي إسماعيل لكثرة شغله ربما أغفل بعض ما يحسن ذكره، فتكلم عنها القشيري بما حضره.\nالثاني: أن هناك طرائق من الاحتجاج، ووجوها من الاستدلال، طرأت لم تكن في زمن القاضي إسماعيل، احُتْج بها على المذهب أو أوردت عليه، فلزم التكلم عنها والانفصال منها بما رَجَا أن يكون تقوية المذهب، وتصحيحا لما ذهب إليه القاضي إسماعيل.\n_________\n(^١) سورة النور (٣).\n(^٢) سورة المؤمنون (٦٧).\n(^٣) ينظر خاتمة الكتاب.\n(^٤) ينظر: ترتيب المدارك (٥/ ٢٧١) وطبقات المفسرين (١/ ١٢١) والديباج المذهب ص ١٠٠.","vol":"1","page":189},{"text":"¬ويدل النص الذي تقدم ذكره عن أبي الفضل في أول هذه الفقرة - بضميمة القطعة المتبقية من الأصل - على أن هذه الزيادة اتخذت أربع صور، هي:\n١. إيراد بعض الأحاديث والآثار.\nمما لم يكن مخرجه من القاضي إسماعيل، وقد ذكرت في الفصل الأول عددا من الشيوخ الذين روى عنهم القشيري، وضربت أمثلة على رواياتهم هناك (^١).\n٢. إيراد بعض ما طرأ على المذهب.\nزاد أبو الفضل كلاما عن بعض ما جَدَّ على مذهب المالكية، مما لم يقع في عصر القاضي إسماعيل، كبعض الاعتراضات والحجاج على المذهب، وقد أشار القشيري إلى هذا في خاتمة كتابه، ومثال ذلك: الكلام الذي جرى بين المؤلف وبين: داود الظاهري (^٢)، وابن سريج الشافعي (^٣)، وأبي جعفر الطحاوي الحنفي (^٤).\n٣. ومن الزيادات التي يصح أن تندرج تحت السبب الأول الذي أشار إليه القشيري، ما ورد عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ (^٥) قال: \" وهذه الآية مخاطبة للإمام، ليس له إذا ثبت الحد عنده العفو عنه، ويجوز ذلك لسائر الرعية ترك رفعهما إلى الإمام، ألا ترى أن النبي - ﷺ - قال لصفوان بن أمية:؟ فهلا قبل أن تأتينا به؟ وقال لهَزَّال: هلا سترته بثوبك؟ وقال في ماعز أيضا:؟ هلا تركتموه؟ يريد لعله يؤدي إلى ما يزيل الحد، فالحاكم والإمام لا يجوز لهما العفو عن حقوق الله في الحدود المُوجَبَة بالأفعال، قال عبد الله بن مسعود: (يؤتى بالزائد في حدود الله يوم القيامة فيقال له: لم زدت في حدودي؟ فيقول: غضبا لك، فيقول الله ﷿: أأنت أشد غضبا مني لنفسي! اذهبوا به إلى النار، ويؤتى بالناقص من حدود الله فيقول الله ﵎ له: لم نقصت من حدودي؟ فيقول: رحمة لعبادك، فيقول: أأنت أرحم بهم مني! اذهبوا به إلى النار) \" (^٦).\n٤. الاختيارات والترجيحات.\nومن الزيادات في هذا المختصر: عدد كبير من الاختيارات التي ذهب إليها أبو الفضل القشيري، والترجيحات التي قررها في الآيات التي تكلم عنها.\nوفي الحق: فهذه الاختيارات كثيرة وقيمة، سيأتي الحديث عنها في المبحث الثاني إن شاء الله تعالى.\nوبهذا يتبين: أن الاختصار في حقيقته لم ينل من أساس المادة العلمية لكتاب أحكام القرآن للقاضي إسماعيل بن إسحاق؛ إذ تعلق بحذف الأسانيد، أو الروايات التي تكررت ألفاظها أو معانيها، أو ألفاظٍ أبقى في المختصر ما يدل عليها، ومثل هذه المحذوفات وإن تكن مهمة، فإنها لا تنال من أساس المادة العلمية.\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: ص ٦٣.\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة النور الآية (٢) و(٣٢) وقد قارنت الموضع الأول من السورة بالقطعة المتبقية من الأصل فلم أجد هذا الكلام الذي جرى من داود الظاهري فيها.\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: سورة المجادلة الآية رقم (١).\n(^٤) ينظر من هذه الرسالة: سورة الطلاق الآية رقم (٢).\n(^٥) سورة النور (٢).\n(^٦) ينظر من هذه الرسالة سورة النور الآية (٢).","vol":"1","page":190},{"text":"¬وتبين - أيضا - أن اختصار أبي الفضل لم يكن مجرد تهذيب للروايات وحذف للأسانيد، بل كان اختصار إمامٍ واعٍ بما يختصر من الكلام، عالمٍ بما يبقي منه، ظهرت آثاره واضحة في هذا المختصر.\nوفضلا عن هذا كله، فقد تضمن هذا المختصر عددا غير قليل، من اختيارات قيمة لأبي الفضل القشيري، تنم عن رسوخ قدمه وعلو كَعْبِه.\nوإذًا: فمختصر بكر بن محمد بن العلاء حفظ المادة العلمية التي تضمنها الكتاب الأصل، وزاد عليه بما أورده من أقواله واختياراته.\nوهذه الحقيقة قد أشار إليها ضمنا ابن أبي زيد القيرواني - أحد أبرز علماء المالكية وأشهرهم - في وصيته لأحد طلابه، قال: \" وإذا دخلت العراق فاكتب في مسائل الخلاف، فما تجد لأهل الوقت من الحجة والاستدلال وإن كانت لك الرغبة في الرد على المخالفين من أهل العراق، وعلى الشافعي، فكتاب ابن الجَهْم إن وجدته، وإلا اكتفيت بكتاب الأَبْهُري إن اكتسبته، ففيه فوائد، وكتاب الأحكام لإسماعيل القاضي، وإلا اكتفيت باختصارها للقاضي ابن العلاء. . . \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>المطلب الثاني: الطريقة العامة في عرض الآيات وتفسيرها</span>.\nفي هذا المطلب سأترسم - إن شاء الله - الطريقة العامة التي سلكها المؤلف، في عرض الآيات وتفسيرها، محاولا رسم تصور عامٍ مجملٍ عن تلك الطريقة، مع ضرب بعض الأمثلة التي توضح المعنى.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-116> أولا: طريقته في عرض السور والآيات</span>.\nاستعرض المؤلف سور القرآن الكريم جميعها، حيث بلغ عدد ما تكلم عليه منها أربعا وثمانين سورة، وترك الكلام عن ثلاثين سورة، وهي: الدخان، والجاثية، والقمر، والملك، والقلم، والحاقة، والنبأ، والنازعات، وعبس، والتكوير، والانفطار، والانشقاق، والبروج، والغاشية، والفجر، والشمس، والليل، والتين، والعلق، والبينة، والعاديات، والعصر، والهمزة، والفيل، وقريش، والكافرون، والنصر، والإخلاص، والفلق، والناس.\nوهناك سور لم يشر إلى تركه الكلام عنها وهي: القمر، والحاقة، والإخلاص، والفلق والناس، وليس لتركها سبب ظاهر، إلا متابعة صاحب الأصل (^٢)، كما نبه هو على ذلك في مواضعه مرارا، وأكثر هذه السور التي تركها تكلم عنها ابن العربي وغيره، على ما يأتي - إن شاء الله - تفصيله (^٣).\nومما يلاحظ أن هذه السور التي تركها، غالبها سور مكية؛ وهذا لأن السور المكية غلب عليها ترسيخ أصول الاعتقاد، وبناء أصول الشرائع والأخلاق، أما السور المدنية فكانت في تنزيل الشرائع، وتفصيل الأحكام، وتبيين الحلال والحرام.\n_________\n(^١) الذب عن مذهب مالك لابن أبي زيد القيرواني، مخطوط في شستربتي رقم ١٠٠ لوحة رقم: ٢٠١.\n(^٢) تقدم في التمهيد لهذا البحث، الإشارة إلى أن المؤلفين في أحكام القرآن لم يلتزموا سورا بعينها، لا من جهة العدد، ولا من جهة ما يذكر أو يترك، وإنما اجتهدوا في ذلك فتكلموا على ما ظهر لهم، ومن هنا نشأ الاختلاف بينهم.\n(^٣) ينظر: الفصل الثالث المتعلق بالموازنة مع ابن العربي.","vol":"1","page":191},{"text":"¬وقد التزم المؤلف في ترتيب ذكر هذه السور، مواضعها في المصحف، من فاتحة الكتاب إلى خاتمته، لم ينخرم معه هذا الترتيب.\nولم يدع المؤلف ذكر أسماء السور إلا في عدد قليل، حيث ترك تسمية السور الآتية: سورة المطففين، والأعلى، والزلزلة، والقدر، والكوثر، وسورة المسد، ولعل ذلك سقط سهوا.\nوكان يذكر المشتهر من أسماء السور، وقد وقع له أن سمى بعضها بغير المشهور (^١)، وربما على نحو نادر - في موضعين فقط - يذكر للسورة أكثر من اسم كما وقع له في سورة الشعراء فقد قال في أولها: \" ومن سورة الشعراء وهي الخاضعة \"، وقال في الزمر في أولها: \" ومن سورة الغرف وهي الزمر \".\nولَمّا كان قصد المؤلف - كما تقدم - الكلام عن آيات الأحكام فقط، فقد كان الغالب عليه أن يقول في أول كل سورة: ومن سورة كذا، على التبعيض، لكن وقع له في ست عشرة سورة أن قال: سورة كذا (^٢).\n\nهذا ما يتعلق بالسور، أما عرض الآيات:\nفقد بلغ عدد الآيات التي تكلم عنها المؤلف: إحدى وأربعين وأربعمائة آية، أوردها بحسب ترتيبها في المصحف، إلا بعض المواضع القليلة، التي خالف في ترتيبها، فقدم فيها وأخر (^٣)، ولم يظهر لي سبب هذا التقديم والتأخير.\nوكان في غالب أمره، يكتفي بذكر جزء الآية الذي سيتكلم عنه، وقد يخالف ذلك فيذكر الآية كلها، وإن لم يتكلم عنها جميعها، وربما كتب أول الآية، أو أولها وآخرها.\nوإذا كانت الآية طويلة، والكلام فيها له فروع، قسم الآية أجزاء، وفرق الكلام عليها (^٤).\nوقد وقع له - على نحو قليل جدا - أن قرن بين آيتين متشابهتين، فتكلم عنهما في موضع واحد (^٥).\nوربما أحال على آية أخرى، قد سبق الكلام عنها، أو أنه يأتي كلامه عليها (^٦)، وقد يحيل على كتاب آخر، كأن يحيل على كتاب له أو لشيخه القاضي إسماعيل (^٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>الفقرة الثانية: طريقته في تفسير الآيات</span>.\nلما كان هذا الكتاب في أحكام القرآن؛ فقد اقتصر المؤلف على الكلام عن الآيات التي لها تعلق بالأحكام، وحتى تلك الآيات التي تكلم عنها، لم يكن من قصده بيان معناها، ولذلك فكثيرا ما يورد الآية ولا يبين معناها العام، وإنما يتكلم عن الحكم الشرعي الذي تدل عليه، مقتصرا على ذكر محل الشاهد من الآية في غالب الحال.\nوإنه وإن تكن هذه هي الحالة الغالبة، فلم يمنع ذلك المؤلف ﵀ من الكلام على عدد غير قليل من الآيات التي لا تعلق لها بأحكام الحلال والحرام مباشرة، إذ كان يفسرها ويبن معناها، وربما توسع فذكر الأقوال فيها، انظره - مثلا - عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٨) قال: \" خشية العبد لله على قدر علمه به، فكلما ازداد به علما ازداد له خشية،\n_________\n(^١) وقع ذلك في السور الآتية: فاطر سماها (الملائكة) والزمر سماها (الغرف).\n(^٢) وهي: سورة الأنفال، سورة براءة، وهود، والرعد، وإبراهيم، والحجر، وسورة بني إسرائيل، ومريم، وطه، وسورة المؤمنين، والقصص، والأحزاب والمرسلات، والسماء والطارق، وسورة لا أقسم بهذا البلد.\n(^٣) مثال ذلك: سورة الطلاق، الآية رقم (٢) وسورة القيامة الآية رقم (١).\n(^٤) مثال ذلك ما وقع له في سورة النور، الآية رقم (١) و(٣١).\n(^٥) ينظر: سورة يوسف الآية رقم (٨٨) الحج رقم (٣٤).\n(^٦) ينظر من هذه الرسالة: سورة الحج الآية رقم (٢٨) الأحزاب رقم (٤، ٤٩) الطلاق رقم (١، ٤).\n(^٧) ينظر من هذه الرسالة: سورة الحشر الآية رقم (٦).\n(^٨) سورة فاطر (٢٨).","vol":"1","page":192},{"text":"¬فأخشى الخلق لله: الأنبياء ﵈، ثم الصديقون، ثم الأمثل فالأمثل، على قدر علمهم به، خشيتهم ومراقبتهم له\" (^١) ولم يذكر غير هذا، وكذلك وقع له عند قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ (^٢) قال: \" قال عكرمة: نطفة ثم علقة ثم مضغة. وقال الحسن: الأمشاج اختلاط ماء الرجل وماء المرأة، وقال - أيضا ـ: مشيج - والله - من أقذار كثيرة. وقال مجاهد: ألوان. وقال قتادة: خلقناهم مما يعلمون، قال: خُلقت يا بن آدم من قذر، فاتق الله يا ابن آدم. وقال أبو بكر الصديق على المنبر: يا بن آدم اعرف نفسك، فإنك خلقت من أقذار، من نطفة جرت مجرى البول، فخالط رطب رطبا، ثم علقة نجسة \" (^٣).\nوقد كان في أغلب تفسيره للآيات يستفتحها بأقوال السلف وآثارهم من الصحابة والتابعين لهم، يقدم هؤلاء مرة ويؤخر هؤلاء مرة، وله في هذا الباب عناية خاصة، إذ كان يكثر من ذكر أقوالهم وآرائهم - وفي الحق - فقد كان نقله واعيا راشدا، لم يكتف بمجرد السرد والرواية، بل تراه يتعقب الرواية بما يقيدها أو يخصصها أو يوضحها، وفي أحيانٍ أخرى قد يتعقبها بالرد والتخطئة (^٤).\nوهو وإن كان يكثر من الآثار عن السلف، فربما اكتفى في عدد من المواضع بذكر بعضها، وتَرْكِ ذكر باقيها.\nومن سياق تلك الآثار يفهم القارئ المسألة التي يقصد الكلام عنها، ولذا فقد كان كثيرا ما يتبعه بذكر الخلاف بين الفقهاء في المذاهب المشهورة، ولا سيما مع الأحناف والشافعية،\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة فاطر الآية (٢٨).\n(^٢) سورة الإنسان (٢).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: سورة الإنسان الآية (٢).\nينظر كذلك: سورة الإسراء (٨٩) الحج (٣٢)\n(^٤) سأذكر في المطلب التالي - إن شاء الله - عددا من الأمثلة على هذا الأمر. .","vol":"1","page":193},{"text":"¬مجيبا عن أدلتهم، رادا قولهم، مستدلا للمذهب، مصححا طريقة إمامه، معتضدا بدلالة الكتاب والسنة، ولغة العرب، وأسباب النزول، والقراءات، ومعقول النظر، وربما ابتدأ بذكر الراجح في معنى الآية وقرره، ثم يعقبه ببسط الخلاف مع المذاهب الأخرى، كما وقع له ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^١) قال: \" هذه الآية ناسخة ما كان قبلها من الموارثات بالحلف والهجرة، وصارت الموارثة بالإسلام والمساواة في الملة، وقد قال بعض العراقيين: إنه يُوَرِثُ بهذه الآية ذوي الأرحام دون الموالي \" (^٢).\nوربما ابتدأ الآية مباشرة - وهو قليل - بذكر الخلاف بين الفقهاء، وسياق الحجج والجواب عن المخالف.\nوهو في هذا كله قد التزم نسبة الأقوال إلى قائليها، ولقد كان ﵀ دقيقا أمينا في ذلك، ولا غَرْو؛ فقد كان من الحفاظ الرواة، وربما وقع له - وهو قليل - أن يذكر الأقوال غير منسوبة (^٣)، أو يقول: وقال جماعة من المفسرين (^٤)، أو ربما قال: المفسرون (^٥).\nولقد كانت كتب الأحكام بعامة يَنْدُر فيها الخوض فيما خاض فيه كثير من المفسرين في بعض المعاني والأقوال التفسيرية، وكذا كان شأن القشيري في كتابه، فقد ندر عنده الخوض في بعض المعاني والأقوال التي لا طائل وراءها، كما وقع في بيان قدر الدراهم التي دفعت ثمنا لشراء يوسف - ﵇ -، حيث قال: \" ليس في ذكر عدد الدراهم واختلافهم فيها فائدة، إلا أن معنى (بخس): أنها قليلة نَزِرَة، دون ما يساوي مثله لو كان عبدا، وحَلَّ بيعه\" (^٦).\nوكان كثيرا ما يختم كلامه عن الآية بذكر ما ترجح عنده واختاره في معنى الآية، أو فيما وقع الخلاف فيه.\nهذا هو الغالب من طريقته وربما وقع له في مواضع قليلة أن تكلم عن الآية مقتصرا على ما ظهر له من معناها، لا يعدوه إلى كلام غيره، كما فعل عند قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (^٧) قال: \"يغضوا من أبصارهم عن جميع ما لا يحل لهم النظر إليه، وعما لا يأمنوا الفتنة به، وعلى المرأة من ذلك فوق ما على الرجل\" (^٨).\n_________\n(^١) سورة الأنفال (٧٥).\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة الأنفال الآية رقم (٧٥)، وينظر كذلك: سورة الكهف الآية رقم (٢٣) والطلاق رقم (١).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: سورة إبراهيم الآية رقم (٢٥).\n(^٤) ينظر من هذه الرسالة: سورة يونس الآية رقم (٨٧) والإسراء رقم (١١٠) والحج رقم (٢٥) والمؤمنون رقم (١) ومحمد رقم (٤).\n(^٥) ينظر من هذه الرسالة: سورة النحل الآية رقم (٧٥).\n(^٦) ينظر من هذه الرسالة: سورة يوسف الآية رقم (٢٠).\n(^٧) سورة النور (٣٠).\n(^٨) ينظر من هذه الرسالة: سورة النور الآية رقم (٣٠)\nومن الأمثلة كذلك: سورة التوبة الآية رقم (٣٦، ٤١) والإسراء رقم (٢٦)","vol":"1","page":194},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-118>المطلب الثالث: منهجه في التفسير بالمأثور</span>.\n\nلا اختلاف بين أهل الإسلام أن المصدر الأساس لتلقي الأحكام الشرعية هو الكتاب والسنة، فَهُمَا منبع الأحكام ومصدرها، منهما تُستقى، وعنهما تَصدر، ومنهج السلف في فَهْمِهَا عَاصِمٌ من انحراف القول، وزلل الرأي.\nوإذا ما قَلَّبَ الناظر طرفه في ثنايا كتاب أحكام القرآن لأبي الفضل القشيري، يجد المصدر الأول في التفسير بالمأثور - وهو القرآن الكريم - قد لقي عناية المؤلف واهتمامه.\nوقرين كتاب الله سنة نبيه - ﷺ -، فهي الموضحة لأحكامه، المبينة لمعانية: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (^١) وفي كتاب أحكام القرآن عدد كبير، من الأحاديث الشريفة، عن النبي - ﷺ -، توضح معاني القرآن، وتبين دلالاته.\nوفهم الصحابة - ﵃ - والتابعين لهم، أحق ما اعتمد عليه الناظر في الوَحْيَيَن، وأولى ما استمسك به المشتغل بكتاب الله، فهم أقرب الناس عهدا بالوحي، وهم أهل اللغة، وأصحاب اللسان، ثم هم بعد هذا؛ أبر الناس قلوبا، وأقلها تكلفا، وأعمقها فهما.\nوإذا فلا غرو أن تكون هِمَّةُ المؤلف تتجه بشكل كبير إلى العناية الخاصة بالمأثور في التفسير - من القرآن والسنة وكلام سلف الأمة - حتى لا تكاد تخلو آية تكلم عنها من إلماح إلى شيء من هذه المصادر المأثورة، ولقد كان هذا منهجا واضحا اختطه المؤلف ﵀ أول ما ابتدأ كتابه، بل وكان شديدا على من عدل عنه، سلكا مسارب الزيغ والضلال، وهذا نصُه - القيم - في مقدمة كتابه أنقله بتمامه، يرسم فيه منهجه، واضح المعالم، بَيّنَ الحدود، قال ﵀: \" فإن أولى ما تمسك به المتمسكون، وتدبره المتدبرون، وائتم به المهتدون، ولجأ إليه المعتبرون: كتاب الله، الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (^٢)، الذي أكمل الله به الدين، وأنزل الله سبحانه في حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (^٣) وقال تبارك اسمه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^٤) وقال: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٥) فأحكم الله ﷻ الفرائض والأحكام، والأصول كلها فيه جليا وخفيا.\nفمنه: ما يعقل بنفس الخطاب، قال الله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (^٦)\nمنه ما بينه الله ﷿ بالوحي، وهو الخفي، ألا تراه يقول: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ (^٧) وقال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (^٨)، فسأل نبينا - ﷺ - ربه ﵎ عن بيانه، فبيّنه له.\nومنه ما بيّنه الرسول - ﷺ - بالحكمة التي أعطاه الله، يقول الله ﷿: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (^٩) وقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (^١٠).\n_________\n(^١) سورة النحل (٤٤).\n(^٢) سورة فصلت (٤٢)\n(^٣) سورة المائدة (٣).\n(^٤) سورة الأنعام (٣٨)\n(^٥) سورة النحل (٨٩).\n(^٦) سورة فصلت (٣ - ٤).\n(^٧) سورة القيامة (١٩).\n(^٨) سورة طه (١١٤).\n(^٩) سورة الأحزاب (٣٤).\n(^١٠) سورة النحل (٤٤).","vol":"1","page":195},{"text":"¬ومنه ما شرّف الله به أصحاب نبيه، بمشاهدتهم الأسباب التي نزل القرآن من أجلها، وسنت السنن بحضرتهم عملا وقولا، فكانوا بالمشاهدة أعلم الخلق بما نزل، وبوجوهه وتصرفاته ... ونصحهم للأمة، وصدقهم، فمدح الله متبعهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (^١) ... ولم يزل أهل العلم على ذلك متبعين لسلفهم، حتى حدث في القرن الرابع من هذه الأمة ومن تلاهم، قوم مستخفون بقول السلف، وله هاجرون، وعلى مذاهبهم زارون (^٢)، يحدثون أنفسهم أن أسد الجواب ما استخرجوه، وأعلاه ما استنبطوه، أخذوا ذلك عن أهل الزيغ، لا يعرجون على الرواية، ولا يلتفتون إلى باطن التلاوة، ويرون أنهم يساوون السلف في العلم بالكتاب، طعنا بذلك على إخوان المصطفى الذين فارقهم على الصدق والوفاء، والطهارة والتقى، ولو أخذوا ذلك عمن شاهد الوحي ونزل القرآن بلغته؛ لكانت هذه الطائفة قد سلكت سبيل الصواب، وصادفت سديد الجواب، ولَعَلِمتْ أن عقول من تقدمهم تربو على عقولهم، وأفهامهم تزيد على أفهامهم، ولكنهم لما خالطوا أهل الكلام وجانبوا الورع، وصار القصد الغلبة بالجدل المحض، منعهم الله التوفيق، وحاد بهم عن الطريق ... \" (^٣).\nوسأحاول في هذا المطلب - والله خير معين - الكشف عن الخصائص العامة لمنهج المؤلف في التفسير بالمأثور، واستجلاء طريقته فيه، في ثلاث فقرات:\nالفقرة الأولى: تفسير القرآن بالقرآن.\nالفقرة الثانية: تفسير القرآن بالأحاديث.\nالفقرة الثالثة: تفسير القرآن بالآثار.\n_________\n(^١) سورة التوبة (١٠٠).\n(^٢) زارون من زرى، قال ابن فارس: \" الزاي والراء والحرف المعتل، يدل على احتقار الشيء والتهاون به، ... يقال: زرَيْتَ عليه، إذا عِبْتَ عليه \" معجم مقاييس اللغة: مادة: زرى.\n(^٣) مقدمة الكتاب، اللوحة رقم (٢).","vol":"1","page":196},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-119>الفقرة الأولى: تفسير القرآن بالقرآن</span>.\nمن أسس منهج المؤلف اعتماده على ما ورد في القرآن الكريم - ذاته - من بيان معانيه، وتوضيح مراميه، نص على ذلك المنهج في مقدمته يقول: \" فمنه ما يُعْقَلَ بنفس الخطاب، قال الله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (^١) ومنه ما بينه الله ﷿ بالوحي، وهو الخفي، ألا تراه يقول: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ (^٢) وقال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (^٣) فسأل نبيُنا - ﷺ - ربَه ﵎ عن بيانه؛ فبيّنه له\" (^٤).\nولقد التزم المؤلف ما شرط على نفسه، فكان كثيرا ما يورد الآيات القرآنية الأخرى، في ثنايا تفسيره، وكلامه عن دلالات الآيات، واستنباط المعاني منها، وقد تعددت جوانبه ومناحيه، وتنوعت أسبابه ووسائله، ويمكن إجمالها في سبعة أمور:\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>أولا: بيان معنى اللفظ القرآني</span>.\nقد ترد لفظة في موضع لها نظائر أو وجوه، فيذكر ذلك ويوضحه بذكر الآيات الدالة على ذلك: مثل المراد بالأَشُد، قال: \" وأما قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ فهو الحلم الذي قال الله: ﴿إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (^٥) فالابتلاء بعد البلوغ، والرشد يعرف حينئذ، فيدفع إليه ماله إذا بلغ أشده وهو الحلم: الإنزال، والإنبات، أو السن التي يكون بها البلوغ، وقد قال الله ﷿ في قصة موسى - ﵇ -: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ (^٦) قيل: أربعين سنة، وقال في قصة يوسف - ﵇ -: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (^٧) وهذا فمعناه: لما بلغ الحلم؛ لأن المرأة أرادته عند بلوغ النكاح، وأمر اليتيم بأمر يوسف أشبه، ويكون أَشُدٌ دون أَشُدٍ .. \" (^٨).\nومن الأمثلة على الاستشهاد بالقرآن على بيان معنى لفظة أو كلمة، ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ (^٩) قال: \" والمعروف في اللغة: أن كل من جَارَ أو مَالَ عن الحق إلى الباطل؛ فقد ألحد، واللحد في القبر مأخوذ من هذه الآية، أميل إلى شق القبر، وقد ذكر الله ﷿ في كتابه ما يدل على هذا، قال الله ﷿: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ (^١٠) وقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (^١١) \" (^١٢).\n_________\n(^١) سورة فصلت (٣ - ٤).\n(^٢) سورة القيامة (١٩).\n(^٣) سورة طه (١١٤).\n(^٤) مقدمة الكتاب اللوحة رقم (٢).\n(^٥) سورة النساء (٦).\n(^٦) سورة القصص (١٤).\n(^٧) سورة يوسف (٢٢).\n(^٨) ينظر من هذه الرسالة: سورة الإسراء الآية رقم (٣٤).\n(^٩) سورة الحج (٢٥).\n(^١٠) سورة الأعراف (١٨٠).\n(^١١) سورة النحل (١٠٣).\n(^١٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة الحج الآية رقم (٢٥).","vol":"1","page":197},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-121>ثانيا: توضيح الأسلوب اللغوي</span>.\nتكلم المؤلف ﵀ عن عدد من الأساليب اللغوية، واستشهد بأمثلة عليها من القرآن، نحو:\n١. استعمال الواحد مرادا به الجنس.\nمثال ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ (^١) قال: \" وقوله: ﴿لِوَلِيِّهِ﴾ قد يكون واحدا ويكون جماعة ويكون رجال كثير، وإنما قال: ﴿لِوَلِيِّهِ﴾ يشار إلى الجنس؛ كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (^٢) .... ونظائر هذا كثير\" (^٣).\n٢. أحرف الصلة التي لا محل لها من الإعراب.\nذكر المؤلف أن هناك أحرفا وردت، صلة لا محل لها من الإعراب، كما ورد عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ (^٤) \" وأما قوله: ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ فهذه الباء تجعلها العرب صلة في الكلام، ويجعلون إثباتها وإسقاطها سواء، ومعنى إلحاد وبإلحاد واحد، وكذلك ما في مثل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (^٥) وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (^٦) فيجعلون ما صلة في الكلام، ويجعلون إثباتها وإسقاطها سواء\" (^٧).\n٣. تناوب أحرف الجر.\n_________\n(^١) سورة الإسراء (٣٣).\n(^٢) سورة العصر (٢).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: سورة الإسراء الآية رقم (٣٣).\n(^٤) سورة الحج (٢٥).\n(^٥) سورة البقرة (٢٧).\n(^٦) سورة آل عمران (١٥٩).\n(^٧) ينظر من هذه الرسالة: سورة الحج الآية (٢٥).","vol":"1","page":198},{"text":"¬يرى المؤلف أن أحرف الجر ينوب بعضها عن بعض (^١)، وقد أشار إلى هذا عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ (^٢) قال: \" في قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ يعود لما حرم، كما قيل: العائد في هبته، وهو: الراجع إليها يتملكها، تقول العرب: رجعت في قولي ورجعت عنه، وحروف الإضافة قد تُبدل بعضها من بعض، كقوله: نزلت به، ونزلت عليه، قال الله ﷿: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ (^٣) وقال ﷿: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (^٤) فقال في موضع: ﴿فِيهَا﴾ وقال في موضع آخر: ﴿وَعَلَيْهَا﴾ وقال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (^٥) أي على جذوع النخل، وقال سبحانه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (^٦) أي بأمر الله، وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ (^٧) أي عليه، فمعنى ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ إلى الغشيان\" (^٨).\n٤. أشار المؤلف عند كلامه عن معنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ (^٩) إلى أن من طريقة القرآن الكريم تسمية القول فعلا والفعل قولا، قال: \" وقد سمى الله الفعل قولا فبذلك يكون ﴿يَعُودُونَ﴾ يريدون الوطء، ومخالفة ما منعوا أنفسهم منه، قال سبحانه ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ (^١٠) يعني الكفر والمعاصي، فسماها قولا\" (^١١).\n٥. من الأساليب اللغوية التي ذكرها المؤلف واستدل عليها من القرآن ما أشار إليه بقوله: \" وقوله: ﴿لَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^١٢) مثل قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^١٣) لا يقتل بعضكم بعضا\" (^١٤).\n_________\n(^١) تناوب حروف الجر بعضها عن بعض، مسألة اختلف فيها نحاة البصرة والكوفة، فذهب نحاة البصرة إلى أن الحروف لا تتناوب، بل لكل حرف منها دلالته، ولذا فقد قالوا بالتضمين، وهو تضمين العامل معنى عامل آخر يناسب. ينظر: الخصائص لابن جني (٢/ ٣٠٦) ومغني اللبيب ص ١٥ والبرهان في علوم القرآن (٣/ ٤٠١).\n(^٢) سورة المجادلة (٣).\n(^٣) سورة المؤمنون (٢٧).\n(^٤) سورة المؤمنون (٢٢).\n(^٥) سورة طه (٧١).\n(^٦) سورة الرعد (١١).\n(^٧) سورة الطور (٨٣).\n(^٨) ينظر من هذه الرسالة: سورة المجادلة الآية رقم (٣).\n(^٩) سورة المجادلة (٣).\n(^١٠) سورة النساء (١٠٨).\n(^١١) ينظر من هذه الرسالة: سورة المجادلة الآية (٣).\n(^١٢) سورة الحجرات (١١).\n(^١٣) سورة النساء (٢٩)\n(^١٤) ينظر من هذه الرسالة: سورة الحجرات الآية (١١).","vol":"1","page":199},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-122>ثالثا: بيان المقصود بالآية، وتعيين المراد فيها</span>.\nيستشهد المؤلف بآيات أخرى فيها بيان المراد بالآية وتعيينه على وجه الخصوص، كما وقع له عند قوله تعالى: قال الله عز وعلا: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (^١) قال: \" وقال إسماعيل: قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (^٢) وقال الله ﵎: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ إلى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ (^٣) وقال في سورة البقرة: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ (^٤) الآية، فأحسب - والله أعلم - هو ما يتلى عليهم\" (^٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>رابعا: الاستشهاد بالنظير على النظير</span>.\nترد مواضع كثيرة في القرآن الكريم لها نظائر في المعنى، ومن هنا فقد كان المؤلف يورد الآية ويذكر آيات أخرى مما هي نظيرها في المعنى، كما وقع له عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (^٦)، قال: \" المعنى فيها ألا يمنع النفقة فيما يلزمه، أو فيما يرجو ثوابه، ولا تبسطها فيما لا يلزمه ولا يرجو ثوابه، وقد أدب الله عباده فيما رزقهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ (^٧) فالنفقة في طاعة الله وفيما أوجب الله لا تورث حسرة ولوما، وفي غير طاعة الله تورث لوما من الناس، وحسرة في الدنيا والآخرة\" (^٨).\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>خامسا: الاستدلال بالقرآن على اختياره</span>.\nاستدل المؤلف بآيات القرآن على معنى رجحه واختاره بين عدد من الأقوال، كما وقع له عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ (^٩)، فقد ذكر خلاف السلف فيها ثم أعقبه بقوله: \" قال بكر: القرآن يدل على أن الصديقين والشهداء، نعت للذين آمنوا بالله ورسله؛ لقوله سبحانه ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ والصديقون: هم الذين يتلون الأنبياء، والشهداء يتلونه، ثم يتلوهم الصالحون، قال الله ﷿: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ (^١٠) \" (^١١).\n_________\n(^١) سورة الحج (٣٠).\n(^٢) سورة المائدة (١).\n(^٣) سورة المائدة (٣).\n(^٤) سورة البقرة (١٧٣).\n(^٥) ينظر من هذه الرسالة: سورة الحج الآية رقم (٣٠).\n(^٦) سورة الإسراء (٢٩).\n(^٧) سورة الفرقان (٦٧).\n(^٨) ينظر من هذه الرسالة: سورة الإسراء الآية رقم (٢٩).\n(^٩) سورة الحديد (١٩).\n(^١٠) سورة النساء (٦٩).\n(^١١) ينظر من هذه الرسالة: سورة الحديد الآية رقم (١٩).","vol":"1","page":200},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-125>سادسا: الاستدلال بالقرآن على معنى قرره</span>.\nومثال ذلك ما ورد عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (^١) قال: \" والآية توجب على كل من وعد وعدا لا إثم فيه، أن يفي به، وكل من ألزم نفسه طاعة أو عملا فيه طاعة، أن يفي به ويدوم عليه، ويسأل الله التوفيق والمعونة، ألا تراه قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية (^٢)، فلما بخلوا بما وَعَدوا فيما أُعْطُوا ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ \" (^٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>سابعا: الاستدلال بالقرآن على رد قول المخالف</span>.\nفي مسألة الاستثناء في اليمين، رد على قول من رأى: جواز الاستثناء في أي وقت ذكر، قال: \" وأما قول من قال: أي وقت ذكر ولو بعد سنين؛ فهذا قول يبطل حكم آية محكمة، وليس إلى ذلك من سبيل، قال الله ﷿: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنَّا يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (^٤) الآية، وقال: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (^٥) فلو كان يستثني أي وقت ذكر لم يكن للكفارة موضع\" (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>الفقرة الثانية: في الاحتجاج بالأحاديث</span>.\nلم يختلف أهل الإسلام في أن السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع فهي الموضحة لكتاب الله، المبينة لأحكامه، المفصلة لحلاله وحرامه، فضلا عما استقلت به من أحكام وشرائع، ولذا قرر المؤلف مكانة السنة في بيانها للقرآن ومنزلتها، حيث يقول: \" ومنه ما بيّنه الرسول - ﷺ - بالحكمة التي أعطاه الله، يقول الله ﷿: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (^٧) وقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (^٨) \" (^٩).\nوفضلا عن هذا فقد كان المؤلف من الحفاظ المعتنين برواية الحديث، فلا عجب بعد هذا أن تكون له عناية خاصة بأحاديث الرسول - ﷺ -، إذ بلغت الأحاديث التي أوردها في كتابه؛ ما يزيد عن مائتي حديث، دون عَدَّ الطرق والمتابعات (^١٠).\n_________\n(^١) سورة الصف (٢).\n(^٢) سورة التوبة (٧٥).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: سورة الصف الآية رقم (١).\n(^٤) سورة المائدة (٨٩).\n(^٥) سورة المائدة (٨٩).\n(^٦) ينظر من هذه الرسالة: سورة الكهف الآية رقم (٢٤).\n(^٧) سورة الأحزاب (٣٤).\n(^٨) سورة النحل (٤٤).\n(^٩) مقدمة الكتاب اللوحة رقم (٢).\n(^١٠) هذا الحصر يقتصر على الجزء الذي قمت بتحقيقه.","vol":"1","page":201},{"text":"¬ويمكن تلخيص المنهج الذي سلكه المؤلف في عدد من النقاط، على النحو الآتي:\n١. طريقته في عرض الحديث.\nلما كان الكتاب أحكام القرآن اختصره مؤلفه من كتاب شيخه، فقد كان يذكر الأحاديث بغير سندٍ، اكتفاء بوجودها مسندة في الأصل، وقد نبه على ذلك في خاتمة الكتاب حيث قال: \" وتركت الأسانيد ليقرب على المتعلم، فإن احتيج إلى الأسانيد أخذت من كتاب إسماعيل ﵀ \" (^١) ومع هذا فقد ذكر جملة من الأحاديث المسندة، إما: بسند شيخه أو بسنده هو (^٢).\nوقد كان يورد الأحاديث بلفظها في غالب كتابه، إلا بعض المواضع ربما اختصرها إما لطولها أو اكتفاء بمحل الشاهد منها على المسألة.\nوأما تسمية الراوي، فكان ينص عليه في الغالب، وفي مواضع ليست قليلة ترك تسمية الراوي.\nكما كان في أحيان قليلة، يقرن بين الروايات المختلفة في الخبر الواحد، ويعبر عنها بالمعنى، كما أشار هو إلى ذلك، في خبر المؤمنات المهاجرات بعد صلح الحديبية، وبيان حكم الله فيها، فإنه ذكر رواية في ذلك ثم قال: \" وَرَدَّ المشركون صدُقات من حبسوا من نساء المؤمنين، وأمسك رسول الله - ﷺ - النساء ورد الرجال، وطرق هذا الحديث وألفاظه كثيرة، وقد أتيت بالمعنى \" (^٣).\nوفي المواضع التي اشتهر الخلاف فيها بين أهل العلم، وكان مدار الخلاف فيها على أحاديث وردت بعينها خاصة في ذلك الأمر، كما وقع في سورة الأنفال في مسألة الفيء، وسورة النور في حكم اللعان بين الزوجين، وكذلك في المجادلة في حكم الظهار، ففي هذه\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: ص ٨٥٩.\n(^٢) ذكرت الأحاديث التي رواها بسنده أو بسند المؤلف في فهرس الأحاديث وميزتها عن غير المسندة.\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: سورة الممتحنة الآية برقم (١٠).","vol":"1","page":202},{"text":"¬المواضع يستطرد بشكل كبير في ذكر رواياتها ويتتبع طرقها وألفاظها، على نحو يكشف عن رسوخه في هذا العلم، وحسن مشاركته فيه، ولولا خشية الإطالة لنقلت بعضا من تلك النصوص، غير أني أكتفي بالإحالة عليها.\nوأما حكمه على الأحاديث فقد تكلم عن عدد من الأحاديث، ولا سيما حينما يكون الحديث مَعْقِدَ الخلاف مع المذاهب الأخرى، حيث يحمله ذلك، على الكلام على الإسناد ورجاله، وبيان ما فيهم من ضعف أو قوة (^١)، بل وربما جاوزه إلى الكلام عن المتن نفسه.\nوقد لا حظت أنه يورد بعض الروايات بصيغة التمريض، وقد تبين بالنظر إلى أسانيدها أنها ضعيفة، ولم يكن هذا على نحو مُطَّرِد.\n٢. بيان معنى الآية وتوضيح المراد بها.\nإذا كان في الآية التي يتكلم عنها حديث يفسر معناها ويبين المراد منها، فإنه في غالب الحال يبدأ به، ويقدمه على ما سواه، وهذا وقع في مواضع كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (^٢) قال: \" رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الرجل يشرب الخمر ويسرق؟ وقال: (لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل الذي يصلي ويصوم ويتصدق، ويخاف ألا يقبل منه) \" (^٣).\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة الأنفال الآية رقم (١) والحج الآية رقم (٣٣) والجن رقم (٩) والماعون الآية رقم (٤).\n(^٢) سورة المؤمنون (٦٠).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: سورة المؤمنون الآية (٦٠).\nينظر كذلك: سورة المؤمنون الآية رقم (١) والفرقان الآية رقم (٨٦) والأحزاب الآية رقم (٢٨) و(٥٦) وسبأ الآية رقم (١٣) والأحقاف الآية رقم (٤) والحجرات الآية رقم (١٤).","vol":"1","page":203},{"text":"¬ومع هذا فقد ذكر كثيرا من الأحاديث في ثنايا كلامه عن الآية استدلالا به أو كلاما عليه.\nوربما - على نحو نادر - اكتفى بالحديث فلم يذكر غيره (^١).\n٣. الاستدلال بالحديث على معنى قرره في الآية.\nوربما قرر معنى ظهر له في الآية الكريمة، ثم استدل على صحته بحديث عن النبي - ﷺ - كما وقع عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ (^٢) قال: \" وأما قوله سبحانه: ﴿مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ فإنه يعني من آدم وحواء ﵉، ثم كل أحد من نسلِهما أيضا، فمن ذكر وأنثى، خلا عيسى بن مريم - ﵇ - فإن الله ﷿ خلقه من أنثى بغير ذكر، فهذا معنى الشعوب والقبائل، وقد يدخل في ذلك من لم يكن من العرب بذكر الشعوب وأنهم كلهم يتشعبون من آدم - ﵇ -، وقد روي عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -:؟ أنه خطب يوم الفتح فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد: أيها الناس فإن الله ﵎ قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وتعاظمها، يا أيها الناس إنما الناس رجلان رجل بر تقي كريم على الله، وآخر شقي هين على الله، إن الله عز من قائل: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم؟ \" (^٣).\n٤. دفع التعارض بين الأحاديث.\nتكلم المؤلف عن بعض الأحاديث التي استدل بها بعض المخالفين، وقد رأى المؤلف أنها تعارض بعض أحاديث أخرى مشهورة وصحيحة، ولذا فقد حكم بنسخ ما ظهر له أنه متقدم كما في خبر عبادة بن الصامت، قال: \" فلما نزلت هذه الآية قال النبي - ﷺ -:\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة الحشر الآية (١٦).\n(^٢) سورة الحجرات (١٣).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: سورة الحجرات الآية رقم (١٣).","vol":"1","page":204},{"text":"¬(خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) .... فنسخ رسول الله - ﷺ - ما سن من جلد الثيب بسنته، لما رواه أبو هريرة وغيره أن النبي - ﷺ -: رجم ماعزا ولم يجلده، وروى أبو هريرة وزيد بن خالد، وزاد ابن عيينة: وشبل بن معبد - أن النبي - ﷺ - قال في قصة العسيف:؟ واغدو يا أُنَيْس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها؟ قال بكر: فصار هذان الخبران ناسخين للجلد في الثيب، وبقي الرجم على ما أنزل الله ﵎ إذ القتل يأتي على كل شيء\" (^١).\n\n٥. الاستدلال بالحديث على رد قول المخالف.\nمثال ذلك في سورة الكهف عند قوله تعالى: في مسألة الاستثناء في اليمين، رد على قول من رأى جواز الاستثناء في أي وقت ذكر، بحديث رسول الله - ﷺ - قال: \" فلو كان يستثني أي وقت ذكر لم يكن للكفارة موضع، وكان قول النبي - ﷺ -: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها) قال: إن شاء الله وسقطت عنه، ولم يقل له: (وكفر عن يمينك وأت الذي هو خير) \" (^٢).\n٦. الاستدلال بالحديث على اختياره في الآية.\nمثال ذلك في ترجيحه معنى التفث الوارد في قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (^٣) فبعد أن ذكر جملة من الآثار عن السلف أعقبها بقوله: \" قال بكر: والصحيح من ذلك حلق الرأس، إذ كان من شرائط الحج والعمرة، قال الله جل وعز: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (^٤) فالحلق والتقصير لا بد منهما، ألا ترى النبي - ﷺ - قال:\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة النور الآية رقم (٢).\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة الكهف الآية رقم (٢٣).\n(^٣) سورة الحج (٢٩).\n(^٤) سورة البقرة (١٩٦).","vol":"1","page":205},{"text":"¬(يرحم الله المحلقين ثلاثا، ثم قال: والمقصرين في الرابعة) فالتفث الذي في معنى الآية هو هذا، وما عداه من تقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب، وما أشبهه، يدخل بالمعنى؛ لأنه تفث البدن، والله أعلم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>الفقرة الثالثة: العناية بآثار السلف</span>.\nلقد رسم المؤلف ﵀ منهجه القائم على اتباع آثار السلف والسير في ركابهم، وعاب مسالك أهل الزيغ والضلال ممن خالف منهج السلف وطريقتهم، وسلك غير سبيلهم، يقول ﵀ في مقدمته: \" ولم يزل أهل العلم على ذلك متبعين لسلفهم، حتى حدث في القرن الرابع من هذه الأمة ومن تلاهم قوم مستخفون بقول السلف، وله هاجرون، وعلى مذاهبهم زارون وكفى بالرجل نقصا؛ أن يرى أنه قد علم من كتاب الله ﷿، ما قصر عن علمه الصحابة والتابعون، أو يرى أنه فوقهم علما أو فهما، أو يظن أنه مثلهم، لقد خاب وخسر - إلى أن قال عن كتابه ـ: لم أعد فيه عن السنة، وقول السلف، وما توجبه اللغة التي نزل القرآن بها \" (^٢).\nولقد كان مذهبه شديدا في هذا حتى نُقِل عنه القول: بعدم الاختيار بعد المائتين من الهجرة (^٣)، ولهذا كله فقد اعتنى بشكل كبير بالآثار عن الصحابة والتابعين، حتى ندر جدا أن تمر آية لا يذكر فيها أثرا عن السلف.\nومن آثار هذه العناية أن كتاب أحكام القرآن لأبي الفضل، قد تضمن عددا من الآثار التي لا ذكر لها في أكثر كتب التفسير، وليست مما اشتهر تناقله فيها، بل فيه من الآثار ما لم أجده في شيء من المصادر، سوى في هذا الكتاب.\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة الحج الآية (٢٩)\n(^٢) ينظر: من هذا المخطوط اللوحة رقم [٣].\n(^٣) تقدم في الفصل السابق الكلام هذه المسألة ص ٥٨.","vol":"1","page":206},{"text":"¬ويمكن تلخيص المنهج الذي سلكه المؤلف في ثلاث نقاط، على النحو الآتي:\n\n\" طريقته في عرض الآثار.\nلهذه المنزلة التي كانت للسلف - من الصحابة والتابعين - عند المؤلف فقد أكثر النقل عنهم، والأخذ منهم، وليس بعجب - بعد هذا - أن تزيد هذه الآثار، على سبعمائة أثر، ما بين مسند وغير مسند (^١).\nوقد كان في معظم الأحيان يبدأ كلامه عن الآية بذكر أقوال التابعين والروايات عنهم، فمرة يَكْثُرُ عدد من ينقل عنهم، ومرة يَقِلُّ عددهم إلى أن يقتصر على الواحد والاثنين منهم.\nوقد أورد غالب تلك الآثار بغير إسناد، مكتفيا بوجود أسانيدها في الأصل الذي اختصر منه كتابه - على ما تقدم في الفقرة السابقة بيانه - ولم يُسند إلا عددا قليلا منها، إما بسنده أو سند القاضي إسماعيل.\nوكان في غالب أمره، ينسب تلك الآثار إلى قائليها من التابعين، على نحو دقيق، حتى ندر جدا أن ينسب قولا إلى غير قائله، إذ لم يقع له ذلك إلا في موضعين.\nومع أن الأكثر أن ينسب تلك الآثار إلا أنه وقع له في مواضع ليست بقليلة، ذكر الأقوال غير منسوبة إلى قائل بعينه.\nوهذه الآثار والأقوال التي يذكرها عن السلف متعددة متنوعة، فمنها ما الاختلاف فيها من باب اختلاف التنوع، ومنها ما فيه تضاد وتعارض.\n_________\n(^١) وهذا الإحصاء فقط في الجزء الذي قمت بتحقيقه.","vol":"1","page":207},{"text":"¬وأشهر من روى عنه، وأخذ منه، من الصحابة هو حبر الأمة وترجمان القرآن: عبد الله بن عباس، ومن التابعين: مجاهد بن جبر ﵃ أجمعين، فقد نقل عنهما فأكثر جدا، إلا أن نقله عن مجاهد كان الأكثر مطلقا.\n\n\" مجالات وجوانب النقل عن السلف.\nتعددت جوانب نقل المؤلف عن السلف، وتعدد مناحيه، وتنوعت أسبابه، ويمكن إجمالها في خمسة أمور:\n١. في بيان غريب ألفاظ القرآن.\nأكثر الجوانب التي اعتمد المؤلف فيها على الآثار، ما تعلق ببيان غريب ألفاظ القرآن، فلا تكاد تخلو كلمة غريبة، إلا وبينها بما ينقله عن السلف من آثار، من ذلك معنى: (الزور) الوارد في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ (^١) قال المؤلف\" قال ابن الحنفية: الزور: الغناء. وقال محمد بن علي: شهادة الزور. وقال عكرمة: لعب كان في الجاهلية\" (^٢).\n\n٢. في توضيح المعنى العام للآية.\n\nوهذا الجانب من أكثر الجوانب ورودا، ومن أمثلته: ما أورده عند قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (^٣) حيث قال: \" قال أنس بن مالك: كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء. وقال مالك بن دينار: سألت سالم بن عبد الله عن النوم قبل العتمة، فانتهرني، وقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ ما بين صلاة المغرب إلى العشاء ما ينامون. وقال موسى بن يسار في قوله ﷿ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (^٤) قال: ما بين المغرب إلى العشاء، كانت الأنصار يصلون المغرب فينصرفون إلى قباء، ثم أقاموا حتى يصلوا العشاء فنزلت فيهم الآية: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (^٥) يغدون من قباء فيصلون في مسجد رسول الله - ﷺ -. وقال مُطَرِّف بن الشخير ومجاهد: كانوا لا ينامون كل الليل. وقال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا في الدعاء والاستكانة والاستغفار. وقال إبراهيم: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ يعني ينامون قليلا منه. وقال أبو العالية: كانوا يصيبون حظا من الليل. وقال الضحاك: قليلا من الناس. وقال مُطَرِّف: قَلَّ ليلة تأتي عليهم لا يصلون فيها\" (^٦).\n_________\n(^١) سورة الفرقان (٧٢).\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة الفرقان الآية رقم (٧٢)\nومن الأمثلة كذلك: سورة ق الآية رقم (٣٢) والنجم الآية رقم (٣٢).\n(^٣) سورة الذاريات (١٧).\n(^٤) سورة السجدة (١٦).\n(^٥) سورة الذاريات (١٨).\n(^٦) ينظر من هذه الرسالة: سورة الذاريات الآية رقم (١٧)\nمن الأمثلة كذلك: الشعراء الآية رقم (٨٩) والنمل الآية رقم (٨٩) والتحريم الآية رقم (٦) والشرح الآية رقم (٧) والماعون الآية رقم (٢).","vol":"1","page":208},{"text":"¬٣. في استنباط المعاني من آيات القرآن.\n\nأورد المؤلف بعض الآثار عن السلف التي تضمنت لطائف ومعان أخذوها من الآيات الكريمة، من ذلك ما ذكره عن ابن شبرمة عند قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (^١) \" قال ابن عباس - ﵁ -: أمروا إذا كانوا عشرين ألا يفروا من مائتين ويثبتوا ويصبروا، ثم خفف عنهم فأمروا ألا يفر مائة من مائتين، وجعل لقلب المؤمن من القوة ما لرجلين من الكفار، فقال ابن عباس - ﵁ -: إن فر رجل من رجلين فقد فرّ، وإن فرّ من ثلاثة فلم يفرّ. وقال ابن شبرمة: والأمر والنهي عن المنكر هكذا \" (^٢).\n٤. في بيان أسباب نزول الآيات.\n\nأورد المؤلف كثيرا من الآثار عن التابعين في بيان سبب نزول بعض آيات القرآن الكريم، من ذلك ما أورده عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (^٣) قال: \" قال عكرمة: إنها أنزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يمكنهم الخروج، فلما كان يوم بدر أخرجهم المشركون معهم كرها فقتلوا، وتلا: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (^٤) وقال: طريقا إلى المدينة ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ (^٥) إلى آخر الآية فعذرهم الله .. \" (^٦).\n٥. في جانب الأحكام الشرعية.\n\nوهو من الجوانب التي أكثر فيها المؤلف من ذكر الآثار عن السلف، من أمثلة ذلك ما أورده عند قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^٧) قال: \" وقال الضحاك والحسن وعطاء: إذا زالت الشمس يوم الجمعة فقد حرم البيع والشراء حتى تقضى الصلاة. وقال الشعبي وسئل عن الساعة التي يرجى فيها الدعاء، قال: هي ما بين أن يحرم البيع ويحل. وكان عمر بن عبد العزيز يمنع الناس البيع يوم الجمعة إذا نودي للصلاة. وقال ابن شهاب: حَرّمَ النداءُ البيعَ. وقال مالك: يفسخ البيع إذا وقع في هذا الوقت المنهي عنه. وقال زيد بن أسلم: النداء حين يخرج الإمام، يريد النداء الثاني. وقال أبو الزناد: يفسخ البيع إذا وقع في ذلك الوقت\" (^٨).\n_________\n(^١) سورة الأنفال (٦٥).\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة الأنفال الآية (٦٥).\nينظر كذلك الشورى (٣٩) الأحقاف (٢٠).\n(^٣) سورة النحل (١٠٦).\n(^٤) سورة النساء (٩٨).\n(^٥) سورة النساء (٩٩).\n(^٦) ينظر من هذه الرسالة: سورة النحل الآية رقم (١٠٦).\nمن الأمثلة كذلك: سورة الأنفال الآية رقم (٧٣) والنور الآية رقم (٦١) والأحزاب الآية رقم (١).\n(^٧) سورة الجمعة (٩).\n(^٨) ينظر من هذه الرسالة: سورة الجمعة الآية (٩).\nينظر كذلك: النور (٣١) المعارج (٢٤)","vol":"1","page":209},{"text":"¬٦. الاحتجاج بآثارهم على المخالف.\nيورد المؤلف بعض الآثار عن السلف يَحتجُ بها على المخالف في مسألة شرعية، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ (^١) حيث احتج على الأحناف في مسألة ضمان المواشي لما أفسدته بالليل، بقوله: \" قال شريح، ومسروق، والشعبي، ومجاهد، بمثل ما قال مالك؛ من إلزام أرباب المواشي ما أفسدت بالليل، ولا أعلم أحدا ممن تكلم في هذه الآية قال ما قاله أبو حنيفة وتشبيهه بالعجماء، والعجماء الدابة\" (^٢).\nهذه أهم المجالات التي أخذ أبو الفضل فيها عن السلف ﵏، وهناك من المجالات ما لم يذكر، مما يمكن أن يندرج في بعض ما ذكر.\n\n\" موقفه من آثار التابعين.\nمع هذا التعظيم لآثار السلف والعناية بها، وتعدد مجالات الأخذ عنهم، فلم يكن أبو الفضل القشيري مجرد ناقل لما سمعه، وراو لما بلغه، بل كان يسلك فيما يأخذ عنهم، ويروي لهم، مسالك العلماء الراسخين، العالمين بظاهر الرواية، العارفين بباطن التلاوة، لقد كان ﵀ دقيقا في استدلاله بأقوالهم، دقيقا في ملاحظاته فيها واستدراكاته عليها، لقد كان أبو الفضل ينقل ويروي عن السلف نقلا ورواية واعية مدركة، يظهر ذلك في عدد من الجوانب، منها:\n_________\n(^١) سورة الأنبياء (٧٨ - ٧٩).\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة الأنبياء الآية رقم (٧٨)، ينظر: كذلك سورة الأنفال الآية رقم (١).","vol":"1","page":210},{"text":"¬١. التتبع والاستقراء.\nلقد كان المؤلف ﵀ على اطلاع واسع على آثار السلف، ظهر ذلك في قيامه بتتبع واستقراء ما روي عنهم في بعض المسائل، مما مكنه من الانتهاء إلى نتيجة معينة، اعتمد فيها على الاستقراء والتتبع، وقد أشار إلى ذلك في بعض المواضع، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^١) في مسألة شهادة المرأة، قال: \" قال بكر: ثم تأملت كل ما روي عن الصدر الأول والثاني، فمنهم من قال: لا تجوز في الحدود، ومنهم من قرن مع الحدود النكاح والطلاق، ومنهم من استثنى جراح الخطأ، فدل ذلك كله على أنهم أرادوا ألا تقبل شهادتهن فيما قال الله ﵎: ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (^٢) والذي قيل فيه: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٣) والله أعلم\" (^٤).\nومن آثار هذا التتبع أيضا: أنه كان كثيرا ما يجزم في بعض المسائل بأنه لم يرد فيها عن السلف شيء خلاف ما ذكر، كقوله عند الآية الكريمة: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ (^٥) \" قال الحسن: الحسنة: لا إله إلا الله، له خير منها يريد: تورثه خيرا دائما. وقال عكرمة: الحسنة لا إله إلا الله، وكل سيئة في القرآن شرك. وقال عطاء: من جاء بالتوحيد فهم ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ﴾ ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ وهو الشرك. وكذلك قوله سبحانه في والليل: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ (^٦) يعني: وصدق بالتوحيد. ولم يختلف من انتهى إلينا تفسيره في ذلك\" (^٧).\n\n٢. الجمع والتوفيق بين الآثار.\nومن الصور الدالة على ما تميز به أبو الفضل القشيري، من نظرٍ في أقوال السلف، أنه كان في أحيانٍ كثيرةٍ يحاول الجمع بين الآثار، والتوفيق بين الأقوال، بحمل الآية على العموم، فقد قال عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (^٨) \" قال الحسن: قَدِّمِ الفضل وأمسك ما يُبَلغُك. قال قتادة: ولا تنس الحلال، أيّ: ابتغه. قال مجاهد: أن تعمل فيها بطاعتي. وقال ابن عباس والمسعودي: تعمل فيها لآخرتك. وكل هذا عندي حسن، إلا أن المعنى الجامع لما في هذه الآية ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ أداء الفرائض واجتناب المحارم، بعد ذلك ما قَدِرَ عليه من أعمال البر، والله أعلم\" (^٩).\nومن وسائل توفيقه بين الآثار وحسن فهمه لمعانيها، أنه كان يحمل الخلاف المنقول عنهم والمنسوب إليهم على اختلاف محله ومتعلقه، كمسألة السمر بعد العشاء حيث روي\n_________\n(^١) سورة الطلاق (٢).\n(^٢) سورة النساء (١٥).\n(^٣) سورة الطلاق (٢).\n(^٤) ينظر من هذه الرسالة: سورة الطلاق (٢).\nينظر كذلك: سورة النور الآية (٣٣).\n(^٥) سورة النمل (٨٩).\n(^٦) سورة الليل (٧).\n(^٧) ينظر من هذه الرسالة: سورة النمل الآية (٨٩).\n(^٨) سورة القصص (٧٧).\n(^٩) ينظر من هذه الرسالة: سورة القصص الآية رقم (٧٧).\nينظر كذلك: سورة المؤمنون الآية رقم (١) والشعراء الآية رقم (٨٩) وسورة ق الآية رقم (٤٠) الذاريات الآية رقم (١٧).","vol":"1","page":211},{"text":"¬عن السلف ذمه وروي عنهم أيضا فعله، فكان من حسن فهمه أنه وجه الذم على حال تخالف حال الجواز، قال ﵀: \" وهذا كله فيمن سمر في غير مرضات الله، فأما من جعل سمره مذاكرة لعلم أو ما لا يَسْخَطُه الله ﷿ ويدخل في مرضاته، فلا بأس به، روى أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: قال: عمر قال: (كان النبي - ﷺ - لا يزال يسمر عند أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين)، وقال عمران بن حصين: (كان النبي - ﷺ - يحدثنا عامة ليله عن بني إسرائيل) قال بكر: فالذي كُره من السمر ما لم يكن فيه رضى الله ﷿ ومنافع للعباد، وعلم وآداب\" (^١).\n٣. الاستدراك والمناقشة.\nكما تميز المؤلف بأنه يناقش ويستدرك فيما يرويه عن السلف من آثار، ويبين مواطن القوة والضعف، ومثال ذلك ما ورد عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ إلى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، قال: \" قال مجاهد ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: ذنبك ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أثقل. وقال قتادة: ذنوب أثقلته فغفرت له. قال القاضي: قول قتادة لا يعجبني؛ لأن ذنوبه - ﷺ - أصغر الصغائر، وقد وضعها الله عنه، وما يكون بعد ذلك في سورة الفتح، وقد غفرت الصغائر لمن دونه إذا اجتنبت الكبائر\" (^٢).\n\n٤. الحكم على الآثار.\nومما يشهد لتمكن المؤلف وعدم اكتفائه بمجرد النقل والرواية، أنه كان يحكم أحيانا على بعض الآثار التي يحكيها عن السلف، فيميز الضعيف من الصحيح، والشاذ من المقبول، ومن أكثر الأمثلة وضوحا على ذلك، كلام المؤلف عن الآثار المروية عن السلف في إثبات النفقة والسكنى للمطلقة البائن، عند قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (^٣).\nوقد لا يظهر له الحكم على الحديث صحةً أو ضعفا، فيتوقف في ذلك وينبه عليه، من الأمثلة على ذلك عند قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (^٤) قال: \" وقال أبو هريرة - ﵁ - - رُوي عنه إن كان صحيحا - إن الإظهار خروج عيسى ابن مريم - ﵇ -. وقال مجاهد مثل ذلك، وفي قوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾. قال بكر: ولا أدري كيف صحة حديث الأسود، ولا ما روي عن أبي هريرة، إلا أن الآية توجب ظهور النبي - ﷺ - على الأديان كلها\" (^٥).\n\n٥. الموازنة والاختيار بين كلام السلف.\nومن مظاهر وعي المؤلف فيما ينقل عن السلف، أنه ربما وازن بينها، واختار منها ما يراه صوابا، مدعما اختياره بالدليل، مؤيدا ترجيحه بالبرهان، انظره عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (^٦) حيث قال: \" قال سعيد بن جبير:\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة المؤمنون الآية (٦٧).\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة الانشراح الآية (١ - ٤).\nينظر كذلك: سورة التوبة الآية رقم (٣٤) والحج الآية رقم (٢٨) والطلاق الآية رقم (٦).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: سورة الطلاق الآية رقم (٦)، ينظر كذلك: سورة الحج (٣٦) المجادلة (٣).\n(^٤) سورة الصف (٩).\n(^٥) ينظر من هذه الرسالة: سورة الصف الآية رقم (٩).\n(^٦) سورة العنكبوت (٤٦).","vol":"1","page":212},{"text":"¬أهل الحرب ممن لا عهد له فجادله بالسيف. وقال مجاهد: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ قال: من قاتلك ولم يعطك الجزية. وروي عن ابن عباس ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ قال: من قريش. وقال قتادة: نسختها ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ فلا مجادلة أشد من السيف. والرواية عن ابن عباس - ﵁ - ضعيفة، وقول قتادة حسن؛ لأن هذه السورة مكية، إنما أمر بالقتال بعد الهجرة، وأمر بالجزية قبل وفاة النبي - ﷺ - بيسير، فكان ذلك هو الناسخ لما كان بمكة، والله أعلم\" (^١).\n\nبقي أن أختم هذا المطلب بالإشارة أن أبا الفضل القشيري، قد ضرب صفحا عما لا أثر له في استنباط المعاني والأحكام، وهذا ما جعله يعرض عن تلك الروايات التي مصدرها أهل الكتاب، سواء أكانوا رُوَاتَها أو أُخِذَت عنهم، لأنه لا يُبْتَنى عليها أحكام شرعية، فلا كبير فائدة في ذكرها.\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة العنكبوت الآية رقم (٤٦).\nينظر كذلك: سورة النحل الآية رقم (٧٥) والإسراء الآية رقم (٧٨) والكهف الآية رقم (١٠٣) والفرقان الآية رقم (٧٠) والنجم الآية رقم (٣٢).","vol":"1","page":213},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-129>المطلب الرابع منهجه في الاستدلال بالإجماع</span>.\n\nإجماع أهل العلم هو أحد المصادر المعتمدة، التي تستمد منها بعض الأحكام الشرعية (^١)، ولم يزل أهل العلم يعظمون ما أجمعت عليه الأمة، وينكرون أشد الإنكار على من خالفه أو خرج عنه.\nولقد تميزت كتب الأحكام بعنايتها بالمسائل التي انعقد عليها الإجماع، وقد كان لكتاب أحكام القرآن للقشيري، نصيب من هذه العناية، فقد كان يرى - كسائر أهل العلم - أن الإجماع حجة، لا يجوز الخروج عليه، ولا يسوغ لأحد مخالفته مهما كانت منزلته، وقد كان إنكاره شديدا على من يرى أنه قد خالف الإجماع، حيث قرر أن القول المُحْدَث بعد الإجماع، لا ينقضه ولا يعتبر خلافا، يقول في مسألة الإجماع على جواز تزويج الصغيرة، قال: \" وأجمع أهل العلم على جواز ذلك في الصغيرة للأب، إلا شيئا ذُكر عن داود الأصبهاني، وفيه طعن على نكاح رسول الله - ﷺ - عائشة ﵂، ورأيت من أصحابه من ينكر ذلك، ومنهم من يقر به، وعلى أنه لو قاله ما كان قوله خلافا، لأن العلم يؤخذ عن الأكابر لا عن الأصاغر، ومن يأتي ليس بخلاف على من مضى\" (^٢).\nوقد أورد المؤلف ﵀ صورا غير كثيرة لما وقع عليه الإجماع، ومنها ما أورده في رده على بعض العراقيين القائلين بتقديم ذوي الأرحام في الميراث على الموالي، قال ﵀: \" وقد قال بعض العراقيين: إنه يُوَرِثُ بهذه الآية ذوي الأرحام دون الموالي، فقالوا: لو أن رجلا أعتق عبدا فمات المعتَقُ، وترك مولاه الذي أعتقه، وترك خالته وعمته، أن المال للخالة والعمة دون المولى ... ولو كان كما قال العراقيون مع قول رسول الله - ﷺ -:؟ فما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر؟ وقوله:؟ الولاء لحمة كلحمة النسب؟ لكان ينبغي لهم إذا خَلَف الرجل ابن عم وابنة عم؛\n_________\n(^١) ينظر: أصول السرخسي (١/ ٢٩٥).\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة النور الآية رقم (٣٢).","vol":"1","page":214},{"text":"¬أن يكون المال بينهما، وكذلك إن خلف عما وعمةً، وكذلك إن خلف عمة وابن عم، أن يكون المال للعمة، وكذلك إن خلف ابنة وأختا وابن عم أن يكون المال كله للبنت أو الأخت، دون ابن عم المتوفى، وهم لا يقولون شيئا من ذلك، ولو قاله قائل لخالف كتاب الله ﷿ وليس بين المسلمين خلاف علمته في ذلك، وإذا كان هذا هكذا فقد علمنا أن الله سبحانه إنما أراد بالآية ذوي الأرحام الذين يرثون بكتابه، دون غيرهم ممن لا نسب بينهم وبين المتوفى\" (^١).\n\nوقد يذكر المؤلف صورا تشبه أن تكون إجماعا، وليست كذلك؛ وإنما هي عبارة عن إجماع مقيد وليس تاما، مثل ذلك ما أورده في تفسير قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ﴾ (^٢) حيث قال: \" وأجمع كل من انتهى إلينا تفسيره؛ أن ذلك لا يحل لأحد بعد رسول الله - ﷺ - ولا لامرأة أن تهب نفسها، ولا لأب أن يهب ابنته، وكانت هذه خالصة لرسول الله - ﷺ -، وكانت مما أرجأ \" (^٣).\nعلى أن المؤلف قد وقع له أن حكى إجماع السلف في مسألة زيادة الحمل عن سنتين، ولا تصح هذه الحكاية قال: \" ولا أعلم اختلافا بين السلف، أن الحمل يزيد وينقص، وأن أكثره يجاوز السنتين إلا قول أبي حنيفة، فإنه وقف على سنتين\" وهذا غريب من المؤلف ﵀ فإن أبا حنيفة لم ينفرد بذلك، بل هو قول مشهور عن عائشة ﵂، وهو قول الثوري ورواية في مذهب أحمد (^٤).\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة الأنفال الآية رقم (٧٥).\nينظر أيضا: سورة النور (٥) وسورة الطلاق الآية رقم (٢).\n(^٢) سورة الأحزاب (٥٠).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: سورة الأحزاب الآية (٥٠).\n(^٤) ينظر: المغني لابن قدامة (٧/ ٤٧٧).","vol":"1","page":215},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-130>المطلب الخامس: منهجه في الاستدلال بلغة العرب</span>.\n\nيدرك من ينظر في كتاب أحكام القرآن لأبي الفضل القشيري، تلك العناية الظاهرة باللغة العربية، حيث احتج المؤلف باللسان العربي في بيان غريب ألفاظ القرآن الكريم، واحتكم إليها عند الاختلاف، واعتضد بها عند الاختيار.\nظهر ذلك في رجوعه إلى لغة العرب، واحتكامه إلى أهل اللسان، واستشهاده بمنثور كلامهم ومنظومه، مع الحرص في الغالب الأمر على نسبة القول إلى قائله.\nويمكن تلخيص منهج المؤلف في احتجاجه بلغة العرب، في الآتي:\n\n١. أبرز من أخذ عنهم ونقل كلامهم.\nاعتمد المؤلف على بعض من كبار أئمة اللغة وأهل العربية، في بيان غريب اللغة والاحتجاج عند الاختلاف بقولهم، ومن أشهرهم:\n\n١. أبو عبيدة معمر بن المثنى.\nمن مصادره الأساس التي اعتمد عليها بشكل كبير، فيما يتعلق بلغة العرب وشعرهم، وتوجيه كلامهم، ما نقله عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، ولا سيما ما استقاه من كتابه: مجاز القرآن، لقد كان كتابه هذا - بحق - أهم كتاب لغوي اعتمده المؤلف، فأكثر النقل منه، والأخذ عنه، والإحالة إليه، ومنها ما جاء عند قوله تعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^١): \" قال أبو عبيدة: إثارة: بقية من علم،\n_________\n(^١) سورة الأحقاف (٤).","vol":"1","page":216},{"text":"¬وهذا يرجع إلى قول من قال: إنه يأثر علما، فهو قطعة من العلم، وبقية من العلم ... \" (^١).\n٢. أبو عمرو بن العلاء.\n\nنقل عنه المؤلف في بيان غريب اللغة، كما وقع له عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ (^٢) \" قال أبو عمرو بن العلاء: مُهْرَة مَأْمُورة كثيرة النسل، وقال: تقول العرب: هذا مال مُؤَمَر\" (^٣).\n\n٣. سيبويه.\nنقل عنه وأخذ منه في بعض المواضع، منها: ما ورد عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ (^٤)، قال: \" وكان سيبويه يقول: إن هذه للمتاركة، يقول الرجل للرجل: اذهب سلاما سلام، أي تاركني وأتاركك\" (^٥).\n٤. أبو عمر الجرمي.\nوهو أحد أئمة اللغة الذين احتج بقولهم فقد أورد كلامه عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ (^٦) قال: \" ويحتمل - أيضا - أكثرنا، قال أبو عمر الجَرْمي: هذا باب ما يجتمع فيه: فعلت وأفعلت \" (^٧).\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة سورة الأحقاف الآية رقم (٤).\nينظر كذلك المواضع الآتية: ٣٢٩، ٥٤٧، ٥٦٧، ٦١١.\n(^٢) سورة الإسراء (١٦).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: سورة الإسراء الآية رقم (١٦).\n(^٤) سورة القصص (٥٥).\n(^٥) ينظر من هذه الرسالة: سورة القصص الآية رقم (٥٥).\n(^٦) سورة الإسراء (١٦).\n(^٧) ينظر من هذه الرسالة: سورة الإسراء الآية رقم (١٣).","vol":"1","page":217},{"text":"¬٥. الأصمعي.\nوالأديب البارع عبد الملك بن قُريب الأصمعي، استفاد منه المؤلف ونقل عنه، دل على ذلك ما أورده عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (^١)، قال: \" وقال الأصمعي: الحسن في العينين والجمال في الأنف والملاحة في الفم \" (^٢).\n\n٢. مجالات الاحتجاج بلغة العرب.\nلقد أنزل الله تعالى كتابه الكريم بلسان عربي مبين، جرى على لغة العرب ومناحي كلامهم، ولذا لم يزل أهل العلم يحتكمون إلى لغة العرب عند نظرهم في معاني ألفاظ القرآن الكريم، واحتجاجهم بها عند اختلافهم، بل حتى الصحابة - وهم أهل اللسان - رويت عنهم وقائع كثيرة من احتجاجهم بلغة العرب، عند بيان معاني القرآن الكريم، وقد أورد المؤلف مثالا على هذا الاحتجاج والاحتكام عند قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (^٣) يتعلق ببيان معنى الحرج قال: \" وروى سعيد بن جبير أن عبيد بن عمير سأل ابن عباس عن الحرج فقال له: ألستم العرب! ثم قال: ادعو لي برجل من هذيل، فسأله عن الحرج، قال: مالا مخرج له، قال ابن عباس - ﵁ -: إنما ذلك سعة الإسلام، ما جعل الله ﵎ من التوبة والكفارات، وقال في رواية أخرى: الحرج الشيء الضيق\" (^٤).\nويمكن حصر أبرز المجالات التي اعتمد المؤلف فيها على لغة العرب واحتج بها، في أربعة مجالات:\n١. بيان الغريب من الألفاظ.\nوهذا من أهم المجالات، وأكثره ورودا في كتابه، فقد اعتمد المؤلف على لغة العرب في بيان غريب القرآن الكريم، سواء أكان ذلك البيان من منثور كلامهم، أو منظومه، ومن أحسن الأمثلة وأصدقها، ما ذكره المؤلف عند قوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ (^٥) حيث قال: \" قال ابن عباس - ﵁ -: هم المشاة والركبان يأتون من كل فج عميق. قال الزيادي: المعمق الذاهب على وجه الأرض. قال المازني: يقال عميق ومعمق. وقال رؤبة:\nوقَاتِم الأعْمَاقِ خَاوي المُخْتَرَقْ.\nفالأعماق جمع عمق، والمعمق هاهنا الذاهب على وجه الأرض المخترق حيث صار خرقا، والخرق الفلاة تنخرق في الفلاة. وقال قتادة: من مكان بعيد، وقوله يشبه قول أبي إسحاق الزيادي أنه الموضع البعيد على وجه الأرض، وقال الشاعر:\nيقطعن بُعْدَ النازح العميق \" (^٦).\n٢. توضيح الأسلوب البلاغي في القرآن الكريم.\n_________\n(^١) سورة النور (٣١).\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة النور الآية (٣١) ينظر كذلك المواضع الآتية: ٣٢٨، ٦٧٧.\n(^٣) سورة الحج (٧٨).\n(^٤) ينظر من هذه الرسالة: سورة الحج الآية رقم (٧٨).\n(^٥) سورة الحج (٢٧).\n(^٦) ينظر من هذا الرسالة: سورة الحج الآية رقم (٢٧).\nينظر كذلك: سورة الصافات الآية رقم (٤٥) والطور الآية رقم (٢١) والنجم الآية رقم (٣٢) الممتحنة الآية رقم (٨).","vol":"1","page":218},{"text":"¬ومن الأغراض التي لأجلها يحتكم المؤلف إلى لغة العرب، ويرجع إلى فرسانها؛ عند توضيح أسلوب قراني، كالذي وقع له عند قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ (^١)، حيث قال: \" قال أبو عبيدة: معنى هل ليس باستفهام؛ إنما قد أتى على الإنسان، أو على التقرير، كما يقول الإنسان للإنسان: هل فعلت كذا، أما فعلتُ بك كذا، قال جرير:\nألستم خيرَ من ركب المطايا ... وأندى العالَمِين بُطونَ رَاح\nفلفظ بحرف الاستفهام، وإنما يريد الإيجاب، وهذا مشهور في كلام العرب\" (^٢).\n\n٣. الاحتكام عند الخلاف إلى لغة العرب.\nوصورة من صور عناية المؤلف بلغة العرب، ونَقَلَتِها الذين كانوا أعلَمَ الناس بها، أنه ربما احتكم إلى قولهم عند اختلاف كلام السلف في أحد المعاني، كما وقع في معنى الحواريين الوارد ذكرهم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (^٣) حيث ذكر الخلاف في المراد بهم، ثم أتبعه بقوله: \" وقال أبو عبيدة: الحواريون هم صفوة الأنبياء الذين اصطفوهم، والحواريات من النساء اللاتي لا ينزلن البوادي وينزلن القرى، قال الشاعر:\nوقل للحواريات يبكين غيرنا ... ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح\n_________\n(^١) سورة الإنسان (١).\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة الإنسان الآية رقم (١).\n(^٣) سورة الصف (١٤).","vol":"1","page":219},{"text":"¬والحور: الشديدة بياض بياض العين، وإذا اشتد البياض قوي سواد سواد العين، وإذا كان الأصل البياض والنقاء، كان من نصر الله ورسوله - ﷺ - ينقى القلب له هذا الاسم\" (^١).\n\n٤. الاحتجاج بإجماع أهل اللغة.\nفقد احتج على الشافعي القائل: بأن المظاهر إذا لم يطلق عقيب الظهار لزمته الكفارة، بما أجمع عليه أهل اللغة في مسألة العطف بالواو وثم، قال: \" مع أن قوله: إن لم يطلق بعقب الظهار لزمته الكفارة خطأ، يدل عليه الكتاب واللغة - وأصحابه يدعون له علم اللغة - لأن الله ﷿ قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ وثم إنما تقع بعد الشيء على تراخي؛ لأنه لا اختلاف بين أهل اللغة أن الواو توجب الاجتماع ولا توجب التبدئة به؛ لأن قول القائل: لقيت زيدا وعَمْرا يوجب أن يكون لقيهما، وقد يجوز أن يكون زيد قبل عمرو، وعمرو قبل زيد، وإذا قال: لقيت زيدا فعمرا، فذلك يوجب لقاء زيد قبل عمرو بغير تراخي، وإذا قال: لقيت زيدا ثم عمرا، فهذا يوجب عندهم التراخي، وأن يكون لقاؤه عمرا بعد زمان\" (^٢).\n\n٥. الاحتجاج بلغة العرب في الاختيار والترجيح.\nوهذا أيضا من جوانب احتجاج المؤلف بلغة العرب، حيث يوازن بين الأقوال ويختار منها ما كان أقرب إلى لغة العرب ومجاري كلامهم، كما وقع له في بيان معنى القانع والمعتر الوارد في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (^٣)، حيث قال\" فأما القانع والمعتر، فإنه روي عن ابن عباس قال: القانع الذي يسأل، والمعتر الذي يعتر ولا يسأل،\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة الصف الآية رقم (١٤)، ينظر كذلك: سورة المدثر الآية رقم (٤).\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: ص ٦٣٥.\n(^٣) سورة الحج (٣٦).","vol":"1","page":220},{"text":"¬وروي عنه: أن القانع من يقنع بما أرسلت إليه في بيته، والمعتر الذي يعتريك، وهذا أشبه القولين، وقال مثل ذلك الحسن، وقال مجاهد نحو ذلك. وقيل: المعتر الذي يعتريك فيسألك، وقال بكل قول من ذلك جماعة.\nوالصحيح - والله أعلم - أن القانع يقع على من يسأل فيرضى بما يرزق بمسألته، ويقع على من يقنع ولا يسأل، فإن اللغة تجمعهما يقال: قنع يقنع قناعة إذا صبر عن المسألة، وقنع يقنع قنوعا إذا سأل، قال: وقال الشاعر:\nفمالُ المرء يُصْلِحُهُ فَيُغْني ... مَفَاقِرهُ أعفُّ من القُنُوع\nقال: يعني أنه أعف من السؤال، فالبيت يدل على أن القانع هو القانع بالفقر لا بالرضا بما يعطاه.\nوأما المعتر فكل من اعتر بك من معترض أو سائل أو طالب حاجة في أمر من الأمور فقد اعتر بك في ذلك\" (^١).\n\n· بعض أراء المؤلف اللغوية.\nصرح المؤلف على نحو قليل ببعض آرائه اللغوية في بعض المسائل المشهورة، منها:\n١. حروف الصلة.\nورد في القرآن الكريم بعض الأحرف التي يسميها بعض أهل العلم حروف الصلة أو الحروف الزوائد، وقد أشار المؤلف إلى ذلك في بعض المواضع، مثال ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (^٢) حيث قال: \" وأما قوله: ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ فهذه الباء تجعلها العرب صلة في الكلام، ويجعلون إثباتها وإسقاطها سواء،\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة الحج الآية رقم (٣٦).\nينظر كذلك: سورة الحج الآية رقم (٢٥).\n(^٢) سورة الحج (٢٥).","vol":"1","page":221},{"text":"¬ومعنى إلحاد وبإلحاد واحد، وكذلك ما، مثل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (^١) وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (^٢) فيجعلون ما صلة في الكلام، ويجعلون إثباتها وإسقاطها سواء\" (^٣).\n\n٢. تناوب حروف الجر.\nومن آراء المؤلف التي تكررت في كتابه؛ أن حروف الجر تتناوب فيما بينها، يشهد لهذا قوله: \" فقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ يعود لما حرم، كما قيل: العائد في هبته وهو الراجع إليها يتملكها، تقول العرب: رجعت في قولي ورجعت عنه، وحروف الإضافة قد تُبدل بعضها من بعض، كقوله: نزلت به، ونزلت عليه، قال الله ﷿: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ (^٤) وقال ﷿: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (^٥) فقال في موضع: ﴿فِيهَا﴾ وقال في موضع آخر: ﴿وَعَلَيْهَا﴾ وقال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (^٦) أي على جذوع النخل، وقال سبحانه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (^٧) أي بأمر الله، وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ (^٨) أي عليه، فمعنى ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ إلى الغشيان؛ لأنه إذا قصد لئن يغشى، فقد قصد إلى إبطال ما كان منه من التحريم، فقد عاد في ذلك القول الذي لفظ به من التحريم يريد الرجوع عنه\" (^٩).\n_________\n(^١) سورة البقرة (٢٧).\n(^٢) سورة آل عمران (١٥٩).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: سورة الحج الآية رقم (٢٥)، من الأمثلة كذلك: سورة البلد الآية رقم (١).\n(^٤) سورة المؤمنون (٢٧).\n(^٥) سورة المؤمنون (٢٢).\n(^٦) سورة طه (٧١).\n(^٧) سورة الرعد (١١).\n(^٨) سورة الطور (٨٣).\n(^٩) ينظر من هذه الرسالة: سورة المجادلة الآية رقم (٣).","vol":"1","page":222},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-131>المطلب السادس: منهجه في عرض المسائل الفقهية</span>.\n\nهذه المطلب هو مقصد الكتاب الأول، والأساس المتين له، وهو الذي اتجهت له همة المؤلف ابتداء، وانعقدت عليه نيته، وهو المطلب الذي استغرق أكثر الكتاب وأوفى، والكلام عنه كلام عن الكتاب كله، ونظر في آياته جميعها، ولذا فاستشراف معالم منهجه غير يسير، ولا سيما مع إمام جمع علم الحديث والفقه، ناظر فيهما وجادل، يستصحب أدوات الاجتهاد، ووسائل النظر والجدل، في تقوية مذهبه، ودفع قول المخالف.\nويمكن تقسيم البحث في منهجه المتعلق بالمسائل الفقهية إلى الفقرات الآتية:\nالفقرة الأولى: طريقته في عرض المسائل الفقهية.\nالفقرة الثانية: منهجه في الاستدلال والمناقشة.\nالفقرة الثالثة: منهجه في الاختيار والترجيح.\n\n· الفقرة الأولى: طريقته في عرض المسائل الفقهية.\n\nلتوضيح طريقة المؤلف في عرض المسائل الفقهية، أذكر النقاط الآتية:\nأولا: لم يطرد منهج المؤلف في عرض المسائل الفقهية، إلا أنه في غالب أمره يبدأ بذكر كلام السلف عن معنى الآية، وخلافهم فيها، ثم يبدأ فيعرج على الخلاف الذي وقع بين الفقهاء من بعدهم.\nوعلى نحو قليل ربما قرر المسألة، وبين الراجح فيها أولا، ثم عرج على الخلاف ثانيا، وقد يبتدئ بذكر الخلاف في المسألة مباشرة، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (^١) حيث قال بعد رسم الآية مباشرة: \" قال أبو حنيفة وأصحابه: إن القاذف إذا تاب لم تقبل شهادته، واحتجوا بأن الاستثناء لم يقع على كل ما ذكر في القرآن، وأن الدليل على ذلك، أنه لو تاب لم يسقط عنه الحد، فغلطوا من حيث لا يشكل\" (^٢).\n\nثانيا: أما الخلاف الذي يذكره المؤلف في كتابه، فقد كان على ثلاث طبقات:\nالطبقة الأولى: الخلاف في طبقة الصحابة والتابعين لهم، فهؤلاء كانت لهم الصدارة والتقدمة في معظم الحين، مع العناية بخلافهم - على ما تقدم بسطه في المطلب الثالث.\nالطبقة الثانية: الخلاف في طبقة فقهاء المذاهب المشهورة ومن في عصرهم، فذكر خلاف أبي حنيفة والشافعي، ولم يذكر خلاف الإمام أحمد، على طريقة بعض الفقهاء في ذكر الإمام أحمد في عِداد المحدثين، وفضلا عن هؤلاء فقد تكلم عن بعض من عاصرهم كالثوري، وابن عيينة، وجعفر الصادق، ممن لم يكونوا اتباعا لتلك المذاهب المشهورة.\nوأخذ خلاف الشافعي وأبي حنيفة أكثر كلام المؤلف في الخلاف، ما بين تقرير قول مالك والاستدلال له، ورد قولهما والجواب عنه.\nالطبقة الثالثة: من جاء بعدهم، إلى زمن المؤلف، ويشمل الكلام عن أتباع المذاهب، ويشمل أيضا الكلام مع إمام أهل الظاهر داود الأصفهاني.\n\nثالثا: يدل كتاب أحكام القرآن على معرفة المؤلف بمذاهب أهل العلم، واطلاعه على خلافهم، دَلَّ على هذا؛ كثرة الآثار التي يرويها عنهم، على أنه مع هذا الاطلاع الواسع\n_________\n(^١) سورة النور (٤، ٥).\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة النور الآية رقم (٤).","vol":"1","page":223},{"text":"¬فقد شذ عنه على نحو نادر بعض خلافهم، كما في مسألة اشتراط الإسلام والحرية حتى يقع اللعان، إذ قال ﵀: \" ولا نعلم بين التابعين ممن فسر الآية خلافا في ذلك: أن كل زوج يلاعن إلا شيئا يروى عن إبراهيم النخعي، ولا أظنه يثبت\" وهذا غريب منه ﵀ لأن اشتراط الإسلام والحرية حتى يقع اللعان بين الزوجين، لم ينفرد به النخعي، بل هو قول مشهور عند السلف فقد أخرجه عبد الرزاق عن طائفة من السلف، منهم: عطاء، ومجاهد، ومكحول، والشعبي، وأكثر من هذا، أنه قد روي فيه عن النبي - ﷺ - حديث أخرجه البيهقي عن عمرو بن شعيب - وضعفه - وفيه: (أربع لا لعان بينهن وبين أزواجهن: اليهودية، والنصرانية، تحت المسلم، والحرة تحت العبد، والأمة عند الحر، والنصرانية عند النصراني).\n\nرابعا: ومما يحمد للمؤلف أنه مع كثرة الأقوال وتنوعها، فقد كان دقيقا في نسبتها إلى قائليها، حيث كان في الغالب يذكر الأقوال منسوبة إلى من قالها، والآراء إلى أهلها.\nومع هذا فقد كان في مواضع عديدة يذكر القول غير منسوب إلى قائله، مع أنه ربما كان قولا مشهورا، بل وعليه العمل، كما نص هو على ذلك، مثال ذلك قوله في مسألة اللقيط: \" واختلف قوم في اللقيط؛ فقال قوم: هو مملوك. وقال آخرون: هو حر، وهو المعمول عليه، والذي عليه أهل العلم \" (^١) ولعل الذي حمله على ذلك؛ اكتفاؤه بشهرة القول، وشهرة من قال به، عن النص على قائله، على أن ما نص على تسمية قائله، في مواضع أخرى، ليس بأقل شهرة مما ترك تسميته.\nولما غلب نسبة مدرسة الرأي والقياس إلى العراق لاشتهارها بهم، وفي جملتهم الأحناف، في مقابل مدرسة الأثر في الحجاز، وفي جملتهم المالكية - وإليها ينتسب المؤلف - فقد كان يذكر أهل العراق بهذه النسبة، في عدد من المواضع، فيقول: قال العراقي، أو قال: أهل العراق،\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة يوسف الآية رقم (٢٠).","vol":"1","page":224},{"text":"¬مع أنه هو من أهل العراق، لكنه أراد بهذه النسبة، النسبة المنهجية، التي تقسم المدارس الفقهية؛ إلى مدرسة أَثَرٍ، ومدرسة رَأيٍ، ومن أمثلة ذلك عند قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ (^١) حيث قال: \" وقد تعلق العراقي بهذه الآية وكذلك الشافعي (^٢) في العبد لا يملك، ولو تأملوا ما قرؤوا لأغنوا عن التعب بهم، هاتان الآيتان نزلتا مع غيرهما ضربَ أمثالٍ للربوبية ... \" (^٣).\n\nخامسا: يَعْرِضُ المؤلفُ القولَ الصحيحَ في ثنايا كلامه عن المسائل الفقهية، أو من خلال المناقشة والاختيار، على نحو لا يَشْعُر القارئ معه بأنه يقرر قول المالكية، أو ينتصر لهم، مع أن هذا هو واقع الحال، فلا تجد من مفرداته أن يقول: هذا قول المالكية أو الأصحاب، وإنما وقع له على نحو قليل أن يسمي الإمام مالكا فقط، على نحو لا يشعر بأنه ينتصر له، ومن قرأ في كتابه وهو لا يعرف مذهبه، ولم يَطَّلِع على قول المالكية، لا يكاد أن يعرف مذهب مؤلفه.\n\nسادسا: وأما بسط المسائل والكلام عنها، وتفريع القول فيها، فقد تنوعت فيها طريقته، فمرة تراه يبسط الكلام في مسائل مشهورة: كقسمة الأنفال (^٤)، واللعان (^٥)، ويفصل ويُبدئ القول فيها ويعيد، وفي مقابل ذلك طوى الكلام عن بعض المسائل المشهورة جدا: كالمراد بالزينة في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (^٦)،\n_________\n(^١) سورة النحل (٧٥).\n(^٢) ينظر: الأم (٤/ ٧٧) وأحكام القرآن للجصاص (٥/ ٦).\n(^٣) سورة النحل (٧٥).\n(^٤) ينظر من هذه الرسالة: سورة الأنفال الآية رقم (١).\n(^٥) ينظر من هذه الرسالة: سورة النور الآية رقم (٤).\n(^٦) ينظر من هذه الرسالة: سورة النور الآية رقم (٣١).","vol":"1","page":225},{"text":"¬وكمسألة حد الفقير والمسكين والتفريق بينهما، مع أن أهل العلم توسعوا في الكلام عنها، غير أنه اكتفى فيها بقوله: \" وأما شرح الفقراء والمساكين، فإن الفقير والمسكين واحد، وهما فقيران، إلا أن المسكين مأخوذ من السكون، وهو الذي يسأل فتظهر عليه الذلة من جملة الفقراء\" (^١) ولعل هذا الإجمال وعدم البسط سببه أن الخلاف وقع حتى في المذهب نفسه، مما جعل الهمة لا تنصرف إلى بيان قول المذهب، والاستدلال على المخالف، فالمخالف هنا من أهل المذهب أنفسهم.\nوربما كان بسطُهُ بعض المسائل دون بعض، يتأثر بالبيئة العلمية المحيطة، فالعراق بيئة تمازجت فيها الآراء الفقهية - كما تقدم الإشارة إليه - فربما قوي الخلاف في مسائل واتجهت لها الهمم، كمسألة رد شهادة المحدود في القذف بعد التوبة (^٢)، فهذه مسألة يكاد يجمع عليها أهل الرأي، قال ابن عبد البر: \" وقال سفيان الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وأكثر أهل العراق: لا تُقْبَلُ شهادة القاذف أبدا تاب أو لم يتب \" (^٣) فإذا تصورنا أن هذا قول أكثر أهل العراق، فما الحال التي سيكون عليها المؤلف وشيخه القاضي إسماعيل، وهما من قضاة العراق، ويخالفون قول أكثر أهلها، ثم هذه المسألة مما يكثر وقوعها، ولها مساس بمنصبهما ووظيفتهما، فالظن - والحال هذه - أن يعتني بهذه المسألة ويطيل بحثها.\n· الفقرة الثانية: منهجه في الاستدلال والمناقشة.\n\nتنوعت طريقة المؤلف في كلامه عن المسائل الفقهية، ومناقشة أقوال أهل العلم فيها، وسياق أدلتهم عليها، ولتوضيح هذا أذكر النقاط الآتية:\nأولا: لم يَتِّبِع المؤلفُ مسلكا مطردا في مناقشة المخالف، أو الاستدلال على ما ذهب إليه، فنجده في موضع يُجْمِلُ الكلام ويطويه، مكتفيا بالراجح من القول، وهذا الراجح ربما دعمه بدليله، وربما أعراه.\nوفي موضع آخر يبسط الخلاف ويرويه، سائقا الحجج، موردا الدلائل، رادا على المخالف، ناقضا قوله، ومُبينا ضعفه.\nثانيا: ويُلاحِظ الناظرُ في الكتاب؛ أن أبا الفضل القشيري، لا يسوق أدلة المخالف ولا تقريراتهم، إلا بالقدر الذي يُمَكِنُه من مناقشة تلك الأدلة وردها، وبعبارة أخرى: يسوق الأدلة لمناقشتها، ويوردها لنقضها.\nثالثا: أما الأدلة التي يسوقها المؤلف، احتجاجا لقوله، ونصرة لمذهبه، أو جوابا على أدلة المخالفين، فتنوعت وتعددت، إذ النظر الفقهي في المسائل الشرعية هو الصورة التطبيقية لأصول الفقه التقعيدي، ولذلك فقد اعتمد المؤلف على تلك الأصول الفقهية (السمعية) في نظره واستدلاله، فالكتاب، والسنة، وآثار السلف وإجماعهم، وما عليه الفتوى والعمل، ولغة العرب ومجاري كلامهم، كلها أصول اعتمدها المؤلف في استدلاله ومناقشته، وقد تقدم في المطالب السابقة بسطها وبيان منهج المؤلف فيها، مع ضرب الأمثلة عليها، بما يغني عن إعادتها، وأكتفي هنا بذكر مثال حسن يكشف عن القدرة العلمية في النقاش والمجادلة، وهو مثال جمع فيه المؤلف الاستدلال بالكتاب والسنة وعمل الصحابة والنظر العقلي، ففي مسألة حقيقة الكنز الذي نهى الله عنه ناقش القول المشهور عن أبي ذر - ﵁ - القاضي بأن الكنز كل مال مالوه مطلقا، فاعترض على هذا القول وناقشه، قال ﵀: \" ونرجو أن يكون قول من قال: يكنزه الإنسان ويخَلِّفُه، غير مضبوط؛ وذلك أن الله ﵎ قال: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (^٤) وقال - عز من قائل ـ\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة التوبة الآية رقم (٦٠)\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة النور الآية رقم (٣).\n(^٣) الاستذكار (٧/ ١٠٨).\n(^٤) سورة البقرة (١٨٠).","vol":"1","page":226},{"text":"¬: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (^١) فمحال أن يوصينا فيم نترك وقد حظر علينا الترك، وجعله كنزا نعذب عليه، وكيف يكون ذلك كذلك، والنبي - ﷺ - يقول لسعد:؟ الثلث والثلث كثير أو كبير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس؟، وأصحاب رسول الله - ﷺ - ورحمة الله لهم خلفوا الأموال، من الضِيَاع وغيرها؛ عثمان، وعلي، والزبير، وعبد الرحمن وغيرهم، وليس للكنز عندي وجها إلا المال الذي لا يؤدى حقوق الله فيه، والله أعلم\" (^٢).\nويصاحب هذه الأدلة السمعية والأصول الفقهية، مَلَكَةٌ ذهنية، مَكَّنَت المؤلف من النظر في الأدلة وفهمها، لاستنباط الأحكام والمعاني الشرعية، وجعلته قادرا على تحليل الآراء ومناقشتها، والوقوف على مواطن القوة منها، وجوانب الضعف فيها، وقد ظهرت هذه الملكة الذهنية بشكل جلي في مقام الجدل والمناظرة، ودفع أدلة المخالفين.\nوفي الحق: فقد كانت هذه الأدلة التي يوردها المؤلف، ولا سيما في المواضع التي بسط القول فيها، مرآةً صادقةً عن طبيعة المؤلف، وتكوينه العلمي، الدال على امتزاج المدارس العلمية فيه، وهي سمة - كما تقدم - تميز بها مالكية العراق، فتجد العناية الكبيرة بالأثر، والقدرة العالية على التحليل والمقايسة، وردِّ النظير إلى النظير، وبيان علل التشريع، ودقيق التأويل، وصرف المعاني، وتوجيه الأدلة، مع القدرة الفائقة على نقض ما أبرم المخالف، وتوهين ما أحكم، وبيان ضعف الاستدلال من ذات الدليل، وفي هذا المقام أُحِيل على بعض المسائل، هي من أنطق الشواهد على ما ذكرت، وأصدقها تعبيرا عما أردت، إلا أن طولها يمنع من نقلها هنا:\n· المسألة الأولى: قسم الأنفال والغنائم (^٣).\n_________\n(^١) سورة النساء (١١).\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: ص ٢٦١.\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: سورة الأنفال الآية رقم (١).","vol":"1","page":227},{"text":"¬· المسألة الثانية: جرح العجماء وضمان ما أتلفته (^١).\n· المسألة الثالثة: قبول شهادة القاذف بعد الحد إذا تاب (^٢).\n· المسألة الرابعة: اللعان (^٣).\n· المسألة الخامسة: تغير الماء (^٤).\n· المسألة السادسة: أحكام الظهار (^٥).\n· المسألة السابعة: صفة طلاق السنة (^٦).\n\nففي هذه المسائل تَرتَسم صورة ناطقة عن المناقشة العلمية، المصحوبة بتنوع الأدلة، وجودة القريحة، وسعة العريضة، وحضور البديهة.\n\nبقي أن أذكر بعض ما يورده المؤلف في نقاشة واحتجاجه على المخالفين، فيما احتجوا به وذهبوا إليه، على وجهه الاختصار:\n١. رد الحديث الضعيف: من مسالك المؤلف في الرد على المخالف، تضعيف الحديث أو الأثر، الذي استند عليه في قوله، كما ضعف حديث القلتين في مسألة تغير الماء (^٧).\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة الأنبياء الآية رقم ().\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة النور الآية رقم (٤).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: سورة النور الآية رقم (٥).\n(^٤) ينظر من هذه الرسالة: سورة الفرقان الآية رقم (٤٨).\n(^٥) ينظر من هذه الرسالة: سورة المجادلة الآية رقم (١).\n(^٦) ينظر من هذه الرسالة: سورة الطلاق الآية رقم (١).\n(^٧) ينظر من هذه الرسالة: سورة الفرقان الآية رقم (٤٨).","vol":"1","page":228},{"text":"¬٢. ربط الحكم بعلته: كما في رده على من أبطل حكم المؤلفة بقوله: \" وقد قال بعض الناس: إن التأليف قد انقطع، واحتج بأن عمر - ﵁ - قطع عن المؤلفة الذين كانوا على عهد رسول الله - ﷺ -، وإنما قطع عنهم لما استغنى عنهم، وحكم التألف ثابت إذا احتيج إليه لرؤساء يُتَألفون، فيَدْخُل في الإسلام بدخولهم أتباعهم، فهذا جائز غير منسوخ، باق في حكم الآية عند الحاجة إلى ذلك\" (^١).\n\n٣. بيان الحال وقت نزول الحكم الشرعي: مثال ذلك رده على الأحناف فيما ذهبوا إليه من توريث ذوي الأرحام دون الموالي مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٢)، فأجاب عن دليلهم ببيان الحال التي كان عليها الناس وقت نزول هذه الآية مما يدفع استدلالهم بها، قال\" وقد قال بعض العراقيين: إنه يُوَرَّثُ بهذه الآية ذوي الأرحام دون الموالي، فقالوا: لو أن رجلا أعتق عبدا فمات المعتَقُ، وترك مولاه الذي أعتقه، وترك خالته وعمته، أن المال للخالة والعمة دون المولى.\n\n٤. رد القول بأنه محدث لم يسبق إليه: وهو من مسالك المؤلف في مناقشة المخالف، يقول في مسألة الظهار رادّا علة من قال باشتراط تكرار لفظ الظهار حتى يصدق عليه حكم الظهار، قال: \" فأما أن لا يكون عليه شيء حتى يظاهر مرتين فلا نعلم أحدا قاله\".\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة التوبة الآية رقم (٦٠).\n(^٢) سورة الأنفال (٧٥).","vol":"1","page":229},{"text":"¬٥. مخالفة الإجماع: رد على من منع تزويج الصغيرة بإجماع أهل العلم على جوازه في حق الأب، قال: \" وأجمع أهل العلم على جواز ذلك في الصغيرة للأب، إلا شيئا ذُكر عن داود الأصبهاني، وفيه طعن على نكاح رسول الله - ﷺ - عائشة ﵂، \" (^١).\n\n٦. الاحتجاج بلغة العرب: كما في مسألة حكم وضع شيء من نجوم مكاتبة المملوك، فقد ذهب الشافعي، وجوب وضع شيء منها، مع أنه لا يقول بوجوب المكاتبة ابتداء، ويستدل بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ﴾ (^٢)، فاحتج عليه المؤلف، بقوله: \" فجعل الشافعي الفرع أوجب من الأصل، وليس يكاد شيئا في كلام العرب يعطف بعضه على بعض، يكون أوله غير واجب وآخره واجب، هذا لا يكاد يعرف\" (^٣).\n\n٧. إلزام المخالف بلازم قوله: في مسألة تملك العبد ذهب الأحناف والشافعية إلى أنه لا يملك، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ (^٤)، وقد أجاب على قولهم: \" وهذه الأمثال ضربها الله ﵎ لنفسه - جل وعز - فأنتم لا يستوي بعضكم ببعض، فكيف تسوون بي خلقا من خلقي، ... وليس لهم حجة في ذكر العبد، إلا وعليهم مثله في الأبكم، والأبكم عندهم يملك ماله\" (^٥) يشير إلى الآية التي بعدها في الأبكم، فألزمهم بقولهم هذا، وهو أن الأبكم لا يملك ولا خلاف في ملكه.\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة النور الآية رقم (٣٢).\n(^٢) سورة النور (٣٣).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: سورة النور الآية رقم (٣٣).\n(^٤) سورة النحل (٧٥).\n(^٥) ينظر من هذه الرسالة: سورة النحل الآية رقم (٧٥).","vol":"1","page":230},{"text":"¬٨. بيان حكمة التشريع: من مسالك المؤلف في مناقشة المخالف فيما ذهب إليه بيان الحكمة التي من أجلها شُرع الحكم، كما في مسألة رد شهادة المحدود في القاذف إذا تاب، فقد تكلم مع من ردها من جوانب عدة منها بيان العلة التي من أجلها شرع الله الحد على القاذف، قال: \" وأما شريح وإبراهيم فكان عندهما أن توبة القاذف تكون كتوبة غيره تخفى عنهم لقولهما: إنها بينه وبين ربه ﷿ وهذا قول من لم يتأمل أمر القاذف، القاذف لم نجلده لأنه كاذب لا محالة، قد يجوز أن يكون في قذفه بَرْا صادقا، وإنما حَدَدَناه لخفاء صدقه، وعجزه عن الشهداء، وأنه قد كان يجوز له ستر ما علمه إن كان علمه، بل يلزمه ذلك إذا لم تدعه إليه ضرورة، كما تدعو الرجل في زوجته إذا رأى ذلك منها، فذلك مباح له الرمي؛ لأن له مخرجا منه باللعان، فلما كان ذلك كذلك حددناه بظاهر الأمر، فتوبته رجوعه عن القول، لم تكف فيه الحقيقة، كما لم نحده بالحقيقة\".\n\n· موقفه من المخالف.\nظهر أبو الفضل القشيري ومن سبقه من شيوخه المالكيين، في بيئة العراق، وهي بيئة تموج موج البحر، بمختلف المذاهب الفقهية، وشتى الفرق الكلامية، والتيارات الباطنية، كلها تتصارع فيما بينها، يغذي صراعها ويذكي جذوتها عديدٌ من العوامل، وكثير من الأسباب، وبيئة كهذه مرتع خصب للتعصب المذموم، ومَسِيْلٌ مُوْرِقٌ للجدال بالحق حينا وبالباطل أحيانا، وفي مثل هذه البيئة كم يكون العدل عزيزا، والانصاف قليلا.\nومن يستصحب هذه البيئة ويعايشها فعلا، لن يستكثر أن يرى بعض الهفوات هنا أو هناك، يَنِدّ بها لسان العالم ويجري به القلم الكاتب.","vol":"1","page":231},{"text":"¬وهذا القول لا يُراد منه التسويغ لمن تجاوز حد القصد في كلامه، إلى الطعن والثلّب في مُخَالِفِه، ولا سيما في مسائل الفروع والأحكام، وإنما المراد تلمس العذر للأئمة الأعلام، حين نقف على بعض تلك الهفوات في مقالهم، والسقطات في كلامهم.\nوفي هذا الكتاب - محل الدراسة - شيء من تلك الهنات قليل، ومواضع من تلك السقطات يسير، وقع فيها أبو الفضل، غير أنه ﵀ لم يوغل في مراتعها، وإنما مر بها مرور الكرام.\nوسأذكر ثلاثة أمثلة لثلاثة من الأعلام الكبار، جرى قلم أبي الفضل فيهم، وقد تقصدت أن أذكر أشدها وقعا، حتى يُعْلَم أن ما عداها لا يبلغها، كما أنها من الوضوح بحيث يكفي سماعها في معرفة أن أبا الفضل أخطأ في قوله، وما جرى فيه قلمه:\n· في مسألة وجوب الحج على الفور، كان من قول الشافعي ﵀ أنه لا يجب على الفور، وقد تعرض لهذه المسألة أبو الفضل، وتكلم بكلام حسن دقيق، بين فيه ضعف هذا القول، ثم أتبع ذلك بقوله: \" وزعم الشافعي؛ أن للإنسان أن يؤخر حجة الإسلام المفروضة عليه، وهو ممن يستطيع الحج؛ لأن النبي - ﷺ - لم يحج بعد فتح مكة عامين، فتكلم بكلام من لا يعرف لله ﵎ ولا لرسوله حقهما، وإنما كان النبي - ﷺ - عبدا مأمورا يفعل ما أمره به ربه ﷿ ولا يتقدم بين يدي الله ﵎ بشيء\" (^١).\n· وموضع ثانٍ عند كلامه عن مسألة ضمان المواشي لما أتلتفته بالليل، ذكر قول الأحناف القائلين بعدم ضمانها استدلالا بحديث: (العجماء جبار) وناقشهم، ثم قال: \" قال بكر: ورأيت أبا حنيفة يفعل في الحديث ما يفعله أهل الكلام، فيجعل بعضها معارضا لبعض، قد فعل هذا في غير شيء فمن ذلك: هذه القصة، فإنه لو هدي لرشده،\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة التوبة الآية رقم (٣٧).","vol":"1","page":232},{"text":"¬لكان جرح العجماء في الدابة وفعلها في الطريق تحت راكبها، وحَكم في المواشي بالليل بما حكم به رسول الله - ﷺ -، إذ وجد لكل حديث معنى غير الآخر وقدر على العمل بهما - ثم ذكر عددا من الأمثلة إلى أن قال ـ: وقال أيضا في بيع العرايا بخرصها: إنه معارض للنهي عن المزابنة، وهو رجل لا يعرف العرايا ولا هي ببلده، .... وهذه الأشياء فأبو حنيفة عزبت فيها\" (^١).\n· وفي مسألة الظهار ذهب داود الظاهري إلى أن الظهار لا يكون إلا إذا كرر المظاهر ظهاره، أخذا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ (^٢) وقد رد عليه أبو الفضل بكلام حسن، ثم أعقبه بقوله: \" فإلى الله أشتكي مصير الكلام في العلم إلى من لا دين له ولا توقي في لفظ ولا فعل - وهل في شيء من الحديث إلا ظهار مرة واحدة فأمروا بالكفارة - وإنما جاءوا للوقت، الله المستعان على ما قد ظهر في العلم\" (^٣) وهذه العبارة الشديدة في مسألةٍ الخلافُ فيها معتبر، نرجو أن لا يحرم المخطئ فيها من الأئمة أجر الاجتهاد إن فاته أجر الصواب، وكم أَحسنَ وأَجْمَلَ القرطبي في تعليقه على إنكار ابن العربي في أحكام القرآن نسبة هذا القول إلى بكير بن عبد الله، وجعله من جهالة داود الظاهري وأشياعه، حيث قال - وهو مالكي أيضا - \" قوله: يشبه أن يكون من جهالة داود وأشياعه، حملٌ منه عليه، وقد قال بقول داود من ذكرناه عنهم\" (^٤).\nومع هذا فهذه السقطات قليلة في هذا الحشد الضخم من المسائل التي ساقها المؤلف وخالف فيها الأحناف والشافعية والظاهرية وغيرهم، وكان فيها عَفَّ اللسان في الخصومة، متجنبا التجريح أو التحقير، فنسأل الله تعالى أن يغفر لهم أجمعين، وأن يجزيهم عن الإسلام خيرا.\n\n· الفقرة الثالثة: منهجه في الاختيار والترجيح.\nالاختيار والترجيح في المسائل العلمية هي المحصلة النهائية، لما اكتسبه العالم من علم، وما ناله من ملكة وفهم، وبها يُعلم رسوخه في العلم وعلو كَعْبه فيه، وفي كتاب أحكام القرآن لأبي الفضل القشيري، طائفة طيبة من الاختيارات والترجيحات التي تميز بها هذا المختصر.\nولتوضيح منهجه في الاختيار وطريقته في الترجيح، أذكر النقاط الآتية:\nأولا: جعل المؤلف اختياراته في غالب الأحيان في آخر كلامه عن الآية، وربما كان سبب ذلك أن كتابه مختصر، فكأنه أراد التمييز بين كلامه وبين ما اختصره من أصله.\nثانيا: كثيرا ما كان يُصَدِّر اختياراته وترجيحاته بقوله: \"والصحيح عندي\"، أو \"والصحيح\" أو \"والذي عندي\" ثم يخلص إلى تقرير الراجح.\nثالثا: تميزت هذه الاختيارات بتنوع جوانبها، وتعدد مجالاتها، فلم تقتصر على الجوانب الفقهية بل تعدتها إلى المعاني التفسيرية العامة المختلفة، بل حتى شمل ذلك الترجيح بين القراءات، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (^٥) قال: \" ... فكان اليأس الذي وقع للرسل، وظن قومهم أنهم قد كُذِبُوا - مخففة - أيس الرسل من قومهم أن يؤمنوا، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا ما جاءوهم به، جاءهم نصر الله عند ذلك، وقد قرأها قوم ﴿قَدْ كُذِّبُوا﴾ ثقيلة مشددة، ومعناها: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يؤمنوا، ﴿وَظَنُّوا﴾ هاهنا ظن الرسل أن قومهم قد قاموا على تكذيبهم،\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة الأنبياء الآية رقم (٧٨).\n(^٢) سورة المجادلة (٣).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: سورة المجادلة الآية رقم (٣).\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٦٨)\n(^٥) سورة يوسف (١١٠).","vol":"1","page":233},{"text":"¬هذا معناه على هذه القراءة عندي - والله أعلم - وهذه القراءة أبين وأصح مخرجا، وهي قراءة نافع وأهل المدينة، وكلا القراءتين تدل على أن اليأس ليس بيقين\" (^١).\nرابعا: وكانت تلك الاختيارات مصحوبة بتعليلها ودليلها في الغالب، وربما اكتفى بمجرد الترجيح دون تعليل أو تدليل، كما في الخلاف الحاصل في معنى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: \" الأربعة الحرم لا تقاتلوا فيهن، وهذا منسوخ بإباحة الحرب في كل الشهور، والصحيح؛ أن لا تواقعوا الخطايا في الشهور كلها، والله أعلم\" (^٢).\nخامسا: مع كثرة تلك الاختيارات والترجيحات التي ذكرها المؤلف، فإنه لم يخرج فيها عن قول السلف وخلافهم، حيث كان يتخير من أقوالهم وخلافهم، لا يجاوزه، ولعل هذا ينسجم مع ما نسب إليه من تشدد في ذم الخروج عن قول السلف بعد القرن الثاني الهجري، على ما تقدم (^٣).\nسادسا: وقد تميزت هذه الاختيارات والترجيحات، بتنوع المرجحات التي اعتمد عليها المؤلف في اختياراته، فمع الأدلة المشهورة من الكتاب والسنة وآثار السلف وإجماعهم، وما عليه العمل والفتوى، على ما سبق الكلام عليه في المطالب السابقة، فهناك عدد آخر من المرجحات، التي جعلها المؤلف أساسا له في اختياره وترجيحه، منها:\n* الترجيح بالسياق: مثال ذلك في سورة الكهف في تعيين المراد بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ حيث ذكر الخلاف في المراد بهم، ثم قال ﵀: \" والأقوى: أن يكونوا أهل الكتاب،\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة الطلاق الآية رقم (٤).\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة الآية رقم (٣٦).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة ص ٥٨.","vol":"1","page":234},{"text":"¬والمجتهدون منهم؛ لأنه قيل في إثر الكلام: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ \" (^١).\n* الأخذ بالعموم: وقد اعتمد المؤلف على الأخذ بعموم الآية في عدد من المواضع، حيث يجعل اعتبار العموم سببا للاختيار، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (^٢) حيث ذكر عددا من الأقوال ثم أعقبها باختياره الذي عم تلك الأقوال جميعا، قال: \" والآية عندي تحتمل أحد شيئين: أن يأتي العبد سليما من جميع أصناف الكفر، ويحتمل مع التوحيد سلامة المسلمين عليه\" (^٣).\n* مشهور اللغة وموافقة رسم المصحف: ففي معنى قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (^٤) ومسألة صفة نحر البُدْن معقولة أو غير معقولة، اختار المؤلف أن تنحر قائمة معقولة اليد، واعتمد في ترجيحه هذا على مشهور اللغة، وموافقة رسم المصحف، قال: \" من قرأ: ﴿صواف﴾ أراد مصطفة، ومن قرأ: ﴿صوافن﴾ أراد معقولة، إلا أن القراءة على لفظ مصحفنا أعم وأصوب، إذ المعروف في اللغة أن الصوافن والصافنات نعت للخيل، فإن أُدْخِلت الإبل في ذلك فعلى التشبيه، ولا ضرورة بالناس إليه، إذ لم يكن الخط في المصحف على صوافن، وليس يجوز أن يخالف لفظ المصحف المجتمع عليه برواية، والله أعلم\" (^٥).\nبقي أن يقال: أن هذه الاختيارت والترجيحات تدل حقيقة على ملكة ذهنية، ونَفَسِ فقهي عالٍ، وقدرة على النظر في النصوص، وفهم موارد الأحكام ومآخذ التشريع، ومنازع العلماء.\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة الكهف الآية رقم (١٠٥).\n(^٢) سورة الشعراء (٨٩).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: سورة الشعراء الآية رقم (٨٩)، ينظر كذلك: الإسراء الآية رقم (١١٠).\n(^٤) سورة الحج (٣٦).\n(^٥) ينظر من هذه الرسالة: سورة الحج الآية رقم (٣٦).","vol":"1","page":235},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-132>المطلب السابع: اهتمامه بعلوم القرآن</span>.\n\nتضمن كتاب أحكام القرآن لأبي الفضل القشيري عددا من الموضوعات المتعلقة بعلوم القرآن الكريم، أبرزها أربعة موضوعات، هي:\nالأول: أسباب النزول.\nالثاني: القراءات.\nالثالث: الناسخ والمنسوخ.\nالرابع: المكي والمدني.","vol":"1","page":236},{"text":"¬*<span data-type=\"title\" id=toc-133> الأول: أسباب النزول</span>.\nبيان سبب النزول - كما يقول أبو الفتح القشيري - طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز (^١)، ولذلك لم يزل أهل العلم من المفسرين من الصحابة ومن تلاهم يعتنون بذكر أسباب النزول، لأن معرفة ما احتف بنزول الآيات من أسباب وأحوال يعين على فهم مضمون الكلام.\nومن هنا كان اهتمام المؤلف باديا بأسباب النزول لا يخفى، حتى قَلَّ أن تمر به آية يُروى فيها سبب نزول، لا يذكره أو يشير إليه.\nوسأحاول في هذه الفقرة توضيح منهج المؤلف من خلال الآتي:\nأولا: جرى المؤلف في غالب الكتاب على أن يبدأ الكلام عن الآية بذكر سبب نزولها إن كان لها سبب نزول، سواء في هذا ما كان من رواية الصحابة أو التابعين، وهذا منهج يكاد أن يطرد معه، ومن أمثلة ذلك ما أورده عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ (^٢) قال: \" قال أنس بن مالك - ﵁ -:؟ أنا أعلم الناس بهذه الآية، لما أهديت زينب إلى رسول الله - ﷺ - كانت معه في البيت، وصنع طعاما فجاء القوم فكانوا يأكلون وجلسوا، فكان النبي - ﷺ - يخرج والقوم مكانهم، ثم يرجع وهم قعود، فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فضرب رسول الله - ﷺ - الحجاب وقام القوم؟ \" (^٣).\nثانيا: إذا كان للآية أكثر من سبب؛ فإنه يذكره أو يشير إليه في بعض الأحيان، ومن الأمثلة على ذلك ما أورده في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ (^٤)، فقد ذكر روايات تدل على أنها نزلت في شأن عويمر العجلاني، وروايات أخرى تدل على أنها نزلت في شأن هلال بن أمية - ﵃ -.\nوربما رجح بين الروايات وقدم بعضها على بعض، كما وقع له عند قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ (^٥) قال: \" إنما ذلك لأن النبي - ﷺ - كان يشكر أفعال أبي طالب فقيل: إنه لما مات قال:\n_________\n(^١) ينظر: البرهان في علوم القرآن (١/ ١١٧).\n(^٢) سورة الأحزاب (٥٣).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: سورة الأحزاب الآية رقم (٥٣).\nومن الأمثلة كذلك: سورة الأنفال الآية رقم (١٦) والنحل الآية رقم (١٠٦) والحج الآية رقم (٣٩) والأحزاب الآية رقم (٣٦) ويس الآية رقم (١) والمجادلة رقم (١٢).\n(^٤) سورة النور (٦).\n(^٥) سورة التوبة (١١٣).","vol":"1","page":237},{"text":"¬(رحمك الله فلقد كنت ولقد كنت، فلما رأى المسلمون ذلك استغفروا لآبائهم، فنزلت الآية) وما الإسناد في ذلك بالقوي، والأقوى في ذلك أن قوما تأولوا استغفار إبراهيم، ولم يتأملوا ما بعد ذلك، فنزلت يعني إبراهيم ومن استغفر متأولا لأمر إبراهيم، ألا تراه ﷿ عقب بعد ذلك بأن قال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ فقص القصة وتبريه بعد ذلك\" (^١).\nوقد يذكر جملة من الأسباب المروية عن السلف في سبب النزول، فلا يردها ولا يرجح بينها، وإنما يصححها جميعا، على معنى أنها داخلة في معنى الآية، وحكمها الذي دلت عليه، كما في الروايات التي ذكرها في سبب نزول قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (^٢) فقد ذكر تلك الروايات ثم قال عنها: \" وكل ذلك سواء \" (^٣).\nثالثا: وكان في الغالب يذكر لفظ الرواية التي ذُكرت في سبب النزل، وربما اكتفى بالمعنى عن ذكر لفظ الرواية، مثال ذلك عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (^٤) حيث قال: \" أعراب بني تميم، وقيل: أعراب بني العنبر بن عمرو بن تميم، جاءوا فجعلوا ينادون: يا محمد يا محمد، بجفاء وغلظة، فأنزلت الآية فيهم\" (^٥).\n_________\n(^١) سورة التوبة (١١٤).\n(^٢) سورة النحل (١٠٦).\n(^٣) سورة النحل (١٠٦).\n(^٤) سورة الحجرات (٤).\n(^٥) ينظر من هذه الرسالة: سورة الحجرات الآية رقم (٤)، ومن الأمثلة كذلك: سورة الحشر الآية رقم (٦).","vol":"1","page":238},{"text":"¬رابعا: وقد يكتفي بالإشارة إلى السبب فقط، دون ذكر لفظه، كما وقع له عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ﴾ (^١) قال: \" هذه الآية نزلت في زيد بن حارثة \" (^٢).\nخامسا: طبق المؤلف قاعدة قررها جماهير أهل العلم، وهي أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فقد نبه على ذلك في مواضع، منها أنه لما ذكر أسباب النزول المروية في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (^٣) والاختلاف فيها، قال: \" وهذه الآية في أي شيء نزلت توجب إن بغت طائفة على إمامها - وكانت ظالمة فيما حاولته منه - أن يعان عليها، وإن اقتتل قبيلان من العرب، أو طائفتان من الناس، أصلح الإمام ومن يقوم مقامه بينهم، فإن أبت إحداهما إلا البغي أعان الإمام المبغي عليها، والله أعلم\" (^٤).\n\n·<span data-type=\"title\" id=toc-134> الثاني: القراءات</span>.\nيلفت النظر في كتاب أحكام القرآن لأبي الفضل، اهتمامه بالقراءات القرآنية، وإيراده بعض الآراء المتعلقة بها، وسأوضح ذلك في الآتي:\nأولا: اعتنى المؤلف بذكر القراءات، لكنه لم يكن في الغالب ينسبها إلى من قرأ بها، وسواء في ذلك ما كان متواترا، أو شاذا، وقد يتكلم عن علل القراءة، وتوجيهها، والحجة لها، مما يشهد لهذا ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا﴾ (^٥)\n_________\n(^١) سورة الأحزاب (٣٧).\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة الأحزاب الآية (٣٧).\n(^٣) سورة الحجرات (٩).\n(^٤) ينظر من هذه الرسالة: سورة الحجرات الآية رقم (٩).\nينظر كذلك: سورة النحل الآية رقم (١٠٦) والنور الآية رقم (٣) والحشر الآية رقم (٧).\n(^٥) سورة الإسراء (١٦).","vol":"1","page":239},{"text":"¬قال: \" قرئ: (أَمَّرْنا) ومعناه أظهرنا، وقرئ: (أَمَرْنا) من الأمر، وقرئ (آمَرْنا) جعلنا فيها رؤساء وأكثرنا مستكبريها، وكل قراءة من هذه فعن القراء والتابعين.\nفأما من قرأ: (أَمَرْنا) من الأمر فإنه فسرها: أمرناهم بالطاعة ففسقوا فيها، وهي التي عليها أكثر القراء، وهي أمرنا خفيفة، ويحتمل أمرنا بالطاعة فعصوا، ويحتمل - أيضًا - أكثرنا، قال أبو عمر الجَرْمي: هذا باب ما يجتمع فيه فعلت وأفعلت، وقال أبو زيد يونس ورواه عن العرب، وقرأ به الأصمعي، وقال: نضّر الله وجهه وأنضر الله وجهك. ويقال: سلكته وأسلكته، وتقول العرب: أَمِرَ ماله إذا كثر، وهو مال آمِرٌ، ويقولون: أَمَرَ الله بأَمْرِه أَمْرا يريدون أكثره، قال أبو عبيدة: وهو مال مَأْمُور أي كثير، وتقول العرب: خير المال نخلة مَأْبُورة، أو مُهْرَة مَأْمُورة، قال أبو عمرو بن العلاء: مُهْرَة مَأْمُورة كثيرة النسل، وقال: تقول العرب: هذا مال مُؤَمَر. وإذا لم يكن في المصحف إلا ألف واحدة كانت القراءة الموافقة لها أولى وهي - أيضا أصح - في المعنى\" (^١).\nثانيا: الغرض الأول الذي من أجله يورد المؤلف القراءات، كان بيان المعنى، وتوضيح المراد من الآيات، ذلك أن من القراءات ما يتضمن بيانا وتفسيرا للآية، كما في قراءة أُبيّ بن كعب وابن عباس - ﵃ - في قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (^٢) حيث ذكر قراءتهما، وهي: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم﴾ (^٣).\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة الإسراء الآية رقم (١٦).\n(^٢) سورة الأحزاب (٦).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: سورة الأحزاب الآية رقم (٦)، ينظر كذلك: سورة الأحقاف الآية رقم (٤).","vol":"1","page":240},{"text":"¬ثالثا: ربما كان اختلاف المعنى بين القراءتين، يحمل المؤلف على ذكرهما والإشارة إليهما، وبيان المعنى على كل قراءة، كما في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ﴾ (^١) وهذه الآية تقرأ بالفتح والكسر، فمن قرأ: ﴿إِنْ وَهَبَتْ﴾ بالفتح فجعله خبرا لامرأة واحدة، ومنهم - وهم أكثر القراء - قرؤوها بالكسر ﴿إِنْ وَهَبَتْ﴾ يريدون: كل امرأة وهبت، وهذا أحسن، على أن النبي - ﷺ - لم يقبل موهوبة إلا واحدة وهي من الأزد، وهي ممن أرجأ من نسائه قبل موته - ﷺ - \" (^٢).\nرابعا: وربما كان الغرض من ذكر القراءة الاستدلال بها للمذهب والرد على المخالف، كما وقع له في سورة الطلاق، في مسألة العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء، عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾.\nحيث استدل بقراءة ﴿فطلقوهن لقُبُل عدتهن﴾ على طلاق السنة\" (^٣).\nخامسا: وكان إذا أورد القراءات المتعددة في الآية، ربما رجح واختار، وربما ترك ذلك مكتفيا بالإشارة إلى القراءات، كما في قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ (^٤) قال المؤلف: \" قرأها أهل الحجاز وأهل العراق: (من الذُل) بالضم، وكسر قوم، وجميعا لغتان في القرآن، قال الله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ (^٥) وقال: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ (^٦) \" (^٧).\n_________\n(^١) سورة الأحزاب (٥٠).\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة الأحزاب الآية رقم (٥٠)، ينظر كذلك: سورة الحج الآية رقم (٣٦).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: سورة الطلاق الآية رقم (١).\n(^٤) سورة الإسراء (٢٣/ ٢٤).\n(^٥) سورة البقرة (٦١).\n(^٦) سورة الشورى (٤٥).\n(^٧) ينظر من هذه الرسالة: سورة الإسراء الآية رقم (٢٣/ ٢٤).","vol":"1","page":241},{"text":"¬وإذا رجح بين القراءات، فإنه يرجح على سبيل الاختيار، ومما يذكر هنا أن المؤلف بصري، نشأ بالعراق، وأخذ العلم والقراءة فيه، ومع هذا نجده يرجح إحدى القراءتين المتواترتين، وينص على أنها قراءة نافع - وهو مدني - ولعل ذلك تبعا لقول الإمام مالك حيث كان يقدم قراءة نافع ويختارها، قال ﵀: \" وقال ﷿: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (^١) فكان اليأس الذي وقع للرسل، وظن قومهم أنهم قد كُذِبُوا - مخففة - أيس الرسل من قومهم أن يؤمنوا، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا ما جاءوهم به، جاءهم نصر الله عند ذلك، وقد قرأها قوم ﴿قَدْ كُذِّبُوا﴾ ثقيلة مشددة، ومعناها: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يؤمنوا، ﴿وَظَنُّوا﴾ هاهنا ظن الرسل أن قومهم قد قاموا على تكذيبهم، هذا معناه على هذه القراءة عندي - والله أعلم - وهذه القراءة أبين وأصح مخرجا، وهي قراءة نافع وأهل المدينة، وكلا القراءتين تدل على أن اليأس ليس بيقين\" (^٢) التزام رسم المصحف.\n_________\n(^١) سورة يوسف (١١٠).\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة الطلاق الآية رقم (٤).","vol":"1","page":242},{"text":"¬في ثنايا الكتاب مواضع تكشف عن أن المؤلف كان يرى أن رسم المصحف واجب الالتزام، لا يجوز الخروج عنه، ولا مخالفته، ويراه ركنا من أركان قبول القراءة أو ردها، حتى وإن كانت صحيحة الإسناد، وقد صرح بذلك حيث قال: \" وكل رواية جاءت مخالفة لمصحفنا ردت على راويها، دون من حكي عنه ذلك من الصحابة؛ لأن من دونه أولى بالخطأ منه \".\nولهذا فقد كان موقفه واضحا فيما يتعلق ببعض الروايات التي فيها تخطئة ما أُثبت في رسم المصحف الإمام، كالرواية عن ابن عباس - ﵁ - عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ (^١) وقد أجاب عنها من أربعة أوجه: الأول من جهة تفرد ابن عباس - ﵁ - بها، والثاني من جهة دلالة الأحاديث المرفوعة على المعنى الذي جاءت به الآية، والثالث من جهة مخالفتها رسم المصحف، والرابع من جهة تضمنها معنى الاستئذان، فكانت أقوى في الدلالة وأصح في المعنى من لفظ الاستئذان، قال: \" قال أيوب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله ﷿: ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ إنما هو تستأذنوا وتسلموا على أهلها، وقال: غلط الكاتب \" ثم استدل بخبر استئذان عمر واستئذان أبي موسى الأشعري قال: \" فقال عمر للغلام: \" استأذن لعمر! فدخل ثم خرج فقال: قد ذكرتك له فصمت، فعل ذلك ثلاثا، فلما ولى عمر اتبعه الغلام فقال: قد أذن لك، وذكر القصة بطولها، ومع ذلك فإن أبا موسى الأشعري استأذن على عمر ثلاثا فلم يؤذن له، فانصرف فرده عمر فسأله عن انصرافه، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (الاستئذان ثلاثا) ... وهذان حديثان مرفوعان يدفعان ما روي عن ابن عباس،\n_________\n(^١) سورة النور (٢٧).","vol":"1","page":243},{"text":"¬من أنه غلط من الكاتب، أنه: يستأذنوا، وأن الكاتب غلط فكتب: تستأنسوا، ورجع معنى تستأنسوا إلى معنى تستأذنوا، لأن الإذن إيناس، وكل رواية جاءت مخالفة لمصحفنا ردت على راويها، دون من حكي عنه ذلك من الصحابة؛ لأن من دونه أولى بالخطأ منه، والصحيح تستأنسوا، ومعناه تستأذنوا، وهو موافق لما قاله جماعة من المفسرين: أن يكون المدخول عليه لا يكره دخول المستأذن عليه، والله أعلم\" (^١).\nوالتزام رسم المصحف الإمام، وعدم قبول مخالفته حمل المؤلف ﵀ على سلوك التأويل في بعض الأحرف المروية عن الصحابة، التي تخالف رسم المصحف، حيث حمله ذلك على ردها وعدم اعتبارها قراءة قرآنية، واختلفت طريقته في تأويلها، فمرة قال: هي من باب التفسير والبيان، ومرة قال: هو من كلام النبي - ﷺ -، وقد وقع له ذلك في ثلاثة مواضع، أنقل كلامه فيها بنصه:\n\n١. الموضع الأول في سورة الحج عند قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (^٢) قال: \" وقد قرئت ﴿صواف﴾ وقرئت ﴿صوافن﴾ فمن قرأها ﴿صوافن﴾ فمعناها: معقولة قائمة على ثلاث، ومن قرأها ﴿صواف﴾ قياما على أربعتها ... إلا أن القراءة على لفظ مصحفنا أعم وأصوب، إذ المعروف في اللغة أن الصوافن والصافنات نعت للخيل، فإن أُدْخِلت الإبل في ذلك فعلى التشبيه، ولا ضرورة بالناس إليه، إذ لم يكن الخط في المصحف على صوافن، وليس يجوز أن يخالف لفظ المصحف المجتمع عليه برواية، والله أعلم.\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة النور الآية رقم (٢٧).\n(^٢) سورة الحج (٣٦).","vol":"1","page":244},{"text":"¬٢. الموضع الثاني في سورة الصف عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (^١) قال أبو موسى الأشعري: لقد نزلت سورة كنا نسميها المسبحات، أولها سبح لله فنسيتها، غير أني حفظت منها: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. فتكتب شهادة في أعناقكم ثم تسألون عنها يوم القيامة﴾ ... فأما قول الأشعري: فتكتب شهادة، فكلام من رسول الله - ﷺ - أتبعه الآية، ليس من القرآن.\n\n٣. الموضع الثالث في سورة الجمعة عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^٢) قال: \" قال الزهري، عن سالم، عن أبيه: كان عمر يقرؤها: ﴿فامضوا إلى ذكر الله﴾، وكان ابن مسعود يقول: لو قرأتها فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي، إنما هي فامضوا، وكان أبي يقرؤها كذلك. وقال ثابت: قال لي أنس: قم نسعى لها. وكان ابن الزبير يقرؤها: ﴿فامضوا إلى ذكر الله﴾. وقال الحسن: فاسعوا بالقلوب والإرادة. وقال عطاء: المشي، وقالته جماعة، ... فأما قراءة من قرأها: ﴿فامضوا إلى ذكر الله﴾ فإنما قصدوا إلى المعنى المراد، لا أنهم جعلوا ذلك قراءة، وليس يجوز أن يغير لفظه مما في المصحف برواية، وإنما عبروا عن المعنى\".\n\n٤. الموضع الرابع في سورة الطلاق عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ (^٣) قال: \" وممن قرأ الآية:\n_________\n(^١) سورة الصف (٢).\n(^٢) سورة الجمعة (٩).\n(^٣) سورة الطلاق (١).","vol":"1","page":245},{"text":"¬﴿فطلقوهن لقُبُل عدتهن﴾ ابن عمر، رواه مالك وجماعة عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، ورواه ابن أيمن وابن جبير عنه، وقرأ ابن مسعود: ﴿لقبل طهرهن بغير جماع﴾، وقرأ ابن عباس: ﴿لقُبُل عدتهن﴾، وقال أبو موسى الأشعري قال رسول الله - ﷺ -:؟ طلقوا المرأة في قُبُلِ عدتها؟ والحسن ومحمد بن سيرين قالا: طلاق السنة أن يطلقها في قُبُل عدتها، وهؤلاء كلهم وجماعة من المفسرين، ممن قرأ كما قرؤوا، فإنما أرادوها حكما لا تلاوة؛ لأن التلاوة على ما بين الدفتين لا يجوز غير ذلك، والمعنى ما قالوه \" (^١).\nوهذا القول ذهب إليه طوائف من أهل العلم، والأصل الذي حملهم على هذا يعود إلى الخلاف في اشتمال رسم المصحف على جميع الأحرف التي نزل بها القرآن الكريم، فمن قال باشتماله عليها، أنكر أن تكون هناك قراءة تخالف رسمه، على أن جمهور السلف ذهبوا إلى أن رسم المصحف لم يشتمل على الأحرف السبعة جميعها، وهذه من المسائل التي كثر فيها الخلاف، وتنوعت فيها الآراء (^٢).\nوجزم المؤلف ﵀ بأن هذه القراءات من قبيل التفسير وبيان المعنى وليست قرآنا، يفتقر إلى برهانه، لأن مجرد مخالفتها رسم المصحف الإمام، لا يجعلنا نقطع بنفي أن تكون من جملة ما نسخ من القرآن، قال ابن تيمية بعد أن ذكر مسألة القراءة بما يخالف رسم المصحف: \" وهذا القول ينبني على أصل؛ وهو أن ما لم يثبت كونه من الحروف السبعة، فهل يجب القطع بكونه ليس منها؟ فالذي عليه جمهور العلماء أنه لا يجب القطع بذلك، إذ ليس ذلك مما أوجب علينا أن يكون العلم به في النفي والإثبات قطعيا\" (^٣).\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة الطلاق الآية رقم (١).\n(^٢) ينظر: فتح الباري (٨/ ٦٣٩) والبرهان (١/ ٣٠٥) والإتقان (١/ ١٤٤) وشرح حديث الأحرف السبعة للدكتور عبد العزيز قارئ، والمنهاج في الحكم على القراءات للدكتور إبراهيم الدوسري ص ٣٦.\n(^٣) الفتاوى الكبرى (٤/ ٤٢٠).","vol":"1","page":246},{"text":"¬ثم إن في تأويله لما روى أبو موسى - ﵁ - في سورة الصف، وحمله على أنه من قول النبي - ﷺ - مخالفة لظاهر الرواية، وجزم في أمر لا دليل عليه، وجائز أن تكون من القرآن الذي نسخت تلاوته، على ما دل عليه قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (^١) وظاهر كلام أبي موسى - ﵁ - يشهد لهذا إذ قال: \" لقد نزلت سورة كنا نسميها المسبحات، أولها سبح لله فنسيتها، غير أني حفظت منها: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم ثم تسألون عنها يوم القيامة﴾.\n\n· الفقرة الثالثة: الناسخ والمنسوخ.\nعلم الناسخ والمنسوخ من أشرف علوم القرآن الكريم وأجلها، ولم يزل أهل العلم يحذرون من الخوض في كلام الله تعالى دون العلم به، وفي هذا السياق يروى أبو عبد الرحمن السلمي أن علي بن أبي طالب - ﵁ - مرَّ برجل يقص، فقال: أعرفت الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت) (^٢). لأن الجهل به قد يوقع المرء في تحريم الحلال أو تحليل الحرام، ولهذا فكتب أحكام القرآن، تولي عناية خاصة بهذا العلم عصمة من الوقوع في المحظور، وقد ظهر ذلك الاهتمام والعناية في كتاب أحكام القرآن للقشيري، ويمكن توضيح ذلك من خلال الآتي:\nأولا: يرى المؤلف أن القرآن الكريم هو خاتم الكتب المنزلة المتضمن لأكمل الشرائع وخاتمها لا يجوز أن تعارض أحكامه بشرع من قبلنا؛ لأنه الناسخ لها، المهيمن عليها، أشار إلى ذلك عند كلامه عن مسألة القول بجواز الجلد بالضعث ونحوه مرة واحدة استدلالا بقوله تعالى:\n_________\n(^١) سورة البقرة (١٠٦).\n(^٢) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٤٨.","vol":"1","page":247},{"text":"¬﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ (^١)، إذ قال المؤلف جوابا عن هذا القول: \" والذي يدل عليه القرآن أنه كان خاصا؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ فلما أسقط عنه الحنث، كان بمنزلة من جعلت عليه كفارة فأداها، أو بمنزلة من لم يحلف؛ لأن الشرائع التي تعبد الله ﵎ بها خلقه في وقت ويسقطها عنهم في وقت آخر، وكذلك الناسخ والمنسوخ، نَسَخَ عنا هذا قولُه ﷿: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ (^٢) والذي يجلد الإنسان جلدة واحدة، فلم يجلد مئة جلدة، وإنما جلد جلدة واحدة، وكتاب الله الناسخ لسائر الكتب، والذي في أيدينا أولى أن يقتدى به \" (^٣)\n\nثانيا: من الأمثلة على كلام المؤلف عن الناسخ والمنسوخ، وإيراده له، ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ (^٤) قال: \" قال ابن أبي نَجِيْح عن مجاهد: كان الرجل لا يناجي الرسول - ﷺ - حتى يتصدق، وأول من فعل ذلك عليّ رحمة الله عليه، تصدق بدينار، ثم ناجى النبي - ﷺ - فأنزلت الرخصة، وكان أول من صنع ذلك\" (^٥).\n_________\n(^١) سورة ص (٤٤).\n(^٢) سورة النور (٢).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: سورة ص الآية رقم (٤٤).\n(^٤) سورة المجادلة (١٢).\n(^٥) ينظر من هذه الرسالة: سورة المجادلة الآية رقم (١٢).","vol":"1","page":248},{"text":"¬ثالثا: من أهل العلم من أكثر على نحو مفرط، من دعوى النسخ في القرآن الكريم، وقد كان موقف المؤلف واضحا في رد هذا النوع من الإفراط، حيث أورد بعض الآيات التي قيل بنسخها، ثم وَجَّهَهَا بما يدفع دعوى النسخ عنها، وبما يَنُمّ عن الفهم المَكِين، وحسن تنزيل الآيات مواقعها، من ذلك:\nرد دعوى نسخ إعطاء المؤلفة قلوبهم الوارد ذكرهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (^١) حيث بين أن هذا الحكم وغيره مما هو في معناه يُنَزّلُ على قيام الدواعي والأسباب الباعثة عليه، قال: \" وقد قال بعض الناس: إن التأليف قد انقطع، واحتج بأن عمر - ﵁ - قطع عن المؤلفة الذين كانوا على عهد رسول الله - ﷺ -، وإنما قطع عنهم لما استغنى عنهم، وحكم التألف ثابت إذا احتيج إليه لرؤساء يُتَألفون، فيَدْخُل في الإسلام بدخولهم أتباعهم، فهذا جائز غير منسوخ، باق في حكم الآية عند الحاجة إلى ذلك\" (^٢).\nوفي موضع آخر رد دعوى النسخ وأجاب عنها بتنزيل الآيات التي ادعي وقوع النسخ فيها، على اختلاف الحال، وذلك ردا على من قال بنسخ جواز أخذ الفداء من أسرى المشركين الوارد في قوله ﷿: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (^٣) قال: \" كان ابن عمر والحسن وعطاء، يكرهون قتل أهل الشرك إذا أسروا صبرا، ويتلون: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ وقال قتادة: نسختها قوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمَا مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ ووافق القول الأول جماعة من المفسرين، ووافق القول الآخر جماعة، ... والذي يبين هذه الآية وقول من قال: منسوخة، ومن قال: ناسخة، قوله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٤) وقال تبارك اسمه: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ فدل القرآن بالآيات كلها: لا تأسروهم ولا تفادوهم، حتى تثخنوهم بالسيف، فالأسر والفداء قبل الإثخان لا ينبغي أن يفعل، فإذا وقع الإثخان جاز ذلك، والشيء إذا كان محظورا في وقت ثم أذن فيه في وقت آخر، فإنما يدل على الإذن في الذي كان محظورا، لا على أنه واجب أن يفعل\" (^٥).\n\n· حكم نسخ القرآن بالسنة.\nمن المسائل التي وقع فيها الخلاف واشتهر، نسخ القرآن بالسنة، فمن أهل العلم من منعه مطلقا، ومنهم من أجازه مطلقا، ومنهم من فرق بين المتواتر من السنة وغير المتواتر، فأجازه في الأول ومنعه في الثاني، ويبدو أن المؤلف كان من أصحاب القول الأول المانعين على الإطلاق بلا تفصيل، دل على هذا قوله: \" ومن شأن السنة أن تنسخ السنة، والسنة لا تنسخ القرآن، وإنما ينسخ القرآن القرآن، والسنة فقد تشرح خفي القرآن ولا تنسخه، فلو كان جلد الثيب بالقرآن؛ لما جاز نسخه إلا بالقرآن، فنسخ رسول الله - ﷺ - ما سن من جلد الثيب بسنته، لما رواه أبو هريرة وغيره أن النبي - ﷺ -: رجم ماعزا ولم يجلده، وروى أبو هريرة وزيد بن خالد - وزاد ابن عيينة: وشبل بن معبد - أن النبي - ﷺ - قال في قصة العسيف:؟ واغد يا أُنَيْس على امرأة\n_________\n(^١) سورة التوبة (٦٠).\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة التوبة الآية رقم (٦٠).\nينظر كذلك: سورة التوبة الآية رقم (٣٦) والتغابن الآية رقم (١٦).\n(^٣) سورة محمد (٤)\n(^٤) سورة الأنفال (٦٧).\n(^٥) ينظر من هذه الرسالة: سورة محمد الآية رقم (٤)","vol":"1","page":249},{"text":"¬هذا فإن اعترفت فارجمها؟ قال بكر: فصار هذان الخبران ناسخين للجلد في الثيب، وبقي الرجم على ما أنزل الله ﵎ إذ القتل يأتي على كل شيء\" (^١).\n· الفقرة الرابعة: في المكي والمدني.\nيرى المؤلف أن كل ما ورد في القرآن الكريم من مخاطبة الرسول - ﷺ - بالصبر على المشركين والصفح عن أذاهم فهو مكي، فإنه لما تكلم عن آية النحل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (^٢) والقول بنزولها بعد معركة أحد، أعقب ذلك بقوله: \" ولكن كل ما خاطب الله ﵎ به نبيه - ﷺ - من هذه الآيات فمكي، فقد قال له بمكة: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (^٣) في آي كثير من هذا الجنس\"، ووجه ذلك أن الجهاد إنما شرع بعد الهجرة، أما قبلها فلم يؤمر بذلك، وإنما أمر بالعفو والصفح والصبر، وهذا المعنى أكده المؤلف - أيضا - عند قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ (^٤) حيث قال: \" كانت الآيات الليِّنة تنزل بمكة ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (^٥) وما أشبه ذلك، فلما أخرجت قريش نبي الله - ﷺ - والمهاجرين الأولين من مكة ووصل إلى المدينة، كان أول آية نزلت عليه يؤمر فيها بالقتال هذه الآيات ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (^٦) وكان\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة النور الآية رقم (٢).\n(^٢) سورة النحل (١٢٦).\n(^٣) سورة الأنفال (٣٠).\n(^٤) سورة الحج (٣٩).\n(^٥) سورة النحل (١٢٥).\n(^٦) سورة الحج (٣٩).","vol":"1","page":250},{"text":"¬أبو بكر الصديق - ﵁ - لما أُخْرِجوا قال: سيؤذن لنا في القتال، فنزلت الآيات إلى قوله عز من قائل: ﴿عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ فأمر الله تعالى نبيه - ﷺ - بالجهاد والغلظة\" (^١).\nولربما استند المؤلف في تقوية قول أو تضعيفه على تاريخ النزول، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (^٢) ... وروي عن ابن عباس ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ قال: من قريش. وقال قتادة: نسختها: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٣) فلا مجادلة أشد من السيف. والرواية عن ابن عباس - ﵁ - ضعيفة، وقول قتادة حسن؛ لأن هذه السورة مكية، إنما أمر بالقتال بعد الهجرة، وأمر بالجزية قبل وفاة النبي - ﷺ - بيسير، فكان ذلك هو الناسخ لما كان بمكة \" (^٤).\n\nوبعد فهذه أبرز ملامح المنهج العام، الذي سار على معالمه المؤلف، وقد حرصت جهدي أن أضع تصورا وافيا عن منهجه، يرسم حدوده ويبين معالمه، ومن نافلة القول: أن ما ذكرته حول منهج المؤلف، هو وصف أغلبي، يشذ عنه بعض مفرداته، ويغيب بعضها، والله الموفق.\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: سورة الحج الآية رقم (٣٩).\n(^٢) سورة العنكبوت (٤٦).\n(^٣) سورة التوبة (٥).\n(^٤) ينظر من هذه الرسالة: سورة العنكبوت الآية رقم (٤٦).","vol":"1","page":251},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-135>الفصل الثالث: موازنة مع كتاب أحكام القرآن لابن العربي</span>.","vol":"1","page":252},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-136>تمهيد: التعريف بكتاب أحكام القرآن لابن العربي ومكانته</span>.\n\nتتعدد مسالك العلماء في مؤلفاتهم، وتتنوع مناهجهم في كتبهم، حتى وإن كانت في نفس العلم والموضوع، ذلك أن الكتاب في حقيقة الأمر، انطباع لشخصية مؤلفه، وصورة لتكوينه العلمي والمعرفي، فضلا عن تنوع الاهتمامات، وتأثير البيئة والمجتمعات، أضف إلى هذا ما طبع الله خلقه عليه من اختلاف الأفهام والقدرات.\nوهذه الموازنة بين كتاب أبي الفضل القشيري، وكتاب أحكام القرآن لأبي بكر بن العربي، لا يُراد منها المفاضلة والترجيح بينهما، أو تغليب إحدى الكِفَتين، وإنما المقصود التعرف - بصفة عامة - على ملامح منهجيهما، والوقوف على مواطن الاتفاق، ومواضع الاختلاف، وشيء مما ميَّز أحدهما عن الآخر.\nعلى أن هذه الموازنة بين الكتابين، فيها نوع صعوبة، من جهة أن كتاب القشيري كتابٌ مختصر من أصل سابق له، فهو محكوم بأمرين: بطريقة صاحب الأصل، والثاني بالاختصار نفسه، الذي يمنعه من الاسترسال في بعض المسائل، أو اختيار طريقة عرضها.\nوقبل عقد موازنة بين الكتابين فيحسن - وقد مرّ التعريف بأبي الفضل ومؤلفه - أن أذكر تعريفا موجزا بابن العربي وكتابه أحكام القرآن، وذلك في النقاط الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>أولا: التعريف بابن العربي </span>(^١).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-138> اسمه ونسبه </span>هو: محمد بن عبد الله بن محمد بن العربي المعافري، أبو بكر الأشبيلي.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-139> مولده ونشأته:</span> ولد بأشبيلية سنة: ٤٦٨ هـ، في أسرة عريقة تبوأت مكانة عالية، حيث جمعت بين المكانة العلمية، والمناصب الدنيوية.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-140> مكانته العلمية:</span> مع هذه المكانة المتميزة لأسرة ابن العربي، التي جعلته ينصرف إلى العلم مُذْ كان صغيرا، فقد تميز ابن العربي برحلته الطويلة إلى المشرق الإسلامي، ولقائه عددا كبيرا من العلماء في العراق، والشام، والحجاز، ومصر، حتى إذا عاد إلى أشبيلية بعد هذا التَطْوَاف الطويل، عاد محملا بثروة علمية ضخمة، في مختلف الفنون وشتى المعارف، ظهرت<span data-type=\"title\" id=toc-141> آثاره</span>ا مُوِرقة في مؤلفاته وآرائه العلمية. ومن جانب آخر فقد تولى القضاء، وكانت سيرته فيها خير سيرة، عرف بالشدة في الحق، والصرامة على أهل الباطل.\n* آثاره: ترك ابن العربي عددا من المؤلفات، هي مرآة شخصيته العلمية، وصورة تعكس مشاركته في مختلف الفنون وشتى العلوم، ساعده في ذلك تفرغه بعد عزله عن القضاء إلى نشر العلم وتدوينه، ومن أشهر مؤلفاته:\n١. أحكام القرآن، وهو مطبوع.\n٢. قانون التأويل، وهو مطبوع.\n٣. عارضة الأحوذي شرح صحيح الترمذي، وهو مطبوع.\n٤. المتوسط في الاعتقاد.\n٥. الإنصاف في مسائل الخلاف، وهو كتاب في الفقه.\n٦. المحصول في علم الأصول.\n٧. العواصم من القواصم، وهو مطبوع.\n٨. ملجئة المتفقهين إلى غوامض النحويين.\n٩. سراج المهتدين، وهو كتاب في الزهديات.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-142> وفاته:</span> توفي أبو بكر ابن العربي في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وخمسائة، ودفن بفاس، ﵀ وأجزل مثوبته.\n_________\n(^١) ينظر في ترجمته: الصلة لابن بشكوال (٢/ ٥٩٠) وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٩٧) والديباج المذهب (٢/ ٢٥٢) طبقات المفسرين للداودي (٢/ ١٦٧) وشجرة النور الزكية (١/ ٨٢).","vol":"1","page":253},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-143>ثانيا: التعريف بالكتاب وقيمته العلمية </span>(^١).\nكتاب أحكام القرآن لابن العربي، أحد الكتب التي ألفت في تفسير آيات الأحكام، مقتصرا عليها بحسب اجتهاده ونظره.\nويعتبر في مقدمة كتب ابن العربي، وأكثرها شهرة، وأبعدها صِيْتَا، حيث تبوأ مكانة علمية عالية، ولقي قبولا كبيرا عند أهل العلم، فكثر تداوله، وعظم الانتفاع به، فأَخَذ منه من جاء بعده من أهل العلم، إلى يومنا هذا، ومن أبرز المؤلفات التي حوت بين دفتيها نقلا عن ابن العربي، الآتي:\n١. الجامع لأحكام القرآن، تأليف محمد بن أحمد القرطبي، وهو أبرز من انتفع به، بل يكاد أن يكون كتاب الجامع في أحكام القرآن مضمنا كتاب ابن العربي.\n٢. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، لشهاب الدين الألوسي.\n٣. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لمحمد بن الأمين الشنقيطي.\n٤. التحرير والتنوير، للطاهر ابن عاشور.\n_________\n(^١) ينظر: ابن العربي المالكي الإشبيلي، وتفسيره أحكام القرآن، لمصطفى المشني","vol":"1","page":254},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-144>المبحث الأول: المنهج في عرض المسائل العلمية</span>.\n\nفي هذا المبحث سأعرض لطريقة المؤلفَين في عرض الآيات القرآنية، ومنهجهما في عرض المسائل العلمية، مقتصرا على الملامح العامة التي ترسم صورة مجملة، وذلك في مطلبين:\nالمطلب الأولى: طريقة عرض السور والآيات.\nالمطلب الثاني: طريقة تفسير الآيات إجمالا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>المطلب الأولى: طريقة عرض السور والآيات والمسائل</span>.\nاستعرض المؤلفان سور القرآن جميعا، مع التزام ترتيبها في المصحف، لم ينخرم معهما هذا الترتيب.\nوقد بلغ عدد السور التي تكلم عنه القشيري أربعا وثمانين سورة، وترك الكلام عن ثلاثين سورة، وأما ابن العربي فقد تكلم عن ست ومائة سورة، وترك الكلام عن ثمان سور، اشتركا منها في سبع سور تركا الكلام عنها، وهي: سورة القمر، والحاقة والنازعات، والتكوير، والانفطار، والهمزة، وسورة الكافرون، وغالب تلك السور التي تركا الكلام عنها سور مكية.\nكما التزما ذكر أسماء السور، وتسميتها بما اشتهرت به، في غالب أمرهما، إلا أن أبا الفضل ترك تسمية بعض السور القليلة، ولعل ذلك وقع سهوا، أما ابن العربي فلم يدع تسمية شيء منها.\nوربما على نحو نادر جدا يذكر القشيري للسورة أكثر من اسم، ولم يقع ذلك عند ابن العربي.","vol":"1","page":255},{"text":"¬هذا في السور، أما الآيات فقد بلغ عدها على النحو الآتي:\nعدد الآيات التي تكلم عنها القشيري ...: ... آية.\nعدد الآيات التي تكلم عنها ابن العربي ...: ... أية.\nاتفقا على الكلام عن ...: ... آية.\nوانفرد القشيري بالكلام عن ...: ... آية.\nوانفرد ابن العربي بالكلام عن ...: ... آية.\nوبهذا يظهر أن ابن العربي زاد من حيث عدد السور والآيات على القدر الذي بلغه القشيري، مع أنهما من مذهب واحد، وهذا يؤكد ما سبق الإشارة إليه، من أن ذكر الآيات في كتب الأحكام يعود لاجتهاد المؤلف ونظره.\nوقد التزما في ذكر هذه الآيات ترتيب المصحف، لم ينخرم ذلك إلا في مواضع قليلة جدا عند القشيري، حيث قدم وأخر.\nوقد وقع لهما أن تركا الكلام عن الآية اكتفاء بما تقدم مما يشابهها أو بما يأتي، وربما أحال كل منهما على كتاب آخر، وقد وقع ذلك عند ابن العربي كثيرا، أما القشيري فعلى نحو قليل.\nولما كان قصد المؤلفين النظر في دلالة الآيات على الأحكام، واستنباطها منها، فإنهما قصرا النظر على الآيات التي لها تعلق بالأحكام بحسب اجتهادهما، وهذا ما جعل كلامهما لا يتجه إلى بيان معاني الآيات على نحو ما نجده في كتب التفسير.\nعلى أن هذا المقصد الأساس عندهما لم يمنعهما من الخوض في بعض المسائل، التي لا صلة لها بالأحكام على نحو مباشر، وهو وإن كان قليلا عند القشيري، جريا على طريقة السلف في التأليف، وربما بسبب الاختصار - أيضا ـ، فهو أمر ظاهر بشكل جلي","vol":"1","page":256},{"text":"¬عند ابن العربي، فتجده ربما خاض مع الفلاسفة وجال مع أهل الطب، وضرب مع الفلكيين بسهم، وهو في هذا متأثر ببيئته وعصره، فانظره عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ (^١) قال: \" تمدح من الله سبحانه بعلم الغيب والإحاطة، بالباطن الذي يخفى على الخلق، فلا يجوز أن يشاركه في ذلك أحد، وأهل الطب يقولون: إذا ظهر النفخ في ثدي الحامل الأيمن فالحمل ذكر، وإن ظهر في الثدي الأيسر فالحمل أنثى، وإذا كان الثقل للمرأة في الجانب الأيمن فالحمل ذكر، وإن وجدت الثقل في الجانب الأيسر فالولد أنثى، فإن قطعوا بذلك فهو كفر، وإن قالوا: إنها تجربة وجدناها تركوا، وما هم عليه، ولم يقدح ذلك في التمدح، فإن العادة يجوز انكسارها، والعلم لا يجوز تبدله\" (^٢).\nوأما عرض المسائل العلمية، فقد تميز ابن العربي على نحو لا يُجَارى، حيث كان عرضه حسنا، وترتيبه دقيقا، ومنهجه مطردا، إذ كان يبدأ أول الأمر بذكر اسم السورة، ثم يعقبها بعدد الآيات التي سيتكلم عنها في هذه السورة، فإذا أخذ في الكلام عن الآية، بدأ بذكرها، ثم بين عدد المسائل التي سيجري بحثها والكلام عنها في تلك الآية، ومن الأمثلة على ذلك في سورة المجادلة: حيث قال: سورة المجادلة فيها ست آيات، الآية الأولى: ... ثم ذكرها، وقال: فيها تسع وعشرون مسألة: المسألة الأولى: فأخذ في الكلام عنها، وما بعدها من مسائل، حتى أتم الكلام عن هذه المسائل جميعها، وكان كثيرا ما يربط بين هذه المسائل التي يتكلم عنها، فربما كان آخر المسألة الأولى آخذا بِحُجَز أول المسألة الثانية.\nـ وفي الحق - فلقد تميز ابن العربي في هذا العرض بثلاث سمات:\nأولهما: دقته في هذا العرض.\n_________\n(^١) سورة الرعد (٨).\n(^٢) سورة الرعد (٨).","vol":"1","page":257},{"text":"¬وثانيهما: حسن تقسيم وترتيب المسائل والمباحث العلمية في تلك المسائل.\nوثالثها: اطراد هذه الطريقة في كل كتابه لم تنخرم.\nوهذا التقسيم والترتيب مع الاطراد على هذا النحو الدقيق، لا نجده في كتاب القشيري، ولعل من أحد أسباب ذلك، أن ابن العربي متأخر في القرآن السادس، حيث كان المؤلفون أكثر عناية بحسن العرض والترتيب، واطراد الطريقة في التأليف، على نحو لا يوجد عند المتقدمين في غالب الحال.","vol":"1","page":258},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-146>المطلب الثاني: طريقة تفسير الآيات إجمالا</span>.\nفي هذا المطلب سأعقد مقارنة مختصرة بين هذين الإمامين، في أبرز ما يتعلق بمنهجهما<span data-type=\"title\" id=toc-148> في التفسير</span>، مقتصرا عل الملامح العامة، التي تعطي تصورا مجملا عن الكتابين، محاولا - جهدي - إبراز ما تميز به أحدهما عن الآخر، ولتوضيح ذلك سأقسم هذا المطلب إلى خمس فقرات:\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>الفقرة الأولى: مصادر الكتابين</span>.\nتميز القشيري بأن كتابه يعتمد في أساسه على الرواية المسندة المتصلة، بشكل كبير، سواء كان بسند صاحب الأصل القاضي إسماعيل، أو سند القشيري نفسه، وهي ميزة لا توجد عند ابن العربي مطلقا؛ لأن عصر ابن العربي قد ضعفت فيه الرواية عما كان عليه الحال في عصر القشيري، أو من كان قبله.\nوفضلا عن مصدر الرواية الذي قام عليه أصل كتاب القشيري، فهناك عدد قليل من الكتب التي رجع إليها، أشرتُ في الفصل السابق إليها، وتكلمت عليها (^١).\nعلى أن القشيري وإن كانت له هذه السمة الأصيلة في كتابه، فقد امتاز عنه ابن العربي بذاك العدد الضخم من المصادر العلمية التي اطلع عليها، بعد استقرار العلوم وتحرر الفنون، وتحدد أمهاتها التي يعتمد عليها، فاستفاد منها، ونقل عنها، وقد رأينا ذلك آثارا واضحة، في تعدد المجالات التي خاض غمارها وتكلم فيها، ويمكن ذكر أهم المصادر التي اعتمد عليها، ونص عليها في كتابه (^٢):\n* في التفسير:\n١. جامع البيان لابن جرير الطبري.\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: ص ٨٦.\n(^٢) ينظر: ابن العربي وتفسيره أحكام القرآن ص ٤٣.","vol":"1","page":259},{"text":"¬٢. أحكام القرآن للقاضي إسماعيل بن إسحاق.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-149> السنن والآثار:</span>\n١. الكتب الستة.\n٢. مسند الإمام أحمد.\n٣. مستدرك الحاكم.\n٤. سنن البيهقي.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-150> الفقه:</span>\n١. الموطأ.\n٢. المدونة.\n٣. الواضحة.\n٤. العتبية.\n٥. المختصر.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-151> في اللغة:</span>\n١. كتاب سيبويه.\n٢. معاني القرآن للفراء.\nوفضلا عن هذا، فهناك عدد كبير من المصادر التي لم ينص عليها المؤلف ولكن سياق كلامه، يشير إليها، فتجده مرة يقول قال العلماء، أو قال الأحناف، أو قال أهل اللغة، أو قال أهل السير.","vol":"1","page":260},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-152>الفقرة الثانية: العناية بالمأثور</span>.\nالمذهب المالكي مدرسة أثرية في المقام الأول، ولذا فلا عجب أن ترى هذا الاهتمام بالمأثور باديا عند القشيري وابن العربي بشكل كبير، وظهر هذا الاهتمام في عنايتهما بتفسير القرآن بالقرآن وبالسنة المبينة له، أو بأقوال السلف وآثارهم، وقد أكدا جميعا في مقدمة كتابيهما (^١) على هذا المنهج، وتقديمه على ما سواه.\nفأما تفسير القرآن بالقرآن فقد تعددت جوانبه عندهما (^٢)، وسأقتصر على جانب واحد وهو بيان معنى اللفظة القرآنية عندهما: ففي بيان معنى الأشد قال القشيري: \" وأما قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ فهو الحلم الذي قال الله: ﴿إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (^٣) ... وقال في قصة يوسف - ﵇ -: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (^٤) وهذا فمعناه: لما بلغ الحلم؛ لأن المرأة أرادته عند بلوغ النكاح، وأمر اليتيم بأمر يوسف أشبه، ويكون أَشُدٌ دون أَشُدٍ .. \" (^٥)، وقال ابن العربي: \" والأشد كما قلنا في القول، وقد تكون في البدن، وقد تكون في المعرفة والتجربة، ولا بد من حصول الوجهين، فإن الأشد ها هنا وقعت مطلقة، وجاء بيان اليتيم في سورة النساء مقيدا، قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ (^٦) فجمع بين قوة البدن ببلوغ النكاح وبين قوة المعرفة بإيناس الرشد\" (^٧).\n\nوأما تفسير القرآن بالحديث، فقد كانت عناية الإمامين به كبيرة، حيث نص كل منهما (^٨) على تقديم حديث النبي - ﷺ - في بيان معنى الآية، والوقوف عند دلالته، ومن هنا فقد كثر في الكتابين الاستشهاد بحديث الرسول - ﷺ - وتعددت جوانبه،، ولما كان كتاب القشيري مختصرا من أصلٍ اعتمد الرواية المسندة، فقد اكتفى بهذا الأصل عن بيان مَخْرَج الحديث، على أنه يذكر بعض الروايات مسندة، وهو قليل، وأما ابن العربي فقد حرص على بيان مَخْرَج الحديث، وكان جل اهتمامه - كما كانت وصيته لطلابه - بالكتب الخمسة المشهورة، قال: \" ولا يَدْعُونّ أحد منكم إلا بما في الكتب الخمسة، وهي: كتاب البخاري، ومسلم، والترمذي، وأبي داود، والنسائي، فهذه الكتب هي بدء الإسلام، وقد دخل فيها ما في الموطأ، الذي هو أصل التصانيف وذروا سواها\" (^٩)، وقد حرصا على ذكر الحديث بلفظه، وبيان راويه في غالب كتابيهما، ويقع لهما مخالفة ذلك.\nولم تقتصر عنايتهما على مجرد نقل الرواية والاستشهاد بالحديث على المعنى، بل كانت لهما مشاركة في ضبط ألفاظ الحديث، وبيان طرقه، ومتابعاته، ولكل منهما كلام في نقد سند الحديث ومتنه، دال على تقدمهما في هذا العلم ومعرفتهما به.\n_________\n(^١) ينظر من هذا الرسالة: ص ١١٨، وفيما يتعلق بان العربي ينظر من كتابه (١/ ٣).\n(^٢) أشرت إلى عدد من الجوانب المتعلقة بتفسير القرآن بالقرآن عند أبي الفضل القشيري ص ١١٩، وفيما يتعلق بابن العربي فقد أشار مؤلف كتاب: ابن العربي وتفسيره أحكام القرآن ص ١٠٥ إلى عدد من الجوانب.\n(^٣) سورة النساء (٦).\n(^٤) سورة يوسف (٢٢).\n(^٥) ينظر من هذه الرسالة: سورة الإسراء الآية (٣٤).\n(^٦) سورة النساء (٦).\n(^٧) أحكام القرآن (٣/ ١٩٨).\n(^٨) ينظر: مقدمة الكتابين.\n(^٩) أحكام القرآن (٢/ ٣٥١).","vol":"1","page":261},{"text":"¬وتعددت الجوانب التي اعتمدا فيها على سنة النبي - ﷺ - في بيان معنى الحديث (^١)، وسأقتصر على جانب واحد اشتركا في العناية به، وهو بيان معنى الآية بالحديث، كما وقع عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (^٢) فقد استشهدا سويا بالحديث المشهور عن عائشة ﵂، أنها قالت: يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الرجل يشرب الخمر ويسرق؟ قال: (لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل الذي يصلي ويصوم ويتصدق، ويخاف ألا يقبل منه) (^٣).\n\nوأما العناية بآثار السلف وأقوالهم، فأمر لافت للنظر عند الإمامين معا، غير أنهما وإن اشتركا في هذه السمة، فقد كان لأبي الفضل قصب السبق كثرة وتنوعا، فهو كتاب أثري بالدرجة الأولى، على أن ابن العربي لم يقتصر على آثار التابعين، بل اعتنى بنقل كلام أهل العلم المتأخرين من المفسرين، وأشياخه الذي لقيهم كما بين ذلك في مقدمته.\nعلى أنهما - أيضا - اشتركا في عدم الاكتفاء بمجرد النقل والرواية، بل كان لهما نظرات ووقفات حول تلك الآثار، وموازنة واستدراك، تدل على مدى الوعي والمعرفة بما ينقلانه.\nوجوانب تلك العناية عديدة أكتفي بذكر مثال يتعلق ببيان معنى اللفظة القرآنية عندهما، اعتمادا على كلام السلف، ففي قوله تعالى: ﴿أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ نقل القشيري كلام السلف في بيان معنى الحفيظ، قال: \" قال ابن مسعود - ﵁ -: هو الرجل يذكر الذنب فيستغفر\n_________\n(^١) فيما يتعلق بالقشيري ينظر من هذه الرسالة ص ١٢٨، وأما ما يتعلق ابن العربي فينظر كتاب: ابن العربي المالكي وتفسيره أحكام القرآن ص ١١٧.\n(^٢) سورة المؤمنون (٦٠).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: ص ١٢٩، وكتاب أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٣٢٣).","vol":"1","page":262},{"text":"¬الله، وقال عُبيد بن عُمير: هو الرجل لا يجلس مجلسا فيقوم منه حتى يستغفر الله، ويذكر ذنبه في الخلاء فيستغفر الله، وقال سعيد بن جبير: الأواب؛ المُسبح\" (^١).\nوعند قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (^٢) قال ابن العربي: \" اعلموا وفقكم الله تعالى، أن القنوت يرد على معان أمهاتها أربع، الأول: الطاعة قاله ابن عباس، الثاني: القيام قاله ابن عمر، ... الثالث: إنه السكوت قاله مجاهد، ... الرابع أن القنوت الخشوع\" (^٣).\n\nالفقرة الثالثة: العناية بالإجماع.\nوإجماع سلف الأمة لم يختلف أهل العلم في الاحتجاج به، والركون إليه، وقد ذكر القشيري وابن العربي صورا عديدة لما وقع عليه الإجماع، غير أن عناية ابن العربي به أظهر، وحكايته له أكثر، مع تعدد المجالات وتنوعها.\nمن صور الإجماع التي حكاها القشيري في بيان معنى قوله تعالى: ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (^٤)، قال: \" قال الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: (تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار) وقاله جماعة من الصحابة والمفسرين، وهي صلاة الصبح، كذلك قالت الجماعة بغير اختلاف فيه\" (^٥).\nومن الأمثلة التي حكى ابن العربي الإجماع فيها، ما أورده عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾: \" إن قوله تعالى (مساجد الله)\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: ص ٦٠٤\n(^٢) سورة البقرة (٢٣٨).\n(^٣) أحكام القرآن (١/ ٣٠١).\n(^٤) سورة الإسراء (٧٨).\n(^٥) ينظر من هذه الرسالة: ص ٣٤٠.","vol":"1","page":263},{"text":"¬يقتضي أنها لجميع المسلمين عامة الذين يعظمون الله تعالى، وذلك حكمها بإجماع الأمة، على أن البقعة إذا عينت للصلاة خرجت عن جملة الأملاك المختصة بربها، فصارت عامة لجميع المسلمين بمنفعتها ومسجديتها\" (^١).\n\nالفقرة الرابعة: العناية باللغة.\nلم يزل أهل العلم يعتمدون على لغة العرب ومجاري كلامهم، في بيان معاني القرآن الكريم، ولم يزل المفسرون يعتنون بنقل كلام أئمة اللغة ورؤسائها في تفاسيرهم، ولقد كان اهتمام الإمامين بارزا وعنايتهما به ملحوظة، حيث استشهدا بلغة العرب وشعرهم، ونقلا كلام أئمة العربية، ومن أشهر من نقلا عنه: عمرو بن العلاء، وسيبويه وأبو عبيدة معمر بن المثنى.\nوأما مجالات العناية بلغة العرب والاحتجاج بها فعديدة، أبرزها في مجال بيان غريب القرآن الكريم، وهذا كثير عندهما، ومن شواهد ذلك عند القشيري ما أورده عند قوله تعالى: عند قوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ (^٢) حيث قال: \" قال الزيادي: المعمق الذاهب على وجه الأرض، قال المازني: يقال عميق ومعمق، وقال رؤبة:\nوقَاتِم الأعْمَاقِ خَاوي المُخْتَرَقْ.\nفالأعماق جمع عمق، والمعمق هاهنا الذاهب على وجه الأرض المُخْتَرَقْ حيث صار خرقا، والخرق الفلاة تنخرق في الفلاة. وقال قتادة: من مكان بعيد، وقوله يشبه قول أبي إسحاق الزيادي أنه الموضع البعيد على وجه الأرض، وقال الشاعر:\n_________\n(^١) أحكام القرآن (١/ ٥١).\n(^٢) سورة الحج (٢٧).","vol":"1","page":264},{"text":"¬يقطعن بُعْدَ النازح العميق \" (^١).\nوفي هذه الآية - أيضا - قال ابن العربي: \" يعني بعيد، وبناء عمق للبعد، قال الشاعر يصف قفرا:\nوقَاتِم الأعْمَاقِ خَاوي المُخْتَرَقْ.\nيريد بالأعماق الأبعاد، ترى عليها قتاما يخترق منها جوا خاويا، وتمشي فيه كأنك وإن كنت مصعدا هاو، ولذلك يقال: بئر عميقة أي بعيدة القعر\".\n\nالفقرة الخامسة: العناية بعلوم القرآن.\nتناول القشيري وابن العربي، عددا من المسائل المتعلقة بعلوم القرآن الكريم، وقد تميز ابن العربي بتناوله مجالات متعددة في علوم القرآن الكريم، لم يتطرق إليها القشيري في كتابه، أو لم يتناولها بشكل واضح.\nوأبرز ما اشتركا فيه من موضوعات علوم القرآن: أسباب النزول، والقراءات القرآنية، والناسخ والمنسوخ، وسأضرب مثالا على كل نوع منهما:\nففي أسباب النزول: تبدو العناية كبيرة عندهما جميعا، فأسباب النزول طريق قوي لتفسير كلام الله تعالى، ولذا فقد كانا في الغالب يبدآن بذكر سبب النزول، وربما ذكرا الروايات المتعددة في سبب نزول الآيات، وقد يرجحان أحد تلك الأسباب وقد لا يفعلان، ومن الأمثلة على ذلك ما أورده في سبب نزول قوله تعالى:: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ (^٢)، فقد ذكرا روايات تدل على أنها نزلت\n_________\n(^١) ينظر من هذا الرسالة: ص ٣٧٠.\n(^٢) سورة النور (٦).","vol":"1","page":265},{"text":"¬في شأن عويمر العجلاني، وروايات أخرى تدل على أنها نزلت في شأن هلال بن أمية - ﵃ - (^١).\nوكذا الحال في القراءات القرآنية فقد اشتركا في إيرادها والاحتجاج بها، والاستدلال عليها، وتوجيهها، وسأذكر موضعا واحدا اشتركا في بيان القراءات فيه يتضح من خلاله ما ذكرته عن جوانب اهتمامها بالقراءات القرآنية ويساعد على عقد مقارنة بينهما، فعند قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (^٢) قال القشيري: \" وقد قرئت ﴿صواف﴾ وقرئت ﴿صوافن﴾ فمن قرأها ﴿صوافن﴾ فمعناها: معقولة قائمة على ثلاث، ومن قرأها ﴿صواف﴾ قياما على أربعتها وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان ينحر هديه بيده، يصفهن قياما ويوجههن للقبلة، ثم يأكل ويطعم، وقد روى سعيد بن جبير أن ابن عمر كان ينحر البدن وهي على ثلاث قوائم يعقل يدها، وقرأها سعيد: ﴿فاذكروا اسم الله عليها صوافن﴾ والصحيح عن ابن عمر ما رواه نافع، إلا أن القراءة على لفظ مصحفنا أعم وأصوب، إذ المعروف في اللغة أن الصوافن والصافنا نعت للخيل، فإن أُدْخِلت الإبل في ذلك فعلى التشبيه، ولا ضرورة بالناس إليه، إذ لم يكن الخط في المصحف على صوافن، وليس يجوز أن يخالف لفظ المصحف المجتمع عليه برواية، والله أعلم\" (^٣).\nوأما ابن العربي فإنه قال: \" فيها ثلاث قراءات: ﴿صواف﴾ بفاء مطلقة قراءة الجمهور، ﴿صوافن﴾ بنون قراءة ابن مسعود، ﴿صوافي﴾ بياء معجمة باثنتين من تحتها قراءة أبي بن كعب، فأما قوله ﴿صواف﴾ فمن صف يصف إذا كانت جملة من قيام أو\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: ص ٤٣٥، وأحكام القرآن (٣/ ٣٥١).\n(^٢) سورة الحج (٣٦).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: ص ٣٨٥.","vol":"1","page":266},{"text":"¬قعود أو مشاة بعضها إلى جانب بعض على الاستواء ويكون معناها هاهنا صفت قوائمها في حال نحرها أو صفت أيديها قاله مجاهد وأما ﴿صوافن﴾ فالصافن هو: القائم وقيل: هو الذي يثني إحدى رجليه، وأما ﴿صوافي﴾ فهو جمع صافية، وهي التي أخلصت لله نية وجلالا وإشعارا وتقليدا\" (^١).\nوفي الناسخ والمنسوخ لهما في ذلك عناية واهتمام، إلا أن الناظر في الكتابين، يلحظ أنهما وإن اشتراكا في المسائل التطبيقية المتعلقة بالنسخ، فقد تميز ابن العربي بعنايته بشكل أكبر بجانب التأصيل لهذا العلم والتقعيد له، على طريقة الأصوليين.\nومما يسجل - هنا - اختلافهما في حكم نسخ القرآن بالسنة، حيث ذهب القشيري إلى امتناع ذلك، سواء كانت السنة متواترة أو غير متواترة، وقد تقدم بسط قوله في الفصل السابق (^٢)، وأما ابن العربي فقد صحح النسخ بالسنة المتواترة، قال ﵀: \" ولا يجوز نسخ القرآن إلا بقرآن مثله أو بخبر متواتر \" (^٣).\n\nوبعد فهذه أبرز المجالات التي يمكن عقد المقارنة فيها بين هذين الإمامين، وبيان أوجه المشابهة، أو ما تميز به أحدهما عن الآخر، وبقي الكلام عن مقارنة منهجيهما فيما يتعلق بالمسائل الفقهية، ولما كان هذا هو أساس الكتابين ومادته، فسيكون الكلام عنهما في المبحثين القادمين، بإذن الله تعالى.\n_________\n(^١) أحكام القرآن (٣/ ٢٩١).\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: ص ١٨٥.\n(^٣) أحكام القرآن (٢/ ٤٠٣).","vol":"1","page":267},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-153>المبحث الثاني: المنهج في الاستدلال والمناقشة</span>.\nتعتبر المسائل الفقهية المتعلقة بالحلال والحرام، هي أصل هذين الكتابين ومادتهما الأساس، فالنظر فيها نظر في الكتاب كله، ولعقد مقارنة بين المنهج الذي اتبعه القشيري أو ذاك الذي سار عليه ابن العربي، أذكر النقاط الآتية:\n١. جرى القشيري في غالب كتابه، على أن يذكر الخلاف الفقهي بعد نقل كلام السلف في معنى الآية القرآنية، إلا أنه قد خالف هذه الطريقة في مواضع متعددة من كتابه، أما ابن العربي فقد تميز في عرض المسائل العلمية والفقهية باطراد طريقته وانتظام منهجه، حيث يبدأ بذكر الآية مقسما لها إلى مسائل، يتعرض في كل مسألة إلى جانب مما يتصل بالآية الكريمة، وفي ضمن ذلك الكلام عن المسائل الفقهية، وربما قسم الكلام في المسألة الفقهية الواحدة، على عدد من المسائل، يرتبط بعضها ببعض.\n٢. عرض المؤلفان إلى عدد كبير من المسائل الفقهية، ولا سيما ما كان فيه خلاف مع المذاهب الفقهية المشهورة، خصوصا الخلاف مع الحنفية والشافعية، فاحتجا للمذهب، وأجابا عن قول المخالف، وأوردا عليه، وكلامهما عن المذهب المخالف، كلام عارف به مطلع على حقيقته، غير أنهما - أيضا - قد تركا الكلام عن بعض المسائل أو اختصرا، وربما أحالا على كتاب لهما آخر، بسطا القول فيه.\nوهما وإن اشتراكا في هذه السمة، فقد تميز ابن العربي بالعناية بالخلاف في إطار المذهب المالكي نفسه، حيث يذكر الروايات في المذهب وقول الأصحاب، فيصحح بين تلك الروايات ويرجح (^١)، ومن أمثلة ذلك ما أورده عند قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ (^٢) قال: \" وقد اختلف علماؤنا في جعل المنافع صداقا، على ثلاثة أقوال، وكرهه مالك، ومنعه ابن القاسم، وأجازه غيرهما، وقد قال: ابن القاسم يفسخ قبل البناء ويثبت بعده. وقال أصبغ: إن نقد معه شيء ففيه اختلاف، وإن لم ينقد فهو أشد، فإن ترك مضى على كل حال، بدليل قصة شعيب، قاله مالك وابن المواز وأشهب، وعول على هذه الآية جماعة من أئمة المتأخرين في هذه النازلة، قال القاضي: صالح مدين زوج ابنته من صالح بني إسرائيل، وشرط عليه خدمته في غنمه، ولا يجوز أن يكون صداق فلانة خدمة فلان، ولكن الخدمة لها عوض معلوم عندهم، استقر في ذمة صالح مدين لصالح بني إسرائيل، وجعله صداقا لابنته، وهذا ظاهر\" (^٣)\nأما القشيري فإنه اقتصر على ما روي عن الإمام مالك، أو ما تخرج على أصله - شَأْنَ المدرسة العراقية - ولذلك قَّل أن يشير إلى خلاف في المذهب المالكي، اقتصارا على ما ترجح عنده من أصل المذهب، وهذا ما جعل النَفَسَ المذهبي يظهر عند ابن العربي أكثر من ظهوره عند القشيري، مع اتفاقهما على تصحيح المذهب في الغالب، لَكِنَّ كلام القشيري وطريقته في العرض والمناقشة، لا تشعرك بأنه مالكي أو يناصر قول المالكية، بخلاف ابن العربي فلن تبرح قريبا حتى تدرك أنه كذلك.\n٣. ومع كثرة الأقوال والآثار التي يذكرانها، فقد كانا يعزوانها إلى قائلها في غالب أمرهما، غير أني لاحظت أن القشيري أكثر عناية بهذا، أما ابن العربي فإنه وإن كان يعزوها في أحيان كثيرة، فقد وقع له على نحو كثير أن يقتصر على سرد الأقوال دون عزوها، كما وقع له عند قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (^٤) حيث قال: \" وفيه سبعة أقوال، الأول: ما يجري على اللسان من غير\n_________\n(^١) ينظر: ابن العربي وتفسيره أحكام القرآن ص ٣٠٠.\n(^٢) سورة القصص (٢٨).\n(^٣) أحكام القرآن (٣/ ٤٩٩).\n(^٤) سورة البقرة (٢٢٥).","vol":"1","page":268},{"text":"¬قصد، كقوله: لا والله وبلى والله، قالته عائشة والشافعي. الثاني: ما يُحْلف فيه على الظن فيكون بخلافه، قاله مالك. الثالث: يمين الغضب. الرابع: يمين المعصية. الخامس: دعاء الإنسان على نفسه كقوله: إن لم أفعل كذا، فيلحق بي كذا، ونحوه. السادس: اليمين المكفر. السابع: يمين الناسي \" (^١).\n٤. تميز ابن العربي بشخصية علمية تتمتع بقدر كبير من الاستقلالية، ظهر ذلك في خروجه عن قول المذهب في مواضع مختلفة وبشكل صريح، وهذه المخالفة على مستويين، أولهما: اختيار خلاف المعتمد أو المشهور في المذهب، وثانيهما: اختيار قول مخالف تماما للمذهب، كما في عدة المرأة التي حاضت حيضة أو حيضتين ثم ارتفعت حيضتها، فقد ذهب المالكية إلى أنها تعتد سنة، وذهب الشافعية والأحناف إلى أنها تبقى إلى سن اليأس، قال: \" وأما قول أبي حنيفة والشافعي: إنها تبقى إلى سن اليأس، فمعناه إذا كانت مرتابة بحمل، وكذلك قال أشهب: لا تحل أبدا حتى تيأس، وهو الصحيح\" (^٢).\n٥. تميز القشيري بأنه كان أقل خروجا عن دلالة آيات القرآن الكريم، وأقل بحثا في المسائل الفقهية التي لا تعلق لآيات القرآن بها على نحو بَيِّنٍ، حيث حصر بشكل كبير نطاق البحث والمناقشة فيما تدل عليه آيات القرآن، أو تعلق بها، على أنه ربما خرج عن هذه الدائرة، وربما كان من أسباب ذلك أنه كتاب مختصر.\nوأما ابن العربي فقد وَسَّعَ من دائرة المسائل الفقهية التي تكلم عنها في كتابه \" فأفاض وأسهب في الموضوعات والمسائل الفقهية - على الرغم من كثرة الإحالة - لدرجة خرج معها من دائرة التفسير إلى الفقه\" (^٣).\n_________\n(^١) أحكام القرآن (١/ ٢٤١).\n(^٢) أحكام القرآن (٤/ ٢٨٥).\n(^٣) ابن العربي وتفسيره أحكام القرآن ص ٣٢١.","vol":"1","page":269},{"text":"¬٦. واشترك المؤلفان في أكثر الأدلة والحجج التي يسوقانها في مقام الاستدلال على المسائل العلمية، أو يوردانها على المخالف، ذلك أنهما ينتميان لمذهب فقهي واحد، وهذا يورث اشتراكا - ولا بد - في الأصول التي يُحتج بها، كالاستدلال بالكتاب والسنة والإجماع، والقياس، وفتوى الصحابة، وما عليه العمل، والقياس، ولغة العرب، وشرع من قبلنا (^١).\nوقد تقدم في المبحث السابق الإشارة إلى بعض هذه الأدلة، وسأضرب هنا مثالا واحد على نوعين من تلك الأدلة، وهما: ما عليه العمل، وشرع من قبلنا، وقد اخترتهما لاختلاف المذاهب في الاحتجاج بهما، وهما من أصول المالكية:\nأولا: ما عليه العمل، وهو أصل مشهور عند المالكية وكثر الاحتجاج به عند الإمامين، ومن أمثلة ذلك ما أورده القشيري عند قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (^٢) قال: \" واختلف قوم في اللقيط؛ فقال قوم: هو مملوك. وقال آخرون: هو حر، وهو المعمول عليه، والذي عليه أهل العلم\" (^٣).\nومثال ذلك عند ابن العربي قوله: \" المسألة الثانية حسنة، وهي أن شهادة العدو على عدوه لا تجوز؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ (^٤) وبذلك قال أهل المدينة وأهل الحجاز \" (^٥).\nثانيا: شرع من قبلنا، وقد احتجا به أيضا فهذا القشيري يحتج بقصة قميص يوسف - ﵇ - فيقول: \" وقصة يوسف - ﵇ - توجب القضاء فيما لا تحضره البينة بالدلائل\n_________\n(^١) ينظر: ابن العربي وتفسيره أحكام القرآن ص ٢٦٦.\n(^٢) سورة يوسف (٢٠).\n(^٣) ينظر من هذه الرسالة: ص ٢٩٥.\n(^٤) سورة آل عمران (١١٨).\n(^٥) أحكام القرآن (١/ ٣٨٧).","vol":"1","page":270},{"text":"¬والعلامات في مثل: اللقطة، ومثل: إغلاق الباب، وإرخاء الستر، وفي شهادة الصبيان في الجراح، وذلك دليل للشهادة، ... فإن قال قائل: إن تلك الشريعة لا تلزمنا، قلنا له: كل ما أنزله الله علينا فإنما أنزله لفائدة فيه ومنفعة لنا فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ (^١) فآيات يوسف - ﵇ - مقتدى بها معمول عليها، والله أعلم\" (^٢)، وقد قال ابن العربي عند هذه المسألة بعينها: \" قال علماؤنا: في هذا دليل على العمل بالعرف والعادة، لما ذكر من أخذ القميص مقبلا ومدبرا، وما دل عليه الإقبال من دعواها، والإدبار من صدق يوسف، وهذا أمر تفرد به المالكية، كما بيناه في كتبنا فإن قيل: هذا شرع من قبلنا، قلنا: عنه جوابان، أحدهما: أن شرع من قبلنا شرع لنا وقد بيناه في غير موضع .. \" (^٣).\n٧. وأختم الكلام عن هذا المبحث بالإشارة إلى موقفهما من المخالف في مسائل الأحكام، ذلك أن اتباع مذهب بعينه يورث نوعا من التعصب له، والميل لآرائه وأقواله، غير أن مستويات هذا التعصب تختلف بدرجات متفاوتة، فترى من أتباع المذاهب من لا يمنعه اتباعه لمذهبه من قبول الحق أنى وجده، وإن كان خلاف مذهبه، ولا يحمله هذا التمذهب على البغي على المخالف، والاستطالة على أتباع المذاهب الأخرى، بل ترى في قوله أدبا، وفي خلافه نَصَفَةً وعدلا، ومن أتباع المذاهب من يتعصب للمذهب، على نحو يخرج به عن حد القصد والاعتدال، إلى كثير من البغي والعدوان، وتكلف ما ليس له به علم، نصرة للمذهب، وطعنا على المخالف، وبين هذين الفريقين درجات متفاوتة، وأهل\n_________\n(^١) سورة الأنعام (٩٠).\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: ص ٢٩٤.\n(^٣) أحكام القرآن (٣/ ٥٠).","vol":"1","page":271},{"text":"¬العلم فيها بين مقل ومستكثر، وقد جرى لأبي الفضل القشيري مع المخالف شيء من هذا ليس بكثير، سبق الإشارة إليه (^١).\nومثله كذلك أبو بكر بن العربي جرى له ذلك، غير أن دائرته عند ابن العربي أوسع نوعا ما، نظرا لاتساع الخلاف بين المذاهب مع التطور الزمني، وظهور التعصب في أتباع تلك المذاهب على نحو لم يكن في أسلافهم، وأسوق هنا مثالين عند ابن العربي، تعطي صورة لشدته في بعض المواقف على المخالف، وتعصبه لمذهبه، يقول في تفضيل مالك على الشافعي: \" كل ما قال الشافعي، أو قيل عنه، أو وصف به، فهو كله جزء من مالك، ونخبة من بحره، ومالك أوعى سمعا، وأثقب فهما، وأفصح لسانا، وأبرع بيانا، وأبدع وصفا، ويدلك على ذلك مقابلة قول بقول في كل مسألة وفصل\" (^٢)، وفي المراد بالأشد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (^٣) قال عن أبي حنيفة: \" قال أبو حنيفة: الأشد خمسة وعشرون عاما، وعجبا من أبي حنيفة؛ فإنه يرى أن المقدرات لا تثبت نظرا ولا قياسا، وإنما تثبت نقلا على ما بيناه في أصول الفقه، وهو يثبتها بالأحاديث الضعيفة، ولكنه سكن دار الضرب، فكثر عنده المدلس، ولو سكن المعدن - كما قيض الله لمالك - لما صدر عنه إلا إبريز الدين، وإكسير الملة كما صدر عن مالك\".\nبقي أن يقال: إن الإمامين وإن جرى لهما شيء من هذه الشدة مع المخالف، فلم يكن بالكبير ولا الكثير، وإن كان ترك ذلك أولى بهما وأحرى.\n_________\n(^١) ينظر من هذه الرسالة: ص ١٣٨.\n(^٢) أحكام القرآن (١/ ٤١٠).\n(^٣) سورة الأنعام (١٥٢).","vol":"1","page":272},{"text":"¬على أن مما يذكر لابن العربي أن له مواقف إنصاف من المخالف في بعض المسائل، حيث قدم قول المخالف على ما تقرر في المذهب.","vol":"1","page":273},{"text":"¬<span data-type=\"title\" id=toc-154>المبحث الثالث: المنهج في الاختيار والترجيح</span>.\nمما هو جدير بلفت النظر إليه؛ أنه قد اجتمع لهذين العَلَمَين، قاسمان مشتركان، كان لهما أبلغ الأثر على كتابيهما، وبشكل رئيس في مجال الاختيار والترجيح، وهذان القاسمان هما:\nأولا: اتحاد المذهب.\nوهو أهم قاسم مشترك في هذين الكتابين، فكلاهما مالكي، ألفا الكتابين وقصدهما الاحتجاج بآيات القرآن على المذهب، وكشف مَنْزَع المذهب من تلك الآيات، والإجابة عن قول المخالف، فَهْمَا واستدلالا.\nهذا من جهة، ومن جهة أخرى فاتحاد مذهبهما يقضي - ولا بد - باتحادهما في الأصول التي يعتمدونها في الفهم والاستنباط، والترجيح والاختيار، وهذه الأصول تفضي إلى تشابه النتائج أو تقاربها، وقد ظهر ذلك جليا في تشابه اختياراتهما، كما سيرد بإذن الله قريبا.\nثانيا: كتاب أحكام القرآن للقاضي إسماعيل.\nوأمر آخر يشترك فيه أبو الفضل وأبو بكر، وهو تأثير كتاب أحكام القرآن للقاضي إسماعيل بن إسحاق، أما أثره في كتاب أبي الفضل فمن نافلة القول ذكره، فهو أصل الكتاب وأساس مادته.\nوأما أثره على أبي بكر بن العربي، فيكفي فيه مقولته التي صدر بها كتابه، حيث أنزل كتاب القاضي إسماعيل منزلة كبيرة، وأثنى عليه ثناء لم يدانيه فيه غير تفسير شيخ المفسرين ابن جرير الطبري، قال في معرض الثناء عليه وعلى كتاب الطبري: \" وأعظم من","vol":"1","page":274},{"text":"¬انتقى منه الأحكام بصيرة؛ القاضي أبو إسحاق، فاستخرج دُرَرَها، واستحلب دَرَّها، وإن كان قد غير أسانيدها، لقد ربط معاقدها، ولم يأت بعدهما من يلحق بهما\" (^١).\nولعقد مقارنة بين القشيري وابن العربي في منهجهما في الاختيار والترجيح، أذكر عددا من النقاط توضح ذلك:\n١. تميز القشيري وابن العربي بشخصية علمية مستقلة، وتكوين علمي قوي، ظهرت آثاره على نحوٍ بَيّن في مناقشاتهما العلمية، وكثرة اختياراتهما.\nومما يُحْمد لهما في هذه الاختيارات أمران:\nأولا: كثرتها وتعددها.\nثانيا: تنوع مجالاتها، حيث لم تقتصر على مسائل الأحكام، والحلال والحرام، بل كان فيها نظرات تفسيرية عامة.\nـ وفي الحق - فهذه الاختيارات من الكثرة والتنوع بحيث تحتاج إلى دراسة وعناية على نحو مستقل.\n٢. تميز ابن العربي بأنه كان أكثر استقلالا في الاختيار والترجيح، ظهر ذلك في مسائل عديدة رجح فيها خلاف المذهب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: فإنه - أيضا - اعتنى بالترجيح بين روايات المذهب وتقديم بعضها على بعض.\n٣. ولقد كانت تلك الاختيارات في غالب الأمر مقرونة بدليلها وتعليلها، سواء من الكتاب، والسنة، وأقوال السلف، والنظر والقياس، على أنهما على نحو قليل ربما ذكرا الراجح والصحيح دون تدليل أو تعليل.\n٤. ومما يلفت النظر حقا: أنني بعد أن قمت بمقارنة اختيارات ابن العربي مع المواضع التي كان للقشيري فيها اختيار وترجيح - كما هو مثبت في ثنايا هذه الرسالة - ظهر\n_________\n(^١) أحكام القرآن (١/ ٣).","vol":"1","page":275},{"text":"¬أن هناك قدرا كبيرا من التشابه في الاختيار والترجيح بينهما، بل وربما حتى في علل الترجيح، ولعل ذلك التشابه الكبير يرجع إلى ما سبق الإشارة إليه في أول هذا المبحث، من اتحاد المذهب، وتأثير كتاب القاضي إسماعيل عليهما.\n٥. تنوعت المرجحات التي اعتمدها القشيري وابن العربي، فمن الأدلة المشهورة: الكتاب والسنة وأقوال السلف والإجماع وما عليه العمل وجرت به الفتوى، فهناك - أيضا - النظر العقلي في الأقوال وأدلتها وعللها، وسأكتفي بذكر مثال واحد على النظر العقلي، والمَلَكَة الذهنية في الترجيح عند الإمامين، ففي مسألة عدم مخاطبة أهل الكتاب بفروع الشريعة استدل القشيري على ذلك بقوله: \" وقوله ﷿: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ دليل على أنه لا تحريم على الكافرين وأنه لا اعتراض لنا في زناتهم وفسوقهم وخمورهم، إذا أقررناهم على أنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق، ... وإن احتج محتج بقول الله ﷿: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (^١) قيل له: معنى حل لهم إنما هو حل لكم أن تَطْعِمُوهم، فأما أن يظن ظان أن قولنا لهم: إنه حل لكم، وهم يدفعون الكتاب الذي فيه هذه الآية، كيف يكون منهم القبول، هذا ما لا يظنه ذو فهم ومعرفة\" (^٢).\nومن الأمثلة عند ابن العربي ما أورده في مسألة ضابط الرشد الذي إذا بلغه اليتيم يدفع إليه ماله، قال: \" المسألة السابعة حقيقة الرشد، فيه ثلاثة أقوال: الأول صلاح الدين والدنيا والطاعة لله وضبط المال، وبه قال الحسن والشافعي. الثاني: إصلاح الدنيا والمعرفة بوجوه أخذ المال والإعطاء والحفظ له عن التبذير، قاله مالك. الثالث: بلوغ خمس وعشرين سنة، قاله أبو حنيفة، وعول الشافعي على أنه لا يوثق على دينه، فكيف يؤتمن على ماله، كما أن الفاسق لما لم يوثق على صدق مقالته لم تجز شهادته. قلنا له: العيان يرد هذا فإنا\n_________\n(^١) سورة المائدة (٥).\n(^٢) ينظر من هذه الرسالة: ص ٤٦١.","vol":"1","page":276},{"text":"¬نشاهد المتهتك في المعاصي حافظا لماله، فإن غرض الحفظين مختلف، أما غرض الدين فخوف الله سبحانه، وأما غرض الدنيا فخوف فوات الحوائج والمقاصد، وحرمان اللذات التي تنال به، ويخالف هذا الفاسق فإن قبول الشهادة مرتبة، والفاسق محطوط المنزلة شرعا، وعول أبو حنيفة على أن من بلغ خمسا وعشرين سنة صلح أن يكون جدا، فيقبح أن يحجر عليه في ماله. قلنا: هذا ضعيف؛ لأنه إذا كان جدا ولم يكن ذا جد، فماذا ينفعه جد النسب وجد البخت فائت\" (^١).\n\nوبعد: فهذه أبرز ملامح المقارنة بين هذين العلمين المالكيين، حاولت فيها إبراز أوجه الاتفاق بينهما، والمجالات التي اشتركا فيها، والوقف على ما تميز به أحدهما عن الآخر، وإنه إن يكن لأبي الفضل القشيري فضل السبق والتقدم، والعناية بالمأثور من التفسير، فلأبي بكر ابن العربي فضل التدقيق والتحرير، وحسن العرض والترتيب، رحمهما الله وأجزل لهما المثوبة والأجر.\n_________\n(^١) أحكام القرآن (١/ ٤٢٠).","vol":"1","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>[مقدمة المصنف]</span> [*]\n\nالحمد للَّه ذي العز والجلال، والمنة والإفضال، والطَّول والكمال، القادر الغافر الظاهر، السابق الذي ليس له شريك يضاهيه، ولا وزير يواليه، ﷻ، وتعاظمت أفعاله، له الشكر على ما منَّ به علينا، إذ أخرجنا في خير الأمم، وهدانا بخاتم أنبيائه، وهادي أوليائه، النبي الأمي الذي ختم به العاجلة، واستفتح به الآجلة، وجعله في المَحَلِّ رفيعًا، وفي المقام شفيعًا، وأنزل عليه كتابه الذي جعله نورًا وبرهانًا مبينًا، وحظر فيه حرامه، وأباح فيه حلاله، وأنار به أعلامه، وبيَّن فيه أحكامه، فنسأل الذي بالفضل حبانا، وللإسلام هدانا، أن يصليَ على محمد عبده ورسوله، وأن يَمُنَّ علينا بتوفيقه وإرشاده ومعونته، إنه على ما يشاء قدير.\nأما بعد، فإن أولى ما تمسَّك به المتمسِّكون، وتدبَّره المتدبِّرون، واتمَّ به المهتدون، ولجأ إليه المعتبرون، كتابُ اللَّه الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] الذي أكمل اللَّه به الدين، وأنزل اللَّه سبحانه في حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ١٣] وقال تبارك اسمه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، فأحكم اللَّه ﷻ الفرائض والأحكام والأصول كلها فيه جليًا وخفيًا.\nفمنه ما يُعقل بنفس الخطاب، قال اللَّه تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فصلت: ٣ - ٤].\nومنه ما بيَّنه اللَّه ﷿ بالوحي وهو الخفي، ألا تراه يقول: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]، وقال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، فسأل نبينا -ﷺ- ربَّه ﵎ عن بيانه فبيَّنه له.\nومنه ما بيَّنه الرسول -ﷺ- بالحكمة التي أعطاه اللَّه، يقول اللَّه ﷿: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]، وقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].\nومنه ما شرَّف اللَّه به أصحاب نبيِّه بمشاهدتهم الأسباب التي نزل القرآن من أجلها، وسُنَّتِ السُّنن بحضرتهم عملًا وقولًا، فكانوا بالمشاهدة أعلم الخلق بما نزل، وبوجوهه وتصرُّفاته، قال النبي -ﷺ-: \"ليس الخبر كالمعاينة\"، وقال: \"انظروا إلى فضل المعاينة على الخبر\"، ونصحهم للأمة وصدقهم، فمدح اللَّه متَّبعهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، ومتَّبعهم إنما يتبعهم فيما قالوه دون ما رَوَوه، إذ كان ما رويَ المتَّبَعُ فيه الرسولُ -ﷺ-، فإذا اختلفوا وجب النظر في أقاويلهم دون الخروج عنها لقوله ﷿: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨]، الأحسن ما أنتجه النظر واستخرجته الدلائل والعلل، من الأصول المجمعِ عليها من الكتاب والسنة، فبين ما اختلف فيه على علل ما اتفق عليه.\nولم يزل أهل العلم على ذلك متَّبِعين لسلفهم حتى حدث في القرن الرابع من هذه الأمة ومن تلاهم، قوم مستخِفُّون بقول السلف وله هاجِرون، وعلى مذاهبهم زارُون، يحدثون أنفسهم أن أَسَدَّ الجواب ما استخرجوه، وأعلاه ما استنبطوه، أخذوا ذلك عن أهل الزيغ، لا يعرِّجون على الرواية، ولا يلتفتون إلى باطن التلاوة، ويَرَوْن أنهم يُساوُون السلف في العلم بالكتاب، طعنًا بذلك على إخوان المصطفى، الذين فارقهم على الصدق والوفا، والطهارة والتُّقى، ولو أخذوا ذلك عن من شاهد الوحي، ونزل القرآن بلغته، لكانت هذه الطائفة قد سلكت سبيل الصواب، وصادفت سديد الجواب، ولعلمت أن عقول من تقدمهم تُربي على عقولهم، وأفهامهم تزيد على أفهامهم، ولكنهم لما خالطوا أهل الكلام، وجانبوا الورع، وصار القصدُ الغلبةَ بالجدل المحض، منعهم اللَّه التوفيق، وحاد بهم عن الطريق.\n_________\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: لم نجد (مقدمة المصنف) و(البسملة والفاتحة)، ضمن المنشور على الإنترنت من ملفات الرسالة الجامعية، فقمنا بنسخهما من نسخة (دبي)","vol":"1","page":278},{"text":"ومن أعجب ذلك أنَّ قائلَهم يقول: إن القرآن على ظاهره إلا أن يقوم الدليل، وهذا قول الخوارج الذين كان أوَّلهم بالنَّهْرَوان، أخبر رسول اللَّه -ﷺ- عليًّا ﵀ أنه يقاتلهم على تأويله كما قاتل هو -ﷺ- على تنزيله.\nقال القاضي: والقرآن كله قد أُحكم، وعُرفت أحكامه، فما أُخِّر بيانُه عن الحاجة إليه، فقد بيَّن ما أراد اللَّه به من عموم وخصوص، وظاهر وباطن، وغير ذلك من وجوهه وتصرفاته، ولم يوقف فلا يعمل به على من يأتي بعد مائتين وثلاثمائة سنة فيبيِّنه، حتى يضع كتبًا يقول فيها: البيان الأول، والثاني والثالث من البيان، وهذا ما لا يجوز أن يُقْدم عليه إلا جبريل ﵇ عن اللَّه ﷿، بل قد عمل به السلف، واتبعهم على ذلك الثاني والثالث من الخلف، وهم عارفون بأقدارهم، مقتدون بهم، وكفى برجل نقصًا أن يرى أنه قد عَلِم من كتاب اللَّه ﷿ ما قصر عن علمه الصحابة والتابعون، أو يرى أنه فوقهم علمًا وفهمًا، أو يظن أنه مثلُهم، لقد خاب وخسر.\nقال القاضي: فالحمد للَّه الذي بصَّرنا خطأ المخطِئين، وسوء موقف من عَنَد عن الدين، ولم يَلِجوا في أمرهم إلى يقين.\nأما بعد، -وفقنا اللَّه وإياكم للصواب والسداد والرشاد- فإني اختصرت في كتابي هذا أحكامَ القرآن ليَقْرُب من فهم المتعلم، طلبًا لعظيم الأجر، وجزيل الذُّخْر، إذ كان عمادَ الدين، لم أعْدُ فيه عن السُّنة وقولِ السَّلف، وما تُوجِبُه اللغة التي نزل القرآن بها.","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>[البسملة وسورة الفاتحة]</span>\n\nقال أبو عبيدة معمر بن المثنى بن ربيعة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ إنما هو باللَّه.\nقال لبيد بن ربيعة:\nإلى الحَوْل ثم اسمُ السلامِ عليكما ... ومن يَبْكِ حَوْلًا كاملًا فقد اعتذر\n﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أي: تأليفه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ [القيامة: ١٨]: أي: جمعناه، وقال اللَّه ﷿: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥].\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وُضِعت لافتتاح السور، وللفصل بين السورتين، وليست من القرآن، إلا في سورة النمل فإنها بعض آية، والدليل على ذلك أن رسول اللَّه -ﷺ- كان لا يقرؤها في افتتاح أم الكتاب، قالت عائشة، وأنس -﵄-: كان النبي -ﷺ- يستفتح الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].\nوزاد فيه أنس: وأبو بكر وعمر وعثمان -﵃-، يعني في خلافتهم.\nوقال حُمَيد، عن أنس: صلَّيْتُ خلف رسول اللَّه -ﷺ- وأبي بكر وعمر وعثمان فما سمعت أحدًا منهم قرأ في صلاته: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\nورواه أيضًا يزيد بن زُرَيْع، عن قتادة عن أنس.\nومن ذلك قول النبي -ﷺ- لأُبَيّ بن كعب: \"لأعلِّمنك سورةً ما أُنْزِل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مِثْلُها\"، فلما دنا من الخروج من المسجد قال له أُبَيّ: يا رسول اللَّه، السورةُ التي تعلمني، قال: \"كيف تقرأ أم القرآن؟ \"، قلت: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حتى ختمتُها، فقال النبي -ﷺ-: \"هي هذه، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُ\".\nوقال أبو هريرة عن النبي -ﷺ-: \"يقول اللَّه ﵎: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، يقول العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أقول: حمِدَني عبدي، يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، أقول: أثنى عليَّ عبدي، يقول: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، أقول: مجَّدَني عبدي، يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فهذه بيني وبين عبدي، يقول العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل\".\nفقد عدَّها اللَّه سبعًا فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، وقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إن اللَّه قسمها بينه وبين عبده نصفين، فجعل نصفها له ثلاث آيات، وآية بينه وبين عبده، وثلاث آيات جعلها لعبده\".\n_________\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: لم نجد (مقدمة المصنف) و(البسملة والفاتحة)، ضمن المنشور على الإنترنت من ملفات الرسالة الجامعية، فقمنا بنسخهما من نسخة (دبي)","vol":"1","page":280},{"text":"ثم فرَضَها في الصلاة فلا تجوز الصلاة إلا بها، وقال النبي -ﷺ-: \"كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِداج\"، والخِداج عند أهل اللسان: الناقص، فقد يحتمل أن يكون نقصًا يبطل الصلاة، ويحتمل ألا يُبْطِلَها، فأتى البيان عنه -ﷺ-، إذ كانت قراءتها من فرائض الصلاة بأن قال: \"من لم يقرأها فلا صلاة له\"، فجاء البيان شافيًا.\nوذلك خِطاب للمنفرد، فأما المأموم فغير مخاطب بذلك، بل خاطبه اللَّه تعالى بالاستماع لقراءة الإمام والإنصات له، وقال النبي -ﷺ-: \"وإذا قرأ الإمام فأنصتوا\"، وأمَرَهم -ﷺ- بما ينوب عن قراءتهم فقال: \"قولوا آمين، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِر له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِه\"، فجعلهم بالتأمين مشاركين للإمام في قراءته ودعائه، ألا ترى اللَّه ﷿ قال: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، قال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩]، وإنما دعا موسى وأمَّن هارون فصارا داعِيَيْن، فلما أُمرنا بالإنصات عُوِّضْنا التأمينَ رحمة من اللَّه لنا، ألا ترى أبا هريرة -﵁- يقول: \"فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول اللَّه -ﷺ-\".\nفأما قول أبي هريرة -﵁-: \"اقرأ بها في نفسك يا فارسي\"، فإنما أمره بها في الصلاة التي يُخافَت فيها.\nوالقراءة في النَّفْس عَرْضٌ على القلب، ليُشْغِل النَّفْسَ عن الوسوسة بعرضه القرآنَ عليها من غير أن ينطق به اللسان.\nفإن احتج محتج أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من أم الكتاب لأنها مثْبَتة في المصحف، قيل له: فقل: إنها من كل سورة، ولم يَقُله أحد تَقَدَّم، فإن حَمَل نفسَه على قوله فقال: آية من كل سورة لأنه مُثْبَت في أوائل السور.\nقيل له: القرآن ليس يؤخذ بالروايات، ولو أخذ بالروايات لأدخل أهلُ الزَّيغْ فيه شيئًا كثيرًا، وإنما يؤخذ بالإجماع وأخذِ الكافّة عن الكافّة، فما أجمعوا عليه مما بين الدَّفَّتَين أنه قرآن فهو قرآن، وما اختلفوا فيه فليس من القرآن، إذ تَضَمَّن اللَّه ﷿ لنا حِفْظَ القرآن علينا، فقال ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فهو ما حَفِظَ اللَّهُ بالكافَّة علينا دون ما اختُلف فيه، فقد نجد بين الدفتين ما ليس من القرآن من قولهم: سورة كذا كذا وكذا آية.\nوإنما كان نزَّل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ليفصل به بين السّوَر، فخرج هذا مع تسمية السُّوَر عن أن يكون قرآنًا، إذ لا إجماعَ عليه فيكون مما حفظه اللَّه علينا.\nواحتجاجُهم بأنها في الصحف عليهم، لأن كُتّاب المصاحف كُلَّهم قد ذكروا العدد فأخرجوها من كل سورة، والقراء كُلُّهم عَدّوا في التلاوة فأخرجوها من العدد، والحجة في ذلك تطول وقصدُنا الاختصار.","vol":"1","page":281},{"text":"والقرآن: اسم كتاب اللَّه، لا يسمى به غيره، وسمي أيضًا الفرقان، لأنه يُفَرِّق بين الحق والباطل، وبين المؤمن والكافر، لأنه جمع السور، وسميت السورة لأنها مقطوعة من الأخرى، فلما قرن بعضها إلى بعض سمي قرآنًا، وسمي سورة، فمنهم من يقول: منزلة شرف، ومنهم من يقول: قطعة من القرآن. قال النابغة الذبياني:\nألم تَرَ أن اللَّه أعطاك سورة ... تَرَى كل ملك دونها يتذبذب\nوقال الراعي:\nهنّ الحرائر لا رَبّاتُ أَخْمِرَةٍ ... سُودُ المَحاجِرِ لا يَقرأن بالسُّوَر\nوقال جرير:\nلَمّا أتى خَبَرُ الزبير تواضعت ... سُوَر المدينة والجبال الخُشَّع","vol":"1","page":282},{"text":"سورة البقرة\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (^١)\nالسنة في البقر: الذبح بكتاب الله تعالى، ويجوز فيها النحر؛ لقرب المنحر من المذبح (^٢)، وأنه لا تعذيب فيها، ولما رواه عبد الرحمن بن القاسم (^٣) عن أبيه (^٤) عن عائشة - ﵂ - أن النبي - ﷺ -: نحر عن نسائه البقر. (^٥)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٦٧]\n(^٢) الفرق بين الذبح والنحر: أن الذبح: قطع الحلقوم والودجين وهما العرقان اللذان يحملان الدم إلى الرأس، ويكون القطع من أعلى العنق، وأما النحر فهو: الطعن في أسفل العنق عند الصدر.\n[شرح السنة للبغوي: ١١/ ٢٢٠، معجم لغة الفقهاء: ٢١٣، ٤٧٦].\n(^٣) عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر التيمي، أبو محمد، سمع أباه، وابن المسيب، وعنه: شعبة ومالك، ثقة جليل، توفي سنة ١٢٦ هـ. [الكاشف: ١/ ٦٤٠، والتقريب: ٥٩٥].\n(^٤) القاسم بن محمد التيمي الفقيه، عن: عائشة وأبي هريرة، وعنه: الزهري وأبو الزناد، ثقة أحد الفقهاء بالمدينة، توفي سنة ١٠٧ هـ. [الكاشف: ٢/ ١٣٠، والتقريب: ٧٩٤].\n(^٥) عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: سمعت عائشة ﵂ تقول: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا الحج، فلما دنونا من مكة أمر رسول الله - ﷺ - من لم يكن معه هدي إذا طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يحل، قالت: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ قال: نحر رسول الله - ﷺ - عن أزواجه. قال يحيى: فذكرته للقاسم، فقال: أتتك بالحديث على وجهه.\nأخرجه البخاري في صحيحه: ٢/ ٦١١، كتاب الحج باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن، ٢/ ٦١٤ كتاب الحج باب ما يأكل من البدن وما يتصدق، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٨٧٦ كتاب الحج حديث ١٢٥، ومالك في الموطأ: ١/ ٣١٦ كتاب الحج حديث ١٧٩، والقاضي إسماعيل بن إسحاق في مسند حديث مالك: ٥٣ عن أبي مصعب عن مالك عن يحيى بن سعيد به.\nوبهذا الإسناد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، لم أجده بلفظ (نحر)، وقد وجدته بثلاثة ألفاظ\nهي:\n١ - (ضحى) البخاري في صحيحه: ١/ ١١٤ كتاب الحيض باب كيف كان بدء الحيض، ٥/ ٢٢١٣ كتاب الأضاحي باب من ذبح ضحية غيره، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٨٧٣ كتاب الحج حديث: ١١٩، والحميدي في مسنده: ١/ ١٠٣، وأبو يعلى في مسنده: ٤/ ٢٠٤، وابن حبان في صحيحه: ٩/ ١٤٢، والبيهقي في سننه: ٤/ ٣٥٣ كتاب الحج باب القارن يهريق دمًا، ٥/ ٨٦ كتاب الحج باب الطواف على الطهارة.\nقال القاضي عياض: وأما قوله في الرواية الأخرى (وضحى عن نسائه بالبقر) فليس المراد بها الأضحية هنا، إذ لا أضحية على الحاج، وإنما معناه: أهدى، بدليل الرواية الأخرى. [إكمال المعلم: ٤/ ٢٤٥]. =\n٢ - (أهدى) الطحاوي في شرح معاني الآثار: ٢/ ٢٠٣، وابن حزم في المحلى: ٧/ ١٥٣، البيهقي في سننه: ٥/ ٣ كتاب الحج باب من اختار الإفراد.\n٣ - (ذبح) أبو داود في سننه: ٢/ ١٥٣ كتاب المناسك باب في إفراد الحج، والنسائي في السنن الكبرى: ٤/ ٢٠٥ كتاب الحج باب النحر عن النساء، وأحمد في مسنده: ٦/ ٢١٩، ٢٧٣، والطيالسي في مسنده: ٣/ ٣٧، وابن حبان في صحيحه: ٩/ ٣١٦، والبيهقي في سننه: ١/ ٣٠٨ كتاب الحيض باب الحائض لا تطوف بالبيت.\n* لوحة: ٦/أ.","vol":"1","page":283},{"text":"والسنة في الإبل: النحر، لا يجوز سواه، وفي الغنم: الذبح، لا يجوز سواه؛ لأن العدول عن هذا لا يكون إلا لقصد التعذيب؛ لأن البعير إذا ذبح * طُوِّل عليه الميته، والشاة مع القدرة عليها يسير الموتة، إذا عدل عن الذبح إلى النحر فذلك قصد اللعب ومخالفة السنة، ومن قصد لمخالفة السنة والتلاعب لم تؤكل ذبيحته، (^١)\n_________\n(^١) لا خلاف بين العلماء أن المستحب نحر الإبل وذبح ما سواها، قال البغوي: والاختيار في الإبل النحر، وهو: أن يقطع اللبة، وفي البقر والغنم الذبح وهو: قطع أعلى العنق؛ لأن عنق البعير طويل، فإذا قطع أسفله يكون أعجل لزهوق الروح. [شرح السنة: ١١/ ٢٢٠].\nوقال القرطبي: لا خلاف بين العلماء أن الذبح أولى في الغنم، والنحر أولى في الإبل، والتخير في البقر، وقيل: الذبح أولى؛ لأنه الذي ذكره الله، ولقرب المنحر من المذبح.\n[الجامع لأحكام القرآن: ١/ ٤٤٥].\nوإنما وقع الخلاف في ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح، فجوزه جمهور أهل العلم.\n[انظر: بدائع الصنائع: ٥/ ٤١، المغني: ١٣/ ٣٠٦، والمجموع للنووي: ٩/ ١٠٢].\nوذهب مالك إلى وجوب نحر الإبل، وذبح الغنم، والتخيير في البقر، وأنه لا ينحر ما يذبح ولا يذبح ما ينحر.\nقال ابن أبي زيد القيرواني في رسالته: والبقر تذبح فإن نحرت أكلت، والإبل تنحر فإن ذبحت لم تؤكل، وقد اختلف في أكلها، والغنم تذبح فإن نحرت لم تؤكل، وقد اختلف أيضا في ذلك.\n[الرسالة: ٥٩، وانظر المدونة: ١/ ٥٤٣].\nوحكى ابن المنذر - فيما نقله عنه القرطبي وغيره - أن مذهب مالك الكراهة لا التحريم، قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا حرم أكل ما نحر مما يذبح أو ذبح مما ينحر، وكره مالك ذلك، وقد يكره المرء الشيء ولا يحرمه.\n[الجامع لأحكام القرآن: ١/ ٤٤٥].\nوذكر القاضي عياض عن مالك رواية بالكراهة، ورواية بالتحريم، حيث قال: وكذلك يتعلق بقوله: (ما أنهر الدم) من يتخير نحر ما يذبح وذبح ما ينحر، وأن الذبح والنحر ذكاة للجميع لإنهاره الدم، وهو قال عامة السلف والعلماء وفقهاء الأمصار، وأشهب من أصحابنا. ومالك يمنع أكله مرة بالكراهة، ومرة جملة، وله قول في أكل ذبح ما ينحر دون نحر ما يذبح. [إكمال المعلم بفوائد مسلم: ٦/ ٤١٨].","vol":"1","page":284},{"text":"والله نسأل التوفيق برحمته. (^١)\nقال الله ﵎: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (^٢)\nقال أبو مصعب (^٣)\n_________\n(^١) سبقت أن ذكرت أن من جملة تلاميذ المؤلف، أبو بكر الأدفوي، وقد ذكر الأدفوي في كتابه الاستغناء ما ذكره المؤلف هنا دون عزو، وسأنقله بنصه: السنة في البقر: الذبح بكتاب الله تعالى، ويجوز فيها النحر؛ لقرب المنحر من المذبح، وأنه لا تعذيب فيها، ولما رواه عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة - ﵂ - عن النبي - ﷺ -: نحر عن نسائه البقر. والسنة في الإبل: النحر، لا يجوز سواه، وفي الغنم: الذبح، لا يجوز سواه؛ لأن العدول عن هذا لا يكون إلا لقصد التعذيب؛ لأن البعير إذا ذبح طُوِّل عليه الميته، والشاة مع القدرة عليها يسير الموتة، إذا عدل عن الذبح إلى النحر فذلك قصد اللعب ولمخالفة السنة، ومن قصد لمخالفة السنة والتلعُّب لم تؤكل ذبيحته. [الأدفوي مفسرًا: ١/ ٦٧، ٦٨].\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٠٢]\n(^٣) أبو مصعب، الإمام الثقة، شيخ دار الهجرة، أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن زرارة القرشي الزهري المدني، ولد سنة خمسين ومائة، لازم الإمام مالك بن أنس، وتفقه به، وسمع منه الموطأ، روى عنه البخاري ومسلم وإسماعيل القاضي وغيرهم، توفي سنة ٢٤١، وقيل ٢٤٢ هـ.\n[الديباج: ١/ ١٤٠، وسير أعلام النبلاء: ١١/ ٤٣٦].","vol":"1","page":285},{"text":"عن مالك بن أنس (^١) في الساحر إذا سحر: قُتل، وذلك السحر الذي ذكره الله في كتابه فقال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (^٢) (^٣).\nوهذا الذي يقتل عندنا هو الذي يسحر بنفسه، لا من يعطي الأجرة من يسحرله؛ لأنه إذا سحر بنفسه فقد كفر، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (^٤) والمسلم إذا كفر كفرًا هو مستسر به قُتل ولم يستتب، وإذا كفر كفرًا أظهره استتيب، فإن تاب وإلا قتل، والساحر مستسر بكفره كالزنديق، والزنديق عندنا من أظهر الإسلام وأبطن الكفر أَيَّ كُفْرٍ كان من: عبادة وثن، أو قول بالدهر (^٥)،\n_________\n(^١) مالك الإمام، شيخ الإسلام، إمام دار الهجرة، أبو عبدالله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحي المدني، ولد سنة ٩٣ هـ وتوفي سنة ١٧٩ هـ.\n[الديباج: ١/ ٨٢، وسير أعلام النبلاء: ٨/ ٤٨]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٠٢]\n(^٣) قال مالك: الساحر الذي يعمل السحر ولم يعمل ذلك له غيره هو مثل الذي قال الله ﵎ في كتابه ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ فأرى أن يقتل ذلك إذا عمل ذلك هو نفسه.\n[الموطأ: ٢/ ٦٦٣، كتاب العقول].\nولم أجده من رواية أبي مصعب.\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ١٠٢]\n(^٥) الدهرية: فرقة ادعت قدم الدهر، وأسندت الحوادث إليه، وأنكرت الخالق والبعث والإعادة، وقالوا بالطبع المحيي، والدهر المفني، وهم الذين أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [سورة الجاثية: ٢٤].\n\n[الفصل لابن حزم: ١/ ٤٧، والملل والنحل للشهرستاني: ٣/ ٦٥١].","vol":"1","page":286},{"text":"أو يهودية (^١)، أو نصرانية (^٢)، أو بأي شيء كان منه، فهو كفر - استسر به - فهو والساحر لاستسرارهما بكفرهما يقتلان ولا يستتابان، والمرتد هو المظهر لكفره فهذا يستتاب (^٣)،\n_________\n(^١) اليهودية: هي الملة التي يدين بها اليهود، وهم أمة موسى - ﵇ -، وكتابهم التوراة، وسموا بهذا الاسم نسبة إلى يهوذا بن يعقوب الذي ينتمي إليه بنو إسرائيل، فقلبت العرب الذال دالًا، وقيل: إنما لزمهم هذا الاسم لقول موسى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾، يقال: هاد الرجل أي: رجع وتاب.\n[الملل والنحل للشهرستاني: ٢/ ٢٣٠، والموجز في الأديان ناصر القفاري وناصر العقل: ١٨].\n(^٢) النصرانية: الدين المنزل على عيسى - ﵇ -، وكتابها الإنجيل، ويقال لأتباعها: النصارى، نسبة إلى بلدة الناصرة في فلسطين، وهي التي ولد فيها المسيح، وقيل إنما سموا بذلك لقوله تعالى: ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾. [سورة الصف: ١٤]\n[الملل والنحل: ٢/ ٢٤٤، الموجز في الأديان: ٦٤].\n(^٣) قال ابن أبي زيد القيرواني: ويقتل الزنديق، ولا تقبل توبته، وهو الذي يسر الكفر ويظهر الإسلام، وكذلك الساحر، ولا تقبل توبته، ويقتل من ارتد إلا أن يتوب، ويؤخر للتوبة ثلاثًا. [الرسالة: ٩٢].\n* لوحة: ٦/ب.","vol":"1","page":287},{"text":"ألا ترى الله * ﵎ لم يجعل التوبة للسارق والزاني بمسقط عنهما الحد، وجعل التوبة للمحارب مسقطة للحد فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^١) فلما كان الزاني والسارق يستسران بفعلهما لم يجز العفو عن حدهما، وجاز العفو عمن أظهر فعله؛ لأن المستسر بفعله تأسره البينة، فلو جعلت له التوبة لكان يقولها من غير نية، ولو أرادها لأتى قبل أن يؤسر فقال: كنت على كذا وقد تبت، فيكون كأنه رجل كفر وأظهر كفره وإنما توبته بعد الأسر إرادة إزالة الحد عن نفسه، ألا ترى الله ﷿ إذ يقول: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ (^٢) فلو قبلت توبته كثرت الزنادقة، وأمنوا العقوبة بكلمة يقولها إذا رأى السيف، ثم يعود مستسرًا بفعله، والمظهر لكفره لا يعود لإظهاره؛ إذ لنا من الناس ما ظهر (^٣)، ولذلك قال (^٤)\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٣٤]\n(^٢) [سورة غافر: الآيتان ٨٤ - ٨٥]\n(^٣) قال القرطبي: احتج أصحاب مالك بأنه لا تقبل توبته؛ لأن السحر باطن لا يظهره صاحبه فلا تعرف توبته كالزنديق، وإنما يستتاب من أظهر الكفر مرتدًا. قال مالك: فإن جاء الساحر أو الزنديق تائبًا قبل أن يشهد عليهما، قبلت توبتهما، والحجة لذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ فدل على أنه كان ينفعهم إيمانهم قبل نزول العذاب فكذلك هذان. [الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٤٩].\n(^٤) في الأصل (ما قال) والصواب ما أثبت، فإن مذهب المالكية أن قتل الغيلة لا عفو فيه.\nقال الإمام مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه أن من قتل رجلًا قتل غيلة، على غير ثائرة ولا عداوة، فإنه يقتل به، وليس لولاة المقتول أن يعفو عنه، وذلك إلى السلطان يُقْتَلُ به القاتل، وذلك أحب الأمر إلي.\n[الموطأ برواية أبي مصعب: ٢/ ٢٤٨ كتاب العقل].","vol":"1","page":288},{"text":"مالك - ﵁ -: إن القاتل غِيلة (^١) لا سبيل إلى العفو عنه.\nفإن قال قائل: ليس في الآية ما يوجب القتل على الساحر، قيل له: قلة تبحرك في العلم وتركك لتدبر ما أنزل الله ﷿ أورثك هذا، قال الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (^٢)\nوقال النبي - ﷺ -: أرواح الشهداء تسرح في الجنة في حواصل طير خضر اشترى منهم أنفسهم بالجنة (^٣)،\n_________\n(^١) غول: الغين والواو أصل صحيح يدل على ختل، وأخذ من حيث لا يدري، واغتاله: قتله غِيلة، والغيلة: الاغتيال، والياء واو في الأصل. [مقاييس اللغة: ٧٧٨، ولسان العرب: ١١/ ٥٠٧].\n(^٢) [سورة التوبة: الآية ١١١]\n(^٣) روى الدارمي في سننه: ٢/ ٢٧١، كتاب الجهاد، باب أرواح الشهداء، عن مسروق قال سألنا عبد الله عن أرواح الشهداء - ولولا عبد الله لم يحدثنا أحد -، قال: أرواح الشهداء عند الله يوم القيامة في حواصل طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم ترجع إلى قناديلها، فيشرف عليهم ربهم، فيقول: ألكم حاجة؟ تريدون شيئًا؟ فيقولون: لا، إلا أن نرجع إلى الدنيا فنقتل مرة أخرى.\nوأصله في صحيح مسلم: ٣/ ١٥٠٢، كتاب الإمارة حديث: ١٢١ بلفظ: أرواحهم في جوف طير خضر، ورواه غيرهما بألفاظ متقاربة، ولم أجد لفظة (اشترى منهم أنفسهم بالجنة).\n* لوحة: ٧/أ.","vol":"1","page":289},{"text":"وقال *﵎ في الساحر: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ (^١) وإنما باعوا أنفسهم للقتل بالسحر الذي فعلوه (^٢)، وقال في قصة يوسف - ﵇ -: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (^٣) وإنما باعوه بثمن بخس، فقد أخبرنا الله ﷿ أن السحر يوجب القتل وإن لم يَقتُل بسحره؛ لأن الذي يوجب له الاسم: الفعل (^٤)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٠٢]\n(^٢) قال الجصاص: فجعل ضد هذا الإيمان فعل السحر؛ لأنه جعل الإيمان في مقابلة فعل السحر، وهذا يدل على أن الساحر كافر. [أحكام القرآن: ١/ ٧٥].\n(^٣) [سورة يوسف: الآية ٢٠]\n(^٤) ذهب الشافعي إلى أن الساحر لا يقتل بمجرد السحر، فإن كان الكلام الذي يسحر به كفر فالسحر مرتد، وإن كان ليس كفرًا فلا يقتل؛ لأنه ليس بكافر.\nوذهب الجمهور إلى قتل الساحر بمجرد السحر. [الأم: ١/ ٢٥٦، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٧١، المغني: ١٢/ ٣٠٢].\nوقد أورد ابن العربي قول الشافعي وأجاب عنه حيث قال: وقال الشافعي: السحر معصية، إن قتل بها الساحر قُتِل، وإن أضر بها أدب على قدر الضرر. =\nوهذا باطل من وجهين:\nأحدهما: أنه لم يعلم السحر وحقيقته، أنه كلام مؤلف يُعظم به غير الله تعالى، وتنسب إليه فيه المقادير والكائنات.\nوالثاني: أن الله سبحانه قد صرح في كتابه بأنه كفر، لأنه تعالى قال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ من السحر ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ بقول السحر ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ به وبتعليمه، وهاروت وماروت يقولان: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ وهذا تأكيد للبيان.\n[أحكام القرآن: ١/ ٤٨].\nقال القاضي عياض: وإذا ثبت أنه كافر استغنى عن هذا التفصيل الذي قاله الشافعي.\n[إكمال المعلم: ٧/ ٨٩].\nوالصحيح أن السحر كله كفر، فإذا ثبت أنه كفر فإن الساحر يقتل على الجملة دون تفصيل. قال الشيخ حافظ حكمي: والصحيح أن السحر المتعلم من الشياطين كله كفر، قليله وكثيره، كما هو ظاهر القرآن.\n[معارج القبول: ٢/ ٥٥٤].","vol":"1","page":290},{"text":"ألا تراه قال: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ (^١) وكذلك قال في المحارب: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (^٢) إلى آخر الآية وذلك فيمن فعل ذلك قبل أن يقتل أو يأخذ المال، فإذا فعل ذلك فهو الذي لا يجوز عنه العفو بالتوبة قبل القدرة؛ إذ القصاص لابد منه، قال القاضي - ﵁ -: ونحن نتكلم في هذه الآية في موضعها بما يوفق الله له (^٣).\nأخبرنا إسماعيل بن إسحاق (^٤) قال: أخبرنا إبراهيم بن حمزة (^٥) قال: أخبرنا\n_________\n(^١) [سورة الأعراف: الآية ١١٦]\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٣٣]\n(^٣) يأتي في تفسير سورة المائدة - إن شاء الله- عند تفسير الآية ٣٣.\n(^٤) إسماعيل بن إسحاق، ثقة صدوق، تقدم.\n(^٥) إبراهيم بن حمزة بن محمد الزبيري، أبو إسحاق المدني، عن: إبراهيم بن سعد وابن أبي حازم، وعنه: البخاري، وإسماعيل القاضي، صدوق، مات سنة ٢٣٠ هـ.\n[الكاشف: ١/ ٢١١، والتقريب: ١٠٧].","vol":"1","page":291},{"text":"عبد العزيز بن محمد (^١) عن عبيد الله بن عمر (^٢) عن نافع (^٣) عن ابن عمر - ﵁ - (^٤): أن جارية لحفصة سحرت حفصة (^٥)،\n_________\n(^١) عبد العزيز بن محمد بن عبيد الداوردي، أبو محمد الجهني، عن: عبيد الله بن عمر وزيد بن أسلم، وعنه: إبراهيم بن حمزة وإبراهيم بن أبي الوزير، صدوق كان يحدث من كتب غيره فيخطيء، قال النسائي: حديثه عن عبيد الله العمري منكر، مات سنة ١٨٧ هـ. [تهذيب الكمال: ١٨/ ١٨٧، والتقريب: ٦١٥].\n(^٢) عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، العدوي العمري المدني، أبو عثمان، عن: أبيه ونافع مولى ابن عمر، وعنه: عبد العزيز الداوردي ومعتمر بن سليمان، ثقة ثبت قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، مات سنة ١٤٧ هـ. [الكاشف: ١/ ٦٨٥، وتهذيب التهذيب: ٧/ ٣٤، والتقريب: ٦٤٣].\n(^٣) نافع، أبو عبدالله المدني، مولى ابن عمر، عن: مولاه ابن عمر ورافع بن خديج، وعنه: أبان بن صالح وعبيدالله بن عمر العمري، ثقة ثبت فقيه مشهور، مات سنة ١١٧ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٢٩/ ٢٩٨، والتقريب: ٩٩٦]\n(^٤) عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، أبو عبدالرحمن، روى عن رسول الله - ﷺ - وأخته حفصة، وعنه: مولاه نافع وابنه بلال، أحد المكثرين من الصحابة والعبادلة، وكان من أشد الناس اتباعًا للأثر، مات سنة ٧٤ هـ[الكاشف: ١/ ٥٧٧، وتهذيب التهذيب: ٥/ ٢٩١، والتقريب: ٥٢٨]\n(^٥) حفصة بنت عمر بن الخطاب، أم المؤمنين، تزوجها رسول الله - ﷺ - بعد انقضاء عدتها من خنيس بن حذافة السهمي سنة ثلاث من الهجرة، ولدت قبل المبعث بخمس سنين، توفيت سنة ٤١، وقيل ٤٥ هـ بالمدينة.\n[سير أعلام النبلاء: ٢/ ٢٢٧، والإصابة: ٤/ ٢٧٣]","vol":"1","page":292},{"text":"فوجدوا سحرها، واعترفت على نفسها، فأمرت حفصة عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب (^١) بقتلها، فبلغ ذلك عثمان - ﵁ - فأنكره، فأتاه ابن عمر فقال: إنها سحرتها ووجدوا سحرها واعترفت على نفسها. فكأن عثمان - ﵁ - أنكر عليها ما فعلت دون السلطان (^٢).\n_________\n(^١) عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، ولد سنة خمس، كان له عند موت الرسول - ﷺ - ست سنين، زوجه عمر ابنته فاطمة، مات في زمن ابن الزبير.\n[الاستيعاب: ٢/ ٤٢٥، والإصابة: ٣/ ٦٩]\n(^٢) رواه عبدالرزاق في مصنفه: ١٠/ ١٨٠، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٥/ ٤٥٢، كتاب الديات، باب الدم يقضي فيه الأمراء، ٥/ ٥٥٦، كتاب الحدود، باب ما قالو في الساحر ما يصنع به، عن عبدة بن سليمان عن عبيد الله بن عمر، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في مسائل الإمام أحمد: ٣/ ١٢٨١ عن أبيه عن يحيى بن سعيد عن عبيد الله، والطبراني في المعجم الكبير: ٢٣/ ١٨٧، والبيهقي في سننه: ٨/ ١٣٦، كتاب القسامة باب تكفير الساحر وقتله، من طريق أبي معاوية عن عبيدالله بن عمر، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٦/ ٢٨٠ رواه الطبراني من رواية إسماعيل بن عياش وهي ضعيفة، وبقية رجاله ثقات.\nقلت: وإن كان المؤلف روى هذا الأثر من طريق عبد العزيز الداوردي، والطبراني من طريق إسماعيل بن عياش، وفي كل منهما مقال، فقد رواه ابن أبي شيبة من طريق عبدة بن سليمان الكلابي، وهو ثقة ثبت، كما قال ذلك ابن حجر [التقريب: ٦٣٥]، وأيضًا رواه عبد الرزاق من طريقه عن عبيدالله بن عمر.\nوقد رواه الإمام مالك في الموطأ: ٢/ ٦٦٣، كتاب العقول، رقم: ١٤، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة أنه بلغه: أن حفصة زوج النبي - ﷺ - قتلت جارية لها سحرتها، وقد كانت دبرتها، فأمرت بها، فقتلت.\nقال ابن كثير: وهكذا صح عن أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها، فأمرت بها فقتلت، قال الإمام أحمد بن حنبل: صح عن ثلاثة من أصحاب النبي - ﷺ - في قتل الساحر. [تفسير ابن كثير: ١/ ١٤٤]","vol":"1","page":293},{"text":"ورواه حماد (^١) عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر (^٢)، وفي الباب أحاديث يطول ذكرها.\nوقد ذكر حماد بن سلمة عن سعيد الجريري (^٣) عن أبي العلاء (^٤) أن النبي - ﷺ - جعل يرتجز (^٥)\n_________\n(^١) حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة، عن: سعيد بن إياس الجريري وعبيدالله بن عمر، وعنه: ابن جريج والثوري، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، مات سنة ١٦٧ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٧/ ٢٥٣، والتقريب: ٢٦٨]\n(^٢) لم أجده من هذه الطريق.\n(^٣) سعيد بن إياس الجُريري - بضم الجيم -، أبو مسعود البصري، عن: أبي العلاء يزيد بن عبدالله بن الشخير وأبي عبدالله الجسري، وعنه: حماد بن سلمة وإسماعيل بن علية، ثقة، اختلط قبل موته بثلاث سنين، مات سنة ١٤٤ هـ. [تهذيب الكمال: ١٠/ ٣٣٨، والتقريب: ٣٧٤]\n(^٤) يزيد بن عبدالله بن الشخِّير - بكسر المعجمة وتشديدها - العامري، أبو العلاء البصري، عن: البراء بن عازب، وسمرة بن جندب، وعنه: سعيد الجريري، وقتادة بن دعامة، ثقة، كان مولده في خلافة عمر، فوهم من زعم أن له رؤية، مات سنة ١١١ هـ، أو قبلها. [تهذيب الكمال: ٣٢/ ١٧٥، والتقريب: ١٠٧٨]\n(^٥) قال ابن فارس: رجز: الراء والجيم والزاء أصل يدل على: اضطراب، ومن هذا اشتقاق الرَّجز من الشعر؛ لأنه مقطوع مضطرب. [مقاييس اللغة: ٤٢٢].\n* لوحة: ٧/ب.","vol":"1","page":294},{"text":"وهو يقول *: جندب وما جندب والأ قطع الخبر (^١)، فلما أصبح قالوا: يارسول الله وما جندب والأ قطع؟ فقال: أما جندب فرجل من أمتي يضرب ضربة يبعث بها أمة وحده يوم القيامة، وأما الأ قطع فرجل تقطع يده، فتدخل الجنة قبل جسده ببرهة من الدهر، فكانوا يرون الأقطع زيد بن صوحان (^٢) قطعت يده يوم اليرموك (^٣) (^٤)،\n_________\n(^١) كذا بالأصل، وفي المحلى: ١١/ ٣٩٦ (جندب وما جندب والأقطع الخبر الخبر) بالباء، وفي طبقات ابن سعد: ٦/ ١٢٣ (جندب وما جندب والأقطع الخير زيد) بالياء، وفي معرفة الصحاية لأبي نعيم الأصبهاني: ٣/ ١٢٠٢ (جندب وما جندب والأقطع الخير الخير) بالياء.\n(^٢) زيد بن صوحان بن حُجر بن الهجرس العبدي، أخو صعصعة، يكنى: أبا سلمان، ويقال: أبو سليمان، ويقال: أبو عائشة، قال ابن عبدالبر: لا نعلم له عن النبي - ﷺ - رواية. وقال الذهبي: كان من العلماء العباد، ذكروه في كتب معرفة الصحابة، ولا صحبة له، لكنه أسلم في حياة النبي - ﷺ -، وسمع من عمر وعلي وسلمان، قتل يوم الجمل مع علي - ﵁ -. [الاستيعاب: ١/ ٥٥٩، وسير أعلام النبلاء: ٣/ ٥٢٥].\n(^٣) معركة مشهورة وقعت بين المسلمين والروم في اليرموك، وهو واد بناحية الشام، وقد كانت هذه المعركة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وفي أثنائها توفي أبو بكر الصديق - ﵁ -، وفيها انتصر المسلمون بقيادة خالد بن الوليد.\n[البداية والنهاية: ٧/ ٥ - ١٦، ومعجم البلدان: ٥/ ٤٣٤].\n(^٤) وقيل قطعت يده يوم القادسية [معرفة الصحابة لأبي نعيم: ٣/ ١٢٠٣، والإصابة: ١/ ٥٨٣]، وقيل قطعت يده يوم جلولاء [طبقات ابن سعد: ٦/ ١٢٣، والاستيعاب: ١/ ٥٦٠].","vol":"1","page":295},{"text":"وقتل يوم الجمل (^١)، وأما جندب (^٢) فهو الذي قتل الساحر. (^٣)\n_________\n(^١) يوم الجمل: وقعة مشهورة كانت بين علي بن أبي طالب ومن معه، وبين عائشة ومن معها - ﵃ أجمعين - وكانت هذه الوقعة سنة ست وثلاثين من الهجرة، ونسبت الوقعة إلى الجمل الذي كانت تركبه أم المؤمنين عائشة - ﵂ - فوقفت به في الصف، فلم يزل الذين معها يقاتلون حول الجمل حتى عقر الجمل، فوقعت عليهم الهزيمة. [البداية والنهاية: ٧/ ٢١٨ - ٢٣٢، وفتح الباري: ٦/ ٢٦٤].\n(^٢) جندب بن كعب بن عبد الله بن جزء بن عامر الأزدي الغامدي، أبو عبد الله، وربما نسب إلى جده وهو: جندب الخير، قال ابن عبد البر: ومن قال إن قاتل الساحر جندب بن زهير: الزبير بن بكار في خبر ذكره في قتله الساحر بين يدي الوليد، والصحيح عندنا أنه: جندب بن كعب. مختلف في صحبته، والأكثرون على أنه صحابي، توفي في خلافة معاوية. [معرفة الصحابة لأبي نعيم: ٢/ ٥٧٩، والاستيعاب: ١/ ٢١٨، وسير أعلام النبلاء: ٣/ ١٧٥، والإصابة: ١/ ٢٥٠].\n(^٣) رواه ابن حزم في المحلى: ١١/ ٣٩٦ قال: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود، نا أحمد بن جهيم، نا إبراهيم بن حماد، نا إسماعيل بن إسحاق، نا الحجاج بن المنهال، نا حماد بن سلمة، عن سعيد الجريري، عن أبي العلاء، ثم ذكر الحديث بمثله.\nوراواه ابن سعد في الطبقات: ٦/ ١٢٣، عن يعلى بن عبيد، عن الأجلح، عن عبيد بن لاحق، بنحوه.\nوأبو نعيم في معرفة الصحابة: ٣/ ١٢٠٢، عن محمد بن عبدالله الشافعي، عن محمد بن غالب، عن كثير بن يحيى، عن أبيه، عن سعيد الجريري، عن عبدالله بن بريدة، عن أبيه، بنحوه.\nوذكره ابن حجر في الإصابة: ١/ ٥٨٣، وفتح الباري: ٥/ ١١١، وعزاه إلى ابن منده، فقال: روى ابن مندة من طريق الجريري عن عبدالله بن بريدة عن أبيه. بنحوه. قال ابن حزم بعد إيراده له: وأما خبر جندب ففي غاية السقوط: أول ذلك، أنه مرسل لا يدرى ممن سمعه أبو العلاء [المحلى: ١١/ ٣٩٨]\nقلت: وقد روي هذا الأثر من طرق غير طريق أبي العلاء، فقد روي عن بريدة كما سبق.","vol":"1","page":296},{"text":"وجندب إنما رأى ساحرًا يُري الناس أنه دخل في بقرة ثم خرج منها (^١)، فقتله وما كان قتل (^٢)، فجعله الله أمة وحده بذلك.\n_________\n(^١) قال ابن حزم بعد ذكره للسند المتقدم في خبر جندب: قال: نا حماد بن سلمة نا أبو عمران - هو الجوني - أن ساحرًا كان عند الوليد بن عقبة فجعل يدخل في بقرة ثم يخرج منها، فرآه جندب، فذهب إلى بيته فالتفع على سيفه، فلما دخل الساحر جوف البقرة ضربهما، قال: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فاندفع الناس وتفرقوا، وقالوا: حروري، فسجنه الوليد، وكتب به إلى عثمان بن عفان، فكان يفتح له بالليل فيذهب إلى أهله، فإذا أصبح رجع إلى السجن - قال: فيرون أن جندبا صاحب الضربة. [المحلى: ١١/ ٣٩٦].\nقلت: وقد روي خبر قتل جندب للساحر بين يدي الوليد بن عقبة من طرق متعددة، ولكن بألفاظ مختلفة عن هذا اللفظ، فقد رواه البخاري في التاريخ الكبير: ٢/ ٢٢٢، عبد الرزاق في مصنفه: ١٠/ ١٨٢، كتاب اللقطة، باب قتل الساحر، والطبراني في المعجم الكبير: ٢/ ١٧٧، والبيهقي في سننه: ٨/ ١٣٦، كتاب القسامة، باب تكفير الساحر وقتله.\n(^٢) أي: قتل جندب الساحر، ولم يكن الساحر قد قتل بسحره، وفي هذا رد على الشافعية حيث يفرقون في حكم الساحر بين من قتل بسحره ومن لم يقتل.","vol":"1","page":297},{"text":"وممن رأى قتل الساحر: عثمان (^١)، وابن عمر (^٢)، وحفصة (^٣) وقيس بن سعد (^٤) (^٥)، وخالد بن المهاجر (^٦) (^٧)،\n_________\n(^١) انظر أثر حفصة السابق ص: ١٢٨، قال ابن المنذر: وهذا مذهب عثمان بن عفان؛ لأنه إنما أنكر على حفصة قتلها الساحرة؛ لأنها قتلتها دون السلطان. [الإقناع: ٢/ ٦٨٦].\n(^٢) انظر أثر حفصة السابق، وكيف اعترض ابن عمر على إنكار عثمان على حفصة؟\n(^٣) انظر أثر حفصة السابق.\n(^٤) قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي الساعدي، أبو عبدالله، وقيل: أبو الفضل، وقيل: أبو عبدالملك، سيد الخزرج وابن سيدهم، صاحب رسول الله - ﷺ - وابن صاحبه، توفي في آخر خلافة معاوية.\n[الاستيعاب: ٣/ ٢٢٤، وسير أعلام النبلاء: ٣/ ١٠٢].\n(^٥) رواه عبد الرزاق في مصنفه: ١٠/ ١٨٣، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٥/ ٥٥٦، كتاب الحدود باب ما قالوا في الساحر ما يصنع به، وابن حزم في المحلى: ١١/ ٣٩٤.\n(^٦) خالد بن المهاجر بن سيف الله خالد بن الوليد المخزومي، روى عن عمر ولم يدركه، وحدث عن ابن عباس، وابن عمر، له في مسلم حديث واحد في المتعة.\n[سير أعلام النبلاء: ٤/ ٤١٥، وتهذيب التهذيب: ٣/ ١٠٩].\n(^٧) ذكره ابن حزم في المحلى: ١١/ ٣٩٥ عن يحيى بن سعيد الأنصاري، أن خالد بن المهاجر قتل نبطيًا سحر.","vol":"1","page":298},{"text":"وعمر بن عبد العزيز (^١) (^٢)، وسالم بن عبد الله (^٣) (^٤) في جمع كثير (^٥).\n_________\n(^١) عمر بن عبدالعزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، الإمام الحافظ العلامة المجتهد، أمير المؤمنين، أبو حفص القرشي الأموي، الخليفة الزاهد الراشد، أشج بني أمية، ولد سنة ثلاث وستين، وتوفي سنة إحدى ومائة، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر، مات وهو ابن تسع وثلاثين سنة.\n[طبقات ابن سعد: ٥/ ٣٣٠، وسير أعلام النبلاء: ٥/ ١١٤]\n(^٢) رواه بن أبي شيبة في مصنفه: ٥/ ٥٥٦، كتاب الحدود، باب ما قالوا في الساحر ما يصنع به، وابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث: ١٢٥، وذكره ابن حزم في المحلى: ١١/ ٣٩٥.\n(^٣) سالم بن عبد الله بن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، الإمام الزاهد الحافظ، مفتي المدينة، مات سنة ست ومائة. [طبقات ابن سعد: ٥/ ١٩٥، وسير أعلام النبلاء: ٤/ ٤٥٧].\n(^٤) رواه ابن سعد في طبقاته: ٥/ ٢٠٠، وذكره ابن حزم في المحلى: ١١/ ٣٩٥.\n(^٥) قال القرطبي: وروي قتل الساحر عن عمر، وعثمان، وابن عمر، وحفصة، وأبي موسى، وقيس بن سعد، وعن سبعة من التابعين. [تفسير القرطبي: ٢/ ٤٨].","vol":"1","page":299},{"text":"قال الله ﵎: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (^١)\nمن قرأ: (نُنْسِها) وأسقط الألف جعلها من النسيان، ومن قرأ: (نَنْسَأْها) وأثبت الألف فإنه جعلها من التأخير كأنه أراد: أو يؤخرها، فأثبت الألف؛ لأنها همزة اسكنت الحركة منها لموضع الجزم، وبقيت الهمزة ساكنة فكتبت ألفًا؛ لأنه يقال: نسأت الشيء أي: أخرته (^٢)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٠٦]\n(^٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو (نَنْسَأْهَا) بفتح النون والسين مع الهمزة، وقرأ الباقون (نُنْسِهَا) بضم النون وكسر السين من غير همزة. [السبعة: ١٦٨، والنشر: ٢/ ١٦٥]\nفأما قراءة ابن كثير وأبي عمرو (ننسأها) ففسرت على التأخير، أي: نؤخرها، وتأخير النسخ على وجهين:\n١ - أن يؤخر التنزيل فلا ينزل البتة، ولا يعلم ولا يعمل به، ولا يتلى، فيكون معنى الآية: نؤخر إنزالها فلا نُنزلها.\n٢ - أن يُنزل القرآن فيعمل به ويتلى، ثم يُؤخر فينسخ العمل به دون اللفظ، أو ينسخ العمل به واللفظ، أو ينسخ اللفظ ويبقى العمل.\nوقد قرأ بهذه القراءة: عمر بن الخطاب، وابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وأبي بن كعب، وعبيد بن عمير، والنخعي، وابن محيصن.\nوأما قراءة الباقين (ننسها) فهي من النسيان، فإن لفظ (نسي) المنقول منه (أُنسي) على ضربين:\nأحدهما: أن يكون بمعنى الترك، والآخر: النسيان الذي هو مقابل الذكر.\nوالصحيح أنه من النسيان الذي هو ضد الذكر.\nقال أبو علي الفارسي في معرض رده على الفراء: فأما قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ فمنقول من نسيتُ الشيء: إذا لم تذكره، قال الفراء: والنسيان هنا على وجهين: أحدهما: على الترك، نتركها ولا ننسخها. والوجه الآخر: من النسيان كما قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]\nقال أبو علي: قول الفراء نتركها ولا ننسخها، لايستقيم هنا، وإنما هو من النسيان الذي ينافي الذكر، ألا ترى أنه قد قال: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ وليس كل ما أُخرتْ فلم تنسخ ولم يبدل حكمها يؤتى بخير من المنسوخة بآية أو المنساة، وليس المعنى: ما ننسخ من آية أو نقرها فلا ننسخها نأت بخير منها، إنما المعنى: أنا إذا رفعناها من جهة النسخ بآية، أو الإنساء، أتينا بخير من التي ترفع وتبدل على أحد هذين الوجهين.\nوقال مكي بن أبي طالب: والأقوى البيّن أن يكون من النسيان الذي هوضد الذكر، فيكون المعنى: إذا رفعنا آية بنسخ، أو بنسيان نقدره عليك يا محمد، أتينا بخير منها في الصلاح لكم، أو بمثلها في التعبد، ويدل على أنه من النسيان قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦، ٧] فقد أعلمه الله أنه لا ينسى شيئًا مما نزل عليه، إلا ما شاء الله أن ينساه. =\nثم قال: وأيضًا فإن (تنسى) الذي بمعنى الترك لم يستعمل (أفعل) إنما استعمل فيه (فعل) فكان يجب أن تكون القراءة بفتح النون الأولى والسين، ولم يأت ذلك. والاختيار (ننسها) من النسيان؛ لصحة المعنى؛ ولأن جماعة القراء عليه، وبه قرأ ابن المسيب، وأبو عبد الرحمن، وقتادة، والأعرج، وأبو جعفر يزيد، وشيبة، والضحاك، وابن أبي إسحاق، وعيسى، والأعمش.\n[انظر إعراب القرآن للنحاس: ١/ ٧٣، الحجة للقراء السبعة: ١/ ٣٦٠ - ٣٦٤، والكشف عن وجوه القراءات: ١/ ٢٥٨ - ٢٦٠].\nوممن اختار قراءة (ننسها) أبوعبيد، وابن جرير، ومكي بن أبي طالب.\n[الناسخ والمنسوخ: ١١، وتفسير ابن جرير: ١/ ٤٧٨، والكشف: ١/ ٢٥٩].","vol":"1","page":300},{"text":"قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ (^١) وإنما كانوا إذا أرادوا قتالًا في شهر حرام حرموا غيره وقاتلوا فيه (^٢).\nقرأ القاسم بن ربيعة (^٣) على سعد بن أبي وقاص (^٤) (ما ننسخ من آية أو ننساها) (^٥)\n_________\n(^١) [سورة التوبة: الآية ٣٧]\n(^٢) انظر تفسير ابن جرير: ١٠/ ١٢٩.\n(^٣) القاسم بن عبد الله بن ربيعة بن قانف الثقفي، وربما نسب إلى جده، روى عن سعد بن أبي وقاص، وما روى عنه سوى يعلى بن عطاء العامري، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر: مقبول.\n[الثقات: ٥/ ٣٠٢، وميزان الاعتدال: ٣/ ٣٧٢، والتقريب: ٧٩١].\n(^٤) سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص: مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي، يكنى أبا إسحاق، أحد العشرة، وآخرهم موتًا، روى عن النبي - ﷺ - كثيرًا، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وأحد الستة أهل الشورى، كان مجاب الدعوة، مات سنة ٥١، وقيل: ٥٥، وقيل غير ذلك.\n[الاستيعاب: ٢/ ١٨، والإصابة: ٢/ ٣٣].\n(^٥) كذا في الأصل، والمشهور أن قراءة ابن المسيب بدون ألف، كما سيأتي في تخريج هذا الأثر، ولم أجد هذا اللفظ إلا في إحدى روايتي الحاكم.\nوفرق بين (ننساها) بدون همزة، وبين (ننسأها) بهمزة، قال شيخ الإسلام وقد سئل عن معنى قوله: (ما ننسخ من آية أو ننساها) والله سبحانه لا يدخل عليه النسيان. فأجاب: أما قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ ففيها قراءتان، أشهرهما: (أو ننسها)، والثانية: (أو ننسأها) بالهمز، أي: نؤخرها، ولم يقرأ أحد (ننساها)، فمن ظن أن معنى (ننسأها) بمعنى (ننساها) فهو جاهل بالعربية والتفسير، قال موسى - ﵇ -: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]، والنسيان مضاف إلى العبد كما في قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦، ٧]، ولهذا قرأ بعض الصحابة: (أو تنساها) أي: تنساها يا محمد، وهذا واضح لا يخفى إلا على جاهل لا يفرق بين (ننسأها) بالهمز، وبين (ننساها) بلا همز.\n[انظر مجموع الفتاوى: ١٤/ ٧٢].","vol":"1","page":301},{"text":"وذكر أن سعيد بن المسيب (^١) يقرأ ذلك، فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب *، قال الله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ (^٢)، ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (^٣) (^٤)\n_________\n(^١) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو، الإمام أبو محمد القرشي المخزومي، عالم أهل المدينة، وسيد التابعين في زمانه، ولد بعد أن استخلف عمر بأربع سنين، ومات سنة ٩٤ هـ.\n[طبقات ابن سعد: ٥/ ١١٩، والسير: ٤/ ٢١٧].\n* لوحة: ٨/أ.\n(^٢) [سورة الأعلى: الآية ٦]\n(^٣) [سورة الكهف: الآية ٢٤]\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٥٥، قراءة سعد (تنساها) وقراءة ابن المسيب (ننسها)، وابن جرير في تفسيره: ١/ ٤٧٦، ٤٧٧، قراءة سعد (تُنْسَها) وقراءة ابن المسيب (نُنْسِها)، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ١٢، قراءة سعد (ننسها) في الأصل، وتصرف فيها المحقق فجعلها (تَنْسَها) وقراءة ابن المسيب شك فيها أبو عبيد فقال: (نَنْسَها) أو (نُنْسَها)، وسعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٥٩٧، قراءة سعد (ننساها) وقراءة ابن المسيب (ننسيها)، وابن أبي داود في المصاحف: ١٠٧ قراءة سعد جاءت من طريقين، فمن طريق عبد الله بن محمد الأذرمي عن هشيم (نُنسِهَا) ومن رواية زياد بن أيوب عن هشيم (نَنْسَاهَا)، وقراءة ابن المسيب (نُنْسَها)، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٢٦٤ كتاب التفسير، قراءة سعد (ننساها) وقراءة ابن المسيب (ننسها)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، ٢/ ٥٦٧ كتاب التفسير، تفسير سورة سبح اسم ربك الأعلى، قراءة سعد (ننسها) وقراءة ابن المسيب (ننساها) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":302},{"text":"قال القاضي - ﵁ -: ما ننسخ: نسخ الآية بالآية وهي باقية في القراءة (^١)، وقد قال بعضهم: كان الله ينسي نبيه ما يشاء، وينسخ ما يشاء (^٢)، فمن قرأها من التابعين (ننسأها) يريد: نؤخرها، ومن قرأها (نُنسها) يريد: ينسي نبيه قراءتها.\n_________\n(^١) هذا هو القسم الأول من أقسام المنسوخ في القرآن، وهو ما نسخ حكمه وبقي رسمه، وهو ما فسر به ابن عباس الآية من أنه إبدال الآية مكان الآية، وما ذكره مجاهد بقوله: يثبت خطها ويُبدل حكمها.\nوأما القسم الثاني: فهو ما نسخ رسمه وحكمه، بأن ترفع الآية المنسوخة بعد نزولها، فتكون خارجة من قلوب الرجال، ومن ثبوت الخط. والقسم الثالث: ما نسخ رسمه وبقي حكمه.\n[انظر الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ١٤، ونواسخ القرآن: ١٣٦]\n(^٢) روى هذا الأثر عن قتادة عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٥٥، ورواه ابن جرير في تفسيره من طريق عبد الرزاق: ١/ ٤٧٦.","vol":"1","page":303},{"text":"وقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ (^١) لكم، يريد: أيسر عليكم وأخف (^٢) ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ (^٣) في التكليف وزيادة في الثواب؛ لأن القرآن كلٌ خير، ليس في كلام الله ما ينقص بعضه عن بعض وإنما معناه: خير لكم والله أعلم (^٤).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٠٦]\n(^٢) قال شيخ الإسلام: وأيضًا فلا يجوز أن يراد بالخير من جهة كونه أخف عملًا، أو أشق وأكثر ثوابًا؛ لأن هذين الوصفين ثابتان لكل ما أمر الله به مبتدأ وناسخًا، فإنه إما أن يكون أيسر من غيره في الدنيا، وإما أن يكون أشق فيكون ثوابه أكثر، فإذا كانت هذه الصفة لازمة لجميع الأحكام لم يحسن أن يقال: ما ننسخ من حكم نأت بخير منه أو مثله، فإن المنسوخ أيضًا يكون خيرًا ومثلًا بهذا الاعتبار، فإنهم إن فسروا الخير بكونه أسهل فقد يكون المنسوخ أسهل فيكون خيرًا، وإن فسروه بكونه أعظم أجرًا لمشقته فقد يكون المنسوخ كذلك، والله قد أخبر أنه لابد أن يأتي بخير مما ينسخه أو مثله، فلا يأتي بما هو دونه. [مجموع الفتاوى: ١٧/ ٤٨].\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ١٠٦]\n(^٤) مسألة تفاضل القرآن الكريم مسألة تكلم فيها العلماء، وقد بسطها شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته المسماة: (جواب أهل العلم والإيمان أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن) وهي مطبوعة ضمن مجموع فتاويه في المجلد السابع عشر.\nوقد انتصر شيخ الإسلام للقول بأن بعض كلام الله أفضل من بعض، وذكر أن اعتقاد المخالفين له في هذه المسألة نشأ من اعتقادهم بأن القول بتفاضل القرآن يؤدي إلى القول بخلق القرآن كما هو مذهب المعتزلة.\nحيث قال: ومن حجة هؤلاء أنه إذا قيل بعضه أفضل من بعض كان المفضول ناقصًا عن الفاضل، وصفات الله كاملة لا نقص فيها، والقرآن من صفاته. قال هؤلاء: صفات الله كلها متوافرة في الكمال، متناهية إلى غاية التمام، لايلحق شيئًا منها نقص بحال. ثم لما اعتقد هؤلاء أن التفاضل في صفات الله ممتنع ظنوا أن القول بتفضيل بعض كلامه على بعض لايمكن إلا على قول الجهمية من المعتزلة وغيرهم القائلين بأنه مخلوق، فإنه إذا قيل: إنه مخلوق أمكن القول بتفضيل بعض المخلوقات على بعض، فيجوز أن يكون بعضه أفضل من بعض.\nقالوا: وأما على قول أهل السنة والجماعة الذين أجمعوا على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، فيمتنع أن يقع التفاضل في صفات الله القائمة بذاته.\n[مجموع الفتاوى: ١٧/ ٧٢، ٧٣]","vol":"1","page":304},{"text":"وقال بعض المفسرين: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ (^١) يريد: أو سواها (^٢)، واستشهدوا (^٣) بقول حسان - ﵁ - (^٤):\nياوَيْحَ أنصارِ النبي ونسلِه ... بَعد المُغيَّبِ في سَواءِ المُلْحَدِ (^٥)\nقوله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٠٦]\n(^٢) لم أقف عليه.\n(^٣) وهو استشهاد في غير محله، فإن هذا الشاهد تفسير لقوله: (سواء) من قوله تعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨] قال أبو عبيدة: (سواء السبيل) أي وسطه.\n[مجاز القرآن: ١/ ٥٠، وانظر تفسير ابن جرير: ١/ ٤٨٦]\n(^٤) حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة، الأنصاري الخزرجي، شاعر رسول الله - ﷺ -، يكنى: أبا الوليد وهي الأشهر، وأبا المضرب، وأبا الحسام، وأبا عبد الرحمن، روى عن النبي - ﷺ -، عده ابن سلام في طبقة شعراء المدينة من شعراء القرى العربية، مات قبل الأربعين، وقيل: سنة أربعين، وقيل غير ذلك، وقيل: إنه عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة، ومات وهوابن عشرين ومائة.\n[طبقات فحول الشعراء: ١/ ٢١٥، والإصابة: ١/ ٣٢٦]\n(^٥) في الأصل: (في سواء المسجد) والتصحيح من ديوان حسان: ٩٨، ومجاز القرآن: ١/ ٥٠ وابن جرير: ١/ ٤٨٦، والقرطبي: ٢/ ٧٠، واللسان: ١٤/ ٤١٢ مادة (سوا).\nوقد وضع في الهامش عبارة (يعني عمر - ﵁ -) والصحيح أن هذا البيت في رثاء رسول الله - ﷺ -، انظر ديوانه: ٩٨، والقرطبي: ٢/ ٧٠.\n(^٦) [سورة البقرة: الآية ١١٥]","vol":"1","page":305},{"text":"قال ابن عمر - رواه سعيد بن جبير عنه (^١) - أن النبي - ﷺ - كان يصلي على راحلته وهو مقبل من مكة إلى المدينة حيث توجهت به، وفيه أنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (^٢) (^٣).\nوقال قتادة وزيد بن أسلم (^٤): أن ذلك نزل في صلاة رسول الله - ﷺ - إلى بيت المقدس إلى أن حولت القبلة إلى الكعبة (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) سعيد بن جبير بن هشام الأسدي مولاهم، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله الكوفي، عن: ابن عباس، وابن عمر، وعنه: الأعمش، وأبو بشر، ثقة ثبت فقيه، قتل بين يدي الحجاج سنة ٩٥ هـ.\n[الكاشف: ١/ ٤٣٣، وتهذيب التهذيب: ٤/ ١٠، والتقريب: ٣٧٤]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١١٥]\n(^٣) رواه مسلم في صحيحه: ١/ ٤٨٦، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث: ٣٣.\nقال ابن العربي بعد ذكره لقول ابن عمر: أنها نزلت في صلاة التطوع، يتوجه المصلي في السفر إلى حيث شاء فيها راكبًا، قال: وأما قول ابن عمر فسند صحيح، وهو قوي في النظر.\n[أحكام القرآن: ١/ ٥٢، ٥٣].\n(^٤) زيد بن أسلم، الإمام الحجة، أبو عبد الله العدوي العمري المدني الفقيه، قال الذهبي: لزيد تفسير رواه عنه ابنه عبد الرحمن، مات سنة ١٣٦ هـ.\n[سير أعلام النبلاء: ٥/ ٣١٦، وطبقات المفسرين للداودي: ١/ ١٨٢].\n(^٥) روى أثر قتادة وزيد بن أسلم ابن جرير في تفسيره: ١/ ٥٠٢، وروى أثر قتادة لوحده الترمذي في أبواب تفسير القرآن، سورة البقرة، انظر تحفة الأحوذي: ٨/ ٢٩٤، وساق ابن الجوزي سند الإمام أحمد عن قتادة، انظر نواسخ القرآن: ١٧٠، ١٧١.\nوقال ابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢١٢، بعد رواية أثر ابن عباس: أن أول مانسخ من القرآن شأن القبلة، قال: وروي عن أبي العالية، والحسن، وعطاء الخرساني، وعكرمة، وقتادة، والسدي، وزيد بن أسلم نحو ذلك.\n(^٦) وممن رجح أن هذه الآية محكمة وليست ناسخة ولا منسوخة، وأن ما ورد من الآثار أنها منسوخة يحمل على معنى النسخ في مصطلح السلف: من العموم والخصوص والمجمل والمفسر، ممن رجح ذلك ابن جرير في تفسيره: ١/ ٥٠٤، ٥٠٥، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ١٢٢، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ١/ ٤٦٨، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ١٧٤.","vol":"1","page":306},{"text":"وقال علي بن سابط (^١) ومجاهد (^٢): قبلة الله (^٣).\n_________\n(^١) علي بن سابط: لم أعرفه، ولعله عبد الرحمن بن سابط، فهو المشتهر عنه التفسير، وهو من طبقة مجاهد، وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط الجمحي المكي، ثقة كثير الإرسال، مات سنة ١١٨ هـ.\n[التقريب: ٥٧٩].\n(^٢) مجاهد بن جبر، الإمام أبو الحجاج، مولى السائب بن أبي السائب، المقرئ المفسر، قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، كنت أقفه عند كل آية، أسأله فيم نزلت؟ وكيف نزلت؟، ولد سنة ٢١ هـ في خلافة عمر، ومات سنة ١٠٣ هـ. [معرفة القراء الكبار: ١/ ٦٦، وطبقات المفسرين للداودي: ٢/ ٣٠٥]\n(^٣) لم أقف على ما روي عن علي بن سابط، أو عبد الرحمن بن سابط.\nوأما أثر مجاهد فقد رواه الترمذي، أبواب تفسير القرآن، سورة البقرة، انظر تحفة الأحوذي: ٨/ ٢٩٤، وابن أبي شيبة في مصنفه: ١/ ٢٩٥ كتاب الصلاة، في الرجل يصلي بعض صلاته لغير القبلة من قال: يعتد بها، وابن جرير في تفسيره: ١/ ٥٠٥، ٥٠٦، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢١٢ بنحوه، والبيهقي في سننه: ٢/ ١٣ كتاب الصلاة، باب استبيان الخطأ بعد الاجتهاد.\nولئلا يتوهم متوهم، أو يظن ظان أن ما أثر هنا عن مجاهد في تفسيرهذه الآية من باب تأويل الصفات، أورد هنا كلامًا نفيسًا لشيخ الإسلام في معرض رده على من قال: إن مجاهد والشافعي تأولا هذه الآية، وهما من السلف، حيث قال: قلت: هذه الآية ليست من آيات الصفات أصلًا، ولا تندرج في عموم قول من يقول: لا تؤول آيات الصفات.\nقال: أليس فيها ذكر الوجه؟ فلم قلت: المراد بها قبلة الله، قال: أليست هذه من آيات الصفات؟ قلت: لا، ليست من موارد النزاع، فإني أسلم أن المراد بالوجه هنا: القبلة، فإن الوجه هو الجهة في لغة العرب، يقال: قصدت هذا الوجه، وسافرت إلى هذا الوجه، أي: هذه الجهة، وهذا كثير مشهور، فالوجه هو الجهة، وهو الوجه كما في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨] أي: متوليها، فقوله تعالى: ﴿وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ كقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ كلتا الآيتين في اللفظ والمعنى متقاربتان، وكلاهما في شأن القبلة، والوجه والجهة هو الذي ذكر في الآيتين، أنا نوليه: نستقبله.\nقلت: والسياق يدل عليه؛ لأنه قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ وأين من الظروف، وتولوا أي: تستقبلوا، فالمعنى: أي موضع استقبلتموه فهناك وجه الله، فقد جعل وجه الله في المكان الذي يستقبله، هذا بعد قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ وهي الجهات كلها، كما في الآية الأخرى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢] فأخبر أن الجهات له، فدل على أن الإضافة إضافة تخصيص وتشريف، كأنه قال: جهة الله وقبلة الله والغرض أنه إذا قيل: (فثم قبلة الله) لم يكن هذا من التأويل الذي ينكره منكرو تأويل آيات الصفات، ولا هو مما يستدل به عليهم المثبتة، فإن هذا المعنى صحيح في نفسه، والآية دالة عليه، وإن كانت دالة على ثبوت صفة فذاك شيء آخر. [مجموع الفتاوى: ٦/ ١٦، ١٧]","vol":"1","page":307},{"text":"ويجوز أن تكون الآية نزلت في الجميع، ألا تراه ﷿ يقول: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^١) (^٢). *\nقوله ﷿: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (^٣)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٤٢]\n(^٢) قال ابن العربي بعد ذكره للأقوال في سبب نزول هذه الآية، قال: هذه الأقوال السبعة لقائليها تحتمل الآية جميعها. [أحكام القرآن: ١/ ٥٢].\n* لوحة: ٨/ب.\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ١٤٤]","vol":"1","page":308},{"text":"أخبرنا إسماعيل (^١) قال: أخبرنا يحيى بن عبد الحميد (^٢) قال: أخبرنا أبو بكر بن عياش (^٣) عن أبي إسحاق (^٤) عن البراء (^٥) قال: صلى رسول الله - ﷺ - إلى بيت المقدس بعد مقدمه المدينة ستة عشر شهرًا، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ (^٦)\n_________\n(^١) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق، تقدم.\n(^٢) يحيى بن عبد الحميد بن عبدالله بن ميمون الحماني، أبو زكريا الكوفي، لقب جده بشْميْن، عن: أبيه، وأبي بكر بن عياش، وعنه: موسى بن هارون، وأبو قلابة الرقاشي، وثقه يحيى بن معين وغيره، وقال أحمد: كان يكذب جهارًا، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن حجر: حافظ إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث، مات سنة ١٢٨ هـ. [ميزان الاعتدال: ٤/ ٣٩٢، وتهذيب التهذيب: ١١/ ٢١٢، والتقريب: ١٠٦٠].\n(^٣) أبو بكر بن عياش الأسدي الكوفي الحنّاط المقريء، مشهور بكنيته، والأصح أنها اسمه، عن: حبيب بن أبي ثابت، وأبي إسحاق، وعنه: أحمد بن حنبل، وابن معين، ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح مات سنة ١٩٣ هـ. [الكاشف: ٢/ ٤١٢، والتقريب: ١١١٨]\n(^٤) عمرو بن عبد الله الهمداني، أبو إسحاق السبيعي، أحد الأعلام، عن: ابن عباس، والبراء بن عازب، وعنه: شعبة، وأبو بكر بن عياش، ثقة مكثر عابد، اختلط بآخره، مات سنة ١٢٧ هـ.\n[الكاشف: ٢/ ٨٢، وتهذيب التهذيب: ٨/ ٥٣، والتقريب: ٧٣٩]\n(^٥) البراء بن عازب بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي، يكنى أبا عمارة، ويقال: أبا عمرو، له ولأبيه صحبة، روى عنه: عدي بن ثابت، وأبو إسحاق، غزا مع رسول الله - ﷺ - خمس عشرة غزوة، ومع علي يوم الجمل، وصفين، وقتال الخوارج، مات سنة ٧٢ هـ.\n[الكاشف: ١/ ٢٦٤، والإصابة: ١/ ١٤٢]\n(^٦) [سورة البقرة: الآية ١٤٤]","vol":"1","page":309},{"text":"إلى آخر الآية، قال البراء: فمر علينا شاب فقال: إن الله قد صرف نبيه إلى القبلة، وقد صلينا\nركعتين فانصرفنا فصلينا ركعتين إلى القبلة (^١).\nقال القاضي - ﵁ - وكان النبي - ﷺ - يحب أن يصرفه الله إلى الكعبة حتى صرفه الله إليها وقال له: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ (^٢) (^٣)\n_________\n(^١) سند المؤلف ضعيف لضعف يحيى بن عبد الحميد، لكنه لم ينفرد به، فالحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق أخرى عن أبي إسحاق، فقد رواه البخاري في صحيحه: ١/ ٢٣، الإيمان، الصلاة من الإيمان، و١/ ١٥٥، القبلة، التوجه نحو القبلة حيث كان، ٤/ ١٦٣١، التفسير سورة البقرة، ٦/ ٢٦٤٨، كتاب التمني باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام، ومسلم في صحيحه: ١/ ٣٧٤، كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث: ١١، كلاهما بنحوه.\nورواه ابن ماجه في سننه: ١/ ١٨١، إقامة الصلاة، القبلة، عن علقمة بن عمرو عن أبي بكر بن عياش به، والدارقطني في سننه: ١/ ٢٧٣، الصلاة، التحويل إلى الكعبة وجواز استقبال القبلة في بعض الصلاة، عن عبد الوهاب بن عيسى عن أبي هاشم عن أبي بكر بن عياش به، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٣، عن أبي كريب عن أبي بكر به، كلهم بمثله.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٤٤]\n(^٣) روى ابن جرير في تفسير: ٢/ ١٩ بسنده عن قتادة أنه قال: كان يقلب - ﷺ - وجهه في السماء يحب أن يصرفه الله ﷿ إلى الكعبة حتى صرفه الله إليها. ورواه عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٦٢","vol":"1","page":310},{"text":"وأما قوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (^١) فالشطر ههنا: تِلقاءه، قِبَلَهُ، قال ذلك: علي - ﵁ - (^٢)، والبراء (^٣)، وأبو العالية (^٤) (^٥)، وقال مجاهد: نحوه (^٦)، وقتادة (^٧)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٤٤]\n(^٢) روى بن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٥٤ عن علي - ﵁ - قال: شطره فينا قبله، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٢٥٩، التفسير، سورة البقرة، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(^٣) روى ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢١ عن البراء قال: قبله، وعند بن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٥٤: وسطه.\n(^٤) رفيع بن مهران، الإمام المقريء الحافظ المفسر، أبو العالية الرياحي البصري، أسلم في خلافة أبي بكر الصديق - ﵁ -، حفظ القرآن وقرأه على أبي بن كعب، وقرأ عليه أبو عمرو بن العلاء، له تفسير رواه عنه الربيع بن أنس، مات سنة ٩٣ هـ. [سير أعلام النبلاء: ٤/ ٢٠٧، وطبقات المفسرين للداودي: ١/ ١٧٨].\n(^٥) رواه سعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٦٢٨، ابن أبي شيبة في مصنفه: ١/ ٢٩٥، كتاب الصلوات في الرجل يصلي بعض صلاته إلى غير القبلة من قال يعتد بها، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢١، والطحاوي في أحكام القرآن: ١/ ١٦٠، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٥٤.\n(^٦) رواه ابن جرير في تفسيره: ١/ ٢١، والطحاوي في أحكام القرآن: ١/ ١٦٠.\n(^٧) روى الترمذي في سننه تفسيرسورة البقرة أبواب التفسير بلفظ: تلقاءه، انظر تحفة الأحوذي: ٨/ ٢٩٤، وعبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٦٢ بمثله، وابن جرير في تفسيره: ١/ ٢١: تلقاء المسجد الحرام، .","vol":"1","page":311},{"text":"وزيد بن أسلم: قصده (^١) (^٢).\nوأنشدنا لابن أحمر (^٣):\nتعدو بنا شَطْرَ جَمْعٍ وهي عاقدةٌ ... قد كارب العقْدُ من إيقادها الحُقُبا (^٤)\nمن إيقادها يعني: سرعتها (^٥).\nوقال لقيط (^٦):\nوقد أَظلّكُمُ مِنْ شَطْرِ ثَغرِكُمُ ... هولٌ له ظُلَمٌ يَغْشَاكُمُ قِطَعَا (^٧)\nوقد سمى الله تعالى الصلاة إيمانًا (^٨).\n_________\n(^١) روى ابن جرير في تفسيره: ١/ ٢٢ عن زيد بن أسلم شطره: ناحيته جانبه، قال: وجوانبه شطوره.\n(^٢) قال الشافعي: فرض عليهم حيث ما كانوا أن يولوا وجوههم شطره، وشطره: جهته في كلام العرب، إذا قلت: أقصد شطر كذا، معروف أنك تقول: أقصد قصد عين كذا، يعني: قصد نفس كذا، وكذلك تلقاءه: جهته، أي: أستقبل تلقاءه وجهته، وإنَّ كلها معنى واحد، وإن كانت بألفاظ مختلفة.\n[الرسالة: ٣٤، وانظر أحكام القرآن للشافعي: ١/ ٦٨]\n(^٣) عمرو بن أحمر بن العمرد بن تميم الباهلي، عده ابن سلام في الطبقة الثالثة من الإسلاميين، وقال فيه: صحيح الكلام، كثير الغريب. [طبقات فحول الشعراء: ٢/ ٥٧١، ٥٨٠، والشعر والشعراء: ١/ ٣٥٦].\n(^٤) البيت في مجاز القرآن: ١/ ٦٠، والطبري في تفسيره: ٢/ ٢١، وابن عطية في تفسيره: ٢/ ١٠.\n(^٥) مجاز القرآن: ١/ ٦٠.\n(^٦) لقيط الإيادي، مختلف في اسم أبيه فقيل: معمر، وقيل: يعمر.\n[الشعر والشعراء: ١/ ١٩٩]\n(^٧) البيت في الرسالة للشافعي: ٣٥، وابن عطية في تفسيره: ٢/ ١٠، والقرطبي في تفسيره: ٢/ ١٥٩.\n(^٨) يبين المؤلف هنا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، ويلاحظ أنه أخرها في التفسير عن الآية ١٤٤.\n\nوتفسير الصلاة بالإيمان في هذه الآية ذهب إليه جمهور المفسرين، قال ابن عطية: وسمى الصلاة إيمانًا لما كانت صادرة عن الإيمان والتصديق في وقت بيت المقدس، وفي وقت التحويل، ولما كان الإيمان قطبًا عليه تدور الأعمال، وكان ثابتًا في حال التوجه هنا، وهنا ذكره؛ إذ هو الأصل الذي به يرجع في الصلاة وغيرها إلى الأمر والنهي، ولئلا تندرج في اسم الصلاة: صلاة المنافقين إلى بيت المقدس، فذكر المعنى الذي هو ملاك الأمر، وأيضًا فسميت إيمانًا إذ هي من شعب الإيمان. [المحرر الوجيز: ٢/ ٧، ٨].\nوقال ابن عبد البر: ومن الدلائل على أن الإيمان قول وعمل كما قالت الجماعة والجمهور، قول الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ لم يختلف المفسرون أنه أراد صلاتكم إلى بيت المقدس، فسمى الصلاة إيمانا.\n[التمهيد: ٩/ ٢٤٥].","vol":"1","page":312},{"text":"وأن الإيمان قول وعمل (^١).\nقال القاضي بكر: ومما يقوي: أن الإيمان قول وعمل قوله ﷿: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (^٢) إلى آخر الآية، والإرادة *: النية، والسعي: العمل، وهو مؤمن مقر (^٣).\n_________\n(^١) كون الإيمان قول وعمل مذهب أهل السنة والجماعة، حيث إن الإيمان عندهم هو الطاعات كلها بالفلب واللسان وسائر الجوارح غير أن له أصلًا وفرعًا فإذا أتى بالأصل وهو المعرفة بالله والتصديق له وبه، وبما جاء من عنده بالقلب واللسان فقد دخل في الإيمان ولزمه اسمه وأحكامه، ولا يكون مستكملًا للإيمان حتى يأتي بفرعه وهو الإتيان بالفرائض واجتناب المحارم، وممن خالف في هذه المسألة: المرجئة والكرامية القائلين بأن الإيمان: هو التصديق باللسان وهو الإقرار بالشهادتين دون طمأنينة القلب، وعليه فإن الأفعال ليست من الإيمان، وأن إذا أتى بالشهادتين فهو كامل الإيمان وإن لم يأت بالأفعال، وخالف الجهمية القائلين بأن الإيمان هو المعرفة بالله فحسب، وخالف الخوارج القائلين بأن الإيمان فعل الطاعات المفترضة كلها بالقلب واللسان وسائر الجوارح، فجعلوا الإيمان شيئًا واحدًا إذا ذهب بعضه ذهب كله.\n[الإيمان لابن مندة: ١/ ٣٣١، مسائل الإيمان لأبي يعلى: ١٥١، مجموع فتاوى ابن تيمية: ٧/ ١٩٤، ٢٢٣].\n(^٢) [سورة الإسراء: الآية ١٩]\n* لوحة: ٩/أ.\n(^٣) انظر تفسير ابن جرير: ١٥/ ٥٩.","vol":"1","page":313},{"text":"حدثنا إبراهيم بن حماد (^١) قال: حدثنا إسماعيل (^٢) قال: أخبرنا يحيى بن عبد الحميد (^٣) قال: أخبرنا شريك (^٤) عن أبي إسحاق (^٥) عن البراء: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^٦) قال: صلاتكم إلى بيت المقدس (^٧).\n_________\n(^١) إبراهيم بن حماد بن إسحاق، ثقة ثبت، تقدم.\n(^٢) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق، تقدم.\n(^٣) يحيى بن عبد الحميد، حافظ متهم بسرقة الحديث، تقدم.\n(^٤) شريك بن عبد الله النخعي الكوفي، أبو عبد الله، عن: أبي إسحاق، وزياد بن علاقة، وعنه: يحيى بن عبد الحميد، والركين بن الربيع، صدوق يخطيء كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا، شديدًا على أهل البدع، مات سنة ١٧٧ هـ. [تهذيب الكمال: ١٢/ ٤٦٢، والتقريب: ٤٣٦].\n(^٥) ثقة مكثر عابد اختلط بآخره، تقدم.\n(^٦) [سورة البقرة: الآية ١٤٣]\n(^٧) إسناده ضعيف لضعف شريك ويحيى بن عبد الحميد، وقدر رواه الطيالسي في مسنده: ٢/ ٩٣ عن شريك وحديج به، وسعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٦٢٦ عن شريك به، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٧ عن شريك به، = وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٥١ عن شريك وحديج به، وابن منده في الإيمان: ١/ ٣٢٩ عن شريك وغيره به، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: ٤/ ٨١٧ عن شريك به.\nوله شاهد في صحيح البخاري: ١/ ٢٣، الإيمان، الصلاة من الإيمان، قال زهير: حدثنا أبو إسحاق عن البراء في حديثه هذا: أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا، فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.","vol":"1","page":314},{"text":"قال إسماعيل (^١) أخبرنا محمد بن أبي بكر (^٢) قال: أخبرنا مؤمل بن إسماعيل (^٣) عن إسرائيل (^٤)\n_________\n(^١) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق، تقدم.\n(^٢) محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء المُقدَّمي، أبو عبد الله الثقفي، مولاهم البصري، عن: يزيد بن زريع، وحماد بن سلمة، وعنه: البخاري ومسلم، وإسماعيل بن إسحاق، ثقة، مات سنة ٢٣٤ هـ.\n[الكاشف: ٢/ ١٦٠، وتهذيب التهذيب: ٩/ ٦٥، والتقريب: ٨٢٩].\n(^٣) مؤمل بن إسماعيل العدوي، مولى آل الخطاب، وقيل: مولى بني بكر، أبو عبد الرحمن البصري، عن: عكرمة بن عمار، وشعبة، وغيرهم، وعنه: أحمد بن حنبل، وابن المديني، وآخرون، صدوق سيء الحفظ، مات سنة ٢٠٦ هـ. [الكاشف: ٢/ ٣٠٩، وتهذيب التهذيب: ١٠/ ٣٣٩، والتقريب: ٩٨٧].\n(^٤) إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني، أبو يوسف الكوفي، عن: سماك بن حرب، والأعمش، وعنه: وكيع، وعلي بن الجعد، وجماعة، ثقة تكلم فيه بلا حجة، مات سنة ١٦٢ هـ.\n\n[الكاشف: ١/ ٢٤١، وتهذيب التهذيب: ١/ ٢٣٧، والتقريب: ١٣٤].","vol":"1","page":315},{"text":"عن سماك (^١) عن عكرمة (^٢) عن ابن عباس - ﵁ - (^٣): قالوا: يا رسول الله أريت الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^٤) (^٥)\n_________\n(^١) سماك بن حرب بن أوس بن خالد الذهلي البكري، أبو المغيرة الكوفي، عن: جابربن سمرة، وعكرمة، وعنه: إسرائيل، وشريك، صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بآخره فكان ربما يلقن، مات سنة ١٢٣ هـ. [الكاشف: ١/ ٤٦٥، وتهذيب التهذيب: ٤/ ٢١٠، والتقريب: ٤١٥].\n(^٢) عكرمة البربري، أبو عبد الله المدني، المفسر، مولى ابن عباس، عن: مولاه، وعائشة، وعنه: سماك بن حرب، وعاصم الأحول، ثقة ثبت، عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا تثبت عنه بدعة، مات سنة ١١٦ هـ. [الكاشف: ٢/ ٣٣، وتهذيب التهذيب: ٧/ ٢٢٨، والتقريب: ٦٨٧].\n(^٣) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم رسول الله - ﷺ -، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رسول الله - ﷺ - بالفهم في القرآن، فكان يسمى: البحر والحبر لسعة علمه، أحد المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة، من فقهاء الصحابة، عنه: عكرمة، وغيره، مات بالطائف سنة ٦٨ هـ.\n[الكاشف: ١/ ٥٦٥، وتهذيب التهذيب: ٥/ ٢٤٥].\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ١٤٣]\n(^٥) إسناده ضعيف؛ لسوء حفظ مؤمل، ولضعف رواية سماك عن عكرمة.\n\nوقد رواه أبو داود في سننه: ٤/ ٢٢٠ باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه كتاب السنة عن سفيان عن سماك به، والترمذي في سننه تفسيرسورة البقرة من أبواب التفسير عن إسرائيل به، انظر تحفة الأحوذي: ٨/ ٣٠٠، وأحمد في مسنده: ١/ ٢٩٥، ٣٠٤، ٣٢٢، ٣٤٧ من طريق إسرائيل به، والدارمي في سننه: ١/ ٣٠٨ كتاب الصلاة باب تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، والطيالسي في مسنده: ٦/ ٣٩٦ من طريق قيس عن سماك به، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٧ عن إسرائيل به، وابن حبان في صحيحه: ٤/ ٦٢١ عن إسرائيل به، والطبراني في الكبير: ١١/ ٢٧٨ عن إسرائيل به، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٢٩٥، كتابالتفسيرسورة البقرة عن إسرائيل به، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: ٤/ ٨١٧ عن إسرائيل به.\nوله شاهد من حديث البراء السابق الذكر.","vol":"1","page":316},{"text":"قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (^١)\nقال إسماعيل (^٢): أخبرنا إبراهيم بن حمزة (^٣) قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد (^٤) عن ابن شهاب (^٥)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٥٨]\n(^٢) إسماعيل بن إسحاق، ثقة صدوق، تقدم.\n(^٣) إبراهيم بن حمزة الزبيري، صدوق، تقدم.\n(^٤) في الأصل: إبراهيم بن سعيد، والصحيح ما أثبت، وهو: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، أبوإسحاق المدني، عن: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، والوليد بن كثير، وعنه: إبراهيم بن حمزة الزبيري، وإسحاق بن منصور، ثقة حجة، تكلم فيه بلا قادح، مات سنة ١٨٥ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٢/ ٨٨، والتقريب: ١٠٨].\n(^٥) محمد بن مسلم بن عبيدالله بن عبد الله بن شهاب القرشي الزهري، أبو بكر الحافظ المدني، عن: عروة بن الزبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وعنه: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم الزهري، وجعفر بن برقان، متفق على جلالته وإتقانه وثبته، مات سنة ١٢٤ هـ.\n\n[الكاشف: ٢/ ٢١٩، وتهذيب التهذيب: ٩/ ٨٣٥، والتقريب: ٨٩٦].","vol":"1","page":317},{"text":"عن عروة (^١) قال: قلت لعائشة - ﵂ -: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (^٢) إلى آخر الآية ما على أحد من جناح ألا يطوف بهما، قال: قالت عائشة - ﵂ -: بئس ما قلت يا ابن أختي، إنها لو كانت على ما أولتها لكانت (فلا جناح عليه ألا يطّوف بهما) (^٣)، إنما كان هذا الحي من الأنصار قبل أن يسلموا يهلون بمناة الطاغية التي كانوا يعبدون عند المُشَلَّل (^٤)،\n_________\n(^١) عروة بن الزبير بن العوام، أبو عبد الله المدني، عن: خالته عائشة، وعلي بن أبي طالب، وعنه: ابنه عثمان، والزهري، ثقة فقيه مشهور، مات سنة ٩٤ هـ. [الكاشف: ٢/ ١٨، والنقريب: ٦٧٤].\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٥٨]\n(^٣) وهي قراءة علي وابن عباس بخلاف، وسعيد بن جبير، وأنس بن مالك، ومحمد بن سيرين، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وميمون بن مهران.\nوظاهر هذه القراءة: أنه مفسوح له في ترك ذلك، وقد يمكن أن تكون (لا) على هذه القراءة زائدة، فيصير تأويله وتأويل قراءة الكافة واحدًا، حتى كأنه قال: فلا جناح عليه أن يطوف بهما، وزاد (لا) كما زيدت في قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٩]، أي: ليعلم.\n[انظر المحتسب: ١/ ١١٥، ١١٦]\n(^٤) المشلل، بضم أوله، وفتح ثانيه، وفتح اللام وتشديدها: ثنية مشرفة على قُدَيد، يهبط منها إليه من ناحية البحر، وقُدَيد: اسم موضع قرب مكة، والمشلل من قديد، وبالمشلل كانت مناة التي يعبدونها.\n\n[معجم ما استعجم: ٣/ ١٠٥٤، ٤/ ١٤٣٣، ومعجم البلدان: ٤/ ٣١٣، ٥/ ١٣٦]","vol":"1","page":318},{"text":"وكان من أهلَّ لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فقالوا يا رسول الله: إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة، فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (^١)، قالت: ثم سن رسول الله - ﷺ - * الطواف بهما فليس ينبغي لأحد أن يدع الطواف بهما.\nقال ابن شهاب فذكرت حديث عروة لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (^٢)، فقال: والله إن هذا لعلمٌ ما سمعت به، ولقد سمعت رجالًا يذكرون أن من كان يهل بمناة الطاغية كلهم كانوا يطوفون بالصفا والمروة، فلما أمر الله ﷿ بالطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة، قالوا: يارسول الله: إنا كنا نطوف في الجاهلية بالصفا والمروة فتحرجنا في الإسلام أن نطوف بهما؛ من أجل أن الله ﷿ أمر بالطواف بالبيت ولم يأمرنا بالطواف بالصفا والمروة معه حتى أنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (^٣)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٥٨]\n* لوحة: ٩/ب.\n(^٢) أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، قيل اسمه: محمد، وقيل: المغيرة، والصحيح: أن اسمه وكنيته واحد، عن: أبي هريرة، وعائشة، وعنه: الزهري، والحكم بن عتبة، أحد الفقهاء السبعة، ثقة فقيه عابد، مات سنة ٩٤ هـ. [تهذيب الكمال: ٣٣/ ١١٢، والتقريب: ١١١٦].\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ١٥٨]","vol":"1","page":319},{"text":"قال أبو بكر بن عبدالرحمن: فالآية قد أنزلت في الفريقين جميعًا الذين كانوا يتحرجون في الجاهلية، والذين كانوا يتحرجون في الإسلام. (^١)\nوقال مجاهد (^٢) والشعبي (^٣) (^٤) وأنس (^٥)\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٥٩٢، الحج، وجوب الصفا والمروة، وَجُعِلَ من شعائر الله، عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري به، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٩٢٩، الحج، حديث: ٢٦١، عن عمرو الناقد وابن أبي عمر عن ابن عيينة عن سفيان عن الزهري به، وأحمد في مسنده: ٦/ ١٤٤ من طريق إبراهيم بن سعد به، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٦٦ من طريق إبراهيم بن سعد به.\n(^٢) رواه سعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٦٣٧، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٤٧، قال ابن حجر: وفي كتاب مكة لعمر بن شبة بإسناد قوي عن مجاهد في هذه الآية، قال: قالت: الأنصار إن السعي بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية، فنزلت. [فتح الباري: ٣/ ٥٨٥]\n(^٣) عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار، وقيل: عامر بن عبدالله بن شراحيل، الشعبي الحميري، أبو عمرو الكوفي، من شعب همدان، علامة العصر، سمع من ثمانية وأربعين من الصحابة، ولد لست سنين خلت من خلافة عمر بن الخطاب، ومات سنة ١٠٤ هـ. [سير أعلام النبلاء: ٤/ ٢٩٤، وتهذيب التهذيب: ٥/ ٦٠].\n(^٤) رواه سعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٦٣٦، والفاكهي في أخبار مكة: ٢/ ٢٤١، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٤٦، قال ابن حجر: وروى الفاكهي وإسماعيل القاضي (في الأحكام) بإسناد صحيح عن الشعبي قال: كان صنم بالصفا يدعى أساف، ووثن بالمروة يدعى نائلة، فكان أهل الجاهلية يسعون بينهما، فلما جاء الإسلام رمى بهما، وقالوا: إنما كان ذلك يصنعه أهل الجاهلية من أجل أوثانهم، فأمسكوا عن السعي بينهما، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. [فتح الباري: ٣/ ٥٨٤]\n(^٥) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٥٩٤، الحج، ما جاء في السعي بين الصفا والمروة، عن عاصم قال: قلت لأنس بن مالك ﵁: أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ قال: نعم؛ لأنها كانت من شعائر الجاهلية، حتى أنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، و٤/ ١٦٣٥، التفسير، سورة البقرة، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٩٣٠، الحج، حديث: ٢٦٤ ..","vol":"1","page":320},{"text":"مثل ذلك (^١).\n_________\n(^١) ورد في سبب نزول هذه الآية روايات متعددة، ومن أشهرها ما ذكره المؤلف عن أبي بكر بن عبدالرحمن: من أنها نزلت في فريقين، هما: الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا بالجاهلية بالصفا والمروة، والذين كانوا يطوفون في الجاهلية بهما، ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام.\nوقد رجح هذا القول ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٤٨.\nوهذا الحديث قد اختلف فيه على هشام بن عروة عن أبيه، فقد رواه أبو أسامة عنه في صحيح مسلم: ٢/ ٩٢٨، حديث: ٢٦٠، بما يوافق رواية الزهري من أن الآية أنزلت في الفريقين.\nورواه أبو معاوية عن هشام عن أبيه، في صحيح مسلم: ٢/ ٩٢٨، حديث: ٢٥٩، بما يخالف رواية الزهري، من أن الآية نزلت فيمن كان يطوف بهما في الجاهلية، ثم تحرج عن الطواف بهما في الإسلام.\nقال ابن حجر: فهذه الرواية توجيهها ظاهر، بخلاف رواية أبي أسامة فإنها تقتضي: أن التحرج عن الطواف بين الصفا والمروة لكونهم كانوا لا يفعلونه في الجاهلية، ولا يلزم من تركهم فعل شيء في الجاهلية أن يتحرجوا من فعله في الإسلام. [فتح الباري: ٣/ ٥٨٤]\nثم ذكر ابن حجر ما يؤيد رواية أبي معاوية، مما أثر عن الشعبي، ومجاهد، وأنس، وغيرهم.\nقال ابن حجر: فهذا كله يوضح قوة رواية أبي معاوية وتقدمها على رواية غيره، ويحتمل: أن يكون الأنصار في الجاهلية كانوا فريقين، منهم من كان يطوف بينهما على ما اقتضته رواية أبي معاوية، ومنهم من كان لا يقربهما على ما اقتضته رواية الزهري، واشترك الفريقان في الإسلام على التوقف عن الطواف بينهما، لكونه كان عندهم جميعًا من أفعال الجاهلية، فيجمع بين الروايتين بهذا. [فتح الباري: ٣/ ٥٨٥].","vol":"1","page":321},{"text":"قال القاضي - ﵁ -: فأعلم الله ﵎ عباده أنهما من شعائر الله، وأنه لاجناح على من كان يتحرج، فثبت الطواف بهما لأنهما من الشعائر، قال النبي - ﷺ -: (خذوا عني مناسككم) (^١)،\n_________\n(^١) جزء من حديث رواه مسلم في صحيحه: ٢/ ٩٤٣، الحج، حديث: ٣١٠، بلفظ (لتأخذوا مناسككم)، ورواه النسائي في سننه: ٥/ ٢٩٨، المناسك، الركوب إلى الجمار واستظلال المحرم، وأحمد في مسنده: ٣/ ٣١٨، وأبو يعلى في مسنده: ٢/ ٣٢٠، والطبراني في الأوسط: ٢/ ٢٦٣، كلهم بلفظ: (خذوا مناسككم).\nوعند البيهقي في سننه: ٥/ ١٢٥ كتاب الحج باب الإيضاع في وادي محسر عن جابر قال: أفاض رسول الله - ﷺ - وعليه السكينة، وأمرهم بالسكينة، وأوضع في وادي محسر، وأمرهم أن يرموا الجمار مثل حصى الخذف، وقال: خذوا عني مناسككم لعلي لا أراكم بعد عامي هذا.\nقال العجلوني: (خذوا عني مناسككم) رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن جابر بلفظ: رأيت رسول الله - ﷺ - يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه.\n\n[كشف الخفاء: ١/ ٤٥٦].","vol":"1","page":322},{"text":"وإنما احتذى (^١) النبي - ﷺ - مناسك إبراهيم - ﵇ -، وقد تطوف بهما، وتطوف المسلمون بهما (^٢)، وثبت الطواف بهما وصار واجبًا ليس لأحد تركه، وهو من فرائض الحج والله أعلم (^٣).\n_________\n(^١) حذا حذوه: فعل فعله، ويقال: فلان يحتذي على مثال فلان إذا اقتدى به في أمره. [اللسان: ١٤/ ١٧٠].\n(^٢) قال ابن جرير: وإنما أعلم الله تعالى ذكره بقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ عباده المؤمنين أن السعي بينهما من مشاعر الحج التي سنها لهم، وأمر بها خليله إبراهيم - ﷺ -، إذ سأله أن يريه مناسك الحج، وذلك وإن كان مخرجه مخرج الخبر فإنه مراد به الأمر؛ لأن الله تعالى ذكره قد أمر نبيه محمدًا - ﷺ - باتباع ملة إبراهيم - ﵇ -، فقال له: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، وجعل تعالى ذكره إبراهيم إمامًا لمن بعده، فإذا كان صحيحًا أن الطواف والسعي بين الصفا والمروة من شعائر الله ومن مناسك الحج، فمعلوم أن إبراهيم - ﷺ - قد عمل به، وسنه لمن بعده، وقد أمر نبينا - ﷺ - أمته باتباعه، فعليهم العمل بذلك على ما بينه رسول الله - ﷺ -.\n[تفسير ابن جرير: ٢/ ٤٤، وانظر أحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٩٥، ٩٨].\n(^٣) ما ذكره المؤلف هنا من أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج وفرض من فروضه مذهب المالكية،\nوهو قول: عائشة، وعروة، والشافعي، وأحمد في رواية المذهب، وإسحاق، وأبو ثور، وداود الظاهري.\n[أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٧١، وبداية المجتهد: ١/ ٤٢١، والمغني: ٥/ ٢٣٨، والمجموع: ٨/ ١٠٥].\nوممن ذهب إلى أنه واجب من واجبات الحج، إذا تركه وجب عليه دم: الحسن البصري، وقتادة، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية عنه، وانتصر لها القاضي أبو يعلى وابن قدامة.\n[أحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٩٨، والاستذكار: ١٢/ ٢٠٢، والمغني: ٣/ ٢٣٩، والمجموع: ٨/ ١٠٥].\n= وممن ذهب إلى سنيته، ولا دم على من تركه: ابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن عباس، وأنس، وابن الزبير، وابن سيرين، وأحمد في رواية. [تفسير ابن جرير: ٢/ ٤٩، والمغني: ٣/ ٢٣٩، والمجموع: ٨/ ١٠٥].\nوالراجح القول الأول وهو ما صوبه ابن جرير بقوله: والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الطواف بهما فرض واجب، وأن على من تركه العود لقضائه ناسيًا كان أو عامدًا؛ لأنه لا يجزيه غير ذلك، لتظاهر الأخبار عن رسول الله - ﷺ - أنه حج بالناس فكان مما علمهم من مناسك حجهم الطواف بهما. [تفسير ابن جرير: ٢/ ٥٠].\n* لوحة: ١٠/أ.","vol":"1","page":323},{"text":"قوله ﵎: * ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^١)\nقال مجاهد: غير باغ (^٢) على المسلمين، ولا عاد (^٣) عليهم، فمن خرج يقطع الطريق أو في معصية الله فاضطر إلى الميتة لم تحل له، إنما تحل لمن خرج في طاعة الله (^٤)، وقال سعيد بن جبير مثل ذلك (^٥)، وقال ابن عباس: غير باغ في الميتة، ولا عاد في الأكل (^٦)، وقال الحسن (^٧)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٧٣]\n(^٢) البغي: الظلم، يقال بغى الجرح إذا ترامى إلى فساد، ومنه أن يبغي الإنسان على آخر.\n[مقاييس اللغة: ١٢٦].\n(^٣) عدو: يدل على تجاوز في الشيء وتقدم لما ينبغي أن يُقتصر عليه، والعادي الذي يعدو على الناس ظلمًا وعدوانًا. [مقاييس اللغة: ٧١٩].\n(^٤) رواه سعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٦٤٥، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة: ٢/ ٩٩٩، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٨٣، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٨٦، ٨٧، والبيهقي في سننه: ٣/ ١٥٦، الصلاة، لا تخفيف عمن كان سفره في معصية الله.\n(^٥) رواه ابن الجعد في مسنده: ٣٢٤، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٨٤، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٨٧.\n(^٦) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٨٤، وذكره ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٠٥.\n(^٧) الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد البصري، مولى زيد بن ثابت، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر - ﵁ -، كان سيد زمانه علمًا وعملًا، قال ابن حجر: هو رأس الطبقة الثالثة - وهي الطبقة الوسطى من التابعين -، ثقة فقيه مشهور كان يرسل كثيرًا ويدلس مات سنة ١١٠ هـ.\n[طبقات ابن سعد: ٧/ ١٥٦، والتقريب: ٢٣٦، وطبقات المفسرين للداودي: ١/ ١٥٠].","vol":"1","page":324},{"text":"(^١) مثل ذلك.\nقال القاضي بكر - ﵀ -: وأرجو أن تكون الرخصة للجميع؛ لأن الذي خرج في معصية الله قد مضى فعله فَقَتْلُه نفسه معصية ثانية، لا نأمره بها وهو في سعة من أن يحيي نفسه (^٢).\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٦٥، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٨٧.\n(^٢) قال أبو الوليد الباجي: فأما السفر المباح فهو الذي يجوز له أن يترخص فيه بأكل الميتة، وأما السفر المحرم فالمشهور من مذهب مالك أنه لا يجوز له ذلك، ففرق بينه وبين القصر والفطر في سفر المعصية.\n[المنتقى: ٣/ ١٤٠].\nوقال القاضي عياض: واختلفوا في سفر الباغي والعاصي، فقال: لارخصة، وإنما رخص لمن خرج في سفر طاعة وغير معصية، وهو قول مجاهد وابن جبير وغيرهما، وتأولوا قوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾، وهو قول الشافعي، ورواية أخرى عندنا، وقول ابن حبيب. وقال آخرون بجواز ذلك له، وهومشهور قول مالك وأصحابه، وأبي حنيفة، وظاهر قول ابن عباس. [إكمال المعلم: ٦/ ٣٧٥].\nقال القرطبي: واختلفت الروايات عن مالك في ذلك، فالمشهور من مذهبه فيما ذكره الباجي في المنتقى: أنه يجوز له الأكل في سفر المعصية، ولا يجوز له القصر والفطر. وقال ابن خويز منداد فأما الأكل عند الاضطرار فالطائع والعاصي فيه سواء. [الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٢٣٣].\nكذا في القرطبي، والصحيح ما ذكره الباجي من أن المشهور من مذهب مالك: أنه لايجوز له الأكل في سفر المعصية، ويجوز له القصر والفطر. [المنتقى: ٣/ ١٤٠].\nوقد رجح المؤلف ما رجحه شيخه القاضي إسماعيل، قال القاضي عياض: وإليه نحا إسماعيل القاضي، قال: لأن قتل نفسه إذا لم يأكل معصية ثانية. [إكمال المعلم: ٦/ ٣٧٥].\n\nوممن رحج هذا القول أيضًا ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٨٨، والقرطبي في تفسيره: ٢/ ٢٣٢، وشيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: أما الآية فأكثر المفسرين قالوا: المراد بالباغي الذي يبغي المحرم من الطعام مع قدرته على الحلال، والعادي الذي يتعدى القدر الذي يحتاج إليه، وهذا التفسير هو الصواب دون الأول؛ لأن الله أنزل هذا في السور المكية: الأنعام، والنحل، وفي المدنية: ليبين ما يحل وما يحرم من الأكل، والضرورة لا تختص بسفر، ولو كانت في سفر فليس السفر المحرم مختصًا بقطع الطريق والخروج على الإمام وأيضًا فقوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ حال من: ﴿اضْطُرَّ﴾ فيجب أن يكون حال اضطراره وأكله الذي يأكل فيه غير باغ ولا عاد، فإنه قال: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ومعلوم أن الإثم إنما ينفى عن الأكل الذي هو الفعل، لا عن نفس الحاجة إليه، فمعنى الآية: فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عاد، وهذا يبين أن المقصود أنه لا يبغي في أكله ولا يتعدى.\n[مجموع الفتاوى: ٢٤/ ١١١، ١١٢].\nوقال في موضع آخر: وإن كان سببه معصية، كالمسافر سفر معصية اضطر فيه إلى الميتة، والمنفق ماله في المعاصي حتى لزمته الديون، فإنه يؤمر بالتوبة، ويباح له ما يزيل ضرورته، فتباح له الميتة، ويقضى عنه دينه من الزكاة، وإن لم يتب فهو الظالم لنفسه المحتال. [مجموع الفتاوى: ٢٩/ ٦٤، ٦٥].","vol":"1","page":325},{"text":"قال مسروق (^١): ومن اضطر إلى الميتة فلم يأكل فمات دخل النار (^٢). وقال مالك بن أنس: من اضطر إلى الميتة أكل شبعه (^٣)، وتابعه جماعة من التابعين (^٤)، وقال آخرون: يأكل ما يقيم الرمق (^٥)،\n_________\n(^١) مسروق بن الأجدع، وهو عبد الرحمن بن مالك بن أمية بن عبد الله، أبو عائشة الوادعي، الهمداني الكوفي، وعداده في كبار التابعين وفي المخضرمين الذين أسلموا في حياة النبي - ﷺ -، مات سنة ٦٣ هـ.\n[طبقات ابن سعد: ٦/ ٧٦، وسير أعلام النبلاء: ٤/ ٦٣].\n(^٢) رواه معمر بن راشد في الجامع انظر المصنف لعبد الرزاق: ١٠/ ٤١٣، والبيهقي في سننه: ٩/ ٣٥٧، الضحايا، ما يحل من الميتة بالضرورة.\nقال الكياالهراسي: وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة، بل هو عزيمة واجبة، ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيًا. [أحكام القرآن: ١/ ٤٢].\n(^٣) الموطأ: ٢/ ٣٩٨، كتاب الصيد، رقم: ١٩.\n(^٤) ممن وافق الإمام مالك في أن المضطر يأكل شبعه: الحسن فيما ذكره عنه ابن عبد البر في الاستذكار: ١٥/ ٣٥٣ من أنه قال: إذا اضطر إلى الميتة أكل منها قوته، وقد ذكر ابن قدامة عن الحسن ما يخالف هذه الرواية من أنه قال: يأكل قدر ما يقيمه [المغني: ١٣/ ٣٣٠]، وممن وافق مالك أيضًا: عبيد الله بن الحسن العنبري، فيما نقله عنه الجصاص في أحكام القرآن: ١/ ١٨٢، وفي مختصر اختلاف العلماء: ٤/ ٣٥٩، وإحدى الروايتين عن أحمد [المغني: ١٣/ ٣٣١]، وأحد الأقوال عن الشافعي [روضة الطالبين: ٣/ ٢٨٣]، وابن حزم في المحلى: ٧/ ٤٢٦.\n(^٥) الرمق: قال ابن فارس: الراء والميم والقاف أصل يدل على ضعف وقلة، والرَّمَق: باقي النَّفْس أو النَّفَس.\n[مقاييس اللغة: ٤٠٣].\n\nيقال: سد رمقه: أطعمه فأنقذه من الموت جوعًا، وقد يطلق على القوة، ويأكل المضطر من الميتة ما يسد به الرمق، أي: ما يمسك قوته ويحفظها. [المصباح المنير: ٢٣٩، معجم لغة الفقهاء: ٢٢٧].","vol":"1","page":326},{"text":"وقالوا ذلك له حلال (^١).\nقال القاضي -﵀ -: فأما حلال فلا وجه لذكره؛ لأن العين لا تنتقل من التحريم إلى التحليل، هي محرمة العين مباحة الأكل لمن اضطر إليها، ألا ترى إلى قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢)، فما عفي عنه، وغفر، وأزيل فيه المأثم، خارج عن المحللات إلى الإباحة بالشرط، فإذا وقعت الإباحة كان الشبع حلالًا. والله أعلم (^٣).\n_________\n(^١) مسألة قدر ما يؤكل من الميتة، قال ابن قدامة: يباح له أكل ما يسد الرمق، ويأمن معه الموت بالإجماع. ويحرم ما زاد على الشبع، بالإجماع أيضا. وفي الشبع روايتان ; أظهرهما، لا يباح. [المغني: ١٣/ ٣٣٠]، وهو قول الأحناف [أحكام القرآن للجصاص: ١/ ١٨٢]، وبه قال بعض أصحاب مالك [أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٨٢، وبداية المجتهد: ١/ ٥٨٥]، وأحد الأقوال عن الشافعي، قال النووي: وفي حال الشبع ثلاثة أقوال: ثالثها: إن كان قريبًا من العمران لم يحل، وإلا فيحل، ورجح القفال وكثير من الأصحاب المنع، ورجح صاحب الإفصاح والروياني وغيره: الحل، هكذا أطلق الخلاف أكثرهم. وفصّل الإمام والغزالي تفصيلًا حاصله: إن كان في بادية وخاف إن ترك الشبع لايقطعها ويهلك، وجب القطع بأنه يشبع، وإن كان في بلد وتوقع الطعام الحلال قبل عودة الضرورة، وجب القطع بالاقتصار على سد الرمق، وإن كان لا يظهر حصول طعام حلال، وأمكنه الرجوع إلى الحرام مرة بعد أخرى، إن لم يجد الحلال، فهو موضع الخلاف.\nقلت: هذا التفصيل هو الراجح، والأصح من الخلاف: الاقتصار على سد الرمق. [روضة الطالبين: ٣/ ٢٨٣]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٧٣]\n(^٣) لا يلزم من وقوع الإباحة أن الشبع حلال؛ لأن شرط الإباحة وهو الاضطرار قد زال بسد الرمق.\n\nقال ابن المنذر بعد ذكره لقول الأحناف: وهذا أصح؛ لأن الميتة إنما أبيحت له في حال الاضطرار، فإذا أكل منها ما يزيل تلك الحال عنه رجع الأمر إلى التحريم.\n[الإقناع: ٢/ ٦٢٨].","vol":"1","page":327},{"text":"قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (^١)\nقال القاضي -﵀ -: وهذه الآية * نزلت في قبائل من العرب كانوا يتقاتلون فإذا كان فيهم العدد والمنعة فقُتل منهم امرأة قالوا: لا يُقتل بها إلا رجلًا، وإذا قَتَلوا رجلًا قالوا: لا نعطي به إلا امرأة أو عبدًا، يستضعفون من دونهم.\nقال إسماعيل (^٢): أخبرنا سليمان بن حرب (^٣) قال: حدثنا حماد بن سلمة (^٤) عن داوود (^٥)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٧٨]\n* لوحة: ١٠/ب.\n(^٢) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق، تقدم.\n(^٣) سليمان بن حرب بن بجيل الأزدي، أبو أيوب البصري، عن: شعبة وحماد، وعنه: إسماعيل بن إسحاق، والبخاري، ثقة إمام حافظ، مات سنة ٢٢٤ هـ.\n[الكاشف: ١/ ٤٥٨، وتهذيب التهذيب: ٤/ ١٦١، والتقريب: ٤٠٦]\n(^٤) حماد بن سلمة ثقة عابد وتغير حفظه بآخره، تقدم.\n(^٥) داوود بن أبي هند، واسمه دينار بن عذافر، ويقال: طهمان القشيري مولاهم، أبو بكر، وقيل: أبو محمد البصري، عن عكرمة والشعبي، وعنه: شعبة والحمادين، ثقة متقن كان يهم بآخره، مات سنة ١٤٠ هـ.\n\n[الكاشف: ١/ ٣٨٢، وتهذيب التهذيب: ٣/ ١٨٢، والتقريب: ٣٠٩]","vol":"1","page":328},{"text":"عن الشعبي في قول الله ﷿: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (^١) قال نزلت في قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا، فقالوا: نقتل بعبدنا فلان، ونقتل بأمتنا فلانة بنت فلان (^٢)، فأنزل الله ﵎: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (^٣) (^٤).\nوقال قتادة مثل ذلك وأن أهل الجاهلية كانوا يفعلونه حتى نزلت الآية (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٧٨]\n(^٢) كذا في الأصل، وعند ابن جرير: نقتل بعبدنا فلان بن فلان، وبفلانة فلان بن فلان. ونحوه عند أبي عبيد.\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ١٧٨]\n(^٤) رواه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ١٣٨ من طريق هشيم عن داود به، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٥/ ٤٥٨، كتاب الديات، باب إن المسلمين تتكافأ دماؤهم، من طريق ابن أشوع عن الشعبي، والطبري في تفسيره: ٢/ ١٠٣ عن حماد بن سلمة به.\n(^٥) رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٦٦، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة: ٢/ ٥٤٨، والطبري في تفسيره: ٢/ ١٠٣، والبيهقي في سننه: ٨/ ٢٦ كتاب الجنايات باب إيجاب القصاص على القاتل دون غيره، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ١٨٥.\n(^٦) ما ذكره المؤلف أحد الأقوال فيمن نزلت هذه الآية، وقد ذكر ابن جرير في تفسيره بقية الأقوال، انظر تفسير ابن جرير: ٢/ ١٠٢ - ١٠٥، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ١/ ٤٧٣ - ٤٧٨، وهذه الأقوال يمكن تلخيصها: بما ذكره ابن جرير بقوله: الآية معني بها أحد المعنيين الآخرين، إما قولنا: من أن لا يتُعدى بالقصاص غير القاتل والجاني، فيؤخذ بالأنثى الذكر، وبالعبد الحر، وإما القول الآخر: وهو أن تكون الآية نزلت في قوم بأعيانهم خاصة أمر النبي - ﷺ - أن يجعل ديات قتلاهم قصاصًا بعضها من بعض. [تفسير ابن جرير: ٢/ ١٠٦].\n\nوقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذين القولين ورجح الثاني منهما، وهو أن المراد بالقصاص هنا مقاصة الديات بعضها ببعض [انظرمجموع الفتاوى: ١٤/ ٧٣، ٧٤]","vol":"1","page":329},{"text":"قال أبو مصعب: قال مالك - ﵁ -: أحسن ما سمعت في تأويل هذه الآية: الحر بالحر يريد الجنس الذكر والأنثى سواء، وكذا العبد بالعبد الذكر والأنثى سواء، وإعادة ذكر الأنثى بالأنثى إنكار لما كان من أمر الجاهلية، ألا تراه سبحانه قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (^١) فالمساواة في ذلك، الحرية في جنسها والعبودية في جنسها (^٢).\nوزعم أهل العراق: أنهم يقتلون الحر بالعبد، والمسلم بالكافر وسووا بينهم (^٣)،\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٤٥]\n(^٢) ساق المؤلف كلام الإمام مالك بمعناه، وأسوقه بنصه: قال مالك: إن أحسن ما سمعت في تأويل هذه الآية في قول الله ﵎: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ فهؤلاء الذكور ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾: أن القصاص يكون بين الإناث كهيئته بين الذكور، والمرأة الحرة تقتل بالمرأة الحرة، كما يقتل الحر بالحر، والأمة تقتل بالأمة، كما يقتل العبد بالعبد، والقصاص يكون بين النساء كما يكون بين الرجال، والقصاص أيضًا يكون بين الرجال والنساء الأحرار في النفس، وذلك أن الله ﵎ قال في كتابه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ فذكر الله ﵎ أن النفس بالنفس، فنفس المرأة الحرة بنفس الرجل الحر، وجرحها بجرحه.\n[موطأ الإمام مالك برواية أبي مصعب الزهري: ٢/ ٢٥٠، كتاب العقل، وانظر الموطأ: ٢/ ٦٦٤، كتاب العقول، والنوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات لابن أبي زيد: ١٣/ ٥٤١ ونسب القول إلى أصحاب مالك]\n(^٣) شرح معاني الآثار للطحاوي: ٣/ ١٩٢، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ١٩٠، ١٩٧.\n\n* لوحة: ١١/أ.","vol":"1","page":330},{"text":"وقد فرّق الله وجعل القصاص بالتساوي، وفرّق بين الحرية والعبودية، وبين المسلم والكافر، فلم يوجب على من قذف * كافرًا وعبدًا ما أوجبه على من قذف حرًا مسلمًا (^١)، والحدود يرد بعضها إلى بعض. وقد ناقضوا أيضًا فزعموا: أنهم يقتلون الحر المسلم (^٢) بالعبد والكافر، ولا يفقؤون (^٣)\n_________\n(^١) كذا بالأصل، ولعل الصواب: من قذف حرًا ومسلمًا، حتى يستقيم الكلام مع ما قبله من قوله: من قذف كافرًا وعبدًا.\n(^٢) كذا بالأصل، ولعل الصواب: أنهم يقتلون الحر والمسلم، حتى يستقيم الكلام مع ما بعده من قوله: بالعبد والكافر.\n(^٣) فقأت عينه أفقؤها: بخصتها، وفقأ العين: شقها فخرج ما فيها.\n\n[المصباح المنير: ٤٨٠، ومعجم لغة الفقهاء: ٣٤٨].","vol":"1","page":331},{"text":"عينه بعينه، وكذلك سائر الجراح وذلك في نسق الآية، فزعموا أن النفس تساوي النفس، واليد لا تساوي اليد (^١)، فإن كانوا أرادوا الجسم فالمساواة ظاهرة بينه، وإن أرادوا الجنس فالجنسان مختلفان، وقد قال الله ﷿: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ (^٢) والعبد لا يتصدق عندهم؛ لأن الحق لسيده، والكافر لا تُكفر عنه صدقته، فقد خالفوا ظاهر الآية وباطنها (^٣)،\n_________\n(^١) ذهب الأحناف إلى: ألا قصاص بين الأحرار والعبيد إلا في الأنفس. [أحكام القرآن للجصاص: ١/ ١٩٠].\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٤٥]\n(^٣) قال أبو عبيد: يذهب ابن عباس - فيما نرى - إلى أن الآية التي في المائدة: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ليست بناسخة للتي في البقرة: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ ولا هي خلافها، ولكنهما جميعًا محكمتان إلا أنه رأى أن التي في المائدة كالمفسرة للتي في البقرة وأما أهل العراق فيرون أن من رأى منهم أن آية: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ منسوخة نسختها: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ في قوله، فيجعلون بين الأحرار والعبيد القصاص في النفس خاصة، ولا يرون ذلك فيما دون ذلك بينهم قصاص. [انظر الناسخ والمنسوخ: ١٣٩]\nوهذا ما ذهب إليه القاضي إسماعيل بن إسحاق - فيما نقله عنه ابن حجر - من الجمع بين الآيتين، حيث قال: قال إسماعيل القاضي في أحكام القرآن: الجمع بين الآيتين أولى، فتحمل النفس على المكافئة، ويؤيده اتفاقهم على أن الحر لو قذف عبدًا لم يجب عليه حد القذف، قال: ويؤخذ الحكم من الآية نفسها فإن في آخرها: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ والكافر لا يسمى متصدقًا ولا مكفرًا عنه، وكذلك العبد لا يتصدق بجرحه؛ لأن الحق لسيده. [فتح الباري: ١٢/ ٢٤٦، ٢٦٠].\n\nوسيأتي مزيد إيضاح وبيان في مسألة قتل المسلم بالكافر عن تفسير آية ٤٥ من سورة المائدة.","vol":"1","page":332},{"text":"ونسأل الله التوفيق (^١).\nقال الله ﵎: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (^٢)\nقال ابن عباس - ﵁ - في معنى هذه الآية: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ قال: هذا العمد يرضى أهله بالدية، ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ من الطالب، ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ من المطلوب، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ مما كان على بني إسرائيل، ورواه سليمان بن حرب (^٣) عن حماد بن سلمة (^٤) عن عمرو بن دينار (^٥) عن جابر بن زيد (^٦) عن ابن عباس (^٧).\n_________\n(^١) وضع بهامش المخطوط كلمة (بلغ) فلعلها علامة على انتهاء مجلس قراءة.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٧٨]\n(^٣) سليمان بن حرب: ثقة إمام حافظ تقدم.\n(^٤) حماد بن سلمة: ثقة عابد تغير حفظه بآخره تقدم.\n(^٥) عمرو بن دينار المكي، أبو محمد الأثرم الجمحي، عن: أبي هريرة، وجابر بن زيد، وعنه: مالك، والحمادان، ثقة ثبت، مات سنة ١٢٦ هـ. [الكاشف: ٢/ ٧٥، وتهذيب التهذيب: ٨/ ٢٥، والتقريب: ٧٣٤]\n(^٦) جابر بن زيد، أبو الشعثاء الأزدي، مشهور بكنيته، صاحب ابن عباس، روى عنه، وعن ابن عمر، وعنه: قتادة، وعمرو بن دينار، ثقة فقيه، مات سنة ٩٣ هـ.\n[الكاشف: ١/ ٢٨٧، وتهذيب التهذيب: ٢/ ٣٥، والتقريب: ١٩١].\n(^٧) رواه ابن جرير في تفسيره من طريق حماد به: ١/ ١٠٧، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٠٠، كتاب التفسير سورة البقرة من طريق حماد به، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي، والبيهقي في سننه: ٨/ ٥٢ كتاب الجنايات باب الخيار في القصاص عن حماد به.","vol":"1","page":333},{"text":"فيما رواه مجاهد: كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية، قال الله ﷿: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ (^١) - ولم يذكر ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (^٢) لمعرفة ابن عباس بالقصة فيها - (^٣) ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فالعفو أن تقبل الدية في العمد، فيتبع الطالب بمعروف *، ويؤدي المطلوب بإحسان، ذلك تخفيف من ربكم مما كتب على من كان قبلكم. (^٤)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٧٨]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٧٨]\n(^٣) لعل هذا الكلام من المؤلف، حيث إن كل من روى هذا الأثر يورد قوله تعالى: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، ولم يذكروا ما قاله المؤلف هنا، انظر تخريج هذا الأثر.\n* لوحة: ١١/ب.\n(^٤) رواه البخاري في صحيحه: ٤/ ١٦٣٦، كتاب التفسير سورة البقرة، باب: يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص، من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن مجاهد عن ابن عباس، ٦/ ٢٥٢٣ كتاب الديات، باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين.\nوقد رواه من هذا الطريق أيضًا عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٦٧، وسعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٦٥٢، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٥/ ٤٥٨، وابن جرير في تفسيره: ١/ ١٠٧، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٣/ ١٧٥، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٩٦،، والبيهقي في سننه: ٨/ ٥١ الموضع السابق.\nورواه من طريق محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار به، ابن جرير في تفسيره: ١/ ١٠٧، وابن حبان في صحيحه: ١٣/ ٣٦٢.\nوقد حكم بعض أهل العلم على رواية حماد بن سلمة المذكورة بالشذوذ لمخالفتها ما هو أوثق منها، قال ابن حجر: وافق ابن عيينة محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار، وكذا رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وخالف الجميع حماد بن سلمة، فقال: عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس، والأول هو المحفوظ.\n[النكت الظراف على الأطراف: ٥/ ٢٢٣].","vol":"1","page":334},{"text":"وقال الشعبي (^١) وقتادة (^٢) نحو ذلك.\nقال القاضي - ﵀ -: وهذه الآية نزلت في العمد، والعاقلة (^٣) لا تحمل عمدًا، ولا إقرارًا ولا عبدًا (^٤)،\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره: ١/ ١٠٨.\n(^٢) رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٦٧، وابن جرير في تفسيره: ١/ ١٠٨، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٩٦.\n(^٣) العقل هو الدية، وعقلت القتيل أي: أعطيت ديته، والعاقلة هي: الجماعة التي تغرم الدية، وهم عشيرة الرجل، أو أهل ديوانه - أي الذين يرتزقون من ديوان على حدة - وسميت الدية عقلًا لوجهين، أحدهما: أن الإبل كانت تعقل بفناء ولي المقتول، فسميت الديات بذلك، وإن كانت دراهم ودنانير، والثاني: أنها تعقل الدماء من السفك.\n[طلبة الطلبة لأبي حفص النسفي: ١٦٩، والمغرب في ترتيب المعرب لأبي الفتح المطرزي: ٣٢٥].\n(^٤) روى البيهقي في سننه: ٨/ ١٠٤ كتاب الديات باب من قال لا تحمل العاقلة عمدًا، عن ابن عباس قال: لا تحمل العاقلة عمدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا ولا ما جنى المملوك.\n\nقال ابن قدامة: ولم نعرف له في الصحابة مخالفًا، فيكون إجماعًا. [المغني: ١٢/ ٢٧]","vol":"1","page":335},{"text":"وقول من ذكرنا من ابن عباس وغيره: إذا قبُلتْ الدية، موافق لقولنا: إن العافي هو القاتل، وأن أولياء المقتول مخيرون في قبول ذلك أو القتل، ألا ترى أنه ﵎ قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (^١) ثم قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ (^٢) يعني من ولي (^٣) المقتول شيء، والشيء نكرة ليس هو دية معلومة (^٤)، وهو ما بذله له، فرضي الأولياء به جاز الدية أو كان دونها، فاتباع بالمعروف يتبع المعفو له طالب بإحسان، ويؤدي القاتل أيضًا بإحسان (^٥).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٧٩]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٧٨]\n(^٣) في الأصل: من وليه المقتول، والصحيح ما أثبت.\n(^٤) في الأصل: معروفة، ثم صححت إلى: معلومة.\n(^٥) اختلف أهل العلم فيمن هو العافي في هذه الآية، قال أبو محمد مكي بن أبي طالب: المعروف من مذهب مالك وأصحابه: أن المعفو له بالدم ولي الدم، عُفي له بدية أُعطيها عوضًا من قتل القاتل فقبلها، والعافي: القاتل عفى عن نفسه بأن بذل الدية، والتقدير: فمن أُعطي دية فقبلها فعليه أن يتبع المعطي بالعروف، وعلى المعطي أن يؤدي ما بذل بإحسان، فـ (من) في قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾: اسم ولي الدم. ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾: أمر للولي أن يتبع القاتل فيما بذله له من الدية بمعروف، وقوله: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾: أمر للقاتل أُمر أن يؤدي إلى الولي ما بذل له من الدية بإحسان، وفي رجوع الهاءات بيان هذا المعنى، فالهاء في ﴿لَهُ﴾ وفي ﴿أَخِيهِ﴾ وفي ﴿إِلَيْهِ﴾ يعدن على الولي، ولأخ هو القاتل، وعفي على هذا القول معناه: يُسِّرَ.\nومذهب غير مالك: أن المعفو له هو القاتل، والعافي: ولي الدم، و﴿عُفِيَ﴾ بمعنى: ترك - على هذا القول - ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أمر للولي - كالقول الأول -، والأخ في هذا القول: ولي الدم، و- (من) في هذا القول: اسم القاتل، والهاء في ﴿لَهُ﴾ وفي ﴿أَخِيهِ﴾ -على هذا القول - تعودان على القاتل، والهاء في ﴿إِلَيْهِ﴾ تعود على الولي - كالقول الأول. [انظر الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: ١٣٨ - ١٤٠].\nومعنى قوله: ﴿شَيْءٌ﴾ على القول الأول: الدية، وعلى القول الثاني: الدم الذي يعفى عنه ويرجع إلى أخذ الدية.\n[انظر تفسير القرطبي: ٢/ ٢٥٣، ٢٥٤].\nوأصل هذا الخلاف راجع إلى معرفة معنى العفو في هذه الآية، قال ابن العربي: وهذا يدور على حرف، وهو معرفة تفسير العفو، وله في اللغة خمسة موارد، ثم ذكر هذه المعاني وهي: العطاء، والإسقاط، والكثرة، والذهاب، والطلب، ثم ذكر أن مايناسب سياق الآيات هو: العطاء والإسقاط، ورجح معنى: العطاء.\n[انظر أحكام القرآن: ١/ ٩٦، ٩٧].\nقلت: وما ذكره المؤلف من أن قول ابن عباس وقتادة والشعبي موافق لما ذكر من أن العافي هو القاتل فيه نظر، فقد ذكر القرطبي أن قول ابن عباس وقتادة ومجاهد: أن العافي هو ولي الدم [انظر تفسير القرطبي: ٢/ ٢٥٣].","vol":"1","page":336},{"text":"قال القاضي - ﵀ -: وقد غلط مخالفونا في علم هذه الآية فجعلوا العافي ولي المقتول، ولم يتدبروا الآية، فإذا كان ولي المقتول هو العافي فماذا يتبع؟ (^١) وماذا يؤدي بإحسان؟، وإنما معنى الآية: من أعطي من أخيه شيء من العقل يرضى به فليتبعه بالمعروف، وليؤد إليه بإحسان (^٢)،\n_________\n(^١) فيما ذكر مكي بن أبي طالب في تفسيره لهذه الآية رد على استفسار المؤلف هذا، وأما ماذا يؤدي فهذا خاص بالقاتل على كلا المعنيين. وقال ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٠٩: فاتباع على ما أوجبه الله له من الحق قِبَل قاتل وليه من غير أن يزداد عليه ما ليس له عليه في أسنان الفرائض أوغير ذلك، أو يكلفه ما لم يوجبه الله له عليه.\n(^٢) ما ذكره المؤلف هنا هو تفسير الإمام مالك - ﵀ - حيث قال بعذ ذكره لهذه الآية: فتفسير ذلك فيما نرى والله أعلم: أنه من أُعطي من أخيه شيء من العقل، فليتبعه بالمعروف، وليؤد إليه بإحسان.\n[الموطأ: ٢/ ٦٥٩، كتاب العقول].\nبقي أن أشير إلى مسألة متعلقة بهذه الآية، وهي مبنية على قول المالكية بأن العافي هو القاتل، وهي مسألة: هل يشترط رضا الجاني في أخذ الدية؟\nقال ابن رشد - الحفيد -: وأما القول في الموجب، فاتفقوا على أن لولي الدم أحد شيئين: القصاص أو العفو إما على الدية وإما على غير الدية، واختلفوا هل الانتقال من القصاص إلى العفو على أخذ الدية هو حق واجب لولي الدم دون أن يكون في ذلك خيار للمقتص منه، أم لا تثبت الدية إلا بتراضي الفريقين، أعني الولي والقاتل، وأنه إذا لم يرد المقتص منه أن يؤدي الدية لم يكن لولي الدم إلا القصاص مطلقا أو العفو.\nثم ذكر الخلاف في ذلك، وأن في المسألة روايتين عن مالك، ثم رجح القول الأول.\n[انظر بداية المجتهد: ٢/ ٥١٧، ٥١٨، وانظر في هذه المسألة: النوادر والزيادات: ١٤/ ٩٣، والمنتقى للباجي: ٧/ ١٠٣]","vol":"1","page":337},{"text":"ذلك تخفيف من ربكم ورحمة، فخفف به من أمر القصاص لمن قبله، فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم.\n\nقال الله ﵎: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^١).\nمعنى هذه الآية: أن من قبل الدية واتبع بها فليس له أن يقتل بعد ذلك، فإن قتل فهو الذي توعده * الله تعالى (^٢)، قال ذلك سعيد بن جبير (^٣) وقتادة (^٤) والضحاك بن مزاحم (^٥)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٧٨]\n* لوحة: ١٢/أ.\n(^٢) لم يذكر المؤلف ذلك العذاب، واختلف فيه فقيل: هو كمن قتل ابتداء إن شاء الولي قتله وإن شاء عفا عنه وعذابه في الآخرة، وقيل: عذابه أن يقتل البتة، ولا يمكن الولي من العفو، وقيل: عذابه أن يرد الدية ويبقى إثمه في الآخرة، وقيل أمره إلى الإمام، وقد رجح ابن جرير: أن المقصود بالعذاب: أنه القتل في الدنيا، وأن من أقيم عليه الحد في الدنيا كان ذلك عقوبته من ذنبه، ولم يكن به متبعًا في الآخرة.\n[انظر تفسير ابن جرير: ١/ ١١٣، والمغني: ١١/ ٥٨٣، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٥٥].\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره: ١/ ١١٣، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٩٧.\n(^٤) رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٦٧، وابن جرير في تفسيره: ١/ ١١٢، وابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٧.\n(^٥) الضحاك بن مزاحم الهلالي، أبو القاسم الخراساني، صاحب التفسير، روى عن جمع من الصحابة، منهم: ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وقيل: لم يثبت له سماع من أحد من الصحابة، صدوق كثير الإرسال، مات بعد المائة.\n\n[جامع التحصيل في أحكام المراسيل: ١٩٩، وتهذيب التهذيب: ٤/ ٤١٧، وطبقات المفسرين للداوودي: ١/ ٢٢٢]","vol":"1","page":338},{"text":"(^١)، وروى جابر بن عبد الله (^٢) عن النبي - ﷺ - أنه قال: لا أعفي من قتل بعد أخذه الدية (^٣)\nقال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (^٤).\nمعنى هذه الآية والله أعلم: بقاء؛ لأن الذي يريد القتل إذا علم أنه يُقتل أمسك فبقيا جميعًا، وإن قَتَل إنسان فُقتل قصاصًا توقى أهل الشر خوفًا من القصاص (^٥)،\n_________\n(^١) ابن جرير في تفسيره: ١/ ١١٣.\n(^٢) جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام الأنصاري، قيل: أبا عبدالله، وقيل: أبا عبدالرحمن، وقيل: أبا محمد، أحد المكثرين عن النبي - ﷺ -، شهد معه تسع غزوات، عاش أربعًا وتسعين سنة، مات سنة: ٧٤، وقيل: ٧٧، وقيل: ٧٨. [الاستيعاب: ١/ ٢٢١، والإصابة: ١/ ٢١٣].\n(^٣) رواه أبو داود في سننه: ٤/ ١٧٣، كتاب الديات باب من يقتل بعد أخذ الدية، وأحمد في مسنده: ٣/ ٣٦٣، وأبو دادود الطيالسي في مسنده: ٣/ ٣٢٠ بلفظ (لا أعافي)، والبيهقي في سننه: ٨/ ٥٤ كتاب الجنايات باب من قتل بعد أخذ الدية، قال ابن جحر في الفتح: ١٢/ ٢٦٠: أخرجه أبوداود وفي سنده انقطاع.\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ١٧٩]\n(^٥) ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية معنى غير هذا المعنى، وجعل هذا المعنى من الأمور البديهية التي يعرفه جميع الناس، والتي ينزه القرآن أن يكون هذا مقصوده، وحمل معنى الآية على ما ذكره حيث قال: أنه إذا كتب عليهم القصاص في المقتولين أنه يسقط حر بحر، وعبد بعبد، وأنثى بأنثى، فجعل دية هذا كدية هذا، ودم هذا كدم هذا، متضمن لمساواتهم في الدماء والديات، وكان بهذه المقاصة لهم حياة من الفتن التي توجب هلاكهم.\n\n[مجموع الفتاوى: ١٤/ ٧٩].","vol":"1","page":339},{"text":"قال ذلك مالك بن أنس (^١)، ووافقه عليه أبو مالك (^٢) (^٣) وأبو صالح (^٤) (^٥) وقتادة (^٦)، وقال ربيعة (^٧) في معنى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (^٨) يقول: لعلكم تتقون محارمكم، ونهي بعضكم عن بعض (^٩).\n_________\n(^١) لم أقف عليه.\n(^٢) أبو مالك الغفاري الكوفي، غزوان، مشهور بكنيته، صاحب التفسير، روى عن عمار بن ياسر، وابن عباس، وعنه: إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، وسلمة بن كهيل، ثقة.\n[طبقات ابن سعد: ٦/ ٢٩٥، وتهذيب الكمال: ٢٣/ ١٠٠، وتقريب التهذيب: ٧٧٦].\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٩٧، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٢١١.\n(^٤) أبو صالح، باذام، ويقال: باذان، مولى أم هانيء بنت أبي طالب، حدث عن مولاته، وعن أبي هريرة، وابن عباس، وعنه: سماك، ومحمد بن السائب، ضعيف مدلس.\n[طبقات ابن سعد: ٥/ ٣٠٢، وسير أعلام النبلاء: ٥/ ٣٧، وتقريب التهذيب: ١٦٣].\n(^٥) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١١٥، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٩٨.\n(^٦) رواه عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٦٨، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١١٤، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٩٧.\n(^٧) ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ، الإمام مفتي المدينة، أبو عثمان، ويقال: أبو عبد الرحمن القرشي التيمي مولاهم، المشهور بربيعة الرأي، روى عن: أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وعنه: يحيى بن سعيد، والإمام مالك، والليث بن سعد، مات قبل مالك بست وثلاثين سنة.\n[الديباج المذهب: ١/ ١٣٧، وسير أعلام النبلاء: ٦/ ٨٩].\n(^٨) [سورة البقرة: الآية ١٧٩]\n(^٩) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٩٨، بلفظ: لعلكم تتقون محارمكم، وما نهيت بعضكم فيه عن بعض.","vol":"1","page":340},{"text":"قال الله ﵎: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ (^١)\nروي عن علي -رضوان الله عليه- (^٢)، وعن عائشة (^٣)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٨٠]\n(^٢) عن هشام بن عروة عن أبيه قال: دخل عليّ على مولى لهم في الموت، فقال: يا عليّ ألا أوصي، فقال علي: لا، إنما قال الله ﵎: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وليس لك كثير مال. قال: وكان له سبعمائة درهم.\nرواه الدارمي في سننه: ٢/ ٤٩٨ كتاب الوصايا باب من لم ير الوصية في المال القليل، وعبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٦٨، وفي مصنفه: ٩/ ٦٢ الوصايا باب الرجل يوصي وماله قليل، وسعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٦٥٩، وقال المحقق: رجاله ثقات، لكنه ضعيف للانقطاع بين عروة بن الزبير وعلي، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢٣٠ كتاب الوصايا باب في الرجل يكون له المال الجديد القليل أيوصي فيه، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٢١، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٩٩، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٧٠، كتاب الوصايا باب من استحب ترك الوصية إذا لم يترك شيئًا كثيرًا استبقاء على ورثته، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٠١، كتاب التفسير سورة البقرة، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي في التلخيص: فيه انقطاع.\n(^٣) قال رجل لعائشة: إني أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف، قالت: فكم عيالك؟ قال: أربعة، قالت: فإن الله يقول: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وإنه شيء يسير فدعه لعيالك فإنه أفضل.\n\nرواه عبد الرزاق في مصنفه: ٩/ ٦٣، وسعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٦٥٦، وقال المحقق: سنده صحيح، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢٣٠، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٢١، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٧٠، والبغوي في تفسيره: ١/ ١٩٣.","vol":"1","page":341},{"text":"وابن عباس (^١) -رحمهما الله- وعن قتادة (^٢) أنهم قالوا: الخير المال الكثير، وقالوا في سبعمائة وما أشبهها إنه قليل ولم يدخلوه في الخير المأمور بالوصية فيه، وذكر عن علي بن أبي طالب - ﵁ -: أربعة آلاف فما دونها نفقه (^٣)، وقال مجاهد: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ قال: مالًا (^٤).\n_________\n(^١) عن ابن عباس قال: إذا ترك الميت سبعمائة درهم فلا يوصي. رواه سعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٦٥٨، وقال المحقق: سنده ضعيف، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢٣٠، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٩٩ بلفظ: من لم يترك ستين دينارًا، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٧٠.\n(^٢) عن قتادة قال: الخير: المال، كان يقال: ألفًا فما فوق ذلك. رواه الدارمي في سننه: ٢/ ٤٩٦، كتاب الوصايا باب من لم يوص، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢٣٠، وابن جرير: ٢/ ١٢١، وابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٩.\n(^٣) رواه عبدالرزاق في مصنفه: ٤/ ١٠٩، وابن جرير: ١٠/ ١١٨، وابن أبي حاتم: ٦/ ١٧٨٨.\n(^٤) رواه ابن جرير: ٢/ ١٢٠، وذكره ابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٩، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٢١٢.","vol":"1","page":342},{"text":"قال القاضي - ﵀ -: وإنه ليبعد عندي أن يصح عن علي وعائشة وابن عباس ما روي عنهم (^١)، اللهم إلا أن يكون على وجه النظر للورثة لقول النبي - ﷺ - لسعد بن أبي وقاص: (إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة (^٢) يتكففون (^٣) الناس) (^٤)\n_________\n(^١) إن كان المؤلف يقصد صحة السند فكما ذكر عند تخريج هذه الآثار أن ما روي عن علي وابن عباس ضعيف، وأن ما روي عن عائشة صحيح، وإن كان يقصد صحة المعنى فإن حمل الخير على المال الكثير فقط فيه نظر كما سيأتي في مسألة مقدار المال الذي أمر الله صاحبه أن يعمل بما في هذه الآية.\n(^٢) عالة أي: فقراء، قال ابن الأثير في النهاية: ٣/ ٣٣٠ العائل الفقير، عال يعيل عيلة إذا افتقر.\n(^٣) يتكففون الناس أي: يمدون أكفهم إليهم يسألونهم. المرجع السابق: ٤/ ١٩٠.\n(^٤) رواه البخاري في صحيحه: ١/ ٤٣٥ كتاب الجنائز باب رثى النبي - ﷺ - سعد بن خولة، و٣/ ١٠٠٦ كتاب الوصايا باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٢٥٠ كتاب الوصية حديث: ١٦٢٨.\n\n* لوحة: ١٢/ب.","vol":"1","page":343},{"text":"أشار * عليه رسول الله - ﷺ - في عياله بما أشار به، وأخبره بجواز الحكم في الثلث (^١)، وعلى هذا عامة الفقهاء: أن له أن يوصي بالثلث فما دون منها قل أم كثر، ويؤمر مع ذلك بحسن النظر لورثته إذا كان الخير قليلًا (^٢)، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (^٣) أي: من أجل حب المال لبخيل، ولم يختلف المعنى في تفسير هذه الآية: أن الخير المال (^٤).\n_________\n(^١) قال ابن حجر في بيان معنى الثلث: ويحتمل أن يكون قوله: (والثلث كثير) مسوقًا لبيان الجواز بالثلث، وأن الأولى أن ينقص عنه ولا يزيد عليه وهو ما يبتدره الفهم، ويحتمل أن يكون لبيان أن التصدق بالثلث هو الأكمل أي كثير أجره، ويحتمل أن يكون معناه: كثير غير قليل. [فتح الباري: ٥/ ٤٤٨].\n(^٢) انظر الاستذكار: ٢٣/ ١١.\n(^٣) [سورة العاديات: الآية ٨]\n(^٤) روى ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٢٠ عن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ كان يقول: الخير في القرآن كله المال، ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ الخير المال.\nوقد نقل الإجماع على هذا ابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ١٠٢، وابن عبدالبر في التمهيد: ١٤/ ٢٩٥.","vol":"1","page":344},{"text":"وقد كان أبو بكر وعلي - ﵄ - يختاران الوصية بدون (^١) الثلث (^٢)، وإذا كان المال قليلا بقي على الورثة؛ لأن المواريث (^٣) فريضة والوصية تطوع، وثواب الفريضة أعظم من ثواب التطوع، والله أعلم (^٤).\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: دون الثلث.\n(^٢) روى هذين الأثرين عبدالرزاق في مصنفه: ٩/ ٦٦، وسعيد بن منصور في سننه بتحقيق الأعظمي: ١/ ١٠٧ كتاب الوصايا باب هل يوصي الرجل من ماله بأكثر من الثلث؟، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٧٠.\n(^٣) جعل بإزاء هذا السطر في هامش المخطوط كلمة (الشيء) ووضع عليها صح ولم أعرف مكانها من السطر، إلا أن تكون: وإذا كان الشيء قليلًا بقي على الورثة.\n(^٤) مسألة: مقدار كثير المال وقليله، قال ابن جرير: اختلفوا في مبلغ المال الذي إذا تركه الرجل كان ممن لزمه حكم هذه الآية - ثم ذكر أنه قيل: ألف درهم، وقيل: مابين الخمسمائة إلى الألف، وقيل: من قليل المال وكثيره، ثم رجح هذا القول الأخير - قال: لأن قليل المال وكثيره يقع عليه خير، ولم يحد الله ذلك بحد، ولا خص منه شيئًا فيجوز أن يحال ظاهر إلى باطن.\n[انظر تفسير ابن جرير: ١/ ١٢٠، ١٢١].\nولكن ينبغي عند الوصية النظر للورثة عملًا بتوجيه الرسول - ﷺ - لسعد بن أبي وقاص، قال ابن قدامة: والذي يقوى عندي أنه متى كان المتروك لا يفضل عن غنى الورثة فلا تستحب الوصية؛ لأن النبي - ﷺ - علل المنع من الوصية بقوله: (أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة)؛ ولأن إعطاء القريب المحتاج خير من إعطاء الأجنبي، فمتى لم يبلغ الميراث غناهم كان تركه لهم كعطيتهم إياه، فيكون ذلك أفضل من الوصية به لغيرهم، فعند هذا يختلف الحال باختلاف الورثة في كثرتهم وقلتهم وغناهم وحاجتهم فلا يتقيد بقدر من المال والله أعلم.\n[المغني: ٨/ ٣٩٢، ٣٩٣].\n\nوما ورد عن الصحابة - رضوان الله عليهم - في مسألة تحديد قليل المال وكثيره يمكن حمله على أنه أمر نسبي يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، قال ابن العربي: وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾: يعني مالًا، وقد اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في تقديره، وذكر المفسرون والأحكاميون أقوالًا كلها دعاوى لا برهان عليها، والصحيح أن الحكم لم يختلف ولا يختلف بقلة المال وكثرته، بل يوصي من القليل قليلًا، ومن الكثير كثيرًا، وحيث ورد ذكر المال في القرآن فهو يسمى بالخير، وكذلك في الحديث.\n[أحكام القرآن: ١/ ١٠٢].","vol":"1","page":345},{"text":"قال الله ﵎: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (^١) اختلف الناس في تفسير هذه الآية، فزعم مجاهد: أنها منسوخة (^٢)، وزعم طاوس (^٣): أنه نسخ منها الوالدان وبقي الأقربون (^٤)، وروي عن ابن عمر مثل قول مجاهد (^٥)، وقال الحسن (^٦) وقتادة (^٧) مثل قول طاوس، ووافق سعيد بن جبير (^٨) وعكرمة (^٩)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٨٠]\n(^٢) رواه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ٢٣١، وابن جرير: ٢/ ١١٩، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ١٩١.\n(^٣) طاوس بن كيسان، أبو عبدالرحمن اليماني، من أبناء الفرس، قيل اسمه: ذكوان، فلقب به؛ لأنه كان طاوس القراء، عن: أبي هريرة، وابن عباس، وعنه: الزهري، وابنه عبدالله، ثقة فقيه فاضل، مات بمكة سنة ١٠٦ هـ. [الكاشف: ١/ ٥١٢، والتقريب: ٤٦٢].\n(^٤) رواه سعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٦٦٥، وابن جرير: ٢/ ١١٧، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٦٥ باب نسخ الوصية للوالدين والأقربين الوارثين، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ١٩٢.\n(^٥) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢٣١ كتاب الوصايا، وابن جرير: ٢/ ١١٩، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٦٥، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ١٩٠.\n(^٦) رواه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ٢٣١، وسعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٦٥٥، وابن جرير: ٢/ ١١٨، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٦٥، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ١٩٣.\n(^٧) رواه الدارمي في سننه: ٢/ ٥١١، باب الوصية للوارث، وعبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٦٨، وابن جرير: ٢/ ١١٧، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ١٩٣.\n(^٨) ذكره ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢١١.\n(^٩) رواه الدارمي في سننه: ٢/ ٥١١، باب الوصية للوارث، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ٢٣٠، وابن جرير: ٢/ ١١٩، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٢٣١ ..","vol":"1","page":346},{"text":"مجاهد، وقال زيد بن أسلم: الأقربون ههنا ولده، ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ (^١) قال: أحدهما من الآخر، وهو التعمد أن يحيف لبعضهم على بعض، فشدد الله ﷿ في ذلك وأمر بالإصلاح، فأمر الموصى إليه أن يصلح بين الوالدين والولد، وأمر المُوصي أن يسدد بالمعروف، فعجز المُوصي أن يوصي كما أمره الله، * وعجز الموصى إليه أن يصلح كما أمره الله، فنزع ذلك منهم وفرض الفرائض وسماها لأهلها (^٢).\nوقول زيد بيّن واضح، والآية منسوخة بآية المواريث، وقال رسول الله - ﷺ -: لا وصية لوارث. (^٣)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٨٢]\n* لوحة: ١٣/أ.\n(^٢) رواه ابن جرير: ٢/ ١٢٥، والبغوي في تفسيره: ١/ ١٩٤.\n(^٣) جزء من حديث روي عن غير واحد من الصحابة، رواه أبو داود في سننه: ٣/ ١١٤ الوصايا باب ما جاء في الوصية للوارث، والترمذي في باب ما جاء لا وصية لوارث من أبواب الوصايا، وقال: حديث حسن صحيح، انظر تحفة الأحوذي: ٦/ ٣٠٩، والنسائي في سننه: ٦/ ٥٥٧، باب في إبطال الوصية للوارث من أبواب الوصايا، وابن ماجة في سننه: ٢/ ١١٧، باب لا وصية لوارث من أبواب الوصايا، وأحمد في مسنده: ٤/ ١٨٦، والدارمي في سننه: ٢/ ٥١١، الوصايا باب الوصية للوارث، وغيرهم.\n\nقال الجصاص: وهذا الخبر المأثور عن النبي - ﷺ - في ذلك ووروده من الجهات التي وصفنا هو عندنا في حيز التواتر؛ لاستفاضته وشهرته في الأمة، وتلقي الفقهاء إياه بالقبول واستعمالهم له. [أحكام القرآن: ١/ ٢٣٢].","vol":"1","page":347},{"text":"ففرض الله لا يجوز أن يزاد فيه ولا ينقص، فمن فعل فقد عصى، فإن أجازه الورثة لبعضهم فإنما ذلك هبة منهم، وقد ذكرنا الاختلاف في الأقربين (^١).\n_________\n(^١) قال أبو محمد مكي بن أبي طالب: الأشهر في هذه الآية أنها منسوخة، واختلف في الناسخ لها ما هو؟ فمن أجاز نسخ ان تنسخ السنة المتواترة القرآن قال: نسخ فرض الوصية للوالدين ما تواتر نقله من قول النبي - ﷺ -: (لا وصية لوارث)، وقد حكاه أبو الفرج عن مالك كذلك، ونسخت آية المواريث فرض الوصية للأقربين. ومن منع نسخ القرآن بالسنة قال: نسخت الوصية للوالدين بقوله: - كذلك قال مالك في الموطأ - ونسخت الوصية للأقربين بالمواريث. [الإيضاح: ١٤١].\nوقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الآية محكمة ظاهرها العموم، ومعناها الخصوص في الوالدين اللذين لا يرثان كالكافرين والعبدين، وفي القرابة غير الوارثة.\nوقد حمل ابن كثير ماروي عن طاوس وغيره من القول بالنسخ على أنه ليس نسخًا بالمعنى الاصطلاحي المتأخر للنسخ، حيث قال: ولكن على قول هؤلاء لا يسمى هذا نسخًا في اصطلاحنا المتأخر؛ لأن آية المواريث إنما رفعت حكم بعض أفراد ما دل عليه عموم آية الوصاية لأن الأقربين أعم ممن يرث ومن لا يرث فرفع حكم من يرث بما عين له وبقي الآخر على ما دلت عليه الآية الأولى، وهذا إنما يتأتى على قول بعضهم أن الوصاية في ابتداء الإسلام إنما كانت ندبًا حتى نسخت، فأما من يقول: إنها كانت واجبة وهو الظاهر من سياق الآية فيتعين أن تكون منسوخة بآية الميراث كما قاله أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء. [تفسير ابن كثير: ١/ ٢١١].\n\nوممن رجح أن الآية محكمة ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٢١، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ١/ ٤٨٥، والشيخ السعدي في تيسير الكريم الرحمن: ٦٨، - مع أن الشيخ - ﵀ - لا يوافق القائلين أيضًا بالتخصيص، بل يرى أن الوصية للوالدين والأقربين مجملة ردها الله تعالى إلى العرف الجاري - وممن رجح أن الآية محكمة أيضًا الشيخ ابن عثيمين في تفسيره لسورة البقرة: ٢/ ٣٠٦.\nوقد ذهب المؤلف إلى أن آية المواريث ناسخة للوصية للوالدين والأقربين، وأن حديث الرسول - ﷺ - قد بين ذلك، ومن هنا يفهم أن المؤلف لا يرى نسخ القرآن بالسنة، قال ابن عبدالبر: فمن هنا قال العلماء: إن آية المواريث نسخت الوصية للوالدين والأقربين الوارثين ببيان رسول الله - ﷺ -، وهذا قول من لا يجيز نسخ القرآن بالسنة، وقد قال: لا ينسخ القرآن إلا القرآن، وهو قول الشافعي وأصحابه، وأكثر المالكيين، وداود، وسموا السنة بيانًا لا نسخًا. [الاستذكار: ٢٣/ ١٣].","vol":"1","page":348},{"text":"والظاهر من كتاب الله ﷿ يدل على ما ذهب إليه جل أهل العلم وفقهاء الأمصار: أن وصية الرجل حيث جعلها (^١)، والدليل على صحة ذلك: أن الوصية في الأصل ليست بواجبة (^٢)، فإذا كان الأصل ليس بواجب فكيف يكون الأقربون؟ وقد ينبغي للمُوصي أن يبدأ بقرابته وذوي أرحامه تقربًا إلى الله ﷿؛ إذ كان (^٣) أقرب له من الغرباء، وقال مسروق بن الأجدع وقد حضر رجلًا أوصى بما لا ينبغي فقال مسروق: إن الله قسم بينكم فأحسن القسم، وإنه من يرغب برأيه عن رأي الله يَضل، أوص لقرابتك ممن لا يرث ثم دع المال على ما قسمه الله ﷿ (^٤).\n_________\n(^١) انظر الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ٢٣٤، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٦٤.\n(^٢) قال القرطبي: ٢/ ٢٥٩: وأكثر العلماء على أن الوصية غير واجبة. وانظر الاستذكار: ٢٣/ ٧.\n(^٣) كذا في الأصل ولعل الصواب: إذ كانو أقرب له.\n(^٤) رواه أبوعبيد في الناسخ والمنسوخ: ٢٣٢، وسعيد في سننه بتحقيق الأعظمي: ١/ ١١٣، كتاب الوصايا باب هل يوصي الرجل من ماله بأكثر من الثلث، والطبري: ٢/ ١١٦، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٧١ باب ما جاء في قوله ﷿: وليخش الذين لو تركوا .. .","vol":"1","page":349},{"text":"وظاهر ذلك على الترغيب لا على الإيجاب وعلى التأكيد لا على العزيمة، وما ينبغي لأحد أن يرغب عما رغب الله فيه، وقد أوصى عمر بن الخطاب - ﵁ - لأمهات أولاده لكل امرأة منهن أربعة آلاف (^١). وقال النبي - ﷺ -: خيركم خيركم لأهله. (^٢)، وقال - ﷺ -: خيركم خيركم لأهلي * من بعدي (^٣).\n_________\n(^١) رواه الدارمي في سننه: ٢/ ٥١٥ باب من أوصى لأمهات أولاده، وعبدالرزاق في مصنفه: ٩/ ٨٩، ولم يذكر المبلغ الذي أوصى به عمر، وسعيد في سننه بتحقيق الأعظمي: ١/ ١٢٨ باب وصية الصبي،، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢٣٣ باب في الرجل يوصي لأم ولده.\n(^٢) رواه الترمذي في سننه: باب في فضل أزواج النبي - ﷺ - من أبواب المناقب، وقال: حديث حسن صحيح، تحفة الأحوذي: ١٠/ ٣٩٤، وابن ماجة في سننه: ١/ ٣٦٥ باب حسن معاشرة النساء من أبواب النكاح، والدارمي في سننه: ٢/ ٢١٢ باب حسن معاشرة النساء كتاب النكاح، والبيهقي في سننه: ٧/ ٤٦٨ باب فضل النفقة على الأهل كتاب النفقات.\n* لوحة: ١٣/ب.\n(^٣) رواه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٣٥٢ كتاب معرفة الصحابة، باب ذكر مناقب عبدالرحمن بن عوف الزهري، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وله شاهد صحيح على شرط الشيخين، وقال الذهبي: على شرط مسلم، وأبو يعلى في مسنده: ٥/ ٢٥٧، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٩/ ١٧٤: رواه أبو يعلى ورجاله ثقات.","vol":"1","page":350},{"text":"وأخبر محمد بن عمرو (^١): أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف (^٢) ذكر أن أباه (^٣) أوصى لأمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعمائة ألف (^٤).\nوأوصت عائشة - ﵂ - لمواليها (^٥). وأوصى إبراهيم النخعي (^٦) للحسن بن عمرو (^٧)،\nوليس بذي قربى (^٨).\n_________\n(^١) محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، عن أبيه، وأبي سلمة، وعنه: شعبة، ومالك، صدوق له أوهام، مات سنة ١٤٥ هـ. [الكاشف: ٢/ ٢٠٧، والتقريب: ٨٨٤].\n(^٢) أبو سلمة بن عبدالرحمن بن عوف الزهري، قيل اسمه: عبدالله، وقيل: اسمه كنيته، عن: أبيه، وعائشة، وعنه ابنه عمر، ومحمد بن عمرو، ثقة مكثر. [تهذيب الكمال: ٣٣/ ٣٧٠، والتقريب: ١١٥٥].\n(^٣) عبدالرحمن بن عوف بن عبد عوف القرشي الزهري، أبو محمد، أحد العشرة أسلم قديمًا، عنه: بنوه إبراهيم، وحميد، وأبو سلمة، مات سنة ٣٢ هـ. [الكاشف: ١/ ٦٣٨، والتقريب: ٥٩٤].\n(^٤) رواه الترمذي في مناقب عبدالرحمن بن عوف من أبواب المناقب بنحوه، انظر تحفة الأحوذي: ١٠/ ٢٥٢، والحاكم في المستدرك به: ٣/ ٣٥٢ كتاب معرفة الصحابة، باب ذكر مناقب عبدالرحمن بن عوف الزهري.\n(^٥) رواه ابن جرير: ٢/ ٥٥٥.\n(^٦) إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي اليماني، أبو عمران الكوفي، الإمام الحافظ فقيه العراق، ثقة إلا أنه يرسل كثيرًا، مات سنة ٩٦ هـ. [سير أعلام النبلاء: ٤/ ٥٢٠، والتقريب: ١١٨].\n(^٧) الحسن بن عمرو الفُقيمي التميمي الكوفي ثقة ثبت، مات سنة ١٤٢ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٦/ ٢٨٣، والتقريب: ٢٤١].\n(^٨) رواه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ٢٣٤، وقال أبو عبيد: قال عبدالرحمن: كان سفيان يحمل هذا الحديث على أنه اوصى لأجنبي؛ لأن إبراهيم كان من النخع، والحسن بن عمرو من بني تميم.","vol":"1","page":351},{"text":"وقال ابن المسيب: الوصية لمن سَمّى (^١)، ووافقه على ذلك سالم (^٢)، والزهري (^٣)، وسليمان بن يسار (^٤) (^٥)، ومحمد بن سيرين (^٦) (^٧)، وعبيد الله بن معمر (^٨)\n_________\n(^١) رواه عبدالرزاق في مصنفه: ٩/ ٨٣ باب لمن الوصية بلفظ: من أوصى فسمّى أعطينا من سمّى.\n(^٢) رواه الدارمي في سننه: ٢/ ٥١٢ باب في الرجل يوصي لغير قرابته، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢١٥ في الرجل يوصي بثلثه لغير ذي قرابة، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٢٣.\n(^٣) رواه عبدالرزاق في مصنفه: ٩/ ٨٢.\n(^٤) سليمان بن يسار الهلالي المدني، مولى ميمونة أن المؤمنين، ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة، مات سنة ١٠٧ هـ. [الكاشف: ١/ ٤٦٥، والتقريب: ٤١٤].\n(^٥) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢١٥ في الرجل يوصي بثلثه لغير ذي قرابة، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٢٣.\n(^٦) محمد بن سيرين الأنصاري، أبو بكر بن أبي عمرة البصري، مولى أنس بن مالك، ثقة ثبت عابد كبير القدر، مات سنة ١١٠ هـ. [سير أعلام النبلاء: ٤/ ٦٠٦، والتقريب: ٨٥٣].\n(^٧) مصنف عبد الرزاق: ٩/ ٩٥، ومصنف ابن أبي شيبة: ٦/ ٢١٤ في الرجل يوصي بثلثه لغير ذي قرابة.\n(^٨) لعله: عبيد الله بن معمر بن عثمان بن عمرو أبو معاذ القرشي التيمي، والد عمر بن عبيدالله بن معمر، أدرك - ﷺ -، مختلف في صحبته، سمع: عمر وعثمان، روى عنه: عروة بن الزبير، ومحمد بن سيرين، قيل: إنه قتل وهو ابن أربعين سنة\n[انظر ترجمته في معرفة الصحابة لأبي نعيم: ٤/ ١٨٧٦، والاستيعاب: ٢/ ٤٣٣، والإصابة: ٢/ ٤٤٠].\nوقد ذكر ابن عساكر عن رجل من ولد عبيدالله أنه قال: مات عبيدالله بن معمر أبو معاذ في عهد عثمان بإصطخر، والذي على البصرة هو عبيدالله بن عبدالله بن معمر، روى عنه خلاس وابن سيرين.\n[تاريخ دمشق: ٣٨/ ١٢٢].\n\nوقال ابن حجر: وفي بني تيم عبيدالله بن عبدالله بن معمر، وهو ابن أخي صاحب الترجمة، وربما نسب إلى أبيه.\n[الإصابة: ٣/ ٧٧].\nقلت: ولم أجد ترجمة لعبيدالله بن عبدالله بن معمر، وقد وهم محقق كتاب الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ٢٣٣، حيث ترجم له على أنه: عبيدالله بن محمد المعروف بابن عائشة، المتوفى سنة ٢٢٨ هـ، فكيف يروي عنه ابن سيرين؟ حيث إن جميع طرق هذا الأثر عن ابن سيرين عنه، بل كيف يحدث عنه أبو عبيد وهو المتوفى سنة ٢٢٤ هـ؟ وبينهما في السند ثلاثة رجال.","vol":"1","page":352},{"text":"(^١)، وقولهم موافق لقول الله ﷿: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (^٢) (^٣). قال الله ﵎: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ (^٤)\nالجنف: الحيف، والإثم: العمد، والميل الذي جعله الله جنفًا هو أن يخطئ فيضع الشيء في غير موضعه، أو أن يحيف في الوصية فيوصي بأكثر من الثلث، أو يقر في ماله بإقرار يزيل به عن الورثة حقًا،\nقال لبيد:\nإني امرؤ منعتْ أرومةُ عامرٍ ... ضيمي وقد جنفتْ عليّ خصومي (^٥)\n_________\n(^١) رواه عبدالرزاق في مصنفه: ٩/ ٨٢ باب لمن الوصية، وسماه عبيدالله بن يعمر، ولعله تصحيف، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ٢٣٣، وسماه عبيدالله بن عبيدالله بن معمر، وسعيد بن منصور في سننه بتحقيق الأعظمي: ١/ ١١١ الوصايا باب هل يوصي الرجل من ماله بأكثر من الثلث، وسماه عبدالله بن معمر، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢١٤ في الرجل يوصي بثلثه لغير ذي قرابة، وسماه عبيدالله بن عبدالله بن معمر، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١١٦، وسماه عبدالله بن معمر، وفي تفسير ابن جرير بتحقيق التركي: ٣/ ١٢٦: عبيدالله بن عبيدالله ابن معمر.\nقلت: ولعله شخص واحد لاتحاد السند والمتن.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٨١]\n(^٣) يشير المؤلف إلى أن عدم إنفاذ الوصية على ما سماها الموصي تبديل للوصية، قال أبو عبيد بعد ذكره لجملة من الآثار الدالة على هذا: وكل هذه الآثار في أشباه لها كثير توجد في الأحاديث العالية إن تُدبرت تدل على أنهم قد أنفذوا الوصايا على ما سماها أربابها، ولم يسألوا عن قريب ولا غيره ما لم يكن وارثًا.\n[الناسخ والمنسوخ: ٢٣٧].\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ١٨٢]\n(^٥) ديوانه: ١٣٢، لسان العرب: ٩/ ٣٣، تفسير القرطبي: ٢/ ٢٧٠.","vol":"1","page":353},{"text":"فأمر المُوصي بالعدل في الوصية، وأمر الموصى إليه بوعظه وأن يأخذه بالإصلاح فيما يوصي إليه، هذه الألفاظ معاني ما روي عن طاوس (^١)، وعطاء (^٢) (^٣)، وسعيد بن جبير (^٤)، ومجاهد (^٥)، ومن فسر هذه الآية (^٦). وقد قال قوم: إن هذه الآية قبل نزول الفرائض قال ذلك زيد بن أسلم (^٧) واحتج بقول الله ﷿: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (^٨) * يقول: صوابًا (^٩)، يأمر هذا الموصي أن يسدد في ذلك، فلما عجزوا فرض الله الفرائض وسماها لأهلها. وقال قتادة في هذه الآية: إن الإمام يردها إلى كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -، فردُّها واجب عليه (^١٠).\n_________\n(^١) رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٦٩، وسعيد في سننه: ٢/ ٦٧٣، وابن جرير: ٢/ ١٢٥، ١٢٨، وابن أبي حاتم: ١/ ٣٠١.\n(^٢) عطاء بن أبي رباح، أسلم، أبو محمد القرشي مولاهم، مفتي الحرم، حدث عن عائشة وابن عباس، وأرسل عن الرسول - ﷺ -، وحدث عنه: ابن جريج ومجاهد بن جبر، ثقة فاضل لكنه كثير الإرسال، مات سنة ١١٤ هـ.\n[سير أعلام النبلاء: ٥/ ٧٨، والتقريب: ٦٧٧].\n(^٣) رواه ابن جرير: ٢/ ١٢٤، ١٢٧، وابن أبي حاتم: ١/ ٣٠٢.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم: ١/ ٣٠٢.\n(^٥) رواه ابن جرير: ٢/ ١٢٣، ١٢٧، وذكره ابن أبي حاتم: ١/ ٣٠٢.\n(^٦) وهذا يروى ايضًا عن: ابن عباس، وأبي العالية، وقتادة، وأبي مالك، والربيع بن أنس، والضحاك، وإبراهيم النخعي. انظر المراجع السابقة.\n(^٧) سبق تخريجه ص ٦٤.\n(^٨) [سورة النساء: الآية ٩]\n* لوحة: ١٤/أ.\n(^٩) رواه ابن جرير: ٤/ ٢٧٣.\n(^١٠) رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٦٩، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٢٤، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٢٣٩.","vol":"1","page":354},{"text":"فهذا مع قول زيد أحسن ما قيل في هذه الآية والله أعلم (^١).\nأخبرنا القاضي البرنكاني (^٢) قال: أخبرنا الحسن بن أبي ربيع الجرجاني (^٣) قال: أخبرنا\nعبد الرزاق (^٤) عن معمر (^٥)\n_________\n(^١) ذهب ابن جرير إلى أن المقصود بالإصلاح في هذه الآية هو وعظ الموصي ممن حضره بألا يميل في وصيته قبل موته؛ لأن خوف الجنف والإثم من الموصي إنما هو كائن قبل وقوع الجنف والإثم.\n[انظر تفسيره: ٢/ ١٢٥].\nويمكن أن يقال بأن من خاف أي: توقع أو علم جورًا من الموصي فإنه يصلح، وهذا الصلح يشمل ما إذا كان قبل موت الموصي بأن يأمره بالعروف، أو بعده بأن يصلح بين الورثة أو بأ يلغي الوصية.\n[انظر تفسير الشيخ ابن عثيمين: ٢/ ٣١٣].\n(^٢) محمد بن أحمد بن سهل البرنكاني، أحد شيوخ المؤلف، تقدم.\n(^٣) الحسن بن يحيى بن الجعد العبدي، أبو علي ابن أبي الربيع الجرجاني، عن: عبدالرزاق، ويزيد، وعنه: ابن ماجة، وابن عياش، صدوق توفي سنة ٢٦٣ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٦/ ٣٣٤، والتقريب: ٢٤٣].\n(^٤) عبدالرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني، عن: وهب، ومعمر، وعنه: أحمد بن حنبل، والحسن بن أبي الربيع، ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخره فتغير، وكان يتشيع، مات سنة ٢١١ هـ. [تهذيب الكمال: ١٨/ ٥٢، والتقريب: ٦٠٧].\n(^٥) معمر بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، عن: ثابت البناني، وأشعث بن عبدالله، وعنه: عبدالرزاق، وابن المبارك، ثقة ثبت فاضل، إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وعاصم بن أبي النجود وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدث به بالبصرة، مات سنة ١٥٣ هـ.\n\n[تهذيب الكمال: ٢٨/ ٣٠٣، والتقريب: ٦٩١].","vol":"1","page":355},{"text":"عن أشعث (^١) عن شهر بن حوشب (^٢) عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: إن الرجل ليعمل بعمل أهل النار ستين سنة ثم يعدل في وصيته فيدخل الجنة، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة ستين سنة ثم يجور في وصيته فيدخل النار، واقرؤوا: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ (^٣) إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (^٤) (^٥)\n_________\n(^١) أشعث بن عبدالله بن جابر الحُداني، أبو عبدالله، الأعمى البصري، وقد ينسب إلى جده فيقال: أشعث بن جابر، عن: أنس، وشهر بن حوشب، وعنه: شعبة، ومعمر، صدوق.\n[تهذيب الكمال: ٣/ ٢٧٢، والتقريب: ١٤٩].\n(^٢) شهر بن حوشب الأشعري، يقال: أبو سعيد، ويقال: أبو عبدالله، ويقال: أبو الجعد، الشامي مولى أسماء بنت يزيد بن السكن، عن: مولاته أسماء، وأبي هريرة، وعنه: أشعث الحداني، وقتادة، صدوق كثير الإرسال والأوهام، مات سنة ١١٢ هـ.\n[تهذيب الكمال: ١٢/ ٥٧٨، والتقريب: ٤٤١].\n(^٣) [سورة النساء: الآية ١٣]\n(^٤) [سورة النساء: الآية ١٤]\n(^٥) رواه أبو داود في سننه: ٣/ ١١٣ كتاب الوصايا باب ما جاء في كراهية الإضرار في الوصية، والترمذي باب ما جاء في الضرار في الوصية، وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه انظر تحفة الأحوذي: ٦/ ٣٠٤، كلاهما من طريق عبدالصمد عن نصر بن علي عن الأشعث بن جابر به، وبلفظ: (إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار قال: وقرأ علي أبو هريرة)\nوابن ماجة في سننه: ٢/ ١١٥ باب الحيف في الوصية من أبواب الوصايا، وأحمد في مسنده: ٢/ ٢٧٨، وعبدالرزاق في مصنفه: ٩/ ٨٨ باب الحيف في الوصية، كلهم من طريق عبدالرزاق به، وبلفظ (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة فإذا أوصى حاف فيختم له بشر علمه فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة، قال: ثم يقول أبو هريرة)\nوهذا الحديث ضعيف؛ لأن مدار الحديث على شهر بن حوشب، حيث لم يروه عن أبي هريرة أحد من أصحابه غير شهر، وقد ضعفه جمع من أهل العلم.\nومع ضعف هذا الحديث سندًا إلا أن معناه صحيح، قال الشوكاني: وقراءة أبي هريرة للآية لتأييد معنى الحديث وتقويته، لأن الله سبحانه قد قيد ما شرعه من الوصية بعدم الضرار فتكون الوصية المشتملة على الضرار مخالفة لما شرعه الله تعالى، وما كان كذلك فهو معصية، وقد تقدم قريبًا عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا بإسناد صحيح: (أن وصية الضرار من الكبائر)، وذلك مما يؤيد معنى الحديث.\n[نيل الأوطار: ٦/ ٤٦].","vol":"1","page":356},{"text":"قوله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (^١) إلى قوله: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (^٢)\nاختلف المفسرون في هذه الآية فقال عطاء: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ ثلاثة أيام من كل شهر (^٣)، وقال قتادة: قد كان ذلك كُتب ثم كُتب شهر رمضان (^٤)، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان أحدهم إذا نام لم يطعم ولم تحل له النساء (^٥)، فزعم أن معنى كتب هذا، وهو صفة كيف كان صومهم دون الأيام، وقال معاذ بن جبل (^٦):\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٨٣]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٨٤]\n(^٣) رواه سعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٦٧٧ بلفظ: ثلاثة أيام من كل شهر، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٣١، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٠٥.\n(^٤) رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٦٩، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٢٩.\n(^٥) رواه ابن حزم في المحلى ٢/ ٢٢٠ من طريق إسماعيل بن إسحاق، وقد روي عن ابن عباس من طريق عكرمة، فقد رواه أبوداود في سننه: ٢/ ٢٩٥ كتاب الصوم باب مبدأ فرض الصوم، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ١٩٨، ومن طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس رواه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ٣٨.\n(^٦) معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس، أبو عبدالرحمن الأنصاري الخزرجي، الإمام المقدم في علم الحلال والحرام، شهد المشاهد كلها، وروى عن النبي - ﷺ -، وروى عنه: ابن عباس، وابن عمر وآخرون، وكانت وفاته بالطاعون في الشام سنة ١٨ هـ. [الاستيعاب: ٣/ ٣٥٥، والإصابة: ٣/ ٤٢٦].\n\n* لوحة: ١٤/ب.","vol":"1","page":357},{"text":"إنه كان يصام ثلاثة أيام من كل شهر ويوم عاشوراء ثم إن الله فرض شهر رمضان، وكانوا إذا * ناموا حرُم عليهم الطعام والنساء فأنزل الله ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ (^١) إلى آخر الآية. (^٢)\n\nفأما: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ (^٣) فإنه نزل في صرمة بن أنس الأنصاري (^٤)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٨٧]\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٣١، ١٣٢، وروي عن معاذ بمعناه في مسألة إحالة الصيام ثلاثة أحوال، فرواه أبو داود في سننه: ١/ ١٣٨ كتاب الصلاة، باب كيف الأذان، وأحمد في مسنده: ٥/ ٢٤٦، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٠١ كتاب التفسير سورة البقرة، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح.\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ١٨٧]\n(^٤) اختلفت الروايات في ذكر هذا الاسم، ففي رواية البخاري والترمذي (قيس بن صرمة الأنصاري)، وفي رواية أبي داود (صرمة بن قيس)، وفي رواية النسائي (أبو قيس بن عمرو)، وذكر غير ذلك.\nقال ابن حجر: فإن حمل هذا الاختلاف على تعدد أسماء من وقع له ذلك، وإلا فيمكن الجمع برد جميع الروايات إلى واحد، وهو (أبو قيس صرمة بن أبي أنس قيس بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، أسلم لما قدم الرسول - ﷺ - المدينة، وهوكهل كبير، وله كلام جيد، وشعر حسن)\nفمن قال: (قيس بن صرمة) قلبه، ومن قال: (صرمة بن مالك) نسبه إلى جده، ومن قال: (صرمة بن أنس) - كما ذكر المؤلف هنا - حذف أداة الكنية عن أبيه، ومن قال: (أبو قيس بن عمرو) أصاب في كنيته وأخطأ في اسم أبيه، وكذلك من قال: (أبو قيس بن صرمة).\n\n[انظر فتح الباري: ٤/ ١٦٧، والإصابة: ٢/ ١٨٤].","vol":"1","page":358},{"text":"أكل بعد أن نام (^١)، وعمر بن الخطاب جامع بعد أن نام (^٢) فخشيا أن ينزل فيهما، فنزلت الرخصة من أجلهما (^٣).\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٧٦ كتاب الصوم، باب قول الله جل ذكره ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَاؤُكُمْ﴾، وأبو داود في سننه: ٢/ ٢٩٥ كتاب الصوم، باب مبدأ فرض الصيام، والترمذي في أبواب التفسير، سورة البقرة، انظر تحفة الأحوذي: ٨/ ٣٠٥، والنسائي في سننه: ٤/ ٤٥٥ كتاب الصيام، باب تأويل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، وغيرهم.\n(^٢) رواه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ٤١، ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٦٥، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣١٥، وانظر تخريج أثر معاذ بن جبل السابق في إحالة الصوم ثلاثة أحوال.\n(^٣) وقد ذكر ابن حجر أن الآية نزلت في الأمرين معًا أي: في نسخ تحريم الأكل والشرب والجماع بعد ما ينام أو يصلي صلاة العشاء الآخرة، وورد في رواية البخاري في قصة صرمة: فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَاؤُكُمْ﴾ ففرحوا بها فرحًا شديدًا، ونزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾. قال ابن حجر: وقدم ذكر ما يتعلق بعمر لفضله؟ يقصد إباحة الجماع -. [انظر فتح الباري: ٤/ ١٦٩].","vol":"1","page":359},{"text":"والصحيح من التفسير: أنه شهر رمضان، فإن قال قائل فهل كُتب شهر رمضان على من كان قبلنا؟ قيل له: قد يجوز أن يكون ذلك قد كُتب على إبراهيم صلوات الله [عليه] (^١)، ألا ترى إلى قوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (^٢) وقد يجوز ألا يكون كتب على إبراهيم ولا على غيره شهر رمضان، ولكن كتب عليهم صيام ثم قيل لنا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (^٣) كما فرض على الذين من قبلكم أيامًا معدودات وليست بعينها، ثم جعل الله الأيام التي علينا شهر رمضان، ألا تراه ﷻ قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ (^٤) ولم يخلق عيسى من تراب وكان التشبيه في قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٥) دون خلقه من تراب. (^٦)\n_________\n(^١) كلمة (عليه) ليست في الأصل، وأضفتها ليستقيم المعنى.\n(^٢) [سورة الحج: الآية ٧٨]\n(^٣) [سورة البقرة: الآيتان ١٨٣ - ١٨٤]\n(^٤) [سورة آل عمران: الآية ٥٩]\n(^٥) [سورة آل عمران: الآية ٥٩]\n(^٦) التشبيه بين عيس وآدام - ﵉ - في كونهما خلقا من غير أب، فإن هذه الآية كما ذكر المفسرون نزلت في الرد على النصارى في استنكارهم لخلق عيسى من غير أب.\n[انظر تفسير ابن جرير: ٣/ ٢٩٥، وابن كثير: ١/ ٣٦٧].\nأما مسألة موضع التشبيه بين صومنا وصوم الذين من قبلنا فقد ذكر فيها أقوال ملخصها: أن التشبيه يرجع إلى حكم الصوم وصفته، لا في عدده، وقيل: إنه يرجع إلى عدد الصوم لا إلى صفته.\n[انظر النكت والعيون: ١/ ٢٣٦].\nوالراجح أنه تشبيه للكتابة بالكتابة، وليس المكتوب بالمكتوب، قال ابن العربي: والمقطوع به أنه التشبيه في الفرضية خاصة، وسائره محتمل. [أحكام القرآن: ١/ ١٠٨].\nوقال ابن الجوزي: التشبيه راجع إلى نفس الصوم لا إلى صفته، ولا إلى عدده، والمعنى: كتب عليكم أن تصوموا كما كتب عليهم، وأما صفة الصوم وعدده فمعلوم من وجوه أخر لا من نفس الآية، وهذا المعنى مروي عن ابن أبي ليلى، وقد أشار إليه اسدي، والزجاج، والقاضي أبو يعلى، وما رأيت مفسرًا يميل إلى التحقيق إلا وقد أومأ إليه، وهو الصحيح، وما ذكره المفسرون فإنه شرح حال صوم المتقدمين، وكيف كتب عليهم لا أنه تفسير للآية، وعلى هذا البيان لا تكون الآية منسوخة أصلًا.\n[انظر نواسخ القرآن: ٢٠٢، وانظر في هذه المسألة تفسير الشيخ ابن عثيمين: ٢/ ٣١٦].\nوأما مسألة الخلاف في المراد بالأيام المعدودات فالراجح هو ما ذكره المؤلف هنا من أن المراد هو صوم شهر رمضان، وهذا ما عليه جمهور المفسرين. [انظر النكت والعيون: ١/ ٢٣٧].\nقال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى الآية: يا أيها الذين آمنوا فرض عليكم الصيام كما فرض على الذين من قبلكم من أهل الكتاب، أيامًا معدودات وهي شهر رمضان كله؛ لأن من بعد إبراهيم - ﷺ - كان مأمورًا باتباع إبراهيم، وذلك أن الله جل ثناؤه كان جعله للناس إمامًا، وقد أخبرنا الله ﷿ أن دينه كان الحنيفية المسلمة، فأمر نبينا - ﷺ - بمثل الذي أمر به من قبله من الأنبياء.\nوقال في موضع آخر: فمن ادعى أن صومًا كان قد لزم المسلمين غير صوم شهر رمضان الذين هم مجمعون على وجوب فرض صومه، ثم نسخ ذلك سئل البرهان على ذلك من خبر تقوم به حجة، إذ كان لا يعلم ذلك إلا بخبر يقطع العذر، وإذ كان الأمر في ذلك على ما وصفنا للذي بينا فتأويل الآية: كتب عليكم أيها المؤمنون الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أيامًا معدودات هي شهر رمضان، وجائز أيضًا أن يكون معناه: كتب عليكم الصيام كتب عليكم شهر رمضان.\n[انظر تفسير الطبري: ٢/ ١٣٠، ١٣٢]","vol":"1","page":360},{"text":"ثم قال ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (^١) والأخر غير معلومة وحكمها أن تكون عن معلومة (^٢).\nوأما قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (^٣) فإن ابن عباس كان يقرؤها: (وعلى الذين يُطَوَّقُونَهُ)، ولا يطيقونه، ويقول: إنها في الشيخ والشيخة إذا عجزا عن الصيام (^٤).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٨٤]\n(^٢) أي: أن من أفطر في رمضان لعذر شرعي فعليه صوم عدة الأيام التي أفطرها - وهذه الأيام معلومة، مؤقتة بوقت هو شهر رمضان - من أيام أخر، وهذه غير معلومة، وغير مؤقتة بوقت لا يجوز القضاء إلا فيه.\nقال ابن العربي: يقتضي وجوب القضاء من غير تعيين لزمان، وذلك لا ينافي التراخي، فإن اللفظ مسترسل على الأزمنة لا يختص ببعضها دون بعض. [أحكام القرآن: ١/ ١١٣].\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ١٨٤]\n(^٤) قال القرطبي في تفسيره: ٢/ ٢٨٦: ومشهور قراءة ابن عباس (يطوقونه) بفتح الطاء مخففة، وتشديد الواو بمعنى: يكلفونه. [وانظر المحتسب لابن جني: ١/ ١١٨، والبحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ١٨٨].\nوقد ذكر القرطبي أيضًا رواية أخرى عن ابن عباس بأنه قرأها (يَطَّوقونه) بفتح الياء، وشد الطاء مفتوحة، وقال: هي صواب في اللغة؛ لأن الأصل يتطوقونه فأسكنت التاء وأدغمت في الطاء، فصارت طاء مشددة، وليست من القرآن، خلافًا لمن أثبتها قرآنًا، وإنما هي قراءة على التفسير.\n[وانظر المحتسب: ١/ ١١٨].\nوقد رويت كلتا القراءتين عن غير ابن عباس، انظر المراجع السابقة.\nأما ماذكر المؤلف من قوله: يطوقونه ولا يطيقونه، فمشهور قراءة ابن عباس كما ذكر (يطوقونه) وأما قوله: (ولا يطيقونه) فهو تفسير لمعنى يطوقونه، فقد روى ابن جري في تفسيره: ٢/ ١٣٩ عن ابن عباس أنه قال: هم الذين يتكلفونه ولا يطيقونه.\n\nوقد روى هذه القراءة عن ابن عباس وأنها في الشيخ والشيخة إذا عجزا عن الصيام، البخاري في صحيحه: ٤/ ١٦٣٨ كتاب التفسير سورة البقرة باب قوله: أيامًا معدودات، وعبدالرزاق في مصنفه: ٤/ ٢٢١ باب الشيخ الكبير من كتاب الصيام، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ٤٧، والطحاوي في أحكام القرآن: ١/ ٤١٨، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٣٧، وابن حزم في المحلى: ٦/ ٢٦٥ من طريق إسماعيل بن إسحاق، والبيهقي في سننه: ٤/ ٢٧١ باب الشيخ الكبير لا يطيق الصوم ويقدر على الكفارة يفطر ويفتدي.","vol":"1","page":361},{"text":"وروي عنه ضد ذلك رواه * حماد بن زيد (^١) عن سلمة بن علقمة (^٢) عن محمد بن سيرين (^٣) عن ابن عباس: أنه قرأ هذه الآية (فديةُ طعامِ مساكين) (^٤) قال: هي منسوخة (^٥).\n_________\n* لوحة: ١٥/أ.\n(^١) حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي، أبو إسماعيل البصري، عن بهز بن حكيم، وسلمة بن علقمة، وعنه: خالد بن خداش، وابن المبارك، ثقة ثبت فقيه، مات سنة ١٧٩ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٧/ ٢٣٩، والتقريب: ٢٦٨].\n(^٢) سلمة بن علقمة التميمي، أبو بشر البصري، روى عن محمد بن سيرين، ونافع مولى ابن عمر، وعنه: حماد بن زيد، ويزيد بن زريع، ثقة. [تهذيب الكمال: ١١/ ٢٩٨، والتقريب: ٤٠١].\n(^٣) محمد بن سيرين ثقة ثبت عابد تقدم.\n(^٤) كذا في الأصل بإضافة فدية إلى طعام وجمع مساكين، ومشهور قراءة ابن عباس إفراد (مسكين) قال القرطبي في تفسيره: ٢/ ٢٨٧: وقرأ ابن عباس (طعام مسكين) بالإفراد فيما ذكر البخاري وأبو داود والنسائي عن عطاء عنه. [انظر تخريج قراءة يطوقونه، وتخريج هذه الرواية].\nوقد اختلف القراء في هذه الآية، فقرأ المدنيان - نافع وأبو جعفر من العشرة - وابن ذكوان (فدية) بغير تنوين مضاف و(طعام) بالخفض، وقرأ الباقون بتنوين (فدية) ورفع (طعام)، وأما قوله (مساكين) فقرأ المدنيان وابن عامر على الجمع، وقرأ الباقون (مسكين) على الإفراد.\n[السبعة لابن مجاهد: ١٧٦، والنشر لابن الجزري: ٢/ ١٧٠].\n(^٥) رواه ابن حزم في المحلى: ٦/ ٢٦٤ من طريق حماد به، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ٢٠٦. وهذه رواية ضعيفة للانقطاع بين ابن سيرين وابن عباس، قال العلائي: محمد بن سيرين لم يسمع من ابن عباس شيئًا.\n[جامع التحصيل: ٢٦٤].\nوقد رويت عن ابن عباس من غير هذا الطريق، فرواها أبوعبيد في الناسخ والمنسوخ: ٤٣ من طريق عطاء الخراساني ومن طريق علي بن أبي طلحة، والطحاوي في أحكام القرآن: ١/ ٤١٨ من طريق سعيد بن جبير، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٣٥ من طريق سعيد أيضًا.\nقلت: ما روي عن ابن عباس في هذه الروايات من القول بنسخ هذه الآية لا يقصد به النسخ في إصطلاح المتأخرين، وإنما يقصد التخصيص، قال القرطبي في تفسيره: ٢/ ٢٨٨ بعد ذكره للقولين عن ابن عباس: فقد ثبت بالأسانيد الصحاح عن ابن عباس أن الآية ليست بمنسوخة، وأنها محكمة في حق من ذكر، والقول الأول صحيح أيضًا، إلا أنه يحتمل أن يكون النسخ هناك بمعنى التخصيص، فكثيرًا ما يُطلق المتقدمون النسخ بمعناه.\nوقد رجح الرواية الثانية عن ابن عباس - أن الآية منسوخة - الطحاوي في أحكام القرآن: ١/ ٤٢١ حيث قال: والقراءتان جميعًا قد رويناهما عن ابن عباس، والله أعلم بالصحيح فيما اختلف فيه سعيد وهشام مما رويناه عنهما، والأشبه بمذهب ابن عباس في هذا هو مارواه سعيد - أي ما رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عروة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في أن الآية منسوخة - ثم ساق بسنده عن ابن عباس: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ واحد ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فزاد مسكينًا آخر ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لايرخص إلا للكبير الذي لايطيق الصوم، أو المريض الذي لايعلم أنه يشفى.\nثم قال الطحاوي: أفلا ترى أن ابن عباس قد أخبر في هذا الحديث أن المرخص له في الإطعام، وترك الصيام هو الذي لاترجى له القوة على الصيام في المستأنف، فأما من كان ترجى له القوة على الصيام في المستأنف فإنه لم يكن عنده كذلك.","vol":"1","page":362},{"text":"وقال عكرمة: نزلت في الحبلى والمرضع والشيخ والشيخة (^١)، فكانوا يرون أن الشيخ والعجوز نسخا منها، وروى الحارث (^٢) عن علي (^٣)، وعكرمة عن ابن عباس: أنها في الشيخ والشيخة يفطران ويطعمان (^٤)، وقال ابن عمر: في الحبلى أنها تفطر وتطعم (^٥)،\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٣٥، وابن حزم في المحلى: ٦/ ٢٦٤، وذكره ابن الجوزي في نواسخ القرآن: ٢١٢\n(^٢) الحارث بن عبدالله الأعور الهمداني، أبو زهير صاحب علي، روى عنه وعن ابن مسعود، وعنه: الشعبي، وأبو إسحاق السبيعي، رمي بالرفض، وفي حديثه ضعف، مات سنة ٦٥ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٥/ ٢٤٤، والتقريب: ٢١١].\n(^٣) رواه ابن حزم في تفسيره: ٢/ ١٣٩، وذكره ابن حزم في المحلى: ٦/ ٢٦٥.\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٣٩، والبيهقي في سننه: ٤/ ٢٧١ باب الشيخ الكبير لايطيق الصوم، كلاهما من طريق عكرمة عن ابن عباس، وروي من طريق عطاء ومجاهد عن ابن عباس انظر تخريج قراءة (يطوقونه).\n(^٥) الروايات عن ابن عمر في هذا الباب مختلفة، فقد روي عنه الفطر والإطعام دون ذكر القضاء وعدمه رواه الإمام مالك في الموطأ: ١/ ٢٥٤ كتاب الصيام رقم: ٥٢، وعبدالرزاق في مصنفه: ٤/ ٢١٧ باب الحامل والمرضع.\nوروي عنه الأمر بالقضاء مع الإطعام، رواه عبدالرزاق في مصنفه: ٤/ ٢١٨ باب الحامل والمرضع، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٠٧، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٣٦، وابن حزم في المحلى: ٦/ ٢٦٣ من طريق إسماعيل بن إسحاق.\n\nوروي عنه الفطر والإطعام وعدم القضاء، رواه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ٦٣، والطحاوي في أحكام القرآن: ١/ ٤٢١، والدارقطني في سننه: ٢/ ٢٠٧ باب طلوع الشمس بعد الإفطار من كتاب الصيام، والبيهقي في سننه: ٤/ ٢٣٠ باب الحامل والمرضع من كتاب الصيام.","vol":"1","page":363},{"text":"قال نافع: وكان ابن عمر إذا أمر بالإطعام لم يأمر بالقضاء (^١)، ولعل ابن عمر لم يأمر بالقضاء لأن المأمور عالم بأن القضاء واجب عليه، والأحاديث في هذا الباب والاضطراب فيها كثير، وقد كان أنس بن مالك ضعف عن الصيام قبل موته عامًا أو عامين فكان يجمع نحوًا من ثلاثمائة مسكين فيطعمهم (^٢)،\n_________\n(^١) لم أقف عليه، ولكن جل الروايات المذكورة عن ابن عمر في هذا الباب من رواية نافع عنه.\n(^٢) رواه البخاري معلقًا في صحيحه: ٤/ ١٦٣٨ كتاب التفسير سورة البقرة باب قوله: أيامًا معدودات، والإمام مالك في الموطأ بلاغًا: ١/ ٢٥٤ كتاب الصيام رقم: ٥٢، ووصله عبدالرزاق في مصنفه: ٤/ ٢٢٠ باب الشيخ الكبير، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ٥٥، والطحاوي في شرح مشكل الآثار: ٦/ ١٨٨، والدارقطني في سننه: ٢/ ٢٠٧ كتاب الصيام باب طلوع الشمس بعد الإفطار، والطبراني في الكبير: ١/ ٢٤٢، وقال الهيثمي في المجمع: ٣/ ١٦٤ رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح. والبيهقي في سننه: ٤/ ٢٧١ باب الشيخ الكبير الذي لايطيق الصوم.\n\nقال ابن عبدالبر: اختلف عن أنس في صفة إطعامه، فروي عنه مد لكل مسكين، وروي عنه نصف صاع، وروي عنه أنه كان يجمعهم فيطعمهم فربما جمع ثلاثمائة مسكين فأطعمهم وجبة واحدة، وربما أطعم ثلاثين مسكينًا كل ليلة من رمضان يتطوع بذلك، وكان يصنع لهم الجفان من الخبز واللحم. [الاستذكار: ١٠/ ٢١٣].","vol":"1","page":364},{"text":"وقال إبراهيم (^١) عن علقمة (^٢) في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ (^٣) نسختها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^٤) (^٥)، وكان عبد الله بن صفوان (^٦) لما كبر شق عليه الصيام فكان يقول: وددت أن علي في كل يوم رقبة (^٧)، وقال قتادة: كان ذلك ترخيص للشيخ والعجوز فنسخ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^٨) (^٩)، وثبت عن عبد الله بن سوادة القشيري (^١٠)\n_________\n(^١) إبراهيم النخعي ثقة يرسل كثيرًا تقدم.\n(^٢) علقمة بن قيس بن عبدالله النخعي الكوفي، أبو شبل، عن: أبي بكر وعمر، وعنه: ابن أخته إبراهيم النخعي، وسلمة بن كهيل، ثقة ثبت فقيه عابد، مات سنة ٦٢ هـ. [الكاشف: ٢/ ٣٤، والتقريب: ٦٨٩].\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ١٨٤]\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ١٨٥]\n(^٥) رواه عبدالرزاق في مصنفه: ٤/ ٢٢٢، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ٤٤، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٢/ ٢٨٤ باب ما قالوا في رجل يدركه رمضان فيصوم ثم يسافر، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٣٣.\n(^٦) لعله عبد الله بن صفوان بن أمية، أبو صفوان الجمحي المكي، أبو صفوان، من أشراف قريش، لا صحبة له، ولد أيام النبي - ﷺ -، عن: أبيه، وعمر، وعنه: الزهري، وعمرو بن دينار، مشهور، مات مع ابن الزبير سنة ٧٣ هـ. [سير أعلام النبلاء: ٤/ ١٥٠، والتقريب: ٥١٦]\n(^٧) لم أقف عليه.\n(^٨) [سورة البقرة: الآية ١٨٥]\n(^٩) رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٦٩، وفي مصنفه: ٤/ ٢٢٤ باب الشيخ الكبير، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٠٨، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٣٦.\n(^١٠) عبدالله بن سوادة بن حنظلة القشيري، عن: أبيه، وعنه إسماعيل بن علية، وعبدالوارث، ثقة.\n\n[الكاشف: ١/ ٥٦٠، والتقريب: ٥١٣].","vol":"1","page":365},{"text":"عن أبيه (^١) عن أنس بن مالك -رجل منهم - (^٢) أنه أتى النبي - ﷺ - وهو يتغدى فقال له: هلم إلى الغداء، فقال: يا نبي الله إني صائم فقال له النبي - ﷺ -: إن الله قد وضع عن المسافر الصوم وعن المريض والحبلى والمرضع. (^٣) وقال القاضي: ولهذا الحديث طرق (^٤).\n_________\n(^١) سوادة بن حنظلة القشيري البصري، رأى علي بن أبي طالب، وروى عن سمرة بن جندب، وعنه: شعبة بن الحجاج، وابنه عبدالله، صدوق. [تهذيب الكمال: ١٢/ ٢٣٣، والتقريب: ٤٢٢].\n(^٢) أنس بن مالك الكعبي القشيري، أبو أمية، وقيل: أبو أميمة، نزل البصرة، وروى عن النبي - ﷺ - حديثًا في وضع الصيام عن المسافر. [الاستيعاب: ١/ ٧٣، والإصابة: ١/ ٧٢]\n(^٣) رواه النسائي في سننه ٤/ ٥٠٣ باب وضع الصيام عن الحبلى والمرضع من كتاب الصيام، والبيهقي في سننه: ٣/ ١٥٤ كتاب الصلاة باب السفر في البحر كالسفر في البر في جواز القصر، كلاهما عن عبدالله بن سوادة عن أبيه عن أنس، ولم يذكرا المرض.\n(^٤) لهذا الحديث طرق، فقد رواه أبو داود في سننه: ٢/ ٣١٧ باب اختيار الفطر من كتاب الصوم، والترمذي باب ما جاء في الرخصة في الإفطار للحبلى والمرضع من كتاب الصيام، وقال: حديث أنس بن مالك الكعبي حديث حسن، ولانعرف لأنس بن مالك هذا عن النبي - ﷺ - غير هذا الحديث الواحد، والعمل عليه عند بعض أهل العلم انظر تحفة الأحوذي: ٣/ ٤٠١، والإمام أحمد في مسنده: ٤/ ٣٤٧، والقاضي إسماعيل بن إسحاق في جزء أحاديث أيوب السختياني: ٧٢، والطحاوي في أحكام القرآن: ١/ ٤٢٦، كلهم عن عبدالله بن سوادة عن أنس.\n\nورواه ابن ماجة في سننه: ١/ ٣٠٥ باب ما جاء في الإفطار للحامل والمرضع من أبواب الصيام، والبيهقي في سننه: ٤/ ٢٣١ باب الحامل والمرضع لاتقدران على الصوم، إلا أنهما قالا فيه: أنس بن مالك رجل من بني عبدالأشهل، وهذا غلط، قال ابن حجر: ووقع فيه عند ابن ماجة أنس بن مالك رجل من بني عبد الأشهل، وهو غلط.\n[الإصابة: ١/ ٧٢].\nوروي من طريق أبي قلابة عن أنس بن مالك، رواه النسائي في سننه: ٤/ ٤٩١ باب ذكر وضع الصيام عن المسافر من كتاب الصيام، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٤٠، قال ابن عبدالبر في ترجمة أنس بن مالك: روى عنه أبوقلابة، وعبدالله بن سوادة القشيري حديث عن النبي - ﷺ - أنه سمعه يقول: إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة [الاستيعاب: ١/ ٧٣].\nوعبدالرزاق في مصنفه: ٤/ ٢١٧، والقاضي إسماعيل بن إسحاق في جزء فيه أحاديث أيوب السختياني: ٧٠، والطحاوي في أحكام القرآن: ١/ ٤٢٦، ولم يذكروا اسم الرجل الذي روى عنه أبو قلابة هذا الحديث.\nوما ذكره المؤلف هنا من لفظة (المريض) لم أجدها فيما اطلعت عليه من المصادر، فلعلها خطأ.","vol":"1","page":366},{"text":"فمعنى الآية والله أعلم: أن الله * أوجب الصيام لشهر رمضان على كل قادر فمن عجز من شيخ وشيخة لا يرجو ثوب (^١) القوة التي يقدر بها على القضاء فلا صيام له ولا كفارة، إذ يقول الله عز من قائل: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (^٢) فمن سقط عنه فلا بدل عليه، ومن رأى الإطعام بالآية المنسوخة فإنما رآه بقول الله في إثرها: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ (^٣)، وما فعله أنس بن مالك وغيره فإنما قالوه وفعلوه على وجه طلب الفضل، والآية تدل لمّا جعل الله على المريض والمسافر القضاء أن يكون على الحبلى والمرضع إذا أجريتا مجرى المسافر، وذلك ظاهر الآية التي أجمع الناس فيها أنها ثابتة غير منسوخة قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ (^٤)، وليس من اليسر تكليف من لم يطق ولا ترجى له حال الإطاقة، فأوجب ﵎ على كل من شهد الشهر أن يصومه، وأوجب على من كان مريضًا أو مسافرًا فأفطر: القضاء، والحبلُ مرض من الأمراض، وإفطار الحبلى من أجل نفسها ومرضها وعجزها فعليها القضاء ولا إطعام عليها، والمرضع فإفطارها من أجل غيرها، وإن كان فيها الضعف يعتريها (^٥)\n_________\n* لوحة: ١٥/ب.\n(^١) قال ابن فارس: الثاء والواو والباء قياس صحيح من أصل واحد وهو العود والرجوع.\n[مقاييس اللغة: ١٧٣].\n(^٢) [سورة الحج: الآية ٧٨]\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ١٨٤]\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ١٨٥]\n(^٥) كذا في الأصل، ولعل الصواب: فأما المرضع فإفطارها من أجل غيرها، وإن كان الضعف يعتريها.","vol":"1","page":367},{"text":"فعليها القضاء والإطعام.\nوالمرض: كل ضعف حلَّ في البدن، وفتور حتى يمنع من الصوم قال الله ﷿: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا﴾ (^١) * يريد: ضعفًا وشكًا ونفاقًا (^٢)، قال جرير:\nإن العيون التي في طرفها مرض (^٣)\n_________\n(^١) [سورة النور: الآية ٥٠]\n* لوحة: ١٦/أ.\n(^٢) قال الراغب: المرض: الخروج عن الاعتدال الخاص بالإنسان، وذلك ضربان الأول: مرض جسمي، وهو المذكور في قوله: ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]، والثاني: عبارة عن الرذائل كالجهل والجبن والبخل وغيرها من الرذائل الخُلقية: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا﴾ [النور: ٥٠]. [انظر المفردات: ٤٨٦].\nقلت: ولكن ليس كل مريض يجوز له الفطر، بل لا بد من وجود المشقة، قال الإمام مالك: الأمر الذي سمعت من أهل العلم أن المريض إذا أصابه المرض الذي يشق عليه الصيام معه، ويتعبه، ويبلغ ذلك منه، فإن له أن يفطر.\n[الموطأ: ١/ ٢٥٠ كتاب الصيام رقم: ٤١].\n(^٣) هذا البيت لجرير، لكن الذي في ديوانه: ٤٩٢ إن العيون التي في طرفها حور، وقد ذُكر البيت الذي ذكره المؤلف في: تفسير القرطبي: ٤/ ١٤٠ دون نسبته لأحد، وممن نسبه لجرير بهذه الرواية:\nإن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا\nالمبرد في الكامل: ١/ ٣٧١، والجمحي في طبقات فحول الشعراء: ٢/ ٣٨٠، ٤١٢، وابن قتيبة في ... الشعر والشعراء: ١/ ٦٨، والأصفهاني في الأغاني: ٧/ ٥٣، ٥٥.","vol":"1","page":368},{"text":"أي: فيها ضعف وفتور، فإذا كانت المرضع قوية على الصيام وإنما تخاف إن صامت أن ينقطع درها ويضر ذلك بولدها فإنها تفطر وتطعم وتقضي إذا كانت تقوى على الصوم، وإنما أفطرت من أجل ولدها، والحامل لا إطعام عليها؛ لأنه مرض من الأمراض إلا أن تكون قوية على الصوم وإنما تخاف على ولدها، وإفطارها من أجل غيرها فهذه تقضي وتطعم، وأحسب مالك ذهب إلى الإطعام في هذا الموضع إلى قول الله سبحانه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (^١) وذهب في القضاء إلى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (^٢) ولم يختلف في أن هذه الآية غير منسوخة، وقد اختلف في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ (^٣) فقال بعضهم: منسوخة، وقال بعضهم: غير منسوخة (^٤)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٨٤]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٨٤]\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ١٨٤]\n(^٤) قال ابن جرير: وأولى الأقوال بتأويل الآية قول من قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ منسوخ بقول الله تعالى ذكره: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾؛ لأن الهاء التي في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ من ذكر الصيام، ومعناه: وعلى الذين يطيقون الصيام فدية طعام مسكين، فإذا كان ذلك كذلك، وكان الجميع من أهل الإسلام مجمعين على أن من كان مطيقًا من الرجال الأصحاء غير المسافرين صوم شهر فغير جائز له الإفطار فيه والافتداء منه بطعام مسكين، كان معلوما أن الآية منسوخة، هذا مع ما يؤيد هذا القول من الأخبار التي ذكرناها آنفا عن معاذ بن جبل وابن عمر وسلمة بن الأكوع من أنهم كانوا بعد نزول هذه الآية على عهد رسول الله - ﷺ - في صوم شهر رمضان بالخيار بين صومه وسقوط الفدية عنهم وبين الإفطار والافتداء من إفطاره بإطعام مسكين لكل يوم، وأنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فألزموا فرض صومه، وبطل الخيار والفدية. [جامع البيان: ٢/ ١٣٩، ١٤٠].\nوممن رجح أن الآية منسوخة أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ٤٧، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ١/ ٥٠١، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ٢١٤.\nقلت: ولكن النسخ في هذه الآية، والذي ورد عن السلف القول به يحمل على نسخ ما يجوز أن يعود عليه الكلام، قال ابن الجوزي: ويدل على ما قلنا - يعني من القول بنسخ الآية - قوله تعالى في تمام الآية: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وغير جائز أن يعود هذا الكلام إلى المرضى والمسافرين، ولا إلى الشيخ الكبير، ولا إلى الحامل والمرضع إذا خافتا على الولد؛ لأن الفطر في حق هؤلاء أفضل من الصوم من جهة أنهم قد نهوا أن يعرضوا أنفسهم للتلف، وإنما عاد الكلام إلى الأصحاء المقيمين خيروا بين الصوم والإطعام، فانكشف بما أوضحنا أن الآية منسوخة. [نواسخ القرآن: ٢١٤].\nومما يؤيد هذا أيضًا مارواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٨٨ كتاب الصوم باب قوله: وعلى الذين يطيقونه فدية، عن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد - ﷺ -: نزل رمضان فشق عليهم، فكان من أطعم كل يوم مسكينًا ترك الصوم ممن يطيقه، ورخص لهم في ذلك، فنسختها: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فأمروا بالصوم.\nفالنسخ كان للخيار لمن أطاق الصيام.","vol":"1","page":369},{"text":"وقد كان مالك - ﵁ - يستحب ما روى عن أنس لمن قوي عليه من غير أن يوجبه، وقال: ومن أطعم فإنما يطعم عن كل يوم مدًا بمد النبي - ﷺ - (^١)، وهذا القول منه على الاحتياط لما جاء من التفسير (^٢)، فالشيخ ليس ممن يدخل في قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (^٣) إذ كان لا يُتوقع له القوة على الصيام كما يُتوقع للحبلى والمرضع، وأما قراءة من قرأ (يطوقونه) فإن هذه القراءة ليست في مصحفنا المجتمع عليه (^٤)، والذي يبطل ذلك قوله *: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (^٥) فكيف يقال لمن لا يطيق: وأن تصومه خير لك؟ (^٦)\n_________\n(^١) الموطأ: ١/ ٢٥٤ كتاب الصيام رقم: ٥١.\n(^٢) أي ما جاء عن بعض الصحابة من وجوب الإطعام أخذًا من هذه الآية.\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ١٨٤]\n(^٤) قال أبو عبيد: بعد ذكر أن ذكر معنى قراءة ابن عباس (يطوقونه) قال: وهو قول حسن، لكن الناس ليسوا عليه؛ لأن الذي ثبت بين اللوحين في مصاحف أهل الحجاز والعراق والشام وغيرهم أنها: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾.\n[الناسخ والمنسوخ: ٤٧، وانظر تفسير ابن جرير: ٢/ ١٤١، والمحلى لابن حزم: ٦/ ٢٦٦].\n* لوحة: ١٦/ب.\n(^٥) [سورة البقرة: الآية ١٨٤]\n(^٦) ذكر المؤلف في هذه الآية مسألتين الأولى: حكم الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام.\nأجمع أهل العلم على أن الشيخ الكبير والعجوز العاجزين عن الصوم أن لهما أن يفطرا. [الإجماع لابن المنذر: ٦٠].\nواختلفوا هل يجب عليه إطعام أو لا؟ على قولين:\nالأول: أنه يجب عليه الإطعام، وهذا قول علي، وابن عباس، وأنس، وأبي حنيفة، وأحمد، والشافعي في الصحيح عنه، والثوري، والأوزاعي، واستدلوا بمارواه البخاري ابن عباس في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ بأنه قال: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لايستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا. [سبق تخريجه في قراءة يطوقونه]، واستدلوا أيضًا بأن الأداء صوم واجب، فجاز أن يسقط إلى الكفارة كالقضاء.\nالقول الثاني: لايجب عليه شيء، وبه قال مالك، وربيعة، وقول عند الشافعية، وابن حزم، وقالوا: بأنه ترك الصوم لعجزه، فلم تجب الفدية، كما لو تركه لمرض اتصل به الموت، وكان مالك لا يرى ذلك واجبًا، وقال: أحب إلي أن يفعله إذا كان قويًا عليه. [انظر في هذه المسألة: المدونه: ١/ ٢٧٩، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٢٤٩، والمحلى: ٦/ ٢٦٥، والاستذكار: ١٠/ ٢١٢، والمغني: ٤/ ٣٩٥، والجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٢٨٩، وروضة الطالبين للنووي: ٢/ ٣٨٢]\nقال الشيخ محمد العثيمين - ﵀ -: والحقيقة أنه بالنظر إلى الآية ليس فيها دلالة على مافسره ابن عباس - ﵄ -؛ لأن الآية في الذين يطيقون الصوم، وهذا واضح أنهم قادرون على الصوم، وهم مخيرون بين الصوم والفدية، وهذا أول ما نزل وجوب الصوم، كان الناس مخيرين إن شاؤا صاموا، وإن شاؤا أفطروا وأطعموا، وهذا ما ثبت في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع - ﵁ -، لكن غور ابن عباس - ﵄ - يدل على عمق فقهه؛ لأن وجه الدلالة من الآية أن الله جعل الفدية عديلًا للصوم لمن قدر، فإذا لم يقدر بقي عديله وهو الفدية، وهذا في الحقيقة يدل على غور فقهه - ﵁ -، وإلا فالإنسان إذا قرأ هذه الآية فليس فيها تعرض لمن لايطيق، بل فيها لمن يطيق، هذا وجه الدلالة، فصار العاجز عجزًا لايرجى زواله الواجب عليه الإطعام عن كل يوم مسكينًا. [انظر الشرح الممتع على زاد المستقنع: ٦/ ٣٣٤]. =","vol":"1","page":370},{"text":"ومن قرأ (فدية طعام مسكين وطعام مساكين) فإنه يصير إلى معنى واحد، فمن قرأ (مسكين) يريد عن كل يوم مسكين، ومن قرأ (مساكين) يريد عن الأيام بعددها مساكين (^١).\nوقراءة أبي عمرو بن العلاء - وهو أعلم القراء باللغة - (^٢)، وتابعه قراء العراق على ذلك (طعام مسكين) ونسأل الله التوفيق (^٣).\n_________\n= المسألة الثانية: الحامل والمرضع إذا أفطرتا ما عليهما؟\nوقد وقع الخلاف بين أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:\nالأول: أن الحامل والمرضع سواء خافتا على نفسيهما أو على ولديهما فلا كفارة عليهما، بل يفطران ويقضيان بمنزلة المريض، وبه قال: عطاء، والزهري، وسعيد بن جببير، والنخعي، وأبو حنيفة، وأحد قولي الشافعي.\nالثاني: لهما الفطر، وعليهما القضاء والإطعام، وبه قال ابن عمر، والمشهور من مذهب الشافعية.\nالثالث: أنهما إن خافتا على أنفسهما فلهما الفطر، وعليهما القضاء، وإن خافتا على ولديهما فلهما الفطر، وعليهما القضاء والإطعام، وهذا مذهب الحنابلة.\nالرابع: التفريق بين الحامل والمرضع، فعليهما جميعًا القضاء، ولكن الكفارة على المرضع دون الحامل، وبه قال مالك في المشهور عنه، وروي عنه أيضًا المساواة بينهما من إلزامهما بالقضاء دون الكفارة.\nالخامس: أنه لا يلزمهما لا قضاء ولا كفارة، وبه قال ابن حزم، ويستدل بما روي عن ابن عمر من إسقاط القضاء، وقد سبق بيان الروايات عن ابن عمر، وهذا قول مرجوح، فإن عدم ذكر القضاء لا يدل على إسقاطه؛ وإنما لم يذكر لكونه معلومًا.\n[انظر في هذه المسألة: المدونه: ١/ ٢٧٩، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٢٥٢، والمحلى: ٦/ ٢٦٢، والاستذكار: ١٠/ ٢٢١، والمغني: ٤/ ٣٩٣، والجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٢٨٩، وروضة الطالبين للنووي: ٢/ ٣٨٣]\nولعل الراجح في هذه المسألة القول الأول: من وجوب القضاء عليهما دون الكفارة؛ لأن غاية ما يكون أنهما كالمريض والمسافر، ومما يدل على ذلك حديث الرسول - ﷺ -: (إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، والصوم، وعن الحامل والمرضع) فقد جمع الرسول - ﷺ - بين حكم المسافر والحامل والمرضع في الصيام، ومن المعلوم أن المسافر لايلزم بالإطعام مع القضاء، وكذلك الحامل والمرضع. وممن رجح هذا القول الشيخ ابن عثيمين.\n[الشرح الممتع: ٣٦٢].\n(^١) سبق ذكر من قرأ بكلتي القراءتين، وذكر المصنف هنا توجيه قراءة التوحيد والجمع في قوله (مسكين) وبقي توجيه إضافة الفدية إلى الطعام، وعدم الإضافة، فوجه من قرأ بإضافة الفدية إلى الطعام: أنه سمى الطعام الذي يفدى به الصيام (فدية) ثم أضافه إلى (طعام) وهو بعضه، فهو من باب إضافة بعض إلى كل.\nوحجة من قرأ بغير إضافة أن الطعام هو الفدية التي أوجبها الله على المفطر الذي رخص له في الفطر، فلا وجه لإضافة الفدية إليه؛ إذ كان الشيء لا يضاف إلى نفسه.\n[انظر حجة القراءات لابن زنجلة: ١٢٤، والكشف لمكي: ١/ ٢٨٢].\n(^٢) أبو عمرو بن العلاء بن عمار العريان التميمي المازني، النحوي البصري المقريء، أحد الأئمة القراء السبعة، اسمه: زبان على الصحيح، ولد سنة ٦٨ هـ، أخذ القراءة عن أهل الحجاز وأهل البصرة، وإليه انتهت الإمامة في القراءة بالبصرة، مات سنة ١٥٤ هـ. [معرفة القراء للذهبي: ١/ ١٠٠، وتهذيب التهذيب: ١٢/ ١٦٠].\n(^٣) كأن المؤلف يرجح هذه القراءة - قراءة التوحيد في قوله (مسكين)، وممن رجحها أيضًا الطبري في تفسيره: ٢/ ١٤١، ومكي في الكشف: ١/ ٢٨٣، والقرطبي في تفسيره: ٢/ ٢٨٧.","vol":"1","page":371},{"text":"قال الله ﷿: شَهْرُ ﴿رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (^١).\nقال سعيد بن جبير: نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر في شهر رمضان إلى سماء الدنيا فجُعل في بيت العزة، ثم أنزل على النبي - ﷺ - في عشرين سنة بجواب كلام الناس (^٢)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٨٥]\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٤٤ عن سعيد بلفظ: نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر في شهر رمضان فجعل في سماء الدنيا. وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣١١، وذكره السيوطي في الدر المنثور: ١/ ١٨٨ بلفظ المؤلف عن سعيد بن جبير، وعزاه إلى ابن الضريس في فضائل القرآن.\nوهذا التفسير من سعيد قد أخذه من شيخه ابن عباس - ولا شك - فإن هذا القول مشهور عن ابن عباس، وممن رواه عن ابن عباس سعيد بن جبير، فقد رواه من طريقه: ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٤٤، والبيهقي في سننه: ٤/ ٣٠٦ باب فضل ليلة القدر، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٢٤٢ كتاب التفسير وقال: هذا حديث صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، وقال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم، والطبراني في الكبير: ١٢/ ٣٢، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٤/ ١٤٠: رواه الطبراني والبزار باختصار، ورجال البزار رجال الصحيح، وفي إسناد الطبراني عمرو بن عبدالغفار وهو ضعيف. وقد ذكره ابن كثير في تفسيره بمثله: ١/ ٢١٦، وقد روي من طرق أخرى عن ابن عباس، وانظر المراجع السابقة.\nومسألة نزول القرآن في شهر رمضان وفي ليلة القدر اختلف فيها أهل العلم في المراد بإنزاله، قال الزركشي:\nواختلف في كيفية الإنزال على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه نزل إلى السماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثم نزل بعد ذلك منجمًا في عشرين سنة، أو في ثلاث وعشرين، أوخمس وعشرين، على حسب الاختلاف في مدة إقامته بمكة بعد النبوة.\nالثاني: أنه نزل إلى سماء الدنيا في عشرين ليلة قدر من عشرين سنة، وفي كل ليلة ما يقدر الله سبحانه إنزاله في كل سنة، ثم ينزل بعد ذلك منجمًا في جميع السنة على رسول الله - ﷺ -، وبه قال مقاتل، وأبو عبدالله الحليمي.\nالثالث: أنه ابتدئ إنزاله في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجمًا في أوقات مختلفة من سائر الوقت، وبه قال الشعبي.\nوالقول الأول أشهر وأصح، وإليه ذهب الأكثرون. [انظر البرهان في علوم القرآن: ١/ ٣٢٠]\nقلت: وممن رجح القول الثالث الشيخ ابن عثيمين - ﵀ - مضعفًا أثر ابن عباس، وذاكرًا أن (أل) في قوله (القرآن) هي للجنس، وليست للعموم، فالمعنى أنه ابتدئ في شهر رمضان إنزاله.\n[انظر تفسيره: ٢/ ٣٣٣] =","vol":"1","page":372},{"text":"وقال ابن عباس: كان رسول الله - ﷺ - أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه جبريل - ﷺ - كل ليلة في رمضان يعرض عليه النبي - ﷺ - القرآن، فإذا لقيه كان أجود بالخير من الريح المرسلة. رواه إبراهيم بن سعد (^١) عن ابن شهاب (^٢) عن عبيد الله (^٣) عن ابن عباس (^٤)، والمعنيان جميعًا صحيحان، يقول الله ﵎: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (^٥) وهذه الآية محققة لما قال سعيد بن جبير، وما رواه ابن عباس صحيح زائد في شرف الشهر والله أعلم (^٦).\n_________\n= ولكن القول الأول هو الصحيح والمشهور كما ذكر الزركشي.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: فعلم أن القرآن العربي منزل من الله لا من الهواء، ولا من اللوح، ولا من جسم آخر، ولا من جبريل، ولا من محمد، ولا غيرهما، وإذا كان أهل الكتاب يعلمون ذلك فمن لم يقر بذلك من هذه الأمة كان أهل الكتاب المقرون بذلك خيرًا منه من هذا الوجه. وهذا لاينافي ما جاء عن ابن عباس وغيره من = السلف في تفسير قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] أنه أنزله إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم أنزله بعد ذلك منجمًا مفرقًا بحسب الحوادث، ولاينافي أنه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل نزوله.\nثم قال: فإن كونه مكتوبًا في اللوح المحفوظ، وفي صحف مطهرة بأيدي الملائكة لاينافي أن يكون جبريل نزل به من الله، سواء كتبه الله قبل أن يرسل به جبريل، أو بعد ذلك، وإذا كان قد أنزله مكتوبًا إلى بيت العزة جملة واحدة في ليلة القدر فقد كتبه كله قبل أن ينزله. [انظر مجموع الفتاوى: ١٢/ ١٢٦، ١٥/ ٢٢٣، ولمزيد بحث في هذه المسألة يرجع إلى كتاب نزول القرآن للدكتور / محمد الشايع فقد أفاد وأجاد: ١٥ - ٤٠]\n(^١) إبراهيم بن سعد الزهري، ثقة حجة، تقدم.\n(^٢) محمد بن شهاب الزهري، متفق على جلالته وإتقانه وثبته، تقدم.\n(^٣) عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبدالله المدني، الفقيه الأعمى، روى عن عائشة، وابن عباس، وعنه: الزهري، وصالح بن كيسان، ثقة فقيه ثبت، مات سنة ٩٨ هـ.\n[الكاشف: ١/ ٦٨٢، والتقريب: ٦٤٠]\n(^٤) رواه البخاري في صحيحه: ٤/ ١٩١١ كتاب فضائل القرآن باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي - ﷺ -، ومسلم في صحيحه: ٤/ ١٨٠٣ كتاب الفضائل حديث: ٥٠، كلاهما من طريق إبراهيم بن سعد به.\n(^٥) [سورة القدر: الآية ١]\n(^٦) كأن المؤلف فهم أن هناك تعارضًا بين نزوله جملة واحدة، ثم نزوله بعد ذلك مفرقًا، وبين معارضة جبريل للرسول - ﷺ - بالقرآن في كل سنة، هل كان يعارضه بالقرآن كله؟\nومما يرفع هذا الإشكال معرفة معنى قوله: يعرض عليه، قال ابن الأثير: أي: كان يدارسه جميع مانزل من القرآن، من المعارضة: المقابلة. ... [النهاية في غريب الحديث: ٣/ ٢١٢].\nفهو لايدارسه كل القرآن؛ لأنه لم ينزل بعد كله، وإنما يدارسه ما قد نزل.","vol":"1","page":373},{"text":"قال الله ﵎: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (^١).*\nنا أحمد بن موسى (^٢) قال: نا القعنبي (^٣) عن مالك (^٤) عن ابن شهاب (^٥) عن عبيدالله بن عبدالله (^٦) عن ابن عباس - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكَدِيد (^٧)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٨٥]\n* لوحة: ١٧/أ.\n(^٢) أحمد بن موسى، أحد شيوخ المؤلف، تقدم.\n(^٣) عبد الله بن مسلمة بن قعنب القَعْنَبي، الحارثي، أبو عبدالرحمن البصري، عن إبراهيم بن سعد، ومالك بن أنس، وعنه: البخاري، ومسلم، وإسماعيل بن إسحاق، ثقة عابد، مات سنة ٢٢١ هـ.\n[تهذيب الكمال: ١٦/ ١٣٦، والتقريب: ٥٤٧].\n(^٤) الإمام مالك بن أنس، رأس المتقنين، تقدم.\n(^٥) محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، متفق على جلالته وإتقانه وثبته، تقدم.\n(^٦) عبيد الله بن عبدالله بن عتبة، ثقة فقيه ثبت، تقدم.\n(^٧) الكديد: بفتح أوله، وكسر ثانيه، وبعده دال وياء مهملة أيضًا، وفيه رواية برفع أوله، وكسر ثانيه: موضع بين مكة والمدينة، بين منزلتي أمج وعسفان. [معجم مااستعجم: ٤/ ١١١٩، ومعجم البلدان: ٤/ ٤٤٢].\nوقال القاضي عياض: الكديد عين جارية عليها نخل، على اثنتين وأربعين مرحلة من مكة، وعسفان قرية جامعة، على ستة وثلاثين ميلًا من مكة، والكديد ما بينها وبين قُديد. [إكمال المعلم: ٤/ ٦٤].\n\nقال النووي معلقًا: وهو كما قال إلا في مسافة عسفان، فإن المشهور أنها على أربعة برد من مكة، وكل بريد أربعة فراسخ، وكل فرسخ ثلاثة أميال، فالجملة ثمانية وأربعون ميلًا، هذا هو الصواب المعروف الذي قاله الجمهور. ... [شرح النووي على صحيح مسلم: ٧/ ٣٢٦].","vol":"1","page":374},{"text":"ثم أفطر وأفطر الناس معه (^١). وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر الرسول - ﷺ - (^٢).\nوروى هذا الحديث ابن عيينة (^٣)،\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٨٦ الصوم باب إذا صام أيامًا من رمضان ثم سافر، و٤/ ١٥٥٨ المغازي باب غزوة فتح مكة من طريق مالك به، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٧٨٤ كتاب الصيام حديث: ٨٨ من طريق ابن شهاب به، ومالك في الموطأ: ١/ ٢٤٤ الصيام حديث: ٢١، وفي الموطأ برواية القعنبي: ٣٢٨ كتاب الصيام حديث: ٤٩٠.\n(^٢) هذه المقولة مدرجة في الحديث من الزهري، كما وقع في رواية مسلم السابقة: (وكان أصحاب رسول الله - ﷺ - يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره)، وقد جزم البخاري في صحيحه: ٤/ ١٥٥٨ بهذا، فقال: قال الزهري: وإنما يؤخذ من أمر رسول الله - ﷺ - الآخر فالآخر. وكذلك فعل مسلم في صحيحه: ٢/ ٧٨٤.\n(^٣) سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي ثم المكي، عن الزهري، وعمرو بن دينار، وعنه: أحمد، والزعفراني، ثقة حافظ فقيه إمام حجة، إلا أنه تغير حفظه بآخره، وكان ربما دلس لكن عن الثقات، وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار، مات سنة ١٩٨ هـ. [الكاشف: ١/ ٤٤٩، والتقريب: ٣٩٥].\n\nوممن رواه من طريق سفيان عن ابن شهاب البخاري في صحيحه: ٣/ ١٠٧٩ الجهاد باب الخروج في رمضان، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٧٨٤، والطيالسي في مسنده: ٤/ ٤٣٨، والحميدي في مسنده: ١/ ٢٣٨، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٢/ ٢٨٣ باب ماقالوا في الرجل يدركه رمضان فيصوم ثم يسافر، وابن خزيمة في صحيحه: ... ٣/ ٢٦٢، والبيهقي في سننه: ٤/ ٢٤٦ باب المسافر يصوم بعض الشهر","vol":"1","page":375},{"text":"وجماعة من طرق كثيرة عن (^١) ابن عباس (^٢)، وكان ابن عباس يقول: إذا أدركت رمضان وأنت مقيم فصم وإذا كنت مسافرًا فأنت بالخيار إن شئت فصم وإن شئت فأفطر (^٣)، وروى ابن سيرين (^٤) عن عبيدة (^٥) عن علي قال: من أدركه رمضان وهو مقيم ثم سافر لزمه الصوم؛ لأن الله عز من قائل يقول: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^٦) (^٧)،\n_________\n(^١) في الأصل: وعن، والصحيح ما أثبت.\n(^٢) روي هذا الحديث من طرق كثيرة عن ابن عباس، ومنها ماتقدم، وقد أتى النسائي في سننه على جلها: ... ٤/ ٤٩٥ كتاب الصيام، باب الصيام في السفر وذكر اختلاف خبر ابن عباس فيه، وانظر أيضًا سنن أبي داود: ٢/ ٣١٦ باب الصوم في السفر، وتفسير الطبري: ٢/ ١٤٩.\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٤٦، وابن خزيمة في صحيحه: ٣/ ٢٦٣ بنحوه.\n(^٤) محمد بن سيرين ثقة ثبت عابد كبير القدر، تقدم.\n(^٥) عَبيدة بن عمرو السلماني، ويقال: عبيدة بن قيس، المرادي، أبو عمرو الكوفي، أسلم في حياة الرسول - ﷺ -، تابعي كبير، روى عن: علي، وابن مسعود، وعنه: إبراهيم، وابن سيرين، فقيه ثبت، مات سنة ٧٢ هـ. ...\n[الكاشف: ١/ ٦٩٤، والتقريب: ٦٥٤].\n(^٦) [سورة البقرة: الآية ١٨٥]\n(^٧) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٤٧، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣١٢، وابن حزم في المحلى: ٦/ ٢٤٧.\nوقد روي عن ابن عباس ما يخالف هذه الرواية عنه، فقد روى البخاري في صحيحه: ٤/ ١٥٥٩ عن ابن عباس قوله: صام رسول الله - ﷺ - في السفر وأفطر، فمن شاء صام ومن شاء أفطر.\n\nقال ابن كثير: ذهب طائفة من السلف إلى أن من كان مقيمًا في أول الشهر ثم سافر في أثنائه فلس له الإفطار بعذر السفر والحالة هذه، لقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وإنما يباح الإفطار لمسافر استهل الشهر وهو مسافر، وهذا القول غريب نقله أبو محمد بن حزم في كتابه المحلى عن جماعة من الصحابة والتابعين، وفيما حكاه عنهم نظر والله أعلم، فإنه قد ثبتت السنة عن رسول الله - ﷺ - أنه خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح فسار حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأمر الناس بالفطر. ... [تفسير القرآن العظيم: ١/ ٢١٦، ٢١٧].","vol":"1","page":376},{"text":"وقال ابن عباس - ﵁ -: إهلاله بالدار يوجب الصيام على من أقام أو سافر (^١)، وكان الحسن (^٢) وعمرو بن شرحبيل (^٣) (^٤) ومحمد بن ... سيرين (^٥) وسعيد بن المسيب (^٦) يرون لمن سافر في رمضان وقد كان صام بعضه أن يفطر إن شاء (^٧).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٤٦ بلفظ: هو إهلاله بالدار.\n(^٢) الحسن البصري، رواه عنه عبدالرزاق في مصنفه: ٤/ ٢٦٩ باب السفر في شهر رمضان، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٢/ ٢٨٣، ٢٨٤ باب ما قالوا في الرجل يدركه رمضان فيصوم ثم يسافر، وابن جرير في تفسيره: ... ٢/ ١٤٨، ١٥٣.\n(^٣) عمرو بن شرحبيل، أبو ميسرة الهمداني، عن: عمر، وعلي، وعنه: القاسم بن مخيمرة، وأبي إسحاق، ثقة عابد. ... [الكاشف: ٢/ ٧٨، والتقريب: ٧٣٧].\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٢/ ٢٨٤، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٤٧، والبيهقي في سننه: ٤/ ٢٤٧ باب من قال يفطر وإن خرج بعد طلوع الفجر.\n(^٥) لم أقف عليه.\n(^٦) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٢/ ٢٨٤، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٤٨.\n(^٧) في الأصل: إن شاء الله، والصحيح ما أثبت؛ لأن المروي عنهم التخيير بين الصوم والفطر لمن شاء.","vol":"1","page":377},{"text":"قال القاضي -﵀ -: وفعل رسول الله - ﷺ - وإفطاره بالكديد وعُسْفان (^١) (^٢) وقد سافر ليومين خلوا من رمضان أولى أن يعمل به (^٣)؛\n_________\n(^١) عسفان، بضم أوله، وسكون ثانيه، ثم فاء وآخره نون، قرية لبني المصطلق من خزاعة، من أعمال المدينة، ومن الكديد إلى عسفان ستة أميال. [معجم ما استعجم: ٣/ ٩٤٢، ٩٥٦، ومعجم البلدان: ٤/ ١٢١].\n(^٢) ورد في بعض الروايات عن ابن عباس (حتى بلغ الكديد) وفي بعضها (حتى بلغ عسفان) وفي رواية جابر ... (حتى بلغ كراع الغميم)، ولا تعارض بينها. قال القاضي عياض بعد ذكره لهذه الروايات: الغميم: واد أمام عسفان بثمانية أميال، وهذا كله في سفر واحد في غزاة الفتح، سميت هذه المواضع في هذه الأحاديث لتقاربها، وإن كانت عسفان متباعدة شيئًا عن هذه المواضع، فكلها مضافة إليها ومن عملها، فاشتمل عليها اسمها، وقد يكون الجمع بين هذين أنه كُلم بعسفان بحال الناس ومشقة ذلك عليهم، وكان فطرهم بالكديد.\n[انظر إكمال المعلم: ٤/ ٦٤].\n(^٣) ما ذكره المؤلف أحد الأقوال المذكورة في تعيين وقت خروج رسول الله - ﷺ - لفتح مكة، وقد رواها الإمام أحمد في مسنده: ٣/ ٨٧، وقد صحح هذه الرواية ورجحها ابن حجر في الفتح: ٨/ ٦، وورد في صحيح مسلم: ٢/ ٧٨٦، ٧٨٧ من غير طريق عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -: لست عشرة، ولثمان عشرة، ولثنتي عشرة، ولسبع عشرة أو تسع عشرة.\nقال القاضي عياض: والذي قاله أصحاب السير: أن خروج النبي - ﷺ - لغزو مكة كان لعشر خلون من رمضان، ودخوله مكة في تسع عشرة. [إكمال المعلم: ٤/ ٦٩]. =\n\nقلت: ومع هذا الاختلاف بين هذه الروايات فإنها اتفقت جميعًا على صوم الرسول - ﷺ - شيئًا من رمضان، ثم سفره في رمضان، وفطره فيه، وهذا هو وجه الشاهد فيمن منع من شهد أول الشهر مقيمًا أن يفطر بعذر السفر.","vol":"1","page":378},{"text":"إذ قد أبلغه (^١) العمل، ومع ذلك فإن مالك - ﵁ - قال: أحب إليّ الصيام لمن قدر عليه (^٢)، وقد قال قوم من المتأخرين: إن من صام في السفر أعاد (^٣) لقول النبي * - ﷺ -: ليس من البر الصيام في السفر (^٤)، وهذا إنما هو في التطوع إذا قارنته مشقة تخفيفًا ورحمة للعباد ويدخل في ذلك الفرض عند الشدة لقول النبي - ﷺ -: إن الله يحب أن تؤخذ رخصه كما يحب أن تؤخذ عزائمه (^٥)، لأن الله قد رفه ويسر وأباح الإفطار رفقًا بالعليل والمسافر مع قضاء العدة.\n_________\n(^١) رسمها في المخطوط يحتمل (أبلغه) ويحتمل (أتبعه) ولعل ما أثبت هو الصواب، ويكون المعنى: أن الرسول - ﷺ - قد وصل بهذا الأمر - جواز الفطر في رمضان - إلى مرتبة العمل والتطبيق، قال ابن منظور: بلغ الشيء يبلغ بلوغًا وبلاغًا: وصل وانتهى. [انظر لسان العرب: ٨/ ٤١٩]\n(^٢) الموطأ برواية أبي مصعب الزهري: ١/ ٣٠٩ كتاب الصيام، والموطأ برواية سويد الحدثاني: ٣٦٧، والمدونة: ١/ ٢٧٢.\n(^٣) هذا القول يؤثر عن بعض الصحابة والتابعين، وقد تقدم ذكر ما روي عنهم، وبه قال الظاهرية [انظر المحلى: ٦/ ٢٤٧].\n* لوحة: ١٧/ب.\n(^٤) يأتي تخريجه ص: ١٩٩.\n(^٥) عن ابن عباس؟ ﵄؟ عن رسول الله - ﷺ - قال: إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه. رواه ابن حبان في صحيحه: ٢/ ٦٩، والطبراني في الكبير: ١١/ ٣٢٣، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٣/ ١٦٢: رواه الطبراني في الكبير والبزار ورجال البزار ثقات وكذلك رجال الطبراني. وقد رواه ايضًا البيهقي في سننه: ٣/ ١٤٠ باب كراهية ترك التقصير والمسح على الخفين من كتاب الصلاة عن ابن عمر.","vol":"1","page":379},{"text":"وقد كانت عائشة - ﵂ - تصوم في السفر (^١)، وقال أنس: إن أفطرت وإن صمت فالصوم أفضل (^٢).\n\nوقال عثمان بن أبي العاص الثقفي (^٣)\n_________\n(^١) رواه عبدالرزاق في مصنفه: ٢/ ٥٦١، و٢/ ٥٧٠ باب الصيام في السفر، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٢/ ٢٨١ من كان يصوم في السفر ويقول هو أفضل من كتاب الصيام، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٥٢، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٢/ ٧٠.\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٢/ ٢٨١، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٥٣، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٢/ ٦٧، والبيهقي في سننه: ٤/ ٢٤٥ باب من اختار الصوم في السفر.\n(^٣) في الأصل: عثمان بن أبي العاصي، والصواب ما أثبت، وهو: عثمان بن أبي العاص بن بشر الثقفي، أبو عبدالله، نزيل البصرة، أسلم في وفد ثقيف، استعمله رسول الله - ﷺ - على الطائف، وهو الذي منع ثقيفًا من الردة، مات بالبصرة سنة ٥١ هـ. ...\n\n[الاستيعاب: ٣/ ٩١، والإصابة: ٢/ ٤٦٠].","vol":"1","page":380},{"text":"مثل ذلك (^١)، وقال أبو الدرداء - ﵁ - (^٢): من صام تطوعًا في السفر كان بينه وبين النار خندق أبعد مما بين السماء والأرض (^٣)،\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٢/ ٢٨١، والبيهقي في سننه: ٤/ ٢٤٥، وذكره ابن حزم في المحلى: ٦/ ٢٤٧.\n(^٢) أبو الدرداء: عويمر بن زيد بن قيس الأنصاري، مشهور بكنيته، قيل: اسمه: عامر، وعويمر لقب، وقد اختلف في اسم أبيه، فقيل: عامر، ومالك، وقيل غير ذلك، أسلم يوم بدر وشهد أحدًا، مات في أواخر خلافة عثمان. ... [الاستيعاب: ٤/ ٥٩، والإصابة: ٣/ ٤٥].\n(^٣) روي هذا موقوفًا على أبي الدرداء، وروي مرفوعًا من طرق، فقد رواه موقوفًا ابن أبي شيبة في مصنفه: ... ٤/ ٢١٦ باب ذكر فضل الجهاد والحث عليه من كتاب الجهاد، ورواه مرفوعًا الطبراني في الأوسط: ٤/ ٤٦، والصغير: ١/ ٢٧٣، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٣/ ١٩٤: رواه الطبراني في الصغير والأوسط وإسناده حسن.\n\nوأصله في الصحيحين بلفظ: من صام يومًا في سبيل الله بعد الله وجه عن النار سبعين خريفًا، البخاري في صحيحه: ٣/ ١٠٤٤ باب فضل الصوم في سبيل الله من كتاب الجهاد، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٨٨ الصيام حديث: ١٦٧.","vol":"1","page":381},{"text":"وكان ابن عمر يصوم في السفر (^١)، ومن صام في السفر من الصحابة والتابعين من لا يدركه الإحصاء (^٢).\n\nوروى سعيد بن إياس (^٣) عن أبي نضرة (^٤)\n_________\n(^١) لعل المؤلف وهم هنا ففي كل الروايات التي وقفت عليها: أن ابن عمر كان لا يصوم في السفر، وليس كما ذكر المؤلف، فقد روى مالك في الموطأ: ١/ ٢٤٥ كتاب الصيام حديث: ٢٥ أن ابن عمر كان لايصوم في السفر، وعبدالرزاق في مصنفه: ٢/ ٥٦٤، ٥٦٥ باب الصيام في السفر من كتاب الصلاة، وابن جرير في تفسيره: ... ٢/ ١٥٢، وقال ابن حزم في المحلى: ٦/ ٢٤٨ وصح عن ابن عمر أنه كان لايصوم في السفر. بل قد روى ابن أبي شيبة في مصنفه: ٢/ ٢٨٠، ٢٨١، ٢٨٣ أن ابن عمر كان يفطر في السفر ويقول هي رخصة من الله، قال ابن حجر: والأصل فيه أن ابن عمر كان لايصوم في السفر لا فرضًا ولا تطوعًا، وكان يكثر من صوم التطوع في الحضر، وكان إذا سافر أفطر، ثم ذكر أن إسماعيل القاضي قد روى في كتابه أحكام القرآن عن نافع: كان ابن عمر إذا كان مقيمًا لم يفطر، وإذا كان مسافرًا لم يصم، فإذا قدم أفطر أيامًا لغاشيته ثم يصوم. ...\n[انظر فتح الباري: ٦/ ٢٣٣].\n(^٢) انظر المراجع السابقة.\n(^٣) سعيد بن إياس الجُريري ثقة اختلط قبل موته بثلاث سنين، تقدم.\n(^٤) أبو نَضْرَة: المنذر بن مالك بن قُطَعة العبدي، مشهور بكنيته، عن أبي سعيد الخدري، وجابر، وعنه: سعيد بن إياس الجريري، وقتادة، ثقة، مات سنة ١٠٨ هـ.\n\n[الكاشف: ٢/ ٢٩٥، وتهذيب التهذيب: ١٠/ ٢٧٠، والتقريب: ٩٧١].","vol":"1","page":382},{"text":"عن أبي سعيد الخدري (^١)، والجُريري عن أبي نضرة عن جابر: أن النبي - ﷺ - كان في سفر في رمضان فأتى أصحابه على غدير فقال للقوم: اشربوا، فقالوا: أنشرب ولا تشرب؟ قال: إني أيسركم إني راكب، فنزل وشرب وشربوا (^٢).\nزياد (^٣) قال: حدثنا مسدد (^٤) قال: نا بشر بن المفضل (^٥) قال: نا عمارة بن غزية (^٦)\n_________\n(^١) أبو سعيد الخدري: سعد بن مالك بن سنان الأنصاري، له ولأبيه صحبة، من أصحاب الشجرة، عنه: ابن المسيب، وأبو نضرة، مات سنة ٧٤ هـ. [الاستيعاب: ٢/ ٤٧، والإصابة: ٢/ ٣٥].\n(^٢) من طريق الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رواه الإمام أحمد في مسنده: ٣/ ٢١، ٤٦، ... وأبو يعلى في مسنده: ١/ ٤٦١، ٥١١، وابن خزيمة في صحيحه: ٣/ ٢٢٨، وابن حبان في صحيحه: ٨/ ٣١٩، ٣٢٣.\nومن طريق الجريري عن أبي نضرة عن جابر رواه الفريابي في كتابه الصيام: ٨٤ وقال: إسناده رجال موثقون، وأبو يعلى في مسنده: ٢/ ٣٣٦.\n(^٣) لعله زياد بن الخليل، أحد شيةخ المؤلف، تقدم.\n(^٤) مسدد بن مسرهد بن مسربل الأسدي البصري، أبو الحسن، عن بشر بن المفضل، ومعتمر بن سليمان، وعنه: البخاري، وإسماعيل بن إسحاق، ثقة حافظ مات سنة ٢٢٨ هـ.\n[الكاشف: ٢/ ٢٥٦، وتهذيب التهذيب: ١٠/ ٩٨، والتقريب: ٩٣٥].\n(^٥) في الأصل: بشر بن مفضل، والصواب ما أثبت، وهو: بشر بن المفضل بن لاحق الرقاشي مولاهم، ... أبو إسماعيل البصري، عن عمارة بن غزية، وحميد الطويل، وعنه: أحمد، ومسدد، ثقة ثبت عابد، مات سنة ١٨٧ هـ. [الكاشف: ١/ ٢٦٩، وتهذيب التهذيب: ١/ ٤١٩، والتقريب: ١٧١].\n(^٦) عمارة بن غَزِيّةَ بن الحارث بن عمرو الأنصاري المازني المدني، عن: أنس بن مالك، وأبيه غزية، وعنه: سليمان بن بلال، وبشر بن المفضل، لا بأس به وروايته عن أنس مرسلة، مات سنة ١٤٠ هـ.\n\n[الكاشف: ٢/ ٥٤، وتهذيب التهذيب: ٧/ ٣٥٧، والتقريب: ٧١٣].","vol":"1","page":383},{"text":"(^١)\nعن محمد بن عبد الرحمن (^٢) عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك وهي آخر غزوة غزاها وهي التي تدعى غزوة العسرة (^٣)، فبينما هو يسير بعد ما أضحى إذا هو بجماعة في ظل شجرة فقال ما هذه الجماعة؟ * فقالوا يا رسول الله: رجل صائم فجهده الصوم فقال ليس من البر الصيام في السفر (^٤).\n_________\n(^١) وضع بإزاء هذا السطر في الهامش كلمة لم تتبين لي، ولم أعرف مكانها.\n(^٢) محمد بن عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري، وربما نسب إلى جده، عن: عمته عمرة بنت عبدالرحمن، ومحمد بن عمرو بن الحسن، وعنه: عمارة بن غزية، وسفيان بن عيينة، ثقة، مات سنة ١٢٤ هـ. [الكاشف: ٢/ ١٩٢، وتهذيب التهذيب: ٩/ ٢٥٧، والتقريب: ٨٦٩].\n(^٣) تبوك بفتح التاء: وهي أقصى أثر رسول الله - ﷺ -، وهي من أدنى أرض الشام، وفيها وقعت غزوة تبوك في شهر رجب سنة تسع من الهجرة بين المسلمين والروم، وسميت غزوة العسرة؛ لأنها كانت في زمان عسرة من الناس، وشدة من الحر، وجدب من البلاد. [معجم ما استعجم: ١/ ٣٠٣، والبداية والنهاية: ٥/ ٥].\n* لوحة: ١٨/أ.\n(^٤) رواه بهذا السند وقريبًا من هذا اللفظ الشافعي في اختلاف الحديث: ٨٢ من طريق عمارة به، وابن حبان في صحيحه: ٨/ ٣٢١ من طريق بشر به، والبيهقي في معرفة السنن والآثار: ٦/ ٢٩١ من طريق عمارة به، وابن عبدالبر في التمهيد: ٢/ ١٧٣ من طريق إسماعيل بن إسحاق عن إبراهيم بن حمزة عن عبدالعزيز بن محمد عن عمارة به.\nوهذا الإسناد ضعيف؛ للإنقطاع بين محمد بن عبدالرحمن وجابر، حيث لم يسمع منه.\n\nقال النسائي في السنن الكبرى: ٣/ ١٤٥، ١٤٦ كتاب الصيام، باب العلة التي من أجلها قيل ذلك، وذكر الاختلاف على محمد بن عبدالرحمن في حديث جابر بن عبدالله في ذلك، بعد أن ساق الحديث من طريق محمد بن عبدالرحمن عن جابر، قال: هذا خطأ، ومحمد بن عبد الرحمن لم يسمع هذا الحديث من جابر.\nثم ساق بسنده عن شعبة عن محمد بن عبدالرحمن عن محمد بن عمرو بن الحسن عن جابر بن عبدالله أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا قد ظلل عليه في السفر، فقال: ليس من البر الصيام في السفر.\nثم قال النسائي: وحديث شعبة هذا هو الصحيح.\nقلت: وحديث شعبة الذي ذكر النسائي بأنه هو الصحيح هو مارواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٨٧ الصوم باب قول النبي - ﷺ - لمن ظلل عليه واشتد الحر (ليس من البر الصوم في السفر) ومسلم في صحيحه: ٢/ ٧٨٦ الصيام حديث: ٩٢.","vol":"1","page":384},{"text":"وقال حمزة بن عمرو الأسلمي (^١) - وكان يسرد الصوم -: يا رسول الله أصوم في السفر؟ قال: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر (^٢).\nقال ابن أبي أويس (^٣) عن مالك: الصيام في السفر أحب إلي من الإفطار لمن قوي ... عليه (^٤) (^٥).\n_________\n(^١) حمزة بن عمرو بن عويمر الأسلمي، أبو صالح أو أبو محمد المدني، صحابي جليل، عنه: ابنه محمد، وسليمان بن يسار، مات سنة ٦١ هـ. [الكاشف: ١/ ٣٥١، والتقريب: ٢٧٢].\n(^٢) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٨٦ كتاب الصوم باب الصوم في السفر والإفطار، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٧٨٩ كتاب الصيام حديث: ١٠٣، ١٠٤.\n(^٣) إسماعيل بن أبي أويس عبدالله بن عبدالله بن أبي أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، روى عن خاله مالك بن أنس، وأبيه، وعنه: إسماعيل القاضي، والبخاري ومسلم، صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه مات سنة ٢٢٦ هـ. ... [الديباج: ١/ ٢٨١، وميزان الاعتدال: ١/ ٢٢٢، والتقريب: ١٤١].\n(^٤) سبق تخريج قول مالك ص: ١٩٦، ولم أجده من هذا الطريق.\n(^٥) ذكر المؤلف مسألة الفطر في السفر: ولم يختلف أهل العلم في جواز الفطر في السفر، وإنما اختلفوا في الأفضل، قال ابن تيمية: ويجوز الفطر للمسافر باتفاق الأمة، سواء كان قادرًا على الصيام، أو عاجزًا، وسواء شق عليه الصوم، أو لم يشق. ثم قال: ولم تتنازع الأمة في جواز الفطر في السفر، بل تنازعوا في جواز الصيام للمسافر، فذهب طائفة من السلف والخلف إلى أن الصائم في السفر كالمفطر في الحضر، لكن مذهب الأئمة الأربعة أنه يجوز للمسافر أن يصوم وأن يفطر. ... [انظر مجموع الفتاوى: ٢٥/ ٢١٠، ٢١١].\n\nوالقول بتفضيل الصيام مروي عن أنس، وعثمان بن أبي العاص، والثوري، وإليه ذهب الحنفية والمالكية والشافعية، ولكن المالكية والشافعية يقيدونه بالقدرة، وذهب الحنابلة إلى القول بتفضيل الفطر، وهو مروي عن ابن عباس وابن المسيب، والأوزاعي، والشعبي، وبه قال ابن تيمية. [انظر أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٢٩٧، والاستذكار: ١٠/ ٧٩، والمغني: ٤/ ٤٠٧، وروضة الطالبين: ٢/ ٣٧٠، ومجموع الفتاوى: ٢٥/ ٢١٤]\nولعل القول بأن أفضل الأمرين أيسرهما هو الصواب، وهذا هو ماروي عن عمر بن عبدالعزيز كما عند ابن جرير: ٢/ ١٥٢ أنه لما سمع احتجاج سالم بفطر ابن عمر في السفر، واحتجاج عروة بصوم عائشة، قال: اللهم عفوًا، إذا كان يسرًا فصوموا، وإذا كان عسرًا فأفطروا.","vol":"1","page":385},{"text":"وليس إتمام الصلاة في السفر مثل الصيام، قال القاضي إسماعيل: لأن المسافر فرضه ركعتان فلا يجوز له أن يصلي أكثر من فرضه (^١)، والمسافر والمريض إنما أجيز لهما الفطر رفقًا بهما، وأن يؤخرا فرضهما من وقت إلى وقت، ولم يسقط عنهما من الفرض شيء ... لا بدل له كما حط من الصلاة، ولو كان قصر الصلاة يشبه تأخير الصوم لجاز للمريض أن يقصر الصلاة كما جاز للمسافر أن يقصر، فلما لم يجز ذلك علم أن أمر الصوم ... لا يشبه قصر الصلاة. وقال الشافعي (^٢) في المسافر: إن شاء أتم وإن شاء قصر، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (^٣) فلما قيل: لا جناح عليكم علم أنه إن شاء أتم وإن شاء قصر (^٤).\n_________\n(^١) خالف القاضي إسماعيل المشهور من المذهب بأن القصر في السفر سنة مؤكدة، قال القاضي عبدالوهاب: المذهب أن القصر سنة وليس بفريضة، وأن فرض المسافر التخيير بين القصر والإتمام، ومن أصحابنا من يقول: إنه فرض على المسافر، وهو قول أبي حنيفة. [الإشراف على نكت مسائل الخلاف: ١/ ٣٠٥].\nوممن نقل القول بفرض القصر على المسافر عن القاضي إسماعيل، ابن عبدالبر في الاستذكار: ٦/ ٦٢، والقرطبي في تفسيره: ٥/ ٣٥١، وابن حجر في الفتح: ٢/ ٧٢٩.\n(^٢) محمد بن إدريس بن العباس بن شافع، الإمام عالم العصر، وناصر الحديث، أبو عبدالله القرشي ثم المطلبي الشافعي، أحد الأئمة الأربعة، متفق على فقهه وقدره وأمانته، ولد سنة ١٥٠ هـ، ومات سنة ٢٠٤ هـ.\n[سير أعلام النبلاء: ١٠/ ٥، وفيات الأعيان: ٢/ ٣١١]\n(^٣) [سورة النساء: الآية ١٠١]\n(^٤) انظر نص كلام الشافعي في الأم: ١/ ١٧٩.","vol":"1","page":386},{"text":"قال القاضي: وهذا خطأ قبيح، ولو كان على ما قال لما كانت الإباحة لقصر الصلاة للمسافر إلا عند الخوف، وإنما هذه الآية في قصر الترتيب لا قصر العدد (^١)؛\n_________\n(^١) المراد بقصر الترتيب: تخفيف الركوع والسجود والقراءة. [انظر النوادر والزيادات: ١/ ٤١٩]، والبعض يسميه قصر الكيفية، وقد ذكر ابن جرير الخلاف في المراد بالقصر في هذه الآية، ورجح أن المرادبه هو: القصر من حدودها، بتخفيف ركوعها وسجودها، وإباحة أدائها. [انظر تفسيره: ٥/ ٢٤٣ - ٢٤٩] وممن رجح هذا القول الجصاص في أحكام القرآن: ٢/ ٣٥٥، والشنقيطي في أضواء البيان: ١/ ٤٠٥.\nقال ابن القيم: والقصر قصران: قصر الأركان، وقصر العدد، فإن اجتمع السفر والخوف اجتمع القصران، وإن انفرد السفر وحده شرع قصر العدد، وإن انفرد الخوف وحده شرع قصر الأركان، وبهذا يعلم سر تقييد القصر المطلق في القرآن بالخوف والسفر، فإن القصر المطلق الذي يتناول القصرين إنما يشرع ثم الخوف والسفر، فإن انفرد أحدهما بقي مطلق القصر إما في العدد، وإما في القدر.\n[تهذيب السنن: ١/ ٤١٥، ٤١٦].\n\n* لوحة: ١٨/ب.","vol":"1","page":387},{"text":"لأنه جل وعز قال في إثرها تعليمًا لذلك القصر الذي علمناه * عند الخوف وأباحه لنا: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ (^١) فوصف لنا الصلاة المقصورة عند الخوف وعلمناها، فأما صلاة السفر فقد كنا عرفناها بقوله: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (^٢) فأقام لهم رسول الله صلاة الحضر وصلاة السفر، ... [ولو كان قوله: (لا جناح) (^٣) تخييرًا لكان قوله في الصفا والمروة: ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ (^٤) تخييرًا فمن شاء طاف ومن شاء ترك] (^٥).\nقال ابن عمر: بعث رسول الله - ﷺ - ولا نعلم شيئًا وإنما نفعل ما كان يفعل (^٦)،\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ١٠٢]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٤٣]\n(^٣) يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [النساء: ١٠١].\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ١٥٨]\n(^٥) مابين المعكوفتين، كذا في الأصل وضع بين معكوفتين، وفي الهامش: (ليس في الأم وهو في غيرها صحيح) أي: أن هذا الكلام ليس في الأصل الذي هو أحكام القرآن للقاضي إسماعيل، وهو في كتبه الأخرى؛ لأن الكلام السابق واللاحق للقاضي إسماعيل.\n(^٦) سئل ابن عمر فقيل: يا أبا عبدالرحمن: إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن، ولانجد صلاة السفر؟ فقال ابن عمر: يابن أخي إن الله ﷿ بعث محمدًا - ﷺ - ولانعلم شيئًا، فإنما نفعل كما رأيناه يفعل.\n\nرواه النسائي في سننه: ٣/ ١٣٢ كتاب تقصير الصلاة في السفر، وابن ماجة في سننه: ١/ ١٩١ باب تقصير الصلاة من أبواب إقامة الصلاة، وأحمد في مسنده: ٢/ ٦٥، ٩٤، ١٤٨، والإمام مالك في الموطأ: ١/ ١٣٨ كتاب قصر الصلاة في السفر حديث: ٧، وعبدالرزاق في مصنفه: ٢/ ٥١٨ باب الصلاة في السفر، وابن خزيمة في صحيحه: ٢/ ٧٢، وابن حبان في صحيحه: ٤/ ٣٠١، و٦/ ٤٤٤، والحاكم في المستدرك: ١/ ٣٨٩ وقال: هذا حديث رواته مدنيون ثقات ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":388},{"text":"وقال عمر: صدقة تصدق الله بها عليكم (^١)، يريد لم يوجب ذلك عليكم فتخفيفه عنكم صدقة، وقالت عائشة وابن عباس - ﵄ -: فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين\nفزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر (^٢).\n_________\n(^١) هذا من قول رسول الله - ﷺ - كما في حديث يعلى بن أمية أنه سأل عمر - ﵁ - فقال: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أمن الناس، فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته.\nرواه مسلم في صحيحه: ١/ ٤٧٨ كتاب صلاة المسافرين وقصرها حديث: ٤٠.\n(^٢) جمع المؤلف بين رواية عائشة وابن عباس، ولكن بينهما اختلاف، فقد روى البخاري في صحيحه: ١/ ١٣٧ الصلاة باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء، و١/ ٣٦٩ تقصير الصلاة باب إذا خرج من موضعه، ومسلم في صحيحه: ١/ ٤٧٨ صلاة المسلفرين وقصرها، حديث: ٢، ٣ عن عائشة قالت: إن الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر. قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم في السفر؟ فقال: إنها تأولت كما تأول عثمان.\nوأما حديث ابن عباس فقد رواه مسلم في صحيحه: ١/ ٤٧٩ صلاة المسافرين وقصرها حديث: ٥، عن ... ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم - ﷺ - في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة.\nفخالف قول عائشة قول ابن عباس، حيث ذكرت عائشة أن الصلاة أول مافرضت كانت ركعتين بما فيها صلاة الحضر، ثم أتمت صلاة الحضر، ولكن حديث ابن عباس يدل على أن صلاة الحضر أول ما فرضت كانت أربعًا.\n\nقال القاضي عياض: وقد يجمع بين الحديثين على أن هذا الذي استقر عليه الفرضان، وحديث عائشة على أول الأمر. ... [إكمال المعلم: ٣/ ٨].","vol":"1","page":389},{"text":"فعدد الفرض في الصلاة قائم في كل موضع من السفر والحضر لا يجوز أن يزاد فيه لنشاط ولا لقوة، ولا ينقص منه لضعف ولا لعلة، ولو جاز أن يسقط من عدد الصلاة شئ لعلة لجاز أن يسقط عن المريض إذ كان أضعف من المسافر فلم يجز له أن ينقص من العدد وأبيح له أن يصلي قاعدًا ومضطجعًا على قدر ما يمكنه (^١). فأما العدد فلا نقصان فيه، وهذا قول جملة أهل العلم وما لا ينبغي أن يُتعدى، فأما إتمام عائشة - ﵂ - في السفر فقد وضع أهل العلم لها المعاذير في ذلك على قدر اجتهادهم وكذلك اعتذروا لعثمان لإتمامه * بمنى (^٢)، وما أُعتذر لفاعله فلا يحتج به وليس بالناس حاجة إلى معرفة فعلٍ قد أُعتذر له.\nوأما قول المتأخر (^٣):\n_________\n(^١) حديث الرسول - ﷺ -: صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب. رواه البخاري في صحيحه: ١/ ٣٧٦ تقصير الصلاة باب إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنب.\n* لوحة: ١٩/أ.\n(^٢) سبق ذكر الرواية في إتمام عائشة، وأما إتمام عثمان بمنى، فقد روى البخاري في صحيحه: ١/ ٣٦٨ تقصير الصلاة باب الصلاة بمنى، ومسلم في صحيحه: ١/ ٤٨٣ صلاة المسافرين وقصرها حديث: ١٩، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: ثم صلى بنا عثمان بن عفان - ﵁ - بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود - ﵁ - فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول الله - ﷺ - بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر - ﵁ - بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب - ﵁ - بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان.\nانظر فيما ذكره أهل العلم من الاعتذار لهما: إكمال المعلم: ٣/ ٥، وزاد المعاد: ١/ ٤٦٩، وفتح الباري: ... ٢/ ٧٣٦.\n(^٣) إلى هذا القول ذهب داود الظاهري وأصحابه، وهو يروى عن: عمر بن الخطاب، وابن عباس، وأبي هريرة.\n\nمصنف ابن أبي شيبة: ٢/ ٢٨٢ من قال إذا صام في السفر لم يجزه، والمحلى: ٦/ ٢٤٣ - ٢٥٦.","vol":"1","page":390},{"text":"إن الصائم في السفر يقضي، فلم يعرف وجه قول رسول الله - ﷺ -: ليس من البر الصيام في السفر (^١). إنما خاطب بذلك من كظّه (^٢)، على ما في الحديث.\nوهو - ﷺ - صام في حجة الوداع واحتجم وهو صائم محرم وهذا آخر فعله (^٣).\nقال القاضي: وطرق هذا الحديث كثيرة (^٤).\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: ١٩٩.\n(^٢) قال ابن فارس: الكاف والظاء: أصل صحيح يدل على تمرس وشدة وامتلاء، ويقال: كظّه الأمر يكظه كظًا: بهضه وكربه وجهده. ... [مقاييس اللغة: ٨٧٢، ولسان العرب: ٧/ ٤٥٧].\n(^٣) روى البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٨٥ الصوم باب الحجامة والقيء للصائم عن ابن عباس - رضي الله ... عنهما -: أن النبي - ﷺ - احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم.\nقال ابن حجر: حديث أنه - ﷺ - احتجم وهو صائم محرم في حجة الوداع. رواه البخاري وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث ابن عباس دون قوله (في حجة الوداع) فإنا لم نرها صريحة في شيء من الأحاديث، لكن ذكره الشافعي وابن عبدالبر وغير واحد وفيه نظر؛ لأنه - ﷺ - كان مفطرًا، كما صح أن أم الفضل أرسلت إليه بقدح لبن فشربه وهو واقف بعرفة.\nوقال أيضًا: ثم ظهر لي أن بعض الرواة جمع بين الأمرين في الذكر، فأوهم أنهما وقعا معًا، والأصوب رواية البخاري: احتجم وهو صائم، واحتجم وهو محرم، فيحمل على أن كل واحد منهما وقع في حالة مستقلة.\n[انظر تلخيص الحبير: ٢/ ١٩١، ١٩٢].\n(^٤) قال ابن حجر: قال بعض الحفاظ حديث ابن عباس روي على أربعة أوجه، الأول: احتجم وهو محرم، الثاني: احتجم وهو صائم، الثالث: احتجم وهو صائم، واحتجم وهو محرم، الرابع: احتجم وهو صائم محرم. ...\n[المرجع السابق: ٢/ ١٩١]\n\nفأما الوجه الأول (احتجم وهو محرم) فقد رواه البخاري في صحيحه: ٥/ ٢١٥٦ الطب باب الحجم من الشقيقة والصداع، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٦٨٢ الحج حديث: ٨٧.\nوأما الثاني: (احتجم وهو صائم) فرواه أبو داود في سننه: ٢/ ٣٠٩ الصوم باب الرخصة في ذلك، والترمذي باب ما جاء في الرخصة في ذلك من أبواب الصوم انظر تحفة الأحوذي: ٣/ ٤٨٨، وابن ماجة في سننه: ١/ ٣٠٨ باب ما جاء في الحجامة من أبواب الصيام، وأحمد في مسنده: ١/ ٢٩٩، والبهقي في سننه: ٤/ ٢٦٣ باب الصائم يحتجم لايبطل صومه.\nوأما الثالث: فقد سبق في حديث ابن عباس عند البخاري. =\n\nوأما الرابع: فرواه أبو داود في سننه: ٢/ ٣٠٩ الصوم باب الرخصة في ذلك، والترمذي باب ما جاء في الرخصة في ذلك من أبواب الصوم انظر تحفة الأحوذي: ٣/ ٤٨٨، والنسائي في سننه الكبرى: ٣/ ٣٤٤ باب الحجامة للصائم، وابن ماجة في سننه: ١/ ٣٠٨ باب ما جاء في الحجامة من أبواب الصيام، وأحمد في مسنده: ١/ ٢٢٢.","vol":"1","page":391},{"text":"وقد قال مالك في من أتم في السفر: إنه بعيد في الوقت (^١). فإن قيل: إن كان فرضه ركعتين فالزيادة فيها تبطلها كما تبطل الزيادة في الأربع، قلنا: الفرض ركعتين أقوى ما روي ونقل إلينا، ولسنا مثل من جاء بعد المائتين يقول: إن ما خالفه لا يجوز البتة (^٢)، لو قلنا أن يصلي (^٣) أربعًا يعيد أبدًا لكان عثمان وعائشة - ﵄ - ما صليا، وآراؤنا دون آرائهم، قال ابن مسعود - ﵁ - (^٤) وقد صلى خلف عثمان - ﵁ - أربعًا: ليت حظي من أربع ركعتين (^٥)،\n_________\n(^١) المدونة: ١/ ٢٠٨، والنوادر والزيادات: ١/ ٤٣٢.\n(^٢) هذا رأي القاضي بكر بن العلاء في عدم الاحتجاج بمن جاء بعد المائتين، وسبق الحديث عنه في منهج المؤلف.\n(^٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: من صلى.\n(^٤) تأتي ترجمته ص: ٢٠٨.\n(^٥) سبق تخريجه ص: ٢٠٣. قال القاضي عياض: وقوله: (فليت حظي من أربع ركعتان) يدل على هذا؛ لأن الأربع لو لم تكن مشروعة ولا مباحة في السفر لم يكن فيها حظ جملة ولا تبعيضًا، وإنما أشار إلى الرخصة والتخفيف، واتباع سنة النبي - ﷺ - في ذلك. ... [إكمال المعلم: ٣/ ٢٠] ..","vol":"1","page":392},{"text":"ولم ير الإعادة، وهذا علي بن أبي طالب - ﵁ - يقول له ابن عباس: كنت معنا نقول لأبي بكر وعمر إن الخمس لنا بالكتاب والسنة حتى أفضي الأمر إليك فقسمته على ما قسماه، قال علي: إنهما تأولا كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - وتأولنا ولسنا بتأويلنا أولى منهم بتأويليهم، فقسمتها على ما قسماها، وقال: قد كانا رشيدين وما أحب أن يؤثر عني خلافهما (^١).\nفنحن ما أدركنا الوقت قلنا أيضًا بالأفضل، فإذا خرج الوقت لم نزر (^٢) على الصحابة * ونقول ما يكدح (^٣)\n_________\n(^١) ما وقفت عليه هو مارواه الطحاوي في شرح معاني الآثار: ٣/ ٢٣٤، ٣٠٩: عن محمد بن إسحاق قال: ثم سألت أبا جعفر فقلت: أرأيت علي بن أبي طالب حيث ولي العراق وما ولي من أمور الناس كيف صنع في سهم ذوي القربى؟ قال: سلك به والله سبيل أبي بكر وعمر - ﵄ - قلت: وكيف وأنتم تقولون ما تقولون؟ قال: إنه؟ والله - ما كان أهله يصدرون إلا عن رأيه، قلت: فما منعه؟ قال: كره؟ والله - أن يدعى عليه خلاف أبي بكر وعمر - ﵄ -. ورواه البيهقي في سننه: ٦/ ٣٤٣ باب سهم ذي القربى من الخمس كتاب قسم الفيء والغنيمة.\n(^٢) زرى: الزاء والراء والحرف المعتل يدل على احتقار الشيء والتهاون به. [مقاييس اللغة: ٤٥٠].\n* لوحة: ١٩/ب.\n(^٣) كذا في الأصل، ولعلها يقدح.","vol":"1","page":393},{"text":"فيهم (^١).\nوقد قال مالك - ﵁ -: من ظن أنه يوافي أهله من سفره في آخر النهار فله أن يفطر وإن ظن موافاته في أول النهار فليصم (^٢).\n_________\n(^١) يخالف بكر بن العلاء القاضي إسماعيل في وجوب الإعادة مطلقًا على من أتم في السفر، بل يرى الإعادة في الوقت، فإذا خرج الوقت فلا إعادة، قال ابن عبدالبر بعد ذكره لمن قال إن القصر فريضة؟ ومنهم القاضي إسماعيل؟ قال: من ذهب إلى أن الركعتين في السفر فرض أبطل صلاة من أتم في السفر عامدًا، أو رأى الإعادة عليه واجبة ركعتين. ثم قال: الذي ذهب إليه أكثر العلماء من السلف والخلف في قصر الصلاة في السفر: أنه ستة مسنونة، لا فريضة، وبعضهم يقول: إنه رخصة وتوسعة، فمن جعلها سنة رأى الإعادة عليه منها في الوقت، وكره الإتمام، وهذا تحصيل مذهب مالك وأكثر أصحابه، ومن رأها رخصة أجاز الإتمام، وجعل المسافر بالخيار في القصر والإتمام. ... [الاستذكار: ٦/ ٦٣ - ٦٥].\n(^٢) في الموطأ: ١/ ٢٤٦، والمدونة: ١/ ٢٧٣ عن مالك قال: من كان في سفر فعلم أنه داخل على أهله من أول يومه، وطلع عليه الفجر قبل أن يدخل، دخل وهو صائم. وفي النوادر والزيادات: ٢/ ٢٢ قال ابن الماجشون: والمسافر إذا علم أنه يدخل بيته آخر النهار فله أن يبيت الفطر، وإن علم أنه يدخل أوله أحببت له الصوم. ثم ذكر ابن أبي زيد القيرواني أنه روي عن مالك.","vol":"1","page":394},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (^١) وإكمال العدة أن يصوم ما أفطر من رمضان في سفر أو مرض، فإذا قضاه فقد أكمل العدة (^٢)، وإنما قوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (^٣) قال ابن عباس: حق على من رأى هلال شوال أن يكبروا الله حتى يفرغوا من عيدهم، وذلك لأن الله يقول: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (^٤) (^٥)، وقال ابن زيد بن أسلم (^٦): ينبغي لهم إذا غدوا إلى المصلى كبروا، وإذا جلسوا كبروا حتى إذا خرج الإمام صمتوا، فإذا كبر الإمام كبروا، فإذا انقضت الصلاة فقد انقضى العيد، والجماعة تغدوا بالتكبير إلى المصلى (^٧)، وقد روي عن جماعة من الصحابة وكثير من التابعين (^٨)، وكذلك أيام النحر يكبر فيها في إثر الصلاة (^٩)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٨٥]\n(^٢) انظر تفسير ابن جرير: ٢/ ١٥٦\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ١٨٥]\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ١٨٥]\n(^٥) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٥٧.\n(^٦) عبدالرحمن بن زيد بن أسلم العدوي مولاهم المدني، روى عن أبيه، وابن المنكدر، له (التفسير) و(الناسخ والمنسوخ)، ضعيف، مات سنة ١٨٢ هـ. [التقريب: ٥٧٨، وطبقات المفسرين للداودي: ١/ ٢٧١].\n(^٧) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٥٧، ١٥٨.\n(^٨) انظر مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ٤٨٧ باب التكبير إذا خرج إلى العيد، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٣٠٩، والبيهقي في سننه: ٣/ ٢٧٨ باب التكبير ليلة الفطر ويوم الفطر، والبغوي في تفسيره: ١/ ٢٠١، والمغني: ... ٣/ ٢٦٢.\n(^٩) ابن أبي شيبة في مصنفه: ١/ ٤٨٨ باب التكبير من أي يوم هو إلى أي ساعة، والمحلى: ٥/ ٩١، والبيهقي في سننه: ٣/ ٣١٣ باب من استحب أن يبتدئ التكبير خلف صلاة الصبح من يوم عرفة ..","vol":"1","page":395},{"text":"لقول الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (^١) وقال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (^٢)، وروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: إنها أيام أكل وشرب وذكر لله (^٣)، وقال الزهري: إن النبي - ﷺ - كان يكبر يوم الفطر إذا خرج إلى المصلى (^٤)، قال الزهري: وذلك من السنة (^٥)، وكان علي وابن عباس وجماعة من الصحابة إذا خرجوا إلى المصلى يوم * الفطر كبروا حتى يفرغ الإمام من الخطبة بالروايات الصحاح (^٦)، وكان سعيد بن\n_________\n(^١) [سورة الحج: الآية ٢٨]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٠٣]\n(^٣) رواه مسلم في صحيحه: ٢/ ٨٠٠ الصيام حديث: ١٤٤.\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ١/ ٤٨٧ في التكبير إذا خرج إلى العيد، وذكره الجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٣٠٩، قال الإمام أحمد في العلل ومعرفة الرجال: هذا حديث منكر.\nوقد روي هذا الحديث عن ابن عمر رواه الدارقطني في سننه: ٢/ ٤٤ كتاب العيدين، والبيهقي في سننه: ٣/ ٢٧٩، وضعّف رفعه، وقال: والحديث المحفوظ عن ابن عمر من قوله. ورواه الحاكم في المستدرك: ١/ ٤٣٨ كتاب صلاة العيدين، وقال: هذا حديث غريب الإسناد والمتن، وهذه سنة تداولها أئمة أهل الحديث، وصحت به الرواية عن عبدالله بن عمر وغيره من الصحابة.\n(^٥) لم أقف عليه.\n* لوحة: ٢٠/أ.\n(^٦) ذكره البيهقي في سننه: ٣/ ٢٧٩ قال: وروي عن علي بن أبي طالب - ﵁ - وجماعة من أصحاب النبي - ﷺ - ورضي عنهم مثل ماروينا عن ابن عمر في التكبير عند الغدو إلى المصلى. وانظر المغني: ٣/ ٢٦٢، وذكره القرطبي في تفسيره: ٢/ ٣٠٦ عن ابن عباس.","vol":"1","page":396},{"text":"المسيب (^١) وأكثر التابعين ممن بلغنا يفعله (^٢)، ولم يُرو خلافه عن أحد علمناه (^٣).\nوكانوا يرونه في الغدو إلى الفطر أوجب منه في الأضحى (^٤)، إلا علي وابن مسعود (^٥)\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره: ١/ ٢٠١.\n(^٢) ممن روي عنه هذا: زيد بن أسلم، وسعيد بن جبير، والنخعي، وعمر بن عبد العزيز، وأبان بن عثمان. انظر المراجع السابقة.\n(^٣) روي خلاف ذلك عن ابن عباس - ﵄ - فقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه: ١/ ٤٨٨، ... وابن المنذر في الأوسط: ٤/ ٢٥١ عن شعبة قال: كنت أقود ابن عباس يوم العيد، فيسمع الناس يكبرون، فقال: ما شأن الناس؟ قلت: يكبرون، قال: يكبرون، قال: يكبر الإمام؟ قلت: لا، قال: أمجانين الناس؟ .\nوماروي عن ابن عباس هذا يحمل على عدم الجهر بالتكبير إلا مع الإمام، وإلا فقد روي عنه كما عند ابن جرير: ٢/ ١٥٧: أنه قال: حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا الله حتى يفرغوا من عيدهم.\n(^٤) عن أبي عبدالرحمن السلمي قال: كانوا في التكبير في الفطر أشد منهم في الأضحى. رواه الدارقطني في سننه: ٢/ ٤٤ كتاب العيدين، والحاكم في المستدرك: ١/ ٤٣٨، والبيهقي في سننه: ٣/ ٢٧٩.\n(^٥) عبدالله بن مسعود بن غافل الهذلي، أبو عبدالرحمن، حليف بني زهرة، من السابقين الأولين، ومن كبار العلماء من الصحابة، أمره عمر على الكوفة، ومات بالمدينة سنة ٣٢ هـ.\n\n[الاستيعاب: ١/ ٣١٦، والإصابة: ١/ ٣٦٨].","vol":"1","page":397},{"text":"فإنهما كانا يريانه في الغدو سواء، ويريان التكبير في الأضحى منذ يوم عرفة (^١).\n_________\n(^١) لم أجد ماروي عنهما من مخالفتهما في أن التكبير في الفطر أوجب منه في الأضحى، أما ماروي عنهما من أن التكبير في الأضحى منذ يوم عرفة بعد صلاة الفجر، فقد روى ذلك عن علي، ابن أبي شيبة في مصنفه: ١/ ٤٨٨، وابن المنذر في الأوسط: ٤/ ٣٠٠، والحاكم في المستدرك: ١/ ٤٤٠، والبيهقي في سننه: ٣/ ٣١٤ باب من استحب أن يبتدئ التكبير خلف صلاة الصبح من يوم عرفة.\nوروى الحاكم في المستدرك: ١/ ٤٤٠ عن ابن مسعود أنه كان يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق.\nوقد روي عن ابن مسعود أن التكبير يبدأ من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر يوم النحر، رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ١/ ٤٨٨، وابن المنذر في الأوسط: ٤/ ٣٠١، وابن حزم في المحلى: ٥/ ٩١.","vol":"1","page":398},{"text":"قال الله ﵎: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ... ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (^١).\nقيل: كان الطعام والشراب والجماع عليهم بعد اليوم محرم (^٢)، وقيل: إنهم لما فرض عليهم الصيام احتذوا فيه حذو أهل الكتاب (^٣)، وهذا هو الصحيح؛ لأن التحريم يقتضي محرمًا، ولم يرو ذلك، ولم يؤثر (^٤)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٨٧]\n(^٢) يشير إلى ماروي من حديث البراء: (كان أصحاب محمد - ﷺ - إذا كان الرجل صائمًا فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة ...)، وإلى ماروي عن كعب بن مالك في قصة جماع عمر، وقد سبق تخريجهما ص: ١٧٧، وقد روي نحو هذا عن: ابن عباس، ومعاذ، وابن أبي ليلى، ومجاهد. [انظر الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ٣٨ - ٤٠، وتفسير الطبري: ٢/ ١٦٤ - ١٦٦، وتفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٠٥].\n(^٣) روي عن السدي: أن الذين قبلنا هم النصارى، كتب عليهم رمضان، وكتب عليهم ألا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم، ولا ينكحوا النساء في شهر رمضان، فكتب على المؤمنين كما كتب عليهم ...\n[تفسير الطبري: ٢/ ١٢٩، ١٦٦]\n(^٤) قال النحاس: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَاؤُكُمْ﴾ قال أبو العالية وعطاء: هي ناسخة لقوله: ... ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، وقال غيرهما: هي ناسخة لفعلهم الذي كانوا عليه، فاتفقت الأقوال أنها ناسخة، إما بفعلهم، وإما بالآية، فذلك غير متناقض. [انظر الناسخ والمنسوخ: ١/ ٥٠٣].\nوممن رجح أن الآية منسوخة مكي في الإيضاح: ١٤٧.\n\nوقد سبقت الإشارة إلى أن التشبيه بين صومنا وصوم أهل الكتاب هو في الفرضية فقط، ولا يلزم المشابهة من كل وجه، فعلى هذا تكون الآية الأولى محكمة غير منسوخة، وممن رجح أنها محكمة ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٣٠، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ٢٠٣، قال الزرقاني: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فإن هذا التشبيه يقتضي موافقة من قبلنا فيما كانوا عليه من تحريم الوطء والأكل والشرب بعد النوم، وقد نسخ بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَاؤُكُمْ﴾ كذلك قالوا، ولكنك تعلم أن التشبيه لا يجب أن يكون من كل وجه، وإذن فالتشبيه في الآية الأولى لا يقتضي بما ذكروه من وجوب موافقة أهل الكتاب فيما كانوا عليه في صومهم، وعلى هذا فلا تعارض بين الآيتين، وحيث انتفى التعارض انتفى النسخ. [انظر مناهل العرفان: ٢/ ٥٢٠].\nوعلى هذا فالقول الصحيح أن الآية ناسخة لما كانوا يفعلونه، وما كانوا يفعلونه ليس من قبل أنفسهم، بل لا بد أنه كان محظورًا عليهم ذلك الفعل من قبل الشرع، فعدم ورود الأثر في تحريم ذلك عليهم لاينفي مشروعيته، قال السيوطي بعد أن ذكر القول بنسخ الآية الأولى بهذه الآية، وأنه ذكره ابن العربي، قال: وحكى - ابن العربي - قولًا آخر أنه نسخ لما كان بالسنة. ... [انظر الإتقان: ٢/ ٦٤].","vol":"1","page":399},{"text":"فكان سبب الإذن أن عمر بن الخطاب - ﵁ - وقع على امرأته بعد أن نام، ورجل من الأنصار رقد قبل العشاء ثم استيقظ فأكل، وخافا نزول الوحي فيهما (^١)، وكانا سبب رحمة الله لعباده - كما كانت عائشة ﵂ سبب التيمم، فقال لها أسيد بن حضير (^٢): ما هذه أول بركتكم يا آل أبي بكر (^٣) - وأنزل الله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ (^٤) وهو الجماع، ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (^٥) وهو الولد، ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (^٦)، وبهذا جاءت الروايات، وفسره المفسرون، وقال ابن عباس الرفث: الجماع (^٧)،\n_________\n(^١) سبق تخريجهما ص: ١٧٧.\n(^٢) أسيد بن الحضير بن سماك الأنصاري الأشهلي، أبو يحيى، ويقال: أبو عتيك، أحد النقباء ليلة العقبة، توفي سنة ٢٠ هـ، وقيل: ٢١ هـ. [معرفة الصحابة: ١/ ٢٥٨، والإصابة: ١/ ٤٩].\n(^٣) سبب نزول آية التيمم رواها البخاري في صحيحه: ١/ ١٢٧ التيمم باب قوله: فلم تجدوا ماء، ومسلم في صحيحه: ١/ ٢٧٩ كتاب الحيض حديث: ١٠٨.\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ١٨٧]\n(^٥) [سورة البقرة: الآية ١٨٧]\n(^٦) [سورة البقرة: الآية ١٨٧]\n(^٧) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٦١، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣١٥.\n\n* لوحة: ٢٠/ب.","vol":"1","page":400},{"text":"وقد قال: الله * ﵎ حيي كريم يكني عما شاء، وإن الرفث، والمباشرة، والتغشي، والإفضاء: الجماع (^١).\n_________\n(^١) روى عبدالرزاق في مصنفه: ٦/ ٢٧٧ عن ابن عباس قال: الدخول والتغشي والإفضاء والمباشرة والرفث واللمس هذا الجماع، غير أن الله حيي كريم يكني بما شاء عما شاء، قال ابن حجر في الفتح: ٨/ ٣٤٥ إسناده صحيح، ثم ذكر أن عبد بن حميد رواه أيضًا عن ابن عباس.\nوفي سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٢٦٥ بلفظ (اللمس والمس والمباشرة إلى الجماع ما هو، ولكن الله ﷿ كنى عنه) وابن أبي شيبة في مصنفه: ١/ ١٥٤ باب قوله: أو لامستم النساء، بمثل ماروى سعيد بن منصور، وابن جرير في تفسيره: ٥/ ١٠٢ نحو ما ذكر سعيد، وقد ذكره ابن حجر في تغليق التعليق: ٤/ ٢٠٣ من طريق إسماعيل بن إسحاق عن ابن عباس: الملامسة والمباشرة والإفضاء والرفث كله النكاح، لكن الله ﷿ كنى.","vol":"1","page":401},{"text":"وقاله ابن مسعود (^١)، وابن عمر (^٢)، وابن المسيب (^٣)، وعطاء (^٤)، ومجاهد (^٥)، وقتادة (^٦)، ولم تختلف الرواية فيه، إلا ابن عباس في قوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (^٧) قال: ليلة القدر، روى ذلك عنه أبو الجوزاء (^٨) وحده (^٩)، وروي عن زيد بن أسلم: أن الأكل والجماع كانا محرمين لقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (^١٠) وكان هذا قد كتب على الذين من قبلنا، إلا أنه ذكر أن ذلك في صيام الأيام من كل شهر فلما نزل رمضان أجروه مجراه (^١١).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير: ١/ ٢٢٠.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٦٦، وذكره ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٢٠، والسيوطي في الدر المنثور: ١/ ١٩٨ وعزاه لابن المنذر.\n(^٣) لم أقف عليه.\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٦٨، وذكره ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٢٠.\n(^٥) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٦١، وذكره ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٢٠.\n(^٦) رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٧١، وابن جرير: ٢/ ١٦١، وذكره ابن كثير: ١/ ٢٢٠.\n(^٧) [سورة البقرة: الآية ١٨٧]\n(^٨) أبو الجوزاء: أوس بن عبدالله الربَعي، من كبار العلماء، حدث عن عائشة، وابن عباس، وعنه: عمرو بن مالك، وبديل بن ميسرة، ثقة يرسل كثيرًا، مات سنة ٨٣ هـ. [سير أعلام النبلاء: ٤/ ٣٧١، والتقريب: ١٥٥].\n(^٩) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٧٠، وابن أبي حاتم: ١/ ٣١٧ كلاهما من طريق أبي الجوزاء.\n(^١٠) [سورة البقرة: الآية ١٨٣]\n(^١١) لم أقف عليه، ولكن روي معناه عن السدي كما سبق ص: ٢٠٩.","vol":"1","page":402},{"text":"فأما قوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (^١): إنه الولد (^٢)، وقال زيد: الجماع (^٣). وقد يحتمل وجهًا ثالثًا وهو: ما كتب الله لكم من الثواب، والله أعلم بما أراد من ذلك.\nوأما ما قاله ابن عباس: ليلة القدر فحسن أيضًا (^٤).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٨٧]\n(^٢) روي هذا عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة،، والحكم بن عتبة، والحسن، وغيرهم، انظر سنن سعيد ابن منصور: ٢/ ٦٩٧، وابن جرير: ٢/ ١٦٩، وابن أبي حاتم: ١/ ٣١٧، وابن كثير: ١/ ٢٢١.\n(^٣) كذا في الأصل، والصواب: ابن زيد، فقد رواه عن ابن زيد ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٦٩، وذكره ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٢١، فإما أن يكون وهم، أو سقطت كلمة (ابن)، وقد ذكر ابن كثير في تفسيره: ... ١/ ٢٢١ عن زيد بن أسلم أنه يقول: الولد.\n(^٤) بقي قول آخر لم يذكره المؤلف، وهو ماروي عن قتادة: الرخصة التي كتب الله لكم، رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٧١، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٧٠.\nقلت: وما قاله ابن عباس داخل فيما ذكره المؤلف في الوجه الثالث، فإن الثواب في قيام ليلة القدر.\nوقد رجح الجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٣١٤ أن الآية عامة لكل ما ذكر فيها، وقد رد قول من قال: إن المراد به الجماع. وقد ذكر ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٧٠: أن الآية أعم من هذا كله، وأنها شاملة لكل هذا محتملة له، إلا أن المعنى الألصق بها هو قوله: الولد، حيث قال: أشبه المعاني بظاهر الآية قول من قال معناه: وابتغوا ... ما كتب الله لكم من الولد؛ لأنه عقيب قوله: ﴿فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ بمعنى جامعوهن، فلأن يكون قوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ بمعنى: وابتغوا ما كتب الله في مباشرتكم إياهن من الولد والنسل أشبه بالآية من غيره من التأويلات التي ليس على صحتها دلالة من ظاهر التنزيل، ولا خبر عن الرسول - ﷺ -.","vol":"1","page":403},{"text":"وأما قوله ﷿: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (^١) فإنه بياض النهار من سواد الليل، وهو البياض الذي يبدو من المشرق قبل الحمرة، وهو الثاني المستطير (^٢)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٨٧]\n(^٢) المُستطير: هو الذي انتشر ضوءه، واعترض في الأفق، بخلاف المستطيل.\n\n[النهاية في غريب الحديث: ٣/ ١٥١].","vol":"1","page":404},{"text":"المعترض في أفق السماء، فأباح الله ﵎ الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر، وإذا كان ذلك فليس يصبح الإنسان إلا جنبًا، ... ولا يقع اغتساله إلا بعد الفجر، فالقرآن والسنة قد أبطلا الرواية: من أصبح جنبًا أفطر ذلك اليوم (^١)؛ لأن عائشة وهي أعلم الخلق بهذا أنكرت الرواية (^٢)، فقال أبو هريرة: لم أسمعه من النبي - ﷺ - أخبرنيه مخبر (^٣)،\n_________\n(^١) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: لا ورب البيت ما أنا قلت: من أدركه الصبح وهو جنب فلا يصم، محمد ورب الكعبة قاله. رواه النسائي في سننه الكبرى: ٣/ ٢٦٠ باب صيام من أصبح جنبًا من كتاب الصيام، وابن ماجة: ١/ ٣١١ باب ما جاء في الرجل يصبح جنبًا وهويريد الصيام من أبواب ما جاء في الصيام، وأحمد في مسنده: ... ٢/ ٢٨٤، وعبدالرزاق في مصنفه: ٤/ ١٨٠ باب من أدركه الصبح جنبًا، والحميدي في مسنده: ٢/ ٤٤٣، وابن حبان في صحيحه: ٨/ ٢٦١، وقال ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٢٣ بعد ذكره لما رواه أحمد في مسنده من طريق عبدالرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، قال: فإنه حديث جيد الإسناد على شرط الشيخين كما ترى.\n(^٢) روى النسائي في سننه الكبرى: ٣/ ٢٦١: كان أبو هريرة يفتي الناس أن من أصبح جنبًا فلا يصم ذلك اليوم، فبعثت إليه عائشة: لا تحدث عن رسول الله - ﷺ - بمثل هذا، فأشهد على رسول الله - ﷺ - أنه كان يصبح جنبًا من أهله ثم يصوم، فقال: ابن عباس حدثنيه.\n(^٣) قال العلائي: وهذا أبو هريرة - ﵁ - على كثرة ملازمته النبي - ﷺ -، وتبحره فيما حفظه عنه، روى حديث من أصبح جنبًا فلا صوم له، فلما روجع فيه، قال: سمعته من الفضل بن عباس. [جامع التحصيل: ٦٨].\n\nروى البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٨٠ الصوم باب الصائم يصبح جنبًا أن الذي حدثه به الفضل بن عباس، وكذلك رواه مسلم في صحيحه: ٢/ ٧٨٠ الصيام حديث: ٧٥، والنسائي في سننه الكبرى: ٣/ ٢٦١ - ٢٦٦.\n* لوحة: ٢١/أ.","vol":"1","page":405},{"text":"قالت: لقد كان رسول الله - ﷺ - يصبح جنبًا من غير احتلام * ثم يصوم ذلك اليوم (^١)، ومع هذه الرواية فالقرآن يغنى عن كل شئ؛ لأن من إباحة الله الجماع إلى الفجر فقد جعل اغتساله بعد الفجر (^٢)، وهو الفجر المعترض يمينًا وشمالًا لا المستطيل في أفق السماء (^٣)،\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٧٩ الصوم باب الصائم يصبح جنبًا، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٧٨٠ الصيام حديث: ٧٦ كلاهما عن عائشة وأم سلمة. وقد رواه مسلم في صحيحه: ٢/ ٧٨٠ حديث: ٧٧ عن أم سلمة.\nقال الشافعي: فأخذنا بحديث عائشة وأم سلمة زوجي النبي - ﷺ - دون ما روى أبو هريرة عن رجل عن رسول الله - ﷺ - بمعان منها: أنهما زوجتاه، وزوجتاه أعلم بهذا من رجل إنما يعرفه سماعًا أو خبرًا، ومنها: أن عائشة مقدمة في الحفظ، وأن أم سلمة حافظة، ورواية اثنين أكثر من رواية واحد، ومنها: أن الذي روتا عن النبي المعروف في المعقول والأشبه بالسنة. ... [اختلاف الحديث: ١٩٥، ١٩٦].\n(^٢) كذا في الأصل، ولعلها: أن جعل اغتساله.\n(^٣) روى الدارقطني في سننه: ٢/ ١٦٥ باب وقت السحر عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان أنه بلغه أن رسول الله - ﷺ - قال: هما فجران، فأما الذي كأنه ذنب السرحان فإنه لا يحل شيئًا ولا يحرمه، وأما المستطيل الذي عارض الأفق ففيه تحل الصلاة ويحرم الطعام. قال الدارقطني: هذا مرسل.\n\nقال الفيومي في المصباح المنير: ٤٦٣: والفجر اثنان، الأول: الكاذب وهو المستطيل، ويبدو أسودًا معترضًا، والثاني: الصادق وهو المستطير، ويبدو ساطعًا يملأ الأفق ببياضه، وهو عمود الصبح، ويطلع بعد ما يغيب الأول، وبطلوعه يدخل النهار ويحرم على الصائم كل ما يفطر به.","vol":"1","page":406},{"text":"قال ذلك ابن مسعود (^١)، وسهل بن سعد (^٢) (^٣)، والحسن (^٤)، وابن سيرين (^٥)، والشعبي (^٦)، وروى مجالد (^٧) عن عامر (^٨) عن عدي بن حاتم (^٩)\n_________\n(^١) روى مسلم في صحيحه: ٢/ ٧٦٩ الصيام حديث: ٣٩ عن ابن مسعود أنه قال: إن الفجر ليس الذي يقول هكذا، وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض، ولكن الذي يقول هكذا، ووضع المُسبِّحَة على المُسبِّحة ومد يديه.\n(^٢) سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاري الساعدي، من مشاهير الصحابة، يقال: كان اسمه حزنًا فغيره الرسول - ﷺ -، مات سنة ٩١ هـ وهو آخر من مات من الصحابة بالمدينة. [الاستيعاب: ٢/ ٩٥، والإصابة: ٢/ ٨٨].\n(^٣) روى البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٧٧ الصوم باب قوله: وكلوا واشربوا، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٧٦٧ الصيام حديث: ٣٥ عن سهل بن سعد - ﵁ - قال: ثم لما نزلت هذه الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ قال: فكان الرجل إذا أراد الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأسود والخيط = الأبيض، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رَئْيُهُما، فأنزل الله بعد ذلك: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا إنما يعني بذلك الليل والنهار.\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٧١.\n(^٥) لم أقف عليه.\n(^٦) لم أقف عليه.\n(^٧) مجالد بن سعيد الهمداني، أبو عمرو الكوفي، عن الشعبي، وقيس بن أبي حازم، وعنه: ابنه إسماعيل، وشعبة، ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره، مات سنة ١٤٤ هـ. [الكاشف: ٢/ ٢٣٩، والتقريب: ٩٢٠].\n(^٨) عامر الشعبي ثقة مشهور، تقدم.\n(^٩) عدي بن حاتم بن عبدالله بن سعد الطائي، أبو طريف، الجواد ابن الجواد، أسلم سنة سبع، كان ممن ثبت على الإسلام في الردة، وحضر فتوح العراق، وحروب علي، عنه: الشعبي، وأبي إسحاق، مات سنة ٦٨ هـ عن مائة وعشرين سنة .. ... [الكاشف: ٢/ ١٥، والتقريب: ٦٧١].","vol":"1","page":407},{"text":"قال: علمني رسول الله - ﷺ - الصلاة والصيام، وقال: فإذا غابت الشمس فكل واشرب حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وصم ثلاثين يومًا إلا أن ترى الهلال قبل ذلك، قال فأخذت خيطين من شعر أسود وأبيض فكنت انظر فيهما فلا يتبين لي، فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - فضحك وقال: يابن حاتم إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل (^١). وزاد فيه مسلم (^٢) عن حصين (^٣) عن الشعبي عن عدي: إن كان وسادك إذًا العريض (^٤).\n_________\n(^١) رواه أحمد في مسنده: ٤/ ٣٧٧ عن مجالد به، والطبراني في الكبير: ١٧/ ٧٨، وأصله في الصحيحين، البخاري: ٢/ ٦٧٧ الصوم باب قوله: وكلوا واشربوا، ومسلم: ٢/ ٧٦٦ الصيام حديث: ٣٣.\n(^٢) مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري، أبو الحسين، صاحب الصحيح، عن: أبي بكر بن أبي شيبة، وإبراهيم ابن دينار، ثقة حافظ إمام، مات سنة ٢٦١ هـ. [تهذيب الكمال: ٢٧/ ٤٩٩، والتقريب: ٩٣٨].\n(^٣) حصين بن عبدالرحمن السلمي، أبو الهذيل الكوفي عن: جابر بن سمرة، والشعبي، وعنه: شعبة، والثوري، ثقة تغير حفظه في الآخر، مات سنة ١٣٦ هـ. [تهذيب الكمال: ٦/ ٥١٩، والتقريب: ٢٥٣].\n(^٤) لفظ مسلم: ٢/ ٧٦٧ (إن وسادتك لعريض)، ومن طريق حصين عن الشعبي عن عدي: رواه أحمد في مسنده: ٤/ ٣٧٧ باللفظ الذي ذكر المؤلف، والمروزي في السنة: ٣٨ بلفظ (إن كان وسادك إذًا لعريضًا)، والبيهقي في سننه: ٤/ ٢٥١ باب الوقت الذي يحرم فيه الطعام على الصائم (إن كان وسادك لعريضًا)، .\n\nقال القاضي عياض: في معنى (إن وسادتك لعريض): أي إن جعلت تحت وسادتك الخيطين اللذين أراد الله - وهما الليل والنهار - فوسادك الذي يعلوهما عريض، وهو المعني بقوله في الحديث الآخر (إنك لعريض القفا)، لا ما ذهب إليه بعضهم من أنها كناية عن الغباوة، أو عن السمن لكثرة أكله إلى بيان الخيطين، وقيل: أراد بالوساد كثرة النوم، وقيل: أراد به الليل، وهذان التفسيران يبعدان في هذا الموضع. ...\n[انظر إكمال المعلم: ٤/ ٢٥، ٢٦].","vol":"1","page":408},{"text":"وقال النبي - ﷺ - في قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (^١): إذا أقبل الليل وأدبر النهار، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم.\nنا إسماعيل بن إسحاق (^٢) قال: نا علي بن عبد الله (^٣) قال: نا سفيان (^٤) قال: نا هشام بن عروة (^٥) عن أبيه (^٦) عن عاصم بن عمر (^٧)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٨٧]\n(^٢) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق تقدم.\n(^٣) علي بن عبدالله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم، أبو الحسن ابن المديني البصري، روى عن: إسماعيل بن علية، وابن عيينة، وعنه: البخاري، وإسماعيل بن إسحاق، ثقة إمام ثبت، أعلم أهل عصره بالحديث وعلله، مات سنة ٢٣٤ هـ. ... [تهذيب الكمال: ٢١/ ٥، والتقريب: ٦٩٩].\n(^٤) سفيان بن عيينة ثقة حافظ فقيه تقدم.\n(^٥) هشام بن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، أبو المنذر، عن: أبيه، وعمه عبدالله بن الزبير، وعنه: السفيانان، والحمادان، ثقة فقيه ربما دلس، مات سنة ١٤٦ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٣٠/ ٢٣٢، والتقريب: ١٠٢٢].\n(^٦) عروة بن الزبير ثقة فقيه مشهور تقدم.\n(^٧) عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عمر المدني، سمع أباه، وعنه: ابناه حفص، وعبيدالله، وعروة، ولد في حياة الرسول - ﷺ -، مات سنة ٧٠ هـ.\n\n[الكاشف: ١/ ٥٢٠، والتقريب: ٤٧٣].","vol":"1","page":409},{"text":"عن أبيه عمر بن الخطاب عن النبي - ﷺ - (^١). وروى أبو سعيد الخدري قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا سقط القرص أفطر (^٢).\nقال القاضي: إذا غربت الشمس أفطر الصائم أكل أو لم يأكل؛ لأن الصوم لا يكون بالليل، ولذلك والله أعلم نهي عن الوصال (^٣)؛ لأنه يترك الطعام والشراب وهو مفطر فلا فائدة له إذ لا ثواب له (^٤)\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٩١ الصوم باب متى يحل فطر الصائم عن سفيان به، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٧٧٢ الصيام حديث: ٥١ عن هشام به، والبيهقي في سننه: ٤/ ٢٣٧ كتاب الصيام باب ما يستحب من تعجيل الفطر وتأخير السحور من طريق على بن عبد الله المديني به ..\n(^٢) لم أجده مرفوعًا، وقد روي موقوفًا على أبي سعيد الخدري، رواه البخاري معلقًا في صحيحه: ٢/ ٦٩١ باب متى يحل فطر الصائم، وأفطر أبو سعيد الخدري حين غاب قرص الشمس، وقد وصله ابن أبي شيبة في مصنفه: ٢/ ٢٧٩ باب في تعجيل الإفطار وما ذكر فيه عن عبدالرحمن بن ايمن عن أبيه قال: دخلت على أبي سعيد فأفطر على عرق وإني أرى الشمس لم تغرب. وقال الترمذي بعد ذكره لحديث عمر السابق: وفي الباب عن ابن أبي أوفى وأبي سعيد، قال المباركفوري: وأما حديث أبي سعيد فلم أقف عليه.\n[انظر تحفة الأحوذي: ٣/ ٣٨٤].\n(^٣) روى النهي عن الوصال البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٩٣، ٦٩٤ الصوم باب الوصال، وباب التنكيل لمن أكثر من الوصال.\n(^٤) قال الخطابي: قوله: (فقد أفطر الصائم) معناه أنه قد صار في حكم المفطر وإن لم يأكل، وقيل معناه: أنه قد دخل في وقت الفطر، وحان له أن يفطر، وفيه دليل على بطلان الوصال. [معالم السنن: ٣/ ٢٣٤].\n\nوما ذكره الخطابي والمؤلف قول جيد، ولكن يضعفه أمران هما: الأول: ماذكره ابن خزيمة في صحيحه: ٣/ ٢٧٤ حيث قال: هذه اللفظة (فقد أفطر الصائم) لفظ خبر، ومعناه معنى الأمر، أي: فليفطر الصائم إذ قد حل له الإفطار، ولو كان معنى هذه اللفظة معنى لفظه كان جميع الصوام فطرهم وقتًا واحدًا، ولم يكن لقول النبي - ﷺ - ... (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) معنى.\nالثاني: يشكل عليه ماورد من إباحة الوصال من السحر إلى السحر، كما في صحيح البخاري: ٢/ ٦٩٤ الصوم باب الوصال إلى السحر عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر).\nوقد ذكر ابن القيم في هذه المسألة ثلاثة أقول حيث قال: الأول: أن الوصال جائز إن قدر عليه، وهؤلاء حملوا النهي على الرحمة لهم، والثاني: لا يجوز، وعليه المالكية والشافعية والأحناف أخذًا بظواهر النصوص، الثالث: وهو أعدال الأقوال أن الوصال يجوز من سحر إلى سحر، وهو المحفوظ عن أحمد وإسحاق، وهو أهون على الصائم، وهو في الحقيقة بمنزلة عشائه إلا أنه تأخر، فالصائم له في اليوم والليلة أكلة، فإذا أكلها في السحر كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره. ... [انظر زاد المعاد: ٢/ ٣٥ - ٣٨].\n* لوحة: ٢١/ب.","vol":"1","page":410},{"text":"*.\nقال الله ﵎: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَء الْمَسَاجِدِ﴾ (^١).\nاعتكف رسول الله - ﷺ - في العشر الأواخر من رمضان (^٢)، وهذه الآية مخاطبة للصائمين؛ لأنها عطف لأن (ولا) (^٣)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٨٧]\n(^٢) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٧١٣ الاعتكاف باب الاعتكاف في العشر الأواخر، ومسلم في صجيجه: ٢/ ٨٣٠ الاعتكاف حديث: ١ - ٤.\n(^٣) كذا في الأصل، والصواب: لأن (و) لا تكون إلا عطفًا. فإن (لا) هنا ليست عاطفة، بل هي لا الناهية، وقد جزمت الفعل بعدها، وإنما العاطف هنا هو (الواو) فإن من شروط العطف بلا ألا تقترن بعاطف، قال ابن هشام: أن تكون عاطفة، ولها ثلاثة شروط، أحدها: أن يتقدمها إثبات، أو أمر، الثاني: ألا تقترن بعاطف، فإذا قيل جاءني زيد لا بل عمرو، فالعاطف بل، ولا رد لماقبلها، وليست عاطفة، والثالث: أن يتعاند متعاطفها. ...\n\n[انظر مغني اللبيب: ١/ ٢٦٩].","vol":"1","page":411},{"text":"لا تكون إلا عطفًا على مخاطب، والمخاطب هم الصائمون؛ لأنه قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (^١) ثم قال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ (^٢) معناه: بليل، ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَء الْمَسَاجِدِ﴾ (^٣)، فالاعتكاف لا يقع عندنا إلا في صوم، إما مفترض، أو متنفل به، ولا يجب أن يعتكف أحد أقل من عشر ليال فإن اعتكف أقل من ذلك جاز، وإن كان الاستحباب عند مالك إتباع فعل رسول الله - ﷺ - (^٤)، فمُنع المعتكف في الليل من بعض ما أبيح للصائم، إذ جعل الصيام من الأكل والشرب والجماع والإفطار بها، فمنع المعتكف من واحد منها وهو الجماع؛ إذ كان من لذات الدنيا، ومَن حبسَ نفسه لله ﵎ ولذكره كان ممتنعًا من الملاذ (^٥).\nقال (^٦):\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٨٧]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٨٧]\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ١٨٧]\n(^٤) قال ابن رشد: أما أقل زمان الاعتكاف فعند الشافعي وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء أنه لا حد له، واختلف عن مالك في ذلك فقيل: ثلاثة أيام، وقيل: يوم وليلة، وقال ابن القاسم عنه: أقله عشرة أيام، وعند البغدادين من أصحابه أن العشرة استحباب، وأن أقله يوم وليلة. ... [بداية المجتهد: ١/ ٣٨٥].\n(^٥) قال الفيومي: عكف على الشيء عكوفًا وعكفا من بابي قعد وضرب لازمه وواظبه، وعكفت الشيء أعكفه وأعكفه حبسته، ومنه الاعتكاف: وهو افتعال؛ لأنه حبس النفس عن التصرفات العادية، وعكفته عن ... حاجته: منعته. ... [المصباح المنير: ٤٢٥، وانظر المغرب: ٣٢٥].\n(^٦) كذا في الأصل، فإما أن يقصد به القاضي إسماعيل، أو تكون زائدة.","vol":"1","page":412},{"text":"فإن قال قائل: فإن الأكل والشرب من الملاذ، قيل له: هذان لا تقوم النفوس إلا بهما، وتركهما متلف وليس المباشرة كذلك، وقد احتج بعض المتأخرين في جواز الاعتكاف بغير صوم بشيء روي عن عمر بن الخطاب - ﵁ -: أنه سأل رسول الله - ﷺ - فقال: كنت نذرت أن اعتكف في الجاهلية ليلة فقال له النبي - ﷺ - وف بنذرك (^١)، وقد * روي: اعتكف وصم (^٢).\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٧١٤ الاعتكاف باب الاعتكاف ليلًا، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٢٧٧ الأيمان حديث: ٢٧.\n* لوحة: ٢٢/أ.\n(^٢) رواه أبو داود في سننه: ٢/ ٣٣٤ باب المعتكف يعود المريض من كتاب الصوم، والنسائي في سننه الكبرى: ٣/ ٣٨٤ باب الاعتكاف بغير صوم من كتاب الاعتكاف، والدارقطني في سننه: ٢/ ٢٠٠ باب الاعتكاف، وقال: تفرد به ابن بديل عن عمرو، وهوضعيف، والحاكم في المستدرك: ١/ ٦٠٦، وقال: لم يحتج الشيخان بسفيان بن حسن وعبدالله بن بديل.","vol":"1","page":413},{"text":"فقال: الليل لا صيام فيه (^١). وهذا غلط فاحش؛ لأن العرب لا تعرف الليلة إلا بيومها ولا اليوم إلا بليلته، وقد قال الله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ (^٢) فلا اختلاف أن الأيام داخلة في الوعد مع الليل، وقال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ (^٣) فدخل الليل في النهار، وقال: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ (^٤) فدخل الليل في النهار، ألا تراه قال: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (^٥) فدخل العشي والبكرة في الليل؛ لأنه قال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾ (^٦) ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾: أومأ ولم يتكلم بالنهار أن سبحوا.\nومع هذا فقد اختلفت الرواية عن عمر، فقال بعضهم: ليلة (^٧)، وقال بعضهم: يومًا.\n\nنا محمد بن صالح الطبري (^٨) قال: نا بندار (^٩)\n_________\n(^١) انظر مختصر المزني: ٦٠، والمغني لابن قدامة: ٤/ ٤٥٩.\n(^٢) [سورة الأعراف: الآية ١٤٢]\n(^٣) [سورة آل عمران: الآية ٤١]\n(^٤) [سورة مريم: الآية ١٠]\n(^٥) [سورة مريم: الآية ١١]\n(^٦) [سورة مريم: الآية ١٠]\n(^٧) سبق تخريجه حاشية: ١ من هذه الصفحة.\n(^٨) محمد بن صالح الطبري، ليس بذلك، أتهم بالكذب، وكان مخلطًا، أحد شيوخ المؤلف، تقدم.\n(^٩) محمد بن بشار بن عثمان العبدي، أبو بكر البصري، بُندار، وإنما قيل له: بندارًا؛ لأنه كان بندارًا في الحديث، والبندار: الحافظ، جمع حديث بلده، عن: بشر بن الوضاح، وحجاج بن المنهال، وعنه: الجماعة، وبقي بن مخلد، ثقة، مات سنة ٢٥٢ هـ. ...\n[تهذيب الكمال: ٢٤/ ٥١١، والتقريب: ٨٢٨].","vol":"1","page":414},{"text":"قال: نا حجاج (^١) قال: ناحماد بن سلمة (^٢) عن أيوب (^٣). قال (^٤): وحدثنا الجرجاني (^٥) وابن زنجويه (^٦) قالا: ... نا عبد الرزاق (^٧) قال: أنا معمر (^٨) عن أيوب (^٩). قال (^١٠): نا الزعفراني (^١١) قال:\n\nنا عفان (^١٢)\n_________\n(^١) حجاج بن المنهال الأنماطي، أبو محمد السلمي مولاهم البصري، عن: الحمادين، وشعبة، وعنه: البخاري، وبندار، ثقة فاضل، مات سنة ٢١٧ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٥/ ٤٥٧، والتقريب: ٢٢٤].\n(^٢) حماد بن سلمة ثقة عابد، تغير حفظه بآخره تقدم.\n(^٣) أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني، أبو بكر البصري، عنه: نافع مولى ابن عمر، وحميد بن هلال، وعنه: حماد بن سلمة، ومعمر، ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء العباد، مات سنة ١٣١ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٣/ ٤٥٧، والتقريب: ١٥٨].\n(^٤) القاضي إسماعيل بن إسحاق.\n(^٥) الحسن بن يحيى بن الجعد الجرجاني صدوق، تقدم.\n(^٦) محمد بن عبدالملك بن زَنْجُويه البغدادي، أبو بكر الغزال، جار أحمد بن حنبل وصاحبه، عن: أحمد بن حنبل، وعبدالزاق، وعنه: إسماعيل بن إسحاق، وعبدالله بن أحمد بن حنبل، ثقة.\n[تهذيب الكمال: ٢٦/ ١٧، والتقريب: ٨٧٣].\n(^٧) عبدالرزاق بن همام ثقة حافظ تقدم.\n(^٨) معمر بن راشد ثقة ثبت فاضل تقدم.\n(^٩) أيوب السختياني ثقة ثبت حجة تقدم.\n(^١٠) القاضي إسماعيل بن إسحاق.\n(^١١) الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، أبو علي البغدادي، صاحب الشافعي، عن: عفان بن مسلم، وإسماعيل بن علية، وعنه: الجماعة سوى مسلم، ثقة، مات سنة ٢٦٠ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٦/ ٣١٠، والتقريب: ٢٤٢].\n(^١٢) عفان بن مسلم بن عبدالله الباهلي، أبو عثمان الصفار البصري، سمع من شعبة، والحمادين، وعنه: الحسن ابن محمد الزعفراني، والبخاري، ثقة ثبت، وربما وهم، مات سنة ٢٢٠ هـ.\n\n[تهذيب الكمال: ٢٠/ ١٦٠، والتقريب: ٦٨١].","vol":"1","page":415},{"text":"قال: ناحماد (^١) عن أيوب (^٢) عن نافع (^٣) عن ابن عمر أن عمر قال بالجعرانة (^٤): يا رسول الله أني نذرت في الجاهلية أن اعتكف يومًا في المسجد الحرام، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يفي بنذره (^٥).\n_________\n(^١) حماد بن سلمة ثقة عابد، تغير حفظه بآخره تقدم.\n(^٢) أيوب السختياني ثقة ثبت حجة تقدم.\n(^٣) نافع مولى ابن عمر ثقة ثبت تقدم.\n(^٤) الجعرانة: بكسر أوله إجماعًا، ثم إن العراقيين يكسرون العين ويشددون الراء، والحجازيين يخففون الرء ويكسنون العين، وهي: ماء بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أدنى، وبها قسم الرسول - ﷺ - غنائم حنين، ومنها أحرم بعمرته. [معجم ما استعجم: ٢/ ٣٨٤، ومعجم البلدان: ٢/ ١٤٢].\n(^٥) رواه مسلم في صحيحه: ٣/ ١٢٧٧ الأيمان حديث: ٢٨ من طريق أيوب به، والنسائي في سننه الكبرى: ٣/ ٣٨٣ الاعتكاف بغير صوم من طريق عبدالرزاق به، وأحمد في مسنده: ٢/ ٣٥ من طريق عبدالرزاق به، وعبدالرزاق في مصنفه: ٤/ ٣٥٢، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٣/ ١٣٣ من طريق أيوب به، والبيهقي في سننه: ٦/ ٣٣٨ باب ما كان النبي - ﷺ - يعطى المؤلفة قلوبهم من كتاب قسم الفيء والغنيمة من طريق أيوب به.\n\nما ذكره المؤلف هنا من أنه لا يصح الاعتكاف بغير صوم، هو مذهب مالك، وإليه ذهب: الأحناف، والثوري، وهو قول قديم للشافعي، ورواية عن أحمد، وروي عن: ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، والزهري.\nوذهب الشافعية والحنابة في المشهور من مذهبهما إلى أن الاعتكاف يصح بغير صوم، وروي ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن المسيب، وغيرهم، واختار هذا القول ابن العربي من المالكية.\n\n[انظر أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٣٧٧، والاستذكار: ١٠/ ٢٩٠، وأحكام القرآن لابن العربي: ١/ ١٣٥، والمغني: ٤/ ٤٥٩، وروضة الطالبين: ٢/ ٢٩٣، ومن أفضل من فصل في هذه المسألة وعرض أقوالها ابن القيم في تهذيب السنن: ٣/ ٣٤٤ - ٣٤٩]\nوممن رجح القول الثاني وهو اشتراط الصوم للاعتكاف ابن تيمية وابن القيم، حيث قال ابن القيم: فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف: أن الصوم شرط في الاعتكاف، وهو الذي كان يرجحه شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية. ... [زاد المعاد: ٢/ ٨٨].","vol":"1","page":416},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^١)\nروى مالك (^٢) عن هشام بن عروة (^٣) عن أبيه (^٤) عن زينب بنت أم سلمة (^٥) عن ... أم سلمة (^٦) أنها قالت: قال * رسول الله - ﷺ -: إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن (^٧)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٨٨]\n(^٢) الإمام مالك بن أنس رأس المفتين، تقدم.\n(^٣) هشام بن عروة بن الزبير ثقة فقيه ربما دلس، تقدم.\n(^٤) عروة بن الزبير ثقة فقيه مشهور، تقدم.\n(^٥) المشهور تسميتها زينب بنت أبي سلمة، وهي: زينب بنت أبي سلمة: عبدالله بن عبدالأسد، المخزومية، ربية رسول الله - ﷺ -، روت عنه، وعن أمها، وعنها: عروة، وأبو سلمة بن عبدالرحمن، ماتت سنة ٧٣ هـ.\n[الكاشف: ٢/ ٥٠٨، والتقريب: ١٣٥٦].\n(^٦) أم سلمة: هند بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومي، أم المؤمنين، تزوجها رسول الله - ﷺ - بعد أبي سلمة سنة أربع، عنها ولداها: عمر، وزينب، وهي آخر أمهات المؤمنين موتًا - ﵂ - ماتت سنة ٦٢ هـ.\n[الكاشف: ٢/ ٥١٩، والتقريب: ١٣٧٥].\n* لوحة: ٢٢/ب.\n(^٧) اللحن: الميل عن جهة الاستقامة، ومعناه هنا أي: أن بعضكم يكون أعرف بالحجة، وأفطن لها من غيره.\n\n[النهاية في غريب الحديث: ٤/ ٢٤١].","vol":"1","page":417},{"text":"بجحته من بعض فأقضي له بما أسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطعه له به (^١) قطعة من النار (^٢).\nوقال فيه حماد بن زيد: ولا تقولن إنما قضى لي (^٣). يريد أن قضائي أحله له، وليس كذلك.\nوقال مجاهد وقتادة في قوله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ (^٤) قال: تخاصم وأنت ظالم (^٥).\n_________\n(^١) كذا في الأصل، وفي رواية البخاري ومالك (فإنما أقطع له قطعة من النار) وفي رواية مسلم (فإنما أقطع له به قطعة من النار) وفي رواية النسائي (فإنما أقطعه به قطعة من النار).\n(^٢) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٩٥٢ الشهادات باب من أقام البينة بعد اليمين، و٦/ ٢٦٢٢ الأحكام باب موعظة الإمام للخصوم، من طريق القعنبي عن مالك به، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٣٣٧ كتاب القضاة حديث: ٤ من طريق هشام به، والنسائي في سننه: ٨/ ٦٢٥ القضاة باب الحكم بالظاهر من طريق هشام به، ومالك في الموطأ: ٢/ ٥٥٣ كتاب الأقضية حديث: ١.\n(^٣) لم أقف عليه.\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ١٨٨]\n(^٥) رواه عن مجاهد سعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٧٠٦، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٨٣، والبغوي في تفسيره: ١/ ٢١٠، وذكره ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٢٥.\nوعن قتادة رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٧٢، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٨٤، والبغوي في تفسيره: ١/ ٢١١، وذكره ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٢٥.\nوهذا المعنى هو المأثور عن السلف في تفسير هذه الآية، ولا يذكر المفسرون في الغالب غيره.\nقال ابن جرير في معناها: وتخاصموا بها، يعني بأموالكم إلى الحكام لتأكلوا فريقًا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون. [تفسيره: ٢/ ١٨٤].\n\nويحتمل معنى آخر ذكره ابن عطية ورجحه، حيث قال: قال قوم: معنى الآية تسارعون في الأموال إلى المخاصمة إذا علمتم أن الحجة تقوم لكم، فالباء في قوله: (بها) باء السبب، وقيل معنى الآية: لا ترشوا بها على أكل أكثر منها، فالباء إلزاق مجرد، وهذا القول يترجح؛ لأن الحكام مظنة الرشا إلا من عصم وهو الأقل، وأيضًا فإن اللفظتين متناسبتان (تدلوا) من أرسل الدلو، والرشوة من الرشا، كأنهها يمد بها لتقضي الحاجة.\n[المحرر الوجيز: ٢/ ٩٦، ٩٧،]\nوالظاهر أن الآية تحتمل المعنيين جميعًا، قال ابن القيم في معناها: أي: تضيفوا ذلك إلى الحكام، وتتوصلوا بحكمهم إلى أكلها. فإن قيل: لو أراد هذا المعنى لقال: وتدلوا بالحكام إليها، وأما الإدلاء بها إلى الحكام فهو التوصل بالرشوة بها إليهم، فترشوا الحاكم لتتوصلوا برشوته إلى الأكل بالباطل. قيل: الآية تتناول النوعين، فكل منها إدلاء إلى الحكام بسببها، فالنهي عنهما معًا. [انظر: إعلام الموقعين: ١/ ١٢٩].","vol":"1","page":418},{"text":"قال القاضي - ﵀ - فمعنى الآية والله أعلم: ما جاءت به الرواية من الحيلة بالحجة وأخذ الشيء بالحكم الواقع بالظاهر، فذلك أكل المال بالباطل، وسواء أكان المحكوم به مالًا أو غير مال (^١)، وقد زعم العراقيون: أنهم يفرقون بين المال وبين غيره، وزعموا: أن المال إذا قضي له به لم يحل له إذا كان يعلم أنه لا يستحقه، ثم زعموا في رجل شهد عليه شاهدان أنه طلق امرأته، وهما عالمان بكذبهما، وأنهما شهدا بزور، ففرق الحاكم بينهما، أنه لا بأس أن يتزوجها أحدهما (^٢).\n_________\n(^١) في الأصل: مال أو غير مال، والصواب: ما أثبت.\n(^٢) اختلف أهل العلم في مسألة: هل ما يحكم فيه الحاكم نحلة للمحكوم له به، وإن لم يكن في نفسه حلالًا؟\nأجمع أهل العلم على أن قضاء القاضي بالظاهر في الأموال لا يحل حرامًا في الباطن على من علمه، واختلفوا في غيرها من حل عصمة نكاح، أو عقدها بظاهر ما يقضي به الحكم وهو خلاف الباطن. =\nفذهب جمهور العلماء إلى أن الأموال والفروج في ذلك سواء، وأنها حقوق لا يُحِلُ منها القضاء الظاهر ما هو حرام في الباطن، ووافقهم من الحنفية أبو يوسف في قوله الآخر، ومحمد بن الحسن، وتفرد أبو حنيفة حيث جعل قضاء القاضي بالعقود والفسوخ والنكاح والطلاق والعتاق بشهادة الزور تنفذ ظاهرًا وباطنًا، وهو قول أبي يوسف الأول.\n[انظر في هذه المسألة: شرح معاني الاثار: ٤/ ١٥٥، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٣٤٤، والاستذكار: ٢٢/ ١٦، والمبسوط للسرخسي: ١٦/ ١٨٠، والمغني: ١٤/ ٣٧، والقرطبي: ٢/ ٣٣٨، وروضة الطالبين: ١١/ ١٥٢].","vol":"1","page":419},{"text":"والحاكم لم يوقع طلاقًا وإنما أمضى شهادة الشاهدين كإمضائه شهادتهما لو شهدا على رجل بمال فحكم به الحاكم، لم يحل للمحكوم له عندنا وعندهم أخذ ذلك المال؛ لأن حكم الحاكم لا يحل ما حرم الله، كذلك حكمه بشهادة الشاهدين لا يحل حرامًا، ولا يبيحها للأزواج، إذا كانت هي عالمة بأن ما ادعت باطل، كذلك لا تحل لأحد الشاهدين إذ يعلم أنها غير مطلقة، وإنما تحل لمن لا يعلم بظاهر الحكم (^١). ويلزمهم على هذا وعساهم قائلوه: إن الحاكم * إذا حكم بطلاقها وادّعى إقرار الزوج عنده، وهو يعلم أن الزوج لم يقر، ففرق بنهيه (^٢) للزوج، أن للحاكم أن يتزوجها، وقبح هذه المسألة يغني عن الاحتجاج على قائلها والله أعلم (^٣).\n\nقال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (^٤)\nجعل الله الأهلة مواقيت محصورة للحج، ولصيام رمضان، وللمداينات، والمعاملات، ألا ترى أن النبي - ﷺ - قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ (^٥)\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: وإنما تحل لمن لا يعلم إلا بظاهر الحكم.\n* لوحة: ٢٣/أ.\n(^٢) كذا في الأصل، ولم أعرف معناها.\n(^٣) قال المازري بعد ذكره لقول أبي حنيفة في المسألة: وقد بُشّع عليه بأن صان الأموال ولم ير استباحتها بالأحكام الفاسدة في الباطن، ولم يصن الفروج عن ذلك، والفروج أحق أن يحتاط لها وتصان.\n[المعلم بفوائد مسلم: ٢/ ٢٦٤].\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ١٨٩]\n(^٥) قال ابن الأثير: يقال: غُمَّ علينا الهلال إذا حال دون رؤيته غيم أو نحوه، من غممت الشيء إذا غطيته.\n\n[النهاية ٣/ ٣٨٨].","vol":"1","page":420},{"text":"عليكم فاقدروا ... له (^١). أخبرنا إسماعيل (^٢) قال: نا محمد بن الفضل عارم (^٣) قال: نا حماد بن زيد (^٤) عن أبان بن تغلب (^٥) عن عمرو بن مرة (^٦) عن أبي البختري (^٧)\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٧٢ الصوم باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان؟، و٢/ ٦٧٤ الصوم باب قول النبي - ﷺ -: إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٧٥٩ الصيام حديث: ٣، ٩.\n(^٢) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق، تقدم.\n(^٣) محمد بن الفضل السدوسي، أبو النعمان البصري، المعروف بعَارم، عن الحمادين، وجرير بن حازم، وعنه: البخاري، وإسماعيل بن إسحاق، ثقة ثبت تغير في آخره، مات سنة ٢٢٤ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٢٦/ ٢٨٧، والتقريب: ٨٨٩].\n(^٤) حماد بن زيد بن درهم ثقة ثبت فقيه، تقدم.\n(^٥) أبان بن تَغْلِب الربعي، أبو سعيد الكوفي القارئ، عن: جعفر بن محمد الصادق، وعكرمة مولى ابن عباس، وعنه: أبان بن عبدالله البجلي، وحماد بن زيد، ثقة تكلم فيه للتشيع، مات سنة ١٤١ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٢/ ٦، والتقريب: ١٠٣].\n(^٦) عمرو بن مرة بن عبدالله بن طارق المرادي الجَمَلي، أبو عبدالله الكوفي الأعمى، عن: إبراهيم النخعي، وأبي البختري الطائي، وعنه: حصين بن عبدالرحمن، وسفيان الثوري، ثقة عابد، كان لايدلس، ورمي بالإرجاء، مات سنة ١١٨ هـ. ... [تهذيب الكمال: ٢٢/ ٢٣٢، والتقريب: ٧٤٥].\n(^٧) سعيد بن فيروز، أبو البَخْتري، ابن أبي عمران الطائي مولاهم، عن: أبيه، وابن عباس، وعنه: عمرو بن مرة، وعطاء بن السائب، ثقة ثبت، فيه تشيع قليل، كثير الإرسال، مات سنة ٨٣ هـ.\n[تهذيب الكمال: ١١/ ٣٢، والتقريب: ٣٨٦].","vol":"1","page":421},{"text":"قال: قدمنا حجاجًا حتى إذا كنا بالصفاح (^١) رأينا هلال ذي الحجة كأنه ابن خمس ليال، فلما قدمنا سألنا ابن عباس، فقال: جعل الله الأهلة مواقيت، فيصام لرؤيتها ويمسك لرؤيتها (^٢).\n_________\n(^١) الصِّفاح: بكسر أوله، وبالحاء المهملة في آخره: موضع بين حنين وأنصاب الحرم، على يسرة الداخل إلى مكة، من جهة اليمن. [معجم ما استعجم: ٣/ ٨٣٤، ومعجم البلدان: ٣/ ٤١٢، وفتح الباري: ١٢/ ٢٥٧]\n(^٢) ذكره ابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ١٤١، وهو صحيح بهذا السند، وأصله عند مسلم فقد روى في صحيحه: ٢/ ٧٦٥ الصيام حديث: ٢٩، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن فضيل عن حصين عن عمرو بن مرة عن أبي البختري قال: خرجنا للعمرة فلما نزلنا ببطن نخلة قال: تراءينا الهلال فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، قال: فلقينا ابن عباس، فقلنا: إنا رأينا الهلال، فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، فقال: أي ليلة رأيتموه؟ قال فقلنا: ليلة كذا وكذا، فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: إن الله مده للرؤية، فهو لليلة رأيتموه.","vol":"1","page":422},{"text":"وقال مجاهد: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ (^١) في حجهم وصيامهم ولفطرهم ولقضاء دينهم ولعِدد نسائهم (^٢)، وقال قتادة نحو ذلك (^٣)، فالنبأ على رؤية الأهلة (^٤)، وبالله التوفيق.\nقال الله ﵎: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (^٥)\nأخبرنا إسماعيل (^٦) قال: نا حفص بن عمر (^٧) قال:\nنا شعبة (^٨) عن أبي إسحاق (^٩) عن البراء (^١٠):\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٨٩]\n(^٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور: ١/ ٢٠٣ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(^٣) رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٧٢، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٨٥.\n(^٤) أي: أن الخبر المعتبر والمعمول به فيما يحتاج الناس إلى توقيته بالأشهر، هو رؤية الأهلة وليس الحساب، وقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على القائلين بالعمل بالحساب في رؤية الأهلة، انظر رسالة في الهلال، وهي ضمن مجموع الفتاوى: ٢٥/ ١٢٦ - ٢٠٢.\n(^٥) [سورة البقرة: الآية ١٨٩]\n(^٦) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق، تقدم.\n(^٧) حفص بن عمر بن الحارث بن سخبرة الأزدي النمري، أبو عمر الحوضي البصري، عن: شعبة بن الحجاج، وإبراهيم بن سعد الزهري، وعنه: البخاري، وإسماعيل بن إسحاق، ثقة ثبت، عيب بأخذ الأجرة على الحديث، مات سنة ٢٢٥ هـ. ... [تهذيب الكمال: ٧/ ٢٦، والتقريب: ٢٥٨].\n(^٨) شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي مولاهم، أبو بسطام الواسطي ثم البصري، عن: أبان بن تغلب، وإبي إسحاق السبيعي، وعنه: أيوب، وأبو عمر الحوضي، ثقة حافظ متقن، مات سنة ١٦٠ هـ.\n[الكاشف: ١/ ٤٨٥، وتهذيب التهذيب: ٤/ ٣٠٨، والتقريب: ٤٣٦]\n(^٩) أبو إسحاق السبيعي ثقة مكثر عابد اختلط بآخره، تقدم.\n(^١٠) البراء بن عازب، تقدم.\n\n* لوحة: ٢٣/ب.","vol":"1","page":423},{"text":"كانت الأنصار إذا حجوا فأقبلوا من مكة لم يدخلوا البيوت إلا من قبل ظهورها، فجاء رجل * فدخل من الباب فعابوا عليه، فنزلت: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ (^١) (^٢)، وقال مجاهد (^٣)، والزهري (^٤) نحو ذلك، وهكذا كان في صدر الإسلام ثم زال حكمه، وثبت أن يأتوا بيوتهم من أبوابها (^٥).\n\nقال الله ﵎: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (^٦)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٨٩]\n(^٢) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٣٩ العمرة باب قول الله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ من طريق شعبة به، و٤/ ١٦٤٠ التفسير باب: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ من طريق أبي إسحاق به، ومسلم في صحيحه: ٤/ ٢٣١٩ كتاب التفسير حديث: ٣٣ عن شعبة به.\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٨٧، وذكره ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٢٥.\n(^٤) رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٧٢، ٧٣، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٨٧، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٣٥١.\n(^٥) قال الجصاص بعد ذكره لسبب نزول هذه الآية: وقيل: إنه مثل ضربه الله لهم بأن يأتوا البر من وجهه، وهو الوجه الذي أمر الله تعالى به. وليس يمتنع أن يكون مراد الله تعالى به جميع ذلك، فيكون فيه بيان أن إتيان البيوت من ظهورها ليس بقربة إلى الله تعالى، ولا هو مما شرعه ولا ندب إليه، ويكون مع ذلك مثلًا أرشدنا به إلى أن نأتي الأمور من مأتاها الذي أمر الله تعالى به وندب إليه.\n[أحكام القرآن: ١/ ٣٥١، ٣٥٢].\n(^٦) [سورة البقرة: الآية ١٩٠]","vol":"1","page":424},{"text":"قال القاضي - ﵀ -: وهذه الآية والله أعلم توجب ترك قتل: الذراري، والنساء، والشيخ الفاني، ومعنى قوله: ﴿قَاتِلُوا﴾ اقتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تقتلوا من لا فضل فيه لقتالكم، ألا تراه ﷿ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (^١) فكان هذا مانعًا من قتلهم، وقد قال عمر بن عبدالعزيز - ﵁ - ما هذا معناه (^٢)، وقال زيد بن أسلم: هذه الآية منعت من قتال من له عهد، وأُمر - ﷺ - أن يقاتل من لا عهد له، قال زيد: ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ (^٣) (^٤)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٩٠]\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٤٨٧ باب من نهي عن قتله في دار الحرب، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٩٠.\n(^٣) [سورة التوبة: الآية ٣٦]\n(^٤) نسب المؤلف هذا القول إلى زيد بن أسلم، والذي وقفت عليه هو ما نسب إلى ابنه عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، فلعل المؤلف أو الناسخ وهم، فقد روى ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٨٩ بسنده عن ابن زيد أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ إلى آخر الآية، قال: قد نسخ هذا، وقرأ قول الله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾، وهذه الناسخة.\n\nوممن أثبت نسبة هذا القول إلى ابن زيد، النحاس في الناسخ والمنسوخ: ١/ ٥١٦، ومكي في الإيضاح: ١٥٥، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ٢١٦، وقد نص ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٢٦ على اسمه، فيعد أن ذكر قول أبي العالية وأن هذه الآية أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله - ﷺ - يقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه، حتى نزلت سورة براءة. قال ابن كثير: وكذا قال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، حتى قال: هذه منسوخة بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].","vol":"1","page":425},{"text":"وقوله: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ (^١) (^٢). قال القاضي إسماعيل: إنما أذن الله ﵎ للنبي - ﷺ - في القتال بعد قدومه المدينة، ثم أمره بالقتال على أحوال كانت، فكان يؤمر فيها بعينها فمنها والله أعلم هذه الآية التي ذكرناها وغيرها، ثم نسخ ذلك كله وأمر بقتال المشركين كافة وقتال أهل الكتاب.\nقال القاضي: فقد يجوز أن يكون كما ذكره إسماعيل، ويدخل في معناه * ما قدمنا ... ذكره (^٣).\n_________\n(^١) [سورة محمد: الآية ٤]\n(^٢) لم أعرف وجه الإتيان بهذه الآية، فلم يرد أن ابن زيد قال بأن هذه الآية ناسخة، وكذلك كلام القاضي إسماعيل الذي بعده يظهر أنه تعليق على قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، وليس على هذه الآية، وقد راجعت تفسيرها في سورة محمد من هذا الكتاب، ولم أجد هذا الكلام عندها.\n* لوحة: ٢٤/أ.\n(^٣) اختلف أهل العلم في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة، قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل في تأويل هذه الآية، فقال بعضهم: هذه الآية هي أول آية نزلت في أمر المسلمين بقتال أهل الشرك، وقالوا: أمر فيها المسلمون بقتال من قاتلهم من المشركين، والكف عمن كف عنهم ثم نسخت ببراءة.\nوقال آخرون: بل ذلك أمر من الله تعالى ذكره للمسلمين بقتال الكفار لم ينسخ، وإنما الاعتداء الذي نهاهم الله عنه هو نهيه عن قتل النساء والذراري، قالوا: والنهي عن قتلهم ثابت حكمه اليوم، قالوا: فلا شيء نسخ من حكم هذه الآية. [تفسير ابن جرير: ٢/ ١٨٩].\nوممن رجح أن الأمر بقتال الكفار لم ينسخ، وإنما المنهي عنه هو الاعتداء، وقتل النساء والذراري، وأن هذا الحكم باق لم ينسخ، ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٩٠، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ١/ ٥١٧، ومكي في الإيضاح: ١٥٦، وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ١٤٤، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ٢١٦، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٢٦.\nقلت: وما صُدرت به هذه الاية من قول للقاضي بكر بن العلاء هو ما رجحه هولاء العلماء، وأما ما ذكره القاضي بكر من قوله: فقد يجوز أن يكون كما ذكره إسماعيل، ويدخل في معناه ما قدمنا ذكره. فلعله أراد موافقة القائلين بالنسخ هنا في مسألة بقاء الحكم في عدم الاعتداء على الذراري والنساء والشيخ الفاني، قال ابن الجوزي بعد ذكره لقول أبي العالية وسعيد بن جبير وابن زيد من أن المراد قتال من لم يقاتلكم، قال: وهولاء إن عنوا من لم يقاتل؛ لأنه لم يُعد نفسه للقتال كالنساء والصبيان والولدان والرهبان فالآية محكمة؛ لأن هذا الحكم ثابت، وإن عنوا من لم يقاتل من الرجال المستعدين للقتال توجه النسخ. [نواسخ القرآن: ٢١٦].\nوقد يحمل قولهم بالنسخ على معناه عند المتقدمين، وهو التخصيص، وهو ماذهب إليه القائلون بإحكام الأمر بقتال الكفار، قال مكي بن أبي طالب: وعن ابن عباس، وعمر بن عبدالعزيز، ومجاهد أن الآية محكمة غير منسوخة، لكنها مخصوصة في النهي عن قتل الصبيان والنساء والشيخ الفاني ومن ألقى السلم وكف يده. [الإيضاح: ١٥٦].\nقلت: فالمسألة مبنية على الخلاف فيما هو المنسوخ من هذه الآية، هل هو أولها، أو كلها؟ .","vol":"1","page":426},{"text":"وأما قوله ﷿: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (^١) نسخها قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^٢) قال ذلك معمر عن قتادة (^٣)، والله أعلم بما أراد من ذلك، وقال رسول الله - ﷺ -: أحلت لي ساعة من نهار ولم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي (^٤).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٩١]\n(^٢) [سورة التوبة: الآية ٥]\n(^٣) رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٧٣، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٧/ ٣٥٣ باب غزوة بدر الأولى من طريق سعيد عن قتادة، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٩٢ من طريق همام عن قتادة، ٢/ ١٩٣ من طريق معمر به، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ١/ ٥٢٠ عن سعيد عن قتادة، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ٢١٧ عن شيبان عن قتادة.\n(^٤) رواه البخاري في صحيحه: ١/ ٥٣ العلم باب كتابة العلم، و٢/ ٤٥٢ الجنائز باب الإذخر والحشيش في القبر، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٩٨٨ كتاب الحج حديث: ٤٤٧، ٤٤٨.\nاختلف العلماء في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ بل عدها بعضهم من المعضلات، قال النحاس: هذه الآية من أصعب ما في الناسخ والمنسوخ، فزعم جماعة من العلماء أنها غير منسوخة، واحتجوا بها وبأشياء من السنن، وزعم جماعة أنها منسوخة، واحتجوا بآيات غيرها، وبأحاديث من السنن. [الناسخ والمنسوخ: ١/ ٥١٩]\nوممن رجح إحكام الآية الجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٣٥٦، وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ١٥٣، ... وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ٢٢٠، والقرطبي في تفسيره: ٢/ ٣٥١، وابن كثير في تفسيره: ٢/ ٣٣٦، ... وابن سعدي في تفسيره: ٧١.\nوممن رجح أنها منسوخة ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٩٣، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ١/ ٥٢١، ومكي في الإيضاح: ١٥٧.\n\nولعل الصواب - إن شاء الله - هو أن هذه الآية محكمة، وأنه لا يجوز القتال في البلد الحرام إلا إذا بدأوا القتال هم، فإنهم يقاتلون جزاء لهم.\nوعلى هذا فإنه لا تعارض بين هذه الآية وما ذكروه من الآيات، قال ابن الجوزي: إنما يكون النسخ مع تضاد اجتماع الناسخ والمنسوخ، وقد أمكن الجمع بين ما ادعوه ناسخًا ومنسوخًا، وصح العمل بهما، فيكون قوله ... تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] في غير البلد الحرام بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي في غير الحرم، بدليل قوله تعالى عُقيب ذلك: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ ولو جاز قتلهم في الحرم لم يحتج إلى ذكر الإخراج، فقد بان بما أوضحنا إحكام الآية وانتفاء النسخ عنها. [نواسخ القرآن: ٢٢٠]\nوقال ابن كثير: وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] أي: من الأرض، وهذا عام، والمشهور تخصيصه بتحريم القتال في الحرم بقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾. [تفسير القرآن العظيم: ٢/ ٣٣٦].","vol":"1","page":427},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (^١) قال حذيفة (^٢): هذا في النفقة (^٣). يريد: لا تمتنع من الإنفاق في الجهاد، وقال ابن عباس: إن لم تجد شيئًا إلا مشقصًا (^٤) تجهز به في سبيل الله، ولا تقولن لا أجد شيئًا، قد هلكت (^٥)، وحكى الضحاك (^٦):\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٩٥]\n(^٢) حذيفة بن اليمان، واسم اليمان حسيل بن جابر، واليمان لقب، وهو: حذيفة بن حسيل بن جابر بن عمرو بن ربيعة العبسي القطيعي، من كبار الصحابة، روى عن النبي - ﷺ -، وعن عمر، وعنه: جابر، وجندب، وهو صاحب سر رسول الله - ﷺ -، مات سنة ٣٦ هـ. [الاستيعاب: ١/ ٢٧٧، والإصابة: ١/ ٣١٧].\n(^٣) رواه البخاري في صحيحه: ٤/ ١٦٤٢ التفسير سورة البقرة باب: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وسعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٧١٠، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٠٠، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٣١.\n(^٤) المشقص هو: نصل السهم إذا كان طويلًا غير عريض. [النهاية في غريب الحديث: ٢/ ٤٩٠].\n(^٥) رواه الطحاوي في شرح مشكل الآثار: ١٢/ ١٠٣، ١٠٥، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٠٠، ٢٠١، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٣٠، والبيهقي في سننه: /٤٥ باب ما جاء في قول الله ﷿: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ من كتاب السير.\n(^٦) قال ابن حجر: الضحاك بن أبي جبيرة الأنصاري، هو مقلوب، والصواب: أبو جبيرة بن الضحاك، وهو: أبو جبيرة ابن الضحاك بن خليفة الأنصاري الأشهلي، لا يعرف اسمه، قال بعضهم: له صحبة، وقال بعضهم: لا صحبة له، وجزم الذهبي بأن له صحبة، روى عن النبي - ﷺ - عدة أحاديث، وعنه: ابنه محمود، وقيس بن أبي حازم، وعامر الشعبي .. [الكاشف: ٢/ ٤١٥، والإصابة: ٢/ ٢٠٥، ٤/ ٣١].","vol":"1","page":428},{"text":"أن الأنصار أمسكوا عن الصدقة لسَنة (^١) أصابتهم فنزلت هذه الآية (^٢).\n_________\n(^١) السَنةُ: الجدب، يقال: أخذتهم السنة إذا أجدبوا وأقطحوا. [النهاية في غريب الحديث: ٢/ ٤١٣].\n(^٢) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٣٢، وابن قانع في معجم الصحابة: ٢/ ٣٤، وابن حبان في صحيحه: ١٣/ ١٦، والطبراني في الكبير: ٢٢/ ٣٩٠، وفي الأوسط: ٦/ ٢٠، والواحدي في أسباب النزول: ٥٧، وذكره ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٢٩، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٣١٧ رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجالهما رجال الصحيح. وقال السيوطي في الدر: ٢/ ٢٠٧ أخرجه عبد بن حميد، وأبو يعلى، وابن جرير، والبغوي في معجمه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن قانع، والطبراني.\nقلت: والموجود عند ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٠١ نسبة هذا القول إلى عامر الشعبي.","vol":"1","page":429},{"text":"وقال البراء بن عازب: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (^١) الرجل يذنب فيلقي بيده ويقول: لا توبة (^٢)، وقال النعمان بن بشير (^٣) نحو ذلك وزاد: ولكن يستغفر الله ويتوب فإن الله غفور رحيم (^٤)، وقد روي هذا القول عن عبيدة (^٥) ومحمد بن ... سيرين (^٦).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٩٥]\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٠٢، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٣٢، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٠٢ كتاب التفسير سورة البقرة، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبهقي في سننه: ٩/ ٤٥، وقال ابن حجر في الفتح: ٨/ ٢٣٣: أخرجه ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عنه بإسناد صحيح.\n(^٣) النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، يكنى: أبا عبدالله، له ولأبيه صحبة، وهو أول مولود في الإسلام من الأنصار بعد الهجرة، روى عن النبي - ﷺ -، وعن: عمر، وعائشة، وعنه: ابنه محمد، والشعبي، قال ابن عبد البر: لا يصحح بعض أهل العلم سماعه من رسول الله - ﷺ -، وهو عندي صحيح؛ لأن الشعبي يقول عنه: سمعت رسول الله - ﷺ - في حديث أو ثلاثة قتل سنة ٦٥ هـ. ...\n[الاستيعاب: ٣/ ٥٥٠، والإصابة: ٣/ ٥٥٩].\n(^٤) رواه الطبراني في الأوسط: ٦/ ٢٠، ٢١، والبيهقي في سننه: ٩/ ٤٥، والواحدي في أسباب النزول: ٥٧، وذكره ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٢٩، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٦/ ٣١٧ رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجالهما رجال الصحيح. وذكره السيوطي في الدر: ١/ ٢٠٨ وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه.\n(^٥) عَبيدة السلماني: رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٧٤، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٠٣، وذكره البغوي في تفسيره: ١/ ٢١٧، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٢٩.\n(^٦) ذكره البغوي في تفسيره: ١/ ٢١٧، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٢٩.","vol":"1","page":430},{"text":"وقال شبل بن عوف (^١) قيل لعمر بن الخطاب - ﵁ -: إن مدرك بن عوف (^٢) شرى نفسه\n\nيوم نهاوند (^٣)، فقلت: يا أمير المؤمنين ذلك خالي، وناس يزعمون أنه ألقى بيده إلى التهلكة، فقال عمر: كذب أولئك، ولكنه من الذين اشتروا الآخرة بالدنيا (^٤).\n_________\n(^١) شُبيل بن عوف بن أبي حية الأحمسي البجلي، أبو الطفيل الكوفي، ويقال له: شبل بغير تصغير، أدرك الجاهلية، وشهد القادسية، قال ابن عبدالبر: لا تصح له رواية ولا صحبة، إنما روايته عن عمر بن الخطاب، وعنه: إسماعيل بن أبي خالد، وحبيب الأزدي.\n[الاستيعاب: ٢/ ١٦٤، والإصابة: ٢/ ١٦٤].\n(^٢) مُدرك بن عوف البجلي الأحمسي، قال ابن عبدالبر: مختلف في صحبته، واتصال حديثه، روى عنه: قيس بن أبي حازم، وسمع من عمر بن الخطاب.\n[الاستيعاب: ٣/ ٤٣٤، والإصابة: ٣/ ٣٩٤].\n(^٣) نهاوند بفتح النون الأولى، وتكسر، والواو مفتوحة، ونون ساكنة، ودال مهملة: مدينة عظيمة في قبلة همذان، من فتوح أهل الكوفة، وكان فتحها سنة ٢١ هـ، وقيل غير ذلك، وفيها حصلت وقعة نهاوند، والتي تسمى فتح الفتوح، بين المسلمين والفرس، أيام خلافة عمر بن الخطاب - ﵁ -.\n[معجم البلدان: ٥/ ٣١٣، والبداية والنهاية: ٧/ ١١٣]\n(^٤) في هذا الأثر علتان، علة في السند، وعلة في المتن، فأما علته في السند: فإن المحفوظ روايته من طريق مدرك بن عوف عن عمر، قال الدارقطني: يرويه إسماعيل بن أبي خالد، واختلف عنه، فرواه أبو أسامة ويزيد بن هارون: عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن مدرك بن عوف عن عمر. وقال هشيم: عن إسماعيل عن قيس عن شبيل بن عوف. وقال وكيع: عن إسماعيل عن قيس عن عمر. وقول أبي أسامة ويزيد بن هارون أصح.\n[العلل الواردة في الأحاديث النبوية: ٢/ ٢٠٨].\n\nقلت: وقد رواه من الطريق الأول الذي ذكر الدارقطني: الإمام أحمد في العلل ومعرفة الرجال: ٢/ ٢٦٣، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ٢١٤ كتاب الجهاد، وفي ٧/ ١٥ باب في توجيه النعمان بن مقرن إلى نهاوند من كتاب التاريخ، والبيهقي في سننه: ٩/ ٤٦.\nورواه من الطريق الثاني - وهو ماذكره المصنف هنا - الإمام أحمد في العلل ومعرفة الرجال: ٢/ ٢٦٢.\nورواه من الطريق الثالث أيضًا الإمام أحمد في العلل ومعرفة الرجال: ٢/ ٢٦٣، والطحاوي في شرح مشكل الآثار: ١٢/ ١٠٢.\nوأما علته في المتن فإنه ذكر فيه أن المقتول هو مدرك بن عوف، وهو خطأ، والصواب أن المقتول هو: عوف بن أبي حية البجلي الأحمسي، والد شبيل.\nقال ابن حجر في ترجمته: واستشهد عوف في قتال الفرس بنهاوند، وأخرج بن أبي شيبة بسند صحيح عن مدرك بن عوف الأحمسي قال: بينما أنا عند عمر إذ اتاه رسول النعمان بن مقرن، فسأله عمر عن الناس، فذكر من أصيب من المسلمين، وقال: قتل فلاف وفلان وآخرون لا نعرفهم، فقال عمر: لكن الله يعرفهم، قالوا: ورجل اشترى نفسه يعنون عوف بن أبي حية الأحمسي، أبا شبيل، قال مدرك بن عوف: يا أمير المؤمنين والله خالي ... ...\n[انظر الإصابة: ٣/ ١٢٢، وانظر ما سبق من تخريج هذا الأثر].","vol":"1","page":431},{"text":"قال القاضي: والآية تحتمل جميع ذلك والله أعلم بما أراد (^١).\n_________\n(^١) قال ابن حجر: ذكر المصنف حديث حذيفة في هذه الآية، قال: نزلت في النفقة، أي: في ترك النفقة في سبيل الله ﷿، وهذا الذي قاله حذيفة جاء مفسرًا في حديث أبي أيوب.\nثم قال ابن حجر بعد ذكره لما قيل في سبب نزول هذه الآية: والأول أظهر - يريد ما ذكر عن حذيفة - لتصدير الآية بذكر النفقة، فهو المعتمد في نزولها، وأما قصرها عليه ففيه نظر؛ لأن العبرة بعموم اللفظ.\n[انظرفتح الباري: ٢/ ٢٣٢، ٢٣٣]. =\nويرى الطحاوي أن سبب نزول هذه الآية هو ماروي في حديث أبي أيوب الأنصاري من ترك الجهاد، والركون إلى الدنيا، وقد روى هذا الحديث في شرح مشكل الآثار: ١٢/ ٩٩ عن أسلم أبي عمران، قال: كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى أهل الشام رجل، فخرج من المدينة صف عظيم من الروم، فصففنا لهم، فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج إلينا، فصاح الناس إليه: سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله - ﷺ - فقال: يا أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه، وكثر ناصروه، قلنا فيما بيننا بعضنا لبعض سرًا من رسول الله - ﷺ -: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنا أقمنا فيها، وأصلحنا ما قد ضاع منها، فأنزل الله في كتابه يرد علينا ما قد هممنا به فقال: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكانت التهلكة في الإقامة التي أردنا أن نقيم في أموالنا ونصلحها، فأمرنا بالغزو، فما زال أبو أيوب غازيًا في سبيل الله حتى قبضه الله.\n\nقال الطحاوي: ثم نظرنا فيما روي عن أصحاب رسول الله - ﷺ - في المراد بهذه الآية عندهم مما لم يذكروا فيه أن نزولها كان فيه، كما ذكر أبو أيوب في حديثه الذي ذكرناه عنه. [شرح مشكل الآثار: ١٢/ ١٠٢].\nقلت: فالطحاوي يرى أن ما أثر عن السلف في هذه الآية كابن عباس، والبراء، وغيره يحمل على التفسير لها، لا أنه سبب نزولها، وعلى كل فالآية محتملة لهذه المعاني كلها.\nوممن رأى أن الآية تحتمل هذه المعاني دون تضاد بينها ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٠٥، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٣٦٠، وأبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ٢٥٢.\nقال ابن العربي: قال الطبري: هو عام في جميعها لا تناقض فيه، وقد أصاب إلا في اقتحام العساكر، فإن العلماء اختلفوا فيه، والصحيح عندي جوازه. ... [انظر أحكام القرآن: ١/ ١٦٦].\nقال ابن حجر: وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته، وظنه أنه يرهب العدو بذلك، أو يجرئ المسلمين عليهم، أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن، ومتى كان مجرد تهور فممنوع، ولا سيما إن ترتب على ذلك وهن في المسلمين. [فتح الباري: ٨/ ٢٣٣].","vol":"1","page":432},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^١) *\nنا إسماعيل (^٢) قال: نا مسدد (^٣) قال: نا عبد الواحد (^٤) قال: نا الحجاج (^٥) عن محمد ابن المنكدر (^٦) عن جابر بن عبد الله قال: قيل يا رسول الله: العمرة واجبة؟ قال: لا، ولأن تعتمر خير لك (^٧).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n* لوحة: ٢٤/ب.\n(^٢) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق تقدم.\n(^٣) مسدد بن مسرهد ثقة حافظ تقدم.\n(^٤) عبد الواحد بن زياد العبدي مولاهم البصري، عن: حجاج بن أرطأة،،وإسماعيل بن سميع، وعنه: مسدد، وقيس بن حفص، ثقة في حديثه عن الأعمش وحده مقال، مات سنة ١٧٦ هـ.\n[تهذيب الكمال: ١٨/ ٤٥٠، والتقريب: ٦٣٠].\n(^٥) حجاج بن أرطأة بن ثور النخعي، أبو أرطأة الكوفي القاضي، عن: محمد بن المنكدر، وعن الشعبي حديثًا واحدًا، وعنه: عبدالواحد بن زياد، والثوري، صدوق كثير الخطأ والتدليس، مات سنة ١٤٥ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٥/ ٤٢٠، والتقريب: ٢٢٢].\n(^٦) محمد بن المنكدر بن عبدالله الهُدير التيمي المدني، عن: جابر بن عبدالله، وأنس بن مالك، وعنه: أيوب السختياني، وحجاج بن أرطأة، ثقة فاضل، مات سنة ١٢٠ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٢٦/ ٥٠٣، والتقريب: ٨٩٩].\n(^٧) رواه الترمذي في سننه، كتاب الحج باب ما جاء في العمرة أواجبة هي أم لا؟ بلفظ (وأن يعتمروا هو ... أفضل) وقال: حديث حسن صحيح، انظر تحفة الأحوذي: ٣/ ٦٧٩، وأحمد في مسنده: ٣/ ٣١٦، ٣٥٧، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٢١٥ باب من قال العمرة تطوع، وأبو يعلى في مسنده: ٢/ ٢٥٠، والطبري في تفسيره: ٢/ ٢١٢، والطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٢١٣، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٣٥، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٣٦٣، والدارقطني في سننه: ٢/ ٢٨٥ حديث: ٢٢٣، والبيهقي في سننه: ٤/ ٣٤٩ باب من قال العمرة تطوع.\n\nكلهم من طريق الحجاج بن أرطأة عن محمد بن المنكدر به، وهذا الحديث ضعيف لضعف الحجاج بن أرطأة، وإن كان البعض قد روى هذا الحديث من طرق أخرى إلا أن البيهقي قال بعد أن ساق طرقًا غير هذا الطريق، قال: وإنما يعرف هذا المتن بالحجاج بن أرطأة عن محمد بن المنكدر عن جابر. [سنن البيهقي: ٤/ ٣٤٩].\nوفي رفعه إلى رسول - ﷺ - نظر، فقد قال البيهقي بعد أن ساق هذا الحديث من طريق الحجاج عن محمد بن المنكدر عن جابر أنه سئل عن العمرة أواجبة؟ قال البيهقي: هذا هو المحفوظ عن جابر موقوفٌ غير مرفوع، وروي عن جابر مرفوعًا بخلاف ذلك وكلاهما ضعيف. [المرجع السابق]. =\nوبالنسبة لتصحيح الترمذي له فلا يلتفت له، قال النووي: وأما قول الترمذي: إن هذا حديث حسن صحيح، فغير مقبول، ولا يغتر بكلام الترمذي في هذا، فقد اتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف، ودليل ضعفه أن مداره على الحجاج بن أرطاة لا يعرف إلا من جهته، والترمذي إنما رواه من جهته، والحجاج ضعيف ومدلس باتفاق الحفاظ، وقد قال في حديثه: عن محمد بن المنكدر والمدلس إذا قال في روايته: عن، لا يحتج بها بلا خلاف، كما هو مقرر معروف في كتب أهل الحديث، وأهل الأصول، ولأن جمهور العلماء على تضعيف الحجاج بسبب آخر غير التدليس، فإذا كان فيه سببان يمنع كل واحد منهما للاحتجاج به، وهما الضعف والتدليس. فكيف يكون حديثه صحيحا؟ ... [المجموع: ٧/ ١١].","vol":"1","page":433},{"text":"وقال علي بن أبي طالب - ﵁ - وقد سئل عن قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^١) قال: أن تحرم بهما مؤتنفتين (^٢) من دويرة أهلك (^٣). ووافق عمر عليًا في ذلك (^٤)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٢) الائتناف والاستئناف أي: الابتداء، يقال: استأنفت الشيء: أخذت فيه، وابتدأته.\n[مقاييس اللغة: ٧٦، والمصباح المنير: ٢٧]\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٢٣ باب من رخص أن يحرم من الموضع البعيد، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٠٧، والطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ١٩، ٢٤٥، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٠٣ كتاب التفسير سورة البقرة، والبيهقي في سننه: ٤/ ٣٤١ باب تأخير الحج، و٥/ ٣٠ باب من استحب الإحرام من دويرة أهله.\nكلهم دون لفظة (مؤتنفتين)، وهذه اللفظة رواها ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٠٧ عن طاووس أنه قال: تمامهما إفرادهما مؤتنفتين من أهلك.\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٤٦ في الرجل يريد العمرة وهو بمكة من أين يعتمر؟، والطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٢٤٥، وذكره ابن حزم في المحلى: ٧/ ٧٥.\nقلت: وغاية ما في هذين الأثرين عن علي وعمر ﵄ - دلالتهما على أن الإتمام في هذه الآية يراد به إنشاء الحج والعمرة من أهلك، ولعل فيه دليل لمن قال بوجوب العمرة، قال ابن عبدالبر بعد ذكره لهذا الأثر عن علي بن أبي طالب - ﵁ -: وهذا في معنى قول من قال: الإتمام يقع على الابتداء [التمهيد: ٢٠/ ١٦].\n\nوعلى كل فهذا التفسير بعيد، قال ابن العربي: أما قوله: أحرم بها من دويرة أهلك فإنها مشقة رفعها الشرع، وهدمتها السنة بما وقت النبي - ﷺ - من المواقيت. ... [أحكام القرآن: ١/ ١٦٨]","vol":"1","page":434},{"text":"واختلف التابعون فمنهم من لم يرها واجبة، ومنهم من رآها واجبة (^١).\nقال القاضي: والذي توجبه الآية إتمام ما دخل فيه منهما؛ لأن قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^٢) ليس هو من خطاب الإيجاب ولا ألفاظ الفروض، فأما الحج فليس بهذه الآية وجب، وإنما وجب فرض الحج بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (^٣)، وقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (^٤) فأمر أن يدعوهم إلى الحج الذي لا اسم له غير الحج، وإن كان هذا الاسم يقتضي القصد فهاتان الآيتان نزلتا بفرض الحج، كما قيل: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^٥) فكان دعاؤهم إليها موجبًا لفرضها.\nفأما قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^٦)\n_________\n(^١) الاختلاف في هذه المسألة وقع بين الصحابة كما وقع بين من بعدهم [انظر في أقاويلهم: مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٢١٥ - ٢١٧، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢١٠، والاستذكار: ١١/ ٢٤١، والمغني: ٥/ ١٣٥]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٣) [سورة آل عمران: الآية ٩٧]\n(^٤) [سورة الحج: الآية ٢٧]\n(^٥) [سورة الجمعة: الآية ٩]\n(^٦) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n\n* لوحة: ٢٥/أ.","vol":"1","page":435},{"text":"فإنما قصد به لمن تطوع بالحج، فأمر أن يتممه لله كما يتم الفرض، وكذلك أُمر في العمرة إذا اختار الدخول فيها فدخل أُمر بالإتمام، إنما يقال للإنسان إذا دخل في الشيء ومضى بعضه * تَمَمْهُ، وليس هكذا إيجاب الفرائض، وإنما إيجابها أن يؤمر بها قبل أن يدخل فيها، قال الله ﷿: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (^١) وقال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^٢) وقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (^٣) فأما العمرة فسنة لا ينبغي تركها (^٤)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٤٣]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٨٥]\n(^٣) [سورة آل عمران: الآية ٩٧]\n(^٤) قال الإمام مالك: العمرة سنة، ولا نعلم أحدًا من المسلمين أرخص في تركها. [الموطأ: ٢/ ٢٨٢ الحج].\nقال ابن عبدالبر: هذا اللفظ يدل ظاهره على وجوب العمرة، وقد جهل بعض الناس مذهب مالك فظن أنه يوجب العمرة بقوله: ولا نعلم أحدًا من المسلمين أرخص في تركها. وقال: هذا سبيل الفرائض، وليس كذلك عند جماعة أصحابه، ولا يختلفون عنه أنها سنة مؤكدة. [الاستذكار: ١١/ ٢٤١].\n\nوقد نقل ابن أبي زيد في النوادر والزيادات: ٢/ ٣٢١، قول ابن القاسم: قال مالك: العمرة سنة واجبة كالوتر لا ينبغي تركها.","vol":"1","page":436},{"text":"ولا حجة لمن جعلها فرضًا، ألا ترى عليًا قال: أن تحرم بهما مؤتنفتين من دويرة أهلك (^١)، وسئل النبي - ﷺ - لما نزل فرض الحج: أفي كل عام يارسول الله؟ قال: لا، ولو قلتها لوجبت، ولكن مرة واحدة فإن عدت فهو أفضل (^٢)، وقال النبي - ﷺ -: ولأن تعتمر خير لك (^٣).\nوقد زعم بعض الناس (^٤)\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: ٢٣٥.\n(^٢) رواه أبوداود في سننه: ٢/ ١٣٩ الحج باب فرض الحج عن ابن عباس أن الأقرع بن حابس سأل النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله الحج في كل سنة، أو مرة واحدة، قال: بل مرة واحدة فمن زاد فتطوع. وابن ماجة في سننه: ٢/ ١٥٤ باب فرض الحج من أبواب المناسك، وأحمد في مسنده: ١/ ٢٥٥، ٢٩٠، والحاكم في المستدرك: ... ٢/ ٣٢١ التفسير سورة آل عمران، وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والدارقطني في سننه: ٢/ ٢٧٩ الحج حديث: ١٩٧، والبيهقي في سننه: ٤/ ٣٢٦ باب وجوب الحج مرة واحدة من كتاب الحج، وأصله في صحيح مسلم: ٢/ ٩٧٥ الحج حديث: ٤١٢ عن أبي هريرة.\n(^٣) سبق تخريجه ص: ٢٣٤.\n(^٤) لعله يشير إلى استدلال الشافعي بتسمية الرسول - ﷺ - للعمرة بالحج الأصغر [انظر الأم: ٢/ ١٣٣]. فقد روى الحاكم في المستدرك: ١/ ٥٣٣ كتاب الزكاة، وابن حبان في صحيحه: ١٤/ ٣٥٢، والدارقطني في سننه: ... ٢/ ٢٨٥ كتاب الحج حديث: ١٢٢، والبيهقي في سننه: ٤/ ٣٥٢ باب من قال بوجوب العمرة: أن في الكتاب الذي بعث به رسول الله - ﷺ - عمرو بن حزم إلى أهل اليمن أن فيه: إن العمرة الحج الأصغر.\nوروى ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٢١٦ باب من كان يرى العمرة فريضة، عن ابن عباس أنه قال: العمرة الحج الأصغر. وكذلك رواه الدارقطني في سننه: ٢/ ٢٨٥، والبيهقي في سننه: ٤/ ٣٥٢.\n\nوروى البيهقي في سننه أيضًا: ٤/ ٣٥١ عن ابن مسعود - ﵁ -: الحج الحج الأكبر، والعمرة الحج الأصغر.","vol":"1","page":437},{"text":"أنها واجبة بقول الله ﷿: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ (^١) فجعل للحج أكبر وأصغر، وأخطأ خطأً فاحشًا؛ لأن كل من فسر هذه الآية قصد إلى اليوم، ولم يجعل حجًا أكبر وأصغر، فمن الصحابة من قال: يوم عرفة (^٢)، ومنهم من قال: يوم النحر (^٣)، وسئل النبي - ﷺ - عن يوم الحج الأكبر فقال: يوم النحر (^٤).\n_________\n(^١) [سورة التوبة: الآية ٣]\n(^٢) انظر تفسير عبدالرزاق: ٢/ ٢٦٦، وتفسير ابن جرير: ١٠/ ٦٧، وتفسير ابن أبي حاتم: ٦/ ١٧٤٨.\n(^٣) انظر المراجع السابقة.\n(^٤) عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن يوم الحج الأكبر، فقال: يوم النحر. رواه الترمذي في سننه كتاب الحج باب ١٠٧ انظر تحفة الأحوذي: ٤/ ٣٠، وفي أبواب تفسير القرآن سورة التوبة، انظر تحفة الأحوذي: ٨/ ٤٨٤، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٦/ ١٧٤٧. =\nوالصحيح وقف هذا الحديث على علي - ﵁ -، قال الترمذي بعد أن ساق هذا الأثر موقوفًا على علي قال: وهذا أصح من الحديث الأول، ورواية ابن عيينة موقوفٌ أصح من رواية محمد بن إسحاق مرفوعٌ، وهكذا روى غير واحد من الحفاظ عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي موقوفًا. [انظر تحفة الأحوذي: ٤/ ٣٠].\nوسواء كان الحديث مرفوعًا أم موقوفًا، فكلاهما ضعيف؛ لأن مدار الحديث على الحارث بن عبدالله الأعور، قال ابن حجر فيه: كذّبه الشعبي في رأيه، ورمي بالرفض، وفي حديثه ضعف. ... [التقريب: ٢١١].\nوله شاهد من حديث ابن عمر ﵄ قال: وقف النبي - ﷺ - يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي بهذا، وقال: هذا يوم الحج الأكبر. رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٢١ كتاب الحج باب الخطبة أيام منى.","vol":"1","page":438},{"text":"وقال: أفضل الأيام يوم النحر ثم يوم النفر (^١).\n_________\n(^١) كذا في الأصل (النفر)، ويوم النفر الأول هو: اليوم الثاني من أيام التشريق، والنفر الآخر: اليوم الثالث، ويقال: يوم وليلة النفر لليوم الذي ينفر الناس فيه من منى.\n[انظر النهاية غي غريب الحديث: ٥/ ٩١، ولسان العرب: ٥/ ٢٢٥].\nولم أجد من رواه بهذا اللفظ إلا الإمام احمد في مسنده: ٤/ ٣٥٠ عن يحيى بن سعيد عن ثور عن راشد بن سعد عن عبدالله بن نجي عن عبدالله بن قرط أن رسول الله - ﷺ - قال: (أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم النفر).\nولعله تحرف من يوم القر إلى يوم النفر، فقد رواه الحافظ المزي في تهذيب الكمال: ١٥/ ٤٤٥ عند ترجمة ... عبدالله بن قرط من طريق الإمام أحمد بنفس السند بلفظ (ثم يوم القر).\nوقد رواه بلفظ (يوم القر) أبوداود في سننه: ٢/ ١٤٨ الحج باب في الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ عن ثور به، وابن خزيمة في صحيحه: ٤/ ٢٩٤ عن يحيى بن سعيد به، والحاكم في المستدرك: ٤/ ٢٤٦ كتاب الأضاحي من طريق يحيى به، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي في سننه: ٥/ ٢٣٧ باب نحر الإبل قيامًا غير معقولة أو معقولة يدها اليسرى كتاب الحج، من طريق ثور به.\nويوم القر هو: اليوم الثاني بعد يوم النحر، قال ابن الأثير: هو الغد من يوم النحر، وهو حادي عشر ذي الحجة؛ لأن الناس يقرون فيه بمنى، أي: يسكنون ويقيمون.\n[النهاية في غريب الحديث: ٤/ ٣٧].","vol":"1","page":439},{"text":"وليس يكون من طرأ بعد المائتين خلافًا للصحابة الذين ذكروا أن الله ﷿ قصد يوم الحج الأكبر، لاسيما مع بيان النبي - ﷺ -، ولا نعلم خلافًا أن فرضًا لا يدخل على فرض، وقد تدخل السنن على الفرض، ثم رأينا هذا القائل يجمع الحج والعمرة، فيسقط عمل العمرة عنده ويجزي عنهما (^١) عمل الحج، ولم نر فرضًا يدخل على فرض فيسقط حكمه، ومن رآها من الصدر الأول فإنما أوجبها * بوجوب السنة؛ ولأن النبي - ﷺ - اعتمر، وهو\nعمل من أعمال البر (^٢).\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعله: عنها عودًا على العمرة.\n* لوحة: ٢٥/ب.\n(^٢) ذكر المؤلف هنا حكم العمرة: ولا خلاف بين أهل العلم في وجوب إتمامها بعد الشروع فيها، قال ابن العربي: وأما إتمامهما إذا دخل فيهما - أي الحج والعمرة - فلا خلاف بين الأمة فيهما، حتى بالغوا فقالوا: يلزمه إتمامهما وإن أفسدهما. ... [أحكام القرآن: ١/ ١٦٨].\n\nوإنما وقع الخلاف في حكم الابتداء بالعمرة على قولين:\nالأول: وجوب العمرة مرة في العمر كالحج، وهذا القول هو الأظهر والجديد من مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد، وممن قال بذلك: عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وابن المسيب، وسعيد بن جبير، والشعبي، والثوري، وخلق كثير.\nالقول الثاني: أن العمرة تطوع، وليست فريضة، فقد ذهب مالك وأصحابه إلى أنها سنة مؤكدة، وقال أبو حنيفة وأصحابه إنها تطوع، وهذا القديم من مذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد، وبه قال: أبو ثور، والنخعي.\n[انظر في هذه المسألة: أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٣٦٢، والاستذكار: ١١/ ٢٤١، والمغني: ... ٥/ ١٣، والجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٣٦٨، وروضة الطالبين: ٣/ ١٧].\nوممن رجح القول الأول: ابن حزم في المحلى: ٧/ ٤٢، والشنقيطي في أضواء البيان: ٥/ ٦٥٧\n\nورجح القول الثاني: ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢١٢، وشيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: ٢٦/ ٥، والشوكاني في نيل الأوطار: ٤/ ٣٣٣.\nولعل القول بالوجوب هو الراجح - إن شاء الله - لما فيه من إبراء الذمة؛ ولإجماع الصحابة على ذلك حيث ... لا يعرف لهم مخالف، قال ابن عبدالبر: وأما الصحابة فروي عن ابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت إيجاب العمرة، ولا مخالف لهم من الصحابة، إلا ما روي عن ابن مسعود، على اختلاف عنه، واختلف التابعون في هذه المسألة: فأوجبها بعضهم، وهم الأكثر، ولم يوجبها بعضهم. ...\n[التمهيد: ٢٠/ ١٥].","vol":"1","page":440},{"text":"قال الله ﵎: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (^١)\nالإحصار في اللغة هو: المرض الذي يحبس. والحصر بالعدو يقال فيه: حصر فهو محصور، ومعناه: منع فهو ممنوع. والمرض يقال فيه: أُحصر فهو محصر، أي: أُمرض فهو ممرض، قال الكسائي (^٢) وأبو عبيدة معمر بن المثنى: ما كان من مرض فإنه يقال فيه: أحصر فهو محصر، وما كان من سجن أو منع قيل: أحصر فهو محصور (^٣).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٢) علي بن حمزة الكسائي، أبو الحسن الأسدي مولاهم الكوفي، المقريء النحوي، ولد في حدود سنة عشرين ومائة، أخذ القراءة عن حمزة الزيات، وعبدالرحمن بن أبي ليلى، واختار لنفسه قراءة، رحل إلى البصرة فأخذ العربية عن الخليل بن أحمد، له من التصانيف: كتاب القراءات، وكتاب معاني القرآن، ولكنها من المفقودات.\n[وفيات الأعيان: ٢/ ١٤٠، ومعرفة القراء الكبار: ١/ ١٢٠].\n(^٣) انظر: مجاز القرآن: ١/ ٦٩، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٣٦٨، وتفسير البغوي: ١/ ٢٢١، وتفسير القرطبي: ٢/ ٣٧١.","vol":"1","page":441},{"text":"وقال ابن عباس: لا حصر إلا من حبس عدو (^١)، ولم يقل لا إحصار، وهو ثبت اللغة هذا التعلم (^٢) أن ما كان من حبس العدو يقال فيه حصُر بغير ألف، وهذا النحو من الكلام يجري هذا المجرى. قال إسماعيل: فإذا حبس الرجلُ الرجل قيل: حبسه، وإذا فعل به فعلًا عرضه به لأن يحبس قيل: أحبسه (^٣)، وإذا قتله، قيل: قتله، وإذا عرضه للقتل قيل: أقتله، وسقاه إذا أعطاه إناء فشربه، وإذا جعل له سقيًا قيل: أسقاه، وقبره إذا تولى دفنه، وأقبره إذا جعل له قبرًا (^٤)، قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ (^٥) وقالت بنو تميم (^٦)\n_________\n(^١) رواه الشافعي في الأم: ٢/ ١٦٣، ٢١٩، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢١٤، ٢٢٥، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٣٦، والبيهقي في سننه: ٥/ ٢١٩ باب من لم ير الإحلال بالإحصار بالمرض، وقد صححه ابن حجر في تلخيص الحبير: ٢/ ٢٩٢، وقال النووي: رواه الشافعي والبيهقي بإسناد صحيح على شرط البخاري ... ومسلم. ... [المجموع: ٨/ ٣٠١].\n(^٢) كذا في الأصل، ولعلها: وهو يثبت اللغة بهذا التعليم أن.\n(^٣) كذا في الأصل وهو الصواب، وفي النوادر والزيادات: ٢/ ٤٣٣: فإن فعل به فعلًا عرضه للحبس، قيل: احتبسه.\n(^٤) انظر كلام القاضي إسماعيل في المرجع السابق.\n(^٥) [سورة عبس: الآية ٢١]\n(^٦) بنو تميم قاعدة من أكبر قواعد العرب، وهم: بنو تميم بن مر بن أُدبن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، لهم بطون كثيرة، كانت منازلهم بأرض نجد، دائرة من هنالك على البصرة واليمامة، حتى يتصلوا بالبحرين، وانتشرت إلى العذيب من أرض الكوفة، ثم تفرقوا في الحواضر.\n\n[جمهرة أنساب العرب: ٢٠٧، ومعجم قبائل العرب: ١/ ١٢٥].","vol":"1","page":442},{"text":"لابن هبيرة (^١) حين صلب صالح بن عبد الرحمن (^٢): أقبرنا صالحًا، أي: ائذن لنا في دفنه، قال: قد فعلت (^٣). فهذا على أقبرت، ومما جاء على قبرت ... قول الأعشى (^٤):\nلو أسندت ميتًا إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر (^٥)\n_________\n(^١) عمر بن هبيرة بن سكين الأمير، أبو المثنى الفزاري الشامي، كان أمير العراق من قبل يزيد بن عبدالملك، فلما ولي هشام بن عبدالملك عزله بخالد القسري، مات سنة ١٠٧ هـ.\n[تاريخ دمشق: ٤٥/ ٣٧٣، وسير أعلام النبلاء: ٤/ ٥٦٢].\n(^٢) لعله: صالح بن عبدالرحمن أبي صالح، أبو الوليد الكاتب، من أهل البصرة، وهو أول من نقل الديوان من الفارسية إلى العربية، قال ابن عساكر في ترجمته: لما ولي يزيد بن عبدالملك كان صالح عنده بالشام، فكتب عمر ابن هبيرة إلى يزيد في إنفاذ صالح إليه يسأله عن الخراج، فبعث إليه به وأوصاه به، فبعثه وقتله.\n[تاريخ دمشق: ٢٣/ ٣٤٣]\n(^٣) انظر النهاية في غريب الحديث: ٤/ ٤ وقد ذكر أن الذي قتل صالح هو الحجاج، ومجاز القرآن: ٢/ ٢٨٦، وتفسير القرطبي: ١٩/ ٢١٦.\n(^٤) الأعشى: ميمون بن قيس، كان أعمى، يكنى: أبا بصير، أدرك الإسلام في آخر عمره، رحل إلى النبي - ﷺ -، فقيل: إنه مات بالطريق، وقيل: إنه رجع قبل أن يصله، ثم مات في الطريق، ويسمى صناجة العرب، وقد عده ابن سلام في الطبقة الأولى من فحول شعراء الجاهلية.\n[طبقات فحول الشعراء: ١/ ٦٥، والشعر والشعراء: ١/ ٢٥٧]\n(^٥) ديوان الأعشى: ٩٣، ومجاز القرآن: ٢/ ٢٨٦، وتفسير ابن جرير: ٣٠/ ٥٦. قال أبو عبيدة: والقابر هو الذي يدفن بيده.\n* لوحة: ٢٦/أ.","vol":"1","page":443},{"text":"* فهذا على قبرت، فعلى هذا المجرى يكون: فإن أحصرتم أي: أصابكم شيء كان سببًا لأن فاتكم الحج، وقد جاءت أحاديث في المحصر بمرض، وقد جاءت أحاديث في المحصر بعدو، ونحن ذاكروا بعضها كي لا يطول الكتاب، فمن ذلك: أن ابن عمر أراد العمرة، فقال له ابنه (^١):\n_________\n(^١) كذا في الأصل، وقد وقع في طرق هذا الحديث اختلاف في من كلم ابن عمر من أبنائه، فقيل: هم عبدالله، وسالم، كما ورد عند البخاري ومسلم، وعبيدالله وسالم في بعض طرق البخاري، وفي بعض طرقه أيضًا: أن بعض بني عبدالله، وفي بعض الطرق عنه أيضًا: عبدالله بن عبدالله.\nقال ابن حجر: ووقع في رواية جويرة المذكورة: عبيدالله بن عبدالله - بالتصغير ـ، وفي رواية يحيى القطان المذكورة: عبدالله - بالتكبير ـ، وكذا في رواية عمر بن محمد عن نافع. قال البيهقي: عبدالله - يعني مكبرًا - أصح. قلت: وليس بمستبعد أن يكون كل منهما كلم أباه في ذلك، ولعل نافعًا حضر كلام عبدالله - المكبر - مع أخيه سالم، ولم يحضر كلام عبيدالله - المصغر - مع أخيه سالم أيضًا، بل أخبره بذلك، فقص عن كل ما انتهى إليه علمه. ... [فتح الباري: ٤/ ٨]\nقلت: فأما سالم بن عبدالله بن عمر، فكان ثبتًا عابدًا فاضلًا، تقدمت ترجمته.\nوأما عبدالله: فهو عبدالله بن عبدالله بن عمر بن الخطاب، أبو عبدالرحمن المدني، ثقة مات سنة ١٠٥ هـ.\n[التقريب: ٥١٩]\n\nوأما عبيدالله: فهو عبيدالله بن عبدالله بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، أبو بكر، شقيق سالم، ثقة، مات سنة ١٠٦ هـ. ... [المرجع السابق: ٦٤١]","vol":"1","page":444},{"text":"سيكون بين الناس أمر يصد عن البيت، فقال: إذًا أفعل كما فعل رسول الله - ﷺ - بالحديبية (^١) حين صده المشركون فنحر، وحلق، وحل، فأحرم بعمرة، ثم أدخل الحج عليها. روي ذلك عنه من طرق (^٢)، رواه موسى بن عقبة (^٣)\n_________\n(^١) الحديبية بضم الحاء، وفتح الدال، وياء ساكنة، وباء موحدة مكسورة، وياء اختلفوا فيها، فمنهم من شددها، ومنهم من خففها، وقيل: كل صواب، أهل المدينة يثقلونها، وأهل العراق يخففونها، وهي قرية ليست بالكبيرة، سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التي بايع رسول الله - ﷺ - تحتها، وقيل: بل سميت بشجرة حدباء كانت في ذلك الموضع، وبينها وبين مكة مرحلة، وبينها وبين المدينة تسع مراحل، قيل: بعضها في الحل وبعضها في الحرم، وقيل: جميعها من الحرم، وقد كانت عمرة الحديبية، وما حصل من صد المشركين للرسول - ﷺ - شهر ذي القعدة، سنة ست من الهجرة. [معجم البلدان: ٢/ ٢٢٩، والبداية والنهاية: ٤/ ٥٥٢].\n(^٢) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٥٩٠ باب طواف القارن، و٢/ ٦٤١ - ٦٤٤ باب إذا أحصر المعتمر، وباب النحر قبل الحلق في الحصر، وباب من قال ليس على المحصر بدل، من كتاب الحج، ومسلم في صحيحه: ... ٢/ ٩٠٣، ٩٠٤ كتاب الحج، حديث: ١٨٠ - ١٨٣.\n(^٣) موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي، مولى آل الزبير، أدرك ابن عمر وغيره، عن: الأعرج، ونافع مولى ابن عمر، وعنه: مالك، وأبي ضمرة أنس بن عياض، ثقة فقيه إمام في المغازي، مات سنة ١٤١ هـ.\n\n[الكاشف: ٢/ ٣٠٦، وتهذيب التهذيب: ١٠/ ٣٢١، والتقريب: ٩٨٣].","vol":"1","page":445},{"text":"عن نافع (^١) عن ابن عمر (^٢)، ومالك (^٣) عن ابن شهاب (^٤) عن سالم (^٥) عن أبيه: أن المحصر ... لا يحل حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، فإذا اضطر إلى شيء من لبس الثياب التي لابد له منها أو الدواء، صنع ذلك وافتدى (^٦).\n_________\n(^١) نافع مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور تقدم.\n(^٢) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٦١١ باب من اشترى هديه من الطريق وقلده من كتاب الحج عن إبراهيم بن المنذر حدثتا أبي ضمرة حدثنا موسى بن عفبة به.\n(^٣) مالك بن أنس إمام دار الهجرة رأس المفتين وكبير المتثبتين، تقدم.\n(^٤) محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الفقيه الحافظ المتقن، تقدم.\n(^٥) سالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب ثبت عابد فاضل، تقدم.\n(^٦) رواه مالك في الموطأ: ١/ ٢٩٢ كتاب الحج حديث: ١٠٠ بلفظ: المحصر بمرض لا يحل. وفي الموطأ برواية أبي مصعب الزهري: ١/ ٤٥٧ دون لفظة (مرض)، وكذلك في الموطأ برواية سويد بن سعيد: ٤٢٨، والشافعي في الأم: ٢/ ١٦٣، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٢/ ٢٥١، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٢٥، والبيهقي في سننه: ٥/ ٢١٩ باب من لم ير الإحلال بالإحصار بالمرض. كلهم من هذا الطريق دون لفظة ... (مرض).\n\nوقد روي بهذا السند بلفظ (من حبس دون البيت بمرض فإنه لا يحل حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة) رواه مالك في الموطأ: ١/ ٢٩٢ كتاب الحج حديث: ١٠٣، والشافعي في الأم: ١/ ١٦٣، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٢/ ٢٥٢، والبيهقي في سننه: ٥/ ٢١٩.","vol":"1","page":446},{"text":"وزاد موسى بن عقبة: فإن حبسه بلاء حتى يفوته الحج طاف إذا بلغ بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حلق أو قصر، ثم رجع حلالًا من حجه حتى يحج عامًا قابلًا ويهدي (^١).\n_________\n(^١) روى البيهقي في معرفة السنن والآثار: ٧/ ٤٩٣ بسنده عن الشافعي عن أنس بن عياض عن موسى بن عقبة عن نافع أن عبدالله بن عمر كان يقول: لا يحل محرم بحج ولا عمرة حبسه بلاء حتى يطوف بالبيت، إلا من حبسه عدو فإنه يحل حيث حبس، ومن حبس في عمرة ببلاء مكث على إحرامه حتى يطوف بالبيت العتيق، ثم يحل من عمرته، فإن منعه عدو في عمرته - قال أبو جعفر: يعني حل حيث حبسه - قال: ثم رجع حلالًا، ثم اعنمر بعد إذا أمن كما صنع رسول الله - ﷺ -، وإن حبسه بلاء حتى يفوته الحج طاف إذا بلغ البيت وبين الصفا والمروة، ثم حلق أو قصر، ثم رجع حلالًا من حجه، حتى يحج عامًا قابلًا، ويهدي، فإن لم يجد هديًا صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.\n\nورواه ابن عبدالبر في الاستذكار: ١٢/ ١٠٦ بسنده من طريق محمد بن عبدالحكم عن أنس بن عياض بنحوه.","vol":"1","page":447},{"text":"فهذا ابن عمر قد فرق بين العدو وبين المرض؛ لأنه قال في حديث موسى بن عقبة: وإن حبسه عدو حلق وحل (^١)، وقد روي في أمر العدو عن رسول الله - ﷺ -، والأسانيد عنه في ذلك أحاديث صحاح لا يدخلها وهن (^٢)، وقد روى حجاج الصواف (^٣) عن يحيى بن أبي كثير (^٤) عن عكرمة (^٥) عن الحجاج بن عمرو (^٦)\n_________\n(^١) انظر الأثر السابق.\n(^٢) لعله يشير إلى ما فعله الرسول - ﷺ - حين صُد عام الحديبية، وقد سبق ذكر ذلك عن ابن عمر ص: ٢٤٢.\n(^٣) حجاج بن أبي عثمان الصواف، أبو الصلت، ويقال: أبو عثمان، الكندي مولاهم البصري، واسم أبي عثمان: ميسرة، وقيل: سالم، عن: حميد بن هلال، ويحيى بن أبي كثير، وعنه: القطان، وهشيم، ثقة حافظ، مات سنة ١٤٣ هـ. [الكاشف: ١/ ٣١٣، وتهذيب التهذيب: ٢/ ١٨٨، والتقريب: ٢٢٤].\n(^٤) يحيى بن أبي كثير الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، روى عن أنس، وعكرمة، وعنه: حجاج بن أبي عثمان الصواف، وحرب بن شداد، ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل، مات سنة ١٢٩ هـ.\n[الكاشف: ٢/ ٣٧٣، وتهذيب التهذيب: ١١/ ٢٣٤، والتقريب: ١٠٦٥].\n(^٥) عكرمة مولى ابن عباس ثقة ثبت، تقدم.\n(^٦) الحجاج بن عمرو بن غزية الأنصاري المازني المدني، له صحبة، روى عن النبي - ﷺ - حديثين، روى عنه عكرمة حديث: من كسر أو عرج، شهد صفين مع علي - ﵁ -. [الاستيعاب: ١/ ٣٤٦، والإصابة: ١/ ٣١٣].\n\n* لوحة: ٢٦/ب.","vol":"1","page":448},{"text":"أن رسول الله - ﷺ - قال: من كسر أو عرج فقد حل * وعليه حجة أخرى. قال عكرمة: فذكرت ذلك لابن عباس ولأبي هريرة - ﵄ - فقالا: صدق (^١).\n_________\n(^١) رواه أبو داود في سننه: ٢/ ١٧٣ باب الإحصار من كتاب المناسك، والترمذي في سننه باب ما جاء في الذي يهل بالحج ثم يكسر أو يعرج من كتاب الحج، وقال: هذا حديث حسن، انظر تحفة الأحوذي: ٤/ ٨، والنسائي في سننه: ٥/ ٢١٨ باب فيمن أحصر بعدو كتاب المناسك، وابن ماجة في سننه: ٢/ ١٩٤ باب المحصر من أبواب المناسك، وأحمد في مسنده: ٣/ ٤٥٠، والدارمي في سننه: ٢/ ٨٥ باب في المحصر بعدو، والدارقطني في سننه: ٢/ ٢٧٧ كتاب الحج حديث: ١٩١، والحاكم في المستدرك: ١/ ٦٥٧ المناسك، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي في سننه: ٥/ ٢٢٠ باب من رأى الإحلال بالإحصار بالمرض.\nوهذا حديث صحيح، وإن كان يحيى بن أبي كثير يدلس ويرسل فقد عده ابن حجر في المرتبة الثانية من الموصوفين بالتدليس الذين احتمل الأئمة تدليسهم. [تعريف أهل التقديس: ١٢٧]، وقد صرح بالتحديث عن عكرمة كما عند البيهقي والحاكم. قال الترمذي: وروى معمر ومعاوية بن سلام هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن عبدالله بن رافع عن الحجاج عن عمرو عن النبي - ﷺ - هذا الحديث، وحجاج ثقة حافظ عند أهل الحديث، وسمعت محمدًا - يقصد البخاري - يقول: رواية معمر ومعاوية بن سلام أصح. [تحفة الأحوذي: ٤/ ١٠].\nوقال ابن حجر: فإنه إن كان عكرمة سمعه من الحجاج بن عمرو فذاك، وإلا فالواسطة بينهما - وهو عبدالله بن رافع - ثقة، وإن كان البخاري لم يخرج له. [فتح الباري: ٤/ ١١].\n\nوقال النووي: رواه أبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي بأسانيد صحيحة [المجموع: ٨/ ٣٠٢].","vol":"1","page":449},{"text":"وهذا من أسانيد الشيوخ، وقد يحتمل مع ذلك أن يكون المعنى: ففاته الحج أن له أن يتحلل بعمرة وعليه الحج من قابل (^١). وأحاديث الثقات تضعف هذا الحديث، فمن ذلك ما رواه سليمان بن حرب (^٢) عن حماد بن زيد (^٣) عن أيوب (^٤) عن عكرمة أنه قال في المحصر: يبعث بالهدي فإذا بلغ الهدي محله حل وعليه الحج من قابل، وقال: رضي الله بالقصاص بين عباده، ويأخذ منهم العدوان، عليه حج مكان حج، وإحرام مكان إحرام (^٥). فدل حديث أيوب على أن عكرمة قال هذا برأيه، وأنه لو كان عنده عن النبي - ﷺ - في ذلك حكم لما احتاج أن يحتج بما احتج به (^٦).\n_________\n(^١) قد ذكر أهل العلم وجوهًا أخرى في معنى هذا الحديث، انظر تأويل مختلف الحديث: ٢٢٠، وسنن البيهقي: ٥/ ٢٢٠، والاستذكار: ١٢/ ٩٧.\n(^٢) سليمان بن حرب الأزدي ثقة إمام حافظ، تقدم.\n(^٣) حماد بن زيد بن درهم ثقة ثبت فقيه، تقدم.\n(^٤) ايوب السختياني ثقة ثبت حجة، تقدم.\n(^٥) ذكره الجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٣٦٩ عن حماد به، وقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٥٨ باب في الرجل يهل بالحج فيحصر ما عليه؟، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٩٨، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٢٩ من طريق عكرمة قال: قال ابن عباس: رضي الله بالقصاص من عباده، ويأخذ منكم العدوان، حجة بحجة، وعمرة بعمرة.\n(^٦) سبق بيان صحة هذا الحديث، بل قد ذكر المؤلف أن هذا الحديث من أسانيد الشيوخ، فكيف يقال: إن عكرمة قال هذا الحديث من رأيه، وقد أورد هذا الاعتراض، وأجاب عنه الجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٣٦٩ حيث قال: فزعم هذا القائل أنه لو كان عند عكرمة هذا الحديث لما كان قال: (يبعث الهدي) ولقال: (يحل) كما روي في الخبر، وهذا القائل إنما غلط حين ظن أن المعنى في قوله: (حل) وقوع الإحلال بنفس الإحصار، وليس هو كما ظن، وإنما معناه: أنه جاز له أن يحل.","vol":"1","page":450},{"text":"وقال علي بن المديني (^١): نا سفيان (^٢) عن عمرو بن دينار (^٣) أن ابن عباس - ﵁ - قال:\nلاحصر إلا حصر العدو (^٤)، وقال ابن طاوس (^٥) عن أبيه (^٦) عن ابن عباس مثل ... ذلك (^٧). فتبين ماروى الثقات عن ابن عباس في هذا الباب خلاف رواية حجاج الصواف، وإنما يفعل من أحصر ما يفعل من فاته الحج، والذي يذهب إليه مالك: المحصر بالمر ض بمنزلة من فاته الحج يقيمان على إحرامهما حتى يأتيا البيت ويتحللا بعمرة ويكون عليهما الحج من قابل، والهدي (^٨). على ماروي عن ابن عمر (^٩) وغيره في ذلك (^١٠)، وعلى ماروي عن عمر فيمن فاته الحج (^١١)، وقد قال عبد الله بن الزبير (^١٢):\n_________\n(^١) علي بن عبدالله المديني ثقة ثبت إمام، تقدم.\n(^٢) سفيان بن عيينة ثقة حافظ فقيه، تقدم.\n(^٣) عمرو بن دينار المكي ثقة ثبت، تقدم.\n(^٤) سبق تخريجه ص: ٢٤٠.\n(^٥) عبدالله بن طاوس، عن: أبيه، وعكرمة، وعنه: معمر، والسفيانان، ثقة فاضل عابد، مات سنة ... ١٣٢ هـ. ... [الكاشف: ١/ ٥٦٣، والتقريب: ٥١٦].\n(^٦) طاوس بن كيسان، ثقة فقيه فاضل، تقدم.\n(^٧) سبق تخريجه ص: ٢٤٢.\n(^٨) انظر الموطأ: ١/ ٢٩٢، والنوادر والزيادات:: ٢/ ٤٢٨.\n(^٩) سبق تخريجه ص: ٢٤٣.\n(^١٠) كابن عباس وعائشة، انظر المغني: ٥/ ٢٠٣، والاستذكار: ١٢/ ٩٦.\n(^١١) رواه مالك في الموطأ: ١/ ٢٩٢، ٣٠٨ كتاب الحج، والشافعي في الأم: ٢/ ١٦٦، والبيهقي في سننه: ... ٥/ ١٧٥ باب ما يفعل من فاته الحج.\n(^١٢) عبدالله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، ولد عام الهجرة، يكنى: أبا بكر، وقيل: أبو خبيب، حفظ عن النبي - ﷺ - وهو صغير وحدث عنه، بويع بالخلافة سنة ٦٤ هـ، ومات شهيدًا في حصر الحجاج له بالبيت العتيق سنة ٧٣ هـ. [الاستيعاب: ٢/ ٣٠٠، والإصابة: ٢/ ٣١١].\n\n* لوحة: ٢٧/أ.","vol":"1","page":451},{"text":"يا أيها الناس التمتع ليس بالذي * تصنعون يتمتع أحدكم بالعمرة قبل الحج، ولكن الحاج إذا فاته الحج، أو ضلت رواحله، أو كسر حتى يفوته الحج فإنه يجعلها عمرة، ويحج من قابل، وعليه ما استيسر من الهدي (^١) (^٢).\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٥٨ الرجل يهل بالحج فيحصر ما عليه؟، وابن جرير في تفسيره: ... ٢/ ٢٤٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٢/ ١٥٦، وفي أحكام القرآن: ٢/ ٢٧٠، وابن حزم في المحلى: ... ٧/ ١٥٨.\n(^٢) معنى الإحصار لغة: ذهب أكثر علماء العربية إلى أن الإحصار هو ما كان عن مرض ونحوه، وأن ما كان من عدو فهو محصر، وعكس البعض، ودهب آخرون إلى أنه لا فرق بينهما، قال ابن فارس: والكلام في حصره وأحصره مشتبه عندي غاية الاشتباه؛ لأن ناسًا يجمعون بينهما، وآخرون يفرقون، وليس فرقُ من فرقَ بين ذلك، ولا جمع من جمع ناقضًا القياس الذي ذكرناه، بل الأمر كله دال على الحبس.\n[انظر في ذلك: معاني القرآن للفراء: ١/ ١١٧، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٦٧، ومقاييس اللغة: ٢٥٠، والمحرر الوجيز: ٢/ ١٠٩، والدر المصون: ٢/ ٣١٣].\nوأما المراد بالإحصار في هذه الآية، فقد اختلف أهل العلم فيه أيضًا، وقبل ذكر خلافهم يجب أن يعلم أن المحصر بعدو يحل حيث أحصر وينحر هديه كما في هذه الآية، وكما فعل رسول الله - ﷺ - يوم حصر هو وأصحابه عام الحديبية، قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن المحرم إذا حصره عدو من المشركين أو غيرهم، فمنعوه من الوصول إلى البيت، ولم يجد طريقًا آمنًا، فله التحلل. [المغني: ٥/ ١٩٤].\nوإنما وقع الخلاف في المحصر بغير المرض بماذا يكون تحلله.\n\nالقول الأول: أن المراد به في هذه الآية حصر العدو خاصة دون المرض ونحوه، وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وبه قال مالك، والشافعي، وإسحاق، والمشهور من مذهب أحمد، فعلى هذا القول: من تعذر عليه الوصول إلى البيت بغير حصر العدو، من مرض، أو عرج، أو ذهاب نفقة ونحوه، فإنه لا يجوز له التحلل بذلك، بل ينتظر حتى يبرأ، ثم يتحلل بعمرة.\nالقول الثاني: أن المحصر من يصير ممنوعًا من مكة بعد الإحرام بمرض، أو عدو، أو غير ذلك، وهو مروي عن ابن مسعود، وقول عطاء، والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي، وأبي ثور، ورجحه ابن جرير، وعلى هذا القول فمن أحصر بمرض، أو عدو، أو غيره فإنه يبعث بدم، ويحل به إذا نحر في الحرم.\n[انظر في هذه المسألة: الأم: ٢/ ١٥٨ - ١٦٣، تفسير ابن جرير: ٢/ ٢١٢، والجصاص في أحكام القرآن: ... ١/ ٣٦٨، والاستذكار: ١٢/ ٩٦، والمغني: ٥/ ٢٠٣، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٧٢، وأضواء البيان: ١/ ١٨٦].\nولعل الراجح - إن شاء الله - هو قول من قال: إن الإحصار يكون بالعدو وبغيره، وأن الإنسان إذا أحصر بعدو أو غيره، وكان اشترط فليحل ولا شيء عليه، وإن لم يكن اشترط فإنه يحل وعليه دم؛ لأن الآية مطلقة، وإن كان سبب نزولها في حصر الرسول - ﷺ - وأصحابه عام الحديبية، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالعلة في جواز التحلل بحصر العدو هي: عدم القدرة على إتمام النسك، وهذا حاصل بالحصر بغير العدو.","vol":"1","page":452},{"text":"قال القاضي: فقد جاء الاختلاف في الحاج يحصر على ما وصفنا، وقد قال الله ﷿: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (^١) فلولا أنا قد علمنا أن هذه الفدية لكل محرم أصابه أذى من رأسه لكان الظاهر يدل على أن هذا إنما أنزل في المحصر خاصة، وكذلك: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (^٢) استعملها الناس في كل محرم ساق الهدي، وأنه لا ينبغي أن يحلق حتى ينحر هديه، وهذا النحو يأتي في القرآن كثير يذكر القصة ثم يذكر بعدها أمور أخرى ثم يعاد إلى القصة الأول (^٣)، قال الله ﷿: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ (^٤) ثم ذكر بعد هذا القسم قصة أصحاب الأخدود، ثم قال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ (^٥). وقال: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ (^٦) إلى قوله: ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ (^٧) ثم ذكر بعد ذلك ما ذكرتم (^٨)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: الأولى.\n(^٤) [سورة البروج: الآيات ١ - ٣]\n(^٥) [سورة البروج: الآية ١٢]\n(^٦) [سورة الفجر: الآيتان ١ - ٢]\n(^٧) [سورة الفجر: الآية ٥]\n(^٨) كذا في الأصل، ولعل الصواب: ثم ذكر بعد ذلك ما ذكر ..","vol":"1","page":453},{"text":"ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (^١) هذا هو القسم (^٢).\nوقال: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (^٣) فعلم أنه عما (^٤)\n_________\n(^١) [سورة الفجر: الآية ١٤]\n(^٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: هذا هو جواب القسم، قال العكبري: جواب القسم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾، وقد رجح الشوكاني أن الجواب محذوف لدلالة السياق عليه: أي ليجازين كل أحد بعمله، وأن هذه الجملة تعليل لما قبلها. [إملاء ما من به الرحمن: ٢/ ٢٨٦، فتح القدير: ٥/ ٥٠٥، ٥١٠].\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٨٣]\n(^٤) كذا في الأصل، ولعل الصواب: عنا.\n\n* لوحة: ٢٧/ب.","vol":"1","page":454},{"text":"بقوله (إلا قليلًا) عطفًا على (لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلًا) *، ولولا فضل الله عليهم ورحمته لاتبعوا الشيطان كلهم (^١). فلما قيل: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (^٢) ثم ذكر بعد ذلك ما ذكر، ثم قيل: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْبَعْثِ﴾ (^٣) أعيد ذكر ذلك الهدي للتراخي وللكلام الذي وقع بين ذلك، وقال ابن عباس: المتعة للمحصر، ولمن خليت سبيله (^٤). وكان ابن الزبير يقول: هي للمحصر وليست لمن خليت سبيله (^٥).\n_________\n(^١) انظر الخلاف في القليل الذين استثناهم الله في هذه الآية في تفسير ابن جرير: ٥/ ١٨٣ - ١٨٥، والنكت والعيون: ١/ ٥١١.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٤) تفسير ابن جرير: ٢/ ٢٤٤، ٢٤٥، وتفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٤١.\n(^٥) انظر المرجعين السابقين.","vol":"1","page":455},{"text":"قال إسماعيل: ولولا أن الأحاديث التي وصفناها إنما فيها هدي واحد إذا مضى من وجهه فاعتمر، وإذا فاته الحج، لكان الظاهر في القرآن يدل على هديين، هدي للفوات وهدي للتحلل، ولكن لما جاءت الأحاديث (^١) وكان جائزًا فى الكلام، وما يدل عليه النظر كان القول به أولى، وقد كان مالك - ﵁ - يقول: إذا أقام المحصر على إحرامه إلى السنة الأخرى ولم يتحلل لم يجب عليه هدي، وإنما التحلل بالعمرة أوجب عليه الهدي؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْبَعْثِ﴾ (^٢) فمن تخير كان الظاهر أنه إن شاء تمتع، وإن شاء لم يفعل؛ إذ التحلل رحمة من الله لعباده ورفقًا بهم، فمن صبر على الشدة ولم يختر الرخصة فلا هدي عليه (^٣). وقال ابن مسعود وعلقمة: إنه إن شاء أقام على إحرامه (^٤)، فهو مخير، والاستحباب له التحلل وأن يدخل في رحمة الله ولا يشدد على نفسه.\nقال القاضي: والذي يشبه قول مالك ويزكو به أن يكون قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ (^٥)\n_________\n(^١) يشير إلى ما أثر عن ابن عمر في المحصر، وقد سبق تخريجه ص: ٢٤٢.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٣) انظر مذهب مالك في ذلك: المدونة: ١/ ٤٩١، والاستذكار: ١٢/ ٣٠٢، وتفسير القرطبي: ٢/ ٣٧٤.\n(^٤) ذكرالجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٣٨٩ عن ابن مسعود وعلقمة نحوه، قال ابن حزم في المحلى: ٧/ ٢٠٤: روينا عن ابن مسعود: أنه أفتى في محرم بحج مرض فلم يقدر على النهوض: أنه يبعث بهدي، فإذا بلغ محله حل، فإن اعتمر من وجهه ذلك إذا برأ، ثم حج من قابل فليس عليه هدي، فإن لم يزر البيت حتى يحج ويجعلهما سفرًا واحدًا فعليه هدي آخر: سفران وهدي أو هديان وسفر - وهذا عنه منقطع لا يصح.\n(^٥) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n\n* لوحة ٢٨/أ.","vol":"1","page":456},{"text":"للناس كلهم على ما روي * عن ابن عباس - ﵁ - (^١): أنه عنى بهذا من ابتدأ عمرة فتمتع بها إلى الحج من غير أن يكون أحصر، ويكون الهدي الأول للمحصر خاصة إذا حل بعمرة ثم حجّ، والله أعلم بما أراد من ذلك (^٢).\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: ٢٤٩.\n(^٢) حاول المؤلف - ﵀ - أن يرجح غير ما ذهب إليه الإمام مالك، ولكن بنوع من الأدب، حيث لم يجزم بأنه مذهب مالك، بل جعل هذا القول هو الذي يزكو أن يكون من كلامه.\nوهذا مارجحه ابن رشد حيث قال: وكل من تأول قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ أنه خطاب للمحصر، وجب عليه أن يعتقد على ظاهر الآية أن عليه هديين هديًا لحلقه عند التحلل قبل نحره في حجة القضاء، وهديًا لتمتعه بالعمرة إلى الحج، وإن حل في أشهر الحج من العمرة وجب عليه هدي ثالث وهو هدي التمتع الذي هو أحد أنواع نسك الحج.\n\nوأما مالك ﵀ فكان يتأول لمكان هذا: أن المحصر إنما عليه هدي واحد، وكان يقول: إن الهدي الذي في قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ هو بعينه الهدي الذي في قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وفيه بعد في التأويل، والأظهر أن قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ أنه في غير المحصر، بل هو في التمتع الحقيقي فكأنه قال: فإذا لم تكونوا خائفين لكن تمتعتم بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي، ويدل على هذا التأويل قوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ والمحصر يستوي فيه حاضر المسجد الحرام وغيره بإجماع. [بداية المجتهد: ١/ ٤٣٧].","vol":"1","page":457},{"text":"قال الله ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (^١)\nأنا إسماعيل (^٢) قال: نا سليمان بن حرب (^٣) قال: نا حماد بن زيد (^٤) عن أيوب (^٥) عن مجاهد (^٦) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (^٧) عن كعب بن عجرة (^٨) قال: أتى علي النبي - ﷺ - زمن الحديببية، وأنا أوقد برمة (^٩)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٢) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق، تقدم.\n(^٣) سليمان بن حرب الأزدي ثقة إمام حافظ، تقدم.\n(^٤) حماد بن زيد بن درهم ثقة ثبت فقيه، تقدم.\n(^٥) أيوب السختياني ثقة ثبت حجة، تقدم.\n(^٦) مجاهد بن جبر ثقة إمام في التفسير والعلم، تقدم.\n(^٧) عبدالرحمن بن أبي ليلى، واسمه: يسار، ويقال: بلال، الأنصاري عالم الكوفة، أبو عيسى الكوفي، عن: أبيه، وعمر، وكعب بن عجرة، وعنه: مجاهد، والمنهال بن عمرو، ثقة، مات سنة ٨٣ هـ.\n[الكاشف: ١/ ٦٤١، وتهذيب التهذيب: ٦/ ٢٣٣، والتقريب: ٥٩٧].\n(^٨) كعب بن عجرة بن أمية بن عدي بن عبيد بن الحارث البلوي، حليف الأنصار، أبو محمد، وقيل: ... أبو إسحاق، روى عن النبي - ﷺ - أحاديث، شهد عمرة الحديبية، وفيه نزلت قصة الفدية، مات بالمدينة سنة إحدى، وقيل: ثنتين، وقيل: ثلاث وخمسين. [الاستيعاب: ٣/ ٢٩١، والإصابة: ٣/ ٢٩٧].\n(^٩) البُرْمَةُ: القدر مطلقًا، وجمعها برم، وهي في الأصل: المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن.\n\n[النهاية في غريب الحديث: ١/ ١٢١].","vol":"1","page":458},{"text":"لي، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: أيؤذيك هوام (^١) رأسك؟ قلت: نعم، قال: احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة (^٢). قال أيوب: لاندري بأيه بدأ (^٣).\nوطرق هذا الحديث كثيرة (^٤).\nوأما أين تكون النسيكة فقد اختلف فيه، قال إسماعيل (^٥): نا علي بن المديني (^٦) ... قال: نا سفيان (^٧) قال: قصه علينا يحيى بن سعيد (^٨)،\n_________\n(^١) قال ابن الأثير: قد يقع الهوام على ما يدب من الحيوان، وإن لم يقتل كالحشرات، ومنه حديث كعب بن عجرة: أتؤذيك هوام رأسك؟ أراد القمل. ... [النهاية في غريب الحديث: ٥/ ٢٧٤].\n(^٢) النسيكة هي: الذبيحة، وجمعها نسك. ... [المرجع السابق: ٥/ ٤٧].\n(^٣) رواه البخاري في صحيحه: ٤/ ١٥٣٤ كتاب المغازي باب غزوة الحديبية عن سليمان بن حرب بمثله، و... ٥/ ٢١٥٧ كتاب الطب باب الحلق من الأذى عن حماد به، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٨٥٩ كتاب الحج حديث: ٨٠ عن حماد به.\n(^٤) طرق هذا الحديث كثيرة، وألفاظه مختلفة، وقد أتى على جملة منها الطحاوي في أحكام القرآن: ... ٢/ ٢٥٦ - ٢٦٥، وهذا الحديث روي من طريق عبدالرحمن بن أبي ليلى من خمس طرق عنه، فرواه مجاهد، وله عن مجاهد ثلاثة عشر طريقًا، ومن طريق أبي قلابة، ومن طريق الحكم بن عتبة، ومن طريق ربيعة بن أبي عبدالرحمن، ومن طريق عطاء الخرساني.\nوقد ذكر جميع طرق هذا الحديث وخرجها الدكتور / سعد آل حميد، محقق سنن سعيد بن منصور، فليرجع إليه: ٢/ ٧٢٤ - ٧٣٨.\n(^٥) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق، تقدم.\n(^٦) علي بن عبدالله المديني ثقة ثبت إمام، تقدم.\n(^٧) سفيان بن عيينة ثقة حافظ فقيه، تقدم.\n(^٨) يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري النجاري، أبو سعيد المدني القاضي، عن: أنس بن مالك، وعمرة بنت عبدالرحمن، وعنه: مالك، والسفيانان، وهشيم، ثقة ثبت، مات سنة ١٤٣ هـ.\n\n[الكاشف: ٢/ ٣٦٦، وتهذيب التهذيب: ١١/ ١٩٣، والتقريب: ١٠٥٦]","vol":"1","page":459},{"text":"وهو أول شيء حفظناه من ... يحيى، قال: سمعت يعقوب بن خالد بن المسيب (^١) يقول: حدثنا أبو أسماء (^٢) مولى ... عبد الله بن جعفر (^٣) قال: خرج عثمان معتمرًا، وخرج معه حسين بن علي (^٤)، فلما\nكان بالعرج (^٥)\n_________\n(^١) يعقوب بن خالد بن المسيب المخزومي، عن إسماعيل بن إبراهيم، وأبي أسماء مولى عبدالله بن جعفر، وعنه: يحيى بن سعيد، وعمرو بن أبي عمرو، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يروي المقاطيع.\n[الثقات: ٧/ ٦٤٢، وتعجيل المنفعة: ٤٥٦].\n(^٢) أبو أسماء، مولى عبدالله بن جعفر، عن: علي، وعثمان، وعنه: زيد بن الحباب، ويعقوب بن خالد، ذكره ابن حبان في الثقات. ... [الثقات: ٥/ ٥٧٥، وتعجيل المنفعة: ٤٦٣].\n(^٣) عبدالله بن جعفر بن أبي طالب بن عبدالمطلب، أبو جعفر، ولد بأرض الحبشة، وهو أول مولد بها من المسلمين، حفظ عن النبي - ﷺ - وروى عنه، وعن أبي بكر، وعثمان، وعمه علي بن أبي طالب، مات سنة ... ٨٠ هـ، وقيل غير ذلك. ... [الاستيعاب: ٢/ ٢٧٥، والإصابة: ٢/ ٢٨٩].\n(^٤) الحسين بن علي بن أبي طالب، أمه فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، سبط رسول الله وريحانته، ولد سنة أربع، وقيل: ست، حفظ عن النبي - ﷺ - وروى عنه، وعن أبيه، وعمر، شهد مع أبيه الجمل، ثم صفين، ثم قتال الخوارج، استشهد يوم عاشوراء، سنة إحدى وستين. [الاستيعاب: ١/ ٣٧٨، والإصابة: ١/ ٣٣٢].\n(^٥) العرج: بفتح أوله، وإسكان ثانيه، بعده جيم: قرية جامعة على طريق مكة من المدينة.\n\n[معجم ما استعجم: ٣/ ٩٣٠، ومعجم البلدان: ٤/ ٩٩].","vol":"1","page":460},{"text":"اشتكى حسين، فلما نزلوا السقيا (^١) اشتد به المرض فمضى عثمان وهو بالسقيا، وجاء عبدالله بن جعفر فأصبح بالمقيل الذي كانوا فيه، وإذا حسين مضطجعًا وناقته قائمة على زمامها، فقال له عبد الله: أيها النّوُمُ (^٢)، وإذ الرجل مثبتًا وجعًا (^٣)، فنزل وأرسل إلى علي فجاء، وجاء معه بامرأته أسماء بنت عميس (^٤)\n_________\n(^١) السقيا: بضم أوله، وإسكان ثانيه: قرية جامعة في طريق مكة، بينها وبين المدينة، ومن العرج إلى السقيا سبعة عشر ميلًا، ومن السقيا إلى الأبواء تسعة عشر ميلًا، ومن الأبواء إلى الجحفة ثلاثة وعشرين ميلًا.\n[معجم ما استعجم: ٣/ ٤٧٢، ٩٥٤، ومعجم البلدان: ٣/ ٢٢٨].\n(^٢) كذا ضبطها المؤلف، وفي اللسان: ١٢/ ٥٩٦: النَوْمُ، وفي النهاية: ٥/ ١٣٠: النّوْمُ، وعند ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٣٩: النائم، وكذلك في تفسيره بتحقيق محمود شاكر: ٤/ ٨٠ وفي تفسير ابن جرير بتحقيق التركي: ٣/ ٤٠٢: النّئُومُ.\nوهو كثير النوم، قال ابن منظور: أراد أيها النائم، فوضع المصدر موضعه، كما يقال: رجل صَوْمٌ، أي: صائم. ... [لسان العرب: ١٢/ ٥٩٦].\n(^٣) كذا في الأصل، وفي النهاية: ٥/ ١٣٠، واللسان: ١٢/ ٥٩٦: فإذا هو مُثْبَتٌ وجعًا. قال ابن منظور: وأثبت فلان فهو مثبت: إذا اشتدت به علته، أو أثبتته جراحه فلم يتحرك. [اللسان: ٢/ ٢٠].\n(^٤) أسماء بنت عميس بن معد - بوزن سعد - بن الحارث بت تميم الخثعمية، أخت ميمونة بنت الحارث زوج رسول الله - ﷺ - لأمها، من المهاجرات إلى أرض الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، ولما قتل جعفر تزوجها أبو بكر، فولدت له محمدًا، ثم تزوجها علي بن أبي طالب - ﵃ جميعًا.\n[الاستيعاب: ٤/ ٢٣٤، والإصابة: ٤/ ٢٣١].\n\n* لوحة: ٢٨/ب.","vol":"1","page":461},{"text":"فمرضوه عشرين ليلة، قال: ثم خُبر * علي أنه يشير إلى رأسه، فأمر برأسه فحلق، ونحر جزورًا (^١) (^٢)، قيل لسفيان فيه: وقسمها في الماء قال: فأين يقسمها إذا نحرها؟ ثم قال سفيان: نا عمرو بن ... دينار (^٣) عن يحيى بن سعيد (^٤)، ورواه أبو خالد الأحمر (^٥) عن يحيى بن سعيد بإسناده، وقال فيه: فأمر بجزور فتصدق بها على أهل الماء وحلقه (^٦).\n_________\n(^١) الجزور: اسم لما ينحر من الإبل خاصة، وأصل الجزر القطع. [طلبة الطلبة: ٣٦].\n(^٢) رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار: ٢/ ٢٤٢ من طريق سفيان بنحوه مختصرًا، وذكر أنه الحسن، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٣٩ من طريق هشيم عن يحيى بن سعيد بمثله، وفيه: حج عثمان ومعه علي والحسين، ومن طريق يزيد عن يحيى بن سعيد، ومن طريق ابن جريج عن يحيى مختصرًا، وذكره ابن قدامة في المغني: ٥/ ٤٥٠ وعزاه إلى الأثرم وأبي إسحاق الجوزجاني.\n(^٣) عمرو بن دينار المكي ثقة ثبت، تقدم.\n(^٤) لم أقف عليه من هذا الطريق.\n(^٥) سليمان بن حيان الأزدي، أبو خالد الأحمر الكوفي، عن: عاصم الأحول، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعنه: أحمد، وإسحاق، صدوق يخطيء، مات سنة ١٨٩ هـ. [الكاشف: ١/ ٤٥٨، والتقريب: ٤٠٦].\n(^٦) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٧٩ في المحرم تجب عليه الكفارة أين تكون؟ عن أبي خالد الأحمر به.","vol":"1","page":462},{"text":"وحدثناه أحمد بن موسى (^١) قال: نا القعنبي (^٢) عن مالك عن يحيى بن سعيد عن يعقوب بن خالد عن أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر: أنه خرج مع عبد الله بن جعفر من المدينة فمروا على حسين بن علي وهو مريض بالسقيا، فأقام عليه عبد الله بن جعفر حتى إذا خاف الفوات خرج، وبعث إلى علي بن أبي طالب وأسماء بنت عميس وهما بالمدينة، فقدما عليه، ثم إن حسينًا أشار إلى رأسه فأمر علي برأسه فحلق بالسقيا، ونسك عنه فنحر بعيرًا، قال يحيى: وكان حسين خرج مع عثمان بن عفان في سفره ذلك (^٣). والروايات فى هذا كثيرة (^٤)، ولم يأت في هذا شيء أعلى ولا أبين من أمر الحسين ... وما فعله علي في أمره؛ لأنه حلق رأس الحسين وهو محرم، ونسك عنه نسيكة في موضعه، فجاء فعل لا يمكن التأويل فيه (^٥)؛ إذ كان عامة الأحاديث من قول عطاء (^٦)،\n_________\n(^١) أحمد بن موسى السامي، تقدم.\n(^٢) عبدالله بن مسلمة القعنبي ثقة عابد، تقدم.\n(^٣) رواه مالك في الموطأ: ١/ ٣١١ كتاب الحج، حديث: ١٦٥، والبيهقي في سننه: ٥/ ٢١٨ باب المحصر يذبح ويحل حيث أحصر، من طريقه عن مالك به.\n(^٤) انظر المراجع السابقة.\n(^٥) قال ابن عبدالبر: ذكر إسماعيل القاضي حديث علي حين حلق رأس حسين ابنه بالسقيا، ونسك عنه في موضعه، من حديث مالك وغيره عن يحيى بن سعيد، ثم قال: هذا أبين ما جاء في هذا الباب وأصحه، وفيه جواز الذبح في فدية الأذى بغير مكة. [التمهيد: ٢/ ٢٤١].\n(^٦) روى ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٧٩ في المحرم تجب عليه الكفارة أين تكون؟ عن أبي معاوية عن عطاء قال: ماكان من دم فبمكة، وما كان من صيام أو صدقة فحيث شاء، ورواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٤٠ من طريق يعقوب بن إبراهيم عن هشيم عن حجاج وعبدالملك عن عطاء ..","vol":"1","page":463},{"text":"وطاوس (^١)، وغيرهم (^٢) يحتمل التأويل؛ لأنهم ربما أرادوا الدم من الجزاء للصيد، فيتوهم السامع أنهم أرادوا نسيكة الأذى، مع أن أسانيدها ضعاف مضطربة (^٣)، وليس على نسيكة هدي (^٤) فما كان هديًا فحكمه البلاغ، ومن النسائك الأضاحي (^٥)، ... والعقيقة (^٦)،\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٧٩ في المحرم تجب عليه الكفارة أين تكون؟ عن جرير عن ليث عن طاوس قال: ما كان من دم فبمكة، أو صدقة أو جزاء صيد، والصوم حيث شاء، ورواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٣٩ عن يعقوب عن هشيم عن ليث عن طاوس.\n(^٢) روي هذا القول أيضًا عن: الحسن، ومجاهد، انظر المرجعين السابقين.\n(^٣) لعله يشير بقوله: مضطربة إلى: ما سبق ذكره عن عطاء من أن الدم يكون بمكة، والصيام والصدقة حيث شاء، وقد روي عنه خلاف ذلك كما رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٣٩ أنه قال: الصدقة والنسك في الفدية بمكة، والصيام حيث شئت. فذكر أولًا أن الذي يكون بمكة هو الدم فقط، ثم في الرواية الأخرى: أن الصدقة والنسك يكونان بمكة.\n(^٤) كذا في الأصل، ولعل الصواب: وليس كل نسيكة هدي. بدلالة ما بعده من التفريق بين النسك والهدي.\n(^٥) الأضاحي: جمع مفرده أضحية، يقال: ضحى تضحية إذا ذبح الأضحية وقت الضحى، هذا أصله، ثم كثر حتى قيل: ضحى في أي وقت كان من أيام التشريق. [المصباح المنير: ٣٦٠].\n(^٦) العقيقة: هي الذبيحة التي تذبح عن المولود، وأصل العق الشق والقطع، وسميت الذبيحة بهذا لأنها يشق حلقها. ... [النهاية في غريب الحديث: ٣/ ٢٧٦، والمصباح المنير: ٤٢٣].\n\n* لوحة: ٢٩/أ.","vol":"1","page":464},{"text":"وفدية الأذى، فكل هذه ليست بهدي، ويجوز في كل مكان من مكة وغيرها *؛ لأنها حيث كانت فهي نسيكة، ومن قال: لا يكون إلا بمكة توهم أنها بمنزلة الهدي، وليس مجراها مجرى الهدي قال الله ﷿: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (^١) وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (^٢) فشرط في الهدي أن يبلغ محله، وأطلق ماسواه من الصيام والصدقة والنسك، وقال ﵎: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (^٣) ولم يقل في النسك شيئا من ذلك وكل شيء يهدى فإنما يهدى من موضع إلى موضع، والنسك يكون في كل موضع، الأضاحي (^٤) في كل بلد وهي نسك، قال الله ﷿: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٥) وقال عكرمة (^٦)، وقتادة (^٧)، ومجاهد (^٨)، وابن جبير (^٩)\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٩٥]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٣) [سورة الفتح: الآية ٢٥]\n(^٤) كذا في الأصل، ولعل الصواب: والأضاحي.\n(^٥) [سورة الأنعام: الآية ١٦٢]\n(^٦) ذكره الجصاص في أحكام القرآن: ٣/ ٢٦٤، والسيوطي في الدر المنثور: ٤/ ٣٦٩ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(^٧) روى عبدالرزاق في تفسيره: ٣/ ٤١، وابن جرير في تفسيره: ١٧/ ١٩٨ عن قتادة: ذبحًا وحجًا.\n(^٨) روى ابن جرير في تفسيره: ١٧/ ١٩٨ عن مجاهد: إراقة الدم بمكة، وروى عنه أيضًا: إهراق دماء الهدي، وذكر السيوطي في الدر: ٤/ ٣٦٩ وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(^٩) لم أقف عليه ..","vol":"1","page":465},{"text":"﴿مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ (^١): ذبحًا هم ذابحوه، وقال الله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (^٢) وقال النبي - ﷺ -: من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فليفعل (^٣).\n_________\n(^١) [سورة الحج: الآية ٦٧]\n(^٢) [سورة الحج: الآية ٣٤]\n(^٣) رواه أبوداود في سننه: ٣/ ١٠٧ كتاب الأضاحي باب في العقيقة، والنسائي في سننه: ٧/ ١٨٣ كتاب العقيقة، والحاكم في المستدرك: ٤/ ٢٦٥ كتاب الذبائح، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في سننه: ٩/ ٣٠٠ باب ما يستدل به على أن العقيقة على الاختيار لا على الوجوب من كتاب الضحايا، كلهم من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.\nورواه مالك في الموطأ: ٢/ ٣٩٩ كتاب العقيقة حديث: ١، من طريق زيد بن أسلم.","vol":"1","page":466},{"text":"ومن سمى الحج بالمناسك فإنما ذلك لظهور الذبح فيه، وقد يكون الشيء يعمل فيه أعمالًا فيسمى ببعضها، فأما أهل المدينة فلا يسمونه إلا الحج، ولا يقولون كتب المناسك؛ لأن المعروف في اللغة أن النسك الذبح، وذلك معروف في كلام العرب، ويمكن أن يكون المنسك مصدرًا للنسك، ويمكن أن يكون موضعًا للذي ينسك فيه (^١)، وقد سمى الله هذه الفدية في كتابه فلم يخص شيئًا منها بموضع، وكذلك الرواية * عن رسول الله - ﷺ - فلا مذهب لأحد عن ظاهر كتاب الله ﷿، وعن سنة نبيه - ﷺ - (^٢).\n_________\n(^١) المناسك: جمع مَنْسك، بفتح السين وكسرها، وهو المتعبد، ويقع على المصدر، والزمان، والمكان، ثم سميت أمور الحج كلها مناسك. والمنسك: المذبح، والنُّسْك، والنُّسُك: الطاعة والعبادة، وكل ما تقرب به إلى الله تعالى، وما أمرت به الشريعة. [انظر النهاية في غريب الحديث: ٥/ ٤٨، وتفسير ابن جرير: ١٧/ ١٩٨، ولسان العرب: ١٠/ ٤٩٨].\n* لوحة: ٢٩/ب.\n(^٢) ذكر المؤلف هنا مسألة موضع فدية الأذى: وقد اتفق العلماء على أن الصوم غير مخصوص بموضع، بل له أن يصوم حيث شاء، وإنما اختلفوا في موضع الفدية من الدم والصدقة، فذهب الأحناف إلى أن الدم بمكة، والصيام والصدقة حيث شاء، وذهب مالك إلى أن ذلك كله حيث شاء، وذهب الشافعي إلى أن الطعام والهدي لا يكون إلا بمكة، والصيام حيث شاء، وذهب الحنابلة إلى أن فدية الأذى تجوز في الموضع الذي حلق فيه.\n[انظر المدونة: ١/ ٤١٢، والأم: ٢/ ٢١٨، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٣٨٦، وتفسير القرطبي: ٢/ ٣٨٥، والمغني: ٥/ ٤٥٠].\nولعل القول بأن هذه الأمور تفعل حيث شاء هو الأقرب للصواب؛ لأن الرسول - ﷺ - أمر كعب بن عجرة بالفدية بالحديبية، ولم يأمره ببعثها إلى الحرم، قال الشنقيطي: ولا خلاف بين أهل العلم أن صيام الفدية له أن يصومه حيث شاء، والأظهر عندي في النسك والصدقة أيضًا أن له أن يفعلهما حيث شاء؛ لأن فدية الأذى أشبه بالكفارة منها بالهدي، ولأن الله لم يذكر للفدية محلًا معينًا، ولم يذكره الرسول - ﷺ -، وسماها نسكًا، ولم يسمها هديًا.\n[أضواء البيان: ٥/ ٣٩٧].\nومع القول بالجواز في فعل هذه الأمور حيث شاء، فإن الأولى فعل هذه الأمور في مكان فعل المحظور، لما فيه من إبراء للذمة؛ ولأن الفورية تقتضي ذلك. ... [انظر تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٠٧].","vol":"1","page":467},{"text":"قال الله ﷿: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ (^١) اختلفت الروايات عن ابن عمر وابن مسعود وغيرهم، وكل الأحاديث التي رويت إنما هي في المرض (^٢)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٢) قال ابن عبدالبر: أما قول ابن عمر في المحصر بمرض إنه لا يحله إلا الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة فهو الذي عليه جمهور أهل الحجاز، وهو قول ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.\nوما أعلم لابن عمر مخالفًا من الصحابة في هذه المسألة إلا ابن مسعود فإنه قال في المحصر بمرض: إذا بعث بهدي وواعد صاحبه ثم يوم ينحره جاز له أن يحل، وهو بموضعه قبل أن يصل إلى البيت.\nوقد روي مثل ذلك عن زيد بن ثابت من طريق منقطع لا يحتج به.\n\n[الاستذكار: ١٢/ ٩٦].","vol":"1","page":468},{"text":"فقال بعضهم: يحل إذا بعث بالهدي، وقال بعضهم: لا يحل، وقال بعضهم: يحل من بعض الأشياء ولا يحل من بعضها، وقال بعضهم: يحل في الحج ولا يحل في العمرة؛ لأن الحج يفوت وقته والعمرة لا يفوت وقتها (^١)، ولم يختلفوا أن النبي - ﷺ - كان معتمرًا حين صده العدو، وأنه حل من عمرته، وليس يوجد في هذا شيء من الرواية أولى أن يتبع مما روي عن ابن عمر؛ لأنه فصل بين العدو وبين المرض، وذكرَ فعل النبي - ﷺ - حين صده المشركون، وأنه إن صد عن البيت فعل كما فعلوا مع النبي - ﷺ -، وأفتى المريض أن يكون على إحرامه حتى يطوف بالبيت (^٢). والأسانيد في ذلك أسانيد لا يدخلها وهن ولا خلل، وليست كغيرها، ولم يأت عن أحد من الصحابة سواه من ذ كر المرض وذكر العدو وما جاء عنه؛ لأن الأحاديث التي رويت عن عبد الله بن مسعود إنما هي كلها في المرض وليس فيها ذكر العدو (^٣)، والأحاديث التي رويت عن عمر إنما هي فيمن أخطأ العدة ففاته الحج، أو أضل رواحله ففاته الحج ولم يذكر في شيء منها أمر العدو (^٤)، والأحاديث التي رويت عن * ابن عباس (^٥) أكثرها تدل على مذهب ابن عمر، وليس فيها من التلخيص ما في أحاديث ابن عمر، فإذا كان هذا هكذا فليس رواية أولى بأن تتبع من الرواية عن ابن عمر، مع أنه إذا تدبر قول من يقول في الإحصار: إن العدو والمرض في ذلك سواء، وأنه يبعث بالهدي ويجعل بينه وبينه يوم أمار (^٦)\n_________\n(^١) سبق ذكر الخلاف في مسألة المراد بالإحصار في هذه الآية ص: ٢٤٧.\n(^٢) سبق تخريج هذه الآثار عن ابن عمر ص: ٢٤٢.\n(^٣) تخريجه في حاشية: ٧.\n(^٤) سبق تخريجه ص: ٢٤٦.\n* لوحة: ٣٠/أ.\n(^٥) سبق تخريجه ص: ٢٤٦.\n(^٦) أمار كذا في الأصل، وفي بعض طرق هذا الأثر أمارة، والأمار والأمارة: العلامة.\n\n[النهاية في غريب الحديث: ١/ ٦٧].","vol":"1","page":469},{"text":"إذا بلغ الهدي محله حل (^١)، عُلم أن هذا ... لا وجه له؛ لأن المحرم قد صده العدو عن النفود إلى موضع حله، فكيف يصدونه ويكون الذي يبعث معه الهدي غير مصدود؟ قال الله ﷿: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (^٢) فبين أنهم صدوه وحبسوا الهدي أن يبلغ محله، ثم حل - ﷺ - ونحر هديه في موضعه، ولقد غلُظ ذلك (^٣) على أصحابه أو على كثير منهم، ودخل قلوبهم منه ما دخل.\nقال إسماعيل (^٤): نا محمد بن عبيد بن حساب (^٥)\n_________\n(^١) روي عن ابن مسعود أنه أفتى رجلًا لدغ: بأن يبعث بهديه مع رجل آخر، ويجعل بينه وبينه يومًا يحل فيه، ثم عليه العمرة إذا برأ. رواه محمد بن الحسن في كتاب الحجة: ٢/ ١٨٧، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٥٩ في الرجل إذا أهل بعمرة فأحصر، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٢٢، والطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٢٤٦، وشرح معاني الآثار: ٢/ ٢٥١. قال ابن حجر: رواه ابن جرير بإسناد صحيح عنه. [فتح الباري: ٤/ ٥].\n(^٢) [سورة الفتح: الآية ٢٥]\n(^٣) غَلُظَ يغلظ غِلظًا: صار غليظًا، وأمر غليظ: شديد صعب. [لسان العرب: ٧/ ٤٤٩].\n(^٤) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق تقدم.\n(^٥) محمد بن عبيد بن حساب الغُبري، عن: محمد بن ثور الصنعاني، وحماد بن زيد، وعنه: مسلم، وأبوداود، وغيرهم، ثقة، مات سنة ٢٣٨ هـ.\n\n[الكاشف: ٢/ ١٩٨، وتهذيب التهذيب: ٩/ ٢٨٢، والتقريب: ٨٧٥].","vol":"1","page":470},{"text":"قال: نا محمد بن ثور (^١) عن معمر (^٢) عن الزهري (^٣) عن عروة بن الزبير (^٤) عن المسور بن مخرمة (^٥) وذكر الحديث في قصة الحديبية، قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال النبي - ﷺ - لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات، قال: فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة -﵂ -: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بُدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج * ولم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًا (^٦)\n_________\n(^١) محمد بن ثور الصنعاني، أبو عبدالله العابد، عن: معمر، وابن جريج، وعنه: عبدالرزاق، ومحمد بن عبيد، ثقة. ... [الكاشف: ٢/ ١٦١، وتهذيب التهذيب: ٩/ ٧٣، والتقريب: ٨٣١].\n(^٢) معمر بن راشد ثقة ثبت فاضل، تقدم.\n(^٣) محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الحافظ الفقيه المتقن، تقدم.\n(^٤) عروة بن الزبير بن العوام ثقة فقيه مشهور، تقدم.\n(^٥) المسور بن مخرمة بن نوفل القرشي الزهري، أبو عبدالرحمن، أمه عاتكة بنت عوف أخت عبدالرحمن بن عوف، كان مولده بعد الهجرة بسنتين، وقدم المدينة سنة ثمان، قبض الرسول - ﷺ - والمسور ابن ثمان سنين، وسمع منه وحفظ عنه، وحدث عن عمر، وغيره، أصابه حجر في حصار مكة فقتله سنة ٦٤ هـ.\n[الاستيعاب: ٣/ ٤١٦، والإصابة: ٣/ ٤١٩].\n* لوحة: ٣٠/ب.\n(^٦) قال العيني: غمًا: ازدحامًا. [عمدة القاري: ١٤/ ١٤].\n\nقلت: ويشهد لما ذكره العيني ما ورد في رواية ابن أبي شيبة في مصنفه: ٧/ ٣٨٩ في غزوة الحديبية من كتاب المغازي: وأكب بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم أن يضم بعضًا من الزحام.","vol":"1","page":471},{"text":"(^١).\n_________\n(^١) جزء من حديث رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٩٧٤ كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، من طريق عبدالله بن محمد عن عبدالرزاق عن معمر به، إلا أنه قال: عن المسور بن مخرمة ومروان، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه. وأبوداود في سننه: ٣/ ٨٥ باب في صلح العدو من كتاب الجهاد، من طريق محمد بن عبيد بنحوه،، وأحمد في مسنده: ٤/ ٣٢٣ من طريق محمد بن إسحاق عن الزهري بنحوه.\nوهذا الحديث من مراسيل الصحابة، ومراسيل التابعين، قال ابن حجر: هذه الرواية بالنسبة إلى مروان مرسلة؛ لأنه لا صحبة له، وأما المسور فهي بالنسبة إليه أيضًا مرسلة؛ لأنه لم يحضر القصة، وقد تقدم في أول الشروط من طريق أخرى عن الزهري عن عروة: (أنه سمع المسور ومروان يخبران عن أصحاب رسول الله - ﷺ -) فذكر بعض هذا الحديث، وقد سمع المسور ومروان من جماعة من الصحابة شهدوا هذه القصة كعمر، وعثمان، وعلي، والمغيرة، وأم سلمة، وسهل بن حنيف وغيرهم، ووقع في نفس هذا الحديث شيء يدل على أنه عن عمر.\n\n[فتح الباري: ٥/ ٤٠٨، ٤٠٩].","vol":"1","page":472},{"text":"قال القاضي إسماعيل: فلا يعلم عبد بظاهر كتاب الله وبالرواية عن رسول الله - ﷺ -: ... أن المحصور بعدو ينحر ويحل بموضعه، فإن قال قائل: إن الحديبية بحضرة الحرم، وإنه يمكن أن يكونوا نحروا بالحرم، قيل له: ما علّمنا ربنا ﵎ أنهم كانوا ... بذلك الموضع، وأنهم مصدودون، والهدي معكوفًا أن يبلغ محله، ولو كان الهدي قد ... بلغ محله لما غلظ على أصحابه أن ينحروا هديهم وأن يحلقوا حين أمرهم بذلك، ... وكيف يجوز أن يقال هذا والقرآن إنما نزل بعد انقضاء أمر الحديبية، وأعلمهم ... ما مضى من ذلك، وأن الهدي معكوفًا أن يبلغ محله؟ فكيف يجوز أن يقال لهم: كان الهدي معكوفًا، وهو قد بلغ محله؟ وهذا كلام من لا يعلم، فأما من منّ الله عليه ... بفهم ومعرفة فإنه يعلم أن محل الهدي بمكة وفجاجها (^١)، ومنى (^٢) في أيام منى، والدليل على ذلك: ما وصفنا في قصة الحديبية، وأن الحرم لو كان كله منحرًا لما كان هديهم معكوفًا أن يبلغ محله، ولما خصت مكة ومنى بذلك، فقيل: هذا المنحر للموضع الذي نحر فيه عند المروة (^٣)،\n_________\n(^١) الفجاج جمع فج، وهو: الطريق الواسع. [لسان العرب: ٢/ ٣٣٩].\n(^٢) مِنى: بالكسر والتنوين - الغالب عليه التذكير فيصرف - في درج الوادي الذي ينزله الحاج ويرمي فيه الجمار من الحرم، بينه وبين مكة ثلاثة أميال، سمي بذلك لما يمنى فيه من الدماء أي يراق، وقيل: لأن آدم ﵇ تمنى فيها الجنة. ... [معجم البلدان: ٥/ ١٩٨، والمصباح المنير: ٥٨٣].\n(^٣) المَرْوُ: حجارة بيض براقة تكون فيها النار، وتقدح منها النار، واحدتها مروة، وهي جبل معروف بمكة، بإزاء جبل الصفا. ... [معجم ما استعجم: ٤/ ١٢١٧، ولسان العرب: ١٥/ ٢٧٥] ..","vol":"1","page":473},{"text":"ومكة وفجاجها منحر (^١)، وقيل بمنى هذا المنحر الذي نحر فيه النبي - ﷺ - عند العقبة (^٢)، ومنى وفجاجها منحر (^٣)،\n_________\n(^١) عن مالك أنه بلغه أن الرسول - ﷺ - قال بمنى: هذا المنحر، وكل منى منحر، وقال في العمرة: هذا المنحر، يعني المروة، وكل فجاج مكة وطرقها منحر. [الموطأ: ١/ ٣١٥ كتاب الحج حديث: ١٧٨].\n(^٢) العَقَبة: بالتحريك هو: الجبل الطويل يعرض للطريق فيأخذ فيه، والعقبة التي بويع فيها النبي - ﷺ - بمكة هي: عقبة بين منى ومكة، بينها وبين مكة نحو ميلين، ومنها ترمى جمرة العقبة.\n[معجم البلدان: ٤/ ١٣٤، ولسان العرب: ١/ ٦٢١].\n(^٣) يأتي تخريجه من حديث علي - ﵁ -: ٢٦٢.\n\n* لوحة: ٣١/أ.","vol":"1","page":474},{"text":"فخصت مكة ومنى بذلك وكلاهما من الحرم وبينهما مسافة، فلو كان الحرم كله منحرًا * لقيل: هذا المنحر، والحرم كله منحر، فلما وقع الخصوص ببعض الحرم علم أن سائر الحرم خارجًا من ذلك، ومن لم يعلم هذا لم يعلم خاصًا من عام، وقال ﵎ في جزاء الصيد: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (^١)، فأعلمنا ﷿ أن محل الهدايا بلوغ الكعبة، وعلِمنا أن بلوغها بلوغ حضرتها، ليس أن يدخلها فينحر فيها ولا في المسجد، ولكن بحضرة ذلك (^٢)، فكان المنحر عند المروة في الموضع الذي يفرغ فيه المعتمر من طوافه وسعيه، ثم وسع عليهم بأن جعلت مكة وفجاجها منحرًا؛ لأنه أرفق بهم إذ يضيق عليهم أن يكون منحرهم كلهم في موضع واحد، فجعل حكم الفدية كلها حكمًا واحدًا، وكذلك أمر منى وسع عليهم؛ لأن المنحر عند العقبة حين يرمي ويحل، ألا ترى أن المحرم لو بات ليالي منى في بعض الحرم سوى منى لما جاز له ذلك، ألا ترى أن المكي لو خرج من بيته يريد سفرًا لما جاز له أن يقصر الصلاة حتى يخرج من مكة كلها ثم يقصر إذا خرج عنها من قبل أن يخرج من الحرم، وقد روي في قول الله ﵎: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (^٣) ما نذكره في موضعه إن شاء الله، وروى علي بن الحسين (^٤)\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٩٥]\n(^٢) قال القرطبي: ولم يرد الكعبة بعينها، فإن الهدي لا يبلغها إذ هي في المسجد، وإنما أراد الحرم، ولا خلاف في هذا. ... [الجامع لأحكام القرآن: ٦/ ٣١٤].\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٤) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو الحسين، ويقال: أبو عبدالله المدني، زين العابدين، عن: أبيه، وعمه الحسن، وعبيدالله بن أبي رافع، وعنه: أولاده: محمد، وزيد، وعبدالله، وعمر، ثقة ثبت عابد فاضل مشهور، مات سنة ٩٤ هـ .. [الكاشف: ٢/ ٣٧، وتهذيب التهذيب: ٧/ ٢٥٩، والتقريب: ٦٩٣].","vol":"1","page":475},{"text":"عن عبيد الله بن أبي رافع (^١) عن علي بن أبي طالب - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - رمى العقبة ثم دخل المنحر فقال: هذا المنحر وكل منى منحر (^٢).\n_________\n(^١) في الأصل: عبيدالله عن أبي رافع، والصواب ما أثبت كما ورد في تخريج هذا الأثر.\nوهو: عبيدالله بن أبي رافع المدني مولى النبي - ﷺ -، عن: أبيه، وعلي، وكان كاتبه، وعنه: الحسن بن محمد بن الحنفية، وعلي بن الحسين، ثقة. [الكاشف: ١/ ٦٧٩، وتهذيب التهذيب: ٧/ ١٠، والتقريب: ٦٣٧].\n(^٢) رواه أبوداود في سننه: ٢/ ١٩٣ كتاب المناسك باب الصلاة بجمع عن زيد بن علي عن أبيه بنحوه، والترمذي في سننه باب ماجاء أن عرفة كلها موقف من أبواب الحج، وقال: حديث علي حديث حسن صحيح، انظر تحفة الأحوذي: ٣/ ٦٢٥، وأحمد في مسنده: ١/ ٩٨، ١٥٦، والشافعي في الأم: ٢/ ١١٤، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٤٠١ باب ماقالوا أين تنحر البدن؟، والبيهقي في سننه: ٥/ ١٢٢ باب حيث ما وقف من المزدلفة أجزأه. وأصله في صحيح مسلم: ٢/ ٨٩٣ كتاب الحج حديث: ١٤٩، من حديث جابر أن رسول الله - ﷺ - قال: نحرت ههنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت ههنا، وعرفة كلها موقف، ووقفت ههنا، وجمع كلها موقف.\n* لوحة: ٣١/ب.","vol":"1","page":476},{"text":"فإن قال قائل: إن حكم الحرم واحد، قيل له: حكم الحرم كله في الأشياء من الصيد والنحر، وأنه لا يجوز أن يحرم إنسان بالعمرة من بعضه ثم يحل؛ لأن المحرم إنما يدخل في الإحرام بعد أن كان حلالًا، فكذلك * لا يدخل في الإحرام في الحرم بعد أن كان في حل، وأمر الصيد والمنحر لا يشبه ما وصفنا؛ لأن الصيد والمنحر ليس للناس فيه عمل، وإنما أمروا أن يجتنبوه كما أمر المحرم أن يجتنب الصيد في غير الحرم، فكذلك المحرم بالعمرة إنما قيل له: أحرم من الحل، ثم اُفترضَ عليه العملُ في مواضع من الحرم بأعيانها فجعل كل عمل في موضعه لا يجوز في غيره، وعلّمنا رسول الله - ﷺ - ذلك وقال: خذوا عني مناسككم (^١). فليس يجوز أن نتعدى بأعماله مواضعها وما خص منها وما عم، ولو نحر الهدي في أيام منى بمكة لأجزأ؛ لأنها هي الأصل في النحر، غير أن السنة فيها: هدي الحاج أن يكون بمنى؛ لأنه إذا نحر حلق فكان ذلك موضعه، وقد روي عن ابن عباس - ﵁ -: أنه كان ينحر بمكة ويقول: إنما النحر بمكة ولكن نزهت عن الدماء، رواه ابن جريج (^٢) عن عطاء (^٣) عنه (^٤)،\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: ١٥٠.\n(^٢) عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج الأموي مولاهم، أبو الوليد، وأبو خالد المكي، أصله رومي، عن: زيد بن أسلم، وعطاء بن أبي رباح، وعنه: سفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد، وعبدالله بن إدريس، ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل. [تهذيب الكمال: ١٨/ ٣٣٨، والتقريب: ٦٢٤].\n(^٣) عطاء بن أبي رباح ثقة فقيه فاضل، كثير الإرسال، تقدم ..\n(^٤) رواه محمد بن الحسن في كتاب الحجة: ٢/ ٤١٦ من طريق سفيان بن عيينة عن رجل عن عطاء به، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٤٠٠ ماقالوا أين تنحر البدن؟ من طريق ابن إدريس عن ابن جريج به، والبيهقي في سننه: ٥/ ٢٣٩ باب الحرم كله منحر، من طريق سفيان عن ابن جريج به، و٥/ ٢٤٠ من طريق يحيى بن سعيد عن ابن جريج به.","vol":"1","page":477},{"text":"وقد روى مالك (^١) عن نافع (^٢) عن ابن عمر: أنه كان يقول: من نذر بدنة فإنه يقلدها (^٣) نعلين، ويسوقها، ويشعرها (^٤)، حتى ينحرها عند البيت العتيق أو بمنى يوم النحر (^٥) ليس لها محل دون ذلك، ومن نذر جزورًا من الإبل أو البقر فلينحرها حيث شاء (^٦)، فجعل ابن عمر محل الهدي مكة، أو منى يوم النحر، وحكم أيام النحر كلها سواء (^٧).\n_________\n(^١) مالك بن أنس رأس المتقنين، تقدم.\n(^٢) نافع مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور، تقدم.\n(^٣) تقليد الهدي هو: أن يعلق بعنق البعير قطعة من جلد؛ ليعلم أنه هدي، فيكف الناس عنه.\n[المصباح المنير: ٥١٣].\n(^٤) أشعرت البدنة إشعارًا: حززت سنامها حتى يسيل الدم؛ فيعلم أنها هدي. [المرجع السابق: ٣١٦].\n(^٥) في الأصل: حتى ينحرها عند البيت العتيق، أو بمنى يوم النحر ليس لها محل دون البيت العتيق، أو بمنى يوم النحر ليس لها محل دون ذلك. والصواب ما أثبت، ولعله خطأ من الناسخ حيث كرره مرتين.\n(^٦) رواه مالك في الموطأ: ١/ ٣١٧ كتاب الحج حديث: ١٨٢ بنحوه، وهذا لفظ الموطأ برواية أبي مصعب: ١/ ٥٣٤، وقد رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٣٨٨ من كان يقول إذا جعل عليه بدنة نحرها بمكة، من طريق آخر عن ابن عمر بنحوه.\n(^٧) ذكر المؤلف مسألة أين يمحر المحصر هديه إذا كان معه هديه، وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين، هما:\nالأول: أن المحصر ينحر هديه حيث أحصر من حل أو حرم، وهذا قول جمهور العلماء، مالك والشافعي وأحمد.\nالثاني: أن المحصر لا ينحر هديه إلا في الحرم، وبه قال عبدالله بن مسعود، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، وهو قول أبي حنيفة والثوري، ورواية عن الإمام أحمد.\nوقد ذهب ابن عباس - ﵄ - إلى التفصيل في هذه المسألة: فقد روى البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٤٣ كتاب الإحصار والصيد باب من قال ليس على المحصر بدل، عن ابن عباس أنه قال: إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ، فأما من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع، وإن كان معه هدي وهو محصر نحره إن كان لا يستطيع أن يبعث به، وإن استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدي محله.\nوسبب اختلافهم في هذا هل نحر رسول الله - ﷺ - هديه بالحديبية في الحل أو في الحرم؟\nوقد جزم الشافعي بأن الموضع الذي نحر فيه رسول الله - ﷺ - وأصحابه هديهم من الحديبية من الحل لا من الحرم، مستدلًا بأن الله أخبر أن الهدي معكوفًا لم يبلغ محله.\n[انظر المدونة: ١/ ٣٩٧، والأم: ٢/ ١٥٩، وأحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٢٥١، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٣٧٤، وتفسير القرطبي: ٢/ ٣٧٩، والمغني: ٥/ ١٩٧].\nولعل الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور من أن المحصر ينحر هديه حيث أحصر من حل أو حرم، قال ابن القيم: وفي ذبحه - ﷺ - بالحديبية وهي من الحل بالاتفاق، دليل على أن المحصر ينحر هديه حيث أحصر من حل أو حرم، وهذا قول الجمهور أحمد ومالك والشافعي، وعن أحمد - ﵀ - رواية أخرى أنه ليس له نحر هديه إلا في الحرم، فيبعثه إلى الحرم، ويواطئ رجلًا على أن ينحره في وقت يتحلل فيه، وهذا يروى عن ابن مسعود - ﵁ -، وجماعة من التابعين، وهو قول أبي حنيفة. =","vol":"1","page":478},{"text":"قال الله ﵎: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (^١).\nقال علي - ﵁ -: ما استيسر * من الهدي: شاة (^٢)، والهدي من الأزواج الثمانية (^٣)، وقال ابن عباس - ﵁ -: الهدي من الأزواج الثمانية، والبعير أفضل من البقرة، والبقرة أفضل من الشاة، والشاة ما استيسر من الهدي (^٤)،\n_________\n= وهذا إن صح عنهم فينبغي حمله على الحصر الخاص، وهو أن يتعرض ظالم لجماعة او لواحد، وأما الحصر العام فالسنة الثابتة عن رسول الله - ﷺ - تدل على خلافه.\nثم قال: وقد أخبر الله سبحانه أن الهدي كان محبوسًا عن بلوغ محله، ونصب الهدي بوقوع فعل الصد عليه، أي: صدوكم عن المسجد الحرام، وصدوا الهدي عن بلوغ محله، ومعلوم أن صدهم وصد الهدي استمر ذلك العام، ولم يزل، فلم يصلوا فيه إلى محل إحرامهم، ولم يصل الهدي إلى محل نحره. [انظر زاد المعاد: ٣/ ٣٨٠، ٣٨١].\nوإن قيل بما ذهب إليه ابن عباس من التفصيل فحسن؛ خروجًا من الخلاف، وقد ذهب إلى هذا الشنقيطي في أضواء البيان: ١/ ١٩٦.\nقلت: ولكن دون إلزام لمن كان يستطيع أن يبعث بالهدي ألا يحل حتى يبلغ الهدي محله، وهذا ما اختاره الشافعيه فيما ذكره النووي حيث قال: وكذا ما معه من هدي فكله يذبحه في موضع إحصاره ويفرقه على المساكين هناك، وإن أمكنه إيصاله إلى الحرم وذبحه فيه، فالأولى أن يوصله أو يبعثه إليه، فإن ذبحه في موضع إحصاره ففي إجزائه وجهان ذكرهما المصنف بدليلهما، وهما مشهوران أصحهما جوازه. [المجموع: ٨/ ٢٩٥]\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n* لوحة: ٣٢/أ.\n(^٢) رواه مالك في الموطأ: ١/ ٣٠٩ الحج رقم: ١٥٨، وسعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٧٥٣، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٣٢ باب ما استيسر من الهدي، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢١٧، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٣٦، والبيهقي في سننه: ٥/ ٢٤ باب مااستيسر من الهدي.\n(^٣) روى البيهقي في سننه: ٥/ ٢٢٩ باب الهدايا من الإبل والبقر والغنم: أن رجلًا سأل عليًا - ﵁ - عن الهدي مما هو؟ فقال: من الثمانية أزواج.\n(^٤) روى سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٧٦٥، والبيهقي في سننه: ٥/ ٢٢٩ باب الهدايا من الإبل والبقر والغنم، عن ابن عباس قال: من الأزواج الثمانية، من الإبل والبقر والضأن والمعز، على قدر الميسرة، ما عظمت فهو أفضل.\nوروى ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢١٦، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٣٦ عن النعمان بن مالك قال: سألت ابن عباس عما استيسر من الهدي؟ فقال: من الأزواج الثمانية، من الإبل والبقر والمعز والضأن.\nوفي سنن سعيد بن منصور: ٣/ ٧٦٣، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢١٦، والبيهقي في سننه: ٥/ ٢٢٨ عن ... ابن عباس: مااستيسر من الهدي من الأزواج الثمانية.\nوعند ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢١٧ عن ابن عباس قال: عليه - يعني المحصر - إن كان موسرًا فمن الإبل، وإلا فمن البقر، وإلا فمن الغنم.\n\nوروى عن ابن عباس أنه قال: مااستيسر من الهدي شاة: سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٧٥٦، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٣١ باب مااستيسر من الهدي، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢١٥، والطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٢٣٤، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٣٦، والبيهقي في سننه: ٥/ ٢٤ باب مااستيسر من الهدي.","vol":"1","page":479},{"text":"وكان ابن عمر يقول: لو لم أجد إلا شاة كان أحب من أن أصوم (^١). وروى مالك عن نافع (^٢) عن ابن عمر قال: بقرة أو بعير (^٣)، ورواه حماد (^٤) عن أيوب (^٥) عن نافع عن ابن عمر - ﵁ -: الناقة دون الناقة والبقرة دون البقرة فيما استيسر من الهدي (^٦)، وقال ابن عمر - ﵁ -: في هدي القران بدنة، فقيل له: ابن مسعود يقول شاة، فقال: الصيام أحب إلي من شاة (^٧)،\n_________\n(^١) روى مالك في الموطأ: ١/ ٣١١ الحج رقم: ١٦٢ عن ابن عمر قال: لو لم أجد إلا أن أذبح شاة لكان أحب إلي من أن أصوم.\n(^٢) نافع مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور، تقدم.\n(^٣) رواه مالك في الموطأ: ١/ ٣١٠ الحج رقم: ١٦٠، والطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٢٣٣ بسنده عن نافع عن ابن عمر قال: لا يكون الهدي إلا من البقر والإبل، ورواه البيهقي في سننه: ٥/ ٢٤ باب مااستيسر من الهدي من طريق مالك.\n(^٤) حماد بن زيد بن درهم ثقة ثبت فقيه، تقدم.\n(^٥) أيوب السختياني ثقة ثبت حجة، تقدم.\n(^٦) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢١٨ من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: الناقة دون الناقة، والبقرة دون البقرة، ومن طريق أيوب عن القاسم بن محمد ونافع عن ابن عمر قال: مااستيسر من الهدي: ناقة أو بقرة، فقيل له: مااستيسر من الهدي؟ فقال: الناقة دون الناقة، والبقرة دون البقرة.\nوذكره ابن عبدالبر في الاستذكار: ١٢/ ٣١٣، ورواه سعيد بن أبي عروبة في كتاب المناسك: ١٠٩ عن قتادة عن ابن عمر أنه كان يقول: البعير دون البعير، والبقرة دون البقرة.\n(^٧) رواه سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٧٦٨ بنحوه، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٣٢ باب مااستيسر من الهدي به، والطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٢٣٣ بنحوه، وابن حزم في المحلى: ٧/ ١٥٠ بنحوه.\nقال ابن عبدالبر بعد ما ذكره مالك في الموطأ عن ابن عمر أنه قال: لو لم أجد إلا أن أذبح شاة لكان أحب إلي من أن أصوم، قال: فهذا يرد رواية من روى عنه: الصيام أحب إلي من شاة، ورواية مالك عن صدقة بن يسار هذه أصح عنه؛ لأنه معروف من مذهبه تفضيل إراقة الدماء في الحج على سائر الأعمال. [الاستذكار: ١٢/ ٣١٧].","vol":"1","page":480},{"text":"وكان ابن عمر وعائشة يقولان: الناقة والبقرة (^١)، ثم عن التابعين في ذلك ما يكثر ذكره (^٢).\n_________\n(^١) روى سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٧٥١ عن عائشة وابن عمر قالا: الناقة دون الناقة، والبقرة دون البقرة، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٣١ باب مااستيسر من الهدي كانا يقولان: الهدي من الإبل والبقر، وكذلك رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢١٨ والطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٢٣٣، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٣٦، قال ابن حجر: ورويا - ابن جرير وابن أبي حاتم - بإسناد قوي عن القاسم بن محمد عن عائشة وابن عمر أنهما كانا لا يريان مااستيسر من الهدي إلا من الإبل والبقر. ... [فتح الباري: ٣/ ٦٧٦].\n(^٢) روي عن أبي العالية، وعطاء، والحسن، والنخعي، ومحمد بن علي، ومجاهد، والشعبي، وطاوس، والضحاك، وقتادة، وعبدالرحمن بن القاسم، ومقاتل بن حيان: مااستيسر من الهدي شاة.\nوروي عن سالم، والقاسم، وعروة، وسعيد بن جبير: مااستيسر من الهدي الإبل والبقر.\n[انظر المراجع السابقة].\nاختلف أهل العلم في المراد بقوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، بعد اتفاقهم على أن ماعدا الأصناف الثلاثة غير داخل في المراد من هذه الآية، قال الجصاص: واتفق الفقهاء على أن ما عدا هذه الأصناف الثلاثة من الإبل والبقر والغنم ليس من الهدي. ... [أحكام القرآن: ١/ ٣٧٣].\nفذهب جمهور أهل العلم إلى أن مااستيسر من الهدي شاة، وخالف في ذلك ابن عمر وعائشة ومن ذكر سابقًا فذهبوا إلى أن المراد به الإبل والبقر دون الغنم. [انظر تفسير القرطبي: ٢/ ٣٧٨]. =\n\n= قال ابن حجر فيما نقله عن القاضي إسماعيل بعد ذكره لقول ابن عمر وعائشة: قال إسماعيل القاضي في الأحكام له: أظنهم ذهبوا إلى ذلك لقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فذهبوا إلى تخصيص ما يقع عليه اسم البدن، قال ويرد هذا قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ وأجمع المسلمون أن في الظبي شاة فوقع عليها اسم هدي.\n[فتح الباري: ٣/ ٦٧٦]","vol":"1","page":481},{"text":"وعن جابر بن عبدالله في عام الحديبية: نحرنا البدنة عن سبعة، وذكر سبعين ... بدنة (^١)، وقال: كنا ألفًا وأربعمائة (^٢)،\n_________\n(^١) روى مسلم في صحيحه: ٢/ ٩٥٥ الحج حديث: ٣٥٠ عن جابر قال: نحرنا مع رسول الله - ﷺ - عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، وفي رواية أخرى حديث: ٣٥٣ قال جابر: نحرنا يومئذ سبعين بدنة اشتركنا كل سبعة في بدنة، ورواه القاضي إساعيل بن إسحاق في مسند حديث مالك بن أنس: ٣٤: عن أبي مصعب قال: حدثني مالك عن أبي الزبير المكي عن جابر بن عبدالله قال: نحرنا مع رسول الله - ﷺ - بالحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة.\n(^٢) روى البخاري في صحيحه: ٤/ ١٥٢٦ المغازي باب غزوة الحديبية عن جابر قال: كنا خمس عشرة مائة، وفي رواية أخرى: كنا ألفًا وأربعمائة، وفي رواية: كان أصحاب الشجرة ألفًا وثلاثمائة، وفي صحيح مسلم: ... ٣/ ١٤٨٣ الإمارة حديث: ٦٧، ٧١، ٧٤ عن جابر قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة، وفي رواية: ... ٣/ ١٤٨٤ حديث: ٧٢، ٧٣: كنا خمس عشر مائة، وفي رواية: ٣/ ١٤٨٥ حديث: ٧٥: كان أصحاب الشجرة ألفًا وثلاثمائة.\nقال النووي: قوله: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة، وفى رواية ألفًا وخمسمائة، وفى رواية ألفًا وثلاثمائة، وقد ذكر البخارى ومسلم هذه الروايات الثلاث فى صحيحهما، وأكثر روايتهما ألف وأربعمائة، وكذا ذكر البيهقى أن أكثر روايات هذا الحديث ألفًا وأربعمائة، ويمكن أن يجمع بينهما بأنهم كانوا أربعمائة وكسر، فمن قال أربعمائة لم يعتبر الكسر، ومن قال خمسمائة اعتبره، ومن قال ألف وثلاثمائة ترك بعضهم لكونه لم يتقن العد، أو لغير ذلك.\n\n[شرح النووي على صحيح مسلم: ١٣/ ٣]","vol":"1","page":482},{"text":"ثم عن طاوس وغيره: يجزئ في التمتع شرك في دم بقرة أو بدنة (^١).\nوالزهري (^٢) عن عروة (^٣) عن عائشة - ﵂ -: أن رسول الله - ﷺ - نحر عن نسائة بقرة في حجة الوداع.\nكذا رواه يونس (^٤) (^٥)،\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٣٣ باب من قال يجزئ المتمتع أن يشارك في دم ومن كرهه.\nوهذا مروي عن ابن عباس، وعطاء، والحسن، انظر المرجع السابق.\n(^٢) محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الحافظ الفقيه المتقن، تقدم.\n(^٣) عروة بن الزبير ثقة فقيه مشهور، تقدم.\n(^٤) يونس بن يزيد الأيلي، أبو يزيد مولى آل أبي سفيان، عن الزهري، والقاسم، وعكرمة، وعنه: ابن المبارك، وابن وهب، ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا، وفي غير الزهري خطأ، مات سنة ١٥٩ هـ.\n[الكاشف: ٢/ ٤٠٤، والتقريب: ١١٠٠]\n(^٥) رواه النسائي في سننه الكبرى: ٤/ ٢٠٤ المناسك باب النحر عن النساء، قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا عثمان بن عمر قال: أخبرنا يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي - ﷺ - نحر عن أزواجه بقرة في حجة الوداع، قال عثمان: وجدته في كتابي هذا في موضعين: موضع عن عمرة عن عائشة، وموضع عن عروة عن عائشة. وأحمد في مسنده: ٦/ ٢٤٨ قال: حدثنا عثمان، حدثنا يونس عن الزهري، وحدث في موضع عن عروة، وموضع عن عمرة - كلاهما قاله عثمان - عن عائشة.\nومن طريق يونس عن الزهري عن عمرة عن عائشة رواه أبوداود في سننه: ٢/ ١٤٥ المناسك باب في هدي البقر عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - نحر عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة. وكذلك رواه النسائي في سننه الكبرى: ٤/ ٢٠٥ المناسك باب النحر عن النساء، وابن ماجة في سننه: ٢/ ٢٠٥ عن كم تجزئ البدنة والبقرة؟ من أبواب الأضاحي.\n\nوالحديث صحيح بشواهد أخرى، فقد روى مسلم في صحيحه: ٢/ ٩٥٦ الحج حديث: ٣٥٧ عن جابر قال: نحر رسول الله - ﷺ - عن نسائه بقرة في حجته، وعند النسائي في الكبرى: ٤/ ٢٠٥، وأبي داود: ٢/ ١٤٥، وابن ماجة: ٢/ ٢٠٥، وابن خزيمة في صحيحه: ٤/ ٢٨٨، والحاكم في المستدرك: ١/ ٦٣٩ كتاب المناسك عن أبي هريرة قال: ذبح رسول الله - ﷺ - عمن اعتمر معه من نسائه في حجة الوداع بقرة بينهن. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nقال ابن عبدالبر: حديث أبي هريرة هذا صحيح ثابت، ومثله مارواه ابن جريج، وكلاهما يشهد بصحة رواية ابن شهاب هذه - يقصد رواية الزهري المرسلة التي رواها عنه مالك -. [التمهيد: ١٢/ ١٣٧].","vol":"1","page":483},{"text":"ورواه مالك فقال: نحر عن نسائه البقر (^١)، ومالك عن نافع (^٢)\n_________\n(^١) روى مالك في الموطأ: ٢/ ٣٨٧ الضحايا رقم: ١١ عن ابن شهاب أنه قال: ما نحر رسول الله - ﷺ - عنه وعن أهل بيته إلا بدنة واحدة أو بقرة واحدة. قال مالك: لا أدري أيتهما قال ابن شهاب.\nوقد رواه ابن عبدالبر من طريق إسماعيل بن إسحاق، حيث قال ابن عبدالبر: هكذا رواه جماعة أصحاب مالك عنه في الموطأ وغيره، إلا جويرية فإنه رواه عن مالك عن الزهري قال: أخبرني من لا أتهم عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: ما نحر رسول الله - ﷺ - عن أهله إلا بدنة واحدة، أو بقرة واحدة، لا أدري أيتهما قالت.\nحدثناه عن عبدالوارث بن سفيان قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا محمد بن عبيد قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا عبدالله بن محمد بن أسماء قال: حدثنا جويرية عن مالك فذكره.\n[التمهيد: ١٢/ ١٣٢].\n(^٢) نافع مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور، تقدم.","vol":"1","page":484},{"text":"عن ابن عمر قال: لا يشرك في الدماء (^١)، وقال ابن سيرين عنه: لا أعلم دمًا يهراق إلا عن نفس واحدة (^٢). يعني في الهدي، وقال جماعة من التابعين مثل ذلك (^٣).\nمحمد بن صالح (^٤) قال: نا محمد بن يوسف الزبيدي (^٥)\n_________\n(^١) رواه مالك في الموطأ برواية أبي مصعب: ١/ ٥٣٣ المناسك حديث: ١٣٧٨ أن ابن عمر كان يقول: لا يشترك في النسك. وفي الموطأ برواية أبي مصعب: ١/ ٥٣١ عن نافع عن ابن عمر كان يقول: لا تذبح البقرة إلا عن إنسان واحد، ولا تذبح الشاة إلا عن إنسان واحد، ولا تنحر البدنة إلا عن إنسان واحد. وقد روى ابن حزم في المحلى: ٧/ ٣٨١ من طريق عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: البدنة عن واحد، والبقرة عن واحد، والشاة عن واحد، لا أعلم شركًا.\n(^٢) روى ابن حزم في المحلى: ٧/ ١٥٠ عن ابن سيرين عن ابن عمر أنه قال: لا أعلم دمًا يراق عن أكثر من إنسان واحد.\n(^٣) وهذا رأي ابن سيرين، وحماد بن أبي سليمان، والحكم، انظر مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ١٣٣ من قال يجزئ المتمتع أن يشارك في دم ومن كرهه، وابن حزم في المحلى: ٧/ ١٥٠، ٣٨١.\n(^٤) محمد بن صالح الطبري، احد شيوخ المؤلف، اتهم بالكذب، تقدم.\n(^٥) في الأصل: الزبدي، والصواب ما أثبت، وهو محمد بن يوسف الزبيدي، أبو حمة اليماني، عن: أبي قرة، وعنه: أحمد بن سعيد بن فرقد، ومحمد بن صالح الطبري، صدوق.\n[تهذيب الكمال: ٢٧/ ٦٥، والتقريب: ٩١١].\n\n* لوحة: ٣٢/ب.","vol":"1","page":485},{"text":"قال: نا موسى بن طارق * أبو قرة (^١) عن زمعة بن صالح (^٢) عن زياد بن سعد (^٣) عن أبي الزبير (^٤) عن جابر قال: نحر النبي - ﷺ - يوم الحديبية سبعين ناقة أشرك بين كل سبعة في جزور (^٥).\n_________\n(^١) موسى بن طارق اليماني، أبو قرة الزبيدي، عن: سفيان الثوري، وزمعة بن صالح، وعنه: أبي حمة محمد بن يوسف الزبيدي، وأحمد بن حنبل، ثقة يغرب. [تهذيب الكمال: ٢٩/ ٨٠، والتقريب: ٩٨١].\n(^٢) زمعة بن صالح الجندي اليماني، عن: زياد بن سعد، وعمرو بن دينار، وعنه: معتمر بن سليمان، وموسى ابن طارق، ضعيف وحديثه عند غير مسلم مقرون. [تهذيب الكمال: ٩/ ٣٨٦، والتقريب: ٣٤٠].\n(^٣) زياد بن سعد بن عبدالرحمن الخراساني، عن: حميد الطويل، وأبي الزبير محمد بن مسلم المكي، وعنه: زمعة ابن صالح، وسفيان بن عيينة، ثقة ثبت. ... [تهذيب الكمال: ٩/ ٤٧٤، والتقريب: ٣٤٥].\n(^٤) محمد بن مسلم بن تدرس القرشي الأسدي، أبو الزبير المكي، مولى حكيم بن حزام، روى عن: جابر بن عبدالله، وسعيد بن جبير، وعنه: حماد بن سلمة، وسفيان بن عيينة، صدوق إلا أنه يدلس، مات سنة ١٢٦ هـ\n[تهذيب الكمال: ٢٦/ ٤٠٢، والتقريب: ٨٩٥].\n(^٥) رواه الطبراني في الأوسط: ٩/ ٨٤ قال حدثنا مفضل ثنا أبو حمة ثنا أبوقرة قال: ذكر زمعة عن زياد بن سعد عن أبي الزبير أنه سمع جابرًا يقول: نحر رسول الله - ﷺ - يوم الحديبية سبعين ناقة شرك بين كل سبعة في جزور. =\n\n= وهذا الحديث ضعيف بهذا الإسناد، لكنه صحيح من طرق أخرى، فقد رواه مسلم في صحيحه: ٢/ ٩٥٥ الحج حديث: ٣٥٣ من طريق يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبدالله قال: اشتركنا مع النبي - ﷺ - في الحج والعمرة كل سبعة في بدنة. ومن طريق أبي خيثمة عن أبي الزبير عن جابر، ومن طريق أحمد بن يونس قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا أبو الزبير عن جابر رواه مسلم في صحيحه: ٢/ ٩٥٥ الحج حديث: ٣٥١ أنه قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - مهلين بالحج فأمرنا رسول الله - ﷺ - أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة.","vol":"1","page":486},{"text":"قال القاضي إسماعيل: وهذا الدليل على أنه - ﵇ - أشرك بينهم في اللحم، فقد ذكرنا ما روى عن جابر في الإشتراك في الهدي، ومخارجها ليست بالقوية، في أسانيدها ضعف؛ لأن الرجال الذين نقلوها لا خفاء على نقاد الحديث بمقاديرهم (^١)، وقد ذكر الثوري (^٢) في الحديث الذي رواه عن أبي الزبير عن جابر أنه قال: وليشترك النفر في الهدي (^٣).\nفدل على أن هذا القول رأي من جابر، أو من دونه، فلعله قاس الهدي الواجب على الهدي في الحديبية، ويوم الحديبية لم يكن هناك تمتع؛ لأن المتمتع يكون بعد الإحلال من العمرة إذاحج من عامه ذلك، وإنما أحرم النبي - ﷺ - بعمرة وكذلك أصحابه، فلما صدوا عن البيت نحروا بُدنًا كانت مع النبي - ﷺ - قد قلدها وأشعرها بذي الحليفة (^٤)\n_________\n(^١) وإن كان في إسنادها ضعف إلا أنها قد صحت من طرق أخرى.\n(^٢) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي، عن: أبي الزبير، وأبي إسحاق السبيعي، وعنه: ابن المبارك، وعبد الرزاق بن همام، ثقة حافظ، فقيه عابد، إمام حجة ربما دلس، مات سنة ١٦١ هـ.\n[تهذيب الكمال: ١١/ ١٥٤، التقريب: ٣٩٤].\n(^٣) روى الدارمي في سننه: ٢/ ١٠٧ باب البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة من كتاب الأضاحي، والدارقطني في سننه: ٢/ ٢٤٤ باب المواقيت من كتاب الحج حديث: ٣٦ عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر قال: نحرنا يوم الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة، فقال رسول الله - ﷺ - يومئذ ليشترك النفر في الهدي.\n(^٤) ذو الحليفة: قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، ومنها ميقات أهل المدينة.\n[معجم مااستعجم: ٢/ ٤٦٤، ومعجم البلدان: ٢/ ٢٩٥].\n\nوهذا المكان الذي كان - ﷺ - يقلد بدنه ويشعرها منه، كما روى مسلم في صحيحه: ٢/ ٩١٢ الحج حديث: ٢٠٥ عن ابن عباس أنه قال: صلى رسول الله - ﷺ - الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها.","vol":"1","page":487},{"text":"تطوعًا فنحرها واقتسموا لحمها، وما كان وجب عليهم هدايا، ولو وجبت عليهم لما أجزء عنهم ما قد كان أوجب (^١)، وقد يجوز أن يكون النبي - ﷺ - ساقها عنه وعنهم، كما روي عنه - ﷺ - أنه ضحى عن أمته (^٢)، وكما روي عن أبي أيوب (^٣)\n_________\n(^١) قال ابن حجر: وأما تأويل إسماعيل لحديث جابر بأنه كان بالحديبية فلا يدفع الاحتجاج بالحديث، بل روى مسلم من طريق أخرى عن جابر في أثناء حديث قال: فأمرنا رسول الله - ﷺ - إذا أحللنا أن نهدي ونجمع النفر منا في الهدية. وهذا يدل على صحة أصل الاشتراك. [فتح الباري: ٣/ ٦٧٦].\n(^٢) روى أبو داود في سننه: ٣/ ٩٥ باب مايستحب من الضحايا من كتاب الأضاحي، والدارمي في سننه: ... ٢/ ١٠٤ باب السنة في الأضحية من كتاب الأضاحي، والحاكم في المستدرك: ١/ ٦٣٩ كتاب المناسك عن جابر أن رسول الله - ﷺ - ذبح يوم العيد كبشين ثم قال حين وجههما: بسم الله، والله أكبر، اللهم منك ولك، عن محمد وأمته. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقد رواه البيهقي في سننه: ٩/ ٢٦٨ باب الرجل يضحي عن نفسه وعن أهل بيته من كتاب الضحايا.\n(^٣) خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة، أبو أيوب الأنصاري النجاري، معروف باسمه وكنيته، من السابقين، روى عن النبي - ﷺ -، شهد العقبة وبدرًا ومابعدها، نزل عليه النبي - ﷺ - لما قدم المدينة، فأقام عنده حتى بنى بيوته ومسجده، شهد مع علي - ﵁ - قتال الخوارج، لزم الجهاد بعد النبي - ﷺ - إلى أن توفي في غزاة القسطنطينية، سنة ٥٢ هـ. ... [الاستيعاب: ١/ ٤٠٣، والإصابة: ١/ ٤٠٥] ..","vol":"1","page":488},{"text":"أن الرجل كان يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته، ثم تباهي الناس بعد (^١). والنبي - ﷺ - لأمته والد *، وأزواجه أمهاتهم (^٢).\nحدثنا محمد بن صالح قال: نا محمد بن يوسف الزبيدي قال: ثنا موسى بن طارق أبو قرة عن زمعة بن صالح عن زياد بن سعد عن أبي الزبير عن جابر قال: نحر النبي - ﷺ - يوم الحديبية سبعين ناقة أشرك بين كل سبعة في جزور (^٣).\nوالقوم أيضًا ما كانوا حساب سبعين بدنة عن ألف وأربعمائة، كيف تكون البدنة عن سبعة؟ هذا عن عشرين، وقد يجوز أن يفضل بعضهم على بعض في القسم، فتكون إن كانت الأحاديث تصح دفع إلى جابر وستة معه بدنة؛ لأن ما وجب لا ينتقل (^٤)،\n_________\n(^١) عن عطاء بن يسار قال: سألت أبا أيوب كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله - ﷺ - فقال: كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون، حتى تباهى الناس فصارت كما ترى.\nرواه الترمذي في سننه باب ماجاء أن الشاة الواحدة تجزئ عن أهل البيت من أبواب الأضاحي، وقال: حديث حسن صحيح، انظر تحفة الأحوذي: ٥/ ٩٠، وابن ماجه في سننه: ٢/ ٢٠٨ من ضحى بشاة عن أهل بيته من أبواب الأضاحي، ومالك في الموطأ: ٢/ ٢٨٧ الضحايا حديث: ١٠، والبيهقي في سننه: ٩/ ٢٦٨ باب الرجل يضحي عن نفسه وعن أهل بيته من كتاب الضحايا.\n* لوحة: ٣٣/أ.\n(^٢) يشير إلى قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]\n(^٣) سبق تخريجه، وترجمة رجال سنده ص: ٢٧٠.\n(^٤) قال ابن عبدالبر: قال قتادة كانت معهم يومئذ سبعون بدنة بين كل سبعة بدنة. وهذا يدل على أنهم كانوا أربعمائة وتسعين.\n\nثم ساق الروايات في عددهم في الحديبية، ثم قال ابن عبدالبر: وهذه الأعداد مجملة محتملة للتأويل؛ لأنه ممكن أن تكون فيهم جماعة ساقوا عن أنفسهم الهدي، فلم يدخلوا فيمن أريد بالنحر في الحديبية؛ لأن الحديث إنما قصد فيه إلى من أشرك بأمر رسول الله - ﷺ - في بدنة أو بقرة. وحديث نحر رسول الله - ﷺ - يوم الحديبية البدنة عن سبعة واضح لا مدخل فيه للتأويل. ... [الاستذكار: ١٥/ ١٨٩، ١٩٠].","vol":"1","page":489},{"text":"ثم عائشة - ﵂ - تقول: نحر عن نسائه بقرة (^١). وبقرة عن تسعة أزواجه (^٢) في حجة الوداع، وهذا لم يكن هدي يوم (^٣) ولا عن واجب، فإن قيل: إن الهدي كان عليهم؛ لأنهم حصروا قبل، الهدي (^٤) قد كان أوجب بالإشعار والتقليد من قبل أن يحصروا، ثم لم يذكر أحد من الناس في حديث أنهم استاقوا هديًا بعد الحصر، بل كل من روى يذكر سياق الهدي من موضع الإحرام، وفي حديث الزهري عن عروة عن المسور في قصة الحديبية أن الهدي عليه قلائده، قد أكل وبره من طول الحبس (^٥).\nوقد حضر ابن عمر الحديبية (^٦) وروي عنه بالأسانيد التي لا تقاس بها الروايات عن جابر: لا يشترك في شئ من الهدي (^٧). وإنما ذلك لعلمه أن الاشتراك كان في اللحم دون الذكاة (^٨).\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: ٢٦٨.\n(^٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: تسع من أزواجه، أو تسع أزواجه. على أن أزواجه بدل من تسع.\n(^٣) كذا في الأصل، ولم أعرف معناها.\n(^٤) لعل الصواب: والهدي.\n(^٥) جزء من حديث سبق تخريجه ص: ٢٦٠، وهذه رواية محمد بن إسحاق عن الزهري.\n(^٦) روى البخاري في صحيحه: ٤/ ١٥٣٣ المغازي باب غزوة الحديبية: أن ابن عمر كان ممن بايع رسول الله - ﷺ - تحت الشجرة.\n(^٧) سبق تخريجه ص: ٢٧٠.\n(^٨) هذا القول عن ابن عمر رجع عنه، فقد روى الإمام أحمد في مسنده: ٥/ ٤٠٩ عن الشعبي قال: سألت ابن عمر قلت: الجزور والبقرة تجزئ عن سبعة، قال: ياشعبي ولها سبعة أنفس؟ قال: قلت: إن أصحاب محمد يزعمون أن رسول الله - ﷺ - سن الجزور والبقرة عن سبعة، فقال ابن عمر لرجل: أكذلك يا فلان؟ قال: نعم، قال: ما شعرت بهذا؟ . قال الهيثمي: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. [مجمع الزوائد: ٣/ ٢٢٦]. =\n\nقال ابن حجر: وقد روي عن ابن عمر أنه كان لا يرى التشريك، ثم رجع عن ذلك لما بلغته السنة. ثم ساق هذا الحديث. [فتح الباري: ٣/ ٦٧٥].\nبل قد روى ابن حزم في المحلى عن ابن عمر أنه قال: البقرة عن سبعة. [المحلى: ٧/ ٣٨٢]","vol":"1","page":490},{"text":"وعلى أن حديث يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة - ﵂ - *: نحر رسول الله - ﷺ - عن نسائه بقرة في حجة الوداع (^١). غلط من يونس؛ لأن يحيى بن سعيد رواه عن عمرة (^٢) (^٣)، وعبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة (^٤)، ومالك (^٥) وحماد (^٦) عن عبد الرحمن (^٧) قال: ذبح عن نسائه البقر وكان ذلك في حجة الوداع. وهذه أسانيد الفقهاء الذين يعلمون ما يحتاج إليه، ويميزون ما يسمعون (^٨).\n_________\n* لوحة: ٣٣/ب.\n(^١) سبق تخريجه ص: ٢٦٩.\n(^٢) عمرة بنت عبدالرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، أخذت عن عائشة، وكانت في حجرها، وعنها: أبو الرجال، والزهري، وغيرهم، ثقة، ماتت سنة ١٠٦ هـ. [الكاشف: ٢/ ٥١٤، والتقريب: ١٣٦٥].\n(^٣) سبق تخريجه ص: ١٢١.\n(^٤) سبق تخريجه ص: ١٢١.\n(^٥) ما وقفت عليه من رواية مالك هي عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة، وقد سبق تخريجها، وقد ذكر العيني نقلًا عن إسماعيل بن إسحاق أنها عند مالك، حيث قال: وقال القاضي إسماعيل وأما رواية يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه: - ﷺ - نحر عن أزواجه بقرة واحدة، فإن يونس انفرد به وحده، وخالفه مالك فأرسله، ورواه القاسم وعمرة عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنه - ﷺ - نحر عن أزواجه البقر، وحدثنا بذلك أبو مصعب عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، وحدثنا به القعنبي عن سليمان بن بلال عن يحيى عن عمرة عنها، انتهى. [عمدة القاري: ١٠/ ٤٨].\n(^٦) رواه حماد عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، كما في رواية أبي داود، وأحمد، وابن حبان، وقد سبق تخريجه ص: ١٢٢.\n(^٧) كذا في الأصل، ولعل هناك سقط في الإسناد، فقد رواه عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة.\n(^٨) قد سبق بيان صحة حديث يونس عن الزهري ص: ٢٦٩.","vol":"1","page":491},{"text":"وهو أيضًا خطأ على قول من يزعم أن البقرة عن سبعة؛ لأن أزواج رسول الله - ﷺ - كن تسعًا فكيف يجزئ عنهن بقرة؟ (^١)\n_________\n(^١) لعل مما يجاب به عن هذا: أن الاشتراك في تلك البقرة ليس بين نساء الرسول - ﷺ - التسع، بل هو عمن اعتمر منهن، كما ورد في حديث أبي هريرة الذي سبق: ذبح رسول الله - ﷺ - عمن اعتمر معه من نسائه في حجة الوداع بقرة بينهن. قال ابن حجر: فإن رواية أبي هريرة صريحة في أن ذلك كان عمن اعتمر من نسائه، وتبين توجيه الاستدلال به على جواز الاشتراك في الهدي والأضحية. [انظر فتح الباري: ٣/ ٦٩٦].","vol":"1","page":492},{"text":"وليس يجوز عندنا الاشتراك في الهدايا؛ لإجماع الصحابة لما سئلوا عما استيسر من الهدي فذكروا رأسًا عن كل رأس، فقالوا: البقرة، والبدنة، والشاة (^١)، وتجوز في الضحايا في أهل البيت وإن كثروا إذا كان المضحي عنهم واحد، ولا يجوز ذلك في المتباينين ... لما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه ضحى عن أمته، ولما ذكره أبو أيوب الأنصاري: أنه كان يفعل (^٢)، وليس سبيل الضحايا سبيل الهدي. قال الله ﵎: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (^٣) فجعله مثلًا ليكون على القاتل مثل المقتول من النعم، وهو واحد من الهدي ولم يجز أن يكون بعض واحد، وقال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (^٤) فهو واحد وقد يكون من الإبل، ويكون من البقر، ويكون من الشاء، فأي ذلك استيسر (^٥)، فالهدي اسم للجميع، ... وواحده هدية (^٦)، قال: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (^٧) فعلم أنهم صدوه *، ولما قيل: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (^٨) علم أنه عن الشيء الواحد: واحد من الإبل؛ لأن الآية على العموم ولم يقصد بها لإنسان بعينه، ولا في صيد واحد، وهو اسم لجميع الهدي،\n_________\n(^١) غاية ما في الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين في تفسير مااستيسر من الهدي: ذكر الجنس فقط، دون منع التشريك في ذلك الجنس.\n(^٢) سبق تخريجه ص: ٢٧٢.\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٩٥]\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٥) كذا في الأصل، ولعل الصواب: مما استيسر.\n(^٦) انظر مجاز القرآن: ١/ ٦٩، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٦٧، ولسان العرب: ١٥/ ٣٥٨.\n(^٧) [سورة الفتح: الآية ٢٥]\n* لوحة: ٣٤/أ.\n(^٨) [سورة المائدة: الآية ٩٥]","vol":"1","page":493},{"text":"وأهل اللغة تقول: إن واحد الهدي هديّة، مثل: تمرة وتمر، وجمرة وجمر، وطلحة وطلح، ثتبت الهاء في الواحد وتسقطها في الجمع (^١)، فلما قيل: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (^٢) وقد عرفوا أجناس الهدي علم أنه واحد من هذه الأجناس أنها ما استيسر؛ لأنها كلها تكون لها واحد وجميع، فأما بعض الواحد فهو جزء من الأجزاء يعرف بتقدير الاهلاك (^٣) من غير أن يكون لها معانيه يعرف بها، كما تعرف الشاة بعينها، والبعير بعينه لأن الإيجاب يقع على كل شئ يختاره الإنسان فيوجبه بعينه، وقد كان معروفًا بالنعت قبل أن يوجبه، والإجزاء لا يكون بعينه ولا يوقف على حدودها، وقد قيل: في الجنين غرة (^٤) (^٥)،\n_________\n(^١) هذا يعرف عند أهل اللغة: باسم الجنس الجمعي، وهو: ما يدل على جماعة، وإذا زيد على لفظه تاء التأنيث نقص معناه، وصار دالًا على الواحد، أو هو: ماله مفرد يشاركه في لفظه ومعناه معًا، ولكن يمتاز المفرد بزيادة تاء التأنيث في آخره أو ياء النسب، نحو: ثمر، ومفرده ثمرة، وعرب، ومفرده عربي. [انظر أوضح المسالك لابن هشام: ١/ ١٣، والنحو الوافي: ٤/ ٦٨١].\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٣) كذا في الأصل، ولم أعرف معناها.\n(^٤) الغُرة: العبد نفسه أو الأمة، وأصل الغرة: البياض الذي يكون في وجه الفرس، والغرة عند الفقهاء: ما بلغ ثمنه نصف عشر الدية من العبيد والإماء. [النهاية في غريب الحديث: ٣/ ٣٥٣، ولسان العرب: ٥/ ١٩].\n(^٥) عن أبي هريرة قال: قضى رسول الله - ﷺ - في الجنين بغرة .. رواه أبو داود في سننه: ٤/ ١٩٣ باب دية الجنين من كتاب الديات، والترمذي في سننه في دية الجنين من أبواب الديات وقال: حديث حسن صحيح، انظر تحفة الأحوذي: ٤/ ٦٦٦، وابن ماجة في سننه: ٢/ ١٠٣ باب دية الجنين من أبواب الديات، وأحمد في مسنده: ... ٢/ ٤٣٨، والدارقطني في سننه: ٣/ ١١٥ كتاب الحدود والديات، حديث: ١١٤، والبيهقي في سننه: ٨/ ١١٢ باب دية الجنين من كتاب الديات.\nومن حديث المغيرة بن شعبة رواه أبوداود في سننه: ٤/ ١٩٠، والترمذي انظر التحفة: ٤/ ٦٦٦، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ١١٣ كتاب أقضية رسول الله - ﷺ -.\nوأصله في صحيح البخاري: ٦/ ٢٥٣٢ باب جنين المرأة وأن العقل على الوالد وعلى عصبة الوالد من كتاب الديات، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٣١٠ كتاب القسامة حديث: ٣٦ من حديث أبي هريرة: فقضى رسول الله - ﷺ -: أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى أن دية المرأة على عاقلتها.","vol":"1","page":494},{"text":"فوقع الإيجاب على شئ يعرف بالنعت، فكانت الأمة غرة، وكان العبد غرة، وكان الفرس غرة، فأي ذلك أخرجه الرجل فقد أخرج شيئًا نعت له، ولو قال إنسان: ائتني بما استيسر من الإبل أو الغنم لما وقع على بعض شاة؛ لأنه إذا أتاه ببعض البعير فإنما يأتيه به لحمًا ولا يقع عليه اسم بعير، وإنما يقال لحم بعير ولحم شاة، كذلك إذا قال له: سق ما استيسر من الهدي لم يقع على بعض بعير، قال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (^١) *فإذا وجبت بدنًا قبل أن تنحر ولم يقصد بها اللحم الذي يتصدق به، ألا ترى أنها قد وصفت بأنها من شعائر الله كما قيل في الصفا والمروة إنها من شعائر الله (^٢)، وقال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (^٣) فإذا وصفت بأنها من شعائر الله فليس يعلم قدر ثوابها إلا الله ﷿، ولو كان الهدي إنما يبتغى به مقدار لحمه لكان أوفر للمساكين أن يجتمع عن الهدي والنفقة عليه والكلفة لبلاغه، ثم يشترى بذلك لحم ويقسم، ولم يكلف الناس سوقه وما فيه من التعب والعزر (^٤)،\n_________\n(^١) [سورة الحج: الآية ٣٦]\n* لوحة: ٣٤/ب.\n(^٢) قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]\n(^٣) [سورة الحج: الآية ٣٢]\n(^٤) كذا في الأصل، ولعلها مشتقة من مادة العزر والتعزير الذي هو: ضرب دون الحد.\n[لسان العرب: ٤/ ٥٦١].\n\nفلعل هذه الكلمة تدل على المشقة لما في التعزير من مشقة وتعب.","vol":"1","page":495},{"text":"ولعل هديًا واحدًا يساق أفضل عند الله من مائة جزور تنحر ويقسم لحمها، وكيف يمكن أن يشبه هذا بهذا وقد سماه الله ﷿ من الشعائر؟ قال زيد بن أسلم الشعائر: ست الصفا والمروة، والجمار والمشعر الحرام، والبدن، وعرفة، والركن (^١). فإذا جعلت البدن إحدى الشعائر فكيف يعرف قدرها؟ وأصحاب اللغة جميعًا قالوا: الشعائر مأخوذة من الشيء الذي قد أشعر ليعرف، ومما يدل على ذلك إشعار الهدي وتقليده فيصير ذلك علامة له، إذا كانت الشعائر سوى البدن مواضع معروفة وأوقات معلومة فهذا علامة لها، والهدي إنما يصير هديًا بعد الإيجاب فجعلت له علامة، وكان الإشعار والشعائر مشتقًا بعضها من بعض، والله أعلم (^٢)،\n_________\n(^١) ذكره أبو المظفر السمعاني في تفسيره: ٣/ ٤٣٧، والألوسي في روح المعاني: ١٧/ ١٥٠.\n(^٢) قال أبو عبيدة: شعائر الله: واحدتها شعيرة، وهي في هذا الموضع: ما أشعر لموقف، أو مشعر، أو منحر أي: أُعلم لذاك، وفي موضع آخر: الهدي، إذا أشعرها، وهو أن يقلدها، أو يحللها فأعلم أنها هدي.\n[مجاز القرآن: ١/ ٦٢، وانظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٣٣، ولسان العرب: ٤/ ٤١٤].\n\n* لوحة: ٣٥/أ.","vol":"1","page":496},{"text":"فلما سميت البدن في كتاب الله من الشعائر وجعل فيها الإشعار * فكيف يفعل الإنسان بنصيبه من الجزور إذا كانت بينه وبين آخر؟ فكيف يشعرها؟ وقد يمكن أن يكون شريكه كافرًا لا يريد أن ينحر الجزور إن تابعه الشريك على النحر، وإنما يصير حامل نصيب المهدي لحمًا يقسمه ويأكل منه لأنه هو الذي يمكن أن يقسم بينه وبين شريكه، ويبطل المعنى الذي وصفه الله ﵎ فيها بأنه من الشعائر، وبأنهم يذكرون اسم الله عليها صواف؛ لأن الذكر الذي يذكر عليها لا ينقسم كما ينقسم اللحم، ويبطل المعنى في المهدى، وتصير البدن التي وصفها الله تعالى بما وصفها له تنحر بأمر مسلم وكافر لا يخلص لله في نحرها، وقد قال بجواز ذلك بعض المتكلفين للعلم من القرون المذمومة، وقد روى أبو جمرة (^١) عن ابن عباس: شركة في دم وهو شح (^٢)،\n_________\n(^١) نصر بن عمران بن عصام، أبو جمرة الضبعي البصري، نزيل خراسان، مشهور بكنيته، عن: ابن عباس، وابن عمر، وعنه: شعبة، وعباد بن عباد، ثقة ثبت، مات سنة ١٢٨ هـ.\n[الكاشف: ٢/ ٣١٩، والتقريب: ١٠٠٠]\n(^٢) لم أجده بهذا اللفظ، وقد رواه البخاري قي صحيحه: ٢/ ٦٠٥ باب قوله: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فمااستيسر من الهدي، كتاب الحج، عن أبي جمرة قال: سألت ابن عباس - ﵄ - عن المتعة فأمرني بها، وسألته عن الهدي فقال: فيها جزور، أو بقرة، أو شاة، أوشرك في دم.\n\nورواه سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٧٧٠، ٧٧١، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢١٧.","vol":"1","page":497},{"text":"وخالفه أيوب (^١) عن محمد (^٢) عن ابن عباس (^٣)، وثقات أصحاب ابن عباس (^٤)، فوها ما رواه، والمعتمد في العلم على الثقات المعروفين بالضبط (^٥).\n_________\n(^١) في الأصل: أبو أيوب، والصواب ما أثبت. وهو أيوب السختياني ثقة ثبت حجة، تقدم.\n(^٢) محمد بن سيرين ثقة ثبت عابد كبير القدر، تقدم.\n(^٣) ذكرها ابن حجر في الفتح: ٣/ ٦٧٥ نقلًا عن القاضي إسماعيل بن إسحاق.\n(^٤) سبق ذكر الروايات الصحيحة عن ابن عباس في تفسير مااستيسر من الهدي.\n(^٥) قال ابن حجر ناقلًا لاعتراض القاضي إسماعيل على رواية أبي جمرة: واحتج له إسماعيل القاضي بأن حديث جابر إنما كان بالحديبية حيث كانوا محصرين، وأما حديث بن عباس فخالف أبا جمرة عنه ثقات أصحابه، فرووا عنه أن ما استيسر من الهدي شاة - ثم ساق ذلك بأسانيد صحيحة عنهم عن ابن عباس - قال: وقد روى ليث عن طاوس عن ابن عباس مثل رواية أبي جمرة، وليث ضعيف. قال: وحدثنا سليمان عن حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين عن ابن عباس قال: ما كنت أرى أن دمًا واحدًا يقضي عن أكثر من واحد انتهى.\nثم شرع ابن حجر في الرد على هذا الاعتراض بقوله: وليس بين رواية أبي جمرة ورواية غيره منافاة؛ لأنه زاد عليهم ذكر الاشتراك ووافقهم على ذكر الشاة، وإنما أراد ابن عباس بالاقتصار على الشاة الرد على من زعم اختصاص الهدي بالإبل والبقر وذلك واضح فيما سنذكره بعد هذا، وأما رواية محمد عن بن عباس فمنقطعة، ومع ذلك لو = كانت متصلة احتمل أن يكون ابن عباس أخبر أنه كان لا يرى ذلك من جهة الاجتهاد حتى صح عنده النقل بصحة الاشتراك، فأفتى به أبا جمرة وبهذا تجتمع الأخبار، وهو أولى من الطعن في رواية من أجمع العلماء على توثيقه والاحتجاج بروايته وهو أبو جمرة الضبعي.\n[انظر فتح الباري: ٣/ ٦٧٥].","vol":"1","page":498},{"text":"وقد كان مالك - ﵁ - يستحب أن يكون الهدي جزورًا أو بقرة، ويرى أن الشاة تجزء ويحتج بقول الله ﷿: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (^١) (^٢).\nوقد روى الكوفيون بأجود أسانيدهم عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: كأني انظر إليّ أفتل (^٣) قلائد هدي رسول الله - ﷺ - من الغنم (^٤). فإنه خطأ ذكر الغنم منه؛ لأن أهل المدينة رووه بالإسناد الجيد من أسانيدهم ولم يذكروا فيه هذه الكلمة (^٥)،\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٩٥]\n(^٢) الموطأ: ١/ ٣١٠ الحج رقم: ١٥٩.\n(^٣) قال ابن فارس: الفاء والتاء واللام أصل صحيح يدل على: ليّ شيء، من ذلك فتلت الحبل وغيره.\n[مقاييس اللغة: ٨٠٦].\n(^٤) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٠٩ باب تقليد الغنم كتاب الحج من طريق الأعمش، حدثنا إبراهيم عن الأسود عن عائشة - ﵂ - قال: كنت أفتل القلائد للنبي - ﷺ -، فيقلد الغنم، ويقيم في أهله حلالًا. ومسلم في صحيحه: ٢/ ٩٥٨ كتاب الحج حديث: ٣٦٥ من طريق منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: لقد رأيتني أفتل القلائد لهدي رسول الله - ﷺ - من الغنم، فيبعث به، ثم يقيم فينا حلالًا.\n(^٥) قال ابن عبدالبر: واحتج من لم ير تقليد الغنم بأن رسول الله - ﷺ - إنما حج حجة واحدة لم يهد فيها غنمًا، وأنكروا حديث الأسود عن عائشة في تقليد الغنم، قالوا: هو حديث لا يعرفه أهل بيت عائشة.\n[التمهيد: ١٧/ ٢٣٠].\n\nلعل المؤلف يشير إلى مارواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٠٨ باب فتل القلائد للبدن والبقر عن عروة أن عائشة ... - ﵂ - قالت: كان رسول الله - ﷺ - يهدي من المدينة، فأفتل قلائد هديه، ثم لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم، والبخاري في صحيحه: ٢/ ٦٠٩ عن القاسم عن عائشة بمثله، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٩٥٧ الحج حديث: ٣٥٩ عن عروة عن عائشة، و٢/ ٣٥٧ حديث: ٣٦١ من طريق عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة.\n* لوحة: ٣٥/ب.","vol":"1","page":499},{"text":"وما سمعنا في حديث ولا سيرة ولا في خبر * أن الغنم سيقت في الهدي من المدينة في زمن رسول الله - ﷺ -\nولا بعده، وهذا لو كان لكان أمرًا مشهودًا لبعده من قلوب الناس (^١)،\n_________\n(^١) الحديث صحيح لايسوغ إنكاره ولاتضعيفه، ولو لم يورد المؤلف الحديث ويطعن فيه، لكان ربما قيل: لعله لم يبلغه، كما اعُتذر بذلك عن الإمام مالك ﵀، حيث قال القاضي عياض: والغنم لاتقلد ولاتشعر؛ لأنه ليست لها أسنمة، عند مالك وأصحاب الرأي، وهي تقلد عند جمهورهم للحديث الثابت في ذلك، قاله بعض أصحابنا، ولم يره مالك، لعله لم يبلغه الحديث، ولم يجر عليه العمل. [إكمال المعلم: ٤/ ٣٢٢].\nوأما أنه لايوجد حديث ولا سيرة ولا خبر أن الغنم سيقت في الهدي في زمن رسول الله - ﷺ - ولا بعده، فقد روت عائشة - ﵂ - كما في البخاري: ٢/ ٦٠٩، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٩٥٨ أن رسول الله - ﷺ - أهدى مرة إلى البيت غنمًا فقلدها.\nقال ابن حجر: ثم من الذي صرح من الصحابة بأنه لم يكن في هداياه في حجته غنم حتى يسوغ الاحتجاج بذلك؟، ثم ساق ابن المنذر من طريق عطاء، وعبيد الله بن أبي يزيد، وأبي جعفر محمد بن علي وغيرهم قالوا: رأينا الغنم تقدم مقلدة، ولابن أبي شيبة عن ابن عباس نحوه. والمراد بذلك الرد على من ادعى الإجماع على ترك إهداء الغنم وتقليدها، وأعل بعض المخالفين حديث الباب بأن الأسود تفرد عن عائشة بتقليد الغنم دون بقية الرواة عنها من أهل بيتها وغيرهم، قال المنذري وغيره: وليست هذه بعلة؛ لأنه حافظ ثقة لا يضره التفرد.\n\n[فتح الباري: ٣/ ٦٩١، ٦٩٢].","vol":"1","page":500},{"text":"ولولا أن ثقات الكوفيين يدلسون فيمسكون عن ذكر من لو ذكر في الخبر لبطل لكان هذا الحديث في القلب منه شك، ولكن لا شك في بطلانه (^١).\n_________\n(^١) قد ذكر أهل العلم أن المدلسين ليسوا في مرتبة واحدة، وإنما هم على خمس مراتب: الأولى: من لايوصف بذلك إلا نادرًا جدًا، الثانية: من احتمل الأئمة تدليسه، وأخرجوا له في الصحيح، الثالثة: من أكثر من التدليس، فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بماصرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقًا، الرابعة: من اتفق على أنه لايحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، الخامسة: من ضعف بأمر آخر سوى التدليس، فحديثهم مردود ولو صرحوا بالسماع، إلا إن توبع من كان ضعفه منهم.\n[انظر جامع التحصيل: ١١٣، وتعريف أهل التقديس: ٦٢].\nوممن رروى هذا الحديث من ثقات أهل الكوفة المدلسين: سليمان بن مهران الأعمش، وإبراهيم بن يزيد النخعي، وهما ممن احتمل الأئمة تدليسهم، قال العلائي: من احتمل الأئمة تدليسه، وخرجوا له في الصحيح، وإن لم يصرح بالسماع، وذلك: إما لإمامته، أو لقلة تدليسه في جنب ما روى، أو لأنه لايدلس إلا عن ثقة، وذلك كالزهري، وسليمان الأعمش، وإبراهيم النخعي، ففي الصحيحين وغيرهما لهؤلاء الحديث الكثير مما ليس فيه التصريح بالسماع، وبعض الأئمة حمل ذلك على أن الشيخين اطلعا على سماع الواحد لذلك الحديث الذي أخرجه بلفظ عن ونحوها من شيخه وفيه تطويل. [انظر جامع التحصيل: ١١٣].","vol":"1","page":501},{"text":"قال عبد الرحمن بن مهدي (^١) مثله، من أجل التدليس لا تشاء أن ترى في حديث أهل الكوفة (^٢) جيد الإسناد لا أصل له إلا وجدته (^٣).\nنا الفريابي (^٤) قال: نا نصر بن علي (^٥)\n_________\n(^١) عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن، الإمام الناقد المجود، سيد الحفاظ، أبو سعيد العنبري، وقيل: الأزدي مولاهم البصري اللؤلؤي، ولد سنة خمس وثلاثون ومئة، سمع سفيان، وشعبة، ومالك بن أنس، وغيرهم، وحدث عنه: ابن المبارك، وابن وهب، وهما من شيوخه، وغيرهما، كان ثقة كثير الحديث، توفي بالبصرة سنة ١٩٨ هـ. [طبقات ابن سعد: ٧/ ٢٩٧، وسير أعلام النبلاء: ٩/ ١٩٢].\n(^٢) الكُوفَة: بالضم: المصر المشهور بأرض بابل من سواد العراق، سميت الكوفة لاستدارتها أخذًا من قول العرب: رأيت كوفانًا للرميلة المستديرة، وقيل: سميت لاجتماع الناس بها، وقيل غير ذلك.\n[معجم البلدان: ٤/ ٤٩٠].\n(^٣) روى ابن عساكر في تاريخ دمشق: ١/ ٣٦٣ قيل لعبدالرحمن بن مهدي: أي الحديث أصح؟ قال: أهل الحجاز، قيل: ثم من؟ قال: حديث أهل البصرة، قال: قيل: ثم من؟ قال: حديث أهل الكوفة، قال: فالشام؟ قال: فنفض يده. قال ابن عساكر: في ثبوت هذه الحكاية نظر.\nوذكره ابن عبدالبر في التمهيد: ١/ ٨١.\n(^٤) في الأصل: الفاريابي، والصواب ما أثبت، وهو أحد شيوخ المؤلف، ثقة حجة، تقدم.\n(^٥) نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي الأزدي، أبو عمرو البصري، عن: أحمد بن موسى الخزاعي، وعبدالملك بن قريب الأصمعي، وعنه: أحمد بن زنجويه، وإسماعيل بن إسحاق، ثقة، مات سنة ٢٥٠ هـ.\n\n[تهذيب الكمال: ٢٩/ ٣٥٥، والتقريب: ١٠٠٠].","vol":"1","page":502},{"text":"قال: نا الأصمعي (^١) قال: قال سفيان بن عيينة: إذا أردت ما لا يعرف حقه من باطله فعليك بأهل العراق (^٢).\n\nوقال ابن المبارك (^٣): أفسد التدليس حديث أهل الكوفة (^٤).\n_________\n(^١) عبد الملك بن قُريب بن عبدالملك بن علي بن أصمع، أبو سعيد الباهلي الأصمعي البصري، صاحب اللغة والنحو، والغريب، والأخبار، والملح والنوادر، عن: سفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وعنه: نصر بن علي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، صدوق سنى، مات سنة ٢١٥ هـ، وقيل: بعدها.\n[تهذيب الكمال: ١٨/ ٣٨٢، والتقريب: ٦٢٦].\n(^٢) روى ابن عساكر في تاريخه: ١/ ٣٢٩، ٣٣٠ من طريق نصر بن علي عن الأصمعي عن سفيان، ومن طريق هلال بن العلاء عن الأصمعي عن سفيان بن عيينة قال: من أراد الإسناد والحديث الذي يسكن إليه فعليه بأهل المدينة، ومن أراد المناسك والعلم بها والمواقيت فعليه بأهل مكة، ومن أراد المقاسم وأمر الغزو فعليه بأهل الشام، ومن أراد شيئًا لايعرف حقه من باطله فعليه بأهل العراق.\n(^٣) عبدالله بن المبارك بن واضح، الإمام شيخ الإسلام، أبو عبدالرحمن المروزي، مولى بني حنظلة، ولد سنة ١١٨ هـ، من الربانين في العلم، الموصوفين بالحفظ، ومن المذكورين بالزهد، سمع يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، وغيرهم، حديثه حجة بالاجماع، مات سنة ١٨١ هـ.\n[تاريخ بغداد: ١٠/ ١٥٢، وسير أعلام النبلاء: ٨/ ٣٧٨].\n(^٤) لم أقف عليه،، إنما وقفت على مارواه ابن عساكر في تاريخه: ١/ ٣٣٠ عن ابن المبارك أنه قال: ما دخلت الشام إلا لأستغني عن حديث أهل الكوفة. وذكر السيوطي عنه في تدريب الراوي: ١/ ٦٣ أنه قال: حديث أهل المدينة أصح، وإسنادهم أقرب.","vol":"1","page":503},{"text":"وقال القاضي: ومما يذهب على مخالفنا ممن يجيز الشرك في الدم وخفي عليه، وضل عن علمه: قول النبي - ﷺ - وقد سئل ما أفضل الحج؟ فقال: العج والثج (^١). والعج التلبية إجابة الله إلى ما دعا إليه (^٢)، والثج إراقة الدماء (^٣)، وفي هذا دليل واضح أن المُتقرب إلى الله به إراقة الدماء لا اللحم الذي يقسم، والله أعلم (^٤).\n_________\n(^١) روى الترمذي في سننه باب ماجاء في فضل التلبية والنحر من أبواب الحج عن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن محمد بن المنكدر عن عبدالرحمن بن يربوع عن أبي بكر الصديق أن رسول الله - ﷺ - سئل أي الحج أفضل؟ قال: العج والثج. قال الترمذي: حديث أبي بكر حديث غريب لانعرفه إلا من حديث ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان، ومحمد بن المنكدر لم يسمع من عبدالرحمن بن يربوع، انظر تحفة الأحوذي: ٣/ ٥٦٣، وابن ماجة في سننه: ٢/ ١٦٠ باب رفع الصوت بالتلبية من أبواب المناسك، والدارمي في سننه: ٢/ ٤٩ باب أي الحج أفضل، من كتاب المناسك، وابن خزيمة في صحيحه: ٤/ ١٧٥، والحاكم في المستدرك: ١/ ٦٢٠ كتاب المناسك، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في سننه: ٥/ ٤٢ باب رفع الصوت بالتلبية من كتاب الحج.\n(^٢) انظر النهاية في غريب الحديث: ٣/ ١٨٤.\n(^٣) المرجع السابق: ١/ ٢٠٧.\n(^٤) ذكر المؤلف مسألة الاشتراك في دم الهدي.\nوقد ذهب جمهور أهل العلم الشافعي، وأحمد، والثوري، والأوزاعي إلى جواز الاشتراك في الهدي سواء كان واجبًا أو تطوعًا، سواء كان كلهم متقربين، أو بعضهم يريد القربة، وبعضهم يريد اللحم.\nوذهب مالك إلى عدم جواز ذلك كله مطلقًا، وقال أبو حنيفة: يجوز إن كانوا كلهم متقربين، وإلا فلا.\n[انظر المدونة: ١/ ٤٦٨، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٣٧٣، الاستذكار: ١٥/ ١٩٠، المغني: ٥/ ٤٥٩، وشرح النووي على صحيح مسلم: ٩/ ٩٧].\n\nولعل الراجح هو جواز الاشتراك في الهدايا مطلقًا، قال ابن العربي بعد ذكره لحديث جابر في صحيح مسلم: وهذا لاغبار عليه، ولامطمع فيه. [أحكام القرآن: ١/ ١٨٠].","vol":"1","page":504},{"text":"قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (^١)\nأخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأتفوي قال: أنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، في منزله بمصر قراءة عليه، وأنا أسمع قيل له: قلتَ رضي الله عنك، قال جماعة من المفسرين ومن الفقهاء الذين تكلموا في هذه الآية: ... الثلث (^٢) آخرها يوم عرفة (^٣)، وأجاز بعضهم تفرقتها في شوال وذي القعدة وذي الحجة (^٤)، وقال بعضهم: فإن تأخر عن ذلك أهراق * دمًا (^٥)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٢) كذا في الأصل، والصواب: الثلاثة.\n(^٣) روي هذا القول عن علي بن أبي طالب، والحسن، وإبراهيم، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وقتادة، والسدي، وطاوس. انظر مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٢٦٤ باب قوله: فصيام ثلاثة أيام، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٤٧، ٢٤٨.\n(^٤) كذا في الأصل، ولعل في الكلام تقديم وتأخير، فيكون الصواب: آخرها يوم عرفة، وقال بعضهم: فإن تأخر عن ذلك أهراق دمًا، وأجاز بعضهم تفرقتها ....\n* لوحة: ٣٦/أ.\n(^٥) ذهب بعض السلف إلى أن من لم يجد الهدي ولم يصم الأيام الثلاثة قبل يوم النحر أنه لا يجزئه إلا الهدي، وهذا يروى عن: عمر، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وعطاء، وسعيد بن المسيب، وطاوس.\n\n[انظر سنن سعيد بن منصور: ٣/ ٧٧٤، ٧٧٧، ٧٨١، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٥٠ في المتمتع إذا فاته الصوم، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٤٠٤].","vol":"1","page":505},{"text":"قالوا: إن شاء فرقها ... في هذه الشهور (^١)، وقال بعضهم: لا تجوز إلا متتابعة (^٢)، وروي نحو ذلك عن ... عمر (^٣)، وعلي (^٤)،\n_________\n(^١) روى ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٠٥، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٤٣ عن مجاهد وطاوس أنهما قالا: لا بأس للمتمتع أن يصوم يومًا من شوال ويومًا من ذي القعدة وآخرها يوم عرفة. ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٥٠ في المتمتع يريد الصوم متى يصوم؟ عن مجاهد.\n(^٢) لم أقف على من قال بوجوب التتابع، بل نقل الطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٢٣٧ الإجماع على عدم وجوب التتابع، حيث قال: غير أنهم لا يختلفون أيضًا أنه إن صامها فله ذلك في حرمة الحج متتابعة أو متفرقة لأنه يجزئه ذلك.\nوقال ابن قدامة: ولا يجب التتابع في الصيام للمتعة، لافي الثلاثة ولا في السبعة، ولا التفريق، نص عليه أحمد؛ لأن الأمر ورد بها مطلقًا، وذلك لا يقتضي جمعًا ولا تفريقًا، وهذا قول الثوري، وإسحاق، وغيرهما، ولا نعلم فيه مخالفًا. [المغني: ٥/ ٣٦٣].\n(^٣) المروي عن عمر في هذا الباب ما سبق من أن من لم يجد الهدي ولم يصم قبل يوم النحر أنه لايجزئه إلا الهدي، فقد روى محمد بن الحسن في الحجة: ١/ ٣١٠: أن رجلًا أتى عمر بن الخطاب، وقد تمتع ففاته الصوم في العشر، فقال: اهد هديًا، فقال: لا أجد، قال: سل في قومك، قال: ليس ههنا من قومي من أسأله، فقال: ... يا معيقيب أعطه ثمن شاة.\nوقد رواه أيضًا ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٥٠ في المتمتع إذا فاته الصوم، والطحاوي في أحكام القرآن: ... ٢/ ٢٣٩، وشرح معاني الآثار: ٢/ ٢٤٨.\n(^٤) المروي عن علي في ذلك هو الأمر بصيام أيام التشريق لمن فاته الصوم قبل ذلك رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٢٦٤ باب قوله: فصيام ثلاثة أيام، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٤٧، ٢٤٩ وابن أبي حاتم في تفسيره: ... ١/ ٣٤٢، والبيهقي في سننه: ٥/ ٢٥ باب الأعواز من هدي المتعة ووقت الصوم.\n\nوقد روى البيهقي في معرفة السنن والآثار: ٧/ ٨٨ عن علي: أنه إذا فاته صام بعد أيام التشريق. ولكن قال ... ابن حزم: ولا يصح عنه. المحلى: ٧/ ١٤٤.","vol":"1","page":506},{"text":"وروي عن عائشة (^١) وابن عمر (^٢) وجماعة من التابعين (^٣): أن المتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم حتى مضى العشر، أنه يصوم أيام التشريق.\nواختلفوا أيضًا في السبعة فقال بعضهم: يصومها بمكة وقال آخرون: يصومها في ... بلده (^٤).\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٧٠٣ الصوم باب صيام أيام التشريق، ومالك في الموطأ: ١/ ٣٣٩ الحج رقم: ٢٥٥، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٥١ من رخص في الصوم ولم ير عليه هديًا، وابن جرير في تفسيره: ... ٢/ ٢٤٩، والطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٢٣٨، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٤٢.\n(^٢) انظر المراجع السابقة، وتفسير عبدالرزاق: ١/ ٧٦.\n(^٣) ممن قال به من التابعين: عبيد بن عمير الليثي، وعروة، وعكرمة، والحسن البصري. انظر مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٣٦٥ باب قوله: فصيام ثلاثة أيام، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٤٩، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٣٤.\n(^٤) يأتي ذكر هذه الأقوال عند تفسير السبعة أيام.","vol":"1","page":507},{"text":"قال القاضي: فنظرنا في ذلك فوجدنا قول من يقول يصوم في العشر ومن أباحه في شوال وذي القعدة يدور في ذلك على أن يقع الصوم بعد أن يهل بالحج؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (^١) فإذا اعتمر في أشهر الحج فليس بمتمتع حتى يهل بالحج؛ لأنه قد يعتمر في أشهر الحج ثم لا يحج، فإن أهل بالحج صار حينئذ متمتعًا، وجاء موضع الهدي أو الصيام إن لم يجد هديًا، ولا يبالي حينئذ أن يقع صومه في ذي الحجة أو في ذي القعدة أو في شوال؛ لأنه قد أهل بالحج بعد أن اعتمر في أشهر الحج، فوضع (^٢) صومه في الحج إذ قد كان أحرم به، فإن لم يصم حتى يمضي يوم عرفة فقد ذكرنا ما روي عن عائشة وابن عمر وبعض التابعين: أنه يصوم التشريق (^٣)، وهو قول مالك (^٤)، وإنما أرخص هؤلاء في صيام أيام التشريق؛ لأنها بقية من الحج، فلما لم يجد الهدي وكانت من أيام الحج أمرناه بصومها.\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: فوقع.\n(^٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: أيام التشريق، وقد سبق تخريج هذه الآثار ص: ٢٨٤.\n(^٤) النوادر والزيادات: ٢/ ٤٥٩، والاستذكار: ١٣/ ٣٧٢.","vol":"1","page":508},{"text":"وقد روي عن النبي - ﷺ - الإرخاص في صومها من طريق ابن عمر، ولعله قاله: اتباعًا. ... نا أبو الضحاك بن أبي عاصم (^١) وأحمد بن عبيد الله الجبيري (^٢) قالا: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم (^٣) قال: نا يحيى بن سلام (^٤) عن شعبة (^٥) عن * ابن أبي ليلى (^٦)\n_________\n(^١) أحد شيوخ المؤلف، تقدم. .\n(^٢) أحمد بن عبيدالله الجبيري، وثقه الدارقطني، أحد شيوخ المؤلف، تقدم.\n(^٣) محمد بن عبدالله بن عبدالحكم بن أعين بن ليث المصري، أبو عبدالله، الفقيه، عن: أشهب بن إسماعيل، ويحيى بن سلام البصري، وعنه: النسائي، ويحيى بن محمد بن صاعد، ثقة، مات سنة ٢٦٨ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٢٥/ ٤٩٧، والتقريب: ٨٦٢].\n(^٤) يحيى بن سلام بن ثعلبة، أبو زكريا البصري، نزيل المغرب بإفريقية، عن: سعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وعنه: ابن وهب، ومحمد بن عبدالله بن عبد الحكم، قال ابن أبي حاتم: صدوق. وضعفه الدارقطني، وقال ابن عدي: يكتب حديثه مع ضعفه، مات سنة ٢٠٠ هـ.\n[الجرح والتعديل: ٩/ ١٥٥، وسير أعلام النبلاء: ٩/ ٣٩٦، وميزان الاعتدال: ٤/ ٣٨٠].\n(^٥) شعبة بن الحجاج، ثقة حافظ متقن، تقدم.\n* لوحة: ٣٦/ب.\n(^٦) في الأصل أبي ليلى، وهو خطأ، وعند ابن جرير والطحاوي: ابن أبي ليلى، وقد صرح باسمه الدارقطني: عبدالله بن عيسى بن عبدالرحمن بن أبي ليلى.\nوهو: عبدالله بن عيسى بن عبدالرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، أبو محمد الكوفي، عن: الشعبي، والزهري، وعنه: سفيان الثوري، وشعبة، ثقة فيه تشيع، مات سنة ١٣٠ هـ.\n\n[تهذيب الكمال: ١٥/ ٤١٢، والتقريب: ٥٣٣].","vol":"1","page":509},{"text":"عن الزهري (^١) عن سالم (^٢) عن أبيه (^٣) أن النبي - ﷺ -: أرخص لمن لم يجد الهدي ولم يصم في العشر وكان متمتعًا أن يصوم أيام التشريق (^٤).\n_________\n(^١) محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، متفق على جلالته وإتقانه، تقدم.\n(^٢) سالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب، أحد الفقهاء السبعة ثبت عابد، تقدم.\n(^٣) عبدالله بن عمر بن الخطاب.\n(^٤) رواه الدارقطني في سننه: ٢/ ١٨٦ الصوم حديث: ٢٩ من طريق محمد بن عبدالله بن عبدالحكم بمثله، وقال: يحيى بن سلام ليس بالقوي، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٥٠ من طريق محمد بن عبدالله بن عبدالحكم، وكذلك الطحاوي في شرح معاني الآثار: ٢/ ٢٤٣.\nوهذا الحديث مداره على يحيى بن سلام، وقد ضعفه الدارقطني، وعلى هذا فالحديث ضعيف من هذا الطريق، قال الطحاوي: من ذلك حديث يحيى بن سلام عن شعبة فهو حديث منكر، لايثبته أهل العلم بالرواية؛ لضعف يحيى بن سلام عندهم. ... [شرح معاني الآثار: ٢/ ٢٤٦].\nولكن أصله عند البخاري في صحيحه: ٢/ ٧٠٣ الصوم باب صيام أيام التشريق، فقد رواه البخاري عن ابن عمر موقوفًا من طريق محمد بن بشار عن غندر عن شعبة عن عبدالله بن عيسى عن الزهري عن عروة عن عائشة، وسالم عن ابن عمر، قالا: لم يُرَخَّص في أيام التشريق أن يُصمن إلا لمن يجد الهدي.\nوقد اختلف أهل العلم في هذا الحديث هل له حكم الرفع حكمًا وإن لم يكن مرفوعًا لفظًا، قال ابن حجر:\nوقد اختلف علماء الحديث في قول الصحابي: (أمرنا بكذا ونهينا عن كذا) هل له حكم الرفع على أقوال ثالثها: إن إضافه إلى عهد النبي - ﷺ - فله حكم الرفع وإلا فلا، واختلف الترجيح فيما إذا لم يضفه، ويلتحق به: (رخص لنا في كذا وعزم علينا أن لا نفعل كذا) كل في الحكم سواء، فمن يقول: إن له حكم الرفع فغاية ما وقع في رواية يحيى بن سلام أنه روي بالمعنى.\n\nثم قال بعد أن ساق كلامًا للطحاوي مفاده: أن ابن عمر وعائشة فهما هذا استنباطًا من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾، قال: وعلى هذا فقد تعارض عموم الآية المشعر بالإذن وعموم الحديث المشعر بالنهى، وفي تخصيص عموم المتواتر بعموم الآحاد نظر لو كان الحديث مرفوعًا، فكيف وفي كونه مرفوعًا نظر؟ فعلى هذا يترجح القول بالجواز، وإلى هذا جنح البخاري. [فتح الباري: ٤/ ٣٠٨، ٣٠٩].","vol":"1","page":510},{"text":"والقرآن مؤيد لهذا الخبر؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (^١) وهذه أيام من أيام الحج. فإن قال قائل: إن النبي - ﷺ - نهى عن صيامها، وقال: هي أيام أكل وشرب وذكر لله (^٢). فهذا والله أعلم أريد به من لم يجب لله عليه صيام فليس له صومها، وإذا كان من وجب عليه الصوم وجب عليه صيامها، كما جاء أن النبي - ﷺ - نهى عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح (^٣)، وقد قال النبي - ﷺ -: من نسي صلاة فليصلها (^٤) إذا ذكرها (^٥). فأنزل الأول في المتطوعين، ولم يمنع المفترضين من الصلاة في ذلك الوقت، ولا من دخل المسجد وقد صلى في رحله أن يعيد، كذلك منع من الصيام المتطوع في أيام التشريق وجاز للمفترض عليه الصيام في الحج صومها. فإن أخر إنسان صلاة ذكرها بعد العصر فقد أخطأ، وصارت عليه في وقت ثان، كما أنه إن أخر هذا الصوم في أيام التشريق كان له قضاؤها ثم السبعة، وعلى أن النبي - ﷺ - لم يحرم صيام أيام التشريق، وإنما حرم يومين: الفطر والأضحى (^٦). وقال في أيام التشريق: أيام أكل وشرب.\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٢) سبق تخريجه ص: ٢٠٧.\n(^٣) رواه البخاري في صحيحه: ١/ ٢١١ باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس كتاب مواقيت الصلاة، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٥٦٦ كتاب صلاة المسافرين وقصرها حديث: ٢٨٥.\n(^٤) في الأصل: فليصليها، وهو خطأ.\n(^٥) رواه البخاري في صحيحه: ١/ ٢١٥ باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها ولايعيد تلك الصلاة كتاب مواقيت الصلاة، ومسلم في صحيحه: ١/ ٤٧١ كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث: ٣٠٩، و١/ ٤٧٧ حديث: ٣١٤ - ٣١٦.\n(^٦) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٧٠٢ الصوم باب صوم يوم الفطر، وباب الصوم يوم النحر، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٧٩٩ الصيام حديث: ١٣٨ - ١٤٣.","vol":"1","page":511},{"text":"ويقال: وذكر لله (^١). فخصها بالترفية، وقد ذكرنا من قال ذلك (^٢)، ومن قال ينتقل إلى ... الدم (^٣)، وقد قال مالك - ﵁ -: إنه يصوم (^٤). ولو كان الصوم إذا فات في الحج لم يجز أن يقضى كان (^٥) موضعه قد فات، لقد كان الهدي أيضًا لا يجوز * أن يقضى؛ لأن موضعه قد فات؛ إذ كل واحد من الهدي والصوم إنما أمر به في الحج.\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: ٢٠٧.\n(^٢) لعل المؤلف يقصد بقوله: على أن النبي - ﷺ - لم يحرم صيام أيام التشريق، وإنما حرم يومين: الفطر والأضحى. أن هذين اليومين لايجوز صومهما بحال بخلاف صيام أيام التشريق فإن رسول الله - ﷺ - لم يحرم صيامها على من لم يجد الهدي ولم يصم قبل ذلك، وإلا فقد ورد النهي عن صيامها كما روى أبوداود في سننه: ٢/ ٣٢٠ الصوم باب صيام أيام التشريق، ومالك في الموطأ: ١/ ٣٠٣ الحج حديث: ١٣٧، وصححه ابن خزيمة في صحيحه: ٤/ ٣١٣، وصححه الحاكم في المستدرك: ١/ ٦٠٠ كتاب الصوم: عن عبدالله بن عمرو بن العاص أنه دخل على أبيه في أيام التشريق، فإذا هو يتغدى، فدعانا إلى طعام، فقال له عبدالله بن عمرو: إني صائم، فقال له عمرو: أما علمت أن هذه الأيام التي نهى رسول الله - ﷺ - عن صومهن، وأمر بفطرهن، فأمرهم فأفطروا.\n(^٣) سبق تخريجه ص: ٢٨٣.\n(^٤) سبق ذكره ص: ٢٨٥.\n(^٥) كذا في الأصل، ولعل الصواب: لأن موضعه.\n* لوحة: ٣٧/أ.","vol":"1","page":512},{"text":"والوجه عندنا والله أعلم: أن يعمل فيما يقضى من ذلك بعد وقته ما كان يفعل في وقته، فلو أن مُظاهرًا غشي قبل أن يُكفر، وعتق الرقبة ممكن فذهب ماله، لوجب عليه ... ما كان وجب في الأصل: عتق رقبة وإلا صام، فإن لم يقدر أطعم، يفعل في ذلك بعد الغشيان (^١) ما كان يفعل قبله. ونظائر هذا كثير، فإن قيل: فلم جوزتم للذي يقضي شهر رمضان أن يقضيه متفرقًا وقد كان في الأصل متتابعًا؟ قلنا: الذي يختار في كل الصيام أن يكون متتابعًا، فإن قضي متفرقًا دون ما شرط اللهُ فيه التتابع جاز؛ لأنه قد أتى في القضاء من العدد مثل ما كان عليه في الأصل، وإنما وجبت المواصلة في شهر رمضان؛ لأنه مفترض بعينه فلما زالت العين وجب العدد؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (^٢) فقام العدد في كل يوم من القضاء مقام كل يوم من الشهر، ألا ترى لو أن رجلًا أسلم في بعض رمضان لوجب عليه عندنا صيام ما بقي فيه دون ما مضى (^٣)، ولو أفطر إنسان متعمدًا يومًا لما أفسد ذلك عليه غير يومه، وليس مجرى الشهرين المتتابعين هذا المجرى؛ لأن الشهرين لم يكونا في الأصل بأعيانهما وإنما يعنى بالتتابع (^٤)، فصار بعضه مضمن ببعض، فإن تعمد إنسان إفساد يوم من الشهرين فسد عليه ما مضى منهما، وفي جميع ما وصفنا دليل على ما ذكرناه * من أمر الهدي والصوم في المتمتع.\n_________\n(^١) الغين والشين والحرف المعتل أصل صحيح يدل على تغطية شيء بشيء، والغِشيان بالكسر: غشيان الرجل المرأة، يكنى به عن الجماع. [مقاييس اللغة: ٧٨٧، والمصباح المنير: ٤٤٩].\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٨٥]\n(^٣) انظر المدونة: ١/ ٢٨٠، ٢٨١.\n(^٤) كذا في الأصل ولم أعرف معناها.\n* لوحة: ٣٧/ب.","vol":"1","page":513},{"text":"فأما التفريق بين الثلاثة والسبعة فإنه إن تابع كان أحب إلينا، وإن فرق أجزأه؛ لأنه لم يشرط علينا فيه التتابع (^١). فأما الذي يصوم في تمتعه ثم يوسر قبل أن يفرغ من صيامه فقد روي في ذلك اختلاف عن التابعين (^٢)، والنظر يدل على ما قلناه من أنه يمضي على صومه (^٣)؛ لأن المتمتع إذا لم يجد الهدي، والمظاهر إذا لم يجد الرقبة، والمتيمم إذا لم يجد الماء، والمطلقة التي لم تحض ثم حاضت، لكل صنف مما وصفنا وجه.\nفأما المتمتع والمظاهر والقاتل فقد جعل عليهم الصيام عند العدم (^٤)، وإذا دخلوا في الصيام فقد دخل بأمر الله ومضى بعض عمله (^٥) فلا ينتقض ذلك، وكذلك دخل (^٦)\n_________\n(^١) انظر المدونة: ١/ ٢٨٠.\n(^٢) انظر أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤٠٦، والمغني: ٥/ ٣٦٦، وتفسير القرطبي: ٢/ ٤٠١.\n(^٣) روي عن مالك في ذلك قولان، فروى عنه أشهب أنه قال: ومن صام يومًا أو يومين من الثلاثة ثم وجد هديًا فليهد. وروى عنه ابن القاسم: أنه إن شاء بنى على صيامه وأجزأه. [النوادر والزيادات: ٢/ ٤٥٩].\nوقد ذكر القرطبي الجمع بين هذين القولين نقلًا عن ابن وهب عن مالك أنه قال: إذا دخل في الصوم ثم وجد هديًا فأحب إلي أن يهدي، فإن لم يفعل أجزأه الصيام. [الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٤٠١].\n(^٤) قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقال في حق المظاهر: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤]، وقال في حق القاتل: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]\n(^٥) كذا في الأصل، ولعل الصواب أن يكون الكلام بالجمع: فقد دخلوا بأمر الله، ومضى بعض عملهم.\n(^٦) كذا في الأصل، ولعل الصواب: إذا دخل.\n\n* لوحة: ٣٨/أ.","vol":"1","page":514},{"text":"في الصلاة بأمر الله وزال فرض الوضوء عنه لهذه الصلاة فلا تنتقض صلاته برؤية الماء.\nوأما المعتدة فإنها أمرت بشيء ليس الأمر فيه إليها، فكان ظاهر الأمر أنها أمرت أن تنتظر أن تمضي الشهور أو تمضي الأقراء، فكانت العدة أحد هذين الأمرين، وكأنه لا تعلمه إلا بانقضائه؛ إذ كان غيبًا من غيب الله ﷿، لا فعل لمخلوق فيه؛ لأن المرأة لا تعلم حقيقة عدتها، إذ لا تدري هل تحيض قبل مضي الشهر أم لا. وكذلك التي تحيض ... لا تدري هل يدوم حيضها أم ينقطع، فتنتقل إلى الشهور فتصير يائسة، وإنما تدري ما عدتها عند تقضيها، فالمطلقة للعدة هي في عدة منذ يوم طلقت؛ لأن أيام طهرها قصرت أم طالت * قربتها إلى الحيض إن حاضت، وهو قرء من الأقراء، فالطهر يؤدي إلى الحيض، والحيض يؤدي إلى الطهر. والصيام والعتق في الكفارة ليس يؤدي أحدهما إلى صاحبه، ولم يكن المكفر منذ يوم وجبت عليه الكفارة مكفرًا، كما كانت المرأة منذ يوم طلقت معتدة؛ لأن المكفر إنما أمر أن يستأنف فعلًا يفعله إما عتقًا وإما صيامًا فكل واحد منهما مباين للآخر، فإن اختار الصائم في أول صيامه العتق بعد أن قدر عليه فقد رأى ذلك مالك (^١)، وإنما هو أبطل فعلًا فعله ثم استأنف فعلًا آخر خفف به عن نفسه.\nوالمتيمم إذا وجد الماء قبل دخوله في الصلاة فإن الوضوء واجب عليه؛ لأن التيمم وقع في غير موضعه؛ إذ كان إنما أبيح له التيمم للدخول في الصلاة موصولًا بها، فإذا وجد الماء قبل الدخول فهو وقت للصلاة ووقت للوضوء؛ لأن التيمم لا يقصد به الإنسان نفسه، إنما يقصد به الإنسان الصلاة، فإذا دخل فيها لم تنتقض عليه صلاته، إلا بحدث نفسه الصلاة (^٢)\n_________\n(^١) انظر المدونة: ٢/ ٣١٩.\n(^٢) كذا في الأصل، ولعله يقصد: إلا أن يحدث حدثًا في نفسه أثناء الصلاة.\n\n* لوحة: ٣٨/ب.","vol":"1","page":515},{"text":"من غير طريق التيمم. وليس التيمم بإزاء الصيام للكفارة؛ لأن التيمم لا يزيل الحدث، وإنما أمر به للدخول في الصلاة، فإذا وصلت بالدخول فقد فعل ما أمره الله به وزال ذلك الفرض إلى فرض الصلاة، وإنما بإزاء الدخول في صيام الكفارة الدخول في الصلاة بعد التيمم.\nوأما المرأة إذا طلقها زوجها طلاقًا يملك فيه رجعتها ثم يموت عنها فإن عدتها تنتقل؛ لأن حكمها حكم المرأة التي لم تطلق في الأمور التي تحدث ما دامت في عدتها من ملاعنة أو ميراث * أو نفقة، من أجل أن زوجها يملك رجعتها فلذلك ما جعلت أحكامها أحكام الزوجات، فأما الأمة إذا أعتقت بعد أن طلقها زوجها فإن العدة لا تنتقل؛ لأن العدة وجبت يوم وقع الطلاق، والله أعلم (^١).\n_________\n(^١) ذكر المؤلف هنا مذهب مالك في مسألة: وقت صوم الأيام الثلاثة لعادم الهدي، فذكر متى يبدأ صيام هذه الأيام الثلاثة، ومتى ينتهي، وماذا يجب على من لم يصم قبل يوم النحر؟، وما الحكم إذا دخل في الصيام ثم قدر على الهدي؟ .\nولإتمام الفائدة أذكر بقية أقوال أهل العلم في هذه المسألة:\nاتفق أهل العلم على أن المتمتع إذا لم يجد الهدي أنه ينتقل إلى صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع. =\nواختلفوا متى يبدأ صيام هذه الأيام الثلاثة، فذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز ابتداء صيامهن من حين إحرامه بالعمرة، وهي رواية عن الإمام أحمد.\nوذهب مالك والشافعي إلى أنه لا يجوز ابتداء صيامهن قبل إحرامه بالحج، وهو الوقت المستحب عن أحمد.\nواختلفو أيضًا متى يكون آخر هذه الأيام، فروي عن عطاء، والشعبي، ومجاهد وغيرهم: أن آخر الثلاثة يوم عرفة، وهو قول أصحاب الرأي، وقول مالك، وأحمد بن حنبل.\nوروي عن ابن عمر، وعائشة: أنه يصومهن ما بين إهلاله بالحج ويوم عرفة، فيجعل آخرها يوم التروية، وهو قول الشافعي؛ لأنه يستحب للحاج فطر يوم عرفة.\n\nومما اختلفوا فيه أيضًا: المتمتع إذا لم يصم قبل يوم النحر فماذا يفعل؟\n= فذهب طائفة من أهل العلم أنه إذا لم يصم قبل يوم النحر فإنه لا يجزئه إلا الهدي ولا يصوم، وبه قال عمر، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن.\nوذهب ابن عمر، وعائشة، والزبير، وعروة، ومالك، والشافعي في القديم، ورواية عن أحمد: أنه يصوم هذه الثلاثة في أيام التشريق.\nوذهب بعض أهل العلم إلى أنه يصوم، لكن لا يصومهن أيام التشريق، وإنما يصوم بعد أيام التشريق، وهذا مروي عن علي بن أبي طالب، والحسن، وعطاء، والشافعي في الجديد، ورواية عن أحمد.\nواختلفوا فيمن دخل في الصيام ثم قدر على الهدي، فذهب جمهور أهل العلم إلى أن من دخل في الصيام ثم قدر على الهدي لم يكن عليه الخروج من الصيام إلى الهدي إلا أن يشاء، وخالف في ذلك الثوري، وأبو حنيفة من أنه إن أيسر قبل أن يكمل الثلاثة فعليه الهدي.\n[انظر: أحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٢٣٧ - ٢٤٠، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤٠١ - ٤٠٨، والمغني: ... ٥/ ٣٦٠ - ٣٦٦، والقرطبي في تفسيره: ٢/ ٣٩٩ - ٤٠١، وروضة الطالبين: ٢/ ٣٦٦، ٣/ ٥٣ - ٥٦].","vol":"1","page":516},{"text":"قال الله ﷿: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (^١) قال القاضي: قال ابن عمر: إذا رجعت إلى أهلك (^٢). وقال بعضهم - أعني التابعين -: إن شاء صام في الطريق وإن شاء صام إذا رجع إلى أهله (^٣)، وقال عطاء: إذا رجع من منى (^٤).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٢) رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٧٦، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٥٢ من قال يصوم إذا رجع إلى أهله، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٤٥، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٤٣، والبيهقي في سننه: ٥/ ٢٥ باب الأعواز من هدي المتعة ووقت الصوم.\n(^٣) روي هذا القول عن: مجاهد، ومنصور، وإبراهيم، وعطاء، والحسن، وغيرهم. انظر سنن سعيد بن منصور: ٣/ ٧٨١، ٧٨٢، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٥١ في قضاء السبعة الفرق والوصل، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٥٣، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٤٣.\n(^٤) لم أقف على هذه الرواية، بل كل الروايات التي اطلعت عليها عن عطاء هي: التخيير بين صومها في الطريق أو إذا رجع إلى أهله. [انظر المراجع السابقة].","vol":"1","page":517},{"text":"وكل ذلك جائز إن صام عند رجوعه من منى أجزأه، وإن صام في طريقه أجزأه، وإن أخره إلى بلده أجزأه (^١).\nوقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (^٢) ومعنى كاملة أحد وجهين: إما كاملة من الهدي كافية عنه (^٣)، وإما مجزئة عنه لا شيء عليه بعدها، ألا ترى أنه يقال في العدد: فذلك، ليعلم به انقطاع العدد (^٤)،\n_________\n(^١) ذكر المؤلف هنا أن كل ذلك جائز، لكن الذي يدل عليه ظاهر القرآن، وتشهد له السنة أن صوم السبعة الأيام لا يكون إلا بعد رجوعه إلى أهله ومصره، فقد روى البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٠٧ الحج باب من ساق البدن معه، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٩٠١ الحج حديث: ١٧٤ عن ابن عمر ﵄ قال: تمتع رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله - ﷺ - فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فتمتع الناس مع النبي - ﷺ - بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، = ومنهم من لم يهد فلما قدم النبي - ﷺ - مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل لشيء حَرُمَ منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج فمن ... لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.\nقال القرطبي: وهذا كالنص في أنه لا يجوز صوم السبعة الأيام إلا في أهله وبلده. [تفسير القرطبي: ٢/ ٤٠٢].\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٣) وهذا روي عن الحسن، رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٥٤، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٤٣.\n(^٤) قال المبرد فيما نقله عنه النحاس في معاني القرآن: ١/ ١٢٧، والقرطبي في تفسيره: ٢/ ٤٠٢: لو لم يقل: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ جاز أن يتوهم السامع أن بعدها شيئًا آخر، فقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ بمنزلة قوله في العدد: فذلك كذا وكذا.\n\nوقد قيل أقوال أخرى، انظر: مجاز القرآن: ١/ ٧٠، وتفسير ابن جرير: ٢/ ٢٥٤، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٣٤.","vol":"1","page":518},{"text":"وقوله والله أعلم: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (^١) على نحو المعنى في قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (^٢) في كمال العدد (^٣).\nقال الله ﷿: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) [سورة الأعراف: الآية ١٤٢]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٣) قال الشافعي: قال الله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ فاحتملت أن تكون زيادة في التبيين، واحتملت أن يكون أعلمهم أن ثلاثة إذا جمعت إلى سبع كانت عشرة كاملة، وقال الله: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] فكان بينًا عند من خوطب بهذه الآية أن ثلاثين وعشرًا أربعون ليلة، وقوله: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ يحتمل ما احتملت الآية قبلها من أن تكون إذا جمعت ثلاثون إلى عشر كانت أربعين، وأن تكون زيادة في التبيين. [الرسالة: ٢٦، ٢٧].\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]","vol":"1","page":519},{"text":"اختلف الناس في هذه الآية، فقال بعضهم: أهل مكة (^١)، وقال آخرون: من كان مَنْ أَهَلَّ (^٢) دون المواقيت (^٣).\nفأما داخلٌ دخل مكة بحج أو عمرة أو لحاجة وهو لا يريد إيطانها ولا أن يتخذها منزلًا فلا نعلم أحدًا منهم قال ذلك فيه، والمعنى الظاهر والله أعلم: أي من لم يكن من أهل ذلك الموضع. ولو * أن مكيًا خرج لحاجة ثم رجع في أشهر الحج فاعتمر ثم حج لما كان عليه هدي؛ لأنه من أهل مكة، وكذلك من لم يكن من أهل مكة ثم دخل مكة لحاجة لم يكن من أهلها وكان عليه الهدي، وذلك قول مالك - ﵁ -، وقال أيضًا في الذي يأتي مكة يريد الإقامة بها وعدّها منزلًا ثم يتمتع: فلا هدي عليه، وهو كأهل مكة بالنية (^٤)،\n_________\n(^١) هذا القول مروي عن الحسن، وطاوس، ونافع مولى ابن عمر، وعبدالرحمن الأعرج، فرواه الطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٢٤٠ عن نافع، وذكره عن عبد الرحمن الأعرج، وذكره الجصاص في أحكام القرآن: ... ١/ ٣٩٦ عن الحسن، وطاوس، ونافع مولى ابن عمر، وعبدالرحمن الأعرج، ورواه ابن حزم في المحلى: ٧/ ١٤٦ عن عطاء، وطاوس، وقال: وصح عن نافع مولى ابن عمر، وعن الأعرج.\n(^٢) كذا في الأصل:، ولعله يقصد: من كان أهله دون المواقيت، أو: من كان أهلَ من دون المواقيت.\n(^٣) روى عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٧٦ عن عطاء: من كان أهله دون المواقيت فهو كأهل مكة، يقول: ... لا يتمتع، وروى ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٥٦ عن مكحول: من كان دون المواقيت، ورواه عن عطاء: من كان أهله دون المواقيت فهو كأهل مكة لا يتمتع. وقال ابن حزم في المحلى: ٧/ ١٤٦: وهو قول روي عن عطاء ولم يصح عنه، وصح عن مكحول.\n* لوحة: ٣٩/أ.\n(^٤) ذهب جمهور أهل العلم إلى من تمتع من أهل مكة في أشهر الحج أو قرن فلا هدي عليه، وذهب الأحناف إلى أنه ليس له متعة ولا قران، فإن تمتع أو قرن فهو مخطيء وعليه دم، وهو دم جناية لا دم متعة.\n\nوهذه المسألة مبنية على اختلافهم في اسم الإشارة (ذلك) إلي ماذا يرجع هل يرجع إلى المتعة، فيكون معنى الآية: المتعة ليست لمن أهله حاضري المسجد الحرام، أو راجع إلى الهدي، فيكون معنى الآية: فمن تمتع فعليه الهدي إذا لم يكن من حاضري المسجد الحرام. [المدونة: ١/ ٤٠١، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٣٩٤، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ١٨٢، المغني: ٥/ ٣٥٧، تفسير القرطبي: ٢/ ٤٠٤، المجموع: ٧/ ١٦٥].","vol":"1","page":520},{"text":"فإن دخلها معتمرًا في أشهر الحج يريد الإقامة بها ثم حج فهو متمتع، وليس بمنزلة أهل مكة في هذا الموضع؛ لأنه حين دخل مكة ونوى الإقامة بمكة لم يسقط عنه الهدي؛ لأنه نوى وإنما يسقط الهدي إذا نوى وفعل (^١)، ومذهب مالك في هذه الآية: أنهم أهل مكة وما اتصل بها من البيوت (^٢)، مثل ذي طوى (^٣) وما أشبهها، وهؤلاء حاضروا المسجد الحرام؛ لأنهم أهل القرية التي فيها المسجد الحرام، وليس كل أهل الحرم كذلك؛ لأن أهل منى ليسوا أهل مكة، كما أن أهل مكة ليسوا أهل منى، ومنى من الحرم. ولو أن رجلًا من أهل مكة ثم خرج مسافرًا لما جاز له أن يقصر الصلاة حتى يخرج من بيوت مكة وما اتصل بها، فهو حاضر وليس بمسافر، فإذا خرج عن البيوت صار مسافرًا، ولو كان حكم الحرم كله كحكم أهل مكة في أنهم حاضروا المسجد الحرام لما جاز له أن يقصر حتى يخرج عن الحرم. وأما قول من قال: فمن كان أهله دون المواقيت، فإن المواقيت لم تجعل للناس لأنها حاضرة المسجد الحرام، ألا ترى أن بعض المواقيت بينها وبين مكة مسيرة ثماني ليال، ومنها ليلتين، أفيكون من كان دون ذي الحليفة من حاضري المسجد؟ ومن * كان منزله من وراء قرن (^٤)\n_________\n(^١) الموطأ: ١/ ٢٨٠، ٢٨١ كتاب الحج رقم: ٦٢، ٦٤.\n(^٢) المدونة: ١/ ٤٠١، والقرطبي في تفسيره: ٢/ ٤٠٢.\n(^٣) ذو طَوى: بفتح أوله: واد بمكة. [معجم ما استعجم: ٣/ ٨٩٦، معجم البلدان: ٤/ ٤٥].\n* لوحة: ٣٩/ب.\n(^٤) قرن: بسكون الراء هو: الجبل الصغير المستطيل المنقطع عن الجبل الكبير، ونقل القاضي عياض عن القابسي أنه قال: من قاله بالإسكان اراد الجبل المشرف على الموضع، ومن فتح اراد الطريق الذي يفترق منه، فإنه موضع فيه طرق مختلفة.\nوهو قرن المنازل، ويقال: قرن بلا إضافة، بينه وبين مكة من جهة الشرق مرحلتان، وهو ميقات أهل نجد.\n\n[إكمال المعلم: ٤/ ١٧٠، معجم البلدان: ٤/ ٣٣٢، فتح الباري: ٣/ ٤٨٦].","vol":"1","page":521},{"text":"مما يلي نجد من حاضري المسجد الحرام؟ وإنما الحاضر للشيء من هو معه، ولم توقت المواقيت ليكون إحرام الناس من حضرة المسجد الحرام، وإنما هو رخصة من الله ورحمة لخلقه إذ استجابوا لما دعوا له، وكان عليهم أن يقولوا: لبيك من منازلهم، فوقعت الإباحة لمن دعا (^١) فقال: لبيك وخرج أن يأتي حلالًا في رخصة الله إلى أن يبلغ ميقاته؛ إذ كان عليه أن يحرم من الموضع الذي خرج منه مستجيب للأذان والدعوة يقول لبيك، فلما كان الأصل هذا وُسع عليهم ووقت لهم المواقيت على لسان نبيه محمد - ﷺ - (^٢)، وبعضها أبعد من بعض، وليس هذا من باب التمتع في شئ، وكان على كل من وجب عليه الحج أن يلبي من بلده ويجيب، فيكون إحرام بعضهم السنة والعشرة أشهر وما أشبه ذلك، فخفف عنهم بقوله ﷿: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (^٣) كما خفف في المواقيت، وكذلك من أحرم قبل الشهور لزمه، ومن أحرم قبل المواقيت لزمه؛ لتركه الترخيص من الله جل ثناؤه، وعمله بالتشديد والله أعلم (^٤).\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: دُعي.\n(^٢) روى البخاري في صحيحه: ٢/ ٥٥٤ الحج باب مهل أهل مكة للحج والعمرة، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٨٣٩ كتاب الحج حديث: ١٢ عن ابن عباس قال: إن النبي - ﷺ - وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة.\nوقد روي هذا الحديث من طرق مختلفة وألفاظ متقاربة، انظر المرجعين السابقين.\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ١٩٧]\n(^٤) يأتي الحديث عن هذا عند تفسير قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]","vol":"1","page":522},{"text":"ومما يدل أيضًا على أن حاضري المسجد الحرام أهل مكة ما جاء من الأحاديث أن العمرة واجبة بالسنّة على الناس كلهم (^١) إذ كانوا لا هدي عليهم، ولم يجروا مجرى غيرهم من المتمتعين، فكذلك لم تجب عليهم العمرة؛ لأنهم يطوفون في كل وقت. قال عطاء وطاوس: ليس على أهل مكة عمرة (^٢). وقال ابن عباس - ﵁ - مثل ذلك (^٣)، وقال ... ابن عمر - ﵁ - مثله * وزاد: إنما هم في عمرة كل يوم (^٤).\n_________\n(^١) لعله لا يستقيم الكلام هنا إلا بالإستثناء فيقال: إن العمرة واجبة بالسنة على الناس كلهم إلا أهل مكة إذ كانوا لاهدي عليهم.\n(^٢) رواه عن عطاء وطاوس ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٤١٦ باب من قال ليس على أهل مكة عمرة.\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة في الموضع السابق، وكذلك رواه عنه في مصنفه: ٣/ ٤١٥ باب المكي يريد أن يعتمر من أين يعتمر؟، والدارقطني في سننه: ٢/ ٢٨٤ باب المواقيت حديث: ٢١٦ عن ابن عباس قال: الحج والعمرة فريضتان على الناس كلهم إلا أهل مكة فإن عمرتهم طوافهم، فإن أبوا فليخرجوا إلى التنعيم ثم يدخلوها محرمين والله ما دخلها رسول الله - ﷺ - قط إلا حاجًا أو معتمرًا. وكذلك رواه الحاكم في المستدرك: ١/ ٦٤٣ المناسك، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.\n* لوحة: ٤٠/أ.\n(^٤) رواه الفاكهي في أخبار مكة: ٢/ ٢٨٦.","vol":"1","page":523},{"text":"فإن قال قائل: فإن الحرم كله مسجد، فليس كما قال؛ لأن الله ﵎ ... قد ذكر المسجد الحرام في غير موضع فقال: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (^١)، وقال ﷿: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (^٢)، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (^٣) (^٤)، وقال ﵎: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (^٥) فكل هذا يدل على أنه المسجد الحرام بعينه، وإنما صد المشركون النبي - ﷺ - عن المسجد والبيت، فأما الحرم فقد كان النبي - ﷺ - غير ممنوع منه؛ لأن الحديبية تلي الحرم وهي من الحل، فحاضروا المسجد الحرام الذين هم دهرهم في متعة هم الذين عليهم الجمعة، وهي مكة وما اتصل بها من البيوت ومن يبلغه النداء، والله أعلم (^٦).\n_________\n(^١) [سورة التوبة: الآية ١٩]\n(^٢) [سورة الإسراء: الآية ١]\n(^٣) [سورة التوبة: الآية ٢٨]\n(^٤) لعل المراد بالنهي عن قربان المسجد الحرام في هذه الآية هو النهي عن قربان الحرم كله، قال النووي: والمراد بالمسجد الحرام ههنا الحرم كله، فلا يمكن مشرك من دخول الحرم بحال.\n[شرح النووي على صحيح مسلم: ٩/ ١٦٥].\n(^٥) [سورة الفتح: الآية ٢٥]\n(^٦) ذكر المؤلف أن مذهب مالك في حاضري المسجد الحرام هم أهل مكة خاصة وما اتصل بها. وهذا أحد أقوال أهل العلم في هذه المسألة، بعد اتفاقهم على أن أهل الحرم معنيون بهذه الآية، قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل فيمن عنى بقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بعد إجماع جميعهم على أن أهل الحرم معنيون به، وأنه لا متعة لهم. [جامع البيان: ٢/ ٢٥٥].\n\nثم اختلفوا في المراد بحاضري المسجد الحرام على أقوال خمسة:\nالأول: أن حاضري المسجد الحرام هم: أهل مكة خاصة، وهذا قول الحسن، ونافع مولى ابن عمر، وطاوس، وعبد الرحمن الأعرج، وهو ما اختاره الطحاوي من الأحناف ورجحه، وهو قول مالك وأصحابه، إلا أنهم يقولون: هم أهل مكة وما اتصل بها كذي طوى وما أشبهها.\nالثاني: أنهم أهل الحرم، أي: من كان داخل حدود الحرم، وبه قال ابن عباس، ومجاهد، وطاوس.\nالثالث: من كان بينه وبين مكة دون مسافة القصر، وهو مروي عن عطاء، وقول الشافعي في الجديد والصحيح عنه، وقول أحمد، واختيار ابن جرير، والشنقيطي.\nالرابع: من كان دون المواقيت إلى مكة، وهو قول عطاء، ومكحول، والشافعي في القديم، وقال النووي: وهذا غريب. ويوافقهم أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، إلا أنهم يقولون: أهل المواقيت بمنزلة من دونها.\nالخامس: من تلزمه الجمعة فهو من حاضري المسجد الحرام، واختاره ابن العربي.\n[انظر في هذه المسألة: شرح معاني الآثار: ٢/ ٢٦٤، وأحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٢٤٤، وجامع البيان: ... ٢/ ٢٥٥، ٢٥٦، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٣٩٦، وأحكام القرآن للشافعي جمع البيهقي: ١/ ١١٥، وأحكام القرآن لابن العربي: ١/ ١٨٥، والمغني: ٥/ ٣٥٦، وتفسير القرطبي: ٢/ ٤٠٢، والمجموع للنووي: ... ٧/ ١٧٣، وأضواء البيان: ٥/ ٥٠٨].\n\nولعل الأقرب للصواب - إن شاء الله - هو القول الثاني: أنهم أهل الحرم، وهذا مارجحه ابن حزم في المحلى: ... ٧/ ١٤٨، وابن حجر في الفتح: ٣/ ٥٤٧، والشيخ ابن عثيمين في تفسيره: ٢/ ٣٩٥ حيث قال: والأقرب أن حاضري المسجد الحرام هم أهل الحرم، وأما من كان من غير أهل الحرم فليسوا من حاضريه، بل هم من محل آخر، وهذا هو الذي ينضبط.","vol":"1","page":524},{"text":"قال الله ﵎: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (^١)\nقال ابن عباس (^٢) وابن مسعود (^٣) وجماعة من التابعين (^٤): شوال وذو القعدة ... وعشرة (^٥) من ذي الحجة. وقال ابن عمر (^٦)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٩٧]\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٢١٤ باب قوله تعالى الحج أشهر معلومات، ما هذه الأشهر؟، والدارقطني في سننه: ٢/ ٢٢٦ الحج رقم: ٤٣، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٥٧، ٢٥٨، والطبراني في الأوسط: ٥/ ١٩١، والبيهقي في سننه: ٤/ ٣٤٢ باب بيان أشهر الحج.\nوقد روي عن ابن عباس رواية أخرى أنه قال: شوال وذو القعدة وذو الحجة، رواه البخاري في صحيحه: ... ٢/ ٥٧٠ كتاب الحج باب قوله: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، وابن أبي شيبة في الموضع السابق، والبيهقي في سننه: ٥/ ٢٣ باب هدي المتمتع بالعمرة إلى الحج وصومه.\n(^٣) رواه سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٧٨٣، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٢١٤، والدارقطني في سننه: ... ٢/ ٢٢٦ الحج رقم: ٤٢، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٥٧، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٤٥، والبيهقي في سننه: ٤/ ٣٤٢.\n(^٤) يروى هذا عن: إبراهيم، والشعبي، والحسن، والسدي، ومجاهد، والضحاك، وعطاء، وطاوس، وابن سيرين، ومكحول، وقتادة، والربيع بن أنس، انظر سنن سعيد بن منصور: ٣/ ٧٩٠، ٧٩١، ومصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٢١٤، وسنن الدارقطني: ٢/ ٢٢٦، وابن جرير: ٢/ ٢٥٨، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٣٦.\n(^٥) كذا في الأصل، ولعل الصواب وعشر.\n(^٦) رواه مالك في الموطأ: ١/ ٢٨٠ الحج رقم: ٦٢، والشافعي في الأم: ٢/ ١٥٤، وسعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٧٨٤، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٢١٥، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٥٨، وابن أبي حاتم في تفسيره: ... ١/ ٣٤٥، وذكره ابن عبد البر في التمهيد: ٨/ ٣٤٦ من طريق القاضي إسماعيل بن، وساق سنده إلى ابن عمر.\n\nوقد روي عن ابن عمر رواية أخرى، حيث روي عنه: أنه قال: شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة. رواه البخاري تعليقًا في صحيحه: ٢/ ٥٦٥ باب قول الله تعالى: الحج أشهر معلومات، من كتاب الحج، وقد وصله سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٧٨٧، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٢١٤، والدارقطني في سننه: ٢/ ٢٢٦ الحج رقم: ٤٥، ٤٦، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٥٨، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٠٣ التفسير سورة البقرة، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبيهقي في سننه: ٤/ ٣٤٢، وقد رجح ابن حجر هذه الرواية على الرواية الأخرى، وحمل عليها رواية مالك جمعًا بين الروايات، حيث قال: وصله الطبري والدارقطني من طريق ورقاء عن عبد الله بن دينار عنه قال: الحج أشهر معلومات شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وروى البيهقي من طريق عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مثله، والإسنادان صحيحان، وأما ما رواه مالك في الموطأ عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: من اعتمر في أشهر الحج شوال أو ذي القعدة أو ذي الحجة قبل الحج فقد استمتع. فلعله تجوز في إطلاق ذي الحجة جمعًا بين الروايتين.\n[فتح الباري: ٣/ ٥٢٩، ٥٣٠].","vol":"1","page":525},{"text":"وعمرو بن العاصي (^١) (^٢) وجماعة من التابعين (^٣): شوال وذو القعدة وذو الحجة.\n_________\n(^١) كذا في الأصل: العاصي، بإثبات الياء، قال النووي وهو يتحدث عن والد حذيفة بن اليمان: واليمان لقب له، والمشهور في استعمال المحدثين أنه اليمان بالنون من غير ياء بعدها، وهي لغة قليلة، والصحيح اليماني بالياء، وكذا عمرو بن العاصي، وعبد الرحمن بن أبي الموالي، وشداد بن الهادي، والمشهور للمحدثين حذف الياء، والصحيح إثباتها. ... [شرح النووي على صحيح مسلم ج ١٢/ ٢٠٠].\nوهو: عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم القرشي السهمي، يكنى أبا عبد الله، وأبا محمد، أسلم قبل الفتح سنة ثمان، ولاه الرسول - ﷺ - على عمان، وكان أحد أمراء الأجناد في فتوح الشام، ولي إمارة مصر في زمن عمر بن الخطاب، وهو الذي افتتحها، توفي سنة ٤٣ هـ، وقيل غير ذلك. [الاستيعاب: ٢/ ٥٠٨، والإصابة: ٣/ ٢].\n(^٢) لم أقف على الرواية عنه.\n(^٣) يروى هذا القول عن: الحسن، وعطاء، والضحاك، والربيع، وقتادة، ومجاهد، وطاوس، والزهري، وعروة بن الزبير. انظر تفسير عبد الرزاق: ١/ ٧٧، ومصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٢١٤، وتفسير ابن جرير: ... ٢/ ٢٥٩، وتفسير ابن كثير: ١/ ٣٦٢.\n* لوحة: ٤٠/ب.","vol":"1","page":526},{"text":"والفصل بين أشهر الحج وغيرها أن من اعتمر من غير أهل مكة في أشهر الحج ثم أقام بمكة حتى يحج في تلك السنة فهو متمتع، وعليه ما على المتمتع، فإن اعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام حتى يحج فليس بمتمتع؛ لأنه أتى بالعمرة في موضعها الذي هو الأصل لها، وإذا أتى بها في أشهر الحج فقد أتى بها في غير أشهرها، في الأشهر التي جعلت لغيرها، وقد رخص في ذلك، وجعل * فيه الهدي أو الصيام، وأرخص للقارن أيضًا، وإنما كان الأصل أن لا تكون العمرة في أشهر الحج، وأن يكون الحج لا عمرة معه، فأرخص لهم على أن عليهم الهدي (^١)،\n_________\n(^١) قد يُفهم من هذه الآية أن هذه الأشهر هي للحج فقط، لا أشهر للعمرة، وأن شهور العمرة سواهن من شهور السنة، وهذا غلط، فغاية ما في الآية تعريف الناس بميقات حجهم، لا الخبر عن وقت العمرة.\n[انظر تفسير الطبري: ٢/ ٢٦٠].\nفالأصل في العمرة عملها في جميع السنة كما روى البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٣٣ العمرة باب الاعتمار بعد الحج بغير هدي عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - موافين لهلال ذي الحجة فقال رسول الله - ﷺ -: من أحب أن يهل بعمرة فليفعل، ومن أحب أن يهل بحجة فليفعل، ولولا أني أهديت لأهللت بعمرة.\n\nقال ابن عبد البر: وذلك والله أعلم أن شهور الحج أحق بالحج من العمرة؛ لأن العمرة جائزة في السنة كلها، والحج إنما موضعه شهور معلومة فإذا جعل أحد العمرة في أشهر الحج ولم يأت في ذلك العام بحج فقد جعلها في موضع كان الحج أولى به، ثم رخص الله ﷿ في كتابه وعلى لسان رسوله في عمل العمرة في أشهر الحج للمتمتع والقارن للحج معها ولمن شاء أن يفردها في أشهر الحج، كما فعل رسول الله - ﷺ -. [التمهيد: ٨/ ٣٤٧].","vol":"1","page":527},{"text":"وفي أشهر الحج أيضًا معنى آخر: أنه لا ينبغي لأحد على الاختيار أن يحرم بالحج قبل أشهر الحج، فإن فعل لزمه إذ شدد على نفسه وترك الرخصة؛ لأنه أرخص له وخفف عنه كما خفف بالميقات، فإن أحرم قبله لزمه ذلك، وإنما لزمه الإحرام في الحالين جميعًا؛ لأنه أوجب على نفسه عملًا يعمله في وقت بعينه وهو الوقوف بعرفة، والذي به يدرك الإنسان الحج فليس ينفك من ذلك حتى يأتي بما ألزمه نفسه من طاعة الله ﷿، إذ لا فرق بين الشهور وتقدمها وبين الميقات وتقدمه؛ لأنه كان في الأصل على الناس جميعًا حين قيل: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (^١) أن تكون الإجابة والتلبية من أوطانهم (^٢)،\n_________\n(^١) [سورة الحج: الآية ٢٧]\n(^٢) روى ابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٣٣٤ باب ما ذكر فيما أعطي إبراهيم كتاب الفضائل، وابن جرير في تفسيره: ١٧/ ١٤٤، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٨/ ٢٤٨٦، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٤٢١ التفسير سورة الحج، والبيهقي في سننه: ٥/ ١٧٦ باب دخول مكة بغير إرادة حج ولا عمرة، عن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له: أذن في الناس بالحج، قال: رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي البلاغ، فأذن إبراهيم: أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فحجوا. قال: فسمعه ما بين السماء والأرض، أفلا ترى الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون.\n\nقال ابن حجر أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم بأسانيدهم في تفاسيرهم عن ابن عباس، وغير واحد، والأسانيد إليهم قوية. [انظر فتح الباري: ٣/ ٥١٥].","vol":"1","page":528},{"text":"ومنهم من يكون سفره نحو السنة وأقل من ذلك وأكثر، فخفف عنهم بالشهور وبالميقات (^١)، فإذا أحرم قبل الميقات لزمه ذلك إذا أحرم قبل الشهور، وليس يشبه هذا الصلاة؛ لأنه لا سبيل إلى الدخول فيها حتى تجب، والحج هو: القصد (^٢)، ووجوبه من الأوطان على كل إنسان على قدر مسافته، وإنما يسر عليه وخفف عنه، فإن قبل ذلك واختاره وإلا كان على الأصل الذي كان الإيجاب به؛ إذ كان الله ﷿ أوجب الحج، والحج القصد، فليس يشبه الصلاة التي أعمالها متصلة بها، والحج أعماله متباعد بعضها من بعض، فهو يخرج في أول شوال ثم لا عمل له إلى يوم عرفة إن شاء، وأعماله كلها بعد عرفة، إلا السعي * فإنه إن قدّمه في إثر الطواف أجزأه، والحج أيضًا مباين للصلاة في أشياء كثيرة، فليس تجوز الصلاة إلا بحضرة النية، ولو نوى إنسان بعرفة الحج ووقف لأجزأه ذلك من غير أن يلزمه نفسه قولًا (^٣)، وقد يشعر هديه يريد به إيجاب الحج فيجزئه ذلك من الفرض وإن كان قد نقص حظه بترك التلبية، والحج مجزء عنه، ولو أن رجلًا ركع للصلاة يريد بركوعه إيجاب الصلاة ولم يلفظ بالتكبير لما أجزأه.\nوقد ألزم نفسه الحج جماعة من أصحاب رسول الله - ﷺ - قبل الميقات وقبل الشهور ... فلزمهم ذلك، منهم عمران بن الحصين (^٤)\n_________\n(^١) قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقد سبق ذكر حديث رسول الله - ﷺ - في ذكر المواقيت ص: ٢٩٥.\n(^٢) مقاييس اللغة: ٢٣٢.\n* لوحة: ٤١/أ.\n(^٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: من غير أن يلزم نفسه.\n(^٤) عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي الكعبي، يكنى أبا نجيد، روى عن النبي - ﷺ -، أسلم عام خيبر، كان صاحب راية خزاعة يوم الفتح، سكن البصرة ومات بها سنة ثنتين وخمسين في خلافة معاوية.\n\n[الاستيعاب: ٣/ ٢٢، والإصابة: ٣/ ٢٦].","vol":"1","page":529},{"text":"فكره له عمر ذلك (^١)، ولزمه الإحرام، وأحرم عبد الله بن عامر (^٢) فكره ذلك عثمان (^٣)،\n_________\n(^١) روى ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٢٣ باب من كره تعجيل الإحرام، عن الحسن أن عمران بن حصين أحرم من البصرة، فقدم على عمر، فأغلظ له، وقال: يتحدث الناس أن رجلًا أحرم من الكوفة.\nورواه الطبراني في الكبير: ١٨/ ١٠٧، وابن حزم في المحلى: ٧/ ٧٧، والبيهقي في سننه: ٥/ ٣١ باب من استحب الإحرام من دويرة أهله.\n(^٢) عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد مناف بن قصي القرشي، أبو عبد الرحمن، ابن خال عثمان بن عفان، ولد على عهد رسول الله - ﷺ -، قال ابن عبد البر: وقد روى عن النبي - ﷺ -، وما أظنه سمع منه ولا حفظ. ولي البصرة وفارس لعثمان بن عفان، وهو الذي افتتح خراسان، توفي قبل معاوية سنة تسع ... وخمسين. ... [الاستيعاب: ٢/ ٣٥٩، وسير أعلام النبلاء: ٣/ ١٨].\n(^٣) رواه البخاري معلقًا في صحيحه: ٢/ ٥٦٥ الحج باب قول الله تعالى: الحج أشهر معلومات، قال: وكره عثمان - ﵁ - أن يحرم من خراسان أو كرمان.\nقال ابن حجر: ومناسبة هذا الأثر للذي قبله أن بين خراسان ومكة أكثر من مسافة أشهر الحج، فيستلزم أن يكون أحرم في غير أشهر الحج فكره ذلك عثمان، وإلا فظاهره يتعلق بكراهة الإحرام قبل الميقات، فيكون من متعلق الميقات المكاني لا الزماني. ... [فتح الباري: ٣/ ٥٣٠].\nوقد وصله ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٢٣، وابن حزم في المحلى: ٧/ ٧٧، والبيهقي في سننه: ٥/ ٣١، وقد ذكر ابن حجر أن سعيد بن منصور وصله، وكذلك عبد الرزاق، ثم قال: وهذه أسانيد يقوي بعضها بعضًا. ...\n\n[فتح الباري: ٣/ ٥٣٠].","vol":"1","page":530},{"text":"ولزمه ذلك، وكان ابن ... أبي نعم (^١) يحرم من السنة إلى السنة (^٢)، وإنما كُره ذلك لأن لا يحرج الإنسان إحرامه ويطول عليه فيفسده.\n_________\n(^١) في الأصل: ابن أبي يعمر، والصواب هو ما أثبت، وهو: عبد الرحمن بن أبي نُعم بضم النون وسكون المهملة، البجلي أبو الحكم الكوفي العابد التابعي المشهور، قال ابن سعد: وهو الذي كان يحرم من السنة إلى السنة، وكان ثقة وله أحاديث. [الطبقات الكبرى: ٦/ ٢٩٨، وسير أعلام النبلاء: ٥/ ٦٢].\n(^٢) رواه الفسوي في المعرفة والتاريخ: ٢/ ٣٣٢، وأبو نعيم في الحلية: ٥/ ٧٠. وقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٣٠٣ من كره أن يهل بالحج في غير أشهر الحج، وابن حزم في المحلى: ٧/ ٦٥ عن أبي إسحاق السبيعي قال: كان ابن أبي نعم يهل بالحج في غير أشهر الحج، فقال عمرو بن ميمون: لو أدرك هذا أصحاب محمد لرجموه.","vol":"1","page":531},{"text":"ولما وقت النبي - ﷺ - المواقيت قال: يستمتع المرء بأهله وثيابه (^١)، فعلم أن ذلك للرفق ... بهم (^٢).\n_________\n(^١) روى الشافعي في الأم: ٢/ ١٣٨ عن عطاء أن رسول الله - ﷺ - لما وقت المواقيت قال: ليستمتع المرء بأهله وثيابه حتى يأتي كذا وكذا للمواقيت، والبيهقي في سننه: ٥/ ٣٠ باب من استحب الإحرام من دويرة أهله، وقال: هذا مرسل، ثم روى سنده عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله - ﷺ -: ليستمتع أحدكم بحله ما استطاع فإنه لا يدري ما يعرض في إحرامه. هذا إسناد ضعيف، واصل بن السائب منكر الحديث قاله البخاري وغيره، وروي فيه عن عمر، وعثمان ﵄، وهو عن عثمان ﵁ مشهور، وإن كان الإسناد منقطعًا.\n(^٢) ذكر المؤلف هنا: أن من أحرم بالحج قبل أشهره لزمه الحج، وهذا ما ذهب إليه الجمهور، فقد ذهب ... أبو حنيفة، ومالك، والثوري،، وأحمد، وإسحاق، والنخعي، والليث بن سعد: إلى صحة إحرام من أحرم بالحج قبل أشهره، وانعقاده، مستدلين بقول الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ... [البقرة: ١٨٩] وقالوا: دلت هذه الآية على أن جميع الأشهر ميقات للحج.\nومع القول بصحة الإحرام إلا أن الإمام مالك وأحمد قد ذهبا إلى كراهية ذلك.\nوذهب طائفة من السلف إلى عدم جواز الإحرام بالحج قبل أشهره، وأن الحج لا يصح، وممن قال بذلك: ابن عباس، وجابر، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وهو قول الشافعي، وداود وابن حزم، مع أن الشافعي ذهب إلى أنه إن أحرم بالحج في غير أشهره انعقد عمرة.\n[انظر أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤١٠، والإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ٤٦٢، والمحلى: ٧/ ٦٥، والمغني: ٥/ ٧٤، وتفسير القرطبي: ٢/ ٣٤٣، ٤٠٦، والمجموع للنووي: ٧/ ١٣٤].\n\nولعل الراجح هو عدم جواز الإحرام بالحج في غير أشهره، وعدم انعقاده، قال ابن كثير بعد ذكر ما روي عن ابن عباس من أنه قال: لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج. قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح، وقول الصحابي: (من السنة كذا) في حكم المرفوع عند الأكثرين، ولا سيما قول بن عباس تفسيرًا للقرآن وهو ترجمانه، وقد ورد فيه حديث مرفوع قال ابن مردويه حدثنا عبد الباقي حدثنا نافع حدثنا الحسن بن المثنى حدثنا أبو حذيفة حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر عن النبي - ﷺ - أنه قال: لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج. وإسناده لا بأس به. ثم ذكر ابن كثير أن روي عن جابر موقوفًا، ثم قال: = وهذا الموقوف أصح وأثبت من المرفوع، ويبقى حينئذ مذهب صحابي يتقوى بقول ابن عباس: من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهره. [انظر: تفسير القرآن العظيم: ١/ ٢٣٥].\nوقد مال القرطبي في تفسيره: ٢/ ٤٠٦ إلى ترجيح هذا القول، حيث قال: وما ذهب إليه الشافعي أصح؛ لأن تلك عامة وهذه الآية خاصة، ويحتمل أن يكون من باب النص على بعض أشخاص العموم لفضل هذه الأشهر على غيرها، وعليه فيكون قول مالك صحيحًا، والله أعلم.\nوممن رجح هذا أيضًا: الشوكاني في فتح القدير: ١/ ٢١٩، والشنقيطي في أضواء البيان: ٥/ ٣٤٢، وابن عثيمين في تفسيره: ٢/ ٤١٧.","vol":"1","page":532},{"text":"وقال ﵎: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ اذْهَبْ﴾ (^١) فبقوله (^٢)، فمن يوجب فرضًا في غيرهن، والفرض: التلبية وهو الإهلال بالحج، لم يختلف الصحابة والتابعون في ذلك (^٣). ويستحب أن يكون فرض الحج في الشهور، فمن قدمه لزمه ما ألزم نفسه، وفرض الحج إيجابه، فمن أوجب على نفسه شيئًا فقد فرضه، واسم الفرائض مشتق من ذلك (^٤)، إلا أنا نستحب له أن يكون الإيجاب بالتلبية على ما مضى عليه العمل، على أن جماعة من العلماء قالوا: إذا أشعر وقلد هديه يريد الإحرام فقد أحرم، وهو مذهب مالك - ﵁ -، ولا أعلم أحدًا من أهل العلم * يخالف في ذلك (^٥).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٩٧]\n(^٢) كذا في الأصل ولم أعرف معناها.\n(^٣) لم يختلف الصحابة والتابعون في أن معنى الفرض: الإيجاب والإلزام، أما بما يكون فرض الحج، فقد اختلف الصحابة والتابعون في ذلك على قولين - وليس كما ذكر المؤلف أنهم لم يختلفوا - فذهب ابن عمر، ومجاهد، وعطاء، والثوري، والنخعي، وطاوس إلى أن فرض الحج الإهلال. وذهب ابن عباس، وقتادة، وعطاء، والضحاك إلى أن فرض الحج الإحرام. [تفسير الطبري: ٢/ ٢٦١، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤١٩].\n(^٤) قال ابن فارس: الفاء والراء والضاد أصل صحيح يدل على تأثير في شيء من حز وغيره، ومن الباب اشتقاق الفرض الذي أوجبه الله تعالى، وسمي بذلك لأن له معالم وحدودًا. [مقاييس اللغة: ٨١٢].\n* لوحة: ٤١/ب.\n(^٥) انظر الاستذكار: ١١/ ١٨٠، والمجموع للنووي: ٨/ ٣٢٦.\nذكر المؤلف هنا حكم التلبية وأنها سنة من السنن، وقد اتفق أهل العلم جميعًا على استحباب التلبية اقتداء بالرسول - ﷺ -، وبما ورد عنه في فضل التلبية، لكنهم اختلفوا في وجوب التلبية والنطق بها:\nفذهب الإمام أحمد والشافعي في المشهور عنه إلى أنها سنة من السنن، لا يجب بتركها شيء، وأن الإحرام ينعقد بمجرد النية، وهذا ما رجحه الطبري.\nوذهب الثوري وأبو حنيفة إلى اشتراط التلبية، وعدم انعقاد الإحرام إلا بها، وهي رواية عند الشافعية، وبه قال ابن حبيب من المالكية، وأهل الظاهر، إلا أن الأخناف يجيزون ما يقوم مقام التلبية من تقليد الهدي وسوقه. =\nوذهب المالكية إلى أن التلبية سنة مؤكدة، وليست ركنًا، وأنه يكفي للدخول في الإحرام مجرد النية، ويرون أن على من لم يأت بها جملة، أي من أول الإحرام إلى آخر الحج أن عليه دمًا، قال القاضي عبد الوهاب: يدخل في الإحرام بمجرد النية؛ لأن كل عبادة لم يكن في آخرها نطق واجب لم يفتقر الدخول فيها إلى نطق كالصوم، وعكسه الصلاة.\n[انظر: أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤١٩، والتلقين للقاضي عبد الوهاب: ٦٥، والإشراف له: ١/ ٤٧١، والمحلى: ٧/ ٩٣، والاستذكار: ١١/ ٩٤، والمغني: ٥/ ٩١، وتفسير القرطبي: ٢/ ٤٠٦، والمجموع للنووي: ٧/ ٢٣٧، ٢٦١، وتنوير المقالة: ٣/ ٤٢٠، وأضواء البيان: ٥/ ٣٤٩]. =","vol":"1","page":533},{"text":"وإنما اختلفوا إذا أشعر هديه وهو لا يريد الإحرام، فالذي يذهب إليه مالك (^١) ما جاء عن النبي - ﷺ - أنه وجه بهديه ثم لم يمسك عن شيء مما يمسك عنه المحرم (^٢)، والذي لم يمسك عنه: النساء والطيب وما أشبهه، وقد روت أم سلمة: أنه أمسك عن أخذ الشعر وما أشبهه (^٣).\n_________\n= ولعل الأقرب للصواب هو سنية التلبية، وأن النية وحدها لا تكفي، بل لا بد من قول أو عمل يصير به محرمًا، وهذا ما ذهب إليه القاضي إسماعيل بن إسحاق فيما ذكر عنه ابن عبد البر حيث قال: وذكر إسماعيل بن إسحاق عن أبي ثابت قال: قيل لابن القاسم: أرأيت المحرم من مسجد ذي الحليفة إذا توجه من فناء المسجد بعد أن صلى فتوجه وهو ناس أيكون في توجهه محرمًا؟ فقال ابن القاسم: أراه محرما فإن ذكر من قريب لبى ولا شيء عليه، وإن تطاول ذلك عليه ولم يذكر حتى خرج من حجه رأيت أن يهريق دمًا.\nقال إسماعيل بن إسحاق: وهذا يدل من قوله على أن الإهلال للإحرام ليس عنده بمنزلة التكبير للدخول في الصلاة؛ لأن الرجل لا يكون داخلًا في الصلاة إلا بالتكبير، ويكون داخلًا في الإحرام بالتلبية وبغير التلبية من الأعمال التي توجب الإحرام بها على نفسه، مثل أن يقول: قد أحرمت بالحج والعمرة، أو يشعر الهدي وهو يريد بإشعاره الإحرام، أو يتوجه نحو البيت وهو يريد بتوجهه الإحرام، فيكون بذلك كله وما أشبهه محرمًا.\n[التمهيد: ١٥/ ١٣٤].\nوقال ابن تيمية: ولا يكون الرجل محرمًا بمجرد ما في قلبه من قصد الحج ونيته، فإن القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده، بل لا بد من قول أو عمل يصير به محرمًا. [مجموع الفتاوى: ٢٦/ ١٠٨].\n(^١) الموطأ: ١/ ٢٧٨ الحج رقم: ٥٣.\n(^٢) روى البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٠٨ الحج باب فتل القلائد للبدن والبقر عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله - ﷺ - يهدي من المدينة فأفتل قلائد هديه ثم لا يجتنب شيئا مما يجتنبه المحرم. ومسلم في صحيحه: ٢/ ٦٥٨ الحج حديث: ٣٦٦ بنحوه.\n(^٣) يشير إلى ما رواه مسلم في صحيحه: ٣/ ١٥٦٥ كتاب الأضاحي حديث: ٣٩ عن أم سلمة أن النبي - ﷺ - قال: إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئًا.\nقال ابن عبد البر: وفي حديث عائشة أيضا من الفقه ما يرد حديث أم سلمة عن النبي ﵇ أنه قال: إذا دخل العشر فأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره؛ لأن في هذا الحديث النهي من أن يأخذ في العشر من ذي الحجة من ظفره أو من شعره كل من أراد أن يضحي، والهدي في حكم الضحية، وفي حديث عائشة أن رسول الله - ﷺ - بعد تقليده الهدي لم يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم فهو معارض لأم سلمة، وهو أثبت منه وأصح. ثم حكى ابن عبد البر جمعًا بين الحديثين، فقال: قال أحمد: ذكرت لعبد الرحمن بن مهدي حديث أم سلمة وحديث عائشة كان النبي - ﷺ - إذا بعث الهدي لم يحرم عليه شيء. فبقي ساكتًا ولم يجب. =","vol":"1","page":534},{"text":"قال عمر (^١) وابن عباس (^٢) - ﵄ -: إذا قلد الهدي فقد لزمه الإحرام، وقال مثل قولهما قيس بن سعد (^٣)، ومن شاء الله من التابعين (^٤)، وكل يقول: لزمه الإحرام، وما انتهى إلينا أن أحدًا من الصحابة والتابعين قال غير ذلك (^٥).\n_________\n= وذكرته ليحيى بن سعيد فقال: ذاك له وجه وهذا له وجه، وحديث أم سلمة لمن أراد أن يضحي بالمصر، وحديث عائشة لمن بعث بهديه وأقام.\nقال أحمد: وهكذا أقول حديث عائشة هو على المقيم الذي يرسل بهديه ولا يريد أن يضحي بعد ذلك الهدي الذي بعث به، فإن أراد أن يضحي لم يأخذ من شعره شيئًا ولا من أظفاره على أن حديث أم سلمة هو عندي على كل من أراد أن يضحي في مصره. [انظر الاستذكار: ١١/ ١٨٣، ١٨٧]\n(^١) لم أقف على قول عمر - ﵁ -، ولعله ابن عمر فإن هذا القول مشهور عنه، فقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٢٥ في الرجل يقلد أو يجلل أو يشعر وهو يريد الإحرام، عن ابن عمر قال: من قلد فقد أحرم.\nوالذي وقفت عليه عن عمر - ﵁ - في هذا ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٢٦ من كان يمسك عما يمسك عنه المحرم، عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن عمر وعليًا وابن عباس كانوا يقولون في الرجل يرسل بدنه: أن يمسك عما يمسك عنه المحرم.\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٢٥ في الرجل يقلد أو يجلل أو يشعر وهو يريد الإحرام.\n(^٣) المرجع السابق.\n(^٤) يروى هذا القول عن إبراهيم، والشعبي، وأبي الشعثاء، وعطاء، وابن جبير، ومجاهد، وميمون بن شبل، انظر المرجع السابق.\n(^٥) إن كان يقصد أنه إذا قلد الهدي وهو يريد الإحرام فقد لزمه الإحرام، فهذا لا خلاف فيه، وإن كان يريد أن يصير محرمًا بمجرد التقليد حتى وإن كان لا يريد الإحرام فهذا مختلف فيه كما في حديث عائشة السابق.\nقال الجصاص: وهذا على أنه قلدها وساقها وهو يريد الإحرام؛ لأنه لا خلاف أنه إذا لم يرد الإحرام لا يكون محرمًا. [أحكام القرآن: ١/ ٤١٩].","vol":"1","page":535},{"text":"ورأيت الشافعي قد قال في كتابه خلافًا لما قاله الصحابة والتابعون، فإن منهم من قال شهور الحج: شوال وذو القعدة وذو الحجة إلى انقضاء أيام الحج (^١)، ومنهم من قال: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة (^٢)، فقال هو: شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة (^٣).\nوتسع تقع على الليالي دون الأيام، فأخرج يوم عرفة وليلة النحر من الحج، وهو معظم الحج (^٤)،\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: ٢٩٩.\n(^٢) سبق تخريجه ص: ٢٩٨.\n(^٣) قال المزني في مختصره: ٦٣: قال الشافعي: أشهر الحج شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة، وهو يوم عرفة، فمن لم يدركه إلى الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج.\nوقد ذكر البيهقي في أحكام القرآن: ١/ ١١٤، ١١٥ قال: قال الشافعي: أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة، ولا يفرض الحج إلا في شوال كله وذي القعدة كله وتسع من ذي الحجة، ولا يفرض إذا خلت عشر ذي الحجة، فهو من شهور الحج، والحج بعضه من بعض.\n(^٤) قال النووي: قال الشافعي في مختصر المزني: أشهر الحج شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة وهو يوم عرفة فمن لم يدرك إلى الفجر من يوم النحر، فقد فاته الحج، هذا نصه بحرفه واعترض عليه أبو بكر الطاهري فقال: قوله: إن أراد به الليالي، فهو خطأ ; لأن الليالي عشر وإن أراد الأيام، فهو خطأ في اللغة، فإن الأيام مذكرة، فالصواب تسعة، وأجاب الأصحاب عن هذا: بأن المراد الأيام والليالي وغلب لفظ التأنيث على عادة العرب، فإن العرب تغلب لفظ التأنيث في اسم العدد يقولون: صمنا عشرًا ويريدون الليالي والأيام، ويقولون: صمنا خمسًا ويريدون الأيام، قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والأصحاب: إنما أفرد الشافعي ليلة النحر بالذكر وذكرها بعد التسع ; لأن الإحرام يستحب تقديمه عليها قالوا: ويحتمل أنه أفردها ; لأنها تنفرد عن اليوم الذي بعدها، ويحتمل أنه أفردها لتعلق الفوات بها. ... [انظر المجموع: ٧/ ١٣٤].","vol":"1","page":536},{"text":"قال النبي - ﷺ -: الحج عرفة (^١). يريد أن الوقوف بعرفة لا بمزدلفة، يقول هذا، [] (^٢) بأن يقول من أحرم قبل الشهور لم يلزمه، والله المستعان (^٣).\n_________\n(^١) رواه أبو داود في سننه: ٢/ ١٩٦ باب من لم يدرك عرفة كتاب المناسك، والترمذي في سننه، باب ما جاء من أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج من أبواب الحج، وقال: والعمل على حديث عبد الرحمن بن يعمر عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ -، انظر تحفة الأحوذي: ٣/ ٦٣٣، والنسائي في سننه: ٥/ ٢٨٢ باب فرض الوقوف بعرفة من كتاب المناسك، وابن ماجة في سننه: ٢/ ١٨٠ باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع من أبواب المناسك، وأحمد في مسنده: ٤/ ٣٠٩، والدارقطني في سننه: ٢/ ٢٤٠ باب المواقيت حديث: ١٩، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٠٥ التفسير سورة البقرة، وقال: حديث صحيح ولم يخرجاه.\n(^٢) في الأصل كلمة لم أستطع قراءتها.\n(^٣) ذكر المؤلف خلاف السلف في أشهر الحج ما هي؟ وذكر قول الشافعي، وهذه المسألة مما اختلف فيه أهل العلم على قولين، هما:\nالأول: أن أشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وبه قال: ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، والحسن، وعطاء، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والشعبي، والثوري، وأبو حنيفة، ومالك في رواية عنه، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وداود الظاهري، ورجحه ابن جرير.\nوقد ذهب الشافعي إلى عدم دخول يوم النحر في أشهر الحج؛ لأنه بنهاية ليلة يوم النحر ينتهي جواز الإحرام بالحج.\nالثاني: أن أشهر الحج: شوال وذو القعدة وذو الحجة كله، وهو مروي عن: عمر، وابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والزهري، والربيع بن أنس، والمشهور من مذهب مالك.\nانظر: تفسير ابن جرير: ٢/ ٢٥٧، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤٠٩، والمغني: ٥/ ١١٠، وأحكام القرآن لابن العربي: ١/ ١٨٧، وتفسير القرطبي: ٢/ ٤٠٥، والمجموع للنووي: ٧/ ١٣٤.\nولعل القول الثاني هو الأقرب للصواب، قال القاضي عبد الوهاب البغدادي: فدليلنا قوله ﷿: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ وأقلها ثلاثة كاملة؛ ولأن كل شهر كان أوله من شهور الحج فكذلك آخره، أصله شوال، وفائدة ذلك تعلق الدم بتأخير طواف الإفاضة بخروجه. [الإشراف: ١/ ٤٦٢].\nوهذا ما رجحه ابن حزم في المحلى: ٧/ ٦٩، وابن عثيمين في تفسيره: ٢/ ٤١٥.\nمع أن من ذهب إلى القول الأول مستدلًا بأنه لا يمكن فرض الحج بعد ليلة يوم النحر استنتاج صحيح مجمع عليه، يقول الشنقيطي بعد ذكره للخلاف في هذه المسألة: مع الإجماع على فوات الحج بعد الوقوف بعرفة قبل الفجر من ليلة النحر. [أضواء البيان: ٥/ ٣١٨].","vol":"1","page":537},{"text":"قال الله ﵎: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (^١)\nقال ابن عمر (^٢)، وابن عباس (^٣)، وخلق من التابعين (^٤) الرفث: الجماع، واختلفوا في الفسوق، فقال بعضهم: المعاصي (^٥)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٩٧]\n(^٢) روى سعيد بن منصور في سنه: ٣/ ٨٠٣ عن ابن عمر قال: الرفث الجماع، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٧٤ باب قوله (فلا رفث ولا فسوق)، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٦٧، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٤٦، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٠٤ التفسير سورة البقرة، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والبيهقي في سننه: ٥/ ٦٧ باب لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج.\n(^٣) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٥٧٠ الحج باب قوله: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، وسعيد ابن منصور في سننه: ٣/ ٧٩٩، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٧٣، وأبو يعلى في مسنده: ٢/ ٥٥٢، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٦٥، والطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٣٢، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٤٦، والبيهقي في سننه: ٥/ ٦٧.\n(^٤) ممن قال بأن الرفث: الجماع: إبراهيم، والضحاك، والحسن، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن يسار، ومجاهد، وقتادة، وابن جبير، انظر سنن سعيد: ٣/ ٨٠٠، ٨٠٢، ومصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ١٧٤، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٦٥، وأحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٣٤، ومعالم التنزيل للبغوي: ١/ ٢٢٦.\n(^٥) يروى هذا عن ابن عمر، وابن عباس، وعطاء، والحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن جبير،،وإبراهيم، والربيع، وعكرمة، انظر سنن سعيد: ٣/ ٧٩٩ - ٨٠٣، وابن أبي شيبة: ٣/ ١٧٤، وابن جرير: ٢/ ٢٦٨، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٤٧، والبيهقي في سننه: ٥/ ٦٧، وتفسير البغوي: ١/ ٢٢٦ ..","vol":"1","page":538},{"text":"وقال بعضهم: السباب (^١)، وقال بعضهم الجدال: أن تماري صاحبك (^٢)،\n_________\n(^١) يروى هذا عن: ابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، والسدي، وإبراهيم، وعطاء بن يسار، والحسن، انظر: ابن أبي شيبة: ٣/ ١٧٤، وابن جرير: ٢/ ٢٧٠، والبيهقي في سننه: ٥/ ٦٧، والبغوي في تفسيره: ١/ ٢٢٧، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٣٧.\n(^٢) يروى هذا عن ابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود، وجابر بن زيد،،وإبراهيم، والضحاك، وعطاء، وابن جبير، وعمرو بن دينار، انظر سنن سعيد: ٣/ ٧٩٩ - ٨٠٣، ومصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ١٧٣، وتفسير ابن جرير: ٢/ ٢٧١، وتفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٤٨، وسنن البيهقي: ٥/ ٦٧، وتفسير البغوي: ١/ ٢٢٧، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٣٨.\n\n* لوحة: ٤٢/أ.","vol":"1","page":539},{"text":"وقال بعضهم الرفث: الجماع، والفسوق: السباب * والمعاصي (^١)، والجدال: أن يقول قائل إن الحج في غير ذي الحجة، قد استقر الأمر على أن الحج في ذي الحجة، فلا جدال فيه (^٢)؛ لقول رسول الله - ﷺ - وقد وقف بعرفة: إلا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، فلا حج إلا في ذي ... الحجة (^٣).\n_________\n(^١) في الأصل: والفسوق: والسباب والمعاصي، والصواب ما أثبت.\n(^٢) يروى هذا القول عن مجاهد، فقد رواه عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٧٧، وسعيد في سننه: ٣/ ٧٩٣، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٧٣، ١٧٤، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٧٤، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٤٨، والبيهقي في سننه: ٥/ ١٦٦ باب من كره أن يقال للمحرم صفر وأن النسيء من أمر الجاهلية.\n(^٣) حزء من حديث رواه البخاري في صحيحه: ٣/ ١١٦٨ بدء الخلق باب ما جاء في سبع أرضين، و٤/ ١٥٩٩ المغازي باب حجة الوداع، و٤/ ١٧١٢ التفسير سورة التوبة قوله: إن عدة الشهور، و٥/ ٢١١٠ الأضاحي باب من قال الأضحى يوم النحر، و٦/ ٢٧١٠ التوحيد باب قوله: وجوه يومئذ ناضرة، ومسلم في صحيحه: ... ٣/ ١٣٠٥ كتاب القسامة حديث: ٢٩. وليس فيه: لا حج إلا في ذي الحجة.\nوقد ذكر هـ النحاس فقال: قال النبي - ﷺ -: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض وإن الحج في ذي الحجة. معاني القرآن: ١/ ١٣٤، والأزرقي في أخبار مكة: ١/ ١٨٦.\n\nقلت: ولعل الراوي وهم في هذه الزيادة، فإن المشهور أن هذه الزيادة من قول مجاهد، فقد روى عبد الرزاق في تفسيره: ٢/ ٢٧٥ عن مجاهد قال: فرض الله الحج في ذي الحجة، وسعيد في سننه: ٣/ ٧٩٣ عن مجاهد قال: ليس في الحج جدال ولا شك ولا نسيان في الحج، الحج في ذي الحجة، وابن أبي شيبة: ٣/ ١٧٣ عن مجاهد قال: قد صار الحج في ذي الحجة، فلا شهر ينسأ، ولا شك في الحج.","vol":"1","page":540},{"text":"وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن مجرى الجدال مجرى الرفث والفسوق، وإلى أن النهي قد وقع على ذلك كله، فكأنه قد قيل: لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا (^١)، وذهب بعضهم إلى: أن النهي وقع على الرفث والفسوق خاصة، وأخبروا أن الحج ... لا جدال فيه، فكأنه قد قيل لهم: لا ترفثوا ولا تفسقوا، ثم اعلموا أن الحج لا جدال فيه، وأن ذلك قد انقطع (^٢)؛\n_________\n(^١) كل من فسر الجدال في الحج بأنه النهي أن تماري صاحبك، فالمعنى عنده: لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا.\n(^٢) وهذا تفسير مجاهد.\nقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب (فلا رفث ولا فسوق) بالضم فيهما والتنوين، وقرأ الباقون: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ بالنصب بغير تنوين، وقرأ أبو جعفر بالرفع والتنوين كذلك في قوله: (ولا جدال)، وأما الباقون فبنصب اللام في قوله: ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ [السبعة: ١٨٠، والنشر: ٢/ ١٥٩].\nقال النحاس: قال أبو عمرو: أراد فلا يكونن رفث ولا فسوق في شيء يخرج من الحج، ثم ابتدأ النفي فقال: ... ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، فأخبر أن الأول نهي. [معاني القرآن: ١/ ١٣٤، وإعراب القرآن: ١/ ١٠١].\n= وقال ابن زنجلة: قرأ ابن كثير وأبو عمرو (فلا رفثٌ ولا فسوقٌ) رفع منون، (ولا جدالَ) نصبًا، قال ... أبو عبيد: وإنما افترقت الحروف عندهم؛ لأنهم جعلوا قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ بمعنى النهي أي: لا يكون فيه ذاك، وتأولوا في قوله: ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ أنه لا شك في الحج ولا اختلاف فيه أنه في ذي الحجة.\nوقرأ الباقون جميع ذلك بالنصب وحجتهم قول ابن عباس: ولا جدال في الحج، قال: لا تمار صاحبك حتى تغضبه، فلم يذهب بها ابن عباس ذلك المذهب، ولكنه جعله نهيًا كالحرفين الأولين، وأن حرف النهي دخل في الثلاثة وحجة من فتح أن يقول إنه أبلغ للمعنى المقصود، ألا ترى أنه إذا فتح فقد نفى جميع الرفث والفسوق.\n\nوحجة من رفع أنه يعلم من الفحوى أنه ليس النفي وقتًا واحدًا، ولكنه بجميع ضروبه، وقد يكون اللفظ واحدًا والمراد جميعًا.\n[حجة القراءات: ١٢٨، ١٢٩].","vol":"1","page":541},{"text":"لأن بعضهم كان يقف بعرفات وبعضهم بمزدلفة، ويقول هؤلاء: نحن أصوب، ويقول هؤلاء: نحن أصوب (^١)، وكانوا يغيّرون الشهور ويسمونها بغير أسمائها فيحجون في كل سنتين في شهر حتى يدور الحج في أربع وعشرين سنة، وكانوا يسمونه النسيء (^٢) وهو الذي قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ (^٣) (^٤)\nوقال شاعرهم:\n_________\n(^١) روى ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٧٤ عن ابن زيد قال: كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون، كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم، فقطعه الله حين أعلم نبيه - ﷺ - بمناسكهم.\n(^٢) النسء: تأخير في الوقت، ومنه النسيء الذي كانت العرب تفعله وهو تأخير بعض الأشهر الحرم إلى شهر آخر. ... [مقاييس اللغة: ٩٨٨، ولسان العرب: ١/ ١٦٦]\n(^٣) [سورة التوبة: الآية ٣٧]\n(^٤) روى عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٢٧٥ عن مجاهد: فرض الله الحج في ذي الحجة، وكان المشركون يسمون الأشهر: ذا الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع، وربيع، وجمادى، وجمادى، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذا القعدة، وذا الحجة، ثم يحجون فيه مرة أخرى، ثم يسكتون عن المحرم فلا يذكرونه، ثم يعدون\nفيسمون صفر صفر، ثم يسمون رجب جمادي الآخرة، ثم يسمون شعبان رمضان، ورمضان شوال، ثم يسمون ذا القعدة شوالًا، ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة، ثم يسمون المحرم ذا الحجة، ثم يحجون فيه واسمه عندهم ذو الحجة، ثم عادوا كمثل هذه القصة، فكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر عامين حتى وافق حجة أبي بكر الآخرة من العامين في ذي القعدة، ثم حج النبي - ﷺ - حجته التي حج فوافق ذا الحجة، فذلك حين يقول النبي - ﷺ - في خطبته: إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض.","vol":"1","page":542},{"text":"وَمِنَّا مُنْسيءُ الشهور القلمس (^١) فانقطع الجدال بقول رسول الله - ﷺ -: لا حج إلا في ذي الحجة (^٢)، ولم يؤمر بالحج حتى دار الزمان، ووقف بعرفة حيث كانت تقف العرب دون الحُمس (^٣).\n_________\n(^١) البيت عند البغوي في تفسيره: ٤/ ٤٧: وفينا ناسيء الشهر القَلَمّسْ، وعند ابن عطية في المحرر: ٨/ ١٨٠ ومنا منسيء الشهر القلمس، وعند القرطبي في تفسيره: ٨/ ١٣٨ ومنا ناسيء الشهر القلمس، وهو كذلك عند أبي السعود في تفسيره: ٤/ ٦٤.\nقال ابن منظور: القَلَمّسُ الكناني: أحد نسأة الشهور على العرب في الجاهلية. [لسان العرب: ٦/ ١٨٢].\nوقد اختلف في اسمه، وفيمن أول من نسأ الشهور عند العرب، انظر أخبار مكة للأزرقي: ١/ ١٨٣، وأخبار مكة للفاكهي: ٥/ ٢٠٥، وتفسير البغوي: ٤/ ٤٧، وتفسير ابن كثير: ٢/ ٣٥٧.\nوقد ذكر المؤلف اسمه عند تفسير قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] حيث قال القاضي بكر بن العلاء: وأصل النسيء إنما كان رجل من بني كنانة، ثم من بني فقيم، يعرف بالقَلَمّس، واسمه حذيفة، وهو من بني فقيم، وكان ملكًا فيهم.\nثم قال: فكان حذيفة على ذلك، ثم خلفه ابنه عباد بن حذيفة، ثم خلفه ابنه قلع بن عباد، ثم أمية بن قلع، ثم عوف بن أمية، ثم جنادة بن عوف، فحج رسول الله - ﷺ - حجة الوداع وجنادة صاحب ذلك، فأبطل رسول الله - ﷺ - ما كان جنادة يفعله. انظر لوحة ١٦٤/ب، ١٦٥/أبتصرف.\n(^٢) في الأصل: لا حج في ذي الحجة، والصواب ما أثبت.\n(^٣) الحُمْس: الحاء والميم والسين أصل واحد يدل على: الشدة، فالأحمس الشجاع، والحُمس جمع الأحمس، وهم: قريش ومن ولدت قريش، وكنانة، وجديلة ومن تابعهم في الجاهلية، سموا حمسًا لتحمسهم في دينهم أي: تشددهم فيه، أو لالتجائهم بالحَمساء وهي الكعبة؛ لأن حجرها أبيض إلى السواد.\n\n[مقاييس اللغة: ٢٦٤، والنهاية لابن الأثير: ١/ ٤٤٠، والقاموس المحيط: ٦٩٥].","vol":"1","page":543},{"text":"وقال النبي - ﷺ -: من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه (^١). ولم يذكر الجدال فدل على أنه لا رفث * ولا فسوق نهوا عن ذلك، ولا جدال في الحج أي: قد انقطع الجدال وجرى مجرى الخبر، وهذا هو الصحيح، والله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٥٥٣ الحج باب فضل الحج، و٢/ ٦٤٥ الإحصار وجزاء الصيد باب قوله: فلا رفث، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٩٨٣ الحج حديث: ٤٣٨.\n* لوحة: ٤٢/ب.\n(^٢) ذكر الزمخشري في الكشاف: ١/ ٢٧١ كلامًا قريبًا مما ذكر المؤلف هنا حيث قال: وقرأ أبو عمرو وابن كثير الأولين بالرفع، والآخر بالنصب؛ لأنهما حملا الأولين على معنى النهي، كأنه قيل: فلا يكونن رفث ولا فسوق، والثالث على معنى الإخبار بانتفاء الجدال، كأنه قيل: ولا شك ولا خلاف في الحج، واستدل على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال بقوله - ﷺ -: من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج كهيئة يوم ولدته أمه.\n= وقد أجاب عما ذكره المؤلف هنا وما ذكره الزمخشري أبو حيان حيث قال بعد ذكره لكلام الزمخشري: وفيه تعقبات: الأول: تأويله على أبي عمرو وابن كثير أنهما حملا الأولين علة معنى النهي بسبب الرفع، والثالث على الإخبار بسبب البناء، والرفع والبناء لا يقتضيان شيئًا من ذلك.\n\nثم قال: وقوله واستدل على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال إلى آخر كلامه، ولا دليل في ذلك؛ لأن الجدال إن كان من باب المحظور فقد اندرج في قوله: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾ لعمومه، وإن كان من باب المكروه وترك الأولى، فلا يجعل ذلك شرطًا في غفران الذنوب، فلذلك رتب - ﷺ - غفران الذنوب على النهي عن ما يفسد الحج من المحظور فيه، الجائز في غير الحج، وهو الجماع المكنى عنه بالرفث، ومن المحظور الممنوع منه مطلقًا في الحج وفي غيره، وهو معصية الله المعبر عنها بالفسوق، وجاء قوله: ولا جدال من باب التتميم لما ينبغي أن يكون عليه الحاج من إفراغ أعماله للحج، وعدم المخاصمة والمجادلة، فمقصد الآية غير مقصد الحديث، فلذلك جمع في الآية بين الثلاثة، وفي الحديث اقتصر على الاثنين.\n[انظر البحر المحيط: ٢/ ٢٨٥، ٢٨٦].","vol":"1","page":544},{"text":"قال الشاعر (^١)\nهذا وجدكم الصغار بعينه ... لا أم لي إن كان ذاك ولا أب (^٢)\nقال الله ﵎: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (^٣)\n_________\n(^١) اختلف في قائل هذا البيت، قال السيوطي: قال سيبويه: هو لرجل من مذحج، وقال أبو رياش: هو الهمام اخي حسان بن مرة، وقال الأصفهاني: هو لضمرة بن ضمرة، وقال الآمدي: أحمر بن الحارث. ...\n[شرح شواهد المغني: ٢/ ٩٢١].\n(^٢) البيت عند الفراء في معاني القرآن: ١/ ١٢١، والقرطبي في تفسيره: ٢/ ٤٠٩، وفي رواية: هذا لعمركم، لسان العرب: ٦/ ٦١، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٧٦.\nوجه الشاهد منه، قال السيوطي: واستشهد به على رفع اسم الثاني مع تكرر لا، مع فتح الأول.\n[شرح شواهد المغني: ٢/ ٩٢١].\nقلت: وما ذكره المؤلف هنا لا يدل إلى ما ذهب إليه من القراءة برفع الرفث والفسوق، وفتح الجدال، فهذا البيت عكس ما ذهب إليه من جواز فتح الثاني، ورفع الأول.\nقال ابن هشام: ولك في نحو (لا حول ولا قوة إلا بالله) خمسة أوجه، أحدها: فتحهما، وهو الأصل، الثاني: رفعهما، الثالث: فتح الأول ورفع الثاني كقوله: لا أم لي عن كان ذاك ولا أب، الرابع: عكس الثالث: كقوله: فلا لغوٌ ولا تأثيمَ فيها، الخامس: فتح الأول ونصب الثاني.\n[انظر أوضح المسالك: ٢/ ١٥].\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ١٩٧]","vol":"1","page":545},{"text":"قال المفسرون جميعًا ممن انتهى إلينا قوله، وهم من شُهر بالتفسير من التابعين: أنهم كانوا لا يتزودون (^١)، فأمروا بالزاد، وأخبروا مع ذلك أن خير الزاد التقوى، أي: فاصحبوا حجكم مع اتخاذ الزاد التقوى، لا أعلم خلافًا في ذلك (^٢).\nقال الله ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (^٣)\n_________\n(^١) في الأصل: يتزودون، والصواب ما أثبت.\n(^٢) روى البخاري في صحيحه: ٢/ ٥٥٤ الحج باب قوله تعالى: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، عن ابن عباس ﵄ قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِن خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.\nوهذا يروى عن قتادة، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وإبراهيم، انظر تفسير عبد الرزاق: ١/ ٧٧، وسنن سعيد بن منصور: ٣/ ٨١١، وتفسير ابن جرير: ٢/ ٢٧٨، وأحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٣٦، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٣٩.\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ١٩٨]","vol":"1","page":546},{"text":"سئل ابن عمر عن التجارة في الحج فقال: لا بأس بذلك وتلا هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (^١)، وعزاه إلى النبي - ﷺ - وأنه سئل عن ذلك فنزلت الآية (^٢)، وقال من فسر القرآن كلهم: لا بأس بالتجارة في الحج، وفسروا الآية بذلك عن ابن عباس (^٣)\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٨٧ التجارة في الحج، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٨٣ عن أبي أميمة قال: سمعت ابن عمر سئل عن الرجل يحج ومعه تجارة، فقرأ ابن عمر: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، قال ابن كثير: وهذا موقوف وهو قوي جيد. [تفسير القرآن العظيم: ١/ ٢٤٠].\n(^٢) رواه أبوداود في سننه: ٢/ ١٤٢ المناسك باب الكَرِيِّ، وأحمد في مسنده: ٥/ ١٥٥، والطيالسي في مسنده: ٣/ ٤٤٢، وسعيد في سننه: ٣/ ٨٢٠، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٣٦٣ في الكري تجزئه حجته، وابن حرير في تفسيره: ٢/ ٢٨٢، وابن خزيمة في صحيحه: ٤/ ٣٥٠، والدارقطني في سننه: ٢/ ٢٩٢ المواقيت: ٢٥٠، والحاكم في المستدرك: ١/ ٦١٨ المناسك، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في سننه: ٤/ ٣٣٣ الرجل يواجر نفسه من رجل يخدمه، والواحدي في أسباب النزول: ٦٢.\n(^٣) روى البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٢٨ الحج باب التجارة أيام الموسم والبيع في أسواق الجاهلية، عن ابن عباس ﵄: قال: كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج.\n\nوكذلك رواه عنه: سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٨١٨، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٨٣، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٥١، والبهقي في سننه: ٤/ ٣٣٣ باب التجارة في الحج.","vol":"1","page":547},{"text":"وغيره (^١)، وقالوا لأنهم كانوا يتحرجون من التجارة في أيام الحج حتى نزلت الآية.\nقال الله ﵎: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ (^٢)\n_________\n(^١) يروى هذا عن مجاهد، وقتادة، وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس، انظر تفسير عبدالرزاق: ١/ ٧٨، ومصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ١٨٧، وتفسير ابن جرير: ٢/ ٢٨٢، وأحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٣٧، قال الجصاص: بعد ذكره للرواية عن ابن عباس في ذلك قال: وروي نحو ذلك عن جماعة من التابعين منهم: الحسن، وعطاء، ومجاهد، وقتادة، ولا نعلم أحدًا روي عنه خلاف ذلك. [أحكام القرآن: ١/ ٤٣٢].\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٨]\n\n* لوحة: ٤٣/أ.","vol":"1","page":548},{"text":"قيل: إنه لم يكن نبي إلا أُمر بالصلاة إلى البيت، فلما أمر إبراهيم - ﷺ - ببناء البيت سارت السكينة بين يديه، كأنها قبة فكانت إذا سارت سار، وإذا * نزلت نزل (^١)، فلما انتهت إلى موضع البيت استقرت عليه، وانطلق إبراهيم معه جبريل - ﵉ - فمر بالعقبة فعرض له الشيطان فرماه، ثم مر بالثانية فعرض له فرماه، ثم مر بالثالثة فعرض له فرماه، ثم انتهى إلى عرفة فقال له جبريل - ﵇ -: عرفت. فلذلك سميت عرفة، ثم رجع فبنى البيت على موضع السكينة (^٢). وقال عطاء (^٣)، والحسن (^٤): سميت عرفات؛ لأن جبريل كان يُري إبراهيم المناسك ويقول عرفت، فيقول: قد عرفت. فسميت عرفات، وسمي الموسم (^٥) لتوسم الناس بعضهم بعضًا (^٦)، وسمي التشريق لتشريق الشمس (^٧)، قال الشاعر:\n_________\n(^١) في الأصل: فنزل، والصواب ما أثبت.\n(^٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ، ولكن روى نحوه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٨٦ عن السدي.\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٢٦٢ لم سميت عرفة؟، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٨٧، والبغوي في تفسيره: ١/ ٢٢٨، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٤١.\n(^٤) ذكره النحاس في معاني القرآن: ١/ ١٣٧، والرازي في تفسيره: ٤/ ٥٧.\n(^٥) الموسم: موسم الحج والسوق مجتمعها، سميت مواسم لاجتماع الناس فيها، فكل مجمع من الناس كثير هو موسم، ووسَّمَ الناس: شهدوا الموسم. [مقاييس اللغة: ١٠٥٣، ولسان العرب: ١٢/ ٦٣٦].\n(^٦) روى الفاكهي في أخبار مكة: ٤/ ٢٦١ عن أبي بشر قال: إنما سمي الموسم الموسم لأن الناس يتوسم بعضهم فيه بعضًا.\n(^٧) قال ابن الأثير: التشريق من تشريق اللحم، وهو تقديده وبسطه في الشمس ليجف؛ لأن لحوم الأضحى كانت تشرق فيها بمنى، وقيل: سميت به لأن الهدي والضحايا لا تنحر حتى تشرق الشمس أي تطلع.\n[النهاية: ٢/ ٤٦٤].","vol":"1","page":549},{"text":"موقوفة ينظر التشريق راكبها (^١)\nوقال علي (^٢) وجابر (^٣)\n_________\n(^١) روى الفاكهي في أخبار مكة: ٤/ ٢٦١ عن أبي بشر قال: كان القسري خالد بن عبد الله يسأل قتادة عن أيام التشريق لأي شيء به سميت أيام التشريق، فقال: كانوا يشرقون القديد فسألوني عن ذلك فأنشدتهم قول عباس بن مرداس السلمي: ... موقوفة ينظر التشريق راكبها ... كأنها في حبال الرمل مسلوس\n(^٢) عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: وقف رسول - ﷺ - بعرفة، فقال: هذه عرفة وهذا هو الموقف، وعرفة كلها موقف، ثم أفاض حين غربت الشمس، وأردف أسامة بن زيد وجعل يشير بيده على هينته، والناس يضربون يمينًا وشمالًا يلتفت إليهم ويقول: يا أيها الناس عليكم السكينة، ثم أتى جمعًا فصلى بهم الصلاتين جميعًا، فلما أصبح أتى قزح فوقف عليه، وقال: هذا قزح وهو الموقف، وجمع كلها موقف. [جزء من حديث سبق تخريجه ص: ٢٦٢]\n(^٣) رواه أبوداود في سننه: ٢/ ١٩٣ المناسك باب الصلاة بجمع، وابن ماجة في سننه: ٢/ ١٧٩ الموقف بعرفة من أبواب المناسك واللفظ له، والدارمي في سننه: ٢/ ٧٩ باب عرفة كلها موقف كتاب المناسك، والبيهقي في سننه: ٥/ ١٢٢ باب من حيث وقف من المزدلفة أجزأه، عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: كل عرفة موقف، وارفعوا عن بطن عرنة، وكل المزدلفة موقف وارفعوا عن بطن محسر، وكل منى منحر إلا ما وراء العقبة.\n\nوأصله في صحيح مسلم: ٢/ ٨٩٣ الحج حديث: ١٤٩ من حديث جابر.","vol":"1","page":550},{"text":"عن النبي - ﷺ -: عرفة كلها موقف، وكل مزدلفة موقف، وارتفعوا عن محسر. فرواه جماعة (^١)، وقال ابن عباس: من أفاض من عرفة قبل غروب الشمس فلا حج له (^٢).\nوقيل في المزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن محسر (^٣). والمسجد الذي يصلي فيه الإمام يوم عرفة هو في بطن عرنة، فإذا خرج الإنسان من البطن يريد الموقف بعرفة فقد صار بعرفة من حين يخرج من البطن، والمزدلفة من حين يدخل الإنسان من ناحية عرفة، فيخرج من الحل ويصير إلى الحرم، ويصير بين جبلين حين يخرج من المأزمين (^٤)\n_________\n(^١) وقد روى الإمام أحمد في مسنده: ٤/ ٨٢، وابن حبان في صحيحه: ٩/ ١٦٦ عن جبير بن مطعم عن النبي - ﷺ - قال: كل عرفات موقف وارفعوا عن بطن عرنة، وكل مزدلفة موقف وارفعوا عن محسر، وكل فجاج منى منحر وكل أيام التشريق ذبح.\n(^٢) روى ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٣٠٥ في رمي جمرة العقبة، وابن حزم في المحلى: ٧/ ١٣١ عن ابن عباس قال: من أفاض من عرفة فلا حج له. هكذا دون تقيده بغروب الشمس.\n= قال القرطبي: أجمع أهل العلم على أن من وقف بعرفة يوم عرفة قبل الزوال ثم أفاض منها قبل الزوال أنه لا يعتد بوقوفه ذلك قبل الزوال، وأجمعوا على تمام حج من وقف بعرفة بعد الزوال وأفاض نهارًا قبل الليل، إلا مالك بن أنس فإنه قال: لا بد أن يأخذ من الليل شيئًا، وأما من وقف بعرفة بالليل فإنه لا خلاف بين الأمة في تمام حجه. ...\n[الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٤١٥].\n(^٣) سبق تخريجه ص: ٣١٥.\n(^٤) الهمزة والراء والميم أصل واحد وهو: الضيق وتداني الشيء من الشيء بشدة والتفاف، والمأزم المضيق في الجبال حيث يلتقي بعضها ببعض ويتسع ما وراءه.\n[مقاييس اللغة: ٥٨، والنهاية لابن الأثير: ٤/ ٢٨٨].\n\nقال الحموي: وهو موضع بمكة بين المشعر الحرام وعرفة، وهو شعب بين جبلين يفضي آخره إلى بطن عرنة، وهو إلى ما أقبل على الصخرات التي يكون بها موقف الإمام إلى طريق يفضي إلى حصن وحائط بني عامر عند عرفة، وبه المسجد الذي يجمع فيه الإمام بين الصلاتين الظهر والعصر، وهو حائط نخيل وبه عين تنسب إلى عبد الله بن عامر بن كريز، وليس عرفات من الحرم وإنما حد الحرم من المأزمين فإذا جزتهما إلى العلمين المضروبين فما وراء العلمين من الحل. ... [معجم البلدان: ٥/ ٤٠].\n* لوحة: ٤٣/ب.","vol":"1","page":551},{"text":"فقد دخل في مزدلفة إلى بطن محسر، وبطن محسر بين مزدلفة وبين منى، إذا خرج الإنسان من منى يريد مزدلفة لقد هبط في * بطن محسر، فإذا خرج منه يريد مزدلفة فهو في مزدلفة (^١).\nقال الله ﷿: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (^٢)\nالمشعر الحرام قزح، وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام (^٣)، ومزدلفة كلها المشعر، كذلك قال عمر بن الخطاب - ﵁ - وسائر من انتهى إلينا تفسيره: أن كل الذي بين الجبلين من المشعر (^٤).\n_________\n(^١) قال البكري: محسر بضم أوله وفتح ثانيه بعده سين مهملة مشددة مكسورة ثم راء مهملة: واد بجمع وهي مزدلفة قال عبد الملك ابن حبيب: عرنة ليست من عرفة إنما هي من الحرم، وعرفة خارجة من الحرم، والموقف خارج من الحرم وداخل في الحل، وبطن عرنة هو بطن الوادي الذي فيه مسجد عرفة، وهي مسايل يسيل فيها الماء إذا كان المطر، يقال لها: الحبال وهي ثلاثة أقصاها مما يلي الموقف أمر رسول الله - ﷺ - بالارتفاع عن تلك الحبال إلى سفح جبل عرفة أي أسفله، قال ابن المواز: حائط مسجد عرفة القبلي على حد عرنة، ولو سقط ما سقط إلا فيها. ... [معجم ما استعجم: ٤/ ١١٩٠].\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٨]\n(^٣) قزح: بضم أوله وفتح ثانيه وحاء مهملة: هو القرن الذي يقف الإمام عنده بالمزدلفة، عن يمين الإمام، وهو الميقدة، وهو الموضع الذي كانت توقد فيه النيران في الجاهلية، وهو موقف قريش في الجاهلية إذ كانت لا تقف بعرفة. [معجم البلدان: ٤/ ٣٤١].\n(^٤) قال ابن جرير: المشعر الحرام هو ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى محسر، وليس مأزما عرفة من المشعر، بهذا القول قال أهل التأويل. [جامع البيان: ٢/ ٢٨٧].\nولم أقف على رواية عمر - ﵁ -، ولعله ابن عمر، فإن هذا القول قد اشتهر عنه، فرواه عنه: عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٧٨، وسعيد في سننه: ٣/ ٨٢٣، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٢٣٧ من قال المزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٨٧ والطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ١٦٩، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٢٥٣، والبغوي في تفسيره: ١/ ٢٢٩، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٤٢.\nوهذا القول في المشعر الحرام هو قول أهل التفسير والسير، وأما الفقهاء فيرون أن المشعر الحرام المذكور في هذه الآية هو قزح، قال النووي وهو يشرح ما رواه مسلم في صحيحه: ٢/ ٨٩١ الحج حديث: ١٤٧ وفيه: حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا، ثم اضطجع رسول الله - ﷺ - حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا فدفع قبل أن تطلع الشمس.\nقال النووي: وأما المشعر الحرام فبفتح الميم هذا هو الصحيح، وبه جاء القرآن وتظاهرت به روايات الحديث، ويقال أيضًا بكسر الميم، والمراد به هنا: قزح بضم القاف وفتح الزاي وبحاء مهملة، وهو جبل معروف في المزدلفة، وهذا الحديث حجة الفقهاء في أن المشعر الحرام هو قزح، وقال جماهير المفسرين وأهل السير والحديث المشعر الحرام: جميع المزدلفة. [شرح النووي على صحيح مسلم: ٨/ ٢٥٩]. =","vol":"1","page":552},{"text":"وكان النبي - ﷺ - (^١)، وأبو بكر (^٢)، وعمر (^٣) يقفون على قزح حذا ثبير (^٤)، والناس بعدهم على ذلك. وذِكرُ الله ﷿ هناك واجب بالندب وليس بفرض؛ لأنه - ﵇ - قدم ضعفاء بني عبد المطلب بليل (^٥).\n_________\n= قلت: والذي يظهر أنه لا يوجد تعارض بين هذين القولين، فمن حمل الذكر المأمور به في هذه الآية على الصلاة والمبيت فسر المشعر الحرام بأنه: المزدلفة؛ لأنها كلها موقف، ومن فسر الذكر بالتسبيح والتحميد الوارد بعد صلاة الفجر من ذلك اليوم، فسر المشعر الحرام بأنه قزح؛ لأن الرسول - ﷺ - وقف عليه وذكر الله وحمده ودعاه، وإلا فالجميع متفق على أن من حمد الله ودعاه في أي مكان من المزدلفة جائز، وإن كانت السنة الوقوف على قزح.\nقال ابن تيمية: ومزدلفة كلها موقف، لكن الوقوف عند قزح أفضل، وهو جبل الميقدة، وهو المكان الذي يقف فيه الناس اليوم، وقد بني عليه بناء، وهو المكان الذي يخصه كثير من الفقهاء باسم المشعر الحرام.\n[مجموع الفتاوى: ٢٦/ ١٣٥].\n(^١) سبق تخريجه ص: ٢٦٢، ٣١٥ من حديث علي بن أبي طالب - ﵁ -.\n(^٢) رواه الشافعي في الأم: ٢/ ٢١٣، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٢٣٧، والطبري في تفسيره: ٢/ ٢٩٠، والطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ١٧١، والبيهقي في سننه: ٥/ ١٢٥ باب الدفع من المزدلفة قبل طلوع الشمس.\n(^٣) روى البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٠٤ الحج باب متى يدفع من جمع؟ عن عمرو بن ميمون يقول: شهدت عمر - ﵁ - صلى بجمع الصبح ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون أشرق ثبير، وإن النبي - ﷺ - خالفهم ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس.\n(^٤) ثبير: بفتح أوله وكسر ثانيه بعده ياء وراء مهملة: جبل بمكة، وهي أربعة أثبرة بالحجاز، وثبير من أعظم جبال مكة، بينها وبين عرفة، وهو جبل بالمزدلفة على يسار الذاهب إلى منى، سمي ثبيرًا برجل من هذيل مات في ذلك الجبل فعرف الجبل به. [معجم ما استعجم: ١/ ٣٣٥، ومعجم البلدان: ٢/ ٧٢، وفتح الباري: ٣/ ٦٧١].\n(^٥) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٠٢ باب من قدم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون ويقدم إذا غاب القمر كتاب الحج، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٩٤١ الحج حديث: ٣٠١ - ٣٠٤.\nذكر المؤلف حكم المبيت بمزدلفة وأنه ليس بفرض، وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم كمالك، وأبي حنيفة، وأحمد، والشافعي في المشهور عنه، وغيرهم من جماهير السلف والخلف إلى أن المبيت بمزدلفة ليس ركنًا من أركان الحج، فمن تركه لم يفسد حجه، ويجبره بدم، إلا من استثني من ذلك كالضعفة، فلا دم عليهم.\nوذهب بعض التابعين إلى أن المبيت بمزدلفة ركن من أركان الحج من تركه فقد فاته الحج، ولعل القول بأنه واجب يجبر بدم هو الأقرب للصواب، مع التأكيد على أهمية اتباع الرسول - ﷺ - في مناسك الحج كلها دون تفريق بين ما كان سنة أو كان واجبًا، قال الجصاص: بعد ذكره لحديث أن الرسول - ﷺ - قدم ضعفة أهله بليل، قال: فلو كان الوقوف بها فرضًا لما رخص لهم في تركه للضعف، كما لا يرخص في الوقوف بعرفة لأجل الضعف.\n[انظر أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤٢٨، والجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٤٢٥].","vol":"1","page":553},{"text":"قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (^١) قال جبير بن مطعم (^٢): خرجت في نظر بعير لي بعرفة، فرأيت رسول الله - ﷺ - واقفًا بعرفة مع الناس فقلت: والله إن هذا من الحمس، فما شأنه واقفًا هاهنا؟ . (^٣)\nوقالت عائشة - ﵂ - وسائر من فسر ذلك: كانت قريش في الجاهلية وأهل الحرم ومن ولدته قريش يسمون الحُمس، وكانوا يقفون بالمشعر الحرام وبجمع، وكانت سائر العرب تقف بعرفات، وإنما وقف النبي - ﷺ - قبل البعث بعرفة مع العرب وترك قومه بهداية الله إياه، فلم تزل قريش على ذلك إلى أن حج رسول الله - ﷺ - حجة الوداع وأنزل الله ﵎ عليه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (^٤) * فوقف بعرفة وأفاض منها (^٥)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٩٩]\n(^٢) جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل القرشي النوفلي، يكنى: أبا محمد، وقيل: أبا عدي، كان من حلماء قريش، وساداتهم، وكان يؤخذ عنه النسب، قدم على النبي - ﷺ - في فداء أسارى بدر، فسمعه يقرأ الطور، وقال: فكان ذلك أول ما دخل الإيمان في قلبي، أسلم بين الحديبية والفتح، مات في خلافة معاوية سنة ٥٧ هـ، وقيل غير ذلك. [الاستيعاب: ١/ ٢٣٠، والإصابة: ١/ ٢٢٥].\n(^٣) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٥٩٩ باب الوقوف بعرفة كتاب الحج، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٨٩٤ الحج حديث: ١٥٣.\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ١٩٩]\n* لوحة: ٤٤/أ.\n(^٥) رواه البخاري عن عائشة في صحيحه: ٤/ ١٦٤٣ التفسير سورة البقرة باب ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٨٩٣ الحج حديث: ١٥١.\nوهو مروي عن عروة، انظر المرجعين السابقين، وهو مروي أيضًا عن ابن عباس، وقتادة، والسدي، والربيع، وعكرمة، وعطاء، ومجاهد، انظر: أحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ١٧٣، وتفسير الطبري: ٢/ ٢٩٢، وتفسير البغوي: ١/ ٢٣٠، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٤٢.","vol":"1","page":554},{"text":"فصار الوقوف بعرفة بغير جدال ولا خلاف حيث كانت العرب تقف، وهو موقف إبراهيم - ﵇ - (^١)، فقال الله ﷿: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ (^٢) يعني من الضالين عن الوقوف بعرفة، ثم أكد ذلك فقال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (^٣) يعني العرب، لا من حيث كانت قريش تفيض (^٤).\n_________\n(^١) قال قتادة: فأمرهم الله أن يفيضوا من حيث أفاض الناس من عرفات، وأخبرهم أن سنة إبراهيم وإسماعيل هكذا الإفاضة من عرفات. [تفسير الطبري: ٢/ ٢٩٢].\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٨]\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ١٩٩]\n(^٤) ذكر الطبري عن الضحاك أن المخاطبين بقوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾: المسلمون كلهم، والمعني بقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ من جمع، وبالناس إبراهيم خليل الرحمن - ﵇ -.\nثم قال ابن جرير: والذي نراه صوابًا من تأويل هذه الآية أنه عنى بهذه الآية: قريش ومن كان متحمسًا معها من سائر العرب؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك تأويله.\nوإذ كان ذلك كذلك فتأويل الآية: فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم، وما تفعلوا من خير يعلمه الله، وهذا إذ كان ما وصفنا تأويله فهو من المقدم الذي معناه التأخير، والمؤخر الذي معناه التقديم على نحو ما تقدم بياننا في مثله، ولولا إجماع من وصفت إجماعه على أن ذلك تأويله لقلت: أولى التأويلين بتأويل الآية ما قاله الضحاك: من أن الله عنى بقوله ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ من حيث أفاض إبراهيم؛ لأن الإفاضة من عرفات لا شك أنها قبل الإفاضة من جمع وقبل وجوب الذكر عند المشعر الحرام، وإذ كان ذلك لا شك كذلك، وكان الله ﷿ إنما أمر بالإفاضة من الموضع الذي أفاض منه الناس بعد انقضاء ذكر الإفاضة من عرفات وبعد أمره بذكره عند المشعر الحرام، ثم قال بعد ذلك: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ كان معلومًا بذلك أنه لم يأمر بالإفاضة إلا من الموضع الذي لم يفيضوا منه دون الموضع الذي قد أفاضوا منه، وكان الموضع الذي قد أفاضوا منه فانقضى وقت الإفاضة منه لا وجه لأن يقال أفض منه، فإذا كان لا وجه لذلك وكان غير جائز أن يأمر الله جل وعز بأمر لا معنى له كانت بينة صحة ما قاله من التأويل في ذلك، وفساد ما خالفه لولا الإجماع الذي وصفناه وتظاهر الأخبار بالذي ذكرنا عمن حكينا قوله من أهل التأويل. [جامع البيان: ٢/ ٢٩٣، ٢٩٤].\nقال النحاس: وإنما الإفاضة من عرفات قبل المجيء إلى المشعر الحرام، وفي هذا جوابان، أحدهما: أن ثم بمعنى الواو، والجواب الثاني وهو المختار: أن ثم على بابها، والمعنى: ثم أمرتم بالإفاضة من عرفات من حيث أفاض الناس، وفي هذا معنى التوكيد؛ لأنهم أمروا بالذكر عند المشعر الحرام، وأفاضوا من عرفات، ثم وكدت عليهم الإفاضة من حيث أفاض الناس، لا من حيث كانت قريش تفيض. [معاني القرآن: ١/ ١٣٩].","vol":"1","page":555},{"text":"قال الله ﷿: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (^١).\nكانت العرب إذا قضوا مناسكهم في الجاهلية اجتمعوا بمنى بالموسم فتذاكروا أفعال آبائهم، وأنسابهم فتفاخروا بذلك، فقال الله ﷿: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (^٢) فأمروا بذلك، والاشتغال به عن المفاخر، إذ قال ذلك مجاهد (^٣)،\n\nوقتادة (^٤)، وعطاء (^٥)، وجماعة (^٦).\nقال الله ﷿: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (^٧)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٠٠]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٠٠]\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٩٦، وذكره الواحدي في أسباب النزول: ٦٥، وابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٢١٥، وعزاه السيوطي في الدر: ١/ ٢٣٢ إلى ابن جرير، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(^٤) رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٧٩، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٩٦.\n(^٥) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٢١٥، والسيوطي في الدر: ١/ ٢٣٢ وعزاه إلى وكيع، وعبد بن حميد.\n(^٦) يروى هذا عن: ابن عباس، وأنس، وأبي وائل، وأبي بكر بن عياش، وابن جبير، وعكرمة، والحسن، انظر تفسير الطبري: ٢/ ٢٩٦، وتفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٥٥، وزاد المسير: ١/ ٢١٥ وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٤٣.\n(^٧) [سورة البقرة: الآية ٢٠٣]","vol":"1","page":556},{"text":"اختلف ابن عمر وابن عباس وسائر من فسر هذه الآية فيها، فقال ابن عمر: الأيام المعدودات يوم النحر ويومان بعده، وقال: المعلومات يوم النحر ويومان بعده (^١)، وروى مقسم (^٢) عن ابن عباس - ﵁ -: المعلومات يوم النحر وثلاثة أيام التشريق (^٣)، وقال علي بن أبي طالب - ﵁ -: المعدودات يوم النحر ويومان بعده، اذبح في أيها شئت *، وأفضلها أولها (^٤)، وكذا قال ابن عمر (^٥).\n_________\n(^١) قال ابن حزم في المحلى: وروينا من طريق إسماعيل بن إسحاق، نا علي بن عبد الله، نا عبيد الله بن موسى، عن ابن أبي ليلى، عن زر ونافع، قال زر: عن علي بن أبي طالب، وقال نافع عن ابن عمر: ثم اتفق علي وابن عمر قالا جميعًا: الأيام المعدودات يوم النحر ويومان بعده اذبح في أيها شئت وأفضلها أولها.\n(^٢) مقسم بن بُجرة، أو ابن نجدة، أبو القاسم مولى عبد الله بن الحارث، عن: ابن عباس، وعائشة، وعنه: الحكم، وخصيف، صدوق وكان يرسل، مات سنة ١٠١ هـ. [الكاشف: ٢/ ٢٩٠، والتقريب: ٩٦٩].\n(^٣) ذكره الجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٤٣٢، ورواه ابن حزم في المحلى: ٢/ ٢٧٥، ٣٧٧، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير: ٥/ ٤٢٥، وابن كثير في تفسيره: ٣/ ٢١٧.\n* لوحة: ٤٤/ب.\n(^٤) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٣٦٠، وابن حزم في المحلى: ٧/ ٢٧٥، وابن عبد البر في التمهيد: ... ٢٣/ ١٩٧.\n(^٥) ينظر تخريجه: حاشية ٦ من هذه الصفحة.","vol":"1","page":557},{"text":"وأحسب أن الراوي غلط، أراد أن يقول: المعلومات فقال المعدودات؛ لأنهما قالا: اذبح في أيهما شئت، والذبح إنما ذكر في المعلومات، فقال ﵎: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (^١)، وقال في المعدودات: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) [سورة الحج: الآية ٢٨]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٠٣]\n(^٣) قال الجصاص: وقد قيل: هذا وهم، والصحيح عن علي أنه قال ذلك في المعلومات، وظاهر الآية ينفي ذلك أيضًا؛ لأنه قال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، وذلك لا يتعلق بالنحر، وإنما يتعلق برمي الجمار، والمفعول في أيام التشريق. [أحكام القرآن: ١/ ٤٣١]\nقلت: ومما يدل على أنه قد يكون وهم: أن الطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٢٠١ قد رواه عن علي بن أبي طالب قال: الأيام المعلومات يوم النحر ويومان بعده، اذبح في أيها شئت، وأفضلها أولها. قال الطحاوي: ولم يذكر في حديثه هذا الأيام المعدودات.\nوأيضًا فقد قال السيوطي في الدر: ١/ ٢٣٤: أخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: الأيام المعدودات ثلاثة أيام، يوم الأضحى ويومان بعده، اذبح في أيها شئت، وأفضلها أولها.\nولعله وهم أيضًا فيما يتعلق برواية ابن عمر، فقد روى الطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٢٠٢ عن نافع عن ابن عمر كان يقول: الأيام المعلومات يوم النحر ويومان بعده من أيام التشريق، والأيام المعدودات في الأيام الثلاثة، ليس منها يوم النحر.\n\nوروى ابن حزم في المحلى: ٧/ ٢٧٦ قال: وروينا من طريق يحيى بن سعيد القطان نا ابن عجلان نا نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: الأيام المعلومات يوم النحر ويومان بعده، والمعدودات ثلاثة أيام بعد النحر فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه.\nوقد ذكر ابن كثير في تفسيره: ٣/ ٢١٧ عن ابن أبي حاتم أن ابن عمر كان يقول: الأيام المعلومات المعدودات: يوم النحر ويومان بعده، والأيام المعدودات ثلاثة أيام بعد يوم النحر. قال ابن كثير: هذا إسناد صحيح إليه.\nوقال السيوطي في الدر: ١/ ٢٣٤ وأخرج الفريابي وابن أبي الدنيا وابن المنذر عن ابن عمر في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾، قال: ثلاثة أيام، أيام التشريق، وفي لفظ هي: الثلاثة الأيام بعد يوم النحر.","vol":"1","page":558},{"text":"وروى مجاهد عن ابن عباس: أن المعدودات أيام العشر، والمعلومات أيام النحر (^١). وروي مثل ذلك عن جماعة من المفسرين (^٢)، فأما قولهم: المعلومات أيام النحر، فهو موافق لظاهر كتاب الله تعالى لقوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (^٣) فعلم أنها أيام النحر، وهو موافق لقول علي وابن عمر، وأما قولهم في المعدودات: إنها أيام العشر، فغلط من الرواة (^٤)؛\n_________\n(^١) ذكره الجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٤٣٢ فقال: وروى عبد الله بن موسى أخبرنا عمارة بن ذكوان عن مجاهد عن ابن عباس، وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: ٢/ ١٣٣: وحكى مكي والمهداوي عن ابن عباس أنه قال: المعدودات هي أيام العشر.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره: ٣/ ١ عن إبراهيم.\n(^٣) [سورة الحج: الآية ٢٨]\n(^٤) قال الجصاص: فقوله: المعدودات إنها أيام العشر، لا شك في أنه خطأ، ولم يقل به أحد، وهو خلاف كتاب الله، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وليس في العشر حكم يتعلق بيومين دون الثلاث، وقد روي عن ابن عباس بإسناد صحيح: أن المعلومات العشر، والمعدودات أيام التشريق.\n[أحكام القرآن: ١/ ٤٣٢].\nوقال ابن عطية: وهذا إما أن يكون من تصحيف النسخة، وإما أن يريد العشر بعد يوم النحر، وفي ذلك بعد.\n\n[المحرر الوجيز: ٢/ ١٣٣].","vol":"1","page":559},{"text":"لأن الله ﷿ قد وصف المعدودات بأنه يتعجل في يومين منها، فعلم أنها ثلاثة أيام بعد يوم النحر، إذ كان النفر الأول يقع في اليوم الثاني من هذه الثلاثة، وهذه الأحاديث المروية عن علي وعن ابن عباس مما يخالف ما روي عن علي، موافق لقول ابن عمر، يدل شواهدها على أن المعنى فيها ما قال ابن عمر، والصحيح الذي لا يشكل (^١) على ذي لب أن المعدودات والمعلومات يجمعهما أربعة أيام، فالمعلومات منها: يوم النحر ويومان بعده، وهذه للضحايا فقال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (^٢) فكان الذبح فيها والإطعام (^٣)، والمعدودات: يوم النفر وهو ثاني العيد * ويومان بعده، فيها يقع التعجيل والتأخير، فالأضاحي في المعلومات والهدايا فيها؛ لأن يوم النفر الثاني ترمى فيه الجمار، فيجوز فيه نحر الهدي، وبالله التوفيق (^٤).\n_________\n(^١) في الأصل: الذي يشكل، والصواب ما أثبت.\n(^٢) [سورة الحج: الآية ٣٦]\n(^٣) في الأصل: وبالإطعام، والصواب ما أثبت.\n* لوحة: ٤٥/أ.\n(^٤) ما ذكره المؤلف هنا هو الراجح إن شاء الله، وقد نقل الجصاص عدم الخلاف بين أهل العلم في الأيام المعدودات قائلًا: ولا خلاف بين أهل العلم أن المعدودات: أيام التشريق. [أحكام القرآن: ١/ ٤٣١].\n\nوأما الأيام المعلومات فهي أيام النحر على اختلاف فيما بين أهل العلم في دخول اليوم الرابع في النحر، قال ابن كثير بعد ذكره لأقوال أهل العلم في تفسير الأيام المعلومات، وهي: الأول: عشر ذي الحجة، وهو مذهب الشافعي والمشهور عن أحمد، الثاني: يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وهو رواية عن أحمد، الثالث: يوم النحر ويومان بعده، وهو مذهب مالك، قال ابن كثير: ويعضد هذا القول والذي قبله قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] يعني به ذكر الله عند ذبحها، الرابع: أنها يوم عرفة ويوم النحر ويوم آخر بعده، وهو مذهب أبي حنيفة. [انظر تفسير القرآن العظيم: ٣/ ٢١٦، ٢١٧].","vol":"1","page":560},{"text":"فأما قوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (^١)\nفمعنى فلا إثم عليه: أن يرجع مغفورًا له لم يبق عليه من ذنوبه المتقدمة شئ، وهذا قول ابن عمر (^٢) وابن عباس (^٣) وغيرهما من الصحابة (^٤)، وقال مثل ذلك جماعة من ... التابعين (^٥)، وقال بعض التابعين: لا إثم عليه في تعجيله (^٦).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٠٣]\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٣٠٧، والبيهقي في سننه: ٥/ ١٥٢ باب من تعجل في يومين بعد يوم النحر.\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٣٠٧، وابن أبي حاتم: ٢/ ٣٦١، والبيهقي في سننه: ٥/ ١٥٢.\n(^٤) يروى هذا عن: ابن مسعود، وعلي بن أبي طالب، فرواه عن علي ابن جرير: ٢/ ٣٠٧، ٣٠٨، ورواه عن ابن مسعود: ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٣٩٨ قوله: فمن تعجل في يومين، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٣٠٧، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٣٦١، والطبراني في الكبير: ٩/ ٢١١.\n(^٥) يروى عن: مجاهد، وقتادة، وإبراهيم، انظر تفسير عبدالرزاق: ١/ ٨١، وسنن سعيد: ٣/ ٨٢٧، وتفسير الطبري: ٢/ ٣٠٧.\n(^٦) يروى هذا عن: الحسن، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، والسدي، وقتادة، وإبراهيم، انظر: سنن سعيد: ٣/ ٨٢٦ - ٨٢٨، ومصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٣٩٨، وتفسير الطبري: ٢/ ٣٠٥.\n\nوهو رواية عن ابن عباس من الصحابة، انظر مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٣٩٨، وتفسير الطبري: ٢/ ٣٠٦.","vol":"1","page":561},{"text":"وهذا خطأ؛ لأنه لو كان المتعجل وضع عنه المأثم لتعجله لما أعيد ذكر ذلك في المتأخر؛ لأن المتأخر قد بلغ أيضًا ما حد له، والمعنى فيه ما قاله ابن عمر وابن عباس: إن اتقى الله عبدٌ في حجته فتعجل أو تأخر فلا إثم عليه في شيء من أعماله (^١)،\n_________\n(^١) وهذا ما رجحه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٣٠٩، والنحاس في معاني القرآن: ١/ ١٤٦، والشنقيطي في أضواء البيان: ٥/ ٤٩٢، حيث قال: وخير ما يفسر به القرآن بعد القرآن سنة النبي - ﷺ - فقوله في آية البقرة هذه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ هو معنى قوله - ﷺ -: رجع كيوم ولدته أمه، وقوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ هو معنى قوله - ﷺ -: من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق؛ لأن من لم يرفث ولم يفسق هو الذي اتقى.\nوهناك من أهل العلم من ذهب إلى أن معنى الآية: فلا إثم عليه في تعجله، ولا إثم عليه في تأخره، قال أبو حيان: والذي يظهر أن المعنى: فلا إثم عليه في التعجل، ولا إثم عليه في التأخير؛ لأن الجزاء مرتب على الشرط، فنفى بقوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ الحرج عن من خفف المقام إلى اليوم الثالث، فينفر فيه، وسوى بينه في الإباحة وعدم الحرج، وبين من تأخر فعم الأيام الثلاثة بالذكر، وهذا التقسيم يدل على التخيير بين التعجيل والتأخر، والتخيير = قد يقع بيت الفاضل والأفضل، فقيل: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ لأجل مقابلة: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، وقيل: فلا إثم عليه في ترك الرخصة. [انظر البحر المحيط: ٢/ ٣٢٢].","vol":"1","page":562},{"text":"فقد روى منصور (^١) عن أبي حازم (^٢) عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه (^٣).\n_________\n(^١) منصور بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة، ويقال: منصور بن المعتمر بن عتاب بن عبدالله بن ربيعة، أبو عتّاب الكوفي، عن: سلمان أبو حازم الأشجعي، وسعيد بن جبير، وعنه: السفيانين، وشعبة، ثقة ثبت وكان ... لا يدلس، مات سنة: ١٣٢ هـ. [تهذيب الكمال: ٢٨/ ٥٤٦، والنقريب: ٩٧٣]\n(^٢) سلمان أبو حازم الأشجعي الكوفي، مولى عزة الأشجعية، روى عن: الحسم بن علي، وأبي هريرة، وعنه: منصور بن المعتمر، وأبي الحكم، ثقة، مات سنة ١٠١ هـ. [تهذيب الكمال: ١١/ ٢٥٩، والتقريب: ٣٩٨].\n(^٣) سبق تخريجه ص: ٣١١.","vol":"1","page":563},{"text":"قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ (^١)\nمعناه والله أعلم: شديد عليكم (^٢)؛ لأن النبي - ﷺ - أيام مقامه بمكة قبل الهجرة كان ينزل عليه الآيات التي فيها لين وحسن معاشرة، فلما أُذن له في الهجرة وصار إلى المدينة أُذن له في قتال المشركين وجهادهم والغلظة عليهم؛ لأنهم ظلموه وأخرجوه عن دياره ... فقال ﷿: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ (^٣)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢١٦]\n(^٢) قيل: عن الكُره - بالضم - والكَره - بالفتح - لغتان، فتأويل الآية: ذو كره، وهو خلاف الرضا والمحبة، ومعنى كراهتهم القتال إنما هو كراهية القتال لما فيه من المشقة والتعب، لا أن المؤمنين يكرهون فرض الله وأمره.\nوقيل: إن الكُره - بالضم - هو: المشقة، والكَره - بالفتح -: أن تكلف الشيء فتعمله كارهًا، فيكون معناها بالفتح الإجبار. [معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٨٨، تفسير الطبري: ٢/ ٣٤٥، معاني القرآن للنحاس: ١/ ١٦٧، ومقاييس اللغة: ٨٩٠]\n(^٣) [سورة الحج: الآيتان ٣٩ - ٤٠]\n\n* لوحة: ٤٥/ب.","vol":"1","page":564},{"text":"* يعني: لقولهم ربنا الله، وقال تبارك اسمه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ (^١)، وقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ (^٢)، وقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (^٣)، وقال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ (^٤) فنسخ الجهاد كل آية لينة، وكان بين رسول الله - ﷺ - وبين طوائف من العرب حين قدم المدينة هدنة وصلح، فأمره الله أن يفي بعهدهم إلى مدتهم، وذلك قوله عز من قائل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (^٥) يقول بعهدهم إلى مدتهم (^٦)،\n_________\n(^١) [سورة الأنفال: الآية ٦٥]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢١٦]\n(^٣) [سورة الأنفال: الآية ٦٠]\n(^٤) [سورة محمد: الآية ٤]\n(^٥) [سورة النساء: الآية ٩٠]\n(^٦) قلت: الآية التي أوردها المؤلف هنا لا تدل على ما ذهب إليه من أمر الله أن يفي بعهدهم إلى مدتهم، وإنما الذي يدل على هذا الأمر قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤] ..","vol":"1","page":565},{"text":"وقال: ﴿* وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (^١) وقال: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (^٢) وقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (^٣) وقال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (^٤) يقول بسبب العهد الذي بينكم، وقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (^٥) وقال: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ (^٦) وقال: ... ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (^٧) وقال: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ﴾ (^٨) يريد أقمتم، وقال: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (^٩)،\n_________\n(^١) [سورة الأنفال: الآية ٦١]\n(^٢) [سورة محمد: الآية ٣٥]\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ١٩٠]\n(^٤) [سورة النساء: الآية ٩٢]\n(^٥) [سورة الأحقاف: الآية ٣٥]\n(^٦) [سورة البقرة: الآية ١٩٤]\n(^٧) [سورة البقرة: الآية ١٩٤]\n(^٨) [سورة التوبة: الآية ٣٨]\n(^٩) [سورة التوبة: الآية ٤١]","vol":"1","page":566},{"text":"والخفيف الذي ليس له عيال، والثقيل الذي * له عيال (^١)، وقال: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ (^٢) وقال: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (^٣) وهذا إذ كان الإسلام قليلًا فرض على الجميع، فلما كثر الإسلام فقيل: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ (^٤) (^٥)\n_________\n* لوحة: ٤٦/أ.\n(^١) ذكره النحاس في معاني القرآن: ٣/ ٢١٢ عن زيد بن أسلم، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير: ٣/ ٤٤٢، والقرطبي في تفسيره: ٨/ ١٥٠، وقد قيل في الآية أقوال أخرى، انظر تفسير ابن جرير: ١٠/ ١٣٧.\n(^٢) [سورة الأنفال: الآية ٦٥]\n(^٣) [سورة التوبة: الآية ١٢٠]\n(^٤) [سورة التوبة: الآية ١٢٢]\n(^٥) ذكر المؤلف جملة من الآيات الناسخة والمنسوخة، وأن الجهاد نسخ كل آية لينة، ويمكن القول: بأن الجهاد مر بمراحل: الأولى: إذن الله ﷿ لنبيه - ﷺ - في جهاد المشركين بعد أن كان ممنوعًا من غير إيجاب، الثانية: الندب إلى الجهاد، والحض عليه بأكثر من الإذن، حتى عاتب الله أهل التخلف عنه، الثالثة: تأكيد الجهاد ووجوبه على كل رجل من المؤمنين أن يقاتل عشرة من الكفار، ثم خفف وألزم كل واحد بقتال اثنين من الكفار، الرابعة: أمر رسوله - ﷺ - بقطع الموادعات التي كانت بينه وبين من عاهد من المشركين، وإيذانهم بالحرب بعد انقضاء الأربعة الأشهر، الخامسة: إيجاب الجهاد إيجابًا عامًا جازمًا.\nوقد قيل غير ذلك في مراحل فرض الجهاد، انظر: الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ١٩٠، الناسخ للنحاس: ... ١/ ٥٣٠، والإيضاح لمكي: ١٦٥، ونواسخ القرآن: ٢٢٩، وأحكام القرآن للشافعي جمع البيهقي: ٢/ ١٣، وأضواء البيان: ٥/ ٧٠٠.","vol":"1","page":567},{"text":"ففرض الجهاد الآن على الكافة، ينوب بعضهم عن بعض، ولا تتعطل مساجدهم وجمعاتهم وصلواتهم، فكان الجهاد واجبًا على كل مسلم يطيق الجهاد، ولم يكن يجوز لأحد أن يتخلف إلا بأمر رسول الله - ﷺ -، وكذلك كانت الهجرة واجبة فلما فتحت مكة سقطت الهجرة؛ لأن النبي - ﷺ - قال: لا هجرة بعد الفتح (^١). وكان الناس بعد ذلك يغزون ويرجعون إلى مواضعهم فأنزل الله ﷿: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (^٢) (^٣) فصارت الجماعة مندوبة، وينوب بعضهم عن بعض، فسقط الفرض الذي على الجملة، وصار ندبًا للكافة، فإن هجم أمر يحتاج فيه إلى الجملة وجب عليهم ذلك، والله أعلم (^٤).\n_________\n(^١) قال - ﷺ -: لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا. رواه البخاري في صحيحه: ... ٣/ ١٠٢٥ باب فضل الجهاد والسير من كتاب الجهاد، ٣/ ١٠٤٠ باب وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية، ٣/ ١١٢٠ باب لا هجرة بعد الفتح، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٤٨٧ الإمارة، حديث: ٨٥، ٨٦.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٤٤]\n(^٣) لم أعرف ما وجه الاستشهاد بهذه الآية، فغاية ما في الآية الأمر بالقتال في سبيل الله، وبيان أن الحذر لا يقي من القدر، وأن الفرار من الجهاد وتجنبه لا يقرب أجلًا ولا يبعده. [انظر تفسير ابن كثير: ١/ ٢٩٩].\n(^٤) اختلف أهل العلم في حكم هذه الآية، فذهب عطاء، والأوزاعي إلى أن الجهاد تطوع، وأن المراد من هذه الآية أصحاب رسول الله - ﷺ - دون غيرهم، وإليه ذهب الثوري.\nوذهب بعض أهل العلم إلى أن الجهاد فرض واجب على كافة المسلمين إلى قيام الساعة، وإليه ذهب سعيد بن المسيب.\n\nوالذي عليه جمهور أهل العلم: أن الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، مثل صلاة الجنازة، ورد السلام، إلا أن ينزل العدو بساحة للإسلام فهو حينئذ فرض عين.\n[انظر تفسير ابن جرير: ٢/ ٣٤٤، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٢٠٥، تفسير البغوي: ١/ ٢٤٦، والمحرر الوجيز: ٢/ ١٥٩، وتفسير القرطبي: ٣/ ٣٨].\nقلت: ولعل القول بأنه فرض واجب على كافة المسلمين إلى قيام الساعة هو الصحيح؛ لأن هذا هو الذي يفهم من ظاهر الآية، ولكن فرضيته على كل واحد تختلف بحسبه، فأقل أحواله أن يحدث الإنسان نفسه بالغزو، أو أن يشارك بماله، أو أن يخلف مجاهدًا في أهله، روى الإمام مسلم في صحيحه: ٣/ ١٥١٧ كتاب الإمارة حديث: ١٥٨ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق. وعن زيد بن خالد أن رسول الله - ﷺ - قال: من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخير فقد غزا. رواه البخاري في صحيحه: ٣/ ١٠٤٦ باب فضل من جهز غازيًا أو خلفه بخير كتاب الجهاد، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٠٥٧ الإمارة حديث: ١٣٥.\nقال ابن القيم: والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين، إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، وإما باليد، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع.\nأما الجهاد بالنفس ففرض كفاية، وأما الجهاد بالمال ففي وجوبه قولان، والصحيح وجوبه؛ لأن الأمر بالجهاد به وبالنفس في القرآن سواء. ... [زاد المعاد: ٣/ ٧٢].","vol":"1","page":568},{"text":"قال الله ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ (^١)\nكانوا قد نهوا عن القتال في الشهور الحرم، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (^٢) وإنما أمر بالقتال بعد الهجرة، وكان ينزل عليه الأمر بعد الأمر (^٣)، وكان سبب نزول هذه الآية: أن رجلين من بني كلاب (^٤) لقيا عمرو بن أمية الضمري (^٥)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢١٧]\n(^٢) [سورة التوبة: الآية ٣٦]\n(^٣) قال ابن القيم: ولا خلاف في جواز القتال في الشهر الحرام إذا بدأ العدو، إنما الخلاف أن يقاتل فيه ابتداء، فالجمهور جوزوه، وقالوا: تحريم القتال فيه منسوخ، وهو مذهب الأئمة الأربعة. [زاد المعاد: ٣/ ٣٤٠].\nوممن رجح أن هذه الآية منسوخة، وأن القتال في الأشهر الحرام مباح: أبو عبيد في الناسخ: ٢٠٨، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٣٥٢، والنحاس في ناسخه: ١/ ٥٣٨، ومكي في الإيضاح: ١٦٠، وغيرهم.\nوذهب عطاء ومجاهد إلى أن الآية محكمة، وأنه لا يجوز القتال في الأشهر الحرم، وكان عطاء يحلف أنها ثابتة، ويقول: ما يحل للناس الآن أن يغزو في الحرم، ولا في الشهر الحرام، إلا أن يُقاتَلوا أو يُغزوا، وما نسخت.\n[انظر ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٥٣، ومكي في الإيضاح: ١٦٠، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ٢٣٣، وأحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٢٠٦].\nقلت: وهو الصحيح إن شاء الله، وممن رجح كون هذه الآية محكمة لم تنسخ، وأنه لا يجوز القتال في الأشهر الحرم: ابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ٢٠٧، وابن القيم في زاد المعاد: ٣/ ٣٤١، والزرقاني في مناهل العرفان: ٢/ ٥٢١، وابن عثيمين في تفسيره: ٣/ ٥٤.\nوقالوا: بأن الآيات الآمرة بالقتال كغيرها من النصوص العامة التي تخصص، فهي مخصصة بقوله: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾، وأن قتال الرسول - ﷺ - في الأشهر الحرم بعد نزول هذه الآية كان قتال مدافعة، وقتال المدافعة لا بأس به حتى في الأشهر الحرم.\n(^٤) كلاب بن ربيعة بطن عظيم من عامر بن صعصعة من العدنانية، وهم: بنو كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، ديارهم: حي الربذة في جهات المدينة النبوية والعوالي.\n[جمهرة أنساب العرب: ٢٨٢، معجم قبائل العرب: ٣/ ٩٨٩].\n(^٥) عمرو بن أمية بن خويلد بن عبد الله بن إياس الضمري، من بني ضمرة بن بكر، يكنى: أبا أمية، أسلم حين انصرف المشركون من أحد، كان أول مشاهده بئر معونة، فأسره عامر بن الطفيل، وجز ناصيته وأطلقه، مات بالمدينة في خلافة معاوية بن أبي سفيان - ﵁ -. [الاستيعاب: ٢/ ٤٩٧، الإصابة: ٢/ ٥٢٤].\n* لوحة: ٤٦/ب.","vol":"1","page":569},{"text":"فقتلهما وهو لا يعلم أنهما كانا عند رسول الله - ﷺ - *، وذلك في أول يوم من رجب، فقالت قريش: قتلهم في الشهر الحرام، فأنزل الله ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^١) (^٢) ثم قال: ما تفعلونه من صد عن سبيل الله وكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم أهله منه أكبر عند الله، مخاطبة لهم بذلك وتوبيخًا، والرجلان هما اللذان مضى رسول الله - ﷺ - في ديتهما إلى بني النضير (^٣) قتلهما عمرو بن أمية الضمري (^٤).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢١٧]\n(^٢) ذكر هذا السبب ابن عطية في تفسيره: ٢/ ١٦٠ عن المهدوي، والقرطبي في تفسيره: ٣/ ٤١، وأبو حيان في البحر: ٢/ ٣٨٢.\n(^٣) بنو النضير: حي من يهود خيبر من آل هارون أو موسى ﵉، والنسبة إليهم نضري ونضيري، وقد دخلوا في العرب، غزاهم رسول الله - ﷺ - سنة أربع للهجرة ففتح حصونهم، وأخذ أموالهم، وأجلاهم من المدينة. [معجم البلدان: ٥/ ٢٩٠، ولسان العرب: ٥/ ٢١٤، واللباب في تهذيب الأنساب: ٣/ ٣١٤].\n(^٤) عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر قالا: خرج رسول الله - ﷺ - إلى بني النضير يستعينهم على دية العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري. [ذكره ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق: ٣/ ١٤٣، وابن سعد في الطبقات: ٢/ ٥٧، ورواه ابن جرير في تفسيره: ٦/ ١٤٤ في سبب نزول قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة: ١١]، والبيهقي قي سننه: ٩/ ٢٠٠، وفي دلائل النبوة: ٣/ ١٨٠].\nوما ذكره المؤلف من أن نزول هذه الآية في الرجلين العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية في شهر رجب، فيه نظر، فقد قال ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٣٤٧: ولا خلاف بين أهل التأويل جميعًا أن هذه الآية نزلت على رسول الله - ﷺ - في سبب قتل ابن الحضرمي وقاتله. وقال ابن عطية في تفسيره: ٢/ ١٦٠: وذكر المهدوي أن سبب هذه الآية أن عمرو بن أمية الضمري قتل رجلين من بني كلاب في رجب فنزلت، وهذا تخليط من المهدوي.\nوقال القرطبي: والقول بأن نزولها في قصة عبد الله بن جحش أكثر وأشهر. تفسير القرطبي: ٣/ ٤١.\nقلت: ومما يدل على هذا الخطأ والتخليط، ما ذكره ابن هشام وابن سعد من أن قصة أصحاب بئر معونة كانت في شهر صفر، وبعد قتل أصحاب بئر معونة أُسر عمرو بن أمية، ثم أعتق بعد ذلك، وفي طريق رجوعه قتل هذين الرجلين؛ لأنهما كانا عامريين، ولم يعلم أن معهما من رسول الله - ﷺ - عقد وجوار، ثم خرج رسول الله - ﷺ - إلى بني النضير يستعينهم في ديتهما، فهموا بقتله، فأنجاه الله منهم، واأمر بغزو بني النضير وذلك في شهر ربيع الأول.\n[انظر السيرة النبوية: ٣/ ١٣٧ - ١٤٤، والطبقات الكبرى: ٢/ ٥١ - ٥٧] =","vol":"1","page":570},{"text":"قال الله ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (^١) الميسر: القمار، قومر فيه فهو من الميسر، قال مالك - ﵁ -: فقد حرمه الله على عباده (^٢) وشرحه في سورة المائدة (^٣).\nقال الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (^٤) والعفو ههنا: ما كان من صدقة عن ظهر غنى (^٥)؛ لأن النبي - ﷺ - قال: أفضل الصدقة ما تصدق به عن ظهر غنى (^٦)، وقال الله ﷿ في موضع آخر: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ (^٧) فالعرف (^٨)\n_________\n= فهذا يدل على أن قتل عمرو بن أمية لهذين الرجلين كان في شهر صفر، وليس في شهر حرام حتى يعيب الكفار على المسلمين ذلك، وحتى تنزل الآية في ذلك.\nوالمشهور في سبب نزول هذه الآية: أنها نزلت في قتل عمرو بن الحضرمي وقاتله، وملخص القصة: أن رسول الله - ﷺ - بعث سرية من المسلمين، وأمر عليهم عبد الله بن جحش، فانطلقوا حتى هبطوا نخلة ووجدوا بها عمرو بن الحضرمي، فقتلوه ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى، فقال المشركون للمسلمين قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله هذه الآية.\nوممن روى هذا السبب: عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٨٧، وابن هشام في السيرة: ٢/ ٢٤٤، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٣٤٧، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٣٨٤، والبيهقي في سننه: ٩/ ٥٨، والواحدي في أسباب النزول: ٦٨، وأبو نعيم في معرفة الصحابة: ٥/ ٢٧٢٩.\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢١٩]\n(^٢) قال القرطبي: وكل ما قومر به فهو ميسر، عند مالك وغيره من العلماء. [تفسيره: ٣/ ٥٣].\n(^٣) يأتي إن شاء الله عند تفسير قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ٢١٩]\n(^٥) وهذا يروى عن مجاهد، وقيل في معناه أقوال أخرى، فقيل: اليسر من كل شيء، وقيل: هو الفضل، انظر تفسير ابن جرير: ٣/ ٢٦٥.\nقال النحاس: وهذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد؛ لأن العفو في اللغة: ما سهل، يقال: خذ ما عفا لك، أي: ما سهل لك. معاني القرآن: ١/ ١٧٥.\n(^٦) عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول. رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٥١٨ باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى من كتاب الزكاة، و٥/ ٢٠٨٤ باب وجوب النفقة على الأهل والعيال من كتاب النفقات، ومسلم في صحيحه: ٢/ ١١١٧ الزكاة حديث: ٩٥.\n(^٧) [سورة الأعراف: الآية ١٩٩]\n(^٨) كذا في الأصل، ولعل الصواب: فالعفو هاهنا من محاسن الأخلاق.\n* لوحة: ٤٧/أ.","vol":"1","page":571},{"text":"هاهنا من محاسن الأخلاق، أي: استعمل محاسنها وأعرض عن الجاهلين، ويجوز خذ ما عفي لك من محاسن * أخلاق الناس (^١)، والله أعلم.\nقال الله ﵎: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ (^٢).\nقال مالك - ﵁ -: كان جل طعامهم التمر، فيكون لليتيم التمر يجذه (^٣) من حائطه (^٤)،\n_________\n(^١) قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل في العفو هنا، فقيل: خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تجسس، وقيل: خذ العفو من أموال الناس، وهو الفضل، وقيل: بل ذلك أمر من الله لنبيه - ﷺ - بالعفو عن المشركين، وترك الغلظة عليهم، قبل أن يفرض قتالهم عليه. [انظر جامع البيان: ٩/ ١٥٣].\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٢٠]\n(^٣) جذذ: الجذ كسر الشيء الصلب، وجذذت الشيء: كسرته وقطعته.\n[النهاية في غريب الحديث: ١/ ٢٥٠، لسان العرب: ٣/ ٤٧٩].\n(^٤) الحاء والواو والطاء كلمة واحدة، وهو: الشيء يُطيف بالشيء، ومنه الحائط وهو: البستان من النخيل إذا كان عليه حائط، وجمعه حوائط.\n\n[مقاييس اللغة: ٢٧١، النهاية في غريب الحديث: ١/ ٤٦٢].","vol":"1","page":572},{"text":"ولوليه تمر يجذه من حائطه فيختلط فيؤكل، فيكون اليتيم الذي يأكل منه اليسير؛ لضعف أكله، فلما أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ (^١) امتنعوا من مخالطتهم حتى أنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ (^٢) (^٣) من يريد الإرتفاق (^٤) بمال اليتيم، فأباح الله لهم المخالطة بصحة النية والاجتهاد.\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ١٠]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٢٠]\n(^٣) لم أقف على كلام الإمام مالك هذا، وقد روي نحوه عن ابن عباس، رواه أبو داود في سننه: ٣/ ١١٤ باب مخالطة اليتيم في الطعام كتاب الوصايا، والنسائي في سننه: ٦/ ٥٦٧ باب ما للوصي من مال اليتيم إذا قام عليه كتاب الوصايا، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٣١ التفسير سورة النساء، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٨٤ باب مخالطة اليتيم في الطعام كتاب الوصايا.\nوانظر تفسير عبد الرزاق: ١/ ٨٩، وتفسير ابن جرير: ٢/ ٣٦٩ - ٣٧٢، وتفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٩٥، وأسباب النزول للواحدي: ٧٢.\n(^٤) الارتفاق: الانتفاع، قال الفيومي: ارتفقت بالشيء: انتفعت به. [المصباح المنير: ٢٣٥].","vol":"1","page":573},{"text":"وليس في القرآن (ويسألونك) إلا ثلاثة عشر موضعًا (^١)؛ لقلة سؤالهم (^٢)،\n_________\n(^١) ورد قوله (يسألونك) خمس عشرة مرة في القرآن، على النحو التالي: ١. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩]، ٢. ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٥]، ٣. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ ... [البقرة: ٢١٧]، ٤. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، ٥. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، ٦. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠]، ٧. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ٨. ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٤]، ٩. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، ١٠. ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧]، ١١. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]، ١٢. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥]، ١٣. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣]، ١٤. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ [طه: ١٠٥]، ١٥. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [النازعات: ٤٢].\nقلت: ولعل من قال: ثلاثة عشر موضعًا، جعل السؤال عن الساعة في ثلاثة مواضع موضعًا واحدًا.\n(^٢) روى الدارمي في سننه: ١/ ٦٣ باب كراهية الفتيا عن ابن عباس قال: ما رأيت قومًا كانوا خيرًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن، منهن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾، قال: ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم.\n\nورواه الطبراني في الكبير: ١١/ ٤٥٤، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير، وفيه عطاء بن السائب، وهو ثقة، لكنه اختلط، وبقية رجاله ثقات. [مجمع الزوائد: ١/ ١٥٩].\nقلت: وليس كل هذه الآيات سأل عنها الصحابة ﵃، كما ذكر ابن عباس وغيره، فبعضها مختلف في السائل من هو، وبعضها يجزم بأن السائل فيها ليس من المؤمنين كما في قصة سؤال اليهود للرسول - ﷺ - عن الروح، ويمكن الرجوع لكل آية من هذه الآيات لمعرفة من السائل.","vol":"1","page":574},{"text":"ولنهيه إياهم عن السؤال عما لم يكن (^١).\nوالمخالطة ليست الشركة، أخص الأسماء بالشركة الشركة، وإن كان قد يجوز أن يقال للشريك خليط (^٢)،\n_________\n(^١) قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، وفي صحيح مسلم: ٢/ ٩٧٥ كتاب الحج حديث: ٤١٢: عن أبي هريرة قال خطبنا رسول الله - ﷺ -، فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله - ﷺ -: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه.\n(^٢) قال مالك: في الخليطين إذا كان الراعي واحدًا، والفحل واحدًا، والمراح واحدًا، والدلو واحدًا، فالرجلان خليطان، وإن عرف كل واحد منهما ماله من مال صاحبه، قال: والذي لا يعرف ماله من مال صاحبه ليس بخليط إنما هو شريك، قال مالك: ولا تجب الصدقة على الخليطين حتى يكون لكل واحد منهما ما تجب فيه الصدقة. [الموطأ: ١/ ٢٢٢ الزكاة رقم: ٢٥].\n\nوانظر حول هذه المسألة: الناسخ والمنسوخ للنحاس: ١/ ٦٣٧، وتفسير القرطبي: ١٥/ ١٧٩.","vol":"1","page":575},{"text":"والخلطة التي أراد الله ﵎ هاهنا: جمع الطعام والراعي ... وما أشبه هذا، ومال كل واحد معروف كخلطة الغنم في الراعي والدلو والمراح ومال كل واحد معروف (^١)، وكقوله: خليط البسر (^٢) والتمر وهما متمران، وكما تقول الناس: اختلط الناس وهم متميزون، والله أعلم.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (^٣)\nقال بعض من فسر هذه الآية: إنها نزلت في كل الكفار ثم استثنى منها أهل الكتاب (^٤)، وقال * بعضهم: نزلت في قريش والعرب وسائر عبدة الأ وثان، وأفرد أهل الكتاب بإحلال نسائهم (^٥).\n_________\n(^١) انظر الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ٢٤٠، وتفسير ابن جرير: ٢/ ٣٧١، ٣٧٢، وتفسير القرطبي: ٣/ ٦٥، قلت: وهذا المعنى هو الذي يدل عليه سبب النزول، وإن كان البعض ذهب إلى أن معنى المخالطة هنا هي: حسن المعاشرة، أو المصاهرة، والاتجار في المال. انظر أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤٥٣، وفتح القدير: ١/ ٢٤٤.\n(^٢) الباء والسين والراء أصلان، أحدهما: الطراءة، وأن يكون الشيء قبل إناه، والأصل الآخر: وقوف الشيء وقلة حركته، فالبسر: التمر قبل أن يرطب لفضاضته. [مقاييس اللغة: ١١٧، لسان العرب: ٤/ ٥٨].\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٢١]\n(^٤) هذا يروى عن: ابن عباس، وعكرمة، والحسن، ومجاهد، والربيع، انظر الناسخ لأبي عبيد: ٨٣، وتفسير الطبري: ٢/ ٣٧٦، وتفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٩٧، والناسخ للنحاس: ٢/ ٤، وأحكام القرآن للجصاص: ... ١/ ٤٥٤، وسنن البيهقي: ٧/ ١٧١ باب ما جاء في تحريم حرائر أهل الشرك دون أهل الكتاب.\n* لوحة: ٤٧/ب.\n(^٥) هذا يروى عن: قتادة، وسعيد بن جبير، انظر: عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٨٩، ومصنفه: ٧/ ١٧٦، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٣٧٧، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٣٩٧، والنحاس في الناسخ: ٢/ ٦، والبيهقي في سننه: ٧/ ١٧١.","vol":"1","page":576},{"text":"وذلك والله أعلم عندنا: إنما كان إكرامًا للكتاب الذي في أيديهم، وإن كانوا قد حرفوا بعضه وبدلوه، وكذلك أحل لنا ما يطعمون من ذبائحهم؛ ولأنهم أقروا بالله وألحقوا به شيئًا لا يلحق، وعبدة الأوثان تخلوا من ذكر الله وعبادته إلا ما يدعوهم إليه اضطرار العقول بغير اعتقاد، وهذا قول مالك. وقال: إن الجزية تؤخذ من كل كافر وثني كان أو غير ذلك؛ لأن الجزية لم يقصد بها ما قصدنا بالنكاح والطعام؛ لأن هذين أُحلا تشريفًا لكتابهم، والجزية صغار وذلة وقد يلزمها كل كافر وإذا كان الصغار يلزمه أهل الكتاب فعبدة الأوثان أولى (^١)، وقد قال رسول الله - ﷺ -: سنوا بهم سنة أهل الكتاب (^٢).\n_________\n(^١) انظر مذهب مالك في مسألة حل نكاح حرائر أهل الكتاب وما يطعمون من ذبائحهم: المدونة: ٢/ ٢١٩، ٢٢٠، والإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٧٠٥، والاستذكار: ٩/ ٢٩٣، وتفسير القرطبي: ٣/ ٦٩، ٧٠.\nوانظر مذهبه في أخذ الجزية من كل كافر وثني كان أو غير ذلك: المدونة: ١/ ٣٣٣، والاستذكار: ٩/ ٢٩٣، وتفسير القرطبي: ٨/ ١١٠.\n(^٢) رواه مالك في الموطأ: ١/ ٢٣٣ الزكاة رقم: ٤٢، والشافعي في الأم من طريق مالك: ٤/ ١٧٤، ... وعبد الرزاق في مصنفه: ٦/ ٦٩، ١٠/ ٣٢٥، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٢/ ٤٣٥ المجوس يؤخذ منهم شيء من الجزية كتاب الزكاة، ٦/ ٤٣٢ المجوس يكون عليهم جزية كتاب السير، والبيهقي في سننه: ٩/ ١٨٩ باب المجوس أهل كتاب، كتاب الجزية.\nقال أبو جعفر النحاس: وهذا الحديث لا حجة فيه من جهات، إحداها: أنه قد غلط في متنه، وأن إسناده غير متصل فلا تقوم به حجة، فالإسناد منقطع؛ لأن محمد بن علي لم يولد في وقت عمر.\n\nوأما المتن فيقال: إنه على غير هذا كما حدثنا أحمد بن محمد الأزدي قال: حدثنا أحمد بن بشر الكوفي قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: عمرو بن دينار سمع بجالة يقول: إن عمر - ﵁ - لم يكن أخذ من المجوس الجزية حتى شهد عبدالرحمن بن عوف أن رسول الله - ﷺ - أخذها من مجوس هجر. وهذا إسناد متصل صحيح.\n[انظر الناسخ والمنسوخ: ٢/ ٢٤٧، ٢٤٨]\nوانظر قريبًا من هذا الكلام: التمهيد: ٢/ ١١٤، وتفسير ابن كثير: ٢/ ٢٠، وفتح الباري: ٦/ ٣١٤.","vol":"1","page":577},{"text":"فقال قائلون: لهم كتاب (^١). وهذه غفلة، لو كان لهم كتاب لعرف ولقال - ﵇ - لهم كتاب، فإنه عالم بالكتب، ولم يقل سنوا بهم سنة أهل الكتاب (^٢)، ويحتمل أن يكون الله لما قال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ (^٣) أن يكون هذا وصفًا (^٤) لكل كافر، فكنا لو تركنا وذلك، أخذناها من الكفار الذين هذا وصفهم سوى أهل الكتاب، ولم نقبلها من أهل الكتاب؛ لأنهم يؤمنون بكتاب فيه نعت رسول الله - ﷺ - والأمر باتباعه فلا تقبل الجزية منهم، ويقتلون بينما يقتل المرتد * الذي قد قامت عليه حجة القرآن ولا يقر، فبين الله ﵎ أخذها من أهل الكتاب تخفيفًا عنهم في الدنيا، فيكون معناها وأهل الكتاب أيضًا.\nوقال الشافعي في كتاب الرسالة: بعث النبي - ﷺ - والناس كلهم على دينين وهم اليهود والنصارى أهل كتاب، وعبدة الأوثان (^٥).\n_________\n(^١) قال الشافعي: وكانوا والله تعالى أعلم أهل كتاب، يجمعهم اسم انهم أهل كتاب مع اليهود والنصارى.\n[الأم: ٤/ ١٧٣]\nوقال النووي: وهل كان لهم كتاب، فيه قولان، أشبههما: نعم. [روضة الطالبين: ٧/ ١٣٥].\n(^٢) قال أبو جعفر النحاس: ولو صح الحديث الأول ما كان فيه دليل على أكل ذبائح المجوس، ولا تزوج نسائهم؛ لأن قوله ﵇: سنوا بهم سنة أهل الكتاب. يدل على أنهم ليسوا من أهل الكتاب، وأيضًا فإنما نقل الحديث على أنه في الجزية خاصة، وأيضًا فسنوا بهم ليس من الذبائح في شيء؛ لأنه لم يقل: استنوا أنتم في أمرهم بشيء. ... [الناسخ والمنسوخ: ٢/ ٢٤٨، ٢٤٩، وانظر التمهيد: ٢/ ١١٩، ٢٢٠].\n(^٣) [سورة التوبة: الآية ٢٩]\n(^٤) في الأصل: وصف، والصواب ما أثبت.\n* لوحة: ٤٨/أ.\n(^٥) انظر الرسالة: ٨ - ١٠.","vol":"1","page":578},{"text":"فإذا كان المجوس من عبدة الأوثان فأمرنا فيهم بشيء فهو في كل عابد وثن والله أعلم.\nومما يدل على أن المجوس ليسوا أهل كتاب أن النبي - ﷺ - بعث والحرب بين فارس والروم، والروم أهل كتاب وفارس مجوس، فكانت كفار قريش والعرب تحب ظهور كسرى (^١)، وكان المؤمنون يحبون ظهور الروم، فنصر الروم حتى بلغوا الأنبار (^٢)، وأنزل ... الله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (^٣) إلى قوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (^٤) (^٥)\n\nقال الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (^٦) الآية.\n_________\n(^١) كسرى: بكسر الكاف وفتحها: لقب ملوك الفرس. [النهاية في غريب الحديث: ٤/ ١٧٣].\n(^٢) الأنبار: مدينة على الفرات، في غربي بغداد، بينهما عشرة فراسخ، وكانت الفرس تسميها فيروز سابور، وهي حد فارس. ... [معجم ما استعجم: ١/ ١٩٧، معجم البلدان: ١/ ٢٥٧].\n(^٣) [سورة الروم: الآيات ٢ - ٥]\n(^٤) [سورة الروم: الآيتان ٤ - ٥]\n(^٥) يروى نحو هذا عن: ابن عباس، فقد رواه الترمذي في سننه أبواب التفسير سورة الروم، انظر تحفة الأحوذي: ٩/ ٥١، وأحمد في مسنده: ١/ ٢٧٦، ٣٠٤، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٤٤٥ التفسير سورة الروم.\nوروي عن غير ابن عباس، انظر تفسير ابن جرير: ٢١/ ١٦، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٤٢٢.\n(^٦) [سورة البقرة: الآية ٢٢٢]","vol":"1","page":579},{"text":"قد أخبر الله تعالى بالعلة في تحريم وطء الحائض، والحيض يزيد وينقص قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ (^١) وأخبر (^٢) بنقصانه وزيادته (^٣)،\n_________\n(^١) [سورة الرعد: الآية ٨]\n(^٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: فأخبر.\n(^٣) لم أقف على من فسر هذه الآية أن المقصود بالزيادة هنا والنقصان: زيادة دم الحيض ونقصانه.\nقال ابن الجوزي: وفيه أربعة أقوال: أحدها: ما تغيض بالوضع لأقل من تسعة أشهر، وما تزداد بالوضع لأكثر من تسعة أشهر، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، والضحاك، ومقاتل، وابن قتيبة، والزجاج. والثاني: وما تغيض بالسقط الناقص، وما تزداد بالولد التام، رواه العوفي عن ابن عباس، وعن الحسن كالقولين. والثالث: وما تغيض بإراقة الدم في الحمل حتى يتضاءل الولد، وما تزداد إذا أمسكت الدم فيعظم الولد، قاله مجاهد. والرابع: ما تغيض الأرحام من ولدته من قبل، وما تزداد من تلده من بعد، روي عن قتادة والسدي. [انظر زاد المسير: ٤/ ٣٠٨].","vol":"1","page":580},{"text":"فأقله عند مالك دفعة من دم، وأكثره خمس عشرة ليلة (^١)، فليس يجوز وطء الحائض حتى تطهر وتغتسل (^٢)، فأما: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (^٣) فإيجاب الفرض، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ (^٤) فندب عند بعض أصحابنا وإيجاب عند بعضهم؛ لأن الأذى الذي هو العلة قد زال (^٥)، ولو أن حائضًا طهرت فلم تجد الماء لتيممت * ووطئها زوجها (^٦).\n_________\n(^١) المدونة: ١/ ١٥١، ١٥٢، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ١٨٦، وتفسير القرطبي: ٣/ ٨٣.\n(^٢) الإشراف: ١/ ١٩٦، الاستذكار: ٣/ ١٨٨، وتفسير القرطبي: ٣/ ٨٨.\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٢٢]\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ٢٢٢]\n(^٥) ممن قال بالندب ابن بكير: قال الباجي: ولا يجب لزوجها أن يصيبها بذلك حتى تغتسل، سواء كان انقطع دمها لأكثر الحيض أو لأقله، وعلى هذا جمهور الفقهاء، وبه قال: مالك، والشافعي، وقال ابن بكير: الإمساك عنها استحسان. المنتقى: ١/ ١١٨، وانظر البيان والتحصيل لابن رشد: ١/ ١٢٢.\n* لوحة: ٤٨/ب.\n(^٦) قال الباجي: وإذا لم تجد التي انقطع دم حيضها الماء فتيممت لم يجز وطؤها بطهر التيمم، هذا المشهور من مذهب مالك، وقال الشيخ أبو إسحاق: ويجوز وطؤها بالتيمم. [المنتقى: ١/ ١١٨].\nقلت: وأظنه يقصد بالشيخ أبو إسحاق: القاضي إسماعيل بن إسحاق.\nوقد ذكر القرطبي أن هذا قول: يحيى بن بكير، ومحمد بن كعب القرظي. [تفسيره: ٣/ ٨٨].","vol":"1","page":581},{"text":"وقال مالك في الكتابية: إن زوجها المسلم يجبرها على الغسل من الحيض، ولا يجبرها على الغسل من الجنابة؛ لأنه يحل له وطء الجنب، ولا يحل له وطء الحائض حتى ... تغتسل (^١). وعلى أن الاغتسال لا يكون إلا بنية، والكتابية إذا أجبرت على ذلك فإنما تغتسل بغير نية، ولكنه لما كان له أن يطأ المسلمة بظاهر الاغتسال وهو لا يدري حضرت النية أم لا، كان له أن يطأ الكتابية بظاهر الاغتسال، وهذا عندي أصح في المعنى والله أعلم.\nوزعم غيرنا أن الحيض لا يكون أقل من يوم وليلة (^٢)، وقال العراقيون: ثلاثة أيام بلياليها (^٣). وليس لهم أصل في ذلك من كتاب ولا سنة ولا قياس، وذلك أن الحيض إنما هو ظهور الدم، وقد قالت الجماعة: إن الدم من الفرج حيض حتى يعلم أنه ... استحاضة (^٤)، والطهر عندنا وعندهم النقاء (^٥)، فإذا كان ذلك كذلك فانقطاعه يوجب الطهر وإن كان ساعة من النهار.\n_________\n(^١) المدونة: ١/ ١٣٧.\n(^٢) هذا قول الشافعي، انظر الأم: ١/ ٦٧، ومختصر المزني: ١١، والمجموع: ٢/ ٤٠٤.\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤٦٣.\n(^٤) قال ابن تيمية: والأصل في كل ما يخرج من الرحم أنه حيض حتى يقوم دليل على أنه استحاضة؛ لأن ذلك هو الدم الأصلي الجبلي، وهو دم ترخيه الرحم، ودم الفساد دم عرق ينفجر، وذلك كالمرض، والأصل الصحة لا المرض، فمتى رأت المرأة الدم جار من رحمها فهو حيض تترك لأجله الصلاة.\n[مجموع الفتاوى: ١٩/ ٢٣٨].\n(^٥) هذا تعريف الطهر لغة، انظر: مقاييس اللغة: ٦٠٢، والمصباح المنير: ٣٨٠، فالجميع متفق على معناه لغة، ولكنهم يختلفون في أقل مدة الطهر بين الحيضتين، وفي الطهر العارض حال الحيض، انظر في هذه المسألة: أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤٧٠ - ٤٧٥.","vol":"1","page":582},{"text":"فأما غيرنا فزعم أنها (^١) إذا طلقت فطعنت في الدم من الحيضة الثالثة فقد ... حلت للأزواج (^٢)، وهو مع ذلك يقول أقل الحيض يوم وليلة، ويزعم أن النهي عن وطء الحائض كالنهي عن القران بين التمرتين (^٣)،\n_________\n(^١) في الأصل: فزعم أن أنها، ولعل الصواب ما أثبت.\n(^٢) هذا قول المالكية والشافعية بناء على تفسير الأقراء بالأطهار، كما سيأتي عند تفسير الأقراء.\n(^٣) روى البخاري في صحيحه: ٢/ ٨٨١ كتاب الشركة باب القران في التمر بين الشركاء حتى يستأذن صاحبه:\nعن ابن عمر ﵄ قال: نهى النبي - ﷺ - أن يقرن الرجل بين التمرتين جميعًا حتى يستأذن أصحابه.\n\nومسلم في صحيحه: ٣/ ١٦١٧ الأشربة حديث: ١٥٠، ١٥١.","vol":"1","page":583},{"text":"والتعريس (^١) على قارعة الطريق (^٢)، فجعل ما نهى الله عنه وذكر العلة فيه وأكد النهي غاية التأكيد كالنهي عن القران، والقران إنما نهي عنه لعلة الشيء، فأما الآن فلا بأس بالقران (^٣).\n_________\n(^١) التَّعريس: نزول المسافر آخر الليل نزلة للنوم والاستراحة. [النهاية في غريب الحديث: ٢/ ٢٠٦].\n(^٢) روى مسلم في صحيحه: ٣/ ١٥٢٥ الإمارة حديث: ١٧٨ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا سافرتم في السَّنَةِ فأسرعوا عليها السير، وإذا عرستم بالليل فاجتنبوا الطريق فإنها مأوى الهوام بالليل.\n(^٣) قال النووي: واختلفوا في أن هذا النهى على التحريم، أو على الكراهة والأدب، فنقل القاضي عياض عن أهل الظاهر أنه للتحريم، وعن غيرهم أنه للكراهة والأدب، والصواب التفصيل: فإن كان الطعام مشتركًا بينهم فالقران حرام إلا برضاهم، ويحصل الرضا بتصريحهم به، أو بما يقوم مقام التصريح من قرينة حال، أو إدلال عليهم كلهم بحيث يعلم يقينًا أو ظنًا قويًا أنهم يرضون به، ومتى شك في رضاهم فهو حرام، وإن كان الطعام لغيرهم أو لأحدهم اشترط رضاه وحده، فإن قرن بغير رضاه فحرام، ويستحب أن يستأذن الآكلين معه ولا يجب، وإن كان الطعام لنفسه وقد ضيفهم به فلا يحرم عليه القران، ثم إن كان في الطعام قلة فحسن ألا يقرن لتساويهم، وإن كان كثيرًا بحيث يفضل عنهم فلا بأس بقرانه، لكن الأدب مطلقًا التأدب في الأكل وترك الشره إلا أن يكون مستعجلًا ويريد الإسراع لشغل آخر كما سبق في الباب قبله، وقال الخطابى: إنما كان هذا في زمنهم وحين كان الطعام ضيقًا، فأما اليوم مع اتساع الحال فلا حاجة إلى الإذن. وليس كما قال، بل الصواب ما ذكرنا من التفصيل، فإن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لو ثبت السبب، كيف وهو غير ثابت؟ والله أعلم.\n\n[المجموع: ١٣/ ٣٢٨، ٣٢٩].","vol":"1","page":584},{"text":"فدل هذا القول منه على معرفته (^١) بالفرض والندب، والخاص والعام، وحسن وصفه للرسالة.\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: على عدم معرفته؛ لأن المؤلف هنا أورد هذا الكلام في سياق الرد والتنقص من الإمام الشافعي.\nولا يفهم مما ذكره المؤلف هنا أن الشافعي يرى جواز وطء الحائض، بل الشافعي يرى أنه أمر محرم، ولكن يرى أن تحريمه في حال لا يحرمه في حال غير تلك الحال، وأن المعاصي بعضها أعظم من بعض، يقول الشافعي بعد ذكره لما نهي عنه من النكاح المحرم، والبيع المحرم، وما نهي عنه من القران بين التمرتين، والتعريس في قارعة الطريق، قال: فإن قال قائل: فما الفرق بين هذا والأول؟ قيل له: من قامت عليه الحجة يعلم أن النبي نهى عما وصفنا، ومن فعل ما نهي عنه وهو عالم بنهيه فهو عاص بفعله ما نهي عنه، وليستغفر الله ولا يعود. فإن قال: فهذا عاص والذي ذكرت في الكتاب قبله في النكاح والبيوع عاص، فكيف فرقت بين حالهما؟ فقلت: أما في المعصية فلم أفرق بينهما لأني قد جعلتهما عاصيين، وبعض المعاصي أعظم من بعض. فإن قال: فكيف لم تحرم على هذا لبسه وأكله وممره على الأرض بمعصيته وحرمت على الآخر نكاحه وبيعه بمعصيته؟ قيل: هذا أُمر بأمر في مباح حلال له، فأحللتُ له ما حل له، وحرمتُ عليه ما حرم عليه، وما حُرم عليه غير ما أحل له، ومعصيته في الشيء المباح له لا تحرمه عليه بكل حال، ولكن تحرم عليه أن يفعل فيه المعصية. فإن قيل: فما مثل هذا؟ قيل له: الرجل له الزوجة والجارية وقد نهي أن يطأهما حائضتين وصائمتين، ولو فعل لم يحل ذلك الوطء له في حاله تلك، ولم تحرم واحدة منهما عليه في حال غير تلك الحال، إذ كان أصلهما مباحًا حلالًا.\n[انظر الرسالة: ٣٤٣ - ٣٥٥، وانظر الأم: ٧/ ٢٩٢].\n* لوحة: ٤٩/أ.","vol":"1","page":585},{"text":"وكل من وقت * في الحيض وقتًا فلا برهان له فيه (^١)، وإنما هو ظهور الدم وانقطاعه، ألا ترى مالكًا قال في النفساء: ثم رد آخر الأمر إلى الموجود وعلم النساء (^٢).\n_________\n(^١) في الأصل وضع فوقها: عليه، ولعله الصواب.\n(^٢) قال مالك: أرى أن يسأل عن ذلك النساء، وأهل المعرفة. انظر المدونة: ١/ ١٥٣، ١٥٤، والنوادر والزيادات: ١/ ١٣٨، وتفسير القرطبي: ٣/ ٨٣.\nذكر المؤلف هنا مشهور مذهب مالك في أقل الحيض وأكثره، وذكر مذهب الأحناف، والشافعي في أقله، وقد اختلف العلماء في مقدار الحيض، فذهب فقهاء المدينة إلى أن الحيض لا يكون أكثر من خمسة عشر يومًا، وجائز أن يكون خمسة عشر يومًا فما دون، هذا مذهب مالك وأصحابه، وقد روي عنه أنه لا وقت لقليل الحيض ولا لكثيره، بل يرجع في ذلك إلى علم النساء.\nوذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن أقل مدة الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة، وهو قول سفيان الثوري.\nوذهب الشافعي إلى أن أقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يومًا، وهو الصحيح من مذهب أحمد، وفي رواية عند أحمد أن أكثره سبعة عشر يومًا. [انظر: الأم: ١/ ٦٧، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤٦٣، الإشراف: ... ١/ ١٨٦، المنتقى: ١/ ١٢٣، المغني: ١/ ٣٨٨، تفسير القرطبي: ٣/ ٨٣، المجموع: ٢/ ٤٠٤].\nولعل الرواية الأخرى عن مالك في أنه لا وقت لقليل الحيض ولا لكثيره، بل يرجع في ذلك إلى عادة النساء، هو الأقرب للصواب.\n\nقال ابن تيمية: ومن ذلك اسم الحيض علق الله به أحكامًا متعددة في الكتاب والسنة، ولم يقدر لا أقله ولا أكثره، ولا الطهر بين الحيضتين مع عموم بلوى الأمة بذلك واحتياجهم إليه، واللغة لا تفرق بين قدر وقدر، فمن قدر في ذلك حدًا فقد خالف الكتاب والسنة، والعلماء منهم من يحد أكثره وأقله، ثم يختلفون في التحديد، ومنهم من يحد أكثره دون أقله، والقول الثالث أصح: أنه لا حد لا لأقله ولا لأكثره، بل ما رأته المرأة عادة مستمرة فهو حيض، وإن قدر أنه أقل من يوم استمر بها على ذلك فهو حيض، وإن قدر أن أكثره سبعة عشر استمر بها على ذلك فهو حيض، وأما إذا استمر الدم بها دائمًا فهذا قد علم أنه ليس بحيض؛ لأنه قد علم من الشرع واللغة أن المرأة تارة تكون طاهرًا وتارة تكون حائضًا، ولطهرها أحكام ولحيضها أحكام.\n[مجموع الفتاوى: ١٩/ ٢٣٧، وهذا ما رجحه ابن عثيمين في الشرح الممتع: ١/ ٤٠٦].","vol":"1","page":586},{"text":"وأما قوله ﷿: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (^١) يعني في الموضع الذي وقع فيه (^٢) التحريم والنهي عنه (^٣).\nوأما قوله: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (^٤) فإنه ينبغي للمتطهر بالماء أن يستغفر الله، ويتوب إليه بنية صحيحة يستحق بها من الله المحبة.\nوأما قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^٥)\nفقال قوم أي: وقت شئتم (^٦)، وقال آخرون: أنى شئتم منها، لم يحرم الله منها ... شيئًا (^٧)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٢٢]\n(^٢) كذا في الأصل، ووضع فوقها عنه.\n(^٣) ذكر في معنى الآية أقوال أخرى، فقيل: فأتوهن من قبل طهرهن لا من قبل حيضهن، وهذا مارجحه ابن جرير والنحاس، وقيل: من قبل النكاح لا من قبل الفجور. انظر تفسير الطبري: ٢/ ٣٨٧، وتفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٤٠٢، والناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٢٦.\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ٢٢٢]\n(^٥) [سورة البقرة: الآية ٢٢٣]\n(^٦) يروى هذا عن: ابن عباس، والضحاك، وابن الحنفية. انظر تفسير الطبري: ٢/ ٣٩٤، وتفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٤٠٥، زاد المسير: ١/ ٢٥٢.\n(^٧) روى البخاري في صحيحه: ٤/ ١٦٤٥ التفسير سورة البقرة باب نساؤكم حرث لكم، من طريق ابن عون عن نافع قال: كان بن عمر ﵄ إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه، فأخذت عليه يومًا فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان، قال: تدري فيما أنزلت؟ قلت: لا، قال: أنزلت في كذا وكذا ثم مضى.\nوقد رواه ابن جرير في تفسيره من نفس الطريق مفسرًا: ٢/ ٣٩٤ عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن ... لم يتكلم، قال: فقرأت ذات يوم هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فقال أتدري فيمن نزلت هذه الآية؟ قلت: لا، قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن.\n\nقال ابن عطية: وذهبت فرقة ممن فسرها: بأين، إلى أن الوطء في الدبر جائز، روي ذلك عن عبد الله بن عمر، وروي عنه خلافه وتكفير من فعله، وهذا هو اللائق به. [المحرر الوجيز: ١/ ١٨٣].\nوقال ابن كثير بعد ذكره لهذا الحديث: وهذا الحديث محمول على ما تقدم، وهو أنه يأتيها في قبلها من دبرها.\nثم قال: وقد تقدم قول ابن مسعود، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو في تحريم ذلك، وهو الثابت بلا شك عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه يحرمه، قال أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله الدارمي في مسنده حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث عن الحارث بن يعقوب عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال: قلت لابن عمر ما تقول في الجواري أيحمض لهن؟ قال: وما التحميض؟ فذكر الدبر، فقال: وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين. وكذا رواه ابن وهب وقتيبة عن الليث به، وهذا إسناد صحيح ونص صريح منه بتحريم ذلك، فكل ماورد عنه مما يَحتمل ويُحتمل فهو مردود إلى هذا المحكم. [انظر تفسير القرآن العظيم: ١/ ٢٦٢].","vol":"1","page":587},{"text":"وقيل إن ذلك نزل لقول اليهود: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء ولدها أحول، فأنزل الله ذلك.\nرواه مالك عن ابن المنكدر (^١) عن جابر عن النبي - ﷺ - (^٢).\n_________\n(^١) محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير، ثقة فاضل تقدم.\n(^٢) رواه من طريق مالك عن ابن المنكدر عن جابر موقوفًا: الدارمي في سننه: ١/ ٢٧٥ باب إتيان النساء في أدبارهن من كتاب الطهارة، و٢/ ١٩٦ باب النهي عن إتيان النساء في أعجازهن من كتاب النكاح، وكذلك رواه ابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٤٠٤، وأبو عوانة في مسنده: ٣/ ٨٤، وذكره ابن عبد البر في باب ما لم يذكر في الموطأ من رواية يحيى بن يحيى، وقال: هذا عند معن بن عيسى وحده في الموطأ، وليس عند غيره من رواته.\n[التقصي لحديث الموطأ: ٢٦٥].\nوقد ذكره من طريق مالك ابن رشد في البيان والتحصيل: ١٨/ ١٧٧، ٤١٩.\nوهو في صحيح البخاري: ٤/ ١٦٤٥ التفسير سورة البقرة من طريق سفيان عن ابن المنكدر، وكذلك في صحيح مسلم: ٢/ ١٥٠٨ النكاح حديث: ١١٧.\nولهذا الحديث عن ابن المنكدر أربعة عشر طريقًا، جمعها وخرجها الدكتور: سعد آل حميد محقق سنن سعيد بن منصور، انظر السنن: ٣/ ٤٨٠ - ٤٨٥.\nوقد رواه الطحاوي مرفوعًا في شرح معاني الآثار: ٣/ ٤١ من طريق ابن جريج عن ابن المنكدر عن جابر بن ... عبد الله: أن اليهود قالوا للمسلمين من أتى امرأته وهي مدبرة جاء ولدها أحول، فأنزل الله ﷿: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، فقال رسول الله - ﷺ -: مقبلة ومدبرة ما كان في الفرج.\nومن نفس الطريق رواه ابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٤٠٥.","vol":"1","page":588},{"text":"قال مالك - ﵁ -: وسمى الله ﵎ المرأة حرثًا؛ لأن الولد يكون منها (^١). واعلموا أنه لا بأس أن يأتي فرجها كيف شاء على ما روى جابر في ذلك، خلافًا لليهود (^٢)، والنبات إنما سمي حرثًا؛ لأنه تحرث (^٣) الأرض له، وسميت المرأة حرثًا؛ لأن زوجها يغشاها فيكون منه الولد، (^٤) والله أعلم.\n_________\n(^١) ما وقفت عليه من قول مالك في هذا هو ما رواه ابن عساكر في تاريخه: ٨/ ٣٢٤ عن إسرائيل بن روح قال: سألت مالك بن أنس، قلت: يا أبا عبد الله ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ قال: ما أنتم عرب؟ هل يكون الحرث إلا موضع الزرع. وذكر نحوه القرطبي في تفسيره: ٣/ ٩٥، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٦٥.\n(^٢) هذا هو الصحيح في معنى قوله: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾، وهذا ما رجحه ابن جرير: ٢/ ٣٩٧.\nقال الشنقيطي: ويتضح لك من هذا أن معنى قوله تعالى: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ يعني أن يكون الإتيان في محل الحرث على أي حالة شاء الرجل سواء كانت المرأة مستلقية، أو باركة، أو على جنب أو غير ذلك، ويؤيد هذا ما رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن جابر - ﵁ - قال: كانت اليهود تقول إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فظهر من هذا أن جابرًا - ﵁ - يرى أن معنى الآية فأتوهن في القبل على أية حالة شئتم ولو كان من ورائها، والمقرر في علوم الحديث أن تفسير الصحابي الذي له تعلق بسبب النزول له حكم الرفع. ... [أضواء البيان: ١/ ٢٠٦].\n(^٣) في الأصل: يحرث، والصواب ما أثبت.\n(^٤) انظر معاني القرآن للنحاس: ١/ ١٨٦.","vol":"1","page":589},{"text":"قال الله ﷿: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (^١) هو أن يحلف الرجل ألا يبر قرابته، ولا يصل رحمه، ولا يصلح بين الناس، ولا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر، وما أشبه هذا مما هو قربة إلى الله ﷿، فأمر ألا يحلف على هذه الأشياء، فإن حلف فليحنث (^٢) وليكفر * عن يمينه، هذا معنى ما فسره المفسرون جميعًا (^٣).\nقال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (^٤).\nقالت عائشة - ﵂ -: هو قول الإنسان لا والله، وبلى والله، وكلا والله، ولا يعقد يمينًا بقلبه (^٥).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٢٤]\n(^٢) الحنث في اليمين: نقضها، والنكث فيها، يقال: حَنِث في يمينه يَحنْث، وكأنه من الحنث: الإثم والمعصية.\n[النهاية في غريب الحديث: ١/ ٤٤٩].\n* لوحة: ٤٩/ب.\n(^٣) هذا رأي جمهور المفسرين، وقيل إن معناها: لا تكثر من ذكر الله تعالى في كل عرض يعرض، فهو ذم لكثرة الحلف. انظر تفسير عبد الرزاق: ١/ ٩٠، وسنن سعيد: ٣/ ٨٦٨، وتفسير الطبري: ٢/ ٤٠٠، وتفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٤٠٧، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤٨٢، وأحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٢٤٠، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٦٥.\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ٢٢٥]\n(^٥) رواه عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٩٠، وفي مصنفه: ٨/ ٤٧٤، وسعيد بن منصور في سننه: ٤/ ١٥٣١، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٤٠٥.\nوقد رواه البخاري في صحيحه: ٦/ ٢٤٥٤ الأيمان والنذور باب لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم عن عائشة ﵂ أنها قالت في هذه الآية: أنزلت في قوله لا والله، بلى والله.\nوفي الموطأ: ٢/ ٣٧٩ كتاب النذور والأيمان حديث: ٩ أنها كانت تقول: لغو اليمين قول الإنسان: لا والله، وبلى والله. ورواه الشافعي في الأم: ٧/ ٦٣، وعبد الرزاق في مصنفه: ٤/ ٤٧٤، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٤/ ١١٨٩.","vol":"1","page":590},{"text":"وقال غيرها: هو الرجل يحلف على الشيء عنده فلا يكون كما كان عنده، فلا حنث عليه (^١)؛ لأنه لم يقصد إلى الحلف على كذب، وإنما حلف على ما عنده، فكذلك قال مالك (^٢)، من حلف على طائر أنه حمام فكان فاختة (^٣) عند قربه منه فلا حنث عليه (^٤).\nوالأيمان على ثلاثة أقسام:\nفقسم هو اللغو، قال جميل العذري (^٥):\nحلفت لها أني لها غير سائم فما ... قبلت في الحلف لغوي ولا جدي (^٦)\nفصار لغوًا؛ إذ لا نية فيه.\n_________\n(^١) هذا يروى عن: أبي هريرة، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، والحسن، وإبراهيم، وقتادة، والسدي، وهو رواية أيضًا عن عائشة. انظر تفسير عبد الرزاق: ١/ ٩١، ومصنفه: ٤/ ٤٧٤، وسنن سعيد بن منصور: ... ٤/ ١٥٢٥ وتفسير ابن جرير: ٢/ ٤٠٦، وتفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٤٠٨، والبيهقي في سننه: ١٠/ ٤٩.\n(^٢) هذا رأي مالك في معنى لغو اليمين، انظر الموطأ: ٢/ ٣٧٩ كتاب النذور والأيمان، المدونة: ١/ ٥٧٨، النوادر والزيادات: ٤/ ٩.\n(^٣) الفاختة: طائر، واحدة الفواخت، وهي ضرب من الحمام المطوق.\n[لسان العرب: ٢/ ٦٥، القاموس المحيط: ٢٠١].\n(^٤) لم أقف على هذا من كلام الإمام مالك.\n(^٥) جُميل بن عبد الله بن معمر العُذري، يكنى: أبا عمرو، أحد عشاق العرب المشهورين بذلك، صاحب بثينة، معدود في الطبقة السادسة من فحول الإسلام.\n[طبقات فحول الشعراء: ٢/ ٦٦٩، الشعر والشعراء: ١/ ٤٣٤].\n(^٦) رجعت إلى طبعتين من ديوانه، فلم أعثر على هذا البيت، ولم أعثر عليه أيضًا في ما رجعت إليه من مصادر.","vol":"1","page":591},{"text":"والثاني: بالقصد وهو في معناه كقصد الحالف للحق الذي كان يعتقده وإن كان بخلاف ما ظن، كقول النبي - ﷺ - في قصة ذي اليدين (^١): كل ذلك لم يكن (^٢). يريد عندي، وقد كان أحدهما (^٣)، وهو النسيان الذي قال - ﵇ -: إني أنسى لأَسُن (^٤).\n_________\n(^١) ذو اليدين: رجل من بني سليم، يقال له: الخِرباق بن عمرو، حجازي، شهد النبي - ﷺ -، لقبه ذو اليدين؛ لطول كان في يديه. [الاستيعاب: ١/ ٤٩١، شرح النووي على صحيح مسلم: ٥/ ٩٥، الإصابة: ١/ ٤٨٩]\n(^٢) جزء من حديث رواه البخاري في صحيحه: ١/ ١٨٢ باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره من كتب المساجد، ومسلم في صحيحه: ١/ ٤٠٤ كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث: ٩٩، وهذا لفظ مسلم.\n(^٣) قال النووي: (كل ذلك لم يكن) فيه تأويلان أحدهما قاله جماعة من أصحابنا في كتب المذهب: أن معناه لم يكن المجموع فلا ينفي وجود أحدهما، والثاني وهو الصواب: معناه لم يكن لا ذاك ولا ذا في ظني، بل ظني أني أكملت الصلاة أربعًا، ويدل على صحة هذا التأويل وأنه لا يجوز غيره أنه جاء في روايات البخاري في هذا الحديث أن النبي - ﷺ - قال: (لم تقصر ولم أنس) فنفى الأمرين. [شرح النووي على صحيح مسلم: ٥/ ٩٦].\n(^٤) قال مالك في موطأه: ١/ ١٠٤ كتاب السهو حديث: ٢: أنه بلغه أن رسول الله - ﷺ - قال: إني لأنسى، أو أنسى لأسن. قال ابن عبد البر: وهذا أيضًا لا يوجد في غير الموطأ، ولا يحفظ بهذا اللفظ مسندًا، ولا مرسلًا من غير رواية مالك هذه المنقطعة، والله أعلم، والذي يصح في هذا المعنى عن النبي - ﷺ - من حديث ابن مسعود: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون. [التقصي: ٢٥٣، وانظر التمهيد: ٢٤/ ٣٧٥، والاستذكار: ٤/ ٤٠٢].\n\nقلت: ولم أعرف ما وجه إيراد المؤلف لقصة ذي اليدين في باب اللغو في اليمين، فغاية ما صدر من رسول الله - ﷺ - نفي أن يكون ذلك وقع منه، ولم يسبقه يمين.","vol":"1","page":592},{"text":"ويمين على ماضي هو فيه كاذب فاجر (^١)، فهو قول الله: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ (^٢) فهذا لا كفارة فيه.\nويمين على المستقبل (^٣)، فإذا حلف الحالف على شئ فكان الحنث فيه أقرب إلى الله أمره رسول الله - ﷺ - أن يأتي الذي هو خير وليكفر عن يمينه. وإن كان أقرب إلى * الله الإقامة على اليمين، فهذا فيما لو لم يكن يمين لكان مأمورًا به، والله أعلم وسيأتي في سورة المائدة كشف منه هاهنا إن شاء الله (^٤).\n_________\n(^١) هذا هو القسم الثالث.\n(^٢) [سورة المجادلة: الآيتان ١٤ - ١٥]\n(^٣) هذا هو القسم الرابع.\n* لوحة: ٥٠/أ.\n(^٤) سيأتي تخريج هذا الحديث، والكلام عن حكم كفارة كل نوع والخلاف فيها؟ إن شاء الله - عند تفسير قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].","vol":"1","page":593},{"text":"قال الله ﵎: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (^١) قال مالك بن أنس - ﵁ -: إذا انقضت الأربعة الأشهر قيل للمولي إذا وقفه الحاكم إما أن تفيء وإما أن تطلق، فإن امتنع منهما طلق الإمام عليه (^٢). وقال النعمان (^٣) وأصحابه: يقع الطلاق بمضي الأربعة الأشهر، وقالوا: عزيمة الطلاق وقوعه (^٤).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآيتان ٢٢٦ - ٢٢٧]\n(^٢) الموطأ: ٢/ ٤٣٧ كتاب الطلاق رقم: ١٧، النوادر والزيادات: ٥/ ٣١١، والإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٧٦١.\n(^٣) النعمان بن ثابت بن زُوطا التميمي الكوفي، مولى بني تميم بن ثعلبة، الإمام أبو حنيفة فقيه الملة عالم العراق، ولد سنة ثمانين في حياة صغار الصحابة، رأى أنس بن مالك، ولم يثبت له حرف عن أحد منهم، إليه المنتهى في الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه، والناس عليه عيال في ذلك، توفي سنة خمسين ومائة وله سبعون سنة.\n[الطبقات الكبرى لابن سعد: ٦/ ٣٦٨، وسير أعلام النبلاء: ٦/ ٣٩٠].\n(^٤) أحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٣٨٣، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤٩١.","vol":"1","page":594},{"text":"وهذا خطأ قال الله عز من قائل: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (^١) والعزيمة هاهنا: إيقاع عقدة النكاح (^٢)، وقلنا لهم: لا يخلو وقوع الطلاق أن يكون في الأربعة أو بعد تقضي الأربعة، فإن كان في الأربعة فقد نقصوا الزوج مما جعله الله له، وإن كان بعد الأربعة فقد وقع في الخامس، وقد قالوا: إن الإيلاء لا يكون إلا بيمين، فإن حلف الإنسان ألا يطأ امرأته أربعة أشهر، قالوا: يقع الطلاق بتقضيها، فإن هذا لا يخلوا من أن يكون في الأربعة أو في الخامس فإن كان في الرابع فقد جعل الله له الأربعة لا مقال عليه فيها، وإن كان في الخامس فقد وقع الطلاق وهو غير مولي ومع ذلك فإن الله قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (^٣) وإنما يُسمع الكلام *، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ (^٤) ويقال: سمع الله قولك، ورأى فعلك (^٥).\nومالك - ﵁ - لا يرى من حلف على أربعة أشهر موليًا؛ لأن تقضيها يخرجه عن الحكم، ومع ذلك فإن قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ (^٦) لا يكون إلا لمستقبل بعد تقضي الكلام في المدة، ﴿وَإِنْ عَزَمُوا﴾ مثله، هذا لسان العرب لا يعرف خلافه (^٧)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٣٥]\n(^٢) تفسير ابن جرير: ٢/ ٢٥٧، إعراب القرآن للنحاس: ١/ ١١٧.\n(^٣) [سورة البقرة: الآيتان ٢٢٦ - ٢٢٧]\n* لوحة: ٥٠/ب.\n(^٤) [سورة المجادلة: الآية ١]\n(^٥) ذكر هذه الأوجه القاضي عبد الوهاب في الإشراف: ٢/ ٧٦١، وابن رشد في بداية المجتهد: ٢/ ١٢٥.\n(^٦) [سورة البقرة: الآية ٢٢٦]\n(^٧) قال ابن العربي: قال علماؤنا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ دليل على أن مضي المدة لا يوقع فرقة إذ لا بد من مراعاة قصده واعتبار عزمه.\nوقال المخالف وهو أبو حنيفة وأصحابه إن عزيمة الطلاق تعلم منه بترك الفيئة مدى التربص.\nأجاب علماؤنا: بأن العزم على الماضي محال، وحكم الله تعالى الواقع بمضي المدة لا يصح أن يتعلق به عزيمة منا\n، وتحقيق الأمر أن تقرير الآية عندنا: للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا بعد انقضائها فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم.\nوتقريرها عندهم: للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فيها فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق بترك الفيئة فيها فإن الله سميع عليم. ... [أحكام القرآن: ١/ ٢٤٧، ٢٤٨]","vol":"1","page":595},{"text":"ولا أعلم خلافًا أن الله إذا جعل أجلًا لم يَزُل حكمه إلا بخروجه، ألا تراه قال: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (^١) فلا يجوز عقد إلا في الحادي عشر، وأن الديون إذا قيل إلى شهر لم يكن لصاحب الحق مطالبة حتى يمضي الشهر ويدخل الثاني. ويأتي تقصي قولهم في كتاب الاحتجاج عليهم لأنه يطول هاهنا بذكر الروايات (^٢).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٣٤]\n(^٢) هناك عدة كتب للقاضي إسماعيل في الرد على الأحناف منها: كتاب الرد على محمد بن الحسن، وكتاب في الرد على أبي حنيفة. [انظر الديباج لابن فرحون: ١/ ٢٨٩].\nذكر المؤلف هنا أن مالك لا يرى من حلف على أربعة أشهر موليًا، وهذا رأي الجمهور، وبه قال: ابن عباس، وطاوس، وسعيد بن جبير، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد إلى: أن الرجل إذا حلف ألا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر فإنه يكون موليًا، فإن حلف على أربعة أشهر فأقل فليس بمول إيلاء يوجب وقفه.\nوقال عطاء، والثوري، وأصحاب الرأي: إذا حلف على أربعة أشهر فما زاد كان موليًا، وهذا رواية عن أحمد.\nوروي عن: ابن مسعود، والنخعي، وابن أبي ليلى، والحكم، وقتادة، وإسحاق: أنه إذا حلف ألا يقرب امرأته يومًا أو أقل أو أكثر ثم لم يطأ أربعة أشهر بانت منه.\nوقد اختلفوا أيضًا هل بانتهاء المدة المضروبة للمولي يقع الطلاق أو لا؟ فذكر المؤلف هنا أن مذهب مالك أنه إذا انقضت الأربعة الأشهر فإن المرأة لا تبين إلا بعد أن يوقف الزوج فإما فاء أو طلق.\nوهذا مروي عن: عمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر، وعائشة، وسعيد بن المسيب، وعروة، ومجاهد، وطاوس، وهو قول الشافعي، وإسحاق، وأحمد، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر.\nوذهب ابن مسعود، وابن عباس، وعكرمة، وعطاء، والحسن، ومسروق، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وأصحاب الرأي إلى أنها تطلق بانتهاء المدة تطليقة بائنة.\n[انظر: أحكام القرآن للطحاوي: ١/ ٣٨٢، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤٨٧، والإشراف للقاضي ... عبد الوهاب: ٢/ ٦٧٠، والمغني: ١١/ ٨، ٣٠، وتفسير القرطبي: ٣/ ١٠٤، ١١١].","vol":"1","page":596},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (^١)\nقال مالك وأهل المدينة: الأقراء الأطهار (^٢)، وقال العراقيون: الحيض (^٣). وهو شيء قد اختلف الناس فيه قديمًا، واللغة تحتمل معنيين جميعًا، وهو انتقال الشيء إلى الشيء، وإن كان أحدهما أكثر وأظهر على لسان العرب، وهو الطهر قال ذلك أبو عبيدة، وأنشد من قال إنه الطهر قول الأعشى:\nوفي كل عام أنت جاشمُ (^٤) غزوة ... تشدُّ لأقصاها عزيم (^٥) عزائكا (^٦)\nمؤرَّثةٍ مالًا وفي المجد رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا (^٧)\nقال أبو عبيدة: وهو من قولهم قيل أقرأت النجوم إذا غابت (^٨).\nوالمغيب في أيام الطهر، ويظهر في أيام الحيض، والطهر أظهر * في المعنى، وقال الله ﷿: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (^٩)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٢٨]\n(^٢) المدونة: ٢/ ٢٣٤، النوادر والزيادات: ٥/ ٢٣، تفسير القرطبي: ٣/ ١١٣.\n(^٣) أحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٣٧٣، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤٩٦.\n(^٤) جشم: جشم الأمر يجشمه جشمًا وجشامة تجشمه: تكلفه على مشقة. [لسان العرب: ١٢/ ١٠٠].\n(^٥) العين والزاء والميم أصل واحد صحيح يدل على الصريمة والقطع. [مقاييس اللغة: ٧٤٢].\n(^٦) العزاء: الصبر. [لسان العرب: ١٥/ ٥٢].\n(^٧) قال الأصمعي: أي لما ضاع من طهر نسائك لشغلك عنهن، فلم تغشهن لشغلك بالغزو، فأبدلت من ذلك هذا المال وهذه الرفعة. [الأضداد: ٦].\nالبيت في ديوان الأعشى: ١٣٢، ومجاز القرآن: ١/ ٧٤، وتفسير الطبري: ٢/ ٤٤٤، وتفسير ابن عطية: ... ١/ ١٩٤، وتفسير القرطبي: ٣/ ١١٣. وفي بعض الروايات: وفي الأصل رفعة، وفي الحي رفعة، وفي الذكر رفعة، وفي الحمد رفعة.\n(^٨) انظر مجاز القرآن: ١/ ٧٤.\n* لوحة: ٥١/أ.\n(^٩) [سورة الطلاق: الآية ١]","vol":"1","page":597},{"text":"يعني لقُبُل عدتهن (^١) ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ (^٢) فعلمنا أنه لهذا الوقت، وقال النبي - ﷺ - لعمر - ﵁ - في قصة ابنه لما طلق: مره فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء (^٣).\n_________\n(^١) روى مسلم في صحيحه: ٢/ ١٠٩٨ الطلاق حديث: ١٤ عن ابن عمر قال: وقرأ النبي - ﷺ - يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قُبلِ عدتهن. وانظر المحتسب: ٢/ ٣٢٣.\nقال الشافعي: فأخبر رسول الله - ﷺ - عن الله ﷿ أن العدة الطهر دون الحيض، وقرأ: (فطلقوهن لقبل عدتهن) أن تطلق طاهرًا لأنها حينئذ تستقبل عدتها، ولو طلقت حائضًا لم تكن مستقبلة عدتها إلا بعد الحيض.\n[الأم: ٥/ ٢٠٩].\n(^٢) [سورة الطلاق: الآية ١]\n(^٣) رواه البخاري في صحيحه: ٤/ ١٨٦٤ التفسير سورة الطلاق، ٥/ ٢٠١١ كتاب الطلاق، ومسلم في صحيحه: ٢/ ١٠٩٣ الطلاق حديث: ١؟ ٤.","vol":"1","page":598},{"text":"فبان بالكتاب والسنة أنه أمر أن يطلق فيما تعتد به وهو الطهر؛ لأنه لو طلق وهي حائض لم يعد ذلك من عدتها. فقال (^١): فإذا طلقها في بعض الطهر فاحتسبت به، وقد قال الله: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (^٢) فالذي حصل بعض هذه القروء (^٣). قلنا لهم: المعنى ما قال أهل اللغة أنه خروج من شيء إلى شيء، ومع ذلك فقد قال الله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (^٤) وهو شهران وأيام، فليس بمنكر ذلك في الأطهار (^٥)، ومع ذلك فالغرض سلامة الرحم، والطهر لا يعلم به سلامة الرحم وإنما يعلم بالحيض، فإذا كان يعلم بالحيض فأول الدم من الثالثة يبرئها.\nوالقروء (^٦) مأخوذ من المقراة (^٧) وهي التي يجتمع فيها الماء، فأيام اجتماع الدم هي أيام الطهر (^٨)،\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: فإن قال قائل.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٢٨]\n(^٣) ذكر هذا الاعتراض الطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٣٧٨، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٥٠٠.\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ١٩٧]\n(^٥) أورد هذا الجواب الطحاوي والجصاص، ثم أجابا عنه، انظر المرجعين السابقين.\n(^٦) كذا في الأصل، ولعل الصواب: والقرء. أو: والقروء مأخوذة.\n(^٧) المقراة: الجفنة، سميت لاجتماع الضيف عليها، أو لما جمع فيها من طعام. [مقاييس اللغة: ٨٥٣].\n(^٨) تفسير القرء بأنه مأخوذ من قريت الماء أي حبسته، فيه نظر، قال النحاس: واحتج بعضهم بأنه من قريت الماء أي حبسته فكذا القرء هو احتباس الحيض، وهذا غلط بين؛ لأن قريت الماء غير مهموز، وهذا مهموز فاللغة تمنع أخذ هذا من هذا. [الناسخ والمنسوخ: ٢/ ٤٠].\nوقال ابن عبد البر: قول من قال إن القرء مأخوذ من قولهم: قريت الماء في الحوض، ليس بشيء عندهم؛ لأن القرء مهموز وهذا غير مهموز. [الاستذكار: ١٨/ ٢٩]\nوانظر تفسير القرطبي: ٣/ ١١٤، وزاد المعاد: ٥/ ٦٣٥.\n\nقلت: اختلف أهل اللغة في أصل اشتقاق القرء، فممن ذهب إلى ما ذهب إليه المؤلف هنا من أنه مشتق من قريت الماء أي: حبسته، الشافعي، والزجاج.\nولعل الصواب هو أن القرء هو الوقت، وهذا قول أبي عمرو بن العلاء، والأصمعي، ورجحه الطبري، وابن العربي، وغيرهم قال ابن العربي: كلمة القرء كلمة محتملة للطهر والحيض احتمالًا واحدًا، وبه تشاغل الناس قديمًا وحديثًا من فقهاء ولغويين في تقديم أحدهما على الآخر، وأوصيكم ألا تشتغلوا الآن بذلك لوجوه أقربها: أن أهل اللغة قد اتفقوا على أن القرء الوقت، يكفيك هذا فيصلًا بين المتشعبين وحسمًا لداء المختلفين فإذا أرحت نفسك من هذا وقلت المعنى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة أوقات، صارت الآية مفسرة في العدد محتملة في المعدود فوجب طلب بيان المعدود من غيرها.\n[انظر في هذه المسألة: الأم: ٥/ ٢٠٩، ومجاز القرآن: ١/ ٧٤، والأضداد للأصمعي: ٥، وتفسير ابن جرير: ... ٢/ ٤٤٤، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٠٢، ومعاني القرآن للنحاس: ١/ ١٩٥، والناسخ والمنسوخ له: ٢/ ٢٨، ومقاييس اللغة: ٨٥٢، وأحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٢٥٠، ومفردات الراغب: ٤١٣، والنهاية في غريب الحديث: ٤/ ٣٢، ولسان العرب: ١/ ١٣٠].","vol":"1","page":599},{"text":"والمبتغى عندنا من الطهر آخره؛ لأنها به تخرج إلى الحيض المبريء للرحم، وأول الحيض هو المبريء؛ لأن آخره لا يبريء لو أذن لهم في الطلاق في الحيض؛ لأن المرأة قد تحمل في آخر الحيض (^١)، ولذلك قال أبو كبير الهذلي (^٢):\nومبرإٍ من كل غُبَّر (^٣) حيضة ... وفساد مرضعة وداء معضل (^٤)\n_________\n(^١) انظر النوادر والزيادات: ٥/ ٢٤، وتفسير القرطبي: ٣/ ١١٥، وقد ذكره الجصاص في أحكام القرآن وأجاب عنه: ١/ ٥٠٢.\n(^٢) أبو كبير الهذلي، عامر بن الحُليس، أحد بني سعد بن هذيل، ثم أحد بني جُريب، قال ابن قتيبة: وهو جاهلي، وقال ابن حجر: أبو كبير بالموحدة الهذلي، ذكره أبو موسى وقال: ذكر عن أبي اليقظان أنه أسلم ثم أتى النبي - ﷺ -. [الشعر والشعراء: ٢/ ٦٧٠، وشرح أشعار الهذليين: ٣/ ١٠٦٩، والإصابة: ٤/ ١٦٥].\n(^٣) الغين والباء والراء أصلان صحيحان، أحدهما: يدل على البقاء، والآخر على لون من الألوان، فمن الأول: وبه غُبَّرٌ من مرض أي بقية. [مقاييس اللغة: ٧٨١]\n(^٤) لم أجد البيت في ديوانه، وهو عند ابن قتيبة في الشعر والشعراء: ٢/ ٦٧١: ورضاع مغيلة وداء معضل، وعن السكري في شرح أشعار الهذليين: ٣/ ١٠٧٣: وفساد مرضعة وداء مُغِيل، وهو كذلك عند القرطبي في تفسيره: ٣/ ١١٥، ولسان العرب: ٥/ ٣، وهو عند المرزوقي في شرح ديوان الحماسة ١/ ٨٦: وفساد مرضعة وداء معضل.\nوهو في أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٥٠٢ ونسبه إلى تأبط شرًا.\n* لوحة: ٥١/ب.","vol":"1","page":600},{"text":"أي لم تحمل به أمه في آخر حيضها. ثم زعم أهل العراق أن * الطلاق للعدة: أن يطلق في الطهر، ثم عليها ثلاث حيض وبعض الطهر الرابع حتى تغتسل (^١). فجعلوا عليها ثلاثة قروء وشيء. والكلام عليهم يتسع وقصدنا الإختصار (^٢).\n_________\n(^١) انظر أحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٣١٧، ٣٧٣، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤٩٧.\n(^٢) مسألة معنى الأقراء: مسألة اختلف فيها العلماء قديمًا وحديثًا كما ذكر المؤلف، على قولين مشهورين، الأول: أن المراد بها: الأطهار فمتى طعنت المطلقة في الحيضة الثالثة فقد حلت للأزواج، وممن قال به من الصحابة: عائشة، وابن عمر، وزيد بن ثابت، على اختلاف في الرواية عنهما، وبه قال: القاسم بن محمد، وسليمان بن يسار، وأبان بن عثمان، ومالك بن أنس، والشافعي، وأبو ثور، وهو رواية عن أحمد.\nالقول الثاني: أن المراد بها: الحيض، فمتى دخلت المرأة في الطهر الرابع بعد الحيضة الثالثة فقد حلت للأزواج، وهو قول جمهور الصحابة: الخلفاء الراشدون، وابن عباس، وابن مسعود، ومعاذ، وعبادة، وأبو الدرداء، وأبو موسى، وأنس، وابن عمر، وزيد بن ثابت. وممن قال به من التابعين: سعيد بن المسيب، وابن جبير، وطاوس، وعطاء، والضحاك، وابن سيرين، والشعبي، والحسن، وقتادة، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وهو الصحيح من مذهب أحمد.\n[انظر في هذه المسألة: الأم: ٥/ ٢٠٩، تفسير الطبري: ٢/ ٤٣٨، وأحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٣٧٢، والإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٧٩١، والتمهيد: ١٥/ ٨٩، وأحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٢٥٠، والمغني: ١١/ ١٩٩، وتفسير القرطبي: ٣/ ١١٣].\n\nوقد أطال ابن القيم النفس في ذكر الاختلاف في هذه المسألة، وأورد أدلة كل قول، وإجابة كل فريق على أدلة الآخر، وقد رجح أن المراد الحيض، حيث قال: ونحن متحيزون في هذه المسألة إلى أكابر الصحابة، وقائلون فيها بقولهم: إن القرء الحيض، وقد تقد الاستدلال على صحة هذا القول. [زاد المعاد: ٥/ ٦٠٠ - ٦٥٠].","vol":"1","page":601},{"text":"قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ (^١)\nقول مالك - ﵁ - (^٢): إن المرأة مؤتمنة على عدتها إذا كانت من ذوات الأقراء، ووعظت حين أئتمنت ألا تكتم ما خلق الله في رحمها من الولد، فهي مصدقة في الحيض إلا أن تأتي بما لا يعرف، ومصدقة في الحمل إذا وضعته إذا علم الحمل قبل ذلك (^٣)، ولا أعلم المفسرين اختلفوا في هذه المعاني، قاله عمر (^٤) وجماعة من الصحابة والتابعين (^٥)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٢٨]\n(^٢) المدونة: ٢/ ٢٣٥ - ٢٣٨، النوادر والزيادات: ٥/ ٢٨٥، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٨٠١.\n(^٣) نقل العيني كلام القاضي إسماعيل، حيث قال: وقال إسماعيل: هذه الآية تدل على أن المرأة المعتدة مؤتمنة على رحمها من الحيض والحمل، فإن قالت: قد حضت كانت مصدقة، وإن قالت: قد ولدت كان مصدقة، إلَاّ أن تأتي من ذلك ما يعرف من كذبها فيه، وكذلك كل مؤتمن فالقول قوله. [عمدة القاري: ٢٠/ ٣١٢].\n(^٤) المروي عن عمر في هذا: أنه قال لرجل: اتل هذه الآية فتلا، فقال: إن فلانة ممن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن، كانت طلقت وهي حبلى، فكتمت حتى وضعت. رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٤٤٨، وعند ابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٤١٥: إن فلانة من اللاتي يكتمن ما خلق الله في أرحامهن، وإن الأزواج عليها حرام ما بقيت.\n(^٥) اختلف أهل العلم في المراد بقوله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: أن المراد الحمل، وهو مروي عن عمر، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل، وعكرمة، الثاني: أن المراد الحيض، وهو مروي عن عكرمة، وإبراهيم، والزهري، الثالث: أن الحبل والحيض جميعًا، وهذا يروى عن: ابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، والربيع بن أنس، والضحاك.\n\n[مصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ١٨٤ كتاب الطلاق باب قوله: ولا يحل لهن أن يكتمن، وابن جرير في تفسيره: ... ٢/ ٤٤٦، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٤١٥، وابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٢٦٠، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٧٠].\nولعل القول الثالث هو الصواب: قال ابن العربي: وهو الصحيح؛ لأن الله تعالى جعلها أمينة على رحمها، فقولها فيه مقبول، إذ لا سبيل إلى علمه إلا بخبرها، وقد شك في ذلك بعض الناس لقصور فهمه، ولا خلاف بين الأمة أن العمل على قولها في دعوى الشغل للرحم أو البراءة ما لم يظهر كذبها. [أحكام القرآن: ١/ ٢٥٣]","vol":"1","page":602},{"text":"- ﵃ - وبالله التوفيق.\nقال الله ﵎: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (^١) قال مالك - ﵁ - في المطلق واحدة واثنتين: إن له أن يرتجعها شاءت أم أبت بغير ولي ولا صداق؛ لأنها على بقية الزوجية، ليس لها الإمتناع، وعليه أن يشهد على الرجعة قبل تقضي العدة؛ ليزول الجحود منها إن كرهته (^٢). ولم يختلف المفسرون في ذلك (^٣).\nقال الله ﷿: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (^٤)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٢٨]\n(^٢) المدونة: ٢/ ٢٣٢، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٧٥٨، تفسير القرطبي: ٣/ ١٢٠.\n(^٣) الإجماع لابن المنذر: ١٢٦، وتفسير القرطبي: ٣/ ١٢٠.\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ٢٢٨]\n* لوحة: ٥٢/أ.","vol":"1","page":603},{"text":"الذي لهن القسمة بينهن إذا زدن على الواحدة، والنفقة على حسب * إمكانه وقدر حالها (^١)، والمعاشرة بالمعروف، والتجمل لها بحسب ما يلزمها من التأهب والتزين. فإن ابن عباس - ﵁ - قال: أحب [أن] أتزين (^٢) للمرأة كما أحب أن تتزين لي (^٣). وهذا وإن لم يقله مالك ولم ينقل عنه فإنه مستحسن. وله عليها التصون (^٤) والتخفر (^٥)، والطاعة، وما أشبه ذلك إذ الزوجة عليها الإمارة، ألا تراه جل وعز قال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (^٦) والنفقة هاهنا: الصداق (^٧)،\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: قدر حاله.\n(^٢) في الأصل: أحب أتزين، والتصويب من مصادر التخريج.\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ٢٠٢ باب ما قالوا في قوله: وللرجال عليهن درجة، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٤٥٣، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٤١٧، والبيهقي في سننه: ٧/ ٢٩٥ باب حق المرأة على الرجل كتاب القسم والنشوز، والبغوي في تفسيره: ١/ ٢٦٨.\n(^٤) التصون: أي حفظ نفسها، وعرض زوجها، وماله، قال ابن فارس: الصاد والواو والنون أصل واحد وهو: كنٌ وحفظ، ومن ذلك صنت الشيء أصونه صونًا وصيانة. [مقاييس اللغة: ٥٥٩].\n(^٥) التخفر: شدة الحياء، فالخاء والفاء والراء أصلان أحدهما: الحياء، والآخر المحافظة أو ضدها، وتخفَّرت: اشتد حياؤها. [مقاييس اللغة: ٣٠٦، لسان العرب: ٤/ ٢٥٣].\n(^٦) [سورة النساء: الآية ٣٤]\n(^٧) انظر تفسير ابن جرير: ٥/ ٥٩ ..","vol":"1","page":604},{"text":"وقد سمى الله ﷿ الصداق نفقة في مواضع فقال: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ (^١) يعني: الصداق (^٢)، ثم أعاد القول فقال: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ (^٣) (^٤)\nقال الله ﷿: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (^٥).\nالطلاق الذي أمر الله به وأباحه من أراده (^٦)، وهو الذي للسنة الذي علمه الله عباده بقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (^٧) هو أن يطلقها واحدة ويدعها تمضي في عدتها، فإن أحدث الله له الرغبة ارتجعها ما لم تنقض العدة، وإن لم يرد ذلك وخرجت من العدة فهو خاطب من الخطاب فمتى تزوجها كان له أن يطلقها أخرى فتكون للسنة، فإن رغب في ارتجاعها كانت عنده على واحدة، وإن خرجت من العدة كان خاطبًا من الخطاب، فإن تزوجها فطلقها الثالثة كانت أيضًا للسنة، ولم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره ويطأها ثم يطلقها (^٨)، فإن تزوجها بعد الزواج كانت عنده على * طلاق مستأنف.\nوسبب نزول: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (^٩).\n_________\n(^١) [سورة الممتحنة: الآية ١٠]\n(^٢) انظر تفسير ابن جرير: ٢٨/ ٦٩.\n(^٣) [سورة الممتحنة: الآية ١٠]\n(^٤) انظر تفسير ابن جرير: ٢٨/ ٧٣.\n(^٥) [سورة البقرة: الآية ٢٢٩]\n(^٦) كذا في الأصل، ولعلها: لمن أراده.\n(^٧) [سورة الطلاق: الآية ١]\n(^٨) قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠].\n* لوحة: ٥٢/ب.\n(^٩) [سورة البقرة: الآية ٢٢٩]","vol":"1","page":605},{"text":"أن الإنسان كان يطلق بغير عدد، ولم يكن للطلاق عدد معروف، فكان إذا أراد أن يضار امرأته طلقها، فإذا قاربت انقضاء عدتها ارتجعها، ثم يطلقها، فلا يزال كذلك يعذبها، ويطول عليها، فنزلت: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (^١) (^٢). يريد الطلاق الذي تكون فيه رجعة واحدة بعد واحدة، واثنتين يجتمعان، فإن طلقها الثالثة فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره، فكان هذا سبب نزول هذه الآية.\nوقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (^٣) يريد بعد الاثنتين، إمساك بمعروف بعشرة جميلة، ومعاملة حسنة، ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾: تطليق الواحدة الباقية لمن أراد ذلك، فكان هذا مانعًا من الزيادة في عدد الطلاق وغاية، قال ذلك جماعة المفسرين (^٤).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٢٩]\n(^٢) يروى هذا عن عروة مرسلًا، رواه الترمذي في سننه أبواب الطلاق باب: ١٦ انظر تحفة الأحوذي: ٤/ ٣٧٣، ومالك في الموطأ: ٢/ ٤٥٩ كتاب الطلاق رقم: ٨٠، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ١٩٦ ما قالوا في قوله: الطلاق مرتان، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٤٥٦، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٤١٨، والبيهقي في سننه: ... ٧/ ٣٣٣ باب ما جاء في إمضاء الطلاق الثلاث وإن كن مجموعات، والواحدي في أسباب النزول: ٧٩.\nويروى أيضًا عن قتادة، وابن زيد، انظر تفسير ابن جرير: ٢/ ٤٥٦.\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٢٩]\n(^٤) قال القرطبي: والتسريح يحتمل لفظه معنيين، أحدهما: تركها حتى تتم العدة من الطلقة الثانية، وتكون أملك لنفسها، وهذا قول السدي، والضحاك، والمعنى الآخر: أن يطلقها ثالثة فيسرحها، هذا قول مجاهد، وعطاء، وغيرهما، وهو أصح. [الجامع لأحكام القرآن: ٣/ ١٢٧، وانظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٥٨، وتفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٤١٩].","vol":"1","page":606},{"text":"وأما قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (^١)\nفإن مالك - ﵁ - (^٢) يقول: إذا كان النشوز من قبلها والكراهية منها فلا بأس بما يأخذه منها إذا افتدت به قل أو كثر، وإذا كان الضرار من قبله والأذى من جهته لم يحل له ما تفتدي به منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (^٣)؛ لأن الإرادة منسوبة في هذا الموضع إلى الزوج خاصة، فلم يجز له إذا أراد فراق المرأة * وكرهها أن لا يفارقها حتى يأخذ منها شيئًا، وهذا الموضع وما أشبهه هو الذي كرهه مالك وجماعة من المفسرين (^٤)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٢٩]\n(^٢) الموطأ: ٢/ ٤٤٣ الطلاق رقم: ٣٢، والمدونة: ٢/ ٢٤١، والنوادر والزيادات: ٥/ ٢٥٤.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٢٠]\n* لوحة: ٥٣/أ.\n(^٤) قال ابن كثير: قد قال طائفة كثيرة من السلف وأئمة الخلف: إنه لا يجوز الخلع إلا أن يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة فيجوز للرجل حينئذ قبول الفدية، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ قالوا: فلم يشرع الخلع إلا في هذه الحالة، فلا يجوز في غيرها إلا بدليل، والأصل عدمه، وممن ذهب إلى هذا ابن عباس، وطاوس، وإبراهيم، وعطاء، والحسن، والجمهور حتى قال مالك والأوزاعي: لو أخذ منها شيئًا وهو مضار لها وجب رده إليها وكان الطلاق رجعيًا، قال = مالك: وهو الأمر الذي أدركت الناس عليه. وذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجوز الخلع في حال الشقاق وعند الاتفاق بطريق الأولى والأحرى وهذا قول جميع أصحابه. [تفسير القرآن العظيم: ١/ ٢٧٣].","vol":"1","page":607},{"text":"إذا كانت الإساءة من قبله لم يجز له أن يأخذ منها شيئًا، وإذا خافا ألا يقيما حدود الله فقد اشتركا في هذه المخافة، ولم يبر (^١) بها واحد منهما، وكان لها أيضًا أن تفتدي وله أن يأخذ كما كان له إذا كانت الإساءة من قبلها (^٢).\nوزعم بعض المتكلفين للعلم أن هذه الآية توجب عليه أن لا يأخذ منها إلا ما أعطاها أو بعضه (^٣)، وليس الأمر على ما توهم؛ لأنه لو كان كما قال لقيل: فلا جناح عليهما فيما افتدت به منه أو من ذلك، حتى يؤدي الكلام إلى ما أعطى الرجل امرأته من الصداق، فلما لم يقل ذلك كان مُطلقًا في كل شيء افتدت به، ولو قال إنسان لإنسان: لا تضربن فلانًا إلا أن تخاف منه شيئًا، فإن خفته فلا جناح عليك فيما صنعت به لكان مطلقًا له؛ لأنه لو أراد الضرب خاصة لقال له: فلا جناح عليك فيما صنعت به منه أو من ذلك (^٤)، ومما يدل على العموم فيما افتدت به، وأنه ليس مردود إلى صداقها: أنا رأينا النهي في المواضع كلها إنما هو شيء نسب الأخذ إليه خاصة، فدل ذلك على أنه يفعل بها، فلا يحوجه بها إلى أن تعطيه.\n_________\n(^١) كذا رسمت في الأصل، ولم أعرف المراد منها.\n(^٢) انظر نص كلام القاضي إسماعيل في التمهيد: ٢٣/ ٣٧٠.\n(^٣) هذا يروى عن: الربيع، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، والشعبي، والحكم، والحسن، انظر تفسير الطبري: ٢/ ٤٦٩، وهذا رأي الأحناف؛ إلا أنهم يرون جوازه إذا وقع، يقول الجصاص: وإنما قال أصحابنا: إذا خلعها على أكثر مما أعطاها، أو خلعها على مال والنشوز من قبله إن ذلك جائز في الحكم وإن لم يسعه فيما بينه وبين الله تعالى، من قبل أنها أعطته بطيبة من نفسها غير مجبرة عليه.\n[أحكام القرآن: ١/ ٥٣٥، ٥٣٨، وانظر أحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٤٥٣].\n(^٤) انظر نص كلام القاضي إسماعيل في التمهيد: ٢٣/ ٣٦٩، وانظر قريبًا من هذا الرد عند النحاس في الناسخ والمنسوخ: ٢/ ٦١.","vol":"1","page":608},{"text":"قال الله ﷿: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ (^١) وقال: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (^٢)، فعلمنا أنها تعطي ما تعطي من غير طيب نفسها، وإذا كانت هي الكارهة فيما أعطت من طيب نفسها *، قال الله ﷿: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (^٣) فلما نسب الفعل إليها نسب إلى أنه عن طيب نفس منها، فعلمنا بذلك أن الذي نُهي عن أخذه منها هو غير الذي طابت به نفسها، وكذلك لما قيل: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ (^٤) دل على أنه عن غير طيب نفس، ثم قيل: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (^٥) فلما اشتركا أيضًا علم أن الذي يفتدى به حلال، خوطبا به جميعًا إذ فعلته عن رغبة منها، فلما كان كذلك جاز لهما، وعلم أنه أمر مستأنف مطلق في كل ما طابت به نفسها له، وهو قول عامة أهل العلم (^٦).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ١٩]\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٢٠]\n* لوحة: ٥٣/ب.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٤]\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ٢٢٩]\n(^٥) [سورة البقرة: الآية ٢٢٩]\n(^٦) سبق ذكر قول الأحناف في هذه المسألة ومن وافقهم، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى كراهيته مع جوازه إذا وقع، وبه قال: أحمد، وإسحاق، وأبو عبيد.\nوذهب عثمان، وابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، ومالك، والشافعي، وأبو ثور إلى جواز ذلك إذا كان النشوز والإضرار من قبلها، قال ابن قدامة: وهذا قول أكثر أهل العلم.\nوهو الصحيح، وهذا ما رجحه ابن جرير وغيره.\n[انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٧٢، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٥٣٥، والاستذكار: ١٧/ ١٧٦، والمغني: ١٠/ ٢٦٩، وتفسير القرطبي: ٣/ ١٤٠].","vol":"1","page":609},{"text":"والخلع عندهم إنما يكون بالصداق، والفدية تكون بالصداق وأقل منه وأكثر (^١).\nوقال الناس جميعًا إلا طاوس: إن الخلع طلقة، وروى طاوس عن ابن عباس - ﵁ -: أنه فسخ بغير طلاق (^٢).\n_________\n(^١) يأتي قول مالك في الفرق بين المختلعة والمفتدية والمبارئة.\n(^٢) روى عبدالله بن أحمد بن حنبل في مسائل أبيه: ٣/ ١٠٥٤ عن عبد الملك بن ميسرة عن طاوس، قال: سئل عن الخلع؟ قال: ليس بشيء، فقال رجل: إنك لا تزال تأتينا بشيء لا ندري ما هو؟ قال: والله لقد جمع ابن عباس بين رجل من أهل اليمن وبين امرأته كان طلقها بطلقتين ثم خلعها.\nوروى نحوه النحاس في الناسخ والمنسوخ: ٢/ ٥٧، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٥٣٩.\nوروى عبدالرزاق في مصنفه: ٦/ ٤٨٧ عن عمرو بن دينار عن طاوس قال: سأل إبراهيم بن سعد ابن عباس عن رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه، ثم أينكحها؟ فقال: نعم، ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع بين ذلك فلا بأس به. وكذلك رواه سعيد بن منصور في سننه تحقيق الأعظمي: ١/ ٣٤٠ باب ما جاء في الخلع، والبيهقي في سننه: ٧/ ٣١٦ باب الخلع هل هو فسخ أو طلاق.\nوروى ابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ١٢٣ من كان لا يرى الخلع طلاقًا، ٤/ ١٩٧ ما قالوا في قوله: الطلاق مرتان، عن عمرو عن طاوس عن ابن عباس قال: إنما هو فرقة وفسخ ليس بطلاق.\nوقد نقل ابن المنذر في الإشراف: ٤/ ٢١٨ عن الإمام أحمد أنه قال: ليس في الباب أصح من حديث ابن عباس.\nوقال ابن حجر: وفيه أن الصحابي إذا أفتي بخلاف ما روى أن المعتبر ما رواه لا ما رآه؛ لأن ابن عباس روى قصة امرأة ثابت بن قيس الدالة على أن الخلع طلاق، وكان يفتي بأن الخلع ليس بطلاق، لكن ادعى ابن عبد البر شذوذ ذلك عن ابن عباس إذ لا يعرف له أحد نقل عنه أنه فسخ وليس بطلاق إلا طاوس، وفيه نظر؛ لأن طاوسًا ثقة حافظ فقيه فلا يضره تفرده، وقد تلقى العلماء ذلك بالقبول. [فتح الباري: ٩/ ٤٩٩].\nقلت: وفيما ذكره المؤلف هنا من أن الناس جميعًا إلا طاوس: إن الخلع طلقة، في هذا الكلام نظر.\nقال ابن كثير: وهذا الذي ذهب إليه ابن عباس ﵄ من أن الخلع ليس بطلاق وإنما هو فسخ هو رواية عن: أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وابن عمر، وهو قول طاوس، وعكرمة، وبه يقول أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود بن علي الظاهري، وهو مذهب الشافعي في القديم، وهو ظاهر الآية الكريمة، والقول الثاني في الخلع إنه طلاق بائن إلا أن ينوي أكثر من ذلك، وقد روي نحوه عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وبه يقول سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وشريح، والشعبي، وإبراهيم، وجابر بن زيد، وإليه ذهب مالك، وأبو حنيفة وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، والشافعي في الجديد.\n[تفسير القرآن العظيم: ١/ ٢٧٥، وانظر في هذه المسألة: الإشراف لابن المنذر: ٤/ ٢١٨، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٥٣٩، والاستذكار: ١٧/ ١٨٥، والمغني: ١٠/ ٢٧٤، وتفسير القرطبي: ٣/ ١٤٣].","vol":"1","page":610},{"text":"فعوتب طاوس في ذلك، فعزاه إلى إنسان، وأنكر أن يكون سمعه\nمن ابن عباس (^١).\nوروي عن طاوس أيضًا (^٢): أنه روى عن ابن عباس في المطلق ثلاثًا أنها واحدة (^٣)، وأنكر الناس ذلك على طاوس؛ لأن سعيد بن جبير روى عن ابن عباس - ﵁ - في رجل طلق مائة تطليقه، فقال ابن عباس - ﵁ -: ثلاث منها تبينها، وسائرهن اتخذت بها آيات الله هزوًا (^٤).\n\nوروى مجاهد (^٥)\n_________\n(^١) ذكره الجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٥٤٠.\nوقال ابن حجر: ولا أعلم من ذكر الاختلاف في المسألة ... إلا وجزم أن ابن عباس كان يراه فسخًا، نعم أخرج إسماعيل القاضي بسند صحيح عن بن أبي نجيح أن طاوسًا لما قال: إن الخلع ليس بطلاق أنكره عليه أهل مكة، فاعتذر وقال: إنما قاله ابن عباس، قال إسماعيل: لا نعلم أحدًا قاله غيره. ...\n[فتح الباري: ٩/ ٤٩٩].\n(^٢) أي: مما انفرد بروايته طاوس عن ابن عباس هذه الرواية.\n(^٣) روى مسلم في صحيحه: ٢/ ١٠٩٩ كتاب الطلاق حديث: ١٥ عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال: عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.\n(^٤) رواه عبد الرزاق في مصنفه: ٦/ ٣٩٧، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ٦٣ في الرجل يطلق امرأته مائة أو ألفًا في قول واحد، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٣/ ٥٨، والدارقطني في سننه: ٤/ ١٢ كتاب الطلاق حديث: ٣٦، والبيهقي في سننه: ٧/ ٣٣٢ باب الاختيار للزوج ألا يطلق إلا واحدة.\nوقد رواه مالك في الموطأ: ٢/ ٤٤٣ كتاب الطلاق حديث: ١ بلاغًا عن ابن عباس.\n(^٥) رواه عبدالرزاق في مصنفه: ٦/ ٣٩٦ بلفظ: يكفيك من ذلك رأس الجوزاء.\n\nوقد روي نحو هذا من طريق مجاهد عن ابن عباس، فروى أبو داود في سننه: ٢/ ٢٦٠ كتاب الطلاق باب فسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس فجاء رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثًا، قال: فسكت حتى ظننت أنه رادها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الحموقة ثم يقول: يا بن عباس يا بن عباس وإن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجًا عصيت ربك وبانت منك امرأتك. ورواه أيضًا الطحاوي في شرح معاني الآثار: ٣/ ٥٨، والدارقطني في سننه: ٤/ ١٣ حديث: ٣٧، ٣٨ من كتاب الطلاق، والبيهقي في سننه: ٧/ ٣٣١، ٣٣٧ باب الاختيار للزوج ألا يطلق إلا واحدة، وباب من جعل الثلاث واحدة.","vol":"1","page":611},{"text":"وعطاء (^١) وغيرهما (^٢) عن ابن عباس - ﵁ - فيمن طلق بعدد نجوم السماء فقال: يجزئك منها * ذنب بنات نعش (^٣)، وقيل: رأس الجوزاء (^٤)، والروايات عن ابن عباس في هذا كثيرة.\nولم يختلف الناس في أن الثلاث تقع إلا هذه الرواية الضعيفة (^٥)،\n_________\n(^١) ما وقفت عليه من رواية عطاء عن ابن عباس هو مارواه الشافعي في الأم: ٥/ ١٣٩ عن عطاء قال: إن رجلًا أتى ابن عباس فقال: طلقت امرأتي مائة، فقال ابن عباس: تأخذ ثلاثًا وسبعًا وتسعين عدوانًا اتخذت بها آيات الله هزوا.\nورواه أيضًا عبد الرزاق في مصنفه: ٦/ ٣٩٦، والبيهقي في سننه: ٧/ ٣٣٧ باب من جعل الثلاث واحدة.\n(^٢) روي من طريق عمرو بن دينار عن ابن عباس، رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ٦٤ من قال لامرأته أنت طالق عدد النجوم، والبيهقي في سننه: ٧/ ٣٣٧ باب من جعل الثلاث واحدة.\nوروي من طريق ابن كثير والأعرج عن ابن عباس نحو رواية عطاء عنه، رواها عبد الرزاق في مصنفه: ٦/ ٣٩٧.\n* لوحة: ٥٤/أ.\n(^٣) بنات نعش: سبعة كواكب، أربعة منها: نعش لأنها مربعة، وثلاث بنات نعش.\n[لسان العرب: ٦/ ٣٥٥، والقاموس المحيط: ٧٨٤].\nولم أقف على أي أثر عن ابن عباس فيه هذه اللفظه.\n(^٤) رأس الجوزاء: هي الهقعة وهي: منزلة من منازل القمر في برج الجوزاء، وهي ثلاثة أنجم كالأثافي نيرة قريب بعضها من بعض، أي: يكفيك من التطليق ثلاث تطليقات.\n[النهاية في غريب الحديث: ٥/ ٢٦٧، اللسان: ٨/ ٣٧٣]\n(^٥) ما ذكره المؤلف هنا من تضعيف رواية طاوس عن ابن عباس، والحكم عليها بالشذوذ، أحد الطرق التي سلكها بعض أهل العلم في الجواب عن هذا الحديث، وممن سلك هذا المسلك: البيهقي في سننه: ٧/ ٣٣٧، وابن عبد البر في الاستذكار: ١٧/ ١٥، وغيرهم. =","vol":"1","page":612},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقد ذكر هذا الجواب وغيره مما قيل في الجواب عن هذا الحديث: إكمال المعلم: ٥/ ٢٠، وشرح النووي على صحيح مسلم: ١٠/ ١٠٤، وزاد المعاد: ٥/ ٢٤٧، وفتح الباري: ٩/ ٤٥٠.\nوهذا الحديث لا مطعن في صحته، قال الشنقيطي بعد ذكره لبعض ما قيل في تضعيف هذا الحديث، قال: إن مثل هذا لا يثبت به تضعيف هذا الحديث؛ لأن الأئمة كمعمر وابن جريج وغيرهما رووه عن ابن طاوس، وهو إمام، عن طاوس عن ابن عباس، ورواه عن طاوس أيضًا إبراهيم بن ميسرة، وهو ثقة حافظ، وانفراد الصحابي لا يضر ولو لم يرو عنه أصلًا إلا واحد.\nوالحاصل أن حديث طاوس ثابت في صحيح مسلم بسند صحيح، وما كان كذلك لا يمكن تضعيفه غلا بأمر واضح. [أضواء البيان: ١/ ٢٥٥].\nقلت: وما ذكره المؤلف وغيره من شذوذ هذه الرواية؛ لأن أصحاب ابن عباس رووا عنه إيقاع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة ثلاثًا، هذا رأي ابن عباس، ولا معارضة بين ما رواه الراوي وما رآه، بل العبرة بما روى لا بما رأى، قال ابن القيم: فأما مخالفة سائر الروايات له عن ابن عباس، فلا ريب أن عن ابن عباس روايتين صحيحتين بلا شك، إحداهما: توافق هذا الحديث، والأخرى: تخالفه، فإن أسقطنا رواية برواية سلم الحديث على أنه بحمد الله سالم، ولو اتفقت الروايات عنه على مخالفته، فله أسوة أمثاله، وليس بأول حديث خالفه راويه، فنسألكم: هل الأخذ بما رواه الصحابي عندكم أو بما رآه؟ فإن قلتم: الأخذ بروايته، وهو قول جمهوركم، بل جمهور الأمة على هذا، كفيتمونا مؤونة الجواب. وإن قلتم: الأخذ برأيه، أريناكم من تناقضكم ما لا حيلة لكم في دفعه، ... ولا سيما عن ابن عباس نفسه.\nثم قال: وقلتم الرواية معصومة، وقول الصحابي غير معصوم، ومخالفته لما رواه يحتمل احتمالات عديدة من: نسيان أو تأويل، أو اعتقاد راجح في ظنه، أو اعتقاد أنه منسوخ أو مخصوص، أو غير ذلك من الاحتمالات، فكيف يسوغ ترك روايته مع قيام هذه الاحتمالات؟ وهل هذا إلا ترك معلوم لمظنون، بل مجهول؟\n[زاد المعاد: ٥/ ٢٦٥].","vol":"1","page":613},{"text":"قال أيوب السختياني: كانوا يعجبون من كثرة خطأ طاوس، وكان رجلًا صالحًا من خيار المسلمين إلا أنه كان كثير الخطأ (^١).\nوالتسريح والتطليق واحد، قال مالك - ﵁ -: المبارئة التي تبارئ زوجها فتقول: خذ الذي لك قبل أن يدخل بها، والمختلعة هي التي: تختلع من كل الذي لها، والمفتدية التي: تعطيه بعض الذي له وتمسك بعضه، وكله سواء (^٢).\n_________\n= وما ذهب إليه طاوس من الرواية عن ابن عباس من أن الطلاق الثلاث بكلمة واحدة يقع طلقة واحدة رجعية، أخذ به: محمد بن إسحاق صاحب السيرة، ونقل عن علي، وابن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وعكرمة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، مع القول بتحريمه.\nوجمهور العلماء من السلف والخلف على وقوع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، وأنها تحرم عليه حتى تنكح زوجًا غيره. [انظر: المغني: ١٠/ ٣٣٤، تفسير القرطبي: ٣/ ١٢٩، مجموع فتاوى ابن تيمية: ٣٣/ ٨٢ - ٩٨، وزاد المعاد: ٥/ ٢٤٧ - ٢٧١، وفتح الباري: ٩/ ٤٤٩ - ٤٥٣].\n(^١) قال النحاس: وطاووس وإن كان رجلًا صالحًا فعنده عن ابن عباس مناكير يخالف عليها، ولا يقبلها أهل العلم. الناسخ والمنسوخ: ٢/ ٥٨، وذكر هذا القول عن أيوب الجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٥٤٠، ونقل ابن عبد الهادي في كتابه سير الحاث على علم الطلاق الثلاث: ٩٢ عن ابن رجب أنه قال: قال القاضي إسماعيل في كتاب أحكام القرآن: طاوس مع فضله وصلاحه يروي أشياء منكرة منها هذا الحديث، وعن أيوب أنه كان يعجب من كثرة خطأ طاوس.\n(^٢) المدونة: ٢/ ٢٤٩، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٢٦٥، تفسير القرطبي: ٣/ ١٤٥.","vol":"1","page":614},{"text":"قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ (^١)\nقال مسروق (^٢)، والحسن (^٣)، ومجاهد (^٤)، وقتادة (^٥): هو الرجل يطلق ثم يرتجع، ثم يطلق ثم يرتجع ليُطول عليها العدة إعتداء. وليس لهم مخالف علمناه (^٦).\nكأنه قيل: فإذا بلغن أجلهن: إذا قاربن ذلك وأشرفن على بلوغه، وقد يقال للإنسان إذا بلغت مكة فاغتسل قبل أن تدخلها، وهذا إنما يقع قبل البلوغ على مقاربة البلوغ، ولما قيل: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (^٧) علم أن إمساكه لها لا يكون إلا قبل تقضي العدة (^٨)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٣١]\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٤٨٠، والبيهقي في سننه: ٧/ ٣٦٨ تعليقًا، في باب ما جاء في قوله: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن، من كتاب الرجعة.\n(^٣) المرجعين السابقين، إلا أن البيهقي رواه مسندًا.\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٤٨٠، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٤٢٥، والبيهقي في سننه: ٧/ ٣٦٨ في الموضع السابق.\n(^٥) رواه عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٩٤، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٤٨١.\n(^٦) روى ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٤٨١ عن الضحاك أنه قال: هو الرجل يطلق امرأته واحدة، ثم يراجعها، ثم يطلقها، ثم يراجعها، ثم يطلقها ليضارها بذلك لتختلع منه.\nفالضحاك وافق هؤلاء في النهي عن المضارة، وخالفهم في مقصد المضارة.\n(^٧) [سورة الطلاق: الآية ٢]\n(^٨) قال القرطبي: معنى بلغن: قاربن، بإجماع العلماء؛ ولأن المعنى يضطر إلى ذلك؛ لأنه بعد البلوغ لا خيار في الإمساك، وهو في الآية الني بعدها بمعنى: التناهي؛ لأن المعنى يقتضي ذلك، فهو حقيقة في الثانية مجاز في الأولى.\nتفسير القرطبي: ٣/ ١٥٥، وانظر: معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢٠٨، وأحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٣٢٧، وتفسير البغوي: ١/ ٢٧٥، وزاد المسير: ٣/ ٢٦٧، ومحاسن التأويل: ٣/ ٢٦٨، وأضواء البيان: ١/ ٢٧٨.","vol":"1","page":615},{"text":"وكان قوله: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (^١) أي دعها حتى تنقضي عدتها وتبين منك، ولعل المتعة أيضًا تدخل في المفارقة ... بالمعروف. وقيل في الآية التي بعد هذه الآية: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^٢) فوقع المعنى والله أعلم * على أن ذلك بلوغ الأجل؛ لأن الزوج أحق برجعتها قبل بلوغ الأجل، لا يسمى نكاحًا (^٣)، وإنما يكون النكاح ما يستأنف، فلما بلغ الأجل احتيج إلى استئناف النكاح، ونهوا عن عضل المرأة إذا أرادت أن تنكح زوجها الذي طلقها، وهذا مما يبين أن المرأة لا تزوج نفسها، ولو كان لها أن تفعل ذلك لما كان للرجل موضع عضل (^٤).\nوهذه الآية نزلت في معقل بن يسار (^٥) كانت أخته عند ابن عم له (^٦)\n_________\n(^١) [سورة الطلاق: الآية ٢]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٣٢]\n* لوحة: ٥٤/ب.\n(^٣) أي: أن رجوع المرأة قبل بلوغ الأجل لا يسمى نكاحًا.\n(^٤) انظر أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٢٧١، وتفسير القرطبي: ٣/ ١٥٨، وقد خالف في هذه المسألة الأحناف انظر: أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٥٤٥.\n(^٥) معقل بن يسار بن عبد الله المزني، يكنى: أباعلي، وقيل كنيته: أبو عبد الله، وقيل: أبو يسار، أسلم فبل الحديبية، وشهد بيعة الرضوان، مات بالبصرة في خلافة معاوية. [الاستيعاب: ٣/ ٤٠٩، والإصابة: ٣/ ٤٤٧]\n(^٦) قال ابن حجر معلقًا على رواية البخاري (من رجل) قال: قيل: هو أبو البداح بن عاصم الأنصاري، هكذا وقع في أحكام القرآن لإسماعيل القاضي من طريق ابن جريج أخبرني عبد الله بن معقل أن جُميل بنت يسار أخت معقل كانت تحت أبي البداح بن عاصم فطلقها فانقضت عدتها فخطبها.\nثم قال ابن حجر: ووقع في رواية عباد بن راشد عن الحسن عند البزار والدارقطني: (فأتاني ابن عم لي فخطبها مع الخطاب) وفي هذا نظر؛ لأن معقل بن يسار مزني وأبو البداح أنصاري، إلا أن يكون ابن عمه لأمه أو من الرضاعة. [فتح الباري: ٩/ ٢٣٤].","vol":"1","page":616},{"text":"فطلقها، فلما انقضت عدتها أتى ابن عمه فخطبها، وخُطب إليه فمنعها (^١)، وقال: قد كنت آثرتك بها فطلقتها، وأسأت عشرتها، والله لا أزوجكها أبدًا، قال: ففيه نزلت هذه الآية (^٢)، فلو كان للمرأة أن تزوج نفسها، أو أن تعتزل عن وليها ما عوتب معقل ونهي عن العضل، والله أعلم.\nقال الله ﵎: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (^٣)\n_________\n(^١) أي: خُطبت قبل أن يزوجها من ابن عمه، فمنعها، وآثر بها ابن عمه.\n(^٢) رواه البخاري في صحيحه: ٤/ ١٦٤٦ التفسير سورة البقرة باب قوله: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن،: ٥/ ١٩٧٢ النكاح باب من قال لا نكاح إلا بولي، و٥/ ٢٠٤١ الطلاق باب وبعولتهن أحق بردهن.\nوابن جرير في تفسيره: ٢/ ٤٨٤، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٤٢٦، والواحدي في أسباب النزول: ٨٠.\nوقد روى ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٤٨٦، والواحدي في أسباب النزول: ٨٢: أنها نزلت في رجل يقال له: جابر بن عبد الله الأنصاري.\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٣٣]\n* لوحة: ٥٥/أ.","vol":"1","page":617},{"text":"قال مالك - ﵁ -: الرضاع حق من حقوق الأمهات إذا أرادته، فإن كن مطلقات فلهن أجرة الرضاع، وليس للأب انتزاعه منها ضرارا، ولا لها هي أن تمتنع من رضاعه إن لم يقبل ذلك إلا منها، فإن قبله من غيرها وطرحته على أبيه كان عليه أن يسترضع له، وينفق عليه وعلى مرضعته، لا تضار والدة بولدها إذا احتيج * إليها ودعت إلى ذلك ضرورة، أو لا يضار هو بولده فينزعه منها، أو لا يمتنع من الإنفاق على من ترضعه وتكفله، ثم ممن هو أحق بذلك فيه ومن الكسوة أيضًا (^١). وقال ذلك ومعانيه جماعة من المفسرين. (^٢)\nواختلفوا في قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (^٣) فقال جماعة ومنهم مالك: على الوارث ألا يضار، والنفقة من مال الوالد إن كان له مال، فإن لم يكن له مال فهو فقير من فقراء المسلمين (^٤). وقال النعمان: وعلى الوارث الإنفاق وهو على الرجال دون النساء (^٥). وأما ابن عباس وأكثر المفسرين فردوا: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ على آخر الكلام ألا يضار (^٦).\n_________\n(^١) المدونة: ٢/ ٣٠٤، ٣٠٥، والنوادر والزيادات: ٥/ ٥٣، ٥٤.\n(^٢) انظر تفسير ابن جرير: ٢/ ٤٩٠؟ ٤٩٩، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٥٤٩، وأحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٢٧٥.\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٣٣]\n(^٤) المدونة: ٢/ ٢٦٦، النوادر والزيادات: ٥/ ٥٣، المحرر الوجيز: ٢/ ٢١٢، الإيضاح لمكي: ١٨٠.\n(^٥) أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٥٥٥.\n(^٦) رواه عن ابن عباس: ابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ١٨٩ باب قوله: وعلى الوارث مثل ذلك، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٤٣٣، والبيهقي في سننه: ٧/ ٤٧٨ باب قوله: وعلى الوارث مثل ذلك كتاب النفقات.\nوهذا مروي عن الضحاك، ومجاهد، والشعبي، تفسير ابن جرير: ٢/ ٥٠٤، وانظر المراجع السابقة.\nوليس هو قول أكثر المفسرين كما ذكر المؤلف.","vol":"1","page":618},{"text":"وأما النعمان فقال: النفقة على كل ذي رحم محرم، ثم قال: إذا كان المرضع ابن عم وخال فالنفقة على الخال، والوارث ابن العم، ثم كذلك ما أشبه هذا. (^١)\nفقال وأصحابه قولًا ليس في كتاب الله ولا يعلم أحدًا قاله؛ لأن من قال النفقة على الوارث جعلها على كل وارث، ولا أعلم أحدًا قال هذا، ولا يوجد في كتاب ولا سنة ولا قياس؛ لأن الله ﵎ لو قال: (وعلى غير الوارث مثل ذلك) لكان على ما قال أبو حنيفة وأصحابه وهو ضد: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (^٢).\nوقال مالك - ﵁ -: وإذا مات الأب ولا مال له فعلى الأم الرضاع؛ لأن الله ﵎ ألزمها ذلك فقال عز من قائل: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (^٣) (^٤) الذي أظن أن من قال وعلى الوارث الإنفاق وألا يضار، ومن قال: وعلى الوارث أخر الكلام وهو ألا يضار، إنما أرادوا الوارث الذي هو الولي مثل * الوصي وما أشبهه، فإن كان على ما تأولت فعلى الولي الذي ورث عن الأب الولاية على الصغير أن ينفق من مال الصغير على أمه، وألا يضار، وهذا عندي هو الصحيح الذي يحتمل جميع القولين فيكون وفاقًا.\n_________\n(^١) تفسير ابن جرير: ٢/ ٥٠١، والناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٦٦، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٥٥٧.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٣٣]\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٣٣]\n(^٤) المدونة: ٢/ ٣٠٤، النوادر والزيادات: ٥/ ٥٢، وقد أورد الجصاص كلام القاضي إسماعيل، وأجاب عنه انظر أحكام القرآن: ١/ ٥٥٦، ٥٥٧.\n* لوحة: ٥٥/ب.","vol":"1","page":619},{"text":"ومما يلزم أبا حنيفة إذا قال: إن النفقة على الوارث الذي ذكره إذ كان الله يقول: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَنْ يَضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (^١) فالنفقة واجبة على الأب للحامل من أجل الولد وتغذيته، فإذا ولدته كان عليه رضاعه والنفقة على مرضعته من أم أو غيرها، فيلزمهم أن يقولوا إذا مات الأب والمرأة حامل وهو فقير أن على الوارث (^٢) أن ينفق على المرأة من أجل الحمل، فإن أبوا ذلك ناقضوا. ونسأل الله التوفيق (^٣).\n_________\n(^١) [سورة الطلاق: الآية ٦]\n(^٢) في الأصل: أن على أن الوارث، والصواب ما أثبت.\n(^٣) اختلف أهل التفسير فيمن هو المعني بقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ فقيل: هو وارث المولود لو مات، ثم اختلفوا فقال بعضهم: وارثه من قبل أبيه من الرجال خاصة، وقيل بل من الرجال والنساء كل على قدر ما يرث، وقيل: على كل ذي رحم محرم.\nوذهب آخرون إلى أن المراد بالوارث هنا: هو المولود نفسه، وهذا ما رجحه ابن جرير، وذهب آخرون إلى أن المراد بالوارث هنا: من بقي من الأبوين بعد وفاة الآخر منهما.\nوأما قوله: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾ فأرجعه جمع من أهل العلم إلى جميع ما تقدم من إيجاب النفقة وتحريم الإضرار، قال ابن كثير: وهو قول الجمهور، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وجمهور السلف.\nوقيل: بل هو راجع إلى تحريم الإضرار، قال ابن العربي: وعلى الوارث من تحريم الإضرار بالأم ما على الأب، وهذا هو الأصل، فمن ادعى أنه يرجع العطف فيه إلى جميع ما تقدم فعليه الدليل.\nوما رجحه المؤلف هنا من أن المراد بالوارث الولي، هو ما رجحه مكي.\n[انظر هذه المسألة في: تفسير ابن جرير: ٢/ ٤٩٩، والناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٦٣، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٥٥٤، والإيضاح: ١٨٠، وأحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٢٧٦، والمحرر: ٢/ ٢١١، وتفسير القرطبي: ٣/ ١٦٨، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٨٤]","vol":"1","page":620},{"text":"قال الله ﵎: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (^١)\nقال مالك - ﵁ -: إن اتفق الوالدان على قطع الرضاع وقد تبينا في الصبي قبل الحولين قوة، واستغنى عن اللبن بأكل الطعام، واستقامته عليه، وكان اجتهادهما في ذلك بنية وروية فلا بأس بذلك (^٢).\nقال الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (^٣) وقوله: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (^٤) وأما قوله ﷿: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (^٥) فمنسوخة بإجماع بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (^٦) (^٧).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٣٣]\n(^٢) لم أعثر عليه.\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٣٤]\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ٢٤٠]\n(^٥) [سورة البقرة: الآية ٢٤٠]\n(^٦) [سورة البقرة: الآية ٢٣٤]\n(^٧) ممن حكى الإجماع على النسخ هنا: ابن عبد البر في الاستذكار: ١٨/ ٢٢٥، وابن حزم في الإحكام: ... ٤/ ٥٠٥، ونسبه النحاس إلى أكثر العلماء، حيث قال: أكثر العلماء على أن هذه الآية ناسخة لقوله جل وعز: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ أوصى لها زوجها بنفقة سنة وبالسكنى ما لم تخرج فتتزوج ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشرا أو بالميراث. الناسخ والمنسوخ: ٢/ ٧.\nوممن ذهب إلى القول بنسخ هذه الآية: ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٥٨٢، ومكي في الإيضاح: ١٨٤، وابن حزم في الإحكام: ٤/ ٥٠٥، وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ٢٧٩، والزرقاني في مناهل العرفان: ٢/ ٥٢٢.\nولكن هذا الإجماع ينتقض بما ذهب إليه كل من: مجاهد، وعطاء، ثم ابن تيمية، وابن كثير، وابن سعدي، ومصطفى زيد، حيث قالوا: إن الآية محكمة، قال ابن سعدي: ومن تأمل الآيتين اتضح له أن القول الآخر في الآية هو الصواب، وأن الآية الأولى في وجوب التربص أربعة أشهر وعشرًا على وجه التحتيم على المرأة، وأما في هذه الآية فإنها وصية لأهل الميت أن يبقوا زوجة ميتهم عندهم حولًا كاملًا، جبرًا لخاطرها، وبرًا بميتهم، ولهذا قال: (وصية لأزواجهم) أي: وصية من الله لأهل الميت أن يستوصوا بزوجته، ويمتعوها ولا يخرجوها، فإن رغبت أقامت في وصيتها، وإن أحبت فلا حرج عليها.\nانظر تفسير ابن كثير: ١/ ٢٩٧، وتفسير ابن سعدي: ٨٨، والنسخ في القرآن لمصطفى زيد: ٢/ ٧٧٦.\n*لوحة: ٥٦/أ.","vol":"1","page":621},{"text":"وقال بعضهم: لا سكنى للمتوفى عنها *، تعتد حيث شاءت (^١)، وقال بعضهم: تعتد حيث كانت وقت وفاة زوجها، وهو قول جمهور الفقهاء وعليه الناس (^٢).\n_________\n(^١) هذا مروي عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وعائشة، وجابر بن عبد الله، والحسن.\nمصنف عبد الرزاق: ٧/ ٢٩، وسنن سعيد بن منصور تحقيق الأعظمي: ١/ ٣٢١، ومصنف ابن أبي شيبة: ... ٤/ ١٦١ من رخص للمتوفى عنها زوجها أن تخرج، وتفسير الطبري: ٢/ ٥١٤، وسنن البيهقي: ٧/ ٤٣٦ باب من قال لا سكنى للمتوفى عنها زوجها.\n(^٢) قال ابن عبد البر: وحديث سعد بن إسحاق - يقصد حديث الفريعة بنت مالك - هذا مشهور عند الفقهاء بالحجاز والعراق، معمول به عندهم تلقوه بالقبول وأفتوا به، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأبو حنيفة وأصحابهم، والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل كلهم يقول: إن المتوفى عنها زوجها تعتد في بيتها الذي كانت تسكنه، وسواء كان لها أو لزوجها، ولا تبيت إلا فيه حتى تنقضي عدتها، ولها أن تخرج نهارها في حوائجها، وهو قول عمر، وعثمان، وابن مسعود، وأم سلمة، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وبه قال القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وابن شهاب. =\nانظر: الأم: ٥/ ٢٢٦، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٥٧٠، والاستذكار: ١٨/ ١٨١، والمغني: ١١/ ٢٩٥، وتفسير القرطبي: ٣/ ١٧٦.","vol":"1","page":622},{"text":"واختلفوا فيها إذا كانت حاملًا، فقال بعضهم: آخر الأجلين (^١)، وقال بعضهم: عدتها وضع الحمل كان قبل تقضي الأيام والليالي أو كان بعدها، وهذا القول الصحيح الموافق لما روي عن رسول الله - ﷺ - في سُبَيْعة الأسلمية (^٢)\n_________\n(^١) هذا مروي عن علي بن أبي طالب، وابن عباس ﵄، فرواه عن علي: سعيد بن منصور في سننه تحقيق الأعظمي: ١/ ٣٥٢، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٥٥٠ المرأة يتوفى عنها زوجها فتضع بعد وفاته بيسير كتاب النكاح، وابن جرير في تفسيره: ٢٨/ ١٤٣، والطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٣٣٥، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ٢/ ٧٥، والبيهقي في سننه: ٧/ ٤٣٠ باب عدة الحامل من الوفاة، قال ابن حجر: أخرجه سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن علي بسند صحيح. فتح الباري: ٩/ ٥٨٦.\nورواه عن ابن عباس: البخاري في صحيحه: ٤/ ١٨٦٤ التفسير سورة الطلاق، ومسلم في صحيحه: ٢/ ١١٢٢ كتاب الطلاق، حديث: ٥٧٠، وانظر المراجع السابقة.\nوقد ذكر أن ابن عباس رجع عن هذا، قال ابن عبد البر: فهذا مذهب ابن عباس، وعلي بن أبي طالب، على أنه قد روي عن ابن عباس رجوعه إلى حديث أم سلمة في قصة سبيعة، ومما يصحح هذا عنه أن أصحابه عكرمة، وعطاء، وطاوس وغيرهم على القول بأن المتوفى عنها الحامل عدتها أن تضع حملها على حديث سبيعة.\n[التمهيد: ٢٠/ ٣٣].\n(^٢) سُبَيْعة بنت الحارث الأسلمية، زوجة سعد بن خولة، روت عن رسول الله - ﷺ - حديث عدتها.\n\n[الاستيعاب: ٤/ ٣٢٩، والإصابة: ٤/ ٣٢٤].","vol":"1","page":623},{"text":"فإنها وضعت بعد وفاة زوجها بعشرين ليلة، فأمرها رسول الله - ﷺ - أن تتزوج (^١).\nوأما السكنى فإن زوج الفُرَيعة بنت مالك (^٢)\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه: ٤/ ١٤٦٦ المغازي باب فضل من شهد بدرًا، و٤/ ١٨٦٤ التفسير سورة الطلاق، و٥/ ٢٠٣٧ كتاب الطلاق باب وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن، ومسلم في صحيحه: ٢/ ١١٢٢ كتاب الطلاق حديث: ٥٦، ٥٧.\nوقد أخذ بحديث سبيعة الأسلمية جمهور أهل العلم، وهو الصحيح، قال أبو جعفر النحاس: ثم جاء التوقيف عن رسول الله - ﷺ - بأنها تحل إذا توفي زوجها وهي حامل ثم ولدت قبل انقضاء أربعة أشهر وعشرًا، وصح ذلك عنه.\nثم قال: وإذا قال رسول الله - ﷺ - شيئًا لم يلتفت إلى قول غيره. [الناسخ والمنسوخ: ٢/ ٧٦، ٧٧].\n[وانظر: الأم: ٥/ ٢٢٣، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٥٥٦، والاستذكار: ١٨/ ١٧٥، وتفسير القرطبي: ٣/ ١٧٥].\n(^٢) فريعة بنت مالك بن سنان الخدرية، أخت أبي سعيد الخدري، كان يقال لها: الفارعة، شهدت بيعة الرضوان، وأمها حبيبة بنت عبد الله بن أبي سلول.\n\n[الاستيعاب: ٤/ ٣٨٧، والإصابة: ٤/ ٣٨٦].","vol":"1","page":624},{"text":"- أخت أبي سعيد الخدري - قتله عبدٌ له، فسألت رسول الله - ﷺ - فقالت: إن زوجي قتل ولا منزل له بملكه، ولا نفقة ينفق علي، وأنا امرأة شاسعة الدار، فإن رأيت أن أتحول إلى أهلي وجيراني فعلت، قالت: فأذن لي، فلما كنت في الحجرة دعاني فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله، فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا، فلما كان في خلافة عثمان - ﵁ - كان ذلك في بعض أهله فسأل الناس هل علم أحد من رسول الله - ﷺ - في ذلك علمًا؟ فقال رجل من الأنصار: فريعة بنت مالك تحدث فيه بحديث، وهي حية، قال: فأرسل إليها وسألها عنه فحدثته به، فأخذ به. وقد روي من طرق كثيرة (^١)، وأفتى بذلك الصحابة والتابعون إلا من شذ عنه الخبر (^٢).\n_________\n(^١) رواه أبو داود في سننه: ٢/ ٢٩١ كتاب الطلاق باب في المتوفى عنها تنتقل، والترمذي في سننه باب ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها من أبواب الطلاق، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم لم يروا للمعتدة أن تنتقل من بيت زوجها حتى تنقضي عدتها، انظر تحفة الأحوذي: ٤/ ٣٩٠، والنسائي في سننه: ٦/ ٥١٠ كناب الطلاق باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تحل، وابن ماجة في سننه: ١/ ٣٧٥ باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها من أبواب الطلاق، ومالك في الموطأ: ٢/ ٤٦١ كتاب الطلاق حديث: ٨٧، وأحمد في مسنده: ٦/ ٣٧٠، ٤٢٠، والقاضي إسماعيل بن إسحاق في مسند حديث مالك: ٨٥، وابن حبان في صحيحه: ١٠/ ١٢٩، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٢٢٦ كتاب الطلاق، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد من الوجهين جميعًا ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي في سننه: ... ٧/ ٤٣٤ باب سكنى المتوفى عنها زوجها.\n(^٢) سبق ذكر من خالف في هذه المسألة ص: ٣٦٩.","vol":"1","page":625},{"text":"قال الله عز من قائل: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ (^١) الآية.\n\nذهب قوم إلى أن السر: الزنا (^٢)؛ لأن الغشيان في اللغة يسمى السر (^٣)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٣٥]\n(^٢) هذا يروى عن: جابر بن زيد، وأبي مجلز، والحسن، وإبراهيم، وقتادة، والضحاك، وعطاء، وهو ما رجحه ابن جرير الطبري. تفسير عبد الرزاق: ١/ ٩٥، ومصنفه: ٧/ ٥٦، وسنن سعيد بن منصور: ٣/ ٨٧٤، ومصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٥٢٩ في قوله: ولا تواعدوهن سرا، وتفسير الطبري: ٢/ ٥٢٢، والمستدرك: ٢/ ٤٤٠ كتاب التفسير سورة البقرة، وسنن البيهقي: ٧/ ١٧٩ باب التعريض بالخطبة كتاب النكاح.\n(^٣) لسان العرب: ٤/ ٣٥٨.\n\n* لوحة: ٥٦/ب.","vol":"1","page":626},{"text":"فلما * نهوا عن ذلك ذهبوا إلى أنه الزنا. وهو قول ليس له وجه؛ لأن ما قبله وبعده لا يدل عليه، والذين قالوا: لا يأخذ عليها ألا تنكح غيره (^١)، وذهبوا إلى أن ذلك معنى الآية وهو أشبه؛ لأن الغشيان يسمى السر، والنكاح اسم للغشيان فكأنه قال: لاتواعدوهن ... النكاح (^٢).\n_________\n(^١) يروى هذا عن: ابن عباس، وابن جبير، وعكرمة، والشعبي، والسدي، وقتادة، ومجاهد. انظر: ابن وهب في تفسير القرآن من جامعه ٢/ ٢٨، وعبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٩٥، ومصنفه: ٧/ ٥٥، وسعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٨٧٣، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٥٢٨ الموضع السابق، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٥٢٣، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٤٣٩، والبيهقي في سننه: ٧/ ١٧٩ الموضع السابق.\n(^٢) قال ابن حجر: قال قتادة قوله (سرا) أي لا تأخذ عهدها في عدتها أن لا تتزوج غيره، وأخرجه إسماعيل القاضي في الأحكام، وقال: هذا أحسن من قول من فسره بالزنا؛ لأن ما قبل الكلام وما بعده لا يدل عليه، ويجوز في اللغة أن يسمى الجماع سرًا فلذلك يجوز إطلاقه على العقد، ولا شك أن المواعدة على ذلك تزيد على التعريض المأذون فيه. ... [فتح الباري: ٩/ ٢٢٥].\nوهذا ما رجحه النحاس، والجصاص، وهو قول جمهور أهل العلم. [معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢٧٧، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٥٧٩، وأحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٢٨٨، وتفسير القرطبي: ٣/ ١٩٠].\nوهناك قول ثالث في معنى هذه الآية عن ابن عباس أنه قال: السر في هذا الموضع: النكاح، قال الفراء: أي ... لا يصفن أحدكم نفسه في عدتها بالرغبة في النكاح والإكثار منه. وهذا ما رجحه الزجاج، وهو قول الشافعي.\n[الأم: ٥/ ٣٧، معاني القرآن للفراء: ١/ ١٥٣، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ٣١٨].","vol":"1","page":627},{"text":"ومالك يقول: لا ينبغي له أن يواعدها النكاح ولا يصرح، ولكن يقول: إني فيك لراغب، ولعل الله يسوق إليك خيرًا (^١)، فهذه إباحة من الله ﵎ لهما ومنعًا من الموَاعِد لطول الأيام، وما يحدث الله ﷿ في القلوب من إخلاف الوعد، وذلك أن النبي - ﷺ - قال: من علامة المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان. (^٢)\nفقيل: لا تواعدوهن ولكن قولوا قولًا معروفًا، إن وفيتم به كان حسنًا، وإن عدلتم عنه لم يكن قبيحًا. وقد احتج من قال: إنه الزنا (^٣) بقول الحطيئة (^٤):\n_________\n(^١) النوادر والزيادات: ٤/ ٥٧٤، والمنتقى: ٣/ ٢٦٥، قال ابن العربي: والذي مال إليه مالك أن يقول: إني بك لمعجب، ولك محب، وفيك راغب. وهذا عندي أقوى التعريض وأقرب إلى التصريح. والذي أراه أن يقول لها: إن الله تعالى سائق إليك خيرًا، وأبشري، وأنت نافقة، فإن قال لها أكثر فهو إلى التصريح أقرب. ... أحكام القرآن: ١/ ٢٨٦.\n(^٢) رواه البخاري في صحيحه: ١/ ٢١ كتاب الإيمان باب علامة المنافق بلفظ: آية المنافق ثلاث، ومسلم في صحيحه: ١/ ٧٨ كتاب الإيمان حديث: ١٠٨ بلفظ: من علامات المنافق ثلاثة.\n(^٣) في الأصل: السر، والصواب ما أثبت.\n(^٤) الحطيئة: جرول بن أوس من بني قُطيعة بن عبس، لقب الحطيئة لقصره وقربه من الأرض، يكنى: أبا مليكة، مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، أسلم في عهد رسول الله - ﷺ - ثم ارتد، ثم أسر وعاد إلى الإسلام.\n[الشعر والشعراء: ١/ ٣٢٢، والإصابة: ١/ ٣٧٨].","vol":"1","page":628},{"text":"ويحرم سر جارتهم عليهم ... ويأكل جارهم أَنْف القصاع (^١)\nوهذا لا شك فيه أنه أراد الزنا، والغشيان كله سر: النكاح والزنا.\nوقال قيس بن الخطيم (^٢):\nومثلك قد أَصْبَيتُ ليست بكنة ... ولا جارة ولا حليلة صاحب (^٣)\nوقال أيضًا:\nومثلك قد أصيبت ليست بكنة ... ولا جارة أفضت إلي خبائها (^٤)\nوقال حاتم طي (^٥):\n_________\n(^١) أنف: أخذ الشيء من أوله، فأنف كل شيء طرفه وأوله. [مقاييس اللغة: ٧٦، ولسان العرب: ٩/ ١٣]، والبيت في ديوان الحطيئة: ٦٢، ومجاز القرآن: ١/ ٧٥، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ٣١٧، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٥٢٥، وابن عطية في تفسيره: ٢/ ٢٢٠.\n(^٢) قيس بن الخطيم بن عدي بن عمرو، من الأوس، يكنى: أبا يزيد، معدود من فحول شعراء المدينة الجاهليين، أقام على الشرك، وأسلمت امرأته، فكان يصدها عن الإسلام، فأخبر رسول الله - ﷺ - بذلك، فكلمه، فأعرض عنها. ... [طبقات فحول الشعراء: ١/ ٢٢٨، والأغاني: ٣/ ١].\n(^٣) أصبيت: فتنت وأملت، يقال: أصبى فلان عِرْس فلان إذا استمالها.\n[مقاييس اللغة: ٥٦٢، واللسان: ١٤/ ٤٥٠]\nوالكنة بالفتح: امرأة الابن أو الأخ. [اللسان: ١٣/ ٣٦٢]\nوالحليلة: حليلة المرء زوجته. [مقاييس اللغة: ٢٢٨]\nفالشاعر هنا يتمدح بفتنة النساء، وإمالتهن إلى اللهو والغزل، ويتنزه عن مثل ذلك بزوجة ابنه أو أخيه، أو جارته، أو زوجة صاحبه.\nالبيت في: ديوان قيس بن الخطيم: ٨٠، والكامل للمبرد: ٢/ ٨١٣، وطبقات فحول الشعراء: ١/ ٢٢٨، وجمهرة أشعار العرب: ٢/ ٦٤٧.\n(^٤) البيت في ديوانه: ٤٢ أفضت إلي حيائها، وفي الأغاني: ٣/ ٦ إلي خبائها.\n(^٥) حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج من طيء، كان جوادًا شاعرًا جيد الشعر، شاعر جاهلي، يكنى: أبا سفانة، والد الصحابي الجليل عدي بن حاتم. [الشعر والشعراء: ١/ ٢٤١، تاريخ دمشق: ١١/ ٣٥٧].","vol":"1","page":629},{"text":"وما تشتكيني جارتي غير أنني ... إذا غاب عنها بعلها لا أزورها\nسيبلغها خيري ويرجع بعلها ... إليها ولم ترخى علي ستورها (^١)\n* قال أبو عبيدة: كانوا يتكرمون عن الزنا بالجارة، والغشيان عندهم زنًا كان أو نكاحًا: سر، ويسميان به، فقد أباح الله التعريض ومنع من التصريح لما ذكرنا، والله أعلم (^٢).\nوقد قال الشافعي - ﵁ - محتجًا لإزالة الحد عن المعرض بالقذف بهذا التعريض المباح، فقال: لما كان التعريض هاهنا الذي ينوب عن التصريح يجوز، كان التعريض بالقذف مثله (^٣). فيلزمه أن يقول: إن التعريض بالقذف مباح، ولا يقول هذا قائل له دين (^٤).\n_________\n(^١) البيت في ديوانه: ٢٤٧، وأساس البلاغة: ٣٦٤، وتاريخ دمشق: ١١/ ٣٦٦، ٣٦٧، وفي بعض الروايات: ولم تقصر علي ستورها، قال الزمخشري في أساس البلاغة: قصر الستر: أرخاه.\n* لوحة: ٥٧/أ.\n(^٢) لم أقف عليه.\n(^٣) الأم: ٥/ ١٣٢.\n(^٤) ذكر كلام القاضي إسماعيل: الجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٥٧٦، وابن حجر في الفتح: ٩/ ٢٢٥.\n\nوقد أطال النفس في الإجابة عما ذكره القاضي إسماعيل من هذا الإلزام وغيره الجصاص في أحكام القرآن: ... ١/ ٥٧٦ - ٥٧٨","vol":"1","page":630},{"text":"والتعريض في النكاح يفهم به ما يراد بذلك، وإنما منع من التصريح لكي لا يقع اختلاف وزهد بعد الرغبة، فإذا كان ينوب عن التصريح، وكان القذف ينوب عن التصريح فيه التعريض، ويفهم السامعون ما أراد بذلك فقد صار قاذفًا، فكيف يجوز إسقاط الحد عنه؟ (^١) والتعريض أيضًا في النكاح إنما يكون من واحد، والتصريح لا يكون إلا من اثنين، يقول الرجل، وتجيب المرأة أو من يقوم مقامها، فلذلك نهوا عنه؛ لأنه يصدر كالعقد بالإباحة في العدة، فلما كان من واحد ولم يقع إجابة كان مباحًا، والله أعلم.\n\nقال الله ﵎: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٢) وقال عز من قائل: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (^٣)\nاختلف المفسرون في ذلك، فقال قائلون: المتعة في الحالين واجبة، فلكل مطلقة متعة (^٤)،\n_________\n(^١) انظر في مسألة: هل التعريض بالقذف يوجب حدًا أو لا؟ الأم: ٧/ ٢٥٥، أحكام القرآن للجصاص: ... ٣/ ٣٩٤، الاستذكار: ٢٤/ ١٢٦، المغني: ١٢/ ٣٩٢، وتفسير القرطبي: ١٢/ ١٧٣.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٣٦]\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٤١]\n(^٤) ممن يروى عنه أن المتعة لكل مطلقة: علي بن أبي طالب، والقاسم بن محمد، والحسن، وأبو العالية، وابن جبير، والضحاك، وأبو قلابة، والزهري. الموطأ: ٢/ ٤٤٩ كتاب الطلاق رقم: ٤٦، وتفسير عبد الرزاق: ١/ ٩٦، ومصنفه: ٧/ ٧٠، وسنن سعيد بن منصور تحقيق الأعظمي: ٢/ ٥، ومصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ١٤٥ من قال لكل مطلقة متعة، وتفسير الطبري: ٢/ ٥٣٢، والطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٣٦٦، وشرح مشكل الآثار: ٧/ ٥٧، وتفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٤٤٣، وسنن البيهقي: ٧/ ٢٥٧ باب المتعة كتاب الصداق.\n\nوبه قال أبو ثور، ورواية عن أحمد. انظر الإشراف لابن المنذر: ٤/ ٢٩٨، والمغني: ١٠/ ١٤٠.\nورجحه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٥٣٥، وابن تيمية في مجموع الفتاوى: ٣٢/ ٢٧.","vol":"1","page":631},{"text":"وقال آخرون: المتعة للتي طُلقت ولم يفرض لها ولم يدخل بها، والتي فرض لها حسبها نصف الصداق الذي سُمي لها (^١). وقال بعضهم: المتعة ليست بواجبة في الحالين، ويؤمر بها فيقال: متع إن * كنت من المتقين، متع إن كنت من المحسنين. وقول مالك - ﵁ -: إنه لا يحكم لها، ويؤمر بها فيقال له ويرغب: متع إن كنت من المحسنين، متع إن كنت من المتقين (^٢).\n_________\n(^١) وهذا يروى عن: ابن عمر، وابن عباس، وعطاء، والشعبي، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم، ومجاهد.\nانظر المراجع السابقة فيمن قال بأن لكل مطلقة متعة.\nوهو قول الثوري، والشافعي، والظاهر من مذهب أحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي.\nالأم: ٥/ ٦٩، والإشراف لابن المنذر: ٤/ ٢٩٨، أحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٣٧٠، والناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٩٥، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٥٨٤، والمغني: ١٠/ ١٤٠.\n* لوحة: ٥٧/ب.\n(^٢) هذا يروى عن شريح على اختلاف عنه. عبد الرزاق في مصنفه: ٧/ ٧٠، وسعيد بن منصور في سننه تحقيق الأعظمي: ٢/ ٦، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ١٤٤ ما قالوا في الرجل يطلق ولم يدخل يجبر على المتعة، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٥٣٤، والطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٣٦٨، والبيهقي في سننه: ٧/ ٢٥٧.\n\nوهذا مذهب مالك، والليث، وابن أبي ليلى، وأبي عبيد. المدونة: ٢/ ٢٣٨، وأحكام القرآن للطحاوي: ... ٢/ ٣٧٠ النوادر والزيادات: ٥/ ٢٨٩، والإيضاح لمكي: ١٨٧، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٠٠.","vol":"1","page":632},{"text":"وإنما قال ذلك لأن الله ﵎ قال: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (^١) وقال ﷿: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (^٢) وقال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٣) فهذه أمر، والأمر قد يكون على الإيجاب، وقد يكون على الندب، والأولى بألفاظ الإيجاب، لقوله ﷿: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾ (^٤)، والجماعة قد جعلت هذه أوجب من تلك (^٥)، وهذه مشروطة بالإحسان وتلك بالتقوى، والتقوى أوجب من الإيجاب، والشروط الواجبات إذا كانت لم يشترط فيها التقوى والإحسان (^٦)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٤١]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٣٧]\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٣٦]\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ٢٤١]\n(^٥) أي قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] حيث سبقت الإشارة إلى قول الجمهور بأن المتعة واجبة للتي طلقت ولم يدخل بها، وأما التي فرض لها فحسبها نصف الصداق الذي سمي لها.\n(^٦) أي: إذا اشترط فيها التقوى والإحسان فإنها تصرف من الوجوب إلى الندب ..","vol":"1","page":633},{"text":"قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (^١) فكان العدل من الفرض، والإحسان التفضل زيادة على العدل لمن رغب فيه، وإلا فالعدل لا يلزمهُ سواهُ، ولولا شرط التقوى والإحسان لكان الواجب الحكم بالاثنين جميعًا، إلا أن يقوم دليل بغير ذلك.\nفإن قيل فإن الله ﵎ قد قال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^٢)\n_________\n(^١) [سورة النحل: الآية ٩٠]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢]\n\n* لوحة: ٥٨/أ.","vol":"1","page":634},{"text":"قيل: إنما أريد بهذا أنه يهتدي به من اتقى الشرك، وليس بهدى للكافرين، فهذا عموم، فمن اتقى الشرك خصوا به دون غيرهم، كذلك قيل هي حق على المتقين من المسلمين خصوصًا *، قال الله ﷿: لا جناح عليكم يا مسلمين كلكم إن طلقتم النساء مالم تمسوهن، ثم وقع الخصوص على الصفة التي وصف، كما قال: كان القرآن هدى لمن وُصف دون غيرهم، فليس يجوز أن يحكم بالمتعة على أحد حتى يُحكم له بالتقوى والإحسان، وهما شيء بين العبد وبين ربه، فصار موكولًا إليهم، وكان على الإنسان فيما بينه وبين ربه ألا يجعل نفسه خارجًا عن التقوى والإحسان، فلذلك قيل: متع إن كنت من المتقين، متع إن كنت من المحسنين، ولم نر الله ﷿ شرط في حق وجب ليس على بشر إحسان ولا تقوى، بل أمر بالدفع والأخذ بالدفع (^١)، وهذا في القرآن يكثر ويطول شرحه، ونسأل الله التوفيق برحمته (^٢).\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولم أعرف معناها.\n(^٢) شنع ابن جرير على من احتج بأن المتعة ليست واجبة لقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ حيث قال: فإن ظن ذو غباء أن الله تعالى ذكره إذ قال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ و﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ أنها غير واجبة؛ لأنها لو كانت واجبة لكانت على المحسن وغير المحسن والمتقي وغير المتقي، فإن الله تعالى ذكره قد أمر جميع خلقه بأن يكونوا من المحسنين ومن المتقين، وما وجب من حق على أهل الإحسان والتقى فهو على غيرهم أوجب ولهم ألزم. تفسير الطبري: ٢/ ٥٣٦، وانظر نحو هذا الرد: الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٩٨، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٥٨٥، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٠٠، وأضواء البيان: ١/ ٢٨٢.","vol":"1","page":635},{"text":"وقد زعم قوم من المتأخرين: أن المتعة عوض من الصداق وبدل منه (^١)، فقد ينبغي لهم إذا كان الرجل يملك عشرة آلاف دينار فزُوج امرأة، صداق مثلها دينار، أن يحكموا عليه بنصف دينار أو ربع دينار، وأن تزوج مقتر بغنية صداق مثلها ألف دينار ولم يسم لها، أن يحكموا بالمتعة خمسمائة دينار ونحوها، فإن لم يفعلوا ذلك خالفوا ما أصلوا، وإن فعلوا خالفوا كتاب الله؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ (^٢) (^٣).\nوقد احتج قوم (^٤) بحديث بِرْوَعُ بنت وَاشق (^٥) في صداق المثل فيمن مات عنها ولم يسم\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٥٨٦.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٣٦]\n(^٣) أورد نحو هذا الاعتراض الجصاص وأجاب عنه، أحكام القرآن: ١/ ٥٨٧.\n(^٤) إلى هذا ذهب ابن مسعود، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي، والصحيح من مذهب أحمد. الحجة: ٣/ ٣٢٦، مختصر اختلاف العلماء: ٢/ ٢٨٦، المغني: ١٠/ ١٤٩، تفسير القرطبي: ٣/ ١٩٨.\n(^٥) بِرْوَع بنت وَاشق الرؤاسية الكلابية أو الأشجعية، زوج هلال بن مرة.\n[الاستيعاب: ٤/ ٢٥٥، الإصابة: ٤/ ٢٥١].\nقال النووي: بباء موحدة مكسورة، ثم راء مهملة ساكنة، ثم واو مفتوحة، ثم عين مهملة. ثم نقل عن أهل اللغة أن أهل الحديث يقولون بكسر الباء، والصواب فتحها. [تهذيب الأسماء: ١/ ٣٣٢].","vol":"1","page":636},{"text":"لها صداقًا (^١). وهذا حديث غير صحيح ولا مقبول، أيتوهم متوهم أن قومًا عندهم قضية من رسول الله - ﷺ - وهم يترددون شهرًا إلى ابن مسعود، حتى يقول: أقول فيها برأيي * فإن يك صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ﵎ ورسوله - ﷺ - منه بريئان. هذا ما يتوهمه ذو لب (^٢).\n_________\n(^١) رواه أبو داود في سننه: ٢/ ٢٣٧ باب فيمن تزوج ولم يسم صداقًا حتى مات، كتاب النكاح، والترمذي في سننه باب ما جاء في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يفرض لها من أبواب النكاح، وقال: حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح، وقد روي عنه من غير وجه، والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم، انظر تحفة الأحوذي: ٤/ ٢٩٩، ورواه النسائي في سننه: ٦/ ٤٣٠ باب إباحة التزويج بغير صداق من كتاب النكاح، وابن ماجة في سننه: ١/ ٣٤٨ باب الرجل يتزوج ولا يفرض لها فيموت على ذلك من أبواب النكاح، وأحمد في مسنده: ١/ ٤٤٧، ٣/ ٤٨٠، ٤/ ٢٧٩، ٢٨٠، والدارمي في سننه: ٢/ ٢٠٧ باب الرجل يتزوج المرأة فيموت فبل أن يفرض لها، وابن حبان في صحيحه: ٩/ ٤٠٩، والحاكم في المستدرك: ٢/ ١٩٦ كتاب النكاح، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والبيهقي في سننه: ٧/ ٢٤٥ باب أحد الزوجين يموت ولم يفرض لها صداقًا ولم يدخل بها كتاب الصداق.\n* لوحة: ٥٨/ب.\n(^٢) فيما ذكر المؤلف هنا من تضعيفه لهذا الحديث نظر، فقد صححه جمع من أهل العلم منهم: الترمذي، وابن حبان، والحاكم كما سبق، وممن صححه أيضًا: ابن مهدي، وابن حزم، والبيهقي، والنووي، والمباركفوري، وغيرهم. سنن البيهقي: ٧/ ٢٤٦، روضة الطالبين: ٧/ ٢٨٢، تلخيص الحبير: ٣/ ١٩١، تحفة الأحوذي: ... ٤/ ٣٠٠.\nومن ضعف هذا الحديث فقد ضعفه بالاضطراب، قال الشافعي: ولم أحفظه بعد من وجه يثبت مثله، وهو مرة يقال عن معقل بن يسار، ومرة عن معقل بن سنان، ومرة عن بعض أشجع لا يسمى. [الأم: ٥/ ٦٨].\nوقد أجاب عن هذا البيهقي حيث قال: هذا الاختلاف في تسمية من روى قصة بروع بنت واشق عن النبي - ﷺ - لا يوهن الحديث، فإن جميع هذه الروايات أسانيدها صحاح، وفي بعضها ما دل على أن جماعة من أشجع شهدوا بذلك، فكأن بعض الرواة سمى منهم واحدًا وبعضهم سمى اثنين وبعضهم أطلق ولم يسم، ومثله لا يرد الحديث، ولولا ثقة من رواه عن - ﷺ - لما كان لفرح عبد الله بن مسعود بروايته معنى والله أعلم. [سنن البيهقي: ٧/ ٢٤٦].\nوقال ابن العربي: وتعلق علماؤنا في الدليل بوجوه ضعيفة، وأقوى ما في المسألة التعلق بأنه ما تأخذ بالطلاق نصفه فلا تأخذ بالموت جميعه، وقد بيناه في مسائل الخلاف، وإذا صح الحديث فلا ينبغي أن يعدل عنه والله أعلم. =","vol":"1","page":637},{"text":"وقد قال علي (^١)، وابن عمر (^٢)، وزيد بن ثابت (^٣) (^٤) في هذا، والشعبي (^٥)، وعطاء (^٦)، وعمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار (^٧)، وابن شهاب (^٨): لها الميراث ولا صداق لها. وهذا هو الصحيح وما يوجبه النظر؛ لأن الموت لا يحدث دَينًا لم يكن ثابتًا قبل الموت، ما كان عليه صداق، وإنما أمر بالمتعة (^٩)،\n_________\n= فإن قيل: فقد قال الراوي: وقع هذا الحديث بالمدينة فلم يعرفه أحد، وقال الدارقطني: اختلف فيه فروي عن يسار، وروي معقل بن يسار، وروي ناس من أشجع، وروي أن عليًا قال: لا نقبل معقل بن سنان أعرابي مول على عقبه، وروي عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما خلافه بعد ما سمعوه، فالجواب:\nأن جهل أهل المدينة به لا يضر، فلكل بلدة زمرة من أصحاب النبي - ﷺ - بلغت ما كان عندها، فوعاها أهلها، فقال: هذه سنة تفرد بها أهل المدينة، هذه سنة تفرد بها أهل الكوفة، هذه سنة تفرد بها أهل البصرة.\nوأما الاختلاف في رواية ما لا يضر بعد معرفة عينه، وأن الصحابة الأحبار الكبار قد اختلف في أسمائهم كأبي ذر وأبي هريرة وغيرهما فلم يقدح ذلك في روايتهم. وأما الذي روي عن علي فلم يصح، ولو كان صحيحًا ما أثر فيه؛ لأن الرواة قد ذكروا عن عمر أنه رد حديث فاطمة بنت قيس وهو مشهور. [عارضة الأحوذي: ٥/ ٨٥].\n(^١) رواه عبد الرزاق في مصنفه: ٦/ ٢٩٣، وسعيد بن منصور في سننه تحقيق الأعظمي: ١/ ٢٣١، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٥٥٠ في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها ولم يفرض لها، والبهقي في سننه: ٧/ ٢٤٧ باب من قال لا صداق لها.\n(^٢) رواه مالك في الموطأ: ٢/ ٤١٧ النكاح رقم: ١٠، وعبد الرزاق في مصنفه: ٦/ ٢٩٢، وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي في المواضع السابق.\n(^٣) زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد الأنصاري الخزرجي، أبو سعيد، وقيل: أبو ثابت، يقال: إنه شهد أحدًا، وقيل: بل أول مشاهده الخندق، أحد كتبة الوحي للنبي - ﷺ -، جمع القرآن في عهد أبي بكر وعثمان، أحد فقهاء الصحابة الجلة الفرَّاض. مات سنة ٤٥ هـ، وقيل غير ذلك. [الاستيعاب: ١/ ٥٥١، الإصابة: ١/ ٥٦١].\n(^٤) انظر تخريج أثر ابن عمر.\n(^٥) مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٥٥٠.\n(^٦) مصنف عبد الرزاق: ٦/ ٢٩٣، ومصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٥٥٠، وسنن البيهقي: ٧/ ٢٤٧.\n(^٧) ذكره عنهما الباجي في المنتقى: ٣/ ٢٨٢.\n(^٨) مصنف عبد الرزاق: ٦/ ٢٩٢، وذكره ابن قدامة: ١٠/ ١٤٩.\n(^٩) قال ابن عبد البر: قال مالك، والأوزاعي، والليث، والشافعي في رواية المزني لا مهر لها ولا متعة ولها الميراث وعليها العدة.\n[الاستذكار: ١٦/ ١٠٨، وانظر المدونة: ٢/ ١٦٤، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٧١٥، تفسير القرطبي: ٣/ ١٩٨]","vol":"1","page":638},{"text":"على أن الشافعي في ذلك يخالف العراقيين، ويوافقهم في المتعة (^١)، فأتى بقول بين القولين (^٢)، لا وجه له؛ لأن الميراث لو كان عوضًا من المتعة لما ورثت المرأة زوجها إذا سمّى لها صداقًا ودخل بها أو لم يدخل؛ لأنه لو كان طلق لم يحكم عليه الشافعي بالمتعة، وينبغي إذا ماتت المرأة ألا يرثها زوجها، وإنما جعل الله ﵎ الميراث بين الأزواج كما جعله بين ذوي الأرحام. ثم زعم الشافعي: أنه يحكم بالمتعة دينًا من الديون (^٣). فكيف يكون العوض من الدين لا يحكم به إلا بعد الدين؟ إذ جعل الميراث عوضًا من المتعة، وهو لا يُحكم به إلا بعد الدين، إذ قال الله ﵎: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (^٤) وإنما غلط هؤلاء القوم لما تركوا القرآن وعدلوا إلى القياس، ولو تدبروا القرآن لكُفينا التعب معهم، والكلام عليهم في هذه المسألة من وجوه كثيرة، ولا وجه للإطالة بها، وبالله التوفيق. *\nقال الله ﷿: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (^٥)\n_________\n(^١) اختلفت الرواية عن الشافعي في هذه المسألة، فحكي عنه قولان: الأول: لا يجب لها مهر، والثاني: يجب لها المهر. [المهذب: ٢/ ٦١].\nوقال النووي: قيل: إن ثبت وجب - أي حديث بروع بنت واشق -، وإلا فلا، وهو ظاهر لفظ المختصر، وقيل: قولن، وهو الأصح، ثم قال: قلت: الراجح ترجيح الوجوب.\n[روضة الطالبين: ٧/ ٢٨١، ٢٨٢].\n(^٢) أي: عدم إعطاءها صداق المثل، والقول بوجوب المتعة لو طلقت قبل الفرض والمسيس.\n(^٣) لم أقف عليه.\n(^٤) [سورة النساء: الآية ١٢]\n* لوحة: ٥٩/أ.\n(^٥) [سورة البقرة: الآية ٢٣٧]","vol":"1","page":639},{"text":"روى عيسى بن عاصم (^١) عن شريح (^٢) عن علي: أنه الزوج. قال عيسى: وقال شريح: هو الولي (^٣).\nوروى عمار بن أبي عمار (^٤)\n_________\n(^١) عيسى بن عاصم الأسدي الكوفي، عن: زر، وشريح، وعنه: معاوية بن صالح، وثور. ثقة.\n[الكاشف: ٢/ ١١٠، والتقريب: ٧٦٨].\n(^٢) شريح بن الحارث بن قيس النخعي، أبو أمية الكوفي القاضي، أدرك النبي - ﷺ - ولم يلقه على الصحيح، روى عن: علي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب وغيرهم، وعنه: إبراهيم النخعي، وعيس بن عاصم. مخضرم ثقة، مات سنة: ٧٨ هـ وقيل: بعد الثمانين.\n[تهذيب الكمال: ١٢/ ٤٣٥، والتقريب: ٤٣٤].\n(^٣) روى ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٥٤٥ عن عيس بن عاصم الأسدي أن عليًا سأل شريحًا عن الذي بيده عقدة النكاح، فقال: هو الولي، فقال علي: لا ولكنه الزوج.\nورواه ابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٤٤٥، والنحاس في معاني القرآن: ١/ ٢٣٣، والدارقطني في سننه: ٣/ ٢٧٨ كتاب المهر حديث: ١٢٣، وابن حزم في المحلى: ٩/ ٥١١، ٥١٢، والبيهقي في سننه: ٧/ ٢٥١ باب من قال الذي بيده عقدة النكاح الزوج كتاب الصداق.\n(^٤) عمار بن أبي عمار مولى بني هاشم، أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الله، عن: أبي هريرة، وابن عباس، وعنه: حميد، وشعبة، اختلف فيه فوثقه أحمد وأبو داود، وقال أبو زرعة وأبوحاتم: ثقة لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن حجر: صدوق ربما أخطأ.\n[الكاشف: ٢/ ٥١، وتهذيب التهذيب: ٧/ ٣٤١، والتقريب: ٧٠٩].","vol":"1","page":640},{"text":"عن ابن عباس - ﵁ -: أنه الزوج (^١)، وقال شريح مثل ... ذلك (^٢).\n\nقال القاضي: فأما عيسى بن عاصم فليس بشيء، ولا يثبت بمثله رواية؛ لأنه شيخ ضعيف، وكذلك عمار بن أبي عمار (^٣)، ولكن قد روي عن جماعة من التابعين: أنه الزوج (^٤).\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٥٣٩ في قوله تعالى: أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٥٤٦، والبيهقي في سننه: ٧/ ٢٥١ الموضع السابق.\n(^٢) روي عن شريح أنه قال الذي بيده عقدة النكاح: الزوج، رواه عبد الرزاق في مصنفه: ٦/ ٢٨٤، وسعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٨٨٣، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٥٣٩ الموضع السابق، وابن جرير في تفسيره: ... ٢/ ٥٤٦، والبيهقي في سننه: ٧/ ٢٥١ الموضع السابق.\n(^٣) قلت: فيما ذكر المؤلف هنا نظر، فإن عيسى بن عاصم الأسدي ثقة، وكذلك عمار بن أبي عمار وثقه غير واحد من أهل العلم. [تهذيب التهذيب: ٧/ ٣٤١، ٨/ ١٨٧].\n(^٤) ممن روي عنه أنه الزوج: سعيد بن المسيب، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وطاوس، والشعبي، ونافع مولى ابن عمر، والربيع، والضحاك، ومحمد بن كعب. مصنف عبد الرزاق: ٦/ ٢٨٤، مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٥٣٨، وتفسير الطبري: ٢/ ٥٤٧، وسنن البيهقي: ٧/ ٢٥١، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٨٩.\nوهو الجديد من مذهب الشافعي، وقول أبي حنيفة وأصحابه، والثوري، وابن شبرمة، والأوزاعي، والظاهر من مذهب أحمد، ورجحه ابن جرير، والشوكاني، وابن سعدي، وابن عثيمين.\nتفسير الطبري: ٢/ ٥٤٩، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٦٠٠، المغني: ١٠/ ١٦٠، روضة الطالبين: ٧/ ٣١٤، تفسير ابن كثير: ١/ ٢٨٩، فتح القدير: ١/ ٢٧٩، تيسير الكريم الرحمن: ٨٧، وتفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٧٢.\n\nويكون معنى الآية على هذا: أو يعفو الذي بيده نكاح المرأة فيعطيها الصداق كاملًا.","vol":"1","page":641},{"text":"وقال عمر (^١)، وكم شاء الله من التابعين: إنه الولي (^٢).\nوقال مالك - ﵁ -: هو الأب في ابنته البكر، والسيد في أمته (^٣).\n_________\n(^١) لم أقف عليه.\n(^٢) ممن روي عنه أنه الولي من الصحابة: ابن عباس، ومن التابعين: علقمة، والحسن، وإبراهيم، والشعبي، وعطاء، والزهري، وعكرمة، وكيسان، وابنه طاوس.\nمصنف عبد الرزاق: ٦/ ٢٨٣، وسنن سعيد بن منصور: ٣/ ٨٨٥، ومصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٥٤٠ من قال الذي بيده عقدة النكاح الولي، وتفسير الطبري: ٢/ ٥٤٢، وسنن البيهقي: ٧/ ٥٥٢ باب من قال الذي بيده عقدة النكاح الولي.\nوهو قول الشافعي القديم، ورواية عن أحمد، ورجحه النحاس، وابن تيمية. معاني القرآن: ١/ ٢٣٥، المغني: ١٠/ ١٦٠، روضة الطالبين: ٧/ ٣١٤، مجموع الفتاوى: ٣٢/ ٢٦، تفسير ابن كثير: ١/ ٢٨٩.\nفيكون معنى الآية: أو يترك الذي يلي على المرأة عقد نكاحها من أوليائها للزوج النصف الذي وجب للمطلقة عليه قبل مسيسه.\n(^٣) الموطأ: ٢/ ٤١٧ كتاب النكاح، المدونة: ٢/ ١٠٤، النوادر والزيادات: ٤/ ٤٩٧، الإشراف للقاضي ... عبد الوهاب: ٢/ ٧١٨، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٢٩٦.\n\nوقد روي نحو هذا عن زيد بن أسلم، وربيعة، ذُكر عنهما في المدونة: ٢/ ١٠٤، ورواه ابن حزم في المحلى: ... ٩/ ٥١٣.","vol":"1","page":642},{"text":"فإذا اختلف في تأويل آية وجب النظر، فرأينا الله ﷿ قال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (^١) فكانت المخاطبة للأزواج، لا يقدر أحد أن يدعي خلافًا لذلك في تأويل ولا معقول، ثم قال: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (^٢) وهذه مخاطبة للأزواج، ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (^٣) وهن النساء البوالغ اللواتي أَمْرُهن إليهن، لا ولاية عليهن: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (^٤) فهو الولي الذي يجوزله العقد شاءت أم أبت، وليس يجوز أن يعنى بذلك الزوج؛ لأن كلام الله إيجاز واختصار، فلو عنى الزوج لقيل إذ كانت المخاطبة له: (أو تعفون يا رجال) أولى بأن يقال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (^٥) فترك الخطاب بما هو معقول بالمواجهة، ويخاطب بما يشكل ويقع فيه التأويلات، ويكثر فيه الاختلاف *، ومع ذلك فالعفو كيف يكون من الزوج وهو المخاطب بدفع النصف؟ وإنما يعفو الإنسان عما وجب له، وإذا دفع الزوج الصداق كله كان واهبًا لا يقال له عافي، إنما يقال للعافي: التارك لما وجب له، فأما من ابتدأ هبة فلا يقال له عافي (^٦)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٣٧]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٣٧]\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٣٧]\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ٢٣٧]\n(^٥) [سورة البقرة: الآية ٢٣٧]\n* لوحة: ٥٩/ب.\n(^٦) ذكر شيئًا من هذه الحجج النحاس في معاني القرآن: ١/ ٢٣٥، والقاضي عبد الوهاب في الإشراف: ٢/ ٧١٨، وابن العربي في أحكامه: ١/ ٢٩٤، والقرطبي في تفسيره: ٣/ ٢٠٧.\nوقد ذكر ابن جرير في تفسيره: بعض هذه الحجج وأجاب عنها: ٢/ ٥٤٩، وكذلك الجصاص في أحكامه: ... ١/ ٦٠١، والشوكاني في فتح القدير: ١/ ٢٧٩.","vol":"1","page":643},{"text":"ولما كانت المرأة بلا اختلاف عند ذوي الرأي أحظى بالرجل من الرجل بالمرأة، وأكثر انتفاعًا أمرت بذلك، وأمر الولي بمثله؛ لأنا لو وكلنا إلى رأينا وما تنتجه عقولنا لكانت المرأة تصدق الرجل أولًا، لكن الله ﷿ برحمته بهن وبضعفهن ما جعل لهن الصداق (^١)، فسماه هبة في موضع فقال عز من قائل: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (^٢) فكانت النحلة لهن من الله ﷿ في أموالنا، كما يوجب في أموالنا ما يشاء من زكاة وغيرها، حتى دية الخطأ جعلها في أموال العاقلة (^٣)، ثم سمى الصداق في مواضع كثيرة فريضة (^٤)، يعني فريضة عليكم، وله جل وعز أن يفرض في أموالنا ما يشاء؛ إذ كنا وأموالنا له، فلما كانت المرأة بهذه المنزلة أمرت بالعفو به، وحضت عليه بقوله عز من قائل: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (^٥)\n_________\n(^١) كذا في الأصل، والصواب: جعل لهن الصداق\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٤]\n(^٣) قضى رسول الله - ﷺ - بالدية على العاقلة. سبق تخريجه ص: ٢٧٦.\n(^٤) قال تعالى: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] وقال تعالى: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقال: ﴿فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤].\n(^٥) [سورة البقرة: الآية ٢٣٧]\n* لوحة: ٦٠/أ.","vol":"1","page":644},{"text":"والمعنى في حضها على ذلك نظرًا لها، إذ لم ينل منها شيئًا، ليعلم أنها لم ترغب في مال تأخذه، وإنما رغبتها في الكفاءة والدين، ليرغب الناس فيها ويكثر خطابها من أهل الفضل، ولا يكون ما وقع بها من الطلاق موقعًا في قلوب الناس شيئًا من الزوج المطلق، يوجب الزهد فيها، ولما كانت الصغيرة والبكر التي يلي أمرها أبوها، وعُقد عليها بغير أمرها لقوة ولايته عليها، ووجوب * نفقتها عليه إلى أن يدخل بها زوجها، وكانت ممن تولى عليها لهذه الأشياء التي قدمنا ذكرها، وكان الحياء يمنعها من أن تقول زوجوني، وقال النبي - ﷺ -: والبكر تستأذن وإذنها صماتها (^١). جعل للأب المتولي للعفو عنها والمختار لها من الأفعال ما يرغب الناس فيها وهي في مصاهرته (^٢)، ليعلم أنه ليس يتاجر بولده ولا يبيعها، وإنما بغيته من الرجال وضع ابنته حيث ترضى، وكذلك جعل السيد في أمته العافي عما أوجب لها؛ لأن السيد له أن ينتزع ما استحقته من الصداق منها إذا قبضته، وإذا عفا عنه فإنما يعفو عن مال له أخذه.\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه: ٥/ ١٩٧٤ النكاح باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها، و... ٦/ ٢٥٥٦ كتاب الحيل باب في النكاح، ومسلم في صحيحه: ٢/ ١٠٣٧ كتاب النكاح، حديث: ٦٦.\n(^٢) لعل الصواب: وفي مصاهرته.","vol":"1","page":645},{"text":"فأما من قال: إنه الزوج، فأي شئ في يد الزوج من النكاح؟ إنما الذي في يد الزوج أن يعقد على نفسه وإنما قصد بالآية إلى من بيده عقدة نكاح المرأة وهو الولي، على أن ليس كل أب له أن يعفو، فقد يكون الأب سفيهًا فلا يجوز عفوه، وإنما يجوز ذلك لأهل السداد والروية ممن يجوز له أن يحكم عليها في نفسها، فإذا جاز حكمه في نفسها كان في مالها أولى، ألا تراه يجوز له أن يضحي عنها من مالها، ويخرج زكاة الفطر عنها من مالها، ويخرج زكاة مالها من غير أمرها فيحسن لها في ذلك النظر ويورثها ثوابًا (^١)، وله عندنا أن يتصدق عنها باليسير من مالها نظرًا لها ما لم يك ذلك فادحًا في ملكها (^٢)؛ لأن صلاحها صلاحه وصلاحه لها، قال الله ﷿ حاكيًا عن نبيه (^٣): ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ (^٤)\n_________\n(^١) المدونة: ١/ ٣٠٨، ٣٨٩، النوادر والزيادات: ٢/ ١٣٦.\n(^٢) لم أقف عليه.\n(^٣) كذا في الأصل، والذي يظهر من سياق الآية أنها عامة، وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق - ﵁ -، وقيل: نزلت في سعد بن أبي وقاص - ﵁ -، وقيل: نزلت على العموم. [جامع البيان: ٢٦/ ١٧، النكت والعيون: ٥/ ٢٧٨، زاد المسير: ٧/ ٣٧٧، الجامع لأحكام القرآن: ١٦/ ١٩٣].\n(^٤) [سورة الأحقاف: الآية ١٥]\n\nلوحة: ٦٠/ب.","vol":"1","page":646},{"text":"فإن قيل: فقد أجزتم للوصي أن يُخرج عن اليتيم صدقة * الفطر والأضحية (^١)، ولم تجيزوا له إسقاط المهر. قيل: لأن صدقة الفطر والأضحية مأمور بهما غير موكلين إلى رأي واجتهاد، وإسقاط الصداق موكول إلى الاجتهاد إن رأى إسقاطه أسقطه، وإن لم ير صلاحًا لم تسقطه هذه الجهة. جاز للأب في الصغيرة والبكر التي يلي عليها فيثبت ذلك عليها، ولا يكون لها فيه خيار، فإذا جاز ذلك له في النفس كان في المال أجوز، ولما قيل: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (^٢) علم أنه شئ بيده في ذلك الوقت، فكيف يكون بيد الزوج وقد بانت منه؟ وهل يجوز أن يقال للذي بيده أن يطلق بعد أن يطلق: بيده عقدة النكاح؟ وإنما الذي بيده عقدة النكاح الذي بيده أن يعقد النكاح، قال الله ﷿: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (^٣) وأما أن يقال للذي بيده أن يطلق وقد طلق إن بيده عقدة النكاح. هذا مالا يجوز، وإذا كان في يده أن يزوج نفسه فأي علة توجب أن يكون بيده عقدة نكاحها؟ قال ابن عباس - ﵁ -: العفو وأمر به (^٤) فإن عفت فكما عفت، وإن عفى وليها جاز عفوه (^٥).\n_________\n(^١) المدونة: ١/ ٣٩١، النوادر والزيادات: ٢/ ٣٠٥، ٤/ ٣١٢.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٣٧]\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٣٥]\n(^٤) كذا في الأصل، والصواب كما في الرواية عنه: رضي الله بالعفو، وفي بعض الروايات: أذن الله في العفو وأمر به.\n(^٥) سبق تخريجه ضمن قول من قال إن الذي بيده عقدة النكاح الولي ص: ٣٨٢.\n* لوحة: ٦١/أ.","vol":"1","page":647},{"text":"ويجعل ابن عباس العفو من جهة واحدة، ولم يجعله من جهة وضدها، وإنما أُتي مخالفونا من أنهم نزلوا الآية على ما في قلوبهم دون معرفة الخطاب فيها، فجعلوا الصداق كله واجبًا بالعقد، وجعلوا الطلاق يسقط نصفه، فخالفوا الآية بتقدير أخطئوا فيه؛ لأن الصداق يجب كله باجتماع شيئين * إما بالعقد والدخول، وإما بالعقد والوفاة، وجب نصفه بالعقد والطلاق قبل الدخول (^١).\nوأما قوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (^٢) فجمع فيه من يجوز له العفو من الرجال والنساء، فلما جُمعوا حُملوا على التذكير، ذلك دليل على أن العفو من جهة واحدة، والله أعلم (^٣).\n\nقال الله ﷿: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (^٤)\n_________\n(^١) قال ابن قدامة: المرأة تملك الصداق بالعقد، وهذا قول عامة أهل العلم؛ إلا أنه حكي عن مالك أنها لا تملك إلا نصفه، وروي عن أحمد ما يدل على ذلك.\n[المغني: ١٠/ ١٢١، وانظر الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٧١٤، المهذب: ٢/ ٥٨، الاستذكار: ١٦/ ٧٨].\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٣٧]\n(^٣) في المخاطب بالعفو هنا قولان: الأول: قيل: إن المخاطب به الرجال والنساء فغلب الذكور، وقيل: بل المخاطب بذلك أزواج المطلقات، قال النحاس بعد ذكره لقول ابن عباس بأن المخاطب الرجال والنساء، قال: وهو حسن؛ لأنه لم يقل وأن تعفون فيكون للنساء، وأن يعفو فيكون للذي بيده عقدة النكاح.\nتفسير ابن جرير: ٢/ ٥٥١، ومعاني القرآن: ١/ ٢٣٦، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٠٨.\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ٢٣٨]","vol":"1","page":648},{"text":"اختلف في تفسير هذه الآية، فقال علي بن أبي طالب - ﵁ -: صلاة العصر (^١)، وذكر عنه في بعض الروايات أن النبي - ﷺ - قاله (^٢).\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق في مصنفه: ١/ ٥٧٧، وسعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٩٠١، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٢/ ٢٤٦ في قوله حافظوا على الصلوات، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٥٥٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ١/ ١٧٥، وابن حزم في المحلى: ٤/ ٢٥٩.\n(^٢) روى البخاري في صحيحه: ٣/ ١٠٧٢ كتاب الجهاد باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة من طريق عبيدة عن علي قال: لما كان يوم الأحزاب قال: قال رسول الله - ﷺ - ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا، شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس، و٤/ ١٥٠٩ المغازي باب غزوة الخندق، و٤/ ١٦٤٨ التفسير سورة البقرة، و٥/ ٢٣٤٩ الدعوات باب الدعاء على المشركين، ورواه مسلم في صحيحه من طريق عبيدة: ١/ ٤٣٦ كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث: ٢٠٢، ٢٠٣، ومن طريق عيسى بن الجزار عن علي رواه مسلم في صحيحه: ١/ ٤٣٧ حديث: ٢٠٤، ومن طريق شتير بن شكل عن علي قال: قال رسول الله - ﷺ - يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا. رواه مسلم في صحيحه: ١/ ٤٣٧ حديث: ٢٠٥، وقد رواه من طريق القاضي إسماعيل عن زر بن حبيش قلت: لعبيدة سل عليًا عن الصلاة الوسطى، فسأله، فقال: كنا نراها صلاة الفجر حتى سمعت رسول الله - ﷺ - يقول يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قلوبهم وأجوافهم وبيوتهم نارًا. ابن حزم في المحلى: ٤/ ٢٥٢، وذكره ابن عبد البر في التمهيد: ... ٤/ ٢٨٨، وانظر المراجع السابقة في تخريج الأثر الموقوف عن علي فقد ذكروا طرق رفع هذا الحديث.","vol":"1","page":649},{"text":"ورواه مُرة (^١) عن عبد الله (^٢). ورواه الحسن عن سمرة (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) مُرة بن شراحيل الهمداني، يقال له: مرة الطيب، أبو إسماعيل الكوفي، عن: ابن مسعود، وعمر، وعنه: عمرو بن مرة، وطلحة بن مصرف، ثقة عابد، مات سنة ٧٦ هـ. [الكاشف: ٢/ ٢٥٣، التقريب: ٩٣٠].\n(^٢) رواه مسلم في صحيحه: ١/ ٤٣٧ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث: ٢٠٦ من طريق مرة عن ... عبد الله بن مسعود مرفوعًا نحو حديث شتير عن علي.\n(^٣) سمرة بن جندب بن هلال الفزاري، حليف الأنصار، عنه: ابناه سعد وسليمان، والحسن البصري، صحابي مشهور، ولي البصرة، ومات بها سنة ٥٨ هـ. [الكاشف: ١/ ٤٦٦، التقريب: ٤١٦].\n(^٤) عن الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي - ﷺ - أنه قال: صلاة الوسطى صلاة العصر، رواه الترمذي في سننه باب ما جاء في صلاة الوسطى أنها العصر من أبواب الصلاة تحفة الأحوذي: ١/ ٥٣٥، وقال: قال علي بن عبد الله؟ يقصد المديني؟ حديث الحسن عن سمرة بن جندب حديث صحيح، وقد سمع منه، ثم قال الترمذي: حديث سمرة في صلاة الوسطى حديث حسن، ورواه الترمذي أيضًا في أبواب تفسير القرآن عن رسول الله - ﷺ - من سورة القرة، وقال: هذا حديث حسن صحيح تحفة الأحوذي: ٨/ ٣٢٨، والإمام أحمد في مسنده: ٥/ ٧، ٢٢، وابن أبي شيية في مصنفه: ٢/ ٢٤٧، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٥٥٧، ٥٦٠، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ١/ ١٧٤، والبيهقي في سننه: ١/ ٤٦٠ باب من قال هي صلاة العصر.","vol":"1","page":650},{"text":"وروى القاسم (^١) عن عائشة (^٢)، وأبو أيوب (^٣) عنها (^٤). وأبو هريرة (^٥)،\n_________\n(^١) القاسم بن محمد التيمي ثقة، تقدم.\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٢/ ٢٤٦، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٥٥٥، وذكره ابن حزم معلقًا في المحلى: ٤/ ٢٥٦.\n(^٣) أبو أيوب المراغي الأزدي العتكي، اسمه: يحيى بن مالك، ويقال: حبيب بن مالك، عن: سمرة بن جندب، وعبد الله بن عباس، ولم أقف على من ذكر أنه روى عن عائشة، وعنه: ثابت البناني، وقتادة بن دعامة، ثقة، مات قبل المائة وبعد الثمانين.\n[تهذيب الكمال: ٣٣/ ٦٠، والتقريب: ١١١١].\n(^٤) رواه من طريق قتادة عن أبي أيوب عن عائشة ابن أبي شيبة في مصنفه: ٢/ ٢٤٧، وابن جرير في تفسيره: ... ٢/ ٥٥٦، وابن حزم في المحلى: ٤/ ٢٥٩ وسماه يحيى بن يزيد المراغي، قال الشيخ أحمد شاكر: أبو أيوب يحيى بن مالك المراغي العتكي الأزدي، وأخطأ ابن حزم في المحلى فذكر أن اسم أبي أيوب يحيى بن يزيد تفسير الطبري بتحقيقه: ٥/ ١٧٧.\n(^٥) روي عن أبي هريرة موقوفًا، رواه عبد الرزاق في مصنفه: ١/ ٥٧٧، وسعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٩٠٣، ٩٠٨، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٢/ ٢٤٧، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٥٥٤، وابن حزم معلقًا في المحلى: ... ٤/ ٢٥٨، والبيهقي في سننه: ١/ ٤٦٠.\nوقد روي مرفوعًا من طريقه، رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٥٥٩، وابن خزيمة في صحيحه: ٢/ ٢٩٠، والطحاوي في شرح معاني الاثار: ١/ ١٧٤، والبيهقي في سننه: ١/ ٤٦٠.\n\nوفي ثبوته مرفوعًا نظر، قال البيهقي بعد ذكره لهذه الرواية قال: كذا روي بهذا الإسناد، خالفه غيره فرواه عن التيمي موقوفًا على أبي هريرة. سنن البيهقي: ١/ ٤٦٠.","vol":"1","page":651},{"text":"ثم عن جماعة مثل ذلك (^١).\n\nوروى زيد بن أسلم وابن دينار وغيرهم عن ابن عمر (^٢)، وعكرمة عن ابن عباس - ﵁ -: أنها صلاة الصبح (^٣)،\n_________\n(^١) ممن روي عنه أنها صلاة العصر: ابن عباس، وابن عمر، وأبو سعيد الخدري، وأبو أيوب الأنصاري، وأبي ابن كعب، وإبراهيم، وسعيد بن جبير، وزر بن حبيش، والضحاك، وقتادة، ومجاهد، والحسن، وعبيدة، وعبد الله بن شداد. عبد الرزاق في مصنفه: ١/ ٥٧٧، وسعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٩١٢، ٩١٧، وابن أبي شسية في مصنفه: ٢/ ٢٤٦، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٥٥٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ١/ ١٧٥، وابن حزم في المحلى: ٤/ ٢٥٢ - ٢٥٩.\n(^٢) رواه من طريق زيد بن أسلم عن ابن عمر أنه قال: إنها الصبح، سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٩١١، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٢/ ٢٤٧، وذكره ابن عبد البر في التمهيد: ٤/ ٢٨٤ من طريق القاضي إسماعيل بن إسحاق.\nولم أقف على رواية عمرو بن دينار عن ابن عمر، وقد روي عن مجاهد عن ابن عمر، رواه سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٩١٠، والبيهقي في سننه: ١/ ٤٦٢ باب من قال هي الصبح.\nورواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٢/ ٢٤٦ من طريق حيان الأزدي عن ابن عمر. وذكر قول ابن عمر السيوطي في الدر: ١/ ٣٠١ وعزاه إلى: سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في سننه من طرق عن ابن عمر قال: الصلاة الوسطى صلاة الصبح.\n(^٣) رواه من طريق عكرمة عن ابن عباس: سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٩١٥، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ١/ ١٧١، وذكره ابن عبد البر في التمهيد: ٤٨٢٨٤ من طريق القاضي إسماعيل بن إسحاق.\n\nوقد روي عن ابن عباس من طرق أخرى: النسائي في السنن الكبرى: ١/ ٢١٨ باب تأويل قوله: حافظوا على الصلوات من كتاب الصلاة، وعبد الرزاق في مصنفه: ١/ ٥٧٩، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٢/ ٢٤٥، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٥٦٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ١/ ١٧٠، والبيهقي في سننه: ١/ ٤٦١.","vol":"1","page":652},{"text":"ووافقهما على ذلك جماعة كثيرة من التابعين (^١). وقال زيد بن ثابت: صلاة الوسطى صلاة الظهر (^٢)، وتابعه على ذلك جماعة من التابعين (^٣).\n_________\n(^١) ممن روي عنه هذا من الصحابة: جابر بن عبد الله، وأبي أمامة، ومن التابعين: عطاء، وعكرمة، ومجاهد، وعبد الله بن شداد، والربيع، وطاوس، وعبيد بن عمير.\nمصنف عبد الرزاق: ١/ ٥٧٩، سنن سعيد بن منصور: ٣/ ٩١٢، مصنف ابن أبي شيبة: ٢/ ٢٤٥، تفسير الطبري: ٢/ ٥٦٥، تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٤٤٨.\nوهذا اما ذهب إليه مالك، والشافعي. الموطأ: ١/ ١٣٣ كتاب صلاة الجماعة، التمهيد: ٤/ ٢٨٤، شرح صحيح مسلم للنووي: ٥/ ١٧٩.\n(^٢) رواه النسائي في السنن الكبرى: ١/ ٢٢٠ كتاب الصلاة باب تأويل قوله: حافظوا على الصلوات، ومالك في الموطأ: ١/ ١٣٣ كتاب صلاة الجماعة حديث: ٢٧، والدارمي في سننه: ١/ ٨٧ باب الإقتداء بالعلماء، والطيالسي في مسنده: ٢/ ٢٠، وعبد الرزاق في مصنفه: ١/ ٥٧٧، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٢/ ٢٤٥، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٥٦١، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ١/ ١٦٧، والبيهقي في سننه: ١/ ٤٥٩ باب صلاة الوسطى ومن قال هي الظهر.\n(^٣) هذا يروى عن بعض الصحابة منهم: أبو سعيد الخدري، وابن عمر، وعائشة، وأسامة بن زيد، ومن التابعين: عكرمة، وعروة، وعبد الله بن شداد.\nالنسائي في السنن الكبرى: ١/ ٢٢٠ الموضع السابق، وأحمد في مسنده: ٥/ ٢٠٦، وعبد الرزاق في مصنفه: ... ١/ ٥٧٧، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٢/ ٢٤٦، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٥٦١، وابن عبد البر في التمهيد: ... ٤/ ٢٨٦، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٩١.","vol":"1","page":653},{"text":"وقالت عائشة وحفصة - ﵄ -: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر (^١). فدل قوليهما على أنها غير العصر (^٢).\n_________\n(^١) روى أثر عائشة مسلم في صحيحه: ١/ ٤٣٧ كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث: ٢٠٧: عن أبي يونس مولى عائشة أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفًا، وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فلما بلغتها آذنتها فأملت علي: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين)، قالت عائشة: سمعتها من رسول الله - ﷺ -.\nوأما أثر حفصة فقد رواه مالك في الموطأ: ١/ ١٣٢ كتاب صلاة الجماعة حديث: ٢٦ بنحو أثر عائشة موقوفًا، وقد رواه أيضًا عبد الرزاق في مصنفه: ١/ ٥٧٨، وأبو داود في المصاحف: ٩٦، وأبو يعلى في مسنده: ٦/ ١٦١، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٥٦٢، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ١/ ١٧٢، وابن حبان في صحيحه: ... ١٤/ ٢٢٨، وذكره ابن عبد البر في التمهيد: ٤/ ٢٨١ من طريق القاضي إسماعيل بن إسحاق، وقال ابن عبد البر: هذا إسناد صحيح جيد في حديث حفصة.\n(^٢) يجاب عن هذا من وجهين الأول: إن كان المقصود أنهما قراءة قرأ بها رسول الله - ﷺ -، فهما من القراءات الشاذة التي لا يحتج بها، قال النووي: واستدل به بعض أصحابنا على أن الوسطى ليست العصر؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، لكن مذهبنا أن القراءة الشاذة لا يحتج بها ولا يكون لها حكم الخبر عن رسول الله - ﷺ -؛ لأن ناقلها لم ينقلها إلا على أنها قرآن، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر بالإجماع، وإذا لم يثبت قرآنًا لا يثبت خبرًا.\n[شرح صحيح مسلم: ٥/ ١٨٢].\n\nالوجه الثاني: إن كان المقصود أنه تفسير منهما، وأنها غير صلاة العصر، فقد روي عن عائشة خلاف ذلك كما سبق، وهو أيضًا معارض بما هو أصح منه من حديث علي، قال ابن حجر: فتمسك قوم بأن العطف يقتضى المغايرة فتكون صلاة العصر غير الوسطى، وأجيب بأن حديث علي ومن وافقه أصح إسنادًا وأصرح، وبأن حديث عائشة قد عورض برواية عروة أنه كان في مصحفها وهي العصر.\n[فتح الباري: ٨/ ٢٤٨].","vol":"1","page":654},{"text":"وقال قوم: هي المغرب (^١).\nقال القاضي - ﵁ -: قد اختلف في تفسير الصلاة الوسطى هذا الاختلاف الذي ذكرنا، ولو ثبتت الرواية عن علي عن النبي - ﷺ - أنها العصر لم يجز خلاف ذلك، ولكن الطرق إلى علي ليست بذاك (^٢)،\n_________\n(^١) هذا يروى عن: ابن عباس، وقبيصة بن ذؤيب. [تفيسر الطبري: ٢/ ٥٦٤، وتفسير ابن أبي حاتم: ... ٢/ ٤٤٨].\nقال ابن حجر: نقله ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن ابن عباس قال: صلاة الوسطى هي المغرب.\n[فتح الباري: ٨/ ٢٤٧].\n(^٢) فيما ذكر المؤلف هنا نظر، فإن الحديث قد صح وثبت كما في صحيح البخاري، وأصرح منه دلالة ما روي عن ابن مسعود في صحيح مسلم، وكذلك حديث سمرة بن جندب الذي صححه الترمذي وغيره.\nقال ابن عبد البر في التمهيد: ٤/ ٢٩٠: وذكر إسماعيل القاضي قال: حدثنا محمد بن أبي بكر قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن هشام بن حسان عن محمد بن عبيدة السلماني عن علي عن النبي - ﷺ - أنه قال يوم الخندق: شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس ملأ الله قلوبهم وقبورهم نارًا. قال القاضي: أحسن الأحاديث المرفوعة في هذا الباب عن علي حديث هشام بن حسان عن محمد بن عبيدة.\nوقال ابن عبد البر أيضًا: والصحيح عن علي من وجوه شتى صحاح أنه قال في الصلاة الوسطى: صلاة العصر، وروى ذلك عن النبي - ﷺ -، رواه عنه جماعة من أصحابه منهم عبيدة السلماني، وشتير بن شكل، ويحيى بن الجزار، والحارث، والأحاديث عنه في ذلك صحاح ثابتة أسانيدها. التمهيد: ٤/ ٢٨٨.\n\n* لوحة: ٦١/ب.","vol":"1","page":655},{"text":"على أنه من قول علي نفسه مشهور *، وليس يدخل على أحد ضرر في دينه من هذا الاختلاف، والوجه المحافظة على الصلوات كلها، إذ قد أمر الله ﵎ بذلك، وما على الإنسان أن يعتقد في كل صلاة أنها الوسطى فيزيد في المحافظة عليها، وإن كان الأقوى عندنا بالدلائل ما قاله ابن عباس (^١)؛ لأنها صلاة تصلى في سواد من الليل وبياض من النهار فكأنها بين الليل والنهار، وقد قال الله ﷿: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (^٢) ورأينا صلاة الليل المغرب والعشاء يجهر فيهما، ويجمع بينهما في السفر وغيره، وصلاة الظهر والعصر صلاة النهار يجمع بينهما في السفر، وقال النبي - ﷺ -: صلاة النهار عجماء (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) من أنها صلاة الصبح، وقد سبق تخريجه ص: ٣٨٩.\n(^٢) [سورة الإسراء: الآية ٧٨]\n(^٣) عجم: العين والجيم والميم ثلاثة أصول أحدها يدل على سكوت وصمت، ومنه صلاة النهار عجماء أي: أنه لا يجهر فيها بالقراءة. [مقاييس اللغة: ٧١٥، النهاية في غريب الحديث: ٣/ ١٨٧].\n(^٤) لا تصح نسبة هذا الكلام إلى رسول الله - ﷺ -، قال الدارقطني: هذا ليس من كلام النبي - ﷺ -، وقال النووي: باطل غريب لا أصل له، وقال ابن حجر: لم أجده، وهو عند عبد الرزاق من قول مجاهد ومن قول أبي عبيدة ابن عبد الله بن مسعود موقوفًا عليهما، وفي الصحيحين ما يدل على الإسرار بالقراءة في الظهر.\n[المجموع للنووي: ٣/ ٤٩، ٣٥٦، الدراية لابن حجر: ١/ ١٦٠، المقاصد الحسنة: ٢٦٥، كشف الخفاء: ٢/ ٢٨].\nوقد رواه عن الحسن، ومجاهد، وأبي عبيدة موقوفًا عليهم، عبد الرزاق في مصنفه: ٢/ ٤٩٣، وابن أبي شيبة في مصنفه: ١/ ٣٢٠ باب في قراءة النهار كيف هي في الصلاة؟ .","vol":"1","page":656},{"text":"وقال النبي - ﷺ - في صلاة الصبح: إنه يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار (^١). وكان يجهر فيها (^٢)، فدل على أنها ليست من صلاة النهار؛ لأن النهار من طلوع الشمس إلى مغيب الشمس، والأيام من طلوع الفجر إلى مغيب الشمس، والليل من مغيب الشمس إلى طلوع الفجر، فكانت هذه الدلائل تبين أن الفجر صلاة الوسطى، والله أعلم بما أراد من ذلك (^٣).\n_________\n(^١) روى البخاري في صحيحه: ١/ ٢٣٢ كتاب الجماعة والإمامة باب فضل صلاة الفجر في جماعة أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر، ثم يقول أبو هريرة فاقرأوا إن شئتم: إن قرآن الفجر كان مشهودًا. و٤/ ١٧٤٨ كتاب التفسير سورة الإسراء، ومسلم في صحيحه: ١/ ٤٥٠ كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث: ٢٤٦.\n(^٢) رواه البخاري في صحيحه: ١/ ٢٦٧ باب الجهر بقراءة صلاة الفجر كتاب صفة الصلاة.\n(^٣) انظر في الإجابة على ما ذكره المؤلف هنا: المحلى: ٤/ ٢٥٠ - ٢٥٦، فتح الباري: ٨/ ٢٤٦، نيل الأوطار: ... ١/ ٣٨٦.\nوهذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها اختلافًا كثيرًا، حتى ذهب بعض أهل العلم إلى أنها غير معينة لتعارض الأدلة، كما ذهب إلى ذلك ابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ٣٣٠، والقرطبي في تفسيره: ٣/ ٢١٣.\nوقد أوصل بعض أهل العلم الأقوال في تفسيرها إلى تسعة عشر قولًا، انظر: فتح الباري: ٨/ ٢٤٦، تفسير القرطبي: ٣/ ٢٠٩، شرح النووي على صحيح مسلم: ٥/ ١٧٩، تفسير ابن كثير: ١/ ٢٩١.\nوالصواب إن شاء الله هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من أن المراد بالصلاة الوسطى هي صلاة العصر، كما صح بذلك الخبر عن رسول الهدى - ﷺ -، وهذا ما رجحه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٥٦٦، والنحاس في معاني القرآن: ١/ ٢٣٨، وابن حزم في المحلى: ٤/ ٢٥٠، وابن عطية في تفسيره: ٢/ ٢٣٥، والنووي في شرحه على صحيح مسلم: ٥/ ١٨٠، والشوكاني في نيل الأوطار: ١/ ٣٨٥.","vol":"1","page":657},{"text":"قال الله ﷿: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (^١).\nوالقنوت يقتضي أشياء كثيرة، وأصلها كلها أن يديم الإنسان عملًا في طاعة الله ﷿ (^٢)، فمن ذلك السكوت عن كلام الناس في الصلاة (^٣)، ومنه أن يطيل القيام في الصلاة (^٤)، ومنه أن يخشع لله وتسكن جوارحه في الصلاة (^٥)، ومنه أن يدعو قبل الركوع أو بعد الركوع في الصلاة (^٦)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٣٨]\n(^٢) قال ابن فارس: القاف والنون والتاء أصل صحيح يدل على طاعة وخير في دين. [مقاييس اللغة: ٨٣٤].\nوانظر في أصل هذه الكلمة: تفسير الطبري: ٢/ ٥٧١، معاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٢٠، ومعاني القرآن للنحاس: ١/ ٢٤٠، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٦٠٥، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢١٤.\n(^٣) يروى هذا عن: ابن عباس، والسدي، وعكرمة، وابن زيد، ومجاهد.\nتفسير الطبري: ٢/ ٥٧٠، معاني الآثار: ١/ ١٧١، المعجم الكبير للطبراني: ١١/ ٢٩٢، المحرر الوجيز: ٢/ ٢٣٦.\n(^٤) هذا يروى عن: ابن عمر، والربيع بن أنس. مصنف ابن أبي شيبة: ٢/ ١٠٠ من كان لا يقنت في الوتر، وتفسير الطبري: ٢/ ٥٧١، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٦٠٥، زاد المسير: ١/ ٢٨٤، تفسير القرطبي: ... ٣/ ٢١٤.\n(^٥) يروى هذا عن مجاهد. سنن سعيد بن منصور: ٣/ ٩٢١، تفسير الطبري: ٢/ ٥٧١، شرح معاني الآثار: ١/ ١٧١، تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٤٤٩.\n(^٦) يروى هذا عن ابن عباس. تفسير الطبري: ٢/ ٥٧١، تفسير القرطبي: ٣/ ٢١٤.\n\n* لوحة: ٦٢/أ.","vol":"1","page":658},{"text":"وهو الذي يسميه الناس القنوت في الصلاة، كما جاء عن النبي - ﷺ -: أنه * قنت شهرًا فدعا على رعل (^١) وذكوان (^٢)\n_________\n(^١) رعل: بكسر الراء وسكون المهملة: بطن من بني سليم، ينسبون إلى رعل بن عوف بن مالك بن امرئ القيس بن لهيعة بن سليم. [فتح الباري: ٧/ ٤٧٤، معجم القبائل العربية: ٢/ ٤٣٧].\n(^٢) ذكوان بن رفاعة: بطن من بطون بني سليم، ينسبون إلى ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم.\n\n[فتح الباري: ٧/ ٤٧٤، معجم القبائل العربية: ١/ ٤٠٦].","vol":"1","page":659},{"text":"(^١)، ومنه أن يدوم الإنسان على طاعة ربه، فإذا كان كذلك جاز للإنسان أن يقصد إلى أي الأصناف أراد من ذلك فيسميه قنوتًا؛ لأن كل شئ مما ذكرنا فقد روي عن صحابي أو تابعي أنه هو القنوت، ويشتمل عليها كلها. وهو المختار عندي (^٢) قول ابن عباس قانتين قال: مطيعين (^٣). فكل هذه الأحوال طاعة لله، وقد وافقه على ذلك جماعة من التابعين (^٤)، وهو أحسن ما روي في ذلك (^٥).\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه: ١/ ٣٤٠ باب القنوت قبل الركوع من كتاب الوتر، و٤/ ١٥٠١ باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة من كتاب المغازي، ومسلم في صحيحه: ١/ ٤٦٨ كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث: ٢٩٩.\n(^٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: والمختار عندي. حتى لايرجع الضمير إلى ما قبله.\n(^٣) تفسير الطبري: ٢/ ٥٦٩، زاد المسير: ١/ ٢٨٤.\n(^٤) ممن روي عنه ذلك: ابن مسعود، والشعبي، وجابر بن زيد، وعطاء، وسعيد بن جبير، والضحاك، ومجاهد، وقتادة. تفسير عبد الرزاق: ١/ ٩٦، سنن سعيد بن منصور: ٣/ ٩٢٠، مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ١٦ باب المحافظة على الوضوء وفضله، وتفسير الطبري: ٢/ ٥٦٨، وشرح معاني الآثار: ١/ ١٧١، وتفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٤٤٩، وزاد المسير: ١/ ٢٨٤.\n(^٥) لعل الأولى في تفسير القنوت في هذه الآية هو: السكوت عن الكلام في الصلاة، فقد روى البخاري في صحيحه: ١/ ٤٠٢ باب ما ينهى عن الكلام في الصلاة من كتاب العمل في الصلاة، و٤/ ١٦٤٨ كتاب التفسير سورة البقرة قوله: وقوموا لله قانتين، عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا أخاه في حاجته، حتى نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت.\nوكذلك رواه مسلم في صحيحه: ١/ ٣٨٣ كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث: ٣٥.\n\nقال ابن العربي: والصحيح رواية زيد بن أرقم؛ لأنها نص ثابت عن النبي - ﷺ - فلا يلتفت إلى محتمل سواها.\n[أحكام القرآن: ١/ ٣٠٢].\nوهذا ما رجحه القرطبي في تفسيره: ٣/ ٢١٤، وابن حجر في الفتح: ٨/ ٢٤٩.","vol":"1","page":660},{"text":"قال الله ﷿: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (^١)\nرخص الله ﵎ لهم - إذ كانوا في المسايفة (^٢) والمحاربة فخافوا إن تشاغلوا بالصلاة إن تركهم العدو، وهذا إذا اشتد الأمر، ولم تكن صلاة الخوف التي هي على الأرض، وقسم الجيش لها -: أن يصلوا ركبانًا على دوابهم، ورجالة (^٣) حيث ما توجهت بهم وجوههم، وإذا خافوا فوت الوقت فيومئون إيماء من غير إسقاط شئ من الركوع والسجود، ولكن يكون في إيمائهم خفض السجود عن الركوع، وإذا كانت الحرب وهم سفر صلوا ركعتين، وإن كانت في إقامة صلوا أربعًا لا ينقصون من العدد شيئًا، ولا من القراءة المفروضة دون المسنونة، ولا من الركوع ولا من السجود، ولكن يسقط عنهم الركوع والسجود المستوفيان، ويجعلونهما إيماء، ويسقط عنهم استقبال القبلة إذا عجزوا عنها، وهذا قول مالك - ﵁ - (^٤) اتبع فيه من تقدمه: ابن عمر (^٥)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٣٩]\n(^٢) المسايفة: المجالدة، يقال: استاف القوم وتسايفوا: تضاربوا بالسيوف.\n[لسان العرب: ٩/ ١٦٦].\n(^٣) الرجَّل: الرَّجّالة إنما سموا رَجْلًا لأنهم يمشون على أرجلهم.\n[مقاييس اللغة: ٤٢٣].\n(^٤) المدونة: ١/ ٢٤٠، ٢٤١، إكمال المعلم: ٣/ ٢٢٧.\n(^٥) روى البخاري في صحيحه: ٤/ ١٦٤٩ التفسير سورة البقرة من طريق مالك عن ابن عمر أنه ذكر صلاة الخوف ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، أو ركبانًا، مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها. قال مالك: قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله - ﷺ -.\nومسلم في صحيحه: ١/ ٥٧٤ كتاب صلاة المسافرين وقصرها حديث: ٣٠٦ عن ابن عمر قال: فإذا كان خوف أكثر من ذلك فصل راكبًا أو قائمًا تومئ إيماء.\n\nففي رواية البخاري ما يشير إلى رفعه، وفي مسلم جزم بأنه موقوف على ابن عمر، وقد روى ابن ماجة في سننه: ١/ ٢٢٨ باب ما جاء في صلاة الخوف من أبواب إقامة الصلاة ما يدل على أنه مرفوع بغير شك. =\nقال ابن حجر: وإسناده جيد، والحاصل أنه قد اختلف في قوله فإن كان خوف أشد من ذلك هل هو مرفوع أو موقوف على ابن عمر؟ والراجح رفعه. [فتح الباري: ٢/ ٥٥٧].","vol":"1","page":661},{"text":"وسائر\nالتابعين (^١)، وقد روي * عن حذيفة مثل ذلك، والله أعلم بصحته (^٢).\n_________\n(^١) يروى هذا عن: إبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والزهري، والربيع، وعطاء.\nتفسير عبد الرزاق: ١/ ٩٦، ومصنفه: ٢/ ٥١٣، وسنن سعيد بن منصور: ٣/ ٩٢٦، وسنن سعيد بن منصور بتحقيق الأعظمي: ٢/ ٢٠٢، ومصنف ابن أبي شيبة: ٢/ ٢١٤ باب في الصلاة عند المسايفة، وتفسير الطبري: ٢/ ٥٧٣، وتفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٤٥٠.\n* لوحة: ٦٢/ب.\n(^٢) لم أقف عليه.","vol":"1","page":662},{"text":"قال الله ﵎: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (^١) الآية.\nالطيبات التي أمر الله ﵎ بالإنفاق منها الحلال؛ لأن النبي - ﷺ - قال: لا يقبل الله صدقة من غلول (^٢) (^٣). فأمر أن يتقرب إليه بالطيب من اكتسابهم، ولا يتقربون إليه بحرام، ويدخل في ذلك أيضًا ألا يتقرب إنسان إلى الله ﷿ برديء الطعام، وحشف (^٤) التمر وما أشبه ذلك، مما لا يأكله ولا يرضاه الإنسان لنفسه، ولو أعطيه لم يقبله، ألا ترى إلى قوله سبحانه: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ (^٥) وإلى أمر النبي - ﷺ - حين وجه بالمُصدِق أن لا يأخذ رفيع الغنم ولا العوار (^٦) منها وأن يأخذ الوسط (^٧)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٦٧]\n(^٢) الغلول: الخيانة في المغنم، والسرقة من الغنيمة قبل قسمتها. [النهاية في غريب الحديث: ٣٨٠].\n(^٣) روى مسلم في صحيحه: ١/ ٢٠٤ كتاب الطهارة حديث: ٢٢٤ عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول.\n(^٤) الحشف: اليابس الفاسد من التمر. [لسان العرب: ٩/ ٤٧].\n(^٥) [سورة البقرة: الآية ٢٦٧]\n(^٦) العوار بالفتح: العيب، وقد يضم. [النهاية في غريب الحديث: ٣/ ٣١٨].\n(^٧) روى البخاري في صحيحه: ٢/ ٥٢٨ كتاب الزكاة باب لا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا ما شاء المُصدِق عن ثمامة أن أنسًا - ﵁ - حدثه أن أبا بكر - ﵁ - كتب له التي أمر الله رسوله - ﷺ -: ولا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا ما شاء المصدق.\n\nقال ابن حجر: اختلف في ضبطه، فالأكثر على أنه بالتشديد والمراد المالك، وتقدير الحديث: لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب أصلًا، ولا يؤخذ تيس وهو فحل الغنم إلا برضا المالك، وعلى هذا فالاستثناء مختص بالثالث، ومنهم من ضبطه بتخفيف الصاد وهو الساعي. [انظر فتح الباري: ٣/ ٤٠٤].","vol":"1","page":663},{"text":"وقيل له: إنا نأخذ عذق ابن حبيق (^١)، ومصران الفأرة (^٢) في الصدقة فنبيع الصاعين بالصاع الجيد، فقال النبي - ﷺ -: لا تفعل، بع الجعرور (^٣)\n_________\n(^١) العذق بالفتح: النخلة، وبالكسر: العرجون بما فيه من الشماريخ، وعذق ابن حبيق أو لون الحبيق هو: نوع من أنواع التمر الرديء، منسوب إلى ابن حبيق وهو اسم رجل، ويقال له: بنات حبيق، وهو تمر أغبر صغير مع طول فيه. [النهاية في غريب الحديث: ١/ ٣٣١، ٣/ ١٩٩].\n(^٢) مصران الفأرة بضم الميم: هو نوع من رديء التمر. [مشارق الأنوار للقاضي عياض: ١/ ٣٨٥].\n(^٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: الجمع، كما سيأتي في تخريج هذا الحديث.\nوالجعرور: ضرب من الدقل يحمل رطبًا صغارًا لا خير فيه. [النهاية في غريب الحديث: ١/ ٢٧٦]. =\n\nوالجمع: كل لون من النخيل لا يعرف اسمه، وقيل: تمر مختلط من أنواع متفرقة وليس مرغوبًا فيه، وما يخلط إلا لرداءته. ... [المرجع السابق: ١/ ٢٩٦].","vol":"1","page":664},{"text":"بالدراهم، واشتر بالدراهم جنيبًا (^١) (^٢).\n_________\n(^١) الجنيب: نوع جيد معروف من أنواع التمر، وقيل: الذي أخرج منه حشفه ورديئه، وقيل: هو الذي لا يخلط بخلاف الجمع. [النهاية في غريب الحديث: ١/ ٣٠٤، فتح الباري: ٤/ ٥٠٥].\n(^٢) لم أجده بهذا اللفظ، وأظن أن هناك خلطًا بين حديثين، فالأول: رواه مالك في الموطأ: ١/ ٢٢٧ كتاب الزكاة حديث: ٣٤ عن زياد بن سعد عن ابن شهاب أنه قال: لا يؤخذ في صدقة النخل الجعرور، ولا مصران الفأرة، ولا عذق ابن حبيق. ورواه الشافعي في الأم: ٢/ ٣١ من طريق مالك به، ورواه أيضًا من طريق إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: لا يخرج في الصدقة الجعرور، ولا معي الفأرة، ولا عذق ابن حبيق. وكذلك رواه أبو عبيد في الأموال: ٦١٠، والبيهقي في معرفة السنن والآثار: ٦/ ١٠٦ إلا أنه ذكر حديث إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - قال: الحديث.\nوقد روي من طريق الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الجعرور ولون الحبيق أن يؤخذ في الصدقة. رواه أبوداود في سننه: ٢/ ١١١ باب ما لايجوز من الثمرة في الصدقة من كتاب الزكاة، والنسائي في سننه: ٥/ ٤٥ باب قوله ﷿: ولا تيمموا الخبيث كتاب الزكاة، وأبو عبيد في الأموال: ٥٠٦، وابن جرير في تفسيره: ٣/ ٨٣، وابن خزيمة في صحيحه: ٤/ ٣٩، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٥٢٨، والدارقطني في سننه: ٢/ ١٣٠ باب في قدر الصدقة فيما أخرجت الأرض وخرص الثمار، والحاكم في المستدرك: ١/ ٥٥٩ كتاب الزكاة، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، والبيهقي في سننه: ... ٤/ ١٣٦ باب ما يخرم على صاحب المال من أن يعطي الصدقة من شر ماله كتاب الزكاة.\n\nوأما الحديث الآخر: فقد روى البخاري في صحيحه: ٢/ ٧٦٧ باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه كتاب البيوع عن أبي سعيد وأبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - استعمل رجلًا على خيبر فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله - ﷺ -: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله - ﷺ -: لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا.\nوالبخاري في صحيحه أيضًا: ٢/ ٨٠٨ باب الوكالة في الصرف والميزان كتاب الوكالة، و٤/ ١٥٥٠ المغازي باب استعمال النبي - ﷺ - أهل خيبر، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٢١٥ كتاب المساقاة حديث: ٩٥، ومالك في الموطأ: ٢/ ٤٨٥ كتاب البيوع حديث: ٢١.","vol":"1","page":665},{"text":"فأمره بابتياع الجيد للمساكين، وبهذا الذي ذكرناه جاء تفسير المفسرين لهذه الآية (^١).\nقال الله ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (^٢) تكلم المفسرون في هذه الآية واختلفوا اختلافًا كثيرًا، فقال بعضهم: يتحرجون من الصدقة (^٣) على أهل الكتاب وعلى سائر الكفرة فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ إلى آخر الآية، فكانوا يتصدقون عليهم (^٤)، فقال بعضهم: من زكاة الأموال (^٥)،\n_________\n(^١) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٨٢، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٦٢٥، تفسير القرطبي: ٣/ ٣٢٥، تفسير ابن كثير: ١/ ٣٢٠.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٧٢]\n(^٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: كانوا يتحرجون.\n(^٤) روى النسائي في سننه الكبرى: ١٠/ ٣٧ باب قوله: ليس عليك هداهم من كتاب التفسير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسبائهم من المشركين فسألوا فنزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ فرخص لهم، ورواه ابن جرير في تفسيره: ٣/ ٩٥، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٥٣٧، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣١٣ التفسير سورة البقرة، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في سننه: ٤/ ١٩١ باب صدقة النافلة على المشرك وعلى من لا يحمد فعله من كتاب الزكاة.\nوقد روي نحو هذا عن سعيد بن جبير، وابن الحنفية وغيرهم، انظر المراجع السابقة ومصنف ابن أبي شيبة: ... ٢/ ٤٠١ ما قالوا في الصدقة في غير أهل الإسلام، وأسباب النزول للواحدي: ٨٩.\n(^٥) لم أقف على قول من ذهب إلى أن الكافر يعطى من زكاة الأموال المفروضة، بل قد نقل الإجماع على عدم جواز ذلك ابن المنذر حيث قال: وأجمعوا على أن الذمي لا يعطى من زكاة الأموال شيئًا. [الإجماع: ٥٧].\nوقال ابن قدامة: لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن زكاة الأموال لا تعطى لكافر ولا لمملوك. [المغني: ٤/ ١٠٦].\n\nوقد نقل ابن عطية في تفسيره: ٢/ ٣٣٦ عن المهدوي أنه رُخص للمسلمين أن يعطوا المشركين من قراباتهم من صدقة الفريضة بهذه الآية. قال ابن عطية: وهذا مردود عندي.","vol":"1","page":666},{"text":"وقال بعضهم: من زكاة الفطر * (^١)، وقال بعضهم: من الصدقة التطوع دون الفريضة (^٢).\n_________\n* لوحة: ٦٣/أ.\n(^١) هذا مذهب أبي حنيفة ﵀ من أنه لا يجوز إعطاء أهل الذمة من الزكاة شيئًا، ولكن يعطون من الكفارات، والنذور، وصدقة الفطر. ... [أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٦٣٠].\n(^٢) هذا مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي يوسف من الأحناف. الأم: ٢/ ٦١، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٦٣٠، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٣١٦، المغني: ٤/ ١١٤، تفسير القرطبي: ٣/ ٣٣٧.","vol":"1","page":667},{"text":"قال القاضي - ﵀ -: فتأملت ذلك فوجدت اضطراب الأقاويل واختلافها، ووهى أكثر أسانيدها، ووجدت بعضهم يقول: لا يُتصدق على يهودي ولا على نصراني (^١)، ومنهم من كره الصدقة عليهم (^٢)، فكان التوسط في ذلك أولى، وهو قول مالك - ﵁ -: أنه يُتصدق عليهم من التطوع، ولا يعطون من الواجبات من الزكاة وصدقة الفطر وما أشبه ذلك، فأما زكاة الأموال فإن الله ﷿ قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (^٣) إلى آخر الآية، وقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (^٤) والصدقة لا تطهر الكافرين، فلا تؤخذ منهم، كذلك لا يعطون منها؛ لقول رسول الله - ﷺ - لمعاذ: خذها من أغنيائهم وارددها على فقرائهم (^٥). وأما صدقة الفطر فإن النبي - ﷺ - قال - رواه نافع عن ابن عمر - أن النبي - ﷺ -: أمر بصدقة الفطر، وقال على الصغير والكبير، والحر والعبد من المسلمين. رواه أبو معشر (^٦)،\n_________\n(^١) يروى هذا عن: مجاهد، وعكرمة [مصنف ابن أبي شيبة: ٢/ ٤٠١ ما قالوا في الصدقة في غير أهل الإسلام]\n(^٢) يروى هذا عن مجاهد، وطاوس. [المرجع السابق].\n(^٣) [سورة التوبة: الآية ٦٠]\n(^٤) [سورة التوبة: الآية ١٠٣]\n(^٥) يأتي تخريجه ص: ٤٠٠.\n(^٦) نجيح بن عبد الرحمن السندي المدني، أبو معشر، مولى بني هاشم، مشهور بكنيته، عن: القرظي، ونافع، وعنه: ابن مهدي، وسعيد بن منصور، ضعيف أسن واختلط، مات سنة ١٧٠ هـ.\n\n[الكاشف: ٢/ ٣١٧، التقريب: ٩٩٨].","vol":"1","page":668},{"text":"وقال فيه: فكانوا يخرجونها قبل الخروج إلى الصلاة. وقال النبي - ﷺ -: أغنوهم عن طواف هذا اليوم (^١).\n_________\n(^١) روى الدارقطني في سنن: ٢/ ١٥٢ كتاب زكاة الفطر حديث: ٦٧ عن وكيع عن أبي معشر عن نافع عن ابن عمر قال: فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر، وقال: أغنوهم في هذا اليوم.\nوذكره ابن حزم في المحلى: ٦/ ١٢١ وقال: وأبو معشر المدني هذا نجيح مطرح يحدث بالموضوعات عن نافع وغيره، والبيهقي في سننه: ٤/ ١٧٥ باب وقت إخراج زكاة الفطر عن أبي الربيع عن أبي معشر عن نافع عن ابن عمر قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نخرج زكاة الفطر عن كل صغير وكبير، وحر ومملوك صاعًا من تمر أو شعير، قال: وكان يؤتى إليهم بالزبيب والأقط فيقبلونه منهم، وكنا نؤمر أن نخرجه قبل أن نخرج إلى الصلاة، فأمرهم رسول الله - ﷺ - أن يقسموه بينهم، ويقول: أغنوهم عن طواف هذا اليوم. قال البيهقي: أبو معشر هذا نجيح السندي المدني غيره أوثق منه.\nقال ابن حجر: أخرجه سعيد بن منصور، ولكن أبو معشر ضعيف. [فتح الباري: ٣/ ٤٧٣].\nقلت: وقد روي هذا الحديث من غير طريق أبي معشر، فقد روى ابن سعد في الطبقات: ١/ ٢٤٨ من طريق الزهري عن عروة عن عائشة، ومن طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، ومن طريق ربيح بن ... عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن جده، وفيه: وأمر رسول الله - ﷺ - في هذه السنة بزكاة الفطر، وذلك قبل أن تفرض الزكاة في الأموال، وأن تخرج عن الصغير والكبير والحر والعبد والذكر والأنثى صاع من تمر أو صاع من شعير أو صاع من زبيب أو مدان من بر، وكان يخطب رسول الله - ﷺ - قبل الفطر بيومين فيأمر بإخراجها قبل أن يغدو إلى المصلى، وقال أغنوهم يعني المساكين عن طواف هذا اليوم.\n\nوأصل هذا الحديث في صحيح البخاري: ٢/ ٥٤٧ باب فرض صدقة الفطر من كتاب صدقة الفطر، و٢/ ٥٤٨ باب الصدقة قبل العيد، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٦٧٧، ٦٧٩ كتاب الزكاة حديث: ١٢، ٢٢. لكن ليس فيه لفظ: أغنوهم عن طواف هذا اليوم.","vol":"1","page":669},{"text":"فدل قوله - ﵇ -: أغنوهم عن طواف هذا اليوم. أنهم فقراء المسلمين لتشاغلهم بعيدهم، وإنما قيل: إن الصدقة تؤخذ من أغنياء المسلمين ولا تؤخذ من الكافرين، وقد قال - ﵇ - لمعاذ - ﵁ - *: ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن عليهم خمس صلوات، فإن أطاعوا لذلك فأعلمهم أن عليهم زكاة. وقال: ارددها على فقرائهم (^١). لم تدفع إلا إلى فقراء المسلمين، ولم تدفع إلى الكافرين. فأما الصدقة المتطوع بها فهي التي أريدت بالآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ (^٢)، ولا بأس أيضًا بالعتق أن يوضع في الكافرين من أهل الكتاب، ولا يجوز ذلك من الواجبات، وقد قال رسول الله - ﷺ -: من أعتق رقبة مؤمنة كانت فكاكه من النار، كان كل عظم فيه بعظم منه (^٣).\n_________\n* لوحة: ٦٣/ب.\n(^١) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٥٠٥ الزكاة باب وجوب الزكاة، ومسلم في صحيحه: ١/ ٥٠ كتاب الإيمان حديث: ٢٩، ٣١.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٧٢]\n(^٣) روى النسائي في السنن الكبرى: ٥/ ٩ باب فضل العتق من كتاب العتق عن عمرو بن عبسة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من أعتق رقبة مؤمنة كانت فكاكه من النار عضوًا بعضو.\nوأصله في صحيح البخاري: ٢/ ٨٩١ كتاب العتق باب ما جاء في العتق وفضله من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: أيما رجل أعتق امرأ مسلمًا استنقذ الله بكل عضو منه عضوًا من النار. ومسلم في صحيحه: ... ٢/ ١١٤٧ كتاب العتق حديث: ٢٣ من حديث أبي هريرة: من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار حتى فرجه بفرجه.","vol":"1","page":670},{"text":"ولم يقل ذلك في الكافرة، وكنا نعلم أن عتق المؤمنة أفضل من عتق الكافرة، وإن كان في ذلك كله ثواب كما أن السليمة أعظم ثوابًا من المعيبة، فالصدقة الواجبة لا توضع إلا فيما يكون أعظم ثوابًا وأفضل، وكذلك الصدقة على المؤمنين أفضل من الصدقة على الكافرين، وبالله التوفيق.\nقال الله ﵎: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (^١)، وقوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (^٢) معنى هذه الآية والله أعلم: ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ اذْهَبْ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (^٣) * وإلى قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^٤) إلى قوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (^٥) فعلم أن ذلك فيمن أسلم وله ربا (^٦)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٧٥]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٧٩]\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٧٥]\n* لوحة: ٦٤/أ.\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ٢٧٨]\n(^٥) [سورة البقرة: الآية ٢٧٩]\n(^٦) روي أن هذه الآيات نزلت في بني عمرو بن عوف من ثقيف، وفي بني المغيرة من بني مخزوم، وكانت بنو المغيرة يربون لثقيف، فلما أظهر الله تعالى رسوله على مكة وضع يومئذ الربا كله.\nتفسير الطبري: ٣/ ١٠٧، تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٤٩، أسباب النزول للواحدي: ٩٣، تفسير ابن كثير: ١/ ٣٣٠.","vol":"1","page":671},{"text":"لم يعتضد بقوله ﷿: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (^١)، فأما ما قد كان وقبض فهو مما سلف، وهو مما لم يبق من الربا (^٢)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٧٨]\n(^٢) روي عن مالك ﵀ أنه قال في قوله: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ أنه قال: ذلك في أهل الإسلام. رواه عنه ابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٥٥١، وابن أبي زيد القيرواني في النوادر: ٥/ ٣٩٩.\nقال الرازي: اعلم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن من انتهى عن الربا فله ما سلف فقد كان يجوز أن يظن أنه لا فرق بين المقبوض منه وبين الباقي في ذمة القوم فقال تعالى في هذه الآية: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ وبين به أن ذلك إذا كان عليهم ولم يقبض فالزيادة تحرم، وليس لهم أن يأخذوا إلا رؤوس أموالهم، وإنما شدد تعالى في ذلك؛ لأن من انتظر مدة طويلة في حلول الأجل ثم حضر الوقت وظن نفسه على أن تلك الزيادة قد حصلت له فيحتاج في منعه عنه إلى تشديد عظيم، فقال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ واتقاؤه ما نهى عنه: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ يعني إن كنتم قد قبضتم شيئًا فيعفو عنه، وإن لم تقبضوه أو لم تقبضوا بعضه فذلك الذي لم تقبضوه كلًا كان أو بعضًا فإنه محرم قبضه. [التفسير الكبير: ٧/ ٨٦].","vol":"1","page":672},{"text":"وقد قال النبي - ﷺ - يوم النحر: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم الحج الأكبر، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، ألا لا يجني جان إلا على نفسه. الحديث بطوله، وقال فيه: وكل ربا موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (^١).\nوأما قوله ﷿ ﴿: لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ اذْهَبْ﴾ (^٢) فإن ذلك حين يبعث من قبره فإنه يقوم كالذي (^٣) يتخبطه الشيطان من الجنون (^٤). ولعن رسول الله - ﷺ - آكل الربا، وموكله، وشاهديه وكاتبه (^٥). وهذان لُعنا لأنهما أعانا على محاربة الله وعصيانه (^٦)، والله أعلم.\nقال الله ﷿: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (^٧)\n_________\n(^١) جزء من حديث رواه الترمذي في سننه: تفسير سورة المائدة من أبواب التفسير وقال: حديث حسن صحيح، تحفة الأحوذي: ٨/ ٤٨٠، والنسائي في السنن الكبرى: ٤/ ١٩٣ باب يوم الحج الأكبر من كتاب المناسك، وابن ماجة في سننه: ٢/ ١٨٨ باب الخطبة يوم النحر من أبواب المناسك.\nوأصله في صحيح مسلم: ٢/ ٨٨٦ كتاب الحج حديث: ١٤٧.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٧٥]\n(^٣) في الأصل: الذي، والصواب ما أثبت.\n(^٤) روى نحو هذا عن ابن عباس، وابن مسعود، وعدد من التابعين. تفسير عبد الرزاق: ١/ ١١٠، تفسير الطبري: ٣/ ١٠٢، تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٤٤، تفسير ابن كثير: ١/ ٣٢٦.\n(^٥) رواه مسلم في صحيحه: ٣/ ١٢١٩ كتاب المساقاة حديث: ١٠٦.\n(^٦) في الأصل: على محاربة الله ومحاربة الله وعصيانه. ولعلها مكررة.\n(^٧) [سورة البقرة: الآية ٢٨٠]","vol":"1","page":673},{"text":"وقال قوم من المفسرين منهم شريح: إن هذه الآية في الربا (^١)، وقال آخرون: إنها في كل ذي عسرة (^٢). فأما شريح ومن قال بقوله: قالوا ذلك؛ لأنه يعقب ذكر الربا، فظنوا أنه فيه. قال سيبويه (^٣): الربا قد أسقطه الله وأنظره، فكيف يكون فيه نظرة؟ وإنما النطرة في رأس المال (^٤)، والله ﵎ يقول *: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (^٥).\nوالقراءة: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ (^٦) إنما تقع هي بالرفع (^٧)،\n_________\n(^١) رواه عن شريح: عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ١١٠، ومصنفه: ٨/ ٣٠٥، وسعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٩٨٥، وابن جرير في تفسيره: ٣/ ١١٠، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ٢/ ١٠٤.\nوممن روي عنه هذا: ابن عباس، وإبراهيم النخعي، والضحاك. سنن سعيد بن منصور: ٣/ ٩٨٤، تفسير الطبري: ٣/ ١١٠، تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٥٢.\n(^٢) يروى هذا عن: ابن عباس، وأبي هريرة، والضحاك، وعطاء، والحسن، والربيع بن خيثم، وغيرهم.\nتفسير الطبري: ٣/ ١١٠، ١١٢، تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٥٢، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ١٠٥، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٦٤٦.\n(^٣) عمرو بن عثمان بن قنبر، إمام البصريين: سيبويه، أبو بشر، ويقال: أبو الحسن، مولى بني الحارث بن كعب، لقب سيبويه ومعناه: رائحة التفاح، مات بالبصرة سنة: ١٦١ هـ وقيل: ١٨٠، وقيل: غير ذلك.\n[تاريخ بغداد: ١٢/ ١٩٥، بغية الوعاة: ٣٦٦]\n(^٤) لم أقف على كلام سيبويه، ولكن ذكر هذا الاعتراض الجصاص غير منسوب. أحكام القرآن: ١/ ٦٤٦.\n* لوحة: ٦٤/ب.\n(^٥) [سورة النساء: الآية ٥٨]\n(^٦) [سورة البقرة: الآية ٢٨٠]\n(^٧) روي أن في قراءة: عثمان، وابن عباس، وأبي، وابن مسعود: (وإن كان ذا عسرة).\n\nمعاني القرآن للفراء: ١/ ١٨٦، تفسير الطبري: ٣/ ١١٠، البحر المحيط: ٢/ ٧١٦.","vol":"1","page":674},{"text":"فلما كانت كذلك عُلم أنه لم يعن بها صاحب الربا؛ لأنه لو كان عُني بها صاحب الربا لقيل: (وإن ... كان ذا عسرة) أي: إن كان الذي عليه الربا ذا عسرة، فلما قيل: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ (^١) علم أنه مبتدأ في كل ذي عسرة عليه دين، فصار في معنى: وإن وقع ذو عسرة، كما يقول القائل: قد كان الأمر، أي وقع، وكما يقول: أعرفه منذ كان (^٢)، وقال الله ﵎: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ (^٣) فقرئت بالرفع؛ لأن ذلك لم يعطف على شئ قد مضى فينصب، وإنما هو في معنى: وإن وقع تجارة حاضرة (^٤)، وقال الشاعر:\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٨٠]\n(^٢) قال مكي: وإن كان ذو عسرة عام في كل معسر، وبهذا العموم أجمع على الرفع، إذ لو نصب (ذا) على خبر كان لصار الكلام مخصوصًا لصنف بعينه غير عام في جميع المعسرين؛ لأنه يصبح التقدير لو نصب ذا: وإن كان المشتري ذا عسرة فنظرة، فتكون النظرة مقصورة عليه، وقد يجوز أن يكون التقدير: وإن كان المداين ذا عسرة، فيكون عامًا فيمن عليه دين وهو معسر، والرفع على كل حال أعم؛ لأنه يعم من عليه دين من قرض أو شراء وغير ذلك.\n[الكشف: ١/ ٣٢٢، وانظر: أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٦٤٦، والناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ١٠٧].\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]\n(^٤) قرأ عاصم وحده (تجارةً حاضرةً) بالنصب فيهما، وقرأ الباقون بالرفع فيهما.\n[السبعة لابن مجاهد: ١٩٣، النشر: ٢/ ١٧٨].\nوحجة من نصب أنه أضمر في (تكون) اسمها، ونصب (تجارة) على خبر (تكون)، و(حاضرة) نعت لتجارة، والتقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة.\nوحجة من رفع: فإنه جعل كان بمعنى: وقع وحدث، فتكون تامة لا تحتاج إلى خبر، كأنه قال: إلا أن تقع تجارة حاضرة. [الحجة لأبي علي الفارسي: ١/ ٥٠٠، الكشف: ١/ ٣٢١].","vol":"1","page":675},{"text":"فدا لبني شيبان أمي وخالتي ... إذا كان يوم ذو كواكب أشهب (^١)\nأي إذا وقع يوم بهذه الصفة.\nوقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (^٢) يريد من رؤوس أموالكم (^٣). ولو قال الذي قال: إن العسرة معطوفة على رأس مال المرء كان جائزًا، ولا فرق بين رأس المال (^٤) وبين غيره، والدين إذا قُدر على أدائه من الأمانات كالوديعة وما أشبه ذلك، الواجب الخروج منه؛ لأن مطل (^٥) الغني ظلم (^٦)، وإذا ثبت الإعسار فلا سبيل إلى المطالبة، ولا إلى الحبس بالدين، ولا خطاب إلى الميسرة (^٧).\n_________\n(^١) الذي وقفت عليه: فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... إذا كان يوم ذو كواكب أشهب\nوقد نسبه سيبويه في الكتاب: ١/ ٤٧ إلى مقاس العائذي، وكذلك نسبه إليه ابن منظور في اللسان: ١٣/ ٣٦٦، وذكره دون نسبة: النحاس في الناسخ والمنسوخ: ٢/ ١٠٦، وأبو علي الفارسي في الحجة: ١/ ٥٠١، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٦٤٦، وابن منظور في اللسان: ١/ ٥٠٩، والقرطبي في تفسيره: ٣/ ٣٧٣.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٨٠]\n(^٣) انظر تفسير الطبري: ٣/ ١١٣، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٦٥٦، تفسير ابن كثير: ١/ ٣٣١.\n(^٤) في الأصل: رأس المرء، والصواب ما أثبت.\n(^٥) الميم والطاء واللام أصل صحيح يدل على: مد الشيء وإطالته، ومعناه هنا: منع قضاء ما اُستحق أداؤه.\n[مقاييس اللغة: ٩٥٢، إكمال المعلم: ٥/ ٢٣٣].\n(^٦) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٧٩٩ كتاب الحوالات باب إذا أحال على ملي فليس له رد، و٢/ ٨٤٥ كتاب الاستقراض باب مطل الغني ظلم، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١١٩٧ كتاب المساقاة حديث: ٣٣.\n(^٧) قال القاضي عياض: وفيه - أي الحديث السابق- حجة لمالك والشافعي وعامة العلماء أنه: إذا كان معسرًا فلا يلزم سجنه ولا ملازمته ولا مطالبته حتى يكتسب مالًا. [إكمال المعلم: ٥/ ٢٣٣].\nوانظر في هذه المسألة: أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٦٤٨، والمغني: ٦/ ٥٨٥.","vol":"1","page":676},{"text":"قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (^١).\nقال * ابن عباس: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل قد أذن الله فيه، فهو مسمى في كتابه، وأذن فيه، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (^٢) الآية (^٣)، وقالت عائشة - ﵂ -: لما نزلت هذه الآية من آخر سورة البقرة خرج رسول الله - ﷺ - إلى المسجد فقرأ هن، ثم حرم التجارة في الخمر (^٤). وهذا والله أعلم قبل نزول تحريمها، ولما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة وجد الناس يسلفون في التمر السنتين والثلاثة، فقال: من سلف في تمر فليسلفه في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم (^٥).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]\n* لوحة: ٦٥/أ.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]\n(^٣) علقه البخاري في صحيحه: ٢/ ٧٨٤ كتاب السلم باب السلم إلى أجل معلوم، وقد وصله: الشافعي في الأم: ٣/ ٩٣، وعبد الرزاق في مصنفه: ٨/ ٥، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ٤٨٣ باب السلف في الطعام والتمر كتاب البيوع، وابن جرير في تفسيره: ٣/ ١١٧، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٥٥٤، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣١٤ التفسير سورة البقرة، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبيهقي في سننه: ٦/ ١٨ باب جواز السلف المضمون بالصفة من كتاب البيوع.\n(^٤) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٧٣٤ كتاب البيوع باب آكل الربا وشاهديه وكاتبه، و٤/ ١٦٥١ كتاب التفسير سورة البقرة، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٢٠٦ كتاب المساقاة حديث: ٦٩، ٧٠.\n(^٥) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٧٨١ كتاب السلم باب السلم في كيل معلوم، وباب السلم في وزن معلوم، ومسلم في صحيحه: ١١٢٦ كتاب المساقاة حديث: ١٢٧.","vol":"1","page":677},{"text":"وقال عبد الله بن أبي أوفى (^١): كنا نسلم على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر في الحنطة والشعير والتمر إلى قوم ما هو عندهم (^٢).\n_________\n(^١) عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي - واسم أبي أوفى: علقمة بن خالد بن الحرث بن أسد - أبو معاوية، وقيل: أبو إبراهيم، وقيل: أبو محمد، له ولأبيه صحبة، شهد الحديبية وخيبر وما بعد ذلك، لم يزل بالمدينة حتى مات رسول الله - ﷺ -، ثم نزل الكوفة وكان آخر من مات بها من الصحابة، ويقال: إنه مات سنة ٨٦ هـ.\n[الاستيعاب: ٢/ ٢٦٤، الإصابة: ٢/ ٢٧٩].\n(^٢) روى أبو داود في سننه: ٣/ ٢٧٥ باب في السلف كتاب البيوع عن عبد الله بن أبي أوفى قال: إنْ كنا نسلف على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر في الحنطة والشعير والتمر والزبيب. زاد ابن كثير؟ أحد رواة الحديث -: إلى قوم ما هو عندهم. ورواه النسائي في سننه: ٧/ ٣٣٤ باب السلم في الزبيب كتاب البيوع، وابن ماجة في سننه: ٢/ ٣٢ باب السلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم أبواب التجارات، وأحمد في مسنده: ... ٤/ ٣٥٤. وأصله في البخاري: ٢/ ٧٨٢ باب السلم في وزن معلوم كتاب السلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال: إنا كنا نسلف على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر في الحنطة والشعير والزبيب والتمر.","vol":"1","page":678},{"text":"وقال ابن عباس (^١)، وابن عمر (^٢)، وعبد الله بن معقل (^٣) (^٤)، وجماعة من التابعين (^٥): إنه لا بأس بالسلم.\nقال إسماعيل بن إسحاق: المداينة إلى أجل مسمى كل عاجل يباع بآجل، أو آجل يباع بعاجل، مثل: أن يبيع الرجل ثوبًا أو عبدًا أو دارًا أو ما أشبه ذلك من العروض (^٦)\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: ٤٠٥.\n(^٢) علقه البخاري في صحيحه: ٢/ ٧٨٤ كتاب السلم باب السلم إلى أجل معلوم، وقد وصله: مالك في الموطأ: ٢/ ٤٩٩ كتاب البيوع حديث: ٤٩، والشافعي في الأم: ٣/ ٩٤، وعبد الرزاق في مصنفه: ٨/ ٥، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ٤٨٢ باب السلف في الطعام والتمر، والبيهقي في سننه: ٦/ ١٩ باب جواز السلف المضمون بالصفة.\n(^٣) عبد الله بن معقل بن مُقرن المزني، أبو الوليد الكوفي، عن: أبيه، وعلي، وابن مسعود، وعنه: أبو إسحاق، ويزيد بن أبي زياد، ثقة مات سنة ٨٨ هـ. [الكاشف: ١/ ٦٠٠، والتقريب: ٥٤٨].\n(^٤) لم أقف عليه.\n(^٥) يروى هذا عن: الأسود، ورزين بن سليمان، والحسن. صحيح البخاري: ٢/ ٧٨٤ كتاب السلم باب السلم إلى أجل معلوم، وعبد الرزاق في مصنفه: ٥/ ٦، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ٤٨٢.\nوقد نقل ابن المنذر إجماع أهل العلم على جواز السلم إذا توافرت فيه شروط معينة.\n[انظر المغني: ٦/ ٣٨٥، تفسير القرطبي: ٣/ ٣٧٨].\n(^٦) العرْض بالسكون: المتاع، والدراهم والدنانير عين، وما سواهما عرض، والجمع: عُرْوض.\n\n[المصباح المنير: ٤٠٥].","vol":"1","page":679},{"text":"بدنانير إلى أجل، أو بدراهم إلى أجل، أو بطعام موصوف مسمى مبلغه إلى أجل، أو بعض ذلك من العروض إذا كان مخالفًا للعرض المبيع، أو قبل أن تشتري بدراهم عاجله أو بدنانير عاجله، أو بطعام عاجل عرضًا موصوفًا إلى أجل، إذا كان مخالفًا للعرض الأول، فهذا الذي ذكر الله في الآية، وتسميه الناس السلم (^١)،\nوقال ابن عباس - ﵁ - فيه: أن الله أباحه بالآية (^٢).\nقال الله ﷿ *: ﴿فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) السَّلم والسلف: عبارتان عن معنى واحد، يقال: أسلم وأسلف وسلف، وقد جاء افي الحديث، فكأنك قد أسلمت الثمن إلى صاحب السلعة وسلمته إليه، غير أن الاسم الأخص بهذا الباب السلم؛ لأن السلف يطلق على القرض، وهو نوع من البيوع الجائزة، مستثنى من النهي عن بيع ما ليس عندك، وهو متفق على مشروعيته، مختلف في بعض شروطه. [مقاييس اللغة: ٤٦٥، النهاية في غريب الحديث: ٢/ ٣٩٦، المغني: ٦/ ٣٨٤، تفسير القرطبي: ٣/ ٣٧٩، المصباح المنير: ٢٨٧، فتح الباري: ٤/ ٥٤٠].\n(^٢) سبق تخريجه ص: ٤٠٥.\n* لوحة: ٦٥/ب.\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]","vol":"1","page":680},{"text":"قال مالك بن أنس - ﵁ -: لا ينبغي أن يكتب الكتب بين الناس في مدايناتهم، ... ومبايعاتهم، وشروطهم إلا عارفًا بها، عدلًا في نفسه، مأمونًا على ما يكتبه لقوله ﷿: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ (^١)، وروى عبد الملك (^٢) عن مالك (^٣)، وقال المفسرون: ليس بواجب على الناس إذا دُعي الكاتب ليكتب فليس بواجب أن يفعل؛ إذ الكُتاب كثير، فإن كتب فلا يكتب إلا بالعدل، وكذا إذا دُعي الشهود للشهادة فليس يلزمهم، فإن شهدوا فلا يأب الشهداء إذا ما دعوا، فإذا أوقع شهادته لزمه إقامتها إذا دعي لإقامتها، فهذا موضع الفرض عليه.\nوأما قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ (^٤). وهذا على قسمين إن كان لا يوجد غيره، وإذا كان يوجد غيره، ومعناه: أن يكتب فلا يأب أن يكتب بالعدل (^٥)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]\n(^٢) عبد الملك بن عبد العزيز بن أبي سلمة بن الماجشون التيمي مولاهم المدني المالكي، تلميذ الإمام مالك، ... أبو مروان، تفقه به خلق كثير كأحمد بن المعذل، وابن حبيب، وسحنون، وغيرهم، مات سنة ٢١٢ هـ، وقيل غير ذلك. ... [الديباج: ٢/ ٦، سير أعلام النبلاء: ١٠/ ٣٥٩].\n(^٣) لم أقف على هذه الرواية، لكن ذكر هذا القول عن مالك ابن عطية في تفسيره: ٢/ ٣٦٠، والقرطبي في تفسيره: ٣/ ٣٨٤.\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]\n(^٥) انظر الخلاف في مسألة كتابة الديون هل هي على الوجوب أو الندب. تفسير الطبري: ٣/ ١١٧، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ١٠٩، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٦٥٨، تفسير القرطبي: ٣/ ٣٨٣.\n\nوانظر في مسألة إلزام الكاتب بالكتابة: تفسير الطبري: ٣/ ١١٩، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٦٦١، تفسير القرطبي: ٣/ ٣٨٤.","vol":"1","page":681},{"text":"﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ (^١) وهو المسيء الفعال في ماله: ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ (^٢) وهو: المختل العقل الذي يولى عليه: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (^٣) معناه: فليقر وليه بما عليه، وليشهد بما أشهد الولي به في مال المولى عليه إذا كان مأمونًا فهو لازم له، فظاهر قول الله ﷿: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ (^٤) يدل على أن القول قول من عليه الشيء، ومما يقوي ذلك قوله تعالى: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ (^٥) وعظه لما جعل القول قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (^٦) فالسفيه هاهنا المستحق للحجر عليه في ماله، والضعيف في عقله، والمجنون، والمعتوه، والذي لا يستطيع أن يمل الصغير، وهذا القول هو الذي يعمل به دون الذي قدمنا ذكره؛ لأن هؤلاء جميعًا يُولى عليهم، فلما قيل: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (^٧)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]\n(^٥) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]\n(^٦) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]\n(^٧) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]\n* لوحة: ٦٦/أ.","vol":"1","page":682},{"text":"عُلم أنه يُولى عليه للعلة * التي وصفنا، وقد ذكر السفيه في غير موضع آخر من القرآن، ودلت مواضعه على أن بعض ذلك أريد به السفه في الدين خاصة، وبعضه أريد به المال، قال الله ﷿: ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ (^١)، وقال ﷿: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ (^٢) فعلم أن السفه هاهنا في الدين، وقال ﷿: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (^٣) فعلم أن القصد في هذا الموضع المال، والسفيه يُولى عليه، ومعنى: ... ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ (^٤) وهي أموال السفهاء يريد: في أيديكم لتولونها لهم، والدليل على ذلك قوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ (^٥)، وإنما قيل: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ (^٦) كما قيل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٧) أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، وقال الله ﷿: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٨) أي: فليقتل بعضكم بعضًا، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (^٩).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٣]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٤٢]\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٥]\n(^٤) [سورة النساء: الآية ٥]\n(^٥) [سورة النساء: الآية ٥]\n(^٦) [سورة النساء: الآية ٥]\n(^٧) [سورة النساء: الآية ٢٩]\n(^٨) [سورة البقرة: الآية ٥٤]\n(^٩) [سورة النور: الآية ٦١]","vol":"1","page":683},{"text":"والسفه - والله أعلم، وإن كان في موضع أريد به الدين، وموضع أريد به المال - يرجع إلى معنى واحد وهو الجهل في الشيء الذي قصد له، فالسفيه في الدين هو الجاهل فيه، والسفيه في المال هو الجاهل فيه، والسفيه في عقله هو الجاهل فيه، يقول الشاعر:\nنخاف أن تسفه أحلامنا ... ونخمل الدهر مع الخامل (^١)\nوقد روي في تفسير: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (^٢) عن التابعين، فقال بعضهم: النساء والصبيان. وقال بعضهم: اليتامى. وسنذكر ذلك في سورة النساء إن شاء الله ﷿، فإنه غلط عظيم.\n\nقال الله ﷿ *: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (^٣)\nقال مالك - ﵁ -: ظاهر الآية يدل على أنهم الأحرار (^٤)،\n_________\n(^١) الخامل: الخفي الساقط الذي لا نباهة له، يقال: هو خامل الذكر والصوت.\n[مقاييس اللغة: ٣١٤، لسان العرب: ١١/ ٢٢١].\nالبيت في طبقات فحول الشعراء: ١/ ٢٨٢ ونسبه إلى الربيع بن أبي الحقيق من بني النضير، وفيه: فنخمل الدهر مع الخامل، وذكره الجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٦٦٧ دون نسبة، وفيه: فنحمل الدهر مع الحامل، وعند ابن عساكر في تاريخ دمشق: ٢١/ ٢٣٤ فنحمل الدهر مع الخامل، ونسبه إلى سعيد بن عريض بن عادياء، وفي موضع آخر: ٤٥/ ٣٠٦ نسبه إلى الربيع بن أبي الحقيق اليهودي، وعند القرطبي في تفسيره: ٣/ ٣٨٦ دون نسبة، وفيه: ويجهل الدهر مع الحالم.\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٥]\n* لوحة: ٦٦/ب.\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]\n(^٤) لم أقف عليه بنصه، لكن انظر مذهب المالكية في عدم قبول شهادة العبيد عمومًا في: الإشراف للقاضي ... عبد الوهاب: ٢/ ٩٧١، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٣٣٩، تفسير القرطبي: ٣/ ٣٩٠، الذخيرة للقرافي: ١٠/ ٢٢٦.\n\nوهذا قول: مجاهد، وعطاء، والحسن، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، والشافعي، وذهب الحنابلة إلى قبولها فيما عدا الحدود والقصاص.\nوممن ذهب إلى قبولها: علي، وأنس، وعروة، وشريح، وإياس، وابن سيرين، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر.\nأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٦٧٥، اختلاف العلماء للمروزي: ٢٨٢، المغني: ١٤/ ١٨٥.","vol":"1","page":684},{"text":"وقال ذلك مجاهد (^١)، وكذلك قول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٢) فالظاهر أنه أريد به الأحرار الذكور (^٣)، وكذا قال: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (^٤) فـ (منكم) معطوف على الرجال الأحرار، فهن الحرائر؛ لأنه قال بعد ذلك: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (^٥) فسموا بالعبيد والإماء، ولم يدخلوا في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ (^٦)، وكذلك يسمون في سائر القرآن. قال الله ﷿: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ (^٧)،\n_________\n(^١) رواه سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٩٩١، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ٢٩٨ باب من قال لاتجوز شهادة العبيد، وابن جرير في تفسيره: ٣/ ١٢٣، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٥٦٠، والبيهقي في سننه: ١٠/ ١٦١ باب من رد شهادة العبيد ومن قبلها.\n(^٢) [سورة الطلاق: الآية ٢]\n(^٣) قال ابن العربي: قال مجاهد: أراد من الأحرار، واختاره القاضي أبو إسحاق، وأطنب فيه.\n[أحكام القرآن: ١/ ٣٣٢].\n(^٤) [سورة النور: الآية ٣٢]\n(^٥) [سورة النور: الآية ٣٢]\n(^٦) [سورة النور: الآية ٣٢]\n(^٧) [سورة البقرة: الآية ٢٢١]","vol":"1","page":685},{"text":"وقال: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (^١) فلذلك تجيء أسماؤهم في المعاملة بين الناس، والشاهد إنما هو قوّام بعدل، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (^٢) فذكر الشهادة مع القيام بالعدل فجرت الشهادة مجرى الحكم، وعلم أن هذه المخاطبة أريد بها الأحرار؛ لقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ (^٣) فعلم أنه القسط بين الناس وأنها الحقوق بينهم، وقال: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (^٤) فكان إقرار الحر على نفسه بالمال جائزًا، ولم يكن إقرار العبد على نفسه بالمال جائزًا (^٥). وقال جل وعز: ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ (^٦) فدل ذكر الغنى والفقر في الوالدين والأقربين على أنه أريد به الأحرار، وأنها في الأحرار؛ لأنهم الذين * ينفق بعضهم على بعض، ويوارث بعضهم بعضًا، فأمروا ألا يميلوا إليهم بغير الحق. فلما لم يجز أن يكون العبد حاكمًا لم يجز أن يكون شاهدًا، ولم يجز أن تكون المرأة حاكمًا وإن كانت تجوز شهادتها مع شهادة أخرى؛ لأن أحداهما قد ضمت الأخرى للشهادة. ولا يجوز أن تضم الواحدة إلى الأخرى فتكونا بمنزلة حاكم فيكون أحدهما نصف حاكم.\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٢٥]\n(^٢) [سورة النساء: الآية ١٣٥]\n(^٣) [سورة النساء: الآية ١٣٥]\n(^٤) [سورة النساء: الآية ١٣٥]\n(^٥) في الأصل: جائز، والصواب ما أثبت.\n(^٦) [سورة النساء: الآية ١٣٥]\n* لوحة: ٦٧/أ.","vol":"1","page":686},{"text":"وأما قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (^١) فالعبد لا يجوز له أن يشهد إلا بإذن سيده، فخرج ممن خوطب بالشهادة وإقامتها، والشهادة مفترضة على الناس في الجملة،وليست على كل إنسان؛ لأن الناس يكفي بعضهم بعضًا كالجهاد، ولا يجوز أن تكون هذه الجملة مفترضة على من لا يقدر أن يفعلها إلا بأمر غيره، فخرج العبد عن أن يكون داخلًا في المخاطبة بالشهادة والحكم (^٢) والجهاد، ولو كان مخاطبًا بالغزو لكان له سهم. وقد قال ابن عباس - ﵁ -: أن النساء والعبيد كانوا يحضرون الجهاد مع رسول الله - ﷺ - فلم يكن يضرب لهم بسهم، وكان يرضخ (^٣) لهم (^٤).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]\n(^٢) في الأصل: كرر كلمة (والحكم) مرتين.\n(^٣) الراء والضاد والخاء المهملة يدل على كسر، يقال: رضخ له إذا أعطاه شيئًا ليس بالكثير، كأنه كسر له من ماله كسرة، فالرضخ: العطية القليلة. [مقاييس اللغة: ٣٨٧، النهاية في غريب الحديث: ٢/ ٢٢٨].\n(^٤) روى الإمام أحمد في مسنده: ١/ ٢٢٤ عن عطاء عن ابن عباس، وفيه: وأما العبد فليس له من المغنم نصيب، ولكنهم قد كان يرضخ لهم. وقد روى نحوه أبو داود في سننه: ٣/ ٧٤ باب في المرأة والعبد يُحذيان من الغنيمة كتاب الجهاد.\nوأصله في مسلم: ٣/ ١٤٤٦ كتاب الجهاد والسير حديث: ١٤٠ عن ابن عباس، وفيه: وسألتَ عن المرأة والعبد هل كان لهما سهم معلوم إذا حضروا البأس؟ فإنهم لم يكن لهم سهم معلوم إلا أن يحذيا من غنائم القوم.","vol":"1","page":687},{"text":"أنا إسماعيل (^١) قال: نا علي بن المديني (^٢) قال: نا عبدالله بن وهب (^٣) قال: نايونس بن يزيد الأيلي (^٤) عن الزهري (^٥) عن سعيد بن المسيب (^٦) قال: قضى عثمان بن عفان - ﵁ - في الصغير يشهد بعد كبره، والنصراني بعد إسلامه، والعبد بعد عتقه، أنها جائزة إن ... لم تكن ردت عليهم قبل ذلك (^٧). وهذا قول إمام بإسناد جيد، والروايات * في هذا تكثر.\nقال الله ﷿: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (^٨).\n_________\n(^١) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق، تقدم.\n(^٢) علي بن عبد الله المديني ثقة ثبت إمام، تقدم.\n(^٣) عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري الفقيه، عن: مالك بن أنس، ويونس الأيلي، وعنه: سعيد بن منصور، وعلي بن المديني، ثقة حافظ عابد، مات سنة: ١٩٧ هـ.\n[تهذيب الكمال: ١٦/ ٢٧٧، والتقريب: ٥٥٦].\n(^٤) يونس بن يزيد الأيلي ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا وفي غير الزهري خطأ، تقدم.\n(^٥) محمد بن مسلم الزهري متفق على جلالته وإتقانه وثبته، تقدم.\n(^٦) سعيد بن المسيب أحد العلماء الأثبات، تقدم.\n(^٧) رواه سحنون في المدونة: ٤/ ٢٠ من طريق ابن وهب به، وابن حزم في المحلى: ٩/ ٤١٢ من طريق ابن وهب به، وصححه ابن حزم.\n* لوحة: ٦٧/ب.\n(^٨) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]","vol":"1","page":688},{"text":"قرأها بعضهم: (فَتُذْكِرَ إحداهما) بالتخفيف. وقرأها آخرون بالتثقيل، وهما لغتان مستعملتان والمعنى فيهما واحد، تقول: ذكرّت فلانًا وأذكرت فلانًا، ومعناهما إن نسيت إحداهما أذكرتها الأخرى (^١).\n_________\n(^١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد، وقرأ حمزة برفع الراء، والباقون بفتحها. ... [السبعة لابن مجاهد: ١٩٣، النشر: ٢/ ١٧٨].\nوحجة من قرأ بالتشديد: أنه عدى الفعل إلى مفعولين، الأول: الأخرى، والثاني: محذوف تقديره: فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة، والتذكير يحتاج إلى مذكر ومذكر به.\nوحجة من قرأ بالتخفيف: أنه عدى الفعل بالهمز، والهمز كالتشديد في التعدي، تقول: ذكرته كذا وأذكرته كذا، فالمفعول أيضًا محذوف، فالقراءتان بمعنى واحد، إلا أن التشديد معه معنى التكثير، على معنى تذكير بعد تذكير، ويحتمل أن يكون في المعنى كأذكرته، فالقراءتان متعادلتان.\nومن قرأ برفع الراء فعلى القطع بعد الفاء، ومن قرأ بفتحها فعلى العطف على: أن تضل.\nوقد ذهب البعض: كأبي عمرو البصري، وابن عيينة إلى أن من خفف فهو من الذَّكَر الذي هو ضد الأنثى، أي: أن المرأة إذا شهدت مع الأولى ذكرتها أي: جعلتها كالذَّكَر، أي: كالرجل الذي لا يحتاج إلى غيره في الشهادة.\nقال ابن عطية: وهذا تأويل بعيد غير فصيح، ولا يحسن في مقابلة الضلال إلا الذِكر.\n[تفسير الطبري: ٣/ ١٢٤، حجة القراءة لابن زنجلة: ١٥٠، الكشف: ١/ ٣٢٠، المحرر الوجيز: ٢/ ٣٦٧].","vol":"1","page":689},{"text":"وإذا دعي الشاهد لإقامة الشهادة وقد كان شهد فكل أهل العلم ألزموا الشاهد إقامتها إذا دعي لها وقد كانت شهادته تقدمت، هذا غير مختلف فيه أنه قد لزمه (^١) الإقامة، وقبل أن يشهد فليس عليه أن يشهد؛ لأنه شيء على الجملة، وليس بهم ضرورة إلى إنسان بعينه والله أعلم (^٢).\nقال الله ﷿: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: لزمته.\n(^٢) ذهب جمهور أهل العلم إلى أن تحمل الشهادة وأداءها فرض على الكفاية، وأنه إن كانت عند الإنسان شهادة فدعي إلى أدائها لزمه ذلك، مالم يكن عليه ضرر في ذلك، أو كان عنده عذر.\n[الأم: ٣/ ٩٢، تفسير الطبري: ٣/ ١٢٦، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٧١٠، الذخيرة: ١٠/ ١٥٢، المغني: ١٤/ ١٢٤، تفسير القرطبي: ٣/ ٣٩٨].\nقال ابن عطية: والآية كما قال الحسن جمعت أمرين على جهة الندب، فالمسلمون مندوبون إلى معونة إخوانهم، فإذا كانت الفسحة لكثرة الشهود والأمن من تعطل الحق فالمدعو مندوب، وله أن يتخلف لأدنى عذر، وإن تخلف لغير عذر فلا إثم عليه ولا ثواب له، وإذا كانت الضرورة وخيف تعطل الحق أدنى خوف، قوي الندب، وقرب من الوجوب، وإذا علم أن الحق يذهب ويتلف بتأخر الشاهد عن الشهادة فواجب عليه القيام بها، لا سيما إن كانت محصلة، وكان الدعاء إلى أدائها فإن هذا الظرف آكد؛ لأنها قلادة في العنق وأمانة تقتضي الأداء.\n[المحرر الوجيز: ٢/ ٣٦٨].\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]","vol":"1","page":690},{"text":"قول مالك في هذا: أن الإنسان مخير في أن يكتب على غريمه، ومخير في أن يأتمنه فيدع ماله في ذمته بغير شهادة، وأن ما أمروا به من الكتاب والشهادة على (^١) سبيل الاحتياط لهم إن اختاروا ذلك، وقد اختلف المفسرون في تفسير ذلك فقال بعضهم: الإشهاد واجب (^٢)، وقال بعضهم: ليس بواجب (^٣)، وقال بعضهم: إن قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (^٤) ناسخ (^٥) لما مضى من أمر الشهادة (^٦)،\n_________\n(^١) في الأصل: لا على سبيل الاحتياط، والصواب ما أثبت.\n(^٢) يروى هذا عن: ابن عمر، وأبي موسى الأشعري، وابن سيرين، وأبي قلابة، والضحاك، وجابر بن زيد، ومجاهد، وعطاء، وهذا ما رجحه الطبري.\nالناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ١٤٤، مصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ٣٠٤ باب في الإشهاد على الشراء والبيع، وتفسير الطبري: ٣/ ١٣٤، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ١٠٩، تفسير القرطبي: ٣/ ٤٠٢.\n(^٣) يروى هذا عن: الشعبي، والحسن، وهو قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، بل قال ابن العربي: قاله الكافة وهو الصحيح، وقال ابن كثير: وهذا الأمر محمول عند الجمهور على الإرشاد والندب لا على الوجوب.\nالأم: ٣/ ٨٧، مصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ٣٠٤ الموضع السابق، تفسير الطبري: ٣/ ١٣٤، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٧١١، الإيضاح لمكي: ١٩٦، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٣٤٢، المغني: ٦/ ٣٨١، تفسير ابن كثير: ١/ ٣٣٦.\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ٢٨٣]\n(^٥) في الأصل: ناسخًا، والصواب: ما أثبت.\n(^٦) ممن روي عنه هذا: أبو سعيد الخدري، والحسن، والحكم، وعبد الرحمن بن زيد.\nالناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ١٤٥، مصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ٣٠٤ الموضع السابق، تفسير الطبري: ٣/ ١١٨، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ١١١، نواسخ القرآن: ٢٦٥، الإيضاح: ١٩٦.\nوقد رجح ابن جرير، والنحاس، ومكي، وابن الجوزي عدم النسخ وأن الآية محكمة، قال ابن الجوزي: وهذا ليس بنسخ؛ لأن الناسخ ينافي المنسوخ، ولم يقل هاهنا: فلا تكتبوا، ولا تشهدوا، وإنما بين التسهيل في ذلك.\n[المراجع السابقة].","vol":"1","page":691},{"text":"والله أعلم بما أراد من ذلك. وليس يحرم على الإنسان بإجماع الجماعة * أن يهب الرجل ماله وأن يودعه (^١)، فلما كانا جائز ين كان للإنسان أن يأمن على ماله من شاء في الأمانة والذمة، لا يحرم ذلك عليه؛ لأن الذي حرم الله عليهم في البيوع الربا (^٢)، وأبواب الغرر (^٣) إذ كان ذلك كله في الأثمان نفسها إلى بعضها، عوض من بعض، فأما الثمن إذا ملكه إنسان فسواء ائتمن عليه مبايعة، أو إنسان غيره، وكذلك أمروا بالرهن احتياطًا كما أمروا بالشهادة احتياطًا ووثيقة بالمال، وذكر الرهن إذا لم تمكن الشهادة ليعلم أن الرهن يكون وثيقة إلى منتهى مبلغه كما تكون الشهادة وثيقة لمبلغ الشيء لمن أراد تركهما ثقة بمعاملته وسكونًا إليه، كان له ذلك، كما له أن يودع ماله من شاء، فإن أراد الاستيثاق لماله فقد جعل الله الشهادة والرهن وثيقة، فإذا أخذ الرهن وأشهد على أنه رهن فقد توثق لماله، وإذا أشهد شاهدين فقد توثق لماله.\nوقد قال العراقيون - مخالفة لباطن الآية ومخالفة للسنة - بترك إجازة الشاهد واليمين (^٤)،\n_________\n* لوحة: ٦٨/أ.\n(^١) قال ابن قدامة: أجمع علماء كل عصر على جواز الإيداع والاستيداع. [المغني: ٩/ ٢٥٦].\n(^٢) قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].\n(^٣) الغرر هو: ما كان له ظاهر يغر المشتري، وباطن مجهول. [النهاية في غريب الحديث: ٣/ ٣٥٥].\nوقد روى مسلم في صحيحه: ٣/ ١١٥٣ كتاب البيوع حديث: ٤ عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر.\n(^٤) شرح معاني الآثار: ٤/ ١٤٨، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٧٠١.\nوممن وافق العراقيين: محمد بن زفر، وابن شبرمة، والأوزاعي، والليث، والحكم، وشعبة، ووافقهم من المالكية: يحيى بن يحيى، والأندلسيون.\n[أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٧٠١، إكمال المعلم: ٥/ ٥٥٩، تفسير القرطبي: ٣/ ٣٩٣].","vol":"1","page":692},{"text":"ولما جعل الله الشاهدين - مع علمه بأن أحدهما قد يموت قبل صاحبه ويبقيه - لم يجز أن يأمر بما في علمه أنه غير وثيقة، فلما علم الله ﷿ ذلك، وكانت اليمين للمدعى عليه إذا لم تكن بينة يدفع بها عن نفسه لقوته باليد (^١) المدعى عليه، كان المدّعي إذا مات أحد الشاهدين أقوى بالشاهد الواحد من المدعى عليه باليد؛ إذ كانت يده بيانًا منه، وشهادة الشاهد بيانًا للمدعي من غيره، فوجب بذلك أن تكون اليمين * له، فيكون ما أمر الله به وثيقة صحيحة منا، إذا بطل (^٢) بعضها لم يبطل المال ببعضها، كالرهن الذي جعله الله وثيقة متى تلف تلفًا ظاهرًا كان المال ثابتًا على الغريم لا يزول بتلف الرهن، فيكون ما حكم به النبي - ﷺ - من الشاهد واليمين (^٣) مستخرجًا من باطن الآية.\n_________\n(^١) اليد يعبر بها عن اليمين، وذلك أن اليمين سميت بذلك؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل واحد منهم بيمينه على يمين صاحبه، وقيل: سميت باسم يمين اليد؛ لأنهم كانوا يبسطون أيديهم إذا تحالفوا وتعاقدوا.\n[اللسان: ١٣/ ٤٦٣].\n* لوحة: ٦٨/ب.\n(^٢) في الأصل: بطل بعضها لم يبطل المال ببعضها، والصواب ما أثبت.\n(^٣) روى مسلم في صحيحه: ٣/ ١٣٣٧ كتاب الأقضية حديث: ٣ عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - قضى بيمين وشاهد.\nوقد أخذ بهذا الحديث جمهور أهل العلم من السلف والخلف، روي ذلك عن: الخلفاء الراشدين، والفقهاء السبعة، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وشريح، وربيعة، ومالك، وابن أبي ليلى، وأبي الزناد، والشافعي، وأحمد.\nالأم: ٦/ ٢٥٤، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٩٦٤، المغني: ١٤/ ١٣٠، تفسير القرطبي: ٣/ ٣٩٣.","vol":"1","page":693},{"text":"وزعم غيرنا أنه يقضى بالشاهد مع اليمين، وهو مع ذلك يدعي من علم القرآن ما لم نر أحدًا ادعاه، ثم يقول مع ذلك: إنه لا يحكم بالمرأتين واليمين (^١)، فكأنه جعل ما أمر الله به وثيقة لا وثيقة، وقد قال ﵎: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (^٢) ولم يختلف الفقهاء أن ذلك ليس على عدم الرجلين فتُشهد المرأتين عند عدم أحد الرجلين (^٣)، وإنما هو إن لم يحضر رجلان وحضر رجل وامرأتان فأشهدهم (^٤)، فإن كانت المرأتان تقومان مقام رجل فاليمين معهما واجبة كوجوبها مع الرجل، وإن كانتا تنقصان عن الرجل فقد صار الرجل مع المرأتين شهادته شهادة رجل وبعض رجل آخر، وهذا ما لا وجه له، ولا يقوله أحد من أهل العلم، ولا يسوغ في عقل (^٥).\nوقد اختلف أيضًا في الرهن (^٦)\n_________\n(^١) يقصد بذلك الإمام الشافعي ﵀، وفيه عرَّض بإمام جليل عفا الله عنه، وانظر كلام الإمام الشافعي في هذه المسألة: الأم: ٧/ ٣، ووافقه الحنابلة: ١٤/ ١٣٢.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]\n(^٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: فتُشهد المرأتين عند عدم الرجلين.\n(^٤) قال ابن عطية: والمعنى في قول الجمهور: فإن لم يكن المستشهد رجلين، أي إن أغفل ذلك صاحب الحق، أو قصده لعذر ما، وقال قوم: بل المعنى فإن لم يوجد رجلان، ولا يجوز استشهاد المرأتين إلا مع عدم الرجال، وهذا قول ضعيف ولفظ الآية لا يعطيه بل الظاهر منه قول الجمهور. [المحرر الوجيز: ٢/ ٢٦٣].\n(^٥) فيما ذكر المؤلف نظر، قال الشافعي: ومن قال: امرأتان تقومان مقام الرجل، قيل: إذا كانتا مع رجل، ولزمه عندي أن يقول: لو شهد أربع نسوة لرجل بحق أخذه، كما يأخذه بشاهدين، وشاهد وامرأتين ولا أحسب أحدا يقول بهذا القول. [الأم: ٧/ ٣].\n(^٦) قدم المؤلف هذه المسألة مع أن حقها التأخير عند قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].\nالرهن لغة: الراء والهاء والنون أصل يدل على ثبات شيء يُمسك بحق أو غيره، والشيء الراهن: الثابت الدائم.\n[مقاييس اللغة: ٤٠٧].\nوشرعًا: احتباس عين وثيقة بالحق ليستوفى الحق من ثمنها أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم.\n[المغني: ٦/ ٤٤٣، تفسير القرطبي: ٣/ ٤٠٩]","vol":"1","page":694},{"text":"إذا تداعيا ما عليه، فقال المرتهن: هو عندي على مائة، وقال الراهن: بل هو على خمسين. فقال أكثر المفسرين: القول قول المرتهن (^١)، وقال بعضهم: القول قول الراهن (^٢)، وقال بعضهم: القول قول المرتهن إلى قيمة الرهن، وهذا الأخير هو قول مالك - ﵁ - وأهل المدينة (^٣)، وهو أشبه بظاهر القرآن؛ لأن الله ﷿ يقول *: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (^٤)\n_________\n(^١) يروى هذا عن: الحكم، والحسن، وسعيد بن جبير، والزهري، وطاوس، ويحيى بن سعيد.\nمصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ٢٩٩ في الراهن والمرتهن يختلفان، الاستذكار: ٢٢/ ١١٩.\n(^٢) يروى هذا عن: الحسن، وإبراهيم النخعي، وابن شبرمة، وعطاء، وإياس بن معاوية، وهو قول الثوري، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، ومذهب أحمد.\nالأم: ٣/ ١٤٩، مصنف عبد الرزاق: ٨/ ٢٤٣، مصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ٢٩٩ الموضع السابق، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٧٢٧، المغني: ٦/ ٥٢٤.\n(^٣) المدونة: ٤/ ١٤٥، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٥٨٥، الاستذكار: ٢٢/ ١١٩، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٣٤٥.\n* لوحة: ٦٩/أ.\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ٢٨٣]","vol":"1","page":695},{"text":"فوعظ المرتهن ولم يعظ الراهن؛ لأنه قد توثق منه، فكان الرهن وثيقة لحقه، كالشهادة وثيقة لحقه، فكل من كان القول قوله موعوظًا، ألا تراه قال في أول الآية: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ يُدَبِّرُ﴾ (^١) ولم يقل ذلك عن الشهادة والرهن (وليتق الله ربه)؛ لأنه قد توثق منه فصار القول قول المرتهن مع يمينه إلى مبلغ قيمة الرهن، فإن ادعى مرتهن فوق قيمة الرهن لم يحكم له إلا بقيمة الرهن، وكان فيما ادعاه من الفضل بمنزلة من ادعى على رجل حقًا لا وثيقة بيده منه، فكانت اليمين فيه على الراهن (^٢)، وإنما نقول هذا في الرهن إذا ثبت أنه رهن، أو تقاررا على الرهن، فأما إذا قال صاحبه: إنه وديعة، وادعى الذي هو في يده: الرهن، فالقول قول مالك السلعة، واليمين له، فيستحق بها (^٣).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]\n(^٢) انظر كلام القاضي إسماعيل في الاستذكار: ٢٢/ ١١٨، وقد أورد الجصاص في أحكامه: ٢/ ٧٢٧ كلام القاضي إسماعيل وأجاب عنه.\nوقد رجح القرطبي القول الثاني، وأجاب عما ذكر أنه حجة لمالك، حيث قال: لما قال الله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ دل ذلك على أنه مؤتمن فيما يورده ويصدره فيقتضي ذلك قبول قول الراهن مع يمينه، إذا اختلف هو والمرتهن في مقدار الدين، والرهن قائم، فيقول الراهن: رهنت بخمسين، والمرتهن يدعي مائة، فالقول قول الراهن والرهن قائم وهو مذهب أكثر الفقهاء.\nثم قال: وقال مالك: القول قول المرتهن فيما بينه وبين قيمة الرهن ولا يصدق على أكثر من ذلك، فكأنه يرى أن الرهن ويمينه شاهد للمرتهن، وقوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ رد عليه فإن الذي عليه الحق هو الراهن.\n[الجامع لأحكام القرآن: ٣/ ٣٨٨].\n(^٣) المدونة: ٤/ ١٤٥.","vol":"1","page":696},{"text":"وأما قوله ﷿: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ (^١) يقول ألا تشكوا في الشهادة، يعني إذا كان الشهود ممن يرضاه الحاكم الذي يستحق أن يكون حاكمًا، ألا تراه قال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (^٢) وهذه مخاطبة للحكام (^٣).\nوأما قوله ﷿: ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ (^٤) فهذا مما لا ينبغي أن يكتبوه؛ لأنه شيء يتعاطونه في اليوم مرارًا.\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]\n(^٣) فيما ذكر المؤلف - هنا نظر - من أن الخطاب للحكام، قال ابن عطية: قال ابن بكير وغيره قوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾ مخاطبة للحكام. =\nقال القاضي أبو محمد: وهذا غير نبيل، إنما الخطاب لجميع الناس لكن المتلبس بهذه القضية إنما هم الحكام، وهذا كثير في كتاب الله يعم الخطاب فيما يتلبس به البعض. [المحرر الوجيز: ٢/ ٣٦٥].\nوفيما ذكره أيضًا من إرجاع الضمير (ذلكم) إلى قوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ نظر، فإن قوله: (ذلكم) راجع إلى قوله: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ قال ابن جرير: (ذلكم) اكتتاب الدين إلى أجله. [جامع البيان: ٣/ ١٣١].\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]","vol":"1","page":697},{"text":"وأما قوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (^١) فمعناه - والله أعلم، وإن كان التفسير فيه اختلاف (^٢) فإن أحسنه -: ولا يضار كاتب فيكتب ما ليس بحق، أو يفسد ما يكتبه ليبطل به الحق، ولا يضار * الشهيد بالامتناع من إقامة الشهادة في الوقت الذي يرجو به وصول الحق إلى مستحقه (^٣)، ولا يكتب الكاتب غير الذي أملي عليه، ولا يُحول الشاهد شهادته من كتاب إلى كتاب ليصير الحق حقين.\nقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ (^٤) والفسوق الكذب والعدول عن الواجب (^٥)، فيفسق الكاتب فيفسد كتابه، ويفسق الشاهد فيحول شهادته، وقال\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]\n(^٢) في هذه الآية ثلاثة أقوال: الأول: لا يضار كاتب فيكتب ما لم يمل عليه، ولا شهيد فيشهد بما لم يستشهد، وهذا قول طاوس، والحسن، وقتادة، وابن زيد. الثاني: ألا يضار الكاتب بأن يمتنع عن الكتابة، والشاهد عن الشهادة، وهذا قول: ابن عباس، وعطاء، ومجاهد. الثالث: لا يضار المستكتب والمستشهد الكاتب والشهيد، بأن يدعو الكاتب والشهيد وهما مشغولان معذوران، وهذا يروى عن: ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، والسدي، وهذا ما رجحه ابن جرير.\n[تفسير الطبري: ٣/ ١٣٤، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٣٤٢].\n* لوحة: ٦٩/ب.\n(^٣) في الأصل: إلى حقه، ولعل الصواب ما أثبت.\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]\n(^٥) الفاء والسين والقاف كلمة واحدة وهي: الفسق، وهو الخروج عن الطاعة.\n[مقاييس اللغة: ٨١٧].","vol":"1","page":698},{"text":"أبو الأسود الديلي (^١):\nوتركك بر الوالدين تجنيًا ... لحقهما عند الإله فسوق (^٢)\nوأما قوله ﷿: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (^٣).\nفقد اختلف الناس فقال قوم: لا يكون رهنًا حتى يكون مقبوضًا (^٤)، وقال آخرون: يكون رهنًا، ولا يصح إلا بالقبض (^٥). وقال آخرون: إذا كان الرهن على يد عدل فليس بمقبوض (^٦)،\n_________\n(^١) ظالم بن عمرو بن جندل، أبو الأسود الدؤلي، ويقال: الديلي، معتبر في الشعراء، والتابعين، والمحدثين، والنحويين، ولد أيام النبوة، وحدث عن جمع من الصحابة، قاتل مع علي يوم الجمل، وكان من وجوه الشيعة وأكملهم عقلًا، وهو أول من نقط المصاحف. [الشعر والشعراء: ٢/ ٧٢٩، سير أعلام النبلاء: ٤/ ٨١].\n(^٢) لم أقف عليه لا في ديوانه ولا في غيره.\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٨٣]\n(^٤) هذا يروى عن: سعيد بن جبير. مصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ٤٠٤ في الرهن إذا كان على يد عدل أيكون مقبوضًا؟ تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٦٩.\n(^٥) وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي، ورواية عن أحمد. وذهب مالك، ورواية عن أحمد إلى أنه يلزم الرهن بمجرد العقد قبل القبض. الأم: ٣/ ١٩٣، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٧١٤، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٥٧٦، المغني: ٦/ ٤٤٥، تفسير القرطبي: ٣/ ٤١٠.\nقال ابن رشد: فأما القبض فاتفقوا بالجملة على أنه شرط في الرهن لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ واختلفوا هل هو شرط تمام أو شرط صحة؟ وفائدة الفرق: أن من قال شرط صحة قال: ما لم يقع القبض لم يلزم الرهن الراهن، ومن قال: شرط تمام قال يلزم العقد ويجبر الراهن على الإقباض إلا أن يتراخى المرتهن عن المطالبة حتى يفلس الراهن أو يمرض أو يموت. [بداية المجتهد: ٢/ ٣٥١].\n(^٦) هذا يروى عن: الحكم، وقتادة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والأوزاعي.\nمصنف عبد الرزاق: ٨/ ٢٤١، مصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ٤٠٤ الموضع السابق، أحكام القرآن للجصاص: ... ١/ ٧١٦، المحلى: ٨/ ٨٨، تفسير القرطبي: ٣/ ٤١٠.","vol":"1","page":699},{"text":"وقال آخرون: وهو مقبوض، قول مالك؛ لأن القبض إنما يكون على مالك الرهن، فإذا كان مقبوضًا على مالكه فسواء كان على يدي المرتهن أو على يد عدل (^١).\nقال الله ﷿: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ (^٢) إلى قوله ﷿: ﴿مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (^٣) قال النبي - ﷺ -: إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به (^٤). وقال - ﵇ -: تجاوز الله ﷿ لأمتي عن ثلاث عن: الخطأ والنسيان والكره (^٥). ولما نزلت هذه الآية وقد كانت نزلت على من قبلنا من الأمم فأبوها فألزموها، وهو قوله ﷿: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٦)\n_________\n(^١) وهذا يروى عن: عطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، وهو قول جمهور أهل العلم: مالك، والثوري، وابن المبارك، وإسحاق، وأبي ثور، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، حيث ذهبوا إلى أن قبض العدل قبض.\nالأم: ٣/ ١٤١، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٧١٦، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٥٨٠، المغني: ٦/ ٤٧٠، تفسير القرطبي: ٣/ ٤١٠.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٨٤]\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٨٦]\n(^٤) رواه البخاري في صحيحه: ٥/ ٢٠٢٠ كتاب الطلاق باب الطلاق في الإغلاق والكره، و٦/ ٢٤٥٤ الأيمان والنذور باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان، ومسلم في صحيحه: ١/ ١١٦ كتاب الإيمان حديث: ٢٠١، ٢٠٢.\n(^٥) روى ابن ماجة في سننه: ١/ ٣٧٨ باب طلاق المكره والناسي من أبواب الطلاق عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. ورواه أيضًا: ابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٥٧٩، وابن حبان في صحيحه: ١٦/ ٢٠٢، والدارقطني في سننه: ٤/ ١٧١ النذور حديث: ٣٣، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٢١٦ كتاب الطلاق، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n(^٦) [سورة البقرة: الآية ٢٨٤]\n* لوحة: ٧٠/أ.","vol":"1","page":700},{"text":"*فلما نزلت على نبينا - ﷺ - جزع أصحابه منها كجزع من تقدمهم، فاستكانوا لها مِنّة من الله عليهم، فقال النبي - ﷺ -: قولوا سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير، فأنزل الله ﵎: ... ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (^١)، ثم أنزل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (^٢) يريد ما عملت دون ما حدثت به أنفسها، ثم أمرهم فقال قولوا: ... ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (^٣) (^٤). فالإصر هو: ما أتته الأمم وهو الخطأ والنسيان، وما أراده الإنسان بقلبه ولم يفعله، فألزموه (^٥)، فقال الله ﷿ لما دعا نبينا - ﷺ -: قد فعلت (^٦). ورفع الإصر عنا، وذلك من نعم الله التي لا يؤدى شكرها، والحمد لله كما هو أهله.\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٨٥]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٨٦]\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٨٦]\n(^٤) رواه مسلم في صحيحه: ١/ ١١٥ كتاب الإيمان حديث: ١٩٩.\n(^٥) الإصر هو: العهد، والخطأ والنسيان من أسباب تضيع هذه العهود والمواثيق وعدم القيام بها.\n[تفسير الطبري: ٣/ ١٥٦، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٧٣٥].\n(^٦) رواه مسلم في صحيحه: ١/ ١١٦ كتاب الإيمان حديث: ٢٠٠.","vol":"1","page":701},{"text":"وأما قوله ﷿: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (^١) فإنه النصر بالحرب، والنصر بالحجة، وقد فعل الله تعالى ذلك وله الحمد.\nآخر سورة البقرة والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٨٦]","vol":"1","page":702},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>سورة آل عمران</span>\nقال الله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ إلى قوله ﷿: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (^١) *\nأخبرنا (^٢) أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي البصري قراءة عليه في منزله بمصر عام إحدى (^٣) وأربعين وثلاثمائة. قالت عائشة - ﵂ - تلا رسول الله - ﷺ - هذه الآية إلى قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (^٤) فقال نبي الله - ﷺ -: إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم. وقال أيوب السختياني: ولا أعلم أحدًا من أصحاب الأهواء يخاصم إلا بالمتشابه (^٥). روى ذلك عن عائشة - ﵂- عبدالله بن أبي مليكة (^٦) (^٧)،\n_________\n(^١) [سورة آل عمران: الآية ٧]\n* لوحة: ٧٠/ب.\n(^٢) القائل: أبو بكر الأدفوي، كما ورد في سماعه لأول الكتاب.\n(^٣) كذا في الأصل، والصواب: سنة إحدى وأربعين، أو عام واحد وأربعين.\n(^٤) [سورة آل عمران: الآية ٧]\n(^٥) ذكر هذا القول عن أيوب: البيهقي في دلائل النبوة: ٦/ ٥٤٦.\n(^٦) عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُليكة التيمي، أبو بكر مؤذن ابن الزبير وقاضيه، سمع عائشة، وابن عباس، وعنه: أيوب، والليث، ثقة فقيه، مات سنة ١١٨ هـ. [الكاشف: ١/ ٥٧١، والتقريب: ٥٢٤].\n(^٧) رواه من هذا الطريق: ابن ماجة في سننه: ١/ ١١ باب اجتناب البدع والجدل من المقدمة، وأحمد في مسنده: ٦/ ٤٨، وعبد الرزاق في تفسيره: ١/ ١١٦، وسعيد بن منصور في سننه: ٣/ ١٠٣٢، وابن جرير في تفسيره: ٣/ ١٧٨، والطحاوي في شرح مشكل الآثار: ٦/ ٣٣٥، والبيهقي في دلائل النبوة: ٦/ ٥٤٦ من طريق القاضي إسماعيل ..","vol":"1","page":703},{"text":"ومن طرق كثيرة (^١).\nوروى حماد بن زيد (^٢) عن أبي غالب (^٣) قال: كنت بالشام فبعث المهلب (^٤) سبعين رأسًا من الخوارج، فنصبوا على درج (^٥)\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه: ٤/ ١٦٥٥ التفسير سورة آل عمران من طريق ابن أبي مليكة عن القاسم بن محمد عن عائشة، وكذلك رواه مسلم في صحيحه: ٤/ ٢٠٥٣ كتاب العلم حديث: ١.\nوانظر المراجع السابقة في تخريج حديث عائشة، وقد ذكر ابن كثير في تفسيره: ١/ ٣٤٥ معظم هذه الطرق.\n(^٢) حماد بن زيد بن درهم ثقة ثبت فقيه، تقدم.\n(^٣) أبو غالب البصري ويقال: الأصبهاني، اختلف في اسمه فقيل: حزور، وقيل: سعيد بن الحزور، وقيل: نافع، صاحب أبي أمامة، روى عنه، وعن: أنس بن مالك، وأم الدرداء، وعنه: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، صدوق يخطئ. ... [تهذيب الكمال: ٣٤/ ١٧٠، والتقريب: ١١٨٨].\n(^٤) المهلب بن أبي صفرة، اسمه: ظالم بن سارق العتكي الأزدي، أبو سعيد البصري، الأمير البطل قائد الكتائب، حدث عن جمع من الصحابة، ولي الجزيرة لابن الزبير وحارب الخوارج، ويقال: إنه قتل من الأزارقة في ملحمة أربعة ألاف وثمانمائة، مات سنة ٨٢ هـ. ... [سير أعلام النبلاء: ٤/ ٣٨٣، التقريب: ٩٧٦].\n(^٥) قال ابن منظور: الدَّرجة: المرقاة، والدرجة واحدة الدرجات، وهي الطبقات من المراتب، والدرجة المنزلة، والجمع: دَرَج. [لسان العرب: ٢/ ٢٦٦].\nوقال المباركفوري: على درج دمشق أي: على درج مسجد دمشق، الدرج: الطريق، وجمعه الأدراج، والدرجة: المرقاة، وجمعه الدرج، وهو المراد هنا. [تحفة الأحوذي: ٨/ ٣٥١].","vol":"1","page":704},{"text":"دمشق، ومر أبو أمامة (^١)، فنزلتُ فاتبعته، فلما وقف عليهم دمعت عيناه، وقال: سبحان الله، ما يصنع الشيطان ببني آدم؟ كلاب جهنم شر قتلى تحت ظل السماء هؤلاء - ثلاث مرات - طوبى لمن قتلهم أو قتلوه، ثم التفت إلي وقال: يا أبا غالب إنك بأرض هم بها كثير فأعاذك الله منهم، قلت: رأيتك بكيت حين رأيتهم، قال: بكيت رحمة لهم، إنهم كانوا من أهل الإسلام، هل تقرأ سورة آل عمران؟ قلت: نعم، فقرأ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ (^٢) حتى بلغ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^٣) وإن هؤلاء كان في قلوبهم زيغ، فزيغَ بهم، ثم قرأ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ (^٤) إلى قوله عز من قائل: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (^٥) قلت: هم هؤلاء يا أبا أمامة؟ قال: نعم، قلت: من قِبلك تقول أم * شيء سمعته من النبي - ﷺ -؟ قال: إني إذا لجرئ، بل سمعته لا مرة ولا مرتين، حتى عد سبعًا، ثم قال: إن بني إسرائيل تفرفوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة تزيد عليهم فرقة، كلها في النار إلا السواد الأعظم (^٦).\n_________\n(^١) صدي - بالتصغير - ابن عجلان بن الحارث، ويقال: ابن وهب، أبو أمامة الباهلي مشهور بكنيته، روى عن النبي - ﷺ -، وعن: عمر، وعثمان وغيرهم، وعنه: أبو غالب، وشهر بن حوشب، سكن حمص وبها توفي سنة ٨١ هـ. [الاستيعاب: ٢/ ١٩٨، الإصابة: ٢/ ١٨٢].\n(^٢) [سورة آل عمران: الآية ٧]\n(^٣) [سورة آل عمران: الآية ٧]\n(^٤) [سورة آل عمران: الآية ١٠٥]\n(^٥) [سورة آل عمران: الآية ١٠٧]\n* لوحة: ٧١/أ.\n(^٦) رواه من طريق حماد بن زيد عن أبي غالب: الطبراني في المعجم الكبير: ٨/ ٢٦٨، والبيهقي في سننه: ... ٨/ ١٨٨ باب الخلاف في قتال أهل البغي من كتاب قتال أهل البغي.\nوقد روي من طرق أخرى عن أبي غالب، فرواه عنه: معمر، وحماد بن سلمة، وربيع بن صبيح، وحميد الخياط، وسفيان بن عيينة، وغيرهم. رواه الترمذي في سننه: سورة آل عمران من أبواب التفسير، وقال: هذا حديث حسن تحفة الأحوذي: ٨/ ٣٥١، وابن ماجة في سننه: ١/ ٣٤ باب ذكر الخوارج من المقدمة، وأحمد في مسنده: ٥/ ٢٥٣، ٢٥٦، والطيالسي في مسنده: ٢/ ٤٥٥، وعبد الرزاق في مصنفه: ١٠/ ١٥٢، والحميدي في مسنده: ٢/ ٤٠٤، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٧/ ٥٥٣ ما ذكر في الخوارج من كتاب الجمل، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٥٩٤، والطحاوي في شرح مشكل الآثار: ٦/ ٣٣٨، وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة: ٢/ ٦٤٣.\nوقد روي عن أبي أمامة من طرق غير طريق أبي غالب: أحمد في مسنده: ٥/ ٢٥٠، وعبد الله في السنة: ٢/ ٦٤٤، والطبراني في المعجم الكبير: ٨/ ١٢١، والحاكم في المستدرك: ٢/ ١٦٣ قتال أهل البغي، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":705},{"text":"وأما قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ (^١)، فهو ابتداء الكلام: ... ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ (^٢)، وآخر الكلام الأول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^٣) وقال طاوس: ذُكر الخوارج عند ابن عباس - ﵁ - فقال: يؤمنون بمحكمة ويهلكون عند متشابهه، وقرأ: (وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون آمنا به) (^٤). وكذلك فسرها من انتهى إلينا تفسيره (^٥).\n_________\n(^١) [سورة آل عمران: الآية ٧]\n(^٢) [سورة آل عمران: الآية ٧]\n(^٣) [سورة آل عمران: الآية ٧]\n(^٤) رواه عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ١١٦، وأبو داود في المصاحف: ٨٦، وابن جرير في تفسيره: ٣/ ١٨٢، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣١٧ التفسير سورة آل عمران وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n(^٥) أي: أن الراسخين في العلم ابتدأ الخبر عنهم أنهم يقولون: آمنا به. روي ذلك عن: عائشة، وعبد الله بن مسعود، وأبي، وأبي نهيك الأسدي، وعمر بن عبد العزيز، ومالك. معاني القرآن للفراء: ١/ ١٩١، تفسير الطبري: ٣/ ١٨٢، ١٨٤، وتفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٩٩، وتفسير ابن كثير: ١/ ٣٤٦. =\nوما ذكره المؤلف هنا أحد القولين في هذه الآية، قال ابن جرير: واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، وهل الراسخون معطوف على اسم الله، بمعنى: إيجاب العلم لهم بتأويل المتشابه، أو هم مستأنف ذكرهم بمعنى الخبر عنهم أنهم يقولون: آمنا بالمتشابه، وصدقنا أن علم ذلك لا يعلمه إلا الله؟\n\nفقال بعضهم معنى ذلك: وما يعلم تأويل ذلك إلا الله وحده منفردًا بعلمه، وأما الراسخون في العلم فإنهم أبتدأ الخبر عنهم بأنهم يقولون: آمنا بالمتشابه والمحكم، وأن جميع ذلك من عند الله. وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم وهم مع علمهم بذلك ورسوخهم في العلم يقولون: آمنا به كل من عند ربنا. ...\n[جامع البيان: ٣/ ١٨٢، ١٨٣].\nفعلى القول الأول يكون الوقف عند قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ فيكون علم التأويل منفي عن غير الله، ويكون قوله: ... ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مبتدأ و: ﴿يَقُولُونَ﴾ خبر عنه.\nوعلى القول الثاني يكون الوقف عند قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ وروى هذا عن: ابن عباس، والربيع بن أنس، ومحمد بن جعفر بن الزبير، وأكثر المتكلمين. [تفسير ابن كثير: ١/ ٣٤٦ - ٣٤٧، والبحر المحيط: ٣/ ٢٨].\nولعل الراجح -إن شاء الله- هو القول الأول بأن الكلام تم عند قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ ثم يبتدئ بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ﴾.\nقال ابن قدامة: ولأن في الآية قرائن تدل على أن الله -سبحانه - منفرد بعلم تأويل المتشابه، وأن الوقف الصحيح عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ لفظًا ومعنى.\nأما اللفظ: فلأنه لو أراد عطف: الراسخين لقال: (ويقولون آمنا به) بالواو.\nوأما المعنى فلأنه ذم مبتغي التأويل، ولو كان ذلك للراسخين معلومًا لكان مبتغيه ممدوحًا لا مذمومًا.\n[روضة الناظر: ١/ ٢٨٠].\nوقال ابن حجر: وقد روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه كان يقرأ: (وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون في العلم آمنا به) فهذا يدل على أن الواو للاستئناف؛ لأن هذه الرواية وإن لم تثبت بها القراءة لكن أقل درجاتها أن تكون خبرًا بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن فيقدم كلامه في ذلك على من دونه.\n[فتح الباري: ٨/ ٢٦٤].","vol":"1","page":706},{"text":"وأما قوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (^١) فقال يحيى بن يعمر (^٢): هن الفرائض والحدود، والأوامر والنواهي، وهن عماد الدين كما أن عماد الباب أم الباب، وكما أن الرجل إذا كان مطاعًا يقال له: أم القوم، وكما أن مكة هي أم القرى، ومنها استخرجت القرى (^٣). وقد روي عن ابن عباس - ﵁ - في المحكمات اللواتي هن أم الكتاب فقال: المحكمات: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ (^٤) ونحوها (^٥).\nقال الله ﷿: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ (^٦) قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: وافقت ربي في ثلاث، ووافقني في ثلاث، قلت: يارسول الله لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى قال فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (^٧) (^٨).\n_________\n(^١) [سورة آل عمران: الآية ٧]\n(^٢) يحيى بن يعمر، أبو سليمان العدواني البصري، الفقيه العلامة المقرئ، قاضي مرو، حدث عن: عائشة، وأبي هريرة، وابن عباس وغيرهم، قرأ القرآن على أبي الأسود الدؤلي، وقيل: إنه أول من نقط المصاحف، مات قبل التسعين. ... [سير أعلام النبلاء: ٤/ ٤٤١، غاية النهاية في طبقات القراء: ٢/ ٣٨١].\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره: ٣/ ١٧٥، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٥٩٣، وذكره النحاس في معاني القرآن: ١/ ٣٤٤، وابن عطية في المحرر: ٣/ ١٨.\n(^٤) [سورة الأنعام: الآية ١٥١]\n(^٥) رواه سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ١٠٣٩، وابن جرير في تفسيره: ٣/ ١٧٢، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٥٩٢، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣١٦ التفسير سورة آل عمران.\n(^٦) [سورة آل عمران: الآية ٩٧]\n(^٧) [سورة البقرة: الآية ١٢٥]\n(^٨) رواه البخاري في صحيحه: ١/ ١٥٧ القبلة باب ما جاء في القبلة، و٤/ ١٦٢٩ التفسير سورة آل عمران، ومسلم في صحيحه: ٤/ ١٨٦٥ كتاب فضائل الصحابة حديث: ٢٠٤.","vol":"1","page":707},{"text":"وقال المفسرون: ابن عباس (^١)، وسعيد بن جبير (^٢)، ومجاهد (^٣)، وعطاء (^٤)، وعروة (^٥): الحرم كله مسجد، ومقام إبراهيم كل مقام له من المقام الذي يصلي فيه، والمقام الذي يصلي إليه، ومن مقاماته في الحج، فأمروا أن يتخذوا من * كل مقام له مصلى، وقد يكون المصلى من الصلاة (^٦).\n_________\n(^١) روى ابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٢٦ عن ابن عباس أنه قال: مقام إبراهيم الحرم كله. وروى ابن جرير في تفسيره: ١/ ٥٣٦ عن ابن عباس قال: الحج كله مقام إبراهيم.\n(^٢) روى ابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٢٦ عن سعيد بن جبير أنه قال: الحجر مقام إبراهيم. وذكره ابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ١٤٢، وابن كثير في تفسيره: ١/ ١٦٩.\n(^٣) روى سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ١٠٦٩ عن مجاهد: مقام إبراهيم المسجد الحرام ومنى وعرفة والمزدلفة، ورى عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٥٨، وابن جرير في تفسيره: ١/ ٥٣٦ عن مجاهد قال: مقامه عرفة وجمع ومنى، وروى ابن جرير في تفسيره: ١/ ٥٣٦ عنه: الحرم كله مقام إبراهيم، وعنه أيضًا أنه قال: الحج كله.\n(^٤) روى سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ١٠٦٩ عن عطاء: مقام إبراهيم المسجد الحرام ومنى وعرفة والمزدلفة. وروى ابن جرير في تفسيره: ١/ ٥٣٦ عنه: الحج كله مقام إبراهيم.\n(^٥) لم أقف عليه.\n* لوحة: ٧١/ب.\n(^٦) اختلف أهل العلم في المراد بقوله: ﴿مُصَلًّى﴾ هل هو مدعى أو مكانًا للصلاة؟ وهذا مبني على اختلافهم فيما قبله، فمن قال: المقام هو المشعائر وسائر أركان الحج، قال معناه: مدعى أي: موضعًا للدعاء، ومن خصه بأنه الحجر الذي كان يقف عليه إبراهيم، قال: المراد بالمصلى هنا موضعًا للصلاة.\n[تفسير الطبري: ١/ ٥٣٨، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٥٨].","vol":"1","page":708},{"text":"وقوله ﷿: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ (^١) يدل على مقام إبراهيم في كل شيء منه، من أمر الحج أو غيره مما وصفنا (^٢)،\n_________\n(^١) [سورة آل عمران: الآية ٩٧]\n(^٢) رجح المؤلف هنا أن المراد بمقام إبراهيم هو شعائر الحج وسائر أركانه مستدلًا بهذه الآية، حيث وردت بصيغة الجمع في الآيات، ولكن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه جماهير المفسرين من أن المراد بالمقام هو الحجر وأن المصلى هو مكان الصلاة، وقد استدلوا بحديث جابر في صحيح مسلم: ٢/ ٨٨٧ كتاب الحج حديث: ١٤٧ ... في صفة حج رسول الله - ﷺ -، قال جابر: ثم نفذ إلى مقام إبراهيم - ﵇ - فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فجعل المقام بينه وبين البيت، وكان يقرأ في الركعتين: قل هوالله أحد، وقل ياأيها الكافرون، ثم رجع إلى الركن واستلمه.\nواستدلوا أيضًا بحديث عمر المتقدم في موافقته ربه.\n[تفسير الطبري: ١/ ٥٣٨، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٥٨، تفسير البغوي: ١/ ١٤٦، وزاد المسير: ... ١/ ١٤١، وتفسير ابن كثير: ١/ ١٧٠].\nوفي استدلال المؤلف بقوله: ﴿فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ على أن المراد بالمقام هو سائر أمور الحج، نظر: فغاية ما في الآية ذكر أن المقام من جملة آيات واضحات في الحج، دون النص على أنها هي المقام بعينه، بل المقام منها.\nقال ابن جرير: وأولى الأقوال في تاويل ذلك بالصواب قول من قال: الآيات البينات منهن مقام إبراهيم.\n\n[جامع البيان: ٤/ ١١].","vol":"1","page":709},{"text":"وكذلك هي في المصحف: ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ (^١) وبها قرأ أهل المدينة وأهل العراق (^٢). وروي عن ابن عباس - ﵁ - أنه قرأها: (آية بينة) (^٣)، ويجوز أن يكون أراد المقام نفسه، أو أراد تفسيرًا (^٤)، إلا أن العمل على ما في المصحف.\n_________\n(^١) [سورة آل عمران: الآية ٩٧]\n(^٢) هذه قراءة قراء الأمصار كلها. [جامع البيان: ٤/ ١١].\n(^٣) روى هذه القراءة عن ابن عباس: أبو عبيد في فضائل القرآن: ٢٩٦، وابن جرير في تفسيره: ٤/ ١٠.\nوهذه القراءة تروى أيضًا عن: عمر، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأبي بن كعب. معاني القرآن للنحاس: ... ١/ ٤٤٤، المحرر الوجيز: ٣/ ١٦٥، البحر المحيط: ٣/ ٢٧١.\n(^٤) قال ابن جرير في تفسيره: ٤/ ١١: وأما الذين قرؤا ذلك (فيه آية بينة) على التوحيد فإنهم عنوا بالآية البينة: مقام إبراهيم، ثم ساق بسنده عن مجاهد قوله: أثر قدميه في المقام آية بينة.\nوقال ابن عطية في تفسيره: ٣/ ١٦٥ قال: ويحتمل أن يراد بالآية اسم الجنس فيقترب من معنى القراءة الأولى.","vol":"1","page":710},{"text":"قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (^١) المعنى والله أعلم في تفسير هذه الآية: أن ذلك كان في الجاهلية، ثم نزل في القرآن ما نزل من إقامة الحدود وغير ذلك؛ لأنهم كانوا في الجاهلية مَنْ قتلَ أو سرق أو أتى الحدود ثم دخل مكة لم يعرض له حتى يخرج منها (^٢)، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ (^٣) فكانت العرب يغير بعضهم على بعض، وأهل الحرم آمنون (^٤).\n_________\n(^١) [سورة آل عمران: الآية ٩٧]\n(^٢) يروى هذا عن: قتادة، ومجاهد، والحسن، وعطاء. تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٢٧، تفسير الطبري: ٤/ ١٢، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٧١٢، المحلى: ١٠/ ٤٩٣.\n(^٣) [سورة العنكبوت: الآية ٦٧]\n(^٤) هذا يروى عن: الضحاك، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد. تفسير الطبري: ٢١/ ٤، تفسير ابن أبي حاتم: ٩/ ٢٩٩٥، ٣٠٨٣.","vol":"1","page":711},{"text":"وقد أنزل الله الحدود والأحكام على العموم بين الناس، فليس يجوز أن يترك الآن حكم الله في حرم ولا غير حرم؛ لأن الذي حرّم الحرم هو الذي حرم معاصيه أن ترتكب، وأوجب فيها من الأحكام ما أوجب. وإنما معنى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (^١) أي: آمنًا من العادة التي كانت بين القبائل (^٢).\nقال الله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (^٣) فقيل: يا رسول الله أفي كل عام؟ قال: لا، ولو قلتها لوجبت، الحج مرة واحدة فمن زاد فهو متطوع (^٤).\n_________\n(^١) [سورة آل عمران: الآية ٩٧]\n(^٢) ما ذهب إليه المؤلف هنا من أن من أتى جناية ثم دخل الحرم فإنه يستوفى منه، هو قول مالك والشافعي سواء كان هذه الجناية في النفس أو ما دونها، وذهب جملة من أهل العلم إلى أن من أتى جناية توجب قتلًا خارج الحرم ثم لجأ إليه لم يقتص منه ما دام فيه، ولكنه لا يبايع ولا يؤاكل إلى أن يخرج من الحرم فيقتص منه، وإن كانت جنايته فيما دون النفس ثم دخل الحرم اقتص منه، وهذا قول ابن عباس، وعطاء، وعبيد بن عمير، ومجاهد، والزهري، والشعبي، وإسحاق، وأبي حنيفة وأصحابه، ومذهب أحمد إلا أن الرواية اختلفت عنه فيما دون النفس، ففي رواية يستوفى، ورواية لا يستوفى.\nوقد رجح هذا القول ابن جرير، والشنقيطي.\nوهذا الخلاف فيمن جنى جناية خارج الحرم ثم لجأ على الحرم، وأما الجاني في الحرم فلا خلاف بين أهل العلم أنه مأخوذ بجنايته في النفس وما دونها.\nتفسير الطبري: ٤/ ١٤، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٣٣، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٣٧٣، المغني: ... ١٢/ ٤٠٩، تفسير القرطبي: ٤/ ١٤١، روضة الطالبين: ٩/ ٢٢٤، أضواء البيان: ٦/ ١٢٦.\n(^٣) [سورة آل عمران: الآية ٩٧]\n(^٤) سبق تخريجه ص: ٢٣٧.\n\n* لوحة: ٧٢/أ.","vol":"1","page":712},{"text":"وقال في بعض الروايات: ولو وجبت لم تقوموا بها، ولو لم تقوموا بها عذبتم (^١). فنهى عن* السؤال وقال: إنما هلك من كان قبلكم لكثرة سؤالهم أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا، وإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم (^٢). ولم يختلف أهل العلم باللسان أن قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (^٣): أن الحج القصد (^٤). وقال النبي - ﷺ -: الحج مرة واحدة فإن زدت فهو تطوع (^٥). وقال غيرنا (^٦): على الناس قصدين، قصد للحج وقصد للعمرة (^٧). وقال علي بن أبي طالب - ﵁ - وقد سئل عن الحج والعمرة فقال: أن تأتي بهما مؤتنفتين من دويرة أهلك (^٨). فكان هذا خطابًا لمن أراد التطوع بهما؛ لأن النبي - ﷺ - لم يوجب عليه القصد إلا مرة واحدة، فعلم أن العمرة أن يطوع بها كما يتطوع بالحج بعد الحجة الواجبة، كان على من دخل فيها إتمامها. وسئل النبي - ﷺ -: عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: لا، ولأن تعتمر خير لك. روى ذلك جابر (^٩)،\n_________\n(^١) سنن ابن ماجة: ٢/ ١٥٣ فرض الحج أبواب المناسك، مسند أبي يعلى: ٣/ ٢٩٨، قال ابن حجر: أخرجه ابن ماجة ورجاله موثوقون. الدراية: ٢/ ٣. .\n(^٢) سبق تخريجه من حديث أبي هريرة عند مسلم ص: ٣٣٤.\n(^٣) [سورة آل عمران: الآية ٩٧]\n(^٤) مقاييس اللغة: ٢٣٢، المفردات: ١٠٦، النهاية في غريب الحديث: ١/ ٣٤٠، لسان العرب: ٢/ ٢٢٦.\n(^٥) سبق تخريجه ص: ٢٣٧.\n(^٦) جعل بإزاء السطر كلمة (الشافعي).\n(^٧) قد سبق بيان استدلال الشافعي بتسمية الرسول - ﷺ - العمرة بالحج الأصغر. ص: ٢٣٧.\n(^٨) سبق تخريجه ص: ٢٣٥.\n(^٩) سبق تخريجه ص: ٢٣٤ ..","vol":"1","page":713},{"text":"وروى في الحج مثله، فقال: مرة واحدة، وأن النبي - ﷺ - قال له: وإن زدت فهو خير لك (^١). فبان بذلك أن قول الله ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^٢) إنما هو المتطوع بهما والله تعالى أعلم بما أراد من ذلك (^٣).\nقال الله ﵎: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (^٤).\nروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله فلم يحج، فلا عليه إن شاء أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا، وذلك لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (^٥) إلى آخر الآية. نا أبو مسلم (^٦) قال: نا مسلم بن إبراهيم (^٧) قال: نا هلال بن عبدالله (^٨)\n_________\n(^١) سبق تخريجه من طريق ابن عباس ص: ٢٣٧، وأبي هريرة ص: ٣٣٤، ولكن لم أقف على طريق جابر هذا، قال الترمذي بعد أن رواه من طريق علي، قال: وفي الباب عن ابن عباس وأبي هريرة. تحفة الأحوذي: ٣/ ٥٤٤.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٣) سبق بيان معنى هذه الآية عند تفسيرها.\n(^٤) [سورة آل عمران: الآية ٩٧]\n(^٥) [سورة آل عمران: الآية ٩٧]\n(^٦) إبراهيم بن عبد الله بن مسلم بالكجي وبالكشي، وثقه الدارقطني وغيره، أحد شيوخ المؤلف. تقدم.\n(^٧) مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي، أبو عمرو البصري، عن: حماد بن سلمة، وهلال بن عبد الله الباهلي، وعنه: أبو مسلم الكجي، والبخاري، ثقة مأمون مكثر، مات سنة ٢٢٢ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٢٧/ ٤٨٧، التقريب: ٩٣٧].\n(^٨) هلال بن عبد الله الباهلي، مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي، أبو هاشم البصري، عن: أبي إسحاق السبيعي، وعنه: عفان بن مسلم، ومسلم بن إبراهيم، قال البخاري: منكر الحديث، وقال الترمذي: مجهول، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، وقال ابن حجر: متروك.\n\n[ضعفاء العقيلي: ٤/ ٣٤٨، تهذيب الكمال: ٣٠/ ٣٤٢، التقريب: ١٠٢٧].","vol":"1","page":714},{"text":"- مولى ربيعة بن عمروبن مسلم الباهلي - قال: نا أبو إسحاق الهمداني (^١) عن الحارث (^٢) عن * علي (^٣). ورواه ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: الحاج الشعث (^٤)\n_________\n(^١) في الأصل: أبو إسحاق الباهلي، وهو خطأ، والصواب ما أثبت كما سيأتي في تخريج هذا الحديث، وهو عمرو بن عبد الله الهمداني أبو إسحاق السبيعي ثقة مكثر عابد اختلط بآخره، تقدم.\n(^٢) الحارث بن عبد الله الأعور، كذبه الشعبي في رأيه، ورمي بالرفض، وفي حديثه ضعف، تقدم.\n* لوحة: ٧٢/ب.\n(^٣) رواه الترمذي في سننه: باب ما جاء في التغليظ في ترك الحج من أبواب الحج من طريق مسلم بن إبراهيم به، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وفي إسناده مقال، هلال بن عبد الله مجهول، والحارث يُضعف في الحديث، تحفة الأحوذي: ٣/ ٥٤١، وابن جرير في تفسيره: ٤/ ١١ من طريق مسلم بن إبراهيم به، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٧١٣ من طريق هلال بن عبد الله به، والجصاص في أحكام القرآن: ٢/ ٣٩ من طريق إبراهيم بن عبدالله به، وابن حزم في المحلى: ٧/ ٥٤ من طريق القاضي إسماعيل بن إسحاق عن مسلم بن إبراهيم به.\n(^٤) الشعث أي: الشعر ذا الشعث، أي: المغبر رأسه من عدم الغسل، والمفرق الشعر من عدم المشط.\n\n[النهاية في غريب الحديث: ٢/ ٤٧٨، لسان العرب: ٢/ ١٦١].","vol":"1","page":715},{"text":"التفل (^١)، وأفضل الحج: العج والثج (^٢)، والسبيل الزاد والراحلة (^٣).\n_________\n(^١) التفل الذي قد ترك استعمال الطيب، من التفل وهي الريح الكريهه. [النهاية في غريب الحديث: ١/ ١٩١].\n(^٢) تقدم بيان معنى هاتين الكلمتين ص: ٢٨٢.\n(^٣) رواه الترمذي في سننه: باب ما جاء في إيجاب الحج بالزاد والراحلة من أبواب الحج، وقال: هذا حديث حسن والعمل عليه عند أهل العلم أن الرجل إذا ملك زادًا وراحلة وجب عليه الحج، وإبراهيم بن يزيد هو الخوزي قد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه. تحفة الأحوذي: ٣/ ٥٤٢، ورواه الترمذي أيضًا في سننه: تفسير سورة آل عمران من أبواب التفسير، وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن يزيد الخوزي المكي، تحفة الأحوذي: ٨/ ٣٤٨، ورواه ابن ماجة في سننه: ٢/ ١٥٦ باب ما يوجب الحج من أبواب المناسك، والشافعي في الأم: ٢/ ١١٦، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٤١٧ باب متى يجب على الرجل الحج، وابن جرير في تفسيره: ٣/ ١٦، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٧١٣، والدارقطني في سننه: ٢/ ٢١٧ كتاب الحج حديث: ١٠، والبيهقي في سننه: ٤/ ٣٣٠ باب الرجل يطيق المشي من كتاب الحج، وقال: الحديث يعرف بإبراهيم بن يزيد الخوزي وقد ضعفه أهل العلم.\nقال ابن عبد البر: وهذا الحديث لو صح لكان فرض الحج في المال والبدن نصًا كما قال الشافعي ومن تابعه، ولكنه حديث انفرد به إبراهيم بن يزيد الخوزي وهو ضعيف. [التمهيد: ٩/ ١٢٥].\n\nوقد روي عن غير ابن عمر نحو هذا من طرق كلها ضعيفة، قال ابن حجر: ورواه الشافعي والترمذي وابن ماجة والدارقطني من حديث ابن عمر، وقال الترمذي: حسن،، وهو من رواية إبراهيم بن يزيد الخوزي وقد قال فيه أحمد والنسائي: متروك الحديث، ورواه بن ماجة والدارقطني من حديث ابن عباس وسنده ضعيف أيضًا، ورواه ابن المنذر من قول بن عباس، ورواه الدارقطني من حديث جابر ومن حديث علي بن أبي طالب ومن حديث ابن مسعود ومن حديث عائشة ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وطرقها كلها ضعيفة، وقد قال عبد الحق: إن طرقه كلها ضعيفة، وقال أبو بكر ابن المنذر: لا يثبت الحديث في ذلك مسندًا، والصحيح من الروايات رواية الحسن المرسلة. [تلخيص الحبير: ٢/ ٢٢١].\nوهذه الطرق وإن كانت ضعيفة فبعضها يقوي بعضًا، قال الشوكاني: ولا يخفى أن هذه الطرق يقوي بعضها بعضًا فتصلح للاحتجاج بها، وبذلك استدل من قال: إن الاستطاعة المذكورة في القرآن هي الزاد والراحلة.\n[نيل الأوطار: ٤/ ٣٤١].\nوقال الشنقيطي: الذي يظهر لي والله أعلم ان حديث الزاد والراحلة المذكور لا يقل عن درجة الاحتجاج.\n[أضواء البيان: ٥/ ٨٩].\nوبهذا الحديث أخذ جمهور أهل العلم: أن الرجل إذا ملك الراحلة والزاد شرط في وجوب الحج، وممن أخذ بذلك: عمر بن الخطاب، وابن عباس، وعبد الله بن عمر، والحسن، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، والشافعي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وأحمد.\n[الأم: ٢/ ١١٦، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٣٧، المغني: ٥/ ٨، تفسير القرطبي: ٤/ ١٤٧].","vol":"1","page":716},{"text":"وقال بعضهم السبيل: الصحة والقدرة إلى التوصل إلى إقامة الحج (^١).\nفالسبيل عندنا: الزاد والراحلة لمن يمكنه أن يبلغ بالزاد والراحلة، ولا يُقدر على البلوغ إلا بذلك، وذلك مشروط مع الصحة، ولو أن رجلًا يمكنه المشي إلى الحج وهو لا يملك راحلة ويقدر على الزاد لوجب عليه الحج؛ لأنه يستطيع إليه سبيلًا (^٢)؛ لأن قوله ﷿: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (^٣) مفهوم غير مشكل، وكل من قال أو روى ذكر الزاد والراحلة فإنما أراد عندي التغليظ على من ملك هذا المقدار ولم يحج؛ لأنهم ذكروا أقل الأملاك التي يبلغ بها الإنسان الحج، ألا ترى الله ﵎ قال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ (^٤) (^٥)\n_________\n(^١) يروى عن: ابن الزبير، والضحاك، وعطاء، والشعبي: أن السبيل هو: الطاقة للوصول إلى الحج، وعن عكرمة: أن السبيل الصحة.\n[مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٤١٧ الموضع السابق، تفسير الطبري: ٤/ ١٧، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٧١٤].\n(^٢) النوادر والزيادات: ٢/ ٣١٧، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ٤٥٧، أحكام القرآن لابن العربي: ... ١/ ٣٧٧، تفسير القرطبي: ٤/ ١٤٨.\n(^٣) [سورة آل عمران: الآية ٩٧]\n(^٤) [سورة الحج: الآية ٢٧]\n(^٥) قال الشنقيطي: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أن حديث الزاد والراحلة وإن كان صالحًا للاحتجاج لا يلزم منه أن القادر على المشي على رجليه بدون مشقة فادحة لا يلزمه الحج إن كان عاجزًا عن تحصيل الراحلة، بل يلزمه الحج، لأنه يستطيع إليه سبيلا.\nفإن قيل: كيف قلتم بوجوبه على القادر على المشي على رجليه دون الراحلة مع اعترافكم بقبول تفسير النبي - ﷺ - السبيل بالزاد والراحلة؟ وذلك يدل على أن المشي على الرجلين ليس من السبيل المذكور في الآية.\nفالجواب من وجهين: الأول: أن الظاهر المتبادر أنه - ﷺ - فسر الآية بأغلب حالات الاستطاعة؛ لأن الغالب أن أكثر الحجاج آفاقيون قادمون من بلاد بعيدة، والغالب عجز الإنسان عن المشي على رجليه في المسافات الطويلة وعدم إمكان سفره بلا زاد ففسر - ﷺ - الآية بالأغلب، والقاعدة المقررة في الأصول أن النص إذا كان جاريًا على الأمر الغالب لا يكون له مفهوم مخالفة، وإذا كان أغلب حالات الاستطاعة الزاد والراحلة وجرى الحديث على ذلك فلا مفهوم مخالفة له، فيجب الحج على القادر على المشي على رجليه إما لعدم طول المسافة وإما لقوة ذلك الشخص على المشي. الوجه الثاني: أن الله جل وعلا سوى في كتابه بين الحاج الراكب والحاج الماشي على رجليه وقدم الماشي على الراكب وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]. [انظر أضواء البيان: ٥/ ٩٢، ٩٣].","vol":"1","page":717},{"text":"ومعنى رجالًا ورجالًا واحد، هم: الرجالة (^١).\nقال الله ﷿: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (^٢)\nقال بعض المفسرين: من كفر بالله (^٣)، وقال بعضهم: من كفر بالحج ولم يره واجبًا (^٤).\n_________\n(^١) قرأ ابن عباس، وأبو مجلز، ومجاهد، وعكرمة، والحسن: رُجَّالًا، وقرأ: رُجَالًا - بضم الراء وتخفيف الجيم منونة - عكرمة، وابن أبي إسحاق، وأبو مجلز، والحسن، والزهري.\nأما رُجَّالًا فجمع راجل، ككاتب وكُتَّاب، وعالم وعُلَاّم، وعامل وعُمَّال، وأما: رُجالًا - مضمومة الراء خفيفة - فغريب. وقرأ الكافة رِجالًا جمع راجل، كصائم وصِيام، وصاحب وصِحاب.\n[المحتسب: ٢/ ٧٩، معاني القرآن للنحاس: ٤/ ٣٩٨، تفسير القرطبي: ١٢/ ٣٩، البحر المحيط: ٧/ ٥٠١].\n(^٢) [سورة آل عمران: الآية ٩٧]\n(^٣) هذا يروىعن: مجاهد، والشعبي، وعكرمة. تفسير الطبري: ٤/ ٢٠، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٧١٥.\n(^٤) هذا يروى عن: ابن عباس، والضحاك، وعطاء، والحسن، ومجاهد. تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٢٧، سنن سعيد بن منصور: ٣/ ١٠٧٦، تفسير الطبري: ٤/ ١٩، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٧١٥، سنن البيهقي: ٤/ ٣٢٤ باب إثبات فرض الحج.","vol":"1","page":718},{"text":"وقيل عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال: لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار فينظروا كل رجل لم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين (^١). وروي عنه أيضًا أنه قال: لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم عليه، كما نقاتلهم على الصلاة والزكاة (^٢). وقال * ابن عباس - ﵁ -: لو ترك الناس الحج عامًا واحدًا ما نوظروا بعده (^٣). وقال جماعة من المفسرين - منهم الحسن وسعيد بن جبير وغيرهما - فيمن ترك الحج، هل يقال له كافر؟ قالوا: نعم (^٤).\n_________\n(^١) رواه سعيد بن أبي عروبة في المناسك: ٥٩، وذكره ابن كثير في تفسير: ١/ ٣٨٦ وعزاه إلى سعيد بن منصور، وقال السيوطي في الدر: ٢/ ٥٦: وأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح عن عمر بن الخطاب قال: لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار فلينظروا كل من كان له جدة ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين.\n(^٢) قال السيوطي في الدر: ٢/ ٥٦: وأخرج سعيد بن منصور عن عمر بن الخطاب قال: لو ترك الناس الحج لقاتلتهم عليه كما نقاتلهم على الصلاة والزكاة.\n* لوحة: ٧٣/أ.\n(^٣) قال السيوطي في الدر: ٢/ ٥٦: وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس قال: لو أن الناس تركوا الحج عامًا واحدا لا يحج أحد ما نوظروا بعده.\n(^٤) ما وقفت عليه من قول الحسن هو ما رواه ابن جرير في تفسيره: ٤/ ١٩ أنه قال: من أنكره ولا يرى ذلك عليه حقًا فذلك كفر، وذكر ابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٧١٥: أنه روي عن سعيد بن جبير نحوذلك.\nوروى ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٢٩٢ في الرجل يموت ولم يحج وهو موسر، عن سعيد بن جبير أنه قال: لو كان لي جار موسر ثم مات ولم يحج لم أصل عليه.","vol":"1","page":719},{"text":"وقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: من مات ولم يحج وهو موسر فليمت إن شاء يهوديًا وإن شاء نصرانيًا (^١). وقال إبراهيم النخعي: قال الأسود (^٢) في رجل موسر لم يحج: إنك إن مت على هذه الحال لم أصل عليك (^٣).\nوقال علي بن أبي طالب (^٤) وأبو أمامة (^٥) - ﵄ - عن النبي - ﷺ -: من مات ولم يحج وهو قادر فليمت يهوديًا أو نصرانيًا. رواه الحسن بن علي (^٦)،\n_________\n(^١) رواه سعيد بن أبي عروبة في المناسك: ٥٩، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٢٩٣ في الرجل يموت وهو موسر، وأبو نعيم في الحلية: ٩/ ٢٥٢، والبيهقي في سننه: ٤/ ٣٣٤ باب إمكان الحج، وابن عساكر في تاريخ دمشق: ٣٣/ ٢٦٤.\n(^٢) الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، أبو عمرو أو أبو عبد الرحمن، عن: عمر، وعلي، وعنه: ابن أخته إبراهيم، ومحارب بن دثار، ثقة مكثر فقيه، مات سنة ٧٤ هـ. [الكاشف: ١/ ٢٥١، التقريب: ١٤٦].\n(^٣) مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٢٩٢ الموضع السابق.\n(^٤) سبق تخريج حديث علي من طريق الحارث ص: ٤٣٢.\n(^٥) في الأصل: وأبو أسامة، والصواب ما أثبت.\n(^٦) الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي، سبط رسول الله - ﷺ - وريحانته، روى عن: أخيه الحسن، وأبيه، وعنه: الشعبي، وطلحة بن عبيد الله، مات شهيدًا بالسم سنة ٤٩ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٦/ ٢٢٠، التقريب: ٢٤٠].\n\nولم أقف على هذه الرواية، ولا على من ذكر أن الحسن روى عن أبي أمامة.","vol":"1","page":720},{"text":"وعلي بن سابط (^١) عن أبي أمامة عن النبي - ﷺ - (^٢).\nقال الله ﷿: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٣) (^٤) القول في ذلك: أنه لا ينبغي أن يوالى الكافر، إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة قرابة يرعاها، أو مخالقة في الدنيا لا يجد بدًا منها، يبطن في نفسه ضد ما يظهر منها (^٥).\n_________\n(^١) لم أقف على ترجمته، والصواب: عبد الرحمن بن سابط كما سيأتي في تخريج هذا الحديث، وقد سبقت ترجمته ترجمة مختصرة ص: ١٣٩، وهو: عبد الرحمن بن سابط، ويقال: بن عبد الله بن سابط، وهو الصحيح، عن: جابر بن عبد الله، وأبي أمامة، قال: يحيى بن معين: لم يسمع من أبي أمامة ولا من جابر ولا من سعد بن أبي وقاص. وعنه: ليث بن سعد، وليث بن أبي سليم، ثقة كثير الإرسال، مات سنة: ١١٨ هـ.\n[تهذيب الكمال: ١٧/ ١٢٣، جامع التحصيل: ٢٢٢، التقريب: ٥٧٩].\n(^٢) روى الدارمي في سننه: ٢/ ٤٥ باب من مات ولم يحج من كتاب المناسك، من طريق شريك عن ليث عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - ﷺ -: من لم يمنعه عن الحج حاجة ظاهرة، أو سلطان جائر، أو مرض حابس، فمات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديًا وإن شاء نصرانيًا.\nورواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٢٩٢ الموضع السابق من طريق عبد الرحمن بن سابط به، وأبو نعيم في الحلية: ٩/ ٢٥١، والبيهقي في سننه: ٤/ ٣٣٤ باب إمكان الحج، وقال: وهذا وإن كان إسناده غير قوي فله شاهد من قول عمر بن الخطاب - ﵁ -.\n(^٣) [سورة آل عمران: الآية ٢٨]\n(^٤) أخر المؤلف الحديث عن هذه الآية، مع أن حقها التقديم.\n(^٥) تفسير الطبري: ٣/ ٢٢٨، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ١٤، تفسير ابن كثير: ١/ ٣٥٧.","vol":"1","page":721},{"text":"وقد قرئ: تقاة، وتقية، ومعناهما واحد (^١).\nقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (^٢)\n_________\n(^١) قرأ كافة القراء بضم التاء وألف بعد القاف: تُقاة، وقرأ يعقوب من العشرة: تَقية بفتح التاء وكسر القاف وتشديد الياء مفتوحة بعدها، وبها قرأ أيضًا: جابر بن زيد، ومجاهد، وحميد، والضحاك، والحسن.\n[معاني القرآن للفراء: ١/ ٢٠٥، تفسير الطبري: ٣/ ٢٢٩، معاني القرآن للنحاس: ١/ ٣٨٣، معالم التنزيل: ٢/ ٢٥، النشر: ٢/ ١٨٠].\nومعنى القراءتين واحد عند أكثر أهل اللغة. [مجاز القرآن: ١/ ٩٠، معاني القرآن للنحاس: ١/ ٣٨٣].\nوقد اختلف في معنى قوله: تقاة على قولين: الأول: أن تتقوا منهم تقاة أي: مخافة، والثاني: أن يكون بينك وبينه قرابة كما روي عن قتادة، والأول أولى، وهو قول جمهور المفسرين.\nقال ابن جرير: فالأغلب من معاني هذا الكلام إلا أن تخافوا منهم مخافة، فالتقية التي ذكرها الله في هذه الآية إنما هي تقية الكفار لا من غيرهم. [جامع البيان: ٣/ ٢٢٩].\n(^٢) [سورة آل عمران: الآية ١٠٢]","vol":"1","page":722},{"text":"وحق تقاة الله ﷿: أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى (^١)، وهذا ما لا يطيقه إلا من عصمه الله بالورع، وحال بينه وبين ما ألزمه اجتنابه، وإنما يطيق ذلك النبي - ﷺ - وأمثاله، ولما علم الله جل وعز ذلك خفف * عن عباده رحمة لهم فقال ﵎: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ (^٢) لأنهم لو أخذوا بحق تقاته، فاجتمع أهل السماوات وأهل الأرضين على أن يبلغوا حق تقاته ما بلغوا ذلك؛ لعظم حقه، وإنما أراد ﷻ أن يعلم خلقه قدرته، ثم يأتيهم برحمته، فنسخها وهون على خلقه بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (^٣) إذ الآية الأولى تكليف ما لا يطاق (^٤).\n_________\n(^١) هذا يروى عن: عن ابن مسعود، وعمرو بن ميمون، وطاوس، والحسن، والسدي، وقتادة، والربيع بن خيثم. تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٢٩، الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ٢٦٠، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٧٢٢، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ١٢٨، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٢٣ التفسير سورة آل عمران.\n* لوحة: ٧٣/ب.\n(^٢) [سورة التغابن: الآية ١٦]\n(^٣) [سورة التغابن: الآية ١٦]\n(^٤) ممن روي عنه ان هذه الآية منسوخة: قتادة، وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس، والسدي، وابن زيد. =\nتفسير عبد الرزاق: ١/ ١٢٨، تفسير الطبري: ٤/ ٢٩، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٧٢٢، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ١٢٩، نواسخ القرآن: ٢٩١.\nوقد روي عن ابن عباس أنه قال: إنها لم تنسخ، ولكن حق تقاته أن نجاهد في الله حق جهاده، ولا تأخذكم في الله لومة لائم، وتقوموا بالقسط ولو على آبائكم وأبنائكم. وكذلك روي عن طاوس نحو هذا. الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ٢٦٠، تفسير الطبري: ٤/ ٢٩، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٧٢٢، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ١٣٠، نواسخ القرآن: ٢٩٣.\nوهذا هو الصحيح، قال ابن الجوزي: وهو الصحيح؛ لأن التقوى هي اجتناب ما نهى الله عنه، ولم ينه عن شيء ولا أمر به إلا وهو داخل تحت الطاقة، كما قال ﷿: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فالآيتان متوافقتان، والتقدير: اتقوا الله حق تقاته ما استطعتم، فقد فهم الأولون من الآية تكليف ما لا يستطاع فحكموا بالنسخ، وقد رد عليهم وذلك قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وإنما قوله: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ... كقوله: ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] الحق ها هنا بمعنى: الحقيقة، ثم إن هفوة المذنب لا تنافي أن يكون مكلفًا للتحفظ، وإنما شرع الاستغفار والتوبة بوقوع الهفوات. [نواسخ القرآن: ٢٩٣].\nوممن رجح كون هذه الآية محكمة: النحاس في الناسخ والمنسوخ: ٢/ ١٢٩، وابن عطية في تفسيره: ٣/ ١٨١، والقرطبي في تفسيره: ٤/ ١٥٧، والزرقاني في مناهل العرفان: ٥٢٢.","vol":"1","page":723},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>سورة النساء</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (^١).\nمعنى خفتم: تيقنتم (^٢).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٣]\n(^٢) هذا ما ذهب إليه أبو عبيدة. مجاز القرآن: ١/ ١١٦.\nوقد اعترض على هذا المعنى ابن العربي حيث قال: قال جماعة من المفسرين معناه: أيقنتم وعلمتم، والخوف وإن كان في اللغة بمعنى الظن الذي يترجح وجوده على عدمه فإنه قد يأتي بمعنى اليقين والعلم، والصحيح عندي: أنه على بابه من الظن لا من اليقين، التقدير من غلب على ظنه التقصير في القسط لليتيمة فليعدل عنها.\n\n[أحكام القرآن: ١/ ٤٠٥، وانظر المحرر الوجيز: ٤/ ١٣].","vol":"1","page":724},{"text":"قال الزهري عن عروة عن عائشة - ﵂ - في قوله ﷿: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ (^١) قالت: هي اليتيمة تكون في حجر وليها، تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها، بغير (^٢) أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال عروة: قالت عائشة - ﵂-: ثم إن الناس استفتوا رسول الله - ﷺ - بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله ﷿: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (^٣)، قالت: والذي ذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب: الآية الأولى التي فيها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (^٤)\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٣]\n(^٢) رسمت في الأصل كهذا: بامر، ولعل الصواب ما أثبت كما عند البخاري ومسلم.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ١٢٧]\n(^٤) [سورة النساء: الآية ٣]\n\n* لوحة: ٧٤/أ.","vol":"1","page":725},{"text":"*، قالت عائشة - ﵂ -: وقول الله ﷿ في الأخرى (^١): ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (^٢): رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا فيه من أجل مالها وجمالها من يتامى النساء، إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن، يعني: في الحال الأخرى (^٣).\nقال القاضي: وفي هذه الآيات روايات يقرب بعضها من بعض، ويقرب مما ذكر عن عائشة - ﵂ - (^٤).\n_________\n(^١) في الأصل: الأولى، والصواب: ما أثبت، كما ورد في روايات هذا الأثر، فإن الآية التي ذكرت عائشة ليست هي الأولى لا في ترتيب السورة ولا في ورودها في الأثر.\n(^٢) [سورة النساء: الآية ١٢٧]\n(^٣) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٨١٣ باب شركة اليتيم وأهل الميراث كتاب الشركة، و٣/ ١٠١٦ باب قوله: وآتوا اليتامى من كتاب الوصايا، و٤/ ١٦٦٨ التفسير سورة النساء، و٥/ ١٩٥٨ باب الأكفاء في المال وتزويج المُقل المُثرية من كتاب النكاح، و٥/ ١٩٧٥ باب تزويج اليتيمة كتاب النكاح، و٦/ ٢٥٥٤ باب ما ينهى من الاحتيال للولي في اليتيمة المرغوبة وألا يكمل لها صداقها من كتاب الحيل، ومسلم في صحيحه: ٤/ ٢٣١٣ كتاب التفسير حديث: ٦.\n(^٤) روي عن عائشة - ﵂ - روايات أخرى يرجع معناها إلى ما روي عنها هنا، ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه: ٤/ ١٦٦٨ التفسير سورة النساء عن عائشة: أن رجلًا كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عذق، وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء، فنزلت هذه الآية.\nوروى ابن جرير في تفسيره: ٤/ ٢٣٢ عن عائشة أنها قالت نزلت هذه الآية: في اليتيمة تكون عند الرجل وهي ذات مال فلعله ينكحها لمالها وهي لا تعجبه، ثم يضر بها ويسيء صحبتها فوعظ في ذلك. ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٨٥٧، والدارقطني في سننه: ٣/ ٢٦٦ كتاب النكاح حديث: ٧٩.\nوقد روي في تفسير هذه الآية غير ما ذكر عن عائشة، ومن ذلك: أن القوم كانوا يتحرجون في أموال اليتامى ألا يعدلوا فيها، ولا يتحرجون في النساء ألا يعدلوا فيهن، فقيل لهم: كما خفتم ألا تعدلوا في اليتامى فكذلك فخافوا في النساء ألا تعدلوا فيهن، ولا تنكحوا منهن إلا من واحدة إلى أربع. وهذا يروى عن ابن عباس، وابن جبير، والضحاك، والربيع، والسدي، وقتادة، وهذا ما رجحه ابن جرير.\nوقيل: إن الرجل من قريش كان يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل فإذا صار معدمًا مال على مال يتيمه الذي في حجره، فأنفقه أو تزوج به، فنهوا عن ذلك. وهذا مروي عن: ابن عباس، وعكرمة.\nوقيل المعنى: فكما خفتم في اليتامى فكذلك فتخوفوا في النساء أن تزنوا بهن، ولكن انكحوا ما طاب لكم من النساء. وهذا مروي عن مجاهد. قال الشنقيطي: وهذا أبعد الأقوال فيما يظهر.\n[تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٤٥، سنن سعيد بن منصور: ٣/ ١١٤٣، تفسير الطبري: ٤/ ٢٣٢، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٨٥٧، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٧٥، زاد المسير: ٢/ ٦، أضواء البيان: ١/ ٣٦٨].","vol":"1","page":726},{"text":"والذي يراه مالك في ذلك: أن على ولي اليتيمة النظر لها، فإن كان غيره أصلح لها زوجها من غيره، وإن كان هو أصلح من غيره أحسن النظر لها في الصداق، وتجنب مالها إلى أن ترضى لنفسها، ويوثق بحسن تدبيرها لمالها، وليس له أن يؤثر نفسه بها والحظ لها في غيره (^١). وقد روي عن عمر - ﵁ - نحوًا من ذلك (^٢)، وهذا أصح ما روي في تفسير هاتين الآيتين، ومن فعل غير ذلك كان خارجًا عن الولاية.\nوأما قوله ﷿: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (^٣) يريد: قد أحللت لك أربعًا من اللواتي يلين أنفسهن فشأنك، ولا تعرض لليتيمة وأنت لا تنصفها في الصداق وغيره، والله أعلم.\nقال الله ﵎: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (^٤).\n_________\n(^١) النوادر والزيادات: ٤/ ٤٠٧، ٤٠٨، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٤٠٧، تفسير القرطبي: ٥/ ١٤.\n(^٢) ما وقفت عليه عن عمر - ﵁ - في هذا ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٤٤٧ كتاب النكاح باب في اليتيمة من قال تستأمر في نفسها عن عمر قال: تستأمر اليتيمة في نفسها فرضاها أن تسكت.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٣]\n(^٤) [سورة النساء: الآية ٣]","vol":"1","page":727},{"text":"قال ابن عباس (^١)، والشعبي (^٢)، وعكرمة (^٣)، ومجاهد (^٤)، والحسن (^٥)، وأبو مالك (^٦)،\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه تعليقًا: ٤/ ١٦٧٠ التفسير سورة النساء، وقد وصله سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ١١٤٦، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ٢٥ باب قوله: ذلك أدنى ألا تعولوا من كتاب النكاح، وابن جرير في تفسيره: ٤/ ٢٤٠.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٨٦٠، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٨٤.\n(^٣) رواه سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ١١٤٥، وابن جرير في تفسيره: ٤/ ٢٣٩، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٨٦٠.\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ٢٥ الموضع السابق، وابن جرير في تفسيره: ٤/ ٢٣٩، ٢٤١، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٨٦٠.\n(^٥) المراجع السابقة.\n(^٦) أبو مالك: عزوان الغفاري تقدم، رواه عنه: سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ١١٤٤، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ٢٥ الموضع السابق، وابن جرير في تفسيره: ٤/ ٢٤٠، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٨٦٠.","vol":"1","page":728},{"text":"وإبراهيم (^١)، والضحاك (^٢)، وأبو رزين (^٣) (^٤): ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ (^٥) ألا تميلوا، ألا تجوروا (^٦). وقال زيد: ألا يكثر من تعولون (^٧).\n_________\n(^١) إبراهيم النخعي، رواه عنه: سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ١١٤٤، وابن جرير في تفسيره: ٤/ ٢٤٠.\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ٢٥ الموضع السابق، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٨٦٠، والنحاس في معاني القرآن: ٢/ ١٥.\n(^٣) أبو رزين: مسعود بن مالك الأسدي مولاهم الكوفي، عن: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعنه: مغيرة بن مقسم، وعاصم بن أبي النجود، ذكره ابن شاهين في الصحابة، وتعقب بأنه لاصحبة له ولا إدراك، ثقة فاضل، مات سنة ٨٥ هـ. [تهذيب الكمال: ٢٧/ ٤٧٧، الإصابة: ٤/ ٧٤، التقريب: ٩٣٦].\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ٢٥ الموضع السابق، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٨٦٠، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٨٤.\n(^٥) [سورة النساء: الآية ٣]\n(^٦) روي عن بعض هؤلاء: ألا تميلوا، وعن بعضهم: ألا تجوروا، وكلاهما بمعنى واحد، قال الزجاج: وقيل في التفسير: ألا تميلوا ومعنى تميلوا: تجوروا. معاني القرآن: ٢/ ١١.\n(^٧) رواه عن زيد بن أسلم ابن جرير في تفسيره: ٤/ ٢٤١، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٨٦٠، والدارقطني في سننه: ٣/ ٣١٤ كتاب النكاح حديث: ٢٥٧، والبيهقي في سننه: ٧/ ٤٦٦ كتاب النفقات باب وجوب النفقة للزوجة.","vol":"1","page":729},{"text":"واحتج الذين قالوا: ألا تميلوا، بقول أبي طالب (^١): *\nبميزان قسطٍ لا يُخِسُّ شعيرةً ... وَوَزانِ صدقٍ وزنه غير عائل (^٢)\n_________\n(^١) أبو طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي الهاشمي، عم رسول الله - ﷺ - شقيق أبيه، اشتهر بكنيته، واسمه عبد مناف على المشهور، وقيل: اسمه كنيته، ولد قبل النبي - ﷺ - بخمس وثلاثين سنة، كفل الرسول - ﷺ - بعد وفاة جده عبد المطلب، فأحسن تربيته، قال ابن عساكر: قيل إنه أسلم، ولا يصح إسلامه، وهو معدود في شعراء مكة. [طبقات فحول الشعراء: ١/ ٢٤٤، تاريخ دمشق: ٦٦/ ٣٠٧، الإصابة: ٤/ ١١٥].\n* لوحة: ٧٤/ب.\n(^٢) لا يخس أي: لا ينقص ولا يقلل. [لسان العرب: ٦/ ٦٤].\nوهذا بيت من قصيدة طويلة قالها أبو طالب لما خشي دهماء العرب أن يركبوه مع قومه، فقال هذه القصيدة يتعوذ فيها بحرم مكة، ويتودد فيها إلى أشراف قومه، ويخبرهم أنه غير مسلم رسول الله - ﷺ - ولا تاركه لشيء حتى يهلك دونه، وفيها: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلًا ... عقوبة شر عاجلًا غير آجل\nبميزان قسط لا يخس شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل\nوقد أورد هذه القصيدة كاملة ابن هشام في سيرته: ١/ ٣٠٥ - ٣١١، والرواية التي ذكر المؤلف هنا عند الطبري في تفسيره: ٤/ ٢٤٠، والجصاص في أحكام القرآن: ٢/ ٨٤، وابن عطية في تفسيره: ٤/ ١٧.\nوله رواية أخرى: بميزان صدق لا يُغل شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل\nعند الطبري في تفسيره: ٤/ ٢٤٠، والقرطبي في تفسيره: ٥/ ٢١، وله رواية أخرى:\nبميزان قسط لا يغل شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل\nعند الأزهري في تهذيب اللغة: ٣/ ١٩٦، وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ٤١١.","vol":"1","page":730},{"text":"وقال الشافعي - ﵁ -: ألا تعولوا ألا يكثر من تعولون. وقد غلط الشافعي في التفسير واللغة، وما يدل عليه الكلام، ثم جعل ذلك أصلًا من كتاب الله جل وعز فيما يجب من نفقة المرأة على زوجها (^١). والعول مشهور في اللغة (^٢)، وقد ذكرنا ما ذكرنا فيه من التفسير. وقال أبو عبيدة: عول الفرائض إنما أخذ من هذا، وإنما قيل: عالت الفريضة أي مالت عن وجهها لما حدث فيها (^٣). فذهب عن الشافعي علم اللغة (^٤)،\n_________\n(^١) الأم: ٥/ ١٠٦، سنن البيهقي: ٧/ ٤٦٥ كتاب النفقات باب وجوب النفقة للزوجة.\n(^٢) العول: الميل في الحكم إلى الجور، عال يعول عولًا: جار ومال عن الحق، والعول أيضًا: النقصان، وعال الميزان عولًا فهو عائل: مال. [مجاز القرآن: ١/ ١١٧، معاني القرآن للنحاس: ٢/ ١٦، تهذيب اللغة: ٣/ ١٩٥، مفردات الراغب: ٣٦٦، لسان العرب: ١١/ ٤٨١].\n(^٣) لم أقف على كلام أبي عبيدة هذا، وعول الفرائض مأخوذ من العول، قال أبو عبيد الهروي في معنى هذه الآية: يقال معناه: لا تميلوا أو لا تجوروا، والعول أيضًا: عول الفريضة، وهو أن تزيد سهامها فيدخل النقصان على أهل الفرائض، وأظنه مأخوذًا من الميل، وذلك أن الفريضة إذا عالت فهي تميل على أهل الفريضة جميعًا فتنقصهم.\n[غريب الحديث: ٢/ ٣٩٥، وانظر تفسير الطبري: ٤/ ٢٣٩، وتهذيب اللغة: ٣/ ١٩٥].\n(^٤) وجه الاعتراض على الشافعي من جهة اللغة: أنه يقال: عال يعول: إذا جار، وعال يعيل: إذا افتقر، وأعال يعيل: إذا كثر عياله، وهوسبحانه قال: تعولوا، ولم يقل: تعيلوا. معاني القرآن للنحاس: ٢/ ١٥.\n\nوقد أجاب عن هذا بعض أهل العلم، قال الأزهري: وإلى هذا القول ذهب الشافعي، والمعروف في كلام العرب: عال الرجل يعول إذا جار، وأعال يعيل إذا كثر عياله، قال الكسائي: عال الرجل يعول إذا افتقر، وأعال الرجل إذا كثر عياله، قال الكسائي: ومن العرب الفصحاء من يقول عال يعول إذا كثر عياله، قال الأزهري: وهذا يؤيد ما ذهب إليه الشافعي في تفسير الآية؛ لأن الكسائي لا يحكي عن العرب إلا ما حفظه وضبطه، وقول الشافعي نفسه حجة؛ لأنه عربي اللسان فصيح اللهجة، قال الأزهري: وقد اعترض عليه بعض المتحذلقين فخطأه، وقد عجل ولم يتثبت فيما قال، ولا يجوز للحضري أن يعجل إلى إنكار ما لا يعرفه من لغات العرب.\n[انظرتهذيب اللغة: ٣/ ١٩٤، ١٩٥].\nوقال الزمخشري مبينًا مقصد الشافعي: والذي يحكى عن الشافعي ﵀ أنه فسر: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ ألآ تكثر عيالكم فوجهه: أن يجعل من قولك: عال الرجل عياله يعولهم، كقولهم: مانهم يمونهم: إذا أنفق عليهم؛ لأن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة على حدود الورع، وكسب الحلال والرزق الطيب،\nوكلام مثله من أعلام العلم وأئمة الشرع ورؤوس المجتهدين حقيق بالحمل على الصحة والسداد، وألا يظن به تحريف تعيلوا الى تعولوا، وكفى بكتابنا المترجم (بكتاب شافي العي من كلام الشافعي) شاهدًا بأنه كان أعلى كعبًا وأطول باعًا في علم كلام العرب من أن يخفى عليه مثل هذا، ولكن للعلماء طرقًا وأساليب، فسلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات الكشاف، وقرأ طاوس: (أن لا تعيلوا) من أعال الرجل إذا كثر عياله، وهذه القراءة تعضد تفسير الشافعي ﵀ من حيث المعنى الذي قصده. [انظر الكشاف: ١/ ٤٩٩، ٥٠٠].\nوممن أجاب عما اعترض به على الشافعي أيضًا: الرازي في تفسيره: ٩/ ١٤٥، وأبو حيان في البحر: ٣/ ٥٠٩.","vol":"1","page":731},{"text":"وعلم الكلام؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (^١) أي: أدنى ألا يكون منكم عول، والرجل إذا كانت له امرأة واحدة أو ملك يمين فهو يعولها، فكيف يكون ذلك أدنى ألا تعولوا وهو في هذه الحال الموصوفة؟ يقول هذا (^٢)، خطأ من الكلام قبيح.\nوإنما المعنى في قوله ﷿: ﴿ذَلِكَ يَاوَيْلَتَا أَنْ﴾ (^٣): ألا يكون منكم ميل إلى واحدة دون الأخرى؛ لأن الواحدة إذا كانت لم يلزمه عدل بينها وبين الأخرى في قسم الأيام بينهن والنفقة، فتؤثر بحسن المودة والمحبة، وإذا كانت واحدة وملك يمين لم يلزمه عدل في نفقة ولا قسمة مبيت، فأي شئ في هذا مما يدل على النفقة وكثرة العيال؟ بل ملك اليمين أدل على كثرة العيال؛ لأن الله ﷿ إنما أباح من النساء أربعًا، وأباح من ملك اليمين ما شاء من العدد (^٤)،\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٣]\n(^٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب تكرار كلمة هذا: يقول هذا، هذا خطأ من الكلام قبيح.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٣]\n(^٤) قال الجصاص في بيان خطأ الشافعي من جهة المعنى: في الآية ذكر الواحدة أو ملك اليمين، والإماء في العيال بمنزلة النساء، ولا خلاف أن له أن يجمع من العدد من شاء بملك اليمين، فعلمنا أنه لم يرد كثرة العيال، وأن المراد نفي الجور والميل بتزوج امرأة واحدة إذ ليس معها من يلزمها القسم بينه وبينها لا قسم للإماء بملك اليمين.\n[أحكام القرآن: ٢/ ٨٥].\nوقد أجاب عن هذا الزمخشري حيث قال: فإن قلت: كيف يقال عيال من تسرى وفي السراري نحو ما في المهائر، قلت: ليس كذلك؛ لأن الغرض بالتزوج التوالد والتناسل بخلاف التسري، ولذلك جاز العزل عن السراري بغير إذنهن فكان التسري مظنة لقلة الولد بالإضافة الى التزوج كتزوج الواحدة بالاضافة الى تزوج.\n[الكشاف: ١/ ٥٠٠، وانظر المحرر الوجيز: ٤/ ١٨، ومفاتيح الغيب: ٩/ ١٤٥، والبحر المحيط: ٣/ ٥٠٩]","vol":"1","page":732},{"text":"وقال الله ﵎: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (^١) * فذكر الميل مع العدل، كما ذكر في الموضع الأول العول مع العدل (^٢). وقال النبي - ﷺ -: اللهم إن هذا قسمي فيما أملك - يعني بين نسائه في المبيت وما إليه فعله - فلا تؤاخذني بما تملك ولا أملك (^٣). يعني في المحبة وما يجعله الله في القلب، يريد أنه كان يحب عائشة - ﵂ - حبًا شديدًا دونهن، فهذا كله كلام بعضه من بعض، ولو لم يُدّعى للشافعي علم اللغة لما كان الغلط يبقى عليه، ويسطر في الكتب، فقد أخطأ غيره، فعدلت زلة من عالم، والله أعلم.\nقال الله ﵎: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ (^٤).\nقال قوم منهم شريح: إن طابت نفسها بشيء منه إلى الممات فهو الهنيء المريء (^٥). وقال غيره: إذا طابت نفسها بشيء منه فليس لها العودة فيه وإن طلقها. وهذا مما عليه\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ١٢٩]\n* لوحة: ٧٥/أ.\n(^٢) قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]\n(^٣) يأتي تخريجه ص: ٥٩٥.\n(^٤) [سورة النساء: الآية ٤]\n(^٥) رواه عبد الرزاق في مصنفه: ٩/ ١١٤، ١١٥، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ٣٣٦ في المرأة تعطي زوجها كتاب البيوع والأقضية، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٤/ ٨٣.\nوهذا قول عمر بن الخطاب، والشعبي، وطاوس، وحكاه الزهري عن القضاة، وهو رواية عن الإمام أحمد.\n[المراجع السابقة، والمغني: ٨/ ٢٧٨].","vol":"1","page":733},{"text":"فقهاء الأمصار (^١)، لقول النبي - ﷺ -: العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه (^٢) (^٣).\nقال الله ﷿: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (^٤).\n_________\n(^١) هذا يروى عن: عطاء، وإبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز، وربيعة، وقول مالك، والثوري، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، ورواية عن أحمد.\nرواه البخاري في صحيحه تعليقًا: ٢/ ٩١٤ كتاب الهبة باب هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها عن النخعي، وعمر ابن عبد العزيز، وعبد الرزاق في مصنفه: ٩/ ١١٣، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ٣٦٦ الموضع السابق، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٤/ ٨٤، وابن قدامة في المغني: ٨/ ٢٧٨، وابن حجر في الفتح: ٥/ ٢٦٧.\nقال ابن العربي: اتفق العلماء على أن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا وهبت صداقها لزوجها نفذ ذلك عليها، ولا رجوع لها فيه، إلا أن شريحًا رأى الرجوع لها فيه، واحتج بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ وإذا قامت طالبة له لم تطب به نفسًا. وهذا باطل؛ لأنها قد طابت وقد أكل، فلا كلام لها إذ ليس المراد صورة الأكل، وإنما هو كناية عن الإحلال والاستحلال وهذا بين. [أحكام القرآن: ١/ ٤١٥].\n(^٢) القيء: استخراج ما في الجوف، يقال: قاء فلان ما أكل قيئًا: إذا ألقاه.\n[النهاية: ٤/ ١٣٠، لسان العرب: ١/ ١٣٥]\n(^٣) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٩١٤ كتاب الهبة باب هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها، و٢/ ٩٢٤ كتاب الهبة باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته، و٦/ ٢٥٥٨ كتاب الحيل باب في الهبة والشفعة، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٢٤١ كتاب الهبات حديث: ٨.\n(^٤) [سورة النساء: الآية ٥]","vol":"1","page":734},{"text":"جاء في التفسير عن بعضهم: أنهم النساء والصبيان (^١). وهذا ما لا وجه له؛ لأن السفه حال ذم، فكيف يخص النساء والصبيان بذلك، والصبيان غير مؤاخذين بالذنوب؟ وكيف يجوز أن يعم بهذا اللفظ النساء دون الرجال؟ وكيف يجوز أن يقال: إنه لا ينبغي أن يهب الناس للنساء والصبيان الهبات؟ وبشير بن سعد الأنصاري (^٢) قد نحل (^٣) ابنه النعمان، وهو صغير، فلم ينكر * ذلك عليه الرسول - ﷺ -، إلا من أجل أنه لم يسوِّ بين ولده بالعدل (^٤).\n_________\n(^١) هذا يروى عن: ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، والسدي، والضحاك، ومجاهد، وقتادة، وأبي مالك. عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ١٤٦، سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ١١٥٠، والطبري في تفسيره: ٤/ ٢٤٥، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٨٦٣.\n(^٢) بشير بن سعد بن ثعلبة بن خلاس الأنصاري الخزرجي، أبو النعمان، شهد العقبة وبدرًا، وأحدًا وما بعدها، يقال: إنه أول من بايع أبا بكر من الأنصار، استشهد بعين تمر مع خالد بن الوليد في خلافة أبي بكر سنة ١٢ هـ.\n[الاستيعاب: ١/ ١٤٩، الإصابة: ١/ ١٥٨].\n(^٣) نحل: أي: أعطى، والنِحلة: العطية والهبة ابتداء من غير عوض ولا استحقاق. [النهاية: ٥/ ٢٨].\n* لوحة: ٧٥/ب.\n\n(^٤) روى البخاري في صحيحه: ٢/ ٩١٣ كتاب الهبة باب الهبة للولد، وباب الإشهاد في الهبة عن النعمان بن بشير: أن أباه أتى به رسول الله - ﷺ - فقال: إني نحلت ابني هذا غلامًا، فقال: أكل ولدك نحلت مثله؟ قال: لا، قال: فارجعه. ورواه مسلم أيضًا في صحيحه: ٣/ ١٢٤١ كتاب الهبات حديث: ٩ - ١٩.","vol":"1","page":735},{"text":"وعثمان بن عفان - ﵁ - قال: من نحل ابنًا له صغيرًا (^١) نحلًا فأعلن ذلك، وأشهد عليه، فهو جائز (^٢).\nفالهبة للصبي جائزة، لا تحتاج إلى الحيز لها (^٣)،\n_________\n(^١) في الأصل: صغير، ولعل الصواب ما أثبت.\n(^٢) رواه مالك في الموطأ: ٢/ ٥٩٠ كتاب الوصية حديث: ٩، وابن حزم في المحلى: ٩/ ١٢٢، والبيهقي في سننه: ٦/ ١٧٠ كتاب الهبات باب يقبض للطفل أبوه.\n(^٣) أي: أن إشهاد الأب على ذلك يعتبر حيازة لها.\nقال ابن عبد البر: على قضاء عثمان في هبة الأب لابنه الصغير جماعة الفقهاء بالحجاز والعراق، إلا أن أصحابنا يخالفون سائر الفقهاء في المسكون والملبوس والموقوف، فلا يرون إشهاد الأب في ذلك حيازة حتى يخرج منها مدة اقلها سنة من المسكون ليظهر فعله ذلك، وإذا ركب ما يركب أو لبس ما يلبس فقد رجع في هبته.\n\n[الاستذكار: ٢٣/ ١٠٧].","vol":"1","page":736},{"text":"وكيف يجوز أن يخص النساء بالسفه، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ (^١)؟، وقد فرض الله تعالى فرائض المواريث، وجعل للذكر نصيبه صغيرًا كان أو كبيرًا، سفيهًا كان أو رشيدًا، وجعل للأنثى مثل ذلك وإن نقص سهمها عن سهمه، فإذا وقع الميراث وجب الملك لصاحبه، فإن كان رشيدًا تولى ماله، وإن كان صغيرًا أو سفيهًا ذكرًا كان أو أنثى حفظ عليه ماله، وكذلك الهبة تصح، وإن كان الموهوب له رشيدًا تولى القبض لنفسه، وإن كان صغيرًا أو سفيهًا حفظ عليه ماله ذكرًا كان أو أنثى. وإنما المعنى في قوله ﷿: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (^٢) أي: لا تدفعوا إليهم أموالهم، وإنما أضيف ذلك إلى الدافعين فقيل: ... ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (^٣) يعني: ولاية، كقوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (^٤)، وكقوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٥)، وقال: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ (^٦) (^٧)،\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ١٢٤]\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٥]\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٥]\n(^٤) [سورة النور: الآية ٦١]\n(^٥) [سورة البقرة: الآية ٥٤]\n(^٦) [سورة النساء: الآية ٥]\n(^٧) ما ذكره المؤلف هنا من معنى وجه إضافة الأموال إلى الدافعين يحمل على ما إذا كان الخطاب موجه إلى أولياء اليتامى، أما إذا كان الخطاب متوجه إلى الأباء فإن الإضافة هنا حقيقة.\n\nقال ابن العربي: اختلف في هذه الإضافة على قولين: أحدهما: أنها حقيقة، والمراد نهي الرجل أو المكلف أن يؤتي ماله سفهاء أولاده فيضيعونه ويرجعون عيالًا عليه. والثاني: أن المراد به نهي الأولياء عن إيتاء السفهاء من أموالهم، وإضافتها إلى الأولياء؛ لأن الأموال مشتركة بين الخلق تنتقل من يد إلى يد وتخرج عن ملك إلى ملك. والصحيح أن المراد به الجميع. ... [أحكام القرآن: ١/ ٤١٦].","vol":"1","page":737},{"text":"فعلم أن السفهاء يرزقون من أموالهم، ويكسون منها، والسفيه هو البالغ الذي يستحق الحجر (^١).\n_________\n(^١) اختلف أهل العلم في المراد بالسفهاء في هذه الآية، فقيل: إنهم الصبيان والنساء، وقيل: بل الصبيان خاصة، وقيل: بل النساء خاصة. تفسير الطبري: ٤/ ٢٤٦، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٨٩، تفسير القرطبي: ٥/ ٢٨\nولعل الأقرب للصواب ما ذكره المؤلف هنا من أن كل مستحق للحجر فهو سفيه، قال ابن جرير: والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا: أن الله جل ثناؤه عمَّ بقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ فلم يخصص سفيهًا دون سفيه، فغير جائز لأحد أن يؤتي سفيهًا ماله، صبيًا صغيرًا كان أو رجلًا كبيرًا، ذكرًا كان أو أنثى، والسفيه الذي لا يجوز لوليه أن يؤتيه ماله هو: المستحق الحجر بتضييعه ماله، وفساده وإفساده، وسوء تدبيره ذلك.\n[جامع البيان: ٤/ ٢٤٧]\n\nقلت: وما ذكره المؤلف هنا: من أن السفه حال ذم، وأن الصبيان غير مؤاخذين بالذنوب، وأنه كيف يقال بأنه لا يجوز أن يهب الناس للنساء والصبيان الهبات. فيه نظر، قال أبو بكر الرازي: وليس السفه في هؤلاء صفة ذم، ولا يفيد معنى العصيان لله تعالى، وإنما سموا سفهاء لخفة عقولهم، ونقصان تميزهم عن القيام بحفظ المال، فإن قيل: لا خلاف أنه جائز أن نهب النساء والصبيان المال، وقد أراد بشير أن يهب لابنه النعمان فلم يمنعه النبي - ﷺ - منه إلا لأنه لم يعط سائر بنيه مثله، فكيف يجوز حمل الآية على منع إعطاء السفهاء أموالنا؟ قيل له: ليس المعنى فيه التمليك وهبة المال، وإنما المعنى فيه أن نجعل الأموال في أيديهم وهم غير مضطلعين بحفظها، وجائز للإنسان أن يهب الصغير والمرأة كما يهب الكبير العاقل، ولكنه يقبضه له من يلي عليه ويحفظ ماله ولا يضيعه، وإنما منعنا الله تعالى بالآية أن نجعل أموالنا في أيدي الصغار والنساء اللاتي لا يكملن بحفظها وتدبيرها. [أحكام القرآن: ٢/ ٩٠].\nوقال ابن العربي: وقد قال بعض الناس إن السفه صفة ذم والصغيرة والمرأة لا تستحقان ذمًا. وهذا ضعيف فإن النبي - ﷺ - قد وصف المرأة بنقصان الدين والعقل، وكذلك الصغير موصوف بالغرارة والنقص وإن كانا لم يفعلا ذلك بأنفسهما لكنهما لا يلامان على ذلك، فنهى الله سبحانه عن إيتاء المال إليهم وتمكينهم منه، وجعله في أيديهم، ويجوز هبة ذلك لهم فيكون للسفهاء ملكًا، ولكن لا يكون لهم عليه يد.\n[أحكام القرآن: ١/ ٤١٥].","vol":"1","page":738},{"text":"قال الله ﷿: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (^١).\nقال ابن عباس (^٢)، وشريح (^٣)، والقاسم (^٤)، والشعبي (^٥)، ومجاهد (^٦)، وعكرمة (^٧)\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٦]\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره: ٤/ ٢٥٢، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٨٦٥، والبيهقي في سننه: ٦/ ٥٩ باب الرشد هو الصلاح في الدين وإصلاح المال من كتاب الحجر.\n(^٣) رواه تعليقًا ابن حزم في المحلى: ٨/ ٢٨٥.\n(^٤) المرجع السابق، والمغني: ٦/ ٥٩٥.\n(^٥) رواه سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ١١٥٢، وابن جرير في تفسيره: ٤/ ٢٥٣، وابن حزم في المحلى تعليقًا: ٨/ ٢٨٥.\n(^٦) رواه سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ١١٥٢، وابن جرير في تفسيره: ٤/ ٢٥٣، وابن حزم في المحلى تعليقًا: ٨/ ٢٨٨.\n(^٧) لم أقف عليه.\n* لوحة: ٧٦/أ.","vol":"1","page":739},{"text":"*، وزيد بن أسلم (^١)، ومالك بن أنس (^٢)، والضحاك (^٣)، وربيعة (^٤)، وابن شهاب (^٥)، ومن انتهى إلينا تفسيره لهذه الآية (^٦): إن الابتلاء بعد البلوغ، وأنه لا يدفع إليه ماله حتى يؤنس رشده، ويعرف منه الإصلاح في ماله، ولقد قال بعضهم: ولو بلغ مائة سنة (^٧)، وقال بعضهم: وشمط (^٨) ولم يؤنس رشده لم يدفع ماله (^٩).\nوقال أبو حنيفة: لا حجر على بالغ (^١٠). وهذا القول مخالف لكتاب الله تعالى ولجملة المسلمين؛ لأن الله ﷿ [قال] (^١١): ﴿إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا﴾ (^١٢) فدل على أنه من لم يؤنس منه رشد كان على الحجر، والله أعلم (^١٣).\n_________\n(^١) لم أقف عليه.\n(^٢) المدونة: ٤/ ٧٢، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٤١٩، تفسير القرطبي: ٥/ ٣٧.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره: ٥/ ٣٧.\n(^٤) رواه ابن حزم تعليقًا في المحلى: ٨/ ٢٨٥.\n(^٥) لم أقف عليه.\n(^٦) هذا رأي أكثر أهل العلم كما ذكر ذلك القرطبي في تفسيره: ٥/ ٣٧. وانظر المراجع السابقة.\n(^٧) هذا يروى عن الضحاك وقد سبق.\n(^٨) شمط: الشين والميم والطاء: قياس صحيح يدل على الخلطة، ومن ذلك الشَّمط وهو: اختلاط الشيب بسواد الشعر. ... [مقاييس اللغة: ٥١٤، النهاية في غريب الحديث: ٢/ ٥٠١].\n(^٩) هذا يروى عن الشعبي، ومجاهد، وقد سبق تخريج أثرهما.\n(^١٠) أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٦٦٨، ٢/ ٩٤.\n(^١١) كلمة قال ساقطة في الأصل، وأضفتها ليستقيم الكلام.\n(^١٢) [سورة النساء: الآية ٦]\n(^١٣) ما ذكره المؤلف هنا من الحجر على من لم يؤنس رشده حتى وإن كان كبيرًا هو رأي جمهور أهل العلم.\nفقد أجمع العلماء على وجوب الحجر على الأيتام الذين لم يبلغوا الحلم، واختلفوا في الحجر على العقلاء الكبار إذا ظهر منهم تبذير لأموالهم، فذهب قوم إلى أنه لا يدفع إليه ماله قبل وجود أمرين: البلوغ والرشد، وعليه أكثر علماء الأمصار من أهل الحجاز، والعراق، والشام، ومصر، وبه قال: مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو يوسف ومحمد من أصحاب الرأي. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يدفع ماله إليه قبل خمس وعشرين سنة، فإذا بلغ خمسًا وعشرين سنة فك عنه الحجر ودفع إليه ماله، وهو قول إبراهيم النخعي، وابن سيرين.\n[أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٦٦٨، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٤١٩، بداية المجتهد: ٢/ ٣٥٨، المغني: ٦/ ٥٩٥، تفسير القرطبي: ٥/ ٣٨].","vol":"1","page":740},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^١).\nقال القاسم بن محمد (^٢) عن ابن عباس: إن رجلًا سأله فقال: إن لي إبلًا، وليتيم في\nحجري إبل، وأنا أمنح من إبلي (^٣)، وأَفْقِرُ (^٤)، فما يحل لي منها؟ قال: إن كنت تلتمس ضالتها، وتهنأ جرباها (^٥)، وتلوط حوضها (^٦)، وتسعى عليها، فاشرب من ألبانها، غير مضر بنسل، ولا ناهك في ظهر (^٧)\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٦]\n(^٢) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ثقة أحد فقهاء المدينة تقدم.\n(^٣) أي: أعطي المحتاج من إبلي، يقال: منحه الشاة والناقة يمنحه: أعاره إياها، ومنحه الناقة: جعل له وبرها وولدها ولبنها، وتسمى منيحة. ... [النهاية: ٤/ ٣٦٤، لسان العرب: ٢/ ٦٠٧].\n(^٤) وأَفْقِرُ: أي: أُعير ظهرها للركوب، يقال: أفقر البعير يفقره إفقارًا: إذا أعاره / مأخوذ من ركوب فقار الظهر. ... [النهاية: ٣/ ٤٦٢، لسان العرب: ٥/ ٦٣].\n(^٥) تهنأ جرباها: أي تعالج جرب إبله بالقطران، يقال: هنأت البعير: إذا طليته بالهناء وهو: القطران.\n[النهاية: ٥/ ٢٧٦، لسان العرب: ١/ ١٨٦].\n(^٦) تلوط حوضها: أي تطينه وتصلحه، يقال: لاط الحوض بالطين لوطًا طينه.\n[النهاية: ٤/ ٢٧٧، لسان العرب: ٧/ ٣٩٤].\n(^٧) في جميع الروايات التي وقفت عليها لم أجد كلمة ظهر، وإنما الذي وقفت عليه: غير ناهك في الحلب. أي: غير مبالغ فيه، يقال: نهكت الناقة حلبًا أنهكها إذا نقصها فلم يبق في ضرعها لبنًا.\n\n[النهاية: ٥/ ١٣٦، لسان العرب: ١٠/ ٥٠٠].","vol":"1","page":741},{"text":"(^١). وقال القاسم ولو رواه عن النبي - ﷺ - لكان أحسن (^٢). والروايات في هذا تكثر وتتسع (^٣).\nوالذي أراد الله ﵎ - والله أعلم بما أراد من ذلك -: أنه إذا كان الوصي غنيًا غير محتاج إلى مال اليتيم فليس له أن يأكل منه، ولا ينتفع منه بشيء؛ إذ أمره الله ﷿ بذلك، فإن كان فقيرًا، وكان قيامه على اليتيم يشغله عن التصرف، وطلب المعاش لنفسه وعياله، كان له أن يأخذ من مال اليتيم ما يكفيه وعياله بالمعروف، ليس له\nأن يتأثل منه مالًا (^٤)،\n_________\n(^١) رواه مالك في الموطأ: ٢/ ٧١٢ كتاب صفة النبي - ﷺ - حديث: ٣٣، وعبد الرزاق في تفسيره: ١/ ١٤٧، وسعيد بن منصور في سننه: ٣/ ١١٥٧، وابن جرير في تفسيره: ٤/ ٢٥٨، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ... ٢/ ١٥١ وصححه، والبيهقي في سننه: ٦/ ٤ كتاب البيوع باب الولي يأكل من مال اليتيم مكان قيامه عليه بالمعروف إذا كان فقيرًا، و٦/ ٢٨٤ كتاب الوصايا باب والي اليتيم يأكل من ماله إذا كان فقيرًا مكان قيامه عليه بالمعروف، والبغوي في شرح السنة: ٨/ ٣٠٦، وفي تفسيره: ٢/ ١٦٨.\n(^٢) لم أقف عليه.\n(^٣) انظر المراجع السابقة.\n(^٤) يتأثل من مالًا: أي غير جامع من مالًا، يقال: مال مؤثل، ومجد مؤثل أي: مجموع ذو أصل، وأثلة الشي أصله. ... [النهاية: ١/ ٢٣، لسان العرب: ١١/ ٩].\n\n* لوحة: ٧٦/ب.","vol":"1","page":742},{"text":"ومع ذلك * فينبغي له أن يستنمي لليتيم في ماله حتى لا تقدح نفقته بالمعروف، وما يخرج من زكاة مال اليتيم في مال اليتيم، ولا تنقصه، ويلزمه اختبار اليتيم فإن آنس منه رشدًا لم يغتنم ما يصير إليه من مال اليتيم، فيدفع إليه ماله، وأشهد عليه (^١) كما أمره الله تعالى (^٢).\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: ويشهد عليه.\n(^٢) ما ذكره المؤلف هنا هو أحد الأقوال في مسألة الأكل بالمعروف من مال اليتيم ماهو؟ وما ذهب إليه المؤلف هنا من أن الأكل بالمعروف هو شرب الولي من اللبن، وركوب الظهر غير مضر بنسل، ولا ناهك في حلب، هو قول: ابن عباس، والحسن، والشعبي، وأبي العالية، وإليه ذهب مالك وأهل المدينة. وذهب قوم إلى أنه إذا احتاج إلى القرض اقترض منه وقضى إذا أيسر، وهو مروي عن: عمر بن الخطاب، وابن عباس، وسعيد بن جبير، والشعبي. وروي عن مجاهد أنه قال: ليس له أن يأخذ قرضًا ولا غيره. وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه.\n[تفسير الطبري: ٤/ ٢٥٥، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٩٤، تفسير القرطبي: ٥/ ٤١، تفسير ابن كثير: ... ١/ ٤٥٣].\nولعل ما ذهب إليه المؤلف هنا هو الصحيح، ويشهد له حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - فقال: إني فقير ليس لي شيء، ولي يتيم، قال: فقال: كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل. رواه أبوداود في سننه: ٣/ ١١٥ كتاب الوصايا باب ما جاء في ما لولي اليتيم أن ينال من مال اليتيم، والنسائي في سننه: ٦/ ٥٦٧ كتاب الوصايا باب ما للوصي من مال اليتيم إذا أقام عليه، وابن ماجة في سننه: ... ٢/ ١١٨ قوله: ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف من أبواب الوصايا، وأحمد في مسنده: ٢/ ١٨٦، ٢١٥.\nقال ابن حجر في الفتح: ٨/ ٣٠٤: وإسناده قوي.\n\nقال الشوكاني: والظاهر من الآية والحديث جواز الأكل مع الفقر بقدر الحاجة، من غير إسراف ولا تبذير ... ولا تأثل، والإذن بالأكل يدل إطلاقه على عدم وجوب الرد عند التمكن، ومن ادعى الوجوب فعليه الدليل.\n[نيل الأوطار: ٥/ ٣٠٠].","vol":"1","page":743},{"text":"قال الله ﷿: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (^١).\nنزلت هذه الآية؛ لأنهم كانوا لا يورثون النساء، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (^٢) ذكر ذلك معمر عن قتادة (^٣).\nقال الله ﷿: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ (^٤).\nقال ابن عباس وجماعة: إنها غير منسوخة، وإنه ينبغي أن يعمل بها، فيرضخ (^٥) لذي القربى واليتامى والمساكين من المال الذي يقسم بين الوُرَّاث (^٦).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٧]\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٧]\n(^٣) رواه من هذا الطريق: عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ١٤٩، وابن جرير في تفسيره: ٤/ ٢٦٢، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٨٧٢. وقد روي نحو هذا عن: سعيد بن جبير، وعكرمة، وابن زيد. تفسير الطبري: ٤/ ٢٦٢، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٨٧٢.\n(^٤) [سورة النساء: الآية ٨]\n(^٥) الرضخ: العطاء، يقال: رَضَخ له من ماله يرضخُ رضخًا: أعطاه. [لسان العرب: ٣/ ١٩].\n(^٦) رواه عن ابن عباس: البخاري في صحيحه: ٣/ ١٠١٤ كتاب الوصايا باب قوله تعالى: وإذا حضر القسمة، و٤/ ١٦٦٩ التفسير سورة النساء، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢٢٧ كتاب الوصايا باب قوله: وإذا حضر القسمة، وابن جرير في تفسيره: ٤/ ٢٦٣، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٨٧٣، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ٢/ ١٥٩، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٣١ كتاب التفسير سورة النساء، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٦٦ كتاب الوصايا باب ما جاء في قوله: وإذا حضر القسمة، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ٣٠٧.\nوممن روي عنه أن هذه الآية محكمة وليست منسوخة: عبد الرحمن بن أبي بكر، وعبيدة، وعروة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، والحسن، والشعبي، والزهري، ويحيى بن يعمر.\n[انظر المراجع السابقة، وتفسير عبد الرزاق: ١/ ١٤٩، والناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ٢٦، وسنن سعيد بن منصور: ٣/ ١١٦٦، والمحلى: ٩/ ٣١١ من طريق القاضي إسماعيل].\nوكل من روي عنه أن الآية محكمة فإنهم يحملون الأمر فيها على الندب والترغيب إلا مجاهد فإنه قد روي عنه: أنها واجبة عند قسمة الميراث، قال النحاس بعد روايته لهذا الأثر عن مجاهد: فهذا مجاهد يقول بإيجابها بالإسناد الذي لا تدفع صحته، وهذا خلاف ما روي عنه عن ابن عباس، غير أن هذا الإسناد أصح.\n[الناسخ والمنسوخ: ٢/ ١٦٠]\nوقال ابن الجوزي: ثم اختلف من قال بإحكامها في الأمر المذكور فيها، فذهب أكثرهم إلى أنه على سبيل الإستحباب والندب، وهو الصحيح، وذهب بعضهم إلى أنه على الوجوب. [نواسخ القرآن: ٣٠٩].\nوممن رجح هذا القول وانتصر له ابن حزم في المحلى: ٩/ ٣١٠.","vol":"1","page":744},{"text":"وقال آخرون - ومنهم عبد الله بن عباس خلافًا لما روي عنه -: إن ذلك في الوصية إذا أراد الميت أن يوصي (^١). وقال بعضهم: إنها منسوخة بما نزل من المواريث (^٢).\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ١٤٩، وابن جرير في تفسيره: ٤/ ٢٦٥، وابن أبي حاتم في تفسيره: ... ٣/ ٨٧٥، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٦٧ الموضع السابق.\nقال ابن حجر: وجاء عن ابن عباس قول آخر أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح - ثم ساقه، ثم قال - وهذا لا ينافي حديث الباب وهو أن الآية محكمة وليست بمنسوخة. [فتح الباري: ٨/ ٣٠٥].\nوهذا المعنى الذي ذكر ابن عباس يروى عن: سعيد بن المسيب، وابن زيد. تفسير الطبري: ٤/ ٢٦٥، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٦٧ الموضع السابق، وهو ما رجحه ابن جرير في تفسيره.\n(^٢) ممن روي عنه أن هذه الآية منسوخة: ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وسعيد بن المسيب، وأبو مالك، والضحاك، وعطاء. تفسير عبدالرزاق: ١/ ١٤٩، الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ٢٩، سنن سعيد بن منصور: ٣/ ١١٧٢، مصنف ابن أبي شيبة: ٦/ ٢٢٦ الموضع السابق، تفسير الطبري: ٤/ ٢٦٤، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٨٧٥، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ١٥٦، سنن البيهقي: ٦/ ٢٦٧ الموضع السابق، نواسخ القرآن: ٣١٠.\nقال ابن كثير: وهكذا روى عن عكرمة، وأبي الشعثاء، والقاسم بن محمد، وأبي صالح، وأبي مالك، وزيد بن أسلم، والضحاك، وعطاء الخرساني، ومقاتل بن حيان، وربيعة بن أبي عبد الرحمن أنهم قالوا: إنها منسوخة، وهذا مذهب جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة وأصحابهم. [تفسير القرآن العظيم: ١/ ٤٥٥].\nوقد ذكر ابن حجر في أيضًا أن هذا مذهب الأئمة الأربعة وأصحابهم. [فتح الباري: ٨/ ٣٠٥]\nوذكر مكي بن أبي طالب في الإيضاح: ٢١١: أن القول بإحكام هذه الآية وحملها على الندب والترغيب هو قول مالك وأكثر العلماء.\n\nوقد ضعف ابن حجر الروايات عن ابن عباس في نسخ هذه الآية، حيث قال بعد ذكره للقول عنه إنها محكمة وليست بمنسوخة، قال: وهذان الإسنادان الصحيحان عن ابن عباس هما المعتمدان، وجاءت عنه روايات من أوجه ضعيفة عند ابن أبي حاتم وابن مردويه أنها منسوخة نسختها آية الميراث. [فتح الباري: ٨/ ٣٠٥].","vol":"1","page":745},{"text":"وقال بعضهم: إن كان الورثة رجالًا ونساء فإنهم يُعطون ذوي القربى ما طابت به أنفسهم، وإن كان الورثة صغارًا لم يعطوا من مالهم شيئًا، وقالوا لهم قولًا معروفًا (^١). والصحيح والله أعلم: أن آية المواريث نسخت ذلك كله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ (^٢) فلما قيل: مما ترك عُلم أن الشيء قد وجب لأهل المواريث حين مات الميت، على قدر مواريثهم، ومن زعم أن ذلك من الوصية فإن الله تعالى قال في المواريث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (^٣)\n_________\n(^١) هذا يروى عن: سعيد بن جبير، والحسن، والسدي. الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ٢٥، مصنف ابن أبي شيبة: ٦/ ٢٦٦ الموضع السابق، تفسير الطبري: ٤/ ٢٦٧، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٨٧٦.\n(^٢) [سورة النساء: الآية ١١]\n(^٣) [سورة النساء: الآية ١١]\n* لوحة: ٧٧/أ.","vol":"1","page":746},{"text":"فليس * يجوز أن ينقص أهل المواريث مما جعل لهم إلا الدين، فإنه مُبدأٌ ثم الوصية، مشاركة لهم على ما أوصى به، إلا أن تكون الوصية للفقراء أو في أبواب البر فيخص منها أولوا القربى واليتامى بالاجتهاد في ذلك، وفي بعض ما روي عن ابن عباس - ﵁ - ما يدل على ذلك، والله أعلم بما أراد منه (^١).\n_________\n(^١) ما ذهب إليه المؤلف من آية المواريث قد نسخت هذه الآية فيه نظر، بل الصواب - إن شاء الله - أنها محكمة معمول بها محمول الأمر فيها على الندب والترغيب، وهذا ما اختاره جمع من أهل العلم المحقيقين، ومنهم: النحاس في الناسخ والمنسوخ: ٢/ ١٥٩، والجصاص في أحكام القرآن: ٢/ ١٠٦، ومكي في الإيضاح: ٢١١، وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ٤٢٨، والبغوي في معالم التنزيل: ٢/ ١٧٠، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ٣١٠، والقرطبي في تفسيره: ٥/ ٤٩، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٤٥٥، والشوكاني في فتح القدير: ١/ ٤٨٠، والزرقاني في مناهل العرفان: ٢/ ٥٢٣.\nقال مكي: ويدل على أنها على الندب قوله في آخر الآية: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ أي: إن لم تعطوهم شيئًا ولم توصوا لهم، فقولوا لهم قولًا حسنًا.\nوأيضًا فإنها لو كانت فرضًا لكان الذي لهم معلومًا محدودًا كسائر الفرائض.\nوأيضًا فقد أجمع المسلمون على أن الميراث إذا قُسم ولم يحضر أحد من المذكورين أنه لا شيء لهم، ولو كان ذلك فرضًا لكان لهم ذلك حضروا أو غابوا كسائر المواريث. [الإيضاح: ٢١٠، ٢١١].","vol":"1","page":747},{"text":"قال الله ﵎: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَلَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ (^١).\nأخبرنا إسماعيل (^٢) قال: نا مسدد (^٣)، ونا زياد (^٤) قال: نا مسدد قال: نا بشر بن المفضل (^٥) قال: نا عبد الله بن محمد بن عقيل (^٦) عن جابر بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - حتى جئنا امرأة من الأنصار في الأسواف (^٧)، وهي جدة (^٨)\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ١١]\n(^٢) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق، تقدم.\n(^٣) مسدد بن مسرهد ثقة حافظ، تقدم.\n(^٤) زياد بن الخليل لابأس به، تقدم.\n(^٥) بشر بن المفضل بن لاحق ثقة ثبت عابد، تقدم.\n(^٦) عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي، أبو محمد المدني، عن: ابن عمر، وجابر، وعنه: معمر، وبشر بن المفضل، اختلف العلماء في الاحتجاج به، فاحتج به أحمد وإسحاق، وضعفه ابن معين، وقال الترمذي: صدوق وتكلم فيه بعضهم من قبل حفظه، وقال الذهبي: حديثه في مرتبة الحسن، وقال ابن حجر: صدوق في حديث لين، ويقال: تغير بآخره. مات بعد الأربعبن.\n[الكاشف: ١/ ٥٩٤، ميزان الاعتدال: ٢/ ٤٨٤، التقريب: ٥٤٢].\n(^٧) الأَسْوَاف: اسم حرم المدينة، وقيل: موضع بعينه بناحية البقيع، وهو موضع صدقة زيد بن ثابت، وهو من حرم المدينة. ... [معجم ما استعجم: ١/ ١٥١، معجم البلدان: ١/ ١٩١].\n(^٨) جدة زيد بن خارجة: عمرة بنت حزم بن زيد الأنصارية، وهي أخت عمرو بن حزم، زوج سعد بن الربيع. ... [الطبقات الكبرى: ٨/ ٤٤٨، الإصابة: ٤/ ٣٦٦].\n\nقال ابن حجر: وأخرج الطبراني في التفسير قصة مجيء امرأة سعد بن الربيع بابنتي سعد لما استشهد، فقالت: إن عمهما أخذ كيراثهما فنزلت أية المواريث. وسماها إسماعيل القاضي في أحكام القرآن بسند مرسل عمرة بنت حزم. ... [فتح الباري: ٩/ ٢٩٠].","vol":"1","page":748},{"text":"خارجة بن زيد بن ثابت (^١)، فزرناها ذلك اليوم، فرشت لنا صورًا من نخل (^٢) فقعدنا تحته، وذبحت لنا شاة، وعلقت لنا قربة ماء، فبينما نحن كذلك نتحدث، إذ قال رسول الله - ﷺ -: الآن يأتيكم رجل من أهل الجنة، فدخل علينا أبو بكر الصديق - ﵁ - فتحدثنا، ثم قال: الآن يأتيكم رجل آخر من أهل الجنة، فطلع علينا عمر بن الخطاب - ﵁ - فتحدثنا، ثم قال: الآن يأتيكم رجل آخر من أهل الجنة، قال: فرأيته يطأطيء (^٣) رأسه من تحت شعف (^٤) الصور، فقال: اللهم إنك إن شئت جعلته علي بن أبي طالب - ﵁ -، فجاء حتى دخل علينا، فهنأناهم بما قال فيهم رسول الله - ﷺ -، فجاءت * المرأة بابنتين لها، فقالت يا رسول الله: هاتان ابنتا ثابت بن قيس (^٥)\n_________\n(^١) خارجة بن زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري النجاري، أبو زيد المدني، أدرك عثمان وروى عنه، قال أبو الزناد: كان أحد الفقهاء السبعة، قيل: مات سنة ٩٩، وقيل: مات سمة ١٠٠ هـ في خلافة عمر بن عبد العزيز بالمدينة. ... [الطبقات الكبرى: ٥/ ٢٦٢، تهذيب التهذيب: ٣/ ٦٩].\n(^٢) الصور: الجماعة من النخل الصغار، ولا واحد له من لفظه، ويجمع على صيران.\n[النهاية: ٣/ ٥٩، لسان العرب: ٤/ ٤٧٥].\nفمعناه هنا: فنضحت ما تحت الصور من الأرض بالماء.\n(^٣) طأطأ رأسه طأطأة وتطأطأ: تطامن، وطأطأ الشيء خفضه، وطأطأ عن الشيء خفض رأسه عنه.\n[لسان العرب: ١/ ١١٣].\n(^٤) شعف: الشين والعين والفاء يدل على: أعالي الشيء ورأسه. [مقاييس اللغة: ٥٠٥].\n* لوحة: ٧٧/ب.\n(^٥) ثابت بن قيس بن شماس بن مالك بن امرئ القيس الأنصاري الخزرجي، خطيب الأنصار، أبو محمد، شهد أحدًا وما بعدها من المشاهد، بشره رسول الله - ﷺ - بالجنة، قتل يوم اليمامة شهيدًا في خلافة أبي بكر.\n\n[الاستيعاب: ١/ ١٩٢، الإصابة: ١/ ١٩٥].","vol":"1","page":749},{"text":"قتل معك يوم أحد (^١)، وقد استفاء (^٢) عمهما مالهما وميراثهما، فلم يدع لهما مالًا إلا أخذه، فما ترى يا رسول الله، لا تنكحان أبدًا إلا ولهما مال؟ فقال رسول الله - ﷺ -: يقضي الله في ذلك، قال: ونزلت سورة النساء: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (^٣) فقال لي رسول الله - ﷺ -: ادع إلي المرأة وصاحبها، فقال لعمهما: أعطهما الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فلك (^٤).\n_________\n(^١) وقعت غزوة أحد في اسنة الثالثة من الهجرة، وسميت بالمكان الذي وقعت فيه وهو أحد، وهو جبل تلقاء المدينة. [معجم ما استعجم: ١/ ١١٧، البداية والنهاية: ٤/ ٣٨٣].\n(^٢) أي: استرجع حقهما من الميراث، وجعله فيئًا له، وهو استفعل من الفيء. [لسان العرب: ١/ ١٢٦].\n(^٣) [سورة النساء: الآية ١١]\n(^٤) مدار هذا الحديث على عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد روي عنه من طرق: طريق بشر بن المفضل عنه، رواه أبو داود في سننه: ٣/ ١٢٠ باب ما جاء في ميراث الصلب كتاب الفرائض من طريق مسدد عن بشر، والدارقطني في سننه: ٤/ ٧٩ كتاب الفرائض حديث: ٣٤، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٢٩ باب فرض الابنتين فصاعدًا كتاب الفرائض من طريق إسماعيل بن إسحاق عن مسدد عن بشر بنحوه.\nطريق عبيد الله بن عمرو عن ابن عقيل: رواه الترمذي في سننه باب ما جاء في ميراث البنات من أبواب الفرائض، وقال: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل تحفة الأحوذي: ٦/ ٢٦٧، وأحمد في مسنده: ٣/ ٣٥٢، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٨٨١، والحاكم في المستدرك: ٤/ ٣٧٠ كتاب الفرائض وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وفي المستدرك أيضًا: ٤/ ٣٨٠، والبيهقي في سننه: ... ٦/ ٢١٦ باب من قال بتوريث ذوي الأرحام كتاب الفرائض.\nطريق: سفيان بن عيينة عن ابن عقيل: رواه ابن ماجة في سننه: ٢/ ١١٩ باب فرض الصلب من أبواب الفرائض.\nطريق داود بن قيس: رواه أبو يعلى في مسنده: ٢/ ٢٨٦، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٤/ ٣٩٥.\nوقد روى بعض ألفاظه: أحمد في مسنده: ٣/ ٣٧٤، والطبراني في الأوسط: ٧/ ١١٠.","vol":"1","page":750},{"text":"قال القاضي: أخطأ ابن عقيل في هذا الحديث، هما ابنتي سعد بن الربيع (^١)، وهو الذي قتل يوم أحد، وقتل ثابت في حرب مسيلمة باليمامة (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير الأنصاري الخزرجي، أحد نقباء الأنصار، شهد العقبة الأولى والثانية، شهد بدرًا، وقتل يوم أحد شهيدًا. [الاستيعاب: ٢/ ٣٤، الإصابة: ٢/ ٢٦]\n(^٢) حرب مسيلمة بن حبيب اليمامي الكذاب مدعي النبوة، وتسمى حرب اليمامة نسبة إلى المكان الذي وقعت فيه وهو اليمامة، من أقاليم نجد، وقد وقعت هذه المعركة في أواخر السنة الحادية عشرة وأوائل الثانية عشرة من الهجرة، وكان على رأس جيش المسلمين خالد بن الوليد وذلك زمن خلافة أبي بكر - ﵁ -.\n[معجم البلدان: ٥/ ٤٤٢، البداية والنهاية: ٦/ ٧٣٥]\n(^٣) قلت: ما ذكره المؤلف من أنهما ابنتا سعد بن الربيع وليستا ابنتا ثابت بن قيس صحيح، ولكن في تخطأته لابن عقيل نظر، فإن الخطأ في هذا أتى من طريق بشر بن المفضل عن ابن عقيل، وأما الطرق الأخرى عن ابن عقيل فأثبتت الصواب، ولذلك قال أبو داود: أخطأ بشر فيه، إنما هما ابنتا سعد بن الربيع، وثابت بن قيس قتل يوم اليمامة. ثم قال أبو داود في بيان الصواب من الطرق الأخرى قال: حدثنا بن السرح ثنا بن وهب أخبرني داود بن قيس وغيره من أهل العلم عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله: أن امرأة سعد بن الربيع قالت: يا رسول الله إن سعدًا هلك وترك ابنتين، وساق نحوه. قال أبو داود: وهذا هو أصح. [سنن أبي داود: ٣/ ١٢١].\n\nقلت: وما ذكره المؤلف هنا هو أحد الأقوال في سبب نزول هذه الآيات، فقد روى البخاري في صحيحه: ... ٤/ ١٦٧٠ التفسير سورة النساء عن جابر بن عبدالله قال: عادني النبي - ﷺ - وأبو بكر في بني سلمة ماشيين فوجدني النبي - ﷺ - لا أعقل فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش علي فأفقت فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٢٣٥ الفرائض حديث: ٥ - ٨.\nوقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا الحديث سبب نزول الآية الأخيرة من سورة النساء، وحديث جابر في ابنتي سعد بن الربيع هو سبب نزول هذه الآيات، قال ابن كثير: والظاهر أن حديث جابر الأول - يقصد ما رواه البخاري ومسلم - إنما نزل بسبب الآية الخيرة من هذه السورة. [تفسير القرآن العظيم: ١/ ٤٥٧].\nوقد ذهب ابن حجر إلى: حمل الحديثين على تكرار النزول، حيث قال معلقًا على حديث جابر في قصة ابنتي سعد بن الربيع: وهذا ظاهر في تقدم نزولها، نعم وبه احتج من قال: إنها لم تنزل في قصة جابر إنما نزلت في قصة ابنتي سعد بن الربيع، وليس ذلك بلازم إذ لا مانع أن تنزل في الأمرين معًا، ويحتمل أن يكون نزول أولها في قصة البنتين وآخرها وهي قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ في قصة جابر، ويكون مراد جابر فنزلت: ... ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ أي ذكر الكلالة المتصل بهذه الآية. [فتح الباري: ٨/ ٣٠٨].\nوفي ما ذكره ابن حجر نظر، إذ كيف يكون آخرها في قصة جابر، مع أن هذه بإجماع العلماء يراد بها الإخوة لأم، وهذا ما لا يصدق مع جابر، ولا يتفق مع حال أخواته؛ لأنهن شقيقاته.\n[انظر أسباب النزول من خلال الكتب التسعة ١/ ٣٠٥].\nانظر بقية ما ذكر في سبب نزول هذه الآيات: تفسير الطبري: ٤/ ٢٧٥، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٨٨٠.","vol":"1","page":751},{"text":"وفي هذه الآية ذكر ما فوق الاثنتين من البنات، ولم يذكر الاثنتان، فكان في قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (^١) دليل على أنه إذا كان ذكر وأنثى أن للذكر الثلثين والأنثى الثلث، فإذا وجب لها مع الذكر الثلث كان الثلث لها مع الأنثى آكد، فاحتيج والله أعلم إلى ذكر ما فوق الاثنتين (^٢)، ومع ذلك فاللغة توجب حكم الاثنتين وفوق الاثنتين بمعنى واحد، فيجوز أن يراد اثنتين فما فوقهما، قال الله ﷿: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ (^٣) وإنما تضرب الأعناق (^٤).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ١١]\n(^٢) هذا الاحتجاج نقله ابن عطية في تفسيره: ٤/ ٣٥ عن القاضي إسماعيل بن إسحاق.\n(^٣) [سورة الأنفال: الآية ١٢]\n(^٤) ما ذكر من أن (فوق) زائدة غير مسلم به، قال ابن عطية: ومن قال: فوق زائدة، واحتج بقوله تعالى: ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ هو الفصيح، وليست فوق زائدة، بل هي محكمة المعنى؛ لأن ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ. [المحرر الوجيز: ٤/ ٣٤].\n\nوقال ابن كثير: قال بعض الناس قوله (فوق) زائدة، وتقديره: فإن كن نساء اثنتين، كما في قوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ وهذا غير مسلم لا هنا ولا هناك، فإنه ليس في القرآن شيء زائد لا فائدة فيه، وهذا ممتنع، ثم قوله: ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ لو كان المراد ما قالوه لقال: (فلهما ثلثا ما ترك)، وإنما استفيد كون الثلثين للبنتين من حكم الأختين في الآية الأخيرة فإنه تعالى حكم فيها للأختين بالثلثين، وإذا ورث الأختان الثلثين فلأن يرث البنتان الثلثين بالطريق الأولى، وقد تقدم في حديث جابر أن النبي - ﷺ - حكم لابنتي سعد بن الربيع بالثلثين فدل الكتاب والسنة على ذلك، وأيضًا فإنه قال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ فلو كان للبنتين النصف لنص عليه أيضًا فلما حكم به للواحدة على إنفرادها دل على أن البنتين في حكم الثلاث، والله أعلم.\n[تفسير القرآن العظيم: ١/ ٤٥٨].","vol":"1","page":752},{"text":"وقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (^١) ولد الصلب من الذكور والإناث، وولد بنيه وبني بنيه، الذين ينسبون بآبائهم إليه من الذكور والإناث، فإذا خلف ولد الصلب أو ولد ولد، وفيهم ذكر فقد استحقوا بجملتهم الدخول في هذه الآية، وينزلون على قدر القرب منه (^٢)، ونحن نبين ذلك في كتاب الفرائض (^٣) إن شاء الله *.\nقال الله ﷿: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ إلى قوله ﷿: ... ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (^٤).\nقال علي بن أبي طالب (^٥)،\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ١١]\n(^٢) أي: إذا كان في ولد الصلب ذكر لم يكن لولد الولد شيء، وإن لم يكن في ولد الصلب ذكر وكان الذكر في ولد الولد بدئ بالبنات للصلب ثم ما بقي فهو لولد الولد. [انظر تفسير القرطبي: ٥/ ٦٢].\n(^٣) هذا الكتاب أحد مؤلفات القاضي إسماعيل بن إسحاق. [انظر الديباج المذهب: ١/ ٢٨٩].\n* لوحة: ٧٨/أ.\n(^٤) [سورة النساء: الآية ١١]\n(^٥) رواه الدارمي في سننه: ٢/ ٤٤٤ باب في زوج وأبوين وامرأة وأبوين كتاب الفرائض، وسعيد بن منصور في سننه تحقيق الأعظمي: ١/ ٣٨، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢٤٢ في امرأة وأبوين من كم هي، و٦/ ٢٤٤ في زوج وأبوين من كم هي كتاب الفرائض، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٢٨ باب فرض الأم كتاب الفرائض.\nوقد ضعف هذه الرواية عن علي ابن حزم في المحلى: ٩/ ٢٦٠ حيث قال: ورويناه عن علي ولم يصح عنه.\nوقد صححها ابن كثير حيث قال: وأصح الروايتين عن علي. [تفسير القرآن العظيم: ١/ ٤٥٨].\n\nوقد روي عن علي خلاف ما ذكره المؤلف عنه هنا، سنن الدارمي: ٢/ ٤٤٥ الموضع السابق، سنن سعيد بن منصور: ١/ ٣٨، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٢٨ الموضع السابق.","vol":"1","page":753},{"text":"وزيد بن ثابت (^١)، وعبد الله بن مسعود (^٢)، وعمر بن الخطاب (^٣)، وعثمان بن عفان (^٤)، وكل من تكلم في التفسير (^٥)، إلا ابن عباس: إذا كان في المسألة ذو فريضة من زوج وزوجة فللأم ثلث ما يبقى (^٦)، وما بقي فللأب وهو ثلثا ما بقي بعد الفريضة. وقال ابن عباس - ﵁ -: للأم الثلث كاملًا، وما بقي فللأب (^٧).\n_________\n(^١) المراجع السابقة في تخريج أثر علي، ومصنف عبد الرزاق: ١٠/ ٢٥٣.\n(^٢) المراجع السابقة والمستدرك للحاكم: ٤/ ٣٧٣ كتاب الفرائض.\n(^٣) المراجع السابقة.\n(^٤) المراجع السابقة ما عدا المستدرك.\n(^٥) روي هذا القول عن: إبراهيم النخعي، والحارث الأعور، وابن الحنفية. [المراجع السابقة].\nقال ابن حزم: وهذا قول رويناه صحيحًا عن عمر بن الخطاب، وعثمان، وابن مسعود في الزوجة والأبوين والزوج والأبوين، وصح عن زيد، ورويناه عن علي ولم يصح عنه، وهو قول الحارث الأعور، والحسن، وسفيان الثوري. ... [المحلى: ٩/ ٢٦٠]. =\nوبهذا القول قال الفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة وجمهور العلماء.\n[انظر: أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ١٢١، المغني: ٩/ ٢٣، تفسير القرطبي: ٥/ ٥٦، تفسير ابن كثير: ... ١/ ٤٥٨].\n(^٦) مسألة زوج وأبوين، ومسألة زوجة وأبوين هاتان تسميان العمريتين؛ لأن عمر - ﵁ - قضى فيهما بهذا القضاء فاتبعه على ذلك عثمان، وزيد بن ثابت، وابن مسعود. ... [المغني: ٩/ ٢٣].\n(^٧) رواه عن ابن عباس: الدارمي في سننه: ٢/ ٤٤٥ الموضع السابق، وعبد الرزاق في مصنفه: ١٠/ ٢٥٣، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢٤٣ الموضع السابق، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٢٨ الموضع السابق.\nوما روي عن ابن عباس هنا هو رواية أخرى عن علي كما سبق، وبه قال: معاذ بن جبل، وشريح، وداود الظاهري، واختاره ابن حزم.\n\n[المحلى: ٩/ ٢٦٠، المغني: ٩/ ٢٣، تفسير القرطبي: ٥/ ٥٧، تفسير ابن كثير: ١/ ٤٥٨].\n<img src='data:image/png;base64،iVBORw0KGgoAAAANSUhEUgAAAkUAAAFbCAYAAADbSvq3AAAgAElEQVR4Xu2dPZakuNKG1YupMfr0Crg7SGus615PNs712hyvHV0Xb9yxxvnYwbCCPmNMLkbfITOppKjMBISEIsRTZpV+Ip5XEQRCUF8MPxCAAAQgAAEIQAAC5gsMIAABCEAAAhCAAAQMRRGLAAIQgAAEIAABCPQE2CliHUAAAhCAAAQgAAGKItYABCAAAQhAAAIQuBJgp4iVAAEIQAACEIAABCiK0q4Ba4xvKmdMV1N8vkANp7TrkNEhUBIB8sUyNeG0jNO0FRfrMG6LelXG+M4YY1tvmtMXWD+hBqdFy4lGEICAMYZ8sWwZwGkZJ4qiME6re52d8291/B2iVOOudbC1xv/5a3ixN/T/7z//Myk4rfWH9hCAQAQClfMpd8ZT5b9U464lSl5dSyx+e3G7F9a2vmlO4uyKjz5sRDnBa/2paYJ1au29v7PO1038AjKMML0gAIFQAtadfVO/BeeF0Hm39iOvbiVYTn9xi7eyre8yFkUxgzrFxf7srH+rw4uRWEt3nETmmA3buGZ0vmrc31XW111+n2KxYRwIHJWAc2dfPyiK5nLEGl7k1Sst8uqaVbO8rbiiyFbONxkPJsfcqSo7eO/FWQizcXE33jVavnRpCQEIaCEQkiOe+UZefa46eXV7RIgripYu+FSHyDYWZd4Ya4y57nrsebFPxePVErOt9/0B8lBmQ//WVv7UdOLW4vbwYgQIHIuAc62v68/HH0JzxI0eeXXFMiKvroD1oKm4C9GSRylV5XyXaDdpaVE2Znl2lX/7+7vpXzH7+Ps0j7qGRT/MlZLH2J/KVL4z9+Jl2BJfwqw/QHgy7QdGQ38pjwS3hRK9IVAQgcAD088eky3JEVN65NX5s5bk1fgxJ6YoGnZV5nZXQk/nu8r4P/59Nt3keXcfeD9++ev9lfm5+R8dyHv2HD3VxX5cFK3l0XOo++8EfPqpjBkVPMYYPz4D9KjHsCU+x2yw8dd//mdOozfyxlvq00JvzVK/7pLdd+jW9KUtBI5KwJrKNx9j/oKiP9f5/es/H2J1YPTopvXyPZwPd0+fv802lyPIq3eA5NW8EZm9KJo+OpkrJC6V8YcINKZyn4udNVjHdzdz8z8qgCp39tNia5h/SwHzzIfxfKE8Lndhl+roczExJLBnSfPzHd3rHbH3A4EvCpfQouhS5BlrrPlpmo5HcGvWPW2PRWB8A/Ue//bj7m3rnO9vXB6dARpy9atHYZ9uum4vV5BX78cpyKuy4y5bUdRfBP/7z7/Mf/4wpuu6/guHl0cr0y3T613I/cJ9v5h/2tlYRXooLKY7RSGvZo4TwWyBdvuS4ypjR41tVfmfnTHDY6wQHs92zYZp7oXWR8bjAnbMbY7Zhc+3q77PuFfG+u52FuvK80Ox5q+2Vaaqvpnu9qaaqypfd90XvtwauprodzgCt/zTx9jf38/m628/zPjNz2e7ru85zjrjftZmEp+3N6Ge5+S5HPFIB/Lq62/dkVfTRG+2oqgPPvNkh+ceDNcgu1/4++titH+bcbnQzhYxI+7TAuqRJHOvnj47iDgj760ouLTaxGPLoeaxDmu4jX0bttqn/cdj93m7L5gvO1m3Ytka65tb0XR5tHf9ybZ+04Qjo0IgLYFJ/hnnlRcT34ud4YalbY05DVv2G3MyeXXYtV93PSKvpomVbBeVZ+dwYrr56u5kw/x++m873i/oC5LD2nljvsoaky1jQQAC+gjM5Z/hpm5yE7LYUWetr8M+6kpeXUyZhikJZCuKVjkV+Mhpya5Mv3NhVvxvsg+7VoMTC4qhvumSN+umXN7P40ye/a/id2s8LRLnfJ8m0LnDkiE20QcCENiHwJL8Mzxa/938MCEfiV0yxyNvyat8vHafKJifJWlR9Owiuvb58twjqWduPnsNdO388xjnW8wVIP0IoX7Oz35tsaaomd4p9ueMfvu67UD7UjtpBwEIxCXwKP88OzB9uRGLcBMW14PHo5FX96B8rDmSFkU3lJ+eW4eeR1krzaM3s/oxYsx/P/f0/FXwZweWn/lxOW8zfRtkeNsuQpJ69QbIR1bXMwQf3iSJMP9a/WgPAQiEE5jmn48xLvMTFuTVcL3pGYfAHkVR/+7Y5TsW07M4cVxYNMrqQ9WLRk3Q6P76+jB47ORl/fDF7QTmMyQEIAABcQTIq+IkEWvQLkWRWO8PaNj4bnFapPbF68+N33w6IFJchgAEDk6AvFrOAqAoKkfLVZ58+gotX4RexY/GEIAABKYEyKv61wRFkX4N8QACEIAABCAAgQgEKIoiQGQICEAAAhCAAAT0E6Ao0q8hHkAAAhCAAAQgEIEARVEEiAwBAQhAAAIQgIB+Aq+KooX/F0c/BDyAgAIC3MAoEGnGRHKqfg3xoBwCD3PqXFFEIi5nAeCJXgL9xZRY1KvfYDk66tcQD8og8DQWKYrKEBgvyibAxbQMfdGxDB3xQj8BiiL9GuLBgQlwMS1DfHQsQ0e80E+Aoki/hnhwYAJcTMsQHx3L0BEv9BOgKNKvIR4cmAAX0zLER8cydMQL/QQoivRriAcHJsDFtAzx0bEMHfFCPwGKIv0a4sGBCXAxLUN8dCxDR7zQT4CiSL+GeHBgAlxMyxAfHcvQES/0EyinKLLu7Jv6jW+26F+UeLCcABfT5awkt9xVR3Kl5KWAbZkJlFMUVcb4bqBZOWO6mgIp8+pi+uQEdr2YJvfmuBPsqiO58rgLDc9nCZRTFM26SgMIlEdg14tpefjEeISOYqTAkIMToCg6+ALAfd0EuJjq1m+wHh3L0BEv9BMosyhqnfOnmsdn+tcnHswQ4GJaxhLJpiO5sowFhBfRCBRaFFnrT03DmaJo64SBhBLIdjEVykOrWdl0bMmVWtcMdqchUGZRdHaV/4/53XS8jZZm2TCqFALZLqZSABRiRzYdyZWFrCDciEWgzKLoSsd6Y9gtirVSGEckgWwXU5E09BqVWUdypd6lg+WRCZRbFLnK+rqjKIq8YBhOFoHMF1NZMBRbk1VHcqXilYPpsQmUWxTFJsV4EBBIIOvFVCAPrSaho1blsLs0AhRFpSmKP4ciwMW0DLnRsQwd8UI/AYoi/RriwYEJcDEtQ3x0LENHvNBPgKJIv4Z4cGACXEzLEB8dy9ARL/QToCjSryEeHJgAF9MyxEfHMnTEC/0EKIr0a4gHBybAxbQM8dGxDB3xQj8BiiL9GuLBgQlwMS1DfHQsQ0e80E+Aoki/hnhwYAJcTMsQHx3L0BEv9BOgKNKvIR4cmAAX0zLER8cydMQL/QQoivRriAcHJsDFtAzx0bEMHfFCP4Hgoki/63gAgTIIfCnDjUN70SdifiAAARkEHubUV4mWuxoZwm21Ah23EszfHw3zaxDDAnSMQTH/GOiYX4OtFgTvFHF3uhV9/v4EcH4NtlqAhlsJyuiPjjJ02GoFOm4lmL8/RVF+DbJZQABnQx9tYjSMhjLrQOiYFX+0ydExGspsA1EUZUOff2ICOL8GWy1Aw60EZfRHRxk6bLUCHbcSzN+foii/BtksUBvAzp19Xb/xCNcYtRpmW/UyJ0ZHmbqstUqtjuTUd6kpitau+oLaqw1g23rfnL5QFFEUlRKOamOxFAEi+aFWR3IqRVGkGFA9jMoAPjvn3+qagui69FRqqDpq0hiPjmm47j2qSh3JqR+WCTtFe0eNoPlUBrCzztcNRdFtHanUUFAMSDEFHaUosc0OlTqSUymKPi37s7P+rW7edx9s5XzTFX/hFRXA1ljfmLsGz3LTo2ff1ra+aU5H3D0SpeG268mhexenIzk1/3ompwZpwE5Rj81VxtfdZ4CVO5uu3AO9ohKxNcY3Iwls682jc0OPn31X3phun6Koct7IKZhFaRiUguhU5GNQcmr+hU1ODdKAomjAVhnj+7ro2cU4CK/sTuIuqIMGpnLmUeExvfsc8LbW+JNpTV9FyUYe3TpxGkb38BgDFqkjOTX/4iWnrtaAomhAdnaVf/v7+5EurOIScV/c/Pb1+e7cq2fflbG+W/D4bXWIyO4gTkPZuMRaV6SO5NT8642culoDiqIxsqpyvpPzaGS1mis7yEzEt626R768OjvU2sqfmmWP0J5t7RtTmcljOP9s12ol61TNZWqYyttyxy1WR3KqgEVLTl0jAkXRmJarrK+7+cO+awgLbisyES89HPiwaFr5/aLLnezlMJk1ZrLL1FrrT03zxZrKN6PzSv2d15+/Pj7vlEFrkRpm4KB9ymJ1JKfmX5rk1FUaUBSNcQ0XwlUI9TYWmYif7fg8O080xm/d2TcLD8b3u0V//Pv5o7rLOaXLye9Pu0fvB88ESC9SQwFctJlQrI7k1PxLkZy6SgOKojGug33ESmQifnqY2jl/mvlo49JP1a951PYonJxrfV2LONQtUsNVKYjGPYFidSSn5l/g5NRVGlAUrcJVVmNViVjSt4iWFl87LBdVGu7AQ+sU6KhVuY92q9KRnPpw0VEUlRGLQV6oCuAgDx90mt659t/yME++idR3nxZAws5IHFLDWGtB0DjoKEiMDaYcUsej5NRX33s5pPAbAkVq10PquOaMw/SA4lwBlUHoQ2qYgXPqKdExNeF9xj+kjkfJqRRF+wRRzlkOGcCvDmzfD1f3slwPWL88cJ1Tvevch9QwP/boFqBjdKRZBjykjkfJqRRFWWJq10kPGcBXwtZPX8HflXy8yQ6sYTyIAkZCRwEiRDDhwDqWn1MpiiJEiPAhDhvA4x2h6b916R+R/dTzP+8Oq6Hw2FprHjquJSaz/WF1PEJOpSiSGXQxrTpsAA8Qp/8w8dFHHGMCTzDW4TVMwDTHkOiYg3r8OQ+vY8k5laIofsBIG/HwASxNkAB70DAAmsAu6ChQlACT0DEAmrAuvJIvTJA9zSGA96SdZi40TMN171HRcW/iaeZDxzRc9xyVomhP2sLmIoCFCRJgDhoGQBPYBR0FihJgEjoGQBPWhaJImCB7mkMA70k7zVxomIbr3qOi497E08yHjmm47jkqRdGetIXNRQALEyTAHDQMgCawCzoKFCXAJHQMgCasS3BRJMwPzIHAYQm8einisFCUOd4nYn4gAAEZBB7mVN4+kyFOSiu4q0lJd5+x0XAfzqlnQcfUhPcZHx334ZxyluCdIu5OU8qyz9gE8D6cU86Chinp7jc2Ou7HOuVM6JiS7j5jUxTtw1nkLASwSFlWGYWGq3CJbYyOYqVZZRg6rsIlsjFFkUhZ9jGKAN6Hc8pZ0DAl3f3GRsf9WKecCR1T0t1nbIqifTiLnKWYAHbu7Ov6Lfoj3csn6ytnTFdHHzvSiihGw0g8tA6DjlqV+2g3Ot54KM7JFEVlxGKQF8UEsG29b05fohculTG+M8ZM/2lsEO00nYrRMA0eNaOioxqpXhqKjjc8inMyRVEZsRjkRREBfHbOv9Xxd3JSjRuk1PNORWgYmYnG4dBRo2qfbValY/+f7f/81ZvYN5SpcmeqcScyUhSVEYtBXqgK4GceOut83cQvioKI7t+pCA33xyZuRnQUJ0mQQVl1dM75P+rafGuvhY61rW+a09Md9NZaf2qa6DvsynMyRdGw9K2xvjHxF0hQaO3TKWsAv3Lx7Kx/q+9a2Mr55sm5nkfPrueSwVK8CoJbrIZLGdPuQqBYHWPFopJ1klfHyvnx+cfKtr57URSNd16sO/vmxbnMA+VkiqJ7UWR8M4o8wedIYuWHvAH8wgtXGV/3h3kmP5U7m24SuI+fXVfemG7zHRBFUaylxjgzBMTG4nbl4sTidjt2GUGUjq9uJnsa40Jnrng9UE6mKBqHynCw1sh+4yhWdIsK4E8F0IJDztO7l2GM/ln5ybSm30PeAivV9vIWmyZ9RWsY0c/ShypWx1ixqGQB5NdxtFu05KZuuKmcK6B6/ktePCkgJ1MUjYOtD+Dfvn7ejVASkGvNzB/ALyw+u8q//f39ZWHzKugrY3234nHo5fV7Y40Z9XkW4GtBJ2wvWsOEfpc2dNE6ro1FxeJm1XHYzRl21F1lfd29PhIyPDZbUkAdJCdTFH0KwNtzM8WBudT0rAG8xMiqcr578Y2gV1u+ra38qVn2CK0vfv7vl6/mj1NtutEuIUXREpVoE4GA+Fjc4uOaWNwyj4C+WXW83tj1WzrXb6st2ekecuiStpehy8/JFEXTQDrQgeusAbwkgS2503k1ztJvZVzugN4PMVVmfB5p6RhL/EnQRryGCXwuccjidRQeR7HWVFYdLztF3+7HBtbc1C1te4CcTFE0jQbuamLlh+3jvLp7WRLEc29UDBYqLoSzJuHtCjPCjUDxOi6NReUrIruO/W7Rz9sLKdPHXdMjAv3ff/zy1+X1/aXfADpATqYomgbhkout8sAdzM8ewHMcXwVq65w/zXy0MdWn5ufs3vHv4jXckYXmqYrX8QCx2K+/HDr2c95+Pu5y97+8vzV2/dt4V/zR27xzQXSAnExRNLcICv57jgCOhnPuFdJoE8keSLWGstHuah067oo72WS76igtB0qzJ1BliqJAcCV02zWASwAm0Ac0FChKgEnoGABNYJdddXz/hIxd8fmR47xIFLo8KIpCyRXQb9cAlszLudbX9bZvGmXyDw0zgY88LTpGBpppuGQ6xjqTFWuc1Hwz5mSKotTiCh4/WQAL9vmhaUvOJwn1CQ2FCrPSLHRcCUxo82Q6Xg5JT3aELh/G7N/BX7NTJBTc1KyMOZmiSMkaSWFmsgBOYSxjPiSAhmUsDHREx1kC74/L3lt+/Njs7AA0WEKAomgJpULbkIj1C4uG+jXsPUBHdFxF4CBv861iEqkxRVEkkBqHIRFrVO2jzWioX0OKojI03EXH6Very0EnxhOKIjFS7G8IF9T9mceeEQ1jE80zHjrm4R57VnSMTXT/8SiK9mcuZkYCWIwUwYagYTA6UR3RUZQcwcagYzA6MR0pisRIsb8hBPD+zGPPiIaxieYZDx3zcI89KzrGJrr/eBRF+zMXMyMBLEaKYEPQMBidqI7oKEqOYGPQMRidmI7BRZEYDzAEAgcn8OXg/pfgfp+I+YEABGQQeJhTXyVaqmEZwm21Ah23EszfHw3zaxDDAnSMQTH/GOiYX4OtFgTvFHF3uhV9/v4EcH4NtlqAhlsJyuiPjjJ02GoFOm4lmL8/RVF+DbJZQABnQx9tYjSMhjLrQOiYFX+0ydExGspsA1EUZUOff2ICOL8GWy1Aw60EZfRHRxk6bLUCHbcSzN+foii/BtksIIAD0V++Kls5Y7o692NkNAzUUFg3dBQmSKA56BgITkNO5aB1oLiKuhHAgWIN/5jRtt40py85CyM0DNRQWDd0FCZIoDnoGAhOQ06lKAoUV1G3YgO4tcb/+WuaguXsnH+rs+8QDcusWA0VxVEMU9ExBsX8YxSrIznVGIqi/AGW2gI1Aeyc83/Utfl225mxtvVNc3q6Rltr/alpcu7gpNaOomgvwvvMoyYW98GhdhY1OpJTn64xzhSN0cxdbNWG6mPD1QSwqZwfn9+pbOu7F0XReDfHurNv6reoBZKzzteNiN0iPRoWFjyR3SlSR2usb8whbk703aSQU5+FMEXRRzKVN6aLegGNnDxjDqc2EdvK+ebFIeezs/6tvibjFIUuRVHMZchYxhi1sfhKvcvh2VEDAWfwUi82tTqSU9+XBkXROEr656Yn05r+9Gzq6BEwvq4AHt3ZLClKbOt9fwh6LthDdBD0eE6XhiGwj9GnWB2HA7RGxtuaqVeTLh3JqY/WA0XRlEplrO+OseWrJoBdZXzdGVO5s+nqty+usr7uXm/LD4/NlhRQSzJl65w/3Q5Yj3eilvRN2EaNhgkZlDB0sTr2N5q/fb3GbQlCzfigRkdy6lMlKYqmaFpb+VNziEdoagL4fRv+dre5ZKdmeGw213Zc7LxKeON1QVF0gMvbvi6qicUgLLfnZkF9dXVSoyM5laJoVWgNj15WddLXWE0AX+5qvt0fa64pSubaLj2IPX0VX8gaUaOhvvDY1eKidTzQgWs1OpJTKYpWZbilF8pVg8prrCaAe3T9nc3P2+Ozs6v829/f389+Xe96rDG3x57933/88tflw4pz3xXqzzyY27iPJBrORAyP7oTJqEpDYewkmVO0juy+S1pqd1vIqQ914fHZIyzOnX1d/jNw6Ym4t+/2U5npW4HDM3Fjrn+7FEr9wSNzP3u0IhWN5vrYS2gxNBgpXcMVEhy6adE6zu3WFqS8dB3JqfOLjaJonlGxLcQGcIrX6AtVUayGhfJO5RY6piK777hidSSnLl4IFEWLUZXXUGwAv7/Ga1d8HiHiYc7p4znB0ovVUDAziaaho0RV1tskVkdy6mIxKYoWoyqvoYgAjnV+K9Y4ymQWoaEyZhLNRUeJqqy3SYSOsXJhrHHWY8zag6IoK/68k8sI4P6Q9GRH6PIRzf5TuGt2ivKyzDW7CA1zOV/QvOhYhpgidLy8eEJODV1RFEWh5AroJyKAe47vW7vvUO9vkhXAOaULYjRM6eQBxkbHMkQWoyM5NXhBURQFo9PfUUwAj1Ee5M2/WKtHpIaxnDvQOOhYhtgidSSnrlpcFEWrcJXVWFQAT7+wWhbqZN6I0jCZl+UPjI5laCxKR3Jq0KKiKArCVkYnUQFcBtLdvUDD3ZEnmRAdk2DdfVB03B159AkpiqIj1TMgAaxHq2eWoqF+DXsP0BEdyyCg3wuKIv0aBntAIg5GJ6YjGoqRYpMh6LgJn5jO6ChGimBDKIqC0envSACjoX4CZXhALKJjGQT0e0FRpF/DYA9IxMHoxHREQzFSbDIEHTfhE9MZHcVIEWxIcFEUPCMdIQCBqAS+RB2NwXIQ6BMxPxCAgAwCD3MqiVaGOFgBAQhAAAIQgEBmAhRFmQVgeghAAAIQgAAEZBCgKJKhA1ZAAAIQgAAEIJCZAEVRZgGYHgIQgAAEIAABGQQoimTogBUQgAAEIAABCGQmQFGUWQCmhwAEIAABCEBABgGKIhk6YAUEIAABCEAAApkJUBRlFoDpIQABCEAAAhCQQYCiSIYOWAEBCEAAAhCAQGYCFEWZBWB6CEAAAhCAAARkEKAokqEDVkAAAhCAAAQgkJkARVFmAZgeAhCAAAQgAAEZBCiKZOiAFRCAAAQgAAEIZCZAUZRZAKaHAAQgAAEIQEAGAYoiGTpgBQQgAAEIQAACmQlQFGUWgOkhAAEIQAACEJBBgKJIhg5YAQEIQAACEIBAZgIURZkFYHoIQAACEIAABGQQoCiSoQNWQAACEIAABCCQmQBFUWYBmB4CEIAABCAAARkEKIpk6IAVEIAABCAAAQhkJkBRlFkApocABCAAAQhAQAYBiiIZOmAFBCAAAQhAAAKZCVAUZRaA6SEAAQhAAAIQkEGAokiGDlgBAQhAAAIQgEBmAhRFmQVgeghAAAIQgAAEZBCgKJKhA1ZAAAIQgAAEIJCZAEVRZgGYHgIQgAAEIAABGQQoimTogBUQgAAEIAABCGQmQFGUWQCmhwAEIAABCEBABgGKIhk6YAUEIAABCEAAApkJUBRlFoDpIQABCEAAAhCQQYCiSIYOWAEBCEAAAhCAQGYCFEUJBbDG+KZyxnQ1nFdyht1KYDSHwEEIkBvChYbdPDsu1vOMgltUxvjOGGNbb5rTF1ivIAm7FbBoCoEDESA3hIsNu3l2XKjnGQW1ODvn3+r4O0Spxg1yctKptcb/+Wt4ATj0/+8//zMp2MXwkTEgAIEXBCrnU+6Mp8p/qcaNsVbIqzEoLh9DXFFkbeub5iTOruVI07aUHbzWn5omWLvW3vs763zdxC8q06rD6BA4NgHrzr6p34JzQC565NVc5OXNK27xVrb1XcaiKGZQp7iwn531b3V44TFsn5oEZ53GiWWO4yM7xv1dZX3dhfspL9SwCALlE3Du7OsHRdFcPlhDhrz6vOgkr65ZSY/biiuKbOV8k/FgcsydKonBu33JPB9hXLCFcBz3H+8apbSZsSEAgfQEQvLBM6vIq+uepJBX161vcUXR0gWf6sDYxqLMG2ONMdcdjj0v7Kl4rFtOl0Plvj9UHspx6N/ayp+aTtz6XMuD9hA4EgHnWl/Xny/aofngxo68Sl7dLYzEXXSWPDapKue7RLtJS4uysUJnV/m3v7+b/hWzj7/f9qjr2SoYCofh72t59Af3Tqb9YG/onVxlKt+Ze/EybJMv4fjQjtuZhK2PCXeLICaCQIkEAg9MP3tMtiQfTDGSV8mrOUJLTFE07KrM7a6EnsR3lfF//Ptsusnz7j7wfvzy1/sr83PzPzqQ9+w5eqoL+7goWstjaP/rP/8zp9vbce/PoS8r8L7T9WBB+rmzSENxNcfxkR2X2UcH7afF35oAufr00pc1w9EWAsURsKbyzeiG5v0my7b++9d/3vPD2PFHN62Xb9+MGz04rziXD8irr79nR17dL/yyF0XTxyRzhcRld+FDBBpTuc/FzhqE47ubufkfFUCVO/tpsTXMv6WAeebDeL61PO4F0OOCoS8e6/7jSrefge2Q1J4l0s93ea93yebsuBRIty3jNVr2bS8+GGus+Wmajkdwa/nRvkwC4xuoyy5MH+j2445x65zvb5Ye7RwPufrVo7Bp/hhuosir5FUtUZWtKOoveP/951/mP38Y03X34JxumV7vQu4X8PdgNpUxD+5yloIfCovpTlHIq5njRDBboN2+5LjUzmk7W1X+Z2fM8MhqLY+Lrd+uiXBcXF2LlOdM78XXxzbjonbMco7jIzumWlTG+u52PuvK+EMh569sKlNV30x3e1PNVZWvu+4LX24NXWH0K5rALf/08fT397P5+tsPM37L89kO63uOs864n7WZxGKfOV7mj7l88Ig5efV6Q0de3TcisxVFfRCZJzs892C4XoDvF/7+Ghjt32ZcLqqzRcxIj+lF+5FUc6+ePjuIOCP7rQC4tIrG433bewPTsTZrWI79HeyY9h+P3efyvoge391aY31zK5pMv8YbrdYAABeMSURBVJ6uP9nW9L6hy2wQWE9gkn/GeeXFYPcboeHmpG2NOQ1b9hvyx/Si/8wI8ur6bz+RV9fHR9YLyLNzOGFuPO716u5kw/x++m873i/eC5LD2nlDD0CHchx2WkL70w8CEJBLYC7/DMXH5IZjsUPOWl+HfcCVvLqYMg1TEtBxVx34yGnJrkxfTZsV/5vsw67VoMyCYqhvuuTNuqnY72dvJs/+Uy2KubdEpkl17gBlKjsZFwIQWEdgSf4ZXkj53fwwIR+JXTLHI6vJqx8/ekleXbe2Y7ZOWhQ9E3bt8+W5rdNnQJ5d4NfOHwP4kuIr1M8Y9i0ZY3r32J8z+u3rtkPuS+alDQQgsI3Ao/zz7MD05UZsp5uwbV5d3pWdvaklr26lfKz+SYuiG8pPz61Dz56slebRm1n9GDHmv597ev7a97PDyc/8uDwDnr4NMrxtlyFJfeR3PVfw4e2SDDatXQO0h8BRCUzzz8d4lvm5CvLq5bXbT9+8O+oazuH3HkXRpZrv36KfnsXZ0eHVh6p3tO3DVB+/GdT/SWbyysWHeSEAAQisJUBeXUvsuO13KYqOixfPIQABCEAAAhDQQoCiSItS2AkBCEAAAhCAQFICFEVJ8TI4BCAAAQhAAAJaCFAUaVEKOyEAAQhAAAIQSEqAoigpXgaHAAQgAAEIQEALAYoiLUphJwQgAAEIQAACSQlQFCXFy+AQgAAEIAABCGghQFGkRSnshAAEIAABCEAgKQGKoqR4GRwCEIAABCAAAS0EKIq0KIWdEIAABCAAAQgkJUBRlBQvg0MAAhCAAAQgoIUARZEWpbATAhCAAAQgAIGkBCiKkuJlcAhAAAIQgAAEtBCgKNKiFHZCAAIQgAAEIJCUAEVRUrwMDgEIQAACEICAFgIURVqUwk4IQAACEIAABJISoChKipfBIQABCEAAAhDQQoCiSItS2AkBCEAAAhCAQFICFEVJ8TI4BCAAAQhAAAJaCFAUaVEKOyEAAQhAAAIQSEqAoigpXgaHAAQgAAEIQEALAYoiLUphJwQgAAEIQAACSQlQFCXFy+AQgAAEIAABCGghQFGkRSnshAAEIAABCEAgKQGKoqR4GRwCEIAABCAAAS0EKIq0KIWdEIAABCAAAQgkJUBRlBQvg0MAAhCAAAQgoIUARZEWpbATAhCAAAQgAIGkBCiKkuJlcAhAAAIQgAAEtBCgKNKiFHZCAAIQgAAEIJCUAEVRUrwMDgEIQAACEICAFgIURVqUwk4IQAACEIAABJISoChKipfBIQABCEAAAhDQQuBVUeS1OIGdEDgAAW5g9ItMTtWvIR6UQ+BhTp0rikjE5SwAPNFLoL+YEot69RssR0f9GuJBGQSexiJFURkC40XZBLiYlqEvOpahI17oJ0BRpF9DPDgwAS6mZYiPjmXoiBf6CVAU6dcQDw5MgItpGeKjYxk64oV+AhRF+jXEgwMT4GJahvjoWIaOeKGfAEWRfg3x4MAEuJiWIT46lqEjXugnQFGkX0M8ODABLqZliI+OZeiIF/oJUBTp1xAPDkyAi2kZ4qNjGTrihX4Ceooia1vfNKennwqwxvrGNHyzRf+ixIPlBLiYLmcluWVUHcmVkqXGNuEE9BRFxlTemO5FUWR8M6JtW2+a0xeKJOErEPM2EYh6Md1kCZ23EIisI7lyixj0PTQBPUVRa40/mdb0lc4zySpjfNf/sXLGdDUF0aHX9iGcj3wxPQQziU5G1ZFcKVFibFJCQE9RdKl1jPXdi0dkfTL47evZdPUbBZGSFYiZmwhEvZhusoTOWwhE15FcuUUO+h6YgK6iqLWVPzXPH6FdhLw9NzuwqLh+HALRL6bHQSfK0+g6kitF6YsxegjoKopuNY9/dVaIA9d6Vh+WbiYQ/WK62SIGCCGQREfbenJliBr0OTIBhUWRO/vmxeOxRXdIR5Yc30sikORiWhIgJb4k0dGSK5XIj5mCCOgripw7+/pFUXR21r/VvJovaJFhSjoCSS6m6cxl5CcEkuhIrmS9QWA1AX1F0WoX6QCBcgkkuZiWi0usZ+goVhoMOxgBiqKDCY67ZRHgYlqGnuhYho54oZ8ARZF+DfHgwAS4mJYhPjqWoSNe6CdAUaRfQzw4MAEupmWIj45l6IgX+glQFOnXEA8OTICLaRnio2MZOuKFfgIURfo1xIMDE+BiWob46FiGjnihnwBFkX4N8eDABLiYliE+OpahI17oJ0BRpF9DPDgwAS6mZYiPjmXoiBf6CVAU6dcQDw5MgItpGeKjYxk64oV+AhRF+jXEgwMT4GJahvjoWIaOeKGfAEWRfg3x4MAEuJiWIT46lqEjXugnQFGkX0M8ODABLqZliI+OZeiIF/oJBBdF+l3HAwiUQeBLGW4c2os+EfMDAQjIIPAwp75KtNzVyBBuqxXouJVg/v5omF+DGBagYwyK+cdAx/wabLUgeKeIu9Ot6PP3J4Dza7DVAjTcSlBGf3SUocNWK9BxK8H8/SmK8muQzQICOBv6aBOjYTSUWQdCx6z4o02OjtFQZhuIoigb+vwTE8D5NdhqARpuJSijPzrK0GGrFei4lWD+/hRF+TXIZoGqAHbu7Ov6jce2H5eLKg2zrXT5E6OjfI2WWKhKR3LqQ0kpipas9ELbqApg23rfnL5QFFEUlRiOqmKxRAEi+aRKR3IqRVGkdV/MMGoC+Oycf6trCqLPS0+NhsVETRpH0DEN171HVaMjOfXp0mCnaO+oETSfmgB21vm6oSh6sHbUaCho3Us0BR0lqrLeJjU6klMpil4u77Oz/q1u3ncibOV80xV/ERYTwK01/s9fvXn2eOzRs29rW980p8W7R5UxvutXQeWMKUdbMRquv37QY0SgOB3JqXnXNzk1mD87RT06VxlfX66YH38qdzZduYd7RSTiueDtFXn87LvyxnSLi6LgEHnWsXJeQHElQsPobI83YHE6klPzLWJy6ib2FEUDvmEnwbbPdyw2oZbXWUgifl3cTO84B4x94J9Ma/rtJXlod7NIiIa7+VvqREXqSE7NtVzJqRvIUxQN8M6u8m9/fz/SRVZEIp57rPXq2XdlrO/M/bHnXCA8KqTWPoabm2Pnv4vQcGefS5yuSB3JqXmWKjl1E3eKojG+qnK+K+e8ydzKEJOI++T545e/Hp4pelW0tLbyp2bZI7RhS/nXf/5nTrc32d6Tx4WUNeZ5geWFnkUSo+HcYuPvLwkUqyM5Nc/KJ6cGc6coGqNzlfV1t3znIRi7jI5iEnHlzj707NbSb23cC6DHxc/0DMRwnqy11p+a5os1lW9GZ5iWPLffQWYxGu7ga8lTFKsjOTXPsiWnBnOnKBqjGy6AwTh1dRSRiF/tBD07TzTGbN3ZNwsOw1+Knm/XM0jjhHEtlirz7ND25ZFb08/4oM3tAFpG2UVomNH/UqYuVkdy6v5LlJy6iTlF0RjfwT5oJSIR33dwKmPb301zuv8rj9Y5PzzqerbMQz5Vb43x1zpn2+v5zrW+rrMe9Bah4aYUROeeQLE6klP3X+Dk1E3MKYo24dPdWUwiHoqU6ScQ9jwE7arK192y80mD7CEFWeQlI0bDyH4dbTh0LENxMTqSU4MXFEVRMDr9HcUEsASUc194nRZAQs5KoKGExbPdBnTczlDCCOg4UqG0nPrq2y8ILyH8ttuAjgsZWmN9M3ozrb8LMzK+Z4WGCzUU3gwdhQu00Dx0XAhKY06lKFooruJmBPAT8e6Hq/sG1wPWLw9c51sEaJiPfcyZ0TEmzXxjoWPBOZWiKF9g7TUzAbwX6XTzoGE6tnuOjI570k43FzqmY7vXyJwp2ou0wHkIYIGirDQJDVcCE9ocHYUKs9IsdFwJTGBziiKBouxlEgG8F+l086BhOrZ7joyOe9JONxc6pmO718gURXuRFjgPASxQlJUmoeFKYEKbo6NQYVaahY4rgQlsTlEkUJS9TCKA9yKdbh40TMd2z5HRcU/a6eZCx3Rs9xqZomgv0gLnIYAFirLSJDRcCUxoc3QUKsxKs9BxJTCBzSmKBIqyl0kE8F6k082DhunY7jkyOu5JO91c6JiO7V4jUxTtRVrgPASwQFFWmoSGK4EJbY6OQoVZaRY6rgQmsHlwUSTQF0yCwCEJvPqm2CGBKHS6T8T8QAACMgg8zKl8vFGGOCmt4K4mJd19xkbDfTinngUdUxPeZ3x03IdzylmCd4q4O00pyz5jE8D7cE45CxqmpLvf2Oi4H+uUM6FjSrr7jE1RtA9nkbMQwCJlWWUUGq7CJbYxOoqVZpVh6LgKl8jGFEUiZdnHKAJ4H84pZ0HDlHT3Gxsd92OdciZ0TEl3n7EpivbhLHKWYgLYubOv67foj3StMb6pnDFdHX3sSCuiGA0j8dA6DDpqVe6j3eh446E4J1MUlRGLQV4UE8C29b45fYleuFTG+M4YY1tvUowfpBpJOAI2cUMUE4viyO5rEDreeCvOyRRF+8aMqNmKCOCzc/6tjr+Tk2rcyCugCA0jM9E4HDpqVO2zzap0bK3xf/4a/4YvVe5MNe5ERoqiMmIxyAtVAfzMQ2edr5v4RVEQ0f07FaHh/tjEzYiO4iQJMiirjs45/0ddm2+3nW1rW980p6c76K21/tQ00XfYledkiqLp0k9VPQeFWNpOWQP4lWtnZ/1bfQ9WWznfPDnX8+jZ9VwyWIpVQXCL1XApY9pdCBSn45oYLmgN5NWxcn58/rGyre9eFEXjnRfrzr55cS5zjZ7KczJF0TggD1QQiU7ErjK+7g/zTH4qdzbdJHAfP7uuvDHd5jsgiqKCLleyXcl7MU3AZk0MJ5g+15CidHx1M9kDGhc6czeSa/RUnpMpij5GT5yLaa6IXDmvqAD+VAAtOOQ8vXsZxuiL25NpTX86eiWTD81TbS9vsWnSV7SGEf0sfagidVTwokLsdZVfx9Fu0ZKbuqGAmSugelBL9CwgJ1MUjaNiEN3Ifg07ViDnD+AXnpxd5d/+/v6ysHkV9JWxvjPLn5dfXr831phRn2cBHkuACOOI1jCCf0cZokgdl8RwYQJn1XHYzRl21F1lfd29zoHDY7MlBdQSPQvIyRRF06Dshf/xy19SX8GOmUOyBvASR6rK+e7FN4Jebfm2tvKnZtkjtL74+b9fvpo/TrXpRgUxRdESlWgTgYD4WAz1cS6GQ8cV2i+rjtcbu35L5/pttSU73UMOXdL2MnT5OZmi6NNjG3f203MrQgNwq1lZA3iJ8UvudF6Ns/RbGZc7oPdDTJUZn0daOsYSfxK0Ea9hAp9LHLJYHbfGsDKxs+p42Sn6dj82sOambmnbrXouzacZczJF0Tjo5g6bKQvQOXOzBvCccf3fX929LAniuTcqBhussb5Z8ahtie07tRGv4U4ctE9TrI5LdyC0C3izP7uO/W7Rz9sLKdPHXdMjAuOnIku/AXSAnExRNA7G9zNFpjK2/d00p/j/OkJQ8GcP4DkWrwK1dc6fZj7amOpT83N27/h38RruyELzVMXquPRiq1m8ke05dOznvP183OXuf3l/a+z6t/EOzKO3eed0OEBOpiiaLoLhuWzIgplbUML+niOAoyE42K7eM26qNYy2GPQPhI76New92FVHaTlQmj2BS4qiKBBcCd12DeASgAn0AQ0FihJgEjoGQBPYZVcd359s2BWfH7n9I0eB7KSYRFEkRYkMduwawBn8Wzylc62v623fNFo8WdyGaBiXZ67R0DEX+bjzJtNx6fnIOXdijTM3z9a/Z8zJFEVbxVPcP1kAa2Oy5HySUJ/QUKgwK81Cx5XAhDZPpuPlWMdkR+jykdr+Hfw1O0VCwU3NypiTKYqUrJEUZiYL4BTGMuZDAmhYxsJAR3ScJXB/EWho+vFjs7MD0GAJAYqiJZQKbUMi1i8sGurXsPcAHdFxFYEDvFm7ikfExhRFEWFqG4pErE2xz/aioX4NKYrK0HAXHadfrS4HnRhPKIrESLG/IVxQ92cee0Y0jE00z3jomId77FnRMTbR/cejKNqfuZgZCWAxUgQbgobB6ER1REdRcgQbg47B6MR0pCgSI8X+hhDA+zOPPSMaxiaaZzx0zMM99qzoGJvo/uNRFO3PXMyMBLAYKYINQcNgdKI6oqMoOYKNQcdgdGI6BhdFYjzAEAgcnMCXg/tfgvt9IuYHAhCQQeBhTn2VaKmGZQi31Qp03Eowf380zK9BDAvQMQbF/GOgY34NtloQvFPE3elW9Pn7E8D5NdhqARpuJSijPzrK0GGrFei4lWD+/hRF+TXIZgEBnA19tInRMBrKrAOhY1b80SZHx2gosw1EUZQNff6JCeD8Gmy1AA23EpTRHx1l6LDVCnTcSjB/f4qi/Bpks4AADkR/+aps5Yzp6tyPkdEwUENh3dBRmCCB5qBjIDgNOZWD1oHiKupGAAeKNfxjRtt605y+5CyM0DBQQ2Hd0FGYIIHmoGMgOA05laIoUFxF3YoN4NYa/+evaQqWs3P+rc6+QzQss2I1VBRHMUxFxxgU849RrI7kVGMoivIHWGoL1ASwc87/Udfm221nxtrWN83p6RptrfWnpsm5g5NaO4qivQjvM4+aWNwHh9pZ1OhITn26xjhTpDb8thuuJoBN5fz4/E5lW9+9KIrGuznWnX1Tv0UtkJx1vm5E7Bbp0XD7ei15hCJ1TBF7wheBHh3Jqc+WEkWR8CBLaZ6eAJ5QsJXzzYtDzmdn/Vt93Sma21UKAUxRFEKNPi8IqI3FV6oO50QubWS8mJB6EarVkZz6vjQoisZRcjkBf41gY0wXdXchdTQGjK8rgEd3NkuKEtt63x+Cngv2AG5G0OM5XRqGwD5GH3QsQ2ddOpJTH606iqKByviRi6uMr42IV65Tpgo1AXzRo+tvNs+mq9++uMr6unt9ZmjYul9SQC2B3DrnT7cD1uOdqCV9E7ZRo2FCBiUMjY4lqGiMGh3JqU8XHEXRgMa5s69HZ0+WXHiVx7GaAH7fwbttwS/ZqRkem821HRc7r/RsbeVPzXX3kKJI+cqXZ76aWAxFtzTOQscX0k+NjuRUiqLZmOmffw9vN/WNp0XS7AD6GqgJ4MtdzbfW9B8FWluUzBUwSw+DTl/FHx7PZZZdjYaZOUmfvngd525OpAu00D41OpJTKYpm1/SwnXhtaI0xxb/SrSaAb4r4n7fHZ2dX+be/v78XSde7nrtm/d9//PLX5cOKc98V6othcxv30SIZDosOj+5mF9K+DVRpuC8aVbMVr2Mfk/8xv18ef6tSZp2xqnTs8yY59ZPAPD5bt+aLai09gHv7bj+fD77fi9jr3y6FUn/w6PKiy/Xs0Qq1RnN97BUw1oppNzeVruFmBw8ywEF0tL7wm03pOpJT5xMKRdE8o2JbiA3gFK/RF6qiWA0L5Z3KrUPoyDnNVMtnflxy6jyjWwuKosWoymsoNhG/f9/E3s8RzeK//SOy2XYLGkwfzy3okquJWA1zAVE6LzoqFW5itlgdyamLFxhF0WJU5TUUEcBLDzrP4Y81ztw8wv4uQkNhTDSag44aVftsswgdY+XCWOMok5aiSJlgMc2VEcD9IenJjlD/zwdP/Vc01+wUxSSjZywRGurBJdZSdBQrzSrDROh4efGEnLpKuFFjiqJQcgX0ExHAPccP/w7gAvYQb//FWEJiNIzhzIHHQMcyxBejIzk1eEFRFAWj099RTACPUR7g+1AxV45IDWM6eJCx0LEMoUXqSE5dtbgoilbhKquxqACefmG1LNTJvBGlYTIvyx8YHcvQWJSO5NSgRUVRFIStjE6iArgMpLt7gYa7I08yITomwbr7oOi4O/LoE1IURUeqZ0ACWI9WzyxFQ/0a9h6gIzqWQUC/FxRF+jUM9oBEHIxOTEc0FCPFJkPQcRM+MZ3RUYwUwYZQFAWj09+RAEZD/QTK8IBYRMcyCOj3Irgo0u86HkCgDAJr/sdbGR6X50WfiPmBAARkEHiYU0m0MsTBCghAAAIQgAAEMhOgKMosANNDAAIQgAAEICCDAEWRDB2wAgIQgAAEIACBzAQoijILwPQQgAAEIAABCMggQFEkQwesgAAEIAABCEAgM4H/B6MfIh6+XeqkAAAAAElFTkSuQmCC' />","vol":"1","page":754},{"text":"وأرسل ابن عباس إلى زيد بن ثابت، قال الله ﵎: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (^١)، فأين قال: ثلث ما يبقى؟، قال زيد: قال الله عز من قائل: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (^٢) (^٣) ولم يذكر معهما وارثًا، فإذا صار معهما وارث فله سهمه، ثم يصير الباقي هو الذي ورثه أبواه، فلأمه الثلث منه، وما بقي وهو الثلثان فللأب، وهذا موضع احتيج فيه إلى النظر، وليس هو ما نص الله، فجعلنا نص الله فيما بقي بعد الفريضة، إذ الفريضة التي ذكرها الله لا زوج فيها ولا زوجة (^٤).\nقال الله ﵎: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ١١]\n(^٢) [سورة النساء: الآية ١١]\n(^٣) روى الدارمي في سننه: ٢/ ٤٤٤ الموضع السابق: عن عكرمة قال: أرسل ابن عباس إلى زيد بن ثابت: أتجد في كتاب الله للأم ثلث ما بقي؟ فقال زيد: إنما أنت رجل تقول برأيك، وأنا رجل أقول برأيي.\nوفي رواية البيهقي: فأرسل إليه بن عباس: أفي كتاب الله تجد هذا؟ قال: لا ولكن أكره أن أفضل أمًا على أب. وقد روى نحوه: عبد الرزاق في مصنفه: ١٠/ ٢٥٤، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢٤٤ الموضع السابق، وابن حزم في المحلى: ٩/ ٢٦١، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٢٨ الموضع السابق.\n(^٤) هناك قول ثالث في المسألة لم يذكره المؤلف، وهو أشبه ما يكون بالجمع بين القولين، وهو مروي عن ابن سيرين حيث قال في مسألة الزوجة تاخذ الأم ثلث جميع المال، وفي مسألة الزوج تأخذ ثلث الباقي. وبه قال ... أبو ثور.\n[مصنف ابن أبي شيبة: ٦/ ٢٤٣ الموضع السابق، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ١٢١، المغني: ٩/ ٢٣، تفسير ابن كثير: ١/ ٤٥٨].\n(^٥) [سورة النساء: الآية ١١]","vol":"1","page":755},{"text":"قال مالك - ﵁ -: مضت السنة أن الإخوة اثنان فصاعدًا (^١). وهو قول جماهير أهل العلم (^٢)، وروي عن النبي - ﷺ -: اثنان فما فوقهما جماعة (^٣). غير أنه قد رواه الشيوخ (^٤)، وقال الله ﵎: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ (^٥)، وقال الخليل بن أحمد (^٦):\n_________\n(^١) الموطأ: ٢/ ٤٠٣ كتاب الفرائض.\n(^٢) تفسير الطبري: ٤/ ٢٧٨، معاني القرآن للنحاس: ٢/ ٣١، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ١١٩، المغني: ٩/ ١٩، تفسير القرطبي: ٥/ ٨٢، تفسير ابن كثير: ١/ ٤٥٩.\n(^٣) رواه ابن ماجة في سننه: ١/ ١٧٥ باب الاثنان جماعة من أبواب إقامة الصلاة، وأبو يعلى في مسنده: ٦/ ١٩٥، والدارقطني في سننه: ١/ ٢٨٠ باب الاثنان جماعة كتاب الصلاة، والحاكم في المستدرك: ٤/ ٣٧١ كتاب الفرائض، وسكت عنه، والبيهقي في سننه: ٣/ ٦٩ باب الاثنين فما فوقهما جماعة كتاب الصلاة، وقال: كذلك رواه جماعة عن عليلة وهو الربيع بن بدر وهو ضعيف، وقد روي من وجه آخر أيضًا ضعيف.\n(^٤) لفظة: شيخ هي: إحدى مراتب التعديل، وهي من أدناها، ومن كان بهذه المرتبة فإنه يكتب حديثه وينظر فيه. [مقدمة ابن الصلاح: ٥٩، تدريب الراوي: ١/ ٢٩٣].\n(^٥) [سورة ص: الآيتان ٢١ - ٢٢]\n(^٦) الخليل بن أحمد بن عمر بن تميم الفراهيدي البصري، أبو عبد الرحمن، صاحب العربية والعروض، قال الذهبي: مات ولم يتم كتاب العين ولا هذبه. أستاذ سيبويه، وعامة الحكاية في كتابه عنه، مات سنة ١٧٥ هـ، وقيل غير ذلك. [سير أعلام النبلاء: ٧/ ٤٢٩، بغية الوعاة: ٢٤٣].\n* لوحة: ٧٨/ب.","vol":"1","page":756},{"text":"اثنان جماعة، وقولهما *: فعلنا حقيقة، وقول الواحد: فعلنا مجاز (^١). وقال الله ﵎: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (^٢) وقال الله ﵎: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ (^٣).\nوقد روي عن ابن عباس - ﵁ -: أنه لم يحجب باثنين (^٤). ولعله خطأ عليه؛ لأنه بيت اللغة، ولا يذهب مثل هذا عليه، والله أعلم (^٥).\nقال الله ﵎: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) نقل كتاب الخليل سيبويه في الكتاب: ٢/ ٤٨، ٣/ ٦٢٢.\n(^٢) [سورة التحريم: الآية ٤]\n(^٣) [سورة الأنبياء: الآية ٧٨]\n(^٤) روى ابن جرير في تفسيره: ٤/ ٢٧٨ عن شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس أنه دخل على عثمان - ﵁ - فقال: لم صار الأخوان يردان الأم إلى السدس وإنما قال الله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ والأخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة، فقال عثمان - ﵁ -: هل أستطيع نقض أمر كان قبلي وتوارثه الناس ومضى في الأمصار؟\nورواه أيضًا الحاكم في المستدرك: ٤/ ٣٧٢ كتاب الفرائض وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وابن حزم في المحلى: ٩/ ٢٥٨ ورجحه، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٢٧ باب فرض الأم كتاب الفرائض.\n(^٥) قال ابن كثير معلقًا على الأثر السابق عن ابن عباس: وفي صحة هذا الأثر نظر، فإن شعبة هذا تكلم فيه مالك بن أنس، ولو كان هذا صحيحًا عن ابن عباس لذهب إليه أصحابه الأخصاء به والمنقول عنهم خلافه.\n[تفسير القرآن العظيم: ١/ ٤٥٩].\n(^٦) [سورة النساء: الآية ١٢]","vol":"1","page":757},{"text":"الإخوة والأخوات من الأم لا يرثون مع والد ولا مع جد، ويرثون مع الأم، ولا يرثون مع ولد ولا ولد ولد وإن سفلوا، ولهم الثلث فريضة كثروا أم قلوا، اثنان فصاعدًا، والواحد له السدس والواحدة كذلك، وقسمتهم الذكر والأنثى في القسمة سواء، هذا ما لا يختلف الناس فيه (^١)، واختلفوا في فريضة يستغرق ولد الأم باقيها، ولا تكون عائلة، وهناك ولد أب وأم فيهم ذكر، قد انتقلوا به من التسمية إلى ما بقي (^٢)،\n_________\n(^١) أولاد الأم يخالفون بقية الورثة في أمور أربعة: الأول: أن ذكرهم يدلي بأنثى ويرث مع من أدلى به بخلاف غيرهم، فابن البنت لايرث مع البنت، الثاني: أن ذكورهم وإناثهم في الميراث سواء، فلا يفضل الذكر على الأنثى، الثالث: لا يرثون إلا إذا كان ميتهم يورث كلالة، فلا يرثون مع أب ولا جد ولا ولد ولا ولد ولد، الرابع: لا يزادون على الثلث وإن كثر ذكورهم وإناثهم.\n[بداية المجتهد: ٢/ ٤٤٤، المغني: ٩/ ٧، ٢٧، تفسير القرطبي: ٥/ ٧٨، ٧٩، تفسير ابن كثير: ١/ ٤٦٠].\n(^٢) هذه المسألة تسمى المُشرَّكة، وسميت بهذا الاسم؛ لأن بعض أهل العلم شرك فيها بين ولد الأبوين وولد الأم في فرض ولد الأم فقسمه بينهم بالسوية، وتسمى أيضًا الحمارية؛ لأنه يروى عن الإخوة للأب والأم قولهم: هب أن أبانا كان حمارًا، أليست أمنا واحدة؟ وقيل: إن القائل لهذه العبارة هم بعض الصحابة فسميت بذلك.\nوهذه المسألة لها أركان أربعة إذا اختل منها ركن لم تصبح مسألة مشركة: زوج، وصاحبة سدس من أم أو جدة، واثنان فصاعدًا من ولد الأم، وواحد أو أكثر من ولد الأبوين.\n[التهذيب في الفرائض للكلوذاني: ١٩٠، المغني: ٩/ ٢٤، تفسير القرطبي ٥/ ١٧٩، لسان العرب: ٤/ ٢١٣، ١٠/ ٤٤٩، تفسير ابن كثير: ١/ ٤٦٠]","vol":"1","page":758},{"text":"فإذا لم يبق شيء لهم، فإن عمر (^١)، وعثمان (^٢)، وابن مسعود (^٣)، وزيدًا (^٤)، وعائشة (^٥): يشركون بينهم وبين ولد الأم، إذا كانوا كلهم ولد أم. وهو قول مالك (^٦).\n_________\n(^١) رواه الدارمي في سننه: ٢/ ٤٤٦ باب في المشركة كتاب الفرائض، وعبد الرزاق في مصنفه: ١٠/ ٢٤٩، ٢٥٠، وسعيد بن منصور في سننه تحقيق الأعظمي: ١/ ٤٠، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢٤٨ باب في زوج وأم وإخوة وأخوات لأب وأم وإخوة من لأم من شرك بينهم كتاب الفرائض، والدارقطني في سننه: ٤/ ٨٨ كتاب الفرائض حديث: ٦٦، والحاكم في المستدرك: ٤/ ٣٧٤ كتاب الفرائض، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٥٥ باب المشركة كتاب الفرائض.\n(^٢) المراجع السابقة ما عدا المستدرك.\n(^٣) المراجع السابقة بما فيها المستدرك.\n(^٤) المراجع السابقة.\n(^٥) لم أقف عليه.\n(^٦) الموطأ: ٢/ ٤٠٤ كتاب الفرائض، وهو أحد القولين عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن المسيب، وشريح، ومسروق، وطاوس، وابن سيرين، والنخعي، وعمر بن عبد العزيز، والثوري، ومذهب الشافعي، وإسحاق بن راهوية. [الاستذكار: ١٥/ ٤٢٤، التهذيب في الفرائض: ١٩٠، المغني: ٩/ ٢٤، تفسير القرطبي: ٥/ ٧٩، تفسير ابن كثير: ١/ ٤٦٠].","vol":"1","page":759},{"text":"وقد روي عن علي بن أبي طالب (^١)، وأبي موسى (^٢) (^٣)، وابن عباس (^٤):\n_________\n(^١) رواه الدارمي في سننه: ٢/ ٤٤٦ الموضع السابق، وعبد الرزاق في مصنفه: ١٠/ ٢٥١، وسعيد بن منصور في سننه تحقيق الأعظمي: ١/ ٤٠، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢٥٠ من كان لايشرك بين الإخوة والأخوات لأب وأم مع الإخوة لأم، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٥٧ الموضع السابق.\n(^٢) عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب، أبو موسى الأشعري، مشهور باسمه وكنيته جميعًا، قدم المدينة بعد فتح خيبر، استعمله النبي - ﷺ - على بعض اليمن، ثم استعمله عمر على البصرة، ثم استعمله عثمان على الكوفة، ثم كان أحد الحكمين بصفين، ثم اعتزل الفريقين، كان حسن الصوت بالقرآن، مات سنة ٤٤، وقيل: ٥٠ هـ، وقيل غير ذلك. [الاستيعاب: ٢/ ٣٧١، الإصابة: ٢/ ٣٥٩].\n(^٣) رواه سعيد بن منصور في سننه تحقيق الأعظمي: ١/ ٤٠، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢٥٠ من كان لايشرك بين الإخوة والأخوات لأب وأم مع الإخوة لأم، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٥٧ الموضع السابق.\n(^٤) لم أقف عليه مرويًا، ولكن ذكره الجصاص في أحكام القرآن: ٢/ ١٣٣، والكلوذاني في التهذيب: ١٩١، وابن عبد البر في الاستذكار: ١٥/ ٤٢٤، وابن قدامة في المغني: ٩/ ٢٤، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٤٦٠.\nوهو قول: أبي بن كعب، وإحدى الروايتين عن ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وبه يقول: الشعبي، وأبو حنيفة وأصحابه، والإمام أحمد، وأبو ثور، وداود. [انظر المراجع السابقة].\n<img src='data:image/png;base64،iVBORw0KGgoAAAANSUhEUgAAAkgAAAC2CAYAAAAiGXLvAAAfsUlEQVR4Xu2dMZakuNJG1av4F/CfGqPPrIC3g7TGanc82TjjtTleO3ou3rhtPeexg2EFfcboXIzeITPJIinIFBAghbhlzXSBFHG/iCAQgvpk+IEABCAAAQhAAAIQeCDwCR4QgAAEIAABCEAAAo8EaJCICAhAAAIQgAAEIDAgQINESEAAAhCAAAQgAAEaJGIAAhCAAAQgAAEIPCfAChIRAgEIQAACEIAABFhBIgYgAAEIQAACEIAAK0hZxYA1xleFM6Yp1az+abQ5q6DBGQhAYBUBjTVMo82rRNrgZDUX2Q18VzlkYYxvjDG29qY6fVKhn0abVQYHRkMAApsQ0FjDNNq8iXgrBlVxgV3h3y6nnp3zb+X2KzpbzbPFuLU1/j+/efPHz3+bpWxcYfw/X/U0grsEG5NAAAKPBArnt1xR36I+tg5sMS51VzY5ojVI7cXv+5ezacq3aDZIodwi0KVsCxlnC/tra/2pqi7aOut8Wc1vIPtjhPjBMRCAwPEIWHf2lcLrCHU3/VjdpTnplvqMrU37XGgMi9Ygv94JWP9WXpuBrX+WNhvP7Fpr/13f3t6ofvK7wvqymc9nrIBojpOtY4PxIXBEAs6dfTnSIEnWCuquziZ0bT7sclEPMdLa2lcTzVPI+TGPWdtgzLE9xUQds7/PZOlK0BhXzXEyR2eOhQAE1hGQrBXUXb3X5zVRFLdB6j07toXzlaI3s0KgC22S88ZYY8x1BWZpsxFi7/CYtfbb2vt2I3ltC3+qGpFYyzFOlmjDORCAwJWAc7Uvy49PJlbWCupuL8BWslQbqiIXrb737Saxk/n4KO1yse09Ymv3IJWNMYW77kPaokPfU5WuGejmLArnmxUN39kV/u2frx8eSW61WrXW/jHduyVuSZu1x8meMclcEFBFYOFm66lHaUtqBXV3PGKWsFQVexPGijZI3Q76337+25x6b3V1cPuQL99oaI267VsZWRnx3e9egX614fu6EvK+CtMbL3iOVzb0G4yOQ+hr+GN7baaeq0s2G32f1tg/pXt/iXvYgL3i2f1+yGHPFbRQGzkOAhAII2BN4SvzcTW5sLX/+vnnw3XjXgNG9jDerx/3O9KP34Z7VSuou9OaUXevbEQbpPtm3UEzUrizb1eJ+hfMywrSr+8rTWN7VqaSKSwVr0dd5jHWWPPDVM17YnbJIzHHtc+7+tj+92U15dL9vf90K2Vjto81Q/3xhuesaWam2K2xf0r3qQZstn4TcTJnHI6FAAT2J9C/WbyszrSPDQYv69TO+faGemzPUPd4/tkjnu5pxN272033q5tJ6u6TBunJ9Xn/KIo3o2iD1G96ugvuPSlGPm7Y3gX8uD1i63fz7w1GYczI3cYrXN3crih82TSfxr4ounaOh4t/UfgfjTHNzdZ3n5fZf2/s2i9CXpuv559DuH018hWXqd/blfZP6f7tl7/vH7MsjPXNbR/VtaA9rOj5m6emKH41ze2Nt8dG83r8Fq/GLuXGeRCAQACBW326ftfsbD7/+c3032qdWuG/Nz7WGfejNIOaYa7nTdfYJbWi32xRd1ttj113RRukh6Zh8Ajt9rvbhfBy2V/U/ASkY3vIZZ6Nvzbd88V86jeCoY8GWxvb8/qNxJh/r15Xndqk+IKViP3DObql72FxGTbKf/z8l+nfTVpjfXVroDr9+nea7RJ8o/Qtx8CY5TAIZElgUJ/6deeJv+/Xh+6Gqq6NOXVL8yv/3BJ19/r0hrr7POU2a5C2zvRndwdT+3ekbJJ8fbRrHIfN3L2hCCgEc/3dwH4ptIwDAQhkRuBVfepuAAcX62AKzlpf3j5KG3zS9UBP3Z1J7GCHJ90gPUushasmH+R9lbxj8RDy4cs5cfSw+tSdGNAYtYcu+QijtP1zfOVYCEDgOARC6lP3ks1f5ptZ8sHdkDnGiFN3jxOHSz1NtkF6dTcx9drhnOfOr+Zoob56vLUUvMR57eMs8+KP1qZsvwQDxoAABNIkMFafpjZbDz8Dk6ZHV6uouymrI2tbMg3S44bc1/uTxt4Ua9E821g3d44uGarhWxfdW2pP/nTKEpneNwiOfpLgMuTczeWXPUE72b/EZ86BAATyITCsT2MvWqTmLXU3NUXSsSeZBmkFksumv5dvHKyY4P019m6Q6QZmxTSbnard/s3AMDAEIACBjQhQdzcCu+OwOTRIO+JqP2s//ocRdzWCySAAAQhAAAIQ2JQADVIg3uGXvwNP4zAIQAACEIAABBQSoEFSKBomQwACEIAABCCwLQEapG35MjoEIAABCEAAAgoJ0CApFA2TIQABCEAAAhDYlgAN0rZ8GR0CEIAABCAAAYUEQhqkwL+do9B7TIaAPgIhOavPq2NZTE09lt54mzaByZoaUmzbZA45Lm0EWAcB/QTIRf0ath6gYx464oV+Ak9zMaTxIZn1BwEe5EGAXETHPAjgBQTSIECDlIYOWAGB1QRokFYjTGIAdExCBoyAwPPVXFaQiBAI6CHAhVWPVs8sRcc8dMQL/QRYQdKvIR5A4EKAC2segYCOeeiIF/oJ0CDp1xAPIECDlFEM0CBlJCauqCZAg6RaPoyHwDsBLqx5RAM65qEjXugnQIOkX0M8gAArSBnFAA1SRmLiimoCeTZI1p19Vb6FbDJXrR7GQ6BHgAtrHuEQXUfqZx6BhBerCeTZIBXG+KZjUzhjmpJmaXWsMEDiBKJfWBPno8W86DpSP7WECnZuTCDPBmljaAwPgRQJRL+wpghFoU3oqFA0TM6SAA1SlrLi1BEJcGHNQ3V0zENHvNBPIP8GqXbOn0oesemPVTx4QYALax4hkpSO1M88ggovFhE4QINkrT9VFXuQFsUHJykikNSFVRG31ExNSsea+plafGDPfgTyb5DOrvC/m79Mw1tt+4UVM8UgkNSFNQaATOZMSkfqZyZRhRtLCOTfIF2pWG8Mq0hLIoRz1BBI6sKqhlp6hiaoI/UzvTDBoh0IHKNBcoX1ZUODtENAMUU8AgleWOPBUDxzcjpSPxVHE6avIXCMBmkNIc6FgBICyV1YlXBLzUx0TE0R7DkqARqkoyqP39kR4MKah6TomIeOeKGfAA2Sfg3xAAIXAlxY8wgEdMxDR7zQT4AGSb+GeAABGqSMYoAGKSMxcUU1ARok1fJhPATeCXBhzSMa0DEPHfFCPwEaJP0a4gEEWEHKKAZokDISE1dUE6BBUi0fxkOAFaTcYoAGKTdF8UcrARokrcphNwQGBLiw5hES6JiHjnihnwANkn4N8QACPGLLKAZokDISE1dUE6BBUi0fxkOAR2y5xQANUm6K4o9WAjRIWpXDbgjwiC3LGKBBylJWnFJIQKRBUug3JkMgSwKfsvTqWE61RZkfCEAgDQKTNTWk2HK3k4aIa61Ax7UE45+PhvE1kLAAHSUoxh8DHeNrsNYCkRWkkEZqraGcvy0BknlbvnuMjoZ7UN5+DnTcnvEeM6DjHpS3nYMGaVu+akYnmdVINWkoGurXsPUAHdExDwL6vaBB0q+hiAcUZRGMUQdBw6j4xSZHRzGUUQdCx6j4RSanQRLBqH8Qtcns3NmX5RuPeVl50J+FVw/U5mIuAgj5oVZHauo9AmiQhJJB+zBqk9nW3lenTzRIXFi152Bnv9pczEUAIT/U6khNpUESyoFshlGZzGfn/FtZ0hyx8pBNIrKClI2U1FT9UrKCpF9DEQ9UJrOzzpcVDdItAlRqKBK9eQ2CjnnoqVJHaupD8NEgDXPx7Kx/K6v7qoQtnK+a7C/CSSWzNdZX5l2DqXo59qzc2tpX1emIq0pJaZjHNS6KF9npSE2NEkcPk1JTF2lAgzTE5grjy+YjzMKdTZPvZuCkirI1xlc9CWztzdg+o/Fn5YU3ptmnQSqcN+k0z0lpuKgccVJLIDsdqanxA5uaukgDGqQxbIUxvu2Rpi7Mi1CnfVJyRbnTwBTOjDUhw7vSDm9tjT+Z2rQdVdrIxa1LTkNxD48xYJY6UlPjBy81dbYGNEhjyM6u8G//fD3SRTa5otw2On9+nl61e/asvDDWNwGP6GanS9onJKdh2riStS5LHamp8eONmjpbAxqkKWRF4XyTzuOT2crOPCHNonxbwhvz5dleo9oW/lSFPWabWv43pjCDR3V+ajVrJuutDk9Tw628zXfcbHWkpiYQtNTUOSLQIE3RcoX1ZfN6o/Ac2gkfm2RRDt1YONpAzfw+0uUO97L5zBozWH2qrfWnqvpkTeGr3v6m9o7sP7+N74+KoHWSGkbgoH3KbHWkpsYPTWrqLA1okKZwdRfFWTj1HpxkUZ5aCZraf9THb93ZV4Gb6ttVpO9fph/nXfY1XXaNf1hVum9US0D6JDVMgIs2E7LVkZoaPxSpqbM0oEGawnWwjxAmWZQnN2I7508vPhAZ+rn8OY/jxmLFudqXZRIbwpPUcFY54uCWQLY6UlPjBzg1dZYGNEizcOV7sKqinNK3jkIbsR1CR5WGO/DQOgU6alXu0W5VOlJTR4OOBimPXFzthapkXu3tbYDhHW37rRAz8c2l9pRhM5TYnopDaigVCwmNg44JibHClEPqeKSaGvIdmUMGwYqkSfXUQ+o4Z0/EcHPjq2YqgtCH1DAC562nRMetCe8z/iF1PFJNpUHaJ5FSmOWQyfxss/f7xuxWnuvm7KebteOreEgN42MXtwAdxZFGGfCQOh6pptIgRcmrKJMeMpmvpK0fvtYfRYH1kx5Yw/XwEhoBHRMSY4UpB9bxGDWVBmlFdig79bDJ3F8pGv5pmfYx2g89f4PvsBoqy7VX5qLjK0I6fn9YHY9SU2mQdCSihJWHTeYO3vCPOY59MFIC9IZjHF7DDdnuOTQ67kl7u7kOr2PuNZUGabvkSW3kwydzaoIssAcNF0BL8BR0TFCUBSah4wJoiZ3Ca/6JCRLLHJI5Fnm5edFQjmXMkdAxJn25udFRjmWskWiQYpFPbF6SOTFBFpiDhgugJXgKOiYoygKT0HEBtMROoUFKTJBY5pDMscjLzYuGcixjjoSOMenLzY2OcixjjSTSIMUynnkhAIFHAiH7BmGWNoG2KPMDAQikQWCypoYUW7rkNERcawU6riUY/3w0jK+BhAXoKEEx/hjoGF+DtRaIrCCFNFJrDeX8bQmQzNvy3WN0NNyD8vZzoOP2jPeYAR33oLztHDRI2/JVMzrJrEaqSUPRUL+GrQfoiI55ENDvBQ2Sfg1FPKAoi2CMOggaRsUvNjk6iqGMOhA6RsUvMjkNkghG/YNkk8zOnX1Zvok/9r18FbZwxjSl+NhC4ZONhkI8tA6DjlqVe7Q7Gx2pqeMBGXIhyCYI8sjJxV5ko6Otva9On0JidxaswhjftH/atvZmi/FnGTN+cDYaCrDQPAQ6albv3fZsdKSm0iDlkZLLvcgimc/O+bdSfoVnq3GXyzV6ZhYaCjPROBw6alTto81Z6LhV7dtqXOHQ4RGbMFCtw2WRzM46X1byDZISUbPQUAnrLc1Exy3p7jd2FjpSUw3fQRrLGWtrX1Un8Uc1++XnrJmSTmbrzr4K2Fc09qxcSkcFhSJpDWdF47EPzlZHqVxUEh5J60hNDYoiVpCmMRXemIYGKSiOtj2o2/9zmeXJRunxZ+UyOtIgbasxo98JJH1hXaeTTC6us2G3s5PWkZoaFAc0SFOYamv8ydSm3ZEbhFL3QUkncwjas7P+raw+aCWlY22tP1Ufxw+xbadj1Gu4E6fUp8lWR6lcTF3Am33qdaSmPv8mWUhjoD4IniVbYaxvTNIXRalaoV7HZys8c3W8vNJvrDE97aeKhZQAAuOo11CAQQ5DZK3j3FxULKh6HampNEhP86+2hT9Vh3jMpiaZa+f8aeRNtWf7G+bo2DZC//3ls/l+Kk3Te5xHg6T4UqXLdDW5uATrnFxcMn5C56jRkZo6GTU8YnuVUFt9A+LVvDv/Xk8yL3zUFarj2RX+rWy/eNT+FKa/Dy10jJ2166ZTo2EkPlqmzV7HxPNIKk7U6Lh0+0CojrnW1MM/YmszJXS3v1RWRRpHTTK3yfa7+cs0vbfaQlZ3QnW0xvpK52NVNRpGinEt02avY2guahFswk41OlJTWUFanGtbfWZ9sUHbnKgmma/uW9/fHzS1RNxHdQAdlWm4TSBnMGr2Oh4gF9swVKYjNXWkdvCILYOCKuGCqmR2hfVl8755/mDfV5nSW5WGEkGb6RjomIewqnSkpo4GHQ1SHrm42gtVybza2zwHQMM8dEVHdMyDgH4vaJD0ayjiAUX5htG52pelym9foaFIKkQfBB2jSyBiADpmXlPZpC2SJyoGIZlvMoXsZ0pUUTRMVJiZZqHjTGCJHo6OmddUGqREM28Ds0jmDaDuPCQa7gx8o+nQcSOwOw+LjjsD32A6HrFtAFXjkCSzRtUebUZD/Rq2HqAjOuZBQL8XNEj6NRTxgKIsgjHqIGgYFb/Y5OgohjLqQOgYFb/I5DRIIhj1D0Iyo6F+Anl4QC6iYx4E9HtBg6RfQxEPKMoiGKMOgoZR8YtNjo5iKKMOhI5R8YtMToMkglH/ICQzGuonkIcH5CI65kFAvxc0SPo1FPGAoiyCMeogaBgVv9jk6CiGMupA6BgVv8jkNEgiGPUPQjKjoX4CeXhALqJjHgT0eyHSIOnHgAcQyINAyLfL8vA0Xy/aoswPBCCQBoHJmhpSbLnbSUPEtVag41qC8c9Hw/gaSFiAjhIU44+BjvE1WGuByApSSCO11lDO35YAybwt3z1GR8M9KG8/Bzpuz3iPGdBxD8rbzkGDtC1fNaOTzGqkmjQUDfVr2HqAjuiYBwH9XtAg6ddQxAOKsgjGqIOgYVT8YpOjoxjKqAOhY1T8IpPTIIlg1D9ItGR27uzL8k38Me3ZFf6tbIVpxMeWktsa46vCGdOUEjZG01CKB+NcCKBjHoEQTUdq6j41NaRoRwuCPHIoGS+i6Whr76vTp5BYmwXLmsJ/rr+Y8iTSfMyaO/TgwhjfGGNs7Y0Ag2gahvrLcUEE0DEIU/IHRdORmrpPTQ25aEULguTTQ5eBUXQ8O+ffym0amMIU3tgvpqkexy8K5xuZFZtVCm/gexQNV0Hg5DEC6JhHXETRcYO6cleDmvoYmDRIeSRqiBdRktlZ58tBAxNibMgxhbG+MVVIDIcMp+GYKBpqAKPMRnRUJtiEuVF0pKaKBg97kMZwWmN9xcV1UaSdnfVv5XtjYgvnq4kVm7Fn5dbWvqpOEo2NN6ZIeg+ScDGLUpAXBQknPSOQpY7U1OVBT00NZ7dnTQ25SGWazMZXPU2E9oiEq7z/kWI6usL4st1YM/gp3Nk0g83Y48/KCy+xsfqySfu7MUXzq4m+klQ4P7YRe89k3j+kmHEhAbFcXDj/JqddXkigpi5iS00dwZZATT1sg9TK0W2gNXJvGS1Kjp1OEi3KIZuPh3dFnZ+1Nf5katPuWhbzfSKZxMZfOFBtrT9VYo8BRTVc6BKnrSeQrY7U1OXBQU0NY7dnTQ25QGWbzO2F+s/PH1c9wmRSd5SojpfVm3++Pm1ynq2ezN0/dL07tcZMPBZt7fn2y98Sb4rNEvbV48KpJnHWJO8Hi2q40AZOW08gWx2pqcuDg5p6ZZdSTT10g3RV4/r+9fKwVnOmeFF+9bbYs0CvbeFPVdj3i9om47+/fDbfT6Vpnqz2ucL6f758NlXgW3Ptsvb3Lx8b5Klmq/2sQNX75tL9bvkaSKPNGw2SmvzY01DxXNzT+JdzUVNfIpo6gJp6/SzKrVWKXlNDGoOsk/lAGwvFdWwbkrJZ/vgo9Fse1w9CdmnzfFN24c5+uA9qSbWy7uyr3n6quw12/NHgcA9Bfz9WqJ8BdoprGDAnh8gTyFpHaurygKGmvrNLoaYevkGas5KxPOyTOFO8KD97FhyycjJsQqYohRbc2jn/0xhTBq4gDefrmquxFaQ2Wf/5ejaf//xm+k3hdRVptzfpxDVMIjKPZ0TWOlJTlwc0NbXbG5xGTT18gxRyIV8e7kmdKV6Un32wrG1WTi8aFanP5V82fXevz6zbcN8yMmNv492UvPz+/rNuriXBIa7hEiM4ZzWBrHWkpi6PD2qq2J8QCRWB7yCFksr8uF2L8quNdrFYPytAUg3bhr7tquGGfhx9aHTMIwJ21ZGauknQ0CBtglXfoLsmc6p4nKt9WU5vyr9/y2X/1aEQZGgYQin9Y9AxfY1CLERHY0zONfXwj9hCsiCTY9Qm86sEnKPP1KcHQv6+0bMvhs+xYcWxajVc4XOOp6JjHqqq1ZGaeg9AVpDyyMXVXqhN5pD9TKF0HvYr9U4a23f0eOz0N5hC5xY4Tq2GAr7nNAQ65qGmWh2pqTRIeaSgnBdqk1kOwcNIrzZkbzTtqmHRcBW+ZE5Gx2SkWGUIOj7iy66m8ohtVX6oOplkViXXqLFoqF/D1gN0RMc8COj3gkds+jUU8YCiLIIx6iBoGBW/2OToKIYy6kDoGBW/yOQ0SCIY9Q9CMqOhfgJ5eEAuomMeBPR7QYOkX0MRDyjKIhijDoKGUfGLTY6OYiijDoSOUfGLTE6DJIJR/yAkMxrqJ5CHB+QiOuZBQL8XNEj6NRTxgKIsgjHqIGgYFb/Y5OgohjLqQOgYFb/I5DRIIhj1D0Iyo6F+Anl4QC6iYx4E9Hsh0iDpx4AHEMiDQMinOfLwNF8vaJDy0Pby3R9+1BOYrKkhxZZkVq//xQF01K8jGurXkFzMQ0N0zENHkRWkkEYqD1z5esHFVb+2aKhfQy6seWiIjnnoSIOUh46rveDiuhph9AHQMLoEIgagowjG6IOgY3QJVhtAg7QaYR4DkMz6dURD/Rqy8pCHhuiYh440SHnouNoLLq4zEVpjfFU4Y5oylUfMaDhTw0QPR8dEhZlpFjrOBKatpoYUfoJgZhAkejg6zhSmMMY3xhhbe1OdPoXkyswZZh+OhrORJXkCOiYpy2yj0HEmMm01NaToEwQzgyDRw9FxhjBn5/xbmczKUWc5Gs7QMOFD0TFhcWaYho4zYGmsqTRIMwRWfijJrFxAPtWgX8CbB+RigJTdaoOxtWmXcANO2fsQdNybuPx87EGSZ6pyRNXJ/KpYusL471/OpinfxAqps86XVVKrSKo1VJk12xiNjttw3XtU1TpSUy/hQoO0d9YkOp/qZN6CaW2NP/2Y3oRNg7QFdcZ8VZRjEzq7wv9u/hK92Yjt00bzU1MHYHOrqSF32wTBRtm187Ap69jaZgq3agVIYowHSWpr/amqQnJkLylT1nAvBjnMk5aOhfP9NzXbBunbL38n8WLCZZWDR2xLYl6iHkqMobqmhhT/tJJ5SahwzsulRA2I9i6WZ2f9W0mDpCE2lNmYTE0tbO2/fv5pTjNeSNirgepWcPsruXvNHRhPyegYaO+Hw6ipPGJbGju5nZd0MheF882T7w2NFcspgV6t/LT7lcr2/f2xcmGa+00DDVJuKZCMP7vm4lRTUTvn28bI2tpXMzdBW3f21Yv9fmubmcKdfbuncGhfyNw7Kb2rjnN9oqYGEWMPUhCm/A9KNpm7huXZI7apYtmXrWtoQl8nbQv426VTssaY8ZUiW3ufyDeQslgFzD/NgjzcLRcfbgYGHz29btL9GPuXj/n1/n34/yGNz9S8139/mPPyGMeYwhTFr6Zprnn4npuP3yELmTtIAZmDdtNxrrnU1GBiNEjBqPI+MJlkdq72Zfn+2u79jvD2RcaxgnxtZB6L5aUImOsm68vmwOomYMCehS3eetshfJLRcAdfc55iNx3bBv+Pn/8ybf5Ya01VdUkyhffavAxvHvoNS8hewal52xTv7Ole37fG+ur9BuXaMD02c5d/+z9jzP+v26coHVO76fjKcGrqK0KTv6dBeobu1auOi7Gnd2IyyTxEM3zk9VBEJ4pl1yx1xTakaHfz1rbwp+r9UVp6Ui1LZkV+HN3U3XOxrXO/Dr4I392YDBoUUW3G5hWdIO5gu+sY6i41NZQUe5CCSWV+YLLJ3HF37uxLwe8YZahn8hpmyHwLl5LQsVtF/ct8M1MvI1xe+f9uTNM09z+5067wmgh/fue6svxhdWkLfULHTELHZ8ZSU19KyQrSS0THOCCJZJ5avXGF9WVzXdofFmRJeUL3J0nOKThWEhoK+nPUoZLRMeQtpiWbuA8ibBI6UlNXRRsN0ip8+ZycRDLfcN42ZnZwC2N6b49tWZBfveGWuNwpaZg4qqTN203HWC8ZxJp3Z9V30zHAL2pqAKSRQ2iQlnHL7qyUktlMvUGzNfUEX92f43JSGs4xnGMfCOymY6xX4mPNu3Oc7aZjiF/U1BBKH46hQVqELb+TkkrmuHitn3qtP65dL2dHw5eIVBywm46x9qDEmndn9XfTcWe/FkyXZ03lS9oLQkHpKSTzTbj+JwFuXxa450G7EfRHWq8S98MNDZUm38BsdETHPAhkXlNpkLIK06fOUJQHeO5vxdz/ffqDkYmECRomIsRKM9BxJcBETkfHzGsqDVIimbaDGSTzDpA3ngINNwa80/DouBPojadBx40B7zA8e5B2gKxhCpJZg0rPbURD/Rq2HqAjOuZBQL8XNEj6NRTxgKIsgjHqIGgYFb/Y5OgohjLqQOgYFb/I5DRIIhj1D0Iyo6F+Anl4QC6iYx4E9Hsh0iDpx4AHEMiDQMi+wTw8zdeLtijzAwEIpEFgsqZSbNMQCCsgAAEIQAACEEiIAA1SQmJgCgQgAAEIQAACaRCgQUpDB6yAAAQgAAEIQCAhAjRICYmBKRCAAAQgAAEIpEGABikNHbACAhCAAAQgAIGECNAgJSQGpkAAAhCAAAQgkAYBGqQ0dMAKCEAAAhCAAAQSIkCDlJAYmAIBCEAAAhCAQBoE/gdA75S28a1TtAAAAABJRU5ErkJggg==' />","vol":"1","page":760},{"text":"أنهم لم يشركوا بينهم، حتى قال قائل: هب أبانا كان حمارًا ألسنا لأم؟ (^١)، وهذا إلزام صحيح، والله أعلم. *\nقال الله ﷿: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (^٢) معناه: كي لا تضلوا (^٣)، وهؤلاء هم الإخوة للأب، كانوا لأم أو لأمهات شتى، إلا أنهم يرثون بالأب (^٤)، وبين رسول الله - ﷺ - عن باطن الآية: أن أعيان (^٥) بني الأم يتوارثون دون بني العلاّت (^٦)\n_________\n(^١) رواه الحاكم في المستدرك: ٤/ ٣٧٤ كتاب الفرائض وصححه، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٥٦ الموضع السابق.\n* لوحة: ٧٩/أ.\n(^٢) [سورة النساء: الآية ١٧٦]\n(^٣) قدم المؤلف الحديث عن هذه الآية وإن كانت آخر آية في هذه السورة لمناسبة الحديث عنها مع آية الكلالة الأولى.\n(^٤) قال ابن المنذر: وأجمعوا أن مراد الله ﷿ في الآية التي في أول سورة النساء الإخوة من الأم، ويأتي في آخرها الأخوات من الأب والأم.\n[الإجماع: ٩٣، وانظر: الاستذكار: ١٥/ ٤٦٤، والمغني: ٩/ ١٧، وتفسير القرطبي: ٥/ ٧٨].\n(^٥) أعيان بني الأم: ولد الرجل من امرأة واحدة، مأخوذ من عين الشيء وهو النفيس منه.\n[النهاية في غريب الحديث: ٣/ ٣٣٣، لسان العرب: ١٣/ ٣٠٦].\n(^٦) بنو العلات: بنو الرجل الواحد من أمهات شتى، والعلة هي: الضرة.\n\n[النهاية في غريب الحديث: ٣/ ٢٩١، لسان العرب: ١١/ ٤٧٠].","vol":"1","page":761},{"text":"(^١).\nوأجمع المسلمون على ذلك في الذكور والإناث، إذا (^٢)\n_________\n(^١) عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه قال: إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وإن رسول الله - ﷺ - قضى بالدين قبل الوصية، وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات، الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه. رواه الترمذي في سننه باب ما جاء في ميراث الإخوة من الأب والأم من أبواب الفرائض، وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي إسحاق عن الحارث عن علي، وقد تكلم بعض أهل العلم في الحارث، والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم، تحفة الأحوذي: ٦/ ٢٧٠، وابن ماجة في سننه: ... ٢/ ١١٧ باب الدين قبل الوصية من أبواب الوصايا، و٢/ ١٢٣ باب ميراث العصبة من أبواب الفرائض، وأحمد في مسنده: ١/ ٧٩، ١٣١، ١٤٤، والدارمي في سننه: ٢/ ٤٦٤ باب العصبة كتاب الفرائض، والدارقطني في سننه: ٤/ ٨٦ كتاب الفرائض حديث: ٦٤، والحاكم في المستدرك: ٤/ ٣٧٣ كتاب الفرائض، ٤/ ٣٨٠، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٣٢ باب ميراث الإخوة والأخوات لأب وأم أو لأب، و٦/ ٢٣٩ باب ترتيب العصبة كتاب الفرائض، و٦/ ٢٦٧ باب تبدية الدين على الوصية كتاب الوصايا، وغيرهم.\nقال ابن حجر في هذا الحديث: رواه الترمذي، وابن ماجة، والحاكم من حديث الحارث عن علي، والحارث فيه ضعف، وقد قال الترمذي: إنه لا يعرف إلا من حديثه لكن العمل عليه، وكان عالمًا بالفرائض، وقد قال النسائي لا بأس به. ... [تلخيص الحبير: ٣/ ٨٣].\n(^٢) في الأصل: إذ، والصواب ما أثبت.","vol":"1","page":762},{"text":"اجتمعوا أن المال لولد الأب والأم دون من كان من الأب، فإن كان ولد الأب والأم: واحدة كان لها النصف، وكان لولد الأب الباقي للذكر مثل حظ الأنثيين، كما يرثون جميع المال، كذلك يفعل في سائر الفرائض، فإن كان الوارث: أختًا لأب وأم، وأخت لأب، كان النصف ثم السدس، وما بقي للعصبة (^١).\nوقول أهل المدينة وغيرهم: أن الأخوات مع البنات عصبة (^٢)،\n_________\n(^١) أجمع أهل العلم على أنه إذا اجتمع الإخوة للأب والأم والإخوة للأب فكان في بني الأب والأم ذكر فلا ميراث لأحد من بني الأب، فإن كان بنو الأب والأم امرأة واحدة فللأخت لأب وأم النصف، وللأخوات من الأب السدس تكملة الثلثين، إلا أن يكون معهن ذكر فيعصبهن فيما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين.\n[الإجماع لابن المنذر: ٩٤، ٩٥، الاستذكار: ١٥/ ٤٢٧، المغني: ٩/ ١٦].\n(^٢) وهذا قول: علي، وعمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل: في رجل خلف بنتًا وأختًا لأب وأم أو أختًا لأب وعصبة: أن للبنت النصف، والباقي للأخت، وهذا مذهب عامة الفقهاء.\n\n[تفسير الطبري: ٦/ ٤٥، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ١٣٥، التهذيب في الفرائض: ١٩٩، المغني: ٩/ ٩، تفسير القرطبي: ٦/ ٢٩].","vol":"1","page":763},{"text":"إلا شيء يروى عن ابن عباس (^١)، وابن الزبير، ثم رجع ابن الزبير عنه حين حدثه الأسود بن يزيد عن معاذ بن جبل في ذلك (^٢). فتأول ابن عباس: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (^٣)\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق في مصنفه: ١٠/ ٢٥٤، وابن حزم في المحلى: ٩/ ٢٥٧ من طريق عبد الرزاق ومن طريق القاضي إسماعيل بن إسحاق، والحاكم في المستدرك: ٤/ ٣٧٤ كتاب الفرائض، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٣٣ باب الأخوات مع البنات عصبة كتاب الفرائض.\n(^٢) روى هذا القول عن عبد الله بن الزبير ورجوعه عنه: الدارمي في سننه: ٢/ ٤٤٥ باب في بنت وأخت كتاب الفرائض، وسعيد بن منصور في سننه تحقيق الأعظمي: ١/ ٤٣، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢٤٤ في رجل مات وترك ابنته وأخته كتاب الفرائض، والحاكم في المستدرك: ٤/ ٣٧٥، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٣٣ الموضع ... السابق.\nوأما حديث الأسود بن يزيد فيأتي قريبًا.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ١٧٦]\n\n* لوحة: ٧٩/ب.","vol":"1","page":764},{"text":"وهذه الآية توجب ألا فريضة للأخت، وليس توجب ألا شيء للأخت بعد البنت وغيرها من أصحاب الفرائض، كما أن الأخ يرث الأخت المال كله إذا لم يكن غيره * من أهل الفرائض (^١) دفع إليه ما بقي، ولم يمنعه أهل الفرائض من الباقي، كذلك لا يمنعها أهل الفرائض من الباقي، وإذا كانت ابنة وزوجة كان للأخت وللأختين ما يبقى، وإذا كانوا يأخذون بغير التسمية فليس يدخل أحد المعنيين على الآخر (^٢).\nقال إسماعيل (^٣): ثنا علي بن المديني (^٤) قال: نا معاذ بن هشام (^٥) قال: نا أبي (^٦)\n_________\n(^١) في الأصل: إذا لم يكن غيره فإذا من أهل الفرائض، والصواب ما أثبت.\n(^٢) قال ابن جرير: ولم يقل الله في كتابه: فإن كان له ولد فلا شيء لأخته معه، فيكون لما روي عن ابن عباس وابن الزبير في ذلك وجه يوجه إليه، وإنما بين جل ثناؤه مبلغ حقها إذا ورث الميت كلالة، وترك بيان مالها من حق إذا لم يورث كلالة في كتابه، وبينه بوحيه على لسان رسوله - ﷺ - فجعلها عصبة مع إناث ولد الميت، وذلك معنى غير معنى وراثتها الميت إذا كان موروثًا كلالة. [جامع البيان: ٦/ ٤٥، وانظر أحكام القرآن للجصاص: ... ٢/ ١٣٥، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٤٥٢، تفسير ابن كثير: ١/ ٥٩٣].\n(^٣) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق، تقدم.\n(^٤) علي بن المديني ثقة ثبت، تقدم.\n(^٥) معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، عن: شعبة بن الحجاج، وأبيه هشام، وعنه: أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، صدوق ربما وهم، مات سنة ٢٠٠ هـ. [تهذيب الكمال: ٢٨/ ١٣٩، التقريب: ٩٥٢].\n(^٦) هشام بن أبي عبدالله واسمه سنبر الدستوائي، أبو بكر البصري، عن: أيوب السختياني، وقتادة، وعنه: ابنه معاذ، وعلي بن نصر، ثقة ثبت، وقد رمي بالقدر، مات سنة ١٤٥ هـ.\n\n[تهذيب الكمال: ٣٠/ ٢١٥، التقريب: ١٠٢٢].","vol":"1","page":765},{"text":"عن قتادة (^١) قال: نا أبو حسان (^٢) عن الأسود بن يزيد الكوفي (^٣) أن معاذ بن جبل - وهو على اليمن - ورث الابنة النصف، والأخت النصف الباقي، ورسول الله - ﷺ - يومئذ ... حي (^٤).\nقال الله ﷿: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ (^٥) وقال: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (^٦) الآية.\n_________\n(^١) قتادة بن دعامة السدوسي ثقة ثبت، تقدم.\n(^٢) أبو حسان الأعرج، ويقال: الأحرد، الصري مشهور بكنيته، واسمه مسلم بن عبد الله، عن: الأسود بن يزيد، وابن عباس، وعنه: قتادة بن دعامة، وعاصم الأحول، صدوق رمي برأي الخوارج.\n[تهذيب الكمال: ٣٣/ ٢٤٢، التقريب: ١١٣٣].\n(^٣) في الأصل: الأسود بن زيد والصواب ما أثبت، وهو الأسود بن يزيد النخعي الكوفي ثقة مكثر، تقدم.\n(^٤) رواه البخاري في صحيحه: ٦/ ٢٤٧٩ كتاب الفرائض باب ميراث الأخوات مع البنات عصبة من طريق الأسود، دون لفظ ورسول الله - ﷺ - يومئذ حي، وأبوداود في سننه: ٣/ ١٢١ باب ما جاء في ميراث الصلب كتاب الفرائض من طريق قتادة، والدارمي في سننه: ٢/ ٤٤٥ باب في بنت وأخت كتاب الفرائض من طريق الأسود، وعبد الرزاق في مصنفه: ١٠/ ٢٥٥ من طريق الأسود، وسعيد بن منصور في سننه تحقيق الأعظمي: ... ١/ ٤٢ من طريق الأسود، والدارقطني في سننه: ٤/ ٨٣ كتاب الفرائض حديث: ٥٠ من طريق معاذ بن هشام، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٣٣ باب الأخوات مع البنات عصبة كتاب الفرائض من طريق الأسود.\n(^٥) [سورة النساء: الآية ١٢]\n(^٦) [سورة النساء: الآية ١٧٦]","vol":"1","page":766},{"text":"قال (^١): وقال مالك - ﵁ -: الأمر المجتمع عليه عندنا والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا: أن الكلالة على وجهين، فأما الذي قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ (^٢) فهذه الكلالة التي لا ترث مع ولد ولا ولد ولد، ولا مع أب ولا جد أبي أب (^٣).\nوأما قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٤) فهذه الكلالة التي يكون الإخوة فيها عصبة، إذا لم يكن ولد فيرثون مع الجد في الكلالة (^٥).\n_________\n(^١) لعل القائل المؤلف، أو أحد الرواة عن مالك.\n(^٢) [سورة النساء: الآية ١٢]\n(^٣) في الموطأ: ٢/ ٤٠٩ قال مالك: فهذه الكلالة التي لا يرث فيها الإخوة للأم حتى لا يكون ولد ولا والد.\n(^٤) [سورة النساء: الآية ١٧٦]\n(^٥) الموطأ: ٢/ ٤٠٩ كتاب الفرائض. قال ابن عبد البر: قال مالك: فهذه الكلالة التي تكون فيها الإخوة عصبة إذا لم يكن ولد فيرثون مع الجد في الكلالة.\nقال أبو عمر: هكذا قال مالك هنا إذا لم يكن ولد فيرثون مع الجد ولم يقل: ولد ولا والد، وكان الوجه أن يقول: إذا لم يكن ولد ولا والد فيرثون مع الجد؛ لأنه وغيره وكل من تكلم في الفرائض من الصحابة والتابعين وسائر علماء المسلمين لا يختلفون في أنه لا يرث أخ من أي وجه كان مع الوالد كما لا يرثون مع الابن وهذا أصل مجتمع عليه. وإنما اختلفوا في ميراث الإخوة مع الجد لا مع الأب على حسب ما قد أوضحناه في باب ميراث الجد. ...\nوقد قال مالك في باب ميراث الإخوة للأب والأم من موطئه: إنهم لا يرثون مع الابن ولا مع ولد الابن شيئًا ولا مع الأب دينًا شيئًا.\n\nوبهذا استغنى والله أعلم أن يذكر الوالد هنا لأنه كان عنده أنه أمر لا يشكل على أحد، لاتفاق العلماء على أن الإخوة للأب والأم لا يرثون إلا من يورث كلالة، ولا يورث كلالة إلا من لا ولد له ولا والد، ألا ترى إلى ما ذكرنا من إجماع السلف أن الكلالة: من لا ولد له ولا والد. [الاستذكار: ١٥/ ٤٦٣].","vol":"1","page":767},{"text":"وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى الكلالة: كل من لم يرثه (^١) أب أو ابن أو أخ هو عصبة، فهو عند العرب كلالة، يُورَثُ كلالة مصدر من تكلله النسب، أي: تعطف النسب عليه، ومن قال: يُورِثُ كلالة فهم الرجال الورثة، أي: يعطف النسب * عليه (^٢). ويشبه أن تكون اللغة تحتمل هذا كله (^٣).\n_________\n(^١) في الأصل: يرث، والتصويب من المجاز.\n* لوحة: ٨٠/أ.\n(^٢) مجاز القرآن: ١/ ١١٨، ١١٩.\n(^٣) الكلالة: إما أن يراد بها الميت الذي لا ولد له ولا والد، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ فالكلالة اسم للميت، والكلالة حاله وصفته ولذلك انتصب قوله: ﴿كَلَالَةً﴾، ويشهد له ما فسرها به حمهور الصحابة من أن الكلالة: من لا ولد له ولا والد.\nوإما أن يراد بها: الورثة الذين لا والد فيهم ولا ولد، ويشهد له حديث جابر: إنما يرثني كلالة فكيف الميراث؟ - وقد سبق تخريجه ص: ٤٥٨ -، واحتجوا أيضًا بقراءة من قرأ: (يورِث) بكسر الراء.\n[مجاز القرآن: ١/ ١١٨، تفسير الطبري: ٤/ ٢٨٣، معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٢٥، معاني القرآن للنحاس: ... ٢/ ٣٤، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ١٢٥، التهذيب في الفرائض: ١٩٦، المحرر الو جيز: ٤/ ٤٢].","vol":"1","page":768},{"text":"فأريد بالآية التي في أول سورة النساء: مَن لا أب له ولا جد، وأريد بالآية التي في آخر السورة: مَن لا ولد له. وإنما أوجب قول من قال في الكلالة في أول سورة النساء: أنه من لا ولد له ولا والد أن الجد في هذا الموضع يمنع الإخوة من الأم، كما يمنعهم الأب، ولم يوجب هذا أن الجد يقوم مقام الأب مع الإخوة من الأب؛ لأن البنت قد منعت الإخوة من الأم، كما منعهم الأب والجد، ولم يقم مقام الأب مع الإخوة من الأب، وقد يقوم الوارث مقام الوارث في منع بعض الوارثين، ولا يقوم مقامه في منع كل من يمنعه الآخر، فمن ذلك: أن البنت تقوم مقام الابن في منع الزوج من النصف، والزوجة الربع، ولا تقوم مقام الابن في منع الإخوة من الأب، فكذلك منع الجد الإخوة من الأم ميراثهم، ولم يمنع الإخوة من الأب، والجد يسمى والد كما تسمى الجدة والدة، ويقال الجد والجدة أبوان، قال الله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ (^١) والعم قد يسمى أب، قال الله ﵎: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ (^٢) فذلك يسمى الجد في الجملة أبًا، وفي الخصوص يسمى جد، إلا أنه أولى به، وإنما نزل القرآن في الميراث بالاسم الأخص، ولم يختلف الناس أنهما الأبوان الأدنيان (^٣).\n_________\n(^١) [سورة الأعراف: الآية ٢٧]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٣٣]\n(^٣) لم يختلف أهل العلم في إسقاط الجد للإخوة لأم، وإنما وقع الاختلاف في إسقاط الجد للإخوة الأشقاء، والإخوة لأب، فروي عن أبي بكر، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وابن عباس، وعائشة، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وجمع من الصحابة والتابعين: أنهم جعلوا الجد أبًا وأسقطوا به جميع الإخوة والأخوات، وبه قال: أبو حنيفة، والمزني، وابن شريح، وابن اللبان، وداود، وابن المنذر.\n\nوروي عن: علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت: أنهم ورثوا الإخوة مع الجد، ولا يحجبونهم به، وبه قال: مالك، والأوزاعي، وأحمد، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد.\n[مختصر المزني: ١٤٢، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ١٣٠، المحلى: ٩/ ٢٨٢، الاستذكار: ١٥/ ٤٣٤، التهذيب في الفرائض: ٩٥، المغني: ٩/ ٦٥].\n* لوحة: ٨٠/ب.","vol":"1","page":769},{"text":"قال القاضي - ﵀ -: ويستقصى هذا إن شاء الله في كتاب الفرائض إن شاء الله. وقول النبي - ﷺ - في ذلك لعمر وللبراء وقد سألاه *: تكفيك آية الضيف (^١). يعني الآية التي نزلت في الضيف، ونبين ذلك بمشيئة الله على أوكد (^٢) ما نقدر عليه، والله موفق برحمته.\nقال الله ﵎: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (^٣) الآيتين (^٤).\nلم يختلف الناس في فريضة الزوج والزوجة من النصف والربع، والربع والثمن (^٥)،\n_________\n(^١) روى قول النبي - ﷺ - لعمر: مسلم في صحيحه: ١/ ٣٩٦ كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث: ٧٨، ... و٣/ ١٢٣٦ كتاب الفرائض حديث: ٩.\nولم أقف على سؤال البراء لرسول الله - ﷺ - عن الكلالة، والذي وقفت عليه من طريق البراء أنه قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله يستفتونك في الكلالة ما الكلالة؟ قال: تجزيك آية الصيف.\nرواه أبوداود في سننه: ٣/ ١٢٠ باب من كان ليس له ولد وله أخوات كتاب الفرائض، والترمذي في سننه باب من سورة النساء من أبواب التفسير: ٨/ ٤٠٦، وأحمد في مسنده: ٤/ ٢٩٣، ٢٩٥، ٣٠١، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٤٤ باب حجب الإخوة والأخوات من كانوا بالأب والابن وابن الابن كتاب الفرائض.\nفالسائل ليس البراء، وإنما هو راوي لسؤال السائل عن الكلالة.\n(^٢) في الأصل: ما أوكد، ولعل الصواب ما أثبت.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ١٢]\n(^٤) كذا في الأصل، مع أن المؤلف لم يذكر إلا تفسير هذه الآية.\n(^٥) الإجماع لابن المنذر: ٩٢، المغني: ٩/ ٢١، تفسير القرطبي: ٥/ ٧٥.","vol":"1","page":770},{"text":"إلا ما يروى عن ابن عباس - ﵁ - في ترك العول، فإنه يعطيهم بغير عول (^١)، والناس كلهم من الصحابة والتابعين عولوا، وأعطوهم على العول، وبذلك نقول (^٢). وكان ابن عباس - ﵁ - يقول في زوج وأم وأخت: للزوج النصف، وللأم الثلث، وللأخت ما بقي، وقال: إن الذي أحصى رمل عالج (^٣) عددًا لم يجعل في مال نصفًا ونصفًا وثلثًا، وكان يقول: من رأيته يزول من فرض إلى فرض قدمته على من يزول من فرض إلى غير فرض، فلا يعطى في بعض الأحوال شيئًا (^٤).\n_________\n(^١) العول ليس خاصًا بمسألة فرض الزوج والزوجة، بل الخلاف فيه ينطبق على جميع الفرائض، قال ابن عطية: ويلحق العول فرض الزوج والزوجة كما يلحق سائر الفرائض إلا عند ابن عباس فإنه قال: يعطيان فرضهما بغير عول. ... [المحرر الوجيز: ٤/ ٤٠].\n(^٢) سبق بيان معنى عول الفرائض عند تفسير قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣].\nوممن روي عنه أنه أعال المسائل: عمر، وعلي، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، والعباس، وهو قول عامة الصحابة، وبه قال مالك، والثوري، وأهل العراق، والشافعي وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، ونعيم بن حماد، وأبو ثور. [أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ١٣١، الرسالة لابن أبي زيد: ١٠٦، المحلى: ٩/ ٢٦٣، التهذيب في الفرائض: ١٩٨، المغني: ٩/ ٢٨، روضة الطالبين: ٦/ ٦٣].\n(^٣) عالج بالجيم المعجمة، وهو الذي ينسب إليه رمل عالج، في ديار كلب، ورمل عالج يصل إلى الدهناء، والدهناء فيما بين اليمامة في نجد والبصرة، وينقطع طرفه من دون تيماء، وأكثر أهله من طيء وغطفان.\n[معجم ما استعجم: ٣/ ٩١٣، معجم البلدان: ٤/ ٧٠].\n(^٤) يريد أن الذي يقدم هو من انتقل من فرض إلى فرض، أما من انتقل من فرض إلى ما بقي، أو إلى لا شيء فإن النقص يدخل عليه. ... [المغني: ٩/ ٢٩].\n\nروى هذا الأثر عن ابن عباس، وتركه للعول: عبد الرزاق في مصنفه: ١٠/ ٢٥٤، وسعيد بن منصور في سننه تحقيق الأعظمي: ١/ ٤٤، وابن حزم في المحلى: ٩/ ٢٦٤ من طريق القاضي إسماعيل، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٥٣ باب العول في الفرائض كتاب الفرائض.\nوممن نقل عنه هذا القول: محمد بن الحنفية، وسعيد بن المسيب، وعطاء، ومحمد بن علي بن أبي طالب، وداود وأهل الظاهر. [المحلى: ٩/ ٢٦٤، التهذيب في الفرائض: ١٩٨، المغني: ٩/ ٢٨].","vol":"1","page":771},{"text":"وأما الناس جميعًا فأنكروا ذلك، وقالوا: رأينا كل واحد منهم له فرض مسمى فليس يجب أن يزيله عن فريضته إلا من يحجبه عنها، وليس يجب أن يزال عن فريضته؛ لأن فريضته تسقط في موضع آخر؛ لأن كل موضع حكمه على جهته، فلما اجتمع الزوج والأخت والأم وقد يسمى لكل واحد منهم فريضة، ولم يشترط تبدئة بعضهم على بعض، ولا أن بعضهم يحجب بعضًا، كان أولى الأمور أن يتحاصوا (^١)، كما لو أوصى رجل لرجل بنصف ماله، ولآخر بنصف ماله، ولآخر بثلث ماله، ولم تجز الورثة، تحاصوا فكان المال * بينهم على ثمانية أسهم، وهذا مما لا يختلف الفقهاء فيه، فعلى ذلك تكون الفريضة بينهم (^٢).\nقال الله ﵎: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) يتحاصوا أي: يتقاسموا، يقال: تحاصّ القوم تحاصًا: اقتسموا حصصهم. [لسان العرب: ٧/ ١٤].\n* لوحة: ٨١/أ.\n(^٢) انظر الاحتجاج لهذا القول والرد على رأي ابن عباس: أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ١٣٢، التهذيب في الفرائض: ٢٠٢، المغني: ٩/ ٢٩.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ١٢]","vol":"1","page":772},{"text":"بدأ الله بذكر الوصية قبل الدين لفظًا، واللفظ لا يوجب التبدئة، وإنما يوجب الكلام إخراج الوصية والدين، فكانت البغية الأمر بإخراجهما ووضعهما في مواضعهما؛ لأن قوله من بعد كذا وكذا يريد ﷿: أن ما بعد هذين الصنفين موروث، قال الله ﵎: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (^١) أي: لا تطع أحدًا من هذين الصنفين، وقد يقول الرجل مررت بفلان وفلان ويكون الثاني هو المبتدأ به، كما يجوز أن يكون الأول، وهذا اللفظ لا يقتضي التبدئة، وإنما يقتضي الأفعال، قال الله ﵎: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (^٢)، فعلم أنها أمرت بذلك كله، ولم تؤمر بالتبدئة؛ لأن عليًا (^٣) - رضوان الله عليه -[روي] (^٤) أنه قال: تقرؤون الوصية قبل الدين، وقد قضى محمد - ﷺ - أن الدين قبل الوصية، وأن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات. رواه سفيان (^٥) عن أبي إسحاق (^٦) عن الحارث (^٧) عن علي (^٨).\n_________\n(^١) [سورة الإنسان: الآية ٢٤]\n(^٢) [سورة آل عمران: الآية ٤٣]\n(^٣) في الأصل: علي، والصواب ما أثبت.\n(^٤) هذه الكلمة ليست في الأصل، وأضفتها لتمام المعنى.\n(^٥) سفيان الثوري، ثقة حافظ إمام حجة ربما دلس، تقدم.\n(^٦) أبو إسحاق السبيعي ثقة مكثر عابد اختلط بآخره، تقدم.\n(^٧) الحارث بن عبد الله الأعور كذبه الشعبي في رأيه وفي حديثه ضعف، تقدم.\n(^٨) سبق تخريجه ص: ٤٦٦.","vol":"1","page":773},{"text":"وليس توجب الآية عندنا إلا تبدئة الدين وحده؛ إذ لا ميراث حتى يقضى الدين، ثم تكون الوصية مشاركة للوارثين غير مبدأة عليهم ولا مبدين عليها، يتخاصون المال بينهم، وهذا ما لا اختلاف فيه بين الناس، وبقيت القسمة بين الميت وورثته (^١).\n_________\n(^١) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٨٠، معاني القرآن للنحاس: ٢/ ٣٢، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ١٣٨، تفسير القرطبي: ٥/ ٧٣، تفسير ابن كثير: ١/ ٤٥٩.","vol":"1","page":774},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله عزمن قائل: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (^١) *.\nروى الحسن (^٢) عن حِطّان (^٣) عن عبادة بن الصامت (^٤) أن النبي - ﷺ - لما نزل السبيل ... وقال (^٥): خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا، الثيب بالثيب جلد مائة والرجم، والبكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة (^٦).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ١٥]\n* لوحة: ٨١/ب.\n(^٢) الحسن البصري ثقة فقيه، تقدم.\n(^٣) حِطّان بن عبد الله الرقاشي البصري، عن: عبادة بن الصامت، وعلي بن أبي طالب، وعنه: الحسن البصري، وأبو مجلز، ثقة. ... [تهذيب الكمال: ٦/ ٥٦١، التقريب: ٢٥٦].\n(^٤) عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي، أبو الوليد المدني، أحد النقباء بالعقبة بدري مشهور، شهد المشاهد كلها بعد بدر، روى عن النبي - ﷺ - كثيرًا، قيل: إنه أول قاض بفلسطين، مات بالرملة سنة ٣٤ هـ، وقيل: عاش إلى خلافة معاوية، وقيل: إنه عاش إلى سنة ٤٥ هـ.\n[الاستيعاب: ٢/ ٤٤٩، الإصابة: ٢/ ٢٦٩].\n(^٥) كذا في الأصل: لما نزل السبيل وقال. ولم أقف عليه بهذا اللفظ.\n(^٦) روى مسلم في صحيحه: ٣/ ١٣١٦ كتاب الحدود حديث: ١٢ - ١٤ عن: الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت قال: كان نبي الله - ﷺ - إذا أنزل عليه كُرِبَ لذلك وتربد له وجهه، قال: فأنزل عليه ذات يوم فلقي كذلك، فلما سُرِّىَ عنه قال: خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة ثم رجم بالحجارة، والبكر جلد مائة ثم نفي سنة. وفي رواية اخرى عن مسلم: خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم.","vol":"1","page":775},{"text":"قال القاضي - ﵀ -: وهذا الحديث ليس عليه العمل (^١)، ونحن نذكر الحجة في\nذلك في سورة النور إن شاء الله (^٢).\nقال الله ﷿: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ (^٣).\nهذه الآية منسوخة، وذلك كان في صدر الإسلام، كان الزانيان يجبهان (^٤)،\n_________\n(^١) قال القاضي عياض: ولم يختلف علماء الأمصار في جلد الزاني البكر ورجم الزاني الثيب إلا ما ذهب إليه الخوارج وبعض المعتزلة - النظام وأصحابه - من إبطال حكم الرجم، وقال بظاهر هذا الحديث من جمع الجلد والرجم جماعة منهم: الحسن البصري، وإسحاق بن راهويه، وداود، وأهل الظاهر، وروي عن علي بن أبي طالب - ﵁ - وجمهور العلماء وكافتهم على الرجم وحده، وشذت فرقة من أهل الحديث فقالت: إنما يجمع الجلد والرجم على الشيخ الثيب دون الشاب، ولا أصل لهذا القول، وحجة الجمهور: أن النبي - ﷺ - حكم في المرأة وفي ماعز وغيرهما بالرجم دون الجلد، فقضى حكمه على قوله، وجعل ناسخًا له. [إكمال المعلم: ٥/ ٥٠٤].\nوانظر في هذه المسألة: أحكام القرآن للجصاص: ٣/ ٣٧٧، المغني: ١٢/ ٣١٣، تفسير القرطبي: ٥/ ٨٧، تفسير ابن كثير: ١/ ٤٦٢.\n(^٢) عند تفسير قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].\n(^٣) [سورة النساء: الآية ١٦]\n(^٤) يحتمل أن يكون معنى يجبهان: استقبالهما بما يكرهان وبما فيه غلظة من الكلام، يقال: جبهت فلانًا إذا استقبلته بكلام فيه غلظة، وجبهته بالمكروه إذا استقبلته به، وأصله من إصابة الجبهة. ويحتمل أن يكون ضد معنى التجبية، فإذا حمل اثنان على دابة وقوبل بين وجوههما سمي ذلك الفعل تجبيهًا.\n\n[النهاية في غريب الحديث: ١/ ٢٣٧، لسان العرب: ١٣/ ٤٨٣].","vol":"1","page":776},{"text":"ويحممان (^١)، ويشهران (^٢)، فنسخت هذه الآية بقوله ﷿: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (^٣)، قال ابن عمر في القصة التي رواها بطولها في رجم اليهوديين: وكان الحد فينا التجبية (^٤) والتحميم (^٥).\n_________\n(^١) يحممان: أي تسود وجوههما، مأخوذ من الحُممة: الفحمة، يقال: حمم الرجل: سخم وجهه بالحُمم وهو الفحم. ... [النهاية في غريب الحديث: ١/ ٤٤٤، لسان العرب: ١٢/ ١٥٧].\n(^٢) يشهران أي: يفضحان. ... [لسان العرب: ٤/ ٤٣٢].\n(^٣) [سورة النساء: الآية ١٥]\n(^٤) أصل التجبية: أن يحمل اثنان على دابة ويجعل قفا أحدهما إلى قفا الاخر.\n[النهاية في غريب الحديث: ١/ ٢٣٧، لسان العرب: ١٣/ ٤٨٣].\n(^٥) روى قصة رجم اليهوديين البخاري في صحيحه: ٣/ ١٣٣٠ باب قوله: يعرفونه كما يعرفون أبناءهم من كتاب المناقب، و٤/ ١٦٦٠ التفسير سورة آل عمران، و٦/ ٢٤٩٩ باب الرجم في البلاط كتاب المحاربين، ... و٦/ ٢٥١٠ باب أحكام أهل الذمة وإحصانهم إذا زنوا ورفعوا إلى الإمام كتاب المحاربين، و٦/ ٢٧٤٢ باب ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها من كتب الله بالعربية وغيرها كتاب التوحيد، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٣٢٦ كتاب الحدود حديث: ٢٦، ٢٧. وقد رواه غيرهما.\nولم أقف على قول ابن عمر هذا في أي رواية من روايات هذا الحديث مما في الصحيحين وغيرهما، وقد ذكرها القاضي عياض نقلًا عن القاضي إسماعيل حيث قال القاضي عياض: وقال إسماعيل القاضي: كان الزانيان أول الإسلام يجبهان ويحممان ويشهران، فنسخت بقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ الآية، وعن ابن عمر نحوه. قال: ثم نسخ ذلك بالرجم والجلد. [إكمال المعلم: ٥/ ٥٠٤].","vol":"1","page":777},{"text":"ثم نسخت الآية الأخرى بالرجم والجلد (^١).\n_________\n(^١) ماذكره القاضي إسماعيل هنا: من أن هذا هو حكم الزانيين في صدر الإسلام ثم نسخ بآية الحبس، ثم نسخ بالرجم والجلد، لم أقف على من ذكره من أهل العلم غيره وغير ما ذكره عن ابن عمر، بل المشهور أن آية الحبس نسخت بآية الأذى ثم نسخ حكم الآيتين جميعًا، وليس العكس.\nوعلى كل فجمهور العلماء على أن هاتين الآيتين منسوختان، بل قد نقل الإجماع على ذلك بعض أهل العلم: كالجصاص، وابن عطية، وابن الجوزي، وابن كثير.\nوممن ذهب إلى القول بنسخهما: الشافعي، وأبو عبيد، وابن حزم، والسيوطي، والزرقاني، وغيرهم.\nوقد وقع الاختلاف بين القائلين بنسخ هاتين الآيتين في مسألتين هما: ما الناسخ لهما؟ فمن قائل: حديث عبادة، ومن قائل: آية سورة النور، ومن قائل: الآية والحديث معًا.\nوأما المسألة الثانية فهي: المراد بالآية الأولى والمراد بالآية الثانية، فذهب البعض: إلى أن الآيتين في الزاني والزانية ثيبان كانا أو بكران، وذهب البعض: إلى أن الآية الأولى في حكم الزاني والزانية الثيبين، والثانية في حكم البكرين، وهذا ما رجحه ابن جرير، وذهب البعض: إلى أن الأولى عامة فيمن زنت من ثيب أو بكر، والثانية عامة فيمن زنى من الرجال ثيبًا كان أو بكرًا، وهذا ما اختاره النحاس.\nوقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن ما جاء من رجم الزاني والزانية الثيبين، وجلد الزاني والزانية البكرين لا يعد نسخًا، وإنما هو بيان لذلك السبيل الوارد في الآية، حيث جعل الله لذلك الحكم غاية إلى وقت معلوم.\nوممن ذهب إلى هذا: ابن العربي، وابن قدامة، وابن تيمية، والسعدي.\n\nوقد اعترض على هذا بما ذكره ابن حزم بقوله: إن كل نسخ في الدنيا فهذه صفته، إنما هو مقيد عند الله بوقت محدود في علمه تعالى، ولا فرق بين أن يبدي إلينا ربنا تعالى أنه سينسخ ما يأمرنا به بعد مدة وبين ألا يبدي إلينا ذلك حتى ينسخه، وكل ذلك نسخ، ولا فرق بين معجل النسخ ومؤجله في أن كل ذلك نسخ.\n[انظر: الرسالة للشافعي: ١٢٨، الناسخ لأبي عبيد: ١٣٢، تفسير الطبري: ٤/ ٢٩١، الناسخ للنحاس: ... ٢/ ١٦٢، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ١٥١، الإيضاح: ٢١٣، الإحكام لابن حزم: ٤/ ٥٠٩، ٥٢٢، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٤٥٧، المحرر الوجيز: ٤/ ٤٨، نواسخ القرآن لابن الحوزي: ٣١٨ / روضة الناظر لابن قدامة: ١/ ٣٢٥، مجموع فتاوى ابن تيمية: ٢٠/ ٣٩٨، الإتقان للسيوطي: ٢/ ٦٤، مناهل العرفان للزرقاني: ٢/ ٥٢٣، تيسير الكريم الرحمن للسعدي: ١٣٦].","vol":"1","page":778},{"text":"قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ (^١) إلى قوله: ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (^٢).\nكل من عصى الله فهو جاهل بحق الله عليه (^٣)، فإن كان عامدًا فالتوبة، والإقلاع، والندم، وترك العودة يوجب له فيما تفضل الله به من الوعد لقبول توبته، وإذا كان مخطئًا فالندم يكفيه، ومعنى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ (^٤) هو قبل الغرغرة، قبل معاينة الملائكة (^٥)،\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ١٧]\n(^٢) [سورة النساء: الآية ١٨]\n(^٣) يروى عن قتادة أنه قال: اجتمع اصحاب رسول الله - ﷺ - فرأوا أن كل شيء عصي الله به فهو جهالة عمدًا كان أو غير ذلك.\nويروى نحو هذا عن: ابن عباس، ومجاهد، والسدي، وعطاء بن أبي رباح، وابن زيد.\nتفسير عبد الرزاق: ١/ ١٥١، تفسير الطبري: ٤/ ٢٩٨، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٨٩٧.\n(^٤) [سورة النساء: الآية ١٧]\n(^٥) روي هذين المعنيين ونحوهما عن جمع من الصحابة والتابعين. انظر المراجع السابقة، وسنن سعيد بن منصور: ٣/ ١١٩٨.\n\n* لوحة: ٨٢/أ.","vol":"1","page":779},{"text":"وليس على الله عز وعلا شيء واجب، وإنما أوجب القبول تفضلًا ورحمة لعباده، فكل من تاب قبل المعاينة قبلت توبته، ومن تاب بعد المعاينة * ضرب بتوبته وجهه، ألا تراه جل وعز قال: ﴿الْآنَ﴾ (^١) يريد: بعد أن صرت من أهل الآخرة، وخرجت من حدود الدنيا، وعاينت ما قدمت، فحينئذ لا تقبل التوبة، قال الله ﷿: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ (^٢) وحضور الموت: المعاينة التي يعلم بها المعاين أنه لا حياة بعدها، ألا تراه قال في قصة فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (^٣)، قال له الملك: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ (^٤).\n\nقال النبي - ﷺ -: من تاب قبل أن يغرغر (^٥)\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ١٨]\n(^٢) [سورة النساء: الآية ١٨]\n(^٣) [سورة يونس: الآية ٩٠]\n(^٤) [سورة يونس: الآية ٩١]\n(^٥) قبل أن يغرغر: أي ما لم تبلغ روحه حلقومه، فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به المريض، والغرغرة أن يجعل المشروب في الفم ويردد إلى أصل الحلق ولا يبلع.\n[النهاية: ٣/ ٣٦٠، لسان العرب: ٥/ ٢١].","vol":"1","page":780},{"text":"قَبِلَ الله توبته (^١).\nقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (^٢).\nهذا شئ كان في صدر الإسلام يفعلونه على ما كانوا عليه قبل الإسلام، كان الرجل إذا مات وخلّف زوجة ورثها ابنه، كما يرث ماله إذا كان الابن من غيرها، فإن لم يكن له ابن فوليه، ومن يرث ماله أولى بها، فإن زوّجته وإلا حبسها عن الأزواج حتى تموت فيرثها، فحرم الله ذلك عليهم ومنعهم من ذلك (^٣).\nقال الله ﷿: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) روى الترمذي في سننه باب ما جاء في فضل التوبة والاستغفار من أبواب الدعوات عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر. وقال: هذا حديث حسن غريب تحفة الأحوذي: ٩/ ٥٢١، وابن ماجة في سننه: ٢/ ٤٣٨ باب ذكر التوبة من أبواب الزهد،، وأحمد في مسنده: ٢/ ١٣٢، ١٥٣، وابن حبان في صحيحه: ٢/ ٣٩٥، والحاكم في المستدرك: ٤/ ٢٨٦ كتاب التوبة والإنابة وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\n(^٢) [سورة النساء: الآية ١٩]\n(^٣) يروى نحو هذا عن: ابن عباس، وعكرمة، والحسن البصري، وأبي مجلز، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، والسدي، والضحاك، وابن زيد، وغيرهم.\nالبخاري في صحيحه: ٤/ ١٦٧٠ التفسير سورة النساء، أبوداود في سننه: ٢/ ٢٣٠ كتاب النكاح باب قوله تعالى: لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا، وابن جرير في تفسيره: ٤/ ٣٠٥، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٩٠٢، والبيهقي في سننه: ٧/ ١٣٨ باب ما جاء في تفسير العضل الآخر الذي نهى الله عنه كتاب النكاح.\n(^٤) [سورة النساء: الآية ١٩]","vol":"1","page":781},{"text":"قال قوم من المفسرين: الفاحشة: الزنا (^١)، وقال آخرون: النشوز (^٢)، وقال بعضهم: أن تفحش عليك (^٣). والله أعلم بما أراد من ذلك (^٤)، إلا أن ذكر العضل يوجب والله أعلم أن يكون نهى * أن يفعل بها فعلًا يحملها به على أن يأخذ منها بعض ما أتاها، فنهوا عن ذلك، وإنما يجوز له إذا كان منها الإساءة والكراهة فافتدت منه، حل له ما يأخذ منها ما لم يكن الظلم من قبله.\nقال القاضي - ﵀ -: وقد ذكرنا من هذا في سورة البقرة ما فيه كفاية، وبالله التوفيق (^٥).\n_________\n(^١) هذا يروى عن: ابن عباس، والحسن، وعطاء الخراساني، وأبي قلابة، والسدي، وأبي الشعثاء وغيرهم.\nتفسير عبد الرزاق: ١/ ١٥٢، مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٥٢٩ كتاب النكاح في الرجل يتزوج المرأة فيفجر قبل أن يدخل بها، و٤/ ١٢٠ كتاب الطلاق ما قالوا في الرجل متى يطيب له أن يخلع امرأته، وتفسير الطبري: ٤/ ٣١٠، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٩٠٤.\n(^٢) يروى هذا عن: ابن عباس، والضحاك، وقتادة. المراجع السابقة، وأحكام القرآن للقاضي إسماعيل بن إسحاق: الورقة: ٨/أ (ضمن قطعة مخطوطة من كتابه فيها شيء من تفسير سورة النساء).\n(^٣) روى ابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٩٠٤ عن ابن عباس: أن تفحش المرأة على أهل الرجل وتؤذيهم، وقال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي بن كعب وأحد قولي عكرمة نحوذلك، والبهقي في سننه: ٧/ ٤٣٢ باب ما جاء في قول الله ﷿: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة كتاب العدد.\n(^٤) الظاهر أن الاية تعم ذلك كله، وهذا ما رجحه ابن جرير في تفسيره: ٤/ ٣١١، وابن الجوزي في زاد المسير: ٢/ ٤٢، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٤٦٦.\n* لوحة: ٨٢/ب.\n(^٥) انظر ما سبق في تفسير قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩]","vol":"1","page":782},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^١) إلى قوله عز من قائل: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (^٢).\nأمر الله ﷿ بمعاشرتهن بالمعروف، فقال ﷿: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ (^٣) يريد استبدال زوج مكان زوج أن يطلق هذه ويتزوج غيرها، فقد يحتمل قوله معنيين: أن يجعل الله تعالى في الكراهية خيرًا من الصبر على هذه (^٤)، ويحتمل أن يكون في ... الاستبدال (^٥)، فإذا استبدل فليس له أن يأخذ مما أتاها شيئًا إذ كانت الكراهية من قبله، قال الله ﷿: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (^٦) فحرم الله ﵎ ما يأخذه منها وإن كانت قد أتاها قنطارًا إذا كان العداء من قبله. والإفضاء: الدخول بها والجماع (^٧)، فقد استحقت بذلك ما أعطاها وإن كان قنطارًا.\nوقد اختلف الناس في القنطار، فقالوا: ثمانين ألفًا من ورق (^٨)،\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ١٩]\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٢٠]\n(^٣) [سورة النساء: الآية ١٩]\n(^٤) كذا في الأصل، ولعل الصواب: أن يجعل الله تعالى في الكراهية خيرًا مع الصبر على هذه.\nقال ابن كثير في تفسيره: ١/ ٤٦٦: فعسى ان يكون صبركم في إمساكهن مع الكراهية فيه خير كثير لكم في الدنيا والآخرة.\n(^٥) أي: فإن كرهت امرأتك وأعجبك غيرها فطلقت هذه وتزوجت تلك فعسى الله أن يجعل في ذلك الاستبدال خيرًا كثيرًا.\n(^٦) [سورة النساء: الآية ٢١]\n(^٧) تفسير الطبري: ٤/ ٣١٤، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٩٠٨، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ١٥٩، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٤٧٣.\n(^٨) الورق: بكسر الراء الفضة. [النهاية في غريب الحديث: ٥/ ١٧٤].\nوهذا يروى عن: قتادة، وسعيد بن المسيب.\n\n[تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٢٣، تفسير الطبري: ٣/ ٢٠٠، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٩٠٦، سنن البيهقي: ٧/ ٢٣٣ باب لا وقت في الصداق كثر أوقل كتاب النكاح].","vol":"1","page":783},{"text":"وقالوا: سبعين ألف\nدينار (^١)، وقالوا: اثني عشر ألف أوقية (^٢)، وغير ذلك (^٣)، والله أعلم بما أراد.\n_________\n(^١) هذا يروى عن: ابن عمر، وعطاء الخرساني.\n[سنن الدارمي: ٢/ ٥٥٩ باب كم يكون القنطار كتاب فضائل القرآن، تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٢٣، سنن سعيد بن منصور: ٣/ ١٢٠٦، تفسير الطبري: ٣/ ٢٠١، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٩٠٧، سنن البيهقي: ... ٧/ ٢٣٣ الموضع السابق].\n(^٢) الأوقية: بضم الهمزة وتشديد الياء اسم لأربعين درهمًا. [النهاية في غريب الحديث: ٥/ ٢١٦].\nروى ابن ماجة في سننه: ٢/ ٣٠٨ باب بر الوالدين من أبواب الأدب عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: القنطار اثنا عشر ألف أوقية كل أوقية خير مما بين السماء والأرض.،احمد في مسنده: ٢/ ٣٦٣، وابن حبان في صحيحه: ٦/ ٣١١.\nوقد روي موقوفًا على أبي هريرة، فقد ذكر ابن كثير في تفسيره: ١/ ٣٥١: أن وكيع ذكره في تفسيره موقوفًا على أبي هريرة، قال ابن كثير: وهو أصح.\n(^٣) قيل: ألف دينار، وقيل: أربعون ألف، وقيل: ستون ألف، وقيل: إن المال الكثير، وقيل غير ذلك.\nانظر المراجع السابقة، وتفسير البغوي: ٢/ ١٥، وتفسير ابن كثير: ١/ ٣٥١.\nولعل الأقرب للصواب: أنه المال الكثير دون تحديد لمقداره، وهذا ما رجحه ابن جرير في تفسيره: ٣/ ٢٠١، والقرطبي في تفسيره: ٤/ ٣١.\nقال أبو عبيدة: القناطير واحدها قنطار، تقول العرب وهو: قدر وزن لا يحدونه. مجاز القرآن: ١/ ٨٨.\nوقال النحاس: القنطار في كلام العرب الشيء الكثير. معاني القرآن: ١/ ٣٦٧.","vol":"1","page":784},{"text":"قال الله ﷿: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (^١) *.\nلا اختلاف بين المسلمين أن العقد يُحَرِّمُ على الآباء والأبناء دون الغشيان، حرَّم الله على الأبناء ما عقد عليه الآباء، وحرم على الآباء ما عقد عليه الأبناء، أيهما ملك العقدة فقد حَرُمت على الآخر (^٢).\nوأما قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (^٣) يريد الذي كان قبل نزول التحريم مما قد انقطعت العصمة فيه، وما بقي فيه عصمة فقد ألزمتهم الآية المفارقة والإقلاع (^٤).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٢٢]\n* لوحة: ٨٣/أ.\n(^٢) الإجماع لابن المنذر: ١٠٥، المغني: ٩/ ٥١٨، تفسير القرطبي: ٥/ ١١٣.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٢٢]\n(^٤) أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ١٧٤، تفسير القرطبي: ٥/ ١٠٤.","vol":"1","page":785},{"text":"وقوله عز من قائل: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (^١) يريد أنهم كانوا يفعلونه وهم يعلمون (^٢)، وأما قوله سبحانه: ﴿وَمَقْتًا﴾ (^٣) فإن العرب كانت إذا وُلِدَ للرجل من امرأة أبيه سمي الولد: ولد مقت، وأولاد المقت معروفون في كتب النسب، فقال: فلان مَقْتِي، وفلان مَقَتي (^٤).\nويحتمل كان فاحشة أي: هو الآن بعد التحريم فاحشة؛ لأن العرب قد تقول: كان، ولا يعتد بها، وهو كثير في كلامهم، وقال الشاعر:\nفإنك لو رأيت ديار قوم ... وجيرانٍ لنا كانوا كرامِ (^٥)\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٢٢]\n(^٢) أي: يعلمون أنه فاحشة، وممقوت فاعله.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٢٢]\n(^٤) كذا في الأصل، والمشهور النسبة الأولى: مَقْتِيّ، ولم أقف على أن هناك نسبة أخرى، إلا أن يكون الناسخ كرر الكلمة مرتين. قال أبو عبيدة: ومن كان يتزوج امرأة أبيه فولد له منها يقال له: مَقْتِيّ، ومقْتَوِيٌ من قَتَوْتُ، وهذا من: مَقَت. مجاز القرآن: ١/ ١٢١، وانظر معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٣٢، ومعاني القرآن للنحاس: ... ٢/ ٥٢، وتهذيب اللغة: ٩/ ٦٧، ولسان العرب: ٢/ ٩٠، وتاج العروس: ١/ ٥٨٥ كلهم ذكر معنى واحد: المقت أشد البغض، ويسمون المولود منه المَقْتِيّ.\nوقد ذكر جملة من أسماء هؤلاء القرطبي في تفسيره: ٥/ ١٠٤.\n(^٥) هذا البيت ينسب إلى الفرزدق يمدح هشام بن عبد الملك، والبيت في ديوانه: ٢/ ٢٩٠، وفي الكتاب لسيبويه: ٢/ ١٥٣، ومعاني القرآن للزجاج: ٢/ ٣٣، ومعاني القرآن للنحاس: ٢/ ٥١، وأحكام القرآن للجصاص: ... ٢/ ١٧٥، ولسان العرب: ١٣/ ٣٧٠.","vol":"1","page":786},{"text":"فأدخل كان ولم يعتد بها (^١)، قال الله ﵎: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (^٢) فالله ﵎ بهذه الصفة لم يزل ولا يزال، ومعنى الآية: إن الله عليم حكيم (^٣).\n_________\n(^١) وقد ذهب كل النحويون إلى أن (كان) في هذا البيت زائدة، قال المبرد: والقوافي مجرورة، وتأويل هذا سقوط (كان) على: وجيران لنا كرام، في قول النحويين أجمعين. وهو عندي على خلاف ما قالوا من إلغاء كان، وذلك أن خبر كان (لنا) فتقديره: وجيران كرام كانوا لنا. [المقتضب: ٤/ ١١٧].\nوقال أبو حيان: وقال المبرد هي زائدة، ورد عليه بوجود الخبر إذ الزائدة لا خبر لها، وينبغي أن يتأول كلامه على أن كان لا يراد بها تقييد الخبر بالزمن الماضي فقط، فجعلها زائدة بهذا الاعتبار. [البحر المحيط: ٣/ ٥٧٧].\nوقال: ابن هشام: وليس من زيادتها قوله: وجيران لنا كانوا كرام. لرفعها الضمير، خلافًا لسيبويه.\n[أوضح المسالك: ١/ ٢٥١].\nقلت: وأظن أن أبا حيان وغيره ممن ينسبون هذا القول إلى المبرد، وقد سبق بيان قوله، أظنهم أخذوا ذلك من تلميذه الزجاج، فقد نسب إليه هذا القول في معاني القرآن وإعرابه، واعترض عليه: ٢/ ٣٣.\nوقد بين وجه الخطأ على المبرد في هذه المسألة البغدادي في خزانة الأدب: ٤/ ٣٨.\n(^٢) [سورة النساء: الآية ١٧]\n(^٣) قال ابن العربي: قال علماؤنا معنى قوله: (كان) أنه صفة للمقت والفحش، دليله القاطع: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٨] وهو يكون كذلك، وإنما أخبر عن صفته التي هو كائن عليها، كذلك فسر هذا كله الحبر والبحر - ﵁ - يقصد ابن عباس -.\nوقد وهم القاضي أبو إسحاق - يقصد القاضي إسماعيل بن إسحاق - والمبرد فقالا إن: (كان) زائدة هنا، وإنما المعنى في زيادتها كما قال الشاعر: فكيف إذا مررت بدار قوم ... وجيران لنا كانوا كرام\n\nوهذا جهل عظيم باللغة والشعر، بل لا يجوز زيادة كان هاهنا، وإنما المعنى وجيران كرام كانوا لنا مجاورين فأبادهم الزمان وانقطع عنهم ما كان. ... [أحكام القرآن: ١/ ٤٧٦].","vol":"1","page":787},{"text":"وقد قال الله جل وعز: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (^١) (^٢)\nفلو أن رجلًا أسلم وعنده أختان لقيل له (^٣): اختر أيهما شئت، وفارق الأخرى؛ لأن رسول الله - ﷺ - أمر فيروز الديلمي (^٤)، وقد أسلم وعنده أختان، فقال: فارق أيهما شئت (^٥). وقال لغيلان * الثقفي (^٦)،\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٢٣]\n(^٢) قدم المؤلف الحديث عن هذه الآية لبيان الفرق بين قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ في الآية التي يشرحها، والآية التي ذكرها.\n(^٣) في الأصل: لهما، والصواب ما أثبت.\n(^٤) فيروز الديلمي، ويقال: ابن الديلمي، أبو الضحاك، ويقال: أبو عبد الرحمن، يماني من كنانة من أبناء الأساورة من فارس، وفد على النبي - ﷺ -، له أحاديث، وهو قاتل الأسود العنسي مدعي النبوة، قيل: مات زمن خلافة عثمان، وقيل: في خلافة معاوية - ﵁ - سنة ٥٣ هـ. [الاستيعاب: ٣/ ٢٠٤، الإصابة: ٣/ ٢١٠].\n(^٥) رواه أبو داود في سننه: ٢/ ٢٧٢ باب فيمن أسلم وعنده نساء أكثر من أربع أو أختان كتاب الطلاق، والترمذي في سننه باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده أختان أبواب النكاح، وقال: هذا حديث حسن غريب تحفة الأحوذي: ٤/ ٢٧٩، وابن ماجة في سننه: ١/ ٣٥٩ باب الرجل يسلم وعنده أختان أبواب النكاح، وأحمد في مسنده: ٤/ ٢٣٢، وابن حبان في صحيحه: ٩/ ٤٦٢، والدارقطني في سننه: ٣/ ٢٧٣ باب المهر حديث: ١٠٥، والبيهقي في سننه: ٧/ ١٨٤ باب من يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة كتاب النكاح.\n* لوحة: ٨٣/ب.\n(^٦) غيلان بن سلمة بن شرحبيل الثقفي، أحد وجوه ثقيف، أسلم بعد فتح الطائف، قيل إنه أحد من نزل فيه قوله: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] مات في آخر خلافة عمر - ﵁ -.\n\n[الاستيعاب: ٣/ ١٨٩، الإصابة: ٣/ ١٨٩].","vol":"1","page":788},{"text":"وقد أسلم وعنده عشر نسوة: خذ منهن أربعًا، وفارق سائرهن (^١). فأمر كل واحد منهما أن يتمسك بما كان يجوز له أن يبتدئ به في ... الإسلام.\nولو أن رجلًا أسلم وعنده امرأة وابنتها، وقد دخل بهما لفارقهما جميعًا، ولم يجز له أن يعاود واحدة منهما، وقد قال ذلك موافقًا لمالك (^٢) عمر بن عبد العزيز (^٣)،\n_________\n(^١) رواه الترمذي في سننه باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة أبواب النكاح، وقال: هكذا رواه معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: هذا حديث غير محفوظ، والصحيح ما روى شعيب بن أبي حمزة وغيره عن الزهري وحمزة قال: حدثت عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة. وابن ملجة في سننه: ١/ ٣٥٩ باب الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة أبواب النكاح، وأحمد في مسنده: ٢/ ١٣، ١٤، ٤٤، ٨٣، وابن حبان في صحيحه: ٩/ ٤٦٣، والدارقطني في سننه: ٣/ ٢٦٩ باب المهر حديث: ٩٣ - ٩٩، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٢٠٩ كتاب النكاح، والبيهقي في سننه: ٧/ ١٨١ باب من يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة كتاب النكاح.\nماذكره المؤلف هنا من أنه يختار من الأختين أيهما شاء، ومما فوق الأربع أربعًا هذا مذهب جمهور أهل العلم، وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف، والثوري إلى أنه يختار الأوائل منهن إن كن خمسًا، وإن كانتا أختين اختار الأولى، وإن كان تزوجهن في عقد واحد فرق بينه وبينهن كلهن.\nأحكام القرآن للجصاص: ٢/ ١٩٠، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٧٠٧، المغني: ١٠/ ١٤، ٢١، تفسير القرطبي: ٥/ ١١٩.\n(^٢) المدونة: ٢/ ٢٢٢.\n(^٣) روى عبد الرزاق في مصنفه نحوًا منه: ٧/ ١٧٩، وذكره ابن قدامة، وقال: وهذا قول الحسن، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، ومالك، وأهل الحجاز، والثوري، وأهل العراق، والشافعي ومن تبعهم.\n\n[المغني: ١٠/ ٢٤].","vol":"1","page":789},{"text":"فقال: لا يراجع واحدة منهما، وقد اطلع منهما جميعًا على ما اطلع. وليس هذا في الأختين؛ لأن الأخت لا تحرم بعد الأخت، والابنة تحرم بعد الأم، وتحرم الأم بعد البنت إذا دخل بالأم. فهذا فرق ما بينهما، وبالله التوفيق.\nقال الله ﵎: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (^١) الآية.\nقال ابن عباس - ﵁ -: حرم من النسب سبع، ومن الصهر والرضاع سبع. ثم قيل: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (^٢).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٢٣]\n(^٢) روى سعيد بن منصور في سننه تحقيق الأعظمي: ١/ ٢٤١، وفي سننه تحقيق سعد آل حميد: ٣/ ١٢٠٨ عن ابن عباس قال: سبع صهر، وسبع نسب، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب.\nوكذلك رواه البيهقي في سننه: ٧/ ١٥٨ باب ما يحرم من نكاح القرابة والرضاع وغيرهما كتاب النكاح.\nوقد روى البخاري في صحيحه: ٥/ ١٩٦٣ كتاب النكاح باب ما يحل من النساء وما يحرم عن ابن عباس: حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع ثم قرأ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية.\nوروى نحوه: عبد الرزاق في مصنفه: ٦/ ٢٧٢، وابن جرير في تفسيره: ٤/ ٣٢٠، وابن أبي حاتم في تفسيره: ... ٣/ ٩١١، ٩١٤، والجصاص في أحكام القرآن: ٢/ ١٧٦، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٣٣ التفسير سورة النساء، والبيهقي في سننه: ٧/ ١٥٨ الموضع السابق.\nقال ابن حجر: وفي تسميته ما هو بالرضاع صهرًا تجوز. [فتح الباري: ٩/ ١٩٤].","vol":"1","page":790},{"text":"وأمهات النساء تحرم على كل حال، دخل أو لم يدخل بالابنة، ثم قال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (^١) فأحل الله تعالى نكاح الربيبة إذا لم يدخل بالأم. وقد روي عن قوم: أنهم أجروا الأمهات مجرى الربائب (^٢).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٢٣]\n(^٢) يروى هذا عن: علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وابن مسعود.\nفروي عن علي من طريق قتادة عن خلاس بن عمرو عن علي - ﵁ -: في رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يد خل بها أيتزوج أمها؟ قال: هي بمنزلة الربيبة.\nرواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٤٧٢ في الرجل يتزوج المرأة ثم يطلقها قبل أن يدخل بها أله أن يتزوج أمها؟، وابن جرير في تفسيره: ٤/ ٣٢١، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٩١١، وابن حزم في المحلى تعليقًا: ٩/ ٥٢٨.\nوروي عن زيد بن ثابت من طريق قتادة عن سعيد بن المسيب عن زيد بن ثابت: أنه كان لايرى به بأسًا إذا طلقها، ويكرهها إذا ماتت عنده. رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٤٧٢ الموضع السابق، وابن جرير في تفسيره: ... ٤/ ٣٢١، وابن حزم في المحلى: ٩/ ٥٢٨ من طريق القاضي إسماعيل به، والبيهقي في سننه: ٧/ ١٦٠ تعليقًا باب ما جاء في قوله تعالى: وأمهات نسائكم كتاب النكاح.\n\nوروي عن ابن مسعود، وروي عنه أنه رجع عنه، روى قوله ورجوعه: عبد الرزاق في مصنفه: ٦/ ٢٧٣، وسعيد ابن منصور في سننه: ٣/ ١٢١١، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٤٧٣ الموضع السابق، والبيهقي في سننه: ... ٧/ ١٥٩ الموضع السابق.","vol":"1","page":791},{"text":"وليست الرواية في ذلك تثبت. وروي عن آخرين: تحريم الأمهات دخل أو لم يدخل وجعلوا (^١) الشرط في الربائب على ما أوجبه كتاب الله ﷿ (^٢).\nقال إسماعيل بن إسحاق: ما روي عن علي في هذا الباب فإنما رواه خِلاس (^٣)،\n_________\n(^١) في الأصل: كرر كلمة وجعلوا.\n(^٢) وهذا قول عامة أهل العلم، بل عده البعض إجماعًا، قال ابن جرير: فقال جميع أهل العلم متقدمهم ومتأخرهم: من المبهمات، وحرام على من تزوج امرأةً أمها، دخل بامرأته التي نكحها أو لم يدخل بها، وقالوا شرط الدخول في الربيبة دون الأم، فأما أم المرأة فمطلقة بالتحريم. [جامع البيان: ٤/ ٣٢١].\nوانظر: أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ١٨٢، تفسير القرطبي: ٥/ ١١٣، تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٠.\n(^٣) خِلاس بن عمرو الهجري البصري، عن: علي، وعمار، وعنه: قتادة، وعوف، ثقة يرسل.\n[الكاشف: ١/ ٣٧٧، التقريب: ٣٠٤].\n\n* لوحة: ٨٤/أ.","vol":"1","page":792},{"text":"وخلاس لم ير عليًا، ولا سمع منه، وإنما كان خلاس يأخذ الصحف * فيحدث بما فيها (^١). قال: وسمعت علي بن المديني يضعف أحاديث قتادة عن سعيد بن المسيب تضعيفًا شديدًا، وقال: أحسب أن أكثرها بين قتادة وبين سعيد فيها رجال؛ لأنه يخالف أصحاب سعيد ابن المسيب الثقات. وقال بندار سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: مالك عن سعيد بن المسيب ليس بينهما أحد أحب إلي من قتادة عن سعيد (^٢).\n_________\n(^١) قال الإمام أحمد: روايته عن علي - ﵁ - من كتاب، وكذا قال أبو حاتم يقال: وقعت عنده صحف عن علي، وقال أبو داود: لم يسمع من علي - ﵁ -. ... [جامع التحصيل: ١٧٣، تهذيب التهذيب: ٣/ ١٥٩].\n(^٢) نقل كلام القاضي إسماعيل ابن حجر حيث قال: وقال إسماعيل القاضي في أحكام القرآن: سمعت علي بن المديني يضعف أحاديث قتادة عن سعيد بن المسيب تضعيفًا شديدًا، وقال: أحسب أن أكثرها بين قتادة وسعيد فيها رجال، وكان ابن مهدي يقول: مالك عن بن المسيب أحب إلي من قتادة عن ابن المسيب.\n[تهذيب التهذيب: ٨/ ٣٠٩].\nوقال الإمام أحمد: أحاديث قتادة عن سعيد بن المسيب ما أدري كيف هي؟ قد أدخل بينه وبين سعيد نحوًا من عشرة رجال لا يعرفون. ... [جامع التحصيل في أحكام المراسيل: ٢٥٦].","vol":"1","page":793},{"text":"وقد روى يحيى بن سعيد عن زيد بن ثابت خلاف ما روى قتادة (^١)، وحديث يحيى وإن كان مرسلًا أقوى من حديث قتادة، وكان علي بن المديني يقدم يحيى بن سعيد الأنصاري على جميع نظرائه (^٢).\n_________\n(^١) روى مالك في الموطأ: ٢/ ٤٢١ كتاب النكاح حديث: ٢٢ عن يحيى بن سعيد أن قال: سئل زيد بن ثابت عن رجل تزوج امرأة ثم فارقها قبل أن يصيبها، هل تحل له أمها؟ فقال زيد بن ثابت: لا، الأم مبهمة ليس فيها شرط، إنما الشرط في الربائب. والبيهقي في سننه: ٧/ ١٦٠ باب ما جاء في قوله: وأمهات نسائكم. من طريق مالك، وقال البيهقي: هذا منقطع.\n(^٢) انظر أحكام القرآن للجصاص فقد نقل معظم هذا الكلام: ٢/ ١٨٢.","vol":"1","page":794},{"text":"قال القاضي: ذكرت هذا كله وإن كنت لم أذكر أحاديث الباب؛ ليعرف به رد ما يرويه متأخر إن تكلم في هذه المسألة بغير ما مضى عليه السلف. فأمهات النساء محرمات دخل بالبنات أو لم يدخل بهن، مبهمة في كتاب الله تعالى، والربائب على شروطهن، وما استثنى الله ﵎ فيهن؛ لأنه قال عز من قائل: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ (^١) فتم الكلام من غير أن يستثني فيه، ثم قال سبحانه: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ (^٢) فوقع الاستثناء؛ لأنه لما قال ﷿: ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ (^٣) وهذا صلة للاتي، واللاتي نعت النساء والصلة تمام الاسم، ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ (^٤) منفصل من هذا، ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ (^٥) راجع إلى هذا الذي قد ذكر، فليس يجوز أن يكون الاستثناء إلا الربائب؛ لأنه وجه الكلام، ومن جعله لأمهات النساء على بعد المخرج فيه وقبحه، أخرج الربائب من ذلك؛ لأن الذي تناول هذا يجعل: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ (^٦)\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٢٣]\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٢٣]\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٢٣]\n(^٤) [سورة النساء: الآية ٢٣]\n(^٥) [سورة النساء: الآية ٢٣]\n(^٦) [سورة النساء: الآية ٢٣]\n\n* لوحة: ٨٤/ب.","vol":"1","page":795},{"text":"* تمام الكلام ويجعل ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ (^١) نعتًا لأمهات نسائكم، فكأنه قيل: وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن. فتخرج الربائب اللاتي قد أجمع عليهن من الاستثناء، ويجعل الاستثناء لأمهات النساء. وأحسب أن الذين ذهبوا إلى أن أمهات النساء مثل الربائب ذهبوا إلى تشبيه بعض ذلك ببعض، وقياس بعضه على بعض من غير أن يكون النص يوجبه (^٢).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٢٣]\n(^٢) قال الزجاج: قال أبو العباس محمد بن يزيد: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ نعت للنساء اللواتي هن أمهات الربائب لاغير، قال: والدليل على ذلك إجماع الناس أن الربيبة تحل إذا لم يدخل بأمها، وأن من أجاز أن يكون قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ هو لأمهات نسائكم، يكون المعنى على تقدير: (وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) فيخرج أن يكون ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ لأمهات الربائب. [معاني القرآن: ٢/ ٣٤، وانظر تفسير الطبري: ٤/ ٣٢١، ومعاني القرآن للنحاس: ٢/ ٥٣، وأحكام القرآن للجصاص: ٢/ ١٨٣، وأحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٤٨٤، والبحر المحيط: ٣/ ٥٨٠].","vol":"1","page":796},{"text":"وأما من قال: إن الربيبة التي يربيها الزوج، دون التي لم يربها (^١) الزوج. فخطأ فاحش؛ لأن العرب تسمي ولد المرأة ربا (^٢)، فيقولون: هذه ربيبة فلان، وهذا ربيب فلان، كان زوج المرأة يربيهم أولم يربهم (^٣)، وإنما هو اسم وقع على الجملة، فكما تسمي العرب ربيبة وإن لم يكن زوج المرأة يربيها، فكذلك تسمى بأنها في حجره، كان يقوم بأمرها أم لا، وهذا باب مضى عليه أهل العلم، وذكره أبو عبيدة عن العرب كما وصفنا (^٤).\nقال الله ﷿: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) في الأصل: لم يربيها، والصواب ما أثبت.\n(^٢) كذا في الأصل، ولم أقف على أن العرب تسمي ولد المرأة ربًا، وإنما يسمونه: ربيبًا.\n(^٣) في الأصل: لم يربيهم، والصواب ما أثبت.\n(^٤) مجاز القرآن: ١/ ١٢١، تفسير الطبري: ٤/ ٣٢٢، معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٣٤، معاني القرآن للنحاس: ٢/ ٥٤، تهذيب اللغة: ١٥/ ١٨١، المحرر الوجيز: ٤/ ٧١، لسان العرب: ١/ ٤٠٥، تاج العروس: ١/ ٢٦٢.\nقال القرطبي: واتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها إذا دخل بالأم وإن لم تكن الربيبة في حجره، وشذ بعض المتقدمين وأهل الظاهر فقالوا: لا تحرم عليه الربيبة إلا أن تكون في حجر المتزوج بأمها، فلو كانت في بلد آخر وفارق الأم بعد الدخول فله أن يتزوج بها، واحتجوا بالآية فقالوا: حرم الله تعالى الربيبة بشرطين، أحدهما: أن تكون في حجر المتزوج بأمها، والثاني الدخول بالأم، فإذا عدم أحد الشرطين لم يوجد التحريم.\n[الجامع لأحكام القرآن: ٥/ ١١٢].\n(^٥) [سورة النساء: الآية ٢٣]","vol":"1","page":797},{"text":"إنما نزلت في زيد بن حارثة (^١)؛\n_________\n(^١) زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، أبو أسامة، مولى رسول الله - ﷺ -، اشترته خديجة ﵂ من سبي، فو هبته لرسول الله - ﷺ - فتبناه بمكة قبل النبوة، كان يقال له: حب رسول الله - ﷺ -، قتل بمؤتة سنة ٨ هـ.\n\n[الاستيعاب: ١/ ٥٤٤، الإصابة: ١/ ٥٦٣].","vol":"1","page":798},{"text":"لأن النبي - ﷺ - كان قد تبناه، فلما نزلت: ﴿فَادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (^١) زال عن تبنيه، ودُعي مولاه (^٢). فأعلم الله ﷿ أن أزواج المتبنين لا يحرمن، وأن اللواتي يحرمن أزواج الأولاد للصلب، فأباح الله ﵎ لنبيه - ﷺ - تزوج زينب بنت جحش (^٣) حين طلقها زيد بن حارثة، وبقي الحكم في زوجات الأبناء للصلب، دخل الابن أو لم يدخل (^٤) *.\n_________\n(^١) [سورة الأحزاب: الآية ٥]\n(^٢) روى عبد الرزاق في مصنفه: ٦/ ٢٨٠: عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ الرجل ينكح المرأة لا يراها حتى يطلقها أتحل لأبيه؟ قال هي: مرسلة، ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾، قال: نرى ونتحدث والله أعلم: أنها نزلت في محمد - ﷺ - لما نكح امرأة زيد قال المشركون بمكة في ذلك، فأنزلت: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾، وأنزلت: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، ونزلت: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. ورواه ابن جرير في تفسيره: ٤/ ٣٢٣، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٩١٣.\n(^٣) زينب بنت جحش الأسدية، أم المؤمنين رضي اللع عنها، زوج رسول الله - ﷺ -، تزوجها سنة ثلاث، وقيل: سنة خمس، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة - ﵁ -، أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله - ﷺ -، نزلت بسببها آية الحجاب، توفيت في خلافة عمر سنة ٢٠ هـ. [الاستيعاب: ٤/ ٣١٣، الإصابة: ٤/ ٣١٣].\n(^٤) قال ابن جرير: ولا خلاف بين جميع أهل العلم أن حليلة ابن الرجل حرام عليه نكاحها بعقد ابنه عليها النكاح، دخل بها أو لم يدخل بها .. فإن قال قائل: فما أنت قائل في حلائل الأبناء من الرضاع؟ فإن الله تعالى إنما حرم حلائل أبنائنا من أصلابنا، قيل: إن حلائل الأبناء من الرضاع وحلائل الأبناء من الأصلاب سواء في التحريم، وإنما قال: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ لأن معناه: وحلائل أبنائكم الذين ولدتموهم دون حلائل أبنائكم الذين تبنيتموهم. [جامع البيان: ٤/ ٣٢٣].\n* لوحة: ٨٥/أ.","vol":"1","page":799},{"text":"قال الله ﷿: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (^١).\nقول الله ﵎ يقتضي تحريم غير الأختين، ألا ترى أن النبي - ﷺ - قال: لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها (^٢). لأنه لا جائز أن يسمي الله عددًا ثم يقول: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (^٣)، ولكنه لما قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (^٤) والأم الحقيقية هي التي ولدت المخاطب، فدخل في معنى الخطاب كل امرأة نالته منها ولادة فما علا، وكل امرأة نالتها منه ولادة فما سفل من البنات، ودخل في قوله: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾ (^٥) عمة العمة، وعمة عمة العمة، وخالة خالة الخالة فما علا، ودخل مع بنات الأخ وبنات الأخت ما جرى هذا المجرى، ودخل مع الأختين في الجمع العمة والخالة فما علا، وكل امرأتين لو كانت (^٦) إحداهما ذكرًا لم تحل له الأخرى لا يجوز الجمع بينهما، وعلى ذلك يبنى أمر ذوات المحارم في الجمع بينهن، والله أعلم (^٧).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٢٣]\n(^٢) رواه البخاري في صحيحه: ٥/ ١٩٦٥ باب لا تنكح المرأة على عمتها كتاب النكاح، ومسلم في صحيحه: ٢/ ١٠٢٨ كتاب النكاح حديث: ٣٣ - ٤٠.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٢٤]\n(^٤) [سورة النساء: الآية ٢٣]\n(^٥) [سورة النساء: الآية ٢٣]\n(^٦) في الأصل: كان، والصواب ما أثبت لأنه راجع إلى مؤنث.\n(^٧) انظر الأم: ٥/ ٥، المغني: ٩/ ٥٢٣، تفسر القرطبي: ٥/ ١٢٦.","vol":"1","page":800},{"text":"فإن قيل: بأي شئ دخلت العمة في ذكر الأختين؟ قيل العرب تسمي الأهل: إخوة، وقد قال الله ﷿: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ (^١) يريد أخوة الإسلام، وقد يكون الولي ابنًا، وأخًا، وابنًا، وعمًا، وابن عم فسماهم الله ﵎ كلهم إخوة، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (^٢)، ولذلك قالت العرب: بنو فلان أخوال فلان (^٣)، وقال النبي - ﷺ -: أخوالي بني سليم (^٤)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٧٨]\n(^٢) [سورة الحجرات: الآية ١٠]\n(^٣) لم أقف عليه.\n(^٤) بنو سُليم: قبيلة عظيمة من العدنانية، تنسب إلى سُليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة، تتفرع إلى عدة عشائر وبطون، كانت منازلهم في عالية نجد بالقرب من خيبر.\n[جمهرة أنساب العرب: ٢٦١، معجم القبائل العربية: ٢/ ٤٥٣].\nولم أقف على هذا الحديث بنصه، ولكن روي بمعناه: فعن سيابة بن عاصم السلمي أن رسول الله - ﷺ - قال يوم حنين: أنا ابن العواتك. رواه سعيد بن منصور في سننه تحقيق الأعظمي: ٢/ ٣٠٢، والطبراني في المعجم الكبير: ٧/ ١٦٨، قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد: ٨/ ٢١٩.\nقال ابن الأثير: العواتك جمع عاتكة، وأصل العاتكة: المتضمخة بالطيب، والعواتك ثلاث نسوة كن من أمهات النبي - ﷺ - إحداهن: عاتكة بنت هلال بن فالج بن ذكوان وهي أم عبد مناف بن قصي، والثانية: عاتكة بنت مرة ابن هلال بن فالج بن ذكوان وهي أم هاشم بن عبد مناف، والثالثة: عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال وهي أم وهب أبي آمنة أم النبي - ﷺ -، فالأولى من العواتك عمة الثانية والثانية عمة الثالثة، وبنو سليم تفخر بهذه الولادة ٠\n[النهاية: ٣/ ١٧٩، وانظر الطبقات الكبرى: ١/ ٦١، والروض الأنف: ١/ ١٢٩].\n\n* لوحة: ٨٥/ب.","vol":"1","page":801},{"text":"وإنما * الخال الحقيقي أخو الأم. وقال النبي - ﷺ -: لسعد هذا خالي (^١)، وإنما هو ابن عم أمه - ﵇ -.\nوقال النبي - ﷺ -: رحم الله أخي موسى قد بلي بأكثر من هذا فصبر (^٢).\n_________\n(^١) روى الترمذي في سننه باب مناقب أبي إسحاق سعد بن أبي وقاص من أبواب المناقب عن جابر بن عبدالله قال: أقبل سعد فقال النبي - ﷺ -: هذا خالي فليرني امرؤ خاله. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث مجالد، وكان سعد بن أبي وقاص من بني زهرة وكانت أم النبي - ﷺ - من بني زهرة فلذلك قال النبي - ﷺ -: هذا خالي. تحفة الأحوذي: ١٠/ ٢٥٤، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٥٦٩ كتاب معرفة الصحابة، وصححه ووافقه الذهبي.\n(^٢) روى البخاري في صحيحه: ٣/ ١١٤٨ كتاب الخمس باب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس عن: عبد الله - ﵁ - قال: لما كان يوم حنين آثر النبي - ﷺ - أناسًا في القسمة فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة، قال رجل: والله إن هذه القسمة ما عدل فيها وما أريد بها وجه الله، فقلت: والله لأخبرن النبي - ﷺ - فأتيته فأخبرته، فقال: فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر.\nورواه البخاري أيضًا: ٣/ ١٢٤٩ كتاب الأنبياء باب حديث الخضر مع موسى ﵉، وفي مواضع أخرى من صحيحه، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٧٣٩ كتاب الزكاة حديث: ١٤٠، ورواه غيرهم.\nولم أقف على لفظة (أخي) فيما اطلعت عليه من روايات هذا الحديث في الصحيحين وفي غيرهما.","vol":"1","page":802},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (^١).\nقال جماعة من المفسرين: إنهن المحصنات، جملة النساء لا يحللن إلا بالتزويج، أو بملك اليمين (^٢). وقال آخرون: إنها نزلت في سبي أوطاس (^٣) اللاتي لهن أزواج في بلاد الشرك\n،\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٢٤]\n(^٢) ذهب البعض إلى أن المراد بالمحصنات هنا: العفائف، وأنهن حرام على الرجال إلا بعقد نكاح أو ملك يمين، وأدخلوا النكاح تحت ملك اليمين، ويكون معنى الآية في قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: تملكون عصمتهن بالنكاح، وتملكون الرقبة بالشراء، فكأنهن كلهن ملك يمين وما عدا ذلك فزنى. وهذا يروى عن: عمر ابن الخطاب، وأبي العالية، وسعيد بن جبير، وعطاء، والسدي، قال القرطبي: وهذا قول حسن.\nتفسير عبد الرزاق: ١/ ١٥٣، مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٥٣٠ في قوله: والمحصنات، وتفسير الطبري: ٥/ ٤، وزاد المسير: ٢/ ٥٠، وتفسير القرطبي: ٥/ ١٢٣.\n(^٣) أوطاس: واد في ديار هوازن بالطائف، وفيه وقعت غزوة أوطاس بين المسلمين ومن انهزم من ثقيف بعد غزوة حنين ممن فر إلى أوطاس سنة ٨ هـ. ... [معجم ما استعجم: ١/ ٢١٢، البداية والنهاية: ٤/ ٧٣٥].\nوقد روى قصة هذا السبي الإمام مسلم في صحيحه: ٢/ ١٠٧٩ كتاب الرضاع حديث: ٣٣ عن: أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - يوم حنين بعث جيشًا إلى أوطاس فلقوا عدوا فقاتلوهم فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله ﷿ في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن.","vol":"1","page":803},{"text":"فإذا سبين انقطعت العصمة بينهن وبين أزواجهن (^١). وهذا هو القول الصحيح.\n_________\n(^١) ممن ذهب إلى أن المراد بالمحصنات هنا المسبيات ذوات الأزواج خاصة، وأنهن محرمات إلا ما ملكت اليمين بالسبي من أرض الحرب: ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو قلابة، وابن زيد، ومكحول، والزهري.\nتفسير عبد الرزاق: ١/ ١٥٣، مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٥٣٠ في قوله: والمحصنات، تفسير الطبري: ٥/ ١، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٩١٥، المستدرك: ٢/ ٣٣٤ التفسير سورة النساء، والبيهقي في سننه: ٧/ ١٦٧ باب ما جاء في قوله: والمحصنات من النساء.","vol":"1","page":804},{"text":"وقد رأى قوم أن ذلك في العبد إذا أعتقت زوجته، أو بيعت (^١). وهذا قول لا حجة فيه؛ لأن عمر (^٢)، وعثمان (^٣)، وعلي (^٤)، وعبد الرحمن بن عوف (^٥)، وسعد (^٦): لم يروا بيع الأمة طلاقها.\n_________\n(^١) ممن ذهب إلى أن المراد بالمحصنات: ذوات الأزواج، وأنهن محرمات إلا أن يشتري الرجل الأمة ذات الزوج فإن بيعها طلاقها، والصدقة بها طلاقها، وأن تورث طلاقها، وتطليق الزوج طلاقها: ابن مسعود، وأبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، ورواية عن ابن عباس، وابن المسيب، والحسن، وإبراهيم النخعي، وغيرهم. [تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٥٣، ومصنفه: ٧/ ٢٨٠، وسنن سعيد بن منصور: ٣/ ١٢١٧، وسننه بتحقيق الأعظمي: ٢/ ٣٧، ومصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٥٣٠ الموضع السابق، وتفسير الطبري: ٥/ ٣، وتفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٩١٦، وابن حزم في المحلى: ١٠/ ١٣١، والبيهقي في سننه: ٧/ ١٦٧ الموضع السابق].\n(^٢) رواه سعيد بن منصور في سننه تحقيق الأعظمي: ٢/ ٣٩، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ١٠٦ من قال ليس هو بطلاق فلا يطأها الذي يشتريها حتى تطلق، وابن حزم في المحلى تعليقًا: ١٠/ ١٣١.\n(^٣) مصنف عبد الرزاق: ٧/ ٢٨١، مصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ١٠٦ الموضع السابق، والبيهقي في سننه: ... ٥/ ٣٢٣ باب فيمن ابتاع جارية فوجدها ذات زوج كتاب البيوع.\n(^٤) مصنف عبد الرزاق: ٧/ ٢٨١، وسنن سعيد بن منصور تحقيق الأعظمي: ٢/ ٣٨، ومصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ١٠٧ الموضع السابق.\n(^٥) مصنف عبد الرزاق: ٧/ ٢٨١، وسنن سعيد بن منصور تحقيق الأعظمي: ٢/ ٣٨، ومصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ١٠٧ الموضع السابق، والبيهقي في سننه: ٥/ ٣٢٣ الموضع السابق.\n(^٦) رواه عن سعد بن أبي وقاص: سعيد بن منصور في سننه تحقيق الأعظمي: ٢/ ٣٨، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ١٠٧ الموضع السابق.","vol":"1","page":805},{"text":"وفيما روي من قصة بريرة (^١)، وأن النبي - ﷺ - خيرها بعد ما اُشتريت وعتقت (^٢) بيانٌ أن بيعها ما كان طلاقًا، ولو كان البيع طلاقًا لكانت الفرقة قد وقعت قبل العتق، واستغنى عن التخيير، والله أعلم (^٣).\n_________\n(^١) بريرة، مولاة عائشة ﵂، كانت مولاة لقوم من الأنصار، وقيل: لآل عتبة، وقيل غير ذلك، كانت تخدم عائشة قبل أن تشتريها، ثم اشترتها وأعتقتها، قيل: إن زوجها عبد يقال له: مغيث، وقيل: إنه كان حرًا. ... [الاستيعاب: ٤/ ٢٤٩، الإصابة: ٤/ ٢٥١].\n(^٢) روى قصة بريرة وعتقها وتخيير النبي - ﷺ - لها في زوجها بعد عتقها وأنها اختارت نفسها: البخاري في صحيحه: ٢/ ٨٩٦ كتاب العتق باب بيع الولاء وهبته، و٥/ ٢٠٢٢ كتاب الطلاق باب لا يكون بيع الأمة طلاقًا، ومسلم في صحيحه: ٢/ ١١٤٣ كتاب العتق حديث: ٩، ١٠.\n(^٣) بين القاضي عياض أصل الاختلاف في هذه المسألة، حيث قال: وقد اختلف الناس في الأمة إذا بيعت وهي تحت زوج، هل يكون بيعها فسخًا لنكاحها؟ فأبى ذلك مالك وجمهور الفقهاء، وذهب بعض الصحابة إلى أن ذلك فسخ للنكاح، أخذًا بعموم هذه الآية وهو قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ولم يفرق بين ما ملكت أيماننا بسبي أو شراء، وهذا على عمومه عندهم.\n\nوتحقيق القول في هذه المسألة: أن هذا عموم خرج علىسبب، فمن رأى قصر العموم إذا خرج على سبب لم تكن فيه حجة على جمهور الفقهاء؛ لأنه كأنه قال: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ بالسبي، وإن قلنا: إن العموم إذا خرج على سبب يجب حمله على مقتضى اللفظ في التعميم أقتضى ذلك فسخ نكاح الأمة بالشراء كما ينفسخ بالبيع، لكن حديث بريرة في شراء عائشة لها ثم لم يفسخ ذلك نكاحها، بل خيرها ﵇ لما عتقت في فسخ النكاح، دل ذلك على أن البيع لا يفسخ نكاح الأمة ذات الزوج، ولكن هذا خبر واحد في تخصيص عموم القرآن، فهل تختص به أم لا؟ فيه خلاف بين أهل الأصول، فعلى هذا يخرج اختلاف العلماء في ذلك.\n[إكمال المعلم: ٤/ ٦٤٦، وانظر: تفسير الطبري: ٥/ ٨، وأحكام القرآن للجصاص: ٢/ ١٩٤، تفسير القرطبي: ٥/ ١٢٢، تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٤].","vol":"1","page":806},{"text":"قال الله ﷿: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (^١).\nمعنى كتاب الله عليكم عند أهل اللغة، أي: كتب الله ذلك عليكم، وأوجبه (^٢)، يعني كتب عليكم تحريم ما حرم، وتحليل ما أحل بعد (^٣) النساء إلى أربع من الحرائر، وما شئت من الإماء سواهن، دخل في معنى ما صرح التحريم به، فإنه يحرم من الإماء الأم، وما دخل * في معناها من الجدات، وكذلك إلى آخر الآية، وبالرضاع ما يحرم من النسب، ويحرم أيضًا من ملك اليمين الجمع بين الأختين، فقد قال قوم من المتأخرين في القرون المذمومة: بتحليل الجمع بين الأختين بملك اليمين (^٤)،\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٢٤]\n(^٢) مجاز القرآن: ١/ ١٢٢، تفسير الطبري: ٥/ ٩، معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٣٦، معاني القرآن للنحاس: ... ٢/ ٥٧.\n(^٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: من النساء، أو بعدد النساء.\n* لوحة: ٨٦/أ.\n(^٤) قال بهذا القول: أبو سليمان داود بن علي الظاهري، قال ابن حزم: بعد ذكره لرواية عن ابن عباس بأنه كان لا يرى بأسًا أن يجمع بين أختين والمرأة وابنتها بملك اليمين، قال: وبه يقول أبو سليمان وأصحابنا.\n[المحلى: ٩/ ٥٢٢].\n\nقلت: القول بتحليل الجمع بين الأختين بملك اليمين ليس حادثًا في القرون المتأخرة كما ذكر المؤلف، بل هو قديم، كما يروى ذلك عن ابن عباس.","vol":"1","page":807},{"text":"مع قوله: إن الأخت بملك اليمين تحرم، وابنة الأخ من تعتق عنده ومن لا تعتق (^١). ولا فرق بين هذه الأشياء وبين الجمع بين الأختين، وتعلق أيضًا بشيء روي عن علي (^٢) وعثمان (^٣)\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولم أفهم مقصده، ولم أقف عليه.\n(^٢) رواه عن علي: عبد الرزاق في مصنفه: ٧/ ١٩٢، وسعيد بن منصور في سننه تحقيق الأعظمي: ١/ ٣٩٦، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٤٧١ في الرجل يكون عنده الأختان مملوكتان فيطأهما جميعًا، والدارقطني في سننه: ٣/ ٢٨٢ كتاب النكاح حديث: ١٣٧، والبيهقي في سننه: ٧/ ١٦٤ باب ما جاء في تحريم الجمع بين الأختين وبين المراة وابنتها بملك اليمين كتاب النكاح.\n(^٣) رواه عن عثمان: مالك في الموطأ: ٢/ ٤٢٥ كتاب النكاح حديث: ٣٤، والشافعي في الأم: ٥/ ٣، وعبد الرزاق في مصنفه: ٧/ ١٨٩، ١٩١، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٤٧١ الموضع السابق، والدارقطني في سننه: ٣/ ٢٨١ كتاب النكاح حديث: ١٣٥، والبيهقي في سننه: ٧/ ١٦٣ الموضع السابق.\n\nوقد روي نحو هذا عن: ابن عباس، وابن الزبير، وابن الحنفية، وسعيد بن المسيب. انظر المراجع السابقة.","vol":"1","page":808},{"text":"- رضوان الله عليهما- أنهما قالا: حرمتهما آية، وأحللتهما آية. فذكرا أنهما لم يحرما الجمع بين الأختين بملك اليمين، ولم يفهم عنهما، ونحلهما (^١) ما هما بريئان منه؛ لأن جوابهما بالتحريم صراحًا؛ لأن قولهما: أحلتهما، أنهما عنيا: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (^٢) وهذه في الحرائر، أو عنيا قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (^٣) وفيما وقع عليه هذا الاسم مما يحل ملكه، ولا يحل وطؤه كثير، فهذه آية مجملة، ولا اختلاف بين أهل العلم أن المفسر يقضي على المجمل (^٤)،\n_________\n(^١) نحلهما: أي: نسب إليهما قولًا، يقال: نحله القول ينحله نحلًا: نسبه إليه. [لسان العرب: ١١/ ٣٥١].\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٢٤]\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٢٤]\n(^٤) أظن أن المؤلف يقصد بالمجمل هنا: العام، والمفسر: الخاص، قال الزركشي: قال القفال الشاشي: ويجوز أن يسمى العام مجملًا، والخاص مفسرًا. على معنى: أن العام جملة إذ ليس لفظه مقصورًا على شيء مخصوص بعينه =، والخاص مفسر، أي: فيه بيان ما قصد بتلك الجملة التي هي العموم. وقال ابو عبد الله الزبيري البصري من أصحابنا: اعلم أن الفقهاء قد استجازوا العبارة عن العموم باسم المجمل، وإن كانت حقيقته: المفتقر إلى ما يبينه.\n\n[البحر المحيط: ٥/ ٦٠].","vol":"1","page":809},{"text":"وقولهما: وحرمتهما آية. إنما هي: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (^١) وهذه مفسرة، وأهل العلم جميعًا قد استقر رأيهم، ووقع اتفاقهم على أن الأختين بملك اليمين في الوطء غير حلال (^٢)، وإنما يخالف هؤلاء المتأخر ون، ويطلبون الشاذ من الأخبار ليُعرفوا.\nقال الله جل وعز: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (^٣).\nقال مالك بن أنس - ﵁ -: إن ذلك في الصداق الذي يعقد به النكاح (^٤).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٢٣]\n(^٢) هذا قول جمهور أهل العلم قديمًا وحديثًا، ووافقهم على ذلك ابن حزم. أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ١٨٦، المحلى: ٩/ ٥٢٢، الاستذكار: ١٦/ ٢٥١، المغني: ٩/ ٥٣٧، تفسير القرطبي: ٥/ ١١٧، تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٢.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٢٤]\n(^٤) لم أقف عليه، ولكن ذكر ابن العربي: أن علماء المالكية يستدلون بهذه الآية على أن الصداق عوض؛ حيث قال: وقال علماؤنا إن الله سبحانه جعل الصداق عوضًا وأجراه مجرى سائر أعواض المعاملات المتقابلات بدليل قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ فسماه أجرًا، فوجب أن يخرج به عن حكم النِحل إلى حكم المعاوضات. ... [أحكام القرآن: ١/ ٤١٤].\nوهذا القول يروى عن: ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وابن زيد.\nتفسير عبد الرزاق: ١/ ١٥٤، تفيسر الطبري: ٥/ ١١، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٩١٩، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ١٩٠، ١٩٨.\nوقد رجح أن هذا هو المراد بهذه الآية كل من: ابن جرير في تفسيره: ٥/ ١٣، والزجاج في معاني القرآن: ٢/ ٣٨، والنحاس في معاني القرآن: ٢/ ٦٢، والشنقيطي في أضواء البيان: ١/ ٣٨٤.\n\nقال ابن الجوزي: وقد تكلف قوم من مفسري القراء فقالوا: المراد بهذه الآية نكاح المتعة ثم نسخت بما روي عن النبي - ﷺ - أنه نهى عن متعة النساء، وهذا تكلف لا يحتاج إليه؛ لأن النبي - ﷺ - أجاز المتعة ثم منع منها، فكان قوله منسوخًا بقوله، وأما الآية فإنها لم تتضمن جواز المتعة؛ لأنه تعالى قال فيها: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ فدل ذلك على النكاح الصحيح. [زاد المسير: ٢/ ٥٣، ٥٤].","vol":"1","page":810},{"text":"وقال قوم: إنه المتعة حين كانت حلالًا قبل أن ينزل تحريمها، ويحرمها * رسول الله - ﷺ - (^١).\nوالطرق في تحريمها كثيرة فمنها: ما رواه مالك عن الزهري عن عبد الله (^٢) والحسن (^٣) ابني محمد بن علي عن أبيهما (^٤) عن علي بن أبي طالب - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - نهى عن متعة النساء (^٥)\n_________\n* لوحة: ٨٦/ب.\n(^١) هذا يروى عن: ابن عباس، وعائشة، والسدي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وابن المسيب، والقاسم بن محمد، وعروة، وغيرهم. قال القرطبي: وقال الجمهور: المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام.\nالناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ٧٨، تفسير الطبري: ٥/ ١٢، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٩١٩، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ١٩١، تفسير القرطبي: ٥/ ١٣٠.\n(^٢) عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو هاشم، عن: أبيه، وعنه: الزهري، وعمرو بن دينار، ثقة، مات سنة ٩٨ هـ. [الكاشف: ١/ ٥٩٥، التقريب: ٥٤٣].\n(^٣) الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو محمد المدني، عن: أبيه، وابن عباس، وعنه: الزهري، وموسى بن عبيدة، ثقة فقيه، يقال: إنه أول من تكلم في الإرجاء، مات سنة ٩٥ هـ.\n[الكاشف: ١/ ٣٢٩، التقريب: ٢٤٣].\n(^٤) محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو القاسم ابن الحنفية المدني، عن: أبيه، وعثمان، وعنه: بنوه، وعمرو بن دينار، ثقة عالم، مات سنة ٨٠ هـ. [الكاشف: ٢/ ٢٠٣، التقريب: ٨٨٠].\n(^٥) متعة النساء: المراد بها نكاح المتعة، قال ابن الأثير: نكاح المتعة هو النكاح إلى أجل معين، وهو من التمتع بالشيء الانتفاع به. [النهاية في غريب الحديث والأثر: ٤/ ٢٩٢].\nوقال القاضي عياض: ولا خلاف بين العلماء أن هه المتعة كانت نكاحًا إلى أجل لاميراث فيه، وفراقها بإنقضاء الأجل من غير طلاق. [إكمال المعلم: ٤/ ٥٣٧].","vol":"1","page":811},{"text":"يوم خيبر (^١) (^٢).\nكذا رواه الناس عن مالك، خلا يحيى بن سعيد الأنصاري عن مالك فإنه قال فيه: يوم\nحنين (^٣) (^٤). رواه عبد الوهاب الثقفي (^٥)\n_________\n(^١) خيبر: موضع شمال المدينة، يطلق هذا الاسم على الولاية، وتشتمل على سبعة حصون، فتحها رسول الله - ﷺ - سنة ٧ هـ على الصحيح. ... [معجم البلدان: ٢/ ٤٠٩، البداية والنهاية: ٤/ ٥٧٠].\n(^٢) رواه البخاري في صحيحه: ٤/ ١٥٤٤ كتاب المغازي باب غزوة خيبر من طريق يحيى بن قزعة عن مالك به، وفيه: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الأنسية، و٥/ ٢١٠٢ كتاب الذبائح والصيد باب لحوم الحمر الأنسية عن عبد الله بن يوسف عن مالك به، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٥٣٧ كتاب الصيد والذبائح حديث: ٢٢ من طريق يحيى بن يحيى عن مالك به، ورواه مالك في الموطأ: ٢/ ٤٣٧ كتاب النكاح حديث: ٤١. وقد روي عن غيرهم.\n(^٣) في الأصل: يوم خيبر، والصواب ما أثبت كما سيأتي في تخريج هذا الأثر.\n(^٤) حنين: واد بالطائف، وفيه وقعت غزوة حنين بين رسول الله - ﷺ - وبين ثقيف وهوازن، وكانت تلك الغزوة سنة ٨ هـ. ... [معجم ما استعجم: ٢/ ٤٧١، البداية والنهاية: ٤/ ٧١٨].\n(^٥) عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت الثقفي، أبو محمد البصري، عن: يحيى بن سعيد الأنصاري، وحميد الطويل، وعنه: أحمد بن حنبل، ومسدد، ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين، مات سنة ٩٤ هـ.\n\n[تهذيب الكمال: ١٨/ ٥٠٣، التقريب: ٦٣٣].","vol":"1","page":812},{"text":"عن يحيى (^١).\nوالذي نزل عن الله ﷿ في التحريم للمتعة قوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ دُونَ أَنْزَلْنَا﴾ (^٢). قال القاضي - ﵀ -: فلا نعلم أن الله ﵎ أحل فرجًا إلا بتزويج يقع فيه الطلاق، وتكون فيه الموارثات، أو بملك يمين، فهذه الآية نسخت كل ما سوى الزوجة، وملك اليمين، فلا حلال إلا ما كان من هذين الوجهين، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) قال ابن حجر: (زمن خيبر) هكذا لجميع الرواة عن الزهري (خيبر) بالمعجمة أوله والراء آخره، إلا ما رواه عبد الوهاب الثقفي عن يحيى بن سعيد عن مالك في هذا الحديث فإنه قال: (حنين) بمهملة أوله ونونين، أخرجه النسائي والدارقطني، ونبها على أنه وهم تفرد به عبد الوهاب، وأخرجه الدارقطني من طريق أخرى عن يحيى بن سعيد فقال: خيبر على الصواب. ... [فتح الباري: ٩/ ٢١٠].\nروى النسائي في سننه: ٦/ ٤٣٦ كتاب النكاح باب تحريم المتعة قال: أخبرنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار ومحمد ابن المثنى قالوا: أنبأنا عبد الوهاب قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني مالك بن أنس أن بن شهاب أخبره أن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي أخبراه أن أباهما محمد بن علي أخبرهما أن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: نهى رسول الله - ﷺ - يوم خيبر عن متعة النساء. قال ابن المثنى: يوم حنين، وقال: هكذا حدثنا عبد الوهاب من كتابه.\nقلت: هذه هي الرواية الوحيدة التي وقفت عليها، وفيها (يوم حنين)، والذي يظهر أن ما وقع في كتاب عبد الوهاب الثقفي إنما هو تصحيف من خيبر إلى حنين، فإن رسم الكلمتين قريب من بعض، ومما يدل على ذلك: أنه قد روى هذا الحديث غير واحد من طريق عبد الوهاب الثقفي وفيه: يوم خيبر.\nفقد روى الترمذي في سننه: باب ما جاء في لحوم الحمر الأهلية من أبواب الأطعمة، تحفة الأحوذي: ٥/ ٥٠٩، والخطابي في غريب الحديث: ١/ ٢٦٣، وابن عبد البر في التمهيد: ١٠/ ٩٧، والخطيب البغدادي في تاريخه: ١٤/ ٢٣٩ كلهم من طريق عبد الوهاب الثقفي عن يحيى بن سعيد عن مالك به، وفيه: خيبر.\nوقد رواه البزار في مسنده: ٢/ ٢٤٢ من نفس الطريق، وفيه: أنه نهى عن متعة النساء. دون ذكر للزمن.\n(^٢) [سورة المؤمنون: الآيات ٥ - ٧]","vol":"1","page":813},{"text":"قال الله جل وعز: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (^١) هن الإماء إذ أُحل للحر أن يتزوجهن بكمال الشرطين فيه: ألا يجد الطول، ويخشى العنت، فهو الذي قال الله ﷿: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (^٢) وهو الصداق، وقال: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^٣)، وقال: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (^٤) فدل على أن محصنات ومحصنين عنى به التزويج، والله أعلم (^٥).\n_________\n(^١) [سورة الممتحنة: الآية ١٠]\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٢٥]\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٢٥]\n(^٤) [سورة النساء: الآية ٢٤]\n(^٥) قال القرطبي: يحتمل وجهين: أحدهما ما ذكرناه، وهو الإحصان بعقد النكاح، تقديره: أطلبوا منافع البضع بأموالكم على وجه النكاح لا على وجه السفاح، فيكون للآية على هذا الوجه عموم، ويحتمل أن يقال: محصنين أي الإحصان صفة لهن، ومعناه: لتزوجوهن على شرط الإحصان فيهن، والوجه الأول أولى؛ لأنه متى أمكن جري الآية على عمومها والتعلق بمقتضاها فهو أولى؛ ولأن مقتضى الوجه الثاني أن المسافحات لا يحل التزوج بهن وذلك خلاف الإجماع. [الجامع لأحكام القرآن: ٥/ ١٢٧].","vol":"1","page":814},{"text":"قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^١) * قال علي بن أبي طالب - ﵁ -: لا ينبغي للحر أن يتزوج أمة وهو يجد طولًا إلى حرة، فإن فعل فرق بينهما وعزر (^٢).\nوقال جابر بن عبد الله (^٣)، وابن عباس (^٤)، وسعيد بن جبير (^٥)،\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٢٥]\n* لوحة: ٨٧/أ.\n(^٢) رواه ابن حزم في المحلى تعليقًا: ٩/ ٤٤١ حيث قال: فروينا عن علي ولم يصح عنه: لا ينبغي لحر أن يتزوج أمة، وهو يجد طولًا يتزوج به، فإن فعل فرق بينهما.\n(^٣) روى الشافعي في الأم: ٥/ ١٠ عن جابر بن عبد الله قال: من وجد صداق حرة فلا ينكح أمة. ورواه ... عبد الرزاق في مصنفه: ٧/ ٢٦٤، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٤٥٣ في الرجل يتزوج الأمة من كرهه، وابن جرير في تفسيره: ٥/ ١٦، والبيهقي في سننه: ٧/ ١٧٤ باب ما جاء في نكاح إماء المسلمين كتاب النكاح.\n(^٤) روى البيهقي في سننه: ٧/ ١٧٣ الموضع السابق عن ابن عباس قال: من لم يكن له سعة أن ينكح الحرائر فلينكح من إماء المسلمين وذلك لمن خشي العنت وهو الفجور، فليس لأحد من الأحرار أن ينكح أمة إلا ألا يقدر على حرة وهو يخشى العنت وإن تصبروا عن نكاح الإماء فهو خير لكم. ورى نحوه ابن أبي حاتم في تفسيره: ... ٣/ ٢٩٤.\nوروى سعيد بن منصور في سننه: ٤/ ١٢٣١ عن ابن عباس: ما تزحَّفَ - أي ما تباعد - ناكح الأمة عن الزنا إلا قليلًا. وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٤٥٣ الموضع السابق، وابن جرير في تفسيره: ٥/ ٢٤.\n(^٥) روى سعيد بن منصور في سننه تحقيق الأعظمي: ١/ ١٩٥ عن سعيد بن جبير قال: الطول الغنى، إذا لم يجد ما ينكح به الحرة تزوج أمة. وروى نحوه: ابن جرير في تفسيره: ٥/ ١٧، والبيهقي في سننه: ٧/ ١٧٤.\n\nوروى عبد الرزاق في مصنفه: ٧/ ٢٦٨ عنه: ما ازلَحَفَّ - أي ما تباعد - ناكح الأمة عن الزنا إلا قليلًا، ورواه أيضًا: سعيد بن منصور في سننه: ٤/ ١٢٢٨، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٤٥٣ الموضع السابق، وابن جرير في تفسيره: ٥/ ٢٥.","vol":"1","page":815},{"text":"والحسن (^١)، ومجاهد (^٢)\n،\n_________\n(^١) روى عبد الرزاق في مصنفه: ٧/ ٢٦٤ عن الحسن البصري قال: لا ينكح الحر الأمة إلا أن يخشى على نفسه ولا يجد طولًا لحرة، وروى نحوه سعيد بن منصور في سننه تحقيق الأعظمي: ١/ ١٩٥، وابن أبي شيبة في مضنفه: ٣/ ٤٥٣ الموضع السابق، والبيهقي في سننه: ٧/ ١٧٤ الموضع السابق.\n(^٢) روى البيهقي في سنه: ٧/ ١٧٤ الموضع السابق عن مجاهد: من لم يجد منكم غنى أن ينكح المحصنات يعني الحرائر فلينكح الأمة المؤمنة، وأن تصبروا عن نكاح الإماء فهو خير لكم، وهو حلال.\nقلت: وهذا الأثر عن مجاهد يحتمل اشتراطه لنكاح الإماء ألا يجد غنى، ويحتمل أن يكون نكاح الأمة عنده حلال، فقد روى عبد الرزاق في مصنفه: ٧/ ٢٦٤ عنه أن قال: في نكاح الإماء: لا بأس به.","vol":"1","page":816},{"text":"وعطاء (^١)، وجابر بن زيد (^٢)، والشعبي (^٣)، والحكم (^٤)، وحماد (^٥)، ... ومكحول (^٦) (^٧)، وابن شهاب (^٨)،\n_________\n(^١) روى عبد الرزاق في مصنفه: ٧/ ٢٦٣ عن عطاء: لا يحل لحر أن ينكح أمة اليوم وهو يجد بصداقها حرة، وروى نحوه سعيد بن منصور في سننه تحقيق الأعظمي: ١/ ١٩٤، وابن جرير في تفسيره: ٥/ ١٦.\n(^٢) جابر بن زيد أبو الشعثاء تقدم، روى عنه الشافعي في الأم: ٥/ ١٠ أنه سئل عن نكاح الأمة فقال: لا يصلح اليوم نكاح الإماء، وروى نحوه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٤٥٣ الموضع السابق، والبيهقي في سننه: ٧/ ١٧٤ الموضع السابق.\n(^٣) روى سعيد بن منصور في سننه تحقيق الأعظمي: ١/ ١٩٧ عن الشعبي أنه قال: إذا وجد طولًا للحرة حرمت عليه الأمة، ونحوه عند ابن جرير في تفسيره: ٥/ ١٦، وروى ابن أبي يشبة في مصنفه: ٣/ ٤٥٣ الموضع السابق عنه أنه قال: نكاح الأمةكالميتة، والدم ولحم الخنزير لا يحل إلا للمضطر، وروى نحوه ابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٩٢١.\n(^٤) الحكم بن عتيبة الكندي مولاهم، أبو محمد الكوفي، عن: ابن أبي أوفى، وأبي جحيفة، وعنه: مسعر، وشعبة، ثقة فقيه، مات سنة ١١٥ هـ. [الكاشف: ١/ ٣٤٤، التقريب: ٢٦٣].\n(^٥) روى ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٤٥٣ الموضع السابق عن شعبة عن الحكم وحماد سئلا عن نكاح الأمة، فقالا: لمن خشي العنت منكم، وذكره ابن عبد البر في الاستذكار: ١٦/ ٢٣٥.\n(^٦) مكحول الشامي، أبو عبد الله فقيه الشام، عن عائشة وأبي هريرة، وعنه: الزبيدي والأوزاعي، ثقة فقيه كثير الإرسال، مات سنة ١١٣. ... [الكاشف: ٢/ ٢٩١، التقريب: ٩٦٩].\n(^٧) روى ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٤٥٣ الموضع السابق: لا يصلح للحر أن يتزوج الأمة إلا ألا يجد طولًا، وذكره الجصاص في أحكام القرآن: ٢/ ٢٢٤.\n(^٨) روى عبد الرزاق في مصنفه: ٧/ ٢٦٤ عن الزهري: لا يحل لحر أن ينكح أمة وهو يجد طول حرة ..","vol":"1","page":817},{"text":"وابن قسيط (^١) (^٢)، وقتادة (^٣)، ومالك بن ... أنس (^٤)، وزيد بن أسلم (^٥)، كلهم بما أوجبته الآية: أنه لا يجز لحر يجد الطول، ولا يخشى العنت، ومنهم من قال: يجد الطول، ولم يذكر العنت، وقرأ مع ذلك الآية أنه لا يجوز، إلا مع خوف العنت، أن ينكح أمة. ومنهم من قال عقيب قوله: لا يجوز، مع ذكر الشرطين اللذين شرطهما الله ﵎: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) يزيد بن عبد الله بن قُسيط بن أسامة الليثي، أبو عبد الله المدني الأعرج، عن: أبي هريرة، وابن المسيب، وعنه: مالك، والليث، ثقة، مات سنة ١٢٢ هـ. [الكاشف: ٢/ ٣٨٦، التقريب: ١٠٧٨].\n(^٢) لم أقف عليه.\n(^٣) روى عبد الرزاق في مصنفه: ٧/ ٢٦٣ عن قتادة: إذا خشي على نفسه العنت فلينكحها.\n(^٤) الموطأ: ٢/ ٤٢٤ كتاب النكاح، المدونة: ٢/ ١٣٧، النوادر والزيادات: ٤/ ٥١٨.\n(^٥) لم أقف عليه.\n(^٦) [سورة النساء: الآية ٢٥]","vol":"1","page":818},{"text":"وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا بأس أن يتزوج الحر المسلم الأمة، وهو يجد الطول إلى الحرة، ولا يخشى على نفسه العنت (^١). وهذا قول يجاوز فساده فساد ما يحتمل التأويل؛ لأنه شيء حظره الله في كتابه، إلا على الجهة التي أباحها (^٢). فإن قيل: قد يمكن أن يكون في ذلك على الاختيار لهم، لا على جهة التحريم. قيل: قد جاء الاختيار بعد التحريم لقوله: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (^٣) فكان هذا موضع الاختيار، ولو كان الأول على الاختيار لم يحتاجوا إلى اختيار ثاني، ولا أعلم أحدًا ممن تكلم في تفسير القرآن قال ما قالوه، وقوله ﷿: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ (^٤) دليل على أنه إن لم يخش العنت فليس ذلك له، فلما أبيح له في موضع، وحظر عليه في موضع، علم أن ذلك على الإيجاب، لا على الاختيار.\n_________\n(^١) ذهب الأحناف إلى جواز نكاح الأمة وإن قدر على تزوج الحرة إذا لم تكن تحته حرة، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٢٢٥، ٢٢٩، مختصر اختلاف العلماء للجصاص: ٢/ ٣٠٤.\n(^٢) قال الجصاص: وذكر إسماعيل بن إسحاق هذه الآية وذكر اختلاف السلف فيها، ثم ذكر قول أصحابنا في تجويزهم نكاح الأمة مع القدرة على تزويج الحرة، فقال: وهذا قول تجاوز فساده، ولا يحتمل التأويل؛ لأنه محظور في الكتاب إلا من الجهة التي أبيحت. ثم شرع الجصاص في الرد عليه. أحكام القرآن: ٢/ ٢٢٨.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٢٥]\n(^٤) [سورة النساء: الآية ٢٥]\n* لوحة: ٨٧/ب.","vol":"1","page":819},{"text":"قال القاضي: وبلغني أن محتجًا من أصحاب أبي حنيفة * احتج في جواز نكاح الأمة الكافرة (^١)، ونكاح الأمة، وإن كان يجد الطول، ولا يخاف العنت، بقول الله تعالى في الآية: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ (^٢)، وأنا نجيز نكاح من كانت هذه صفته، وإن كان قد شرط (^٣)،\n_________\n(^١) مسألة نكاح الأمة الكافرة ستأتي في سورة المائدة إن شاء الله عند قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥].\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٢٥]\n(^٣) أي: أن المالكية يجيزون نكاح الزانية مع اشتراط كونهن عفيفات غير زانيات.\n\nومذهب المالكية في هذه المسألة كراهية التزوج بالزانية المشهورة بذلك، وجوازه بعد الاستبراء من الزنى، وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى حل نكاحها وصحته دون شرط، وذهب الحنابلة إلى اشتراط شرطين: انقضاء عدتها، وتوبتها من الزنى. [الأم: ٥/ ١٢، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٧٠١، أحكام القرآن للجصاص: ... ٣/ ٣٩١، المغني: ٩/ ٥٦١، تفسير القرطبي: ١٢/ ١٧٠].","vol":"1","page":820},{"text":"قال: فلذلك نجيز نكاح الكافرة مع وجود الطول. فقيل له: ليس يجوز أن يتكلم الله ﵎ بما لا فائدة فيه؛ لأنه ﷿، وما قبل الآية وبعدها ففيه بيان ما قلنا؛ لأنه قال جل ثناؤه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (^١)، ثم قال جل وعز: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (^٢) فكان هذا الشرط مخاطبة في الرجال ولهم، ثم أجمعنا جميعًا: أن غير المحصن والمسافح، يحل له النكاح، وجرى هذا عند العلماء مجرى وعظ، فكذلك هو في الإماء محصنات غير مسافحات وعظًا لهن، لأن أفعالهن في ذلك أكثر، لا يعلمه إلا الله ﷿، وأجمعت العلماء على أنه: ليس لأحد أن يكشف عن ذلك إلا أن يعلنه فاعله من الرجال والنساء، وجرى ذلك مجرى الاختيار للعباد إذا عرفوا ذلك أن ينتهوا عنه، ولم يجز أن يجري مجرى الشروط؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ (^٣)،\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٢٣]\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٢٤]\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٢٥]\n\n* لوحة: ٨٨/أ.","vol":"1","page":821},{"text":"وهذا حرف شرط، ثم لم يرض بهذا الشرط ﵎ حتى ثنَّى بشرط ثاني، وهو ... خوف العنت وارتكاب المحارم، ثم أتى بعده بالاختيار والتنزه، فقال * عز من قائل: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (^١) فهذا موضع الاختيار، كذلك: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ (^٢) معناه والله أعلم: أمرًا لمن عقد على أمة، إذ كن متبذلات (^٣) في الطرق، والحظر عليهن، والضبط لهن، حفظًا للنسب الذي لا يؤمن كونه وحدوثه، فلما اتفقنا على أنه في الرجال والنساء وعظ، جرى في الإماء مجرى الوعظ لهن، والحفظ منا لهن، وهي أفعال لا تدوم، وقد يترك عند القدرة على الحلال، والعقود تدوم بين المتناكحين، وفي هذا بيان لمن نصح نفسه، وبالله التوفيق.\nوالمعنى الذي لأجله نهينا عن الإماء أن نجعل أولادنا عبيدًا، والكافر لا يجوز أن يملك أولاد المسلمين، فإن قيل: فقد توطأ الكافرة بملك اليمين. فذلك لأن الولد حر، فهذا مما يأتي منهم، ولو أجزنا نكاح الأمة الكافرة لكان الولد عنده إلى أن يظهر فيباع عليه، وهذا نظرًا من الله ﵎ لعباده، فخرج هذا لذلك، وبقي الشرطان على حالهما.\nقال ابن زيد (^٤)، ومجاهد (^٥): خوف العنت الزنا، وقال طاوس مثل ذلك (^٦).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٢٥]\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٢٥]\n(^٣) متبذلات أي: تاركات للتصون والحشمة، قال ابن فارس: الباء والذال واللام كلمة واحدة وهو ترك صيانة الشيء. ... [مقاييس اللغة: ١٠٤].\n(^٤) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير: ٢/ ٥٨، وأبو حيان في البحر المحيط: ٣/ ٥٩٩.\n(^٥) رواه ابن جرير في تفسيره: ٥/ ٢٤، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٩٢٤.\n(^٦) لم أقف عليه بنصه، لكن روى عبد الرزاق في مصنفه: ٧/ ٢٦٣ عن ابن طاوس عن أبيه: لا يحل لحر أن ينكح أمة اليوم وهو يجد بصداقها حرة، قال: قلت: فخاف الزنى، قال ما أعلمه يحل له.","vol":"1","page":822},{"text":"وقال مسروق: إن الرجل إذا تزوج أمة، ثم تزوج حرة، حرمت عليه الأمة، أجراها مجرى الميتة، بل قال: هي كالميتة يضطر إليها، فإذا أغناك الله عنها فاستغنه (^١). وكيف يسوغ لذي فهم إباحة ما حظر الله؟ يقول الله ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (^٢) فكان قوله: ﴿طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (^٣) دليلًا على الاستئناف، وأنه مطلق لكل من أراد أن يتزوج وكانت له امرأة، أو لم تكن * له امرأة، ولو كان ذلك لمن لا زوجة له لكان من له زوجة غير مأمور ولا منهي بالآية، ولو كان منهيًا بأنه قد كان استطاع الطول وتزوج، لكان منهيًا إذا بانت زوجته منه؛ لأنه قد استطاع الطول وتزوج، واستطاعة الطول: التزويج إنما يكون لوقوع النكاح، فأما إذا وقع فمحال أن يقال بعد وقوعه: هو مستطيع الطول لأن يتزوج؛ إذ كان التزويج قد مضى، فإن قيل: لم لا يكون معنى من يريد أن يتزوج أمة، وهو يجد الطول إلى حرة، بمعنى من عنده حرة وهو يريد أن يتزوج أمة.\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق في مصنفه: ٧/ ٢٦٧، وسعيد بن منصور في سننه تحقيق الأعظمي: ١/ ١٩٦، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٤٥٥ باب إذا نكح الحرة على الأمة فرق بينه وبين الأمة، والبيهقي في سننه: ٧/ ١٧٦ باب من زعم أن نكاح الحرة على الأمة طلاق الأمة كتاب النكاح.\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٢٥]\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٢٥]","vol":"1","page":823},{"text":"قيل له: فظاهر القرآن الذي وجب علينا اتباعه على ما وصفنا، ومن بعد فإن بين هذين المعنيين فرق؛ لأن الحر إنما أرخص له أن يتزوج الأمة إذا لم يجد الطول لحرة، وخاف العنت، ولو لم يجد الطول لحرة، ولم يخف العنت لما حلت له الأمة، وكذلك إذا كان عنده حرة وأمة، وهو لا يجد الطول لأن يتزوج حرة، ويخاف العنت حلت له الأمة، واستوت حاله في مخافة العنت إذا كانت عنده حرة أو لم تكن، وليس حاله في حرة قد تزوجها كحاله في حرة يريد أن يتزوجها؛ لأن الذي عنده حرة قد تزوجها قد تبين له بعد الامتحان أنه يخاف العنت، والذي يريد أن يتزوج وهو يجد الطول لا يدري لعله إذا تزوج حرة ألا يخاف العنت، وألا يحتاج إلى غيرها، فما لم يقع الأمر فهو شاك لا يدري، أيخاف أم لا، فإذا وقع فهو متيقن أنه قد خاف، وهذا الموضع الذي أبيح له، والله أعلم *.\nفإن قيل: فلم لم ينفسخ نكاحه إذا تزوج أمة، ثم وجد الطول لحرة؟ إذ كان إنما جاز له حين لم يجد الطول، فإذا وجد الطول انبغى أن يفسخ نكاحه، كما ينفسخ نكاحه إذا ارتد. قيل: لو انفسخ نكاحه بأنه وجد الطول لا ينفسخ نكاحه إذا لم يخش العنت، فليس ينفسخ من هذا النكاح؛ إذ قد مضى على صحة، ولا يشبه هذا المرتد، ولا التحريم الذي يقع بالرضاع؛ لأن المسلم تحرم عليه الكافرة من غير أهل الكتاب بقوله عز من قائل: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (^١) وليس يجوز أن يتزوج أمة، وأخته من الرضاع، ولا أن يبتدئ نكاح كافرة، ويجوز له أن يستأنف نكاح الأمة في وقت، ولا يجوز له في وقت، والأم، والأخت، وزوجة الأب، والمرتدة، لا يجوز ابتداؤه، وإذا حدث بطل النكاح؛ إذ لا يجوز أن يُبتدأ.\n_________\n* لوحة: ٨٨/ب.\n* لوحة: ٨٩/أ.\n(^١) [سورة الممتحنة: الآية ١٠]","vol":"1","page":824},{"text":"فإن قيل: المسلم يجوز له تزويج المسلمة (^١). قلنا له: الأمة إنما حرمت لأن متزوجها يرق ولده، فإذا أوقعت الإباحة بوجود الشرطين، فقد زال حكم التحريم، وصارت في نفسها حلالًا، كما أن الفقير يجوز له أخذ الزكاة، فإذا ملكها ثم أيسر بعد ذلك لم تحرم عليه. ومن شبّه الأمة بالميتة فقد غلط؛ لأن الله ﵎ جعل الأمة لمتزوجها عند الإباحة حلالًا، وأجمع المسلمون على تحليله، وقد سماه الله ﷿ طيبًا فقال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (^٢)\n_________\n(^١) أي: الأمة المسلمة.\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٣]\n* لوحة: ٨٩/ب.","vol":"1","page":825},{"text":"يعني ما حلل لكم، والميتة حرام قبل الاضطرار، وحرام بعد الاضطرار عينها، لا تنتقل عن التحريم، وإنما وقعت الإباحة لاجتماع أمرين كلاهما حرام، إلا أن أحدهما أعظم من الآخر، فأحدهما يُسلي نفسه * بالصبر عنها، والآخر أكلها وإن كانت محرمة ليُحيي بها نفسه، فكان إحياء النفس أولى، فأباحها الله ﷿، وأسقط المآثم فيها، وغفر الذنب، فقال عز من قائل: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (^١) ومع ذلك فإن أحدًا لا يُملكُ الميتة وقت أكلها، ولا بعد ذلك، ولا قبله. والأمة قد مُلك بضعها المتزوج بها ملكًا صحيحًا، وزال حكم الحظر. والحجة في هذه المسألة من وجوه كثيرة. قال الله ﷿: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (^٢) فلم يجز التفريق بين زوجين قد صارا بهذه الصفة، وليس العلة في الأمة من قِبَلِ نفسها، وعلة المرتدة من قِبَلِ نفسها، فلم يقو أمر الولد الذي كُرهت الأمة من أجله الذي هو غيرها، على أن يفسخ به ما مضى من نكاحها الصحيح، والله أعلم.\nقال الله ﷿: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٧٣]\n(^٢) [سورة الروم: الآية ٢١]\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٢٥]","vol":"1","page":826},{"text":"حكي عن بعض أهل العراق أنه قال: لا بأس أن يزوج الرجل أمته من عبده بغير صداق (^١). وهذا (^٢) مخالف لكتاب الله ﷿؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (^٣) وقال في سائر النساء: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (^٤) فوجب أن تكون الأجور لهن، حرائر كن أو إماء، وليس يجوز لأحد أن يخالف كتاب الله (^٥).\n_________\n(^١) قال محمد بن الحسن: قال أبو حنيفة - ﵁ -: لا ينبغي للرجل أن يزوج أمته عبده بغير شهود، ولا بأس أن يزوج أمته عبده بغير مهر؛ لأن المهر لو سماه كان للسيد، ولا يكون للسيد على عبده صداق. [الحجة: ٣/ ٤١٧].\n(^٢) في الأصل: وهذا هو، والصواب ما أثبت.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٢٥]\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ٥]\n(^٥) قال الجصاص: وحكى هذا القائل: أن بعض العراقيين أجاز أن يزوج المولى أمته عبده بغير صداق، وهذا خلاف الكتاب زعم .. قال أبو بكر: ما أشد إقدام مخالفينا على الدعاوى على الكتاب والسنة، ومن راعى كلامه وتفقد ألفاظه قلّت دعاويه بما لا سبيل له إلى إثباته، فإن كان هذا القائل إنما أراد: أنهم أجازوا أن يزوج أمته عبده بغير تسمية مهر فإن كتاب الله تعالى قد حكم بجواز ذلك في قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] فحكم بصحة الطلاق في نكاح لا مهر فيه مسمى، فدعواه أن ذلك خلاف الكتاب قد أكذبها الكتاب، وإن كان مراده: أنهم قالوا إنه لا يثبت مهر ويستبيح بضعها بغير بدل، فهذا مالا نعلم أحدًا من العراقيين قاله، فحصل هذا القائل على معنيين باطلين أحداهما: دعواه على الكتاب، وقد بينا أن الكتاب بخلاف ما قال، والثاني: دعواه على بعض العراقيين ولم يقل أحد منهم ذلك، بل قولهم في ذلك: أنه إذا تزوج أمته من عبده وجب لها المهر بالعقد لامتناع استباحة البضع بغير بدل، ثم يسقط في الثاني حين يستحقه المولى؛ لأنها لا تملك، والمولى هو الذي يملك مالها ولا يثبت للمولى على عبده دين، فههنا حالان: أحداهما حال العقد يثبت فيها المهر على العبد، والحال الثانية هي حال انتقاله إلى المولى بعد العقد ... فيسقط. ... [أحكام القرآن: ٢/ ٢٣٨].\nوممن وافق الأحناف في هذه المسألة الشافعية حيث ذهبوا إلى أن العبد لا يملك، وأن المهر إنما أضيف إليهن لوجوبه بسبب نكاحهن، وهي رواية عن أحمد. [أحكام القرآن للكياالهراسي: ٢/ ٣١٣، المغني: ١٠/ ١٥٢].\nوقد ذكر ابن العربي اعتراضات الجصاص والكيا الهراس على القاضي إسماعيل، ثم أحاب عنها.\n[أحكام القرآن: ١/ ٥٠٨].","vol":"1","page":827},{"text":"فإنه لا ينقاس (^١) عنده أن العبد لا يملك، وينقاس عنده أن يكون الصداق فرضًا من فروض الله، لا يجوز للنساء أن يُملكن * إلا به، ثم يكون الصداق الذي وجب بالغشيان لعين المرأة التي تغشى، ونحن نعلم أن الغشيان إذا وقع فلابد من وجوب الصداق فيه، وما لم يقع فقد يمكن أن لا يجب صداق، مثل: أن يتزوج الرجل على غير تسمية، ثم يطلق قبل الدخول، فإذا وقع الدخول فلا بد من وجوب الصداق، فكيف يجوز للسيد أن يزيل ما أوجبه الله ﷿ بالغشيان؟ ولو كان يجوز للسيد أن يزوج عبده من أمته بغير صداق كان الصداق إنما هو له، فله أن يوجبه، وله أن يبطله، فيلزمهم أن يقولوا: إنه يجوز له أن يزوج أمته من عبد غيره، أو من حر على ألا صداق، فيصل إلى أن يهب الفرج. وهذا ما لا يجوز لأحد؛ إذ خص به النبي - ﷺ - في الحرائر (^٢)، فهذا نكاح لا يجوز لأحد. فإن قالوا: الصداق هناك يصير من نفسه إلى نفسه. قلنا: ليس الأمر على ما ظننتم، لكنها تملك الصداق، ويكون له انتزاعه بعد أن ملكته، ألا تراه جل وعز قال للحر إذا تزوج الأمة: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (^٣) فلو كانت لا تملكه لقيل: وآتوهم أجورهن، ولم يكن يأمرنا بدفع ما يملكه السيد إلى غير مالكه، وكان الأمر يخرج باللفظ الذي لا يشكل أولًا.\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: فإنه ينقاس عنده أن العبد لا يملك.\n* لوحة: ٩٠/أ.\n(^٢) يشير إلى قوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠].\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٢٥]","vol":"1","page":828},{"text":"قال القاضي: وقد كان ابن سريج (^١) عارضني في هذه الآية بأن قال: قال الله ﵎: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (^٢) فقد يكون فيهن من لا يجوز قبضه فيدفع إلى غيره، كذا قيل هاهنا في الأمة، والدفع إلى غيرها.\nفقلت له: الآيتان عليك، وذلك أن قوله ﵎: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (^٣) قد علمنا جميعًا أنهن المالكات القابضات *، فإذا كان فيهن الصغيرة التي لا تقبض بنفسها قبض لها أبوها، أو من يقوم مقامه بأمره، والملك لها، وجنس الإماء عندك لا يملك، فلو كان كما تقول، لكان الميم أولى من النون، وليس لك في الآيتين حجة، وكذلك نقول في الإماء: إنهن المالكات القابضات بنص الكتاب، وقد يكون أيضًا منهن الصغيرة التي لا يجوز قبضها فيقبض لها سيدها، والملك لها ما لم يشهد على انتزاعه منها. وقد زعم أهل العراق: أنه لو وهب رجل لعبده هبة وقبضها العبد، لكانت الهبة جائزة، وكان القبض جائزًا، وهم في الأصل يقولون: إن الهبة لا تكون جائزة بأمة حتى يقبضها الموهوب له، أو وكيله (^٤)، ثم حاروا في هذا الموضع: قبض العبد للهبة وهو لا يملكها عندهم، ولا وكّله سيده في قبضها.\n_________\n(^١) أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، أبو العباس القاضي، ولد لبضع وأربعين ومئتين، إمام أصحاب الشافعي، شرح المذهب ولخصه، وصنف الكتب في الرد على المخالفين من أهل الرأي وأصحاب الظاهر، من مصنفاته: الرد على ابن داود في القياس، والرد على ابن داود في مسائل اعترض بها على الشافعي، مات سنة ٣٠٦ هـ.\n[سير أعلام النبلاء: ١٤/ ٢٠١، طبقات الشافعية للسبكي: ٣/ ٢١].\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٤]\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٤]\n* لوحة: ٩٠/ب.\n(^٤) انظر بدائع الصنائع: ٦/ ١٢٥ - ١٢٧.","vol":"1","page":829},{"text":"قال الله ﷿: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (^١).\nالإحصان عندنا من وجوه أربعة: فالحرية إحصان، والإسلام إحصان، والعفاف إحصان، والزوجة إحصان، إذا دخل بزوجته إحصان. وهو مأخوذ من الحصن والتحصن (^٢)، والإحصان الذي أراد الله ﵎ هاهنا بقوله ﷿: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ (^٣) يعني أسلمن؛ لأن العبودية أوجبها الكفر، فملكناهم كفارًا بالقدرة عليهم، فقيل: فإذا أسلمن فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب بالحرية والإسلام، وليس المراد هاهنا بالمحصنات المتزوجات؛ إذ كان ما عليهن وهو الرجم * لا يتنصف، فعلم أنه أريد المحصنات بالحرية والإسلام، لما كان الإحصان هاهنا غير الزوجية كان قوله: ... ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ (^٤) غير الزوجية، وهن يحصن بالإسلام.\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٢٥]\n(^٢) انظر تفسير الطبري: ٥/ ٧، المحرر الوجيز: ٤/ ٧٤، مفردات الراغب: ١٢٠، النهاية في غريب الحديث: ١/ ٣٩٧، لسان العرب: ١٣/ ١١٩.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٢٥]\n* لوحة: ٩١/أ.\n(^٤) [سورة النساء: الآية ٢٥]","vol":"1","page":830},{"text":"فقد روى زيد بن خالد (^١) وأبو هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: إذا زنت أمة أحدكم فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها، ولو بضفير (^٢). والضفير الحبل (^٣). وكان أصحاب رسول الله - ﷺ - يضربون إماءهم إذا ... زنين (^٤).\n_________\n(^١) زيد بن خالد الجهني، مختلف في كنيته، فقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو طلحة، روى عن النبي - ﷺ -، سكن المدينة وبها مات، شهد الحديبية مع رسول الله - ﷺ -، وكان معه لواء جهينة يوم الفتح، مات سنة ٧٨ هـ. ... [معرفة الصحابة: ٣/ ١١٨٩، الإصابة: ١/ ٥٦٥].\n(^٢) روى البخاري في صحيحه: ٢/ ٧٥٦ باب بيع العبد الزاني كتاب البيوع عن أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄ أن رسول الله - ﷺ - سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، قال: إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير. قال ابن شهاب: لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة.\nو٢/ ٩٠١ باب كراهية التطاول على الرقيق وقوله عبدي أو أمتي كتاب العتق، و٦/ ٢٥٠٩ باب إذا زنت الأمة كتاب المحاربين، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٣٢٩ كتاب الحدود حديث: ٣٣.\n(^٣) قوله (والضفير الحبل) مدرجة في الحديث من قول الزهري كما في رواية مسلم. [فتح الباري: ١٢/ ٢٠٢].\nقال ابن الأثير: حبل مفنول من شعر، فعيل بمعنى مفعول. [النهاية: ٣/ ٩٣].\n(^٤) روي هذا عن: أنس بن مالك، وابن مسعود، وفاطمة بنت رسول الله - ﷺ - وجماعة من التابعين.\n\nمصنف عبد الرزاق: ٧/ ٣٩٤، سنن سعيد بن منصور: ٣/ ١٢٢٤، مصنف ابن أبي شيبة: ٥/ ٤٨٧ في الرحل يزني مملوكه يقام عليه الحد أم لا؟، وابن حزم في المحلى: ١١/ ١٦٤، والبيهقي في سننه: ٨/ ٢٤٣ باب ما جاء في حد المماليك كتاب الحدود.","vol":"1","page":831},{"text":"قال زيد بن أسلم عن أبيه (^١) قال: كنت أجلد عند عمر بن الخطاب ولائد (^٢) زنين ولم يحصن، حد المملوكة خمسين سوطًا (^٣). أراد زيد لم يتزوجن. وقد قال قوم، وقرأوا: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ (^٤) يريد تزوجن (^٥).\n_________\n(^١) أسلم العدوي، مولى عمر، أبو خالد، ويقال: أبو زيد، أدرك زمن النبي - ﷺ -، روى عن أبي بكر ومولاه عمر، وعنه: ابنه زيد، والقاسم بن محمد، ثقة، مات سنة ٨٠ هـ.\n[الكاشف: ١/ ٢٤٢، تهذيب التهذيب: ١/ ٢٤١].\n(^٢) الأنثى تسمى وليدة، وتجمع على ولدان وولائد، وقد تطلق الوليدة على الجارية والأمة وإن كانت كبيرة.\n[النهاية: ٥/ ٢٢٤، لسان العرب: ٣/ ٤٦٨].\n(^٣) لم أقف عليه من هذا الطريق، ولكن وقفت على جزء منه سقط سنده، ففي أحكام القرآن للقاضي إسماعيل في الورقة: ١/أ (ضمن قطعة صغيرة مخطوطة من كتابه فيها شيء من تفسير سورة النساء): أجلد عند عمر بن الخطاب ولائد زنين لم يحصن حد المملوكة خمسين سوطًا.\nوقد روى مالك في الموطأ: ٢/ ٦٣١ كتاب الحدود حديث: ١٦ عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال: أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش فجلدنا ولائد من ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنا.\nورواه عبد الرزاق في مصنفه: ٧/ ٣٩٥، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٥/ ٤٩٧ في الأمة والعبد يزنيان، والبيهقي في سننه: ٨/ ٢٤٢ باب ما جاء في حد المماليك. وقد روى عبد الرزاق في مصنفه: ٧/ ٣٩٦ عن الزهري أن عمر ابن الخطاب جلد ولائد من الخُمس أبكارًا في الزنا. ورواه ابن جرير في تفسيره: ٥/ ٢٣.\n(^٤) [سورة النساء: الآية ٢٥]\n(^٥) قرأ حمزة والكسائي وخلف وأبو بكر عن عاصم: بفتح الهمزة والصاد، وقرأ الباقون: بضم الهمزة وكسر الصاد. ... [السبعة: ٢٣١، النشر: ٢/ ١٨٧].\n\nقيل: معنى القراءتين واحد، واختلفو في المراد: فقيل: المراد بالإحصان هنا: الإسلام، وهذا مروي عن: ابن مسعود، وعلي، وابن عمر، وأنس، والأسود بن يزيد، والشعبي، وإبراهيم، والقاسم بن محمد، وعطاء، وغيرهم. وهذا ما رجحه: مكي بن أبي طالب، وابن العربي، وابن عطية.\nوقيل بل المراد بالإحصان هنا: التزويج، وهذا قول: ابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، والحسن، وقتادة، وعكرمة، وغيرهم. وهذا ما رجحه: النحاس، وابن كثير، والشوكاني، والشنقيطي.\nوقيل: بل معنى القراءتين مختلف، فمن قرأ: بضم الهمزة فإنه أضاف الفعل إلى الأزواج أو إلى الأولياء، فجرى على ما لم يسم فاعله، أي: فإذا أحصنهن الأزواج بالتزويج، أو أحصنهن الأولياء بالنكاح. ومن قرأ بفتح الهمزة فإنه أسند الفعل إليهن على معنى: فإذا أسلمن.\n[مصنف عبد الرزاق: ٧/ ٣٩٤، سنن سعيد بن منصور: ٣/ ١٢٢٣، تفسير الطبري: ٥/ ٢٢، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٩٢٣، معاني القرآن للنحاس: ٢/ ٦٦، الحجة لأبي علي الفارسي: ٢/ ٧٧، الكشف لمكي: ١/ ٣٨٧، سنن البيهقي: ٨/ ٢٤٣، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٥١٧، المحرر الوجيز: ٤/ ٨٧، تفسير ابن كثير: ... ١/ ٤٧٦، فتح القدير: ١/ ٥٠٦، أضواء البيان: ١/ ٣٨١، ٣٨٩].","vol":"1","page":832},{"text":"وهذا تأويل من لم يعرف قول النبي - ﷺ -: إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها. وهذا على العموم.\nوقد أنكر إسماعيل القاضي: (أحصن) أسلمن، لأن الله ﷿ ذكر في أول الآية:\n\n﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (^١) فاستُغني بذلك (^٢). وهذا مما لا ينبغي له أن ينكره مع علمه باللغة واتساعه فيها، أن يقول الله ﷿: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (^٣)، فإذا أحصن بالإسلام. فقد قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^٤)، ونظائر هذا في القرآن كثير، قال الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (^٥) وفي هذا كفاية، ثم قال: ... ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٢٥]\n(^٢) نقل كلام القاضي إسماعيل القرطبي في تفسيره: ٥/ ١٤٣، واعترض على هذا ابن جرير في تفسيره: ٥/ ٢٢، والجصاص في أحكام القرآن: ٢/ ٢٣٩، وابن عطية في المحرر: ٤/ ٨٧.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٢٥]\n(^٤) [سورة النساء: الآية ١٣٦]\n(^٥) [سورة البقرة: الآية ٢٢٢]\n(^٦) [سورة البقرة: الآية ٢٢٢]\n* لوحة: ٩١/ب.","vol":"1","page":833},{"text":"وجعل إسماعيل حجته في حد العبد والأمة * الحديث دون الآية (^١) والحديث يزيد الآية، ويبين ما فيها والله أعلم، وكان بنص فرآه بذلك (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) في الأصل: دون الأمة، وهو خطأ، والصواب ما أثبت.\n(^٢) كذا في الأصل، ولعل مقصوده: كان حكمها بالآية فرآه بالحديث دون الآية.\n(^٣) حد الأمة إذا زنت خمسون جلدة، سواء كانت مسلمة أو كافرة، متزوجة أو بكرًا، وهذا قول جمهور العلماء، وهذا يشكل عليه تفسير الآية بالتزويج أو الإسلام، قال ابن كثير: وعلى كل من القولين إشكال على مذهب الجمهور وذلك أنهم يقولون: إن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة سواء كانت مسلمة أو كافرة متزوجة أو بكرًا، مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لا حد على غير المحصنة ممن زنا من الإماء، وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك، فأما الجمهور فقالوا: لا شك أن المنطوق مقدم على المفهوم وقد وردت أحاديث عامة في إقامة الحد على الإماء فقدمناها على مفهوم الآية. [تفسير القرآن العظيم: ١/ ٤٧٦].\nولم يخالف في هذا إلا ابن عباس، وطاوس، وسعيد بن جبير، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وداود الظاهري في رواية عنه، حيث ذهبوا إلى أن الأمة إذا زنت ولم تتزوج فلا حد عليها، وإنما تضرب تأديبًا، وعمدتهم مفهوم الآية وهو من مفاهيم الشرط وهو حجة عند أكثرهم فقدم على العموم عندهم، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد السابق، قالوا: فلم يؤقت فيه عدد كما أقت في المحصنة، وكما وقت في القرآن بنصف ما على المحصنات، فوجب الجمع بين الآية والحديث بذلك.\nوممن خالف في ذلك أيضًا أبو ثور حيث ذهب إلى أن الأمة إذا أحصنت فعليها الرجم، وأما قبل الإحصان فعليها نصف الحد.\nوممن خالف في ذلك أيضًا: دواد الظاهري في المشهور عنه، حيث ذهب إلى أن الآية دلت على أن الأمة المحصنة تحد نصف حد الحرة، فأما قبل الإحصان فعمومات الكتاب والسنة شاملة لها في جلدها مئة.\n\n[أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٢٣٩، المحلى: ١١/ ٢٣٧، المغني: ١٢/ ٣٣١، تفسير القرطبي: ٥/ ١٤٣، تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٦، فتح الباري: ١٢/ ١٩٩].\nوعلى هذا فإنه لا يشترط الإسلام ولا التزويج في إقامة الحد على الأمة أو العبد، قال ابن حجر: قال - ﷺ -: (وإن زنت فاجلدوها) قيل: أعاد الزنا في الجواب غير مقيد بالإحصان للتنبيه على أنه لا أثر له، وأن موجب الحد في الأمة مطلق الزنا. ... [فتح الباري: ١٢/ ٢٠١].\nولعل سائل يسأل: إذا كان الحد يقام على الأمة الزانية سواء كانت محصنة أو غير محصنة فما فائدة ذكر هذا القيد (فإذا أحصن)؟ فيقال: إن فائدة ذكر هذا القيد لدفع توهم أن الأمة المحصنة ترجم كما ترجم الحرة المحصنة، قال الجصاص: فإن قيل: فما فائدة شرط الله الإحصان في قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ وهي محدودة في حال الإحصان وعدمه. قيل له: لما كانت الحرة لا يجب عليها الرجم إلا أن تكون مسلمة متزوجة أخبر الله تعالى أنهن وإن أحصن بالإسلام وبالتزويج فليس عليهن أكثر من نصف حد الحرة، ولولا ذلك لكان يجوز أن يتوهم افتراق حالها في حكم وجود الإحصان وعدمه، فإذا كانت محصنة يكون عليها الرجم، وإذا كانت غير محصنة فنصف الحد، فأزال الله تعالى توهم من يظن ذلك، وأخبر أنه ليس عليها إلا نصف الحد في جميع الأحوال، فهذه فائدة شرط الإحصان عند ذكر حدها. ... [أحكام القرآن: ٢/ ٢٤٠].","vol":"1","page":834},{"text":"وقد بلغني أن بعض المتأخرين لا يرى حد العبد في الزنا، ويراه على الأمة، فينبغي له أن يقول: إن قاذف المحصن لا حد عليه، إذ كان الله ﷿ قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (^١) فإن قال: إنه حدَ قاذف الحر بالإجماع، فالإجماع في حد العبد الزاني قد تقدمه قبل أن يولد، إلا شئ يروى لا تثبت بروايته حجة، وإنما هو عن بعض التابعين، وإنما تتبع الشاذَ من القول الشاذُ من الناس (^٢).\nقال الله ﵎: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) [سورة النور: الآية ٤]\n(^٢) لم أقف على من قال: بأن العبد إذا زنى سقط عنه الحد، بل جمهور أهل العلم على أن العبد كالأمة سواء كان محصنًا أو غير محصن فإن حده خمسين جلدة. ولم يخالف في هذا إلا الظاهرية حيث جعلوا حد العبد كحد الحر من الجلد والنفي والرجم، وذهب أبو ثور إلى أنه كالأمة إذا أحصن فعليه الرجم، وإذا لم يحصن فعليه نصف الحد.\n[أحكام القرآن للجصا ص: ٢/ ٢٤٠، المحلى: ١١/ ٢٣٩، المغني: ١٢/ ٣٣١، تفسير القرطبي: ٥/ ١٤٦].\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٢٩]","vol":"1","page":835},{"text":"كان ابن عباس - ﵁ - يكره أن يبيع الرجل الثوب ويقول لصاحبه إن كرهته فرد معه درهمًا، يقول هذا مما قال الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ بِالْبَاطِلِ (^١) (^٢) ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (^٣) يريد عن موافقة منكم لما أحله الله لكم، وكلما حرمه الله من القمار، والبيوع الفاسدة فهو من أكل المال بالباطل؛ لأن المقامر يقول لصاحبه: إن كان كذا فلي كذا، وإن كان كذا فلك كذا. والبيع الفاسد من الغرر؛ لأنه يبيع صاحبه البيع الذي فيه الغرر، وهو لا يعلم به، فإن سَلِمَ كان المشتري، وإن لم يسلم فمن البائع (^٤). وأما الربا فإن فساده من أخذ الأجرة للتأخير الذي لم يجعل الله له ثمنًا، أو القرض الذي يجر منفعة، وما أشبه ذلك، وكل هذا قول مالك - ﵁ - *.\nقال الله جل وعز: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (^٥).\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ١٨٨]\n(^٢) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن: الورقة: ١/أ، وابن جرير في تفسيره: ٥/ ٣٠، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٢١، ٣/ ٩٢٧.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٢٩]\n(^٤) مما يوضح مقصود كلام المؤلف هنا قول القاضي إسماعيل في أحكام القرآن الورقة: ١/أ: وكذلك البيع الفاسد من الغرر؛ لأنه يبيع صاحبه البيع الذي فيه غرر، فإن سلم غلبه المشتري، وإن لم يسلم غلبه البائع.\n* لوحة: ٩٢/أ.\n(^٥) [سورة النساء: الآية ٢٩]","vol":"1","page":836},{"text":"معنى هذه الآية والله أعلم ما قال النبي - ﷺ -: لا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض (^١). وقوله - ﷺ -: إذا التقى المسلمان بسيفيهما (^٢).\n_________\n(^١) جزء من حديث حجة الوداع سبق تخريجه ص: ٣٠٩.\n(^٢) جزء من حديث رواه البخاري في صحيحه: ١/ ٢٠ كتاب الإيمان باب وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، و٦/ ٢٥٢٠ كتاب الديات باب قوله: ومن أحياها، و٦/ ٢٥٩٤ كتاب الفتن باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما، ومسلم في صحيحه: ٤/ ٢٢١٤ كتاب الفتن وأشراط الساعة حديث: ١٤، ١٥.","vol":"1","page":837},{"text":"وقد قال سهل بن حنيف (^١) في يوم صفين (^٢) قولًا عظيمًا (^٣).\n_________\n(^١) سهل بن حنيف بن واهب بن العكيم الأنصاري الأوسي، يكنى: أبا سعيد، وأبا عبدالله، روى عن النبي - ﷺ -، من السابقين شهد بدرًا، وثبت يوم أحد حين انكشف الناس وكان ينافح عن رسول الله - ﷺ - بالنبل، شهد صفين مع علي، مات سنة ٨٨ هـ بالكوفة. [الاستيعاب: ٢/ ٩٢، الإصابة: ٢/ ٨٧].\n(^٢) صِيفِّن: بكسر أوله وثانيه وتشديد الفاء: موضع معروف بالشام، بقرب الرقة على شاطيء الفرات من الجانب الغربي، وفيه وقعت موقعة صفين بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ﵄ ... سنة ٣٧ هـ. ... [معجم ما استعجم: ٣/ ٨٣٧، معجم البلدان: ٣/ ٤١٤].\n(^٣) روى البخاري في صحيحه: ٣/ ١١٦١ كتاب الجزية باب إثم من عاهد ثم غدر عن الأعمش قال: سألت أبا وائل شهدت صفين؟ قال: نعم، فسمعت سهل بن حنيف يقول: اتهموا رأيكم، رأيتني يوم أبي جندل - أي يوم الحديبية - ولو أستطيع أن أرد أمر النبي - ﷺ - لرددته، وما وضعنا أسيافنا على عواتقنا لأمر يُفظِعُنَا إلا أَسْهَلْنَ بنا إلى أمر نعرفه غير أمرنا هذا. و٦/ ٢٦٦٥ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٤١٢ كتاب الجهاد والسير حديث: ٩٥، ٩٦.","vol":"1","page":838},{"text":"فأما إذا كانت إحداهما باغية فقد أمر الله بقتالهم (^١). وقال مسروق في ذلك قولًا في يوم صفين (^٢).\nوقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٣) أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، قال الله ﵎: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ (^٤)،\n_________\n(^١) قال تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]\n(^٢) روى القاضي إسماعيل بن إسحاق في أحكام القرآن الورقة: ١/أقال: حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة أن مسروقًا أتى صفين فوقف بين الصفين ثم قال: يا أيها الناس أنصتوا، ثم قال: أرأيتم لو أن مناديًا ناداكم من السماء فسمعتم كلامه ورأيتموه فقال: إن الله ينهاكم عما أنتم عليه أكنتم مطيعيه؟ قال: فلا أدري ما ردوا عليه، فقال فقد والله لقد نزل بذاك جبريل على محمد فما ذاك لو كان بأبين عندي من هذا، ثم تلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ثم إنساب في الناس وذهب. وقد رواه القاضي إسماعيل أيضًا من طريق آخر عن مطرف عن الشعبي عن مسروق في الورقة: ١/ب، وقد روى حديث مسروق هذا: سعيد بن منصور في سننه: ٤/ ١٢٣٢، وابن سعد في الطبقات الكبرى: ٦/ ٧٨، وابن عساكر في تاريخ دمشق: ٥٧/ ٤٣٣.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٢٩]\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ٨٥]","vol":"1","page":839},{"text":"وقال النبي - ﷺ - في حجة الوداع: فإن دماءكم عليكم (^١). يريد بعضكم على بعض. (^٢)\n_________\n(^١) جزء من حديث سبق تحريجه ص: ٣٠٩، ٤٠٢.\n(^٢) ما ذكره المؤلف هوأحد الأقوال في تفسير النهي عن القتل هنا، قال ابن العربي: فيه ثلاثة أقوال، الأول: لا تقتلوا أهل ملتكم، الثاني: لا يقتل بعضكم بعضًا، الثالث: لا تقتلوا أنفسكم بفعل ما نهيتم عنه، قاله الطبري والأكثر من العلماء.\nوكلها صحيح وإن كان بعضها أقعد من بعض في الدين من اللفظ واستيفاء المعنى، والذي يصح عندي أن معناه: ولا تقتلوا أنفسكم بفعل ما نهيتم عنه فكل ذلك دخل تحته. [أحكام القرآن: ١/ ٥٢٤].","vol":"1","page":840},{"text":"قال الله ﵎: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (^١).\nاختلف الصحابة والتابعون في الكبائر، فمنهم من عدها سبعًا (^٢)، ومنهم من عدها سبعين (^٣)، ومنهم من قال دون ذلك (^٤)،\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٣١]\n(^٢) هذا يروى عن: علي بن أبي طالب، وعبيد بن عمير، وعبيدة، وعطاء.\nأحكام القرآن للقاضي إسماعيل: الورقة: ٥/ب، ٦/أ، تفسيرالطبري: ٥/ ٣٧، تفسيرابن أبي حاتم: ٣/ ٩٣٢.\n(^٣) عن ابن طاوس عن أبيه قال: قيل لابن عباس: الكبائر سبع؟ قال: هي إلى السبعين أقرب.\nتفسير عبد الرزاق: ١/ ١٥٥، ومصنفه: ١٠/ ٤٦٠، أحكام القرآن للقاضي إسماعيل: الورقة: ٤/ب، تفسير الطبري: ٥/ ٤١، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٩٣٤، أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة اللالكائي: ٦/ ١٠٣٩.\n(^٤) منهم من قال: هي ثلاث، ومنهم من قال: أربع، ومنهم من عدها تسعًا، ومنهم من قال: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، ومنهم من قال: كل ما ذكره الله من فاتحة سورة النساء إلى رأس الثلاثين فهو من الكبائر، ومنهم من قال: كل ما أوعد الله عليه بالنار فكبيرة.\nوقد ذكر جملة من الأحاديث المرفوعة، والآثار عن الصحابة والتابعين في ذكر هذه الكبائر: القاضي إسماعيل في أحكام القرآن: من الورقة: ١/ب - ٦/أ، وابن جرير في تفسيره: ٥/ ٣٦ - ٤٢، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٩٢٩ - ٩٣٤، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٤٨٠ - ٤٨٧.\nوهذا الاختلاف راجع إلى عدة أمور منها: هل الكبائر محصورة في عدد محدد حسب ما ورد عن رسول الله - ﷺ - أو لا؟ ومنه ما يرجع إلى التنصيص على كبيرة مع دخولها في غيرها، مثل: قتل الولد داخل في قتل النفس وهكذا، ويرجع أيضًا إلى اختلافهم في حد الكبيرة، فمن رأى أن الكبيرة كل ما نهى الله عنه اجتمع له شيء كثير، ومن رأى أنها ما توعد عليه بالنار أو ما فيه حد كانت أقل، قال ابن كثير: وإذا قيل إن الكبيرة ما توعد عليها الشارع بالنار بخصوصها كما قال ابن عباس وغيره وما تتبع ذلك اجتمع منه شيء كثير، وإذا قيل كل ما نهى الله عنه فكثير جدًا. [تفسير القرآن العظيم: ١/ ٤٨٧]. =","vol":"1","page":841},{"text":"إلا أن فيها ما لا شك فيه: الكفر، وقتل النفس التي حرم الله، والربا، والزنا، والقمار، والسَّرِق (^١)، والسعي في الأرض فسادًا، والمحاربة. والفساد في الأرض فسادان (^٢)،\n_________\n= وينبغي التنبه إلى مسألة صحة الأحاديث والآثار الواردة في هذا الشأن، وقد تتبع الحافظ ابن حجر ذلك، حيث قال بعد ذكره لمجموعة من الأحاديث والاثار: فهذا جميع ما وقفت عليه مما ورد التصريح بأنه من الكبائر أو من أكبر الكبائر صحيحًا وضعيفًا مرفوعًا وموقوفًا، وقد تتبعته غاية التتبع وفي بعضه ما ورد خاصًا ويدخل في عموم غيره كالتسبب في لعن الوالدين وهو داخل في العقوق، وقتل الولد وهو داخل في قتل النفس، والزنا بحليلة الجار وهو داخل في الزنا، والنهبة والغلول واسم الخيانة يشمله، ويدخل الجميع في السرقة، وتعلم السحر وهو داخل في السحر، وشهادة الزور وهي داخلة في قول الزور ويمين الغموس وهي داخلة في اليمين الفاجرة، والقنوط من رحمة الله كاليأس من روح الله، والمعتمد من كل ذلك ما ورد مرفوعًا بغير تداخل من وجه صحيح وهي السبعة المذكورة في حديث الباب، والانتقال عن الهجرة، والزنا، والسرقة، والعقوق، واليمين الغموس، والإلحاد في الحرم، = وشرب الخمر، وشهادة الزور، والنميمة، وترك التنزه من البول، والغلول ونكث الصفقة، وفراق الجماعة، فتلك عشرون خصلة وتتفاوت مراتبها، والمجمع على عده من ذلك أقوى من المختلف فيه إلا ما عضده القرآن أو الإجماع فيلتحق بما فوقه، ويجتمع من المرفوع ومن الموقوف ما يقاربها، ويحتاج عند هذا إلى الجواب عن الحكمة في الاقتصار على سبع، ويجاب: بأن مفهوم العدد ليس بحجة، وهو جواب ضعيف، وبأنه أعلم أولًا بالمذكورات ثم أعلم بما زاد فيجب الأخذ بالزائد، أو أن الاقتصار وقع بحسب المقام بالنسبة للسائل، أو من وقعت له واقعة ونحو ذلك، وقد أخرج الطبري وإسماعيل القاضي عن ابن عباس أنه قيل له: الكبائر سبع؟ فقال: هن أكثر من سبع وسبع، وفي رواية عنه: هي إلى السبعين أقرب، وفي رواية: إلى السبعمائة، ويحمل كلامه على المبالغة بالنسبة إلى من اقتصر على سبع، وكأن المقتصر عليها اعتمد على حديث الباب المذكور، وإذا تقرر ذلك عرف فساد من عرف الكبيرة بأنها ما وجب فيها الحد لأن أكثر المذكورات لا يجب فيها الحد. [فتح الباري: ١٢/ ٢٢٦].\n(^١) يقال: سَرق الشيء سَرَقًا وسَرِقًا، والاسم: الَّسرِق والسَّرِقة بكسر الراء فيهما. [لسان العرب: ١٠/ ١٥٥].\n(^٢) في الأصل: فسادا، والصواب ما أثبت.\n* لوحة: ٩٢/ب.","vol":"1","page":842},{"text":"أحدهما: إخافة السبيل، وهو الفساد في الأموال، والآخر: الفساد في الدين، وهو البدع والأهواء. قال مالك - ﵁ -: ولا فساد في الأرض أضر من فساد الدين؛ لأنه شعبة * من الشرك (^١). ومن الكبائر عقوق الوالدين، وشرب الخمر، وهو كل شراب يسكر كثيره، وما ذكر من فاتحة سورة النساء إلى رأس الثلاثين، ومن الكبائر استسباب الرجل لأبويه، يسب رجلًا فيسب ذلك الرجل أبويه، ومن أكبر الكبائر أكل مال اليتيم والسفيه، وكل من لا ينتصف لنفسه، ومن الكبائر قذف المحصنات، ومن أعظمها سب السلف وتنقصهم، وشهادة الزور، وعدول الحكام عن الحق واتباع الهوى، قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (^٢) و﴿الظَّالِمُونَ﴾ (^٣) و﴿الْكَافِرُونَ﴾ (^٤) وقال في مخاطبة داود - ﵇ -: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (^٥)، ومن الكبائر اليمين الفاجرة، ومنها القنوط من رحمة الله، وقيل: الفرار من الزحف، هذا والله أعلم إذا لم يكن متحيزًا إلى فئة، وكان بفراره جان (^٦) على الغزاة المجاهدين معه، كذلك عندي المجاهرون (^٧)،\n_________\n(^١) لم أقف عليه.\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٤٧]\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٤٥]\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ٤٤]\n(^٥) [سورة ص: الآية ٢٦]\n(^٦) في الأصل يحتمل رسمها أن تكون جان، ويحتمل أن يكون جار، أو جاز، واخترت ما هو أقرب للصواب.\n(^٧) في الأصل: المجاهرين، والصواب ما أثبت ..","vol":"1","page":843},{"text":"وكلما توعد الله عليه بالنار، أو توعد رسول الله - ﷺ - بالنار من أمر الخوارج وغيرهم فمن الكبائر، واللواط من الكبائر، وعلى فاعله الرجم أحصن أو لم يحصن (^١)، والإصرار على الصغائر من الكبائر. والندم توبة، والصغائر مغفورة تكفرها الطهارة، والصلاة، وسائر أعمال البر، قال النبي - ﷺ -: الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما (^٢)، وقال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (^٣)\n_________\n(^١) انظر في مسألة حد اللوطي وما عليه: أحكام القرآن للجصاص: ٣/ ٣٨٧، والمغني: ١٢/ ٣٤٩، وتفسير القرطبي: ٧/ ٢٤٣، وروضة الطالبين: ١٠/ ٩٠.\n(^٢) روى مسلم في صحيحه: ١/ ٢٠٩ كتاب الطهارة حديث ١٥: عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن. وفي رواية: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر.\n(^٣) [سورة هود: الآية ١١٤]\n* لوحة: ٩٣/أ.","vol":"1","page":844},{"text":"* والكبائر يكفرها الندم والتوبة والإقلاع، وذلك من فضل الله، قال الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^١) وقد يغفر في الآخرة لغير التائب إن شاء، ويعذب من يشاء، قال أبو بكر الصديق - ﵁ -: إن الله يغفر الكبير فلا تيأسوا، ويعذب بالصغير فلا تغتروا (^٢). وقال عمر الفاروق - ﵁ -: لا صغيرة مع إصرار. يريد أنها تصير بالإصرار كبيرة، قال: ولا كبيرة مع استغفار (^٣). عصمنا الله وإياكم عن جميع معاصيه، ووفقنا وإياكم للعمل بما يرضيه.\nقال الله ﵎: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٤٨]\n(^٢) لم أقف عليه.\n(^٣) لم أقف عليه مرويًا من قول عمر، وإنما ذكره القاضي عياض في إكمال المعلم: ١/ ٣٥٤، والنووي في شرح صحيح مسلم: ٢/ ١١٥ من قول عمر وابن عباس.\nوقد روي من قول ابن عباس: أحكام القرآن للقاضي إسماعيل: الورقة: ٤/ب، وتفسير الطبري: ٥/ ٤١، وتفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٩٣٤، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: ٦/ ١٠٤٠.\n(^٤) [سورة النساء: الآية ٣٢]","vol":"1","page":845},{"text":"قيل في ذلك: إن النساء قلن ليتنا رجالًا، فنجاهد كما يجاهد الرجال، وما أشبه ذلك. فنزلت الآية إلى قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ (^١) (^٢)، وعليهن فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٣) وقيل: لا تتمنوا ما رُزقه غيركم بعينه، فيقول الرجل: ليت دار فلان لي، أو ماله لي، ولكن يسأل الله العبد من فضله، وإنه خير له (^٤). وقيل: إن النساء قلن فُضل الرجال علينا، فجعل لنا في المواريث نصف ما جعل لهم. فنهوا عن الكلام في ذلك، وأمرن بما هو خير لهن (^٥)،\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٣٢]\n(^٢) رواه عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ١٥٦، وسعيد بن منصور في سننه: ٤/ ١٢٣٥، والقاضي إسماعيل في أحكام القرآن: الورقة: ٦/ب، وابن جرير في تفسيره: ٥/ ٤٧.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٣٢]\n(^٤) هذا يروى عن: ابن عباس، وعطاء، والحسن، وابن سيرين. أحكام القرآن للقاضي إسماعيل الورقة: ٦/ب، تفسير الطبري: ٥/ ٤٧، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٩٣٥.\n(^٥) روى الترمذي في سننه تفسير سورة النساء من أبواب التفسير تحفة الأحوذي: ٨/ ٣٧٥: عن أم سلمة أنها قالت: يغزو الرجال ولا يغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ قال مجاهد فأنزل فيها: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ وكانت أم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة. قال أبو عيسى: هذا حديث مرسل، ورواه بعضهم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مرسل: أن أم سلمة قالت كذا وكذا. =\n\nورواه أحمد في مسنده: ٦/ ٣٢٢، وعبد الرزاق في تفسيره: ١/ ١٥٦، وسعيد بن منصور في سننه: ٤/ ١٢٣٦، والقاضي إسماعيل في أحكام القرآن الورقة: ٦/ب، وابن جرير في تفسيره: ٥/ ٤٧، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٩٣٥، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٣٥ كتاب التفسير وصححه، والبيهقي في سننه: ٩/ ٢١ باب من لا يجب عليه الجهاد كتاب الجهاد.","vol":"1","page":846},{"text":"والله أعلم بما أراد من ذلك.\nقال الله ﷿: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (^١). الموالي هم العصبات: الولد، والأب، والعمومة، والأخوة، وبنو الأخوة، وبنو العم، وموالي النعمة *، وهم الورثة (^٢)، وكانوا يتوارثون بذلك وبالحلف، وكانوا إذا حالف الرجل رجلًا قال له: ترثني وأرثك (^٣)، وقد كان أبو بكر - ﵁ - وَرَّثَ حليفًا له في صدر الإسلام بالحلف (^٤)، ثم صارت المواريث بعد ذلك بالهجرة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ (^٥) وقال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ (^٦) ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٧) فاستقر الأمر على ذلك، ونسخ المواريث بالحلف\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٣٣]\n* لوحة: ٩٣/ب.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٥٦، تفسير الطبري: ٥/ ٥٠، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٥٢٧.\n(^٣) هذا يروى عن: ابن عباس، وعكرمة، والحسن، وقتادة، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن جبير.\nتفسير عبد الرزاق: ١/ ١٥٧، الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ٢٢٥، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٢٤٠، أحكام القرآن للقاضي إسماعيل الورقة: ٧/أ، تفسير الطبري: ٥/ ٥٢، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٢٠٣، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٩٣٧، نواسخ القرآن: ٣٣٢.\n(^٤) سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٢٤٠، أحكام القرآن للقاضي إسماعيل الورقة: ٧/أ، تفسير الطبري: ٥/ ٥٢.\n(^٥) [سورة الأنفال: الآية ٧٢]\n(^٦) [سورة الأحزاب: الآية ٦]\n(^٧) [سورة الأنفال: الآية ٧٥]","vol":"1","page":847},{"text":"وبالهجرة وبالله التوفيق (^١).\n_________\n(^١) ذكر ابن الجوزي: أن هذا القول قول جمهور العلماء، حيث قال: وهذا القول قول جمهور العلماء، منهم: الثوري، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل. ... [نواسخ القرآن: ٢٣٥].\nوقد ذهب الأحناف إلى أن هذا الحكم ليس بمنسوخ، وقالو: بأن غاية ما في الآية أنها جعلت ذوي الأرحام أولى من المعاقدين الموالي، فمتى فقد ذوو الأرحام وجب ميراثهم، وكانوا أحق به من بيت المال.\n[أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٢٦٤].\nوقد ذهب ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والسدي: إلى أن الحكم باق لم ينسخ، وأنهم لم يؤمروا بالتوارث بذلك، بل المراد: آتوهم نصيبهم من النصر والنصيحة دون الميراث.\nالناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ٢٢٥، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ٢٤١، أحكام القرآن للقاضي إسماعيل الورقة: ٧/أ، تفسير الطبري: ٥/ ٥٣، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٢٠٤، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٩٣٨، نواسخ القرآن: ٣٣٦.\nوهذا هو القول الراجح، وهو ما رجحه حمع من أهل العلم، منهم: ابن جرير في تفسيره: ٥/ ٥٥، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ٢/ ٢٠٢، ٢٠٥، وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ٥٢٩، والقرطبي في تفسيره: ٥/ ١٦٦.\nويشهد لهذا القول ما رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٨٠٢ باب قوله: والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم كتاب الكفالة: عن ابن عباس ﵄: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قال: ورثة،) والذين عاقدت أيمانكم) قال: كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصاري دون ذوي رحمه؛ للأخوة التي آخى النبي - ﷺ - بينهم فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نسخت، ثم قال: (والذين عاقدت أيمانكم) إلا النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث ويوصي له.","vol":"1","page":848},{"text":"قال الله ﷿: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ (^١).\nالمعنى في هذه الآية على ما تصرف من أقاويل المفسرين، وما يذهب إليه مالك: أن للرجل الحجر على المرأة في نفسها ومالها، وأنه ليس لها أن تفتات (^٢) عليه بشيء تفعله في نفسها دون إذنه، إلا في الفرائض التي فرض الله عليها، فلا طاعة له عليها في أداء الفرائض من: الصلوات الخمس، وإخراج الزكاة، وحج البيت، وصوم شهر رمضان، وما عدا ذلك من الطاعات المتطوع بها (^٣). فإن قيل في الحج: إنها تحتاج إلى محرم؛ لنهى رسول الله - ﷺ - أن تسافر إلا مع محرم (^٤). قيل: نهيت المرأة أن تصوم إلا بإذن زوجها (^٥)،\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٣٤]\n(^٢) الافتيات: افتعال من الفوت، وهو السبق إلى الشيء دون الائتمار. [مقاييس اللغة: ٨٠٠].\n(^٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: وما عدا ذلك من الطاعات المفروضة، أو يكون هناك سقط في الكلام تقديره: وما عدا ذلك من الطاعات المتطوع بها فيجب عليها طاعته في عدم أداءها.\n(^٤) روى البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٥٨ باب حج النساء كتاب الإحصا وجزاء الصيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم. ورواه مسلم في صحيحه: ٢/ ٩٧٨ كتاب الحج حديث: ٤٢٤.\n(^٥) روى البخاري في صحيحه: ٥/ ١٩٩٣ باب صوم المرأة بإذن زوجها تطوعًا كتاب النكاح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه. ورواه مسلم في صحيحه: ٢/ ٧١١ كتاب الزكاة ... حديث: ٨٤.\n\n* لوحة: ٩٤/أ.","vol":"1","page":849},{"text":"وأجمع العلماء أن لها أن تصوم الفروض، مثل رمضان، وصيام الحج، وقتل الخطأ، فخرجت الفروض من * النهي، كذلك الحج، وصار النهي في غير فرض، فما كان منها لا يضر به، ولا يمنعه (^١) من واجباته، فلها فعله من غير إذنه، وما كان يقطعها عن واجباته عليها فليس لها فعله إلا بإذنه، فمن ذلك: الصوم المتطوع به، لا يجوز لها أن تصوم إلا بإذنه، وما لزمها من صوم غير رمضان حتى يجري مجرى الفرض فلا يجزئ عنه غيره، فليس له منعها منه. فقيل: هذا إلينا (^٢)، ما يجوز لها من ذلك وأشباهه فما مالها فعله (^٣)، فهو قوّام عليه، وله منعها من إتلافه، إلا ما كان من وجوه الثواب، فإن مالكًا: أباحها الثلث (^٤)،\n_________\n(^١) كذا في الأصل: ولعل الصواب: ولا يمنعها، حتى يتسقيم الكلام مع ما بعده.\n(^٢) كذا في الأصل، ولعل مقصوده: أن هذا الصوم المتطوع وأشباهه، المنع والإذن إلينا.\n(^٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: فأما مالها فهو قوام عليه وله منعها من إتلافه.\n(^٤) ما ذكره المؤلف هنا عن مالك: من أنه لا يجوز للمرأة التصرف في أكثر من ثلث مالها بغير معاوضة إلا بإذن زوجها، هو رواية عن أحمد. [المدونة: ٢/ ١٥٤، ٤/ ١٢٣، النوادر والزيادات: ١٠/ ١٠٣، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٥٩٤، المغني: ٦/ ٦٠٢].\nوقد خالفه في هذا جمهور العلماء، وذهبوا إلى جواز ذلك، وقد بوب البخاري في صحيحه: ٢/ ٩١٥ باب هبة المرأة لغير زوجها وعتقها إذا كان لها زوج فهو جائز إذا لم تكن سفيهة فإذا كانت سفيهة لم يجز من كتاب الهبات، وذكر تحته ثلاثة أحاديث تدل على جواز لك. قال ابن حجر: وأدلة الجمهور من الكتاب والسنة كثيرة.\n[فتح الباري: ٥/ ٢٦٨].\n\nوقد أجاب عما احتج به مالك وأصحابه: الشافعي في الأم: ٣/ ٢١٦، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ... ٤/ ٣٥١، وابن حزم في المحلى: ٨/ ٢٤٦، وابن قدامة في المغني: ٦/ ٦٠٢.","vol":"1","page":850},{"text":"والحجة في ذلك نذكره إن شاء الله.\nوللرجل عندنا ومن فسر القرآن ممن انتهى إلينا تفسير (^١) في هذه الآية: أن للرجل أن يؤدب امرأته، فما كان منه على وجه التأديب فآل الرجوع (^٢) من غير قصد، فلا قود فيه، إذا علم أنه لم يتعد ما كان له، وهو الضرب الذي أبيح عند النشوز وأمثاله، ووقعت الإباحة له بهجران المضطجع تأديبًا، وليس للمرأة أن تقاتل زوجها على ما يكون من تأديبه على سائر ما ينكره، ولا لها أن تُدخل بيته إلا من يرضاه ويأذن لها، ولا أن تعطي أحدًا من ماله شيئًا، إلا ما كان على سبيل الصدقة، إذا علمت أنه لا يكره ... ذلك (^٣).\nفأما قوله: ﴿يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾ (^٤) فليس ذلك الزنا، وإنما هو أن تفحش عليه بألفاظها، وقد يحتمل أن يكون النشوز. فأما قول من قال من المفسرين: لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، يعني الزنا. فهذا قد أغناك الله ﵎ عنه بتحريم الزنا على الرجال * والنساء، وإيجاب الحدود فيه (^٥).\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: تفسيره.\n(^٢) كذا في الأصل، ولم أعرف معناه.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٥٧، أحكام القرآن للقاضي إسماعيل الورقة: ٧/ب، وتفسير الطبري: ٥/ ٥٧، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٢٦٦، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٥٣٠، تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩١.\n(^٤) [سورة النساء: الآية ١٩]\n* لوحة: ٩٤/ب.\n(^٥) سبق ذكر أقوال المفسرين في معنى الفاحشة عند تفسير الآية ١٩ من سورة النساء.","vol":"1","page":851},{"text":"فإن قال قائل: بماذا حجرتم عليها في مالها لزوجها؟ قلنا: لقول الله ﷿: ... ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (^١)، فلما كان قوامًا عليها في نفسها كان المال ... تبعًا، ولما رواه داود بن أبي هند (^٢)، وحبيب بن الشهيد (^٣) عن عمرو بن ... شعيب (^٤) عن أبيه (^٥)\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٣٤]\n(^٢) داود بن أبي هند ثقة متقن كان يهم بآخره، تقدم.\n(^٣) حبيب بن الشهيد الأزدي، أبو محمد البصري، عن: الحسن البصري، وعمرو بن شعيب، وعنه: حماد بن سلمة، ونافع مولى ابن عمر، ثقة ثبت، مات سنة ١٤٥ هـ. [تهذيب الكمال: ٥/ ٣٧٨، التقريب: ٢٢٠].\n(^٤) عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي، أبو إبراهيم، عن: أبيه شعيب ابن محمد، وطاوس، وعنه: داود بن أبي هند، وحبيب المعلم، وحسن المعلم، صدوق، مات سنة ١١٨ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٢٢/ ٦٤، التقريب: ٧٣٨].\n(^٥) شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن: أبيه محمد بن عبد الله، وجده عبد الله بن عمرو، عنه: ثابت البناني، وابنه عمرو بن شعيب، صدوق ثبت سماعه من جده.\n\n[تهذيب الكمال: ١٢/ ٥٣٤، التقريب: ٤٣٨].","vol":"1","page":852},{"text":"عن جده عبد الله بن عمرو (^١) أن النبي - ﷺ - قال: لا يجوز لامرأة هبة في مالها إذا ملك زوجها عصمتها. وهذا الحديث قد روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مطلقًا، فجاز أن يكون عن محمد بن عبد الله جد عمرو، فيكون من جملة الصحيفة، فجوزه داود وحبيب، فأخرجاه عن الصحيفة، بأن شعيبًا رواه عن جده لا عن أبيه، ولا يشك في سماع شعيب عن جده، هكذا قال علي بن المديني، وأحمد بن حنبل (^٢)، وقال علي: كلما رواه عمرو من الصحيفة فصحيح (^٣).\nوعلى أن (^٤) محمد بن عبد الله بن عمرو مات قبل أبيه، وإنما أخذ الصحيفة شعيب عن عبد الله، كذا كان علي يقول (^٥).\n_________\n(^١) عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، أحد السابقين، المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الفقهاء، روى عن رسول الله - ﷺ -، وعنه: زر بن حبيش، وابن ابنه شعيب بن محمد والد عمرو بن شعيب، مات بالطائف سنة ٦٥ هـ. [تهذيب الكمال: ١٥/ ٣٥٧، التقريب: ٥٣٠].\n(^٢) أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي البغدادي، إمام المحدثين، المناضل عن السنة، الصابر في المحنة، أحد الفقهاء الأربعة ولد سنة ١٦٤ هـ، صنف مؤلفات عدة منها: المسند، والتفسير، والزهد، وقد روى عنه كبار تلامذته مسائل وافرة في عدة مجلدات، كالأثرم، والخلال، وابنه عبد الله، وغيرهم، مات سنة ٢٤١ هـ.\n[تاريخ بغداد: ٤/ ٤١٢، سير أعلام النبلاء: ١١/ ١٧٧].\n(^٣) قال البخاري: ورأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن عبد الله، والحميدي، وإسحاق بن إبراهيم يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ما تركه أحد من المسلمين.\n[تهذيب الكمال: ٢٢/ ٦٩، تهذيب التهذيب: ٨/ ٤٢، ٤٥].\n(^٤) في الأصل: ابن، والصواب ما أثبت.\n(^٥) محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي، قيل روى عن أبيه، وعنه: ابنه شعيب، وحكيم بن الحارث الفهمي، مقبول، قال العلائي: والأصح أنه سمع من جده عبد الله بن عمرو، ومن ابن عمر، وابن عباس ﵃، والضمير المتصل بجده في قولهم: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عائد إلى شعيب لا إلى عمرو، وقد بينت ذلك وبسطت الكلام عليه في غير هذا الكتاب، ومحمد والد شعيب مات في حياة أبيه عبد الله بن عمرو وشعيب صغير فكفله جده وسمع منه كثيرًا.\n[ميزان الاعتدال: ٣/ ٢٦٦، ٥٩٣، جامع التحصيل: ١٩٦، التقريب: ٨٦٤].","vol":"1","page":853},{"text":"قال القاضي (^١) نا به محمد بن صالح (^٢) قال: أنا يوسف بن موسى (^٣) قال: نا حجاج (^٤) عن حماد بن سلمة (^٥) عن داود وحبيب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ -. وله أسانيد كثيرة (^٦)،\n_________\n(^١) بكر بن العلاء.\n(^٢) محمد بن صالح الطبري أحد شيوخ المؤلف، ليس بذاك واتهم بالكذب، تقدم.\n(^٣) يوسف بن موسى بن راشد بن بلاب القطان، أبو يعقوب الكوفي، المعروف بالرازي، سكن الري ثم انتقل إلى بغداد فسكنها، عن جرير بن عبد الحميد، وسفيان بن عيينة، وعنه: البخاري، وأبو داود وغيرهم، صدوق مات سنة ٢٥٣ هـ. ... [تهذيب الكمال: ٣٢/ ٤٦٥، التقريب: ١٠٩٦].\n(^٤) حجاج بن المنهال ثقة فاضل، تقدم.\n(^٥) حماد بن سلمة ثقة عابد، تقدم.\n(^٦) لم أقف عليه من هذا الطريق، ولهذا الحديث طرق منها: الأول: حماد عن داود بن أبي هند وحبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. سنن أبي داود: ٣/ ٢٩٣ باب عطية المرأة بغير إذن زوجها كتاب ... البيوع، وسنن النسائي: ٦/ ٥٩٣ باب عطية المرأة بغير إذن زوجها كتاب العمرى، ومسند أحمد: ٢/ ٢٢١، والمستدرك: ٢/ ٥٤ كتاب البيوع، وصححه ووافقه الذهبي، وسنن البيهقي: ٦/ ٦٠ باب الخبر الذي ورد في عطية المرأة بغير إذن زوجها كتاب الحجر. الطريق الثاني: حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. سنن أبي داود الموضع السابق، وسنن النسائي: ٥/ ٦٩ باب عطية المرأة بغير إذن زوجها كتاب الزكاة، و٦/ ٥٩٤ باب عطية المرأة بغير إذن زوجها كتاب العمرى، ومسند أحمد: ٢/ ١٧٩، ٢٠٧، وسنن البيهقي الموضع السابق.\nالطريق الثالث: حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. مسند الطيالسي: ٤/ ٢٤، وسنن البيهقي الموضع السابق. الطريق الرابع: داود بن أبي هند عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. مسند أحمد: ٢/ ١٨٤، وسنن البيهقي الموضع السابق. الطريق الخامس: المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. سنن ابن ماجة: ٢/ ٥٢ باب عطية المرأة بغير إذن زوجها من أبواب الأحكام.\nوقد حمل الجمهور هذا الحديث على حسن العشرة، وتطييب نفس الزوج، قال الخطابي: هذا عند أكثر الفقهاء على معنى حسن العشرة واستطابة نفس الزوج بذلك، إلا أن مالك بن أنس قال يرد ما فعلت من ذلك حتى يأذن الزوج، ويحتمل أن يكون ذلك في غير الرشيدة، وقد ثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: للنساء تصدقن فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم وبلال يتلقاها بكسائه. وهذه عطية بغير إذن أزواجهن. [معالم السنن: ٥/ ١٩٤].\nوقال البيهقي: الطريق في هذا الحديث إلى عمرو بن شعيب صحيح، ومن أثبت أحاديث عمرو بن شعيب لزمه إثبات هذا، إلا أن الأحاديث التي مضت في الباب قبله أصح إسنادًا، وفيها وفي الآيات التي احتج بها الشافعي ﵀ دلالة على نفوذ تصرفها في مالها دون الزوج، فيكون حديث عمرو بن شعيب محمولًا على الأدب والاختيار.\n[سنن البيهقي: ٦/ ٦١].","vol":"1","page":854},{"text":"وداود من أهل الضبط والدين، بحيث لا خفاء به، وكذلك حبيب بن الشهيد، وإن كان دونه، ومع ذلك فإن النبي - ﷺ - قال: تنكح النساء لأربع: لمالهن، وجمالهن، وحسبهن، ودينهن، فعليك بذات الدين تربت يداك (^١). ثم لا اختلاف * بين فقهاء الأمصار أن امرأتين أختين، إحداهما أجمل من الأخرى لو تزوجتا نكاح التفويض، ثم وقعت المنازعة في الصدقات، لكان الحكام جميعًا يحكمون للحسنى بزيادة في الصداق على صداق أختها، وكذلك لو كانت إحداهما موسرة والأخرى فقيرة، لكان صداق الغنية عند الجماعة فوق صداق الفقيرة وأضعاف ذلك، فلما كان يزداد عليه في صداقها لجمالها، وكان له أن يحجر على الجمال أن يتمتع به غيره، وكان له بهذه الحجة أن يحجر على المال الذي من أجله زيد في الصداق عليه؛ لأن المال، والجمال، والدين، والحسب في المرأة جمال لولدها، ولزوجها. وقد قالت امرأة سعد بن الربيع للنبي - ﷺ -: قتل سعد يوم أحد، وقد استفاء مالهما عمهما، ولا تنكحان إلا ولهما مال (^٢). فهذا أيضًا حجة في ذلك.\nقال أبو الأسود الديلي لبنيه: يا بني إني قد بررتكم صغارًا وكبارًا، وقبل أن تولدوا، قالوا: يا أبانا صغارًا وكبارًا قد عرفناه، فقبل أن نولد بماذا؟ قال: تخيرت لكم الأمهات لكي لا تعيروا بهن (^٣).\n_________\n(^١) تربت يداك: يقال: ترب الرجل إذا افتقر، أي لصق بالتراب، وهذه الكلمة جارية على ألسنة العرب، لا يريدون بها الدعاء على المخاطب ولا وقوع الأمر كما يقولون: قاتله الله. [النهاية في غريب الحديث: ١/ ١٨٤].\nوقد روى هذا الحديث البخاري في صحيحه: ٥/ ١٩٥٨ كتاب النكاح باب الأكفاء في الدين، ومسلم في صحيحه: ٢/ ١٠٨٦ كتاب الرضاع حديث: ٥٣.\n* لوحة: ٩٥/أ.\n(^٢) سبق تخريجه ص: ٤٥٧.\n(^٣) التاريخ الكبير: ٤/ ٢٧٣، شعب الإيمان: ٦/ ٤١٢، تاريخ دمشق: ٢٥/ ١٩٨.","vol":"1","page":855},{"text":"فأما قول مالك في الثلث، وأنه مباح لها، فإنه رأى المريض محجورًا عليه من أجل ورثته، وقد أجازت السنة الثلث فقاسه عليه (^١). فهذا حكم هذه الآية وما في مضمرها، والله أعلم.\nقال الله ﷿: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (^٢).\nقوله ﵎: ﴿خِفْتُمْ﴾ (^٣) يريد: تيقنتم (^٤)، وهذا حكم من الله إذا وقع * الشقاق (^٥)\n_________\n(^١) روى البخاري في صحيحه: ٣/ ١٠٠٧ كتاب الوصايا باب الوصية بالثلث عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: مرضت فعادني النبي - ﷺ - فقلت: يا رسول الله ادع الله أن لا يردني على عقبي، قال: لعل الله يرفعك وينفع بك ناسًا، قلت: أريد أن أوصي وإنما لي ابنة، قلت: أوصي بالنصف، قال: النصف كثير، قلت: فالثلث: قال الثلث والثلث كثير أو كبير، قال: فأوصى الناس بالثلث فجاز ذلك لهم. ورواه مسلم في صحيحه: ٣/ ١٢٥٠ كتاب الوصية حديث: ٥.\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٣٥]\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٣٥]\n(^٤) مجاز القرآن: ١/ ١٢٦. وقد اعترض على هذا الزجاج، حيث قال: قال بعضهم (خفتم) ههنا في معنى أيقنتم. وهذا خطأ، لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم يجنح إلى الحكمين، وإنما يخاف الشقاق.\n[معاني القرآن: ٢/ ٤٨].\n* لوحة: ٩٥/ب.\n(^٥) الشقاق هو: العدواة، ومشاقة كل واحد منهما لصاحبه، وحقيقته: أن كل واحد من المعاديين في شِقٍ خلاف شِق صاحبه.\n\n[مجاز القرآن: ١/ ١٢٦، معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٤٨، معاني القرآن للنحاس: ٢/ ٨١، لسان العرب: ... ١٠/ ١٨٣].","vol":"1","page":856},{"text":"لكي لا يترك الناس يتظالمون ويتضارون، وقد أنزل الله ﷿ في الرجل يحلف على امرأته ألا يقربها ما أنزل (^١)، ويمين الرجل لا يقرب المرأة خمسة أشهر أقل ضررًا مما يقع بين الرجل وامرأته من الشقاق، وقد حكم المسلمون في العنين بما حكموا (^٢)، فكذلك إذا وقع بين الرجل وامرأته الشقاق عمل الحاكم في ذلك بما أمر الله (^٣).\nفأما أبو حنيفة وأصحابه فما عرفوا هذه الآية، ولا تكلموا في شئ من أحكامها (^٤).\n_________\n(^١) قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧].\n(^٢) العنين هو: من لا يأتي النساء ولا يريدهن عجزًا عن الجماع.\nوقد اتفق أهل العلم على أن العنين يضرب له أجل مقداره سنة يختبر فيها، ويعلم حاله بها من يوم يرفع إلى السلطان، ولم يخالف في ذلك إلا الحكم بن عتبة، وداود الظاهري. فإذا انقضت المدة فلم يطأ فهي بالخيار، فإن اختارت الفرقة فقد ذهب مالك وأبو حنيفة إلى أن الحاكم يقرق بينهما وتكون تطليقة، وذهب أحمد والشافعي إلى أن الفرقة بينهما فسخ وليست بطلاق.\n[انظر: الأم: ٥/ ٤٠، المحلى: ١٠/ ٥٨، الاستذكار: ١٨/ ١٢٩، المغني: ١٠/ ٨٢].\n(^٣) أي: أن الحاكم إليه الفرقة في مسألة الشقاق كما في مسألة الإيلاء والعنين.\n(^٤) قال الطحاوي بعد ذكره لقول من قال: أن الفرقة ليست إلى الحكمين إلا أن يكون الزوجان قد جعلاه إليهما، قال الطحاوي: وممن قال بذلك الشافعي، وهو قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد.\n[أحكام القرآن: ٢/ ٤٤٢].\n\nوقد اعترض على ما ذكره المؤلف هنا الجصاص حيث قال: وزعم إسماعيل بن إسحاق أنه حكى عن أبي حنيفة وأصحابه أنهم لم يعرفوا أمر الحكمين. قال أبو بكر: هذا تكذُّبٌ عليهم، وما أولى بالإنسان حفظ لسانه، ... لا سيما فيما يحكيه عن العلماء، ومن علم أنه مؤاخذ بكلامه قل كلامه فيما لا يعنيه، وأمر الحكمين في الشقاق بين الزوجين منصوص عليه في الكتاب فكيف يجوز أن يخفى عليهم مع محلهم من العلم والدين والشريعة؟ ولكن عندهم أن الحكمين ينبغي أن يكونا وكيلين لهما، أحدهما وكيل المرأة والآخر وكيل الزوج، فقال أصحابنا: ليس للحكمين أن يفرقا إلا أن يرضى الزوج. [انظر أحكام القرآن: ٢/ ٢٧٠ - ٢٧٤ فقد أطال النفس في الرد على ما ذكره القاضي إسماعيل هنا من حجج].","vol":"1","page":857},{"text":"وأما الشافعي فتكلم (^١) فيها بكلام، السكوت أحسن منه، فقال: قال الله ﵎: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ (^٢) فالله أعلم بمعنى ما أراد من خوف الشقاق، الذي إذا بلغاه، أمره أن يبعث حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، والذي يشبه ظاهر الآية، فما عمّ الزوجين معًا حتى يشتبه فيه حالهما، وذلك أن الله أذن في نشوز الزوج بأن يصطلحا، وبين رسول الله - ﷺ - ذلك، وأذن في نشوز المرأة بالضرب، وأذن في خوفهما ألا يقيما حدود الله بالخلع، ودلت السنة أن ذلك برضا المرأة، وحظر أن يأخذ الرجل مما أعطى شيئًا إذا أراد استبدال زوج مكان زوج، فلما أَمرَ فيمن خفنا الشقاق بينه (^٣) بالحكمين، دل ذلك على أن حكمهما غير حكم الأزواج غيرهما (^٤)، فإذا كان هكذا بعث حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، ولا يبعث الحكمين إلا مأمونين، وبرضا الزوجين (^٥)، وتوكيلهما بأن يجمعا أو يفرقا إذا رأيا * ذلك.\n_________\n(^١) في الأصل: فتكلموا، والصواب ما أثبت لأنه راجع إلى الشافعي وليس إلى أصحابه.\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٣٥]\n(^٣) في الأصل: ثبت، والتصويب من الأم: ٥/ ١١٦، ومن أحكام القرآن للقاضي إسماعيل الورقة: ٩/ب.\n(^٤) اختصر المؤلف كثيرًا من كلام الشافعي انظر الأم: ٥/ ١١٦.\n(^٥) في الأصل: ورضا الزوجين، والتصويب من الأم: ٥/ ١١٦.\n* لوحة: ٩٦/أ.","vol":"1","page":858},{"text":"قال الشافعي: نا الثقفي (^١) عن أيوب (^٢) عن ابن سيرين (^٣) عن عبيدة (^٤) عن علي في هذه الآية، ثم قال للحكمين: هل تدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي، وقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت والله، فلا حتى تقر (^٥) بمثل الذي أقرت به (^٦).\n_________\n(^١) عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين، تقدم.\n(^٢) أيوب السختياني ثقة ثبت، تقدم.\n(^٣) محمد بن سيرين ثقة ثبت، تقدم.\n(^٤) عبيدة السلماني فقيه ثبت، تقدم.\n(^٥) في الأصل: فلا تقر، والتصويب من مصادر التخريج.\n(^٦) رواه من طريق الثقفي عن أيوب به: الشافعي في الأم: ٥/ ١٦٦، ١٩٥، والدارقطني في سننه: ٣/ ٢٩٥ باب المهر حديث: ١٨٨، والبيهقي في سننه: ٧/ ٣٠٥ باب الحكمين في الشقاق بين الزوجين كتاب القسم والنشوز، والبغوي في شرح السنة: ٩/ ١٨٩، وفي معالم التنزيل: ٢/ ٢٠٩.\nوقد روي هذا الحديث من طرق أخرى فروي عن ابن سيرين من ثلاثة طرق الأول: منصور وهشام عن ابن سيرين به. الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ١٢١، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٢٤٥، أحكام القرآن للطحاوي: ... ٢/ ٤٤٢، تفسير الطبري: ٥/ ٧١، سنن البيهقي: ٧/ ٣٠٦ الموضع السابق. الطريق الثاني: عن ابن عون عن ابن سيرين به. سنن النسائي الكبرى: ٤/ ٤٢١ كتاب المزارعة باب الشقاق بين الزوجين، الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ١٢٢، تفسير الطبري: ٥/ ٧١، سنن الدارقطني: ٣/ ٢٩٥ باب المهر حديث: ١٨٩، سنن البيهقي: ٧/ ٣٠٦ الموضع السابق. الطريق الثالث: عن هشام بن حسان عن ابن سيرين به. الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ١٢٢. =\n\nوروي عن طريق أيوب من ثلاثة طرق الأول: معمر عن أيوب به. عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ١٥٨، ومصنفه: ٦/ ٥١٢، وتفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٩٤٥. الطريق الثاني: ابن علية عن أيوب به. تفسير الطبري: ٥/ ٧١. الطريق الثالث: حماد بن زيد عن أيوب به. وسيأتي من طريق المؤلف.\nقال الشافعي في الأم: ٥/ ١٩٥: حديث علي ثابت عندنا. وقال ابن حجر: والحديث رواه النسائي في الكبرى، والدارقطني، والبيهقي وإسناده صحيح. [تلخيص الحبير: ٣/ ٢٠٤].","vol":"1","page":859},{"text":"قال: فقول علي يدل على ما وصفت من أن ليس للحاكم أن يبعث حكمين دون رضا المرأة والرجل بحكمهما، وعلى أن الحكمين إنما هما وكيلان للرجل والمرأة بالنظر بينهما في الجمع والفرقة (^١)، ليس للحكمين أن يحكما إلا أن يفوض الزوجان ذلك إليهما.\nقال الشافعي: وأنا مسلم بن خالد (^٢)\n_________\n(^١) اختصر المؤلف كثيرًا من كلام الشافعي انظر الأم: ٥/ ١١٦.\n(^٢) مسلم بن خالد بن قرقرة، ويقال: ابن جرجة القرشي المحزومي مولاهم، أبو خالد المكي المعروف بالزنجي، عن: زيد بن أسلم، وعبد الملك بن جريج، وعنه: الشافعي، ومسدد، فقيه صدوق كثير الأوهام.\n\n[تهذيب الكمال: ٢٧/ ٥٠٨، التقريب: ٩٣٨].","vol":"1","page":860},{"text":"عن ابن جريج (^١) عن ابن أبي مليكة (^٢) أنه سمعه يقول: تزوج عقيل بن أبي طالب (^٣) فاطمة بنت عتبة بن ربيعة (^٤)، فقالت: اصبر لي (^٥) وأنا أنفق عليك، وكان إذا دخل عليها قالت: أين (^٦) عتبة بن ربيعة؟ أين شيبة بن ربيعة (^٧)؟ فيسكت حتى دخل عليها يومًا وهو برم (^٨)، فقالت: أين عتبة بن ربيعة؟ أين (^٩)\n_________\n(^١) عبد الملك بن جريج ثقة فقيه فاضل كان يدلس ويرسل، تقدم.\n(^٢) عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة ثقة فقيه، تقدم.\n(^٣) عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، أخو علي وجعفر، يكنى: أبا يزيد، تأخر إسلامه إلى عام الفتح، وقيل: أسلم بعد الحديبية، وهاجر في أول سنة ثمان، شهد غزوة مؤتة، ومات في خلافة معاوية. ... [الاستيعاب: ٣/ ١٥٧، الإصابة: ٢/ ٤٩٤].\n(^٤) فاطمة بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، أخت هند بنت عتبة أم معاوية بن أبي سفيان، أسلمت وبايعت الرسول - ﷺ -، تزوجها قرظة بن عمرو بن نوفل، ثم زوجها أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة من سالم مولى أبي حذيفة. ... [الطبقات الكبرى: ٨/ ٢٣٨، الاستيعاب: ٤/ ٣٨٣].\n(^٥) أي: احبس نفسك لي، فأصل الصبر الحبس. [لسان العرب: ٤/ ٤٣٩]\n(^٦) في الأصل: ابنة، والتصويب من مصادر التخريج.\n(^٧) في الأصل: بن شيبة بن ربيعة، والتصويب من مصادر التخريج.\n(^٨) برم أي: ضجر وسئم، يقال: بَرِم الأمر برمًا إذا سئمه، فهو برم ضجر. [لسان العرب: ١٢/ ٤٣].\n(^٩) في الأصل: أين عتبة بن ربيعة بن شيبة، والتصويب من مصادر التخريج ..","vol":"1","page":861},{"text":"شيبة؟ فقال: على يسارك في النار إذا دخلت، فشدت عليها ثيابها، فجاءت عثمان فذكرت ذلك له، فأرسل ابن عباس ومعاوية (^١)، فقال ابن عباس: لأفرق (^٢)\n_________\n(^١) معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بت عبد مناف القرشي الأموي، أمير المؤمنين أبو عبد الرحمن، ولد قبل البعثة بخمس سنين، وقيل: بسبع، من مسلمة الفتح، وقيل: أسلم قبل الفتح، كان كاتبًا للرسول الله - ﷺ - يكتب له الوحي، مات سنة ٦٠ هـ. [الاستيعاب: ٢/ ٣٩٥، الإصابة: ٢/ ٤٣٣].\n(^٢) كذا في الأصل، وفي مصادر التخريج: لأفرقن.\n\n* لوحة: ٩٦/ب.","vol":"1","page":862},{"text":"بينهما، وقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين * من بني عبد مناف، فأتياهما فوجداهما قد سدا عليهما أبوابهما (^١)، وأصلحا أمرهما (^٢). قال الشافعي - ﵀ -: فهذا يشبه ما روي عن علي، ألا ترى أن ابن عباس قال: أفرق، ومعاوية قال: لا أفرق بين شيخين من بني عبد مناف، فأتياهما فوجداهما قد سدا عليهما أبوابهما، فلما وجداهما قد اضطجعا رجعا. فدل ذلك على أنهما لو أحبا فسخا الوكالة (^٣).\n_________\n(^١) كذا في الأصل، وفي الأم، وطبقات ابن سعد، وسنن البيهقي: شدا عليهما أثوابهما. وإن كان رسم الكلمتين يحتمل هذا وهذا، إلا أن ما أثبت أقرب للصواب، بدلالة رواية عبد الرزاق: أغلقا عليهما أبوابهما. وقد تكون تحرفت في الأم، وطبقات ابن سعد، وسنن البيهقي، وقد ذكر في هامش سنن البيهقي أن في إحدى النسخ: أبوابهما.\n(^٢) رواه الشافعي في الأم: ٥/ ١١٦، ١٩٥، والبيهقي في سننه: ٧/ ٣٠٦ الموضع السابق، وقد رواه عبد الرزاق في مصنفه: ٦/ ٥١٣ من طريق ابن جريج به، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ١٢٠ من طريق حجاج عن ابن جريج به، وابن سعد في طبقاته: ٨/ ٢٣٨ من طريق أبي عاصم النبيل عن ابن جريج به، قال ابن حجر في الإصابة: ٤/ ٣٨٤: وأخرج ابن سعد بسند صحيح، ثم ذكره.\n(^٣) انظر نص كلام الشافعي كاملًا في هذه المسألة في الأم: ٥/ ١١٦، ١٩٥.","vol":"1","page":863},{"text":"فزعم الشافعي أن الحكمين يبعثان على ظاهر كتاب الله، ثم قال من تلقاء نفسه: إن ذلك لا يكون إلا برضا الزوجين، وتوكيلهما إياهما بأن يجمعا أو يفرقا. وزعم أنه تأول في ذلك قول علي وعثمان - ﵄-. وفعلهما موافق لكتاب الله مباين لما ذهب إليه الشافعي، ولم يبين الشافعي كيف يوكل الزوجان؟ وهل هما وكيلان لكل واحد من الزوجين أو كل واحد وكيل لأحدهما؟ ولا بأي شيء يوكلاهما كل واحد؛ لأن الوكالة لا تجوز إلا في معلوم، فإن كانت الوكالة في الإصلاح بينهما فهذا شئ أمر الله به الخلق جميعًا، والحكمان هاهنا مخصوصان به، لا يُحتاج إلى التوكيل فيه، وإن كان التوكيل بالطلاق فأي شيء بيد المرأة من الطلاق حتى توكل فيه؟ .\nفإن قال الشافعي: وكيل الرجل في الطلاق. فوكيل المرأة بماذا؟ وإذا كانا وكيلين فليس إليهما حكم ولاهما مجتمعان؛ لأن كل واحد مباين للآخر ليس إليه ما إلى صاحبه، ولا إلى صاحبه ما إليه، واسم الوكيل غير اسم الحاكم، قال الله سبحانه في الصيد: ... ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^١) فهما حكمان على الاجتماع، كل واحد منهما إليه ما إلى الأخر، وقد قال الله ﵎: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (^٢)\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٩٥]\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٣٥]\n\n* لوحة: ٩٧/أ.","vol":"1","page":864},{"text":"فأعلمنا أن الحكمين أمرهما واحد إن قصدا للحق، ووفقهما الله للصواب في الحكم، ثم تأول الشافعي فأخطأ * فيه، ونقله عن وجهه، فقال: لما قال علي ابعثوا حكمًا من أهله. كان هذا مخاطبة للزوجين (^١)، ولو كان للزوجين لقيل: فأمرهما، ولو كانت المخاطبة بين علي وبين الزوجين لم يقل: فابعثوا حكما من أهله، ولقال: ابعث حكمًا من أهلك، فعلم أن المخاطبة بيد الزوج (^٢)، وكذلك المرأة، وإنما قال لجلسائه وأصحابه وذوي الرأي عندهم لعلمهم بالأهلين والمختار منهم، كما يقول الحاكم لخاصته: اختاروا من يقوم بمال اليتيم، وإنما قال علي للزوج لما قال: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت حتى تقر بمثل الذي أقرت به. وإنما أقرت بالرضا بكتاب الله عليها ولها، فأنكر علي إباه لكتاب الله، فقال: كذبت، وليس يقال لمن قال: لا أوكل في الطلاق: كذبت (^٣)،\n_________\n(^١) قال الشافعي: حديث علي ثابت عندنا، وهو إن شاء الله كما قلنا لا نخالفه؛ لأن عليًا إذ قال لهم: ابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها والزوجان حاضران فإنما خاطب به الزوجين، أو من أعرب عنهما بحضرتهما بوكالة الزوجين أو رضاهما بما قال، وقوله للرجل: لا والله حتى تقر بمثل ما أقرت به، أن لا يقضي الحكمان إن رأيا الفرقة إذا رجعت عن توكيلهما حتى تعود إلى الرضا بأن يكونا بوكالتك ناظرين بما يصلح أمركما، ولو كان للحاكم أن يبعث حكمين بفرقة بلا وكالة الزوج ما احتاج علي - ﵁ - إلى أن يقول لهما: ابعثوا، ولبعث هو ولقال للزوج: إن رأيا الفراق أمضيا ذلك عليك وإن لم تأذن به، ولم يحلف، لا يمضي الحكمان حتى يقر، ولو كان للحاكم جبر الزوجين على أن يوكلا كان له أن يمضيه بلا أمرهما. [الأم: ٥/ ١٩٥].\n(^٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: فعلم أن المخاطبة ليست بيد الزوج.\n(^٣) في الأصل: وكذبت، والصواب ما أثبت ..","vol":"1","page":865},{"text":"وهذه الكلمة أسقطها الشافعي من حديث الثقفي، فلم يذكرها في احتجاجه كأفعاله؛ لتستوي له الحجة، وما تستوي لو لم تكن هذه الكلمة (^١).\nأنا بذلك القاضي إسماعيل (^٢) قال: نا نصر بن علي (^٣) قال: ثنا عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن محمد عن عبيدة (^٤)، وفي الحديث: فأمرهم علي، فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها (^٥). فعلم أن المأمورين غير الزوجين. ورواه سليمان بن حرب حدثنا به البرنكاني (^٦) عن إسماعيل (^٧) عن سليمان (^٨) عن حماد بن زيد (^٩) عن أيوب عن محمد عن عبيدة وقال فيه: فقال: كذبت، لا تنقلب حتى تقر بمثل الذي أقرت به (^١٠).\n_________\n(^١) هذا غير صحيح، فهذه الكلمة ثابتة في رواية الشافعي في الأم: ٥/ ١١٦، ١٩٥، وسنن البيهقي: ٧/ ٣٠٥، والغريب أن المؤلف نقل هذه الكلمة في حكايته لكلام الشافعي.\n(^٢) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق، تقدم.\n(^٣) نصر بن علي الجهضمي ثقة، تقدم.\n(^٤) في الأصل: عن محمد بن عبيدة، والصواب ما أثبت.\n(^٥) لم أقف عليه من هذا الطريق.\n(^٦) محمد بن أحمد البرنكاني أحد شيوخ المؤلف، تقدم.\n(^٧) القاضي إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق، تقدم.\n(^٨) سليمان بن حرب ثقة إمام خافظ، تقدم.\n(^٩) حماد بن زيد ثقة ثبت فقيه، تقدم.\n(^١٠) رواه سعيد بن منصور في سننه: ٤/ ١٢٤٣ من طريق حماد بن زيد به، وفيه: كلا والله حتى تقر بمثل ما أقرت به، والبيهقي في سننه: ٧/ ٣٠٦ من طريق سعيد بن منصور عن حماد بن زيد به.\n* لوحة: ٩٧/ب.","vol":"1","page":866},{"text":"فهل يجبر أحد على أن يوكل وهو إن وكل فله أن يخرج الوكيل من الوكالة، ويجوز أن يجبر على الرضا * بكتاب الله، فبيّن علي أيضًا بقوله للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما. وإنما قالت المرأة بعد مضي هذا الخطاب من علي للحكمين: رضيت بكتاب الله ﷿ عليّ وليّ، فكان امتناع الرجل من الرضا بكتاب الله يوجب جبره عليه وتكذيبه، كما جاء في حديث سليمان ونصر، وكان واجبًا أن يؤدب إن أقام على ذلك، ولو كان الحكمان وكلا ما احتاج علي أن يقول للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إذ الوكالة ومعرفة ما جعل إليهما يغني عن ذلك.\nوأما قول الشافعي فيما رواه عن عثمان فقول من لم يتأمل الحديث الذي رواه ولا عرفه؛ لأن فيه أن عثمان وجه ابن عباس ومعاوية، وما عقيل حاضر، ووجّه الحكمين برأيه، ولم يستأمر الزوجين، فكان رأي ابن عباس أن يفرق، وكان رأي معاوية أن يؤلف، فعلم أن الفراق إليهما لو اجتمعا على ذلك، والزوجان مقيمان على التباعد، فإذا اضطجع الزوجان فقد زال ما إلى الحكمين؛ لأن الذي كان إليهما الإصلاح أولًا، فإن تعذر فرقا، فإذا كان الإصلاح فلا مدخل للحكمين، وإنما يكونا حكمين من قبل الإمام ما دام الشقاق، فإذا زال زالت ولا يتهما.","vol":"1","page":867},{"text":"قال علي: الحكمان بهما يجمع الله وبهما يفرق (^١). قال ابن عباس: ما قضيا من شيء فهو جائز (^٢). وقاله ابن جبير (^٣)، ومجاهد (^٤)، وأبو سلمة (^٥)، والشعبي (^٦)، وإبراهيم (^٧)،\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ١٧٤ ما قالوا في الحكمين من قال ما صنعا من شيء فهو جائز، وابن جرير في تفسيره: ٥/ ٧٣، والبيهقي في سننه: ٧/ ٣٠٦ الموضع السابق بنحوه.\n(^٢) رواه الطبري في تفسيره: ٥/ ٧٣، والبيهقي في سننه الموضع السابق.\n(^٣) رواه عبد الرزاق في مصنفه: ٦/ ٥١٣، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ١٢٣، وسعيد بن منصور في سننه: ٤/ ١٢٤٨، والطبري في تفسيره: ٥/ ٧٤، والطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٤٤٤، والبيهقي في سننه الموضع السابق.\n(^٤) ذكره الجصاص في أحكام القرآن: ٢/ ٢٧٢، والذي وقفت عليه مرويًا عن مجاهد ما رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن الورقة: ١٠/ب عن مجاهد: فابعثوا حكمًا من أهله وحكما من أهلها إن خافا ألا تطيعه ولا تواتيه ولا يتركها ويسعى إليها، فإن لم يصطلحا اختلعت، وقبل منها ماله، ولا يصلح الخلع إلا في مثل هذا. وقد رواه أيضًا الطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٤٤٥.\n(^٥) أبو سلمة بن عبد الرحمن رواه عنه: عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ١٥٩، وفي مصنفه: ٦/ ٥١١، وابن أبي شيبة في مصنفه الموضع السابق، وابن جرير في تفسيره: ٥/ ٧٤.\n(^٦) رواه عبد الرزاق في مصنفه: ٦/ ٥١٢، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ١٢٢، وسعيد بن منصور في سننه: ٤/ ١٢٤٦، وابن أبي شيبة في مصنفه الموضع السابق، وابن جرير في تفسيره: ٥/ ٧٤، والطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٤٤٤، والبيهقي في سننه: ٧/ ٣٠٦ الموضع السابق.\n(^٧) رواه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ١٢٤، وسعيد بن منصور في سننه: ٤/ ١٢٤٧، وابن جرير في تفسيره: ٥/ ٧٤، والطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٤٤٤ ..","vol":"1","page":868},{"text":"والضحاك (^١)، والحكم (^٢)، وربيعة (^٣)، وفي مخالفتهم بالرأي الذي ... لا يشده النظر قبح *.\nقال مالك بن أنس: الأمر الذي يكون فيه الحكمان إذا فتح ما بين الزوجين، ولم تثبت البينة، ولم يقدر على تعرف ذلك وصحته، بعث الحاكم عدلين أحدهما من أهل المرأة ومن يوثق به عليها، والآخر من أهل الزوج بهذه الصفة، فإن استطاعا الصلح اصلحا وإلا فرقا، وإن رأيا أن يأخذا له من مالها شيئًا أخذا متى كان الفراق والامتناع من الصلح من قبلها، ما فعلا من ذلك جاز عليهما (^٤). قال مالك: وبلغني أن عليًا ﵀ قال للحكمين: إليكما أن تفرقا وأن تجمعا. قال مالك: وهذا أحسن ... ما سمعت (^٥).\n_________\n(^١) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن الورقة: ١٠/أ، وابن جرير في تفسيره: ٥/ ٧٥.\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه الموضع السابق، والقاضي إسماعيل في أحكام القرآن الورقة: ١٠/أ، والطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٤٤٥.\n(^٣) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن الورقة: ١٠/أ.\n* لوحة: ٩٨/أ.\n(^٤) انظر نص كلام مالك في المدونة: ٢/ ٢٦٧، وأحكام القرآن للقاضي إسماعيل الورقة: ١٠/أ.\n(^٥) الموطأ: ٢/ ٤٥٦ كتاب الطلاق حديث: ٧٢.\nوما ذكره المؤلف من مذهب مالك في أن للحكمين أن يجمعا وأن يفرقا بغير إذن الزوجين ولا توكيل منهما، هذا إذا اتفق الحكمان على التفريق بينهما، قال ابن عبد البر: وأجمعوا أن الحكمين إذا اختلفا لم ينفذ قولهما، وأجمعوا أن قولهما نافذ في الجمع بينهما بغير توكيل من الزوجين، واختلفوا في الفرقة بينهما هل تحتاج إلى توكيل من الزوج أم لا؟ ... [الاستذكار: ١٨/ ١١١].\n\nوما ذهب إليه مالك ﵀ هو قول الأوزاعي، وإسحاق، وابن المنذر، وأحد قولي الشافعي، ورواية عن أحمد، وقد صحح أصحاب الشافعي قوله الأول، قال الكيالهراس: وهو أصح المذاهب للشافعي، وإن حكي عن الشافعي فيه قول آخر على موافقة مذهب مالك. [أحكام القرآن: ٢/ ٣٦٨، وانظر: سنن البيهقي: ٧/ ٣٠٧، ومعالم التنزيل: ٢/ ٢٠٩، والمغني: ١٠/ ٢٦٣، وروضة الطالبين: ٧/ ٣٧١].","vol":"1","page":869},{"text":"قال الله ﵎: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (^١).\nهذا كان قبل تحريم المسكر، وكانوا خلّطوا في القراءة (^٢)، ثم نسخ هذا وسقط كله بتحريم الخمور (^٣)، وقد ذكرنا هذا كله في كتاب الأشربة، والحجة على من أحل الخمر بأن سماها بغير اسمها، واستُغنى عن شرح ذلك في هذا الكتاب (^٤).\nقال الله ﷿: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٤٣]\n(^٢) روى أبو داود في سننه: ٣/ ٣٢٥ باب في تحريم الخمر كتاب الأشربة: عن علي بن أبي طالب: أن رجلًا من الأنصار دعاه وعبد الرحمن بن عوف فسقاهما قبل أن تحرم الخمر، فأمهم علي في المغرب فقرأ: قل يا أيها الكافرون فخلط فيها، فنزلت: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾.\nورواه الترمذي في سننه تفسير سورة النساء من أبواب التفسير، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح تحفة الأحوذي: ٨/ ٣٨٠، والقاضي إسماعيل في أحكام القرآن الورقة: ١٠/ب، والبزار في مسنده: ٢/ ٢١١، وابن جرير في تفسيره: ٥/ ٩٥، والطحاوي في أحكام القرآن: ١/ ١١٢، وابن ابي حاتم في تفسيره: ٣/ ٩٥٨، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ٢/ ٢٠٩، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٣٦ التفسير سورة النساء، و٤/ ١٥٨ كتاب الأشربة وصححه، والواحدي في أسباب النزول: ١٥٣، والبيهقي في سننه: ١/ ٣٨٩ باب صفة أقل السكر كتاب الصلاة.\n(^٣) قال النحاس: فيكون المنسوخ من الآية التحريم في أوقات الصلاة وغيرها. الناسخ والمنسوخ: ٢/ ٢١١، وانظر: تفسير الطبري: ٥/ ٩٦، والإيضاح لمكي: ٢٢٨، ونواسخ القرآن: ٣٣٩.\n(^٤) كتاب الأشربة أحد مصنفات المؤلف القاضي بكر بن العلاء، ألفه لنقض كتاب الأشربة للطحاوي، وسيأتي بيان قول الطحاوي في هذه المسألة إن شاء الله عند الآية ٩٠ من سورة المائدة.\n(^٥) [سورة النساء: الآية ٤٣]","vol":"1","page":870},{"text":"روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: لا أحل المسجد لجنب ولا حائض. من طريق جسرة بنت دجاجة (^١) عن عائشة (^٢).\n_________\n(^١) جسرة بنت دجاجة العامرية الكوفية، عن: علي بن أبي طالب، وعائشة، وأم سلمة، وعنها: أفلت بن خليفة العامري، وقدامة بن عبد الله العامري، قال أحمد العجلي: جسرة تابعية ثقة، وذكرها ابن حبان في الثقات، قال البخاري: عندها عجائب، قال أبو الحسن القطان: هذا قول لا يكفي لمن يسقط ما روت. قيل: إن لها إدراكًا. ... [تهذيب الكمال: ٣٥/ ١٤٣، ميزان الاعتدال: ١/ ٣٩٨، تهذيب التهذيب: ١٢/ ٣٥٧].\n(^٢) رواه أبو داود في سننه: ١/ ٦٠ باب في الجنب يدخل المسجد كتاب الطهرة، والقاضي إسماعيل في أحكام القرآن الورقة: ١١/أ، وابن خزيمة في صحيحه: ٢/ ٢٨٤، والجصاص في أحكام القرآن: ٢/ ٢٨٩، والبيهقي في سننه: ٢/ ٤٤٢ باب الجنب يمر في المسجد مارًا ولا يقيم فيه كتاب الصلاة.\n= وقد ضعف هذا الحديث جماعة من أهل العلم، قال الخطابي في معالم السنن: ١/ ١٥٩: وضعفوا هذا الحديث، وقالوا: أفلت راويه مجهول لا يصح الاحتجاج بحديثه. قال البغوي في شرح السنة: ٢/ ٤٦: وضعف أحمد الحديث؛ لأن راويه وهو أفلت بن خليفة مجهول، وقال ابن حزم في المحلى: ٢/ ١٨٦: غير مشهور ولا معروف بالثقة.\nقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: ٢/ ٣٤٦: قال أحمد بن حنبل في أفلت ما أرى به بأسًا، وقال فيه أبو حاتم: شيخ. قال المنذري في مختصر سنن أبي داود: ١/ ١٥٨: وفيما حكاه الخطابي أنه مجهول نظر، فإن أفلت بن خليفة، ويقال: فليت بن خليفة العامري، ويقال: الذهلي، وكنيته أبو حسان، حديثه في الكوفيين. قال ابن جحر في تلخيص الحبير: ١/ ١٤٠: قال أحمد: ما أرى به بأسًا، وقد صححه ابن جزيمة وحسنه ابن القطان.\n\nوقد روى ابن ماجة في سننه: ١/ ١١٨ باب ما جاء في اجتناب الحائض المسجد من أبواب الطهارة عن محدوج الذهلي عن جسرة قالت: أخبرتني أم سلمة قالت: دخل رسول الله - ﷺ - في صرحة هذا المسجد فنادى بأعلى صوته إن المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض. وقد رواه الطبراني في الكبير: ٢٣/ ٣٧٣ وفيه زيادة: لا يحل لجنب ولا لحائض إلا للنبي وأزواجه وفاطمة بنت محمد وعلي ألا بينت لكم أن تضلوا، والبيهقي في سننه: ٧/ ٦٥ باب دخوله جنبًا كتاب النكاح.\nقال أبو زرعة: يقولون عن جسرة عن أم سلمة، والصحيح عن عائشة. [العلل لابن أبي حاتم: ١/ ٩٩].","vol":"1","page":871},{"text":"وروى علي عن النبي - ﷺ - أنه قال: لا تدخل الملائكة بيتًا فيه جنب، ولا كلب، ولا صورة (^١). روى المطلب (^٢) أن النبي - ﷺ - لم يأذن لأحد أن يدخل المسجد وهو جنب، إلا علي بن أبي طالب - ﵁ -؛ لأن بيته كان في المسجد (^٣).\n_________\n(^١) رواه أبو داود في سننه: ١/ ٥٨ باب في الجنب يؤخر الغسل كتاب الطهارة، و٤/ ٧٢ باب في الصور كتاب اللباس، والنسائي في سننه: ١/ ١٥٤ باب في الجنب إذا لم يتوضأ كتاب الطهارة، و٧/ ٢١٠ باب امتناع الملائكة من دخول بيت فيه كلب كتاب الصيد، وأحمد في مسنده: ١/ ٨٣، والدارمي في سننه: ٢/ ٣٦٩ باب لا تدخل الملائكة بيتًا فيه تصاوير كتاب الاستئذان، والقاضي إسماعيل في أحكام القرآن الورقة: ١١/ب، والبزار في مسنده: ٣/ ٩٩، وأبو يعلى في مسنده: ١/ ١٦٤، وابن حبان في صحيحه: ٤/ ٥، والحاكم في المستدرك: ١/ ٢٧٨ كتاب الطهارة وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في سننه: ١/ ٢٠١ باب كراهية نوم الجنب من غير وضوء كتاب الطهارة.\n(^٢) المطلب بن عبد الله بن حنطب بن الحارث المخزومي، روى عن جمع من الصحابة، وقيل: إنه لم يسمع من أحد منهم، وعنه: ابن جريج، وكثير بن زيد، صدوق كثير التدليس والإرسال.\n[تهذيب الكمال: ٢٨/ ٨١، جامع التحصيل: ٢٨١، التقريب: ٩٤٩].\n(^٣) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن الورقة: ١١/ب، وابن جزم في المحلى: ٢/ ١٨٦ وضعفه، وذكره الجصاص في أحكام القرآن: ٢/ ٢٨٩، وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ٥٥٨، والقرطبي في تفسيره: ٥/ ٢٠٧.\nقال ابن حجر بعد أن ذكره من أحكام القرآن للقاضي إسماعيل، قال: وهذا مرسل قوي، يشهد له ما أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - قال لعلي: لا يحل لأحد أن يطرق هذا المسجد جنبًا غيري وغيرك. [القول المسدد: ٢١].","vol":"1","page":872},{"text":"وقال عطاء: كان رجال من أصحاب رسول الله - ﷺ - يجنبون فيتوضؤون *، ثم يأتون المسجد فيتحدثون فيه (^١). وقال جابر: كان أحدنا يجنب فيمر في المسجد مجتازًا (^٢)، وقال زر (^٣) عن علي في قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (^٤) قال: إلا أن يكون مسافرًا فلا يجد الماء، فيتيمم ويصلي (^٥).\n_________\n* لوحة: ٩٨/ب.\n(^١) رواه سعيد بن منصور في سننه: ٤/ ١٢٧٥، والقاضي إسماعيل في أحكام القرآن الورقة: ١١/ب، قال ابن كثير: بعد أن ساقه بإسناد سعيد بن منصور، قال: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.\n[تفسير القرآن العظيم: ١/ ٥٠٢]\n(^٢) رواه الدارمي في سننه: ١/ ٢٨١ باب في مرور الجنب في المسجد كتاب الطهارة، وسعيد بن منصور في سننه: ٤/ ١٢٧٠، وابن أبي شيبة في مصنفه: ١/ ١٣٥ الجنب يمر في المسجد قبل أن يغتسل، والقاضي إسماعيل في أحكام القرآن الورقة: ١١/ب، وابن جرير في تفسيره بتحقيق التركي: ٧/ ٥٥، وابن خزيمة في صحيحه: ... ٢/ ٢٨٦، وابن المنذر في الأوسط: ٢/ ١٠٦، والبيهقي في سننه: ٢/ ٤٤٣ باب الجنب يمر في المسجد.\n(^٣) زِر بن حُبيش بن حُباشة الأسدي الكوفي، أبو مريم، ويقال: أبو مطرف، عن: عبد الله بن مسعود، وعلي ابن أبي طالب، وعنه: إبراهيم النخعي، والشعبي، ثقة جليل مخضرم، مات سنة ٨١ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٩/ ٣٣٥، التقريب: ٣٣٦].\n(^٤) [سورة النساء: الآية ٤٣]\n(^٥) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن الورقة: ١١/ب، وابن المنذر في الأوسط: ٢/ ١٤، ١٠٨، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٩٥٩، والبيهقي في سننه: ١/ ٢١٦ باب الجنب يكفيه التيمم إذا لم يجد الماء كتاب الطهارة.\nورواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ١/ ١٤٤ باب الرجل يجنب وليس يقدر على الماء، من طريق عباد بن عبد الله أو زر عن علي، وكذلك رواه ابن جرير في تفسيره: ٥/ ٩٧. ورواه ابن جرير في تفسيره أيضًا من طريق عباد بن عبد الله عن علي، وكذلك رواه من هذا الطريق الطحاوي في أحكام القرآن: ١/ ١١٦.","vol":"1","page":873},{"text":"وقال ابن مسعود - ﵁ -: هو اختراق المسجد (^١). وقال ابن عباس: لا يقرب الصلاة وهو جنب، إلا أن يكون مسافرًا فلا يجد الماء، فيتيمم ويصلي (^٢).\nفالتفسير في هذه الآية من الصحابة والتابعين كثير (^٣)، وكله يدور على قولين، منهم من يقول: المراد الصلاة، ومنهم من يقول: المسجد، وأكثرهم يقول: الصلاة. فأما الذين ذهبوا إلى أنه المسجد؛ لأنه مصلى يصلى فيه، ومن قال: إنه المسافر لا يجد الماء، ذهبوا إلى أنها الصلاة بعينها، وأنه لا يقربها حتى يغتسل، إلا أن يكون مسافرًا ولا يجد الماء فيتيمم، ذهبوا إلى ظاهر الآية، وأنه قرن مع ذكر السكارى، وليس يختلف أهل العلم في أن الجنب لا يصلي حتى يغتسل، إلا أن يكون مسافرًا ولا يجد الماء فيتيمم ويصلي، إلا شئ رواه أهل الكوفة لا يعمل به (^٤)،\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٦٣، ومصنفه: ١/ ٤١٢، أحكام القرآن للقاضي إسماعيل الورقة: ١١/ب، تفسير الطبري: ٥/ ٩٨، الأوسط: ٢/ ١٠٧، سنن البيهقي: ٧/ ٤٤٣ باب الجنب يمر في المسجد كتاب الصلاة.\n(^٢) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن الورقة: ١٢/أ، وابن جرير في تفسيره: ٥/ ٩٧، وابن المنذر في الأوسط: ٢/ ١٤، ١٠٨، والطبراني في الكبير: ١٢/ ٢٠٦.\nوقد رواه الدارمي في سننه: ١/ ٢٨١ الموضع السابق، وفيه: أن ابن عباس قال: هو المسافر. وابن أبي شيبة في مصنفه: ١/ ١٤٤ الموضع السابق، والقاضي إسماعيل في أحكام القرآن الورقة: ١٢/أ، وابن جرير في تفسيره: ... ٥/ ٩٧، وابن المنذر في الأوسط: ٢/ ١٤.\n(^٣) انظر المراجع السابقة في تخريج أثر جابر، وعلي، واين مسعود، وابن عبا س.\n(^٤) قال ابن المنذر: وممن مذهبه أن الجنب يتيمم ويصلي: علي، وبه قال الشافعي، والثوري، وأبو ثور، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وهو قول عوام أهل العلم من فقهاء الأمصار. [الأوسط: ٢/ ١٤].\n\nوقد روي عن: عمر وابن مسعود وإبراهيم النخعي منع الجنب من التيمم. رواه عنهم: أحمد في مسنده: ٤/ ٣١٩، وعبد الرزاق في مصنفه: ١/ ٢٣٨، وابن جرير في تفسيره: ٥/ ١١٣، وابن المنذر في الأوسط: ٢/ ١٥، وابن حزم في المحلى: ٢/ ١٤٤، وغيرهم.\nقال أبو الوليد الباجي: فأما استباحة الجنب الصلاة وغيرها من ممنوعات الجنابة بالتيمم فهو مذهب جمهور الفقهاء، وروي منعه عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، والذي يظهر لي من قولهما: أنهما منعا ذلك للذريعة، وذلك أن أبا وائل روى عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لو رخصنا لهم فيها لأوشك إذا يرد على أحدهم الماء أن يدعه ويتيمم. ... [المنتقى: ١/ ١١٢].","vol":"1","page":874},{"text":"والأقوى أن الآية نزلت في المسافر، وهو أصح المعنيين (^١)، ومع ذلك فينبغي أن ينزه المسجد الجنب فلا يدخله (^٢)، كما لا يقرأ القرآن (^٣)، وبالله التوفيق.\nقال الله ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلى قوله: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (^٤) المريض الذي يتيمم عند مالك وهو واجد للماء: الجريح، وصاحب القروح (^٥) والجدري (^٦)،\n_________\n(^١) هذا ما رجحه: الجصاص في أحكام القرآن: ٢/ ٢٩٠، وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ٥٥٦، والقرطبي في تفسيره: ٢٠٧.\n(^٢) هذا مذهب مالك حيث قال: ولا يعجبني أن يدخل الجنب في المسجد الذي تصلون فيه عابر سبيل ولا غير ذلك. وهو قول أبو حنيفة وأصحابه إلا أنهم ذهبوا إلى جواز ذلك إذا اضطر إلى ذلك أن يتيمم، وذهب الشافعي إلى أنه يمر في المسجد مارًا ولا يقيم فيه سواء كان لحاجة أو لغير حاجة، وذهب أحمد إلى جواز مرور الجنب فيه إذا كان لحاجة أما لغير حاجة فلا.\n[المدونة: ١/ ١٣٧، الأم: ١/ ٥٤، الأوسط: ٢/ ١٠٩، أحكام القرآن للطحاوي: ١/ ١١٦ النوادر والزيادات: ١/ ١٢٥، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٢٨٨، المنتقى: ١/ ١١٢، المغني: ١/ ٢٠٠].\n(^٣) انظر في مسألة قراءة القرآن للجنب: الأوسط: ٢/ ٩٦، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ١٢٦، المحلى: ١/ ٧٧، المنتقى: ١/ ٣٤٥، المغني: ١/ ١٩٩.\n(^٤) [سورة النساء: الآية ٤٣]\n(^٥) القُروح: جمع قُرْح وقَرْح وهو الجرح، ويطلق أيضًا على البثر إذا ترامى إلى فساد [لسان العرب: ٢/ ٥٥٧].\n(^٦) الجُدَري والجَدَري: بضم الجيم وفتح الدال وبفتحهما لغتان: قروح في البدن تنفط عن الجلد ممتلئة ماء.\n\n[النهاية: ١/ ٢٤٦، لسان العرب: ٤/ ١٢٠].","vol":"1","page":875},{"text":"وكل من خاف إن استعمل الماء أن يزيد ذلك في علته، أو أن يضره فتطول العلة، فهذا الذي له أن يتيمم، وإن كان جنبًا أيضًا تيمم وصلى (^١) *. قال نحوًا من ذلك ابن عباس (^٢) وجماعة من المفسرين، بل جلهم، ما هذا معناه (^٣). وكذلك يقول في المريض الذي يقدر على التوضؤ بالماء ويعجز عن مناولته، وليس له من يناوله، وقد دخل آخر الوقت أنه يتيمم ويصلي (^٤). ومما يقوي ذلك ما روي في المسح على الجبائر (^٥)\n_________\n(^١) المدونة: ١/ ١٤٧، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ١٦٨، المنتقى: ١/ ١١٠.\n* لوحة: ٩٩/أ.\n(^٢) مصنف عبد الرزاق: ١/ ٢٢٤، مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ٩٦ في الجنب به الجدري والحصبة، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٩٦٠، أحكام القرآن للطحاوي: ١/ ٩٣، صحيح ابن خزيمة: ١/ ١٣٨ مرفوعًا، وقال ابن خزيمة: هذا خبر لم يرفعه غير عطاء بن السائب. الأوسط: ٢/ ١٩.\n(^٣) ممن روي عنه هذا: ابن مسعود، وسعيد بن جبير، وأبو مالك، والسدي، وإبراهيم، وقتادة، وغيرهم.\nانظر المراجع السابقة، وسنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٢٥٤، وتفسير الطبري: ٥/ ١٠٠.\n(^٤) الاستذكار: ٣/ ١٥٢.\n(^٥) الجبائر: العيدان التي تشدها على العظم لتجبره بها على استواء، واحدتها جبارة وجبيرة.\n[لسان العرب: ٤/ ١١٥].\nوقد روي في المسح على الجبائر حديث ضعيف باتفاق أهل العلم، قال ابن حجر: قوله روي أنه - ﷺ - أمر عليًا أن يمسح على الجبائر. ابن ماجة والدارقطني من حديثه، وفي إسناده عمرو بن خالد الواسطي وهو كذاب، ورواه الدارقطني والبيهقي من طريقين آخرين أوهى منه، وقال الشافعي في الأم والمختصر: لو عرفت إسناده بالصحة لقلت به وهذا مما أستخير الله فيه. [تلخيص الحبير: ١/ ١٤٦].\n\nقال ابن المنذر: وأكثر أهل العلم يجيزون المسح على الجبائر، ولست أحفظ عن أحد أنه منع من المسح على الجبائر إلا ما ذكرت من أحد قولي الشافعي، وشيء روي عن ابن سيرين.\n[الأوسط: ٢/ ٢٥، وانظر الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ١٧٣، المغني: ١/ ٣٥٥].","vol":"1","page":876},{"text":"وما أشبهها.\nقال الله ﵎: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (^١).\nملامسة النساء عند مالك التي توجب الوضوء اللمس لمن يحل وطؤه لشهوة الجماع والتلذذ بذلك دون الجماع، وقد يقع ذلك لشهوة فيمن لا يحل له، فهذا عاص لله، عليه الطهارة والاستغفار. فأما لغير شهوة فلا وضوء فيه (^٢)، كان رسول الله - ﷺ - يقبل نساءه وهو صائم، ويصلي أيضًا ولا يتوضأ. روته عائشة وغيرها. وسئلت عائشة عن ذلك فأخبرت به، ثم قالت: وأيكم يملك (^٣) إربه (^٤) كرسول الله - ﷺ -؟ (^٥).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٤٣]\n(^٢) المدونة: ١/ ١٢١، النوادر والزيادات: ١/ ٥١، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ١٤٦، تفسير القرطبي: ٥/ ٢٢٤. وهذا هو مشهور مذهب أحمد. المغني: ١/ ٢٥٦.\n(^٣) في الأصل: أملك، ولعل الصواب ما أثبت كما في رواية مسلم.\n(^٤) قال ابن الأثير: حديث عائشة كان أملككم لأربه أي: لحاجته تعنى أنه كان غالبًا لهواه، وأكثر المحدثين يروونه بفتح الهمزة والراء: يعنون الحاجة، وبعضهم يرويه بكسر الهمزة وسكون الراء، وله تأويلان أحدهما: أنه الحاجة يقال فيها الأرَبُ والإِرْبُ والإِرْبَةُ والمَأْرُبَةُ، والثاني: أرادت به العضو، وعنت به من الأعضاء الذكر خاصة. ... [النهاية في غريب الحديث: ١/ ٣٦].\n(^٥) روى البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٨٠ كتاب الصوم باب المباشرة للصائم وباب القبلة للصائم عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي - ﷺ - يقبل ويباشر وهو صائم وكان أملككم لإربه. ومسلم في صحيحه: ٢/ ٧٧٧ كتاب الصيام حديث ٦٤: عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقبلني وهو صائم، وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله - ﷺ - يملك إربه.\n\nوأما حديث تقبيله - ﷺ - لنسائه وخروجه للصلاة وهو لم يتوضأ فقد روى أبو داود في سننه: ١/ ٤٦ من طريق حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة أن النبي - ﷺ - قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قال عروة: فقلت من هي إلا أنت فضحكت. والترمذي في سننه باب ما جاء في ترك الوضوء من القبلة أبواب الطهارة تحفة الأحوذي: ١/ ٢٨١، وابن ماجة في سننه: ١/ ٩٤ باب الوضوء من القبلة أبواب الطهارة، وأحمد في مسنده: ٦/ ٢١٠، والدارقطني في سننه: ١/ ١٣٨ باب صفة ما ينقض الوضوء حديث: ١٥ - ١٩، والبيهقي في سننه: ١/ ١٢٦ باب الوضوء من الملامسة كتاب الطهارة.","vol":"1","page":877},{"text":"وعبّر (^١) هذا القول أنه من كان يملك إربه فلا يلزمه الوضوء، وأن من لم يملك إربه فعليه الوضوء (^٢). وقال ابن عباس - ﵁ -: الملامسة الجماع (^٣)، وأصحابه مثله (^٤).\n_________\n(^١) في الأصل يحتمل رسمها: غير، ويحتمل: عبّر، وأثبت ما هو أقرب للمعنى.\n(^٢) حسب ما اطلعت عليه فإن ملك الإرب لم يرد إلا في حديث الصوم والمباشرة، ولم يرد في حديث الوضوء.\n(^٣) البخاري في صحيحه: ٤/ ١٦٨٣ كتاب التفسير سورة المائدة تعليقًا، مصنف عبد الرزاق: ١/ ١٣٤، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٢٦٢، ١٢٦٥، مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ١٥٣ في قوله أو لامستم النساء، تفسير الطبري: ٥/ ١٠٢، الأوسط: ١/ ١١٦، أحكام القرآن للطحاوي: ١/ ٩٧، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٩٦١، سنن البيهقي: ١/ ١٢٥ الموضع السابق، وذكره ابن حجر في الفتح من طريق القاضي إسماعيل: ٨/ ٣٤٤.\n(^٤) ممن قال به من أصحاب ابن عباس: عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقد روي عن: علي، وأبي بن كعب، وطاوس، والحسن، وعبيد بن عمير، والشعبي، وقتادة.\n\nتفسير الطبري: ٥/ ١٠٣، الأوسط: ١/ ١١٤، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٩٦١، زاد المسير: ٢/ ٩٢.","vol":"1","page":878},{"text":"وقال ابن مسعود - ﵁ -: القبلة والجسّة من الملامسة (^١). وقال ابن عمر - ﵁ -: القبلة والجسة هي الملامسة (^٢). وتابعهما على ذلك خلق كثير من التابعين (^٣)، وروي في هذا الباب أحاديث مرفوعة أنكرها النقاد، وطعنوا بها على حديث بن أبي ثابت (^٤)،\n_________\n(^١) مصنف عبد الرزاق: ١/ ١٣٣، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٢٥٧، ١٢٥٩، مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ١٥٣ في الموضع السابق، تفسير الطبري: ٥/ ١٠٤، الأوسط: ١/ ١١٧، أحكام القرآن للطحاوي: ١/ ٩٦، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٩٦١، المستدرك: ١/ ٢٩٩ كتاب الطهارة، سنن البيهقي: ١/ ١٢٥ الموضع السابق\n(^٢) الموطأ: ١/ ٦٥ الطهارة حديث: ٦٤، الأم: ١/ ١٥، مصنف عبد الرزاق: ١/، تفسير الطبري: ٥/ ١٠٤، الأوسط: ١/ ١١٧، أحكام القرآن للطحاوي: ١/ ٩٦، سنن الدارقطني: ١/ ١٤٤ حديث ٣٦، سنن البيهقي: ١/ ١٢٤ الموضع السابق.\n(^٣) ممن روي عنه هذا القول: عمر، وعبيدة، وأبو عبيدة، والشعبي، وإبراهيم النخعي، والزهري، وعطاء بن السائب، ومكحول، والحكم، وحماد، وغيرهم. انظر المراجع السابقة في تخريج أثر ابن مسعود وابن عمر.\n(^٤) حبيب بن أبي ثابت، واسمه: قيس بن دينار، ويقال: قيس بن هند، أبو يحيى الكوفي مولى بني أسد بن عبد العزى، عن: إبراهيم بن سعد، وعن عروة بن الزبير، وقيل: الصحيح عن عروة المزني، قال علي بن المديني: لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة، وعنه: سفيان الثوري، والأعمش، ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس، مات سنة ١٢٢ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٥/ ٢٥٨، جامع التحصيل: ١٥٨، التقريب: ٢١٨].\nووجه تضعيفه لهذا الحديث الذي سبق ذكره راجع إلى أمرين: إما لأن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت له سماع من عروة بن الزبير، أو لأن عروة الذي روى عنه هو عروة المزني وهو مجهول.\nقال أبو داود في سننه: ١/ ٤٦: قال يحيى بن سعيد القطان لرجل احك عني أن هذين يعني حديث الأعمش هذا عن حبيب، وحديثه بهذا الإسناد في المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة، قال يحيى: احك عني أنهما شبه لا شيء، قال أبو داود: وروي عن الثوري قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني يعني لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشيء، قال أبو داود: وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثًا صحيحًا. =","vol":"1","page":879},{"text":"ولكن ما روي عن ابن عباس - ﵁ -، وابن مسعود، وابن عمر، ومن تابعهم من التابعين صحيح، والنظر يوجب ما قاله ابن مسعود *، وابن عمر، وكذلك ظاهر الآية؛ لأن الملامسة ذكرت مع الغائط الذي يكون منه الوضوء في الموضعين، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (^١)\n_________\n= وانظر كلام الترمذي: تحفة الأحوذي: ١/ ٢٨٤، وكلام البيهقي في سننه: ١/ ١٢٦، وكلام ابن حزم في المحلى: ١/ ٢٤٥.\nوقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا الحديث وإن كان ضعيفًا ينجبر بما رواه البخاري في صحيحه: ١/ ١٥٠ باب الصلاة على الفراش من كتاب الصلاة في الثياب عن عائشة زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله - ﷺ - ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح. ورواه مسلم في صحيحه: ١/ ٣٦٧ كتاب الصلاة حديث: ٢٧٢. وبما رواه مسلم في صحيحه أيضًا: ١/ ٣٥٢ كتاب الصلاة حديث: ٢٢٢ عن عائشة قالت: فقدت رسول الله - ﷺ - ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان، وهو يقول: اللهم أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.\nويعتضد بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه: ١/ ٤٥ في الموضع السابق عن إبراهيم التيمي عن عائشة أن النبي - ﷺ - قبلها ولم يتوضأ. قال أبو داود: وهو مرسل إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، ورواه النسائي في سننه: ١/ ١١٢ باب ترك الوضوء من القبلة كتاب الطهارة، وقال: ليس في هذا الباب حديث أحسن من هذا الحديث وإن كان مرسلًا.\nوقد ذكر عبد الرزاق في مصنفه: ١/ ١٣٥ طرقًا أخرى لهذا الحديث، وكذلك ابن جرير في تفسيره: ٥/ ١٠٥، قال الشوكاني: وأجيب بأن في حديث التقبيل ضعفًا وأيضًا فهو مرسل، ورد بأن الضعف منجبر بكثرة رواياته، وبحديث لمس عائشة لبطن قدم النبي - ﷺ -، وقد ثبت مرفوعًا وموقوفًا، والرفع زيادة يتعين المصير إليها كما هو مذهب أهل الأصول، والاعتذار عن حديث عائشة في لمسها لقدمه - ﷺ - بما ذكره بن حجر في الفتح من أن اللمس يحتمل أنه كان بحائل أو على أن ذلك خاص به، تكلف ومخالفة للظاهر. [نيل الأوطار: ١/ ٢٤٦].\n* لوحة: ٩٩/ب.\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٦]","vol":"1","page":880},{"text":"والمرض والسفر لا ينقضان الوضوء، فذَكَرهما مع الغائط الذي يوجب الوضوء، وهذه الآية فيها تقديم وتأخير، وإنما حكمها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (^١) من المضاجع ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (^٢) الملامسة التي هي صغير الجماع ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ (^٣) إلى قوله عز من قائل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (^٤) اغتسلوا ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (^٥) في هذه الأحوال ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (^٦) فكانت الآية مستوعبة لجميع من يجب عليه الطهور، ومن يجب عليه الغسل، ومن يجوز له أن يتيمم من جنب أو غيره، ولو كان حكم الآية على تلاوتها لكان على المسافر والمريض التيمم والوضوء، كان طاهرًا أو غير طاهر، وفي القرآن تقديم وتأخير كثير لا ينكره أهل العلم بالقرآن، فعلم بذلك أن الملامسة ليست الجماع؛ إذ كان الجماع قد ذكر بقوله ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (^٧) (^٨)،\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٥) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٦) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٧) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٨) فيما ذكر المؤلف هنا نظر، فإن ذكر المرض والسفر مع الغائط الذي يوجب الوضوء للدلالة على أن المريض أو المسافر إذا لم يجد الماء فإنه يجوز له التيمم. . بل سياق الآية يدل على أن المراد بالملامسة الجماع دون تقديم أو تأخير، قال الجصاص: ويدل على أن المراد الجماع دون لمس اليد أن الله تعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ أبان به عن حكم الحدث في حال وجود الماء، ثم عطف عليه قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فأعاد ذكر حكم الحدث في حال عدم الماء فوجب أن يكون قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ على الجنابة لتكون الآية منتظمة لهما مبينة لحكمهما في حال وجود الماء وعدمه، ولو كان المراد اللمس باليد لكان ذكر التيمم مقصورًا على حال الحدث دون الجنابة، غير مفيد لحكم الجنابة في حال عدم الماء، وحمل الآية على فائدتين أولى من الاقتصار بها على فائدة واحدة، وإذا ثبت أن المراد الجماع انتفى اللمس باليد لما بينا من امتناع إرادتهما بلفظ واحد.\n[أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٥٢٢ وقد أطال في الرد على ما ذكره المؤلف هنا من استدلالات، وانظر أيضًا أحكام القرآن للطحاوي: ١/ ٩٨].","vol":"1","page":881},{"text":"والذي قلناه في معنى الآية * أوضح وأبين مما يخالفه، بما يقوله أبو حنيفة وأصحابه (^١)؛ لأن الذين قالوا: إنه الغشيان، جعلوه كناية، ومن قال: إنه اللمس الذي دون الجماع قاله بنص القرآن (^٢). وخالفنا الشافعي في الشهوة، ووافق في اللمس أنه دون الجماع بفعل الرسول - ﷺ -، وأنه كان يقبل نساءه (^٣)، رادًا لقوله؛ لأن رسول الله - ﷺ - كان يقبل ولا يتؤضأ، وكان يملك إربه فلا تدخله الشهوة، فلا يكون عليه الوضوء. فهذا حجة على الشافعي وعلى العراقي؛ لأن عائشة - ﵂ - قد أعلمت بأنه من لم يملك إربه فعليه الوضوء، وكذلك قالت في الصوم (^٤).\n_________\n* لوحة: ١٠٠/أ.\n(^١) ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الرجل يقبل امرأته وهو متوضئ أن ذلك لا ينقض الوضوء.\nالحجة للحسن بن محمد: ١/ ٦٥، أحكام القرآن للطحاوي: ١/ ١٠٢، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٥١٩، وهذا القول رواية أخرى عن أحمد المغني: ١/ ٢٥٧.\n(^٢) قال الجصاص: ووجه آخر يدل على أن المراد منه الجماع، وهو أن اللمس وإن كان حقيقة للمس باليد فإنه لما كان مضافًا إلى النساء وجب أن يكون المراد منه الوطء، كما أن الوطء حقيقته المشي بالأقدام فإذا أضيف إلى النساء لم يعقل منه غير الجماع كذلك هذا. أحكام القرآن: ٢/ ٥٢١.\n(^٣) ذهب الشافعي إلى أن المراد باللمس ما دون الجماع، وأنه يجب عليه الوضوء إذا مس بيده امرأته أو ببعض جسده بدون حائل بشهوة أو بغير شهوة. الأم: ١/ ١٥، وهذا القول رواية ثالثة عن أحمد المغني: ١/ ٢٥٧.\n(^٤) سبق بيان أن ما روي عن عائشة في هذا إنما هو في مسألة الصوم والمباشرة، دون مسألة الوضوء.\nولعل ماذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه من عدم نقض الوضوء من مس المرأة باليد أو بأي عضو آخر هو الصواب إن شاء الله، مالم يخرج منه شيء، فإن خرج منه شيء كان الناقض هو خروج هذا الشيء لا مجرد المس.\nوهذا ما رجحه ابن جرير في تفسيره: ٥/ ١٠٥، وابن تيمية حيث قال: والأظهر هو القول الأول، وأن الوضوء لا ينتقض بمس النساء مطلقًا، وما زال المسلمون يمسون نساءهم ولم ينفل أحد قط عن النبي - ﷺ - أنه كان يأمر المسلمين بالوضوء من ذلك، ولا نقل عن الصحابة على حياته أنه توضأ من ذلك، بل قد نقل عنه في السنن: أنه كان يقبل بعض نساءه ولا يتوضأ، وقد اختلف في صحة هذا الحديث، لكن لا خلاف أنه لم ينقل عنه أنه توضأ من المس. مجموع الفتاوى: ٣٥/ ٣٥٨، ٢٠/ ٣٦٧، ٢١/ ٢٣٢.\nوممن رجحه أيضًا: الشيخ ابن باز: الجزء الثاني من فتاوى الطهارة والصلاة: ٨٣، وابن عثيمين: الشرح الممتع: ١/ ٢٤٠.","vol":"1","page":882},{"text":"والله أعلم.\nقال الله ﵎: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ (^١).\nالتيمم: الطلب (^٢)، والصعيد: ما يصعد الرجل عليه من الأرض (^٣)، والطيب: الطاهر من الأنجاس (^٤).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٤٣]\n(^٢) التيمم لغة هو: القصد، قال ابن فار س: يم الياء والميم كلمة تدل على قصد الشيء وتعمده وقصده.\n[مقاييس اللغة: ١٠٦٩، وانظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ٢٧٠، مجاز القرآن: ١/ ١٢٨، تفسير الطبري: ... ٥/ ١٠٨، معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٥٦، معاني القرآن للنحاس: ٢/ ٩٧، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٥٦٨].\nوأما الطلب فإنه يؤخذ من قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ فإن الإنسان لا يصح أن يسمى عادمًا للماء إلا بعد طلبه.\n(^٣) هذا أحد المعاني التي قيلت في معنى الصعيد، وقيل إنه: ما كان من جنس التراب، وقيل: هو التراب فقط.\n[مجاز القرآن: ١/ ١٢٨، تفسير الطبري: ٥/ ١٠٨، معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٥٦، معاني القرآن للنحاس: ٢/ ٩٧، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٥٤٧، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٥٦٨، تفسير ابن كثير: ١/ ٥٠٤].\n(^٤) وقيل إنه: النظيف، وقيل: الحلال.\n[تفسير الطبري: ٥/ ١٠٩، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٥٤٧، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٥٦٩، تفسير ابن كثير: ١/ ٥٠٤].","vol":"1","page":883},{"text":"والمسح فقد اختلف فيه، فقال بعضهم: ضربة للوجه والكفين (^١).\n_________\n(^١) روى البخاري في صحيحه: ١/ ١٢٩ باب المتيمم هل ينفخ فيهما كتاب التيمم عن عبد الرحمن بن أبزى قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت ذلك للنبي - ﷺ -، فقال النبي - ﷺ -: إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي - ﷺ - بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه.\nورواه مسلم في صحيحه: ١/ ٢٨٠ كتاب الحيض حديث: ١١٠ - ١١٣.\nقال الخطابي: ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو قول عطاء بن أبي رباح، ومكحول، وبه قال الأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وعامة أصحاب الحديث، وهذا المذهب أصح في الرواية، والمذهب الأول أشبه بالأصول وأصح في القياس. [معالم السنن: ١/ ٢٠٢].\nوممن روي عنه هذا القول: ابن عباس، وعلي، وقتادة، والشعبي، وابن المسيب، والنخعي، ونصره ابن خزيمة، وابن المنذر.\n[مصنف عبد الرزاق: ١/ ٢١١، مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ١٤٦ في التيمم كيف هو، تفسير الطبري: ٥/ ١١٠، صحيح ابن خزيمة: ١/ ١٣٤، الأوسط: ٢/ ٥٠، سنن البيهقي: ١/ ٢١٢ اب ذكر الروايات في كيفية التيمم عن عمار كتاب الطهارة، المغني: ١/ ٣٢٠].\nوهو رواية عن مالك، قال ابن القاسم عن مالك: إنه تيمم بضربة واحدة للوجه واليدين رجوت أن يجزئه.\n[النوادر والزيادات: ١/ ١٠٤، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ١٥٨، المنتقى: ١/ ١١٤].","vol":"1","page":884},{"text":"وقال بعضهم: ضربة للوجه واليدين، ولم يبين (^١). وقال بعضهم: ضربتين، واحدة للوجه، وأخرى لليدين إلى الكوعين (^٢). وقال آخرون: ضربتين واحدة للوجه وأخرى إلى اليدين إلى المنكبين (^٣).\n_________\n(^١) روى البخاري في صحيحه: ١/ ١٢٩ باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة كتاب التيمم عن أبي الجهيم قال: أقبل النبي - ﷺ - من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي - ﷺ - حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇. ومسلم في صحيحه: ١/ ٢٨١ كتاب الحيض حديث: ١١٤.\n(^٢) روي عن علي بن أبي طالب أنه قال في التيمم: ضربة في الوجه، وضربة في اليدين إلى الرسغين. وهو مروي عن: عكرمة أيضًا، والقديم من قول الشافعي. [مصنف عبد الرزاق: ١/ ٢١٣، تفسير الطبري: ٥/ ١١٠، الأوسط: ٢/ ٥٠، سنن البيهقي: ١/ ٢١٢ الموضع السابق، روضة الطالبين: ١/ ١١٣، تفسير ابن كثير: ١/ ٥٠٥].\n(^٣) روى أبو داود في سننه: ١/ ٨٦ باب التيمم كتاب الطهارة من حديث عمار بن ياسر أنه كان يحدث أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله - ﷺ - بالصعيد لصلاة الفجر، فضربوا بأكفهم الصعيد ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم .. ورواه النسائي في سننه: ١/ ١٨٢ باب التيمم في السفر كتاب الطهارة، وأحمد في مسنده: ٤/ ٢٦٣، ... = والبيهقي في سننه: ١/ ٢٠٨ الموضع السابق، وقال البيهقي: ١/ ٢٠٩: قال الشافعي رحمه الله تعالى في حديث عمار بن ياسر هذا: إن كان تيممهم إلى المناكب بأمر رسول الله - ﷺ - فهو منسوخ؛ لأن عمارًا أخبره بأن هذا أول تيمم كان حين نزلت آية التيمم، فكل تيمم كان للنبي - ﷺ - بعده فخالفه فهو له ناسخ، قال الشافعي: وروي عن عمار أن النبي - ﷺ - أمره أن يتيمم وجهه وكفيه.\nوهذا القول يروى عن الزهري. [تفسير الطبري: ٥/ ١١٢، الأوسط: ٢/ ٤٧].","vol":"1","page":885},{"text":"وقال بعضهم - وهم الأكثر من الصحابة -: ضربتين، واحدة للوجه، وأخرى لليدين إلى المرفقين (^١).\n_________\n(^١) روى الدارقطني في سننه: ١/ ١٨٠ باب التيمم حديث: ١٦ عن علي بن ظبيان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين. قال الدارقطني: كذا رواه علي بن ظبيان مرفوعًا، ووقفه يحيى بن القطان وهشيم وغيرهما، وهو الصواب.\nورواه الحاكم في المستدرك: ١/ ٢٨٧ كتاب الطهارة، وقال: ولا أعلم أحدًا أسنده عن عبيد الله غير علي بن ظبيان وهو صدوق، وقد أوقفه يحيى بن سعيد وهشيم بن بشير وغيرهما، وقد أوقفه مالك بن أنس عن نافع في الموطأ بغير هذا اللفظ. ورواه أيضًا البيهقي في سننه: ١/ ٢٠٧ وذكر طرقًا أخرى عن ابن عمر وبين أن الصواب وقفه. قال ابن حجر في بلوغ المرام: ٤١: وصحح الأئمة وقفه.\nومما استدل به أصحاب هذا القول أيضًا: ما رواه الدارقطني في سننه: ١/ ١٨١ حديث: ٢٢ عن أبي الزبير عن جابر عن النبي - ﷺ - قال: التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين. قال الدارقطني: رجاله كلهم ثقات والصواب موقوف. وقد رواه أيضًا الحاكم في المستدرك: ١/ ٢٨٨ كتاب الطهارة وصححه، والبيهقي في سننه: ١/ ٢٠٧.\nومما استدلوا به أيضًا: بما رواه البزار في مسنده: ٤/ ٢٢١ عن عمار قال: كنت في القوم حتى نزلت الرخصة في المسح بالتراب إذا لم نجد الماء فأُمرنا فضربنا واحدة للوجه ثم ضربنا أخرى لليدين إلى المرفقين.\nوقد ذكر أبو داود هذه الرواية في سننه: ١/ ٨٨، ٨٩ باب التيمم كتاب الطهارة، وذكر ما فيها من الاضطراب.\nقال ابن عبد البر: أكثر الآثار المرفوعة عن عمار في هذا الحديث إنما فيها ضربة واحدة للوجه واليدين، وكل ما يروى في هذا الباب عن عمار فمضطرب مختلف. [التمهيد: ١٩/ ٢٨٧].\nهذه بعض الأحاديث التي استدل بها أصحاب هذا القول، وهناك أدلة أخرى لا تخلو من مقال، انظر من جمع هذه الأدلة وبين ما فيها: الأوسط: ٢/ ٤٩، المحلى: ٢/ ١٤٧، المغني: ١/ ٣٢٢، تلخيص الحبير: ١/ ١٥١، الدراية: ١/ ٦٧، نيل الأوطار: ١/ ٣٢٨، تحفة الأحوذي: ١/ ٤٤٣، قال ابن حجر معلقًا على تبويب البخاري في صحيحه بباب التيمم للوجه والكفين، قال ابن حجر: وأتى بذلك بصيغة الجزم مع شهرة الخلاف فيه لقوة دليله، فإن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم وعمار، وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه، فأما حديث أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملًا، وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين، وبذكر المرفقين في السنن، وفي رواية إلى نصف الذراع، وفي رواية إلى الآباط، فأما رواية المرفقين وكذا نصف الذراع ففيهما مقال، وأما رواية الآباط فقال الشافعي وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النبي - ﷺ - فكل تيمم صح للنبي - ﷺ - بعده فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به، ومما يقوي رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين كون عمار كان يفتي بعد النبي - ﷺ - بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره ولا سيما الصحابي المجتهد. [فتح الباري: ١/ ٥٧٦]. =","vol":"1","page":886},{"text":"والصحيح عندنا: هذا الأخير؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (^١) ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ (^٢) فوجب بالآية مسح ما كان عليه غسله (^٣).\n_________\n= وممن قال بأن التيمم ضربتين للوجه واليدين إلى المرفقين: علي، وابن عمر، وجابر، وسالم بن عبد الله، والشعبي، والليث، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وسفيان، وهو الجديد من قول الشافعي، وقول أصحاب الرأي.\n[الموطأ: ١/ ٧٣، الأم: ١/ ٤٩، مصنف عبد الرزاق: ١/ ٢١١، مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ١٤٥ الموضع السابق، تفسير الطبري: ٥/ ١١١، الأوسط: ٢/ ٤٨، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٥٤٤، سنن البيهقي: ١/ ٢١٢، روضة الطالبين: ١/ ١١٢، تفسير ابن كثير: ١/ ٥٠٤].\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٣) ما رجحه المؤلف هنا من وجوب المسح إلى المرفقين موافق لقول من سبق، ولكن أفردته بالذكر للخلاف في الرواية عن مالك، فهذا هو القول المشهور عن مالك والمختار عند أصحابه، قال ابن عبد البر: إلا أن بلوغ المرفقين عند مالك ليس بفرض، وإنما الفرض عنده إلى الكوعين والاختيار عنده إلى المرفقين. ثم قال ابن عبد البر: وقال مالك: إن مسح وجهه ويديه بضربة واحدة أجزأه، وإن مسح يديه إلى الكوعين أجزأه، وأحب له أن يعيد في الوقت. والاختيار عند مالك ضربتان وبلوغ المرفقين. ثم قال ابن عبد البر: وقال أبو حنيفة والثوري والليث والشافعي لا يجزئه إلا ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، ولا يجزئه دون المرفقين، وبه قال محمد ابن عبد الله بن عبد الحكم، وإليه ذهب إسماعيل ابن إسحاق القاضي. [انظر التمهيد: ١٩/ ٢٨٢، ٢٨٣].\nوانظر: الموطأ: ١/ ٧٣، المدونة: ١/ ١٤٥، النوادر والزيادات: ١/ ١٠٥، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ١٥٨، المنتقى: ١/ ١١٤، البيان والتحصيل: ١/ ٩٢، تفسير القرطبي: ٥/ ٢٣٩، ٢٤٠.\nوقد ذكر التتائي في شرحه للرسالة أن الخلاف عن مالك في ذلك إنما هو فيمن صلى بهذه الحال، وأما قبل الصلاة فلا خلاف عنه، حيث قال: وظاهر كلام المؤلف إيجاب المسح إلى المرفقين، وإيجاب الضربة الثانية، وهو قول ابن نافع وتحتمله المدونة، وتأولها ابن عطاء الله على سنية الضربة الثانية، وما ذكره من إيجاب المسح للمرفقين شهره ابن الحاجب، فإن اقتصر على الكوعين أعاد في الوقت، واقتصر صاحب المختصر على فرضية المسح للكوعين وكونه إلى المرفقين سنة، وإنما الخلاف لو اقتصر على الكوعين فصلى، فالمشهور يعيد في الوقت.\n[تنوير المقالة في حل ألفاظ الرسالة: ١/ ٥٧٧].","vol":"1","page":887},{"text":"*فإن قال قائل: فقد يجوز أن يكون الذراعان أسقطتا في التيمم كما أسقط الرأس والرجلان. قيل له: هذا غير سائغ؛ لأن الرأس أصله مسح فرضه فخفف، فلما أبدلتا لم يجعل الخفيف بدلًا من خفيف، وأسقط، والرجلان وإن كان فرضهما الغسل فقد خفف بالمسح على الخفين، فلم يجز أن ينقل إلى خفيف، ثم ينقل من الخفيف إلى خفيف، والوجه واليدان أصلهما الغسل، فلما نقل إلى خفيف بقي الحكم على حاله، وكان التخفيف في المسح دون إسقاط العضو، والله أعلم بما أراد من ذلك (^١).\nوالرواية في ضربتين في الذراعين، ومسحهما صحيحة غير مدفوعة (^٢)، وقال مالك - ﵁ - فمن تيمم إلى الكوعين أعاد في الوقت وأعاد الصلاة (^٣). وأما قوله في الوقت فاستحباب، وأظنه أجاز صلاة من فعل ذلك إذا خرج الوقت، إجلالًا للصحابة، والقائلين به، وألا ينحلهم أنهم ما صلوا، والله واسع الرحمة.\n_________\n* لوحة: ١٠٠/ب.\n(^١) الاستدلال على أن التيمم ضربتان بقياسها على أخذ ماء جديد لكل عضو في الوضوء، وأن حد اليدين في التيمم إلى المرفقين قياسًا على غسل اليدين إلى المرفقين، فيه نظر، فهو قياس للنص الصحيح الصريح كما في حديث عمار في الصحيحين، وقياس مع الفارق أيضًا، قال ابن قدامة: وقياسهم ينتقض بالتيمم عن الغسل الواجب، فإنه ينقص عن المبُدل، وكذلك في الوضوء فإنه في أربعة أعضاء، والتيمم في عضوين، وكذا نقول في الوجه فإنه لا يجب مسح ما تحت الشعور الخفيفة ولا المضمضمة والاستنشاق.\n[المغني: ١/ ٣٢٣، وانظر ما سيأتي من كلام ابن تيمة].\n(^٢) سبق بيان ما فيها من كلام لأهل العلم.\n(^٣) المدونة: ١/ ١٤٦، النوادر والزيادات: ١/ ١٠٣، وهذا هو المشهور، وإلا فقد روي عنه أنه لا إعادة عليه كما في النوادر والزيادات: ١/ ١٠٤.","vol":"1","page":888},{"text":"والتيمم عندنا لكل صلاة (^١)، وقد زعم العراقيون أنهم يتيممون لخمس صلوات، وفرقوا بين الخمس والستة (^٢)، فإن كان التيمم يقوم مقام الوضوء فلا فرق بين خمسة وستة، وإن كان إنما عمل بالقرآن فلا اختلاف بيننا أن المتيمم إذا لم يجد الماء وتيمم أن عليه أن يطلب الماء للصلاة الأخرى إذا دخل وقتها، فإذا كان لفرض الله يطلب فيصير غير واجد، فقد قال الله ﷿: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (^٣)\n_________\n(^١) الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ١٦٦، المنتقى: ١/ ١١٠، تفسير القرطبي: ٥/ ٢٣٥.\n(^٢) كذا في الأصل، والصواب: بين الخمس والست، أو: بين الخمسة والستة.\nولم أقف على ما ذكره المؤلف عن العراقيين من جواز التيمم لخمس صلوات فقط، بل المشهور عن أبي حنيفة وأصحابه: أنه يصلي ما شاء من الصلوات بتيمم واحد ما لم يحدث أو يجد الماء.\n[الحجة: ١/ ٤٨ / مختصر اختلاف العلماء للجصاص: ١/ ١٤٧، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٥٣٨].\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٦]\n\n* لوحة: ١٠١/أ.","vol":"1","page":889},{"text":"فصار التيمم واجبًا على كل طالب لم يجد، ومع ذلك فلا اختلاف أن التيمم يبيح الصلاة، ولا يرفع الحدث كما يرفعه * الوضوء؛ لأن الوضوء لا يبطل إلا بحدث ينقض الطهارة، والتيمم يبطله وجود الماء، ولا يزيل حكم الجنابة، فالإنسان جنب وهو يصلي، إنما تفضل الله بالتيمم لإدراك الصلاة في وقتها وهو على حال حدثه (^١)،\n_________\n(^١) هذه مسألة مهمة ينبي عليها كثير من الأحكام، وهي: هل التيمم يرفع الحدث مؤقتًا إلى حين القدرة على استعمال الماء؟ أم الحدث قائم ولكنه تصح الصلاة مع وجود الحدث المانع؟ ومما ينبي على الخلاف في هذه المسألة ماذكره المؤلف هنا من مسألة أنه يتمم لكل صلاة، فيبطل التيمم بخروج الوقت، ومسألة أخرى وهي: هل يجوز أن يتيمم قبل الوقت؟ ومسألة: إذا نوى التيمم لفريضة هل يصلي ما شاء من فروض ونوافل؟ ومسألة جواز وطء الحائض إذا طهرت وصلت بالتيمم للعذر الذي يبيحه، فعلى أنه رافع للحدث يجوز وطؤها قبل الاغتسال، وغيرها من المسائل.\n\nولعل الصواب إن شاء الله هو أن التيمم يرفع الحدث رفعًا مؤقتًا إلى حين القدرة على استعمال الماء، قال ابن تيمية: قد ثبت بالكتاب والسنة: أن التراب طهور كما أن الماء طهور، كما في الحديث (الصعيد الطيب طهور الماء ولو لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك فإن ذلك خير) فجعله مطهرًا عند عدم الماء مطلقًا، فدل على أنه مطهر للمتيمم، ولم يقيد ذلك بوقت، ولم يقل إن خروج الماء يبطله، كما ذكر أنه يبطله القدرة على استعمال الماء، فدل ذلك على أن التيمم بدل عن الماء، والبدل يقوم مقام المبدل في أحكامه، وإن لم يكن مماثلًا له في صفته، والبدل يقوم مقام المبدل، وهذا لازم لمن يقيس التيمم على الماء في صفته، فيوجب المسح على المرفقين، وإن كانت آية التيمم مطلقة، كما قاس عمار لما تمرغ في التراب كما تتمرغ الدابة، فمسح جميع بدنه كما يغسل جميع بدنه، وقد بين النبي - ﷺ - فساد هذا القياس، وأنه يجزئك من الجنابة التيمم الذي يجزئك في الوضوء، وهو مسح الوجه واليدين؛ لأن البدل لا تكون صفته كصفة المبدل، بل حكمه حكمه، فإن التيمم مسح عضوين، وهما العضوان المغسولان في الوضوء، وسقط العضوان الممسوحان، والتيمم عن الجنابة يكون في هذين العضوين بخلاف الغسل، والتيمم ليس فيه مضمضة ولا استشاق، بخلاف الوضوء، والتيمم لا يستحب فيه تثنية ولا تثليث بخلاف الوضوء، والتيمم يفارق صفة الوضوء من وجوه، ولكن حكمه حكم الوضوء؛ لأنه بدل منه، فيجب أن يقوم مقامه كسائر الأبدال، فهذا مقتضى النص والقياس. [انظر مجموع الفتاوى: ٢١/ ٣٥٢ - ٣٦٣]\nوهذا ما رجحه ابن حزم في المحلى: ٢/ ١٢٨، والشنقيطي في أضواء البيان: ٢/ ٤٩، وابن عثيمين في الشرح الممتع: ١/ ٣١٤.","vol":"1","page":890},{"text":"ولا بأس عندنا أن يتيمم الرجل، ويقرأ حزبه من القرآن (^١). وقد زعم العراقي: أنه إن وجد الماء وهو في الصلاة بطل تيممه (^٢). وهذا مخالف لما أصلوه؛ لأن التيمم إنما أبيح للدخول في الصلاة، فإذا دخل فيها فليس يخرج من فرضه، أو كان فرض الوضوء قد مضى حكمه، إلا بحدث ينقض الوضوء (^٣)، والله أعلم.\nقال الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٤).\nالرواية في هذه الآية كثيرة، وأنها توجب الغفران لكل من لم يشرك، وأن الله ﵎ يغفر الكبائر مع الصغائر لمن يشاء، ويعذب من يشاء في الدنيا والآخرة، فضله يؤتيه من يشاء. ولا أعلم اختلافًا بين أهل العلم في ذلك، إلا من قال بالوعيد، وليس هم من أهل العلم بحمد الله، فإنهم زعموا: أن الله لا يغفر الكبائر إلا للتائب. ولو كان كما قالوا لخلت الآية من الفائدة؛ لأن الشرك أيضًا مغفور للتائب قبل أن يغرغر، فلا فائدة في قوله ﷾ - ونعوذ بالله من أن نقول ذلك -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٥)؛\n_________\n(^١) المدونة: ١/ ١١٩.\n(^٢) الجحة: ١/ ٥٣، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٥٣٩، وهذا هو المشهور من مذهب أحمد. المغني: ١/ ٣٤٧، وذهب مالك والشافعي إلى أنه يتم صلاته. الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ١٦٤، روضة الطالبين: ١/ ١١٥.\n(^٣) لم ينقض أبو حنيفة أصله لأنه يقول كما في المسألة قبل هذه: أنه يصلي ما شاء من الصلوات بتيمم واحد ... ما لم يحدث أو يجد الماء. وهذا قد وجد الماء فبطل تيممه، فبطلت صلاته.\n(^٤) [سورة النساء: الآية ٤٨]\n(^٥) [سورة النساء: الآية ٤٨]\n\n* لوحة: ١٠١/ب.","vol":"1","page":891},{"text":"لأن التائب من الشرك والكبائر مغفور له، وغير التائب منها غير مغفور له، فما الفرق الذي أوجبته الآية بين الشرك وسائر الكبائر؟ وهم قوم أعمى الله قلوبهم، وأصمهم *، وأعمى أبصارهم، وأغنى عن الحجة عليهم، وينبغي للعبد أن يكون خائفًا راجيًا، مقدمًا للتوبة والندم (^١).\n_________\n(^١) قال ابن تيمية مبينًا مكانة أهل السنة والجماعة: هم الوسط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم. فهم وسط في باب صفات الله ﷾ بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة، وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية وغيرهم، وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم، وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية، وفي باب أصحاب رسول الله - ﷺ - بين الرافضة والخوارج.\nقال الشيخ الفوزان شارحًا بعض كلامه: (في باب وعيد الله). الوعيد: التخويف والتهديد، والمراد هنا النصوص التي فيه توعد للعصاة بالعذاب والنكال. وقوله: (بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم) المرجئة: نسبة إلى الإرجاء وهو التأخير، سموا بذلك لأنهم أخروا الأعمال عن مسمى الإيمان حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة غير فاسق، وقالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فعندهم أن مرتكب الكبيرة كامل الإيمان غير معرض للوعيد، فهم تساهلوا في الحكم على العاصي وأفرطوا في التساهل حتى زعموا أن المعاصي لا تنقص الإيمان ولا يحكم على مرتكب الكبيرة بالفسق.\nوأما الوعيدية: فهم الذين قالوا بإنفاذ الوعيد على العاصي، وشددوا في ذلك حتى قالوا: إن مرتكب الكبيرة إذا مات ولم يتب فهو مخلد في النار، وحكموا بخروجه من الإيمان في الدنيا.\n\nوأهل السنة والجماعة توسطوا بين الطرفين فقالوا: إن مرتكب الكبيرة آثم ومعرض للوعيد وناقص الإيمان ويحكم عليه بالفسق - لا كما تقول المرجئة إنه كامل الإيمان وغير معرض للوعيد - ولكنه لا يخرج من الإيمان ولا يخلد في النار إن دخلها، فهو تحت مشيئة الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه بقدر معصيته، ثم يخرج من النار ويدخل الجنة - لا كما تقوله الوعيدية بخروجه من الإيمان وتخليده في النار - فالمرجئة أخذوا بنصوص الوعد، والوعيدية أخذوا بنصوص الوعيد، وأهل السنة والجماعة جمعوا بينهما. [شرح العقيدة الواسطية: ١٢٤].\nوانظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للإمام اللالكائي: ٦/ ١٠٥٩ - ١٠٨٣، وتفسير ابن كثير: ... ١/ ٥٠٨ - ٥١١، فقد ذكرا كثيرًا من النصوص الدالة على هذا المعنى.","vol":"1","page":892},{"text":"قال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (^١).\nكل مؤتمن على نفس، ومال، وسر، وعرض، مخاطب بأداء الأمانة فيما أؤتمن عليه، والدين، والوديعة، والرهن، والعارية سواء، وكلما جرى هذا المجرى، على كل يد أن تؤدي ما قبضت على حكم قبضها إياه. قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: القتل في سبيل الله يكفر كل ذنب إلا الدَين والأمانة، والأمانة أشد ذلك وأعظم (^٢).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٥٨]\n(^٢) ذكره العيني حيث قال: وقد جاء في خيانة الأمانة من الوعيد ما رواه إسماعيل ابن إسحاق من حديث زاذان عن عبد الله بن مسعود قال: إن القتل في سبيل الله يكفر كل ذنب إلا الدين والأمانة، قال: وأعظم ذلك الأمانة تكون عند الرجل فيخونها فيقال له يوم القيامة: أدِّ أمانتك، فيقول من أين وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال: نحن نريكها فيمثل له في قعر جهنم، فيقال له إنزل فأخرجها فينزل فيحملها على عنقه حتى إذا كاد زلت فهوت وهوى في إثرها أبدًا. [عمدة القاري: ١٢/ ٢٢٩].\nوقد روى نحوه ابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٩٨٥، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٨٨ باب ما جاء في الترغيب في أداء الأمانات كتاب الوديعة.\n\nوقد قيل إن هذه الآية نزلت بسبب خاص، والصواب أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قال ابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ٥٧١: لو فرضناها نزلت في سبب فهي عامة بقولها شاملة بنظمها لكل أمانة، وهي أعداد كثيرة، أمهاتها في الأحكام: الوديعة، واللقطة، والرهن، والإجارة، والعارية. وقال ابن كثير في تفسيره: ... ١/ ٥١٥: وهو يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله ﷿ على عباده من: الصلاة والزكاة والصيام والكفارات والنذور وغير ذلك مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض: كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به من غير اطلاع بينة على ذلك، فأمر الله ﷿ بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة.\nوقد ذكر ما قيل في سبب نزول هذه الآية: ابن جرير في تفسيره: ٥/ ١٤٤، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ٩٨٥، وانظر المرجعين السابقين.","vol":"1","page":893},{"text":"وأما قوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (^١) فهذا في ولاة الأمر ومن قام مقامهم من الحكام، وسائر الولاة. والعدل: الاقتداء بالكتاب والسنة واتباع السلف (^٢)، وفقنا الله وجميع المسلمين لمراشد الأمور بمنه.\nقال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٥٨]\n(^٢) قال القرطبي: وهذا خطاب للولاة والأمراء والحكام، ويدخل في ذلك بالمعنى جميع الخلق كما ذكرنا في أداء الأمانات. ... [الجامع لأحكام القرآن: ٥/ ٢٥٨].\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٥٩]","vol":"1","page":894},{"text":"قال النبي - ﷺ -: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري (^١) فقد أطاعني، ومن عصى أميري (^٢) فقد عصاني (^٣). فطاعة الرسول - ﷺ - فرض على من آمن به، وطاعة من أمر بطاعته كذلك، وقد قال النبي - ﷺ -: مالكم ولأمرائي، لكم صفوة أمرهم، وعليهم كدره (^٤).\n_________\n(^١) في الأصل: أمري والصواب ما أثبت كما في مصادر تخريج هذا الحديث.\n(^٢) في الأصل: أمري والصواب ما أثبت كما في مصادر تخريج هذا الحديث.\n(^٣) رواه البخاري في صحيحه: ٦/ ٢٦١١ كتاب الأحكام باب قوله (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٤٦٦ كتاب الإمارة حديث: ٣٣.\n(^٤) جزء من حديث رواه مسلم في صحيحه: ٣/ ١٣٧٣ كتاب الجهاد والسير حديث: ٤٣ عن عوف بن مالك قال: قتل رجل من حمير رجلًا من العدو فأراد سلبه فمنعه خالد بن الوليد، وكان واليًا عليهم، فأتى رسول الله - ﷺ - عوف بن مالك فأخبره، فقال لخالد: ما منعك أن تعطيه سلبه؟ قال: استكثرته يا رسول الله، قال: ادفعه إليه، فمر خالد بعوف فجر بردائه ثم قال: هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله - ﷺ -، فسمعه رسول الله - ﷺ - فاستغضب، فقال: لا تعطه ياخالد، لا تعطه ياخالد، هل أنتم تاركون لي أمرائي؟ إنما مثلكم ومثلهم كمثل رجل استرعي إبلًا أو غنمًا فرعاها ثم تحين سقيها فأوردها حوضًا فشرعت فيه فشربت صفوه وتركت كدره، فصفوه لكم وكدره عليهم. وقد رواه أبو داود بسياق أطول من هذا وفيه أن عوف كان قد اعترض على خالد سنن أبي داود: ٣/ ٧١ باب في الإمام يمنع القاتل السلب إن رأى والفرس والسلاح من السلب كتاب الجهاد، ولفظه: هل أنتم تاركون لي أمرائي؟ لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره.\n\n* لوحة: ١٠٢/أ.","vol":"1","page":895},{"text":"وطاعة الله: اتباع كتابه جليه وخفيه، وطلب علم الخفي من الراسخين فيه يبتغي *. وطاعة رسول الله - ﷺ - في حياته: الرجوع إليه في كل مشكل من القرآن والسنة، وبعد وفاته صلوات الله عليه: الرجوع إلى سنته المعمول بها، وهذا معنى قوله ﷾: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (^١).\nوأما قوله ﷿: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (^٢) ففيه اختلاف بين المفسرين، فمنهم من قال: السلطان (^٣). ومنهم من قال: الفقهاء والعلماء العقلاء (^٤).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٥٩]\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٥٩]\n(^٣) ممن روي عنه أن أولي الأمر المقصود بهم الأمراء والسلاطين: أبو هريرة، وابن عباس، ميمون بن مهران، وزيد بن أسلم، وعكرمة، وهذا ما رجحه ابن جرير، والنحاس، والشوكاني.\nسنن سعيد بن منصور: ٣/ ١٢٨٧، ١٢٩٢، مصنف ابن أبي شيبة: ٦/ ٤٢١ باب ما جاء في طاعة الإمام كتاب السير، تفسير الطبري: ٥/ ١٤٧، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٩٨٨، معاني القرآن للنحاس: ٢/ ١٢١، فتح القدير: ١/ ٥٤١.\n(^٤) هذا يروى عن: ابن عبا س، وجابر بن عبد الله، ومجاهد، وعطاء، وأبي العالية، والحسن.\nتفسير عبد الرزاق: ١/ ١٦٦، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٢٨٧، مصنف ابن أبي شيبة: ٦/ ٤٢١ الموضع السابق، تفسير الطبري: ٥/ ١٤٨، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٩٨٩، المستدرك: ١/ ٢١١ فصل في توقير العالم كتاب العلم، أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: ١/ ٧٢، ٧٣.","vol":"1","page":896},{"text":"وطاعة السلطان واجبة في كل طاعة لله، وكل شئ لا يخرج إلى معصية ولا إثم، وطاعة أهل الفضل في الدين والعلم، ومن يوثق بهما عليهما (^١) فيما نيط بهم يوجب رضوان الله، ويلزم أهل طاعة الله، فإن قوام الدين بهاتين الطائفتين (^٢)، قال النبي - ﷺ -: لا يزال الناس بخير ما استقامت لهم هداتهم وولاتهم (^٣).\n_________\n(^١) كذا في الأصل.\n(^٢) رجح المؤلف أن الآية تشمل هذين الصنفين، وهذا هو الصواب، وهو ما رجحه الجصاص في أحكام القرآن: ٢/ ٢٩٨، وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ٥٧٤، والقرطبي في تفسيره: ٥/ ٢٦٠، وابن تيمية في مجموع الفتاوى: ٢٨/ ١٧٠ حيث قال: وأولوا الأمر: أصحاب الأمر وذووه، وهم الذين يأمرون الناس، وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة،اهل العلم والكلام، فلهذا كان أولوا الأمر صنفين: العلماء والأمراء، فإذا صلحوا صلح الناس، وإذا فسدوا فسد الناس.\n(^٣) لم أقف عليه مرفوعًا، وقد وقفت عليه موقوفًا من قول عمر - ﵁ - أنه قال: إن الناس لن يزالوا بخير ما استقامت لهم ولاتهم وهداتهم. رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى: ٣/ ٢٩٢، والبيهقي في سننه: ٨/ ١٦٢ باب فضل الإمام العادل كتاب قتال أهل البغي.","vol":"1","page":897},{"text":"والهداة: العلماء العاملون بعلمهم، فإن الله أنزلهم أجل المنازل فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (^١) قرنهم بنفسه، والمعنى: قضى الله أنه لا إله إلا هو، حكم الله ألا يُعبد سواه، وشهدت الملائكة، وأولوا العلم بما قضى الله به من التوحيد، وقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٢) وقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (^٣) هذه حال العالم إذا تمسك به، وإذا أخلد إلى الأرض، واتبع هواه فقد مثله بالكلب وبالحمار (^٤)، نسأل * الله ألا يكلنا إلى أنفسنا، وأن يستعملنا به، ويجبلنا عليه برأفته إنه جواد كريم.\n_________\n(^١) [سورة آل عمران: الآية ١٨]\n(^٢) [سورة فاطر: الآية ٢٨]\n(^٣) [سورة المجادلة: الآية ١١]\n(^٤) قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ الْجُودِيِّ فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦] وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥].\n* لوحة: ١٠٢/ب.","vol":"1","page":898},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ إلىقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (^١).\nليس لمؤمن أن يقتل مؤمنًا، ولا أن يقتل معاهدًا بحال، وقوله: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾ (^٢) ليس بالاستثناء (^٣)، وقد تستثني العرب الشيء من الشيء وليس منه، والمعنى: لكن من قَتَل خطأً، أو لكن قد يقع الخطأ غير العمد، أو سوى الخطأ فإنه قد يكون، تفعل العرب هذا على اختصار وضمير، هذا كلام الأصمعي، وأبي عبيدة قالا: ومعناه ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا على حال إلا أن يقتله مخطئًا، فإن قتله خطأً فعليه ما قال الله ﷿، ومثل هذا قوله ﷿: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (^٤) واللمم ليس من الكبائر، ولا من الفواحش، ومعناه: إلا أن يلموا بغير الكبائر، (^٥)\nقال جرير:\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٩٢]\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٩٢]\n(^٣) أي الاستثناء المتصل.\n(^٤) [سورة النجم: الآية ٣٢]\n(^٥) لم أقف على كلام الأصمعي، وكلام أبي عبيدة في كتابه مجاز القرآن: ١/ ١٣٦، ١٣٧.\nقال الطبري: وأما قوله: (إلا خطأً) فإنه يقول: إلا أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأً، وليس مما جعل له ربه فأباحه له، وهذا من الاستثناء الذي تسميه أهل العربية: الاستثناء المنقطع.\n[جامع البيان: ٥/ ٢٠٣، وانظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٩٠، معاني القرآن للنحاس: ٢/ ١٥٨، المحرر الوجيز: ٤/ ٢٠٧، البحر المحيط لأبي حيان: ٤/ ٢٠].","vol":"1","page":899},{"text":"من البِيض لم تظعن بعيدًا ولم تطأ ... على الأرض إلا ذيل برد مُرَحَّلِ (^١)\nالمرحل: الموشى في طرفيه (^٢)، وذيل البرد ليس من الأرض، وقال الشاعر:\n\nوبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيسُ (^٣)\nوأما قوله عز من قائل: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (^٤) الدية في الخطأ على العاقلة إذا ثبت ذلك (^٥)،\n_________\n(^١) ديوانه: ٣٦٧ وفيه: إلا نير مرط مرحل، ومجاز القرآن: ١/ ١٣٧ ذيل مرط مرحل، وكذلك عند القرطبي في تفسيره: ٥/ ٣١٢، وفي تفسير الطبري: ٥/ ٢٠٣ من البيد لم تظعن ولم تطأ على الأرض إلا ريط برد مرحل، وعند ابن عطية: ٤/ ٢٠٧ إلا ريط برد مرحل.\n(^٢) المرحل، قال أبو عبيدة: المرحل برد في حاشيته خطوط، وقيل هو ضرب من برود اليمن سمي مرحلًا لأن عليه تصاوير رحل. [مجاز القرآن: ١/ ١٣٧، مقاييس اللغة: ٤٢٥، لسان العرب: ١١/ ٢٧٨].\n(^٣) اليعافير: ذكور الظباء، والعيس: الإبل البيض خاصة. [مقاييس اللغة: ٦٩٧، لسان العرب: ٤/ ٥٨٥].\nهذا البيت ينسب إلى جران العود في ديوانه: ٩٧ بسابسًا ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس، ومجاز القرآن: ١/ ١٣٧ قال وتقديره: إلا أن يكون بها، وتفسير الطبري: ٥/ ٢٧١، ومعاني القرآن للزجاج: ٢/ ٧٣، وتفسير القرطبي: ٥/ ٣١٢.\n(^٤) [سورة النساء: الآية ٩٢]\n(^٥) قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن دية الخطأ تحمله العاقلة. الإجماع: ١٧٢، وانظر تفسير القرطبي: ٥/ ٣٢٠.\n* لوحة: ١٠٣/أ.","vol":"1","page":900},{"text":"وليس عليهم إقرار ولا عمد ولا عبد، وإنما على العاقلة * ما ثبت أنه خطأ من غير قوله، وقول أولياء الدم (^١)، والرقبة المؤمنة على القاتل في نفسه (^٢)، ولا يجوز في الرقبة إلا مؤمنة كما شرط الله تعالى، ولا يجوز فيها الطفل، ولا من لا يستقل بنفسه ويتصرف في معاشه، ولا تجوز العيوب القاطعة عن ذلك، ولا من لا يعقل الإسلام والصلاة، والله أعلم (^٣). وقد قال ابن القاسم (^٤): إن الصغير يجزئ إذا كان حكمه حكم الإيمان (^٥). والذي أختار: أن يكون يعقل الإيمان (^٦).\n_________\n(^١) اتفق أهل العلم أن العاقلة لا تحمل إقرارًا أي: إذا أقر واعترف على نفسه بقتل خطأ فتجب الدية عليه، ولا تحمل العمد، وأما مسألة العبد فالجمهور على أنها لا تحمل العبد أي: إذا قُتل العبد وجبت قيمته في مال القاتل ولا شيء على عاقلة القاتل، وذهب أبو حنيفة إلى أن قيمته على عاقلة القاتل وهو الجديد من مذهب الشافعي.\n[الحجة لمحمد بن الحسن: ٤/ ٣٦٧، مختصر اختلاف العلماء للجصاص: ٥/ ١٠٤، ١٩٧، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٨٣١، المغني: ١٢/ ٢٧، تفسير القرطبي: ٥/ ٣٢٠، روضة الطالبين: ٩/ ٣٥٩].\n(^٢) قال ابن جرير: والكفارة على القاتل بإجماع الحجة على ذلك. [جامع البيان: ٥/ ٢١٥].\n(^٣) المدونة: ١/ ٥٩٨، النوادر والزيادات: ٤/ ٢٣، الاستذكار: ٢٣/ ١٧٨، المنتقى: ٦/ ٢٧٦، تفسير القرطبي: ٥/ ٣١٤.\n(^٤) عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العُتقي، أبو عبد الله المصري، ولد سنة: ١٣٢ هـ، روى عن: مالك وصحبه عشرين سنة، وابن الماجشون، وعنه: أصبغ، وسحنون، ومحمد بن عبد الحكم، مات سنة ١٩١ هـ. [الديباج المذهب: ١/ ٤٦٥، سير أعلام النبلاء: ٩/ ١٢٠].\n(^٥) النوادر والزيادات: ٤/ ٢٣، المنتقى: ٦/ ٢٧٦.\n(^٦) ما رجحه المؤلف هنا هو ما ذهب إليه: ابن عباس، والشعبي، وإبراهيم، والحسن، وقتادة، وغيرهم.\nتفسير عبد الرزاق: ١/ ١٦٨، مصنفه: ٩/ ١٨١، تفسر الطبري: ٥/ ٢٠٥، تفسيرا ابن أبي حاتم: ٣/ ١٠٣٢، وهذا ما رجحه القرطبي في تفسيره: ٥/ ٣١٤.\nوذهب عطاء فيما رواه عنه: عبد الرزاق في مصنفه: ٩/ ١٨٠، وابن جرير في تفسيره: ٥/ ٢٠٦: أنه يجزي الصغير إذا كان مولودًا بين أبوين مسلمين فهو مؤمن وإن كان طفلًا. قال ابن كثير: والذي عليه الجمهور أنه متى كان مسلمًا صح عتقه عن الكفارة سواء كان صغيرًا أو كبيرًا. [تفسير القرآن العظيم: ١/ ٥٣٤، وهذا ما رجحه الجصاص في أحكام القرآن: ٢/ ٣٢١، وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ٦٠٠].","vol":"1","page":901},{"text":"وأما الدية فإنها عندنا على أهل البادية: مائة من الإبل، وعلى أهل الذهب: ألف دينار، وعلى أهل الورق: اثنا عشر ألف درهم، وترد الإبل في الجراح إلى هذه القسم على كل قوم (^١)، وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه دفع بالمدينة دية اثني عشر ألف درهم، رواه عمرو بن دينار (^٢) عن عكرمة (^٣) عن ابن عباس - ﵁ -: أن رجلًا من الأنصار قُتل، فوداه رسول الله - ﷺ - اثني عشر ألفًا، فنزلت: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٤) (^٥)\n_________\n(^١) النوادر والزيادات: ١٣/ ٤٧١، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٨٢٥، أحكام القرآن لابن العربي: ... ١/ ٦٠٠، تفسير القرطبي: ٥/ ٣١٥.\n(^٢) عمرو بن دينار المكي ثقة ثبت، تقدم.\n(^٣) عكرمة مولى ابن عبا س ثقة ثبت، تقدم.\n(^٤) [سورة التوبة: الآية ٧٤]\n(^٥) روى أبو داود في سننه: ٤/ ١٨٥ باب الدية كم هي؟ كتاب الديات عن محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلًا من بني عدي قُتل فجعل النبي - ﷺ - ديته اثنا عشر ألفًا .. قال أبو داود: رواه ابن عيينة عن عمرو عن عكرمة عن النبي - ﷺ - لم يذكر ابن عباس، ورواه الترمذي في سننه باب ما جاء في الدية كم هي من الدراهم من أبواب الديات، ثم رواه من طريق ابن عيينة لم يذكر ابن عباس تحفة الأحوذي: ٤/ ٦٤٦، ... والنسائي في السنن الكبرى: ٦/ ٣٥٦ كم الدية من الورق كتاب القسامة، وقال النسائي: محمد بن مسلم ليس بالقوي، والصواب مرسل، وابن ميمون ليس بالقوي أيضًا، ورواه ابن ماجة في سننه: ٢/ ١٠٢ باب دية الخطأ من أبواب الديات، والدارمي في سننه: ٢/ ٢٥٢ باب كم الدية من الورق والذهب كتاب الديات، والدارقطني في سننه: ٣/ ١٣٠ كتاب الحدود والديات حديث: ١٥١، والبيهقي في سننه: ٨/ ٧٨ باب تقدير البدل باثني عشر ألف درهم كتاب الديات.\nوهذا الحديث أعل بأنه مرسل، قال الترمذي في علله: ٢/ ٥٧٧ سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: سفيان بن عيينة يقول عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن النبي - ﷺ -. وكأن حديث ابن عيينة عنده أصح.\nوانظر: شرح مشكل الآثار: ١١/ ٤١٩، والعلل لابن أبي حاتم: ١/ ٤٦٢.","vol":"1","page":902},{"text":"وأما الروايات عن عمر فمختلفة، جعلها في وقت ثمانية آلاف (^١)، وفي وقت عشرة آلاف (^٢)، وفي وقت اثنا عشر ألفًا (^٣)، وجعل دية الكتابي في الوقت الذي جعلها ثمانية آلاف أربعة آلاف (^٤).\n_________\n(^١) في الأصل: ألف، والصواب ما أثبت، رواه عبد الرزاق في مصنفه: ٩/ ٢٩١، ابن حزم معلقًا في المحلى: ١٠/ ٣٩٧، ٣٩٩، والبيهقي في سننه: ٨/ ٧٧ الموضع السابق.\n(^٢) في الأصل: ألف، والصواب ما أثبت، رواه محمد بن الحسن في الحجة: ٤/ ٢٦١، وعبد الرزاق في مصنفه: ٩/ ٢٩٢، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٥/ ٣٤٤ كتاب الديات، وابن حزم معلقًا في المحلى: ١٠/ ٣٩٧، ٣٩٩، والبيهقي في سننه: ٨/ ٨٠ الموضع السابق.\n(^٣) الموطأ: ٢/ ٦٤٧ كتاب العقول حديث: ٢، الأم: ٦/ ١١٤، مصنف عبد الرزاق: ٩/ ٢٩١، ٢٩٥، مصنف ابن أبي شيبة: ٥/ ٣٤٥ الموضع السابق، وابن حزم معلقًا في المحلى: ١٠/ ٣٩٥، ٣٩٩، والبيهقي في سننه: ٨/ ٨٠ الموضع السابق. وهذا مذهب مالك، وأحمد، وقول الشافعي في القديم، وهو مروي عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وعروة، والحسن، والفقهاء السبعة. الأم: ٦/ ١١٥، المحلى: ١٠/ ٣٩١، المغني: ١٢/ ٧، روضة الطالبين: ٩/ ٢٦١.\n(^٤) يأتي تخريجه ص: ٥٦٧.\n\n* لوحة: ١٠٣/ب.","vol":"1","page":903},{"text":"وأحسبه كان يفعل ذلك في الأوقات، يقوم الإبل لاختلاف الصرف. فجعل الشافعي دية الكتابي: أربعة آلاف، ولم ينقلها بنقل عمر - ﵀ - دية المسلم بالصرف، وإنما جعلها عمر - ﵁ - نصف دية المسلم *، ونحن نتكلم هذا في موضعه إن شاء الله عند ذكر الديات والقصاص في الجراح، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت (^١)، وقال أهل العراق: الدية عشرة آلاف (^٢). وأصح الروايات عن عمر - ﵁ -: اثنا عشر ألفًا، وعن عائشة مع ما قدمنا ذكره عن النبي - ﷺ - (^٣).\nوولد العبد الصغير إذا عقل الإسلام يجري مجرى أبيه، والله أعلم.\nقال الله ﵎: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (^٤).\nقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (^٥) إذ ليس هناك مستحق الدية، إذ كان أولياؤه كفارًا (^٦)،\n_________\n(^١) يأتي قريبًا عند تفسير آخر هذه الآية.\n(^٢) الحجة لمحمد بن الحسن: ٤/ ٢٥٥، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٣٣٤.\n(^٣) قال البيهقي في سننه: ٨/ ٨٠ وممن قال الدية اثنا عشر ألف درهم: ابن عباس، وأبو هريرة، وعائشة ﵃.\n(^٤) [سورة النساء: الآية ٩٢]\n(^٥) [سورة النساء: الآية ٩٢]\n(^٦) قال مالك في قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فهو من أسلم ولم يهاجر من مكة فلا دية له، لقول الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢].\n[النوادر والزيادات: ٣/ ٣٥٤، ١٣/ ٤٨٩].\n\nقال القرطبي: وهو المشهور من قول مالك. [الجامع لأحكام القرآن: ٥/ ٣٢٤].\nوممن وافق مالك في المشهور عنه: أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن في المشهور عنهما، والصحيح من مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد، وهو قول ابن عباس، وعكرمة، وإبراهيم، والسدي، والأوزاعي، والثوري، وأبي ثور. [الأم: ٦/ ٣٥، تفسير الطبري: ٥/ ٢٠٧، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٣٣٩، المغني: ١١/ ٤٦٥، روضة الطالبين: ٩/ ٣٨١].\nوذهب القاضي عبد الوهاب من المالكية إلى أن الكفارة والدية تجب في قتل الخطأ على أي وجه كان في دار الحرب أو الإسلام. وهو رواية عن أحمد، وأحد قولي الشافعي. [الإشراف: ٢/ ٨٤٣، المغني: ١١/ ٤٦٥، روضة الطالبين: ٩/ ٣٨٢].","vol":"1","page":904},{"text":"ومعنى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (^١) لأنه مؤمن بين قوم لهم ميثاق، فالكفارة من أجل أنه مؤمن (^٢)، والدية كانت تدفع من أجل الميثاق، والميراث للمسلمين، وهذا الأخير منسوخ؛ لأن المهادنات والمواثيق كانت بين رسول الله - ﷺ - وبين طوائف من المشركين، فنسخ ذلك كله بسورة براءة (^٣)،\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٩٢]\n(^٢) ذهب مالك ﵀ إلى أن المقتول الذي هو من قوم بيننا وبينهم ميثاق أنه المؤمن. قال ﵀ في هذه الآية: فهذا في الهدنة التي كانت بين النبي - ﷺ - وبين المشركين أنه إن أصيب مسلم خطأً لم يهاجر فديته على المسلمين إلى قومه. ... [النوادر والزيادات: ٣/ ٣٥٤، ١٣/ ٤٩٠].\nوما ذهب إليه مالك يروى عن: جابر بن زيد، والحسن، وإبراهيم. وقد ذهب ابن عباس، والزهري، والشعبي، وقتادة، وابن زيد إلى أن المقصود بالقتيل هنا: الكافر - الذمي والمعاهد - وليس المؤمن؛ لأن الله أبهمه، ولم يقل وهو مؤمن كما قال في القتيل من المؤمنين ومن أهل الحرب، وهذا ما رجحه ابن جرير والجصاص.\n[تفسير الطبري: ٥/ ٢٠٨، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٣٣٦، ٣٤٥، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٦٠٣، تفسير القرطبي: ٥/ ٣٢٥].\n(^٣) يقصد المؤلف أن المهادنات والمواثيق قد نسخت وعليه فلا دية للكفار غير أهل الذمة، وقد ذكر هذا القول مكي حيث قال: ذكر ابن أبي أويس أن هذا منسوخ بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ فليس لأحد غير مسلم دية يعني من الكفار غير أهل الذمة؛ لأن رسول الله - ﷺ - لم يعاهد بعد نزول براءة أحدًا من الناس.\n[الإيضاح: ٢٣١، وانظر تفسير القرطبي: ٥/ ٣٢٥].\n\nقلت: وفيما ذكر المؤلف هنا نظر: فإن المعاهدة والمهادنة لم تنسخ قال ابن كثير في قوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] وقال ابن عباس، ومجاهد، وزيد بن أسلم، وعطاء الخرساني، وعكرمة، والحسن، وقتادة: إن هذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة، وفيه نظر أيضًا؛ لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إن كان العدو كثيفًا فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي - ﷺ - يوم الحديبية فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص والله أعلم.\n[تفسير القرآن العظيم: ٢/ ٣٢٢، وهذا ما رجحه جمع من أهل العلم: النحاس في الناسخ والمنسوخ: ٢/ ٣٨٦، ومكي في الإيضاح: ٣٠٠، وابن العربي في أحكام القرآن: ٢/ ٤٢٧، والقرطبي في تفسيره: ٨/ ٤٠].\nوكل من قال من أهل العلم بنسخ المعاهدة والمهادنة فإنه يثبتها في بعض الحالات، وقد تكلم أهل العلم في مسألة المهادنة والمعاهدة وشروطها في كتاب الجهاد من كتب الفقه.\nقال الشافعي: فرض الله ﷿ قتال غير أهل الكتاب حتى يسلموا، وأهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فهذا فرض الله على المسلمين قتال الفريقين من المشركين وأن يهادنوهم وقد كف رسول الله - ﷺ - عن قتال كثير من أهل الأوثان بلا مهادنه، إذ انتاطت دورهم عنهم، وهادن رسول الله - ﷺ - ... ناسًا، ووادع حين قدم المدينة يهودًا على غير ما خرج أخذه منهم، وقتال الصنفين من المشركين فرض إذا قوى عليهم، وتركه واسع إذا كان بالمسلمين عنهم أو عن بعضهم ضعف، أو في تركهم للمسلمين نظر للمهادنة وغير المهادنة.\n[الأم: ٤/ ١٨٨].","vol":"1","page":905},{"text":"وهي آخر سورة نزلت، فقال ﵎: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (^١) وقال ﵎: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^٢)\n_________\n(^١) [سورة التوبة: الآيات ١ - ٣]\n(^٢) [سورة التوبة: الآية ٥]\n\n* لوحة: ١٠٤/أ.","vol":"1","page":906},{"text":"* ويقال في هذه الأشهر: هي الأربعة الأشهر التي أُجلوا في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ (^١) وقال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (^٢) وقال ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (^٣) فنسخ ذلك كلما كان قبله، وأنزل في براءة أيضًا أمرُ أهل الذمة في قوله ﷿: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (^٤) فاستقر الأمر في مشركي العرب بعد الأربعة الأشهر التي ضربت لهم على الدخول في الإسلام، أو القتال، وفي أهل الكتاب ومن جرى مجراهم من المجوس، وعبدة الأوثان على الدخول في الإسلام، أو إعطاء الجزية، أو القتال، فكان هذا ناسخًا لما مضى قبله، فلا دية؛ لأن المسلم منهم يقتل في الحرب إذا كان في جملتهم، إذ لا ميثاق (^٥).\n_________\n(^١) [سورة التوبة: الآية ٢]\n(^٢) [سورة التوبة: الآية ٣٦]\n(^٣) [سورة التوبة: الآية ٧٣]\n(^٤) [سورة التوبة: الآية ٢٩]\n(^٥) قال ابن الجوزي في هذه الآية: جمهور أهل العلم على أن الإشارة بهذا إلى الذي يقتل خطأً فعلى قاتله الدية والكفارة، وهذا قول ابن عباس، والشعبي، وقتادة، والزهري، وأبي حنيفة، والشافعي، وهو قول أصحابنا فالآية على هذا محكمة. وقد ذهب بعض مفسري القرآن إلى أن المراد به من كان من المشركين بينه وبين النبي - ﷺ - عهد وهدنة إلى أجل، ثم نسخ ذلك ببراءة. [انظر نواسخ القرآن: ٣٤٨، ٣٤٩].","vol":"1","page":907},{"text":"ألا تراه قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (^١) وقال ﷿: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ (^٢)، والسلام ليس من اللغو، قال الأعشى:\nإذا اتصلت قالت أبكر بن وائل ... وبكر سبتها والأنوف رواغم (^٣)\nوقال زيد الخيل (^٤):\nإذا اتصلت تنادي يا لقيس ... وخصت بالدعاء بني كلاب (^٥)\nوقد قيل في بعض الحديث: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (^٦): إن من توصل إليهم فله مثل عهدهم (^٧).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٩٠]\n(^٢) [سورة مريم: الآية ٦٢]\n(^٣) ديوانه: ١٧٩، مجاز القرآن: ١/ ١٣٦، تفسير الطبري: ٥/ ١٩٨، الناسخ والمنوسخ للنحاس: ٢/ ٢١٤، المحرر الوجيز: ٤/ ٢٠٢.\n(^٤) زيد الخيل بن مهلهل بن زيد الطائي، جاهلي وأدرك الإسلام، وفد على النبي - ﷺ - في وفد طيء، وسماه رسول الله - ﷺ - زيد الخير، كان شاعرًا محسنًا خطيبًا شجاعًا كريمًا، قيل: مات بعد منصرفه من رسول الله - ﷺ -، وقيل: بل مات في آخر خلافة عمر. [الشعر والشعراء: ١/ ٢٨٦، الاستيعاب: ١/ ٥٦٣].\n(^٥) لم أجده في ديوانه، وهو في أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٣١١.\nوجه الاستشهاد بهذين البيتين: ذهب أبو عبيدة إلى أن معنى قوله: (يصلون) ينتسبون. مجاز القرآن: ١/ ١٣٦.\nوقد اعترض على هذا بعض أهل العلم: تفسير الطبري: ٥/ ١٩٨، الناسخ والمنوسخ للنحاس: ٢/ ٢١٤، المحرر الوجيز: ٤/ ٢٠٢.\n(^٦) [سورة النساء: الآية ٩٠]\n(^٧) يروى هذا عن: السدي، وابن زيد. [جامع البيان: ٥/ ١٩٧].","vol":"1","page":908},{"text":"وأحسب أن هذه الآيات نزلت فيما يقال: في قوم من أشجع (^١) (^٢)، وقد قيل: في قوم من بني مدلج (^٣)، كان بينهم وبين * النبي - ﷺ - عهد (^٤)، فقال تبارك اسمه: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ (^٥) وقال ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ (^٦) الآيات، فهذا كله يدل على ما ذكرنا، وكان الناسخ لأمر المواثيق ما وصفنا، والله أعلم.\n_________\n(^١) أشجع: قبيلة من غطفان بن قيس، وهم بنوا أشجع بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس، كانت منازلهم بضواحي المدينة، وكانوا حلفاء للخزرج، قاتلوا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة حنين.\n[جمهرة أنساب العرب: ٢٤٩، معجم القبائل العربية: ١/ ٢٩].\n(^٢) هذا يروى عن مقاتل: ذكره النحاس في الناسخ والمنسوخ: ٢/ ٢١٥، والجصاص في أحكام القرآن: ٢/ ٣١١، والبغوي في تفسيره: ٢/ ٢٦١، وابن الجوزي في تفسيره: ٢/ ١٥٨.\n(^٣) بنو مدلج: بطن من كنانة، وهم: بنو مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة، اشتهروا بعلم القيافة وتتبع الاثر.\n[جمهرة أنساب العرب: ١٨٧، معجم القبائل العربية: ٣/ ١٠٦١].\n* لوحة: ١٠٤/ب.\n(^٤) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره: ٣/ ١٠٢٦، وذكره النحاس في الناسخ والمنسوخ: ٢/ ٢١٥، وابن الجوزي في تفسيره: ٢/ ١٥٨، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٥٣٣.\n(^٥) [سورة النساء: الآية ٩١]\n(^٦) [سورة النساء: الآية ٩٢]","vol":"1","page":909},{"text":"وليس يجب أن تقاس دية المعاهد على دية من كان بينه وبين رسول الله - ﷺ - ميثاق؛ لأنهم لم يكونوا ذمة للنبي - ﷺ -، ولا أوطأهم يومئذ عليه، ولما قيل: ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (^١) دل على التساوي بينهم في الديات، وغيرها من الأمور التي تحدث، إلا أن يشترطوا في ذلك شرطًا فيه خصوص لبعضهم، وما لم يُشترط الخصوص فهو على التساوي، وليس يشبه هؤلاء أهل الذمة؛ لأن أهل الذمة إنما قهرهم المسلمون حتى أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فدياتهم تجري على ما أعطاه المسلمون، فمن ذلك أنهم جعلوا دية المجوس أقل من دية اليهود والنصارى، فروى عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ - أنه قال: عقل الكافر نصف عقل المؤمن (^٢).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٩٢]\n(^٢) رواه أبو داود في سننه: ٤/ ١٩٤ باب في دية الذمي كتاب الديات بلفظ: (دية المعاهد نصف دية الحر)، والترمذي في سننه باب لا يقتل مسلم بكافر أبواب الديات، وقال: حديث عبد الله بن عمرو في ذها الباب حديث حسن، والنسائي في سننه: ٨/ ١١٤ كم دية الكافر كتاب الديات، وابن ماجة في سننه: ٢/ ١٠٤ باب دية الكافر من أبواب الديات بنحوه،، وأحمد في مسنده: ٢/ ١٨٣، ٢٢٤، والدارقطني في سننه: ٣/ ١٧١ كتاب الحدود والديات حديث: ٢٦٠، والبيهقي في سننه: ٨/ ١٠١ باب دية اهل الذمة كتاب الديات.\nقال الخطابي: ليس في دية أهل الكتاب شيء أبين من هذا، ثم ذكر خلاف أهل العلم في دية أهل الكتاب ثم قال: وقول رسول الله - ﷺ - أولى، ولا بأس بإسناده، وقد قال به أحمد. [معالم السنن: ٦/ ٣٧٤ - ٣٧٦].\n\nوقال ابن القيم: هذا الحديث صحيح إلى عمرو بن شعيب، والجمهور يحتجون به، وقد احتج به الشافعي في غير موضع، واحتج به الأئمة كلهم في الديات. ... [تهذيب السنن: ٦/ ٣٧٤].","vol":"1","page":910},{"text":"وروى سعيد بن المسيب أن عمر - ﵁ - قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، ودية المجوسي ثمانمائة (^١). وقال مكحول: وجعلها نصف دية المسلم (^٢)، وإنما قال ذلك؛ لأنه كان يقوم الإبل عند الحوادث *، وقصده كان لنصف دية المسلم. وقال السبعة (^٣): دية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين (^٤). وهي عندنا: ستة آلاف (^٥)،\n_________\n(^١) مصنف عبد الرزاق: ٦/ ١٢٧، ١٠/ ٩٣، مصنف ابن أبي شيبة: ٥/ ٤٠٧ من قال الذمي على النصف أو أقل، تفسير الطبري: ٥/ ٢١٤، سنن الدارقطني: ٣/ ١٣٠، ١٣١، ١٤٦، ١٧٠، سنن البيهقي: ٨/ ١٠٠ الموضع السابق.\n(^٢) لم أقف عليه.\n* لوحة: ١٠٥/أ.\n(^٣) قال أبو نعيم في الحلية: ٢/ ١٦١: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وأبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبد الله بن عبدالله بن عتبة، وسليمان بن يسار هؤلاء هم الفقهاء السبعة.\n(^٤) لم أقف عليه، وسيأتي ذكره عن بعضهم.\n(^٥) أي: نصف دية المسلم، المدونة: ٤/ ٦٢٧، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٨٣٠، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٦٠٥، تفسير القرطبي: ٥/ ٣٢٦، الذخيرة: ١٢/ ٣٥٦.\n\nوهذا قول: عمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير، وعمرو بن شعيب، وظاهر مذهب أحمد. وروي عن عمر وعثمان أن ديته: اربعة آلاف أي ثلث دية المسلم، وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، وعكرمة، وعمرو بن دينار، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور. وذهب علقمة، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والثوري، وأبو حنيفة على أن ديته كدية المسلم، وهذا يروى عن عمر، وعثمان، وابن مسعود، ومعاوية. [الحجة: ٤/ ٣٢٢، الأم: ٦/ ١٠٥، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٣٣٥، الاستذكار: ٢٥/ ١٦١، المغني: ١٢/ ٥١].","vol":"1","page":911},{"text":"وفي الوقت الذي جعلها عمر - ﵁ - أربعة آلاف كان قد جعل دية المسلم ثمانية آلاف، أو ثمان مائة دينار، ثم إن عمر - ﵁ - خطب فذكر غلاء الإبل ورخصها، فجعل على أهل الورق اثنا عشر ألفًا، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وجعل دية أهل الكتاب على النصف (^١)، ولما قيل: دية الكافر على النصف علم أنه الكافر الذي تجري عليه أحكامنا، وأما الكافر الذي لا تجري عليه أحكامنا وإنما بيننا وبينهم ميثاق، فديته على قدر ما يجري بيننا وبينه من الشرط، ولا كفارة (^٢)؛ لأن الميثاق لا يقع بيننا وبينه إلا على المراضاة منا ومنه، والذمي إنما أعطيناه ما أعطيناه على قدر ما رأينا في أمره، إذ كان حكمنا عليه جائز، وإنما حقن دمه بالجزية التي جعلناها عليه (^٣)،\n_________\n(^١) روى أبو داود في سننه: ٤/ ١٨٤ الدية كم هي؟ كتاب الديات عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله - ﷺ - ثمانمائة دينار أو ثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين، قال: فكان ذلك كذلك حتى استخلف عمر ﵀ فقام خطيبًا فقال: ألا إن الإبل قد غلت، قال: ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثنا عشر ألفًا وعلى أهل البقر مائتا بقرة وعلى أهل الشاء ألفا شاة وعلى أهل الحلل مائتا حلة، قال: وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية. ورواه البيهقي في سننه: ٨/ ٧٧ باب أعواز الإبل، ٨/ ١٠١ باب دية أهل الذمة.\nوقد روى نحوه عبد الرزاق في مصنفه: ٩/ ٢٩١.\n(^٢) أي: واجبة كما سيأتي.\n(^٣) الذمي: هو من دخل في عهد المسلمين وأمانهم، والمعاهد كل من بينك وبينه عهد، وأكثر ما يطلق في الحديث على أهل الذمة، وقد يطلق على غيرهم من الكفار الحربيين إذا صولحوا على ترك الحرب مدة ليسوا فيها تحت حكم الإسلام.\n\n[النهاية في غريب الحديث: ٢/ ١٦٨، ٣/ ٣٢٥، شرح حدود ابن عرفة: ١/ ١٢٦، معجم لغة الفقهاء: ٢١٤، ٣٢٣].","vol":"1","page":912},{"text":"وكل واحد من اليهود والنصارى والمجوس إذا قُتل أعطيناهم ديته التي جعلناها له، فهي دية مُسلمة إلى أهله؛ لأن كل دية الإنسان قلّت أو كثرت إذا أديت إلى مستحقها فهي دية مسلمة إلى أهله، كما أن المرأة المسلمة إذا قتلت خطأً فديتها نصف دية الرجل، وعلى قاتلها تحرير رقبة مؤمنة (^١)، وهي دية مُسلمة إلى أهل المقتول، ذكرًا كان أو أنثى؛ لأن لفظ: ﴿دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ (^٢) نكرة، وإنما يجب فيها أن تؤدى دية المقتول ما كانت من شيء، فأما تحرير رقبة في قتل المعاهد خطأً فإنما يرى ذلك مالك - ﵁ - احتياطًا (^٣)؛ لأن نسق الآية قد يمكن أن يكون معطوفًا على أن يكون المقتول * في الحالات كلها وهو مؤمن، كما قال المتقدمون، ويمكن أن يكون كافرًا بيننا وبينه ميثاق، فالاحتياط أصوب، والله أعلم.\nقال الله ﵎: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ (^٤) أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأتفوي، أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءة عليه بمصر في منزله عام واحد (^٥) وأربعين وثلاثمائة، وأنا أسمع، قيل له: قلتَ رحمك الله: الشهران جعلا بدل من الرقبة المؤمنة (^٦)،\n_________\n(^١) نقل الإجماع على ذلك: ابن المنذر في الإجماع: ١٦٦، والقرطبي في تفسيره: ٥/ ٣٢٥.\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٩٢]\n(^٣) النوادر والزيادات: ١٣/ ٥٠٣، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٨٤٥، الذخيرة: ١٢/ ٤١٧.\n* لوحة: ١٠٥/ب.\n(^٤) [سورة النساء: الآية ٩٢]\n(^٥) في الأصل: أحد، والصواب ما أثبت.\n(^٦) روي عن مسروق: أن صيام الشهرين بدل عن الرقبة والدية، وقد ضعف أهل العلم هذا، وقالوا بأن الصيام بدل عن الدية؛ لأن دية الخطأ على عاقلة القاتل، والكفارة على القاتل بإجماع الحجة على ذلك، فلا يقضى صوم صائم عما لزم غيره في ماله.\n\n[تفسير الطبري: ٥/ ٢١٥، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٦٠٥، المحرر الوجيز: ٤/ ٢١١].","vol":"1","page":913},{"text":"ولم يجعل الله ﵎ هاهنا إطعامًا (^١).\nوأما قوله ﷿: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ (^٢).\nفمعناه رحمة من الله، والتوبة عند العرب: الرجوع (^٣)، فرجع الله بهم من الرقبة إلى الصيام رحمة منه، وبالله التوفيق.\nقال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (^٤) إلى آخر الآية.\n_________\n(^١) قال ابن كثير: واختلفوا فيمن لا يستطيع الصيام هل يجب عليه إطعام ستين مسكينًا كما في كفارة الظهار على قولين: أحدهما نعم كما هو منصوص عليه في كفارة الظهار، وإنما لم يذكر ها هنا لأن هذا مقام تهديد وتخويف وتحذير فلا يناسب أن يذكر فيه الإطعام لما فيه من التسهيل والترخيص، والقول الثاني: لا يعدل إلى الطعام لأنه لو كان واجبًا لما أُخر بيانه عن وقت الحاجة.\n[تفسير القرآن العظيم: ١/ ٥٣٥].\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٩٢]\n(^٣) مقاييس اللغة: ١٥٨، لسان العرب: ١/ ٢٣٣.\n(^٤) [سورة النساء: الآية ٩٣]","vol":"1","page":914},{"text":"قال زيد بن ثابت (^١)، وابن عباس (^٢)، ومن تابعهما من التابعين (^٣): إن قاتل المؤمن لا توبة له، وشددوا في ذلك.\n_________\n(^١) روي عن زيد بن ثابت أن آية سورة النساء نزلت بعد آية سورة الفرقان: سنن أبي دواد: ٤/ ١٠٤ باب في تعظيم قتل المؤمن كتاب الفتن والملاحم، سنن النسائي: ٧/ ١٠٠ باب تعظيم الدم كتاب المحاربة، تفسير ... عبد الرزاق: ١/ ١٦٨، الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ٢٦٧، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٣٢١، تفسير الطبري: ٥/ ٢٢٠، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ١٠٣٧، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٢١٨، نواسخ القرآن: ٣٥٤، سنن البيهقي: ٨/ ١٦ باب أصل تحريم القتل من القرآن كتاب الجنايات.\n(^٢) رواه البخاري في صحيحه: ٣/ ١٣٩٩ باب ما لقي النبي - ﷺ - وأصحابه من المشركين بمكة كتاب فضائل الصحابة، و٤/ ١٧٧٦ التفسير سورة النساء، و٤/ ١٧٨٤ التفسير سورة الفرقان، ومسلم في صحيحه: ٤/ ٢٣١٧ كتاب التفسير حديث: ١٨ - ٢٠، سنن أبي دواد: ٤/ ١٠٥ الموضع السابق، سنن الترمذي تفسير سورة النساء من أبواب التفسير تحفة الأحوذي: ٨/ ٣٨٥، سنن النسائي: ٧/ ٩٨ الموضع السابق، الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ٢٦٥، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٣١٨، مصنف ابن أبي شيبة: ٥/ ٤٣٢ من قال ليس لقاتل المؤمن توبة، تفسير الطبري: ٥/ ٢١٨، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ١٠٣٦، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٢١٨، نواسخ القرآن: ٣٥١، سنن البيهقي: ٨/ ١٥ باب أصل تحريم القتل من القرآن كتاب الجنايات.\n(^٣) ممن روي عنه هذا من الصحابة: أبو هريرة، وابن مسعود، وابن عمر، ومن التابعين: الضحاك، وأبو سلمة، وعبيد بن عمير، والحسن، وقتادة. تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٦٧، الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ٢٦٥، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٣٣٠، مصنف ابن أبي شيبة: ٥/ ٤٣١ الموضع السابق، تفسير الطبري: ٥/ ٢٢٠، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ١٠٣٧.","vol":"1","page":915},{"text":"وقال علي بن أبي طالب (^١)، ومن تابعه (^٢): له توبة.\nقال القاضي: والذي توجبه الآيات: التوبة؛ لأن الله ﵎ قال في هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ (^٣)\n_________\n(^١) لم أقف عليه من قول علي بن أبي طالب - ﵁ -، وهو مروي عن بعض الصحابة: عمر، وابن عباس، وابن عمر. [تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٦٧، الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ٢٧٢، مصنف ابن أبي شيبة: ٥/ ٤٣٣ من قال للقاتل توبة، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ١٠٣٦، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٢٢٣، أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: ٦/ ١٠٥٣].\n(^٢) ممن روي عنه هذا: مجاهد، وأبو مجلز، وأبو صالح، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وابن سيرين.\nصحيح البخاري: ٣/ ١٤٠٠ الموضع السابق، سنن أبي داود: ٤/ ١٠٥ الموضع السابق، الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ٢٧٢، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٣٤٦، مصنف ابن أبي شيبة: ٥/ ٤٣٣ الموضع السابق، = ... تفسير الطبري: ٥/ ٢١٧، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ١٠٣٦، أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: ٦/ ١٠٥٣، سنن البيهقي: ٨/ ١٦ الموضع السابق.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٩٣]\n\n* لوحة: ١٠٦/أ.","vol":"1","page":916},{"text":"فلما ذكر أن جزاءه الذي وصف عرف * أن هذه عقوبة فعله إن جازاه، وقد يجوز ... ألا يجازيه (^١)،\n_________\n(^١) هذا القول مروي عن ابن عباس، وأبي مجلز، وأبي صالح - انظر المراجع السابقة - وقد اعترض على هذا المعنى أبو عبيد من حيث إنه لم يصح عن ابن عباس، ومن ناحية اللغة، حيث قال: ومع هذا أن لفظ آخر الآية لا يدل على ذلك في مذهب العربية، والله أعلم بما أراد من أجل أنه لم يقل: جزاؤه جهنم وأن يغضب عليه ويلعنه، ولكنه جعله حتمًا واقعًا فقال: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. [الناسخ والمنسوخ: ٢٧٣، وانظر اعتراض النحاس في الناسخ والمنسوخ: ٢/ ٢٢٦، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ٣٥٧].\n\nواعتراضهم من ناحية اللغة فيه نظر، فإن هذا حقيقة المشيئة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قال ابن كثير: قال أبو هريرة وجماعة من السلف: هذا جزاؤه إن جازاه، وقد رواه ابن مردويه بإسناده عن أبي هريرة مرفوعًا، ولكن لا يصح، ومعنى هذه الصيغة أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه، وكذا كل وعيد على ذنب، لكن قد يكون كذلك معارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه، وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد. وقال أيضًا: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك، وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها لتقوية الرجاء. ... [انظر تفسير القرآن العظيم: ١/ ٥٣٧].","vol":"1","page":917},{"text":"وقال في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (^١) فاستثنى في الجميع التوبة، وقال ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢) فأوجب على نفسه تفضلًا على من شاء، فينبغي لمن فعل هذه (^٣) الأشياء - عصمنا الله عنها بمنه وعن جميع المآثم - أن يخاف ألا يكون فيمن يدخل في المشيئة، ويرجو عفوه ولا يقنط، فإن الله ﷿ قال: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (^٤).\nكان ابن شهاب إذا سئل هل للقاتل توبة يتعرف من السائل، هل قتل أم لا؟ ويطاوله، فإن قال: لا، قال: لا توبة له، وإن قال: نعم، قد قتل، قال: له توبة (^٥).\n_________\n(^١) [سورة الفرقان: الآيات ٦٨ - ٧٠]\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٤٨]\n(^٣) في الأصل: هذا، والصزاب ما أثبت.\n(^٤) [سورة الزمر: الآية ٥٣]\n(^٥) ذكره ابن عطية في تفسيره: ٤/ ٢١٥.\nوهذا من فقه الفتوى، ومعرفة حال المستفتي، روى سعيد بن منصور في سننه: ٤/ ١٣٤٧، والبيهقي في سننه: ٨/ ١٦ عن سفيان بن عيينة قال: كان أهل العلم إذا سئلوا، قالوا: لا توبة له، فإذا ابتلي رجل قالوا له: تب.\n\nوقد روي نحو هذا عن ابن عباس: فعن عبيدة قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: لمن قتل مؤمنًا توبة؟ قال: لا إلا النار، فلما ذهب قال له: جلساؤه ما هكذا كنت تفتينا، كنت تفتينا أن لمن قتل مؤمنًا توبة مقبولة، فما بال اليوم؟ قال: إني أحسبه رجل مغضب يريد أن يقتل مؤمنًا، قال: فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك.\nرواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٥/ ٤٣٤ الموضع السابق، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ٢/ ٢٢٤، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ٣٥٤.","vol":"1","page":918},{"text":"وإن هذا لحسن، ومع ذلك فهذه الآيات من أحكام الآخرة، مردودة إلى الباري سبحانه، وله أن يفعل ما شاء، لا يُسئل عما يفعل، وله الفضل على كل الأحوال (^١).\n_________\n(^١) وما عليه جمهور أهل العلم هو صحة توبة القاتل كغيره من الذنوب، وما ورد عن السلف في عدم قبول توبته فيحمل على التغليظ والتشديد على حرمة دم المسلم، قال ابن تيمية: وكل وعيد فى القرآن فهو مشروط بعدم التوبة بإتفاق الناس، فبأي وجه يكون وعيد القاتل لاحقًا به وإن تاب، هذا فى غاية الضعف، ولكن قد يقال: لا تقبل تو بته بمعنى أنه لا يسقط حق المظلوم بالقتل بل التوبة تسقط حق الله، والمقتول مطالبه بحقه، وهذا صحيح فى جميع حقوق الآدميين حتى الدين. [مجموع الفتاوى: ١٦/ ٢٥].\nوقال ابن حجر: وقد حمل جمهور السلف وجميع أهل السنة ما ورد من ذلك على التغليظ، وصححوا توبة القاتل كغيره، وقالوا: معنى قوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ أي: إن شاء الله أن يجازيه تمسكًا بقوله تعالى في سورة النساء أيضًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.\n[فتح الباري: ٨/ ٦٣٠، وانظر: تفسير الطبري: ٥/ ٢١١، والناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٢٢٥، والإيضاح لمكي: ٢٣٢، ونواسخ القرآن: ٣٥٧، تفسير القرطبي: ٥/ ٣٣٣، تفسير ابن كثير: ١/ ٥٣٧، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٥٦١، تيسير الكريم الرحمن: ١٥٧].\n\nومع ذلك فإنه لا متمسك في هذه الآية للمعتزلة القائلين بتخليد المؤمن العاصي في النار، سواء على تفسير ... ابن عباس ومن وافقه، أو على تفسير الجمهور لها، قال ابن كثير: وبتقدير دخول القاتل في النار إما على قول ابن عباس ومن وافقه أنه لا توبة له، أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحًا ينجو به، فليس بمخلد فيها أبدًا، بل الخلود هو المكث الطويل، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله - ﷺ - أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان. ... [تفسير القرآن العظيم: ١/ ٥٣٧].","vol":"1","page":919},{"text":"قال الله سبحانه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ (^١) الآية.\nهذه الآية نزلت في ابن أم مكتوم (^٢)،\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٩٥]\n(^٢) ابن أم مكتوم: عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم القرشي العامري، اختلف في اسمه فقيل: عبد الله، وقيل: عمرو، قال ابن عبد البر: وهو الأكثر عند أهل الحديث، وقال ابن سعد: أهل المدينة يقولون: اسمه عبد الله، وأما أهل العراق فيقولون: اسمه عمرو. أمه أم مكتوم عاتكة بنت عبد الله بن عنكشة بن عامر بن مخزوم، أسلم عمرو بمكة قديمًا، وكان ضرير البصر، وقدم المدينة مهاجرًا بعد بدر، وكان مؤذن رسول الله - ﷺ - مع بلال، وكان - ﷺ - يستخلفه على المدينة عند خروجه للغزو، شهد القادسية وكان اللواء معه وقتل فيها، وقيل: بل رجع بعدها ومات بالمدينة. [الطبقات الكبرى: ٤/ ٢٠٥، الاستيعاب: ٢/ ٥٠١].\n\n* لوحة: ١٠٦/ب.","vol":"1","page":920},{"text":"وكان ضريرًا، فلما نز لت: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون) *قال ابن أم مكتوم - وزيد بن ثابت يكتب -: ... يا رسول الله كيف بي وأنا ضرير؟ فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (^١) فألحقت ... بين المؤمنين والمجاهدين، فكانت عذرًا لمن عجز عن الجهاد، روى ذلك جماعة عن زيد بن ثابت (^٢).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٩٥]\n(^٢) صحيح البخاري: ٣/ ١٠٤٢ كتاب الجهاد باب قوله: (لا يستوي القاعدون ...)، و٤/ ١٦٧٧ كتاب التفسير سورة النساء، و٤/ ١٩٠٩ كتاب فضائل القرآن باب كاتب النبي - ﷺ -، وصحيح مسلم: ٣/ ١٥٠٨ كتاب الإمارة حديث: ١٤١، وسنن أبي داود: ٣/ ١١ كتاب الجهاد باب الرخصة في تاقعود من العذر، وسنن الترمذي باب ما جاء في الرخصة لأهل العذر في القعود من أبواب الجهاد تحفة الأحوذي: ٥/ ٣١١، وتفسير سورة النساء من أبواب التفسير تحفة الأحوذي: ٨/ ٣٨٧، وسنن النسائي: ٦/ ٣١٥ باب فضل المجاهدين على القاعدين كتاب الجهاد، وأحمد في مسنده: ٤/ ٢٨٢، ٥/ ١٨٤، وسنن الدارمي: ٢/ ٢٧٦ باب العذر في التخلف عن الجهاد كتاب الجهاد، وتفسير عبد الرزاق: ١/ ١٦٩، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٣٥٤، تفسير الطبري: ٥/ ٢٢٨، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ١٠٤٣، وغيرهم.","vol":"1","page":921},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ (^١).\nقيل لعمر بن الخطاب - ﵁ -: نرى قصر الصلاة في الخوف، ولا نرى قصر الصلاة في السفر، فقال عمر - ﵁ -: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته (^٢). وقيل مثل ذلك لابن عمر، فقال: يا ابن أخي بعث محمد - ﷺ - إلينا ولا نعلم شيئًا، فإنما نفعل كما رأيناه يفعل (^٣). وقال ابن عباس - ﵁ -: فرض الله ﵎ صلاة الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة (^٤). وقالت عائشة - ﵂ -: فرضت الصلاة في الحضر والسفر ركعتين، فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر (^٥).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآيتان ١٠١ - ١٠٢]\n(^٢) سبق تخريجه ص: ٢٠٢.\n(^٣) سبق تخريجه ص: ٢٠٢.\n(^٤) سبق تخريجه ص: ٢٠٣.\n(^٥) سبق تخريجه ص: ٢٠٣.","vol":"1","page":922},{"text":"واختلفت الروايات في صلاة الخوف، فروى صالح بن خوات (^١) عن سهل بن أبي حثمة (^٢): أن صلاة الخوف - وقد صلى مع رسول - ﷺ - أن * يصلي الإمام بطائفة ركعة، وتقوم الطائفة الأخرى وجاه العدو، فإذا قام في الثانية قضوا لأنفسهم، ومضوا فكانوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة التي كانت بإزاء العدو فصلى بها الركعة الباقية عليه، ثم سلم، وأتموا لأنفسهم (^٣).\n_________\n(^١) صالح بن خوات بن جبير بن النعمان الأنصاري المدني، عن: سهل بن أبي حثمة، وخاله عمر بن الخطاب، وعنه: ابنه خوات، ويزيد بن رومان، والقاسم بن محمد، ثقة. [تهذيب الكمال: ١٣/ ٣٥، التقريب: ٤٤٤].\n(^٢) سهل بن أبي حثمة، واسمه عبد الله، وقيل: عامر بن ساعدة بن عامر الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو يحيى، ويقال: أبو محمد المدني، صحابي صغير، ولد سنة ثلاث من الهجرة، روى عن النبي - ﷺ -، وزيد بن ثابت، وعنه: بشير بن يسار، وصالح بن خوات بن جبير، بايع تحت الشجرة، وشهد المشاهد كلها إلا بدرًا، مات في خلافة معاوية. [تهذيب الكمال: ١٢/ ١٧٨، التقريب: ٤١٨].\n* لوحة: ١٠٧/أ.\n(^٣) رواه مالك في الموطأ: ١/ ١٦٤ كتاب صلاة الخوف حديث: ٢ من طريق يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات أن سهل بن أبي حثمة حدثه أن صلاة الخوف. الحديث.\nقال ابن عبد البر: هذا الحديث موقوف على سهل في الموطأ عند جماعة الرواة عن مالك، ومثله لا يقال من جهة الرأي، وقد روي مرفوعًا مسندًا بهذا الإسناد عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة عن النبي - ﷺ -. [التمهيد: ٢٣/ ١٦٥].\nوقد رواه البخاري في صحيحه: ٤/ ١٥١٤ كتاب المغازي باب غزوة ذات الرقاع، موقوفًا ومرفوعًا من طريق القاسم بن محمد به، ومسلم في صحيحه: ١/ ٥٧٥ كتاب صلاة المسافرين وقصرها حديث: ٣٠٩ من طريق القاسم بن محمد به مرفوعًا.","vol":"1","page":923},{"text":"رواه يزيد بن رومان (^١) عن صالح عن من صلى مع رسول الله - ﷺ - وهو سهل بن أبي حثمة الأنصاري - وزاد فيه: وأقام حتى يقضون، ثم يسلم بهم (^٢). وقال مالك - ﵁ - بالحديثين جميعًا، قال بالأول ثم رجع إلى الثاني (^٣)،\n_________\n(^١) يزيد بن رُومان الأسدي، أبو روح المدني، مولى آل الزبير، عن: أنس بن مالك، وصالح بن خوات بن جبير، وعنه: مالك بن أنس، ومحمد بن إسحاق، ثقة، مات سمة ١٣٠ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٣٢/ ١٢٢، التقريب: ١٠٧٤].\n(^٢) رواه مالك في الموطأ: الموضع السابق حديث: ١، والبخاري في صحيحه: ٤/ ١٥١٣ الموضع السابق، ومسلم في صحيحه: الموضع السابق حديث: ٣١٠.\n(^٣) المقصود بالحديث الأول: حديث يزيد بن رومان، والثاني: حديث القاسم بن محمد عن صالح بن خوات.\nقال مالك في الموطأ برواية يحيى: ١/ ١٦٥، وبرواية القعنبي: ٢٦٥، وبرواية سويد الحدثاني: ١٦٩: قال مالك: وحديث القاسم بن محمد عن صالح بن خوات أحب ما سمعت إلي في صلاة الخوف.\nقال ابن القاسم بعد ذكره صفة صلاة الخوف: هذا تفسير حديث يزيد بن رومان الذي كان يأخذ به مالك أولًا ثم رجع إلى حديث القاسم فقال: هو أحب إلي. وحديث القاسم أن تفعل الطائفة الأخرى كما فعلت تلك في الأولى سواء؛ لأنه إنما اختلف قول مالك في الحديثين في الطائفة الآخرة في سلام الإمام يسلم الإمام في حديث القاسم ويكون القضاء بعد ذلك.\n[المدونة: ١/ ٢٤١، وانظر النوادر والزيادات: ١/ ٤٨٣، وإكمال المعلم: ٣/ ٢٢٣].\nقال ابن عبد البر: وقال ابن القاسم وابن وهب وأشهب وغيره عن مالك أنه سئل فقيل له: أي الحديثين أحب إليك؟ أن يُعمل به حديث صالح بن خوات أو حديث سهل بن أبي حثمة، فقال: أحب إلي أن يعمل بحديث سهل بن أبي حثمة، يقومون بعد سلام الإمام فيقضون الركعة التي عليهم ثم يسلمون لأنفسهم.\n[التمهيد: ١٥/ ٢٦١].\n\nوفي موطأ مالك برواية أبي مصعب الزهري: ١/ ٢٣٤ قال مالك: أحسن ما سمعت في صلاة الخوف حديث يزيد بن رومان عن صالح بن خوات.\n= قال أبو الوليد الباجي: وقد ترجح مالك ﵀ في الأخذ بكل واحد من الحديثين، فروى عنه ... عبد الرحمن بن مهدي، وابن وهب، والقعنبي أنه قال: أحب ما في ذلك إلي حديث يزيد بن رومان.\n[المنتقى: ١/ ٣٢٤].\nوبرواية يزيد بن رومان أخذ الشافعي في الأم: ١/ ٢١١، وأحمد مع تجويزه لجميع الصفات الثابتة إلا أنه اختار حديث سهل برواية يزيد بن رومان: الروض المربع: ١٢٥، المغني: ٣/ ٣٠٠.","vol":"1","page":924},{"text":"وجميعًا صحيحان في معناها (^١). وروي عن حذيفة في صلاة الخوف: أنها ركعتين للإمام، وركعة ركعة لمن خلفه، ولا يقضون (^٢). وعن زيد بن ثابت مثل ذلك (^٣). وروي عن جابر بن عبد الله ضد ذلك، وأن الإمام يصلي ركعتين بكل طائفة، فيصير للإمام أربعًا، ولكل واحدة من الطائفتين ركعتين (^٤). وروي مثل ذلك عن أبي بكرة (^٥)\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: وجميعًا صحيحان في معناهما.\n(^٢) رواه أبو داود في سننه: ٢/ ١٦ باب من قال يصلي بكل طائفة ركعة ولا يقضون كتاب الصلاة، النسائي في سننه: ٣/ ١٨٨ كتاب صلاة الخوف،، وأحمد في مسنده: ٥/ ٣٩٩، وابن خزيمة في صحيحه: ٢/ ٢٩٣، والطحاوي في أحكام القرآن: ١/ ٢٠٣، وابن حبان في صحيحه: ٤/ ٣٠٢، والحاكم في المستدرك: ١/ ٤٨٥ كتاب صلاة الخوف وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في سننه: ٣/ ٢٦١ باب من قال صلى بكل طائفة ركعة ولم يقضوا.\n(^٣) سنن النسائي: ٣/ ١٨٨ الموضع السابق، مصنف عبد الرزاق: ٢/ ٥١٠، مصنف ابن أبي شيبة: ٢/ ٢١٥ في صلاة الخوف كم هي؟، صحيح ابن خزيمة: ٢/ ٢٩٤، الأوسط: ٥/ ٢٧، أحكام القرآن للطحاوي: ١/ ٢٠٢، شرح معاني الآثار: ١/ ٣١٠، صحيح ابن حبان: ٧/ ١٢١، سنن البيهقي: ٣/ ٢٦٢ الموضع السابق.\n(^٤) البخاري في صحيحه: ٤/ ١٥١٥ الموضع السابق، صحيح مسلم: ١/ ٥٧٦ الموضع السابق حديث: ٣١١، ٣١٢.\n(^٥) أبو بكرة: نفيع بن مسروح، وقيل: نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفي، مشهور بكنيته، تدلى إلى النبي - ﷺ - من حصن الطائف ببكرة فكناه رسول الله - ﷺ - بأبي بكرة، روى عن النبي - ﷺ -، وعنه: ا، لاده، والحسن البصري، مات بالبصرة سنة ٥١، وقيل: ٥٢ هـ. ... [الاستيعاب: ٤/ ٢٣، الإصابة: ٣/ ٥٧١] ..","vol":"1","page":925},{"text":"(^١)، ... وروي عن أبي موسى اضطراب في ذلك (^٢)،\n_________\n(^١) سنن أبي دواد: ٢/ ١٧ باب من قال يصلي بكل طائفة ركعتين، سنن النسائي: ٢/ ٤٣٧ كتاب الإمامة باب اختلاف نية الإمام والمأموم، و٣/ ١٩٧ كتاب صلاة الخوف، مسند أحمد: ٥/ ٣٩، ٤٩، مسند الطيالسي: ٢/ ٢٠٤، صحيح ابن خزيمة: ٢/ ٣٠٧، أحكام القرآن للطحاوي: ١/ ٢٠٥، شرح معاني الآثار: ١/ ٣١٥، صحيح ابن حبان: ٧/ ١٣٥، سنن الدارقطني: ٢/ ٦١ باب صفة صلاة الخوف، المستدرك: ١/ ٤٨٧ كتاب صلاة الخوف وصححه، سنن البيهقي: ٣/ ٢٥٩ باب الإمام يصلي بكل طائفة ركعتين ويسلم.\n(^٢) روى ابن أبي شيبة في مصنفه: ٢/ ٢١٧ الموضع السابق، عن الحسن أن أبا موسى صلى بأصحابه بأصبهان فصلت طائفة منهم معه وطائفة مواجهة العدو، فصلى بهم ركعة ثم نكصوا وأقبل الآخرون يتخللونهم، فصلى بهم ركعة ثم سلم، وقامت الطائفتان فصلتا ركعة. ورواه ابن جرير في تفسيره: ٥/ ٢٥٥، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ١/ ٣١١، وقال أبو داود في سننه: ٢/ ١٦ بعد ذكره لحديث ابن عمر قال: وكذلك روى يونس عن الحسن عن أبي موسى أنه فعله.\nوقال ابن عبد البر في التمهيد: ١٥/ ٢٦٧، ٢٦٨ بعد ذكره لحديث أبي عياش الزرقي وفيه أنهم قاموا خلف الرسول - ﷺ - صفين صف بعد صف، فكبر رسول الله - ﷺ - وكبروا جميعًا، ثم ركع وركعوا جميعًا، ثم رفع ورفعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الذين يلونه والآخرون قيام يحرسونهم فلما سجدوا سجدتين قاموا وسجد الاخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الذين سجدوا مع رسول الله - ﷺ - إلى مقام الذين كانوا يحرسونهم وتقدم الآخرون فقاموا في مقامهم. الحديث، قال بعده ابن عبد البر: روي عن قتادة عن الحسن عن حطان الرقاشي عن أبي موسى فعله.\n\nوذكر ابن حجر في الفتح: ٢/ ٥٥٨ أن ممن روي عنه الاقتصار في الخوف على ركعة أبو موسى الأشعري.","vol":"1","page":926},{"text":"وروي عن ابن مسعود وابن عمر مثل صالح بن خوات، وخالفاه في قضاء الطائفتين، فجعلوا الأولى تجيء وتقضي، وتذهب الطائفة الذين صلوا الركعة الثانية مع الإمام فتقوم بإزاء العدو، فإذا قضت الأولى جاءت الثانية فقضت، إلا أنهم وافقوه على ركعتين للإمام، وركعتين للمأمومين (^١).\n_________\n(^١) روى البخاري في صحيحه: ٤/ ١٥١٤ الموضع السابق، و٤/ ١٦٤٩ التفسير سورة البقرة عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه: أن رسول الله - ﷺ - صلى بإحدى الطائفتين، والطائفة الأخرى مواجهة العدو ثم انصرفوا فقاموا في مقام أصحابهم أولئك، فجاء أولئك فصلى بهم ركعة ثم سلم عليهم، ثم قام هؤلاء فقضوا ركعتهم، وقام هؤلاء فقضوا ركعتهم. ورواه مسلم في صحيحه: ١/ ٥٧٤ الموضع السابق حديث: ٣٠٥، ٣٠٦. وأما حديث ابن مسعود فقد روى أبو داود في سننه: ٢/ ١٦ باب من قال يصلي بكل طائفة ركعة ثم يسلم فيقوم الذين خلفه فيصلون ركعة ثم يجيء الآخرون إلى مقام هؤلاء فيصلون ركعة كتاب الصلاة: عن خصيف عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف فقاموا صفين، صف خلف رسول الله - ﷺ -، وصف مستقبل العدو، فصلى بهم رسول الله - ﷺ - ركعة، ثم جاء الآخرون فقاموا مقامهم واستقبل هؤلاء العدو، فصلى بهم النبي - ﷺ - ركعة ثم سلم، فقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا، ثم ذهبوا فقاموا مقام أولئك مستقبلي العدو ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا .. ورواه أحمد في مسنده: ١/ ٣٧٥، ٤٠٩، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ١/ ٣١١، والدارقطني في سننه: ٢/ ٦٢ الموضع السابق حديث: ١٥، والبيهقي في سننه: ٣/ ٢٦١ باب من قال في هذا كبر بالطائفتين جميعًا ثم قضى كل طائفة ركعتها الباقية مناوبة، وقال: هذا الحديث مرسل، أبو عبيدة لم يدرك أباه، وخصيف الجزري ليس بالقوي.\nوبين الصفتين فرق من حيث القضاء، فحديث ابن عمر يدل على أن كلا الطائفتين قضتا دون ذكر لمن قضى أولًا، وأما حديث ابن مسعود ففيه أن الطائفة الثانية لا تقضي إلا بعد انتهاء الطائفة الأولى من القضاء. =\nوبحديث ابن عمر يأخذ أبو حنيفة إلا أنهم يحملون كيفية قضاء الطائفتين علة ما في حديث ابن مسعود. ...\n[الحجة لمحمد بن الحسن: ١/ ٣٤٠، أحكام القرآن للطحاوي: ١/ ٢٠٣، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٣٦٥]","vol":"1","page":927},{"text":"قال القاضي: فهذه الأحاديث جملة ما روي من الاختلاف في صلاة الخوف.\nوأما صلاة السفر فقول عمر - ﵁ -: صدقة تصدق * الله بها عليكم (^١). يريد لم يلزمكم الزيادة التي فرضها في الحضر، وكل رحمة ورفق يفعله الله ﵎ بنا فهو صدقة منه علينا، ألا ترى إلى قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ (^٢) ليس هذا عفو عن ذنب، إنما هو دعاء ابتدأه الله ﷿ لنبيه - ﷺ -، تشريفًا له - ﵇ - (^٣)، وقال النبي - ﷺ -: عفي لكم عن صدقة الخيل، والرقيق (^٤).\n_________\n* لوحة: ١٠٧/ب.\n(^١) سبق تخريجه ص: ٢٠٢.\n(^٢) [سورة التوبة: الآية ٤٣]\n(^٣) قيل بأن هذه الآية افتتاح كلام، كما تقول: أصلحك الله، وأعزك ورحمك، فيحسن الوقف على قوله: ... ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ وقيل: بل المعنى أنه عتاب من الله لنبيه - ﷺ -، فيكون المعنى: عفا الله عنك ما كان من ذنبك في أن أذنت لهم. وهذا الاختلاف مبني على مسألة تجويز وقوع الخطأ من الأنبياء.\n[تفسير الطبري: ١٠/ ١٤٢، أحكام القرآن للجصاص: ٣/ ١٧٢، تفسير القرطبي: ٨/ ١٥٤].\n(^٤) روى أبو داود في سننه: ٢/ ١٠١ باب في زكاة السائمة كتاب الزكاة عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله - ﷺ -: قد عفوت عن الخيل والرقيق. ورواه الترمذي في سننه: باب ما جاء في زكاة الذهب والورق من أبواب الزكاة تحفة الأحوذي: ٣/ ٢٤٩، والنسائي في سننه: ٥/ ٣٩ باب زكاة الورق كتاب الزكاة، وابن ماجة في سننه: ١/ ٣٣٣ باب صدقة الخيل والرقيق من أبواب الزكاة، والبيهقي في سننه: ٤/ ١١٨ باب لاصدقة في الخيل كتاب الزكاة.\nوأصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن الرسول - ﷺ - قال: ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة. رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٥٣٢ باب ليس على المسلم في فرسه صدقة كتاب الزكاة، ومسلم في صحيحه: ... ٢/ ٦٧٥ كتاب الزكاة حديث: ٨ - ١٠.","vol":"1","page":928},{"text":"وما كان قبل ذلك أوجب، وإنما قال: لم تلزموه تفضلًا من الله عليكم، كذلك تصدق الله ﷿ علينا بأن لم يوجب علينا الزيادة التي أوجبها في الحضر، وقول ابن عمر: بعث رسول الله - ﵇ - ولا نعلم شيئًا، فإنما نفعل ما كان يفعل (^١). يحتمل أن يكون يريد صلاتنا في السفر ركعتين، وفي الحضر أربعًا، وفي الخوف على ما وصف. وما قاله عمر وابن عمر لا يخالف ما روته عائشة - ﵂ -، وما قال ابن عباس في صلاة الحضر والسفر (^٢)؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^٣) فيكون بهذا القول صلاة السفر وصلاة الحضر جميعًا، بقول الله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (^٤) وبقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ (^٥) وسائر الآيات المذكورة فيها الصلاة، ثم يكون جبريل - ﵇ - لما أقام لرسول الله - ﷺ - الأوقات، وصلى به الصلوات في يومين (^٦)، أقام له في الحضر ما عرفه أنه موافق للسفر، ثم أتاه في وقت آخر بالزيادة في صلاة الحضر، وتكون صلاة الخوف بهذه الآية، وتعليم رسول الله - ﷺ - *، فيكون قول عمر، وابن عمر، وعائشة، وابن عباس في السفر متفق كله، غير مختلف (^٧).\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: ٢٠٢.\n(^٢) سبق تخريجه ص: ٢٠٣.\n(^٣) [سورة الأنعام: الآية ٣٨]\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ٤٣]\n(^٥) [سورة هود: الآية ١١٤]\n(^٦) يأتي تخريحه ص: ٥٨٦.\n* لوحة: ١٠٨/أ.\n(^٧) سبقت الإشارة إلى أن المؤلف ﵀ ممن يرى أن فرض المسافر ركعتين لا يجوز أن يزيد عليهما، واستدلاله بهذه الأدلة، انظر تفسير قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وانظر في هذه المسألة أيضًا: الأوسط: ٤/ ٣٣٢، وأحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٣٥٧، تفسير القرطبي: ٥/ ٣٥١.","vol":"1","page":929},{"text":"وأما صلاة الخوف فالاضطراب في الروايات في صفتها ظاهر، وأصح ما في الباب ما رواه يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي خثمة (^١)، وموافقة يزيد بن رومان (^٢)، وموافقة ابن مسعود وابن عمر في العدد (^٣).\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: ٥٧٦.\n(^٢) سبق تخريجه ص: ٥٧٦.\n(^٣) سبق تخريجه ص: ٢٧٨.","vol":"1","page":930},{"text":"فأما من قال: أربعًا للإمام، وركعتين لكل طائفة (^١). فليس له وجه؛ لأن القرآن يدفعه والحجة؛ لأنه لو كان يجوز أن يصلي بقوم فريضة، وبآخرين تطوعًا، لكان ظالمًا للآخرين، وقد كان يجوز أن يستخلف على إحدى الطائفتين من يصلي بهم فرضه، فتكون نيته ونياتهم غير مختلفة. فإن قال قائل: ذلك لفضل النبي - ﷺ -، وفضل صلاته ودعائه. فيقال لهم: تقول: إن صلاة الخوف لا تجوز بعده لأحد، وإن الإمام في الجيش مستخلف على إحدى الطائفتين، وتكون صلاة الخوف منسوخة، ولم يقل ذلك أحد من المخالفين علمته، والذي عمل عليه الفقهاء والتبع بالعمل، مخالف للرواية أن النبي - ﷺ -: صلى أربعًا، وكل طائفة ركعتين (^٢).\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: ٥٧٧.\n(^٢) فيما ذكر المؤلف هنا نظر، فإن بعض أهل العلم أجاز الصلاة بهذه الكيفية، ولعل هذه المسألة مبنية على مسألة اختلاف نية الإمام عن المأموم، قال ابن المنذر: إذا صلى الإمام هكذا فجائز في قول الشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وهذا الخبر يدل على إباحة أن يصلي المرء الفريضة خلف من يصلي نافلة؛ لأن الآخرة من صلاة النبي - ﷺ - كانت نافلة، وقد حكى أبو ثور عن يعقوب أنه قال: لا تصلى صلاة الخوف اليوم إنما كان ذلك للنبي - ﷺ - خاصة، فأما اليوم فيصلي الإمام بطائفة ركعتين ويأمر رجلًا فيصلي بالطائفة الأخلاى ركعتين. [الأوسط: ٥/ ٣٢، وانظر المغني: ٣/ ٣١٣، وسيأتي تفصيل لمسألة اختلاف نية الإمام والمأموم عند تفسير آية ٢٠٤ من سورة الأعراف].\n* لوحة: ١٠٨/ب.","vol":"1","page":931},{"text":"فأما الاختلاف الآن المروي في الركعتين، فإنه صلى بكل طائفة ركعة، ثم ما وقع من الترتيب فيشبه أن تكون الأفعال مختلفة لاختلاف الأحوال، واختلاف مواقع العدو من القبلة ومن غير القبلة، فحكي كل فعل منهما على قدر الحال التي كانت * عليه، والأمر في ذلك كله جائز؛ لأنه يرجع إلى أن الإمام ومن معه صلى كل فريق منهم ركعتين، ووقع الاختلاف في الترتيب.\nفأما ما روي من ركعتين للإمام، وركعة ركعة لمن خلفه (^١). فقد يجوز أن يكون الراوي أراد الركعة التي مع الإمام، وغفل عن ذكر ما قضي على الانفراد لمن خلفه (^٢).\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: ٥٧٧.\n(^٢) في هذا نظر، فقد سبق في بعض ألفاظ هذا الحديث: (أنهم لم يقضوا)، وقد ذكر بعض أهل العلم تخريجات أخرى غير ما ذكر المؤلف منها: أن قولهم (لم يقضوا) حسب علمهم، وقيل: إن بعض الرواة أثبت عدم القضاء وبعضهم سكت عنه والأصل وجوب العدد حتى يثبت جواز النقصان عنه بمالا يحتمل التأويل، وقيل: إن قوله: (لم يقضوا) أي: لم يعيدوا بعد الأمن، وقيل: بأن هذا يحمل على شدة القتال، وعلى كل فجمهور أهل العلم على أنه لا تأثير للخوف في عدد الركعات، وممن ذهب إلى أن من صفات صلاة الخوف الاقتصار على ركعة: الثوري، وأبو إسحاق، وبه قال أبو هريرة، وأبوموسى الأشعري، وغير واحد من التابعين، وهذا ما رجحه الشوكاني أخذًا بظاهر هذه الأحاديث. [انظر: سنن البيهقي: ٣/ ٢٦٣، المغني: ٣/ ٣١٥، تفسير القرطبي: ٥/ ٣٦٧، فتح الباري: ٢/ ٥٥٨، نيل الأوطار: ٣/ ٣٨٢].","vol":"1","page":932},{"text":"ومن [قال] (^١) أربع ركعات للإمام، وركعتين ركعتين لمن معه، فليس عليه العمل، ... ولا يشبه ما أمر به الإمام من قسمة الصلاة بينهم، وقد يحتمل أيضًا أن يكون ذلك في حضر، فذكر ما صلوا مع الإمام، وأغفلوا ذكر ما قُضي (^٢)، والله أعلم.\nقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ (^٣) فعلم أنها صلاة بعينها مفترضة، ثم قال: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ (^٤) فعلم أنه في تلك الصلاة ... ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (^٥) فعلم أنها تلك الصلاة بعينها التي أقيمت، وأن صلاة ... رسول الله - ﷺ - في نفسه لم تنقض حتى جاء الآخرون، فصلوا معه؛ لأن صلاة الخوف إنما قسمت للعدل بين الطائفتين، ولو كان الإمام يصلي بهؤلاء فرضه، وبهؤلاء تطوعًا لما كانت الصلاة مقسومة بينهم، ولو كان هذا مما يجوز لما سميت صلاة الخوف؛ لأنها إنما هي جماعة بعد جماعة، وما كان بالناس بعده - ﷺ - حاجة إلى صلاة الخوف.\n_________\n(^١) ليست في الأصل، وزدتها لتمام المعنى.\n(^٢) في هذا نظر، فإن صلاة الحضر أربع ركعات للإمام وكذلك للمأموم، وقد ورد في حديث أبي بكرة أنه صلى بهم ركعتين ثم سلم، ثم صلى بالطائفة الثانية ركعتين ثم سلم، نعم ورد في حديث جابر أنه صلى بهم أربعًا دون سلام، ولكن لم يرد ذكر قضاء المأمومين، فهذا يرد هذا الاحتمال.\nومما يرده أيضًا ما ذكره ابن قدامة حيث قال: لم ينقل عن النبي - ﷺ - أنه أتم صلاة السفر، فكيف يحمل ها هنا على أنه أتمها في موضع وجد فيه ما يقتضي التخفيف؟ [المغني: ٣/ ٣١٤]\n(^٣) [سورة النساء: الآية ١٠٢]\n(^٤) [سورة النساء: الآية ١٠٢]\n(^٥) [سورة النساء: الآية ١٠٢]\n* لوحة: ١٠٩/أ.","vol":"1","page":933},{"text":"وأما ركعة ركعة فأحسب أنهم * أرادوا ركعة ركعة مع الإمام، وأغفلوا ذكر القضاء في الرواية، لعلم المخاطبين إذ الآية نزلت في قصر الترتيب لا قصر العدد (^١)، والله أعلم.\n\nقال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (^٢).\nهذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن عوف كان جريحًا (^٣)، فأذن له في وضع السلاح رفقًا به، وإن كان العدو مواجهًا، إذ كان هناك من ينوب عنه ممن فيه كفاية (^٤).\nقال الله ﵎: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) سبق الحديث عن معنى القصر في هذه الآية عند الآية ١٨٥ من سورة البقرة.\n(^٢) [سورة النساء: الآية ١٠٢]\n(^٣) رواه البخاري في صحيحه: ٤/ ١٦٧٩ التفسير سورة النساء، والنسائي في السنن الكبرى: ١٠/ ٧٢ كتاب التفسير سورة النساء، وابن جرير في تفسيره: ٥/ ٢٥٩، وابن خزيمة في صحيحه: ٢/ ٣٠٧، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٤/ ١٠٥٥، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٣٧ التفسير سورة النساء، والبيهقي في سننه: ٣/ ٢٥٥ باب المعذور يضع السلاح كتاب صلاة الخوف.\n(^٤) انظر في هذا: أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٣٧٢، تفسير القرطبي: ٥/ ٣٧٢.\n(^٥) [سورة النساء: الآية ١٠٣]","vol":"1","page":934},{"text":"هذه الآية والتي في آل عمران (^١) - والله أعلم - أريد بها المريض، والصلاة على حسب الطاقة قيامًا، وقعودًا لمن لا يطيق القيام، مضطجعًا لمن لا يطيق القعود، ويحتمل أن يكون ذلك معنى التي في آل عمران، وتكون هذه للدعاء والذكر لله في سائر الأحوال؛ لأن في هذه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ (^٢) فيكون التأويل التأخير (^٣) أولى بها، ويجوز في اللغة فإذا قضيتم: إذا أردتم القضاء، كما قيل: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ (^٤) والله أعلم بما أراد من ذلك (^٥).\n_________\n(^١) قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١].\n(^٢) [سورة النساء: الآية ١٠٣]\n(^٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: الأخير.\n(^٤) [سورة الطلاق: الآية ١]\n(^٥) قال ابن العربي: قال قوم هذه الآية والتي في آل عمران سواء، وهذا عندي بعيد، فإن القول في هذه الآية دخل في أثناء صلاة الخوف فاحتمل أن يكون قوله سبحانه ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ أي فرغتم منها فافزعوا إلى ذكر الله وإن كنتم في هذه الحال كما قال ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾. =\nويحتمل أن يريد فإذا قضيتم الصلاة إذا كنتم فيها قاضين لها فأتوها قيامًا وقعودًا وعلى جنوبكم في أثناء الصلاة ومصافتكم للعدو وكركم وفركم. [أحكام القرآن: ١/ ٦٢٤].\nوجمهور أهل العلم على أن المراد بالذكر هنا الذكر المطلق إثر صلاة الخوف حمدًا لله على هذا التخفيف.\n[تفسير القرطبي: ٥/ ٣٧٣، تفسير ابن كثير: ١/ ٥٤٩].","vol":"1","page":935},{"text":"فأماقوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (^١) يعني والله أعلم: إذا اطمأننتم في أمصاركم، ورجعتم من أسفاركم فأقيموا الصلاة على تمامها صلاة الحاضر (^٢).\nوأما قوله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (^٣).\nفمعناه: حقًا واجبًا، أو مكتوبًا، أو موجوبًا *، أو مفروضًا، كذلك قال عثمان بن عفان عن النبي - ﷺ - (^٤)، وقاله المفسرون (^٥). لا نعلم خلافًا، إلا قول الشافعي: موقوتًا مؤقتًا بأوقات (^٦).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ١٠٣]\n(^٢) هناك قول آخر في معنى الآية: إذا استقررتم فأقيموا الصلاة أي فأتموا حدودها بركوعها وسجودها.\n[تفسير الطبري: ٥/ ٢٦٠]\n(^٣) [سورة النساء: الآية ١٠٣]\n* لوحة: ١٠٩/ب.\n(^٤) لم أقف عليه.\n(^٥) روي عن ابن عباس، وعطية العوفي، ومجاهد، والسدي، ومقاتل: (موقوتًا) أي: مفروضًا، وعن ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وأبي جعفر أن الموقوت: الواجب.\n[تفسير الطبري: ٥/ ٢٦١، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٠٥٧].\n(^٦) قال الشافعي: أحكم الله ﷿ كتابه أن فرض الصلاة موقوت، والموقوت - والله أعلم - الوقت الذي يصلى فيه وعددها، فقال ﷿: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. [الأم: ١/ ٧١].\nوقال أيضًا في هذه الآية: فكان الموقوت يحتمل مؤقتًا بالعدد ومؤقتًا بالوقت. [الأم: ١/ ٧١].","vol":"1","page":936},{"text":"وهذا تفسير من لا يعرف اللغة، ويقصر عن معرفة كلام العرب؛ لأن التصريف في أوقات مؤقتًا، لا يجوز عندهم: موقوتًا، قال ذلك أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، وعيسى بن عمر (^١) في آخرين (^٢).\n_________\n(^١) عيسى بن عمر، أبو عمر مولى خالد بن الوليد، نزل ثقيف فنسب إليهم، إمام في النحو والعربية والقراءة، عرض القرآن على عبد الله بن أبي إسحاق، وعاصم الجحدري، وغيرهم، له اختيار في القراءات، روى عنه: الأصمعي، وعبيد بن عقيل النحوي وغيرهم، من مصنفاته في النحو: الإكمال، والجامع، مات سنة ١٤٩ هـ. ...\n[غاية النهاية في طبقات القراء: ١/ ٦١٣، بغية الوعاة: ٣٧٠].\n(^٢) فيما ذكر المؤلف نظر، فقد أغلظ القول على إمام جليل، وأخطأ عليه حيث جعل كلامه مخالفًا لكلام المفسرين، فقد روى عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ١٧٢، وابن جرير في تفسيره: ٥/ ٢٦١، وابن المنذر في ... الأوسط: ٢/ ٣٨٦، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٤/ ١٠٥٧ عن عبد الله بن مسسعود في تفسير هذه الآية أنه قال: إن للصلاة وقت كوقت الحج، وعن زيد بن أسلم قال: منجمًا كلما مضى نجم جاء نجم آخر، كلما مضى وقت جاء وقت آخر.\nهذا فيما قيل في تفسير الآية مما لم يذكره المؤلف ويوافق قول الشافعي.\n\nوأما ما ذكره أهل اللغة، فقد قال الخليل بن أحمد: الوقت مقدار من الزمان، وكل ما قَدَّرت له غاية أو حينًا فهو موقت، وتقول: وقتٌ موقتٌ، وقال أبو عبيدة: موقوتًا أي: موقتًا وقته الله عليهم، وقال الزجاج: أي مفروضًا مؤقتًا فرضه، وقال النحاس: والمعنى عند أهل اللغة: مفروض لوقت بعينه، يقال: وقته فهو موقوت، ووقته فهو موقت، وهذا قول زيد بن أسلم بعينه، وقال الأزهري: يقال: وقتٌ موقوت وموقت، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أي: كتب عليهم في أوقات مؤقتة، وقال ابن عطية: معناه منجمًا في أوقات، وقال ابن منظور: ووقتٌ موقوت وموقت: محدود، وفي التزيل العزيز: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أي: مؤقتًا مقدرًا.\n[العين: ٥/ ١٩٩، مجاز القرآن: ١/ ١٣٩، معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٩٩، معاني القر آن للنحاس: ٢/ ١٨٣، تهذيب اللغة: ٩/ ٢٥٦، المحرر الوجيز: ٤/ ٢٤٤، لسان العرب: ٢/ ١٠٧].","vol":"1","page":937},{"text":"ولم تؤخذ أوقات الصلوات بهذه الآية، وإنما أخذت بقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ (^١)، وبقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينٍ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (^٢) ... ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ (^٣) فهذه أوقات الصلاة من القرآن، والله أعلم.\n﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ (^٤) وبصلاة النبي - ﷺ - في الوقتين، وقوله: بين هذين وقت (^٥).\n_________\n(^١) [سورة هود: الآية ١١٤]\n(^٢) [سورة الروم: الآية ١٧]\n(^٣) [سورة الروم: الآية ١٨]\n(^٤) [سورة الإسراء: الآية ٧٨]\n(^٥) روى أبو داود في سننه: ١/ ١٠٧ باب في المواقيت كتاب الصلاة عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: أمني جبريل ﵇ عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك، وصلى بي العصر حين كان ظله مثله، وصلى بي يعني المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان الغد صلى بي الظهر حين كان ظله مثله، وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر، ثم التفت إلي فقال: يا محمد هذا وقت لأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين.\nورواه الترمذي في سننه: باب ما جاء في مواقيت الصلاة من أبواب الصلاة، وقال: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح تحفة الأحوذي: ٤/ ٤٦٤، وأحمد في مسنده: ١/ ٣٣٣، وابن خزيمة في صحيحه: ١/ ١٦٨، والحاكم في المستدرك: ١/ ٣٠٦ كتاب الصلاة وصححه، والبيهقي في سننه: ١/ ٣٦٤ جماع أبواب المواقيت من كتاب الصلاة، وصححه ابن عبد البر في التمهيد: ٨/ ٢٨.\n\nوله شاهد من حديث جابر الذي رواه الترمذي في الموضع السابق، وقال: قال محمد - أي البخاري - اصح شيء في المواقيت حديث جابر عن النبي - ﷺ -، ورواه أيضًا النسائي في سننه: ١/ ٢٨٤ باب أول وقت العشاء كتاب المواقيت، وأحمد في مسنده: ٣/ ٣٣٠، وابن حبان في صحيحه: ٤/ ٣٣٥، والدارقطني في سننه: ١/ ٢٥٦ باب إمامة جبريل كتاب الصلاة، وغيرهم.","vol":"1","page":938},{"text":"أخذه المسلمون عملًا وتلقاه الخلف عن السلف. قال القاضي: فهذه أوقات الصلاة من القرآن، والله أعلم.","vol":"1","page":939},{"text":"قال الله ﷿: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ (^١).\nكانوا يشقون أذان الإبل، ويقولون: هذه بُحر (^٢)، ويشقون جلودها ويقولون: هذه صُرم (^٣)، فيحرمونها على أنفسهم وعلى أهليهم، ويجعلونها لطواغيتهم، فحرم الله ذلك عليهم، ونهوا عنه، رواه عبد الله بن مسعود عن النبي - ﷺ - وقال فيه: وإذا أتاك الله مالًا فلير أثر نعمة الله عليك (^٤).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ١١٩]\n(^٢) بُحُر: جمع بحيرة، يقال: بحرت الناقة بحرًا أي: شققت أذنها. [مقاييس اللغة: ٩٨، النهاية: ١/ ١٠٠].\n(^٣) صُرم: جمع صريم وهو الذي صُرمت أذنه أي: قطعت. ... [مقاييس اللغة: ٥٦٧، النهاية: ٣/ ٢٦].\n(^٤) هذا الحديث ليس من رواية ابن مسعود كما ذكر، ولعله خطأ من الناسخ، وإنما هذا الحديث من رواية أبي الأحوص عن أبيه عن رسول الله - ﷺ - كما سيأتي في آخر هذه الآية، ومما يرجح كونه خطأ من الناسخ أنه في حديث أبي الأحوص - الذي سيأتي - كان قد كتب رواه ابن مسعود، ثم ضرب عليه وكتب: وقال أبو الأحوص عن أبيه.\nوقد بحثت عن حديث ابن مسعود هذا فوجدت أقرب شيء مما ذكره المؤلف - وإن كان ليس له علاقة بتفسير الآية - ما رواه أبويعلى في مسنده: عن عبد الله عن النبي - ﷺ - قال: الأيدي ثلاثة، فيد الله تعالى العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى إلى يوم القيامة، فاستعف عن السؤال وعن المسألة ما استطعت، فإن أعطيت شيئًا، أو قال خيرًا فلير عليك وابدأ بمن تعول وارضخ من الفضل ولا تلام على العفاف. ورواه أيضًا: الطحاوي في شرح معاني الآثار: ٢/ ٢١، والبيهقي في سننه: ٤/ ١٩٨ باب بيان اليد العليا واليد السفلى كتاب الزكاة، وقد رواه الطيالسي في مسنده: ١/ ٢٤٦ موقوفًا.","vol":"1","page":940},{"text":"قال الله ﷿: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (^١) *.\nقال ابن عباس (^٢)، وأنس بن مالك (^٣)، وابن المسيب (^٤)، وعكرمة (^٥): الخصاء (^٦).\nوقال سعيد بن جبير: هو دين الله (^٧). وقال زيد بن أسلم: دين الله، ثم قرأ: ... ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (^٨) (^٩)، وتابع على التفسير الأول جماعة (^١٠)، وعلى الثاني جماعة (^١١).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ١١٩]\n* لوحة: ١١٠/أ.\n(^٢) مصنف ابن أبي شيبة: ٦/ ٤٢٦ ما قالوا في خصاء الخيل والدواب ومن كرهه كتاب السير، تفسير الطبري: ٥/ ٢٨٢، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٠٦٩، سنن البيهقي: ١٠/ ٢٤ باب ذكر كراهية خصاء البهائم كتاب السبق والرمي.\n(^٣) مصنف عبد الرزاق: ٤/ ٤٥٧، مصنف ابن أبي شيبة: الموضع السابق، تفسير الطبري: ٥/ ٢٨٢.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره: ٤/ ١٠٦٩، والبغوي في تفسيره: ٢/ ٢٨٩، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٥٥٦.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٧٣، ومصنفه: ٤/ ٤٥٧، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٣٧٥، تفسير الطبري: ٥/ ٢٨٢.\n(^٦) الخصاء والإخصاء: سل خصيتيه، ويكون في الناس والدواب والغنم. [لسان العرب: ١٤/ ٢٣٠].\n(^٧) سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٣٧٥، سنن البيهقي: ١٠/ ٢٥ الموضع السابق.\n(^٨) [سورة الروم: الآية ٣٠]\n(^٩) لم أقف عليه.\n(^١٠) ممن روي عنه ان المراد: الخصاء: شهر بن حوشب، والربيع بن أنس، وأبو صالح.\nتفسير عبد الرزاق: ١/ ١٧٣، مصنف ابن أبي شيبة: ٦/ ٤٢٦ الموضع السابق، تفسير الطبري: ٥/ ٢٨٢.\n(^١١) ممن روي عنه أن المراد: دين الله: ابن عباس، وعكرمة، والحسن، وقتادة، ومجاهد، وإبراهيم، والسدي، والضحاك، وابن زيد. تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٧٣، مصنف عبد الرزاق: ٤/ ٤٥٧، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٣٧٤، تفسير الطبري: ٥/ ٢٨٣، سنن البيهقي: ١٠/ ٢٥ الموضع السابق.\n\nوقد روى ابن جرير في تفسيره: ٥/ ٢٨٥ عن الحسن: أنه الوشم.","vol":"1","page":941},{"text":"فالخصاء تغيير للخلق، غير أنهم لم يكونوا يفعلون ذلك لتحريم ولا تحليل، ... وإنما يفعله الناس بالأنعام لتطيب لحومها، أو لغير ذلك مما يقصدون به صلاحهم (^١)، وإنما كان تغيير الخلق الذي يأمرهم به الشيطان - فيما أرى والله أعلم - نحو ما كانوا يمنعون من البحائر وما أشبهها، فيبتكون (^٢) الأذان، ويشقون الجلود، ويحرمون ... ما يفعلون به ذلك على أنفسهم، ويتقربون به إلى آلهتهم، قال الله ﵎: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) قال القرطبي: وأما خصاء البهائم فرخص فيه جماعة من أهل العلم إذا قصدت فيه المنفعة إما لسمن أو غيره، والجمهور من العلماء وجماعتهم على أنه لا بأس أن يضحي بالخصي، واستحسنه بعضهم إذا كان أسمن من غيره، ورخص في خصاء الخيل عمر بن عبد العزيز، وخصى عروة بن الزبير بغلًا له، ورخص مالك في خصاء ذكور الغنم، وإنما جاز ذلك لأنه لا يقصد به تعليق الحيوان بالدين لصنم يعبد ولا لرب يوحد، وإنما يقصد به تطييب اللحم فيما يؤكل، وتقوية الذكر إذا انقطع أمله عن الأنثى، ومنهم من كره ذلك.\n[الجامع لأحكام القرآن: ٥/ ٣٩٠].\n(^٢) أي يشقون ويقطعون، فالبتك هو القطع. [مقاييس اللغة: ٩٥].\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ١٠٣]","vol":"1","page":942},{"text":"وقال أبو الأحوص (^١) عن أبيه (^٢) أن رسول الله - ﷺ - قال له: هل تنتج إبل قومك صحاحًا آذانها، فتعمد إلى المُوسَى (^٣) فتشق آذانها، وتقول: هذه بحر، وتشق جلودها، أو قال: تقطع جلودها، وتقول: هذه صرم، فتحرمها عليك وعلى أهلك (^٤)؟ .\nوأما قول من قال: دين الله. فلعله أراد تغيير خلق الله فيخالف دين الله، والله أعلم بما أراد من ذلك.\n_________\n(^١) عوف بن مالك بن نضلة الأشجعي من بني جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن، أبو الأحوص مشهور بكنيته، عن: عبدالله بن مسعود، وأبيه مالك بن نضلة، وعنه: إبراهيم بن مسلم الهجري، والحسن البصري، ثقة، مات قبل المائة. ... [تهذيب الكمال: ٢٢/ ٤٤٥، التقريب: ٧٥٨].\n(^٢) مالك بن نضلة، ويقال: مالك بن عوف بن نضلة الجشمي، والد أبي الأحوص، روى عنه: ابنه أبو الأحوص، صحابي قليل الحديث. ... [الاستيعاب: ٣/ ٣٧٧، التقريب: ٩١٧].\n(^٣) المُوسَى: آلة الحديد التي يحلق بها، من جعلها فُعلى قال: يذكر ويؤنث وأصله: المَوْسُ وهو حلق الشعر، ومن جعله من أوسيت أي حلقت فهو من باب: وسى.\n[لسان العرب: ٦/ ٢٢٣، ١٥/ ٣٩١، القاموس المحيط: ٧٤٢].\n(^٤) رواه أحمد في مسنده: ٣/ ٤٧٣، والطيالسي في مسنده: ٢/ ٦٣٦، وعبد الرزاق في مصنفه: ١١/ ٢٦٩، والحميدي في مسنده: ٢/ ٣٩٠، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٤/ ١٢٢٠، وابن حبان في صحيحه: ١٢/ ٤٣٢، والطبراني في الكبير: ١٩/ ٢٧٧ - ٢٨٢، والحاكم في المستدرك: ١/ ٧٦ كتاب الإيمان، و٤/ ٢٠١ كتاب اللباس وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في سننه: ١٠/ ١٠ باب ما حرم المشركون على أنفسهم كتاب الضحايا، وشعب الإيمان: ٦/ ٢٥٩.\nوذكره القرطبي في تفسيره: ٥/ ٣٨٩ من طريق القاضي إسماعيل عن أبي الوليد وسليمان بن حرب عن شعبة عن إبي إسحاق عن أبي الأحوص عن أبيه.","vol":"1","page":943},{"text":"قال الله عز وعلا: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (^١).\nلما نزلت هذه الآية امتعض (^٢) المسلمون منها، فقال أبو بكر - ﵁ -: *يا رسول الله ... كيف الصلاح بعد هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾؟ فقال رسول الله - ﷺ -: يغفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟ ألست تنصب (^٣)؟ أليست تصيبك ... اللأواء (^٤)؟ قال: بلى، قال: فذلك مما تجزون به (^٥).\nوقالت عائشة - ﵂ -: هو ما يصيبكم في الدنيا جزاءً بما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير (^٦). وقال ذلك جماعة من المفسرين (^٧)،\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ١٢٣]\n(^٢) أي: شقت عليهم، يقال: مَعِضَ من الأمر: شق عليه وأوجعه. [مقاييس اللغة: ٩٥٤].\n* لوحة: ١١٠/ب.\n(^٣) النصب: العناء. [المرجع السابق: ٩٩٢].\n(^٤) اللأواء: الشدة وضيق المعيشة. ... [النهاية في غريب الحديث: ٤/ ٢٢١].\n(^٥) مسند أحمد: ١/ ١١، تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٧٤، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٣٨١ - ١٣٩١، الزهد لهناد بن السري: ١/ ٢٤٨، مسند أبي يعلى: ١/ ٦٢، ٦٣، تفسير الطبري: ٥/ ٢٩٤، تفسير ابن أبي حاتم: ... ٤/ ١٠٧١، صحيح ابن حبان: ٧/ ١٧٠، ١٨٩، المستدرك: ٣/ ٧٨ كتاب معرفة الصحابة وصححه ووافقه الذهبي، سنن البيهقي: ٣/ ٣٧٣ ما ينبغي لكل مسلم أن يستشعره من الصبر على جميع ما يصيبه كتاب الجنائز.\n(^٦) تفسير الطبري: ٥/ ٢٩٢، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٠٧٢، المستدرك: ٢/ ٣٣٧ كتاب التفسير سورة النساء وصححه.\n(^٧) يروى هذا عن: أبي بن كعب، ومجاهد. تفسير الطبري: ٥/ ٢٩٢.\n\nوقد روى البخاري في صحيحه: ٥/ ٢١٣٧ كتاب المرضى باب ما جاء في كفارة المرض، ومسلم في صحيحه: ٤/ ١٩٩٠ كتاب البر والصلة والآداب: بعض الأحاديث عن رسول الله - ﷺ - في تكفير الذنوب بما يصيب المؤمن في هذه الدنيا.","vol":"1","page":944},{"text":"وقال بعضهم: هي في الكفار، ثم حض الله المؤمنين، فقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (^١) (^٢)، وقال الحسن: هي في الكفار، وتلا: (وهل يجازى إلا الكفور) (^٣).\nوقال مسروق: تفاخر أهل الكتاب والمسلمون، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مَنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (^٤) ففلج (^٥) المسلمون عليهم بقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (^٦) (^٧)، وقال الحسن: إنما المجازاة لمن أراد الله هوانه، فأما من أراد كرامته فإنه يتجاوز عن سيئاته في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون (^٨).\nوكل ذلك يقرب بعضه من بعض، فأما الكفار فالكفر أسوأ السوء، ومجازاته واقعة، وأما المسلمون فذنوبهم سوء، والله ﵎ يكفرها بأعمالهم، برحمته وفضله، ويكفرها بما يبتليهم به في الدنيا، والله أعلم.\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ١٢٤]\n(^٢) هذا يروى عن: الضحاك، وابن زيد، وأبي صالح، والسدي، وعن مسروق كما سيأتي.\n[تفسير الطبري: ٥/ ٢٨٨ - ٢٩٠، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٠٧٣].\n(^٣) [سورة سبأ: ١٧] قرأ: حمزة والكسائي وخلف ويعقوب وحفص بالنون مع كسر الزاي ونصب الكفور ... ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾، وقرأ الباقون: بالياء وفتح الزاي ورفع الكفور (وهل يُجَازى إلا الكفورُ).\n[السبعة: ٥٢٨، النشر: ٢/ ٢٦٢].\n(^٤) [سورة النساء: الآيتان ١٢٣ - ١٢٤]\n(^٥) فلج: غلب وفاز، يقال: فلج الرجل على خصمه إذا فاز. [مقاييس اللغة: ٧٩٧، النهاية: ٣/ ٤٦٨].\n(^٦) [سورة النساء: الآية ١٢٤]\n(^٧) سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٣٧٧، تفسير الطبري: ٥/ ٢٨٨، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٠٧٢.\n(^٨) سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٣٩٢، مصنف ابن أبي شيبة: ٧/ ٢٣٧ كتاب الزهد باب ما قالوا في البكاء من خشية الله، الزهد لهناد بن السري: ١/ ٢٤٨، تفسير الطبري: ٥/ ٢٩٣، شعب الإيمان للبيهقي: ٧/ ١٥٣.","vol":"1","page":945},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ (^١) قد فسرنا هذه الآية مع قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ (^٢) *.\nقال الله ﵎: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ١٢٧]\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٣]\n* لوحة: ١١١/أ.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ١٢٨]","vol":"1","page":946},{"text":"هذه الآية نزلت في المرأة تكبر وتهرم، ويريد زوجها أن يستبدل بها، فتقول له: لا تطلقني - رغبة فيه -، وأنت في حل من شأني، وما يجب لي عليك (^١). وقد فعل رسول الله - ﷺ -[ذلك] (^٢) أراد أن يطلق سودة بنت زمعة (^٣)، فقالت: يا رسول الله دعني في أزواجك، واقسم بيومي لعائشة، ففعل ذلك وكان يقسم بيومها لعائشة (^٤).\n_________\n(^١) هذا يروى عن عائشة ﵂، رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٨٦٥ كتاب المظالم باب إذا حلله من ظلمه فلا رجوع فيه، و٢/ ٩٥٨ كتاب الصلح باب قوله: (أن يصالحا بينهما صلحًا)، و٤/ ١٦٨٠ كتاب التفسير سورة النساء، و٥/ ١٩٩٨ كتاب النكاح باب قوله (وغن امرأة خافت من بعلها نشوزًا)، ومسلم في صحيحه: ٤/ ٢٣١٦ كتاب التفسير حديث: ١٣، ١٤.\n(^٢) ليست في الأصل، وزدتها لتمام المعنى.\n(^٣) أم المؤمنين: سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس القرشية العامرية، تزوجها السكران بن عمرو فتوفي عنها، فتزوجها رسول الله - ﷺ -، وكانت أول أمرأة تزوجها بعد خديجة، ماتت في آخر زمان عمر بن الخطاب، ويقال: ماتت سنة ٥٤ هـ. ... [الاستيعاب: ٤/ ٣٢٣، الإصابة: ٤/ ٣٣٩].\n(^٤) روى مسلم في صحيحه: ٢/ ١٠٨٥ كتاب الرضاع حديث: ٤٧ عن عائشة قالت: ما رأيت امرأة أحب إلى أن أكون في مسلاخها - أي جلدها - من سودة بنت زمعة. من امرأة فيها حدة. قالت: فلما كبرت جعلت يومها من رسول الله - ﷺ - لعائشة، قالت: يا رسول الله قد جعلت يومي منك لعائشة، فكان رسول الله - ﷺ - يقسم لعائشة يومين يومها ويوم سودة. ورواه البخاري مختصرًا في صحيحه: ٥/ ١٩٩٩ كتاب النكاح باب المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها.","vol":"1","page":947},{"text":"وغضب رسول الله - ﷺ - يومًا على صفية (^١)، فقالت لعائشة: هل لك أن ترضي رسول الله عني؟ وأهب لك يومي هذا، وكان يومها، فجاءت عائشة فقال لها رسول الله - ﷺ -: إليك يا عائشة، فليس هو يومك، قالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فأخبرته الخبر، فقبل، ورضي عن صفية (^٢).\nوقال علي بن أبي طالب، وسائر من انتهى إلينا تفسيره: إن المرأة إذا صالحت زوجها إذا خافت أن يطلقها على أن تدع حقها جاز له ذلك، وإن صالحته على بعض حقها من المبيت والنفقة جاز وحل له ذلك، فإن رجعت عن ذلك، وطالبته بحقها، كان عليه أن ينصفها بما كان يجب لها، أو يطلقها (^٣).\n_________\n(^١) أم المؤمنين: صفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير من سبط هارون بن عمران، كانت تحت سلام بن مشكم ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق فقتل يوم خيبر، فصارت مع السبي، فأخذها دحية ثم استعادها النبي - ﷺ - فأعتقها وتزوجها، ماتت سنة خمسين في خلافة معاوية.\n[الاستيعاب: ٤/ ٣٤٦، الإصابة: ٤/ ٣٤٦].\n(^٢) رواه النسائي في السنن الكبرى: ٨/ ١٧٤ باب المرأة تهب يومها لامرأة من نساء زوجها كتاب عشرة النساء، وابن ماجة في سننه: ١/ ٣٦٣ باب المرأة تهب يومها لصاحبتها من أبواب النكاح، وأحمد في مسنده: ٦/ ١٤٥، ٣٣٧، والطبراني في الكبير: ٢٤/ ٧٠.\n(^٣) روى البيهقي في سننه: ٧/ ٢٩٧ باب المرأة ترجع فيما وهبت من يومها كتاب القسم والنشوز عن علي بن أبي طالب: أنه أجاز الصلح، وقال: فإن رجعت فيما وهبت من يومها سوى بينهما.\nوروى ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٤٩٢ في الرجل يكون له امرأة فتقول اقسم لي، وابن جرير في تفسيره: ... ٥/ ٣٠٧، ٣٠٨ عن عبيدة أنه أجاز الصلح وقال: فإن انتقضت به فعليه أن يعدل عليها أو يفارقها.\nوروى ابن جرير في تفسيره: ٥/ ٣٠٨ عن إبراهيم ومجاهد نحوه.\nوقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٤٩٢ الموضع السابق، وابن جرير في تفسيره: ٥/ ٣٠٦، ٣٠٧ عن: علي بن أبي طالب، وعمر، وابن عباس، وعائشة، وسعيد بن جبير، والحكم، وقتادة، ومجاهد، والشعبي، والسدي، وابن زيد، والضحاك، كلهم أجازوا ما صالحته عليه، دون ذكر الحكم في رجوعها عما وهبت.","vol":"1","page":948},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ (^١).\nأن يشح عليها بنفسه، وماله، ونفقته، وليس له ذلك، فإن أراد الاستبدال فصالحته على شيء من ذلك جاز، وإلا كان الذي يلزمه * العدل في القسم، والنفقة، والطلاق (^٢).\nقال الله ﵎: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (^٣).\nأنا إسماعيل (^٤) قال: نا حجاج (^٥) قال: نا حماد بن سلمة (^٦) عن أيوب (^٧) عن أبي قلابة (^٨) عن عبد الله بن يزيد (^٩)\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ١٢٨]\n* لوحة: ١١١/ب.\n(^٢) حمل المؤلف الشح هنا على صدوره من الرجل، وقد ذهب البعض إلى أن المراد هو شح المرأة بالنفقة من زوجها ومايقسمه لها من أيامها، وقيل بأن الشح صادر من الرجل والمرأة جميعًا، فمنه لا تطيب نفسه أن يعطيها شيئًا فتحلله، ومنها: لا تطيب نفسها أن تعطيه شيئًا من مالها فتعطف عليه.\n[تفسير الطبري: ٥/ ٣١٠، المحرر الوجيز: ٤/ ٢٧٢، تفسير القرطبي: ٥/ ٤٠٦].\n(^٣) [سورة النساء: الآية ١٢٩]\n(^٤) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق، تقدم.\n(^٥) حجاج بن المنهال ثقة فاضل، تقدم.\n(^٦) حماد بن سلمة ثقة عابد تغير حفظه بآخره، تقدم.\n(^٧) أيوب السختياني ثقة ثبت، تقدم.\n(^٨) عبد الله بن زيد بن عمرو، ويقال: بن عامر الجَرْمي، أبو قلابة البصري، عن: انس بن مالك، وعبد الله بن يزيد رضيع عائشة، وعنه: أيوب السختياني، وثابت البناني، ثقة فاضل كثير الإرسال، مات سنة ١٠٤ هـ.\n[تهذيب الكمال: ١٤/ ٥٤٢، التقريب: ٥٠٨].\n(^٩) في الأصل: عبد الله بن زيد، والصواب ما أثبت، وهو: عبد الله بن يزيد، رضيع عائشة أم المؤمنين، عداده في أهل البصرة، روى عن عائشة، وعنه: أبو قلابة الجرمي، وثقه ابن حبان، والعجلي.\n[تهذيب الكمال: ١٦/ ٣٠٦، التقريب: ٥٥٨].\nوقد سماه أبو داود في سننه كما سيأتي في تخريج الحدبث: عبد الله بن يزيد الخطمي، وكذلك فعل الدارمي، والحاكم.\nوأظنه خطأ، قال الحافظ المزي في ترجمة عبد الله بن يزيد رضيع عائشة: وروى له الأربعة حديثًا آخر عن عائشة كان النبي - ﷺ - يقسم فيعدل ويقول اللهم هذا قسمي فيما أملك الحديث. وقال أبو داود في روايته: عن عبد الله يزيد الخطمي. [تهذيب الكمال: ١٦/ ٣٠٧].\nوعبد الله بن يزيد الخطمي هذا مختلف في صحبته، ولم أجد من ذكر له رواية عن عائشة، أو أن أبا قلابة روى عنه، انظر ترجمته في تهذيب الكمال: ١٦/ ٣٠١.","vol":"1","page":949},{"text":"عن عائشة: أن النبي - ﷺ - كان يقسم فيعدل، ثم كان يقول: اللهم إن هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك (^١).\n_________\n(^١) رواه أبو داود في سننه: ٢/ ٢٤٢ كتاب النكاح باب القسم بين النساء من طريق حماد بن سلمة به، والترمذي في سننه باب ما جاء في التسوية بين الضرائر من أبواب النكاح، وقال: حديث عائشة هكذا رواه غير واحد ... عن حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد عن عائشة أن النبي - ﷺ -: كان يقسم، ورواه حماد ابن زيد وغير واحد عن أيوب عن أبي قلابة مرسلًا أن النبي - ﷺ -: كان يقسم، وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة. تحفة الأحوذي: ٤/ ٢٩٤، والنسائي في سننه: ٧/ ٧٤٠ كتاب عشرة النساء باب ميل الرجل إلى بعض ... نسائه دون بعض، وابن ماجة في سننه: ١/ ٣٦٢ باب القسمة بين النساء من أبواب النكاح، ... وأحمد في مسنده: ٦/ ١٤٤، والدارمي في سننه: ٢/ ١٩٣ كتاب النكاح باب في القسمة بين النساء، والقاضي إسماعيل بن إسحاق في: جزء فيه أحاديث أيوب السختياني: ٦٩، وابن حبان في صحيحه: ١٠/ ٥ كلهم من طريق حماد بن سلمة به، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٢٠٤ كتاب النكاح قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد ابن عبد الله الصفار حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد الخطمي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقسم فيعدل فيقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك. قال إسماعيل القاضي: يعني القلب، وهذا في العدل بين نسائه. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في سننه: ٧/ ٢٩٨ كتاب القسم والنشوز باب ما جاء في قول الله ﷿: ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم، من طريق الحاكم به .. قال الصنعاني في سبل السلام: ٣/ ٣٣٩: قال أبو زرعة: لا أعلم أحدًا تابع حماد بن سلمة على وصله. لكن صححه ابن حبان من طريق حماد بن سلمة عن أيوب السختياني عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد عن عائشة موصولًا، والذي رواه مرسلًا هو حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن عائشة.\nقال الترمذي: المرسل أصح. قال الصنعاني: بعد تصحيح ابن حبان للوصل فقد تعاضد الموصول والمرسل.","vol":"1","page":950},{"text":"يعني القلب والمحبة؛ لأنه كان يحب عائشة - ﵂ - أشد من حبه لغيرها.\nوقال المفسرون في هذه الآية: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا﴾ (^١) يعني في المحبة، وحضور الشهوة للجماع: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ (^٢) يريد فلا يقع منكم الإفراط بإظهار ما تبطنونه من ذلك.\nوأما قوله: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (^٣) أن تُترك أصلًا فلا تعطى من المبيت والجماع حظًا\n\n، فتكون لا ذات بعل، ولا أيم فتطلب لنفسها الزوج، فتبقى معلقة، فهذا معنى الآية، والله أعلم (^٤).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ١٢٩]\n(^٢) [سورة النساء: الآية ١٢٩]\n(^٣) [سورة النساء: الآية ١٢٩]\n(^٤) تفسير الطبري: ٥/ ٣١٣، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٣٩٩، تفسير القرطبي: ٥/ ٤٠٧، تفسير ابن كثير: ١/ ٥٦٤.","vol":"1","page":951},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ (^١).\nقال ابن عباس: لي القاضي، وإعراضه إلى أحد الخصمين دون الآخر (^٢). وقال مجاهد، وغيره: هي في الشهود، إذا كتموا الشهادة، أو حرفوا (^٣). قال القاضي: وكل ذلك عندي داخل في معنى الآية (^٤)، والله أعلم.\nقال الله ﷿: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ (^٥) *.\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ١٣٥]\n(^٢) مصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ٥٤١ في الحكم يكون هواه لأحد الخصمين كتاب البيوع والأقضية، تفسير الطبري: ٥/ ٣٢٣، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٠٨٩.\n(^٣) رواه عن مجاهد: ابن جرير في تفسيره: ٥/ ٣٢٣، وابن أبي حاتم في تفسيره نحوه: ٤/ ١٠٨٩، والبيهقي في سننه: ١٠/ ١٥٨ باب ما يجب على المرء من القيام بشهادته إذا شهد كتاب الشهادات.\nوقد روي أيضًا: عن ابن عباس، وقتادة، والسدي، وابن زيد، والضحاك.\nتفسير عبد الرزاق: ١/ ١٧٦، تفسير الطبري: ٥/ ٣٢٣، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٠٨٩.\n(^٤) الذي يظهر من سياق الآيات أنها في الشهادة؛ لأن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ وهذا ما رجحه ابن جرير في تفسيره: ٥/ ٣٢٤.\n(^٥) [سورة النساء: الآية ١٤٨]\n* لوحة: ١١٢/أ.","vol":"1","page":952},{"text":"قال مجاهد: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته، فيخرج من عنده فيقول: قد أساء ضيافتي، ولم يحسن (^١). فكره له ذلك؛ إذ كان ذلك ليس بواجب عليه، وإنما هي مكرمة من أتاها جاز ثوابها، ومن بخل لم يجز ذكره بالسوء، وكان السكوت ... أوجب (^٢).\nقال الله ﷿: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٧٦، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٤٢٣، الزهد لهناد بن السري: ٢/ ٥١٣، تفسير الطبري: ٦/ ٢، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١١٠٠.\n(^٢) قال الجصاص بعد ذكره لهذا القول: إن كان التأويل كما ذكر فقد يجوز أن يكون ذلك في وقت كانت الضيافة واجبة، وقد روي عن النبي - ﷺ -: (الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فهو صدقة)، وجائز أن يكون فيمن لا يجد ما يأكل فيستضيف غيره فلا يضيفه، فهذا مذموم يجوز أن يشكى، وفي هذه الآية دلالة على وجوب الإنكار على من تكلم بسوء فيمن كان ظاهره الستر والصلاح؛ لأن الله تعالى قد أخبر أنه لا يحب ذلك، وما لا يحبه فهو الذي لا يريده، فعلينا أن نكرهه وننكره، وقال إلا من ظلم فما لم يظهر لنا ظلمه فعلينا إنكار سوء القول فيه.\n[أحكام القرآن: ٢/ ٤١١].\n=وقال القرطبي: وقد استدل من أوجب الضيافة بهذه الآية، قالوا: لأن الظلم ممنوع منه، فدل على وجوبها، وهو قول الليث بن سعد، والجمهور على أنها من مكارم الأخلاق، والذي يقتضيه ظاهر الآية أن للمظلوم أن ينتصر من ظالمه ولكن مع اقتصاد إن كان مؤمنًا، فأما أن يقابل القذف بالقذف ونحوه فلا. [الجامع لأحكام القرآن: ٦/ ٢].\n(^٣) [سورة النساء: الآية ١٧٦]","vol":"1","page":953},{"text":"هذه آخر آية نزلت في المواريث (^١). والكلالة: كل من لا ولد له ولا والد، فهو موروث كلالة، والكلالة من تكلله من العصبات، وسائر الوارثين غير الولد والوالد، والله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) روي عن البراء بن عازب: أن آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية يستفتونك. رواه البخاري في صحيحه: ٤/ ١٦٨١ كتاب التفسير سورة النساء، وابن جرير في تفسيره: ٦/ ٤١.\n(^٢) سبق الحديث عن الكلالة ومعناها في أول السورة عند قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٢].","vol":"1","page":954},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>سورة المائدة</span>\nقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (^١).\nكل شيء عقده الإنسان على نفسه مما ليس معصية لله ﷿ فعليه الوفاء به، من عهد، ويمين، وبيع، وهبة، ورهن، وعتق، ونكاح، وطلاق، وكتابة (^٢)، وتدبير (^٣)، ونذر، وأمان، وشركة، وكل شيء ألزمه الإنسان مما فيه طاعة لله، ولا معصية لله، ولا مأثم فقد لزمه الوفاء به، وكل شيء دخل فيه من طاعة، وقد عقده بدخوله فليس له أن يخرج حتى يتمه، فإن قطعه من غير عذر فعليه القضاء.\nنا محمد بن معدان القطعي (^٤) قال: نا محمد بن كثير العبدي (^٥) قال: نا سفيان الثوري (^٦) عن طلحة بن يحيى (^٧)\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ١]\n(^٢) الكتابة والمكاتبة: أن يكاتب الرجل عبده أو أمته على مال ينجمه عليه، ويكتب عليه أنه إذا أدى نجومه فهو حر. [معاني القرآن للزجاج: ٣/ ٤٠، لسان العرب: ١/ ٧٠٠، معجم لغة الفقهاء: ٣٧٧].\n(^٣) التدبير: تعليق عتق الرقيق على موت مالكه، يقال: دَبَّرتُ العبد إذا علقت عتقه بموتك، ويسمى هذا المُدَبَّر، من دَبَرَ الشيء: ذهب، ودبَرَ فلانًا: خلفه بعد موته وبقي بعده.\n[مقاييس اللغة: ٣٥٥، النهاية في غريب الحديث: ٢/ ٩٨، معجم لغة الفقهاء: ٤١٨].\n(^٤) أحد شيوخ المؤلف، تقدم.\n(^٥) محمد بن كثير العبدي، أبو عبد الله البصري، عن: سفيان الثوري، وأخيه سليمان بن كثير، وعنه: البخاري، وأبو داود، ثقة، مات سنة ٢٢٣ هـ. [تهذيب الكمال: ٢٦/ ٣٣٤، التقريب: ٨٩١].\n(^٦) سفيان الثوري ثقة حافظ، تقدم.\n(^٧) طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبد الله التيمي المدني، نزيل الكوفة، عن: عروة بن الزبير، وعمته عائشة بنت طلحة، وعنه: السفيانان، صدوق يخطيء، مات سنة ١٤٨ هـ.\n\n[تهذيب الكمال: ١٣/ ٤٤١، التقريب: ٤٦٥].","vol":"1","page":955},{"text":"عن عائشة بنت طلحة (^١) عن عائشة أم المؤمنين: أنها أصبحت وحفصة صائمتين متطوعتين، فأهدي لهما طعام فأفطرتا، فذكرتا ذلك * لرسول الله - ﷺ -، فأمرهما بقضاء يوم مكانه (^٢).\n_________\n(^١) عائشة بنت طلحة بن عبيد الله التيمية، أم عمران، أمها أم كلثوم بنت أبي بكر، عن: خالتها عائشة، وعنها: حبيب بن أبي عمرة، وابن أخيها طلحة بن يحيى، ثقة. [تهذيب الكمال: ٣٥/ ٢٣٧، التقريب: ١٣٦٤].\n* لوحة: ١١٢/ب.\n(^٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ من هذا الطريق، قال ابن عبد البر: وقد روي في هذا الباب أيضًا حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة، حديث لا يصح فيه قوله - ﷺ -: صوما يومًا مكانه. [التمهيد: ١٢/ ٧٠].\nوقد روي حديث آخر من هذا الطريق مضاد لهذا الحديث، فقد روى أبو داود في سننه: ٢/ ٣٢٩ باب في الرخصة في ذلك - في النية في الصوم - كتاب الصوم: عن محمد بن كثير ثنا سفيان وثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا وكيع جميعًا عن طلحة بن يحيى عن عائشة بنت طلحة عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا دخل علي قال: هل عندكم طعام؟ فإذا قلنا: لا، قال: إني صائم، زاد وكيع: فدخل علينا يومًا آخر فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا حيس فحبسناه لك، فقال: أدنيه. قال طلحة: فأصبح صائمًا وأفطر.\nوقد رواه مسلم في صحيحه: ٢/ ٨٠٨ كتاب الصيام حديث: ١٦٩، ١٧٠ من طريق عبد الواحد بن زياد عن طلحة به، ومن طريق وكيع عن طلحة بن يحيى عن عمته عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: دخل علي النبي - ﷺ - ذات يوم فقال: هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا، قال: فإني إذن صائم، ثم أتانا يومًا آخر، فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا حيس، فقال: أرينيه فلقد أصبحت صائما فأكل.\nوقد ضعف ابن عبد البر هذا الحديث فقال: طلحة بن يحيى انفرد بهذا الحديث، وما انفرد به فليس بحجة عند جميعهم لضعفه. [التمهيد: ١٢/ ٧٩].\nقلت: وفي هذا نظر، فإن هذا حديث صحيح رواه مسلم في صحيحه، وكذلك حسنه الترمذي تحفة الأحوذي: ٣/ ٤٣٢، وصححه ابن خزيمة في صحيحه: ٣/ ٣٠٨، وابن حبان في صحيحه: ٨/ ٣٩١، والدارقطني في سننه: ٢/ ١٧٦.\nوأيضًا فقد روي من غير طريق طلحة بن يحيى، فقد روى الطيالسي في مسنده: ٣/ ١٣٥ من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن عائشة قال: دخل علي رسول الله - ﷺ - ذات يوم فقال: أعندك شيء؟ قلت: لا، قال: إذا أصوم، ودخل علي يومًا آخر فقال: عندك شيء؟ قلت: نعم، قال إذًا أفطر وإن كنت فرضت الصوم.\nورواه الدارقطني في سننه: ٢/ ١٧٥ باب تبييت النية من الليل حديث: ١٨ وقال: هذا إسناد حسن صحيح، والبيهقي في سننه: ٤/ ٢٧٥ باب صيام التطوع والخروج منه قبل تمامه كتاب الصيام، وقال: هذا إسناد صحيح.","vol":"1","page":956},{"text":"وذكر ذلك مالك - ﵁ - في الموطأ فقال: عن ابن شهاب بلغني وذكر الحديث (^١).\n_________\n(^١) رواه مالك في الموطأ: ١/ ٢٥٣ كتاب الصيام حديث: ٥٠، قال البيهقي في سننه: ٤/ ٢٧٩: هذا الحديث رواه ثقات الحفاظ من أصحاب الزهري عنه منقطعًا.\nوقد روي من طرق موصولة غير مرسلة، لكن المرسل أصح منها. فقد رواه أبو داود في سننه: ٢/ ٣٣٠ باب من رأى عليه القضاء كتاب الصوم عن زميل مولى عروة عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين بنحوه، والترمذي باب ما جاء في إيجاب القضاء عليه من أبواب الصيام من طريق جعفر بن برقان عن الزهري عن عروة عن عائشة، وقال: وروى صالح بن أبي الأخضر ومحمد بن أبي حفصة هذا الحديث عن الزهري عن عروة عن عائشة مثل هذا، ورواه مالك بن أنس، ومعمر، وعبيد الله بن عمر، وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ عن الزهري عن عائشة مرسلًا ولم يذكروا فيه عن عروة، وهذا أصح. والنسائي في سننه الكبرى: ٣/ ٣٦١ ما يجب على الصائم المتطوع إذا أفطر من طرق عن الزهري عن عروة عن عائشة، من طريق يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة، وأعل هذه الأحاديث، وقال: والصواب حديث معمر ومالك وعبيد الله. وأحمد في مسنده: ٦/ ٢٦٣ من طريق جعفر بن برقان به، والبيهقي في سننه: ٤/ ٢٨٠ باب من رأى عليه القضاء كتاب الصيام من طرق وأعلها.\nوانظر ما ذكره ابن حجر في الفتح: ٤/ ٢٧٠، والدراية: ١/ ٢٨٣ فقد جمع طرق هذا الحديث وذكر ما فيها.\nوإن صح هذا الحديث فإنه يحمل على الاستحباب لتعارضه مع ما صح من أن الرسول - ﷺ - قد أفطر، قال الشافعي في الأم: ٢/ ١٠٣: ليس بثابت، إنما حدثه الزهري عن رجل لا نعرفه، ولو كان ثابتًا كان يحتمل أن يكون إنما أمرهما على معنى إن شاءتا. ...\nوانظر في هذه المسألة: أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٣٢٢، الاستذكار: ١٠/ ٢٠٢، المغني: ٤/ ٤١٠، المجموع: ٦/ ٤٤٧.","vol":"1","page":957},{"text":"قال القاضي - ﵀ -: وهذه الآية عندنا أوجبت على من وهب ألا يرجع في هبته، فقد شبهه رسول الله - ﷺ - بالعائد في قيئه (^١)، والقيء محرم، وهذه الآية منعت من بيع المُدَبَّر؛ لأن مالكه عقد فيه على نفسه عقدًا فيه قربة إلى الله، فليس له بيعه، وكذلك ... المكاتب.\nوهذه الآية نسخت الحديث: المتبايعان بالخيار (^٢).\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: ٤٤٦.\n(^٢) روى البخاري في صحيحه: ٢/ ٧٤٢ كتاب البيوع باب كم يجوز الخيار من طريق يحيى عن نافع عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: عن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا أو يكون البيع خيارًا، و٢/ ٧٤٣ باب إذا لم يوقت في الخيار هل يجوز البيع من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال النبي - ﷺ -: البيعان بالخيار مالم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر، وربما قال: أو يكون بيع خيار، ٢/ ٧٤٣ باب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١١٦٣ كتاب البيوع حديث: ٤٣ من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر.\n\nقال النووي: ومعنى قوله - ﷺ - (إلا بيع الخيار) فيه ثلاثة أقوال ذكرها أصحابنا وغيرهم من العلماء أصحها: أن المراد التخيير بعد تمام العقد قبل مفارقة المجلس، وتقديره: يثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا في المجلس، ويختار إمضاء البيع فيلزم البيع بنفس التخاير، ولا يدوم إلى المفارقة. [شرح صحيح مسلم: ١٠/ ٢٤٥].","vol":"1","page":958},{"text":"إن كان الخيار على ما قال الشافعي: إنما هو لمن أراد الفسخ دون من أراد الإتمام (^١)، وقد جعله رسول الله - ﷺ - لهما، ... وجعله الشافعي لأحدهما وهو مريد الفسخ. وعنده أن الكتاب ينسخ السنة، ... وأن السنة لا تنسخ القرآن (^٢)، على أن ابن جريج رواه عن نافع عن ابن عمر في ... المقابلة (^٣)،\n_________\n(^١) الأم: ٣/ ٤، وهذا يسمى خيار المجلس، ولكل من المتابعيين الخيار في فسخ البيع ما داما مجتمعين لم يتفرقا، وهذا يروى عن عمر، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وبه قال سعيد بن المسيب، وشريح، والشعبي، وعطاء، والزهري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، والإمام أحمد، وسائر المحدثين.\n[المغني: ٦/ ١٠، شرح النووي على صحيح مسلم: ١٠/ ٢٤٥].\n(^٢) قول الشافعي في هذا: إن السنة لا تنسخ بالقرآن، وإن القرآن لا ينسخ بالسنة.\n[الرسالة: ١٠٦ - ١١٠، وانظر البحر المحيط للزركشي: ٥/ ٢٧٤].\n(^٣) روى مسلم في صحيحه: ٣/ ١١٦٣ كتاب البيوع حديث ٤٥ عن ابن جريج قال: أملى علي نافع سمع ... عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله - ﷺ -: إذا تبايع المتبايعان بالبيع فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا، أو يكون بيعهما عن خيار، فإذا كان بيعهما عن خيار فقد وجب. زاد بن أبي عمر في روايته قال نافع: فكان إذا بايع رجلًا فأراد أن لا يقيله قام فمشى هنية ثم رجع إليه. ورواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٧٤٤ باب إذا خير أحدهما صاحبه فقد وجب البيع من طريق الليث عن نافع عن ابن عمر.\n\nولعل المؤلف يقصد بالمقابلة جعل الخيار لكل واحد منهما.","vol":"1","page":959},{"text":"وقال فيه: ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله (^١).\n_________\n(^١) روى أبو داود في سننه: ٣/ ٢٧٣ باب في خيار المتبايعين كتاب البيوع عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - ﷺ - قال: المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله. والترمذي باب ما جاء في البيعان بالخيار ما لم يتفرقا من أبواب البيوع، وقال: هذا حديث حسن تحفة الأحوذي: ٤/ ٤٥٢، والنسائي في سننه: ٧/ ٢٨٨ باب وجوب الخيار للمتبايعين قبل افتراقهما بأبدانهما كتاب البيوع، وأحمد في مسنده: ٢/ ١٨٣.\nقال الجصاص: والاستقالة هو مسألته الإقالة، وهذا يدل من وجهين على نفي الخيار بعد وقوع العقد، أحدهما: أنه لو كان له خيار المجلس لما احتاج إلى أن يسأله الإقالة بل كان هو يفسخه بحق الخيار الذي له فيه، والثاني: أن الإقالة لا تكون إلا بعد صحة العقد وحصول ملك كل واحد منهما فيما عقد عليه من قبل صاحبه فهذا يدل على نفي الخيار وصحة البيع. [أحكام القرآن: ٢/ ٢٥٦].\n\nقلت: وهذا الحديث حجة عليهم وليس لهم قال الترمذي: ومعنى هذا: أن يفارقه بعد البيع خشية أن يستقيله، ولو كانت الفرقة بالكلام ولم يكن له خيار بعد البيع لم يكن لهذا الحديث معنى حيث قال - ﷺ -: ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله. [تحفة الأحوذي: ٤/ ٤٥٣].","vol":"1","page":960},{"text":"فهذه الآية ناسخة للحديث موجبة لإتمام ما عقد، ومن قال: أريد الوفاء، موافق لكتاب الله، فهو أولى وأحق؛ إذ لا اختلاف أن العقد قد وقع، وإنما الخيار عند مخالفنا في الفسخ، فكتاب الله أولى من قوله، وقد تكلمنا في هذه المسألة بما يغني عن إعادته (^١).\nونا الحسن بن المثنى (^٢) قال: نا أبي (^٣)\n_________\n(^١) لعل المؤلف تكلم عن هذه المسألة في أحد مصنفاته، والمفسرون يذكرون هذه المسألة عند قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. ولم يذكرها القاضي بكر في كتابه هذا، ولا القاضي إسماعيل في الأصل.\nوما ذكره المؤلف من حجج المالكية ومن وافقهم من الأحناف من القول بنسخ هذا الحديث بالآية أو غيرها من تأويلاتهم لهذا الحديث الثابت الصحيح، قد أجاب عنها جمع من علماء المالكية قبل غيرهم: انظر: التمهيد: ... ١٤/ ٨، الاستذكار: ٢٠/ ٢٢٦، المعلم بفوائد مسلم للمازري: ٢/ ١٦٧، إكمال المعلم: ٥/ ١٥٧، تفسير القرطبي: ٥/ ١٥٥.\n(^٢) الحسن بن المثنى بن معاذ بن معاذ العنبري، من نبلاء الثقات، أحد شيوخ المؤلف، تقدم.\n(^٣) المثنى بن معاذ بن معاذ العنبري، أبو الحسن البصري، عن: بشر بن المفضل، ومعاذ بن هشام الدستوائي، وعنه: ابنه الحسن بن المثنى، وإبراهيم الحربي، ثقة، مات سنة ٢٢٨ هـ.\n\n[تهذيب الكمال: ٢٧/ ٢٠٩، التقريب: ٩٢٠].","vol":"1","page":961},{"text":"قال: نا معاذ بن هشام (^١) عن أبيه (^٢) عن ... قتادة (^٣) عن عبد الله بن الحارث (^٤) (^٥) عن حكيم بن حزام (^٦)\n_________\n(^١) معاذ بن هشام الدستوائي صدوق ربما وهم، تقدم.\n(^٢) هشام الدستوائي ثقة ثبت، تقدم.\n(^٣) قتادة بن دعامة السدوسي ثقة ثبت، تقدم.\n(^٤) عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب القرشي، أبو محمد المدني، لقبه (ببه) ولد على عهد النبي - ﷺ - فحنكه، روى عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وحكيم بن حزام، وعنه: حنظلة السدوسي، وعبد الملك بن عمير له رؤية، وأجمعوا على توثيقه، مات سنة ٧٩ وقيل: سنة ٨٤ هـ.\n[تهذيب الكمال: ١٤/ ٣٩٦، التقريب: ٤٩٨].\n(^٥) كذا في الأصل عن قتادة عن عبد الله بن الحارث، ولعله سقط بينهما أحد الرواة، فكل من روى هذا الحديث ذكروه من طريق قتادة عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم عن عبد الله بن الحارث.\nوهو: صالح بن أبي مريم الضُبعي مولاهم، أبو الخليل البصري، عن: عبد الله بن الحارث بن نوفل، وعكرمة مولى ابن عباس، وعنه: قتادة، ومجاهد، وثقه ابن معين والنسائي، روى له الجماعة.\n[تهذيب الكمال: ١٣/ ٨٩، التقريب: ٤٤٨].\n(^٦) حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى الأسدي، أبو خالد المكي، ابن أبي خديجة أم المؤمنين، أسلم يوم الفتح، وصحب الرسول - ﷺ - وله أربع وسبعون سنة، كان عالمًا بالأنساب، روى عن النبي - ﷺ -، وعنه: بشير بن سعد الأنصاري، وعبد الله بن الحارث بن نوفل. [تهذيب الكمال: ٧/ ١٧٠، التقريب: ٢٦٥].\n\n* لوحة: ١١٣/أ.","vol":"1","page":962},{"text":"أن النبي - ﷺ - قال: البيعان بالخيار حتى يتفرقا *، فإن صدقا وبينا بورك لهما، وإن كتما ونكثا (^١) لم يبارك لهما (^٢).\nوهذا الحديث يوجب أن الفرقة (^٣).\nقال الله ﵎: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) كذا في الأصل، وفي جميع الروايات كذبا وكتما، حتى تكون مقابلة للصدق والتبيين.\n(^٢) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٧٣٢ باب إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا كتاب البيوع من طريق شعبة عن قتادة عن صالح أبي الخليل عن عبد الله بن الحارث عن حكيم بن حزام، و٢/ ٧٣٣ باب ما يمحق الكذب والكتمان في البيع من طريق شعبة عن قتادة به، و٢/ ٧٤٣ باب كم يجوز الخيار عن همام عن قتادة به، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١١٦٤ كتاب البيوع حديث: ٤٧ من طريق شعبة عن قتادة به. ورواه غيرهما من طريق قتادة عن أبي الخليل عن عبد الله بن الحارث عن حكيم بن حزام.\n(^٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: يوجب الفرقة. أو يكون في الكلام سقط تقديره: أن الفرقة لا خيار بعدها.\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ١]","vol":"1","page":963},{"text":"الأنعام: الإبل، والبقر، والغنم، أحلت لنا بالذكاة، إلا ما يتلى علينا، والذي يتلى علينا فيما ذكينا: الدم المسفوح، فهو محرم من المذكيات منها، وأحل ما عدا ذلك من: اللحم، والشحم، والجلد، والشعر، والصوف، والفرث، فكان ذلك حلالًا ينتفع به. ولذلك قال مالك - ﵁ -: إن بول ما يؤكل لحمه وفرثه طاهر (^١)؛ إذ لم يستثن (^٢) كما استثني الدم المسفوح. والدم المخالط الذي ليس بمسفوح حلال، ومنه يخلق اللبن في الضرع، قال الله ﵎: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ (^٣) فخلق الله ﵎ اللبن من الفرث والدم، فهذا ما استثنى الله وهو الدم المسفوح، وأحل ما عدا ذلك، وقد يدخل فيما استثنى الله: الميتة، وما صار إلى حال لا يرجى حياته، من المنخنقة، والنطيحة، وما ذكر من ذلك (^٤)، ونحن إن شاء الله نضع الكلام في ذلك في موضعه (^٥).\nقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ وَالْجَرَادَ﴾ إلى قوله: ﴿وَرِضْوَانًا﴾ (^٦).\n_________\n(^١) المدونة: ١/ ١٢٨، النوادر والزيادات: ١/ ٨٦.\n(^٢) في الأصل، لم يستثنى، والصواب ما أثبت.\n(^٣) [سورة النحل: الآية ٦٦]\n(^٤) انظر تفسير الطبري: ٦/ ٥٢، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٤٢٢، أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ١٤.\n(^٥) عند تفسير الآية الثالثة من هذه السورة.\n(^٦) [سورة المائدة: الآية ٢]","vol":"1","page":964},{"text":"كانوا ينزعون من شجر الحرم اللحاء (^١) فيتقلدون بها، فيأمنون بها في العرب، فنهاهم الله عن ذلك، وقيل: كان المشركون يرعون من شجر الحرم، ويجعلوا من لحاء الشجر القلائد في أعناقهم، فيأمنون * بها من الناس، فنهاهم الله عن ذلك، وقال عز من قائل: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ (^٢) فنسخ ذلك، ونهى الله عنه؛ لأنهم كانوا إذا تقلدوا شيئًا من شجر الحرم أمنوا، وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت، وكانوا أمروا ألا يقاتلوا في الشهر الحرام، فنسخ ذلك كله بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^٣)، ونسخ ذلك براءة، وما نزل فيها من أمر العهد وغيره، وقوله عز من قائل: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ (^٤) (^٥).\n_________\n(^١) اللحاء: قشر الشجر، يقال: لَحَيت العصا إذا قشرت لحاءها. [مقاييس اللغة: ٩١٦].\n* لوحة: ١١٣/ب.\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٢]\n(^٣) [سورة التوبة: الآية ٥]\n(^٤) [سورة التوبة: الآية ٣٦]\n(^٥) هذه الآية اشتملت على أحكام خمسة، وقد اختلف أهل العلم في المنسوخ من هذه الأحكام، فروي عن الحسن، وأبي ميسرة أنه لم ينسخ شيء من المائدة، وروي عن: ابن عباس، وقتادة، والشعبي، ومجاهد، والضحاك، وابن زيد أن هذه الأحكام الخمسة كلها منسوخة، وأن المشركين كانوا يحجون البيت الحرام، ويهدون الهدايا، ويحرمون حرمة المشاعر، وينحرون في حجهم، فأمر الله ألا يستحلوا شعائر الله، ولا القتال في الشهر الحرام، ولا من قصد بيت الله الحرام، ثم نسخ ذلك ببراءة. وروي عن البعض أن المنسوخ منها بعضها، فروي عن مجاهد أن المنسوخ منها: القلائد، كان الرجل يتقلد الشيء من لحاء الحرم فلا يُقرب، فنسخ ذلك. وروي عن ابن عباس، وقتادة أن المنسوخ منها ترك من قصد بيت الله الحرام من المشركين.\n[انظر: تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٨٢، الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ١٣٧، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٤٣٧، تفسير الطبري: ٦/ ٦٠، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٢٣٥، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٤٢٦، الإيضاح: ٢٥٧، نواسخ القرآن: ٣٦٠].\nوالحق أن هذه الأحكام في هذه الآية منها ما هو منسوخ ومنها ما ليس كذلك، قال ابن الجوزي: وفصل الخطاب في هذا أنه لا يمكن القول بنسخ جميع الآية، فإن شعائر الله: أعلامه متعبداته ولا يجوز القول بنسخ هذا إلا أن يعني به لا تستحلوا نقض ما شرع فيه المشركون من ذلك، فعلى هذا يكون منسوخًا، وكذلك الهدي والقلائد، وكذلك الآمون للبيب فإنه لا يجوز صدهم إلا أن يكونوا مشركين، وأما الشهر الحرام فمنسوخ الحكم.\n[نواسخ القرآن: ٣٦٣].\nقلت: وقد سبق الحديث عن الخلاف في حكم القتال في الشهر الحرام عند الآية ٢١٧ من سورة البقرة، ولعله بالرجوع إلى ما ذكره المفسرون من معاني شعائر الله، والهدي، والقلائد، وآمين البيت الحرام، والمقصود بها، يتبين أن فيها من المعاني ما لا يحتمل النسخ، وأن الذين قالوا بالنسخ في بعضها حملوها على معنى دون الآخر.","vol":"1","page":965},{"text":"قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (^١) هذا إطلاق من حظر: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (^٢) ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (^٣)، ثم قال: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (^٤) إن شئتم وهو لفظ الأمر، وليس هو بأمر، وإنما هو إباحة، وخروج من الحظر، ومثله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (^٥) التجارة؛ لأنه قال: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (^٦)، ثم جاء لفظ الأمر يراد به إطلاقا من الحظر لمن أراد التجارة، ومثله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ (^٧) و: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ (^٨)، و: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ (^٩) فكل ذلك إباحة لمن أرادها (^١٠)،\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٢]\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٩٥]\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٩٦]\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ٢]\n(^٥) [سورة الجمعة: الآية ١٠]\n(^٦) [سورة الجمعة: الآية ٩]\n(^٧) [سورة الحج: الآية ٢٨]\n(^٨) [سورة الأنعام: الآية ١٤١]\n(^٩) [سورة النور: الآية ٣٣]\n(^١٠) ما ذكره المؤلف من الأمثلة الثلاثة الأخيرة ليس فيه أمر بعد الحظر، وإنما ذكره لبيان أن الأمر قد يصرف من الوجوب إلى الإباحة.\nوفي حكمه بأن الأمر بعد الحظر يدل على الإباحة مطلقًا فيه نظر، قال القرطبي في تفسير هذه الآية: أمر إباحة بإجماع الناس رفعَ ما كان محظورًا بالإحرام، حكاه كثير من العلماء وليس بصحيح، بل صيغة افعل الواردة بعد الحظر على أصلها من الوجوب، وهو مذهب القاضي أبي الطيب وغيره؛ لأن المقتضى للوجوب قائم وتقدم الحظر لا يصلح مانعًا، دليله قوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين) فهذه افعل على الوجوب؛ لأن المراد بها الجهاد، وإنما فهمت الإباحة هناك وما كان مثله من قوله: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا) (فإذا تطهرن فأتوهن) من النظر إلى المعنى والإجماع لا من صيغة الأمر. ... [الجامع لأحكام القرآن: ٦/ ٤٤].\nوقال ابن كثير: والصحيح الذي يثبت على السبر أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجبًا رده واجبًا، وإن كان مستحبًا فمستحب، أو مباحًا فمباح، ومن قال: إنه على الوجوب ينتقض عليه بآيات كثيرة، ومن قال: إنه للإباحة يرد عليه آيات أخرى، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه كما اختاره بعض علماء الأصول. ... [تفسير القرآن العظيم: ٢/ ٥].","vol":"1","page":966},{"text":"والله أعلم.\nقال الله ﵎: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ (^١).\nكان النبي - ﷺ - وأصحابه بالحديبية حين صدهم المشركون عن البيت، فمر بهم ناس من المشركين من أهل نجد (^٢) يريدون العمرة، فقالوا نصد هؤلاء عن البيت كما صُددنا، فأنزل * الله ﵎: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ (^٣) إلى قوله: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ (^٤) فتصدوا هؤلاء العُمَّار (^٥).\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٢]\n(^٢) النجد من الأرض: ما غلظ منها وأشرف وارتفع واستوى، وهب نجود عدة، والمقصود هنا نجد المشهورة، وهو كل ما ارتفع عن تهامة إلى أرض العراق فهو نجد، فنجد اسم للأرض العريضة التي أعلاها تهامة وأسفلها العراق والشام. [معجم البلدان: ٥/ ٢٦٢، لسان العرب: ٣/ ٤١٣].\n* لوحة: ١١٤/أ.\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٢]\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ٢]\n(^٥) المحرر الوجيز: ٥/ ١٩، تفسير القرطبي: ٦/ ٤٦، تفسير ابن كثير: ٢/ ٦.","vol":"1","page":967},{"text":"قال الله ﷿: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ (^١). ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (^٢) وهي: ما لا حياة فيه من الأنعام، والطير، وسائر ما يجوز فيه الذكاة، ويحل أكله بها، خلا ميتتين: الجراد، والسمك، فإن النبي - ﷺ -: قال أحلت لنا ميتتان (^٣).\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٣]\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٣]\n(^٣) روى ابن ماجة في سننه: ٢/ ٢٢١ باب صيد الحيتان والجراد من أبواب الصيد، و٢/ ٢٤٢ باب الكبد والطحال من أبواب الأطعمة عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: أحلت لكم ميتتان ودمان فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال. وأحمد في مسنده: ٢/ ٩٧، والشافعي في الأم: ٢/ ٢٣٣، والدارقطني في سننه: ٤/ ٢٧٢ باب الصيد والذبائح والأطعمة حديث: ٢٥، والبيهقي في سننه: ١/ ٢٥٤ باب الحوت يموت في الماء والجراد كتاب الطهارة، و٩/ ٢٥٧ باب ما جاء في أكل الجراد كتاب الصيد والذبائح، و١٠/ ٧ ما جاء في الكبد والطحال كتاب الضحايا.\nوقد ضعف جمع من أهل العلم رفع هذا الحديث، لضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقد روي من طريق أسامة وعبد الله بنو زيد بن أسلم كما عند البيهقي، قال البيهقي: أولاد زيد هؤلاء كلهم ضعفاء، جرحهم يحيى بن معين، وكان أحمد بن حنبل وعلي بن المديني يوثقان عبد الله بن زيد إلا أن الصحيح من هذا الحديث ... هو الأول - يقصد وقفه على ابن عمر -[سنن البيهقي: ١/ ٢٥٤، وانظر تلخيص الحبير: ١/ ٢٦].\nأما وقفه على ابن عمر فقد صححه جمع من أهل العلم، منهم أبو زرعة، والدارقطني، والبيهقي، وابن الجوزي.\n[علل الحديث لابن أبي حاتم: ٢/ ١٧، علل الدارقطني: ١١/ ٢٦٦، سنن البيهقي: ١/ ٢٥٤، العلل المتناهية لابن الجوزي: ٢/ ١٧٥].\nوما صح من رواية هذا الحديث عن ابن عمر موقوفًا له حكم الرفع، قال ابن حجر: نعم الرواية الموقوفة التي صححها أبو حاتم وغيره هي في حكم المرفوع؛ لأن قول الصحابي أحل لنا وحرم علينا كذا مثل قوله: أمرنا بكذا ونهينا عن كذا، فيحصل الاستدلال بهذه الرواية؛ لأنها في معنى المرفوع. [تلخيص الحبير: ١/ ٢٦].","vol":"1","page":968},{"text":"وقال في السمك، وذَكر ماء البحر، فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته (^١).\n_________\n(^١) رواه أبوداود في سننه: ١/ ٢١ الوضوء بماء البحر كتاب الطهارة من حديث أبي هريرة، والترمذي في سننه ما جاء في ماء البحر أنه طهور من أبواب الطهارة، وقال: هذا حديث حسن صحيح تحفة الأحوذي: ١/ ٢٢٤، والنسائي في سننه: ١/ ٥٣ باب في ماء البحر كتاب الطهارة، وابن ماجة في سننه: ١/ ٧٦ الوضوء بماء البحر من أبواب الطهارة، وأحمد في مسنده: ٢/ ٣٦١، ٣٧٨، ٣٩٢، ومالك في الموطأ: ١/ ٥٠ كتاب الطهارة حديث: ١٢، وابن خزيمة في صحيحه: ١/ ٥٩، وابن المنذر في الأوسط: ١/ ٢٤٧ وصححه، وابن حبان في صحيحه: ٤/ ٤٩، والحاكم في المستدرك: ١/ ٢٣٧ كتاب الطهارة، وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في سننه: ١/ ٣ باب التطهير بماء البحر كتاب الطهارة.","vol":"1","page":969},{"text":"فأما الآية فنزلت في الأنعام، ودخل كل مذكىً إذا مات بالمعنى، فالميتة معنى جامع يستغنى معه عن ذكر المنخنقة وغيرها، وإنما المعنى: حرمت الميتة، والمنخنقة إذا صارت بالخناق إلى حال الإياس، الذي لا يرجى معه حياة، وكذلك المتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، فذلك كله إذا صار إلى حال اليأس، وإن كانت الذكاة ممكنة وهي الذبح، لا الذكاة التي أمر الله بها، فلا سبيل إلى أكله، وهو كالميتة (^١)، وقد قال قوم: إن هذا يذكى، وإن الذي لا يؤكل من هذه ما مات (^٢).\n_________\n(^١) ما ذهب إليه المؤلف هو قول: المدنيين، والمالكيين البغداديين كالقاضي إسماعيل بن إسحاق، والقاضي ... عبد الوهاب، وهو رواية عن مالك، وهو المشهور عنه وعن أصحابه. قال ابن العربي: اختلف قول مالك في هذه الأشياء فروي عنه أنه لا يؤكل إلا ما كان بذكاة صحيحة، والذي في الموطأ عنه: أنه إن كان ذبحها ونَفَسُها يجري وهي تطرف فليأكلها، وهذا هو الصحيح من قوله الذي كتبه بيده وقرأه على الناس من كل بلد طول عمره فهو أولى من الروايات الغابرة. [الموطأ: ٢/ ٣٩١ كتاب الذبائح، النوادر والزيادات: ٤/ ٣٦٩، التلقين للقاضي عبدالوهاب: ٨١، الاستذكار: ١٥/ ٢٢٦، المنتقى: ٣/ ١١٤، أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ٢٦، المحرر الوجيز: ٥/ ٢٤، تفسير القرطبي: ٦/ ٥٠].\n(^٢) ذهب الجمهور من الفقهاء والعلماء إلى أن الاستثاء عائد إلى ما يمكن عوده عليه مما انعقد سبب موته فأمكن تداركه بذكاة وفيه حياة مستقرة، وذلك إنما يعود على: المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، فالاستثناء هنا متصل. [تفسير الطبري: ٦/ ٧٢، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٤٣٢، تفسير القرطبي: ٦/ ٥٠، تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠].","vol":"1","page":970},{"text":"وفي ذلك إغفال شديد، كلام الله ﵎ إيجاز، ولو كان كما قال القائل لكان: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (^١) يغني عن ذكر ذلك كله، فلا فرق بين ما مات حتف أنفه، وبين ما مات من هذه الأشياء وغيرها؛ لأن الميؤوس من حياته من هذه الأشياء حكمه حكم الميتة (^٢)،\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٣]\n(^٢) ذكر هذا الاعتراض ابن جرير وأجاب عنه حيث قال: وإذ كان الأمر على ما وصفنا فكل ما أدركت ذكاته من طائر أو بهيمة قبل خروج نفسه ومفارقة روحه جسده فحلال أكله إذا كان مما أحله الله لعباده.\n\nفإن قال لنا قائل: فإذا كان ذلك معناه عندك فما وجه تكريره ما كرر بقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ وسائر ما عدد تحريمه في هذه الآية، وقد افتتح الآية بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وقد علمت أن قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ شامل كل ميتة كان موته حتف أنفه من علة به من غير جناية أحد عليه، أو كان موته من ضرب ضارب إياه، أو انخناق منه، أو انتطاح، أو فرس سبع، وهلا كان قوله - إن كان الأمر على ما وصفت في ذلك من أنه معني بالتحريم في كل ذلك: الميتة بالانخناق والنطاح والوقذ وأكل السبع أو غير ذلك، دون أن يكون معنيًا به تحريمه إذا تردى أو انخنق أو فرسه السبع فبلغ ذلك منه ما يعلم أنه لا يعيش مما أصابه منه إلا باليسير من الحياة - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ مغنيًا من تكرير ما كرر بقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ وسائر ما ذكر مع ذلك وتعداده ما عدد؟ قيل: وجه تكراره ذلك وإن كان تحريم ذلك إذا مات من الأسباب التي هو بها موصوف وقد تقدم بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ أن الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا ... لا يعدون الميتة من الحيوان إلا ما مات من علة عارضة به غير الانخناق والتردي والانتطاح وفرس السبع، فأعلمهم الله أن حكم ذلك حكم ما مات من العلل العارضة، وأن العلة الموجبة تحريم الميتة ليست موتها من علة مرض أو أذى كان بها قبل هلاكها، ولكن العلة في ذلك أنها لم يذبحها من أحلَّ ذبيحته بالمعنى الذي أحلها به.\n[جامع البيان: ٦/ ٧٤].\n* لوحة: ١١٤/ب.","vol":"1","page":971},{"text":"كالكافر * يسلم بعد المعاينة، والمذنب من المسلمين عند هذه الحال يتوب، قال الله ﵎: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ (^١) وقال: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ (^٢).\nوأما قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (^٣) فمعناه: ولكن ما ذكيتم فكلوا مما يجوز لكم ذكاته من هذه الأشياء وغيرها. وهذا في القرآن كثير (إلا) بمعنى (ولكن)، قال الله ﷿: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ (^٤) أي: ولكن قوم يونس، وقال: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ (^٥) ولكن تذكرة لمن يخشى، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ (^٦) وهو ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا، ولكن إن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة (^٧).\nوأما قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ (^٨) فهي حجارة كانت حول الكعبة يذبح عليها أهل الجاهلية (^٩).\nقال الله ﵎: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ (^١٠).\nهي كعاب فارس (^١١)،\n_________\n(^١) [سورة الواقعة: الآيتان ٨٣ - ٨٤]\n(^٢) [سورة النساء: الآية ١٨]\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٣]\n(^٤) [سورة يونس: الآية ٩٨]\n(^٥) [سورة طه: الآيات ١ - ٣]\n(^٦) [سورة النساء: الآية ٩٢]\n(^٧) انظر أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ٢٤، ٢٥ في الرد على القول بأن الاستثناء في هذه الآية استثاء منقطع.\n(^٨) [سورة المائدة: الآية ٣]\n(^٩) تفسير الطبري: ٦/ ٧٥، تفسير ابن كثير: ٢/ ١١.\n(^١٠) [سورة المائدة: الآية ٣]\n(^١١) الكعاب: فصوص النرد، والنرد: شيء يلعب به، فارسي معرب وليس بعربي، وهو النردشير. ...\n\n[النهاية في غريب الحديث: ٤/ ١٧٩، ٥/ ٣٨، لسان العرب: ١/ ٧١٩، ٣/ ٤٢١].","vol":"1","page":972},{"text":"وقداح العرب (^١)، فأما قداح العرب فإن الرجل منهم كان إذا أراد سفرًا كتب في قدح هذا يأمرنا بالمقام، وهذا يأمرنا بالخروج، وآخر لا يكتب فيه شيئًا، ثم يستقسم بها، فإن خرج الذي يأمر بالخروج خرج، وقال: لا يصيبني في سفري هذا إلاخيرًا، وإن خرج الذي يأمر بالمقام أقام، وإن خرج الثالث استقسم بالاثنين حتى يخرج له أحدهما، فنهوا عن ذلك (^٢).\nقال الله ﵎: ﴿لَنَا أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (^٣) *.\nقال يهودي لعمر بن الخطاب - ﵁ -: لو نزلت علينا هذه الآية لاتخذنا يومها عيدًا، فقال عمر - ﵁ -: نزلت في يوم عيدين اثنين، يوم جمعة، ويوم عرفة (^٤).\n_________\n(^١) القدح من الآنية، واحد الأقداح التي للشرب. [لسان العرب: ٢/ ٥٥٤].\n(^٢) تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٨٣، تفسير الطبري: ٦/ ٧٦، أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ٣١، تفسير ابن كثير: ٢/ ١١.\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٣]\n* لوحة: ١١٥/أ.\n(^٤) روى ابن جرير في تفسيره: ٦/ ٨٣ عن قبيصة قال: قال كعب: لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيدًا يجتمعون فيه، فقال عمر: أي آية يا كعب؟ فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فقال عمر: قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه والمكان الذي أنزلت فيه: يوم جمعة ويوم عرفة وكلاهما بحمد الله لنا عيد. وروى نحوه البخاري في صحيحه: ١/ ٢٥ زيادة الإيمان ونقصانه كتاب الإيمان، و٤/ ١٦٠٠ حجة الوداع كتاب المغازي، و٤/ ١٦٨٣ كتاب التفسير سورة المائدة، ومسلم في صحيحه: ٤/ ٢٣١٢ كتاب التفسير حديث: ٣ - ٥.","vol":"1","page":973},{"text":"وكذلك قال ابن عباس مثل ما قال عمر: أنزلت يوم عرفة يوم جمعة في حجة الوداع، ورسول الله - ﷺ - واقف (^١). ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ولا فرض ولا ندب، فكمل الدين، وأوضح السبيل، وترك - ﷺ - أمته على الواضحة من بيان الكتاب والسنة، ولله الحمد والمنة (^٢).\n_________\n(^١) رواه الترمذي في سننه: تفسير سورة المائدة من أبواب التفسير، وقال: هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عباس وهو صحيح تحفة الأحوذي: ٨/ ٤٠٨، والطيالسي في مسنده: ٤/ ٤٢٨، ابن جرير في تفسيره: ٦/ ٨٢، والطبراني في الكبير: ١٢/ ١٨٤، والبيهقي في دلائل النبوة: ٥/ ٤٤٦.\n(^٢) روي عن ابن عباس، والسدي: أنه لم ينزل بعد هذه الاية حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض، وكان ذلك يوم عرفة عام حجة الوداع، وأن النبي - ﷺ - عاش بعد نزول هذه الآية إحدى وثمانين ليلة.\nوذهب البعض إلى أن المراد بإتمام الدين هنا هو إفراد المؤمنين بحج بيت الله الحرام دون المشركين، وهذا ما رجحه ابن جرير. [تفسير الطبري: ٦/ ٧٩، تفسير البغوي: ٣/ ١٣، تفسير ابن كثير: ٢/ ١٢].\nقال القرطبي: وقال الجمهور: المراد معظم الفرائض والتحليل والتحريم، قالوا: وقد نزل بعد ذلك قرآن كثير، ونزلت آية الربا ونزلت آية الكلالة إلى غير ذلك، وإنما كمل معظم الدين، وأمر الحج إذ لم يطف معهم في هذه السنة مشرك، ولا طاف بالبيت عريان، ووقف الناس كلهم بعرفة، وقيل: أكملت لكم دينكم بأن أهلكت لكم عدوكم وأظهرت دينكم على الدين كله، كما تقول: قد تم لنا ما نريد إذا كفيت عدوك.\n[الجامع لأحكام القرآن: ٦/ ٦١].","vol":"1","page":974},{"text":"قال الله ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ (^١).\nالجوارح: الكواسب، مكلبين: مسلطين معلمين (^٢)، فالكلب، والصقر، والبازي وما أشبه ذلك من الجوارح، وهي الكواسب (^٣)، قال الله ﵎: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ (^٤) أي: كسبتم، وقال: ﴿الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ (^٥).\nوأباحوا (^٦) أكل ما أدرك ذكاته من ذلك، وما قتلت الجوارح، وما أكلت، إلا الكلب (^٧)،\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٤]\n(^٢) تفسير الطبري: ٦/ ٨٨، زاد المسير: ٢/ ٢٩٢، تفسير القرطبي: ٦/ ٦٦.\n(^٣) لم يخالف في مسألة جواز أكل صيد البازي وما كان مثله من سباع الطير إلا الشعبي، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والشافعي في أحد قوليه، والصواب جوازه لدخول الجميع في هذه الآية.\n[تفسير الطبري: ٦/ ٩٤، الاستذكار: ١٥/ ٢٩٠، المغني: ١٣/ ٢٦٦، روضة الطالبين: ٣/ ٢٤٦].\n(^٤) [سورة الأنعام: الآية ٦٠]\n(^٥) [سورة الجاثية: الآية ٢١]\n(^٦) في الأصل: أباح، والصواب ما أثبت.\n(^٧) قال الجصاص: اتفق السلف المجيزون لصيد الجوارح من سباع الطير أن صيدها يؤكل وإن أكلت منه، منهم سعد، وابن عباس، وسلمان، وابن عمر، وأبو هريرة، وسعيد بن المسيب، وإنما اختلفوا في صيد الكلب.\n[أحكام القرآن: ٢/ ٤٤٦].","vol":"1","page":975},{"text":"فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال بعضهم: إذا أكل لم يؤكل، وقال بعضهم: يؤكل (^١)، وروي عن عدي بن حاتم عن النبي - ﷺ - أنه قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل (^٢). وروي عن عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ - أنه قال: إذا أكل فكل (^٣).\n_________\n(^١) ذهب الإمام مالك إلى إباحة أكل صيد الكلب المعلم وإن أكل منه، وهو أحد قولي الشافعي، ورواية عن أحمد. وذهب أبو حنيفة، والشافعي في المشهور عنه، وأصح الروايتين عن أحمد إلى المنع من أكل صيد الكلب إذا أكل منه. [أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٤٤٥، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٩١٦، المغني: ١٣/ ٢٦٣، تفسير القرطبي: ٦/ ٦٩، روضة الطالبين: ٣/ ٢٤٦].\n(^٢) روى البخاري في صحيحه: ٥/ ٢٠٨٦ باب صيد المعراض كتاب الذبائح والصيد عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن المعراض فقال: إذا أصبت بحده فكل، فإذا أصاب بعرضه فقتل فإنه وقيذ فلا تأكل، فقلت: أرسل كلبي، قال: إذا أرسلت كلبك وسميت فكل، قلت: فإن أكل، قال: فلا تأكل فإنه لم يمسك عليك إنما أمسك على نفسه، قلت: أرسل كلبي فأجد معه كلبًا آخر، قال: لا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على آخر. ورواه مسلم في صحيحه: ٣/ ١٥٢٩ كتاب الصيد والذبائح حديث: ٢.\n(^٣) روى أبو داود في سننه: ٣/ ١١٠ باب في الصيد كتاب الصيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن أعرابيًا يقال له أبو ثعلبة قال: يا رسول الله إن لي كلابًا مكلبة فأفتني في صيدها، فقال النبي - ﷺ -: إن كان لك كلاب مكلبة فكل مما أمسكن عليك، قال: ذكيًا أو غير ذكي؟ قال: نعم، قال: فإن أكل منه؟ قال: وإن أكل منه .. ورواه النسائي في سننه: ٧/ ٢١٦ الرخصة في ثمن كلب الصيد كتاب الصيد، وأحمد في مسنده: ... ٢/ ١٨٤، والدارقطني في سننه: ٢٩٤ باب الصيد والذبائح حديث: ٨٨، والبيهقي في سننه: ٩/ ٢٣٧ باب المعلم يأكل من الصيد الذي قد قتل كتاب الصيد والذبائح.\nقال ابن كثير في تفسيره: ٢/ ١٧ بعد ذكره لروايتي أبو داود لهذا الحديث قال: وهذان إسنادان جيدان. وقال ابن حجر في الدراية: ٢/ ٢٥٤: وإسناده قوي.\nوقد أعله الجصاص في أحكام القرآن: ٢/ ٤٤٧، والبيهقي في سننه: ٩/ ٢٣٨: بأن حديث أبي ثعلبة مخرج في الصحيحين من طريق أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة، وليس فيه ذكر الأكل.\nقلت: حديث أبي ثعلبة في الصحيحين رواه البخاري في صحيحه: ٥/ ٢٠٨٧ باب صيد القوس كتاب الذبائح والصيد وفيه: (وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله فكل)، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٥٣٢ كتاب الصيد والذبائح حديث: ٨.","vol":"1","page":976},{"text":"وفي كل الأخبار: إذا قتل الكلب فهي ذكاة (^١).\n_________\n(^١) روى مسلم في صحيحه: ٣/ ١٥٣٠ كتاب الصيد والذبائح حديث: ٤ من حديث عدي بن حاتم وفيه: فإن ذكاته أخذه. قال النووي في شرحه على صحيح مسلم: ١٣/ ١١٥: معناه: أن أخذ الكلب الصيدَ وقتله إياه ذكاة شرعية بمنزلة ذبح الحيوان الإنسي، وهذا مجمع عليه.\n\n* لوحة: ١١٥/ب.","vol":"1","page":977},{"text":"ثم اختلف الصحابة والتابعون في ذلك أيضًا، فقال * بعضهم: إذا أكل الكلب فلا تأكل (^١)، وقال بعضهم: إذا أكل فكل (^٢)، فلما اختلفوا رجعنا إلى ما أوجبه القرآن، قال الله ﵎: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (^٣) وما أمسك علينا هو ما أدركنا ذكاته، وما لم ندرك ذكاته إذا قتله الجارح، فإن قالوا: إن الكلب إذا أكل فإنما أمسك على نفسه. قيل لهم: والبازي إذا أكل إنما أمسك على نفسه. فإن قالوا: البازي يضرى (^٤)\n_________\n(^١) ممن روي عنه هذا: علي بن أبي طالب، وعدي، وابن عباس، وابن مسعود، وأبوهريرة، والشعبي، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعطاء، وأبو بردة، والضحاك، والسدي، وإبراهيم، وقتادة، وسويد بن غفلة، وعبيد بن عمير. [مصنف عبد الرزاق: ٤/ ٤٧٣، مصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ٢٣٨ باب ما قالوا في الكلب يأكل من صيده كتاب الصيد، تفسير الطبري: ٦/ ٩٢، ٩٨، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٤٤٦، الاستذكار: ... ١٥/ ٢٨٦، المحلى: ٧/ ٤٧٠، المغني: ١٣/ ٢٦٣، تفسير القرطبي: ٦/ ٦٩].\n(^٢) ممن روي عنه هذا: علي بن أبي طالب، وابن عمر، وسلمان، وسعد بن أبي وقاص، وابن المسيب، ... وأبو هريرة، والزهري، والحسن، وعطاء، وربيعة، وسليمان بن يسار. [الموطأ: ٢/ ٣٩٣ كتاب الصيد حديث ٥ - ٧، مصنف عبد الرزاق: ٤/ ٤٧٣، مصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ٢٤٠ من رخص في أكله وإن أكله، تفسير الطبري: ٦/ ٩٥، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٤٤٦، النوادر والزيادات: ٤/ ٣٤٣، الاستذكار: ... ١٥/ ٢٨٣، المحلى: ٧/ ٤٧١، سنن البيهقي: ٩/ ٢٣٧، المنتقى: ٣/ ١٢٤، تفسير القرطبي: ٦/ ٦٩].\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٤]\n(^٤) يضرى: يعتاد، يقال: ضَرِيَ الكلب بالصيد ضرواة أي: تعود، وأضراه صاحبه أي: عوده.\n[لسان العرب: ١٤/ ٤٨٢].\n\n* لوحة: ١١٦/أ.","vol":"1","page":978},{"text":"على الأكل، والكلب يضرب لكي لا يأكل. قيل لهم: نية الكلب لا يمكننا علمها، وإذا أرسلناه فلسنا ندري علينا يمسك أو على نفسه، بل ما يمسك إلا على نفسه، ومع ذلك فإذا كان الكلب إذا قتل فقتلته ذكاة، فما يضر من أكله؟ لا فرق بين أكله بعد الذكاة وبين أكله من شاة مذبوحة، فإن قالوا: أكل الكلب ينبي أنه أمسك وقتل لنفسه، قيل لهم: قد يجوز أن يمسك يريد غيره، فيأكل بعد تقدم إرادته لغيره، ويمكن أن يمسك يريد نفسه، ثم يكسل فلا يأكل، فإن أكلنا ذلك الصيد كنا قد أكلنا ما لم يمسك علينا، وندع أكل ما أمسك علينا، وإذا كان ممكن في إرادة الكلب، فكيف يخلص إلى علم ذلك؟ هذا ما لا يطاق، ومع هذا فإن الكلب والطير وكل جارح فلا يمسك إلا على نفسه، ولو كان شبعانًا ما صاد، وإنما يُجوع ثم يطلق على الصيد؛ لأنه إذا شبع لم يطلب الصيد، وإذا كانوا يقولون إن قتل الجارح للصيد ذكاة، فأي شئ الضرر في الأكل بعد القتل؟ هل هو إلا مثل كلب أتى على شاة مذبوحة فأكل منها؟ هل * يمنع ذلك من أكل باقيها؟ (^١) قال ابن عمر (^٢)،\n_________\n(^١) في الأصل: فأكل منها هل منها هل يمنع ذلك من أكل باقيها، والصواب ما أثبت، ولعله تكرار فقد ورد بعضه في آخر الورقة وبعضه في أول الورقة الأخرى.\n(^٢) في الأصل: أبو عمر، والصواب ما أثبت، وقد سبق ذكر هذا القول ضمن من قال بجواز الأكل وإن أكل الكلب منه ص: ٦١٤.","vol":"1","page":979},{"text":"وسعد بن أبي وقاص (^١)، وسلمان (^٢) (^٣)، وعلي بن أبي طالب (^٤): كل وإن أكل الكلب ثلثيه. وقال (^٥) أبو هريرة، وخلق من التابعين (^٦)، وقال مالك، وربيعة، وسالم: قتلُ الكلب كتذكية المسلم (^٧)، وقالوا: إذا أرسله صاحبه أكل، وإذا اصطاد الكلب من غير إرسال لم يأكل؛ لأن العمل على إرسال مالك الكلب، ومُسلطه، ونيته، دون قصد الكلب، والله أعلم، ألا ترى أنه لو أرسله على صيد فقتل غيره لم يأكله (^٨).\nقال الله ﷿: ﴿لَنَا أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (^٩).\n_________\n(^١) سبق ضمن من أجاز الأكل من الصيد وإن أكل الكلب منه ص: ٦١٤.\n(^٢) سلمان الفارسي، أبو عبد الله، يقال له: سلمان الخير، وسلمان الإسلام، أصله من فارس، ويقال من أصبهان، كان أول مشاهده الخندق وهو الذي أشار بحفره، وشهد بقية المشاهد، روى عن النبي - ﷺ -، وعنه جمع من الصحابة والتابعين، مات سنة: ٣٥ هـ وقيل غير ذلك. [الاستيعاب: ٢/ ٥٦، الإصابة: ٢/ ٦٢].\n(^٣) سبق ضمن من أجاز الأكل من الصيد وإن أكل الكلب منه ص: ٦١٤.\n(^٤) سبق ضمن من أجاز الأكل من الصيد وإن أكل الكلب منه ص: ٦١٤.\n(^٥) كذا في الأصل، ولعل الصواب: وقاله.\n(^٦) سبق ضمن من أجاز الأكل من الصيد وإن أكل الكلب منه ص: ٦١٤.\n(^٧) لم أقف على قول ربيعة، وسالم.\n(^٨) انظر قول مالك في هذا: المدونة: ١/ ٥٣٤، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٩١٨، المنتقى: ٣/ ١٢٤.\nوقد ذكر بعضًا مما أورده المؤلف من حجج هنا الجصاص في أحكام القرآن: ٢/ ٤٤٦ - ٤٤٩ وأجاب عنه.\n(^٩) [سورة المائدة: الآية ٥]","vol":"1","page":980},{"text":"من المفسرين من قال: إن الله ﵎ أحل ذبائحهم، وذبائح كل من تعلق باليهودية أو النصرانية (^١)، ومنهم من قال: لا تؤكل ذبائح بني تغلب (^٢)، ونصارى العرب (^٣)، ومنهم من كره ذبائح الصابئين (^٤)، ومنهم من أباح ذلك (^٥)،\n_________\n(^١) هذا يروى عن: ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والحكم، وقتادة، والزهري، وإبراهيم، وعطاء الخراساني. [الموطأ: ٢/ ٣٩٠ كتاب الذبائح حديث: ٥، مصنف عبد الرزاق: ٦/ ٧٣، ٧/ ١٨٦، مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٤٦٥ في نكاح نصارى بني تغلب، تفسير الطبري: ٦/ ١٠٠، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١١٥٧، سنن البيهقي: ٩/ ٢١٧ باب ما جاء في ذبائح نصارى بني تغلب كتاب الجزية].\n(^٢) بنو تغلب: قبيلة من قبائل العرب تنتسب إلى: أحد أبناء وائل بن قاسط، وهو دثار المعروف بتغلب بن وائل بن قاسط بن هنب، يتفرع منها فروع عديدة، منها: بنو شعبة بالطائف، وبنو حمدام ملوك المواصل، والأراقم. ... [جمهرة أنساب العرب: ٣٠٢، معجم القبائل العربية: ١/ ١٢٠].\n(^٣) هذا يروى عن: علي بن أبي طالب، وعمر، ورواية عن ابن عباس. [الأم: ٢/ ٢٣٢، مصنف عبد الرزاق: ٦/ ٧٢، ٧/ ١٨٦، مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٤٦٥ الموضع السابق، تفسير الطبري: ٦/ ١٠١، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٢٤٤، سنن البيهقي: ٩/ ٢١٦ الموضع السابق].\n(^٤) الصابئون جمع صابئ وهو المحدث سوى دينه دينًا، واختلف في المراد به، فقيل: هم قوم لا دين لهم، وقيل: قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى القبلة، وقيل: هم طائفة من أهل الكتاب.\n[تفسير الطبري: ١/ ٣١٨، زاد المسير: ١/ ٩١].\n(^٥) قال الباجي: ولا تؤكل ذبائح الصابئين، وليس بحرام كتحريم ذبائح المجوس، وقد حرم الحسن، وسعيد بن جبير ذبائحهم ونكاح نسائهم. [المنتقى: ٣/ ١١٢].\n\nوممن روي عنه أيضًا عدم جواز أكل ذبائحهم: ابن عباس، ومجاهد، وهو مذهب صاحبي أبو حنيفة، وذهب الشافعي إلى أنها إن وافقت الصابئون النصارى والسامرة اليهود في أصول الاعتقاد حلت ذبائحهم ومناكحتهم وإلا فلا، وقد روي عن عمر جواز ذبائح السامرة. [مصنف عبد الرزاق: ٤/ ٤٨٧، ٦/ ٧٤، ٧/ ١٨٧، تفسير الطبري: ١/ ٣١٩، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٢٦٤، الاستذكار: ٥/ ٢٩٧، المجموع: ٩/ ٩١].","vol":"1","page":981},{"text":"والذي يُذهب إليه أن كل من تعلق بالتوراة والإنجيل فهو من أهل الكتاب، قال الله تعالى: ... ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (^١)، وأما المجوس فليسوا أهل كتاب، وقد بين ذلك رسول الله - ﷺ - بقوله: سنوا بهم - في الجزية - سنة أهل الكتاب (^٢). لأن عبد الرحمن بن عوف إنما شهد بذلك على رسول الله - ﷺ - بسبب الجزية (^٣).\nوأما قوله ﷿: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (^٤) فقد قالوا: ذبائحهم (^٥)،\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٥١]\n(^٢) سبق تخريجه ص: ٣٣٦.\n(^٣) رواه البخاري في صحيحه: ٣/ ١١٥١ ما جاء في أخذ الجزية من اليهود والنصارى والمجوس والعجم كتاب الجزية.\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ٥]\n(^٥) تفسير الطبري: ٦/ ١٠٢، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٤٥٥.\n\n* لوحة: ١١٦/ب.","vol":"1","page":982},{"text":"ويحتمل أن يكون أراد ما يأكلون من ذبائحهم، ويحتمل أن يكون أراد ... ما تأكلون من ذبائحهم، ويحتمل أن تكون الذبائح كلها، فلما احتمل الذكاة واحتمل ... ما يأكلون مما يذكون، كره مالك أكل * الشحوم من غير أن يحرمها، فهذا مذهبه فيها توقيًا، والله أعلم (^١)، واحتج مالك - ﵁ - في أن المجوس ليسوا أهل كتاب بقوله عز ... وجل: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ (^٢) فلما قيل: على طائفتين، علمنا أن الثالثة لا أصل لها، واحتج أيضًا مالك - ﵁ - في ذلك أن النبي - ﷺ - لما كتب إلى عظيم الروم كتب في الكتاب: يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم (^٣)، وكتب إلى كسرى فلم يكتب بذلك (^٤). وفي بعض ذلك كفاية لمن وفق.\n_________\n(^١) قال ابن أبي زيد: واختلف في تأويل هذه الآية، فقيل: ذبائحهم، وقيل: ما أحل لهم، ولاحتمال الآية كره مالك ذلك من غير تحريم. النوادر والزيادات: ٤/ ٣٦٨، أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ٢٩٦، المنتقى: ... ٣/ ١١٢، تفسير القرطبي: ٧/ ١٢٦.\n(^٢) [سورة الأنعام: الآية ١٥٦]\n(^٣) رواه البخاري في صحيحه: ١/ ٩ كيف كان بدء الوحي كتاب بدء الوحي، ومسلم: ٣/ ١٣٩٦ كتاب الجهاد والسير حديث: ٧٤.\n(^٤) روى البخاري في صحيحه: ٤/ ١٦١٠ باب كتاب النبي - ﷺ - إلى كسرى وقيصر كتاب المغازي: أن رسول الله - ﷺ - بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى فلما قرأه مزقه، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٣٩٧ كتاب الجهاد والسير حديث: ٧٥.\nوقد ذكر نحوًا من هذا الاحتجاج: النحاس في الناسخ والمنسوخ: ٢/ ٢٤٥، الجصاص في أحكام القرآن: ... ٢/ ٢٦٤.","vol":"1","page":983},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (^١) المحصنات من المؤمنات في هذا الموضع الحرائر، وكذلك المحصنات من أهل الكتاب هن الحرائر، كذلك قال المفسرون إلا واحد، قال: العفائف (^٢). وهو خطأ؛ لأنه عطف على قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (^٣) فلو كان أراد العفائف لم يجز تزويج الحرة المسلمة حتى تكون عفيفة، وهذا خطأ (^٤).\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٥]\n(^٢) قال البغوي: فذهب أكثر العلماء إلى أن المراد منهن الحرائر، وأجازوا نكاح كل حرة مؤمنة كانت أو كتابية، فاجرة كانت أو عفيفة، وهو قول مجاهد. [معالم التنزيل: ٣/ ١٩].\nوفيما ذكر المؤلف من أن القائل بأنهن العفائف واحد من المفسرين نظر، فقد روى ابن جرير في تفسيره: ٦/ ١٠٥ عن: مجاهد، والشعبي، وسفيان، والسدي: أنهن العفائف. وذكره السيوطي في الدر: ٢/ ٢٦١ عن الضحاك وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٥]\n(^٤) هذا ما رجحه ابن جرير، وذكر نحوًا من هذا الكلام. [جامع البيان: ٦/ ١٠٧].\nقلت: ولعل الذي حمل كثيرًا من أهل العلم على تفسير المحصنة هنا بالحرة دون العفيفة حتى لا تدخل الأمة الكتابية في الآية، ومع ذلك فإن الأولى أن تكون حرة عفيفة، قال ابن كثير: وهو الأشبه؛ لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية وهي مع ذلك غير عفيفة، فيفسد حالها بالكلية، ثم قال: والظاهر من الآية أن المراد بالمحصنات: العفيفات عن الزنا. ... [تفسير القرآن العظيم: ٢/ ٢٠].","vol":"1","page":984},{"text":"وأما إماء أهل الكتاب فأكثر الناس يقول: هن حرام بالنكاح، إلا أبا حنيفة وبعض الكوفيين (^١)، وذهب عنهم قول الله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (^٢) وكأنهم ... ما قرأوها. وحرم الله نساء المجوس، وكل عبدة الأوثان بقوله ﷿: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (^٣)، وقد روي عن حذيفة أنه تزوج مجوسية فأمره عمر - ﵁ - بمفارقتها، رواه الحسن (^٤).\nوروى ابن سيرين أنه تزوج نصرانية *. وهذه الرواية أصح (^٥)،\n_________\n(^١) ذهب الجمهور إلى أن المسلم لا يجوز له نكاح الأمة الكتابية، وهذا القول مروي عن: مجاهد، والحسن، ومكحول، وقتادة، وهو قول الزهري، والثوري، والأوزاعي، ومالك، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وذهب أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي إلى جواز ذلك، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، إلا أنه روي عن أبي يوسف كراهيته إذا كان مولاها كافرًا مع قوله بجواز النكاح.\n[الأم: ٥/ ٩، مصنف عبد الرزاق: ٧/ ٢٦٩، مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٤٦٤ نكاح إماء أهل الكتاب، تفسير الطبري: ٥/ ١٨، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٩٢١، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٢٣١، الاستذكار: ١٦/ ٢٦٢، المغني: ٩/ ٥٥٤].\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٢٥]\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٢١]\n(^٤) رواه ابن حزم في المحلى: ٩/ ٤٤٩، وممن ذكر أن حذيفة - ﵁ - تزوج مجوسية: أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ١٠٠، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ٢/ ٢٤٩، والبيهقي في سننه: ٧/ ١٧٣، وابن عبد البر في التمهيد: ... ٢/ ١٢٨، وكلهم ضعف هذه الرواية، وذكروا أن الصحيح أنه تزوج يهودية، وقال ابن قدامة: ولم يثبت أن حذيفة تزوج مجوسية، وضعف أحمد رواية من روى عن حذيفة أنه تزوج مجوسية، وقال أبو وائل يقول: تزوج يهودية، وهو أوثق ممن روى عنه أنه تزوج مجوسية. المغني: ٩/ ٥٤٨.\n* لوحة: ١١٧/أ.\n(^٥) روى سعيد بن منصور في سننه بتحقيق الأعظمي: ١/ ١٩٣ عن ابن سيرين أن حذيفة تزوج يهودية، فقال له عمر فى ذلك، فقال: أحرام هي؟ قال: لا، ولكنك سيد المسلمين ففارقها.\nوقد روي من طرق أخرى أن حذيفة تزوج يهودية: الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ٩٠، مصنف عبد الرزاق: ٧/ ١٧٧، سنن سعيد بن منصور في الموضع السابق، مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٤٦٢ من كان يرى النكاح في أهل الكتاب، تفسير الطبري: ٢/ ٣٧٨، سنن البيهقي: ٧/ ١٧٢ باب ما جاء في تحريم حرائر أهل الشرك كتاب النكاح.","vol":"1","page":985},{"text":"وقد تزوج جماعة من أصحاب رسول الله - ﷺ - نصرانيات (^١).\nوأما قوله تبارك اسمه: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (^٢) فمعناه: حل لكم إطعامهم، فأما هم فلا يخاطبون بتحليل ولا تحريم، والله أعلم (^٣).\nقال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (^٤) الآية.\nقال محمد بن مسلمة (^٥)\n_________\n(^١) روي عن عثمان بن عفان أنه تزوج نصرانية، وأن طلحة بن عبيد الله تزوج يهودية.\n[الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ٨٧، مصنف عبد الرزاق: ٦/ ٧٩، ٧/ ١٧٧، مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٤٦٣ من رخص في نكاح نساء أهل الكتاب، سنن البيهقي: ٧/ ١٧٢ الموضع السابق، تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٠].\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٥]\n(^٣) هذا ما ذهب إليه بعض أهل العلم من أنهم لا يخاطبون بتحليل ولا تحريم، وأن هذه رخصة للمسلين لا لأهل الكتاب، وقيل: إن هذا من باب المجازاة كما يحل لكم طعامهم فيحل لهم طعامكم، وقيل: لأنه ذكر عقيبه حكم النساء، ولم يذكر حل المسلمات، فكأنه قال: حلال لكم أن تطعموهم حرام عليكم أن تُزوجوهم.\n[معالم التنزيل: ٣/ ١٨، المحرر الوجيز: ٥/ ٣٩، تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٠].\nواستدل بهذه الآية ابن العربي والقرطبي على أن الكفار مخاطبون بتفاصيل شرعنا، قال القرطبي في تفسيرهذه الآية: دليل على أنهم مخاطبون بتفاصيل شرعنا، أي: إذا اشتروا منا اللحم يحل لهم اللحم، ويحل لنا الثمن المأخوذ منهم.\n[أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٦٤٧، الجامع لأحكام القرآن: ٦/ ٧٩].\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٥) محمد بن مسلمة بن هشام بن إسماعيل المخزومي المدني، أبو هشام، روى عن مالك وتفقه عنده، وإبراهيم بن سعد، أحد فقهاء المدينة من أصحاب مالك، له كتب فقه أخذت عنه، مات سنة ٢٠٦ هـ.\n\n[تاريخ دمشق: ٥٥/ ٢٩٠، الديباج المذهب: ٢/ ١٥٦].","vol":"1","page":986},{"text":"متأولًا: كل شئ يوجب الوضوء فهو في القرآن (^١)، وذكر قول زيد بن أسلم وتفسيره: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (^٢) إذا قمتم من النوم (^٣)،\n_________\n(^١) لم أقف عليه، لكن ذكر ابن أبي زيد في النوادر والزيادات: ١/ ٣٠، وابن عطية في المحرر: ٥/ ٤٣ عن محمد ابن مسلمة أنه قال إن في آية الوضوء تقديم وتأخير، وأن المراد بقوله (إذا قمتم إلى الصلاة) من النوم.\nوهذا ما ذهب إليه المؤلف كما سيأتي من أن في الآية تقديم وتأخير، قال ابن رشد: وأنما قدر هذا التقدير من ذهب إلى هذا التأويل وهو محمد بن مسلمة من أصحابنا؛ لأن ظاهرها أن السفر والمرض حدث يوجب الوضوء كالمجيء من الغائط سواء، وذلك لا يصح بإجماع. [المقدمات: ٨].\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٣) الموطأ: ١/ ٤٩ كتاب الطهارة حديث: ١٠، تفسير الطبري: ٦/ ١١٢، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ... ٢/ ٢٥٦، سنن الدارقطني: ١/ ٣٩ باب تأويل إذا قمتم إبى الصلاة.\nوبهذا التفسير كان يقول مالك، قال ابن رشد: قيل: معناه إذا قمتم محدثين، وقيل: معناه إذا قمتم من المضاجع، وهو قول زيد بن أسلم، وهو أولى من التأويل الأول؛ لأن الأحداث مذكورة في الآية، والنوم ليس بحدث وإنما هو سبب للحدث، فحمل الكلام على زيادة فائدة أولى من حمله على التكرار لغير فائدة.\n[المقدمات: ٩، الذخيرة: ١/ ٢٣١].\n\nوقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن المعنى: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، وعلى هذا فليس في الآية تقديم وتأخير. [تفسير الطبري: ٦/ ١١٠، المحرر الوجيز: ٥/ ٤٣، تفسير القرطبي: ٦/ ٨٢، تفسير ابن كثير: ٢/ ٢١]","vol":"1","page":987},{"text":"فدل ذلك على أن الوضوء على النائم من أجل الريح الذي يخرج منه وهو لا يشعر، ومن هذه العلة رخص لمن نام قاعدًا ألا يتوضأ؛ لأنه لو خرج منه (^١) شيء لعلمه لانضمام الإليتين، وقال الله ﷿: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (^٢) فأوجب هذا الوضوء من السبيلين، وقوله: ﴿الْغَائِطِ﴾ (^٣) اسم للأرض المنخفضة، كناية عن حاجة الإنسان (^٤)، وقال الله ﷿: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (^٥) وهو ما دون الجماع (^٦)، ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (^٧) اغتسلوا وَإِنْ ﴿كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (^٨) في هذه الأحوال التي قُدم ذكرها: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (^٩)، فلما قال الله سبحانه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^١٠) وذكر لنا ما يوجب الوضوء لم يجب في قيء، ولا رعاف (^١١)،\n_________\n(^١) في الأصل: لأنه خرج منه شيء، ولا يستقيم الكلام إلا بما أثبت.\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٤) غوط: يدل على اطمئنان وغور، ومن ذلك الغائط: المطمئن من الأرض، وكانوا يقضون الحاجة هناك فجعل كناية عن قضاء الحاجة. [تفسير الطبري: ٥/ ١٠١، مقاييس اللغة: ٧٧٨، لسان العرب: ٧/ ٣٦٥].\n(^٥) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٦) سبق الحديث عن معنى الملامسة في سورة النساء آية: ٤٣.\n(^٧) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٨) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٩) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^١٠) [سورة الأنعام: الآية ٣٨]\n(^١١) الرعاف: خروج الدم من الأنف، ويقال هو الدم نفسه، وأصله السبق والتقدم، وفرس راعف أي سابق، فإن الرعاف سبق علم الراعف وتقدم .. [المصباح المنير: ٢٣١، معجم لغة الفقهاء: ٢٢٤].","vol":"1","page":988},{"text":"ولا في شيء يسيل من الجسد الوضوء، فإن قيل: المغمى عليه عندكم يتوضأ ولم يذكر (^١). قيل: هذا وأضرابه داخل تحت قوله في ذكر النوم، فإن قالوا فالنفساء، قيل: تحت ذكر الحائض *؛ لأنه حيض طالت أيامه، فلا وضوء، ولا غسل إلا مما ذكر الله في كتابه، إلا ما سنه رسول الله - ﷺ - في غسل الجمعة (^٢)، وغُسل الإحرام (^٣)، وما أشبه ذلك، وكذلك في الوضوء فيما سن رسول الله - ﷺ - اتباعًا له، وذلك كله غير مفروض، وليس لأحد قصد ترك السنن، فمن عاندها بالترك استتيب للعناد، ولا يجري مجرى الفرائض، فإن قيل: فإن ابن عمر (^٤) وابن المسيب (^٥)\n_________\n(^١) المدونة: ١/ ١٢١، النوادر والزيادات: ١/ ٤٨، أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ٥٠.\n* لوحة: ١١٧/ب.\n(^٢) روى البخاري في صحيحه: ١/ ٢٩٣ كتاب صفة الصلاة باب وضوء الصبيان ومتى يجب عليهم الغسل والطهور عن أبي سعيد الخدري عن النبي - ﷺ - قال: الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم. ومسلم في صحيحه: ٢/ ٥٨٠ كتاب الجمعة حديث: ٥.\n(^٣) عن زيد بن ثابت أنه رأى النبي - ﷺ - تجرد لإهلاله واغتسل. رواه الترمذي في سننه: ما جاء في الاغتسال عند الإحرام وقال: هذا حديث حسن غريب تحفة الأحوذي: ٣/ ٥٦٧، وابن خزيمة في صحيحه: ٤/ ١٦١، والبيهقي في سننه: ٥/ ٣٢ باب الغسل للإهلال كتاب الحج.\n(^٤) الموطأ: ١/ ٦١ كتاب الطهارة حديث: ٤٦، الحجة لمحمد بن الحسن: ١/ ٢٩٢، الأم: ٧/ ٢٤٧، مصنف عبد الرزاق: ٢/ ٣٤٠، الأوسط: ١/ ١٦٩، سنن البيهقي: ٢/ ٢٥٦ من قال يبني من سبقه الحدث على ما مضى من صلاته كتاب الصلاة.\n(^٥) الموطأ: ١/ ٦١ كتاب الطهارة حديث: ٤٨، الحجة لمحمد بن الحسن: ١/ ٢٩٣، مصنف ابن أبي شيبة: ... ٢/ ١٤ في الذي يقيء أو يرعف في الصلاة، سنن البيهقي: ٢/ ٢٥٧ الموضع السابق ..","vol":"1","page":989},{"text":"قد روى عنهما مالك أنهما توضآ من الرعاف. قيل: ذلك غسل الموضع، والعرب تسميه وضوءًا (^١)،\n_________\n(^١) قال ابن فارس: وضأ كلمة تدل على حسن ونظافة. [مقاييس اللغة: ١٠٥٦].\nقال ابن عبد البر في حديث ابن عمر: حمله أصحابنا على أنه غسل الدم ولم يتكلم وبنى على ما صلى، قالوا: وغسل الدم يسمى وضوءًا؛ لأنه مشتق من الوضاءة وهي النظافة. [الاستذكار: ٢/ ٢٦٦].\nقلت: وفي هذا بعد وتكلف، فلو كان المراد ما قال لقال الراوي: غسل ثيابه من الدم، كما روى مالك في الموطأ: ١/ ٦١ بلاغًا عن ابن عباس أن كان يرعف في الصلاة فيخرج فيغسل الدم ثم يرجع فيبني على ما قد صلى.\n\nبل قد روى عبد الرزاق في مصنفه: ٢/ ٣٣٩، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٢/ ١٣ الموضع السابق عن ابن عمر أنه قال: إذا رعف الرجل في الصلاة أو ذرعه القيء أو وجد مذيًا فإنه ينصرف ويتوضأ ثم يرجع فيتم ما بقي على ما مضى ما لم يتكلم. فجعل الرعاف بمنزلة المذي.","vol":"1","page":990},{"text":"وقد صلى عمر - ﵁ - وجرحه يثعب (^١) دمًا (^٢). وصلى الأنصاري (^٣) والدم يجري من السهم الذي رمي به، وذكر ذلك لرسول الله - ﷺ - فلم ينكر ذلك، ولا أمره بوضوء (^٤).\n_________\n(^١) يثعب أي: يجري. [النهاية في غريب الحديث: ١/ ٢١٢].\n(^٢) الموطأ: ١/ ٦٢ كتاب الطهارة حديث: ٥١، مصنف عبد الرزاق: ١/ ١٥٠، مصنف ابن أبي شيبة: ... ٢/ ٢٢٧ في الرعاف إذا لم يسكن كتاب الصلاة، تعظيم قدر الصلاة: ٢/ ٨٩٣، الأوسط: ١/ ١٦٧، سنن الدارقطني: ١/ ٢٢٤ باب جواز الصلاة مع خروج الدم السائل من البدن حديث: ٢، و٢/ ٥٢ باب التشديد في ترك الصلاة حديث: ١، أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: ٤/ ٨٢٥، سنن البيهقي: ١/ ٣٥٧ ما يفعل من غلبه الد من رعاف أو جرح كتاب الحيض.\n(^٣) هو عباد بن بشر بن وبش الأنصاري كما صرح باسمه البيهقي في دلائل النبوة.\n(^٤) روى البخاري في صحيحه: ١/ ٧٦ كتاب الوضوء باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين عن جابر تعليقًا قال: ويذكر عن جابر أن النبي - ﷺ - كان في غزوة ذات الرقاع فرمى رجل بسهم فنزفه الدم فركع وسجد ومضى في صلاته. وقد روى قصة هذا الرجل موصولة: أبوداود في سننه: ١/ ٥٠ باب الوضوء من الدم كتاب الطهارة، وأحمد في مسنده: ٣/ ٣٤٣، ٣٥٩، وابن خزيمة في صحيحه: ١/ ٢٤، وابن حبان في صحيحه: ٣/ ٣٧٦، والدارقطني في سننه: ١/ ٢٢٣ باب جواز الصلاة مع خروج الدم السائل من البدن حديث: ١، والحاكم في المستدرك: ١/ ٢٥٨ كتاب الطهارة وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في سننه: ١/ ١٤٠ باب ترك الوضوء من خروج الدم من غير مخرج الحدث كتاب الطهارة، وفي دلائل النبوة: ٣/ ٣٧٨.","vol":"1","page":991},{"text":"وأما مس الذكر فإن مالكًا - ﵁ - كان لا يرى الوضوء فيه، إلا على من مسه متعمدًا، وذلك أنه أجراه مجرى ملامسة النساء، ولو أجراه مجرى غيره من الحدث الذي يخرج من الإنسان لأوجب فيه الوضوء على المتعمد وغير المتعمد، كما يجب الوضوء على من خرج منه الحدث عامدًا كان أو غير عامد، فدل ذلك على ما قلنا من أنه أدخله في معنى قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (^١)، وإنما فارق الذكر سائر البدن؛ لأنه يمسه لشهوة، والشهوة فيه إنما هي للنساء، فكان شيئًا يشبه بعضه بعضًا، فهما من باب واحد (^٢).\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٢) ما ذكره المؤلف هو أحد الروايات عن مالك في مسألة الوضوء من مس الذكر، قال ابن عبد البر: واضطرب قول مالك في إيجاب الوضوء منه واختلف مذهبه فيه، والذي تقرر عليه المذهب عند أهل المغرب من أصحابه: أنه من مس ذكره أمره بالوضوء ما لم يصل فإن صلى أمره بالإعادة في الوقت فإن خرج الوقت فلا إعادة عليه، واختلف أصحابه وأتباعه على أربعة أقوال فمنهم: من لم ير على من مس ذكره وضوءًا ولا على من صلى بعد أن مسه إعادة صلاته في وقت ولا غيره، وممن ذهب إلى هذا سحنون والعتقي، ورأى الإعادة في الوقت ابن القاسم وأشهب ورواية عن بن وهب، ومنهم: من رأى الوضوء عليه واجبًا ورأى الإعادة على من صلى في الوقت وبعده، منهم أصبغ بن الفرج وعيسى بن دينار، وهو مذهب ابن عمر؛ لأنه أعاد منه صلاة الصبح بعد طلوع الشمس وهو قول الشافعي، وأما إسماعيل بن إسحاق وأصحابه البغداديين المالكيون كابن بكير وابن المنتاب وأبي الفرج والأبهري: فإنهم اعتبروا في مسه وجود اللذة كملامسة النساء عندهم، فإن التذ الذي لمس ذكره وجب عليه الوضوء، وإن صلى - وقد مسه - قبل أن يتوضأ أعاد الصلاة أبدًا وإن خرج الوقت، وإن لم يلتذ بمسه فلا شيء عليه، وهذا قول رابع ومن ذهب إلى هذا سوى بين باطن الكف وظاهرها، وتحصيل المذهب عند المالكيين من أهل المغرب أن من مس ذكره بباطن الكف أو الراحة أو بباطن الأصابع دون حائل انتقض وضوءه ومن مس ذكره بخلاف ذلك لم ينتقض وضوءه.\n[المدونة: ١/ ١١٨، النوادر والزيادات: ١/ ٥٤، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ١٤٨، التمهيد: ... ١٧/ ١٩٩، الاستذكار: ٣/ ٣٤، المنتقى: ١/ ٨٩، البيان والتحصيل: ١/ ٧٧].","vol":"1","page":992},{"text":"واتبع أصحابنا في ذلك مع مقارنة الشهوة ما روي عن النبي - ﷺ - (^١)،\n_________\n(^١) روي عن جمع من الصحابة عن الرسول - ﷺ - الأمر بالوضوء من مس الذكر منهم: أبو هريرة، وأم حبيبة، وجابر، وبسرة بنت صفوان، وسنذكر رواية بسرة لأنها المشهورة عند أهل العلم، فقد روى أبو داود في سننه: ١/ ٤٦ باب الوضوء من مس الذكر كتاب الطهارة عن بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من مس ذكره فليتوضأ، والترمذي في سننه: الوضوء من مس الذكر من أبواب الطهارة، وقال: وفي الباب عن ... أم حبيبة وأبي أيوب وأبي هريرة وأروى ابنة أنيس وعائشة وجابر وزيد بن خالد وعبد الله بن عمرو، قال: ... أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، قال محمد: وأصح شيء في هذا الباب حديث بسرة. تحفة الأحوذي: ١/ ٢٧٠، والنسائي في سننه: ١/ ١٠٨ الوضوء من مس الذكر كتاب الطهارة، وابن ماجة في سننه: ١/ ٩١ الوضوء من مس الذكر من أبواب الطهارة، وأحمد في مسنده: ٦/ ٤٠٦، ومالك في الموطأ: ١/ ٦٣ الطهارة حديث: ٥٨، والشافعي في الأم: ١/ ١٩، وابن خزيمة في صحيحه: ١/ ٢٢، وابن المنذر في الأوسط: ١/ ١٩٧، وابن حبان في صحيحه: ٣/ ٣٩٦، والطبراني في الكبير: ٢٤/ ١٩٦، والدارقطني في سننه: ١/ ١٤٦ ماروي في لمس القبل والدبر والذكر حديث: ١، والحاكم في المستدرك: ١/ ٢٩٩ الطهارة وصححه، والبيهقي في سننه: ١/ ١٢٨ الوضوء من مس الذكر كتاب الطهارة، وابن حزم في المحلى: ١/ ٢٣٥.\nوقد صحح هذا الحديث جمع من أهل العلم منهم: البخاري، والترمذي، وأحمد، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وابن الجارود، والدارقطني، والبيهقي، وابن عبد البر، وابن حجر، وغيرهم.\n[التمهيد: ١٧/ ١٩٠، تلخيص الحبير: ١/ ١٢٢، نيل الأوطار: ١/ ٢٤٩].\n\nوبظاهر هذا الحديث أخذ أحمد في إحدى الروايتين عنه، والشافعي، والرواية الأخرى عن أحمد أنه لا ينتقض إلا بمسه قاصدًا كما هو مذهب العراقيين من أصحاب مالك. [الأم: ١/ ١٩، المغني: ١/ ٢٤٠].","vol":"1","page":993},{"text":"وعن سعد (^١)، وعن ابن عمر (^٢)، وقام به الدليل عنده، وكان ما رواه طلق بن علي (^٣) (^٤):\n_________\n(^١) سعد بن أبي وقاص: الموطأ: ١/ ٦٤ الطهارة حديث: ٥٩، مصنف عبد الرزاق: ١/ ١١٤، مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ١٥٠ من كان يرى من مس الذكر وضوءًا، الأوسط: ١/ ١٩٤، شرح معاني الآثار: ١/ ٧٦، سنن البيهقي: ١/ ٨٨ باب نهي المحدث عن مس المصحف، و١/ ١٣١ باب الوضوء من مس الذكر.\n(^٢) الموطأ: ١/ ٦٤ الطهارة حديث: ٦٠، مصنف عبد الرزاق: ١/ ١١٦، مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ١٥١ الموضع السابق، الأوسط: ١/ ١٩٤، شرح معاني الآثار: ١/ ٧٦، سنن البيهقي: ١/ ١٣١ الموضع السابق.\n(^٣) طلق بن علي بن عمرو، ويقال: طلق بن علي بن قيس بن عمرو الحنفي اليمامي، أبو علي، والد قيس بن طلق، مشهور له صحبة ووفادة ورواية، روى عنه ابنه قيس بن طلق. [الاستيعاب: ٢/ ٢٤٠، الإصابة: ٢/ ٢٣٢].\n(^٤) روى أبو داود في سننه: ١/ ٤٦ باب الرخصة في ذلك كتاب الطهارة عن قيس بن طلق عن أبيه قال: قدمنا على نبي الله - ﷺ - فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا نبي الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ؟ فقال: هل هو إلا مضغة منه أو قال بضعة منه. ورواه الترمذي في سننه: ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر من أبواب الطهارة، وقال: هذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب تحفة الأحوذي: ١/ ٢٧٤. والنسائي في سننه: ... ١/ ١٠٩ باب ترك الوضوء من ذلك كتاب الطهارة، وابن ماجة في سننه: ١/ ٩١ باب الرخصة في ذلك من أبواب الطهارة، وأحمد في مسنده: ٤/ ٢٢، وابن المنذر في الأوسط: ١/ ٢٠٣، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ... ١/ ٧٦، وابن حبان في صحيحه: ٣/ ٤٠٢، والطبراني في الكبير: ٨/ ٣٣٠، والدارقطني في سننه: ١/ ١٤٩ الموضع السابق حديث: ١٥، والبيهقي في سننه: ١/ ١٣٤ باب ترك الوضوء من مس الفرج بظهر الكف كتاب الطهارة.\n\nقال ابن حجر: رواه أحمد وأصحاب السنن والدارقطني وصححه عمرو بن علي الفلاس وقال: هو عندنا أثبت من حديث بسرة، وروى عن ابن المديني أنه قال: هو عندنا أحسن من حديث بسرة، والطحاوي وقال: إسناده مستقيم غير مضطرب بخلاف حديث بسرة، وصححه أيضا ابن حبان والطبراني وابن حزم، وضعفه الشافعي وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي، وادعى فيه النسخ ابن حبان والطبراني وابن العربي والحازمي وآخرون، وأوضح ابن حبان وغيره ذلك. ... [تلخيص الحبير: ١/ ١٢٥].\nوبظاهر هذا الحديث أخذ أبو حنيفة وأصحابه، فلم يوجبوا على من مس ذكره الوضوء عامدًا أوغير عامد.\n[الحجة: ١/ ٥٩، شرح معاني الآثار: ١/ ٧٩].\nوقد سلك العلماء في حديث بسرة وحديث طلق طرقًا، فمنهم: من رجح أحدهما على الآخر من حيث الصحة، ومنهم من قال بالنسخ، ومنهم من حمع بحمل حديث بسرة على أنه بشهوة، وحديث طلق على غير الشهوة كما فعل المؤلف هنا.\n[انظر في ذلك: التمهيد: ١٧/ ١٩٧، الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار: ٤٣، تهذيب السنن: ١/ ١٣٤، تحفة الأحوذي: ١/ ٢٧٥].\n* لوحة: ١١٨/أ.","vol":"1","page":994},{"text":"ما كان لغير شهوة، إن صح، والله أعلم. وقد روي عن طلق أيضًا: أن فيه الوضوء *. والله أعلم بصحته (^١).\nقال الله ﵎: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (^٢).\nاختلف الناس في الأرجل، فقرأها قوم: (وأرجلِكم) خفضًا، وقرأها بعضهم: ... (وأرجلَكم) نصبًا (^٣)،\n_________\n(^١) روى الطبراني في المعجم الكبير: ٨/ ٣٣٤ عن حماد بن محمد ثنا أيوب بن عتبة عن قيس بن طلق عن أبيه: أن النبي - ﷺ - قال: من مس ذكره فليتوضأ. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أيوب بن عتبة إلا حماد بن محمد، وقد روى الحديث الآخر حماد بن محمد، وهما عندي صحيحان ويشبه أن يكون سمع الحديث الأول من النبي - ﷺ - قبل هذا، ثم سمع هذا بعد فوافق حديث بسرة وأم حبيبة وأبي هريرة وزيد بن خالد الجهني وغيرهم ممن روى عن النبي - ﷺ - الأمر بالوضوء من مس الذكر فسمع المنسوخ والناسخ.\nوقد ضعف هذه الرواية الزيلعي، حيث قال: وأما ما رواه الطبراني في معجمه الكبير عن طلق أن النبي - ﷺ - قال: من مس ذكره فليتوضأ. فسنده ضعيف، فإن حماد بن محمد وشيخه أيوب ضعيفان.\n[نصب الراية: ١/ ٦٢].\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٣) قرأ نافع وابن عامر والكسائي وحفص ويعقوب بنصب اللام، وقرأ الباقون بخفضها.\n[السبعة: ٢٤٢، النشر: ٢/ ١٩١].\n\nوحجة من قرأ بالنصب أنه عطف على الأوجه والأيدي، فأوجبوا الغسل للرجلين، وأما من قرأ بالخفض فإنه وجد في الكلام عاملين أحدهما: الغسل، والآخر: الباء الجارة في قوله (برؤوسكم) ووجه العاملين إذا اجتمعا في التنزيل أن تحمل على الأقرب منهما دون الأبعد. [الحجة لأبي علي الفارسي: ٢/ ١٢٢، الكشف: ١/ ٤٠٦، الحجة لابن زنجلة: ٢٢١].","vol":"1","page":995},{"text":"فمن قرأها (وأرجلِكم) خفضًا فقال: يغسل (^١)، ومنهم من قال: يمسح، والغسل سنة (^٢).\n_________\n(^١) هذا يروى عن: ابن عباس، وعكرمة، والشعبي، وقتادة، والحسن.\n[مصنف عبد الرزاق: ١/ ١٨، مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ٢٥ فيالمسح على القدمين، تفسير الطبري: ٦/ ١٢٨، الأوسط: ١/ ٤١٤].\nقال ابن كثير بعد ذكره لما رواه ابن جرير عن عن بعض هؤلاء: فهذه آثار غريبة جدًا، محمولة على أن المراد بالمسح هو الغسل الخفيف لما سنذكره من السنة الثابتة في وجوب غسل الرجلين. [تفسير القرآن العظيم: ٢/ ٢٥].\n(^٢) يروى هذا عن: علي بن أبي طالب، وابن عمر، وأنس بن مالك، والشعبي.\n[معاني القرآن للفراء: ١/ ٣٠٢، تفسير الطبري: ٦/ ١٢٨، الأوسط: ١/ ٤١٤، أحكام القرآن للطحاوي: ١/ ٨١، شرح معاني الاثار له: ١/ ٤٠، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٢٦١].\n\nوعلى هذا فإن في قراءة الخفض إشكالًا وهو أن حكم الرجلين المسح مع أن الثابت عن رسول الله - ﷺ - هو غسلهما، ولهذا اختار بعض أهل العلم قراءة النصب، وقد ذكر أهل العلم أجوبة لهذا الإشكال في قراءة الخفض، فقيل: إن قراءة الخفض حملت على العامل الأقرب للجوار، وهي في المعنى للأول كما يقال (حجرُ ضبٍ خربٍ) فعطف الاسم على الاسم ومعناه يختلف، وقيل: إن قراءة النصب تنزل على حال كشف الرجل فتغسل، وقراءة الخفض على حال ستر الرجل بالخف فتمسح، وقيل: قراءة الخفض تدل على المسح، لكن المراد بهذا المسح الغسل الخفيف؛ لأن العرب تسمي المسح غسلًا، وقد وردت السنة بما يدل على ذلك، قال الزمخشري: فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح؟ قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهى عنه، فعطفت على الثالث الممسوح لا لتُمسح ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها. وقيل: إن حكمهما المسح كما هو في الرأس لكن السنة نسخت ذلك.\n[الأوسط: ١/ ٤١٤، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٤٨٧، الحجة لابن زنجلة: ٢٢٣، الإيضاح: ٢٦٦، البيان والتحصيل: ١/ ١٢٠، الكشاف: ١/ ٦٤٥، المحرر الوجيز: ٥/ ٤٨، معالم التنزيل: ٣/ ٢٣، تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٦].","vol":"1","page":996},{"text":"ومن قرأها (وأرجلَكم) نصبًا فهو الغسل، ومن قرأها بالخفض فجعلها معطوفة على الرؤوس؛ لأنها تليها، وقد يعطف الشيء على ما يليه، وقد يعطف على الذي قبله، قال الله ﷿: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (^١) فعطف الوارث على المولود له، وعلى أن على وارث الولاية القائم مقام الأب ما كان على الأب من الرزق والكسوة، وهذه الآية اختلف الناس فيها، فقالوا: على الوارث ألا يضار، وقال آخرون: النفقة وألا يضار، والذي أراه أن على من قام مقام الأب في مال الطفل الأمرين جميعًا؛ لأنه سمي وارث، وهو الوصي ومن قام مقامه، قال الله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ (^٢) وإنما قام مقامه، ونظائر هذا في القرآن كثير (^٣).\nفلما قيل: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (^٤) فسمي الموضع المنتهى إليه دل على الغسل؛ لأن التحديد إنما يقع للغسل، ولا يقع في المسح إذ كان المسح لا يستوعب، ألا ترى الرَجُلَ لو توضأ ومسح برأسه وترك منه شيئًا يسيرًا لأجزأ (^٥)،\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٣٣]\n(^٢) [سورة النمل: الآية ١٦]\n(^٣) سبق الحديث عن هذه المسألة عند تفسير آية ٢٣٣ من سورة البقرة.\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٥) في الأصل: الاجزا، ولعل الصواب ما أثبت.\n\n* لوحة: ١١٨/ب.","vol":"1","page":997},{"text":"وإن كنا لا نأمر أن يتعمد الإنسان ترك شيء منه؛ لما روي عن رسول الله - ﷺ - من سائر الوجوه الصحيحة: أنه مسح من مقدم رأسه إلى * مؤخره، ثم رده إلى حيث بدأ (^١). وفي الأعضاء أيضًا تقديم وتأخير لا يمنع منه ذو عقل ومعرفة، وأن يكون الله سبحانه أراد اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا بروؤسكم (^٢)، إذ العمل المروي يؤيده، فإن قيل: قد قدم رسول الله - ﷺ - المسح (^٣)، قيل: هذا هو المؤيد لجواز تقديم الأعضاء، وأن يكون عمل على النسق والمراد غيره، والقائل بمسح الرجلين يجيز ترك بعض الرأس، ولا يجيز ترك بعض الرجلين؛ لأن إجازة ذلك مخالفة لكتاب الله، إذ يقول: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (^٤) وجاءت الروايات كلها عن رسول الله - ﷺ - كل من روى الوضوء: أنه غسل رجليه (^٥).\n_________\n(^١) روى البخاري في صحيحه: ١/ ٨٠ باب مسح الرأس كله كتاب الوضوء من حديث عبد الله بن زيد: أن رسول الله - ﷺ - بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه. ومسلم في صحيحه: ١/ ٢١١ كتاب الطهارة حديث: ١٨.\n(^٢) انظر تفسير الطبري: ٦/ ١٢٦، معاني القرآن للنحاس: ٢/ ٢٧٢.\n(^٣) أي: أن الرسول - ﷺ - مسح رأسه قبل رجليه.\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٥) رواه البخاري في صحيحه: ١/ ٨٠ كتاب الوضوء باب غسل الرجلين إلى الكعبين، ومسلم في صحيحه: ١/ ٢١١ كتاب الطهارة حديث: ١٨.\nقال ابن جرير: وقد صح عنه - ﷺ - الأمر بغسل القدمين في الوضوء بالماء بالنقل المستفيض القاطع عذر من انتهى إليه وبلغه. [جامع البيان: ٦/ ١٣٥].","vol":"1","page":998},{"text":"ولم يرو المسح، وكان شرط الله ﵎ في الرجلين مثل شرطه في اليدين؛ لأنه قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (^١)، ثم قال: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (^٢) فعلم أنه عطف على اليدين، وقال النبي - ﷺ -: (ويل للأعقاب (^٣) من النار) (^٤) (ويل للعراقيب (^٥) من النار) (^٦). فدل ذلك كله على الغسل.\nوقد احتج قوم أنه المسح: بالتيمم، وأنه قد يبلغ به إلى المرفقين وهو مسح، فقيل لهم: لم يقل الله ﵎ في التيمم إلى المرفقين، فاختلف الناس في ذلك، وإنما قلنا: يمسح ما كان يغسل احتياطًا، وكان أقوى في باب الحجة، وأحوط في أداء الصلاة (^٧).\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٣) قال القاضي عياض: الأعقاب مؤخر الأقدام، واحدها عقِب، وعقْب بكسر القاف وسكونها، وعقب كل شيء آخره. ... [إكمال المعلم: ٢/ ٣٥].\n(^٤) رواه البخاري في صحيحه: ١/ ٧٢ باب غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين، و١/ ٧٣ باب غسل الأعقاب كتاب الوضوء، ومسلم في صحيحه: ١/ ٢١٣ كتاب الطهارة حديث: ٢٥.\n(^٥) قال القاضي عياض بعد ذكره لمعنى الأعقاب المتقدم: وجاء في الحديث الآخر العرقيب وهو في معناه، والعُرقوب: العصبة في مؤخر الرجل فوق العقب واعلاه. [إكمال المعلم: ٢/ ٣٥].\n(^٦) رواه مسلم في صحيحه: ١/ ٢١٥ كتاب الطهارة حديث: ٢٩.\n(^٧) سبق الحديث عن مسألة حد اليدين في التيمم وقول من قال بأنه يبلغ بهما إلى المرفقين قياسًا على ما يغسل منهما، في سورة النساء آية: ٤٣.","vol":"1","page":999},{"text":"وقد قال قوم وقوله ﷿: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (^١) أي: بعض روؤسكم (^٢)، ولو كان هذا هو المعنى لنزل القرآن به، ولما مسح رسول الله - ﷺ - رأسه كله، إذ لم يرو عنه أنه مسح ببعض رأسه رواية تصح (^٣)، كل من روى وضوء رسول الله - ﷺ - روى أنه مسح رأسه كله (^٤)،\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٢) ذهب الأحناف على أن المفروض في مسح الرأس هو ربعه، وفي رواية مقدار ثلاث أصابع، وذهب الشافعي إلى أن من مسح من رأسه شيئًا فقد مسح رأسه، ولم يقدر لذلك حدًا، بل لومسح بعض شعرة من رأسه أجزأه.\n[الأم: ١/ ٢٦، أحكام القرآن للطحاوي: ١/ ٧٩، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٤٨١، تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٤]\n(^٣) نعم لم يرو عنه - ﷺ - رواية تصح في أنه مسح بعض رأسه، لكن الأحناف والشافعية استدلوا بما في صحيح مسلم: ١/ ٢٣٠ كتاب الطهارة حديث ٨١ من حديث المغيرة بن شعبة في ذكر صفة وضوء رسول الله - ﷺ - وفيه: ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه. قال الطحاوي في أحكام القرآن: ١/ ٧٨: فلما كان قد مسح على ناصيته ولم يمسح بقية رأسه دل ذلك على أن الفرض عليه هو ما فعله في الناصية.\nوقد أجاب عن هذا أصحاب مالك: بأن هذا الحديث نص على مسح جميع الرأس؛ لأنه لو لم يلزم الجميع لم يجمع بين العمامة والرأس، وحملوا المسح على العمامة بأنه كان لعذر من مرض منعه كشف رأسه فصارت العمامة كالجبيرة التي يغسل ما ظهر من العضو ويمسح الباقي عليها. [أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ٦٣، إكمال المعلم: ٢/ ٩١، تفسير القرطبي: ٦/ ٨٨].\nوأجاب أصحاب أحمد: بأن هذا الحديث يدل على جواز المسح على العمامة ونحن نقول به. [المغني: ١/ ١٧٦].\n(^٤) حديث عبد الله بن زيد تقدم تخريجه ص: ٦٢٨، وبه أخذ مالك وأحمد. انظر المراجع السابقة.\n\n* لوحة: ١١٩/أ.","vol":"1","page":1000},{"text":"هذا مع نهي * رسول الله - ﷺ - عن العداء، قال عبد الله بن مغفل (^١): سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: سيكون قوم من هذه الأمة يعتدون في الدعاء والطهور (^٢). فترك بعض الرأس عداء، كما أن الزيادة على مسحه عداء، والرواية في الثلاث خطأ، وراويها غير معتمد عليه (^٣)،\n_________\n(^١) عبد الله بن مغفل بن عبد غنم المزني، أبو سعيد أو أبو زياد، من مشاهير الصحابة، من أصحاب الشجرة، أحد البكائين في غزوة تبوك، سكن المدينة ثم تحول عنها إلى البصرة وبها مات سنة ٦٠ هـ.\n[الاستيعاب: ٢/ ٣٢٥، الإصابة: ٢/ ٣٧٢].\n(^٢) رواه أبو داود في سننه: ١/ ٢٤ باب الإسراف في المياه كتاب الطهارة، وأحمد في مسنده: ٤/ ٨٦، ٨٧، ٥/ ٥٥، وابن حبان في صحيحه: ١٥/ ١٦٦، والحاكم في المستدرك: ١/ ٢٦٧ كتاب الطهارة، ١/ ٧٢٤ كتاب الدعاء وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في سننه: ١/ ١٩٦ النهي عن الإسراف في الوضوء كتاب الطهارة، قال ابن حجر في تلخيص الحبير: ١/ ١٤٤ وهو صحيح.\n(^٣) روى أبوداود في سننه: ١/ ٢٦ صفة وضوء النبي - ﷺ - كتاب الطهارة من حديث حمران قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ، وفيه: ومسح رأسه ثلاثًا ثم غسل رجليه ثلاثًا ثم قال: رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ هكذا. قال أبوداود: وأحاديث عثمان - ﵁ - الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنه مرة واحدة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثًا وقالوا فيها: ومسح رأسه ولم يذكروا عددًا كما ذكروا في غيره .. ورواه أحمد في مسنده: ١/ ٦١، والبزار في مسنده: ٢/ ٧٣، والدارقطني في سننه: ١/ ٩١ دليل تثليث المسح حديث: ٣، والبيهقي في سننه: ١/ ٦٢ باب التكرار في مسح الرأس كتاب الطهارة، وقال: وقد روي من أوجه غريبة عن عثمان - ﵁ - ذكر التكرار في مسح الرأس؛ إلا أنها مع خلاف الثقات ليست بحجة عند أهل المعرفة، وإن كان بعض أصحابنا يحتج بها.\nوقد روي من طرق أخرى عن عثمان من غير طريق حمران، ومن طرق عن علي بن أبي طالب - ﵁ -، كلها لاتخلو من مقال مع مخالفتها لما هو أوثق منها [انظر هذه الطرق عند: أبي داود، والدارقطني، والبيهقي في المواضع السابقة، وانظر كلام الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير عنها: ١/ ٨٤].","vol":"1","page":1001},{"text":"وهو مسح كمسح التيمم، فلا يزاد في عدده، وقول الله ﷿: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (^١) مثل قوله في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (^٢)، ومسح رسول الله - ﷺ - بمقدم رأسه إلى قفاه، ثم ردها إلى حيث ... بدأ (^٣)، وقوله ﷿: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (^٤) وامسحوا روؤسكم واحد، وهذه الباء تدخل في الكلام، والمعنى فيها وفي إسقاطها واحد عند أهل اللسان (^٥)؛\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٣) سبق تخريجه ص: ٦٢٨.\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ٦]\n(^٥) قال ابن عطية: والباء في قوله (برؤوسكم) مؤكدة زائدة عند من يرى عموم الرأس، والمعنى عنده: وامسحوا رؤوسكم، وهي للإلزاق المحض عند من يرى إجزاء بعض الرأس، كأن المعنى: أوجدوا مسحًا برؤوسكم فمن مسح شعرة فقد فعل ذلك. ... [المحرر الوجيز: ٥/ ٤٧].\nقلت: وفي كون الباء زائدة، وفي إسقاطها وعدمه لا يتغير المعنى نظر، بل لابد من فائدة، قال الزركشي: حرف الباء أصله للإلصاق، ومعناه اختلاط الشيء بالشيء ويكون حقيقة وهو الأكثر، ثم قال بعد ذكره لما ادعي فيه الزيادة: والجمهور على أنها لا تجيء زائدة وأنه إنما يجوز الحكم بزيادتها إذا تأدى المعنى المقصود بوجودها وحالة عدمها على السواء، وليس كذلك هذه الأمثلة فإن معنى (وامسحوا برؤوسكم) اجعلوا المسح ملاصقًا برؤسكم.\n[البرهان في علوم القرآن: ٤/ ٢٢٢، ٢٢٣].\n\nوقال ابن العربي: فائدة بديعة وذلك أن قوله (فامسحوا) يقتضي ممسوحًا وممسوحًا به، والممسوح الأول هو ما كان، والممسوح الثاني هو الآلة التي بين الماسح والممسوح كاليد والمحصل للمقصود من المسح وهو المنديل وهذا ظاهر لا خفاء به، فإذا ثبت هذا فلو قال (امسحوا رؤوسكم) لأجزأ المسح باليد إمرارًا من غير شيء على الرأس لا ماء ولا سواه، فجاء بالباء لتفيد ممسوحًا به وهو الماء، فكأنه قال (فامسحوا برؤوسكم الماء) من باب المقلوب والعرب تستعمله. [أحكام القرآن: ٢/ ٦٤، وانظر: تفسير القرطبي: ٦/ ٨٨، ومغني اللبيب: ١/ ١٢٢].\nفالظاهر أن الباء هنا ليست للتبعيض وليست زائدة بل هي للإلصاق، والذي يفهم من الإلصاق هو مسح جميع الرأس ليس كما قال ابن عطية، قال ابن كثير: اختلفوا في هذه الباء هل هي للإلصاق وهو الأظهر، أو للتبعيض وفيه نظر على قولين، ومن الأصوليين من قال: هذا مجمل فليرجع في بيانه إلى السنة.\n[تفسير القرآن العظيم: ٢/ ٢٤]","vol":"1","page":1002},{"text":"لأنك تقول: ليس فلان قاتلًا، وليس فلان بقاتل، قال الشاعر:\nكفى الشيب والإسلام للمرء ناهيًا (^١)\nفكان مثل قوله: كفى بالشيب والإسلام، وقال الله ﵎: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (^٢) وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز الطواف ببعض البيت، حتى قالوا: من طاف في الحجر لم يجزئه طوافه؛ لأن بعض الحجر من البيت (^٣)، فلم تعمل الباء ... شيئًا.\n_________\n(^١) البيت لسحيم، عبد بني الحساس، وأوله: عميرة ودع إن تجهزت غاديًا، والبيت في طبقات فحول الشعراء لابن سلام: ١/ ١٨٧، وتفسير القرطبي: ٥/ ١٢١، ولسان العرب: ١٥/ ٢٦٦.\n(^٢) [سورة الحج: الآية ٢٩]\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص: ١/ ١١٤، تفسير ابن كثير: ٣/ ٢١٨.","vol":"1","page":1003},{"text":"وقال مالك - ﵁ - فيمن قدم يديه قبل وجهه: إنه إن كان في مكانه أو بحضرة ذلك أعاد ما قدم، ليكون بعد ما أخر، وإن كان صلى فصلاته ماضية (^١). وبما قال في الحال الأول اتباع للسنة (^٢)، وخالفه الشافعي فزعم: أن الصلاة لا تصح إذا قدم ما أخر ذكره (^٣). ولا نعلم اختلافًا بين أهل اللغة أن الواو لا توجب التبدئة، وإنما تقتضي الأفعال (^٤)،\n_________\n(^١) الموطأ: ١/ ٤٨ كتاب الطهارة حديث: ٧، المدونة: ١/ ١٢٣، النوادر والزيادات: ١/ ٣٢، وبه قال: أبو حنيفة وأصحابه، والليث، والثوري، والأوزاعي، ورجحه ابن المنذر. الأوسط: ١/ ٤٢٤، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٥٠٧.\n(^٢) أي: القول بالترتيب.\n(^٣) الأم: ١/ ٣٠، وإليه ذهب أحمد وأبو ثور وأبو عبيد، وهو قول أبي مصعب صاحب مالك وذكره عن أهل المدينة. الاستذكار: ٢/ ٦٠، المغني: ١/ ١٨٩.\n(^٤) فيما ذكر المؤلف نظر، فقد نقل عن بعض أهل اللغة أنها تفيد الترتيب، قال ابن هشام: وقول السيرافي: إن النحويين واللغويين أجمعوا على أنها لا تفيد الترتيب مردود، بل قال بإفادتها إياه: قطرب، والربعي، والفراء، وثعلب، وأبو عمرو، والزاهد، وهشام، والشافعي. [مغني اللبيب: ٢/ ٤٠٩].\n\n* لوحة: ١١٩/ب.","vol":"1","page":1004},{"text":"إذا قال: لقيت زيدًا وعمرًا، فقد * يجوز عندهم أن يكون لقي عمرًا قبل زيد، وإذا قيل: لقيت زيدًا فعمرًا، علم أنه لقي زيدًا أولًا بغير تراخي، فإذا قال: لقيت زيدًا ثم عمرًا، فقد ذكر أنه لقي عمرًا بعد زيد على تراخ، فالواو لا توجب التبدئة، وإنما تقتضي الأفعال، قال الله ﵎: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (^١) وقد علم أن السجود بعد الركوع؛ لأن السجود أزيد في التواضع لله ﷿، ومن شأن العبد أن يكون تواضعه لله يزيد لا ينقص، والركوع بعد السجود تواضع دون الأول، فمعلوم أن الله ﵎ اقتضى الأفعال منها، ففعلت ما أمرت به، وصلت فركعت ثم سجدت، والقنوت هاهنا طول القيام، والخشوع لله ﷿. فإن قيل: فإن رسول الله - ﷺ - بدأ كما بدأ الله في الآية، قلنا: كذلك نأمر المتوضئين بذلك اتباعًا للسنة (^٢)، فإن قيل: فقد قال الله ﵎: ... ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (^٣)، وقال النبي - ﷺ -: نبدأ بما بدأ الله به (^٤) (^٥). قلنا: الواو هاهنا لا توجب التبدئة أيضًا، وفعل رسول الله - ﷺ - يجري مجرى السنن، فلو كنا في هذا وكلنا إلى الآية والفعل لاخترنا أن نبدأ بما بدأ الله به، فإن خالف ذلك إنسان غير عامد للخلاف، وأتى بالسعي وعدده أجزأه، ولكن أمر الحج وإن كان نعلمه من الكتاب وأفعال رسول الله - ﷺ - لقوله: خذوا عني مناسككم (^٦).\n_________\n(^١) [سورة آل عمران: الآية ٤٣]\n(^٢) أي: وليس فرضًا.\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ١٥٨]\n(^٤) رواه مسلم في صحيحه: ٢/ ٨٨٨ كتاب الحج حديث: ١٤٧ بلفظ: أبدأ بما بدأ الله به.\n(^٥) أورد هذه الحجج الشاافعي في الأم: ١/ ٣٠.\n(^٦) سبق تخريجه ص: ١٥٠.","vol":"1","page":1005},{"text":"فإن الأصل مأخوذ عن إبراهيم الخليل صلوات الله عليه، فقد يجوز أن يكون النبي - ﷺ - احتذى فيه فعل إبراهيم، وما أمر الله ﵎ إبراهيم به، فلما جاز ذلك خفي عنا أو علمناه *، ولم نوكل إلى ظاهر الآية، وما توجبه اللغة فيها، ومع ذلك فإن الذبح والنحر عند المروة لقول النبي - ﷺ -: هذا المنحر (^١).\n_________\n* لوحة: ١٢٠/أ.\n(^١) سبق تخريجه ص: ٢٦١.","vol":"1","page":1006},{"text":"فاحتيج أن يجعل آخر السعي المروة، ووجدنا في الحج أفعالًا من النحر والحلق وما أشبهه، وإن قدم بعضه على بعض فجاز ذلك، وإن كان فعل رسول الله - ﷺ - مخالفًا لمن قيل له: افعل ولا حرج. قال الله سبحانه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (^١) وأجمعوا أنه من طاف ثم رمى وحلق أنه جائز، وقال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (^٢) وقال النبي - ﷺ - لمن قال: حلقت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج (^٣). وقال الله ﵎ للقاتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (^٤) وأجمعوا أن الدية إن قدمت جاز، وقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^٥) ولا اختلاف أنه إن قدم العمرة وهو ضرورة أجزأه، والعمرة عند الشافعي فرض (^٦)، وكانوا قد اتفقوا على أمر الصفا والمروة، فصار مخصوصًا بأن نبدأ بالصفا؛ إذ كان الطواف والسعي من شرع إبراهيم - ﷺ -، وكان النحر عند المروة لم يجز أن نبدأ إلا بالصفا؛ لأن التمام يقع عند المروة (^٧).\n_________\n(^١) [سورة الحج: الآية ٢٩]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٣) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٦١٨ كتاب الحج باب الفتيا على الدابة عند الجمرة من حديث عبدالله بن عمرو، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٩٤٨ كتاب الحج حديث: ٣٢٧.\n(^٤) [سورة النساء: الآية ٩٢]\n(^٥) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٦) تقدم الحديث عن هذه المسألة في سورة البقرة آية ١٩٦.\n(^٧) ذكر جملة من هذه الحجج ابن عبد البر في الاستذكار: ٢/ ٥٧.\nولعل الصواب في هذه المسألة هو قول من قال بفرضية الترتيب، ومما يدل على ذلك: أنه ورد في الآية قرينة تدل على فرضية هذا الترتيب وهي: أنه أدخل ممسوحًا بين المغسولات، والعرب لاتقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة، وهي الترتيب ههنا، فإن قيل: هذه الفائدة تدل على أن الترتيب سنة، قيل: الآية ما سيقت إلا لبيان الواجب ولهذا لم يذكر فيها شيء من السنن. ومما يدل على فرضية الترتيب غير ما في الآية: أن كل الذين وصفوا وضوء الرسول - ﷺ - وصفوه مرتبًا، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، أي: إلا بمثله، وهذا مفسر لما في الآية.\n[أحكام القرآن الكياالهراس: ٣/ ٩٢، المغني: ١/ ١٩٠، المجموع: ١/ ٤٧٢، تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٥].\nقال ابن العربي: فالنظر الصحيح في ذلك أن يقال: تجب البداءة بما بدأ الله به وهو الوجه، كما قال النبي - ﷺ - حين حج وجاء إلى الصفا: نبدأ بما بدأ الله به، وكانت البداءة بالصفا واجبة. ويعضد هذا أن النبي - ﷺ - توضأ عمره كله مرتبًا ترتيب القرآن، وفعله هذا بيان مجمل كتاب الله تعالى، وبيان المجمل الواجب واجب، وهي مسألة خلاف عظمى قد بيناها في مسائل الخلاف وهذا هو الذي يختار فيها. [أحكام القرآن: ٢/ ٥٢].\nوقال القرطبي: والصحيح أن يقال: إن الترتيب متلقى من وجوه أربعة الأول: أن يبدأ بما بدأ الله به كما قال ﵊ حين حج: نبدأ بما بدأ الله به، الثاني: من إجماع السلف فإنهم كانوا يرتبون، الثالث: من تشبيه الوضوء بالصلاة، الرابع: من مواظبة رسول الله - ﷺ - على ذلك. [الجامع لأحكام القرآن: ٦/ ٩٩].","vol":"1","page":1007},{"text":"قال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (^١) إلى قوله عز من قائل: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢).\nقول مالك - ﵁ -: إن المحاربة: عصيان الله، والسعي في الأرض فسادًا: إخافة السبيل، فإذا حمل السلاح، وأخاف السبيل فقد لزمه حكم الآية، فالإمام مخير فيه إذا قدر عليه قبل التوبة: إن شاء * قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع من خلاف، وإن شاء نفى، وسواء قتل، أو أخذ المال، أو لم يأخذه، الحكم فيه واحد (^٣)، وقال بعض الناس: إن الإمام ليس بمخير في المحارب، وإنما له أن يقتله إذا قتل، وأن يقطعه إذا سرق، وأن يصلبه إذا قتل وأخذ المال، وينفيه إذا لم يفعل شيئًا من ذلك (^٤).\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٣٣]\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٣٤]\n* لوحة: ١٢٠/ب.\n(^٣) المدونة: ٤/ ٥٥٢، تفسير الطبري: ٦/ ٢١٠، النوادر والزيادات: ١٤/ ٤٦٢، الإشراف للقاضي عبدالوهاب: ٢/ ٨٥٠، الاستذكار: ٢٤/ ٢٠٤.\n(^٤) ذهب الجمهور إلى أن هذه العقوبات على ترتيب الجرائم لا على التخيير، أي: أن لكل رتبة من الحرابة رتبة من العقاب، على اختلاف فيما بينهم في هذه المراتب، فذهب أبو حنيفة إلى أن المحاربين إذا قتلوا فقط قُتلوا، وإن أخذوا المال فقط قُطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف،، وإن قتلوا وأخذوا المال فإن للإمام أربع خيارات: إن شاء ققطع أيديهم وأرجلهم وقتلهم، وإن شاء ققطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم، وإن شاء صلبهم، وإن شاء قتلهم وترك القطع، وري عن أبي يوسف ومحمد: إذا قتلوا وأخذوا المال فإنهم يصلبون ويقتلون ولا يقطعون.\nوذهب الشافعي: إلى أن قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال قُتلوا وصُلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قُتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قُطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا هربوا طلبوا حتى يوجدوا فتقام عليهم الحدود، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالًا نفوا من الأرض. وهذا هو مشهور مذهب أحمد.\n[الأم: ٦/ ١٥٢، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٥٧٤، معالم التنزيل: ٣/ ٤٩، أحكام القرآن لابن العربي: ... ٢/ ٩٧، المغني: ١٢/ ٤٧٥، تفسير القرطبي: ٦/ ١٥١].\nوالذي يظهر من مذهب مالك أن الإمام مخيير فيه ما لم يظهر فساده، فقد روي عنه: أن من عظم فساده وطال أذاه ونصب نصبًا شديدًا فهذا لا يكون الإمام مخيرًا فيه ويقتله. فوافق الجمهور في هذا الوجه.\n[المدونة: ٤/ ٥٥٣، النوادر والزيادات: ١٤/ ٢٦٢، المنتقى: ٧/ ١٧١].\nقال الطحاوي: وأما ما حكيتَه عن مالك فقد غلطت عليه فيه؛ لأن مالكًا كان يستعمل التخيير كما ذكرتَ ما لم يقتل او يطول مكثه في المحاربة، فإذا كان ذلك كان حكمه أن يقتله، فقد عاد بذلك على طائفة من قول الآخرين ممن يجعل الآية على المراتب لا على التخيير. [شرح مشكل الآثار: ٥/ ٥٦].","vol":"1","page":1008},{"text":"قال القاضي: فأجرى الشافعي حكم المحارب كحكم القاتل غير المحارب، فلا نرى المحاربة أحدثت شيئًا، وقد ركب ما ركب من الفساد في الأرض، قال الله ﵎: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (^١) فجعل الفساد بمنزلة القتل؛ لأن المعنى والله أعلم: من قتل نفسًا بغير نفس، أو بغير فساد في الأرض، فلم يحتج إلى إعادة غير، وعطف الكلام على ما قبله (^٢)، فجعل الفساد عِدلًا للقتل، فإذا كان الشيء بمنزلة الشيء فهو مثله، وقد ذكر الله ﵎ القصاص في غير موضع من كتابه، ثم أفرد للمحارب حكمًا، فانتهينا إلى حكم الله ﵎ فيه (^٣).\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٣٢]\n(^٢) مجاز القرآن: ١/ ١٦٤، تفسير الطبري: ٦/ ٢٠٠.\n(^٣) يريد المؤلف بهذه المقدمة أن يصل إلى نتيجة وهي: أن المحارب حتى وإن لم يَقْتُل فإن عمله بمنزلة القتل، فيجوز قتله، قال مالك: إذا نصب وأخاف وحارب وإن لم يقتل كان الإمام مخيرًا، وتأول مالك هذه الآية قول الله ﵎ في كتابه (أنه من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا) قال: فقد جعل الله الفساد مثل القتل. [المدونة: ٤/ ٥٥٢، النوادر والزيادات: ١٤/ ٤٦٤، الاستذكار: ٢٤/ ٢٠٥].\nقال عبد الله بن أبي سلمة الماجشون: فإن قال قائل: لا ينبغي أن يُقتل إلا إذا قتل. فقد أحل الله قتل النفس الفساد حين قال: (من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض) إنه يقول: بغير نفس أو بغير فساد في الأرض، يقول: فمن قتله ولم يقتل نفسًا ولم يفسد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا، ولم يخصص الله القتل في ذكر المحاربة بشيء إلا ما يجمعه وغيره من الفساد، ولكن الفساد يختلف فمنه ما يكون كبيرًا عظيمًا، ومنه ما يكون على غير ذلك فالإمام يجتهد في ذلك رأيه في القتل أو القطع أو الصلب. [الموطأ لابن وهب: ٢٨ كتاب المحاربة].\nوقد ذكر هذا الاحتجاج الجصاص في أحكام القرآن وأجاب عنه: ٢/ ٥٧٦.","vol":"1","page":1009},{"text":"قال عطاء (^١)، ومجاهد (^٢)، والضحاك (^٣)، وأبو عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر: كل ما قال الله ﵎ فيه افعل كذا، أو كذا، فصاحبه بالخيار، أيُّ ذلك فعل فقد أتى بما أمره الله به (^٤)، قال أبو مصعب عن مالك - ﵁ - مثل ذلك (^٥). فهذا الذي يفهم من كلام الناس (^٦).\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه: ٦/ ٢٤٦٧ تعليقًا عن ابن عباس وعطاء وعكرمة في كتاب الكفارات: ما كان في القرآن أو فصاحبه بالخيار، وقد خير النبي - ﷺ - كعبًا في الفدية. وقد وصل أثر عطاء: الشافعي في الأم: ٢/ ١٨٨، وسعيد بن منصور في سننه: ٤/ ١٤٦٠، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٣٧، والبيهقي في معرفة السنن والآثار: ٧/ ٤٢٠، وصححه ابن حجر في الفتح: ١١/ ٧٢٤.\n(^٢) تفسير الطبري: ٢/ ٢٣٦، تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٣٩، وصححه ابن حجر في الفتح: ١١/ ٧٢٤.\n(^٣) تفسير الطبري: ٧/ ٥٣، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٣٩.\n(^٤) لم أقف على قول أبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر، لكن انظر في معاني (أو): مغني اللبيب: ١/ ٧٤، البرهان في علوم القرآن: ٤/ ١٨٦.\n(^٥) قال مالك: كل شيء في كتاب الله في الكفارات كذا أوكذا فصاحبه مخير في ذلك، أي شيء أحب أن يفعل ذلك فعل. الموطأ: ١/ ٣٣٤ كتاب الحج حديث: ٢٤١، والموطأ برواية أبي مصعب الزهري: ١/ ٤٩٢.\n(^٦) أجاب عن هذا ابن جرير في تفسيره حيث قال: فأما ما اعتل به القائلون: إن الإمام فيه بالخيار من أن (أو) في العطف تأتي بمعنى التخيير في الفرض، فقولٌ لا معنى له؛ لأن (أو) في كلام العرب قد تأتي بضروب من المعاني لولا كراهة إطالة الكتاب بذكرها لذكرتها، فأما في هذا الموضع فإن معناها التعقيب، وذلك نظير قول القائل: إن جزاء المؤمنين عند الله يوم القيامة أن يدخلهم الجنة أو يرفع منازلهم في عليين أو يسكنهم مع الأنبياء والصديقين .. فمعلوم أن قائل ذلك غير قاصد بقيله إلى أن جزاء كل مؤمن آمن بالله ورسوله فهو في مرتبة واحدة من هذه المراتب ومنزلة واحدة من هذه المنازل بإيمانه، بل المعقول عنه أن معناه أن جزاء المؤمن لن يخلو عند الله من بعض هذه المنازل، فالمقتصد منزلته دون منزلة السابق بالخيرات والسابق بالخيرات أعلى منه منزلة، والظالم لنفسه دونهما، وكلٌ في الجنة، فكذلك معنى المعطوف بأو في قوله (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) الآية إنما هو التعقيب، فتأويله: إن الذي يحارب الله ورسوله ويسعى في الأرض فسادًا لن يخلو من أن يستحق الجزاء بإحدى هذه الخلال الأربع التي ذكرها الله عز ذكره، لا أن الإمام محكَّمٌ فيه ومخير في أمره كائنة ما كانت حالته، عظمت جريرته أو خفت؛ لأن ذلك لو كان كذلك لكان للإمام قتل من شهر السلاح مخيفًا السبيل وصلبه وإن لم يأخذ مالًا ولا قتلَ أحدًا، وكان له نفي من قتل وأخذ المال وأخاف السبيل، وذلك قول إن قاله قائل خلاف ما صحت به الآثار عن رسول الله من قوله: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث رجل قتل رجلا فقتل أو زنى بعد إحصان فرجم أو ارتد عن دينه، وخلاف قوله: القطع في ربع دينار فصاعدًا، وغير المعروف من أحكامه. =","vol":"1","page":1010},{"text":"وما روي عن ابن عباس (^١)، والحسن (^٢)، وسعيد بن جبير (^٣)، فعلى وجه المشورة (^٤)، ومن تابعهم (^٥).\n_________\n= فإن قال قائل: فإن هذه الأحكام التي ذكرت كانت عن رسول الله في غير المحارب، وللمحارب حكم غير ذلك منفرد به، قيل له: فما الحكم الذي انفرد به المحارب في سننه؟ فإن ادعى عنه حكمًا خلاف الذي ذكرنا أكذبه جميع أهل العلم؛ لأن ذلك غير موجود بنقل واحد ولا جماعة، وإن زعم أن ذلك الحكم هو ما في ظاهر الكتاب، قيل له: فإن أحسن حالاتك إن سُلِّم لك أن ظاهر الآية قد يحتمل ما قلت وما قاله من خالفك فما برهانك على أن تأويلك أولى بتأويل الآية من تأويله؟\nوبعد فإذا كان الإمام مخيرًا في الحكم على المحارب من أجل أن (أو) بمعنى التخيير في هذا الموضع عندك، أفله أن يصلبه حيًا ويتركه على الخشبة مصلوبًا حتى يموت من غير قتله؟ فإن قال: ذلك له. خالف في ذلك الأمة. وإن زعم أن ذلك ليس له وإنما له قتله ثم صلبه أو صلبه ثم قتله ترك علته من أن الإمام إنما كان له الخيار في الحكم على المحارب من أجل أن (أو) تأتي بمعنى التخيير، وقيل له: فكيف كان له الخيار في القتل أو النفي أو القطع ولم يكن له الخيار في الصلب وحده حتى تجمع إليه عقوبة أخرى؟ [انظر جامع البيان: ٦/ ٢١٥، ٢١٦].\n(^١) روى الشافعي في الأم: ٦/ ١٥٢ عن ابن عباس أنه قال في قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال قُتلوا وصُلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قُتلوا ولم يُصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قُطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا هربوا طُلبوا حتى يوجدوا فتقام عليهم الحدود، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالًا نفوا من الأرض. وروى نحوه: عبد الرزاق في مصنفه: ١٠/ ١٠٩، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ١٤٣، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٤ في المحارب إذا قتل وأخذ المال كتاب الحدود، و٦/ ٤٤٨ ما قالوا في المحارب إذا قتل وأخذ المال كتاب السير، وابن جرير في تفسيره: ٦/ ٢١١، ٢١٣، والطحاوي في شرح مشكل الآثار: ٥/ ٥٥، والبيهقي في سننه: ٨/ ٢٨٣ باب قطاع الطريق كتاب السرقة.\n(^٢) تفسير الطبري: ٦/ ٢١٢، الاستذكار: ٢٤/ ٢٠٥، تفسير ابن كثير: ٢/ ٥١.\n(^٣) مصنف عبد الرزاق: ١٠/ ١٠٨، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٤٥٤، مصنف ابن أبي شيبة: ٦/ ٤، ٤٤٨ الموضع السابق، تفسير الطبري: ٦/ ٢١٣، سنن البيهقي: ٨/ ٢٨٤ باب المحارب يتوب كتاب السرقة.\n(^٤) إن كان المؤلف يقصد بالمشورة هنا إبداء الرأي من هؤلاء دون إلزام بهذا الحكم، ففيه نظر، فالظاهر من الروايات أنهم حكموا حكمًا عامًا في المحاربين على وجه الإلزام وليس على وجه المشورة.\n(^٥) يروى هذا عن: قتادة، وأبي مجلز، وإبراهيم النخعي، وعطاء الخراساني، وعطية العوفي، والربيع، وغيرهم. انظر المراجع السابقة في تخريج الآثار السابقة ما عدا الأم، وسنن سعيد بن منصور.","vol":"1","page":1011},{"text":"وأما سعيد بن المسيب (^١)، والضحاك بن مزاحم (^٢)، والحسن (^٣)، وعطاء (^٤)، والقاسم (^٥)، وعمر بن عبد العزيز (^٦)، فقالوا: الإمام مخير. *\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة: ٦/ ٣ في المحارب يؤتى به إلى الإمام كتاب الحدود، و٦/ ٤٤٩ من قال الإمام مخير في المحارب كتاب السير، تفسير الطبري: ٦/ ٢١٤، شرح مشكل الآثار: ٥/ ٥٥.\n(^٢) الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ١٤٢، مصنف أبي شيبة في الموضعين السابقين، تفسير الطبري: ٦/ ٢٠٦.\n(^٣) الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ١٤٢، مصنف أبي شيبة في الموضعين السابقين، تفسير الطبري: ٦/ ٢١٤، ٢٢٠، شرح مشكل الآثار: ٥/ ٥٣.\n(^٤) موطأ ابن وهب: ٢١، مصنف عبد الرزاق: ١٠/ ١١٠، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٤٥٩، تفسير الطبري: ٦/ ٢١٤، شرح مشكل الآثار: ٥/ ٥٣، الناسخ والمنوسخ للنحاس: ٢/ ٢٨٦.\n(^٥) لم أقف عليه.\n(^٦) مصنف ابن أبي شيبة في الموضعين السابقين.\n* لوحة: ١٢١/أ.","vol":"1","page":1012},{"text":"وليس قول من قال: إنه مخير في المحارب أنه يفعل فيه بالهوى، ولكنه يجتهد فيما يراه ردعًا، ويتخير من العقوبات التي أنزلها الله ﵎ فيه ما يرى أنه أقرب إلى الله، فكم من محارب لم يَقتُل، له في أمره من الرئاسة والتأليب على قطع طريق المسلمين أكثر ممن قد قَتَلَ في محاربته، كما أن المجاهدين في سبيل الله لِكثيرٍ ممن لم يَقتُل منهم من العناء والتدبير ما ليس لمن قَتَل، وإذا اجتمع الناس في الخير والشر فأعظمهم عناءً أعظمهم أجرًا في الخير، وأعظمهم وزرًا في الشر، فلذلك جعل الاجتهاد إلى الحاكم في المحاربين، وهو حق من حقوق الله يقوم به الإمام، وأما الآية فيمن لم يقتل، ولم يأخذ المال، وإنما هي فيمن أفسد في الأرض، وعصى الله بذلك، فمحاربة الله عصيانه، ألا تراه قال في الربا: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^١) وحرب الله عقوبته لمن عصاه فحاربه، ولذلك قيل: يقال للمرء يوم القيامة: خذ سلاحك، وقم (^٢).\nفإذا قتل المحارب، وتاب قبل القدرة خرج من حكم هذه الآية، وصار مقتولًا قصاصًا، يقول الله ﵎: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (^٣) عند من يرى قتله بالآية، وخرج من حكم الآية إذ يقول الله ﷿: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (^٤)\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٧٩]\n(^٢) روى ابن جرير في تفسيره: ٣/ ١٠٢ عن ابن عباس قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا خذ سلاحك للحرب. ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٥٥٠.\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٤٥]\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ٣٤]\n* لوحة: ١٢١/ب.","vol":"1","page":1013},{"text":"والتائب قبل القدرة لا سبيل إلى قتله، فإذا كان قد قتل فما تنفعه التوبة، وإذا أخذ المال فالذي عليه بكتاب الله قطع اليد حسب، إن جرى مجرى السارق، والآية توجب قطع اليد والرجل، ومع ذلك فلو عفى الولي عن الدم بطل * حكم الله بالقدرة عند قائل هذه المقالة، ولو تدبروا الآية لما أزالوا حكمها، فإنهم بهذا القول قد أزالوا حكمها.\nفإن احتج محتج بحديث النبي - ﷺ -: لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث، رجل كفر بعد إسلامه، أو زنا بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس (^١).\n_________\n(^١) رواه أبود اود في سننه: ٤/ ١٧٠ باب الإمام يأمر بالعفو في الدم كتاب الديات من حديث عثمان - ﵁ -، والترمذي في سننه باب ما جاء لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث من أبواب الفتن، وقال: وفي الباب عن ابن مسعود وعائشة وابن عباس، وهذا حديث حسن، تحفة الأحوذي: ٦/ ٣٧٢، والنسائي في سننه: ٧/ ١٠٦ ذكر ما يحل به دم المسلم كتاب تحريم الدم، وابن ماجة في سننه: ٢/ ٨٢ باب لا يحل دم امرئ مسلم إلا في ثلاث أبواب الحدود، والحاكم في المستدرك: ٤/ ٣٩٠ كتاب الحدود وصححه، والبيهقي في سننه: ٨/ ١٨ باب تحريم القتل من السنة كتاب الجنايات، وغيرهم.\nولهذا الحديث شاهد من حديث ابن مسعود - ﵁ - في الصحيحين، رواه البخاري في صحيحه: ٦/ ٢٥٢١ باب قوله تعالى: أن النفس بالنفس كتاب الديات عن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة. ورواه مسلم في صحيحه: ٣/ ١٣٠٢ كتاب القسامة حديث: ٢٥.\nقال الجصاص: فنفى - ﷺ - قتل من خرج عن هذه الوجوه الثلاثة، ولم يخص فيه قاطع الطريق، فانتفى بذلك قَتْلُ من لم يَقْتُل من قطاع الطريق. أحكام القرآن: ٢/ ٥٧٥.","vol":"1","page":1014},{"text":"فهذا الحديث يدل على أن المحارب غير داخل فيه، إذ قد أُفرد له حكم خُص به؛ لأن قاتل النفس في غير المحاربة لا تسقط التوبة عنه القود، وإنما أمره في القتل أو الترك إلى ولي المقتول، وأمر المحارب إلى السلطان لإفساده في الأرض (^١)، وليس كل من قتل نفسًا يجب قتله، وإنما الحديث يدل على أن القود ذاكرٌ في القصة، والقصاص إلى الولي، وقد أجمع المسلمون في قتلى الجمل (^٢) أو صفين ألا قود بينهم، وهؤلاء فيهم (^٣) من قتل نفسًا بغير نفس؛ لأنهم قتلوا على التأويل في الدين، فلما كان قصدهم هذا سقط القود، وأما المحارب فقصده في قتل المسلم لقطع الطريق، وأخذ الأموال، والفساد في الأرض، فكان الأمر فيه إذا اجتمع له المحاربة والفساد، قتل أو لم يقتل، إلى السلطان لا إلى ولي (^٤)\n_________\n(^١) قلت: وكذلك المحارب إذا قَتلَ وتاب قبل القدرة عليه سقط عنه حق الله في إقامة حد الحرابة عليه، وبقيت حق المقتول إلى ولي المقتول عن شاء عفى وإن شاء طلب القصاص.\n(^٢) وقعة الجمل: كانت في شهر ربيع الآخر سنة ٣٦ هـ بالقرب من البصرة، وكانت بعد مقتل عثمان - ﵁ - فخرجت عائشة - ﵂ - ومن معها للثأر لدم عثمان، فبلغ ذلك عليًا بن أبي طالب - ﵁ - فخرج إليهم فكانت تلك الوقعة التي سميت بهذا الاسم نسبة إلى الجمل الذي كانت أم المؤمنين عائشة - ﵂ - قد ركبته وهي في هودجها. [البداية والنهاية: ٧/ ٢٤٦، فتح الباري: ٨/ ١٦١].\n(^٣) في الأصل: ففيهم، ولعل الصواب ما أثبت.\n(^٤) في الأصل: الولي المقتول، ولعل الصواب ما أثبت ..","vol":"1","page":1015},{"text":"المقتول، كما خرج من وصفنا من قتلى صفين والجمل من معنى هذا الحديث، كذلك خرج المحارب من معناه، مع أن المحارب قد أفسد في الأرض، وقد جعل الله الفساد في الأرض عِدلًا للقتل، وقائل هذه المقالة لا يجوز له أن يحتج بهذا الحديث؛ لأنه يقتل من امتنع من الصلاة، ويقتل من امتنع من الزكاة، وقد روت عائشة - ﵂ -: لا يحل دم أحد من أهل الملة إلا ثلاثة *قتل نفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق جماعة المسلمين يفسد في الأرض (^١).\n_________\n* لوحة: ١٢٢/أ.\n(^١) روى أبو داود في سننه: ٤/ ١٢٦ باب الحكم فيمن ارتد عن الإسلام كتاب الحدود عن إبراهيم بن طهمان عن عبد العزيز بن رفيع عن عبيد بن عمير عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصان فإنه يرجم، ورجل خرج محاربًا لله ورسوله فإنه يقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض، أو يقتل نفسًا فيقتل بها. والنسائي في سننه: ... ٧/ ١١٧ باب الصلب كتاب تحريم الدم، والطحاوي في شرح مشكل الآثار: ٥/ ٥١، والدارقطني في سننه: ... ٣/ ٨١ كتاب الحدود حديث: ١، والحاكم في المستدرك: ٤/ ٣٩٣ كتاب الحدود من نفس الطريق وليس فيه لفظة المحاربة أو الإفساد في الأرض: عن عائشة ﵂: أن رسول الله - ﷺ - قال: لا يحل دم امرئ من أهل القبلة إلا بإحدى ثلاث: قتلَ فيُقتل، والثيب الزاني، والمفارق للجماعة أو قال الخارج من الجماعة. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة.\nوقد روي عن عائشة من طرق أخرى بغير هذا اللفظ، فروى النسائي في سننه: ٧/ ١٠٦ ذكر ما يحل به دم المسلم كتاب تحريم الدم قال عائشة: أما علمت أن رسول الله - ﷺ - قال: لا يحل دم امرئ مسلم إلا رجل زنى بعد إحصانه، أو كفر بعد إسلامه، أو النفس بالنفس. وأحمد في مسنده: ٦/ ٥٨، ٢٠٥، ٢١٤، والطيالسي في مسنده: ٣/ ١٣٠، وابن أبي شية في مصنفه: ٥/ ٤٥١ ما يحل به دم المسلم كتاب الديات، وأبو يعلى في مسنده: ٤/ ١٨٥، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٣/ ١٦١، وفي شرح مشكل الآثار: ٥/ ٦٠، والدارقطني في سننه: ٣/ ٨٣ كتاب الحدود حديث ٦ موقوفًا، والحاكم في المستدرك: ٤/ ٣٩٣ كتاب الحدود وصححه ووافقه الذهبي.\nقال الجصاص: فإن قيل: روى إبراهيم بن طهمان عن عبدالعزيز بن رفيع عن عبيد بن عمير عن عائشة عن النبي - ﷺ -: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث زنًا بعد إحصان، ورجل قتل رجلًا فقتل به، ورجل خرج محاربًا لله ولرسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض. قيل له: قد روي هذا الحديث من وجوه صحاح ولم يذكر فيه قتل المحارب، ورواه عثمان وعبدالله بن مسعود عن النبي - ﷺ - ولم يذكر فيه قتل المحارب، =","vol":"1","page":1016},{"text":"وإذا كان الخوارج يحل قتلهم وليسوا بمرتدين، وقال النبي - ﷺ -: طوبى لمن قتلهم أو قتلوه (^١). فكذلك المحارب يقتل لإفساده في الأرض.\nوقد اختلف الناس في النفي، فقال بعضهم: يطلب ليقام عليه الحد فيهرب (^٢)، وقال بعضهم: النفي بعينه (^٣)، وهذا أشبه، ومالك يرى فيه وفي الزاني البكر: أن التغريب والنفي، إخراج عن البلاد إلى محبس في سواه، إلى أن تحدث منه توبة، والزاني سنة، ثم يطلق، وتوبة المحارب عند مالك ربما طال حبسه إلى أن تظهر منه توبة، وهي من أشد العقوبات، أو يطول حبسه فيرى الإمام أنه قد ردعه فيطلقه (^٤)،\n_________\n= والصحيح منها ما لم يذكر ذلك فيه؛ لأن المرتد لا محال مستحق للقتل بالاتفاق وهو أحد الثلاثة المذكورين في خبر هؤلاء فلم يبق من الثلاثة غيرهم، ويكون المحارب إذا لم يَقتُل خارجًا منهم، وإن صح ذكر المحارب فيه فالمعنى فيه: إذا قَتلَ، حتى يكون موافقًا للأخبار الأخر، وتكون فائدته جواز قتله على وجه الصلب. فإن قيل: فقد ذكر فيه: أو ينفى من الأرض. قيل له: لا يمتنع أن يكون مبتدأ قد أضمر فيه: إن لم يقتل. فإن قيل: فقد يُقتل الباغي وإن لم يَقتُل وهو خارج عن الثلاثة المذكورين في الخبر. قيل له: ظاهر الخبر ينفي قتله، وإنما قتلناه بدلالة الاتفاق وبقي حكم الخبر في نفي قتل المحارب إلا أن يقتل على العموم، وأيضًا فإن الخبر إنما ورد فيمن استحق القتل بفعل سبق منه واستقر حكمه عليه كالزاني المحصن والمرتد والقاتل، والباغي لا يستحق القتل على هذا الوجه وإنما يقتل على وجه الدفع ألا ترى أنه لو قعد في بيته ولم يقاتل لم يُقتل وإن كان معتقدًا لمقالة أهل البغي؟ فثبت بما وصفنا أن حكم الآية على الترتيب على الوجه الذي بينا لا على التخيير. [أحكام القرآن: ٢/ ٥٧٥، ٥٧٦].\n(^١) سبق تخريجه ص: ٤٢٥.\n(^٢) روي عن: ابن عباس، وأنس بن مالك، والسدي، والضحاك، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، والربيع بن أنس، والزهري: أنه يطلب حتى يقدر عليه فيقام عليه الحد أو يهرب من دار الإسلام. وإليه ذهب الشافعي وأحمد. [الأم: ٦/ ١٤٦، تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٨٨، تفسير الطبري: ٦/ ٢١٦، تفسير البغوي: ٣/ ٤٩، المغني: ١٢/ ٤٨٢، تفسير ابن كثير: ٢/ ٥١].\n(^٣) أي: يخرج من البلد الذي أحدث فيه الحرابة إلى بلد آخر من بلاد الإسلام، وهذا يروى عن: سعيد بن جبير، والشعبي، والحسن، والضحاك، وعمر بن عبد العزيز، والزهري.\n[تفسير الطبري: ٦/ ٢١٧، زاد المسير: ٢/ ٣٤٦، تفسير ابن كثير: ٢/ ٥١].\n(^٤) هذا مشهور مذهب مالك، وقد روي عنه: أن المراد بالنفي هو: نفيهم من الأرض بطلبهم لإقامة الحد عليهم. [المدونة: ٤/ ٥٥٢، موطأ ابن وهب: ٢٤، النوادر والزيادات: ١٤/ ٤٦٥، ٤٦٦، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٨٥١، أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ٩٩، المحرر الوجيز: ٥/ ٩١].\nوقد رجح الطبري في تفسيره: ٦/ ٢١٨ ما ذهب إليه مالك في المشهور عنه.\nووافق مالك في المشهور عنه أيضًا: الأحناف حيث ذهبوا إلى أن المراد بالنفي هو الحبس حيث يرى الإمام، فهم يوافقون مالك في الحبس ويخالفونه في مكان الحبس. ... [أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٥٧٨].","vol":"1","page":1017},{"text":"قال الله ﷿: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ (^١)، وقال ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ (^٢) وقال ﷿: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ (^٣) فالنفي من الوطن والحبس هناك من غليظ العقوبات، ومذهب مالك - ﵁ - في النفي أن أقله إلى موضع تقصر في السفر إليه الصلاة، ويستحب ما زاد على ذلك (^٤)؛ لأن عمر - ﵁ - استعمل رجلًا على الخمس، فاستكره جارية من الخمس، فجلده مائة ونفاه إلى فدك (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) [سورة الحشر: الآية ٣]\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٦٦]\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٤٦]\n(^٤) المدونة: ٤/ ٥٥٢.\n(^٥) فدك بفتح أوله وثانيه: قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، وقيل: ثلاثة، أفاءها الله على رسوله - ﷺ - سنة سبع صلحًا. ... [معجم ما استعجم: ٣/ ١٠١٥، معجم البلدان: ٤/ ٢٣٨].\n(^٦) روى مالك في الموطأ: ٢/ ٦٣١ كتاب الحدود حديث: ١٥ عن نافع: أن عبدًا كان يقوم على رقيق الخمس وأنه استكره جارية من ذلك الرقيق فوقع بها فجلده عمر بن الخطاب ونفاه ولم يجلد الوليدة لأنه استكرهها.\nورواه من طريق مالك: الشافعي في الأم: ٧/ ٢٣٣، والبيهقي في سننه: ٨/ ٢٣٦ باب من زنى بامرأة مستكرهة كتاب الحدود، و٨/ ٢٤٣ باب ما جاء في نفي الرقيق كتاب الحدود.\nوعند عبد الرزاق في مصنفه: ٧/ ٣١٥ عن ابن عمر: أن أبا بكر نفى إلى فدك وعمر. وعند ابن أبي شيبة في مصنفه: ٥/ ٥٣٦ باب في النفي من أين إلى أين؟ كتاب الحدود عن زيد بن أسلم عن أبيه: أن عمر نفى إلى فدك.","vol":"1","page":1018},{"text":"وقد زعم قوم أن المحاربة لا تكون إلا خارج (^١) عن المصر (^٢)، وهذا غلط؛ لأن المحارب هو الذي يقاتل على أخذ المال، والسارق الذي يأخذ المال مستخفيًا، فكما يكون السارق في المصر وفي غير المصر، كذلك يكون * المحارب في المصر وفي غير المصر؛ لأن الجناية هي بفعله لا بالموضع الذي يكون فيه الفعل؛ لأن الله ﷿ نسب الفساد إلى أفعالهم لا إلى المواضع، فقال عز من قائل: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (^٣)\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: خارج المصر، أو: خارجًا عن المصر.\n(^٢) إلى هذا ذهب أبو حنيفة وأصحابه، إلا أنه روي عن أبي يوسف أن الأمصار وغيرها سواء، وتوقف أحمد في هذا، وذهب مالك والشافعي وأكثر أصحاب أحمد إلى أنه محارب سواء كان في داخل المصر أو خارجه.\nالأم: ٦/ ١٥٢، تفسير الطبري: ٦/ ٢١٠، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٥٨٠، النوادر والزيادات: ١٤/ ٤٧٨، أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ٩٥، المغني: ١٢/ ٤٧٤، تفسير القرطبي: ٦/ ١٥١، تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٠.\n* لوحة: ١٢٢/ب.\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٣٣]","vol":"1","page":1019},{"text":"ولعل المحاربة في المصر أغلظ؛ لأن المحاربين لا يجترؤون على ذلك في المصر إلا بعِدَّة وعُدَّة (^١)، قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: إذا دخل عليك ومعه حديدة في بيتك فهو محارب تقطع يده ورجله (^٢). وقد فرق الله ﷾ بين المحارب والسارق، فجعل توبة السارق لا تسقط الحد عنه، وكذلك الزاني لاستسرارهما بفعلهما، وجعل المحارب لإظهاره الفعل تقبل توبته قبل القدرة عليه، ويسقط الحد عنه، وكذلك المرتد عن الإسلام خاصة إلى أي دين كان من عبادة وثن، أو يهودية، أو قولًا بالدهر، أو نصرانية أي ذلك كان، أو غيره فهو كفر، فارتداده يوجب قتله وقبول توبته؛ لأنه قاتل ظاهرًا بظاهر، والزنديق فهو مرتد إلا أنه سمي بهذا الاسم لإخفائه واستسراره بردته، إلى أي أصناف الكفر كان، فهذا إذا أسرته البينة قتل، ولا توبة له؛ لأن توبته مقابلة باطن بظاهر، لا يعرف صحته، ولا يؤمن أن يكون ذلك حيلة منه لدفع ما حكم الله به فيه، ثم يعود إلى استسراره الذي كان عليه، وكذلك الساحر المسلم إذا سحر لاستسراره بفعله الكفر ما كان مقتولًا غير مقبول توبته (^٣)،\n_________\n(^١) العِدَّة: الجماعة قلت أو كثرت، تقول: رأيت عِدَّة رجال، والعُدَّة: ما أعددته لحوادث الدهر من السلاح والمال. [لسان العرب: ٣/ ٢٨٣، ٢٨٤].\n(^٢) رواه عنهم ابن حزم في المحلى: ١١/ ٣٠٣ من طريق القاضي إسماعيل بن إسحاق.\n(^٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: كان مقتولًا غير مقبول توبته ..","vol":"1","page":1020},{"text":"إذ فرق الله بين المستسر بها، والأفعال المعلن بها، قال الله ﷿: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ (^١) * فالزنديق الأسير أوقفه (^٢) ورأى السيف فتوبته غير مقبوله، وقد زعم الشافعي: أن من ارتد من النصرانية إلى اليهودية أنه يستتيبه ليرجع إلى النصرانية، فإن أبى قتله (^٣).\n_________\n(^١) [سورة غافر: الآيتان ٨٤ - ٨٥]\n* لوحة: ١٢٣/أ.\n(^٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: إذا أوقفه.\n(^٣) لم أقف عليه، وإنما الذي وقفت عليه خلاف هذا، قال الشافعي: ومعنى حديث عثمان عن النبي - ﷺ -: (كفر بعد إيمان)، ومعنى (من بدل قتل) معنىً يدل على أن من بدل دينه دين الحق وهو الإسلام لا من بدل غير الإسلام، وذلك أن من خرج من غير دين الإسلام إلى غيره من الإديان فإنما خرج من باطل إلى باطل ولا يقتل على الخروج من الباطل، إنما يقتل على الخروج من الحق؛ لأنه لم يكن على الدين الذي أوجب الله ﷿ عليه الجنة وعلى خلافه النار، إنما كان على دينٍ له النار إن أقام عليه. [الأم: ١/ ٢٥٧ وانظر: الأم: ٤/ ١٨٣].\nوقد ذكر هذا القول عن الشافعي ابن عبد الحكم فيما نقله عنه ابن عبد البر، حيث قال: على هذا جماعة العلماء فيمن خرج من دين اليهودية إلى النصرانية أو من النصرانية إلى اليهودية أو المجوسية أنه لا يقتل إن كان ذميًا وله ذمته؛ لأن النصرانية واليهودية والمجوسية أديان قد جاء القران والسنة بأن يقر أهلها ذمة اذا بذلوا الجزية وأعطوها للمسلمين على ذلك لا خلاف بين العلماء فيما وصفنا. إلا أن الشافعي قال: إذا كان المبدل لدينه من أهل الذمة كان للإمام أن يخرجه من بلده ويلحقه بأرض الحرب وجاز له استحلال ماله مع أموال الحربيين إن غلب على الدار لأنه إنما جعل له الذمة على الدين الذي كان عليه في حين عقد العهد له. هكذا حكاه المزني وغيره من أصحابه عنه وهو المعروف من مذهبه. وحكى عنه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: أن الذمي إذا خرج من دين إلى دين كان للإمام قتله بظاهر الحديث: (من بدل دينه فاقتلوه)، والمشهور عن الشافعي ما قدمنا ذكره من رواية المزني والربيع عنه. ... [الاستذكار: ٢٢/ ١٣٨].","vol":"1","page":1021},{"text":"وإنما قال رسول الله - ﷺ -: من بدل دينه فاقتلوه (^١). خصوصًا للدين المرضي وهو الإسلام، ألا تراه ﷿ قال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (^٢) ولم يكن هذا على العموم، ولا يخلوا من أن يكون - ﵇ - أراد الخصوص أو العموم، فإن كان الخصوص فلا دين يؤخذ الناس به غير الإسلام، وإن كان أراد العموم عند الشافعي فقد ينبغي له إن كان عابد وثن انتقل إلى أهل الكتاب أن يأخذه بالرجوع إلى عبادة النار وعبادة الحجر، فإنَّ هذا فقد مرّ على القياس مع إدعائه العموم فيما يستحيل فيه العموم (^٣)، وإن أباه فهل يقول إن اليهودية أو النصرانية من الأديان التي ينبغي الإقامة عليها؟ مع ظهور حجج الفرقان، وإنه لعظيم ما كلفه الشافعي الإمام من مطالبة الوثني بالرجوع إلى عبادة الوثن، ونسأل الله التوفيق.\nقال الله ﵎: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (^٤).\nاتفق الناس جميعًا من أهل العلم على أن السارق والسارقة لا يقطعان إلا في سرقة من حرز ومقدار (^٥)،\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه: ٦/ ٢٥٣٧ باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم كتاب المرتدين والمعاندين وقتلهم.\n(^٢) [سورة آل عمران: الآية ٨٥]\n(^٣) معنى كلام المؤلف هنا: فإنَّ هذا أي: إلزامه بأن من انتقل من عبادة الوثن إلى دين أهل الكتاب يقتل موافق للقياس على من انتقل من اليهودية إلى النصرانية أو العكس أن يقتل، وموافق لإدعائه العموم في الحديث، مع أن الحديث يستحيل فيه العموم، بل هو على الخصوص.\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ٣٨]\n(^٥) نقل الإجماع عن الجمهور: ابن المنذر في الإجماع: ١٥٧، وابن عبد البر في الاستذكار: ٢٤/ ١٦٨، وابن قدامة في المغني: ١٢/ ٤١٨، والقرطبي في تفسيره: ٦/ ١٦٢.\n\n* لوحة: ١٢٣/ب.","vol":"1","page":1022},{"text":"ثم * اختلفوا في المقدار، وفي بعض الحرز، فقال مالك، وأهل الحجاز، ومن تبعهم: الحرز كل سرقة كانت مسارقة من أهلها، ومن سائر العيون؛ لأن اسم سرقة إنما أخذ من المسارقة، هذا عرف العرب ولسانها (^١). وقالوا في المقدار: إنه من الذهب حسب ربع دينار فصاعدًا، ومن الورق ثلاثة دراهم، وردوا سائر السلع إلى ثلاثة دراهم في القيمة (^٢)،\n_________\n(^١) قال ابن فارس: السين والراء والقاف أصل يدل على أخذ شيء في خفاء وستر.\n[مقاييس اللغة: ٤٩١، وانظر: مفردات الراغب: ٢٣٦، أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ١٠٣، المحرر الوجيز: ٥/ ٩٦، لسان العرب: ١٠/ ١٥٥، معجم لغة الفقهاء: ٢٤٣].\nوقد اتفق جمهور العلماء والفقهاء على اعتبار الحرز، وأن الحرز ما عُد حرزًا في العرف، وهو يختلف باختلاف المكان والزمان ونوع المال المحفوظ فيه، ولذلك اختلف الفقهاء فيما هو حرز فتقطع يد السارق إذا سرق منه، وما ليس بحرز فلا تقطع يد السارق إذا سرق منه. [الأم: ٦/ ١٤٨، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٥٨٧، النوادر والزيادات: ٤/ ٣٩٨، بداية المجتهد: ٢/ ٥٨١، المغني: ١٢/ ٤٢٦، تفسير القرطبي: ٦/ ١٦٩، روضة الطالبين: ١٠/ ١٢١].\n(^٢) ذهب مالك إلى أن قدر النصاب الذي يجب القطع بسرقته: ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الورق، أو ما قيمته ثلاثة دراهم من غيرهما ارتفع الصرف بذلك أو انخفض، وهذا مشهور مذهب أحمد، وفي رواية ثانية عنه: أنه إن سرق من غير الذهب والفضة ما قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم قطع، أي: أنه يقوم الأثمان بأدنى الأمرين، وفي رواية ثالثة عنه: أن الأصل الورق ويقوم الذهب به فإن نقص ربع دينار عن ثلاثة دراهم لم يقطع.\n\nوذهب الشافعي إلى أن الأصل هو الذهب، فلا يقطع السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا أو ما يساويه من الأثمان أو العروض. [الأم: ٦/ ١٣٠، المدونة: ٤/ ٥٢٦، النوادر والزيادات: ١٤/ ٣٨٦، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٩٤٣، الاستذكار: ٢٤/ ١٥٥، المغني: ١٢/ ٤١٨، تفسير القرطبي: ٦/ ١٦٠، تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٥].","vol":"1","page":1023},{"text":"واحتجوا في ذلك برواية يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة﵂- وعبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، وسائر الطرق عن عائشة﵂- قولها عن النبي - ﷺ -: القطع في ربع دينار فصاعدًا، فلا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدًا، وما طال علي ولا نسيت القطع في ربع دينار فصاعدًا (^١).\n_________\n(^١) حديث عائشة - ﵂ - روي عنها من ثلاث طرق، من طريق عمرة بنت عبد الرحمن، ومن طريق القاسم بن محمد، ومن طريق عروة.\nفرواه مالك في الموطأ: ٢/ ٦٣٤ كتاب الحدود حديث: ٢٤ عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة أنها قالت: ما طال علي وما نسيت القطع في ربع دينار فصاعدًا، ورواه النسائي في سننه: ٨/ ٤٥١ القدر الذي إذا سرقه السارق قطعت يده من كتاب قطع السارق من طرق عن يحيى ين سعيد عن عمرة عن عائشة مرفوعًا، ومن طريق آخر عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة موقوفًا، وقال النسائي: هذا الصواب من حديث يحيى.\nورواه من طريق مالك القاضي إسماعيل بن إسحاق في مسند حديث مالك: ٥١، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٣/ ١٦٥، وابن حبان في صحيحه: ١٠/ ٣١٣، والبيهقي في سننه: ٨/ ٢٦٢ ما جاء عن الصحابة ﵃ فيما يجب به القطع كتاب السرقة.\nوهذا الحديث وإن كان موقوفًا فله حكم الرفع، قال الحميدي: ثنا سفيان قال: وحدثناه أربعة عن عمرة عن عائشة لم يرفعوه: عبد الله بن أبي بكر، ورزيق بن حكيم الأيلي، ويحيى بن سعيد، وعبد ربه بن سعيد، والزهري أحفظهم كلهم، إلا أن في حديث يحيى ما دل على الرفع: (ما نسيت ولا طال علي القطع في ربع دينار فصاعدًا). ... [المسند: ١/ ١٣٤].\n\nورواه البخاري في صحيحه: ٦/ ٢٤٩٢ كتاب الحدود باب قول الله تعالى: والسارق والسارقة من طريق ابن شهاب ومحمد بن عبد الرحمن الأنصاري عن عمرة عن عائشة قال النبي - ﷺ -: تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا، ورواه مسلم في صحيحه: ٣/ ١٣١٢ كتاب الحدود من طريق الزهري وسليمان بن يسار وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقطع السارق في ربع دينار فصاعدًا، وفي لفظ: لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا. ورواه النسائي في سننه: ٨/ ٤٥٣ ذكر اختلاف أبي بكر بن محمد وعبد الله بن أبي بكر عن عمرة في هذا الحديث كتاب قطع السارق من طريق محمد بن عبد الرحمن أبو الرجال عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة مرفوعًا. ومالك في الموطأ: ٢/ ٦٣٥ كتاب الحدود حديث: ٢٥ من طريق عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن عمرة عن عائشة موقوفًا.\nوأما طريق عروة، فقد روى البخاري في صحيحه: ٦/ ٢٤٩٢ الموضع السابق عن يونس عن الزهري عن عروة وعمرة عن عائشة عن النبي - ﷺ - قال: تقطع يد السارق في ربع دينار، وكذلك رواه مسلم في صحيحه ٣/ ١٣١٢ كتاب الحدود حديث: ٢ عن الزهري عن عروة وعمرة مقرونين عن عائشة، ورواه النسائي في سننه: ٨/ ٤٤٩ ذكر الاختلاف على الزهري كتاب قطع السارق عن الزهري عن عروة عن عائشة.\nوأما طريق عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه فلم أقف عليه، لكن قال ابن حزم: فأما القاسم فأوقفه على عائشة من لفظها ولم يسنده، لكن أنها قالت: السارق تقطع يده في ربع دينار. وأنكر عبد الرحمن ابنه على من رفعه وخطأه. ... [المحلى: ١١/ ٣٥٣]","vol":"1","page":1024},{"text":"فهذا عندنا في الذهب خاصة، والسلع مردودة إلى ثمن المجن الذي قطع فيه رسول الله - ﷺ -. رواه مالك، وأيوب، وعبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ -: قطع في مجن (^١) ثمنه ثلاثة دراهم. كذا قال مالك - ﵁ - (^٢). وقال بعضهم: قيمته (^٣).\n_________\n(^١) قال ابن الأثير: قد تكرر في الحديث ذكر المجَنّ والمجان وهو: الترس والترسة، والميم زائدة؛ لأنه من الجُنة: السُترة. ... [النهاية في غريب الحديث: ٤/ ٣٠١].\n(^٢) رواه مالك في الموطأ: ٢/ ٦٣٤ كتاب الحدود حديث: ٢١ من طريق نافع عن عبد الله بن عمر به، والبخاري في صحيحه: ٦/ ٢٤٩٣ الموضع السابق من طريق مالك به، ومن طريق عبيد الله عن نافع، ومن طريق جويرية عن نافع، وموسى بن عقبة عن نافع، ورواه أبو داود في سننه: ٤/ ١٣٦ باب ما يقطع فيه السارق كتاب الحدود من طريق مالك به، والنسائي في سننه: ٨/ ٤٤٧ القدر الذي إذا سرقه السارق قطعت يده كتاب قطع السارق من طريق مالك وحنظلة وإسماعيل بن أمية عن نافع به، ورواه أحمد في مسنده: ٢/ ٦، ٥٤، ٦٤، ٨٠، ٨٢ من طريق مالك وعبيد الله وأيوب السختياني وأيوب بن موسى وإسماعيل بن أمية عن نافع به، وعبد الرزاق في مصنفه: ١٠/ ٢٣٦ من طريق أيوب السختياني وأيوب بن موسى وإسماعيل بن أمية عن نافع به.\n(^٣) روى مسلم في صحيحه: ٣/ ١٣١٣ كتاب الحدود حديث: ٦ من طريق يحيى بن يحيى عن مالك عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قطع سارقًا في مجن قيمته ثلاثة دراهم، و٣/ ١٣١٤ من طريق الليث بن سعد وأيوب السختياني وأيوب بن موسى وإسماعيل بن أمية وعبيد الله وموسى بن عقبة وحنظلة ومالك بن أنس وأسامة بن زيد الليثي كلهم عن نافع عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - غير أن بعضهم قال: قيمته، وبعضهم قال: ثمنه ثلاثة دراهم. ولم يميز مسلم - ﵀ - من قال بكل لفظ.\n\nورواه الطيالسي في مسنده: ٣/ ٣٧٩، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٣/ ١٦٢، وابن حبان في صحيحه: ١٠/ ٣١٤، والدارقطني في سننه: ٣/ ١٩٠ كتاب الحدود حديث: ٣١٨، والبيهقي في سننه: ٨/ ٢٥٦ باب اختلاف الناقلين في ثمن المجن كتاب السرقة، كلهم من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قطع سارقًا في مجن قيمته ثلاثة دراهم.\nورواه الترمذي في سننه باب ما جاء في كم يقطع السارق من أبواب الحدود من طريق الليث عن نافع به تحفة الأحوذي: ٥/ ٤، ورواه النسائي في سننه: ٨/ ٤٤٨ الموضع السابق، والدارمي في سننه: ٢/ ٢٢٧ ما يقطع فيه اليد كتاب الحدود كلاهما من طريق أيوب وإسماعيل بن أمية وعبيد الله وموسى بن عقبة عن نافع به، ورواه ابن ماجة في سننه: ٢/ ٩١ حد السارق من أبواب الحدود، وأحمد في مسنده: ٢/ ١٤٣ عن عبيد الله عن نافع به.","vol":"1","page":1025},{"text":"وقال أهل العراق: ولا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم (^١)، وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده من الصحيفة: أن النبي - ﷺ - قطع في مجن قيمته عشرة دراهم (^٢)،\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار: ٣/ ١٦٧، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٥٨٤، المبسوط: ٩/ ١٣٧.\n(^٢) روى النسائي في سننه: ٨/ ٤٥٩ الموضع السابق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان ثمن المجن على عهد رسول الله - ﷺ - عشرة دراهم، وأحمد في مسنده: ٢/ ١٨٠، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٥/ ٤٧٣ من قال لا تقطع في أقل من عشرة دراهم كتاب الحدود، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٣/ ١٦٣، والدارقطني في سننه: ٣/ ١٩٠، ١٩١، ١٩٣ كتاب الحدود حديث: ٣٢٠، ٣٢١، ٣٢٨، والبيهقي في سننه: ٨/ ٢٥٩ الموضع السابق. قال الشافعي: هذا رأي من عبد الله بن عمرو. الأم: ٦/ ١٣٠.\n\nوقد روى أحمد في مسنده: ٢/ ٢٠٤ عن الحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال: رسول الله - ﷺ -: لا قطع فيما دون عشرة دراهم. قال ابن حجر: وهذه الرواية لو ثبتت لكانت نصًا في تحديد النصاب، إلا أن حجاج بن أرطاة ضعيف ومدلس، حتى ولو ثبتت روايته لم تكن مخالفة لرواية الزهري بل يجمع بينهما بأنه كان أولًا لا قطع فيما دون العشرة ثم شرع القطع في الثلاثة فما فوقها، فزيد في تغليظ الحد كما زيد في تغليظ حد الخمر كما تقدم، وأما سائر الروايات فليس فيها إلا أخبار عن فعل وقع في عهده - ﷺ - وليس فيه تحديد النصاب فلا ينافي رواية ابن عمر الآتية: أنه قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم. [فتح الباري: ١٢/ ١٢٥].","vol":"1","page":1026},{"text":"وعن ابن عباس كان ثمن المجن على عهد رسول الله - ﷺ - عشرة دراهم (^١)، ولم يقل الذي قطع فيه (^٢)، فتعلقوا بذلك، ولا حجة لهم فيه؛ لأن من قطع في ثلاثة دراهم هو يقطع فيما زاد عليها، ولم يقل عنه - ﷺ - لا تقطع اليد في أقل من هذا، فيكون ما دون العشرة ممنوعًا من القطع فيه *، وكانت الآية وظاهر القرآن يوجب قطع كل سارق لزمه الاسم، إلا من أجمعوا ألا يقطع، فإن قالوا: اليد محظورة إلا أن يجمعوا، قيل لهم: القطع بكتاب الله واجب إلا أن يجمعوا فنقف عند إجماعهم.\n_________\n(^١) روى أبو داود في سننه: ٤/ ١٣٦ باب ما يقطع فيه السارق كتاب الحدود عن ابن عباس قال: قطع رسول الله - ﷺ - يد رجل في مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم، والنسائي في سننه: ٨/ ٤٥٧ الموضع السابق: كان ثمن المجن على عهد رسول الله - ﷺ - يقوم عشرة دراهم، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ٤٧٣ الموضع السابق، وأبو يعلى في مسنده: ٢/ ٤٥٦ كلاهما بلفظ نحو لفظ النسائي، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٣/ ١٦٣: كان قيمة المجن الذي قطع فيه رسول الله - ﷺ - عشرة دراهم، والطبراني في الكبير: ١١/ ٣١، والدارقطني في سننه: ٣/ ١٩١، ١٩٢ الموضع السابق حديث: ٣٢٢، ٣٢٣، والحاكم في المستدرك: ٤/ ٤٢٠ كتاب الحدود وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، والبيهقي في سننه: ٨/ ٢٥٧ الموضع السابق، كلهم بلفظ نحو لفظ النسائي.\n(^٢) فيما ذكر المؤلف نظر، فقد سبق من رواية أبي داود والطحاوي: النص على أن قيمة المجن الذي قطع فيه رسول الله - ﷺ - عشرة دراهم. وقد ذكر ابن حجر في الفتح: ١٢/ ١٢٥ أن في حديث ابن عباس اضطرابًا، وذكر وجوه هذا الاضطراب في السند والمتن.\n* لوحة: ١٢٤/أ.","vol":"1","page":1027},{"text":"فإن قال قائل: قد قطع عثمان في أترنجة (^١)\n_________\n(^١) قال القاضي عياض: قوله (قطع في أترجة) (ومثل المؤمن مثل الأترجة) بضم الهمزة وتشديد الجيم، ويقال أيضًا: أترنجة بزيادة نون، وفيها لغة ثالثة: ترنجة بغير همزة حكاها أبو زيد، وقد روي بالوجهين الأولين في الموطأ وغيره، وهما لغتان معروفتان، والأولى أفصح، واختلف في التي حكم في سرقتها بالقطع، فقال مالك: هي هذه التي تؤكل ولم تكن ذهبًا، ولو كانت ذهبًا لم تُقوم، وفي الحديث ذكر قيمتها، وقاله أكثرهم، وقال ابن كنانة: كانت من ذهب قدر الحمصة يجعل فيها الطيب. قال القاضي: ولا يبعد قول مالك - ﵀ - فقد تباع في كثير من البلاد بثلاثة دراهم فكيف بالمدينة حين فاض المال وكثرت الدراهم. [مشارق الأنوار: ١/ ١٦].\nقال ابن منظور: الأترج معروف، واحدته: ترنجة وأترجة. وقال الفيروزابادي: والأترج والأترجة والترنجة والترنج م - أي معروف - حامضه مسكنٌ غُلْمَةَ النساء، ويجلو اللون والكلف، وقشره في الثياب يمنع السوس.\n[لسان العرب: ٢/ ٢١٨، القاموس المحيط: ٢٣٢].\n\nقلت: وهو نوع من الحوامض، كبير الحجم، ذو رائحة طيبة.","vol":"1","page":1028},{"text":"قيمتها درهمان (^١)، قلنا: في الرواية نظر لأهل النقل، ومع ذلك فإن الراوي قوّم درهمين، وقوّم عثمان بالذهب، وكان يومئذ ثمانية دراهم بدينار (^٢)، ألا ترى عمر بن الخطاب - ﵀ - جعل الدية مرة ثمانية الآف، ومرة عشرة الآف، ومرة اثنا عشر ألفًا لاختلاف القيم في الأوقات (^٣)،\n_________\n(^١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وإنما الذي وقفت عليه هو: ما رواه مالك في الموطأ: ٢/ ٦٣٤ كتاب الحدود حديث: ٢٣ عن عمرة بنت عبد الرحمن: أن سارقًا سرق في زمن عثمان أترجة، فأمر بها عثمان بن عفان أن تُقوم، فقومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهمًا بدينار، فقطع عثمان يده. وفي الموطأ: ٢/ ٣١ برواية أبي مصعب: أترنجة. ومن طريق مالك رواه الشافعي في الأم: ٦/ ١٣٠، ١٤٧، والبيهقي في سننه: ٨/ ٢٦٠، ٢٦٢ ما جاء عن الصحابة فيما يجب به القطع كتاب السرقة، وقال: زاد الشافعي في روايته عن مالك: وهي الأترجة التي يأكلها الناس، وعند ابن أبي شيبة في مصنفه: ٥/ ٤٧٢ من قال يقطع في أقل من عشرة دراهم كتاب الحدود عن عمرة قالت: قد علمت أن عثمان قطع في أترجة قومت بثلاثة دراهم، ومن طريق آخر عن أبي بكر بن محمد قال: أُتي عثمان برجل سرق أترجة فقومها ربع دينار فقطع يده. وعند عبد الرزاق في مصنفه: ... ١٠/ ٢٣٧ عن ابن المسيب: أن سارقًا سرق أترنجة ثمنها ثلاثة دراهم فقطع عثمان يده، قال: الأترنجة: خرزة من ذهب تكون في عنق الصبي.\n(^٢) أي: على افتراض صحته فإن عثمان قومها بربع دينار، حيث إن الدينار يساوي ثمانية دراهم في ذلك الوقت، والدرهمان ربعه، فرجع تقويم عثمان إلى ربع دينار.\n(^٣) سبق تخريجه ص: ٥٦٢ ..","vol":"1","page":1029},{"text":"ومع ذلك فقد ثبث عن النبي - ﷺ - أنه قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم، ولم يقل قيمته (^١)، فتردد ذلك إلى تقويم الراوي.\nوقد اختلفوا أيضًا في تضمين السارق، فقال المشرقيون: لا ضمان على موسر ... ولا معسر (^٢)، وضمّن الشافعي الفريقين (^٣)،\n_________\n(^١) سبق في تخريج هذا الحديث ص: ٦٤٩: بيان أن في بعض طرقه: قيمته، وفي بعضها: ثمنه، والمؤلف يريد أن يؤكد على لفظ ثمنه، وليس قيمته؛ لأن القيمة تختلف باختلاف الوقت، قال ابن حجر: قيمة الشيء ما تنتهي إليه الرغبة فيه، وأصله قومه فأبدلت الواو ياء لوقوعها بعد كسرة، والثمن ما يقابل به المبيع عند البيع.\n[فتح الباري: ١٢/ ١٢٨]. ...\nوقال ابن دقيق العيد: القيمة والثمن مختلفان في الحقيقة، وتعتبر القيمة، وما ورد في بعض الروايات من ذكر ... (الثمن) فلعله لتساويهما عند الناس في ذلك الوقت، أو في ظن الراوي أو باعتبار الغلبة، وإلا فلو اختلفت القيمة والثمن الذي اشتراه به مالكه لم تعتبر إلا القيمة. ...\n[إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: ٢/ ٢٦٤].\n(^٢) لم يختلف أهل العلم في وجوب رد العين المسروقة على مالكها إذا كانت باقية، وإنما وقع الخلاف في تضمين السارق إذا تلفت، فذهب أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، وابن شبرمة: أنه لا ضمان عليه، وهو قول: مكحول، وعطاء، والشعبي. ...\n[أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٦٠٥، بدائع الصنائع: ٧/ ٨٥].\n(^٣) ذهب الحسن، والنخعي، وحماد، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأحمد: إلى أن على السارق رد قيمتها أو مثلها إن كانت مثليه قطع أو لم يقطع موسرًا كان أو معسرًا.\n\n[الأم: ٦/ ١٥١، المغني: ١٢/ ٤٥٤، روضة الطالبين: ١٠/ ١٤٩].","vol":"1","page":1030},{"text":"وقال المالكيون: جعل الله على ... السارق جزاء كسبه شيئًا واحدًا وهو القطع، فلا نجعل في يده شيئين، لأنا لو ضمناه لجعلنا في يديه شيئين، فنقول: إن قدرنا على المسروق كان صاحبه أولى به، وإن كان قد تلف نظرنا فإن كان له مال أخذنا القيمة من ماله؛ لأنه وفاه بالسرقة فيكون ذلك في المال دون البدن، وإن كان معسرًا لم ألزم يديه شيئًا يسعى فيه (^١)، فقد روى المسور عن عبد الرحمن بن عوف، رواه عنه سعد بن إبراهيم.\n\nنا الحسن بن علي (^٢) قال: نا خالد ابن خداش (^٣) قال: نا إسحاق بن الفرات (^٤) قال: نا مفضل بن فضالة (^٥) قال: نا يونس بن يزيد (^٦)\n_________\n(^١) المدونة: ٤/ ٥٣٩، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٩٥١، أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ١١٣، تفسير القرطبي: ٦/ ١٦٥.\n(^٢) أحد شيوخ المؤلف، تقدم.\n(^٣) خالد بن خِداش بن عجلان الأزدي، أبو الهيثم المهلبي مولاهم، سكن بغداد، عن: بكر بن حمران، ... وعبد الله بن وهب، وعنه: مسلم، وإسحاق بن راهويه، صدوق يخطيء، مات سنة ٢٢٣ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٨/ ٤٥، التقريب: ٢٨٥].\n(^٤) إسحاق بن الفرات بن الجعد بن سليم التجيبي الكندي، أبو نعيم المصري، من أكابر أصحاب مالك، روى عن: مالك، والمفضل بن فضالة، وعنه: بحر بن نصر، وسعيد بن ميسرة، صدوق فقيه، مات سنة ٢٠٤ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٢/ ٤٦٦، التقريب: ١٣١].\n(^٥) المفضل بن فضالة بن عبيد بن ثمامة القتباني، أبو معاوية المصري، قاضي مصر، عن: معمر بن راشد، ويونس بن يزيد الأيلي، وعنه: ابنه فضالة بن المفضل، وحسان الواسطي، ثقة فاضل عابد، مات سنة ١٨١ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٢٨/ ٤١٥، التقريب: ٩٦٧].\n(^٦) يونس بن يزيد الأيلي ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا وفي غير الزهري خطأ، تقدم.\n\n* لوحة: ١٢٤/ب.","vol":"1","page":1031},{"text":"* عن الزهري (^١) عن سعد بن إبراهيم (^٢) عن المسور (^٣) عن عبد الرحمن بن عوف: أن النبي - ﷺ - أُتي بسارق فأمر بقطعه، وقال: لا غُرم عليه (^٤).\n_________\n(^١) محمد بن مسلم الزهري متفق على جلالته وإتقانه، تقدم.\n(^٢) سعد بن إيراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي، أبو إسحاق، ويقال: أبو إبراهيم المدني، ولي قضاء المدينة، ورأى عبد الله بن عمر، روى عن: خاله إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، وأخيه المسور بن إبراهيم، وعنه: الزهري، ويونس بن يزيد الأيلي، ثقة فاضل عابد، مات سنة ١٢٥ هـ.\n[تهذيب الكمال: ١٠/ ٢٤٠، التقريب: ٣٦٧].\n(^٣) لم يبين المؤلف من المسور هذا، وسيأتي في بعض طرق هذا الحديث من طريق الزهري أنه المسور بن مخرمة، وهو خطأ، ومن غير طريق الزهري هو: المسور بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني، روى عن: جده عبد الرحمن بن عوف مرسلًا، وعنه: أخوه سعد بن إبراهيم، قال الذهبي: لا يعرف حاله وحديث منكر، وقال ابن حجر: مقبول، مات سنة ١٠٧ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٢٧/ ٥٧، ميزان الاعتدال: ٤/ ١١٣، التقريب: ٩٤٣].\n(^٤) روى النسائي في سننه: ٨/ ٤٦٨ تعليق يد السارق في عنقه كتاب قطع السارق من طريق ليس فيه الزهري، من طريق المفضل بن فضالة عن يونس بن يزيد عن سعد بن إيراهيم عن المسور بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله - ﷺ - قال: لا يُغرّم صاحب سرقة إذا أقيم عليه الحد. قال النسائي: وهذا مرسل وليس بثابت.\nورواه البزار في مسنده: ٣/ ٢٦٧ من طريق المفضل بن فضالة به ليس فيه الزهري بلفظ: لا يضمن السارق سرقته بعد إقامة الحد. وقال البزار: وهذا الحديث مرسل عن عبد الرحمن بن عوف. ورواه الدارقطني في سننه: ٣/ ١٨٢، ١٨٣ كتاب الحدود من طرق عن المفضل بن فضالة ليس فيها الزهري، وقال الدارقطني: سعد بن إبراهيم مجهول، والمسور بن إبراهيم لم يدرك عبد الرحمن بن عوف، وإن صح إسناده كان مرسلًا. والبيهقي في سننه: ٨/ ٢٧٧ باب غرم السارق كتاب السرقة من طرق عن المفضل بن فضالة ليس فيها الزهري، وقال البيهقي: فهذا حديث مختلف فيه عن المفضل فروى عنه هكذا، وروي عنه عن يونس عن الزهري عن سعد، وروي عنه عن يونس عن سعد بن إبراهيم عن أخيه المسور، فإن كان سعد هذا ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف فلا نعرف بالتواريخ له أخًا معروفًا بالرواية يقال له: المسور، ولا يثبت للمسور الذي ينسب إليه سعد بن محمد بن المسور بن إبراهيم سماع من جده عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - ولا رؤية فهو منقطع، وإن كان غيره فلا نعرفه ولا نعرف أخاه، ولا يحل لأحد من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه.\nقلت: وفيما ذكر البيهقي من أن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف لا يعرف له أخ اسمه المسور، فقد سبق بيان ذلك في ترجمة رجال السند، والغريب أن البيهقي أثبت ذلك بنسبة كل منهما إلى إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف بقوله: فإن كان سعد هذا ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ثم قال: ولا يثبت للمسور الذي ينسب إليه سعد بن محمد بن المسور بن إبراهيم سماع من جده عبد الرحمن بن عوف. =","vol":"1","page":1032},{"text":"وعن النبي - ﷺ -: دُريء الضمان عن السارق، وقال: لا ضمان عليه (^١). ومثل قول رسول الله - ﷺ - فيمن وجد متاعه في المغنم: هو أحق به ما لم يقسم، رواه علي بن المديني عن يحيى بن سعيد القطان عن مسعر عن عبد الملك بن ميسره عن طاوس عن ابن عباس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - (^٢)، وهذا مع الرواية لا يجوز في النظر سواه؛ لأن أهل دار الحرب ملكوه، فلو أسلموا ما انتزع من أيديهم، وهذا لا اختلاف فيه، كما يملكون الربا وأثمان المحرمات إذا أسلموا وتحل لهم.\nواختلف الناس أيضًا في الجماعة تسرق ما قيمته ثلاثة دراهم أو عشرة، على مذهب أهل العراق فقالوا: لا قطع عليهم حتى يكون مقدار ما أخذوه ما يلزم كل إنسان ما يقطع فيه اليد (^٣)، وقال المالكيون: يقطعون؛ لأن ما دون المقدار هو التافه، والقطع إنما هو في المقدار والحرز، فإذا كان المقدار لا يستقل به الواحد، ولا يقدر عليه إلا بآخر قُطعا جميعًا (^٤)،\n_________\n= وقد ذكر طريق يونس عن الزهري عن سعد بن إبراهيم البيهقي كما سبق، ورواه الجصاص في أحكام القرآن: ٢/ ٦٠٥ قال: وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن نصر بن صهيب قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شجاع الأدمي قال: حدثني خالد بن خداش قال: حدثنا إسحق بن الفرات قال: حدثنا المفضل بن فضالة عن يونس عن الزهري عن سعد بن إبراهيم عن المسور بن إبراهيم عن عبدالرحمن بن عوف: أن النبي - ﷺ - أُتي بسارق فأمر بقطعه وقال لا غرم عليه. وقال عبدالباقي: هذا هو الصحيح، وأخطأ فيه خالد بن خداش فقال: المسور بن مخرمة. ورواه الدارقطني في سننه: ٣/ ١٨٣ من طريق خالد بن خداش عن إسحاق بن الفرات عن المفضل بن فضالة عن يونس بن يزيد عن الزهري عن سعد بن إبراهيم عن المسور بن مخرمة عن عبد الرحمن بن عوف قال: أُتى النبي - ﷺ - بسارق فأمر بقطعه، قال: لا غرم عليه. قال الدارقطني: هذا وهم من وجوه عدة. وذكر الدارقطني في علله: ٤/ ٢٩٤ الاختلاف في هذا الحديث ثم قال: وقيل: عنه عن يونس عن الزهري عن سعد بن إبراهيم ولا يصح هذا القول.\nوانظر في تضعيف هذا الحديث: العلل لابن أبي حاتم: ١/ ٤٥٢، التمهيد: ١٤/ ٣٨٣، نصب الراية: ٣/ ٣٧٥.\nوهذا الحديث يستدل به الأحناف فيما ذهبوا إليه من إسقاط الضمان عن السارق سواء كان معسرًا أو موسرًا، والمؤلف يستدل به ويحمله على كون السارق معسرًا. قال ابن العربي: وأما المالكية فليس لهم متعلق قوي، ونازع بعضهم بأن النبي قال: إذا أقيم على السارق الحد فلا ضمان. وهذا حديث باطل. أما أنه قد روى النسائي أن النبي قال: لا يغرم صاحب سرقة إذا أقمتم عليه الحد. فلو صح هذا لحملناه على المعسر.\n[أحكام القرآن: ٢/ ١١٣، ١١٤].\n(^١) لم أقف عليه.\n(^٢) يأتي تخريجه وترجمة رجاله ص: ٦٥٧.\n(^٣) ذهب أبو حنيفة والشافعي: أنه لا قطع على الجماعة تشترك في السرقة إلا أن تبلغ حصة كل واحد منهم نصابًا. [الأم: ٦/ ١٤٩، المبسوط: ٩/ ١٤٣، بدائع الصنائع: ٧/ ٧٨، روضة الطالبين: ١٠/ ١١٢].\n(^٤) المدونة: ٤/ ٥٢٩، النوادر والزيادات: ١٤/ ٣٩٠، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٩٤٧، أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ١١١، تفسير القرطبي: ٦/ ١٦٣.\nووافقهم في ذلك الحنابلة إلا أنهم لا يفرقون بين كون المسروق ثقيلًا يشترك الجماعة في حمله وبين أن يخرج كل واحد منهم جزءًا. [المغني: ١٢/ ٤٦٨].","vol":"1","page":1033},{"text":"وألزموا العراقي والشافعي ذلك، بالاتفاق أنهم يقتلون الجماعة بالواحد (^١)، وليس كل واحد منفرد بإماتت النفس، كما ليس كل واحد منفرد بإخراج السلعة التي قيمتها ثلاثة دراهم، وألزموا الشافعي أن يقول ذلك؛ لقوله في مائة نفر ملكوا مائتي درهم لكل واحد درهمان: أنهم يزكون (^٢). وهذا من أقبح ما قيل؛ لأن الله ورسوله * أوجبا الزكاة على الأغنياء للفقراء، والفقير الذي يُعطى يملك أضعاف ما يملك المزكي، فقد صارت الزكاة بقوله: تؤخذ من الفقير وتعطى الغني، ويمنع من القطع الذي هو جزاء على الفعل في المقدار، وعلى المعصية فيه، ويجوز أيضًا أن يحتج المالكي في ذلك بظاهر القرآن، أن الله ﵎ قرن اثنين في القطع بقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (^٣) فأمر بقطع اثنين في سرقة (^٤)،\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٢٠٤، المبسوط: ٢٦/ ١٢٦، روضة الطالبين: ٩/ ١٥٩، تفسير ابن كثير: ١/ ٢١٠.\n(^٢) الجديد من قول الشافعي أن الخلطة في غير الماشية له تأثير في الزكاة، وأن الخلطاء في الذهب والفضة كالخلطاء في الماشية. [الأم: ٢/ ٤١، روضة الطالبين: ٢/ ١٧٢].\n* لوحة: ١٢٥/أ.\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٣٨]\n(^٤) في استدلال المؤلف ههنا نظر، فإن غاية ما تدل عليه الآية أن حد المرأة في السرقة كالرجل، وليس في الآية دليل على اشتراك الرجل والمرأة في سرقة واحدة، قال أبو السعود: ولما كانت السرقة معهودة من النساء كالرجال صرح بالسارقة أيضًا، مع أن المعهود في الكتاب والسنة إدراج النساء في الأحكام الواردة في شأن الرجال بطريق الدلالة؛ لمزيد الاعتناء بالبيان والمبالغة في الزجر. [إرشاد العقل السليم: ٣/ ٣٤].\nوقال ابن عاشور: ووجه ذكر السارقة مع السارق دفع توهم أن تكون صيغة التذكير في السارق قيدًا بحيث لا يجري حد السرقة إلا على الرجال، وقد كانت العرب لا يقيمون للمرأة وزنًا فلا يجرون عليها الحدود، وهو الداعي إلى ذكر الأنثى في قوله تعالى في سورة البقرة: (الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى).\n[التحرير والتنوير: ٦/ ١٩٠].","vol":"1","page":1034},{"text":"ثم قدرها رسول الله - ﷺ - ربع دينار، فقطعناهما إذا اجتمعا وإذا انفردا في ذلك المقدار، وإذا وجب قطع اثنين في الربع وجب في أكثر من ذلك، لقتلنا الجماعة بالواحد، والله أعلم.\nنا زكريا بن يحيى الساجي (^١) قال: نا القاسم بن إسحاق الأنصاري (^٢) قال: ... نا أبي (^٣) قال: نا عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة بن الزبير (^٤)\n_________\n(^١) زكريا بن يحيى الساجي البصري، ثقة فقيه، أحد شيوخ المؤلف، تقدم.\n(^٢) لم أقف على ترجمته.\n(^٣) إسحاق بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري، أبو موسى المدني، قاضي نيسابور، عن: سفيان بن عيينة، وعبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة بن الزبير، وعنه: ابنه موسى بن إسحاق ابن موسى، والإمام مسلم، والحسين بن عبد الله القطان، ثقة متقن، مات سنة ٢٤٤ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٢/ ٤٨٠، التقريب: ١٣٢].\n(^٤) عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة بن الزبير المدني، عن هشام بن عروة، وعنه: يعقوب بن حميد، وإبراهيم ابن المنذر، قال فيه أبو حاتم: متروك الحديث، ضعيف الحديث جدًا، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات، وقال ابن عدي: وأحاديثه عامتها مما لا يتابعه الثقات عليه.\n[الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: ٥/ ١٥٨، الكامل في ضعفاء الرجال: ٤/ ١٨٤، ميزان الاعتدال: ٢/ ٤٨٦].","vol":"1","page":1035},{"text":"عن هشام بن ... عروة (^١) عن أبيه (^٢) عن عائشة ﵂: أن النبي - ﷺ - أُتي برجل كان يسرق الصبيان فيبيعهم، فأمر به فقطع (^٣).\n_________\n(^١) هشام بن عروة بن الزبير ثقة فقيه ربما دلس، تقدم.\n(^٢) عروة بن الزبير بن العوام ثقة فقيه، تقدم.\n(^٣) رواه من طريق المؤلف ابن حزم في المحلى: ١١/ ٣٣٧ قال: نا القاضي عبد الله بن عبد الرحمن بن جحاف المعافري ببلنسية نا محمد نا إبراهيم بطليطلة نا بكر بن العلاء القشيري بمصر نا زكريا بن يحيى الساجي البصري نا القاسم بن إسحاق الأنصاري نا أبي نا عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة بن الزبير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - أُتي برجل كان يسرق الصبيان، فأمر به فقطع.\nورواه ابن عدي في الكامل: ٤/ ١٨٤ عن الحسين بن عبد الله القطان عن إسحاق بن موسى بنحوه، وقال ابن عدي بعد ذكره لهذا الحديث وغيره: وهذه الأحاديث التي أمليتها غير محفوظة عن هشام بن عروة إلا من رواية عبد الله بن محمد بن يحيى عنه. ورواه الدارقطني في سننه: ٣/ ٢٠٢ كتاب الحدود حديث: ٣٥٩ من طريق محمد بن يزيد الحنفي عن أبي موسى الأنصاري بنحوه، وقال الدارقطني: تفرد به عبد الله بن محمد بن يحيى عن هشام وهو كثير الخطأ على هشام، وهو ضعيف الحديث. ورواه البيهقي في سننه: ٨/ ٢٦٨ باب ما جاء فيمن يسرق عبدًا صغيرًا من حرز كتاب السرقة من طريق ابن عدي به.\nقلت: أورد المؤلف هذا الحديث ولم يبين وجه الشاهد منه، والمالكية يستدلون به على أن من سرق حرًا صغيرًا عليه القطع، والجمهور على أنه لا قطع عليه؛ لأنه ليس بمال.\n[الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٩٤٦، أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ١٠٩، المغني: ١٢/ ٤٢١].","vol":"1","page":1036},{"text":"ومما يبين أن الله ﵎ قد يوجب المال تارة والحد يزيله تارة، ما حدثناه جماعة منهم: البرنكاني (^١) والباغندي (^٢) قالا: نا الحسن بن يحيى الأزدي (^٣) قال: نا علي بن المديني (^٤) قال: نا يحيى بن سعيد (^٥)\nعن مسعر (^٦) عن عبد الملك بن ميسرة (^٧)\n_________\n(^١) محمد بن أحمد البرنكاني أحد شيوخ المؤلف، تقدم.\n(^٢) محمد بن محمد بن سليمان بن الحارث، المعروف بالباغندي، أحد شيوخ المؤلف، مشهور بالتدليس مع الصدق والأمانة، تقدم.\n(^٣) الحسن بن يحيى الأزدي، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال في ترجمته: من أهل البصرة يروى عن يزيد وأبى عاصم، وكان صاحب حديث حدثنا عنه أحمد بن يحيى بن زهير بتستر وغيره. [الثقات: ٨/ ١٨٠].\n(^٤) علي بن عبد الله المديني ثقة ثبت إمام، تقدم.\n(^٥) يحيى بن سعيد بن فرُّوخ التميمي، أبو سعيد القطان البصري، عن: بهز بن حكيم، ومسعر بن كدام، وعنه: أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ثقة حافظ إمام قدوة، مات سنة ١٩٨ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٣١/ ٣٢٩، التقريب: ١٠٥٥].\n(^٦) مسعر بن كدام بن ظهير بن عبيدة الهلالي العامري، أبو سلمة الكوفي، عن: خالد بن سلمة، وعبد الملك بن ميسرة، وعنه: سفيان الثوري، ويحيى بن سعيد القطان، ثقة ثبت فاضل، مات سنة ١٥٥ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٢٧/ ٤٦١، التقريب: ٩٣٦].\n(^٧) عبد الملك بن ميسرة الهلالي العامري، أبو زيد الكوفي الزرّاد، عن: سعيد بن جبير، وطاوس بن كيسان، وعنه: شعبة بن الحجاج، ومسعر بن كدام، ثقة.\n\n[تهذيب الكمال: ١٨/ ٤٢١، التقريب: ٦٢٨].","vol":"1","page":1037},{"text":"عن طاوس (^١) عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: من وجد متاعه في أرض العدو قبل القسم فهو أحق به، وإن وجده بعد القسم فهو أحق به بالثمن (^٢).\n_________\n(^١) طاوس بن كيسان ثقة فاضل، تقدم.\n(^٢) لم أقف عليه من هذا الطريق مسندًا، وقد رواه الدارقطني في سننه: ٤/ ١١٤ كتاب السير حديث: ٣٩ من طريق الحسن بن عمارة عن عبد الملك عن طاوس عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال فيما أحرز العدو فاستنقذه المسلمون منهم أو أخذه صاحبه قبل أن يقسم: فهو أحق به، فإن وجده وقد قُسم فإن شاء أخذه بالثمن. قال الدارقطني: الحسن بن عمارة متروك. ورواه أيضًا البيهقي في سننه: ٩/ ١١١ باب من فرق بين وجوده قبل القسم وبين وجوده بعده كتاب السير، وفي معرفة السنن والآثار: ١٣/ ٢٨٥ عن الحسن بن عمارة عن عبد الملك الزرّاد عن طاوس عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: إني وجدت بعيري في المغنم كان أخذه المشركون فقال له رسول الله - ﷺ -: انطلق فإن وجدت بعيرك قبل أن يقسم فخذه، وإن وجدته قد قسم فأنت أحق به بالثمن إن أردته. قال البيهقي: هذا الحديث يعرف بالحسن بن عمارة عن عبد الملك بن ميسرة، والحسن بن عمارة متروك لا يحتج به، ورواه أيضًا مسلمة بن علي الخشني عن عبد الملك وهو أيضًا ضعيف، وروي بإسناد آخر مجهول عن عبد الملك ولا يصح شيء من ذلك.\n\nوقد ذكر العيني أنه روي من طرق أخرى عن غير الحسن بن عمارة ومنها ما ذكره المؤلف هنا، حيث قال العيني: قال أحمد: وقد روى مسعر عن عبد الملك، وقال يحيى بن سعيد: سألت مسعرًا عنه، فقال: هو من حديث عبد الملك ولكن لا أحفظه، وقال علي بن المديني: روي عن يحيى بن سعيد أنه سأل مسعرًا عنه فقال: هو من رواية عبد الملك عن طاووس عن ابن عباس. فدل على أنه قد رواه غير الحسن بن عمارة فاستغنى عن روايته لشهرته عن عبد الملك. ... [عمدة القاري: ١٥/ ٢].\nوقد ذكر ابن حزم طرقًا كالطرق التي ذكر العيني وضعفها، فبعد ذكره للحديث من طريق الحسن بن عمارة وإسماعيل بن عياش كلاهما عن عبد الملك به، قال ابن حزم: الحسن بن عمارة هالك، وإسماعيل بن عياش ضعيف. ورواه بعض الناس من طريق علي بن المديني وأحمد بن حنبل، قال علي: نا يحيى بن سعيد القطان، وقال أحمد: عن إسحاق الأزرق، ثم اتفق يحيى وإسحاق عن مسعر عن عبد الملك بن ميسرة. وهذا منقطع غير مسند، على أن الطريق إلى علي وأحمد تالفة، ولا يعرف هذا الخبر في حديث يحيى بن سعيد القطان الصحيح عنه أصلًا.\n[المحلى: ٧/ ٣٠٣].\nقلت: وما ذكره ابن حزم هو الصواب، فإن الباغندي كما سبق مدلس مخلط، فلا يبعد أن يكون دلس في الإسناد، ومما يدل ضعفه أيضًا ما سبق وذكره العيني حيث قال: قال يحيى بن سعيد: سألت مسعرًا عنه، فقال: هو من حديث عبد الملك ولكن لا أحفظه، وقال علي بن المديني: روي عن يحيى بن سعيد أنه سأل مسعرًا عنه فقال: هو من رواية عبد الملك عن طاووس عن ابن عباس.\nقلت: فدل كلام العيني هذا على أن مسعرًا لم يحفظه من حديث عبد الملك، وأنه لم يروه عنه.","vol":"1","page":1038},{"text":"قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ (^١) إلى قوله عز من قائل: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (^٢) *.\nالظاهر والله أعلم في قوله ﵎: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (^٣) إنما هو عطف على الكلام الذي قبله؛ لأنه لا يقال: وأن افعل، ابتداء بالكلام، وإنما هو على ما مضى من الكلام قبله. وقد اختلف التابعون في تفسير ذلك، فقال جماعة منهم: إن قوله سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (^٤) ناسخ لقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٤١]\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٤٨]\n* لوحة: ١٢٥/ب.\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٤٩]\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ٤٩]\n(^٥) [سورة المائدة: الآية ٤٢]\n(^٦) هذا يروى عن: مجاهد، وعكرمة، والحسن، والسدي، وقتادة، والزهري، وعمر بن عبد العزيز.\nتفسير عبد الرزاق: ١/ ١٩٠، مصنفه: ٦/ ٦٣، ١٠/ ٣٢٢، الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ١٣٥، مصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ٤٣٢ الحكومة بين اليهود والنصارى كتاب البيوع والأقضية، تفسير الطبري: ٦/ ٢٤٥، شرح معاني الآثار: ٤/ ١٤٢، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٢٩٥، نواسخ القرآن: ٣٧٤، سنن البيهقي: ٨/ ٢٤٩ ما جاء في حد الذميين كتاب الحدود.\nوهذا القول مروي عن ابن عباس من الصحابة، رواه أبو داود في سننه: ٣/ ٣٠٣ الحكم بين أهل الذمة كتاب الأقضية، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ١٣٤، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٤/ ١١٣٥، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ٢/ ٢٩٤، والطبراني في المعجم الكبير: ١١/ ٦٣، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٤١ التفسير سورة المائدة، وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في سننه: ٨/ ٢٤٩ الموضع السابق، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ٣٧٥.\nوالقول بالنسخ في هذه الآية وأن على الإمام أن يحكم بين أهل الكتاب، هو ما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه، والمشهور من مذهب الشافعي، وهو ما رجحه النحاس. [الأم: ٤/ ٢١٠، شرح معاني الآثار: ٤/ ١٤٣، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٢٩٦، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٦٠٩، روضة الطالبين: ٧/ ١٥٤].","vol":"1","page":1039},{"text":"وقال جماعة منهم: إن قوله عز من قائل: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (^١) غير منسوخة، وأن الأخرى وهي قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (^٢) عطف على الأولى، فإذا اختار أن يحكم حكم بما في كتابنا، وهو ما أنزل الله على نبيه - ﷺ - فيما يحدث بينهم، سوى ما نزلت الآيات فيه، فإن ذلك كان حكمه فيه بالتوراة (^٣)، وهذا قول أكثر المفسرين، قالوا: إن شاء حكم، وإن شاء أعرض، فإن حكم حكم بما أنزل الله علينا دون ما أنزل عليهم (^٤).\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٤٢]\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٤٩]\n(^٣) هذا يروى عن: عطاء، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، وإبراهيم، والشعبي.\nمصنف عبد الرزاق: ٦/ ٦٢، ١٠/ ٣٢١،، الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ١٣٤، سنن سعيد بن منصور: ... ٤/ ١٤٧٩، مصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ٤٣٢ الموضع السابق، تفسير الطبري: ٦/ ٢٤٤، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١١٣٦، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٢٩٣، نواسخ القرآن: ٣٧٧، سنن البيهقي: ٨/ ٢٤٦ الموضع السابق.\n(^٤) ذكر النحاس في الناسخ والمنسوخ: ٢/ ٢٩٦: أن قول الأكثر أن الآية منسوخة، وليس كما قال المؤلف من أنه أكثر قول المفسرين.\nوما ذهب إليه المؤلف من إحكام الآية وأن الإمام مخير في الحكم بين أهل الذمة، هو مذهب مالك، وأحمد، وأحد قولي الشافعي، وما رجحه: ابن جرير، ومكي، وابن عطية، وابن العربي، وابن الجوزي، وابن قدامة، وابن تيمية، والزرقاني.\n[جامع البيان: ٦/ ٢٤٦، الإيضاح: ٢٧٣، أحكام القرآن الكياالهراس: ٣/ ١٥٧، المحرر الوجيز: ٥/ ١٠٨، أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ١٣٧، نواسخ القرآن: ٣٧٨، المغني: ١٢/ ٣٨٢، تفسير القرطبي: ٦/ ١٨٤، روضة الطالبين: ٧/ ١٥٤، مجموع فتاوى ابن تيمية: ٢٨/ ١٩٧، مناهل العرفان: ٢/ ٥٢٤].","vol":"1","page":1040},{"text":"وهذه الآيات، وهذه القصة نزلت في يهود، زنا رجل منهم بامرأة منهم، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي، فإنه نبي بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها، واحتججنا بها عند الله، وإن أفتانا بالرجم لم نقبل، فأتوا النبي - ﷺ - وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا، وكان الحد يومئيذ فينا التجبية والتحميم؟ - وهو قول الله ﷿: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ (^١)\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ١٦]\n\n* لوحة: ١٢٦/أ.","vol":"1","page":1041},{"text":"وهذا كان الحد الأول * في الزنا، ثم نزل بعد ذلك: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (^١) يعني: حكمًا غير هذا، ثم أنزل الله الجلد للبكر، والرجم للثيب. فخطب النبي - ﷺ - وقال: خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا - (^٢) وقد كان اليهود قبل ذلك زنا رجل ذو قرابة من ملك من ملوكهم فدفع عنه الرجم، ثم زنا آخر في نسوة من الناس فأراد رجمه، فحال قومه دونه، وقالوا: والله لا ترجم صاحبنا حتى تأتي بصاحبك فترجمه، فاصطلحوا بينهم على التجبية والتحميم الذي كان يفعل فينا (^٣).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ١٥]\n(^٢) هذا الكلام شرح من المؤلف، وقد سبق تخريج الحديث ص: ٤٧٥.\n(^٣) كون هذه الآيات نزلت في قصة زنا اليهوديين وقصة الرجم، هذا أحد الأقوال قي سبب نزول هذه الآيات، وقد روي هذا من طريق البراء بن عازب - وسيأتي ص: ٦٦٤ - ومن طريق أبي هريرة، وهو ماذكر المؤلف هنا، وقد رواه أبو داود في سننه: ٤/ ١٥٥ باب في رجم اليهوديين كتاب الحدود، وعبد الرزاق في تفسيره: ١/ ١٨٩، ومصنفه: ٧/ ٣١٦، وابن جرير في تفسيره: ٦/ ٢٣٢، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٤/ ١١٣٨، وابن عبد البر في التمهيد: ١٤/ ٤٠٠، والواحدي في أسباب النزول: ١٩٧، والبيهقي في دلائل النبوة: ٦/ ٢٦٩، وسننه: ... ٨/ ٢٤٦ ما جاء في حد الذميين كتاب الحدود.","vol":"1","page":1042},{"text":"وكانت أيضًا قريظة والنضير عدت إحدى الطائفتين، وقهرت الأخرى قبل مقدم رسول الله - ﷺ -، فاصطلحوا على أنه ما قتلت العزيزة من الذليلة من قتيل فديته خمسون وسقًا (^١)، وما قتلت الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق (^٢).\n_________\n(^١) قال ابن الأثير: الوَسْق بالفتح: ستون صاعًا، وهو ثلاثمائة وعشرون رطلًا عند أهل الحجاز، وأربعمائة وثمانون رطلًا عند أهل العراق على اختلافهم في مقدار الصاع والمد، والأصل في الوسق الحِمْل، وكل شيء وسَقْتَه فقد حَمَلْته، والوَسَق أيضًا ضَمُّ الشيء إلى الشيء. [النهاية في غريب الحديث: ٥/ ١٨٤].\n(^٢) هذا هو القول الثاني في سبب نزول هذه الآيات، وأنها نزلت في بني قريظة والنضير، وهذا مروي عن ابن عباس - ﵄ - من طريقين، الأول: عن سماك عن عكرمة عنه: سنن أبي داود: ٤/ ١٦٨ باب النفس بالنفس كتاب الديات، سنن النسائي: ٨/ ٣٨٦ تأويل قول الله تعالى (وإن حكمت فاحكم بينهم) كتاب القسامة، تفسير الطبري: ٦/ ٢٤٣، شرح مشكل الآثار: ١١/ ٣١٦، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١١٣٦، صحيح ابن حبان: ١١/ ٤٤٢، سنن الدارقطني: ٣/ ١٩٨ كتاب الحدود حديث: ٣٤٤، المستدرك: ٤/ ٤٠٧ كتاب الحدود، وصحح ووافقه الذهبي، سنن البيهقي: ٨/ ٢٤ إيجاب القصاص في العمد كتاب الجنايات.\nالطريق الثاني: عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس. سنن أبي داود: ٣/ ٢٩٩ باب في القاضي يخطئ كتاب الأقضية، مسند أحمد: ١/ ٢٤٦، المعجم الكبير: ١٠/ ٣٠٢.\nقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني، وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو ضعيف، وقد وثق، وبقية رجال أحمد ثقات. ... [مجمع الزوائد: ٧/ ١٦].\nوهذا السبب أيضًا مروي عن: الشعبي. [تفسير الطبري: ٦/ ٢٣١، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٨٢٢].\n\nومروي أيضًا عن ابن زيد، وعبد الله ابن كثير. [تفسير الطبري: ٦/ ٢٤٢، ٢٤٣].","vol":"1","page":1043},{"text":"ورسول الله - ﷺ - يومئذ لم يظهر على يهود، ولا كان له عليهم حكم، فلما أتوا النبي - ﷺ - في أمر الزانيين يُؤمّلون أن يأمرهم بالتخفيف، أنزل الله علينا: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ (^١) يعني آمنا: قبلنا ما تقوله لنا، ولم تؤمن قلوبهم، ولم تصدق ألسنتهم عما في قلوبهم: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ (^٢) يريدون التجبية والتحميم: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (^٣)\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٤١]\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٤١]\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٤١]\n\n* لوحة: ١٢٦/ب.","vol":"1","page":1044},{"text":"* ثم قال ﵎: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ (^١)، ثم أنزل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ (^٢) وأنزل الله عليه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (^٣) فكان مخيرًا بين أن يحكم أو يعرض، فلما اختار أن يحكم قال الله له: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (^٤)، فلما قال الله ﵎: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (^٥) أي: لا تحكم بشريعتك ومنهاجك، واحكم بشريعتهم ومنهاجهم، وأمر أن يحكم بينهم بالحق وبالقسط الذي أنزل عليهم في كتابهم، وقيل له: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ (^٦) أتى نبي الله - ﷺ - إلى بيت مِدْرَاسِهم (^٧)\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٤٣]\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٤٤]\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٤٢]\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ٤٨]\n(^٥) [سورة المائدة: الآية ٤٨]\n(^٦) [سورة المائدة: الآية ٤٤]\n(^٧) اختلف في المدراس ما هو، فقيل إنه: البيت الذي يدرسون فيه التوراة، وقيل: هو العالم الذي يدرس التوراة، قال ابن الأثير: المدراس البيت الذي يدرسون فيه، مفعال غريب في المكان. [النهاية: ٢/ ١١٣].\nوقال ابن حجر: قوله (بيت المدراس) بكسر الميم وأخره مهملة: مفعال من الدرس، والمراد به كبير اليهود، ونسب البيت إليه لأنه هو الذي كان صاحب دراسة كتبهم أي قراءتها، ووقع في بعض الطرق (حتى إذا أتى المدينة المدارس) ففسره في المطالع: بالبيت الذي تقرأ فيه التوراة، ووجهه الكرماني بأن إضافة البيت إليه من إضافة العام إلى الخاص مثل شجر أراك. قلت: والصواب أنه على حذف الموصوف، والمراد الرجل، وقد وقع في الرواية الماضية في الجزية (حتى جئنا بيت المدارس) بتأخير الراء عن الألف بصيغة المفاعل، وهو من يدرس الكتاب ويعلمه غيره، وفي حديث الرجم فوضع مِدْارَسها الذي يدرسها يده على آية الرجم، وفسر هناك بأنه ابن صوريا فيحتمل أن يكون هو المراد هنا. [فتح الباري: ١٢/ ٣٩٧، وانظر مشارق الأنوار: ١/ ٢٥٦، لسان العرب: ٦/ ٨٠].","vol":"1","page":1045},{"text":"بعد أن قال لهم: ما تجدون الحد فيكم؟ فقالوا: التجبية والتحميم، فدعا بالتوراة فقرئت، فلما بلغ آية الرجم وضع ابن صوريا (^١) يده عليها، فقال عبد الله بن سلام (^٢): هذه آية الرجم، فرُفعت يده وقُرئت آية الرجم، فأمر بهما النبي - ﷺ - فرجما، وقال - ﷺ -: اللهم إني أول من أحيا ما أماتوا من كتابك (^٣).\n_________\n(^١) عبد الله بن صُوريا، ويقال: ابن صور الإسرائيلي، أحد أحبار اليهود، يقال: إنه أسلم، ويقال: إنه ارتد بعد إسلامه، قال ابن حجر: ولم أر لعبد الله بن صوريا إسلامًا من طريق صحيحة.\n[فتح الباري: ٧/ ٣٤٤، الإصابة: ٢/ ٣٢٦، القاموس المحيط: ٥٤٨].\n(^٢) عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي ثم الأنصاري، من بني قينقاع كان حليفًا للأنصار، يكنى أبا يوسف، من ولد نبي الله يوسف - ﵇ -، كان اسمه في الجاهلية الحصين، فلم أسلم سماه رسول الله - ﷺ - عبد الله، أحد أحبار اليهود، أسلم بعد مقدم النبي - ﷺ - المدينة، وبها مات سنة ٤٣ هـ. [الاستيعاب: ٢/ ٣٨٢، الإصابة: ٢/ ٣٢٠].\n(^٣) ما ذكره المؤلف هنا جمع بين حديث ابن عمر؟ وقد سبق تخريجه ص: ٤٧٦ - وحديث البراء بن عازب في سبب نزول هذه الآية، وقد رواه مسلم في صحيحه: ٣/ ١٣٢٧ كتاب الحدود حديث: ٢٨، وأبو داود في سننه: ٤/ ١٥٤ باب في رجم اليهودين كتاب الحدود، والنسائي في السنن الكبرى: ٦/ ٤٤٣ إقامة الحد على أهل الكتاب إذا تحاكموا إلينا كتاب الرجم، و١٠/ ٨٢ كتاب التفسير سورة المائدة، وابن ماجة في سننه: ٢/ ٨٦ باب رجم اليهودي واليهودية من أبواب الحدود، وأحمد في مسنده: ٤/ ٢٨٦، وابن جرير في تفسيره: ٦/ ٢٣٢، ٢٥٣، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٤/ ١١٣٢، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ٢/ ٢٩٧، والواحدي في أسباب النزول: ١٩٥، والبيهقي في سننه: ٨/ ٢٤٦ ما جاء في حد الذميين كتاب الحدود.","vol":"1","page":1046},{"text":"وروى ابن عمر (^١)، وأبو هريرة (^٢)، وجماعة (^٣) أن النبي - ﷺ - رجم اليهوديين بالتوراة. وقال عبيد الله * بن عبد الله بن عتبة: أما والله إن كثيرًا من الناس ليتأولون هذه الآيات على غير ما أنزلت، وإنما أنزلت في يهود: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (^٤) ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (^٥) و﴿الْفَاسِقُونَ﴾ (^٦) (^٧).\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: ٤٧٦.\n(^٢) سبق تخريجه ص: ٦٦٢.\n(^٣) منهم البراء بن عازب - سبق حديثه ص: ٦٦٤ - وابن عباس رواه ابن جرير في تفسيره: ٦/ ٢٤٢، وجابر ابن عبد الله: رواه أبو داود في سننه: ٤/ ١٥٦ الموضع السابق، والحميدي في مسنده: ٢/ ٥٤١، وأبو يعلى في مسنده: ٢/ ٣١٥، والطحاوي في شرح مشكل الآثار: ١١/ ٤٣٥، والدارقطني في سننه: ٤/ ١٦٩ كتاب النذور حديث: ٣٢، والبيهقي في سننه: ٨/ ٢٣١ ما جاء في وقف الشهود حتى يثبتوا الزنا كتاب الحدود.\n* لوحة: ١٢٧/أ.\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ٤٤]\n(^٥) [سورة المائدة: الآية ٤٥]\n(^٦) [سورة المائدة: الآية ٤٧]\n(^٧) رواه القاضي إسماعيل بن إسحاق في أحكام القرآن (ضمن ورقة واحدة فقط من سورة المائدة) قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبي الزناد قال: كنا عند عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود. فذكره مطولًا، وفيه: أن هذه الآيات نزلت في حيين من يهود هما قريظة والنضير. ورواه ابن جرير في تفسيره: ٦/ ٢٥٤.","vol":"1","page":1047},{"text":"وقد روى نافع (^١)، والزهري (^٢): أن اليهود تحاكموا إلى النبي - ﷺ - في اللذين زنيا.\nوأبو الزناد (^٣) روى: أنهم تحاكموا في القتيل الذي قتل (^٤). وجميعًا قد كانا؛ لأن حديث الزانيين قد جاء من غير وجه، وقصة القتيل أيضًا (^٥).\n_________\n(^١) ما رواه نافع عن ابن عمر سبق تخريجه ص: ٤٧٦، وليس فيه ذكر أن سبب نزول هذه الآيات هو تحاكم اليهود إلى رسول الله - ﷺ - في أمر الذين زنيا، وإنما فيه ما دار بين رسول الله - ﷺ - وأحبارهم من سؤالهم عن حكم الرجم في التوراة، وإخفاء أحد أحبارهم لآية الرجم، وأن رسول الله - ﷺ - رجمهما.\n(^٢) انظر حديث أبي هريرة السابق ص: ٦٦٢، وتفسير الطبري: ٦/ ٢٤٢.\n(^٣) عبد الله بن ذكوان القرشي، أبو عبد الرحمن المدني، المعروف بأبي الزناد، عن الشعبي، وعبيد الله بن ... عبد الله بن عتبة، وعنه: ابنه عبد الرحمن، وسفيان الثوري، ثقة فقيه، مات سنة ١٣٠ هـ.\n[تهذيب الكمال: ١٤/ ٤٧٦، التقريب: ٥٠٤].\n(^٤) سبق من حديث ابن عباس من طريق أبي الزناد عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس ص: ٦٦٢، ومن حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة من طريق أبي الزناد عنه ص: ٦٦٥.\n(^٥) ذهب جمع من أهل العلم إلى ترجيح نزول هذه الآيات في قصة اليهوديين الذين زنيا وتحاكمهم إلى الرسول - ﷺ - في ذلك، منهم: الطبري في تفسيره: ٦/ ٢٣٤، والبغوي في تفسيره: ٣/ ٥٧، وابن العربي في أحكام القرآن: ٢/ ١٢٢، وابن عطية في المحرر الوجيز: ٥/ ١٠٢، وابن كثير في تفسيره: ٢/ ٥٨.\n\nقلت: ولعل الصواب ما ذهب إليه المؤلف من نزول هذه الآيات في أمر الزانيين وفي قصة القتيل جميعًا، خاصة وأن كلا القصتين واقعة في يهود، وفي الآيات أيضًا إشارة إلى كلا القصتين، ففيها إشارة إلى كتم أحبار اليهود خبر الرجم في كتبهم، وفيها أيضًا حكم القصاص في كتبهم، وقد ألمح إلى ذلك ابن كثير حيث قال: وقد يكون اجتمع هذان السببان في وقت واحد فنزلت هذه الآيات في ذلك كله والله أعلم، ولهذا قال بعد ذلك: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ إلى آخرها وهذا يقوي أن سبب النزول قضية القصاص.\n[تفسير القرآن العظيم: ٢/ ٦١].","vol":"1","page":1048},{"text":"وأما قول من قال (^١): إن قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (^٢) نسخ قوله: ... ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (^٣) فليس بالبين؛ لأن ... الناسخ والمنسوخ لا يكون إلا حالًا بعد حال، فأما في حال واحدة فلا، ولما قيل: ... ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾ (^٤) علم أنهم الذين قيل فيهم: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (^٥) وعلم أنهم حكّموه بقول الله ﷿: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ (^٦) وليس يجب على من حُكّم أن يحكم، هو مخير إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وإنما يجب الحكم على من هو حاكم على قوم، وحكمه جائز عليهم من غير تراضيهم به، وقد ذكر عبيد الله بن عبد الله: أن النبي - ﷺ - لم يكن ظهر عليهم يومئذ (^٧).\n_________\n(^١) في الأصل: وأما من قول من قال. والصواب ما أثبت.\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٤٩]\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٤٢]\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ٤٩]\n(^٥) [سورة المائدة: الآية ٤٢]\n(^٦) [سورة المائدة: الآية ٤٣]\n(^٧) سبق تخريجه في أثره المتقدم ص: ٦٦٥.\n\n* لوحة: ١٢٧/ب.","vol":"1","page":1049},{"text":"والقرآن يدل على ذلك، وإنما جرى حكم رسول الله - ﷺ - على يهود، وأنزلت آية الجزية بعد فتح مكة، وعند مخرجه إلى تبوك، والرجم كان في قريظة والنضير قبل نقضهم العهد، وخيبر بعد ذلك بمدة، والذمة ودخولهم تحت الصغار والجزية بعد خيبر وبعد فتح مكة *، والنبي - ﷺ - قال في مرضه: لا يبقين دينان في جزيرة العرب (^١).\n_________\n(^١) روى مالك في الموطأ: ٢/ ٦٨٠ كتاب الجامع حديث: ١٧ عن عمر بن عبد العزيز قال: كان من آخر ما تكلم به رسول الله - ﷺ - أن قال: قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقين دينان بأرض العرب. وفي الموطأ برواية محمد بن الحسن: ٣١٢: لا يبقين دينان بجزيرة العرب. وقد رواه عبد الرزاق في مصنفه: ٦/ ٥٤، ١٠/ ٣٦٠، وابن سعد في الطبقات الكبرى: ٢/ ٢٤٠، ٢٥٤ من طريق مالك به، والبيهقي في سننه: ٦/ ١٣٥ باب من أباح المزارعة بجزء معلوم مشاع كتاب المزارعة، ٩/ ٢٠٨ باب لا يسكن أرض الحجاز مشرك كتاب الجزية، وفي دلائل النبوة: ٧/ ٢٠٤.\nوهذا الحديث وإن كان مرسلًا إلا أن له شواهد يصح بها، قال ابن عبد البر: هكذا جاء هذا الحديث عن مالك في جميع الموطآت كلها مقطوعًا، وهو يتصل من وجوه حسان عن النبي - ﷺ -. ثم ذكر هذه الوجوه.\n\n[التمهيد: ١/ ١٦٥ - ١٧١، وانظر أيضًا شواهده في: نصب الراية: ٣/ ٤٥٤، وتلخيص الحبير: ٤/ ١٢٤].","vol":"1","page":1050},{"text":"فأجلى عمر - ﵁ - يهود خيبر، ويهود نجران، وفدك (^١). وقال مالك - ﵁ -: وجزيرة العرب: مكة، والمدينة، واليمن، واليمامة (^٢).\n_________\n(^١) انظر المراجع السابقة في تخريج الحديث.\n(^٢) قال القاضي عياض: قال إسماعيل القاضي عن مالك: هي الحجاز واليمن واليمامة ومالم يبلغه ملك فارس، وقيل عن مالك هي: المدينة. وقال البخاري عن المغيرة: مكة والمدينة واليمامة واليمن. وحكاه إسماعيل القاضي عن مالك قال: هو كل بلدلم تملكه الروم ولا فارس. [مشارق الأنوار: ١/ ١٦٩].\n\nوانظر في خلاف العلماء في تحديد المراد بجزيرة العرب: الاستذكار: ٢٦/ ٦١، إكمال المعلم: ٥/ ٣٨٢، المغني: ١٣/ ٢٤٢، شرح النووي على صحيح مسلم: ١١/ ١٣٥، فتح الباري: ٦/ ٢٠٥.","vol":"1","page":1051},{"text":"وإنما ذكر مالك - ﵁ - أمهات القرى من جزيرة العرب، ولم يذكر ما هو تبع لها من البوادي والقرى. قال الأصمعي: جزيرة العرب من أقصى أرض اليمن إلى ما تبلغه عمارة فارس والروم (^١). وقول مالك - ﵁ -: أن اليهود لا تقام عليهم الحدود، ولا على أحد من الكفار في الزنا، وما أشبهه مما يكون الحد فيه لله وحده (^٢)؛ لأن الله ﷿ أمرنا أن نقرهم على أنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، فقد أقررناهم على الذي بينهم، لا مدخل لنا في ذلك، ولما أخذنا منهم الجزية وجب علينا أن نُمنع منهم، فإن غصبهم غاصب، أو سرقهم سارق، أو قتلهم قاتل وجب على الحاكم أن ينظر في ذلك بينهم وبين خصمهم، كان منا أو منهم؛ لأن علينا أن نكف بعضهم عن بعض في أنفسهم، وأموالهم للوفاء بعهدهم، وإذا كانت المعاملات في الأموال بينهم وبين المسلمين وجب على الحاكم أن ينظر بينهم؛ لأن المسلم لا يتولى الحكم عليه إلا مسلم، وإن كان الذي عامله ذميًا لم ينظر الحاكم بينهما (^٣)، إلا أن يتراضيا بحكمه؛ لأنا أخذنا منهم الجزية وتركناهم ودينهم، إذ أقرهم الله على أن لا يحرمون ما حرم الله ورسوله (^٤)،\n_________\n(^١) غريب الحديث لأبي عبيد: ٢/ ٢٤٤، مشارق الأنوار: ١/ ١٦٩، معجم البلدان: ٢/ ١٣٨.\n(^٢) المدونة: ٤/ ٥٠٨، ٥٣٠.\n(^٣) في الأصل: لم يحكم الحاكم بينهما إلا أن يتراضيا بحكمه، وقد ضرب على كلمة (يحكم) ووضع مكانها ... (ينظر).\n(^٤) كذا في الأصل، ولعل الصواب: إذ أقرهم الله على أنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله.\n\n* لوحة: ١٢٨/أ.","vol":"1","page":1052},{"text":"ولا يدينون دين الحق، وإن حكمنا * عليهم بأحكامنا كان نقضًا للعهد بيننا وبينهم؛ لأنا إذا فعلنا ذلك ألزمناهم أن يحرموا ما حرم الله ورسوله، ولو جاز لنا ذلك لأخذناهم بالإسلام الذي هو الأصل، فإذا حكّمونا فلنا أن نحكم، ولنا أن نعرض، وإن حكمنا كان الحكم بالكتاب والسنة، ولم يكن ذلك بعد التراضي بنا نقضًا للعهد، وإنما الحاكم في هذه المنزلة رجل حكَّمه رجلان، فإن شاء حكم، وإن شاء ترك. كتب محمد بن أبي بكر (^١) إلى علي بن أبي طالب -﵄- يسأله عن زنادقة النصارى، وعن مسلم زنا بنصرانية، فكتب إليه: أما زنادقة النصارى فيتركون وأهل دينهم، وأما المسلم الذي زنا بنصرانية فيقام عليه الحد، وتترك هي وأهل دينها (^٢).\n_________\n(^١) محمد بن أبي بكر الصديق القرشي التيمي، أبو القاسم المدني، أمه أسماء بنت عميس، ولد عام حجة الوداع، نشأ في حجر علي - ﵁ -؛ لأنه كان زوج أمه، روى عن أبيه مرسلًا، وعن أمه، وعنه: ابنه القاسم، شهد مع علي الجمل وصفين، أرسله علي إلى مصر أميرًا قتل سنة ٣٨ هـ.\n[الاستيعاب: ٣/ ٣٤٨، الإصابة: ٣/ ٤٧٢].\n(^٢) روى نحوه الشافعي في الأم: ٦/ ١٣٩، وعبد الرزاق في مصنفه: ٦/ ٦٢، ٧/ ٣٤٢، ٨/ ٣٩٤، ١٠/ ٣٢١، وابن حزم في المحلى: ٩/ ٤٢٥، ١١/ ١٥٨، والبيهقي في سننه: ٨/ ٢٤٧ ما جاء في حد الذمين كتاب الحدود.","vol":"1","page":1053},{"text":"وقد اختلفت الروايات والتفاسير في قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (^١) و﴿الظَّالِمُونَ﴾ (^٢) و﴿الْفَاسِقُونَ﴾ (^٣) فقال بعضهم: إنها في اليهود لما غيروا من كتاب الله، وعدلوا عن أحكامه (^٤). وقال بعضهم: هي فينا وفيهم (^٥).\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٤٤]\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٤٥]\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٤٧]\n(^٤) روي هذا عن: ابن عباس من طريق أبي الزناد عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة وقد سبق تخريجه ص: ٦٦٢، وعن البراء بن عازب وقد سبق تخريجه ص: ٦٦٤، وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة وقد سبق تخريجه ص: ٦٦٥، وعن: حذيفة، وأبي صالح، والضحاك، وأبي مجلز، وعكرمة، وقتادة. [تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٩١، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٤٨٥، تفسير الطبري: ٦/ ٢٥٢، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١١٤٢، ١١٤٣، المستدرك: ٢/ ٣٤٢ التفسير سورة المائدة، وهذا ما رجحه ابن جرير في تفسيره: ٦/ ٢٥٧ من كون هذه الآيات في اليهود وفيمن جحد حكم الله المنزل في الكتاب، وذهب إلى ترجيحه القرطبي في تفسيره: ٦/ ١٩٠].\n(^٥) هذا يروى عن: ابن مسعود، وإبراهيم النخعي، والحسن، والسدي.\n[تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٩١، تفسير الطبري: ٦/ ٢٥٦، زاد المسير: ٢/ ٣٦٦].","vol":"1","page":1054},{"text":"وقد نص الله في ذلك في أمر اليهود وأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، فخالفوا ما كتب عليهم في التوراة، فقال ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (^١) فكان ظاهر ذلك يدل على أنه من فعل فعلهم، واخترع حكمًا خالف به حكم الله، وجعله دينًا يعمل به فقد لزمه ما لزمهم، حاكمًا كان أو غير حاكم (^٢).\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٤٤]\n(^٢) هذا هو الصواب - إن شاء الله - فإنه وإن كان سبب نزول هذه الآيات في اليهود إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قال ابن حجر: ويظهر أن يقال: إن الآيات وان كان سببها أهل الكتاب لكن عمومها يتناول غيرهم. قال إسماعيل القاضي في أحكام القرآن بعد أن حكى الخلاف في ذلك: ظاهر الآيات يدل على أن من فعل مثل ما فعلوا واخترع حكمًا يخالف به حكم الله، وجعله دينًا يعمل به فقد لزمه مثل ما لزمهم من الوعيد المذكور حاكمًا كان أو غيره. [انظر فتح الباري: ١٣/ ١٤٩].\nومما يدل على دخولنا في عموم هذه الآية دلالة السياق على ذلك، قال الشنقيطي: الظاهر المتبادر من سياق الآيات أن آية: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ نازلة في المسلمين؛ لأنه تعالى قال قبلها مخاطبًا لمسلمي هذه الأمة: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ ثم قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فالخطاب للمسلمين كما هو ظاهر متبادر من سياق الآية. [أضواء البيان: ٢/ ١٠٣].\nوبعد ترجيح أن هذه الأمة داخلة في عموم حكم هذه الآية يبقى ههنا سؤال وهو: هل كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر؟ الجواب: أن هذا يختلف بحسب حال الحاكم، ويختلف باختلاف المسألة المحكوم فيها هل هي قضية عين يحكم الحاكم فيها بغير ما أنزل الله، أو أنها تعتبر تشريعًا عامًا لجميع الأمة، وهذا ما ذهب إليه المؤلف هنا، حيث قال: وجعله دينًا يعمل به.\nقال ابن القيم حول هذه الآيات: قال ابن عباس: ليس بكفر ينقل عن الملة، بل إذا فعله فهو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر. وكذلك قال طاوس. وقال عطاء: هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. ومنهم من تأول الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحدًا له. وهو قول عكرمة، وهو تأويل مرجوح، فإن نفس حجوده كفر سواء حكم أو لم يحكم. ومنهم من تأولها على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله، قال: ويدخل في ذلك الحكم بالتوحيد والإسلام. وهذا تأويل عبد العزيز الكناني. وهو أيضًا بعيد؛ إذ الوعيد على نفي الحكم بالمنزل، وهو يتناول تعطيل الحكم بجميعه وببعضه. ومنهم من تأولها على الحكم بمخالفة النص تعمدًا من غير جهل به ولا خطأ في التأويل، حكاه البغوي عن العلماء عمومًا. ومنهم من تأولها على أهل الكتاب. وهو قول قتادة والضحاك وغيرهما. وهو بعيد، وهو خلاف ظاهر اللفظ فلا يصار إليه. ومنهم من جعله كفرًا ينقل عن الملة. والصحيح: أن الحكم بغير ما أنزل الله يتاول الكفرين الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة وعدل عنه عصيانًا مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا كفر أضغر، وإن اعتقد أنه غير واجب وأنه مخير فيه مع تيقنه أنه حكم الله فهذا كفر أكبر، وإن جهله وأخطأه فهذا مخطئ له حكم المخطئين. [مدارج السالكين: ١/ ٣٣٦، ٣٣٧]. =","vol":"1","page":1055},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال الشيخ ابن عثيمين حول هذه الآيات وقد سئل عن الحكم بغير ما أنزل الله: وهل هذه الأوصاف الثلاثة تتنزل على موصوف واحد؟ بمعنى أن كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق، أو هذه الأوصاف تتنزل على موصوفين بحسب الحامل لهم على عدم الحكم بما أنزل الله؟ هذا هو الأقرب عندي. فنقول: من لم يحكم بما أنزل الله استخفافًا به، أو احتقارًا له، أو اعتقد اعتقادًا أن غيره أصلح منه وأنفع للخلق فهو كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، ومن هؤلاء من يضعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية، لتكون منهاجًا يسير الناس عليه، فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق، إذ من المعلوم بالضرورة العقلية والجبلة الفطرية أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه ونقص ما عدل عنه. ومن لم يحكم بما أنزل الله وهو لم يستخف به ولم يحتقره، ولم يعتقد أن غيره أصلح منه وأنفع للخلق، وإنما حكم بغيره تسلطًا على المحكوم عليه، أو انتقامًا منه لنفسه أو نحو ذلك، فهذا ظالم وليس بكافر، وتختلف مراتب ظلمه بحسب المحكوم به ووسائل الحكم. ومن لم يحكم بما أنزل الله لا استخفافًا بحكم الله، ولا احتقارًا، ولا اعتقادًا أن غيره أصلح وأنفع للخلق، وإنما حكم بغيره محاباة للمحكوم له، أو مراعاة لرشوة أو غيرها من عرض الدنيا فهذا فاسق وليس بكافر، وتختلف مراتب فسقه بحسب المحكوم به ووسائل الحكم.\nثم سئل - ﵀ - هل هناك فرق بين المسألة المعينة التي يحكم فيها القاضي بغير ما أنزل الله وبين المسائل التي تعتبر تشريعًا عامًا؟ فأجاب بقوله: نعم هناك فرق، فإن المسائل التي تعتبر تشريعًا عامًا لا يتأتى فيها التقسيم السابق، وإنما هي من القسم الأول فقط؛ لأن هذا المشرع تشريعًا يخالف الإسلام إنما شرعه لاعتقاده أن أصلح من الإسلام وأنفع للخلق للعباد كما سبقت الإشارة إليه. والحكم بغير ما أنزل الله ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يستبدل هذا الحكم بحكم الله تعالى، بحيث يكون عالمًا بحكم الله ولكنه يرى أن الحكم المخالف له أولى وأنفع للعباد من حكم الله، أو أنه مساو لحكم الله، أو أن العدول عن حكم الله إليه جائز فيجعله القانون الذي يجب التحاكم إليه، فمثل هذا كافر كفرًا مخرجًا عن الملة. الثاني: أن يستبدل بحكم اله تعالى حكمًا مخالفًا له في قضية معينة دون أن يجعل ذلك قانونًا يجب التحاكم إليه فله ثلاث حالات. - ثم ذكر التقسيم الذي ذكره سابق أن منهم كافر، ومنهم ظالم، ومنهم فاسق.\n[مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد العثيمين جمع فهد ناصر السليمان: ٢/ ١٤٠ - ١٤٧].","vol":"1","page":1056},{"text":"وقد روى عطاء بن السائب (^١) عن أبي عبد الرحمن (^٢) عن علي قال: شرب نفر من أهل الشام الخمر، وعليهم يزيد بن أبي سفيان (^٣)\n_________\nوقد أطلت في هذه المسألة لخطورطتها، ولتسرع كثير من الناس في الحكم على الحكام بغير ما أنزل الله بأنهم كفار، مما يترتب عليه مفاسد كثيرة لا يعلم خطورتها إلا الله تعالى، وهنا أحب أن أشير إلى أمر مهم وهو: أن من خصائص أهل السنة والجماعة كونهم وسط في الأمور كلها، ومنها هذه المسألة، فهم وسط بين الخوارج الذين يكفرون كل من جار أو حكم بغير ما أنزل الله، ويجعلونه كافرًا خارجًا عن الملة، ولو لم يكن عمله هذا كفرًا أكبر، وبين المرجئة الذين يرون أنه لا يضر مع الإيمان ذنب. وأمر آخر مهم وهو: التفريق بين الحكم على الفعل والحكم على الأشخاص، والتأكد من توافر الشروط وانتفاء الموانع، مع ترك هذا الأمر لأهله من أهل العلم، قال ابن تيمية: وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال: هي كفر قولًا يطلق كما دل على ذلك الدلائل الشرعية، فإن الإيمان من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم، ولا يجب أن يحكم فى كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت فى حقه شروط التكفير وتنتفى موانعه، مثل: من قال إن الخمر أو الربا حلال؛ لقرب عهده بالإسلام، أو لنشوئه فى بادية بعيدة، أو سمع كلامًا أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن ولا أنه من أحاديث رسول الله - ﷺ -. [مجموع الفتاوى: ٣٥/ ١٦٥].\nانظر في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله: تفسير الطبري: ٦/ ٢٥٢، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٦١٥، معالم التنزيل: ٣/ ٦١، تفسير القرطبي: ٦/ ١٩٠، أضواء البيان: ٢/ ١٠٣، ١٠٨، تحكيم القوانين للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، الحكم بغير ما أنزل الله د. عبد الرحمن المحمود.\n(^١) عطاء بن السائب بن مالك، ويقال: ابن زيد، ويقال: ابن يزيد الثقفي، أبو السائب، ويقال: أبو محمد الكوفي، عن: أنس بن مالك، وأبي عبد الرحمن السلمي، وعنه: وكيع بن الجراح، وحماد بن سلمة، صدوق اختلط، مات سنة ١٣٦ هـ. [تهذيب الكمال: ٢٠/ ٨٦، التقريب: ٦٧٨].\n(^٢) عبد الله بن حبيب بن رُبيعة - بالتصغير - أبو عبد الرحمن السلمي الكوفي القاريء، مشهور بكنيته، عن: حذيفة، وعلي بن أبي طالب، وعنه: عطاء بن السائب، وسعيد بن جبير، ثقة ثبت، مات سنة ٧٤ هـ.\n[تهذيب الكمال: ١٤/ ٣٤٠٨٣٤، التقريب: ٤٩٩].\n(^٣) يزيد بن أبي سفيان بن حرب بن أمية القرشي الأموي، أمير الشام، وأخو الخليفة معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - من فضلاء الصحابة، من مسلمة الفتح، كان يقال له: يزيد الخير، يكنى أبا خالد، روى عن النبي - ﷺ - وعن أبي بكر، يقال إنه مات في طاعون عمواس سنة ١٨ هـ، وقيل غير ذلك.\n[الاستيعاب: ٣/ ٦٤٩، الإصابة: ٣/ ٦٥٦].\n* لوحة: ١٢٨/ب.","vol":"1","page":1057},{"text":"*، وقالوا: هي لنا حلال، وتأولوا هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (^١) الآية، فكتب فيهم (^٢) إلى عمر -﵀- فاستشار فيهم الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين نرى أنهم كذبوا على الله، وشرعوا في دينه ما لم يأذن به، فاضرب أعناقهم، وعلي -﵀- ساكت، فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟، فقال: أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا جلدتهم ثمانين لشربهم الخمر (^٣)، وإن لم يتوبوا ضربت أعناقهم، وإنهم كذبوا على الله، وشرعوا في دينه ما لم يأذن به الله، فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين (^٤).\nقال القاضي: وهذا القول اتفاق من عمر وعلي على أن من شرع شرعًا يخالف كتاب الله كان له حكم من يقدمه ممن خالف الكتاب.\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٩٣]\n(^٢) في الأصل: إليهم، والتصويب من مصادر التخريج.\n(^٣) كذا عند ابن أبي شيبة، وعند الطحاوي: جلدتهم ثمانين ثمانين.\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٥/ ٤٩٩ في حد الخمر كم هو وكم يضرب شاربه؟ كتاب الحدود، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٣/ ١٥٤، وذكره ابن قدامة في المغني: ١٢/ ٤٩٤ وعزاه إلى الخلال.","vol":"1","page":1058},{"text":"وأما قوله ﷿: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ﴾ (^١) فقد تأول قوم بهذه الآية: أن المسلم يقتل بالذمي (^٢).\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٤٥]\n(^٢) هذا ما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول الشعبي والنخعي، وذهب الجمهور إلى أنه لا يقتل مؤمن بكافر أي كافر كان، وهذا مروي عن: عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، ومعاوية، وبه قال: عمر بن عبد العزيز، وعطاء، والحسن، وعكرمة، والزهري، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور. [أحكام القرآن للجصاص: ١/ ١٩٧، أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ١٢٨، بدائع الصنائع: ٧/ ٢٣٨، المغني: ١١/ ٤٦٦، تفسير القرطبي: ٢/ ٢٤٦، تفسير ابن كثير: ٢/ ٦٢].","vol":"1","page":1059},{"text":"وهذا التأويل مع ما فيه من مخالفة الحديث الذي روي عن رسول الله - ﷺ - خطأ شديد؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ (^١) يعني: في التوراة، فكان ذلك مكتوبًا على قوم هم ملة واحدة متساوون، ولم يكن لهم أهل ذمة ولا عبيد، ولا أبيح الاستعباد إلا لنبينا - ﷺ - في شيء من الكتب، كما المسلمين أهل ذمة وعبيد، لأن الجزية فيء وغنيمة أفاءها الله على المؤمنين، ولم يجعل الفيء قبل هذه الأمة، ولا كان نبي يبعث إلا إلى قومه، وبعث نبينا - ﷺ - إلى الناس كافة (^٢)، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (^٣)\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٤٥]\n(^٢) روى البخاري في صحيحه: ١/ ١٦٨ باب قوله - ﷺ -: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا كتاب المساجد عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة، وأعطيت الشفاعة. ورواه مسلم في صحيحه: ١/ ٣٧٠ كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث: ٣.\n(^٣) [سورة الأعراف: الآية ١٥٨]\n\n* لوحة: ١٢٩/أ.","vol":"1","page":1060},{"text":"فعلمنا أن هذه الآية أوجبت على أهل التوراة، وكانت دماؤهم تتكافأ، وأحكامهم * وملتهم واحدة، فكذلك وجب حكم هذه الآية على أهل القرآن إذ أنزلت فيه فيما بينهم على التكافؤ (^١) (^٢)؛ لقول النبي - ﷺ -: المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم (^٣).\n_________\n(^١) في الأصل: التكافئ، والصواب ما أثبت.\n(^٢) قال ابن العربي: وقد ذكر بعض علمائنا في ذلك نكتة حسنة قال: إن الله تعالى قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ فأخبر أنه فرض عليهم في ملتهم أن كل نفس منهم تعادل نفسًا، فإذا التزمنا نحن ذلك في ملتنا - على أحد القولين وهو الصحيح - كان معناه أن في ملتنا نحن أيضًا أن كل نفس منا تقابل نفسًا، فأما مقابلة كل نفس منا بنفس منهم فليس من مقتضى الآية ولا من مواردها. [أحكام القرآن: ٢/ ١٢٩].\n(^٣) روى أبو داود في سننه: ٤/ ١٨٠ باب إيقاد المسلم بالكافر كتاب الديات عن قيس بن عباد قال: انطلقت أنا والأشتر إلى علي ﵇ فقلنا: هل عهد إليك رسول الله - ﷺ - شيئًا لم يعهده إلى الناس عامة؟ قال: لا، إلا ما في كتابي هذا، فأخرج كتابًا فإذا فيه: المؤمنون تكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده، من أحدث حدثًا فعلى نفسه، ومن أحدث حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ورواه النسائي في سننه: ٨/ ٣٨٨ القود بين الأحرار والمماليك كتاب القسامة، ٨/ ٣٩٣ سقوط القود بين المسلم والكافر كتاب القسامة، وأحمد في مسنده: ١/ ١١٩، ١٢٢، والبزار في مسنده: ٢/ ٢٩١ وقال: وهذا الحديث قد روي عن علي من غير وجه، وهذا الإسناد أحسن إسنادًا يروى في ذلك وأصحه .. ورواه أيضًا أبو يعلى في مسنده: ١/ ١٧٧، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٣/ ١٩٢، والدارقطني في سننه: ٣/ ٩٨ كتاب الحدود حديث: ٦١، والحاكم في المستدرك: ٢/ ١٥٣ كتاب قسم الفيء وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في سننه: ٧/ ١٣٣ باب اشتراط الدين في الكفاءة كتاب النكاح، ٨/ ٢٩ باب فيمن لا قصاص بينه باختلاف الدينين كتاب الجنايات.\nوقد روي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم، يَرُد مُشِدُّهم على مضعفهم، ومتسرعهم على قاعدهم، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده. رواه أبو داود في سننه: ٣/ ٨٠ باب في السرية تَرُدُّ على أهل العسكر كتاب الجهاد، وابن ماجة في سننه: ٢/ ١١١ باب المسلمون تتكافأ دماؤهم من أبواب الديات، وأحمد في مسنده: ٢/ ١٨٠، ١٩٢، ٢١١، ٢١٥، والطيالسي في مسنده: ٤/ ١٧، وعبد الرزاق في مصنفه: ٥/ ٢٢٦، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٥/ ٤٥٨ كتاب الديات باب إن المسلمين تتكافأ دماؤهم، والبيهقي في سننه: ٨/ ٢٩ الموضع السابق. وقد وروي هذا الحديث من طريق عائشة ويأتي ص: ٦٧٨.","vol":"1","page":1061},{"text":"وهذا دليل واضح أن دماء غيرهم لا تكافئ دماءهم، إذ قال: وهم يد على من سواهم. فمن زعم أن المسلم يقتل بالذمي فقد جعل الكافر يكافئ المؤمن، وأخلى قول النبي - ﷺ -: المؤمنون تتكافأ دماؤهم. من الفائدة، وهوكلام بعضه موصول ببعض، فأدنى المسلمين يجير عليهم، ولو أن ذميًا أجار عليهم لما جاز جواره، وقد علمنا بقول رسول الله - ﷺ - أن من سواهم هم الكفار من ذمي وغير ذمي، والكافر الذمي محرم دمه بالعهد الذي جعل له، كما حرم ماله، ولولا ذلك لكان بمنزلة الحربي، لا فضيلة له، وليس يجب على مسلم نقض عهد فيما بينه وبين ذمي أن قتل، ولكن يؤدب ويغرم ما أتلف من دم أو مال. وقد زعم أبو حنيفة في حربي دخل بأمان فقتله مسلم أنه لا يقتل به، وأن عليه ديته (^١). فترك هو وأصحابه ما احتجوا به من: أن النفس بالنفس، وأن الآية عامة في كل نفس محرمة، ودم المستأمن عندهم محرم، كما حرم دم الذمي (^٢)، وكل واحد منهما له عهد يجب على المسلمين الوفاء به إلى مدته، لا فرق بين حاله إلى مدته وبين حال الذمي، وقالوا أيضًا: من قتل عبده المسلم لم يقتل به (^٣).\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٢٠١، بدائع الصنائع: ٧/ ٢٣٦.\n(^٢) في الأصل: حرم ذمي الذمي، والصواب ما أثبت.\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص: ١/ ١٩٢، بدائع الصنائع: ٧/ ٢٣٦.\n\n* لوحة: ١٢٩/ب.","vol":"1","page":1062},{"text":"فأخرجوه أيضًا من جملة الآية التي احتجوا بعمومها، فإن قالوا: إن هذا خرج من جملة الآية؛ لأنه عبده. فكذلك خرج الآخر؛ لأنه كافر ليس حرمته كحرمة المسلم، بل العبد المسلم أعظم عند الله من الذمي؛ لقول الله تعالى فيمن قتل * مؤمنًا متعمدًا، وخص المؤمنين بذلك، والعبد المؤمن داخل في جملة المؤمنين (^١). ولو أن مسلمًا قذف ذميًا لما جلد له الحد لنقصان حرمة الكافر عن حرمة المسلم، ولكن يؤدب للعهد الذي جعل له (^٢).\nقال الشعبي أخبرني أبو جحيفة (^٣) قال: وسمعت عليًا يقول: ما عندنا سوداء في بيضاء (^٤) بعد كتاب الله، إلا ما في هذه الصحيفة، قلت: وما فيها؟ قال: العقل (^٥)، وفكاك الأسير (^٦)، ولا يقتل مؤمن بكافر (^٧).\n_________\n(^١) [سورة النساء: ٩٣]\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص: ٣/ ٣٩٤، أحكام القرآن لابن العربي: ٣/ ٣٤١، المغني: ١٢/ ٣٨٤.\n(^٣) وهب بن عبد الله، ويقال: وهب بن وهب، أبو جُحيفة السوائي، مشهور بكنيته، يقال له: وهب الخير، صحابي معروف، روى عن النبي - ﷺ -، وصحب عليًا وروى عنه، وعنه: الشعبي، وأبو إسحاق السبيعي.\n[تهذيب الكمال: ٣١/ ١٣٢، التقريب: ١٠٤٤].\n(^٤) قال المباركفوري: المراد به شيء مكتوب. [تحفة الأحوذي: ٤/ ٦٦٨].\n(^٥) العقل: الدية. [النهاية في غريب الحديث: ٣/ ٢٧٨].\n(^٦) أي: تخليصه من يد العدو بمال أو بغيره، يقال: فككت الشيء: خلصته.\n[لسان العرب: ١٠/ ٤٧٥، فتح الباري: ٦/ ٢٠١].\n(^٧) رواه الترمذي في سننه باب ما جاء لا يقتل مسلم بكافر من أبواب الديات، وقال: حديث علي حسن صحيح. تحفة الأحوذي: ٤/ ٦٦٨. =\nوروى البخاري نحوه في صحيحه: ١/ ٥٣ كتاب العلم باب كتابة العلم، ٣/ ١١١٠ كتاب الجهاد باب فكاك الأسير، ٦/ ٢٥٣١ كتاب الديات باب العاقلة، ٦/ ٢٥٣٤ كتاب الديات باب لا يقتل المسلم بالكافر.","vol":"1","page":1063},{"text":"وقد احتج من أصحاب داود (^١) بعضهم بقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (^٢) (^٣). ولا تخلوا هذه الآية من أن تكون خصوصًا أو عمومًا، فإن كانت على العموم فينبغي أن يقتلوا (^٤) الحر بالعبد، فقد قتل مظلومًا، وإن كانت خاصة فقد اذن (^٥) إلى التكافؤ (^٦) (^٧)، والله أعلم.\n_________\n(^١) داود بن علي بن خلف، أبو سليمان البغدادي، رئيس أهل الظاهر، أصبهاني الأصل، ثم قدم بغداد فسكنها وصنف كتبه بها، ولد سنة ٢٠٠ هـ، ومات سنة ٢٧٠ هـ.\n[تاريخ بغداد: ٨/ ٣٦٩، سير أعلام النبلاء: ١٣/ ٩٧].\n(^٢) [سورة الإسراء: الآية ٣٣]\n(^٣) لم أقف على من احتج بهذه الآية من أصحاب داود، وممن احتج بها من غيرهم الجصاص في أحكام القرآن، حيث قال: وإذا ثبت ما وصفنا وليس في الآية فرق بين المسلم والكافر وجب إجراء حكمها عليهما، ويدل عليه قوله ﷿: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ وقد ثبت بالاتفاق أن السلطان المذكور في هذا الموضع قد انتظم القود وليس فيها تخصيص مسلم من كافر فهو عليهما. [أحكام القرآن: ١/ ١٩٨].\nوقد ذكر ابن حزم هذه الحجة من ضمن حجج الأحناف، وأجاب عنها. [المحلى: ١٠/ ٣٥٠ - ٣٥٩].\n(^٤) في الأصل: أن يقتلون، والصوب ما أثبت.\n(^٥) كذا في الأصل، ولعل الصواب: فقد عدنا إذن إلى التكافؤ. أي: إن كانت هذه الآية خاصة رجعنا إلى القول بالتكافؤ ولا تكافؤ بين المسلم والذمي.\n(^٦) في الأصل: التكافئ، والصواب ما أثبت.\n(^٧) ما ذكره المؤلف من إلزام من يستدل بهذه الآية بقتل الحر بالعبد إن كانت الآية عامة، المعروف من مذهب داود الظاهري، والأحناف قولهم بقتل الحر بالعبد. [أحكام القرآن للجصاص: ١/ ١٩٠، تفسير القرطبي: ٥/ ٣١٤]","vol":"1","page":1064},{"text":"وقالوا أيضًا: إن قوله: ولا يقتل ذو العهد في عهده. ابتداء لا وجه له؛ لأنا قد علمنا بقوله: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (^١) أن قتلهم محرم في العهد إلى تقضيه، وهو نكث الذمي، وخروجه من الذمة (^٢). قلنا لهم: ليس الأمر على ما ظننتم، إن كانت الآية قد منعت من قتلهم فقد منعت من قتل الحربي في عهده، كما منعت من قتل الذمي في مدته، والآية فيهما سواء، بل ظاهرها في الذي له العهد إلى مدة، وأنتم لا تقتلون قاتل ذي العهد إلى مدة، وتقتلون قاتل الذمي، ومع ذلك فلهذه الآية نظائر، قال الله ﷿ في الربا: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (^٣) فعلم بهذه الآية أن الفاضل على رأس المال محرم، وقال رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع: ألا وإن كل ربا كان في الجاهلية موضوع، وأول ذلك ربا العباس بن عبد المطلب (^٤) (^٥).\n_________\n(^١) [سورة التوبة: الآية ٤]\n(^٢) لم أقف على من ذكره من أصحاب داود، وقد احتج بنحوه الجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٢٠٠.\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٧٩]\n(^٤) العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، عم رسول الله - ﷺ -، أبو الفضل، ولد قبل الرسول - ﷺ - بسنتين، هاجر قبل الفتح، وشهد الفتح وثبت يوم حنين، مات بالمدينة سنة ٣٢ هـ.\n[الاستيعاب: ٣/ ٩٤، الإصابة: ٢/ ٢٧١].\n(^٥) سبق تخريجه ص: ٤٠٢.\n\n* لوحة: ١٣٠/أ.","vol":"1","page":1065},{"text":"وكان للعباس ديون بمكة فعرّفهم مع قراءتهم * الآية: أنه ليس له إلا رأس ماله، وكذلك سائر من له مال من ربا، وقال ﷿: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^١) أي: ولا يقتل بعضكم بعضًا، وقال ﵎: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (^٢) فعلم بالآيات تحريم ذلك، وقال رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع، بعد نزول الآيات: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا (^٣). ونظائر هذا في القرآن كثير، وإعادة رسول الله - ﷺ - القول فيه، وعلى أن القول في ذي العهد، كان واجبًا إعادة ذكره، وذلك أنه لما قال - ﵇ -: لا يقتل مؤمن بكافر. أراد كافرًا حظر الله قتله، دون من أمر الله بقتله، فخيف من سفل دينه أن تهون عليه العقوبة فيقتلهم، فأعاد عند تقضي الكلام بالنهي عن قتل المعاهدين، ليعلم أن ذلك باقيًا على الحظر، وأن من فعله فعليه عقوبة، وإن لم يبلغ بها القتل، هذا وجه الكلام، والله أعلم. ومما يدل على أنه لا مخاطبة على أهل الكتاب في تحريم ولا تحليل ما كانوا على كفرهم، قول الله ﷿ في سورة النور عند ذكر الزنا: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٢٩]\n(^٢) [سورة النساء: الآية ٩٣]\n(^٣) سبق تخريجه ص: ٤٠٢.\n(^٤) [سورة النور: الآية ٣]","vol":"1","page":1066},{"text":"وروى مالك - ﵁ - عن محمد بن عبد الرحمن (^١) عن عمرة (^٢) عن عائشة -﵂- قالت: وجد في قائم (^٣) سيف رسول الله - ﷺ - كتاب: أن أشد الناس غلوًا (^٤) رجل ضرب غير ضاربه، ورجل قتل غير قاتله، ورجل تولى غير أهل نعمته، والمؤمنون تكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ولا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده (^٥).\n_________\n(^١) محمد بن عبد الرحمن بن حارثة الأنصاري النجاري، أبو الرجال المدني، مشهور بهذه الكنية، وهي لقبه؛ لقب به لولده وكانوا عشرة رجال، روى عن: أمه عمرة بنت عبد الرحمن، وأنس بن مالك، وعنه: ابنه مالك بن أبي الرجال، ومالك بن أنس، ثقة. [تهذيب الكمال: ٢٥/ ٦٠٢، التقريب: ٨٦٩].\n(^٢) عمرة بنت عبد الرحمن ثقة، تقدمت.\n(^٣) قائم السيف: مقبضه. [لسان العرب: ١٢/ ٥٠١].\n(^٤) في الأصل: غلو. والتصويب من تهذيب الآثار للطبري، وفي بقية مصادر التخريج: عتوًا.\n(^٥) لم أقف عليه من هذا الطريق، وقد روي من طريق مالك بن محمد بن عبد الرحمن أبو الرجال عن أبيه عن عمرة عن عائشة، فإما أن يكون ما ذكره المؤلف من كونه عن الإمام مالك بن أنس خطأ، والصواب مالك بن أبي الرجال، وقد يكون صوابًا فإن الإمام مالك بن أنس ممن روى عن أبي الرجال.\nومن طريق مالك بن أبي الرجال عن أبيه عن عمرة عن عائشة رواه: أبو يعلى في مسنده: ٤/ ٢٢٢، والطبري في تهذيب الآثار (مسند علي): ٢٠٠، والدارقطني في سننه: ٣/ ١٣١ كتاب الحدود حديث: ١٥٥، والبيهقي في سننه: ٨/ ٣٠ باب فيمن لاقصاص بينه باختلاف الدينين كتاب الجنايات، وقد روى الحاكم بعضه إلى قوله (غير أهل نعمته) في المستدرك: ٤/ ٣٨٩ كتاب الحدود وصححه ووافقه الذهبي.\nقال الزيلعي: ومالك هذا هو بن أبي الرجال أخو حارثة ومحمد، قال أبو حاتم: هو أحسن حالًا من أخويه.\n[نصب الراية: ٣/ ٣٩٤].\n\nوقال الهيثمي: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير مالك بن أبي الرجال، وقد وثقه ابن حبان ولم يضعفه أحد. ... [مجمع الزوائد: ٦/ ٢٩٣].","vol":"1","page":1067},{"text":"وطرق هذه الأحاديث كثيرة (^١) *.\nواحتج بعض أصحاب أبي حنيفة لأبي حنيفة في هذا الحديث، بأنه لو كان صحيحًا لكان لا يقتل مؤمن بكافر، ولا بذي عهد في عهده (^٢). وهذا الذي قاله خطأ فاحش؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (^٣) فلو كان عطفًا لكان وإن كان ذا عسرة، ولكنه ابتداء كلام، قال: وإن وقع ذو عسرة فنظرة (^٤).\n_________\n(^١) سبق ذكر هـ من طريق علي بن أبي طالب، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ص: ٦٧٤.\n* لوحة: ١٣٠/ب.\n(^٢) قال الطحاوي: فاستحال أن يكون معناه على ما حمله عليه أهل المقالة الأولى؛ لأنه لو كان معناه على ما ذكروا لكان ذلك لحنًا، ورسول الله - ﷺ - أبعد الناس من ذلك، ولكان: (لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذي عهد في عهده). فلما لم يكن لفظه كذلك وإنما هو: (ولا ذو عهد في عهده) علمنا بذلك أن ذا العهد هو المعنى بالقصاص، فصار ذلك كقوله: لا يقتل مؤمن ولا ذو عهد في عهده بكافر، وقد علمنا أن ذا العهد كافر، فدل ذلك أن الكافر الذي منع النبي - ﷺ - أن يقتل به المؤمن في هذا الحديث هو الكافر الذي لا عهد له، فهذا مما لا اختلاف فيه بين المؤمنين أن المؤمن لا يقتل بالكافر الحربي، وأن ذا العهد الكافر الذي قد صار له ذمة لا يقتل به أيضًا. [شرح معاني الآثار: ٣/ ١٩٣، وانظر أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٢٠٠].\n(^٣) [سورة البقرة: الآيتان ٢٧٩ - ٢٨٠]\n(^٤) سبق الحديث عن هذا عن تفسير هذه الآية من سورة البقرة.","vol":"1","page":1068},{"text":"كذلك قيل مبتدأ: ولا تقتلوا ذا العهد في عهده، فكان الكلام: ولا يقتل ذو العهد في عهده؛ لأنه لو قيل: لا يقتل مؤمن بكافر، ولا بذي عهد في عهده، لأوجب الكلام أن ذي العهد ليس بكافر، وجعل هذا الرجل قوله: لا يقتل مؤمن بكافر حربي (^١). وكيف يجوز أن يقال: لا يقتل مؤمن بكافر حربي (^٢)، وقد أمر الله ﵎ بقتلهم، وحث عليه، وجعله من أفضل الأعمال، وأحبها إليه؟ فهل يجوز أن يتوهم متوهم أن الله أمر بقتلهم، فيحتاج النبي - ﷺ - أن يبين لنا أنه لا قود بيننا وبينهم؟ وإنما معنى الكلام: لا يقتل مؤمن بكافر أصلًا، ثم قيل بعد تمام الكلام: ولا ذو عهد في عهده، عطفًا على لا يقتل؛ لأن هذا الذي أضمر لو أظهر فقيل: لا يقتل مؤمن بكافر، ولا يقتل ذو عهد في عهده، ولو أفرد قيل: لا يقتل ذو عهد، ولم يكن قبله كلام لكان مستقيمًا، وإنما قيل ذلك لما رفع النبي - ﷺ - القود بين المسلمين والكافرين، ولم يؤمن من جرأة من سفه حلمه على قتل أهل العهد، فاتبعهم بأن قال: ولا يقتل ذو العهد في عهده، فنهوا عن قتل ذي العهد من أهل * الذمة، وممن دخل بأمان؛ لأنهما جميعًا بالعهد في دارنا، فإن قيل: إن [أهل] (^٣)\n_________\n(^١) في الأصل: بكافر حر، والتصويب من: شرح معاني الاثار: ٣/ ١٩٣، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٢٠١.\n(^٢) في الأصل: بكافر حرفي، والتصويب من المرجعين السابقين.\n* لوحة: ١٣١/أ.\n(^٣) ليست في الأصل، وأضفتها لتمام المعنى.","vol":"1","page":1069},{"text":"الذمة قد علم أن دماءهم محرمة في عهدهم، قيل: إنما علم لأنهم عُلِمُوه، ولما خيف من أمر المقود أن يقدم على قتل من لا يقاد به سرح (^١)، فنهيه عن ذلك؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (^٢) فعلم القاتل أنه يُقتل فكفَ فحييا جميعًا، ولذلك نزلت الآية (^٣). فلما أزيل القود عن قاتل ذي العهد وهو الذمي، نهوا عن قتله ليوجب النهي عقوبة تردع عن ذلك، والله أعلم، وأكثر الأحاديث التي جاءت عن النبي - ﷺ -: لا يقتل مؤمن بكافر. ليس فيها ذكر ذي العهد (^٤)،\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولم أعرف المراد بها.\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٧٩]\n(^٣) سبق عند تفسير هذه الآية من سورة البقرة.\n(^٤) الذي يظهر أن أكثر الأحاديث فيها: ولا ذو عهد في عهده. كما في حديث عائشة هذا، وحديث علي من طريق قيس بن عباد، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقد سبق تخريجهما ص: ٦٧٤. وأما حديث علي من طريق أبي جحيفة فليس فيه هذه اللفظة وقد سبق تخريجه ص: ٦٧٥. والظاهر أن هذه الأحاديث وإن اختلفت ألفاظها إلا أنها واردة في قصة واحدة، قال ابن حجر بعد ذكره لألفاظ هذا الحديث: والجمع بين هذه الأخبار أن الصحيفة المذكورة كانت مشتملة على مجموع ما ذكر، فنقل كل راو بعضها.\n\n[فتح الباري: ٤/ ١١١، وانظر: شرح معاني الآثار: ٣/ ١٩٢، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٢٠١].","vol":"1","page":1070},{"text":"ومما يدل على أن الآية في النفس بالنفس على التساوي، وأن المسلم لا يقتل بكافر قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ (^١)، والذمي لا يُكفر عنه (^٢)، وقولهم: إن النبي - ﷺ - قصد إلى الحربي والله يقول: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^٣) أمر الله بقتلهم، فكيف يقال: لا قصاص بينكم وبينهم؟ وإنما يستوي الكلام أن لا قصاص بينكم وبين من نهيتم عن قتله من الكفار، فأما من أمرتم بقتله فقد أغنى الله عن ذكر القصاص فيه، والله أعلم.\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٤٥]\n(^٢) سبق ذكر المؤلف لهذا الاستدلال عند تفسير الآية ١٧٩ من سورة البقرة.\n(^٣) [سورة النساء: الآية ٨٩]","vol":"1","page":1071},{"text":"قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ الآية (^١).\nالذي دلت عليه الأخبار في تفسير ذلك: أنه لا ينبغي لأحد أن يحرم على نفسه كل النساء، فيجوز له أن يُحرم بعضهن؛ لأنه إذا تزوج أربعًا حَرُم عليه ما عداهن، والتحريم هاهنا، وإيقاع يمين * الطلاق، وهو شيء يلزمه الإنسان نفسه ليُحمل عليه عند ملكه بعض النساء، فله أن يقول: إن تزوجت في بني فلان، ووالله لا تزوجت في بني فلان، والتحريم يمنع لليقين (^٢)، وقد قال رسول الله - ﷺ -: تزوجوا في بني فلان، فإنهم عفوا فعففت (^٣) نساءهم، ونهي عن آخرين (^٤)، فالذي حظر الله على الرجل أن يحرمه في باب النكاح الكل، فإن حرّمه لم يحرم، وإباحة الامتناع من البعض بيمين كان ذلك أو بغير يمين.\nوأما الإماء فلا يجوز له أن يحرم منهن شيئًا، وإن حرم لم تحرم، ألا ترى أن حفصة (^٥) -﵂- لما قال لها رسول الله - ﷺ - في مارية (^٦):\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٨٧]\n* لوحة: ١٣١/ب.\n(^٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: اليقين.\n(^٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: فعفت.\n(^٤) لم أقف عليه.\n(^٥) في الأصل: عائشة، والصواب ما أثبت؛ لأن حفصة هي التي أصاب رسول الله - ﷺ - مارية في بيتها، انظر تخريج هذا الحديث.\n(^٦) مارية بنت شمعون القبطية، مولاة رسول الله - ﷺ - وأم ولده، أهداها له المقوس القبطي صاحب مصر سنة سبع، أسلمت ووطئها رسول الله - ﷺ - بملك اليمين وضرب عليها الحجاب، فحملت منه ووضعت سنة ثمان من الهجرة، توفيت في خلافة عمر سنة ١٦ هـ، ودفنت بالبقيع.\n[الاستيعاب: ٤/ ٤١٠، الإصابة: ٤/ ٤٠٤].","vol":"1","page":1072},{"text":"إنها علي حرام، فقالت: كيف تُحرمها وهي لا تحرم؟، فقال: فو الله لا وطئتها، فأنزل الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (^١) (^٢) فأُمر أن يكفر عن يمينه، وقد كان ناس من أصحاب رسول الله - ﷺ - أرادوا أن يتخلوا من الدنيا، ويتركوا النساء ويترهبوا، منهم: علي بن أبي طالب - ﵁ -، وعثمان بن مظعون (^٣)، فنزلت الآية فتركوا ما كانوا عزموا عليه (^٤).\n_________\n(^١) [سورة التحريم: الآيتان ١ - ٢]\n(^٢) تفسير الطبري: ٢٨/ ١٥٥، سنن الدارقطني: ٤/ ٤١ كتاب الطلاق حديث: ١٢٢، أسباب النزول للواحدي: ٤٣٨، وذكره ابن كثير في تفسيره: ٤/ ٣٨٦ وعزاه إلى الهيثم بن كليب في مسنده، ثم قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة.\n(^٣) عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب الجكحي، أبو السائب، ذكر أنه أسلم بعد ثلاثة عشر رجلًا، هاجر الهجرتين، توفي بعد شهوده بدرًا، وهو أول من مات بالمدينة من المهاجرين، وأول من دفن بالبقيع منهم.\n[الاستيعاب: ٣/ ٨٥، الإصابة: ٢/ ٤٦٤].\n(^٤) تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٩١، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٥١٥، المراسيل لأبي داود: ١٧٩، تفسير الطبري: ٧/ ٩ - ١١، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١١٨٧، أسباب النزول للواحدي: ٢٠٥، تفسير ابن كثير: ٢/ ٨٧. وقد ورد في بعض الروايات أن نفرًا أو ناسًا دون تحديد الأشخاص، انظر المراجع السابقة.\nقال القرطبي بعد ذكره لهذه الرواية ولغيرها، قال: والأخبار بهذا المعنى كثيرة وإن لم يكن فيها ذكر النزول. ثم ذكر طرفًا من هذه الأخبار. [الجامع لأحكام القرآن: ٦/ ٢٦٠].\n* لوحة: ١٣٢/أ.","vol":"1","page":1073},{"text":"ولا يجوز لأحد بهذه الآية أن يحرم مأكولًا ولا مشروبًا على نفسه، إذا كان من حله، وله أن يمتنع من بعض المأكولات والمشروبات من غير أن يعقد فيها تحريمًا، وإن حلف على شيء من ذلك على وجه التحريم كفّر عن يمينه، ثم إن شاء * أكل وإن شاء لم يأكل (^١)،\n_________\n(^١) خالف المؤلف هنا مذهب مالك، قال ابن العربي: إذا قال هذا عليّ حرام لشيء من الحلال عدا الزوجة فإنه كذبة لاشيء عليه فيها، ويستغفر الله ولا يحرم عليه شيء مما حرمه الله. هذا مذهب مالك والشافعي وأكثر أصحابه. ... [أحكام القرآن: ٢/ ١٤٥].\nوما ذهب إليه المؤلف هو ماذهب إليه أبو حنيفة وأحمد من: أن من حرم شيئًا من ذلك فعليه الكفارة.\n\n[أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٦٣٤، المغني: ١٣/ ٤٦٥، تفسير القرطبي: ٦/ ٢٦٣، تفسير ابن كثير: ٢/ ٨٧]","vol":"1","page":1074},{"text":"وإنما حرم إسرائيل لما أصابه عرق النسَّا (^١) قبل نزول التوراة، فليس لأحد أن يحرم شيئًا أحله الله على نفسه؛ لأن إسرائيل حرم قبل أن ينهى، وكانوا إذا حرموا شيئًا على أنفسهم حَرُمَ، فنسخ الله ﵎ ذلك عنا بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (^٢) فإن حرّم إنسان شيئًا أحله الله له كان تحريمه باطلًا، وإن حلف كفّر وأتى الذي هو خير، فأما اليهود فما حُرّمَ في التوراة، إنما حرموا على أنفسهم ما كان إسرائيل حرّم على نفسه، ألا تراه قال: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^٣) فاعلمنا أنهم افتروا الكذب، وأن ما حرم إسرائيل على نفسه لم يَعْدُهُ إلى غيره (^٤)، والله أعلم.\nقال الله ﷿: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) بفتح النون والألف المقصورة بوزن العصا: هو وجع يبتديء من مفصل الورك وينزل على الفخذ وربما امتد إلى الركبة وإلى الكعب، وسمي المرض باسم المحل؛ لأن النسا بالفتح والقصر: عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذين ثم يمر بالعرقوب حتى يبلغ الكعب. وجرى العادة بأن يسمى وجع النسا بعرق النسا، وتقدير الكلام: وجع العرق الذي هو النسا، من باب إضافة المسمى إلى اسمه. [لسان العرب: ١٥/ ٣٢١، تحفة الأحوذي: ٨/ ٥٤٣].\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٨٧]\n(^٣) [سورة آل عمران: الآية ٩٣]\n(^٤) تفسير الطبري: ٤/ ١، تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٧٠٥، تفسير القرطبي: ٤/ ١٣٥، تفسير ابن كثير: ... ١/ ٣٨١.\n(^٥) [سورة المائدة: الآية ٨٩]","vol":"1","page":1075},{"text":"قال الشافعي: من حلف عامدًا للكذب، فقال: والله ما كان كذا. وقد كان، ووالله لقد كان كذا. وما كان، كفّر، وقد أساء (^١) إذ حلف بالله باطلًا، قال: فإن قيل: ما الحجة في أن يكفّر وقد عمد (^٢) الباطل؟ قيل: أقربها قول النبي - ﷺ -: فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه (^٣).\n_________\n(^١) في الأصل: ساء، والتصويب من الأم: ٧/ ٦١.\n(^٢) التصويب من الأم: ٧/ ٦١. وفي الأصل، وفيما نقله الكياالهراسي عن القاضي إسماعيل: ٣/ ٢٤١: عقد الباطل.\n(^٣) روى مسلم في صحيحه: ٣/ ١٢٧١ كتاب الأيمان حديث: ١١ عن أبي هريرة قال: أَعْتَمَ رجل عند النبي - ﷺ - ثم رجع إلى أهله فوجد الصبية قد ناموا، فأتاه أهله بطعامه، فحلف لا يأكل من أجل صبيته، ثم بدا له فأكل، فأتى رسول الله - ﷺ - فذكر ذلك له، فقال رسول الله - ﷺ -: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأتها وليكفر عن يمينه. وعند مسلم أيضًا: ٣/ ١٢٧٢ حديث: ١٣ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه.","vol":"1","page":1076},{"text":"فقد أمره أن يعمد (^١) الحنث (^٢)، وقول الله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ (^٣) نزلت في رجل حلف أن لا ينفع أخاه، فأمره الله ... ﵎ أن ينفعه (^٤)، وقول الله ﷿: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ (^٥)\n_________\n(^١) في الأصل: أن يعقد الباطل، والتصويب من الأم: ٧/ ٦١، وأحكام القرآن للكياالهراسي: ٣/ ٢٤١ فيما نقله عن القاضي إسماعيل.\n(^٢) الحِنْث في اليمين: نقضها والنكث فيها، يقال: حَنِث في يمينه يحنث، وكأنه من الحنث: الإثم والمعصية، والمعنى: أن الحالف إما أن يقدم على ما حلف عليه أو يحنث فتلزمه الكفارة. [النهاية في غريب الحديث: ١/ ٤٤٩]\n(^٣) [سورة النور: الآية ٢٢]\n(^٤) هذه الآية نزلت في أبي بكر - ﵁ - عندما قطع عن مسطح بن أثاثة النفقة لخوضه في حادثة الإفك. صحيح البخاري: ٤/ ١٧٨٢ كتاب التفسير سورة النور، صحيح مسلم: ٤/ ٢١٣٦ كتاب التوبة حديث: ٥٦.\n(^٥) [سورة المجادلة: الآية ٢]\n* لوحة: ١٣٢/ب.","vol":"1","page":1077},{"text":"ثم جعل فيه الكفارة، قال *: ومن حلف وهو يرى أنه صادق، ثم وجده كاذبًا، فعليه الكفارة (^١). وشبّه الشافعي شيئًا بما لا يشبهه (^٢)؛ لأن الذي أمره رسول الله - ﷺ - أن يأتي الذي هو خير، ويكفر عن يمينه، إنما أمره أن يستأنف بعد اليمين شيئًا كان حلف فيه أن لا يفعله، وكذلك قول الله ﷿: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ (^٣) ولم يكن واحدًا من هذين الرجلين كاذبًا في وقت يمينه، ولا حالفًا على كذب (^٤)، فجعلت كفارة يمينه إذا فعل ما حلف عليه ما ذكر في القرآن، والذي حلف على كذب قد علمه مخبر عن شيء قد مضى، فهو كاذب فيه، حالف عليه، فكيف يُشبِّه هذا بهذا؟ وقال الشافعي: قد أمره بالحنث إن تعمده (^٥).\n_________\n(^١) الأم: ٧/ ٦١.\n(^٢) في الأصل: وشبه الشافعي شئيًا بما لايشبه، والتصويب مما نقله الكيالهراسي عن القاضي إسماعيل: ٣/ ٢٤٢.\n(^٣) [سورة النور: الآية ٢٢]\n(^٤) ما ذكره المؤلف صحيح، فإن أبا بكر عندما حلف لم يكن كاذبًا على كذب، وكذلك ذلك الرجل الذي أمره رسول الله - ﷺ - أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه، ويظهر هذا جليًا في سبب ورود هذا الحديث.\n(^٥) كذا في الأصل، وفي الأم: ٧/ ٦١: فقد أمره أن يعمد الحنث.","vol":"1","page":1078},{"text":"فشبّه الشافعي هذا بالذي حلف بالله كاذبًا، فينبغي له على قوله هذا أن يبيح الحلف على الكذب، ويكفّر الحالف، كما يبيح من حلف أن يتعمد الحنث، ويكفّر، وينبغي إذ شبهه به ألا يسميه آثمًا، إذ كان الحالف المأمور بالحنث لا يسميه آثمًا؛ لأن النبي - ﷺ - أمره أن يفعل، وينبغي أن تكون الكفارة التي سماها الله ﷿ في كتابه تكفر عن يمين من حلف بالله كاذبًا، إذ كانت الآية عنده قد عمتهما، وقد قال الله ﵎: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (^١)\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٨٩]\n\n* لوحة: ١٣٣/أ.","vol":"1","page":1079},{"text":"فجعل الكفارة تكفر اليمين، ومن كفّر عنه فلا إثم عليه، فينبغي أن يكون هذا في قول الشافعي لا إثم عليه، فينسخ الشافعي عن هذه الأمة آية وعيد * محكمة، ومعاذ الله أن يكون قول مخلوق ينسخ كلام الخالق، قال الله ﵎: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^١) وروي عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: كنا نعد من الذنب الذي لا كفارة له اليمين الغموس، أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذبًا ليقتطعه (^٢) (^٣). وقال النبي - ﷺ -: من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة، وأوجب له النار (^٤). وقال: من حلف على يمين صَبْرٍ (^٥)\n_________\n(^١) [سورة المجادلة: الآيتان ١٤ - ١٥]\n(^٢) في الأصل: ليقطعه، والتصويب من مصادر التخريج.\n(^٣) رواه الحاكم في المستدرك: ٤/ ٣٢٩ كتاب الأيمان والنذور وصححه وقال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم، وابن حزم في المحلى: ٨/ ٣٦، ٣٩، والبيهقي في سننه: ١٠/ ٣٨ باب ما جاء في اليمين الغموس كتاب الأيمان، وابن حجر في المطالب العالية: ٨/ ٥٨٠. وذكر ابن حجر في الفتح: ١١/ ٦٧٩ أن القاضي إسماعيل رواه في أحكام القرآن.\n(^٤) رواه مسلم في صحيحه: ١/ ١٢٢ كتاب الإيمان حديث: ٢١٨ من حديث أبي أمامة.\n(^٥) قال ابن الأثير: أي أُلزم بها وحُبس عليها، وكانت لازمة لصاحبها من جهة الحكم ٠ وقيل لها: مصبورة وإن كان صاحبها في الحقيقة هو المصبور؛ لأنه إنما صبر من أجلها أي: حبس، فوصفت بالصبر وأضيفت إليه مجازًا.\n[النهاية في غريب الحديث: ٣/ ٨، وانظر: غريب الحديث لأبي عبيد: ١/ ١٥٥، إكمال المعلم: ١/ ٣٩٢].","vol":"1","page":1080},{"text":"ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان. وقال ابن مسعود - ﵁ -: وأنزل الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقٍ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^١) (^٢).\nفأبطل الشافعي بقوله: الآيات المحكمات، والروايات الواضحات، بقول اخترعه برأيه، ثم سماه إثمًا ومسببًا تيسيرًا لما عظّم الله وتصغيرًا، وهذا كلام ينبغي لقائله أن يستغفر الله منه.\nوإنما الأيمان هي: العقود التي أمر الله ﷿: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (^٣) فالحالف لا يكلم زيدًا عاقدًا، والحالف على الكذب ليس بعاقد، ولو أن رجلًا طلق امرأته لقيل (^٤): طلق، ولم يقل: عقد طلاقها إلا أن يكون طلاقًا إلى أجل، أو على صفة، وكذلك العتق، ولو وعد رجلًا وعدًا لكان قد عقد، ولو حلف على ذلك لكان قد عقد عليه يمينًا، وقد أخبر رسول الله - ﷺ - * بالحكم في يمين تكفر؛ لأنه علمهم ذلك تعليمًا، ولم يكن في مسألة بعينها، وما جاء على التعليم كان عامًا، فوجب أن يكون ذلك بشرط ما عُلم من إتيان الذي هو خير والكفارة.\n_________\n(^١) [سورة آل عمران: الآية ٧٧]\n(^٢) رواه البخاري في صحيحه: ٤/ ١٦٥٦ كتاب التفسير سورة آل عمران، ٦/ ٢٤٥٨ كتاب الأيمان والنذور باب قول الله تعالى (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا)، مسلم في صحيحه: ١/ ١٢٢ كتاب الإيمان حديث: ٢٢٠ - ٢٢٢.\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ١]\n(^٤) في الأصل: ولو أن رجلًا طلق امرأته لطلق طلق. والصواب ما أثبت.\n* لوحة: ١٣٣/ب.","vol":"1","page":1081},{"text":"وقد ذكر الشافعي جملة هذا الحديث، فلو تمسك به لكان فيه كفاية، ثم زعم في هذا الحديث أنه أمره أن يتعمد الحنث، وأن يكفر. والحنث هو: الفعل الذي حلف ألا يفعله، فإذا فعله (^١) فإنما يفعله بعد اليمين، وإذا حلف على شيء قد مضى فإنما حلف على فعل كان قبل أن يحلف، فكيف يكون ذلك الفعل موجبًا للحنث؟ ويبين ذلك أيضًا\nما روي عن النبي - ﷺ - فيمن حلف بالله واستثنى أنه: إن شاء فعل غير حرج (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) في الأصل: الفعل الذي حلف ألا يحلفه فإذا جعله. والصواب ما أثبت.\n(^٢) الحاء والراء والجيم أصل واحد يدل على تجمع الشيء وضيقه، والحرج: الإثم. [مقاييس اللغة: ٢٤٠].\n(^٣) روى أبو داود في سننه: ٣/ ٢٢٥ باب الاستثاء في اليمين كتاب الأيمان والنذور عن أيوب عن نافع عن بن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: من حلف فاستثنى، فإن شاء رجع وإن شاء ترك غير حنث. ورواه الترمذي في سننه باب في الاستثناء في اليمين أبواب النذور والأيمان، وقال الترمذي: حديث ابن عمر حديث حسن، وقد رواه عبيد الله بن عمر وغيره عن نافع عن ابن عمر موقوفًا، وهكذا روي عن سالم عن ابن عمر ﵄ موقوفًا، ولا نعلم أحدًا رفعه غير أيوب السختياني، وقال إسماعيل بن إبراهيم: وكان أيوب أحيانًا يرفعه وأحيانًا لا يرفعه. تحفة الأحوذي: ٥/ ١٣٠، ورراه النسائي في سننه: ٧/ ١٨ باب من حلف فاستثنى كتاب الأيمان، وابن ماجة في سننه: ١/ ٣٨٩ باب الاستثناء في اليمين من أبواب الكفارات، وأحمد في مسنده: ٢/ ٦، ٤٨، ١٥٣ بلفظ (غير حنث أو قال: غير حرج)، وابن حبان في صحيحه: ١٠/ ١٨٤، والبيهقي في سننه: ١٠/ ٤٦ باب في الاستثاء في اليمين كتاب الأيمان بلفظ (وإن شاء أن يرجع رجع غير حرج).\nوقد رواه مالك في الموطأ: ٢/ ٣٨٠ كتاب النذور والأيمان حديث: ١٠ عن نافع عن ابن عمر موقوفًا، وكذلك رواه البيهقي في سننه: الموضع السابق من طريق مالك به، وقال البيهقي: قال حماد بن زيد: كان أيوب يرفع هذا الحديث ثم تركه. قال البيهقي: لعله إنما تركه لشك اعتراه في رفعه، وهو أيوب بن أبي تميمة السختياني، وقد روي ذلك أيضًا عن موسى بن عقبة، وعبد الله بن عمر، وحسان بن عطية، وكثير بن فرقد عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ -، ولا يكاد يصح رفعه إلا من جهة أيوب السختياني، وأيوب يشك فيه أيضًا، ورواية الجماعة من أوجه صحيحة عن نافع عن ابن عمر ﵄ من قوله غير مرفوع. ا. هـ.\nوقد رواه النسائي في السنن الكبرى: ٤/ ٤٥٨ باب الاستثناء كتاب النذور عن كثير بن فرقد عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا، وكذلك رواه الحاكم في المستدرك: ٤/ ٣٣٦ كتاب الأيمان والنذور وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":1082},{"text":"فعلم أن هذا للمستقبل، ووجب أن كل يمين يكون فيها الكفارة فالاستثناء يسقطها، وجميعًا لا يكون إلا في المستقبل؛ لأن قول الرجل: إن شاء الله من باب المجازاة، والمجازاة لا تكون لما مضى؛ لأن المستقبل يقال فيه: أفعلُ كذا إن شاء الله، ولا يجوز: فعلتُ كذا إن شاء الله؛ لأنه جهل من قائله. قال القاضي: وإنما ذكرت هذا ليعرف مخارج الكلام، وأما قوله قال الله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ (^١)، وجعل فيه الكفارة، فهذا أقبح من الأول، الكفارة هاهنا بالعود الذي هو طاعة لله، والعود وحده يوجب شيئًا، فلما عاد إلى الذي هو خير قيل له: كفّر، ولو لم يعد لم تكن عليه كفارة، وهذا أيضًا من المستقبل الذي شبّهه بالمستدبر.\nوأما لغو اليمين فإن أعلى * الرواية وأكثرها إنما جاء على قول الرجل: لا والله، وبلى والله، وهو لا يريد اليمين (^٢)، فلم تكن عليه يمين؛ لأنه لم ينوها؛ لأن اللغو عند العرب وأهل اللسان: ما ألغته النية، فلذلك سمي لغوًا (^٣)، قال الشاعر:\n_________\n(^١) [سورة المجادلة: الآية ٢]\n* لوحة: ١٣٤/أ.\n(^٢) سبق تخريجه من حديث عائشة ﵂ ص: ٣٤٥.\n(^٣) ذكر أهل اللغة للغو أكثر من معنى، منها: أن اللغو من الكلام: ما لايعتد به، وقيل بأن اللغو: كل كلام كان مذمومًا، يقال: لغا فلان في كلامه يلغو لغوًا إذا قال قبيحًا من الكلام، وقيل: بأن اللغو بمعنى: الإثم، وقيل له لغو؛ لأن الإثم يسقط فيه إذا وقعت الكفارة. [معاني القرآن للفراء: ١/ ٢٠٧، تفسير الطبري: ٢/ ٤١٤، معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٩٩، ٢/ ٢٠١، معاني القرآن للنحا س: ١/ ١٨٩، مقاييس اللغة: ٩٢٢، مفردات الراغب: ٤٧٢، لسان العرب: ١٥/ ٢٥٠].","vol":"1","page":1083},{"text":"وَيهْلِكُ وسْطها المَرئُّي لغوًا ... كما أَلغَيتَ في الدِّية الحُوارا (^١)\n_________\n(^١) البيت ينسب إلى ذي الرمة، وهو في ديوانه: ٢/ ١٣٧٩، وعند الراغب في المفردات: ٤٧٢ دون نسبة، قال الراغب: وقيل لما لا يعتد به في الدية من الإبل لغو.\nوقد ذكر الأصفهاني قصة مفادها: أن ذا الرمة هجا هشام بن قيس المرئي أحد بني امريء القيس، فسمعه جرير فقال له: ما صنعت شيئًا، اذهب الآن فقل للمرئي:\nيعد الناسبون إلى تميم ... بيوت المجد أربعة كبارا\nيعدون الرباب وآل سعد ... وعمرا ثم حنظلة الخيارا\nويهلك بينها المرئي لغوا ... كما ألغيت في الدية الحوارا\nفعلى هذا يكون هذا من شعر جرير. [الأغاني: ٧/ ٦٢، ١٦/ ١١٧، وانظر لسان العرب: ١٥/ ٢٥٠].","vol":"1","page":1084},{"text":"والسهو: حلف الإنسان على يقينه، لا نية له في الكذب، ولا عاقدًا على مستقبل، ذلك لغو لسقوط النية عن الحال الموجبة للكفارة؛ لقول النبي - ﷺ -: الأعمال بالنيات (^١). فلمالم يعقد النية لم يك حالفًا، ويدخل في ذلك أيضًا حلف الرجل على شيء يرى أنه على ما حلف عليه، فلما لم يقصد للكذب لم يك آثمًا، ولم يكن عليه حنث ولا كفارة؛ لأنه قصد إلى حق عنده، وحلف على حق عنده في المستدبر الذي لا يكون فيه الكفارات؛ لأن الكفارات إنما جعلت في المستقبل، والحنث فيه بعد العقد، والحلف على المستدبر يكون الحالف آثمًا، وهذا حلف على حق عنده، وقد شرط الله ﵎ الإثم على من قصد بقوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (^٢) وهذا حلف على صدق عنده، فلغو اليمين عندنا: ما دخل في هذين البابين، وهذان البابان هما ما روي عن الصحابة والتابعين أنه لغو اليمين، قال هذا طائفة، وهذا طائفة، والآية توجب قول الفريقين (^٣)، لا نعلم أحدًا قبل الشافعي قال ما قاله الشافعي، وما رأيناه في شيء من أصناف المحدثين، ونسأل الله التوفيق.\nقال الله ﵎: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (^٤) *.\n_________\n(^١) جزء من حديث رواه البخاري في صحيحه: ١/ ٣ باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ - كتاب بدء الوحي، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٥١٥ كتاب الإمارة حديث: ١٥٥.\n(^٢) [سورة المجادلة: الآية ١٤]\n(^٣) سبق ذكره من حديث عائشة ومن وافقها، ومن حديث ابن عباس وغيره ص: ٣٤٥.\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ٨٩]\n* لوحة: ١٣٤/ب.","vol":"1","page":1085},{"text":"روي عن بعض الصحابة أنه كان يقول الأوسط: مدين من بر، وهو نصف صاع (^١). وروي عن جماعة منهم أنهم قالوا: لكل مسكين مد بالمد الأول، وهو ربع صاع لكل مسكين (^٢). وروى مثل ذلك عن جمع من التابعين (^٣). وروي عن بعض التابعين أنه قال: مَكُّوكًا (^٤)\n_________\n(^١) هذا يروى عن: عمر، وعلي، وعائشة. مصنف عبد الرزاق: ٨/ ٥٠٧، ٥٠٨، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٥٣٦، مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٧٣ في كفارة اليمين من قال نصف صاع، تفسير الطبري: ٧/ ١٨، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١١٩١، سنن البيهقي: ١٠/ ٥٥ باب الإطعام في كفارة اليمين كتاب الأيمان.\n(^٢) هذا يروى عن: زيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة. موطأ مالك: ٢/ ٣٨١ كتاب النذور والأيمان حديث: ١٢، ١٣، تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٩٢، مصنفه: ٧/ ٥٠٦، سنن سعيد بن منصور: ... ٤/ ١٥٤٢، مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٧٤ من قال كفارة اليمين مد من طعام، تفسير الطبري: ٧/ ٢٠، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١١٩٢، سنن البيهقي: الموضع السابق.\n(^٣) روي عن سليمان بن يسار أنه قال: أدركت الناس وهم إذا أعطوا في كفارة اليمين أعطوا مدًا من حنطة بالمد الأصغر ورأوا ذلك مجزئًا عنهم.\nوممن روي عنه أن لكل مسكين مد من طعام غير سليمان بن يسار: أبو سلمة بن عبد الرحمن، والحسن، ومجاهد، وعكرمة، وابن سيرين، والزهري. موطأ مالك: الموضع السابق، مصنف عبد الرزاق: ٨/ ٥١٠، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٥٤١، مصنف ابن أبي شيبة: الموضع السابق، تفسير الطبري: ٧/ ٢٠، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١١٩٢، سنن البيهقي: الموضع السابق، تفسير البغو ي: ٣/ ٩١، تفسير ابن كثير: ٢/ ٩٠.\n(^٤) قال القاضي عياض: المُدْي: مكيال لأهل الشام يسع خمسة عشر مَكُّوكًا، والمَكُّوك: صاع ونصف، وقيل أكثر من ذلك. [مشارق الأنوار: ١/ ٣٦٧، وانظر النهاية في غريب الحديث: ٤/ ٣١٠].\n\nوقال ابن الأثير في موضع آخر: والمكوك: اسم للمكيال، ويختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد. ... [النهاية: ٤/ ٣٥٠].","vol":"1","page":1086},{"text":"من بر بين العشرة، ومَكُّوكًا من تمر (^١).\n_________\n(^١) لم أقف على ما ذكره المؤلف من قوله (بين العشرة)، وما وقفت عليه هو: ما رواه عبد الرزاق في مصنفه: ٨/ ٥٠٨ عن الحسن قال: مكوك من حنطة ومكوك من تمر لكل مسكين. ورواه: سعيد بن منصور في سننه: ٤/ ١٥٤٦، ١٥٥٠، تفسير الطبري: ٧/ ١٩، ذكره ابن حزم في المحلى: ٨/ ٧٣ وقال: والمكوك نصف صاع.\n\nوقد روي نحوه عن قتادة: مصنف عبد الرزاق: ٨/ ٥٠٩، المحلى: ٨/ ٧٣.","vol":"1","page":1087},{"text":"ومنهم من قال: أوسط ما تطعمون أهليكم ليس بأفضله ولا بأحسنه (^١). وقال ابن عباس - ﵁ -: كان الرجل يقوت أهله قوتًا فيه سعة، وبعضهم دون، وبعضهم وسطًا، فأمر الله ﵎ بالأوسط (^٢). وقال ابن عمر - ﵁ -: الأوسط الخبز واللبن، والخبز والزيت، والأفضل الخبز واللحم (^٣). وقال مثل ذلك خلق من التابعين (^٤). وقال بعضهم: يطعمهم أكلة واحدة (^٥). ومنهم من قال: يغديهم ويعشيهم (^٦). وأقوى ما روي في ذلك ما رواه أهل المدينة: في مد لكل مسكين (^٧).\n_________\n(^١) روي عن سعيد بن جبير، وعكرمة أنهما قال: أعدله. تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١١٩٢، تفسير ابن كثير: ٢/ ٨٩.\n(^٢) سنن ابن ماجة: ١/ ٣٩١ باب من أوسط ما تطعمون أهليكم أبواب الكفارات، تفسير الطبري: ٧/ ٢٢، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١١٩٣، المحلى: ٨/ ٧٤، تفسير ابن كثير: ٢/ ٨٩.\n(^٣) تفسير الطبري: ٧/ ١٧، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١١٩٢، ١١٩٣، تفسير ابن كثير: ٢/ ٨٩.\n(^٤) ممن روي عنه نحوهذا: الأسود بن يزيد، عبيدة السلماني، ابن سيرين، الحسن، الضحاك، أبو رزين، مكحول. المراجع السابقة، وسنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٥٤٦.\n(^٥) هذا يروى عن: الحسن، وابن سيرين، ومكحول. سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٥٤٩، ١٥٥٠، مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٧٥ من قال يجزئه أن يطعمهم مرة واحدة، تفسير الطبري: ٧/ ١٩.\n(^٦) هذا يروى عن: علي بن ابي طالب من الصحابة، ومن التابعين: إبراهيم النخعي، وقتادة، والشعبي، والقرظي، والحسن. سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٥٤٧، ١٥٤٩، مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٧٥ من قال يغديهم ويعشيهم، تفسير الطبري: ٧/ ٢١، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١١٩٢.\n(^٧) سبق تخريجه ص: ٦٨٩.","vol":"1","page":1088},{"text":"وأما الإطعام في جزاء الصيد فليس يقاس هذا عليه؛ لأن الكفارات لا يقاس بعضها على بعض، ألا تراه جعل في كفارة الظهار بإزاء كل مسكين صيام يوم، وفي جزاء الصيد مثل ذلك، وفي كفارة الأذى بإزاء كل مسكين يومًا واحدًا، وفي كفارة اليمين بإزاء عشرة مساكين ثلاثة أيام، فلما اختلفت لم يجز أن يقاس بعضها * على بعض، فأما زكاة الفطر فإنها على عدد رؤوس المعطين، لا على الآخذين، وقد يفضل بعضهم على بعض، ومما يدل على ذلك أن المساكين كانوا يحضرون يوم الفطر فيأكلون، والأكل مختلف. والذي ذهب إليه مالك إذا أراد المكفر أن يطعم المساكين عنده: أن يغديهم ويعشيهم، ليوفيهم قوت يومهم الخبز والزيت؛ لأن الزيت أوسط إدام أهل المدينة، ومن أعطى البر أعطى لكل مسكين مدًا بمد النبي - ﷺ - (^١).\nقال الله ﷿: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ (^٢).\n_________\n* لوحة: ١٣٥/أ.\n(^١) ما حكاه المؤلف عن مالك في مقدار الإطعام وهو مد بمد النبي - ﷺ -، ما إذا كان بمدينة النبي - ﷺ -، وإن كان ببلد آخر فقد قال مالك: وأما أهل البلدان فإن لهم عيشًا غير عيشنا، فأرى أن يكفروا بالوسط من عيشهم. واختلف الرواية عن أصحابه في ذلك. ووافق الشافعي مالك في مقدار الإطعام من كونه مدًا.\nوذهب أبو حنيفة إلى أن لكل مسكين نصف صاع من بر أو صاعًا من غيره، وذهب أحمد إلى أن لكل مسكين مد من بر أو مدان من غيره. وليس من شرط الكفارة تمليك المساكين، بل يكفي مجرد إطعامهم فيغديهم ويعشيهم، وذها ماذ هب إليه مالك، وأبو حنيفة، وذهب الشافعي إلى أنه لا بد من تمليكهم. [المدونة: ١/ ٤٩١، الأم: ٧/ ٦٤، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٦٤٢، النوادر والزيادات: ٤/ ٢٠، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٩٠١، أحكام القرآن الكياالهراس: ٣/ ٢٤٧، المغني: ١٣/ ٥٠٩، تفسير القرطبي: ٦/ ٢٧٦].\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٨٩]","vol":"1","page":1089},{"text":"كان أبو موسى الأشعري (^١)، وسعيد بن المسيب (^٢)، والحسن (^٣)، وابن سيرين (^٤)،\nوأبو جعفر محمد بن علي (^٥)\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٩٢، مصنفه: ٨/ ٥١٢، ٥١٣، تفسير الطبري: ٧/ ٢٥، تفسير ابن أبي حاتم: ... ٤/ ١١٩٤.\n(^٢) مصنف عبد الرزاق: ٨/ ٥١٢، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٥٥٤، تفسير الطبري: ٧/ ٢٤، ٢٥، زاد المسير: ٢/ ٤١٤.\n(^٣) مصنف عبد الرزاق: ٨/ ٥١١، تفسير الطبري: ٧/ ٢٤، زاد المسير: ٢/ ٤١٤.\n(^٤) مصنف عبد الرزاق: ٨/ ٥١٢، تفسير الطبري: ٧/ ٢٤، زاد المسير: ٢/ ٤١٤.\n(^٥) محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني، أبو جعفر الباقر، سمع جابر بن عبد الله، وسعيد بن المسيب، وعنه: مكحول، والأوزاعي، له تفسير رواه عنه أبو الجارود الكوفي رئيس الجارودية الزيدية من الرافضة، ولد سنة ٥٦، ومات سنة ١١٧ هـ.\n\n[التقريب: ٨٧٩، طبقات المفسرين للداودي: ٢/ ٢٠٠].","vol":"1","page":1090},{"text":"(^١) يرون: أن يعطى كل مسكين ثوبين. وكان ابن عمر (^٢)، وعمران بن حصين (^٣)، وإبراهيم (^٤)، ومجاهد (^٥)، وطاوس (^٦)، وجابر بن زيد (^٧)، والزهري (^٨) يرون: أن يعطى كل مسكين ثوبًا تجوز فيه الصلاة. وكان مالك بن أنس يرى: أن يكسى المسكين ما يصلي فيه، فإن كسا رجلًا كساه ثوبًا، وإن كسا امرأة فدرع (^٩)\n_________\n(^١) ما وقفت عليه هو أنه قال: ثوب واحد. تفسير الطبري: ٧/ ٢٣، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١١٩٤، المحرر الوجيز: ٥/ ١٧٩، تفسير ابن كثير: ٢/ ٩٠.\n(^٢) روى ابن جرير في تفسيره: ٧/ ٢٦ عن ابن عمر أنه قال: إزار ورداء وقميص. ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره: ٤/ ١١٩٣، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير: ٢/ ٤١٤.\n(^٣) روى ابن أبي حاتم في تفسيره: ٤/ ١١٩٣ عن محمد بن الزبير عن أبيه قال: سألت عمران بن حصين عن قوله: (أو كسوتهم) قال: لو أن وفدًا قدموا على أميركم فكساهم قلنسوة قلنسوة، قلتم: قد كُسوا. ورواه البيهقي في سننه: ١٠/ ٥٦ باب ما يجزي من الكسوة في الكفارة كتاب الأيمان، قال ابن كثير في تفسيره: ٢/ ٩٠: ولكن هذا حديث ضعيف لحال محمد بن الزبير.\n(^٤) روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: كسوتهم ثوب جامع كالملحفة أو الكساء. مصنف عبد الرزاق: ... ٨/ ٥١٣، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٥٥٥، تفسير الطبري: ٧/ ٢٥، زاد المسير: ٢/ ٤١٤.\n(^٥) روي عن مجاهد أنه قال: لكل مسكين ثوب قميص أو إزار أو رداء. مصنف عبد الرزاق: ٨/ ٥١٣، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٥٥٨، تفسير الطبري: ٧/ ٢٣، سنن البيهقي: ١٠/ ٥٦ الموضع السابق.\n(^٦) روي عن طاوس أنه قال: ثوب لكل مسكين. مصنف عبد الرزاق: ٨/ ٥١٣، تفسير الطبري: ٧/ ٢٣، زاد المسير: ٢/ ٤١٤.\n(^٧) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره: ٤/ ١١٩٣.\n(^٨) روى عبد الرزاق في مصنفه: ٨/ ٥١٢ عن الزهري قال: إزار فصاعدًا لكل مسكين.\n(^٩) درع المرأة: قميصها .. [النهاية في غريب الحديث: ٢/ ١١٤].","vol":"1","page":1091},{"text":"وخمار (^١) (^٢).\nوقال الشافعي: أدنى ما تقع عليه كسوة ولو خرقة، أو قلنسوة (^٣)، أو تِكّة (^٤) وما أشبه ذلك (^٥).\n_________\n(^١) الخمار: ما تغطي به المرأة رأسها. [مشارق الأنوار: ١/ ٢٤٠].\n(^٢) الموطأ: ٢/ ٣٨٢، المدونة: ١/ ٥٩٦، أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ١٦٠، تفسير القرطبي: ٦/ ٢٧٩.\nوهذا ما ذهب إليه أحمد. زاد المسير: ٢/ ٤١٤، المغني: ١٣/ ٥١٥.\n(^٣) القلَنْسُوة: من ملابس الرؤوس. [لسان العرب: ٦/ ١٨١].\n(^٤) التِّكَّةُ: واحدة التكك، وهي: تكة السراويل، وجمعها تِكَك، والتكة رباط السراويل.\n[المرجع السابق: ١٠/ ٤٠٦].\n(^٥) قال الشافعي: وأقل ما يكفي من الكسوة كل ما وقع عليه اسم كسوة من: عمامة، أو سراويل، أو إزار، أو مقنعة، وغير ذلك للرجل والمرأة؛ لأن ذلك كله يقع عليه اسم كسوة.\n\n[الأم: ٧/ ٦٥ / مختصر المزني: ٢٩٢، تفسير ابن كثير: ٢/ ٩٠].","vol":"1","page":1092},{"text":"وهو قول لم يسبقه إليه أحد من الصحابة ولا من التابعين (^١)، فلو قال في الإطعام: لكل مسكين لقمة لمرَّ قوله على نظام، ولكنه قال في الطعام ما يكفي ليومه، وفي الكسوة ما لا تطلق العرب أن فاعله كاسٍ، ولا أن لا يشبه كاس، ولو لزم ما عليه الناس لسلم، ولم تلزمه المناقضة، وينفرد بما يقبح حكايته (^٢).\nوقول الله ﷿: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (^٣) *.\n_________\n(^١) فيما ذكر المؤلف هنا نظر، وتحامل على الإمام الشافعي، فقد سبق أثر عمران بن حصين؟ وإن كان ضعيفًا -، وقد روى ابن جرير في تفسيره: ٧/ ٢٦ عن مجاهد أنه قال: يجزئ في كفارة اليمين كل شيء إلا التُّبان. وروى عن الحسن: يجزئ عمامة في كفارة اليمين، وعن الحكم نحو ذلك، وعن سلمان الفارسي: نِعْمَ الثوب التُّبان.\n(^٢) قال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصحة وأشبهها بتأويل القرآن قول من قال: عنى بقوله (أو كسوتهم) ما وقع عليه اسم كسوة مما يكون ثوبًا فصاعدًا؛ لأن ما دون الثوب لا خلاف بين جميع الحجة أنه ليس مما دخل في حكم الآية فكان ما دون قدر ذلك خارجًا من أن يكون الله تعالى عناه بالنقل المستفيض، والثوب وما فوقه داخل في حكم الآية، إذ لم يأت من الله تعالى وحي ولا من رسوله خبر، ولم يكن من الأمة إجماع بأنه غير داخل في حكمها، وغير جائز إخراج ما كان ظاهر الآية محتمله من حكم الآية إلا بحجة يجب التسليم لها ولا حجة بذلك. ... [جامع البيان: ٧/ ٢٦].\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٨٩]\n* لوحة: ١٣٥/ب.","vol":"1","page":1093},{"text":"قد تكلم قوم فيه فقالوا: كيف بدأ بالتخفيف ثم ثنى بالتثقيل، وفي القتل والظهار (^١) بدأ بالتثقيل ثم خفف؟ فالجواب عن ذلك: أن الله ﵎ بدأ هاهنا بالثقيل الذي هو الواجب، ثم خفف عن عباده عند عدم الاستطاعة، وحيث بدأ بالتخفيف فإنما ذكر ﷿ ما هو الكفارة التي رضيها من كل الناس، ثم خير من قدر وأراد الزيادة في الثواب في أن يكفر بالثقيل إن شاء، ولم يوجبه إلا أن يشاء إنسان ذلك، والواجب هو الإطعام. وفي الظهار؛ لأن ابتداء القول منكر وزور ما أوجب الثقيل، ثم رحم وخفف عن عباده.\n_________\n(^١) قال تعالى: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]. وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٣، ٤]","vol":"1","page":1094},{"text":"قال الله ﵎: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (^١) فممن فسر هذه الآية من قال: متتابعات (^٢). ومنهم من قال: متفرقات، وإن تابع أحسن (^٣).\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٨٩]\n(^٢) هذا يروى عن: علي، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وعطاء، وعكرمة، وطاوس، والحسن، وإبراهيم النخعي. وهي قراءة: أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود. الموطأ: ١/ ٢٥٢ كتاب الصيام حديث: ٤٩، مصنف عبد الرزاق: ٨/ ٥١٤، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٥٥٨ - ١٥٦٥، مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٨٨ الصيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين يفرق بينها أم لا؟ المصاحف لأبي داود: ٦٤، تفسير الطبري: ٧/ ٣٠، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١١٩٥، سنن البيهقي: ١٠/ ٦٠ باب التتابع في صوم الكفارة كتاب الأيمان.\nوهذا ما ذهب إليه أبو حنيفة، وهو أحد قولي الشافعي، واختاره المزني، ومال إليه ابن كثير، وهو الظاهر من مذهب أحمد. [مختصر المزني: ٢٩٣، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٦٤٨، المغني: ١٣/ ٥٢٨، روضة الطالبين: ١١/ ٢١، تفسير ابن كثير: ٢/ ٩١].\n(^٣) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير: ٢/ ٤١٥ عن الحسن البصري.\n\nوبه قال مالك، والشافعي في أصح قوليه، وعليه أكثر أصحابه، وهو رواية عن أحمد. [الأم: ٧/ ٦٦، المدونة: ١/ ٥٩٤، تفسير الطبري: ٧/ ٣١، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٩٠٢، المغني: ١٣/ ٥٢٨، تفسير القرطبي: ٦/ ٢٨٣، روضة الطالبين: ١١/ ٢١، تفسير ابن كثير: ٢/ ٩١].","vol":"1","page":1095},{"text":"وقد قال الله ﷿: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (^١) وقال عز من قائل في المتمتع: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (^٢) وقال في قضاء رمضان: ... ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (^٣) ولم يذكر في شيء من ذلك متتابعات، كما ذكر في قتل الخطأ، وفي كفارة الظهار. وقول مالك - ﵁ - في ذلك (^٤): أن التتابع في ذلك كله أحب إليه، فإن فرقه إنسان أجزأه عنده، إذ لم يشرط الله ﷿ فيه التتابع، ومن أُمر بشيء فأتى به فقد قضى ما عليه (^٥)، وبالله التوفيق.\nقال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^٦) *.\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٨٩]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ١٨٥]\n(^٤) في الأصل: ضرب على كلمة في، ولعل الصواب إثباتها.\n(^٥) سبق ذكر قول مالك ص: ٦٩٤.\n(^٦) [سورة المائدة: الآية ٩٠]\n* لوحة: ١٣٦/أ.","vol":"1","page":1096},{"text":"حرم الله ﵎ الخمر في هذه الآية بقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^١) بيانًا شافيًا بعد تحريم خفي على البعض (^٢)،\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٩٠]\n(^٢) روى أبو داود في سننه: ٣/ ٣٢٥ باب في تحريم الخمر كتاب الأشربة عن أبي ميسرة عن عمر بن الخطاب قال: لما نزل تحريم الخمر قال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شفاء فنزلت الآية التي في البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآية قال: فدعي عمر فقرئت عليه، قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شفاء فنزلت الآية التي في النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فكان منادي رسول الله - ﷺ - إذا أقيمت الصلاة ينادي: ألا لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شفاء، فنزلت هذه الآية: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قال: عمر انتهينا.\n\nوهو مروي أيضًا في: سنن الترمذي: أبواب التفسير سورة المائدة تحفة الأحوذي: ٨/ ٤١٥، سنن النسائي: ... ٨/ ٨٦١ باب تحريم الخمر كتاب الأشربة، مسند أحمد: ١/ ٥٣، الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ٢٤٩، تفسير الطبري: ٧/ ٣٣، تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٨٨، ٤/ ١٢٠٠، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ١/ ٥٧٧، المستدرك: ٢/ ٣٠٥ كتاب التفسير سورة البقرة وصححه، ٤/ ١٥٩ كتاب الأشربة وصححه ووافقه الذهبي، سنن البيهقي: ٨/ ٢٨٥ باب ما جاء في تحريم الخمر كتاب الأشربة، أسباب النزول للواحدي: ٢٠٧، وقد نقل ابن كثير في تفسيره: ٢/ ٩٢ تصحيح هذا الأثر عن: علي بن المديني، والترمذي.","vol":"1","page":1097},{"text":"وذلك أن أول ما أنزل فيها - لما شرب من شرب من الصحابة، فقرأ القارئ: (أعبد ما تعبدون) -: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (^١) (^٢).\nثم شرب قوم فتفاخروا عند السكر من قريش والأنصار، فأخذ رجل من الأنصار ... لحيّ (^٣) جزور فضرب به أنف رجل (^٤) من المهاجرين، ففزر أنفه (^٥) فأنزل الله ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ (^٦) (^٧)\n_________\n(^١) [سورة النساء: الآية ٤٣]\n(^٢) سبق تخريجه ص: ٥٣٨.\n(^٣) اللّحْي: العظم الذي تنبت عليه اللحية من الإنسان وغيره. [مقاييس اللغة: ٩١٦].\n(^٤) هو سعد بن أبي وقاص.\n(^٥) فزر أنفه: شق أنفه. [النهاية في غريب الحديث: ٣/ ٤٤٣].\n(^٦) [سورة البقرة: الآية ٢١٩]\n(^٧) صحيح مسلم: ٤/ ١٨٧٧ كتاب فضائل الصحابة حديث: ٤٣، مسند أحمد: ١/ ١٨١، ١٨٥، مسند البزار: ٣/ ٣٤٨، تفسير الطبري: ٧/ ٣٤، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢٠٠، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ... ١/ ٥٧٨، صحيح ابن حبان: ١٥/ ٤٥٢، سنن البيهقي: الموضع السابق، أسباب النزول للواحدي: ٢٠٦.\nقال ابن جرير في تفسيره: ٧/ ٣٥: وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية، وجائز أن يكون نزولها كان بسبب دعاء عمر - ﵁ - في أمر الخمر، وجائز أن يكون ذلك كان بسبب ما نال سعدًا من الأنصاري عند انتشائهما من الشراب، وجائز أن يكون كان من أجل ما كان يلحق أحدهم عند ذهاب ماله بالقمار من عداوة من يسره وبغضه. وليس عندنا بأي ذلك كان خبر قاطع للعذر، غير أنه أي ذلك كان فقد لزم حكم الآية جميع أهل التكليف وغير ضائرهم الجهل بالسبب الذي له نزلت هذه الآية.\n\nوقال أبو جعفر النحاس: وفي الأحاديث في سبب نزول تحريم الخمر أسباب يقول القائل: كيف يتفق بعضها مع بعض وعمر - ﵁ - يقول شيئًا، وسعد يقول غيره، وابن عباس قد أتى بسواهما؟ فالجواب: أن الأحاديث متفقة؛ لأن عمر - ﵁ - سأل بيانًا شافيًا في تحريم الخمر، ولم يقل: نزلت في ذلك ولا في غيره، فيجوز أن يكون سؤال عمر - ﵁ - وافق ما كان من سعد بن أبي وقاص، ومن الحيين اللذين من قبائل الأنصار، فتتفق الأحاديث ولا تتضاد.\n[الناسخ والمنسوخ: ١/ ٥٨٠].","vol":"1","page":1098},{"text":"فسماهما إثمًا، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِنْسَ﴾ (^١) بعد أن سماها إثمًا، ثم أنزل الله ﵎: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ (^٢) إلى قوله عز من قائل: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^٣)، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (^٤) يعني ما جرى بين قريش والأنصار: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ (^٥) يعني الصلاة التي خلّطوا فيها.\nفدل كتاب الله ﷿ وسنة نبيه - ﷺ - على تحريمها، وهي من النخلة والعنبة؛ لأنها عامة خمور الناس، وكذلك قال الله ﷿: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ (^٦) فالسكر ما حُرم منهما، والرزق الحسن ما حَل منهما، وكانت خمور أهل المدينة كلها من النخل عند نزول الآية (^٧)، ولمّا سميت كلها الخمر، وهو مأخوذ من تغطية العقل (^٨)،\n_________\n(^١) [سورة الأعراف: الآية ٣٣]\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٩٠]\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٩٠]\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ٩١]\n(^٥) [سورة المائدة: الآية ٩١]\n(^٦) [سورة النحل: الآية ٦٧]\n(^٧) روى البخاري في صحيحه: ٥/ ٢١٢٠ باب الخمر من العنب كتاب الأشربة عن أنس - ﵁ -: قال: حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد - يعني بالمدينة - خمر الأعناب إلا قليلًا وعامة خمرنا البسر والتمر. ورواه مسلم في صحيحه: ٣/ ١٥٧٢ كتاب الأشربة حديث: ٧.\n(^٨) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٩١، معاني القرآن للنحاس: ١٧٣، مقاييس اللغة: ٣١١، مفردات ألفاظ القرآن: ١٦٠، لسان العرب: ٥/ ٢٥٥.\n\n* لوحة: ١٣٦/ب.","vol":"1","page":1099},{"text":"وقال النبي - ﷺ -: * كل مسكر حرام (^١)، وكان الله ﷿ قد ذكر العلة التي من أجلها حرم، وأنها تلقي العداوة، وتصد عن الصلاة دخل كل ما فعلها في التحريم معها، ووجب له اسمها من كل مصنوع من الأشربة يفعل فعلها.\nوالحديث والحجة في ذلك يطول ذكرهما، وقد بيّنا ذلك في كتاب الأشربة (^٢)، والحجة\nعلى الطحاوي (^٣) فيما هوّنه من أمر الشراب، وسماه نبيذًا بغير اسمه (^٤)،\n_________\n(^١) روى البخاري في صحيحه: ١/ ٩٥ كتاب الوضوء باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر عن عائشة؟ ﵂؟ عن النبي - ﷺ -: كل شراب أسكر فهو حرام. ورواه مسلم في صحيحه: ٣/ ١٥٨٦ كتاب الأشربة حديث: ٦٨. وعند مسلم في صحيحه: ٣/ ١٥٨٧ كتاب الأشربة حديث: ٧٤ عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -: كل مسكر خمر وكل مسكر حرام.\n(^٢) أحد مصنفات المؤلف القاضي بكر، نقض به كتاب الأشربة للطحاوي.\n(^٣) أحمد بن محمد بن سلامة، أبو جعفر الأزدي الحجري المصري الطحاوي من أهل قرية طحا من قرى مصر، إليه انتهت رئاسة أصحاب أبي حنيفة في مصر، من مصنفاته: معاني الآثار، أحكام القرآن، اختلاف العلماء، مشكل الآثار، ولد سنة ٢٣٩، ومات سنة ٣٢١ هـ.\n[طبقات المفسرين للداودي: ١/ ٧٤، الطبقات السنية في تراجم الخنفية: ٢/ ٤٩].\n(^٤) قال الطحاوي: الخمر المحرمة في كتاب الله تعالى هي: الخمر التي من عصير العنب إذا نش العصير وألقى بالزبد، هكذا كان أبو حنيفة ﵀ يقول، وقال أبو يوسف ﵀: إذا نش وإن لم يلق بالزبد فقد صار خمرًا.\n\nوقال أيضًا: ونحن نشهد على الله ﷿ أنه حرم عصير العنب إذا حدثت فيه صفات الخمر، ولا نشهد عليه أنه حرم ما سوى ذلك إذا حدث فيه مثل هذه الصفة، فالذي نشهد على الله بتحريمه إياه هو الخمر الذي آمنا بتأويلها من حيث قد آمنا بتنزيلها، والذي لا نشهد على الله أنه حرم هو الشراب الذي ليس بخمر، فما كان من خمر فقليله وكثيره حرام، وما كان مما سوى ذلك من الأشربة فالسكر منه حرام، وما سوى ذلك منه مباح هذا هو النظر عندنا، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏، غير نقيع الزبيب والتمر خاصة فإنهم كرهوا، وليس ذلك عندنا في النظر كما قالوا.\n[شرح معاني الآثار: ٤/ ٢١٢ - ٢١٤، وانظر: أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٦٤٨، المبسوط: ٢٤/ ٤].\nوذهب حمهور العلماء من المتقدمين والمتأخرين: أن الخمر المحرمة كل ما خامر العقل وأسكر من أي شراب كان، وعلى هذا مالك، والشافعي، وأحمد. [الأم: ٦/ ١٤٤، المدونة: ٤/ ٥٢٣، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ... ١/ ٥٨٢، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٩٢٥، المغني: ١٢/ ٤٩٥، تفسير القرطبي: ٦/ ٢٩٤].","vol":"1","page":1100},{"text":"وذكرنا النبيذ وما هو (^١)، وما قال رسول الله - ﷺ - فيه، وما روي عنه - ﵇ -: أن أمته تستحل الخمر باسم تسميه إياه (^٢).\nقال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) قال ابن الأثير: وقد تكرر في الحديث ذكر النبيذ، وهو ما يعمل من الأشربة من: التمر، والزبيب، والعسل، والحنطة، والشعير، وغير ذلك، يقال: نبذت التمر والعنب إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذًا، فصرف من مفعول إلى فعيل، وانتبذته: اتخذته نبيذًا، وسواء كان مسكرًا أو غير مسكر فإنه يقال له: نبيذ، ويقال للخمر المعتصر من العنب نبيذ كما يقال للنبيذ خمر. ... [النهاية في غريب الحديث: ٥/ ٦].\n(^٢) روى أبو داود في سننه: ٣/ ٣٢٩ باب في الداذي كتاب الأشربة عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها. ورواه ابن ماجة في سننه: ٢/ ٣٨٥ باب العقوبات أبواب الفتن، وأحمد في مسنده: ٥/ ٣٤٢، وابن حبان في صحيحه: ١٥/ ١٦٠، والبيهقي في سننه: ٨/ ٢٩٥ باب الدليل على أن الطبخ لا يخرج هذه الأشربة من دخولها في الاسم والتحريم إذا كانت مسكرة كتاب الأشربة. وروي من طريق رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، رواه النسائي في سننه: ٨/ ٧١٥ منزلة الخمر كتاب الأشربة، وأحمد في مسنده: ٤/ ٢٣٧.\nومن طريق عائشة رواه الحاكم في المستدرك: ٤/ ١٦٤ كتاب الأشربة وصححه، والبيهقي في سننه: ٨/ ٢٩٤ الموضع السابق. ومن طريق عبادة بن الصامت رواه ابن ماجة في سننه: ٢/ ٢٥٦ باب الخمر يسمونها بغير اسمها أبواب الأشربة، والبزار في مسنده: ٧/ ١٣٨، ١٥٩. ومن طريق أبي أمامة الباهلي ابن ماجة في سننه: ٢/ ٢٥٦ الموضع السابق.\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٩٠]","vol":"1","page":1101},{"text":"قال عثمان بن عفان - ﵁ -: الميسر النرد، ونهى عنها، وقال: هممت أن أوجه إلى ديار قوم هي في بيوتهم، وأحرقها عليهم (^١). وقال علي -رضوان الله عليهم-: الشطرنج (^٢) ميسر العجم (^٣). وقال ابن عمر: الميسر القمار (^٤). وقال ابن مسعود: الكعاب (^٥). وقال القاسم: كل ما ألهى عن ذكر الله ﷿ فهو من الميسر (^٦). وقال ابن سيرين: كل ما قومر به فهو ميسر (^٧).\n_________\n(^١) سنن البيهقي: ١٠/ ٢١٥ باب كراهية اللعب بالنرد كتاب الشهادات، التمهيد: ١٣/ ١٧٨.\n(^٢) الشَّطْرَنج والشِّطْرَنج - والكسر فيه أجود -: لعبة معروفة، قيل: إنه فارسي معرب، وقيل مأخوذ من الشطارة، وقيل من التشطير. ... [لسان العرب: ٢/ ٣٠٨، القاموس المحيط: ٢٥٠].\n(^٣) مصنف ابن أبي شيبة: ٥/ ٢٨٨ في اللعب بالنرد وما جاء فيه كتاب الأدب، تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٩١، ٤/ ١١٩٧، سنن البيهقي: ١٠/ ٢١٢ باب الاختلاف في اللعب بالشطرنج كتاب الشهادات وقال البيهقي: وهذا مرسل، لكن له شواهد، ثم ذكر هذه الشواهد.\n(^٤) الأدب المفرد: ٤٣١، تفسير الطبري: ٢/ ٣٥٩، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١١٩٧، سنن البيهقي: ... ١٠/ ٢١٣ باب ما يدل على رد شهادة من قامر كتاب الشهادات.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق: ١/ ٨٨، مصنفه: ١٠/ ٤٦٧، مصنف ابن أبي شيبة: ٥/ ٢٨٨ الموضع السابق، الأدب المفرد: ٤٣٤، تفسير الطبري: ٢/ ٣٥٧، ٣٥٨، تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٩٠، ٤/ ١١٩٦، سنن البيهقي: ١٠/ ٢١٥ باب كراهية اللعب بالنرد كتاب الشهادات، شعب الإيمان: ٥/ ٢٣٨.\n(^٦) تفسير الطبري: ٢/ ٣٥٨، تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٩١، ٤/ ١١٩٧، سنن البيهقي: ١٠/ ٢١٧، ٢١٨ باب من كره كلما لعب به الناس من الحزة ونحوها كتاب الشهادات، شعب الإيمان: ٥/ ٢٤٢.\n(^٧) مصنف ابن أبي شيبة: ٥/ ٢٩٠ في لعب الصبيان بالجوز، تفسير الطبري: ٢/ ٣٥٨.","vol":"1","page":1102},{"text":"وقال سعيد بن المسيب نحو ذلك (^١). وقال مالك بن أنس: كل ما قومر به من شطرنج ونرد وغير ذلك فهو ميسر، وهو القمار، ونهي عن النرد خاصة، وعن الشطرنج إذا قومر بها (^٢)، وسئل عن الغناء، فقال: إذا كان يوم القيامة أوتي بالحق والباطل، فالغناء مع أيهما يكون، أمع الحق * أو الباطل؟ فحرمه (^٣). وقال القاسم بن محمد وقد سئل عن الغناء فقال: فماذا بعد الحق إلا الضلال (^٤).\nفالقمار أكل المال بالباطل وهو الميسر في كل شيء كان، وينبغي أن ينتهي العبد عن كل ما ألهى عن ذكر الله ﷿، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) ما وقفت عليه عن سعيد بن المسيب ما رواه مالك في الموطأ: ٢/ ٥٠٧ كتاب البيوع حديث: ٦٥ عن سعيد ابن المسيب قال: من ميسر أهل الجاهلية بيع الحيوان باللحم والشاة والشاتين، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره: ... ٢/ ٣٩١، ٤/ ١١٩٨، والبيهقي في سننه: ٥/ ٢٩٧ باب بيع اللحم بالحيوان كتاب البيوع.=\nقال القرطبي بعد ذكره لهذا الأثر: وهذا محمول عند مالك وجمهور أصحابه في الجنس الواحد، حيوانه بلحمه، وهو عنده من باب المزابنة، والغرر، والقمار؛ لأنه لا يُدرى هل في الحيوان مثل اللحم الذى أعطى، أو أقل، أو أكثر. ... [الجامع لأحكام القرآن: ٣/ ٥٤].\n(^٢) الموطأ: ٢/ ٧٣٠ كتاب الرؤيا، المدونة: ٤/ ١٩، تفسير ابن أبي حاتم: ٦/ ١٩٥١، أحكام القرآن لابن العربي: ٣/ ٩، تفسير القرطبي: ٨/ ٣٣٧.\n* لوحة: ١٣٧/أ.\n(^٣) تاريخ دمشق: ٢٧/ ٨، تفسير القرطبي: ١٤/ ٥٢.\n(^٤) سنن البيهقي: ١٠/ ٢٢٤ باب الرجل يغني فيتخذ الغناء صناعة كتاب الشهادات، التمهيد: ٢٢/ ١٩٩.","vol":"1","page":1103},{"text":"قال الله ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ (^١) الآية.\nقال البراء: إن هذه الآية نزلت فيمن كان يشرب الخمر قبل التحريم، ومات على ذلك قبل أن تحرم (^٢). وقال جابر بن عبد الله: اصطبح (^٣) قوم الخمر، ثم قتلوا شهداء (^٤).\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٩٣]\n(^٢) سنن الترمذي أبواب التفسير سورة المائدة، وقال: هذا حديث حسن صحيح. تحفة الأحوذي: ٨/ ٤١٩، مسند الطيالسي: ٢/ ٨٨، مسند أبي يعلى: ٢/ ١٦١، تفسير الطبري: ٧/ ٣٧، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢٠١، صحيح ابن حبان: ١٢/ ١٧٢، أسباب النزول للواحدي: ٢١٠.\n(^٣) اصطبح أي: شربوا الصبوح، وهو ما شرب بالغداة من لبن أوغيره. [لسان العرب: ٢/ ٥٠٣].\n(^٤) صحيح البخاري: ٣/ ١٠٣٦ كتاب الجهاد باب فضل قوله تعالى (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا)، ٤/ ١٤٨٧ كتاب المغازي باب غزوة أحد، ٤/ ١٦٨٨ كتاب التفسير سورة المائدة.\nوقد ذكره ابن كثير وعزاه إلى البزار في مسنده عن جابر بن عبد الله قال: اصطبح ناس الخمر من أصحاب النبي - ﷺ - ثم قتلوا شهداء يوم أحد، فقالت اليهود: فقد مات بعض الذين قتلوا وهي في بطونهم فأنزل الله هذه الآية. قال البزار: وهذا إسناد صحيح، قال ابن كثير: وهو كما قال ولكن في سياقه غرابة.\n[تفسير القرآن العظيم: ٢/ ٩٥]","vol":"1","page":1104},{"text":"وقال أنس: إن الذين شربوها قبل التحريم أتوا رسول الله - ﷺ -، فسألوه عما مضى من أفعالهم فنزلت الآية (^١). وقد كان قوم شربوها في أيام عمر - ﵁ -، فكتب إليه يزيد بن أبي سفيان (^٢) بذلك، فأحضرهم واستتابهم؛ لأنهم تأولوا الآية، فلما تابوا ضربهم للشرب ثمانين ثمانين. واتفق رأي عمر وعلي على ذلك ففعله عمر (^٣)، فالآية تنبئ بزوال الإثم عمن شربها قبل التحريم، وتوجب أن يكون قوله في المستأنف: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (^٤) مما أحل لهم دون ما حرم، والله أعلم.\nقال الله ﵎: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ (^٥).\nالذي تناله الأيدي من الطير والفراخ والبيض، وما يؤخذ من الأوكار (^٦)،\n_________\n(^١) ما وقفت عليه من حديث أنس: هو أن الذين شربوها سألوا رسول الله - ﷺ - عما مضى من أفعال من مات قبل تحريمها. صحيح البخاري: ٢/ ٨٦٩ كتاب المظالم باب صب الخمر في الطريق عن أنس قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله - ﷺ - مناديًا ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، فقال لي: أبو طلحة اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها فجرت في سكك المدينة، فقال بعض القوم: قد قتل قوم وهي في بطونهم فأنزل الله هذه الآية. ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٥٧٠ كتاب الأشربة حديث: ٣، وانظر تفسير الطبري: ٧/ ٣٧، أسباب النزول للواحدي: ٢٠٩.\n(^٢) في الأصل: أبو عبيدة، والتصويب من مصادر التخريج.\n(^٣) سبق تخريجه ص: ٦٧٢.\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ٩٣]\n(^٥) [سورة المائدة: الآية ٩٤]\n(^٦) الأوكار: جمع وكر، ووكر الطائر عشه. [لسان العرب: ٥/ ٢٩٢].\n\n* لوحة: ١٣٧/ب.","vol":"1","page":1105},{"text":"والرماح: فالرمح *، والنَّبْلُ، والنُشَّابَة (^١)، والمِعْراض (^٢)، وغير ذلك مما يصاد به (^٣)، والله أعلم.\nقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) النُشَّابة: واحد النُشَّاب، وهي: النبل. [المرجع السابق: ١/ ٧٥٧].\n(^٢) المِعراض: سهم بلا ريش ولا نصل، وإنما يصيب بعرضه دون حده. [النهاية في غريب الحديث: ٣/ ٢١٥].\n(^٣) تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٩٣، تفسير الطبري: ٧/ ٣٩، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢٠٣، أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ١٧١، تفسير ابن كثير: ٢/ ٩٧.\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ٩٥]","vol":"1","page":1106},{"text":"لما كان قتل الصيد باليد والرمح تذكيته، وكان حلالًا في غير الحرم وفي الإحلال، فقيل: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (^١) علم أنه حَرُمَ أكله، فصار بمنزلة الميتة، سواء ذبح المحرم أو قتل؛ لأن الحالين جميعًا تذكية في الصيد؛ لأنه لما قيل: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ (^٢) فكلما تناله اليد يذبح، وما تناله بالرمح يقتل، وكانا جميعًا وجوه تذكية الصيد، وحَرَّمَ الصيد على المحرم، عُلم أنه حَرُمَ عليه تذكيته بالوجهين جميعًا واصطياده، فلا فرق بين ما ذبح منه وما قتل، وبين الميتة في التحريم، فإن قال قائل: فلم لا يكون من ذبح بسكين غصبها محرمٌ أكله؟ قيل له: لأن الفساد لم يقع في نفس التذكية، وإنما وقع في غصب السكين، وليس الخطاب في الآلة المذكى بها، ألا ترى أن المجوسي يذكي ويذكر اسم الله فلا تأكل، ويذكي الكتابي فتأكل، وإنما الخطاب في السكين المغصوبة بين الغاصب والمغصوب، اللهم إلا أن يقصد المذكي بالتذكية بالسكين المغصوبة لإفساد الذكاة، فإن فعل ذلك لم تؤكل (^٣)، والله أعلم.\nقال الله ﷿: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ (^٤).\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٩٥]\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٩٤]\n(^٣) ماذ كره المؤلف من أن ذبح المحرم للصيد كقتله، وأنه لا يجوز أكله وهو كالميتة، هذا ما ذهب إليه مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي، وحكي عن الشافعي قول في القديم: أنه يحل لغير المحرم أكله.\n[أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٦٥٧، أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ١٣٧، بدائع الصنائع: ٥/ ١٤١، المغني: ٥/ ١٣٩، تفسير القرطبي: ٦/ ٣٠٢، المجموع: ٧/ ٣٢٢].\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ٩٥]","vol":"1","page":1107},{"text":"قال قوم من التابعين: يحكم على المتعمد، ولا يحكم على الخاطئ (^١). وقال الكثير من المفسرين: يحكم على العامد والمخطئ جميعًا، وممن قال ذلك عمر (^٢)، وعثمان (^٣)، وابن عمر (^٤)، وجماعة من التابعين (^٥) (^٦)\n_________\n(^١) هذا يروى عن: ابن عباس من الصحابة، ومن التابعين: سعيد بن جبير، وطاوس، ومجاهد، وعطاء، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وهو ما ذهب إليه ابن المنذر، وأهل الظاهر، ورواية عن أحمد، ورجحه ابن جرير. [تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٩٤، مصنفه: ٤/ ٣٩٢، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٦٢٠، مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٣٧٨ من قال عمد الصيد وخطأه سواء كتاب الحج، تفسير الطبري: ٧/ ٤٢، ٤٣، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢٠٥، المحلى: ٧/ ٢١٥، المغني: ٥/ ٣٩٧، تفسير القرطبي: ٦/ ٣٠٧].\n(^٢) مصنف عبد الرزاق: ٤/ ٣٩٣، مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٣٧٧ الموضع السابق، تفسير ابن أبي حاتم: ... ٤/ ١٢٠٤، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٦٦٠، سنن البيهقي: ٥/ ١٨٠ باب قتل المحرم الصيد عمدًا أوخطأ كتاب الحج.\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٦٦٠، زاد المسير: ٢/ ٤٢٢.\n(^٤) لم أقف عليه.\n(^٥) في الأصل: وجماعة من التابعين الصحابة. والصواب ما أثبت.\n(^٦) يروى هذا عن: عطاء، والحسن، وإبراهيم، والحكم، وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء، وهو قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ورواية عن أحمد. [مصنف عبد الرزاق: ٤/ ٣٩١، مصنف ابن أبي شيبة: الموضع السابق، تفسير الطبري: ٧/ ٤٢، أحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٢٧٧، أحكام القرآن للجصا ص: ٢/ ٦٦٠، سنن البيهقي: الموضع السابق، المغني: ٥/ ٣٩٦، تفسير القرطبي: ٦/ ٣٠٨، تفسير ابن كثير: ٢/ ٩٨].\n\n* لوحة: ١٣٨/أ.","vol":"1","page":1108},{"text":"*. وقال الزهري: جاء القرآن بالجزاء على العامد، والسنة على المخطئ (^١). والزهري أعلم الناس بالسنن، ولولا أن الله ﵎ قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ (^٢) لكان لا جزاء على المتعمد لقتله، مُشبهًا بقتل المؤمن، فأراد الله ﵎ التخفيف عن عباده بذكر العمد لئلا يبلغ به حرمة المؤمن، وكان الجزاء بقوله ﷿: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (^٣) وإنما حرم قتله فلما كان جزاء ما كان المخطئ مكفرًا؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ (^٤)، ولكن من قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة، فإن قيل: قاتل الخطأ عليه دية وكفارة، قيل له: الدية، ليس على القاتل، وإنما هي على العاقلة، وعليه هو في نفسه الكفارة، ولو كان الصيد مملوكًا فقتله المحرم لكان عليه الجزاء، وعليه قيمته لمالكه.\nقال الله ﷿: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله ﵎: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (^٥).\nقال مالك بن أنس - ﵁ -: ما كان له مثل من النعم حكم بالمثل فيه، في النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الغزال كبش، وما أشبه ذلك، وقال فيما لا مثل له: قيمته (^٦).\n_________\n(^١) تفسير الطبري: ٧/ ٤٢، وروى نحوه: عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ١٩٣، ومصنفه: ٤/ ٣٩١.\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٩٥]\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٩٦]\n(^٤) [سورة النساء: الآية ٩٢]\n(^٥) [سورة المائدة: الآية ٩٥]\n(^٦) الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ٤٩٣، الاستذكار: ١٣/ ٢٧٤، المنتقى: ٢/ ٢٥٣، أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ١٨٠، تفسير القرطبي: ٦/ ٣١٠.\nوهذا ما ذهب إليه الشافعي، وأحمد.\n[الأم: ٢/ ٢٠٦، أحكام القرآن للكياالهراسي: ٣/ ٢٩٠، المغني: ٥/ ٤٠١، تفسير ابن كثير: ٢/ ٩٩].","vol":"1","page":1109},{"text":"وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن المحرم إذا أصاب صيدًا فإنما عليه قيمته (^١). فتركوا كتاب الله، قال الله ﷿: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (^٢) والمثل إنما هو في مثل الخلقة *، ولو أريد القيمة لقيل ذلك، وقد حكم أصحاب رسول الله - ﷺ - والتابعون في النعامة بدنة، أفيظن ظان أن النعامة تثبت قيمتها في القرن الأول والثاني على بدنة؟ ثم قال تأكيدًا: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (^٣)، وقد ذكر الله الهدي في غير موضع فقال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (^٤) وساق رسول الله - ﷺ - الهدي، وقال: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ (^٥) (^٦)، وسئل النبي - ﷺ - عن قتل الضبع، فقال: هي صيد (^٧) وجعل فيها كبشًا، رواه جابر بن عبد الله (^٨). وحكم عمر بمثل ذلك (^٩)، وحكم علي بن أبي طالب - ﵁ - في الضبع بمثل ذلك (^١٠)،\n_________\n(^١) هذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وأما محمد بن الحسن فوافق الجمهور.\n[أحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٢٧٨، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٦٦١، بدائع الصنائع: ٢/ ١٩٨].\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٩٥]\n* لوحة: ١٣٨/ب.\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ٩٥]\n(^٤) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]\n(^٥) [سورة الفتح: الآية ٢٥]\n(^٦) انظر: أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ١٨١.\n(^٧) في الأصل: صيدًا، والتصويب من مصادر التخريج.\n(^٨) سنن أبي داود: ٣/ ٣٥٥ كتاب الأطعمة باب أكل الضبع، سنن ابن ماجة: ٢/ ١٩٦ جزاء الصيد يصيده المحرم أبواب المناسك، مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٢٤٥ في الضبع يصيده المحرم، مسند أبي يعلى: ٢/ ٣٢٢، صحيح ابن خزيمة: ٤/ ١٨٢، الأوسط لابن المنذر: ٢/ ٣١٠، صحيح ابن حبان: ٩/ ٢٧٧، سنن الدارقطني: ٢/ ٢٤٦ المواقيت حديث: ٤٨، المستدرك: ١/ ٦٢٢ كتاب المناسك وصححه ووافقه الذهبي، سنن البيهقي: ٥/ ١٨٣ باب فدية الضبع كتاب الحج.\n(^٩) موطأ مالك: ١/ ٣٣١ كتاب الحج حديث: ٢٣٠، الأم: ٢/ ١٩٢، مصنف عبد الرزاق: ٤/ ٤٠٣، الأوسط لابن المنذر: ٢/ ٣١١، أحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٢٨٦، سنن البيهقي: ٥/ ١٨٣ الموضع السابق.\n(^١٠) الأم: ٢/ ١٩٣، مصنف عبد الرزاق: ٤/ ٤٠٣، مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٢٤٥ الموضع السابق، سنن البيهقي: ٥/ ١٨٤ الموضع السابق.","vol":"1","page":1110},{"text":"وابن عباس بمثل ذلك (^١)، وقال ابن عباس: قضى عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، ومعاوية: في النعامة بدنة من الإبل (^٢). ومن التابعين بمثل ذلك (^٣).\nوعمر (^٤) وابن مسعود (^٥) حكما في الظبي بكبش. فأما التابعون فكثر ذكر من حكم منهم بالمثل من النعم متبعًا في ذلك الصحابة، ما قال أحد من الصحابة ولا من التابعين إن في شيء من ذلك قيمة، ولو كان الواجب القيمة لما قيل في النعامة بدنة، وفي الضبع والظبي شاة، وفي كذا كذا (^٦) وفي كذا كذا، حتى ينظر الحكمان إلى النعامة المقتولة ويقومانها، ثم يقومان البعير الذي يحكمان فيه، هذا ما لا يذهب على ذي لب أنه لم يخطر للقوم في وهم، ومع ذلك فقد قالوا: ما لم يبلغ الهدي ففيه ثمنه، وذلك أن الله ﷿ يقول: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾ (^٧)\n_________\n(^١) الأم: ٢/ ١٩٢، مصنف عبد الرزاق: ٤/ ٤٠٣، مصنف ابن أبي شيبة: الموضع السابق، الأوسط لابن المنذر: ٢/ ٣١١، سنن البيهقي: الموضع السابق.\n(^٢) مصنف عبد الرزاق: ٤/ ٣٩٨ عن عطاء الخراساني عن ابن عباس، وليس فيه ذكر معاوية. وكذلك رواه ابن حزم في المحلى: ٧/ ٢٢٧.\nورواه الشافعي في الأم: ٢/ ١٩٠ من قول عطاء الخراساني، وفيه: معاوية، قال الشافعي: هذا غير ثابت عند أهل العلم بالحديث. ورواه أيضًا من قول عطاء: ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٢٨٩ في النعامة يصيبها المحرم، وابن حزم في المحلى: ٧/ ٢٢٧، والبيهقي في سننه: ٥/ ١٨٢ باب فدية النعام وبقر الوحش كتاب الحج.\n(^٣) مجاهد، وعطاء، وأبو عبيدة بن عبد الله، وإبراهيم، وعروة، وطاوس، وسعيد بن المسيب.\n[مصنف عبد الرزاق: ٤/ ٣٩٨، مصنف ابن أبي شيبة: الموضع السابق، المحلى: ٧/ ٢٢٧، سنن البيهقي: الموضع السابق].\n(^٤) موطأ مالك: ١/ ٣٣١ كتاب الحج حديث: ٢٣٠، الأم: ٢/ ١٩٣، مصنف عبد الرزاق: ٤/ ٤٠١، ٤٠٣، أحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٢٧٣، سنن البيهقي: ٥/ ١٨٤ باب فدية الضبع، وباب فدية الغزال كتاب الحج، معالم التنزيل: ٣/ ٩٨.\n(^٥) الاستذكار: ١٣/ ٢٨٤.\n(^٦) في الأصل: وفي كذا وكذا. والصواب ما أثبت.\n(^٧) [سورة المائدة: الآية ٩٥]\n* لوحة: ١٣٩/أ.","vol":"1","page":1111},{"text":"ففيه ﴿صِيَامًا﴾، فإذا أصاب * المحرم من الصيد ما لا يكون له مثل من النعم، مثل: الشاة وما فوقها، حكم في ذلك بالطعام أو الصيام، يقيم ذلك بالطعام أو الدراهم، ثم يردها إلى الطعام، فإن عجز عن الطعام صام مكان كل مد يومًا، ذلك قول مالك، وأهل المدينة (^١). وقال آخرون: مكان كل مدين يومًا، وهم أهل العراق (^٢)، وكلٌ بنى ذلك على أصوله، وكلا الفريقين قاله المفسرون (^٣).\nقال الله ﵎: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ (^٤).\nاختلف السلف في ذلك، فقال قوم: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ قبل التحريم ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ بعد التحريم. وقال آخرون: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ يعني القتلة الأولى، التي أوجب فيها الجزاء. فمن قال بالأول على العامد الجزاء كلما عاد (^٥)،\n_________\n(^١) وهو مذهب الجمهور أيضًا: الموطأ: ١/ ٢٨٨، المدونة: ١/ ٤٤٤، النوادر والزيادات: ٢/ ٤٨٠، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ٤٩٥، المغني: ٥/ ٤١٧، تفسير القرطبي: ٦/ ٣١٥، تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٠.\n(^٢) أحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٢٨٦، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٦٦٨.\n(^٣) تفسير الطبري: ٧/ ٥٧، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢٠٨، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٦٦٨.\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ٩٥]\n(^٥) هذا يروى عن: عطاء، ومجاهد، وإبراهيم، وسعيد بن جبير، والحسن.\nالأم: ٢/ ١٨٤، مصنف عبد الرزاق: ٤/ ٣٩٠ - ٣٩٣، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٦٢٠، مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٤٢٣ المحرم يصيب الصيد فيحكم عليه، تفسير الطبري: ٧/ ٥٨، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢٠٩، معرفة السنن والاثار: ٧/ ٣٩٩.\n\nوإليه ذهب الجمهور: أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٦٦٨، معالم التنزيل: ٣/ ٩٨، تفسير القرطبي: ٦/ ٣٠٨، تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٠.","vol":"1","page":1112},{"text":"ومن قال بالقول الثاني قال: الانتقام في الآخرة، ولا جزاء عليه في الأول أولًا (^١)؛ لأن الله ﷿ في سائر ما حرم قال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ (^٢) يريد ما كان قبل نزول التحريم، والذين حملوه على الانتقام عقوبة، وقد قال الله ﷿: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (^٣) فكان مُخرق الثوب عليه قيمته، وقال ﷿: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (^٤) فمن خرق ثوبًا ألزم قيمته، وقد قال الله ﷿ حين أوجب الجزاء: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ (^٥) بالجزاء: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ (^٦) قبل التحريم: ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ (^٧) بعد التحريم: ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ (^٨) بالجزاء، هذه عقوبته وانتقامه، وذلك في أول مرة، فقتل في الحرم وهو محرم الصيد، فإذا جعل أن ذلك عطفًا على: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ * إلى قوله عز من قائل: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ (^٩) وينتقم الله بذلك العزم منه، والله أعلم.\n_________\n(^١) أي: لم يحكم عليه بالكفارة في المرة الأولى، وهذا يروى عن: ابن عباس، وشريح، وإبراهيم، والشعبي، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن، وقتادة. [مصنف عبد الرزاق: ٤/ ٣٩١ - ٣٩٣، مصنف ابن أبي شيبة: الموضع السابق، تفسير الطبري: ٧/ ٦٠، أحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٢٨٨، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢٠٩].\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ٩٥]\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ١٩٤]\n(^٤) [سورة الشورى: الآية ٤٠]\n(^٥) [سورة المائدة: الآية ٩٥]\n(^٦) [سورة المائدة: الآية ٩٥]\n(^٧) [سورة المائدة: الآية ٩٥]\n(^٨) [سورة المائدة: الآية ٩٥]\n* لوحة: ١٣٩/ب.\n(^٩) [سورة المائدة: الآية ٩٥]","vol":"1","page":1113},{"text":"قال الله ﷿: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^١).\nهذه الآية لم يحكم أبو بكر في قاتل الصيد حتى دعا أُبَيًّا، فحكما جميعًا (^٢). وعمر - ﵁ - دعا عبد الرحمن بن عوف، فاجتمعا وحكما (^٣). وقال التابعون مثل ذلك (^٤). وقال مالك: من أصاب صيدًا يعلم ما فيه فلا يهدي ولا يطعم إلا بعد أن يُحكِّم حكمين، فيَحكُمان عليه، فما حكما به فعله، ولا أعلم في ذلك اختلافًا فيما تقدم (^٥)، والله أعلم.\nقال الله عز وعلا: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (^٦)\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ٩٥]\n(^٢) تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢٠٦، وعزاه السيوطي في الدر: ٢/ ٣٢٩ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) موطأ مالك: ١/ ٣٣١ كتاب الحج حديث: ٢٣١، الأم: ٢/ ٢٠٧، مصنف عبد الرزاق: ٤/ ٤٠٦، تفسير الطبري: ٧/ ٤٨، ٥٠، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢٠٦، المستدرك: ٣/ ٣٥٠ كتاب المناقب، سنن البيهقي: ٥/ ١٨٠ باب جزاء الصيد بمثله من النعم يحكم به ذوا عدل من المسلمين كتاب الحج.\n(^٤) شريح، وإبراهيم، وعطاء، ومقاتل بن حيان، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله.\n[تفسير الطبري: ٧/ ٤٩، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢٠٦، ١٢٠٧، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٦٦٥].\n(^٥) ذهب مالك؟ ﵀؟ إلى استئناف الحكومة في كل ما يصيب المحرم، وإن كان قد حكم في مثله الصحابة، ووافقه على هذا أبو حنيفة، وذهب الشافعي وأحمد إلى اتباع ما حكمت به الصحابة، وما لم يحكم فيه فيرجع فيه إلى حكمين عدلين. [النوادر والزيادات: ٢/ ٤٧٩، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٦٦٥، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ٤٩٥، المغني: ٥/ ٤٠٤، تفسير القرطبي: ٦/ ٣١٣، روضة الطالبين: ٣/ ١٥٧، تفسيسر ابن كثير: ٢/ ٩٩].\n(^٦) [سورة المائدة: الآية ٩٦]","vol":"1","page":1114},{"text":"صيد البحر ما صيد وهو حي، وطعامه ما مات فيه، أو قذفه البحر فمات، وقال النبي - ﷺ -: هو الطهور ماؤه الحل ميتته (^١). وقال - ﵇ -: أحلت لنا (^٢) ميتتان: الحيتان والجراد (^٣). وقال أبو بكر (^٤)، وعمر (^٥)، وسائر من انتهى إلينا كلامه في الآية مثل ذلك (^٦)،\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: ٦٠٨.\n(^٢) في الأصل: لي، والتصويب من مصادر التخريج.\n(^٣) سبق تخريجه ص: ٦٠٧.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٩٤، مصنفه: ٤/ ٥٠٣، تفسير الطبري: ٧/ ٦٥، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢١٢، سنن البيهقي: ٩/ ٢٥٣ باب ما لفظ البحر وطفا من ميته كتاب الصيد والذبائح.\n(^٥) مصنف عبد الرزاق: ٤/ ٤٣٣، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٦٢٩، تفسير الطبري: ٧/ ٦٥، سنن البيهقي: ٩/ ٢٥٤ الموضع السابق.\n(^٦) أبو هريرة، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعكرمة، وإبراهيم، والحسن، وسعيد بن المسيب، وغيرهم.\n\nانظر: المراجع السابقة في تخريج الأثرين، وموطأ مالك: ٢/ ٣٩٥ كتاب الصيد، مصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ٢٥٤ ما قذف به البحر وجزر عنه الماء كتاب الصيد، سنن الدارقطني: ٤/ ٢٧٠ باب الصيد والذبائح، المحلى: ٧/ ٣٩٧. وهذا مذهب الجمهور: المغني: ٢/ ١٠٢، تفسير القرطبي: ٦/ ٣١٩، تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٢.","vol":"1","page":1115},{"text":"إلا شيء شذ قائله، وضعف راويه، والله أعلم، فإنه فرق بين ما قذفه البحر فمات، وبين ما مات في البحر، وهذا قول لا أعرف وجهه (^١)،\n_________\n(^١) روى أبو داود في سننه: ٣/ ٣٥٨ كتاب الأطعمة باب في أكل الطافي من السمك عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه. قال أبو داود: روى هذا الحديث سفيان الثوري، وأيوب، وحماد عن أبي الزبير أوقفوه على جابر، وقد أسند هذا الحديث أيضًا من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر عن النبي - ﷺ -. ا. هـ. ورواه ابن ماجة في سننه: ٢/ ٢٢٧ باب الطافي من صيد البحر أبواب الصيد، والدارقطني في سننه: ٤/ ٢٦٧ باب الصيد حديث: ٧، ٨، والبيهقي في سننه: ٩/ ٢٥٥ باب من كره أكل الطافي كتاب الصيد والذبائح، وضعفه.\nوقد ضعف هذا الحديث، وأعله، ورجح وقفه جمع من أهل العلم. علل ابن أبي حاتم: ٢/ ٤٩، المحلى: ٧/ ٣٩٦، شرح النووي على صحيح مسلم: ١٣/ ١٢٨، فتح الباري: ٩/ ٧٦٥.\n\nوممن روي عنه كراهية أكل الطافي من السمك: ابن عباس، وعلي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وجابر بن زيد، وطاوس، وابن سيرين، والحسن، وسعيد بن المسيب، وأصحاب الرأي، قال الجصاص بعد ذكره لأقوال السلف في هذه الآية: فإن قال قائل هذا يدل على إباحة الطافي؛ لأنه قد انتظم ما صيد منه وما لم يصد، والطافي لم يصد، قيل له: إنما تأول السلف قوله: (وطعامه) على ما قذفه البحر، وعندنا أن ما قذفه البحر ميتًا فليس بطاف، وإنما الطافي ما يموت في البحر حتف أنفه، فإن قيل قالوا: ما قذفه البحر ميتًا، وهذا يوجب أن يكون قد مات فيه ثم قذفه، وهذا يدل على أنهم قد أرادوا به الطافي. قيل له: وليس كل ما قذفه البحر ميتًا يكون طافيًا؛ إذ جائز أن يموت في البحر بسبب طرأ عليه فقتله من برد أو حر أو غيره فلا يكون طافيًا.\nوقد أجاب عن هذا ابن حزم حيث قال: لا يطفو الحوت أصلا إلا حتى يموت أو يقارب الموت فإذا مات طفا ضرورة ولا بد، فتخصيصهم الطافي بالمنع وإباحتهم ما مات في الماء تناقض.\n[مصنف عبد الرزاق: ٤/ ٥٠٥، تفسير الطبري: ٧/ ٦٨، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ١٥٢، ٢/ ٦٧٢، المحلى: ٧/ ٣٩٤ - ٣٩٨، تفسير القرطبي: ٦/ ٣١٨].","vol":"1","page":1116},{"text":"وقد أكل النبي - ﷺ - من ما قذفه البحر لما أتاه به أبو عبيدة (^١) (^٢)، ولما كانت الآية مخاطبة للمحرمين كان للحلال أجوز وأحل، فأحل للمحرم صيد البحر، ومنعه عمر من الجراد، وأوجب الناس فيه (^٣)، ومُنع من صيد البر.\nواختلف * الناس في صيد البر إذا صاده المحل فذكاه، هل يأكل المحرم منه؟ فقال قوم: لا يأكل (^٤).\n_________\n(^١) عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال القرشي الفهري، أبو عبيدة بن الجراح، مشهور بكنيته، وبالنسبة إلى جده، أحد العشرة السابقين إلى الإسلام، ممن هاجر الهجرتين، شهد بدرًا وما بعدها، انتزع الحلقتين من وجه رسول الله - ﷺ - يوم أحد فسقطت ثنيا أبي عبيدة، سماه النبي - ﷺ -: أمين هذه الأمة، مات في طاعون عمواس بالشام سنة ١٨ هـ. [الاستيعاب: ٣/ ٢، الإصابة: ٢/ ٢٥٢].\n(^٢) صحيح البخاري: ٤/ ١٥٨٥ باب في غزوة سيف البحر كتاب المغازي، ٥/ ٢٠٩٣ باب قول الله تعالى: (أحل لكم صيد البحر) كتاب الذبائح والصيد، وفيه (أن رسول الله - ﷺ - قال: كلوا رزقًا أخرجه الله، أطعمونا إن كان معكم، فأتاه بعضهم بعضو منه فأكله)، ورواه مسلم في صحيحه: ٣/ ١٥٣٥ كتاب الصيد والذبائح حديث: ١٧.\n(^٣) الأم: ٢/ ١٩٥، مصنف عبد الرزاق: ٤/ ٤١٠، سنن البيهقي: ٥/ ٢٠٦ باب ما ورد في جزاء ما دون الحمام كتاب الحج.\n* لوحة: ١٤٠/أ.\n(^٤) هذا يروى عن: علي، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وطاوس، والحسن، وسعيد بن جبير.\nمصنف عبد الرزاق: ٤/ ٤٢٦، مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٢٩٤ من كره أكله للمحرم، تفسير الطبري: ٧/ ٧٠، شرح معاني الآثار: ٢/ ١٦٨، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢١٣، سنن البيهقي: ٥/ ١٩٤ المحرم لا يقبل ما يهدى له من الصيد كتاب الحج.","vol":"1","page":1117},{"text":"وقال قوم آخرون: يأكل (^١)، وهو قول مالك (^٢)؛ لأن الله ﷿ حَرَّمَ على المحرم الصيد والقتل، ولم يحرم عليه (^٣) كل ما كان صاده في الحل، وذكاه قبل الإحرام؛ لأنه قد صار لحمًا ليس بصيد، والله أعلم.\nقال الله ﷿: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) هذا يروى عن: عمر، وأبي هريرة، والزبير بن العوام، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه من إباحة الإكل مطلقًا، ويحملون الأحاديث الواردة في التفريق بين ما صيد للمحرم ومالم يصد له على أن المراد (أن يصاد لكم بأمركم).\n[الحجة لمحمد بن الحسن: ٢/ ١٥٠، شرح معاني الآثار: ٢/ ١٧٥، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٦٧٥، المبسوط: ٤/ ٨٧، تفسير القرطبي: ٦/ ٣٢٢].\n(^٢) ما ذكره المؤلف عن مالك ليس على إطلاقه، بل فيه تفصيل، فالمعروف من مذهب مالك وأصحابه التفريق بين ما صاده الحلال للمحرم أو من أجله، وبين ما لم يصد له ولا من أجله.\nوهذا ما ذهب إليه الشافعي، وأحمد، والمروي عن عثمان - ﵁ -.\n[المدونة: ١/ ٤٤٣، النوادر والزيادات: ٢/ ٤٦٥، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ٤٩٩، الاستذكار: ١١/ ٢٧٣، المغني: ٥/ ١٣٥، تفسير القرطبي: ٦/ ٣٢١، المجموع: ٧/ ٣٤٥، تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٣].\n(^٣) في الأصل: عليهما، والصواب ما أثبت.\n(^٤) [سورة المائدة: الآية ٩٧]","vol":"1","page":1118},{"text":"قبلة لهم، وعصمة في أمر دينهم ما تمسكوا بذلك، وشدة في الدين، وصلاحًا لهم (^١)؛\nإذ كانت الصلاة عماد الدين، قال عمر - ﵁ -: ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة (^٢).\n_________\n(^١) ذكر أهل التفسير في معنى قوله (قيامًا) أقوالًا منها: صلاحًا لدينهم، أمنًا لمن توجه إليها، وقيل: قيامًا لدينهم ومعالم حجهم فلا يزال الدين في الأرض ما حجت واستقبلت، وقيل: قيامًا للناس أي: مما أمروا به أن يقوموا بالفرض فيه من المناسك، وقيل: قيامًا لمعاشهم ومكاسبهم بما يحصل لهم من التجارة عندها، قال ابن جرير بعد ذكره لبعض هذه المعاني: وهذه الأقوال وإن اختلفت من قائلها ألفاظها فإن معانيها آيلة إلى ما قلنا في ذلك من أن القوام للشيء هو: الذي به صلاحه، كالملك الأعظم قوام رعيته ومن في سلطانه؛ لأنه مدبر أمرهم وحاجز ظالمهم عن مظلومهم، والدافع عنهم مكروه من بغاهم وعاداهم، وكذلك كانت الكعبة، والشهر الحرام، والهدي، والقلائد قوام أمر العرب الذي كان به صلاحهم في الجاهلية، وهي في الإسلام لأهله: معالم حجهم ومناسكهم، ومتوجههم لصلاتهم، وقبلتهم التي باستقبالها يتم فرضهم. [مجاز القرآن: ١/ ١٧٧، تفسير الطبري: ٧/ ٧٧، معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٢١٠، معاني القرآن للنحاس: ٢/ ٣٦٥، أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ٢٠٨، زاد المسير: ٢/ ٤٣٠].\n(^٢) جزء من حديث سبق تخريجه ص: ٦٢٣.","vol":"1","page":1119},{"text":"قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (^١) الآية.\nقال سعد بن أبي وقاص عن النبي - ﷺ -: إن أعظم المسلمين في (^٢) المسلمين جرمًا (^٣) من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم عليهم من أجل مسألته (^٤). وقال (^٥): كانوا يسألون عن الشيء وهو لهم حلال، فما يزالون يسألون عنه حتى يحرم عليهم، فإذا حرم عليهم وقعوا ... فيه (^٦). وقال رسول الله - ﷺ -: ذروني ما تركتم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على (^٧) أنبيائهم، ما نهيتكم عنه فانتهوا، وما أمرتكم (^٨) به فأتوا منه ما استطعتم (^٩).\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ١٠١]\n(^٢) في الأصل: على، والتصويب من مصادر التخريج.\n(^٣) الجُرْم: الذنب. [النهاية في غريب الحديث: ١/ ٢٦٢].\n(^٤) صحيح البخاري: ٦/ ٢٦٥٨ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب ما يكره من السؤال وتكلف مالا يعنيه، صحيح مسلم: ٤/ ١٨٣١ كتاب الفضائل حديث: ١٣٢، ١٣٣.\n(^٥) أي: سعد بن أبي وقاص.\n(^٦) مسند البزار: ٤/ ٦٣، وعزاه السيوطي في الدر: ٢/ ٣٣٦ إلى ابن المنذر.\n(^٧) في الأصل: في، والتصويب من مصادر التخريج.\n(^٨) في الأصل: أمركم، والتصويب من مصادر التخريج.\n(^٩) جزء من حديث أبي هريرة عند مسلم، وقد سبق تخريجه ص: ٣٣٤.\n\n* لوحة: ١٤٠/ب.","vol":"1","page":1120},{"text":"وقال أنس: لما فرض الحج قال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال - ﵇ -: لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لم تقوموا بها *، ولو لم تقوموا بها عذبتم (^١). وروي عن ابن عباس مثل ذلك، وقال فيه: مرة واحدة، ومن زاد فهو تطوع (^٢). والحلال ما أحلله (^٣) الله، ولا حرام إلا ما حرم الله ﷻ، وما سكت عنه فهو عفو، وما فعله رسول الله - ﷺ - فعلى وجه الكراهية والتنزه، ألا تراه لم يحرم الضب ولم يأكله (^٤)، وكل ذي ناب من السباع، فقال الزهري: لم أسمعه من علمائنا بالمدينة، وإن كان قاله رسول الله - ﷺ - فلا خير فيما نهى عنه رسول الله - ﷺ -. والزهري رواه عن أبي إدريس (^٥) عن أبي ثعلبة (^٦)\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: ٤٣٠.\n(^٢) سبق تخريجه من حديث ابن عباس، وأن الأقرع بن حابس سأل رسول الله - ﷺ - عن الحج ص: ٢٣٧.\n(^٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: أحله.\n(^٤) روى البخاري في صحيحه: ٥/ ٢١٠٤ كتاب الذبائح والصيد باب الضب عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال النبي - ﷺ -: الضب لست آكله ولا أحرمه. ورواه مسلم في صحيحه: ٣/ ١٥٤١ كتاب الصيد والذبائح حديث: ٣٩.\n(^٥) عائذ بن عبد الله بن عمر، ويقال: عبد الله بن إدريس بن عائذ، أبو إدريس الخولاني العوذي، ولد في حياة النبي - ﷺ - يوم حنين، سمع من كبار الصحابة، ومنهم: حذيفة، وأبو ثعلبة الخشني، وعنه: القاسم بن محمد، والزهري، روى له الجماعة، مات سنة ٨٠ هـ. [تهذيب الكمال: ١٤/ ٨٨، التقريب: ٤٧٩].\n(^٦) أبو ثعلبة الخشني، صاحب رسول الله - ﷺ -، مشهور بكنيته، اختلف في اسمه فقيل: جُرْثوم، وقيل: جرثومة، وقيل: جرثم، وقيل: جرهم، عنه: سعيد بن المسيب، وأبو إدريس الخولاني، مات سنة ٧٥ هـ، وقيل غير ذلك .. ... [تهذيب الكمال: ٣٣/ ١٦٧، التقريب: ١١٢٣].","vol":"1","page":1121},{"text":"(^١)، ثم قال فيه هذا القول (^٢).\n_________\n(^١) روى البخاري في صحيحه: ٥/ ٢١٠٣ كتاب الذبائح والصيد باب أكل كل ذي ناب من السباع: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع. ٥/ ٢١٧٩ كتاب الطب باب ألبان الأُتن، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٥٣٣ كتاب الصيد والذبائح حديث: ١٢ - ١٤.\n(^٢) انظر المرجعين السابقين، والمحلى: ٧/ ٤٠٠. قال ابن حجر: وكأن الزهري لم يبلغه حديث عبيدة بن سفيان وهو مدني عن أبي هريرة، وهو صحيح أخرجه مسلم من طريقه ولفظه: كل ذي ناب من السباع فأكله حرام. ولمسلم أيضًا: من طريق ميمون بن مهران عن ابن عباس: نهى رسول الله - ﷺ - عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير. ... [فتح الباري: ٩/ ٨١٢].\nقلت: وحديث أبي هريرة الذي أشار إليه ابن حجر مخرج في صحيح مسلم: الموضع السابق، وكذلك رواه مالك في الموطأ: ٢/ ٣٩٦ كتاب الصيد حديث: ١٤، قال أبو الوليد الباجي: وقوله ﷺ: (أكل كل ذي ناب من السباع حرام) وهذا نص في التحريم، وقد أجاب عنه أبو بكر بن الجهم وغيره: بأن سفيان غير معلوم الحفظ. وقد روى الزهري حديث أبي ثعلبة الخشني فلم يذكر لفظ التحريم. وليس هذا بصحيح من الاعتراض؛ لأن مالكًا أخرجه في موطئه وهذا يدل على تصحيحه له والتزامه له، لا أن يكون عنده في ذلك تأويل، وأما مخالفة لفظ حديث الزهري له فليس باعتراض صحيح؛ لجواز أن يكون أبو هريرة نقل لفظ التحريم ونقل أبو ثعلبة لفظ النهي. ... [المنتقى: ٣/ ١٣١].","vol":"1","page":1122},{"text":"وقال ابن عباس - ﵁ -: لا حرام إلا ما حرم الله ﷿، وقال الله ﷿: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (^١) (^٢) فمحال أن يقول الله ﷿ لنبيه - ﷺ -: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ﴾ (^٣) فيقول هو: أجد، ولكنه يسن للمصلحة؛ لأن أكل السباع يقسي القلب، ويضري على المحرمات، ويخدر على البدن، ويورث العلل مثل الجذام (^٤) والبرص (^٥)، ألا ترى إلى قول عمر - ﵁ -: إن للحم ضراوة (^٦) (^٧).\n_________\n(^١) [سورة الأنعام: الآية ١٤٥]\n(^٢) روى أبو داود في سننه: ٣/ ٣٥٤ كتاب الأطعمة باب ما لم يذكر تحريمه عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء، ويتركون أشياء تقذرًا، فبعث الله تعالى نبيه وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وماسكت عنه فهو عفو، وتلا هذه الآية. وتفسير ابن أبي حاتم: ... ٥/ ١٤٠٤، والمستدرك: ٢/ ٣٤٧ كتاب التفسير سورة الأنعام وصححه، ٤/ ١٢٨ كتاب الأطعمة وصححه ووافقه الذهبي، وسنن البيهقي: ٩/ ٣٣٠ ما جاء في أكل لحوم الحمر الأهلية كتاب الضحايا.\n(^٣) [سورة الأنعام: الآية ١٤٥]\n(^٤) داء معروف، سمي بهذا الاسم لتجذم الأصابع وتقطعها. [لسان العرب: ١٢/ ٨٧].\n(^٥) داء معروف وهو بياض بقع في الجسد. [المرجع السابق: ٧/ ٥].\n(^٦) قال ابن الأثير: ضرواة أي: عادة ينزع إليها، فمن اعتاد اللحم لم يكد يصبر عنه. [النهاية: ٣/ ٨٦].\n(^٧) الموطأ: ٢/ ٧١٣ كتاب صفة النبي - ﷺ - حديث: ٣٦ بلفظ: (إياكم واللحم فإن له ضرواة كضرواة الخمر)، وقد روى نحوه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٥/ ١٤٠ من كره مداومة اللحم كتاب الأطعمة عن عمر - ﵁ - قال: لا تديموا أكل اللحم .. ورواه عن عائشة: لا تديموا أكل اللحم فإن له ضرواة كضراوة الخمر.","vol":"1","page":1123},{"text":"وكذلك نهى عن التوضؤ (^١) بالماء المشمس (^٢)؛ لما يحدث في البدن، والله أعلم. ولا تجوز مخالفة رسول الله - ﷺ - ولا ترك قبول نصحه (^٣).\n_________\n(^١) في الأصل: التوضئ، والصواب ما أثبت.\n(^٢) سنن الدارقطني: ١/ ٣٨ باب الماء المشمس حديث: ٢، ٣، سنن البيهقي: ١/ ٦ كراهية التطهر بالماء المشمس كتاب الطهارة، قال البيهقي: هذا لا يصح. قال ابن حجر: أخرجه الدارقطني من خمس طرق واهية، وعند الطبراني في الأوسط طريق سادسة، وعن أنس أخرجه العقيلي، وإسناده واه جدًا، وأخرجه الشافعي موقوفًا على عمر بإسناد ضعيف، وأخرجه الدارقطني وابن حبان في الثقات من وجه آخر أصلح منه.\n[الدراية: ١/ ٥٥].\n(^٣) ما ذهب إليه المؤلف من القول بكراهة أكل لحوم السباع، إحدى الروايتين عن مالك، وهو قول العراقيين من أصحابه: كمحمد بن الجهم، وأبي بكر الأبهري، والقاضي عبد الوهاب، قال أبو الوليد الباجي: اختلف العلماء في تحريم السباع، فروى العراقيون من المالكيين عنه: أنها كلها عنده على الكراهية من غير تمييز ولا تفصيل، وهو ظاهر ما في المدونة. وأما المدنيون من المالكيين فقد قال ابن حبيب: لم يختلف المدنيون في تحريم لحوم السباع العادية: الأسد، والنمر، والذئب، والكلب، فأما غير العادية كالدب، والثعلب، والضبع، والهر والوحشي والإنسي فيكره أكلها دون تحريم، قاله مالك وابن الماجشون. وأما المغاربة من المالكيين ففي كتاب ابن المواز عن مالك: السبع والنمر والفهد محرمة بالسنة، والذئب والثعلب والهر مكروهة، وقد يوجد من قول ابن القاسم وروايته عن مالك أن ذلك كله على الكراهية مثل رواية العراقيين.\nقال ابن عبد البر في الرد على ما احتج به أصحاب مالك من العراقيين بآية سورة الأنعام: بعضهم احتج بظاهر قول الله ﷿: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير) الآية، وذكر أن من الصحابة من استعمل هذه الآية ولم يحرم ما عداها، فكأنه لا حرام عنده على طاعم إلا ما ذكر في هذه الآية، ويلزمه على أصله هذا أن يحل أكل الحمر الأهلية، وهو لا يقول هذا في الحمر الاهلية؛ لانه لا تعمل الذكاة عنده في لحومها ولا في جلودها، ولو لم يكن عنده محرمًا إلا ما في هذه الآية لكانت الحمر الأهلية عنده حلالًا، وهو لا يقول هذا ولا أحد من أصحابه، وهذه مناقضة وكذلك يلزمه أن لا يحرم ما لم يذكر اسم الله عليه عمدًا، ويستحل الخمر المحرمة عند جماعة المسلمين، وفي إجماع العلماء على تحريم خمر العنب المسكر دليل واضح على أن رسول الله - ﷺ - قد وجد فيما أوحى اليه محرمًا غير ما في سورة الأنعام مما قد نزل بعدها من القرآن، وكذلك ما ثبت عنه - ﷺ - من تحريم الحمر الأهلية، ومن فرق بين الحمر وبين كل ذي ناب من السباع فقد تناقض. ا. هـ.\nومذهب الجمهور على تحريم أكل كل ذي ناب من السباع على اختلاف في بعض الأنواع كالضبع وغيره.\n[المدونة: ١/ ٥١٤، أحكام القرآن للجصاص: ٣/ ٢٨، النوادر والزيادات: ٤/ ٣٧٢، الإشراف: ٢/ ٩٢٠، التمهيد: ١/ ١٤٢، المنتقى: ٣/ ١٣٠، إكمال المعلم: ٦/ ٣٦٧، المغني: ١٣/ ٣١٩، المجموع: ٩/ ١٧].","vol":"1","page":1124},{"text":"قال الله ﷿: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ (^١).\nوهذه أشياء كان يفعلها أهل الجاهلية لطواغيتهم، البحيرة: التي يمنع درها لطواغيتهم * أن يحلبها أحد من الناس. والسائبة: التي كانوا يسيبونها لآلهتهم، ولا يحمل عليها شيء. والحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه تركوه لطواغيتهم، وأعفوه من الحمل، فسموه الحام لم يحملوا عليه شيئًا، وقيل نحوٌ من ذلك تختلف الألفاظ، إلا أن ذلك قد زال بالإسلام، والنهي عنه، ولله ﷿ الحمد والمنّة (^٢).\nقال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (^٣) الآية.\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ١٠٣]\n* لوحة: ١٤١/أ.\n(^٢) انظر في هذا الاختلاف: تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٩٦، تفسير الطبري: ٧/ ٨٨، تفسير ابن أبي حاتم: ... ٤/ ١٢٢٠، معالم التنزيل: ٣/ ١٠٧، أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ٢١٦، زاد المسير: ٢/ ٤٣٦، تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٧.\n(^٣) [سورة المائدة: الآية ١٠٥]","vol":"1","page":1125},{"text":"قال أبو بكر رضوان الله عليه: إنكم تقرؤون هذه الآية فتضعونها في غير موضعها: ... ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (^١)، وإنما سمعنا رسول الله - ﷺ - يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه (^٢). يأيها الناس اتقوا الكذب فإنه مجانب الإيمان (^٣).\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ١٠٥]\n(^٢) سنن أبي داود: ٤/ ١٢٢ كتاب الملاحم باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سنن الترمذي ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر أبواب الفتن تحفة الأحوذي: ٦/ ٣٨٨، وفي أبواب التفسير سورة المائدة، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقد رواه غير واحد عن إسماعيل بن أبي خالد نحو هذا الحديث مرفوعًا، وروى بعضهم عن إسماعيل عن قيس عن أبي بكر قوله ولم يرفعوه. تحفة الأحوذي: ٨/ ٤٢٢، سنن النسائي الكبرى: ١٠/ ٨٨ كتاب التفسير سورة المائدة، سنن ابن ماجة: ٢/ ٣٨١ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أبواب الفتن، مسند أحمد: ١/ ٢، ٥، ٧، ٩، مسند الحميدي: ١/ ٤، مصنف ابن أبي شيبة: ٧/ ٥٠٤ كتاب الفتن، مسند البزار: ١/ ١٣٥، ٢٠٣، مسند أبي يعلى: ١/ ٧٥، تفسير الطبري: ٧/ ٩٨، شرح مشكل الآثار: ... ٣/ ٢٠٨، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢٢٦، صحيح ابن حبان: ١/ ٥٣٩، سنن البيهقي: ١٠/ ٩١ كتاب آداب القضاء.\nوقدر رواه موقوفًا من قول أبي بكر: سعيد بن مصنور في سننه: ٤/ ١٦٣٦، وابن جرير في تفسيره: ٧/ ٩٨، ٩٩. وقد رجح أهل العلم رفع هذا الحديث. [علل الحديث لابن أبي حاتم: ٢/ ٩٨، علل الدارقطني: ١/ ٢٤٩].\n(^٣) لم أقف على من ذكر هذه العبارة ضمن الرواية السابقة إلا الإمام أحمد في مسنده: ١/ ٥ من قول أبي بكر،\n\nوقد اختلف في رفعها ووقفها، فرواها موقوفة: الإمام أحمد كما سبق، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٥/ ٢٣٧ ما جاء في الكذب كتاب الأدب، وهناد في الزهد: ١/ ٢٥٥، ٢/ ٦٣٢، واللالكائي في أصوال اعتقاد أهل السنة والجماعة: ٦/ ١٠٢١، والبيهقي في سننه: ١٠/ ١٩٧ باب من كان منكشف الكذب مظهره لم تجز شهادته كتاب الشهادات.\nوممن رواه مرفوعًا: البيهقي في شعب الإيمان: ٤/ ٢٠٦، وقال: هذا إسناد ضعيف، والصحيح أنه موقوف، ثم رواه موقوفًا. وانظر علل الدارقطني: ١/ ٢٥٨ حيث ذكر الخلاف في رفعه ووقفه، ورجح وقفه.","vol":"1","page":1126},{"text":"وقال ابن مسعود، وذكر هذه الآية: لم يأت وقتها (^١).\nقال القاضي: ولعمري في ذلك الزمان إن الأمر على ما قيل، وما أمكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي ذكره الله في ثلاثة عشر موضعًا من كتابه (^٢)، فلم يأت الوقت، فإنا نقدر ذلك (^٣)، ولم يمكن، ورأيت هوى متبعًا، وشحًا مطاعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وغلبة من لا دين له، فقد جاء وقتها، وعلى الإنسان بنفسه (^٤)،\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٩٩، الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ٢٨٨، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٦٥٥ - ١٦٦٠، تفسير الطبري: ٧/ ٩٤، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢٢٧، المعجم الكبير: ٩/ ٢٢١.\n(^٢) سورة آل عمران: ١٠٤، ١١٠، ١١٤، سورة النساء: ١١٤، سورة المائدة: ٧٩، سورة الأعراف: ١٥٧، ١٦٥، ١٩٩، سورة التوبة: ٧١، ١١٢، سورة هود: ١١٦، سورة الحج: ٤١، سورة لقمان: ١٧.\n(^٣) أي: إذا أمكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقدرنا عليه فإنه لم يأت وقت هذه الآية.\n(^٤) روى أبو داود في سننه: ٤/ ١٢٣ الموضع السابق عن أبي أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت: يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية: (عليكم أنفسكم)؟ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا، سألتُ عنها رسول الله - ﷺ -، فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك يعني بنفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيه مثل قبض على الجمر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله. ورواه الترمذي في سننه: أبواب التفسير سورة المائدة وقال: حديث حسن غريب .. تحفة الأحوذي: ٨/ ٤٢٤، وابن ماجة في سننه: ٢/ ٣٨٤ أبواب الفتن باب قوله تعالى (يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم)، وابن جرير في تفسيره: ٧/ ٩٧، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٤/ ١٢٢٥، وابن حبان في صحيحه: ٢/ ١٠٩، والحاكم في المستدرك: ٤/ ٣٥٨ كتاب الرقاق وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في سننه: ١٠/ ٩٢ الموضع السابق.\nقال الطحاوي معلقًا على هذا الحديث: فعقلنا بهذا الحديث أن معنى قول أبي بكر - ﵁ -: إن الناس يضعون هذه الآية في غير موضعها. يريد بها سيعملونها في غير زمنها، وأن زمنها الذي يستعمل فيه هو الزمن الذي وصفه رسول الله - ﷺ - في حديث أبي ثعلبة بما وصفه به، ونعوذ بالله ﷿ منه، وأن ما قبله من الأزمنة فإن فرض الله ﷿ فيه على عباده الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى تعود الأمور إلى ما أمر الله ﷿ أن يكون الناس عليه من امتثال ما أمرهم الله به ﷿ والانتهاء عما نهاهم عنه.\nثم ذكر أحاديث في أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم قال: ففيما ذكرنا توكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يكون الزمان الذي ينقطع ذلك فيه، وهو الزمان الذي وصفه رسول الله - ﷺ - في حديث أبي ثعلبة الذي لا منفعة فيه بأمر بمعروف ولا بنهي عن منكر، ولا قوة مع من ينكره على القيام بالواجب في ذلك، فسقط الفرض عنه فيه، ويرجع أمره فيه إلى خاصة نفسه، ولا يضره مع ذلك من ضل. هكذا يقول أهل الآثار في هذا الباب على ما قد صححنا هذه الآثار عليه. [شرح معاني الآثار: ٣/ ٢١٣ - ٢١٦].","vol":"1","page":1127},{"text":"والله أعلم.\nقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينٍ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ (^١) *.\nقال جماعة: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ (^٢): من أهل الكتاب، ومن غير أهل دينكم (^٣). وقال بعضهم: في السفر خاصة (^٤). وقال آخرون: من المسلمين من غير العشيرة (^٥).\n_________\n(^١) [سورة المائدة: الآية ١٠٦]\n* لوحة: ١٤١/ب.\n(^٢) [سورة المائدة: الآية ١٠٦]\n(^٣) منهم: سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وأبو مجلز، وإبراهيم، ويحيى بن يعمر، وعبيدة، ومجاهد، وابن زيد، ومقاتل بن حيان. [تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٩٩، مصنفه: ٨/ ٣٦٠، الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ١٥٩، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٦٦٢ - ١٦٦٥، ١٦٧١، مصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ٤٩٥ ما تجوز فيه شهادة اليهودي والنصراني كتاب البيوع، تفسير الطبري: ٧/ ١٠٣، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢٢٩، سنن البيهقي: ١٠/ ١٦٤ كتاب الشهادات باب ما جاء في قوله (يا أيها الذين آمنوا شهاد بينكم)].\n(^٤) هذا يروى عن: ابن عباس، وأبي موسى الأشعري، وشريح، وإبراهيم، والسدي، وذكر النحاس أنه قول من تقدم ذكرهم في القول الأول. [مصنف عبد الرزاق: ٨/ ٣٦٠، الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ١٥٨، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٦٦١، مصنف ابن أبي شيبة: الموضع السابق، تفسير الطبري: ٧/ ١٠٤ - ١٠٨، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢٣٠، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٣٠٢].\n(^٥) هذا يروى عن: الحسن، والزهري، وعكرمة، وعبيدة. [تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٩٩، الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ١٦٣، سنن سعيد بن منصور: ٤/ ١٦٧٠، مصنف ابن أبي شيبة: الموضع السابق، تفسير الطبري: ٧/ ١٠٦، تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ١٢٣٠].","vol":"1","page":1128},{"text":"والصحيح والله أعلم: أن ذلك في أهل الكتاب كان في صدر الإسلام، مات رجل من المسلمين ومعه رجلان من أهل الكتاب وأوصى، فأتيا بتركته ووصيته فشهدا واستحلفا، ثم عثر على خيانة منهما، فاستحلف الأولياء وهم ورثة المسلم، واستحقوا الجناية (^١)، ثم نسخ ذلك كله، ثم أنزل الله من الفرائض بقوله عز من قائل: ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (^٢) ... ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (^٣) ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٤) وإذا كنا لا نرضى العاصي منا والمذنب، فكيف نرضى الكافر؟ فقد فرضت الفرائض، وعمل المسلمون بها، وبطل ذلك كله، فلسنا نقبل إلا من ثبتت عدالته ممن لا بدعة فيه، فإذا كنا نرد غير المرضي فكيف تجوز شهادة كافر؟ (^٥).\n_________\n(^١) روى سبب نزول هذه الآية: البخاري في صحيحه: ٣/ ١٠٢٢ كتاب الوصايا باب قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا شهاد بينكم)، وأبو داود في سننه: ٣/ ٣٠٧ كتاب الأقضية باب شهادة أهل الذمة وفي الوصية في السفر، سنن الترمذي أبواب التفسير سورة المائدة، تحفة الأحوذي: ٨/ ٤٢٦، تفسير الطبري: ٧/ ١١٥، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢٣١، أسباب النزول للواحدي: ٢١٢.\n(^٢) [سورة النساء: الآية ١٥]\n(^٣) [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]\n(^٤) [سورة الطلاق: الآية ٢]\n(^٥) ما ذكره المؤلف من القول بنسخ الآية، وعدم قبول شهادة الكافر من أهل الكتاب على المسلم، هو مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي.\nوذهب الأكثرون إلى أن لآية محكمة غير منسوخة، وأنها في شهادة أهل الكتاب على المسلمين في السفر إذا كانت وصية، إذا لم يكن غيرهم. وهذا ما مال إليه أبو عبيد، وهو مذهب أحمد بن حنبل، وما رجحه مكي، والكياالهراسي، وابن الجوزي، والقرطبي، وابن كثير.\n\n[الأم: ٧/ ١٦، الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ١٦٠، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٦٩٠، الإيضاح: ٢٧٥، أحكام القرآن الكيالهراس: ٣/ ٣١٣، نواسخ القرآن: ٣٨٤، المغني: ١٤/ ١٧٠، تفسير القرطبي: ٦/ ٣٤٩، تفسير ابن كثير: ٢/ ١١١].\nقلت: وفي تخصيص هذا الحكم بأهل الكتاب فقط، نظر، فإنه وإن ورد سبب النزول فيهم إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فمتى ما كان الإنسان على سفر ولم يكن ثمة مسلم جازت شهادة الكافر - يهوديًا أو نصرانيًا أو على أي دين كان - على وصية المسلم، قال ابن جرير: وقد دللنا قبل على أن قوله تعالى (ذوا عدل منكم) إنما هو من أهل دينكم وملتكم بما فيه كفاية لمن وفق لفهمه، وإذا صح ذلك بما دللنا عليه، فمعلوم أن معنى قوله: (أو آخران من غيركم) إنما هو أو آخران من غير أهل دينكم وملتكم، وإذ كان ذلك كذلك فسواء كان الآخران اللذان من غير أهل ديننا: يهوديين كانا، أو نصرانيين، أو مجوسيين، أو عابدي وثن، أو على أي دين كانا؛ لأن الله تعالى لم يخصص آخرين من أهل ملة بعينها دون ملة، بعد ألا يكونا من غير أهل الإسلام.\n[جامع البيان: ٧/ ١٠٧].","vol":"1","page":1129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>سورة الأنعام</span>\nقال الله ﷿: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (^١).\nأخبرنا (^٢) أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءة عليه في منزله بمصر عام واحد (^٣) وأربعين وثلاثمائة، وأنا أسمع قيل له: قلتَ رضي الله عنك: ذهب قوم إلى أن المسلم إذا ذبح ونسي أن يسمي لم تؤكل، وتأولوا هذه الآية، وهم نفر، ولم يتأملوا الآية إلى آخرها (^٤)، وإنما المعنى والله أعلم: ولا تأكلوا مما لم يذبح بالملة *؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (^٥) فعلمنا أن المشركين لم يكونوا يجادلون المسلمين في مسلم ذبح ونسي أن يسمي؛ لأنهم كانوا يأكلون الميتة، لقول الله ﷿: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ (^٦) وعلمنا أن من ذبح ونسي أن يسمي، وأكل، أنه ليس بفاسق ولا مشرك، فإذا كان هذا لا يتوهمه أحد فقد علمنا أن لهذه الآية تأويلًا غير ما تأوله من قدمنا ذكره.\n_________\n(^١) [سورة الأنعام: الآية ١٢١]\n(^٢) القائل: أبو بكر الأدفوي، كما ثبت سماعه في أول الكتاب.\n(^٣) في الأصل: إحدى، والصواب ما أثبت.\n(^٤) هذا يروى عن: ابن عمر، وعبد الله بن يزيد الخطمي، وابن سيرين، والشعبي، ونافع مولى ابن عمر، وبهذا قال: أبو ثور، وأبو سليمان داود الظاهري وأصحابه، ورواية عن أحمد، واختاره من أصحابه أبو الخطاب.\n[تفسير الطبري: ٨/ ١٩، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٣٥٢، المحلى: ٧/ ٤١٤، تفسير ابن كثير: ٢/ ١٦٩، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي: ١٠/ ٤٠١].\n* لوحة: ١٤٢/أ.\n(^٥) [سورة الأنعام: الآية ١٢١]\n(^٦) [سورة الأنعام: الآية ١٣٩]","vol":"1","page":1130},{"text":"قال ابن عباس - ﵁ -: سبب نزول الآية أن المشركين قالوا للمسلمين لمّا حرمت الميتة: لا تأكلون (^١) ما ذبح الله (^٢)، وتأكلون ما ذبحوا هم، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (^٣) (^٤). يريد الميتة؛ لأن اليهود قالت: تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون (^٥) ما قتل الله (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل: تأكلوا، والصواب ما أثبت، فإن (لا) نافية وليست ناهية.\n(^٢) في الأصل: لله، والصواب ما أثبت.\n(^٣) [سورة الأنعام: الآية ١٢١]\n(^٤) سنن النسائي: ٧/ ٢٧٢ كتاب الضحايا باب تأويل قول الله ﷿ (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)، تفسير الطبري: ٨/ ١٦، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٣٨٠، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٣٥٤، المعجم الكبير للطبراني: ١١/ ٢٤١، المستدرك: ٤/ ٢٦٠ كتاب الذبائح وصححه ووافقه الذهبي.\nوقد روي نحو هذا عن غير ابن عباس، فروي عن: قتادة، والضحاك، ومجاهد، والسدي، والشعبي، وعكرمة.\nتفسير عبد الرزاق: ١/ ٢١٧، تفسير الطبري: ٨/ ١٧، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٣٨٠، أسباب النزول للواحدي: ٢٢٣.\n(^٥) في الأصل: تأكلوا، والصواب ما أثبت، فإن (لا) نافية وليست ناهية.\n(^٦) هذه هي الرواية الثانية في سبب نزول هذه الآية، وأن الذين جادلوا هم اليهود، فقد روى أبو داود في سننه: ٣/ ١٠١ كتاب الأضاحي باب في ذبائح أهل الكتاب عن ابن عباس قال: جاءت اليهود إلى النبي - ﷺ - فقالوا: نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله، فأنزل الله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) إلى آخر الآية.\nورواه أيضًا: الطبراني في الكبير: ١١/ ٤٥٧، والبيهقي في سننه: ٩/ ٢٤٠ باب سبب نزول قول الله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) كتاب الصيد والذبائح.\n\nوقد روي عن ابن عباس، ليس فيه ذكر من قال هذه المقولة أو جادل المسلمين في ذلك، سنن أبي داود: الموضع السابق، سنن الترمذي: تفسير سورة الأنعام أبواب التفسير، وقال: هذا حديث حسن غريب، تحفة الأحوذي: ٨/ ٤٤٥، سنن ابن ماجة: ٢/ ٢١٣ باب التسمية عند الذبح من أبواب الذبائح، تفسير الطبري: ٨/ ١٧، تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٣٨٠، المستدرك: ٤/ ١٢٦ كتاب الأطعمة، ٤/ ٢٥٨ كتاب الأضاحي، سنن البيهقي: ... ٩/ ٢٤١ الموضع السابق.\nوالذي يظهر: أن المخاطبة كانت من كفار قريش بإيحاء من شياطينهم من الإنس من فارس، أو شياطينهم من الجن، وأما كون من جادل هم اليهود ففيه نظر، قال ابن عبد البر بعد ذكره لرواية ابن عباس في أن الذين خاصموا هم اليهود، قال: هكذا في الحديث (خاصمته اليهود) وإنما هو خاصمه المشركون؛ لأن اليهود ... لا يأكلون الميتة. [التمهيد: ٢٢/ ٣٠١].\nوقال ابن كثير: وهذا فيه نظر من وجوه ثلاثة، أحدها: أن اليهود لا يرون إباحة الميتة حتى يجادلوا. الثاني: أن الآية من الأنعام وهي مكية. الثالث: أن هذا الحديث رواه الترمذي عن محمد بن موسى الجرشي عن زياد بن عبد الله البكائي عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، ورواه الترمذي بلفظ (أتى ناس النبي - ﷺ - فذكره، وقال حسن غريب. [تفسير القرآن العظيم: ٢/ ١٧١].","vol":"1","page":1131},{"text":"وأما قوله ﷿: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (^١). يريد أن قولهم لكم في ذلك فسق (^٢).\n_________\n(^١) [سورة الأنعام: الآية ١٢١]\n(^٢) فيما ذكر المؤلف ههنا نظر، فإن مرجع الضمير في قوله (وإنه لفسق) إما أن يعود إلى الكل الذي تضمنه الفعل في قوله: (ولا تأكلوا)، وإما أن يعود إلى ترك الذكر الذي تضمنه قوله (لم يذكر).\n\nوالمؤلف قبل أسطر ذكر: أن من ذبح ونسي أن يسمي فأكل لم يسمى فاسقًا. فدل على أن المعنى راجع إلى كلا المعنيين. [انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٢٠، المحرر الوجيز: ٦/ ١٤٠، زاد المسير: ٣/ ١١٥].","vol":"1","page":1132},{"text":"والذابح منا إذ نسي التسمية فقد قصد الذكاة بالذبح، فقصده بالملة للذكاة تسمية بقلبه. قال جماعة من المفسرين: اسم الله ﷿ في قلبه، ألا ترى أن المجوسي لو سمى على ذبيحته لم تؤكل، مع قوله ﷿: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (^١) فعلم أن ذلك مردود إلى الملة، كذلك قال علي (^٢)، وابن عباس (^٣)، وخلق من التابعين (^٤)، وقالوا: أحلت ذبيحة اليهود؛ لأنهم آمنوا بالتوراة، والنصارى (^٥)؛ لأنهم آمنوا بالإنجيل. فإذا كان الذبح بالملل فأهل الإسلام أولى بذلك (^٦)،\n_________\n(^١) [سورة الأنعام: الآية ١١٨]\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص: ٣/ ١٠.\n(^٣) مصنف عبد الرزاق: ٤/ ٤٧٩، سنن سعيد بن منصور: ٥/ ٨١، ٨٤، سنن الدارقطني: ٤/ ٢٩٦ باب الصيد والذبائح حديث: ٩٦، سنن البيهقي: ٩/ ٢٣٩ باب من ترك التسمية وهو ممن تحل ذبيحته كتاب الصيد والذبائح.\n(^٤) ممن روي عنه نحو هذا: عطاء، الحسن، سعيد بن المسيب، إبراهيم النحعي، عبد الرحمن بن ابي ليلى، أبو مالك، طاوس. [تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٣٧٨، أحكام القرآن للجصاص: ٣/ ١٠، التمهيد: ٢٢/ ٣٠٢، تفسير ابن كثير: ٢/ ١٧٠].\n(^٥) في الأصل: الأنصار، والصواب ما أثبت.\n(^٦) ما ذكره المؤلف هنا من أن المسلم إذا ذبح ونسي أن يسمي جاز له أن يأكل من هذه الذبيحة، هو مشهور مذهب مالك، قال القاضي عبد الوهاب في التلقين: فإنّ عمْدَ تركها يُحرمها عند جمهور أهل المذهب إلا أن يتأول.\nوإلى التفريق بين ترك التسمية سهوًا وعمدًا، ذهب أبو حنيفة، والثوري، وإسحاق، وهو مشهور مذهب أحمد.\nوذهب الشافعي إلى أنها مستحبة غير واجبة في عمد ولاسهو، وهي رواية عن مالك، وأحمد.\n\n[الأم: ٢/ ٢٢٧، أحكام القرآن للجصاص: ٣/ ١٠، التلقين: ٨٠، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٩١٣، المغني: ١٣/ ٢٩٠، تفسير القرطبي: ٧/ ٧٥، روضة الطالبين: ٣/ ٢٠٥، تفسير ابن كثير: ٢/ ١٦٩].","vol":"1","page":1133},{"text":"والله أعلم.\nوما ذبح أهل الكتاب لكنائسهم وكفرهم فقد اختلف الناس فيه *، فقال قوم: يؤكل بإحلال الله ﷿ ذلك (^١). وقال آخرون: لا يؤكل؛ لأنه أهل لغير الله (^٢). وكل قد ذهب إلى مذهب، والتوقي حسن (^٣).\n_________\n* لوحة: ١٤٢/ب.\n(^١) رخص في الأكل مما ذبح أهل الكتاب لكنائسهم: أبو الدرداء، أبو أمامة الباهلي، العرباض بن سارية، عطاء، الشعبي، القاسم بن مخيمرة، مكحول، الليث بن سعد، الأوزاعي، ورواية عن أحمد، وهؤلاء ذهبوا إلى أن ما في آية سورة المائدة (اليوم أحل لكم الطيبات) ناسخ لهذه الآية في سورة الأنعام.\n[مصنف عبد الرزاق: ٤/ ٤٨٦، تفسير الطبري: ٦/ ١٠٣، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٢٤٢، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٤٥٦، الاستذكار: ١٥/ ٢٤٠، نواسخ القرآن: ٣٦٥، المغني: ١٣/ ٢٩٥].\n(^٢) ذهب أبو حنيفة وأصحابه، والشافعي، وأحمد إلى أن ذبيحة الكتابي مذكاة إذا علم أنه ذكر اسم الله عليها، وإن عُلم أنه ذكر غير اسم الله عليها لم تحل، وهذا يروى عن: علي، وعائشة، وابن عمر، وطاو س، ... والحسن.\n[الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٢٤٣، ٣٥٢، أجكام القرآن للجصاص: ٢/ ٤٥٦، المغني: ١٣/ ٢٩٥، المجموع: ٩/ ٨٩، تفسير القرطبي: ٦/ ٧٦].\n(^٣) رويت الكراهة عن: الحسن، وميمون بن مهران، وإليه ذهب مالك، قال القاضي إسماعيل بن إسحاق فيما نقله ابن عبد البر عنه: كان مالك يكرهه من غير أن يوجب فيه تحريمًا.\n[المدونة: ١/ ٥٣٦، النوادر والزيادات: ٤/ ٣٦٥، الإيضاح: ٢٦٢، الاستذكار: ١٥/ ٢٤١، المغني: ١٣/ ٢٩٥، تفسير القرطبي: ٦/ ٧٦].","vol":"1","page":1134},{"text":"وأما قوله ﷿: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (^١) أي: انحروها على هذه الحال (^٢). وكذلك هي في مصحفنا على هذا اللفظ، وكذا قرأها نافع (^٣)، وأهل المدينة، وأبو عمرو بن العلاء، وأهل البصرة (^٤).\n_________\n(^١) [سورة الحج: الآية ٣٦]\n(^٢) ذكر المؤلف آية سورة الحج ولم يبين وجه إتيانه بهذه الآية عند هذه المسألة، ثم ذكر ما فيها من التفسير، وقد بين هذا الوجه الجصاص، حيث قال: ويدل على أن ترك التسمية عامدًا يفسد الذكاة، قوله تعالى: (يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين) إلى قوله: (واذكروا اسم الله عليه) ومعلوم أن ذلك أمر يقتضي الإيجاب، وأنه غير واجب على الأكل، فدل على أنه أراد به حال الاصطياد، والسائلون قد كانوا مسلمين، فلم يبح لهم الأكل إلا بشريطة التسمية، ويدل عليه قوله تعالى: (فاذكروا اسم الله عليها صواف) يعني: في حال النحر؛ لأن الله تعالى قال: (فإذا وجبت جنوبها) والفاء للتعقيب.\n[أحكام القرآن: ٣/ ١١].\n(^٣) نافع بن عبد الرحمن بن أبي نُعيم الليثي مولاهم، أبو رُويم المقرئ المدني، أحد القراء السبعة، أخذ القراءة عرضًا من تابعي المدينة، وقد أقرأ الناس دهرًا طويلًا، فممن قرأ عليه: مالك بن أنس، وقالون، وورش، قال عنه مالك: نافع إمام الناس في القراءة. مات سنة ١٩٩ هـ. ...\n[معرفة القراء الكبار: ١/ ١٠٧، النهاية في طبقات القراء: ٢/ ٣٣٠].\n(^٤) قال ابن جرير: واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الأمصار (فاذكروا اسم الله عليها صواف) بمعنى مصطفة، واحدها: صافة، وقد صفت بين أيديها.\n\n[جامع البيان: ١٧/ ١٦٣، وانظر المحرر الوجيز: ١١/ ٢٠٢].","vol":"1","page":1135},{"text":"قال ابن عباس: ﴿صَوَافَّ﴾: صوافن (^١) قيامًا معقولة (^٢)، وكذلك قال ابن مسعود، وكان يقرأ: (صوافن) معقولة على ثلاثة قوائم (^٣)، وكذلك قال ... ابن عمر (^٤)، إلا أن الصحيح عنه: قائمة غير معقولة، صافات اليدين (^٥).\n_________\n(^١) ممن نقل قراءة ابن عباس هذه: أبو عبيد في غريب الحديث: ١/ ٣٨٠، وابن جني في المحتسب: ٢/ ٨١، وابن عطية في المحرر الوجيز: ١١/ ٢٠٢، وأبو حيان في البحر المحيط: ٧/ ٥٠٩.\n(^٢) رواه البخاري في صحيحه تعليقًا: ٢/ ٦١٢ كتاب الحج باب نحر البدن قائمة، وقد وصله ابن جرير في تفسيره: ١٧/ ١٦٤، ابن أبي حاتم في تفسيره: ٨/ ٢٤٩٤، والحاكم في المستدرك: ٤/ ٢٦٠ كتاب الذبائح وصححه، والبيهقي في سننه: ٥/ ٢٣٧ باب نحر الإبل قيامًا غير معقولة أو معقولة اليسرى كتاب الحج.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق: ٢/ ٨٣، تفسير الطبري: ١٧/ ١٦٥، المحتسب: ٢/ ٨١، المحرر الوجيز: ١١/ ٢٠٢، البحر المحيط: ٧/ ٥٠٩.\n(^٤) روى البيهقي في سننه: ٥/ ٢٣٧ الموضع السابق من طريق سعيد بن منصور قال: ثنا هشيم ثنا أبو بشر عن ... سعيد بن جبير قال: رأيت ابن عمر ينحر بدنته وهي قائمة معقولة إحدى يديها صافنة. وذكره ابن حجر من طريق سعيد بن منصور به. فتح الباري: ٣/ ٦٩٩.\nوقد روي عن ابن عمر من طرق أخرى: تفسير الطبري: ١٧/ ١٦٤.\n(^٥) يقصد بذلك ما روي عن نافع عن ابن عمر: أنه كان ينحر هديه بيده يصفهن قيامًا ويوجههن إلى القبلة ثم يأكل ويطعم. وقد ذكر المؤلف ذلك عند تفسير هذه الآية في سورة الحج (ورقة ١٩٢) حيث قال: روى مالك عن نافع عن ابن عمر: أنه كان ينحر هديه بيده يصفهن قيامًا ويوجههن للقبلة ثم يأكل ويطعم.\nثم قال: وقد روي عن سعيد بن جبير: أن ابن عمر كان ينحر البدن وهي على ثلاث قوائم يعقل يدها، وقرأها سعيد: (فاذكروا اسم الله عليها صوافن)، والصحيح عن ابن عمر ما رواه نافع. والذي يختاره مالك أن تنحر قائمة غير معقولة، فإن تعذر النحر وهي قائمة غير معقولة عقلها، فكل ذلك واسع غير محرم؛ لأن من قرأ (صواف) أراد مصطفة، ومن قرأ (صوافن) أراد معقولة، إلا أن القراءة على لفظ مصحفنا أعم وأصوب، إذ المعروف في اللغة أن الصوافن والصافات نعت للخيل، فإن أُدخل الإبل في ذلك فعلى التشبيه، ولا ضرورة بالناس إليه، إذ لم يكن الخط في المصحف على (صوافن)، وليس يجوز أن يخالف لفظ المصحف المجتمع عليه برواية. أ. هـ.\nقلت: وما أشار إليه المؤلف جزء من حديث رواه مالك في الموطأ: ١/ ٣٠٥ كتاب الحج حديث: ١٤٥، والبيهقي في سننه: ٥/ ٢٣٢ باب الاختيار في التقليد والإشعار كتاب الحج، والبغوي في شرح السنة: ٧/ ٢٠٠ كلاهما من طريق مالك به.\nوتصحيح المؤلف لهذه الرواية من حيث السند، والرواية الأخرى أيضًا صحيحة السند، فسعيد بن منصور ثقة [التقريب: ٣٨٩]، وهشيم بن بشير ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي [التقريب: ١٠٢٣] وقد صرح بالسماع هنا، وأبو بشر هو جعفر بن إياس ابن أبي وحشة ثقة من أثبت الناس في سعيد بن جبير [التقريب: ١٩٨].\nوالذي يظهر أنه لا تعارض بين الروايتين، فإن نحرها قيامًا - كما هو لفظ الموطأ - لا ينافي كونها قيامًا معقولة. فقد روى البخاري في صحيحه: ٢/ ٦١٢ نحر الإبل مقيدة كتاب الحج عن زياد بن جبير قال: رأيت ابن عمر ﵄ أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها، قال: ابعثها قيامًا مقيدة سنة محمد - ﷺ -.","vol":"1","page":1136},{"text":"وكل ذلك جائز، وإن كان أحب إلينا أن تكون قيامًا على ما ذكروا لا معقولة (^١)، والله أعلم.\nقال الله ﷿: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (^٢) الآية. ممن فسرها من الصحابة وكثير من التابعين قال: هي الزكاة المفروضة، العشر أو نصف العشر (^٣)،\n_________\nورواه مسلم في صحيحه: ٢/ ٩٥٦ كتاب الحج حديث: ٣٥٨، قال النووي وابن حجر: (مقيدة) أي: معقولة. [شرح النووي على صحيح مسلم: ٩/ ١٠٠، فتح الباري: ٣/ ٦٩٩].\nوقد روى أبو داود في سننه: ٢/ ١٤٩ باب كيف تنحر البدن كتاب الحج عن جابر: أن النبي - ﷺ - وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها. وقد صححه النووي، وقال: إسناده على شرط مسلم. [شرح النووي على صحيح مسلم: ٩/ ١٠٠].\n(^١) المدونة: ١/ ٤٨٠، النوادر والزيادات: ٢/ ٤٤٨، أحكام القرآن لابن العربي: ٣/ ٢٩٢، تفسير القرطبي: ١٢/ ٦٢.\nوقد ذهب الشافعي وأحمد إلى استحباب نحرها قائمة معقولة يدها اليسرى، وذهب الأحناف إلى جواز نحرها باركة أو قائمة، وأنه لا فضيلة في ذلك. [المبسوط: ٤/ ١٤٦، المغني: ٥/ ٢٩٨، المجموع: ٩/ ١٠٦].\n(^٢) [سورة الأنعام: الآية ١٤١]\n(^٣) ممن روي عنه أن المراد: الزكاة المفروضة: ابن عباس، أنس بن مالك، جابر بن زيد، طاوس، سعيد بن المسيب، الحسن، قتادة، محمد بن الحنفية، الضحاك، ابن زيد، عكرمة، عطاء الخراساني، السدي، زيد بن أسلم. [مصنف عبد الرزاق: ٤/ ١٤٥، الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ٣١، سنن سعيد بن منصور: ٥/ ١٠٣، ١٠٥، مصنف ابن أبي شيبة: ٢/ ٤٠٧ قوله تعالى (وآتوا حقه يوم حصاده)، تفسير الطبري: ٨/ ٥٣، أحكام القرآن للطحاوي: ١/ ٣٣١، تفسير ابن أبي حاتم: ٥/ ١٣٩٨، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٣٢٤، سنن البيهقي: ٤/ ١٣٢ ما ورد في قوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) كتاب الزكاة، نواسخ القرآن: ٣٩٤].\nوهذا قول مالك، وأحد قولي الشافعي. [الموطأ: ١/ ٢٢٩، الأم: ٢/ ٣٦، الناسخ والمنوسخ للنحاس: ٢/ ٣٢٦، النوادر والزيادات: ٢/ ١٠٨، الإيضاح: ٢٨٣، أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ٢٨٢، المجموع: ٥/ ٤٨٢، ٤٨٧].\nوقد استشكل مكي هذا القول عن مالك حيث قال: وقد قال مالك: إن الزكاة والصوم فرضا في المدينة. فكيف يقول: إن قوله (وآتوا حقه يوم حصاده) المراد بها الزكاة - رواه عنه ابن وهب وابن القاسم - والأنعام مكية كلها، فهذا قول الله أعلم بحقيقته. وأكثر الناس على أن الزكاة فرضت بالمدينة، لا أعرف في ذلك خلافًا.\n[الإيضاح: ٢٨٤].\nوقد أجاب عن هذا ابن العربي حيث قال: فإن قيل: الآية منسوخة بأنها مكية وآية الزكاة مدنية. قلنا: قد قال مالك: إن المراد به الزكاة المفروضة، وتحقيقه في نكتة بديعة وهي: أن القول في أنها مكية أو مدنية يطول، فهبكم أنها مكية: إن الله أوجب الزكاة بها إيجابًا مجملًا فتعين فرض اعتقادها، ووقف العمل بها على بيان الجنس والقدر والوقت، فلم تكن بمكة حتى تمهد الإسلام بالمدينة، فوقع البيان فتعين الامتثال، وهذا لا يفقهه إلا العلماء بالأصول. ... [أحكام القرآن: ٢/ ٢٨٦]. =","vol":"1","page":1137},{"text":"عليهم تصفين (^١) ذلك على أنفسهم، وإخراجه إلى الإمام، أو صرفه إن وُكل إليهم في الوجوه التي تسمى الصدقات فيها بحسب الحاجة، والله أعلم.\nوفي الآية ذكر الزيتون والرمان مع النخل والزرع،فأما النخل فيخرص (^٢)، ويؤخذ تمرًا قبل الجذاذ، والزرع يؤخذ منه إذا كيل بعد الفراغ منه، وأما الزيتون فيؤخذ إذا بلغ خمسة أوسق من زيته إذا عصر، وأما الرمان فلا شيء فيه (^٣). وقد قال أبو حنيفة: فيه الزكاة (^٤) *. وهذه الأشياء لم تحدث، وقد كان الرمان على عهد الرسول - ﷺ - والخلفاء من بعده، فلم يرو أن أحدًا منهم أخذ منه، ولا من شيء من الخضر الزكاة، وإنما أوجب - ﵇ - الزكاة فيما دخل الوسق، وحُد خمسة أوسق (^٥)\n_________\n= وما ذكره المؤلف هنا هو أحد الأقوال الخمسة التي قيلت في تفسير هذه الاية، قال أبو جعفر النحاس: للصحابة والتابعين والفقهاء في هذه الآية خمسة أقوال: فمنهم من قال: هي منسوخة بالزكاة المفروضة، ومنهم من قال: هي منسوخة بالسنة، العشر ونصف العشر، ومنهم من قال: يعني بهذه الزكاة المفروضة، ومنهم من قال: هي محكمة واجبة يراد بها غير الزكاة، ومنهم من قال: هي على الندب. ثم ذكر القائلين بكل قول، ورجح كونها منسوخة، وهذا مارجحه ايضًا ابن جرير. [الناسخ والمنسوخ: ٢/ ٣٢٢، ٣٣٥، جامع البيان: ٨/ ٥٩].\nوالأكثر من أهل العلم على أن الآية محكمة، وهذا ما رجحه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ٣٣، والجصاص في أحكام القرآن: ٣/ ١٦، ومكي في الإيضاح: ٢٨٥، وابن العربي في أحكام القرآن: ٢/ ٢٨٦، وابن عطية في المحرر الوحيز: ٦/ ١٦٤، وابن كثير في تفسيره: ٢/ ١٨٢ حيث قال: وفي تسمية هذا نسخًا نظر؛ لأنه قد كان شيئًا واجبًا في الأصل ثم إنه فُصّل بيانه، وبين مقدار المخرج وكميته، قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة.\n(^١) أي: تقسيم ذلك مالهم وما عليهم، يقال: تصافن القوم الماء: اقتسموه بالحصص.\n[تهذيب اللغة: ١٢/ ٢٠٨، تاج اللغة للجوهري: ٦/ ٢١٥٢].\n(^٢) خَرَصَ النخلة والكرمة يخرصها خَرْصًا: إذا حزر ما عليها من الرطب تمرًا، ومن العنب زبيبًا، فهو من الخرْص: الظن؛ لأن الحزر إنما هو تقدير بظن. [النهاية في غريب الحديث: ٢/ ٢٢].\n(^٣) المدونة: ١/ ٣٤٢، النوادر والزيادات: ٢/ ١٠٩، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ٣٩٦، تفسير القرطبي: ٧/ ١٠٣. وقد وافق الشافعي وأحمد مالك في أنه لا زكاة في الرمان. المغني: ٤/ ١٥٥، المجموع: ٥/ ٤٣٤.\n(^٤) أحكام القرآن للطحاوي: ١/ ٣٣٩، أحكام القرآن للجصاص: ٣/ ١٧.\n* لوحة: ١٤٣/أ.\n(^٥) الوَسق: بالفتح سِتُّون صاعًا، وهو ثلاثمائة وعشرون رطلًا عند أهل الحجاز، وأربعمائة وثمانون رطلًا عند أهل العراق، على اختلافهم في مقدار الصاع والمد، والأصل في الوسق: الحِمْل وكل شيء وسَقْتَه فَقَد حَمَلْتُه.\n[النهاية في غريب الحديث: ٥/ ١٨٤].","vol":"1","page":1138},{"text":"(^١)، فزعم النعمان أنه يأخذ من القليل والكثير (^٢)، لقول النبي - ﷺ -: ما سقت السماء أو كان بَعْلًا (^٣) العشر، وما سقي بالنضح (^٤) فنصف العشر (^٥).\n_________\n(^١) روى البخاري في صحيحه: ٢/ ٥٤٠ باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة كتاب الزكاة عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: ليس فيما أقل من خمسة أوسق صدقة، ولا في أقل من خمسة من الإبل الذود صدقة، ولا في أقل من خمس أواق من الورق صدقة. ومسلم في صحيحه: ٢/ ٦٧٣ كتاب الزكاة حديث: ١.\n(^٢) أحكام القرآن للطحاوي: ١/ ٣٣٥، أحكام القرآن للجصاص: ٣/ ٢١.\n(^٣) قال ابن الأثير: وفي حديث الزكاة (ما كان بعْلًا أو عَثَرِيًّا ففيه العُشْر) هو من النّخيل الذي يَشْرب بعُروقه من ماء المطر يجتمِع في حَفِيرة. ... [النهاية: ٣/ ١٨٢].\n(^٤) أي: ما سقي بالدلاء، والغروب، والسواني، والنواضح من الإبل التي يستقى عليها، واحدها ناضح.\n[النهاية في غريب الحديث: ٥/ ٦٨، لسان العرب: ٢/ ٦١٩].\n(^٥) روى أبوداود في سننه: ٢/ ١٠٨ باب صدقة الزرع كتاب الزكاة عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلًا العشر، وفيما سقي بالسواني أو النضح نصف العشر. سنن النسائي: ٥/ ٤٣ ما يوجب العشر وما يوجب نصف العشر كتاب الزكاة، سنن ابن ماجة ١/ ٣٣٤ باب صدقة الزروع والثمار أبواب الزكاة.\n\nوأصله عند البخاري في صحيحه: ٢/ ٥٤٠ باب العشر فيما يسقى من ماء السماء وبالماء الجاري كتاب الزكاة عن ابن عمر بلفظ: فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر وما سقي بالنضح نصف العشر.","vol":"1","page":1139},{"text":"فكان هذا مرجوحًا على ما أوجب فيه الزكاة من الأشياء والمقدار، كما قال في الرِّقَة (^١) ربع العشر (^٢)، فرُد إلى خمس أواق (^٣) (^٤)، وما دونها لا شيء فيه، فقال ذلك موافقًا لنا فيه (^٥)، وناقض في الأول - أعني في الخضر وما دون الخمسة أوسق - (^٦)، فإن قالوا: فالرمان قد ذكر في الآية، قيل: إنما ذكر لإثبات الحجة في التوحيد في متشابه وغير متشابه، ليعرف حكم الله وأفعاله كما قيل: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ (^٧)، ثم قيل: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (^٨)، قال الله ﷿: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (^٩) فهذا على العموم، ثم قال: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (^١٠) وإنما يحمل على بعض الأنعام، ونظائر هذا كثير، وهو شائع في اللغة، والله أعلم.\nقال الله ﷿: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (^١١) الآية.\n_________\n(^١) الرِّقَة: الفِضَّة والدَّراهم المَضْروبة منها، وأصْل اللَّفظ: الوَرِق، وهي الدَّراهم المضروبة خاصَّة، فَحذفت الواو وَعُوِّض منها الهاء. [النهاية في غريب الحديث: ٢/ ٢٥٤].\n(^٢) جزء من حديث كتاب أبي بكر الذي وجه به أنس إلى البحرين، رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٥٢٨ باب زكاة الغنم كتاب الزكاة.\n(^٣) الأواقي: جمع أُوقِيَّة، وهي عبارة عن أربعين درهمًا. [النهاية: ١/ ٨٠].\n(^٤) سبق من حديث أبي سعيد الخدري ص: ٧٢٨.\n(^٥) المبسوط: ٢/ ١٨٩، بدائع الصنائع: ٢/ ١٦.\n(^٦) انظر أحكام القرآن للجصاص فقد ذكر جوابًا عن هذا: ٣/ ٢٢.\n(^٧) [سورة الروم: الآية ٢٢]\n(^٨) [سورة الأنعام: الآية ١٤١]\n(^٩) [سورة النحل: الآية ٥]\n(^١٠) [سورة المؤمنون: الآية ٢٢]\n(^١١) [سورة الأنعام: الآية ١٤٥]","vol":"1","page":1140},{"text":"قال ابن عباس - ﵁ -: ماتت شاة لسودة، فقال رسول الله - ﷺ - *: لم لا أخذتم مسكها (^١) فدبغتموه، فإنما قال الله ﷿: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ (^٢) وإنكم لا تطعمونه (^٣).\n_________\n* لوحة: ١٤٣/ب.\n(^١) مسكها: أي إيهابها أو جلدها. [غريب الحديث للحربي: ٢/ ٥٦٥، فتح الباري: ١١/ ٦٩٤].\n(^٢) [سورة الأنعام: الآية ١٤٥]\n(^٣) مسند أحمد: ١/ ٣٢٧، مسند أبو يعلى: ٢/ ٣٧١، الأوسط لابن المنذر: ٢/ ٢٦٠، شرح معاني الآثار: ١/ ٤٧١، صحيح ابن حبان: ٤/ ٩٨، ١٢/ ٢٣٣، المعجم الكبير: ١١/ ٢٨٨، سنن البيهقي: ١/ ١٨ باب طهارة باطنه بالدبغ كطهارة ظاهره كتاب الطهارة.\nوأصله في صحيح البخاري: ٥/ ٢١٠٣ باب جلود الميتة كتاب الذبائح والصيد عن عبيد الله بن عبد الله أخبره أن عبد الله بن عباس ﵄ أخبره أن رسول الله - ﷺ - مر بشاة ميتة فقال: هلا استمتعتم بإهابها، قالوا: إنها ميتة، قال: إنما حرم أكلها. ٦/ ٢٤٦٠ باب إن حلف ألا يشرب نبيذًا فشرب طلاء أو سكرًا أو عصيرًا لم يحنث كتاب الأيمان والنذور عن ابن عباس ﵄ عن سودة زوج النبي - ﷺ - قالت: ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها ثم ما زلنا ننبذ فيه حتى صار شنًا.\nوما ذكره المؤلف هنا من طهارة جلد الميتة بعد الدبغ إحدى الروايتين عن مالك، وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعي، وفي الرواية الأخرى عن مالك: أنها باقية على النجاسة لا تطهر بالدبغ، وهذا مشهور مذهب أحمد.\n[أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٢٥، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ١١٠، أحكام القرآن لابن العربي: ٣/ ٢٥٤، المغني: ١/ ٨٩، المجموع: ١/ ٢٧٠].","vol":"1","page":1141},{"text":"وقيل لجابر بن زيد: إنهم يزعمون أن رسول الله - ﷺ - نهى عن لحوم الحمر الأهلية، فقال: قد كان الحكم بن عمرو الغفاري (^١) يقول ذلك عندنا بالبصرة، ولكن أباهُ البحر، يعني ابن عباس - ﵁ -، وقرأ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (^٢) (^٣). وقال القاسم: كانت عائشة -﵂- لا ترى بأسًا بأكل لحوم الحمر الأهلية، ولحوم السباع، وتلت: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ (^٤) (^٥).\n_________\n(^١) الحكم بن عمرو بن مجدع بن حذيم بن الحرث بن نفيلة بن مليل بن ضمرة، أبو عمرو الغفاري، ويقال له: الحكم بن الأقرع، وإنما نسب إلى غفار؛ لأن ثعلبة بن مليل أخو غفار، وقد ينسبون إلى الإخوة كثيرًا، صحب النبي - ﷺ - وروى عنه، نزل البصرة بعد موت الرسول - ﷺ -، روى عنه: جابر بن زيد، وعبد الله بن الصامت، ولي خراسان ومات بها سنة ٥٠ هـ. [الاستيعاب: ١/ ٣١٤، الإصابة: ١/ ٣٤٦].\n(^٢) [سورة الأنعام: الآية ١٤٥]\n(^٣) صحيح البخاري: ٥/ ٢١٠٣ باب لحوم الحمر الإنسية كتاب الذبائح والصيد.\n(^٤) [سورة الأنعام: الآية ١٤٥]\n(^٥) لم أقف عليه بهذا اللفظ، والذي وقفت عليه هو ما رواه عبد الرزاق في مصنفه: ٤/ ٥٢٠ عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال: سئلت عائشة عن أكل كل ذي ناب من السباع، فتلت هذه الآية. ومثله في مصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ٢٦٤ ما نهي عن أكله من الطير والسباع كتاب الصيد، تفسير الطبري: ٨/ ٧١، تفسير ابن أبي حاتم: ٥/ ١٤٠٧، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٣٤٢ وقال: وهذا إسناد صحيح لا مطعن فيه، وذكره ابن كثير في تفسيره: ٢/ ١٨٤ من طريق ابن جرير ثم قال: صحيح غريب .. وقال ابن حزم مجيبًا على من استدل بهذا الأثر على إباحة لحوم الحمر الأهلية: فإن ذكروا أن عائشة أم المؤمنين احتجت بقوله تعالى (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا) الآية، قلنا: لم يبلغها التحريم، ولو بلغها لقالت به، كما فعلت في الغراب، وليس مذكورًا في هذه الآية. [المحلى: ٧/ ٤٠٧].","vol":"1","page":1142},{"text":"وسئل ابن عمر عن القنفذ، فقال: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (^١) إلى آخر الآية، فقال له إنسان: إن أبا هريرة يرويه عن النبي - ﷺ -، ويقول: هو خبيثة من الخبائث، فقال ابن عمر: إن قاله النبي - ﷺ - فهو كما قال (^٢).\nقال القاضي: قلت وإن صح ذلك عن أبي هريرة فإنما أراد الخبيث الطعم والمنفعة، وما أراه يصح (^٣).\nوقال محمد بن جُحادة (^٤): سألت الشعبي عن لحم الفيل والأسد، فقرأ:\n_________\n(^١) [سورة الأنعام: الآية ١٤٥]\n(^٢) سنن أبي داود: ٣/ ٣٥٤ باب في أكل حشرات الأرض كتاب الأطعمة، مسند أحمد: ٢/ ٣٨١، تفسير ابن أبي حاتم: ٥/ ١٤٠٦، سنن البيهقي: ٩/ ٣٢٦ ما روي في القنفذ وحشرات الأرض كتاب الضحايا، وقال: هذا حديث لم يرو إلا بهذا الإسناد وهو إسناد فيه ضعف.\n(^٣) وهو لا يصح كما ذكر المؤلف، وقد سبق تضعيف البيهقي له، وقال الخطابي في معالم السنن: ٥/ ٣١٣: ليس إسناده بذاك، وقال ابن حزم في المحلى: ٧/ ٤١٠: هو عن شيخ مجهول لم يسم، وقال ابن حجر في بلوغ المرام: ٢٧٩: إسناده ضعيف.\nوبظاهر هذا الحديث أخذ أحمد في تحريم أكل القنفذ، وذهب إلى جواز أكله مالك والشافعي، وكرهه أبو حنيفة.\n[الأم: ٢/ ٢٤٢، أحكام القرآن للجصاص: ٣/ ٣١، النوادر والزيادات: ٤/ ٣٧٣، المغني: ١٣/ ٣١٧، تفسير القرطبي: ٧/ ١٢٠].\n(^٤) محمد بن جُحادة الأودي، ويقال: الإيامي الكوفي، روى عن: الحسن البصري، والأعمش، وعنه: سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، ثقة، مات سنة ١٣١ هـ.\n[تهذيب الكمال: ٢٤/ ٥٧٥، التقريب: ٨٣٢].","vol":"1","page":1143},{"text":"﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (^١) إلى آخر الآية (^٢).\nوقد كان أهل الجاهلية يحرمون أشياء، ويستحلون أشياء نحو قوله عنهم: ﴿هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ (^٣): ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ (^٤) وغير ذلك، فيجوز أن يكون الله ﵎ أراد بقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ (^٥)\n_________\n(^١) [سورة الأنعام: الآية ١٤٥]\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره: ٧/ ١١٨، وعزاه السيوطي في الدر: ٣/ ٥١ إلى أبي الشيخ. وقد رواه عبد الرزاق في مصنفه: ٤/ ٥٣٤ من غير هذا الطريق وليس فيه ذكر الأسد، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ٢/ ٣٤٥.\n(^٣) [سورة الأنعام: الآية ١٣٨]\n(^٤) [سورة الأنعام: الآية ١٣٩]\n(^٥) [سورة الأنعام: الآية ١٤٥]\n* لوحة: ١٤٤/أ.","vol":"1","page":1144},{"text":"يعني سائر ما حرموه، ومع ذلك * فلا حرام إلا ما حرم الله، وتحريم رسول الله - ﷺ - لأكل الحمار الأهلي (^١)، ولحوم السباع (^٢) يوجب الامتناع، وطاعة السنة، واتباع الرواية شفقة من رسول الله - ﷺ -، وحسن نظر لنا لشيء علمه. وهو الممنوع، فممنوع بالفرض، وممنوع بالندب لعلة مأخوذ به لا يبلغ به ما أجمع عليه، والله أعلم بما أراد (^٣).\n_________\n(^١) روى البخاري في صحيحه: ٥/ ٢١٠٢ باب لحوم الحمر الإنسية كتاب الذبائح والصيد عن أبي ثعلبة الخشني قال: حرم رسول الله - ﷺ - لحوم الحمر الأهلية. ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٥٨٣ كتاب الصيد والذبائح حديث: ٢٣. وقد روى نهي النبي - ﷺ - عن لحوم الحمر الأهلية عن جمع من الصحابة، ومنهم ابن عباس، انظر المرجعين السابقين، وانظر أيضًا: صحيح البخاري: ٤/ ١٥٤٥ باب غزوة خيبر كتاب المغازي.\n(^٢) سبق تخريجه، والحديث عن مسألة حكم أكل لحوم السباع عند تفسير الآية ١٠١ من سورة المائدة.\n(^٣) ما ذكره المؤلف من كراهية أكل لحوم الحمر الأهلية إحدى الروايتين عن مالك، وهو قول بعض مالكية العراق، قال القاضي عياض: أكل الحمر الأهلية مغلظ عند مالك في الكراهية وليس كالخنزير، ومن أصحابنا من يقول هو محرم. أ. هـ.\nوعلى الرواية الأخرى جمهور العلماء.\n[الأم: ٢/ ٢٥١، أحكام القرآن للجصاص: ٣/ ٢٦، النوادر والزيادات: ٤/ ٣٧٢، الإشراف: ٢/ ٩٢١، التمهيد: ١٠/ ١٢٣، المنتقى: ٣/ ١٣٣، إكمال المعلم: ٦/ ٣٧٨، المغني: ١٣/ ٣١٧، تفسير القرطبي: ... ٧/ ١١٧].","vol":"1","page":1145},{"text":"قال الله ﷿: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ (^١). قالت عائشة -رضوان الله عليها-: الدم المسفوح دون ماعداه، وتلت الآية (^٢). وقال جماعة ممن فسر الآية بمثل ذلك (^٣).\nولذلك جازت الصلاة في الثوب فيه القليل من الدم (^٤)\n_________\n(^١) [سورة الأنعام: الآية ١٤٥]\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص: ١/ ١٧٣، المحرر الوجيز: ٦/ ١٧٠، تفسير ابن كثير: ٢/ ٧.\n(^٣) روي نحو هذا عن: ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، وأبي مجلز. تفسير عبد الرزاق: ١/ ٢٢٠، سنن سعيد بن منصور: ٥/ ١١٠، تفسير الطبري: ٨/ ٧٠، تفسير ابن أبي حاتم: ٥/ ١٤٠٦، أحكام القرآن لابن العربي: ... ٢/ ٢٩١، تفسير القرطبي: ٧/ ١٢٤.\n(^٤) سيذكر المؤلف مسألة جواز الصلاة وفي الثوب قليل من الدم من رعاف أو جرح أو غيره، ولبيان وجه إيراد المؤلف لهذه المسألة عند تفسير هذه الآية - مع أن هذه الآية تتعلق بحكم الدم الخارج من الذبائح - أورد كلام القاضي عياض في هذه المسألة، حيث يقول: ودليلنا على أن الدم بخلاف سائر النجاسات، أن يسيره لا يمكن الاحتراز منه، ولا التحفظ إلا بمشقة وكلفة؛ لأن الإنسان لا يخلو في الغالب من دم بثرة أو بعوضة أو برغوث أو سن أو أنف، ولأن الذبائح لا تخلو من بقية دم في العروق فعفي عن يسيره للضرورة ولأجل المشقة؛ ولأن الله تعالى لما أفرد تحريمه بأن يكون على صفة وهو أن يكون مسفوحًا، علم أن ما قصر من ذلك مخفف، ولذلك قالت عائشة: لولا أن الله تعالى قال: (أو دمًا مسفوحًا) لتتبع الناس ما في العروق من الدم.\n\n[الإشراف: ١/ ٢٨٢].","vol":"1","page":1146},{"text":"، ولذلك صلى سعيد بن المسيب وقد رعف، وهو يَفْتِلُ (^١) الدم، ولما سال خرج فغسله ورجع فبنى (^٢). وقال ابن عباس: إذا كان الدم فاحشًا فعليه الإعادة، يعني إذا كان في الثوب، وإذا كان قليلًا فليس عليه الإعادة (^٣)، وهذا مع قول ابن عباس: إن الثوب لا ينجس (^٤). ولكنه أراد الاحتياط، ولم يحمله على مر القياس.\n_________\n(^١) قال الباجي: قوله (ثم يفتله) يريد أنه كان يفتله بأصبعه ليجف فيها، وتذهب رطوبته، فلا يفسد ثوبه ولا شيئًا من جسده. [المنتقى: ١/ ٨٥]. وقال الزرقاني في شرحه على الموطأ: ١/ ١٠٣: (ثم يفتله) بكسر التاء يحركه.\n(^٢) روى مالك في الموطأ: ١/ ٦١ كتاب الطهارة حديث: ٤٩ عن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي أنه قال: رأيت سعيد بن المسيب يرعف فيخرج منه الدم حتى تختضب أصابعه من الدم الذي يخرج من أنفه، ثم يصلى ولا يتوضأ. وقد رواه البيهقي في معرفة السنن: ١/ ٤٢٠.\nوروى عبد الرزاق في مصنفه: ٢/ ٣٤٠ عن سعيد بن المسيب قال: إن رعفت في الصلاة فاشدد منخرك وصل كما أنت، فإن خرج شيء من الدم فتوضأ ثم لا تتكلم حتى تبني على ما مضى.\nوأما لفظ (يفتل) فقد رواه مالك في الموطأ: ١/ ٦٢ كتاب الطهارة حديث: ٥٠ لكن ليس عن سعيد بن المسيب، قال مالك: عن عبد الرحمن بن المجبر أنه رأى سالم بن عبد الله يخرج من أنفه الدم حتى تختضب أصابعه، ثم يفتله ثم يصلي ولا يتوضأ.\nقلت: وقد سبق تخريج أثر سعيد بن المسيب وأنه رعف وهو يصلي فأتي بوضوء فتوضأ ثم رجع فبنى على ما قد صلى. ص: ٦٢٣.\n(^٣) الأوسط لابن المنذر: ١/ ١٧٢، ٢/ ١٥٢، سنن البيهقي: ٢/ ٤٠٥ ما يجب غسله من الدم كتاب الصلاة من طريق القاضي إسماعيل بن إسحاق.\n(^٤) سيأتي تخريجه ص: ٧٤٤.","vol":"1","page":1147},{"text":"وقال ابن سيرين عن يحيى بن الجزّار (^١): إن ابن مسعود صلى وعلى بطنه فرث ودم، قال: فلم يعد الصلاة (^٢).\nفأما الفرث فطاهر، وأما الدم فإذا لم يك سائلًا خرج عن اسم المسفوح، وقال الحسين (^٣) مثل ذلك، وإبراهيم أيضًا (^٤)، وكلهم فرقوا بين قليل البول، وقليل الدم (^٥)،\n_________\n(^١) يحيى بن الجزار العُرني الكوفي، لقبه: زبان، وقيل: زبان أبوه، عن: أبي بن كعب، وعبد الله بن عباس، وعنه: الحسن العرني، والحكم بن عتيبة، صدوق رمي بالغلو في التشيع.\n[تهذيب الكمال: ٣١/ ٢٥١، التقريب: ١٠٥٠].\n(^٢) الأم: ٧/ ١٨٦، مصنف عبد الرزاق: ١/ ١٢٥ / مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ٣٤٤ في الرجل يصلي وفي ثوبه أو جسده دم، الأوسط لابن المنذر: ١/ ٢٣٦، ٢/ ١٥٦، المعجم الكبير: ٩/ ٢٤٨.\n(^٣) هكذا في الأصل، ولعل الصواب: الحسن - أي البصري - فقد روى عنه ابن أبي شيبة في مصنفه: ١/ ٣٤٤ الموضع السابق، ٢/ ١٣٠ في الرجل يرى الدم في ثوبه وهو في الصلاة.\n(^٤) مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ٣٤٥ الموضع السابق، ٢/ ١٣٠ الموضع السابق، وذكره ابن المنذر في الأوسط: ... ٢/ ١٥٥.\n(^٥) قال ابن المنذر: دلت الأخبار الثابتة عن النبي - ﷺ - على نجاسة البول، وبه يقول عوام أهل العلم منهم: مالك وأهل المدينة، وسفيان، وأهل العراق من أصحاب الرأي وغيرهم، والشافعي وأصحابه، وبه قال كل من حفظنا عنه من أهل العلم. وقد اختلفوا في البول اليسير مثل رؤس الإبر يصيب الثوب، فقالت طائفة: يجب غسل قليل ذلك وكثيره، وهذا قول مالك فيما حكاه ابن القاسم، قال: قول مالك يغسل قليل البول وكثيره، وهو قول الشافعي وأبي ثور، وكان النعمان يقول في الثوب ينتضح على البول مثل رؤس الإبر قال ليس هذا بشيء.\n[الأوسط: ٢/ ١٣٨، وانظر: المدونة: ١/ ١٢٩، مختصر المزني: ١٨، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ... ١/ ٢٨١، المبسوط: ١/ ٨٦، المغني: ٢/ ٤٨٠].","vol":"1","page":1148},{"text":"فأجازوا الصلاة في الدم، وأمروا بالإعادة * من البول في الوقت، وهو قول مالك - ﵁ - (^١)، وقال بعضهم: يعيد أبدًا في البول خاصة (^٢).\n_________\n* لوحة: ١٤٤/ب.\n(^١) المدونة: ١/ ١٢٩، النوادر والزيادات: ١/ ٨٧، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ٢٨٠.\n(^٢) إليه ذهب أبو حنيفة، وهو الصحيح من قول الشافعي، ورواية عن أحمد، وفي الرواية الأخرى أنه لا إعادة عليه، وهو القديم من قول الشافعي.\n[مختصر المزني: ١٨، المبسوط: ١/ ٥٩، المغني: ٢/ ٤٦٦، المجموع: ٣/ ١٦٣].","vol":"1","page":1149},{"text":"قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (^١).\nلا ينبغي أن يغتنم من مال اليتيم شيئًا، ولا يرتفق به، والتي هي أحسن: أن يتجر له ويسمى له، ولا يستقرض من ماله، ولا يشتري من نفسه لنفسه، وما أشبه هذا (^٢).\nقال الله جل وعز: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (^٣).\nقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: خط لنا رسول الله - ﷺ - خطًا، وخط عن يمينه وعن شماله خطوطًا، وقال: هذا سبيل الله (^٤)، وهذه سُبُل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ (^٥) (^٦)\n_________\n(^١) [سورة الأنعام: الآية ١٥٢]\n(^٢) تفسير الطبري: ٨/ ٨٤، تفسير ابن أبي حاتم: ٥/ ١٤١٨، أحكام القرآن للجصاص: ٣/ ٣٧، المحرر الوجيز: ٦/ ١٨٠، تفسير القرطبي: ٧/ ١٣٤.\n(^٣) [سورة الأنعام: الآية ١٥٣]\n(^٤) في الأصل (هذا سبيلي)، والتصويب من مصادر التخريج.\n(^٥) [سورة الأنعام: الآية ١٥٣]\n(^٦) سنن النسائي الكبرى: ١٠/ ٩٥ كتاب التفسير سورة الأنعام، مسند أحمد: ١/ ٤٣٥، ٤٦٥، سنن الدارمي: ١/ ٧٨ باب في كراهية أخذ الرأي، مسند الطيالسي: ١/ ١٩٧، سنن سعيد بن منصور: ٥/ ١١٢، مسند البزار: ٥/ ٩٩، ١١٣، تفسير الطبري: ٨/ ٨٨، تفسير ابن أبي حاتم: ٥/ ١٤٢٢، صحيح ابن حبان: ١/ ١٨٠، المستدرك: ٢/ ٢٦١ كتاب التفسير وصححه ووافقه الذهبي، ٢/ ٣٤٩ كتاب التفسير سورة الأنعام من طريق القاضي إسماعيل بن إسحاق.\n\nوله شاهد من حديث جابر عند ابن ماجة في سننه: ١/ ٦ باب اتباع سنة رسول الله - ﷺ - من أبواب المقدمة، وأحمد في مسنده: ٣/ ٣٩٧، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٥/ ١٤٢١.","vol":"1","page":1150},{"text":"يعني الخط ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ (^١) يعني الخطوط ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (^٢).\nوقال عبد الله بن عمر بن الخطاب - ﵁ - لعبد الله بن مسعود: يا أبا عبد الرحمن ما الصراط المستقيم؟ قال: هو ورب الكعبة الذي ثبت عليه أبوك حتى دخل الجنة، ثم حلف على ذلك ثلاثة أيمان (^٣). وقال مجاهد (^٤)، وزيد بن أسلم (^٥): صراط الله الإسلام والسنة، والسبل البدع والأهواء.\nقال الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ (^٦) *.\n_________\n(^١) [سورة الأنعام: الآية ١٥٣]\n(^٢) [سورة الأنعام: الآية ١٥٣]\n(^٣) رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق: ٤٤/ ٣٧٢. وروى نحوه عبد الرزاق في تفسيره: ٢/ ٢٢٣: أن رجلًا سأل ابن مسعود ما الصراط؟ قال: تركنا محمد في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جَوَادّ، وعن شماله جَوَادّ، وثم رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ على تلك الجَوَادّ انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: (وأن هذا صرطى مستقيما). ورواه الطبري في تفسيره: ٨/ ٨٨، وذكره ابن كثير من طريق ابن مردويه وفيه: أن الرجل الذي سأل ابن مسعود عبد الله بن عمر. [تفسير القرآن العظيم: ٢/ ١٩١]\n(^٤) تفسير الطبري: ٨/ ٨٨، تفسير ابن أبي حاتم: ٥/ ١٤٢٢.\n(^٥) لم أقف عليه، وقد روي نحوه عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. [المرجعين السابقين].\n(^٦) [سورة الأنعام: الآية ١٥٩]\n* لوحة: ١٤٥/أ.","vol":"1","page":1151},{"text":"قال الحسن البصري: خرج علينا عثمان بن عفان يومًا فخطبنا، فقطعوا عليه خطبته، وتراموا بالبطحاء، حتى جعلت ما أبصر أديم السماء (^١)، وسمعنا صوتًا من بعض حجر أزواج النبي - ﷺ -، فقيل: هذا صوت أم المؤمنين -وهي أم سلمة- فسمعتها وهي تقول: ألا إن نبيكم قد برئ ممن فرق دينه واحتزب، وتلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) أديم السماء: ما ظهر منها. [لسان العرب: ١٢/ ١١].\n(^٢) [سورة الأنعام: الآية ١٥٩]\n(^٣) رواه الإمام أحمد في العلل ومعرفة الرجال: ٢/ ٥٤٨ قال: حدثنا مؤمل قال: حدثنا حماد بن زيد قال: حدثنا أيوب قال: سمعت الحسن يقول: شهدتهم يوم تراموا بالحصى في أمر عثمان حتى جعلت أنظر فما أرى أديم السماء من الرهج، فسمعت كلام امرأة من بعض الحجر فقيل لي هذه أم المؤمنين، فسمعتها تقول: إن نبيكم - ﷺ - قد برئ ممن فرق دينه واحتزب. قال عبد الله: قال مؤمل: عائشة، والصواب: أم سلمة.\nورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق: ٣٩/ ٣٢٥ وفيه: وإن إنسانًا رفع مصحفًا من حجرات النبي - ﷺ -، ثم نادوا: ألم تعلموا أن محمدًا - ﷺ - قد برئ ممن فرق دينه وكان شيعًا، ٣٩/ ٣٢٦ وفيه: فكأني أنظر إلى بياض ورقات مصحف رفعته امرأة من أزواج النبي - ﷺ - وهي تقول: إن الله قد برأ نبيه ﵇ من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا. قال: فذاك أول ما عقلت الأحاديث وخالطت الناس، فقال لي بعض أصحابي: تلك أم سلمة زوج النبي - ﷺ -. وذكره العلائي فقال: ويروى حكايات عن الحسن أنه سمع عائشة؟ ﵂؟ وهي تقول: إن نبيكم - ﷺ - برئ ممن فرق دينه. [جامع التحصيل: ١٦٥].","vol":"1","page":1152},{"text":"وقال أبو أمامة الباهلي عن النبي - ﷺ -: هم الخوارج (^١). وأول الخوارج، وأول البدع الذين خرجوا على عثمان فقتلوه. وقد ذكر أبو غالب عن أبي أمامة الحديث بطوله، وأن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقه، وأن أمته - ﷺ - تزيد عليها فرقة، كلها في النار إلا السواد الأعظم (^٢).\nوالقرآن يدل على أن كل من ابتدع في الدين بدعة فهو من الخوارج؛ لأنهم إذا ابتدعوا تجادلوا وتفرقوا فكانوا شيعًا، فمن قدر منهم على الخروج خرج، ومن عجز فسيفه في قلبه، والله بمنه يقمعه ويمنعه (^٣).\n_________\n(^١) تفسير ابن ابي حاتم: ٥/ ١٤٢٩، قال ابن كثير: وقال أبو غالب عن أبي أمامة في قوله: (وكانوا شيعا) قال: هم الخوارج. وروي عنه مرفوعًا، ولايصح. [تفسير القرآن العظيم: ٢/ ١٩٦].\n(^٢) سبق تخريجه ص: ٤٢٥.\n(^٣) قال ابن كثير: والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله، وكان مخالفًا له فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه (وكانوا شيعا) أي: فرقًا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات، فإن الله تعالى قد برأ رسول الله - ﷺ - مما هم فيه.\n[تفسير القرآن العظيم: ٢/ ١٩٦].","vol":"1","page":1153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>سورة الأعراف</span>\nقال الله ﷿: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (^١) *.\nقال المفسرون جميعًا ممن انتهى إلينا تفسيره: إنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، العرب دون الحُمس، الرجال والنساء، حتى كانت المرأة تغطي فرجها وتقول:\nاليوم يبدو (^٢) بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله\nفنزلت: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (^٣) (^٤).\nوقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (^٥).\nدليل على أنهم كانوا يحرمون على أنفسهم ما وصف عنهم من لبس الزينة، ولم يختلف المفسرون أنه قصد بذلك أن يستر الإنسان نفسه ما يلزمه ستره، ولم يقصد به الصلاة (^٦)\n_________\n(^١) [سورة الأعراف: الآية ٣٢]\n* لوحة: ١٤٥/ب.\n(^٢) في الأصل: يبدوا، والصواب ما أثبت.\n(^٣) [سورة الأعراف: الآية ٣١]\n(^٤) رواه مسلم في صحيحه: ٤/ ٢٣٢٠ كتاب التفسير حديث: ٢٥، سنن النسائي: ٥/ ٢٥٨ باب قوله (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) كتاب المناسك، تفسير عبد الرزاق: ١/ ٢٢٨، سنن سعيد بن منصور: ٥/ ١٣٨، تفسير الطبري: ٨/ ١٥٩ - ١٦٢، تفسير ابن أبي حاتم: ٥/ ١٤٦٤، المستدرك: ٢/ ٣٥٠ كتاب التفسير سورة الأعراف، سنن البيهقي: ٢/ ٢٢٣ باب وجوب ستر العورة للصلاة وغيرها كتاب الصلاة، أسباب النزول للواحدي: ٢٢٥.\n(^٥) [سورة الأعراف: الآية ٣٢]\n(^٦) ذكر ابن العربي، وابن الجوزي عن مجاهد أنه قال: نزلت في ستر العورة في الصلاة.\n[أحكام القرآن: ٢/ ٣٠٤، زاد المسير: ٣/ ١٨٧].\nونقل البغوي عن الكلبي: الزينة ما يواري العورة عند كل مسجد لطواف أو صلاة. [معالم التنزيل: ٣/ ٢٢٥].\nوذكر ابن كثير: عن ابن مردويه أنه روى عن أنس مرفوعًا: أنها نزلت في الصلاة في النعال. قال ابن كثير: ولكن في صحته نظر. [تفسير القرآن العظيم: ٢/ ٢١٠].\nقلت: وإن كانت روايات المفسرين تدل على أن مناسبة نزول هذه الآية: طوافهم بالبيت عراة، فهذا لا يمنع دلالتها على فرض ستر العورة في الصلاة، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قال الجصاص: وقال بعض من يحتج لمالك بن أنس: إن هؤلاء السلف لما ذكروا سبب نزول الآية وهو طواف العريان وجب أن يكون حكمها مقصورًا عليه. وليس هذا عندنا كذلك؛ لأن نزول الآية عندنا على سبب لا يوجب الاقتصار بحكمها عليه؛ لأن الحكم عندنا لعموم اللفظ لا للسبب، وعلى أنه لو كان كما ذكر لا يمنع ذلك وجوبه في الصلاة؛ لأنه إذا وجب الستر في الطواف فهو في الصلاة أوجب إذ لم يفرق أحد بينهما. ثم قال: ويدل على أن حكم الآية غير مقصور على الطواف وأن المراد بها الصلاة قوله تعالى: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) والطواف مخصوص بمسجد واحد ولا يفعل في غيره، فدل على أن مراده الصلاة التي تصح في كل مسجد.\n[أحكام القرآن: ٣/ ٤٩، ٥٠، وانظر أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ٣٠٧، أحكام القرآن الكيالهراس: ٣/ ٣٦٠، تفسير القرطبي: ٧/ ١٨٩].","vol":"1","page":1154},{"text":"، وزعم الشافعي: أنه أريد به الصلاة (^١). وليس له في ذلك متقدم (^٢)، ولما كان ستر العورة من فرض البدن فيجوز للرجل أن يصلي في ثوب واحد؛ لأنه يستر ما أمره الله بستره. والمرأة في درع (^٣) سابغ وخمار (^٤)، وهو أقل ما أمرها الله بستره من بدنها. والأمة في ثوب وخمار (^٥)، ولم يكن هذا من فرض الصلاة، وإنما هو من فرض الأبدان، ووافق الصلاة (^٦)؛\n_________\n(^١) الأم: ١/ ٨٨.\n(^٢) سبق ما ذكر عن مجاهد، والكلبي. وقد وافق الشافعي في هذا جمهور العلماء، قال ابن عبد البر: وأجمع العلماء على أن ستر العورة فرض واجب بالجملة على الآدميين، وأنه لا يجوز لأحد أن يصلي عريانًا وهو قادر على ما يستر به عورته من الثياب، وإن لم يستر عورته وكان قادرًا على سترها لم تجزئه صلاته.\nواختلفوا هل سترها من فروض الصلاة أم لا، فقال أكثر أهل العلم وجمهور الفقهاء: إنه من فروض الصلاة.\n[الاستذكار: ٥/ ٤٣٧، وانظر: أحكام القرآن للحصاص: ٣/ ٤٩، المغني: ٢/ ٢٨٣، تفسير القرطبي: ٧/ ١٩٠، المجموع: ٣/ ١٧٢].\n(^٣) درع المرأة: قميصها، وهو: ثوب تَجُوب المرأَة وسطَه، وتجعل له يدين وتخيط فرجيه.\n[النهاية: ٢/ ١١٤، لسان العرب: ٨/ ٨٢].\n(^٤) الخمار: ما تغطي به المرأة رأسها. [لسان العرب: ٤/ ٢٥٧].\n(^٥) هذا على الآستحباب: أن تصلي الأمة بثوب وخمار، والجمهور على جواز صلاتها مكشوفة الرأس.\n[المدونة: ١/ ١٨٥، المبسوط: ١/ ٢١٢، المغني: ٢/ ٣٣١، المجموع: ٣/ ١٨٩].\n(^٦) ما ذكره المؤلف هو أحد قولي أصحاب مالك: من أن ستر العورة من سنن الصلاة، وليس من فرائضها، وهذا ما ذهب إليه القاضي إسماعيل بن إسحاق، وابن بكير. وذكر ابن العربي، وابن رشد أن هذا هو مشهور مذهب مالك.\nومن أصحاب مالك من ذهب إلى أن ستر العورة المغلظة من واجبات الصلاة، وشرط فيها مع العلم والقدرة، قال القاضي عبد الوهاب في الإشراف: اختلف أصحابنا في ستر العورة في الصلاة، فمنهم من يقول: إنها من شرط صحتها مع الذكر والقدرة، فإن لم يقدر عليها صلى عريانًا وأجزأته، وكذلك إن نسي، وإن صلى مكشوف العورة عالمًا بأن له ما يسترها قادرًا على ذلك فإن صلاته باطلة. ومنهم من يقول: إنها واجبة مفترضة وليست من شرط صحة الصلاة، فإن صلى مكشوف العورة عالمًا عامدًا كان عاصيًا آثمًا إلا أن الفرض قد سقط عنه.\nوممن رجح فرضية سترها في الصلاة وأنها شرط من شروط صحتها من المالكية: ابن العربي، وابن عبد البر، والقرطبي.\nقلت: ولعل هذا هو مذهب مالك ففي الموطأ: ١/ ٣٨٢ كتاب النذور والأيمان، قال مالك: أحسن ما سمعت في الذي يكفر عن يمينه بالكسوة: أنه إن كسا الرجال كساهم ثوبًا ثوبًا، وإن كسا النساء كساهن ثوبين ثوبين درعًا وخمارًا، وذلك أدنى ما يجزئ كُلًا في صلاته. فقوله: (يجزئ) يدل على اشتراطه ستر العورة في الصلاة. وقد ألمح إلى ذلك القاضي عبد الوهاب في: عيون المجالس: ١/ ٣٠٨ - وإن كان في نسبة هذا الكتاب إلى القاضي عبد الوهاب كلام -. [الإشراف: ١/ ٢٥٩، الاستذكار: ٥/ ٤٣٨، المنتقى: ١/ ٢٤٧، أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ٣٠٦، بداية المجتهد: ١/ ١٤٥، تفسير القرطبي: ٧/ ١٩٠، مواهب الجليل: ١/ ٤٩٧].","vol":"1","page":1155},{"text":"لأنه لو كان من فرض الصلاة كالوضوء كما شبهه الشافعي لكان إذا لم يجد الثوب لم يصل، كما أنه إذا لم يجد الماء ولا الصعيد لم يصل، فإن قال قائل متأخر: يصلي ويعيد (^١). فقد أمره بصلاة لا تجزئه ولا تنفعه، وهو آثم فيها؛ لأن رسول الله - ﷺ - قال: لا يقبل الله صلاة * بغير طهور، ولا صدقة من غلول (^٢).\nوقال عمر (^٣)، وعلي (^٤)، والتابعون (^٥) ممن فسر الآيات، وانتهى إلينا تفسيره: إن الأمة تصلي كما تخرج إلى الناس. فيدل على موافقة الفرض ما أمرت به من الستر، وإنما احتذى أمر الله ﵎ بستره، والله أعلم.\n_________\n(^١) سيأتي الحديث عن هذه المسألة ص: ٧٤٣.\n* لوحة: ١٤٦/أ.\n(^٢) سبق تخريجه ص: ٣٩٦.\n(^٣) ما وقفت عليه عن عمر - ﵁ -: نهيه للإماء من الجلابيب أن يتشبهن بالحرائر. [مصنف عبد الرزاق: ٣/ ١٣٣ - ١٣٧، مصنف ابن أبي شيبة: ٢/ ٤٠ - ٤٢ الأمة تصلي بغير خمار].\n(^٤) مصنف ابن أبي شيبة: ٢/ ٤٠ الموضع السابق.\n(^٥) ممن روى عنه هذا: مسروق، وشريح، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، والشعبي، وعطاء.\n[مصنف عبد الرزاق: ٣/ ١٣٥، مصنف ابن أبي شيبة: الموضع السابق].","vol":"1","page":1156},{"text":"ولا أدري الوجه الذي شبه الشافعي فيه الثياب بالطهارة في الإيجاب للصلاة، وقد قال رسول الله - ﷺ -: لا يقبل الله الصلاة بغير طهور (^١). وأجمع على ذلك فقهاء الأمصار ومن قبلهم، وأجمعوا على جواز صلاة العريان عند الضرورة (^٢)، فإن قال: فإن لم تكن ضرورة وصلى - وَلِبْسُ اللباس من فرض الصلاة - قيل: هذا رجل تهاون بأمر الله، وخالف آداب الله، ولعب بصلاته، فأبطلنا عليه صلاته لهذه العلة عقوبة على فعله (^٣)، وكذا يفعل في كل شيء خولف فيه أمر الله، وأمر رسول الله - ﷺ -، ألا ترى أنا نفعل ذلك في البيع بعد النداء الثاني يوم الجمعة (^٤)، ويفرق بين من خطب على خطبة أخيه، وذلك إذا ركنت المرأة إلى الرجل، وتوافقا على إيقاع العقد وعزيمته، فأما إذا كانت الخطبة ولم تكن إجابة فليس الذي أراد النبي (^٥)،\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: ٣٩٦.\n(^٢) الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ٢٦٢، المبسوط: ١/ ١٨٦، المغني: ٢/ ٣١١، المجموع: ٣/ ١٨٦.\n(^٣) قال ابن عبد البر: وقال آخرون: ستر العورة فرض عن أعين المخلوقين لا من أجل الصلاة، وستر العورة سنة مؤكدة من سنن الصلاة، ومن ترك الاستتار وهو قادر على ذلك وصلى عريانًا فسدت صلاته، وكما تفسد صلاة من ترك الجلسة الوسطى عامدًا وإن كانت مسنونة.\n[الاستذكار: ٥/ ٤٣٨].\n(^٤) الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ٣٣٥، أحكام القرآن لابن العربي: ٤/ ٢٤٩، تفسير القرطبي: ١٨/ ١٠٧.\n(^٥) روى البخاري في صحيحه: ٥/ ١٩٧٥ باب لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع كتاب النكاح عن ابن عمر ﵄ كان يقول: نهى النبي - ﷺ - أن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب. ومسلم في صحيحه: ٢/ ١٠٣٢ كتاب النكاح حديث: ٤٩.\nوانظر مذهب مالك في هذا: الموطأ: ٢/ ٤١٤ كتاب النكاح، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٧٠٧.\nقلت: وفيما ذكر المؤلف من قياس إبطال صلاة من صلى مكشوف العورة من غير ضرورة على إبطال البيع بعد النداء الثاني، والتفريق بين من خطب على خطبة أخيه، نظر، فالمؤلف يرى أن ستر العورة في الصلاة سنة، وما ذكره من البيع بعد النداء الثاني، والخطبة على خطبة الآخر كلاهما محرم.","vol":"1","page":1157},{"text":"ويحارب من ترك السنن عامدًا، ومعاندًا لغير سبب ولا عذر، وتعداد هذا يكثر، وفيما مضى كفاية لمن عقل.\nثم زعم الشافعي أيضًا: أن الثوب يكون طاهرًا (^١). قال ابن عباس (^٢) لمن سأله، وسعيد بن جبير (^٣): اقرأ عليَّ آية في طهارة الثياب. منكرًا لذلك.\nوتأول الشافعي: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (^٤). وهذا مما يدل على علمه باللغة (^٥)؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (^٦)، وهل يجوز أن تُجعل الثياب بين الأمر بالإنذار وهجر إبليس؟ وإنما هو: قلبك فطهر، وهذا أول ما نزل على رسول الله - ﷺ - من القرآن، وبه بعث، ولا فرض بعد، وإنما قيل له بعد: واهجر إبليس (^٧)،\n_________\n(^١) الأم: ١/ ٥٥، ٨٩.\n(^٢) لم أقف عليه.\n(^٣) رواه الإمام أحمد في العلل ومعرفة الرجال: ١/ ٢١٩، وذكره ابن المنذر في الأوسط: ٢/ ١٥٦، وابن عبد البر في التمهيد: ٢٢/ ٢٣٥، والاستذكار: ٣/ ٢٠٨.\n(^٤) [سورة المدثر: الآية ٤]\n(^٥) كذا في الأصل، ولعل الصواب: عدم علمه باللغة. فإن المقصد من إيراد هذا هو التنقص من الإمام الشافعي، ففي تفسير سورة المدثر قال المؤلف: ٣١٢/ب: قال إسماعيل: بلغني عن بعض من تكلف الفقه أنه ذكر أن قوله ﷿ (وثيابك فطهر) يوجب غسل الثياب من النجاسات، فتكلم بكلام يدل على قلة علمه بما مضى عليه أهل العلم وبمعاني كلام العرب، وعلى قلة علمه بوضع الكلام مواضعه.\n(^٦) [سورة المدثر: الآيات ١ - ٥]\n(^٧) ما وقفت عليه في تفسير الرجز هنا: أنه الأصنام، أو المعصية والإثم.\n\n[تفسير الطبري: ٢٩/ ١٤٧، النكت والعيون: ٦/ ١٣٧].","vol":"1","page":1158},{"text":"ولربك فاصبر على ما يلحقك، يكون بين ذلك اغسل ثيابك، هذا لو قاله رجل منا لاسُتضعف، جل ربنا عن ذلك، وقال الشاعر:\nوإني بحمد الله لا ثوب فاجر ... لبست ولا من غدره أتقنع (^١) (^٢)\nوقال بعضهم ممن تكلف الكلام في هذه المسألة: إن لم يقدر على الماء والصعيد صلى ولم يعد (^٣).\n_________\n(^١) عن عكرمة أن ابن عباس سئل عن قوله: (وثيابك فطهر) قال: لا تلبسها على معصية ولا غدرة، ثم قال أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي: وإني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من غدرة أتقنع.\nتفسير الطبري: ٢٩/ ١٤٥، تفسير ابن أبي حاتم: ١٠/ ٣٣٨٢.\n(^٢) للشافعي سلف فيما ذهب إليه، فقد روي هذا عن ابن زيد، وابن سيرين رواه عنهما ابن جرير في تفسيره ورجحه: ٢٩/ ١٤٦، وقال ابن العربي: ليس يمتنع أن تحمل الآية على عموم المراد بالحقيقة والمجاز. [أحكام القرآن: ٤/ ٣٤٠، وانظر أحكام القرآن للجصاص: ٣/ ٧٠٥، تفسير ابن كثير: ٤/ ٤٤١].\n(^٣) كذا في الأصل، وقد سبق ذكر قول المؤلف في أول هذه المسألة: فإن قال قائل متأخر: يصلي ويعيد.\nوقد ذهب الشافعي في الصحيح عنه إلى أنه يصلي حسب حاله، ويجب عليه الإعادة، وفي القديم عنه: أن يصلي حسب حاله ولا إعادة عليه، ووافقه أحمد، وذهب الثوري والأوزاعي وأصحاب الراي إلى أنه لا يصلي حتى يقدر على الوضوء أو التيمم.\nوقد روي عن مالك: أنه لا صلاة عليه ولا قضاء، وأنكر هذه الرواية ابن عبد البر، وأما أصحاب مالك فاختلفوا: فذهب ابن القاسم إلى أنه يصلي ويعيد، وعن أشهب: لا يعيد، وعن أصبغ لا يصلي وإن خرج الوقت إلا بوضوء أو تيمم، ثم هل يقضي إن وجده، فبعضهم قال: يقضي، وبعضه قال: لا قضاء عليه.\n\n[الأم: ١/ ٥١، الأوسط: ٢/ ٤٥، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٥٣٥، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ... ١/ ١٦٩، المنتقى: ١/ ١١٦، الاستذكار: ٣/ ١٥٠، المغني: ١/ ٣٢٧، المجموع: ٢/ ٣٢٢].","vol":"1","page":1159},{"text":"وهو قول من لا يعرف الأصول كيف وضعت، ولو جاز هذا لكانت الحائض تصلي، وإنما سقطت الصلاة عنها؛ لعجزها عن الطهارة، ولعل الرواية خطأ، وإنما فرض الله السترة لا للصلاة لحقوق البدن، فإذا لم يقدر عليه لم يسقط الفرض (^١).\nوقال ابن عباس - ﵁ - في طهارة الثياب: أربع لا تنجس الثوب، والأرض، والماء، والإنسان (^٢). وأجاز ابن عباس - ﵁ - وأصحابه الصلاة في الثوب النجس، ولم يروا الإعادة (^٣)، ورأى مالك الإعادة في الوقت استحبابًا؛ لأن الوقت من فرض الصلاة، والثوب من سنتها، وكذلك طهارتها، فما صلي في الوقت أفضل مما يعيده في * غير الوقت؛ إذ كانت الإعادة ناقصة الفرض تامة السنن، والأولى كاملة الفرض ناقصة السنن، فلذلك أمره في الوقت، ولم يوجبها في خروج الوقت، وقال ذلك استحبابًا، لم يره إيجابًا، والله أعلم (^٤)، وفي هذا الباب حجاج كثير، وحديث يطول ذكره، وكذا في سائر الأحكام، وإنما قصدنا الاختصار ليقرب من الفهم، نفعنا الله والمسلمين به.\n\nقال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (^٥)، وقال في سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) ذكر هذ الكيالهراس نقلًا عن القاضي إسماعيل وأجاب عنه. أحكام القرآن: ٣/ ٣٦٢.\n(^٢) رواه ابن حزم في المحلى تعليقًا وصححه: ١/ ١٤٦.\n(^٣) سبق أثر ابن عباس ص: ٧٣٤، وهذا يروى عن: مجاهد وعطاء. مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٣٤٤ في الرجل يصلي وفي ثوبه أو جسده دم.\n* لوحة: ١٤٧/أ.\n(^٤) سبق الحديث عن قول مالك وهذه المسألة عند تفسير الآية ١٤٥ من سورة الأنعام.\n(^٥) [سورة الأعراف: الآية ٣٣]\n(^٦) [سورة الأنعام: الآية ١٥١]","vol":"1","page":1160},{"text":"قال ابن عباس (^١)، وعلي بن الحسين (^٢)، ومجاهد (^٣)، وقتادة (^٤): ما ظهر نكاح الأم، ويدخل في ذلك كل المحرمات بالنسب، والصهر، والرضاع. ومابطن ويدخل في ذلك كل محرم من الخمر (^٥)، والقمار، وكل معصية يستتر بها (^٦)، والله أعلم.\nقال الله ﷿: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) عن ابن عباس: ما ظهر منها: نكاح الأمهات والبنات وما بطن الزنا. تفسير ابن أبي حاتم: ٥/ ١٤١٦، ١٤٧٠، زاد المسير: ٣/ ١٩٠.\n(^٢) علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، تقدم. روي عنه نحو ما تقدم من كلام ابن عباس، وعنه أيضًا: ما بطن: نكاح امرأة الأب. تفسير ابن أبي حاتم: ٥/ ١٤١٧، ١٤٧١، زاد المسير: ٣/ ١٩٠.\n(^٣) روي عن مجاهد نحو ما تقدم عن ابن عباس: تفسير الطبري: ٨/ ١٤، ٨٣، تفسير ابن أبي حاتم: ٥/ ١٤١٦، ١٤٧٠، النكت والعيون: ٢/ ١٨٦، زاد المسير: ٣/ ١٤٨.\n(^٤) ما وقفت عليه عن قتادة: ما ظهر بالعلانية، وما بطن بالسر. تفسير عبد الرزاق: ١/ ٢١٧، تفسير الطبري: ٨/ ٨٣، النكت والعيون: ٢/ ١٨٦، زاد المسير: ٣/ ١٤٨.\n(^٥) في كون الخمر مما بطن نظر، بل هو مما ظهر، فقد روى ابن جرير في تفسيره: ٨/ ٨٤ عن الضحاك: أن ما ظهر هو الخمر، وما بطن هو الزنا. وانظر النكت والعيون: ٢/ ١٨٦.\nوفيه نظر من وجه آخر وهو أن هذه السورة مكية وتحريم الخمر كان بالمدينة سنة ثلاث.\n(^٦) الذي يظهر عدم تخصيص الفواحش بما ذُكر، بل الآية عامة في كل ذلك وغيره مما يدخل في مسمى الفاحشة.\n[تفسير الطبري: ٨/ ١٥، ٨٣، تفسير ابن كثير: ٢/ ١٦٨].\n(^٧) [سورة الأعراف: الآية ١٥٧]","vol":"1","page":1161},{"text":"هذه الآية مثل قوله: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (^١) في سورة البقرة، والإصر في تلك الآية كانت: ما ألزمهم، ورحمنا فأزاله عنا، وهو قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢) ألزمها من كان قبلنا؛ لأنهم أبوها، وخفف عنا فلم نلزم إلا ما عملنا دون ما حدثتنا به أنفسنا (^٣). وأما الأغلال التي كانت عليهم وهي باقية: فالبول، وتجنب الحائض، وما تناله يدها *، والعهود التي ألزمها (^٤)، والله أعلم.\n_________\n(^١) [سورة البقرة: الآية ٢٨٦]\n(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٨٤]\n(^٣) انظر ما سبق عند تفسير الآية ٢٨٦ من سورة البقرة.\n* لوحة: ١٤٧/ب.\n(^٤) تفسير الطبري: ٩/ ٨٥، أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ٣٢٧، معالم التنزيل: ٣/ ٢٩٠، تفسير القرطبي: ٧/ ٣٠٠.","vol":"1","page":1162},{"text":"قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (^١).\nقال عبد الله بن مسعود (^٢)، وأبو هريرة (^٣)، وسعيد بن المسيب (^٤)، وأسلم (^٥)، ... وأبو العالية (^٦)، والزهري (^٧)، والحسن (^٨)،\n_________\n(^١) [سورة الأعراف: الآية ٢٠٤]\n(^٢) تفسير الطبري: ٩/ ١٦٢، تفسير ابن أبي حاتم: ٥/ ١٦٤٥، ١٤٤٦، التمهيد: ١١/ ٢٩ من طريق القاضي إسماعيل بن إسحاق.\n(^٣) مصنف ابن أبي شيبة: ٢/ ٢٢٧ باب قوله: (وإذا قرئ القرآن)، تفسير الطبري: ٩/ ١٦٢، ١٦٤، الأوسط لابن المنذر: ٣/ ١٠٥، أحكام القرآن للطحاوي: ١/ ٢٤٤، تفسير ابن أبي حاتم: ٥/ ١٦٤٥، سنن الدارقطني باب ذكر قوله: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة حديث: ٧، سنن البيهقي: ٢/ ١٥٥ باب من قال يترك المأموم القراءة فيما جهر فيه الإمام بالقراءة كتاب الصلاة، التمهيد: ١١/ ٢٩، أسباب النزول للواحدي: ٢٢٩.\n(^٤) تفسير الطبري: ٩/ ١٦٣، أحكام القرآن للطحاوي: ١/ ٢٤٤، جزء القراءة خلف الإمام للبيهقي: ١١٢.\n(^٥) لم أقف عليه، ووقفت عليه من قول زيد بن أسلم: تفسير ابن أبي حاتم: ٥/ ١٦٤٦، التمهيد: ١١/ ٣٠ من طريق القاضي إسماعيل، المغني: ٢/ ٢٦١.\n(^٦) ذكره ابن عبد البر في التمهيد: ١١/ ٣٠، وعزاه السيوطي في الدر: ٣/ ١٥٦ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(^٧) تفسير الطبري: ٩/ ١٦٣، ١٦٤، وذكره ابن عبد البر في التمهيد: ١١/ ٣٠.\n(^٨) عن الحسن: في الصلاة المكتوبة وعند الذكر. مصنف ابن أبي شيبة: ٢/ ٢٢٦ الموضع السابق، تفسير الطبري: ٩/ ١٦٥، ١٦٦، وعند البيهقي في جزء القراءة خلف الإمام: ١١٢: في الصلاة. وذكره ابن المنذر في الأوسط: ٣/ ١٠٤، وابن عبد البر في التمهيد: ١١/ ٣٠ ..","vol":"1","page":1163},{"text":"والنخعي (^١)، ومحمد بن كعب القرظي (^٢) (^٣)\n\nوالشعبي (^٤)، والضحاك (^٥)، ومعاوية بن قرة (^٦)\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة: الموضع السابق، تفسير الطبري: ٩/ ١٦٤، جزء القراءة خلف الإمام للبيهقي: ١١٢، وذكره ابن عبد البر في التمهيد: ١١/ ٣٠.\n(^٢) محمد بن كعب بن حيان بن سليم بن أسد، أبو حمزة القُرظي، المدني من حلفاء الأوس، ولد سنة ٤٠ هـ على الصحيح، ووهم من قال: ولد في عهد النبي - ﷺ -، روى عن جمع من الصحابة، ثقة عالم من أئمة التفسير، مات سنة ١٢٠ هـ. ... [سير أعلام النبلاء: ٥/ ٦٥، التقريب: ٨٩١].\n(^٣) سنن سعيد بن منصور: ٥/ ١٨١، تفسير ابن أبي حاتم: ٥/ ١٦٤٥، جزء القراءة خلف الإمام للبيهقي: ١١٠.\n(^٤) مصنف ابن أبي شيبة: الموضع السابق، تفسير الطبري: ٩/ ١٦٤، جزء القراءة خلف الإمام للبيهقي: ١١٢، وذكره ابن عبد البر في التمهيد: ١١/ ٣٠.\n(^٥) تفسير الطبري: ٩/ ١٦٤، وذكره ابن عبد البر في التمهيد: ١١/ ٣٠. وعند ابن أبي شيبة في مصنفه: الموضع السابق عن الضحاك: في الصلاة المكتوبة وعند الذكر.\n(^٦) معاوية بن قرة بن إياس بن هلال المزني، أوب إياس البصري، حدث عن والده، وعبد الله بن مغفل، وأبي هريرة، وابن عباس، وعنه: ابنه إياس، وقتادة، ولد سنة الجمل، ومات سنة ١١٣ هـ.\n\n[سير أعلام النبلاء: ٥/ ١٥٣، التقريب: ٩٥٦].","vol":"1","page":1164},{"text":"(^١)، وقتادة (^٢)، ومجاهد (^٣): إن هذه الآية نزلت في الصلاة، وزاد مجاهد: في الخطبة (^٤).\nوقد ألزم بعض الناس المصلين قراءة أم الكتاب خلف الإمام بحديث عن عبادة (^٥)، وصله\nابن إسحاق (^٦)\n_________\n(^١) سنن سعيد بن منصور: ٥/ ١٨٢، سنن البيهقي: ٢/ ١٥٥ الموضع السابق، جزء القراءة خلف الإمام للبيهقي: ١١٦.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق: ١/ ٢٤٧، تفسير الطبري: ٩/ ١٦٤، جزء القراءة خلف الإمام للبيهقي: ١١٦.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق: ١/ ٢٤٧، ومصنفه: ٢/ ٤٥٣، مصنف ابن أبي شيبة: ٢/ ٢٢٧ الموضع ... السابق، تفسير الطبري: ٩/ ١٦٣، سنن البيهقي: ٢/ ١٥٥ الموضع السابق، جزء القراءة خلف الإمام للبيهقي: ١١٠.\n(^٤) سنن سعيد بن منصور: ٥/ ١٨١، مصنف ابن أبي شيبة: الموضع السابق، تفسير الطبري: ٩/ ١٦٥، جزء القراءة خلف الإمام للبيهقي: ١١١.\n(^٥) ذهب الشافعي في أحد قوليه، وهو الصحيح عنه: أن قراءة الفاتحة واجبة في كل ركعة من الصلاة السرية والجهرية، يقرأها المأموم في سكتة الإمام.\n[الأم: ١/ ٢١٢، أحكام القرآن للشافعي جمع البيهقي: ١/ ٧٩، معالم التنزيل: ٣/ ٣٢٠، المجموع: ٣/ ٣٢١، تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٨٠].\n(^٦) في الأصل: أبو إسحاق، والتصويب من مصادر التخريج، وهو: محمد بن إسحاق بن يسار، ابو بكر المطلبي مولاهم المدني، إمام المغازي، عن مكحول الشامي، ومحمد بن المنكدر، وعنه: يزيد بن هارون، ومحمد بن سلمة، اختلف في مرتبته اختلافًا كثيرًا، قال الذهبي: وثقه غير واحد، ووهاه آخرون كالدارقطني، وهو صالح الحديث، ماله عندي ذنب إلا ما قد حشا في السيرة من الأشياء المنكرة المنقطعة والأشعار المكذوبة، وقال ابن حجر: صدوق يدلس، وقيل غير ذلك، مات سنة ١٥٠ هـ.\n\n[تهذيب الكمال: ٢٤/ ٤٠٥، ميزان الاعتدال: ٣/ ٤٦٨، التقريب: ٨٢٥].","vol":"1","page":1165},{"text":"(^١)، ووقفه (^٢) ابن عون (^٣)\n_________\n(^١) روى أبوداود في سننه: ١/ ٢١٧ باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب كتاب الصلاة عن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال: كنا خلف رسول الله - ﷺ - في صلاة الفجر فقرأ رسول الله - ﷺ - فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم، قلنا: نعم هذا يا رسول الله، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها. سنن الترمذي: باب ما جاء في القراءة خلف الإمام من ابواب الصلاة، وقال: حديث عبادة حديث حسن تحفة الأحوذي: ٢/ ٢٢٦، مسند أحمد: ٥/ ٣١٦، ٣٢١، ٣٢٢، مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ٣٢٨ من رخص في القراءة خلف الإمام، جزء القراءة خلف الإمام للبخاري: ٣٦، ٨٧، صحيح ابن خزيمة: ٣/ ٣٦، الأوسط لابن المنذر: ٣/ ١٠٧، شرح معاني الاثار للطحاوي: ١/ ٢١٥، أحكام القرآن له: ١/ ٢٥١، صحيح ابن حبان: ٥/ ٨٦، سنن الدارقطني: ... ١/ ٣١٨ باب وجوب قراءة أم القرآن حديث: ٥، وقال: هذا إسناد حسن، سنن البيهقي: ٢/ ١٦٤ باب من قال يقرأ خلف الإمام فيما يجهر فيه بالقراءة بفاتحة الكتاب كتاب الصلاة، وقال: الحديث صحيح عن عبادة بن الصامت عن النبي - ﷺ - وله شواهد.\n(^٢) في الأصل: ورفعه، والصواب ما أثبت، فإن ابن إسحاق وصله ورفعه، وابن عون وقفه على عبادة كما سيأتي في مصادر التخريج.\n(^٣) عبد الله بن عون بن أرطبان المزني، أبو عون البصري، عن: إبراهيم النخعي، ورجاء بن حيوة، وعنه: أزهر السمان، ووكيع بن الجراح، ثقة ثبت فاضل، مات سنة ١٥٠ هـ.\n\n[تهذيب الكمال: ١٥/ ٣٩٤، التقريب: ٥٣٣].","vol":"1","page":1166},{"text":"(^١)، وفرق ما بين ابن عون وابن ... إسحاق (^٢) غير خفي (^٣)، وقد حدث الزهري عن محمود بن الربيع بهذا ... الحديث (^٤)، وقال: فهي خداج (^٥). والخداج: الناقص عند العرب (^٦)، ليس تقتضي هذه الكلمة بطول الصلاة (^٧)،\n_________\n(^١) روى عبد الرزاق في مصنفه: ٢/ ١٣٠ عن جعفر بن سليمان عن ابن عون قال: حدثنا رجاء بن حيوة قال: صليت إلى جنب عبادة بن الصامت فسمعته يقرأ خلف الإمام، فلما قضينا صلاتنا قلنا: يا أبا الوليد أتقرأ مع الإمام؟ قال: ويحك إنه لا صلاة إلا بها. مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ٣٢٩ الموضع السابق، أحكام القرآن للطحاوي: ١/ ٢٥٢، سنن البيهقي: ٢/ ١٦٨ الموضع السابق، المحلى: ٣/ ٢٣٧.\n(^٢) في الأصل: أبو إسحاق، والصواب ما أثبت كما سبق في مصادر التخريج.\n(^٣) قلت: قد يكون هناك فرق بين ابن إسحاق وابن عون من جهة التوثيق، مع أن هناك من وثق ابن إسحاق، وقد صرح بالتحديث كما عند ابن حبان في صحيحه، وله شواهد أخرى من طرق متعددة غير طريق ابن إسحاق، وقد ذكر بعض هذه الطرق: أبوداود في سننه، والبخاري في جزء القراءة، والدارقطني في سننه، والبيهقي في سننه، انظر المواضع السابقة، وقد صححه جمع من أهل العلم ذكرت بعضهم في مصادر التخريج، وقال الخطابي: وإسناده جيد لا طعن فيه. [معالم السنن: ١/ ٣٩٠] وقال ابن حجر: أخرجه أبوداود بإسناد رجاله ثقات.\n[الدراية: ١/ ١٦٤، وانظر تلخيص الحبير: ١/ ٢٣١].\n(^٤) سيأتي هذا الحديث وترجمة رجاله ص: ٧٥٣.\n(^٥) سيأتي من حديث أبي هريرة ص: ٧٥٤.\n(^٦) غريب الحديث للهروي: ١/ ٤٧، مقاييس اللغة: ٢٩٠، النهاية: ٢/ ١٢، لسان العرب: ٢/ ٢٤٨.\n(^٧) قد تحتمل بطلان الصلاة، قال الخطابي: فهي خداج معناه: ناقصة نقص فساد وبطلان.\n\n[معالم السنن: ١/ ٣٨٨].","vol":"1","page":1167},{"text":"والذي خلف الإمام (^١) حكمه في القراءة حكم الإمام؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (^٢) فأشرك ﵎ بين القارئ، والمنصت المستمع في الرحمة؛ لأن كل واحد منهما عامل بما أمره به، الإمام بالقراءة، والمأموم بالإنصات والاستماع، ومن يستمع ولا يسمع، فقد قال عثمان بن عفان: للمنصت الذي لا يسمع من الأجر مثل ما للسامع المنصت (^٣). وإنما ذلك لأن على الإنسان أن يستمع وينصت، ليس عليه أن يسمع، قال الله ﵎: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ (^٤)\n_________\n(^١) في الأصل: خلف الصلاة، والصواب ما أثبت.\n(^٢) [سورة الأعراف: الآية ٢٠٤]\n(^٣) روى مالك في الموطأ: ١/ ١٠٧ كتاب الجمعة حديث ٨ عن مالك بن أبي عامر: أن عثمان بن عفان كان يقول في خطبته - قل ما يدع ذلك إذا خطب -: إذا قام الإمام يخطب يوم الجمعة فاستمعوا وأنصتوا فإن للمنصت الذي لا يسمع من الحظ مثل ما للمنصت السامع. الأم للشافعي: ١/ ٢٠٣، مصنف عبد الرزاق: ٢/ ٤٩، ١٣٢، الأوسط لابن المنذر: ٤/ ٦٩، سنن البيهقي: ٣/ ٢٢٠ باب الإنصات للخطبة وإن لم يسمعها كتاب الجمعة.\n(^٤) [سورة يونس: الآيتان ٨٨ - ٨٩]\n* لوحة: ١٤٨/أ.","vol":"1","page":1168},{"text":"* فجعل هارون داعيًا، وإنما أمن، ولذلك عُلمنا أن نقول: آمين إذا قرأ الإمام، وقال: ولا الضالين لنشاركه (^١)، فإذا قرأنا فقد غُنينا عن التأمين؛ لأن التأمين إنما يكون على دعاء غيري (^٢) لا نشركه في دعائه.\nومما يدل أيضًا على زوال فرض القراءة عن المأموم أن النبي - ﷺ - علم الرجل في الصلاة فقال: كبر، وأقرأ، ثم اركع، ثم افعل كذا (^٣). فأمره بالقراءة كما أمره بالركوع، وعلم الذين وراء الإمام فقال لهم: إذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال كذا فافعلوا كذا (^٤). ولم يأمرهم بالقراءة كما أمر المنفرد. وجاءه أبو بكرة نُفَيع: فلحق الركوع فركع ودَبَّ (^٥) (^٦)\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: ١١٦.\n(^٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: دعاء الغير.\n(^٣) جزء من حديث المسئ صلاته، صحيح البخاري: ١/ ٢٦٣ باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر وما يجهر فيها وما يخافت كتاب صفة الصلاة، صحيح مسلم: ١/ ٢٩٨ كتاب الصلاة حديث: ٤٥.\n(^٤) يأتي تخريجه ص: ٧٥٤.\n(^٥) دَبَّ أي: مشى. [لسان العرب: ١/ ٣٦٩].\n(^٦) روى أبوداود في سننه: ١/ ١٨٢ باب الرجل يركع دون الصف كتاب الصلاة عن الحسن: أن أبا بكرة جاء ورسول الله - ﷺ - راكع فركع دون الصف ثم مشى إلى الصف، فلما قضى النبي - ﷺ - صلاته قال: أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف، فقال أبو بكرة: أنا، فقال النبي - ﷺ -: زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ. وأصله في صحيح البخاري: ١/ ٢٧١ باب إذا ركع دون الصف كتاب صفة الصلاة: عن الحسن عن أبي بكرة أنه انتهى إلى النبي - ﷺ - وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال: زادك الله حرصًا ولا تعد.\n* لوحة: ١٤٨/ب.","vol":"1","page":1169},{"text":"، ولو كانت القراءة من الفروض لأمره بإعادة الركعة، فأجزأته صلاته، وأجمعت الأمة على ذلك. فإن قال قائل: فإن القيام فرض، فلما سقط عنه في هذه الركعة سقطت عنه القراءة، قيل له: إنما كان القيام مفروضًا للقراءة، والاستماع للقراءة، فإذا انقضى فرض القراءة زال فرض القيام، فلما لم يكن على المأموم القراءة سقط فرض القيام لهما. فإن قيل: فلم لا يسقط فرض القيام في غير هذه الركعة عن المأموم؟ قيل: لم يزل ذلك عنه، لقول النبي - ﷺ - *: جعل الإمام ليؤتم به (^١). فعليه أن يفعل مثل أفعاله، ولا يخالفه في شيء منها، ويستمع لقراءته إن كان يجهر. والركعة الأولى إنما صار له إمام بعد فوت القيام واستماع القراءة. وقد روى مالك عن أبي نعيم وهب بن كيسان (^٢)\n_________\n(^١) يأتي تخريجه ص: ٧٥٤.\n(^٢) وهب بن كيسان القرشي، ابو نعيم المدني المعلم، مولى آل الزبير بن العوام، عن: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وعنه: مالك بن أنس، ومحمد بن إسحاق، ثقة، مات سنة ١٢٧ هـ.\n\n[تهذيب الكمال: ٣١/ ١٣٧، التقريب: ١٠٤٤].","vol":"1","page":1170},{"text":"أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فلم يصل، إلا وراء إمام (^١). والزهري روى حديث محمود بن الربيع عن عبادة (^٢)، وفهمه، وكان يقرأ خلف الإمام فيما خافت فيه، وكان لا يقرأ فيما جهر (^٣). وكيف يجوز لذي لب أن يتوهم أن النبي - ﷺ - يعلم أصحابه أن الصلاة لا تجزئهم إلا بقراءة، وهم يصلون معه خمس صلوات في كل يوم وليلة، ثم يخالفه أصحابه الذين صلوا معه، وفقهاء الناس منهم؟ هذا ما لا ينبغي أن يتوهمه ذو دين ومعرفة.\nوقد روى مالك عن العلاء بن عبد الرحمن (^٤)\n_________\n(^١) الموطأ: ١/ ٩٢ كتاب الصلاة حديث: ٣٨، ومن طريق مالك رواه الترمذي في سننه: ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة أبواب الصلاة، وقال: هذا حديث حسن صحيح. تحفة الأحوذي: ٢/ ٢٥٢، مصنف عبد الرزاق: ٢/ ١٢١، شرح معاني الآثار: ١/ ٢١٨، سنن الدارقطني: ١/ ٣٢٧ باب ذكر قوله من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة حديث: ٩، سنن البيهقي: ٢/ ١٦٠ من قال لا يقرأ خلف الإمام على الإطلاق كتاب الصلاة، جزء القراءة خلف الإمام للبيهقي: ١٦٣. ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه من غير طريق مالك: ١/ ٣١٦ من قال لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب.\n(^٢) يأتي ص: ٧٥٣.\n(^٣) مصنف عبد الرزاق: ٢/ ١٣٢، ١٣٣، تفسير الطبري: ٩/ ١٦٤، جزء القراءة خلف الإمام للبيهقي: ١١٢.\n(^٤) العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحُرقي، أبو شبل المدني، مولى الحرقة من جهينة، عن: أنس بن مالك،، وأبي السائب مولى هشلم بن زهرة، وعنه: ابن جريج، ومالك بن أنس، صدوق ربما وهم.\n\n[تهذيب الكمال: ٢٢/ ٥٢٠، التقريب: ٧٦١].","vol":"1","page":1171},{"text":"عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة (^١) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، غير تمام. قال: قلت يا أبا هريرة: إني أحيانًا أكون وراء الإمام، قال: اقرأها يا فارسي في نفسك (^٢). ولم يذكر أبو هريرة صلاة جهر، وقد يجوز أن يكون ذلك في الصلاة العجماء، ولو كان في الجهر لجاز؛ لأن القراءة في النفس عرض على القلب، ولا بأس بعرض * المأموم قراءة الإمام على قلبه، فإنه مع الاستماع زيادة تعلم (^٣). وجاء عن ابن عباس - ﵁ - أنه أمر بالقراءة (^٤)، وجاء عنه أنه نهى عن القراءة خلف الإمام (^٥)، فجاز أن يكون الأمر في المخافتة (^٦)، والله أعلم.\n_________\n(^١) أبو السائب الأنصاري المدني، مولى هشام بن زهرة، ويقال: مولى عبد الله بن هشام، ويقال: مولى بني زهرة، يقال: اسمه عبد الله بن السائب، عن: أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وعنه: العلاء بن عبد الرحمن، والزهري، ثقة. ... [تهذيب الكمال: ٣٣/ ٣٣٨، التقريب: ١١٥١].\n(^٢) سبق تخريجه ص: ١١٥، وهو عند مسلم ومالك وغيرهما.\n* لوحة: ١٤٩/أ.\n(^٣) أجاب عن هذا النووي، وقد سبق ص: ١١٧.\n(^٤) روى عبد الرزاق في مصنفه: ٢/ ١٣٠ عن ابن عباس قال: لا بد أن يقرأ بفاتحة الكتاب خلف الإمام جهر أو لم يجهر. مصنف ابن ابي شيبة: ١/ ٣٢٨ من رخص في القراءة خلف الإمام، الأوسط لابن المنذر: ٢/ ١٠٩، المحلى: ٣/ ٢٣٧، سنن البيهقي: ٢/ ١٦٩ باب من قال يقرأ خلف الإمام، جزء القراءة خلف الإمام للبيهقي: ٩٦.\n(^٥) شرح معاني الآثار للطحاوي: ١/ ٢٢٠، أحكام القرآن له: ١/ ٢٥٠.\n(^٦) هذا غير مسلم به، فقد سبق في الرواية الأولى إيجاب القراءة سواء جهر أم لم يجهر.","vol":"1","page":1172},{"text":"وقد روى سفيان (^١) عن الزهري (^٢) عن محمود بن الربيع (^٣) عن عبادة أن النبي - ﷺ - قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب (^٤). وروى يونس (^٥) عن الزهري عن محمود عن عبادة عن النبي - ﷺ - أنه قال مثل ذلك (^٦)، ويجوز أن يكون المنفرد (^٧).\n_________\n(^١) سفيان بن عيينة ثقة حافظ، تقدم.\n(^٢) محمد بن مسلم بن شهاب الزهري متفق على جلالته وإتقانه، تقدم.\n(^٣) محمود بن الربيع بن سراقة بن عمرو الأنصاري الخزرجي، أبو نعيم، ويقال: أبو محمد المدني، عن رسول الله - ﷺ -، وعبادة بن الصامت، وعنه: رجاء بن حيوة، والزهري. [تهذيب الكمال: ٢٧/ ٣٠١، التقريب: ٩٢٥].\n(^٤) صحيح البخاري: ١/ ٢٦٣ باب وجوب القراءة للإمام والمأموم كتاب صفة الصلاة، صحيح مسلم: ... ١/ ٢٩٥ كتاب الصلاة حديث: ٣٤.\n(^٥) يونس بن يزيد الأيلي ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا، تقدم.\n(^٦) صحيح مسلم: ١/ ٢٩٥ كتاب الصلاة حديث: ٣٥.\n(^٧) لا دليل على هذا، بل الأولى حمله على المأموم في الصلاة الجهرية كما في حديث عبادة من طريق ابن إسحاق، قال ابن حجر: وقد ثبت الإذن بقراءة المأموم الفاتحة في الجهرية بغير قيد، وذلك فيما أخرجه البخاري في جزء القراءة والترمذي وابن حبان وغيرهما من رواية مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة: أن النبي - ﷺ - ثقلت عليه القراءة في الفجر، فلما فرغ قال: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم، قلنا: نعم، قال: فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها. والظاهر أن حديث الباب مختصر من هذا وكأن هذا سببه.\n[فتح الباري: ٢/ ٣١٤].","vol":"1","page":1173},{"text":"وروى زيد بن أسلم (^١) عن أبي صالح (^٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا (^٣).\n_________\n(^١) زيد بن أسلم العدوي ثقة عالم وكان يرسل، تقدم.\n(^٢) ذكوان، أبو صالح السمان الزيات المدني، مولى جويرية بنت الأحمس، كان يجلب السمن والزيت إلى الكوفة، عن: جابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وعنه: زيد بن أسلم، والقعقاع بن حكيم، ثقة ثبت، مات سنة ... ١٠١ هـ. ... [تهذيب الكمال: ٨/ ٥١٣، التقريب: ٣١٣].\n(^٣) روى أبو داود في سننه: ١/ ١٦٥ باب الإمام يصلي من قعود كتاب الصلاة عن أبي خالد عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به. بهذا الخبر، زاد: وإذا قرأ فأنصتوا. قال أبو داود: وهذه الزيادة (وإذا قرأ فأنصتوا) ليست بمحفوظة، الوهم عندنا من أبي خالد. والنسائي في السنن الكبرى: ١/ ٤٧٦ باب تأويل قوله (وإذا قرئ القرآن) كتاب الإمامة والجماعة، وقال: ... لا نعلم أحدًا تابع ابن عجلان على قوله (وإذا قرأ فانصتوا)، سنن ابن ماجة: ١/ ١٥١ باب إذا قرأ ... الإمام فأنصتوا من أبواب إقامة الصلاة، مسند أحمد: ٢/ ٤٢٠، مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ٣٣١ من كره ... القراءة خلف الإمام، سنن الدارقطني: ١/ ٣٢٧ الموضع السابق حديث: ١٠، سنن البيهقي: ٢/ ١٥٦ الموضع السابق.\n\nوقد علق المنذري على قول أبي داود أنه هذه الزيادة ليست بمحفوظة، بأن هذه الزيادة لم يتفرد بها، وأن له شواهد أخرى. ... [مختصر سنن أبي داود: ١/ ٣١٣].","vol":"1","page":1174},{"text":"وقال أبو الدرداء نحو ذلك (^١).\n\nوقال سليمان التيمي (^٢) (^٣)\n_________\n(^١) روي عن أبي الدرداء مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح. روى النسائي في سننه: ٢/ ٤٨٠ باب اكتفاء المأموم بقراءة الإمام كتاب الافتتاح عن كثير بن مرة الحضرمي عن أبي الدرداء سمعه يقول: سئل رسول الله - ﷺ - أفي كل صلاة قراءة؟ قال: نعم، قال رجل من الأنصار: وجبت هذه، فالتفت إلي وكنت أقرب القوم منه، فقال: ... ما أرى الإمام إذا أم القوم إلا قد كفاهم. قال النسائي: هذا عن رسول الله - ﷺ - خطأ، إنما هو قول أبي الدرداء، ولم يُقرأ هذا مع الكتاب. سنن الدارقطني: ١/ ٣٣٢ الموضع السابق حديث: ٢٩ وقال: وهو وهم من زيد بن الحباب، والصواب: فقال أبو الدرداء: ما أرى الإمام إلا قد كفاهم. ثم رواه موقوفًا، وفي سننه أيضًا: ١/ ٣٣٨ باب قدر القراءة في الظهر والعصر والصبح حديث: ٣، سنن البيهقي: ٢/ ١٦٢ الموضع السابق، ثم بين أن الصواب وقفه، ثم رواه موقوفًا، جزء القراءة خلف الإمام للبيهقي: ١٧١ - ١٧٤.\nوقد رواه موقوفًا أيضًا: أحمد في مسنده: ٦/ ٤٤٨، والطحاوي في شرح معاني الاثار: ١/ ٢١٦. وانظر علل الدارقطني: ٦/ ٢١٧.\n(^٢) سليمان بن طرخان التيمي، أبو المعتمر البصري، نزل في تميم فنسب إليهم، عن: قتادة بن دعامة، وطاوس ابن كيسان، وعنه: جرير بن عبد الحميد، وسفيان الثوري، ثقة عابد، مات سنة ١٤٣ هـ.\n[تهذيب الكمال: ١٢/ ٥، التقريب: ٤٠٩].\n(^٣) كذا في الأصل: عن سليمان التيمي عن حطان الرقاشي، وهو خطأ، والصواب: عن سليمان التيمي عن قتادة عن أبي غلَاّب عن جطان، كما سيأتي في مصادر التخريج.\n\nفأما قتادة بن دعامة السدوسي فهو ثقة ثبت تقدم. وأما أبو غلَاّب فهو: يونس بن جبير الباهلي، أبو غلَاّب البصري، عن: حطان الرقاشي، وعبد الله بن عمر، وعنه: قتادة، وابن سيرين، ثقة، مات قبل المائة وبعد التسعين. ... [تهذيب الكمال: ٣٢/ ٤٩٨، التقريب: ١٠٩٨].","vol":"1","page":1175},{"text":"عن حطّان الرقاشي (^١) عن الأشعري عن النبي - ﷺ -: إذا قرأ الإمام فأنصتوا (^٢).\n_________\n(^١) حِطان بن عبد الله الرقاشي ثقة، تقدم.\n(^٢) روى مسلم في صحيحه: ١/ ٣٠٣ كتاب الصلاة حديث: ٦٢ عن أبي عوانة عن قتادة عن يونس بن جبير عن حطان الرقاشي عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقولوا: آمين يجبكم الله .. الحديث. ثم قال الإمام مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، حدثنا سعيد بن أبي عروبة. ح وحدثنا أبو غسان المسمعي، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي. ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير عن سليمان التيمي، كل هؤلاء عن قتادة في هذا الإسناد بمثله، وفي حديث جرير عن سليمان عن قتادة من الزيادة: (وإذا قرأ فأنصتوا). وقد رواه أبو داود في سننه: ١/ ٢٥٦ باب التشهد كتاب الصلاة عن المعتمر بن سليمان عن أبيه عن قتادة عن أبي غلاب عن حطان عن أبي موسى بهذه الزيادة. قال أبو داود: وقوله (فأنصتوا) ليس بمحفوظ، لم يجئ به إلا سليمان التيمي في هذا الحديث. سنن ابن ماجة: ١/ ١٥٢ باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا من أبواب إقامة الصلاة، مسند أحمد: ٤/ ٤١٥، مسند أبي يعلى: ٦/ ٢٣٥، أحكام القرآن للطحاوي: ١/ ٢٤٦، سنن الدارقطني: ١/ ٣٣٠ الموضع السابق حديث: ١٧ كلهم من طريق جرير عن سليمان التيمي به. قال الدارقطني: وكذلك رواه سفيان الثوري عن سليمان التيمي، ورواه هشام الدستوائي، وسعيد، وشعبة، وهمام، وأبو عوانة، وأبان، وعدي بن أبي عمارة كلهم عن قتادة فلم يقل أحد منهم (وإذا قرأ فأنصتوا) وهم أصحاب قتادة الحفاظ عنه.\nسنن البيهقي: ٢/ ١٥٥ باب من قال يترك القراءة فيما جهر فيه الإمام بالقراءة كتاب الصلاة، ثم ذكر مخالفة أصحاب قتادة لهذه الزيادة.\n\nوقد صحح الإمام مسلم هذه الزيادة ففي صحيحه: ١/ ٣٠٤ قال أبو إسحاق - الرواوي عن مسلم - قال أبو بكر في هذا الحديث - أي طعن فيه - فقال مسلم: تريد أحفظ من سليمان.\nواعترض على هذا التصحيح النووي حيث قال: واجتماع هؤلاء الحفاظ على تضعيفها مقدم على تصحيح مسلم، لا سيما ولم يروها مسندة في صحيحه. ... [شرح النووي على صحيح مسلم: ٤/ ١٦٢].\nقلت: وهذه الزيادة وإن كانت غير صحيحة فلها شاهد من حديث أبي هريرة السابق.","vol":"1","page":1176},{"text":"وقال أبو الزبير (^١) عن جابر - ﵁ -: إن النبي - ﷺ - قال: من كان له إمام فقراءة الإمام ... له قراءة (^٢). وقال عبد الله بن شداد (^٣) عن النبي - ﷺ - مثل ذلك (^٤).\n_________\n(^١) محمد بن مسلم بن تدرس أبو الزبير المكي صدوق إلا أنه يدلس، تقدم.\n(^٢) سنن ابن ماجة: ١/ ١٥٢ الموضع السابق، مسند أحمد: ٣/ ٣٣٩، مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ٣٣٢ الموضع السابق، أحكام القرآن للطحاوي: ١/ ٢٤٨، شرح معاني الآثار: ١/ ٢١٧، سنن الدارقطني: ١/ ٣٣١ الموضع السابق حديث: ٢٠، وقال: جابر وليث ضعيفان، سنن البيهقي: ٢/ ١٦٠ من قال لا يقرأ خلف الإمام على الإطلاق كتاب الصلاة، وضعف رفعه، ورجح وقفه على جابر، جزء القراءة خلف الإمام للبيهقي: ١٥٥. قال ابن كثير: ولكن في إسناده ضعف، ورواه مالك عن وهب بن كيسان عن جابر من كلامه، وقد روي هذا الحديث من طرق، ولا يصح شيء منها عن النبي - ﷺ -.\n[تفسير القرآن العظيم: ١/ ١٢، وانظر في تضعيفه: التمهيد: ١١/ ٤٨، الدراية: ١/ ١٦٢].\n(^٣) عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي، أبو الوليد المدني، ولد على عهد النبي - ﷺ -، من كبار التابعين الثقات، عن: أبيه، وعلي بن أبي طالب، وعنه: الشعبي، وربعي بن حراش، قال أحمد وغيره: لم يسمع من النبي - ﷺ - شيئًا.\n[تهذيب الكمال: ١٥/ ٨١، جامع التحصيل: ٢١٢، التقريب: ٥١٤].\n(^٤) مصنف عبد الرزاق: ٢/ ١٣٦، مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ٣٣٠ الموضع السابق، أحكام القرآن للطحاوي: ١/ ٢٤٨، شرح معاني الآثار: ١/ ٢١٧، سنن الدارقطني: ١/ ٣٢٥ الموضع السابق حديث: ٥، سنن البيهقي: ٢/ ١٦٠ الموضع السابق، جزء القراءة خلف الإمام للبيهقي: ١٤٨. كلهم رووه مرسلًا.\n\nوقد روي موصولًا عن عبد الله بن شداد عن جابر بن عبد الله عن النبي - ﷺ -. المراجع السابقة ماعدا مصنف ... عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وقد رجح الدارقطني والبيهقي: أن المرسل هو المحفوظ، وضعفا طرق وصله.\nوقال البخاري في جزء القراءة خلف الإمام: ١٥: هذا خبر لم يثبت عند أهل العلم من أهل الحجاز وأهل العراق وغيرهم؛ لإرساله وانقطاعه.","vol":"1","page":1177},{"text":"وقال عمران بن حصين: صلينا مع النبي - ﷺ - الظهر أو العصر، فلما انصرف قال: أيكم قرأ بسبح؟ قال رجل: أنا، ولم أرد إلا الخير، فقال - ﵇ -: قد عرفت أن بعضكم خالجنيها (^١) (^٢).\nوقال أبو الأحوص (^٣) عن عبد الله: كنا نقرأ خلف النبي - ﷺ -، قال: خلطتم عليّ * ... القرآن (^٤).\nوقال عبد الله بن أبي ليلى (^٥) عن علي - ﵁ -: من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة (^٦) (^٧).\n_________\n(^١) خالجنيها أي: نازعنيها، وأصل الخلج: الجذب والنزع. [النهاية: ٢/ ٥٩].\n(^٢) صحيح مسلم: ١/ ٢٩٨ كتاب الصلاة حديث: ٤٧.\n(^٣) أبو الأحوص عوف بن مالك الأشجعي ثقة، تقدم.\n* لوحة: ١٤٩/ب.\n(^٤) مسند أحمد: ١/ ٤٥١، مسند البزار: ٥/ ٤٤٠، مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ٣٢٠ الموضع السابق، جزء القراءة خلف الإمام للبخاري: ٨٧، مسند أبي يعلى: ٤/ ٣٢٩، شرح معاني الآثار: ١/ ٢١٧، سنن الدارقطني: ١/ ٣٤١ باب ذكر نسخ التطبيق والأمر بالأخذ الركب حديث: ١١، جزء القراءة خلف الإمام للبيهقي: ١٦٦. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٢/ ١١٠: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح.\n(^٥) عبد الله بن يسار بن أبي ليلى، له حديث عن علي، روى عنه ابنه مختار بن عبد الله.\n[المجروحين: ٢/ ٥، ميزان الاعتدال: ٢/ ٥٢٧].\n(^٦) في الأصل: الفكرة، والتصويب من مصادر التخريج.\n(^٧) مصنف عبد الرزاق: ٢/ ١٣٧، ١٣٨، مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ٣٣٠ الموضع السابق، سنن الدارقطني: ١/ ٣٣١ باب قوله من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة حديث: ٢٢، جزء القراءة خلف الإمام للبيهقي: ١٩٠.\nورواه الطحاوي في أحكام القرآن: ١/ ٢٥٠، وشرح معاني الآثار: ١/ ٢١٩، والعقيلي في الضعفاء: ٢/ ٣١٦، والدارقطني في سننه: ١/ ٣٣٢ كلهم عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى عن علي بن أبي طالب.\n\nقال البخاري: عبد الله بن يسار هو بن أبي ليلى الأنصاري عن على - ﵁ - قاله مسدد عن محمد بن سليمان عن عبد الرحمن بن الأصبهاني عن مختار بن عبد الله بن أبي ليلى عن أبيه عن على - ﵁ -، ولا يصح.\n[التاريخ الكبير: ٥/ ٢٣٤].\nوقال أيضًا بعد ذكره لهذا الخبر: وهذا لا يصح؛ لأنه لا يعرف للمختار ولا يدرى أنه سمع من أبيه أصلًا، وأبوه من علي، ولا يحتج أهل الحديث بمثله.\n[جزء القراءة خلف الإمام: ٣١].\nوقال ابن حبان: وهذا شيء لا أصل له عن علي؛ لأن المشهور عن علي ما روى عنه عبيد الله بن أبي رافع أنه كان يرى القراءة خلف الإمام، وابن أبي ليلى هذا رجل مجهول ما أعلم له شيئًا يرويه عن علي غير هذا الحرف المنكر، الذي يشهد إجماع المسلمين قاطبة ببطلانه، وذلك أن أهل الصلاة لم يختلفوا من لدن الصحابة إلى يومنا هذا ممن ينسب إلى العلم منهم: أن من قرأ خلف الإمام تجزيه صلاته، وإنما اختار أهل الكوفة ترك القراءة خلف الإمام فقط، لا أنهم لم يجيزوه، ففي إجماعهم على إجازة القراءة خلف الإمام دليل على بطلان رواية ابن أبي ليلى هذا.\n[المجروحين: ٢/ ٥، وانظر في تضعيفه: نصب الراية ٢/ ١٣، الدراية: ١/ ١٦٥].\nوقد رواه عبد الرزاق في مصنفه: ٢/ ١٣٨، والدارقطني في سننه: ١/ ٣٣٢، والبيهقي في جزء القراءة خلف الإمام: ١٩٢ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي بن أبي طالب. وهو مخالف لجميع من رواه عن علي بن أبي طالب، وعلى افتراض صحته فإنه يحمل على معنى المخالفة لا معنى البطلان، قال ابن عبد البر: هذا الخبر لو صح كان معناه: من قرأ مع الإمام فيماجهر فيه بالقراءة فقد أخطأ الفطرة؛ لأنه حينئذ خالف الكتاب والسنة، فكيف وهو خبر غير صحيح. ... [التمهيد: ١١/ ٤٩].","vol":"1","page":1178},{"text":"قال بكر (^١): وهو أخو عبد الرحمن بن أبي ليلى (^٢).\nوقال ابن عجلان (^٣):\n_________\n(^١) المؤلف.\n(^٢) عبد الرحمن بن أبي ليلى ثقة، تقدم.\n(^٣) محمد بن عجلان القرشي، أبو عبد الله المدني، عن: أبان بن صالح، وعكرمة، وعنه: داود بن قيس، وليث بن سعد، صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، مات سنة: ١٤٨ هـ.\n\n[تهذيب الكمال: ٢٦/ ١٠١، التقريب: ٨٧٧].","vol":"1","page":1179},{"text":"إن عثمان، وعليًا، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وابن عمر: كانوا لا يقرؤون خلف الإمام (^١). وروى سعيد (^٢) عن منصور (^٣) عن أبي وائل (^٤) قال: قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: أنصت لقراءة الإمام فإن لك فيها شغلًا (^٥). وقال سعد بن أبي وقاص: وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جمرة (^٦).\n_________\n(^١) لم أقف عليه، وقد روى عبد الرزاق في مصنفه: ٢/ ١٣٨ عنه عن علي بن أبي طالب: من قرأ مع الإمام فليس على الفطرة. وعند الطحاوي في أحكام القرآن: ١/ ٢٥١، وفي شرح معاني الآثار: ١/ ٢١٩ عن عبيد الله ابن مقسم: أنه سأل عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله، فقالوا: لا تقرؤوا خلف الإمام في شيء من الصلوات.\n(^٢) لم أعرفه، ولم أجد في ترجمة منصور بن المعتمر من روى عنه بهذا الاسم.\n(^٣) منصور بن المعتمر ثقة ثبت، تقدم.\n(^٤) شقيق بن سلمة، أبو وائل الأسدي الكوفي، أدرك النبي - ﷺ - ولم يره، عن: ابن عباس، وابن مسعود، وعنه: منصور بن المعتمر، وعطاء بن السائب، ثقة. [تهذيب الكمال: ١٢/ ٥٤٨، التقريب: ٤٣٩].\n(^٥) الحجة لمحمد بن الحسن: ١/ ١١٩، ١٢٠ عن سفيان بن عيينة عن منصور بن المعتمر به، مصنف عبد الرزاق: ٢/ ١٣٨ عن منصور به، مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ٣٣٠ الموضع السابق عن أبي الأحوص عن منصور به، الأوسط لابن المنذر: ٣/ ١٠٢ عن سفيان الثوري عن منصور به، الطحاوي في أحكام القرآن: ١/ ٢٥٠، وشرح معاني الاثار: ١/ ٢١٩ عن شعبة وأبي الأحوص ووهيب بن خالد عن منصور به، سنن البيهقي: ٢/ ١٦٠ الموضع السابق عن سفيان وشعبة عن منصور به، التمهيد: ١١/ ٣٠ من طريق القاضي إسماعيل بن إسحاق عن شعبة عن منصور به.\n(^٦) الحجة لمحمد بن الحسن: ١/ ١٢١، مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ٣٣٠ الموضع السابق، جزء القراءة خلف الإمام للبيهقي: ٢١٢ .. قال البخاري: وهذا مرسل، وابن نجاد لم يعرف ولا سمي. [جزء القراءة خلف الإمام: ٣١] وقال ابن عبد البر: منقطع لا يصح، ولا نقله ثقة. [التمهيد: ١١/ ٥٠].","vol":"1","page":1180},{"text":"وقال عطاء بن يسار (^١) عن زيد بن ثابت: لا قراءة خلف الإمام (^٢). وروي عنه أنه قال: من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له (^٣). ومالك عن نافع عن ابن عمر: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ (^٤). وروى شعبة (^٥) عن عبد الله بن دينار (^٦)\n_________\n(^١) عطاء بن يسار الهلالي، أبو محمد المدني، مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ -، عن: جابر بن عبد الله، وزيد بن ثابت، وعنه: زيد بن أسلم، وعمرو بن دينار، ثقة فاضل. [تهذيب الكمال: ٢٠/ ١٢٥، التقريب: ٦٧٩].\n(^٢) صحيح مسلم: ١/ ٤٠٦ كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث: ١٠٦.\n(^٣) مصنف عبد الرزاق: ٢/ ١٣٧، مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ٣٣١ الموضع السابق، سنن البيهقي: ٢/ ١٦٣ الموضع السابق، جزء القراءة خلف الإمام للبيهقي: ٢١٠، وضعف هذه الرواية وذكر أن الرواية الصحيحة عنه هي الأولى. قال البخاري: ولا يعرف لهذا الإسناد سماع بعضهم من بعض، ولا يصح مثله.\n[جزء القراءة خلف الإمام: ٣٢].\nوقال ابن عبد البر: وهذا يحتمل أن يكون من قرأ مع الإمام فيما جهر فيه بالقراءة، على أنهم قد أجمعوا أنه من قرأ مع الإمام على أي حال كان فلا إعادة عليه، فدل ذلك على فساد ظاهر حديث زيد هذا.\n[التمهيد: ١١/ ٥٠].\n(^٤) الموطأ: ١/ ٩٣ كتاب الصلاة حديث: ٤٣، ومن طريق مالك: أحكام القرآن للطحاوي: ١/ ٢٥٠، شرح معاني الآثار: ١/ ٢٢٠، جزء القراءة خلف الإمام للبيهقي: ١٨٣.\n(^٥) شعبة بن الحجاج ثقة حافظ متقن، تقدم.\n(^٦) عبد الله بن دينار القرشي العدوي، أبو عبد الرحمن المدني، مولى عبد الله بن عمر، عن: مولاه عبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وعنه: شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، ثقة، مات سنة: ١٢٧ هـ.\n\n[تهذيب الكمال: ١٤/ ٤٧١، التقريب: ٥٠٤].","vol":"1","page":1181},{"text":"عن ابن عمر مثله (^١). وقال عبيد الله بن مقسم (^٢): سألت جابر بن عبد الله عن القراءة، فقال: حسبك قراءة الإمام (^٣). فأما من نهى عن القراءة خلف الإمام فيما يجهر فيه، وفيما يخافت من التابعين وغيرهم فيكثر ذكره ويطول (^٤).\nوقد روى مالك عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي (^٥) عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - انصرف من صلاة جهرَ فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معي منكم (^٦) أحد آنفًا؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله، فقال: إني أقول مالي أنازع القرآن (^٧).\n_________\n(^١) أحكام القرآن للطحاوي: ١/ ٢٥٠، شرح معاني الآثار: ١/ ٢٢٠، وقد روي من طرق أخرى عن ابن عمر: مصنف عبد الرزاق: ٢/ ١٣٩، الأوسط لابن المنذر: ٣/ ١٠٣، سنن الدارقطني: ١/ ٤٠٢ باب ذكر نيابة الإمام عن قراءة المأمومين حديث: ٣، سنن البيهقي: ٢/ ١٦١ الموضع السابق، جزء القراءة خلف الإمام للبيهقي: ١٤٥، ١٨١.\n(^٢) عبيد الله بن مقسم القرشي المدني، عن: جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وعنه: داود بن قيس، ومحمد بن عجلان، ثقة مشهور. ... [تهذيب الكمال: ١٩/ ١٦٣، التقريب: ٦٤٥].\n(^٣) مصنف عبد الرزاق: ٢/ ١٤١، مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ٣٣٠ الموضع السابق، شرح معاني الآثار: ... ١/ ٢١٩.\n(^٤) مصنف عبد الرزاق: ٢/ ١٣٨ - ١٤١، مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ٣٣٠ - ٣٣٢.\n(^٥) عُمارة بن أكَيْمَة الليثي، أبو الوليد المدني، اختلف في اسمه، فقيل: عمار، وقيل: عامر، عن: أبي هريرة، وعنه: الزهري، ثقة، مات سنة: ١٠١ هـ. [تهذيب الكمال: ٢١/ ٢٢٨، التقريب: ٧١٠].\n(^٦) في الأصل: هل قرأ معكم أحد، والتصويب من مصادر التخريج.\n(^٧) أنازع القرآن: أُداخلُ في القراءة، وأُغالب عليها. [معالم السنن: ١/ ٣٩٢، النهاية: ٥/ ٤٠].\n\n* لوحة: ١٥٠/أ.","vol":"1","page":1182},{"text":"قال أبو هريرة - ﵁ -: فانتهى * الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله - ﷺ - بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول الله - ﷺ - (^١).\n_________\n(^١) الموطأ: ١/ ٩٤ كتاب الصلاة حديث: ٤٤، ومن طريق مالك أبوداود في سننه: ١/ ٢١٨ باب من كره القراءة بفاتحة الكتاب إذا جهر الإمام كتاب الصلاة، قال أبو داود: ورواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري وانتهى حديثه إلى قوله (ما لي أنازع القرآن) ورواه الأوزاعي عن الزهري قال فيه: قال الزهري: فاتعظ المسلمون بذلك فلم يكونوا يقرؤون معه فيما يجهر به - ﷺ -. قال أبو داود: سمعت محمد بن يحيى بن فارس قال قوله: (فانتهى الناس) من كلام الزهري. سنن الترمذي باب ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة أبواب الصلاة، وقال: هذا حديث حسن. وقال: وروى بعض أصحاب الزهري هذا الحديث وذكروا هذا الحرف، قال: قال الزهري: فانتهى الناس عن القراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله - ﷺ -. تحفة الأحوذي: ٢/ ٢٣١، سنن النسائي: ٢/ ٤٧٨ باب ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر به كتاب الافتتاح، جزء القراءة خلف الإمام للبخاري: ٤٨، ٨٩ وقال: وقوله (فانتهى الناس) من كلام الزهري وقد بيّنه لي الحسن بن صباح. شرح معاني الآثار: ١/ ٢١٧، سنن البيهقي: ٢/ ١٥٧ باب من قال يترك القراءة فيما جهر فيه الإمام كتاب الصلاة، جزء القراءة خلف الإمام للبيهقي: ١٣٩. ومن طرق أخرى عن الزهري: سنن ابن ماجة: ١/ ١٥٢ باب إذا قرأ فأنصتوا أبواب إقامة الصلاة، مسند أحمد: ٢/ ٢٤٠، ٢٨٤، ٢٨٥، ٣٠١، مصنف عبد الرزاق: ٢/ ١٣٥، جزء القراءة خلف الإمام للبيهقي: ١٤٠، سنن البيهقي: الموضع السابق.\n\nوقد أعل هذا الحديث بأن قوله (فانتهى الناس عن القراءة) مدرج من قول الزهري، وليس من قول أبي هريرة، انظر ما سبق من كلام أبي داود في سننه، والترمذي في سننه، والبخاري في جزء القراءة، والبيهقي في سننه، ومعالم السنن: ١/ ٣٩١، تلخيص الحبير: ١/ ٢٣١. وقد أجاب عن هذا ابن القيم في تهذيب السنن: ١/ ٣٩٢.\nوعلى افتراض أنه من قول أبي هريرة فإن معناه: فانتهى الناس عن الجهر فيما جهر فيه رسول الله - ﷺ -، ولا يعني ذلك الامتناع عن القراءة أصلًا، قال القرطبي: والمعنى لا تجهروا إذا جهرت، فإن ذلك تنازع وتجاذب وتخالج، اقرأوا في أنفسكم، يبينه حديث عبادة، وفتيا الفاروق وأبي هريرة الراوي للحديثين.\n[الجامع لأحكام القرآن: ١/ ١٢٢].","vol":"1","page":1183},{"text":"وقال عبيد الله بن أبي رافع (^١): إن عليًا كان يقول: اقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في كل ركعة بأم القرآن وسورة (^٢). وكان القاسم بن محمد (^٣)، وجماعة من نظرائه مثل: عروة (^٤) وغيره (^٥) يقرؤون في الظهر والعصر خلف الإمام، ولا يقرؤون فيما سوى ذلك، فيتوهم متوهم أن هؤلاء الذين وصفناهم من الصحابة، والتابعين أضاعوا فرض الله في الصلاة، التي يصلونها في كل يوم وليلة خمس مرات، وجهلوا ما أمر به رسول الله - ﷺ -، وعلمه إياهم من الصلاة المفترضة عليهم (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل: عبد الله بن أبي رافع، والصواب ما أثبت، وهو مولى النبي - ﷺ - وكاتب علي، ثقة، تقدم.\n(^٢) مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ٣٢٨ من رخص في القراءة خلف الإمام، جزء القراءة خلف الإمام للبخاري: ٧، ٣٤، سنن الدارقطني: ١/ ٣٢٢ باب وجوب قراءة أم الكتاب في الصلاة حديث: ٢٤، وقال: هذا إسناد صحيح، جزء القراءة خلف الإمام للبيهقي: ٩٣.\n(^٣) الموطأ: ١/ ٩٣ كتاب الصلاة حديث: ٤١، مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ٣٢٩ الموضع السابق، التمهيد: ١١/ ٥٤ من طريق القاضي إسماعيل.\n(^٤) الموطأ: ١/ ٩٣ كتاب الصلاة حديث: ٤٠، مصنف ابن أبي شيبة: الموضع السابق، جزء القراءة خلف الإمام للبيهقي: ١٤٥.\n(^٥) الشعبي، سعيد بن المسيب، الحكم. مصنف ابن أبي شيبة: الموضع السابق.\n(^٦) الذي يظهر من كلام المؤلف من قوله: (والذي خلف الإمام حكمه في القراءة حكم الإمام) وقوله: في حديث عبادة (ويجوز أن يكون المنفرد) وقوله: (فأما من نهى عن القراءة خلف الإمام فيما يجهر فيه وفيما يخافت من التابعين فيكثر ذكره ويطول) وما أورده من أدلة فحواها أن قراءة الإمام قراءة للمأموم، أنه بذلك يوافق الأحناف القائلين بعدم وجوب قراءة أم القرآن خلف الإمام فيما جهر فيه الإمام وفيما أسر .. وبذلك يكون المؤلف موافقًا لبعض أصحاب مالك أيضًا، قال ابن أبي زيد القيرواني: وقال مالك وأصحابه بالقراءة خلفه فيما أسر إلا ابن وهب فقال: لا يقرأ، وذكر ابن المواز أن أشهب كان لا يقرأ خلفه فيما يسر. [النوادر والزيادات: ١/ ١٧٩] وقال القرطبي: وقال: ابن وهب وأشهب وابن عبد الحكم وابن حبيب والكوفيون لا يقرأ المأموم شيئًا، جهر إمامه أو أسر. [الجامع لأحكام القرآن: ١/ ١١٩].\nومشهور مذهب مالك: أن المأموم يقرأمع الإمام فيما يسر فيه استحبابًا، ولا يقرأ معه فيما يجهر فيه، قال ابن عبد البر: وقال فقهاء الحجاز والشام وأكثر البصريين: القراءة مع الإمام فيما يسر فيه بالقراءة، وهو قول مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، والطبري. ثم اختلف هؤلاء في وجوب القراءة إذا أسر الإمام، فتحصيل مذهب مالك عند أصحابه أن القراءة خلف الإمام فيما يسر فيه بالقراءة سنة، ومن تركها فقد أساء، ولا يُفسد ذلك عليه صلاته. ذكر ابن خواز منداد: أن القراءة عند أصحاب مالك خلف الإمام فيما أسر فيه بالقراءة مستحبة غير واجبة، وكذلك قال الأبهري وإليه أشار إسماعيل بن إسحاق وذكره في الأحكام له. [الاستذكار: ٤/ ٢٤٦، التمهيد: ١١/ ٥٣].","vol":"1","page":1184},{"text":"وقد حُكي عن بعض من يقول بالقراءة أنه احتج بحديث الحسن (^١) (^٢) عن سمرة أنه كان للنبي - ﷺ - سكتتان في صلاته (^٣)، وأنهما جعلتا لأن يقرأ من خلف الإمام. فتأول في حديث لم يسمع، وإنما أخذ من صحيفة بتأويل أخطأ فيه (^٤)،\n_________\n= وإلى هذا ذهب الشافعي في القديم عنه، وهو مذهب أحمد بن حنبل.\nولعل ما ذهب إليه الشافعي في الصحيح عنه من وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام فيما يسر فيه وفيما يجهر هو الصحيح؟ إن شاء الله؟ وهو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة الصريحة، وممن رجح ذلك: البخاري، وممن رجحه أيضًا وبسط القول فيه القرطبي. [انظر في هذه المسألة: جزء القراءة خلف الإمام للبخاري: ١٣، الأوسط لابن المنذر: ٣/ ٣٢١، أحكام القرآن للطحاوي: ١/ ٢٤٦، أحكام القرآن للجصاص: ٣/ ٦٢، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ١/٢٣٨، المنتقى: ١/ ١٥٩، المغني: ٢/ ٢٥٩، تفسير القرطبي: ١/ ١١٨، المجموع للنووي: ٣/ ٣٢١، التاج والإكليل: ٢/ ٢٣٩].\n(^١) الحسن البصري ثقة فقيه مشهور وكان يرسل كثيرًا ويدلس، تقدم.\n(^٢) سبق ذكر قول الشافعي من أن المأموم يقرأخلف الإمام في سكتته.\n(^٣) روى أبوداود في سننه: ١/ ٢٠٧ باب السكتة بعد الافتتاح كتاب الصلاة عن الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي - ﷺ - أنه كان يسكت سكتتين، إذا استفتح، وإذا فرغ من القراءة كلها. سنن الترمذي: باب ما جاء في السكتتين أبواب الصلاة، وقال: حديث سمرة حديث حسن، سنن ابن ماجة: ١/ ١٥١ باب سكتتي الإمام أبواب إقامة الصلاة، مسند أحمد: ٥/ ٧، ١٥، ٢٠، سنن الدارمي: ١/ ٣١٣ باب في السكتتين كتاب الصلاة، جزء القراءة خلف الإمام للبخاري: ٩٢، صحيح ابن خزيمة: ٣/ ٣٥، صحيح ابن حبان: ٥/ ١١٢، المعجم الكبير للطبراني: ٧/ ٢٢٦، ١٨/ ١٤٦، سنن الدارقطني: ١/ ٣٣٦ باب موضع سكتات الإمام لقراءة المأموم حديث: ١، المستدرك: ١/ ٣٣٥ كتاب الصلاة وصححه، وقال: حديث سمرة لا يتوهم متوهم أن الحسن لم يسمع من سمرة فإنه سمع منه، سنن البيهقي: ٢/ ١٩٦ باب في سكتتي الإمام كتاب الصلاة.\n(^٤) انظر خلاف أهل العلم في مسألة سماع الحسن البصري من سمرة بن جندب - ﵁ -.\n[جامع التحصيل: ١٦٥، نصب الراية: ١/ ٨٨].","vol":"1","page":1185},{"text":"ولم نر إمامًا من الخاصة والعامة سكت بعد قراءة أم الكتاب سكوتًا يمكن فيه قراءة، وإنما سكت العراقيون بعد التكبيرة الأولى لشيء رووه عن عمر: سبحانك اللهم وبحمدك (^١).\n_________\n(^١) روى مسلم في صحيحه: ١/ ٢٩٩ كتاب الصلاة حديث: ٥٢ عن عبدة: أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات، يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك.\nوله شاهد من حديث عائشة قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا استفتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. سنن أبي داود: ١/ ٢٠٦ من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك كتاب الصلاة، وقال: هذا الحديث ليس بالمشهور عن عبد السلام بن حرب، سنن الترمذي: باب ما يقول عند افتتاح الصلاة أبواب الصلاة، وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحارثة قد تكلم فيه من قبل حفظه. تحفة الأحوذي: ٢/ ٥٠، سنن ابن ماجة: ١/ ١٤٥ باب افتتاح الصلاة أبواب إقامة الصلاة، المستدرك: ... ١/ ٣٦٠ كتاب الصلاة وصححه.\nوله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري، انظر المراجع السابقة باستثناء المستدرك، وانظر أيضًا: مسند أحمد: ٣/ ٥٠، ٦٩، وتلخيص الحبير: ١/ ٢٢٩.\nوقد ذهب جمهور الصحابة والتابعين، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد إلى أن الاستفتاح من سنن الصلاة.\n\n[المبسوط: ١/ ١٢، المغني: ٢/ ١٤١، المجموع: ٣/ ٢٧٦].","vol":"1","page":1186},{"text":"وأهل المدينة ينكرون ذلك، ولا يرون سكوتًا أولًا ولا ثانيًا (^١). وقد روى أبو هريرة - ﵁ - أنه قال للنبي - ﷺ - في سكتة سكتها في بعض الصلوات، سكتتك هذه ما هي؟ فقال: أقول: اللهم باعد (^٢) بيني وبين ذنوبي كما باعدت (^٣) بين المشرق * والمغرب، واغسلني بالثلج والماء والبرد، ونقني من الذنوب كما ينقى الثوب من الدنس (^٤). وذكر سكتة واحدة، وأحسبها كانت في صلاة واحدة (^٥). ولم يقل سكت لتقرأ.\n_________\n(^١) المدونة: ١/ ١٦١، النوادر والزيادات: ١/ ١٧١، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ٢٣٠.\n(^٢) في الأصل: بعدّ - بالتشديد - والتصويب من مصادر التخريج.\n(^٣) في الأصل: بعدّت - بالتشديد - والتصويب من مصادر التخريج.\n* لوحة: ١٥٠/ب.\n(^٤) روى البخاري في صحيحه: ١/ ٢٥٩ باب ما يقول بعد التكبير كتاب صفة الصلاة عن أبي هريرة قال: كان رسول الله - ﷺ - يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة، قال أحسبه قال: هُنيّة، فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد.\nومسلم في صحيحه: ١/ ٤١٩ كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث: ١٤٧.\n(^٥) هذا غير مسلم به، ففي حديث أبي هريرة (كان رسول الله - ﷺ - يسكت) وهذا يدل على استمرار هذا ... منه - ﷺ -.","vol":"1","page":1187},{"text":"ثم زعم هذا الرجل أن الإمام يقرأ فيها، فجعل الإمام يقرأ بعد قراءة المأموم، فجعل الإمام مأمومًا، وقد قال النبي - ﷺ -: جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قرأ فأنصتوا (^١). فجعل الشافعي الإمام تابعًا للمأموم، وقد جعله النبي - ﷺ - متبوعًا، وكلف الإمام مالا يطاق من وقفة بعد قراءة فاتحة الكتاب لمن يقرأ، ولعل الجماعة قد قرؤوا إن كانوا ممن يرى القراءة، وفيهم خفيف القراءة، وثقيل القراءة، فجعل في الصلاة شيئًا لا لعلة، ولا ينتفع به، ولا علمناه في صلاتنا، فجعل الإمام يصلي صلاة خوف من غير خوف، بتقدم المأموم ببعضها عليه، ثم زعم هذا القائل بهذا القول: أن فرض القراءة على المأموم؛ لأن كل مصلي يصلي لنفسه. ثم زعم: أن الفصيح إذا قرأ فأصاب، ولحن إمامه لحنًا يزيل المعنى، وهو ممن لا يلحن، أن صلاة الإمام مجزئة، وعلى المأموم الإعادة (^٢)، ثم قال في الجمعة: لا يقرأ خلف الإمام (^٣). ولا أعلم فرقًا بين الجمعة وغيرها من الصلوات (^٤). ثم زعم: أن الذمي إذا أم مسلمًا بطلت صلاة المسلم (^٥)،\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص: ٧٥٤.\n(^٢) الأم: ١/ ١٦٦.\n(^٣) قال الشافعي: فيصلي بالناس ركعتين يقرأ في الأولى بأم القرآن يبتدئها ببسم الله الرحمن الرحيم، وبسورة الجمعة، ويقرأ في الثانية بأم القرآن، وإذا جاءك المنافقون، ثم يتشهد، ويصلي على النبي - ﷺ -، ويجهر الإمام بالقرءة، ولا يقرأ من خلفه. [مختصر المزني: ٢٧].\n(^٤) قلت: قد يكون هذا على مذهبه القديم، وقد يكون قصد بقوله: ولا يقرأ من خلفه، أي سورة الجمعة وسورة المنافقين، وقد يكون معناه: لا يجهر كما يجهر الإمام. ولم أجد غير هذا عند المزني، والله أعلم.\n(^٥) الأم: ١/ ١٦٨، روضة الطالبين: ١/ ٣٥٢.\n\n* لوحة: ١٥١/أ.","vol":"1","page":1188},{"text":"فإذا كانت * صلاته لنفسه لا تشارك فيها، فلم تبطل وقد أقامها بسنتها وفرائضها؟ .\nثم زعم مع ذلك: أنه يجوز أن يصلي المتطوع بالمفترض (^١)، واحتج بأن معاذًا - ﵁ - كان يصلي مع النبي - ﷺ - فريضته، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم (^٢). فأوهم أن معاذًا كان يصلي فريضته مع النبي - ﷺ -، ثم يؤم قومه متطوعًا، وليس هذا في الحديث (^٣)\n_________\n(^١) ذهب الشافعي إلى جواز صلاة المفترض خلف المتنفل وخلف مفترض غير فرضه، وهي رواية عن أحمد، وذهب مالك وأصحاب الرأي، والرواية الأخرى عن أحمد: إلى عدم صحة صلاة المفترض خلف المتنفل أو خلف مفترض غير فرضه. [الأم: ١/ ١٧٢، النوادر والزيادات: ١/ ٣٠٦، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ٢٩٥، المبسوط: ١/ ١٣٦، المغني: ٣/ ٦٧، المجموع: ٤/ ١٦٩].\n(^٢) روى البخاري في صحيحه: ١/ ٢٤٨ باب إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج فصلى كتاب الجماعة والإمامة عن عمرو قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي - ﷺ - ثم يرجع فيؤم قومه، فصلى العشاء فقرأ بالبقرة، فانصرف الرجل، فكأن معاذًا تناول منه، فبلغ النبي - ﷺ - فقال: فتان فتان فتان ثلاث مرار، أو قال: فاتنا فاتنا فاتنا، وأمره بسورتين من أوسط المفصل. صحيح البخاري: ٥/ ٢٢٦٤ باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولًا أو جاهلًا كتاب الأدب، صحيح مسلم: ١/ ٣٣٩ كتاب الصلاة حديث: ١٧٨.\n(^٣) فيه نظر، فقد روى الشافعي في الأم: ١/ ٢٧٣ من طريق ابن جريج عن عمرو عن جابر قال: كان معاذ يصلى مع النبي - ﷺ - العشاء، ثم ينطلق إلى قومه فيصليها لهم، هي له تطوع، وهي لهم مكتوبة .. ورواه عبد الرزاق في مصنفه: ٢/ ٨ من طريق ابن جريج عن عكرمة مولى ابن عباس، والطحاوي في شرح معاني الاثار: ١/ ٤٠٩، والدارقطني في سننه: ١/ ٢٧٤ باب ذكر صلاة المفترض خلف المتنفل حديث: ١، سنن البيهقي: ٣/ ٨٦ باب الفريضة خلف من يصلي النافلة كتاب الصلاة، قال ابن حجر: وهو حديث صحيح رجاله رجال الصحيح، وقد صرح ابن جريج في رواية عبد الرزاق بسماعه فيه فانتفت تهمة تدليسه.\n[فتح الباري: ٢/ ٢٥٣، تلخيص الحبير: ٢/ ٣٧].","vol":"1","page":1189},{"text":"، ولا أدري كيف يجترئ على أن يظن فيجعله يقينًا، ومعاذ - ﵁ - كان يصلي بقومه قبل أحد في أول الهجرة، وشُكي إلى النبي - ﷺ - وأنه يطول، فأمره بقراءة سور قصار من المفصل.\nقال القاضي: والذي عندنا أن معاذًا كان يصلي مع النبي - ﷺ - نافلة ليدرك فضل دعائه - ﵇ -، ويصلي الفريضة بقومه (^١). ودعوانا في الحديث أوضح من دعواه. وقد حدثنا إبراهيم بن فهد (^٢)، وأخبرنا إسماعيل بن إسحاق (^٣) قالا: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي (^٤) قال: حدثنا سليمان بن بلال (^٥)\n_________\n(^١) فيه نظر، قال الخطابي: لا يجوز على معاذ مع فقهه أن يترك فضيلة الصلاة مع رسول الله - ﷺ - إلى فعل نفسه.\n[معالم السنن: ١/ ٣٨٢].\n(^٢) إبراهيم بن فهد بن حكيم البصري، أحد شيوخ المؤلف سائر أحاديثه مناكير، تقدم.\n(^٣) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق، تقدم.\n(^٤) عبد الله بن مسلمة القَعنبي ثقة عابد، تقدم.\n(^٥) سليمان بن بلال القرشي التيمي مولاهم، أبو محمد، ويقال: أبو أيوب المدني، عن: حميد الطويل، وعمرو بن يحيى بن عمارة، وعنه: القعنبي، وعبد الله بن وهب، ثقة، مات سنة ١٧٧ هـ.\n\n[تهذيب الكمال: ١١/ ٣٧٢، التقريب: ٤٠٥].","vol":"1","page":1190},{"text":"عن عمرو بن يحيى المازني (^١) عن معاذ بن رفاعة الزرقي (^٢) أن رجلًا من بني سلمة يقال له سليم (^٣) أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله: إنا نظل في أعمالنا فنأتي حين نمسي، فيأتي معاذ فينادي للصلاة، فنأتيه فيطول علينا، فقال رسول الله - ﷺ -: يا معاذ لا تكن فتانًا (^٤)،\n_________\n(^١) عمرو بن يحيى بن عُمارة بن أبي حسن المازني المدني، عن: معاذ بن رفاعة، وعبد الرحمن بن هرمز، وعنه: سليمان بن بلال، وأيوب السختياني، ثقة. ... [تهذيب الكمال: ٢٢/ ٢٩٥، التقريب: ٧٤٨].\n(^٢) معاذ بن رفاعة بن رافع الأنصاري الزرقي المدني، عن: جابر بن عبد الله، ورجل من بني سلمةيقال له: سليم، وعنه: عمرو بن يحيى، وعبد الله بن محمد بن عقيل، صدوق. [تهذيب الكمال: ٢٨/ ١٢١، التقريب: ٩٥١]\n(^٣) سليم الأنصاري السلمي، يعد في أهل المدينة، ويقال اسم أبيه: الحارث، روى عنه: معاذ بن رفاعة.\n[الاستيعاب: ٢/ ٧٤، الإصابة: ٢/ ٧٥].\n(^٤) الفتّان: الذي يفتن الناس عن دينهم ويصرفهم عنه، وأصل الفتنة الامتحان.\n[معالم السنن: ١/ ٣٨٢، النهاية: ٣/ ٤١٠].\n\n* لوحة: ١٥١/ب.","vol":"1","page":1191},{"text":"إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف عن قومك، ثم قال: يا سليم * ما معك من القرآن؟ قال: معي أني أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، والله ما أحسن دندنتك (^١) ولا دندنة معاذ، فقال رسول الله - ﷺ -: هل تصير دندنتي ودندنة معاذ إلا أن نسأل الله الجنة، ونعوذ به من النار، ولكن سترون هذا غدًا إذا التقى القوم - وكانوا يجهزون لأحد - فخرج سليم فاستشهد (^٢).\nفكان قوله - ﷺ -: إما أن تصلي معي - وهو يعلم أنه يصلي معه - يريد صلاة الفرض حتى آمر غيرك يصلي بالقوم، أو تخفف بقومك، وتتنفل معي (^٣)؛\n_________\n(^١) الدندنة: أن يتكلم الرجل بالكلام تُسمع نغمته ولا يُفهم. [النهاية: ٢/ ١٣٧].\n(^٢) مسند أحمد: ٥/ ٧٤ من طريق عمرو به، شرح معاني الآثار: ١/ ٤٠٩، المعجم الكبير: ٧/ ٦٧، معرفة الصحابة لأبي نعيم: ٣/ ١٣٦٧ ثلاثتهم من طريق القعنبي به، الاستيعاب: ٢/ ٧٤ من طريق عمرو بن يحيى به.\nقال الهيثمي: رواه أحمد، معاذ بن رفاعة لم يدرك الرجل الذي من بني سلمة؛ لأنه استشهد بأحد، معاذ تابعي، ورجال أحمد ثقات. [مجمع الزوائد: ٢/ ٧٢].\nوقال ابن حجر: وهذا مرسل؛ لأن معاذ بن رفاعة لم يدركه. [فتح الباري: ٢/ ٢٥١].\n(^٣) قال ابن حزم: ثم لو صح هذا الحديث الذي ذكروه من طريق معاذ بن رفاعة لما كان لهم فيه متعلق أصلًا؛ لأنه واضح المعنى، وكان يكون قوله ﵇: (إما أن تخفف عن قومك أو اجعل صلاتك معي) أي: لا تصل بهم إذا لم تخفف بهم، واقتصر على أن تكون صلاتك معي فقط، هذا مقتضى ذلك اللفظ الذي لا يحتمل سواه. ... [المحلى: ٤/ ٢٣٢].\nوقال ابن حجر: بل التقدير: إما أن تصلي معي فقط إذا لم تخفف، وإما أن تخفف بقومك فتصلى معي، وهو أولى من تقديره؛ لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف؛ لأنه هو المسئول عنه المتنازع فيه.\n\n[فتح الباري: ٢/ ٢٥٥].","vol":"1","page":1192},{"text":"لأن المتنفل الصلاةِ تجوز خلف المفترض، ألا ترى أنا أجمعنا على أن من دخل المسجد وقد صلى في بيته أنه يصلي مع الناس، وصلاته تطوعًا، ولم نر فريضة أجاز الأئمة كونها خلف المتنفل، إلا ما ادعاه الشافعي بغير حجة، ولا أثر بيّن، وهذا الحديث يدل على أن ذلك كان في أول الهجرة، ومن يحفظ القرآن قليل (^١)\n_________\n(^١) كأن المؤلف يشير بهذا إلى القول بنسخ حديث جابر، قال القاضي عياض: وقال المهلب: إنما كان ذلك أول الإسلام لعدم القراء، وأنه لم يكن للقوم عوض من معاذ، ولم يكن لمعاذ عوض من النبي - ﷺ -، . فكأن هؤلاء ذهبوا إلى نسخ القصة. [إكمال المعلم: ٢/ ٣٨٠، وانظر شرح معاني الاثار فقد أشار إلى قضية النسخ: ١/ ٤١٠].\n\nوقد أجاب عن هذا ابن دقيق العيد بأن دعوى النسخ تحتاج إلى دليل ولا دليل، وأن دعوى الضرورة لقلة القراء فيها ضعف؛ لأن المجزئ من القراءة في الصلاة ليس حفظته بقليل، ما زاد عن الحاجة من زيادة القراءة فلا يصلح أن يكون سببًا لارتكاب ممنوع شرعًا. [إحكام الأحكام: ١/ ٢٢٨ - ٢٢٩].","vol":"1","page":1193},{"text":"، وقد روى أبو هريرة، وابن عمر، وأبو سعيد الخدري، فأما ... أبو هريرة فإسلامه بعد أحد بسنين (^١)، وأما ابن عمر (^٢)، وأبو سعيد (^٣)، وجابر (^٤) فكلهم يوم أحد غير بالغ، وعائشة -﵂- روت، وكانت يوم أحد لعشر سنين أو لإحدى عشرة سنة (^٥)، أن النبي - ﷺ - قال: صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد بضعًا (^٦) وعشرين درجة (^٧).\n_________\n(^١) سبق في ترجمته أنه أسلم عام خيبر.\n(^٢) كان عمره في غزوة أحد ١٤ سنة. [الإصابة: ٢/ ٣٤٧].\n(^٣) استُصغر بأحد، وغزا ما بعدها. [المرجع السابق: ٢/ ٣٥].\n(^٤) كان يمنح الماء لأصحابه يوم بدر، منعه أبوه أن يشهد بدرًا وأحدًا. [المرجع السابق: ١/ ٢١٣].\n(^٥) سبق في ترجمتها أن الرسول - ﷺ - دخل بها وهي بنت تسع في السنة الأولى من الهجرة.\n(^٦) في الأصل: بضع، والصواب ما أثبت.\n(^٧) أما حديث أبي هريرة فرواه البخاري في صحيحه: ١/ ٢٣٢ باب فضل صلاة الجماعة كتاب الجماعة والإمامة، ومسلم في صحيحه: ١/ ٤٥٠ كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث: ٢٤٦ بلفظ: قال رسول الله - ﷺ -: صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفًا.\nوأما حديث ابن عمر فرواه البخاري في صحيحه: ١/ ٢٣١ الموضع السابق، ومسلم في صحيحه: الموضع السابق حديث: ٢٤٩ بلفظ: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة.\nوأما حديث أبي سعيد الخدري: فرواه البخاري في صحيحه: الموضع السابق بلفظ: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة.\nوأما حديث جابر فيقصد به حديثه في قصة معاذ المتقدم.\n\nوأماحديث عائشة: فروى النسائي في السنن الكبرى: ١/ ٤٤٢ باب فضل الجماعة كتاب الإمامة والجماعة، وفي سننه (المجتبى): ٢/ ٤٣٨ باب فضل الجماعة كتاب الإمامة، وأحمد في مسنده: ٦/ ٤٩ بلفظ: صلاة الجماعة تزيد على صلاة الفذ خمسًا وعشرين درجة.","vol":"1","page":1194},{"text":"فتبين بهذا (^١)، وبما قدمنا ذكره: أن الإمام والمأموم شركاء في الصلاة، وليس يجوز الاشتراك إلا فيما تستوي فيه النيات (^٢) *؛ لأن رسول الله - ﷺ - قال: لَتُسوُّنَ صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم (^٣). أفتراه - ﷺ - يأمرهم بهذا في الصفوف التي لو اختلفت لكانت الصلاة تامة عند الأمة، إذا كانوا يأتمون بإمامهم، ويبيحهم اختلاف النيات، فيكون الإمام يصلي صلاة، والمأموم يصلي غيرها، هذا مالا يظنه ذو عقل وروية (^٤)، وقد عيّر الله قومًا في غير الصلاة فقال: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ (^٥)، والصلاة من أجلّ الفرائض، وقد فضل الاجتماع فيها، أفيجوز ذلك على أن قلوبهم مختلفة؟ فأي اجتماع هذا؟ (^٦)\n_________\n(^١) يريد المؤلف بذلك أن يشير إلى قضية النسخ، وتأخر رواية هؤلاء لهذه الأحاديث، وفيه نظر، فحتى على التسليم بأن بعضهم لم يبلغ يوم أحد، فلا يمنع هذا من تحملهم للحديث وروايتهم له، وإخبارهم عما حصل فيه.\n(^٢) هذا ينتقض بجواز صلاة المفترض خلف المتنفل، كما سيأتي من كلام ابن العربي.\n* لوحة: ١٥٢/أ.\n(^٣) صحيح البخاري: ١/ ٢٥٣ باب تسوية الصفوف عند الإقامة كتاب الجماعة والإمامة من حديث النعمان بن بشير، صحيح مسلم: ١/ ٣٢٤ كتاب الصلاة حديث: ١٢٧.\n(^٤) هذا أيضًا ينتقض بجواز صلاة المتطوع خلف المتنفل، ولعل المؤلف هنا يعرض بالإمام الشافعي.\n(^٥) [سورة الحشر: الآية ١٤]\n(^٦) قال ابن العربي عند تفسير هذه الآية: تعلق بعض علمائنا من هذه الآية في منع صلاة المفترض خلف المتنفل حسبما بيناه في مسائل الخلاف؛ لأنهم مجمعون على صورة التكبير والأفعال، وهم مختلفون في النية، وقد ذم الله ذلك فيمن فعل ذلك فيشمله هذا اللفظ ويناله هذا الظاهر.\n\nوهذا كان يكون حسنًا بيد أنه يقطع به اتفاق الأمة على جواز صلاة المتنفل خلف المفترض، والصورة في اختلاف النية واتفاق الفعل والقول فيهما واحد، فإذا خرجت هذه الصورة عن عموم الآية، تبين أنها مخصوصة في الطاعات، وأنها محمولة على ما كان من اختلاف المنافقين في الأذية للدين ومعاداة الرسول - ﷺ -. [أحكام القرآن: ٢/ ٢٢٣]","vol":"1","page":1195},{"text":"وإذا صلى الإمام الظهر ومن وراءه العصر أجزأته صلاته، وعليهم الإعادة؛ لأنهم صلوا ولا إمام لهم في تلك، وصلى الإمام وحده فتمت صلاته، وفسدت صلاتهم؛ لأنهم ائتموا بمن ليس هو لهم بإمام (^١)، ولو كان يجوز ما قاله هذا الرجل ما احتيج إلى صلاة الخوف، وكان النبي - ﷺ - يصلي بطائفة الفرض، وبطائفة متطوعًا (^٢)، ويكون للمتطوع مثل ثواب المفترض خمسة وعشرين درجة. وهذا منافٍ لقول رسول الله - ﷺ -: صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا الفرض (^٣). وهذه المسألة يكثر شغبها، والاحتجاج فيها، والاختصار أولى، وفي ذلك كفاية إن شاء الله ﷿.\n_________\n(^١) سبق ذكر هذا في أول المسألة.\n(^٢) قلت: وقع هذا من حديث جابر أن الرسول - ﷺ - صلى بكل طائفة ركعتين فكانت له أربعًا ولهم ركعتين ركعتين، وقد سبق تخريجه وهو عند البخاري ومسلم، وسبق بيان كلام المؤلف في هذه الكيفية وأنها منسوخة، والجواب عن ما ذكره من قضية النسخ، انظر تفسير الآية ١٠٢ من سورة النساء.\n(^٣) روى أبوداود في سننه: ١/ ٢٧٤ باب صلاة الرجل التطوع في بيته كتاب الصلاة عن زيد بن ثابت أن رسول الله - ﷺ - قال: صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا. إلا المكتوبة. وابن عبد البر في التمهيد: ... ٨/ ١١٦، وسيأتي نحوه من حديث زيد عند البخاري ومسلم بعد هذا.\n* لوحة: ١٥٢/ب.","vol":"1","page":1196},{"text":"وقال زيد بن ثابت عن النبي - ﷺ -: أفضل صلاة المرء * في بيته. إلا المكتوبة (^١). وقال: صلاة المرء في بيته تفضل على صلاته حيث يراه الناس كفضل الجميع في الفرض على صلاة الرجل وحده (^٢). وسئل النبي - ﷺ - أحب الصلاة إلى الله: صلاة المرء في بيته مُرخًا عليه ستوره يناجي ربه (^٣). وما تطوع النبي - ﷺ - في المسجد قط، إلا في رمضان؛ ليَسُنَ ذلك، ثم خشي أن تفرض فتركها (^٤)، فسنها عمر - ﵁ - وجمع الناس عليها (^٥)، وقال: انقطع الوحي، وأمنا أن تفرض (^٦). فهذه أشياء كلها لو عرفها الشافعي ولم تغب عنه لترك قوله، والله أعلم.\n_________\n(^١) صحيح البخاري: ١/ ٢٥٦ باب صلاة الليل كتاب الجماعة والإمامة، صحيح مسلم: ١/ ٥٤٠ كتاب صلاة المسافرين وقصرها حديث: ٢١٣.\n(^٢) روى الطبراني في المعجم الكبير: ٨/ ٤٦ عن صهيب بن النعمان قال: قال رسول الله - ﷺ -: فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس كفضل المكتوبة على النافلة. ورواه البيهقي في شعب الإيمان: ٣/ ١٧٣ عن رجل من أصحاب الرسول - ﷺ - بنحوه.\nقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن مصعب ضعفه ابن معين وغيره ووثقه أحمد.\n[مجمع الزوائد: ٢/ ٢٤٧].\nوقال المنذري: رواه البيهقي وإسناده جيد إن شاء الله. [الترغيب والترهيب: ١/ ٢٨٠].\n(^٣) لم أقف عليه.\n(^٤) رواه البخاري في صحيحه: ١/ ٣٨٠ كتاب التهجد باب باب تحريض النبي - ﷺ - على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب، صحيح مسلم: ١/ ٥٢٤ كتاب صلاة المسافرين وقصرها حديث: ١٧٧.\n(^٥) صحيح البخاري: ٢/ ٧٠٧ كتاب صلاة التروايح باب فضل قيام رمضان.\n(^٦) لم أقف عليه، وإنما المشهور من قول عمر أنه قال: نعمت البدعة. المرجع السابق.","vol":"1","page":1197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>سورة الأنفال</span>.\nقال الله ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية (^١).\nهذه الآية نزلت يوم بدر، وهي أول غزاة غزاها كانت فيها غنيمة، وكان النبي - ﷺ - قال لهم:؟ من قتل قتيلا فله كذا، ومن أسر أسيرا فله كذا؟ (^٢) وكان سعد (^٣) أصاب سيفا فأراد أن ينفله (^٤)، فافترق الناس يومئذ ثلاث فرق: فرقة انفردت بالعدو والقتال، وفرقة أحاطت بالغنائم لما تخلى عنها العدو هاربا، وفرقة أحاطت برسول الله - ﷺ -، فلما رجع الذين لحقوا بالعدو قالوا: لنا النفل، نحن طلبنا العدو وبنا نفاهم الله وهزمهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله - ﷺ -: ما أنتم بأحق به منا، بل هو لنا، نحن أحدقنا برسول الله (^٥) ألا ينال العدو منه غرة، وقال الذين استولوا على العسكر والنهب: فوالله ما أنتم بأحق به منا بل هو لنا، نحن حويناه واستولينا عليه، وتنازع سعد ورجل من الأنصار،\n_________\n(^١) سورة الأنفال (١).\n(^٢) جزء من حديث أخرجه أبو داود [٢/ ٤٣٢ كتاب الجهاد، باب النفل] والنسائي في الكبرى [٦/ ٣٤٩ كتاب التفسير، سورة الأنفال] وابن حبان [١١/ ٤٩٠ كتاب الصلح، ذكر السبب الذي من أجله أنزل الله جل وعلا وأصلحوا ذات بينكم] والحاكم [٢/ ٢٤١ كتاب التفسير] وقال: صحيح ولم يخرجاه، والبيهقي [٦/ ٣١٥ كتاب قسم الفيء والغنيمة، باب الوجه الثالث من النفل] عن ابن عباس - ﵁ -.\n(^٣) هو: سعد بن أبي وقاص، واسم أبيه مالك بن أُهيب بن عبد مناف بن زهرة، خال رسول الله - ﷺ -، من السابقين الأولين، وأول من رمى بسهم في سبيل الله توفي بالعقيق سنة ٥٥ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٧٣) والإصابة (٣/ ٦١).\n(^٤) أخرجه مسلم [٢/ ١٠٩٩ كتاب الجهاد والسير] عن مصعب بن سعد عن أبيه.\n(^٥) لوحة رقم [١/ ١٥٢].","vol":"1","page":1198},{"text":"في السيف الذي أخذه سعد، فأنزل الله ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ! وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^١) فقسمه رسول الله - ﷺ - عن وفاق.\nوكان بعد ذلك يُنَفِّل في البَدْأَة (^٢) وإذا نفلوا (^٣)، وأخذ رسول الله - ﷺ - يوم حنين وَبَرَة (^٤) من جنب بعير فقال:؟ يا أيها الناس مالي فيما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخِيَاط والمِخْيَط (^٥)، وإياكم والغلول فإنه عار على أهله يوم القيامة، وقال: وعليكم بالجهاد في سبيل\nالله فإنه باب من أبواب الجنة، ويذهب الله به الغم والهم، وقيل:\nكان رسول الله - ﷺ - يكره الأنفال ويقول: ليرد مُقْوي المؤمنين\nعلى ضعيفهم؟ وروى ذلك أبو أمامة الباهلي (^٦)\n_________\n(^١) سورة الأنفال (١).\nوخبر تنازع سعد - ﵁ - مع الأنصاري أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٤٥٥ عن سعيد بن جبير، بنحوه.\n(^٢) قال في شرح سنن ابن ماجه (١/ ٢٠٤) \" البدأة: وهي ابتداء سفر الغزو، وكان إذا نهضت سرية من جملة الجيش وابتدروا إلى العدو، وأوقعوا بطائفة منهم، فما غنموا كان يعطيها منها الربع، ويشركهم سائر العسكر في ثلاثة أرباع\".\n(^٣) كذا في الأصل: نفلوا، وصوابه: قفلوا، كما في صحيح ابن حبان (١١/ ١٩٣).\n(^٤) قال في عون المعبود (٧/ ٢٥٧): \" وبرة: بفتحات، أي شعرة \".\n(^٥) قال في عون المعبود (٧/ ٢٥٧): \" الخياط: بكسر الخاء أي الخيط أو جمعه، والمخيط: بكسر الميم وسكون الخاء هو الإبرة \".\n(^٦) هو: صدي بن عجلان الباهلي أبو أمامة، أحد صحابة رسول الله - ﷺ -، وممن بايع تحت الشجرة، وقد كان سببا في إسلام قومه، توفي بالشام سنة ٨٦ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٩٦) والإصابة (٣/ ٤٢٠).\nوروايته التي أشار إليها المؤلف لم أجدها، غير أن أبا أمامة قد روى عن عبادة بن الصامت هذا الحديث، كما في الحاشية بعده، فربما كان هذا مراد المؤلف ﵀.","vol":"1","page":1199},{"text":"وعبادة بن الصامت (^١) وأنس (^٢)، وابن عباس (^٣) وغيرهم بتقارب المعاني فيه.\n_________\n(^١) هو: عبادة بن الصامت الخزرجي الأنصاري أبو الوليد، أحد النقباء شهد المشاهد كلها، كان - ﵁ - من المكثرين في رواية الحديث، توفي بالرملة سنة ٣٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٨٤) والإصابة (٣/ ٥٠٥).\nوحديثة أخرجه أحمد (٥/ ٣١٤) والدارمي [٢/ ٣٠١ كتاب السير، باب في كراهية الأنفال] وابن ماجه [٢/ ١٤٦ أبواب الجهاد، باب النفل] والنسائي [٧/ ١٤٩ كتاب قسم الفيء] وابن حبان [١١/ ١٩٣ كتاب السير، ذكر أن الغال يكون غلوله يوم القيامة عارا] والحاكم [٢/ ١٤٧ كتاب قسم الفيء] وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي [٩/ ٥٧ أبواب السير، باب قسمة الغنائم] بنحوه.\n(^٢) هو: أنس بن مالك بن النضر بن النجار الخزرجي، أبو حمزة الأنصاري، خادم الرسول - ﷺ -، شهد المشاهد كلها، وكان من المكثرين في الرواية، توفي بالبصرة سنة ٩٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٢٥) والإصابة (١/ ٢٧٥).\nوحديثه أخرجه الطيالسي (١/ ٢٧٧) ابن أبي شيبة [٦/ ٤٧٨ من جعل السلب للقاتل] أحمد (٣/ ١٢٣) والدارمي [٢/ ٣٠١ كتاب السير، باب من قتل قتيلًا فله سلبه] وأبو داود [٢/ ٤٢٥ كتاب الجهاد، باب السلب يعطى القاتل] وابن حبان [١١/ ١٦٩ كتاب السير، ذكر السبب الذي من أجله لم يأخذ أبو قتادة في الابتداء سلب قتيله] والبيهقي [٦/ ٣٠٦ أبواب الأنفال، باب السلب للقاتل].\n(^٣) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم أبو العباس، ابن عم رسول الله - ﷺ -، حبر الأمة وترجمان القرآن، توفي بالطائف سنة ٦٨ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (١/ ٣٢١) والإصابة (٤/ ١٢١).\nوحديثه أخرجه عبد الرزاق [٥/ ٢٣٩ كتاب الجهاد، باب ذكر الخمس] وابن أبي شيبة [٧/ ٣٥٤ باب غزوة بدر الكبرى] وأبو داود [٢/ ٤٣١ كتاب الجهاد، باب في النفل] والنسائي في الكبرى [٦/ ٣٤٩ كتاب التفسير، سورة الأنفال] وابن حبان [١١/ ٤٩٠ كتاب الصلح، ذكر السبب الذي من أجله أنزل الله جل وعلا: وأصلحوا ذات بينكم] والحاكم [٢/ ٣٥٦ كتاب التفسير، سورة الأنفال] وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي [٦/ ٣١٥ أبواب الأنفال، باب الوجه الثالث من النفل].","vol":"1","page":1200},{"text":"وروى سعد بعضه (^١)، وروى عبادة أن النبي - ﷺ -؟ نفل في البدأة الربع، وفي الرجعة الثلث؟ (^٢) ووافقه جماعة في هذه الرواية (^٣).\nثم اختلفوا بعد رسول الله - ﷺ - فقال قوم: لا نفل بعد رسول الله - ﷺ - (^٤) وقال آخرون (^٥): ذلك منسوخ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم [٣/ ١٠٩٩ كتاب الجهاد].\n(^٢) جزء من الحديث الذي تقدم تخريجه عن عبادة بن الصامت.\n(^٣) كالحديث الذي رواه حبيب بن مسلمة - ﵁ - - وفيه ـ: (شهدت النبي - ﷺ - نفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة) أخرجه أحمد (٤/ ١٦٠) وابن ماجه [٢/ ١٤٦ كتاب الجهاد، باب النفل] وأبو داود [٢/ ٤٣٥ كتاب الجهاد، باب فيمن قال: الخمس قبل النفل] وابن حبان [١١/ ١٦٥ كتاب السير، ذكر ما يستحب للإمام أن ينفل السرية] والحاكم [٢/ ١٤٥ كتاب قسم الفيء] وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح، والبيهقي [٦/ ٣١٣ أبواب الأنفال، باب الوجه الثاني من النفل].\n(^٤) اشتهر هذا القول عن عمرو بن شعيب، فقد روى جابر بن أبي سلمة قال: سمعت عمرو بن شعيب، وسليمان بن موسى، يذكران النفل، فقال عمرو: لا نفل بعد النبي - ﷺ -، فقال له سليمان بن موسى: شغلك أكل الزبيب بالطائف، حدثنا مكحول عن زياد بن جارية اللخمي عن حبيب بن مسلمة، فذكر حديث حبيب بن مسلمة المشار إليه في الحاشية قبله.\n(^٥) نسب القول بنسخ آية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ! وَالرَّسُولِ﴾ لجمهور أهل العلم: النحاس في الناسخ والمنسوخ ص ١٨١ والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (٨/ ٦).\nوقد رد ابن جرير الطبري دعوى النسخ هنا، قال في جامع البيان (٦/ ١٧٦): \" فجعل تعالى ذكره الأنفال إلى نبيه - ﷺ -، ينفل على ما يرى مما فيه صلاح المسلمين، وعلى من بعده من أئمة المسلمين أن يستنوا بسنته في ذلك، وليس في الآية دليل على أن حكمها منسوخ؛ لاحتمالها ما ذكرت من المعنى الذي وصفت، وغير جائز أن يحكم بحكم قد نزل به القرآن أنه منسوخ إلا بحجة يجب التسليم لها \" وقال ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ١٦٥: \" والعجب ممن يدعي أنها منسوخة، فإن عامة ما تضمنت أن الأنفال لله والرسول، والمعنى أنهما يحكمان فيها بما تضمنته آية الخمس \" بل ذكر مكي ابن أبي طالب في الإيضاح ص ٢٥٣: أن أكثر الناس ذهبوا إلى القول بأن الآية محكمة. =","vol":"1","page":1201},{"text":"بقوله ﷿: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (^١) فعلم أن الأربعة الأخماس قد استحقها الجيش، وقال النبي - ﷺ - وسئل عن الغنيمة فقال:؟ لله خمسها وللجيش أربعة أخماس، قيل: فهل أحد أحق به من أحد؟ قال: لا، ولا السهم تنزعه من جنبك فلست بأحق به من أخيك المسلم؟ (^٢) فجاء هذا الحديث وحديث عبادة، وعبد الله بن عمرو (^٣) مؤكدا الأربعة الأخماس، فلم يبق للسلب والنفل موضع إلا من الخمس، وجاز أن يكون منه لقول الله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ! خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (^٤) فالرسول - ﵇ - يجتهد فيه فيصرفه\n_________\n= ويمكن أن يكون مراد بعض القائلين بالنسخ، ما اشتهر عند السلف - قبل استقرار مصطلح النسخ - من إطلاقه على بيان المجمل، وتخصيص العام، ونحو ذلك.\nوالقول ببقاء الأنفال بعد النبي - ﷺ - قول جمهور أهل العلم، وفي جملتهم الأئمة الأربعة، على تفصيل وخلاف بينهم أشار المؤلف إلى طرف منه.\nينظر: المغني (٨/ ٣٧٨) وشرح فتح القدير (٥/ ٥٠٠) ومواهب الجليل (٣/ ٣٦٨) ومغني المحتاج (٤/ ١٦٤).\n(^١) سورة الأنفال (٤١).\n(^٢) أخرجه البيهقي [٦/ ٣٢٤ كتاب قسم الفيء والغنيمة، باب إخراج الخمس من رأس الغنيمة] من حديث عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين أتى النبي - ﷺ - به.\n(^٣) هو: عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي أبو محمد، قال النبي - ﷺ - فيه وفي أهله: نعم أهل البيت، كان غزير العلم، مجتهدا في العبادة، كثير الرواية، توفي في مصر سنة ٦٥ هـ. طبقات ابن سعد (٢/ ٢٢٩) والإصابة (٤/ ١٦٥).\nوحديثه الذي أشار إليه المؤلف هو ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ - دنا من بعير فأخذ وبرة من سنامه ثم قال: (يا أيها الناس إنه ليس لي من هذا الفيء إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط) أخرجه مالك [٢/ ٣٦٥ كتاب الجهاد، باب ما جاء في الغلول] وأحمد (٢/ ١٨٤) وأبو داود [٢/ ٤١٤ كتاب الجهاد، باب في فداء الأسير بالمال] والنسائي في الكبرى [٤/ ١٢٠ كتاب الهبة، باب هبة المشاع] وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٧٧): \" رواه أحمد ورجال أحد إسناديه ثقات \".\n(^٤) سورة الأنفال (٤١).","vol":"1","page":1202},{"text":"ويضعه حيث أراه الله؛ لأن قوله: ﴿فَأَنَّ! خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ فإنما أريد أنه يصرف في مرضات الله ومرضات الرسول - ﷺ -.\nوقال سعيد بن المسيب (^١): إنما كان النفل من الخمس ولا نفل إلا من الخمس (^٢).\nونُفِّل أنس بن مالك في بعض المغازي فأعطاه أمير السرية، فأبى أن يأخذ إلا من الخمس بعد القسم (^٣).\nوقد كان إلى النبي - ﷺ - فنسخ ذلك بما جعل للجيش، وجعل إلى النبي - ﷺ - الخمس يصنع فيه ما شاء، فصار الخمس بمنزلة الأنفال التي كانت ببدر، وتنفل النبي - ﷺ - من بدر سيفه ذا الفقار (^٤).\n\nومما يبين ذلك أن النبي - ﷺ - أعطى المؤلفة يوم حنين من الخمس (^٥)، فلو لم يكن إليه أن يعطي إلا من شيء هو له - وهو خمس الخمس - على ما قال الشافعي (^٦)؛ لم\n_________\n(^١) هو: سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي أبو محمد القرشي، سيد التابعين، وعالم أهل المدينة، كان قويا في الحق عزيز النفس، توفي بالمدينة سنة ٧٣ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٦٠) والبداية والنهاية (٩/ ١٠٥).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق [٥/ ١٩٢ كتاب الجهاد، باب لا نفل إلا من الخمس] وابن أبي شيبة [٦/ ٥٠٠ كتاب السير، باب في الإمام ينفل قبل الغنيمة] من طريق يحي بن سعيد، عن ابن المسيب، بنحوه.\n(^٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار [٣/ ٢٤٢ باب النفل بعد الفراغ من قتال العدو] عن ابن سيرين، أن أنس بن مالك كان مع عبيد الله بن أبي بكرة في غزاة غزاها، فأصابوا سبيا، فأراد عبيد الله أن يعطي أنسا من السبي قبل أن يقسم، فقال أنس: لا، ولكن اقسم ثم أعطني من الخمس، قال: فقال عبيد الله: لا إلا من جميع الغنائم، فأبى أنس أن يقبل منه، وأبى عبيد الله أن يعطيه من الخمس شيئا.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه [٢/ ١٣٨ أبواب الجهاد، باب السلاح] والترمذي [٣/ ٢٠٢ كتاب الجهاد، باب النفل] وقال: هذا حديث حسن غريب، والحاكم [٢/ ١٤١ كتاب قسم الفيء] وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، قال الذهبي: صحيح، والبيهقي [٦/ ٣٠٤ كتاب قسم الفيء والغنيمة، باب سهم الصفي].\n(^٥) خبر إعطاء المؤلفة قلوبهم أخرجه البخاري [٨٨٩ كتاب المغازي، باب غزوة الطائف] ومسلم [٢/ ٦٠٤ كتاب الزكاة] من حديث عبد الله بن زيد.\n(^٦) هو: محمد بن أدريس الشافعي، أبو عبد الله القرشي، الفقيه المجتهد المجدد، إمام الشافعية، من مؤلفاته: الأم، والرسالة، توفي سنة ٢٠٤ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥) وطبقات الشافعية (١/ ١٩٢).","vol":"1","page":1203},{"text":"يجز له أن يعطي المؤلفة إذ لم يسم الله لهم في الخمس شيئا، وسمى لهم في الصدقات (^١) ولم يرو أنه أعطاهم من الصدقات شيئا قَلَّ ولا كثر، ولم يكن له أن يقول:؟ من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه؟ (^٢) في شيء قد سمي لقوم بأعيانهم، فكان إلى الرسول - ﷺ - قسمته ووضعه فيما يراه من المسلمين وغيرهم، إذا كان كله له، ومعنى له: يحكم فيه فيدفع منه إلى المسلمين وغيرهم، ألا تراه - ﷺ - قال:؟ مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس وهو مردود عليكم؟ (^٣)\nومثل هذا مثل قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (^٤) فَذُكِرا في الجملة ثم خُصّا بالذكر، كذلك خص ذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وكذلك قال تبارك اسمه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ (^٥) فجمع كل شيء ثم خص النفاثات في العقد والحاسد، ومثل هذا كثير في القرآن، فكأنه قيل: لله وللرسول فيما نراه من المُسَمّين وغيرهم.\n_________\n(^١) لوحة رقم [١/ ١٥٣].\n(^٢) جزء من حديث أخرجه البخاري [٦٤٠ كتاب فرض الخمس، باب من لم يخمس الأسلاب] ومسلم [٣/ ١١٠١ كتاب الجهاد والسير] عن أبي قتادة - ﵁ -.\n(^٣) تقدم تخريجه في أول كلام المؤلف عن هذه الآية.\n(^٤) سورة البقرة (٩٨).\n(^٥) سورة الفلق (١ - ٢).","vol":"1","page":1204},{"text":"وقال محمد بن مَسْلمة (^١): ومما يبين ذلك قول النبي - ﷺ -:؟ يذهب كسرى فلا كسرى بعده، وإذا ذهب قيصر فلا قيصر بعد، أما والذي نفسي بيده لتُنْفَقن كنوزهما في سبيل الله؟ (^٢) فإذا كانت كنوزهما قد أخذت عنوة ومَلَك الجيش أربعة أخماسه، وهل ينفق في سبيل الله إلا الخمس، ولم يسم سبيل الله لا في القربى ولا في الخمس، ولكنه كان مما إلى الرسول - ﷺ - وولاة الأمر من بعده وهم المخاطبون، فبين - ﵇ - واستنوا به.\nومما يبين أن ذلك إلى الرسول - ﷺ -؛ أنه لم يذكر في الصدقات، ولم يُعْطِ الرسول - ﷺ - منها إلا من سُمي بحسب الاجتهاد في ذلك.\nومما يبين ذلك - أيضا - إعطاء المؤلفة والسلب، ولو كان مقصودا على قوم لم يعدل به عنهم.\nومما يبين ذلك - أيضا - قوله في القرآن: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ (^٣) جعله إلى الرسول مجملا ثم رده مفرقا فقال: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ فبين أن الرسول - ﷺ - يقسمه فيما يراه من تفضل وزيادة؛ لقوله: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ولو كانت في تلك الوجوه؛ لم يقل: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقد حصلت لقوم مُسَمَّين.\n_________\n(^١) هو: محمد بن مسلمة بن هشام المخزومي أبو هشام، أحد فقهاء المدينة من أصحاب الإمام مالك، قال عنه في الجرح والتعديل: \" قال عنه أبي: مدني ثقة \" ينظر: الجرح والتعديل (٨/ ٧١) والثقات (٩/ ٥٥).\n(^٢) أخرجه البخاري [٦٣٤ كتاب فرض الخمس، باب قول النبي - ﷺ - أحلت لكم الغنائم] ومسلم [٤/ ١٧٧٢ كتاب الفتن وأشراط الساعة] من حديث أبي هريرة، بنحوه.\n(^٣) سورة الحشر (٧).","vol":"1","page":1205},{"text":"فإن قال قائل: إن حديث أبي قتادة (^١) يدل على أن السلب ليس من الخمس؛ لأنه لو كان من الخمس لقوم وذكر (^٢) ذلك في الحديث، قيل له: ليس كل شيء كان ذكر في الحديث، وإنما أتى في الحديث ما يحتاج إليه، وترك الباقي لمعرفة الناس به، وأنه يفعل ذلك كله فيما جعل إليه، دون ما استحقه قوم لجهادهم، ألا تراه - ﷺ - يشفع إلى الناس في أسارى حنين، وأمر العرفاء (^٣) أن يعرفوه أجوبة الناس، ليعلم أنهم قد أذنوا في ذلك (^٤)، فجعل إعطاء المؤلفة قلوبهم وحديث أبي قتادة على ما تدل عليه الشواهد والدلائل.\nوقد قال ابن عمر (^٥) بأجود الأسانيد:\n(وجهنا (^٦) (^٧) رسول الله - ﷺ - بعيرا بعيرا) (^٨) فعلم بهذا أنه نفلهم من الخمس.\n_________\n(^١) هو: الحارث بن ربعي السلمي الأنصاري أبو قتادة، فارس رسول الله - ﷺ - شهد أحدا وما بعدها، توفي بالمدينة سنة ٥٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٧٢) والإصابة (٧/ ٢٧٢).\n(^٢) كذا في الأصل، ويحتمل أن يكون حرف الواو زائدا أو هو حرف لام.\n(^٣) قال في فتح الباري (١٣/ ١٨٠): \"جمع عريف بوزن عظيم، وهو القائم بأمر طائفة من الناس ... وسمي بذلك لكونه يتعرف أمورهم، حتى يُعَرِّف بها من فوقه عند الاحتياج، وقيل: العريف دون المنكب وهو دون الأمير.\".\n(^٤) أخرجه البخاري [٦٣٧ كتاب فرض الخمس، باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين] من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة، أن رسول الله - ﷺ - قال حين أذن المسلمون في عتق سبي هوازن: (إني لا أدري من أذن فيكم ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، فرجعوا إلى رسول الله - ﷺ - فأخبروه أن الناس قد طيبوا وأذنوا).\n(^٥) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عبد الرحمن القرشي، أسلم مع أبيه وهاجر، كان واسع العلم شديد الورع آخذا بالسنة مقتفيا أثر النبي - ﷺ -، شهد الخندق وما بعدها، توفي بمكة سنة ٧٣ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٤/ ٣٨٩) والإصابة (٤/ ١٥٥).\n(^٦) كذا في الأصل، وهو تحريف، وصوابه: نفلنا كما في الصحاح والسنن.\n(^٧) لوحة رقم [١/ ١٥٤].\n(^٨) جزء من حديث أخرجه البخاري [٨٩٢ كتاب المغازي، باب السرية التي قبل نجد] ومسلم [٣/ ١٠٩٩ كتاب الجهاد والسير].","vol":"1","page":1206},{"text":"وزعم الشافعي أن ذلك من خمس الخمس، وهو مما لرسول الله - ﷺ - (^١)، وهو خطأ من جهات، منها: أنه لم يعرف الحساب؛ لأن السهمين (^٢) إذا كانت اثنا عشر بعيرا علم أن الخمس ثلاثة أباعر، فكيف يكون خمس ثلاثة واحد (^٣).\nومن العجب أنه جعل لرسول الله منهما يقاسم به الأيتام والمساكين، ولم يرفع رسول الله - ﷺ - عن مشاركة المساكين والأيتام، وجعله لهم نظيرا.\nوالوجه الثالث: الرد على رسول الله - ﷺ - قوله؛ لأنه قال:؟ لي الخمس كله، وهو مردود عليكم؟ (^٤) وإنما يأخذ من الدنيا ما يكفيه وعياله بالمعروف، بل دون الكفاية ترفعا وتنزها عن الدنيا، إذ كانت حقيرة عند الله حين قال جل من قائل: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ (^٥) إلى\n_________\n(^١) ينظر: كتاب الأم (٤/ ١٥٠).\n(^٢) كذا في الأصل السهمين، تثنية سهم، وهو تحريف، والصواب: السُّهْمَان جمع سهم، قال في اللسان مادة: سهم: \" السهم الحظ، والجمع سُهْمان \".\n(^٣) استدراك المؤلف ﵀ على الشافعي قائم على اعتبار أن النفل جميعه بلغ اثني عشر بعيرا، والظاهر أن هذا وهم، فإن سياق الحديث - كما تقدم - يدل على أن سهم كل رجل من البعث بلغ اثني عشر بعيرا، وزادت السرية التي كان فيها عبد الله بن عمر، بتنفيلها بعيرا واحدا، وهذا ظاهر من لفظ الحديث - ولا سيما - اللفظ الذي أخرجه البيهقي [٦/ ٣٢١ كتاب قسم الفيء والغنيمة، باب الوجه الثاني من النفل] (أن رسول الله - ﷺ - بعث بعثا قبل نجد، فبعث من ذلك البعث سرية فيهم عبد الله بن عمر، فحدث عبد الله بن عمر أن سهام البعث بلغت اثني عشر بعيرا، ونفَّل أصحاب السرية التي فيها عبد الله سوى ذلك بعيرا بعيرا، فكان لأصحاب السرية ثلاثة عشر ثلاثة عشر، ولأصحاب البعث اثنا عشر اثنا عشر) قال ابن حجر في الفتح (٦/ ٢٣٩): \" وقد وهم بعضهم أن ذلك جميع الأنصباء، قال النووي: وهو غلط \".\n(^٤) تقدم في حديث عبادة الطويل، في أول كلام المؤلف عن هذه الآية، ما هو في معناه.\n(^٥) سورة الزخرف (٣٣).","vol":"1","page":1207},{"text":"آخر الآية، وإنما أعطاه مفاتيح خزائن الأرض لعلمه بأن سيردها، فيدخر له ذلك في آخرته.\nأما قول الشافعي في قوله - ﷺ -:؟ من قتل قتيلا فله سلبه؟ (^١) وأن ذلك على العموم (^٢)، فواضح الخطأ؛ لأن الرسول - ﷺ - قد غزا غزوات كثيرة، وقع فيها مغانم ولم يقل ذلك إلا مرة واحدة، فقد يجوز أن يكون ذلك في ذلك اليوم وحده، وليس على الوجوب على مر الدهور، ألا تراه قال لخالد (^٣): أعطه ثم قال: لا تعطه؛ لأن أبا قتادة (^٤) كان خاطبه في أمر المَدَدي (^٥) القاتل وهدده، فلما قال أبو قتادة لخالد: ألم أف لك يا خالد؟ قال: لا تعطه، ولو كان واجبا ما عاقب - بقول أبي قتادة - فمنع، وإنما كان له أن يتفضل به، فلما شبب بما يقدح في الإمارة منعه، ألا تراه قال - ﵇ - عقيب ذلك:؟ مالكم وأمرائي إنما لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره؟ (^٦) ولو كان السلب على العموم لما جاز للإمام أن يدخل الأسلاب في القَسْم ويوقفها لأهلها إذًا.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص ٢٢٥.\n(^٢) ينظر: كتاب الأم (٤/ ١٤٩) و(٧/ ٣٦٤).\n(^٣) هو: خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي القرشي أبو سليمان، أحد فرسان العرب وقادتها، أسلم قبل فتح مكة، سماه رسول الله سيف الله، له مآثر عظيمة في قتال الفرس والروم، توفي بحمص سنة ٢١ هـ ينظر: طبقات بن سعد (٤/ ٤٤٦)، والإصابة (٣/ ٧٠).\n(^٤) المشهور كما في كتب السنن أن الذي تكلم في شأن المددي عوف بن مالك الأشجعي - ﵁ -، ويأتي - إن شاء الله تعالى - تخريج الحديث بعد تمام سياقه.\n(^٥) المددي نسبة إلى المدد، قال في لسان العرب (١٣/ ٥١): \" الأمداد جمع مدد وهم الأعوان والأنصار الذين كانوا يمدون المسلمين في الجهاد \"، وقال النووي في شرح مسلم (١٢/ ٦٥): \" قوله: ورافقني مددي، يعني رجل من المدد، والذين جاؤوا يمدون جيش مؤته ويساعدونهم \"\n(^٦) أخرجه مسلم [٣/ ١١٠٢ كتاب الجهاد] من حديث عوف بن مالك - ﵁ -.","vol":"1","page":1208},{"text":"وأما قسم الخمس فقد كُفيناه بما تكلم به القاضي إسماعيل في كتابه كفاية (^١)، والله أعلم.\nقال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ (^٢).\nقال أبو سعيد الخدري (^٣): نزلت هذه الآية يوم بدر (^٤).\nولم يكن لهم فئة ينحازون إليها لأن الفئة رسول الله - ﷺ - وهو معهم، فليس يجوز لهم التولي عنه ولا أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، إذا حضر، ثم زال ذلك في ... (^٥) وصار المسلمون بعد بدر ينحازون إلى فئة.\nوقال ابن عمر كنت في جيش، فلقينا العدو فانحرفنا فقلنا: يا رسول الله - ﷺ - نحن\n\nالفرارون، قال:؟ لا بل أنتم العكارون (^٦)، بل أنتم العكارون، لا تفعلوا أنا فئتكم؟ (^٧).\n_________\n(^١) يشير إلى كتاب: الخمس، للقاضي إسماعيل بن إسحاق، وهو أحد الكتب المفقودة، ينظر قسم الدارسة ص: ٩٧.\n(^٢) سورة الأنفال (١٦).\n(^٣) هو: سعد بن مالك بن سنان الخزرجي الأنصاري، أحد المكثرين من الرواية عن رسول الله - ﷺ -، شهد الخندق وما بعدها، توفي بالمدينة سنة ٧٤ هـ. ينظر: أعلام النبلاء (٣/ ١٦٨)، والإصابة (٣/ ٦٥).\n(^٤) أخرجه أبو داود [٢/ ٣٩٥ كتاب الجهاد، باب التولي يوم الزحف] والحاكم [٢/ ٣٥٧ كتاب التفسير، سورة الأنفال] وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي [٥/ ١٩٨ كتاب الجهاد، باب التولي يوم الزحف].\n(^٥) كلمة في الأصل لم أستطع قراءتها.\n(^٦) العكارون كما قال ابن الأثير (٣/ ٢١٥): \" أي الكرارون إلى الحرب العطافون نحوها، يقال للرجل يولي عن الحرب ثم يكر راجعًا إليها: عكر واعتكر \".\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٥٤١ باب ما جاء في الفرار من الزحف] وأحمد (٢/ ٧٠) والبخاري في الأدب [١/ ٣٣٨ باب في تقبيل اليد] وأبو داود [٢/ ٣٩٥ كتاب الجهاد، باب التولي يوم الزحف] والترمذي [٣/ ٢٧٥ كتاب الجهاد، باب ما جاء في الفرار من الزحف] وقال: هذا حديث حسن غريب، والبيهقي [٩/ ٧٦ أبواب السير، باب من تولى متحرفًا لقتال].","vol":"1","page":1209},{"text":"وقال عمر - ﵁ -: أنا فئتكم وأنا فئة كل مسلم (^١).\nوقال عطاء (^٢): هذه الآية منسوخة (^٣).\nقال الله ﷿ (^٤): ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ! خُمُسَهُ﴾ (^٥)\nهذه الآية وواجباتها في جزء لإسماعيل فيها كفاية (^٦).\nقال الله ﷿: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (^٧).\nقال ابن عباس - ﵁ -: أمروا إذا كانوا عشرين ألا يفروا من مائتين ويثبتوا ويصبروا، ثم خفف عنهم فأمروا ألا يفر مائة من مائتين، وجعل لقلب المؤمن من القوة ما لرجلين من الكفار (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق [٥/ ٢٥٢ باب الفرار من الزحف]، وابن أبي شيبة [٦/ ٥٤١ باب ما جاء في الفرار من الزحف]، والطبري في تفسيره (٦/ ٢٠١)، والبيهقي [٩/ ٧٧ أبواب السير، باب من تولى متحرفًا لقتال].\n(^٢) هو: عطاء بن أبي رباح القرشي مولاهم، أبو محمد المكي، من علماء التابعين وساداتهم، وكان إليه أمر الفتوى أيام المناسك، توفي بمكة سنة ١١٥ هـ. ينظر: طبقات بن سعد (٥/ ٣٢٠) وتهذيب التهذيب (٤/ ١٢٣).\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٦/ ٢٠١) وذكر أن الذي نسخها قول الله - قوله تعالى ـ: ﴿الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَن فِيكُمْ ضَعْفًا﴾.\n(^٤) لوحة رقم [١/ ١٥٥].\n(^٥) سورة الأنفال (٤١).\n(^٦) يريد كتاب الخمس وقد تقدم الإشارة إليه ص: ٢٣٤.\n(^٧) سورة الأنفال (٦٥).\n(^٨) أخرجه البخاري [٩٦٧ كتاب التفسير، سورة الأنفال] من حديث علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن ابن عباس - ﵁ -.","vol":"1","page":1210},{"text":"فقال ابن عباس - ﵁ -: إن فر رجل من رجلين فقد فر، وإن فر من ثلاثة فلم يفر (^١).\nوقال ابن شبرمة (^٢): والأمر والنهي عن المنكر هكذا (^٣).\nفإذا صبر المسلمون على مثليهم من العدد أورثهم الصبرُ النصرَ ووفى الله ﷿ لهم بما وعد من الغلبة، وبالله التوفيق.\nقال الله ﵎: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٤).\nقال مجاهد (^٥): كان عمر بن الخطاب - ﵁ - يرى الرأي فيوافق رأيه ما ينزل من القرآن، فلما كان يوم بدر شاور رسول الله - ﷺ - الناس في الأسارى، فقال (^٦): لا تقتلهم وخذ منهم الفداء، فقال عمر - ﵁ -: اقتلهم - والإثخان: القتل - فنزلت الآية (^٧). وقال عبد الله\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٩٣) والبيهقي [٩/ ٧٦ أبواب السير، باب تحريم الفرار من الزحف] من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، وهو في معنى الرواية التي أخرجها البخاري.\n(^٢) هو: عبد الله بن شبرمة بن الطفيل الضبي، أبو شبرمة، فقيه العراق وقاضيها، توفي بخرسان سنة ١٤٤ هـ. ينظر: أعلام النبلاء (٦/ ٣٤٧) وتهذيب التهذيب (٣/ ١٥٤).\n(^٣) أخرجه البخاري [٩٦٧ كتاب التفسير، سورة الأنفال] معلقا، قال ابن حجر في الفتح (٨/ ١٦٢): \" وهو موصول ... فإن في رواية ابن أبي عمر عن سيفان عند أبي نعيم في المستخرج قال: قال سفيان: فذكرته لابن شبرمة فذكر مثله \".\n(^٤) سورة الأنفال (٦٧).\n(^٥) هو: مجاهد بن جبر المخزومي مولاهم أبو الحجاج، الإمام المفسر القارئ، من أخص أصحاب ابن عباس، توفي سنة ١٠٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣١٩)، ومعرفة القراء الكبار (١/ ٦٦).\n(^٦) القائل أبو بكر - ﵁ - كما في رواية ابن أبي شيبة، ويأتي تخريجها بعد تمام سياق الأثر.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٤٩٧ باب من كره الفداء بالدراهم وغيرها] بنحوه، دون أوله،\nوأخرجه الحاكم في المستدرك [٢/ ٣٥٩ كتاب التفسير، سورة الأنفال] عن مجاهد عن ابن عمر بنحوه، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، قال الذهبي: على شرط مسلم.\nوخبر استشارة النبي - ﷺ - للصحابة في الأسارى ثابت في صحيح مسلم [٣/ ١١٠٩ كتاب الجهاد] من حديث ابن عباس، عن عمر بن الخطاب - ﵃ - كما يأتي تخريجه من حديث ابن مسعود - إن شاء الله تعالى - بعده.","vol":"1","page":1211},{"text":"بن مسعود (^١)، رواه أبو معاوية (^٢) عن الأعمش (^٣) عن عمرو بن مرة (^٤) عن أبي عبيدة (^٥) عن عبد الله (^٦): لما كان يوم بدر قال رسول الله - ﷺ -:؟ ما ترون في الأسرى؟ فقال أبو بكر - ﵁ -: قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم. وقال عمر - ﵁ -: يا رسول الله - ﷺ -: كذبوك وأخرجوك وقاتلوك، قدمهم فاضرب أعناقهم. وقال عبد الله بن رواحة (^٧): يا رسول الله\n_________\n(^١) هو: عبد الله بن مسعود بن غافل بن سعد الهذلي، أبو عبد الرحمن، من السابقين الأولين ومن النجباء العالمين، شهد بدرا وما بعدها، وهاجر الهجرتين، مات بالمدينة سنة ٣٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٨٠) والإصابة (٤/ ١٩٩).\n(^٢) هو: محمد بن خازم التميمي السعدي مولاهم أبو معاوية الضرير، من أصحاب الأعمش ومن أوثق الناس فيه، مات بالكوفة سنة ١٩٥ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٤٧)، وتهذيب التهذيب (٥/ ٨٣)\n(^٣) هو: سليمان بن مهران الأسدي مولاهم، أبو محمد القارئ، قال عنه ابن المديني: حفظ العلم على أمة محمد - ﷺ - ستة، وذكره، توفي بالكوفة سنة ١٤٧ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٢٧) ومعرفة القراء الكبار (١/ ٩٤).\n(^٤) هو: عمرو بن مرة بن عبد الله بن كنانة، أبو عبد الله المرادي، قال عنه شعبة: كان أكثرهم علما، توفي بالكوفة سنة ١١٦ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥١٥) وتهذيب التهذيب (٤/ ٣٦٣).\n(^٥) هو: أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود الهذلي، مشهور بكنيته، قيل: اسمه عامر، توفي بالكوفة سنة ٨٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٤٦٥) وتهذيب التهذيب (٣/ ٥٠).\n(^٦) هو: ابن مسعود، تقدم.\n(^٧) هو: عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري، أبو محمد، شاعر رسول الله - ﷺ -، شهد بدرا وما بعدها، وأحد القادة الذين جعلهم النبي - ﷺ - في معركة مؤتة، وقتل بها شهيدا. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٢٧١)، والإصابة (٤/ ٧٢).","vol":"1","page":1212},{"text":"انظر واديا كثير الحطب فأضرمه عليهم نارا، فقال العباس (^١): ما تقول قَطَعَتكَ رَحِمُك! قال: فدخل رسول الله - ﷺ - ولم يرد عليهم شيئًا. فقال أناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال أناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. فخرج رسول الله - ﷺ - وقال: إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللين، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، مَثَلُك يا أبا بكر مَثَل إبراهيم - ﵇ - قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢) ومَثَلُك يا أبا بكر مَثَل عيسى - ﵇ - حيث يقول: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (^٣) ومَثَلُك يا عمر؛ كمثل نوح صلى الله عليه، قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ (^٤) ومَثَلُك يا عمر؛ مَثَل موسى - ﵇ - إذ يقول: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ (^٥) أنتم عالة (^٦)، فلا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق. فقال عبد الله - يعني ابن مسعود ـ: يا رسول الله - ﷺ - إلا سهيل بن بيضاء (^٧) فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول - ﷺ - قال: فما رأيتني في يوم أخوف مني في ذلك اليوم أن تقع علي (^٨) الحجارة من السماء، حتى قال الرسول\n_________\n(^١) هو: العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد المطلب، أبو الفضل عم رسول الله - ﷺ - قيل: إن إسلامه كان قبل بدر، مات بالمدينة سنة ٣٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٤/ ٣٢١) والإصابة (٣/ ٥١١).\n(^٢) سورة إبراهيم (٣٦).\n(^٣) سورة المائدة (١١٨).\n(^٤) سورة نوح (٢٦).\n(^٥) سورة يونس (٨٨).\n(^٦) العالة: جمع عائل وهو الفقير، ينظر النهاية في غريب الحديث (٣/ ٢٩١).\n(^٧) هو: سهيل بن وهب بن ربيعة بن الحارث، أبو موسى الفهري، وأمه بيضاء التي ينسب إليها، من المهاجرين شهد بدرا وما بعدها، مات بعد رجوع النبي - ﷺ - من تبوك فصلى عليه. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٢٢١)، والإصابة (٣/ ١٧٤).\n(^٨) لوحة رقم [١/ ١٥٦].","vol":"1","page":1213},{"text":"- ﷺ - إلا سهيل بن بيضاء، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآيتين؟ (^٢).\nقال القاضي: فقد كان سبق في علم الله وكَتْبِه فيما جرى به القلم، أن سيحل ذلك لرسول الله - ﷺ -، وأعلمه ذلك ولم ينكره عليه، وقد كان سبق الكتاب بالمغفرة لأهل بدر وكل ما فعلوه، وسبقت لهم الشهادة، وسبق حكمه ألا يعذب أحدا على شيء، قبل أن يتقدم إليهم فيه، ولم يكن تقدم فيهم، فأخبر ﷿ أنه لو لم يكن أحلها لهم، أو كان قد تقدم بالنهي لعذبهم؛ لأن الأمم كانت قبلهم لا تحل لهم الغنائم والفداء فكانوا يحرقونها، بل قيل: كانت نار من السماء تأتي فتحرقها (^٣)، ولذلك قال رسول الله - ﷺ -:؟ أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، ونصرت بالرعب من مسيرة شهر؟ روى ذلك حذيفة بن اليماني (^٤)، وأبو هريرة (^٥) وغيرهما (^٦).\n_________\n(^١) سورة الأنفال (٦٧).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ٣٥٩ غزوة بدر الكبرى] وأحمد (١/ ٣٨٣) وأبو يعلى (٩/ ١١٦)، الترمذي [٣/ ٢٧٤ كتاب الجهاد، باب ما جاء في المشورة] وقال: حديث حسن، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه. والحاكم [٣/ ٢٤ كتاب المغازي] والبيهقي [٦/ ٣٢١ باب ما جاء في مفادات الرجل منهم] والطبراني في الكبير (١٠/ ١٤٤) قال ابن حجر في الفتح (١/ ٣٠٩) عن سماع أبي عبيدة من أبيه: \" لم يسمع من أبيه على الصحيح \".\n(^٣) أخرج أحمد (٢/ ٢٢٢) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ - قال: (لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلي ... قال: وأحلت لي الغنائم آكلها، وكان من قبلي يعظمون أكلها، كانوا يحرقونها ...) الحديث، قال ابن كثير في تفسيره (٢/ ٤٠٥): \" إسناد جيد قوي - أيضا - ولم يخرجوه \".\nوأخرج البيهقي [٢/ ٤٣٣ أبواب الصلاة بالنجاسة، باب أينما أدركتك الصلاة فصل] من حديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي ... قال: وكانت الأنبياء يعزلون الخمس فتجيء نار فتأكله ...) الحديث.\n(^٤) هو: حذيفة بن اليمان، اسم أبيه: حِسْل بن جابر العبسي اليماني، أبو عبد الله، صاحب سر رسول الله - ﷺ -، شهد أحدا وما بعدها، توفي بالمدائن سنة ٣٦ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٥٦)، والإصابة (٢/ ٢٢٣).\n(^٥) هو: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، أبو هريرة، صاحب رسول الله - ﷺ - والحافظ عنه سنته، أسلم سنة سبع ولزم النبي - ﷺ - حتى كان أكثر الصحابة رواية للحديث، توفي قرب المدينة سنة ٥٧ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٤/ ٤٧٩) والإصابة (٧/ ٣٤٨).\n(^٦) ذكره المؤلف ﵀ في معنى الكتاب الذي سبق من الله فكان مانعا من عذابهم، ثلاثة أمور، وقد قرر ابن العربي - أيضا - في أحكام القرآن (٢/ ٤٣٥) ما ذكره المؤلف، وصححه، لكنه ذكر أن ما سبق في علم الله من إباحة الغنائم أقواها.","vol":"1","page":1214},{"text":"وكان كلام أبي بكر موافقا لغيب الله فيهم، فأسلم أسارى بدر كلهم، وحسن إسلامهم وحمدت مقامتهم، ولم يمت منهم أحد على كفر.\nقال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (^١) قال أبو مالك (^٢) قال: قال رجل: نورث أرحامنا من المشركين، فنزلت ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (^٣)\nوهذا في المواريث جعلها أبو مالك، ويدخل في هذا المعنى: الموالاة والمعاقدة (^٤)، فمن والى قوما ودخل في جملتهم فهو منهم، وإن كان الكفر كله عندنا ملة واحدة كلهم كافر،\n_________\n(^١) سورة الأنفال (٧٣).\n(^٢) هو: غزوان الغفاري، أبو مالك الكوفي، روى عن ابن عباس والبراء بن عازب، وثقه ابن معين وابن حبان. ينظر: الكاشف للذهبي (٢/ ٣٢٢) وتهذيب التهذيب (٤/ ٤٥٢).\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٦/ ٢٩٧) عن أبي مالك.\nوأورده السيوطي في الدر المنثور (٤/ ١١٦) لكن ذكر أن أبا مالك رواه عن ابن عباس - ﵁ -، وعزوه إلى أبي حاتم وأبي الشيخ.\n(^٤) اختلف السلف ﵏ في معنى الآية على قولين:\nالأول: ما ذكره المؤلف عن أبي مالك، وهو مروي عن ابن عباس - ﵁ -، وابن زيد.\nوالثاني: أن الآية في النصرة والمعونة، وهو قول قتادة.\nينظر: الطبري في تفسيره (٦/ ٢٩٧)، ومعالم التنزيل (٢/ ٢٦٤)، وزاد المسير ص ٥٦٤.\nوقد اختار ابن العربي في أحكام القرآن (٢/ ٤٤١) أن الآية في قطع الموالاة بين المؤمنين والكافرين، وقال - أيضا ـ: \" ويحتمل أن يريد به: بعضهم أولياء بعض في الميراث \".\nوهذه الأقوال في معنى الآية لا تعارض بينها؛ لأنها من باب بيان دلالة الآية، إذ الآية مطلقة في دلالتها على نفي المولاة بين المؤمنين والكافرين، فهي تشمل كل أنواع الموالاة؛ ومنها: النصرة، والمعونة، والتوارث، والله أعلم.","vol":"1","page":1215},{"text":"فكفرهم يفترق على ضروب: فالنصارى (^١) جنس وهم كفرة ومن تولاهم، فمن لم يلزمه اسم الإيمان فهو منهم، وكذلك اليهود (^٢)، وكذلك المجوس (^٣)، والصابئون (^٤) كلهم كافر، وكل له مذهب في كفره.\nوأما قول الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (^٥) فهم العرب الذين لا يقبل منهم الجزية ليس فيهم غير القتل أو الإسلام (^٦)، إلا من دخل منهم في الملل المأمور بأخذ الجزية\n_________\n(^١) النصارى: نسبة إلى مدينة: ناصرة، أو: نصرانة، وهي قرية المسيح - ﵇ -، وهم المنتسبون إلى الديانة المسيحية التي أنزلت على عيسى - ﵇ -، وكتابهم الإنجيل. ينظر: الملل والنحل (١/ ٢٦٠).\n(^٢) اليهود: نسبة إلى دولة يهوذا التي كانت في فلسطين بعد سليمان - ﵇ -، وقيل: يهوذا أحد أسباط بني إسرائيل، وهم أتباع الديانة اليهودية التي أنزلت على موسى - ﵇ -، وكتابهم التوراة. ينظر: الملل والنحل (١/ ٢٥٠).\n(^٣) المجوس: قوم يعبدون النور والظلمة، ويزعمون أن للكون إلهين، وهم في بلاد فارس وبعض ما جاورها، وقد قضى الإسلام على هذه النحلة ظاهرًا وإن بقيت لها آثار في بعض الطوائف. ينظر: الملل والنحل (١/ ٢٧٨).\n(^٤) الصابئون: اختلف في حقيقة هذه الملة، فقيل: هم قوم يعبدون الكواكب والملائكة، وقيل: هم قوم لا دين لهم إنما بقوا على فطرتهم، وقال ابن تيمية: \" إن الصابئة نوعان: صابئة حنفاء، وصابئة مشركون، فالأولون هم الذين أثنى الله عليهم، بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: ٦٢).\nينظر: الملل والنحل (٢/ ٧٠) الر د على المنطقيين (٢٨٨) وتفسير ابن كثير (١/ ١٥٦).\n(^٥) سورة الحج (١٧).\n(^٦) ما ذهب إليه المؤلف هو قول الأحناف، والشافعية، والحنابلة، وابن الماجشون وابن وهب من أصحاب مالك.\nواختلف المالكية في تحرير قول الإمام مالك، فقيل عنه: إنها تؤخذ من مشركي العرب عبدة الأوثان إلا كفار قريش، وقيل عنه: حتى مشركي قريش، قال في مواهب الجليل (٣/ ٥٩٣): \" ... المشهور من المذهب أن الجزية تؤخذ من كل كافر صح سِبَاؤه، ولا يخرج من ذلك إلا المرتد، قال في التوضيح: وعلى هذا الظاهر مشاه ابن رشد، وابن عبد السلام، وذكر المازري أنه ظاهر المذهب، كما شهره المصنف، قال: وحكى المصنفون في الخلاف من أصحابنا وغيرهم؛ أن مذهب مالك: أنها تقبل إلا من كفار قريش \" وقال في المنتقى شرح الموطأ (٢/ ١٧٣): \" وأما عبدة الأوثان وغيرهم، ممن ليس بأهل كتاب، فإنهم يقرون على الجزية، هذا ظاهر مذهب مالك، وقال عنه القاضي أبو الحسن: يقرون على الجزية إلا قريشا \" وصحح ابن العربي المشهور من مذهب المالكية القاضي بأخذها من كل كافر.\nينظر: المدونة (٣/ ٤٦) وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٥٦) والمغني لابن قدامة (٨/ ٥٠٠) وشرح فتح القدير ابن الهمام (٦/ ٤٦) ونهاية المحتاج للرملي (٨/ ٨٨).","vol":"1","page":1216},{"text":"منها قبل البعث، فأولئك منهم وحكمهم كحكمهم؛ لأنه قد كان في ربيعة (^١) النصرانية، وكان في اليمن اليهودية وكان في تميم (^٢) المجوسية في طائفة منهم لاختلاطهم بالأكاسرة وكانت قريش (^٣)، وكنانة (^٤)، وقيس (^٥)، وعيلان (^٦) ومن جاورهم عبدة أوثان، فمن بعث\n_________\n(^١) ربيعة: هم ولد ربيعة بن نزار، يتألفون من عدد من القبائل الكبيرة؛ منها تغلب وبكر، خرجوا من اليمن وسكنوا بلاد نجد وشمال الجزيرة مما يلي الشام، وكان في بعضها النصرانية لمجاورتهم النصارى. ينظر: العقد الفريد (٣/ ٣٠٧)، والأنساب للسمعاني (١/ ٣٠).\n(^٢) تميم: هم ولد تميم بن مرة بن عدنان، إحدى قبائل العرب الكبيرة، كانت منازلهم بنجد، وامتد وجودهم إلى شرق الجزيرة وشمالها، وتميز تاريخهم بكثرة الحروب والأيام، وظهر في بعضهم المجوسية لمجاورتهم الفرس. ينظر: العقد الفريد (٣/ ٢٩٧) والأنساب (١/ ٤٧٨).\n(^٣) قريش: هم أبناء النضر بن كنانة بن عدنان، سموا بذلك إما لتجمعهم لما جمعهم قصي بن كلاب، أو على اسم حيوان البحر، وقد سموا: آل الله، وجيران الله؛ لمقامهم بمكة، ومن أشهر بطونهم؛ بنو هاشم وإليهم ينتسب النبي - ﷺ -. ينظر: جمهرة نسب قريش، والأنساب (١/ ٢٧).\n(^٤) كنانة: هم ولد كنانة بن خزيمة بن مدركة بن عدنان، وهم من القبائل الكبيرة التي نزلت بجوار مكة. ينظر: العقد الفريد لابن عبد ربه (٣/ ٢٩٣) ونهاية الأرب للنويري (٢/ ٣٥٠).\n(^٥) قيس: اسم يطلق على بطون عدة من قبائل العرب، ويحتمل أن يكون المؤلف أراد: قيس بن ثعلبة من بني بكر بن وائل من العدنانية، فهي من أشهر القبائل المنتسبة إلى قيس، وكانت منازلهم باليمامة. ينظر: العقد الفريد (٣/ ٣١٢) ومعجم قبائل العرب (٣/ ٩٧١).\n(^٦) عيلان: هم بطن كبير من أبناء مضر بن نزار، وعيلان لقبه، واسمه: الناس، ومن ولده قيس بن عيلان. ينظر: العقد الفريد (٣/ ٢٩١) والأنساب (١/ ٣٠).","vol":"1","page":1217},{"text":"النبي - ﷺ - وهو من قوم فهو منهم، تؤخذ منهم الجزية كما تؤخذ منهم، ذلك الأمر عندنا (^١) والله أعلم (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) قد أجمع أهل العلم على أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب ومن المجوس، واختلفوا في أخذ الجزية ممن انتسب من العرب إلى أهل الملل التي تؤخذ منهم الجزية، فذهب عامة أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أخذ الجزية منهم على تفصيل واختلاف بينهم، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه ليس فيهم إلا الإسلام أو السيف، وممن ذهب إلى هذا الحسن البصري، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة. ينظر: المغني (٨/ ٤٩٦)، وشرح فتح القدير (٦/ ٤٥)، ومواهب الجليل (٣/ ٥٩٣)، ونهاية المحتاج (٨/ ٨٧).\nوسيأتي عند آية: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ كلام للمؤلف في هذه المسألة.\n(^٢) جاء في المخطوط بعد قوله: والله أعلم، قول الناسخ:\nتم الجزء الأول من مختصر أحكام القرآن من كتاب القاضي إسماعيل بن إسحاق، اختصار القاضي أبي الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري رحمة الله عليه.\nرحم الله كاتبه، وقارءه، وكاسبه، ولجميع المسلمين، يا رب العالمين، وصلى الله على نبيه محمد وآله وسلم.\nيتلوه في الثاني قال الله ﷿ ﴿: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أ. هـ\nوهذه آخر لوحة في الجزء الأول من المخطوط.\n(^٣) لوحة رقم [١/ ١٥٧].","vol":"1","page":1218},{"text":"الثاني من\nأحكام القرآن\n\nتأليف: القاضي الفقيه الإمام:\nبكر القشيري - ﵁ - (^١) (^٢)\n_________\n(^١) هذا العنوان بداية الجزء الثاني من المخطوط، وقد كتب على ظهره حواش لا تعلق لها بمادة الكتاب أشرت إليها في قسم الدراسة.\n(^٢) لوحة رقم [١/ ١٥٨].","vol":"1","page":1219},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nعونك يا رب\n\nقال الله ــ ﷿ ــ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^١).\nهذه الآية ناسخة ما كان قبلها من الموارثات بالحلف والهجرة، وصارت الموارثة بالإسلام والمساواة في الملة.\nوقد قال بعض العراقيين: إنه يُوَرِثُ بهذه الآية ذوي الأرحام دون الموالي (^٢)، فقالوا: لو أن رجلا أعتق عبدا فمات المعتَقُ، وترك مولاه الذي أعتقه، وترك خالته وعمته، أن المال للخالة والعمة دون المولى.\nوإنما نزلت هذه الآية لأنهم كانوا يتوارثون بالحلف، ثم صارت الموارثة بالهجرة (^٣)،\n_________\n(^١) سورة الأنفال (٧٥).\n(^٢) اختلف أهل العلم في ميراث ذوي الأرحام ممن لا فرض له ولا تعصيب مع وجود المولى، فذهب عامة أهل العلم من السلف - وفي جملتهم المذاهب الأربعة - إلى تقديم الموالى على ذوى الأرحام. وذهب عمر بن الخطاب، وعلى بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعلقمة، وإبراهيم النخعي، ومسروق، والشعبي، والقاسم بن عبد الرحمن، إلى تقديم ذوي الأرحام على الموالي.\nينظر: مصنف عبد الرزاق (٩/ ١٨) وبدائع الصنائع (٤/ ١٦٢) والمغني (٦/ ٣٤٩) ومواهب الجليل (٨/ ٥٩٢) ونهاية المحتاج (٦/ ١١)\n(^٣) يشهد لهذا ما أخرج الحاكم [٢/ ٣٣٥ كتاب التفسير] عن ابن عباس ﵄: في قوله ﷿؟ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ؟ قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة، ييرثون الأنصار دون ذوي القربى، رحمة للأخوة التي آخى رسول الله - ﷺ - بينهم فلما نزلت؟ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ؟ قال فنسختها، ثم قال:؟ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ؟ من النصر والنصيحة) هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.","vol":"1","page":1220},{"text":"بقوله ﷿: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ (^١) فكان الرجل يموت فيُخلِف ابنا أو أخا، ثم يهاجر وابن عم له هجرة، فيرثه دون أولئك، وكذلك كان بالحلف قبل الهجرة، فكان الرجل يحالف الرجل فيقول: ترثني وأرثك (^٢)، فلما فتحت مكة وجاء الناس يدخلون في الإسلام أفواجا؛ نسخ الله ذلك بهذه الآية، فصار الناس يتوارثون بالإسلام خاصة، وبطل ما كان قبل ذلك، وإنما هي في ذوي الأرحام الذين سماهم دون من لم يسم ولا دَخَل بالمعنى، ثم بين النبي - ﷺ - فقال:؟ فما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر؟ (^٣)\nولو كان كما قال العراقيون مع قول رسول الله - ﷺ -:؟ فما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر؟ وقوله:؟ الولاء لحمة كلحمة النسب؟ (^٤) لكان ينبغي لهم إذا خَلَف الرجل ابن\n_________\n(^١) سورة الأحزاب (٦).\n(^٢) يشهد لقول المؤلف ما رواه عبد الرزاق [١٠/ ٣٠٥ كتاب الفرائض، باب الحلفاء] والطبري في تفسيره (٤/ ٥٥) عن قتادة أنه قال: كان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل، فيقول: دمي دمك، وترثني وأرثك، وتُطلب بدمي وأُطلب بدمك. فلما جاء الإسلام بقي منهم ناس، فأمروا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السدس، ثم نسخ ذلك بالميراث، فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥].\n(^٣) أخرجه البخاري [١٤١٥ كتاب الفرائض، باب ميراث الأب من أبيه]، ومسلم [٣/ ٩٩٩ كتاب الفرائض] من حديث ابن عباس، وفيه: (رجل ذكر) بدلًا عن (عصبة ذكر)، ولم أجده بهذا اللفظ، بل قال ابن حجر في الفتح (١٢/ ١٣): \" قوله (رجل ذكر) هكذا في جميع الروايات، ووقع في كتب الفقهاء ... (فلأولى عصبة ذكر) قال ابن الجوزي والمنذري: هذه اللفظة غير محفوظة \".\n(^٤) أخرجه الدارمي [٤/ ٤٧٣ كتاب الفرائض، باب بيع الولاء] وابن حبان [١١/ ٣٢٣ ذكر الزجر عن بيع الولاء] وصححه، وأخرجه الحاكم [٤/ ٣٧٩ كتاب الفرائض] وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي، وأخرجه البيهقي [١٠/ ٢٩٢ باب من أعتق مملوكًا له] من حديث ابن عمر - ﵁ -، به.","vol":"1","page":1221},{"text":"عم وابنة عم؛ أن يكون المال بينهما، وكذلك إن خلف عما وعمةً، وكذلك إن خلف عمة وابن عم، أن يكون المال للعمة، وكذلك إن خلف ابنة وأختا وابن عم أن يكون المال كله للبنت أو الأخت، دون ابن عم المتوفى، وهم لا يقولون شيئا من ذلك، ولو قاله قائل لخالف كتاب الله ﷿ وليس بين المسلمين خلاف علمته في ذلك، وإذا كان هذا هكذا فقد علمنا أن الله سبحانه إنما أراد بالآية ذوي الأرحام الذين يرثون بكتابه، دون غيرهم ممن لا نسب بينهم وبين المتوفى، والولاء فقد جعله الله ﵎ على لسان نبيه - ﷺ - إذ هو المبين ما أراد الله ﷿ منا (^١).\nوإنما فسر هذه الآية أهل العلم من عروة (^٢)، ومجاهد (^٣)، والحسن (^٤)، وقتادة (^٥)،\nوزيد بن أسلم (^٦)، وسائر من فسرها: بأنها ناسخة لما كان أجري من الموارثة بالهجرة، وعرفوا أن هذه الآية نزلت وكانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار يتوارثون، فارتفع ذلك بعد فتح\n_________\n(^١) في الأصل غير واضح، وقد أثبت أقرب ما ظهر لي من الخط والمعنى.\n(^٢) هو: عروة بن الزبير بن العوام الأسدي أبو عبد الله، كان ثقة كثير الحديث فقيها عالما، لم يدخل في شيء من الفتن، توفي بالمدينة سنة ٩٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٩١) وتهذيب التهذيب (٤/ ١١٣).\nوالأثر الذي يشير إليه المؤلف أخرجه الطبري في تفسيره (٦/ ٣٠٠) والدارقطني [٤/ ٥٨ كتاب الفرائض، باب بقية الفرائض] وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ ص ٢٢٧.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٦/ ٢٩٥) عن مجاهد.\n(^٤) هو: الحسن بن أبي الحسن البصري أبو سعيد، الثقة الفقيه العابد، لقي بعضا من الصحابة وروى عنهم، توفي بالبصرة سنة ١١٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٧٩)، وتهذيب التهذيب (١/ ٥٤١).\nوالأثر الذي يشير إليه المؤلف أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٦/ ٢٩٥).\n(^٥) هو: قتادة بن دِعامة السَّدُوسي أبو الخطاب، الأمام المفسر أحد أوعية العلم، قال عنه ابن سيرين: قتادة من أحفظ الناس، توفي بواسط سنة ١١٧ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١١٨)، وتهذيب التهذيب (٤/ ٥١٧).\nوالأثر الذي يشير إليه المؤلف أخرجه عبد الرزاق [١٠/ ٣٠٥ كتاب الفرائض، باب الحلفاء]، الطبري في تفسيره (٦/ ٢٩٥)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٤٧٤.\n(^٦) هو زيد بن أسلم العدوي مولى عمر بن الخطاب - ﵁ -، أبو عبد الله الفقيه المفسر، توفي بالمدينة سنة ١٣٦ هـ. ينظر: تهذيب التهذيب (٢/ ٢٣٦)، وسير أعلام النبلاء (٥/ ٣١٦).\nوالأثر الذي يشير إليه المؤلف لم أجده، وإنما وجدت أثرًا بمعنى ما أشار إليه عن ابنه عبد الرحمن بن زيد، أخرجه الطبري في تفسيره (٦/ ٢٧٩)، قال: \" كان المؤمن المهاجر والمؤمن الذي ليس بمهاجر، لا يتوارثان وإن كانا أخوين مؤمنين، قال: وذلك لأن الدين كان بهذا البلد قليلًا، حتى كان يوم الفتح، فلما كان يوم الفتح وانقطت الهجرة، توارثوا حيث كانوا بالأرحام \".","vol":"1","page":1222},{"text":"مكة، وأنزل الله ﷿: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ يعني من أسمى ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^١).\nوزيد بن أسلم شرح القصة من أولها إلى آخرها، وكيف كانت الموارثة (^٢) بالحلف الأول ثم صارت بالهجرة، فكان الرجل إذا هاجر يرثه ابن عمه دون ابنه وأخيه ثم زال ذلك كله.\nولقد توفي مولى لعمارة بنت حمزة بن المطلب (^٣) وخلف بنتا، فأعطاها\nالنبي - ﷺ - النصف، ودفع النصف الآخر إلى عمارة بنت حمزة (^٤)\n_________\n(^١) سورة الأنفال (٧٥).\n(^٢) لوحة رقم [٢/ ١٥٩].\n(^٣) هي: عُمارة، وقيل: أُمامة، وقيل: فاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب بن هاشم، أم الفضل، وهي التي اختصم في حضانتها علي، وجعفر، وزيد بن حارثة، فقضى النبي - ﷺ - لجعفر بن أبي طالب لأن خالتها تحته. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٢٦٦)، والإصابة (٨/ ٢٧٠).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق [٩/ ٢٢ كتاب الفرائض، باب ميراث ذي القرابة] وابن أبي شيبة [٦/ ٢٥١ كتاب الفرائض، في ابن ومولاه] وابن ماجه [٢/ ١٢٢ أبواب الفرائض، باب ميراث الولاء] والطحاوي في مشكل الآثار [٤/ ٤٠١ كتاب الفرائض، باب ميراث ذوي الأرحام] والحاكم [٤/ ٧٤ كتاب معرفة الصحابة، ذكر أمامة بنت حمزة] والبيهقي [٤/ ٨٦ باب توريث الموالي مع ذوي الرحم] والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٣٥٤) كلهم من طريق الحكم بن عتيبة، عن ابنة حمزة، قالت: مات مولى لي وترك ابنته، فقسم رسول الله - ﷺ - المال بيني وبين ابنته، فجعل لي النصف، ولها النصف.","vol":"1","page":1223},{"text":"روى ذلك إسماعيل بن إسحاق قال: نا سليمان بن حرب (^١)، عن حماد بن زيد (^٢)، عن أبي فزارة (^٣)، عن الحكم بن عتيبة (^٤)، عن عبد الله بن شداد (^٥) قال: توفي مولى لعمارة بنت حمزة، - وذكر الحديث - وقد حكي عن بعض العراقيين أنه قال في هذا الحديث: إنما أطعمها ذلك طعمة (^٦)، أفكان قائل هذا القول يتوهم أن النبي - ﷺ - يطعم إنسانا مال إنسان آخر! ما أعظم هذا القول!\n_________\n(^١) هو: سليمان بن حرب بن بجيل الواشحي، أبو أيوب الأزدي، ولي قضاء مكة زمن المأمون، قال أبو حاتم عنه: إمام من الأئمة، توفي بالبصرة سنة ٢٢٤ هـ. ينظر: الكاشف (١/ ٣١٢)، وتهذيب التهذيب (٢/ ٣٩٦).\n(^٢) هو: حماد بن زيد بن درهم الأزدي مولاهم، أبو إسماعيل، قال ابن مهدي: أئمة الناس في زمانهم أربعة، - وذكر منهم - حماد بن زيد في البصرة، توفي بالبصرة سنة ١٧٩ هـ. ينظر: تهذيب الكمال (٧/ ٢٣٩) والكاشف (١/ ١٨٧).\n(^٣) هو: راشد بن كيسان العبسي، أبو فزارة الكوفي، وثقه ابن معين، والدارقطني، روى عن أنس بن مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وروى عنه الثوري، وحماد بن زيد. ينظر: الكاشف (١/ ٢٣١)، وتهذيب التهذيب (٢/ ١٣٩).\n(^٤) هو: الحكم بن عُتَيبة الكندي مولاهم، أبو عبد الله، ويقال أبو عمر، وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، توفي بالكوفة سنة ١١٥ هـ. ينظر: الكاشف (١/ ١٨٣) وتهذيب التهذيب (١/ ٦٤٠).\n(^٥) هو: عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي، أبو الوليد، قال عنه الخطيب: من كبار التابعين وثقاتهم، توفي بدُجَيْل سنة ٨١ هـ. ينظر: الكاشف (٢/ ٨٥)، وتهذيب التهذيب (٣/ ١٥٤٦).\n(^٦) يريد بذلك إبراهيم النخعي، فقد أخرج عبد الرزاق [٩/ ٢٢ كتاب الولاء، باب ميراث ذي القرابة] وابن أبي شيبة [٦/ ٢٥٠ كتاب الفرائض، رجلًا مات وترك ابنته ومواليه]، والطحاوي في مشكل الآثار [٤/ ٤٠٢ كتاب الفرائض، باب ميراث ذوي الأرحام] أنه قال: إنما أطعمها رسول الله - ﷺ - طعمة.","vol":"1","page":1224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>سورة براءة</span>.\n\nقال الله ﷿: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (^١).\nنزلت هذه الآيات من أول سورة براءة بالحرب والمنابذة، ولذلك لم يكتب في أولها بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأنها للسلم ولا تكتب في المنابذة.\nوقد كان نزولها بعد خروج أبي بكر - ﵁ - سنة تسع للحج (^٢) بالناس، لأن النبي - ﷺ - فتح مكة سنة ثمان\n_________\n(^١) سورة براءة الآيات (١ - ٢).\n(^٢) المشهور عند المفسرين أن الآيات نزلت قبل خروج أبي بكر - ﵁ -، ينظر: تفسير الطبري (٦/ ٣٠٥) ومعالم التنزيل (٢/ ٢٦٧) وزاد المسير ص ٥٦٦ والجامع لأحكام القرآن (٨/ ٦٧) وتفسير ابن كثير (٢/ ٥٢١).\nوكذلك فأغلب المرويات تدل على أنها نزلت قبل خروجه، وأن النبي - ﷺ - بعثها معه في أول الأمر، ثم أتبعه بعد خروجه بعلي ابن أبي طالب لينادي في الناس، منها:\nفقد أخرجه أحمد (١/ ٣) وأبو يعلى (١/ ١٠٠) من حديث أبي بكر.\nوأخرجه أحمد (١/ ١٥١) والطبري في تفسيره (٦/ ٣٠٨) والنسائي في الكبرى [٥/ ١٢٩ كتاب المناقب، ذكر توجيه النبي ببراءة مع علي] من حديث على بن أبي طالب.\nوأخرجه النسائي في الكبرى [٥/ ١٢٨ كتاب المناقب، ذكر توجيه النبي ببراءة مع علي] من حديث سعد بن أبي وقاص.\nوأخرجه الترمذي وابن أبي شيبة [٦/ ٣٧٤ كتاب الفضائل، فضائل علي بن أبي طالب] وأبو يعلى (٥/ ٤١٢) [٥/ ٦١ كتاب التفسير، سورة براءة] والنسائي في الكبرى [٥/ ١٢٩ كتاب المناقب، ذكر توجيه النبي ببراءة مع علي] من حديث أنس بن مالك.\nوأخرجه الطبري في تفسيره (٦/ ٣٠٦) والطبراني في الكبير (١١/ ٤٠٠) من حديث ابن عباس.\nولم أجد ما يشهد لقول المؤلف - فيما وقفت عليه - إلا ما أخرجه الطبري (٦/ ٣٠٧) عن علي بن الحسين بن علي، وكذلك ما أورده في الدر المنثور (٤/ ١٢٣) وعزاه لابن مردويه من حديث ابن عمر - ﵁ -.\nعلى أن هناك روايات مجملة ليس فيها دلالة صريحة على أحد القولين، والله أعلم.","vol":"1","page":1225},{"text":"عنوة (^١)، واستخلف على الحج سنة ثمان عَتَّاب بن أَسِيد (^٢)، ثم ولي الحج في سنة تسع أبا بكر - ﵁ -، وكانوا يحجون على رسومهم (^٣) التي كانوا عليها، ولم يكن فُرِض الحج على النبي - ﷺ - ولا أُمر به (^٤)، ليعود الزمان كهيئته، وعلى ما حج عليه إبراهيم الخليل - ﷺ - من مناسكه وأفعاله ورسومه.\nوكانت حجة عَتَّاب وحجة أبي بكر في ذي القعدة، في النسيء الذي كان في الجاهلية (^٥).\n_________\n(^١) اختلف أهل العلم في فتح مكة عنوة:\nفذهب المالكية، والحنفية، والحنابلة - في المشهور - إلى أن مكة فتحت عنوة.\nوذهب الشافعية، ورواية عن أحمد؛ إلى أنها فتحت صلحا.\nينظر: الأم للشافعي (٧/ ٣٦٢) أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٦٠) وأحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٢٧٦) وشرح فتح القدير (٥/ ٤٥٨) والذخيرة للقرافي (٣/ ٤٢٧) والإنصاف للمرداوي (٤/ ٢٨٨).\n(^٢) هو: عتاب بن أسيد بن أبي العِيْص بن أمية بن عبد شمس، أبو عبد الرحمن القرشي، أسلم يوم فتح مكة، واستعمله النبي - ﷺ - عليها، وأقام الحج للناس في ذلك العام، توفي بمكة سنة ٢٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣١٠) والإصابة (٤/ ٤٩٢).\n(^٣) قوله: على رسومهم، أي على عاداتهم وآثارهم في الجاهلية، قال في معجم مقاييس اللغة، مادة: رسم: \" الرسم أثر الشيء، ويقال ترسمت الدار أي نظرت إلى رسومها \".\n(^٤) ما ذكره المؤلف ﵀ فيه رد على دليل القائلين بأن الحج واجب على التراخي، قالوا: لأنه فرض سنة ست، ولم يحج النبي - ﷺ - إلا في السنة العاشرة، وهو قول الشافعية، والمالكية في رواية، وذهب الحنفية، والمالكية في المشهور، والحنابلة؛ إلى أن الحج على الفور.\nينظر: النوادر والزيادات (٢/ ٣١٧) والتمهيد (١٦/ ١٣٦) والمغني (٣/ ٢٤١) والمجموع (٧/ ٧٠) وشرح فتح القدير (٢/ ٤١٧)\n(^٥) النسيء في اللغة: التأخير، قال في معجم مقاييس اللغة مادة: نسي: \" والنسيء في كتاب الله التأخير \" ونسيء الجاهلية: أنهم كانوا يؤخرون حرمة الشهر الحرام إلى شهر حلال.\nأما صفة هذا النسيء، فقد اختلف فيها أهل العلم خلافا واسعا، وذلك أن ما نقل من كلام السلف في بيان صفته، يكتنفه غموض يجعل استبانة صفة النسيء عسيرة، قال البقاعي في نظم الدرر (٨/ ٤٥٥): \" وتحقيق معنى ما كانت العرب تفعله ... عَسِرٌ قل من أتى فيه بما يتضح \".\nومن لازم هذا النسيء؛ أن الحج يتنقل بين الشهور في كل عام، فمرة يقع في ذي الحجة، ومرة يقع في المحرم، ومرة في صفر، وهكذا دواليك.\nينظر في صفة النسيء: غريب الحديث لأبي عبيد (٢/ ١٥٨)، وتفسير الطبري (٦/ ٣٧١)، ونظم الدرر (٨/ ٤٥٥).\nوما ذكره المؤلف ﵀ من أن حجة عتاب وأبي بكر - ﵃ - وقعتا في النسيء، في شهر ذي القعدة، فيه تفصيل:\nفأما حجة عتاب - ﵁ - فمحتمل أنها وقعت في ذي القعدة، وأما حجة أبي بكر - ﵁ - فبعيد أن تكون وقعت في ذي القعدة، بل وقعت في ذي الحجة، وذلك لأمرين:","vol":"1","page":1226},{"text":"وكانت الحُمُس (^١) تقف عند المزدلفة يوم عرفة، وكانت العرب - ممن لا وِلادة لها في قريش ولا حلف - تقف بعرفات، وكذلك كانوا في حجة أبي بكر - ﵁ - على ذلك الاختلاف، فأنزلت سورة براءة فأنفذ بها رسول الله - ﷺ - عليا (^٢)، ليتلو الآيات على الناس في الموضع الذي يجتمع الفريقان فيه وهو منى، وينادي في الناس بما أمره به رسول الله - ﷺ - من:؟ ألا يحج بعد العام مشرك وألا يطوف بالبيت عريان؟ (^٣) وكانت العرب تطوف عراة الرجال والنساء، فكانت المرأة تغطي فرجها بيدها وتقول:\n_________\n= الأول: ما ذكر ابن كثير في تفسيره (٢/ ٥٥٦) وهو يرد على هذا القول: \" وكيف تصح حجة أبي بكر وقد وقعت في ذي القعدة، وأنى هذا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ الآية، وإنما نودي به في حجة أبي بكر، فلو لم تكن في ذي الحجة لما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ \" أ. هـ.\nالثاني: قد ثبت أن الله تعالى أبطل النسيء في العام الذي حج فيه أبو بكر - ﵁ -، وذلك بنزول سورة براءة، فلو كانت حجته في غير ذي الحجة، للزم منه أن تقع حجة النبي - ﷺ - بعده في ذي القعدة، فعلم أن حجة أبي بكر - ﵁ - قد وقعت في ذي الحجة، حتى يستقيم عد الشهور لتوافق حجة النبي - ﷺ - شهر ذي الحجة، يشهد لهذا ما أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ١٩٦) عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان العرب يجعلون عاما شهرا وعاما شهرين، ولا يصيبون الحج إلا في كل ست وعشرين سنة مرة، وهو النسيء الذي ذكر الله ﷿ في كتابه، فلما كان عامُ حجِ أبي بكر بالناس، وافق في ذلك العام الحج فسماه الله الحج الأكبر، ثم حج رسول الله - ﷺ - من العام المقبل.\n(^١) قال ابن منظور في لسان العرب مادة: حمس: \" الأحمس: المتشدد على نفسه في الدين ... والحُمُس: قريش، لأنهم كانوا يتشددون في دينهم \" وقال البغدادي في المحبر ص ١٧٩ ذاكرا القبائل التي ينتظمها اسم الحمس: \" قبائل الحمس من العرب: قريش كلها، وخزاعة لنزولها مكة ومجاورتها قريشا، وكل من نزل مكة من قبائل العرب \".\n(^٢) هو: علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، أبو تراب، ابن عم رسول الله - ﷺ -، قال له النبي - ﷺ -: (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى) ولي الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفان، ومات غدرا سنة ٤٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ١٢) والإصابة (٤/ ٦٤٦).\n(^٣) أخرجه أحمد (١/ ٧٩) والدارمي [٢/ ٩٤ كتاب الحج، باب لا يطوف بالبيت عريان] والترمذي [٢/ ٢٤٥ كتاب الحج، باب ما جاء في كراهة الطواف عريان] وقال: حديث حسن، والحاكم [٣/ ٥٤ كتاب المغازي] وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وأخرجه البيهقي [٩/ ٢٠٦ كتاب الجزية، باب لا يقرب المسجد الحرام مشرك].","vol":"1","page":1227},{"text":"اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله (^١)\nفنادى بذلك علي، وأعانه أبو هريرة وغيره بالنداء بمنى، في مجمع الناس وفي سائر أسواقهم، قال علي: أمرني بأربع:؟ ألا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأن يتمم إلى كل ذي عهد عهده؟ (^٢) وذلك لمن لم يكن نقض العهد، فأما من نقض فليس يدخل في ذلك (^٣).\nقال الزهري (^٤) عن حميد بن عبد الرحمن (^٥)، أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر - ﵁ - فيمن يؤذن يوم النحر بمنى؛ ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان،\n_________\n(^١) القائلة هي: ضباعة بنت عامر بن صعصعة. ينظر: المحبر ص ٣٤٤، والمنمق لابن حبيب ص ٢٧٠، والروض الأنف (١/ ٣٥٤).\nوالعرب - في هذه العادة الجاهلية - كانوا على ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: الحمس، وهم قريش ومن ولدته: فكانوا يطوفون بثيابهم، قالوا لأننا جيران الله وسكان بيته.\nالقسم الثاني: سائر العرب سوى الحمس، فقد كانوا يطوفون عراة، على ما ذكر المؤلف ﵀ وقد ذكر أهل الأخبار والسير أنهم يطوفون كذلك إذا لم يُعِرْهم أحد من الحمس ثوبا، وكانت النساء يطفن بالليل، على أن أحدهم ربما طاف بثوبه، فإذا فعل ذلك ألقاه بعد فراغه ولم ينتفع به، وقد ذكروا أن ذلك يكون في أول قدومهم، ثم بعد ذلك يطوفون بثيابهم، وشبهتهم في ذلك أنهم قالوا: لا نطوف بثياب عصينا الله فيها.\nالقسم الثالث: طوائف قليلة من العرب كقبيلة طيء، لم تكن تلزم نفسها هذه العادة، ولا تراها دينا تتعبد الله به، فكانوا يطوفون بثيابهم لا يتحرجون.\nينظر: سيرة ابن إسحاق ص ٨١، وأخبار مكة للأزرقي (١/ ١٨١) وإتحاف الورى لابن فهد (١/ ٦٦).\n(^٢) تقدم تخريجه ص: ٢٥٦.\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ١٦٠].\n(^٤) هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، أبو بكر القرشي، الفقيه الحافظ، روى عن عدد من الصحابة، توفي بالمدينة سنة ١٢٥ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٢٢٢) وتهذيب التهذيب (٥/ ٢٦٦).\n(^٥) هو: حُميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو إبراهيم، وقيل: أبو عبد الرحمن القرشي، وثقه العجلي وأبو زرعة، توفي بالمدينة سنة ١٠٥ هـ. ينظر طبقات ابن سعد (٥/ ٧٩)، وتهذيب التهذيب (٢/ ٣٠).","vol":"1","page":1228},{"text":"ويوم الحج الأكبر يوم النحر (^١)، فلم يحج في العام الذي حج فيه رسول الله - ﷺ - حجة الوداع مشرك، وأنزل الله تعالى في العام الذي نبذ فيه أبو بكر - ﵁ - إلى المشركين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِن اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (^٢) فكان المشركون يوافون بالتجارة فينتفع منها المسلمون، فلما حرم الله على المشركين أن يقربوا المسجد الحرام، وجد المسلمون في أنفسهم مما قطع عنهم من التجارة التي كان المشركون يوافون بها، فقال الله ﷿: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ ثم أحل في الآية التي تبعتها الجزية، ولم تكن تؤخذ قبل ذلك، فجعلها عوضا مما منعهم من موافاة المشركين لتجاراتهم، فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (^٣) فلما أحق الله ﵎ ذلك للمسلمين، عرفوا أنه قد عاضهم أفضل مما كانوا وجدوا عليه مما كان المشركون يوافون به من التجارة (^٤).\n_________\n(^١) في تعيين يوم الحج الأكبر خلاف مشهور بين السلف، ذكره المؤلف عند قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٤].\n(^٢) سورة التوبة (٢٨).\n(^٣) سورة التوبة (٢٩).\n(^٤) أخرجه البيهقي [٩/ ١٨٥ كتاب الجزية، باب من يؤخذ منه الجزية] به.\nوهو عند البخاري [٦٤٩ كتاب الجزية، باب كيف ينبذ] ومسلم [٢/ ٨٠١ كتاب الحج] مختصرا.\nقال البيهقي: \" رواه البخاري ... إلى قوله: (حجة الوداع مشرك) دون ما بعده، وأظنه من قول الزهري \".","vol":"1","page":1229},{"text":"ثم قال ﵎: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ وآخرها سلخ المحرم ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وهم الذين لم يكن لهم عهد بقوله: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ إلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^١) وبقي من لم ينقض العهد إلى مدته، وهم قوم من كنانة، وليس هم الذين قاتلوا خزاعة (^٢)، وذلك في سائر العرب ألا يقبل منهم جزية، إلا من تمسك منهم بالكتاب وهم: بنو تغلب (^٣)، واليهود من اليمانيين فلهم حكمهم (^٤).\nثم استقر أمر الحج لما فرض على النبي - ﷺ - وأمر به، ووافق حجه ذي الحجة (^٥)، ووقف بعرفة والمسلمون معه، واستقر الأمر على ذلك.\nوفي طوافهم عراة نزلت: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (^٦) فأمروا بستر عوراتهم (^٧).\n_________\n(^١) سورة التوبة (٥).\n(^٢) خزاعة هي: قبيلة من الأزد، أبناء عمرو بن ربيعة بن حارثة، سموا بذلك لأنهم تخزعوا عن قومهم ونزلوا بأنحاء مكة، وقد كان لهم ولاية البيت قبل قريش. ينظر: العقد الفريد (٣/ ٣٣١)، والإنباه على قبائل الرواة ص ٨١ ولسان العرب (٤/ ٨٢).\nوخبر قتال خزاعة أورده ابن هشام في السيرة (٤/ ٢٦) وذكر أن الذين قاتلوا خزاعة هم: بنو الديل من بني بكر بن عبد مناة بن كنانة.\n(^٣) بنو تغلب هم: أبناء وائل بن قاسط بن ربيعة بن نزار، من أشهر المنتسبين إليهم: كليب وائل وأخوه مهلهل، قال ابن عبد البر: وبنو تغلب بن وائل بن قاسط، كان أكثرهم نصارى. ينظر: العقد الفريد (٣/ ٣١٠) والإنباه على قبائل الرواة ص ٨٧.\n(^٤) أي لهم حكم من انتسبوا إليه من اليهود والنصارى.\n(^٥) كذا في الأصل ومقتضى قواعد النحو بالنصب: ذا الحجة.\n(^٦) سورة الأعراف (٣١).\n(^٧) أخرجه مسلم [٤/ ١٨٣٣ كتاب التفسير] عن ابن عباس - ﵁ -.","vol":"1","page":1230},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ\nيَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ (^١).\nاختلف المفسرون في يوم الحج الأكبر، فقال الكبراء من الناس: إنه يوم النحر، وقال قوم: يوم عرفة (^٢).\nوممن قال إنه يوم النحر: علي بن أبي طالب (^٣)، وعبد الله بن مسعود، وابن عمر، وابن أبي أوفى (^٤)، وأبو هريرة، وجماعة كثيرة (^٥).\nوقال بعض المفسرين: إنه أيام الحج كلها (^٦).\n_________\n(^١) سورة التوبة (٤).\n(^٢) ممن قاله: عمر بن الخطاب، وابن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعطاء، ومجاهد، وطاووس.\nينظر: الطبري في تفسيره (٦/ ٣١٠) والتمهيد لابن عبد البر (١/ ١٢٥) ومعالم التنزيل (٢/ ٢٦٨) وزاد المسير ص ٥٦٧ والدر المنثور (٤/ ١٢٦).\n(^٣) وقد أخرج عنه - ﵁ - - أيضا - الطبري في تفسيره (٦/ ٣٠٩) أنه جعل يوم الحج الأكبر يوم عرفة.\n(^٤) هو: عبد الله بن أبي أوفى، واسم أبيه علقمة بن خالد الأسلمي، أبو إبراهيم، شهد بيعة الرضوان، وهو آخر من مات بالكوفة سنة ٨٦ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٧٤) والإصابة (٤/ ١٦).\n(^٥) ينظر قول من ذكر المؤلف وغيرهم في: مصنف عبد الرزاق [٣/ ٣٧٩ كتاب الحج، باب في الحج الأكبر] وابن أبي شيبة [٣/ ٣٧٨ كتاب الحج، باب في يوم الحج الأكبر] وتفسير الطبري (٦/ ٣١١) والتمهيد لابن عبد البر (١/ ١٢٥) ومعالم التنزيل (٢/ ٢٦٨) وزاد المسير ص ٥٦٧ والجامع لأحكام القرآن (٨/ ٦٩).\n(^٦) وهو قول سفيان الثوري، وابن جريج. ينظر: الطبري في تفسيره (٦/ ٣١٦) والتمهيد (١/ ١٢٥) وزاد المسير ص ٥٦٧ والجامع لأحكام القرآن (٨/ ٦٩).","vol":"1","page":1231},{"text":"وقال بعضهم: الحج الأكبر أريد وهو الحج، وأن الأصغر العمرة (^١).\nفدل على القول الأول وأنه هو الصحيح (^٢)؛ أن النبي - ﷺ - قال بمنى:؟ أي يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله (^٣) أعلم، فقال: هو يوم حرام، من شهر حرام، في بلد حرام، ثم قال: إن الله حرم دماءكم وأعراضكم وأموالكم، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا؟ (^٤) ذلك لا يكون بعرفة؛ لأنها ليست من الحرم، فزال قول من قال: إنه يوم عرفة.\nوالآية - أيضا - تدل على ذلك؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ (^٥) والناس بعرفة متفرقون، وفي تلك السنة وقف أكثر الناس بالمشعر مع أبي بكر (^٦)، ومنهم من يأتيها بليل، وإنما يكون الاجتماع للنداء بمنى، حيث يجتمع الناس جميعا ثلاثة أيام، وقال أبو هريرة - ﵁ -: إنه نادى ثلاثة أيام حتى صَحِل صوته (^٧).\n_________\n(^١) وهو قول عطاء، والشعبي، ومجاهد. ينظر: الطبري في تفسيره (٦/ ٣١٦) ومعالم التنزيل (٢/ ٢٦٨) وزاد المسير ص ٥٦٧ والدر المنثور (٤/ ١٢٦).\nعلى أن هذا القول المنسوب إلى من ذكر هنا، ليس قولا في تعيين المراد بيوم الحج الأكبر، وإنما هو بيان سبب التسمية ووجهها، ذلك أننا لا نجد فيه تعيين اليوم أو الأيام التي تسمى الحج الأكبر، كما هو الحال في الأقوال الأخرى، وإنما فيه بيان سبب التسمية، وقد كان ابن الجوزي ﵀ في تفسيره (٣/ ٣٩٦) دقيقا؛ إذ لم يذكره في عداد الأقوال التي تعين المراد بيوم الحج الأكبر، بل ذكره في جملة الأقوال في سبب تسميته بذلك الاسم.\n(^٢) اختار المؤلف القول الأول تبعا لقول مالك - رحمهما الله - وقد وافقه - أيضا - على هذا ابن العربي، وعلل ذلك بقوله: \" لأن الوقوف إنما هو في ليلته، وفي صبيحته الرمي والحلق والنحر والطواف، فلا يبقى بعد هذا إشكال \" أحكام القرآن (٢/ ٤٥١).\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ١٦١].\n(^٤) أخرجه البخاري [٣٤٥ كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى] ومسلم [٣/ ١٠٥٦ كتاب الحج] بنحوه من حديث أبي بكرة - ﵁ -.\n(^٥) سورة التوبة (٤).\n(^٦) أما الحُمُسُ، فقد وقفوا بمزدلفة على ما كانوا عليه من رسم الجاهلية وعاداتها.\n(^٧) أخرجه أحمد (٢/ ٢٩٩) والنسائي [٥/ ٢٥٩ كتاب الحج، باب قوله خذوا زينتكم] وابن حبان [٩/ ١٢٨ كتاب الحج، ذكر الزجر عن طواف غير المسلم] والحاكم [٢/ ٣٦١ كتاب التفسير، تفسير سورة التوبة] وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي [٩/ ٢٢٥ جماع أبواب السير، باب مهادنة من يقوى على قتاله] وقوله: إنه نادى ثلاثة أيام، لم أجده في المصادر التي أخرجت الحديث.\nوقوله: صَحِل: أي بُح صوته، وذهبت حدته، ينظر: الفائق في غريب الحديث (٣/ ٦٧) والنهاية في غريب الحديث (٣/ ١٣).","vol":"1","page":1232},{"text":"وأما من قال: إنه أريد الحج الأكبر لم يرد العمرة، وأن العمرة الحج الأصغر ففيه: أن الله أوجب حجين وهو قصدان (^١)، وقد كفانا ذلك رسول الله - ﷺ - لما سئل: أفي كل عام؟ قال:؟ لا ولو قلتها لوجبت ولكن مرة واحدة؟ (^٢) وسئل عن العمرة أواجبة هي؟ فقال:؟ لا، ولأن (^٣) تعتمر خير لك؟ (^٤) وقال الله سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^٥) وهذا في المتطوع بهما، فأمروا بإتمام ما دخلوا فيه، وأعلموا أن ليس لهم قطعه وإن كان متطوعا به، وسماهما الله تبارك الله باسمين، وكل واحد منهما يقتضي غير ما يقتضيه الآخر، والله أعلم بما أراد من ذلك.\nوقال النبي - ﷺ -:؟ أفضل الأيام يوم النحر ثم يوم النفر (^٦)؟ (^٧).\nقال الله ــ ﷿ ــ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ (^٨).\nمعنى هذه الآية ما أَمَر به الرسول - ﷺ - أن ينادى به: ألا يحج بعد العام مشرك (^٩)، فكان ذلك نهيا عن الحج بالاختصار الموجز، الذي لا تبلغه فصاحة فصيح، وليس القصد في ذلك لدخول المسجد، ولو كان قصد به المسجد لما قيل: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ لأن دخول المسجد يتصل وليس له وقت بعينة، ولكن لما جعلهم الله أنجاسا بكفرهم، لم يجر إباحة المسجد الحرام لهم،\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ويحتمل وهما قصدان.\n(^٢) أخرجه مسلم [٢/ ٧٩٥ كتاب الحج] بنحوه من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\nوالسائل هو الأقرع بن حابس - ﵁ -، كما جاء مصرحا به عند الحاكم [٢/ ٣٢١ كتاب التفسير، سورة آل عمران] وغيره، من حديث ابن عباس، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(^٣) كذا في الأصل، وفي المصادر التي أخرجت منها الحديث: (وأن).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٢٢٣ كتاب الحج، باب من قال العمرة تطوع] وأحمد (٣/ ٣١٦) وأبو يعلى (٣/ ٤٣٣) والدارقطني [١/ ٢٢٣ كتاب الحج، باب المواقيت] والبيهقي [٤/ ٣٤٩ كتاب الحج، باب من قال العمرة تطوع] وضعفه، من حديث جابر بن عبد الله - ﵃ -.\nوالسائل هو جابر بن عبد الله - ﵁ - كما جاء مصرحا به عند الدارقطني، والبيهقي - الإحالة السابقة ـ.\n(^٥) سورة البقرة (١٩٦).\n(^٦) كذا في الأصل: النفر، وهو بهذا اللفظ عند أحمد (٣/ ٣٥٠) في النسخة المطبوعة، وعلق على هذا محققو المسند (٣١/ ٤٢٧) فقالوا: \" وهو تحريف، وقد جاءت على الصواب في هامش (ظ ١٣) وكذلك جاءت على الصواب في مصادر التخريج، وشرح عليها السندي فقال: يوم القر، هو اليوم الثاني الذي يلي يوم النحر؛ لأن الناس يقرون فيه بمنى بعد أن فرغوا من طواف الإفاضة والنحر واستراحوا \" وهو بلفظ: القر، في المصادر التي خرجت منها الحديث كما في الهامش بعده.\n(^٧) أخرجه ابن خزيمة [٤/ ٣١٥ كتاب الحج، باب فضل يوم النحر] وأبو داود [٢/ ٨٢ كتاب الحج، باب في الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ] والنسائي في الكبرى [٢/ ٤٤٤ كتاب الحج، باب فضل يوم النحر] والحاكم [٤/ ٢٤٦ كتاب الأضاحي] بزيادة في آخره، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي [٥/ ٢٣٧ كتاب الحج، باب نحر الإبل قياما] من حديث عبد الله بن قُرْط - ﵁ -.\n(^٨) سورة التوبة (٢٨).\n(^٩) تقدم تخريجه ص ٢٧.","vol":"1","page":1233},{"text":"ولا سائر المسجد الحرام (^١) إلا لضرورة (^٢)، والله أعلم.\nقال الله ﵎: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (^٣).\nأمر الله ﵎ أمر الله (^٤) نبيه - ﷺ - بقتال عبدة الأوثان، وهم العرب على الإسلام خاصة، ولقتال أهل الكتاب وسائر الكفرة على الإسلام أو الجزية.\nوقد اختلف في نصارى العرب:\nفقال قوم: يلحقون بعبدة الأوثان من العرب.\nوقال آخرون: يلحقون من انتموا إليه.\n_________\n(^١) كذا في الأصل، والمعنى: لم يجر إباحة المسجد الحرام لهم، ولا باقي الحرم.\n(^٢) اختلف أهل العلم في جواز دخول المشركين عامة المساجد:\nفذهب جمهور أهل العلم من الحنفية، والشافعية، والحنابلة؛ إلى جواز ذلك، على تفصيل بينهم.\nوذهب المالكية، والحنابلة في رواية؛ إلى المنع من ذلك.\nوأما دخول المسجد الحرام:\nفذهب جمهور أهل العلم، إلى منع المشركين منه.\nوذهب الحنفية؛ إلى جواز ذلك.\nينظر: كتاب الأم (١/ ٧١) وأحكام القرآن للجصاص (٤/ ٢٧٨) وأحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٤٦٩) وبدائع الصنائع (٥/ ١٢٨) والمغني (٨/ ٥٣٠) ونهاية المحتاج (٨/ ٩١) ومواهب الجليل (٤/ ٥٩٤).\n(^٣) سورة التوبة (٢٩).\n(^٤) كذا وقع في الأصل، وجملة: أمر الله، لا محل لها في سياق الكلام، ولعلها وقعت سهوا أثناء النسخ.","vol":"1","page":1234},{"text":"وكتاب الله يوجب إلحاقهم بهم، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (^١) قال ابن عباس - ﵁ -: كلوا من ذبائح بني تغلب، فإن الله ﵎ (^٢): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى (^٣) أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (^٤)، فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم.\nوالذي عليه العمل في مشركي العرب: الإسلام أو القتل، قال الله تبارك وتعال: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^٥) وقال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ (^٦) وقال: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٧) فعلم أنه لا يجوز أن يستأنف بهم عهد بعد التبرؤ منهم.\nوكل ما في القرآن من ذكر المشركين فإنما عُنِىَ به العرب (^٨)، قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^٩) فأخذت الجزية من هذه الطبقات كلها، إلا مشركي العرب، ولا نعلم سلطان الإسلام بلغ إلى موضع من بلاد الكفار إلا وأهله من إحدى هذه الطبقات.\nفأما الزِّنْج (^١٠) ومن أشبههم ممن ليس له ديانة تعرف، فإن مالكا قال فيمن سبي منهم: إنهم يجبرون على الإسلام (^١١).\n_________\n(^١) سورة المائدة (٥١).\n(^٢) كذا في الأصل، والسياق يقتضي زيادة كلمة نحو: يقول، وقد جاء الأثر بهذه الزيادة فيما أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٦١٨).\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ١٦٢].\n(^٤) سورة المائدة (٥١).\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق [٧/ ١٨٧ كتاب الطلاق، باب نصارى العرب] والطبري تفسيره (٤/ ٦١٨).\n(^٥) سورة التوبة (٥).\n(^٦) سورة التوبة (٣٦).\n(^٧) سورة التوبة (١).\n(^٨) لعل المؤلف ﵀ يقصد بهذا حكما أغلبيا، وإلا فإن بعض المواضع التي ورد فيها ذكر المشركين لم يُرد به المشركين من العرب، نحو قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] وكقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٤١] وكقوله تعالى ذاكرا قول إبراهيم - ﵇ -: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩].\n(^٩) سورة الحج (١٧).\n(^١٠) قال في اللسان مادة: زنج: \" الزِّنْج والزَّنْج لغتان، جيل من السودان، وهم الزنوج، واحدهم زنجي \".\n(^١١) ينظر: أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٢٨٣).","vol":"1","page":1235},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (^١).\nروي عن أبي ذر (^٢) وجماعة معه عن النبي - ﷺ -:؟ أن الكنز كل مال مالوه مطلقا؟ (^٣).\nوروي عن ابن عمر بالأسانيد الجيد، وعن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -:؟ أنه المال الذي لا تؤدى زكاته وحق الله فيه؟ (^٤)، وتابع ابن عمر على قوله؛\n_________\n(^١) سورة التوبة (٣٤).\n(^٢) هو: جندب بن جنادة بن سكن الغفاري، أبو ذر مشهور بكنيته، من السابقين الأولين إلى الإسلام، كان ﵁ صادق اللهجة زاهدا في الدنيا، توفي بالربذة سنة ٣٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٤/ ٤٢٩) والإصابة (٧/ ١٠٥).\n(^٣) حديث أبي ذر - ﵁ - الذي يشير إليه المؤلف قال: (إن خليلي عهد إلي: أن أيما ذهب أو فضة أُوكي عليه، فهو جمر على صاحبه، حتى يفرغه في سبيل الله ﷿) أخرجه أحمد (٥/ ١٥٦) والطبراني في الكبير (٢/ ١٥١)، قال محققو المسند: إسناده صحيح على شرط مسلم. .\nوفي معنى حديث أبي ذر - ﵁ - ما أخرجه أحمد (٥/ ١٨٦) والطبري في تفسيره (٦/ ٣٥٩) والبيهقي [٤/ ١٤٤ كتاب الزكاة، باب من تورع عن التحلي بالفضة] عنه - ﵁ - أنه قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: (من ترك صفراء أو بيضاء كوي بهما)، وضعفه محققوا المسند.\nوممن روى نحو حديث أبي ذر أبو أمامة - ﵃ -، فقد أخرج الطبراني في الكبير (٨/ ١٤٣) أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (ما من عبد يموت يوم يموت فيترك أصفر أو أبيض إلا كوي به) قال محققوا المسند: إسناده ضعيف.\n(^٤) أما ما روي عن ابن عمر - ﵁ - فقد جاء مرفوعا وموقوفا:\nفأما المرفوع فقد أخرجه البيهقي [٤/ ٨٣ كتاب الزكاة، باب تفسير الكنز الذي ورد الوعيد فيه] والطبراني في الأوسط (٨/ ٦٣) ولفظه: قال رسول الله - ﷺ -: (كل ما أدي زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونا تحت الأرض، وكل ما لا يؤدى زكاته فهو كنز، وإن كان ظاهرا) قال البيهقي: ليس هذا بمحفوظ، وإنما المشهور عن سفيان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر موقوفا.\nوأما الموقوف فقد أخرجه مالك [١/ ٢١٨ كتاب الزكاة، باب ما جاء في الكنز] وعبد الرزاق [٤/ ٨٣ كتاب الزكاة، باب إذا أُديت زكاته فليس بكنز] وابن أبي شيبة [٢/ ٤١١ كتاب الزكاة، باب ما قالوا في المال الذي تؤدي زكاته] والطبري في تفسيره (٦/ ٣٥٩) والبيهقي [٤/ ٨٣ كتاب الزكاة، باب تفسير الكنز الذي ورد الوعيد فيه] عن عبد الله بن دينار، قال: سئل ابن عمر عن الكنز فقال: هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة، قال النووي في المجموع (٥/ ٤٨٨): \" رواه مالك في الموطأ بإسناده الصحيح \".\nوأما حديث أبي هريرة - ﵁ - فقد أخرجه البخاري [٢٧٨ كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة] ولفظه: (من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته، مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزميه - يعني شدقيه - ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك).\nوأخرج ابن خزيمة [٤/ ١١٠ أبواب صدقة التطوع، باب ذكر الدليل على أن أمر النبي - ﷺ -] وابن ماجه [١/ ٣٢٨ كتاب الزكاة، باب ما أودي زكاته ليس بكنز] والترمذي [٢/ ١٢١ كتاب الزكاة، باب ما جاء إذا أديت الزكاة] وقال حسن غريب، وابن حبان [٨/ ١١ كتاب الزكاة، باب ذكر البيان بأن المرء إذا أخرج حق الله] عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك ...) الحديث.","vol":"1","page":1236},{"text":"ابن عباس (^١)، وجماعة من المفسرين (^٢).\nوالصحيح من ذلك - والله أعلم - أن الكنز: هو المال الذي لا يؤدى حق الله فيه، وقد قال النبي - ﷺ -:؟ ما من مال لا تؤدى زكاته إلا أتي بصاحبه يوم القيامة وبماله فأحمي عليه في نار جهنم؟ (^٣) فنحن نرجو أن يكون هذا هو الحق المفترض فيه من\n_________\n(^١) أخرج ابن أبي شيبة [٢/ ٤١١ كتاب الزكاة، باب ما قالوا في المال الذي تؤدي زكاته] والطبري في تفسيره (٦/ ٣٦٠) عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال: ما أُدي زكاته فليس بكنز.\n(^٢) ممن قال به من المفسرين - أيضا ـ: عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله - ﵁ -، وعبيد بن عمير، وعبد الرحمن بن زيد، وعكرمة، وقتادة.\nينظر: مصنف عبد الرزاق [٤/ ١٠٧ كتاب الزكاة، باب إذا أُديت زكاته فليس بكنز] والطبري في تفسيره (٦/ ٣٥٩) والاستذكار (٣/ ١٧٤) ومعالم التنزيل (٢/ ٢٧٨).\n(^٣) أخرجه مسلم [كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة] عن أبي هريرة، بنحوه.","vol":"1","page":1237},{"text":"الزكاة، في كل صنف من المزكيات، وقد تحدث أمور لاتحد، ولا يحد لها وقت، فتجب بها المواساة للضرورة التي تنزل؛ من ضيف مضطر، أو جائعٍ يُعلم أنه مضطر، أو غازٍ يُعلم أنه مضطر، أو ميتٍ يُعلم أنه ليس له من يواريه، فتجب حينئذ على من تُمْكِنه المواساة، المواساة التي يزول بها حد الضرورة، فإن ذلك من حقوق الله ﷿ في الأموال، ينوب فيه بعضنا عن بعض.\nونرجو أن يكون قول من قال: يكنزه الإنسان ويخَلِّفُه، غير مضبوط؛ وذلك أن الله ﵎ قال: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (^١) وقال - عز من قائل ـ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (^٢) فمحال أن يوصينا فيما نترك وقد حظر علينا الترك، وجعله كنزا نُعَذَبُ عليه.\nوكيف يكون ذلك كذلك، والنبي - ﷺ - يقول لسعد:؟ الثلث والثلث كثير أو كبير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس؟ (^٣).\nوأصحاب رسول الله ﷺ ورحمة الله\nلهم خلفوا الأموال، من الضِيَاع وغيرها؛ عثمان (^٤)، وعلي،\n\nوالزبير (^٥) (^٦)، وعبد الرحمن (^٧) وغيرهم، وليس للكنز عندي وجها (^٨) إلا المال الذي لا يؤدى حقوق الله فيه (^٩)، والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة البقرة (١٨٠).\n(^٢) سورة النساء (١١).\n(^٣) أخرجه البخاري [١١٦٠ كتاب النفقات، فضل النفقة على الأهل] ومسلم [٣/ ١٠١٣ كتاب الوصية].\n(^٤) هو: عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو عبد الله، ذو النورين زوج ابنتي رسول الله - ﷺ -، من السابقين الأولين إلى الإسلام، وممن هاجر الهجرتين، وثالث الخلفاء الراشدين، مات مقتولا ظلما سنة ٣٦ هـ بالمدينة. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٤٢).\n(^٥) هو: الزبير بن العوام بن خويلد بن عبد العزى الأسدي القرشي، أبو عبد الله، حواري رسول الله - ﷺ - وابن عمته، من السابقين الذين هاجروا الهجرتين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، قتل غدرا بعد ما ترك القتال يوم صفين سنة ٣٦ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٥٦) والإصابة (٢/ ٤٥٧).\n(^٦) لوحة رقم [٢/ ١٦٣].\n(^٧) هو: عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث القرشي، أبو محمد، من السابقين الذين هاجروا الهجرتين، ومن المبشرين، وأحد الستة أهل الشورى، مات سنة ٢٣ هـ ودفن بالبقيع. ينظر: طبقات بن سعد (٣/ ٦٦) والإصابة (٤/ ٢٩٠).\n(^٨) كذا في الأصل بالنصب، ومقتضى قواعد النحو الرفع أنه اسم ليس.\n(^٩) وهو - أيضا - اختيار ابن العربي في أحكام القرآن (٢/ ٤٨٩)، وعلل ذلك بقوله: \" وهذا يدل على أن الكنز في الذهب والفضة خاصة، وأن المراد بالنفقة الواجبة لقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ولا يتوجه العذاب إلا على ترك واجب\".","vol":"1","page":1238},{"text":"قال الله تبارك اسمه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾\nإلى قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (^١).\nالأربعة الحرم ثلاثة منها متوالية: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر (^٢) الذي بين جمادى وشعبان، وإنما قيل رجب مضر؛ لأن ربيعة بن نزار كانوا يحرمون رمضان ويسمونه رجبا، وكانت مضر تحرم رجب نفسه (^٣)، لذلك قال النبي - ﷺ -:؟ الذي بين جمادى وشعبان؟ (^٤).\nوأما قوله ﷿: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٥) ففي الشهور كلها لا تظلموا فيهن أنفسكم فتعصوا ربكم؛ لأن كل نفس ظلم للنفس (^٦) وتعريضا لها وتعرضا لعذاب الله ﷿ قالت الأنبياء ﵈: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ (^٧).\nوقد قيل: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ الأربعة الحرم لا تقاتلوا فيهن لا تقاتلوا فيهن (^٨)، وهذا منسوخ بإباحة الحرب في كل الشهور (^٩).\n_________\n(^١) سورة التوبة (٣٦).\n(^٢) مضر: هم أبناء نزار بن معد بن عدنان بن إسماعيل - ﵇ -، وهم شعب عظيم كثير القبائل والبطون، وإليهم ينتسب النبي - ﷺ -، من أشهر مساكنهم الحجاز، وكانت لهم الرياسة فيها، ومن مساكنهم وسط نجد وشمالها. ينظر: العقد الفريد (٣/ ٢٩١)، والأنساب (١/ ٣٠).\n(^٣) قد ذكر النووي في شرح مسلم (١١/ ١٦٨) علة أخرى لإضافة رجب إلى مضر فقال: \" لأنهم كانوا يعظمونه أكثر من غيرهم \" أ. هـ\n(^٤) سيذكر المؤلف الحديث بأتم من هذا، في ص: ٢٧٣، وفيه أذكر - إن شاء الله - من أخرجه.\n(^٥) سورة التوبة (٣٦).\n(^٦) كذا رسمت الجملة في الأصل، ولم يتضح لي المعنى.\n(^٧) سورة الأعراف (٢٣).\n(^٨) كذا وقعت مكررة في الأصل.\nهو قول مقاتل بن سليمان. ينظر: تفسير مقاتل بن سليمان (٢/ ٤٦).\n(^٩) ذهب جماهير أهل العلم إلى أن تحريم القتال في الأشهر الحرم، الوارد في مثل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] منسوخ بالآيات التي جاءت بقتال المشركين كافة حيث وجدوا، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٦] وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وذهب بعض أهل العلم إلى أن تحريم القتال باق غير منسوخ، وقد كان عطاء ﵀ يقسم على ذلك.\nينظر: الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد (٢٠٦) وتفسير الطبري (٢/ ٣٦٥) وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٠٧)، وتفسير ابن كثير (٢/ ٥٥٤).","vol":"1","page":1239},{"text":"والصحيح؛ أن لا تواقعوا الخطايا في الشهور كلها (^١)، والله أعلم.\nقال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾\n_________\n(^١) وهو قول ابن عباس - ﵁ -.\nوذهب كثير من المفسرين إلى أن الضمير عائد إلى الأشهر الأربعة، وهو اختيار ابن جرير ﵀.\nوالمؤلف ﵀ صحح العموم في كل الشهور، على اعتبار أن النهي عن الظلم ومواقعة الخطايا، لا يختص بشهر دون شهر، وهذا وإن كان صحيحا في ذاته، فإنه لا يمتنع أن يرد الشرع بتخصيص زمان أو مكان تعظم فيه الحسنات وتغلظ فيه السيئات، ومعلوم أن الشرع قد ورد بتعظيم الأشهر الحرم خصوصا في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، قال ابن العربي: \" فإن الله إذا عظم شيئا من جهة، صارت له حرمة واحدة، وإذا عظمه من جهتين أو من جهات، صارت له حرمة متعددة بعدد جهات التحريم، ويتضاعف العقاب بالعمل السوء فيها، كما ضاعف الثواب بالعمل الصالح فيها، فإن من أطاع الله في الشهر الحرام، في البلد الحرام، والمسجد الحرام، ليس كمن أطاعه في شهر حلال، في بلد حلال، في بقعة حلال، وكذلك العصيان والعذاب مثله، في الموضعين والحالين والصفتين، وذلك كله بحكم الله وحكمته \".\nينظر: جامع البيان (٦/ ٣٦٦) ومعالم التنزيل (٢/ ٢٨٩) وأحكام القرآن (٢/ ٤٩٩) وزاد المسير ص ٥٨١.","vol":"1","page":1240},{"text":"إلى قوله: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ (^١).\nروى ثور بن زيد (^٢) عن عكرمة (^٣) عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - خطب في حجة الوداع فقال:؟ يا أيها الناس اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد يومي هذا في هذا الموقف: أيها الناس إن دماءكم وأموالكم حرام إلى يوم تلقون ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وإنكم ستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، فقضى الله ﵎ ألا ربا، وإن ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع: دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب (^٤)، كان مسترضعا في بني ليث (^٥) فقتلته هذيل (^٦)، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية، وإن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم، ولكنه أن يطمع فيما سوى ذلك - مما تحاقرون من أعمالكم - فقد رضي، فاحذروه أيها الناس على دينكم، وإن النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرمونه عاما، ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم؛ ثلاثة متوالية، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان؟ وذكر سائر الحديث (^٧)، وروي مثل ذلك عن جماعة.\nوأصل النسيء: إنما كان رجل من بني (^٨) كنانة ثم من بني فُقَيم، يعرف بالقَلَمَّس (^٩)، واسمه حُذيفة (^١٠) نَسَأَة، فقال فيه الشاعر:\n_________\n(^١) سورة التوبة (٣٧).\n(^٢) هو: ثور بن زيد مولى بني الديل، أبو خالد الكناني، روى عن عكرمة والحسن البصري، وروى عنه مالك والدراوردي، وأخرج له أهل السنن، وثقه ابن معين وأبو زرعة، مات بحمص سنة ١٥٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٢٢٨)، وتهذيب التهذيب (١/ ٤٠١).\n(^٣) هو: عكرمة البربري، أبو عبد الله مولى ابن عباس، روى عن علي ابن أبي طالب وابن عباس، وروى عنه ثور بن زيد والنخعي، ثقة ثبت عالم بالتفسير، مات بالمدينة سنة ١٠٤ هـ. ينظر طبقات ابن سعد (٥/ ١٤١) وطبقات المفسرين للداودي (١/ ٣٨٦).\n(^٤) اختلف في اسمه فقيل: الحارث بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وقيل: آدم بن ربيعة، وقيل: إياس، وقد قتل وهو صغير زمن الجاهلية، قال ابن سعد: قتله بنو ليث بن بكر في حرب كانت بينهم، وكان الصبي يحبو أمام البيوت، فرموه بحجر فأصابه فرضخ رأسه. ينظر: طبقات ابن سعد (٤/ ٣٤٣) وتهذيب التهذيب (٢/ ١٥٥).\n(^٥) هم: بنو الليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة، من مضر، ويتفرع عنهم بنو الملوح بن يعمر، كانوا يقيمون حول مكة. ينظر: العقد الفريد (٣/ ٢٩٣) ومعجم قبائل العرب (٣/ ١٠١٩).\n(^٦) هم: أبناء مدركة بن إلياس بن مضر بن عدنان، وهم بطون كثيرة أكبرها لحيان وسعد، كانت ديارهم بالسروات بالحجاز، وكان بها صنمهم مناة الطاغية. ينظر: العقد الفريد (٣/ ٢٩٢) ومعجم قبائل العرب (٣/ ١٢١٣).\n(^٧) أخرجه الحاكم [١/ ١٧١ كتاب العلم] من طريق ثور بن زيد بنحوه، وصححه.\nوأخرجه البيهقي [١٠/ ١١٤ كتاب آداب القضاء، باب ما يقضي به القاضي] من طريق ثور بن زيد مختصرا\nوالحديث مخرج في كتب الصحاح والسنن من رواية عدد من الصحابة - كما أشار المؤلف ﵀: منها: ما أخرج البخاري [٩٧٠ كتاب التفسير، سورة التوبة] وغيره، من حديث أبي بكرة - ﵁ -.\nومنها: ما أخرج مسلم [٢/ ٧٢٤ كتاب الحج] وغيره، من حديث جابر بن عبد الله - ﵁ -.\nومنها: ما أخرج البيهقي [٨/ ٢٧ أبواب تحريم القتل، باب إيجاب القصاص على القاتل] وغيره، من حديث عمرو بن الأحوص - ﵁ -.\nومنها: ما أخرجه البيهقي [٥/ ١٥١ كتاب الحج، باب خطبة الإمام بمنى] من حديث سراء بنت نبهان ﵂.\n(^٨) لوحة رقم [٢/ ٧].\n(^٩) القَلَمَّس: قال في القاموس، مادة: قلمس: \" القلمس كعلمس، الكثير الماء من الركايا، والبحر، والرجل الخير المعطاء، والسيد العظيم، والرجل الداهية المنكر البعيد الغور\".\n(^١٠) هو: حذيفة بن عبد بن فقيم من بني الحارث بن مالك بن كنانة، وقد ذكر المؤلف طرفا من خبره يغني عن ترجمته. ينظر: العقد الفريد (٣/ ٢٩٣).","vol":"1","page":1241},{"text":"ومنا منسي الشهور القَلَمَّسُ (^١)\nكان اسمه حُذيفة وهو من بني فُقَيم، وكان ملكا فيهم، وكانت العرب لا تقاتل في الشهر الحرام، فكان إذا أراد القتال أحل الشهر الحرام وقاتل فيه واستحله وأبدل مكانه، ثم أبدل الحج لحاجته إلى الحرب، وكان يحل في الشهر الحرام دماء طيء (^٢) وخَثْعَم (^٣)؛ لأنهما كانا لا يرتآن الحج من بين سائر العرب، وكانت العرب كلها تحج البيت، وتعظم الشهور الأربعة التي حرمها إبراهيم - ﵇ -، وكانوا يحجون في ذي الحجة على الاتباع لأفعال إبراهيم - ﵇ - حتى حدث النسيء، وكان القَلَمّس لما غير الحج وغير الشهور الحرم يقول: إني (^٤) أحل شهرا إلا حرمت مكانه شهرا، فكانت العرب كذلك ممن كان يدين للقلمس، فكان يخطب فيقول: اللهم إني لا أُعُاب ولا أُخَاب (^٥)\n_________\n(^١) لم أجد من نسبه مع كثرة من ذكره من المفسرين، كما في تفسير الطبري (٦/ ٣٧١) ومعالم التنزيل (٢/ ٢٩١).\n(^٢) طيء هي: قبيلة مشهورة يرجع نسبها إلى أدد بن يشجب بن عريب بن قحطان، ومن أشهر بطونها جديلة، وإليها ينتسب حاتم الطائي، كانت منازلهم بشمال الجزيرة مما يلي الشام، ومن أشهر جبالهم أجا وسلمى. ينظر: العقد الفريد (٣/ ٣٤٧) وجمهرة أنساب العرب لابن حزم ص ٣٧٥.\n(^٣) خثعم هي: قبيلة تنسب إلى أنمار بن أراش بن عمرو، من بني قحطان، اختلف في سبب تسميتها، فقيل: خثعم جبل في السراة من نزله فهو خثعمي، وقيل: اسم جمل نحروه وغمسوا أيديهم في دمه حيث تحالفوا فسموا خثعم، كانت منازلهم بجبال السراة جنوب الحجاز، وبه بيت يعظمونه يسمى كعبة اليمانية فيها صنم يسمى الخَلَصة. ينظر: معجم ما استعجم (٢/ ٤٨٩) ومعجم قبائل العرب (١/ ٣٣٣).\n(^٤) كذا في الأصل، والسياق يقتضي إضافة لفظ (لم)، وقد ورد هذا الخبر بهذه الزيادة في الدر المنثور (٤/ ١٨٨) وعزاه لابن مردويه عن ابن عباس.\n(^٥) كذا العبارة في الأصل بالخاء، وقد وردت هذه الكلمة في كتب التفسير واللغة بألفاظ ثلاثة:\nالأول: أُخَاب، بالخاء على نحو ما جاء هنا، والمعنى على هذا اللفظ مأخوذ من الخيبة، قال في القاموس: مادة خاب: \" خاب يخيب خيبة: حرم \" وقد وردت على هذا النحو في عدد من المصادر منها؛ كتاب الأزمنة والأمكنة (٣٢٥).\nوالثاني: أُحَاب، بالحاء، والمعنى على هذا من الحوب وهو الإثم، كما في القاموس، مادة: حاب، وقد وردت على هذا النحو في عدد من المصادر منها؛ تفسير الطبري (٦/ ٣٦٩) وسنن البيهقي (٥/ ١٦٦) من قول ابن عباس - ﵁ -، وعند الطبري - أيضا - (٦/ ٣٧٠) من قول مجاهد، ونص عليها في تاج العروس مادة نسأ، وهي الأقرب فيما يظهر لأمرين:\nأولا: أن سياق الكلام ألصق بها، فإنه لما كان فعل القلمس بإنساء الشهور - في حقيقته - انتهاكا لما تواضع عليه العرب وعُلمت مكانته وحرمته فيهم، فناسب أن ينفي عن نفسه الحوب والأثم.\nثانيا: أن هذه اللفظة قد وردت في أكثر المصادر التي نقلت كلام صاحب النسيء.\nالثالث: أُجَاب، بالجيم، والمعنى على هذا من الجواب، كما في القاموس، مادة: جوب، والمراد به لا يجيبني أحد، أي لا يرد علي أحد قولا، وقد وردت بهذا اللفظ في عدد من المصادر منها؛ أخبار مكة للأزرقي (١/ ٢٤٨) وزاد المسير ص: ٥٨٢.","vol":"1","page":1242},{"text":"ولا مرد لما قضيت، اللهم إني قد أحللت دماء المحلين من طيء وخثعم، فمن لقيهما فليقتلهما، فيرجع الناس وقد أخذوا بقوله.\nفكان حذيفة على ذلك ثم خلفه ابنه عباد بن حذيفة، ثم خلفه ابنه قَلْع بن عباد، ثم أمية بن قَلْع، ثم عوف بن أمية، ثم جُنَادة بن عوف، فحج النبي - ﷺ - حجة الوداع وجُنَادة صاحب ذلك، فأبطل النبي - ﷺ - ما كان جُنَادة يفعله (^١)، وحرم الشهور\n_________\n(^١) قوله \" وحج النبي - ﷺ - وجنادة صاحب ذلك ... \" لعل المؤلف ﵀ أراد أحد أمرين:\nالأول: أن جنادة بن أمية كان آخر من ولي أمر النسيء، وفي زمنه أبطل النبي - ﷺ - النسيء، لما بعث أبا بكر وعليا - ﵃ -.\nالثاني: يحتمل أن يريد بذلك أن النبي - ﷺ - أكد إبطال ذلك في حجة الوداع، حيث قال - ﵇ - في خطبة الوداع: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم ...)\nوذلك لأن إبطال النسيء قد كان - كما ذكر المؤلف - في حجة أبي بكر - ﵁ -، وذلك قبل أن يحج النبي - ﷺ -، أما في حجة النبي - ﷺ - فلم يحج إلا مؤمن، وكلام المؤلف كله يشير إلى هذا، ينظر: من هذا البحث ص ٤٧.","vol":"1","page":1243},{"text":"على ما كانت في عهد إبراهيم - ﵇ - ورَدَّ الحج إلى ما كان عليه مقتديا بجده إبراهيم - ﵇ -، ووقف الأمر على ذلك واستقام وأبطل النسيء، وحبس الله ﵎ نبيه - ﷺ - عن الحج فيما يأمره به، ولم يوجبه عليه حتى دار الزمان وزال النسيء. وقال ﵎ عند ذلك: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (^١) وزال الجدال فلا حج إلا على شريعة إبراهيم - ﵇ -، وقال - ﵇ -:؟ خذوا عني مناسككم؟ (^٢) وكان حج عَتَّاب (^٣)، وحجة أبي بكر في سنة تسع في ذي القعدة (^٤)، على ما كانوا عليه، فبعث النبي - ﷺ - أبا بكر ليقيم الموسم والعرب على أمرهم، ونزلت براءة بعد خروج أبي بكر بثلاث، فأنفذ بها عليا وحمله على ناقته العَضْبَاء وعهد إليه، فأدرك أبا بكر ببعض الطريق فقال أبو بكر: أمير أو مأمور؟ فقال: بل مأمور، فمضيا، فأقام أبو بكر - ﵁ - للناس يوم الحج، حتى إذا كان يوم النحر صرخ علي بأعلى صوته فقال: يا أيها الناس إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله - ﷺ - عهد فهو إلى مدته (^٥).\n_________\n(^١) سورة المائدة (٣).\n(^٢) أخرجه البيهقي [٥/ ١٢٥ كتاب الحج، باب الإيضاع في وادي محسر] من حديث جابر بن عبد الله، به.\nوهو عند مسلم [٢/ ٧٦٩ كتاب الحج] من حديث جابر، بنحوه.\n(^٣) هو: عَتَّاب ين أُسيد بن أبي العيص، تقدم.\n(^٤) ينظر: ما أشار إليه المؤلف ﵀ قبل هذا في ص ٢٨، والتعليق في الحاشية عليه.\n(^٥) أخرجه الترمذي [٥/ ٦٣ كتاب التفسير، سورة التوبة] وحسنه، والطبري في تفسيره (٦/ ٣٠٧) والحاكم [٣/ ٥٣ كتاب المغازي] وصححه، والطبراني في الكبير (١/ ٤٠٠) والبيهقي [٩/ ٢٢٤ كتاب الجزية، باب مهادنة من يقوى على قتاله] من حديث ابن عباس - ﵁ -، بألفاظ متقاربة المعاني.\nوخبر نداء علي بن أبي طالب - ﵁ - بهؤلاء الكلمات، قد تقدم تخريجه ص: ٢٥٧.","vol":"1","page":1244},{"text":"وكانت قريش أدارت بينها رأيا (^١) يكيدون به العرب، فابتدعوا بينهم أن قالوا: أنتم ولاة هذا البيت وأهله دون الناس، فلا تعظموا سواه، فكانوا يقفون بالمزدلفة، وتركوا الموقف بعرفة؛ لأنه من الحِل (^٢)، وكانت عرفة من عهد إبراهيم وشعائره، وكانت العرب غير الحمس تقف بعرفة، فأمر الله تعالى نبيه - ﷺ - أن يفيض من حيث أفاض الناس، فرجع الأمر إلى عرفة.\nوقوله جل وعز: ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ (^٣) إنما هو لا جدال في الوقوف بعرفة، وأن الحج في ذي الحجة، فقد ارتفع الجدال في ذلك، وقيل لقريش: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (^٤) فألزموا ذلك، وأزيل النسيء الذين كانوا يحجون في المحرم سنتين، وفي صفر سنتين، وفي كل شهر سنتين (^٥).\n_________\n(^١) لوحة رقم [٢/ ١٦٥].\n(^٢) يشهد لما ذكر المؤلف قول ابن إسحاق في السيرة ص ٨٠: \" وكانت قريش ... ابتدعت رأي الحمس، رأيًا رأوه وأداروه بينهم، فقالوا: نحن بنو إبراهيم وأهل الحرم، وولاة البيت وقاطنوا مكة وسكانها، فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلتنا، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا، فلا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب حرمتكم ... \" وفي معناه ما ذكره الطبري في تفسيره (٢/ ٣٠٥) والأزرقي في أخبار مكة (١/ ١٧٦).\n(^٣) سورة البقرة (١٩٧).\n(^٤) سورة البقرة (١٩٩).\n(^٥) يوضح قول المؤلف هنا ما أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٦/ ٣٧٠) عن مجاهد ﵀ قال: فرض الله الحج في ذي الحجة، قال: وكان المشركون يسمون الأشهر ذو الحجة والمحرم وصفر وربيع وربيع وجمادى وجمادى ورجب وشعبان ورمضان وشوال وذو القعدة، وذو الحجة يحجون فيه مرة ثم يسكتون عن المحرم فلا يذكرونه، ثم يعودون فيسمون صفر صفر، ثم يسمون رجب جمادى الآخرة، ثم يسمون شعبان رمضان، ثم يسمون رمضان شوالا، ثم يسمون ذا القعدة شوالا، ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة، ثم يسمون المحرم ذا الحجة، فيحجون فيه واسمه عندهم ذو الحجة، ثم عادوا بمثل هذه القصة فكانوا يحجون في كل شهر عامين \"","vol":"1","page":1245},{"text":"وزعم الشافعي؛ أن للإنسان أن يؤخر حجة الإسلام المفروضة عليه، وهو ممن يستطيع الحج؛ لأن النبي - ﷺ - لم يحج بعد فتح مكة عامين (^١)، فتكلم بكلام من لا يعرف لله ﵎ ولا لرسوله حقهما، وإنما كان النبي - ﷺ - عبدا مأمورا يفعل ما أمره به ربه ﷿ ولا يتقدم بين يدي الله ﵎ بشيء، فلم يأمره الله تعالى بالحج؛ حتى قطع ما أراد قطعه من عهود المشركين، وأُمر بالبراءة منهم، وأن ينادى بذلك سنة تسع؛ لكي لا يقف مع النبي - ﷺ - كافر، ودار الحج إلى الشهر الذي جعل الله فيه الحج، وحج فيه أبوه إبراهيم ﵉، وهو ذو الحجة، فكان هذا أمر أراده الله ﵎ بنبيه - ﷺ - وأن يكون باقيا بعده مادام الإسلام، لا يُغيّر ولا يُبدّل، وهذا ما يعلمه كل من له لبٌ؛ أن التأخير كان لهذه الأشياء، فإن كان الذي رخص له الشافعي في تأخير الحج المفترض عليه وهو مطيق له، يتوقع من الله أمرا يمتثله قيس أمره عليه، وإلا فكيف يجترئ من له تقوى أن يُسهل للناس مثل هذا، وقد قال النبي - ﷺ -:؟ مطل الغني ظلم؟ (^٢) وقال:؟ إن ملك الزاد والراحلة واستطاع الحج، ولم يحج\n_________\n(^١) ينظر: كتاب الأم (٢/ ١٢٩).\nوقد وافق الشافعي مالكيةُ المغرب، وذهب أبو حنيفة ومالك - على الصحيح من قولهما - وأحمد، أنه على الفور، وهو قول مالكية العراق - على ما بين المؤلف، رحم الله الجميع.\nينظر: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٣٠٧) وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٧٦) والمغني (٣/ ٣٤١) وشرح فتح القدير (٤/ ٢٦٨) والمجموع (٥/ ٣٥٧) والفواكه الدواني (١/ ٣٥٠).\n(^٢) أخرجه البخاري [٤٧٤ كتاب الاستقراض، باب مطل الغني ظلم] ومسلم [٣/ ٩٦٩ كتاب المساقات] من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":1246},{"text":"فليمت يهوديا أو نصرانيا؟ رواه أبو إسحاق (^١) عن الحارث (^٢)\nعن علي عن النبي - ﷺ - (^٣)، ورواه علي بن سابط (^٤)،\n\nعن أبي أمامة عن النبي - ﷺ - (^٥)، وروي عن عمر قوله بمثل ذلك (^٦).\n_________\n(^١) هو: عمرو بن عبد الله بن عبيد، ويقال علي، أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، الإمام الثقة العابد، روى عن علي بن أبي طالب والمغيرة بن شعبة والحارث الأعور، وروى عنه الأعمش وجرير بن حازم وغيرهم، توفي سنة ١٢٧ هـ. ينظر: الكاشف (٢/ ٢٨٨) وتهذيب التهذيب (٤/ ٣٤١).\n(^٢) هو: الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الخارقي، أبو زهير الكوفي، روى عن علي بن أبي طالب وابن مسعود - ﵃ -، وروى عنه الشعبي وأبو إسحاق السبيعي، كان من أعلم الناس بالحساب، قال الذهبي في الكاشف: شيعي لين. توفي سنة ١٦٥ هـ. ينظر: الكاشف (١/ ١٣٨)، وتهذيب التهذيب (١/ ٤٧٠).\n(^٣) حديث علي بن أبي طالب - ﵁ - رواه الترمذي [٢/ ٢١٩ كتاب الحج، باب ما جاء في التغليظ في ترك الحج] والطبري في تفسيره (٣/ ٣٦٤)، قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال، وهلال بن عبد الله مجهول، والحارث يضعف في الحديث.\n(^٤) كذا في الأصل: علي بن سابط، وهو خطأ، وصوابه عبد الرحمن بن سابط، وذلك لأمرين:\nالأول: أنه ورد على الصواب في المصادر التي أخرجت الحديث.\nالثاني: أنني لم أجد أحدا بهذا الاسم في كتب التراجم والأعلام، مع أنه في طبقة التابعين.\nوهو: عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط، روى عن عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص وأبي إمامة - ﵃ - مرسلًا، وروى عنه ابن جريج والليث بن أبى سليم، ثقة أرسل كثيرا عن الصحابة، توفي سنة ١١٧ هـ. ينظر: الكاشف (٢/ ١٤٦) وتهذيب التهذيب (٣/ ٣٤٦) وجامع التحصيل في أحكام المراسيل (٢٢٢).\n(^٥) حديث أبى أمامة رواه الدارمي [٢/ ٤٥ كتاب الحج، باب من مات ولم يحج] والبيهقي [٤/ ٣٣٤ كتاب الحج، باب إمكان الحج] قال البيهقي: وهذا وإن كان إسناده غير قوي، فله شاهد من قول عمر بن الخطاب - ﵁ -، قلت: أشار إليه المؤلف، وتخريجه في الحاشية بعده.\nوأخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٣٠٥ كتاب الحج، في الرجل يموت ولم يحج وهو موسر] من طريق عبد الرحمن بن سابط عن النبي - ﷺ - مرسلا.\n(^٦) أخرجه البيهقي [٤/ ٣٣٤ كتاب الحج، باب إمكان الحج] من طريق الضحاك بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن غنم.\nوأخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٣٠٦ كتاب الحج، باب في الرجل يموت ولم يحج وهو موسر] من طريق عدي بن عدي، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، بمعناه.\nقال ابن حجر في التلخيص (٣/ ٨٣٦): \" وله طريق صحيحة إلا أنها موقوفة، رواها سعيد بن منصور والبيهقي ... قلت: وإذا انضم هذا الموقوف إلى مرسل بن سابط، علم أن لهذا الحديث أصلا \".","vol":"1","page":1247},{"text":"وقال النبي - ﷺ -:؟ حجوا قبل ألا تحجوا؟ (^١) وقد احتج بعض أصحابه في ذلك بأن قال (^٢): قد تجب الصلاة بأول الوقت، ويجوز تأخيرها إلى آخر الوقت، والمفطر بالمرض في شهر رمضان يلزمه القضاء، وقد يجوز له أن يؤخره، فقلنا له: المفطر بالمرض عليه القضاء، ونحن نأمره به في أول الوقت الذي يمكنه فيه، ومباح له تأخيره إلى وقت معلوم وهو: أن يبقى إلى شهر رمضان مقدار ما يفرغ من القضاء قبل دخول الشهر، وكذلك الصلاة عند دلوك الشمس إلى ظل المثل، فإن ماتا قبل ذلك لم يكونا حَرِجَين ولا عاصيين لله ﷿، ومُؤَخِّرُ الحج ليس يؤخره من وقت إلى وقت؛ لأن إيجابه (^٣)\n_________\n(^١) جزء من حديث أخرجه الحاكم [١/ ٦١٧ كتاب المناسك] قال الذهبي في التلخيص: \" حصينٌ واهٍ، ويحيى الحماني ليس بعمدة\".\nوأخرجه البيهقي [٤/ ٣٤٠ كتاب الحج، باب ما يستحب من تعجيل الحج] عن الحارث بن سويد عن علي بن أبي طالب.\nكما أخرجه الدارقطني [٢/ ٣٠١ كتاب الحج، باب المواقيت] والبيهقي [٤/ ٣٤١ كتاب الحج، باب ما يستحب من تعجيل الحج] عن محمد بن أبي محمد، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -.\nقال ابن أبي حاتم في الثقات (٧/ ٤٠١) \" هذا خبر باطل، وأبو محمد لا يُدرى من هو \" وذكره العقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٨٦).\n(^٢) بل الشافعي نفسه قد استدل بهذين الوجهين في كتابه الأم (٢/ ١٣٠)، قال ﵀: \" ... وقد أعتم النبي - ﷺ - بالعتمة حتى نام الصبيان والنساء، ولو كان كما تصفون صلاها حين غاب الشفق، وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: إن كان ليكون علي الصوم من شهر رمضان، فما أقدر على أن أقضيه حتى شعبان .. \".\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ١٦٦].","vol":"1","page":1248},{"text":"قد لزم بشرط القدرة، وقد علمنا أن عائشة ﵂ (^١) كانت تقضي رمضان في شعبان (^٢)، وإنما كانت تؤخره إلى شهر كان رسول الله - ﷺ - يصوم أكثره، ليوافق صومها عن الفرض صومه التطوع به، وقد قال الله ﷿: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (^٣) فجعل الأخر في باقي السنة إلى شهر رمضان، والله أعلم.\nوقد يؤخر الإنسان الحج خمسين سنة بهذا الترخيص فيموت، فإن جازها (^٤)، قال الشافعي: فليس يأثم ولا حرج؛ لأنه له أن يؤخر، ويصير قول النبي - ﷺ - وقول عمر - ﵁ - لا فائدة فيه، ونعوذ بالله من أن نقول ذلك ومن كل ضلالة، وقد اتفقنا أن مؤخر الصلاة إلى آخر الوقت لا يقضى عنه إن مات، وزُعم عنه: أن تارك الحج يُحج عنه من ماله وإن لم يوص به (^٥)، وقد تكلمنا في هذه المسألة في كتاب مفرد (^٦) بما يغني عن الإطالة.\n_________\n(^١) هي: أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄، أم عبد الله، أحب زوجات النبي - ﷺ - إليه، قال فيها - ﵇ -: فضل عائشة على سائر النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، وهي الفقيهة الزاهدة المبرأة من فوق سبع سماوات، توفيت سنة ٥٨ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٢٧١) والإصابة (٨/ ٢٣١).\n(^٢) أخرجه البخاري [٣٨٥ كتاب الصوم، باب متى يقضى قضاء رمضان] ومسلم [٢/ ٦٦٠ كتاب الصوم] ولفظه: كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، الشغل من رسول الله - ﷺ -، أو برسول الله - ﷺ -.\n(^٣) سورة البقرة (١٨٤).\n(^٤) الهاء في كلمة (جازها) غير واضحة تماما في الأصل، فيحتمل أن يكون قد ضرب عليها الناسخ، ويحتمل أنها مثبتة على نحو ما أتثبته هنا، والسياق يحتمل الأمرين.\n(^٥) بل نص الشافعي ﵀ على هذا في كتابه الأم (٢/ ١٢٩) قال: \" .. فمتى يكون فائتا؟ قلت: إذا مات قبل أن يؤديها، أو بلغ ما لا يقدر على أدائه من الإفناد، قال: فهل يقضى عنه؟ قلت: نعم \".\n(^٦) لم ينص ﵀ على اسم الكتاب وربما كان كتاب: الرد على الشافعي.","vol":"1","page":1249},{"text":"قال الله ﵎: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (^١).\nالجهاد فرض على الكافة، لا يجوز أن يتركه الناس كلهم، وليس بواجب على كل إنسان منهم، إلا أن تنزل الحاجة إلى ذلك، فيجب الجهاد حينئذ على من كان من المسلمين يُحْتاج إلى جهاده وقتاله في تلك الحال.\nوكذلك طلب العلم فرض على الناس كافة، ينوب فيه بعض عن بعض، وما يكون منه ففرض (^٢) على كل إنسان في نفسه، لا يجوز أن يتكل فيه على غيره علم حاله.\nفأما الطهارة والصلاة ففرض على كل إنسان في نفسه تعليمها (^٣)؛ لأنه يستوي فيهما الناس، فإذا دارت حال الإنسان إلى أن يكون إماما، وجب عليه أن يتعلم ما يلزمه - من يَؤُم - زيادة على ما كان عليه في نفسه، فإذا رُزِق ما يحج به وجب عليه أن يتعلم أحوال الحج، وكذلك الزكاة، وكلما وجب عليه شيء وجب عليه تعلم ذلك الشيء بعينه.\nوأما الجهاد فيكفي بعض الناس بعضا، فإذا دعت ضرورة وجب على الناس جميعا، ولم يستأذن أحد أباه ولا أمه (^٤).\nوأما قوله: ﴿(خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (^٥) فقيل: شبابا وشيوخا (^٦).\n_________\n(^١) سورة التوبة (٤١).\n(^٢) كذا في الأصل، والعبارة قلقة.\n(^٣) كذا في الأصل، وصوابه: تعلمها.\n(^٤) وهذا - أيضا - ما قرره ابن العربي في أحكام القرآن (٢/ ٥١٧) وحكى فيه الإجماع، قال: \" إذا كان النفير عاما لغلبة العدو على الحوزة، أو استيلائه على الأسارى، كان النفير عاما، ووجب الخروج خفافا وثقالا، وركبانا ورجالا، عبيدا وأحرارا، من كان له أب من غير إذنه ومن لا أب له، حتى يظهر دين الله، وتحمى البيضة، وتحفظ الحوزة، ويخزى العدو، ويستنقذ الأسرى، ولا خلاف في هذا \".\n(^٥) سورة التوبة (٤١).\n(^٦) ممن قاله؛ مجاهد، وعكرمة، وأبو صالح، والحسن البصري، والضحاك، ومقاتل. ينظر: مصنف ابن أبي شيبة [٤/ ٢٠٩ ما ذكر في فضل الجهاد]، وتفسير الطبري (٦/ ٣٧٦).","vol":"1","page":1250},{"text":"وقيل: من له عيال ومن لا عيال له (^١).\nوكان أبو طلحة (^٢) وأبو أيوب (^٣) الأنصاريان يقولان: شيوخا وشبابا (^٤)، وكانا لا يدعان الغزو حتى ماتا، والله أعلم بما أراد من ذلك.\nقال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية (^٥).\nكان عمر بن الخطاب، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس - ﵁ - يقولون: في أيها وضع أجزأ (^٦).\nوكان عمر - ﵁ - ربما وضعها في الصنف الواحد (^٧)، ولم نجد لهم مخالفا من الصحابة (^٨).\n_________\n(^١) عزاه في زاد المسير ص ٥٨٥ إلى زيد بن أسلم، وأشار إليه الطبري في تفسيره (٦/ ٣٧٩) دون عزو.\n(^٢) هو: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن النجار، شهد العقبة والمشاهد، آخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين أرقم بن الأرقم، كان رجلا مقداما صيتا معدودا في الرماة، مات في البحر في إحدى الغزوات فدفن في جزيرة بعد سبع ليال سنة ٥١ هـ وقيل غير ذلك. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٢٦٢) والإصابة (٢/ ٥٠٢).\n(^٣) هو: خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة، شهد العقبة وما بعدها، ونزل رسول الله - ﷺ - أول مقدمه المدينة عنده، وآخى بينه وبين مصعب بن عمير، وكان مع علي - ﵁ - يوم حروراء، ثم لم يزل يغزو في الثغور حتى مات على أسوار القسطنطينية سنة ٥٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٢٥٣) والإصابة (٢/ ٢٠١).\n(^٤) أما قول أبي طلحة فقد أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ٢٢٥ كتاب الجهاد، ذكر فضل الجهاد] وأبو يعلى (٦/ ١٣٨) والطبري في تفسيره (٦/ ٣٧٦) وابن حبان [١٦/ ١٥٢ كتاب مناقب الصحابة، ذكر الموضع الذي مات فيه أبو طلحة] والحاكم [٢/ ١١٤ كتاب الجهاد] وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه، والبيهقي [٩/ ٢١ كتاب السير، باب فرض الجهاد].\nوأما قول أبي أيوب فقد أخرجه الحاكم [٣/ ٥١٨ كتاب معرفة الصحابة، ذكر مناقب أبي أيوب] وابن أبي شيبة [٤/ ٢٠٩ كتاب الجهاد، ذكر فضل الجهاد] والطبري في تفسيره (٣/ ٣٧٨).\n(^٥) سورة التوبة (٦٠).\n(^٦) قول عمر - ﵁ - أخرجه البيهقي [٧/ ٨ كتاب قسم الصدقات، باب قسم الصدقات على صنف] والطبري في تفسيره (٦/ ٤٠٤).\nوأما قول حذيفة - ﵁ - فقد أخرجه ابن أبي شيبة [٢/ ٤٠٥ كتاب الزكاة، باب ما قالوا في الرجل إذا وضع الصدقة في صنف واحد] والطبري في تفسيره (٦/ ٤٠٤) والبيهقي [٧/ ٧ كتاب قسم الصدقات، باب قسم الصدقات على صنف].\nوأما قول ابن عباس - ﵁ - فقد أخرجه الطبري في تفسيره (٦/ ٤٠٤) والبيهقي [٧/ ٧ كتاب قسم الصدقات، باب قسم الصدقات على صنف] من طريق عطاء عن ابن جبير، به.\nوأخرجه عبد الرزاق [٤/ ١٠٥ كتاب الزكاة، باب إنما الصدقات للفقراء] من طريق ابن مجاهد عن أبيه، به.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة [٢/ ٤٠٥ كتاب الزكاة، باب ما قالوا في الرجل إذا وضع الصدقة في صنف واحد] والطبري في تفسيره (٦/ ٤٠٤) من طريق عطاء.\nوأخرجه البيهقي [٧/ ٧ كتاب قسم الصدقات، باب قسم الصدقات على صنف] من طريق شقيق بن سلمة.\n(^٨) وحكى نحو هذا ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ٢٠٧) قال: \"وروي عن حذيفة وابن عباس أنهما قالا: إذا وضعتها في صنف واحد أجزأك، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة \".","vol":"1","page":1251},{"text":"وقال ابن جبير (^١): إنما أَعْلَمَ الله، وعَلَّم الوجوه التي تصرف فيها الصدقات (^٢).\nوقال عطاء، وإبراهيم (^٣)، والحسن، وابن شهاب، وجماعة: في أيها وضعت فيها الحاجة (^٤) أجزأ ذلك (^٥)، إلا أن إبراهيم قال: إلا في الرقاب، فإنه يصير له\n_________\n(^١) هو: سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي مولهم، أبو محمد وقيل أبو عبد الله، الإمام الحجة الثقة، روى عن ابن عباس وابن عمر وأبو سعيد الخدري - ﵃ -، وروى عنه أبو إسحاق السبيعي والأعمش، قتله الحجاج ظلمًا سنة ٩٥ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٤٨٥) وتهذيب التهذيب (٢/ ٢٩٦).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٤٠٤) عن عطاء عن ابن جبير، ولفظه: أنه قرأ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ قال: أعلم أهلها من هم.\n(^٣) هو: إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي، أبو عمران الكوفي، كان إماما ثقة كثير الإرسال، روى عن عبد الرحمن بن يزيد وعلقمة، وروى عنه الأعمش وحماد بن أبي سليمان، مات سنة ٩٦ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٤٩٣) وتهذيب التهذيب (١/ ١٧٦).\n(^٤) لوحة رقم [٢/ ١٠].\n(^٥) قول عطاء أخرجه ابن أبي شيبة [٢/ ٤٠٥ كتاب الزكاة، باب ما قالوا في الرجل إذا وضع الصدقة في صنف واحد] والبيهقي [٧/ ٧ كتاب قسم الصدقات، باب قسم الصدقات على صنف] عن حجاج، به.\nوأخرجه في المدونة (١/ ٣٤٥) من طريق عبد الملك، عنه.\nوعبد الرزاق [٤/ ١٠٥ كتاب الزكاة، باب إنما الصدقات للفقراء] من طريق ابن جريج، عنه.\nوالطبري في تفسيره (٦/ ٤٠٤) من طريق عبد المطلب، عنه.\nوأما قول إبراهيم فقد أخرجه مالك في المدونة (١/ ٣٤٥) وابن أبي شيبة [٢/ ٤٠٥ كتاب الزكاة، باب ما قالوا في الرجل إذا وضع الصدقة في صنف واحد] والطبري في تفسيره (٦/ ٤٠٤) والبيهقي [٧/ ٨ كتاب قسم الصدقات، باب قسم الصدقات على صنف] عن شعبة، عنه.\nوأما قول الحسن فقد أخرجه البخاري معلقا [٢٩٢ كتاب الزكاة، باب قول الله: وفي الرقاب والغارمين] ووصله أبي شيبة [٢/ ٤٠٥ كتاب الزكاة، باب ما قالوا في الرجل إذا وضع الصدقة في صنف واحد] والبيهقي [٧/ ٨ كتاب قسم الصدقات، باب قسم الصدقات على صنف واحد].\nوأما قول ابن شهاب فقد أخرجه في المدونة (١/ ٣٤٤) من طريق يونس بن يزيد.\nوممن قال به سوى من ذكر المؤلف:\nعكرمة، وأبو العالية، أخرجه عنهما ابن أبي شيبة [٢/ ٤٠٥ كتاب الزكاة، باب ما قالوا في الرجل إذا وضع الصدقة في صنف واحد].\nوسعيد بن جبير، أخرجه البيهقي [٧/ ٧ كتاب قسم الصدقات، باب قسم الصدقات على صنف].\nوعمر بن عبد العزيز، أخرجه عبد الرزاق [٤/ ١٠٦ كتاب الزكاة، باب إنما الصدقات للفقراء].","vol":"1","page":1252},{"text":"الولاء (^١)\nقال بكر: ونحن نقول الولاء لجملة المسلمين (^٢)، وقال الشافعي انها اثمان (^٣) ثم ناقض بان قال: ما بقي من سهم العاملين يرد علي سائر السهام (^٤)،\n_________\n(^١) أخرج ابن أبي شيبة [٢/ ٤٠٢ كتاب الزكاة، في الرقبة تعتق عن الزكاة] عن إبراهيم: أنه كره أن يشتري من الزكاة رقبة يعتقها.\nوأخرجه ابن أبي شيبة [٢/ ٤٠٢ كتاب الزكاة، في الرقبة تعتق عن الزكاة] عن سعيد بن جبير، قال: لا تعتق من الزكاة - زاد جعفر - مخافة جر الولاء. ...\nووجه ما روي عن النخعي وابن جبير، بَيَّنَه ابن قدامة في المغني (٦/ ٤٣١) قال: \" لأنه إذا أعتق من زكاته، انتفع بولاء من أعتقه، فكأنه صرف الزكاة إلى نفسه \".\n(^٢) ذهب مالك إلى أن من أعتق مملوكا من زكاته فولاؤه للمسلمين، واختلف المذهب هل يجزئه ذلك عن زكاته، وكلام المؤلف يقتضي أنه يجزئه، وهو الصحيح من قول مالك، بقي الإشارة إلى أن الخلاف في هذه المسألة، إنما يجري إذا كان صاحب الزكاة هو الذي يتولى عتق الرقبة، فأما إذا دفع زكاته للإمام فأعتق بها فلا يختلف المذهب في إجزائها، والولاء في ذلك كله للمسلمين.\nينظر: المدونة (٢/ ٥٧٩) وأحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٣١) والمنتقى شرح الموطأ (٢/ ١٥٤) والتاج والإكليل (٣/ ٢٣١).\n(^٣) فَصّل الشافعي ﵀ قوله هذا في كتابه الأم (٢/ ٨١).\n(^٤) ذهب الإمام الشافعي إلى وجوب التسوية بين الأصناف الثمانية فيما يصرف لهم - كما أشار المؤلف - لكن ورد في مذهبه أن سهم العاملين عليها إن زاد عن قدر أجرتهم - بأن بقي فضلة من سهمهم بعد دفع أجرتهم - فإنه يرد على سائر الأصناف، قال في المجموع شرح المهذب (٦/ ٢٠٦): \" لا يجوز تفضيل صنف على صنف بلا خلاف عندنا، سواء اتفقت حاجتهم وعددهم أم لا، ولا يستثنى هذا إلا العامل فإن حقه مقدر بأجرة عمله ... \".","vol":"1","page":1253},{"text":"وقد تكلمنا في هذه المسألة مع قسم الخمس بما فيه\nكفاية (^١).\nوبقي في هذه الآية قول بعض العراقيين (^٢) فإنه زعم أنه يُعطى من الصدقات المفروضة أهل الكتاب في فقرائهم، ومن زكاة الفطر.\nوقال أكثر المفسرين: إنهم لا يعطون إلا من التطوع (^٣)، وهذا موافق لمعنى الآية؛ لأنه قال عز من قائل: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (^٤) فذكر الفقراء والمساكين بالحال التي هم فيه، ثم قيل: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (^٥) شتى في أنفسها من طريق منافع الدنيا، ووصف المؤلفة قلوبهم بالتأليف على الإسلام، فكان الجميع لمصالح الإسلام والمسلمين.\n_________\n(^١) لم أجد له كلاما عن هذه المسألة في هذا الكتاب، فربما أنه أراد كتاب الخمس.\n(^٢) ممن قال به من أهل العراق عمرو بن شرحبيل الكوفي، أخرجه عنه ابن أبي شيبة [٢/ ٤٠١ كتاب الزكاة، ما قالوا في الصدقة في أهل غير الإسلام].\nوقال به عبيد الله بن الحسن قاضي البصرة، نسبه إليه الجصاص في أحكام القرآن (٤/ ٣٤٠) وابن الجوزي في زاد المسير ٥٩١.\n(^٣) ممن قال به من المفسرين: مجاهد، وعكرمة، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وسفيان الثوري، وطاوس.\nينظر: مصنف عبد الرزاق [٤/ ١١٢ كتاب الزكاة، باب لمن الزكاة] وابن أبى شيبة [٢/ ٤٠١ كتاب الزكاة، ما قالوا في الصدقة في غير أهل الإسلام].\n(^٤) سورة التوبة (٦٠).\n(^٥) سورة التوبة (٦٠) وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ سقط من الأصل.","vol":"1","page":1254},{"text":"وقال النبي - ﷺ -:؟ خذها من أغنيائهم، وارددها على فقرائهم؟ (^١) فلما لم تكن تؤخذ إلا من المسلمين؛ كان قوله:؟ فقرائهم؟ هم المسلمون.\nوقال أبو سعيد الخدري:؟ إن عليا ﵀ قدم من اليمن بذهيبة، فقسمها النبي صلى الله عليه بين أربعة من المؤلفة قلوبهم؛ الأقرع بن حابس التميمي (^٢)، وعيينة بن حصن الفزاري (^٣) وعلقمة الجعفري (^٤)، وزيد الخيل الطائي (^٥)؟ (^٦) وكانت جميع ما جاء به فآثر به صنفا واحدا.\n_________\n(^١) جزء من حديث أخرجه البخاري [٢٧٦ كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة] ومسلم [١/ ٥٥ كتاب الإيمان] من حديث ابن عباس في خبر بعث النبي - ﷺ - لمعاذ بن جبل إلى اليمن.\n(^٢) هو: الأقرع بن حابس بن عقال التميمي المجاشعي الدرامي، كان من حكماء العرب في الجاهلية، وفد على النبي - ﷺ - في وفد تميم فأسلم، وشهد فتح مكة وحنينا والطائف، وهو من المؤلفة قلوبهم وقد حسن إسلامه. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٢١) والإصابة (١/ ٢٥٢).\n(^٣) هو: عيينة بن حصن بن حذيفة الفزاري، أبو مالك، أسلم قبل فتح مكة وشهدها، وشهد حنينًا والطائف، وكان من المؤلفة قلوبهم، ثم ارتد - على ما ذكرـ مع المرتدين زمن أبي بكر - ﵁ - ثم عاد إلى الإسلام، وعاش إلى خلافة عثمان بن عفان - ﵃ - على خلاف في ذلك. ينظر: طبقات ابن سعد (٤/ ٣٦٨) والإصابة (٤/ ٦٣٨).\n(^٤) هو: علقمة بن علاثة بن عوف بن جعفر بن صعصعة العامري، كان في وفد بني عامر بن صعصة الذين قدموا على النبي، فأسلم وحسن إسلامه، وكان من المؤلفة قلوبهم. ينظر: طبقات ابن سعد (١/ ١٥٠) والإصابة (٤/ ٤٥٥).\n(^٥) هو: زيد الخيل بن مهلهل بن زيد الطائي، وفد سنة تسع وسماه النبي - ﷺ - زيد الخير، وقال فيه: ما ذكر لي رجل من العرب إلا كان دون ما ذكر لي إلا زيد الخيل، واختلف في موته فقيل: مات مُنْصَرفه من رسول الله - ﷺ -، وقيل: بقي إلى خلافة عمر - ﵁ -. ينظر: طبقات ابن سعد (١/ ١٥٥) والإصابة (٢/ ٥١٣).\n(^٦) جزء من حديث أخرجه البخاري [٦٨٢ كتاب الأنبياء، باب قوله: وإلى عاد أخاهم هودا] ومسلم [٢/ ٦٠٩ كتاب الزكاة].","vol":"1","page":1255},{"text":"وقد قال بعض الناس: إن التأليف قد انقطع (^١)، واحتج بأن عمر - ﵁ - قطع عن المؤلفة الذين كانوا على عهد رسول الله - ﷺ - (^٢)، وإنما قطع عنهم لما استغنى عنهم، وحكم التألف ثابت إذا احتيج إليه لرؤساء يُتَألفون، فيَدْخُل في الإسلام بدخولهم أتباعهم، فهذا جائز غير منسوخ، باق في حكم الآية عند الحاجة إلى ذلك (^٣).\nوأما شرح الفقراء والمساكين، فإن الفقير والمسكين واحد وهما فقيران، إلا أن المسكين مأخوذ من السكون، وهو الذي يسأل فتظهر عليه الذلة من جملة الفقراء (^٤).\n_________\n(^١) ممن قال به عامر الشعبي، والحسن البصري، وسفيان الثوري، وهو قول الأحناف.\nينظر: سنن الترمذي [٢/ ١٤٧ كتاب الزكاة، باب ما جاء في بإعطاء المؤلفة قلوبهم] وابن أبى شيبة [٢/ ٤٣٥ كتاب الزكاة، في المؤلفة قلوبهم يوجدون اليوم أو ذهبوا] والطبري في تفسيره (٦/ ٤٠٠) والمبسوط للسرخسي (٣/ ١٠).\nوالصحيح من قول المالكية والحنابلة بقاء سهم المؤلفة قلوبهم، حتى لغير المسلمين عند الحاجة إليه.\nواختلف قول الشافعية، وصحح في المجموع بقاءه في المؤلفة قلوبهم من المسلمين خاصة.\nينظر: المجموع (٦/ ١٨٤) والإنصاف (٣/ ٢٢٨) والتاج والإكليل (٣/ ٢٣١).\n(^٢) أخرجه البيهقي [٧/ ٢٠ كتاب قسم الصدقات، باب سقوط سهم المؤلفة قلوبهم] من طريق سيرين عن عبيدة.\nوأخرجه الطبري (٦/ ٤٠٠) من طريق حبان بن أبي جبلة.\n(^٣) وهذا فهم دقيق لمشروعية الزكاة، وقد أشار إليه - أيضا - الطبري في تفسيره (٦/ ٤٠٠) لما اختار بقاء سهم المؤلفة قلوبهم، قال ﵀: \" والصواب من القول عندي؛ أن الله جعل الصدقة في معنيين، أحدهما: سد خلة المسلمين، والآخر: معونة الإسلام وتقويته ... وكذلك المؤلفة قلوبهم يعطون ذلك وإن كانوا أغنياء استصلاحا بإعطائهموا أمر الإسلام، وطلب تقويته وتأييده\"، وهذه العلة هي ما حملت ابن العربي على اختيار هذا القول، قال ﵀: \" والذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا، وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم، كما كان يعطيه رسول الله، فإن الصحيح قد روي فيه بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا، كما بدأ \" أحكام القرآن (٢/ ٥٣٠).\n(^٤) اختلف المالكية في مسألة التفريق بين الفقير والمسكين، على قولين:\nالأول: عدم التفريق بينهما، وأنهما في الحاجة سواء، وهذا معنى كلام المؤلف، ونسبه ابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ٥١) إلى ابن القاسم وسائر أصحاب مالك.\nالثاني: إثبات وجود فرق بينهما، ونقل في التاج والإكليل (٣/ ٣١٩) عن ابن بشير أنه قول الأكثر، ثم اختلف هؤلاء في بيان الفرق بينهما، ومشهور المذهب أن المسكين أحوج من الفقير، وعليه جرى خليل في مختصره.","vol":"1","page":1256},{"text":"قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (^١).\nقال الحسن: جهاد الكفار بالسيف، وجهاد المنافقين باللسان والحدود (^٢)، وهذا قول حسن، ألا تراه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ﴾ (^٣) فأظهره بالحجة.\nوقد قيل (^٤): ما مات رسول الله - ﷺ - حتى أذن له في قتال المنافقين وقتلهم، والله أعلم بصحة ذلك.\nوقد كان قال لعمر - ﵁ - العذر في تركهم:؟ ألا يقول الناس: إن محمدا يقتل\n\nأصحابه؟ (^٥) وكان المسلمون (^٦) قليلا، ألا تراه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (^٧) فأظهره بالحجة.\n_________\n(^١) سورة التوبة (٧٣).\n(^٢) أخرج الطبري في تفسيره (٦/ ٤٢٠) دون ذكر اللسان، وسيذكره المؤلف عند أية التحريم رقم (٩) دون ذكر اللسان.\n(^٣) سورة الصف (٩).\n(^٤) لم أعرف قائله، ولم أجد من حكاه قولا في المسألة، وقد ذكره المؤلف بصيغة تمريض.\n(^٥) جزء من حديث أخرجه البخاري [٧٢٢ كتاب المناقب، باب ما ينهى عن دعوى الجاهلية] ومسلم [٤/ ١٥٨٥ كتاب البر والصلة] من حديث جابر بن عبد الله، بنحوه.\n(^٦) لوحة رقم [٢/ ١١].\n(^٧) سورة الصف (٩).","vol":"1","page":1257},{"text":"قال الله ﵎ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية (^١).\nكان قوم يستغفرون لآبائهم الذين توفوا في الجاهلية، ويحتجون بقول إبراهيم لأبيه: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ (^٢) فكان يستغفر له (^٣)، وذهب عنهم قوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ (^٤) يعني ترك الاستغفار، وقوله في هذه الآية أيضا: ﴿وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (^٥) وليس يتبين ذلك إلا بعد الموت، وإنما أيس إبراهيم - ﵇ - لما مات أبوه، فيجوز للإنسان أن يدعو لأبويه الكافرين ماداما باقيين، يرجو من الله أن يتوب عليهما ويرزقهما الإسلام، فإذا ماتا على كفرهما حرم ذلك عليه؛ لأن الآية فيمن مات على كفره.\n_________\n(^١) سورة التوبة (١١٣).\n(^٢) سورة مريم (٤٧).\n(^٣) أخرجه أحمد (١/ ١٣٠) والترمذي [٥/ ٦٩ كتاب التفسير، باب ومن سورة التوبة] وقال: حديث حسن، والنسائي [٦/ ٣٩٥ كتاب الجنائز، باب النهي عن الاستغفار للمشركين] والحاكم [٢/ ٣٦٥ كتاب التفسير، تفسير سورة التوبة] وقال: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، كلهم عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: لا تستغفر لأبويك وهما مشركان، فقال: أليس قد استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فذكرته للنبي - ﷺ - فنزلت ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾.\n(^٤) سورة التوبة (١١٤).\n(^٥) سورة التوبة (١١٣).","vol":"1","page":1258},{"text":"وأما قوله: ﴿لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا﴾ (^١) إنما ذلك لأن النبي - ﷺ - كان يشكر أفعال أبي طالب (^٢) فقيل: إنه لما مات قال:؟ رحمك الله فلقد كنت ولقد كنت، فلما رأى المسلمون ذلك استغفروا لآبائهم، فنزلت الآية؟ (^٣) وما الإسناد في ذلك بالقوي.\nوالأقوى في ذلك؛ أن قوما تأولوا استغفار إبراهيم ولم يتأملوا ما بعد ذلك، فنزلت يعني إبراهيم، ومن استغفر متأولا لأمر إبراهيم، ألا تراه ﷿ عقب بعد ذلك بأن قال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ (^٤) فقص القصة وتبريه بعد ذلك.\n_________\n(^١) سورة التوبة (١١٣).\n(^٢) هو: عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم، عم رسول الله - ﷺ - وتربى في بيته بعد موت جد النبي - ﷺ - عبد المطلب، وكانت له مواقف عظيمة في نصرة النبي - ﷺ - مع أنه كان على شركه، ولذا كان النبي - ﷺ - حريصا على إسلامه، وتوفي على شركه قبل هجرة النبي - ﷺ - بقليل. ينظر: طبقات ابن سعد (١/ ٥٥) وسيرة ابن هشام (١/ ١٤٦).\n(^٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٥٩) والحاكم في المستدرك [٢/ ٣٦٦ كتاب التفسير، سورة التوبة] عن جابر بن عبد الله ما هو في معناه، ولفظه: لما مات أبو طالب قال رسول الله: - ﷺ - - رحمك الله وغفر لك - يا عم ولا أزال أستغفر لك حتى ينهاني الله ﷿، فأخذ المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا وهم مشركون، فأنزل الله تعالى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال لنا أبو علي على أثره: لا أعلم أحدا وصل هذا الحديث عن سفيان، غير أبي حمة اليماني وهو ثقة، وقد أرسله أصحاب ابن عيينة\" أ. هـ\nوخبر استغفار النبي - ﷺ - لعمه قد أخرجه البخاري [٩٧٣ كتاب التفسير، سورة التوبة] ومسلم [١/ ٥٩ كتاب الإيمان] لكن دون ذكر استغفار المسلمين لآبائهم لما رأوا النبي - ﷺ - يستغفر لعمه.\n(^٤) سورة التوبة (١١٤).","vol":"1","page":1259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>ومن سورة يونس</span>\n\nقال الله ﵎ ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ (^١).\nقال ابن عباس: كانوا في أول الإسلام خائفين فقيل لهم: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ يريد أي: مصلى تصلون فيها (^٢)، وقال ذلك جماعة من المفسرين: أمروا أن يصلوا في بيوتهم (^٣) وكان ذلك إلى أن أسلم عمر بن الخطاب ﵀ (^٤).\n_________\n(^١) سورة يونس (٨٧).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٥٩٦) عن ابن عباس، بمعناه.\n(^٣) ممن قال به: عكرمة، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، أخرجه عنهم الطبري في تفسيره (٤/ ٥٩٦)\n(^٤) قوله: وكان ذلك ...، على تقدير محذوف نحو: وكان ذلك في المسلمين، وإلى قريب من هذا أشار النسفي في تفسيره (٢/ ١٣٩) قال: \"وكان موسى ومن معه ... يصلون في بيوتهم، في خفية من الكفرة لئلا يظهروا عليهم فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم، كما كان المسلمون على ذلك في أول الإسلام بمكة\".","vol":"1","page":1260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>سورة هود - ﵇ </span>-.\n\nقال الله ﵎: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ\nوَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآية (^١)\nقوله عز من قائل: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الغداة والعصر (^٢).\n﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ عشاء الآخرة (^٣).\nوقيل - أيضا ـ: المغرب وعشاء الآخرة (^٤).\nوقيل: الفجر وصلاة العشاء (^٥)\n﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ المغرب والعشاء (^٦).\nوكان ابن عباس - ﵁ - يستحب بقوله: ﴿زَحْفًا﴾ تأخير عشاء الآخرة (^٧).\nوقال بعضهم: هو أمر بالصلوات الخمس (^٨).\n_________\n(^١) سورة هود (١٤٤).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ١٢٥) عن: الضحاك، ومحمد بن كعب، والحسن، وقتادة.\nوالغداة: البكرة، والمراد بها هنا: صلاة الفجر. ينظر: القاموس المحيط مادة: غدوة.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ١٢٧) عن: ابن عباس، وابن زيد، ومجاهد، والحسن.\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ١٢٧) عن: مجاهد، وقتادة، والحسن، ومحمد بن كعب، والضحاك.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٦/ ٢٠٦١) عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٦/ ٢٠٩١) عن الحسن ومحمد بن كعب القرظي.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٧/ ٢٠٩١) عنه.\n(^٨) هو قول مقاتل بن سليمان، ينظر تفسيره (٢/ ١٣٥).","vol":"1","page":1261},{"text":"وأما قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (^١) فهن الصلوات الخمس يذهبن السيئات (^٢)، ألا ترى أن النبي - ﷺ - قال:؟ مثل الصلوات الخمس؛ كمثل نهر يجري على باب أحدكم، يغتسل (^٣) فيه كل يوم خمس مرات، فماذا يبقى من درنه؟ (^٤) والروايات عن رسول الله - ﷺ - في هذا المعنى كثيرة.\n_________\n(^١) سورة هود (١٤٤).\n(^٢) قاله: ابن عباس، ومجاهد، والحسن، ومحمد بن كعب، والضحاك، ومسروق، وغيرهم. ينظر: تفسير الطبري (٥/ ١٢٩).\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ١٢].\n(^٤) أخرجه مسلم [١/ ٣٨٧ كتاب المساجد] من حديث جابر بن عبد الله بنحوه.\nوأخرجه البخاري [١١٠ كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلوات الخمس كفارة] من حديث أبي هريرة، بمعناه.\nقال النووي في شرح صحيح مسلم (٥/ ١٧٠): \" قوله: هل يبقى من درنه، الدرن الوسخ\".","vol":"1","page":1262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>ومن سورة يوسف - ﵇ </span>-\n\nقال الله ﷿: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (^١).\nليس في ذكر عدد الدراهم واختلافهم فيها فائدة، إلا أن معنى بخس: أنها قليلة نَزِرَة (^٢)، دون ما يساوي مثله لو كان عبدا وحَلَّ بيعه.\nوقالوا في ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ عشرين درهما (^٣)، وغير ذلك من نقصان وزيادة (^٤)، والمعنى فيه: أن الدراهم كانت تعد ولا توزن (^٥).\n﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ (^٦) غير مريدين لشرائه.\nوقيل: وأظهرت الواردة البائعة له زهدا فيه، فهذا ما ذكر في ذلك.\nواختلف قوم في اللقيط؛ فقال قوم: هو مملوك (^٧).\nوقال آخرون: هو حر (^٨)، وهو المعمول عليه، والذي عليه أهل العلم.\n_________\n(^١) سورة يوسف (٢٠).\n(^٢) وهو قول: عكرمة، والشعبي. ينظر: الطبري في تفسيره (٧/ ١٦٩) ومعاني القرآن للنحاس (٣/ ٤٠٦).\n(^٣) وهو قول: ابن مسعود، وابن عباس - ﵃ -، وعكرمة، والشعبي، والسدي، وقتادة. ينظر: الطبري في تفسيره (٧/ ١٧٠) ومعاني القرآن للنحاس (٣/ ٤٠٦) وزاد المسير ص ٦٨٧.\n(^٤) أما الزيادة على عشرين درهما، فقد قيل به، وفيه عدة أقوال، لكن لم أجد أحدا ذكر قولا في عدد الدراهم أقل من عشرين درهما، فلعل المؤلف ﵀ قصد أن الأقوال في المسألة تختلف في تحديد مقدار الدراهم زيادة في بعضها، ونقصانا في بعضها الآخر، على أنه لا كبير فائدة في بيان عدد الدراهم، وإنما هي - كما أخبر الله جل وعلا - دراهم معدودة، وثمن بخس، والله أعلم.\n(^٥) قال الزمخشري في الكشاف (٢/ ٢٤٧) مبينا علة ذلك: \" لأنهم كانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقية، وهي الأربعون، ويعدون ما دونها \".\n(^٦) سورة يوسف (٢٠).\n(^٧) قاله إبراهيم النخعي. ينظر: المحلى (٨/ ٢٧٤) والمغني (٥/ ٧٤٧).\n(^٨) هو قول جماهير أهل العلم، ولم ينقل إلا خلاف النخعي، حتى حكى ابن المنذر الإجماع على ذلك. ينظر: الإجماع لابن المنذر (١/ ٣٢٥) والمغني (٥/ ٧٥٥).","vol":"1","page":1263},{"text":"ثم اختلفوا في الولاء (^١)؛ فقال قوم: الولاء لمن التقطه (^٢)، وذكروا أن عمر ﵀ قال: لك ولاؤه وعلينا نفقته (^٣).\nفأما قول من قال: إن اللقيط عبد لمن التقطه فلا وجه له؛ لأنه لا يخلو؛ أن يكون ابن مملوكة فهو لمولاها، لا يحل لملتقطه أن يتملكه، أو يكون ابن حرة فهو حر.\nوأما قول عمر: لك ولاؤه، يريد ولايته والقيام به والثواب على تربيته، وعلى بيت المال نفقته.\nوروي عن عائشة وابن عمر في أولاد الزنا: أعتقوهم وأحسنوا إليهم (^٤) (^٥) فإن مخرجه في أمر الحرية، على الإعلام لهم بأنهم أحرار، وهذا جائز في الكلام كقول النبي\n_________\n(^١) الولاء هو: ميراث يستحقه المرء بسبب عتق شخص في ملكه أو سبب عقد الموالاة. ينظر: التعريفات للجرجاني ص ٣٢٩.\n(^٢) هو قول شريح القاضي، وإسحاق بن راهويه، والليث بن سعد، وقال به إبراهيم النخعي بشرط أن ينوي الملتقط استرقاقه وقت التقاطه. ينظر: مصنف عبد الرزاق [٧/ ٤٥١ كتاب النكاح، باب اللقيط] وابن أبي شيبة [٤/ ٤٣٨ كتاب البيوع والأقضية، من قال: اللقيط حر] والمحلى (٨/ ٢٧٤) والمغني (٥/ ٧٥٥) و(٦/ ٣٨١).\n(^٣) جزء من أثر أخرجه مالك [٢/ ٥٦٦ كتاب الأقضية، باب القضاء في المنبوذ] وعبد الرزاق [٧/ ٤٤٩ كتاب الطلاق، باب اللقيط] وابن أبي شيبة [٤/ ٤٣٨ كتاب البيوع، من قال اللقيط حر] والبيهقي [٦/ ٢٠٢ كتاب اللقطة، باب التقاط المنبوذ].\n(^٤) أما قول عائشة فقد أخرجه عبد الرزاق [٧/ ٤٥٦ كتاب الطلاق، باب عتاقة ولد الزنا] والبيهقي [١٠/ ٥٩ كتاب الأيمان، باب ما جاء في إعتاق ولد الزنا].\nوأما أثر ابن عمر - ﵁ - فقد أخرج البيهقي [١٠/ ٥٩ كتاب الأيمان، باب ما جاء في إعتاق ولد الزنا] وعبد الرزاق [٧/ ٤٥٦ كتاب الطلاق، باب عتاقة ولد الزنا] أن ابن عمر - ﵁ - أعتق ولد زنا وأمه.\n(^٥) لوحة رقم [٢/ ٣٧].","vol":"1","page":1264},{"text":"- ﷺ -: (لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكًا يشتريه فيعتقه) (^١) وليس يجوز بقاء ملك الولد على الوالد ولا ملك الوالد على الولد؛ لأنه يتنافى أن يكون أبا عبدا، أو ابنا عبدا، ألا ترى الله ﷿ قال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (^٢) وقال: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (^٣) فإذا كان هذا في الولد فهو في الأب أولى؛ لنعمة الأب، وما أوجبه الله من حقه فقرنه بنفسه فقال: ﴿اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ (^٤) وأما (^٥) رواه سُنَيْن أبو جَمِيلَة (^٦) عن عمر - ﵁ - فهو كلام مفهوم، قال عمر - ﵁ -: (هو حر) فأخبر بالحرية: (ولك ولاؤه) القيام بأمره، ولو كان حرا بإعتاق عمر ﵀ لكان الولاء لمن أعتق، ولا يجوز هبة الولاء؛ لنهي النبي - ﷺ - عن ذلك (^٧)، فهو مولى لجميع المسلمين، ونفقته من بيت مال المسلمين.\nقال الله ﵎: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ (^٨)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم [٢/ ٩٢٧ كتاب العتق] من حديث أبي هريرة - ﵁ -، به.\n(^٢) سورة الأنبياء (٢٦).\n(^٣) سورة مريم (٩١ - ٩٣).\n(^٤) سورة لقمان (١٤).\n(^٥) كذا في الأصل، والسياق يقتضي زيادة: ما.\n(^٦) هو: سُنَيّن أبو جميلة السلمي، ويقال الضمري، وقيل اسم أبيه فرقد، روي عنه أنه حج مع النبي - ﷺ -، وعده ابن سعد من التابعين، وروى عن النبي - ﷺ - وعن أبي بكر وعمر ﵄، روى عنه الزهري، قال العجلي: تابعي ثقة. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٢) وتهذيب التهذيب (٢/ ٤٣٦).\n(^٧) يشير المؤلف ﵀ إلى ما أخرجه ابن حبان [١١/ ٣٢٦ كتاب البيوع، ذكر العلة التي من أجلها نهي عن بيع الولاء وعن هبته] والحاكم [٤/ ٣٧٩ كتاب الفرائض] عن ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: (الولاء لحمة كلحمة النسب، لا تباع، ولا توهب) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(^٨) سورة يوسف (٢٥).","vol":"1","page":1265},{"text":"إلى قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ الآية (^١).\nقال مجاهد وابن أبي بزة (^٢): الشاهد هو القميص وقدُّه من دبر (^٣).\nوقال ابن جبير: صبي في المهد (^٤)، (^٥) وقال هلال بن يشاف (^٦) مثله (^٧)، وقال: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة، هذا أحدهم (^٨).\n_________\n(^١) سورة يوسف (٢٦).\n(^٢) هو: القاسم بن أبي بزة، واسم أبيه نافع، ويقال يسار ويقال نافع بن يسار، أبو عبد الله المكي، ويقال أبو عاصم القارئ، مولى عبد الله بن السائب المخزومي، قيل إن أصله من همذان، روى عن سعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، روى عنه حجاج بن أرطاة، وشعبة بن الحجاج، وثقه ابن معين وغيره، توفي بمكة سنة ١٢٤ هـ. ينظر: تهذيب الكمال (٢٣/ ٣٣٩). والكاشف (٢/ ٣٣٤).\n(^٣) قول مجاهد أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ١٩٣) بمعناه.\nوأما ما نسبه إلى ابن أبي بزة؛ فلم أقف عليه.\nوأما جواز أن يوصف القميص بالشاهد، فقد بين ابن العربي - في أحكام القرآن (٣/ ٤٨) - وجه ذلك، قال: \" فأما إذا قلنا: إنه القميص، فكان يصح من جهة اللغة أن يخبر عن حاله، بتقدير مقاله، فإن لسان الحال أبلغ من لسان المقال في بعض الأمور، وقد تضيف العرب الكلام إلى الجمادات، بما تخبر عنه بما عليها من الصفات \" على أنه وإن صح هذا من حيث اللغة، فلا يستقيم مع سياق الآية، يقول الطبري في تفسيره (٧/ ١٩٤): \" لأن الله - تعالى ذكره - أخبر أن الشاهد الذي شهد من أهل المرأة، فقال: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ ولا يقال للقميص: هو من أهل الرجل ولا المرأة \".\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ١٩٠) به.\n(^٥) لوحة رقم [٢/ ٣٨].\n(^٦) كذا في الأصل بالشين المعجمة، وهو تحريف، وصوابه يِسَاف، وذلك لأمرين:\nالأول: أنه قد جاء على الصواب عند الطبري في تفسيره (٧/ ١٩٠).\nالثاني: لم أقف على من اسمه: هلال بن يشاف، في كتب التراجم والأعلام، مع أنه في طبقة التابعين.\nوهو: هلال بن يساف الأشجعي مولاهم، أبو الحسن الكوفي، روى عن الحسن بن علي، وأبي مسعود الأنصاري - ﵃ -، وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، والأعمش، قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٠٨) وتهذيب التهذيب (٦/ ٥٥).\n(^٧) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ١٩٢).\n(^٨) أخرجه عنه ابن أبي شيبة [٦/ ٣٣٩ كتاب الفضائل، ما ذكر فيما فضل به عيسى - ﵇ -]\nوله شاهد من حديث أبي هريرة - ﵁ - عند الحاكم وصححه [٢/ ٦٥٠ كتاب تواريخ الأنبياء، باب ذكر نبي الله وروحه عيسى - ﵇ -].","vol":"1","page":1266},{"text":"وقال ابن عباس - ﵁ -: كان رجلا ذا لحية (^١).\nوقال الحسن: رجل له فقه وعلم (^٢).\nوقال عكرمة: رجل من أهلها ذو رأي (^٣).\nوتابع على كل قول من ذلك قوم من المفسرين (^٤).\nوقال الشعبي (^٥): كان في قميص يوسف - ﵇ - ثلاث آيات: جاءوا على ... قميصه بدم كذب، فعلم يعقوب أنه كذب على الذئب، وأنه لو كان من فعل الذئب\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ١٩٢).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ١٩٣) بمعناه.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسير (٧/ ١٩٢) بنحوه.\n(^٤) الأقوال التي ذكرها المؤلف ترجع إلى قولين؛\nالأول: أن الشاهد قميص يوسف - ﵇ -، وممن قال به سوى من ذكر المؤلف: ابن حبيب.\nالثاني: أن الشاهد إنسان، واختلف فيه:\nفقيل: رجل عاقل بالغ، وممن قاله - أيضا ـ: زيد بن أسلم، ومجاهد، وابن جبير، وقتادة، وغيرهم.\nوقيل: صبي في المهد، وممن قاله - أيضا ـ: أبو هريرة، وابن عباس، والضحاك، وغيرهم. ينظر: تفسير الطبري (٧/ ١٩١) وزاد المسير (٤/ ٦٩٢) والبحر المحيط (٥/ ٢٩٧) والدر المنثور (٤/ ٥٢٥).\n(^٥) هو: عامر بن شراحيل بن عبد الله الشعبي الهمداني، أبو عمرو الكوفي، روى عن على بن أبى طالب، وسعد بن أبي وقاص - ﵃ - وغيرهم، وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، والأعمش، ثقة فقيه عالم، توفي بالكوفة سنه ١٠٤ هـ وقيل غير ذلك. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٤٧٩) وتهذيب التهذيب (٣/ ٤٥).","vol":"1","page":1267},{"text":"لخرق القميص، والثانية: أن تخريقه من دبر ونجاته بذلك وبقول الحكيم فيه، والثالثة: أن ألقي على وجه يعقوب فارتد بصيرا (^١).\nوقصة يوسف - ﵇ - توجب القضاء فيما لا تحضره البينة بالدلائل والعلامات في مثل: اللقطة، ومثل: إغلاق الباب، وإرخاء الستر، وفي شهادة الصبيان في الجراح، وذلك دليل للشهادة، وهو غير مخالف لقوله: (البينة على المدعي واليمين على المنكر) (^٢) لأنه لا يقال البينة على المدعي إلا في موضع يمكن فيه البينة، وقد ذكرنا هذا في سورة البقرة، وأن شريحا (^٣) وإياس بن معاوية (^٤) حكما بالعلامة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ١٦١) بمعناه، وأورده ابن عبد البر في الاستذكار (٧/ ١٢٢).\n(^٢) أخرجه الترمذي [٣/ ٨٦ كتاب الأحكام، باب ما جاء في أن البينة على المدعي] والدارقطني [٤/ ١١٨ كتاب في الأقضية، كتاب عمر بن الخطاب - ﵁ -] والبيهقي [٨/ ١٢٣ كتاب القسامة، باب أصل القسامة] من حديث عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، بنحوه.\nوأخرجه أحمد (١/ ٣٤٢) ابن ماجه [٢/ ٤٠ كتاب الأحكام، باب البينة على المدعي] والترمذي [٣/ ٦٨ كتاب الأحكام، باب ما جاء في أن البينة على المدعي] والبيهقي [١٠/ ٢٥٢ كتاب الدعاوى، باب البينة على المدعي] من حديث ابن عباس - ﵁ -، بمعناه.\nوأخرجه الدارقطني [٤/ ١١٧ كتاب في الأقضية، كتاب عمر بن الخطاب - ﵁ -] من حديث أبي هريرة - ﵁ -، بمعناه.\n(^٣) هو: شريح بن الحارث بن قيس، وقيل: شريح بن شرحبيل، أبو أمية الكوفي القاضي، ثقة مخضرم، ويقال له صحبة، روى عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وعن عمر وعلى بن أبي طالب - ﵃ -، وروى عنه الشعبي وابن سيرين، استقضاه عمر على الكوفة، وتوفي بها سنه ٧٩ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٤٢٨) والإصابة (٣/ ٢٧٠).\n(^٤) هو: إياس بن معاوية بن قرة المزني، أبو واثلة البصري القاضي، روى عن أنس وسعيد بن المسيب وغيرهم، وروى عنه حماد بن زيد وشعبة، كان فقيهًا ثقة عالمًا، توفي قرب البصرة سنة ١٢٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٢١) وتهذيب التهذيب (١/ ٣٠٤).","vol":"1","page":1268},{"text":"فإن قال قائل: إن تلك الشريعة لا تلزمنا (^١)، قلنا له: كل ما أنزله الله علينا فإنما أنزله لفائدة فيه ومنفعة لنا فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ (^٢) فآيات يوسف - ﵇ - مقتدى بها معمول عليها، والله أعلم.\nقال الله ﷿ (^٣): ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (^٤).\nقال قتادة: حَمِيل (^٥).\nالثوري (^٦): كفيل (^٧).\nوالكفيل والحميل: من تكفل بغيره، أو تحمل عن غيره (^٨)، وهذا رجل ضمن\n_________\n(^١) هو قول الشافعية. ينظر: البحر المحيط للزركشي (٨/ ٤٣).\n(^٢) سورة الأنعام (٩٠).\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ٣٩].\n(^٤) سورة يوسف (٧٢).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٢٥) به.\n(^٦) هو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي، روى عن أبي إسحاق السبيعي، والأعمش، وروى عنه شعبة والأوزاعي، كان ﵀ إمامًا ثقة ورعًا، توفي بالبصرة سنة ١٦١ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٣٨) وتهذيب التهذيب (٢/ ٣٥٦).\n(^٧) ينظر: تفسير الثوري ص ١٤٥.\n(^٨) ذكر ابن العربي المالكي نقلا عن القاضي إسماعيل - صاحب الأصل الذي اختصره القشيري - كلاما يساعد في بيان مراد المؤلف هنا، قال في أحكام القرآن (٣/ ٦٤): \" وقد قال القاضي أبو إسحاق: ليس هذا من باب الكفالة، فإنها ليس فيها كفالة إنسان عن إنسان، وإنما هو رجل التزم عن نفسه، وضمن عنها، وذلك جائز لغة لازم شرعا \" ثم ذكر الشاهد الشعري الذي أشار إلية المؤلف هنا، فمراد المؤلف: أن الآية ليس فيها دلالة على الكفالة، باعتبارها حمالة المرء عن غيره، وإنما تدل على الجعالة باعتبارها ضمان عن النفس، وهذا المعنى أشار إليه الجصاص في أحكام القرآن (٤/ ٣٩٠): \" قال أبو بكر: ظن بعض الناس أن ذلك كفالة عن إنسان، وليس كذلك; لأن قائل ذلك جعل حمل بعير أجرة لمن جاء بالصاع، وأكده بقوله: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ يعني ضامن ... فهذا القائل لم يضمن عن إنسان شيئا، وإنما ألزم نفسه ضمان الأجرة لرد الصاع، وهذا أصل في جواز قول القائل: من حمل هذا المتاع إلى موضع كذا فله درهم\" أ. هـ، وهذا على اعتبار أن الجاعل والضامنَ واحد، لكن يصح الاستدلال بالآية على الكفالة، إذا كان الجاعل غير الضامن، فقد قيل: إن الجاعل يوسف، والضامن المؤذن، ينظر: تفسير الطبري (٧٢٥٦) والمحرر الوجيز (٣/ ٢٦٤)، والله أعلم.","vol":"1","page":1269},{"text":"عن نفسه، وقال الشاعر (^١):\nفلست بآمرٍ فيها بسَلْمٍ ... ولكني على نفسي زعيمُ\nبغزو مثل ولغ الكلب حتى ... تبوء بصاحبي ثأر منيم (^٢)\nوقال آخر (^٣):\nفإني زعيم إن رجعت مسلما ... بسيرٍ ترى منه الفُرانِقَ أزورا (^٤)\nأي ضامن لذلك.\nوإنما ينبغي أن يحتج بهذه الآيات في باب الجُعل، وأنه جائز أن يقول الرجل: من فعل كذا فله كذا، وأما الكفالة فمأخوذ من غير هذا الموضع؛ لأنه رجل فعل معروفا إلى رجل وضمن عنه شيئا أوجبه على نفسه، قد يمكن أن يغرمه ويمكن أن لا يغرمه، ولم يدخل في باب الغرر الذي نهي عنه؛ لأن الغرر يدخل في باب المخاطرة\n_________\n(^١) نسبه في تاج العروس، مادة: ولغ، إلى حاجز الأسدي اللص.\n(^٢) الثأر المنيم الذي يطيب بعده النوم، وهو الثأر المكافئ للقتيل.\n(^٣) القائل: امرؤ القيس من قصيدة مطلعها: سما لك شوق، وقد نسبه إليه في الصحاح مادة: فرنق.\n(^٤) الفرانق: فارسي معرب، وهو سبع يصيح بين يدي الأسد، كأنه ينذر الناس به، ويقال: إنه شبه بابن آوى، يقال له: فرانق الأسد. ينظر: اللسان مادة: فرنق.\nوالأزور: المائل، القاموس مادة: زور.","vol":"1","page":1270},{"text":"والقمار؛ لأن كل واحد منهما يؤمل أن يأخذ من مال صاحبه شيئا بغير حق، والضامن ليس يأخذ شيئا، وإنما هو مصطنع معروفا، يمكن أن يغرم ويمكن ألا يغرم، فلزمه ما شرط على نفسه، إذ لم يخالف كتابا ولا سنة، وإن دفع شيئا رجع به على من ضمنه عنه.\nقال الله ﵎: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ (^١).\nوقوله: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ (^٢)\nأجرة (^٣) الكيال عندنا على البائع بهذه الآية، كذلك قال مالك بن أنس - ﵁ - (^٤)؛ لأن الرجل إذا باع الرجل قفيزا (^٥) من طعامه، فقد أوجب العقد على البائع أن يَصُّر القفيز بعينه ويَحُوزَ لصاحبه، وذلك لا يكون إلا بالكيل، وكذلك الوزن فيما يباع وزنا، وكذلك فيما يعد عددا، وكذلك فيما يذرع، والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة يوسف (٨٨).\n(^٢) سورة يوسف (٥٩).\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ٤٠]\n(^٤) ينظر: النوادر والزيادات (٦/ ٤٥٥) والبيان والتحصيل (٧/ ٢٩٣) والتاج والإكليل (٦/ ٤١١).\nومالك هو: مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، أبو عبد الله المدني، الفقيه الحافظ إمام دار الهجرة، أحد الأئمة الأعلام الذين اشتهرت مذاهبهم في الأمصار، توفي سنة ٧٩ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٢٨٧) والديباج المذهب لابن فرحون ص ١٦.\n(^٥) قال في لسان العرب مادة: قفز: \" القفيز من المكاييل معروف، وهو ثمانية مكاكيك عند أهل العراق، ومن الأرض قدر مائة وأربع وأربعين ذراعا، وقيل: هو مكيال تتواضع الناس عليه\".","vol":"1","page":1271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>سورة الرعد</span>\n\nقال الله ﵎: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ (^١).\nقال ابن عباس ﵄: ما ينقص عن التسعة وما يزيد عليها (^٢)، وقاله جماعة من أصحابه (^٣).\nوقال بعضهم: الحيض على الحمل، وقالوا: زيادة الحيض ونقصانه (^٤).\nوأصح المعاني في ذلك: أن غيض الأرحام وزيادتها هو في الحيض خاصة، وأن الحامل تحيض على الحمل.\nومن قال: إن الحامل لا تحيض (^٥)، فقد أقدم على غيب من غيب الله لا يعلمه إلا الله، لا يجوز أن يقوله إلا بكتاب أو بسنة، وكل دم يخرج من الرحم فهو حيض أو\n_________\n(^١) سورة الرعد (٨).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ٣٤٥).\n(^٣) أخرج الطبري في تفسيره (٧/ ٣٤٥) نحو هذا عن عدد من أصحاب ابن عباس ﵄، كسعيد بن جبير، والحسن، والضحاك.\n(^٤) ومعنى هذا القول؛ أن الحمل ينقص إذا حاضت المرأة - وهذا المراد بغيض الرحم - وهذا النقص الحاصل بسبب الحيض، يزيد من مدة الحمل، يشهد لهذا ما أخرج الدارمي [١/ ٢٤٣ كتاب الطهارة، باب في الحبلى إذا رأت الدم] والطبري في تفسيره (٧/ ٣٤٦) عن عكرمة - واللفظ للدارمي - أنه قال: عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ قال: ذلك الحيض على الحبل، لا تحيض يوما في الحبل إلا زادته طاهرا في حبلها.\nولهما أيضا عن مجاهد - الإحالة السابقة، بمعناه.\nوأخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ٣٤٥) عن سعيد بن جبير، بمعناه.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق [١/ ٣١٦ كتاب الحيض، باب الحامل ترى الدم] وابن أبي شيبة [٢/ ٢٦ كتاب الصلوات، في الحامل ترى الدم أتصلي أم لا] عن: عائشة ﵂، وسعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وسليمان بن يسار، وهو - أيضا - قول الأحناف والحنابلة، ينظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ٢١) والمغني لابن قدامة (١/ ٣٦١).","vol":"1","page":1272},{"text":"نفاس، وأما دم الاستحاضة فإنما هو عِرْق (^١) كما قال النبي - ﷺ - (^٢)، وقد قال النبي - ﷺ - في سبي أَوطَاس (^٣) ما يوجب أن الحامل تحيض قال: (لا توطأ حائل حتى تحيض ولا حامل حتى تضع) (^٤) يريد: وإن حاضت؛ لأنه لو كانت الحامل لا تحيض لاستغنى بالقول الأول: (لا توطأ امرأة حتى تحيض) لأن الحامل والحائل إنما يجوز وطؤهما (^٥) بعد الحيض، والنفاس حيض زادت أيامه، ولا يجوز الوطء أيضا حتى تطهران، فكان القول\n_________\n(^١) قوله: عرق، قال في عون المعبود (١/ ٣١٦): \" بكسر العين وسكون الراء هو المسمى بالعاذل قال الخطابي في المعالم: يريد أن ذلك علة حدثت بها، من تصدع العروق، فانفجر الدم، وليس بدم الحيض الذي يقذفه الرحم لميقات معلوم \".\n(^٢) يشير إلى الحديث الذي رواه البخاري [٥٢ كتاب الحيض، باب غسل الدم] ومسلم [١/ ٢٢٠ كتاب الحيض] عن عائشة ﵂، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: (لا، إنما ذلك عِرْق وليس بحيض ...).\n(^٣) أوطاس: واد بين مكة والطائف في ديار هوازن، انهزمت إليه طائفة من هوازن يوم حنين، فأرسل إليهم النبي - ﷺ - سرية فيها أبو عامر الأشعري. معجم البلدان (١/ ٢٨٢) ومعجم ما استعجم (١/ ٢١٢).\n(^٤) أخرجه أحمد (٣/ ٦٢) والدارمي [٢/ ٢٢٤ كتاب الطلاق، باب في استبراء الأمة] وأبو داود [٢/ ٢١٧ كتاب النكاح، باب في وطء السبايا] والحاكم [٢/ ٢١٢ كتاب النكاح] وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وسكت عنه الذهبي، والبيهقي [٥/ ٣٢٩ كتاب البيوع، باب الاستبراء في البيع] من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، لكن ذكروا الحامل قبل الحائل، قال في التلخيص (١/ ٢٧٥): إسناده حسن.\n(^٥) لوحة رقم [٢/ ٤٢].","vol":"1","page":1273},{"text":"الأول كافيا، فأعلمنا أن الحيض لا يبرئها حتى تضع، وقد قالت عائشة ﵂ وغيرها: إن الحامل إذا رأت الدم تدع الصلاة (^١).\nوالأغلب في النساء أنهن لا يحضن على الحمل، والأغلب فيهن أنهن يحملن تسعة أشهر، فإذا حاضت على الحمل كانت كمن حملت سنتين وثلاثًا وأربعا، حكم لهما بحكمهما (^٢).\nوإذا انفردت أخرى بارتفاع الحيض من غير سبب، نُظر في ذلك بما قال عمر ابن الخطاب - ﵁ - (^٣)، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) أخرجه مالك [١/ ٦٠ كتاب الطهارة، باب جامع الحيضة] والدارمي [١/ ٢٤٣ كتاب الطهارة، باب في الحبلى إذا رأت الدم] والبيهقي [٧/ ٤٢٣ كتاب العدد، باب الحيض على الحمل].\nوأخرجه الدارمي [١/ ٢٤٣ كتاب الطهارة، باب في الحبلى إذا رأت الدم] عن: الحسن، وعطاء، والشعبي، والزهري.\nوأخرجه عبد الرزاق [١/ ٣١٦ كتاب الحيض، باب الحامل ترى الدم] عن قتادة.\nوعزاه في المدونة (١/ ١٥٦) إلى يحي بن سعيد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، والليث بن سعد.\nوقد روي عن عائشة خلاف قولها الذي ذكره المؤلف، فقد أخرج عبد الرزاق [١/ ٣١٧ كتاب الحيض، باب الحامل ترى الدم] وابن أبي شيبة [٢/ ٢٦ كتاب الصلوات، في الحامل ترى الدم] والدارمي [١/ ٢٤٥ كتاب الطهارة، باب في الحبلى إذا رأت الدم] والبيهقي [٧/ ٤٢٣ كتاب العدد، باب الحيض على الحمل] عنها أنها قالت في الحامل ترى الدم: لا يمنعها ذلك عن الصلاة.\n(^٢) يريد أن غالب النساء لا يحضن على الحمل، كما أن غالبهن يحملن تسعة أشهر، لكن قد يقع منهن من تحيض على الحمل، كما يقع منهن من تحمل ثلاث سنين وأربع، فيحكم لمن حاضت على الحمل بحكم الحيض، كما حكم لمن حملت سنتين أو أكثر بحكم الحامل.\n(^٣) يشير المؤلف ﵀ إلى قضاء عمر بن الخطاب - ﵁ - في المرأة يرتفع حيضها بغير سبب ظاهر، فقد أخرج مالك في الموطأ [٢/ ٤٥٥ كتاب الطلاق، باب عدة الطلاق] وابن أبي شيبة [٤/ ١٦٧ كتاب الطلاق، باب ما قالوا في الرجل يطلق امرأته فترتفع حيضتها] والبيهقي [٧/ ٤١٩، كتاب العدد، عدة من تبعض حيضها]ـ واللفظ له - أنه قال: أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين، ثم رفعتها حيضة، فإنها تنتظر تسعة أشهر، فإن بان بها حمل فذاك، وإلا اعتدت بعد التسعة ثلاثة أشهر ثم حلت.","vol":"1","page":1274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>سورة إبراهيم - ﵇ </span>-\n\nقال الله ﵎: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (^١).\nقال بعضهم: غدوةً وعشيةً (^٢).\nوقال آخرون: الحين ستة أشهر (^٣).\nوقال آخرون: كل عام (^٤).\nفمن قال غدوة وعشية فالآية لا تحتمله، ومن قال ستة أشهر، أراد منذ تُطْلِع (^٥) النخلة إلى أن تصرم - يريد تُجَدَ - ومن قال ذلك - أيضا - يريد منذ تجد النخل إلى أن تطلع (^٦).\n_________\n(^١) سورة إبراهيم (٢٥).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ٤٤٠) والبيهقي [١٠/ ٦١ كتاب الأيمان، باب ما جاء فيمن حلف ليقضين حقه إلى حين] عن ابن عباس ﵄.\nوأخرجه الطبري - أيضا - عن الضحاك، والربيع بن أنس.\n(^٣) أخرجه البيهقي [١٠/ ٦١ كتاب الأيمان، باب ما جاء فيمن حلف ليقضين حقه إلى حين] عن علي ابن أبي طالب - ﵁ -، وعكرمة.\nوأخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ٤٤١) عن ابن عباس ﵄.\nوأخرج ابن أبي شيبة [٣/ ١٠٠ كتاب الأيمان والنذور، الرجل يحلف لا يكلم الرجل حينا] والطبري في تفسيره (٧/ ٤٤٢) نحوه، عن عكرمة، وسعيد بن جبير.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٩٩ كتاب الأيمان والنذور، الرجل يحلف لا يكلم الرجل حينا] والطبري في تفسيره (٧/ ٤٤٣) عن ابن عباس ﵄، ومجاهد، وابن زيد.\nأخرجه مالك في المدونة (١/ ٥٩٢) والبيهقي [١٠/ ٦٢ كتاب الأيمان، باب ما جاء فيمن حلف ليقضين حقه إلى حين] عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن.\nوأخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ١٠٠ كتاب الأيمان والنذور، الرجل يحلف لا يكلم الرجل حينا] والطبري (٧/ ٤٤٢) عن حماد بن أبي سليمان، والحكم بن عتيبة.\n(^٥) طلع النخل: هو أول ما يبدو من ثمرته في أول ظهورها. ينظر: القاموس مادة: طلع.\n(^٦) يوضح هذا ما أخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ١٠٠ كتاب الأيمان والنذور، الرجل يحلف لا يكلم الرجل حينا] أن سعيد بن المسيب سئل عن رجل قال: إني حلفت أن لا تدخل امرأتي على أهلها حينا، فقال الحين ما بين أن يطلع النخل إلى أن يثمر، وما بين أن يثمر إلى أن يطلع فقال سعيد ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً﴾ إلى قوله: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾.","vol":"1","page":1275},{"text":"ومن قال: سنة؛ فهو القول الصحيح، وهو سنة زمانية شمسية، وإنما هو من الطلع إلى الطلع، أو من الأكل من التمر إلى الأكل، أو من الجداد إلى الجداد، فهذا معنى الآية، والله أعلم (^١).\n_________\n(^١) اختار المؤلف أن المراد بالحين سنة زمانية، متابعا في ذلك ما ذهب إليه الإمام مالك - رحمهما الله - في تقدير الحين بالسنة، قال في المدونة (٣/ ١١٧): \" قلت: أرأيت إن قال: والله لأقضينك حقك إلى حين، كم الحين عند مالك؟ قال: قال مالك: الحين سنة \"، والنظر في معنى الحين هنا يُبْتَنى على أمرين:\nالأول: الأصل اللغوي للفظ الحين، وقد قرر أهل اللغة أنه يستعمل في التعبير عن الزمن المطلق، سواء كان قليلا أو كثيرا، قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة، مادة حين: \" الحاء والياء والنون أصل واحد، ثم يحمل عليه، والأصل الزمان، فالحين الزمان قليله وكثيره .. \" أ. هـ.\nالثاني: السياق الذي ورد فيه لفظ الحين، فاللفظ وإن كان مطلقا، فإنه يتقيد بالسياق الذي ورد فيه، أو بما يضاف إليه، وهنا لفظ الحين جاء مبهما يحتمل أكثر من معنى، لكن سياقه يقيده، وهذا ما استظهره ابن جرير في اختياره لمعنى الحين قال ﵀ في تفسيره (٧/ ٤٤٣): \" وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عنى بالحين في هذا الموضع غدوة وعشية وكل ساعة؛ لأن الله تعالى ذكره ضرب ما تؤتي هذه الشجرة كل حين من الأكل؛ لعمل المؤمن وكلامه مثلا، ولا شك أن المؤمن يرفع له إلى الله في كل يوم صالح من العمل والقول، لا في كل سنة، أو في كل ستة أشهر أو في كل شهرين، فإذا كان ذلك كذلك؛ فلا شك أن المثل لا يكون خلافا للممثل به في المعنى، وإذا كان ذلك كذلك؛ كان بَيّنا صحة ما قلنا، فإن قال قائل: فأي نخلة تؤتي في كل وقت أكلا صيفا وشتاء، قيل: أما في الشتاء فإن الطلع من أكلها، وأما في الصيف؛ فالبلح والبسر والرطب والتمر، وذلك كله من أكلها \" أ. هـ","vol":"1","page":1276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>سورة الحجر </span>(^١)\n\nقال الله ﵎: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (^٢).\nأقسم الله ﷿ بحياة نبيه ﷺ وشَرّف، كذلك قال من فسرها (^٣)، وهو معناها في اللغة (^٤).\nوأما قوله سبحانه: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ فمعناه يترددون في حيرتهم.\nقال إسماعيل (^٥): العَمْر والعُمر واحد، والرجل إذا قال: لعمري فقد قال: وحياتي.\nوليس ينبغي للناس أن يقسموا إلا بالله ﷻ، فأما الرب ﵎ فإنه يقسم بما شاء، وليس يقسم إلا بما هو خلق من خلقه، وأجل ما أقسم به من خلقه عبده نبينا ﷺ وزاده شرفا.\n_________\n(^١) لوحة رقم [٢/ ٤٢].\n(^٢) سورة الحجر (٧٢).\n(^٣) ممن فسرها على نحو ما ذكر المؤلف ابن عباس ﵄، أخرجه الطبري (٧/ ٥٢٦).\n(^٤) ينظر: معاني القرآن للنحاس (٤/ ٣٣).\n(^٥) هو: ابن إسحاق القاضي، تقدم.","vol":"1","page":1277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>ومن سورة النحل</span>.\n\nقال الله جل وعلا: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ (^١).\nقال ابن عباس - ﵁ -: الرزق الحسن ما أحل من ثمرتها، والسكر ما حرم من ثمرتها (^٢)، وقاله سعيد بن جبير (^٣)، وإبراهيم (^٤)، والشعبي، وابن أبي ليلى (^٥)، وذكره إبراهيم عن عبد الله (^٦).\n_________\n(^١) سورة النحل (٦٧).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٥٧) والحاكم في المستدرك [٢/ ٣٨٧ كتاب التفسير، سورة النحل] والبيهقي [٨/ ٢٩٧ كتاب الأشربة، باب ما يحتج به من رخص المسكر] بنحوه.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ٦٠٨) والنسائي في الكبرى [٣/ ٢١٠ كتاب الأشربة، تأويل قوله ومن ثمرات النخيل ..] بنحوه.\n(^٤) هو النخعي، تقدم.\n(^٥) هو: عبد الرحمن بن أبي ليلى واسم أبيه يسار، الأوسي الأنصاري، أبو عيسى الكوفي، روى عن عثمان وعلي بن أبي طالب - ﵃ -، وروى عنه أبناؤه والشعبي ومجاهد بن جبر وغيرهم، ثقة أدرك كثيرا من الصحابة، مات بالجماجم سنة ٨٢ هـ، وقيل غير ذلك. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٤١٧) وتهذيب التهذيب (٣/ ٣٩٢).\n(^٦) هو: ابن مسعود - ﵁ -، تقدم.\nلم أجد لمن ذكرهم رواية نحو المروي عن ابن عباس - ﵁ - إلا ما روي عن سعيد بن جبير - كما تقدم - ويحتمل أن المؤلف ﵀ أراد رواية: (كل مسكر خمر) فقد رويت عن جميع من ذكرهم، حيث أخرجها ابن أبي شيبة [٥/ ٧٥ كتاب الأشربة، في السكر ما هو] والنسائي في الكبرى [٣/ ٢١٠ كتاب الأشربة، تأويل قوله ومن ثمرات النخيل ..] عن النخعي والشعبي.\nوأخرجها الطبري في تفسيره (٧/ ٦١١) عن أبي ليلى والنخعي.\nوأخرجها ابن أبي شيبة [٥/ ٧٥ كتاب الأشربة، في السكر ما هو] والبيهقي [٨/ ٢٩٨ كتاب الأشربة، باب ما يحتج به من رخص في المسكر ..] عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -.","vol":"1","page":1278},{"text":"وقال إبراهيم، والشعبي، وأبو رَزِين (^١): السكر خمر (^٢).\nوقال عكرمة: السكر الحرام، والرزق الحسن الحلال (^٣).\nوقال الحسن وجماعة: السكر الخمر قبل أن تحرم، وقالوا هي منسوخة وسورة النحل مكية (^٤).\nولنا في هذه الآية وصف ما كان القوم يفعلون، ثم لما وقع التحريم عُلِم بهذه الآية أن الخمر من هاتين الشجرتين، وقد شرحنا ذلك في كتاب الأشربة (^٥).\nقال الله ﵎: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ الآيتان (^٦).\nقال ابن عباس قوله عز من قائل ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٧) قال: عثمان بن عفان - ﵁ - (^٨).\n_________\n(^١) هو: مسعود بن مالك الأسدي، مولى أبي وائل الأسدي، أبو رزين الكوفي، روى عن علي بن أبى طالب ومعاذ بن جبل - ﵃ -، وروى عنه عطاء والأعمش، ثقة عالم، كان مع علي بن أبي طالب يوم صفين، توفي نحو ٨٥ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٤٥٢) وتهذيب التهذيب (٥/ ٤٠١).\n(^٢) تقدم في الصفحة السابقة تخريج قول النخعي والشعبي، وأما قول أبي رزين فقد أخرجه النسائي [٦/ ٦٩٢ كتاب الأشربة، تأويل قوله: ومن ثمرات النخيل ..] والطبري (٧/ ٦١١).\n(^٣) لم أجد هذه الرواية عنه، ولم أر من نسبها إليه فيما وقفت عليه، وهي بمعنى قول ابن عباس الذي صدر به تفسير الآية.\n(^٤) قول الحسن أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ٦٠٩).\nوممن قال به سوى الحسن، مجاهد والنخعي والشعبي، أخرجه عنهم الطبري في تفسيره (٧/ ٦٠٩) والبيهقي [٨/ ٢٩٧ كتاب الأشربة، باب ما يحتج به من رخص في المسكر ..].\n(^٥) أحد كتب المؤلف المفقودة، ينظر: قسم الدراسة الفصل الأول ص: ٧٢.\n(^٦) سورة النحل (٧٥).\n(^٧) سورة النحل (٧٦).\n(^٨) أخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٣٦١ كتاب الفضائل، ما ذكر في فضل عثمان] والطبري (٧/ ٦٢٤).","vol":"1","page":1279},{"text":"وتكلم المفسرون فيها؛ فقال بعضهم: الله ﵎ الآمر بالعدل (^١).\nوقال بعضهم: الأبكم الصنم (^٢).\nوالصحيح ما قاله ابن عباس - ﵁ -: أن هذه الآية نزلت في عبد بعينه وسيده، وأن العبد لم يكن له مال، وأن سيده كان له مال ينفق منه، وأن الآية الأخرى (^٣) نزلت في رجل بعينه لم يكن له مال، وكان كلّا على مولاه، والمولى في هذا الموضع: الولي من أخ أو ابن عم (^٤).\nوقد تأول قوم بهذه الآية: أن الطلاق - إذا تزوج العبد - بيد السيد، وأن بيع الأمة طلاقها (^٥)، وهذا خطأ كبير؛ لأنه لو كان كذلك لكانت\nبَرِيْرَة (^٦) قد بانت من مُغيث (^٧) حين بيعت، فلما خُيرِّت بعد العِتق (^٨)، عُلِم أنه لم يكن البيع طلاقا، وأنه ليس بيد السيد من ذلك شيء.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري (٧/ ٦٢٣) عن: قتادة، ومجاهد.\n(^٢) هو قول الحسن، أورده في الدر المنثور (٥/ ١٥١) وعزاه إلى ابن مردويه.\n(^٣) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ ...﴾ الآية: ٧٦ من سورة النحل.\n(^٤) وقد أورد عليه الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٧) ما نصه: \" هذا خطأ؛ لأن ابن العم لا تلزمه نفقة ابن عمه، ولا أن يكون كلا عليه، وليس له توجيهه في أموره، فلما ذكر الله تعالى هذين المعنيين للأبكم، علمنا أنه لم يرد به الحر الذي له ابن عم، وأنه أراد عبدا مملوكا أبكم، وعلى أنه لا معنى لذكر ابن العم ههنا؛ لأن الأب والأخ والعم أقرب إليه من ابن العم وأولى به، فحمله على ابن العم يزيل فائدته، وأيضا فإن المولى إذا أطلق يقتضي مولى الرق أو مولى النعمة، ولا يصرف إلى ابن العم إلا بدلالة \".\n(^٥) هو قول ابن مسعود والحسن ومجاهد وعكرمة - ﵃ -، أخرجه عنهم عبد الرزاق [٧/ ٢٨٠ كتاب الطلاق، باب الأمة تباع ولها زوج] وابن أبي شيبة [٤/ ١٠٢ كتاب الطلاق، في الرجل يزوج عبده أمته ثم يبيعها] وهو قول أبي بن كعب وجابر بن عبد الله، أخرجه عبد الرزاق - الإحالة السابقة ـ.\nوخالفهم الأئمة الأربعة. ينظر: الاستذكار (٥/ ٤٨٩) وبداية المجتهد (٢/ ٣٦).\n(^٦) هي: بريرة مولاة عائشة، قيل: كانت مولاة لقوم من الأنصار، وقيل: لغيرهم، فكاتبوها ثم باعوها، فاشترتها عائشة، وجاء الحديث في شأنها بان الولاء لمن أعتق، عاشت إلى زمن يزيد بن معاوية. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٣٧٧) والإصابة (٨/ ٥٠).\n(^٧) هو: مغيث زوج بريرة، وهو مولى أبي أحمد بن جحش الأسدي، ولما اختارت فراقه، تبعتها نفسه فكان يمشي في طرق المدينة وهو يبكي، واستشفع إليها برسول الله - ﷺ - فقالت: أتأمر؟ قال: لا بل أشفع، قالت: لا أريده. ينظر: الإصابة (٦/ ١٥٤).\n(^٨) خبر بريرة أخرجه البخاري [١٤٢٠ كتاب الفرائض، باب إذا أسلم على يديه ..] ومسلم [٢/ ٩٢٣ كتاب العتق].","vol":"1","page":1280},{"text":"وقد تعلق العراقي بهذه الآية وكذلك الشافعي (^١) في العبد لا يملك، ولو تأملوا ما قرؤوا لأغنوا عن التعب بهم، هاتان الآيتان نزلتا مع غيرهما ضربَ أمثالٍ للربوبية، ألا تراه قال - عز من قائل ـ: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٢) ثم قال سبحانه: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ (^٣) أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٤) وهذه الأمثال ضربها الله ﵎ لنفسه - جل وعز - فأنتم لا يستوي بعضكم ببعض، فكيف تسوون بي خلقا من خلقي، ثم قال عز من قائل: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ (^٥) فإذا كنت أنت وعبدك لا تستويان، والصحيح والأبكم لا يستويان، فكيف جل الله وعز.\nوليس لهم حجة في ذكر العبد إلا وعليهم مثله في الأبكم، والأبكم عندهم يملك ماله، وملك العبد فيه آيات محكمات ضلوا عن معرفتها، قال الله ﷿: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٦) وقال النبي - ﷺ - لرجل شكى إليه الفقر: (تزوج) (^٧) فقد بين الله ﵎ أن العبد والأمة قد يغنيهما كما يغني الأيامى منا، وقال سبحانه: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (^٨) ولو لم يَكُنَّ المالكات لما أمر بدفع ما يملكه سواهن إليهن، والحجة في هذه المسألة تكثر ولها موضعها إن شاء الله ﷿.\nقال الله ﷿: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (^٩).\nمعنى هذه الآية: إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ، وهي مثل قوله: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا﴾ (^١٠) وإنما هو إذا أردتم أن تناجوا الرسول فقدموا.\nوالتعوذ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وما قام هذا المقام.\n_________\n(^١) ينظر: الأم (٤/ ٧٧) وأحكام القرآن للجصاص (٥/ ٦).\n(^٢) سورة النحل (٧٣، ٧٤).\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ١٥].\n(^٤) سورة الروم (٢٨).\n(^٥) سورة النحل (٧٥).\n(^٦) سورة النور (٣٢).\n(^٧) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (١/ ٣٦٥)، بنحوه.\n(^٨) سورة النساء (٢٥).\n(^٩) سورة النحل (٩٨).\n(^١٠) سورة المجادلة (١٢).","vol":"1","page":1281},{"text":"قال الله ﷿: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (^١)\nقال عكرمة: إنها أنزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يمكنهم الخروج، فلما كان يوم بدر أخرجهم المشركون معهم كرها فقتلوا، وتلا: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (^٢) وقال: طريقا إلى المدينة ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ (^٣) إلى آخر الآية فعذرهم الله، فكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى إخوانهم الذين بمكة يخبرونهم بما نزل فيهم، فلما جاءهم الكتاب خرج ناس كانوا أقروا بالإسلام، وطلبهم المشركون فأدركوهم، فرجعوا وأعطوهم الفتنة قولا دون الاعتقاد، فأنزل الله ﵎ فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ (^٤) وأنزل فيهم: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (^٥) وأنزل فيهم: ﴿ثُمَّ إِن رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِن رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٦) فسمع ذلك رجل من بَكْر (^٧) كان مريضا فقال: لأهله أخرجوني إلى الرَّوْح (^٨) يريد المدينة، فأخرجوه فمات قبل الليل،\n_________\n(^١) سورة النحل (١٠٦).\n(^٢) سورة النساء (٩٨).\n(^٣) سورة النساء (٩٩).\n(^٤) سورة العنكبوت (١٠).\n(^٥) سورة النحل (١٠٦).\n(^٦) سورة النحل (١١٠).\n(^٧) جاء مصرحا باسمه في رواية الطبري (٤/ ٢٤١) عن عكرمة أنه جندب بن ضمرة الجُنْدَعي، وقد اختلف في اسمه واسم أبيه فقيل ضمرة بن أبي العيص، وقيل جندب أو جندع بن ضمرة. وقيل غير ذلك، وقد جزم ابن حجر أنه ضمرة بن أبي العيص الليثي. ينظر: الإصابة (١/ ٦١٨) و(٣/ ٣٩٩)، ويشهد له ما جاء في رواية أبي يعلى (٥/ ٨١) والطبراني في الكبير (١١/ ٢٧٢) عن ابن عباس، وفيه النص على أنه ضمرة بن أبي العيص.\n(^٨) قال في لسان العرب، مادة: روح: \" الروح الاستراحة من غم القلب، وقال أبو عمرو: الروح الفرح .. \" وقد احتال هذا الصحابي - ﵁ - بطلب الروح حتى يصل المدينة، يدل على ذلك ما رواه الطبري (٤/ ٢٤٣) عن السدي قال: لما سمع بهذه الآية ... ضمرة بن جندب الضمري قال لأهله وكان وجعا: أرحلوا راحلتي فإن الأخشبين قد غماني - يعني جبلي مكة - لعلي أن أخرج فيصيبني رَوْح، فقعد على راحلته ثم توجه نحو المدينة، فمات بالطريق فأنزل الله ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ﴾ الآية، وأما حين توجه إلى المدينة فإنه قال: اللهم مهاجر إليك وإلى رسولك.","vol":"1","page":1282},{"text":"فأنزل الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ (^١) الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (^٢) ثم إن قوما خرجوا فلم يدركهم أبو سفيان (^٣)، فأنزل الله ﵎ فيهم: ﴿ثُمَّ إِن رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٤).\nوقال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر، وبلال (^٥)، وخباب (^٦)، وصهيب (^٧)، وعمار (^٨)، وسمية أم عمار (^٩)، فأما رسول الله - ﷺ - فمنعه أبو\n_________\n(^١) لوحة رقم [٢/ ١٦].\n(^٢) سورة النساء (١٠٠).\n(^٣) هو: صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو سفيان والد معاوية ﵄، كان قائد المشركين يوم أحد، ورئيس الأحزاب يوم الخندق، أسلم زمن الفتح وشهد حنينا والطائف، روى عنه ابنه معاوية وابن عباس، توفي سنة ٣٢ هـ. ينظر: الاستيعاب (١٢١١) والإصابة (٣/ ٣٣٢).\n(^٤) سورة النحل (١١٠).\nأخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٢٣٦) والبيهقي [٩/ ١٤ كتاب السير، باب ما جاء في عذر المستضعفين]، بنحوه دون خبر الرجل من بني بكر.\nوأما خبر الرجل من بني بكر فقد أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٢٤٣) وأبو يعلى (٥/ ٨١) والطبراني في الكبير (١١/ ٢٧٢).\n(^٥) بلال بن أبي رباح مؤذن رسول - ﷺ - مولى أبي بكر ويكنى أبا عبد الله، كان مولى لبني أمية، فلما أسلم عذبوه حتى اشتراه أبو بكر - ﵁ - وأعتقه، شهد مع النبي - ﷺ - المشاهد كلها، توفي بالشام سنة ٢٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ١٢٣) والإصابة (١/ ٤٥٥).\n(^٦) هو: خباب بن الأرتّ بن جندلة بن سعد التميمي، أبو عبد الله، من السابقين الأولين، وعذب على إسلامه عذابا شديدا، شهد المشاهد كلها، ونزل الكوفة ومات بها سنة ٣٧ هـ. ينظر طبقات ابن سعد (٣/ ٨٧) والإصابة (٢/ ٢٢١).\n(^٧) هو: صهيب بن سنان أبو يحي وقيل أبو غسان النمري، المعروف بالرومي أصله من بني سعد بن أسلم بن أوس بن مناة، وقع في سبي الروم لما أغاروا على أرضهم، ثم اشتراه ابن جدعان فأعتقه، أسلم قديما وهاجر، وشهد بدرا والمشاهد كلها، مات بالمدينة سنة ٣٨ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ١٢٠) والإصابة (٣/ ٣٦٥).\n(^٨) هو: عمار بن ياسر بن عامر بن مالك، أبو اليقظان حليف بني مخزوم، من السابقين الأولين هو وأبوه، وكانوا ممن عذبوا في الله، شهد المشاهد، استعمله عمر على الكوفة، وتواترت عن النبي - ﷺ - أن عمارا تقتله الفئة الباغية، وأجمعوا على أنه قتل مع علي بصفين سنة ٣٧ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ١٣١) والإصابة (٤/ ٤٧٣).\n(^٩) هي: سمية بنت خُبّاط، وقيل خياط، مولاة أبي حذيفة بن المغيرة، وهي أم عمار بن ياسر، أسلمت قديما وكانت ممن يَعذّبُ في الله، فصبرت حتى طعنها أبو جهل بحربة فماتت، وهي أول شهيد في الإسلام وكانت عجوزا كبيرة ضعيفة ﵂. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٣٨١) الإصابة (٨/ ١٨٩).","vol":"1","page":1283},{"text":"طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأُخذ الآخرون فألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس، فبلغ منهم الجهد ما شاء الله أن يبلغ من حر الحديد والشمس، فلما كان من العشي أتاهم أبو جهل (^١) ومعه حربة فجعل يشتمهم ويوبخهم، ثم أتى سمية فطعن بالحربة في فرجها فقتلها، فهي أول شهيد استشهد في الإسلام، قال: وقال الآخرون ما سألوهم (^٢)، وقال في غير هذه الرواية: إلا بلال، فإنه هانت عليه نفسه، وجعلوا يعذبونه ويقول: أحد أحد، حتى مَلّوه، ثم كتفوه وجعلوا في عنقه حبلا من ليف ودفعوه إلى صبيانهم، فجعلوا يلعبون به بين أخشبي مكة (^٣) حتى مَلّوه وتركوه (^٤).\n_________\n(^١) هو: عمر بن هشام وقيل: هاشم بن المغيرة المخزومي، كان يلقب أبا الحكم لرجاحة عقله، ثم لقبه النبي - ﷺ - أبا جهل، وسماه فرعون هذه الأمة، كان من أشد الكفار عداوة وإيذاء للمستضعفين، ضربه يوم بدر معاذ ومعوذ ابنا عفراء ثم أجهز عليه ابن مسعود - ﵃ -. ينظر: البداية والنهاية (٣/ ٥٥).\n(^٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣/ ١٢٤).\n(^٣) أخشبا مكة: جبلان يضافان تارة إلى مكة وتارة إلى منى، أحدهما أبو قبيس، والآخر قعيقعان، ويقال بل هما أبو قبيس والجبل الأحمر المشرف هنالك، وقيل غير ذلك. ينظر: معجم البلدان (١/ ١٢٢) ومعحم ما استعجم (١/ ١٢٤).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ١٢ كتاب التاريخ] بنحوه.\nوقد أخرج ابن حبان [١٥/ ٥٥٨ كتاب أخبار النبي - ﷺ -، ذكر بلال بن رباح المؤذن - ﵁ -] وغيره عن ابن مسعود نحوه.","vol":"1","page":1284},{"text":"فقال عمار: كلنا تكلم بالذي قالوا له، فلولا أن الله ﵎ تداركنا غير بلال، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه حتى ملوه فتركوه (^١)، فقيل: نزلت هذه الآية في هؤلاء، وقيل: في أمثالهم، وكل ذلك سواء، وقد رأى النبي - ﷺ - عمارا يبكي من قِيْلِه فطيب نفسه وقال: (إن عادوا فعد) (^٢).\nوهذه الآية تدل على أنه ما أُكره الإنسان عليه من قول، فلم يقله عن اعتقاد فلا شيء عليه.\nفأما أن يُكْره على أن يَقتل أو يَزني أو ما أشبه ذلك من ظلم الإنسان، فلا يجوز له استعمال التقية في ذلك (^٣)، والله أعلم.\nقال الله ﷿: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ\nوَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) قول عمار - ﵁ - الذي ذكره المؤلف ﵀ لم أجده، وهو في معنى ما روي عن مجاهد وابن مسعود، وقد تقدم تخريجهما في الهامش قبله.\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ٦٥١) والبيهقي [٨/ ٢٠٨ كتاب المرتد، باب المكره على الردة] نحوه، قال ابن حجر في الفتح (١٢/ ٣٢٧): \" وهو مرسل ورجاله ثقات\".\n(^٣) ذكر المؤلف ﵀ صورتين للعذر بالإكراه، الأولى: القتل، ولا خلاف بين أهل العلم أنه لا يجوز للمرء أن يقتل غيره استبقاء لنفسه.\nوالثانية: الإكراه على الزنا، وقد اختلف فيه: فذهب ابن الماجشون إلى عدم الجواز وألزمه الحد، وتبعه المؤلف هنا، وصحح ابن العربي جواز ذلك، وسبب الخلاف: أن مَن لم يعذر بالإكراه في الزنا، نظر إلى أن فعل الزنا صادر عن شهوة خَلْقِية، لا يتصور فيها الإكراه، ومن عذر به نظر إلى السبب الذي حمله على الزنا وهو الإكراه. ينظر: أحكام القرآن (٣/ ١٦٠) وفتح الباري (١٣/ ٢٧٦).\n(^٤) سورة النحل (١٢٦).","vol":"1","page":1285},{"text":"قال إسماعيل (^١): نا حجاج (^٢)، قال: نا صالح المزني\n(^٣)، عن سليمان التَيْمي (^٤)، عن أبي عثمان النَهْدِي (^٥)، عن أبي هريرة\nأن رسول الله ﷺ وقف على\nحمزة (^٦) حين استشهد فنظر إليه، فنظر إلى منظر لم ينظر إلى شيء قط أوجع لقلبه منه، ونظر إليه قد مثل به فقال: (رحمة الله عليك، فإنك كنت ما علمتُ وصولا للرحم فعولا للخيرات، ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواج شتى، أما والله مع ذلك لأمثلن بسبعين منهم مكانك) قال فنزل جبريل والنبي - ﷺ - واقف معه بخواتيم سورة النحل قال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ قال: فصبر النبي - ﷺ - وكفر عن يمينه وأمسك عما أراد من ذلك (^٧).\nوقال عبد الرحمن بن زيد (^٨) عن أبيه قال: أمر الله ﵎ رسوله - ﷺ - وأهل الإسلام أن يعفوا ويعرضوا (^٩) عن أهل الشرك مدة مقامهم بمكة، في آيّ كثير، ذكرنا منها قوله سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (^١٠)\n_________\n(^١) هو: ابن إسحاق القاضي، تقدم.\n(^٢) هو: حجاج بن الِمْنَهال الأنماطي أبو محمد السُلمي، وقيل: البُرْسَاني، مولاهم البصري، روى عن جرير بن حازم والحمادين، وروى عنه الدارمي وإسماعيل بن إسحاق، قال أبو حاتم ثقة فاضل. توفي سنة ٢١٦ هـ. ينظر: الكاشف (١/ ١٤٩) وتهذيب التهذيب (١/ ٥٠٨).\n(^٣) كذا في الأصل المزني وهو تحريف، والصواب المُرِّي، وقد جاء على الصواب عند الحاكم (٣/ ٢١٨) والطبراني في الكبير (٣/ ١٤٣).\nوهو: صالح بن بشير بن وادع بن أبي الأَقْعَس، أبو بشْر البصري القاص المعروف بالمري، قال فيه ابن عدي: رجل قاص حسن الصوت، وعامة أحاديثه منكرات تنكرها الأئمة عليه، توفي بالبصرة سنة ١٧٢ هـ. ينظر: الكاشف (٢/ ١٧) وتهذيب التهذيب (٢/ ٥٢٠).\n(^٤) هو: سليمان بن طَرْخان التيمي أبو المعتمر البصري، ولم يكن من بني تيم وإنما نزل فيهم، روى عن أنس بن مالك وأبي عثمان النهدي، وروى عنه شعبة والسفيانان، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، توفي بالبصرة سنة ١٤٣ هـ. ينظر: الكاشف (١/ ٣٦١) وتهذيب التهذيب (٢/ ٤٠٩).\n(^٥) هو: عبد الرحمن بن مُل بن عمرو بن سعد بن خزيمة بن كعب بن نهد، أبو عثمان النهدي، أدرك الجاهلية وأسلم على عهد رسول الله - ﷺ - ولم يلقه، كان ثقة فاضلا، سكن الكوفة ثم البصرة وتوفي بها سنة ١٠٠ هـ. ينظر: الكاشف (٢/ ١٦٥) وتهذيب التهذيب (٣/ ٤٠٢).\n(^٦) هو: حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، أبو عمارة عم النبي - ﷺ - وأخوه من الرضاعة، أسلم في السنة الثانية من البعثة، قتل يوم أحد على يد وحشي، لقبه النبي - ﷺ - أسد الله وسيد الشهداء. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٦) الإصابة (٢/ ١٠٥).\n(^٧) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ١٨٣) والحاكم [٣/ ٢١٨ كتاب معرفة الصحابة، ذكر إسلام حمزة] من طريق صالح المري، قال الذهبي في التلخيص: صالح واه، وذكر ابن حزم في المحلى (١٠/ ٣٧٧) أنه أسنده من طريق إسماعيل بن إسحاق به، ثم حكم بضعفه.\nويشهد على أنها نزلت في شأن قتلى أحد ما أخرج أحمد (٥/ ١٣٥) والترمذي [٥/ ٨٨ كتاب التفسير، باب ومن سورة النحل] وحسنه، وابن حبان [٢/ ٢٣٩ كتاب البر والصلة، ذكر الإخبار عما يجب على المرء من استعمال العفو وترك المجازاة على الشر بالشر] والحاكم [٢/ ٢٩١ كتاب التفسير] وصححه، من حديث أبي بن كعب، وفيه: قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وسبعون، ومنهم ستة فيهم حمزة، فمثلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما لنربين عليهم، فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾.\n(^٨) هو: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي مولاهم المدني، روى عن أبيه وابن المنكدر، وروى عنه ابن وهب وعبد الرزاق، له مؤلف في التفسير والناسخ والمنسوخ، قال أبو حاتم: كان في نفسه صالحا وفي الحديث واهيا، توفي ١٨٢ هـ بالمدينة. ينظر: التهذيب (٣/ ٣٤٤) وطبقات المفسرين للداودي (١/ ٢٧١).\n(^٩) لوحة رقم [٢/ ١٧].\n(^١٠) سورة الجاثية (١٤).","vol":"1","page":1286},{"text":"وقال: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (^١) وقال سبحانه: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (^٢) وقال تبارك اسمه: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (^٣) وقال ﷿: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ (^٤) و﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (^٥) وقال ﵎: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ (^٦).\nقال القاضي: فأمر الله ﷿ رسوله - ﷺ - بهذا وأمثاله في تلك السنين، فأسلم فيها رجال ونساء لهم ثروة ومنعة، فقالوا: يا رسول الله لو أذن الله ﵎ لنا انتصرنا من هؤلاء المشركين؛ فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (^٧) ثم أمر رسول الله - ﷺ - بالصبر، يقول: واصبر أنت يا محمد فلا تكن ممن ينتصر، ثم قال له: ﴿وَدَعْ صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (^٨) فأمره بالعفو والمغفرة قبل الانتصار، وقال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (^٩) ثم قال سبحانه: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (^١٠) ثم قال - عز من قائل ـ: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (^١١) وقال ﷿: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (^١٢) فلما قدم رسوله - ﷺ - المدينة أذن له في قتال المشركين وجهادهم والغلظة عليهم.\nوهذه السورة كلها مكية، وقد يجوز أن تكون هذه الآية وحدها نزلت في حمزة ﵀ وسائر قتلى أحد ﵏ ويجوز أن تكون على ما ذكر زيد بن أسلم، إذ كانت مكية، ويكون الله ﵎ أذكر بها نبيه - ﷺ - في قصة أحد، ولولا أن الإسناد فيه ما هو معلوم؛ لكانت رواية أبي هريرة أولى، ولكن كل ما خاطب الله ﵎ به نبيه - ﷺ - من هذه الآيات فمكي، فقد قال له بمكة: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (^١٣) في آي كثير من هذا الجنس لم يذكرها زيد.\nوالأقوى في هذا عندي: أن الله ﷿ لا يأمر في المشركين ألا يعاقب بمثل ما عوقب به، ويأمر بالصبر عنهم، وقد أمره بقتالهم وقتلهم حيثما وجدوا والغلظة عليهم، ومهما كان من ذلك فليس نصا فيما يحتاج المسلمون إليه من أحكامهم؛ من القصاص، والديات، والعفو لمن أراده ورغب في ثوابه، والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة الحجر (٩٤).\n(^٢) سورة الأعراف (١٩٩).\n(^٣) سورة النجم (٢٩).\n(^٤) سورة الذاريات (٥٤).\n(^٥) سورة الزخرف (٨٩).\nقرأ نافع وابن عامر قوله تعالى: (تعلمون) بتاء الخطاب، وبها رسمت في الأصل على ما أُثبت هنا، وقرأ الباقون بياء الغيبة. ينظر: التيسير للداني ص (١٩٧).\n(^٦) سورة المزمل (١٠).\nوهذا الأثر عن زيد بن أسلم قد أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ٦٦٥) نحوه، مختصرا.\n(^٧) سورة النحل (١٢٦).\n(^٨) سورة النحل (١٢٧).\n(^٩) سورة الشورى (٣٩ - ٤٠).\n(^١٠) سورة الشورى (٤٠).\n(^١١) سورة الشورى (٤١ - ٤٢).\n(^١٢) سورة الشورى (٤٣).\n(^١٣) سورة الأنفال (٣٠).","vol":"1","page":1287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>سورة بني إسرائيل </span>(^١).\n\nقال الله ﵎: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (^٢).\nحدثنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأدفوي قال: أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءة عليه في منزله بمصر، عام إحدى (^٣) وأربعين وثلاثمائة وأنا أسمع قيل: قلت رضي الله عنك قرئ: (أَمَّرْنا) (^٤) ومعناه أظهرنا (^٥).\nوقرئ: (أَمَرْنا) (^٦) من الأمر.\nوقرئ (^٧) (آمَرْنا) (^٨) جعلنا فيها رؤساء وأكثرنا مستكبريها.\nوكل قراءة من هذه فعن القراء والتابعين.\nفأما من قرأ: (أَمَرْنا) من الأمر فإنه فسرها: أمرناهم بالطاعة ففسقوا فيها، وهي التي عليها أكثر القراء، وهي أمرنا خفيفة، ويحتمل أمرنا بالطاعة فعصوا، ويحتمل - أيضًا - أكثرنا.\nقال أبو عمر الجَرْمي (^٩): هذا باب ما يجتمع فيه فعلت وأفعلت.\n_________\n(^١) أحد الأسماء المشهورة لسورة الإسراء، ينظر: الإتقان في علوم القرآن (١/ ١٧٣).\n(^٢) سورة الإسراء (١٦).\n(^٣) كذا في الأصل، ومقتضى قواعد النحو: واحد وأربعين.\n(^٤) قرأ بها ابن عباس وأبو عثمان النهدي والسدي وزيد بن علي وأبو العالية، وهي قراءة شاذة. ينظر: المحتسب (٢/ ١٣٤) والبحر المحيط (٦/ ١٧).\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (٨/ ٥٢) عن ابن عباس وأنس وأبي العالية ما هو في معناه.\n(^٦) قرأ بها: جميع القراء العشرة عدا يعقوب الحضرمي. ينظر: النشر في القراءات العشر (٢/ ٣٠١).\n(^٧) لوحة رقم [٢/ ١٧٦].\n(^٨) قرأ بها: يعقوب الحضرمي أحد القراء العشرة. ينظر: النشر في القراءات العشر (٢/ ٣٠١).\n(^٩) هو: صالح بن إسحاق أبو عمر الجرمي النحوي صاحب الكتاب المختصر في النحو، مولى بجيلة بن أنمار، جمع مع العلم حسن الاعتقاد، كان عالما باللغة حافظا لها، قال المبرد: كان الجرمي أثبت القوم في كتاب سيبويه. توفي ببغداد سنة ٢٢٥ هـ. ينظر: تاريخ بغداد (٩/ ٣١٣) والوافي بالوفيات (٤/ ١٤٤).","vol":"1","page":1288},{"text":"وقال أبو زيد يونس (^١) ورواه عن العرب، وقرأ به الأصمعي (^٢)، وقال: نضّر الله وجهه وأنضر الله وجهك. ويقال: سلكته وأسلكته، وتقول العرب: أَمِرَ ماله إذا كثر، وهو مال آمِرٌ، ويقولون: أَمَرَ الله بأَمْرِه أَمْرا يريدون أكثره.\nقال أبو عبيدة (^٣): وهو مال مَأْمُور أي كثير، وتقول العرب: خير المال نخلة مَأْبُورة، أو مُهْرَة مَأْمُورة (^٤).\nقال أبو عمرو بن العلاء (^٥): مُهْرَة مَأْمُورة كثيرة النسل، وقال: تقول العرب: هذا مال مُؤَمَر.\n_________\n(^١) لم أعرفه، ويحتمل أن يكون: أبو زيد سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري، توفي سنة ٢١٥، ومما يقوي أن يكون هو المراد أن الذين ترجموا له ذكروا أن له كتابًا اسمه: فعلت وأفعلت، والإشكال أن اسمه سعيد وليس يونس. ينظر: معجم الأدباء (٣/ ٣٧٥) ووفيات الأعيان (٣/ ٤٤٠).\n(^٢) هو: عبد الملك بن قريب الباهلي، أبو سعيد الأصمعي، إمام في القراءة واللغة والأخبار، أثنى عليه الإمام أحمد في السنة، وقال عنه الشافعي: ما عبر أحد عن العرب بمثل عبارة الأصمعي، توفي بالبصرة سنة ٢١٦ هـ. ينظر: طبقات القراء (١/ ٣٦٠) وسير أعلام النبلاء (١٠/ ١٧٥).\n(^٣) هو: مَعْمَر بن المثنى التيمي مولاهم، أبو عبيدة البصري، إمام في النحو وأيام الناس، له تصانيف بديعة، منها: مجاز القرآن وغريب الحديث، قال ابن المديني: كان لا يروي عن العرب إلا الشيء الصحيح. توفي بالبصرة سنة ٢٠٩ هـ. ينظر: طبقات المفسرين (٢/ ٣٢٦) وسير أعلام النبلاء (٩/ ٤٤٥).\n(^٤) قوله: خير المال ...، هو حديث أخرجه البيهقي [١٠/ ٦٤ كتاب الأيمان، باب من حلف ما له مال ..] وأحمد (٣/ ٤٦٨) لكن قال: سكة بدل نخلة، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٥٨): \" ورجال أحمد ثقات \".\nقال أبو عبيد في غريب الحديث (١/ ٣٥٠): \" المأبور الزرع والنخل الذي قد لقح، فأما الفرس أو المهرة المأمورة فإنها الكثيرة النتاج\".\n(^٥) هو: أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان التميمي، اختلف في اسمه فقيل: زبان وقيل: العريان، أحد الأئمة القراء السبعة، قال أبو عبيدة: كان أبو عمرو أعلم الناس بالقرآن والعربية والعرب وأيامها والشعر، توفي بالبصرة سنة ١٥٤ هـ ينظر: معرفة القراء (١/ ١٠٠) ووفيات الأعيان (٣/ ٤٦٦).","vol":"1","page":1289},{"text":"وإذا لم يكن في المصحف إلا ألف واحدة كانت القراءة الموافقة لها أولى (^١) وهي أيضا أصح في المعنى (^٢) فيكون أَمَرْنا خفيفة، فإن كانت أمرناهم بالطاعة فذاك، وإن كانت على ما تعرفه العرب بلسانها كثرنا فحسن أيضا؛ لأنه ليس يكاد يهلك الناس إلا بفساد عامتهم؛ لأن النبي - ﷺ - قيل له: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم، إذا كثر الخبث) (^٣).\nقال الله ﷿: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ (^٤)\nقرأها أهل الحجاز وأهل العراق: (من الذُل) بالضم، وكسر\nقوم (^٥)، وجميعا لغتان في القرآن، قال الله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ (^٦) وقال: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) الظاهر أن القراءات الثلاث كلها موافقة لرسم المصحف، وإنما الاختلاف من حيث الضبط، وقد سبق أن ثنتان منها متواترة، وهما (أَمَرْنا) و(آمَرْنا) والثالثة شاذة وهي: (أَمَّرْنا).\n(^٢) ينظر في معنى (أمرنا): تفسير البحر المحيط (٦/ ١٧) ومفردات الراغب (٢٠) وغريب الحديث للحربي (١/ ٨٦).\n(^٣) أخرجه البخاري [٦٨٣ كتاب الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج] ومسلم [٤/ ١٧٤٩ كتاب الفتن وأشراط الساعة].\n(^٤) سورة الإسراء (٢٣/ ٢٤).\n(^٥) أما قراءة الضم فهي قراءة الأئمة العشرة، وأما قراءة الكسر فقد قرأ بها ابن عباس وعروة بن جبير والجحدري وابن وثاب، وهي قراءة شاذة. ينظر: شواذ الكرماني (...) وإعراب القراءات الشواذ للعكبري (...) والمحتسب (...) ومفتاح الكنوز للقباقبي (...) والبحر المحيط (٦/ ٢٦) ..\n(^٦) سورة البقرة (٦١).\n(^٧) سورة الشورى (٤٥).","vol":"1","page":1290},{"text":"وقال المفسرون أقاويل ترجع بالمعاني إلى شيء واحد، فمنهم من قال: إذا بلغا من الكبر ما يرجعا به إلى أرذل العمر، فوليت منهما ما كان يليانه منك (^١).\nومنهم من قال: لا تخالفهما في شيء يريدانه (^٢)، وما أشبه ذلك.\nوالذي يجب لهما عليه الطاعة فيما لم يدخله معصية لله، وألا يعصيهما ولا ينهرهما وإن أخطآ، ولا يرفع صوته عليهما، ويحسن برهما وخدمتهما حسب ما خدماه في صغره، ويجتهد في الزيادة على ذلك.\nقال الله ﷿: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (^٣).\nالتبذير إنفاق المال في غير رضى الله، ولا فيما يلزم الإنسان في نفسه وأهله وما يَعْرُوه (^٤)، فإذا أنفقه في غير ذلك صار في معاصي الله، ألا تراه قال: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (^٥) فلا ينبغي لأحد أن ينفق ما أعطاه الله إلا فيما لا يسخطه. نسأل الله التوفيق برحمته.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٥٤١٠) عن مجاهد بنحوه.\n(^٢) أخرج الطبري في تفسيره (٨/ ٦١) من قول عمر بن الخطاب - ﵁ - بنحوه.\nوأخرجه البخاري في الأدب المفرد (١/ ١٧) والطبري في تفسيره (٨/ ٦١) عن عروة بن الزبير بنحوه.\n(^٣) سورة الإسراء (٢٦).\n(^٤) أي: ما ينوبه وينزل به من حاجة ونحوها. ينظر: لسان العرب، مادة: عرى.\n(^٥) سورة الإسراء (٢٧).","vol":"1","page":1291},{"text":"قال الله ﷿: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا (^١) مَيْسُورًا﴾ (^٢).\nمعناها: إذا أتاك السائل وليس يمكنك إعطاؤه، فلا تعرض عنه وتجفوه، ولكن قل: يأتي الله برزق ونواسك، وقولًا حسنًا لينًا سهلًا.\nوهذه الآية ليست في الوالدين، إنما هي فيمن جاء يسأل من أقارب أو ضعفاء، أُمر أن يردهم ردا يرجونه بعده، هذه معاني ما قاله مفسروها (^٣).\nقال الله ﵎: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (^٤).\nالمعنى فيها ألا يمنع النفقة فيما يلزمه أو فيما يرجو ثوابه، ولا تبسطها فيما لا يلزمه ولا يرجو ثوابه. وقد أدب الله عباده فيما رزقهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ (^٥) فالنفقة في طاعة الله وفيما أوجب الله لا تورث حسرة ولوما، وفي غير طاعة الله تورث لومًا من الناس وحسرة في الدنيا والآخرة.\n_________\n(^١) لوحة رقم [٢/ ١٧٧].\n(^٢) سورة الإسراء (٢٨).\n(^٣) كابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك. ينظر: تفسير الطبري (٨/ ٧٠).\n(^٤) سورة الإسراء (٢٩).\n(^٥) سورة الفرقان (٦٧).","vol":"1","page":1292},{"text":"قال الله ﷿: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ (^١).\nقال ابن عباس - ﵁ -: كل سلطان في القرآن فهو حجة (^٢)، أرأيت الهدهد كان له سلطان، فالسلطان في هذه الآية الحجة والمقال في أخذ حقه إما القود، أو الدية إن بذلت له، أو العفو إن أراده ورغب في ثوابه، فهذا الذي جعله الله للولي أيّ ذلك شاء فعل.\nوأما قوله: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ لا يقتل غير قاتل وليه؛ لأن العرب كانت إذا قُتِل من القبيل رجلٌ قتل وليُّه كلَّ من لقي من تلك القبيلة التي منها القاتل، فله أن يقتل القَتَلة من كانوا ولا يتعداهم إلى غيرهم، ولا يقتل إلا القِتْلَة التي قتل مولاه بها، إذا كانت مما يَقْتُل لا محالة ولا تُخْلِف، فإذا كانت مما تُخْلِف - ولا تؤدي إلى القتل على كل حال، وكان يحتاج إلى إعادة مثل الفعل ومثله ومثله، فهذه زيادة نُهِي عنها وتعذيب لا يجوز فعله - كان السيف أَوْخَى (^٣) وأولى أن يؤخذ به الحق، والله أعلم.\nوقوله: ﴿لِوَلِيِّهِ﴾ قد يكون واحد ويكون جماعة ويكون رجال كثير، وإنما قال: ﴿لِوَلِيِّهِ﴾ يشار إلى الجنس كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (^٤) جاء اللفظ بمعنى الواحد إذ الجنس (^٥)، ونظائر هذا كثير.\nوالولي إنما يكون وليا لغيره، فيتعدى للمرأة من هذا الاسم، والولي لا بد أن يكون واحدا فأكثر، فإذا كان الولي رجلا استحق الولاية كلها، ولو جاز أن تكون المرأة وليا لما استحقت الولاية كلها، وتصير في المعنى كأنها بعض ولي.\nفإن قيل: قد يمكن أن تضم إلى غيرها، كما يكون البنون وإن كثروا أولياء، وكذلك الإخوة. قيل: وإنما صار البنون أولياء والإخوة كذلك؛ لاستواء أحوالهم، وكذلك بنو العم إذا استووا في القُعْدُد (^٦) والمرأة إذا ضمت إلى أخ أو عم أو ابن عم لم تستو حالها وحاله، وكان لها من الميراث بقدر استحقاق النساء، ولو كان لأبيها مولى لكان الولاء لأخيها ولعمها وابن عمها دونها، فذلك كله يدل على أن (^٧) المرأة لا تسمى وليا، وقد قال الله سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (^٨).\nوإنما جعل الله في القصاص حياة ليكف بعضهم عن بعض (^٩)، وكان المقصود بكثرة القتل الرجال دون النساء - وإن كان قد يكون في النساء نادر، فيحكم لها ولوليها\n_________\n(^١) سورة الإسراء (٣٣).\n(^٢) أخرجه البخاري تعليقا [٩٨٦ كتاب التفسير، تفسير سورة الإسراء] قال ابن حجر في الفتح: \"وصله ابن عيينة في تفسيره عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، وهذا على شرط الصحيح، ورواه الفريابي بإسناد آخر عن ابن عباس .. \"\n(^٣) أي: أحرى وأقصد، قال في لسان العرب، مادة: وخى: \"الوخي: الطريق المعتمد، وقيل: هو الطريق القاصد ... ويقال توخيت محبتك بمعنى تحريت\".\n(^٤) سورة العصر (٢).\n(^٥) كذا في الأصل.\n(^٦) القُعْدُد هنا المراد بها: القربى. ينظر: لسان العرب، مادة: قعد.\n(^٧) لوحة رقم [٢/ ١٧٨].\n(^٨) سورة البقرة (١٧٩).\n(^٩) ومن جملة الحكم التي شرع الله القصاص لها؛ شفاء النفس وذهاب غيظها، وتحقيق العدل بين الناس، وهذا مما يستوي في الرجال والنساء.","vol":"1","page":1293},{"text":"بحكم الآية - كان الرجال في العبرة أولى بطلب الدم من النساء؛ ليكون لهم في ذلك الحياة التي جعلها الله، ولئلا يُجْتَرأ عليهم بالقتل.\nوأما النساء فليس يقتلن على الضواحل (^١) والإحن (^٢) التي تكون بين الناس، ولو فعل ذلك فاعل لَعُير به، وإنما يكون ذلك في الرجال، ولو كانوا (^٣) إذا قتلت امرأة رجلا أنف ولده من قتلها به، هذا مروان بن الحكم (^٤) قتلته أم خالد بنت سهيل بن عمرو (^٥) وكانت زوجته بكلمة قالها لابنها، فأراد عبد الملك (^٦) قتلها فقالت: والله لئن قتلتني لتعيرن بذلك فيقال: يا ابن قتيل المرأة، فتركها ولم يقتلها خوفًا من العار.\nفإن قال قائل (^٧): فلم إذا عفا أحد الأولياء أو قبلت الدية وصار الدم إلى المال وجب دخول المرأة فيه؟ قيل له: لأن الدم انتقل بالصلح إلى المال وزال القصاص الذي جعله الله حياة، فكل مال يؤخذ بسبب المقتول فحكمه حكم الميراث، ألا ترى أن المقتول لو عفا قبل خروج روحه عن القاتل - إذ كان أولى بدمه - لجاز عفوه، ولم يكن للورثة فيه مقال؛ لأن الدم لم يكن مالا فلا يَجُزْ للميت منه إلا الثلث كما يكون ذلك في دية الخطأ يكون مالا قد ملكه الميت ووُرِثَ عنه.\nوقال مالك - ﵁ -: متى كان ورثة المقتول بنون وبنات، فعفا البنات لم يجز عفوهن، وكان للذكور القتل، وإذا عفا البنون أو واحد منهم جاز، فإذا انتقل بعفو وَاحِدٍ إلى المال، كان الرجال والنساء فيه على قدر مواريثهم، وقضى منه دينا إن كان على الميت (^٨).\nقال الله تبارك اسمه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (^٩).\nالتي هي أحسن التجارة له والاسْتِنْمَاء له في ماله، ولا يتجر في ماله إلا له، ولا يستقرض منه.\nويدخل في ذلك أيضا إذا كان القيام بماله يشغله عن التصرف أن يأكل بالمعروف وعياله ذلك يدخل في التي هي أحسن.\n_________\n(^١) قوله: الضواحل، كذا رسمت في المخطوط، ولم أجد في كلام أهل اللغة ما يتوجه المعنى عليه، فمدار كلمة الضحل والضواحل في اللغة على الشيء القليل واليسير، ينظر: تاج العروس ولسان العرب مادة: ضحل، وهذا معنى لم يستبن لي انتظامه مع سياق الكلام، والظاهر أن \"الضواحل\" تحريف من كلمة \"الذواحل\" والذواحل جمع على صيغة فواعل من الذحل، ولفظ الذحل والذواحل في اللغة يدور حول معنى الثأر والحقد والوِتر، قال في اللسان مادة: ذحل: \" الذحل: الثأر ... وقيل: هو العداوة والحقد \".\n(^٢) الإحن: الحقد في الصدر. ينظر لسان العرب مادة: أحن.\n(^٣) كذا في الأصل، والعبارة قلقة، ويحتمل أن تكون \" ولو \" تحرفت\" عن \" ولقد \".\n(^٤) هو: مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أبو عبد الملك، كان كاتب عثمان بن عفان وإليه الخاتم، سار مع طلحة والزبير لطلب دم عثمان بعدما قتل، وقد ولاه معاوية المدينة، ثم دعا لنفسه الخلافة، مات سنة ٦٥ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ١٩) والبداية والنهاية (٨/ ٢٥٩).\nوخبر قتله بيد زوجه ذكره ابن سعد - الإحالة السابقة - وابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٢٥٩) واسم الفتى الذي عيره خالد بن يزيد بن معاوية.\n(^٥) لم أجد من ذكر أن أم خالد هي بنت سهيل بن عمرو، ولا من ذكر لسهيل بن عمرو بنتا هذه صفتها، وإنما المشهور عند أهل السير والتراجم أنها بنت أبي هاشم بن عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس، واسمها دُرة. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٢٢) وتاريخ الأمم (٣/ ٤٢٣) والكامل في التاريخ (٤/ ٤٦٤) والبداية والنهاية (٨/ ٢٤٠).\n(^٦) هو: عبد الملك بن مراون بن أمية أبو الوليد، ولي الخلافة بعد أبيه، وهو أحد أقوى خلفاء بني أمية ممن استطاع توطيد حكمهم وتثبيت إمارتهم، وأخباره والحوادث في زمنه كثيرة، توفي بدمشق سنة ٨٦ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ١١٥) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٢٤٦).\n(^٧) هذا الإيراد على قول المالكية ذكره الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٢٥).\n(^٨) ينظر: الموطأ (٢/ ٦٦٦) والمدونة (٤/ ٦٦٢) والنوادر والزيادات (١٤/ ٩٦) والبيان والتحصيل (١٥/ ٤١٣).\n(^٩) سورة الإسراء (٣٤).","vol":"1","page":1294},{"text":"وأما قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ فهو الحلم الذي قال الله: ﴿إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (^١) فالابتلاء بعد البلوغ، والرشد يعرف حينئذ، فيدفع إليه ماله إذا بلغ أشده وهو الحلم: الإنزال، والإنبات، أو السن التي يكون بها البلوغ، وقد قال الله ﷿ في قصة موسى - ﵇ -: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ (^٢) قيل: أربعين سنة (^٣)، وقال في قصة يوسف - ﵇ -: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (^٤) وهذا فمعناه: لما بلغ الحلم؛ لأن المرأة أرادته عند بلوغ النكاح، وأمر اليتيم بأمر يوسف أشبه، ويكون أَشُدٌ دون أَشُدٍ، وقال سيبويه (^٥): (^٦) واحد الأَشُد شِدّة، ونظير ذلك نِعْمَة وأَنْعُم.\nقال الله تبارك اسمه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (^٧)\nدلوك الشمس ميلها وهو زوالها عن البرج الذي تعلو إليه في كل يوم، فإذا زالت إلى الانحطاط والنزول وجبت صلاة الظهر، وكان أول وقتها.\n_________\n(^١) سورة النساء (٦).\n(^٢) سورة القصص (١٤).\n(^٣) هو قول مجاهد وقتادة، أخرجه الطبري في تفسيره (٣/ ٤٠).\n(^٤) سورة يوسف (٢٢).\n(^٥) هو: عمرو بن عثمان بن قنبر أبو بشر النحوي البصري، المعروف بسيبويه، لقب بذلك لأن وجنتيه كانت كأنهما تفاحة، كان مولى لبني الحارث بن كعب، أخذ النحو عن الخليل وبرز فيه حتى صار إمامه، مات بشيراز سنة ١٨٠ هـ. ينظر: معجم الأدباء (٤/ ٤٩٩) وسير أعلام النبلاء (٨/ ٣٥١).\n(^٦) لوحة رقم [٢/ ١٧٩].\n(^٧) سورة الإسراء (٧٨).","vol":"1","page":1295},{"text":"قال جابر (^١): نظر النبي - ﷺ - إلى السماء فإذا الشمس قد دلكت (^٢) فقال: (الصلاة يا أبا بكر) (^٣) يعني صلاة الظهر.\nوقال جماعة من الصحابة والتابعين ذلك، وأنه لِصَلاة الظهر (^٤).\nوقال ابن مسعود - ﵁ -: دلوك الشمس مغيبها وأنها صلاة المغرب (^٥).\nواللغة تحتمل القولين جميعا، ولكنها أشبه بالزوال من المغيب؛ لأنه ﷿ قال: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ فيدخل في ذلك مع الظهر العصر والمغرب؛ لأن غسق الليل عشاء الآخرة، وهو اجتماع الليل وظلمته، ودل على صحة ذلك أيضًا أنه قيل: ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ﴾ فكان أمرًا بالصلوات الخمس كلها بهذه الآية.\n_________\n(^١) هو: جابر بن عبد الله بن عمرو الخزرجي السلمي، أبو عبد الله ويقال أبو عبد الرحمن، شهد المشاهد كلها إلا بدرا وأحدا منعه أبوه، وهو أحد المكثرين من الرواية عن النبي - ﷺ -، قيل إنه آخر من مات بالمدينة من الصحابة. توفي سنة ٧٤ هـ. ينظر: الاستيعاب (١/ ٢١٩) والإصابة (١/ ٥٤٦)\n(^٢) دلكت الشمس: زالت عن كبد السماء. ينظر: اللسان مادة (دلك).\n(^٣) أخرجه أحمد (٣/ ٣٩٧) والدارمي [١/ ٣٥ المقدمة، باب ما أكرم به النبي - ﷺ - في بركة طعامه] في قصة طويلة.\nوأخرجه أبو داود [٢/ ٥٦٧ كتاب الصلاة باب الصلاة على غير النبي] وابن حبان [٣/ ٢٦٤ كتاب الرقائق، باب الأدعية] مختصرا، دون اللفظ الذي ذكره المؤلف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة [٢/ ٤٤ كتاب الصلاة، باب قوله: أقم الصلاة لدلوك الشمس] عن: ابن عمر ومجاهد والشعبي.\nوأخرجه في شرح معاني الآثار (١/ ١٧٥) عن أبي هريرة - ﵁ -.\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ٩٧). وابن عباس - ﵁ -\n(^٥) أخرجه الحاكم [٢/ ٣٩٥ كتاب التفسير، سورة بني إسرائيل] وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nأخرجه الطبري في تفسيره (٨/ ١٢٣) والبيهقي [١/ ٣٧٠ أبواب المواقيت، باب وقت المغرب] بمعناه.","vol":"1","page":1296},{"text":"وقوله ﷿: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ قيل غسق الليل: اجتماع الليل وظلمته (^١).\nوقيل: حين تغيب الشمس (^٢).\nوقيل: مغيب الشفق (^٣).\nوقيل: انتصاف الليل (^٤).\nوأصح ذلك أن يكون أُريد صلاة عشاء الآخرة؛ لأن ذلك أعم الصلوات كلِّها، ويكون أول الغسق مغيب الشفق إلى نصف الليل؛ لقول النبي - ﷺ - في فضل تأخير صلاة عشاء الآخرة (^٥)، والله أعلم.\nوقوله عز من قائل: ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي [١/ ٣٥٨ كتاب الصلاة، باب أول فرض الصلاة] عن: ابن عباس ﵁.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٣٢) عن ابن مسعود - ﵁ -.\nوأخرجه عبد الرزاق [١/ ٥٣٧ كتاب الصلاة، باب المواقيت] والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٥٥) عن أبي هريرة - ﵁ -.\nوأخرجه البيهقي [١/ ٣٥٩ كتاب الصلاة، باب أول فرض الصلاة] عن قتادة.\n(^٣) هو مقتضى ما أخرجه في شرح معاني الآثار (١/ ١٥٧) عن عائشة ﵂.\nوعزاه الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٣٢) إلى ابن مسعود - ﵁ -.\n(^٤) أورده الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٣٢).\n(^٥) يشير إلى نحو ما أخرجه مسلم [١/ ٣٧٠ كتاب المسجد] وغيره من حديث ابن عمر - ﵃ - قال: (مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله - ﷺ - لصلاة العشاء الآخرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده، فلا ندري أشيء شغله في أهله أو غير ذلك، فقال حين خرج: إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم، ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة، ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى).\n(^٦) سورة الإسراء (٧٨).","vol":"1","page":1297},{"text":"قال الأعمش عن أبي صالح (^١) عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: (تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار) (^٢) وقاله جماعة من الصحابة والمفسرين (^٣)، وهي صلاة الصبح، كذلك قالت الجماعة بغير اختلاف فيه.\nوقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ (^٤).\nقيل في أوقات التهجد من الليل أقوال، فالصحيح: أن التهجد كل صلاة صليت بعد عشاء الآخرة، في أول الليل كانت، أو في وسطه، أو آخره، وإن كان آخره أجر القيام المرء من نومه (^٥)، وإسباغ الوضوء في الحر والبرد، وتحري الوقت الذي ينادى فيه: هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه (^٦).\nفأما قوله ﷿: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ وقد كانت صلاة الليل مفروضة عليه - ﷺ - دوننا، فله ثوابها كثواب الفروض، وقوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ لأنها لا تكفر عنه ذنبا كما\n_________\n(^١) هو: باذام ويقال باذان أبو صالح مولى أم هانئ، قال بن المديني عن القطان: لم أر أحدا من أصحابنا تركه، وما سمعت أحدا من الناس يقول فيه شيئا. وقال أحمد: كان ابن مهدي ترك حديث أبي صالح. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ١٤٨) وتهذيب التهذيب (١/ ٣٢٠).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢/ ٤٧٤) وابن ماجه [كتاب الصلاة، باب وقت صلاة الفجر] والترمذي [كتاب التفسير، باب ومن سورة بني إسرائيل] وقال: حسن صحيح، والنسائي في الكبرى [٦/ ٣٨١ كتاب التفسير، سورة الإسراء] وابن خزيمة [٢/ ٣٦٥ كتاب الإمامة، باب ذكر اجتماع ملائكة الليل ..] والحاكم [١/ ٣٣٠ كتاب الإمامة وصلاة الجماعة] وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه،\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٨/ ١٢٧) عن: ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك - ﵃ -.\n(^٤) سورة الإسراء (٧٩).\n(^٥) كذا في الأصل، ويحتمل: وإن كان آخره آجر لقيام المرء من نومه.\n(^٦) يشير إلى ما أخرجه مسلم [١/ ٤٣٩ كتاب صلاة المسافرين] من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه، ينزل الله ﵎ إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من سائل يعطى، هل من داع يستجاب له، هل من مستغفر يغفر له، حتى ينفجر الصبح).","vol":"1","page":1298},{"text":"تكفر عن غيره، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فَعَلَ به ذلك من غير ذنب، فكل أعماله درجات له غير مقابل بها ذنوب تُكَفر.\nوالتهجد عند أهل اللغة: السهر للصلاة أو لذكر الله، والهجود: النوم، والغنيمة تسمى نافلة والتطوع تسمى نافلة، ألا ترى يقال: تنفل رسول الله - ﷺ - (^١) سيفه ذا الفقار (^٢)، قال الشاعر (^٣):\nإنّ تقوى ربنا خيرُ نَفْلِ.\nيعني: خير غنيمة، فتهجد النبي - ﷺ - نفل غنيمة له، وتهجدنا تطوع يُكَفَرُ به عنا، وكان علينا مفروضا فنسخ عنا وبقي عليه - ﷺ -.\nقال الله ﵎: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (^٤).\nقيل: إن قريشا كانت تستمع قراءة رسول الله - ﷺ - فيسبون القرآن فأُمِرَ بذلك، روي ذلك عن ابن عباس - ﵁ - (^٥).\nوقيل: إن أبا بكر كان يخافت في صلاة الليل، وعمر يجهر، فأُمر أبو بكر أن\n_________\n(^١) لوحة رقم [٢/ ١٨٠].\n(^٢) روي عن عدد من الصحابة، منه: ما أخرجه ابن ماجه [٢/ ١٣٧ كتاب الجهاد، باب السلاح] الحاكم [٢/ ١٤١ كتاب قسم الفيء] وصححه، والبيهقي [٦/ ٣٠٤ كتاب قسم الفيء، باب الصفي] من حديث ابن عباس ﵃.\n(^٣) هو: لبيد بن ربيعة. وهذا الشطر مطلع من قصيدة طويلة، وتمامه:\nوبإذن الله ريثي والعجل. ينظر: ديوان لبيد بن ربيعة.\n(^٤) سورة الإسراء (١١٠).\n(^٥) أخرجه البخاري [٩٩٠ كتاب التفسير، سورة الإسراء] ومسلم [١/ ٢٧٦ كتاب الصلاة] بمعناه لكن بسياق أطول.","vol":"1","page":1299},{"text":"يرفع قليلا، وأُمر عمر أن يخفض قليلا (^١).\nوقالت عائشة وجماعة من المفسرين: إنما ذلك في الدعاء والمسألة (^٢)، والدعاء يسمى صلاة. قال الله ﵎ ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (^٣) أي: ادع لهم، فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى (^٤).\nوأي ذلك كان فغير ممتنع أن يكون في الآخر، فينبغي في صلاة الليل أن يقرأ حسب ما أمر الله بين الجهر والمخافتة، يُسْمع نفسه ويُفهمها، وفي الدعاء كذلك.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود [٢/ ٤٩٥ كتاب الصلاة، باب في رفع الصوت بالقراءة] وابن خزيمة [٢/ ١٨٩ أبواب صلاة التطوع، باب ذكر صفة الجهر في الصلاة] وابن حبان [٣/ ٦ باب قراءة القرآن، ذكر البيان بأن قراءة المرء بين القراءتين] من حديث أبي قتادة، والآمر لهما النبي - ﷺ -.\n(^٢) أما قول عائشة فقد أخرجه البخاري [١٣٤٠ كتاب الدعوات، باب الدعاء في الصلاة] ومسلم [١/ ٢٧٦ كتاب الصلاة].\nوأخرجه الطبري في تفسيره (٨/ ١٦٦) عن: ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، - ﵃ -.\n(^٣) سورة التوبة (١٠٣).\n(^٤) جزء من حديث أخرجه البخاري [٢٩٩ كتاب الزكاة، باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة] ومسلم [٢/ ٦٢٠ كتاب الزكاة] من طريق عبد الله بن أبي أوفى عن أبيه.\nوأبو أوفى هو: علقمة بن خالد بن الحارث بن أبي أسيد بن هوازن بن أسلم، أبو أوفى الأسلمي مشهور بكنيته، قال ابن مندة: كان من أصحاب الشجرة، وهو والد عبد الله. ينظر: الإصابة (٤/ ٤٥٣).","vol":"1","page":1300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>ومن سورة الكهف</span>.\n\nقال الله ﷿: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (^١).\nقال بعض المفسرين: أيّ وقتٍ ذَكَرَ استثنى ولو بعد سنين (^٢).\nوقال بعضهم: بعد أربعة أشهر (^٣).\nوقال بعضهم: ما لم يقم من مقعده ذلك (^٤).\nوقال آخرون: ما لم يقطع كلامه، ما كان الاستثناء متصلا باليمين (^٥).\nوقيل: إن ذلك إنما نزل لما وعد (^٦) الله اليهود، عندما سألوه عن ذي القرنين، وعن خبر صاحب موسى، وعن الروح، فقال: غدا أخبركم، فتأخر الوحي عنه خمسة عشر يوما، ثم أتاه جبريل - ﵇ - بالجواب (^٧)، وعُلِّم أن يقول: إن شاء الله؛ لأنه لم يكن استثناها، فإنما الاستثناء في الأيمان فإنما يكون متصلا بالكلام.\nفأما قول من قال: أربعة أشهر؛ فلا يُعرف وجهه (^٨).\nوأما قول من قال: أي وقت ذكر ولو بعد سنين؛ فهذا قول يبطل حكم آية محكمة وليس إلى ذلك من سبيل، قال الله ﷿: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (^٩) الآية، وقال: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (^١٠) فلو كان يستثني أي وقت ذكر لم يكن للكفارة موضع، وكان قول النبي - ﷺ -: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها) (^١١) قال إن شاء الله وسقطت عنه، ولم يقل له: (وكفر عن يمينك وأت الذي هو خير) وإنما أُتي قائلوا هذه المقالة من أنهم جعلوا ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (^١٢) متصلا بالكلام الأول، وليس كذلك؛ وإنما قيل: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أي إذا نسيت مرة فلا تنس في كل وقت، ويجوز: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ فحلَفْتَ، بأن (^١٣) تَرجعَ إلى الذي هو خير، كما عَلّم النبي - ﷺ -، ويكفر إذا نسي أن يستثني، وهذه المعاني لا تدفعها آية الكفارة، ولا هي دافعة لها أيضا، إذ القرآن يصدق بعضه بعضا.\nوقال بعض المفسرين: إن هذا منفصل من الآية، وإنه مخاطبة\nلسائر الناس، فقال عكرمة: إذا عصيت فافزع إلى الله عند السهر (^١٤)\n_________\n(^١) سورة الكهف (٢٣، ٢٤).\n(^٢) عزاه في الاستذكار (٥/ ١٩٣) إلى ابن عباس - ﵁ - ومجاهد، ونسبه في المحلى (٨/ ٤٨) إلى مجاهد.\n(^٣) نسبه في المحلى (٨/ ٤٨) إلى سعيد ين جبير.\n(^٤) هو قول طاوس، أخرجه عبد الرزاق [٨/ ٥١٨ كتاب الأيمان والنذور، باب الاستثناء في اليمين].\n(^٥) أخرجه البيهقي [١٠/ ٤٧ كتاب الأيمان، باب صلة الاستثناء باليمين] عن ابن عمر ﵄.\nوأخرجه عبد الرزاق [٨/ ٥١٧ كتاب الأيمان والنذور، باب الاستثناء في اليمين] عن عطاء، والحسن، والزهري، والثوري.\nوعزاه في الاستذكار (٥/ ١٩٣) إلى أكثر العلماء.\n(^٦) كذا في الأصل، والسياق يقتضي زيادة: رسول.\n(^٧) أخرجه الطبري في تفسيره (٨/ ١٧٤) عن ابن عباس ﵄، بسياق أطول من هذا.\n(^٨) أشار ابن حزم في المحلى (٨/ ٤٨) إلى وجه هذا القول، فذكر أن ذلك من باب القياس على الإيلاء.\n(^٩) سورة المائدة (٨٩).\n(^١٠) سورة المائدة (٨٩).\n(^١١) أخرجه مسلم [٣/ ١٠٣٠ كتاب الأيمان] من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^١٢) سورة الكهف (٢٤).\n(^١٣) لوحة رقم [٢/ ١٨١].\n(^١٤) كذا في الأصل، ويحتمل أنه: السهو.","vol":"1","page":1301},{"text":"أو الغفلة (^١).\nفإنما افترق الاستثناء في اليمين إذا كان متصلا أو غير متصل، أن الحالف إذا وصل يمينه بالاستثناء كان قد نواه وسقطت الكفارة؛ لأن اليمين لم تستقر حتى قارنها الاستثناء، وإذا انفصل من اليمين كان حكم اليمين قد استقر وصارت في حيز: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (^٢) فلما ثبت الحكم لها بالكفارة وحفظها لم تَزُل، والله أعلم.\nقال الله ﵎: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ\nأَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (^٣).\nسأل ابن الكَوَاء (^٤) عنها عليا، فقال: هم\nأهل حَروْرَاء (^٥) وأهل النَّهْروان (^٦)،\n_________\n(^١) أخرج ابن أبي شيبة [٧/ ٢١٦ كتاب الزهد، كلام عكرمة] الطبري في تفسيره (٨/ ٢٠٩) أوله.\n(^٢) سورة المائدة (٨٩).\n(^٣) سورة الكهف (١٠٣ - ١٠٤).\n(^٤) هو: عبد الله بن عمرو اليشكري، مشهور بابن الكواء، من أهل العراق، كان من رؤوس الخوارج الذين خرجوا على علي - ﵁ -، ثم رجع عن مذهبه وعاود صحبته. ينظر: تاريخ الأمم والملوك (٣/ ١٠٩) ولسان الميزان (٣/ ٣٢٩).\n(^٥) هي: حروراء بفتحتين وسكون الواو، قيل: هي قرية بظاهر الكوفة. وقيل: موضع على ميلين منها، نزل بها الخوارج أول اجتماعهم لما خالفوا عليا - ﵁ - فنسبوا إليها. ينظر: معجم البلدان (٢/ ٢٤٥) ولسان العرب (٣/ ١٢٠).\n(^٦) النهروان: فيها لغات، بفتح النون وضمها وكسر، وإسكان الهاء، وفي الراء يجوز الفتح والكسر والضم، وهي: أرض واسعة بين بغداد وواسط، كانت مسرحا لمعركة نسبت إليها، وقعت بين علي بن أبي طالب، والخوارج الذين خرجوا عليه بعد التحكيم، فأوقع بهم وقتلهم شر قتلة. ينظر: معجم ما استعجم (٤/ ١٣٣٦) معجم البلدان (٥/ ٣٢٤).","vol":"1","page":1302},{"text":"وزاد أبو الصهماء (^١) فيه: أنت وأصحابك (^٢).\nوروي عنهم: أنهم الرهبان في الصوامع (^٣).\nوقال سعد (^٤): هم اليهود والنصارى، والخوارج (^٥) زاغوا فأزاغ الله قلوبهم (^٦).\nهذا ما رُوي عن علي وسعد رحمهما الله، والأقوى أن يكونوا أهل الكتاب والمجتهدون منهم؛ لأنه قيل في إثر الكلام: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ (^٧) ولا ندفع أن يدخل الخوارج من الصُفْرية (^٨) والإباضية (^٩) والأزارقة (^١٠) والحرورية (^١١)\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولم أجد أحدا بهذه الكنية في كتب التراجم والأعلام مع طول البحث، وأغلب الظن أنه تحرف من أبي الصهباء، وهو كنية رجلين:\nالأول: صهيب البكري البصري، ويقال المدني، مولى ابن عباس روى عن مولاه وابن مسعود وعلي بن أبي طالب - ﵃ -. ينظر: تهذيب التهذيب (٢/ ٥٥٦).\nالثاني: صلة بن أشيم العدوي من بني عدي، أبو الصهباء، قال ابن سعد: كان ثقة له فضل وورع، قتل هو وابنه في بعض المغازي من ناحية سجستان زمن الحجاج. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٦٨)\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٨/ ٢٩٤) والحاكم [٢/ ٣٨٣ كتاب التفسير، سورة الحجر] دون ذكر أهل النهروان، وأما زيادة: أنت وأصحابك، فقد أخرجها الطبري - الإحالة السابقة ـ.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٨/ ٢٩٣) عن علي بن أبي طالب - ﵁ -.\n(^٤) هو: ابن أبي وقاص، تقدم.\n(^٥) الخوارج: هم الذين خرجوا على علي بن أبي طالب بعد اتفاق المسلمين على التحكيم، فكان ذلك أول خروج لهم، ولهم ألقاب شتى، وفرق كثيرة، يجتمع غالبها على التبري من عثمان وعلي - ﵃ -، وتكفير أصحاب الكبائر وخلودهم في النار، ووجوب الخروج على أئمة الجور. ينظر: الفرق بين الفرق ص ٤٩ والملل والنحل (١/ ١٣١).\n(^٦) أخرجه الطبري في تفسيره (٨/ ٢٩٣) والحاكم [٢/ ٤٠١ كتاب التفسير، سورة الكهف] بنحوه، وقال صحيح على شرط الشيخين.\n(^٧) سورة الكهف (١٠٥).\n(^٨) الصفرية: فرقة من الخوارج أتباع زياد بن الأصفر، يقولون بقول الأزارقة في الجملة - كما سيأتي - إلا أنهم لا يرون قتل أطفال ونساء مخالفيهم، قاتلهم عباد التميمي زمن يزيد بن معاوية، فهزمهم وقتلهم، وقد كان عليهم أبو بلال بن مرداس. ينظر: الفرق بين الفرق ص ٦١، والملل والنحل (١/ ١٥٩).\n(^٩) الإباضية: فرقة من الخوارج أتباع عبد الله بن إباض، الذي خرج أيام مروان بن محمد، وهي أخف فرق الخوارج رأيا في بدعتهم، فكانوا لا يحكمون على مرتكب الكبيرة بإيمان ولا كفر، وقد افترقوا فرقا منها: الحفصية، والحارثية واليزيدية. ينظر: الفرق بين الفرق ص ٧٠، والملل والنحل (١/ ١٥٦).\n(^١٠) الأزارقة: فرقة من الخوارج أتباع نافع الأزرق، خرجوا معه من البصرة إلى الأهواز، فغلبوا عليها وما وراءها من بلاد فارس، وهم أشد فرق الخوارج بأسا وأكثرها عددا، وأظهر بدعهم: تكفير علي - ﵁ - ومن قعد عن قتاله، واستباحة قتل الأطفال والنساء، وتكفير صاحب الكبيرة. ينظر: الفرق بين الفرق ص ٥٦ والملل والنحل (١/ ١٣٧).\n(^١١) الحرورية: هم الذين انحازوا بعد رجوع علي - ﵁ - من صفين إلى بلدة يقال لها حروراء قرب الكوفة، وهم أول فرق الخوارج، ويقال لهم المحكمة الأولى لما أنكروا على علي - ﵁ - التحكيم، وقد ناظرهم فرجع أكثرهم، والباقي منهم انحاز إلى النهروان. ينظر: الفرق بين الفرق ص ٥١، والملل والنحل (١/ ١٣٣).","vol":"1","page":1303},{"text":"والرافضة (^١) في معانيهم؛ لأن النبي - ﷺ - سماهم كلاب النار (^٢) ومَثَّلَهم فقال: (يقرؤون القرآن لا يجاوز تَرَاقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَمِيّة، تنظر النصل فلا ترى شيئا، ثم تنظر في القِدْح فلا ترى شيئا، ثم تنظر في الرَّيْش فلا ترى شيئا، ثم تتمارى في الفَوْق) (^٣) فذكر - ﵇ - أن الذي يبقى معهم من الإيمان موضع الوتر من النُّشَابة (^٤).\n_________\n(^١) الرافضة: هي أحدى فرق الشيعة الغالية، وسبب تسميتهم رافضة؛ إما لأنهم رفضوا إمامة أبي بكر وعمر - ﵃ -، أو لأنهم رفضوا زيد بن علي لما أنكر عليهم طعنهم في أبي بكر وعمر - ﵁ - وأبى أن يبرأ منهما، وهم فرق شتى يجمعها تقديم إمامة علي - ﵁ - على سائر الصحابة - ﵃ -، ويرون أن الخلافة بعده لا تخرج عن ولده. ينظر: مقالات الإسلاميين ص ١٦، والملل والنحل (١/ ١٦٩).\n(^٢) يشير إلى ما رواه الحاكم [٢/ ١٦٣ كتاب قتال أهل البغي] وغيره من حديث شداد بن عبد الله قال: شهدت أبا أمامة الباهلي - ﵁ - وهو واقف على رأس الحرورية عند باب دمشق وهو يقول: كلاب أهل النار، قالها ثلاثًا، خير قتلى من قتلوه، ودمعت عيناه فقال له رجل: يا أبا أمامة أرأيت قولك: هؤلاء كلاب النار، أشيء سمعته من رسول الله - ﷺ - أو من رأيك؟ قال: أني إذا لجريء، لو لم أسمعه من رسول الله - ﷺ - إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا وعد سبع مرات ما حدثتكموه. قال في التلخيص: صحيح على شرط مسلم.\n(^٣) أخرجه البخاري [١٠٩٩ كتاب فضائل القرآن، باب إثم من راءى بقراءة القرآن] من حديث أبى سعيد الخدري.\nقوله: تراقيهم، قال في فتح الباري (١٢/ ٣٠٧): \" جمع ترقوة، وهي: العظم الذي بين نقرة النحر والعاتق، والمعنى: أن قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها، وقيل: لا يعملون بالقرآن فلا يثابون على قراءته، وقال: النووي: المراد أنهم ليس لهم فيه حظ إلا مروره على لسانهم لا يصل إلى حلوقهم، فضلا عن أن يصل إلى قلوبهم، لأن المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب\".\nوقوله: الرَمِيّة، قال في فتح الباري (١٢/ ٣٠١): \" فعلية بمعنى مفعولة، والمراد الشيء الذي يرمى به، ويطلق على الطريدة من الوحش إذا رماها الرامي \".\nوالنصل: كما في غريب الحديث (٤/ ١٩): السهم.\nوالقدح قال في اللسان، مادة: قدح: \" السهم قبل أن يُنَصّل ويراش .. \".\nوالرِّيْش قال في اللسان، مادة: ريش: \" مصدر راش سهمه يَرِيشُه رَيْشا إذا ركب عليه الرِّيشَ، ورِشْتُ السهم: أَلْزَقْتُ عليه الرِّيشَ، فهو مَرِيشٌ \".\nوالفوق: قال في اللسان مادة: فوق: \" الفوق من السهم: موضع الوتر \".\nقال ابن حجر في الفتح (١٢/ ٣٠٨) في شرح الحديث: \"وجاء عن ابن عباس عند الطبري وأوله في ابن ماجه بسياق أوضح من هذا ولفظه: (سيخرج قوم من الإسلام خروج السهم من الرَمِيّة، عرضت للرجال فرموها فانمرق سهم أحدهم منها، فخرج فأتاه فنظر إليه فإذا هو لم يتعلق بنصله من الدم شيء، ثم نظر إلى القذذ فلم يره تعلق من الدم بشيء، فقال: إن كنت أصبت فإن بالريش والفوق شيئا من الدم، فنظر فلم ير شيئا تعلق بالريش والفوق، قال كذلك يخرجون من الإسلام) \".\n(^٤) قال في القاموس، مادة: نشب: \" النشابة: واحد النشاب، وهو النبل \".","vol":"1","page":1304},{"text":"قال الله ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (^١).\nمن كان يرجو ثواب ربه.\nوقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ لا يرائي ويحب أن يُعْلم بأعماله البر، وهذا إنما هو في التطوع، فمن فعل ذلك فإنما يتطوع به، فقد سلب الأجر ولم يكن\n_________\n(^١) سورة الكهف (١١٠).","vol":"1","page":1305},{"text":"عليه وزر (^١)، وأما الفرائض فليس فيها رياء لتساوي الناس فيها، وإن كان فهو خاطر، وعلى الناس إظهارها (^٢)،\n_________\n(^١) كلام المؤلف ﵀ فيه نظر؛ لأنه إن كان مراده أن المرائي في النوافل يُحْرم الأجر ولا يلحقه بريائه أثم، فهو مخالف لظاهر نصوص الكتاب والسنة، التي وردت بتحريم الشرك والنهي عنه مطلقا، دون تفريق بين نوافل العبادات وفرائضها، أو تقييد بالواجبات دون المستحبات؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] وقوله تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] وكهذه الآية التي تكلم عنها المؤلف ﵀، وأما السنة فمنها ما أخرج مسلم [٤/ ١٨١٠ كتاب الرقائق] وغيره عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) ومن هذا الباب ما أخرجه مسلم [٣/ ١٢٠٢ كتاب الإمارة] وغيره عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار) وهذه الأعمال - كما ترى - من نوافل العبادات، ومع هذا فقد وقعت المؤاخذة بها لما وقع فيها الرياء، بل ورد النهي الصريح عن الرياء والسمعة بعينها، فقد أخرج البخاري [١٣٧٢ كتاب الرقائق، باب الرياء والسمعة] وغيره عن جندب بن عبد الله ﵄، قال: قال النبي - ﷺ -: (من سَمَّع؛ سَمَّع الله به، ومن يرائي؛ يرائي الله به).\n(^٢) مراده ﵀ أن الفرائض لا ينبغي أن يقع فيها الرياء، لأنها فرائض أوجبها الله تعالى، لا يسع المؤمن - بمقتضى إيمانه - أن يتركها، يستوي فيها المؤمنون جميعا، =","vol":"1","page":1306},{"text":"وسمعت سهل بن عبد الله العابد (^١) يقول: الرياء في أهل القدر (^٢)؛ لأنهم يعتقدون أعمالهم من أنفسهم واستطاعتهم، فأما أهل السنة فيعتقدون في أعمال البر كلها أنها مَنٌّ (^٣) من الله (^٤) عليهم ولولا ذلك ما قدروا عليها، فليس يكون الرياء فيهم إلا خاطرا يبطل ما يعتقدونه (^٥)، والله العالم بذلك.\n_________\n= أما النوافل فإنها لما كان المؤمن غير مكلف بها، فإن وقوع الرياء فيها أدعى، وتزيين الشيطان فيها للعامل أقوى، ولذا قال ﵀: \" وأما الفرائض فليس فيها رياء لتساوي الناس فيها \" يريد من جهة التكليف، وهذا أمر مشاهد محسوس فالمرء يتخوف من الرياء في نوافل العبادات والقربات، ويخشاه على نفسه، على نحو لا يجده في الفرائض والواجبات، ولم يزل أهل الفضل يستترون بنوافل عباداتهم، ويحرصون الحرص كله على إخفائها، ومن هذا الباب فَرَّق أهل العلم بين الصدقة الواجبة فاستحبوا إظهارها والإعلان بها، والصدقة غير الواجبة فاستحبوا إخفائها.\n(^١) هو سهل بن عبد الله بن يونس التُسْتري أبو محمد الصوفي، له كلمات نافعة ومواعظ حسنة، وقدم راسخ في الزهد، توفي سنة ٢٨٣ هـ. ينظر: صفة الصفوة (٤/ ٦٤) وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٣٠).\n(^٢) لم أجده.\n(^٣) كذا في هذا الموضع وفي سورة الضحى عند قوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قال: منة.\n(^٤) لوحة رقم [٢/ ١٨٢].\n(^٥) كذا في الأصل، والسياق يقتضي زيادة حرف الباء لتكون العبارة: بما يعتقدونه.","vol":"1","page":1307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>سورة مريم ﵍</span>.\n\nقال الله ﵎: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ (^١).\nمعناها الدعاء ولا يرفع الصوت به، يكون بخضوع وخشوع.\nقال الله تبارك اسمه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (^٢).\nهذه الآية تنفي أن يكون الولد عبدا، فإذا مَلَك ولده بشراء أو بإرث أو هبة أو بأي وجه مَلَكَه، عَتُقَ عليه من غير أن يُعِتقَه، لتنافي ذلك وأنه لا يجوز أن يكون عَبْدُه وَلَدَه، والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة مريم (٣).\n(^٢) سورة مريم (٨٨ - ٩٣).","vol":"1","page":1308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>سورة طه</span>.\n\n﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ (^١).\nقال رسول الله - ﷺ -: (كانت نعلا موسى من جلد حمار غير ذكي) (^٢).\nوقيل: حمار ميت (^٣)، فلذلك أمر بنزعهما، وأقرب ما يكون العبد إلى الله إذا كان في الصلاة، وكان رسول الله - ﷺ - يصلي في نعليه ولا ينزعهما، وكذلك فعل في\n_________\n(^١) سورة طه (١٢).\n(^٢) جزء من حديث أخرجه الطبري في تفسيره (٨/ ٣٩٧) وأبو يعلى (٨/ ٣٩٩) والحاكم [١/ ٨١ كتاب الإيمان]، وضعفه ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ٣١٥).\n(^٣) وقع بهذا اللفظ عند الترمذي [١٧٣٤ كتاب اللباس، باب ما جاء في لبس الصوف] ولفظه: عن ابن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: (كان على موسى يوم كلمه ربه، كساء صوف، وجبة صوف، وكمه صوف، وسراويل صوف، وكانت نعلاه من جلد حمار ميت) قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حميد الأعرج، وحميد هو بن علي الكوفي، قال: سمعت محمدا يقول: حميد بن علي الأعرج منكر الحديث.\nوقد وردت فيه آثار عن بعض التابعين، منها:\nما أخرجه مالك [٢/ ٦٩٨ كتاب اللباس، باب ما جاء في الانتعال] وعبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٥) عن كعب الأحبار.\nوما أخرجه الطبري في تفسيره (٨/ ٣٩٧) عن عكرمة.","vol":"1","page":1309},{"text":"المسجد الحرام وفي مسجده، وهما أجل بقاع الأرض وأعلاها قدرا (^١)، هذا المعمول عليه (^٢).\nقال الله ﷿: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (^٣)\nقال النبي - ﷺ -: (من نسي صلاة فليصَليْهَا إذا ذكرها) (^٤) أخبرنا أحمد بن موسى السامي، عن القَعْنَبي (^٥)، عن مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن\n_________\n(^١) يدل عليه ما أخرجه البخاري [٨٤ كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعلين] وغيره، عن أنس بن مالك - ﵁ - وسئل أكان النبي - ﷺ - يصلي في نعليه؟ قال نعم.\nوأخرج عبد الرزاق [١/ ٣٨٥ كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعلين] وغيره، عن أبي هريرة - ﵁ - قال - وفيه - لقد رأيت النبي - ﷺ - ها هنا عند المقام يصلي وعليه نعلاه، ثم انصرف وهما عليه.\n(^٢) ينظر: مواهب الجليل (١/ ٢٠٣).\n(^٣) سورة طه (١٤).\n(^٤) أخرجه أبو يعلى (٥/ ٤٦٥) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٦٥) وابن حبان [٤/ ٤٢٢ كتاب الصلاة، باب مواقيت الصلاة] من حديث أنس بن مالك - ﵁ - به.\nقوله في الحديث: \" فليصليها\" كذا في الأصل، وجاءت على هذا عند ابن حبان وأبي يعلى، وهي بحذف الياء - على المشهور في اللغة - في غالب المصادر التي أخرجت الحديث كمسلم [١/ ٣٩٨ كتاب المساجد ومواضع الصلاة] قال الزجاجي موجها هذه الرواية: \" إنها لغةٌ يُجْرى فيها الفعل المعتل مجرى الفعل الصحيح، فيرفع في موضع الرفع، ويفتح في موضع النصب، ويسكن في موضع الجزم - كما هنا - \" أهـ، وتبعه على ذلك الأعلم الشِنْمَري في تعليقه على كتاب سيبويه، غير أن البَطَلَيوسي والبغدادي خطآه، وقالا: إنما يجوز ذلك في ضرورة الشعر.\nينظر: كتاب الجُمل في النحو ص ٤٠٦ للزجاجي، وكتاب الحُلل شرح أبيات الجمل ص ٤١١ للبَطَلَيوسي، وخزانة الأدب (٨/ ٣٦١) للبغدادي.\n(^٥) هو: عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي الحارثي، أبو عبد الرحمن البصري، نزل البصرة ثم مكة، قال أبو حاتم عنه: ثقة حجة لم أر أخشع منه. وكان ابن معين وابن المديني لا يقدمان عليه في الموطأ أحدا، توفي بمكة سنة ٢٢١ هـ. ينظر: الكاشف (٢/ ١١٧) وتهذيب التهذيب (٣/ ٢٥٥).","vol":"1","page":1310},{"text":"النبي - ﷺ - (^١).\nونا البُرْنَكَاني (^٢) قال: حدثنا أبو داود (^٣) قال: حدثنا عبد الله بن جعفر يحي البرمكي (^٤) قال: حدثنا مَعْن بن عيسى (^٥) قال حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - (^٦).\nوحدثنا جعفر بن الليث ومحمد بن يحيى بن حبان (^٧) قالا: حدثنا أبو الوليد (^٨)\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ [١/ ٤٥ كتاب وقوت الصلاة، باب النوم عن الصلاة] وهو مرسل، وقد وصله المؤلف في الإسناد الذي بعده، وهو عند مسلم [١/ ٣٩٥ كتاب المساجد ومواضعها] موصولا عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) هو: محمد بن أحمد بن سهل البرنكاني ويقال له البركاني، أبو عبدالله القاضي البصري، روى عن إسماعيل القاضي وأبوزرعة، روى عنه القشيري والتستري، ولي القضاء بفارس والبصرة، وألف كتابًا كبيرًا في فضائل مالك وأخباره. ينظر: الديباج المذهب (١/ ٢٤٢).\n(^٣) هو: سليمان بن الأشعث بن شداد، أبو داود السجستاني، الإمام صاحب السنن، قال الهروي: في أعلى درجة من النسك والعفاف والصلاح والورع. توفي سنة ٢٧٥ هـ. ينظر: الكاشف (١/ ٣١١) وتهذيب التهذيب (٢/ ٣٩٠).\n(^٤) هو: عبد الله بن جعفر بن يحيى البرمكي أبو محمد، ابن الوزير البرمكي المشهور، نشأ بالبصرة ثم سكن بغداد، وثقه الدارقطني وغيره. ينظر: الكاشف (٢/ ٧٠) وتهذيب التهذيب (٣/ ١٠).\n(^٥) هو: معن بن عيسى بن يحيى الأشجعي مولاهم أبو يحيى المدني القزاز، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث ثبتا مأمونا. توفي بالمدينة سنة ١٩٨ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٠٧) وتهذيب التهذيب (٥/ ٤٨٦).\n(^٦) أخرجه مسلم [١/ ٣٩٥ كتاب الصلاة ومواضعها] عن ابن شهاب، به.\n(^٧) لم أجد لهما ترجمة، ولا ذكرا في تلاميذ أبي الوليد الطيالسي، ولا في شيوخ إسماعيل بن إسحاق أو القشيري.\nوقد تتبعت طرق الحديث فلم أجد طريقا عن أبي الوليد إلا التي أخرجها أبو عوانة (١/ ٣٨٥) والبيهقي [٢/ ٤٥٦ كتاب الصلاة، باب الساعات التي تكره فيها الصلاة] من طريق محمد بن إسحاق الصغاني، ثنا أبو نعيم وأبو الوليد ومسلم قالوا: ثنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس، عن النبي، به.\n(^٨) هو: هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم، أبو الوليد الطيالسي البصري، روى عن عكرمة وهمام بن يحيى، وروى عنه البخاري وأبو داود، قال عنه أحمد بن حنبل: أبو الوليد شيخ الإسلام ما أُقدم عليه اليوم أحدًا من المحدثين. توفي ٢٢٧ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٤٩) وتهذيب التهذيب (٦/ ٣١).","vol":"1","page":1311},{"text":"قال: حدثنا همام (^١) عن قتادة، عن أنس، عن النبي - ﷺ - - وقال فيه ـ: (لا كفارة لها إلا ذلك) (^٢) وهذا معنى هذه الآية: أن من نسي صلاة أو نام عنها فليصليها حين يذكرها فذلك وقتها، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) هو: همام بن يحيى بن دينار العَوْذِي، أبو عبد الله أو أبو بكر البصري، قال ابن سعد: كان ثقة ربما غلط في الحديث. توفي بالبصرة سنة ١٦٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ١٤٣) وتهذيب التهذيب (٦/ ٤٤).\n(^٢) أخرجه أبو عوانة (١/ ٣٨٥) والبيهقي [٢/ ٤٥٦ كتاب الصلاة، باب الساعات التي تكره فيها الصلاة] عن أبي الوليد، به.\nوأخرجه البخاري [١٢٢ كتاب مواقيت الصلاة، باب من نسي صلاة ..] ومسلم [١/ ٣٩٨ كتاب المساجد مواضع الصلاة] عن همام، به.","vol":"1","page":1312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>ومن سورة الأنبياء ﵈</span>.\n\nقال الله ﵎: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ إلى قوله: ﴿حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (^١).\nقال أبو حنيفة (^٢) وصاحباه: ليس في هذه الآية ضمان، وإنما هذا حكم في أمة قبلنا، فأما الحكم في هذه الأمة فما جاء عن النبي - ﷺ -: (العجماء جُبَار) (^٣) فأخطأوا ما أُريد بالعجماء، لأن النبي - ﷺ - قال: (العجماء جرحها جُبَار، والمعدن جُبَار) وفي بعض الحديث: (العجماء الرِجْل جُبَار) (^٤) أي: إذا أصابت الدابة برجلها (^٥) فعلم أن ذلك بعضه من بعض، وليس الحرث وإفساده من هذا الباب في شيء، لأن الحرث كل\n_________\n(^١) سورة الأنبياء (٧٨ - ٧٩).\n(^٢) هو: النعمان بن ثابت، أبو حنيفة التيمي مولاهم، ويقال أنه من أبناء فارس، قال عنه الشافعي: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة. توفي ببغداد سنة ١٥٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٥٨) وتهذيب التهذيب (٥/ ٦١١).\n(^٣) جزء من حديث أخرجه البخاري [٢٩٩ كتاب الزكاة، باب في الركاز الخمس] ومسلم [٣/ ١٠٧٧ كتاب الحدود] من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\nينظر قول أبي حنيفة وصاحبيه ﵏ في: شرح معاني الآثار (٣/ ٢٠٤) المبسوط (٢٤/ ١٨٨).\n(^٤) زيادة: (الرجل جبار) جاءت في بعض طرق الحديث، حيث أخرجها أبو داود [٥/ ٢٠٠ كتاب الديات، باب في الدابة تنفح برجلها] والنسائي في الكبرى [٣/ ٤١٢ كتاب العارية، باب في الدابة تصيب برجلها] والدارقطني [٣/ ٩٦ كتاب الحدود والديات] والبيهقي [٨/ ٣٤٣ أبواب الحدود والكفارات، باب الضمان على البهائم] قال الدارقطني: \"لم يُتَابع سفيان بن حسين على قوله: (الرجل جبار) وهو وهم؛ لأن الثقات الذين قدمنا أحاديثهم خالفوه، ولم يذكروا ذلك \" وقال ابن حجر في الفتح (١٢/ ٢٦٧): \" قد اتفق الحفاظ على تغليط سفيان بن حسين، حيث روى عن الزهري في حديث الباب: الرجل جبار \".\n(^٥) لوحة رقم [٢/ ١٨٣].","vol":"1","page":1313},{"text":"مزروع ومغروس، فلا يمكن أربابه حفظه وحراسته من الأنعام والمواشي والدواب بالليل والنهار، ولا بد لأربابها من أن يسرحها بالنهار، ولا يمكنهم ضبطها، فإذا جاء الليل ضموها إلى مُراحاتها (^١) فأمكنهم حفظها، فجعل على أهل المواشي حفظها بالليل، وعلى أصحاب الحرث حفظها بالنهار، وهذه الآية هي الأصل في ذلك، وحكم به رسول الله - ﷺ -، فليس لأحد مخالفة الكتاب والسنة، رواه مالك وابن عيينة (^٢) وغيرهما عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وحرام بن سعد بن محيصة (^٣): أن ناقة للبراء بن عازب (^٤) دخلت حائط قوم فأفسدت (فقضى رسول الله - ﷺ - أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن على أهل المواشي ما أصابت بالليل) (^٥).\n_________\n(^١) قال في اللسان، مادة: مرح: \" المراح بالضم: الموضع الذي تروح إليه الماشية، أي تأوي إليه ليلًا \".\n(^٢) هو: سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي، قال أحمد: ما رأيت أحدا من الفقهاء أعلم بالقرآن والسنن منه، توفي بمكة سنة ١٩٨ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٣٣) وتهذيب التهذيب (٢/ ٣٥٩).\n(^٣) هو: حرام بن سعد بن محيصة بن مسعود الأوسي الأنصاري، أبو سعد المدني، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. توفي بالمدينة سنة ١١٣ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ١٣٠) وتهذيب التهذيب (١/ ٥١٧).\n(^٤) هو: البراء بن عازب بن الحارث بن عدي الأوسي، أبو عمارة الأنصاري، شهد أحدا وما بعدها، وكان مع علي يوم الجمل وصفين، مات بالكوفة سنة ٧٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٤/ ٤٩٧) والإصابة (١/ ٤١١).\n(^٥) أخرجه مالك [٢/ ٥٧٣ كتاب الأقضية، باب القضاء في الضواري] وأحمد (٥/ ٤٣٦) وابن ماجه [٢/ ٤٢ كتاب الأحكام، باب الحكم فيما أفسدت المواشي] وأبو داود [٣/ ٢٨٧ كتاب الإجارة، باب المواشي تفسد زرع القوم] والنسائي في الكبرى [٣/ ٤١١ كتاب العارية، تضمين أهل الماشية] وابن حبان [١٣/ ٣٥٤ باب القصاص، ذكر ما يحكم فيما أفسدت المواشي] والحاكم [٢/ ٥٥ كتاب البيوع] وقال: صحيح الإسناد.","vol":"1","page":1314},{"text":"وقال شريح ومسروق (^١) والشعبي وعطاء ومجاهد، بمثل ما قال مالك، من إلزام أرباب المواشي ما أفسدت بالليل (^٢)، ولا أعلم أحدا ممن تكلم في هذه الآية قال ما قاله أبو حنيفة وتشبيهه بالعجماء، والعجماء الدابة.\nنا أحمد بن موسى قال: نا القعنبي قال: حدثنا مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (العجماء جُبَار والبئر جُبَار والمعدن جُبَار وفي الركاز الخمس) (^٣) وطرق هذا الحديث كثيرة، وقال فيه سفيان بن حسين (^٤)، عن الزهري بإسناده: (والرِجْل جُبَار) (^٥) فهذا إنما أريد به ما جنت العجماء، مما لا صنع فيه للراكب، ألا ترى أن الراكب لو عنف، أو فعل فعلا وقعت منه جناية؛ لكان ضامنا، ولذلك ذكر القائد والسائق، ولم تختلف الرواية أن سليمان صلى الله عليه ضَمّنَ، وقد قال الله ﵎: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (^٦) ولا اختلفت الرواية أن النبي - ﷺ - ضَمّنَ أرباب المواشي ما فعلته بالليل.\nقال بكر: ورأيت أبا حنيفة يفعل في الحديث ما يفعله أهل الكلام، فيجعل بعضها معارضا لبعض، قد فعل هذا في غير شيء فمن ذلك: هذه القصة، فإنه لو هدي لرشده، لكان جرح العجماء في الدابة وفعلها في الطريق تحت راكبها، وحَكم في المواشي بالليل بما حكم به رسول الله - ﷺ -، إذ وجد لكل حديث معنى غير الآخر وقدر على العمل بهما.\nوكذلك قال في قوله - ﷺ -: (من باع نخلا قد أُبِّرت فثمرها للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع) (^٧) وقوله - ﷺ -: (نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه) (^٨) فجَعَلَ الخبرين متعارضين، وليس كما ظن، إنما نهي عن بيع التمر منفردا؛ لأنهما قصدا إلى الغرر ما لم يبد الصلاح، إذ لا منفعة للمشتري فيه، فإذا بدا صلاحه قارن الغرر والترفق (^٩) (^١٠) وإذا بيع مع النخل فإنما هو بيع لغيره، والمقصود غيره، ولم يعمد\nالمتبايعان الغرر، وإنما نهي عن الغرر المقصود.\n_________\n(^١) هو: مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوداعي، أبو عائشة الكوفي، كان ﵀ عابدا فقيها في عداد أصحاب ابن مسعود، توفي بالكوفة سنة ٦٣ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٩٨) وتهذيب التهذيب (٥/ ٣٩٦).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق [١٠/ ٨١ كتاب العقول، باب الزرع تصيبه الماشية] وابن أبي شيبة [٥/ ٤٦١ كتاب الديات، الدابة والشاة تفسد الزرع] والطبري في تفسيره (٩/ ٥١) والبيهقي [٨/ ٣٤٢ باب التعدي والاطلاع، باب الضمان على البهائم] عن شريح القاضي.\nوأخرجه عبد الرزاق - الإحالة السابقة - عن عطاء ومسروق ومجاهد.\nوأخرجه عبد الرزاق [١٠/ ٨٣ كتاب العقول، باب الزرع تصيبه الماشية] والبيهقي - الإحالة السابقة - عن الشعبي.\n(^٣) أخرجه البخاري [١٤٢٨ باب وفي الركاز الخمس] عن مالك، به.\nوأخرجه مسلم [٣/ ١٠٧٧ كتاب الحدود] عن ابن شهاب، به.\n(^٤) هو: سفيان بن حسين بن حسن، أبو محمد الواسطي، قال ابن معين: ثقة في غير حديث الزهري، مات بالري في أول خلافة الرشيد. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٥٤) وتهذيب التهذيب (٢/ ٣٥٣).\n(^٥) تقدم تخريجه ص ١٠٥.\n(^٦) سورة الأنعام (٩٠).\n(^٧) أخرجه مالك [٢/ ٤٨١ كتاب البيوع، باب ما جاء في ثمر المال يباع أصله] من حديث ابن عمر، به.\nوأخرجه البخاري [٥٤٥ كتاب الشروط، باب إذا باع نخلا قد أُبّرَ] عنه، بنحوه.\nقوله: قد أبرت قال ابن حجر في الفتح (٤/ ٤٦٩) \" وقوله: أبرت، بضم الهمزة وكسر الموحدة مخففا على المشهور ومشددا والراء مفتوحة، يقال أبرت النخل آبره ابرا بوزن أكلت الشيء آكله أكلا ... والتأبير: التشقيق والتلقيح، ومعناه شق طلع النخلة الأنثى، ليذر فيه شيئا من طلع النخلة الذكر \" أ. هـ.\n(^٨) روى هذا الحديث أصحاب الصحاح والسنن عن عدد من الصحابة بألفاظ متقاربة، منها ما أخرجه مسلم [٣/ ٩٤٤ كتاب البيوع] عن جابر بن عبد الله بلفظه، لكن في أوله نهى النبي - ﷺ -.\n(^٩) قال في اللسان، مادة: رفق: \" الرِّفْق: ضد العنف، ورفق بالأمر وله وعليه ... لطف، ورفق بالرجل وأَرْفقَه بمعنى، وكذلك ترفق به \".\n(^١٠) لوحة رقم [٢/ ١٨٤].","vol":"1","page":1315},{"text":"وكذا قال وأصحابه في الإشعار (^١) إنه معارض لنهيه عن المُثْلَة (^٢)، وإنما نُهِيَ عن المُثْلَة في بني آدم، وعن المُثْلَة في البهائم التي كانت العرب تفعله بها، من البَحْر والصَرْم (^٣) وما أشبه ذلك، فأما ما وجب لله ولا بد من نحره، فلم يُنْه عن سِمَتِه، وقد فعله - ﷺ - في حجة الوداع وهي آخر أفعاله (^٤)، ولا أحسب ذا دين يدع فعل رسول - ﷺ - لقول أبي حنيفة.\n_________\n(^١) الإشعار: قال النووي في شرح صحيح مسلم (٨/ ٢٢٨): \" أما الإشعار: فهو أن يجرحها في صفحة سنامها اليمنى، بحربة أو سكين أو حديدة أو نحوها، ثم يسلت الدم عنها، وأصل الإشعار والشعور: الإعلام والعلامة، وإشعار الهدى لكونه علامة له، وهو مستحب ليعلم أنه هدي، فإن ضل رده واجده وإن اختلط بغيره تميز \".\n(^٢) ينظر قول أبي حنيفة في المبسوط (٤/ ١٣٨). ...\nعلى أن الطحاوي قد حمل قول أبي حنيفة على كراهة المبالغة في الإشعار، بحيث لا تؤمن السراية فيه.\nوأما صاحبا أبي حنيفة فقد ذهبا إلى القول بمشروعية الإشعار.\nينظر: المبسوط (٢/ ٤٩٢) وشرح فتح القدير (٣/ ٧).\n(^٣) البَحْر: في بيان المراد بالبحر والبحيرة أقوال عدة أثرت عن السلف، منها ما ذكره ابن الأثير في غريب الحديث (١/ ١٠٠) قال: \" كانوا إذا تابعت الناقة بين عشر إناث لم يُركَب ظهرها، ولم يُجَزّ وَبرها، ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو ضَيْف، وتركُوها مُسَيَّبة لسَبِيلها وسمَّوها السَّائبة، فما ولدَتْ بعد ذلك من أنثى شَقُّوا أذُنَها وخَلَّوا سَبْيلها، وحَرُم منها ما حرم من أمّها وسموها البَحيرة \".\nوأما المراد بالصرم فهو كما قال ابن الأثير في غريب الحديث (٣/ ٢٤): \" تقول هذه صُرُمٌ جمْع صَريم، وهو الذي صُرمت أُذنه: أي قطِعت، والصَّرم: القَطْعُ \".\n(^٤) ثبت ذلك في الحديث الذي أخرجه مسلم [٢/ ٧٤٣ كتاب الحج] وغيره عن ابن عباس ﵄، قال: صلى رسول الله - ﷺ - الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم، وقلدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج.","vol":"1","page":1316},{"text":"وقال أيضا في بيع العرايا بخرصها: إنه معارض للنهي عن المزابنة (^١)، وهو رجل لا يعرف العرايا ولا هي ببلده، وأصل العرية: أن يعري، وهو أن يهب الرجلُ رجلا نخلات من حائطه دون خمسة أوسق، فيريد المعري أن يبقيه تمرا لعياله، فأجيز لواهبه أن يشتريه بخرصها تمرًا إذ كان أصله معروفا، فلم يضيق عليه كما ضيق على غيره، وحصل أنه نقل الهبة إلى هبة غيرها (^٢)، وهذه الأشياء فأبو حنيفة عزبت (^٣) فيها.\n_________\n(^١) المزابنة: قال ابن عبد البر في الكافي (٣١٣): \" المزابنة معناها بيع كل معلوم بمجهول من جنسه، من المأكول والمشروب كله، وكذلك كل رطب بيابس\".\nينظر: كلام أبي حنيفة في العرايا في شرح معاني الآثار (٤/ ٣٠) والمبسوط (١٢/ ١٩٢).\n(^٢) ينظر: المدونة (١٠/ ٢٥٨) ومواهب الجليل (٦/ ٤٥٨).\n(^٣) قال في اللسان، مادة: عزب: \" عزبت الأرض إذا لم يكن بها أحد، مخصبة كانت أو مجدبة \".","vol":"1","page":1317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>ومن سورة الحج</span>.\n\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ إلى: ﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ (^١).\nخلق الله تعالى آدم - ﷺ - من تراب، وإنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض، من ماء وطين (^٢)، ومن طين لازب، ثم استخرج ذريته كل فريق من تربتهم الذي خلقهم منها، وفيها يدفنون يرجعون إلى التربة التي خلقوا منها.\nوأما قوله عز من قائل: ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ فالنطفة إذا وقع العلوق مكثت أربعين يوما، ثم علقة أربعين يوما، ثم مضغة أربعين مخلقة وغير مخلقة، ثم ينشئه الله خلقا آخر، ويأتي الملك فيكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد، كذلك رواه الأعمش عن زيد بن وهب (^٣) عن عبد الله (^٤)، ورواه\n_________\n(^١) سورة الحج (٥).\n(^٢) أخرج الطبري في تفسيره (١/ ٢٥١) عن سعيد بن جبير، نحو كلام المؤلف في سبب تسمية آدم.\n(^٣) هو: زيد بن وهب الجُهني، أبو سليمان الكوفي، أدرك النبي - ﷺ - ولم يره، شهد مع علي بن أبي طالب مشاهده، وكان ثقة كثير الحديث، توفي سنة ٩٦ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٤/ ٤١٤) وتهذيب التهذيب (٢/ ٢٥٣).\n(^٤) هو ابن مسعود - ﵁ -، تقدم.\nوالحديث أخرجه البخاري [١٥٦٤ كتاب التوحيد، باب قوله: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ..] ومسلم [٤/ ١٦١٦ كتاب القدر] عن الأعمش، بمعناه.","vol":"1","page":1318},{"text":"أبو وائل (^١) والشعبي وجماعة (^٢).\nوالنطفة إذا لم يُرِدِ الله ﵎ منها خلقا، بطلت في الرحم كما تبطل في الأرض، وإذا أراد الله ﷿ منها خلقا كانت كما ذكر زيد بن وهب.\nوقد اخْتُلِف فيها إذا لم يتم الخلق (^٣): فقال قوم: لا تصير أم ولد بذلك (^٤).\nوقال مالك - ﵁ -: تكون أم ولد بالمضغة التي يعلم بأنها مضغة، واحتج بقول الله ﷿: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ وقال في المعتدة إذا أسقطت: إنها تكون بذلك خارجة من العدة كانت مخلقة أو غير مخلقة، إذا عُلم أنه من أوائل الحمل وهو المضغة، فأما النطفة والعلقة فهي دم، فليس ذلك براءة، وكذلك قال في أم الولد: إنها تعتق بما تخرج به الحرة من العدة إذا مات سيدها (^٥).\n_________\n(^١) هو: شَقِيق بن سلمة الأسدي، أبو وائل الكوفي، أدرك النبي - ﷺ - ولم يره، قال عنه ابن معين: ثقة لا يسأل عن مثله، سكن الكوفة وتوفي بها سنة ٨٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٤١٠) وتهذيب التهذيب (٢/ ٥٠٨).\nوأما الطريق عنه فقد أخرجه الخلال في السنة (١/ ٥٤٠) والطبراني في الكبير (١٠/ ١٩٥) والصغير (١/ ٢٦٩).\n(^٢) رواية الشعبي عن ابن مسعود - ﵁ - أوردها ابن رجب في جامع العلوم والحكم ص ١٥٤ وعزاها إلى ابن أبي حاتم.\nوقد أخرج الطبري في تفسيره (٩/ ١١١) نحوها من قول الشعبي.\n(^٣) المسألة التي يشير إليها المؤلف ﵀ هي: الأمة إذا ألقت حملا من سيدها قبل أن يتم الخلق، هل تصير به أم ولد أم لا؟\n(^٤) ذهب الأحناف والشافعية والحنابلة، إلى أن الأمة لا تصير أم ولد بالسقط الذي ليس فيه ما يدل على التخلق والصورة الإنسانية - على تفصيل بينهم ـ.\nينظر: أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٥٧) وأحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٢٧٣) والمبسوط (٧/ ١٥٠) والإنصاف للمرداوي (٧/ ٤٩١) ونهاية المحتاج (٨/ ٤٢٨).\n(^٥) ينظر قول مالك في: المدونة (٦/ ١٢٩) والنوادر والزيادات (١٣/ ١٢٣) والتاج والإكليل (٨/ ٤٩٨).","vol":"1","page":1319},{"text":"وقد عارضنا قوم فقالوا: فإن (^١) ألقت نطفة؟ فقلنا: قال: النبي - ﷺ - وقد سئل عن العزل: (ليس كل وطء يكون منه الحمل) (^٢) وقد نرى ذلك ونعلمه، والإنسان يطأ الوطء الكبير فلا يرزق الولد، والنطفة إذا لم يرد الله ﵎ أن يخلق منها أبطلها.\nفأما إذا تبين من الخلق شيء وإن قَلّ، فهذا يُكَفن ويُغَسل، إذا تبين الرأس إلى عجب الذنب وإن لم يتم الخلق، وهذا قول مالك (^٣)، والحجة فيه القرآن وقوله ﷿: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ (^٤) فأخبرنا عز وعلا أن غير المخلقة لها حكم المخلقة في أن يُحْكم لأمه بحكم أم الولد (^٥)، وكذلك ما جُعِلَ في إمْلاص (^٦) المرأة، غرة عبد أو أمة (^٧) إذا تبين بعض الخلق، والله أعلم.\n_________\n(^١) لوحة رقم [٢/ ١٨٥].\n(^٢) أخرجه مسلم [٢/ ٨٦١ كتاب النكاح] من حديث أبي سعيد الخدري، بمعناه.\n(^٣) نسبة القول بتغسيل وتكفين السقط إلى الإمام مالك على الصفة التي ذكرها المؤلف، لم أجده ولا عن أحد من أئمة المذهب، ولم يحك قولا في المذهب، والذي وقفت عليه من كلام أئمة المذهب؛ أن السقط إذا لم تُلْقِه أمه وله حياة مستقرة - بأن يستهل صارخا ونحو ذلك مما يعلم به أن حيّ - فإنه لا يكفن ولا يغسل على نحو ما يفعل بالميت، وإنما يُغْسل عنه الدم ويلف في خرقة، قال في المدونة (١/ ٢٥٥): \" وقال مالك: لا يصلى على الصبي ولا يرث ولا يُوْرث، ولا يسمى ولا يغسل ولا يحنط حتى يستهل صارخا \".\nينظر - أيضا ـ: النودار والزيادات (١/ ٥٩٦) والمدخل (٣/ ٢٥٢) والتاج والإكليل (٣/ ٣).\n(^٤) سورة الحج (٥).\n(^٥) هذا الوجه الذي استدل به المؤلف ﵀ قد ذكره الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٥٨) ونسبه إلى القاضي إسماعيل وناقشه في كلام طويل، يحسن مطالعته.\n(^٦) قال في القاموس مادة: المِلاص: \" .. وأملصت ألقت ولدها ميتا \".\n(^٧) قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث (٣/ ٣١٨): \" فيه أنه جَعل في الجَنين غُرَّة عبْدًا أو أمَة، الغُرّة العبْد نَفْسُه أو الأمة، وأصل الغُرَّة: البياض الذي يكون في وجْه الفَرس .. \".","vol":"1","page":1320},{"text":"قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (^١).\nقال ابن عباس وابن عمر: سواء العاكف فيه والباد في المسجد الحرام (^٢).\nوقال جماعة من المفسرين مثل ذلك (^٣).\nوأما العاكف: فهم أهل مكة، وأما البادي: فهم أهل البادية ومن سلكها من أهل القرى وسائر الأمصار.\nوقال آخرون: الناس في رباع مكة سواء من احتاج سكن، وروي ذلك من طرق الشيوخ: (أن رسول الله - ﷺ - وأبا بكر وعمر - رحمة الله عليهما - قُبِضُوا وما تدعى رباع مكة إلا السوائب (^٤)، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن) (^٥)\nوروى عبيد الله (^٦) عن نافع (^٧) عن ابن عمر: أن عمر كان نهى أن تغلق دور مكة في زمان الحاج، وأن الناس كانوا ينزلون منها حيثما وجدوه فارغا، حتى كانوا يضطربون البساط في جوف الدور (^٨).\nوقال ابن عباس: إن عمر - ﵁ - جعل أسفل الوادي وأعلاه مناخا للحاج، وجعل جِيَاد (^٩) وقُعَيْقِعَان (^١٠) للمريحين (^١١) ومذاهب الناس (^١٢).\nوقال عكرمة وسئل عن كراء منازل مكة: لا بأس بذلك، قد اشترى عمر ابن الخطاب - ﵁ - بأربعة آلاف جعلها سجنا (^١٣).\nوقال عطاء: كانوا يكرهون أجرة الدور بمكة (^١٤).\n_________\n(^١) سورة الحج (٢٥).\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٢٨) والطحاوي شرح معاني الآثار (٤/ ٥١) والطبراني في الكبير (١٢/ ٦٧).\nوأما قول ابن عمر فقد عزاه في فتح الباري (٣/ ٥٢٧) والدر المنثور (٦/ ٢٥) إلى مسند عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٢٩) وشرح معاني الآثار (٤/ ٥١) عن عطاء.\nوقول سعيد بن جبير والحسن أخرجه عنهما ابن أبي شيبة [٣/ ٤٢٦ كتاب الحج، باب قوله: سواء العاكف فيه والباد].\n(^٤) قال في شرح سنن ابن ماجه (١/ ٢٢٤): \" السوائب جمع سائبة، ومعناه: الشيء المهمل، فيطلق على العبد إذا أسقط سيده الولاء ... وعلى الأرض إذا تركت بغير ملك\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٣٣١ كتاب الحج، باب في بيع رباع مكة] وابن ماجه [٢/ ٢٠٠ كتاب الحج، باب أجر بيوت مكة] والدارقطني [٣/ ٤٤ كتاب البيوع] والبيهقي [٦/ ٣٥ كتاب البيوع، باب ما جاء في بيع دور مكة] عن علقمة الكناني، وقال: هذا منقطع، وقال ابن حجر في الفتح (٣/ ٥٢٦): \" وفي إسناده انقطاع وإرسال\".\n(^٦) هو: عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو بكر المدني، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، مات قبل سنة ١٠٦ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ١٠٤) وتهذيب التهذيب (٤/ ١٩).\n(^٧) هو: نافع مولى عبد الله بن عمر، أبو عبد الله، أصابه عبد الله في غزاة، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، توفي بالمدينة سنة ١١٧ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٢١٩) وتهذيب التهذيب (٥/ ٥٨٩).\n(^٨) أخرجه الفاكهي في أخبار مكة (٣/ ٢٤٧) عن عبيد الله به، لكن قال: الفساطيط بدل البساط.\n(^٩) جياد وأَجْياد واحد، وهو: موضع بمكة مما يلي الصفا، واختلف في سبب تسميته بهذا، ومما قيل: إنه سمي بذلك لأن تُبَّعًا لما قدم مكة ربط خيله فيه فسمي بذلك. ينظر: معجم ما استعجم (١/ ١١٥) معجم البلدان (١/ ١٠٥).\n(^١٠) قُعَيْقِعَان بالضم ثم الفتح بلفظ التصغير، اسم جبل بمكة، قيل: إنما سمي بذلك لأن قُطُورَاء وجُرْهما لما تحاربوا قعقعت الأسلحة فيه. ينظر: معجم البلدان (٤/ ٣٧٩).\n(^١١) قال في اللسان مادة: روح: \" بالفتح، هو الموضع الذي يروح إليه القوم أَو يَروحُونَ منه، كالمَغْدَى الموضع الذي يُغْدَى منه \".\n(^١٢) جزء من أثر أخرجه الفاكهي في أخبار مكة (٣/ ٢٤٤).\n(^١٣) لم أجده عن عكرمة مع طول البحث، وقد أخرجه عبد الرزاق [٥/ ١٤٧ كتاب المناسك، باب الكراء في الحرم ..] والبيهقي [٦/ ٣٤ كتاب البيوع، باب ما جاء في بيع دور مكة ..] عن عمرو بن دينار، بنحوه.\n(^١٤) أخرجه الفاكهي في أخبار مكة (٣/ ٢٤٨) عن عطاء، بنحوه.","vol":"1","page":1321},{"text":"وروى الأسود (^١): أن عائشة كانت تنزل بالأَبْطَح (^٢) وتُدْعى إلى الدور فتأبى (^٣).\nقال إسماعيل (^٤): قد تأول قوم في بيوت مكة ما ذكرنا، والقرآن يوجب أنه المسجد الذي يكون فيه قضاء النسك وفضل الصلاة، قال الله ﵎: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (^٥) أي يصدون عن المسجد الحرام، وقال: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (^٦) وقال سبحانه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (^٧) أي وعن المسجد الحرام، فدل ذلك كله على أنه المسجد الحرام، لتملك قريش عليه وادعائهم أنهم أربابه وولاته (^٨) وأنهم يمنعون من أرادوا ظلما، فأعلم الله ﷿ أن الناس كلهم فيه سواء، وأما المنازل فلم يزل لأهل مكة المنازل والدور، غير أن المواساة تجب إذا كانت الضرورة، ولعل عمر ﵀ فعل ذلك على طريق المواساة عند الحاجة، والله أعلم (^٩).\nقال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ\nنُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (^١٠).\nقال قوم في هذه الآية: أنّ الإلحاد فيه الشرك (^١١).\nوقال آخرون: كل ظلم (^١٢)، حتى كان عبد الله بن عمرو يتوقى معاتبة أحد بمكة حتى يخرج إلى الحل (^١٣).\nوقال بعض المفسرين: فلو هَمَّ بظلم بمكة لأذاقه الله عذابا أليما (^١٤).\nوالمعروف في اللغة: أن كل من جَارَ أو مَالَ عن الحق إلى الباطل فقد ألحد (^١٥)، واللحد في القبر مأخوذ من هذه الآية، أميل إلى شق القبر (^١٦)، وقد ذكر الله ﷿\n_________\n(^١) هو: الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الرحمن، قال ابن حبان: كان فقيها زاهدا، توفي بالكوفة سنة ٧٥ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٩٥) وتهذيب التهذيب (١/ ٢٧٥).\n(^٢) الأبطح: كل مسيل فيه دِقَاق الحصى فهو أَبْطَح، والمراد به موضع بين مكة ومنى، وهو إلى منى أقرب، ويعرف بالمُحصب وخَيْف بني كنانة. ينظر: معجم البلدان (١/ ٧٤).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٢٧٦ كتاب الحج، باب قوله: ومن يعظم حرمات الله ..] به.\n(^٤) هو: ابن إسحاق القاضي، صاحب الأصل.\n(^٥) سورة الحج (٢٥).\n(^٦) سورة الفتح (٢٥).\n(^٧) سورة البقرة (٢١٧).\n(^٨) لوحة رقم [٢/ ١٨٦].\n(^٩) قول القاضي إسماعيل في هذه المسألة إحدى الروايات في المذهب عن مالك، ينظر: البيان والتحصيل (٣/ ٤٠٥) والذخيرة (٥/ ٤٠٦) ومواهب الجليل (٧/ ٥٤٦).\n(^١٠) سورة الحج (٢٥).\n(^١١) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٣١) عن: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.\n(^١٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٣١) عن: عبد الرحمن بن زيد، ومجاهد.\n(^١٣) أخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٢٦٩ كتاب الحج، باب حرمة البيت وتعظيمه] بنحوه.\nوقد أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٣٢) بنحوه، لكن من حديث عبد الله بن عمر\n(^١٤) أخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٢٦٩ كتاب الحج، باب حرمة البيت وتعظيمه] والطبري (٩/ ١٣١) والحاكم [٢/ ٤٢٠ كتاب التفسير، سورة الحج] وقال: على شرط مسلم، ممن روي عنه هذا القول ابن مسعود - ﵁ -، .\n(^١٥) اختار المؤلف ﵀ بقاء الآية على إطلاقها لتشمل كل أنواع الإلحاد في الحرم، وهذا صحيح، وما نقله من كلام بعض السلف لا يعارضه، على اعتبار أنه من باب البيان، وتفسير الشيء ببعض ما يدل عليه، وقد قال الطبري في تأييد بقاء الآية على عمومها: \" وأولى الأقوال التي ذكرناها في تأويل ذلك بالصواب؛ القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود وابن عباس، من أنه معني بالظلم في هذا الموضع؛ كل معصية لله، وذلك أن الله عم بقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ ولم يخصص به ظلم دون ظلم في خبر ولا عقل فهو على عمومه \" تفسير الطبري (٩/ ١٣٢) وهذا - أيضا - ما قرره ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٢٧٧).\n(^١٦) ينظر: القاموس مادة: اللحد.","vol":"1","page":1322},{"text":"في كتابه ما يدل على هذا، قال الله ﷿: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ (^١) وقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (^٢) وقد قريء: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ و﴿يَلْحَدُونَ﴾ (^٣).\nوأما قوله: ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ فهذه الباء تجعلها العرب صلة في الكلام، ويجعلون إثباتها وإسقاطها سواء، ومعنى إلحاد وبإلحاد واحد (^٤) وكذلك ما، مثل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (^٥) وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (^٦) فيجعلون ما صلة في الكلام، ويجعلون إثباتها وإسقاطها سواء (^٧).\n_________\n(^١) سورة الأعراف (١٨٠).\n(^٢) سورة النحل (١٠٣).\n(^٣) قرأ حمزة: (يلحدون) في الموضعين بفتح الياء والحاء، ووافقه الكسائي في النحل، وقرأ الباقون في الموضعين بضم الياء وكسر الحاء. ينظر: التيسير للداني (١١٥) و(١٣٨).\n(^٤) ينحو هذه الطريقة بعض المفسرين، فيجعلون حرف الباء صلة، وذهب بعض المفسرين إلى أن التعدية بحرف الباء ونحوه، له معنى خاص، قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٤٤) بعد أن ذكر هذا القول المشهور\" والأجود: أنه ضمن الفعل هاهنا معنى: يهم، ولهذا عداه بالباء، فقال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ)﴾ أي يهم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار \".\n(^٥) سورة البقرة (٢٧).\n(^٦) سورة آل عمران (١٥٩).\n(^٧) ينظر مذاهب أهل العلم في إعراب حرف الباء: البحر المحيط (٦/ ٣٣٦) والدر المصون للحلبي (١/ ١٦٣).","vol":"1","page":1323},{"text":"قال الله ﵎ ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ (^١).\nقال ابن عباس - ﵁ - لما فرغ إبراهيم - ﵇ - من بناء البيت قيل له: أذن في الناس بالحج، قال: رب وما يبلغ صوتي! قال: أذن وعليّ البلاغ، قال: فنادى إبراهيم - ﷺ -: يا أيها الناس كتب الله عليكم الحج إلى البيت العتيق، قال: فسمعه ما بين السماء والأرض (^٢).\nوقال سعيد بن جبير ومجاهد وغيرهما: قام إبراهيم - ﵇ - على المقام فأذن بالحج، فأجاب الناس والجن: بلبيك ربنا، فكل من حج البيت أو يحجه فهو مَنَ أَجَابَ يومئذ (^٣)، والله أعلم.\n\nقال الله ﵎: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ (^٤).\nقال ابن عباس - ﵁ -: هم المشاة والركبان يأتون من كل فج عميق (^٥).\nقال الزيادي (^٦): المعمق الذاهب على وجه الأرض.\n_________\n(^١) سورة الحج (٢٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٣٢٩ كتاب الحج، ما ذكر مما أعطى الله إبراهيم - ﵇ -] والطبري في تفسيره (٩/ ١٣٤) والحاكم [٢/ ٤٢١ كتاب التفسير، سورة الحج] وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي [٥/ ١٧٦ كتاب الحج، باب دخول مكة بغير إرادة حج] بلفظه.\n(^٣) أخرجه عنهما الطبري في تفسيره (٩/ ١٣٤) بنحوه.\n(^٤) سورة الحج (٢٧).\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٣٥) بمعناه، وأورده في الدر المنثور (٦/ ٣٦) بنحوه، وعزاه إلى ابن المنذر.\n(^٦) هو: إبراهيم بن سفيان بن سليمان بن زياد ابن أبيه، أبو إسحاق النحوي، كان لغويا شاعرا راوية، من مؤلفاته كتاب شرح نكت كتاب سيبويه وكتاب النقط والشكل، توفي سنة ٢٤٩ هـ. ينظر: معجم الأدباء (١/ ١٠٠).","vol":"1","page":1324},{"text":"قال المازني (^١): يقال عميق ومعمق.\nوقال رؤبة (^٢):\nوقَاتِم الأعْمَاقِ خَاوي المُخْتَرَقْ (^٣)\nفالأعماق جمع عمق، والمعمق هاهنا الذاهب على وجه الأرض المخترق حيث صار خرقا، والخرق الفلاة تنخرق (^٤) في الفلاة.\nوقال قتادة: من مكان بعيد (^٥)، وقوله يشبه قول أبي إسحاق الزيادي (^٦) أنه\nالموضع البعيد على وجه الأرض، وقال الشاعر:\nيقطعن بُعْدَ النازح العميق (^٧)\nقال مجاهد: حج إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما مشاة (^٨)، وقال: أهبط آدم - ﷺ - بالهند فحج البيت على قدميه أربعين حجة (^٩).\nقال الله ﵎: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (^١٠).\nقال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو رزين (^١١): المنافع التجارة (^١٢).\nوقال أبو جعفر محمد بن علي (^١٣): المغفرة (^١٤).\nوقول من قال: التجارة، فبعيد من القلب بعدا شديدا؛ لأنهم يصير المعنى أنهم يأتون من كل فج عميق ليتجروا لا لشيء سوى ذلك، ولو كان ذلك كذلك لذهب المعنى الذي أجابوا إليه حين دعاهم إبراهيم - ﵇ - في قوله عز من قائل: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (^١٥) فيصير الناس إنما أتوا لغير ما دعوا إليه، وهذا ما لم أكن أحب أن أذكره رواية عمن قدمت ذكره، ولكن كرهت أن يظن بي إغفالا، وإنما المعنى ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ شهود عرفة ومزدلفة ومنى وطواف الإفاضة، هذه هي المنافع التي يأتون ليشهدوها، ولينحروا ما كان معهم من الهدي، فهذه الأفعال كلها خالصة لله، وأرخص لهم بعد ذلك في التجارة حين تَوقَى الناس أن يتشاغلوا بها في الحج الذي قصدوا إليه لربهم، وأنزل عليهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (^١٦) فأرخص لهم في ذلك إذ لا يشغلهم عن أعمال الحج التي قصدوا لها، وقد كانت الجاهلية لا يستحلون التجارة في الحج، فإذا كانت التجارة هذا حكمها، فكيف يكون أن يقال في قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ أنها التجارة، والله أعلم (^١٧)\nقال الله عز وعلا: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (^١٨).\n_________\n(^١) هو: بكر بن محمد بن عدي المازني، أبو عثمان البصري، إمام العربية، أثنى عليه المبرد كثيرا، من مصنفاته التصريف، توفي سنة ٢٤٧ هـ. ينظر: معجم الأدباء (٢/ ٣٤٥) وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٧٠).\n(^٢) هو: رؤبة بن العجاج ويكنى أبا الجحاف، واسم أبيه عبد الله بن رؤبة بن زيد مناة الراجز المشهور من مخضرم الدولتين، ومن أعراب البصرة، توفي سنة ١٤٥ هـ. ينظر: طبقات فحول الشعراء (٢/ ٧٣٨) معجم الأدباء (٣/ ٣٤١).\n(^٣) هذا صدر بيت لرؤبة، وعجزه: مُشْتَبِهِ الأَعْلامِ لَمَّاعِ الخَفَق.\nينظر: الأغاني (٢٠/ ٣٦٢) وطبقات فحول الشعراء (٢/ ٧٦١) ومعجم مقاييس اللغة مادة: خرق\nقوله: قاتم الأعماق: أي مغبر النواحي والأطراف. ينظر: اللسان مادة: قتم.\nوقوله: خاوي المخترق: أي الممر. ينظر: اللسان مادة: خرق.\nقال ابن العربي في بيان معنى هذا البيت: \" يريد بالأعماق الأبعاد، ترى عليها قتاما يخترق منها جوا خاويا، وتمشي فيه كأنك وإن كنت مصعدا هاو، ولذلك يقال: بئر عميقة أي بعيدة القعر \" أحكام القرآن (٣/ ٢٨١).\n(^٤) لوحة رقم [٢/ ١٨٧].\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٦).\n(^٦) هو: إبراهيم بن سفيان الزيادي، تقدم.\n(^٧) لم أجده.\n(^٨) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٣٧).\n(^٩) أورده العيني في عمدة القاري (٩/ ١٣٠) وقال: \" وذكر إسماعيل بن إسحاق عن مجاهد قال: أُهبط آدم - ﵇ - بالهند فحج على قدميه البيت أربعين حجة \".\nوأخرجه الطبري في تاريخه (١/ ٨١) والبيهقي في الشعب (٣/ ٤٣٤) من رواية مجاهد عن ابن عباس.\n(^١٠) سورة الحج (٢٨).\n(^١١) هو: مسعود بن مالك الأسدي، تقدم.\n(^١٢) أخرجه عنهم الطبري في تفسيره (٩/ ١٣٧) بنحوه.\nوأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٧) عن مجاهد أيضا.\n(^١٣) هو: محمد بن علي بن الحسين بن علي الهاشمي، أبو جعفر الباقر، أحد الأئمة الاثنا عشر الذين غلت فيهم الشيعة الإمامية، توفي بالمدينة ١١٤ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٠١) وتهذيب التهذيب (٥/ ٢٠٩).\n(^١٤) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٣٧).\n(^١٥) سورة الحج (٢٧ - ٢٨). سقط من الأصل كلمة: (بالحج) وقوله: (معلومات).\n(^١٦) سورة البقرة (١٩٨).\n(^١٧) ما قرره ﵀ في معنى المنافع صحيح، وهو أول ما يحمل عليه معنى المنافع، غير أنه لا معارضة بينه وبين ما روي عن بعض السلف في معنى المنافع؛ لأنهم لما ذكروا التجارة ونحوها لم يقصدوا به الحصر، وإنما من باب التمثيل، وذكر بعض أفراد العموم الذي لا يراد به الحصر، وأحسب أن كلام المؤلف لا يخرج عنه، قال ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٢٨٢): \" وهو الصحيح، وذلك كله من نسك، وتجارة، ومغفرة، ومنفعة دنيا وآخرة، والدليل عليه عموم قوله: (منافع) فكل ذلك يشتمل عليه هذا القول، وهذا يعضده ما تقدم في البقرة في تفسير قوله: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) وذلك هو التجارة بإجماع من العلماء \".\n(^١٨) سورة الحج (٢٨).","vol":"1","page":1325},{"text":"قد تكلمنا في هذه الآية في سورة البقرة، قوله سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ\nمَعْدُودَاتٍ﴾ (^١) بما فيه كفاية إن شاء الله (^٢).\nقال الله جل وعلا: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (^٣).\nقال الحسن: البائس الفقير الذي لا تغنيه اللقمة (^٤).\nوقال مجاهد: الذي يمد إليك يده (^٥).\nقال الله ﵎: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (^٦).\nقال ابن عمر: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ ما عليهم من الحج، وأن يأخذ من شاربه وأظفاره (^٧).\nوقال ابن عباس: التفث الحلق (^٨) والتقصير والرمي والذبح وقص الشارب ونتف الإبط وقص الأظفار (^٩).\nوحكى عنه عكرمة مجملا، قال: المناسك (^١٠).\n_________\n(^١) سورة البقرة (٢٠٣).\n(^٢) ينظر: قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ لوحة رقم: ٤٤.\n(^٣) سورة الحج (٢٨).\n(^٤) لم أقف عليه، وفي معناه ما أخرجه البخاري [٩٣٦ كتاب التفسير، سورة البقرة، باب: لا يسألون الناس إلحافا] وغيره عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة ولا اللقمتان إنما المسكين الذي يتعفف واقرؤوا إن شئتم يعني قوله: (لا يسألون الناس إلحافا).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٧) والطبري في تفسيره (٩/ ١٣٩) والبيهقي [٩/ ٢٩٤ كتاب الحج، باب إطعام البائس الفقير] بنحوه.\n(^٦) سورة الحج (٢٩)\n(^٧) أخرج الطبري في تفسيره (٩/ ١٣٩) أوله.\n(^٨) لوحة رقم [٢/ ١٨٨].\n(^٩) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٣٩) بنحوه.\n(^١٠) لم أجده من رواية عكرمة، وقد أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٤٠) عن ابن عباس من طريق آخر.","vol":"1","page":1326},{"text":"وقال مجاهد: حلق الرأس وما ضارعه من تفث البدن (^١).\nوقال الحسن: التفث حلق الرأس (^٢).\nوقال محمد بن كعب: حلق الأشعار والأظفار (^٣).\nقال بكر: والصحيح من ذلك حلق الرأس، إذ كان من شرائط الحج والعمرة، قال الله جل وعز: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (^٤) فالحلق والتقصير لا بد منهما، ألا ترى النبي - ﷺ - قال: (يرحم الله المحلقين ثلاثا، ثم قال: والمقصرين في الرابعة) (^٥) فالتفث الذي في معنى الآية هو هذا، وما عداه من تقليم الأظفار ونتف الإبط وقص الشارب، وما أشبهه يدخل بالمعنى، لأنه تفث البدن، والله أعلم (^٦).\nقال الله ﵎: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (^٧).\nقال مجاهد: نَذْرُ الحج والهدي وما نَذَرَ الإنسان من شيء يكون في الحج (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٤٢٩ كتاب الحج، قوله: ثم ليقضوا تفثهم] بنحوه.\n(^٢) أخرجه المحاملي في أماليه (١٦٤) به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٤٢٩ كتاب الحج، قوله: ثم ليقضوا تفثهم] بنحوه.\n(^٤) سورة البقرة (١٩٦).\n(^٥) الحديث روي عن عدد من الصحابة، بألفاظ مختلفة ومعان متقاربة، من أقربها إلى ما أورده المؤلف ما أخرجه أحمد (٢/ ١٦) من حديث ابن عمر - ﵃ -.\nوقد أخرجه البخاري [٣٤٢ كتاب الحج، باب الحلق والتقصير عند الإحلال] ومسلم [٢/ ٧٧٠ كتاب الحج] بمعناه.\n(^٦) وقد رجح ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٢٨٤) في معنى التفث، نحوا مما قرره المؤلف هنا.\n(^٧) سورة الحج (٢٩).\n(^٨) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٤١).","vol":"1","page":1327},{"text":"قال إسماعيل (^١): كل شيء واجب على الإنسان فهو يسمى نذرا، فكأنه قيل: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ما وجب عليهم من أمر الحج.\nقال بكر: والمعنى في هذه الآية - والله أعلم - أنه رمي الجمار، وجمرة العقبة خاصة إذ كانت بها يتحلل من الإحرام، وقد يجوز أن يدخل غيرها في معناها، والله أعلم.\nقال الله ﷿: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (^٢).\nهذا الطواف هو المفروض وهو طواف الإفاضة؛ لأنه يقع بعد الرجوع من عرفة وبعد رمي جمرة العقبة، وأهل العراق يسمونه طواف الزيارة، فهو الواجب في الحج الذي لا يجزئ الحج إلا به، فأما الطواف قبل عرفة فهو سنة، وإن فات بعذر مثل من يأتي وهو مُراهِق (^٣) يخاف فوات عرفة، ومثل الحائض، فليس عليهم في ترك ذلك شيء، وأما طواف الإفاضة فهو الواجب الذي لا يجوز تركه، وقد أمر الله به وأكده، وقال النبي - ﷺ - في قصة صفية (^٤): (حابستنا هي؟ قالوا: إنها قد أفاضت، قال: فلا إذا) (^٥).\nقال الله ﵎: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (^٦).\nقال مجاهد: الحرمة مكة والحج والعمرة وما نهى الله عنه من معاصيه كلها (^٧).\nوقال زيد بن أسلم: الحرمات خمس: الكعبة، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والمُحْرِم حتى يحل (^٨).\nقال الله عز وعلا: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (^٩).\nقال قتادة: الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه (^١٠).\nوقال إسماعيل (^١١): قال الله ﵎ (^١٢): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (^١٣) وقال الله ﵎: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ إلى ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ (^١٤) وقال في سورة البقرة: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ (^١٥) الآية، فأحسب - والله أعلم - هو ما يتلى عليهم.\nقال الله ﵎: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (^١٦).\nرُوي عن النبي - ﷺ - أنه قال: (عُدلت شهادة الزور بالإشراك بالله - ثلاث مرات ـ) (^١٧) ثم تلا هذه الآية ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ (^١٨).\n\nوروي عن ابن مسعود - ﵁ -: عُدِلت شهادة الزور بالشرك، ثم قرأ الآية (^١٩).\nقال بكر: والكذب كله زور، فأعلاه الإشراك بالله، ولعل الآية أُريد بها الكفر في هذا الموضع، ألا تراه قال - جل وعز ـ: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ (^٢٠) وكل كذب وشهادة بغير حق فهو زور، والروايتان اللتان ذكرناهما عن النبي - ﷺ - وعن ابن\n_________\n(^١) هو: ابن إسحاق القاضي، تقدم.\n(^٢) سورة الحج (٢٩).\n(^٣) قال في اللسان مادة: رهق، في معنى مراهق: \" أَي إذا ضاق عليه الوقت بالتأخير حتى يخاف فَوْت الوقوف\".\n(^٤) هي: أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب، كانت من صفي رسول الله - ﷺ - من سبي خيبر، ثم أعتقها وتزوجها، توفيت سنة ٥٢ هـ ودفنت بالبقيع. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٣١٠) والإصابة (٨/ ٢١٠).\n(^٥) أخرجه البخاري [١٦٧٠ كتاب الحج، باب إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت] ومسلم [٢/ ٧١٣ كتاب الحج] عن عائشة، به.\n(^٦) سورة الحج (٣٠).\n(^٧) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٤٣) به.\n(^٨) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٤٣) ولفظه: الحرمات: المشعر الحرام والبيت الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام، هؤلاء الحرمات.\nوفي لفظ آخر (٩/ ١٤٦): الشعائر: الجمار والصفا والمروة من شعائر الله، والمشعر الحرام والمزدلفة، قال: والشعائر تدخل في الحرم، هي شعائر، وهي حرم.\n(^٩) سورة الحج (٣٠).\n(^١٠) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٨١) والطبري في تفسيره (٩/ ١٤٣) به.\n(^١١) هو: ابن إسحاق القاضي، تقدم.\n(^١٢) لوحة رقم [٢/ ١٨٩].\n(^١٣) سورة المائدة (١).\n(^١٤) سورة المائدة (٣).\n(^١٥) سورة البقرة (١٧٣). وفي الأصل جعل أول الآية (حرمت عليكم الميتة والدم ..).\n(^١٦) سورة الحج (٣٠).\n(^١٧) أخرجه ابن ماجه [٢/ ٥٠ كتاب الأحكام، باب شهادة الزور] وأبو داود [٣/ ٢٩٨ كتاب الأقضية، باب في شهادة الزور] والترمذي [٤/ ١٣٣ كتاب الشهادات، باب ما جاء في شهادة الزور] وقال: هذا عندي أصح، من حديث خُرَيم بن فَاتِك به، والحديث ضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود ص ٣٥٦.\n(^١٨) سورة الحج (٣٠ - ٣١).\n(^١٩) أخرجه عبد الرزاق [٨/ ٣٢٧ كتاب الشهادات، باب عقوبة شهادة الزور] وابن أبي شيبة [٤/ ٥٤٩ كتاب البيوع والأقضية، ما ذكر في شهادة الزور] والطبراني في الكبير (٩/ ١٠٩) به.\n(^٢٠) سورة الحج (٣١).","vol":"1","page":1328},{"text":"مسعود روايات الشيوخ، لولا ذلك لم يجر الكلام في إثرهما لغير ما ذكر في الحديثين، والله أعلم، ويجوز أن يكون معنى الحديثين لا بالآية ولكن بالمعنى، والله أعلم.\nقال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا\nمِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (^١).\nشعائر الله هاهنا فرائض الحج وسننه، وتعظيمها واستحسانها من التقوى، فمن عرف ذلك من قلبه فقد آتاه الله تقواه، فليشكر الله ﷿ على ما أعطاه.\nقال الله ﷿: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الآية (^٢).\nقال ابن عباس - ﵁ -: لهم فيها منافع إلى أن تصير بُدْنا (^٣).\n\nوقال مجاهد: ظهورها وألبانها وأصوافها (^٤).\nوقال عطاء: ظهورها وألبانها وأصوافها (^٥)، وقال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ إلى مكة، والأسانيد عنهم ليست بالقوية، وقد رأى النبي - ﷺ - رجلا يسوق بدنة قال: (اركبها. قال: إنها بدنة. قال: اركبها - ثلاثا ـ) (^٦).\n_________\n(^١) سورة الحج (٣٢).\n(^٢) سورة الحج (٣٣).\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٤٧) بنحوه.\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٤٧) بنحوه.\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٤٨) بمعناه.\n(^٦) أخرجه البخاري [٣٣٥ كتاب الحج، باب ركوب البدن] ومسلم [٢/ ٧٨٣ كتاب الحج] عن أبي هريرة وأنس بن مالك - ﵃ -، نحوه.","vol":"1","page":1329},{"text":"وقول من قال: إنه ينتفع بها إلى أن تصير بدنة، فهذا ليس بأجل مسمى؛ لأن المسمى معلوم وقته، والبدن قبل الإيجاب لا تسمى بدنة، فكيف يقال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ أنها البدن ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وإنما هي إبل ليس فيها إيجاب، ولا تكون بدنا حتى توجب، وإنما البدن أحد شعائر الله ﷿ فكأنه قيل: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (^١) ولكم في كل شعائر الله خير، من عرفة والمشعر ورمي الجمار والطواف (^٢) وهذه أشياء لابد منها في الحج، وقد يحج الحاج ولا يسوق بدنا ولا تجب عليه، فإذا فعل ذلك دخل في جملة الشعائر.\nوقد سئل عطاء عن الشعائر فقال: حرمات الله، اجتناب سخط الله واتباع طاعته فذلك شعائر الله (^٣).\nوقال زيد بن أسلم: الشعائر ست: الصفا والمروة، والبدن، والجمار، والمشعر الحرام، وعرفة، والركن، والحرمات خمس: الكعبة، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والمُحْرِم حتى يحل (^٤).\nوقال أبو مصعب (^٥): قال مالك: إذا مضت عشية عرفة وليلة المزدلفة والوقوف بالمزدلفة حين الوقوف بها، فلا معتمل لأحد في شيء من ذلك، لأن الله ﵎\n_________\n(^١) سورة الحج (٣٦).\n(^٢) لوحة رقم [٢/ ١٩٠].\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٢٧٥ كتاب الحج، قوله تعالى: ومن يعظم شعائر الله] به.\n(^٤) تقدم تخريجه عند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾.\n(^٥) هو: أحمد بن القاسم بن الحارث بن زرارة الزهري، أبو مصعب المدني، فقيه المدينة، وأحد أشهر رواة مالك الذين نشروا مذهبه، توفي بالمدينة سنة ٢٤٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٠٨) وتهذيب التهذيب (١/ ٨٣).","vol":"1","page":1330},{"text":"ـ (^١): ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (^٢) فمن شعائر الله عرفة والمزدلفة قال الله ﷿: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ (^٣) فلا معتمل لأحد في شيء من هذا بعد أن يمضي الأجل المسمى، وإذا مضت أيام منى فلا ترمى الجمار بعد ذلك؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (^٤) فإنما منافع تلك الشعائر انقضاؤها إلى ذلك الأجل المسمى فإذا مضى الأجل فليس هناك معتمل، وانقضاء الأيام قول الله ﷿: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (^٥).\nوالذي قاله مالك - ﵁ - قول واضح يشهد له القرآن ومعانيه، فالمنفعة بعرفة: إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر، والمنفعة في رمي الجمار: إلى انقضاء أيام منى، والمنفعة للمشعر الحرام: إلى أن تطلع الشمس، فكل هذه من الشعائر، وفي كل صنف منها المنفعة إلى وقت معلوم، ثم محلها كلها إلى البيت العتيق، فإذا أطاف الحاج بعد هذه المشاعر فقد حل بالبيت العتيق.\n_________\n(^١) كذا في الأصل، والسياق يقتضي زيادة: قال.\n(^٢) سورة الحج (٣٢، ٣٣).\n(^٣) سورة البقرة (١٩٨).\n(^٤) سورة الحج (٣٢ - ٣٣).\n(^٥) سورة البقرة (٢٠٣).","vol":"1","page":1331},{"text":"قال الله ﷿: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (^١).\nوقال في الموضع الآخر ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ (^٢).\nقال مجاهد: هراقة دماء الهدي (^٣)، قال: وهو كقوله: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ (^٤) يعني صلاتي وذبحي.\nوقال عكرمة ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ قال: ذبحا هم ذابحوه (^٥).\nولِمَا قال وجه، وقد يجوز أن يكون قوله: ﴿مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ يريد الذبح، ويكون قوله: ﴿مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ يراد به منهجا من الدين؛ لقوله عز من قائل: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ (^٦) أي لا يخالفوا عليك فيما تعلمهم من مناسكهم، ولذلك قال النبي - ﷺ - في حجة الوداع: (خذوا عني (^٧) مناسككم) (^٨) والله أعلم بما أراد من ذلك.\n_________\n(^١) سورة الحج (٣٤).\n(^٢) سورة الحج (٦٧).\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٨٥) بنحوه.\n(^٤) سورة الأنعام (١٦٢).\n(^٥) أورده في الدر المنثور (٦/ ٧٣) وعزاه إلى مسند عبد بن حميد. وقد بحثت في المطبوع منه فلم أجد فيه شيئا.\n(^٦) سورة الحج (٦٧).\n(^٧) لوحة رقم [٢/ ١٩١].\n(^٨) جزء من حديث أخرجه مسلم [٢/ ٧٦٩ كتاب الحج] عن جابر بن عبد الله، بنحوه.","vol":"1","page":1332},{"text":"وقد قال إبراهيم النخعي في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ (^١) قال: من احتاج إلى ظهر البُدْن ركب، ومن احتاج إلى لبنها شرب (^٢).\nوالدنيا والآخرة (^٣) ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (^٤) قد ذكر الله ﵎ الخير في مواضع من القرآن يريد الدنيا وما فيها، ولكن الخير في هذه الآية لخير الآخرة، ولو كان القصة (^٥) إلى منافع الدنيا لكان تركها من غير أن يوجب بُدْنا أنفع لهم في دنياهم، قال الله عز من قائل: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ (^٦) هي التوحيد فله خير منها، يريد أنه يعتاض منها خيرا، وهو (^٧) الجنة أخير من التوحيد، وإنما هو خير يورثه التوحيد، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ (^٨) فهي الشرك، وقال جماعة من المفسرين: الحسنة: لا إله إلا الله، والسيئة الشرك (^٩).\nقال الله جل وعز: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (^١٠).\n_________\n(^١) سورة الحج (٣٦).\n(^٢) تفسير الثوري (١/ ٢١٣).\n(^٣) الظاهر أن في الكلام سقطا يتعلق بمعاني الخير، يشهد لهذا كلام المؤلف بعده عن خير الدنيا والآخرة، قال النسفي في تفسيره: \" وقيل: في البدن خير؛ وهو النفع في الدنيا والأجر في الآخرة \" والله أعلم.\n(^٤) سورة العاديات (٨).\n(^٥) كذا في الأصل، ويحتمل: القصد.\n(^٦) سورة النمل (٨٩).\n(^٧) كذا في الأصل، ولعلها تحرفت عن كلمة: وهل، لأنه أراد أن المفاضلة ليست بين التوحيد والجنة، وإنما أراد أن التوحيد يورث الجنة.\n(^٨) سورة النمل (٩٠).\n(^٩) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٢٢) عن: ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والنخعي.\n(^١٠) سورة الحج (٣٦).","vol":"1","page":1333},{"text":"روي عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال: قياما معقولة، قال أبو ظبيان (^١): فقلت له: فما أقول؟ قال: قل: لا إله إلا الله والله أكبر، اللهم منك ولك (^٢).\nوقد قرئت ﴿صواف﴾ وقرئت ﴿صوافن﴾ (^٣).\nفمن قرأها ﴿صوافن﴾ فمعناها: معقولة قائمة على ثلاث، ومن قرأها ﴿صواف﴾ قياما على أربعتها.\nوروى مالك عن نافع عن ابن عمر: أنه كان ينحر هديه بيده، يصفهن قياما\n\nويوجههن للقبلة، ثم يأكل ويطعم (^٤).\nوقد روى سعيد بن جبير أن ابن عمر كان ينحر البدن وهي على ثلاث قوائم يعقل يدها (^٥).\nوقرأها سعيد: ﴿فاذكروا اسم الله عليها صوافن﴾.\nوالصحيح عن ابن عمر ما رواه نافع (^٦)، والذي يختاره مالك أن تنحر قائمة غير معقولة، فإن تعذر النحر وهي قائمة غير معقولة عقلها (^٧)، فكل ذلك واسع غير\n_________\n(^١) هو: حصين بن جندب بن الحارث، أبو ظبيان الكوفي، وثقه ابن معين وأبو زرعة وغيرهما، توفي بالكوفة سنة ٩٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٤٧١) وتهذيب التهذيب (١/ ٦٠٧).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٥٣) وبه،\nوأخرجه الحاكم [٢/ ٤٢٢ كتاب التفسير، سورة الحج] وصححه، والبيهقي [٥/ ٢٣٧ كتاب الحج، باب نحر الإبل قياما] بنحوه.\n(^٣) أما قراءة (صواف) فقد قرأ بها العشرة، وأما قراءة (صوافن) فقد قرأ بها ابن مسعود وابن عمر وابن عباس، وهي قراءة شاذة. ينظر: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٣٤٣).\n(^٤) أخرجه البيهقي [٥/ ٢٣٢ كتاب الحج، باب الاختيار في التقليد والإشعار] ومالك في الموطأ [١/ ٣٠٥ كتاب الحج، باب العمل في الهدي حين يساق] والطبري في تفسيره (٩/ ١٥٤).\n(^٥) أخرجه البيهقي [٥/ ٢٣٧ كتاب الحج، باب نحر الإبل قياما] بمعناه.\n(^٦) وجه التصحيح - كما ظهر لي - من جهة قوة الإسناد؛ لأنها من رواية مالك عن نافع عن ابن عمر - ﵁ -، وقد قيل: بأنها أصح الأسانيد، ينظر ما ذكره السيوطي في تدريب الراوي (١/ ٧٦) في مسألة أصح الأسانيد.\nعلى أن رواية سعيد بن جبير صحيحة، فقد أخرجها سعيد بن منصور في سننه، قال: ثنا هشيم قال ثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير، هشيم هو ابن بشر، قال عنه ابن حجر في التقريب ص ١٠٢٣: \" ثقة كثير التدليس والإرسال الخفي\" وقد صرح بسماعه من أبي بشر، وباقي رجاله ثقات.\n(^٧) ينظر قول مالك في: النوادر والزيادات (٢/ ٤٤٨) والبيان والتحصيل (٣/ ٢٨٠) وأحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٢٩٢).","vol":"1","page":1334},{"text":"محرم؛ لأن من قرأ: ﴿صواف﴾ أراد مصطفة، ومن قرأ: ﴿صوافن﴾ أراد معقولة، إلا أن القراءة على لفظ مصحفنا أعم وأصوب، إذ المعروف في اللغة أن الصوافن والصافنات نعتا (^١) للخيل، فإن أُدْخِلت الإبل في ذلك فعلى التشبيه (^٢)، ولا ضرورة بالناس إليه، إذ لم يكن الخط في المصحف على صوافن، وليس يجوز أن يخالف لفظ المصحف المجتمع عليه برواية، والله أعلم.\nقال الله عز وعلا: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (^٣).\nقال مِقْسَم (^٤) عن ابن عباس، - وقاله مجاهد والضحاك ـ: إذا وقعت على\n_________\n(^١) كذا في الأصل بالنصب، ومقتضى قواعد النحو الرفع خبر إن.\n(^٢) قد حكى في اللسان مادة: صفن، الخلاف في هذا، قال: \" قال أَبو عبيد: قوله صُفُونًا يُفَسَّرُ الصافنُ تفسيرين: فبعض الناس يقول كل صافَ قدميه قائمًا فهو صافِنٌ، والقول الثاني: إن الصافِن من الخيل قد قَلَب أَحد حوافره وقام على ثلاث قوائم، وفي الصحاح: الصَّافِنُ من الخيل القائم على ثلاث قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر، وقد قيل: الصافِنُ القائم على الإطلاق؛ قال الكميت:\nنُعَلّمُهم بها ما عَلَّمَتْنا أُبُوَّتُنا ... جَوارِيَ، أَو صُفُونا\nوفي الحديث: (من سَرَّه أَن يقوم له الناسُ صُفُونًا) أَي واقفين\".\n(^٣) سورة الحج (٣٦).\n(^٤) هو: مِقْسَم بن بُجْرة أبو القاسم، مولى عبد الله بن الحارث، ويقال له مولى بن عباس للزومه له، قال أبو حاتم: صالح الحديث لا بأس به، توفي سنة ١٠١ هـ ينظر: الجرح والتعديل (٢/ ٧٥٠) وتهذيب التهذيب (٥/ ٥٠٩).","vol":"1","page":1335},{"text":"الأرض وأضجعت (^١)، وزاد الضحاك: نحرت (^٢).\nوروي عن عبد الله بن مسعود: إذا أسقطت على جنبها (^٣) يريد بعد النحر.\nقال إسماعيل (^٤): المعروف في اللغة إذا وجبت جنوبها أي سقطت ومنه وجوب الشمس (^٥)، وكذلك يقال لكل شيء سقط، وقال قيس ابن\nالخطيم (^٦):\nأطاعت بنو عوف أميرا نهاهم ... عن السلام (^٧) حتى كان أول واجب (^٨)\nأي مقتول سقط إلى الأرض، وكذلك البدن إذا نحرت سقطت لجنوبها.\nقال الله ﷿: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (^٩).\n_________\n(^١) قول ابن عباس فقد أورده في الدر المنثور (٦/ ٥٣) وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\nوأما قول مجاهد فقد أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٥٥)، بنحوه.\n(^٢) لم أجد قول الضحاك، وقد أخرج الطبري في تفسيره (٩/ ١٥٥) رواية أخرى عن مجاهد، نحو هذه الرواية.\n(^٣) لم أجد أثر ابن مسعود - ﵁ -، وأورده في الدر المنثور (٦/ ٥٣) عن ابن عباس، وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) هو: ابن إسحاق القاضي، تقدم.\n(^٥) لوحة رقم [٢/ ١٩٢].\n(^٦) هو: قيس بن الخطيم بن عدي بن عمرو، كان شاعر الأوس وأحد فحول شعراء الجاهلية، عرض النبي - ﷺ - عليه الإسلام فاستمهله فقتل في بعض حروب الأوس. ينظر: الإصابة (١/ ٥٠٩) وطبقات فحول الشعراء (١/ ٢٨٨).\n(^٧) كذا في الأصل، وصوابه السلم، وقد جاء على الصواب في كل المصادر التي أوردت البيت.\n(^٨) ينظر: جمهرة أشعار العرب (١/ ١٩٥).\n(^٩) سورة الحج (٣٦).","vol":"1","page":1336},{"text":"كان عطاء لا يرى الأكل واجبا (^١).\nوكان الضحاك ومجاهد يرون الأكل إباحة (^٢)، وتابعه على ذلك الحسن، ومجاهد، وجماعة من المفسرين (^٣).\nوروي أن ابن عمر قَسّمَ لحم نسكه ثم أفاض قبل أن يأكل منه (^٤).\nومن أخرج شيئا لله لم يجز له أن يعود في شيء منه، وإنما أُذن لهم في الأكل على وجه الإباحة، فمن شاء أكل من بدنته وأضحيته، ومن شاء ترك، فلولا الإذن من الله - جل وعلا - ما جاز الأكل منها، وكان مالك يستحب ألا يأكل من البدن التي لا بذل منها للمساكين، مثل: جزاء الصيد، وفدية الأذى، من غير عذر ولا تكبر عن الأكل، رجوت أن يكون في سعة، على ما ذكر من الأحاديث في هذا الباب (^٥).\nفأما القانع والمعتر، فإنه روي عن ابن عباس قال: القانع: الذي يسأل، والمعتر: الذي يعتر ولا يسأل (^٦)، وروي عنه: أن القانع: من يقنع بما أرسلت إليه في بيته، والمعتر: الذي يعتريك (^٧)، وهذا أشبه القولين، وقال مثل ذلك الحسن (^٨)، وقال مجاهد نحو ذلك (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٣٨).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٣٨) والبيهقي [٥/ ٢٤١ كتاب الحج، باب ترك الأكل والتخلية بينها وبين الناس] عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١١٥٦).\nوأما قول مجاهد فقد سبق الإحالة إليه في الحاشية التي قبل هذه.\n(^٤) أخرجه البيهقي [٥/ ٢٤١ كتاب الحج، باب ترك الأكل والتخلية بينها وبين الناس].\n(^٥) ينظر: النوادر والزيادات (٢/ ٤٥١) والتمهيد (٢/ ١١٣)، وفيهما أن مذهب مالك في جزاء الصيد وفدية الأذى وما نذر للمساكين أنه لا يؤكل منه، وما عداه يؤكل منه.\n(^٦) أورده في الدر المنثور (٦/ ٥٥) وعزاه إلى ابن المنذر.\n(^٧) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٥٦) والبيهقي [٩/ ٢٩٤ كتاب الحج، باب إطعام البائس الفقير] بنحوه.\n(^٨) أخرج ابن أبي شيبة [٣/ ٤٢٢ كتاب الحج، في قوله تعالى: فكلوا منها وأطعموا القانع] والطبري في تفسيره (٩/ ١٥٧) والبيهقي [٩/ ٢٩٤ كتاب الحج، باب إطعام البائس الفقير] عن الحسن نحوا من قول ابن عباس الأول.\n(^٩) أخرج القولين عنه البيهقي [٩/ ٢٩٤ كتاب الحج، باب إطعام البائس الفقير].","vol":"1","page":1337},{"text":"وقيل: المعتر الذي يعتريك فيسألك (^١)، وقال بكل قول من ذلك جماعة.\nوالصحيح - والله أعلم - أن القانع: يقع على من يسأل فيرضى بما يرزق بمسألته، ويقع على من يقنع ولا يسأل، فإن اللغة تجمعهما يقال: قنع يقنع قناعة إذا صبر عن المسألة، وقنع يقنع قنوعا إذا سأل، قال: وقال الشاعر (^٢):\nفمالُ المرء يُصْلِحُهُ فَيُغْني ... مَفَاقِرهُ أعفُّ من القُنُوع (^٣)\nقال: يعني أنه أعف من السؤال، فالبيت يدل على أن القانع هو: القانع بالفقر لا بالرضا بما يعطاه.\nوأما المعتر فكل من اعتر بك من معترض أو سائل أو طالب حاجة في أمر من الأمور فقد اعتر بك في ذلك.\nقال الله ﵎: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا\nوَلَكِنَّا يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (^٤).\nقال النخعي: ما أريد به وجه الله (^٥)، وهذا كلام مختصر، ولم أجد عن غيره فيه شيئا (^٦)، والمعنى - والله أعلم - أنه لا منفعة له فيها، وإنما نفعها لمن أراد بها وجه الله ﷿ وجزيل ثوابه، فله أجر الدماء، وهو قول رسول الله - ﷺ -: (أفضل الحج؛ العَجُّ والثَّجُّ) (^٧) فالثج: إراقة الدماء، وله أيضًا أجر اللحوم وما يأكل منها وما يطعم، تفضل الله على عباده بذلك.\n\nقال الله ﵎: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾\nإلى: ﴿عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (^٨).\n_________\n(^١) أخرج ابن أبي شيبة [٣/ ٤٢٢ كتاب الحج، في قوله: فكلوا منها وأطعموا القانع] والطبري في تفسيره (٩/ ١٥٧) عن مجاهد، نحوه.\nوأخرج الطبري في تفسيره (٩/ ١٥٧) والبيهقي [٩/ ٢٩٤ كتاب الحج، باب إطعام البائس الفقير] عن النخعي، نحوه.\n(^٢) هو: الشماخ بن ضرار الغطفاني.\n(^٣) ينظر: اللسان مادة: ضيع. قوله: فمال، كذا في الأصل، وفي المصادر التي وقفت عليها: لمال.\nقوله: مفاقره، أي: فِقَار عظام الظهر، كما في القاموس مادة: فقر.\nقال في اللسان مادة: ضيع، في معنى البيت: \" لأن يصلح المرء ماله ويقوم عليه ولا يضيعه، خير من القنوع وهو المسألة\".\n(^٤) سورة الحج (٣٧).\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٥٩).\n(^٦) قد أخرج الطبري في تفسيره (٩/ ١٥٩) عن ابن زيد: إن اتقيت الله في هذه البدن، وعملت فيها لله، وطلبت ما قال الله، تعظيما لشعائر الله، ولحرمات الله، فإنه قال: ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب، قال: ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه، قال: وجعلته طيبا؛ فذلك الذي يتقبل الله، فأما اللحوم والدماء فمن أين تنال الله.\nوأورد في الدر المنثور (٦/ ٥٦) عن مقاتل بن حيان أنه قال: لن يرفع إلى الله لحومها ولا دماؤها، ولكن نحر البدن من تقوى الله وطاعته، يقول: يررفع إلى الله منكم الأعمال الصالحة.\n(^٧) أخرجه الترمذي [٢/ ٢٢٦ كتاب المناسك، باب فضل التلبية] والحاكم [١/ ٦٢٠ كتاب المناسك] وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي [٥/ ٤٢ كتاب الحج، باب رفع الصوت بالتلبية] عن أبي بكر - ﵁ -، به.\nالعَجُّ: رفع الصوت بالتلبية. النهاية في غريب الحديث (٣/ ١٦٧).\n(^٨) سورة الحج (٣٩ - ٤١).","vol":"1","page":1338},{"text":"كانت الآيات الليِّنة تنزل بمكة ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ (^١) الْحَسَنَةِ﴾ (^٢) وما أشبه ذلك، فلما أخرجت قريش نبي الله - ﷺ - والمهاجرين الأولين من مكة ووصل إلى المدينة، كان أول آية نزلت عليه يؤمر فيها بالقتال هذه الآيات ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (^٣) وكان أبو بكر الصديق - ﵁ - لما أُخْرِجوا قال: سيؤذن لنا في القتال، فنزلت الآيات إلى قوله عز من قائل: ﴿عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (^٤) فأمر الله تعالى نبيه - ﷺ - بالجهاد والغلظة.\nوقد احتج صعصعة بن صُوحَان (^٥) على عثمان - ﵁ - بهذه الآية، وقال له عثمان: فينا نزلت لما أخرجنا من مكة مُّكِنْا، وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، قال عثمان ﵀: فهذه الآية لي ولأصحابي، وليست لك ولا لأصحابك (^٦).\nقال الله ﵎: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) لوحة رقم [٢/ ١٩٣].\n(^٢) سورة النحل (١٢٥).\n(^٣) سورة الحج (٣٩).\n(^٤) سورة الحج (٤١).\nوالأثر أخرجه الترمذي [٥/ ١١٦ كتاب التفسير، سورة الحج] وقال: حديث حسن، والنسائي في الكبرى [٣/ ٣ كتاب الجهاد، باب وجوب الجهاد] وابن حبان [١١/ ٨ كتاب الجهاد، باب فرض الجهاد] والحاكم في المستدرك [٢/ ٢٦٩ كتاب التفسير، سورة الحج] وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n(^٥) هو: صعصعة بن صوحان بن حجر العبدي، أبو عمر الكوفي، أسلم على عهد النبي - ﷺ - ولم يره، شهد مع علي صفين، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث توفي في خلافة معاوية - ﵁ -. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٤٧٠) وتهذيب التهذيب (٢/ ٥٤٦).\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ٤٤٣ كتاب المغازي، ما جاء في خلافة عثمان] بنحوه.\n(^٧) سورة الحج (٧٨).","vol":"1","page":1339},{"text":"روي عن ابن عباس - ﵁ - في قوله ﷿: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ قال: هذا في تقديم الأهلة وتأخيرها ونقصان الشهر وتمامه، في الفطر والأضحى، وفي الصوم (^١).\nوروى سعيد بن جبير أن عبيد بن عمير (^٢) سأل ابن عباس عن الحرج فقال له: ألستم العرب! ثم قال: ادعوا لي برجل من هذيل، فسأله عن الحرج، قال: ما لا مخرج له (^٣)، قال ابن عباس - ﵁ -: إنما ذلك سعة الإسلام، ما جعل الله ﵎ من التوبة والكفارات (^٤)، وقال في رواية أخرى: الحرج: الشيء الضيق (^٥).\nوكذلك قال زيد بن أسلم: إن عمر قال في الحرج: الضيق (^٦).\nفالحرج عند العرب وعلى ما قاله - أيضا - جماعة من المفسرين (^٧): الضيق، فلم يضيق الله ﷿ على هذه الأمة، ولم يحمل عليهم الأصر (^٨) الذي حمله على من\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٩٣).\n(^٢) هو: عبيد بن عمير بن قتادة الليثي، أبو عاصم المكي، وذكر البخاري أنه رأى النبي - ﷺ -، كان أول من قص على عهد عمر - ﵁ -، توفي سنة ٦٨ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣١٧) والإصابة (٥/ ٤٧).\n(^٣) أورده في الدر المنثور (٦/ ٧٩) وعزاه إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\nوقد أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٩٢) والبيهقي [١٠/ ١١٣ كتاب القضاء، باب ما يقضي به القاضي] من طريق عبيد الله بن يزيد، بنحوه.\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٩٢) بنحوه.\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٩٣) والبيهقي [١٠/ ١١٣ كتاب القضاء، باب ما يقضي به القاضي] بنحوه.\n(^٦) لم أقف عليه من طريق زيد بن أسلم، وهو عند البيهقي [١٠/ ١١٢ كتاب آداب القضاء، باب من يشاور ..] من طريق عبد الله بن عمر، عن عمر بن الخطاب - ﵃ -، بمعناه.\n(^٧) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٩٢) عن: قتادة، وأبي العالية، والحسن.\n(^٨) قال في المفردات مادة: أصر \" الأصر: عقد الشيء وحبسه ... قال تعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم﴾ أي الأمور التي تثبطهم وتقيدهم عن الخيرات .. \".","vol":"1","page":1340},{"text":"كان قبلهم، خفف عنهم فرائضهم وأوجبها على حسب طاقاتهم، ودون ذلك، ثم تجاوز عنهم فيما حدثوا به أنفسهم، ما لم يعملوا به، ثم غفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر، ثم جعل للكبائر والصغائر كفارات من الأعمال، من التوبة والندم والاستغفار، فلله الحمد على ما مَنَّ به من ذلك.","vol":"1","page":1341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>سورة المؤمنين</span>.\n\nقوله ﷿: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (^١)\nسُئلت عائشة ﵂ عن خلق رسول الله - ﷺ - فقالت: كان خلقه القرآن، ثم قرأت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قالت: هكذا كان خلق رسول الله - ﷺ - (^٢).\nقال أبو الزناد (^٣)، عن الأعرج (^٤)، عن أبي هريرة قال: رسول الله - ﷺ -: (هل ترون قبلتي هاهنا؟ فما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم) (^٥).\nوقال جماعة من المفسرين: الخشوع في الصلاة: أن لا يلتفت (^٦) الإنسان يمينا ولا شمالا، يقوم كأنه عود من الخشوع (^٧).\nوقال آخرون: ينظر إلى موضع سجوده (^٨).\n_________\n(^١) سورة المؤمنون (١، ٢).\n(^٢) أخرجه النسائي [٦/ ٤١٢ كتاب التفسير، سورة المؤمنون] والحاكم في المستدرك [٢/ ٤٢٦ كتاب التفسير، سورة المؤمنون] به، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nوأخرجه البخاري في الأدب المفرد [١/ ١١٥ باب من دعا الله أن يحسن خلقه] بنحوه.\n(^٣) هو: عبد الله بن ذكوان المدني، أبو عبد الرحمن القرشي مولاهم، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث فصيحا بصيرا بالعربية عالما عاقلا. توفي سنة ١٣٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٢٦١) وتهذيب التهذيب (٣/ ١٢٧).\n(^٤) هو: عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، أبو داود المدني، قال الذهبي: كان أحد من برز في الكتاب والسنة، توفي بالإسكندرية سنة ١١٧ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ١٣٩) ومعرفة القراء الكبار (١/ ٧٧).\n(^٥) أخرجه البخاري [١٤٨ كتاب الأذان، باب الخشوع في الصلاة] ومسلم [١/ ٢٦٨ كتاب الصلاة] به.\n(^٦) لوحة رقم [٢/ ١٩٤].\n(^٧) أخرج النسائي [١/ ٤٩٣ تفريع أبواب صلاة التطوع، باب الخشوع في الصلاة] عن علي بن أبي طالب - ﵁ - بمعناه.\nوأخرج البيهقي (٢/ ٢٨٠) عن مجاهد: أن عبد الله بن الزبير إذا صلى قام كأنه عود.\n(^٨) أخرجه النسائي [١/ ٤٩٣ تفريع أبواب صلاة التطوع، باب الخشوع في الصلاة] عن: قتادة.\nوأخرجه البيهقي في الكبرى [٢/ ٢٨٣ أبواب الخشوع في الصلاة، باب لا يجاوز بصر مصلاه] عن ابن سيرين.\nأخرجه عنه في تعظيم قدر الصلاة (١/ ١٩٢) ومسلم بن يسار.","vol":"1","page":1342},{"text":"وكان ابن الزبير يأتي حَجَرُ المنجنيق فيقع عن يمينه وشماله يُحّاد كتفه فلا يلتفت (^١).\nوقال آخرون: سكون المرء في صلاته (^٢).\nوكل ذلك يدور على الخشوع في الصلاة الشاغل بها، وقلة الفكر في أمور الدنيا، وقال مسلم بن يسار (^٣): وهل يجوز أن يَعْلَم ما في الدنيا من يناجي ربه ﷿ (^٤)، فالخشوع: التشاغل بها والاستكانة فيها، فأما قول\nمن قال: ينظر إلى موضع سجوده (^٥) فشديد لا يجوز تكليفه؛\nلأن النبي - ﷺ - قد كان يَلْحَظ ويَلْمَح ببصره الشيء ولا يلتفت (^٦)،\n_________\n(^١) أخرجه في شعب الإيمان (٣/ ١٤٨) بنحوه.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٤٣) والطبري في تفسيره (٩/ ١٩٧) عن الزهري، به.\nوأخرج الطبري - الإحالة السابقة - عن مجاهد والنخعي، بمعناه.\n(^٣) هو: مسلم بن يسار البصري، أبو عبد الله الأموي، كان ﵀ ثقة عابدا ورعا، توفي سنة ١٠١ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٩٦) وتهذيب التهذيب (٥/ ٤١٥).\n(^٤) لم أجد هذه الأثر، وقد ذكرت كتب التراجم في ترجمة مسلم بن يسار، أقوالا بديعة وأحوالا عجيبة، من خشوعه في صلاته، هي في معنى هذا القول، كما في تاريخ دمشق (٥٨/ ١٢٤) وحلية الأولياء (٢/ ٢٩٠).\n(^٥) هو قول الحنفية والشافعية والحنابلة، ينظر: المبسوط (١/ ٢٥) والمغني (٢/ ٨) والمجموع (٣/ ٢٦٠).\n(^٦) أخرجه أحمد (١/ ٢٧٥) وابن خزيمة [١/ ٢٤٥ أبواب الأذان والإقامة، باب ذكر الدليل على أن الالتفات ...] والترمذي [٢/ ١٠١ كتاب السفر، باب ما ذكر في الالتفات] وقال: حديث غريب، وبن حبان [٦/ ٦٦ باب الصلاة، ذكر البيان بأن المصلي له الالتفات ..] والحاكم [١/ ٣٦٢ كتاب الصلاة] وقال: صحيح على شرط البخاري،","vol":"1","page":1343},{"text":"وقد رُوي مثل ذلك عن جماعة من التابعين (^١).\nوالذي يراه مالك - ﵁ -: أن يكون بصر المصلي إلى قبلته على التوسعة (^٢)؛ ولأن الله ﵎ قال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (^٣) وإنما هو قصد الكعبة.\nوقيل لابن عمر: إن ابن الزبير إذا صلى لم يقل هكذا ولا هكذا، فقال: لكنا نقول هكذا وهكذا، ونكون مثل الناس (^٤)، رواه سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة (^٥) عن حُميد (^٦) عن معاوية بن قُرة (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة [١/ ٣٩٦ كتاب الصلوات، باب من كان يرخص في أن يلحظ ولا يلتفت] عن: أنس بن مالك، وعكرمة، والنخعي.\n(^٢) ينظر قول مالك ﵀ في: البيان والتحصيل (١/ ٢٢٠) والتمهيد (١٧/ ٣٩٣) ومواهب الجليل (٢/ ٢٦٠).\n(^٣) سورة البقرة (١٤٤).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة [١/ ٣٩٦ كتاب الصلوات، باب من كان يرخص في أن يلحظ ولا يلتفت] من طريق أبي خالد الأحمر، عن حميد، عن معاوية بن قرة، بنحوه دون قوله: ونكون مثل الناس.\nوإسناده ضعيف؛ مداره على حميد الطويل مدلس ولم يصرح بالسماع، وفي سند ابن أبي شيبة أبو خالد الأحمر، قال ابن حجر في التقريب ص ٤٠٦: \" صدوق يخطئ، \" وباقي رجاله ثقات.\n(^٥) هو: حماد بن سلمة بن دينار مولى بني تميم، أبو سلمة البصري، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث وربما حدث بالحديث المنكر، توفي بالبصرة سنة ١٦٧ هـ. ينظر طبقات ابن سعد (٧/ ١٤٣) وتهذيب التهذيب (٢/ ١٠).\n(^٦) هو: حميد بن أبي حميد الطويل الخزاعي مولاهم، أبو عبيدة البصري، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، إلا أنه ربما دلس عن أنس، توفي سنة ١٤٢. ينظر طبقات ابن سعد (٧/ ١٢٩) وتهذيب التهذيب (٢/ ٢٦).\n(^٧) هو: معاوية بن قرة بن إياس المزني، أبو إياس البصري، وثقه ابن معين وأبو حاتم، توفي سنة ١١٣ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١١٥) وتهذيب التهذيب (٥/ ٤٦٤).","vol":"1","page":1344},{"text":"ونا أحمد بن موسى قال: حدثنا القَعْنَبي قال: نا مالك عن نافع: أن ابن عمر كان لا يلتفت في صلاته حتى يقضيها (^١).\nقال القاضي: فالالتفات مخالف لما أمر الله به من التوجه إلى الكعبة، فأما اللمح فلا يخرج عن المأمور به، والله أعلم (^٢).\nقال الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (^٣)\nقال مسروق: كل شيء في القرآن (دائمون) (حافظون) (ساهون) فعلى\nمواقيتها (^٤).\nقال عبد الله بن مسعود: هو ترك الوقت وإضاعته (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مالك [١/ ١٥١ كتاب قصر الصلاة، باب الالتفات والتصفيق عمد الحاجة] به.\nوإسناده ضعيف؛ فيه أحمد بن موسى لم أقف له على ترجمة، ورجال الموطأ رجال الصحيح.\n(^٢) ذهب المؤلف - تبعا لقول مالك رحمهما الله - إلى أنه ليس من لازم الخشوع المأمور به؛ أن يجعل المصلي نظره في موضع سجوده، بل يكفي أن يكون نظره إلى قبلته، وعلل ذلك بأمرين:\nأولهما: أن إيجاب النظر إلى موضع السجود، شاق، لا يجري بمثله التكليف.\nوثانيهما: أنه ثبت أن النبي - ﷺ - كان يلحظ الشيء ويلمحه وهو في صلاته.\nومما يلفت النظر أن هذين المعنيين أشار إليهما ابن العربي - أيضا - في أحكام القرآن (٣/ ٣١٢).\nوالمؤلف وهو يقرر هذا، إنما أراد بيان القدر الذي يكلف به العبد، وأما ما وراء التكليف فقد ذكر أمثلة من حال السلف، بلغت مبلغا عظيما من الخشوع والاستكانة في الصلاة، ولهذا فقد عقب على الأقوال التي ساقها بقوله: وكل ذلك يدور على الخشوع في الصلاة الشاغل بها، وقلة الفكر في أمور الدنيا.\n(^٣) سورة المؤمنون (٩)\n(^٤) أورده ابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٢٩٤) وذكر أنه مما رواه القاضي إسماعيل، قال \" وذكر إسماعيل قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا حفص، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال ... \" فذكره.\n(^٥) أخرجه ابن أبي الجعد (١/ ٢٨٥) والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (١/ ١٣٦) والطبراني في الكبير (٩/ ١٩٠) والأوسط (٢/ ٣٨٦) بمعناه.","vol":"1","page":1345},{"text":"وقال سعد بن أبي وقاص وسئل عن ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (^١) أهو السهو في الصلاة؟ قال: لا، ولكنه الذي لا يصليها حتى يذهب وقتها (^٢).\nقال بكر: والمحافظة على الصلاة المفروضة على وقتها من أوله إلى آخره، قال ابن عمر: الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله (^٣)، وقال يحي بن سعيد الأنصاري (^٤): إن المصلي ليصلي الصلاة وما فاتته، ولما فاته من وقتها أعظم أو أفضل من أهله وماله (^٥).\n_________\n(^١) سورة الماعون (٥).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٧٠٦) والطبراني في الأوسط (٢/ ٣٨٧) بنحوه.\n(^٣) أخرجه البخاري [١١٤ كتاب مواقيت الصلاة، باب إثم من فاتته العصر] ومسلم [١/ ٣٦٥ كتاب المساجد مواضع الصلاة] عن ابن عمر، مرفوعا.\n(^٤) هو: يحي بن سعيد بن قيس بن النجار، أبو سعيد المدني القاضي، قال عنه العجلي: مدني تابعي ثقة له فقه، وكان رجلا صالحا، توفي سنة ١٤٣ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٢/ ٢٦٦) وتهذيب التهذيب (٦/ ١٣٨).\n(^٥) أخرجه في الموطأ [١/ ٤٣ كتاب الصلاة، باب جامع الوقوت] به.\nقال قوله: وما فاتته: لأنه أدركها في وقتها، وقوله: ولما فاته من وقتها: يريد بذلك أول الوقت وأوسطه. ينظر: شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٤٩) بتصرف.\nوقد رواه الطبراني في الأوسط (١/ ٢) عن طلق بن حبيب مرسلا، كما ذكر ابن حجر في الفتح (٢/ ٦) قال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٦٧): \" وهو مروي عن النبي - ﵇ - إلا أنها وجوه ضعيفة الإسناد، ويردها أيضا أطول الآثار الصحاح\" ولذلك لم يكن يعجب الإمام مالك قول يحيى بن سعيد، كما في المدونة (١/ ٥٦)، وعلة هذا أشار إليها ابن عبد البر في التمهيد (١٢/ ٣٤٢) قال: \" فكأن مالك ﵀ لم ير أن بين أول الوقت ووسطه وآخره، من الفضل ما يشبه مصيبة من فاته ذلك بمصيبة من ذهب أهله وماله؛ لأن ذلك إنما ورد في ذهاب الوقت كله، هذا عندي معنى قول مالك والله أعلم؛ لأن في هذا الحديث أن فوات بعض الوقت كفوات الوقت كله، وهذا لا يقوله أحد من العلماء لا مَنْ فَضّل أول الوقت على آخره، ولا من سوى بينهما؛ لأن فَوْت بعض الوقت مباح، وفَوْت الوقت كله لا يجوز، وفاعله عاص لله إذا تعمد ذلك، وليس كذلك من صلى في وسط الوقت وآخره، وإن كان من صلى في أول الوقت أفضل منه \".","vol":"1","page":1346},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ\nأَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (^١).\nرُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الرجل يشرب الخمر ويسرق؟ وقال: (لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل الذي يصلي ويصوم ويتصدق، ويخاف ألا يقبل منه) رواه نصر بن علي (^٢) عن وكيع (^٣) عن مالك بن مِغْوَل (^٤) عن عبد الرحمن (^٥) بن سعيد بن\nوهب (^٦) عن عائشة (^٧)، ورواه أبو عاصم (^٨) عن المثنى بن الصباح (^٩) عن عطاء (^١٠) دخلت مع عبيد بن عمير (^١١) عن (^١٢) عائشة.\nوقال سعيد بن جبير: يعطون ما أعطوا وقلوبهم وجلة خوفا من الحساب والموقف (^١٣).\nوقال مجاهد: يخافون ألا يتقبل منهم (^١٤).\nوقال الحسن: كانوا يخافون ألا تنجيهم أعمال البر من عذاب ربهم وألا يتقبل منهم (^١٥)، وقال نحو ذلك جماعة من المفسرين (^١٦).\nونا إبراهيم بن حماد (^١٧) قال: نا إسماعيل (^١٨) قال: نا حجاج (^١٩) قال: نا حماد (^٢٠) عن حميد (^٢١) قال: قرأت القرآن كله على الحسن في بيت أبي خليفة (^٢٢)\n_________\n(^١) سورة المؤمنون (٦٠).\n(^٢) هو: نصر بن علي بن نصر الجَهضمي، أبو عمرو البصري، وروى عنه الجماعة وإسماعيل القاضي، وثقه أبو حاتم والنسائي وغيرهما، توفي سنة ٢٥١ هـ. ينظر: تهذيب التهذيب (٥/ ٦٠٠).\n(^٣) هو: وكيع بن الجراح بن مَلِيح، أبو سفيان الكوفي، إمام عابد، توفي سنة ١٩٦ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٥٤٨) وتهذيب التهذيب (٦/ ٧٩).\n(^٤) هو: مالك بن مغول بن عاصم البجلي، أبو عبد الله الكوفي، قال ابن سعد: كان ثقة مأمونا كثير الحديث، توفي سنة ١٥٩ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٣٥) وتهذيب التهذيب (٥/ ٣٣٦).\n(^٥) لوحة رقم [٢/ ١٩٥].\n(^٦) هو: عبد الرحمن بن سعيد بن وهب الهمداني الكوفي، وثقه أبو حاتم والنسائي. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥١٣) وتهذيب التهذيب (٣/ ٣٤٩).\n(^٧) أخرجه أحمد (٦/ ١٥٩) وابن ماجه [٢/ ٤٢٥ كتاب الزهد، باب التوقي على العمل] والطبري في تفسيره (٩/ ٢٢٥) عن وكيع، به.\nوأخرجه الترمذي [٥/ ١١٨ كتاب التفسير، سورة المؤمنون] والحاكم في المستدرك [٢/ ٤٢٧ كتاب التفسير، سورة المؤمنون] والطبراني في الأوسط (٤/ ١٩٨) عن مالك بن مغول، به.\nوالحديث قال عنه الحاكم: \" صحيح الإسناد ولم يخرجاه \" أهـ، إلا أن عبد الرحمن بن وهب لم يلق عائشة ﵂، كذا قال أبو حاتم فيما نقله العلائي في جامع التحصيل ص ٢٢٢، وقد جاء موصولا عند الطبري في تفسيره (٩/ ٢٢٥) والطبراني في الأوسط (٤/ ١٨٩) من طريق عبد الرحمن بن وهب عن أبي حازم عن أبي هريرة عن عائشة - ﵃ -، والحديث حسنه الألباني في صحيح ابن ماجه (٢/ ٤٠٩).\n(^٨) هو: الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مخلد الشيباني، أبو عاصم النبيل، قال الخليلي: متفق عليه زهدا وعلما وديانة وإتقانا، توفي سنة ٢١٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٤٩) وتهذيب التهذيب (٢/ ٥٦٤).\n(^٩) هو: المثنى بن الصباح اليماني الأبناوي، أبو عبد الله المكي، أصله من أبناء فارس، قال ابن حجر: ضعيف اختلط بآخره وكان عابدا، توفي سنة ١٤٩ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٣٠) وتهذيب التهذيب (٥/ ٣٤٦).\n(^١٠) هو: ابن أبي رباح، تقدم.\n(^١١) هو: أبو عاصم الليثي المكي، تقدم.\n(^١٢) كذا في الأصل، وعند الطبري في تفسيره (٩/ ٢٢٥) بلفظ: على.\n(^١٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٢٢٤) بمعناه، وقد أورده في الدر المنثور (٦/ ١٠٦) بلفظه، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^١٤) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٢٢٤) بمعناه.\n(^١٥) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٢٢٤) بنحوه.\n(^١٦) ينظر: تفسير عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٤٦) وتفسير الطبري (٩/ ٢٢٤).\n(^١٧) هو: إبراهيم بن حماد بن إسحاق الأزدي مولاهم، أبو إسحاق البصري، كان ﵀ إماما ثقة عابدا، توفي سنة ٣٢٣ هـ ينظر: تاريخ بغداد (٦/ ٦١) وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٣٥).\n(^١٨) هو: القاضي ابن إسحاق.\n(^١٩) هو: حجاج بن المنهال الأنماطي السلمي مولاهم، أبو محمد البصري، قال ابن الفلاس: ما رأيت مثله فضلا ودينا. توفي سنة ٢١٦. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٥١) وتهذيب التهذيب (١/ ٥٠٨).\n(^٢٠) هو: ابن سلمة، تقدم.\n(^٢١) هو: حميد بن أبي حميد الطويل الخزاعي مولاهم، أبو عبيدة البصري، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث إلا أنه ربما دلس عن أنس. توفي سنة ١٤٣ هـ وهو يصلي. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٢٩) وتهذيب التهذيب (٢/ ٢٦).\n(^٢٢) هو: الحجاج بن عتاب العبدي، جاء مصرحا باسمه فيما أخرجه الأزدي في المتوارين ص ٤٥ في خبر تواري الحسن عن الحجاج، وذكر الأزدي عنه أنه من التابعين، وأن له ولدا يحدث يقال له: عمر بن أبي خليفة، ولم أجد له ترجمة سوى ما ذكره الأزدي.","vol":"1","page":1347},{"text":"ففسره أجمع على الإثبات (^١)، وسألته عن قوله: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (^٢) قال: الشرك سلكه في قلوبهم، وسألته عن قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ (^٣) قال: أعمال سيعملونها لم يعملوها، وسألته عن قوله: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ (^٤) قال: ما أنتم عليه بالمضلين إلا من هو صال الجحيم (^٥).\nوالصحيح في قوله: ﴿يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ (^٦) أي وجلت قلوبهم من خشية ربهم، عند مرجوعهم إلى ربهم، أن تغلب سيئاتهم حسناتهم فيشفقون بها، فهم يجتهدون وهم خائفون، ومن وصف المؤمنين الخوف مقرونا بالرجاء، قال الله جل وعز:\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في تاريخه (١/ ٣٢١) به.\n(^٢) سورة الشعراء (٢٠٠).\n(^٣) سورة المؤمنون (٦٣).\n(^٤) سورة الصافات (١٦٢ - ١٦٣).\n(^٥) أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٥٢) بلفظه إلا قوله: ما أنتم عليه ...\n(^٦) سورة المؤمنون (٦٠).","vol":"1","page":1348},{"text":"﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (^١) فلا ينبغي للمؤمن أن يكون إلا خائفًا؛ لكي لا يتكل فَيَقِلَ عمله الصالح، ألا ترى النبي - ﷺ - قال لعلي - رحمة الله عليه - في شيخي الأمة صديقها وفاروقها - رحمة الله عليهما ـ: (هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين، يا علي لا تخبرهما) (^٢) إشفاقا\nعليهما من أن يتكلا، فالخائف يعمل ما لا يعمله الراجي بلا خوف،\nوالله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) سورة الرحمن (٤٦).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (١/ ٤٠٥) والبزار (٣/ ٦٧) والمقدسي في المختارة (٢/ ١٦٧) من طريق الشعبي عن علي - ﵁ -، به، قال المقدسي: إسناده منقطع.\nوأخرجه الترمذي [٥/ كتاب المناقب، مناقب أبي بكر - ﵁ -] من طريق علي بن الحسين عن علي بن أبي طالب بلفظه، وقال هذا حديث غريب من هذا الوجه، والوليد بن محمد الموقري يضعف في الحديث، ولم يسمع علي بن الحسين من علي بن أبي طالب.\nوأخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٣٥٠ كتاب الفضائل، كما ذكر في أبي بكر - ﵁ -] عن خطاب أو أبي الخطاب، عن علي - ﵃ - بنحوه.\nوأخرجه أحمد (١/ ٨١) من طريق الحسن بن زيد بن حسن، حدثني أبي، عن أبيه، عن على - ﵁ -، وصححه محققوا المسند (٦٠٢).\nوأخرجه ابن ماجه [١/ ٢٠ المقدمة، فضائل الصحابة] عن الشعبي عن الحارث عن علي - ﵁ -، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (٢/ ٤٠٩).\n(^٣) ذكر المؤلف ﵀ في معنى الآية قولين عن السلف:\nالأول: أنهم يجتهدون في فعل الحسنات ومع هذا يشفقون أن لا تقبل منهم.\nوالثاني: أنهم يفعلون الحسنات وهم وجلون من مرجعهم إلى ربهم، وصحح هذا الأخير، والظاهر أنه لا تعارض بين القولين يوجب تصحيح أحدهما، إذ الآية تحتملهما لما فيها من إطلاق، فالمؤمن الحق يبذل الخير ويخاف ألا يقبل منه، كما يخاف يوم العرض على الله أن ترجح سيئاته بحسناته، والرواية التي أوردها المؤلف عن الحسن - رحمهما الله - تضمنت المعنيين جميعا، وفي معالم التنزيل (٣/ ٣١١) قرن بين القولين في بيان معنى الآية فجعلهما كالقول الواحد.","vol":"1","page":1349},{"text":"قال الله ﷿: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ (^١).\nتكلم المفسرون في ذلك بكلام مختلف:\nفمنهم من قال: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ حلقا تتحدثون، قاله ابن عباس، وقال: حلقا حلقا تتحدثون (^٢)، ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ يقولون: نحن أهله ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ ولا تعمرونه (^٣).\nوقال الحسن: مستكبرين بحرمي، تهجرون بيتي (^٤)، أي: لا تطوفون به.\nوقال معمر (^٥) عن الحسن: تهجرون رسول الله - ﷺ - (^٦).\n\nوقال سهل السراج (^٧) عن الحسن: تهجرون القرآن، وذكر الله ﷿ (^٨).\n_________\n(^١) سورة المؤمنون (٦٧).\n(^٢) أورده في الدر المنثور (٦/ ١٠٩) بمعناه، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) أخرجه الحاكم [٢/ ٤٢٧ كتاب التفسير، سورة المؤمنون] وقال صحيح الإسناد، والبيهقي [٦/ ٤١٢ كتاب التفسير، سورة المؤمنون] بنحوه، عن ابن عباس ﵄.\n(^٤) أخرج الطبري في تفسيره (٩/ ٢٣٠) أوله.\n(^٥) هو: معمر بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، روى عن ثابت وقتادة، قال ابن حبان: كان فقهيا حافظا متقنا، توفي سنة ١٥٢ هـ. ينظر: الكاشف (٢/ ١٤٥) وتهذيب التهذيب (٥/ ٤٨٢).\n(^٦) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٢٣٢) بلفظه، لكن قال مَرّةً: عن معمر عن الحسن، ومَرّةً قال: عن قتادة عن الحسن.\nقال في جامع التحصيل ص ٢٨٣: \" قال أحمد بن حنبل: لم يسمع من الحسن ولم يره\" وفي ترجمته في تهذيب الكمال (٢٨/ ٣٠٤) ما يدل على أنه كان صبيا يوم دفن الحسن ﵀.\n(^٧) هو: سهل بن أبي الصلت العيشي السراج البصري، قال ابن معين: ليس به بأس، ووثقه مسلم. ينظر: لسان الميزان (٧/ ٢٣٩) وتهذيب التهذيب (٢/ ٤٤٢).\n(^٨) أورده في الدر المنثور (٦/ ١٠٨) بمعناه، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"1","page":1350},{"text":"وقال مجاهد: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ بالبلد ﴿تَهْجُرُونَ﴾ بالقول السيئ بالقرآن (^١).\nفأما السمر فقد اخُتلف فيه، فروى أبو برزة (^٢) عن النبي - ﷺ - (أنه كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها) (^٣)، وروى خَيْثَمَة (^٤) عن عبد الله (^٥) عن النبي - ﷺ - أنه قال: (لا سمر (^٦) إلا لأحد رجلين: مصل أو مسافر) (^٧)، وروى جابر عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إياكم والسمر بعد هَدْأة الرِجْلِ، أغلقوا الأبواب وأوكوا السقاء وخمروا الإناء وأطفئوا المصباح) (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٣٨٦) بنحوه.\n(^٢) هو: نضلة بن عبيد، أبو برزة الأسلمي، صحابي مشهور بكنيته، أسلم قبل فتح خيبر وشهدها، وكان مع علي بن أبي طالب - ﵁ -، مات بخرسان سنة ٦٥ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٧) والإصابة (٦/ ٣٤١).\n(^٣) أخرجه البخاري [١١٧ كتاب مواقيت الصلاة، باب ما يكره من النوم قبل العشاء] به.\nوالحديث - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\n(^٤) هو: خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرَة، أبو نصر الكوفي، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة وكان رجلا صالحا، قال أحمد: لم يسمع من ابن مسعود، توفي سنة ٨٠ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٥٤) وتهذيب التهذيب (٢/ ١١٠).\n(^٥) هو ابن مسعود - ﵁ -، تقدم.\n(^٦) لوحة رقم [٢/ ١٩٦].\n(^٧) أخرجه أبو يعلى (٩/ ٢٥٧) به، وقال عن خيثمة عن رجل من قومه عن عبد الله.\nوأخرجه أحمد (١/ ٣٧٩) و(١/ ٤١٢) بنحوه، فمرة قال: عن خيثمة عن رجل من قومه عن عبد الله، ومرة أسقط الرجل.\nوالطبراني في الكبير (١٠٥١٩) عن خيثمة عن زياد بن حُدير، بنحوه.\nوالبيهقي [١/ ٤٥٢ جماع أبواب الأذان، باب كراهة النوم قبل العشاء] بنحو، وقال: عن خيثمة عمن سمع ابن مسعود.\nقال في مجمع الزوائد (٢/ ٦٢) بعد ذكر حديث بن مسعود: \" رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط، فأما أحمد وأبو يعلى فقالا: عن خيثمة عن رجل عن ابن مسعود، وقال: الطبراني عن خيثمة عن زياد بن حدير، ورجال الجميع ثقات ... \".\nوالحديث - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\n(^٨) أخرجه في التمهيد (١٢/ ١٧٨) بنحوه،\nوقد أخرجه مسلم [٣/ ١٢٦٨ كتاب الأشربة] بنحوه، دون قوله: إياكم والسمر بعد هدأة الرجل.\nقوله: هدأة الرجل: قال في غريب الحديث (٥/ ٢١٦): \" الهَدَأة والهُدُوء: السكون عن الحركات، أي بعد ما يسكن الناس عن المشي والاختلاف في الطرق\". ...\nوقوله: وأوكوا، قال في النهاية في غريب الحديث (٥/ ١٩٣): الوكاء: الخيط الذي تشد به الصرة والكيس وغيرهما ... والوكاء يمنع ما في القربة أن يخرج \".\nوقوله: خمروا: قال في النهاية في غريب الحديث (٢/ ٧٣): \" التخمير: التغطية \".\nوالحديث - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.","vol":"1","page":1351},{"text":"وكان عمر رحمة الله عليه يحدث لنا (^١) لنا السمر بعد صلاة النوم (^٢)، رواه سليمان بن ربيعة (^٣).\nوقال خَرَشَة بن الحُر (^٤): رأيت عمر بن الخطاب يضرب الناس على الحديث بعد العشاء، ويقول: أسمرا أول الليل ونوما آخره! (^٥)\n_________\n(^١) كذا في الأصل: يحدث لنا، وهو تصحيف، والصواب: يُجَدِبُ، على ما ورد في مصنف ابن أبي شيبة [٢/ ٧٨ كتاب الصلوات، من كره السمر بعد العتمة] وقد وردت على الصواب - أيضا - في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\nوالتجديب: الذم والعيب، قال في النهاية في غريب الحديث (٢/ ٢٣٦): \" وفي حديث عمر - ﵁ - أنه جدب السمر بعد العشاء أي ذمة وعابه .. \".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٢/ ٧٨ كتاب الصلوات، من كره السمر بعد العتمة] بنحوه.\nوالأثر - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\n(^٣) كذا في الأصل: سليمان، وهو تحريف، وصوابه: سلمان، وقد جاء على الصواب عند ابن أبي شيبة [٢/ ٧٨ كتاب الصلوات، من كره السمر بعد العتمة] وقد ورد - أيضا - على الصواب في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\nوهو سلمان بن ربيعة بن يزيد، أبو عبد الله الباهلي، شهد فتوح الشام، وولاه عمر قضاء الكوفة، وقتل بغزوة أرمينية سنة ٢٥ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٤٢٦) والإصابة (٣/ ١١٧).\n(^٤) هو: خرشة بن الحر الفزاري الكوفي، كان يتيما في حجر عمر بن الخطاب - ﵁ -، قال العجلي: من كبار التابعين، توفي سنة ٧٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٤٣٨) وتهذيب التهذيب (٢/ ٨٧).\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة [٢/ ٧٨ كتاب الصلوات، من كره السمر بعد العتمة] بنحوه.\nوالأثر - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.","vol":"1","page":1352},{"text":"وقال سعيد بن المسيب: كان عمر يطوف في المسجد بعد عشاء الآخرة يقول: الحقوا برحالكم، عسى الله أن يرزقكم صلاة في ليلتكم (^١).\nوكان سعد يقول: أريحوا كتابكم (^٢).\nوكان عبد الله (^٣) يَعُسُّ (^٤) في المسجد، فما يدع فيه سوادا إلا أخرجه إلا رجلا يصلي (^٥).\nوكان حذيفة وعبد الله بن عمرو وشداد بن أوس (^٦) يكرهون الحديث\nبعدها (^٧).\nوقال شداد بن أوس: قال رسول الله - ﷺ -: (من قرض بيت شعر بعد العشاء لم يقبل له تلك الليلة صلاة) (^٨)\nقال بكر: وهذا كله فيمن سمر في غير مرضات الله، فأما من جعل سمره مذاكرة لعلم أو ما لا يَسْخَطُه الله ﷿ ويدخل في مرضاته، فلا بأس به، روى أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة (^٩) قال: قال: عمر قال: (كان النبي - ﷺ - لا يزال يسمر عند أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين) (^١٠)، وقال عمران بن حصين (^١١): (كان النبي - ﷺ - يحدثنا عامة ليله عن بني إسرائيل) (^١٢).\n_________\n(^١) أخرجه في شرح معاني الآثار (٤/ ٣٣٠) بنحوه.\nوالأثر - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\n(^٢) لم أجد هذا الأثر، وقد ذكره ابن العربي المالكي في أحكامه (٣/ ٣٢٧) والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ١٤٥) ضمن أثر عزاه إلى عمر بن الخطاب - ﵁ -.\nوالأثر - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\n(^٣) هو: ابن مسعود - ﵁ -.\n(^٤) قال في اللسان مادة (عسس): \" عس يعس عسسا وعسا أي طاف بالليل\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق [١/ ٤٢٢ كتاب الصلاة، باب الوضوء في المسجد] بنحوه.\nوالأثر - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\n(^٦) هو: شداد بن أوس بن ثابت الخزرجي، أبو يعلى، قيل إنه شهد بدرا، قال عنه عبادة بن الصامت: من الذين أوتوا العلم والحلم، توفي سنة ٥٨ هـ ودفن ببيت المقدس. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٩١) والإصابة (٣/ ٢٥٨).\n(^٧) قول حذيفة فقد أخرجه ابن أبي شيبة [٢/ ٧٨ كتاب الصلوات، باب من كره السمر بعد العتمة]\nوأما باقي من ذكرهم فلم أجد آثارا عنهم في هذا الباب، وقد أخرج ابن أبي شيبة - الإحالة السابقة - عن عدد من الصحابة والتابعين ما يدل على كراهتهم الحديث بعد صلاة العشاء.\n(^٨) أخرجه الطبراني في الكبير (٧/ ٢٧٨) بلفظه.\nوأخرجه أحمد (٤/ ١٢٥) والطبراني في مسند الشاميين (٢/ ٢٢٨) بنحوه، وضعفه العقيلي في الضعفاء (٣/ ٣٣٩).\nوالحديث - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\n(^٩) هو: علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي ولد في حياة رسول الله - ﷺ -، قال: الهمداني كان علقمة من الربانيين، توفي سنة ٦١ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٤٠٤) وتهذيب التهذيب (٤/ ١٦٨).\n(^١٠) جزء من خبر طويل أخرجه أحمد (١/ ٢٥) وابن خزيمة [٢/ ١٨٦ كتاب الصلاة، باب الجهر بالقراءة في صلاة الليل] وابن حبان [٥/ ٣٧٩ باب صفة الصلاة، ذكر الخبر المصرح بإباحة السمر ...] والحاكم [٢/ ٢٤٦ كتاب التفسير] وصححه، والبيهقي [١/ ٤٥٢ جماع أبواب الأذان، باب كراهة النوم قبل العشاء].\n(^١١) هو: عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي، أسلم عام خبير، ومان صاحب راية خزاعة يوم الفتح، توفي بالبصرة سنة ٥٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٧) الإصابة (٤/ ٥٤٣).\n(^١٢) جزء من حديث أخرجه أحمد (٤/ ٤٣٧) وابن خزيمة [٢/ ٢٩٢ جماع أبواب الأفعال المباحة، باب ذكر الدليل على كراهة السمر ...] والحاكم [٢/ ٤١١ كتاب التفسير، سورة طه] وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأبو داود [٣/ ٣١٩ كتاب العلم، باب الحديث عن بني إسرائيل] والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٠٧).\nوالحديث - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.","vol":"1","page":1353},{"text":"قال بكر: فالذي كُره من السمر ما لم يكن فيه رضى الله ﷿ ومنافع للعباد، وعلم وآداب (^١)، والآية إنما نزلت في كفار قريش لأنهم كانوا يهجرون الطواف ويجلسون في نواديهم وهي الحِلَق، فيتكلمون في رسول الله - ﷺ - وفي القرآن، فسماه الله هجرا (^٢).\nقال سفيان (^٣): كان عمرو بن دينار (^٤) يسمر في المسجد إلى نصف الليل وأيوب السختياني (^٥) معه (^٦).\nوقال هشام بن حسان (^٧): كنا نسمر بعد العشاء مع محمد بن سيرين (^٨).\nوقال عروة (^٩) كنا نتحدث عند حجرة عائشة ﵂، وكانت تنادينا: يا ابن أختي قد طلع الفجر (^١٠).\n_________\n(^١) وهذا المعنى - أيضا - قرره ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٣٢٨) حيث قال: \" هذا يدلك على أن النهي عن السمر إنما هو لأجل هجر القول، أو لغوه، أو لأجل خوف فوت قيام الليل، فإذا كان على خلاف هذا، أو تعلقت به حاجة، أو غرض شرعي، فلا حرج فيه، وليس هو من منزع الآية .. \".\n(^٢) أورد هذا السبب في نزول الآية السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٠٩) وعزاه إلى سعيد بن منصور وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير.\n(^٣) هو: ابن عيينة، تقدم.\n(^٤) هو: عمرو بن دينار الجمحي مولاهم، أبو محمد المكي، قال عنه ابن عيينة: كان ثقة ثبتا كثير الحديث صدوقا عالما، توفي سنة ١٢٥ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٢٥) وتهذيب التهذيب (٤/ ٣٢١).\n(^٥) هو: أيوب بن أبي تميمة السختياني، أبو بكر البصري، قال ابن سعد: كان ثقة ثبتا في الحديث جامعا كثير العلم حجة عدلا، توفي سنة ١٣١ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٢٦) وتهذيب التهذيب (١/ ٣٠٩).\n(^٦) أخرجه الفاكهي في أخبار مكة (٢/ ١٥١) بمعناه، لكن قال: إلى ربع الليل وقريب من مثله.\nوالأثر - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\n(^٧) هو: هشام بن حسان الأزدي مولاهم، أبو عبد الله البصري، قال ابن أبي عروبة: ما رأيت أحفظ عن محمد بن سيرين من هشام، توفي سنة ١٤٦ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٣٨) وتهذيب التهذيب (٦/ ٢٥).\n(^٨) لم أجده.\n(^٩) هو: ابن الزبير، تقدم.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي شيبة [٢/ ٨٠ كتاب الصلوات، باب من رخص في ذلك] بمعناه.\nوالأثر - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.","vol":"1","page":1354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>ومن سورة النور</span>.\n\nقال الله ﷿: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ (^١).\nمعنى﴾ فَرَشْنَاهَا ﴿هاهنا: بيناها، وشرحنا ما فيها من الحلال والحرام والنهي، وأوجبناها بإلزام فروضها، والله أعلم.\nقال الله ﷿: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ (^٢)\nهذه آخر آية نزلت في حد الزاني، ناسخة لقوله سبحانه: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا﴾ (^٣) ولقوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ إلى قوله ﷾: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (^٤) فلما نزلت (^٥) هذه الآية قال النبي - ﷺ -: (خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد\n_________\n(^١) سورة النور (١).\n(^٢) سورة النور (٢).\n(^٣) سورة النساء (١٦).\n(^٤) سورة النساء (١٥).\nقول المؤلف ﵀: بأن آية النور قد نسخت آية النساء، فيه تسامح؛ لأن آية النساء قد تضمنت حكما مؤقتا بغاية ينتهي إليها، وقد جاء بيان تلك الغاية في آية النور، قال ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ٤٥٧) في سياق تعليله لعدم القول بالنسخ: \" .. لأن النسخ إنما يكون في القولين المتعارضين من كل وجه، اللذين لا يمكن الجمع بينهما بحال، وأما إذا كان الحكم ممدودا إلى غاية، ثم وقع بيان الغاية بعد ذلك، فليس بنسخ؛ لأنه كلام منتظم متصل، لم يرفع ما بعده ما قبله ولا اعتراض عليه\".\n(^٥) لوحة رقم [٢/ ١٩٧].","vol":"1","page":1355},{"text":"مائة والرجم) (^١) فكان الرجم بأمر الله ﷿؛ لأن عمر - ﵁ - أخبرنا أنهم كانوا يقرؤونها، فظنها قرآنا وقد كان وحيا (^٢) فعلمنا بذلك أنه من عند الله، وأن الرسول - ﷺ - سن مع الرجم كما سن مع جلد البكر التغريب.\nومن شأن السنة أن تنسخ السنة، والسنة لا تنسخ القرآن، وإنما ينسخ القرآن القرآن، والسنة فقد تشرح خفي القرآن ولا تنسخه، فلو كان جلد الثيب بالقرآن لما جاز نسخه إلا بالقرآن، فنسخ رسول الله - ﷺ - ما سن من جلد الثيب بسنته، لما رواه أبو\n_________\n(^١) أخرجه مسلم [١٦٩٠ كتاب الحدود] بنحوه.\n(^٢) يشير المؤلف إلى الرواية التي أخرجها البخاري [١٤٣٢ كتاب الحدود، باب رجم الحبلى ..] ومسلم [٣/ ١٠٦٤ كتاب الحدود] عن ابن عباس ﵄ أن عمر بن الخطاب قال وهو جالس على منبر رسول الله - ﷺ -: إن الله قد بعث محمدا - ﷺ - بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله - ﷺ - ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله).\nوقول المؤلف ﵀: لأن عمر - ﵁ - أخبرنا أنهم كانوا يقرؤونها فظنها قرآنا وقد كان وحيا، محل نظر، فمع أن فيه تخطئة لعمر بن الخطاب - ﵁ - ونسبة قوله إلى الظن، والحال أنه مُخْبر بأمر واقعٍ، فهو يقتضي أن تكون آية الرجم وحيا كوحي السنة، وليست قرآنا يتلى كسائر ما نزل من القرآن، والروايات الثابتة دلالتها صريحة على أنها كانت قرآنا يتلى، إذ فيها قوله - ﵁ -: (إن الله قد بعث محمدا - ﷺ - بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله - ﷺ - ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله) فسماها آية وأخبر أنهم كانوا يقرؤونها، وإذا علمنا أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال ذلك بمحضر من صحابة رسول - ﷺ - ولم ينكر عليه أحد، تيقنا أنه - ﵁ - لم يقل ذلك بمجرد ظنه، ومما يشهد لرواية عمر بن الخطاب - ﵁ - ما أخرجه الحاكم [٤/ ٤٠٠ كتاب الحدود] عن سهل بن حنيف أن خالته أخبرته، قالت: لقد أقرأنا رسول الله - ﷺ - آية الرجم: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما اقترفا من اللذة) قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.","vol":"1","page":1356},{"text":"هريرة وغيره أن النبي - ﷺ -: رجم ماعزا (^١) ولم يجلده (^٢) وروى أبو هريرة وزيد بن خالد (^٣) وزاد ابن عيينة (^٤): وشبل بن سعيد (^٥) - أن النبي - ﷺ - قال في قصة العسيف (^٦):؟ واغدو يا أُنَيْس (^٧) على امرأة هذا فأن اعترفت فارجمها؟ (^٨).\n_________\n(^١) هو: ماعز بن مالك الأسلمي، ويقال: إن اسمه: عريب، وماعز لقب، رجمه النبي - ﷺ - لما وقع على جارية لهزال الأسلمي، وكان نسيبه، ولما رجمه النبي - ﷺ - قال: لقد تاب توبة لو تابها طائفة من أمتي؛ لأجزأت عنهم. ينظر: الإصابة (٥/ ٥٢١).\n(^٢) أخرجه البخاري [١٤٣٢ كتاب الحدود، باب سؤال الإمام المقر ..].\n(^٣) هو: زيد بن خالد الجهني، مختلف في كنيته فقيل: أبو زرعة وقيل: أبو عبد الرحمن، شهد الحديبية وكان معه لواء جهينة يوم الفتح، توفي بالمدينة وقيل بالكوفة سنة ٧٨ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٤/ ٤٨٩) والإصابة (٢/ ٤٩٩).\n(^٤) قال ابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٧٤) عن زيادة ابن عيينة: \" وذكره في هذا الحديث شبلا خطأ عند جميع أهل العلم بالحديث، ولا مدخل لشبل في هذا الحديث بوجه من الوجوه، وقال يحيى بن معين: ذكر ابن عيينة في هذا الحديث شبلا خطأ، لم يسمع شبل من النبي - ﷺ - شيئا .. \".\n(^٥) كذا في الأصل: ابن سعيد، وهو تحريف من معبد، فإني لم أجد - فيما وقفت عليه - من اسمه ابن سعيد، وقد جاء على الصواب في كلام المؤلف عند آية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾.\nأما شبل فهو: شبل بن حامد، ويقال: ابن معبد المزني، قال ابن معين: ليست لشبل صحبة ... وأهل مصر يقولون: شبل بن حامد ... وهذا عندي أشبه، وقال عبد البر: لا ذكر له في الصحابة إلا في رواية ابن عيينة، ينظر: تهذيب التهذيب (٢/ ٤٧٣).\n(^٦) المراد بالعسيف هنا الأجير. ينظر: النهاية في غريب الحديث (٣/ ٢١٤).\n(^٧) هو: أنيس بن الضحاك الأسلمي، جزم به ابن حبان وابن عبد البر، وتردد فيه ابن حجر. ينظر: الإصابة (١/ ٢٨٥).\n(^٨) جزء من حديث أخرجه البخاري [١٤٣٢ كتاب الحدود، باب الاعتراف بالزنا] ومسلم [٣/ ١٠٦٩ كتاب الحدود].\nوزيادة ابن عيينة بذكر شبلٍ في رواة الحديث، قد أخرجها ابن ماجه [٢/ ٨٥ كتاب الحدود، باب حد الزنا] والترمذي [١٤٣٣ باب ما جاء في الرجم على الثيب] وقال عنها: وهم فيه ابن عيينة، والنسائي [٨/ ٦٣٣ كتاب آداب القضاة، باب صون النساء عن مجالس الحكم] والبيهقي [٨/ ٢٢١ كتاب الحدود، باب ما جاء نفي البكر] وقال: الحفاظ يرونه خطأ في هذا الحديث.","vol":"1","page":1357},{"text":"قال بكر: فصار هذان الخبران ناسخين للجلد في الثيب، وبقي الرجم على ما أنزل الله ﵎ إذ القتل يأتي على كل شيء.\nولا اختلاف بين علماء الأمصار، أن من شرب خمرا وزنى وهو محصن فالحدان عندهم جميعا لله ﷻ، فيسقط جلد الشرب ويأتي الرجم على ذلك كله، فلما كان ذلك كذلك، وكانت الحدود إذا اجتمعت لله ﵎ ليس لآدمي فيها حق، مثل: القذف وما أشبهه، دخل بعضها في بعض، وأتى القتل على جميعها، كان ذلك سبب إسقاط الجلد عن الثيب، فنسخت سنَتُه سنَتَه.\nولا أعلم في سقوط الجلد بين فقهاء الأمصار خلافا (^١)، وإنما تكلمت في ذلك على متأخر تعلق بحديث عبادة، متبعا للشواذ من الأخبار، ومتعلقا بالمنسوخ لِيُعْرَفَ، ومع ذلك فحديث عبادة في بدء الهجرة بعد ثلاث منها، وحديث أبي هريرة وصاحبيه بعد ذلك؛ لأن إسلام أبي هريرة في أول سنة سبع من الهجرة، بعد فتح خيبر وفي وقتها، وكذلك صاحباه إسلامهما متأخر، وعبادة من النقباء الاثني عشر ليلة العقبة (^٢)،\n_________\n(^١) قوله: ولا أعلم في سقوط ...، أراد ﵀ أن العمل في الأمصار على ما قرر، إذ الخلاف في المسألة قديم ومشهور، فهو قول علي بن أبي طالب، وابن عباس، وأبي بن كعب، وأبو ذر، والحسن، وداود الظاهري، وابن المنذر، وهو الرواية الثانية في مذهب الإمام أحمد.\nينظر: المغني (٨/ ١٦٠) وقد أشار إلى هذا الخلاف ابن العربي المالكي في أحكام القرآن (١/ ٤٦٤) والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٩٢).\n(^٢) ليلة العقبة هي: الليلة التي واعد فيها رسول الله - ﷺ - من أسلم من أهل المدينة من الأوس والخزرج، وكان ذلك في الحج أيام التشريق، فلما لقيهم النبي - ﷺ - وبايعهم سألهم أن يختاروا من بينهم اثني عشر نقيبا، ليكونوا على قومه بما عاهدوا عليه رسول الله - ﷺ -. ينظر: سيرة ابن هشام (٢/ ٦٤).","vol":"1","page":1358},{"text":"فروايته وقت نزول آية الجلد في سورة النور، وأمر العسيف بعد ذلك بسنين، فقد نسخ السنةُ السنةَ، فهذا ناسخ لحديث عبادة، والله أعلم.\n\nقال الله ﵎: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ (^١).\nمعنى هذه الآية عند أكثر المفسرين: لا يعطل الحد برحمة تدخل القلب، قال ذلك: الحسن، وعطاء، وجماعة (^٢).\nوقال آخرون: إقامة الحد بالقتل (^٣).\n_________\n(^١) سورة النور (٢).\n(^٢) قول عطاء فقد أخرجه عبد الرزاق [٧/ ٣٦٧ كتاب الطلاق، باب الرجم والإحصان] الطبري في تفسيره (٩/ ٢٥٧).\nوأما قول الحسن فلم أجده، إلا أن قوله وقول عطاء مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\nوقد أخرج الطبري في تفسيره (٩/ ٢٥٨) عن الحسن أنه قال: ﴿لَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ قال الجلد الشديد\" فجعل الآية ناهية عن الرأفة التي تحيل الضرب خفيفا، بخلاف الرواية التي ساقها المؤلف، لأنه جعل الآية ناهية عن الرأفة التي تمنع من إقامة الحد ابتداء كما في الرواية الأولى، وفي رواية الطبري جعل الرأفة مانعة من إقامة الضرب الشديد وإن أقام عليه الحد.\nوممن قال بقول عطاء من السلف: إبراهيم النخعي، كما ذكره الطبري في تفسيره (٩/ ٢٥٧).\n(^٣) لم أجد لهذا القول ذكرا، ولم أعرف الوجه فيه، والظاهر أن هناك سقطا في الكلام، دل على ذلك مقارنته بما جاء في الأصل الذي كتبه القاضي إسماعيل، واختصره المؤلف هنا، حيث لا يوجد مثل هذا لفظ ولا معناه، وإنما ورد وفيه أنه قال: \" عن مجاهد قال: ليس في القتل ولكن في إقامة الحد \" وهذا الأثر مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.","vol":"1","page":1359},{"text":"وقال زيد بن أسلم: لا تَدَعُوهُمَا برحمة لهما من (^١) إقامة الحد عليهما (^٢).\nوهذه الآية مخاطبة للإمام، ليس له إذا ثبت الحد عنده العفو عنه، ويجوز ذلك لسائر الرعية ترك رفعهما إلى الإمام، ألا ترى أن النبي - ﷺ - قال لصفوان بن\nأمية (^٣):؟ فهلا قبل أن تأتينا به؟ (^٤) وقال لهَزَّال (^٥):؟ هلا سترته بثوبك؟ (^٦) وقال في ماعز أيضا:؟ هلا تركتموه؟ (^٧) يريد لعله يؤدي إلى ما يزيل الحد (^٨)، فالحاكم والإمام\n_________\n(^١) لوحة رقم [٢/ ١٩٨].\n(^٢) لم أجده، وهو مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\n(^٣) هو: صفوان بن أمية بن خلف بن وهب، أبو وهب الجمحي، أحد سادات العرب، استعار النبي - ﷺ - منه سلاحه لما خرج إلى حنين، وأعطاه النبي - ﷺ - من غنائمها حتى كان ذلك سببا في إسلامه، مات بمكة مقتل عثمان بن عفان، وقيل: غير ذلك. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣١١) والإصابة (٣/ ٣٤٩).\n(^٤) أخرجه أحمد (٣/ ٤٠١) والنسائي [٤/ ٣٢٩ كتاب قطع السارق، ما يكون حرزا وما لا يكون] والدارقطني [٣/ ١٢٥ كتاب الحدود] والحاكم [٤/ ٤٢٢ كتاب الحدود] وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(^٥) هو: هزال بن يزيد بن ذئاب بن كليب بن عامر بن جذيمة بن مازن الأسلمي، وهو الذي أشار على ماعز لما وقع على الجارية أن يأتي النبي - ﷺ -. ينظر: طبقات ابن سعد (٤/ ٤٧٨) والإصابة (٦/ ٤٢٠).\n(^٦) جزء من حديث أخرجه أحمد (٥/ ٢١٦) وأبو داود [٤/ ١٢٢ كتاب الحدود، باب في الستر على أهل الحدود] والنسائي في الكبرى [٤/ ٣٠٥ باب في الستر على الزاني] والحاكم [٤/ ٤٠٣ كتاب الحدود] وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي [٨/ ٣٣٠ كتاب الحدود، باب ما جاء في الستر على أهل الحدود].\n(^٧) جزء من حديث أخرجه أحمد (٥/ ٢١٦) وأبو داود [٤٤١٩ كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك] والنسائي في الكبرى [٤/ ٣٠٥ كتاب الحدود، باب الستر على الزاني] والحاكم [٤/ ٤٠٤ كتاب الحدود] وقال: صحيح الإسناد، من حديث نعيم بن يزيد بن هزال، عن أبيه.\nوأخرجه الترمذي [٣/ ١١٧ كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحد عن المعترف] وحسنه، وابن حبان [١٠/ ٢٨٧ كتاب الحدود، باب ذكر الخبر الدال على المقر بالزنا على نفسه ..] والحاكم [٤/ ٤٠٤ كتاب الحدود] وقال: صحيح على شرط مسلم، من حديث أبي هريرة.\n(^٨) وهذا التوجيه تبعا لما ذهب إليه المالكية في المشهور عنهم، من عدم صحة الرجوع عن الإقرار في الزنا، إلا أن يأتي بما يدفع عنه الحد، والجمهور على خلافه.\nويشكل على ما ذكره المؤلف ما جاء عند عبد الرزاق (٥/ ٥٤٠) وأحمد (٥/ ٢١٦) والنسائي في الكبرى (٤/ ٣٠٥) أن النبي - ﷺ - قال: (هلا تركتموه لعله يتوب؛ فيتوب الله عليه) ولذا قال الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ١٠٦) \" وقوله - ﷺ -: (هلا تركتموه) يدل على جواز رجوعه عن إقراره\"\nينظر: أحكام القرآن للجصاص (٥/ ١٠٦) وأحكام القرآن لابن العربي (٤/ ٣٤٦) وبداية المجتهد (٢/ ٣٢٩) والمغني (٨/ ١٩٧) وشرح فتح القدير (٥/ ٢٠٥) ونهاية المحتاج (٧/ ٤٣٠).","vol":"1","page":1360},{"text":"لا يجوز لهما العفو عن حقوق الله في الحدود المُوجَبَة بالأفعال، قال عبد الله بن مسعود: (يؤتى بالزائد في حدود الله يوم القيامة فيقال له: لم زدت في حدودي؟ فيقول: غضبا لك، فيقول الله ﷿: أأنت أشد غضبا مني لنفسي! اذهبوا به إلى النار، ويؤتى بالناقص من حدود الله فيقول الله ﵎ له: لم نقصت من حدودي؟ فيقول رحمة لعبادك، فيقول: أأنت أرحم بهم مني! اذهبوا به إلى النار) (^١).\nقال الله ﷿: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢).\nقال عطاء: الطائفة رجلان (^٣).\nوقال مجاهد: رجل إلى ألف (^٤).\n_________\n(^١) لم أجده مسندا، وقد أورده الزمخشري في الكشاف (٣/ ٦٠) والرازي في التفسير الكبير (٢٣/ ١٣٠) بمعناه، قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف (٤/ ١١٦): \" لم أجده بهذا اللفظ، وعند أبي يعلى ... عن حذيفة مرفوعا (يؤتى بالذي ضرب فوق الحد، فيقول: عبدي لم ضربت فوق ما أمرتك؟ فيقول: غضبت. فقال: أكان غضبك أن يكون أشد من غضبي! ويؤتي بالذي قصر، فيقول: عبدي لم قصرت؟ فيقول: رحمته. فيقول: أكانت رحمتك أن تكون أشد من رحمتي! فيؤمر بهما جميعا إلى النار) \" حديث حذيفة هذا أورده في المطالب العالية (٢/ ٢٣٣).\n(^٢) سورة النور (٢).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق [٧/ ٣٦٧ باب الرجم والإحصان، ولا تأخذكم بهما رأفة ..] وابن أبي شيبة [٥/ ٥٣٣ كتاب الحدود، في قوله: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين] والطبري في تفسيره (٩/ ٢٥٩) بنحوه.\nوهو - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل ... .\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة والطبري - الإحالة السابقة ـ، وأخرجه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٢٠) به.\nوهو - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل ... .","vol":"1","page":1361},{"text":"وقال الزهري: ثلاثة فصاعدا (^١).\nوقال قتادة: نفر من المسلمين (^٢).\nوقال الحسن: عشرة (^٣).\nوقال مالك بن أنس: أربعة من الرجال المسلمين فصاعدا (^٤).\nقال بكر: فالذي قال رجل فما فوق، احتج بقول الله ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (^٥) فسلك بالآية غير طريقهما؛ لأن كل طائفة جماعة، وإنما يدخل الواحد في ذلك بالمعنى، واللفظ فللجماعة، ومما يدل على أن اللفظ للجماعة قوله ﷿: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا﴾ (^٦) فجاء اللفظ على تأنيث الجماعة، وأمرت الجماعة أن تصلح بين الطائفتين.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة [٥/ ٥٣٣ كتاب الحدود، في قوله وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين] والطبري في تفسيره (٩/ ٢٥٩) وابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٢١) به.\nوهو - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل ... .\n(^٢) أورد في الدر المنثور (٦/ ١٢٥) نحوه، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة [٥/ ٥٣٣ كتاب الحدود، في قوله وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين].\nوهو - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل ... .\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٢١) وينظر - أيضا ـ: الجامع لأحكام القرآن (١١/ ١٧٢) ومواهب الجليل (٨/ ٣٩٥).\nوقد أسنده القاضي إسماعيل عن مالك، كما في القطعة المتبقية من كتابه أحكام القرآن.\n(^٥) سورة الحجرات (٩).\n(^٦) سورة الحجرات (٩).","vol":"1","page":1362},{"text":"واحتج آخر (^١) بقول الله ﷿: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ (^٢) وهذا غلط أيضا؛ لأن المخاطبة لجماعة، قال الله ﷿: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (^٣) فعلم أنهم جماعة، وأنه إن يعف عن طائفة منهم، بالتوبة مما كانوا فيه من الكفر الذي وصف الله، يعذب طائفة ممن لم يتب، فإن كان الذي تاب منهم رجلا فما فوق دخل في المعنى، وإن كان الذي لم يتب رجلا فما فوق دخل في المعنى، إذ كانوا إنما يستحقون ذلك بأفعالهم.\nوالطائفة التي تحضر عذاب الزاني لم يحضروا لفعل كان منهم في أنفسهم، وإنما أُحْضِروا ليكونوا شهودا لعذاب غيرهم، فإن كان الواحد من الشهود يقوم مقام الجماعة، فينبغي أن يقاس عليه، وإن لم يكن يقوم مقامهم خرج من حكمهم بالمعنى واللفظ جميعا؛ لأن الشهود يحتاج إليهم (^٤) فيما يحدث بين المحدود وغيره، وهو أن يقذفه قاذف بعد ما يقام عليه حد الزنا، فإذا أتى القاذف بأربعة فشهدوا أن حاكما قد حد المقذوف في الزنا سقط الحد عن القاذف\nوكذلك لو كانت أمة لرجل فحدها سيدها في الزنا ثم أعتقت، فقذفها رجل فأتى القاذف بأربعة فشهدوا: أنها كانت أَمَةً، وأن سيدها قد كان حدها في الزنا؛\n_________\n(^١) لم يبين المؤلف من الذي احتج، والمراد به: محمد بن كعب، حيث نص عليه القاضي إسماعيل في القطعة المتبقية من كتابه: أحكام القرآن، وأورد عليه نفس الإيراد المذكور هنا.\n(^٢) سورة التوبة (٦٦).\n(^٣) سورة التوبة (٦٥، ٦٦).\n(^٤) لوحة رقم [٢/ ١٩٩].","vol":"1","page":1363},{"text":"لسقط عن القاذف الحد، فهذا هو الظاهر الذي يدل عليه معنى حضور الشهود عذاب الزاني، فليس تدل الآية إلا على ما وصفنا؛ لأنه تحصيل حكم بين الناس، وإذا حدث شيء فيه، حكم بحَدَثٍ كان أغلب ممالا حكم فيه (^١)، قال الله ﷿: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ (^٢) وكانوا بني سَلِمة (^٣) وبني\nحارثة (^٤) وكانا بجناحي المدينة (^٥) فلم يكونوا وراء رسول الله - ﷺ - يوم الخندق (^٦)، وقال ﷿: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ (^٧) وقال: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ (^٨).\n_________\n(^١) العبارة كما هي في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل: \" وإذا وقع شيء فكان فيه معنى حكم بحدث كان أغلب مما لا حكم فيه\".أ. هـ\n(^٢) سورة آل عمران (١٢٢).\n(^٣) هم: بنو سلمة بن سعد بن علي بن جشم بن الخزرج، بطن من الأزد. ينظر: العقد الفريد (٣/ ٣٣٠) وجمهرة أنساب العرب ص ٣٣٩.\n(^٤) هم: بنو حارثة بن الحارث بن عمرو النبيت، من بني الأوس بطن من الأزد. ينظر: الأغاني (٢/ ٥) معجم قبائل العرب (٢/ ٢٣٣).\n(^٥) يريد أنهم كانوا جناحي العسكر، ولم يكونوا مع النبي - ﷺ - في قلب الجيش، قال البغوي في معالم التنزيل (١/ ٢٤٧): \" والطائفتان بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحي العسكر\"\nوروى الطبري في تفسيره (٣/ ٤١٨) عن مجاهد أنه قال: \" بنو حارثة كانوا نحو أحد، وبنو سلمة نحو سَلْع \".\n(^٦) ذهب المؤلف ﵀ إلى أن ذلك كان يوم الخندق، تبعا لما روي عن الحسن، فقد أخرج الطبري في تفسيره (٣/ ٤١٥) عنه في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ قال: غدا يبوئ المؤمنين مقاعد للقتال يوم الأحزاب\" لكن ذهب جمهور أهل العلم إلى أن ذلك كان في أحد، قال الطبري (٣/ ٤١٦): \" ولا خلاف بين أهل السير والمعرفة بمغازي رسول الله - ﷺ - أن الذي ذكر الله من أمرهما إنما كان يوم أحد ... \" ثم ذكر عددا من الآثار تدل على هذا.\n(^٧) سورة الأنفال (٧).\n(^٨) سورة النساء (١١٣).","vol":"1","page":1364},{"text":"ولا يختلف أهل اللسان أن الرجل إذا قال: رأيت طائفة، أنه يعني جماعة، فحكم قوله: ﴿طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١) أربعة من الرجال الأحرار الذين تجوز شهادتهم في الزنا فصاعدا، والله أعلم بما أراد من ذلك (^٢).\nقال الله ﵎: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٣).\nاختلف السلف في هذه الآية: فزعم قوم منهم؛ ابن مسعود وغيره: أن الزانيين إذا تزوجها بعد ذلك لا يزالا زانيين ما اصطحبا (^٤)، ويجوز أن يكون أراد؛ أنه ينظر كل واحد منهما إلى صاحبه بعين الزنا (^٥).\n_________\n(^١) سورة النور (٢).\n(^٢) اختار المؤلف أن الطائفة هنا أربعة رجال أحرار، تبعا لقول مالك بن أنس، وقد خالفهما ابن العربي، واعتبر العلة التي من أجلها أمر تعالى بشهود الطائفة، وهي حصول التشديد والتنكيل، قال ﵀: \" والصحيح: سقوط العدد، واعتبار الجماعة الذين يقع بهم التشديد من غير حد\" أحكام القرآن (٣/ ٣٣٦).\n(^٣) سورة النور (٣).\n(^٤) قول ابن مسعود فقد أخرجه البيهقي [٧/ ١٥٦ كتاب النكاح، باب ما يستدل به على قصر الآية ..].\nوقد أورده ابن حزم في المحلى (٩/ ٤٧٥) بسند القاضي إسماعيل صاحب الأصل، قال: ومن طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي نا علي بن عبد الله، نا يحيى بن سعيد القطان، نا شعبة، نا قتادة والحكم بن عتيبة كلاهما، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبيه عن ابن مسعود \" فذكر نحوه.\nوهو - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\nوممن قاله عائشة والبراء بن عازب وجابر بن زيد - ﵃ -، أخرجه عنهم ابن أبي شيبة [٣/ ٥٢٩ كتاب النكاح، باب من كره أن يتزوجها].\n(^٥) هذا التوجيه الذي ذكره المؤلف ﵀ ربما حمله عليه، اختلاف الروايات عن ابن مسعود - ﵁ - فمرة جاء عنه وصفهما بالزنا ما اصطحبا دون قيد، ومرة جاء عنه صحة نكاحهما دون قيد، والظاهر أن الروايات عنه تجتمع بنحوه ما ذكره ابن حزم في المحلى (٩/ ٤٧٥): \" قال أبو محمد: القولان منه متفقان؛ لأنه إنما أباح نكاحها بعد التوبة \".","vol":"1","page":1365},{"text":"ومنهم من رأى التزويج صوابا، وزَوَّجَ الزانيين ورأى الجمع بينهما بالنكاح، منهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، وجماعة من المفسرين (^١).\nومنهم من جعل الآية فيمن كانت له امرأة فزنت أنه يفارقها ولا يقيم عليها، منهم: علي بن أبي طالب، وابن عمر، وجماعة (^٢)، ورُوي عن النبي - ﷺ - حديث، منهم من أرسله عن عبيد بن عمير، ومنهم من وصله، فذكر ابن عباس أن رجلا أتى النبي - ﷺ - فقال:؟ إن امرأتي لا تمنع يد لا مس فقال طلقها، فقال: إني أحبها، قال: أمسكها، فرد ذلك ثلاثا؟ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي [٧/ ١٥٥ كتاب النكاح، باب ما يستدل به على قصر الآية ..] عن أبي بكر - ﵁ - من فعله، وعبد الرزاق [٧/ ٢٠٣ كتاب الطلاق، باب الرجل يزني بامرأة ثم يتزوجها] من قوله.\nوأخرجه عبد الرزاق [٧/ ٢٠٣ كتاب الطلاق، باب الرجل يزني بامرأة ثم يتزوجها] البيهقي [٧/ ١٥٥ كتاب النكاح، باب ما يستدل به على قصر الآية ..] عن عمر من فعله.\nوأخرجه عبد الرزاق والبيهقي - الإحالة السابقة - عن ابن عباس من قوله.\nوأخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٥٢٨ كتاب النكاح، باب في الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها] عن ابن عمر وسعيد بن المسيب وعلقمة.\nقول جابر، وسعيد بن المسيب، وابن جبير، قد أخرجه البيهقي - الإحالة السابقة - لكن قيدوه بالتوبة والصلاح.\nوأخرج عبد الرزاق [٧/ ٢٠٢ كتاب الطلاق، باب الرجل يزني بامرأة ثم يتزوجها] عن جابر وابن جبير، جوازه مطلقا.\n(^٢) قول ابن عمر أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٢٦٤) وأما أثر علي بن أبي طالب فلم أجده.\n(^٣) أخرجه النسائي [٦/ ٤٨١ كتاب الطلاق، باب ما جاء في الخلع] والبيهقي [٧/ ١٥٥ كتاب النكاح، باب ما يستدل به على قصر الآية ..] بنحوه، عن هارون بن رئاب، وعبد الكريم بن أبي المخارق، كلاهما عن عبد الله بن عبيد بن عمير، فرفعه عبد الكريم إلى ابن عباس، ولم يرفعه هارون، وصوب النسائي إرساله، وضعّف عبد الكريم.\nوأخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٤٩٠ كتاب النكاح، باب في الرجل يرى امرأته تفجر] عن عبد الكريم، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس - ﵃ -، بنحوه.\nوأخرجه عبد الرزاق [٧/ ٩٨ كتاب الطلاق، باب الرجل يجد مع امرأته رجلا] والشافعي في مسنده (١٣٨٥) بنحوه، عن هارون بن رئاب، عن عبيد بن عمير، مرسلا.\nوأخرجه أبو داود [٢/ ١٧٩ كتاب النكاح، باب النهي عن تزويج من لم يلد ..] والنسائي والبيهقي - الإحالة السابقة - عن عكرمة عن ابن عباس - ﵃ -، بنحوه.\nوأخرجه البيهقي - الإحالة السابقة - من طريق عبد الكريم بن مالك، ومعقل عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله: أن رجلا أتى النبي - ﷺ -، فذكره بنحوه.\nزيادة (فرد ذلك ثلاثا) لم أجدها، وفي معناها ما جاء عند عبد الرزاق - الإحالة السابقة - وفيه قال رجل يا رسول الله: إن امرأتي ذات ميسم، وإنها والله ما تمنع يد لامس فقال: النبي - ﷺ - طلقها فقال: يا رسول الله لو أني أفارقها - ثلاث - قال فاستمتع بأهلك.","vol":"1","page":1366},{"text":"وقال بعضهم: أن المجلود لا ينكح إلا مجلودة، ممن قال ذلك: عبد الله بن عمرو (^١)، وقال الحسن البصري (^٢)، ورواه عمرو بن شعيب (^٣)، عن سعيد المقبري (^٤)، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -:؟ لا ينكح المجلود إلا مثله؟ (^٥) ورواه (^٦) عطاء،\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم [٢/ ٢١١ كتاب النكاح] وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي [٧/ ١٥٦ كتاب الطلاق، باب نكاح المحدثين] به.\n(^٢) ينظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٦٧).\n(^٣) هو: عمرو بن شعيب بن محمد بن عمرو بن العاص القرشي، أبو إبراهيم المدني، قال الأوزاعي: ما رأيت قرشيا أفضل من عمرو بن شعيب. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٢١٣) وتهذيب التهذيب (٤/ ٣٣٢).\n(^٤) هو: سعيد بن كيسان المقبري الليثي مولاهم، أبو سعد المدني، قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، لكنه كبر وبقي حتى اختلط قبل موته، توفي سنة ١٢٣ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٢١٩) وتهذيب التهذيب (٢/ ٣١٢).\n(^٥) أخرجه أحمد (٢/ ٣٢٤) وأبو داود [٢٠٥٢ باب في قوله الزاني لا ينكح إلا زانية] والحاكم [٢/ ٢١١ كتاب النكاح] وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي [٧/ ١٥٥ كتاب النكاح، باب ما يستدل به على قصر الآية ..] وصححه الألباني في صحيح أبي داود.\n(^٦) لوحة رقم [٢/ ٢٠٠].","vol":"1","page":1367},{"text":"عن أبي هريرة موقوفا عليه (^١)، وكان أبو هريرة يقوله، وقال لرجل أراد أن يتزوج مجلودة: لا تتزوجها إلا أن تكون قد فعلت مثل فعلها (^٢).\nوروى ليث (^٣) عن ابن سابط (^٤) أن عليا أُتي بمحدود تزوج امرأة غير محدودة ففرق بينهما (^٥)، وفي الحديث ليث بن أبي سليم، ومثله لا تثبت به حجة (^٦) والله أعلم، وروى الشيباني (^٧) عن عبد الله بن شداد (^٨) عن ابن عباس أنه أمر بنحو من ذلك (^٩).\n_________\n(^١) أورده في المحلى (٩/ ٤٧٥) وذكره بسند القاضي إسماعيل، قال: \" ومن طريق إسماعيل، نا حجاج بن المنهال وسليمان بن حرب، قالا جميعا نا حماد بن سلمة، عن حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة قال: لا ينكح المجلود إلا مجلودة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٥٤١ كتاب النكاح، من قال لا يتزوج محدود إلا محدودة ..] بنحوه.\n(^٣) هو: الليث بن أبي سليم بن زُنيم، القرشي مولاهم، أبو بكر الكوفي، قال ابن سعد: كان رجلا صالحا عابدا وكان ضعيفا في الحديث، توفي سنة ١٤٨ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٣٠) وتهذيب التهذيب (٤/ ٥٨٥).\n(^٤) هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط، تقدم.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٥٤١ كتاب النكاح، من قال لا يتزوج محدود ..]، بنحوه،\nوأخرجه البيهقي [٧/ ١٥٦ كتاب النكاح، باب ما يستدل به على قصر الآية ..] من طريق العوام بن حوشب، أنبأ العلاء بن بدر، بمعناه، قال البيهقي: منقطع.\n(^٦) قال ابن حجر في التقريب ص ٨١٨: \" صدوق اختلط جدا، ولم يميز حديثه فترك\" ينظر أيضا: الكاشف (٣/ ١٣).\n(^٧) هو: سليمان بن أبي سليمان الشيباني مولاهم، أبو إسحاق الكوفي، قال ابن معين: ثقة حجة، توفي سنة ١٤٠ هـ. ينظر: الكاشف (٢/ ٣١٥) وتهذيب التهذيب (٢/ ٤٠٦).\n(^٨) هو: عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي، أبو الوليد المدني، شهد مع علي بن أبي طالب النهروان، قال الخطيب: هو من كبار التابعين وثقاتهم. توفي سنة ٨١ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٤٢٦) وتهذيب التهذيب (٣/ ١٥٦).\n(^٩) أخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٤٩٠ كتاب النكاح، في الرجل يرى امرأته تفجر] به.","vol":"1","page":1368},{"text":"وقال آخرون: لا بأس أن ينكح غير المحدود المحدودة، منهم: سعيد بن المسيب، وعمر بن الخطاب، وأبي بن كعب (^١)، ورُوي أن ابن عباس - ﵁ - وطئ\n\nجارية له بعدما فجرت (^٢).\nوقال آخرون: أن الآية نزلت في بغايا كن في الجاهلية لهن رايات، منهن كوافر، بل كن كلهن قبل الإسلام كوافر، وكان يمر بهن المسافرون فيطؤوهن، وكن إماء وكانت العرب تستنجب منهن العبيد بذلك الزنا، فنزلت الآية (^٣)، الزاني لا يطيعه إلى الزنا إلا زانية أو مشركة والزانية لا يزني بها إلا زان أو مشرك (^٤)، ويحتمل أن يكون أريد إلا زان مشرك وزانية مشركة يجتمع ذلك فيهما.\n_________\n(^١) هو: أبي بن كعب بن قيس بن النجار الخزرجي، أبو المنذر، سيد القراء، قال عنه النبي - ﷺ -: إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، توفي سنة ١٩ هـ وقيل غير ذلك. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٢٥٩) ومعرفة القراء الكبار (١/ ٢٨).\nقول عمر بن الخطاب أخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٥٤١ كتاب النكاح، من قال لا يتزوج محدود إلا محدودة ..] وأما قول أُبيّ فلم أجده.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق [٧/ ٢٠٨ كتاب الطلاق، باب في الرجل يطأ جارية بغيا] والبيهقي [٧/ ١٥٥ كتاب الطلاق، باب ما يستدل به من قصر الآية ..] وذكر في إحدى الروايات، أن الجارية تدعى أم سُلَيْط.\n(^٣) هذا السبب في نزول الآية قد أخرجه البيهقي [٧/ ١٥٣ كتاب الطلاق، باب نكاح المحدثين ..] عن عطاء بمعناه. قف.\nوأخرجه الشافعي في مسنده (١/ ٢٧٣) عن مجاهد، بمعناه.\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٢٦٣) عن: ابن عباس، وابن جبير.","vol":"1","page":1369},{"text":"وقال آخرون: كن بغايا معروفات بالزنا، فأراد قوم من المسلمين نكاحهن فنزلت الآية من أجل ذلك (^١).\nوقال آخرون: ذكر النكاح هاهنا الغشيان دون العقود وهو الزنا، منهم: ابن عباس، وقال: العقود لم تُرَد، وإنما أُريد الوطء المحرم وتابعه على ذلك أصحابه المشهورون به (^٢).\nوالنكاح في اللغة هو الوطء، وهو ولوج الشيء في الشيء، وقد سمى الله العقود باسم النكاح في مواضع من القرآن، لأن المبتغى من العقد الوطء، ولكن قوله ﷿: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ (^٣) يوجب ألا يعقد الرجل على امرأة يعلم أنها مقيمة على الزنا، ولا بأس بذلك بعد التوبة، والله أعلم.\n_________\n(^١) هو قول: سعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٢٦٢) والبيهقي [٧/ ١٥٣ كتاب الطلاق، باب نكاح المحدثين ..].\n(^٢) أما قول ابن عباس فقد أخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٥٤٠ كتاب النكاح، في قوله: الزاني لا ينكح إلا زانية].الحاكم [٢/ ٢١١ كتاب النكاح] وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي [٧/ ١٥٤ كتاب الطلاق، باب نكاح المحدثين ..].\nأخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٥٣٩ كتاب النكاح، في قوله: الزاني لا ينكح إلا زانية ..] عن عدد من أصحاب ابن عباس منهم: عكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك.\nوأخرجه البيهقي [٧/ ١٥٤ كتاب الطلاق، باب نكاح المحدثين ..] عن: مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير.\n(^٣) سورة النور (٣).","vol":"1","page":1370},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^١).\nقال أبو حنيفة وأصحابه: إن القاذف إذا تاب لم تقبل شهادته، واحتجوا بأن الاستثناء لم يقع على كل ما ذكر في القرآن، وأن الدليل على ذلك، أنه لو تاب لم يسقط عنه الحد (^٢)، فغلطوا من حيث لا يشكل، وذلك أن القاذف إنما أوجب الله ﵎ ألا تقبل شهادته وأنه من الفاسقين بعد الحد، وبين ذلك في كتابه بقوله سبحانه: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ (^٣) فإنما ذلك بعد الجلد، وإنما يكون محدودا في القذف بعد الجلد، فأما قبل الجلد وبعد ما قذف فهو على أمره الذي كان؛ لأنه لا يُدرى إلى ما يفضي أمره، إذ كان قد يأتي بأربعة شهداء بأن المقذوف زان، أو أنه قد كان حد (^٤) في الزنا، ويخاف المقذوف أن تقوم عليه بينة فيمسك عن المطالبة فَيُدفع عنه الحد.\nأخبرنا إسماعيل (^٥) قال: نا نصر بن علي، عن وكيع، عن محمد بن قيس (^٦)، عن الشعبي، في القاذف إذا لم يُحد جازت شهادته، فإذا عجز القاذف عن البينة وطالبه\n_________\n(^١) سورة النور (٤، ٥).\n(^٢) ينظر قول الحنفية في: المبسوط (١٦/ ١٢٥) وأحكام القرآن للجصاص (٨/ ١١٨) وشرح فتح القدير (٥/ ٣٢٤).\n(^٣) سورة النور (٤).\n(^٤) لوحة رقم [٢/ ٢٠١].\n(^٥) هو: ابن إسحاق القاضي، تقدم.\n(^٦) هو: محمد بن قيس الأسدي الوالبي، أبو نصر ويقال: أبو قدامة، الكوفي روى عن الشعبي وحميد الطويل، روى عنه الثوري ووكيع، وثقه ابن المديني وابن معين. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٣٤) وتهذيب التهذيب (٥/ ٢٤٦).","vol":"1","page":1371},{"text":"المقذوف بالحد فجلد، وجب فيه حكم الله، بأن لا تقبل شهادته أبدا، وأنه من الفاسقين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ (^١) فالاستثناء واقع على ذلك كله.\nوإنما قيل: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ (^٢) لأنه من الفاسقين، نعت استحق أن ينعت به لِمَا كان منه، فإذا زال النعت عنهم وجب على الحاكم قبول شهادتهم؛ لأن شهادتهم إنما سقطت للوصف الذي وصفهم الله ﵎ به، وليس بوصف الإنسان بالفسق لأن الحاكم لا يقبل شهادته، وإذا وقع عليه اسم الفسق وجب على الحاكم رد شهادته؛ لأن اسم الفسق توجبه أفعال الفاسق لا أفعال غيره فيه.\nفأما قولهم: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ (^٣) إنما يقع على زوال اسم الفسق خاصة، ولا يقع على قبول الشهادة، فشيء لا تقوم به حجة من كتاب ولا سنة ولا قياس، والنظر يوجب؛ أن من أزال الله ﵎ عنه الفسق، وغفر له ورحمه مقبول القول؛ لأنه لا يبلغ أحد من العدالة أكثر من هذه الصفة.\nوقد قال الله ﷿ في المحارب: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَن اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٤) فقد يمكن أن يقول قائل: إنما وقع الاستثناء عن إزالة العذاب العظيم عنهم في الآخرة، وأما ما وجب في الدنيا من المحدود فثابت، ولا يجعل الاستثناء واقعا على جميع الكلام، وهذا ما لا يقوله أحد، فإن من غفر الله له ورحمه فقد زال عنه كل عقوبة من عقوبات الدنيا والآخرة، وهو مرضي عدل، وقد جاء أن (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) (^٥) فلا بد أن يكون التائب من القذف - الذي قد ثبت حكمه - كمن لم يقذف، إذ قد أقيم عليه الحد الذي صار به قاذفا بغير شبهة.\nقال سعيد بن المسيب: إن عمر بن الخطاب - ﵁ - لما جلد أبا بكرة (^٦) وشبل بن معبد ونافعا (^٧) قَذَفَة المغيرة (^٨) قد استتابهم بعد الجلد، وقال لهم: من تاب منكم قبلت شهادته، قال سعيد: فتاب منهم اثنان، وأبى أبو بكرة، فكانت لا تجوز شهادته (^٩).\n_________\n(^١) سورة النور (٥).\n(^٢) سورة النور (٤)، في الأصل: لا تقبلوا له.\n(^٣) سورة النور (٥).\n(^٤) سورة المائدة (٣٣، ٣٤).\n(^٥) أخرجه ابن ماجه [٢/ ٤٣٨ كتاب الزهد، باب ذكر التوبة] والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٨١) والشهاب في مسنده (١/ ٩٧) والبيهقي [١٠/ ١٥٤ كتاب الشهادات، باب شهادة القاذف] عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن مسعود.\nورواه البيهقي - الإحالة السابقة - عن ابن أبي مريم عن عبد الله، وضعفه، وكذلك الذهبي في لسان الميزان (٦/ ٢٥٢) وحسنه ابن حجر في الفتح (١٣/ ٤٨٠) واختلف كلام الألباني فضعفه في الضعيفه (٦١٦) وحسنه في صحيح ابن ماجه (٣٤٢٧) وصحيح الجامع (٣٠٠٨) وكذلك صحيح الترغيب (٣١٤٥).\nورواه البيهقي - الإحالة السابقة - عن ابن عباس ﵄، وقال: هذا إسناد فيه ضعف، ... ورواه - أيضا - عن أبي عتبة الخولاني، فرفعه.\nورواه ابن الجعد (٢٦٦) عن الشعبي، موقوفا عليه.\n(^٦) هو: نُفَيع بن الحارث بن كلدة الثقفي مولاهم، أبو بكرة مولى رسول الله - ﷺ -، آخى بينه وبين أبي برزة الأسلمي، توفي بالبصرة سنة ٥٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٠) والإصابة (٦/ ٣٦٩).\n(^٧) هو: نافع بن الحارث بن كلدة بن عمر الثقفي مولاهم، أبو عبد الله البصري، أخو أبي بكر لأمه، قيل: إنه أول من بنى دارا بالبصرة، وأول من اقتنى الخيل بها. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٣٥) والإصابة (٦/ ٣١٩).\n(^٨) هو: المغيرة بن شعبة بن مسعود، أبو عيسى الثقفي، أسلم قبل عمرة الحديبية، كان يقال له مغيرة الرأي، وكان من دهاة العرب، ولاه عمر البصرة، مات سنة ٥٠ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٤/ ٤٦١) والإصابة (٦/ ١٥٦).\n(^٩) أخرجه البيهقي [١٠/ ١٥٢ كتاب الشهادات، باب شهادة القاذف] بنحوه.","vol":"1","page":1372},{"text":"قال إسماعيل: والتوبة من ذلك أن يقول: قد رجعت عما قلت.\nوقال الشعبي، وطاوس، وعطاء، ومسروق، وعكرمة، وسليمان بن يسار (^١) وابن شهاب، والضحاك، وعمر بن عبد العزيز (^٢) وسعيد بن المسيب،\nوسعيد بن جبير، وعبد الله بن عتبة (^٣) ومجاهد: كلهم يُجَوِّز شهادة القاذف\n\nإذا تاب (^٤).\n_________\n(^١) هو: سليمان بن يسار الهلالي، أبو أيوب المدني، مولى ميمونة ﵂، قال ابن سعد: كان ثقة عالما رفيعا فقيها كثير الحديث، توفي سنة ١٠٧ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ١٤٨) وتهذيب التهذيب (٢/ ٤٢٥).\n(^٢) هو: عمر بن عبد العزيز بن مروان القرشي، أمير المؤمنين، قال ابن سعد: كان ثقة مأمونا له فقه وعلم وورع ... وكان إمام عدل، توفي سنة ١٠١ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ١٦٠) وتهذيب التهذيب (٤/ ٢٦٨).\n(^٣) هو: عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الرحمن المدني، أدرك النبي - ﷺ - ورآه، قال ابن سعد: كان ثقة رفيعا كثير الحديث والفتيا فقيها، توفي سنة ٧٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٠) وتهذيب التهذيب (٣/ ١٩١).\n(^٤) أخرجه مالك في الموطأ [٢/ ٥٥٤ كتاب الأقضية، باب القضاء في شهادة المحدود] عن الزهري، وابن يسار.\nوأخرجه عبد الرزاق [٨/ ٣٦٢ كتاب الشهادات، شهادة القاذف] عن الشعبي، وابن المسيب، والزهري.\nوأخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ٣٨٣ كتاب الطلاق، باب قوله ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا] عن عمر بن عبد العزيز وابن المسيب.\nوأخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ٣٢٤ كتاب البيوع والأقضية، في شهادة القاذفين من قال هي جائزة إذا تاب] عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، والشعبي، ومسروق، وشريح، والزهري،\nوأخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٢٦٦) عن الشعبي، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وابن يسار، وابن المسيب ومسروق، والضحاك، وابن جبير، وعمر بن عبد العزيز، والزهري.\nأخرجه البيهقي [١٠/ ١٥٢ كتاب الشهادات، باب شهادة القاذف] عن عبد الله بن عتبة، وابن يسار، ومجاهد، وعطاء، وطاوس، وابن المسيب، والشعبي، والضحاك.","vol":"1","page":1373},{"text":"وقد روي غير ذلك، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - ﷺ - (^١) (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا محدود في الإسلام) (^٢) وهذا الحديث فلو صح لكان صحيفة، ومع ذلك فدون عمرو حجاج الصواف (^٣) وهو ضعيف، ودون حجاج مُعَمَّر\n_________\n(^١) لوحة رقم [٢/ ٢٠٢].\n(^٢) أخرجه أحمد (٢/ ٢٠٨) وابن ماجه [٢/ ٤٩ كتاب الأحكام، باب من لا تجوز شهادته] عن الرقي ثنا معمر، ومن طريق ابن يحي ثنا بن هارون، قالا: ثنا حجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب، به مع زيادة في آخره، وحسنه محققو المسند (١١/ ٥٣١).\nوأخرجه الدارقطني [٤/ ١٣٥ كتاب الأقضية] والبيهقي [١٠/ ١٥٥ كتاب الشهادات، باب من قال لا تقبل شهادته] من طريق آدم بن فائد عن عمرو بن شعيب، بنحوه وضعفه.\nوأخرجه الدارقطني البيهقي - الإحالة السابقة - من طريق المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب بمعناه، وضعفه البيهقي.\nوأخرجه عبد الرزاق [٨/ ٣٢٠ كتاب الشهادات، باب من لا تقبل شهادته] وأحمد (٢/ ١٨١) وأبو داود [٣/ ٢٩٨ كتاب الأقضية، باب من ترد شهادته] والبيهقي [١٠/ ٢٠٠ كتاب الشهادات، باب لا تقبل شهادة خائن ..] من طريق محمد بن راشد، ثنا سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، بمعناه، وحسنه أحمد شاكر في تعليقه، وصححه الألباني.\nوله شاهد من حديث عائشة عند الترمذي [كتاب الشهادات باب فيمن لا تجوز شهادته] والدارقطني [٤/ ١٣٥ كتاب الأقضية] والبيهقي [١٠/ ١٥٥ كتاب الشهادات، باب من قال لا تقبل شهادته] بنحوه، مع زيادة في آخره وضعفوه.\nوشاهد آخر من حديث ابن عمر عند البيهقي [١٠/ ١٥٥ كتاب الشهادات، باب من قال لا تقبل شهادته] والدارقطني [٤/ ١٣٥ كتاب الأقضية] بمعناه، وضعفاه.\n(^٣) كذا في الأصل (الصواف)، والظاهر أنه سبق قلم، وإنما هو حجاج بن أرطأة، وذلك لثلاثة أمور:\nالأول: أن الصواف لا يعرف له رواية عن عمرو بن شعيب، وإنما الذي له رواية عنه ابن أرطأة.\nالثاني: أنه لم يُسْنِد أحد - فيما وقفت عليه - من أهل السنن والآثار، رواية عن ابن الصواف، بهذا اللفظ أو في معناها، وإنما جاءت الرواية عن ابن أرطأة.\nالثالث: أن المؤلف قد حكم بضعفه، وابن الصواف مما لا يختلف أئمة الجرح والتعديل أنه ثقة، وسأذكر ترجمتهما مختصرة مبينا كلام الأئمة فيهما:\nفأما ابن أرطأة فهو: حجاج بن أرطأة بن ثور النخعي المذحجي، أبو أرطأة الكوفي القاضي، قال الذهبي: أحد الأعلام على لِيْنٍ فيه، وقال ابن حجر: صدوق كثير الخطأ والتدليس، توفي بخراسان سنة ١٤٥ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٣٤) والكاشف (١/ ١٤٧) والتقريب ص ٢٢٢.\nوأما الصواف فهو: حجاج بن أبي عثمان الصواف الكندي مولاهم، أبو عثمان البصري، وثقه أحمد وابن معين والترمذي والنسائي، وغيرهم توفي سنة ١٤٣ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٣٨) ومعرفة الثقات (١/ ٢٨٧) وتهذيب التهذيب (١/ ٥٠٥).","vol":"1","page":1374},{"text":"الرَّقي (^١) وهو كذلك (^٢)، فلو صح أيضا لعلم أنه\nمنسوخ (^٣) لأن الإجماع على قبول شهادة الزاني إذا تاب بعد الحد وعلى سائر الحدود (^٤)، والاختلاف في القاذف حَسْب، وكان أبو بكرة إذا جاء من يشهده قال: أشهد غيري فإن المسلمين فسقوني (^٥).\n_________\n(^١) هو: معمر بن سليمان النخعي، أبو عبد الله الرقي، وثقه ابن معين وأبو داود وابن حبان، كان الإمام أحمد يكنيه ويذكر من هيبته وفضله، توفي سنة ١٩١ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٢٢٦) وتهذيب التهذيب (٥/ ٤٨٤).\n(^٢) حكم المؤلف على الرقي بالضعف، مع أن جمهور الأئمة - ونقلت كلام بعضهم في ترجمته - قد وثقوه، ولم يُنْقل تضعيفه - كما ذكر ابن حجر - إلا عن الأزدي، قال في التهذيب (٥/ ٤٨٤) يرد عليه: \" لم يُلتفت إلى الأزدي في ذلك\"، وقال الذهبي في الكاشف (١/ ١٤٩): \" ثقة وقور صالح \" ينظر - أيضا ـ: الجرح والتعديل (٧/ ٣٧٢) والثقات (٩/ ١٩٢).\n(^٣) القول بالنسخ يصار إليه عند تعذر الجمع بين النصوص، وهنا الجمع بينها ممكن، بحمل الحديث الذي ذكره المؤلف على من لم يتب ولم تظهر عليه علائم الندم والاستقامة.\n(^٤) قال ابن حجر في الفتح (٥/ ٣٠٦): \" نقل الطحاوي الإجماع على قبول شهادة السارق إذا تاب، نعم ذهب الأوزاعي إلى أن المحدود في الخمر لا تقبل شهادته وإن تاب، ووافقه الحسن بن صالح، وخالفهما في ذلك جميع فقهاء الأمصار\".\n(^٥) أخرجه البيهقي [١٠/ ١٥٢ كتاب الشهادات، باب شهادة القاذف] وابن هبة الله في تاريخ دمشق (٦٢/ ٢١٦).\nوقد ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ٩٥) هذا الأثر بسند القاضي إسماعيل صاحب الأصل، قال: \" قال القاضي إسماعيل: ثنا أبو الوليد، ثنا قيس، عن سالم، عن قيس بن عاصم، فذكره.","vol":"1","page":1375},{"text":"وكان شريح لا يجوز شهادة القاذف بقبول (^١) توبته بينه وبين ربه (^٢)، وتابعه على ذلك سعيد بن جبير، وإبراهيم، وروايته عن مسروق تخالف الأول، وعن الحسن مثل ذلك (^٣).\nفأما حديث عمرو بن شعيب فقد ذكرنا ما فيه، وفيه أيضا:؟ خائن وخائنة؟ وكلنا يجيز شهادتهما إذا تابا، وتوبة القاذف مخالفة لتوبة الخائن، وسائر المحدودين في الحدود كلها؛ لأن توبة القاذف إكذاب نفسه وتوبة الآخرين بأفعال تظهر منهم وندم.\nوأما مسروق والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد؛ فعنهم اختلاف، وقد ذكرناه.\nوأما شريح وإبراهيم فكان عندهما أن توبة القاذف تكون كتوبة غيره تخفى عنهم لقولهما: إنها بينه وبين ربه ﷿.\nوهذا قول من لم يتأمل أمر القاذف، القاذف لم نجلده لأنه كاذب لا محالة، قد يجوز أن يكون في قذفه بَرْا صادقا، وإنما حَدَدَناه لخفاء صدقه، وعجزه عن الشهداء، وأنه قد كان يجوز له ستر ما علمه إن كان علمه، بل يلزمه ذلك إذا لم تدعه إليه ضرورة، كما تدعو الرجل في زوجته إذا رأى ذلك منها، فذلك مباح له الرمي؛ لأن له مخرجا منه\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ويحتمل: يقول.\n(^٢) أخرجه البيهقي [١٠/ ١٥٦ كتاب الشهادات، باب من قال لا تقبل شهادته] به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق [٨/ ٣٦٢ كتاب الشهادات، شهادة القاذف] عن الحسن وشريح والنخعي.\nوأخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ٣٢٤ كتاب الأقضية، في شهادة القاذفين من قال لا تجوز شهادته إذا تاب] عن شريح وإبراهيم النخعي.\nوأخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٢٦٨) عن شريح وابن المسيب والحسن والنخعي. ...\nوأخرجه البيهقي [١٠/ ١٥٢ كتاب الشهادات، باب شهادة القاذف] عن الحسن وابن جبير وإبراهيم النخعي.\nأما الرواية الآخرى عن مسروق، فقد أوردها ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ٩٥).","vol":"1","page":1376},{"text":"باللعان، فلما كان ذلك كذلك حددناه بظاهر الأمر، فتوبته رجوعه عن القول، لم تكف فيه الحقيقة، كما لم نحده بالحقيقة.\nوهذا القول يلزم شريحا القول به، فيمن زنى وسرق وأشباه ذلك، إذا كانوا مستشرين بفعلهم ألا تقبل شهادتهم؛ لأن توبتهم بينهم وبين ربهم - عز وعلا - وهو وغيره يقبلون شهادتهم إذا ظهر الخير منهم، وعرف بالظاهر الندم على ما كان منهم.\nوبلغني عن الفمي (^١) احتج لذلك بقول الله ﷿: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ\nظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ (^٢) فهذا يوجب أن يكون القاذف فاسقا حين قذف إلى أن يأتي بالشهداء، وأصحابه لا يجعلون القاذف فاسقا مردود الشهادة إلا بعد أن يُحَد، فأدخل شيئا في غير بابه؛ لأن هذه الآيات نزلت في عائشة زوج النبي - ﷺ - تنزيها لها لموضعها من الدين والطهارة، وعاتبَ القومَ في أمرها وألزمهم لمعرفتهم بها (^٣) وجلالتها أن يقولوا ذلك، ولم يعن بذلك سائر الناس، والذي رمى عائشة لم يقله عن تيقن، وإنما قاله لتخلفها عن الجيش ولم يقبل عذرها، وقالوا بأفواههم ما ليس لهم به علم كما وصف الله ﷿، وكان هذا عظيما في امرأة من أفناء (^٤) الناس فكيف في امرأة شبهها الله ﵎ في الطهارة برسول الله - ﷺ - فقال عز من\n_________\n(^١) كذا في الأصل، وهو تحريف، من الفهمي، وهو الليث بن سعد، الإمام المشهور، وذلك لأمرين:\nالأول: لم أجد إماما بهذا الاسم فيما وقفت عليه من كتب التراجم.\nالثاني: أن ما حكاه المؤلف هو عين مذهب الليث بن سعد الفهمي ﵀ كما في أحكام القرآن للجصاص (٥/ ١١٥).\n(^٢) سورة النور (١٢).\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ٢٠٣].\n(^٤) الأفناء من الناس: الأخلاط والنزاع من ههنا وههنا، لا يعلم ممن هم. ينظر: غريب الحديث لابن الأثير (٣/ ٤٢٨) واللسان مادة: الفناء.","vol":"1","page":1377},{"text":"قائل: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ (^١) الطيبات عائشة، والطيبون الرسول - ﷺ - ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ﴾ عائشة وصفوان بن مُعَطِّل (^٢)، وسائر الناس لا يُشَبَّهُون بها؛ لأن القاذف قد يكون صادقا، وإنما يحد بالظاهر وأنه كان يسعه السكوت إذا عجز عن البينة، بل له أن يسكت وإن كانت البينة يقدر عليها لما أمر الله به من الستر على عباده.\nوإنه لعظيم عندي إن ينطلق لساني بالاحتجاج بقصة عائشة ﵂ المطهرة، ولكن دعت الضرورة لتشبيه هذا الإنسان، القاذف بأمر عائشة التي عاتب الله ﵎ الخلق في أمرها ووعظ غاية الوعظ؛ لأن أصله تخرص عن غير أصل، وكل قاذف ليس كذلك (^٣)؛ لأن منهم من يجوز أن يكون قد رأى أو منهم من يقدر على الشهداء، فليس يقال له: إنه من الفساق حتى يعجز، وما لم يُحد فقد يجوز أن يأتي تصديقه، وإنما يُحد ليُكَذَّبَ عن المقذوف، ويحكم على القاذف بالكذب، وليس يحكم على القاذف بنفس القذف حتى يعجز عن البينة ويُحَد، ألا ترى أنه لو قذف صبيا لم يبلغ ولا يجوز منه الوطء، أو مجبوبا لا يكون منه الوطء، لكُنّا قد علمنا أنه كاذب، فلم نحتج إلى أن يُكَذَّب عنه بالحد لعلمنا بكذبه، وليس يجوز أن يجعل في الحكم فاسقا غير مقبول الشهادة، إلا في الوقت الذي أمر الله به، وهو بعد إقامة الحد، فإذا أقيم الحد فقد ثبت الحكم، وإلا فهو على أصل عدالته وستره، والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة النور (٢٦).\n(^٢) هو: صفوان بن المعطل بن رُبَيِّعة، أبو عمرو السلمي، شهد المُرَيسيع وما بعدها، وفيها وقعت له حادثة الإفك، وعنه قال النبي - ﷺ -: ما علمت عليه إلا خيرا، قيل عاش إلى خلافة عمر، وقيل: إلى خلافة معاوية. ينظر: المنتظم في تاريخ الأمم (٤/ ٢٨٢) والإصابة (٣/ ٣٥٦).\n(^٣) على اعتبار أنه قد يكون صادقا في قذفه لكن أعجزته البينة، وأما في خبر عائشة ﵂ فكذب القاذف متيقن لا شك فيه، فلا يقاس عليه غيرها.","vol":"1","page":1378},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية (^١).\nنا إبراهيم بن حماد، قال: نا إسماعيل بن إسحاق قال: نا سليمان بن حرب قال: نا حماد بن زيد، عن أيوب (^٢)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، قال: (لما فرق رسول الله - ﷺ - بين أخوي بني العجلان قال: الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟) (^٣).\nورواه عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، فقال فيه رسول الله - ﷺ - للمتلاعنين: (حسابكما على الله (^٤) وأحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها، قال: يا رسول الله مالي! قال: لا مال لك، إن كنت صدقت عليها؛ فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها؛ فذلك أبعد لك منه) (^٥).\n_________\n(^١) سورة النور (٦).\n(^٢) هو: السِخْتِيَاني، تقدم.\n(^٣) أخرجه البخاري [١١٥٣ كتاب الطلاق، باب صداق الملاعنة] ومسلم [٢/ ٩١٣ كتاب اللعان] عن أيوب، به.\nوإسناد المؤلف رجاله كلهم ثقات:\nإبراهيم بن حماد، قال عنه الدارقطني: ثقة جبل، ينظر: تاريخ بغداد (٦/ ٦١).\nوإسماعيل بن إسحاق، قال عنه الخطيب البغدادي في تاريخه (٦/ ٢٨٤): كان عالما متقنا.\nوباقي رجاله من رجال الصحيح.\n(^٤) لوحة رقم [٢/ ٢٠٤].\n(^٥) أخرجه البخاري [١١٥٣ كتاب الطلاق، باب قول الإمام للمتلاعنين ..] ومسلم [١٤٩٣ كتاب اللعان] عن عمرو، به.","vol":"1","page":1379},{"text":"وطرق هذا الحديث كثيرة: نا أحمد بن موسى وابن فهد (^١) قالا: نا القَعْنَبي قال: نا مالك عن ابن شهاب (^٢)، وأخبرناه القاضي إسماعيل قال: نا أبو مصعب (^٣) قال: نا مالك، عن ابن شهاب، ونا الحارثي (^٤) قال: نا إسحاق بن\nموسى (^٥) قال: نا معن بن عيسى (^٦) قال: نا مالك عن ابن شهاب، أن سعد بن سعد الساعدي (^٧) أخبره (أن عويمر العجلاني (^٨) جاء إلى عاصم بن عدي\n_________\n(^١) هو: إبراهيم بن فهد بن حكيم الساجي، أبو إسحاق البصري، قال أبو نعيم: ذهبت كتبه وكثر خطؤه لرداءة حفظه، توفي بالبصرة سنة ٢٨٢ هـ ينظر: طبقات المحدثين (٣/ ١٥٨) ولسان الميزان (١/ ٩١).\n(^٢) أخرجه أبو داود [٢/ ٢٥٠ كتاب الطلاق، باب في اللعان] عن القعنبي، به\n(^٣) هو: أحمد بن أبي بكر، واسمه القاسم بن الحارث بن زرارة القرشي، أبو مصعب المدني، قال ابن بكار: مات وهو فقيه المدينة غير مدافع، توفي سنة ٢٤٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٠٨) وتهذيب التهذيب (١/ ٨٣).\n(^٤) هو: عبد الرحمن بن محمد بن منصور الحارثي، أبو سعيد البصري، قال ابن عدي: حدث بأشياء لا يتابعه أحد عليه، توفي سنة ٢٧١ هـ. ينظر: الكامل لابن عدي (٤/ ٣١٩) وتاريخ بغداد (١٠/ ٢٧٣).\n(^٥) هو: إسحاق بن موسى بن عبد الله بن موسى الأنصاري، أبو موسى المدني، قال ابن أبي حاتم: كان أبي يطنب القول فيه في صدقه وإتقانه، توفي سنة ٢٤٤ هـ بحمص. ينظر: الثقات (٨/ ١٦٦) وتهذيب التهذيب (١/ ٢٢٠).\n(^٦) هو: معن بن عيسى القزاز الأشجعي مولاهم، أبو يحيى المدني، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث ثبتا مأمونا، توفي سنة ١٩٨ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٠٧) وتهذيب التهذيب (٥/ ٤٨٥).\n(^٧) كذا في الأصل: سعد بن سعد الساعدي، وهو سبق قلم، وإنما هو سهل بن سعد، وأما سعد فهو أخوه، ﵄، وقد ذكره المؤلف على الصواب في أثناء سياق الحديث، وهو كذلك في جميع المصادر التي أخرجت الحديث.\nوهو: سهل بن سعد بن مالك الخزرجي الأنصاري الساعدي، أبو العباس، كان اسمه حزنا فسماه النبي - ﷺ - سهلا، توفي النبي - ﷺ - وهو ابن خمس عشرة سنة، وكان آخر الصحابة وفاة بالمدينة سنة ٩١ هـ. ينظر: الإصابة (٣/ ١٦٧).\n(^٨) هو: عويمر بن الحارث بن زيد العجلاني الأنصاري البياضي، وأبيض لقب أحد آبائه، وكان لِعَانُه زوجَه في السنة التاسعة. ينظر: الاستيعاب (٣/ ١٢٢٦) والإصابة (٤/ ٥٣٢).","vol":"1","page":1380},{"text":"الأنصاري (^١) فقال له: يا عاصم لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يفعل؟ سل يا عاصم عن ذلك رسول الله - ﷺ -، فسأل عاصم رسول الله - ﷺ - عن ذلك فكره رسول الله - ﷺ - المسائل وعابها، حتى كَبِر على عاصم ما سمع من رسول الله - ﷺ -، فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال له: يا عاصم ماذا قال لك رسول الله - ﷺ -؟ فقال عاصم لعويمر: لم تأت بخير قد كره رسول الله - ﷺ - المسألة التي سألت عنها، فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها، فجاء عويمر ورسول الله - ﷺ - وسط الناس، فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله - ﷺ -: قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأت بها، قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله - ﷺ -، فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطَلَقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله - ﷺ -، قال مالك: قال ابن شهاب: فكانت تلك سنة المتلاعنين) (^٢) ولهذا الحديث طرق؛ رواه عن الزهري جماعة، إلا أن إبراهيم بن سعد (^٣) زاد: فيه (ثم قال رسول الله - ﷺ -: أنظروها، فإن جاءت به أَسْحَم أديعج العينين عظيم الأَليتين (^٤) فلا\n_________\n(^١) هو: عاصم بن عدي بن الجعد بن العجلاني، أبو عبد الله، شهد أحدا، واستعمله النبي - ﷺ - على قباء، توفي في ولاية معاوية - ﵁ -. ينظر: الإصابة (٣/ ٤٦٣).\n(^٢) أخرجه البخاري [١١٣٨ كتاب الطلاق، باب من جوز الطلاق الثلاث] ومسلم [١٤٩٢ كتاب اللعان] من طريق مالك عن ابن شهاب، به.\n(^٣) هو: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الزهري، أبو إسحاق المدني، قال ابن عدي: هو من ثقات المسلمين، توفي بالمدينة سنة ١٨٣ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٢٩٢) وتهذيب التهذيب (١/ ١٤١).\n(^٤) قوله: أسحم: الأسحم الأسود، كما في النهاية في غريب الحديث (٢/ ٣١٤).\nوقوله: أدعج العينين: الدعج السواد في العين وغيرهما، وقيل: شدة سواد العين في شدة بياضها.\nوقوله: عظيم الأليتين بفتح الهمزة: الألية العجيزة.\nينظر: عون المعبود (٦/ ٢٤١)","vol":"1","page":1381},{"text":"أُراه إلا وقد صدق، وأن جاءت به أُحَيْمر كأنه وَحَرَة (^١) فلا أُراه إلا كاذبا، قال: فجاءت به على النعت المكروه) (^٢)\nونا زياد بن الخليل (^٣) أو عثمان بن عمر الضبي (^٤) أحدهما قال:\n\nنا مسدد (^٥) قال: نا سليمان (^٦) عن الزهري عن سهل بن سعد قال: (شهدت المتلاعنين على عهد رسول الله - ﷺ - وأنا ابن خمس عشرة سنة ففرق بينهما النبي - ﷺ - حيث تلاعنا) (^٧).\n_________\n(^١) قوله: أحيمر: تصغير أحمر.\nوقوله: كأنه وحرة بفتاحات: دويبة حمراء تلتزق بالأرض.\nينظر: عون المعبود (٦/ ٢٤١)\n(^٢) أخرجه الشافعي في مسنده ص ٢٥٧ وأبو داود [٢/ ٢٥١ كتاب الطلاق، باب اللعان] والبيهقي [٧/ ٣٩٩ كتاب اللعان، باب أين يكون اللعان] من طريق إبراهيم بن سعد.\n(^٣) هو: زياد بن الخليل التَّسْتري، أبو سهل، حَدّث ببغداد ثم صار إلى البصرة، قال الحاكم: لا بأس به، مات بها سنة ٢٨٥ هـ. ينظر: سؤالات الحاكم ص ١١٧ وتاريخ بغداد (٨/ ٤٨١).\n(^٤) هو: عثمان بن عمر الضَّبي، البصري، روى عن الطيالسي ومسدد، وروى عنه أحمد الصفار، قال ابن حبان: كتب عنه أصحابنا. ينظر: الثقات (٨/ ٤٥٥).\n(^٥) هو: مسدد بن مسرهد بن مسربل الأسدي، أبو الحسن البصري، الإمام الحافظ صاحب المسند، قال ابن معين: ثقة ثقة، مات سنة ٢٢٨ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٥٣) وتهذيب التهذيب (٥/ ٣٩٥).\n(^٦) كذا في الأصل، والظاهر أن \" سليمان \" إنما هو تحريف من سفيان، يقوي ذلك أمران:\nالأول: أن كل من خرج هذه الرواية - فيما وقفت عليه - من طريق مسدد، يذكر سفيان بن عيينة.\nالثاني: أن الإمام أبا داود صاحب السنن [٢/ ٢٥٢ كتاب الطلاق، باب في اللعان] قد ذكر أن قوله في الحديث: ففرق بينهما النبي - ﷺ - لم يرد إلا من طريق ابن عيينة، وأيده ابن عبد البر في التمهيد (١٥/ ١٧).\n(^٧) أخرجه البخاري [١٤٣٨ كتاب الحدود، باب من أظهر الفاحشة واللطخ] من طريق سفيان عن الزهري، بنحوه.\nوأخرجه أبو داود [٢/ ٢٥٢ كتاب الطلاق، باب في اللعان] عن مسدد عن سفيان، بنحوه.","vol":"1","page":1382},{"text":"قد روى نحو ذلك - أعني نحو حديث إبراهيم بن سعد - عبد الرحمن بن القاسم (^١) عن ابن عباس (^٢) وإن اختلفت الألفاظ، فالمعنى واحد.\nوكذلك رواه ابن مسعود (^٣)، ورواه أنس بن مالك (^٤) فقال فيه: رماها بشريك بن سَحْماء (^٥) وكان أخا البراء بن مالك (^٦) لأمه، وذكر (^٧) أنها جاءت به على النعت المكروه.\nقال ابن عباس - ﵁ -: لما نزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (^٨) قال سعد بن عبادة (^٩): (يا رسول الله هكذا\n_________\n(^١) هو: عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، أبو محمد المدني، قال ابن حبان: كان من سادات المدينة فقها وعلما وديانة، توفي سنة ١٣١ هـ. ينظر: الكاشف (٢/ ١٦١) وتهذيب التهذيب (٣/ ٣٨٩).\n(^٢) أخرجه البخاري [١١٥٢ كتاب الطلاق، باب قول النبي - ﷺ - لو كنت راجما بغير بينة] ومسلم [٢/ ٩١٦ كتاب اللعان] عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن ابن عباس.\nوقد أخرجه البيهقي [٧/ ٤٠٦ كتاب اللعان، باب اللعان على الحمل] من طريق القاضي إسماعيل، نا ابن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، أخبرني عبد الرحمن بن القاسم، فذكره.\n(^٣) أخرجه مسلم [٢/ ٩١٥ كتاب اللعان].\n(^٤) أخرجه مسلم [٢/ ٩١٦ كتاب اللعان].\n(^٥) هو: شريك بن سحماء، وهي أمه وكانت أمة، واسم أبيه عبدة بن مغيث العجلاني، وهو أخو البراء بن مالك، يقال: شهد هو ووالده أحدا، وبعثه أبو بكر بكتاب إلى خالد بن الوليد يوم اليمامة. ينظر: الإصابة (٣/ ٢٧٨).\n(^٦) هو: البراء بن مالك بن النضر الأنصاري، كان حادي النبي - ﷺ - شهد المشاهد إلا بدرا، قال عنه النبي - ﷺ -: لو أقسم على الله لأبره، استشهد في حصن تستر سنة ٢٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٠) والإصابة (١/ ٤١٤).\n(^٧) لوحة رقم [٢/ ٢٠٥].\n(^٨) سورة النور (٤).\n(^٩) هو: سعد بن عبادة بن دليم الخزرجي، أبو ثابت الأنصاري، سيد الأنصار، وأحد النقباء، شهد المشاهد إلا بدرا، وكان جوادا كريما، توفي بالشام سنة ١٥ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٣١٠) والإصابة (٣/ ٥٥).","vol":"1","page":1383},{"text":"أنزلت؟ فلو وجدت لكاعا (^١) متفخذها رجل، لم يكن لي أحركه ولا أهيجه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله لا آتي بأربعة شهداء حتى يقضي حاجته! فقال رسول الله - ﷺ -: يا معشر الأنصار ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم قالوا: يا نبي الله لا تلمه فإنه غيور، والله ما تزوج فينا قط إلا عذراء، ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته، فقال سعد: والله يا رسول الله إني لأعلم أنها من الله، وأنها حق ولكني عجبت، فإن نبي الله - ﷺ - لكذلك، إذ جاءه هلال بن أمية (^٢) فقال: يا رسول الله إني جئت البارحة عشيا من حائط لي كنت فيه، فرأيت مع أهلي رجلا فرأيته بعيني وسمعته بأذني، قال: فكره رسول الله - ﷺ - ما\n_________\n(^١) قال في النهاية في غريب الحديث (٤/ ٢٣٠): \" اللكع عند العرب العبد، ثم استعمل في الحمق والذم\".\n(^٢) هو: هلال بن أمية بن عامر بن قيس الأنصاري الواقفي، شهد بدرا وما بعدها، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ١٣٥) والإصابة (٦/ ٣٢٨).","vol":"1","page":1384},{"text":"جاء به، فقيل: يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين، فقال هلال: يا رسول الله أني لأرى في وجهك أنك تكره ما جئتك به، وأني لأرجو أن يجعل الله لي فرجا، فإن نبي الله - ﷺ - لكذلك، إذ نزل عليه الوحي وكان رسول الله - ﷺ - إذا نزل عليه الوحي تربد (^١) لذلك وجهه وجسده فأمسك عنه أصحابه فلم يكلمه أحد منهم فلما رفع الوحي قال رسول الله - ﷺ -: أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجا ثم قال رسول الله - ﷺ -: ادعوها فدعيت، فقال رسول الله - ﷺ -: إن الله ﵎ ليعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ فقال رسول الله - ﷺ -: يا هلال فقال هلال: والله ما قلت إلا حقا ولقد صدقت، فقالت هي عند ذلك: كذب، فقيل لهلال: اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، وقيل له عند الخامسة: اتق الله يا هلال فإن عذاب الله أشد من عذاب الناس، وأن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال: والله لا يعذبني الله عليها أبدا كما لم يجلدني عليها، فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وقيل لها: اشهدي، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، وقيل لها عند الخامسة: يا هذه اتق الله فإن عذاب الله أشد من عذاب الناس، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة، ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، قال ونهى رسول الله - ﷺ - (^٢)\n_________\n(^١) أي تغير إلى الغُبرة، وقيل: الرُّبدة لون بين السواد والغُبرة. ينظر: النهاية في غريب الحديث (٢/ ١٦٨).\n(^٢) (لوحة رقم [٢/ ٢٠٦] ..","vol":"1","page":1385},{"text":"أن ترمى ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها جلد الحد، وليس لها عليه قوت ولا سكنى، من أجل أنهما يتفرقان بغير طلاق) (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي [٧/ ٣٩٤ كتاب اللعان، باب الزوج يقذف امرأته] وأحمد (١/ ٢٣٨) والطيالسي (١/ ٣٤٧) والطبري في تفسيره (٩/ ٢٧٢) به، والحديث صححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\nوأخرجه البخاري [٨٧٨ كتاب الطلاق، باب اللعان] من طريق هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس، بنحوه مختصرا.","vol":"1","page":1386},{"text":"نا إبراهيم بن حماد ومحمد بن يوسف (^١) قالا: نا إسماعيل (^٢) قال: نا محمد بن أبي بكر (^٣) قال: نا سليمان بن داود (^٤) قال: نا عباد بن منصور (^٥) قال: نا عكرمة عن ابن عباس بهذا الحديث بطوله، وفي هذا الباب أحاديث كثيرة.\n_________\n(^١) هو: محمد بن يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد، أبو عمر القاضي، قال الخطيب: لا نظير له عقلا وحلما وذكاء وتمكنا ... وحسن التأني في الأحكام، والحفظ لما يجري تحت يده، توفي سنة ٣٢٠ هـ تاريخ بغداد (٣/ ٤٠١).\n(^٢) هو: ابن إسحاق القاضي، تقدم.\n(^٣) هو: محمد بن أبي بكر بن علي المقدمي الثقفي مولاهم، أبو عبد الله البصري، وثقه أبو زرعة، توفي سنة ٢٣٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٥٣) وتهذيب التهذيب (٥/ ٤٨).\n(^٤) هو: سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي، أبو داود البصري، الإمام الحافظ، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث وربما غلط، توفي سنة ٢٠٣ هـ بالبصرة. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٤٩) وتهذيب التهذيب (٢/ ٣٩٨).\n(^٥) هو: عباد بن منصور الناجي، أبو سلمة البصري القاضي، قال ابن معين: ليس بشيء وكان يرمى بالقدر، توفي سنة ١٥٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ١٣٨) وتهذيب التهذيب (٣/ ٦٦).","vol":"1","page":1387},{"text":"وزعم أبو حنيفة وأصحابه: أن المحدود في القذف إذا قذف زوجته لم يكن بينهما لعان؛ لأن شهادته لا تقبل، قالوا وكذلك العبد إذا قذف زوجته، لأنه لا تقبل شهادته (^١)، فأدخلوا شيئا في غير بابه، بأن الله ﷿ قال في القَذَفَة: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (^٢) فعلم أنه عنى بذلك ألا تقبل شهادتهم لغيرهم؛ لأن القاذف والعدل المرضي لا يكون شاهدا لنفسه، ولا تقبل شهادة واحد منهما لنفسه؛ لأن الشاهد عدل بين خصمين، فإن كان عدلا قبلت شهادته، وإن كان غير عدل لم تقبل شهادته، والشاهد لنفسه إنما هو خصم لا يقبل قوله على\n_________\n(^١) ينظر قول الأحناف في: أحكام القرآن للجصاص (٥/ ١٣٤) والمبسوط (٧/ ٤٧) وشرح فتح القدير (٤/ ٢٤٩).\n(^٢) سورة النور (٤).","vol":"1","page":1388},{"text":"خصمه، ولو كان أعدل الناس، فكيف يدخل قاذف زوجته في باب من تقبل شهادته عليها وهو خصم لها.\nولو كان اللعان يجري مجرى الشهادات لما لُوعن بينهما حتى تثبت عدالتهما، إنما جعل الله اللعان رحمة لعباده، إذ كان الأزواج لا يجرون مجرى غيرهم من سائر الناس الذين أُخذ عليهم، ومنعوا من الرمي، إذ كانوا لا ضرر عليهم في أنفسهم فيما عاينوه، والزوج يلزمه من إظهار ما رأى وعاين ما لا يلزم غيره؛ لأنه يخاف أن يلحق به نسب ليس منه، فجُعل له إذا أنكر حملا، ولم يعرف له نسب أن ينكره، وجعل له إذا عاين أو شاهد الزنا أن يخبر به، ثم جُعل له المخرج من ذلك باللعان، ولم يجُعل ذلك لغيره لضرورته إليه، ولا ضرورة لغير الزوج إلى ذلك.\nوإنما قيل: يشهد أربع شهادات بالله؛ لأن ما حكاه مأخوذ من باب المشاهدة بالأبصار أو بالقلب، فسمي شهادة لهذه العلة، ولذلك قال مالك - ﵁ -: إن من قال لامرأته: يا زانية، ولم يقل: رأيت ولا نفى حملا؛ أنه يُحد ولا يلاعن (^١)؛\n_________\n(^١) ينظر: المدونة (٦/ ١٠٥) والاستذكار (٦/ ٨٩).\n\nوما ذكره المؤلف ﵀ هنا هو إحدى الروايتين عن مالك، في الرجل يقذف امرأته، هل يشترط أن يصرح برؤيتها تزني، حتى يحق له أن يلاعن، أو يكفي القذف وإن لم يصرح بالرؤية؟ والاشتراط هو ظاهر كلام الإمام مالك في المدونة، أما الرواية الأخرى، فقد نص عليها عدد من أئمة المذهب، كما في: رسالة القيرواني ص ٩٧ والتلقين (١/ ٣٣٩) والاستذكار (٦/ ٨٩) وأحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٣٥٢).","vol":"1","page":1389},{"text":"لأن ذلك أُخذ من باب المشاهدة، فالرجل يقول في لعانه: أشهد بالله لقد رأيتها تزني، وأشهد بالله ما هذا الولد مني، فهذه الأُولى مأخوذة من باب النظر، والثانية من باب مشاهدة القلب، قال الله ﷿: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (^١) والشهادتان جميعا عن علم\n_________\n(^١) سورة الزخرف (٨٦).","vol":"1","page":1390},{"text":"منه بهما، وشهادتهما (^١) عن علم منها بصدقه أو كذبه، فكل واحد منهما موكول إلى علمه، وإن كان أحدهما كاذب لا محالة، فإذا كان اللعان أيمانا على مشاهدة؛ فكيف تجعل شهادة، والعدل لا تقبل شهادته لنفسه، وكيف شبهوا اللعان بالشهادة (^٢) (^٣) والشاهد لو قال: أشهد بالله مائة مرة لزيد على عمرو درهم واحد، ما جازت شهادته؛ لأن الشاهد إذا حلف كان منهما.\nوكل من حُكم عليه بيمين أو حُكم له بيمين، فالبر والفاجر والحر والعبد فيهما سواء، والمسلم والذمي، وقد عم؟ الله ﵎ في كتابه الأزواج، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (^٤) فكل هؤلاء من الأزواج، ولو أن رجلا فاسقا ظاهر الفسق، قذف امرأته لو جب بينه وبينها اللعان في قولهم، وهم لا يقبلون شهادته، وكذلك الأعمى في قولهم (^٥)، وهم لا يقبلون شهادته، فقد أخرجوهما من باب الشهادات.\nولو أن رجلا شهد على امرأته بالزنا وهو عدل، وشهد معه على ذلك ثلاثة شهود، لما قبلت شهادتهم عليها؛ حتى يشهد عليها أربعة سواه؛ لأن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ فالشهداء على الزنا أربعة، فإذا لم يكونوا أربعة سواه لم تقبل شهادتهم، فكيف يجري أمره وحده مجرى الشهادات.\n_________\n(^١) كذا في الأصل: شهادتهما، وهو تحريف، وصوابه: شهادتها، لأن الإشارة فيه إلى المرأة.\n(^٢) ذهب الأحناف - كما أشار المؤلف ﵀ إلى أن اللعان شهادات مؤكدات بالأيمان، ينظر: شرح فتح القدير (٤/ ٢٤٧).\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ٢٠٧].\n(^٤) سورة النور (٦).\n(^٥) ينظر قول الأحناف في: أحكام القرآن للجصاص (٥/ ١٣٦) وشرح فتح القدير (٤/ ٢٤٧).","vol":"1","page":1391},{"text":"وقالوا: لا يكون بين الزوجين لعان حتى يكونا حرين مسلمين؛ لأن الرجل المسلم إذا قذف زوجته النصرانية، لم يكن عليه حد، وكذلك إذا قذف زوجته المسلمة (^١) لم يكن عليه حد (^٢).\nهذا القول إنما يجوز لقائله أن يقول، إذا علم أن الله ﵎ إنما أوجب اللعان من أجل الجلد خاصة، وليس في هذا دليل من كتاب الله ﷿ ولا سنة نبيه - ﷺ -، وليس الرمي الموجب للعان؛ القذفُ بما لم يشاهد، المسلمُ - عندنا - إذا قذف زوجته المسلمة وقال: لم أر ولا تيقنت؛ جُلد ولم يلاعن، وإنما الذي يلاعن من يقول: رأيت وتبينت، كما في الحديث.\nفإن قال قائل: قال الله ﵎: ﴿يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ كما قال: ﴿يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ قلنا: اللفظ قد يستوي ويفترق والمعاني، قد قيل: البينة على المدعي (^٣)،\n_________\n(^١) كذا في الأصل: المسلمة، وهو سبق قلم، وصوابه: الأمة، إذ لا خلاف في أن الزوجة المسلمة الحرة تلاعن، وكلام المؤلف قبله وبعده يدل عليه، والمؤلف أراد ذكر قول الأحناف، في اشتراطهم أن تكون الزوجة مسلمة حرة، حتى يجرى اللعان بينها وبين زوجها، وقد أشار إلى ذلك في أول الفقرة لما قال: \"وقالوا: لا يكون بين الزوجين لعان حتى يكونا حرين مسلمين\".\n(^٢) ينظر قول الأحناف في: أحكام القرآن للجصاص (٥/ ١٣٤) والمبسوط (٧/ ٤٠) وشرح فتح القدير (٤/ ٢٥٣).\n(^٣) جزء من حديث أخرجه الترمذي [٣/ ٦٨ كتاب الأحكام، باب ما جاء: البينة على المدعي] وضعفه، والدارقطني [٣/ ٧٧ كتاب الحدود والديات] من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.\nوأخرجه البيهقي [١٠/ ٢٥٢ كتاب الدعوى، باب البينة على المدعي ..] من حديث ابن عباس، قال البيهقي: روينا حديث البينة على المدعي ... من أوجه كلها ضعيفة.\n\nوأخرجه الدارقطني - الإحالة السابقة - عن أبي هريرة، وضعفه ابن عدي في الكامل (٦/ ٣١٠).\nقال الترمذي: والعمل على هذا عند أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم؛ أن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه.","vol":"1","page":1392},{"text":"ويكون مدعي بحق ومدعي بباطل، فمن أتى ببينة وإن كانت في الظاهر بيانا، فليس كمن لم يأت ببيان، والله أعلم.\nوقد سَمّى الله ﵎ رامي زوجته شاهدا، ولم يسم رامي الأجنبية شاهدا، فهذا بذلك على ما قلناه، وإنما المعنى في اللعان ما يسقط به الولد عن الزوج، إذا نفاه ولاعن زوجته.\nوقد أسقط رسول الله - ﷺ - الولد وجعله لأمه، ومنع أبو حنيفة وأصحابه، إذا كانت زوجته أمة أو نصرانية نفي الولد وألزموه ذلك (^١)، وجعلوا الولد إذا كان من أمة أو نصرانية ألزم له من أن يكون من زوجة حرة مسلمة، وجعلوا قول الزوج للنبي - ﷺ -: (أرأيت إن وجد مع امرأته رجلًا، فإن تكلم به تكلم بأمر عظيم، وإن سكت (^٢) سكت على مثل ذلك) ولو كان اللعان لدرء الحد لما كان الزوج إن سكت سكت على أمر عظيم، ولم يعلموا ما يخص الزوج من ذلك مما هو فيه مباين لسائر الناس.\nوقالوا أيضا: إن اللعان لا يوجب الفرقة حتى يطلق الزوج، واحتجوا بحديث سهل بن سعد (^٣)، وهو عليهم؛ لأن سهلا قال في الحديث: (فطلَّقَها من غير أن يأمره رسول الله - ﷺ - بذلك) (^٤) وذهب عنهم ما رواه ابن عمر، أحمد بن موسى (^٥)، قال: حدثني\n_________\n(^١) ينظر قول أبي حنيفة وأصحابه في: المبسوط (٧/ ٤٧) وأحكام القرآن للجصاص (٥/ ١٣٧).\n(^٢) (لوحة رقم [٢/ ٢٠٨].\n(^٣) ينظر قول الأحناف في: المبسوط (٧/ ٤٣).\n(^٤) تقدم تخريجه في أول كلامه عن هذه المسألة.\n(^٥) هو: السامي.","vol":"1","page":1393},{"text":"القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: (أن رجلا لاعن امرأته في زمان رسول الله - ﷺ - وانتفى من ولدها، ففرق رسول الله بينهما، وألحق الولد بالمرأة) (^١).\nولا نعلم بين التابعين ممن فسر الآية خلافا في ذلك: أن كل زوج يلاعن إلا شيئا يروى عن إبراهيم النخعي، ولا أظنه يثبت (^٢).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في أول كلامه عن المسألة.\n(^٢) قول المؤلف ﵀: \" ولا نعلم بين التابعين .. \" غريب؛ لأن اشتراط الإسلام والحرية حتى يقع اللعان بين الزوجين، لم ينفرد به النخعي، بل هو قول مشهور عند السلف فقد أخرجه عبد الرزاق (٧/ ١٢٧) عن طائفة من السلف، منهم: عطاء، ومجاهد، ومكحول، والشعبي، وأكثر من هذا، أنه قد روي فيه عن النبي - ﷺ - ما أخرجه البيهقي (٧/ ٣٩٥) من حديث عمرو بن شعيب - وضعفه - وفيه: (أربع لا لعان بينهن وبين أزواجهن: اليهودية، والنصرانية، تحت المسلم، والحرة تحت العبد، والأمة عند الحر، والنصرانية عند النصراني).","vol":"1","page":1394},{"text":"وزعم العراقيون: أن الزوج إذا لاعن ولم تلاعن المرأة، لم يقم عليها الحد وحبست (^١)، وتركوا قول الله ﵎: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (^٢) والألف واللام لا تدخل إلا للمعرفة، فعُلِم أن العذاب هو العذاب المعروف بعينه، وقد ذكر الله ﵎ في أول السورة فقال عز من قائل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٣) وقال ﵎: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (^٤) كل\n_________\n(^١) ينظر قول الأحناف في: أحكام القرآن للجصاص (٥/ ١٤٧) والمبسوط (٧/ ٤٠) وشرح فتح القدير (٤/ ٢٥٣).\n(^٢) سورة النور (٨).\n(^٣) سورة النور (٢).\n(^٤) سورة النساء (٢٥).","vol":"1","page":1395},{"text":"هذا مشاربه إلى حد الزنا؛ لأنه شيء بعينه؛ ولأن المرأة إنما رميت بالزنا، وحلف عليه الزوج، فما كان في ذلك من كذاب (^١) فإنما هو العذاب المعروف بالألف واللام.\nوقد تأول لهم متأول منهم: أن العذاب هو السجن، بقول الله ﵎: ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٢) ولم يعرف ما احتج به؛ لأن العذاب الذي ذكر الله ﵎ غير السجن، وليس بمعين، وإنما قال: قالت: كذا أو كذا، ويمكن أن تكون المرأة أرادت جنسا من أجناس العذاب؛ لأنه يُكْره.\nوأبو حنيفة وأصحابه يحكمون بالنكول (^٣) في الحقوق بغير يمين من الطالب، وجعلوه بمنزلة الإقرار، والملاعن قد تقدمت أيمانه على ما أدعى، ثم لا يحكمون على المرأة بنكولها، وقد أُنْزل فيها من القرآن ما أنزل، وممن انتهى إلينا تفسيره ممن فسر هذه الآية قالوا: إذا لم تلاعن جلدت أو رجمت، وقول النبي - ﷺ - للملاعن: (عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة) عند الجلد، وكذلك قوله للمرأة: (عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة) (^٤) إنما أرادوا الحد، ودخول الحبس فيما بين ذلك، لا أعرف له وجها، وقوله للمرأة: (عذاب الدنيا أيسر) أراد الحبس عندهم إن أقرت، ما هذا عذاب من أقر بالزنا.\n_________\n(^١) كذا في الأصل، وهو تحريف، وصوابه: عذاب.\n(^٢) سورة يوسف (٢٥).\nأخرجه ابن أبي شيبة [٥/ ٥٠٧، كتاب الحدود، في الرجل يلاعن وتأبى المرأة] عن الحسن.\nينظر في حمل الأحناف العذاب على الحبس، ما ذكره الكاساني في بدائع الصنائع (٣/ ٢٣٨).\n(^٣) قال المناوي في التعاريف ص ٧١٠ \" أصله: الحبس والمنع، ومنه النكول عن اليمين، وهو الامتناع عنها\".\nوفي قول الأحناف في مسألة النكول ينظر: المبسوط (١٧/ ٣٤).\n(^٤) تقدم تخريجه في أول المسألة ص ٤٣٩.","vol":"1","page":1396},{"text":"فأما (^١) الشافعي فخالفنا في هذه المسألة في موضعين؛ أحدهما: الحجاج فيه قد مضى على أبي حنيفة وعليه أيضا (^٢)، والآخر: أنه زعم أن الزوج إذا تم لعانه وقعت الفرقة من قَبْلِ أن تلتعن المرأة (^٣)،\n_________\n(^١) (لوحة رقم [٢/ ٢٠٩].\n(^٢) يشير المؤلف ﵀ إلى ما تقدم له من مسألة اشتراط الرؤية حال رمي الرجل امرأته، فقد قال أبو حنيفة والشافعي: كل من رمى زوجته بالزنا فإنه يلاعنها، سواء قال: رأيتها تزني أو لم يقل.\nوذهب مالك في المشهور عنه: إلى أنه لا لعان بينهما حتى يقول: رأيتها تزني، إلا أن يريد نفي ولد.\nينظر: الأم (٥/ ١٣٠) واختلاف العلماء للمروزي ص ١٩٦، ومختصر اختلاف العلماء للطحاوي (٢/ ٥٠١) وبداية المجتهد (٢/ ٨٩) وبدائع الصنائع (٣/ ٢٣٩) وقد تقدم في أول كلامه عن هذه الآية، بيان مذهب المالكية في هذه المسألة.\n(^٣) ينظر كلام الشافعي ﵀ في كتابه الأم (٥/ ٢١٩).\nوأصل المسألة: هل الفرقة تقع بنفس اللعان أو بإيقاع الحاكم، فذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تقع إلا بإيقاع الحاكم.\nوأما المالكية والشافعية - فهم وإن اتفقوا على أنها تقع بنفس اللعان - فقد اختلف قولهم، فقال المالكية: تقع بعد فراغ المرأة من الملاعنة، وقال الشافعية وسحنون من المالكية: تقع بعد فراغ الزوج من الملاعنة.\nينظر: المدونة (٦/ ١٠٧) والتلقين (١/ ٣٤٠) ومغني المحتاج (٧/ ١٢١).\n\nوثمرة الخلاف بين المالكية والشافعية، أشار إليها ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٤٤٧) قال: \" وتظهر فائدة الخلاف في التوارث، لو مات أحدهما عقب فراغ الرجل، وفيما إذا علق طلاق امرأة بفراق أخرى\" أ. هـ","vol":"1","page":1397},{"text":"والمرأة لو شهد عليها بما رماها به الزوج أربعة شهداء، وَحَقَّ عليها الزنا؛ لما لزمه بذلك فراق، فكيف يكون بتحقيقه هو وأيمانه عليها بالزنا مفارقا لها (^١)، ليس الحلف على الزنا موجبا للطلاق ولا للفراق، ولا لعنه لنفسه إن كان\n_________\n(^١) أصل المسألة: هل الفرقة تقع بنفس اللعان أو بإيقاع الحاكم، فذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تقع إلا بإيقاع الحاكم.\nوأما المالكية والشافعية - فهم وإن اتفقوا على أنها تقع بنفس اللعان - فقد اختلف قولهم، فقال المالكية: تقع بعد فراغ المرأة من الملاعنة، وقال الشافعية وسحنون من المالكية: تقع بعد فراغ الزوج من الملاعنة.\nينظر: المدونة (٦/ ١٠٧) والتلقين (١/ ٣٤٠) ومغني المحتاج (٧/ ١٢١).\nوثمرة الخلاف بين المالكية والشافعية، أشار إليها ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٤٤٧) قال: \" وتظهر فائد الخلاف في التوارث، لو مات أحدهما عقب فراغ الرجل، وفيما إذا علق طلاق امرأة بفراق أخرى\" أ. هـ","vol":"1","page":1398},{"text":"كاذبا موجب للفراق، وقد يكون صادقا في حلفه، وزعم أنه قال ذلك من قِبَل أن الفراق إنما يكون بالرجال (^١)، وهو مع ذلك يقول: إن الرجل إذا مَلّكَ امرأته الطلاق فطلقت، كان هو المُطَلِق، فأقامها مقام الوكيل فيما جعله إليها، فإن ملكها فلم تُطَلِق، لم يلزمه طلاق، فهلا قال: إنه لما التعن جعل إليها أن تلتعن، فإن لم تلتعن بقيت على الزوجية، إلى أن يُحكم عليها فتحد، وإن التعنت فكأنها فارقت بما جعله إليها وفي يدها.\nوقد قال مالك: إن الفرقة تقع بتمام اللعان بينهما، من أجل الغضب واللعنة قد حقت على أحدهما، واللعن للكفار، وهما وإن لم يكونا بذلك كافرين، ولا أحدهما وهو الكاذب - هو أو هي - فقد حقت اللعنة، فلا يجوز أن تكون مسلمة تحت ملعون، ولا ملعونة تحت مسلم، إذ وقع التشبيه باللعن، قال الله ﵎: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (^٢) والظالمون هاهنا: الكافرون، قال ذلك ترجمان القرآن ابن عباس ﵀ (^٣) ـ، ولو أن الشافعي اتبع لسلم، والله أعلم.\nقال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ (^٤).\nقال أيوب (^٥) عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله ﷿: ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ إنما هو: تستأذنوا وتسلموا على أهلها، وقال: غلط الكاتب (^٦).\n_________\n(^١) أي: عقدة النكاح وحله بيد الرجل.\n(^٢) سورة هود (١٨).\n(^٣) أورده في زاد المسير ص ٢٩٧.\n(^٤) سورة النور (٢٧).\n(^٥) هو: السختياني، تقدم.\n(^٦) أخرجه البيهقي في الشعب (٦/ ٤٣٨) عن أيوب، به.\nوأخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٢٩٦) عن ابن جبير، به.\n\nوأخرجه الحاكم [٢/ ٤٣٠ كتاب التفسير، سورة النور] والبيهقي في الشعب (٦/ ٤٣٧) من طريق مجاهد عن ابن عباس، وصححه، والمقدسي في المختارة (١٠/ ٩٠).\nوقد أشار ابن حجر في الفتح (١١/ ١٠) إلى أن القاضي - صاحب الأصل - قد أخرجه، قال: \" وأخرجه إسماعيل بن إسحاق في أحكام القرآن عن ابن عباس، واستشكله\".","vol":"1","page":1399},{"text":"وقال جماعة من المفسرين من مجاهد وعطاء وغيرهم نحو ذلك، ولم يذكروا غلط الكاتب (^١).\nوقال بعضهم: ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ هو: أن يعلم الداخل أن المدخول عليه لا يكره دخوله (^٢).\nوهذا أصح في المعنى، أن يكون الاستئناس أليقه بالمقصود، ومع ذلك فلا بد من الاستئذان، ألا ترى أن ابن عباس روى أنه قال لعمر بن الخطاب - ﵁ -: من اللتان تظاهرتا على رسول الله - ﷺ - فقال له: عائشة وحفصة (^٣)، ثم قص عمر القصة، فذكر أنه أتى النبي - ﷺ - وهو في مشْربة، وغلام أسود واقف، فقال له عمر: استأذن لعمر! فدخل ثم خرج فقال: قد ذكرتك له فصمت، فعل ذلك ثلاثا، فلما ولى عمر اتبعه الغلام فقال: قد أذن لك، وذكر القصة بطولها (^٤)، ومع ذلك فإن أبا موسى\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٢٩٧) عنهما.\nوأخرجه البيهقي في الشعب (٦/ ٤٣٨) عن مجاهد.\n(^٢) لم أجده.\n(^٣) هي: حفصة بنت عمر بن الخطاب العدوية القرشية، أم المؤمنين، تزوجها النبي - ﷺ - بعد الهجرة بثلاث سنين، وكانت صوامة قوامة، توفيت سنة ٤٥ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٢٨٤) والإصابة (٨/ ٨٥).\n(^٤) أخرجه البخاري [١٠٥٨ كتاب التفسير، سورة الممتحنة] ومسلم [٢/ ٨٩٨ كتاب الطلاق]، وسيذكر المؤلف ألفاظ هذا الحديث في أول سورة التحريم.","vol":"1","page":1400},{"text":"الأشعري (^١) استأذن على عمر ثلاثا فلم يؤذن له، فانصرف فرده عمر فسأله عن انصرافه، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (الاستئذان ثلاثا) فقال له عمر: (^٢) لتأتين على ذلك ببينة وإلا، فأتاه بأبي سعيد الخدري فشهد له (^٣).\nوهذان حديثان مرفوعان يدفعان ما روي عن ابن عباس، من أنه غلط من الكاتب، أنه: تستأذنوا، وأن الكاتب غلط فكتب: تستأنسوا، ورجع معنى تستأنسوا إلى معنى تستأذنوا، لأن الإذن إيناس.\nوكل رواية جاءت مخالفة لمصحفنا ردت على راويها، دون من حكي عنه ذلك من الصحابة؛ لأن من دونه أولى بالخطأ منه، والصحيح تستأنسوا، ومعناه تستأذنوا، وهو موافق لما قاله جماعة من المفسرين: أن يكون المدخول عليه لا يكره دخول المستأذن عليه، والله أعلم.\nقال الله ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا\nغَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ (^٤).\nهي الخانات (^٥) والدور التي فيها أسواق التجار (^٦).\n_________\n(^١) هو: عبد الله بن قيس بن سليم بن الأشعر، هاجر إلى الحبشة ورجع منها بعد فتح خبير، قال له رسول الله - ﷺ - لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود، مات سنة ٥٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٧٢) والإصابة (٤/ ١٨١).\n(^٢) لوحة رقم [٢/ ٢١٠].\n(^٣) أخرجه البخاري [١٣٢٣ كتاب الاستئذان، باب التسليم والاستئذان] ومسلم [٣/ ١٣٥٠ كتاب الأدب].\n(^٤) سورة النور (٢٩).\n(^٥) قال في اللسان مادة: خون \" الخان: الحانوت أو صاحب الحانوت، فارسي معرب\"\n(^٦) أخرج ابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٩٦) عن عائشة، نحوه.\nوأخرج الطبري في تفسيره (٩/ ٣٠٩) عن ابن زيد، نحوه.","vol":"1","page":1401},{"text":"ومعنى ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ يعني تجارات لكم، والله أعلم ﴿لَكُمْ﴾ مثل قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (^١) يأكل بعضكم أموال بعض، كذلك ﴿مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ أي لجماعتكم متاع بعضكم من بعض.\nقال مجاهد وغيره: يدخل بغير إذن (^٢).\nوقال عكرمة: كان ابن عمر يستأذن في مثل هذه، وفي القباب التي تضرب بمنى، وعلى الطريق للتجارات (^٣)، فسُهِّلِ ذلك - من أجل أن ليس فيها حُرم - أن يسلم الإنسان ويدخل.\nوالأحسن في ذلك أن يدخل الخانات بغير إذن، فأما بيوت الخانات والقباب وما أشبه ذلك، مما ينفرد به الإنسان لنفسه ومتاعه، فلا يدخل إلا بإذن والله أعلم، يقول: السلام عليكم، أألج؟ فإذا أُذن له دخل، هذا أليق بالسنة.\nقال الله ﵎: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (^٤)\nيغضوا من أبصارهم عن جميع ما لا يحل لهم النظر إليه، وعما لا يأمنوا الفتنة به، وعلى المرأة من ذلك فوق ما على الرجل.\n_________\n(^١) سورة البقرة (١٨٨).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٣٠٠) عن مجاهد والضحاك وقتادة.\n(^٣) لم أجده، وفي معناه ما أخرج في الأدب المفرد (١/ ٣٦٣) عن نافع أن عبد الله بن عمر قال: إذا دخل البيت غير المسكون فليقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.\nوأخرج البيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٤٤٩) عن ابن عمر أنه كان لا يدخل الحوانيت حتى يستأذن.\n(^٤) سورة النور (٣٠).","vol":"1","page":1402},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (^١).\nأخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأتفوي، قال: أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءة عليه بمصر في منزله وأنا أسمع، قال: قال عبد الله بن مسعود: الثياب، وقال: الزينة زينتان؛ زينة باطنة، وزينة ظاهرة، فالباطنة كلها للزوج كل ما تزينت به المرأة، والظاهرة الباطنة (^٢) لسائر الناس على وجه المعروف هذا معنى قوله (^٣).\nوقال ابن عباس: الوجه والكفان ما ظهر والخاتم (^٤).\nوقال ابن عمر: الوجه والكفان (^٥).\n_________\n(^١) سورة النور (٣١).\n(^٢) كذا في الأصل، والظاهرة، كلمة الباطنة لا محل لها في السياق، أو أنها تحرفت من كلمة: البادية.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٥٤٦ كتاب النكاح، قوله: ولا يبدين زينتهن] والطبري في تفسيره (٩/ ٣٠٣) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٣٣٢) والحاكم [٢/ ٤٣١ كتاب التفسير] والطبراني في الكبير (٩/ ٢٢٨) من حديث أبي الأحوص، بنحوه.\nوأخرجه الطبري (٩/ ٣٠٤) من حديث ابن زيد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٥٤٦ كتاب النكاح، قوله: ولا يبدين زينتهن] والطبري في تفسيره (٩/ ٣٠٤) والبيهقي [٧/ ٩٤ كتاب النكاح، باب ما تبدي المرأة من زينتها] من طريق علي بن أبي طلحة، بنحوه.\nوأخرجه البيهقي [٢/ ٢٢٥ جماع أبواب لبس المصلي، باب عورة المرأة] وابن أبي شيبة [٣/ ٥٤٦ كتاب النكاح، قوله: ولا يبدين زينتهن] طريق ابن جبير، بنحوه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٥٤٦ كتاب النكاح، قوله: ولا يبدين زينتهن] البيهقي [٢/ ٢٢٥ جماع أبواب لبس المصلي، باب عورة المرأة] به.","vol":"1","page":1403},{"text":"وقال المفسرون بكل قول من ذلك (^١)، والذي عندي - والله أعلم - أنه\n_________\n(^١) أخرج ابن أبي شيبة [٣/ ٥٤٦ كتاب النكاح، قوله: ولا يبدين زينتهن] والطبري في تفسيره (٩/ ٣٠٤) أثارا عديدة عن جملة من السلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.","vol":"1","page":1404},{"text":"الوجه والكفان على وجه المعروف، لا على تأمل المحاسن، لقول النبي - ﷺ -: (لك الأولى وليست لك الثانية) (^١) والتَخَفُّر (^٢) أيضا لفساد الناس واجب على المرأة في الوجه والكفين (^٣) فأما الثياب فأمرها سهل، والمحاسن في الوجه، فَتَأَمُّلُه محظور على من خاف الفتنة، وكذلك الكفان، قال الشاعر:\nهلالية الأطراف مرية الحشا ... فزارية العينين طائية الفم (^٤)\nوقال الأصمعي: الحسن في العينين والجمال في الأنف والملاحة في الفم.\nقال الله ﷿: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (^٥).\nدخلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر (^٦) على عائشة زوج النبي - ﷺ - وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها، فتناولته عائشة فشقته عليها وقالت: أما تعلمين\n_________\n(^١) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ١٥) والحاكم [٢/ ٢١٢ كتاب النكاح] وقال: \" حديث صحيح \" من حديث بريدة، به.\n(^٢) قال في القاموس مادة: خفر \" شدة الحياء \".\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ٢١١].\n(^٤) ذكره في العقد الفريد (٦/ ٤١١) من قول الأصمعي في وصف جارية لهارون الرشيد، لكن قال:\nكنانية الأطراف سعدية الحشا ... هلالية العينين طائية الفم\nوفي موضع آخر (٦/ ٤٢٠)\nخزاعية الأطراف سعدية الحشا ... فزارية العينين طائية الفم\nونسبه في المستطرف (٢/ ٤٦٦) إلى ابن أبي الرقاع لكن قال:\nقضاعية الكعبين كندية الحشا ... خزاعية الأطراف طائية الفم\n(^٥) سورة النور (٣١).\n(^٦) هي: حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، زوجة المنذر بن الزبير، قال العجلي: تابعية ثقة. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٤٦٦) وتهذيب التهذيب (٦/ ٥٣٦).","vol":"1","page":1405},{"text":"ما أنزل الله ﵎ في سورة النور! ودعت بخمار فكستها إياه (^١).\nوقال جابر: تلبس مالا يشف شعرا ولا يبدي نحرا (^٢).\nقال الله عز وعلا: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية (^٣).\nما شارك فيه الزوج من ذلك الأب والابن والأخ، إلى آخر الآية، فإنما هو: الوجه واليدان إلى المرفقين، والعنق، والشعر، وما أشبه ذلك، يستوي فيه الزوج وغيره من المُسَمَين بالرحم، على وجه المعروف وإتباع النظر النظر، ويجوز للأب إذا كان مأمونا أن يُقبِّل منها هذه المحاسن فقد كان النبي - ﷺ - يقبل من فاطمة (^٤) ﵂ فاها (^٥)، ويجوز مثل ذلك للولد إذا كان مأمونا، ولا يجوز ذلك للأخ ومن دونه ممن ذكر في الآية من ذوي الأرحام، ويختص الزوج بالتلذذ دون الجماعة، وبالنظر إلى ما تحت الإزار من سائر البدن\n_________\n(^١) أخرجه في الموطأ [٢/ ٦٩٦ كتاب اللباس، باب ما يكره للنساء لبسه من الثياب] والبيهقي [٢/ ٢٣٥ جماع أبواب لبس المصلي، باب الترغيب أن تكثف ثيابها ٣٠٨٢] من حديث ابن أبي علقمة، بنحوه.\n(^٢) لم أجده.\n(^٣) سورة النور (٣١).\n(^٤) هي: فاطمة الزهراء أصغر بنات النبي - ﷺ - وأحبهن إليه، وزوج علي بن أبي طالب، وأم ولديه الحسن والحسين، كانت أسرع أهل بيته لحوقا به، قيل: بعد ثلاثة أشهر. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٢٥٢) والإصابة (٨/ ٢٦٢).\n(^٥) لم أجده على هذا النحو، وقد أخرج الحاكم [٣/ ١٦٩ مناقب فاطمة] وصححه، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٢٥) أنها ﵂ هي التي كانت تلثم فاه - ﷺ -.","vol":"1","page":1406},{"text":"إلا الفرج فإنه لا ينظر إليه ذو دين، واختلف المفسرون في بعض ذلك، والذي توجبه الآية عندي ما ذكرته.\nوأما قوله سبحانه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (^١) فإن سعيد بن المسيب قال:\nالإماء دون الذكور من العبيد (^٢).\nوقال الشعبي وغيره: يرى الذكور من العبيد الوجه والكفين، دون الشعر وما\nأشبهه (^٣).\n_________\n(^١) سورة النور (٣١) وفي الأصل كتب: أيمانكم، وهو خطأ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ١١ كتاب النكاح، ما قالوا في الرجل المملوك له أن يرى شعر مولاته] به\nوقد ذكر ابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٢٣٥) أن القاضي إسماعيل - صاحب الأصل - أسند هذا الأثر من طريق ابن أبي شيبة.\n(^٣) أخرج البيهقي [٧/ ٩٥ كتاب النكاح، باب ما جاء في إبدائها زينتها] عنه، وعن طاوس والحسن.","vol":"1","page":1407},{"text":"وروى الزهري عن نبهان (^١) مولى أم سلمة (^٢) زوج النبي - ﷺ - أنه حدثه أنه بينما هو يسير مع أم سلمة بطريق مكة، وقد بقي عليه من كتابته ألفا درهم، قال: فكنت أتمسك بهما كي ما أدخل عليها فأراها، فقالت وهي تسير: ماذا بقي من كتابتك؟ قلت: ألفا درهم، قالت: هما عندك؟ قلت: نعم، قالت: فادفع ما بقي من كتابتك، إلى محمد بن عبد الله بن أبي أمية (^٣) فإني قد أعنته بهما على نكاحه، وعليك السلام، ثم ألقت دوني الحجاب، قال: فبكيت ثم قلت: لا والله لا أعطيه إياها أبدا، قالت: والله\n_________\n(^١) هو: نبهان المخزومي، أبو يحيى المدني، مولى أم سلمة ومُكَاتبها، ذكره ابن حبان في الثقات، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ١٤٦) وتهذيب التهذيب (٥/ ٥٩١).\n(^٢) هي: هند بنت سهيل بن المغيرة المخزومية، تزوجها أبو سلمة، وهاجرت معه إلى الحبشة مرتين، توفيت سنة ٥٩ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٢٨٧) والإصابة (٨/ ٣٤٢).\n(^٣) هو: محمد بن عبد الله بن أبي أمية، ابن أخي أم سلمة ﵂ لم أجد له ترجمة.","vol":"1","page":1408},{"text":"يا بني إنك لا تراني أبدا (إن رسول الله - ﷺ - عهد إلينا أن إذا كان عند مكاتب إحداكن وفاء بما بقي من كتابته فاضربن دونه الحجاب) (^١) (^٢) ففي هذا الحديث بيان أن العبد يرى سيدته ما كان عبدًا، والذي يراه الوجه والكفين، وليس بمحرم لها فيجوز له أن يسافر بها؛ لأن حرمته منها لا تدوم، وقد قال الله ﵎: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ (^٣)، فأجرى ما ملكت أيمانهم مجرى الذين لم يبلغوا الحلم منهم، وأُمروا بالاستئذان في العورات الثلاث؛ لأن الناس يطرحون ثيابهم في هذه الأوقات، ولا يكونون في التستر فيها كما يكونون في غيرها، فهذا حكم العبد فيما يراه من سيدته، والله أعلم.\nقال الله ﵎: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه بطوله ابن حبان [١٠/ ١٦٣ كتاب العتق، باب البيان بأن المكاتبة عليها أن ..] والبيهقي [١٠/ ٣٢٧ كتاب المكاتب، باب الحديث الذي يروى في الاحتجاب ..] بنحوه.\nوأخرجه الترمذي مختصرا [٣/ ٣٢ كتاب البيوع، باب ما جاء في المكاتب إذا كان عنده ..] وصححه، والنسائي في الكبرى [٣/ ١٩٨ كتاب العتق، باب المكاتب يكون عنده ما يؤدي].\n(^٢) لوحة رقم [٢/ ٢١٢].\n(^٣) سورة النور (٥٨).\n(^٤) سورة النور (٣١).","vol":"1","page":1409},{"text":"قال الزهري عن عروة عن عائشة، وعن علي بن الحسين (^١): إن مخنثا كان يدخل على أزواج رسول الله - ﷺ - ويَرَيْنَه من غير أولي الإربة من الرجال، حتى دخل\n_________\n(^١) هو: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسين زين العابدين، قال ابن سعد: كان ثقة مأمونا كثير الحديث، عاليا رفيعا ورعا، توفي سنة ٩٣ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ١٠٨) وتهذيب التهذيب (٤/ ١٨٤).","vol":"1","page":1410},{"text":"رسول الله - ﷺ - ذات يوم على أزواجه، فوجده يذكر بادية بنت غيلان الثقفي (^١) امرأة عبد الرحمن بن عوف وهو ينعتها: إنها تلبت بالذكر\nوالأنثى (^٢) وإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال رسول الله - ﷺ -: (لا أرى يحسن ما هاهنا، لا يدخلن عليكن، فحجبنه) (^٣).\n_________\n(^١) هي: بادية بنت غيلان بن سلمة بن معتب بن مالك الثقفي، أسلمت مع أبيها، وتزوجها عبد الرحمن بن عوف بعد ذلك، وهي الواردة في حديث الاستحاضة، وكانت من أكثر نساء ثقيف حُلْيا. ينظر: الإصابة (٨/ ٤٥).\n(^٢) كذا رسمت في الأصل ولم أهتد للمعنى، ولم أجد في شيء من الروايات التي وقفت عليها ما يرشد إلى المراد.\n(^٣) أخرجه مسلم [٤/ ١٣٦٩ كتاب السلام] من حديث الزهري عن عروة بنحوه.\nوأما طريق الزهري عن علي بن الحسين، فلم أقف عليه مسندا، وإنما أشار إليه ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٣٣٤) وعزاه إلى الجوزجاني في تاريخه.\nقال ابن حجر في الفتح (٩/ ٣٣٥) في معنى قوله: تقبل بأربع ... \" قال الخطابي: يريد أن لها في بطنها أربع عكن، فإذا أقبلت رؤيت مواضعها بارزة متكسرا بعضها على بعض، وإذا أدبرت كانت أطراف هذه العكن الأربع عند منقطع جنبيها ثمانية، وحاصله: أنه وصفها بأنها مملوءة البدن، بحيث يكون لبطنها عكن، وذلك لا يكون إلا للسمينة من النساء، وجرت عادة الرجال غالبا في الرغبة فيمن تكون بتلك الصفة \".","vol":"1","page":1411},{"text":"وروى هشام بن عروة (^١) عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة (^٢) عن أم سلمة قالت: (دخل عليها رسول الله - ﷺ - وعندها أخوها عبد الله (^٣) وعندها مخنث وهو يقول له:\n_________\n(^١) هو: هشام بن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، أبو المنذر، قال ابن سعد: كان ثقة ثبتا كثير الحديث، توفي سنة ١٤٦ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٥٨) وتهذيب التهذيب (٦/ ٣٣).\n(^٢) هي: زينب بنت أبي سلمة المخزومية، وأمها أم سلمة، ولدت بأرض الحبشة، وكان اسمها برة فسماها رسول الله - ﷺ - زينب، كانت في عداد فقيهات المدينة، توفيت بالمدينة سنة ٧٣ هـ. ينظر: تهذيب التهذيب (٦/ ٥٤٣).\n(^٣) هو: عبد الله بن أبي أمية المخزومي، أخو أم سلمة زوج النبي - ﷺ - أسلم عام الفتح، وشهد الفتح وقتل في حنين. ينظر: الإصابة (٤/ ١٠).","vol":"1","page":1412},{"text":"يا عبد الله إن فتح الله عليكم الطائف غدا، فعليك بابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال: لا يدخل هذا عليك) (^١).\nوقال المفسرون؛ قال عكرمة: الذي لا يقوم إربه (^٢).\nوقال مجاهد والشعبي: من لا أرب له في النساء (^٣).\nوقال الحسن: الأحمق (^٤).\nوروي عن مجاهد أيضا: المعتوه الذي لا يعقل شيئا من أمر النساء (^٥).\nوقال سعيد بن جبير: هو الذي لا يقوم ذكره ولا ينتشر والمعتوه (^٦).\nوقال طاوس: الأحمق الذي ليس له في النساء حاجة (^٧).\nوقال الأوزاعي والليث: المختلط عقله (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري [١١٣٥ كتاب النكاح، باب ما ينهى من دخول المشبهين] ومسلم [٤/ ١٣٦٨ كتاب السلام] به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ٤ كتاب النكاح، ما قالوا في قوله: غير أولي الأربة] والطبري في تفسيره (٩/ ٣٠٩) بنحوه.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٣٠٩) والبيهقي [٧/ ٩٦ كتاب النكاح، باب ما جاء في إبداء الزينة لغير أولي ..] بنحوه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ٤ كتاب النكاح، ما قالوا في قوله: غير أولي الأربة] والبيهقي [٧/ ٩٦ كتاب النكاح، باب ما جاء في إبداء الزينة لغير أولي ..] بنحوه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ٣ كتاب النكاح، ما قالوا في قوله: غير أولي الإربة] عن مجاهد والشعبي. ... وأخرجه الطبري (٩/ ٣٠٨) عن الشعبي.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ٣ كتاب النكاح، ما قالوا في قوله: غير أولي الإربة] بنحوه.\n(^٧) أخرجه البيهقي [٧/ ٩٦ كتاب النكاح، باب ما جاء في إبداء الزينة لغير أولي ..] به.\n(^٨) لم أقف عليه.","vol":"1","page":1413},{"text":"قال بكر: قد ذكرنا ما روي في ذلك، وإذا كان التابع ممن لا يَرغب النساء في مثله، وحشة وبلادة، دخل في المعنى والله أعلم.\nقال الله ﷿: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^١).\nحدثنا القاضي بكر قال: أخبرنا إسماعيل القاضي قال: روى المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (ثلاثة كلهم حق على الله عونه: المجاهد في سبيل الله، والناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء) (^٢) فهذا الحديث يدل على أن الله ﵎ يعين الثلاثة بالرزق والمال.\nودلت الآية على أنه لا يجوز لأحد من المخاطب فيهن (^٣) أن يزوج نفسه إذا كانت المخاطبة لغيرهم في إنكاحهم، فكان المخاطب في الأيامى وهن: كل امرأة لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا، لا يختلف أهل اللغة (^٤) في ذلك بل توجبه الآية عندهم، ولولا ذلك لكانت البكر لم يؤمر بإنكاحها في شيء من القرآن، قال الشاعر (^٥):\nفإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي ... وإن كنت أفتى منكم أتأيم\n_________\n(^١) سورة النور (٣٢).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢/ ٢٥١) والترمذي [٣/ ٢٤٧ كتاب الجهاد، باب ما جاء في المجاهد والناكح] وحسنه، والنسائي [٥/ ٣٢٣ كتاب الجهاد، فضل الروحة في سبيل الله] وابن حبان [٩/ ٣٩٩ كتاب النكاح، ذكر معونة الله القاصد في نكاحه العفاف] والحاكم [٢/ ١٧٤ كتاب النكاح] وصححه.\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ٢١٣].\n(^٤) نص عليه ابن سيده كما نقله في اللسان مادة: أيم.\n(^٥) هو: جميل بثينة، ينظر ديوانه ص ٦٧.","vol":"1","page":1414},{"text":"فالعرب تقول للرجل لا زوجة له: أيم.\nوالمخاطب: العبد والأمة، والعقد عليهم للسادة، ثم فسر النبي - ﷺ - في الأيامى - إذ الآية تحتمل أن تُزَوَج الأيم شاءت أو كرهت، وتحتمل بأمرهن - بأن قال: (الأيم - وهي كل امرأة لا زوج لها من بكر وثيب - أحق بنفسها) من وليها الذي ليس له أن يزوجها إلا بأمرها، فأثبت الولاية عليها، وأنه ليس له (^١) أن تزوج نفسها، ولا لوليها أن يفتات عليها بالعقد قبل إذنها، إذ هي أحق بنفسها منه فلها الاختيار، والعقد به وإليه، ثم قَسَمَ صلى الله عليه الأيامى قسمين: منهن ثيب وأبكار، فقال في جنس الأبكار - إذ كان الحياء يمنعهن من الاختيار وطلب الزوج ـ: (والبكر تستأذن وإذنها صُماتها) (^٢) فقيل في هذا الجنس: إن الولي يختار ويستأذن، وجعل - للحياء - الصمات الإذن، قال محمد بن مسلمة عن مالك: وليس كل امرأة (^٣) تعلم أن إذنها صماتها، فينبغي للولي أن يقول لها: صماتك إذن! فإذا صمتت بعد ذلك زَوّجَها (^٤).\nفقد ثبتت الولاية على كل أيم بالآية والسنة، وبآية أخرى وهي قوله سبحانه: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (^٥) فلو كان أمرها إليها؛ أي عضل كان يلحقها،\n_________\n(^١) كذا في الأصل: له، ومقتضى سياق الكلام: لها.\n(^٢) أخرجه البخاري [١١١٥ كتاب النكاح، باب لا ينكح الأب وغيره البكر ..] ومسلم [٢/ ٨٢١ كتاب النكاح] من حديث أبي هريرة، بنحوه.\n(^٣) في الأصل: أمر، وبعده بياض قدر حرفين.\n(^٤) ينظر: قول مالك في المدونة (٤/ ١٥٧).\n(^٥) سورة البقرة (٢٣٢). في الأصل: (ولا).","vol":"1","page":1415},{"text":"وما وجب العتاب في النهي عن العضل، فأمْرُها إليها، وهذه الآية نزلت في معقل بن يسار (^١) وذِكْرُها في موضعها إن شاء الله (^٢).\nفأما الأب فلا يدخل في معنى الحديث في قوله: (البكر تستأذن) لأن الأب يزوجها صغيرة، ويجوز ذلك عليها أحبت أو كرهت، إذا كان الأب رشيدا، وقد تزوج رسول - ﷺ - عائشة من أبي بكر رحمة الله عليهما وهي ابنة سبع، ودخل عليها وهي ابنة تسع (^٣)، وأجمع أهل العلم على جواز ذلك في الصغيرة (^٤) للأب (^٥) إلا شيئا ذُكر عن داود الأصبهاني (^٦) وفيه طعن على نكاح رسول الله - ﷺ - عائشة ﵂ (^٧)،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري [٩٣٣ كتاب التفسير، سورة البقرة، باب وإذا طلقتم النساء] عن الحسن.\nومعقل هو: معقل بن يسار بن عبد الله المزني، أبو عبد الله، أسلم قبل الحديبية وشهد بيعة الرضوان، توفي بالبصرة في خلافة معاوية - ﵃ -، وقيل بعدها. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٩) والإصابة (٦/ ١٤٦).\n(^٢) ينظر كلامه عن آية سورة البقرة في اللوحة رقم ٤٤ من هذه المخطوطة.\n(^٣) أخرج البخاري [١١١٥ كتاب النكاح، باب تزويج الأب ابنته من الإمام] ومسلم [٢/ ٨٤١ كتاب النكاح] عن عائشة ﵂، بهذا المعنى.\n(^٤) يريد البنت الصغيرة.\n(^٥) ينظر في حكاية الإجماع: المغني (٦/ ٤٨٧) وبداية المجتهد (٢/ ٥).\n(^٦) هو: داود بن علي بن خلف، الأصبهاني، أبو سليمان البغدادي، إمام أهل الظاهر، كان فقيها ورعا عابدا، توفي سنة ٢٧٠ هـ ينظر: تاريخ بغداد (٨/ ٣٦٩) وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٩٧).\n(^٧) ووجه الطعن: أن من لازم القول بعدم جواز العقد على الصغيرة، عدم صحة نكاح النبي - ﷺ - لعائشة ﵂، وقد دخل بها وهي بنت تسع.\n\nلكن القائلون به جعلوا ذلك مما خص به النبي - ﷺ - كما خص بجواز الجمع بين أكثر من أربع نسوة، على أن هذا القول لم ينفرد به داود، بل ذكره ابن حزم في المحلى (٩/ ٤٥٩) قولا لابن شبرمة.","vol":"1","page":1416},{"text":"ورأيت من أصحابه من ينكر ذلك، ومنهم من يقر به، وعلى أنه لو قاله ما كان قوله خلافا، لأن العلم يؤخذ عن الأكابر لا عن الأصاغر، ومن يأتي ليس بخلاف على من مضى.","vol":"1","page":1417},{"text":"ولما قال الله ﷿: ﴿الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ علم أنهن الحرائر وهن لا يملكهن، وللأب أن يعقد - عند مالك - على ابنته ما كان نفقتها عليه واجبة، فإذا زالت النفقة عليه بانتقالها إلى غيره لم يعقد عليها إلا بأمرها.\nقال الحسن البصري: الأب يزوج الثيب - أيضا - وهي كارهة (^١)، ولقوله وجه صحيح، ولكنه انفرد به، والعمل على الإجماع أولًا (^٢) ومثله يكون خلافا.\nفأما العبد والأمة فإن مالكا يرى أن يعقد السيد عليهما (^٣) شاءا أم أبيا؛ لأنه مالكٌ لهما ولِنَسْلِهِما، وله أن يبتغي ذلك منهما (^٤)، وقال جرير (^٥) عن منصور (^٦) عن إبراهيم (^٧) قالوا: يكرهون المملوكين على النكاح ويغلق عليهم الباب (^٨).\nوقد قال أبو حنيفة وأصحابه في الأيامى قولا، دعاهم إليه قلة علمهم بالقرآن والسنن، وبنائهم على أصول لم يعرفوا أسبابها، وخالفوا في البكر أيضا، والروايات في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٤٥٨ كتاب النكاح، الرجل يزوج ابنته من قال يستأمرها].\n(^٢) في إجماع أهل العلم، وحكاية خلاف الحسن ﵀ ينظر: بداية المجتهد (٢/ ٤).\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ٢١٤].\n(^٤) ينظر: المدونة (٤/ ١٥٥) والتلقين (١/ ٢٨٦).\n(^٥) هو: جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي، أبو عبد الله القاضي، قال ابن سعد: كان ثقة كثير العلم تُرِّحَل إليه، توفي بالري سنة ١٨٨ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (١/ ١٨١) وتهذيب التهذيب (١/ ٤٢٧).\n(^٦) هو: منصور بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة، أبو عتاب الكوفي، قال ابن سعد: كان ثقة مأمونا كثير الحديث رفيعا عاليا، توفي سنة ١٣٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٢٥) وتهذيب التهذيب (٥/ ٥٢٥).\n(^٧) هو: النخعي، تقدم.\n(^٨) أخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٤٦٤ كتاب النكاح، في الرجل يزوج عبده أمته] عن جرير، به.","vol":"1","page":1418},{"text":"البكر تخرج الأب من الخبر، لأن أكثر من رواه قال فيه: (واليتيمة تستأذن) (^١) والكلام في ذلك يأتي إن شاء الله.\nقال الله تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (^٢).\nاختلف المفسرون في هذه الآية؛ فمنهم من قال: إذا ابتغى العبد الكتابة - وكان له مال - وجب على السيد أن يكاتبه (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود [٢/ ١٩٧ كتاب النكاح، باب في الثيب] والدارقطني [٣/ ١٤٦ كتاب النكاح] من حديث ابن عباس - ﵁ - به.\nوأخرجه أبو داود [٢/ ١٩٥ كتاب النكاح، باب في الاستئمار] والترمذي [٢/ ٣٥٩ كتاب النكاح، باب ما جاء في إكراه اليتيمة] وحسنه، وابن حبان [٩/ ٣٩٢ كتاب النكاح، باب الولي] من حديث أبي هريرة.\nوأخرجه وابن حبان [٩/ ٣٩٦ كتاب النكاح، ذكر نفي جواز عقد الولي نكاح البالغة عليها إلا باستئمارها] والحاكم [٢/ ١٨١ كتاب النكاح] وصححه، من حديث أبي موسى الأشعري - ﵃ -، وفي حديثهما: تستأمر بدل تستأذن.\n(^٢) سورة النور (٣٣).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق [٨/ ٣٧١ كتاب المكاتب، باب وجب الكتاب] والبيهقي [١٠/ ٣١٩ كتاب المكاتب، باب من قال يجب على الرجل مكاتبة ..] عن عطاء، وعلقه البخاري [٥٠٨ كتاب المكاتب، باب المكاتب ونجومه] وأشار ابن حجر في تغليق التعليق (٣/ ٣٤٨) إلى أن القاضي إسماعيل، وصله في كتابه أحكام القرآن بسنده، قال: حدثنا علي بن عبد الله ثنا روح بن عبادة عن ابن جريج، به.","vol":"1","page":1419},{"text":"ومنهم من قال: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ مال (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي [١٠/ ٣١٨ كتاب المكاتب، باب ما جاء في تفسير قوله: إن علمتم فيهم ..] عن ابن عباس - ﵁ - وأخرجه عبد الرزاق [٨/ ٣٧٠ كتاب المكاتب، باب وجوب الكتاب] والطبري (٩/ ٣١٤) عن مجاهد، به.","vol":"1","page":1420},{"text":"ومنهم من قال: أداء وأمانة، وقال: إذا ابتغى منه الكتابة وعلم منه ذلك لزمه أن يكاتبه (^١).\nومنهم من قال: ليس يلزمه أن يكاتبه إلا أن يشاء وإن علم أداء وأمانة (^٢).\nومنهم من قال: ليس له أن يكاتبه إلا أن يبتغي الكتابة (^٣).\nومنهم من قال: له أن يكاتبه كرها إذا علم أداء وأمانة وقدرة على ما يكاتبه عليه.\nوقال مالك: ليس على السيد أن يكاتبه كرها، وله أن يكاتب عبده كرها (^٤).\nفأما قول من قال: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ مالا، فالخير لعمري المال، إلا أن مال العبد للسيد أن ينتزعه، ويبقى عنده بغير مال، فكيف يكاتبه على شيء له أن يأخذه بغير كتابة.\nوأما قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ وإن كان بلفظ الأمر فقد يأتي لفظ الأمر يراد به الإطلاق من حظر والإذن والنهي، قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه الطبري (٩/ ٣١٢) عن ابن عباس بمعناه، وعزاه في التمهيد (٢٢/ ١٦٨) إلى إسحاق بن راهويه.\n(^٢) أخرجه الطبري (٩/ ٣١٣) عن الحسن والثوري والشعبي، وأخرجه البيهقي [١٠/ ٣١٩ كتاب المكاتب، باب من قال يجب على الرجل مكاتبة ..] عن الحسن، وأخرجه عبد الرزاق [٨/ ٣٧٢ كتاب المكاتب، باب وجوب الكتاب ..] عن الشعبي.\n(^٣) هو قول الشافعية، ينظر: المهذب (٢/ ١٠).\n(^٤) ينظر: موطأ مالك (٢/ ٦٠٤) والكافي (١/ ٥٢٠).\n(^٥) سورة المائدة (٢).","vol":"1","page":1421},{"text":"وقال سبحانه: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (^١) وقال ﵎: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ (^٢) وهذا غاية الوعيد والنهي والزجر.\nوقد روي أن عمر حلف على أنس أن يكاتب سيرين (^٣)، وهذا من عمر على وجه النظر لأنس، والرغبة له في الخير، ولو كان يراه واجبا لألزمه وحكم به عليه، ولم يحلف عليه، وإنما يمينه فعل الوالد ونظره لولده، لا على وجه الإجبار، فعمر ﵀ للناس جميعا كالأب الشفيق، ولو كان أنس يعلم أن ذلك واجبا (^٤) عليه لما امتنع منه، وإنما أُمر بذلك على وجه الندب، ورُدّ إلى علم السادة، فقيل: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (^٥) يعني أداء وأمانة، فلا مدخل للحاكم في ذلك، وما ليس للحكام فيه مدخل فيما يتنازع الناس فيه، فليس بواجب، وإذا لم يجب ارتفع التنازع.\nوقد حكي عن الشافعي أنه قال في المملوك يسأل سيده المكاتبة: أن ذلك لا يجب على السيد (^٦)، وأنه إذا كاتبه وجب أن يُجْبر السيدُ على أن يضع عنه مما عقد\n_________\n(^١) سورة الجمعة (١٠).\n(^٢) سورة الزمر (١٥).\n(^٣) أخرجه البيهقي [١٠/ ٣١٩ كتاب المكاتب، باب من قال يجب على الرجل مكاتبة ..] عن قتادة، وعلقه البخاري [٥٠٨ كتاب المكاتب، باب المكاتب ونجومه] قال ابن حجر في الإصابة (٣/ ٢٢٣): \" وصله إسماعيل بن إسحاق في الأحكام، من طريق بن جريج، عن عمرو بن دينار عن عطاء عن موسى بن أنس\".\nوأما سيرين فهو: أبو عمرة مولى أنس بن مالك، والد الفقيه المشهور محمد بن سيرين، وكان من سبي عين التمر، اشتراه أنس في خلافة أبي بكر. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٦١) والإصابة (٣/ ٢٢٣).\n(^٤) كذا في الأصل، ومقتضي قواعد النحو بالرفع: واجبٌ.\n(^٥) سورة النور (٣٣).\n(^٦) ينظر: الأم (٨/ ٣١) والمهذب (٢/ ١٠).","vol":"1","page":1422},{"text":"عليه الكتابة شيئا ما كان (^١) قال: (^٢) وهذا - والله أعلم - عندي مثل قول الله ﷿: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^٣) قال: فإن مات قبل أن يضع جُبِرَ ورثته على ذلك، وإن كانوا صغارًا وضع عنهم الحاكم قَلَّ ما يقع عليه اسم الشيء من كتابته، فجعل الشافعي الفرع أوجب من الأصل، وليس يكاد شيئا (^٤) في كلام العرب يعطف بعضه على بعض، يكون أوله غير واجب وآخره واجب، هذا لا يكاد يعرف، وقد يكون الكلام أوله واجب وآخره غير واجب قال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (^٥) فبدأ بالعدل وهو واجب ثم ذكر الإحسان بعده، وقال ﷿: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (^٦) فبدأ بالواجب ثم ذكر التفضل بعده.\nوهذا الآية التي تأولها الشافعي قد رويت فيها الأحاديث، فمنهم من قال: يضع عنه الربع (^٧)، وقال هذا القائل بعد ذلك: إنه لا يراه واجبا.\nوروي عن بعضهم أنه كان يختار أن يضع عن المكاتب آخر نجومه (^٨).\n_________\n(^١) ينظر: الأم (٨/ ٣٣) والمهذب (٢/ ١٤).\n(^٢) لوحة رقم [٢/ ٢١٥].\n(^٣) سورة البقرة (٢٤١).\n(^٤) كذا في الأصل، ومقتضى قواعد النحو الرفع.\n(^٥) سورة النحل (٩٠).\n(^٦) سورة البقرة (٢٣٧).\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق [٨/ ٣٧٥ كتاب المكاتب، باب وآتوهم من مال الله] والبيهقي [١٠/ ٣٢٩ كتاب المكاتب، باب وآتوهم من مال الله ..] عن علي بن أبي طالب.\n(^٨) أخرجه البيهقي [١٠/ ٣٣٠ كتاب المكاتب، باب قوله: وآتوهم من مال الله] عن ابن عمر - ﵁ -.","vol":"1","page":1423},{"text":"ومنهم من رأى أن يعطيه من عنده من غير مال المكاتبة (^١).\nومنهم من قال: عنى بهذه الآية الناس جميعا من مولاه وغيره (^٢)، فكان ظاهر ما روي عنهم يدل على الاختيار من غير إيجاب.\nوأما المتعة فقد رُّغِب المُطلِق في ذلك، وقد مضى الكلام في موضعه (^٣).\nوأما المكاتب إنما هو شيء - في قول الشافعي - يسقط من شيء يكون قد وجب للسيد، وليس يجوز أن يسقط من شيء معلوم شيء مجهول لا يعرف مقداره، وكيف يجوز أن يكتب على العبد مثلا أربعة آلاف ويشهد عليه بها، وهي أقل من أربعة آلاف، قد عملوا على ذلك، وحكم الكتاب أن يكون عدلا بين المتعاملين، فإن كان الذي كُتِبَ عليه حقا، فليس يجب على السيد شيء سواه، وإن كان باطلا فإن الكتابة منفسخة.\nوالشافعي يزعم أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم مما كوتب عليه (^٤)، فإن كان يعني أنه عبد ما بقي عليه درهم سوى ما يجب أن يُسْقَط عنه، وجب أن يكون ما يُسْقَط عنه معلوما في أصل الكتابة، حتى يعلم الحال التي يعتق فيها من الحال التي لا يعتق فيها، لأن هذا حكم بين رجلين إذا أداه المكاتَب عتق، فلا بد أن يكون معلوما كما كانت الكتابة معلومة، والشافعي يجعله مجهولا، وقال: أقل ما يقع عليه اسم شيء\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة [٢١٣٤٤ باب من كان يحط عن المكاتب] عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق [٨/ ٣٧٦ كتاب المكاتب، باب وآتوهم من مال الله] والطبري في تفسيره (٩/ ٣١٧) عن النخعي.\n(^٣) ينظر: اللوحة رقم ٥٧، عند قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦].\n(^٤) ينظر: الأم (٨/ ٥٣) والمهذب (٢/ ١٤).","vol":"1","page":1424},{"text":"من الكتابة، فقد يجوز أن يجعله دانق فضة (^١) من عشرة آلاف درهم، فهل يجوز في عقل عاقل، أن يأمر الله ﵎ في مثل هذا بهذا! وقد يجوز أن يلزم في ذلك أن يحط حبة، وأحسبه لم يفكر فيما وضع في كتابه من ذلك.\nوتأملت الروايات في ذلك من عمر وعلي صلوات الله عليهما ومن دونهما، فوجدتها كلها على التكرم وعلى غير الإيجاب، وكذلك (^٢) روي عن عثمان، وقد كاتب عثمان - ﵁ - عبدا له على مائة ألف درهم فلم يحط منها شيئا واستوفاها (^٣)، وكاتب أنس سيرين (^٤) فاستوفى ولم يحط عنه شيئا، ونظائر هذا كثير، وهو شيء أمر الله به وندب إليه وأحبه من عباده الأصل والفرع (^٥)، فلا ينبغي لذي علم أو دين أن يخرج من ذلك إلى المستقبح، إلا أن يكون قد نظر لعبده حين كاتبه نظرا يؤديه إلى العتق، فيجوز له أن يدع ويجوز ألا يدع له شيئًا، كما فعل عثمان وأنس وغيرهما.\n_________\n(^١) قال في اللسان مادة: دنق: الدَّانَقُ: من الأَوزان ... وهو سدس الدرهم\"\n(^٢) لوحة رقم [٢/ ٢١٦].\n(^٣) أخرجه البيهقي [١٠/ ٣٢٠ كتاب المكاتبة، باب مكاتبة الرجل عبده ..].\n(^٤) تقدم ذكر هذا الخبر في أول كلامه عن هذه المسألة.\n(^٥) قوله: (الأصل والفرع) أما الأصل: فهو المكاتبة نفسها، وأما الفرع: فهو الحط عن المكاتب بعض نجوم المكاتبة، كما يدل عليه سياق كلامه.","vol":"1","page":1425},{"text":"وقد ذكرنا في أول هذه المسألة قول من قال: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ مالا، وهو مذهب، وقد جعلوا للعبد مالا؛ لأن تفسيرهم وقع على أن للعبد مالا قبل أن يكاتب، والذين قالوا الخير الصلاح، فهو مذهب حسن وقد قال الله ﷿: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^١) فدل أيضا على أن العبد يملك المال؛ لأنه لا يوصف بالغنى والفقر إلا وهو ممن يملك المال، فإن قيل: إن الفقر المذكور في الآية، قد يمكن أن\n_________\n(^١) سورة النور (٣٢).","vol":"1","page":1426},{"text":"يكون في الأيامى خاصة، قيل: إنما يمكن أن يقع الخصوص في العبد دون الأيامى (^١)؛ لأنهم الرجال وهم المحتاجون في النكاح إلى الغنى، لأن الرجال هم الذين يُصْدِقُون، والنساء يأخذن الصداق، والرجال ينفقون والنساء ينفق عليهن.\nقال عمر: ابتغوا الغنى في النكاح، ما رأيت مثل من قعد بعد هذه الآية ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٢) والأيم في اللغة: كل من لا زوج له من الرجال والنساء، وقد ذكرنا هذا في موضعه (^٣).\nوأما قول مالك: إن للسيد أن يكاتب عبده شاء أم أبى، فإن ذلك يكون عنده على وجه النظر من السيد للعبد؛ لأن للسيد أن يؤاجره للسنة والسنتين، ويأخذ الأجرة والعبد باقٍ على رقه، فلما كان له ذلك، كان من المعروف والإحسان منه إليه، أن يكاتبه مدة معلومة، على مقدار يعلم أنه يطيق أداءه، في تلك المدة من أعماله واكتتابه، وليس للعبد أن يمتنع من ذلك، يؤديه إلى الحرية ولا ضرر فيه عليه، وإنما يجيز مالك للسيد هذه المكاتبة إذا كانت بهذه الشريطة، فأما إن حَمَّله ما لا يطيق، أو ما يطيق مُضَيَّقًا عليه فلا يجوز عنده، وهذا من المعروف الذي أمر الله به.\nومن مذهبه أن يأمر المكاتِب ويحضه على ترك بعض النجوم مما يَقْوى به المكَاتَب على كتابته، يأمر بذلك ويراه وإن كان لا يوجبه (^٤)، كما يؤمر به في المتعة وما أشبهها، والله أعلم.\n_________\n(^١) تكرر في الأصل لفظ: الأيامى.\n(^٢) سورة النور (٣٣).\n(^٣) ذكر ذلك في الآية التي قبلها.\n(^٤) ينظر: المدونة (٧/ ٢٣٠).","vol":"1","page":1427},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ الآية (^١).\n_________\n(^١) سورة النور (٣٣).","vol":"1","page":1428},{"text":"روي عن جابر وابن عباس وجماعة أنها نزلت في عبد الله بن أبي سلول (^١) كان له جاريتان إحداهما معاذ والأخرى مسيكة، كان يكرهما على البغاء يستنجب منهما العبيد، فكان يُكره ويضرب (^٢) فأخبر الله ﷿ بمغفرته للأمتين إذ كانتا مكرهتين كارهتين، فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٣) لهن.\nوالآية على العموم وإن كانت نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ (^٤) وقال: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (^٥) وقد كان هذا الفعل في الإماء في الجاهلية فكان مقرونا بكفرهم، فلما جاء الإسلام نسخ ذلك كله، وقيل: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٦) فكل من دخل في الإيمان من حُرٍّ وعبد فقد حرم الله عليه الزنا.\nوقوله ﷿: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ دليل على أنه لا تحريم على الكافرين وأنه لا اعتراض لنا في زناتهم وفسوقهم وخمورهم، إذا أقررناهم على أنهم لا\n_________\n(^١) هو: عبد الله بن أبي بن سلول بن مالك الخزرجي، كان سيد قومه حتى هموا أن يجعلوه ملكا عليهم، فلما جاء الله بالإسلام شرق به، حتى بغى ونافق، مات منصرف النبي - ﷺ - من غزوة تبوك. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٢٧٨).\n(^٢) لوحة رقم [٢/ ٢١٧].\n(^٣) سورة النور (٣٣).\n(^٤) سورة الإسراء (٣٢).\n(^٥) سورة النساء (٢٥).\n(^٦) سورة النور (٣).","vol":"1","page":1429},{"text":"يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق، وإذا لم يحرم الله عليهم الزنا لتضاف أعمالهم إلى كفرهم، فيكمل عذاب الله عليهم، فلا خطاب عليهم في تحليل ولا تحريم حتى يدخلوا في الإسلام، وإلى هذا دعا رسول الله - ﷺ -، وأنفذ رسله إلى الأمصار من معاذ (^١) وغيره، قال: (ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن قبلوا ذلك منك فأعلمهم بأن عليهم صلاة وزكاة) (^٢) فلا شريعة ولا أمر ولا نهي إلا بعد الإيمان.\nوإن احتج محتج بقول الله ﷿: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (^٣) قيل له: معنى حل لهم إنما هو حل لكم أن تَطْعِمُوهم، فأما أن يظن ظان أن قولنا لهم: إنه حل لكم، وهم يدفعون الكتاب الذي فيه هذه الآية، كيف يكون منهم القبول، هذا ما لا يظنه ذو فهم ومعرفة.\nقال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ (^٤).\nالخادم والمملوك والحر الذي لم يبلغ الحلم، من ولد وأخ وولد أخ وما أشبه ذلك، من ذوي المحارم الذين يتخصصون بالمنزل، ويجرون مجرى أهله إذا كانوا فيه، هؤلاء كلهم يستأذنون في العورات الثلاث، ولا يَلِجُون بغير إذن، فيفاجئون الرجل مع زوجته في\n_________\n(^١) هو: معاذ بن جبل بن عمرو بن الخزرج الأنصاري، أبو عبد الرحمن، شهد العقبة والمشاهد، كان من قراء الصحابة وأعلمهم بالحلال والحرام، توفي بالشام سنة ١٨ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٢٩٥) والإصابة (٦/ ١٠٧).\n(^٢) أخرجه البخاري [٢٧٦ كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة ..] ومسلم [١/ ٥٥ كتاب الإيمان] من حديث ابن عباس، بنحوه.\n(^٣) سورة المائدة (٥).\n(^٤) سورة النور (٥٨).","vol":"1","page":1430},{"text":"حال جماع وما أشبه ذلك، مما هو سر من الناس ومن كل أحد، ومن شأن الناس أيضا أن يطرحوا ثيابهم في هذه الأوقات الثلاثة، فربما فوجئ الإنسان وهو كاشف بعض عورته، أو في حال طهارته وغسله وما أشبه ذلك، فأدبوا بأحسن الأدب وأمروا بالاستئذان في هذه الأوقات دون غيرها، وفي غيرها يجري التسليم وفي الرد إذن، والله أعلم.\nقال الله ﵎: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا\nكَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (^١).\nقال رجل لعمر - ﵁ -: أستأذن على أمي؟ قال: نعم استأذن عليها (^٢).\nوقال عبد الله مثله (^٣).\nوقال رجل لحذيفة: أستأذن على أمي؟ فقال: إن لم تستأذن عليها رأيت منها ما يسؤوك (^٤).\nوقال ابن عباس - ﵁ - مثل ذلك (^٥).\n_________\n(^١) سورة النور (٥٩).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ٣٤ كتاب النكاح، ما قالوا في الرجل يستأذن على أمه] به.\n(^٣) أخرجه في الأدب المفرد [٣٦٤ باب يستأذن على أمه] عن ابن مسعود - ﵁ -.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق [١٠/ ٣٨٠ كتاب الاستئذان، باب وجوب الاستئذان] والبيهقي [٧/ ٩٧ كتاب النكاح، باب استئذان المملوك والطفل] بنحوه.\n(^٥) أخرجه البخاري في الأدب المفرد [٣٦٥ باب يستأذن على أخته] والبيهقي [٧/ ٩٧ كتاب النكاح، باب استئذان المملوك والطفل].","vol":"1","page":1431},{"text":"قال بكر: وهذا واجب في (^١) الأخت والابنة وسائر ذوات المحارم، كوجوبه في الأم، ليس لبالغ أن يدخل على امرأة حتى يستأذن، وكذلك على الزوجة، إن خاف أن يكون عندها من النساء غيرها.\nقال الله ﷿: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ (^٢).\nقال ابن مسعود - ﵁ -: الجلباب (^٣)، أو قال: الرداء (^٤).\nوقال ابن عباس: الجلباب (^٥).\nوقال جماعة من المفسرين نحو ذلك (^٦).\nقال بكر: وهذا إنما يكون في منزلها يراها ابنها وأبوها وأخوها، ولبس الجلباب خير لها من خلعه، ألا تراه قال: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ وإن فعلت من حَرٍّ أو علة، فقد وُسِعَ لها، ولا يراها غير ذوي أرحامها، والله أعلم بما أراد.\n_________\n(^١) لوحة رقم [٢/ ٢١٨].\n(^٢) سورة النور (٦٠).\n(^٣) أخرجه البيهقي [٧/ ٩٣ كتاب النكاح، باب ما جاء في القواعد من النساء].\n(^٤) أخرجه في المعجم الكبير (٩/ ٢٠٩).\n(^٥) أخرجه البيهقي [٧/ ٩٣ كتاب النكاح، باب ما جاء في القواعد من النساء].\n(^٦) كابن عمر ومجاهد، ينظر: ما أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٣٤٩) والبيهقي [٧/ ٩٣ كتاب النكاح، باب ما جاء في القواعد من النساء].","vol":"1","page":1432},{"text":"قال الله ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ إلى ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ (^١).\nروى مالك عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أنه كان يقول في هذه الآية ﴿(^٢) أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَاءَكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أنزلت في ناس كانوا إذا خرجوا مع رسول الله - ﷺ -، وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والأعرج والمريض وعند أقاربهم، وكانوا يأمرونهم أن يأكلوا مما في بيوتهم إذ احتاجوا إلى ذلك فكانوا يتقون أن يأكلوا منها ويقولون: نخشى ألا تكون أنفسهم بذلك طيبة، فأنزل الله ﵎ هذه الآية (^٣).\nوقال غير سعيد: إن قوما كانوا يتحرجون من الأكل مع الأعمى والأعرج والمريض خوفا أن يصيبون (^٤) من الطعام فوق ما يصيب الأعمى، فنزلت الآية (^٥).\nحُدِثْنا عن إبراهيم بن بشار (^٦) عن سفيان (^٧) عن عمرو بن دينار عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي (^٨) قال: كان الرجل في الجاهلية لا يأكل وحده ولا يشرب\n_________\n(^١) سورة النور (٦١).\n(^٢) في الأصل: ولا جناح، وهو خطأ.\n(^٣) أخرجه البيهقي [٧/ ٢٧٤ كتاب، باب نسخ الضيق في الأكل مع الغير].\n(^٤) كذا في الأصل، ومقتضى قواعد النحو: أن يصيبوا، بحذف علامة النصب: النون.\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٣٥١) عن الضحاك، بمعناه.\n(^٦) هو: إبراهيم بن بشار الرمادي، أبو إسحاق البصري، صحب ابن عيينة زمن طويلا وسمع منه مرارا، توفي سنة ٢٣٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٥٣) وتهذيب التهذيب (١/ ١٣٤).\n(^٧) هو: ابن عيينة، تقدم.\n(^٨) هو: عطاء بن يزيد الليثي، أبو محمد الشامي، قال ابن سعد: من كنانة من أنفسهم ... وكان كثير الحديث، توفي سنة ١٠٧ هـ. ينظر: طبقات بن سعد (٥/ ١٢٧) وتهذيب التهذيب (٤/ ١٣٣).","vol":"1","page":1433},{"text":"وحده وكانت العرب تعاير ذلك بينهم، ويسمى الرجل إذا أكل وحده المُرْضَع (^١)، فكان أحدهم إذا وضع طعامه ليأكل أو جلب لِقْحَتَه ليشرب نادى من حوله، فإن أجابه أحد وإلا نصب عودا بين يديه بدل الرجل فيأكل ويشرب، قال: فنزل رجل من العرب واديًا وحلب لقحة له فنادى: هل بالوادي من أحد فليأت، فسمعه رجل فلم يجبه واختفى له في مكان، فلما علم أنه لم يجبه أحد أخذ عودًا أو خشبة فنصبها ثم أخذ الإناء ليشرب خرج إليه فقال: يا مرضع أتشرب وحدك! فخشي الآخر إن أفلت منه أن يعير بشربه وحده، فيصير ذلك عليه عارا، فعدا عليه بالسيف فقتله، فلما جاء الإسلام نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ (^٢)\nروى الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: كان المسلمون يرغبون في النفير مع رسول الله - ﷺ - فكانوا يدفعون مفاتيحهم إلى ضُمَنَائهم، ويقولون: إن احتجتم فكلوا، فيقولون: إنما أَحَلّوه (^٣) لنا عن غير طيب نفس، فأنزل الله سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا﴾ (^٤) إلى آخر الآية (^٥).\n_________\n(^١) المرضع: اللئيم، قال في النهاية (٢/ ٢١٠): \" سمي به لأنه للؤمه يرضع إبله أو غنمه ليلا لئلا يُسمع صوت حلبه\".\n(^٢) سورة النور (٦١).\nوالأثر أورده السمعاني في تفسيره (٢/ ٥٥٢) دون تسمية قائله.\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ٢١٩].\n(^٤) سورة النور (٦١)، وفي الأصل: (لا جناح عليكم أن تأكلوا) وهو خطأ.\n(^٥) أخرجه البيهقي [٧/ ٢٧٥ كتاب الصداق، باب نسخ الضيق في الأكل من مال الغير] من طريق الزهري، بنحوه.","vol":"1","page":1434},{"text":"قال بكر: وفي هذه الآية فقه لم أرهم ذكروه، وهو أن الله ﵎ قال: ﴿بُيُوتِكُمْ﴾ ولم يذكر الأبناء، وذكر الآباء ومن بعده حتى ذكر الصديق، والابن أقرب من الأب ومن عداه، وأولى بالمال الذي يملكه ابنه منه، فسائر أملاك الناس ممن ذكر وممن لم يذكر، فعلمنا أن بيوت الأبناء هي بيوت الآباء، فلم يحتج إلى ذكرها ودخلت في معنى بيوتكم، ولذلك قال رسول الله - ﷺ -: (أنت ومالك لأبيك) (^١).\n\nقال الله ﵎: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (^٢).\nقال الحسن: يسلم بعضكم على بعض، كقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان [٢/ ١٤٢ كتاب البر والصلة، ذكر خبر أوهم من لم يحكم صناعة العلم ..] من حديث عائشة ﵂.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٢٠٤) وابن ماجه [٢/ ٣٤ أبواب التجارات، باب ما للرجل من مال ولده] وأبو داود [٣/ ٢٧٥ كتاب الإجارة، باب في الرجل يأكل من مال ولده] والبيهقي [٧/ ٤٨٠ كتاب النفقات، باب نفقة الأبوين] من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.\nوأخرجه ابن ماجه [٢/ ٣٤ أبواب التجارات، باب ما للرجل من مال ولده] من حديث جابر بن عبد الله.\nوقد تكلم المؤلف عن معنى هذا الحديث عند قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ من سورة المسد.\n(^٢) سورة النور (٦١).\n(^٣) سورة النساء (٢٩).\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٦٦) به.","vol":"1","page":1435},{"text":"قال ابن عباس: هو المسجد إذا دخلته فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (^١).\nوكان عمر بن عبد العزيز ﵀ إذا دخل بيته قال: باسم الله، والحمد لله، السلام على رسول الله، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، اللهم أدخلني مدخل صدق، وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم [٢/ ٤٣٦ كتاب التفسير، سورة النور] وقال: صحيح على شرط الشيخين.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٥/ ٢٥٥ كتاب الأدب، في الرجل يدخل منزله ..] بنحوه.","vol":"1","page":1436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>ومن سورة الفرقان</span>.\n\nقال الله ﷿: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (^١).\nقال إسماعيل (^٢): فوصف ﷻ الماء بأنه طهور، والطَّهُور الفعول، وهو الذي يطهر غيره مثل: رجل ضروب، ورجل قتول، أي يضرب ويقتل، وكذلك الوضوء يسمى طَهُور لأنه يطهر الإنسان للصلاة، قال رسول الله - ﷺ -:؟ لا يقبل الله الصلاة بغير طَهُور؟ (^٣) وقال - ﷺ -:؟ جُعلت لي الأرض مسجدا وطَهُورا؟ (^٤) فجعل التيمم يطهر في وقته ويقوم مقام الماء.\nفالذي يوجبه قوله ﵎ أن كل شيء غلب الماء عليه فقد طهره، وما لم يغير طعمه ولا لونه ولا ريحه فالماء على أصل حكمه، وقد طَهّر ما خالطه إذ غلب عليه وأزال حكمه، فكل ما حل بنجاسة في أرض أو ثوب (^٥) فأزال الجسم واللون والطعم والريح فقد طهره، إذ كان وصف بأنه طَهُور، فما دام هو الغالب فالصفة ثابتة معه والاسم قائم فيه، وإذا غلبه غيره زال ذلك الحكم، وكذلك لو غلب عليه شيء غير\n_________\n(^١) سورة الفرقان (٤٨).\n(^٢) هو: إسماعيل بن إسحاق القاضي.\n(^٣) أخرجه ابن خزيمة [١/ ٨ كتاب الطهارة، باب نفي قبول الصلاة بغير وضوء] عن ابن عمر وأبي هريرة، به.\nوأخرجه النسائي [١/ ٩٥ كتاب الطهارة، باب فرض الوضوء] وابن حبان [٤/ ٦٠٤ كتاب الصلاة، باب ذكر نفي قبول الصلاة بغير وضوء] والبيهقي [١/ ٢٣٠ كتاب الطهارة، باب المسافر يتيمم في أول الوقت] عن أبي المليح عن أبيه، به.\nوأخرجه ابن ماجه [١/ ٥٤ كتاب الطهارة، باب لا تقبل صلاة بغير طهور] عن أنس بن مالك، به.\nوأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٣/ ٢١٠) عن أبي سعيد الخدري، به.\n(^٤) جزء من حديث أخرجه البخاري [٧٢ كتاب التيمم، الباب الأول] عن جابر بن عبد الله.\n(^٥) لوحة رقم [٢/ ٢٢٠].","vol":"1","page":1437},{"text":"نجس من دقيق أو عسل أو غيره زال عنه اسم الماء وحكمه في أنه يطهر غيره، فهذا الذي يجب في النظر أن يكون الأصل في الماء (^١).\nقال بكر: وهذا قول فقهاء المدينة السبعة وغيرهم (^٢)، وقد تحدث نجاسة في اليسير من الماء فيحتاط لذلك تنزها.\nوقال مالك - ﵁ - في الموطأ في الرجل يوضع له الماء لوضوئه فيدخل إصبعه في الإناء ليعرف حر الماء من برده، أنه إن لم يكن في إصبعه أذى فلا أرى الماء ينجس عليه (^٣).\nفأما ما يوجبه النظر فما ذكره القاضي إسماعيل، وقال ابن عباس: الماء يُطَهِّر ولا يُطَهَر (^٤).\nوقال الحسن وأبو العالية (^٥) وسالم (^٦) والقاسم (^٧)\n_________\n(^١) وهو اختيار ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٤٣٩).\n(^٢) ينظر: التمهيد (١/ ٣٢٧).\n(^٣) ينظر: الموطأ (١/ ٧١).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق [١/ ٧٨ كتاب الطهارة، باب الماء لا ينجسه شيء] عن قتادة به، وأخرجه - أيضا ـ[١/ ٢٩٧ كتاب الطهارة، باب الحمام هل يغتسل منه] عن عكرمة بنحوه.\n(^٥) هو: رَفيع بن مِهْران الرِّيَاحي مولاهم، أبو العالية البصري أدرك الجاهلية، وأسلم بعد وفاة النبي - ﷺ - بسنتين، قال اللالكائي: مجمع على ثقته، مات سنة ٩٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٥٦) وتهذيب التهذيب (٢/ ١٧٢).\n(^٦) هو: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي القرشي، أبو عمر المدني، أحد فقهاء المدينة، كان أشبه الناس بأبيه خَلْقا وخُلقا، توفي سنة ١٠٦ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ١٠٠) وتهذيب التهذيب (٢/ ٢٦٠).\n(^٧) هو: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، أبو محمد المدني، قال مالك: كان القاسم من فقهاء هذه الأمة، توفي سنة ١٠١ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٩٥) وتهذيب التهذيب (٤/ ٥٠٧).","vol":"1","page":1438},{"text":"وابن شهاب وربيعة (^١) في ماء المطر في الأرض يصيب الثوب منه لم يروا به بأسا (^٢).\nومنهم من قرأ: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ (^٣).\nوروى الأحوص بن حكيم (^٤) عن راشد بن سعد (^٥) قال: قال رسول الله - ﷺ -:؟ الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب عليه ريحه أو طعمه؟ (^٦).\nوقال مالك - ﵁ -: إذا تغير طعم الماء أو ريحه أو لونه من نجس وقع فيه، فلا يصلح شربه ولا الوضوء منه، وإذا تغير من طحلب أو حَمْأَة (^٧) فإن لم يجد غيره توضأ به (^٨).\nوروى أبو سعيد الخدري قيل:؟ يا رسول الله إنا نتوضأ من بئر بُضَاعة وفيها المحائض ولحوم الكلاب، فقال رسول الله - ﷺ -: الماء طهور لا ينجسه شيء؟ (^٩) وقال المقدام\n_________\n(^١) هو: ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ التيمي مولاهم، أبو عثمان المدني، المعروف بربيعة الرأي، أحد فقهاء المدينة ومفتيها، توفي سنة ١٣٣ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٢٦١) وتهذيب التهذيب (٢/ ١٥٧).\n(^٢) ينظر أقوال من ذُكِرَ وغيرهم في: المدونة (١/ ٢٠) ومصنف عبد الرزاق [١/ ٢٨ كتاب الطهارة، باب من يطأ نتنا يابسا] وابن أبي شيبة [١/ ١٧٧ كتاب الطهارة، في الرجل يخوض طين المطر] والتهميد (٣/ ٣٢٧).\n(^٣) كذا وقع في الأصل، ولم أقف عليها في كتب القراءات الشاذة، ولم يظهر لي وجه الاختلاف بين ما ذكره والقراءة المتواترة.\n(^٤) هو: الأحوص بن حكيم بن عمير الهمداني، قال يعقوب بن سفيان: كان عابدا وحديثه ليس بالقوي. ينظر: الكاشف (١/ ٥٤) وتهذيب التهذيب (١/ ١٨٥).\n(^٥) هو: راشد بن سعد المقرائي، ويقال: الحبراني الحمصي، قال ابن سعد: كان ثقة، توفي سنة ١٠٨ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٢/ ٢١٤) وتهذيب التهذيب (٢/ ١٣٩).\n(^٦) أخرجه الدارقطني [١/ ٢٩ كتاب الطهارة] والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٦) عن راشد سعد، موقوفا.\nوأخرجه الدارقطني [١/ ٢٨ كتاب الطهارة، باب الماء المتغير] عن راشد بن سعد يرفعه إلى ثوبان - ﵁ -.\nوأخرجه ابن ماجه [١/ ٩٨ كتاب الطهارة، باب الحياض] عن راشد بن سعد فرفعه إلى أبي أمامة - ﵁ -.\n(^٧) قال في الثمر الداني ص ٣٦: \" هي: طين أسود منتن \".\n(^٨) ينظر: المدونة (١/ ٥) والنوادر والزيادات (١/ ٧٠) ورسالة أبي زيد ص ١٢.\n(^٩) أخرجه أبو داود [١/ ٣٩ كتاب الطهارة، باب ما جاء في بئر بضاعة] والترمذي [١/ ١٢٨ كتاب الطهارة، باب ما جاء في أن الماء لا ينجسه شيء] وحسنه، والدارقطني [١/ ٣١ كتاب المياه] وأحمد (٣/ ٣١) وصححه الأرناؤوط بطرقه.\nقوله: \" بئر بضاعة\" هي: بئر في المدينة لبني ساعدة، قيل سميت باسم صاحبها، وقد توضأ منها النبي - ﷺ - ورد باقي وضوئه وبصق وبرَّك فيها\". ينظر عون المعبود (١/ ٨٨).\nقوله: \" المحائض\" قال في عون المعبود (١/ ٨٨): \" هي الخرقة التي تستعملها المرأة في دم الحيض\".","vol":"1","page":1439},{"text":"بن شريح (^١) عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -:؟ الماء لا ينجسه شيء؟ (^٢) وقال سهل بن سعد: لو سقيتكم من بئر بضاعة لكرهتم ذلك، وقد والله سقيت رسول الله منها (^٣).\nوقال ابن عباس - ﵁ - إن النبي - ﷺ - قال:؟ الماء لا يجنب؟ (^٤) وحكى - أيضا - عن ميمونة (^٥) خالته قالت:؟ أجنبت أنا ورسول الله فاغتسلت من جَفْنَةٍ، ففضلت فَضْلَة،\n_________\n(^١) هو: المقدام بن شريح بن هانئ الحارثي الكوفي، وثقه أبو حاتم والنسائي. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٢٠) وتهذيب التهذيب (٥/ ٥٠٨).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٨/ ٢٠٣) والنسائي في الكبرى [١/ ٧٤ كتاب الطهارة، ذكر ما ينجس الماء وما لا ينجسه] والمعجم الأوسط (٢/ ٣١٨).\nوأخرجه أحمد (٦/ ١٧٢) من طريق معاذة عن عائشة به، وصححه الأرناؤوط.\nوأورده ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٣٣) بسند القاضي إسماعيل قال: \" وذكر إسماعيل بن إسحاق القاضي عن الحماني، عن شريك عن، المقدام بن شريح، عن أبيه عن عائشة ... \".\n(^٣) أخرجه أبو يعلى (١٣/ ٥١١) والطبراني في الكبير (٦/ ٢٠٧) وشرح معاني الآثار (١/ ١٢).\nوقد ذكر ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٣٢) هذا الرواية بسند القاضي إسماعيل بن إسحاق قال: \" وذكره إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا أبو ثابت محمد بن عبيد الله، قال: حدثني حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن أبي يحيى، عن أمه قالت: دخلنا على سهل بن سعد في نسوة، فذكره \"\n(^٤) أخرجه أحمد (١/ ٢٣٥) وأبو يعلى (٤/ ٣٠١) وابن راهويه (٤/ ٢١٣) بنحوه.\n(^٥) هي: ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير الهلالية، آخر امرأة تزوجها النبي - ﷺ -، تقول عنها عائشة: كانت أتقانا لله وأوصلنا للرحم، توفيت سنة ٦١ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٣١١) والإصابة (٨/ ٣٢٢).","vol":"1","page":1440},{"text":"فجاء رسول الله - ﷺ - ليغتسل منها فقلت: إني قد اغتسلت منه فقال: إن الماء ليس عليه نجاسة فاغتسل منه؟ (^١)\nوقال الأعمش عن يحي بن عبيد (^٢) سألت ابن عباس عن ماء الحمام، فقال: الماء لا ينجسه شيء (^٣)، ونظائر هذا كثير.\nوقد جاءت هذه الأحاديث على ما وصفنا، وذكر في بعضها ماء في جفنة وفي إناء يتوضأ منه، وفي حوض حمام، فوقع الجواب في هذا المقدار اليسير من الماء أن الماء لا ينجس.\nفإن قيل: إن المسألة في ذلك إنما كانت في يد فيه، ولم يُذْكر أن اليد كانت فيها نجاسة، قلنا: المسألة كما وصفت، ولكن الجواب جاء عاما على غير قدر المسألة، ولو كان الجواب على المسألة بعينها أن (^٤) ذلك لا يُنَجس، وإنما جاء الجواب على إعلامهم حكم الماء، ولو كان ذلك على قدر المسألة لقيل ذلك في حديث القلتين، لأن فيه أن النبي - ﷺ - سئل عن الماء يكون بفلاة من الأرض وما يرد عليه من الدواب والسباع، فقال:؟ إذا بلغ الماء القلتين لم يحمل نجسا؟ وفي بعضها؟ لم ينجسه شيء؟ (^٥) فكان يقال: أنه - ﷺ - إنما سئل عن شيء لا ينجس.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦/ ٣٣٠) الدارقطني [١/ ٥٢ كتاب الطهارة] به، وهو عند مسلم [١/ ٢١٧ كتاب الحيض] مختصرا.\nقوله: جفنة، قال في عون المعبود (١/ ٩١): \" بفتح الجيم وسكون الفاء قصعة كبيرة وجمعه جفان\".\n(^٢) هو: يحيى بن عبيد البهراني الكوفي، قال أبو زرعة ليس به بأس. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥١٤) وتهذيب التهذيب (٦/ ١٥٧).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة [١/ ١٠٢ كتاب الطهارة، في الغسل من ماء الحمام] والبيهقي [١/ ٢٦٧ كتاب الطهارة، باب ما جاء في نزح زمزم] عن الأعمش، بنحوه.\n(^٤) لوحة رقم [٢/ ٢٢١].\n(^٥) سيأتي تخريجه قريبا - بإذن الله - مع طرقه التي ذكرها المؤلف.","vol":"1","page":1441},{"text":"وقد روى الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة:؟ أن أعرابيًا دخل المسجد ورسول الله - ﷺ - جالس فصلى ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا، فقال رسول الله - ﷺ -: لقد تحجرت واسعا، فلم يلبث أن بال في المسجد، فعجل الناس إليه فنهاهم عنه وقال: أهريقوا عليه سجلا من ماء أو ذنوبًا من ماء؟ (^١)\nورواه أنس بن مالك (^٢)، وابن عباس، وزاد ابن عباس فيه:؟ فقيل للأعرابي: ما حملك على أن بلت في مسجدنا؟ قال: والذي بعثك بالحق ما ظننت إلا أنه صعيد من الصعدات فبلت، فأمر النبي - ﷺ - بذنوب من ماء فصب على بوله؟ (^٣).\nفتبين بهذه الأحاديث - وأسانيدها كالشمس الطالعة - أن مقدار الدلو من الماء قد طهر بول الرجل لأنه هو الغالب، وكذلك لو وقع بول في إناء لطهره ما غلب عليه من الماء، وكذلك ما يصيب الثوب من النجاسات، ولو كان ما دون القلتين إذا وقعت فيه نجاسة يسيرة نجسته؛ لما طَهَّرَ بول الأعرابي إلا مقدار قلتين؛ لأن النجاسة إذا وقعت في الماء فقد خالطته، وكذلك إذا وقعت النجاسة في إناء، أو في موضع من أرض، أو ثوب، ثم صب على ذلك ماء فقد خالطه، فإن كان ما دون القلتين ينجس بالقليل من النجاسة للمخالطة؛ فكذلك لا يطهر ذلك الموضع إلا بالقلتين من الماء، وقد قال النبي - ﷺ - لامرأة سألته:؟ أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحَيْضَة كيف تصنع؟ فقال:\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود [١/ ١٥٦ كتاب الطهارة، باب الأرض يصيبها البول] والترمذي [١/ ١٩٨ كتاب الطهارة، باب ما جاء في البول يصيب الأرض] والبيهقي [٢/ ٤٢٨ كتاب الطهارة، باب طهارة الأرض من البول] عن الزهري به.\nوأخرجه البخاري [٥١ كتاب الوضوء، باب صب الماء على البول] عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة بنحوه.\n(^٢) أخرجه البخاري [٥١ كتاب الوضوء، باب يهريق الماء على البول] ومسلم [١/ ١٩٩ كتاب الطهارة] به.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٢٢٠) به.","vol":"1","page":1442},{"text":"إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه ثم لتنضحه بالماء ثم تصلي؟ (^١) حدثناه أحمد بن موسى، قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر (^٢)، عن أسماء ابنة أبي بكر الصديق - ﵁ - (^٣) عن النبي - ﷺ -، ورواه حماد بن زيد بهذا الإسناد (^٤).\nفتبين بحديث أسماء، أن القرص لا يكون إلا بالقليل من الماء، وأجزأ ذلك لقلة الدم المغسول، فلما غلبه الماء طهره، فكذلك ينبغي أن يكون حكم الماء في كل شيء، وأنه ما دام هو الغالب فهو المطهر، ألا ترى أن الماء إذا غسلت به النجاسة في الثوب اختلط بعضه ببعض، ثم كان كل شيء يخرج من ذلك الثوب فمختلط، وما بقي في الثوب من الرطوبة فمختلط - أيضا ـ.\nوقد روي عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - سئل عن الماء يكون بفلاة من الأرض (^٥) وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال رسول الله - ﷺ -:؟ إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء؟ (^٦) رواه ابن إسحاق (^٧) عن محمد بن جعفر بن الزبير (^٨) عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود [١/ ١٥٠ كتاب الطهارة، باب المرأة تغسل ثوبها] عن القعنبي به، وأخرجه البخاري [٦٦ كتاب الحيض، باب غسل دم الحيض] ومسلم [١/ ٢٠٢ كتاب الطهارة] عن مالك، به.\n(^٢) هي: فاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام الأسدية، زوج هشام بن عروة، قال العجلي: مدنية تابعية ثقة. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٤٦٩) وتهذيب التهذيب (٦/ ٥٥٦).\n(^٣) هي أسماء بنت أبي بكر الصديق، والدة عبد الله بن الزبير، أسلمت قديما، وسماها النبي - ﷺ - ذات النطاقين، توفيت سنة ١٢٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٣٧٤) والإصابة (٨/ ١٢).\n(^٤) أخرجه أبو داود [١/ ١٥٠ كتاب الطهارة، باب تغسل المرأة ثوبها] عن حماد، عن هشام بن عروة، بنحوه.\n(^٥) لوحة رقم [٢/ ٢٢٢].\n(^٦) أخرجه أحمد (٢/ ٢٦) والدارمي [١/ ٢٠٢ كتاب الطهارة، باب قدر الماء الذي لا ينجس] وابن ماجه [١/ ٩٧ كتاب الطهارة، باب مقدار الماء الذي لا ينجس] والترمذي [١/ ١٢٩ كتاب الطهارة، باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء] رواه الحاكم [١/ ٢٢٦ كتاب الطهارة] وصححه، عن ابن إسحاق به.\n(^٧) هو: محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي مولاهم، أبو عبد الله، كان جده يسار من سبي عين التمر، قال ابن حجر: صدوق يدلس، ورمي بالتشيع والقدر، توفي ببغداد سنة ١٥١ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٥٨) وتقريب التهذيب ص ٨٢٥ ..\n(^٨) هو: محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام الأسدي، المدني، قال ابن سعد: كان عالما وله أحاديث، توفي بعد ١١٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٢١٢) وتهذيب التهذيب (٥/ ٥٧).","vol":"1","page":1443},{"text":"وروى حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر (^١) قال: كنا ببستان لنا ولعبيد الله بن عبد الله بن عمر، فحضرت الصلاة فقام عبيد الله إلى فقرى (^٢) البستان فيه جلد بعير، فدخل يتوضأ فيه، فقلت له: أتتوضأ في هذا وفيه هذا الجلد؟ فقال: حدثني أبي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال:؟ إذا كان الماء أكثر من قلتين أو ثلاث أو أكثر من ذلك\n\nفإنه لا ينجس؟ (^٣) رواه هدبة بن خالد (^٤) وغيره على هذا اللفظ، فاختلف الرجلان في متن الحديث ومعناه، وهذان شيخان لا يحتملان التفرد بهذا الأمر الجليل ولا يكونان حجة فيه، فقد وَهَىَ الحديث في القلتين.\n_________\n(^١) هو: عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، وثقه أبو زرعة وابن حبان. ينظر: الكاشف (٢/ ٤٨) وتهذيب التهذيب (٣/ ٤٠).\n(^٢) كذا في الأصل، وهو تحريف، وصوابه: مَقْرَى، كما في البيهقي [١/ ٢٦٢ كتاب الطهارة، باب قدر القلتين].\nقال في اللسان مادة: قرا: \" المقرى ما اجتمع فيه ماء من حوض أو غيره\".\n(^٣) أخرجه الدارقطني [١/ ٢٢ كتاب الطهارة] والحاكم [١/ ٢٢٧ كتاب الطهارة] والبيهقي [١/ ٢٦٢ كتاب الطهارة، باب الفرق بين القليل] من طريق هدبة بن خالد قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، به.\n(^٤) هو: هدبة بن خالد بن السود بن هدبة القيسي، أبو خالد البصري، قال ابن عدي: لم أر له حديثا منكرا، وهو كثير الحديث، صدوق لا بأس به، توفي سنة ١٣٥ هـ. ينظر: الكاشف (٣/ ١٩٣) وتهذيب التهذيب (٦/ ١٩).","vol":"1","page":1444},{"text":"ولم نر أحدا يقف على مقدار القلتين، فأما ما رواه الشافعي فإنه ذكره عن مسلم بن خالد (^١) عن ابن جريج (^٢) بإسناد لم يحضره ذِكْرَه، ولا حضره أحد من المسلمين بعده ذِكْرَه أن النبي - ﷺ - قال:؟ إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسا؟ فقال فيه بقلال هجر (^٣)، فبعيد في القلب أن يكون رسول الله - ﷺ - يبين للناس بالمدينة على مقدار بهجر لم يروه، ويحملهم على ما يجوز الاختلاف في مقداره، وهو يقدر على أن يقدر لهم كما قدر الصاع والوسق وغير ذلك، فعرفه الناس وعملوا عليه، فلو سن في الماء مقدارا لقال: وسق ووسقين وما أشبه ذلك، فكانت المخاطبة لهم بشيء يعرفونه - والوسق: ستون صاعًا - والمد والصاع والوسق مقادير يعرفها المخاطبون منذ زمان رسول الله - ﷺ - إلى هذه الغاية لا يختلف عليهم.\nفأما ما يرويه أهل الكوفة في الصاع الحجاجي (^٤) فشيء لا يثبت ولا يُعْرَف، والصاع والمد مكيال المدينة لا يعرفون سواه ولا يحتاجون فيه إلى إسناد.\n_________\n(^١) هو: مسلم بن خالد بن فروة المخزومي مولاهم، أبو خالد الزنجي، قال ابن سعد: كان كثير الغلط في حديثه وكان في هديه نعم الرجل، توفي سنة ١٨٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٣٤) وتهذيب التهذيب (٥/ ٤٠٨).\n(^٢) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أبو الوليد المكي، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث جدا، توفي سنة ١٥٠ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٣٠) وتهذيب التهذيب (٣/ ٤٧٦).\n(^٣) أخرجه الشافعي في مسنده (١/ ١٦٥) والبيهقي [١/ ٢٦٣ كتاب الطهارة، باب الفرق بين القليل الذي ينجس] به. قوله: بإسناد لم يحضره ...، لأن الشافعي ﵀ قال في إسناده: حدثنا مسلم بن خالد عن ابن جريج بإسناد لا يحضرني ذكره أن رسول الله - ﷺ -، فذكره.\n(^٤) الحجاجي: مكيال نسب إلى الحجاج والي العراق، قال ابن حزم في المحلى (٥/ ٢٤٤): \" وأما حقيقة الصاع الحجاجي الذي عولوا عليه، فإننا روينا من طريق إسماعيل بن إسحاق، عن مسدد، عن المعتمر بن سليمان، عن الحجاج بن أرطأة، قال: حدثني من سمع الحجاج بن يوسف يقول: صاعي هذا صاع عمر، أعطتنيه عجوز بالمدينة\".","vol":"1","page":1445},{"text":"قال إسماعيل (^١): أتيت بالمدينة بمد النبي - ﷺ - وخُرط لي على مقداره، فأتيت به البصرة فقدرته فكان نصف كَيْلَجة (^٢) بكَيْلَجة البصرة يرجح شيئا يسيرا (^٣)، ولم يختلف في الوسق وهو ستون صاعا، وكذلك الأوقية أربعون درهما، فهكذا سبيل كل شيء يحد مبلغه مما يحتاج الناس إليهم في دينهم.\nوأمر الوضوء والصلاة أن يشار إلى ما يعرف ويوقف عليه، ونحن والناس جميعا نعلم أن القلال والجرار وما أشبه ذلك، ليس تُتخذ مكيالا ولا معيارا، وإنما تتخذ آنية لما يجعل فيها فتقع فيها الزيادة والنقصان، فكيف تجعل هذه مقدارا لغيرها.\nولقد تَعَفَّر (^٤) الشافعي في ذلك حتى أتى بما حكايته تغني عن الاحتجاج عليه، فمنه أنه قال: وقال ابن جريج: وقد رأيت قلال هجر والقلة تسع قربتين وشيئا، ثم قال (^٥): وقد رأيت أن أجعل الشيء نصفا، فإذا كان الماء خمس قرب لم يحمل نجسا، والقربة مائة رطل فيكون جميعه خمسمائة رطل (^٦).\nوهو يقول هذا ويقدر ويجعل ذلك سنة، وهو في مذاهبه لا يسوغ أبا بكر وعمر وعثمان وعليا أئمة المسلمين وفقهاء الدين أن يضعوا مثل هذه الشريعة، ثم يزعم أن كل قربة تسع مئة رطل، فليت شعري هذه الغنم التي تساوت جلودها، حتى لا تكون كل قربة تزيد على مئة رطل ولا تنقص عنه، ومن أين له ومن أعطاه هذه المقادير، ثم يزعم أن خمسمائة رطل إلا رطلا واحد بال فيه بائل، أنه نجس فإن صُب عليه رطل واحد ماء صار طاهرا، فهل يسوغ هذا في عقل أو يعقله ذو لب أن رطلا يطهر خمسمائة رطل! ثم يزعم أنه لو وجد مئة إناء، قد وقع في كل إناء منها فأرة أن الآنية كلها نجسة، جمع جميعه في إناء واحد صار طاهرا، فجعل النجاسات إذا اجتمعت طهرت (^٧).\nوزعم الشافعي أن حجته على من ذهب إلى ما روي عن النبي - ﷺ -:؟ أن الماء لا ينجسه شيء؟ (^٨) ما روي عنه - ﷺ - أن الكلب إذا ولغ في إناء غسل سبع مرات (^٩)، وهو يزعم في كتاب الربيع (^١٠) أنه قال في الكلب بالسنة، وقال بغير علة، ثم نسي بعد ورقة فقال: إن لم يكن الخنزير أنجس من الكلب فليس بدونه (^١١)، فقاس على ما زعم أنه لغير علة.\nوقال في النجاسات سواه بحديث أسماء ابنة أبي بكر، وقال الشافعي: وأمر رسول الله - ﷺ - بغسل دم الحيضة، ولم يؤقت فيه شيئا فكان اسم الغسلة يقع على غسلة وأكثر، فكانت الأنجاس كلها سوى الكلب قياسا على دم المحيض لموافقته في المعقول ولم يقسه بالكلب، وزعم أن السباع وغيرها مما لا يؤكل لحمه لا تنجس الماء إذا شربت منه وأنه قاس ذلك على ما عقل (^١٢)، وزعم أن الفرق بين الكلب وبين غيره؛ أن\n_________\n(^١) هو: إسماعيل بن إسحاق القاضي.\n(^٢) قال في اللسان مادة: كلج \" الكَيْلَجةُ مِكْيالٌ، والجمع كَيَالِجُ وكيالِجةٌ أَيضًا، والهاء للعجمة\" ونقل ابن حزم (٥/ ٢٤٥) عن القاضي إسماعيل في مقدار الكيلجة، قال: \" وخرط لي عليه مد، وحملته معي إلى البصرة، فوجدته نصف كيلجة بكيلجة البصرة، يزيد على كيلجة البصرة شيئا يسيرا خفيفا \".\n(^٣) ذكر هذا الخبر ابن حزم في المحلى (٥/ ٢٤٥) بسنده إلى القاضي إسماعيل بن إسحاق.\n(^٤) قال في القاموس مادة: (عفر): \" وعفره في التراب يعفره، وعَفَّره فانعفر وتعفر، مرغه فيه، أو دسه وضرب به الأرض\".\n(^٥) لوحة رقم [٢/ ٢٢٣].\n(^٦) ينظر: الأم (١/ ٥) وما ذكره البيهقي في سننه [١/ ٢٦٣ كتاب الطهارة، باب الفرق بين القليل الذي ينجس]\n(^٧) ينظر في تقرير مذهب الشافعية في هذه المسألة ما ذكره في المجموع (١/ ٢١٥)، على أن للشافعية قولين في المسألة، أصحهما في المذهب ما ذكره المؤلف هنا.\n(^٨) سبق تخريجه ص ٤٨٠، في أول كلام المؤلف عن هذه المسألة،\n(^٩) أخرجه البخاري [٤٢ كتاب الوضوء، باب الماء الذي يغسل به] ومسلم [١/ ١٩٧ كتاب الطهارة] به.\n(^١٠) هو: الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي مولاهم، أبو محمد المصري، صاحب الشافعي وخادمه وراوية كتبه الجديدة، توفي سنة ٢٧٠ هـ. ينظر: طبقات الشافعية (٢/ ٦٥) وتهذيب التهذيب (٢/ ١٥٠).\n(^١١) ينظر: كتاب الأم (١/ ٦) والمجموع (٢/ ٥٢٤).\n(^١٢) ينظر: كتاب الأم (١/ ٥).","vol":"1","page":1446},{"text":"الكلب منهي عن اتخاذه إلا لمعنى، وجعل ينقص من اتخذه لغير معنى كل يوم قيراطين (^١) وأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب (^٢).\nفدل قول الشافعي على أن أمر الكلب لا يعتله، وأن الذي فهم من الفرق بين الكلب وغيره ما وصف، فلم يكن ينبغي له أن يحتج بأمر الكلب في الحديث الذي روي عن النبي - ﷺ -: أن الماء لا ينجسه شيء؛ لأنه زعم أن الذي فهمه من أمر الكلب ليس من طريق النجاسات، فلم يكن لاحتجاجه به في النجاسات معنى، فليس يجوز لإنسان أن يحتج بشيء لا يفهم المعنى منه، وقد شرحنا من أمر الكلب في غير هذا الموضع مالا يحتاج إلى إعادته، وبالله التوفيق.\nقال الله ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ (^٣) أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (^٤).\nقال مجاهد: يخلف هذا وهذا، ويخلف هذا هذا (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري [١١٨٥ كتاب الذبائح والصيد، باب من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد] ومسلم [٣/ ٩٧٣ كتاب المساقاة] من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٢) أخرجه البخاري [٦٧٤ كتاب بدء الخلق، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم] ومسلم [٣/ ١٣٢٦ كتاب اللباس والزينة] عن أبي طلحة - ﵁ -.\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ٢٢٤].\n(^٤) سورة الفرقان (٦٢).\n(^٥) كذا في الأصل، ويحتمل: ويخلف هذا هذا، بحذف حرف العطف ليستقيم الكلام، ولفظه كما أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٤٠٦): هذا يخلف هذا، وهذا يخلف هذا. وأخرجه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٧١٩) بفظ: هذا يخلف ذا، وهذا يخلف ذا.","vol":"1","page":1447},{"text":"وقال الحسن البصري: جعل الله ﵎ الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، من فاته عمل الليل عمله بالنهار ومن فاته حزبه بالنهار عمله بالليل (^١).\nقال الله عز وعلا: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (^٢).\nقال الحسن: حلماء لا يجهلون، وإن جهل عليهم حلموا ولم يجهلوا، هذا نهارهم ينتشرون به بين الناس و﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ إذا دخل ليلهم يروحون بين أطرافهم بينهم وبين ربهم، وقال في رواية أخرى: حلماء علماء صبراء أتقياء إن ظُلموا فلا يظلموا وإن بغي عليهم لم يبغوا، قد براهم الخوف كأنهم القِدَاح (^٣).\nوقال مجاهد ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ بالوقار والسكينة (^٤)، ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ يعني سدادا (^٥).\nوقال زيد بن أسلم: هم الذين لا يتجبرون ولا يتكبرون (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٤٠٥) ابن أبي حاتم (٨/ ٢٧١٩) بنحوه.\n(^٢) سورة الفرقان (٦٣).\n(^٣) أخرج الطبري في تفسيره (٩/ ٤٠٨) بعضه مفرقا، وأخرج أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٥١) بعضه.\nوأورده الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٢١٢) بنحوه، ولكن بتقدم وتأخير\nقوله: كأنهم القداح: هي السهام قبل أن تراش وتنصل. ينظر: اللسان مادة: قدح.\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٤٠٦) وابن أبي حاتم (٨/ ٢٧٢١) به.\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٤٠٩) عن مجاهد، به.\n(^٦) أخرج الطبري في تفسيره (٩/ ٤٠٨) وابن أبي حاتم (٨/ ٢٧٢١) عن زيد بن أسلم، أنه قال في معنى الآية: لا يفسدون في الأرض، وأخرجا عن ابنه عبد الرحمن قال: لا يتكبرون على الناس ولا يتجبرون ولا يفسدون .. .","vol":"1","page":1448},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (^١).\nقال عبد الله بن مسعود: هو إنفاق المال في غير حقه ومنعه من حقه (^٢).\nوقال ابن سيرين مثل ذلك (^٣).\n\nقال الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ﴾ (^٤).\nقال عبد الله (^٥) أتى النبي - ﷺ - رجل فسأله عن الكبائر، قال:؟ أن تدعو لله ندًا وهو خلقك، وأن تقتل ولدك، أو تزني بحليلة جارك، ثم قرأ الآية قال: وسأله أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل الله) (^٦)\n_________\n(^١) سورة الفرقان (٦٧).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٨/ ٦٨) والطبراني في الكبير (٩/ ٢٠٩) دون قوله: ومنعه من حقه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٧٢٦).\n(^٤) سورة الفرقان (٦٨).\n(^٥) هو: ابن مسعود - ﵁ -، تقدم.\n(^٦) لم أجده بهذا السياق، وإنما أخرجه أهل الصحاح والسنن والمسانيد مفرقا قي موضعين، فمن أوله إلى قوله: ثم قرأ .. أخرجه البخاري [١٥٨٢ كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى يا أيها الرسول بلغ ..] ومسلم [١/ ٨٧ كتاب الإيمان].\nوأما باقيه فقد أخرجه البخاري [١١٠ كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها] ومسلم [١/ ٨٦ كتاب الإيمان].","vol":"1","page":1449},{"text":"وسئل زيد بن ثابت (^١) عن هذه الآية، وعن قول الله ﵎ في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ (^٢) الآية فنجد في إحداهما توبة والأخرى مُسْجَلة (^٣)، فأيتهما أنزلت قبل؟ فقال زيد: أنزلت هذه الغليظة بعد هذه اللينة بستة أشهر فنسخت الغليظة اللينة (^٤).\nوسئل ابن عباس - ﵁ -: هل للقاتل من توبة؟ فقال كالمتعجب من مسألته: ماذا تقول؟ فأعاد عليه مسألته، فقال: ماذا تقول؟ مرتين أو ثلاثا، ثم قال ابن عباس: ويحك أنى له بالتوبة! وذكر الحديث (^٥).\nوروي عن ابن عباس أن آية - أيضا - الفرقان نزلت في مشركي قريش، فقيل فيها: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (^٦) يعني من الشرك، وأن الآية التي في النساء نزلت في المؤمن يقتل متعمدا فلا توبة له (^٧).\n_________\n(^١) هو: زيد بن ثابت بن الضحاك بن مالك بن النجار، أبو سعيد الأنصاري، شهد أحدا وما بعدها، وكان أحد كتاب الوحي، وأعلم الناس بالفرائض، توفي سنة ٤٨ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٢/ ٤٣٠) والإصابة (٢/ ٤٩٠).\n(^٢) سورة النساء (٩٣).\n(^٣) أي: مطلقة، قال في اللسان مادة: سجل،: \" أَسْجَلَ لهم الأمرَ أَطلقه لهم، ومنه قول محمد بن الحنفية - رحمة اللَّه عليه - في قوله ﷿: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ قال: هي مُسْجَلة للبر والفاجر، يعني: مُرْسَلة مطلقة\".\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٢٢٢) وابن أبي حاتم (٣/ ١٠٣٧) بنحوه.\nويريد بالغليظة: آية النساء، واللينة: آية الفرقان، كما جاء مصرحا به في بعض الألفاظ عند الطبري.\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٢٢٠) بمعناه.\n(^٦) سورة الفرقان (٧٠).\n(^٧) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٤١٥).","vol":"1","page":1450},{"text":"وكان ابن شهاب إذا سأله من لم يقتل يقول: لا توبة له، كي لا يجترئ على القتل، وإذا سأله من قتل لم يؤيسه خوفا من أن ييأس فيقتل (^١).\nوهذا قول حسن، والله أعلم.\nقال الله عز وعلا: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (^٢).\nقال أبو عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي (^٣) قال: يعطى المؤمن كتابه في ستر فيقرأ في أوله (^٤) سيئاته ثم يقرأ حسناته، ثم يعود إلى أوله فيرى أوله قد بدلت\n\nالسيئات حسنات (^٥).\nوقال الحسن: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قال تلا الآية التي قبلها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا﴾ قال يبدلهم الله ﷿ في الدنيا بعد القتل العفة، وبعد الزنا الإحصان، وبعد الكفر الإيمان (^٦).\nوكان سعيد بن جبير يقول: يبدل الله سيئات المؤمن حسنات حتى يتمنى الرجل أنه ازداد سيئات (^٧).\n_________\n(^١) لم أقف عليه، وقد أخرج البيهقي [٨/ ١٦ جماع أبواب تحريم القتل، باب أصل تحريم القتل] عن ابن عيينة، بمعناه.\n(^٢) سورة الفرقان (٧٠).\n(^٣) هو: سلمان أبو عبد الله الفارسي، أصله من رامهرمز بفارس، كان لإسلامه قصة عجيبة، شهد الخندق وما بعدها، وهو من أشار على النبي - ﷺ - بحفر الخندق، توفي سنة ٣٦ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٤/ ٣٥٦) الإصابة (٣٣/ ١١٨).\n(^٤) لوحة رقم [٢/ ٢٢٥].\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٧٣٤) بنحوه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٧٣٤) بنحوه.\n(^٧) أورده القرطبي في الجامع لحكام القرآن (١٣/ ٨٤).","vol":"1","page":1451},{"text":"وقال على بن الحسين: يبدل الله سيئاتهم حسنات في الآخرة (^١).\nوقال الحسن البصري: في الدنيا (^٢).\nوروى الأعمش، عن المعرور بن سويد (^٣) عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -:؟ إني لأعلم أول أهل الجنة دخولا وآخر أهل النار خروجا، يؤتى بالرجل يوم القيامة فتعرض عليه صغار ذنوبه وهو مقر لا ينكر وهو مشفق من الكبائر، فيقال: أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة، فيقول إن لي ذنوبا ما أراها هاهنا، فلقد رأيت رسول الله - ﷺ - حين حدث بهذا الحديث ضحك حتى بدت نواجذه؟ (^٤)\nوقال مجاهد ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قال: الإيمان بعد الكفر (^٥).\nوقال عطاء بن أبي رباح: إنما ذلك في الدنيا الرجل يكون على الهيئة القبيحة، ثم يبدله الله بها خيرا منها (^٦).\nوقول الحسن ومجاهد وعطاء أصح في المعنى، وهو أن الله ﷿ يتوب على الكافر فيسلم وعلى القاتل بالندم والعمل الصالح وعلى الزاني بالعفاف والاستغفار، والله أعلم (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٧٣٥) به.\n(^٢) أشار إليه في زاد المسير ص ١٠٢٣، وفي الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ٨٤)، وهي في معنى الرواية التي سبقت عن الحسن.\n(^٣) هو: المعرور بن سويد الأسدي، أبو أمية الكوفي، قال العجلي: تابعي ثقة، قال ابن سعد: كان كثير الحديث. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٤٢١) وتهذيب التهذيب (٥/ ٤٧٢).\n(^٤) أخرجه أحمد (٥/ ١٧٠) والطبري في تفسيره (٩/ ٤٢١) والترمذي [٤/ ٢٦٨ كتاب صفة جهنم، ما جاء أن للنار نفسين] وصححه، وابن حبان [١٦/ ٣٧٥ كتاب التاريخ، ذكر إبدال سيئات من أحب من عباده] عن الأعمش، بنحوه.\n(^٥) أشار إليه في زاد المسير ص ١٠٢٣.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٧٣٤) به.\n(^٧) صحح المؤلف ﵀ أن الآية في الدنيا، وهو معنى قول الحسن ومجاهد وعطاء، خلافا لمن قال هي في الآخرة، وفي الحق فإن الآية الكريمة جاءت عامة، فحملها على كل ما يصح في المعنى من غير معارضة أولى، ولا سيما وأنه قد ثبت عن النبي - ﷺ - ما يشهد لقول من جعلها في الآخرة، كالحديث الذي ذكره عن أبي ذر - ﵁ -.","vol":"1","page":1452},{"text":"قال الله عز وعلا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ (^١).\nقال ابن الحنفية (^٢): الزور الغناء (^٣).\nوقال محمد بن علي: شهادة الزور (^٤).\nوقال عكرمة: لعب كان في الجاهلية (^٥).\nقال بكر: والزور عندي كل ما كان يلهي من ذكر الله ويقطع عن فرائض الله، وهو في اللغة: الباطل من كل قول وعمل، والله أعلم (^٦).\nقال الله ﵎: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (^٧).\nواللغو في اللغة: كل ما ألهى عن الطاعة ولم يدخل في معانيها، وهو المعاصي وما قرب منها أو ما كان الذريعة إليها (^٨).\n_________\n(^١) سورة الفرقان (٧٢).\n(^٢) هو: محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو القاسم المدني، المعروف بابن الحنفية، ثقة عالم، وهو الذي تسميه الشيعة المهدي، مات بعد الثمانين. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٤٥) وتهذيب التهذيب (٥/ ٢١٢).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٧٣٧).\n(^٤) أورده في الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ٨٦).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٧٣٨) به.\n(^٦) وقريب منه ما اختاره ابن العربي، حيث جعل المراد بالزور: الكذب عموما؛ لأن كل ما ذكر المفسرون من معان ترجع إليه، قال في أحكام القرآن (٣/ ٤٥٤): \" وأما من قال: بأنه الكذب، فهو الصحيح؛ لأن كل ذلك إلى الكذب يرجع\".\n(^٧) سورة الفرقان (٧٢).\n(^٨) ويقرب من اختيار المؤلف ﵀ ما رجحه ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٤٥٤) حيث ذهب إلى أن المراد باللغو هنا: كل ما لا فائدة فيه من قول أو فعل.","vol":"1","page":1453},{"text":"قال سيار (^١): إذا مروا بالرفث كنوا عنه (^٢).\nوقال الزهري: اللغو: المعاصي (^٣).\nوقال مجاهد: إذا أوذوا مروا كراما أي صفحوا (^٤).\n\nقال الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ (^٥).\nمعناها عندي: أنهم إذا ذُكِّروا بآيات ربهم لم يخروا عليها، أي لم يخضعوا لها ويستحيوا، ومن ذلك قيل: خر ساجدا.\nوأما ﴿صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ فإنهم صموا عنها وعموا عن رشدهم، فهم كالذين قال الله ﵎: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ (^٦) فشبهوا بالأنعام التي يزجرها الراعي، فهم الذين قال الله فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ (^٧).\nوقد تكلم بعض المفسرين في هذه الآية بما لم (^٨) أستصوبه فلم أذكره.\nقال الله ﷿: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ (^٩).\nقال الحسن: سألوا أن يهب لهم في أزواجهم وذرياتهم صلاحا يؤدي إلى طاعة الله ﷿ (^١٠)، قال: وقال: سلمة بن كهيل (^١١) نحو ذلك.\nقال الله ﷿: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (^١٢).\nقال الحسن ومجاهد ﴿لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ نأتم بمن قبلنا، ويأتم بنا من بعدنا (^١٣).\nوقال الأحوص بن حكيم عن أبي الزاهرية (^١٤) عن جبير بن نفير (^١٥) أن رسول الله - ﷺ - قال:؟ من رزق إيمانا وحسن خلق، فذاك إمام المتقين؟ (^١٦).\n_________\n(^١) هو: سيار بن أبي سيار، قيل اسمة وردان، أبو الحكم الواسطي، ويقال البصري، قال أحمد: صدوق ثبت في كل المشايخ. ينظر: الكاشف (١/ ٣٣٢) وتهذيب التهذيب (٢/ ٤٦٤).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٤٢١) به.\n(^٣) لم أجده، وقد أخرج الطبري في تفسيره (٩/ ٤٢٢) عن الحسن مثله.\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٤٢١) به.\n(^٥) سورة الفرقان (٧٣).\n(^٦) سورة البقرة (١٧١).\n(^٧) سورة محمد (٢٣).\n(^٨) لوحة رقم [٢/ ٢٢٦].\n(^٩) سورة الفرقان (٧٤).\n(^١٠) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٤٢٤) وابن أبي حاتم (٨/ ٢٧٤٢) بنحوه.\n(^١١) هو: سلمة بن كهيل بن حصين الحضرمي، أبو يحيى الكوفي، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، قال العجلي: فيه تشيع قليل، توفي سنة ١٢١ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥١٦) وتهذيب التهذيب (٢/ ٣٨٢).\nوالأثر أورده الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٢١٤).\n(^١٢) سورة الفرقان (٧٤).\n(^١٣) قول مجاهد فقد أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٤٢٥).\nوأما قول الحسن فقد أورده الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٢١٤).\n(^١٤) هو: حُدَيْر بن كُرَيْب الحضرمي، ويقال الحميري، أبو الزاهرية الحمصي، قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله كثير الحديث، توفي سنة ١٢٩ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٢١٢) وتهذيب التهذيب (١/ ٥١٤).\n(^١٥) هو: جبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي، أبو عبد الرحمن الحمصي، أدرك الجاهلية، قال أبو حاتم: ثقة من كبار تابعي أهل الشام، توفي سنة ٥٦ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٢٠٨) وتهذيب التهذيب (٢/ ٤٢٠).\n(^١٦) أورده الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٢١٤).","vol":"1","page":1454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>ومن سورة الخاضعة وهي الشعراء</span>\n\nقال الله ﵎: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (^١).\nقال ابن عباس: شهادة ألا إله إلا الله (^٢).\nوقال ابن سيرين: أن تعلم أن الله حق، وأن الساعة قائمة، وأن الله يبعث من في القبور (^٣)، وروي عنه - أيضا - في هذه الآية مثل قول ابن عباس (^٤).\nوقال عروة بن الزبير: لا تكونوا لعانين، فإن إبراهيم صلى الله عليه لم يلعن شيئا قط (^٥).\nوالآية عندي تحتمل أحد شيئين: أن يأتي العبد سليما من جميع أصناف الكفر، ويحتمل مع التوحيد سلامة المسلمين عليه، قول النبي - ﷺ -:؟ المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده؟ (^٦).\nقال الله ﷿: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (^٧).\nالخضوع منهم لا من أعناقهم، والعرب تترك الخبر على الأولى وتعمد إلى الآخر فتجعل الخبر له، قال الشاعر:\nطول الليالي أسرعت في نقضي ... طوين طولي وطوين عرضي (^٨)\n_________\n(^١) سورة الشعراء (٨٩).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٧٨٣) والطبراني في الدعاء ص ٤٥٧، به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٧٨٣) به.\n(^٤) أخرجه الطبراني في الدعاء ص ٤٥٧، بنحوه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٧٨٤) بمعناه، وأورده ابن العربي بلفظه في أحكام القرآن (٣/ ٤٥٩).\n(^٦) أخرجه ومسلم [١/ ٦٨ كتاب الإيمان] عن جابر بن عبد الله، به.\n(^٧) سورة الشعراء (٤).\n(^٨) من شواهد الطبري في تفسيره (٣/ ٣٨٤) ونسبه إلى العجاج.","vol":"1","page":1455},{"text":"أخبر عن الليالي وترك الطول، وقال جرير (^١):\nرأت مَرَّ السنّين أخذن مني ... كما أخذ السَّرَارُ من الهلال (^٢)\nرجع إلى السنين وترك مَرَّ، وقال العجَيْف (^٣) العُقَيْلِي:\nإذا رضيت علي بني قشير (^٤) ... لعمر أبيك أعجبني رضاها\nفلا تنبو سيوف بني قشير ... ولا تمضي الأسنة في صفاها (^٥)\nأي إذا رضيت عني.\nوقوله: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٦)\nيريد رسالة رب العالمين، وقال كُثَيِّر (^٧):\nلقد كذب الواشون ما بحت عندهم ... بسر ولا أرسلتهم برسول\nقال الله ﷿: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ (^٨).\n_________\n(^١) هو: جرير بن عطية بن الخطفي بن يربوع بن تميم، أبو حرزة، أحد شعراء الإسلام المقدمين، كان بينه وبين الفرزدق تصاول وتنافر مشهور، توفي سنة. ينظر: طبقات فحول الشعراء (٢/ ٢٩٧).\n(^٢) ينظر ديوانه () والكامل في الأدب (١/ ٢٧٤).\n(^٣) كذا في الأصل، وهو تحريف، وصوابه: القُحَيْف كما في المصادر الأدبية واللغوية التي أوردت البيت.\nوهو: القحيف بن حمير بن سليم العقيلي، أحد شعراء الإسلام، معاصر لذي الرمة، توفي سنة ١٣٠ هـ. ينظر: طبقات فحول الشعراء (٢/ ٧٩١) وسير أعلام النبلاء (٥/ ١٩١).\n(^٤) بنو قشير هم: بنو كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، أحد البطون العدنانية، وكانت منازلهم باليمامة. ينظر: الأغاني (٤/ ٢٣٢) ومعجم قبائل العرب (٣/ ٩٥٤).\n(^٥) البيت في خزانة الأدب (١٠/ ١٥٠) ولسان العرب مادة: رضي.\n(^٦) سورة الشعراء (١٦).\n(^٧) هو: كثير بن عبد الرحمن بن الأسود الخزاعي، أبو صخر، المعروف بكثير عزة، أحد فحول شعراء الإسلام ومقدميهم، توفي سنة ١٠٧ هـ. ينظر: طبقات فحول الشعراء (٢/ ٥٣٤) وسير أعلام النبلاء (٥/ ١٥٢).\n(^٨) سورة الشعراء (١٩٨).","vol":"1","page":1456},{"text":"يقال: رجل أعجم إذا كان في لسانه عجمة، ويقال: رجل عجمي وليس من اللسان، قال النبي - ﷺ -:؟ العجماء جرحها جبار؟ (^١) لأنها لا تكلم، وقال ذو الرمة (^٢):\nأحب المكان القفر من أجل أنني ... به أتغنى باسمها غير معجم\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) هو: غيلان بن عقبة بن بهيس من بني عبد مناة، أبو الحارث المضري، أحد فحول شعراء الإسلام، توفي بأصبهان سنة ١١٧ هـ. ينظر: تاريخ دمشق (٤٨/ ١٤٢) وسير أعلام النبلاء (٥/ ٢٦٧).\nوالبيت في الكامل في الأدب (١/ ١٥١).","vol":"1","page":1457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>ومن سورة النمل</span>.\n\nقال الله ﷿ (^١): ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ (^٢).\nقال الحسن: الحسنة: لا إله إلا الله، له خير منها (^٣) يريد: تورثه خيرا دائما.\nوقال عكرمة: الحسنة لا إله إلا الله، وكل سيئة في القرآن شرك (^٤).\nوقال عطاء: من جاء بالتوحيد فهم ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ﴾ (^٥) ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ (^٦) وهو الشرك (^٧).\nوكذلك قوله سبحانه في والليل: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ (^٨) يعني: وصدق بالتوحيد.\nولم يختلف من انتهى إلينا تفسيره في ذلك (^٩)، وروي عن معاذ وأبي هريرة مثله (^١٠)\n_________\n(^١) لوحة رقم [٢/ ٢٢٧].\n(^٢) سورة النمل (٨٩).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٨٦) والطبري في تفسيره (١٠/ ٢٣) بنحوه.\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٢٣) به.\n(^٥) سورة النمل (٨٩).\n(^٦) سورة النمل (٩٠).\n(^٧) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٢٢) بنحوه.\n(^٨) سورة الليل (٧).\n(^٩) ينظر: تفسير الطبري (١٠/ ٢١) وتفسير ابن أبي حاتم (٩/ ٢٩٣٤).\n(^١٠) رواية معاذ لم أجدها.\nوأما قول أبي هريرة فقد أخرجه ابن أبي حاتم (٣/ ٢٩٣٥) والطبراني في الدعاء ص ٤٤١.","vol":"1","page":1458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>سورة القصص</span>.\n\nقال الله عز وعلا: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ (^١)\nقال مجاهد: كان ناس من أهل الكتاب أسلموا، فكان المشركون يؤذونهم، فكانوا يصفحون عنهم ويقولون: سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين (^٢).\nوكان سيبويه (^٣) يقول: إن هذه للمتاركة، يقول الرجل للرجل: اذهب سلاما سلام، أي تاركني وأتاركك (^٤).\nفوضع هذا الكلام - والله أعلم - علامة للمتاركة، ألا ترى أن إبراهيم - ﵇ - قال ذلك لأبيه حين قال: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (^٥) ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ (^٦) فدل على المتاركة (^٧).\nوأما قوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ (^٨) فقد قلنا في ذلك ما فيه\n_________\n(^١) سورة القصص (٥٥).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٨٥) وابن أبي حاتم (٩/ ٢٩٩٢).\n(^٣) هو: عمرو بن عثمان بن قنبر الفارسي، تقدم.\n(^٤) ينظر كلام سيبويه في: المحرر الوجيز لا بن عطية (٤/ ٢١٨) ولسان العرب مادة: سلم.\n(^٥) سورة مريم (٤٦).\n(^٦) سورة مريم (٤٧).\n(^٧) أراد المؤلف ﵀ أن يقرر أن هذه الآية ليست دالة على مشروعية السلام على الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، وإنما السلام فيها من باب المتاركة، على حد ما نقله عن إمام النحو سيبويه، ثم استدل على صحة ما قرر؛ بذكر ما وقع لنبي الله إبراهيم وموسى ﵉ ولذا قال في آخر كلامه عن الآية: فالابتداء - أي بالسلام - مكروه، والرد لا بأس به، وهذا - أيضا - ما قرره ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٥١٢)\n(^٨) سورة مريم (٤٧).","vol":"1","page":1459},{"text":"كفاية (^١).\nقال ابن عباس ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ (^٢) قال: موته بين له أنه عدو لله حين مات على كفره (^٣).\nوقال عطاء: ليس لأحد من المسلمين أسوة في قول إبراهيم: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ (^٤)\nقال الله ﵎ في قصة موسى - ﵇ - ومخاطبته لفرعون: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ (^٥) كتب النبي - ﷺ - بمثل ذلك إلى قيصر وغيره من الكفار، فأما رد السلام على أهل الذمة فقد رخص في ذلك، قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (^٦) فالأحسن للمسلمين، وردها على الكافرين بمثل ما قالوا، فقد جاء عن النبي - ﷺ -:؟ لا تبدؤوهم بالسلام؟ (^٧) فالابتداء مكروه، والرد لا بأس به.\n_________\n(^١) وذلك عند قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ التوبة: ١١٣\n(^٢) سورة التوبة (١٤٤).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦/ ١٨٩٤) بمعناه.\n(^٤) سورة الممتحنة (٤).\nوأما قول عطاء فلم أجده.\n(^٥) سورة طه (٤٧).\n(^٦) سورة النساء (٨٦).\n(^٧) جزء من حديث أخرجه أحمد (٢/ ٤٤٤) وأبو داود [كتاب الأدب، باب في السلام على أهل الذمة] والترمذي [كتاب السير، باب ما جاء في التسليم على أهل الكتاب] وقال: حسن صحيح، وابن حبان [كتاب البر والإحسان، ذكر الزجر عن مبادرة أهل الكتاب السلام] عن أبي هريرة.","vol":"1","page":1460},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (^١).\nقال الحسن: قَدِّمِ الفضل وأمسك ما يُبَلغُك (^٢).\nوقال قتادة: ولا تنس الحلال (^٣)، أي ابتغيه.\nوقال مجاهد: أن تعمل فيها بطاعتي (^٤).\nوقال ابن عباس والمسعودي (^٥): تعمل فيها لآخرتك (^٦).\nوكل هذا عندي حسن، إلا أن المعنى الجامع لما في هذه الآية ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ أداء الفرائض واجتناب المحارم، بعد ذلك ما قَدِرَ عليه من أعمال البر، والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة القصص (٧٧).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ١٠٦) وابن أبي شيبة [٧/ ١٩٩ كتاب الزهد، كلام الحسن] به.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ١٠٦) بنحوه.\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ١٠٥) به.\n(^٥) هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي الكوفي، قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث لكنه اختلط بآخره، مات سنة ١٦٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٣٦) وتهذيب التهذيب (٣/ ٣٦٣).\n(^٦) قول ابن عباس فقد أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ١٠٥) وابن أبي حاتم (٩/ ٣٠١٠) به.\nوأما قول المسعودي فلم أقف عليه.","vol":"1","page":1461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>ومن سورة العنكبوت</span>.\n\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ (^١)\nوفي الزمر أيضا: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ (^٢).\nقال سعيد بن جبير: مجانبة أهل المعاصي وإذا أمرتم بالمعصية فاهربوا فإن أرضي واسعة (^٣).\nوقال مجاهد ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ (^٤) اعتزلوا الأوثان (^٥).\nومعنى الآيتين - والله أعلم - أنه ما كان يمكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا خطاب في هجران البلد، وإذا عمل بالمنكر فتعذر النهي، وجب الانتقال خوفا من عموم العقوبة.\nقال الله ﷿: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (^٦)\nقال سعيد بن جبير قال: أهل الحرب ممن لا عهد له فجادله بالسيف (^٧)، .\nوقال مجاهد: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (^٨) قال: من قاتلك ولم يعطك\n_________\n(^١) العنكبوت (٥٦).\n(^٢) الزمر (١٠).\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ١٥٦) به.\n(^٤) لوحة رقم [٢/ ٢٢٨].\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٦٢٢) به.\n(^٦) سورة العنكبوت (٤٦).\n(^٧) أخرجه ابن أبي الجعد في مسنده ص: ٣٢٢.\n(^٨) سورة العنكبوت (٤٦).","vol":"1","page":1462},{"text":"الجزية (^١).\nوروي عن ابن عباس ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ قال: من قريش (^٢).\nوقال قتادة: نسختها ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٣) فلا مجادلة أشد من السيف (^٤).\nوالرواية عن ابن عباس - ﵁ - ضعيفة، وقول قتادة حسن؛ لأن هذه السورة مكية، إنما أمر بالقتال بعد الهجرة، وأمر بالجزية قبل وفاة النبي - ﷺ - بيسير، فكان ذلك هو الناسخ لما كان بمكة (^٥)، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٣٠٦٩) بنحوه.\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٢/ ٣٦) بمعناه.\n(^٣) سورة التوبة (٥).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٩٨) وابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٣٠٦٨).\n(^٥) ذهب بعض المفسرين إلى أن أية السيف في التوبة قد نسخت كثيرا من الآيات التي فيها أمر بالصبر والعفو عن المشركين والصفح عن أذاهم ونحو ذلك، فقال بعضهم: إنها نسخت أكثر من مائة وأربع وعشرين آية، وابن حزم في كتابه الناسخ والمنسوخ أكثر من ذلك، حتى قال ص ١٩: \" اعلم أن نزول المنسوخ بمكة كثير، ونزول الناسخ بالمدينة كثير \" ثم ألف ابن الجوزي كتابه المصفى من علم الناسخ والمنسوخ فتتبع هذه المواضع وأجاب عن أكثرها. ينظر - كذلك - ما ذكره هبة الله بن سلامة في الناسخ والمنسوخ ص ١٤١.\nوالقائلون بهذا إن أرادوا ما اشتهر عند السلف من إطلاق النسخ على التخصيص والتقييد وبيان المجمل؛ فلا إشكال، وإن أرادوا به ما اصطلح عليه أهل العلم من إبطال النص الشرعي وترك العمل به، فكلامهم غير صحيح، لأن تلك الآيات - ومنها هذه الآية التي تكلم عنها المؤلف ﵀ يمكن حملها على اختلاف الأحوال، فتكون من باب التخصيص أو التقييد أو البيان ونحو ذلك، قال الطبري في تفسيره (١٠/ ١٥٠): \" وأولى هذه الأقوال بالصواب؛ قول من قال: عنى بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ إلا الذين امتنعوا من أداء الجزية ونصبوا دونها الحرب، فإن قال قائل: أو غير ظالم من أهل الكتاب إلا من لم يؤد الجزية؟ قيل: إن جميعهم وإن كانوا لأنفسهم بكفرهم بالله وتكذيبهم رسوله محمدا - ﷺ - ظلمة، فإنه لم يعن بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ ظلم أنفسهم، وإنما عنى به إلا الذين ظلموا منهم أهل الإيمان بالله ورسوله محمد - ﷺ -، فإن أولئك جادلوهم بالقتال،\nوإنما قلنا ذلك أولى الأقوال فيه بالصواب؛ لأن الله - تعالى ذكره - أذن للمؤمنين بجدال ظلمة أهل الكتاب بغير الذي هو أحسن، بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ فمعلوم إذ كان قد أذن لهم في جدالهم، أن الذين لم يؤذن لهم في جدالهم إلا بالتي هي أحسن، غير الذين أذن لهم بذلك فيهم، وأنهم غير المؤمن؛ لأن المؤمن منهم غير جائز جداله إلا في غير الحق؛ لأنه إذا جاء بغير الحق فقد صار في معنى الظلمة في الذي خالف فيه الحق، فإذ كان ذلك كذلك تبين أن لا معنى لقول من قال ... نزلت هذه الآية قبل الأمر بالقتال، وزعم أنها منسوخة؛ لأنه لا خبر بذلك يقطع العذر، ولا دلالة على صحته من فطرة عقل، وقد بينا في غير موضع من كتابنا؛ أنه لا يجوز أن يحكم على حكم الله في كتابه بأنه منسوخ، إلا بحجة يجب التسليم لها؛ من خبر، أو عقل\".","vol":"1","page":1463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>ومن سورة الروم</span>\n\nقال الله ﷿: ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ الآية (^١).\nقال إبراهيم (^٢): كان ذلك في الجاهلية، يعطي الرجل ذا قرابته ليربو ماله وليعريه (^٣).\nوقال الشعبي: هو الرجل يلزق بالرجل، فيخف له، ويخدمه، فيجعل له ربح بعض ماله ليجزيه، وإنما أعطاه التماس عونه، ولم يرد وجه الله (^٤).\nوقال ابن جبير: هو الرجل يعطي الرجل شيئًا ليثيبه (^٥).\nوقال مجاهد: الهدايا (^٦).\n_________\n(^١) سورة الروم (٣٩).\n(^٢) هو: النخعي، تقدم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ٥١٤ كتاب البيوع، باب من كره الهدية ..] بنحوه.\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ١٨٩) به.\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ١٨٨) وابن أبي شيبة - الإحالة السابقة - بنحوه.\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي شيبة - الإحالة السابقة ـ، بنحوه.","vol":"1","page":1464},{"text":"وقال الضحاك: هو الرجل يهدي الهدية يريد الفضل، فليس عليك فيه وزر وليس لك فيه أجر، قال: وحرم على النبي - ﷺ - خاصة ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ (^١).\nوقرأها أبو مالك (^٢): ﴿وما آتيتم من ربا لتربوها في أموال الناس﴾ (^٣).\nوقال قتادة: هو الهدية والهبة، تهدي الشيء تريد أن تثاب أفضل من ذلك فذلك الذي لا يربو عند الله ولا يؤجر عليه صاحبه ولا إثم عليه (^٤) ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ﴾ الصدقة ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (^٥) قال مجاهد مثل ذلك (^٦)، وقال القرضي وعكرمة نحوه (^٧).\nوالآية توجب - والله أعلم - أن ما كان من هدايا يطلب بها الزيادة والثواب فليس لها أجر؛ لأنها تجري مجرى التبايع، وما كان لله ﷿، ولصلة الرحم، فهو الذي يراد به وجه الله.\n_________\n(^١) سورة المدثر (٦).\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٠٤) والطبري في تفسيره (١٠/ ١٨٨) بنحوه.\n(^٢) هو: غزوان الغفاري، تقدم.\n(^٣) القراءة شاذة مخالفة لرسم المصحف. ينظر: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٧٠).\n(^٤) أورده في المحلى (٩/ ١١٨) قال: \" ومن طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي، نا محمد بن عبيد، نا محمد ابن ثور، عن معمر، عن قتادة .. \" فذكره بنحوه.\n(^٥) سورة الروم آية (٣٩)\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٠٤) والطبري في تفسيره (١٠/ ١٨٨).\n(^٧) قول القرضي فقد أورده في الدر المنثور (٦/ ٤٩٦) وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\nوأما قول عكرمة فقد أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ٥١٤ كتاب البيوع، باب من كره الهدية ..].","vol":"1","page":1465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>ومن سورة لقمان</span>\n\nقال الله عز وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ\nلِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية (^١).\nروي عن ابن مسعود أنه قال: الغناء، وحلف عليه بالله الذي لا إله إلا هو (^٢).\nوقال مجاهد: الغناء (^٣).\nوقيل عن ابن عباس: الغناء وما أشبهه (^٤).\nوقال القاسم بن محمد: الغناء من الباطل وهو في النار (^٥).\nوقال مكحول (^٦): من كانت له جارية مغنية فمات، لم أُصل عليه لقول الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (^٧).\nوقال عبد الكريم (^٨): كان المشركون (^٩) على الطريق للمسلمين ليفتنوهم (^١٠).\nقال الله عز وعلا: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ (^١١)\nوفي البقرة: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (^١٢).\nقال مجاهد: أولي الفقه والعلم والإصابة في القول من غير نبوة (^١٣).\nوقال محمد بن كعب: الحكمة القرآن (^١٤).\nوقال زيد بن أسلم ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ قال: العقل في دين الله ﷿ (^١٥).\nفأما قول محمد بن كعب: الحكمة القرآن، يريد الآية التي في سورة البقرة.\n_________\n(^١) سورة لقمان (٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ٣٦٨ كتاب البيوع الأقضية، في هذه الآية ومن الناس ..] والطبري في تفسيره (١٠/ ٢٠٣).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ٣٦٨ كتاب البيوع، في هذه الآية ومن الناس من يشتري] والبيهقي [١٠/ ٢٢٣ جماع أبواب من تجوز شهادتهم، باب ما جاء في ذم الملاهي].\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة - الإحالة السابقة - والبخاري في الأدب المفرد (١/ ٤٣٢) والبيهقي [١٠/ ٢٢١ جماع أبواب من تجوز شهادتهم، باب ما جاء في ذم الملاهي] به.\n(^٥) أخرجه النحاس في معاني القرآن (٥/ ٢٧٩).\n(^٦) هو: مكحول الشامي، أبو عبد الله، ويقال: أبو أيوب، الفقيه الشامي، روى عن النبي - ﷺ - مرسلا، قال ابن أبي حاتم: ما رأيت بالشام أفقه منه، توفي سنة ١١٦ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٢١٣) وتهذيب التهذيب (٥/ ٥١٠).\n(^٧) أورده الثعلبي في الكشف (٧/ ٣١٠) والبغوي في معالم التنزيل (٣/ ٤٩٠).\n(^٨) هو: عبد الكريم بن مالك الجَزْرِي، أبو سعيد الحراني، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة ١٢٧ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٤٠١) وتهذيب التهذيب (٣/ ٤٥٩).\n(^٩) لوحة رقم [٢/ ٢٢٩].\n(^١٠) لم أقف عليه.\n(^١١) سورة لقمان (١٢).\n(^١٢) سورة البقرة (٢٦٩).\n(^١٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٠٥) وابن أبي شيبة [٤/ ٥٤١ كتاب البيوع، في الحكم يكون هواه ..] والطبري في تفسيره (١٠/ ٢٠٣) والنحاس في معاني القرآن (٥/ ٢٨٣) به.\n(^١٤) لم أجده محمد بن كعب.\nوقد أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٠٩) والطبري في تفسيره (١٠/ ٢٠٩) عن مجاهد.\nوأخرجه النحاس في معاني القرآن (١/ ٢٩٨) عن الضحاك.\n(^١٥) أخرجه النحاس في معاني القرآن (١/ ٢٩٨) به.","vol":"1","page":1466},{"text":"قال الله جل ثناؤه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ (^١).\nقال الحسن: لا تُعْرِض (^٢).\nوقال مجاهد: الصدود والإعراض بالوجه عن الناس (^٣).\nوقوله: ﴿مُخْتَالٍ﴾ يريد المتكبر (^٤).\nوقال إبراهيم: التشدق (^٥).\nوقال الضحاك: لا تعرض عنهم إذا كتموك (^٦).\nوقال السدي: لا تشمخ بأنفك (^٧).\nوقال يزيد بن الأصم (^٨): الرجل يكلم الرجل فيلوي وجهه عنه محتقرا له (^٩).\nوقال قتادة ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ قال: هو الإعراض والتكبر (^١٠).\n\nوقال الشاعر (^١١):\n_________\n(^١) سورة لقمان (١٨). كذا رسمت الآية في الأصل، وهي قراءة نافع وأبي عمرو وحمزة والكسائي، ينظر: التيسير ص ١٧٦ قال بن زنجلة في الحجة ص ٥٦٥: \" قال سيبوية: صعَّر وصاعر بمعنى واحد\".\n(^٢) لم أجده.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٢١٥).\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٢١٦) عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٢١٥) وأورده النحاس في معاني القرآن (٢٨٧) به.\n(^٦) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٢١٥) بمعناه.\nقوله (إذا كتموك) كذا في الأصل، ولا يستقيم الكلام، ولعله: كلموك.\n(^٧) لم أجده.\n(^٨) هو: يزيد بن عمرو بن عبيد بن البكاء بن عامر بن صعصعة، أبو عوف الكوفي، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، مات سنة ١٠٣ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٢٢٣) وتهذيب التهذيب (٦/ ١٩٢).\n(^٩) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٢١٥) به.\n(^١٠) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٢١٦) وأخرجه في التواضع والخمول ص ٢٦٧ - بنحوه.\n(^١١) أورده في اللسان مادة: صعر، ونسبه إلى المتلمس.","vol":"1","page":1467},{"text":"وكنا إذا الجبار صعر خده ... أقمنا له من ميله فتقوما\nقال الله جل ثناؤه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ (^١).\n[معنى هذه الآية - والله أعلم - التؤدة في المشي والتأني في القول والرفق بالمخاطب وترك الاستطالة عليه] (^٢).\n_________\n(^١) سورة لقمان (١٩).\n(^٢) ما بين المعكوفتين كتب بتمامه - أيضا - قبل الآية الكريمة، وبعد بيت الشعر ثم علق الناسخ على هذا فقال: \" هكذا كتب في الأم \" يعني بذلك النسخة التي نُسخ منها المخطوط الذي بين يدينا، ولعل هذا وقع خطأً وسَبْقَ نظر.","vol":"1","page":1468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>ومن سورة السجدة</span>\n\nقال الله ﷿: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (^١).\nروى نُعيم بن وهب (^٢) وأبو وائل (^٣) عن معاذ بن جبل أن رسول الله - ﷺ - أنه قال:؟ أنبئك بأبواب من أبواب الخير؟ الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطية وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا هذه الآية ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (^٤)\nوروى أبو عبيدة (^٥) عن عبد الله (^٦) أنه قال: للذين تتجافى جنوبهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، اقرؤوا إن شئتم ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) سورة السجده (١٦).\n(^٢) لم أعثر له على ترجمة.\n(^٣) هو: شقيق بن سلمة، تقدم.\n(^٤) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣١) وابن ماجه [٢/ ٣٧٣ كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة] والترمذي [٣/ ٢٨٠ كتاب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة] وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في الكبرى [٦/ ٤٢٨ بكتاب، قوله تعالى: تتجافى جنوبهم عن المضاجع] من طريق أبي وائل، به.\nوأخرجه مختصرا المروزي في تعظيم قدر الصلاة ص ١٣٣ من كطريق نعيم بن وهب، وإسناده ضعيف كما قال محققه.\n(^٥) هو: أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، تقدم.\n(^٦) هو: ابن مسعود - ﵁ -، تقدم.\n(^٧) سورة السجدة (١٧).\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ١٠٨ كتاب الزهد، كلام ابن مسعود] والحاكم في المستدرك [٢/ ٤٤٨ كتاب التفسير، سورة السجدة] والطبراني في الكبير (٩/ ٢١٣).","vol":"1","page":1469},{"text":"وقال مالك بن أنس في قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ قال: القيام في جوف الليل (^١).\nوقال أنس بن مالك: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء (^٢).\nوقال عطاء: كانوا لا ينامون عن عشاء الآخرة (^٣).\nوقال موسى بن يسار (^٤) ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (^٥) وقوله: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (^٦) قال: ما بين المغرب والعشاء، وفي قوله سبحانه: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قال: يغدون لصلاة الصبح (^٧).\nفأما ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (^٨) يعني: ترتفع عنها.\n_________\n(^١) نسبه إليه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ١٠٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود [١/ ٤١٩ أبواب قيام الليل، باب وقت قيام النبي - ﷺ -] والبيهقي [٣/ ١٩ جماع أبواب صلاة التطوع، باب من فتر عن قيام الليل] والطبري في تفسيره (١٠/ ٢٣٨).\n(^٣) أورده الثعلبي في الكشف (٧/ ٣٣١).\n(^٤) هو: موسى بن يسار المخرمي المطلبي مولاهم المدني، قال ابن حجر: ثقة من الرابعة. ينظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ١٠٦) وتقريب التهذيب ص ٩٨٦.\n(^٥) سورة السجدة (١٦).\n(^٦) سورة الذاريات (١٨).\n(^٧) لم أجده، وسيأتي نحوه في سورة الذاريات عند قوله: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، لكن قوله في آخر الأثر: يغدون لصلاة الصبح، قد أخرج بن أبي شيبة [٧/ ١٨٦ كتاب الزهد، حديث أبي قلابة] عن زيد بن أسلم، نحوه.\n(^٨) سورة السجدة (١٦).","vol":"1","page":1470},{"text":"وأما قوله: ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾ (^١).\nفمعناه: متى هذا الحكم.\n_________\n(^١) سورة السجدة (٢٨).","vol":"1","page":1471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>سورة الأحزاب </span>(^١).\n\nقال الله عز وعلا: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (^٢).\nقال الزهري: بلغنا أن ذلك كان في شأن زيد بن حارثة (^٣)، ضرب له مثل يقول: ليس ابن رجل آخر ابنك (^٤).\nوقال قتادة: كان رجل لا يسمع شيئا إلا وعاه فسمي ذا القلبين فقال الله ﷿: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (^٥).\nوقال الحسن: كان رجل يقول: إن نفسا تأمرني بكذا، ونفسا تأمرني بكذا، فأنزلت الآية (^٦).\nوقال مجاهد: كان رجل من بني فهر (^٧) قال: إن في جوفي قلبين أعمل بكل قلب منهما أفضل من عمل محمد - وكذب - (^٨).\nوقال ابن عباس - ﵁ -: قام نبي الله - ﷺ - يوما يصلي، فخطر خطرة فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترون له قلبين قلب معكم وقلب معهم، فأنزلت الآية (^٩).\n_________\n(^١) لوحة رقم [٢/ ٢٣٠].\n(^٢) سورة الأحزاب (٤).\n(^٣) هو: زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد القيس بن كنانة، كان مولى لخديجة فوهبته لرسول الله - ﷺ - فأعتقه ثم دعاه ولده، فكان يدعى ابن محمد، شهد بدرا وما بعدها وقتل في مؤتة. ينظر: الإصابة (٢/ ٤٩٤).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١١١) والطبري في تفسيره (١٠/ ٢٥٦) به.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١١١) والطبري في تفسيره (١٠/ ٢٥٥) به.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١١١) والطبري في تفسيره (١٠/ ٢٥٥) بنحوه.\n(^٧) بنو فهر هم: بطن من كنانة من العدنانيين، وهم بنو الفهر بن مالك بن النضر بن كنانة. ينظر: العقد الفريد (٣/ ٢٧٣) ومعجم قبائل العرب (٣/ ٩٢٨).\n(^٨) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٢٥٥) بنحوه، لكن قال: أعقل بدل أعمل.\n(^٩) أخرجه أحمد (١/ ٢٦٧) والترمذي [٥/ ١ كتاب التفسير، باب ومن سورة الأحزاب] وحسنه، والطبري في تفسيره (١٠/ ٢٥٥) وابن خزيمة [٢/ ٣٩ كتاب الصلاة، باب ذكر الدليل على أن الكلمة إذا جرت ..] والحاكم [٢/ ٤٥٠ كتاب التفسير، سورة الأحزاب] وصححه، به.","vol":"1","page":1472},{"text":"قال الله تبارك اسمه: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (^١).\nهذه الآية تكتب - إن شاء الله - مع الآيات التي في سورة المجادلة (^٢).\nقال الله ﷿: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (^٣)\nقال الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان سالم (^٤) مولى امرأة من الأنصار وهي زوجة أبي حذيفة بن عتبة (^٥)، وكان أبو حذيفة قد تبناه كما تبنى رسول الله - ﷺ - زيد بن حارثة، وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس إليه وورث من\n_________\n(^١) سورة الأحزاب (٤).\n(^٢) في أول سورة المجادلة.\n(^٣) سورة الأحزاب (٤ - ٥).\n(^٤) هو: سالم مولى أبي حذيفة، يقال: كان اسم والده معقل، كان مولى امرأة أبي حذيفة فأعتقته، فتبناه أبو حذيفة، وكان أحد السابقين، قتل يوم اليمامة وبيده لواء المهاجرين. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٤٧) والإصابة (٣/ ١١).\n(^٥) هو: أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، يقال اسمه: هشيم، من السابقين الأولين، وهاجر الهجرتين إلى الحبشة، استشهد في اليمامة ودفن مع مولاه. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٤٦) والإصابة (٧/ ٧٤).","vol":"1","page":1473},{"text":"ميراثه، حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ فمن لم يعلم له أب كان مولاه وأخاه في الدين، وأنكحه أبو حذيفة فاطمة (^١) ببنت الوليد بنت أخيه (^٢).\nوروى موسى بن عقبة (^٣) عن سالم (^٤) بن عبد الله عن أبيه: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (^٥)\nوقال مجاهد: نزلت الآية في زيد بن حارثة (^٦).\nقال الله جل وعز: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (^٧)\nروى عطاء عن ابن عباس - ﵁ - أنه قرأ: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم﴾ (^٨).\n_________\n(^١) كذا في رواية الموطأ (٢/ ٤٧٢) أن اسمها فاطمة، وعند البخاري وغيره اسمها هند، وهي: بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، قتل أبوها كافرا ببدر، كانت من المهاجرات الأُوَل، زوجها عمها أبو حذيفة من سالم مولاه. ينظر: الإصابة (٨/ ٢٧٧).\n(^٢) أخرجه البخاري [١١٠٥ كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين ..] بنحوه.\n(^٣) هو: موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي، مولى آل الزبير، كان من أعلم الناس بالمغازي، قال ابن سعد: كان ثقة ثبتا كثير الحديث. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٢٦٧) وتهذيب التهذيب (٥/ ٥٥٦).\n(^٤) هو: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عبد الله المدني، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث عاليا من الرجال، توفي سنة ١٠٦ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ١٠٠) وتهذيب التهذيب (٢/ ٢٦٠).\n(^٥) أخرجه البخاري [١٠١٧ كتاب التفسير، سورة الأحزاب] ومسلم [٤/ ١٥٠١ كتاب فضائل الصحابة] عن موسى بن عقبة، به.\n(^٦) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٢٥٦).\n(^٧) سورة الأحزاب (٦).\n(^٨) أخرجه الحاكم [٢/ ٤٥٠ كتاب التفسير، سورة الأحزاب] وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nوالقراءة في آخره (وهو أب لهم) شاذة مخالفة لرسم المصحف الإمام، وكذا ما بعدها في رواية أبي ومجاهد.","vol":"1","page":1474},{"text":"وقال سعيد بن جبير في هذه الآية ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ (^١) إنما عنى أزواجهم، وكل نبي هو أبو أمته (^٢).\nوقال - ﷺ -:؟ أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فأيما رجل مات وترك دينًا فإلي - يعني فعلي - وإن ترك مالًا فهو لورثته؟ (^٣)\nوكان أُبي يقرأ: ﴿وهو أب لهم﴾ (^٤).\nوقد كان النبي - ﷺ - قبل أن تفتح عليه الفتوح إذا مات إنسان وعليه دين لم يصل عليه فلما أصاب الغنائم قال هذا القول:؟ من ترك دينا وضَيَاعا فعلي؟ (^٥) وكان يقضي عنهم ويصلي عليهم، وكان أبو بكر وعمر ومن قام مقامهما يفعلون (^٦) ذلك.\nوقرأ مجاهد: ﴿وهو أب لهم﴾ (^٧).\n_________\n(^١) سورة هود آية (٧٨).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ٨٣) وابن أبي حاتم (٦/ ٢٠٦٢) بنحوه.\n(^٣) أخرجه البخاري [١٠١٧ كتاب التفسير، باب النبي أولى بالمؤمنين] من حديث أبي هريرة، بنحوه، وأخرجه مسلم [٢/ ٤٩٦ كتاب الجمعة] من حديث جابر بن عبد الله، بنحوه.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١١٢) والبيهقي [٧/ ٦٩ كتاب النكاح، باب ما خص به من أن أزواجه ..]\n(^٥) جزء من الحديث السابق.\nقوله: ضياعا، قال ابن الأثير في النهاية (٣/ ٩٨): \" الضياع: العيال، وأصله مصدر ... فسمي العيال بالمصدر، كما تقول: من مات وترك فَقْرا أي فقراء\"\n(^٦) لوحة رقم [٢/ ٢٣١].\n(^٧) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٢٥٨).","vol":"1","page":1475},{"text":"قال الله جل وعز: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية (^١)\nكان النبي - ﷺ - آخى بين المهاجرين، فكانوا يتوارثون في الهجرة حتى أنزلت ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ وكان النبي - ﷺ - آخى بين الزبير بن العوام، وبين كعب بن مالك (^٢)، فارتث (^٣) كعب يوم أحد فجاء به الزبير يقود بزمام راحلته، فلو مات يؤمئذ كعب عن الضح والريح (^٤) لورثه الزبير فأنزل الله ﷿: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٥).\nوقال محمد بن علي بن الحنفية ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ قال: هذه في جواز وصية المسلم للكافر (^٦).\n_________\n(^١) سورة الأحزاب (٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٥/ ٣٤١ كتاب الأدب، فيما آخى النبي ...] وفيها - كما ذكر المؤلف - أن الذي آخى الزبيرَ بن العوام كعبُ بن مالك، وأخرج البيهقي [٦/ ٢٦٢ كتاب الفرائض، باب نسخ التوارث بالتحالف] والطبراني في الأوسط (١/ ٢٨٥) أنه عبد الله بن مسعود.\nوهو: كعب بن مالك بن أبي بن كعب السلمي، الأنصاري، شاعر رسول الله - ﷺ -، شهد العقبة وما بعدها، وتخلف عن بدر وتبوك، مات في خلافة علي بن أبي طالب - ﵃ -، ينظر: الإصابة (٥/ ٤٥٦).\n(^٣) ارتث: قال الزمخشري في الفائق مادة: رثّ \" الارتثاث: أن يحمل من المعركة وهو ضعيف قد أثخنته الجراحات، من الرثة؛ وهم الضعفاء من الناس\"،\n(^٤) الضح: قال الزمخشري في الفائق مادة: رثّ: \" هو ضوء الشمس إذا استمكن من الأرض\".\n(^٥) سورة الأنفال (٧٥).\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم (٥/ ١٧٤٣) بنحوه.\n(^٦) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٢٦٠) بمعناه.","vol":"1","page":1476},{"text":"وكان قتادة يقول: كانوا يتوارثون بالهجرة والمؤاخاة، فنسخ ذلك الآية في آخر سورة النساء (^١).\nوكان الحسن لا يرى بأسا أن يوصي لقرابته اليهودي والنصراني، ويقرأ هذه الآية: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ (^٢).\nوقال قتادة: هي في الوصية لأهل الشرك من قرابته ولا ميراث لهم، ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ قال: مكتوبا، لا يرث كافر مسلما (^٣).\nوقال مجاهد: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ قال: حلفاؤكم الذين والى بينهم النبي - ﷺ - من المهاجرين والأنصار (^٤)\nوالصحيح في هذه الآية أن الأولياء في هذا الموضع: هم الذين آخى النبي - ﷺ - بينهم من المهاجرين والأنصار، فكانوا يتوارثون بذلك حتى نزل في آخر سورة الأنفال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٥) ونزل في هذه السورة ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ فنسخت آية الأنفال هذه الآية، وصارت الموارثة بالإيمان، وذلك بعد فتح مكة حين انقطعت الهجرة، وأمروا أن يفعلوا معروفا فيما بينهم من المؤاخاة (^٦).\nقال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ (^٧) إلى آخر الآيتين.\nقالت عائشة ﵂: لمّا نزلت ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ فقال رسول الله - ﷺ -:؟ يا عائشة إنه قد حدث أمر، فلا تفتاتي بشيء حتى تستأمري أبويك، ثم قرأ عليها القرآن، فقالت: بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة؟ (^٨) وزاد فيه أبو سلمة (^٩) وقالت:؟ لا تخبر\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (٦/ ٢٩٦) بمعناه.\nقوله: \" فنسخ ذلك الآية في آخر سورة النساء\" كذا في الأصل، والظاهر أنه سبق قلم، لثلاثة أمور:\nالأول: إن المعروف من كلام أهل العلم من المفسرين؛ أن الذي نسخ التوارث بالهجرة والمؤاخاة آخر الأنفال وليس آخر النساء، ولم أقف على من ذكر قولا بهذا المعنى.\nالثاني: إنه لا ذكر في آخر النساء للولاء والمؤاخاة والهجرة، التي كان عليها التوارث.\nالثالث: أن الأثر عن قتادة قد أخرجه الطبري - كما تقدم - وفيه: أنها آخر الأنفال.\nالرابع: أنه ذكر بعد ذلك أنها في الأنفال.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق [٦/ ٣٤ كتاب، باب عطية المسلم الكافر] بمعناه.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٢٦٠) بنحوه، دون آخره، وقد أورده في الدر المنثور (٦/ ٥٦٨) بتمامه، وعزاه إلى الطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٢٦١) به.\n(^٥) سورة الأنفال (٧٥).\n(^٦) وتابعة على اختياره - أن الآية في نسخ التوارث بالولاء وهو المؤاخاة التي كانت بين الأنصار والمهاجرين، إلى التوارث بالقرابة - ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٥٤٢).\n(^٧) سورة الأحزاب (٢٨).\n(^٨) أخرجه البخاري [١٠١٨ كتاب التفسير، باب: وإن كنتن تردن الله] ومسلم [٢/ ٩٨٢ كتاب الطلاق] بنحوه.\n(^٩) هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، قال ابن سعد: كان ثقة فقيها كثير الحديث، توفي سنة ٩٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٨٠) وتهذيب التهذيب (٦/ ٣٥١).","vol":"1","page":1477},{"text":"بذلك أزواجك، فكان يطوف على أزواجه، ويخبرهن بما قالت عائشة؟ (^١) وزاد فيه أبو سلمة بن عبد الرحمن - أيضا ـ:؟ قد علمت أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه، قال: فلا، ففي أيّ هذا أستأمر أبويّ! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ففرح رسول الله - ﷺ - بذلك، وقالت: قد علم - والله - أن أبوي ما كانا يأمراني (^٢) بفراقه؟ (^٣) وهذا الحديث له طرق كثيرة إلى الزهري، واختلف فيه على الزهري، فقال بعضهم عن أبي سلمة (^٤)، وقال بعضهم: عن عروة (^٥) قال علي بن المديني (^٦): لا ينكر مثل هذا على الزهري؛ لسعة علمه وحديثه، أن يحدث مرة عن هذا، ومرة عن هذا، وقد سمع ذلك من جماعة.\nقال مسروق بن الأجدع: ما أبالي إذا خيرت امرأتي واحدة أو مائة أو ألفا بعد أن تختارني، فلقد أتيت عائشة فسألتها عن ذلك، فقالت: قد خيرنا رسول الله - ﷺ - فاخترناه، أفكان ذلك طلاقا (^٧)\n_________\n(^١) لم أجد هذه الزيادة من طريق أبي سلمه بن عبد الرحمن، وقد أخرج مسلم [٢/ ٩٠٠ كتاب الطلاق] عن أيوب أن عائشة، فذكر نحوه، قال ابن حجر في الفتح (٨/ ٣٨٢): \" وهذا منقطع بين أيوب وعائشة، ويشهد لصحته حديث جابر .. \" وحديث جابر بن عبد الله الذي أشار إليه أخرجه مسلم [٢/ ٨٩٤ كتاب الطلاق].\n(^٢) لوحة رقم [٢/ ٢٣٢].\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٢٩٠) عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه، بنحوه.\n(^٤) أخرجه البخاري [١٠١٨ كتاب التفسير، باب: وإن كنتن تردن الله] ومسلم [٢/ ٩٨٢ كتاب الطلاق] بنحوه.\n(^٥) أخرجه أحمد (٦/ ١٦٣) وابن ماجه [١/ ٣٧٩ كتاب الطلاق، باب الرجل يخير امرأته برقم ٢٠٥٣] والنسائي [٦/ ٤٧٢ كتاب الطلاق، باب التوقيت في الخيار].\n(^٦) هو: علي بن عبد الله بن جعفر السعدي مولاهم، أبو الحسن بن المديني البصري، من أعرف بالناس بالحديث وعلله، مات سنة ٢٣٤ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٥٣) وتهذيب التهذيب (٤/ ٢١٠).\n(^٧) أخرجه البخاري [١١٤٠ كتاب الطلاق، باب من خير أزواجه] ومسلم [٢/ ٨٩٣ كتاب الطلاق] به.","vol":"1","page":1478},{"text":"والآية تدل على أنه - ﵇ - خيرهن بين الدنيا والآخرة، فإن اخترن الدنيا طلقهن، وإن اخترن الآخرة كن على ما كن عليه ولم يلزمه مفارقتهن، ألا تراه سبحانه قال: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخر الآية، فلما اخترنه لم يلزمه - ﵇ - التسريح الذي أوجبه على نفسه (^١).\nوقد يجوز أن يقول قائل: إنهن لو أخترن الدنيا، أن يقع الطلاق باختيارهن، وهذا يحتاج إلى حجة من كتاب الله ﷿ أو سنة، إذ الآية لا توجب وقوع الطلاق، وما روي عن عائشة: اخترناه فهل كان ذلك طلاقا، إنما ذكر ليدفع به شيء ضعيف روي من طريق ضعيفة عن علي، وعلي ﵀ يرتفع عن قوله: زعموا أن الرجل إذا خير امرأته فاختارته كانت طلقة وإذا اختارت نفسها كانت ثلاثا (^٢)، وهذا ما لا يجوز في عقل، والله أعلم.\nقال الله ﵎: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (^٣)\nأما قوله: ﴿الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ فإن ابن عباس - ﵁ - قال: لا أُولى إلا ولها آخرة (^٤)، والأول - والله أعلم - ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما، والآخرة: جهل قريش في محاربتهم لرسول الله - ﷺ - وتكذيبه وإخراجه عن مكة.\n_________\n(^١) وهذا المعنى الذي ذكر المؤلف قد قرره ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٥٥٨).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق [٧/ ٩ كتاب النكاح، باب الخيار] عن ابن التيمي عن إسماعيل بن أبي خالد الشعبي، ومن طريق الثوري عن مخول عن أبي جعفر محمد بن علي به.\nوأخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ٨٨ كتاب الطلاق، ما قالوا في الرجل يخير امرأته ..] والبيهقي [٧/ ٣٤٥ كتاب الخلع والطلاق، باب ما جاء في التخيير] من طريق عيسى بن عاصم عن زاذان بنحوه.\n(^٣) سورة الأحزاب (٣٣).\n(^٤) أخرجه الطبري (١٠/ ٢٩٥).","vol":"1","page":1479},{"text":"وأما التبرج: فإن النساء كن يخرجن يتبخترن بين الرجال في مشيتهن وحركاتهن، فنهي نساء المؤمنين عن ذلك، وبُدِئ بأزواج رسول الله - ﷺ - قبل نزول الحجاب؛ لأن التبختر من المرأة يحرك قلوب الرجال، ثم صانهن الله بعد ذلك، فأنزل الحجاب وجعلهن أمهات المؤمنين، تعظيما له وإيجابا لحقهن على المؤمنين، كإيجاب حقوق الأمهات، وحرمهن على المؤمنين كتحريم الأمهات، فحق رسول الله - ﷺ - كحق الآباء، وحقهن كحق الأمهات، وزاد الله ﵎ نبيه - ﷺ - الرأفة بهم والرحمة، فزاد في حقه وواجباته، لقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^١)\nقال الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ (^٢) لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (^٣).\nخطب رسول الله - ﷺ - زينب بنت جحش (^٤) - وأمها عمة رسول الله - ﷺ - - وكان يريدها لزيد بن حارثة، فظنت أنه يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد أبت، فأنزل الله هذه الآية، فرضيت وسلمت (^٥).\n_________\n(^١) سورة التوبة (١٢٨)\n(^٢) لوحة رقم [٢/ ٢٣٣].\n(^٣) سورة الأحزاب (٣٦)\n(^٤) هي: زينب بنت جحش بن رياب بن يعمر الأسدية، أسلمت وهاجرت، زوجها الله ﷿ لنبيه - ﷺ - بعد أن طلقها زيد بن حارثة، وكانت عابدة كثيرة الصدقة. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٢٩٥) والإصابة (٨/ ١٤٥).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١١٧) والطبراني في الكبير (٢٤/ ٤٥) عن قتادة، به.","vol":"1","page":1480},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ﴾ (^١) الآيتين.\nهذه الآية نزلت في زيد بن حارثة، وفيه نزلت: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (^٢) وكان النبي - ﷺ - قد تبناه وكان يدعى زيد بن محمد، حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (^٣) والقسط: الحق، ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (^٤).\nوأما قوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ (^٥) أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعم عليه رسول الله - ﷺ - بالعتق ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ أتى زيد إلى رسول الله - ﷺ - فقال له: إن زينب بنت جحش - وكانت زوجته وهي بنت عمة رسول الله - ﷺ - - اشتد عليّ لسانها، وإني أريد أن أطلقها، فقال له:؟ اتق الله وأمسك عليك زوجك؟ ومع ذلك يحب أن يطلقها ويكره أن يأمره بذلك - لأن الله سبحانه قد كان أعلمه أن زيدا سيطلقها، وأنه يزوجه إياها - وكان يخفي ما أوحى الله إليه من ذلك من أجل الناس فأنزل الله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ قال: لما\n_________\n(^١) سورة الأحزاب (٣٧).\n(^٢) سورة الأحزاب (٤٠).\n(^٣) سورة الأحزاب (٥)\nوخبر زيد بن حارثة وما نزل فيه أخرجه البخاري [١٠١٧ كتاب التفسير، باب: ادعوهم لآبائهم] ومسلم [٣/ ١٥٠١ كتاب فضائل الصحابة] من حديث ابن عمر - ﵃ -، وينظر كذلك أسباب النزول للواحدي ص ٢٩٤.\n(^٤) سورة الأحزاب (٦).\n(^٥) سورة الأحزاب (٣٧).","vol":"1","page":1481},{"text":"طلقها زيد ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (^١)، وأنزل الله: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ (^٢) يعني فيما أحل الله له، فتزوجها رسول الله - ﷺ - فكانت تفتخر على نساء النبي - ﷺ - وتقول: زوجكن أهلوكن وزوجني الله ﵎ من فوق سبع سماواته (^٣).\nقال أنس بن مالك: وقالت عائشة: لو أن نبي الله - ﷺ - كتم شيئا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ الآية (^٤).\nوكانت زينب أحظى نساء رسول الله عنده بعد عائشة، وكانت عائشة تقابلها في الفخر تقول: تزوجني رسول الله - ﷺ - بعد أن أتاه جبريل - ﵇ - بصورتي من الجنة (^٥)، وكانت زينب تسامي عائشة من بين أزواجه - ﵇ -، فلما كان في وقت الإفك عصمها الله ﷿ بالورع، وطفقت أختها حمنة (^٦) زوجة عبد الرحمن، فكانت فيمن أقيم عليه الحد (^٧).\nقال أنس - ﵁ -:؟ لما انقضت عدة زينب من زيد، قال رسول الله - ﷺ - لزيد: اذهب فاذكرها علي، فانطلق فصادفها تخمر عجينها، فما استطعت أن أنظر إليها من عظمها في صدري، قال: فوليتها ظهري ونكصت على عقبي فقلت: يا زينب أبشري! أرسلني رسول\n_________\n(^١) أخرج الأثر بطوله عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١١٧) والطبراني في الكبير (٢٤/ ٤١) عن قتادة، بنحوه.\n(^٢) سورة الأحزاب (٣٨).\n(^٣) أخرجه البخاري [١٥٥٥ كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء] عن أنس بن مالك، به.\n(^٤) سورة الأحزاب (٣٧).\nوقول عائشة ﵂ جزء من حديث أخرجه البخاري [١٥٨٢ كتاب التوحيد، باب: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك] ومسلم [١/ ١٤٠ كتاب الإيمان] من طريق مسروق، عنها.\n(^٥) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٧/ ٢٩٤) وابن عساكر في مناقب أمهات المؤمنين ص ٧٨، بنحوه.\n(^٦) حمنة بنت جحش بن رئاب بن صبرة، الأسدية، زوج مصعب بن عمير، ثم طلحة بن عبيد الله، وكانت من المبايعات، وممن شهدن أحدا. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٣٧٠) والإصابة (٨/ ٨٨).\n(^٧) خبر حمنة ﵂ في حادثة الإفك أخرجه البخاري [٨٥٣ كتاب المغازي، باب حديث الإفك] ومسلم [٤/ ١٦٩١ كتاب التوبة].","vol":"1","page":1482},{"text":"الله - ﷺ - (^١) يذكرك، قالت: ما أنا صانعة شيئًا حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن، فجاء رسول الله - ﷺ - فدخل عليها بغير إذن، وأطعمهم الخبز واللحم، حتى امتد النهار وأطال الناس عنده، حتى نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾ الآية (^٢).\nوأخبر الله ﷿ بالعلة التي من أجلها كان من أمر زينب ما كان، ليكون ذلك أوكد في قطع الشيء الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، وأعلمهم أن أدعياءهم لا يكونون أبناءهم، وأنه إنما هو شيء يقولونه بأفواههم من غير أن يكون له حقيقة، ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ (^٣) إلى قوله عز من قائل: ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ (^٤).\nقال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (^٥)\nقال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: إن الحسن وأبا العالية يجعلان للمطلقة التي قد دُخل بها والتي لم يدخل بها المتاع، فقال سعيد: إنما كان لها في سورة الأحزاب، فلما\n_________\n(^١) لوحة رقم [٢/ ٢٣٤].\n(^٢) سورة الأحزاب (٥٣).\nوالحديث أخرجه مسلم [٢/ ٨٤٩ كتاب النكاح] بنحوه.\n(^٣) سورة الأحزاب (٣).\n(^٤) سورة الأحزاب (٥).\n(^٥) سورة الأحزاب (٤٩).","vol":"1","page":1483},{"text":"نزلت سورة البقرة جعل للتي فُرِضَ لها نصف الصداق ولا متعة (^١)، ذلك (^٢) سعيد أن الآية التي في سورة البقرة نسخت هذه الآية.\nوقد تكلمنا في سورة البقرة (^٣) بما فيه كفاية إن شاء الله.\nقال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ إلى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ (^٤).\nقال زياد بن عبد الله (^٥): سألت أبي بن كعب عن هذه الآية ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ قلت: أكان له أن يتزوج بغيرهن؟ قال: نعم، وما بأس بذلك؛ لقول الله ﷿: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ فقال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ (^٦) قال: الأربع اللاتي أحلهن الله\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ١٤٠ كتاب الطلاق، من قال لكل مطلقة متعة] به، وأخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٣٠٨) مختصرا.\n(^٢) كذا وقع في الأصل، ويحتمل أنها تحرفت من كلمة: وذكر.\n(^٣) عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ آية رقم (٢٣٧)، وموضعها من المخطوط في اللوحة رقم: ٥٧.\n(^٤) سورة الأحزاب (٥٠ - ٥٢).\n(^٥) هو - بناء على ما رجحه الهيثمي ـ: زياد بن عبد الله الأنصاري، أبو يحيى، عده ابن حبان في الثقات وذكر أنه من أهل مكة. ينظر: الثقات (٤/ ٢٦١) ومجمع الزوائد (٧/ ٩٣).\n(^٦) سورة الأحزاب (٥٠).","vol":"1","page":1484},{"text":"لنا (^١).\nوقالت عائشة رحمة الله عليها: ما مات رسول الله - ﷺ - حتى أحل له النساء (^٢).\nوقال مجاهد: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ يعني نساء أهل الكتاب (^٣).\nوقال سعيد بن جبير وعطاء نحو ذلك (^٤).\nوقال الحسن ﵀: لما خير رسول الله - ﷺ - نساءه، عزم الله لهن فاخترنه، فقصر الله ﵎ نبيه صلى الله عليه عليهن، فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ (^٥).\nوقال قتادة والزهري نحو ذلك (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ١٣٢) والطبري في تفسيره (١٠/ ٣١٧) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣١٤٦) والدارمي [٢/ ٢٠٥ كتاب النكاح، باب لا يحل لك النساء من بعد] بنحوه دون قوله: فقال: قد علمنا ما فرضنا عليهم.\n(^٢) أخرجه الترمذي [٥/ ١٤٧ كتاب التفسير، ومن سورة الأحزاب] وحسنه، والنسائي في الكبرى [٦/ ٤٣٤ كتاب، باب قوله: لا يحل لك النساء من بعد] والحاكم [٢/ ٤٧٤ كتاب التفسير، سورة الزمر] وقال على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبيهقي [٧/ ٥٤ كتاب النكاح، باب لا يجوز له أن يبدل من أزواجه] عن عبيد بن عمير، بنحوه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٥٣٩ كتاب النكاح، في قوله: لا يحل لك النساء من بعد] وابن أبي حاتم (١٠/ ٣١٤٧) بنحوه.\n(^٤) قول ابن جبير أشار إليه الثعالبي في تفسيره (٣/ ٢٣٤) وأورده في الدر المنثور (٦/ ٦٣٧) وعزاه إلى مسند عبد ابن حميد.\nوأما قول عطاء فقد أخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٥٣٩ كتاب النكاح، في قوله: لا يحل لك النساء من بعد]\n(^٥) سورة الأحزاب (٥٢).\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٢١) وابن أبي شيبة [٣/ ٥٣٩ كتاب النكاح، في قوله: لا يحل لك النساء من بعد] وابن أبي حاتم (١٠/ ٣١٤٧) بنحوه.\n(^٦) قول قتادة فقد أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٣١٦).\nوأما قول الزهري فقد أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٢١) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣١٤٦).","vol":"1","page":1485},{"text":"قال الله ﷿: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ﴾ قال الله ﷿: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١).\nوأجمع كل من انتهى إلينا تفسيره أن ذلك لا يحل لأحد بعد رسول الله - ﷺ - (^٢) ولا لامرأة أن تهب نفسها، ولا لأب أن يهب ابنته، وكانت هذه خالصة لرسول الله - ﷺ -، وكانت مما أرجأ.\nوهذه الآية تقرأ بالفتح والكسر (^٣) فمن قرأ: ﴿إِنْ وَهَبَتْ﴾ بالفتح فجعله خبرا لامرأة واحدة، ومنهم - وهم أكثر القراء - قرؤوها بالكسر ﴿إِنْ وَهَبَتْ﴾ يريدون كل امرأة وهبت، وهذا أحسن (^٤)، على أن النبي - ﷺ - لم يقبل موهوبة إلا واحدة وهي من الأزد (^٥)، وهي ممن أرجأ من نسائه قبل موته - ﷺ - (^٦).\n_________\n(^١) سورة الأحزاب (٥٠).\n(^٢) لوحة رقم [٢/ ٢٣٥].\n(^٣) قراءة الكسر قرأ بها العشرة، وقراءة الفتح قرأ بها أُبيّ والحسن وعيسى وسلام. ينظر: البحر المحيط (٧/ ٣٣٣) والدر المصون (٥/ ٤٢١) إتحاف فضلاء البشر ().\n(^٤) ووجه ذلك أشار إليه النحاس في معاني القرآن (٥/ ٣٦٢) قال: \" وكسر إن أجمع للمعاني؛ لأنه قيل: إنهن نساء، وإذا فتح كان المعنى على واحدة بعينها؛ لأن الفتح على البدل من امرأة، وبمعنى لأن\".\n(^٥) الأزد هم: أبناء الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن كهلان، من القحطانية، وهو أقسام كبيرة، ومن أعظم قبائل العرب وقد كان فيهم ملك ورئاسة. ينظر: العقد الفريد (٣/ ٣٢٦) ومعجم قبائل العرب (١/ ١٥).\n(^٦) هي أم شريك غزية بنت جابر بن حكيم الدوسية الأزدية، وخبرها قد أخرجه ابن سعد في الطبقات (٨/ ٣٢٣).","vol":"1","page":1486},{"text":"قال الله ﷿: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ (^١).\nقال أبي بن كعب: فرض عليهم مثنى وثلاث ورباع (^٢).\nوقال سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة: الأربع (^٣).\nومعنى ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ أي لم يضيق عليك أنت - خاصة فيما فوق الأربع إلى تسع - والله أعلم.\nقال الله ﷿: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ﴾ (^٤)\nكان النبي - ﷺ - أراد أن يطلق سودة بنت زمعة (^٥) ويستبدل لأنها طعنت في السن، وكان تزوجها بمكة بعد وفاة خديجة (^٦) فقالت: له أنا أعلم ما في نفسك لعائشة، فدعني في\n_________\n(^١) سورة الأحزاب (٥٠).\n(^٢) أورده النحاس في معاني القرآن (٥/ ٣٦١) وابن كثير في تفسيره (٣/ ٧٩٦).\n(^٣) قول مجاهد وقتادة فقد أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٣١٢) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣١٤٤).\nوأما قول سعيد بن جيبر فقد أشار إليه الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٢٣٩).\n(^٤) سورة الأحزاب (٥١).\n(^٥) هي: سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس القرشية العامرية، تزوجها النبي - ﷺ - بعد وفاة خديجة، ماتت سنة ٥٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٢٦٨) وتهذيب التهذيب (٨/ ١٩٦).\n(^٦) هي: خديجة بنت خويلد الأسدية، سيدة نساء قريش، وزوج النبي - ﷺ - وأم أولاده، وأول من آمن به، كانت تدعى قبل البعثة: الطاهرة، توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٢٦٨) والإصابة (٨/ ٩٩).","vol":"1","page":1487},{"text":"أزواجك وأقسم بيومي لعائشة، فقبل ذلك منها، فكان يقسم لعائشة بيومين ولسائر نسائه بيوم يوم، وبسببها نزلت: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ (^١).\nولما نزلت: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ آوى إليه عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب، وأرجأ الباقيات: سودة، وجويرية (^٢) وصفية، وميمونة، وأم حبيبة (^٣)، وكان يقسم لهن ما شاء، وكان أراد مفارقتهن فقلن: أقسم لنا ما شئت من نفسك ودعنا على حالنا ففعل (^٤)، فهذا هو الصحيح. وقد قال الشافعي (^٥) غير ذلك، قال: كن\n_________\n(^١) سورة النساء (١٢٨).\nأخرجه الحاكم في المستدرك [٢/ ٦٨ كتاب ٢٣٥٣] وصححه، والبيهقي [٧/ ٢٩٧ كتاب القسم، باب المرأة ترجع فيما وهبت ..] عن عائشة بنحوه،\nوهو في البخاري [١١٣١ كتاب النكاح، باب المرأة تهب يومها] ومسلم [٢/ ٨٧٩ كتاب الرضاع] عنها مختصرا.\n(^٢) هي: أم المؤمنين جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقية، وقعت في السبي في سهم ثابت بن قيس فكاتبته، فأعانها رسول الله - ﷺ - ثم تزوجها، ماتت سنة ٥٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٣٠٣) والإصابة (٨/ ٧٢).\n(^٣) هي: أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان بن أمية، أسلمت وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها فارتد وفارقها، فتزوجها رسول الله - ﷺ - وهي هناك، توفيت سنة ٤٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٢٩٢) والإصابة (٨/ ١٤١).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٥٠١ كتاب النكاح، في الرجل يكون له المرأة فيقول ..] والطبري في تفسيره (١٠/ ٣١٣) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣١٤٥) عن أبي رزين، بنحوه.\n(^٥) نسب المؤلف ﵀ هذا القول للشافعي، والظاهر أنه سبق قلم من الناسخ، وإنما هو قول الشعبي، وذلك لأمرين:\nالأول: أنه قد أخرج ابن أبي حاتم (١٠/ ٣١٤٥) وابن سعد في الطبقات (٨/ ٣٤٩) والبيهقي [٧/ ٥٥ كتاب النكاح، باب ما أبيح له من الموهوبة ..] عن الشعبي هذا القول بتمامه بهذا اللفظ.\nالثاني: أنني لم أجد للشافعي ﵀ قولا نحو هذا.","vol":"1","page":1488},{"text":"نساء وهبن أنفسهن للنبي - ﷺ -، فدخل بعضهن ولم يقربهن (^١) حتى توفي، ولم يُنْكَحْن بعده، منهن؛ أم شريك (^٢).\nوالأول هو الصحيح، قال هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂:؟ لما نزل: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ قالت: قلت: إن ربك ليسارع لك في هواك؟ (^٣)، وكان النبي - ﷺ - قد وسع عليه في ذلك، وجعل له من ذلك ما ليس لأحد بعده، وأُمِرْن بالرضا بما يفعله.\nقال الله جل ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ إلى: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (^٤)\nقال أنس بن مالك - ﵁ -:؟ أنا أعلم الناس بهذا الآية، لما أهديت زينب إلى رسول الله - ﷺ - كانت معه في البيت، وصنع طعامًا فجاء القوم فكانوا يأكلون وجلسوا، فكان النبي - ﷺ - يخرج والقوم مكانهم، ثم يرجع وهم (^٥) قعود، فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فضرب رسول الله - ﷺ - الحجاب وقام القوم؟ (^٦)\nوقال مجاهد في قوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ قال نضجه (^٧).\nقال بكر (^٨): ولما أنزل الله ﵎ في أمهات المؤمنين: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (^٩) فكن لا يجوز للناس كلامهن إلا من وراء حجاب، خصصن بذلك دون سائر الناس من النساء، ولا يجوز أن يرونهن منتقبات ولا منتشرات، وكذلك قال عمر - ﵁ - لما ماتت زينب بنت جحش: لا يخرج في جنازتها إلا ذو محرم منها، فلما وصف له النعش استحسنه ونادى في الناس: أن اخرجوا وصلوا على أمكم (^١٠)، وكانت عائشة ﵂ إذا طافت سُتِرت من الناس ولا تُشْرك في الطواف، وكذا طفن أزواج رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع بسترة بينهن وبين الناس (^١١).\nقال الله تبارك اسمه: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ (^١٢)\nقال رجل من الصحابة: لو قبض رسول الله صلى الله عليه تزوجت فلانة؛ فأنزل الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ (^١٣) والرجل القائل طلحة بن عبيد الله وهو ابن عمها (^١٤).\n\nقال الله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آَبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ﴾ الآية (^١٥)\nقال سفيان (^١٦) عن عمرو بن دينار (^١٧) عن محمد بن على (^١٨) قال: كان الحسن (^١٩)\n_________\n(^١) كذا في الأصل، والظاهر أن فيه سقطا، نحو: فدخل ببعضهن، وأرجا بعضهن فلم يقربهن، وقد جاء على هذا النحو في رواية الشعبي، كما في الحاشية التي قبل.\n(^٢) اختلف في اسمها: فقيل: هي بنت أنس بن رافع الأنصارية من بني عبد الأشهل، وقيل هي: بنت خالد بن خنيس بن زيد بن ساعدة الأنصارية الخزرجية وقيل: هي بنت أبي العكر بن سمي، وقيل: من بني عامر بن لؤي، قيل تزوجها النبي - ﷺ - ولم يدخل بها، ويقال إنها التي أمر النبي - ﷺ - فاطمة بنت قيس أن تعتد عندها. ينظر: الإصابة (٨/ ٥١٤)\n(^٣) أخرجه البخاري [١٠١٩ كتاب التفسير، سورة الأحزاب] ومسلم [٢/ ٨٧٩ كتاب الرضاع].\n(^٤) سورة الأحزاب (٥٣).\n(^٥) لوحة رقم [٢/ ٢٣٦].\n(^٦) أخرجه البخاري [١٠١٩ كتاب التفسير، سورة الأحزاب] عن أبي قلابة عن أنس، به.\nوأخرجه مسلم [٢/ ٨٥١ كتاب النكاح] عن الجعد أبي عثمان عن أنس، بمعناه.\n(^٧) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٣٢١) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣١٤٨) بنحوه.\n(^٨) هو: القشيري المؤلف.\n(^٩) سورة الأحزاب (٥٣).\n(^١٠) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٨/ ٣٠٠) به\n(^١١) ينظر في الهيئة التي كان عليها زوجات النبي - ﷺ - عند الطواف ما أخرجه البخاري [٣٢١ كتاب الحج، باب طواف النساء].\n(^١٢) سورة الأحزاب (٥٣).\n(^١٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره عن قتادة (٣/ ١٢٢) وحكى قول معمر: أن القائل طلحة بن عبيد الله - ﵁ -.\n(^١٤) هو: طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي القرشي، أبو محمد المدني، أحد السابقين الأولين المبشرين بالجنة، شهد أحدا وما بعدها، استشهد يوم الجمل سنة ٣٦ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ١١٤) والإصابة (٣/ ٤٣٠).\n(^١٥) سورة الأحزاب (٥٥).\n(^١٦) هو: ابن عيينةـ تقدم.\n(^١٧) هو: عمرو بن دينار المكي، تقدم.\n(^١٨) هو: الباقر، تقدم.\n(^١٩) هو: الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أمير المؤمنين أبو محمد، سبط رسول الله - ﷺ - وريحانته، حفظ عن النبي - ﷺ -، وقتل مسموما سنة ٥٠ هـ. ينظر: الإصابة (٢/ ٦٠).","vol":"1","page":1489},{"text":"والحسين (^١) ﵄ لا يريان أمهات المؤمنين، قال ابن عباس - ﵁ -: رؤيتهما لهن حلال (^٢).\nقال بكر: أحسب أن الحسن والحسين ذهبا في ذلك، إلى أن أبناء البعولة لم يذكروا في قصة أمهات المؤمنين، وإنما ذكروا في سائر النساء؛ لأن الله ﷾ قال في قصة أزواج النبي صلى الله عليه ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آَبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ فلم يذكر أبناء البعولة من أجل أن النبي - ﷺ - لم يكن له ولد ذكر بالغ، وعلم الله ﵎ أنه لا يكون له ولد لصلبه، ولا لهن مِنْ تَزَوجٍ بعده، فهذا مبتدأ (^٣)، وقال في سورة النور في سائر النساء وذكر أبناء البعولة، وابن عباس ذهب في ذلك إلى هذه الآية، وذهب الحسن والحسين ﵄ إلى الآية الأخرى.\nوأما قوله في سورة النور وسورة الأحزاب: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (^٤) فقد ذهب في ذلك قوم إلى أنهن الإماء ولم يعن به العبيد، قاله (^٥) سعيد بن المسيب (^٦).\nوذهب قوم إلى أنه العبيد (^٧)، وهو أعلى القولين، نبهان كان يدخل على\n_________\n(^١) هو: الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله المدني، سبط رسول الله - ﷺ - وريحانته، حفظ عن النبي - ﷺ -، وقتل مظلوما يوم عاشوراء سنة ٦١ هـ ينظر: والإصابة (٢/ ٦٧).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ١٢ كتاب النكاح، ما قالوا في الرجل ينظر إلى شعر أمه] وابن سعد في الطبقات (٨/ ٣٣٦) به.\n(^٣) أي: نزوله أسبق.\n(^٤) سورة النور (٣١) والأحزاب (٥٥) لكن ليس في آية الأحزاب: (أو ما ملكت) وإنما: (وما ملكت).\n(^٥) لوحة رقم [٢/ ٢٣٧].\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ١١ كتاب النكاح، ما قالوا في الرجل المملوك ..] به.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ١١ كتاب النكاح، ما قالوا في الرجل المملوك ..] عن: ابن عباس والشعبي - ﵃ -.","vol":"1","page":1490},{"text":"أم سلمة إلى أن أعتقته (^١).\nوقال أبو مالك (^٢) عن ابن عباس: لا بأس أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته (^٣)، وسليمان بن يسار مولى ميمونة كان يدخل إلى عائشة وإلى ميمونة إلى أن عتق، وقالت له: ادخلي (^٤) فإنك عبد ما بقي عليك درهم (^٥)، وكان ذكوان (^٦) مولاها يدخل عليها إلى أن أدى كتابته، ثم احتجبت عنه (^٧)\nوقال مجاهد: كن أمهات المؤمنين لا يحتجبن من مكاتب لهن ما بقي عليه من مكاتبته دينار أو مثقال (^٨).\nقال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (^٩)\nنا أحمد بن موسى قال نا القعنبي عن مالك عن نعيم عن عبد الله المجمر (^١٠):\n_________\n(^١) تقدم الخبر في سورة النور ص ١٨٤.\n(^٢) هو: غزوان الغفاري، تقدم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ١١ كتاب النكاح، ما قالوا في الرجل المملوك ١٧٢٧٠].\n(^٤) كذا في الأصل: ادخلي، هو سبق قلم كما هو ظاهر، وصوابه: أدخل، كما عند البيهقي.\n(^٥) أخرجه البيهقي [٧/ ٩٥ كتاب النكاح، باب ما جاء في إبدائها زينتها لما ملكت ..] بنحوه.\n(^٦) هو: ذكوان أبو عمرو مولى عائشة ﵂، كان يؤمها في الصلاة، قال العجلي: مدني تابعي ثقة، قتل بالحرة سنة ٦٣ هـ. طبقات ابن سعد (٥/ ١٤٥) وتهذيب التهذيب (٢/ ١٣٥).\n(^٧) لم أجده، وأورد ابن سعد في طبقاته (٥/ ١٤٥) عن محمد بن عمر أن عائشة قالت له: إذا واريتني فأنت حر.\n(^٨) رواه ابن أبي شيبة [٤/ ٣١٧ كتاب البيوع، في المكاتب عبد ما بقي عليه شيء] به.\n(^٩) سورة الأحزاب (٥٦).\n(^١٠) كذا في الأصل: نعيم عن عبد الله، وهو خطأ، والصواب نعيم بن عبد الله، كما جاء في المصادر التي خرجت الحديث.\nوهو: نعيم بن عبد الله المجمر، أبو عبد الله المدني، مولى آل عمر بن الخطاب، قال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ١٥٠) وتهذيب التهذيب (٥/ ٦٢٠).","vol":"1","page":1491},{"text":"أن محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري (^١) - وعبد الله - (^٢) هو الذي كان أُري النداء بالصلاة - أخبره عن أبي مسعود الأنصاري (^٣) أنه قال: أتانا رسول الله - ﷺ - في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد (^٤):؟ أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ قال فسكت رسول الله - ﷺ - حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال النبي - ﷺ -: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم؟ (^٥)\nنا أحمد بن موسى الشامي، قال ثا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد (^٦)، عن أبيه عن عمرو بن سليم الزرقي (^٧) أنه قال: أخبرني أبو حميد\n_________\n(^١) هو: محمد بن عبد الله بن زيد بن الحارث الأنصاري المدني، قال العجلي مدني تابعي ثقة. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ١٣٥) وتهذيب التهذيب (٥/ ١٥٥).\n(^٢) هو: عبد الله بن زيد بن جشم بن الحارث الأنصاري، أبو محمد المدني، شهد العقبة، والمشاهد كلها، وهو الذي أري الأذان، مات سنة ٣٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٢٧٦) والإصابة (٤/ ٨٤).\n(^٣) هو: عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري، أبو مسعود المدني، شهد العقبة، واختلف في شهوده بدرا، مات في إمارة المغيرة على الكوفة، وذلك بعد الأربعين. ينظر: الإصابة (٤/ ٤٣٢).\n(^٤) هو: بشير بن سعد بن ثعلبة بن جُلاس الأنصاري، شهد العقبة وبدرا، استعمله النبي - ﷺ - على المدينة في عمرة القضية، وأول من بايع أبا بكر - ﵃ -، قيل: قتل في عين التمر. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٢٧٤) والإصابة (١/ ٤٤٢).\n(^٥) أخرجه مسلم [١/ ٢٥٥ كتاب الصلاة] به\n(^٦) هو: عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن حزم الأنصاري، أبو محمد المدني، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث عالما، توفي سنة ٥٠ هـ. ينظر: تهذيب التهذيب (٣/ ١٠٣).\n(^٧) هو: عمرو بن سُليم بن خَلدة الزُّرقي الأنصاري، يقال له رؤية، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، مات سنة ١٠٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٦) وتهذيب التهذيب (٤/ ٣٣٠).","vol":"1","page":1492},{"text":"الساعدي (^١): أنهم قالوا:؟ يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال: رسول الله - ﷺ - قولوا: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد؟ (^٢) والحديث في هذا الباب يكثر والمعاني متقاربة والألفاظ تشتبه بالواحدة، وقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: إذا صليتم على النبي - ﷺ - فأحسنوا الصلاة عليه، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه، قالوا: فعلمنا، قال: قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المسلمين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك، إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة، اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون والآخرون، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وآل إبراهيم إنك حميد مجيد (^٣).\nقال بكر: صلاة الله رحمته وتشريفه لعبده، وصلاة الملائكة والبشر ومؤمني الجن دعا له ﵇.\nقال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (^٤)\n_________\n(^١) هو: عبد الرحمن بن عمرو وقيل بن سعد وقيل هو المنذر بن سعد بن المنذر الساعدي، شهد أحدا وما بعدها، وتوفي أول خلافة يزيد سنة ٦٠ هـ. ينظر: الإصابة (٧/ ٨٠).\n(^٢) أخرجه البخاري [٩٦٠ كتاب أحاديث الأنبياء، باب رقم ١٠] عن عبد الله بن مسلمة به، وأخرجه مسلم [١/ ٢٥٦ كتاب الصلاة] عن مالك، به.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه [١/ ١٦٤ أبوا ب إقامة الصلاة، باب الصلاة على النبي - ﷺ -] وأبو يعلى (٩/ ١٧٥) والطبراني في الكبير (٩/ ١١٥) به.\n(^٤) سورة الأحزاب (٥٩).","vol":"1","page":1493},{"text":"كن إماء (^١) بالمدينة يعرفن بالسوء من المذاهب، وكان السفهاء ربما يعرضوا لهن فربما ظنوا بالحرة أنها أمة فيعبثوا بها فأنزل الله ﷿ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ وذلك قبل نزول الحجاب إلى قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ لأنهم كانوا لا يتعنتون بحرة، فأمرن أن يدنين عليهن من جلابيبهن، يغطين الوجوه إلا فردَ عَينٍ، فإذا فعلت ذلك علم أنها حرة فلم يتعرض لها سفيه في طريق، هذا معنى ما وردت به التفاسير والروايات (^٢).\n_________\n(^١) لوحة رقم [٢/ ٢٣٨].\n(^٢) ينظر نحو ما ذكره المؤلف في تفسير عبد الرزاق (٣/ ١٢٣) وتفسيره الطبري (١٠/ ٣٣١).","vol":"1","page":1494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>ومن سورة سبأ</span>.\n\nقال الله ﵎: ﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (^١).\nعن النبي - ﷺ - أنه قال:؟ ثلاث من أوتيهن فقد أوتي ما أوتي آل داود، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: العدل في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السر والعلانية؟ (^٢) كل ما تقرب به إلى الله من صلاة وصيام وعمل من أعمال البر فهو شكر لله، قال النبي - ﷺ -:؟ أفلا أكون عبدا شكورا؟ (^٣) وذكر الله ﷿ في الخلوات، وتحميده تسبيحه وتكبيره؛ شكر، ألهمنا الله ذلك برأفته (^٤).\n_________\n(^١) سورة سبأ (١٣).\n(^٢) أورده في الدر المنثور (٦/ ٦٨١) وعزاه لابن المنذر، وهو في نوادر الأصول (٢/ ٧).\n(^٣) جزء من حديث أخرجه البخاري [٢٢٢ كتاب التهجد، باب قيام النبي - ﷺ - الليل] ومسلم [٤/ ١٧٢٢ كتاب صفات المنافقين] عن المغيرة بن شعبة.\n(^٤) قرر المؤلف ﵀ أن الشكر حقيقته التقرب إلى الله تعالى بالعبادات قولية أو فعليه، ونحو هذا قرر ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ١٢) قال: \" وحقيقة الشكر: استعمال النعمة في الطاعة، والكفران: استعمالها في المعصية \".","vol":"1","page":1495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>ومن سورة الملائكة</span>.\n\nقال الله ﷿: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (^١)\nاختلف المفسرون في هذه الآية فقال بعضهم: الكلم الطيب يرفع العمل الصالح (^٢).\nوقال بعضهم: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب (^٣).\nوقال الحسن ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ قال: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله، فإذا كان الكلام طيبا والعمل سيئا رد القول على العمل وكان عملك أحق بك من قولك (^٤).\nوالذي هو أصح في معنى هذه الآية: أن الكلم الطيب: التوحيد، فإذا صح توحيد العبد ارتفع عمله، وإذا لم يصح للعبد التوحيد لم ينفع العمل، والآية فيها تقديم وتأخير: قوله سبحانه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ الكلم الطيب، ولولا ذلك\n_________\n(^١) سورة فاطر (١٠).\n(^٢) هو قول مقاتل كما في تفسيره (٣/ ٧٣) وعزاه في معالم التنزيل (٣/ ٥٦٧) إليه وإلى الكلبي، وعزاه في زاد المسير ص ١١٥٩ إلى أبي صالح.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٣٩٩) عن: ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والضحاك.\nوأخرجه البيهقي في الشعب (١/ ٨٢) عن الضحاك، وأخرجه - أيضا - (٥/ ٣٣٨) عن شهر بن حوشب.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٣٤) به.","vol":"1","page":1496},{"text":"لم يصعد منه شيء، ألا تراه يقول: ﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ (^١) يعني المؤمنين من ذكر أو أنثى، فهذا معنى الآية عندي والله أعلم (^٢).\nقال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٣).\nخشية العبد لله على قدر علمه به، فكلما ازداد به علما ازداد له خشية، فأخشى الخلق لله الأنبياء ﵈، ثم الصديقون، ثم الأمثل فالأمثل، على قدر علمهم به خشيتهم ومراقبتهم له.\n_________\n(^١) سورة آل عمران (١٩٥).\n(^٢) هذا الذي قرره المؤلف ﵀ لمعنى الكلم الطيب والمراد بالرفع هنا معنى لطيف، قد قال به بعض السلف، وله فائدة دقيقة أشار إليها ابن الجوزي قال: \" فإذا قلنا: إن الكلم الطيب هو التوحيد، كانت فائدة هذا القول: أنه لا يقبل عمل صالح إلا من موحد \".\nوفسر ابن العربي الكلم بذكر الله ونحوه من الكلام الطيب، وجعل العمل الصالح رافعا للكلم الطيب، وعلل ذلك بقوله: \" لأن من خالف قوله فعله؛ فهو وبال عليه \" وعلى هذا أكثر السلف.\nينظر: تفسير الطبري (١٠/ ٣٩٨) وأحكام القرآن (٤/ ١٦) وزاد المسير ص ١١٥٩.\n(^٣) سورة فاطر (٢٨).","vol":"1","page":1497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>ومن سورة يس</span>.\n\nقال الله ﷿: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾ (^١)\nقال ابن عباس - ﵁ -: كانت منازل الأنصار بعيدة من المسجد فأرادوا أن (^٢) ينتقلوا إلى المسجد فنزلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾ فقالوا: نثبت مكاننا (^٣).\nوقال ابن جبير ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾ ما سنوا (^٤).\nوقال قتادة: خطاهم (^٥)، وقال عمر بن عبد العزيز ومجاهد نحو ذلك (^٦).\nوالمعنى - والله أعلم - فيما قدموا: أعمال الخير كلها، من قول وفعل؛ هو ما قدموا في حياتهم، وقوله: ﴿وَآَثَارَهُمْ﴾ ما كان بعدهم من ثواب حسن، وصدقات وولد صالح يعمل بأعمالهم، وسنن حسنة أثرها، فاستحسنها قوم فعملوا بها.\n_________\n(^١) سورة يس (١٢).\n(^٢) لوحة رقم [٢/ ٢٣٩].\n(^٣) أخرجه ابن ماجه [١ ب/١٤١ أبواب المساجد، باب الأبعد بالأبعد] والطبري في تفسيره (١٠/ ٤٢٩) والطبراني في الكبير (١٢/ ٨) به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ٢٠٣ كتاب الزهد، سعيد بن جبير] به.\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٤٣٠).\n(^٦) قول عمر بن عبد العزيز فقد أخرجه الصنعاني في تفسير (٣/ ١٤٠).\nوأما قول مجاهد فقد أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٤٣٠) وعلقه البخاري [١٣٢ كتاب الأذان، باب احتساب الآثار] مجزوما به.","vol":"1","page":1498},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>ومن سورة الصافات</span>.\n\nقوله الله ﷿: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ (^١)\nقال أبو عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر (^٢)، وأبو عبيدة معمر: لا تغتال عقولهم، ولا ينزفها فيذهبها، وأنشد أبو عبيدة:\nما زالت الكأس تغتالنا ... وتذهب بالأول الأول (^٣)\nوأنشد في قوله: ﴿غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ يعني سكرًا:\nلعمري لئن أنزفتمُ أو صحوتمُ ... لبئس الندامى كنتم آل أَبْجَرا (^٤)\nوالكأس التي يطاف بها في الجنة عليهم، قد أخبر الله ﷿ أنه أزال عنها الشدة المتلفة للعقول، فصارت حلالا، فدل بذلك أن تحريمه لها في الدنيا لبقاء الشدة فيها، والله أعلم.\n\nقال الله ﷿: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) سورة الصافات (٤٥ - ٤٧) في الأصل سقطت كلمة (عنها) وكذلك في الموضع الذي يليه.\n(^٢) هو: عيسى بن عمر الثقفي مولاهم، أبو عمرو البصري النحوي، كان إماما في القراءات واللغة والنحو، وعنه أخذ سيبويه والخليل بن أحمد، توفي سنة ١٤٩ هـ. ينظر: معرفة القراء الكبار (١/ ١٩٩) ومعجم الأدباء (٤/ ٥١٩).\n(^٣) مجاز القرآن (٢/ ١٦٩). وهو في لسان العرب مادة: غول\n(^٤) أورده النحاس في معاني القرآن (٦/ ٢٦)، وهو في اللسان مادة: نزف، ونسباه إلى الأُبيْرد.\n(^٥) سورة الصافات (١٤٠ - ١٤١).","vol":"1","page":1499},{"text":"قال عبد الله: أبق إباقا يعني يونس.\nوقال طاوس ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ﴾ قال: قيل: ليونس إن قومك يأتيهم العذاب يوم كذا وكذا، فلما كان يومئذ خرج يونس ففقده قومه، فخرجوا الصغير والكبير والدواب وكل شيء، فأتاهم العذاب حتى نظروا إليه، ثم صُرف عنهم فلما لم يصبهم، ذهب يونس مغاضبًا فركب في البحر في سفينة مع ناس، حتى إذا كانوا حيث شاء الله، ركدت السفينة فلم تسر، فقال صاحب السفينة: وما منعها أن تسير إلا أن فيكم رجلا مشؤوما، فاقترعوا ليلقوا أحدهم فخرجت القرعة على يونس فقالوا: ما كنا لنفعل بك هذا، ثم اقترعوا - أيضًا - فخرجت عليه حتى خرجت القرعة عليه ثلاثًا، فرمى بنفسه (^١)\n﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ قال قتادة: وهو مسيء (^٢).\nقال طاوس: بلغني أنه لما نبذه الحوت بالعراء وهو سقيم، نبتت عليه شجرة من يقطين - واليقطين: الدباء - فمكث حتى تراجعت إليه نفسه، ثم يبست الشجرة فبكى يونس حزنًا عليها، فأوحي إليه أتبكي على هلاك شجرة، ولا تبكي على هلاك مئة ألف أو يزيدون (^٣).\nقال أبو سلمة (^٤): وكان لما وعد قومه بالعذاب أن يصبحهم، قالوا: انظروه فإنه خرج من ليلته هذه فإن العذاب مصبحكم وإلا فإنه كبعض ما كان (^٥) يقول، فانتظروه حتى إذا كان السحر أخذ عصاه ومزوده وخرج من القرية، فلما أظلهم العذاب ثم كشف عنهم\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٥٥).\n(^٢) أخرجه البيهقي [١٠/ ٢٨٧ كتاب العتق، باب إثبات استعمال القرعة] به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٥٥) به.\n(^٤) الظاهر أنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، فهو مشهور بهذه الكنية، ومكثر من الرواية، وجرت طريقة المؤلف أن يقتصر على الكنية أو اللقب إذا كان الراوي معروفا بهما، وقد تقدم التعريف به.\n(^٥) لوحة رقم [٢/ ٢٤٠].","vol":"1","page":1500},{"text":"مر بيونس رجل بعد أن ارتفع النهار فقال يونس له: ما فعل أهل القرية، أنزل عليهم العذاب؟ قال: لا، فخرج مغاضبًا فركب السفينة فتحيرت، فقالوا: إن فيكم لشرا! فقال يونس: أنا صاحبكم فألقوني، فأبوا إلا يساهموه، فساهموه فكان من المدحضين، فالتقمه الحوت وهو مليم، فنادى في الظلمات: أن لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين، فألقاه الحوت (^١).\nوقال ابن عباس - ﵁ -: إنما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت (^٢) ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ فكانت الرسالة بعد.\nوقال شُهْر بن حَوشَب (^٣) فنودي الحوت: يا حوت إنا لم نجعل لك يونس رزقا، إنما جعلناك له حرزا ومسجدا (^٤).\nقال بكر: فجاء في هذه الآية ذكر المساهمة، ومعرفة يونس به أنه المراد بوقوع القرعة عليه وذلك آية من آيات الله.\nوأما المساهمة على مريم ﵍ فيمن تكفلها فإنه يدل على أنهم لما استوت حالهم فيمن يكفلها اقترعوا على ذلك.\nوأما إقراع النبي - ﷺ - بين نسائه إذا أراد سفرا (^٥)، فإن ظاهر ذلك - والله (^٦) - يدل على أنه كان يقسم بينهن في غير السفر ويقيم عند كل واحدة في اليوم الذي هو لها، فلما\n_________\n(^١) لم أجده، وفي معناه ما تقدم تخريجه عن طاوس.\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٥٣٢).\n(^٣) هو: شهر بن حوشب الأشعري، أبو سعيد، مولى أسماء بنت يزيد، قال ابن سعد: كان ضعيفا في الحديث، توفي سنة ١١١ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٢١١) وتهذيب التهذيب (٢/ ٥١٣).\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٥٣٢) به\n(^٥) خبر إقراع النبي - ﷺ - بين نسائه أخرجه البخاري [٥١٥ كتاب الهبات، باب هبة المرأة لغير زوجها] ومسلم [٤/ ١٥٠٩ كتاب فضائل الصحابة] عن عائشة ﵂.\n(^٦) كذا في الأصل، والسياق يقتضي زيادة نحو كلمة: أعلم، ليكون الكلام: ذلك - والله أعلم - يدل.","vol":"1","page":1501},{"text":"أراد السفر واحتاج إلى أن يسافر معه ببعضهن، جعل الحكم فيهن القرعة ليزيل عن قلوبهن الانحراف عن بعضهن إلى بعض، ويُطّيب بذلك أنفسهن، فكذلك ينبغي لكل من أراد أن يسافر بامرأة وله أربع أو دونهن، أقرع ليزيل الغم عن قلوبهن، إذ لا واجب عليه لواحدة منهن ولا لهن مقال عند سفره، وإنما القسم شيء يلزمه في الحضر دون سفره، وكان له أن يخرج أيتهن شاء ولكنه أراد أن يطيب أنفسهن.\nوأما قوله - ﷺ - للرجلين في الميراث:؟ تواخيا واستهما؟ (^١) فإن هذه هي القسمة التي تكون بين الشركاء، فعليهم أن يعدلوا ذلك بالقيمة ثم يستهموا فيكون لكل واحد منهم ما وقع له بالقرعة، ويجتمع لكل واحد منهم ما وقع له بالقرعة، ويجتمع لكل واحد منهم ما كان له في الملك مشاعا فيصير في موضع بعينه، إلا أن تكون الأملاك متباينة فيقسم لكل واحد منهم بقدر حصته، حتى يكون لكل واحد منهم من الجيد والرديء بقدر نصيبه.\nوأما ما جاء عن النبي - ﷺ - في القرعة بين الأعبد الستة الذين أعتقهم الرجل في مرضه (^٢)، فإن ذلك - والله أعلم - من نحو القسمة التي وصفناها؛ لأنه أعتق فتعدى فيما فعل، فلما مات رد فعله إلى الثلث الذي يجب له وقسم الرقيق (^٣) بينه وبين ورثته، فما\n_________\n(^١) جزء من حديث أخرجه أحمد (٦/ ٣٢٠) وأبو داود [كتاب الأقضية، باب في قضاء القاضي إذا أخطأ] وابن الجارود (١/ ٢٥٠) والحاكم [٤/ ١٠٧ كتاب الأحكام] وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، عن أم سلمة.\n(^٢) أخرجه أحمد (٤/ ٤٣٨) وأبو داود [٣/ ٤١٤ كتاب العتق، باب فيمن أعتق عبيدا له] والترمذي [٣/ ٧٩ كتاب، باب جاء فيمن يعتق مماليكه] وصححه، وأخرجه النسائي في الكبرى [٣/ ١٨٧ كتاب العتق، العتق في المرض] من حديث عمران بن حصين\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ٢٤١].","vol":"1","page":1502},{"text":"أصابه بالثلث بعد (^١) عتقه فيه، وما أصاب الورثة بالثلثين بطل العتق فيه، فاجتمع للميت بالقرعة نصيبه في بعض ذلك بعينه وكذلك الورثة.\nفكل ما تجوز فيه القسمة فعل فيه بعد التعديل على ما وصفنا، ولو أن رجلا وقف أسهما له في دار أو أرض لقسم ذلك، أقرع بين الموقف والشركاء، فما أصاب الوَقْفَ صار بعينه وقفا، وبطل ما سواه بالقرعة والله أعلم.\nقال الله ﷿: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ (^٢).\nيريد استسلما لما أمرا به.\nوقال الله: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي صرعه، وللوجه جبينان والجبهة بينهما، قال الكميت:\nفتله للجبين مُنْعَفِرا ... منه مَناطُ الوتِين مُنْقَضِبُ (^٣)\n﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (^٤).\nالذِبْحُ: المذبوح، والذَبْحُ الفعل.\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ويحتمل: نفذ، من النفاذ.\n(^٢) سورة الصافات (١٠٣).\n(^٣) أورد في اللسان مادة: تلل.\nقوله: منعفرا: عفره في التراب: مرغه فيه، أو دَسَّه وضرب به الأرض. القاموس مادة: عفر.\nوقوله: مناط الوتين: ناطه نوطا: عَلَّقَه. القاموس مادة: ناط.\nوقوله الوتين: الوتين: عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه. القاموس مادة: الوتنة.\nقوله: منقضب: قضبه يقضبه: قطعه. القاموس مادة: قضبه.\nومعنى البيت: أنه صرعه على الأرض متعفر الجنب منقطعا، فإن كان حيوانا فمعناه: أنه ذبحه.\n(^٤) سورة الصافات (١٠٧).","vol":"1","page":1503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>ومن سورة ص</span>.\n\nقال الله ﷿: ﴿وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (^١).\nقال الحسن: الفهم في القضاء (^٢).\nوقال مالك بن أنس: الخصوم والقضاة يقومون بالقسط (^٣).\nوقال مجاهد: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ قال: كان أشد أهل الدنيا سلطانا ﴿وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ قال: عدله، ما قال من شيء أنفذ، وهو إصابة القضاء وفهمه (^٤).\nوقال الشعبي: شاهدان أو يمين (^٥).\nوقال شريح: الشهود والأيمان (^٦) البينة على المدعي واليمين على المنكر.\nوقال أبو عبد الرحمن السلمي (^٧): ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ فصل القضاء (^٨).\n_________\n(^١) سورة ص (٢٠).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ٥٤١ كتاب البيوع والأقضية، في الحكم يكون هواه لأحد الخصمين] لكن قال العلم بدل الفهم.\nوفي الدر المنثور (٧/ ١٥٤) أورده بلفظه، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) لم أجده.\n(^٤) أورده في الدر المنثور (٧/ ١٥٢) وعزاه إلى الحاكم وعبد بن حميد بنحوه.\nوعلقه البخاري [٧٠٣ كتاب أحاديث الأنبياء، باب أحب الصلاة إلى الله] مجزوما به مختصرا.\n(^٥) أورده ابن كثير في تفسيره (٤/ ٤٧).\n(^٦) أخرج ابن أبي شيبة [٤/ ٥٤١ كتاب البيوع والأقضية، في الحكم يكون هواه لأحد الخصمين] والبيهقي [١٠/ ١٨١ كتاب الشهادات، باب ما جاء في قول الله ﷿] بنحوه.\n(^٧) هو: عبد الله بن حبيب بن رُبَيِّعَة بن السُّلمي، أبو عبد الرحمن الكوفي، روى عن علي وابن مسعود - ﵃ -، قال ابن عبد البر: هو عند جميعهم ثقة، توفي سنة ٧٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٤٤٨) وتهذيب التهذيب (٣/ ١١٥).\n(^٨) تفسر الثوري ص ٢٥٧.","vol":"1","page":1504},{"text":"قال: بكر الظاهر في اللغة في هذه الآية أن الخطاب والمخاطبة واحد، يقال: خاطبته خطابا ومخاطبة، وخاصمته خصاما ومخاصمة، وقاتلته قتالا ومقاتلة، قال الله ﷿: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (^١) قال: ما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها، إلا تكلمت بالحجة عليها (^٢)، فالصحيح في معنى هذه الآية - والله أعلم - أنه فصل المخاطبة بالحكم الذي آتاه الله ﵎ إياه (^٣).\nقال الله ﷿: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^٤).\nقال حماد (^٥) عن حميد (^٦): قال: لما استقضى إياس بن معاوية أتاه الحسن فبكى إياس فقال الحسن: ما يبكيك يا أبا واثلة؟ قال: بلغني أن القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة، فقال الحسن: إن فيما نص (^٧) الله ﵎ من نبأ داود وسليمان، ما يرد قول هؤلاء الناس يقول الله ﵎: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ (^٨) وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (^٩) فأثنى الله على سليمان ولم يذم داود، ثم قال الحسن: إن الله ﵎ أخذ على الحكام ثلاثا: لا يشتروا به ثمنا، ولا يتبعوا فيه الهوى، ولا يخشوا فيه أحدا، وتلا هذه الآية ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (^١٠) وقرأ ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^١١)\n\nقال الله ﷿: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ\nإِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ (^١٢).\nقال إسماعيل (^١٣) عن سليمان بن حرب، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد (^١٤) عن يوسف بن مِهْران (^١٥) عن ابن عباس: أن إبليس اتخذ تابوتا ووقف في الطريق يداوي\n_________\n(^١) سورة الزخرف (١٨).\n(^٢) أخرج عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٩٥) والطبري في تفسيره (١١/ ١٧٤) عن قتادة نحوه.\n(^٣) واختيار المؤلف في معنى فصل الخطاب في الآية الكريمة، قد صححه ابن العربي - أيضا - في أحكام القرآن (٤/ ٤٦).\n(^٤) سورة ص (٢٦).\n(^٥) هو: ابن سلمة، تقدم.\n(^٦) هو: ابن أبي حميد الطويل، تقدم.\n(^٧) كذا في الأصل: نص، وفي المصادر التي أخرجت الأثر: قص.\n(^٨) لوحة رقم [٢/ ٢٤٢].\n(^٩) سورة الأنبياء (٧٨ - ٧٩).\n(^١٠) سورة المائدة (٤٣ - ٤٤).\n(^١١) سورة ص (٢٦).\nوالأثر أورده الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٢٥٦) وابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٩٨) بسند ابن أبي حاتم، وعزاه إليه في الدر المنثور (٥/ ٦٥٠).\n(^١٢) سورة ص (٤٤).\n(^١٣) هو: ابن إسحاق القاضي.\n(^١٤) هو: علي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة التيمي، أبو الحسن البصري، قال ابن سعد: ولد وهو أعمى وكان كثير الحديث وفيه ضعف لا يحتج به، توفي سنة ١٢٩ هـ. طبقات ابن سعد (٧/ ١٣٠) وتهذيب التهذيب (١٩٤).\n(^١٥) هو: يوسف بن مهران البصري، لم يرو عنه إلا عبد الله بن زيد، وثقه أبو زرعة. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١١٥) وتهذيب التهذيب (٦/ ٢٦٠).","vol":"1","page":1505},{"text":"الناس، فأتته امرأة أيوب فقالت له: يا عبد الله إن هاهنا إنسانا مبتلى من أمره كذا ومن أمره كذا فهل لك أن تداويه؟ قال: نعم، على أني إن شفيته أن يقول لي كلمة واحدة: أنت شفيتني، لا أريد منه أجرا غيرها، فأخبرت بذلك أيوب، فقال: ويحك ذلك الشيطان، لله علي إن شفاني أن أجلدك مئة جلدة، فلما شفاه الله أمره أن يأخذ ضغثًا فيضرب به، فأخذ شماريخا (^١) مائة فضربها به ضربة واحدة (^٢).\nوقال مجاهد: الأَسَل (^٣).\nوقال ابن جبير: الضغث ما يقع من السنبل (^٤).\n_________\n(^١) قال في اللسان مادة: شمرخ: \" الشِّمْراخُ والشُّمْروخ: العِثْكالُ الذي عليه البُسْرُ، وأَصله في العِذْق.\n(^٢) أورده في الدر المنثور (٧/ ١٩٣) وعزاه إلى ابن أبي حاتم وعبد بن حميد.\n(^٣) لم أجده من قوله، لكن أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٥٩١) عن ابن عباس من طريق مجاهد، وقد وقع في نسخة الطبري: الأثل بدلا عن الأسل، ويظهر أنه تحريف، لأمرين:\nالأول: أن الضعث في كلام المفسرين وأئمة اللغة عبارة عن أعواد أو حشائش مجتمعة، قال في اللسان مادة: أسل: \" نبات له أغصان كثيرة دقاق، بلا ورق\" وفي معناها شماريخ النخل، بحيث يكون الضارب بها كمن ضرب مرارا، باعتبار أن كل عود منها في معنى الضربة الواحدة، فيحصل بها تحلة اليمين ولا يحنث، وهذه الصفة لا تتحقق في الأثل.\nالثاني: يقوي هذا أنه ورد بلفظ الأسل فيما أورده النحاس في معانيه (٦/ ١٢١) والشوكاني في فتح القدير (٤/ ٤٣٩).\n(^٤) قد أخرجه الطبري في تفسيره (٥/ ٣٦٧) عند ذكر خلاف السلف ﵏ في الحق الوارد في قوله تعالى: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ لكن قال فيها: الضغث وما يقع من السنبل، فجعل الحق عبارة عن الضغث أو ما يقع من السنبل، وهنا جعل المؤلف ﵀ ما يقع من السنبل هو معنى الضغث، والظاهر أن الصحيح ما جاء في رواية الطبري لأمرين:\nالأول: أن معنى الضغث في اللغة يدور على ما اجتمع من العيدان والحشيش ونحوهما كشماريخ النخل، والحب ليس كذلك.\nالثاني: أن الحب هو الذي يقع من السنبل، ومثل هذا لا يتصور حصول الضرب به، على نحو ما قُصد في الآية الكريمة.","vol":"1","page":1506},{"text":"وقال قتادة: عودا فيه تسعة وتسعون عودا والأصل تمام المائة فضرب به امرأته، وذلك أن امرأته أرادها الشيطان بعض الأمر، فقال لها: قولي لزوجك يقول: كذا وكذا، فقالت، فحلف حينئذ ليضربنها، فضربها تلك الضربة، فكانت تَحِلَّة ليمينه وتخفيفا لامرأته (^١).\nوقال عبيد بن عمير: حلف ليضربنها مئة سوط (^٢).\nوقال مجاهد: هي لأيوب خاصة رخصة (^٣).\nوالذي يدل عليه القرآن أنه كان خاصا؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ فلما أسقط عنه الحنث، كان بمنزلة من جعلت عليه كفارة فأداها، أو بمنزلة من لم يحلف؛ لأن الشرائع التي تعبد الله ﵎ بها خلقه في وقت ويسقطها عنهم في وقت آخر، وكذلك الناسخ والمنسوخ، نَسَخَ عنا هذا (^٤) قوله ﷿: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ (^٥) والذي يجلد الإنسان جلدة واحدة، فلم يجلد مئة جلدة، وإنما جلد جلدة واحدة، وكتاب الله الناسخ لسائر الكتب، والذي في أيدينا أولى أن يقتدى به (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٦٧) والطبري في تفسيره (١٠/ ٥٩١).\n(^٢) لم أقف عليه.\n(^٣) أورده الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٢٥٨) والسيوطي في الدر المنثور (٧/ ١٩٥) وعزاه إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أي نسخَ فعلَ أيوبَ - ﵇ - ما جاء في حد الزاني من جلدة مائة جلدة.\n(^٥) سورة النور (٢).\n(^٦) قرر المؤلف أن الحكم في الآية خاص بمن نزل عليه، وهو مما نسخ في شريعتنا، تبعا لما ذهب إليه الإمام مالك في المدونة (٣/ ١٤٠)، وقد بين ابن العربي علة ذلك، يقول: \" وإنما انفرد مالك في هذه المسألة عن قصة أيوب هذه لا عن شريعته، لتأويل بديع، وهو: أن مجرى الأيمان عند مالك في سبيل النية والقصد، أولى لقول رسول الله إنما الأعمال بالنيات، والنية أصل الشريعة، وعماد الأعمال، وعيار التكليف \". أحكام القرآن (٤/ ٧١).\nوخالف الأحناف في ذلك فأجازوا مثل هذا الفعل، وقد تكلم الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٢٥٨) عن هذه المسألة وناقش قول المالكية، وأورد كلام القاضي إسماعيل صاحب أصل هذا المخطوط، ولم يصرح باسمه، قال: \" وزعم بعض من يحتج لمذهب مالك بن أنس، أن ذلك لأيوب خاصة؛ لأنه قال: فاضرب به ولا تحنث، فلما أسقط عنه الحنث، كان بمنزلة من جعلت عليه الكفارة فأداها، أو بمنزلة من لم يحلف على شيء، وهذا حجاج ظاهر السقوط لا يحتج بمثله من يعقل ذلك؛ لتناقضه واستحالته ومخالفته لظاهر الكتاب، وذلك لأن الله تعالى أخبر أنه إذا فعل ذلك لم يحنث، واليمين تتضمن شيئين: حنثا أو برا، فإذا أخبر الله أنه لا يحنث، فقد أخبر بوجود البر، إذ ليس بينهما واسطة \".","vol":"1","page":1507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>ومن سورة الغرف وهي الزمر</span>.\n\nقوله ﷿: ﴿يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ (^١).\nقال عطاء: إذا عمل في أرض بالمعاصي فاهربوا (^٢).\nوقال ابن جبير: مجانبة أهل المعاصي، ومن أُمر بمعصية فليهرب (^٣).\nوقال مجاهد: إن أرضي (^٤) (^٥) فهاجروا واعتزلوا الأوثان (^٦).\nوهذا - والله أعلم - إذا عجز عن إنكار المنكر والأمر بالمعروف، وخاف على نفسه، وكانت المعاصي مظهرة معلنا بها، وجب على كل مؤمن الانتقال عن ذلك البلد.\n_________\n(^١) سورة الزمر (١٠) في الأصل كتب: (عباد الذين آمنوا إن أرضي واسعة) وهي في العنكبوت وإنما أراد آية الزمر.\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ١٥٦) بنحوه.\n(^٣) أخرج ابن أبي شيبة [٧/ ٢٠٣ كتاب الزهد، سعيد بن جبير] والطبري في تفسيره (١٠/ ١٥٦) آخره.\nوأما قوله مجانبة أهل المعاصي، فقد أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ١٥٦) لكن من قول عطاء.\n(^٤) كذا في الأصل، والسياق يقتضي زيادة نحو كلمة: واسعة، وهي كذلك في المصدر الذي أخرج الأثر.\n(^٥) لوحة رقم [٢/ ٢٤٣].\n(^٦) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٦٢٢) به.","vol":"1","page":1508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>ومن سورة المؤمن</span>.\n\nقوله ﷿: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (^١).\nقال ابن عباس: الرجل يكون في القوم، فتمر بهم المرأة فيريهم أنه يغض بصره عنها، فإذا رأى من القوم لحظة نظر إليها، فإذا خاف أن يفطنوا له غض بصره، وقد اطلع الله من قلبه أنه يود لو نظر إلى عورتها (^٢).\nوقال العلاء بن زياد (^٣): هذه هي النظرة الأولى فما بال الآخرة (^٤).\nوقال جرير بن عبد الله (^٥):؟ سألت رسول الله - ﷺ - عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري؟ (^٦).\nوقال عتبة (^٧) قال لي أبو موسى الأشعري: ما لي أرى عينك نافرة؟ فقلت: إني التفت التفاتة فإذا بجارية منكشفة فلحظتها لحظة، فصككتها صكة، فصارت إلى ما ترى،\n_________\n(^١) سورة غافر (١٩).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ٧ كتاب النكاح، ما قالوا في الرجل تمر به المرأة] به.\n(^٣) العلاء بن زياد بن مطر العدوي، أبو نصر البصري، أحد العباد، قال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث، توفي سنة ٩٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١١٤) وتهذيب التهذيب (٤/ ٤١٢).\n(^٤) لم أقف عليه.\n(^٥) هو: جرير بن عبد الله بن جابر البجلي، أسلم في العام الذي توفي فيه رسول الله - ﷺ -، قال له عمر: يرحمك الله نعم السيد كنت في الجاهلية ونعم السيد أنت في الإسلام، توفي سنة ٥١ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٧٥) والإصابة (١/ ٥٨٠).\n(^٦) أخرجه مسلم [٣/ ١٣٥٤ كتاب الآداب] به.\n(^٧) هو: عتبة بن غزوان الرقاشي البصري، روى عن أبي موسى، وروى عنه هارون بن رئاب. ينظر: الثقات (١/ ٢٥١) وتهذيب التهذيب (٤/ ٦٥).","vol":"1","page":1509},{"text":"فقال أبو موسى: استغفر ربك! فإنك قد ظلمت عينك، لك أول نظرة وعليك ما بعدها (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٢٦١).","vol":"1","page":1510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>ومن سورة حم السجدة</span>.\n\nقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (^١)\nقُرِئت هذه الآية عند أبي بكر، قال: هم الذين (^٢) يشركون بالله بعد إيمانهم (^٣).\nوقرأ عمر هذه الآية - على المنبر - وقال: ولم يروغوا روغان الثعلب (^٤).\nوقال مجاهد وجماعة مثل ذلك (^٥).\nوقال أبو العالية: أخلصوا له الدين والعمل (^٦).\nوكان الحسن يقول: اللهم ارزقنا الاستقامة، ويتلو: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (^٧) هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب الخلق إلى الله (^٨).\n\nوقال زيد بن أسلم ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (^٩) وحدوا الله\n_________\n(^١) سورة فصلت (٣٠).\n(^٢) كذا في الأصل، والسياق يقتضي زيادة: لا، ليكون الكلام: الذين لا يشركون، ونحو هذا جاء عند الطبري (١١/ ١٠٦).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٨٧) والطبري في تفسيره (١١/ ١٠٦) به.\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ١٠٧) به.\n(^٥) أخرج الطبري في تفسيره (١١/ ١٠٧) عن مجاهد مثل قول أبي بكر - ﵁ -.\n(^٦) أورده الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٢٦٢) وابن كثير (٤/ ١٤٩) والسمرقندي في تفسيره (٣/ ٢١٥) به.\n(^٧) سورة فصلت (٣٣).\n(^٨) أخرجه المروزي في الزهد ص ٥٠٧ بنحوه، والطبري في تفسيره (١١/ ١٠٧) مفرقا في موضعين.\nوأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٨٧) دون أوله.\n(^٩) سورة فصلت (٣٤).","vol":"1","page":1511},{"text":"ثم استقاموا على طاعته، وندموا على تفريط إن كان، تأتيهم الملائكة عند الموت فتقول: لا تخف مما أنت قادم عليه، ولا تحزن على الدنيا ولا على أهلها، ويذهب الله خوفه وحزنه وتبشره الملائكة بالجنة (^١).\nوكذلك قال مجاهد: أنها عند الموت (^٢)، وكذا هو، والله أعلم (^٣).\nقال الله ﷿: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (^٤).\nروي عن ابن عباس - ﵁ -: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ (^٥) قال: هما الرجلان يتقاولان فيقول أحدهما لصاحبه: يا صاحب كذا وكذا، قال: يدفع السيئة يقول: إن كنت صادقًا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبًا فغفر الله لك (^٦).\n\nوقال عطاء: يقول: السلام عليكم (^٧).\nوقال (^٨) قتادة ﴿ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (^٩) قال: الجنة (^١٠).\n_________\n(^١) أخرج الطبري في تفسيره (١١/ ١٠٨) بعضه، وأورده في الدر المنثور (٧/ ٣٢٣) بنحوه، وعزاه إلى ابن أبي حاتم وابن أبي شيبة، وقد بحثت عنه في مظانه منهما فلم أجده.\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ١٠٨) به.\n(^٣) وذهب ابن العربي في أحكام القرآن (٤/ ٨٤) إلى أن تنزل الملائكة يكون كل يوم، قال: \" وأنا أقول في كل يوم، وآكد الأيام يوم الموت، وحين القبر، ويوم الفزع الأكبر، وفي ذلك آثار بيناها في مواضعها ويتأكد عن\".\n(^٤) سورة فصلت (٣٤).\n(^٥) سورة المؤمنون (٩٦).\n(^٦) أورده النحاس في معاني القرآن (٦/ ٢٦٩) به.\n(^٧) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ١١١) بنحوه.\n(^٨) لوحة رقم [٢/ ٢٤٤].\n(^٩) سورة فصلت (٣٥). في الأصل (لذو حظ) وهو خطأ، فتلك في سورة القصص آية رقم (٧٩).\n(^١٠) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٨٨).","vol":"1","page":1512},{"text":"وقال الحسن: كان رجل في حلقتنا فسمع الآية فقال: أعدها، ثم قام إلى رجل بينه وبينه شيء فكلمه، قال الحسن: كذلك المؤمن إذا سمع شيئًا انتفع به (^١).\nومعنى ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ (^٢) قابل من أساء بالإحسان يجتمع لك الثوابان، ويندم المسيء.\nوأما الآية الأخرى: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ (^٣) فهذه توجب على المسلم العاقل معاشرة الصديق والعدو بالجميل، فأما الصديق فتتمكن مروءته ويزيد إخلاصه، وأما العدو فلعله يندم فإن لم يندم أمسك وقل أذاه.\n\n(^٤) وقد روي عن النبي - ﷺ - أن السجدة في هذه السورة بالآية الأولى (^٥).\nوكان مسروق وأصحاب عبد الله (^٦) وأبو عبد الرحمن السلمي (^٧) وإبراهيم (^٨) وأبو صالح يحي بن وثاب (^٩) وطلحة (^١٠) وزبيد (^١١) يسجدون في الآية الأولى من حم السجدة (^١٢).\n_________\n(^١) لم أجده.\n(^٢) سورة المؤمنون (٩٦).\n(^٣) سورة فصلت (٣٤).\n(^٤) كذا في الأصل، لم يكتب الآية التي فيها السجدة، وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا! الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (فصلت: ٣٧).\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة [١/ ٣٧٢ كتاب الصلوات، باب من كان يسجد بالأولى]\n(^٦) هو ابن مسعود، تقدم.\n(^٧) هو: عبد الله بن حبيب بن رُبَيِعة، أبو عبد الرحمن السلمي، شهد مع علي صفين، قال ابن سعد عم ابن عمر: كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة ٧٢ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٤٤٧) وتهذيب التهذيب (٣/ ١١٥).\n(^٨) هو النخعي، تقدم.\n(^٩) كذا في الأصل أن أبا صالح هو يحيى بن وثاب، والظاهر أنه خطأ من الناسخ، وإنما هو أبو صالح ويحي ابن وثاب، وذلك لأمرين:\nالأول: أن القول بالسجود عند هذا الموضع، قد قاله أبو صالح، ويحيى بن وثاب، كما يأتي الإشارة إليه في الحاشية بعده.\nالثاني: لم ينقل أحد من أهل التراجم والرجال - فيما وقفت عليه - أن كنية يحيى بن وثاب هي أبو صالح.\nوإذًا فأبو صالح هو: مولى ابن عباس، وقيل: مولى أم هانئ، قلت: وقد تقدم ترجمة مولى أم هانئ، وقيل: هو ميزان البصري، قال عنه ابن معين: ثقة مأمون. ينظر: تهذيب التهذيب (٥/ ٥٧٢).\nوأما يحيى بن وثاب فهو: يحي بن وثاب الكوفي، مولى بني كاهل من بني أسد بن خزيمة، قال العجلي: تابعي ثقة مقرئ الكوفة، توفي سنة ١٠٣ هـ. ينظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٩/ ١٩٣) ومعرفة القراء الكبار (١/ ٦٥).\n(^١٠) هو: طلحة بن مُصرّف بن عمرو بن كعب اليامي، أبو محمد الكوفي، قال ابن إدريس: كانوا يسمونه سيد القراء، مات سنة ١١٢. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥١٢) وتهذيب التهذيب (٣/ ١٩).\n(^١١) هو: زبيد بن الحارث بن عبد الكريم بن اليامي، أبو عبد الرحمن الكوفي، قال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث وكان في عداد الشيوخ، مات سنة ١٢٢ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥١٣) وتهذيب التهذيب (٢/ ١٨٨).\n(^١٢) أما الأثر عن ابن مسعود فقد أخرجه الحاكم [٢/ ٤٧٩ كتاب التفسير] وصححه، والبيهقي [٢/ ٣٢٦ أبواب سجود التلاوة، باب رقم ٤٦١] والطبراني في الكبير (٩/ ١٤٧).\nوأما أثر السلمي وأبو صالح وطلحة والنخعي وزبيد، فقد أخرجه ابن أبي شيبة [١/ ٣٧٢ كتاب الصلوات، باب من كان يسجد بالأولى].\nوأما قول ابن وثاب فقد أشار إليه ابن العربي في أحكام القرآن (٤/ ٨٧).","vol":"1","page":1513},{"text":"وقال نافع (^١) ابن عمر: إنه كان يسجد بالأولى (^٢).\n_________\n(^١) كذا في الأصل والسياق يقتضي زيادة: عن بعد نافع\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة - الإحالة السابقة - والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٦٠)","vol":"1","page":1514},{"text":"وكان الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، ومالك بن أنس، يرون السجود في هذه السورة عند قوله سبحانه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (^١)\nوكان ابن عباس - ﵁ - يسجد في الآيتين من حم السجدة وفي الآخرة ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (^٢)، وأبو وائل (^٣) وبكر بن عبد الله المزني (^٤) وقتادة يسجدون عند قوله:\n\n﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (^٥).\nقال الله ﷿: (^٦) ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) سورة فصلت (٣٧).\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق [٣/ ٣٣٩ كتاب فضائل القرآن، باب كم في القرآن من سجدة] عن الحسن\nوأخرجه ابن أبي شيبة [١/ ٣٧٢ كتاب الصلوات، من كان يسجد في الأولى] عن الحسن وابن سيرين.\nوأما قول مالك فهو في رسالة ابن أبي زيد القيرواني ص ٤٥ وأحكام القرآن لابن العربي (٤/ ٧٨) ومواهب الجليل (٢/ ٣٦٢).\n(^٢) سورة فصلت (٣٨).\nأخرجه عبد الرزاق [٣/ ٣٣٨ كتاب فضائل القرآن، باب كم في القرآن من سجدة] والحاكم [٢/ ٤٧٩ كتاب التفسير، سورة فصلت] وصححه، والبيهقي [٢/ ٣٢٦ أبواب سجود التلاوة، باب رقم ٤٦١].\n(^٣) هو: شقيق بن سلمة، تقدم.\n(^٤) هو: بكر بن عبد الله بن عمرو المزني، أبو عبد الله البصري، قال ابن سعد: كان ثقة ثبتا مأمونا حجة وكان فقيها، مات سنة ١٠٨ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١١٠) وتهذيب التهذيب (١/ ٣٦٣).\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة [١/ ٣٧٢ كتاب الصلوات، باب من كان يقول السجود في الآية الأخرى ..] عن: ابن عباس، وابن سيرين، والنخعي، وأبي وائل.\nوأخرجه في شرح معاني الآثار (١/ ٣٦٠) عن قتادة وأبي وائل.\nوأما قول المزني فقد أورده ابن العربي في أحكام القرآن (٤/ ٧٨).\n(^٦) لوحة رقم [٢/ ٢٤٥].\n(^٧) سورة فصلت (٤٠).","vol":"1","page":1515},{"text":"قال مجاهد والضحاك: هذا وعيد (^١)، بل هو مجاوز الوعيد.\nوقال أبو عبيدة: هذا وعيد وزجر وإن كان بلفظ الأمر (^٢).\nقال الله ﵎: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (^٣).\nقال قتادة: لا يستطيع الشيطان أن يبطل منه حقا، ولا يحق منه باطلًا (^٤).\nوقال الحسن: حفظه الله عز وعلا من الشيطان، فلا يزيد فيه باطلًا ولا ينقص منه حقًا، وتلا ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٨٩) والطبري في تفسيره (١١/ ١١٦) وعلقه البخاري في صحيحه [١٠٢٩ كتاب التفسير، سورة حم السجدة].\nوأما قول الضحاك فقد أورده ابن كثير في تفسيره (٤/ ١٥٤).\n(^٢) ينظر: مجاز القرآن (٢/ ١٩٧).\n(^٣) سورة فصلت (٤١).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٨٨) به.\n(^٥) سورة الحجر (٩).\nوالأثر لم أجده عن الحسن، وقد أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٤٥) والطبري في تفسيره (٧/ ٤٩٤) عن قتادة به.","vol":"1","page":1516},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>ومن سورة حم عسق</span>.\n\nقوله عز وعلا: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ (^١)\nأخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأتفوي، قال: أنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءة عليه في منزله بمصر، سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وأنا أسمع، قال: قال قتادة: الحلال والحرام (^٢).\nوقال الحكم (^٣): جاء نوح بشريعة تحرم الأمهات والأخوات والبنات (^٤).\nوقال أبو العالية: الإخلاص لله وعبادته لا شريك له، ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ لا تتعادوا عليه وكونوا عليه إخوانا ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ الإخلاص له. (^٥)\n﴿يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٦) نجتبيهم من الشرك إلى الإخلاص.\nوقال مجاهد: ما وصى به نوحا وصاك به وأنبياءه كلهم، دينا واحدا\n\n﴿يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال: يخلص لنفسه من يشاء. (^٧)\n_________\n(^١) سورة الشورى (١٣).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٩٠) والطبري في تفسيره (١١/ ١٣٥) به.\n(^٣) هو: الحكم بن عُتَيْبَة الكندي مولاهم، أبو محمد الكوفي، قال ابن سعد: كان ثقة ثقة فقيها عالما رفيعا كثير الحديث، توفي سنة ١١٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٢١) وتهذيب التهذيب (١/ ٦٤٠).\n(^٤) أورده في الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ١٤) وفي الدر المنثور (٧/ ٣٤٠) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) أورده السمرقندي في تفسيره (٣/ ٢٢٦).\n(^٦) سورة الشورى (١٣).\n(^٧) أخرجه الطبري (١١/ ١٣٥) بنحوه مفرقا في موضعين.","vol":"1","page":1517},{"text":"قال الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (^١).\nقال إبراهيم (^٢): كان يكره لهم أن يستذلوا، قالوا: كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق. (^٣)\nوهذا عندي - والله أعلم - فيما كان لله ﵎، من أمر بحق أو نهي عن باطل ومنكر، فمن فعل ذلك لا ينبغي له أن يصبر على المذلة، بل يعز نفسه ففي ذلك إعزاز الدين، فأما إذا كان البغي عليه في نفسه لا يتعدى إلى الشريعة، فصبر واحتسب فذلك حسن، وفاعله لَحَقه من الله التوفيق، وما يلقى مثل ذلك إلا الذين صبروا ومُنّ عليهم بالحظ العظيم.\nقال الله ﵎: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (^٤).\nالسيئة هاهنا قد تكون القتل، والجراح، والقذف، والسب، وتعد في المال، وغير ذلك من أفعال القبيحة، فمن فُعل به شيء من ذلك فالعفو فيه أفضل، وإن أحب القصاص فله أن يفعل مثل الذي أتي إليه وجني عليه، لا يتعداه بزيادة ولا يعدل بالعقوبة إلى غير فاعله، وقد تؤخذ من الجراح المال ومن تخريق الثوب قيمته وما أشبه ذلك، فليس المعاقب يسيء إذا لم يتعد حقه.\nوإنما سمي بالإساءة للمجاورة فقيل: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ فسمي المقتص باسم المبتدئ المسيء، كما قيل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (^٥)\n_________\n(^١) سورة الشورى (٣٩)\n(^٢) هو النخعي، تقدم.\n(^٣) أخرجه وابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٢٧٩) وعلقه البخاري في صحيحه [٤٨٥ كتاب المظالم، باب الانتصار من الظالم] بنحوه.\n(^٤) سورة الشورى (٤٠).\n(^٥) سورة النحل (١٢٦).","vol":"1","page":1518},{"text":"والأول ليس بمعاقِب إنما المعاقِب المجازي، ولكنه سمي باسم المقتص للمجاورة، والله أعلم.\nقال الله ﷿: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (^١).\nكل من فعل فعلا ليس له أن يفعله فهو ظالم، ولمن فُعِل به أن يقتص وهو انتصاره ولا سبيل عليه ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ (^٢) فأما المظلوم فله السبيل إلى أخذ حقه وما وجب له في بَشَرِه أو مال، والله أعلم.\nقال الله عز وعلا: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (^٣).\nروى سعيد بن زيد (^٤) عن عثمان الشحام (^٥) قال: حدثني محمد بن\n\nواسع (^٦) قال: قدمت من مكة فإذا على الحِلَقِ مَنْظَرَة (^٧) فأخذوني، فانطلقوا بي إلى مروان (^٨) وهو أمير على البصرة فرحب بي وقال: ما حاجتك يا أبا عبد الله؟ أن تكون\n_________\n(^١) سورة الشورى (٤١).\n(^٢) سورة الشورى (٤٢).\n(^٣) سورة الشورى (٤٢).\n(^٤) هو: سعيد بن زيد بن درهم الأزدي الجَهْضَمي، أبو الحسن البصري، قال ابن حبان: كان صدوقا حافظا ممن كان يخطئ، توفي سنة ١٦٧ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٤٥) وتهذيب التهذيب (٢/ ٣٠٨).\n(^٥) هو: عثمان بن عبد الله وقيل: ابن ميمون الشحام العدوي، أبو سلمة البصري، قال ابن حجر: لا بأس به من السادسة. ينظر: الكاشف (٢/ ٢٢٦) وتقريب التهذيب ص ٦٧٠.\n(^٦) هو: محمد بن واسع بن جابر الأزدي، أبو بكر البصري، قال العجلي: عابد ثقة، توفي سنة ١٢٣ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٢٤) وتهذيب التهذيب (٥/ ٢٩٧).\n(^٧) قوله: منظرة، أي رقباء. ينظر: اللسان مادة: نظر.\n(^٨) هو: مروان بن المهلب بن أبي صفرة بن ثعلبة بن مازن الأزدي، كان بنو المهلب أهل إمارة وشرف، حتى غضب عليهم عبد الملك بن مروان، فهم بقتلهم حتى شفع لهم سليمان بن عبد الملك. ينظر: تاريخ دمشق (٥٧/ ٣٦٠)","vol":"1","page":1519},{"text":"كما قال أخو بني عدي العلاء بن زياد (^١) استعمل صديقا له على عمل، فكتب إليه أما بعد: إن استطعت ألا تبيت إلا وظهرك خفيف، وبطنك خميص، وكفك نقية من دماء المسلمين وأموالهم، فإنك إذا فعلت ذلك لم يكن عليك سبيل ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ الآية، فقال مروان: صدق - والله - ونصح، ثم قال: حاجتك يا أبا عبد الله؟ قلت: حاجتي أن تلحقني بأهلي، قال: نعم (^٢).\nقال بكر: وهذه الآية والذي قال فيها محمد بن واسع قول حسن، قصد به لأمر الآخرة (^٣) لأنها مَقْصِده ومقصد أمثاله، ويدخل فيها من الفقه أمر الدنيا - أيضا - أن لكل مظلوم مقالا على الظالم، وسبيلا إلى مطالبته واستيفاء حقه، ألا ترى أنه قال سبحانه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (^٤).\n_________\n(^١) هو: العلاء بن زياد بن مطر بن شريح العدوي، تقدم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ٢٤٥ كتاب الزهد، باب ما قالوا في البكاء ..] وابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٢٨٠).\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ٢٤٦].\n(^٤) سورة الإسراء (٣٣).","vol":"1","page":1520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>ومن سورة الزخرف</span>.\n\nقوله ﷾: ﴿وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ (^١).\nقال سليمان بن يسار: كان قوم في سفر وكان معهم رجل على ناقة رازم (^٢)، فكانوا إذا ركبوا قالوا: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، فقال هو: أما أنا فقد أصبحت لهذه مقرنا، فقمصت به (^٣) فوقع فاندقت عنقه (^٤).\nوقال أبو جعفر محمد بن علي وركب على جمل صعب، فقيل له: أما تخاف أن يصرعك! فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال:؟ على كل سنام بعير شيطان، فإذا ركبتموها فاذكروا اسم الله كما أمركم، ثم امتهنوها لأنفسكم فإنما يحمل الله ﷿؟ (^٥)\nوركب علي رضوان الله عليه دابة، فلما وضع رجله في الركاب قال: باسم الله، فلما استوي على الدابة قال: الحمد لله، ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ حتى ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (^٦) ثم قال: الحمد لله ثلاثا، والله أكبر ثلاثا، اللهم لا إله إلا أنت ظلمت نفسي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، فقلنا ما يضحكك؟ قال: رأيت رسول الله صنع كما صنعت، وقال كما\n_________\n(^١) سورة الزخرف (١٣).\n(^٢) قال في اللسان مادة: رزم \" أَي لا تتحرك من الهُزال\"\n(^٣) قال في اللسان مادة: قمص: \" فقمصت به ... أَي وثَبَت ونَفَرَت فأَلْقَتْه\".\n(^٤) أورده في الدر المنثور (٧/ ٣٦٩) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٩١ كتاب الدعاء، في الرجل يركب الدابة] وعبد الرزاق [٥/ ١٥٨ كتاب المناسك، باب القول في السفر] به.\n(^٦) سورة الزخرف (١٤).","vol":"1","page":1521},{"text":"قلت ثم ضحك، فقلنا: ما يضحكك يا رسول الله؟ فقال:؟ إن العبد إذا قال: اللهم لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيره؟ (^١) وروي عن الحسين بن علي رضوان الله عليه أنه علم رجلا مثل ذلك (^٢).\nوكان علقمة (^٣) إذا ركب يقول ذلك (^٤).\nوقال مجاهد: يُفعل ذلك في الإبل والخيل والبغال والحمير إذا رُكبت (^٥).\nوقال قتادة: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ يقول: في القوة (^٦).\nقال الله عز وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (^٧).\nليس يشفع عيسى، ولا عزير، ولا الملائكة، إلا لمن وَحَّدَ الله وشهد بشهادة الإخلاص، وهو يعلم أن الله ﵎ حق، وكل من دونه عبد له، من عيسى وعزير وغيرهم، فأما من لم يشهد بهذه الشهادة موقنا من قلبه، عارفا بأن كل من ادعى من عيسى وعزير وغيرهما من دون الله باطل فلا يشفع له شافع، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٩٥) وأحمد (١/ ٩٧) وأبو داود [٢/ ٣٧٩ كتاب الجهاد، باب ما يقول الرجل إذا ركب] والترمذي [٥/ ٢٤٨ كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا ركب دابته] وصححه، والنسائي في الكبرى [٥/ ٢٤٨ كتاب السير، باب التسمية عند ركوب الدابة] والبيهقي [٥/ ٢٥٢ أبواب السفر، باب ما يقول إذا ركب] بنحوه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٩١ كتاب الدعاء، في الرجل يركب الدابة ..] وهو عند الطبري في تفسيره (١١/ ١٧١)، وفيه: الحسن، بدلا عن الحسين، وأخرجه الطبراني في الدعاء ص ٢٤٦.\n(^٣) هو: ابن قيس النخعي، تقدم.\n(^٤) لم أجده.\n(^٥) أخرجه في الطبري في تفسيره (١١/ ١٧١) به.\n(^٦) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ١٧١) به.\n(^٧) سورة الزخرف (٨٦).","vol":"1","page":1522},{"text":"لم يأت في الدخان والجاثية بتفسير.\n\nومن سورة الأحقاف.\n\nقال الله ﵎: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (^١)\nقال وهب بن كيسان (^٢) وغيره: إن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: لقيني عمر بن الخطاب وقد اشتريت لحما بدرهم، فقال: ما هذا! فقلت: لي نسوة وصبيان قَرَمَوا (^٣) إلى هذا اللحم واشتهوه، وقال: إذا اشتهى أحدكم اللحم اشتراه (^٤) وجاره وابن عمه طاو إلى جنبه، قال: فأعاد ذلك عليّ حتى ظننت ألا أنجو منه، ثم تلا هذه الآية ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ الآية (^٥).\nوقال الحسن: قيل لعمر بن الخطاب - ﵁ -: يا أمير المؤمنين ألا تصيب من طيب الطعام؟ فقال: إني سمعت الله ذكر قوما في كتابه فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ فوالله لولا ذلك لشركتكم في طيب الطعام، قال: وكان عمر يخاصم بالقرآن (^٦).\n_________\n(^١) سورة الأحقاف (٢٠).\n(^٢) هو: وهب بن كيسان القرشي مولاهم، أبو نعيم المدني، قال العجلي: مدني تابعي ثقة، توفي سنة ١٠٩ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٢٦٠) وتهذيب التهذيب (٦/ ١٠٤).\n(^٣) قال في القاموس المحيط مادة: قرم: \" القرم ... شدة شهوة اللحم \".\n(^٤) لوحة رقم [٢/ ٢٤٧].\n(^٥) أخرجه الحاكم [٢/ ٤٩٢ كتاب التفسير، سورة الأحقاف] عن عمر بن دينار عن ابن عمر، وابن أبي شيبة [٥/ ١٤٠ كتاب العقيقة، الرجل يشتري اللحم لأهله] عن الأعمش عمن حدثه عن عمر، ومالك [٢/ ٧٣١ كتاب صفة النبي - ﷺ -، باب ما جاء في أكل اللحم] من طريق يحيى بن سعيد، بنحوه.\n(^٦) أورده الثعالبي في تفسيره (٤/ ١٥٣) وابن عطية في المحرر الوجيز (٤/ ١٠١) بمعناه.","vol":"1","page":1523},{"text":"وهذا من عمر وابن عمر (^١) لما كانا عليه من الشديد على أنفسهما، وكلما زاد إيمان العبد اشتد خوفه، وكلما قويت معرفته بالله كان أشد خوفا، ولم يحرم الله ﵎ ما خلق من الطيبات إذا قدر عليها من الحلال، وإنما تركها من تركها خوفا من الفتنة بها، وأن تكون ذريعة إلى المحرمات إشفاقا، والله أعلم.\nقال الله ﵎: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^٢).\nحدثنا محمد بن الحسين بن مكرم (^٣)، وحدثني أبي (^٤) قالا: حدثنا محمد بن يسار بُنْدار (^٥) قال: حدثنا يحي بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن صفوان ابن سليم (^٦)، عن أبي سلمة (^٧)، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - في قوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ\nعِلْمٍ﴾ قال:؟ الخط؟ (^٨).\n_________\n(^١) لم يرد ذكر ابن عمر في ما سبق من روايات، وقد بحثت عن أثر له بهذا المعنى فلم أجد، فربما ذكره هنا لأنه هو الراوي عنه أبيه - ﵃ -.\n(^٢) سورة الأحقاف (٤).\n(^٣) هو: محمد بن الحسين بن مكرم، أبو بكر البغدادي، قال ابن فهد: ما قدم علينا من بغداد أعلم بحديث رسول الله - ﷺ - من أبي بكر بن مكرم، توفي بالبصرة سنة ٣٠٩ هـ. ينظر: تاريخ بغداد (٢/ ٢٣٣) والعبر للذهبي (٢/ ١٥٠).\n(^٤) هو والد القشيري، لم أجد له ترجمة ينظر: القسم الدراسي من هذه الرسالة ص: ٦٥.\n(^٥) كذا في الأصل: يسار، وهو تصحيف، وصوابه بشار، كما في المصادر التي ترجمت له.\nوهو: محمد بن بشار بن عثمان بن داود بن كيسان العبدي البصري، أبو بكر بندار، قال العجلي: ثقة بصري كثير الحديث، توفي سنة ٢٥٢ هـ. ينظر: الكاشف (٣/ ٢١) والتهذيب (٥/ ٤٣).\n(^٦) هو: صفوان بن سليم الزهري القرشي مولاهم، أبو عبد الله المدني، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث عابدا، توفي سنة ١٣٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٢٦٢) وتهذيب التهذيب (٢/ ٥٤٧).\n(^٧) هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، تقدم.\n(^٨) أخرجه الحاكم [٢/ ٤٩٣ كتاب التفسير، سورة الأحقاف] به، وقال: على شرط الشيخين، والطبري (١١/ ٢٧٢) بنحوه.","vol":"1","page":1524},{"text":"وروى ابن عيينة، عن صفوان، عن عطاء، أن رسول الله - ﷺ - سئل عن الخط؟ فقال:؟ علم علمه نبي فمن وافق علمه علم؟ قال صفوان: فحدثت به أبا سلمة، فقال لي أبو سلمة: فحدثت به ابن عباس فقال: هي أثارة من علم (^١).\nورواه أبو أحمد الزبيري (^٢) عن سفيان، عن صفوان، عن أبي سلمة، عن ابن عباس، ورواه إسماعيل (^٣) عن نصر بن علي، عن أبي أحمد.\nوقال الحسن: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ شيء يستخرجه (^٤).\nوقال الكلبي (^٥): شيئا تأثرونه عن غيركم (^٦).\nوقد قرئ: ﴿أثَرة﴾ وقرئ ﴿أثارة من علم﴾ (^٧) على معنى علم يأثرونه عن\n\nغيرهم، قال الراعي (^٨):\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢١٥) من طريق ابن عيينة، به.\n(^٢) هو: محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر الأسدي مولاهم، أبو أحمد الكوفي، قال ابن سعد: كان صدوقا كثير الحديث، توفي سنة ٢٠٣ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٥٢) وتهذيب التهذيب (٥/ ١٥٣).\n(^٣) هو: ابن إسحاق القاضي.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢١٥) والطبري في تفسيره (١١/ ٢٧٢) بنحوه.\n(^٥) هو: محمد بن السائب بن بشر الكلبي، أبو النضر الكوفي، قال ابن سعد: كان عالما بالنسب وأحاديث العرب ... في روايته ضعيف جدا، توفي سنة ١٤٦ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٣٣) وتهذيب التهذيب (٥/ ١٠٨).\n(^٦) أشار إليه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ١٧٧).\n(^٧) أما قراءة (أثارة) فهي قراءة الأئمة العشرة، وأما قراءة (أثرة) فقد قرأ بها علي بن أبي طالب وابن عباس والسلمي والأعمش، وهي قراءة شاذة. ينظر: تفسير الطبري (١١/ ٢٧٢) والبحر المحيط (٨/ ٥٦).\n(^٨) هو: عبيد بن حصين النميري أبو جندل، لقب بالراعي لكثرة وصفه الأبل، أحد الشعراء المقدمين، كان بينه وبين جرير هجاء مشهور لما فضل الفرزدق عليه. ينظر: طبقات فحول الشعراء (٢/ ٥٠٢) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٥٩٧).","vol":"1","page":1525},{"text":"وذاتِ إثارة أكَلَتْ عليه ... نباتا في أكمته قَفارا (^١)\nأي: بقية من شحم أكلت عليه، ومن قرأ ﴿أثرة﴾ فهو مصدر تَأْثِرَة وتَذْكِرة، واللغة تحتمل المعنيين جميعا، قال أبو عبيدة: إثارة بقية من علم (^٢)، وهذا يرجع إلى قول من قال: إنه يأثر علما، فهو مثل قطعة من العلم، وبقية من العلم يتقارب المعنى فيهما، والله أعلم.\nقال الله ﷿: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (^٣).\nأَعْلَمَ الله ﵎ بهذه الآية أن أقل الحمل ستة أشهر، وبقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (^٤) فجميع الرضاع والحمل في الثلاثين، فدل بها على أقل الحمل، وذلك نادر في النساء؛ لأن أكثرهن يلدن لتسعة أشهر، ومنهن من يلدن لسبع فيعيش ولدها، فكذلك في الست (^٥) فأما من يولد لثمان فلا يعيش؛ لأن عيسى بن مريم صلى الله عليه ولد لثمانية أشهر، فكان ذلك من الآيات فيه، كما خُلق من غير ذكر.\n_________\n(^١) أورده الطبري في تفسيره (١١/ ٢٧٣) لكن قال: عليها.\n(^٢) ينظر مجاز القرآن (٢/ ٢١٣).\n(^٣) سورة الأحقاف (١٥)\n(^٤) سورة البقرة (٢٣٣).\n(^٥) لوحة رقم [٢/ ٢٤٨].","vol":"1","page":1526},{"text":"فلما كانت الولادة لستة أشهر نادرة قليلة في الناس؛ كذلك جُعِل أكثر الحمل أربع سنين، وهو نادر في الناس، وقد روي عن مالك أنه لا يرى لخمس بُعْدًا (^١).\nوروي عن الليث (^٢) وابن عجلان (^٣) سبع سنين (^٤).\nوروي عن عثمان البَتِّي (^٥) ثمان سنين (^٦).\nوقال أبو حنيفة: سنتين (^٧)، وذهب إلى حديث لم يقل به ولا عَرَف معناه، رواه مالك في موطئه: أن رجلا غاب عن امرأته سنتين، ثم قدم فوجدها حاملا فذكر ذلك لعمر بن الخطاب فحبسها حتى ولدت، فأتت به وله ثنيتان يشبه أباه فبادر الأب إليه\n_________\n(^١) اختلفت الروايات عند المالكية في تحديد أكثر أجل الحمل، وأشهرها أنه خمس سنين. ينظر: النوادر والزيادات (٥/ ٢٦) الكافي لابن عبد البر ص ٢٩٣ وأحكام القرآن لابن العربي (٤/ ٢٧٣) ومواهب الجليل (٥/ ٤٨٤) والتاج والإكليل (٤/ ١٤٩).\n(^٢) هو: ابن سعد، تقدم.\n(^٣) هو: محمد بن عجلان القرشي مولاهم، أبو عبد الله المدني، وقال ابن سعد كان عابدا ناسكا فقيها، وكانت له حلقة في المسجد وكان يفتي، توفي سنة ١٤٨ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٢٦٩) وتهذيب التهذيب (٥/ ٢٠٤).\n(^٤) أما هذا التوقيت المروي عنهما فلم أجده، وإنما ينسب القول بهذا التوقيت إلى الزهري.\nوأما الليث فنُسب إليه القول بأن أكثره ثلاث سنين أو خمس سنين.\nينظر: مختصر اختلاف العلماء (٥/ ٢٦٩) وأحكام القرآن لابن العربي المالكي (٣/ ٨٠) والمغني لابن قدامة (٧/ ٤٧٧) والجامع لأحكام القرآن (٩/ ٢٩٥).\n(^٥) هو: عثمان بن مسلم البتي أبو عمرو البصري، قال ابن سعد: كان ثقة له أحاديث، وكان صاحب رأي وفقه، مات سنة ١٤٣ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٣٢) وتهذيب التهذيب (٤/ ٩٦).\n(^٦) لم أجده، ولم أقف على من حكاه قولا في مذاهب أهل العلم.\n(^٧) ينظر: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي (٢/ ٤٠٥) وشرح فتح القدير (٤/ ٣١٨).","vol":"1","page":1527},{"text":"فقال: ولدي يا أمير المؤمنين، فألحقه به (^١)، وكان عمر يرى أكثر الحمل أربع سنين، ولذلك ضربه أجلا للمفقود (^٢).\nفالحديث يدل على أن الوطء كان قبل غيبة الزوج، وقد قيل: انتظر بها حتى وضعت ما في بطنها، وكانت الغيبة بين هاتين الحالتين سنتين، فقد علم أنه أكثر من سنتين، وأن عمر ألحقه بأكثر من سنتين، فلم يعرف أبو حنيفة ما في الخبر، فجعل الحمل سنتين مقدار الغيبة، دون ما عداها مما كان قبل الغيبة وبعد القدوم.\nولا أعلم اختلافا بين السلف، أن الحمل يزيد وينقص، وأن أكثره يجاوز السنتين إلا قول أبي حنيفة، فإنه وقف على سنتين (^٣)، وقد بلغني أن قائلا قال من المتأخرين: لا أجاوز بالحمل تسعة أشهر (^٤)، وهذا قول من لا يُلْتَفت إليه.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق [٧/ ٣٥٤ كتاب الطلاق، باب التي تضع لسنتين] والبيهقي [٧/ ٣٣٤ كتاب العدد، باب ما جاء في أكثر الحمل].\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق [٧/ ٨٧ كتاب الطلاق، باب التي لا تعلم مهلك زوجها] وابن أبي شيبة [٣/ ٥٢٢ كتاب النكاح، في امرأة المفقود ..] والبيهقي [٧/ ٤٥٥ كتاب العدد، باب من قال: امرأة المفقود].\n(^٣) هذا غريب من المؤلف ﵀؛ فإن أبا حنيفة لم ينفرد بهذا القول، بل هو قول مشهور عن عائشة ﵂، فقد أخرج الدارقطني [٣/ ١٩٣ كتاب النكاح] والبيهقي [٧/ ٣٤٤ كتاب العدد، باب ما جاء في أكثر الحمل] أنها قالت: (ما تزيد المرأة في الحمل على سنتين، ولا قدر ما يتحول ظل عود المغزل) وهو قول الثوري ورواية عن أحمد. ينظر: المغني لابن قدامة (٧/ ٤٧٧).\n(^٤) هو قول داود الظاهري، ينظر: الجامع لأحكام القرآن (٩/ ٢٩٥).","vol":"1","page":1528},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>ومن سورة محمد - ﷺ </span>-.\n\nقوله ﷿: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (^١).\nكان ابن عمر والحسن وعطاء، يَكْرَهُون قتل أهل الشرك - إذا أسروا - صبرا، ويتلون ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (^٢)\nوقال قتادة: نسختها قوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ (^٣)\nووافق القول الأول جماعة من المفسرين، ووافق القول الآخر جماعة (^٤)، وقد فادى النبي - ﷺ - رجلين من أصحابه برجل من المشركين رواه أيوب (^٥) عن أبي قلابة (^٦) عن عمران بن حصين، وقد أدخل بعضهم بين عمران وأبي قلابة أبا المهلب (^٧).\nوالذي يبين هذه الآية وقول من قال: منسوخة، ومن قال: ناسخة، قوله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٨) وقال تبارك اسمه: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (^٩) فدل القرآن بالآيات كلها: لا تأسروهم ولا تفادوهم، حتى تثخنوهم بالسيف، فالأسر والفداء قبل الإثخان لا ينبغي أن يفعل، فإذا وقع الإثخان جاز ذلك، والشيء إذا كان محظورا في وقت (^١٠) ثم أذن فيه في وقت آخر، فإنما يدل على الإذن في الذي كان محظورا، لا على أنه واجب أن يفعل (^١١).\n_________\n(^١) سورة محمد (٤)\n(^٢) أخرجه عنهم ابن أبي شيبة [٦/ ٤٩٨ كتاب السير، من كان لا يقتل الأسير ..] والطبري في تفسيره (١١/ ٢٠٧).\nوأخرجه عبد الرزاق [٥/ ٢٠٤ كتاب الجهاد، باب البيات] عن الحسن وعطاء.\n(^٣) سورة الأنفال (٥٧).\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٢١) والطبري في تفسيره (١١/ ٣٠٦) به.\n(^٤) ينظر في ذلك: ابن أبي شيبة [٦/ ٤٩٥ كتاب السير، باب في الفداء من رآه وفعله] وتفسير الطبري (١١/ ٢٠٦).\n(^٥) هو: السختياني، تقدم.\n(^٦) هو: عبد الله بن زيد بن عامر الجرمي، أبو قلابة البصري، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، توفي بالشام سنة ١٠٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٩٥) وتهذيب التهذيب (٣/ ١٤٠).\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٢٠) وابن أبي شيبة [٦/ ٤٩٥ كتاب السير، في الفداء من رآه وفعله] عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين به.\nوأبو المهلب هو: عمرو بن معاوية الجرمي، أبو المهلب البصري، عم أبي قلابة، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٦٣) وتهذيب التهذيب (٦/ ٣٤٩).\n(^٨) سورة الأنفال (٦٧).\n(^٩) سورة محمد (٤).\n(^١٠) لوحة رقم [٢/ ٢٤٩].\n(^١١) وهذا الذي اختاره المؤلف قد قرره ابن العربي بكلام متين، يقول: \" والصحيح إحكامها، فإن شروط النسخ معدومة فيها، من المعارضة وتحصيل المتقدم من المتأخر، وقوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ فلا حجة فيه لأن التشريد قد يكون بالمن والفداء والقتل، فإن طوق المِنَن يثقل أعناق الرجال ويذهب بنفاسة نفوسهم، والفداء يجحف بأموالهم، ولم يزل العباس تحت ثقل فداء بدر حتى أدى عنه رسول الله، وأما قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ فقد قال: ﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾ فأمر بالأخذ كما أمر بالقتل، فإن قيل: أمر بالأخذ للقتل، قلنا: أو للمن والفداء، وقد عضدت السنة ذلك كله، فروى مسلم أن النبي أخذ من سلمة بن الأكوع جارية ففدى بها ناسا من المسلمين، وقد هبط على النبي من أهل مكة قوم فأخذهم النبي ومن عليهم، وقد من على سبي هوازن وقتل النضر بن الحارث صبرا \" أحكام القرآن (٤/ ١٣١).","vol":"1","page":1529},{"text":"وأما قتل الأسير وغير الأسير من أهل الحرب، فذلك كله جائز على قدر ما يرى الإمام في ذلك من المصلحة، وقد قتل النبي - ﷺ - أسارى بدر؛ عقبة بن أبي معيط (^١) والنضر بن الحارث (^٢) صبرا (^٣)، وكتب أبو بكر ﵀ إلى خالد بن الوليد (^٤) في بني حنيفة (^٥) إذا ظهر عليهم ألا يستبقي من رجالهم أحدا، فورد الكتاب عليهم وقد صالحهم (^٦).\n\nقال الله عز وعلا: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (^٧).\n_________\n(^١) هو: عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أحد كبار قريش الذين آذوا رسول الله وكذبوه، قتله النبي - ﷺ - صبرا بعد أنه أسره في يوم بدر. ينظر: سيرة ابن هشام (٢/ ٤٤).\n(^٢) هو: النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف، كان يؤذي النبي - ﷺ -، أسر يوم بدر فقتله النبي - ﷺ - صبرا. ينظر: سيرة ابن هشام (١/ ٢٣٩).\n(^٣) أخرج خبرهما ابن أبي شيبة [٧/ ٣٦٠ كتاب المغازي، غزوة بدر]، وأخرج عبد الرزاق [٥/ ٢٠٤ كتاب الجهاد، باب البيات] خبر عقبة بن أبي معيط.\n(^٤) هو: خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله، أبو سليمان المخزومي، كان شريفا فارسا، أسلم بعد الحديبية، سماه النبي - ﷺ - سيف الله، توفي بحمص أو بالمدينة سنة ٢٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٨٨) والإصابة (٢/ ٢١٥).\n(^٥) هم: بنو حنيفة بن لجيم بن صعب بن وائل، بطن مسيلمة الكذاب، كانت منازلهم باليمامة، وكانوا من أشد العرب بأسا، قدم وفدهم إلى النبي - ﷺ - سنة ٩ هـ. ينظر: العقد الفريد (٣/ ٢٩٧) ومعجم قبائل العرب (١/ ٣١٢).\n(^٦) ينظر: البداية والنهاية (٩/ ٤٦٥).\n(^٧) سورة محمد (٤).","vol":"1","page":1530},{"text":"قال سعيد بن جبير ومجاهد في هذه الآية: خروج عيسى بن مريم - ﵇ -، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويَلْقَى الذئب الشاة فلا يعرض لها، ولا يكون عداوة بين اثنين (^١).\nوقال الحسن ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ قال: لا يشرك بالله ولا يعبد غيره (^٢).\nمجاهد: حتى لا يكون دين إلا الإسلام (^٣).\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه البيهقي [٩/ ١٨٠ كتاب السير، باب إظهار دين النبي - ﵁ -] بنحوه.\nوأما قول ابن جبير فقد أخرجه ابن الجعد في مسنده ص ٣١٩.\n(^٢) أورده في الدر المنثور (٧/ ٤٥٩) وعزاه إلى ابن المنذر.\n(^٣) أورده في وزاد المسير ص ١٣٠٩ والجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٢٢١).","vol":"1","page":1531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>ومن سورة الفتح</span>\n\nقال الله عز وعلا: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (^١).\nهذه الآيات نزلت في إسقاط الجهاد عن المذكورين في الآية دون سائر الأعمال، وأختها في القرآن: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢) فاستثنى منها ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ ونزلت هذه الآية بسبب ابن أم مكتوم (^٣) قال زيد بن ثابت: فإني لأكتب حتى نزل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فأمرني رسول الله - ﷺ - أن ألحقه (^٤).\nقال الله جل ثناؤه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ (^٥)\nقال يحي بن سعيد الأنصاري، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال:؟ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله؟ وأنزل الله ﷿ في كتابه فذكر قومًا استكبروا فقال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (^٦) وقال ﷿: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ (^٧) وهي: لا إله إلا الله محمد رسول الله، استكبر عنها المشركون يوم الحديبية، يوم كاتبهم رسول الله - ﷺ - على قضية المدة (^٨).\nوقال عَباية (^٩) عن علي ﵀: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قال: لا إله إلا الله والله أكبر (^١٠).\nوقال ابن عمر وجماعة من المفسرين: كلمة التقوى كلمة الإخلاص، شهادة أن لا إله إلا الله التي دعا إليها رسول الله - ﷺ - عمه (^١١).\n_________\n(^١) سورة الفتح (١٧).\n(^٢) سورة النساء (٩٥).\n(^٣) هو: عمرو، على قول الأكثر، وقيل: عبد الله، ابن قيس بن زائدة بن عامر القرشي، أسلم قديما، وكان النبي - ﷺ - يستخلفه على المدينة في عامة غزواته، قتل يوم القادسية. ينظر: طبقات ابن سعد (٤/ ٤٢٢) والإصابة (٤/ ٤٩٤).\n(^٤) أخرجه البخاري [٩٥١ كتاب التفسير، سورة النساء، باب لا يستوي القاعدون] ومسلم [٣/ ١١٩٩ كتاب الإمارة] بنحوه.\n(^٥) سورة الفتح (٢٦).\n(^٦) سورة الصافات (٣٥).\n(^٧) سورة الفتح (٢٦).\n(^٨) أخرجه بطوله الطبري في تفسيره (١١/ ٣٦٤) وابن حبان [١/ ٤٥١ كتاب الإيمان، ذكر البيان بأن المرء إنما يعصم] والطبراني في الأوسط (٢/ ٦٧) عن ابن شهاب، به.\nوهو عند البخاري [٥٩٨ كتاب الجهاد والسير، باب دعاء النبي - ﷺ - إلى الإسلام] ومسلم [١/ ٥٧ كتاب الإيمان] مختصرا.\n(^٩) هو: عباية بن ربعي الأسدي، وقيل عباية بن رداد التميمي، قال الذهبي: من الغلاة، يريد في التشيع. ينظر: المغني في الضعفاء (١/ ٣٣٠) والتاريخ الكبير (٧/ ٧٢).\n(^١٠) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٣٦٥) والحاكم [٢/ ٥٠٠ كتاب التفسير، سورة الفتح] به، وقال على شرط الشيخين.\n(^١١) أخرجه عبد الرزاق [٥/ ٤٩٧ كتاب المغازي، باب الشراب في الطواف]، وأخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٣٦٥) عنه، وعن عدد من السلف.","vol":"1","page":1532},{"text":"قال الله ﵎: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (^١)\nقال عكرمة (^٢) عن ابن عباس: ﴿مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ هَمِّ السجود (^٣).\nوقال أبو صالح (^٤) عن ابن عباس: الصفرة في الوجوه (^٥).\nوقال مجاهد: هو الخشوع (^٦).\nوقال عطية (^٧): يكون في وجوههم يوم القيامة أشد بياضا (^٨).\nوقال عكرمة: أثر التراب (^٩).\nوقال ابن جبير: ندى الطهور وتراب الأرض. (^١٠)\nوقال قتادة: علامتهم الصلاة ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ وذكر مثلا آخر في الإنجيل إلى قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ بالنبي - ﷺ - وأصحابه صلى الله عليه\n_________\n(^١) سورة الفتح (٢٩).\n(^٢) لوحة رقم [٢/ ٢٥٠].\n(^٣) كذا في الأصل، وهو من الهَمِّ، وقد أخرج الطبري في تفسيره (١١/ ٣٧٠) أنه قال في معنى الآية: السمت الحسن، وفي رواية عنه: سيما الإسلام وسحنته وسمته وخشوعه.\n(^٤) هو: أبو صالح مولى ابن عباس.\n(^٥) لم أجده، وقد أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٣٧١) عن الحسن، وأورده الواحدي في الوسيط (٤/ ١٤٦) والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٨٠) عن الضحاك.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٢٨) به.\n(^٧) هو: عطية بن سعد بن جنادة العوفي القيسي، أبو الحسن الكوفي، قال الساجي: ليس بحجة وكان يقدم عليا على الكل، توفي سنة ١١١ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥١٠) وتهذيب التهذيب (٤/ ١٣٧).\n(^٨) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٣٧٠) بنحوه.\n(^٩) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٣٧٢) به.\n(^١٠) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٣٧١) والبيهقي [٢/ ٢٨٦ جماع أبواب الخشوع في الصلاة، باب سيماهم في وجوههم] بنحوه.","vol":"1","page":1533},{"text":"وعليهم (^١).\nحدثنا جعفر بن الليث (^٢) وغيره، قالوا: نا إبراهيم بن بشار الرمادي قال: حدثنا سفيان (^٣) عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن (^٤) وسليمان بن يسار، عن ابن عباس ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أبو بكر، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ عمر، ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ عثمان، ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ علي، إلى قوله: ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ بأبي بكر، ﴿فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ﴾ بعمر، ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ بعثمان، ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ بعلي، ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ إلى آخر السورة (^٥).\nوقال مالك بن أنس: ما يتعلق بجباههم من الأرض عند السجود (^٦).\nوقال شِمْر بن عطية (^٧): يبتهج وجوههم صفرة من سهر الليل (^٨).\nوهذه الآية نزلت في النبي - ﷺ - وفي الأربعة الخلفاء رحمة الله عليهم (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٢٨) بنحوه.\n(^٢) لم أقف على ترجمة له.\n(^٣) هو ابن عيينة، تقدم.\n(^٤) هو: حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو إبراهيم المدني، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة ٩٥ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٧٩) وتهذيب التهذيب (٢/ ٣٠).\n(^٥) أورده في الدر المنثور (٧/ ٥٤٤) وعزاه إلى ابن مردوية وأحمد الزهري في فضائل الخلفاء والشيرازي في الألقاب.\nوسنده فيه شيخ المؤلف لم أجد له ترجمة وباقي رجاله ثقات.\n(^٦) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٧٩).\n(^٧) هو: شمر بن عطية الكاهلي الكوفي، قال الذهبي: صدوق ولكنه عثماني غال وهذا نادر في الكوفيين، توفي في ولاية خالد القسري. ينظر: المغني في الضعفاء (١/ ٣٠٠) وتهذيب التهذيب (٢/ ٥١٠).\n(^٨) أورده في الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٨٠).\n(^٩) أراد المؤلف ﵀ أن الخلفاء الأربعة يدخلون في معنى الآية ودلالتها، لا إنها نزلت فيهم على التعيين، وذلك لأمرين:\nالأول: أنه لم ينقل أنها نزلت فيهم على التعيين، ولم يورد أحد من أئمة التفسير أنها نزلت بسببهم، بل غاية ما نقل التمثيل بالخلفاء الأربعة - ﵃ - كهذا الذي رواه عن ابن عباس - ﵁ -، فموردُه مَوردَ التمثيل.\nالثاني: أن لفظ الآية ورد بصيغة العموم في قوله: (والذين معه) فَعَمَّ أصحاب النبي - ﷺ -، ولو صح ورود سبب خاص، فإن العبرة - كما تقرر - بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قال السمعاني في تفسير (٥/ ٢١٠) بعد ذكر هذا المعنى الذي ساقه المؤلف: \" وهذا قول غريب ذكره النقاش، والمختار والمشهور هو القول الأول: أن الآية في جميع أصحاب النبي، من غير تعيين، وعليه المفسرون \" وإنما نص المؤلف هنا على الخلفاء الأربعة لأنهم أفضل الصحابة وأحق من دخل في دلالة الآية.","vol":"1","page":1534},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>ومن سورة الحجرات</span>.\n\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^١).\nقال الحسن: لا تذبحوا قبل أن يذبح (^٢).\nوقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله - ﷺ - بشيء حتى، يقضيه الله ﷿ على لسانه - ﷺ - (^٣).\nقال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ (^٤).\nقال أنس: لما نزلت هذه الآية، قعد ثابت بن قيس (^٥) في بيته وقال: أنا من أهل النار، فقال النبي - ﷺ -: لسعد بن معاذ (^٦):؟ يا أبا عمرو ما شأن ثابت بن قيس، أشتكى؟ قال: إني لجاره وما علمت، فأتاه سعد فقال له: إن رسول الله استبطأك، فقال ثابت: نزلت هذه الآية وقد علمتم أني كنت من أرفعكم صوتا على رسول الله - ﷺ - فأنا من أهل النار، فأتى\n_________\n(^١) سورة الحجرات (١).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٣٠) والطبري (١١/ ٣٧٨) بنحوه.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٣٧٧) به.\n(^٤) سورة الحجرات (٢، ٣).\n(^٥) هو: ثابت بن قيس بن شماس بن الخزرج، أبو محمد الأنصاري، خطيب الأنصار، شهد أحدا وما بعدها، وقتل يوم اليمامة. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٢١٦) والإصابة (١/ ٥١١).\n(^٦) هو: سعد بن معاذ بن النعمان بن الأوس الأنصاري، سيد الأوس، شهد بدرا وما بعدها، وأصيب في الخندق فمات بعده، وفي الصحيحين أن عرش الرحمن اهتز لموته. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٢٢٣) والإصابة (٣/ ٧١).","vol":"1","page":1535},{"text":"سعد رسول الله - ﷺ - فأخبره بذلك، فقال رسول الله - ﷺ -: بل هو من أهل الجنة؟ (^١) فعاش حميدا ومات شهيدا يوم اليمامة (^٢).\nوقال علي - ﵁ - نزلت هذه الآية فينا لما ارتفعت أصواتنا أنا وجعفر (^٣) وزيد بن حارثة نتنازع ابنة حمزة (^٤) لما جاء بها زيد من مكة، فقضى بها رسول الله - ﷺ - لجعفر؛ لأن خالتها كانت عنده (^٥).\nوقال طاوس بن شهاب (^٦): لما نزلت هذه الآية، قال أبو بكر (^٧) - ﵁ -: أقسمت ألا أكلم النبي - ﷺ - إلا كأخي السرار، ففعل ذلك حتى لقي الله (^٨).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أخلص الله قلوبهم للتقوى.\nقال الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ\nأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (^٩).\nأعراب بني تميم (^١٠)، وقيل: أعراب بني العنبر بن عمرو بن تميم، جاءوا فجعلوا ينادون: يا محمد يا محمد، بجفاء وغلظة، فأنزلت الآية فيهم (^١١).\nقال الله ﵎: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية (^١٢).\nوجه النبي - ﷺ - الوليد بن عقبة بن أبي معيط (^١٣) في صدقات بني المصطلق (^١٤) فجاء إلى النبي فقال: إن بني المصطلق منعوا صدقاتهم يا رسول الله، فأقبل القوم حتى قدموا المدينة ثم صفوا وراءه في الصف، فلما قضى الصلاة انصرف، قالوا: إنا نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله - ﷺ -، سمعنا برسولك يا رسول الله الذي بعثت ليصدق أموالنا فسررنا بذلك، فأردنا أن نتلقاه فنسير مع رسول رسول الله - ﷺ -، فبلغنا أنه رجع فخشينا أن يكون رده غضب من الله ورسوله علينا، فلم يزالوا يعتذرون إلى رسول الله\n_________\n(^١) أخرجه مسلم [١/ ١٠٣ كتاب الإيمان] به.\n(^٢) يوم اليمامة: هو اليوم الذي التقى فيه المسلمون بقيادة خالد بن الوليد مع مسيلمة الكذاب ومن ارتد من بني حنيفة، وكانت منازلهم باليمامة، وذلك في السنة ١١ هـ. ينظر: البداية والنهاية (٦/ ٣٢٨).\n(^٣) هو: جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي، كناه الرسول - ﷺ - بأبي المساكين، وقال عنه: أشبهت خَلْقي وخُلُقي، هاجر الهجرتين، واستشهد بمؤتة في السنة الثامنة. ينظر: طبقات ابن سعد (٤/ ٣٣٦) والإصابة (١/ ٥٩١).\n(^٤) هي: عمارة بنت حمزة بن عبد المطلب، تقدمت.\n(^٥) أورده القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٢٩٠) وعزاه للمهدوي.\n(^٦) كذا في الأصل طاوس وهو تحريف، وصوابه طارق، والتصويب من المصادر التي أخرجت الأثر وكذلك كتب التراجم.\nوهو: طارق بن شهاب بن عبد شمس بن هلال البَجَلِي، أبو عبد الله الكوفي، رأى النبي - ﷺ - وروى عنه مرسلا، وقيل لم يره، مات سنة ٨٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٩٣) والإصابة (٣/ ٤١٣).\n(^٧) لوحة رقم [٢/ ٢٥١].\n(^٨) أخرجه الحارث في مسنده (٢/ ٨٨٧) عن طارق به، وأخرجه الحاكم [٢/ ٥٠١ كتاب التفسير، سورة الحجرات] من حديث أبي هريرة - ﵁ - وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(^٩) سورة الحجرات (٤).\n(^١٠) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٣٨٢) عن مجاهد.\n(^١١) أورده الزمخشري في الكشاف (٤/ ٧) عن ابن عباس، وقال ابن حجر في تخريج الكشاف (٤/ ١٥٥): \" أخرجه ابن مردويه من رواية بن إسحاق عن الكلبي عن ابن عباس\".\n(^١٢) سورة الحجرات (٦).\n(^١٣) هو: الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أمية، كان من رجال قريش وسراتهم، أسلم يوم الفتح، وولاه عثمان الكوفة، ولما وقعت الفتنة زمن علي - ﵁ - اعتزلها، حتى توفي بالجزيرة. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٢٢٢) الإصابة (٦/ ٤٨١).\n(^١٤) هم: بنو المصطلق بن سعد بن خزاعة، من القبائل القحطانية، غزاهم النبي - ﷺ - سنة ست فسميت غزوة بني المصطلق، ومنهم جويرة أم المؤمنين. ينظر: العقد الفريد (٣/ ٣٣٣) ومعجم القبائل العربية (٣/ ١١٠٥).","vol":"1","page":1536},{"text":"- ﷺ - حتى جاءه المؤذن يدعو إلى صلاة العصر ونزلت الآية (^١)، وقد كان قال للنبي - ﷺ -: إنهم قد ارتدوا وجمعوا لك ليحاربوك (^٢)، وكذب في ذلك كله.\nوقد كان قال لعلي بن أبي طالب - ﵁ - يوما: ألستُ أبسط منك لسانا وأثبت منك جنانا، فأنزل الله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ (^٣)\nقال الله ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية (^٤).\nروى إسماعيل بن أبي أويس (^٥) قال: نا مالك، عن ابن محمد بن عمرو بن حزم (^٦)، أن أباه أخبره عن عمرة بنت عبد الرحمن (^٧)، عن عائشة أنها قالت: ما رأيت مثل ما رغبت هذه الأمة عن هذه الآية: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (^٨).\nقال سعيد بن جبير في هذه الآية: كان رجال من الأنصار يقتتلون بالنعال والعصي، فأمرهم الله أن يصطلحوا بينهم (^٩).\nوقال زيد بن أسلم: إذا اقتتل الرجلان أو الطائفتان أو القبيلتان فقد أمر الله ﵎ الإمام بما في الآية من الإصلاح أو قتال الباغية (^١٠).\nوقال الحسن نحو قول ابن جبير (^١١).\nوقال أنس نزلت الآية بشيء ذكره كان من أذى عبد الله بن أبي بن سلول لرسول الله - ﷺ - (^١٢) فرد عليه بعض الأنصار، فتعصب قوم عبد الله له واقتتلت الطائفتان (^١٣).\nوهذه الآية في أي شيء نزلت توجب إن بغت طائفة على إمامها - وكانت ظالمة فيما حاولته منه - أن يعان عليها، وإن اقتتل قبيلان من العرب، أو طائفتان من\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٣٨٣) والبيهقي [٩/ ٥٤ كتاب الجهاد، باب قسمة الغنيمة ..] من حديث ابن عباس - ﵁ - به.\nوأخرجه أحمد (٤/ ٢) وابن أبي حاتم (١٠/ ٢٣٠٣) والطبراني في الكبير (٣/ ٢٧٤) عن الحارث بن أبي ضرار - ﵁ -، بسياق طويل.\nقال في الدر المنثور (٧/ ٥٥٥) إسناده جيد، وقال محققوا المسند: حسن بشواهده.\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٣٨٥) عن مجاهد وقتادة، بنحوه مرسلا.\n(^٣) سورة السجدة (١٨).\nوالأثر أخرجه في فضائل الصحابة (٢/ ٦١٠) عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس به، وضعفه ابن عدي في الكامل (٦/ ١١٨).\nوأخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٢٤٥) عن عطاء موقوفا عليه.\n(^٤) سورة الحجرات (٩).\n(^٥) هو: إسماعيل بن عبد الله بن مالك الأصبحي، أبو عبد الله، من شيوخ القاضي إسماعيل بن إسحاق، قال أبو حاتم: محله الصدق، توفي سنة ٢٢٦ هـ. ينظر: الكاشف (١/ ٧٥) وتهذيب التهذيب (١/ ٢٥٥).\n(^٦) هو: محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، أبو عبد الملك المدني القاضي، قال أبو حاتم: صالح ثقة، توفي سنة ١٣٢ هـ. ينظر: الكاشف (٣/ ٢٣) وتهذيب التهذيب (٥/ ٤٩).\n(^٧) هي: عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد الأنصارية، كانت في حجر عائشة ﵂، قال العجلي: مدنية تابعية ثقة، توفيت سنة ٩٨ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٤٧١) وتهذيب التهذيب (٦/ ٥٥٢).\n(^٨) أخرجه الحاكم [٢/ ١٦٨ كتاب قتال أهل البغي] وقال: صحيح على شرط مسلم، والبيهقي [٧/ ١٧٢ كتاب قتال أهل البغي، باب قتال أهل البغي] عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه، عن محمد بن أبي بكر بن محمد، به.\n(^٩) أورده ابن العربي في أحكام القرآن (٤/ ١٤٨) والسيوطي في الدر المنثور (٧/ ٥٦٠) وعزاه إلى ابن أبي حاتم وعبد بن حميد.\n(^١٠) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٣٨٧) بنحوه.\n(^١١) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٣٨٨).\n(^١٢) لوحة رقم [٢/ ٢٥٢].\n(^١٣) أخرجه البخاري [٥٣٨ كتاب الصلح، باب ما جاء في الإصلاح ..] ومسلم [٣/ ١١٣٦ كتاب الجهاد] والمؤلف اختصر السياق.\nوقد أخرجه البيهقي [٨/ ١٧٢ كتاب قتال أهل البغي، باب قتال أهل البغي] من طريق القاضي إسماعيل، قال: ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه أنه بلغه عن أنس بن مالك، به.","vol":"1","page":1537},{"text":"الناس، أصلح الإمام ومن يقوم مقامه بينهم، فإن أبت إحداهما إلا البغي أعان الإمام المبغيَ عليها، والله أعلم (^١).\nقال الله ﵎: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ (^٢).\nهذه الآية توجب ألا يستهزئ أحد بمن دونه في المنزلة في الدنيا، ولا يحقره وليتواضع لله ﷿، فإنه يعرف ذنوبه ولا يعرف من غيره ما يعرف من نفسه، ولعل ذلك عند الله خير منه.\nقيل للحسن البصري: ما التواضع؟ قال: لا ترى أحدا من المسلمين لا بدعة فيه إلا رأيت أنه خير منك، لما تعرف من ذنوبك (^٣).\nقال الله ﷿: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٤).\nقال ابن عباس - ﵁ -: لا يطعن بعضكم على بعض (^٥)، وقاله مجاهد أيضا وقتادة (^٦).\n_________\n(^١) اختار المؤلف بقاء الآية على عمومها، وهو ما رجحه ابن العربي في أحكام القرآن (٤/ ١٤٩) قال في ذلك: \" والآية تقتضي جميع ما روي لعمومها، وما لم يرو، فلا يصح تخصيصها ببعض الأحوال دون بعض \".\n(^٢) سورة الحجرات (١١).\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع ص ١٥٣ بنحوه.\n(^٤) سورة الحجرات (١١).\n(^٥) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ص ١٢١ والطبري في تفسيره (١١/ ٣٩١) والحاكم [٢/ ٥٠٣ كتاب التفسير، سورة الحجرات] وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(^٦) أخرجه عنهم الطبري في تفسيره (١١/ ٣٩١).","vol":"1","page":1538},{"text":"وقوله: ﴿لَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ مثل قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^١) لا يقتل بعضكم بعضا، وقد قال الله ﷿: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ (^٢) أي يطعن في فعلك، قال زياد الأعجم (^٣):\nإذا لقيتك تبدي لي مكاشرة ... وإن تغيبت كنت الهامز اللمزة\nما كنت أخشى وإن كان الزمان به ... حيفا على الناس أن تغنى بها عنزة (^٤)\nيريد: إذا غاب عنه وقع فيه وذكره.\nقال الله ﵎: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ (^٥).\nكانت بنو سلمة قَلَّ رجل منهم إلا له اسمان وثلاثة، منها ما سمي به ومنها ما لقب به، فلما قدم النبي - ﷺ - المدينة كان يدعو الرجل بالاسم، فيقال له: أنه يغضب من هذا الاسم فنزلت الآية (^٦).\nوقيل: كان يعير الرجل بعد إسلامه بأنه كان يهوديا أو نصرانيا، فنهوا عن ذلك (^٧).\n_________\n(^١) سورة النساء (٢٩)\n(^٢) سورة التوبة (٥٨).\n(^٣) زياد بن سليم العبدي أحد فحول الشعراء الإسلاميين، وكان كثير الهجاء حاضر البديهة، قليل الوفادة على الملوك. ينظر: طبقات فحول الشعراء (٢/ ٦٩٣).\n(^٤) أورده النحاس في إعراب القرآن (٤/ ٢١٢) والجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٢٨٦).\n(^٥) سورة الحجرات (١١).\n(^٦) أخرجه أحمد (٤/ ٦٩) والبخاري في الأدب المفرد ص ١٢١ والطبري (١١/ ٣٩١) والحاكم في المستدرك [٤/ ٣١٤ كتاب الأدب] وقال: صحيح الإسناد، بنحوه.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٠٥) وينظر - أيضا - تفسير مجاهد (٢/ ٦٠٧).","vol":"1","page":1539},{"text":"والآية توجب كل ذلك، وألا يخاطب أحد بما يكره من اسم أو لقب أو سب، مثل أن يقال للرجل: يا منافق أو يا فاجر أو فاسق، وما أشبه ذلك مما يسوء المخاطب (^١)، فإن ذلك كله وزر على قائله، والله أعلم.\nقال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ (^٢).\nروى أبو هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال:؟ إياكم والظن فإنه أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا، وكونوا عباد الله إخوانا؟ (^٣) وقال ابن عباس - ﵁ - مثل ذلك وزاد (^٤)؟ ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا كما أمركم الله؟ (^٥)، وقال مجاهد نحو ذلك (^٦).\nفالآية توجب على المسلمين ترك التجسس وما أشبهه، وألا يظن ظن السوء بأحد ما لم يجاهر بالمعاصي، فإن الله ﵎ يغير ولا يعير، ويدع سر العباد بينهم وبين ربهم، ويستر المؤمن على أخيه المؤمن، ويعظه ويخوفه بالله إذا رأى منه ما ينكره، تقربا إلى الله ﷿ لا تعييرا له، فإن أظهر إنسان معاصي الله كُوشف بالإنكار عليه، وعُودي على ذلك حتى يتوب.\n_________\n(^١) بين المؤلف هنا الضابط في المنهي عنه، من الألقاب والأوصاف التي تجري وبين الناس، ويطلقها بعضهم على بعض، أن المنهي عنه ما كان فيه إساءة وكراهة لمن أطلقت عليه، وهذا - أيضا - ما أشار إليه ابن العربي في أحكام القرآن (٤/ ١٥٥) حيث يقول: \" يعني أنك إذا ذكرت صاحبك بما يكرهه فقد آذيته، وأذية المسلم فسوق، وذلك لا يجوز ... والذي يضبط هذا كله ما قدمناه من الكراهة لأجل الأذاية\".\n(^٢) سورة الحجرات (١٢).\n(^٣) أخرجه البخاري [١٢٨٨ كتاب الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر] ومسلم [٤/ ١٥٧٦ كتاب البر والصلة] به.\n(^٤) لوحة رقم [٢/ ٢٥٣].\n(^٥) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ٢٣٩) والصغير (١/ ١٧٧) دون قوله: كما أمركم الله، وهي عند مسلم - الإحالة السابقة - من حديث أبي هريرة.\n(^٦) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٣٩٤).","vol":"1","page":1540},{"text":"فأما قوله سبحانه: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ (^١).\nفمعناه: ما كرهته أن يؤتى إليك فاكرهه من نفسك لهم، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ومن رضي لهم ما يرضاه لنفسه، والله أعلم بما أراد.\nقال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾\nإلى: ﴿أَتْقَاكُمْ﴾ (^٢).\nالشعوب: القبائل البعيدة، والقبائل: القريبة، ومعنى القريبة والعبيدة، البعيدة المناسبة إلى مضر أو إلى تميم أو إلى قيس أو إلى ربيعة وما أشبه ذلك، والقريبة: قربى القرشي من القرشي، والهلالي من الهلالي، والفزاري من الفزاري، والعقيلي من العقيلي، والقشيري من القشيري، وما أشبه ذلك مما يقرب ويبعد (^٣).\nوأما قوله سبحانه: ﴿مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ فإنه يعني من آدم وحواء ﵉، ثم كل أحد من نسلهما أيضا، فمن ذكر وأنثى، خلا عيسى بن مريم - ﵇ - فإن الله ﷿ خلقه من أنثى بغير ذكر، فهذا معنى الشعوب والقبائل، وقد يدخل في ذلك من لم يكن من العرب بذكر الشعوب وأنهم كلهم يتشعبون من آدم - ﵇ -، وقد روي عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -:؟ أنه خطب يوم الفتح فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد: أيها الناس فإن الله ﵎ قد أذهب عنكم عُبِّيَّة (^٤) الجاهلية وتعاظمها، يا أيها الناس إنما\n_________\n(^١) سورة الحجرات (١٢).\n(^٢) سورة الحجرات (١٣).\n(^٣) ينظر: غريب القرآن للسجستاني، مادة شعوب، وفتح الباري (٦/ ٦١٠).\n(^٤) قال في عون المعبود (١٤/ ١٦): \" عبية الجاهلية بضم العين المهملة، وكسر الموحدة المشددة، وفتح المثناة التحتية المشددة، أي فخرها وتكبرها ونخوتها، قال الخطابي: العبية: الكبر والنخوة، وأصله من العب وهو الثقل، يقال: عبية وعبية بضم العين وكسرها \".","vol":"1","page":1541},{"text":"الناس رجلان رجل بر تقي كريم على الله، وآخر شقي هين على الله، إن الله عز من قائل (^١): ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم؟ (^٢).\nوروي أن بلالا أذن على ظهر البيت يوم الفتح، فقالت قريش: عز على فلان، وعز على فلان أن يؤذن هذا العبد على البيت، فأنزل الله ﵎: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (^٣)\nوقد سوى الله ﷿ بهذه الآية بين الناس وجعل المتقي منهم المعظم، قال الحسن عن سَمُرَة (^٤) عن النبي - ﷺ -:؟ الحَسَبُ المال، والكرم التقوى؟ (^٥) وقاله عمر بن الخطاب رحمة الله عليه يخطب به على الناس عن نفسه (^٦)، وإنما أراد أن المال يستغني به الإنسان في الدنيا عن الناس، وأن التقوى يستغنى به في الآخرة عن أن تكون مرجوما (^٧) ... قال النبي - ﷺ - في رَجَزٍ رُجِزَ على لسانه يوم الخندق (^٨):\n_________\n(^١) كذا في الأصل، والسياق يقتضي زيادة كلمة نحو: قال، ونحو هذه الزيادة جاءت في رواية الترمذي.\n(^٢) أخرجه الترمذي [٥/ ١٧٩ كتاب التفسير، سورة الحجرات] وقال: هذا حديث غريب، وابن حبان [٩/ ١٣٧ كتاب، ذكر جواز طواف المرء على راحلته].\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٠٦) والأزرقي في أخبار مكة (١/ ٢٧٤) بمعناه.\n(^٤) هو: سمرة بن جندب بن هلال الفزاري، أبو سليمان الأنصاري حليفهم، وكان آخر من مات من الصحابة بالبصرة سنة ٥٨ هـ. ينطر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٨٠) والإصابة (٣/ ١٥٠).\n(^٥) أخرجه أحمد (٥/ ١٠٩) وابن ماجه [٢/ ٤٢٩ كتاب الزهد، باب الورع والتقوى] والترمذي [٥/ ١٨٠ كتاب التفسير، ومن سورة الحجرات] وقال: حسن صحيح غريب، والحاكم [٢/ ١٧٧ كتاب النكاح] وقال: صحيح على شرط البخاري،، عن الحسن به.\n(^٦) أشار إليه في الدر المنثور (٧/ ٥٧٨).\n(^٧) لوحة رقم [٢/ ٢٥٤].\n(^٨) يوم الخندق: هي معركة الأحزاب التي كانت في السنة الخامسة، وسيمت بالخندق لَمّا حفر النبي - ﷺ - خندقا حول المدينة، بمشورة سلمان الفارسي. ينظر: سيرة ابن هشام (٣/ ١٦٩).","vol":"1","page":1542},{"text":"الخير خير الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة (^١)\nفالأنساب والمال والجمال يُتزين بها في الدنيا، والتقوى هو الحاصل النافع في دار (^٢) الإقامة.\nوقد تكلم الشافعي في هذه الآية فقال: فيها خصوص وعموم، واستثنى الدواب من الناس، ولم يستثن عيسى - ﵇ - من الذكر والأنثى (^٣)، فوضع في كتابه ما يحتج به النصارى علينا من أن عيسى من ذكر، وقد ذكرنا هذا في رد كتاب الرسالة (^٤) بما فيه كفاية إن شاء الله.\nقال الله ﷿: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (^٥)\nقَسَم رسول الله - ﷺ - قَسْما، فأعطى ناسا ومنع آخرين، قال سعد (^٦): فقلت:؟ يا رسول الله أعطيت فلانا ومنعت فلانا وهو مؤمن، قال: لا تقل مؤمن، قل: مسلم؟ (^٧)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري [١٥١١ كتاب الأحكام، باب كيف يبايع الناس الإمام] ومسلم [٣/ ١١٤٤ كتاب الجهاد والسير] وفيه اللهم إن الخير ..،\nوعند أحمد (٣/ ١٦٩) من حديث أنس بن ملك أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: إن الخير خير الآخرة أو قال: اللهم لا خير إلا خير الآخرة، شك الراوي.\n(^٢) في الأصل غير واضح والأقرب ما أثبته.\n(^٣) ينظر: الأم (٧/ ٢٨٩) وأحكام القرآن للشافعي (١/ ٢٤) ونص كلامه ﵀ من كتاب الأحكام: \" فأما العموم منها ففي قوله ﷿: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ فكل نفس خُوطبَ بهذا في زمان رسول الله - ﷺ - وقبله وبعده مخلوقة من ذكر وأنثى ...، والخاص منها في قوله ﷿ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ لأن التقوى إنما تكون على من عقلها وكان من أهلها .. \"\n(^٤) يحتمل أن يكون أراد كتابه الرد على الشافعي، وهو مفقود، ينظر قسم الدراسة ص: ٧٢.\n(^٥) سورة الحجرات (١٤).\n(^٦) هو: ابن أبي وقاص، تقدم.\n(^٧) أخرجه النسائي [٨/ ١٨٤ كتاب الإيمان وشرائعه، تأويل قوله ﷿: قالت الأعراب] والطبراني في الأوسط (٥/ ٢٥٨) بهذا اللفظ.\nوهو عند البخاري [٩ كتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام أو الخوف] ومسلم [١/ ١٢٠ كتاب الإيمان] بنحوه.","vol":"1","page":1543},{"text":"قال ابن شهاب ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ وقيل في الحديث: إنه قال - ﵇ -:؟ إني لأعطي الرجل، وغيره أحب إليّ منه، وما أعطيه إلا مخافة أن يكبه الله في النار؟ (^١)\nوكان الزهري يرى أن الإسلام كلمة الإخلاص بظاهرها، والإيمان العمل (^٢).\nقال قتادة: لم تعم هذه الآية الأعراب، إن من الأعراب ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (^٣) ولكنها لطوائف من الأعراف (^٤).\nوقال مجاهد: أسلمنا: استسلمنا مخافة السبي والقتل (^٥).\nوالإسلام في اللغة على وجهين: إسلام يكون لله ﷿ قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً﴾ (^٦) والآخر من طريق الاستسلام مخافة أن ينالهم قتل أو غيره من أمور الدنيا، يقولونه بألسنتهم تعوذا، وليس ذلك في قلوبهم، قال الله ﵎: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (^٧) فالمسلم قد يجمع الإيمان والإسلام، والمسلم الآخر الذي وقع له الاسم بالاستسلام خارج عن الإيمان، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ومسلم - الإحالة السابقة - به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٣٣) وعبد بن حميد في مسنده ص ٧٧ والطبري في تفسيره (١١/ ٤٠٠) وابن حبان [١/ ٣٨٠ كتاب الإيمان، باب فرض الإيمان].\n(^٣) سورة التوبة (٩٩).\n(^٤) كذا في الأصل، وهو تحريف، وصوابه: الأعراب، كما في المصادر التي أخرجت الأثر.\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٣٣) والطبري في تفسيره (١١/ ٤٠١) به.\n(^٥) ينظر: تفسير الثوري ص ٢٧٩.\n(^٦) سورة البقرة (١٢٨).\n(^٧) سورة الحجرات (١٤).","vol":"1","page":1544},{"text":"ومن سورة ق\n\nقال الله عز وعلا: ﴿أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ (^١).\nقال ابن مسعود - ﵁ -: هو الرجل يذكر الذنب فيستغفر الله (^٢).\nوقال عُبيد بن عُمير: هو الرجل لا يجلس مجلسا فيقوم منه حتى يستغفر الله، ويذكر ذنبه في الخلاء فيستغفر الله (^٣).\nوقال سعيد بن جبير: الأواب؛ المُسبح (^٤).\nوالآية تقتضي بقوله: ﴿أَوَّابٍ﴾ يؤوب إلى الله ﷿، يرجع عن الخطايا والذنوب ويستغفر الله منها ويدوم على الندم، ويحفظها بقلبه كي لا يزول الاستغفار من لسانه، والخوف على نفسه، فيكون خائفا راجيا، والله أعلم بما أراد.\nقال الله ﵎: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ\nوَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (^٥).\nقال جرير بن عبد الله (^٦): (كنا عند رسول الله - ﷺ - إذ نظر إلى القمر ليلة (^٧) البدر فقال: أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا لا تُضَامون في رؤيته (^٨)، فإن استطعتم\n_________\n(^١) سورة ق (٣٢).\n(^٢) أورده القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٢).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ١٦٣ كتاب الزهد، كلام عبيد بن عمير] مفرقا.\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (٦/ ٤٩٧) لكن قال الأواه بدل الأواب، وأخرجه - أيضا - (١١/ ٤٢٨) من روايته عن ابن عباس.\n(^٥) سورة ق (٣٩). في الأصل فسبح بالفاء، هو خطأ.\n(^٦) هو: جرير بن عبد الله بن جابر البَجَلي، أبو عمرو الكوفي، أسلم قبل السنة العاشرة، وشهد حجة الوداع، وبعثه النبي - ﷺ - إلى ذي الخلصة فهدمها. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٧٥) والإصابة (١/ ٥٨١).\n(^٧) لوحة رقم [٢/ ٢٥٥].\n(^٨) قوله: لا تضامون في رؤيته أي: قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٤١): \" بضم أوله مخففا لا يحصل لكم ضيم حينئذ، وروي بفتح أوله والتشديد من الضم والمراد نفى الازدحام\".","vol":"1","page":1545},{"text":"ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ففعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (^١)\nقال عمارة الثقفي (^٢) سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:؟ لن يلج النار من صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها؟ (^٣)\nوقال ابن عباس: هي المكتوبة (^٤)، يعني صلاة الصبح وصلاة العصر، وقال قتادة مثل ذلك (^٥).\nقال الله ﷿: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ (^٦).\nقال قتادة ومجاهد: فسبحه أي: صل فيه (^٧).\n_________\n(^١) سورة طه (١٣٠) وفي الأصل: بالفاء فسبح، وهو خطأ.\nوالحديث أخرجه البخاري [١٠٣٩ كتاب التفسير، سورة ق] ومسلم [١/ ٣٦٧ كتاب المساجد ومواضعها] به\n(^٢) هو: عمارة بن رؤيبة الثقفي، أبو زهرة الكوفي، روى عن النبي - ﷺ - ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٨٢) والإصابة (٤/ ٥٨٢).\n(^٣) أخرجه مسلم [١/ ٣٦٨ كتاب المساجد ومواضعها] به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢١) به.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢١) به.\n(^٦) سورة ق (٤٠).\n(^٧) قول مجاهد أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٤٣٦).\nوأما قول قتادة فلم أجده مع طول البحث، والذين ذكروا الخلاف في معنى الآية؛ كالقرطبي وابن الجوزي، نسبوا هذا القول إلى مجاهد فقط.","vol":"1","page":1546},{"text":"وقال الحارث (^١) عن علي:؟ نهاني رسول الله - ﷺ - عن أربع وسألته عن أربع، سألته عن إدبار النجوم وأدبار السجود، فقال: أدبار السجود: الركعتان بعد المغرب، وإدبار النجوم: الركعتان قبل الغداة، وسألته عن الحج الأكبر، فقال: هو يوم النحر، وسألته عن الصلاة الوسطى، فقال: هي العصر، التي فرط فيها سليمان - ﵇ -؟ (^٢).\nوقال أبو هريرة والحسن ومجاهد في إدبار النجوم وأدبار السجود؛ مثل ما روي عن علي رضوان الله عليه (^٣).\nوكان ابن عباس يقول: التسبيح في إثر الصلوات (^٤).\nوكان زيد بن أسلم يقول: النوافل خلف الصلوات (^٥).\nوكل ذلك حسن إن شاء الله (^٦).\n_________\n(^١) هو: الحارث بن عبد الله الأعور، تقدم.\n(^٢) لم أجده بهذا السياق، وقد أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢٦٧) مختصرا، عن الحارث عن علي، موقوفا عليه، وفيه أنه قال: إدبار النجوم ركعتان قبل الفجر، وأدبار السجود ركعتان من بعد المغرب، والحج الأكبر يوم النحر)\nوأخرج الترمذي [٢/ ٢٨٥ كتاب الحج، باب رقم ١٠٩] عن الحارث عن علي مرفوعا وموقوفا، وصحح الموقوف، وفيه قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن يوم الحج الأكبر فقال: يوم النحر.\nوأورد في الدر المنثور (٤/ ١٢٧) بمعناه قال: \" أخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن علي ﵁ قال: أربع حفظتهن من رسول الله - ﷺ -: (إن الصلاة الوسطى العصر، وأن الحج الأكبر يوم النحر، وأن أدبار السجود الركعتان بعد المغرب، وأن إدبار النجوم الركعتان قبل صلاة الفجر).\n(^٣) أخرجه عنهم الطبري في تفسيره (١١/ ٤٣٦).\n(^٤) أخرجه البخاري [١٠٤٠ كتاب التفسير، سورة ق] بنحوه.\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٤٣٨).\n(^٦) اختار المؤلف أن الآية تعم ما ذكر عن السلف، وقد ذهب ابن العربي إلى نحو هذا في أحكام القرآن (٤/ ١٦٢).","vol":"1","page":1547},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>ومن سورة والذاريات</span>.\n\nقوله عز وحل: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (^١).\nقال أنس بن مالك: كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء (^٢).\nوقال مالك بن دينار (^٣) سألت سالم بن عبد الله عن النوم قبل العتمة؟ فانتهرني، وقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ ما بين صلاة المغرب إلى العشاء ما ينامون (^٤).\nوقال موسى بن يسار في قوله ﷿ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (^٥) قال: ما بين المغرب إلى العشاء، كانت الأنصار يصلون المغرب فينصرفون إلى قباء، ثم أقاموا حتى يصلوا العشاء فنزلت فيهم الآية: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (^٦) يغدون من قباء فيصلون في مسجد رسول الله - ﷺ - (^٧).\n_________\n(^١) سورة الذاريات (١٧).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٤٣) والطبري في تفسيره (١١/ ٤٥٢) وأبو داود [١/ ٤٩٣ كتاب الصلاة، باب وقت قيام النبي - ﷺ -] والحاكم [٢/ ٥٠٧ كتاب التفسير، سورة الذاريات] وقال: صحيح على شرط الشيخين، به.\n(^٣) هو: مالك بن دينار السامي الناجي مولاهم، أبو يحيى البصري الزاهد، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، توفي سنة ١٢٣ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٢٥) وتهذيب التهذيب (٥/ ٣٣٢).\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في التهجد وقيام الليل ص ٣٦٤، به.\n(^٥) سورة السجدة (١٦).\n(^٦) سورة الذاريات (١٨).\n(^٧) لم أقف عليه، وأورد القرطبي (١٧/ ٤١) نحوه عن ابن وهب.","vol":"1","page":1548},{"text":"وقال مُطَرِّف بن الشخير (^١) ومجاهد: كانوا لا ينامون كل الليل (^٢).\nوقال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا في الدعاء والاستكانة والاستغفار (^٣).\nوقال إبراهيم (^٤): ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ يعني ينامون قليلا منه (^٥).\nوقال أبو العالية: كانوا يصيبون حظا من الليل (^٦).\nوقال الضحاك: قليلا من الناس (^٧).\nوقال مُطَرِّف: قَلَّ ليلة تأتي عليهم لا يصلون فيها (^٨)،\nوقال بكل قول من ذلك جماعة متابعة لمن قاله، والله أعلم بما أراد، وكلٌ يدخل في المعنى، من يتنفل بين العشاءين ومن تنفل بالليل، فكل - إن شاء الله - داخل في المعنى ورابح فاعله (^٩).\nقال الله ﵎: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (^١٠).\nيعني الزكاة، تكتب في سأل سائل - إن شاء الله ـ.\nقال الله ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (^١١).\nقيل لعامر بن عبد قيس (^١٢): لو تزوجت، وتلا عليه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ (^١٣) فقال: سمعت الله ﷿ يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (^١٤)\nوقال غيره، وأبو الجوزاء: (^١٥) ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ (^١٦) أن يرزقوا أنفسهم وأن يطعموا أنفسهم، أنا أرزقهم\n_________\n(^١) هو: مطرف بن عبد الله بن الشخير العامري، أبو عبد الله البصري، قال ابن سعد: كان ثقة له فضل وورع ورواية وعقل وأدب، توفي سنة ٨٧ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٧٢) وتهذيب التهذيب (٥/ ٤٣٨).\n(^٢) قول مطرف أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٤٥٢) بنحوه.\nوأما قول مجاهد فقد أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ٢٠٧ كتاب الزهد، كلام مجاهد] به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة [٢/ ٤٧ كتاب الأذان والإقامة، في قوله تعالى: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون] وابن أبي الدنيا في التهجد والقيام ص ٣٥٩، به.\n(^٤) هو: النخعي، تقدم.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة [٢/ ٤٧ كتاب الآذان والإقامة، في قوله تعالى: كانوا قليلا من الليل] الطبري في تفسيره (١١/ ٤٥٤)\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة - الإحالة السابقة - والطبري في تفسيره (١١/ ٤٥٢) بنحوه.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٤٣) وابن أبي شيبة - الإحالة السابقة - والطبري في تفسيره (١١/ ٤٥٤) به.\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٤٣) وابن أبي شيبة [٧/ ١٧٩ كتاب الزهد، كلام مطرف بن عبد الله] والطبري في تفسيره (١١/ ٤٥٢) به.\n(^٩) لوحة رقم [٢/ ٢٥٦].\n(^١٠) سورة الذاريات (١٩).\n(^١١) سورة الذاريات (٥٧، ٥٨).\n(^١٢) هو: عامر بن عبد الله المعروف بابن عبد قيس بن عامر التميمي، أبو عبد الله البصري، كان زاهدا عابدا، شغل بالعبادة عن الرواية، مات بالشام أيام معاوية - ﵁ -. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٥١) تاريخ دمشق (٢٦/ ٣).\n(^١٣) سورة الرعد (٣٨).\n(^١٤) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٧/ ٥٤) به.\n(^١٥) هو: أوس بن عبد الله الربعي الأزدي، أبو الجوزاء البصري، قال العجلي: بصري تابعي ثقة، قتل مع ابن الأشعث في الجماجم سنة ٨٣ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١١٦) وتهذيب التهذيب (١/ ٣٠٠).\n(^١٦) سورة الذاريات (٥٦ - ٥٧).","vol":"1","page":1549},{"text":"وأطعمهم، ما خلقتهم إلا ليعبدون (^١).\nوقال مجاهد: إلا ليعرفوني (^٢).\nوقال الضحاك: هذا خاص للمؤمن (^٣).\nوقول مجاهد: إلا ليعرفون حسن؛ لأن كل الخلق قد عرفوه وعلموا أن لهم خالقا ورازقا، وقد يجوز أن يكون أراد ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ استعبدهم بذلك، فَأَبْلُوهم أيهم أحسن عملا، وقد كان ذلك.\nوأما قوله سبحانه: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ (^٤) فمعناه ما أَكِلُهم في أرزاقهم وطعامهم إلى أنفسهم، فتكفل بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ (^٥) وقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (^٦) فأوجب ذلك على نفسه لهم، تبارك وجل عن المَطْعَمِ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق [٧/ ٢٣٨ كتاب الجنة، ما قالوا في البكاء من خشية الله] بنحوه.\n(^٢) أورده ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٢٦٥).\n(^٣) أورده ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٢٦٥) وابن الجوزي في زاد المسير ص ١٣٥٢.\n(^٤) سورة الذاريات (٥٧).\n(^٥) سورة الذاريات (٥٨).\n(^٦) سورة الذاريات (٢٢).","vol":"1","page":1550},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>ومن سورة والطور</span>.\n\nقال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^١).\nقال ابن عباس: المؤمن يُرْفع له ذريته ليقر به عينه وإن كان (^٢) دونه في العمل ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ قال: ما أنقصناهم من أجل الذرية (^٣).\nوقال إبراهيم (^٤) وغيره، قال: أعطوا مثل أجور آبائهم، ولم ينقص الآباء من أجورهم شيئا (^٥)، وقاله الشعبي أيضا (^٦).\nوقال ابن مسعود مثل قول ابن عباس (^٧).\nوقال قتادة: ما ظلمناهم (^٨)، وقاله أبو عبيدة، وقال فيها ثلاث لغات: أَلَتَ يَأْلِتُ، وألات يُلِيتُ، ولَاتَ يَلِيتُ (^٩).\n_________\n(^١) سورة الطور (٢١).\n(^٢) كذا في الأصل، وفي المصادر التي أخرجت الأثر: كانوا، وهو أقرب للسياق.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٤٧) والطبري في تفسيره (١١/ ٤٨٩) والحاكم [٢/ ٥٠٩ كتاب التفسير، سورة الطور] والبيهقي [١٠/ ٢٦٨ كتاب الدعاوى، باب الولد يسلم بإسلام أحد أبويه] به.\n(^٤) هو: النخعي، تقدم.\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٤٨٩) به.\n(^٦) أشار إليه ابن كثير في تفسيره (٤/ ٣٧٤).\n(^٧) ينظر: تفسير السمعاني (٥/ ٢٧٤).\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق في تفسير (٣/ ٢٤٨) والطبري في تفسيره (١١/ ٤٩١) به.\n(^٩) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن (٢/ ٢٣٢): \" فيها ثلاث لغات: أَلَتَ يَأْلِتُ، تقديرها: أفك يأفك، وألات يُلِيتُ، تقديرها: أقال يقيل، ولات يليت\".\nينظر - أيضا ـ: غريب القرآن للسجستاني ص ٨١، ومعجم مقاييس اللغة مادة: ليت، ومفردات الراغب مادة: لات، والدر المصون للحلبي (٦/ ١٩٩) ولسان العرب مادة: ألت.","vol":"1","page":1551},{"text":"قال الله عز وعلا: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ (^١)\nقال محمد بن كعب: حين يقوم إلى الصلاة (^٢).\nوقال أبو الجوزاء: حين تقوم من منامك (^٣).\nوقال أبو الأحوص (^٤): حين تقوم من كل مكان تقول سبحانك وبحمدك (^٥).\nوقال مجاهد: الليل كله (^٦).\nوالله أعلم بما أرد، إلا أنه حين تقوم من فراشك، يعني صلاة الغداة أحسن ما في ذلك، وذكر الله حسن في كل حال.\n_________\n(^١) سورة الطور (٤٨ - ٤٩).\n(^٢) أورده الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٢٩٦) والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٨٠).\n(^٣) أورده ابن كثير في تفسيره (٤/ ٣٧٩).\n(^٤) هو: عوف بن مالك بن نضلة الجشمي، أبو الأحوص الكوفي، قال ابن سعد: كان ثقة له أحاديث، قتل قبل المائة. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٤٥٣) وتهذيب التهذيب (٤/ ٤٠٤).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٤٩) وابن أبي شيبة [٦/ ٤١ كتاب الدعاء/ باب ما يدعو به الرجل إذا قام من مجلسه] والطبري في تفسيره (١١/ ٥٠٠) بنحوه.\n(^٦) لم أجده بهذا السياق، وإنما أورد في الدر المنثور (٧/ ٦٣٧) عن مجاهد قوله: من كل مجلس، وعزاه للفريابي وابن المنذر.","vol":"1","page":1552},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>ومن سورة والنجم</span>\n\nقال الله ﵎: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (^١)\nسئل ابن عباس - ﵁ - عن اللمم فقال: لم أر شيئا أشبه به من قول أبي هريرة عن النبي - ﷺ -؟ إن الله (^٢) ﵎ كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذاك لا محالة، فزنى العينين النظر، وزنى اليدين البطش، وزنى اللسان المنطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه؟ (^٣).\nوسئل أبو هريرة عن اللمم فقال: النظرة والغمزة والقبلة والمباشرة إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل وهو الزنا (^٤).\nوروى المَقْبُري (^٥) عن أبي هريرة قال: اللمم: الجماع، قال: ثم يتوب من الزنا فلا يعود، واللمة من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود، واللمة من السرقة ثم يتوب فلا يعود، قال الحسن: وتلك الإلمام (^٦).\n_________\n(^١) سورة النجم (٣٢).\n(^٢) لوحة رقم [٢/ ٢٥٨].\n(^٣) أخرجه البخاري [١٣٢٢ كتاب الاستئذان، باب زنا الجوارح] ومسلم [٤/ ١٦٢٤ كتاب القدر] عن ابن عباس به.\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٥٢٧) به\n(^٥) هو: كيسان أبو سعيد المَقْبُري المدني، مولى أم شريك، كان ينزل المقابر فسمي بذلك، قال الواقدي: كان ثقة كثير الحديث توفي سنة ١٠٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٤١) وتهذيب التهذيب (٤/ ٥٧٨).\n(^٦) أخرجه الطبري تفسيره (١١/ ٥٢٧) به، وقول الحسن هنا يرويه عن أبي هريرة - ﵁ -، كما جاء واضحا عند الطبري.","vol":"1","page":1553},{"text":"وقال زيد بن أسلم: اللمم لمم أهل الجاهلية، ولا تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف (^١).\nوروي عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال: الزيارة من الإلمام، ألستم عربا! وهو أن يلم المرة (^٢).\nوسئل زيد بن ثابت عن اللمم فقال: حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن (^٣).\nوقال عبد الله بن عمرو بن العاصي: هو ما دون الشرك (^٤)،\nوقال الشعبي: هو ما دون الزنا (^٥).\nوقال مجاهد: يلم بالذنب ثم ينزع عنه، قال: وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت ويقولون:\nإن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما (^٦)\nوقال مثل ذلك عروة وغيره (^٧).\nوقال الحسن: اللمة من الزنا ثم يتوب فذاك يتجاوز عنه (^٨).\nوقال زيد بن أسلم: الكبائر الشرك، والفواحش الزنا، تركوا ذلك حين دخلوا في الإسلام، فغفر لهم ما كان قبل الإسلام (^٩).\nوقد ذكرنا ما انتهى إلينا من تكلم في اللمم، وحكي لي عن بعض أهل العلم أنه قال: يجتنبون كبائر الإثم والفواحش واللمم (^١٠)، وهو قول فاسد لأنه يبطل قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (^١١) فإذا اجتنبوا اللمم فأي شيء يغفر لهم، واللمم عند العرب ألا يكون الإنسان مقيما على الشيء، يقال: ما فعل ذلك إلا لمما، وإلا لما، على الحين بعد الحين، ويقال: مُصِّرٌ، إذا كان الفعل له عادة، فإن تركه ونزع عنه كان تائبا، قال الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (^١٢) ثم ضمن لهم الثواب فقال: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (^١٣) وقال بعقب اللمم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ فذم المصر ومدح التائب.\nقال أبو صالح: سئلت عن قول الله ﷿ ﴿يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ فقلت: هو الرجل يلم بالذنب أو الخطيئة ثم لا يعاود، فذكرت ذلك لابن عباس، فقال: لقد (^١٤) أعانك عليها ملك كريم (^١٥)، فجاء هذا التفسير على تعارف العرب وتلقاه ابن عباس بعربيته التي نزل بها القرآن، والعرب تقول: إنما زيارتك لمام، وإنما تفعل لماما، قال جرير:\nبنفسي من تجنُّبُه عزيز ... علي ومن زيارته لمام (^١٦)\nوقال وَضَّاح اليمن (^١٧):\nفما نولِّتُ حتى تضرعتُ حولها ... وخبرتها ما رخص الله في اللمم (^١٨)\nفاللمم عندي - والله أعلم - التي تكون فيندم عليها ولا يعاودها المذنب، وهو أصح الوجوه في ذلك.\n_________\n(^١) أورده السمرقندي في تفسيره (٣/ ٣٤٥) وأشار إليه في الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٠٧).\nقوله: ولا تجمعوا ..، هكذا في الأصل، والظاهر أن ابن أسلم ﵀ ساق الآية مثالا على لمم أهل الجاهلية، قال السمرقندي حاكيا قوله: \" .. إنما اللمم لمم أهل الجاهلية، يقول الله تعالى في كتابه: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ \" وإلى نحو هذا أشار القرطبي في الجامع، قال: \" هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم به ... قاله زيد بن أسلم وابنه، وهو كقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ \".\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الإشراف ص ٣١٥، بمعناه\nسياق ابن أبي الدنيا للأثر أكثر وضوحا، ونصه: \" عن ابن أبي حسين أن ابن عباس، سئل عن اللمم؟ فقال: أولستم عربا! ومن زيارته لمام \" واللمام من الزيارة ما كان متباعد الفترة قليل المدة، كما قال جرير:\nبنفسي من تجنبه عزيز ... علي ومن زيارته لمام.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٥٢٦).\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٥٢٨) به.\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٥٢٧) به\n(^٦) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٥٢٨) به.\n(^٧) لم أجده.\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٥٦) والطبري في تفسيره (١١/ ٥٢٧) به.\n(^٩) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٥٢٦) بنحوه.\n(^١٠) أشار إليه في الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٠٧) ولم يسم قائله.\n(^١١) سورة النجم (٣٢).\n(^١٢) سورة آل عمران (١٣٥).\n(^١٣) سورة آل عمران (١٣٦).\n(^١٤) لوحة رقم [٢/ ٢٥٨].\n(^١٥) أورده في معالم التنزيل (٤/ ٢٥٢) وفي الدر المنثور (٧/ ٦٥٧) وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(^١٦) ديوان جرير ص ـ.\n(^١٧) هو: عبد الله بن إسماعيل بن عبد كُلال، كان من أهل صنعاء من الأنبار، لقب بوضاح اليمن لجماله، توفي سنة ١٩٢ هـ. ينظر: تاريخ دمشق (٢٧/ ٨٦).\n(^١٨) أورده في الصحاح مادة: نول.","vol":"1","page":1554},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^١)\nقال بعض المفسرين: ﴿وَفَّى﴾ بلغ وأدى ما أرسل به (^٢).\nوقال آخرون: منع أن يؤخذ إنسان بذنب غيره، وكانوا قبل ذلك يفعلونه (^٣).\nوقال آخرون: وفى بما أمر به (^٤)، وقال أبو أمامة عن النبي - ﷺ -:؟ أربع ركعات كان يصليها في أول النهار؟ (^٥)\nوقال ابن جبير: وَفَى بذبح ابنه، وقال إبراهيم مثل ذلك (^٦).\nوقال آخرون: جعل على نفسه ألا يقعد على طعام إلا ومعه يتيم أو مسكين (^٧).\nوكل ذلك حسن، وفى بما أمر به وبلغ رسالة ربه، وبما أوجبه على نفسه من أعمال البر فلم يسأمها فيدعها، والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة النجم (٣٧ - ٣٨)\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٥٣٢) عن قتادة وابن جبير وعبد الرحمن بن زيد وابن عيينة، وأخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٣٢٩ كتاب، ما ذكر مما أعطى الله إبراهيم] عن ابن جبير.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٥٣٢) عن ابن عباس.\nوأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٥١) والبيهقي [٨/ ٣٤٥ أبوا ب الحدود كفارات، باب أخذ الولي بالولي] عن عمرو بن أوس.\n(^٤) هو قول مجاهد كما في تفسيره (٢/ ٦٣٢) وأخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٣٢٩ كتاب الفضائل، ما أعطى الله إبراهيم - ﵇ -] عنه، وأخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٥٣٣) عنه، وعن ابن عباس - ﵁ -.\n(^٥) جزء من حديث أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٥٣٣) وضعفه، وابن أبي حاتم (١/ ٢٢٠).\n(^٦) لم أجده عنهما، وقد أخرجه ابن أبي حاتم (١/ ٢٢٠) عن ابن عباس من رواية سعيد بن جبير.\nوأخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٥٣٢) عن ابن عباس، والقرضي.\n(^٧) لم أجده بهذا السياق، وقد أورد في الدر المنثور (١/ ٢٨٣) عددا من الآثار الدالة على كرم إبراهيم - ﵇ - وحفاوته بأضيافه،","vol":"1","page":1555},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>ومن سورة الرحمن </span>(^١).\n\nقال الله ﵎: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾\nإلى: ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (^٢)\nمرّ ابن عباس - ﵁ - بسوق المدينة فقال: يا معشر الموالي إنكم ابتليتم بأمرين أهلك الله فيهما أمتين من الأمم: الكيل والميزان (^٣).\nومرّ برجل يزن فرآه قد أرجح فقال: أقم اللسان كما قال الله: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (^٤).\nوقال مجاهد: قوله: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ قال: العدل (^٥).\n_________\n(^١) لم يتكلم المؤلف ﵀ عن سورة القمر، ولم يشر تركه الكلام عنها، كما جرت عادته.\n(^٢) سورة الرحمن (٧ - ٩)\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٥٧٧) به.\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٥٧٧) به.\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (٥/ ٥٧٦) به.","vol":"1","page":1556},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>ومن سورة الواقعة</span>\n\nقال الله ﵎: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (^١).\nقال أبو العالية: الكتاب المكنون ليس أنتم، أنتم أصحاب الذنوب (^٢).\nوقال ابن جبير: الملائكة (^٣)، وقاله مجاهد والضحاك (^٤).\nوقال مالك بن أنس - ﵁ - في قوله سبحانه: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ إنها بمنزلة التي في عبس ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (^٥).\nوقال سلمان الفارسي: لا يمسه إلا طاهر، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرأه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ (^٦).\nوقد جاء في مسّ المصحف اختلاف؛ فقال بعضهم: لا يمسه من الناس إلا طاهر تطهر الوضوء والصلاة.\nوقال بعضهم: يمسه، منهم ابن عباس والشعبي (^٧).\nوأما من كره أن يمس (^٨) المصحف إلا طاهر، ففي كتاب عمرو بن حزم (^٩):؟ لا يمس القرآن إلا طاهر؟ وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله - ﷺ - لعمرو بن حزم روي ذلك من وجوه كثيرة، ورواه في غير الكتاب الزهري، عن أبي بكر (^١٠) بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده:؟ أن رسول الله - ﷺ - كتب إلى أهل اليمن كتابا، ذكر فيه الفرائض والسنن والديات، وفي الكتاب: ولا يمس القرآن إلا طاهر؟ (^١١).\nوروى مالك عن إسماعيل (^١٢) بن محمد بن سعد عن مصعب (^١٣) بن سعد قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال: لعلك مسست ذكرك؟ فقلت: نعم، فقال: قم فتوضأ، فقمت وتوضأت ثم رجعت، وقال بعضهم فيه: قم فاغسل يدك (^١٤).\n_________\n(^١) سورة الواقعة (٧٩).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ٢٠٧ كتاب الزهد، كلام أبي العالية] والطبري في تفسيره (١١/ ٦٦٠) بنحوه.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٦٥٩) به.\n(^٤) أخرجه عنهما الطبري في تفسيره (١١/ ٦٥٩).\n(^٥) ينظر: الموطأ (١/ ١٧٧).\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة [كتاب الطهارات، الرجل يقرأ القرآن وهو غير طاهر] والحاكم [٢/ ٥١٩ كتاب التفسير، سورة الواقعة] والبيهقي [١/ ٨٨ كتاب الطهارة، باب نهي المحدث عن مس المصحف] بنحوه.\n(^٧) ينظر في مسألة مس المصحف ومذاهب السلف فيها: مصنف عبد الرزاق [١/ ٣٤٣ كتاب الحيض، باب مس المصحف] وابن أبي شيبة [٢/ ١٤٠ كتاب الصلاة، في الرجل على غير وضوء] والأوسط (٢/ ١٠١) وأحكام القرآن للجصاص (٥/ ٣٠٠) والتمهيد (١٧/ ٣٩٣) وأحكام القرآن لابن العربي (٤/ ١٧٦).\n(^٨) لوحة رقم [٢/ ٢٥٩].\n(^٩) هو: عمرو بن حزم بن زيد بن الحارث بن الخزرج الأنصاري، أبو الضحاك، شهد الخندق، واستعمله النبي - ﷺ - على نجران، توفي سنة ٥٣ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٤٨٦) والإصابة (٤/ ٥١٢).\n(^١٠) هو: أبو بكر بن محمد بن حزم الأنصاري، قيل اسمه وكنيته واحدة، ولاه عمر بن عبد العزيز قضاء المدينة، توفي سنة ١٢٠ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٢١٤) وتهذيب التهذيب (٦/ ٣٠٠).\n(^١١) أخرجه ابن حبان [١٤/ ٥١٠ كتاب، ذكر كتبة المصطفى - ﷺ -] والحاكم [١/ ٥٢٢ كتاب الزكاة] والبيهقي [١/ ٣٠٩ كتاب الطهارة، باب الحائض لا تمس المصحف] عن الزهري، به.\n(^١٢) هو: إسماعيل بن محمد بن سعد بن مصعب بن سعد بن أبي وقاص الزهري، أبو محمد المدني، قال ابن سعد: له أحاديث وهو ثقة، توفي سنة ١٣٤ هـ طبقات ابن سعد (٥/ ٢٤٢) وتهذيب التهذيب (١/ ٢٦٧).\n(^١٣) هو: مصعب بن سعد بن أبي وقاص الزهري، أبو زرارة المدني، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة ١٠٣ هـ. طبقات ابن سعد (٥/ ٨٧) وتهذيب التهذيب (٥/ ٤٢٨).\n(^١٤) أخرجه في الموطأ [١/ ٦٤ كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الفرج] والبيهقي [١/ ٨٨ كتاب الطهارة، باب نهي المحدث عن مس المصحف] به.","vol":"1","page":1557},{"text":"وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا وهو طاهر، وقال مثل ذلك إبراهيم والحكم وحماد (^١).\nوقال مالك بن أنس: لا يحمل أحد المصحف أحد بعلاقته، ولا على وسادة، إلا وهو طاهر (^٢).\nوإنما كره ذلك إكراما للقرآن وتعظيما له، وقد يحتمل أن يكون الله ﵎ أراد الكتاب الذي عنده؛ ويُعظَّم هذا لأنه نسخته وهو كلام الله ﷻ فلا يمسه منا إلا طاهر إذ كان الأصل يمسه المطهرون، والله أعلم.\nقال الله ﵎: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (^٣)\nقال ابن عباس: بالأنواء، يقولون: مطرنا بنوء كذا ونوء كذا، ذلك كفر بما أنعم به عليهم (^٤).\nوقال الحسن ومجاهد: مطرنا بنوء كذا، يقول: قولوا: من عند الله ورزقه (^٥).\nقال عبيد الله بن عبد الله (^٦) عن زيد بن خالد:؟ مطر الناس ليلا فأصبح رسول الله - ﷺ - فقال: ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة؟ قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، فأما من آمن بي وحمدني على سقياي، فذلك الذي آمن بي\n_________\n(^١) تقدمت الإحالة إلى من أخرج أقوالهم في أول كلام المؤلف ﵀ على هذه المسألة.\n(^٢) ينظر: الموطأ (١/ ١٧٧).\n(^٣) سورة الواقعة (٨٢).\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٦٦٢) بنحوه.\n(^٥) قول مجاهد فهو في تفسيره (٢/ ٦٥٣) وأخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٦٦٣).\nوأما قول الحسن فلم أجده بهذا السياق، وأخرج الطبري أنه قال في قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾: خسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب.\n(^٦) عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، أحد فقهاء المدينة ومعلم عمر بن عبد العزيز، توفي سنة ٩٥ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ١٢٧) وتهذيب التهذيب (٤/ ١٨).","vol":"1","page":1558},{"text":"وكفر بالكوكب، ومن قال: بنوء كذا وكذا، فذلك الذي آمن بالكوكب وكفر بي أو كفر بنعمتي؟ (^١)\nوروى أبو سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - قال:؟ لو حبس الله القطر سبع سنين ثم أرسله عليهم أصبحت طائفة منهم بي كافرين، قالوا: مطرنا بنوء المِجْدَح؟ والمِجْدَح: الكوكب الذي خلف الدَّبَران (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه الحميدي في مسنده (٢/ ٣٥٦) وأحمد (٤/ ١١٦) والنسائي [٣/ ١٦٤ كتاب الاستسقاء، كراهية الاستمطار بالكواكب] عن عبيد الله بن عبد الله به، وهو عند البخاري [٢٠٥ كتاب الكسوف، باب وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون] ومسلم [١/ ٨٢ كتاب الإيمان] عن عبيد الله بن عبد الله، بنحوه.\n(^٢) أخرجه أحمد (٣/ ٧) وابن حبان [١٣/ ٥٠٠ كتاب النجوم والأنواء، ذكر التغليظ على من قال بالاختيارات]\nقال في غريب الحديث (١/ ٢٣٦): \" المجدح: نجم من النجوم، قيل: هو الدبران، وقيل: ثلاثة كواكب ... وهو عند العربي من الأنواء الدالة على المطر\".","vol":"1","page":1559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>ومن سورة الحديد</span>\n\nقال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ (^١).\nقيل لعبد الله بن مسعود: فلان شهيد، وقتل فلان شهيدا، فقال عبد الله: إن الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليعرف، وإن الرجل يموت على فراشه وهو شهيد، ثم تلا: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (^٢).\nقال أبو هريرة: الشهيد الذي لو مات على فراشه دخل الجنة (^٣).\nوقال ابن عباس: الشهيد (^٤) في هؤلاء التسع: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ﴾ (^٥)\nوقال مجاهد: كل مؤمن شهيد، وقرأ الآية (^٦).\nوقال مسروق: هي خاصة للشهداء (^٧).\nوقال عمرو بن ميمون (^٨): كل مؤمن صديق، وتلا: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ﴾ (^٩).\n_________\n(^١) سورة الحديد (١٩).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٦٨٣) بنحوه.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق [٥/ ٢٦٨ كتاب الجهاد، باب الشهيد] به.\n(^٤) لوحة رقم [٢/ ٢٦٠].\n(^٥) سورة التوبة (١١٢). وفي الأصل سقطت كلمة الحامدون.\nوالأثر عن ابن عباس - ﵁ - لم أجد.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٧٦) والطبري في تفسيره (١١/ ٦٨٣) به.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٧٦) والطبري في تفسيره (١١/ ٦٨٣) به.\n(^٨) هو: عمرو بن ميمون بن مهران الجزري، أبو عبد الله الرقي، قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، توفي سنة ١٤٧ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٢٢٤) وتهذيب التهذيب (٤/ ٣٦٦).\n(^٩) أورده في الدر المنثور (٨/ ٦١) وعزاه إلى عبد بن حميد.","vol":"1","page":1560},{"text":"وقال مجاهد: ﴿الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ بالإيمان على أنفسهم لله جل وعز (^١).\nقال بكر: القرآن يدل على أن الصديقين والشهداء نعت للذين آمنوا بالله ورسله لقوله سبحانه ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ والصديقون هم الذين يتلون الأنبياء، والشهداء يتلونه، ثم يتلوهم الصالحون، قال الله ﷿: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ (^٢) وقد يجوز أن تكون هذه الآية التي في الحديد، في جملة من صدق الرسل، ويجوز أن يكون عنى بالشهداء من شهد بالتوحيد، ويكون الصديقون الذين يتلون الأنبياء، يتجاوزون هؤلاء الذين تسموا بالتوحيد والإيمان والشهداء لربهم بوحدانيته بأعمالهم وأحوالهم، فيكون صديق فوق صديق في الدرجات، كما قال النبي - ﷺ -:؟ إن أهل الدرجات العلا ليراهم من دونهم كما يرى أحدكم الكوكب الدري في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر لمنهم وأنعما؟ (^٣).\nقال الله ﵎: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٦٨٤) به.\n(^٢) سورة النساء (٦٩).\n(^٣) أخرجه أحمد (٣/ ٢٦) وابن ماجه [١/ ٢٠ المقدمة، فضائل أصحاب رسول الله - ﷺ -] وأبو داود [٣/ ٤٢٤ أول كتاب الحروف والقراءات] والترمذي [٥/ ٣٧٢ كتاب المناقب، باب مناقب أبي بكر] وحسنه، عن أبي سعيد الخدري به.\n(^٤) سورة الحديد (٢٧).","vol":"1","page":1561},{"text":"كل محدث مبتدع ألا ترى الله ﷿ قال: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ﴾ (^١) مبتدعان، فالشر قال فيه رسول الله - ﷺ -: إنه ضلالة له تجر صاحبها إلى النار (^٢)، والخير مبتدع من فاعله، إذا لم يكن من كتاب ولا سنة ففاعله ابتدعه، فينبغي إذا فعله أن يداوم عليه، فإنه إن تركه وعدل عنه إلى ضده كان داخلا في معنى هذه الآية: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ ولذلك قال أبو أمامة الباهلي لما سَنَّ عمرُ القيام في شهر رمضان: فدوموا عليه إذ فعلتموه ولا تتركوه، فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا لم يكتبها الله عليهم ابتغاء رضوان الله، فما رعوها فعاقبهم الله (^٣)، فمن سن سنة حسنة وجب عليه رعايتها (^٤).\nفأما قيام شهر رمضان فإن رسول الله - ﷺ - قامه ثم خشي أن يفرض فتركه، فلما توفي رسول الله - ﷺ - وعُدِمَ نُزول الوحي، أقامه للناس عمر ﵀، وقد كان رسول الله\n_________\n(^١) سورة البقرة (١١٧).\n(^٢) يشير إلى ما أخرجه ابن خزيمة [٣/ ١٤٣ أبواب الأذان والخطبة، باب صفة خطبة النبي - ﷺ -] والنسائي [٣/ ٢٠٩ كتاب العيدين، كيف الخطبة] من حديث جابر بن عبد الله، وفيه: (وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار).\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٦٩٢) بنحوه.\n(^٤) أراد المؤلف ﵀ بالسنة التي يجب على من سنها رعايتها؛ ما لم يرد الشرع بإيجابه، فمن أخذ بها فينبغي عليه رعايتها وعدم تركها، وقد استشهد على ما ساقه بكلام أبي إمامة - ﵁ - عن قيام رمضان، ومعلوم أن قيام رمضان - كما أشار المؤلف - مما شرعه النبي - ﷺ -، وفي هذا السياق نفسه قال الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٣٠١) في كلامه عن هذه الآية: \" ... فاقتضى ذلك أن كل من ابتدع قربة قولا أو فعلا، فعليه رعايتها وإتمامها، فوجب على ذلك أن من دخل في صلاة أو صوم أو حج أو غيرها من القرب، فعليه إتمامها إلا وهي واجبة عليه، فيجب عليه القضاء إذا أفسدها\".","vol":"1","page":1562},{"text":"- ﷺ - حث عليه وأمر به فقال:؟ من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه؟ (^١).\nقال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ\nيُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ إلى: ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢).\nقال مجاهد: ضعفين (^٣).\nقال قتادة: لما نزلت حسدنا أهل الكتاب، فأنزل: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (^٤).\nوقال ابن عباس: أجرين (^٥)، وقال في قوله: ﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ من أمر الله (^٦).\nوقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ إنما هو ليعلم، لئلا زائدة (^٧) إنما هو (^٨) مثل قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ (^٩) وما أشبه هذا، وهو في القرآن كثير وفي كلام العرب (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري [١١ كتاب الإيمان، باب تطوع قيام رمضان] ومسلم [١/ ٤٤٠ كتاب المسافرين] من حديث أبي هريرة، به.\n(^٢) سورة الحديد (٢٨ - ٢٩).\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٦٩٥).\n(^٤) سورة الحديد (٢٩).\nوالأثر أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٦٩٧)\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٦٩٣) به.\n(^٦) لم أجده.\n(^٧) مراد المؤلف - رجمه الله - بالزيادة هنا من حيث الإعراب، أما من حيث المعنى فلا شك أن لكل حرف في القرآن دلالته ومعناه، ولِمَا يوهمه لفظ الزيادة؛ فقد تجنب بعض العلماء استعماله، واستعاضوا عنه لفظ الصلة.\n(^٨) لوحة رقم [٢/ ٢٦١].\n(^٩) سورة الواقعة (٧٥).\n(^١٠) ينظر: تفسير الطبري في تفسيره (١١/ ٦٩٧) والمحرر الوجيز (٥/ ٢٧١) والبحر المحيط (٨/ ٢٢٧).","vol":"1","page":1563},{"text":"قال الله ﵎: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ (^١).\nروى زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار (^٢)، عن أبي سعيد الخدري، قال: فلما أصبحنا ليلة نزلوا الحديبية قام رسول الله - ﷺ - فصلى الصبح وصلينا معه، فلما انصرف حمد الله وأثنى عليه ثم قال:؟ والذي نفسي بيده لقد غفر الله للركب الليلة أجمعين إلا رويكب واحد ليس منهم، قال فذهبنا ننظر فإذا أعرابي على قعود له قد نزل بين ظهراني القوم، ثم قال: إنه سيأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم، قلنا: يا رسول الله أهم خير منا؟ قال: لا، لو كان لأحدهم جبل من ذهب فأنفقه ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه، ثم قال بيده ألا إن هذا فصل ما بيننا وبين الناس ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾؟ (^٣).\nقال الشعبي: الفتح هاهنا الحديبية وهم الذين غفر لهم (^٤).\nوقال النبي - ﷺ -:؟ لا يدخل أحد ممن بايعني تحت الشجرة النار؟\n_________\n(^١) سورة الحديد (١٠).\n(^٢) هو: عطاء بن يسار بن الهلالي، أبو محمد المدني القاص، مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ -، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٨٨) وتهذيب التهذيب (٤/ ١٣٤).\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٦٧٤) عن زيد بن أسلم بنحوه، وأخرج بعضه في الآحاد والمثاني (٤/ ٢٦٦) بنحوه.\nقال ابن كثير في تفسيره (٤/ ٤٧٨) عن هذا اللفظ الوارد عند الطبري: \" وهو غريب بهذا السياق، والذي في الصحيحين من رواية جماعة عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد ذكر الخوارج: تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية الحديث\".\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٦٧٤) بنحوه.","vol":"1","page":1564},{"text":"قال مجاهد: ليس من هاجر كمن لم يهاجر (^١).\nوقال قتادة: فتح مكة (^٢).\nوالله أعلم بما أراد من ذلك، إلا أنه لا اختلاف بين العلماء أن العشرة أفضل الصحابة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، وهم ألف وأربعمائة، ثم من أسلم وهاجر قبل فتح مكة ثم يتلوهم الذين جاءوا أفواجا، والله أعلم.\nقال الله ﷿: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (^٣).\nقال ابن مسعود - ﵁ -: ما كان بعد أن أسلمنا وبين أن عُوتِبْنَا بهذه الآية، إلا أربع سنين، فجعل بعضنا ينظر إلى بعض، وسأل بعضنا بعضا ما أحدثنا (^٤).\nوقيل: كثر وظهر في أصحاب النبي - ﷺ - المزاح والضحك فنزلت الآية (^٥).\nقال ابن أبي رَوّاد (^٦): إن قوما صحبوا عمر بن عبد العزيز في سفر فقال: عليكم بتقوى الله، وإياي والمزاح فإنه يجر القبيح ويورث الضغينة، وتجالسوا بالقرآن وتحدثوا به، فإن ثقل عليكم فحديث من حديث الرجال حسن، سيروا باسم الله (^٧).\nوكان شداد بن أوس يقول: أول ما يرفع من هذه الأمة الخشوع (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٦٧٣) به.\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٦٧٣) به.\n(^٣) سورة الحديد (١٦).\n(^٤) أخرجه أبو يعلى (٩/ ١٦٧) بنحوه، وهو عند مسلم [٤/ ١٨٣٢ كتاب التفسير] دون آخره.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ٢٤٤ كتاب الزهد، ما قالوا في البكاء من خشية الله] عن ابن أبي رواد، به.\n(^٦) هو: عبد العزيز بن أبي رَوّاد مولى المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة العتكي، قال ابن سعد: له أحاديث وكان مرجئا وكان معروفا بالصلاح، توفي بمكة سنة ١٥٩ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٣١) وتهذيب التهذيب (٣/ ٤٣٨).\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ٢٤٤ كتاب الزهد، ما قالوا في البكاء من خشية الله] به.\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٧٥) والطبراني في الكبير (٧/ ٢٧٥) به.","vol":"1","page":1565},{"text":"وقال أبو الدرداء (^١): نعوذ بالله من خشوع النفاق، ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع (^٢).\n_________\n(^١) هو: عويمر بن زيد بن قيس الأنصاري، أبو الدرداء، أسلم يوم بدر، وشهد أحدا وما بعدها، ولي قضاء دمشق زمن عمر بن الخطاب، مات سنة ٣٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٨٧) والإصابة (٤/ ٦٢١).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ٢٤٣ كتاب الزهد، ما قالوا في البكاء من خشية الله] وأحمد في الزهد ص ١٤٢ والبيهقي في الشعب (٥/ ٣٦٤) بنحوه.","vol":"1","page":1566},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>ومن سورة المجادلة</span>.\n\nقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَإِن اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (^١).\nأعلمنا الله ﵎ أن الذين قالوا هذا القول، قالوا منكرا من القول وزورا؛ لأنهم صيروا أزواجهم كأمهاتهم، وهن لا يَصِرن كأمهاتِهِم، ولا كذي أرحامِهِم أبدا؛ لأنهن لا يحللن له أبدا، والأجنبيات (^٢) ليس كذلك، وكان من طلاق الجاهلية (^٣)، فأخرجه الله ﵎ من باب الطلاق إلى باب الكفارات، ثم أعلمنا كيف الحكم على الناس كلهم إذا قالوا هذا القول، فقال عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (^٤) الآية وما بعدها.\nوقد رويت أخبار فيمن تظاهر على عهد رسول الله - ﷺ -، فكان ظاهر بعض ذلك يدل على أنهم فعلوا ذلك قبل نزول القرآن، وكان ظاهر بعضها يمكن يكون ذلك منهم قبل نزول القرآن، ويمكن أن يكون بعده.\nوقد روى عروة، عن عائشة ﵂ قالت:؟ تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها، إن المرأة لتناجي رسول الله - ﷺ - أسمع بعض كلامها ويخفى علي بعضه، إذ أنزل الله تبارك\n_________\n(^١) سورة المجادلة (١ - ٢).\n(^٢) لوحة رقم [٢/ ٢٦٢].\n(^٣) يدل على هذا ما أخرج الطبري في تفسيره (١٢/ ٧) والطبراني في الكبير (١١/ ٢٦٥) عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال: كان ظهار الجاهلية طلاقا.\nوأخرجه عبد الرزاق [٦/ ٤٢٢ كتاب الطلاق، باب كيف الظهار] عن طاوس.\nوأخرجه البيهقي [٣/ ٣٨٣ كتاب الظهار، باب سبب نزول آية الظهار] عن مقاتل.\n(^٤) سورة المجادلة (٣).","vol":"1","page":1567},{"text":"وتعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾؟ (^١)\nوقال مَعْمَر بن عبد الله (^٢)، عن يوسف بن عبد الله بن سَلام (^٣) قال: حدثتني خولة (^٤) امرأة أوس بن الصامت (^٥) قالت:؟ كان بيني وبين زوجي شيء فقال: أنت عليِّ كظهر أمي، ثم خرج إلى نادي قومه، ثم رجع فراودني عن نفسي فقلت: كلا والذي نفسي بيده حتى ينتهي أمري وأمرك إلى رسول الله - ﷺ - فيقضي فيَّ وفيك أمره، وكان شيخا كبيرا رقيقا فغلبته بما تغلب به المرأة الرجل الضعيف، ثم خرجت إلى جارة لي فاستعرت ثيابها، فأتيت رسول الله صلى الله عليه حتى جلست بين يديه، فذكرت له أمره، فما برحت حتى نزل القرآن على رسول الله - ﷺ - فقال حين قلت: لا نقدر على ذلك: إنا سنعينه بعَرَقٍ من تمر (^٦)، وأنا أعينه بعرق آخر، فأطعم ستين مسكينا؟ (^٧)\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد ص ٤٣٨، عن عروة به.\nوأخرجه ابن ماجه [١/ ٣٨٢ أبواب الطلاق، باب الظهار] والنسائي في الكبرى [٣/ ٣٦٨ كتاب الطلاق، باب الظهار] والطبري في تفسيره (١٢/ ٧) الحاكم [٢/ ٥٢٣ كتاب التفسير، سورة المجادلة] وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، عن عروة بنحوه.\n(^٢) معمر بن عبد الله بن حنظلة الحجازي، روى عن يوسف بن عبد الله، وروى عنه ابن إسحاق، وذكره ابن حبان في الثقات، قال ابن القطان: مجهول الحال. ينظر: تهذيب التهذيب (٥/ ٤٨٢).\n(^٣) هو: يوسف بن عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي، أبو يعقوب المدني، حليف الأنصار، قيل: له صحبة وروى عن النبي - ﷺ -، قال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث صالحة. ينظر: الإصابة (٦/ ٥٤٣).\n(^٤) هي: خولة بنت ثعلبة بن أصرم الخزرجية الأنصارية، قال ابن سعد: أسلمت وبايعت، ويروى أنها استوقفت عمرا في خلافته ووعظته. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٤٢٨) والإصابة (٨/ ١١٤).\n(^٥) هو: أوس بن الصامت بن قيس بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري، شهد بدرا والمشاهد بعدها، توفي سنة ٣٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٢٨١) والإصابة (١/ ٣٠٣).\n(^٦) قال في غريب الحديث (٣/ ١٩٨) \" هو زبيل منسوج من نسائج الخوص\"، وجاء عند الطبري (١٢/ ٥) أنه يبلغ نصف وسق، والوسق ستون صاعا.\n(^٧) أخرجه في الآحاد والمثاني (٦/ ٥٤) عن معمر به.\nوأخرجه ابن حبان [١٠/ ١٠٧ كتاب الطلاق، ذكر وصف الحكم للمظاهر برقم ٤٢٧٩] وأبو داود [٢٢١٤ كتاب، باب الظهار] وأحمد (٦/ ٤١٠) عنه، بنحوه.","vol":"1","page":1568},{"text":"وهذه القصة الأحاديث فيها كثيرة، والباب يتسع، وقيل في الحديث:؟ لما ظاهر أوس بن الصامت من امرأته خولة قالت له: والله ما أراك إلا قد أثمت في شأني، لبست جِدَّتِي، وأفنيت شبابي، وأكلت مالي، حتى إذا كَبِرَت سني، ورق عظمي، واحتجت إليك فارقتني، قال: فما أَكْرَهَني لذلك، اذهبي لرسول الله - ﷺ - فانظري هل تجدين عنده شيئا في أمري. فأتيت النبي - ﷺ - فذكرت له ذلك، فقال: ما أراك إلا قد بنت منه، قالت: إلى الله أشكو فاقتي إلى زوجي، قالت عائشة: فإني لأُرَجِّل (^١) رأس رسول الله - ﷺ - يخفى علي بعض كلامها وأسمع بعضه إذ نزل الوحي: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ فأمره رسول الله بعتق رقبة؟ (^٢) إلى آخر الحديث.\nوقال سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر (^٣) قال: ظاهرت من امرأتي، فوقعت بها قبل أن أكفر، فخرجت إلى قومي فأخبرتهم خبري، وقلت: امشوا معي إلى رسول الله - ﷺ -، فقالوا: لا والله لا نمشي معك، وما نأمن أن ينزل فيك (^٤) القرآن، ويكون من رسول الله - ﷺ - فيك مقالة يلزمنا عارها، ولنُسْلِمنَّك بجريرتك، فأتيت رسول الله - ﷺ - فأخبرته خبري، فقال:؟ أنت بذاك يا سلمة، يرددها ثلاثا، فقلت: ما أنا صائر لله إليه (^٥)\n_________\n(^١) قال في غريب الحديث (٢/ ١٨٦): \" التَّرَجُل والتَّرجيل: تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه\".\n(^٢) أخرجه الحاكم [٢/ ٥٢٣ كتاب التفسير، سورة المجادلة] وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وابن ماجه [١/ ٣٨١ أبواب الطلاق، باب الظهار] والبيهقي [٧/ ٣٨٢ كتاب الظهار، باب سبب نزول الآية] بنحوه.\n(^٣) هو: سلمة بن صخر بن سلمان بن الصمة بن الحارث بن زيد مناة الأنصاري الخزرجي المدني، حليف بني بياض ولذا يقال له: البَيَاضي، قال البغوي: لا أعلم له حديثا مسندا إلا حديث الظهار. ينظر: الإصابة (٣/ ١٢٦).\n(^٤) لوحة رقم [٢/ ٢٦٣].\n(^٥) كذا في الأصل، ويحتمل أن يكون لفظ الجلالة زائدا وبحذفه يستقيم الكلام.","vol":"1","page":1569},{"text":"فاحكم بما أراك الله، فقال: حرر رقبة؟ قال: سليمان عن سلمة: وكنت امرأً أصيب من النساء مالا يصيب غيري، فلما دخل رمضان خِفْتُ الفتنة فظاهرت (^١).\nوقال الحسن في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ (^٢) قال: الغشيان (^٣)، وقاله الزهري، ومالك، وقتادة، وأبو العالية (^٤)، فكان الذي حرم الله ﵎ بالظهار الوطء.\nفقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ يعود لما حرم، كما قيل: العائد في هبته وهو الراجع إليها يتملكها، تقول العرب: رجعت في قولي ورجعت عنه، وحروف الإضافة قد تُبدل بعضها من بعض (^٥)، كقوله: نزلت به، ونزلت عليه، قال الله ﷿: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ (^٦) وقال ﷿: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (^٧) فقال\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ٣٧) وابن ماجه [١/ ٣٨١ أبواب الطلاق، باب الظهار] أبو داود [٢/ ٢٤٠ كتاب الطلاق، باب في الظهار] والترمذي [٥/ ١٩٤ كتاب التفسير، سورة المجادلة] وحسنه، وابن خزيمة [٤/ ٧٣ جماع أبواب قسم الصدقات، باب الرخصة في إعطاء الإمام المظاهر] والحاكم [٢/ ٢٢١ كتاب الطلاق] وقال: على شرط مسلم، بنحوه.\n(^٢) سورة المجادلة (٣).\n(^٣) أورده ابن كثير في تفسيره (٤/ ٥٠١).\n(^٤) أما قول الزهري فقد أورده في المحلى (١٠/ ٥١).\nوأما قول مالك فهو في الموطأ (٢/ ٤٤٠).\nوأما قول قتادة وأبي العالية فقد أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٩).\n(^٥) تناوب الحروف بعضها عن بعض، مسألة اختلف فيها نحاة البصرة والكوفة، فذهب نحاة البصرة إلى أن الحروف لا تتناوب، بل لكل حرف منها دلالته، ولذا فقد قالوا بالتضمين، وهو تضمين العامل معنى عامل آخر يناسب السياق. ينظر: الخصائص لابن جني (٢/ ٣٠٦) ومغني اللبيب (الباب السادس ١٥٠) والبرهان في علوم القرآن (٣/ ٤٠١).\n(^٦) سورة المؤمنون (٢٧).\n(^٧) سورة المؤمنون (٢٢).","vol":"1","page":1570},{"text":"في موضع: ﴿فِيهَا﴾ وقال في موضع آخر: ﴿وَعَلَيْهَا﴾ وقال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (^١) أي على جذوع النخل، وقال سبحانه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (^٢) أي: بأمر الله، وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ (^٣) أي عليه، فمعنى ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ إلى الغشيان؛ لأنه إذا قصد لئن يغشى، فقد قصد إلى إبطال ما كان منه من التحريم، فقد عاد في ذلك القول الذي لفظ به من التحريم يريد الرجوع عنه.\nوقال الشافعي: إذا ظاهر الرجل من امرأته، ثم لم يطلق طلاقا متصلا بالظهار، فقد وجبت عليه الكفارة (^٤)، وهو قول فاسد؛ لأن المُظَاهِر على نية الظهار إلى أن ينقضي لفظه، فإن أراد الطلاق بعد الظهار، فأقرب ما يمكن فيه أن ينوي حين انقضاء لفظه بالظهار أن يطلق ثم يطلق، فلا يقع الطلاق إلا وبينه وبين الظهار فرجة قَلَّت أم كثرت؛ لأن الفعل في كل شيء إنما يكون بعد النية، وليس يعقل أن يكون التظاهر من إنسان إلا لمعنى، وهو أن يغضب فيظاهر ليمنعها الوطء، أو يمنع نفسه منه، فإذا أوصل النية بالظهار (^٥) فلا فائدة له في الظهار إذ كان يريد الطلاق، وإن كان يريد الإقامة التي يلزمه تيسيرها الكفارة عقيب اللفظ بالظهار، فلا فائدة له في الظهار يشفي به نفسه من غضبه، وإنما شق على نفسه بأن ألزمها كفارة لغير معنى.\nمع أن قوله: إن لم يطلق بعقب الظهار لزمته الكفارة خطأ، يدل عليه الكتاب واللغة - وأصحابه يدعون له علم اللغة - لأن الله ﷿ قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ وثم إنما تقع بعد الشيء على تراخ؛ لأنه لا اختلاف بين أهل اللغة أن الواو توجب الاجتماع\n_________\n(^١) سورة طه (٧١).\n(^٢) سورة الرعد (١١).\n(^٣) سورة الطور (٣٨).\n(^٤) ينظر: الأم (٥/ ٢٧٩) وسنن البيهقي (٧/ ٣٨٤).\n(^٥) أي إذا أوصل نية الطلاق بالظهار.","vol":"1","page":1571},{"text":"ولا توجب التبدئة به؛ لأن قول القائل: لقيت زيدا وعَمْرا يوجب أن يكون لقيهما، وقد يجوز (^١) أن يكون زيد قبل عمرو، وعمرو قبل زيد، وإذا قال: لقيت زيدا فعمرا، فذلك يوجب لقاء زيد قبل عمرو بغير تراخ، وإذا قال: لقيت زيدا ثم عمرا، فهذا يوجب عندهم التراخي، وأن يكون لقاؤه عمرا بعد زمان.\nوقوله - أيضا - خطأ من وجه آخر؛ لأنه لما قيل: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ لم يخل بأن يعود بفعل أو نية، ولو كان المعنى في ذلك إنما هو ألا يطلقوا، لكان وجه الكلام: ثم لم يطلقوا، والقرآن يَجِلُّ عن أن يكون فيه لفظة غيرها أبلغ منها وأشفى.\nوقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ إيجاب، ولم يطلقوا نفي، فلو كان معنى يعودون معنى لم يطلقوا، لكان الإيجاب هو النفي والنفي هو الإيجاب، وهذا محال، ولو كان إذا ظاهر ثم لم يطلق عائدا بأنه ممسك، لكان في حال الظهار ممسكا، لأنه لم يطلق وإنما ظاهر.\nويفسد أيضا قوله من وجه آخر؛ لأن قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ يوجب أن يحدث منهم شيء، والمظاهر لم يطلق في حال ظهاره، ولا قبل ذلك، فإذا تظاهر ثم لم يطلق بعد الظهار، فهو كما كان لم يحدث منه شيء، لا فعل ولا قول، فيستحيل معنى ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ لأن العائد إنما يعود إلى شيء قد كان فارقه، والمظاهرلم يفارق زوجته في حال الظهار، ولا قبله ولا بعده، وإنما فارق المسيس، فهو يريد أن يعود إليه.\nوقد احتج له أحمد بن عمر بن سُرَيْجٍ (^٢)، بأن العود تركها زوجة، وأن الله ﵎ قال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ (^٣) وبقوله\n_________\n(^١) لوحة رقم [٢/ ٢٦٤].\n(^٢) هو: أحمد بن عمر بن سريج أبو العباس، أحد أئمة الشافعية الكبار، ممن نشر المذهب وانتصر له، ربت مصنفاته عن أربعمائة، توفي سنة ٣٠٦ هـ ينظر: طبقات الشافعية للسبكي (٣/ ٢١) وطبقات الشافعية لابن قاضي (٢/ ٩٠).\n(^٣) سورة المائدة (٣٧).","vol":"1","page":1572},{"text":"سبحانه: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ (^١) وأن العود إقرارهم فيها، فهذا يحتمل أن يكون منهم تحاملا للخروج كاضطراب المجلود، فتأخذه المقامع فيعود إلى حاله (^٢).\nويجوز ما قال وليس فيه حجة له؛ لأن الله ﷿ لما نقل التحريم إلى الظهار قد أقرها زوجة، وألزمها الكفارة بالقول، مع مضامة العود إلى منع نفسه منه، ولم يجعل الظهار مَنْعًَا من الزوجية، وإنما جعله مَنْعَا من الوطء، فإذا أراده متصلا بانقضاء الكفارة، وحل له الوطء، إذ شرط عليه أن يكون قبل الوطء، وإنما يقال: إن طلق وإلا فقد لزمته الكفارة، لمن قيل له طلق أو كفر، كما يقال للمُولِي: فِئ أو طلق (^٣).\nفأما أن يقال لرجل ظاهر: إن لم تطلق لزمتك الكفارة، يقول: الله برحمته نقل طلاقي إلى الظهار الذي فيه الكفارة رحمة منه بنا، فلِمَ يلزمني إن لم أطلق أن أُكَفِر ولم أَعُد، وإنما يكون العود الإمساك، لو كان الإمساك لم يثبت بحكم الله عليَّ، أو لو كان قد أوجب عليَّ أن أطلق أو أكفر، فأما والإمساك قد ثبت بأمر الله، فأي الإمساك يكون مني، وأي ترك للطلاق أكون به ممسكا لمن لم يجب عليه الطلاق، وهذا قول من لم يتدبر ما احتج به، والله أعلم.\nوالحجة عليه من قول الشافعي؛ لأنه قال: والظهار كان طلاق الجاهلية، فنقل إلى الكفارة (^٤) (^٥)، فأي شيء أبين من هذا! ولو كان إذا لم يطلق لزمته الكفارة\n_________\n(^١) سورة السجدة (٢٠).\n(^٢) في معنى هذا ما أخرجه الطبري (٩/ ١٢٦) عن ابن جبير.\n(^٣) قوله: يقال: للمُولِي: فِي أو طلق، المولي هنا من يحلف أن لا يطأ امرأته، والفيء الرجوع عنه، والمؤلف ﵀ يشير إلى قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ينظر: تفسير الطبري (٢/ ٤٣١) والجامع لأحكام القرآن (٣/ ١١٠).\n(^٤) ينظر: الأم (٥/ ٢٧٧).\n(^٥) لوحة رقم [٢/ ٢٦٥].","vol":"1","page":1573},{"text":"فصارت في ذمته، لما كان لقوله للواطئ قبل أن يكفر:؟ أمسك حتى تكفر؟ (^١) وحاشاه - ﵇ - أن يقول قولا لا فائدة فيه، نسأل الله التوفيق برحمته.\nوقد سمى الله الفعل قولا فبذلك يكون ﴿يَعُودُونَ﴾ يريدون الوطء، ومخالفة ما منعوا أنفسهم منه، قال سبحانه ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ (^٢) يعني الكفر والمعاصي، فسماها قولا.\nويفسد أيضا من وجه آخر؛ لأن قوله يوجب أنه إذا أمسكها بعد انقضاء اللفظ بالظهار طرفة عين فما فوقها، فقد وجبت عليه الكفارة، عاشت أو ماتت، أم طلق بعد ذلك أولم يطلق، وقد قال الله ﷿: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فإذا مات أو ماتت علم أنه لا يكون مسيس، فإذا لم يكن مسيس لم يكن له قبل، وإذا لم يكن له قبل لم تجب الكفارة؛ لأن الحال التي جعلت موضعا للكفارة لم تكن (^٣)، وكذلك إذا كان لا يريد أن يمس فلا كفارة عليه؛ لأنها إنما وجبت عليه قبل أن يمس، فلا يجب عليه حتى يأتي موضعها، ولو كانت تجب عليه وهو لا يريد أن يمس لبطل معنى قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ لأن الكفارة قد استقر وجوبها عليه وصارت في ذمته، فإن أخرها كان آثما في تأخيرها حيث أثمه في تأخيرها ما وجب عليه، وليس هي\n_________\n(^١) جزء من حديث أخرجه الدارقطني [٣/ ٣١٦ كتاب النكاح، باب المهر] والحاكم [٢/ ٢٢٢ كتاب الطلاق] والبيهقي [٧/ ٣٨٦ كتاب الظهار، باب لا يقربها حتى يكفر] من حديث طاوس عن ابن عباس.\nوأخرجه أبو داود [٢/ ٢٤٢ كتاب الطلاق، باب في الظهار] والبيهقي - الإحالة السابقة - من حديث عكرمة عن ابن عباس.\nقال ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٤٣٣) بعد سياق هذا الخبر عن ابن عباس - ﵁ - \" وأسانيد هذه الأخبار حسان\".\n(^٢) سورة النساء (١٠٨).\n(^٣) بمعنى أنها لم تقع ولم تكن بعد.","vol":"1","page":1574},{"text":"الآن من المسيس في شيء، ولا هي مما يحل به المسيس فيزول معنى ﴿قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ ولو مس قبل أن يكفر لما وجب أن يكون آثما عنده في المسيس، وإنما يكون آثما في تأخير الكفارة التي كانت وجبت مس أو لم يمس.\nولم يتأمل الشافعي أمر الظهار الذي حكم فيه رسول الله - ﷺ - بالكفارة؛ لأن المظاهر لم يأت النبي - ﷺ - وأتت امرأته ثم أتى هو بعد زمان (^١)، وكانت المخاطبة في ذلك في زمان آخر، ثم نزل الوحي بالكفارة بشرط المسيس، وأن لا يحل إلا بعدها.\nوالشافعي يزعم أن الطلاق يكون متصلا وكان الظهار من طلاقهم، فقال النبي - ﷺ -:؟ ما أراكِ إلا قد بنتِ منه؟ - على ما كان يعرف ـ؟ فقالت: إلى الله أشكو فاقتي إلى زوجي؟ (^٢) فعند ذلك نزل الظهار، فنقل التحريم إلى الكفارة، فكيف يكلف الناس الطلاق بعده، وقد أزيل الطلاق وحكمه، هذا مما يستحيل في العقول كونه.\nوالظهار عندنا لم يُحْدِث غير منع الوطء، فإذا كان لم يُحْدِث غير منع الوطء (^٣)، فإذا كان لم يحدث غير ذلك، والزوجان بحالهما، كان العود إنما يكون إلى ما هو منه ممنوع، وهو الوطء الموجب للكفارة، فشرط عليه تقديم الكفارة قبله، فلو ماتت أو طلق لسقطت الكفارة.\nوقد روي عن بُكَيْر بن عبد الله بن الأَشَجِّ (^٤) أنه قال في ﴿يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾: هو أن يعود فيتكلم بالظهار مرة أخرى (^٥) (^٦)، وبُكَيْر يرتفع - عندي - عن هذا القول\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي [٧/ ٣٩٢ كتاب الظهار، باب لا يجزئ أن يطعم أقل من ستين] والطبراني في الكبير (٢٤/ ٢٤٧) من حديث يزيد بن زيد عن خولة.\n(^٢) تقدم تخريجه في أول كلامه عن هذه المسألة.\n(^٣) الظاهر أن جملة: \" فإذا كان لم يُحْدِث غير منع الوطء \" فيها تكرار مع ما قبلها، ويستقيم سياق الكلام بدونها.\n(^٤) هو: بكير بن عبد الله بن الأشج القرشي مولاهم، أبو عبد الله المدني نزيل مصر، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة ١١٧ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٢٩٥) وتهذيب التهذيب (١/ ٣٦٨).\n(^٥) ينظر: التمهيد (٦/ ٥٨) وأحكام القرآن لابن العربي المالكي (٤/ ١٩٢) والمحلى (١٠/ ٥٠).\nعلى أن هذا القول قال به من التابعين - أيضا - أبو العالية، كما عزاه إليه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٦٨).\n(^٦) لوحة رقم [٢/ ٢٦٦].","vol":"1","page":1575},{"text":"الظاهر القباحة، ولعل الخطأ ممن دونه (^١)، وقد بلغني أن بعض المتأخرين يقول ذلك (^٢)، وقصة المظاهر على عهد رسول الله - ﷺ - قد رواها بُكَيْر وغيره، وكلهم حكى أن المظاهر ظاهر مرة، فأمره رسول الله - ﷺ - بالكفارة، وكان نزول القرآن فيه، فلو كان الوجوب بالقول الثاني؛ لما أمره رسول الله - ﷺ - بالكفارة، ولقال له: امض ولا تعد لهذا القول فيلزمك الكفارة، وما ذكر في حديث ولا خبر ما حُكِيَ عن بكير.\nوقد تكلم الناس فيمن ظاهر من امرأته مرارا؛ فقال بعضهم: لكل قول من ذلك مرتين فلا يعلم (^٣)، وقال الكثير منهم: كفارة واحدة (^٤)، فأما أن لا يكون عليه شيء\n_________\n(^١) أنكر نسبة هذا القول إلى بكير بن عبد الله - أيضا - ابن العربي المالكي في أحكام القرآن (٤/ ١٩٢) ونسبه إلى الظاهرية.\nعلى أن هذا القول قال به من التابعين - أيضا - أبو العالية، عزاه إليه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٦٨) وابن حجر في فتح الباري (٩/ ٤٣٥).\n(^٢) هو قول الظاهرية قال في المحلى (١٠/ ٤٩) \" مسألة: ومن قال من حر أو عبد، لامرأته أو لأمته التي يحل له وطؤها: أنت علي كظهر أمي ... فلا شيء عليه، ولا يحرم بذلك وطؤها عليه، حتى يكرر القول بذلك مرة أخرى، فإذا قالها مرة ثانية وجبت عليه كفارة الظهار وهي عتق رقبة\".\n(^٣) كذا في الأصل، والظاهر أن جملة: \" مرتين فلا يعلم \" مقحمة، لو حُذفت استقام الكلام، وبكل حال فإن السياق في ذكر خلاف أهل العلم فيمن ظاهر من امرأته مرارا؛ فمنهم من قال بوجوب الكفارة بعدد مرات الظهار، ومنهم من قال لا تلزمه إلا كفارة واحدة.\n(^٤) ذهب الأحناف والشافعية إلى وجوب الكفارة بعدد مرات الظهار إن أوقعها متفرقة، فإن أوقعها متتابعة في مجلس واحد ينوي بها التأكيد كانت واحدة، وذهب المالكية والحنابلة - في المشهور عنهم - إلى أنه لا يجب عليه إلا كفارة واحدة.\nينظر: المحلى (١٠/ ٥٧) والاستذكار (٦/ ٥١) والمهذب للشيرازي (٢/ ١٤٦) وبداية المجتهد (٢/ ٨٥) والمغني (٧/ ٣٦٨) وشرح فتح القدير (٤/ ٢٢٩).","vol":"1","page":1576},{"text":"حتى يظاهر مرتين فلا نعلم أحدا قاله (^١)، ولقد بلغني أن بعض من يتكلم عن مذهب هذا المتأخر، أن جهله حمله على دفع الحديث الذي قال فيه: إن الظهار كان طلاق الجاهلية، فنقله الله إلى الكفارة، وأن النبي - ﷺ - لم يقل:؟ ما أراك إلا قد بنت منه؟ وضعف الحديث (^٢)، وهذا حديث رواه جماعة منهم: حجاج بن منهال، عن حماد (^٣)، عن داود بن أبي هند (^٤)، عن أبي العالية، عن خولة التي ظاهر منها أوس بن الصامت (^٥)، ومع ذلك فما يحتاج إلى حديث مع القرآن (^٦)، هل اشتكت إلا إلى الله من الفراق، وقول رسول الله لها قد حرمت عليه، فقال ﷿: ﴿وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ (^٧) فإلى الله أشتكي مصير الكلام في العلم إلى من لا دين له ولا توقي في\n_________\n(^١) يريد ﵀ من التابعين، وإلا فقد قرر قريبا أنه قول بعض المتأخرين.\n(^٢) يشير، ﵀ إلى طريقة الظاهرية في الإجابة عن أحاديث الباب التي استدل بها من خالفهم، وقد بسط ذلك ابن حزم في المحلى (١٠/ ٥٢).\n(^٣) يحتمل أنه ابن سلمة أو ابن زيد، فكل منهما قد سمعا من ابن أبي هند، كما قد روى عنهما حجاج بن منهال، ولم يُميز بينهما في الرواية، ولا في المصادر التي أخرجت الحديث.\n(^٤) هو: داود بن أبي هند واسمه دينار بن عذافر، ويقال: طهمان القشيري مولاهم، أبو بكر البصري، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة ١٣٩ هـ. ينظر\" طبقات ابن سعد (٧/ ١٣١) وتهذيب التهذيب (٢/ ١٢٥).\n(^٥) أخرجه من هذا الطريق البيهقي [٧/ ٣٨٤ كتاب الظهار، باب المظاهر الذي تلزمه الكفارة].\n(^٦) يريد ﵀ أن آيات القرآن الكريم تستقل في إفادة الحكم أصلا، ولا تفتقر إلى ما يعضدها من نصوص السنة.\n(^٧) سورة المجادلة (١).","vol":"1","page":1577},{"text":"لفظ ولا فعل (^١) - وهل في شيء من الحديث إلا ظهار مرة واحدة فأمروا بالكفارة - وإنما جاءوا للوقت، الله المستعان على ما قد ظهر في العلم.\nوأما مالك فإنه يقول: كفارة واحدة (^٢)، وهو قول أكثر الصحابة والتابعين (^٣)، وهو الذي تكلم الناس فيه، فأما أن لا يجعل على المظاهر كفارة حتى يتكلم بذلك مرة أخرى فلا وجه له؛ لأن المُظَاهِر الذي جُعِلَ فيه القرآن، وحُكِمَ عليه بالكفارة فيه، كان مظاهرا قبل أن تنزل: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ ولم نجد أحدا أنه ظاهر مرتين، ولو كان ذلك لحكي، إذ كان لا يجب في الظهار حكم إلا بذلك، وإلا وصف في الحديث أنه ظاهر (^٤).\nولو كان وجوب الكفارة بالعود للقول؛ لما كان لذكر المسيس وجه، وإنما ذكر التظاهر وهو ضد المسيس؛ لأن المظاهر حرم على نفسه المسيس، فكيف يقال: إذا حرمت على نفسك المسيس، ثم حرمت ثانية، فأعتق رقبة قبل أن تمس، هذا كلام ضعيف، ولو قال رجل لرجل: إذا لم ترد أن تمس فأعتق قبل أن تمس لنسب إلى\n_________\n(^١) هذه العبارة منه ﵀ شديدة في مسألةٍ الخلافُ فيها معتبر، وإنا لنرجو أن لا يحرم المخطئ فيها من الأئمة أجر الاجتهاد إن فاته أجر الصواب، ولما أنكر ابن العربي في أحكام القرآن نسبة هذا القول إلى بكير ابن عبد الله، وجعله من جهالة داود الظاهري وأشياعه، علق على ذلك القرطبي - وهو مالكي أيضا - في الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٦٨): \" قوله: \" (يشبه أن يكون من جهالة داود وأشياعه) حملٌ منه عليه، وقد قال بقول داود من ذكرناه عنهم\".\n(^٢) ينظر: الموطأ (٢/ ٤٤٠).\n(^٣) ينظر: التمهيد (٦/ ٥١) والمحلى (١٠/ ٥٧) والمغني (٧/ ٣٦٨).\n(^٤) قد استدل ابن حزم في المحلى (١٠/ ٥١) على أن مظاهرة أوس - ﵁ - وقعت أكثر من مرة، بما رواه الحاكم [٢/ ٥٢٣ كتاب] من حديث عائشة أن امرأة أوس بن الصامت قالت: (وكان أوس امرءا به لمم، فإذا اشتد لممه، ظاهر من امرأته، فأنزل الله فيه كفارة) قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.","vol":"1","page":1578},{"text":"الضعف والجهل، ولو قال: إذا أردت أن تمس فأعتق قبل أن تمس لكان هذا كلاما صحيحا مفهوما (^١).\nفليس تجب الكفارة إلا بالمسيس، وإرادته توجب تقديمها ما دام مستديما للإرادة، فإن (^٢) عزبت (^٣) الإرادة عنه بعد أن كان أراد وقبل أن يكفر، سقطت عنه الكفارة، ولو أن رجلا أراد الصلاة وجب عليه أن يتوضأ، فإن بدا له ولم تكن الصلاة وجبت للوقت زال عنه فرض الوضوء، إذ لا صلاة إلا بطهارة، وقد قيل: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (^٤) فكان إذا أراد أن يقرأ وجب عليه أن يستعيذ، فإن بدا له سقطت عنه الاستعاذة، كذلك إذا أراد الوطء وجبت الكفارة، إذا استدام الإرادة الموصولة بالكفارة إلى ما حُظِر عليه، فإن عدل عن الإرادة زالت عنه الكفارة، كذلك لو طلق وقد مضى من صيامه بعضه سقط الباقي.\nفإن قيل: لم جعلت هذه الكفارة قبل المسيس الموجب لها، ولم تجعل كجزاء الصيد وقتل الخطأ وما أشبه ذلك؟ قيل لهم: تلك كفارات وجبت عن الأفعال المتقدمة لها، والقول في الظهار - وإن كان منكرا وزورا - فلم يُوجب الله فيه كفارة إلا بِمُضَامة الوطء والإرادة له المتصلة به، فلما وجبت وكان القول مانعا من الوطء، غير موجب للكفارة، أوجب الله ﷿ الكفارة، وجعلها موصلة إلى الوطء.\n_________\n(^١) هذا الوجه الذي أشار إليه المؤلف ﵀ أورده ابن حجر في الفتح (٩/ ٤٣٥) ونسبه إلى القاضي إسماعيل ابن إسحاق قال: \" وقال إسماعيل القاضي: لما وقع بعد قوله: ثم يعودون فتحرير رقبة، دل على أن المراد وقوع ضد ما وقع منه من المظاهرة، فإن رجلا لو قال: إذا أردت أن تمس فاعتق رقبة قبل أن تمس، لكان كلاما صحيحا، بخلاف ما لو قال: إذا لم ترد أن تمس فاعتق رقبة قبل أن تمس\".\n(^٢) لوحة رقم [٢/ ٢٦٧].\n(^٣) عزبت الإرادة بمعنى ذهبت عنه وبعدت، قال في اللسان مادة: عزب: \" عَزَب عنه يعْزُب عُزُوبا: ذهب، وأعْزَبه الله: أذهبه ... وعَزَب عني فلان يَعْزُب ويَعْزِب عزُوبا: غاب وبعد \".\n(^٤) سورة الأعراف (٩٨).","vol":"1","page":1579},{"text":"وقد أوجب الله كفارة اليمين على من أراد الحنث، والحنث يوجبها، وإن قدمت جاز ذلك، وقد ذهب جماعة في كفارة اليمين، إلى تقديمها، منهم: سلمان (^١)، ومَسْلَمَة بن مُخَلَّد (^٢)، وابن عمر، ومحمد بن سيرين (^٣).\nوزعم أبو حنيفة وأصحابه، أنه لا بأس أن يطأ المظاهر قبل أن يطعم؛ لأنه لم يشترط في الإطعام ما شرط في العتق والصيام من قبل أن يتماسا (^٤)، وقد شرط الله ﷿ ذلك في خفي القرآن، وَمَنَّ الله بمعرفة ذلك على من حباه واجتباه، فقال في العتق الذي يكون ناجزا: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وقال في الصيام الذي له أول وآخر ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ ولم يجعل له وإن ابتدأ في الصوم أن يغشى بالليل وحظر عليه\n_________\n(^١) هو: الفارسي - ﵁ -، نص عليه ابن قدامة في المغني (٨/ ٧١٣).\n(^٢) هو: مسلمة بن مخلد بن الصامت بن ثعلبة بن الخزرج، أبو سعيد الأنصاري، ولي مصر والمغرب، توفي سنة ٦٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٢٣٣) والإصابة (٦/ ٩١).\n(^٣) أما قول سلمان ومسلمة وابن سيرين، فقد أخرجه ابن أبي شيبة [٣/ ٨٢ كتاب الأيمان، من رخص أن يكفر قبل أن يحنث].\nوأما قول ابن عمر فقد أخرجه البيهقي [١٠/ ٥٤ كتاب الأيمان، باب الكفارة قبل الحنث].\n(^٤) حكاية المؤلف ﵀ لمذهب أبي حنيفة وأصحابه؛ فيها تسامح، فإن المتقرر عند الأحناف وجوب تقديم الإطعام على المسيس، قال في المبسوط (٦/ ٢٢٥): \" وإن كانت كفارته بالإطعام فليس له أن يجامعها قبل التكفير \" وقال في بدائع الصنائع (٧/ ٣٨٣): \" كما أنه لا يباح له وطؤها والاستمتاع بها قبل التحرير والصوم، لا يباح له قبل الإطعام، وهذا قول عامة العلماء .. \" هذا الأصل، لكن إن مسَّ قبل تمام الإطعام لم يستأنف عندهم، بخلاف ما لو كانت كفارته بالعتق أو الصوم، فلو مسَّها حال الصوم - مثلا - وقبل تمامه، فإنه يستأنف، فهم وإن كانوا لا يقولون بجواز المس قبل تمام الإطعام، لكنهم لا يرونه موجبا للاستئناف، كما في العتق والصيام، وحجتهم في ذلك أن الله تعالى شرط الإخلاء عن المسيس في العتق والصيام، ولم يشترطه في الطعام، قال في المبسوط (٦/ ٢٢٥): \" إلا أنه لو أطعم ثلاثين مسكينا ثم جامعها، لا يلزمه استقبال الطعام، بخلاف الإعتاق والصيام؛ لأن شرط الإخلاء عن المسيس، من ضرورة شرط التقديم على المسيس، وذلك غير منصوص عليه في الإطعام، وثبوته لمعنى في غير الإطعام - على ما بينا - فلهذا لا يلزمه الاستقبال، بخلاف الإعتاق والصيام\" وفي معناه ما قرره في شرح فتح القدير (٤/ ٢٣١).","vol":"1","page":1580},{"text":"ذلك، حتى يتم الصيام كله، فاستغنى بما شرط في الكفارتين عن إعادة الشرط في الكفارة الأخرى؛ لأن صاحبها إن أطعم المساكين في وقت واحد؛ فهو كالمعتق الذي يكون فعله في وقت واحد، وإن أطعمهم متفرقين؛ كان كالصائم الذي لصيامه أول وآخر، ولما قيل: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (^١) علم أنه بدل من الذي قبله، وأنه كلام مضمن بعضه من بعض، ومعطوف بعضه على بعض، وأنه حل محله ووقع موقعه، فلما كانت الكفارة المُبْدأ بذكرها والمثنى، تبيحان الوطء وتحلانه (^٢)، كانت الكفارة التي تقوم مقامهما وتحل محلهما، تُحِل له الغشيان، وإن كانت الكفارة الآخرة ليس حكمها ذلك الحكم، فينبغي أن يكون الغشيان على أصل الحظر، كأنها جعلت عقوبة للكلام الذي تكلم به، وأن قد أوُجِبَت عليه حين تكلم بالظهار، وإن لم يعد لما قال، أو طلق أو لم يطلق.\nفقولهم هذا قد يصير إلى أن المظاهر قد جاز له أن يغشى من قبل أن يكفر بالعتق أو الصيام؛ لأنه إذا ظاهر ثم لم يجد الرقبة ولم يستطع الصوم، وأبيح له الغشيان من قبل الإطعام، فقد غشي وهو لا يدري أي الكفارات هي الواجبة علية، وهم يقولون بعد هذا الغشيان (^٣) أنه إن وجد الرقبة أعتق، وإن قدر على الصوم صام (^٤)، فهذه مناقضة.\n_________\n(^١) سورة المجادلة (٤).\n(^٢) أي: الكفارة بالعتق أو الصوم.\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ٦٤٥].\n(^٤) ينظر قول الأحناف في: شرح فتح القدير (٤/ ٢٤٤).\nما أورده المؤلف ﵀ هنا - على مذهب الأحناف لا يلزمهم؛ لأن المؤلف ﵀ بناه على أنهم يقولون بجواز أن يمس امرأته قبل أن يطعم، وقد قدمت في أول حكايته لقول الأحناف أن هذا تسامح منه، إذ هم يقولون بوجوب تقديم الإطعام قبل المسيس، بل قرر أئمتهم أن قولهم بوجوب تقديم الإطعام قبل المسيس لمنع هذا اللازم الذي أورده عليهم المؤلف ﵀ قال ابن الهُمام في شرح فتح القدير (٤/ ٢٤٤): \" الحاصل أنه يجب تقديم الإطعام على المسيس ... والوجوب لم يثبت إلا لتوهم وقوع الكفارة بعد التماس، بيانه: أنه لو قدر على العتق أو الصيام في خلال الإطعام أو قبله لزمه التكفير بالمقدور عليه، فلو جُوِّز للعاجر عنهما القربان قبل الإطعام ثم اتفق قدرته فلزم التكفير به، لزم أن يقع العتق بعد التماس، والمفضي إلى الممتنع ممتنع\".","vol":"1","page":1581},{"text":"وإيجاب الغشيان قبل العتق مخالفة لظاهر القرآن وباطنه؛ لأن الإنسان قبل أن يكفر لا يدري ما يكون كفارة فعله، من عتق أو صيام أو صدقة، وإنما يعلم ذلك حين تقع الكفارة، بالابتداء فيها أو بالفراغ منها، وما لم تقع فهو أمر مغيب عنه لا يدري أي ذلك كفارته.\nوقد سمى الله ﵎ القول فعلا والفعل قولا، فقال ﷿: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ (^١) وهي المعاصي، وقال ﷿: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ (^٢) وهن معه، وإنما أراد اخترن الدنيا وهو قول.\nوقد أمر النبي - ﷺ - الذي ظاهر ثم غَشِيَ قبل أن يكفر، أن يعتزل امرأته حتى يقضي ما عليه، فإذا كان هذا فيمن غَشِيَ ووجبت عليه الكفارة على كل حال واجبا؛ فهو فيمن لم يكن منه الغشيان أوجب وأوكد (^٣)، والله أعلم.\nونعود على الشافعي فنقول: إن النبي - ﷺ - قد جاءه الذي وطئ قبل أن يكفر، فلم يقل له أن الكفارة قد كانت وجبت عليك، وقال له:؟ لا تطأ حتى تكفر؟ (^٤)\n_________\n(^١) سورة النساء (١٠٨).\n(^٢) سورة الأحزاب (٢٨).\n(^٣) ووجه ذلك؛ أن من غَشِيَ امرأته بعد الظهار وقبل أن يكفر، فقد لزمته الكفارة وتعلقت بذمته، لا يسعه الخروج منها، ومع هذا فقد أمره النبي - ﷺ - أن يعتزل امرأته، فمن ظاهر ولم يغش امرأته أولى أن يعتزلها؛ لأن الكفارة لم تلزمه، ولم تتعلق بذمته بعدُ، إذ ربما لا يعود لما قال.\n(^٤) جزء من حديث تقدم تخريجه في أول كلام المؤلف عن هذه المسألة.","vol":"1","page":1582},{"text":"فأعلمه أنه ممنوع من العود، وإن كانت الكفارة قد صارت في الذمة، وليس تلزم الذمة إلا بالعود الموصول بالوطء، واستدامة إرادته حتى تنقضي الكفارة، فتقع بها الإباحة، وكل ذلك ذهب عن الشافعي وقال: لا بأس بوطء المظاهر في ليل الصيام (^١)، خالف نص القرآن والسنة.\nقال الله ﵎: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ\nبِهِ اللَّهُ﴾ (^٢) إلى آخر الآية.\nروى حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب (^٣)، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو (^٤)، أن اليهود أتت النبي - ﷺ - فقالت: السام عليكم، وقالوا في أنفسهم: لولا يعذبنا الله بما نقول، فنزلت الآية (^٥).\nورواه أيضا مسروق، عن عائشة رضوان الله عليها (^٦). ورواه عبيد الله (^٧) عن أبي هريرة عن عائشة (^٨)، وفيه زيادات، والمعنى واحد، وعلمهم رسول الله - ﷺ - أن يقولوا لهم:\n_________\n(^١) ينظر: الأم (٥/ ٢٩٧).\nحَمَل المؤلف ﵀ عدم قول الشافعي بوجوب الاستئناف للمظاهر إن وطئ في ليل الصوم، على أنه يقول بجواز ذلك، وهذا فيه تسامح؛ لأن الشافعي ﵀ لم يقل بجواز ذلك، وإنما قال: من وطئ في ليل الصيام لم يلزمه الاستئناف، وقد نص أئمة المذهب على تحريمه، لكن لم يلزموا فاعله أن يستأنف الصيام، قال الشيرازي في المهذب (٢/ ١٤٩): \" وإن جامع في الليل قبل أن يكفر أثم، لأنه جامع قبل التكفير، ولا يبطل التتابع\".\n(^٢) سورة المجادلة (٨).\n(^٣) هو: عطاء بن السائب بن مالك الثقفي، أبو مالك الكوفي، قال ابن سعد: كان ثقة وقد روى عنه المتقدمون، وقد كان تغير حفظه بآخره واختلط، توفي سنة ١٣٧ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٢٥) وتهذيب التهذيب (٤/ ١٢٦).\n(^٤) هو ابن العاص، تقدم.\n(^٥) أخرجه أحمد (٢/ ١٧٠) عن حماد به، قال في مجمع الزوائد (٧/ ٢٦٠): \" إسناده جيد \".\n(^٦) أخرجه مسلم [٤/ ١٣٦٢ كتاب السلام] عن مسروق، به.\n(^٧) هو: عبيد الله بن عتبة، تقدم.\n(^٨) لم أجد هذا الطريق عن عائشة، والذي وقفت عليه، أنه ورد عن عائشة ﵂ من أربعة طرق:\nالأول: من طريق عروة، عن عائشة، أخرجه البخاري [١٢٨١ كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر كله] ومسلم [٤/ ١٢٦١ كتاب السلام].\nالثاني: من طريق عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة، أخرجه البخاري [١٢٨٢ كتاب الأدب، باب لم يكن النبي - ﷺ - فاحشا ولا متفحشا].\nالثالث: من طريق أبي صالح عن أبيه عن عائشة، أخرجه ابن خزيمة [١/ ٢٨٨ أبواب الآذان والإقامة، باب ذكر حسد اليهود المؤمنين على التأمين].\nالرابع: من طريق مسروق عن عائشة، أخرجه مسلم [٤/ ١٣٦٢ كتاب السلام].","vol":"1","page":1583},{"text":"عليكم، يريد بل عليكم، فيرجع السام عليهم، وقال - ﵇ - لها:؟ ما رأيت ما رددت عليهم، فاستجيب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا؟ (^١)\nقال الله عز وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (^٢)\nقال عبد الله بن مسعود - ﵁ - ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم (^٣).\nوقال قتادة: كان الناس يتنافسون في مجلس النبي - ﷺ -، فقيل لهم: إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس فافسحوا، وإذا قيل انشزوا فانشزوا (^٤).\nوقال معمر (^٥) قال الحسن: هذا كله في الغزو (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري [١٣٥٣ كتاب الدعوات، باب قول النبي - ﷺ -: يستجاب لنا في اليهود] بنحوه.\n(^٢) سورة المجادلة (١١). كذا كتبت الآية في الأصل بإفراد (المجلس) على قراءة الجمهور، وقرأ عاصم بالجمع: المجالس. ينظر: التيسير للداني ص ٢٠٩.\n(^٣) أخرجه الثعلبي في الكشف والبيان (٩/ ٢٦٠).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٧٩) والطبري تفسيره (١٢/ ١٨) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٤٣) به.\n(^٥) هو: ابن راشد، تقدم.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٨٠) عن معمر به.","vol":"1","page":1584},{"text":"وقال يزيد بن أبي حبيب (^١): أنزل ذلك على رسول الله - ﷺ - (^٢) انشزوا للقتال (^٣).\nوقال مجاهد: انشزوا إلى كل خير، قتال عدو، وأمر بالمعروف، وما أشبه ذلك (^٤).\nوالذي يوجبه ظاهر الآية عندي - والله أعلم - أن الله ﷿ يرفع المؤمنين جميعا على سائر الأمم في كل الأحوال، ويرفع الله الذين أوتوا العلم منهم على جملتهم، على مقادير علمهم وعملهم بعلمهم في الدنيا والآخرة (^٥)، وقال ابن عيينة: ينبغي أن يرفع أهل العلم في المجالس كلها على الناس جميعا (^٦).\nقال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ (^٧) الآية.\n_________\n(^١) هو: يزيد بن سويد الأزدي مولاهم، أبو رجاء المصري، قال ابن سعد: كان مفتي أهل مصر في زمانه، ... وكان أول من أظهر العلم في مصر، توفي سنة ١٢٨ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٢٣٧) وتهذيب التهذيب (٦/ ١٩٦).\n(^٢) لوحة رقم [٢/ ٢٦٩].\n(^٣) أورده في الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٨٢).\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ١٩) به.\n(^٥) واختيار المؤلف ليس ببعيد عن قول مالك حيث جعل الآية في المجالس كلها، كما أشار ابن العربي، وصحح قول مالك أيضا. ينظر أحكام القرآن (٤/ ٢٠١).\n(^٦) لم أجده.\n(^٧) سورة المجادلة (١٢).","vol":"1","page":1585},{"text":"قال ابن أبي نَجِيْح (^١) عن مجاهد: كان الرجل لا يناجي الرسول - ﷺ - حتى يتصدق، وأول من فعل ذلك عليّ رحمة الله عليه، تصدق بدينار، ثم ناجى النبي - ﷺ - فأنزلت الرخصة، وكان أول من صنع ذلك (^٢).\nوروى علي بن علقمة الأَنْمَاري (^٣) عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال:؟ لما نزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ فقال لي رسول الله - ﷺ -: ما ترى؛ دينارا؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فكم؟ قلت: شعيرة (^٤)، قال: فقال: إنك لزهيد، قال فنزلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ (^٥) قال علي - ﵁ -: فَبِي خُفِفَ عن هذه الأمة؟ (^٦)\nوقال قتادة: ما كانت إلا ساعة من نهار ثم نسخت (^٧).\nوقال معمر (^٨): كان المسلمون إذا رأوا المنافقين يتناجون شق عليهم، فنزلت ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ (^٩)\n_________\n(^١) هو: عبد الله بن أبي نجيح واسمه يسار الثقفي مولاهم، أبو يسار المكي، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث ... توفي سنة ١٣١ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٢٧) وتهذيب التهذيب (٣/ ٢٦٩).\n(^٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٠) عن أبي نجيح به.\nوأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٨٠) عن سليمان الأحول، بنحوه.\n(^٣) هو: علي بن علقمة الأنماري الكوفي، روى عن علي بن أبي طالب وابن مسعود - ﵃ -، وروى عنه ابن أبي الجعد، قال ابن حجر: مقبول من الثالثة. ينظر: الكاشف (٢/ ٢٥٢) وتقريب التهذيب ص ٧٠١.\n(^٤) أي: وزن شعيرة من ذهب، قاله الترمذي بعد أن أخرج الحديث.\n(^٥) سورة المجادلة (١٢).\n(^٦) أخرجه الترمذي [٣٣٠٠ كتاب التفسير، ومن سورة المجادلة] وقال: حسن غريب، والنسائي في الكبرى [٥/ ١٥٢ كتاب التفسير، ذكر النجوى] والطبري في تفسيره (١٢/ ٢١) وابن حبان [١٤/ ١١٧ كتاب التاريخ، ذكر تخفيف الله جل وعلا عن هذه الأمة] عن علقمة، به.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٨٠) والطبري في تفسيره (١٢/ ٢١) به.\n(^٨) هو: ابن راشد، تقدم.\n(^٩) سورة المجادلة (١٠).","vol":"1","page":1586},{"text":"وقال زيد بن أسلم: كان رسول الله - ﷺ - لا يمنع أحدا مناجاته، فكان الشيطان يأتي أصحاب رسول الله - ﷺ - فيقول لهم: فلان ناجى رسول الله - ﷺ -؛ لأن جموعا كثيرة تجمعت لقتالكم (^١).\nوكان المنافقون يقولون: إنما محمد أذن يسمع من كل أحد يناجيه، وكان ذلك يشق على المؤمنين ويحزنهم، فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢) يقول يصدقهم، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (^٣) فلم ينتهوا، فأنزل الله ﵎: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ لينتهي أهل الباطل عن مناجاته، وعرف الله ﷿ أن أهل الباطل لا يقدمون بين يدي نجواكم (^٤) صدقة، فانتهى أهل الباطل عن النجوى، واشتد ذلك على أهل الإيمان والحق وامتنعوا من النجوى؛ لأن فيهم من لا يستطيع أن يقدم صدقة، فأنزل الله ﷿: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ (^٥) (^٦) قال: ثم خفف الله عنهم فقال: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ١٦) بنحوه، لكن جعله من قول ابن زيد.\n(^٢) سورة التوبة (٦١).\n(^٣) سورة المجادلة (٩ - ١٠).\n(^٤) كذا في الأصل، ومقتضى السياق: نجواهم.\n(^٥) سورة المجادلة (١٣ - ١٤).\n(^٦) لوحة رقم [٢/ ٢٧٠].\n(^٧) سورة المجادلة (١٣).","vol":"1","page":1587},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>ومن سورة الحشر</span>.\n\nقوله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ (^١).\nقال بكر (^٢): هم بنو النضير (^٣) قاتلهم رسول الله - ﷺ - حتى صالحهم على الجلاء، فأجلوهم على أن لهم ما أقلت الإبل من شيء إلا الحلقة، والحلقة السلاح، وكانوا من سبط (^٤) لم يصبهم جلاء فيما مضى، فكان الله قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك عذبهم في الدنيا بالقتل والسبي.\nوأما قوله سبحانه: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ فكان جلاؤهم ذلك أول الحشر في الدنيا إلى الشام (^٥).\nوقال قتادة: تجيء نار من مشرق الأرض تحشر الناس إلى مغاربها، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل إذا قالوا، وتأكل من تخلف (^٦).\n_________\n(^١) سورة الحشر (٢).\n(^٢) هو: المؤلف.\n(^٣) هم: أحد بطون اليهود المشهورة، من ولد الكاهن بن هارون، فروا من الشام لما تسلط عليهم الروم، ثم نزلوا قرب يثرب. ينظر: الأغاني (١١/ ٣٤٣) ومعجم ما استعجم (٥/ ٨٤).\n(^٤) قال في اللسان مادة: سبط: \" السِّبْطُ من اليهود كالقبيلة من العرب، وهم الذين يرجعون إلى أَب واحد، سمي سِبْطا ليُفْرَق بين ولد إسماعيل وولد إسحاق، وجمعه أَسْباط\".\n(^٥) في معنى كلام المؤلف ﵀ هنا ما أخرجه الحاكم [٢/ ٥٢٥ كتاب التفسير، سورة الحشر] عن عائشة، وكذلك ما أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٨) عن الزهري، موقوفا عليه.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٨٢) والطبري في تفسيره (١٢/ ٢٨) به.","vol":"1","page":1588},{"text":"قال موسى بن عقبة:؟ لما أمر رسول الله - ﷺ - بإجلاء بني النضير وإخراجهم عن ديارهم، قالوا: أين تخرجنا؟ قال: إلى الحشر؟ (^١).\nوقال موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر:؟ أن رسول الله - ﷺ - لما ظهر على خيبر (^٢) أراد إخراج اليهود منها، وكانت الأرض لله ﷿ ولرسوله وللمؤمنين، فسأل اليهود رسول الله - ﷺ - أن يُقَرُوا بها على أن يَكْفُوا عملها ولهم نصف التمر، فقال: رسول الله - ﷺ -: نقركم على ذلك ما شئنا فأقروا بها حتى أجلاهم عمر - ﵁ - في خلافته من المدينة إلى تَيْمَاء (^٣) وأَرِيْحا (^٤)؟ (^٥).\nولما أجلى رسول الله - ﷺ - بني النضير من المدينة، صاروا إلى خيبر، وهي من ناحية الشام، فسكنوها مع اليهود الذين كانوا بها، ثم أجلى عمر - ﵁ - يهود خيبر حين بلغه أن\n_________\n(^١) لم أجده، وقد أخرج ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٤٥) عن ابن عباس - ﵁ - نحوه.\nوأورد في الدر المنثور (٨/ ٩٠) عن عروة نحوه، وعزاه إلى البيهقي في الدلائل.\n(^٢) هي: موضع يبعد عن المدينة نحو مئتي كيلو من جهة الشمال، قيل: سميت على رجل من عاد، وكان بها حصون ومزارع، فتحها النبي - ﷺ - سنة ست للهجرة. ينظر: معجم ما استعجم (٢/ ٥٢١) ومعجم البلدان (٢/ ٤٠٩).\n(^٣) هي: بفتح أوله وبالمد على وزن فعلاء، بلد في طرف جزيرة العرب مما يلي الشام. ينظر: معجم البلدان (٢/ ٦٧) معجم ما استعجم (١/ ٣٢٩).\n(^٤) هي: أريحا بالفتح ثم الكسر وياء ساكنة، نسبة إلى أحد الملوك، وهو: أريحا بن مالك، وتقع غرب نهر الأردن، بالقرب من بيت المقدس. ينظر: معجم البلدان (١/ ١٦٥) ومعجم ما استعجم (١/ ١٤٣).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق [٦/ ٥٥ كتاب الجهاد، باب إجلاء اليهود] والبيهقي [٩/ ٢٠٧ كتاب الجزية، باب لا يسكن أرض الجزيرة مشرك] عن موسى بن عقبة، بهذا السياق،\nوأخرجه البخاري [٦٤٢ كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة] بنحوه.","vol":"1","page":1589},{"text":"رسول الله - ﷺ - قال في مرضه الذي توفي فيه:؟ لا يَبْقَيّنّ دينان في جزيرة العرب؟ (^١) فأجلاهم فصاروا إلى تيما وأريحا وسائر بلاد الشام.\nوأما الحشر الذي ذكروا، هي النار تخرج من المشرق، فإنه شيء يكون قبل يوم القيامة، والله أعلم.\nقال الله عز وعلا: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (^٢).\nسار رسول الله إلى بني النضير، فتحصنوا في الحصون فقال لهم:؟ أخرجوا من المدينة فأبوا، فقطع النخل وحَرَّق، فنادوا حين رأوا النخل انقطع وتحرق: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد فما بال قطع النخل وتحريقها! فكان في أنفس المسلمين من ذلك شيء فأنزل الله سبحانه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾؟ (^٣) الآية، رواه ابن إسحاق (^٤) عن أبيه عن المغيرة ابن\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ [٢/ ٦٨٠ كتاب الجامع، باب ما جاء في إجلاء اليهود] والبيهقي [٩/ ٢٠٨ كتاب الجزية، باب لا يسكن أرض الحجاز مشرك] عن ابن شهاب، مرسلا.\nويشهد له ما أخرجه البخاري [٩١٤ كتاب المغازي، باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته] عن ابن عباس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال - الحديث وفيه ـ: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) ومسلم [٣/ ١١١٢ كتاب الجهاد والسير] عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أدع إلا مسلما).\n(^٢) سورة الحشر (٥).\n(^٣) رواه أبو داود في مراسيله ص ٢٥٤ برقم: ٢٣٦ من طريق محمد بن إسحاق، به.\nوعزاه ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف (٤/ ١٦٦) إلى مغازي ابن إسحاق.\n(^٤) هو: محمد بن إسحاق، تقدم.","vol":"1","page":1590},{"text":"عبد الرحمن (^١).\nورواه الليث (^٢) عن نافع عن ابن عمر:؟ أن رسول الله - ﷺ - حرق (^٣) نخل بني النضير، وقطع وهي البُوَيّرَة (^٤)، فأنزل الله ﵎: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾؟ (^٥)\nورواه أيوب عن نافع (^٦)، وزاد فيه: فقال حسان:\nلهان على سَرَاة بني لؤي ... حريق بالبُوَيرَة مُسْتَطير (^٧)\n_________\n(^١) هو: المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، أبو هشام المدني، كان جوادا كريما، قال عنه ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، توفي بالمدينة بعد المائة. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ١٠٨) وتهذيب التهذيب (٥/ ٤٩٤).\n(^٢) هو: الليث بن سعد، تقدم.\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ٢٧١].\n(^٤) البويرة: تصغير بئر، وهو موضع منازل بني النضير، الذين غزاهم رسول الله - ﷺ -. ينظر: معجم البلدان (١/ ٥١٢).\n(^٥) أخرجه البخاري [١٠٤٨ كتاب التفسير، سورة الحشر، باب ما قطعتم من لينة] ومسلم [٣/ ١٠٩٨ كتاب الجهاد والسير] عن الليث، به.\n(^٦) لم أجده من طريق أيوب عن نافع، والذي وقفت عليه من الطرق إلى نافع، خمسة طرق:\nالأول: طريق الليث عن نافع، كما في الحاشية قبله.\nالثاني: طريق جويرية بنت أسماء عن نافع، أخرجه البخاري [٤٥٩ كتاب المزارعة، باب قطع الشجر والنخل].\nالثالث: طريق موسى بن عقبة عن نافع، أخرجه البخاري [٦١٢ كتاب الجهاد والسير، باب حرق الدور والنخيل].\nالرابع: طريق عبيد الله عن نافع، أخرجه ابن ماجه [٢/ ١٤٤ كتاب الجهاد، باب التحريق بأرض العدو].\nالخامس: طريق إسماعيل بن إبراهيم عن نافع، أخرجه البيهقي [٩/ ٨٣ كتاب السير، باب قطع الشجر وحرق المنازل].\nوزيادة قول حسان - ﵁ - التي أشار إليها المؤلف، قد أخرجت في هذه الطرق إلا الطريق الثاني.\n(^٧) قال ابن حجر في الفتح (٧/ ٣٨٧): \" قوله: سراة، بفتح المهملة وتخفيف الراء، جمع سرى وهو الرئيس، وقوله: حريق بالبويرة مستطير، أي مشتعل، وإنما قال حسان ذلك تعييرا لقريش؛ لأنهم كانوا أغروهم بنقض العهد، وأمروهم به، ووعدوهم أن ينصروهم إن قصدهم النبي - ﷺ - \".","vol":"1","page":1591},{"text":"ورواه إبراهيم بن سعد (^١) عن ابن شهاب - أيضا - (^٢).\nوقال الزهري: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ اللينة: ألوان النخل كلها إلا العَجْوة (^٣)، وقاله عكرمة (^٤).\nوقال الحسن: اللينة النخلة، ولا يرى بأسا بما عقر من النخل (^٥).\nوقال محمد بن علي ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً﴾ قال: هي العجوة (^٦)، وقال مجاهد وسعيد بن جبير نحو ذلك (^٧).\nوقال أبو الزناد: لأن العجوة تدخر (^٨).\nوظاهر القرآن يدل على قول من قال: إنها ألوان النخل سوى العجوة (^٩)، ولينة أصلها لِوْنَهٌ فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها (^١٠)، فدل على أنها ألوان النخل سوى العجوة، لأن العجوة كانت قوتهم الذي يعتمدون عليه، وهي التي جاء الحديث في فضيلتها قول النبي - ﷺ -:؟ العجوة من الجنة؟ (^١١) وثمرها يغذو ما لا يغذو غيره.\n_________\n(^١) هو: إبراهيم بن سعد الزهري، تقدم.\n(^٢) أخرجه الشافعي في مسنده ص ٣١٥.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٢) به.\nوالعجوة هي كما قال في عون المعبود (١٠/ ٢٥٧): \" ضرب من التمر أكبر من الصيحاني يضرب إلى السواد وهو مما غرسه النبي - ﷺ - بيده بالمدينة \".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٤٨٧ كتاب السير، من رخص في التحريق بأرض العدو] والطبري في تفسيره (١٢/ ٣٢) به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٤٧٨ كتاب السير، من رخص في التحريق بأرض العدو] بنحوه.\n(^٦) لم أجده، ونسب هذا القول ابن العربي في أحكام القرآن (٤/ ٢١٠) إلى جعفر بن محمد، وتابعه على هذا القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٢).\n(^٧) أخرج قول ابن جبير ابن أبي شيبة [٦/ ٤٨٧ كتاب السير، من رخص في التحريق بأرض العدو].\nوأما قول مجاهد، فقد أورده في الدر المنثور (٨/ ٩٨) وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(^٨) لم أجده.\n(^٩) وهو قول مالك كما في البيان والتحصيل (٣/ ٥٤٧) وهو - أيضا - اختيار ابن العربي المالكي في أحكام القرآن (٤/ ٢١٠) وعلله بأمرين:\nالأول: أنهما - أي مالك والزهري وهو قولهما - أعرف ببلدهما وثمارها وأشجارها.\nالثاني: أن الاشتقاق يعضده، وأهل اللغة يصححونه، قالوا: اللينة أصلها لونة.\n(^١٠) هو قول: أبي عبيدة، وأبي الحسن الأخفش، ونسبه الطبري إلى جماعة من أهل العربية بالبصرة، وأورد عليه قول أهل الكوفة، حيث قال ﵀: \" وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: اللينة من اللون، والليان في الجماعة واحدها اللينة، قال: وإنما سميت لينة؛ لأنه فعلة من فَعْل، وهو اللون وهو ضرب من النخل، ولكن لما انكسر ما قبلها انقلبت إلى الياء، وكان بعضهم ينكر هذا القول، ويقول: لو كان كما قال لجمعوه: اللِّوان لا اللِّيان، وكان بعض نحويي الكوفة يقول: جمع اللينة لين .. \" تفسير الطبري (١٢/ ٣٣).\nينظر: معاني القرآن للأخفش (٢/ ٤٩٧) وفتح الباري (٨/ ٤٩٨) ولسان العرب مادة: لون.\n(^١١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٥٦) والدارمي [٢/ ٤٣٦ كتاب الرقائق، باب في العجوة] والترمذي [٤/ ١٧ كتاب الطب، باب ما جاء في الكمأة والعجوة] وحسنه، عن أبي هريرة، به.\nوأخرجه أحمد (٣/ ٤٨) وابن ماجه [٢/ ٢٦٨ كتاب الطب، باب الكمأة والعجوة] والنسائي في الكبرى [٤/ ١٦٥ أبواب الأطعمة، باب عجوة العالية] عن جابر وأبي سعيد، بنحوه.\nوأخرجه الطبراني في الصغير (١/ ٢١٥) عن ابن عباس - ﵃ - بنحوه.","vol":"1","page":1592},{"text":"قال الله عز وعلا: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ﴾ الآية إلى قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^١).\nهذه الآية قد تكلم فيها القاضي إسماعيل في كتاب الخمس (^٢) بما لا يحتاج إلى زيادة فيه، وكتاب الخمس هو من أحكام القرآن.\nوهذه الآية نزلت في أموال بني النضير، ليضعها رسول الله - ﷺ - حيث شاء، ففعل فيها ما أراه الله ﷿ (^٣).\nقال الله ﵎: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (^٤).\nهذه الآية نزلت في الغنائم، وعمت سائر الأشياء، فدخل فيها ما أَمَرَ به وسنه ﷺ وما نهى عنه بالسنة (^٥)، فلا يجوز مخالفته - ﵇ - في شيء من أوامره، إلا ما خُصَّ عليه من الخبر، مما لم يتفق المسلمون على إيجابه لا بكتاب ولا سنة، فإنه - ﷺ - قال في هذا الجنس الذي هذا صفته:؟ فخذوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فانتهوا؟ (^٦) فلذلك قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -:؟ لعن الله الواشمات والمُوتَشِمات (^٧) المغيرات خلق الله؟ فبلغ ذلك امرأة من بني أسد فأتته فقالت: ما حديث بلغني أنك لعنت الواشمات والمتنصمات (^٨)، وغير ذلك المغيرات خلق الله؟ قال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله - ﷺ -، وهو في كتاب الله، فقالت المرأة: لقد قرأتُ ما بين لوحي المصحف - وكانت تقرأ وكان يقال لها: أم يعقوب (^٩) - فما وجَدتُه، فقال: والله لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، ثم قرأ: ﴿مَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ فقالت المرأة: أني أرى شيئا من هذا الآن على امرأتك، قال: فاذهبي فانظرني: فدخلت على امرأة عبد الله فلم تر شيئا من ذلك (^١٠).\n_________\n(^١) سورة الحشر (٦).\n(^٢) كتاب مفقود للقاضي إسماعيل بن إسحاق.\n(^٣) تكلم الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٤) بمعنى كلام المؤلف ﵀ هنا، وأخرج بعض الآثار عن السلف تدل عليه.\n(^٤) سورة الحشر (٧).\n(^٥) اختار ابن العربي - أيضا - في أحكام القرآن (٤/ ٢١٥) الأخذ بعموم الآية، وعلل ذلك: بأنه لعمومه تناول الكل.\n(^٦) أخرجه أحمد (٢/ ٤٩٥) وابن ماجه [١/ ٥ المقدمة، باب اتباع الرسول] والبيهقي [٧/ ١٠٣ كتاب النكاح، باب قوله تعالى: وأنكحوا الأيامى] من طريق أبي صالح عن أبي هريرة، به.\nوأخرجه البخاري [١٥٢٧ كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -] من طريق الأعرج عن أبي هريرة، بنحوه.\nوهو عند مسلم [٤/ ١٤٦٠ كتاب الفضائل] عن أبي هريرة، من هذين الطريقين، بنحوه.\n(^٧) قال في غريب الحديث (٥/ ١٦٥): \"الوَشم أن يُغرز الجِلد بإبْرة، ثم يُحشى بكحل أو نِيل فَيَزْرق أثره أو يَخْضر، وقد وَشَمت تَشِم وَشما، فهي وَاشِمة، والمُسْتَوشمة والمُوْتَشمة التي يفعل بها ذلك\".\n(^٨) كذا في الأصل، وهو تحريف، وصوابه: المتنمصات، كما في المصادر التي أخرجت الحديث\nقال في غريب الحديث (٤/ ١٠٥): \" النَّامِصة التي تَنتِف الشعر من وجهها، والمُتَنَمِّصة التي تأمر من يفعل بها ذلك، وبعضهم يرويه المُنْتَمِصة بتقديم النون على التاء، ومنه قيل للمِنْقاش مِنْماص\".\n(^٩) قال ابن حجر في فتح الباري (٨/ ٤٩٩): \" لا يعرف اسمها، وقد أدركها عبد الرحمن بن عابس\"، وذكر في الغوامض والمبهمات (٢/ ٤٨٣) أنها أم يعقوب الأسدية، وظاهر الرواية التي ذكرها المؤلف تدل على هذا.\n(^١٠) أخرجه البخاري [١٠٤٩ كتاب التفسير، سورة الحشر، باب وما آتاكم الرسول فخذوه] ومسلم [٣/ ١٣٣٧ كتاب اللباس والزينة] بنحوه.","vol":"1","page":1593},{"text":"ورأى عبد الرحمن بن يزيد (^١) رجلا (^٢) محرما عليه ثيابه فنهاه، فقال: ائتني بآية من كتاب الله تنزع ثيابي؟ فقال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (^٣).\nوقال الحسن: كان يقسم بينهم الفيء وينهاهم عن الغلول (^٤).\nقال الله ﵎: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾\nإلى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (^٥).\nقال مجاهد عن ابن عمر قال: دفع إلي عمر كتابا وقال: إذا اجتمعت الأمة على رجل، فاقروا عليه مني السلام وادفع إليه كتابي هذا، فلما اجتمعوا على عثمان أتاه فدفع الكتاب إليه، وأقرأه منه السلام وذكر أن وصية عمر هذه، قال: أوص الخليفة من بعدي بتقوى الله، وأوصيه بالمهاجرين خيرا ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أن يَعْرِف لهم حقهم، وأن يَعْرِف لهم كرامتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا ﴿الَّذِي تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وأن يعفو عن\n_________\n(^١) هو: عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي، أبو بكر الكوفي، قال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث، توفي بالجماجم سنة ٨٣ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٤٢٣) وتهذيب التهذيب (٣/ ٣١٥).\n(^٢) لوحة رقم [٢/ ٢٧٢].\n(^٣) أورده في الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٠).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق [٦/ ٥٢٦ كتاب السير، ما ذكر في الغلول] به.\n(^٥) سورة الحشر (٨ - ٩).","vol":"1","page":1594},{"text":"مسيئهم، وأن يقبل من محسنهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا فإنهم نكاة العدو (^١) وجباة المال، وألا يحمل فضلهم إلا عن رضاهم، وأوصيهم بالأعراب خيرا فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام أن تؤخذ حواشي أموالهم (^٢) فترد على فقرائهم، وأوصيهم بأهل ذمة الله وذمة رسوله - ﷺ - وأن يوفي بعهدهم، ويقاتل من ورائهم، وألا يكلفوا فوق طاقتهم (^٣).\nوروى عكرمة بن خالد (^٤) عن مالك بن أوس بن الحَدَثَان (^٥) أن عمر - ﵁ - قرأ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ (^٦) إلى آخر الآية، فقال: هؤلاء المهاجرون، ثم تلا: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (^٧) إلى آخر الآية، فقال: هؤلاء الأنصار، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ (^٨) إلى آخر الآية، فقال: هذه استوعبت الناس، فلم يَبْق أحد من المسلمين إلا وله في هذا المال حق، فإن أعش - إن شاء الله - لم\n_________\n(^١) نكأ في العدو: قتل فيهم، أصله من نكأ القرحة، إذا قشرها قبل أن تبرأ فتدمى، ينظر: اللسان مادة: نكأ.\n(^٢) حواشي الأموال: أي صغار الأبل. ينظر: النهاية في غريب الحديث (١/ ٣٧٧).\n(^٣) أما من طريق مجاهد عن ابن عمر فلم أجده، وقد أخرجه البخاري [٧٥٩ كتاب فضائل الصحابة، باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان] من حديث عمرو بن ميمون في خبر طويل.\nوأخرجه عبد الرزاق [١١/ ١٠٩ كتاب الجامع، وصية عمر بن الخطاب] عن قتادة، بنحوه.\n(^٤) هو: عكرمة بن خالد بن هشام بن المغيرة بن العاص المخزومي القرشي، قال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث، توفي بعد سنة ١١٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٢٣) وتهذيب التهذيب (٤/ ١٥٨).\n(^٥) هو: مالك بن أوس بن الحدثان النَصْري، أبو سعيد المدني، مختلف في صحبته، قال ابن سعد: ولم يبلغنا أنه رأى النبي - ﵇ - ولا روى عنه شيئا، توفي بالمدينة سنة ٧٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٢٩) وتهذيب التهذيب (٥/ ٣٢٩).\n(^٦) سورة الحشر (٨).\n(^٧) سورة الحشر (٩).\n(^٨) سورة الحشر (١٠).","vol":"1","page":1595},{"text":"يبق أحد من المسلمين إلا سيأتي حقه حتى الراعي بسَرْوِ حمير أو بسور حمير (^١) يأتيه حقه ولم يعرق فيه جبينه (^٢).\nوقال مجاهد: في الأنصار ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ أنهم سمحوا بغنائم بني النضير، وذلك أن رسول الله - ﷺ - قسمها بين المهاجرين دونهم إلا رجلين من الأنصار - كانا فقيرين فأعطاهما معهم - أبو دجانة الساعدي (^٣) وسهل بن حنيف (^٤) (^٥).\nوقال ابن عباس - ﵁ -: لما غنم النبي - ﷺ - بني النضير قال للأنصار:؟ إن شئتم قسمتها بين المهاجرين وبينكم، وكنتم على مواساتكم، وإن شئتم كانت للمهاجرين فاستغنوا عنكم، فقالوا: بل تقسمها بينهم ونبقى على مواساتنا، فقسمها بين المهاجرين إلا رجلين (^٦) من الأنصار أعطاهما معهم، فاستغنى هؤلاء بما أعطوا واستغنى الأنصار بما زال عنهم؟ (^٧).\n_________\n(^١) سرو حمير: بفتح أوله وسكون ثانيه على وزن الغزو، والسرو الشرف، والسرو من الجبل ما ارتفع عن مجرى السيل وانحدر عن غلظ الجبل، ومنه سرو أرض اليمن. ينظر: معجم البلدان (٣/ ٢١٧).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٨٣) والطبري في تفسيره (١٢/ ٣٨) والبيهقي [٦/ ٣٥١ كتاب قسم الفيء والغنيمة باب ماء في قول أمير المؤمنين عمر] عن عكرمة، به.\n(^٣) هو: سِمَاك بن خَرَشة وقيل: ابن أوس بن خرشة، بن لوذان بن ثعلبة بن الخزرج، أبو دجانة الأنصاري، شهد بدرا وما بعدها، واستشهد يوم اليمامة. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٢٨٥) والإصابة (٧/ ٩٩).\n(^٤) هو: سهل بن حنيف بن ثعلبة بن مالك بن أوس، أبو سعد الأنصاري، شهد بدرا وما بعدها، واستخلفه علي - ﵁ - على البصرة، وشهد معه صفين، توفي بالكوفة سنة ٣٨ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٢٤٧) والإصابة (٣/ ١٦٥).\n(^٥) لم أجده بهذا السياق، وإنما أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٩) بمعناه مختصرا.\nوأخرج عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٨٣) وأبو داود [٣/ ٧٧ كتاب الخراج والإمارة، باب صفايا النبي - ﷺ -] عن الزهري، نحوه.\nوأخرج الطبري في تفسيره (١٢/ ٤٠) عن عبد الله بن أبي بكر، نحوه.\n(^٦) لوحة رقم [٢/ ٢٧٣].\n(^٧) أورده الثعلبي في الكشف (٩/ ٢٨٠).\nوقد أخرج أبو داود [٣/ ٧٧ كتاب الخراج والإمارة، باب في صفايا النبي - ﷺ -] والبيهقي [٦/ ٢٩٦ كتاب قسم الفيء والغنيمة، باب بيان مصرف أربعة أخماس الفيء] عن الزهري نحوه، موقوفا عليه.","vol":"1","page":1596},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (^١)\nقال أبو حازم (^٢)، عن أبي هريرة:؟ إن رجلا من الأنصار يأت (^٣) به ضيف، فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نومي الصبية وأطفئي السراج، فنزلت هذه الآية؟ (^٤).\nقال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (^٥).\nالشح: منع الزكاة والواجبات في المال، من النفقة على النفس والأهل ومن يلزمه أمره، فمن فعل ذلك فليس بشحيح، وما بعد ذلك من الصدقة، وصلة الرحم، والإنفاق عند النوائب والضيافة، والنفقة فيما يقرب من الله ﷿ مما ليس بمفروض، فاعله يدخل\n_________\n(^١) سورة الحشر (٩).\n(^٢) هو: سلمان أبو حازم الأشجعي الكوفي، مولى عزة الأشجعية، قال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٠٦) وتهذيب التهذيب (٢/ ٣٧٢).\n(^٣) كذا في الأصل بحذف الياء، وهي لغة، وبها قرأ ابن عامر وحمزة وعاصم في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ذكره ابن زنجلة ثم قال: \" قال الخليل: لأن العرب تقول: لا أدر، فتحذف الياء وتجتزئ بالكسر، إلا أنهم يزعمون أن ذلك لكثرة الاستعمال، والأجود في النحو إثبات الياء\". ينظر: حجة القراءات ص ٣٤٨.\n(^٤) أخرجه البخاري [١٠٤٩ كتاب التفسير، سورة الحشر، باب قوله: ويؤثرون على أنفسهم] ومسلم [٣/ ١٢٩٢ كتاب الأشربة] عن أبي حازم، بنحوه.\n(^٥) سورة الحشر (٩).","vol":"1","page":1597},{"text":"في قوله عز وعلا: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ (^١) ومن منع ذلك ولم يفعله كان بخيلا ودخل في قوله: ﴿مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ (^٢)\nقال الله عز وعلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ إلى آخر الآية (^٣).\nقال علي بن الحسين ﵀ (^٤): أتاني نفر من أهل العراق، فنالوا من أبي بكر وعمر ﵄، ثم ابْتَرَكوا (^٥) في عثمان فلم يتركوا، فلما فرغوا قال لهم علي بن الحسين: ألا تخبروني، أنتم من المهاجرين الأولين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله؟ قالوا: لا. قال: فأنتم من الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم - إلى آخر الآية ـ؟ قالوا: لا. قال: أَمَّا أنتم فقد تبرأتم أن تكونوا من إحدى هاتين، وأنا أشهدكم أنكم لستم من الذين قال الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ إلى آخر الآية، اخرجوا فعل الله بكم (^٦).\n_________\n(^١) سورة المؤمنون (٦١).\n(^٢) سورة محمد (٣٨).\n(^٣) سورة الحشر (١٠).\n(^٤) هو: ابن علي بن أبي طالب - ﵃ -، تقدم.\n(^٥) قال الخليل: ابترك الرجل في آخر يتنقصه ويشتمه. ينظر: معجم المقاييس في اللغة، مادة: برك.\n(^٦) أخرجه في تهذيب الكمال (٢٠/ ٣٩٤) وأورده ابن الجوزي في المنتظم (٦/ ٣٢٧).","vol":"1","page":1598},{"text":"وحُدِّثْنَا من غير طريق، ومنها: ما حدثنا أحمد بن إبراهيم بن عنبر (^١) قال: نا أحمد بن المعدل (^٢)، عن محمد بن مسلمة، قال: قال مالك بن أنس: من سب أحدا من الصحابة كائنا من كان أو تنقصه، وهم الذين قال النبي - ﷺ -: دعوا لي أصحابي فمن آذاهم فعليه لعنة الله فليس من المسلمين الذين يقسم فيهم الفيء، ولا حق لهم فيه، وتلا محمد بن مسلمة هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (^٣)\nقال الله ﵎: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٤)\nروي من طرق منها: سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عروة بن عامر (^٥)، عن عبيد بن رفاعة الزرقي (^٦) عن النبي - ﷺ -:؟ أن راهبا كان في بني إسرائيل، فابتليت امرأة\n_________\n(^١) لم أجد له ترجمة، وعداده في البصريين في طبقة شيوخ المؤلف، يدل علي هذا أن ابن قانع من طبقة المؤلف (ت: ٣٥١) قد سمع منه، وروى عنه في مواضع من كتابه معجم الصحابة.\n(^٢) هو: أحمد بن المعذل بن غيلان بن الحكم العبدي، أبو الفضل البصري، من الطبقة الأولى الذين انتهى إليهم فقه مالك بن أنس ممن لم يره من أهل العراق، تفقه على مذهب مالك، ونصره بالبصرة، وكان حسن الطريقة، إلا أن الموت عاجله. ينظر: الثقات لابن حبان (٨/ ١٦) والديباج المذهب ص ٣٠.\n(^٣) لم أجده من هذا الطريق، وقد أخرجه البيهقي [٦/ ٣٧٢ كتاب قسم الفيء والغنيمة، باب ما جاء في ترتيبهم] من طريق معن بن عيسى عن مالك، بنحوه.\nوأورده ابن العربي في أحكام القرآن (٤/ ٢٢١) وقال: \" رواه سوار بن عبد الله وأشهب وغيرهما \".\n(^٤) سورة الحشر (١٦).\n(^٥) هو: عروة بن عامر القرشي، وقيل: الجهني المكي، مختلف في صحبته، روى عن النبي - ﷺ - مرسلا، وثقه ابن حبان، ينظر: تهذيب التهذيب (٤/ ١١٥) والإصابة (٤/ ٤٠٤).\n(^٦) هو: عُبيد، وقيل: عبيد الله بن رفاعة بن رافع بن مالك الزرَقي الأنصاري، ولد في عهد النبي - ﷺ - وروى عنه مرسلا، قال العجلي: مدني تابعي ثقة. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ١٣٧) وتهذيب التهذيب (٤/ ٤٣).","vol":"1","page":1599},{"text":"فيهم فأصابها لَمَم (^١) فرأى بعض أهلها (^٢) أن دواءها عند ذلك الراهب، فأخذ الشيطان يخنقها، فأوقع في قلوب أهلها أن يذهبوا بها إلى ذلك الراهب، حتى يدعو لها فأبى أن يقبلها فلم يزالوا به حتى قبلها، فزين له الشيطان فلم يزل به حتى غشيها، فلما وقع بها حملت منه، فلما حملت منه جاءه الشيطان فقال له: الآن تفتضح في الناس، اقتلها ثم ادفنها فإن جاء أهلها فسألوا عنها فقل: ماتت. قال: وجاء الشيطان إلى أهلها فقذف في قلوبهم أنه أحبلها وفعل، قال: فجاءوا فاستنزلوه ليقتلوه، فجاء الشيطان فقال: أنا الذي أخذتها، وأنا الذي أتيت أهلها حتى أتوك، وأنا الذي زينت لك حتى وقعت، فأطعني الآن وأسجد لي سجدة حتى أنجيك، فسجد له فتبرأ منه وأسلمه. قال: فهو الذي قال الله ﵎: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾؟ (^٣)، وقد روي عن علي وابن مسعود ﵄ نحو ذلك (^٤).\n_________\n(^١) قال في غريب الحديث (٤/ ٢٣٣): \" اللّمَم: طَرَف من الجنون يُلمُّ بالإنسان أي يقرُبُ منه\".\n(^٢) لوحة رقم [٢/ ٢٧٤].\n(^٣) أخرجه البيهقي في الشعب (٤/ ٣٧٢) عن ابن عيينة، بنحوه.\n(^٤) أما ما روي عن علي بن أبي طالب - ﵁ - فقد أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٨٥) والطبري في تفسيره (١٢/ ٤٧) والحاكم [٢/ ٥٢٦ كتاب التفسير، سورة الحشر] والبيهقي (٤/ ٣٧٣)\nوأما ما روي عن ابن مسعود - ﵁ - فقد أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٤٧).","vol":"1","page":1600},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>ومن سورة الممتحنة</span>.\n\nقال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ الآية (^١).\nهذا نزل في حاطب بن أبي بَلْتَعة (^٢)، كان؟ كتب كتابا إلى كفار قريش ينذرهم برسول الله - ﷺ - وهو من المهاجرين وشهد بدرا، ولما كتب الكتاب أتى جبريل رسول الله - ﷺ - فأخبره بذلك، فوجه عليا والزبير والمقداد (^٣) فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خَاخٍ (^٤) فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فانطلقوا يتعادون بخيلهم حتى انتهوا إلى الموضع فإذا بالمرأة فقالوا: أخرجي الكتاب. قالت: ما معي كتاب. قالوا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. فأخرجته من عِقَاصِها (^٥)، فأتوا به رسول الله - ﷺ - فقرأه فقال: رسول الله - ﷺ -: يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله - ﷺ - لا تعجل علي إني كنت امرأ ملصقا (^٦) في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من كان من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهاليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلته كفرا ولا ارتدادا ولا رضى بالكفر بعد الإسلام. قال رسول الله - ﷺ - إنه قد صَدَقَكم. قال عمر: يا رسول الله دعني أضرب\n_________\n(^١) سورة الممتحنة (١).\n(^٢) هو: حاطب بن أبي بلتعة بن عمرو بن سهل اللخمي، أبو محمد، حليف بني أسد بن عبد العزى، شهد بدرا وما بعدها، وبعثه النبي - ﷺ - إلى المقوقس، مات سنة ٣٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٦١) والإصابة (٢/ ٣).\n(^٣) هو: المقداد بن عمرو بن ثعلبة، أبو الأسود الكندي، حالف الأسود بن عبد يغوث فتبناه ودعي إليه، حتى نزل تحريم ذلك، شهد المشاهد كلها، مات سنة ٣٣ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٨٥) والإصابة (٦/ ١٥٩).\n(^٤) هي: روضة قرب المدينة، كانت من ضمن المناطق التي حماها النبي - ﷺ - والخلفاء الراشدون من بعده. ينظر: معجم البلدان (٢/ ٣٣٥).\n(^٥) قال ابن حجر في الفتح (٦/ ٢٢١): \" هي ذوائبها المضفورة\".\n(^٦) قال في غريب الحديث (٤/ ٢١٥): \" الملصق: الرجل المقيم في الحي وليس منهم بنسب\".","vol":"1","page":1601},{"text":"عنق هذا المنافق. قال: إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟ وفي جماعة أحاديث أن الآية نزلت في ذلك، وروى هذا الحديث جماعة عن علي ﵀، منهم: أبو عبد الرحمن السلمي، وعبيد الله بن أبي رافع (^١) وغيرهما (^٢) وقد روي عن جماعة من التابعين نحو ذلك متصلا (^٣).\nوقال الزهري (^٤) فيه نزلت حتى: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٥).\nقال الله ﵎: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾\nإلى قوله: ﴿وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^٦).\nفالأسوة الحسنة من الآية التبرؤ منهم ومما يعبدون، والكفر بهم والعداوة لهم والبغضاء حتى يؤمنوا، الأسوة إلى هاهنا، ثم قال: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ مستثنيا فلا أسوة في ذلك لأنه كان وعدهما ثم تبرأ منهما (^٧)، فليس لأحد أن يتأسى به في ذلك.\n_________\n(^١) هو: عبيد الله بن مولى رسول الله - ﷺ - أبي رافع المدني، مولى النبي - ﷺ -، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ١٣٩) وتهذيب التهذيب (٤/ ١٠).\n(^٢) أما طريق أبي عبد الرحمن السلمي، فقد أخرجه البخاري [١٣٢٦ كتاب الاستئذان، باب من نظر في كتاب من يحذر] ومسلم [٤/ ١٥٤١ كتاب فضائل الصحابة].\nوأما طريق أبي رافع، فقد أخرجه البخاري [٦٠٩ كتاب الجهاد، باب الجاسوس] ومسلم [٤/ ١٥٤٠ كتاب فضائل الصحابة].\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٥٦) عن عدد من التابعين.\n(^٤) لوحة رقم [٢/ ٢٧٥].\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٨٧) والطبري في تفسيره (١٢/ ٥٨) به.\n(^٦) سورة الممتحنة (٤).\n(^٧) كذا في الأصل بالتثنية في الموضعين، والظاهر من السياق أنه بالإفراد.","vol":"1","page":1602},{"text":"قال مجاهد وعطاء وقتادة: لا تأسي به في الاستغفار (^١).\nقال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾\nإلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (^٢)\nروى ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵂؟ أن رسول الله - ﷺ - كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية لقول الله ﷿ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٣) قال عروة: قالت عائشة ﵂: فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله - ﷺ - قد بايعتك - كلاما - ولا والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة بعد ما بايعهن إلا بقوله: قد بايعتك على ذلك؟ (^٤).\n_________\n(^١) قول مجاهد وقتادة أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٦٠) بمعناه، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٨٧) عن قتادة. ...\nوأما قول عطاء فقد أشار إليه الثعالبي في تفسيره (٤/ ٢٩١).\n(^٢) سورة الممتحنة (١٠ - ١١).\n(^٣) سورة الممتحنة (١٢).\n(^٤) أخرجه البخاري [١٠٥١ كتاب التفسير، سورة الممتحنة، باب إذا جاءكم المؤمنات] ومسلم [٣/ ١١٨٣ كتاب الإمارة] عن عروة، به.","vol":"1","page":1603},{"text":"ورواه محمد بن المنكدر (^١) عن أُمَيْمَة بنت رُقَيْقَة (^٢) قالت: أتيت رسول الله - ﷺ - لأبايعه، وذكرت نحوه، وأنه قال:؟ فيما استطعتن وأطقتن، فقلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا؟ وقالت فيه:؟ قال: إني لا أصافح النساء؟ (^٣)\nفأما كان لا يصافح النساء فطرقه كثيرة، رواه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - أيضا - (^٤).\nوروى الزهري، عن عروة، عن المِسْوَر بن مَخْرَمة (^٥)، قال:؟ خرج رسول الله - ﷺ - عام الحديبية في بضع عشرة ومائة من أصحابه، حتى إذا كانوا بذي الحليفة (^٦) قلد وأشعر (^٧) الهدي وأحرم بعمرة؟ - وذكر الحديث في صلح الحديبية، وما شرط لهم من رد من أتانا منهم إليهم\n_________\n(^١) هو: محمد بن المنكدر بن عبد الله التيمي، أبو عبد الله، قال ابن المنذر: غاية في الحفظ والإتقان والزهد حجة، توفي سنة ١٣٠ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٥٣) وتهذيب التهذيب (٥/ ٢٨٢).\n(^٢) هي: أميمة بنت عبد الله بن بجاد أحد تيم بن مرة، ورقيقة أمها بنت خويلد بن أسد، روت عن النبي - ﷺ - وزوجاته، ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٣٧٧) وتهذيب التهذيب (٦/ ٥٣١).\n(^٣) هذا سياق مختصر لما أخرجه مالك [١٧٧٥ باب ما جاء في البيعة] وأحمد (٦/ ٣٧٥) والترمذي [٣/ ٢٢٠ كتاب السير، باب ما جاء في بيعة النساء] وصححه، والنسائي [٧/ ١٦٥ كتاب بيعة النساء] وابن حبان [١٠/ ٤١٧ كتاب السير، ذكر ما يستحب للإمام أخذ البيعة من نساء رعيته] عن محمد بن المنكدر، به.\n(^٤) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٨/ ٢٤٥) وابن حبان [١٢/ ٣٩٣ كتاب الحظر والإباحة، ذكر البيان بأن المرء ممنوع من مس المرأة]\n(^٥) هو: المسور بن مخرمة بن نوفل بن عبد مناف الزهري، أبو عبد الرحمن، قدم المدينة بعد الفتح وهو ابن ست سنين، روى عن النبي - ﷺ - والخلفاء الأربعة، توفي في حجر الكعبة سنة ٦٤ هـ. ينظر: الإصابة (٦/ ٩٣).\n(^٦) ذو الحليفة: تصغير حلفة وهي ماء لبني جشم، بينها وبين المدينة ستة أميال وقيل سبعة، وهي ميقات أهل المدينة. ينظر: معجم البلدان (٢/ ٢٩٥) ومعجم ما استعجم (١/ ٤٦٤).\n(^٧) قال في اللسان، مادة: قلد: وتقليد البدن: هو أن يجعل في عنقها شعار يعلم به أنها هدي.\nوأما الإشعار فصفته كما في غريب الحديث (٢/ ٤٢٩): \" هو أن يشق أحد جنبي سنام البدنة، حتى يسيل دمها، ويجعل ذلك لها علامة تعرف بها أنها هدي\"، وقال في فتح الباري (٣/ ٦٣٦): \" هو: أن يكشط جلد البدنة حتى يسيل دم، ثم يسلته، فيكن ذلك علامة على كونها هديا\".","vol":"1","page":1604},{"text":"ـ قال: ثم جاء نسوة مؤمنات فأنزل الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حتى بلغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ قال: فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له بمكة، ونهاهم الله أن يردوهن، وأمرهم أن يردوا الصداق حينئذ، فقال رجل للزهري: أمن أجل الفروج؟ قال: نعم. فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان (^١) والأخرى صفوان بن أمية، وقيل: أبو جهم بن حذيفة (^٢)، ورد المشركون صدُقات من حبسوا من نساء المؤمنين، وأمسك رسول الله - ﷺ - النساء ورد الرجال، وطرق هذا الحديث وألفاظه كثيرة، وقد أتيت (^٣) بالمعنى (^٤).\nوسئل الزهري عن قوله ﷿: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآَتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ (^٥) فقال: يقول إذا أصبتم غنيمة فأعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من غنائمكم، وامنعوا المشركين من صدقُات من ورد إليكم من المسلمات (^٦)، عقوبة لهم أن منعوا دفع الصدُقات المقبوضة من المسلمين\n_________\n(^١) هو: معاوية بن صخر بن أمية بن عبد شمس القرشي، أمير المؤمنين الأموي، أسلم عام الفتح، وقيل قبله، وكان أحد كتاب الوحي للنبي - ﷺ -، وكان عاقلا حليما، توفي سنة ٦٠ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٩٤) والإصابة (٦/ ١٢٠).\n(^٢) هو: عامر، وقيل: عُبيد بن حذيفة بن غانم العدوي القرشي، أسلم عام الفتح، وكان من مشيخة قريش الذين تَأْخذ عنهم النسب، عُمِّر طويلا، مات آخر خلافة معاوية - ﵃ -. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣١٢) والإصابة (٧/ ٦٠).\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ٢٧٦].\n(^٤) أخرجه البخاري [٥٤٩ كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة] من طريق الزهري، عن عروة عن المسور ومروان بن الحكم، بنحوه في خبر طويل، وكلام الزهري في آخره، ليس في الصحيح إنما أخرجه الطبري في تاريخه (٢/ ١٢٥).\n(^٥) سورة الممتحنة (١١).\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٨٨) والطبري في تفسيره (١٢/ ٦٩) بنحوه.","vol":"1","page":1605},{"text":"للمشركات اللاتي لم يدخل بهن، وهذا كان في ذلك الوقت، للعقد الذي كان عقده النبي - ﷺ - بينه وبين المشركين بمكة، وقد زال حكمه بظهور ديننا على سائر الأديان، بقوله سبحانه: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (^١) فأظهره بالسيف على طوائف، وبالحجة على كل من بلغه.\nقال مسروق: كانت المرأة إذا ذهبت من المشركين الذين بينهم وبين رسول الله - ﷺ - عهد وهي مسلمة، أعطوا زوجها مثل مهرها ولم ترد إليهم، وإذا ذهبت من المسلمين إلى المشركين أعطى المشركون المسلم مثل مهرها إلا أن تذهب إلى غير ذي عهد فيعطى من الغنائم (^٢).\nقال أبو عبيدة (^٣) وسيبويه: عقبتم وعاقبتم واحد أي: أصبتم عقبى منهم (^٤).\nوقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ إذا أسلم الرجل وله امرأة مشركة وقعت الفرقة بينهما، وإن كانت نصرانية أو يهودية أقام عليها - إن شاء - وقد أصلح له الإسلام النكاح، إذ كان الله قد أحل له ابتداء العقد عليهن فبذلك يجوز له المقام عليهن، والله أعلم (^٥).\n_________\n(^١) سورة التوبة (٣٣).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٧٢) مختصرا.\n(^٣) هو: معمر بن المثنى، تقدم.\n(^٤) قال الطبري في تفسيره (١٢/ ٧٠) موضحا هذا المعنى: \" أمر الله ﷿ في هذه الآية المؤمنين، أن يعطوا من فَرَّت زوجته من المؤمنين إلى أهل الكفر، إذا هم كانت لهم على أهل الكفر عُقبى، إما بغنيمة يصيبونها منهم، أو بلحاق نساء بعضهم بهم .. \" وينظر - أيضا ـ: إعراب القرآن للنحاس (٤/ ٤١٦) والبحر المحيط (٨/ ٢٥٥) والدر المصون (٦/ ٣٠٧).\n(^٥) ينظر: المدونة (٤/ ٢٩٩) وأحكام القرآن لابن العربي المالكي (٤/ ٢٣١).","vol":"1","page":1606},{"text":"قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ﴾ الآية (^١).\nروت حفصة بنت سيرين (^٢) عن أم عطية (^٣) عن النبي - ﷺ -؟ أن العصيان في معروف: النَّوْح؟ (^٤)، وروى شَهْر بن حَوْشَب، عن أم سلمة مثل ذلك (^٥).\nومن العصيان في المعروف: خمش وجوه، وشق جيوب، ونشر شعور، وما أشبه ذلك من رنات الشيطان.\nوروى ثابت (^٦) عن أنس أن النبي - ﷺ - أخذ على النساء حين بايعهن ألا ينحن، فقلن: إلا نساء أسعدتنا في الجاهلية، أفنسعدهن في الإسلام؟ فقال النبي - ﷺ -:؟ لا إسْعَاد في الإسلام، ولا شِغَار في الإسلام، ولا جَلَبَ ولا جَنَب، ومن انتهب فليس منا؟ (^٧)\n_________\n(^١) سورة الممتحنة (١٢).\n(^٢) هي: حفصة بنت سيرين الأنصارية، أم الهذيل البصرية، قال العجلي: بصرية تابعية، توفيت سنة ١٠١ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٤٧٢) وتهذيب التهذيب (٦/ ٥٣٦).\n(^٣) هي: نسيبة - بضم النون وفتحها - بنت كعب، ويقال: بنت الحارث الأنصارية، قال ابن عبد البر: كانت تغزو مع رسول الله - ﷺ - تداوي المرضى، وتداوي الجرحى. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٤٥٩) والإصابة (٨/ ٤٣٧).\n(^٤) أخرجه البخاري [١٠٥١ كتاب التفسير، سورة الممتحنة، باب إذا جاءك المؤمنات يبايعنك] عن حفصة بنت سيرين، بمعناه.\nوقال في عون المعبود (٨/ ٢٧٧) في معنى النوح: \" النوح بكاء مع صوت، والمراد بها التي تنوح على الميت، أو على ما فاتها من متاع الدنيا \".\n(^٥) أخرجه الترمذي [٥/ ٢٠١ كتاب التفسير، ومن سورة الممتحنة] وقال: حديث حسن، والطبراني في الكبير (٢٤/ ١٨١) عن شهر بن حوشب، به.\n(^٦) هو: ثابت بن أسلم البُنَاني، أبو محمد البصري، أحد القصاص المشهورين، قال عنه ابن سعد: كان ثقة مأمونا، توفي سنة ١٢٧ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٢٠) وتهذيب التهذيب (١/ ٣٨٤).\n(^٧) أخرجه ابن حبان [٧/ ٤١٥ كتاب الجنائز، ذكر الخبر المصرح بحظر هذا الفعل] وأحمد (٣/ ١٩٧) عن ثابت به.\nوأخرجه النسائي في الكبرى [١/ ٦٠٨ كتاب الجنائز، باب النياحة على الميت] عن ثابت، مختصرا.\nقوله: لا إسعاد؛ قال في غريب الحديث (٢/ ٣٣٠): \" هو إسعاد النساء في المناحات، تقوم المرأة فتقوم معها أخرى من جاراتها فتساعدها على النياحة\".\nقوله: لا شغار؛ قال في غريب الحديث (٢/ ٤٣٢): \" هو نكاح معروف في الجاهلية، كان يقول الرجل للرجل: شاغرني: أي زوجني أختك أو بنتك أو من تلي أمرها، حتى أزوجك أختي أو بنتي أو من ألي أمرها، ولا يكون بينهما مهر، ويكون بضع كل واحدة منهما في مقابلة بضع الأخرى، وقيل له: شَغار؛ لارتفاع المهر بينهما\".\nقوله: لا جلب؛ قال في غريب الحديث (١/ ٢٧٣): \" الجلب يكون في الشيئين: أحدهما: في الزكاة، وهو أن يقدم المُصَدِّق على أهل الزكاة، فينزل موضعا، ثم يُرْسِلَ مَنْ يجلب إليه الأموال من أماكنها ليأخذ صدقتها، فنهي عن ذلك، وأُمِر أن تُؤخَذَ صدقاتهم على مِيَاهِهم وأماكنهم، الثاني: أن يكون في السِّباق: وهو أن يتبع الرجل فرسَه فَيزْجُره ويَجْلِب عليه ويصيح حثّا له على الجري، فَنهِىَ عن ذلك\".\nقوله: ولا جنب؛ قال في غريب الحديث (٢/ ٢٩٣): \"الجنب بالتحريك في السباق: أن يَجْنُب فرسا إلى فرسه الذي يُسابق عليه، فإذا رآه فتر المركوب تحول إلى المُجْنُوب، وهو في الزكاة: أن ينزل العامل بأقصى مواضع أصحاب الصدقة، ثم يأمر بالأموال أن تجنب إليه، أي تحضر، فنهوا عن ذلك، وقيل: أن يجنب رب المال بماله؛ أي يُبْعده عن موضعه، حتى يحتاج العامل إلى الإبعاد في اتباعه وطلبه\".","vol":"1","page":1607},{"text":"وقال أبو عثمان النهدي، عن أم عفيف (^١) أَخَذ علينا رسول الله - ﷺ - فيما أخذ:؟ ألا نحدث إلا مَحْرَما من الرجال؟ (^٢).\nوقال عبادة (^٣): لما أخذ رسول الله - ﷺ - على النساء البيعة قال:؟ ومن أتى منكن حدا في الدنيا فعوقب به فهو كفارته، ومن لم يعاقب فأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له؟ (^٤)\n_________\n(^١) هي: أم عفيف النهدية، ذكر ابن عبد البر أن أبا عثمان النهدي روى حديثها هذا. ينظر: الاستيعاب (٤/ ١٩٤٨) والإصابة (٨/ ٤٣٨).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٥/ ١٦٨) عن أبي عثمان بنحوه، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٣٨): \" وفيه عبد المنعم أبو سعيد، وهو ضعيف \"\n(^٣) هو: عبادة بن الصامت - ﵁ -، تقدم.\n(^٤) سياق المؤلف هنا لحديث عبادة لم أقف عليه، ولم أجد من أشار إليه، وفيه: أنه جعل المبايعة للنساء، والذي أخرجه أهل الصحاح والسنن من حديث عبادة، أن المبايعة كانت للرجال، فقد أخرج البخاري [٧ كتاب الإيمان، باب رقم ١١] ومسلم [٣/ ١٠٧٦ كتاب الحدود] عنه أنه قال: قال لنا رسول الله - ﷺ - ونحن في مجلس: (تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه، فبايعناه على ذلك).\nوأخرجه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٥١) ولفظه: كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلا، فبايعنا رسول الله - ﷺ - على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفرض الحرب، على ألا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، وقال: فإن وفيتم فلكم الجنة) على أن ابن حجر ﵀ قد حقق في فتح الباري (١/ ٨٤) أن هذه البيعة بهذه الصفة لم تكن في العقبة - كما هو ظاهر رواية ابن أبي حاتم - بل تأخرت إلى ما بعد فتح مكة، فهي غيرها.","vol":"1","page":1608},{"text":"قال الله ﵎: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ (^١) دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (^٢).\nقال مجاهد: الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا (^٣).\nوروى عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال:؟ المقسطون في الدنيا، على منابر من لؤلؤ يوم القيامة بين يدي الرحمن، بما أقسطوا في الدنيا؟ (^٤).\n_________\n(^١) لوحة رقم [٢/ ٢٧٧].\n(^٢) سورة الممتحنة (٨).\n(^٣) أورده في الدر المنثور (٨/ ١٣١) عن مجاهد، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه أحمد (٢/ ٢٠٣) من طريق ابن المسيب عن عبد الله بن عمرو بن العاص به.\nوأخرجه مسلم [٣/ ١٠٥٩ كتاب الإمارة] من طريق عمرو بن أوس، بنحوه.","vol":"1","page":1609},{"text":"قال أبو عبيدة (^١)، وقال الأصمعي: المقسط في اللغة: العادل، والقاسط: الجائر (^٢)، قال الله: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (^٣).\nوهذه الآية توجب أنه ليس يحرم على المسلم أن يَبَرَّ قرابته الكافر الذمي من غير المفروض، والله أعلم بما أراد من ذلك.\n_________\n(^١) هو: معمر بن المثنى، تقدم.\n(^٢) ينظر في هذا التفريق كلمة قسط وأقسط: مجاز القرآن لأبي عبيدة (١/ ١٥٦) ومعاني القرآن للأخفش (١/ ٢٢٥) ومفردات غريب القرآن مادة: قسط، والدر المصون (٢/ ٣٠٠).\n(^٣) سورة الجن (١٥).","vol":"1","page":1610},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>ومن سورة الحواريين</span>\n\nقال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (^١).\nقال أبو موسى الأشعري: لقد نزلت سورة كنا نسميها المسبحات، أولها سبح لله فنسيتها، غير أني حفظت منها: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. فتكتب شهادة في أعناقكم ثم تسألون عنها يوم القيامة﴾ (^٢).\nوقال مجاهد: قال جماعة من الصحابة فيهم ابن رواحة: لو نعلم عملا هو أحب الأعمال إلى الله؛ لعملنا بها حتى نموت، ثم تأخر بعضهم، فأنزل الله هذا فيهم، فقال عبد الله ابن رواحة: لا أبرح حبيسا في سبيل الله حتى أموت، فقتل شهيدا (^٣).\nفأما قول الأشعري: فتكتب شهادة، فكلام من رسول الله - ﷺ - أتبعه الآية، ليس من القرآن (^٤).\nوالآية توجب على كل من وعد وعدا لا إثم فيه أن يفي به، وكل من ألزم نفسه طاعة أو عملا فيه طاعة أن يفي به ويدوم عليه، ويسأل الله التوفيق والمعونة، ألا تراه\n_________\n(^١) سورة الصف (٢).\n(^٢) جزء من حديث أخرجه مسلم [٢/ ٥٥٩ كتاب الزكاة]، والقراءة بهذا اللفظ شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٨٠) به، دون قوله: ثم تأخر بعضهم.\n(^٤) قول المؤلف ﵀ مخالف لظاهر الرواية، والجزم به لا دليل عليه، إذ يحتمل أن تكون مما نسخ من القرآن الكريم، وإنما حمله ﵀ على هذا؛ أنها خالفت رسم المصحف، وقد قرر مرارا أن المعتبر ما وافق رسم المصحف. ينظر من هذه الرسالة: قسم الدراسة، ص: ١٧٨.","vol":"1","page":1611},{"text":"قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية (^١)، فلما بخلوا بما وَعَدوا فيما أُعْطُوا ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (^٢)\nقال الله ﵎: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (^٣)\nروي عن الأسود بن العلاء (^٤) عن أبي سلمة (^٥) عن عائشة أن النبي - ﷺ - قال:؟ لن يذهب الليل والنهار، حتى يعبد اللات والعزى، فقلت: يا رسول الله قد كنت أظن حين قال ﷿: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ أن ذلك تام، فقال النبي - ﷺ -: سيكون من ذلك ما شاء الله أن يكون، ثم يبعث الله ريحا فتقبض روح من كان في قلبه حبة من خردل من خير، وتبقي من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم؟ (^٦).\nوقال أبو هريرة - ﵁ - - رُوي عنه إن كان صحيحا - إن الإظهار\nخروج عيسى ابن مريم - ﵇ - (^٧)، وقال مجاهد مثل\n_________\n(^١) سورة التوبة (٧٥).\n(^٢) سورة التوبة (٧٧).\nوما ذهب إليه المؤلف ﵀ من لزوم الوفاء على العموم، ما لم يكن إثما استدلالا بهذه الآية، هو - أيضا - اختيار ابن العربي في أحكام القرآن (٤/ ٢٤٣): يقول\" والصحيح عندي؛ أن الوعد يجب الوفاء به على كل حال إلا لعذر\".\n(^٣) سورة الصف (٩).\n(^٤) هو: الأسود بن العلاء بن جَارِيَة الثقفي، ويقال له - أيضا ـ: سويد، وثقه النسائي والعجلي وغيرهما، روى له مسلم والنسائي. ينظر: الكاشف (١/ ٨٠) وتهذيب التهذيب (١/ ٢٧٤).\n(^٥) هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن.\n(^٦) أخرجه مسلم [٤/ ١٧٦٧ كتاب الفتن وأشراط الساعة] عن الأسود بن العلاء، به.\n(^٧) أخرجه الثوري في تفسيره ص ١٢٥ عن أبي المقدام، عن نبيح سمع أبا هريرة، به.\nومن طريقه أخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٣٣٩ كتاب الفضائل، ما ذكر فيما فضل به عيسى] قال: حدثنا وكيع قال: ثنا سفيان عن ثابت بن هرمز عن شيخ عن أبي هريرة، بنحوه.\nوأخرجه الطبري في تفسيره من طريقين:\nفقال في (٦/ ٣٥٦): حدثنا محمد بن بشار، قال ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال ثنا شقيق، قال ثني ثابت الحداد أبو المقدام، عن شيخ عن أبي هريرة.\nوقال في (١٢/ ٨٣): حدثنا ابن حميد، قال ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي المقدام ثابت بن هرمز، عن أبي هريرة، بنحوه.\nويشهد لحديث أبي هريرة ما أخرجه البيهقي [٩/ ١٨٠ كتاب السير، باب إظهار دين النبي - ﷺ -] قال: أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنبأ أبو منصور النضروي، ثنا أحمد بن نجدة، ثنا سعيد بن منصور، ثنا عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن أبي جعفر، عن جابر بن عبد الله، بنحوه.","vol":"1","page":1612},{"text":"ذلك (^١)، وفي قوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (^٢).\nقال بكر: ولا أدري كيف صحة حديث الأسود، ولا ما روي عن أبي هريرة، إلا أن الآية توجب ظهور النبي - ﷺ - على الأديان كلها (^٣)، فأظهره الله بالحجة على قريش وهاجر، وكان في يوم الحديبية في ألف وأربعمائة (^٤)، ودخل عام الفتح في عشرة آلاف (^٥) (^٦) وغزا حنينا في اثني عشر ألفا (^٧)، وغزا تبوك (^٨) في سنة تسع في ثلاثين ألفا (^٩)، ثم حج في سنة عشر وتوفي - ﷺ - في شهر ربيع الأول من سنة إحدى عشرة، وقد أدخله الله المسجد الحرام كما وعده.\nوكان قوله ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (^١٠) معناه إذا شاء الله آمنين، وهذا سائغ في كلام العرب، والله لا يحتاج أن يستثني؛ لأنه يعلم ما يكون، وما لا يكون، وما لا يكون لو كان كيف كان يكون، وهذا في القرآن في مواضع كثيرة، وإنما يستثني من لا يدري هل يكون ما قال أم لا، ألا تراه لما أتى عمر أبا بكر ﵄، يوم الحديبية فقال:؟ أليس قد قرأ علينا لتدخلن المسجد الحرام؟ قال له أبو بكر بطبعه السليم وعلمه الواسع: قال لك في هذا العام؟ ثم أتى النبي - ﷺ - فخاطبه بمثل ذلك، وقال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ فلم تعط الدنية (^١١) في\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي [٩/ ١٨٠ كتاب السير، باب إظهار دين النبي - ﷺ -] قال: وأخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي الإسفرائيني بن السقاء، أنبأ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن بطة، ثنا عبد الله بن محمد بن زكريا، ثنا سعيد بن يحيى ابن سعيد الأموي، ثنا مسلم بن خالد، عن بن أبي نجيح، عن مجاهد، به.\n(^٢) سورة محمد (٤).\nوالأثر الذي يشير إليه المؤلف عن مجاهد، أخرجه البيهقي [٩/ ١٨٠ كتاب السير، باب إظهار دين النبي - ﷺ -] عن مجاهد في قوله ﷿: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ يعني حتى ينزل عيسى بن مريم ...\n(^٣) ما قرره المؤلف ﵀ من بقاء الآية على إطلاقها، في ظهور هذا الدين على الأديان كلها، إما بالغلبة أو بالحجة؛ فصحيح لا مرية فيه، غير أنه لا يعارض ما أُثِر عن أبي هريرة ومجاهد - وفيه - أنهما فسرا الظهور بنزول عيسى - ﵇ -؛ لأن هذا النزول نوع من أنواع ظهور هذا الدين، لأنه قد ثبت أن عيسى بن مريم - ﵇ - ينزل آخر الزمان، ويظهر الله به هذا الدين على سائر الملل والأديان، حتى لا يقبل من أحد غيره، فقد أخرج البخاري [٧١٠ كتاب أحاديث الأنبياء، باب نزول عيسى - ﵇ -] ومسلم [١/ ١٢٣ كتاب الإيمان] عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد).\n(^٤) يدل عليه ما رواه ابن خزيمة [٤/ ٢٩٠ كتاب المناسك، باب ذكر الدليل على أن لا حظر في إخبار جابر: نحرنا مع رسول الله - ﷺ -] عن جابر بن عبد الله أنه قال: كنا أصحاب الحديبية أربع عشر مائة.\nوفي رواية المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم كما عند ابن خزيمة - الإحالة السابقة - وغيره، أنهم سبعمائة نفر. وينظر - أيضا ـ: سيرة ابن هشام (٣/ ٢٤١).\n(^٥) لوحة رقم [٢/ ٢٧٨].\n(^٦) ينظر: سيرة ابن هشام (٤/ ٣٤).\n(^٧) أورد ابن هشام في السيرة (٤/ ٦٥) قول ابن إسحاق في سياق ذكر عدد من خرج إلى حنين: \" .. ثم خرج رسول الله - ﷺ - معه ألفان من أهل مكة، مع عشرة آلاف من أصحابه \" ينظر: سيرة ابن هشام (٤/ ٦٥).\n(^٨) هي: بالفتح ثم الضم وواو ساكنة، موضع في شمال الجزيرة مما يلي الشام من جهة الأردنية، وكان به حصن فيه عين ونخل وحائط ينسب إلى النبي - ﷺ - ويقال إن أصحاب الأيكة كانوا فيها. ينظر: معجم البلدان (٢/ ١٤) ومعجم ما استعجم (١/ ٣٠٣).\n(^٩) ينظر: طبقات ابن سعد (٢/ ٣٣٢).\n(^١٠) سورة الفتح (٢٧).\n(^١١) كذا في الأصل بالتاء، وهو في كل المصادر التي وقفت عليها بالنون.\nقوله: تعط الدنية: أي الخصلة المذمومة. ينظر اللسان مادة: دنا.","vol":"1","page":1613},{"text":"ديننا؟ ثم قال: أليس قال الله ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ وقد وعدتنا بذلك، فقال النبي - ﷺ -: أقلت لك في هذا العام؟؟ (^١) فوافق قول أبي بكر قول النبي - ﷺ -، وكان أصحاب رسول الله كلهم قد نفروا من المقاضاة، ولحقهم ما لحق عمر خلا أبي بكر، فمعناه: إذا شاء الله، ولما شاء الله فتحها عليه فدخلها، ثم دخلها حاجا أو معتمرا.\nثم أظهره الله على الدين كله، فلم يبق أهل ديانة إلا أظهره الله عليهم؛ إما بغلبة قتال، وإما بخوف وبإجلاء عن أوطانهم، أو بإذعان بالجزية فهذا إظهار وغلبة بينة، وأما من سوى هؤلاء فأظهره الله عليهم بالحجة، وكفى به إظهارا ألا تسمع إلى قوله: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (^٢) يعني الغالبين، وقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (^٣) فأعلم أنه ينصر رسله في الحياة الدنيا، وقد علمنا أنهم يغلبون ويؤذون، وقد قال لنبينا - ﷺ -: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (^٤) وقال: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (^٥) يعني من الأذى، فقد علمنا ما جرى على الأنبياء ﵈، وهم منصورون بالحجة، وهل في يوم الأشهاد نصرة إلا بالحجة، فأنبياء الله وأولياؤه والمؤمنون منصورون بالحجة مغلوبين وعالين، وصاحب الحجة هو المنصور، فقد علمنا أن النبي - ﷺ - لم يقاتل أهل الملل كلها،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري [٥٤٩ كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة] من حديث المسور ومروان، وفيه جعل مراجعة عمر لأبي بكر بعد مراجعته النبي - ﷺ -، ولم أقف في شيء من المصادر على نحو ما أورد المؤلف ﵀ من تقديم مراجعة أبي بكر على مراجعة النبي - ﷺ -.\n(^٢) سورة المجادلة (٢٢).\n(^٣) سورة غافر (٥١).\n(^٤) سورة الأحزاب (٤٨).\n(^٥) سورة فصلت (٤٣).","vol":"1","page":1614},{"text":"وقد أعلمه الله أنه يظهره على الدين كله؛ لأن حجته باقية إلى يوم القيامة قال الله ﷿: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (^١) وقد بلغ الخلق جميعا، ومن كان معه القرآن فهو مُظْهر منصور حتى يلقى الله به، فينصره يوم القيامة به، وهو قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (^٢).\nقال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (^٣)\nقال مجاهد: من يتبعني إلى الله (^٤).\nوقال سفيان بن حسين (^٥): من مع نصر الله إياي، كقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (^٦) و﴿قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ (^٧) أي: مع قوتكم.\nوقال قتادة: قد كان ذلك بحمد الله، جاءه سبعون رجلا فبايعوه عند العقبة، فآووه ونصروه، حتى أظهره الله، قال: ولم يسم حي من السماء اسما لم يكن لهم قبل\nذلك غيرهم (^٨).\n_________\n(^١) سورة الأنعام (١٩).\n(^٢) سورة غافر (٥١).\n(^٣) سورة الصف (١٤).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٢/ ٦٥٩) به.\n(^٥) هو: سفيان بن حسين بن الحسن، أبو محمد الواسطي، قال ابن سعد: ثقة يخطئ في حديثه كثيرا، مات بالري في خلافة هارون الرشيد. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٥٤) وتهذيب التهذيب (٢/ ٣٥٣).\n* لوحة رقم [٢/ ٢٧٩].\n(^٦) سورة النساء (٢).\n(^٧) سورة هود (٥٢).\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٩٠) والطبري في تفسيره (١٢/ ٨٦) به.","vol":"1","page":1615},{"text":"وقال أنس: هذا اسم لم نتسم به سمانا الله به (^١).\nوقال قتادة: الحواريون كلهم من قريش: أبو بكر، وعمر، وحمزة، وجعفر، وعثمان بن مظعون (^٢)، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح (^٣)، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وقال: الحواري الوزير (^٤).\nوقيل: الحواريون الغسالون (^٥).\nوقال أبو عبيدة: الحواريون هم صفوة الأنبياء الذين اصطفوهم، والحواريات\n\nمن النساء اللاتي لا ينزلن البوادي وينزلن القرى (^٦)، قال الشاعر (^٧):\n_________\n(^١) أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ١٢٦) ولفظه: قيل لأنس بن مالك: أرأيت قول الناس لكم الأنصار، اسم سماكم الله به، أم كنتم تدعون به في الجاهلية؟ فقال: بل اسم سمانا الله ﷿ به في القرآن.\n(^٢) هو: عثمان بن مظعون بن حبيب، أبو السائب الجمحي، أسلم قديما، وهاجر إلى الحبشة، شهد بدرا وتوفي بعدها، ودفن بالبقيع. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٢١٠) والإصابة (٤/ ٤٨١).\n(^٣) هو: عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال، أبو عبيدة القرشي، مشهور بكنيته، أسلم قديما، وهاجر إلى الحبشة، وكان أحد قادة الفتوح الإسلامية، حتى مات بطاعون عمواس. ينظر: الطبقات (٣/ ٢١٩) والإصابة (٣/ ٤٧٥).\n(^٤) هو من قول قتادة، أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٢٠٠) ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم (٢/ ٦٦٠).\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (٣/ ٣٨٥) عن أبي أرطأة\nوأخرجه ابن أبي حاتم (٢/ ٦٥٩) عن الضحاك.\nوالأثر - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل، عن أبي أرطأة.\n(^٦) وجه هذه التسمية، أن النساء اللاتي ينزلن الأمصار والقرى، يغلب عليهن البياض، بخلاف نساء البوادي. ينظر: تفسير الطبري (٣/ ٢٨٦).\n(^٧) أورده الطبري في تفسيره (٣/ ٢٨٦) وأبو عبيدة في مجاز القرآن (١/ ٦٥) ونسباه إلى أبي جِلْدَة اليشكري، وهو منسوب إليه في القطعة المتبقية من الأصل","vol":"1","page":1616},{"text":"وقل للحواريات يبكين غيرنا ... ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح\nوالحور: الشديدة بياض بياض العين، وإذا اشتد البياض قوي سواد سواد العين، وإذا كان الأصل البياض والنقاء، كان من نصر الله ورسوله - ﷺ - ينقى القلب له هذا الاسم.\nقال الله ﵎: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (^١).\nقال ابن عباس - ﵁ -: لما أراد الله أن يرفع عيسى - ﵇ - قال: خرج على أصحابه وهم اثنا عشر فقال: أما إن منكم من سيكفر بي ثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيكم يُلقى عليه شبهي فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟ قال: فقام شاب منهم، فقال: أنا. فقال له: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب فقال: أنا. فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا. فقال: أنت ذاك. قال: فألقي عليه شبه عيسى، قال: ورفع عيسى من روزنة (^٢) في البيت إلى السماء. قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه، قال: وكفر به بعضهم ثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، قال: فافترقوا ثلاث فرق: فقالت فرقة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية (^٣). قال: وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه،\n_________\n(^١) سورة الصف (١٤).\n(^٢) الروزنة: خرق نافذ يكون في أعلى سقف البيت، وهو معرب. ينظر: اللسان مادة: رزن.\n(^٣) اليعقوبية: ينسبون إلى يعقوب البرذعاني وكان راهبا بالقسطنطينية، وهم القائلون: بأن المسيح هو الله، وأن الله هو المسيح، وقد انتشرت هذه الفرقة في مصر وبلاد النوبة. ينظر: الفصل في الملل (١/ ٤٨).","vol":"1","page":1617},{"text":"وهؤلاء النسطورية (^١). وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء ثم رفعه الله إليه. قال: وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، قال: فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا - ﷺ - فأنزل الله ﵎: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يعني: الطائفة التي آمنت في زمن عيسى ﴿وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ يعني الطائفة التي كفرت في زمن عيسى - ﵇ - قال: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ بإظهار دينهم بمحمد - ﷺ - فأصبح دينهم ظاهرا (^٢)، وقال جماعة من المفسرين نحو ذلك (^٣).\n_________\n(^١) النسطورية: منسوبون إلى نسطور بطريرك بالقسطنطينية، وهم القائلون: بأن المسيح هو ابن الله، ولدته مريم، وقد انتشرت هذه الفرقة في بلاد العراق وفارس. ينظر: الفصل في الملل (١/ ٤٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٣٣٩ كتاب الفضائل، ما ذكر فيما فضل به عيسى - ﵇ -] وابن أبي حاتم (٤/ ١١١٠) والنسائي في الكبرى [٦/ ٤٨٩ كتاب التفسير، سورة الصف].\nوالأثر - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\n(^٣) كقتادة ﵀ أخرجه عنه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٨).","vol":"1","page":1618},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>ومن سورة الجمعة </span>(^١)\n\nقال الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾\nإلى قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (^٢).\nأخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأتفوي قال: أنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري قراءة عليه في منزله بمصر عام إحدى (^٣) وأربعين وثلاث مائة وأنا أسمع قال: كانت العرب لا تقرأ ولا تكتب وهم الأميون، وكان بعث النبي - ﷺ - إليهم أولا، ثم إلى الناس جميعا، وقد كان في قريش والعرب نفر يكتبون وفي كتابتهم ضعف، والناس كلهم من العرب لا يكتبون ولا يقرؤون، وكان النبي - ﷺ - أميا لا يقرأ ولا يكتب ولا يحفظ من الشعر شيئا، وكان من دلائل نبوته - ﵇ - ما أتى به من أخبار من مضى من الأمم، ولم يقرأ الكتب قبل ذلك، ولا عرف منها شيئا.\nقال الله عز وعلا: ﴿وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ (^٤).\nيعني سائر العجم والروم وغيرهم، وقال النبي - ﷺ - ووضع يده على سلمان، وقال:؟ لو كان الإيمان عند الثريا، لناله رجال من هؤلاء؟ (^٥)\n_________\n(^١) لوحة رقم [٢/ ٢٨٠].\n(^٢) سورة الجمعة (٢).\n(^٣) كذا في الأصل: عام إحدى، ومقتضى قواعد النحو: عام واحدِ وأربعين، أو سنة أحدى وأربعين.\n(^٤) سورة الجمعة (٣).\n(^٥) أخرجه البخاري [١٠٥٢ كتاب التفسير، سورة الجمعة] ومسلم [٤/ ١٥٦٦ كتاب فضائل الصحابة] من حديث أبي هريرة، به.","vol":"1","page":1619},{"text":"وقال العلاء (^١) عن أبيه عن أبي هريرة:؟ أن رسول الله لما تلا هذه الآية ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (^٢) فضرب على فخذ سلمان الفارسي، ثم قال: هذا وقومه لو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس؟ (^٣)\nوقال عكرمة: هم التابعون (^٤).\nوقال الضحاك: من آمن وعمل صالحا إلى يوم القيامة، من عربي أو عجم (^٥).\nقال الله ﵎: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (^٦)\nقال الحسن: يحمل على ظهره ولا يدري ما على ظهره، فكذلك المنافق (^٧).\nوقال مجاهد: يحمل كتبا لا يدري ما فيها ولا يعقلها (^٨).\nوقال قتادة: يحمل كتبا لا يدري ما على ظهره (^٩).\n_________\n(^١) هو: العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الخرقي، أبو شبل المدني، كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة ١٣٩ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ١٥٠) وتهذيب التهذيب (٤/ ٣١٧).\n(^٢) سورة محمد (٣٨).\n(^٣) أخرجه الترمذي [كتاب التفسير، ومن سورة محمد] وابن حبان [١٦/ ٦٢ كتاب التاريخ، ذكر سلمان الفارسي] والحاكم [٢/ ٤٩٨ كتاب التفسير، سورة محمد] وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٩٢) به.\n(^٥) أورده في الدر المنثور (٨/ ١٥٣) وعزاه إلى ابن المنذر.\n(^٦) سورة الجمعة (٥).\n(^٧) لم أجده.\n(^٨) ينظر: تفسير مجاهد (٢/ ٦٧٣).\n(^٩) أورده في الدر المنثور (٨/ ١٥٤) وعزاه إلى عبد بن حميد.","vol":"1","page":1620},{"text":"قال الله جل وعز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^١).\nقال الزهري، عن سالم، عن أبيه: كان عمر يقرؤها: ﴿فامضوا إلى ذكر الله﴾ (^٢).\nوكان ابن مسعود يقول: لو قرأتها فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي، إنما هي فامضوا (^٣)، وكان أبي يقرؤها كذلك (^٤).\nوقال ثابت (^٥): قال لي أنس: قم نسعى لها (^٦).\nوكان ابن الزبير (^٧) يقرؤها: ﴿فامضوا إلى ذكر الله﴾ (^٨).\nوقال الحسن: فاسعوا بالقلوب والإرادة (^٩).\nوقال عطاء المشي (^١٠)، وقالته جماعة.\n_________\n(^١) سورة الجمعة (٩).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق [٣/ ٢٠٧ كتاب الجمعة، باب السعي إلى الصلاة] والشافعي في مسنده ص ٥٠ والطبري في تفسيره (١٢/ ٩٤) والبيهقي [٣/ ٢٢٧ كتاب، باب صفة المشي إلى الصلاة]\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق - الإحالة السابقة - وابن أبي شيبة [١/ ٤٨٢ كتاب الصلاة، السعي إلى الصلاة يوم الجمعة] والطبري في تفسيره (١٢/ ٩٤) والطبراني في الكبير (٩/ ٣٠٧) به.\n(^٤) ينظر: تفسير مجاهد (٢/ ٦٧٤)، وعزاه في الدر المنثور (٨/ ١٦٢) إلى عبد بن حميد.\n(^٥) هو: البُنَاني، تقدم.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة [١/ ٤٨١ كتاب الصلاة، السعي إلى الصلاة يوم الجمعة] به.\n(^٧) هو: عبد الله بن الزبير، تقدم.\n(^٨) أورده في الدر المنثور (٨/ ١٦٢) وعزاه إلى عبد بن حميد، وأورده الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٣٣٧).\n(^٩) أخرجه ابن أبي شيبة [١/ ٤٨٢ كتاب الصلاة، السعي إلى الصلاة] بنحوه.\n(^١٠) أخرجه عبد الرزاق [٣/ ٢٩٧ كتاب الجمعة، باب السعي إلى الصلاة] به.","vol":"1","page":1621},{"text":"والسعي في اللغة: العمل، وقال مالك: ليس هو السعي على الأقدام بالاشتداد، وإنما هو العمل (^١)\nفأما قراءة من قرأها: ﴿فامضوا إلى ذكر الله﴾ فإنما (^٢) قصدوا إلى المعنى المراد، لا أنهم جعلوا ذلك قراءة، وليس يجوز أن يغير لفظة مما في المصحف برواية، وإنما عبروا عن المعنى (^٣)؛ لأن السعي هو العمل، قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ (^٤) فالسعي القصد إليها، كما قال الحسن بالنية والعمل.\n_________\n(^١) أخرجه في الموطأ [١/ ١٠٩ كتاب الجمعة، باب ما جاء في السعي يوم الجمعة] به.\n(^٢) لوحة رقم [٢/ ٢٨١].\n(^٣) جَزَمَ المؤلف ﵀ بأن قراءة ﴿فامضوا إلى ذكر الله﴾ هي من قبيل التفسير وبيان المعنى، وليست قرآنا، تبعا لأصله في رد كل قراءة تخالف رسم المصحف، وهذا الجزم يفتقر إلى برهانه، فقد صح سندها عن عمر بن الخطاب - ﵁ -، ومخالفتها رسم المصحف الإمام لا يجعلنا نقطع بنفي أن تكون من جملة ما نسخ من القرآن، قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٤/ ٤٢٠) بعد أن ذكر مسألة القراءة بما يخالف رسم المصحف: \" وهذا القول ينبني على أصل؛ وهو أن ما لم يثبت كونه من الحروف السبعة، فهل يجب القطع بكونه ليس منها؟ فالذي عليه جمهور العلماء أنه لا يجب القطع بذلك، إذ ليس ذلك مما أوجب علينا أن يكون العلم به في النفي والإثبات قطعيا\". ينظر البحث المتعلق بالقراءات القرآنية في قسم الدراسة من هذه الرسالة، ص: ١٨١.\n(^٤) سورة البقرة (٢٠٥).","vol":"1","page":1622},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^١).\nقال ابن عباس - ﵁ -: لا يصلح البيع يوم الجمعة حين ينادى بالصلاة، فإذا قضيت الصلاة فاشتر وبع (^٢).\nوكان مسلم بن يسار، والقاسم بن محمد، يقولان: إذا نودي للجمعة فلا بيع (^٣).\nوقال ميمون بن مهران (^٤) وأيوب السختياني: كان المنادي يوم الجمعة إذا نودي بالصلاة بالمدينة نادى: حرم البيع حرم البيع (^٥).\nوكان أبو بكر بن حزم (^٦) يساوم بلبن فسمع أذان الجمعة فقال: لا بيع بيني وبينك (^٧).\n_________\n(^١) سورة الجمعة (٩).\n(^٢) رواه في المحلى (٥/ ٨١) من طريق عكرمة عن ابن عباس، به.\nوقد أشار ابن حزم في المحلى (٩/ ٢٧) إلى أنه رواه من طريق القاضي إسماعيل بن إسحاق، قال: \" روينا من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي، نا محمد بن أبي بكر هو المقدمي، نا سليمان بن داود، نا سليمان بن معاذ، نا سماك عن عكرمة عن ابن عباس\" فذكره، قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٤٥٤) بعد ذكر تخريج ابن حزم لهذا الأثر: \" وقد أخرجه ابن مردويه في تفسيره عن ابن عباس مرفوعا\".\nوالأثر - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\n(^٣) أخرج قولهما ابن أبي شيبة [١/ ٤٦٥ كتاب الصلاة، الساعة التي يكره فيها البيع والشراء] بنحوه.\n(^٤) هو: ميمون بن مهران بن الجزري الرقي، أبو أيوب الفقيه، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٢٢٢) وتهذيب التهذيب (٥/ ٥٧٥).\n(^٥) قول ميمون قد أخرجه ابن أبي شيبة [١/ ٤٦٥ كتاب الصلاة، الساعة التي يكره فيها البيع والشراء] به.\nوأما ما روي عن السختياني؛ فقد أورده في الدر المنثور (٨/ ١٦٣) وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(^٦) هو: أبو بكر بن محمد، تقدم.\n(^٧) لم أجده.","vol":"1","page":1623},{"text":"وقال الضحاك والحسن وعطاء: إذا زالت الشمس يوم الجمعة فقد حرم البيع والشراء حتى تقضى الصلاة (^١).\nوقال الشعبي وسئل عن الساعة التي يرجى فيها الدعاء، قال: هي ما بين أن يحرم البيع [إلى أن يحل] (^٢).\nوكان عمر بن عبد العزيز يمنع الناس البيع يوم الجمعة إذا نودي للصلاة (^٣).\nوقال ابن شهاب: حَرّمَ النداءُ البيعَ (^٤).\nوقال مالك: يفسخ البيع إذا وقع في هذا الوقت المنهي عنه (^٥).\n_________\n(^١) أما قول الضحاك فقد أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٩١) وفي مصنفه [٣/ ١٧٧ كتاب الجمعة، باب موت الجمعة] وابن أبي شيبة [١/ ٤٦٥ كتاب الصلاة، الساعة التي يكره فيها البيع والشراء] والطبري في تفسيره (١٢/ ٩٦) وهو - أيضا - في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل.\nوأما قول الحسن وعطاء فقد أخرجه ابن أبي شيبة - الإحالة السابقة ـ.\nوأخرجه عبد الرزاق [٣/ ١٧٧ كتاب الجمعة، باب وقت الجمعة] عن عطاء، وعلقه البخاري [١٧٩ كتاب الجمعة، باب المشي إلى الجمعة] عنه بمعناه، قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٤٥٤): \" ووصله عبد بن حميد في تفسيره\".\n(^٢) ما بين المعكوفتين مكانها في المخطوط كلمة واحدة، غير واضحة، وما أثبته من القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة [١/ ٤٦٥ كتاب الصلاة، الساعة التي يكره فيها البيع والشراء] ولفظه: فيما بين أن يحرم البيع إلى أن يحل.\nوالأثر - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة [١/ ٤٦٥ كتاب الصلاة، الساعة التي يكره فيها البيع والشراء] به.\nوالأثر - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق [٣/ ١٧٧ كتاب الجمعة، باب وقت الجمعة] وابن أبي شيبة [١/ ٤٦٥ كتاب الصلاة، الساعة التي يكره فيها البيع والشراء] بمعناه.\nوالأثر - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\n(^٥) ينظر: المدونة (١/ ١٥٤) والنوادر والزيادات (١/ ٤٦٨).","vol":"1","page":1624},{"text":"وقال زيد بن أسلم: النداء حين يخرج الإمام، يريد النداء الثاني (^١).\nوقال أبو الزناد: يفسخ البيع إذا وقع في ذلك الوقت (^٢).\nقال الله ﷿: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ فمعناه لا تبيعوا، فكيف يجوز بيع من نهاه الله أن يبيع، قال رسول الله - ﷺ -:؟ ما نهيتكم عنه فانتهوا، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم؟ (^٣) فإذا كان النبي - ﷺ - نواهيه على الإيجاب وهي رواية، فنواهي القرآن أوكد.\nوقد احتج قوم (^٤) ممن يقول بجواز البيع (^٥) في هذا الوقت، بقوله سبحانه: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وأنه قيل: ذلكم خير لكم، دل على الترغيب، فغلط غلطا فاحشا؛ لأن الله ﷿ إذا نهى عن شيء ففيه الخير للعباد، وقد قال: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ (^٦) فهل يجوز أن يقال إن هذا غير واجب، وإذا أمروا بالذهاب إلى الجمعة وجب عليهم ألا يفعلوا شيئا يتشاغلون به عن إدراك الجمعة، ولما\n_________\n(^١) أورده في المدونة (١/ ١٥٤).\nوالأثر - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\n(^٢) أخرجه في المدونة (١/ ١٥٤).\nوالأثر - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\n(^٣) تقدم تخريجه عند قوله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ من سورة الحشر. ص: ٦٥٨.\n(^٤) ذهب الشافعية، والأحناف، والحنابلة في المشهور عنهم؛ إلى النهي عن البيع بعد النداء يوم الجمعة، وخالفوا المالكية في عدم الحكم بفسخ البيع.\nينظر: الأم (١/ ١٩٥) والمجموع (٤/ ٤١٨) والمغني (٢/ ٢٩٨) وشرح فتح القدير (٢/ ٦٦).\n(^٥) يريد المؤلف ﵀ بالجواز هنا نفاذ البيع وعدم فسخه، لا جواز أصل العقد؛ لأن أهل العلم لم يختلفوا في النهي عن البيع بعد النداء، وإنما اختلفوا في فساده بعد وقوعه، قال ابن كثير في تفسيره (٤/ ٥٧٣): \" ولهذا اتفق العلماء ﵃، على تحريم البيع بعد النداء الثاني، واختلفوا هل يصح إذا تعاطاه متعاط أم لا ... \".\n(^٦) سورة النساء (١٧١).","vol":"1","page":1625},{"text":"قيل في تحريم الصيد قيل: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (^١) كذا قيل هاهنا: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ (^٢) وقيل: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (^٣) فكان ذلك كله إذنا وإطلاقا بعد الحضر، فيما أمرهم به من اعتزال النساء في المحيض، وفي الصيد، وفي البيع بعد الفراغ من الصلاة.\nوقد عارض قوم بأن قالوا: فإن أعتق في ذلك الوقت أو تزوج، هل تقولون إن ذلك باطل كما تقولون في البيع؟ فقلنا: من عادة الناس التشاغل بالبيع في كل الأزمنة والأوقات، وهو عمل مستدام، وليس النكاح والعتق مما يدوم فعل (^٤) الناس له، كما يدوم في المبايعات، وإنما نهى الله ﷿ عن البيع لدوامه وانتظامه (^٥)، وأن القوم خرج كثير منهم للنظر إلى العير، وتعجل البيع، فعوتبوا ونزل تحريم البيع من أجل فعلهم، قال جابر بن عبد الله:؟ أقبلت عير بتجارة يوم جمعة ورسوله - ﷺ - يخطب، فانصرف الناس ينظرون، وبقي رسول الله - ﷺ - في اثني عشر رجلا، فنزلت هذه الآية؟ (^٦).\n_________\n(^١) سورة المائدة (٢). وفي الأصل فإذا حللتم، وهو خطأ.\n(^٢) سورة الجمعة (١٠).\n(^٣) سورة البقرة (٢٢٢).\n(^٤) لوحة رقم [٢/ ٢٨٢].\n(^٥) فرق المؤلف ﵀ بين عقد البيع وعقد النكاح في هذه المسألة، تبعا لمشهور المذهب، وهو قول ابن القاسم كما في العتبية، على أن ابن العربي في أحكام القرآن لم يرتض هذا التفريق، ولذا اختار طرد القول بفساد كل العقود بعد النداء، قال: \" والصحيح فسخ الجميع؛ لأن البيع إنما مُنِع للاشتغال به، فكل أمر يشغل عن الجمعة من العقود كلها، فهو حرام شرعا مفسوخ ردعا\" أحكام القرآن (٤/ ٢٥٠)، وينظر: النوادر والزيادات (١/ ٤٨٦).\n(^٦) أخرجه البخاري [١٠٥٣ كتاب التفسير، سورة الجمعة] ومسلم [٢/ ٤٩٤ كتاب الجمعة] بنحوه.","vol":"1","page":1626},{"text":"وقوله: ﴿أَوْ لَهْوًا﴾ إنما هو تجارة و﴿لَهْوًا﴾؛ لأنهم كانوا إذا أتت العير ضرب بين يديها بالدف، ومَرَّ السودان يلعبون بين يديها، ومثل هذا في القرآن كثير؛ قوله سبحانه: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (^١) إنما هو آثما وكفورا.\nوروى جماعة مثل الذي رواه جابر بن عبد الله، وقاله جماعة من التابعين منهم من وصله ومنهم من أرسله (^٢)، ولم يختلف في ذلك (^٣).\nوقال فيه الحسن: إن رسول الله - ﷺ - كان يخطب فقدمت عِيْرٌ، فأسرع الناس إليها، فنزلت: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ فقال:؟ والذي نفسي بيده لو تبايعتم؛ لاضطرم ما بينهما نارا؟ (^٤) فلما كان الذي أنكر عليهم البيع الذي تجري به العادة ويدوم الاشتغال به، حرم عليهم، وليس يدوم الاشتغال بالنكاح والعتق وما أشبهه، فلم يدخل ذلك في التحريم، ألا ترى أنه قد رخص لمن تخلف عن الجمعة (^٥)، وغلظ على من تركها ثلاثا، فقيل: طبع على قلبه (^٦)، فلو أطلق للناس البيع لتشاغلوا به في كل الجُمَع، والنكاح\n_________\n(^١) سورة الدهر (٢٤).\n(^٢) ينظر في هذه الآثار: الطبري في تفسيره (١٢/ ٩٧) والدر المنثور (٨/ ١٦٥) وتفسير ابن كثير (٤/ ٥٧٤).\n(^٣) قال الشافعي في أحكام القرآن (١/ ٩٤): \" ولم أعلم مخالفا أنها نزلت في خطبة النبي - ﷺ - يوم الجمعة\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٩٢) بنحوه.\nوالأثر - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\n(^٥) لم يختلف أهل العلم في وجوب الجمعة كما في الاستذكار (٢/ ٥٦) ولعل المؤلف أراد بالرخصة هنا: عدم معاجلته بالطبع على قلبه من أول مرة تركها، وإنما أمهله تعالى لعله أن يفيء إلى ربه ويتوب من ذنبه، حتى إذا عاد إلى ذلك ثلاثا، كان دليلا على تهاونه بأمر ربه الموجب للطبع على قلبه، قال في مشكل الآثار (٤/ ٢١٢) في توجيه عدم مؤاخذته من أول تركها: \" وذلك رحمة من الله ﷿، في تأنيه به ثلاثا ليرجع إليها، فلا يطبع على قلبه، أو يتمادى في تركها ثلاثا، فيطبع على قلبه\".\n(^٦) أخرجه أبو داود [١/ ٢٧٧ كتاب، باب التشديد في ترك الجمعة] ابن خزيمة [٣/ ١٧٦ كتاب الجمعة، باب ذكر الدليل على أن الطبع ...] وابن حبان [٧/ ٢٦ كتاب الصلاة، باب صلاة الجمعة، ذكر طبع الله جل وعلا] والحاكم [١/ ٤١٥ كتاب الجمعة] وقال: صحيح على شرط مسلم، عن أبي الجعد الضمري.","vol":"1","page":1627},{"text":"والعتق لا يشتغل به، ولا يدوم فعله، فدخل في باب الرخصة، وإن كنا ننهى عنه - أيضا - كما نأمر ألا يتخلف أحد عن جمعة ولا نرى من يتشاغل عن جمعة واحدة معاقبا (^١).\nوكان النبي - ﷺ - يخطب في الجمعة خطبتين، يقعد بينهما قعدة خفيفة، وكذلك كان أبو بكر وعمر، وروى ذلك جابر بن سمرة (^٢) وغيره (^٣).\n_________\n(^١) ووجه ذلك: أن الوعيد إنما جاء في حق من تركها ثلاثا، أما ما دون ذلك فلا يتوجه له الوعيد، قال في مواهب الجليل (٢/ ٥٣٢) في معرض تقرير هذا الوجه: \" ولما قال رسول الله - ﷺ - (من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر ولا علة، طبع الله على قلبه بطابع النفاق) دل على أن ما دون الثلاث بخلاف ذلك، في عظم الإثم وكثرة الوعيد، فوجب أن يُلْحَق ذلك بالصغائر ... حتى يفعل ذلك ثلاثا متواليات، فيتبين بذلك أنه متهاون بدينه غير مُتَوقٍ فيه\".\nوأصل المسألة يعود إلى حكم صلاة الجماعة، فمن قال بوجوبها على الأعيان؛ فإن المتشاغل عنها بغير عذر آثم؛ لتركه ما أُمر به، ومن قال: بعدم وجوبها على الأعيان لم يَعُدَّ تاركها آثما.\nعلى أن الوعيد في الحديث لمن ترك الجمعة ثلاثا، معنى خاص، لا ينفي أن يكون من تركها دون الثلاث يلحقه الإثم، لأن الوعيد الوارد على الثلاث وعيد مغلظ، فيحتمل أن يكون ما دونها معاقب عليه، لكن لا يبلغ قدر عقوبة من تركها ثلاثا، والله أعلم.\n(^٢) هو: جابر بن سمرة بن جنادة بن جندب العامري، أبو عبد الله، له ولأبيه صحبة - ﵃ -، قال: جالست النبي - ﷺ - أكثر من مائة مرة، توفي في سنة ٧٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٧٦) والإصابة (١/ ٥٤٣).\n(^٣) أما حديث جابر فقد أخرجه أحمد (٥/ ٩١) وابن حبان [٧/ ٣٩ كتاب الصلاة، باب الجمعة، ذكر وصف الخطبة] والحاكم [١/ ٤٢٣ كتاب] وقال: صحيح على شرط مسلم.\nوفي معناه ما أخرجه الطبراني في الكبير (٧/ ١٥٠) عن السائب بن يزيد، وكذلك أخرجه - أيضا - عن ابن عباس (١١/ ٢٠٩).\nوأما ما يدل على فعل الرسول - ﷺ - وأبي بكر وعمر - ﵃ - فقد أخرجه الشافعي في مسنده ص ٦٦ عن أبي هريرة - ﵁ -، وفي معناه ما أخرجه عبد الرزاق [٣/ ١٨٧ كتاب الجمعة، باب الخطبة قائما] عن سليمان بن موسى.\nوممن روى ذلك عن النبي - ﷺ - ابن عمر فيما أخرجه البخاري [١٨٣ كتاب الجمعة، باب القعدة بين الخطبتين]","vol":"1","page":1628},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>ومن سورة المنافقين</span>\n\nقوله ﷿: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (^١)\nقال ابن عباس - ﵁ - من كان له مال يُبلِّغُه الحج فلم يفعل، ومن كان له مال يبلغ الزكاة فلم يزكه، سأل الرجعة عند الموت، فقال له رجل: يا أبا عباس إنما سأل الرجعة الكافر، قال: أنا أقرأ عليك به قرآنا، ثم قرأ هذه الآية، وقال ابن عباس: ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ أزكي ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أحج (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) سورة المنافقين (١٠).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ١١٠) به.\nوأخرجه عبد بن حميد ص ٢٣١ ومن طريقه أخرجه الترمذي [٥/ ٢٠٨ كتاب التفسير، ومن سورة المنافقون] والطبراني في الكبير (١٢/ ١١٥) به، دون آخره.\nوالأثر - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\n(^٣) قصر المؤلف ﵀ دلالة الوعيد في الآية على ترك الواجبات كالحج والزكاة، وهو - أيضا - اختيار ابن العربي في أحكام القرآن (٤/ ٢٥٩) وعلله بقوله: \" لأن الوعيد إنما يتعلق بالواجب دون النفل\".","vol":"1","page":1629},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>ومن سورة التغابن</span>\n\nقوله ﷿ ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (^١)\nقال علقمة (^٢): هو الرجل تصيبه المصيبة فيسلم ويرضى، ويعلم أنها من عند الله (^٣).\nوقال مقاتل بن حيان (^٤) ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبِي﴾ قال: الاسترجاع (^٥).\nقال الله عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِن مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٦)\nقال ابن عباس - ﵁ -:؟ هؤلاء ناس أسلموا وأبى أزواجهم وأولادهم أن يأتوا النبي\n_________\n(^١) سورة التغابن (١١).\nوجه تعلق هذه الآية بالأحكام مع أنها في سياق الحث على الرضا بقضاء الله، قد بينه ابن العربي في أحكام القرآن (٤/ ٢٦٢) يقول: \" أدخل علماؤنا هذه الآية في فنون الأحكام ... لأن للجوارح في ذلك أعمال؛ من دمع العين، والقول باللسان، والعمل بالجوارح، فإذا هدأ القلب؛ جرى اللسان بالحق، وركدت الجوارح عن الخرق\" بتصرف يسير.\n(^٢) هو: ابن قيس النخعي، تقدم.\n(^٣) جزء من أثر أخرجه البيهقي [٤/ ٦٦ كتاب الصلاة، أبواب البكاء على الميت، باب الرغبة في أن يتعزى].\nوالأثر - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\n(^٤) هو: مقاتل بن حيان بن النبطي الخراز، أبو بسطام البلخي، مولى بكر بن وائل، قال أبو حاتم: صدوق ثقة. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٧٩) وتهذيب التهذيب (٥/ ٥٠١).\n(^٥) أورده ابن الجوزي في زاد المسير ص ١٤٤٢، وابن كثير في تفسيره (٤/ ٥٨٧) بنحوه.\nوالأثر - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\n(^٦) سورة التغابن (١٤).","vol":"1","page":1630},{"text":"- ﷺ -، فلما قدموا المدينة ورأوا الناس (^١) قد فقهوا في الدين فأرادوا أن يعاتبوهم، قالوا: أنتم الذين منعتمونا أن نأتي النبي - ﷺ - فنزلت: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِن اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؟ (^٢).\nوقال مقاتل (^٣) نحو ذلك (^٤).\nوقال مجاهد: احذروهم أن يقطعوكم عن طاعة ربكم (^٥).\nوأما قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (^٦).\nهذه الآية نسخت: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (^٧) وكذا قيل: نسخت (^٨).\nوالذي عندي أنها خَفَفت من التكليف الأول (^٩).\n_________\n(^١) لوحة رقم [٢/ ٢٨٣].\n(^٢) الحديث أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ١١٧) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٥٨) والترمذي [٥/ ٢٠٨ كتاب التفسير، باب ومن سورة التغابن] وصححه، والحاكم [٢/ ٥٣٢ كتاب التفسير، سورة التغابن] وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، عن ابن عباس، بنحوه.\nوالأثر - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\n(^٣) هو: مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي الخرساني، أبو الحسن البلخي، قال ابن المبارك: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة، وقال الذهبي: أجمعوا على تركه. ينظر: أعلام النبلاء (٧/ ٢٠١) وطبقات المفسرين للداودي (٢/ ٣٣١).\n(^٤) ينظر: تفسير مقاتل بن سليمان (٣/ ٣٦٨).\nوالأثر - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ١١٧) بمعناه.\n(^٦) سورة التغابن (١٦).\n(^٧) سورة آل عمران (١٠٢).\n(^٨) أخرج الطبري في تفسيره (٣/ ٣٧٧) جملة من الآثار عن السلف في هذا المعنى، منهم: قتادة، والربيع بن أنس، والسدي، وابن زيد.\n(^٩) قال ابن الجوزي في الناسخ والمنسوخ ص ٢٣: \"ذهب كثير من المفسرين إلى أنها نسخت بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ والصحيح: أنها محكمة، وأن (ما استطعتم) بيان لحق تقاته، فإن القوم ظنوا أن (حق تقاته) ما لا يطاق، فزال الإشكال، ولو قال: لا تتقوه حق تقاته، كان نسخا\".","vol":"1","page":1631},{"text":"وقال زيد بن أسلم: لو بقي التكليف على قوله ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ لكان ما لا يطاق، ولكن الله جل وعلا رحم عباده، فنسخها بهذه الآية (^١).\nوقال الحسن في قوله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ قال: أجهدوا أنفسكم (^٢).\nوأما قوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ (^٣).\nفهو غبن أهل الجنة لأهل النار، والله أعلم (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣/ ٧٢٢) بنحوه.\nوالأثر - أيضا - مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\n(^٢) لم أجده، في شيء من المصادر التي وقفت عليها، وهو مخرج في القطعة المتبقية من كتاب القاضي إسماعيل صاحب الأصل.\n(^٣) سورة التغابن (٩).\n(^٤) أخرج الطبري في تفسيره (١٢/ ١١٤) نحو هذا المعنى عن مجاهد، وقتادة.","vol":"1","page":1632},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>ومن سورة الطلاق</span>.\n\nقوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ (^١).\nحدثنا أحمد بن موسى (^٢) قال: نا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقال له: ﴿مره يراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء﴾ (^٣) وطرق هذا الحديث كثيرة، وفي بعضها: ﴿طاهرا أو حاملا﴾ (^٤) فالطلاق الذي أمر الله به وعلمه عباده الذي هو السنة؛ أن يطلق الرجل امرأته في طهر لم يمسها فيه، ويدعها تمضي في عدتها، فإن بدا له أن يرتجعها ارتجعها شاءت أم أبت قبل تقضي عدتها، وإن تركها ولم يرتجع، فإذا انقضت عدتها حلت للأزواج، وكان خاطبا من الخطاب (^٥).\nوزعم أبو حنيفة: أن طلاق السنة أن يطلق في كل طهر طلقة، والذي رُوي عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود ﵄ كما قلنا - أنه طَلْقَة في أول\n_________\n(^١) سورة الطلاق (١).\n(^٢) هو: السامي، تقدم.\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في المستخرج [٤/ ١٤٧ كتاب الطلاق، باب من طلق امرأته وهي حائض] وأبو داود [٢/ ٢٦٦ كتاب الطلاق، باب في طلاق السنة] ومن طريقه أخرجه البيهقي [٧/ ٤١٤ كتاب العدد، باب ما جاء في قوله ﷿: والمطلقات يتربصن بأنفسهن] عن القعنبي، به.\nوهو عند البخاري [١١٣٨ كتاب الطلاق، باب قول الله تعالى: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء] ومسلم [٢/ ٨٨٥ كتاب الطلاق] من طريق مالك، به.\n(^٤) أخرجه مسلم [٢/ ٨٨٧ كتاب الطلاق] من طريق سالم عن ابن عمر.\n(^٥) ينظر فيما قرره المؤلف: المدونة (٥/ ٤١٩) والنوادر والزيادات (٥/ ٨٩) ومواهب الجليل (٥/ ٣٠٠).","vol":"1","page":1633},{"text":"الطهر إلى انقضاء العدة (^١)، ولا نعلم أحدا من الصحابة قال ما قاله إلا شيء رواه الأعمش عن أبي إسحاق (^٢)، عن أبي الأحوص (^٣)، عن عبد الله (^٤).\nوروى زكريا بن أبي زائدة (^٥) عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله ضده (^٦) على ما رسمنا من طلاق السنة.\nورواه وكيع عن إسرائيل (^٧)، وسليمان بن حرب وحجاج (^٨) وحفص بن\n_________\n(^١) أي: يطلقها في طهر لم يمسها فيه، ثم يدعها حتى تكمل عدتها ثلاثة قروء، فتَبِيْن منه وتحل للأزواج، أو يرتجعها قبل ذلك.\nوأما أبو حنيفة فقال: يطلقها في طهر لم يمسها فيه، ثم يدعها حتى تحيض ثم تطهر، ثم جاز له أن يطلقها أخرى، فجعل من طلاق السنة أن يطلقها في كل طهر طلقة. ينظر: المبسوط (٦/ ٣) وأحكام القرآن للجصاص (٥/ ٣٤٧).\n(^٢) هو: السبيعي، تقدم.\n(^٣) هو: عوف بن مالك الجشمي، تقدم.\n(^٤) هو ابن مسعود - ﵁ -، والأثر أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ٥٨ كتاب الطلاق، باب ما قالوا إذا طلق عند كل طهر طلقة] وابن ماجه [١/ ٣٧٣ كتاب الطلاق، باب طلاق السنة] والنسائي [٦/ ٤٥٠ كتاب الطلاق، باب طلاق السنة] من طريق الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله أنه قال: طلاق السنة: تطليقة وهي طاهر في غير جماع، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، ثم تعتد بعد ذلك بحيضة) هذا لفظ النسائي.\n(^٥) هو: زكريا بن أبي زائدة خالد بن ميمون بن فيرون الهمداني الوادعي مولاهم، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، ولي قضاء الكوفة، مات سنة ١٤٨ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٣٢) وتهذيب التهذيب (٢/ ١٩٨).\n(^٦) أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٣٢٢) من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله في قوله: (فطلقوهن لعدته) قال: من أراد الطلاق الذي هو الطلاق، فليمهل حتى إذا طهرت المرأة من الحيض فليطلقها، طاهرا في غير جماع.\n(^٧) هو: إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني، أبو يوسف الكوفي، قال ابن سعد: كان ثقة حدث عنه الناس حديثا كثيرا، ومنهم من يستضعفه، توفي سنة ١٦٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٣٩) وتهذيب التهذيب (١/ ٢٢٦).\n(^٨) هو: ابن المنهال، تقدم.","vol":"1","page":1634},{"text":"عمر (^١) عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، مثل الذي روى ابن أبي زايدة (^٢)، فوهى حديث الأعمش، ولعله بلغه عن أبي إسحاق ولم يسمعه.\nوزعم الشافعي: أن طلاق الثلاث مجتمعة من السنة (^٣)، وقد روى مخرمة بن بُكَيْر (^٤) (^٥) عن أبيه قال: سمعت محمود بن لبيد الأنصاري (^٦) يقول: أُخْبِرَ رسول الله - ﷺ -\n_________\n(^١) هو: حفص بن عمر بن الحارث بن سَحْبرة الأزدي، أبو عمر البصري الحوضي، قال ابن المديني: اجتمع أهل البصرة على عدالة أبي عمر الحوضي، توفي سنة ٢٢٥ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٢٥) وتهذيب التهذيب (١/ ٦٢٣).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ٥٦ كتاب الطلاق، ما يستحب من طلاق السنة] قال: حدثنا أبو بكر قال: نا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، ولفظه قال: من أراد الطلاق الذي هو الطلاق، فليطلقها تطليقة ثم يدعها حتى تحيض ثلاث حيض.\nوقد أخرج ابن أبي شيبة - أيضا ـ[٤/ ٥٥ كتاب الطلاق، ما قالوا في طلاق السنة] من طريق وكيع وحفص ومعاوية، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قال: طاهرا من غير جماع.\n(^٣) الشافعي ﵀ وإن كان يرى إباحة الثلاث مجتمعة، ولا يعد فاعله مخالفا للسنة؛ فإنه يختار للرجل أن لا يطلق إلا واحدة، قال في الأم (٥/ ١٨٠): \" أختار للزوج أن لا يطلق إلا واحدة؛ ليكون له الرجعة في المدخول بها، ويكون خاطبا في غير المدخول بها، ومتى نكحها بقيت له عليها اثنتان من الطلاق، ولا يحرم عليه أن يطلق اثنتين ولا ثلاثا؛ لأن الله ﵎ أباح الطلاق، وما أباح فليس بمحظور على أهله\" ينظر - أيضاـ الأم (٥/ ١٣٦).\n(^٤) هو: مخرمة بن بكير بن عبد الله الأشج المخزومي مولاهم، أبو المِسْوَر المدني، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، مات ١٥٩ هـ. ينظر: الكاشف (٣/ ١١٢) وتهذيب التهذيب (٥/ ٣٧٠).\n(^٥) (لوحة رقم [٢/ ٢٨٤].\n(^٦) هو: محمود بن لبيد بن عقبة بن رافع بن عبد الأشهل أبو نعيم الأوسي، قال ابن حجر: روى عن النبي - ﷺ - ولم تصح له رؤية ولا سماع، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، توفي سنة ٩٧ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٨) وتهذيب التهذيب (٥/ ٣٦٦).","vol":"1","page":1635},{"text":"عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام غضبانا (^١) ثم قال: ﴿يلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم!﴾ (^٢)\nوروى حماد بن زيد، عن أيوب (^٣)، عن نافع، عن ابن عمر قال: إن طلقت ثلاثا فقد بانت منك امرأتك، وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك (^٤).\nوروى أشعث (^٥) عن نافع عن ابن عمر - ﵁ -: من طلق امرأته ثلاثا فقد عصى ربه وبانت منه امرأته (^٦).\n_________\n(^١) قوله: غضبانا، كذا وقع في الأصل، وعليه جاء لفظ الرواية كما في الحاشية بعده، على خلاف المشهور من منعه من الصرف، وهي لغة صحيحة، قال الأشموني: \" إن قوما من العرب، وهم بنو أسد، يصرفون كل صفة على فعلان؛ لأنهم يؤنثونه بالتاء، ويستغنون فيه بفعلانه عن فعلى، فيقولون سكرانه وغضبانه وعطشانه\" شرح الأشموني (٣/ ٢٤٣) وينظر كذلك: ما ينصرف وما لا ينصرف لأبي إسحاق الزجاج ص ٣٥.\n(^٢) أخرجه النسائي [٦/ ٤٥٣ كتاب الطلاق، باب طلاق السنة] عن مخرمة به.\nواختلف كلام أهل العلم في الحكم على الحديث، فقال النسائي في السنن الكبرى (٣/ ٣٤٩) بعد تخريج هذا الحديث: \" ولا أعلم أحدا روى هذا الحديث غير مخرمة \" وقال ابن حزم في المحلى (١٠/ ١٦٨): وأما خبر محمود بن لبيد فمرسل، ولا حجة في مرسل، ومخرمة ما لم يسمع من أبيه شيئا \" وكذا قال ابن حجر في الفتح (٩/ ٣٦٢) وضعفه - أيضا - الألباني في ضعيف النسائي ص ١٢٢.\nوقال ابن القيم في زاد المعاد (٥/ ٢٤١): \" إسناده على شرط مسلم \" وأجاب عمن قال بضعف الحديث.\n(^٣) هو: السختياني، تقدم.\n(^٤) أخرجه أبو عوانة في مسنده (٣/ ١٤٤) عن أيوب، به.\nوالحديث قد أخرجه أبو عوانة من طريق القاضي إسماعيل - صاحب أصل هذا المخطوط - قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق، ويوسف بن يعقوب، القاضيين قالا: ثنا سليمان بن حرب، ثنا عن أيوب، عن نافع أن ابن عمر، فذكره.\n(^٥) هو: أشعث بن سوار الكندي النجار الكوفي، مولى ثقيف، أخرج له مسلم في المتابعات، وقال ابن سعد: كان ضعيفا في حديثه، توفي ١٣٦ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٣٣) وتهذيب التهذيب (١/ ٢٨١).\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ٦٠ كتاب الطلاق، من كره أن يطلق امرأته ثلاثا] به.","vol":"1","page":1636},{"text":"وقال كعب بن علقمة (^١): إن عليا ﵀ كان يعاقب الذي يطلق امرأته البتة، وقال: ما طلق رجل طلاق السنة فندم (^٢).\nوقال الأعمش عن مالك بن الحارث (^٣) عن ابن عباس - ﵁ - وجاءه رجل فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثا، فقال: إن عمك عصى الله فأندمه، وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا، قال: أفلا يحلها له رجل قال: من يخادع الله يخدعه الله (^٤).\nوقال مجاهد: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل طلق امرأته ثلاثا، فقال: يعمد أحدكم فيركب الأحموقة ثم يقول: يا ابن عباس يا أبا عباس، قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (^٥) وإنك لم تتق الله، فلا أرى لك مخرجا، عصيت ربك وبانت منك امرأتك (^٦).\n_________\n(^١) هو: كعب بن علقمة بن كعب التنوخي، أبو عبد الحميد المصري، ذكره ابن حبان في الثقات، توفي سنة ١٢٧ هـ. ينظر: الكاشف (٣/ ٧) وتهذيب التهذيب (٤/ ٥٦٨).\n(^٢) أخرجه في المدونة (٥/ ٤٠٤) بنحوه.\nوأخرج ابن أبي شيبة [٤/ ٥٦ كتاب، ما قالوا في طلاق السنة] والبيهقي [٧/ ٣٢٥ كتاب الخلع والطلاق، باب الاختيار للزوج أن لا يطلق إلا واحدة] آخره من طريق عبيدة السليماني، عن علي.\nوأخرجه ابن أبي شيبة - الإحالة السابقة - من طريق ابن سيرين، بمعناه.\n(^٣) هو: مالك بن الحارث بن السلمي الكوفي، قال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث صالحة، توفي سنة ٩٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٠٦) وتهذيب التهذيب (٥/ ٣٣١).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ٦١ كتاب الطلاق، من كره أن يطلق امرأت ثلاثا] والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٧٥) عن الأعمش، به.\n(^٥) سورة الطلاق (٢).\n(^٦) أخرجه أبو داود [٢/ ٢٣٣ كتاب الطلاق، باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث] والبيهقي [٧/ ٣٣١ كتاب الخلع والطلاق، باب الاختيار للزوج أن لا يطلق إلا واحدة] به.\nوأخرجه عبد الرزاق [٦/ ٣٩٧ كتاب الطلاق، باب الطلاق ثلاثا] والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٥٨) بنحوه.\nقوله: يا بن عباس يا أبا عباس، كذا في الأصل، وبنحوه عند عبد الرزاق، وعند أبي داود والبيهقي: يا بن عباس يا بن عباس.","vol":"1","page":1637},{"text":"وقال عمران بن حصين: من طلق ثلاثا أثم بربه، وحرمت عليه (^١).\nوقال أنس كان عمر - رحمة الله عليه - إذا أتي برجل طلق امرأته ثلاثا في مجلس أوجعه ضربا وأبانها (^٢).\nومن قال مثل ذلك من التابعين، أكثر من أن يدركه الإحصاء، ولولا الإطالة لقصصت به، أفلا يتقي الله عبد يظن أنه أعلم بسنة الطلاق المنزل في القرآن، من عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، ومن ذكرنا.\nوقد احتج هذا الرجل (^٣) بأن العجلاني (^٤) طلق بعد تقضي اللعان ثلاثا فلم ينكر النبي - ﷺ - ذلك عليه (^٥)، والعجلاني طلق أجنبيته؛ لأن اللعان قد فرق بينهما عند الشافعي، فما يدريه لعل النبي - ﷺ - قد أنكر الثلاث، كما لزمه أن ينكر طلاق الأجنبية (^٦)، وليس كل شيء كان نقل إلينا.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ٦٠ كتاب الطلاق، من كره أن يطلق امرأته ثلاثا] والبيهقي [٧/ ٣٣٣ كتاب الخلع والطلاق، باب الاختيار للزوج أن لا يطلق] به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ٦١ كتاب الطلاق، من كره أن يطلق امرأته ثلاثا] والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٥٩) به.\n(^٣) يريد: الإمام الشافعي ﵀.\n(^٤) هو: عويمر العجلاني الذي لاعن امرأته عند النبي - ﷺ -، وخبره قد تقدم في أول سورة النور.\n(^٥) ينظر: الأم (٥/ ١٨٠) وسنن البيهقي (٧/ ٣٢٨).\n(^٦) هذا إيراد على قول الشافعي ﵀ لأنه احتج على صحة إيقاع الثلاث مجتمعة؛ بسكوت النبي - ﷺ - عن طلاق عويمر لامرأته ثلاثا بعد أن لاعنها، وأجاب المؤلف - هنا - على قول الشافعي من وجهين: -\nالأول: أن النبي - ﷺ - لم ينكر عليه؛ لأنه طلقها بعد أن لاعنها، واللعان - كما هو قول الشافعي - يوجب الفرقة بين الزوجين، فكأنه طلق امرأة أجنبية منه، فطلاقه غير مؤثر ولا معتبر، ولذا ترك النبي - ﷺ - الإنكار عليه.\nالثاني: يحتمل أن النبي - ﷺ - أنكر عليه، غير أنه لم ينقل إلينا؛ لأنه ليس كل شيء كان نقل إلينا، وفي هذا السياق، فالشافعي يرى أن الفرقة تقع بين الزوجين بمجرد لعان الزوج، ولم ينقل إلينا أن النبي أنكر عليه تطليقه امرأة أجنبية عنه.","vol":"1","page":1638},{"text":"واحتج - أيضا - بأن النبي - ﷺ - قال لعمر: ﴿فإن شاء طلق وإن شاء أمسك﴾ (^١) ولم يذكر له عدد الطلاق (^٢)، والنبي - ﷺ - لم ينكر على ابن عمر الطلاق، وإنما أنكر الموضع، فعلمه موضع الطلاق، ولم يحتج إلى تعريفه العدد، إذ كان ابن عمر قد أصاب فيه وعرفه (^٣).\nواحتج (^٤) - أيضا - بحديث رُكانة (^٥) وأن النبي - ﷺ - سأله: ﴿ما أردت﴾ (^٦) وهذا إنما ينبغي أن يحتج به على من يقول: إن الثلاث لا تقع\n_________\n(^١) جزء من حديث أخرجه البخاري [١١٣٨ كتاب الطلاق، باب وقول الله تعالى: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء] ومسلم [٢/ ٨٥٥ كتاب الطلاق] من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر.\n(^٢) ينظر: الأم (٥/ ١٣٨).\n(^٣) على اعتبار أن ابن عمر - ﵁ - إنما طلقها طلقة واحدة.\n(^٤) ينظر احتجاج الشافعي في الأم (٥/ ١٣٧).\n(^٥) هو: ركانة بن عبد يزيد بن هاشم المطلبي، كان شديدا لا يصارع، فقيل: إن النبي - ﷺ - صارعه فصرعه فأسلم، وتوفي في خلافة معاوية - ﵃ -. ينظر: الإصابة (٢/ ٤١٥).\n(^٦) جزء من حديث أخرجه عبد الرزاق [٦/ ٣٦٢ كتاب الطلاق، باب البتة والخلية] وابن أبي شيبة [٤/ ٩١ كتاب الطلاق، ما قالوا في الرجل يطلق امرأته البتة] وأبو داود [٢/ ٢٣٧ كتاب الطلاق، باب في البتة] والترمذي [٢/ ٣٩٤ كتاب الطلاق، باب ما جاء في الرجل طلق امرأته البتة] وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسألت محمدا عن هذا الحديث فقال: فيه اضطراب، وأخرجه البيهقي [٧/ ٣٤٢ كتاب الطلاق، باب ما جاء في كنايات الطلاق التي لا يقع بها الطلاق].","vol":"1","page":1639},{"text":"ولا تلزم (^١)، وإنما سأله لأنها كانت غير مدخول بها، فأراد أن يعلمه هل تحل له قبل زوج أم لا (^٢)، فأما تَعَرُّف ما أراد ليلزمه فلا بد منه، لأنه قد يخطئ السنة ويطلق (^٣) للبدعة.\nفأما ما قاله أبو حنيفة من الطلاق في كل طهر، فقد ذكرنا وجه الخطأ فيه (^٤)، وعلى أنه جوزه للسنة مع تقديم ذكر ما يقوله للسنة، وليس يجوز أن يقول قائل: إن واحدة للسنة وضدها للسنة، هذا ما يستحيل في العقول (^٥)، وقال أبو حنيفة أيضا: إن الأقراء الحيض (^٦)، وقد قدمنا الحجة في ذلك في سورة البقرة (^٧)، وإنما أُمر الناس بطلاق السنة نظرا للزوجين، وأن لا يُطلق عليهما الرجعة أو التراجع، ألا تراه جل ثناؤه قال: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (^٨) وإذا كان الطلاق الثاني في الطهر الثاني لا عدة له، والعدة بالطلاق الأول، فأي فائدة في الثاني (^٩) إلا مخالفة أمر الله ﷿، والدخول في التضييق على نفسه؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ (^١٠) فعلم أن الطلاق الذي أمر الله به تكون منه عدة، فقد\n_________\n(^١) أي لا تقع ثلاثا، بل واحدة رجعية، وهذا قول: ابن عباس وعكرمة وعطاء وطاوس سعيد بن جبير، وأبو الشعثاء وعمرو بن دينار، وقد ذهب إسحاق ابن راهوية إلى التفريق بين المدخول بها وغيرها، فأمضاها ثلاثا في المدخول بها، وجعلها في غير المدخول بها واحدة.\nينظر: اختلاف العلماء للمروزي ص ١٣٣ والاستذكار (٦/ ٥) والمغني (٧/ ١٠٤) وزاد المعاد (٥/ ٢٤٧).\n(^٢) وذلك أنه إن أرد ثلاثا فقد بانت منه ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وليس كذلك إن أراد واحدة، وهذا قول عامة السلف.\nينظر: اختلاف العلماء للمروزي ص ١٣٣ والاستذكار (٦/ ٤) وأحكام القرآن للجصاص (٢/ ٨٣) والمغني (٧/ ١٠٢) وبداية المجتهد (٢/ ٤٦).\n(^٣) (لوحة رقم [٢/ ٢٨٥].\n(^٤) وذلك في أول كلامه عن هذه الآية.\n(^٥) بيان هذا الإيراد على قول الأحناف: أنهم قد قرروا أن طلاق السنة؛ أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه حتى تنقضي عدتها، ثم قالوا: بجواز أن يطلقها واحدة في طهر ثم ثانية في الطهر الثاني ثم الثالثة كذلك، ووجه التعارض - على قول المؤلف - أنهم أجازوا له أن يطلق ثلاثا في عدة واحدة، مع ما قرروه من أن طلاق السنة أن يطلقها واحدة.\nوقد أجاب الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٣٤٨) على هذا الإيراد وأشار إلى أنه اعتراض رجل ألف في أحكام القرآن، ويغلب على الظن أنه يريد القاضي إسماعيل بن إسحاق، يقول: \" وذكر بعض من صنف في أحكام القرآن، أن أبا حنيفة وأصحابه يقولون: إن طلاق السنة واحدة، وإن من طلاق السنة - أيضا - إذا أراد أن يطلقها ثلاثا طلقها عند كل طهر تطليقة، فذكروا أن الأول هو السنة، والثاني أيضا سنة، فكيف يكون شيء وخلافه سنة، ولو جاز ذلك لجاز أن يكون حراما حلالا .. قال أبو بكر: .. لا يمنع أحد من أهل العلم جواز ورود العبادات بمثله، إذ جائز أن يكون السنة في الطلاق؛ أن يخير بين إيقاع الواحدة في طهر والاقتصار عليها، وبين أن يطلق بعدها في الطهر الثاني والثالث، وجميع ذلك مندوب إليه، ويكون مع ذلك أحد الوجهين أحسن من الآخر، كما قال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ ثم قال: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ وخَيَّر الله الحانثَ في يمينه بين أحد أشياء ثلاثة، وأيها فعل كان فرضه\" وإلى هذا المعنى الذي قرر الجصاص أشار السرخسي في المبسوط (٦/ ٣).\n(^٦) ينظر: المبسوط (٦/ ١٣) وأحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٥) وشرح فتح القدير (٤/ ٣٧٥).\n(^٧) عند قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] في اللوحة رقم: ٥٠.\n(^٨) سورة الطلاق (١).\n(^٩) لأنه إذا طلقها واحدة فحاضت ثم طهرت، فطلقها ثانية - على ما يجيزه الأحناف - لم يكن للطلقة الثانية عدة، لأن العدة - وهي ثلاثة قروء - قد ابتدأت بالطلقة الأولى، وأشار إلى أن الأحناف أوردوا على الشافعي نحو هذا في قوله: بجواز الثلاث مجتمعة، فدخلوا في مثل ما أنكروه على الشافعي، ووجه المشابهة بين القولين؛ أنهم اجتمعوا في إيقاع ثلاث طلقات في عدة واحدة، غير أن الأحناف فرّقوها، والشافعية جمعوها، هذا معنى كلام المؤلف ﵀ ومن نظر في القولين جزم باختلافهما، فالشافعية يجيزون أن يوقع الثلاث في الطهر الواحد دفعة واحدة، والأحناف لا يجيزون ذلك، وإنما يجيزون أن يوقع طلقة واحدة في كل طهر، فعلى قول الشافعية تقع الثلاث في طهر واحد، وعلى قول الأحناف تقع الثلاث في أطهار ثلاث.\n(^١٠) سورة الطلاق (١).","vol":"1","page":1640},{"text":"دخل أصحاب أبي حنيفة فيما أنكروه على الشافعي، من إباحة الطلاق الثلاث في مقام واحد.\nوقال رسول الله - ﷺ -: ﴿فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء﴾ (^١) فالأمر في كتاب الله للوقت، وأمر رسول الله - ﷺ - إنما هو للوقت، وقد ذكرنا احتجاج الشافعي بقول النبي - ﷺ - لابن عمر، ولا أحسب الشافعي يكون أعلم بذلك من المخاطبين به، وهما عمر وابن عمر، وقد قالا جميعا: من طلق ثلاثا فقد عصى ربه ﷿ (^٢)، ولو كان للسنة الثلاث بطلت الفائدة في قوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ وقد قال المفسرون جميعا: هي الرجعة (^٣)، وقد قال الله ﷿: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (^٤) فعلم أن الذي طلق ثلاثا غير مخاطب بذلك.\nفأما قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (^٥) يشبه قوله في البقرة: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ (^٦) فأمر هذا عند انقضاء العدة أن لا يراجعها مضارة لها؛ لأن الرجعة إنما هي له من قبل أن تنقضي عدتها، والآية التي في البقرة إنما كان الرجل يطلق، فإذا قاربت انقضاء العدة ارتجع من غير رغبة، ثم يطلق ليطول عليها عدتها ويعيدها، فنهوا عن ذلك (^٧).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في أول كلام المؤلف عن هذه الآية.\n(^٢) تقدم في ص ٣٩٢ ذكر الآثار عنهما وعن غيرهما - ﵃ -.\n(^٣) ينظر: تفسير عبد الرزاق (٣/ ٢٩٨) والطبري في تفسيره (١٢/ ١٢٧) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٥٩) والدر المنثور (٨/ ١٨٩)، وقد حكى الإجماع على ذلك القرطبي (١٧/ ١٥٢)\n(^٤) سورة الطلاق (٢).\n(^٥) سورة الطلاق (٢).\n(^٦) سورة البقرة (٢٣١).\n(^٧) ينظر: تفسير عبد الرزاق (١/ ٩٤) وتفسير الطبري (٢/ ٤٩٣).","vol":"1","page":1641},{"text":"فأما قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^١) فشَرْطُ المعروف يراد به النكاح الحلال، والعقد الصحيح بولي وإعلان، فهذا هو المعروف الذي شرَطَه الله ﷿ (^٢)، فإن الظاهر - والله أعلم - يدل على أن أجلهن في هذا الموضع، هو الذي أبيح لهن فيه التزويج وهو ما بعد آخر العدة، وآخر العدة هو من العدة، وما بعدها ليس منها، وقد تأتي اختصارات يتسع القول فيها إذا فهم المعنى، فقوله في المتوفى ﴿بَلَغْنَ﴾ معلوم أنه خرجن، وقوله في المطلقة: ﴿بَلَغْنَ﴾ قاربن، ولهذا نظائر في القرآن قال الله عز من قائل: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (^٣) وإنما هو إذا أردت، وقال سبحانه: ﴿إِذَا (^٤) نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ (^٥) إنما هو إذا أردتم مناجاة الرسول، وقال رسول الله - ﷺ -: ﴿إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل﴾ (^٦) وإنما هو إذا أراد المجيء، وقال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ثم قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (^٧) وليس يكون ذلك فيمن طلق ثلاثا. وقال بعد ذكر المرتين: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (^٨) فعلم أنه التطليق\n_________\n(^١) سورة البقرة (٢٣٤).\n(^٢) أخرج الطبري في تفسيره (٣/ ٥٣٠) عن مجاهد والسدي نحو كلام المؤلف ﵀ في معنى المعروف في قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.\n(^٣) سورة الأعراف (٩٨).\n(^٤) (لوحة رقم [٢/ ٢٨٦].\n(^٥) سورة المجادلة (٩).\n(^٦) أخرجه البخاري [١٧٤ كتاب الجمعة، باب فضل الغسل يوم الجمعة] ومسلم [٢/ ٣٨٤ كتاب الجمعة] عن ابن عمر، به.\n(^٧) سورة البقرة (٢٢٨).\n(^٨) سورة البقرة (٢٢٩)","vol":"1","page":1642},{"text":"الثالث حالا بعد حال، ألا تراه قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (^١) فرد هذا النسق على قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (^٢) ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ نسقا على قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.\nومعنى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ فإن سرحها بالطلاق الثالث، وأدخل ما بين ذلك ذكر الخلع (^٣) وهو قوله ﷿: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ﴾ (^٤) فكان أمر الخلع الذي أُدخل في هذا الموضع، حكما بين النساء كلهن، لا في التي طُلِّقَت مرتين، ومثل هذا يجيء في القرآن كثير، تدخل القصة فيما بين القصتين، ثم ترد الآخرة على الأولى، وقد ذكرنا هذا الموضع في سورة البقرة في موضع الخلع (^٥)، فكان جميع ما وصفنا في كتاب الله تبارك اسمه أن الطلاق الذي أبيح إنما هو تطليق بعد تطليق، فكان ذلك نظرا لهم على ما وصفنا.\nفإن طلق رجل ثلاثا في وقت واحد؛ لزمه ذلك، وكان قد أخطأ على نفسه، وأثم بربه ﷿، حين لم يقبل ما أدبه به وعلمه إياه، فإن الله ﵎ يحب أن\n_________\n(^١) سورة البقرة (٢٣٠).\n(^٢) سورة البقرة (٢٢٩).\n(^٣) قال في غريب الحديث مادة: خلع: \" يقال: خَلَع امرأته خُلْعا، وخَالَعَها مُخَالَعة، واخْتَلَعَت هي منه فهي خَالِع، وأصله من خَلْع الثوب، والخُلْع: أن يطلق زوجته على عوض تبذله له، وفائدته إبطال الرجعة إلا بعقد جديد\".\n(^٤) سورة البقرة (٢٢٩).\n(^٥) عند قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٨] في اللوحة رقم: ٥٢.","vol":"1","page":1643},{"text":"تؤخذ رخصه كما يؤخذ بعزائمه (^١)، وكان الطلاق الذي ألزمه نفسه واجبا عليه، وإن كان قد وضعه في غير موضعه؛ لأن الطلاق إخراج ملك عن يده، يقع بسنته وبغير سنته، كما يعتق فيلزمه بسنته أو بمعصيته كل ذلك يلزمه، وقد قيل لابن عمر: فهل عُدّ ذلك طلاقا؟ فقال: أرأيت إن كان ابن عمر عجز واستحمق، فما يمنعه أن يكون طلاقا (^٢)، وذهب على سائله قول رسول - ﷺ -: ﴿مره فليرتجعها﴾ (^٣) فهل تراجع إلا المطلقة، وابن عمر الذي خوطب بذلك، ها أنت ذا طلقت امرأتك واحدة واثنتين، أمرك رسول الله - ﷺ - برجعتها، ها أنت ذا طلقت امرأتك ثلاثا، بانت منك امرأتك وعصيت ربك.\nوقد ذكرنا في سورة البقرة الأقراء ما هي، والحجة على من قال أنها الحيض (^٤).\nوممن قرأ الآية: ﴿فطلقوهن لقُبُل عدتهن﴾ ابن عمر، رواه مالك وجماعة عن عبد الله بن دينار (^٥)، عن ابن عمر (^٦)، ورواه ابن أيمن (^٧) وابن جبير عنه (^٨).\n_________\n(^١) يشير إلى ما أخرجه ابن حبان [٢/ ٦٩ كتاب البر والإحسان، باب ما جاء في الطاعات وثوابها] وغيره، من حديث ابن عباس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه).\n(^٢) أخرجه البخاري [١١٣٩ كتاب الطلاق، باب إذا طلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق] ومسلم [٢/ ٨٨٧ كتاب الطلاق] من طريق يونس بن جبير، عن ابن عمر بنحوه، والسائل هو ابن جبير الراوي عنه.\n(^٣) تقدم تخريجه في أول كلام المؤلف عن هذه الآية.\n(^٤) عند قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ في اللوحة رقم ٥٠.\n(^٥) هو: عبد الله بن دينار العدوي مولاهم، أبو عبد الرحمن المدني، قال اين سعد: كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة ١٢٧ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٢٥٩) وتهذيب التهذيب (٣/ ١٢٦).\n(^٦) أخرجه مالك في الموطأ [٢/ ٤٥٩ كتاب الطلاق، باب جامع الطلاق] ومن طريقه أخرجه البيهقي [٧/ ٣٢٣ كتاب الطلاق، باب ما جاء في طلاق السنة] عن مالك به.\n(^٧) هو: عبد الرحمن بن أيمن المخزومي مولاهم، قال ابن حجر: أثنى عليه ابن عيينة خيرا، وذكره ابن حبان في الثقات. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٢٧) وتهذيب التهذيب (٣/ ٣٢٣).\nوروايته أخرجها مسلم [٢/ ٨٨٩ كتاب الطلاق].\n(^٨) هو: يونس بن جبير الباهلي، أبو غلاب البصري، قال العجلي: بصري تابعي ثقة، توفي بعد سنة ٩٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٧٧) وتهذيب التهذيب (٦/ ٢٦٨).\nوروايته عن ابن عمر أخرجها البخاري [١١٥٦ كتاب الطلاق، باب مراجعة الحائض].","vol":"1","page":1644},{"text":"وقرأ ابن مسعود: ﴿لقبل طهرهن بغير جماع﴾ (^١).\nوقرأ ابن عباس: ﴿لقُبُل عدتهن﴾ (^٢).\nوقال أبو موسى الأشعري قال رسول الله - ﷺ -: ﴿طلقوا المرأة في قُبُلِ عدتها﴾ (^٣) والحسن ومحمد بن سيرين قالا: طلاق السنة أن يطلقها في قُبُل\n\nعدتها (^٤).\nوهؤلاء كلهم وجماعة من المفسرين، ممن قرأ كما قرؤوا، فإنما أرادوها حكما لا تلاوة؛ لأن التلاوة على ما بين الدفتين لا يجوز غير ذلك (^٥)، والمعنى ما قالوه.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٣٢١).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق [٦/ ٣٠٣ كتاب الطلاق، باب وجه الطلاق] وابن أبي شيبة [٤/ ٥٥ كتاب الطلاق، ما قالوا في طلاق السنة] والنسائي [٦/ ٤٥٠ كتاب الطلاق، باب وقت الطلاق للعدة] والبيهقي [٧/ ٣٢٣ كتاب الخلع والطلاق، باب ما جاء في طلاق السنة] به.\n(^٣) جزء من حديث أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ٥٥ كتاب الطلاق، ما قالوا في طلاق السنة] والطبري في تفسيره (٢/ ٤٩٦) به.\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ١٩٥) والبيهقي [٧/ ٣٢٢ كتاب الخلع والطلاق، باب ما جاء في كراهية الطلاق] من هذا الطريق لكن بدل عدتها، قال: طهرها.\nقال في مجمع الزوائد (٤/ ٦١٩): \" رجاله ثقات \" أ. هـ. غير أن فيه يزيد الدَّالاني، قال في التقريب ص ١١٣٩: \" صدوق يخطئ كثيرا، وكان يدلس، وهنا لم يصرح بالسماع \".\n(^٤) أخرجه عنهما ابن أبي شيبة [٤/ ٥٥ كتاب الطلاق، ما قالوا في طلاق السنة] بنحوه.\n(^٥) قول المؤلف ﵀ هنا يندرج ضمن موقفه من القراءات المخالفة لرسم المصحف، ينظر من هذه الرسالة، ص: ١٨١.","vol":"1","page":1645},{"text":"وقال ﷿: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ (^١) فالإحصاء (^٢) إنما يكون للشيء الذي إذا انقضى حلت للأزواج، وما قيل: قُبُل عدتهن، لم يجز أن يكون قبل الشيء إلا بعض الشيء، وليس هو مثل استقبال الشيء؛ لأن الإنسان يستقبل غيره، وقبله ودبره إنما هو بعضه، فكان ذلك كله مؤكدا للطهر أنه هو العدة التي تحصى، وفيما ذكرنا في سورة البقرة فيها كفاية إن شاء الله (^٣).\nقال الله سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٤)\nقال مالك: الإشهاد على الرجعة واجب (^٥)؛ لرفع الدعاوى، وتحصين الفروج والأنساب؛ لأن الطلاق إذا عُلِم وارتجع ولم يشهد، جاز للمرأة إذا انقضت عدتها أن تتزوج إذا لم يُعلم، ولم يُلتفت إلى دعواه قد ارتجعت.\nوقد يجوز أن تكون المرأة - أيضا - تكرهه وتأباه، فتكره الرجعة، فلذلك ما أمر الله (^٦) بالإشهاد فيها، ولا يجوز في الشهادة على الرجعة إلا شهادة ذوي عدل من الرجال، وليس يجوز في هذا شهادة النساء؛ لأن الله ﷿ دل على أقل ما يجزئ، كما دل في الأموال على أقل ما يجزئ من الشهادة،\n_________\n(^١) سورة الطلاق (١).\n(^٢) (لوحة رقم [٢/ ٢٨٧].\n(^٣) عند قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ في اللوحة رقم ٥٠.\n(^٤) سورة الطلاق (٢).\n(^٥) القول بوجوب الإشهاد أحد القولين عن الإمام مالك، إلا أنه لم يشتهر عند أصحابه من أئمة المذهب، ولذا لم يَنْسِبه إليه إلا بعضهم، وكثير منهم يحكيه قولا، ولا ينسبه إلى الإمام، وأما مشهور المذهب مما أخذ به أصحابه وجرى العمل به، استحباب الإشهاد من غير إيجاب.\nينظر: المدونة (٥/ ٣٢٤) والكافي لابن عبد البر (١/ ٢٦٤) وأحكام القرآن لابن العربي (٤/ ٢٨٢) ومواهب الجليل (٥/ ٤١١) والتاج والإكليل (٤/ ١٠٢).\n(^٦) كذا في الأصل، وصوابه: حذف (ما) من قوله: ما أمر الله.","vol":"1","page":1646},{"text":"وقال في الزنا: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً﴾ (^١) وقال: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (^٢) يريد أقل ما يجزئ، ففرق سبحانه وجل ثناؤه بين حكم الأبدان والأموال، فأجاز شهادة النساء في الأموال، ولم يجزها فيما كان حكما في الأبدان، من حدود ونكاح وطلاق، وما أشبه ذلك (^٣).\nوقد يجوز أن يقول قائل: فأنتم تجيزون شهادتهن في الاستهلال (^٤)، قلنا: لأنه مال، ولأنه لا يُشهد في الاستهلال مع الحياة؛ لأنه غير محتاج إليه، وإنما تقع الشهادة عليه بعد تلف الصارخ المُسْتَهِل، وهو شيء يؤدي إلى المواريث والأموال، ليس فيه حكم في بدن.\nوقال مالك: تُشْهد المرأة على زوجها بالطلاق إن خافت مناكرته شاهدين، ولا يجوز في ذلك غير الرجال؛ لأن ذلك من حكم الأبدان؛ لأنها جنس والأموال جنس، وإنما جازت شهادة النساء في الأموال؛ لأنها أيسر خطبا من الأبدان، ولذلك جاز فيها الشاهد واليمين، وجاز فيها رد اليمين وما أشبه ذلك، وليس يشبه الأموال حكم الأبدان؛ لأن التبايع يصح بين المتبايعين وإن لم يحضرهما أحد، والنكاح لا يصح إلا بعلم غير المتناكحين، وأحكام الطلاق تابعة للنكاح، وقد أجمعوا معنا أن شهادة النساء لا تجوز في الحدود (^٥)، فالنكاح والطلاق بالحدود وبحكم الأبدان أشبه منه بالأموال،\n_________\n(^١) سورة النساء (١٥).\n(^٢) سورة النور (٤).\n(^٣) ينظر: المدونة (١٣/ ١٦٠) ورسالة أبي زيد القيرواني ص ١٣٢ والنوادر والزيادات (٨/ ٣٩١).\n(^٤) ذهب المالكية إلى جواز شهادة النساء على استهلال المولود. ينظر: المدونة (١٣/ ١٥٨) ورسالة أبي زيد القيرواني ص ١٣٢ والنوادر والزيادات (٨/ ٣٩٣).\n(^٥) يريد بذلك الأحناف، فقد قالوا بقول المالكية والشافعية، في عدم قبول شهادتهن في الحدود والقصاص. ينظر: المبسوط (١٦/ ١١٤) وأحكام القرآن للجصاص (٢/ ٢٣١).","vol":"1","page":1647},{"text":"وقال بعضهم: في الحدود والطلاق ويجوز في النكاح (^١)، فدل اختلافهم على أن شهادة النساء لم تَرِد على العموم، وإنما هي في الأموال خاصة.\nقال بكر: ثم تأملت كل ما روي عن الصدر الأول والثاني، فمنهم من قال: لا تجوز في الحدود، ومنهم من قرن مع الحدود النكاح والطلاق، ومنهم من استثنى جراح الخطأ، فدل ذلك كله على أنهم أرادوا ألا تقبل شهادتهن فيما قال الله ﵎ (^٢): ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (^٣) والذي قيل فيه: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٤) والله أعلم (^٥).\nفأما الحكم في الأموال بشاهد ويمين، فشيء أوجبه خفي القرآن، فأوجبته السنة والنظر، فمن ذلك أن الله ﵎ قال: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (^٦) ثم قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (^٧) والآمر بذلك - جل وعز - قد جعله لنا وثيقة بأموالنا، ألا تراه لم يقل عند الاستيثاق فليتق الله ربه، ولم يعط ولا عند أخذ الرهن لأنه وثيقة، وقال عند الأمانة: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (^٨) فجاء على الشاهدين وثيقة العالم بأن أحدهما قد يتلف، فلو لم تكن هناك وثيقة بينها الرسول - ﷺ - عن باطن القرآن لكان قد جعل وثيقة لا وثيقة، فبين رسول الله - ﷺ - أن شهادة أحدهما مع يمين المطالب توجب المال عند عدم أحد الشاهدين.\nفإن قال قائل: فقد يجوز أن يتلف الشاهدان، قيل: قد يكون ذلك، وليس يكاد يكون تلفهما في وقت واحد، فلما كان ذلك كذلك، كان لمن له الحق أن يُشْهِد على شهادة الباقي، خوفا من تلفه (^٩) شاهدين، فيكونا له عند عدم الباقي وثيقة، ومع ذلك فإن اليمين إنما جعلت على المدَّعىَ عليه، له أن يحلف فَيَبْرَأ من المطالبة في الدنيا؛ لأنه باليد أقوى من المدَّعِي، فلما أتى المدَّعِي بشاهد كان بيانه - من غيره - أقوى من بيان المدَّعىَ عليه؛ لأنه من نفسه، فنقلت اليمين لأقواهما (^١٠).\nوقد احتج قوم في هذا بقول النبي - ﷺ - للأشعث بن قيس (^١١): ﴿شاهداك أو يمينه﴾ (^١٢) فقال: لا يُحْكَم إلا بشاهدين (^١٣)، وهذا غلط؛ لأنه لو كان حين قيل له:\n_________\n(^١) ذهب الأحناف إلى جواز شهادة النساء في الحقوق التي ليست بمال: كالنكاح، والطلاق، والعتاق، والنسب. ينظر: المبسوط (١٦/ ١١٥) وبدائع الصنائع (٦/ ٢٧٩).\n(^٢) (لوحة رقم [٢/ ٢٨٨].\n(^٣) سورة النساء (١٥).\n(^٤) سورة الطلاق (٢).\n(^٥) ينظر مذاهب السلف وأقوالهم ﵏ في هذه المسألة في: مصنف عبد الرزاق [٨/ ٣٢٩ كتاب الشهادات، باب هل تجوز شهادة النساء مع الرجل في الحدود] وسنن سعيد بن منصور [١/ ٢٥٦ كتاب النكاح، باب ما جاء في شهادة النساء في النكاح] ومصنف ابن أبي شيبة [٥/ ٥٣٣ كتاب الحدود، في شهادة النساء في الحدود] واختلاف العلماء للمروزي ص ٢٨٣ ومختصر اختلاف العلماء (٣/ ٣٤٥) وبداية المجتهد (٢/ ٣٤٨).\n(^٦) سورة البقرة (٢٨٢).\n(^٧) سورة البقرة (٢٨٢).\n(^٨) سورة البقرة (٢٨٣).\n(^٩) أي خوفا من تلف الشاهد الباقي.\n(^١٠) بيان ذلك: أن اليمين في الدعاوى تجعل على من كان قوله أقوى من قول خصمه، وقول المدعَى عليه أقوى من قول المدعِي بغير بينه؛ لأن الأصل أن ما ادعاه المدعي لم يكن، حتى يقيم البينة الناقلة عن هذا الأصل، ولهذا جعلت اليمين عليه؛ لأن قوله أقوى، فإذا جاء المدعي ببينة غير تامة كشاهد واحد، فقد رجحت كِفْته، وقوي في الظن صدقه، فكان قوله أقوى من قول المدعى عليه، فنقلت اليمين إليه فصارت عليه.\n(^١١) هو: الأشعث بن قيس بن مَعْدِيْكَرب الكندي، وفد على النبي - ﷺ - مع وفد كندة، شهد اليرموك والقادسية، وكان مع علي بن أبي طالب في صفين، مات بالكوفة سنة ٤٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٧٥) والإصابة (١/ ٢٣٩).\n(^١٢) جزء من حديث أخرجه البخاري [٥٣٣ كتاب، باب اليمين على المدعي عليه في الأموال والحدود] ومسلم [١/ ١١٤ كتاب الأيمان] من حديث ابن مسعود - ﵁ -.\n(^١٣) هو قول الأحناف، ينظر: المبسوط (١٧/ ٣٠) وأحكام القرآن للجصاص (٢/ ٢٤٧) وبدائع الصنائع (٦/ ٢٢٥).","vol":"1","page":1648},{"text":"شاهداك، قال: عندي شاهد وامرأتان، لَسُمِع منه وحُكِم له بهم إذا شهدوا، فلما هذا كان ليس في لفظ الحديث وهو واجب، كان أيضا لو قال: لي شاهد وأحلف، لقبل ذلك منه، وقد حدثنا محمد بن إبراهيم بن خشنام (^١)، قال: حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى (^٢) قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي (^٣) قال: حدثنا جعفر بن محمد (^٤)، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﴿أن النبي - ﷺ - قضى باليمين مع الشاهد في الأموال﴾ (^٥) وقال محمد بن علي (^٦): وقضى بها علي (^٧) بين أظهركم (^٨) - يعني بالكوفة أو بالعراق - والحديث في هذا الباب كثير معروف، وليس بنا حاجة إلى الإطالة به.\nوقد احتج قوم في ذلك بقول النبي - ﷺ -: ﴿لو أعطي قوم بدعاويهم (^٩) لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من المنكر﴾ (^١٠) ولم يعرفوا المعنى، ومعنى البينة، البيان على المدعي؛ لأنه يدعي ما ظاهره بيد غيره، فكُلِفَ أن يأتي بالبيان على باطن هو أقوى من ظاهر اليد، فإذا أتى من ذلك ببيانين وهما: شاهدان، حكم له، وقيل للمدّعَى عليه: لك بيان وله بيانان وبيانك منك (^١١)، فإذا أتى (^١٢) بشاهد فقد أتى ببيان واحد هو أقوى من بيان اليد؛ لأنها منه وبيان المدعي من غيره، فنقلت اليمين إليه ليكون ما أمر الله به من الوثيقة، وثيقة لا طعن فيها ولا تضعيف من جاهل أو ضعيف الدراية.\nوأما قول الشافعي: أنه يجيز في الأموال شهادة رجل ويمين، ولا يجيز امرأتين ويمين (^١٣)، فقد تكلمنا في ذلك في المسألة على العراقيين وعليه، بما فيه كفاية إن شاء الله.\nوأما قول أبي حنيفة وأصحابه، فإن منهم من أجاز شهادة النساء في النكاح والطلاق، ومنهم من أجازها في النكاح ولم يجزها في الطلاق (^١٤)، ولا أعلم فرقا إذ\n_________\n(^١) هو: محمد بن إبراهيم بن خشنام، أبو عبد الله الأصبهاني، قدم بغداد وحدث بها عن يوسف بن عدي، روى عنه محمد بن مخلد الدوري. ينظر: تاريخ بغداد (٥/ ٢٥٢).\n(^٢) هو: محمد بن المثنى بن قيس بن دينار العنزي، أبو موسى البصري، قال الخطيب: كان ثقة ثبتا، احتج سائر الأئمة بحديثه، توفي بالبصرة سنة ٢٥٢ هـ. ينظر: تاريخ بغداد (٣/ ٢٨٣) وتهذيب التهذيب (٥/ ٢٥٤).\n(^٣) هو: عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت بن أبي العاص الثقفي، أبو محمد الثقفي، قال ابن حجر: ثقة اختلط قبل موته بثلاث سنين، توفي سنة ١٩٤. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٤٦) وتقريب التهذيب ص ٦٣٣.\n(^٤) هو: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين الهاشمي، أبو عبد الله المدني، قال ابن حجر: صدوق فقيه إمام، توفي سنة ١٤٨ هـ. ينظر: الكاشف (١/ ١٣٠) وتقريب التهذيب ص ٢٠٠.\n(^٥) أخرجه ابن ماجه [٢/ ٤٩ كتاب الأحكام، باب القضاء بالشاهد واليمين] والترمذي [٣/ ٦٩ كتاب الأحكام، باب ما جاء في اليمين مع الشاهد] وصححه مرسلا، والبيهقي [١٠/ ١٧٠ كتاب الشهادات، باب القضاء باليمين مع الشاهد] وصححه، من طريق عبد الوهاب الثقفي، به.\n(^٦) هو الباقر، تقدم.\n(^٧) يريد: علي بن أبي طالب - ﵁ -.\n(^٨) أخرجه الترمذي - الإحالة السابقة - والبيهقي [١٠/ ٦٩ كتاب الشهادات، باب القضاء باليمين مع الشاهد]\n(^٩) كذا في الأصل، وفي كتب الصحاح والسنن: بدعواهم.\n(^١٠) أخرجه البخاري [٥٣٥ كتاب الشهادات، باب إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا] ومسلم [٣/ ١٠٧٨ كتاب الأقضية] من حديث ابن عباس - ﵁ -.\n(^١١) بيان المدعي هنا الشاهدان، وبيان المدعى عليه براءة الذمة في الأصل مما ادُعِي عليه.\n(^١٢) (لوحة رقم [٢/ ٢٨٩].\n(^١٣) ذهب المالكية إلى قبول شهادة امرأتين مع يمين المدعي، وذهب الأحناف والشافعية والحنابلة إلى عدم قبولها.\nينظر: المدونة (١٣/ ١٦٥) والأم (٧/ ٣ - ٤٧) والمغني (٩/ ١٤٨) والتمهيد (٢/ ١٥٧).\n(^١٤) ذهب الأحناف إلى جواز شهادة النساء فيما سوى الحدود والقصاص ومن ذلك النكاح والطلاق، ولم أقف على قول في المذهب لا يجيز شهادتهن في الطلاق، وإنما هو قول النخعي.\nينظر: مختصر اختلاف العلماء (٣/ ٣٤٥) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٢٣١) والمبسوط (٥/ ٣٢) وبدائع الصنائع (٦/ ٢٩٧).","vol":"1","page":1649},{"text":"النكاح والطلاق جميعا إنما تُرَادُ الشهادات عليهما من أجل الأنساب وحياطتها، وليس يجوز عندهم شهادتهن في النسب، الذي من أجله أمر بالشهادات على النكاح والطلاق وإيجاب الحدود ودرئها.\nفإن قالوا: قد تشهد عندهم القابلة في الولادة وهو النسب، وعند الشافعي أربع نسوة (^١)، وعندنا امرأتان، وقد نحلونا ذلك، قلنا لهم: ليس الأمر على ما ظننتم، نحن إنما نُجِيْز شهادة المرأة على الاستهلال الذي يوجب الأموال لا هلال المُسْتَهِلِ، فأما الولادة فإن القول قول المرأة إذا علم الحمل، وفي الحيض إذا حاضت بما يشبه كونه؛ لقول الله ﷿: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ (^٢) فذلك مَوكُول إلى أمانتهن ومقبول فيه قولهن.\nوقول العراقي: واحدة، خطأ (^٣)؛ لأن الله ﵎ لم يرض واحدة، وذكر العلة فقال عز من قائل: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (^٤).\nوأما قول الشافعي في الأربع (^٥) فغلط؛ لأنه لا اختلاف أنهن لو كن أربعا وأربعمائة - على شهادة بدرهم - لَكُنّ بمعنى امرأتين يزاد معهن بيان آخر، فلما كُنّ فيما\n_________\n(^١) ينظر: الأم (٧/ ٤٨ - ١٣١) والمهذب (٢/ ٤٢٦).\n(^٢) سورة البقرة (٢٢٨).\n(^٣) ذهب الأحناف إلى أن ما لا يطلع عليه الرجل، تجوز فيه شهادة امرأة واحدة، قال في بدائع الصنائع (٦/ ٢٧٧): \"وأما فيما لا يطلع عليه الرجال: كالولادة، والعيوب الباطنة في النساء، فالعدد فيه ليس بشرط عندنا، فتقبل فيه شهادة امرأة واحدة\" وينظر: - أيضا - المبسوط (٦/ ٤٩).\n(^٤) سورة البقرة (٢٨٢).\n(^٥) ذهب الشافعي ﵀ إلى أنه لا بد من أربع نسوة، يقمن مقام رجلين، فيما تجوز فيه شهادة النساء، والأصل في ذلك - عنده - أن الله تعالى جعل شهادة امرأتين، تقوم مقام شهادة رجل واحد، قال في الأم (٦/ ٢٤٩): \" فإذا أجاز المسلمون شهادة النساء فيما يغيب عن الرجال، لم يجز - والله أعلم - أن يجيزوها إلا على أصل حكم الله ﷿ في الشهادات، فيجعلون كل امرأتين يقومان مقام رجل، وإذا فعلوا لم يجز إلا أربع، وهكذا المعنى في كتاب الله - عز ذكره ـ\".","vol":"1","page":1650},{"text":"سمى الله ﷿ شهادتهن فيه بهذه الحال، كُنّ فيما عداه أولى، وإنما نقبلهن في الاستهلال؛ لأنه الموضع الذي لا يحضره غيرهن، والله أعلم.\nوأما جراح الخطأ؛ فإن مالكا وسائر التابعين، أجازوا فيه شهادة النساء؛ لأنه مال، والله أعلم (^١).\nوقد ذكر بعض الناس في اليمين مع الشاهد، أن مالكا وغيره أرسلوه عن جعفر بن محمد، وأن عبد الوهاب وحده وصله (^٢)، وليس يرفع عبد الوهاب\nعن ثقة وضبط (^٣)، ألا ترى أن محمد بن علي (^٤) بفضله وضبطه، كيف فَصَل في حديث عبد الوهاب بين حكم النبي - ﷺ - وبين حكم علي - ﵁ -، فجعل من ذلك من جابر،\n_________\n(^١) ينظر: المدونة (١٣/ ١٦١) والكافي لابن عبد البر ص ٤٦٩.\n(^٢) يشير إلى حديث: (أن النبي - ﷺ - قضى باليمين مع الشاهد في الأموال) وقد تقدم تخريجه قريبا.\nوهذا الحديث قد رده الأحناف للعلة التي نقلها المؤلف عنهم، وقد أجاب عنها من وجهين:\nالأول: تصحيح رفع عبد الوهاب للحديث، وقد حكم بصحته - أيضا - البيهقي [١٠/ ١٧٠ كتاب الشهادات، باب القضاء باليمين مع الشاهد] ويشهد لضبط عبد الوهاب وصواب رفعه أنه لم ينفرد برفعه، قال البيهقي - الإحالة السابقة - بعد أن ذكر أن عبد الوهاب وصله: \" وروي عن حميد ابن الأسود، وعبد الله العمري، وهشام بن سعد، وغيرهم، عن جعفر بن محمد - كذلك - موصولا\".\nثانيا: استدل المؤلف ﵀ لصحة رفع الأثر، بأنه روي من أوجه أخرى، مرفوعا إلى النبي - ﷺ - كالذي رواه أبو هريرة، وابن عباس - ﵃ -.\nوقد تكلم الجصاص في أحكام القرآن (٢/ ٢٥١) عن مسألة القضاء باليمين مع الشاهد، وبسط القول فيها، وأجاب عن استدلال من أخذ بحديث: (اليمين مع الشاهد) وأورد عليه وجوها من الاعتراضات.\n(^٣) ينظر نحو هذا فيما حكاه الطحاوي في مشكل الآثار (٤/ ١٤٥) والجصاص في أحكام القرآن (٢/ ٢٥٢).\n(^٤) هو: الباقر، تقدم.","vol":"1","page":1651},{"text":"وجعل حكم علي من قوله (^١)، وقد رواه سهيل (^٢) عن أبيه، عن\nأبي هريرة ووصله (^٣)، ورواه عمرو بن دينار، عن ابن عباس، عن\n\nالنبي - ﷺ - (^٤)، ورواه عن عمرو، محمد بن مسلم الطائفي (^٥) (^٦)، وقيس بن سعد (^٧).\nوزعم الطحاوي في حكاية ذكرها، أن سهيلا (^٨) سئل عن الحديث فلم يعرفه (^٩)، وقد رواه عنه ربيعة (^١٠)، وربيعة من الضبط والدين والفقه بحيث لا يلحقه في رواياته ظن،\n_________\n(^١) يُبَين ذلك رواية البيهقي [١٠/ ١٧٠ كتاب الشهادات، باب القضاء باليمين مع الشاهد] قال: ثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد، ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله: (أن رسول الله - ﷺ - قضى باليمين مع الشاهد) زاد الحنظلي في روايته: الواحد، قال: وقال أبي: وقضى به علي - ﵁ - بالعراق.\n(^٢) هو: سهيل بن أبي صالح ذكوان السمان، أبو يزيد المدني، قال ابن حجر: صدوق تغير حفظه بآخره، روى له البخاري مقرونا وتعليقا، توفي سنة ١٤٠ هـ. ينظر: الكاشف (١/ ٣٢٧) وتقريب التهذيب ص ٤٢١.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه [٢٣٦٨ كتاب، باب القضاء بالشاهد واليمين] وأبو داود [٣/ ٣٠٢ كتاب الأقضية، باب القضاء باليمين مع الشاهد] والترمذي [٣/ ٦٩ كتاب الحكام، باب ما جاء في اليمين مع الشاهد] وقال: حسن غريب، وابن حبان [١١/ ٤٦٢ كتاب الكفالة، ذكر ما يحكم لمن ليس له شاهد] والبيهقي [١٠/ ١٦٨ كتاب الشهادات، باب القضاء باليمين مع الشاهد].\n(^٤) أخرجه أبو داود [٣/ ٣٠١ كتاب الأقضية، باب القضاء باليمين مع الشاهد] من طريق محمد بن مسلم، وقيس بن سعد عن عمرو بن دينار، به.\nوأخرجه مسلم [٣/ ١٠٧٨ كتاب الأقضية] من طريق قيس بن سعد.\n(^٥) هو: محمد بن مسلم بن سوسن وقيل: سنين الطائفي المكي، روى له مسلم في المتابعات، وقال ابن معين: ثقة لا بأس به ... وكان إذا حدث من حفظه يخطئ، وإذا حدث من كتابه فليس به بأس، مات قبل التسعين. ينظر: تهذيب التهذيب (٥/ ٢٦٥).\n(^٦) (لوحة رقم [٢/ ٢٩٠].\n(^٧) هو: قيس بن سعد المكي الحبشي، مولى نافع بن علقمة، أبو عبد الملك، ويقال: أبو عبد الله، قال العجلي: مكي ثقة، توفي سنة ١١٧ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٢٧) وتهذيب التهذيب (٤/ ٥٤٣).\n(^٨) هو: سهيل بن أبي صالح، تقدم.\n(^٩) أخرجه في شرح معاني الآثار (٤/ ١٤٤) قال عند حكاية قول الدراوردي: \" قال عبد العزيز: فلقيت سهيلا، فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه \" وكذا أخرجه أبو داود [٣/ ٣٠٢ كتاب الأقضية، باب القضاء باليمين والشاهد]ـ وفيه - قال: فذكرت ذلك لسهيل، فقال: أخبرني ربيعة - وهو عندي ثقة - أني حدثته إياه ولا أحفظه، قال عبد العزيز: وقد كان أصابت سهيلا علة أذهبت بعض عقله ونسي بعض حديثه، فكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه\".\n(^١٠) هو: ربيعة بن أبي عبد الرحمن، تقدم.","vol":"1","page":1652},{"text":"وقد يجوز أن يكون سهيل حدث به ثم نسيه (^١)، فقد حدث سفيان بن عيينة وغيره بأشياء ثم ذهبت عنهم، فقال ابن عيينة: حدثني أبو معاوية الضرير (^٢) عني (^٣)، وقد ذكر ربيعة لسهيل الحديث فحدث به سهيل بعد ذلك عنه عن نفسه (^٤)، قال الدراوندي (^٥):\n_________\n(^١) سيذكر المؤلف قريبا ما يدل على هذا.\n(^٢) هو: محمد بن خازم التيمي مولاهم، أبو معاوية الضرير الكوفي، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث يدلس، توفي سنة ١٩٥ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٧٤) وتهذيب التهذيب (٥/ ٨٣).\n(^٣) مسألة نسيان الراوي لما رواه، بعد أن كان حدث به، مما وقع خلاف بين أهل العلم في العمل به، قال الخطيب في الكفاية في علم الرواية (١/ ٣٨٠): \" وقد اختلف الناس في العمل بمثل هذا وشبهه، فقال أهل الحديث وعامة الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما وجمهور المتكلمين أن: العمل به واجب، إذا كان سامعه حافظا، والناسي له بعد روايته عدلا، وهو القول الصحيح، وزعم المتأخرون من أصحاب أبي حنيفة، أنه لا يجب قبول الخبر على هذا السبيل ولا العمل به \".\n(^٤) يشهد لهذا ما جاء عند أبي داود [٣/ ٣٠٢ كتاب الأقضية، باب القضاء باليمين والشاهد] قال بعد ذكر الشاهد مع اليمين: \" وزادني الربيع بن سليمان المؤذن في هذا الحديث، قال أخبرني الشافعي، عن عبد العزيز، قال: فذكرت ذلك لسهيل، فقال: أخبرني ربيعة - وهو عندي ثقة - أني حدثته إياه، ولا أحفظه، قال عبد العزيز: وقد كان أصابت سهيلا علة أذهبت بعض عقله ونسي بعض حديثه، فكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعة، عنه عن أبيه\"، ونحو هذا ذكر البيهقي [١٠/ ١٦٨ كتاب الشهادات، باب القضاء باليمين مع الشاهد].\n(^٥) كذا في الأصل: الدراوندي، وهو تحريف، وصوابه: الدراوردي، وسيأتي على الصواب في أثاء كلامه عن الآية الآتية ص: ٧٤٥، وهو كذلك في المصادر التي أخرجت الحديث، وترجمت له.\nوهو: عبد العزيز بن محمد الدراوردي نسبة إلى قرية في خرسان، أبو محمد المدني، مولى جهينة، قال ابن سعد: كان كثير الحديث يغلط، توفي بالمدينة ١٨٧ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٠١) وتهذيب التهذيب (٣/ ٤٤٧).","vol":"1","page":1653},{"text":"أخبرني ربيعة، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة: ﴿أن رسول الله - ﷺ - قضي باليمين مع الشاهد﴾ (^١) قال علي بن المديني، وحدثني بعض أصحابنا عن أبي - يعني أباه عبد الله بن جعفر - عن سهيل قال: أخبرني ربيعة، عني، عن أبي هريرة بهذا الحديث، والباب يطول، إنما ذكرت ما ذكرت لمعارضة جرت، ونسأل الله التوفيق برحمته.\nوليس يجوز أن يُعَارَض ما وصفنا من الحكم باليمين مع الشاهد، بالأحاديث المجملة، إذ المفسر يقضي على المجمل، مع ما ينضاف إليه من بيان خفي القرآن، والله أعلم.\nقال الله ﵎: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ إلى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (^٢).\nروى مالك في الموطأ عن يحي بن سعيد، عن يزيد (^٣) بن عبد الله بن قُسَيْط الليثي (^٤)، عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر بن الخطاب: أيما امرأة طُلِّقَت\n_________\n(^١) تقدم تخريجه من حديث أبي هريرة - ﵁ - قريبا.\nومما يحسن ذكره أن الخطيب البغدادي في الكفاية في علم الرواية (١/ ٣٨١) أخرج هذا الحديث بسنده من طريق القاضي إسماعيل بن إسحاق صاحب أصل هذا المخطوط، قال: وأما حديث سهيل، فأخبرناه الحسن بن أبي بكر، قال: أنا أبو سهل بن زياد القطان، قال: ثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: ثنا يحيى الحماني قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، وسليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، به.\n(^٢) سورة الطلاق (٤).\n(^٣) كذا في الأصل: عن يزيد، بدون واو العطف، والصواب إثبات واو العطف قبله، أي: وعن زيد، وقد جاء على الصواب في نفس الموطأ (٢/ ٤٥٥) ومما يدل على ذلك - أيضا - ثلاثة أمور:\nالأول: أن يزيد بن عبد الله في عداد شيوخ مالك، وقد صح سماعه منه، كما في التهذيب (٦/ ٢١٠).\nالثاني: أن يحي بن سعيد في طبقة يزيد بن عبد الله، ولم يُذكر أنه أخذ عن يزيد بن عبد الله.\nالثالث: أن يحيى بن سعيد قد صح سماعه من سعيد بن جبير، فقد أخرج ابن أبي شيبة [٤/ ١٦٧ كتاب الطلاق، ما قالوا في الرجل يطلق امرأته فترتفع حيضتها] هذا الأثر من طريقه عن سعيد بن جبير، به.\n(^٤) هو: يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط الليثي، أبو عبد الله المدني، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، توفي بالمدينة سنة ١٢٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٢٥٢) وتهذيب التهذيب (٦/ ٢١٠).","vol":"1","page":1654},{"text":"فحاضت حيضة أو حيضتين، ثم رفعتها حيضتها، فأنها تنتظر تسعة أشهر، فإن بان بها حمل فذاك، وإلا اعتدت بعد التسعة ثلاثة أشهر ثم حلت (^١)، وقاله الحسن والزهري ومالك (^٢).\nواليأس والقنوط والظن بعضه أقوى من بعض (^٣)، وكذلك الرجاء، وهذا يتسع الكلام فيه، فإذا قيل منه شيء أُنزل على قدر ما يظهر من المعنى فيه، فمن ذلك أن الإنسان قد يقول: قد يئست من مريضي، إذا كان الأغلب عنده أنه لا يبرأ، وكذلك يئست من غائبي إذا كان الأغلب عنده أنه لا يقدم، ولو قال إذا مات غائبه أو مات مريضه: قد يئست منه، لكان الكلام عند الناس جرى على غير وجهه، إلا أن يتبين معنى ما قصد له في كلامه، إلا أن يريد أن هذا اليأس أورثه الصبر والتسليم، والأغلب في كلام الناس في ذكر اليأس ما قدمنا ذكره، وقال الله ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ (^٤) والقنوط واليأس سواء، وليس يعلمون يقينا أن المطر لا\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ [٢/ ٤٥٥ كتاب الطلاق، باب جامع عدة الطلاق] عن يحي بن سعيد، ويزيد بن عبد الله، به.\n(^٢) أخرجه عنهم الدارمي [١/ ٢٤١ كتاب الطهارة، باب اختلط على المرأة أيام حيضتها] وقول مالك - أيضا - هو في موطئه [٢/ ٤٥٥ كتاب الطلاق، باب جامع عدة الطلاق].\n(^٣) ينظر: مفردات الراغب، مادة: ظن، قنط، يأس.\n(^٤) سورة الشورى (٢٨).","vol":"1","page":1655},{"text":"يكون، وقد قال ﷿: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ (^١) وقال ﷿: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ (^٢) فأخبر (^٣) تبارك اسمه عن طمع الإنسان ويأسه الذي ليس بيقين.\nوقال ﷿: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (^٤) دخل قلوب الرسل اليأس من غير يقين استيقنوه؛ لأن اليقين يأتيهم من قبل الله تعالى، كما قيل في قصة نوح - ﵇ -: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ (^٥) فكان اليأس الذي وقع للرسل، وظن قومهم أنهم قد كَذَبُوا - مخففة - أيس الرسل من قومهم أن يؤمنوا، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا ما جاءوهم به، جاءهم نصر الله عند ذلك، وقد قرأها قوم ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ ثقيلة مشددة (^٦)، ومعناها: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يؤمنوا، ﴿وَظَنُّوا﴾ هاهنا ظن الرسل أن قومهم قد قاموا على تكذيبهم، هذا معناه على هذه القراءة عندي - والله أعلم - وهذه\n_________\n(^١) سورة فصلت (٤٩)\n(^٢) سورة هود (٩ - ١٠).\n(^٣) (لوحة رقم [٢/ ٢٩١].\n(^٤) سورة يوسف (١١٠).\n(^٥) سورة هود (٣٦).\n(^٦) قرأ بالتخفيف عاصم وحمزة والكسائي، وقرأ الباقون بالتشديد. ينظر: السبعة لابن مجاهد (أكمل) والتيسير للداني ص ١٣٠.","vol":"1","page":1656},{"text":"القراءة أبين وأصح مخرجا، وهي قراءة نافع (^١) وأهل المدينة (^٢)، وكلا القراءتين تدل على أن اليأس ليس بيقين (^٣).\n_________\n(^١) هو: نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي مولاهم أبو رويم، وقيل: أبو الحسن، أحد الأئمة السبعة، قرأ على سبعين من التابعين، وأقرأ الناس دهرا طويلا، وكان صاحب دعابة وطيب أخلاق توفي سنة ١٦٩ هـ. ينظر: معرفة القراء الكبار (١/ ١٠٦).\n(^٢) قال سعيد بن منصور: سمعت مالكا يقول: قراءة أهل المدينة سنة، قيل له: قراءة نافع؟ قال نعم. ولما قدم الليث بن سعد المدينة وجد نافعا إمام الناس في القراءة لا ينازع. ينظر: معرفة القراء الكبار (١/ ١٠٧).\n(^٣) أي: سواء كان الظن من قِبل القوم، أو من قِبل الرسل، فإن كان من قِبل القوم - على قراءة التخفيف - فظنهم ليس بيقين؛ لأنهم لم يستيقنوا كَذِبَ الرسل، وإنما يظنون ذلك ظنا، وإن كان من قبل الرسل على قراءة التشديد، فظنهم ليس بيقين - على ما ذكر المؤلف - وعلله بقوله: لأن اليقين يأتي من قبل الله تعالى.\nومعنى القراءتين والمراد بالظن وإلى من يعود، اختلف السلف ﵏ فيه:\nفاختار المؤلف أن الظن في قراءة التشديد يعود إلى الرسل، والمعنى: ظن الرسل أن قومهم كذبوهم، وجعل: الظن - هنا - على بابه، وذهب الحسن وعطاء وقتادة، إلى أن الظن - هنا - بمعنى اليقين، ويقوي قولهم، ظاهر السياق؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ والاستيئاس أبلغ من اليأس في الدلالة على المعنى، مع أن لفظ اليأس قوي الدلالة على قطع الطمع والرجاء، ولا يكون هذا إلا إذا بلغ به اليأس حد اليقين، حتى قطع رجاءه وطمعه، ثم إن سياق الآيات في الدلالة على تنزل النصر بعد شدة البلاء، وعِظَم الكرب، فحمل الظن هنا على معنى اليقين أولى به.\nويحتمل - أيضا - على هذه القراءة؛ أن الرسل ظنوا أن أتباعهم من المؤمنين داخلهم الشك، وكذبوهم فيما وعدوهم به، من النصر على عدوهم، والظن - هنا - على بابه.\nأما قراءة التخفيف، فالظن فيها يحتمل: أنه من الرسل، والمعنى عليه: ظن الرسل لشدة البلاء وتأخر النصر، أنهم كُذبوا فيما وعِدُوا به من النصر على أعدائهم، وهو يروى عن ابن مسعود، وابن عباس - ﵁ - وابن جبير، وقد رده كثير من المفسرين؛ لأن هذا الظن حقيقته الجهل بالله تعالى، والرسل منزهون عن ذلك، وهم أعرف الناس بما يجب له تعالى، قال ابن جرير في تفسير (٧/ ٣٢١): \" والرسل إن جاز أن يرتابوا بوعد الله إياهم، ويشكوا في حقيقة خبره، مع معاينتهم من حجج الله وأدلته ما لا يعاينه المرسل إليهم، فيعذروا في ذلك، أن المرسل إليهم لأولى في ذلك منهم بالعذر .. \" وبعض المفسرين وجه هذا القول بأن الظن هنا كالخاطر على النفس دون تحقق. =","vol":"1","page":1657},{"text":"وأما قوله: ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ (^١) وهذا معناه على ما قال ابن عباس وغيره؛ من الآخرة ومن البعث؛ لأنهم كانوا غير متيقنين بعود الموتى وأمر البعث، وهذا فيمن يقول بالدهر من الكفار، وهذا - أيضا - ليس بيقين؛ لأنهم قالوا: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (^٢) قال الله ﷿: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (^٣) فأعلمنا ﵎ أن جحدهم بالآخرة إنما هو ظن يظنونه.\nوقال ﷿ في قصة يوسف - ﵇ -: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ (^٤) ويأسهم ليس بيقين.\nوكان عمر - ﵁ - يقول في خطبته: أيها الناس إن الطمع فقر، وإن اليأس غنى، وإن المرء إذا يئس من شيء استغنى عنه (^٥)، فجعل عمر ﵀ اليأس بإزاء الطمع،\n_________\n= وروي عن عائشة ﵂ وجه آخر، قالت: ظن الرسل أن المؤمنين بهم لما تأخر النصر، قد كَذَّبُوهم وبما وعدوهم به من النصر، والظن هنا على بابه.\nويحتمل أن يكون الظن من القوم، والمعنى: أن القوم ظنوا أن الرسل كذبوهم فيما جاؤوا به من الدين، أو فيما وعدوهم به من العذاب، وهو اختيار المؤلف، وقال به ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وابن زيد، والضحاك، واختاره ابن جرير في تفسيره، والظن فيه على بابه على ما قرره المؤلف ﵀.\nينظر: تفسير الطبري (٧/ ٣١٩) وحجة القراءات لابن زنجلة ص ٣٦٦ والكشف لمكي بن أبي طالب (٢/ ١٧) والكشاف للزمخشري (٢/ ٢٧٧) والمحرر الوجيز (٣/ ٢٦٩) وتفسير ابن كثير (٢/ ٧٦٨) وروح المعاني (٨/ ٩٩).\n(^١) سورة الممتحنة (١٣).\n(^٢) سورة الجاثية (٢٤).\n(^٣) سورة الجاثية (٢٤).\n(^٤) سورة يوسف (٨٠).\n(^٥) أورده في الدر المنثور (٢/ ١٠١) بنحوه، وعزاه لابن المنذر.","vol":"1","page":1658},{"text":"وقال إسماعيل (^١): سمعت أحمد بن المعذل (^٢) ينشد شعر الرجل من القدماء يصف ناقة (^٣) فقال:\nصفراء من تَلْدِ (^٤) بني العباس\nضربها كالضبي في الكِنَاس (^٥)\nفالنفس بين طمع واياس (^٦)\nفجعل الشاعر اليأس بإزاء الطمع.\nفرجعنا إلى قوله ﷿: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ (^٧) فذكر اليأس مع الريبة، ثم جاء عن عمر بن الخطاب ﵀ لفظ موافق للقرآن، وحكم موافق، قال: أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين، ثم رفعتها حيضتها لا تدري لم رفعتها، فإنها تنتظر تسعة أشهر، ثم تعتد بثلاثة أشهر (^٨)، فلما كانت لا تدري ما رفعتها كان موضع الارتياب، فحكم فيها بهذا الحكم.\nوكان اتباع ذلك ألزم وأولى، من قول من يقول: أن من هذه صفتها تعتد ثلاثين سنة (^٩)، وإن جاءت بولد لم يلحقه إذا ولدته لأكثر من سنتين (^١٠)،\n_________\n(^١) هو: ابن إسحاق القاضي، تقدم.\n(^٢) هو: أحمد بن المعذل بن غيلان بن حكم العبدي، أبو عبد الله البصري، شيخ المالكية بالعراق، كان فقيها عابدا. ينظر: الديباج المذهب ص ٣٠، وسير أعلام النبلاء (١١/ ٥١٩).\n(^٣) لم أعرف قائله.\n(^٤) قال في اللسان مادة: تلد: \" التالد المال القديم الأصلي، الذي ولد عندك، وهو نقيض الطارف \".\n(^٥) قال في اللسان مادة: كنس: \"المَكْنِس مَوْلِج الوحش من الظباء والبقر، تستكن فيه من الحر، وهو الكِنَاسُ، والجمع أَكْنِسَة وكُنُس، وهو من ذلك؛ لأنها تَكْنُس الرمل حتى تصل إلى الثرى الكناس \".\n(^٦) كذا في الأصل، ولا يستقيم وزنه، وصوابه: وياس، بتسهيل الهمز.\n(^٧) سورة الطلاق (٤).\n(^٨) تقدم تخريجه في أول كلامه المؤلف ﵀ عن هذه الآية.\n(^٩) هذا من باب إلزام المخالف بما يلزم على قوله؛ لأن الأحناف والشافعية يقولون بأنها تنتظر حتى تبلغ سن اليأس وإن طالت المدة. ينظر: اختلاف العلماء للمروزي (١/ ١٧٠) وأحكام القرآن للجصاص (٥/ ٣٥٢)\n(^١٠) ذهب الأحناف إلى أن أكثر الحمل لا يزيد عن سنتين. ينظر: المبسوط (٦/ ٤٥) والهداية شرح البداية (٢/ ٣٤).","vol":"1","page":1659},{"text":"والشافعي يقول مثل ذلك، ويقول: لا يلحق به إذا جاءت به لأكثر من أربع سنين (^١)، فخالفوا جميع السلف؛ لأن كل من مضى يقول: إن الولد يلحق بالأب ما دامت المرأة في عدتها، وكيف يجوز أن يقول قائل: إن المرأة يطلقها زوجها تطليقه أو تطليقتين (^٢) ويكون بينها وبين زوجها أحكام الزوجات مادامت في عدتها، من الوِرَاثَة وغيرها، فإن جاءت بولد لم يلحقه (^٣)، وإنما جُعِلَت عدة الطلاق من أجل الدخول الذي يكون منه الولد، قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (^٤) فأُسْقِطَت العدة في الطلاق إذا لم يكن دخول، فكيف تكون المرأة معتدة والولد لا يلزم.\nفإن ذكر عدة المتوفى عنها وأنها ثابتة على كل حال دخل أو لم يدخل، قيل له: هذا عبادة وعلة؛ لأن فيهن من لا يكون الحمل منه، ولم يكن للحمل حد ينتهي إليه، وكان المتوفى لو كان حيا فادعى الدخول ألزمته العدة، استوفى له ما لو كان حيا، فادعاؤه عمل فيه على قوله، ودخلت التي لا يجوز فيها الحمل بالعبادة لعدم الحد، كما\n_________\n(^١) ذهب الشافعية إلى أن أكثر الحمل لا يزيد عن أربع سنين. ينظر: الأم (٥/ ٢١٢) ومغني المحتاج (٣/ ٢٨).\n(^٢) (لوحة رقم [٢/ ٢٩٢].\n(^٣) لأن الشافعي قال: أكثر الحمل أربع سنين، ومع هذا يقول بأنها تتربص العدة وإن جاوزت أربع سنين.\n(^٤) سورة الأحزاب (٤٩).","vol":"1","page":1660},{"text":"كان تحريم الخمر من أجل أنها تسكر، وحرم القليل الذي لا يسكر، وأُدخل في معنى الكثير، والمطلقة فالرجل حي يقول: لم أدخل، وتقول هي: كذلك، ويجوز أن يعلم ذلك من غير جهتها، فأوجب الله حيث يكون الدخول من أجل الولد، وأسقطها حيث لا دخول وأباحها الأزواج، فعلم أن ذلك عبادة لعلة وأن أمر المتوفى عبادة وعلة، وليس ما كان عبادة لعلة يُشَبْه بما كان عبادة وعلة، وجب استيفاء ذلك للمتوفى، ألا ترى أنه لو شهد شاهدان على رجل بمال، لم يجز للحاكم أن يستحلف صاحب الحق على ذلك مع شاهديه، ولو قامت الشهادة على ميت لم يَحْكم بها الحاكم حتى يستحلف المشهود له على كل الوجوه، التي لو كان الميت باقيا فادعاها كان له ذلك، طلب الورثة ذلك أو لم يطلبوه، ولو أقروا بالمال عند الحاكم - أيضا - وأرادوا القضاء بحكم الحاكم، لم يحكم به حتى يستحلف؛ لأنه يحتاج أن يستوفي حقوق الميت؛ لأنه لا يأمن أن يأتي وارث يشارك هؤلاء الورثة، أو يأتي من هو أولى منهم، أو يأتي غريم آخر يستحق محاصة هذا الغريم فيما أخذ، فكل من جاء من هؤلاء قال للحاكم لو لم تستقص قبل أن تحكم، فلذلك وجب في المتوفى ما لم يجب للحاضر، ولذلك لم يجب استيفاء عدة المتوفى عنها.\nفإن قيل: فالصغيرة؟ قلنا: الأصل عبادة وتعبد، وقد يجوز أن يكون الله ﷿ لما كان النشوء يختلف، فمنهن من يكون له خمس عشرة سنة دميمة، وابنة ثمان وتسع حسنة النشوء، ولم يكن للحمل حد، وجب أن لا يقع تمييز، ويدخل الجميع في الإيجاب، وجعل الباب بابا واحدا، ولم يوكل ذلك إلى حد، ولا مدخل للحاكم في العدد، وهي مردودة إلى أمانات الناس، فاستظهر الله للميت لعدمه بالإيجاب على الكل.","vol":"1","page":1661},{"text":"وأما حديث عباد (^١) بن منقذ وتوريث امرأته منه بعد سنة (^٢)، فإنها امرأة قد علمت ما الذي رفع حيضتها؛ لأن الرضاع رفع (^٣) الحيض، فلما قطعت الرضاع عاد الحيض، وليست موئسة؛ لأن الموئسة (^٤) هي التي لا تدري سبب ارتفاع الحيض، ولو كانت امرأة طُلِّقَت وهي مريضة وهي شابة، كان الظاهر أن العلة رفعت الحيضة، فوجب أن ينتظر بُرْؤها، فإن عاد حيضها وإلا كانت حينئذ مرتابة، وانتظرت ما حكم به عمر - رحمة الله عليه - فإن تطاول مرضها صارت مثل الصحيحة؛ لأن المرض إذا تطاول التطاول الشديد، جرى أمر صاحبه مجرى الصحة، وجازت أفعاله في ماله كله، وفي طلاقه ونكاحه، وإنما يكون هذا في مثل الفَالِج (^٥) والسُّلُّ (^٦) والربع (^٧)، ألا ترى أن\n_________\n(^١) كذا في الأصل، وهو تحريف، وصوابه: حِبّان بن منقذ،، وسيذكره قريبا على الصواب، وهو كذلك في المصادر التي أخرجت الأثر.\n(^٢) أخرجه مالك [٢/ ٤٤٨ كتاب الطلاق، باب طلاق المريض] والشافعي في مسنده ص ٢٩٧ وعبد الرزاق [٦/ ٣٤١ كتاب الطلاق، باب تعتد أقراءها ما كانت] وابن أبي شيبة [٤/ ١٦٨ كتاب الطلاق، ما قالوا في الرجل يطلق امرأته] والبيهقي [٧/ ٤١٩ كتاب العدد، باب عدة من تباعد حيضها] ومن أجمع ألفاظه وأدلها على مراد المؤلف، ما جاء عند الشافعي، وعبد الرزاق والبيهقي، ولفظه: أن رجلا من الأنصار يقال له: حبان بن منقذ، طلق امرأته - وهو صحيح - وهي ترضع ابنته فمكثت سبعة عشر شهرا لا تحيض، يمنعها الرضاع أن تحيض، ثم مرض حبان بعد أن طلقها سبعة أشهر أو ثمانية، فقيل له: إن امرأتك تريد أن ترث، فقال لأهله: احملوني إلى عثمان - ﵁ - فحملوه إليه فذكر له شأن امرأته، وعنده علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت ﵄، فقال لهما عثمان - ﵁ -: ما تريان؟ فقالا: نرى أنها ترثه إن مات، ويرثها إن ماتت، فإنها ليست من القواعد اللاتي قد يئسن من المحيض، وليست من الأبكار اللاتي لم يبلغن المحيض، ثم هي على عدة حيضها ما كان من قليل أو كثير، فرجع حبان إلى أهله فأخذ ابنته، فلما فقدت الرضاع حاضت حيضة، ثم حاضت حيضة أخرى، ثم توفي حبان قبل أن تحيض الثالثة، فاعتدت عدة المتوفى عنها زوجها وورثت.\n(^٣) (لوحة رقم [٢/ ٢٩٣].\n(^٥) قال في اللسان مادة: فلج: \" هو داء معروف يُرَخِّي بعض البدن \".\n(^٦) قال في تهذيب اللغة: مادة سل: \" داء يهزل ويضني ويقتل \".\n(^٧) كذا في الأصل، ولم أقف له على معنى، وفي لسان العرب، مادة: ربع، قال: الرّوْبَع داء يصيب المفاصل \".","vol":"1","page":1662},{"text":"حِبّان بن منقذ لما أخذ ابنه منها حاضت حيضتين قبل موته، ثم توفي فاعتدت عدة الوفاة؛ لأنه كان طلقها طلاق السنة، فَوَرّثَها عثمان وعلي وزيد بن ثابت منه بإجماع رأيهم (^١).\nوالمرتابة عندنا إذا انقضت السنة، فارتابت صبرت، وكلما ارتابت صبرت،\nإلى أكثر أجل الحمل (^٢)، والريبة: أن تظن حملا أو ترى حركة، فإذا انقضت مدة الحمل وأكثره فلا عدة، وعُلِم أن ذلك ريح اعترضت فلا عدة ولا حمل، وقد تكون المرأة التي تحيض في الشهور، وتكون المرأة التي تحيض في كل سنة مرة (^٣)، فهذه تعتد بالحيض لمعرفتها بذلك.\nوأما اليائسة بالكبر حتى لا يقع إشكال في ذلك فعدتها بالشهور، وكذلك الصغيرة، وحيث تقع الريبة فالاستظهار مما يلحق فيه الولد دون ما يلحق فيه الولد، وقد حدثنا أبو الغبان الأصمعي (^٤) قال: العجم لا يحضن بعد الخمسين، والعرب وقريش يحضن إلى الستين وبعدها، وذكرها يونس بن حبيب (^٥) وأنه وَجَدَه في الناس (^٦)،\n_________\n(^١) تقدم قريبا في أول ذكره لخبر حبان بن منقذ سياق لفظ الأثر بتمامه.\n(^٢) اختلفت الروايات في المذهب المالكي في تحديد أكثر أجل الحمل، وأشهرها أنه خمس سنين. ينظر: النوادر والزيادات (٥/ ٢٦) وأحكام القرآن لابن العربي (٤/ ٢٧٣) والتاج والإكليل (٤/ ١٤٩).\n(^٣) يشهد لهذا ما أورده النووي في المجموع (٢/ ٣٧٨) قال: \" وحكى القاضي أبو الطيب؛ أن امرأة كانت في زمنه، تحيض في كل سنة يوما وليلة، وهي صحيحة تحبل وتلد \".\n(^٤) لم أقف له على ترجمة.\n(^٥) هو: يونس بن حبيب الضبي مولاهم، أبو عبد الرحمن البصري، إمام النحو، أخذ عن أبي عمرو بن العلاء، وعنه سيبوية والفراء وآخرون. توفي سنة ١٨٣ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ١٩١) طبقات المفسرين (٢/ ٣٨٥).\n(^٦) ومثل هذا القول روي عن الإمام أحمد. ينظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٧٥).","vol":"1","page":1663},{"text":"والله أعلم بصحة ذلك، وقال أبو عبيدة: إن نساء العرب يحملن إلى الستين وقريش إلى السبعين (^١).\nقال الله ﵎: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (^٢).\nقد ذكرنا هذه الآية والحجة فيها في سورة البقرة (^٣).\nقال الله ﷿: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (^٤) وقال في آخر السورة (^٥): ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (^٦).\nجاء في التفسير ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ أنه الرجعة (^٧)، والطلاق الذي يكون فيه الرجعة، وهذه إلى أن تنقضي عدتها زوجة، أحكامها أحكام الزوجات،\n_________\n(^١) ينظر: النسب للزبير بن بكار ص ٥٤ وذكر ابن قدامة في الكافي (٣/ ٣٠٦) نحوه غير منسوب، وهذا المروي عن بعض السلف في التفريق بين نساء العرب ونساء العجم، في أكثر ما تبلغه المرأة قبل سن اليأس، لا دليل عليه إلا وقائع رويت عن بعض النساء استمر معهن الحيض بعد الخمسين أو الستين، ومثل هذه الوقائع حوادث عين لا يبنى عليها حكم عام، لأنها لم تقم على استقراء وتتبع، قال ابن قدامة في المغني (١/ ٣٦٤) والصحيح أنه لا فرق بين نساء العرب وغيرهن؛ لأنهن لا يختلفن في سائر الأحكام، فكذلك في هذا، وما ذكر عن عائشة لا حجة فيه؛ لأن وجود الحيض أمر حقيقي، المرجع فيه إلى الوجود، والوجود لا علم لها به.\" وفي الطب الحديث لا أثر لمثل هذا.\n(^٢) سورة الطلاق (٤).\n(^٣) عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ آية: ٢٣٤ لوحة رقم: ٥٥.\n(^٤) سورة الطلاق (٦).\n(^٥) قوله: وقال في آخر السورة، الظاهر أنه سبق قلم، فهذه الآية هي أول آية في السورة الكريمة.\n(^٦) سورة الطلاق (١).\n(^٧) ممن فسرها بالرجعة: قتادة، والضحاك، والسدي، وابن عيينة. ينظر: تفسير الطبري (١٢/ ١٢٧).","vol":"1","page":1664},{"text":"في الموارثة وغيرها، إلا أنه ليس له أن يطأ حتى يرتجع، ولما قيل: لا تخرجوهن ولا يخرجن، علم أنه كان لها أن تخرج قبل الطلاق بإذنه، ولها أن تنتقل بأمره، فلما حدث الطلاق وجبت الإقامة، ولم يجز اصطلاحهما على النقلة، كما يجوز قبل الطلاق (^١) ولم يكن لها إسقاط ذلك إذا حدث الطلاق، ويجوز لها إسقاط النفقة وإن كانت واجبة؛ لأن النفقة من حقوقها، والسكنى من حقوق الحمل، لا من أجل أنها على بقية الزوجية، ودلنا ما وصفنا على أنه ينبغي أن تجرى المبتوتة (^٢) هذا المجرى إذا كانت أيضا معتدة؛ لأن ظاهر العدة والسكنى فيها من جهة تحصن الفرج واستقصاء حق ولد - إن كان ـ، وأن سكنى غير المعتدة من جهة المؤن التي تجب على الزوج أن يقوم لها بها، من النفقة والكسوة، وغير ذلك مما لا بد منه، ألا ترى أن المتوفى عنها تسكن في منزل زوجها، شاء الورثة ذلك أم أبوه، والميت قد انقطع ملكه وصار ماله لورثته، ولا تجب لها نفقة في مال الميت (^٣).\nفدلت هذه الأشياء التي وصفناها - والله أعلم - أن الذي ذُكر من إقامتها في بيتها، ووجوب ذلك عليها وعلى زوجها؛ لما حدث من العدة، ولم يحتج إلى ذكر النفقة؛ لأنها على الأصل الذي كانت عليه من قبل الطلاق، فإن شاءت أخذته وإن شاءت تركته، واحْتِيْجَ إلى ذكر السكنى في المبتوته في قوله ﷿: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (^٤) لأن المبتوتة قد حدث في أمرها ما أُخْرجت به من أحكام الزوجات كلها، فأعيد ذكر السكنى إذ كانت من طريق التحصين لها، ما دامت\n_________\n(^١) (لوحة رقم [٢/ ٢٩٤].\n(^٢) أي: المطلقة طلاقا بائنا.\n(^٣) قال مالك في المدونة (٤/ ١٨٩): \" قلت: أرأيت المتوفى عنها زوجها، أيكون لها النفقة والسكنى في العدة، في قول مالك بن أنس في مال الميت أم لا؟ قال: قال مالك بن أنس: لا نفقة لها في مال الميت، ولها السكنى إن كانت الدار للميت \".\n(^٤) سورة الطلاق (٦).","vol":"1","page":1665},{"text":"في عدتها، وأجريت في ذلك مجرى التي قبلها، وأسقطت عنها النفقة التي كانت تجب لها - قبل أن يُبِيَنها - بعقد النكاح، ولم يجعل ذلك لها في عدتها، إلا أن تكون حاملا، فيجب عليه حينئذ أن يغذو ولده بغذاء أمه، كما كان يجب عليه إذا وضعته أن يغذو ولده بغذاء التي ترضعه؛ لأن غذَاءَه في بطن أمه بغذاء أمه، وغذاءه إذا وضعته أمه بالرضاع، فكما يجب على الأب أن ينفق على من ترضعه، وجب عليه أن ينفق على أمه ما دام في بطنها، ألا ترى أن الصائمة إذا كانت تطيق الصيام وهي حامل، ويضر صومها بولدها أنها تفطر؛ لأن غذاءه إنما يكون بغذائها، وقال - عز من قائل ـ: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (^١) فعلم أن بعض ذلك من بعض.\nوهذا الموضع قد اختلف الناس فيه؛ فقال قوم: للمبتوتة السكنى والنفقة (^٢)، وقال آخرون: لا سكنى ولا نفقة (^٣)، فأخذ كل فريق في طريق وتركوا التوسط الذي هو الحق، وفي كتاب الله ﷿ ما يدل على أنه ليس على ما قال الفريقان،\n_________\n(^١) سورة الطلاق (٦).\n(^٢) هو قول الأحناف، ينظر: المبسوط (٥/ ٢٠١) وأحكام القرآن للجصاص (٥/ ٣٥٥) وشرح فتح القدير (٤/ ٣٦٤).\n(^٣) روي ذلك عن علي وابن عباس وجابر بن عبد الله - ﵃ -، وبه قال الشعبي، وميمون بن مهران، وعكرمة، ورواية عن الحسن، وهو قول داود الظاهري، ومشهور قول الحنابلة. ينظر: الاستذكار (٦/ ١٦٧) والمحلى (١٠/ ١٨٨) والمغني (٧/ ٦٠٦) والإنصاف (٩/ ٣٦١).\nوذهب المالكية والشافعية، والحنابلة في إحدى الروايتين، إلى أن لها السكنى، ولا نفقة لها إلا أن تكون حاملا. ينظر: المدونة (٥/ ٤٧١) والأم (٥/ ٢٣٧) والنوادر والزيادات (٥/ ٤٩) والمهذب (٢/ ٢١٠) وأحكام القرآن لابن العربي (٤/ ٢٨٦) والمغني (٧/ ٦٠٦).","vol":"1","page":1666},{"text":"قال - عز من قائل ـ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (^١) فلو كانت النفقة تجب كما تجب السكنى؛ لما كان للاختصاص معنى (^٢)، ووجب بهذا الاختصاص أنها ليست التي يملك زوجها رجعتها؛ لأن التي يملك زوجها رجعتها نفقتها واجبة كانت حاملا أو غير حامل، فكيف يقال فيها: وإن كانت حاملا فأنفق عليها، ولو كان كذلك لخلا الأمر من الفائدة، ومعاذ الله من ذلك، (^٣) وأن يكون في القرآن لفظة لا فائدة فيها، وهذا ما لا يذهب على ذي فهم، وإنما ذهب كل فريق إلى رواية لم يتأملوها، ولا وهاءها ووهاء ما ذهبوا إليه.\nفأما الذين ذهبوا إلى أن السكنى والنفقة واجبة، فاتبعوا رواية عن عمر - ﵁ - أنه قال: لا ندع كتاب ربنا ﵎ وسنة نبينا صلى الله عليه (^٤)، لقول امرأة، لها السكنى والنفقة (^٥)، ونحن نعلم أن عمر بن الخطاب - ﵁ - لا يقول: لا ندع كتاب ربنا ﵎ إلا لما هو موجود في كتاب ربنا - تعالى اسمه - والذي وجدنا في كتاب ربنا - جل وعز - النفقة لذوات الأحمال، وزاد الراوي من أهل الكوفة (^٦): وسنة نبينا ـ\n_________\n(^١) سورة الطلاق (٦).\n(^٢) والاختصاص هنا: التنصيص في الآية على الحامل؛ وعلى قول من يوجب النفقة والسكنى، فالحامل تشترك في ذلك مع سائر المطلقات، فلا معنى لاختصاصها بالذكر هنا، وقد أجاب الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٣٥٦) عن هذا الإيراد بقوله: \" فإن قيل: فما فائدة تخصيص الحامل بالذكر في إيجاب النفقة؟ قيل له: قد دخلت فيه المطلقة الرجعية، ولم يمنع نفي النفقة لغير الحامل، فكذلك في المبتوتة، وإنما ذكر الحمل؛ لأن مدته قد تطول وتقصر، فأراد إعلامنا وجوب النفقة مع طول مدة الحمل، التي هي في العدة أطول من مدة الحيض \" أ. هـ.\n(^٣) (لوحة رقم [٢/ ٢٩٥].\n(^٤) قال ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٤٨١) موضحا قول عمر (وسنة نبينا ..): \" ولعل عمر أراد بسنة النبي - ﷺ - ما دلت عليه أحكامه من اتباع كتاب الله، لا أنه أراد سنة مخصوصة في هذا \".\n(^٥) سيذكره قريبا بتمامه، وفيه أذكر - إن شاء الله تعالى - من أخرجه.\n(^٦) يريد عامر الشعبي، على ما يأتي قريبا.","vol":"1","page":1667},{"text":"صلى الله عليه - النفقة في الحديث (^١)، وذلك أن الشعبي قال فيه: إن فاطمة بنت قيس (^٢) طلقها زوجها طلاقا بائنا فقال: رسول الله - ﷺ -: ﴿لا نفقة لك ولا سكنى﴾ (^٣) قال حماد بن أبي سليمان (^٤): فأخبرت بذلك النخعي (^٥) فقال: إن عمر أُخْبِر بذلك فقال: لسنا بتاركي آية من كتاب الله ﷿ وقول رسول الله - ﷺ - لها السكنى\n_________\n(^١) كلام المؤلف ﵀ من بداية الفقرة إلى هنا، اختصره من كلام القاضي إسماعيل، ومعناه يحتاج إلى إيضاح، وقد ذكر ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ١٤٢) كلام القاضي إسماعيل صاحب الأصل بنصه، أذكره بتمامه ليساعد على فهم المراد هنا، قال ابن عبد البر: \" قال إسماعيل بن إسحاق: قال أبو حنيفة: المطلقة ثلاثا ينفق عليها زوجها وإن كانت غير حامل، ورووا في ذلك حديثا ليس بقوي الإسناد عن عمر، أنه قال: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لها السكنى والنفقة، قال إسماعيل: والذي في كتاب ربنا؛ أن لها النفقة إذا كانت حاملا، ونحن نعلم أن عمر لا يقول: ندع كتاب ربنا إلا لما هو موجود في كتاب ربنا، والذي وجدنا في كتاب ربنا النفقة لذوات الأحمال، قال: ونحسب أن الحديث إنما هو لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة، لها السكنى؛ لأن السكنى موجودة في القرآن بقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ وزاد بعض أهل الكوفة في الحديث عن عمر النفقة، والحديث يدور على الأعمش بأسانيد مختلفة، وكل رواية الأعمش على اختلافها في هذا الحديث فإنها تدور على إبراهيم وقد روى منصور وهو أصح رواية من الأعمش عن إبراهيم في المطلقة ثلاثا: لها السكنى والنفقة ولا يجبر على النفقة \" أ. هـ.\n(^٢) هي: فاطمة بنت قيس بنت خالد القرشية الفهرية، من المهاجرات الأول ذات عقل وجمال، كانت عند أبي عمرو بن حفص فطلقها، فزوجها رسول الله - ﷺ - زيد بن ثابت. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٣٨٥) والإصابة (٨/ ٢٧٦).\n(^٣) جزء من حديث أخرجه مسلم [٢/ ٩٠٣ كتاب الطلاق] من طريق الشعبي عن فاطمة.\n(^٤) هو: حماد بن أبي سليمان الأشعري مولاهم، أبو إسماعيل الكوفي، توفي سنة ١٢٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٢٢) وتهذيب التهذيب (٢/ ١٣).\n(^٥) الظاهر أن القائل: فأخبرت بذلك ..، الشعبي، يؤيد هذا ما أخرجه ابن حبان [١٠/ ٦٣ كتاب الرضاع، ذكر عدم إيحاب السكنى والنفقة] عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس: أن زوجها طلقها ثلاثا فلم يجعل لها النبي - ﷺ - نفقة ولا سكنى، قال: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي، فقال: قال عمر بن الخطاب: لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا لقول امرأة، لها النفقة والسكنى.","vol":"1","page":1668},{"text":"والنفقة (^١)، وهذا غير متصل عن عمر (^٢)، وقد رواه الأسود (^٣) عن عمر، رواه عن (^٤) الأسود إبراهيم (^٥)، وقال: لها السكنى والنفقة، ولم يذكر كتاب ربنا ﷿ ولا سنة نبينا - ﷺ - (^٦).\nورواه الأعمش، عن إبراهيم، عن عمر وعبد الله: لها السكنى والنفقة، ولم يذكر كتاب الله ﷿ ولا سنة (^٧).\nورواه ابن إدريس (^٨)، عن الأعمش، عن إبراهيم عن عبد الله عن عمر ولم يذكر فيه السكنى والنفقة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٤/ ٣٨٠) من طريق حماد بن سليمان، بسياق مختصر.\n(^٢) لأن النخعي لم يلق عمر بن الخطاب، لكن رواه مسلم [٢/ ٩٠٤ كتاب الطلاق] موصولا مسندا، ولفظه: عن أبي إسحاق قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالسا في المسجد الأعظم ومعنا الشعبي، فحدث الشعي بحديث فاطمة بنت قيس: أن رسول الله - ﷺ - لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، ثم أخذ الأسود كفا من حصى فحصبه به، فقال: ويلك تحدث بمثل هذا! قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا - ﷺ - لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله ﷿: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.\n(^٣) هو: ابن يزيد النخعي، تقدم.\n(^٤) كذا في الأصل، وظاهر السياق يقتضي زيادة حرف الواو: ورواه عن.\n(^٥) هو: النخعي، تقدم.\n(^٦) يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ١٣٦ كتاب الطلاق، من قال في المطلقة ثلاثا لها النفقة] عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر قال: لا يخير قول المرأة في دين الله، المطلقة ثلاثا لها السكنى والنفقة.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ١٣٦ كتاب الطلاق، من قال في المطلقة ثلاثا لها النفقة] حدثنا أبو بكر، قال نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عمر وعبد الله، قالا: لها السكنى والنفقة.\n(^٨) هو: عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي، أبو محمد الكوفي، قال ابن سعد: كان ثقة مأمونا كثير الحديث، حجة صاحب سنة، توفي سنة ١١٠ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٤٦) وتهذيب التهذيب (٣/ ٩٢).","vol":"1","page":1669},{"text":"وروي عن الأعمش عن إبراهيم قال: كان أصحاب عبد الله، والباب فيه أسانيد كلها هكذا مضطربة.\nوقال منصور (^١) عن إبراهيم: ولا يجبر على النفقة (^٢)، فلخص منصور عن إبراهيم ما يدل على ضبطه، رواه عن منصور أبو عوانة (^٣) وجرير (^٤) وفضيل (^٥)، فدل ذلك على ضعف ما روي عن إبراهيم، عن عمر وعبد الله، وعلى أن الثابت من روايته السكنى دون النفقة (^٦).\n_________\n(^١) هو: منصور بن المعتمر بن عبد الله السلمي، أبو عتاب الكوفي، قال ابن سعد: كان ثقة مأمونا كثير الحديث رفيعا عاليا، توفي ١٣٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٢٥) وتهذيب التهذيب (٥/ ٥٢٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ١٣٧ كتاب الطلاق، من قال إذا طلقها ثلاثا ليس لها نفقة] عن منصور، به.\n(^٣) هو: الوضَّاح بن عبد الله اليشكري، مولى يزيد بن عطاء، أبو عوانة الواسطي، قال أحمد: إذا حدث أبو عوانة من كتابه فهو أثبت، وإذا حدث من غير كتاب ربما وهم، توفي سنة ١٧٥ هـ، ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٤٥) وتهذيب التهذيب (٦/ ٧٤).\n(^٤) هو: جرير بن عبد الحميد بن قُرْط الضَّبِّي، أبو عبد الله الرازي القاضي، قال ابن سعد: كان ثقة كثير العلم ترحل إليه، توفي سنة ١٨٨ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٨١) وتهذيب التهذيب (١/ ٤٢٧).\nوالرواية من طريقه لم أجدها.\n(^٥) هو: فضيل بن عياض بن مسعود التميمي، أبو علي الخرساني، قال ابن سعد: كان ثقة نبيلا فاضلا، عابدا ورعا، كثير الحديث، توفي بمكة سنة ١٨٧ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٣٤) وتهذيب التهذيب (٤/ ٤٨٢).\nوالرواية من طريقه أخرجها ابن أبي شيبة [٤/ ١٣٧ كتاب الطلاق، من قال: إذا طلقها ثلاثا ليس له النفقة]\n(^٦) تكلم الطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٧٠) في تصحيح ما روي عن عمر وابنه - ﵃ -، وناقش الاعتراضات التي أوردها المؤلف هنا.","vol":"1","page":1670},{"text":"وأما الذين ذهبوا إلى ألّا سكنى ولا نفقة، فإن مُجالدا (^١) روى عن الشعبي قال: خَالَفْنا أهلَ المدينة في سكنى المطلقة ونفقتها، فقالوا: بيننا وبينك حديث فاطمة بنت قيس، فأتيتها فدخلت عليها فسألتها، فقالت: ﴿طلقني زوجي فقال لي أخوه: إنه لا سكنى لك ولا نفقة، فأتيت رسول الله - ﷺ - فقال لي رسول الله - ﷺ -: يا ابنة قيس، إنما يكون السكنى والنفقة ما كان لزوجك عليك مراجعة﴾ (^٢) ورواه غير مُجالد - أيضا - وقال فيه: ﴿وأمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم﴾ ورواه سَيْار (^٣) عن الشعبي فقالت: ﴿لم يجعل لي سكنى ولا نفقة﴾ (^٤).\n_________\n(^١) هو: مجالد بن سعيد بن عمير ذي مِرَان القَيْل الهْمداني، أبو سعيد الكوفي، روى له مسلم مقرونا، وقال ابن سعد: كان ضعيفا في الحديث، توفي سنة ١٤٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٣٠) وتهذيب التهذيب (٥/ ٣٤٩).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٤/ ٣٧٩) عن مجالد، به.\nوقد تابع مجالدا على روايته عن الشعبي؛ زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي، وفيه قال النبي - ﷺ -: فإذا لم تكن عليها رجعة فلا نفقة لها ولا سكنى، أخرجه الطبراني في الكبير (٢٤/ ٣٧٨ - ٣٨٢)، وتابعه - أيضا - سعيد بن يزيد ثنا الشعبي، وفيه: قال رسول الله - ﷺ -: إنما السكنى والنفقة للمرأة، إذا كان لزوجها عليها رجعة، فإذا كانت لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فلا نفقة لها ولا سكنى، أخرجه النسائي [٦/ ٤٥٥ كتاب الطلاق، باب الرخصة في الثلاث] قال ابن القيم في حاشيته على أبي داود (٦/ ٢٧٩): \" قوله في اللفظ الآخر: إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة، رواه الإمام أحمد والنسائي وإسناده صحيح.\nوقال ابن حجر في الفتح (٩/ ٤٨٠) معلقا على هذه المتابعات: \" وقد تابع بعض الرواة - عن الشعبي - في رفعة مجالدا، لكنه أضعف منه \".\n(^٣) هو: سيار أبو الحكم بن أبي سيار وردان، العنزي الواسطي، ويقال: البصري، قال أحمد: صدوق ثبت في كل المشايخ، توفي سنة ١٢٢ هـ. ينظر: الكاشف (٢/ ٣٣٢) وتهذيب التهذيب (٢/ ٤٦٤).\n(^٤) أخرجه مسلم [٢/ ٩٠٣ كتاب الطلاق] عن سيار، وحصين، ومغيرة، وداود بن أبي هند، ومجالد، وإسماعيل بن أبي خالد، وأشعث، كلهم عن الشعبي، به.\nووجه الفرق بين رواية مجالد وسيار عن الشعبي، أن رواية مجالد جعل نفي السكنى والنفقة من قول النبي - ﷺ -، بينما في رواية سيار وفيها قالت: لم يجعل لي سكنى ولا نفقة، فهذا يحتمل أن يكون من كلام النبي - ﷺ - ويحتمل أن يكون فهما فهمته هي، وبهذا التأويل حمل الموجبون للسكنى ما روي عن فاطمة، وفي ثنايا كلام المؤلف يشير إليه.","vol":"1","page":1671},{"text":"وهذا يحتمل التأويل، وأن تكون هي ظنت ذلك، ولم يأت هؤلاء بالحديث على وجهه، وأتى به أبو سلمة بن عبد الرحمن، رواه مالك عن عبد الله بن يزيد (^١) مولى الأسود بن سفيان (^٢)، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس: أن أبا عمرو بن حفص (^٣) طلقها البتة وهو غائب بالشام (^٤) فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقالت (^٥): والله ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله - ﷺ - فذكرت ذلك له فقال لها: ﴿ليس لك عليه نفقة، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك (^٦) ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي واعتدي في بيت ابن أم مكتوم (^٧) فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك﴾ (^٨) ورواه - أيضا - الدراوردي (^٩) عن محمد بن عمرو بن علقمة (^١٠) عن أبي سلمة - كذلك ـ\n_________\n(^١) عبد الله بن يزيد الأعور المخزومي مولاهم، أبو عبد الرحمن المدني، قال العجلي: مدني ثقة، توفي ١٤٨ هـ ينظر: الكاشف (٢/ ١٢٨) وتهذيب التهذيب (٣/ ٢٨٦).\n(^٢) هو: الأسود بن سفيان بن عبد الأسد بن هلال المخزومي، ذكره ابن عبد البر، وقال: في صحبته نظر. ينظر: الاستيعاب (١/ ٩٠) والإصابة (١/ ٢٢٧).\n(^٣) هو: أبو عمرو بن حفص بن المغيرة القرشي المخزومي، وقيل: أبو حفص بن عمرو بن المغيرة، واختلف في اسمه فقيل: أحمد وقيل: عبد الحميد وقيل اسمه كنيته، كان مع البعث الذي بعثه النبي - ﷺ - مع علي، فقيل مات هناك، وقيل: رجع وشهد فتوح الشام، ينظر: الاستيعاب (٤/ ١٧٧٩) والإصابة (٧/ ٢٣٩).\n(^٤) (لوحة رقم [٢/ ٢٩٦].\n(^٥) كذا في الأصل بصيغة المؤنث، ومقتضى السياق: قال، بصيغة المذكر.\n(^٦) سبق التعريف بها.\n(^٧) هو: عمرو بن قيس، تقدم.\n(^٨) أخرجه مسلم [٢/ ٩٠٠ كتاب الطلاق] من طريق مالك، به.\n(^٩) هو: عبد العزيز الدراوردي، تقدم.\n(^١٠) هو: محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، أبو عبد الله المدني، روى له مسلم في المتابعات، قال ابن سعد: كان كثير الحديث يستضعف، توفي سنة ١٤٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٧٥) وتهذيب التهذيب (٥/ ٢٢٤).","vol":"1","page":1672},{"text":"فجاء أبو سلمة بالحديث ملخصا مشروحا، فدل على أن السكنى واجبة؛ لأن أمر رسول - ﷺ - لها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم إيجاب السكنى، وإنما نقلها عن منزل زوجها لما كان يجري بينها وبين أهله من الخصومات والسباب؛ لأن المعتدة من وفاة أو طلاق إذا حدث في الموضع الذي يسكنونه حدث يحوجها إلى الخروج منه خرجت، واعتدت في موضع غيره، وأقامت إلى أن تنقضي عدتها، مثل أن يكون المنزل ليس للزوج فيخرجها المالك، ومثل أن يكون مَخُوْفَا وما أشبه ذلك، وقد علمنا ما كان يجري بين فاطمة وبين زوجها وقراباته، وقالت عائشة ﵂ في ذلك ما قالت لفاطمة بنت قيس: اتقي الله يا فاطمة، فقد عرفت في أي شيء كان ذلك (^١)، لما ذكرت أنها لم يجعل لها سكنى.\nوروى مالك، عن يحي بن سعيد، عن القاسم بن محمد، وسليمان بن يسار، أن يحي بن سعيد بن العاص (^٢)، طلق ابنة عبد الرحمن بن الحكم (^٣) ألبتة، فانتقلها عبد الرحمن، فوجهت عائشة إلى مروان (^٤) وهو أمير المدينة: اتق الله يا مروان، واردد المرأة إلى بيتها، فقال: مروان أما بلغك شأن فاطمة بنت قيس قالت: عائشة لا يضرك ألا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري [٥٠١٦ باب قوله تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة أشهر] بنحوه.\n(^٢) هو: يحيى بن سعيد بن العاص بن أمية، وثقه النسائي وابن حبان، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، توفي في خلافة عبد الملك بعد مقتل ابن الزبير. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ١٢٣) وتهذيب التهذيب (٦/ ١٣٤).\n(^٣) هو: عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي، ذكره ابن حجر وغيره في ترجمة والده الحكم بن أبي العاص، وهو أخو الأمير مروان بن الحكم. ينظر: الإصابة (٢/ ٩١).\n(^٤) هو: مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي، لم يجزم بصحبته، كاتب عثمان - ﵁ -، ولي إمرة المدينة أيام معاوية، ثم بويع له بالخلافة بعد معاوية بن يزيد، توفي سنة ٦٥ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ١٩) والإصابة (٦/ ٦٥).","vol":"1","page":1673},{"text":"تذكر حديث فاطمة؟ قال مروان: إن كان بك الشر؛ فحسبك ما بين هذين من الشر (^١).\nورواه حماد بن زيد بإسناده مثله (^٢).\nوقال سعيد بن المسيب: تلك امرأة فتنت الناس، إنها كانت السنة (^٣).\nفعائشة قد علمت ما فعله رسول الله - ﷺ - في أمر ابنة قيس وأنه أسكنها، وفرق بينهم بسبب الشر، ألا ترى ما قالت: دع عنك ذكر فاطمة، في حديث حماد بن زيد فقد عرفت في أي شيء كان ذلك، فقد علمنا يقينا أنها قد عرفت شأن فاطمة وإيجاب رسول الله - ﷺ - السكنى وتحويله إياها بسبب الشر، فأيهما أولى بمعرفة ذلك عائشة أو ابنة قيس؟ وهل يكون بين معرفتهما تقارب (^٤).\nوقد روي عن جماعة من السلف أنهم قالوا: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (^٥) أنه البذاء وسوء الخلق (^٦)، ولعلهم ذهبوا إلى قصة فاطمة بنت قيس، والله أعلم.\nوروى عكرمة، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، وأنه في مصحفه: ﴿إلا أن يفحشن عليكم﴾ قال ابن عباس عن أبي بن كعب: عليهم حل لهم إخراجها (^٧)، وإذا\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ [٢/ ٤٥٣ كتاب الطلاق، باب ما جاء في عدة المرأة في بيتها] به، ومن طريقه أخرجه البخاري [١١٥٥ كتاب الطلاق، باب قصة فاطمة بنت قيس] بنحوه.\n(^٢) لم أجده.\n(^٣) جزء من أثر أخرجه عبد الرزاق [٧/ ٢٦ كتاب الطلاق، باب الكفيل في النفقة] وأبو داود [٢/ ٢٧٠ كتاب الطلاق، باب من أنكر ذلك على فاطمة بنت قيس] والبيهقي [٧/ ٤٧٤ كتاب النفقات، باب المبتوتة لا نفقة لها إلا أن تكون حاملا].\n(^٤) لئن كانت أم المؤمنين عائشة تفضلها علما، فإن فاطمة تميزت بأنها هي صاحبة القصة، ﵅ جميعا.\n(^٥) سورة الطلاق (١).\n(^٦) هو قول: ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة. ينظر: تفسير الطبري (١٢/ ١٢٦) والدر المنثور (٨/ ١٩٢).\n(^٧) أورده الثعالبي (٤/ ٣١٠).","vol":"1","page":1674},{"text":"كان ذلك كذلك أمر الإمام (^١) بإخراجها، إذا تفاحش البذاء منها إلى موضع يختاره، لها كما فعل رسول الله - ﷺ - في فاطمة بنت قيس، وذلك مردود إلى اجتهاد الرأي من الحاكم، والله أعلم.\nوقد روى ابن أبي الزناد (^٢)، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن فاطمة بنت قيس كانت في مكان وحش، فخيف عليها فحولت (^٣)، ومعنى وحش يحتمل الشر الذي كان بينهم والشقاق (^٤)، والله أعلم، فقد عقل من\n_________\n(^١) (لوحة رقم [٢/ ٢٩٧].\n(^٢) هو: عبد الرحمن بن أبي الزناد بن ذكوان القرشي مولاهم، قال الساجي: فيه ضعف وما حدث بالمدينة أصح مما حدث ببغداد، توفي سنة ١٧٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٢٧٩) وتهذيب التهذيب (٣/ ٣٤٠).\n(^٣) جزء من حديث أخرجه البخاري [١١٥٥ كتاب الطلاق، قصة فاطمة بنت قيس] من طريق ابن أبي الزناد، به.\n(^٤) هذا التأويل منه ﵀ لمعنى المكان الوحش، فيه نظر من جهتين:\nالأول: أن المكان الوحش في اللغة: هو الموضع الموحش، قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة مادة: وحش: \" الواو والحاء والشين كلمة تدل على خلاف الأنس، توحش: فارق الأنس وأرض موحشة من الوحش\".\nالثاني: جاء في روايات الحديث ما يدفع هذا الاحتمال، ويؤكد المعنى اللغوي المتبادر إلى الذهن، فقد أخرج مسلم [٢/ ٩٠٦ كتاب الطلاق] عن فاطمة بنت قيس قالت: قلت: يا رسول الله زوجي طلقني ثلاثا، وأخاف أن يقتحم علي، قال: فأمرها فتحولت) قال في فتح الباري (٩/ ٤٧٩): \" وقوله: وحش، بفتح الواو وسكون المهملة بعدها معجمة، أي خال لا أنيس به.\nويغلب على الظن أن الذي حمل المؤلف ﵀ على هذا التأويل، ما رآه من اختلاف الروايات في سبب أمر النبي - ﷺ - لفاطمة بالتحول من بيتها، إلى أن تعتد عند ابن أم مكتوم، فقد روي أنها كانت سليطة على أحمائها، وروي أنها كانت في مكان قفر، وبعض أهل العلم قال: لا مانع من اجتماع السببين - وفي الحق - لا يتصور اجتماع هذين السببين؛ إلا على نحو لا يخلو من تكلف، ولذا قال ابن حزم في المحلى (١٠/ ٢٩٤) في معرض رده لهذين السببين: \" ومن تأمل هذا الخبر والذي قبله؛ علم أنهما متكاذبان؛ لأنها إن كان إخراحها من أجل لسانها - كما في ذلك الخبر ـ؛ فقد بطل هذا الذي فيه أنها كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص لها النبي - ﷺ -، إذ لا شك أنها إذا كانت بين قوم تؤذيهم بلسانها، فليست في مكان وحش، أو إذا كانت في مكان وحش يخاف عليها فيه، فلا شك أنه ليس هنالك قوم تؤذيهم بلسانها فتخرج لذلك \".","vol":"1","page":1675},{"text":"قصة فاطمة أنه قضى - ﵇ - ألا نفقة، وأسكنها من حيث لم تدر (^١).\nوقد روى الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، أن عبد الله بن عمرو بن عثمان (^٢)، طلق ابنة سعيد بن زيد (^٣) ثلاثا، وأمها أخت فاطمة بنت قيس، وأن فاطمة أمرتها بالخروج فنهاها مروان عن ذلك وقال: لا ندع العصمة التي الناس عليها لقول امرأة (^٤)، ومروان لم يخبر عن نفسه، وإنما ذكر ما أدرك الناس عليه، وناقل ذلك عبيد الله بن عبد الله، وموضعه موضعه في الفضل والعلم، وسعيد بن المسيب يذكر أن فاطمة فتنت الناس (^٥)، وعائشة قالت في أمرها ما قالت، ففاطمة غلطت في التأويل، ولم تدرى أنها أُسْكِنت.\n_________\n(^١) يشكل على هذا التوجيه من المؤلف ﵀ أن في بعض روايات حديث فاطمة بنت قيس تعليل النبي - ﷺ - لنفي السكنى والنفقة، بما يمنع هذا التوجيه، فقد تقدم للمؤلف ص ٤٢٤ أنه أخرج عن فاطمة بنت قيس من طريق مجالد، أنها قالت: (طلقني زوجي، فقال لي أخوه: إنه لا سكنى لك ولا نفقة، فأتيت رسول الله - ﷺ - فقال لي رسول الله - ﷺ -: يا ابنة قيس، إنما يكون السكنى والنفقة؛ ما كان لزوجك عليك مراجعة) وذكرت هناك من تابعه في هذا عن الشعبي.\n(^٢) هو: عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان الأموي، المعروف بالمُطْرَف لجماله، كان جوادا شريفا، وقال النسائي: ثقة، توفي بمصر سنة ٩٦ هـ. ينظر: الكاشف (٢/ ١٠١) وتهذيب التهذيب (٣/ ٢٠٦).\n(^٣) هو: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، من السابقين الأولين، وأحد العشرة المبشرين، شهد أحدا وما بعدها، توفي بالعقيق سنة ٥٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٢٣٢) والإصابة (٣/ ٨٧).\n(^٤) أخرجه مسلم [٢/ ٩٠٢ كتاب الطلاق] عن الزهري به.\n(^٥) قال ميمون بن مهران لسعيد بن المسيب - لما قال: تلك امرأة فتنت الناس - لئن كانت إنما أخذت بما أفتاها رسول الله - ﷺ - ما فتنت الناس وإن لنا في رسول الله - ﷺ - أسوة حسنة. ينظر: المغني لابن قدامة (٧/ ٥٣٠).","vol":"1","page":1676},{"text":"وقول عمر بن الخطاب - ﵁ -: لا ندع كتاب ربنا ﷿ لقول امرأة، لها السكنى إلى هذا الموضع، والنفقة إلحاق في الحديث (^١)، وقد يجوز: وسنة نبينا - ﷺ - أَلّا نفقة، وإلا فمن الراوي عن النبي - ﷺ - أنه جعل للمبتوتة نفقة وليست بحامل، حتى يكون عمر أشار إلى تلك السنة، فالسنة مقبولة من فاطمة: أَلّا نفقة، بحديث أبي سلمة (^٢)، والسكنى، فهذا هو الذي أشار إليه عمر أن السكنى بالكتاب ولا نفقة بالسنة، ولما كانت المرأة تعتد للوفاة ولا نفقة لها كانت تعتد من الطلاق البائن ولا نفقة لها إلا أن تكون حاملا.\n_________\n(^١) تقدم له في ص ٤٢٧ ذكر هذا، وبيان وجه الإلحاق وأنه - على ما ذكر المؤلف - زيادة من الراوي، وقد وذكرت في ذلك الموضع نص كلام القاضي إسماعيل، نقلا عن التمهيد لابن عبد البر، والذي حمل المؤلف على هذا التأويل لما روي عن عمر بن الخطاب، أمران:\nالأول: أراد المؤلف بهذا التأويل أن ينزه عمر بن الخطاب - ﵁ -، عن مخالفة السنة الثابتة عن النبي - ﷺ -، والقاضية بنفي النفقة عن المطلقة البائن، وقد مر في أثناء كلام المؤلف - هنا - روايات كثيره من حديث فاطمة بنت قيس، تدل على ذلك، وإلى هذا الوجه أشار ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ١٤٢) بعد نقله كلام القاضي إسماعيل الذي هو أصل لما اختصره المؤلف هنا: \" هذا كله كلام إسماعيل، وفيه ما فيه من دفع ظاهر قول عمر، إلى دعوى لا يُسيغ هو ولا غيره لأحد مثل ذلك في دفع نص، إلا أنه لما كان قول عمر خلاف نص السنة، كان دفعه بتأويل ضعيف خيرا من أن ينسبه إلى مخالفة السنة الثابتة \"\nعلى أنه لا يسوغ أصلا أن يرد على الذهن أن عمر - ﵁ - خالف السنة، وذلك أنها لم تثبت بعد عنده، بل غلب على ظنه أن المرأة قد أخطأت، ولم يكن في ذلك الظن وحده بل هو قول عائشة ﵂، ولذا سألها من يشهد لها على قولها، يشهد لهذا ما أخرج أبو عوانة (٣/ ١٨٣) والنسائي [٦/ ٥١٩ كتاب الطلاق، الرخصة في خروج المبتوتة من بيتها] والدارقطني [٤/ ٢٥ كتاب الطلاق] أن عمر بن الخطاب قال لفاطمة لما ذكرت ذلك له: (إن جئت بشاهدين يشهدان أنهما سمعاه من رسول الله - ﷺ - وإلا لم نترك كتاب الله). ...\nالثاني: أرد المؤلف ﵀ الرد على الأحناف في إيجابهم النفقة والسكنى للبائن، استدلالا بقول عمر بن الخطاب.\n(^٢) أي أنه يقبل من فاطمة ما روته من نفي النفقة فيما دل عليه حديث أبي سلمة - وفيه الاقتصار على نفي النفقة - وقد أخرجه مسلم كما تقدم في ص ٤٢٤.","vol":"1","page":1677},{"text":"وأما ما روي عن الشعبي أن النبي - ﷺ - قال: ﴿يا ابنة قيس إنما يكون السكنى والنفقة ما كان لزوجك عليك مراجعة﴾ (^١) فهو غلط؛ لأن الشعبي يرى للمطلقة ثلاثا السكنى والنفقة، وروي عنه وعن الحسن وعطاء أنهم قالوا: سكنى ولا نفقة (^٢)، وهذا أشبه؛ لأنه موافق للقرآن، غير أن الشعبي في الروايتين جميعا قد أوجب السكنى، وهو خلاف الرواية الأولى، ولعل الشعبي أفتى بخلاف ما روى لإنكار الناس عليه ذلك (^٣).\nوقد تعلق قوم بشيء رواه ابن جريج، عن أبي الزبير (^٤) عن جابر (^٥): ﴿أن خالته طلقت فأرادت أن تَجُدّ (^٦) نخلها، فأذن لها رسول الله - ﷺ - في ذلك﴾ (^٧) وقد ذهب عنهم أن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في أول كلامه عن هذه المسألة.\n(^٢) قول الحسن وعطاء أشار إليه ابن عبد البر في الاستذكار (٦/ ١٦٥) وابن قدامة في المغني (٧/ ٥٣٨).\nأما قول الشعبي فلم أجد من نص أنه كان يقول بأن لها السكنى والنفقة، أو أنه يرى لها السكنى دون النفقة، بل المشهور عنه الذي عرف به؛ أنه يذهب إلى حديث فاطمة الذي رواه عنها، فلم ير لها النفقة ولا السكنى، هذا ما اشتهر به قال ابن عبد البر في الاستذكار (٦/ ١٦٧): \" وقالت طائفة المطلقة المبتوتة إن لم تكن حاملا لا سكنى لها ولا نفقة منهم الشعبي \" ويشهد لهذا ما أخرجه مسلم [٢/ ٩٠٤ كتاب الطلاق] عن أبي إسحاق قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالسا في المسجد الأعظم ومعنا الشعبي، فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس: أن رسول الله - ﷺ - لم يجعل لها سكنى ولا نفقة ثم أخذ الأسود كفا من حصى فحصبه به فقال: ويلك تحدث بمثل هذا، قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا - ﷺ - لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت لها السكنى والنفقة، وهذا الإنكار لم يمنع الشعبي من المضي على ما روى حتى قال له الأسود فيما أخرجه الدارقطني [٤/ ٢٣ كتاب الطلاق والخلع]: يا شعبي اتق الله، وارجع عن حديث فاطمة بنت قيس، فإن عمر كان يجعل لها السكنى والنفقة، فقلت: لا أرجع عن شيء حدثتني به فاطمة بنت قيس، عن رسول الله - ﷺ -\n(^٣) هذا محل نظر، فقد دلت الآثار - كما في الحاشية قبل هذا - أنه كان يحدث بخبر فاطمة بنت قيس، لا يرجع عنه، بل إنه لم يرتض حتى إنكار عمر - ﵁ - على فاطمة لما لم يقبل روايتها فقد قال - لما قيل له: إن عمر لم يصدقها ـ: (ألا تصدق امرأة فقيهة نزل بها هذا) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ١٤٥).\n(^٤) هو: محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم، أبو الزبير المكي، أخرج له مسلم في المتابعات، وقال أبو داود: ليس به بأس. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٢٦) وتهذيب التهذيب (٥/ ٢٦٥).\n(^٥) هو: جابر بن عبد الله.\n(^٦) جد النخل: قال في عون المعبود (٦/ ٢٨٤): \" بفتح أوله وضم الجيم بعدها دال مهملة، أي: تقطع ثمر نخلها\".\n(^٧) أخرجه مسلم [٢/ ٩٠٦ كتاب الطلاق] من طريق ابن جريج، بنحوه.","vol":"1","page":1678},{"text":"نخل المدينة حولها ومبيتهم في منازلهم (^١)، ولسنا ننكر تصرف المعتدة في حاجاتهم (^٢) وأمورها إذا كان مبيتها في بيتها، وقد أفتت بذلك عائشة وابن عمر وغيرهما، وشرطوا ألا تبيت إلا في بيتها (^٣).\nفأما من قال من التابعين من ابن المسيب (^٤) والزهري وخلق كثير فإنهم قالوا: لها السكنى ولا نفقة (^٥).\nفإن قال قائل: كيف عنى بقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (^٦) المبتوتات، وهن لم يذكرن فيما مضى؟ قيل له قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ومعناه: يا أيها النبي علمهم إذا أردتم أن تطلقوا النساء فطلقوهن لعدتهن، يريد طاهرا من غير جماع، فكان هذا خطابا لمن أراد أن يطلق امرأة لم يطلقها قبل ذلك، وهي عنده على ثلاث، ومن طلق واحدة فزوجته عنده بارتجاعه على اثنتين،\n_________\n(^١) يشهد لهذا ما ذكره الشافعي ﵀ قال: نخل الأنصار قريب من منازلهم، والجداد إنما يكون نهارا \" ينظر: سنن البيهقي [٧/ ٤٣٦ كتاب العدد، باب كيفية سكنى المطلقة والمتوفى عنها]\n(^٢) كذا في الأصل، والظاهر المتبادر من السياق: حاجاتها، ويحتمل على تقدير حاجات أهلها وأمورها\n(^٣) قول ابن عمر أخرجه في شرح معاني الآثار (٣/ ٨١) والبيهقي [٧/ ٤٣٦ كتاب العدد، باب كيفية سكنى المطلقة والمتوفى عنها]\nوأما قول عائشة فقد أخرج أبو عوانة في مسنده (٣/ ١٨٦) عن عروة عن عائشة أنها كانت تنهى المطلقة أن تخرج من بيتها حتى تنقضي عدتها ...\n(^٤) (لوحة رقم [٢/ ٢٩٨].\n(^٥) قول سعيد بن المسيب أشار إليه في أكثر من موضع، لما أنكر على فاطمة ما روته عن النبي - ﷺ -.\nوأما الزهري فلم أجد من نص عليه صراحة.\n(^٦) سورة الطلاق (١).","vol":"1","page":1679},{"text":"ومن طلق اثنتين فزوجته عنده على واحدة يريد أن يطلقها، فقيل للجماعة (^١): إذا أردتم الطلاق فطلقوا في قُبُل العدة، فكان هذا الخطاب لمن يملك الرجعة ومن لا يملكها، ثم عاد الخطاب إلى الجميع فقيل: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (^٢) يعني رجعة لمن له رجعة من سائر المطلقين، ثم خوطب من له رجعة بأن قيل له: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ يعني قاربن: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (^٣) ارتجع إن شئت بِنِيّة الجميل، ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (^٤) ترك الرجعة وانقضاء العدة ثم قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ يعني على الطلاق والرجعة، إلى قوله سبحانه: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (^٥) فكان هذا معطوفا على من طلق الثالثة التي لا رجعة عليها: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (^٦) ولم يجز أن يكون هذا عطفا على من له الرجعة فيها؛ لأن تلك زوجة نفقتها واجبة بالنكاح ولا تسقط عنه، وبينهما الموارثة، وحكمها حكم الزوجات، ولو وطئها لم يكن عليه حد.\nوقد قال العراقيون: إن الوطء فيها رجعة (^٧).\n_________\n(^١) الجماعة هنا يريد بهم من طلق مرة أو ثنتين أو ثلاث، فقصد المؤلف ﵀ أن قوله تعالى في أول السورة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ يعم كلَ مُطَلِقٍ امرأتَه.\n(^٢) سورة الطلاق (١)\n(^٣) سورة البقرة (٢٣١)\n(^٤) سورة الطلاق (٢)\n(^٥) سورة الطلاق (٦).\n(^٦) سورة الطلاق (٦).\n(^٧) ينظر: المبسوط (٦/ ١٩) واختلاف العلماء للمروزي (١/ ١٥٢)","vol":"1","page":1680},{"text":"وقال مالك: يؤمر بالإشهاد على الرجعة إذا وطئ ويؤخذ بذلك (^١).\nوإنما أعيد ذكر السكنى لتكون فيه فائدة غير الفائدة الأولى؛ لأن الأولى لا تخرجوهن ولا يخرجن، هي مثل الثانية، فلو لم تكن في الثانية إفراد المبتوتة لخلت من الفائدة، وصار التكرير لا فائدة فيه، وما أنتج الفائدة كان أولى أن يظن بكلام الله ﷿، فعلم بذلك أن الأولى مخاطبة في اللواتي يملك الزوج الرجعة فيهن، ولم يحتج إلى ذكر النفقة؛ لأنها لم تسقط بكتاب الله ﷿ ولا سنة، وكانت الثانية مذكورا فيها السكنى؛ من أجل أنها مبتوتة قد سقطت نفقتها، فأكد أمر السكنى، وذكرت النفقة حيث يكون الحمل؛ لأن على الأب أن يغذو ولده.\nومما يدل على أن تعليم أول السورة، إنما قصد به الموضع الذي يقع فيه الطلاق، لمن يملك الواحدة والاثنتين والثلاث، أن رسول - ﷺ - قد كان طلق حفصة طلقة، فأمره الله ﵎ بارتجاعها (^٢)، ثم نزل التخيير بين الدنيا والآخرة، فلو اخترن الدنيا لاحتاج أن يطلقهن في الطهر (^٣) طلقة، فتكون حفصة مطلقة اثنتين، ولكن الله ﷿ (^٤) فاخترن الآخرة (^٥).\n_________\n(^١) تقدم الكلام على الإشهاد عند مالك ص ٤٠٢.\n(^٢) يشهد لهذا ما قول عمر - ﵁ -: (أن رسول الله - ﷺ - طلق حفصة ثم راجعها) أخرجه ابن حبان [١٠/ ١٠٠ كتاب الطلاق، باب الرجعة] والحاكم [٢/ ٢١٥ كتاب الطلاق] وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n(^٣) (لوحة رقم [٢/ ٢٩٩].\n(^٤) كذا في الأصل، ويحتمل أن هناك سقطا يستقيم به الكلام نحو: (رحمهن) أو (هداهن).\n(^٥) تكلم المؤلف ﵀ عن هذه المسألة في الأحزاب، عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ آية: ٢٨.","vol":"1","page":1681},{"text":"وقد كان عبد الرحمن بن عوف، طلق تماضر بنت الأصبغ (^١) طلقتين واحدة بعد الأخرى، وارتجع وقد كان قد آلى (^٢) أن لا تسأله امرأة طلاقها إلا طلقها فسألته في غلبة فقال: إذا طهرت فأعلميني، فلما أعلمته طلقها (^٣)، فهل طلاقه إلا بالآية التي عُلم الناس فيها الطلاق؟\nوقد ظن قوم أن رسول الله - ﷺ - خير نساءه في الطلاق (^٤)، وهذا ظن سوء أن يظنوا برسول الله - ﷺ - أنه مخير في طلاق يكون ثلاثا؛ لأن الخيار ثلاث تطليقات، وإنما خيرهم بين الدنيا والآخرة، فإن اخترن الآخرة كن على ما كن عليه، ولهن ما اخترن، وإن أردن الدنيا واخترنها طلقهن حينئذ طلاق السنة التي علمه الله، ألا ترى إلى قوله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (^٥) يريد فتعالين أي فعلن (^٦) ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٧) ألا ترى إلى جوابهن لما قلن: نختار الله ورسوله (^٨)، فهذا هدى فافهم.\n_________\n(^١) هي: تماضر بنت الأصبغ بن عمرو بن ثعلبة الكلبية، تزوجها عبد الرحمن بن عوف، وأولدها أبا سلمة، ثم طلقها فنكحها الزبير بن العوام. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٣٩٧) والإصابة (٨/ ٥٦).\n(^٢) أي حلف، وذلك أنه قال: والله لئن سألتني الطلاق لأطلقنك، فقالت: والله لأسألنك. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٣٩٧).\n(^٣) أخرجه مالك [باب طلاق المريض برقم ١١٨٥] والبيهقي [٧/ ٣٦٢ كتاب الخلع والطلاق، ما جاء في توريث المبتوتة].\n(^٤) ينظر كلام المؤلف عن هذه المسألة في سورة الأحزاب عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ آية: ٢٨.\n(^٥) سورة الأحزاب (٢٨).\n(^٦) كذا رسمت في الأصل، ولم يظهر لي الوجه فيها، وربما كانت: فقلن).\n(^٧) سورة الأحزاب (٢٩).\n(^٨) تقدم في الأحزاب، ص: ٥٢٣","vol":"1","page":1682},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (^١).\nجاء رجل من أشجع (^٢) إلى رسول الله - ﷺ - وكان ابنه أسيرا، فذكر الجهد، فقال له النبي - ﷺ -: ﴿اذهب فاصبر فأفلت ابنه من أيديهم وأتاه بغنيمة، فأتى النبي - ﷺ - فأخبره فنزلت ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (^٣)\nقال مسروق: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (^٤) يعني منتهى، ومن علم أن الله يعطيه ويمنعه فتوكل عليه رزقه من حيث لا يحتسب (^٥).\nوقال الربيع بن خيثم (^٦): ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (^٧) قال: من كل شيء ضاق عليه (^٨).\nوالآية توجب أن من توكل على الله وقوي رجاؤه له لم يخيبه، والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة الطلاق (٢ - ٣).\n(^٢) أورد في الدر المنثور (٨/ ١٩٦) وعزاه إلى ابن مردويه عن ابن عباس - ﵁ - أن الرجل المشار إليه هو: عوف بن مالك الأشجعي.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ١٣١) من طريق سالم بن أبي الجعد مرسلا، وقد أخرجه نحوه الحاكم [٢/ ٤٣٥ كتاب التفسير، سورة الطلاق] من طريق سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، قال الذهبي: بل منكر، وعباد رافضي جبل، وعبيد متروك، قاله الأزدي.\nوأخرج ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٥٩) عن محمد بن إسحاق مولى ابن قيس بن مخرمة بإسناد منقطع.\nوأشار السيوطي في الدر المنثور (٨/ ١٩٧) أن ابن مردوية أخرج نحوه عن ابن عباس، من طريق الكلبي عن أبي صالح.\n(^٤) سورة الطلاق (٣).\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ١٣٠) بنحوه.\n(^٦) هو: الربيع بن خيثم بن عائذ بن عبد الله الثوري، أبو يزيد الكوفي، أرسل عن النبي - ﷺ - قال له ابن مسعود: لو رآك رسول الله لأحبك، توفي سنة ٦٣. ينظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٤٥٣) وتهذيب التهذيب (٢/ ١٤٨).\n(^٧) سورة الطلاق (٢).\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٠٢) عن الثوري أنه بلغ عن الربيع بن خيثم، به.\nوأخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ١٣٠) من طريق الربيع بن منذر عن أبيه عن الربيع بن خيثم، به","vol":"1","page":1683},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>ومن سورة التحريم</span>.\n\nقوله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾\nإلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ (^١).\nقال ابن عباس: لبثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب - ﵁ - عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله - ﷺ -، فجعلت أهابه حتى نزل مَرّا (^٢)، ودخل في الأراك (^٣)، فلما خرج سألته فقال: عائشة وحفصة، ثم قال: إنا كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئا، فلما جاء الإسلام وذكرهن الله، رأينا لهن بذلك علينا\nحقا، من غير أن يدخلن في شيء من أمورنا، قال: فدخلت على\nامرأتي يوما فقالت لي شيئا أغضبني (^٤)، فقلت لها: وإنك\n_________\n(^١) سورة التحريم (١ - ٤).\n(^٢) أراد مر الظَهران، كما جاء مصرحا به عند مسلم [٢/ ٨٩٧ كتاب الطلاق] والطيالسي (١/ ٦) وأبي عوانة (٣/ ١٩٢)\nومَرّ الظهران: قرية تبعد عن مكة ستة عشر ميلا، بقربها واد يقال له: الظهران، تضاف له فيقال: مر الظهران، وفيه نزل النبي - ﷺ - عام الفتح في عشرة آلاف. ينظر: معجم البلدان (٤/ ٦٣) ومعجم ما استعجم (٤/ ١٢١٢).\n(^٣) قال ابن الأثير في غريب الحديث (١/ ٤٣): \" شجر معروف له حمل كعناقيد العنب \".\n(^٤) جاء في بعض ألفاظ مسلم [٢/ ١٤٧٩ كتاب الطلاق] بيان سبب ذلك على لسان عمر - ﵁ -، قال: (فبينما أنا في أمر أأتمره، إذ قالت لي امرأتي: لو صنعت كذا وكذا، فقلت لها: وما لكِ أنتِ ولما ها هنا، وما تكلفك في أمر أريده! فقالت لي: عجبا لك يا بن الخطاب، ما تريد أن تراجع أنت، وإن ابنتك لتراجع رسول الله - ﷺ - حتى يظل يومه غضبان) قال النووي (١٠/ ٨٥): \" قوله: فبينما أنا في أمر أأتمره، معناه: أشاور فيه نفسي وأفكر \" وفي لفظ عند الطبراني في الأوسط (٨/ ٣٢٣): (وإني أمرت غلمانا لي ببعض الحاجة فقالت امرأتي: بل اصنع كذا وكذا ..).","vol":"1","page":1684},{"text":"لهناك (^١)! فقالت: تقول هذا وابنتك تُغضب رسول الله - ﷺ -، فأتيت حفصة فقلت لها: إني أحذرك بأن تعصي الله رسوله - ﷺ - وتقدمت إليها في أذاه (^٢)، وأتيت أم سلمة فقالت: عجبا لك يا ابن الخطاب، لم يبق لك إلا أن تدخل بين رسول الله صلى الله عليه (^٣) وبين نسائه، وكان رجل من الأنصار إذا غاب وشَهِدتُ أتيته بما يكون من رسول الله، وإذا غبت وشهد أتاني بما يكون من رسول الله - ﷺ -، وكان من حول رسول الله - ﷺ - قد استقام إلا ملك غسان (^٤) بالشام، كنا نخاف أن يسير إلينا، فأتاني الأنصاري يوما فضرب علي الباب وقال: قد حدث أمر، قلت: أجاء الغساني؟ قال: لا، ولكن أعظم من ذلك، طلق رسول الله - ﷺ - نساءه، قال: فخرجت وإذا البكاء في حجرهن كلها، وإذا النبي - ﷺ - قد صعد مَشْرُبَته (^٥) وعلى الباب وصيف (^٦) فقلت: استأذن لي على رسول الله - ﷺ -، فاستأذن لي فإذا رسول الله - ﷺ - على حصير قد أثر في جنبه، وإذا تحت رأسه مِرْفَقة من أدم (^٧) حشوها ليف، وإذا أُهُب في البيت معلقة، وقَرَظ منبوذ (^٨)، فذكرت الذي قلت لحفصة وأم سلمة فضحك، فلبث بذلك تسعا\n_________\n(^١) قال العيني في عمدة القارئ (٢٢/ ٢٠): \" (وإنك لهناك) أي: إنك في هذا المقام، ولك جرأة أن تغلظي علي\".\n(^٢) قال ابن حجر في الفتح (١٠/ ٣١٥): \" وتقدمت إليها في أذاه، أي: أنذرتها من أذى رسول الله - ﷺ -، وما يقع من العقوبة بسبب أذاه \".\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ٣٠٠].\n(^٤) ذكر ابن حجر في الفتح (٧/ ٧٢٦): أنه جبلة بن الأيهم الغساني.\n(^٥) قال ابن الأثير في غريب الحديث (٢/ ٤٠٨): \" المشربة بالضم والفتح: الغرفة \".\n(^٦) قال ابن حجر في الفتح (١٠/ ٣١٥): \" بمهملة وفاء، وزن عظيم، وهو: الغلام دون البلوغ \".\n(^٧) قال ابن حجر في الفتح (١٠/ ٣١٥): \" مرفقة بكسر أوله، وسكون الراء، وفتح الفاء، بعدها قاف، ما يُرْتَفق به، وقد تقدم في الرواية الأخرى بلفظ: وسادة \".\n(^٨) القرظ هو: الأديم المدبوغ بالقَرَظ، وهو ورق السلم. ينظر: غريب الحديث (٤/ ٣٨).","vol":"1","page":1685},{"text":"وعشرين فنزل وأنبئت أن عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله لو شئت أخذت (^١) ذات الذنب منا بذنبها، قال: إذا أدعها كأنها شاة معطاء (^٢)؟ (^٣)\nولهذا الحديث أسانيد وفيه زيادات ونقصان، وفي بعضها فقلت لحفصة:؟ أتراجعين رسول الله - ﷺ -؟ قالت: نعم، قلت: وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم، قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر، أتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله - ﷺ - وإذا هي قد هلكت! لا تراجعي رسول الله - ﷺ - ولا تسأليه شيئا، وسليني ما بدا لك، ولا يغررك أن كانت جارتك هي أوسمُ وأحبُ إلى رسول الله - ﷺ - منك - يريد عائشة ـ؟ (^٤)\nوقيل في بعضها قال عمر:؟ والله لآتين أم سلمة فليس منهن أمس بي رحما (^٥) منها، فأتيتها فقلت تسألين رسول الله - ﷺ - ما لا يجد! والله ما أراك تنتهين حتى ينزل الله ﵎ بك قارعة، قالت: سبحان الله! ما لك وللدخول بين رسول الله - ﷺ - وبين أزواجه، بل أنت والله ما أراك تنتهي حتى ينزل الله ﷿ بك قارعة، فأتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: أطلقت نساءك؟ قال: لا، فأخبرته بما كان من شأني وشأن أم سلمة فضحك، فلما رأيت ضحكه وطيب نفسه قلت: يا نبي الله أنت بالمنزل الذي أنت به من الله، وأنت على ما أرى،\n_________\n(^١) في الأصل أَعْرَى كلمة: أخذت عن الهمز، وأثبت الهمز على نحو ما جاء في مسند أبي عوانه (٣/ ١٦٩).\n(^٢) الشاة المعطاء: هي التي سقط صوفها. ينظر: اللسان مادة: معط.\n(^٣) أخرجه بهذا السياق أبو عوانة (٣/ ١٦٨).\nوهو عند البخاري [١٢٥٢ كتاب اللباس، باب ما كان النبي - ﷺ - يتجوز من اللباس والبُسط] ومسلم [٢/ ٨٩٤ كتاب الطلاق] بنحوه، دون قول عائشة في آخره.\n(^٤) أخرجه مسلم [٢/ ٨٩٧ كتاب الطلاق] به.\n(^٥) وجه القرابة: أن والد أم سلمة سهيل بن المغيره بن عبد الله عم أم عمر - ﵁ -، وهي بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ١٤١) و(٨/ ٢٧٨).","vol":"1","page":1686},{"text":"وكسرى وقيصر على سرر الذهب، وفرش الديباج (^١)، فقال: يا عمر أولئك قوم عجل الله لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا؟ (^٢)\nوقيل في بعضها:؟ فدخلت على عائشة - وذلك قبل أن يوضع الحجاب - فقلت: يا ابنة أبي بكر بلغ من أمرك أن تؤذي نبي الله - ﷺ -! فقالت: يا بن الخطاب ما لي ولك، عليك بنفسك، فأتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: إن كنت طلقت (^٣) نساءك فإن الله ﵎ معك وملائكته وجبريل وميكال وأنا - أيضا - وأبو بكر والمؤمنون، فَصَدّق الله ﷿ قولي فأنزل الله ﵎: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ (^٤) إلى آخر الآية (^٥).\nوقالت عائشة:؟ لما نزل رسول - ﷺ - إلى نسائه أُمر أن يخيرهن، دخل عليّ فقلت: يا نبي الله إنك حلفت ألا تدخل علينا شهرا، وقد مضى تسعة وعشرون يوما؟ قال: إن الشهر يكون تسعة وعشرين، وقال: سأذكر لك أمرا فلا تعجلي حتى تستشيري أباك، فقلت: وما هو؟ فتلا علي آية التخيير إلى آخر الآيتين، فقلت: إني أختار الله ورسوله، فسر بذلك، وعرض على نسائه فتتابعن كلهن يخترن الله ورسوله - ﷺ -؟ (^٦)\nرويت هذه الأحاديث، وظن رواتها أن قول الله ﷿: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾ إنما كان لحلفه ألَّا يدخل عليهن شهرا، ورويت أحاديث: أن رسول الله - ﷺ - شرب عسلا، فقلن\n_________\n(^١) قال في اللسان مادة: دبج: \" الدَّبْجُ: النَّفْشُ والتزيين، فارسي معرب ... والدِّيباجُ: ضرب من الثياب، مشتق من ذلك \".\n(^٢) أخرجه البخاري [١٠٥٧ كتاب التفسير، سورة التحريم] بنحوه.\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ٣٠١].\n(^٤) سورة التحريم (٤).\n(^٥) أخرجه مسلم [٢/ ٨٩٥ كتاب الطلاق] بنحوه.\n(^٦) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٢٩٠) عن عائشة، به.\nوهو عند البخاري [٤٨٩ كتاب المظالم، باب الغرفة والعُلية المشرفة وغير المشرفة] ومسلم [٢/ ٨٩٢ كتاب الطلاق] عنها، بنحوه.","vol":"1","page":1687},{"text":"له بعض نسائه: نشم منك ريح مغافير (^١) فحلف ألا يشرب العسل (^٢)، وجميعا لم تنزل آية التحريم فيهما.\nوروت الجماعة الكثيرة: أن النبي - ﷺ - حرم جاريته، وحلف بيمين مع التحريم، فعاتبه الله ﷿ في التحريم، وأمره بكفارة اليمين (^٣).\nوروى بعضهم:؟ أن النبي - ﷺ - دخل بيت حفصة وليست فيه، فجاءته فتاته فألقى عليها الستر، فجاءته حفصة فقعدت على الباب، حتى قضى رسول - ﷺ - حاجته، فقالت: والله لقد سؤتني أجامعتها في بيتي! قال: فحرمها أو كما قال؟ (^٤).\nوروى ابن عباس:؟ أن نبي الله - ﷺ - وقع على أمة له (^٥) في بيت حفصة، فقالت له: كنت أهون نسائك عليك، فقال: لا تخبري أحدا، فحرمها، فقالت: تحرم ما أحل الله لك!\n_________\n(^١) قال ابن حجر في الفتح (٩/ ٣٧٧): \" صمغ حلو له رائحة كريهة، وذكر البخاري أن المغفور شبيه بالصمغ يكون في الرِمْث بكسر الراء وسكون الميم بعدها مثلثة، وهو من الشجر التي ترعاها الإبل، وهو من الحمض وفي الصمغ المذكور حلاوة .. \"\n(^٢) يشير إلى ما أخرجه البخاري [١١٤٢ كتاب الطلاق، باب لم تحرم ما أحل الله لك] ومسلم [٢/ ٨٩١ كتاب الطلاق] من حديث عائشة ﵂: أن النبي - ﷺ - كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا، فتواصيت أنا وحفصة: أن أيتنا دخل عليها النبي - ﷺ - فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما، فقالت له ذلك، فقال: لا، بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش، ولن أعود له، فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾.\n(^٣) روي عن: عائشة، وزيد بن أسلم، ومسروق، والضحاك، وقتادة. ينظر: تفسير عبد الرزاق (٣/ ٣٠١) وتفسير الطبري (١٢/ ١٤٧).\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ١٤٩) من حديث أبي عثمان به.\n(^٥) جاء في بعض الروايات عند البيهقي [٧/ ٣٥٣ كتاب الخلع والطلاق، باب من قال لأمته: أنت علي حرام] أنها مارية القبطية، أم إبراهيم.","vol":"1","page":1688},{"text":"فقال: لا تخبري أحدا فوالله لا أمر بها، قال: فحدثني عمر أن حفصة لم تقر حتى أخبرت عائشة فتظاهرتا على رسول الله - ﷺ -؟ (^١).\nوقال مسروق: إنما كَفّر رسول الله للإيلاء ولم يكفر للحرام، وقال: إن رسول الله - ﷺ - آلى وحرم (^٢)، يريد حلف وحَرَّمَ، فقيل له: أما الحرام فحلال وأما اليمين فقد فرض الله لكم تحلة أيمانكم.\nذكر بعضهم: أن النبي - ﷺ - حرم جارية له (^٣).\nوقال بعضهم: حرم شرابا (^٤).\nوالحكم في ذلك واحد؛ لأن الأَمَةَ لا يكون فيها طلاق ولا تحرم، كما لا يحرم الشراب، ولعل القصتين جميعا قد كانتا، إلا أن أمر الجارية أشبه لقوله سبحانه: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ (^٥) ولقوله عز من قائل: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ (^٦) فكان ذلك في الأمة أشبه؛ لأن الرجل يغشى أمته في ستر ولا يشرب العسل في ستر؛ ولأن تحريم الأمة فيه مرضاة لهن (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ١٤٩) والدارقطني [٤/ ٤١ كتاب الطلاق والخلع والإيلاء] والبيهقي [٧/ ٣٥٢ كتاب الخلع والطلاق، باب من قال لأمته: أنت علي حرام] من حديث ابن عباس - ﵁ -، بنحوه.\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ١٤٧) والبيهقي [٧/ ٢٥٣ كتاب الخلع والطلاق، باب من قال لأمته: أنت علي حرام].\n(^٣) تقدم ذكر رواية ابن عباس الدالة على هذا، وممن قال به - أيضا - قتادة، ومجاهد، وعطاء، والحسن. ينظر: تفسير الطبري (١٢/ ١٤٨) وأحكام القرآن للجصاص (٥/ ٣٦٢).\n(^٤) روي ذلك عن: عبد الله بن شداد، وابن أبي مليكة. ينظر: تفسير الطبري (١٢/ ١٥٠).\n(^٥) سورة التحريم (١).\n(^٦) سورة التحريم (٣).\n(^٧) وهذا التعليل الذي ساقه المؤلف، لترجيح نزول الآية في شأن تحريم النبي - ﷺ - لجاريته، قد أورده الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٣٦٢) مستظهرا - كما المؤلف - أن تكون الآيات نزلت لهذا السبب، على أن ابن حجر ﵀ ساق في الفتح (٩/ ٢٩٠) عددا من الروايات في سبب نزول الآيات، ثم أعقبها بقوله: ويحتمل أن يكون مجموع هذه الأشياء كان سببا لاعتزالهن، وهذا هو اللائق بمكارم أخلاقه - ﷺ -، وسعة صدره، وكثرة صفحه، وأن ذلك لم يقع منه حتى تكرر موجبه منهن - ﷺ - ورضى عنهن، ... والراجح من الأقوال كلها قصة مارية؛ لاختصاص عائشة وحفصة بها، بخلاف العسل فإنه اجتمع فيه جماعة منهن - كما سيأتي - ويحتمل أن تكون الأسباب جميعها اجتمعت، فأشير إلى أهمها، ويؤيده شمول الحلف للجميع - يريد الإيلاء - ولو كان مثلا في قصة مارية فقط؛ لاختص بحفصة وعائشة.","vol":"1","page":1689},{"text":"وقال بعضهم: حرم فأمر بالكفارة (^١).\nوقال بعضهم: حرم وحلف (^٢)، فقد يمكن أن يكون حرمها بيمين بالله، ويمكن أن يكون حرمها وحلف.\nوقال همام بن (^٣) الحارث (^٤): إن ابن مُقَرِّن (^٥) سأل ابن مسعود قال: إني حلفت ألا أنام على فراشي سنة، فتلا عبد الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ (^٦) كفر عن يمينك ونم على فراشك (^٧).\nفإذا قال الرجل لامرأته: أنت علي حرام فلم يحلف، وإنما أوجبه على نفسه شيئا، وإذا قال لأمته: أنت علي حرام ولم يحلف (^٨)، والحلال لا ينتقل حراما بتحريم من\n_________\n(^١) هذا معنى ما روى مسلم [٢/ ٨٩١ كتاب الطلاق] عن ابن عباس - ﵁ - قال: إذا حرم الرجل عليه امرأته، فهي يمين يكفرها، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.\n(^٢) أخرجه في المدونة (٣/ ١٠٧) عن الشعبي.\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ٣٠٢].\n(^٤) هو: همام بن الحارث بن قيس بن عمرو النخعي، الكوفي، روى له الجماعة ووثقه ابن معين وابن حبان، توفي سنة ٦٥ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٤٢٢) وتهذيب الكمال (٣٠/ ٢٩٧).\n(^٥) هو: معقل بن مقرن المزني، أخو النعمان بن مقرن، يكنى أبو عمرة، صحب النبي - ﷺ - وروى عنه أحاديث، سكن الكوفة وصحب عبد الله بن مسعود. ينظر: الاستيعاب (٣/ ١٤٣٢) والإصابة (٦/ ١٤٥).\n(^٦) سورة المائدة (٨٧)، في الأصل سقط قوله: طيبات.\n(^٧) أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٣٤٠) من طريق همام بن الحارث، به.\n(^٨) أي لم يحلف على تحريمها.","vol":"1","page":1690},{"text":"أُحل له، ولم يجعل الله تحريمه من الباب الذي تحرم به الحرة؛ لأن الحرة تحرم بالتحريم (^١)، قال الله ﷿: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ (^٢) وما لا يحل فهو الحرام، والأمة لا تحرم إلا بالعتق (^٣)، فلما نهى الله ﵎ عن تحريم ما أحل الله، وسمى المحرم معتديا، رد عداه على نفسه، ولم يحرم ما أحل الله، إلا أن يكون إنسانا علم بُغية النبي - ﷺ - في التحريم (^٤)، إذ في التعريض مندوحة، فيقول في الأمة: هي علي حرام يرضي زوجته، وهو يعلم أنها لا تحرم، ألا ترى أن عائشة وحفصة ﵄ قالتا: كيف تحرم وهي أمة (^٥).\n_________\n(^١) أصل هذه المسألة: أن المالكية قرروا أن تحريم المرء لشيء ما، لا عبرة به ولا يعد شيئا، واستثنوا من ذلك تحريمَ الرجلِ امرأته، فأوجبوا به الطلاق، وجعلوا ذلك حكما خاصا بالزوجة يخالف الأصل، لِمَا أنزله تعالى من أحكام خاصة في الطلاق والظهار، والأمة لَمّا لم تكن زوجة لم يشملها هذا الحكم، بل هي ترجع إلى الأصل، فلا يعد تحريمها شيئا، قال في المدونة (٣/ ١٠٦): \" أرأيت إن قال: الحِلُّ علي حرام إن فعلت كذا وكذا، أترى هذا يمينا؟ قال: لا يكون في الحرام يمين، قال لي مالك: لا يكون في الحرام يمين في شيء من الأشياء، لا في طعام، ولا في شراب، ولا في أم ولد إن حرمها على نفسه، ولا خادمه، ولا عبده، ولا فرسه، ولا في شيء من الأشياء، إلا أن يحرم امرأته، فيلزمه الطلاق، وإنما ذلك في امرأته وحدها \" ينظر - أيضا ـ: أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ٢٩٥).\n(^٢) سورة البقرة (٢٣٠).\n(^٣) وكذلك إذا زوجها، فإنها تحرم عليه، فلا يحل له وطؤوها ولا الاستمتاع بها.\n(^٤) أي علم نية ومقصد النبي - ﷺ - لما حرم أمته، على ما ورد في سبب نزول الآيات.\n(^٥) تقدم نحو ذلك فيما رواه ابن عباس - ﵁ - ص ٤٤١، وقد أخرج الطبري في تفسيره (١٢/ ١٤٨) عن ابن زيد - وفيه - فقال لها رسول الله - ﷺ -: اسكتي لا تذكري هذا لأحد، هي علي حرام إن قربتها بعد هذا أبدا، فقالت: يا رسول الله وكيف تحرم عليك ما أحل الله لك، حين تقول: هي علي حرام أبدا؟ فقال: والله لا آتيها أبدا.","vol":"1","page":1691},{"text":"وروي عن ابن عباس: أنه حلف عند هذا القول منهما (^١) - وهو أولى بأن يعلم ما علمناه - فلما قالتا ذلك قال: والله لا وطئتها، فأنزل الله ﷿: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (^٢) فأُمر بالكفارة عن يمينه، وعُرِّف أن التحريم لا يقع فيما أحل الله ﵎ ليعلمه سائر الناس فيعلمونه، والقائل الآن لأمته: أنت حرام، يدخل في باب الإيجابات (^٣).\nحدثنا أشياخنا وأحمد بن موسى (^٤) وجماعة، عن عمرو بن مرزوق (^٥) عن مالك بن أنس، عن طلحة بن عبد الملك (^٦)، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله - ﷺ -:؟ من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله؛ فلا يعصه؟ (^٧) فمن حرم أمته لم يلزمه شيء؛ لأنه أوجب ما لا رضى لله فيه، والله أعلم.\n_________\n(^١) يريد: أن النبي - ﷺ - لما حرم أمته، حلف على ذلك لحفصة أو لعائشة ﵄، على ما تقدم من رواية ابن عباس - ﵁ - ص ٤٤١.\n(^٢) سورة التحريم (٢).\n(^٣) قوله: يدخل في باب الإيجابات، كذا في الأصل، وسياق الكلام يقتضي زيادة أداة نفي، ليكون الكلام: لا يدخل في باب الإيجابات.\n(^٤) هو: السامي، تقدم.\n(^٥) هو: عمرو بن مرزوق الباهلي، يقال: مولاهم، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث عن شعبة، توفي بالبصرة سنة ٢٢٤ هـ. طبقات ابن سعد (٧/ ١٥٢) وتهذيب التهذيب (٤/ ٣٦١).\n(^٦) هو: طلحة بن عبد الملك الأيلي، روى عن القاسم بن محمد وروى عنه الأوزاعي ومالك، قال ابن سعد: كان ثقة. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٢٤٠) وتهذيب التهذيب (٣/ ١٦).\n(^٧) أخرجه البخاري [١٣٠٨ كتاب الأيمان والنذور، باب النذر فيما لا يملك وفي معصية] من طريق مالك به.","vol":"1","page":1692},{"text":"وقد زعم قوم أن التحريم يمين (^١)، وأن من حرم امرأته فعليه كفارة، تشبيها عندهم بالأمة، فسلكوا مسلكا وعرا، ووضعوا الأمر في غير موضعه، قال الله ﵎: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ (^٢) يريد ما حل لكم من النساء، وقال لنبيه - ﷺ -: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ (^٣) ثم جعل الله ﵎ للرجل يريد أن يحرم امرأته فقال - عز من قائل ـ: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ (^٤) وقال سبحانه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (^٥) فالتحليل عقد النكاح، والتحريم الخلع والمبارأة (^٦)، وغير ذلك مما قد أُجْمِع على أنه يحرم ما استحله بالعقد، فجعلت هذه الأشياء أسماء للتحريم، والتحريم هو القصد بالأسماء وما ينضاف إليها، فإذا قال الرجل لامرأته: أنت علي حرام فقد أتى بأقصى الأشياء وهو ما الأسماء تقتضيه، ألا ترى الله ﷿ قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعني الثالثة: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (^٧) وما لا يحل فهو (^٨) المحرم، فإذا قال: أنت علي حرام، فقد جعلها التي لا تحل له، فكيف يجوز أن ينقل ما جعله الله لا يحل إلا بعد زوج، إلى التحليل بإطعام عشرة مساكين، هذا ما يستحيل في العقل (^٩).\nقال علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت: الحرام ثلاث (^١٠)، وقاله السبعة - فقهاء المدينة - وغيرهم، وهو قول مالك بن أنس - ﵁ - (^١١).\nقال الله ﵎: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (^١٢).\nروي أن النبي - ﷺ - سئل عنها فقيل:؟ نقي أنفسنا، فكيف بأهلينا؟ فقال: تأمرونهن بطاعة الله وتنهونهن عن معاصي الله؟ (^١٣).\n_________\n(^١) هو قول عمر بن الخطاب، وعائشة، وابن عباس، وسعيد بن المسيب - ﵁ -، وقال ابن مسعود والحسن: هي يمين إلا إن نوى طلاقا، أخرجه عنهم عبد الرزاق [٦/ ٣٩٩ كتاب الطلاق، باب الحرام] وابن أبي شيبة [٤/ ٩٦ كتاب الطلاق، من قال: الحرام يمين وليست بطلاق] والبيهقي [٧/ ٣٥٠ كتاب الطلاق والخلع، باب من قال لامرأته: أنت علي حرام].\nوهو قول الأحناف والحنابلة - في رواية - ينظر: مختصر اختلاف العلماء (٢/ ٤١٣) وأحكام القرآن للجصاص (٥/ ٣٦٢) والاستذكار (٦/ ١٩) وبداية المجتهد (١/ ٣١٠) والإنصاف (٨/ ٤٨٦).\n(^٢) سورة النساء (٣).\n(^٣) سورة الأحزاب (٥٠).\n(^٤) سورة النساء (٢٠).\n(^٥) سورة الطلاق (١).\n(^٦) الخلع: تقدم تعريفه ص ٣٩٩.\nالمبارأة: قال في القاموس مادة: برأ: \" بارأ: المرأة صالحها على الفراق\"، قال الجرجاني في التعريفات: \"المبارأة بالهمزة وتركها خطأ، وهي أن يقول لامرأته: برئت من نكاحك بكذا، وتقبله هي\" وفي المدونة (٤/ ٢٣٥) ذكر صورة للمبارأة، قال: \" المبارأة: التي تبارئ زوجها قبل أن يدخل بها، فتقول: خذ الذي لك وتاركني، ففعل فهي طلقة \".\n(^٧) سورة البقرة (٢٣٠).\n(^٨) لوحة رقم [٢/ ٣٠٣].\n(^٩) هذا في سياق الرد على القائلين بأن التحريمَ يمينٌ - على ما تقدم - فكفارته كفارة يمين.\n(^١٠) يريد أنها ثلاث تطليقات.\nوالأثر عنهما أخرجه عبد الرزاق [٦/ ٤٠٣ كتاب الطلاق، باب الحرام] وابن أبي شيبة [٤/ ٩٥ كتاب الطلاق، ما قالوا في الحرام، من قال لها أنت علي حرام ..].\n(^١١) لم أقف على من نسب للفقهاء السبعة هذا القول، وكتب الخلاف تذكر هذا القول وتعزوه إلى علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت ومالك بن أنس - ﵁ -.\nينظر: المدونة (٣/ ١٠٦) مختصر اختلاف العلماء (٢/ ٤١٣) وأحكام القرآن للجصاص (٥/ ٣٦٢) والاستذكار (٦/ ١٦) وبداية المجتهد (١/ ٣١٠) وأحكام القرآن لابن العربي (٤/ ٢٩٥) والجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٧٣).\n(^١٢) سورة التحريم (٦).\n(^١٣) أورده في الدر المنثور (٨/ ٢٢٥) بنحوه، من حديث زيد بن أسلم، وعزاه إلى ابن مردويه.","vol":"1","page":1693},{"text":"وقال علي بن أبي طالب - ﵁ -: أدبوهم وعلموهم (^١).\nوقال الحسن ومجاهد نحو ذلك (^٢).\nقال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (^٣).\nقال النعمان بن بشير (^٤): سمعت عمر بن الخطاب ﵀ يقول: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ قال: أن يعمل الرجل العمل السيء فيجتنبه (^٥) فلا يعود إليه (^٦).\nوقال عبد الله بن مسعود: النصوح الذي لا يعود في ذنبه (^٧).\nوقال ابن عباس: التوبة النصوح تكفر كل سيئة (^٨).\nوقال الحسن ومجاهد: يتوب من الذنب ثم لا يعود (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٠٣) والطبري في تفسيره (١٢/ ١٥٧) والحاكم [٢/ ٥٣٦ كتاب التفسير، سورة التحريم] وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبيهقي في الشعب (٦/ ٤١١) بنحوه.\n(^٢) قول الحسن أخرجه ابن أبي الدنيا في العيال (٢/ ٤٩٦).\nوأما قول مجاهد فقد أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ١٥٧).\n(^٣) سورة التحريم (٨).\n(^٤) هو: النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي أبو عبد الله الأنصاري، قيل: كان أول مولد للأنصار بعد الهجرة، روى عن النبي - ﷺ -، وتولى إمرة الكوفة وحمص، وكان قاضيا خطيبا، قتل سنة ٦٥ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٨٧) والإصابة (٦/ ٣٤٦).\n(^٥) في الأصل غير واضح، وقد أثبت ما يقرب من الخط والسياق.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٠٣) وابن أبي شيبة [٧/ ٩٩ كتاب الزهد، كلام عمر بن الخطاب] والطبري في تفسيره (١٢/ ١٥٨) والحاكم [٢/ ٥٣٧ كتاب التفسير، سورة التحريم].\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ١٠٧ كتاب الزهد، كلام ابن مسعود] وأحمد (١/ ٤٤٦) والطبري في تفسيره (١٢/ ١٥٨) بنحوه.\n(^٨) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ١٥٨) بنحوه.\n(^٩) قول الحسن أورده في الدر المنثور (٨/ ٢٢٧) وعزاه إلى عبد بن حميد.\nوأما قول مجاهد، فقد أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ١٥٩) بنحوه.","vol":"1","page":1694},{"text":"قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (^١).\nقال الحسن: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بالحدود (^٢)، وقال قتادة مثله (^٣).\nوقال غيرهما: ما مات رسول الله - ﷺ - حتى أُذن له في قتال المنافقين وقتلهم، وكان ذلك مع الأجل (^٤) حين كثر المسلمون.\n\nليس في تبارك الذي بيده الملك ونون والقلم شيء (^٥).\n_________\n(^١) سورة التحريم (٩).\n(^٢) تقدم تخريجه في سورة التوبة آية (٧٣).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦/ ١٧٥٠).\n(^٤) أي: مع قرب أجل النبي - ﷺ - لقوله: ما مات رسول الله - ﷺ -، وقوله: حين كثر المسلمون.\n(^٥) لم يتكلم المؤلف ﵀ عن سورة الحاقة، ولم يشر إليها، كما فعل هنا في سورة الملك والقلم، ولعل ذلك وقع سهوا.","vol":"1","page":1695},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>ومن سورة سأل سائل</span>.\n\nقال الله ﵎: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (^١).\nأخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأتفوي، قال: أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءة عليه في منزله بمصر، عام إحدى (^٢) وأربعين وثلاثمائة وأنا أسمع، قال: قال عقبة بن عامر (^٣): هم الذين لا يلتفتون يمينا ولا شمالا (^٤).\nوقال ابن عباس - ﵁ -: هم المداومون على الصلوات الخمس (^٥).\nوقال ابن مسعود: الدائمون والمحافظون على أوقاتها، فأما تركها فكفر (^٦).\nوقال مسروق: دائمون وحافظون على مواقيتها، والسهو عنها ترك وقتها (^٧).\n_________\n(^١) سورة المعارج (٢٣).\n(^٢) كذا في الأصل: عام إحدى، ومقتضى قواعد النحو: عام واحدِ وأربعين، أو سنة إحدى وأربعين.\n(^٣) هو: عقبة بن عامر بن عبس الجهني، روى عن النبي - ﷺ - كثيرا من الأحاديث وكان فقيها قارئا، شهد الفتوح، وتولى ولاية مصر، وشهد صفين مع معاوية، وتوفي في آخر خلافته. ينظر طبقات ابن سعد (٤/ ٤٨٩) والإصابة (٤/ ٤٢٩).\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٢٥) وابن أبي حاتم (٣٣٧٤) بنحوه.\n(^٥) لم أجده.\n(^٦) أخرجه ابن الجعد في مسنده (١/ ٢٨٥) والطبراني في الكبير (٩/ ١٩١) والأوسط (٢/ ٣٨٦)، وسياق المؤلف له مختصر.\nوقد أورده ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٢٣٠) وذكر أن القاضي إسماعيل رواه بسنده، قال: \" ذكر إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن أبي بكر، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا المسعودي، قال: أنبأني الحسن بن سعد، عن عبد الرحمن بن عبد الله، قال: قيل لعبد الله: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ فقال: عبد الله على مواقيتها، فقال: ما كنا نرى إلا أن تُترك، فقال عبد الله: تركها الكفر \".\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة [١/ ٢٨٠ كتاب الصلوات، من قال أفضل الصلاة لميقاتها] الطبري في تفسيره (١٢/ ٧٠٧) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٦٨) بنحوه.","vol":"1","page":1696},{"text":"وقال مجاهد: المكتوبة (^١).\nوقال شبل (^٢): يداوم على مواقيتها وحدودها (^٣).\nقال الله عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ (^٤).\nقال محمد بن سيرين: الزكاة (^٥).\nوقال مجاهد: سوى الزكاة (^٦).\nوقال إبراهيم (^٧): كانوا يرون في المال حقا سوى الزكاة (^٨)، وقال عامر (^٩)\n\nمثله (^١٠).\n_________\n(^١) لم أجده.\n(^٢) هو: شبل بن عباد المكي القارئ، روى عن زيد بن أسلم وروى عنه ابن عيينة وابن المبارك، وثقه أحمد وابن معين، توفي سنة ١٤٨ هـ. ينظر: الكاشف (٢/ ٤) وتهذيب التهذيب (٢/ ٤٧٤).\n(^٣) لم أجده.\n(^٤) سورة المعارج (٢٤).\n(^٥) أورده في زاد المسير ص ١٣٤٨، والجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٩٧).\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة [٢/ ٤١١ كتاب الزكاة، من قال: في المال حق سوى الزكاة] به.\nوأورده ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٣١١) بسند القاضي إسماعيل، قال: \" ذكر إسماعيل القاضي قال: حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن منصور وابن أبي نجيح، عن مجاهد\" فذكره.\n(^٧) هو: النخعي، تقدم.\n(^٨) أخرجه ابن أبي شيبة [٢/ ٤١١ كتاب الزكاة، من قال: في المال حق سوى الزكاة] به.\n(^٩) هو: الشعبي، تقدم.\nوأورده ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٣١٢) بسند القاضي إسماعيل، قال: \" وحدثنا أبو بكر وعلي، قالا: حدثنا ابن فضيل، عن بيان، عن عامر، قال: في المال حق سوى الزكاة \".\n(^١٠) أخرجه ابن أبي شيبة [٢/ ٤١١ كتاب الزكاة، من قال: في المال حق سوى الزكاة] به.","vol":"1","page":1697},{"text":"وروى (^١) ... قَزَعَة (^٢) عن ابن عمر مثله، وقال: أد الزكاة إلى السلطان (^٣).\nوقال عطاء: سوى الزكاة (^٤)، وقاله الحسن (^٥).\nوقال جماعة كما قال ابن سيرين (^٦)، ولا نعلم معلوما غير الزكاة، وليس على الناس بعدها فرض معلوم، فإذا حدثت حوادث وجب على الناس القيام بها، نحو الضيف ينزل بالإنسان، ونحو المضطر، والميت لا يكون له كفن، وما أشبه ذلك من النوازل التي ليس لها حد معلوم، ولا وقت موصوف، وإنما يجب عند الضرورات إذا نزلت، وبعد ذلك فينبغي أن يقدم الإنسان لنفسه فإنه قال ﷿: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ (^٧) وقال في النفقة في سبيل الله: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٨).\nوقال ﵎: ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (^٩).\nروي عن ابن عباس - ﵁ -: السائل الذي يسألك، والمحروم: المُحَارَف (^١٠)، ومثله عن عائشة (^١١).\n_________\n(^١) لوحة رقم [٢/ ٣٠٤].\n(^٢) هو: قزعة بن يحيى، ويقال: ابن الأسود، أبو الغادية البصري، مولى زياد بن أبي سفيان، ويقال: مولى عبد الملك، روى عن ابن عمر وعبد الله بن عمرو، وعنه قتادة ومجاهد، قال العجلي: بصري تابعي ثقة. ينظر: الكاشف (٢/ ٣٤٤) وتهذيب التهذيب (٤/ ٥٣٢).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة [٢/ ٤١١ كتاب الزكاة، من قال: في المال حق سوى الزكاة] به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة - الإحالة السابقة - بمعناه.\nوأورده ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٣١٢) بسند القاضي إسماعيل، قال: \" وحدثنا أبو بكر، قال: حدثنا ابن علية، عن أبي حيان، قال: حدثنا مزاحم بن زفر، قال: كنت جالسا عند عطاء فأتاه أعرابي فسأله: إن لي إبلا فهل علي فيها حق بعد الصدقة؟ قال: نعم \".\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة - الإحالة السابقة - به.\nوأورده ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٣١١) بسند القاضي إسماعيل، قال: \" وحدثنا أبو بكر، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن هشام، عن الحسن، قال: في المال حق سوى الزكاة \".\n(^٦) ينظر: الاستذكار (٥/ ١٠) والجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٩٧).\n(^٧) سورة البقرة (٢٤٥).\n(^٨) سورة البقرة (٢٦١).\nاختار المؤلف ﵀ أن الآية في الزكاة، معللا ذلك: بأن الحق المعلوم لا يعرف في غير الزكاة، يريد بذلك أن الزكاة معلومة القدر والجنس والصفة، أما ما سواها مما ذكره أهل العمل، فليس حقا معلوما مقدرا، وهذا التعليل احتج به - أيضا - ابن العربي لما رحج أن الآية في الزكاة، قال: \" والحق المعلوم هي الزكاة، التي بين الشرع قدرها وجنسها ووقتها، فأما غيرها لمن يقول به، فليس بمعلوم؛ لأنه غير مقدر ولا مجنس ولا مؤقت \". أحكام القرآن (٤/ ١٦٦).\n(^٩) سورة المعارج (٢٥).\n(^١٠) قال في لسان العرب مادة: حرف، موضحا هذه الكلمة واختلاف أهل العلم فيها: \" حَرَف عن الشيء، يَحرِف حرْفا، وانحرف وتحرف واحرورف: عدل، ... والمُحارف الذي لا يصيب خيرا من وجه توجه له، والمصدر الحِرَاف، والحُرْف: الحرمان ... ويقال للمحروم الذي قُتِّر عليه رزقه مُحارَف، وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ أن السائل هو الذي يسأل الناس، والمحروم هو المُحارَف الذي ليس له في الإسلام سهم ... وقيل: المحارف - بفتح الراء - هو المحروم المحدود، الذي إذا طَلَب فلا يُرْزَق، أو يكون لا يسعى في الكسب ... وقد حُورِف كسب فلان: إذا شدد عليه في معاملته، وضيق في معاشه، كأنه ميل برزقه عنه، من الانحراف عن الشيء وهو الميل عنه \".\nوالأثر عن ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٤٩٤ كتاب السير، من قال: ليس له شيء إذا قدم بعد الوقعة] والطبري في تفسيره (١٢/ ٢٣٧) به.\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣١٢) بمعناه.","vol":"1","page":1698},{"text":"وقال إبراهيم (^١): جاء رجل بعد وقعة الجمل (^٢) فقال علي: هذا المحروم، فاقسموا له، وكان علي ﵀ يوم الجمل طلب أصحابه منه المغنم فمنعهم، وقال من عرف شيئا فليأخذه، وقسم لأصحابه خمسمائة خمسمائة، فجاء هذا الرجل بعد القسم، فقال علي: هذا المحروم فاقسموا له (^٣).\nوكان الخوارج الذين حاربهم بالنَهْرَوان قالوا له: نطلب منك سيرة العمرين - عنوا: أبا بكر وعمر - وقالوا له: لم حكمت إن كنت على الحق؟ وقد كان أبى أن يحكم، فهم طالبوه بذلك، وقالوا له: لِم تقسم (^٤) غنائم الجمل؟ فقال لهم في ذلك: أيكم كان يأخذ أمه في سهمه - يعني عائشة رحمها الله - ولم ير في شيء من أموال المسلمين غنيمة (^٥).\nوقال الله ﷿: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية (^٦) فإذا كان المؤمن أخا المؤمن؛ فكيف يجوز له أن يأخذ ماله وهو عليه حرام.\n_________\n(^١) هو: النخعي، تقدم.\n(^٢) وقعة الجمل: هي معركة وقعت بالبصرة سنة ٣٦ هـ، ظهر فيها علي بن أبي طالب، على من خرج مطالبا بدم عثمان، كالزبير وطلحة، وكانت أم المؤمنين عائشة ﵂ في جملتهم، وإلى جملها الذي كانت تركبه أثناء الحرب، تنسب المعركة، ﵃ أجمعين. ينظر: تاريخ الطبري (٣/ ٤٠) والبداية والنهاية (٧/ ٢٤١).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٤٩٤ كتاب السير، من قال: ليس له شيء إذا قدم بعد الوقعة] والطبري في تفسيره (١٢/ ٢٣٨) ولفظه عند الطبري: إن ناسا قدموا على علي - ﵁ - الكوفة بعد وقعة الجمل، فقال: اقسموا لهم، وقال: هذا المحروم.\nوأما خبر قسمه لأصحابه خمسمائة خمسمائة، فقد أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ٥٣٥ كتاب الجمل، في مسير عائشة وطلحة]\n(^٤) كذا في الأصل، والسياق يقتضي زيادة: لم، لتكون العبارة: لِمَ لمَ تقسم.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ٥٣٧ كتاب الجمل، في مسيرة عائشة وطلحة]\n(^٦) سورة الحجرات (٩).","vol":"1","page":1699},{"text":"قال زيد بن وهب: كنت مع علي (^١) فكف عن طلحة والزبير وأصحابهم، ودعاهم حتى بدأوه فقاتلهم بعد الظهر، فما غربت الشمس وحول الجمل عين تطرف، ممن كان يذب عنه، فقال علي ﵀: لا تتبعوا مدبرا، ولا تتموا على جريح، فجاءوا الغد يكلمون عليا في الغنيمة، فقال: قال الله ﷿: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ! خُمُسَهُ﴾ (^٢) فأيكم لعائشة؟ فقالوا: سبحان الله أُمُّنا! فقال علي: أحرام هي؟ قالوا: نعم، قال: فإنه يحرم من بناتها ما يحرم منها، يا قُنْبُر (^٣) ناد: من عرف شيئا فليأخذه، قال زيد: فرد ما كان في العسكر وغيره (^٤).\nوقال الحسن: لم يأخذ علي يوم الجمل شيئا مما في العسكر ولا غيره (^٥).\n\nوقال إبراهيم (^٦): المحروم الذي ليس له في الغنيمة شيء (^٧).\nوقال ابن المسيب، وعطاء: المحروم المحارَف في الرزق والتجارة (^٨).\nوقال ابن عباس في رواية (^٩) أخرى: هو الفقير الذي يخرج في الناس وهو متعفف (^١٠).\n_________\n(^١) يريد في وقعة الجمل.\n(^٢) سورة الأنفال (٤١).\n(^٣) هو: قنبر مولى علي بن أبي طالب، روى عن علي بن أبي طالب، وروى عنه سَقْط. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٤٧٥) والجرح والتعديل (٧/ ١٤٦).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ٥٤٦ كتاب الجمل، مسيرة عائشة وطلحة والزبير] به.\n(^٥) لم أجده، وفي معناه جملة من الآثار عن بعض السلف، أخرجها ابن أبي شيبة [٧/ ٥٣٦ كتاب الجمل، في مسير عائشة وعلي وطلحة والزبير - ﵃ -].\n(^٦) هو: النخعي، تقدم.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٤٩٤ كتاب الجمل، من قال: ليس له شيء إذا قدم بعد الوقعة] والطبري في تفسيره (١٢/ ٢٣٨) به.\n(^٨) أخرجه عنهما الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٣٧) بمعناه.\n(^٩) لوحة رقم [٢/ ٣٠٥].\n(^١٠) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٣٧) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣١٢) بمعناه.","vol":"1","page":1700},{"text":"وقال القرظي: المحروم الذي لا ينبت زرعه، وذكر: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (^١)، وقال زيد بن أسلم نحو ذلك (^٢).\nوقال ابن شهاب: المحروم الذي لا يسأل ولا يُعرف مكانه (^٣).\nوقال مالك: هو عندي الفقير الذي يحرم الرزق (^٤).\nوالله أعلم بما أراد من ذلك، وكل قد أتى بما يشبه، والمحروم من حبس عنه الرزق بأي سبب كان (^٥).\n_________\n(^١) سورة الواقعة (٦٣ - ٦٧).\nوالأثر عن القرظي أورده في الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٤٢) بمعناه.\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٤٥٩).\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٣٥٨).\n(^٤) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ١٦٦) والجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٤٢).\n(^٥) اختار المؤلف بقاء الآية على عمومها، تبعا لقول مالك - رحمهما الله - ولذلك قال: والمحروم من حبس عنه الرزق بأي سبب كان، وهذا يشمل ما نقله عن السلف في معنى الآية، وهو - أيضا - اختيار ابن العربي في أحكام القرآن (٤/ ١٦٦) وعلل ذلك بقوله: \" إذ يقتضي هذا التقسيم - أي ما ورد في الآية من تقسيم المحتاج إلى سائل ومحروم - أن المحتاج إذا كان يسأل فالقسم الثاني هو الذي لا يسأل، ويتنوع أحوال المتعفف، والاسم يعمه كله، فإذا رأيته فسمه به، واحكم عليه بحكمه \".","vol":"1","page":1701},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>ومن سورة نوح - ﵇ </span>-.\n\nقال الله ﵎: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ! وَقَارًا\nوَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ (^١).\nقال ابن عباس: لا تعلمون لله عظمته (^٢)، يعني حق عظمته.\nوقال مثل ذلك جماعة من المفسرين، وزاد بعضهم: نعمه وتشكرونه، وقد خلقكم أطوارا، قالوا: من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم أنشأ خلقه طورا بعد طور (^٣)، ومن رجا لله ﷿ وقارا، عرف له حقه، وصنع له نفسه، ولم يخل قلبه من فكر فيه، وفي عظمته وآب إليه، ولا يشعل قلبه بسواه، سمعت سهلا (^٤) يقول ذلك، وسألته عن اسم الله الأعظم؟ فقال: هو الله، فقلت: قد قيل: إذا سئل به أعطى، وهو ذا نسأله به، فقال: تسأله به وقلبك في غيره، ولو سألته وقلبك فارغ من كل شيء إلا من مناجاته، لجاءت الإجابة للوقت، ثم قال: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ (^٥) قال: من كل شيء إلا من المسألة في أمر موسى - ﵇ - (^٦).\n_________\n(^١) سورة نوح (١٣ - ١٤).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٧٥) به.\n(^٣) ينظر: تفسير الطبري (١٢/ ٢٥٩) والدر المنثور (٨/ ٢٩١) ففيهما عدد من الآثار عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، كلها في معنى ما ذكر المؤلف ﵏ جميعا.\n(^٤) هو: التستري، تقدم.\n(^٥) سورة القصص (١٠).\n(^٦) ينظر: تفسير سهل التستري ص ١١٨.","vol":"1","page":1702},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>ومن سورة الجن</span>\n\nقال الله ﷿: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ (^١).\nقال الحسن: غنى ربنا (^٢).\nوقال عكرمة: جلال ربنا وعظمته (^٣).\nوقال مجاهد: ذكره (^٤).\nوقيل: أمر ربنا (^٥).\nوقال ابن عباس: لو علمت الجن أنه يكون في الإنس جدود ما قالوا ذلك (^٦)، وأحسبه أراد أن الجد أب، وهذا غير ممتنع في اللغة أن يكون الجد إلى آدم - ﵇ - أب، ويسمى الحظ جد، وهذا لا يذهب على ابن عباس؛ فهو أصل في اللغة (^٧)، ولكنه كان يقوي أمر الجد محتجا له بكل شيء، وإن كان يعلم أن اسم الجد الحقيقي جد، واسم الجدة الحقيقي جدة، فليس هما الأبوان اللذان بالقرآن، والله أعلم (^٨).\nقال الله ﷿: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (^٩).\nقيل: كانوا قوما إذا نزلوا واديا قالوا: نعوذ بسيد الوادي من شر ما فيه، فيقول الجن: يتعوذون بنا ونحن لا نملك لأنفسنا نفعا ولا ضرا، قال: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ فازدادوا عليهم جرأة، ولو تعوذوا بالله ﷿ أعاذهم (^١٠).\n_________\n(^١) سورة الجن (٣).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٢١) والطبري في تفسيره (١٢/ ٢٦٠) به.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٥٩) به.\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٦٠) به\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٥٩) عن ابن عباس - ﵁ -، وقتادة، والسدي.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق [١٠/ ٢٢٦٣ كتاب الفرائض، باب فرض الجد] والبيهقي [٦/ ٢٤٦ كتاب، باب من لم يورث الإخوة مع الأب] بنحوه.\n(^٧) ينظر: معجم مقاييس اللغة، ولسان العرب، مادة: جد.\n(^٨) رجح الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٦٠) أن المراد بالجد: العظمة والسلطان والقدرة، وعلل ذلك بقوله: \" لأن للجد في كلام العرب معنيين أحدهما: الجد الذي هو أبو الأب أو أبو الأم، وذلك غير جائز أن يوصف به هؤلاء النفر الذين وصفهم الله بهذه الصفة، وذلك أنهم قد قالوا: ﴿فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا﴾ ومن وصف الله بأن له ولدا أو جدا أو هو أبو أبٍ أو أبو أمٍ فلا شك أنه من المشركين، والمعنى الآخر: الجد الذي بمعنى الحظ، يقال: فلان ذو جد في هذا الأمر إذا كان له حظ فيه، وهو الذي يقال له بالفارسية: البخت، وهذا المعنى الذي قصده هؤلاء النفر من الجن بقيلهم: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ - إن شاء الله - وإنما عنوا أن حظوته من الملك والسلطان والقدرة والعظمة عالية، فلا يكون له صاحبة ولا ولد؛ لأن الصاحبة إنما تكون للضعيف العاجز، الذي تضطره الشهوة الباعثة إلى اتخاذها، وأن الولد إنما يكون عن شهوة أزعجته إلى الوقاع الذي يحدث منه الولد، فقال النفر من الجن: علا ملك ربنا وسلطانه وقدرته وعظمته أن يكون ضعيفا ضعف خلقه، الذين تضطرهم الشهوة إلى اتخاذ صاحبة أو وقاع شيء يكون منه ولد، وقد بين عن صحة ما قلنا في ذلك؛ إخبار الله عنهم أنهم إنما نزهوا الله عن اتخاذ الصاحبة والولد بقوله: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ يقال منه: رجل جدّي وجديد ومجدود أي ذو حظ فيما هو فيه \".\n(^٩) سورة الجن (٦).\n(^١٠) أخرج الطبري في تفسير (١٢/ ٢٦٣) نحوه عن: ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والنخعي، وقتادة.","vol":"1","page":1703},{"text":"قال النبي - ﷺ -: لن يجيرني من الله أحد، وعُلِّم التعوذ، وأنزل الله ﵎ (^١) المعوذتين (^٢).\nقال الله ﵎: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ (^٣).\nوما في السورة من ذكر الجن، روي عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - في حضوره ليلة الجن ما سنذكره، ولكن روى الزهري، عن علي بن الحسين (^٤)، عن ابن عباس، في قوله - عز من قائل ـ: ﴿يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ (^٥) قال:؟ بينا النبي - ﷺ - جالس في نفر من أصحابه من الأنصار، إذ رمي بنجم فاستنار، فقال: ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية؟ فقالوا: كنا نقول يموت عظيم أو يولد عظيم، قال: فإنه لا يرمى به لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ إذا قضى أمرا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السموات سماء سماء، حتى ينتهي إلى سماء الدنيا، ثم يستخبر أهل السماء حملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم فتحفظ الجن، ويُرْمَون فما جاءوا به على وجهه فهو حق؟ قال معمر (^٦) فقلت للزهري: أو كان يرمى بها في الجاهلية! قال: نعم، قلت له: أرأيت قوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ (^٧) قال: غُلّظَت وشدد أهلها حين بعث النبي - ﷺ -، قال عبد الرزاق (^٨): فحدثت به سفيان بن عيينة، فقال: ومن يحسن مثل هذا، وقد روي عن الزهري من طرق وفيه زيادات، وهذا أصح ما في الباب (^٩).\nوروى قصة أمان من آمن من الجن عن ابن مسعود - ﵁ -، وذكره ابن إسحاق (^١٠)، ولم يسنده، وقصّه وطوله كما يطول الأسماء إذا حدث بها من السير، وذكر فيه أن عبد الله بن مسعود - ﵁ - كان مع النبي - ﷺ - فخط له خطا، وذكر فيه الوضوء بالنبيذ،\nوقال: قال رسول الله - ﷺ -:؟ تمرة طيبة، وماء طهور؟ (^١١) وأنه أخرجه إلى الأَبْطَح (^١٢) فتركه\n_________\n(^١) لوحة رقم [٢/ ٣٠٦].\n(^٢) أورد ابن حجر في الإصابة (٦/ ٤٧٥) في ترجمة وردان الجني، قال: \" ذكر ابن مردويه في تفسير سورة الجن، من طريق المستمر بن الريان، عن أبي الجوزاء، عن ابن مسعود، قال: انطلقت مع النبي - ﷺ - ليلة الجن، حتى أتى الحجون فخط علي خطا، ثم تقدم إليهم فازدحموا عليه، فقال سيد لهم يقال له وردان: ألا أرحلهم عنك يا رسول الله؟ قال: لن يجيرني من الله أحد\"، وأورده بنحوه في الدر المنثور (٨/ ٣٠٨).\n(^٣) سورة الجن (٩).\n(^٤) هو: زين العابدين بن علي، تقدم.\n(^٥) سورة الجن (٩).\n(^٦) هو: ابن راشد، تقدم.\n(^٧) سورة الجن (٩).\n(^٨) هو: عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني، قال ابن حجر: ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخر عمره فتغير وكان يتشيع. توفي سنة ٢١١ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٥٥) وتقريب التهذيب ص ٦٠٧.\n(^٩) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٢١) وعبد بن حميد (١/ ٢٢٨) من طريق معمر عن الزهري به.\nوهو عند أحمد (١/ ٢١٨) وأبي يعلى (٤/ ٤٧٦) والترمذي [٥/ ١٥٣ كتاب التفسير، باب ومن سورة سبأ] من هذا الطريق بنحوه، قال الترمذي: حسن صحيح.\nوأخرجه مسلم [٤/ ١٣٩٦ كتاب السلام] من طريق صالح بن كيسان عن الزهري، بنحوه.\nوأخرجه ابن حبان [١٣/ ٤٩٩ كتاب النجوم والأنواء، ذكر الإخبار عما يجب على المرء من مجانبة القضايا والأحكام بالنجوم] والبيهقي [٨/ ١٣٨ جماع أبواب الحكم في الساحر، باب ما جاء في النهي عن الكهانة] من طريق الأوزاعي عن الزهري، بنحوه.\nوأخرجه النسائي في الكبرى [٦/ ٣٧٤ كتاب التفسير، سورة الحجر] من طريق الزبيدي قال حدثني الزهري، بنحوه.\nوأخرجه ابن مندة في الإيمان (٢/ ٧٠١) من طريق يونس بن حبيب عن الزهري، بنحوه.\n(^١٠) هو: محمد بن إسحاق، تقدم.\n(^١١) أخرجه عبد الرزاق [١/ ١٧٩ كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ] وابن أبي شيبة [١/ ٣١ كتاب الطهارات، في الوضوء بالنبيذ] وأحمد (١/ ٤٠٢) وابن ماجه [١/ ٧٥ كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ] وأبو داود [١/ ٤٦ كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ] والترمذي [١/ ١٤٧ كتاب أبواب الطهارة، باب ما جاء في الوضوء بالنبيذ] والبيهقي [١/ ٩ كتاب الطهارة، باب منع التطهير بالنبيذ] من طريق أبي فزارة، قال الترمذي: أبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث، لا يعرف له رواية غير هذا الحديث.\n(^١٢) تقدم التعريف به.","vol":"1","page":1704},{"text":"هناك، ومضى وخاطب الجن وعاد إليه، وذكر هذا الحديث الأموي (^١)، عن محمد بن إسحاق (^٢)، عن يزيد بن أبي زياد (^٣)، عن محمد بن كعب القرظي، وذكر فيه: أنهم سألوه الطعام، فأباح لهم كل روثة وعظم، فأما الروث فلدوابهم، وأما العظم فيلقونه أغض ما كان وأطراه.\nنا إبراهيم بن حماد قال: نا إسماعيل (^٤)، قال: نا نصر بن علي، ونا أحمد بن المؤمل (^٥)، قال نا نصر بن علي، قال: حدثنا عبد الأعلى (^٦)، قال: نا داود بن أبي هند (^٧)، عن عامر الشعبي قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود مع النبي - ﷺ - ليلة الجن؟ فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلت: هل شهد أحد منكم مع النبي - ﷺ - ليلة الجن؟\n_________\n(^١) هو: يحيى بن سعيد بن أبان بن العاص الأموي، أبو أيوب الكوفي، قال ابن معين: هو من أهل الصدق ليس به بأس، توفي سنة ١٩٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٤٩) وتهذيب التهذيب (٦/ ١٣٣).\n(^٢) هو: صاحب السيرة، تقدم.\n(^٣) هو: يزيد بن أبي زياد القرشي الهاشمي مولاهم، أبو عبد الله الكوفي، قال ابن حبان: كان صدوقا إلا أنه لما كبر ساء حفظه وتغير، وكان يلقن ما يلقن فوقعت المناكير في حديثه، توفي سنة ١٣٧ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٢٤٣) والمجروحين لابن حبان (٦/ ٢٠٢).\n(^٤) هو: ابن إسحاق القاضي، تقدم.\n(^٥) هو: أحمد بن المؤمل بن أبان الصيرفي، والد محمد بن أحمد بن المؤمل، لم أجد له ترجمة. ينظر: تاريخ بغداد (١/ ٣١٦).\n(^٦) هو: عبد الأعلى بن عبد الأعلى بن محمد القرشي، أبو محمد البصري، قال العجلي: بصري ثقة، توفي سنة ١٨٩ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٤٦) وتهذيب التهذيب (٣/ ٢٩٤).\n(^٧) هو: داود بن أبي هند القشيري، تقدم.","vol":"1","page":1705},{"text":"فقال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله - ﷺ -، ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: اسْتُطِيرَ (^١) أو اغْتِيلَ (^٢)، فبتنا بِشرِّ ليلة بات بها قوم (^٣) فلما أصبحنا، إذا هو جاء من قبل حراء فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم، وأرانا نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعر علف لدوابكم، ثم قال رسول الله - ﷺ -: فلا تستنجوا بها فإنها طعام إخوانكم من الجن؟ (^٤).\nوقال سعيد بن جبير: لما بعث النبي - ﷺ - حرست السماء، فقالت الشياطين: ما حرست إلا لأمر قد حدث في الأرض، فبعث سراياه في الأرض، فوجدوا النبي - ﷺ - قائما يصلي صلاة الفجر بأصحابه بنَخْلَة (^٥) وهو يقرأ، فاستمعوا حتى إذا فرغ ولوا إلى قومهم منذرين: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا﴾ حتى بلغ: ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٦).\nوروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: (انطلق رسول الله - ﷺ - في نفر من أصحابه عامدين إلى سوق عُكَاظ (^٧)، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر الأرض،\n_________\n(^١) قال النووي في شرح مسلم (٣/ ١٧٠): \" معنى استطير: طارت به الجن \".\n(^٢) قال النووي في شرح مسلم (٣/ ١٧٠): \" معنى اغتيل: قتل سِرا، والغِيلة - بكسر الغين - هي القتل في خفية \".\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ٣٠٧].\n(^٤) أخرجه مسلم [١/ ٢٧٨ كتاب الصلاة] عن عبد الأعلى، به.\n(^٥) نخلة: موضع يبعد عن مكة ليلة إلى الطريق نحو المدينة، وإليه ينسب بطن نخلة. ينظر: معجم البلدان (٥/ ٢٧٨) ومعجم ما استعجم (٤/ ١٣٠٤)\n(^٦) سورة الأحقاف (٢٩).\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢١٨) به.\n(^٧) سوق عكاظ: سوق من أسواق العرب في الجاهلية، بقرب الطائف، كان العرب يجتمعون فيه يتفاخرون ويناشدون الشعر، وسمي بذلك؛ لأن العرب كانت تجتمع فيه، فيعكظ بعضهم بعضا بالفخار، أي يدعك، وقيل: إنما هو من عكظ الرجل دابته يعكظها عكظا؛ إذا حبسها؛ وتعكظ القوم تعكظا؛ إذا تحبسوا ينظرون في أمورهم. ينظر: معجم البلدان (٤/ ١٤٢) ومعجم ما استعجم (٣/ ٥٩٥).","vol":"1","page":1706},{"text":"وأرسلت عليهم الشهب) (^١) - وذكر معناه - وعُلِّم رسول الله - ﷺ - أن يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات، اللاتي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق وذرأ وبرأ (^٢)، ومن شر ما ينزل من السماء، وما يعرج فيها، ومن شر ما يلج في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر الطوارق (^٣) إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن، فطفئت نار الشياطين الذين كادوه منهم، وهزمهم الله) (^٤).\nقال إسماعيل (^٥): فقد اختلفوا في حضور عبد الله (^٦) ليلة الجن، ويشبه أن يكون الصحيح منها حديث الشعبي عن علقمة: سألت عبد الله فقال: إنه لم يحضر معه، ولكن النبي - ﷺ - أراهم آثارهم، وأخبرهم خبرهم؛ لأنه أصحهاإسنادا (^٧).\nوروى بعض من ذكر أن عبد الله حضر ذلك: أن عبد الله بن مسعود كانت معه إداوة (^٨) من نبيذ فتوضأ النبي - ﷺ - منها حين لم يكن معه ماء (^٩)،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري [١٥٤ كتاب صفة الصلاة، باب الجهر بقراءة صلاة الفجر] ومسلم [١/ ٢٧٧ كتاب الصلاة] عن سعيد بن جبير، به.\n(^٢) ذرأ وبرأ، أي خلق. ينظر: النهاية في غريب الحديث (٢/ ١٤٤).\n(^٣) الطوارق: من الطرق وهو الإتيان بالليل، وقيل أصل الطروق: من الطرق، وهو: الدق، وسمي الآتي بالليل طارقا؛ لحاجته إلى دق الباب. ينظر: النهاية في غريب الحديث (٣/ ١١٠).\n(^٤) أخرجه النسائي في الكبرى [٦/ ٢٣٧ كتاب عمل اليوم والليلة، ذكر ما يكب العفريت ويطفئ شعلته] والطبراني في الأوسط (١/ ١٨) من حديث ابن مسعود - ﵁ -.\n(^٥) هو: ابن إسحاق القاضي، تقدم.\n(^٦) يريد ابن مسعود - ﵁ -، تقدم.\n(^٧) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة، وقد قال الدارقطني (١/ ٧٧) بعد أن ساق الروايات عن ابن مسعود - ﵁ - نحو ما قال القاضي إسماعيل، في ترجيح رواية علقمة عن ابن مسعود - ﵁ -.\n(^٨) الإداوة: قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث (١/ ٣٦): \" الإداوة بالكسر: إناء صغير من جلد يتخذ للماء، ... وجمعها أَداوَى \".\n(^٩) تقدم تخريجه ص: ٧٨٠.","vol":"1","page":1707},{"text":"رواه أبو فزارة (^١)، وأبو فزارة ليس ممن يكون روايته سنة، ولم يذكر ذلك بعضهم في حديثه.\nوقد قال أبو حنيفة: أنه يتوضأ بالنبيذ إذا لم يوجد الماء (^٢)، وهذا حديث لا يعتمد عليه أولا؛ لضعف إسناده، ولو كان صحيحا ما كانت فيه حجة؛ لأن هذا كان بمكة قبل الهجرة، وإنما ذكر الوضوء بالمدينة، وكذلك التيمم إذا لم يوجد الماء في سورة النساء والمائدة وهما مدنيتان، وأمر التيمم نزل على النبي - ﷺ - بعد سنتين (^٣) من الهجرة، في بعض غزواته، حدثنا أحمد بن موسى (^٤) قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن\n_________\n(^١) هو: راشد بن كيسان العبسي، تقدم.\nذكر المؤلف ﵀ ما يدل على ضعف أبي فزارة، حيث قال: \" وأبو فزارة ليس ممن يكون روايته سنة \" وهذا لا يسلم به؛ فإن أبا فزارة قد وثقه أهل العلم، قال الدارقطني: ثقة كيس، لم أر له في كتب أهل النقل ذكرا بسوء، وقد أخرج له مسلم في صحيحه، ينظر: تهذيب التهذيب (٢/ ١٣٩)، قال الذهبي في الكاشف (١/ ٢٤٩): ثقه، وكذا قال ابن حجر في التقريب ص ٣١٥.\nوإنما علة الإسناد في أبي زيد مولى عمرو بن حريث، الذي روى عنه أبو فزارة، فقد اتفق أهل العلم بالحديث على جهالته، قال الترمذي بعد تخريج هذا الحديث: أبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث، لا يعرف له رواية غير هذا الحديث، ونقل البيهقي [١/ ٩ كتاب الطهارات، باب مع التطهر بالنبيذ] عن البخاري قوله: \" أبو زيد الذي روى حديث ابن مسعود أن النبي - ﷺ - قال: تمرة طيبة وماء طهور، رجل مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله \".\n(^٢) ذهب الإمام أبو حنيفة إلى جواز الوضوء بالنبيذ عند فقد الماء واختلف قول أصحابه فيه، وروي عنه الرجوع عن هذا القول. ينظر: شرح معاني الآثار (١/ ٩٥) والمبسوط (١/ ٨٨).\n(^٣) كذا في الأصل، وسيأتي في ص: ٧٨٨، قول المؤلف: \" فقد بين أن التيمم نزل بالمدينة، بعد سنين من الهجرة \" وهذا أشبه، إذ المشهور كما في فتح الباري (١/ ٥١٥): أن الحادثة وقعت بعد غزاة بني المصطلق في السنة السادسة.\n(^٤) هو السامي، تقدم.","vol":"1","page":1708},{"text":"أبيه، عن عائشة زوج النبي - ﷺ - أنها قالت:؟ خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في (^١) بعض أسفاره حتى إذا كنا في البيداء (^٢) أو بذات الجيش (^٣)، انقطع عقدي، فأقام رسول الله - ﷺ - على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر ﵀ فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة، أقامت برسول الله - ﷺ - وبالناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، قالت: فجاء أبو بكر ورسول الله - ﷺ - واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبستِ رسول الله - ﷺ - والناس وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فعاتبني وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله - ﷺ - على فخذي، فنام رسول الله - ﷺ - حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله ﵎ آية التيمم ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (^٤) فقال أُسَيْد ابن الحُضَير (^٥): ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته؟ (^٦).\n_________\n(^١) لوحة رقم [٢/ ٣٠٨].\n(^٢) البيداء: كل مفازة لا شيء بها فهي بيداء، والمراد بها هنا أرض ملساء بين مكة والمدينة وهي إلى مكة أقرب وهي الواردة في خبر القوم يغزون البيت فينزلون بالبيداء. ينظر: معجم البلدان (١/ ٥٢٣) معجم ما استعجم (١/ ٢٩٠).\n(^٣) ذات الجيش: هو واد بين ذي الحليفة وبرثان بقرب المدينة، جعله بعضهم من العقيق. ينظر: معجم البلدان (٢/ ٢٠٠) معجم ما استعجم (١/ ٤٠٩).\n(^٤) سورة المائدة (٦).\n(^٥) هو: أسيد بن الحضير بن سماك بن عبد الأشهل، أبو يحيى، كان شريفا في قومه حليما عاقلا، شهد العقبة وكان أحد النقباء، ثم شهد المشاهد إلا بدرا، توفي سنة ٢٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٤/ ٣٠٥) والإصابة (١/ ٢٣٤).\n(^٦) أخرجه أبو عوانة في مسنده (١/ ٣٠٢) عن القعنبي، به.\nوهو عند البخاري [٧١ كتاب التيمم، قول الله تعالى: فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا] ومسلم [١/ ٢٣٣ كتاب الحيض] عن مالك، به.","vol":"1","page":1709},{"text":"وأخبرنا إسماعيل (^١) حدثنا إبراهيم (^٢) ومحمد بن يوسف (^٣) عنه قال: نا علي بن عبد الله (^٤) قال: نا سفيان (^٥) قال: قال هشام بن عروة، عن أبيه، قال أُسَيد بن الحُضَير: جزاكِ الله خيرا - يعني عائشة - فما نزل بكِ أمر تكرهينه إلا جعل الله ﵎ فيه مخرجا، وجعل للمسلمين فيه خيرا (^٦).\nقال هشام (^٧): سقطت قلادتها، فأنزل الله آية التيمم فقد بين أن التيمم نزل بالمدينة، بعد سنين من الهجرة، وقال ﷿: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (^٨) فوجب أن يكون الماء مطهرا مادام اسمه اسم الماء، وحكمه حكمه، فإذا خالطه شيء يغلب على لونه، أو على طعمه، أو على رائحته؛ فقد زال اسمه وحكمه، لغلبة ما خالطه عليه، وانتقال الاسم، وصار الأخص به اسم النبيذ، قال الله ﷿: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (^٩) فإذا لم يجد إنسان الماء الذي لا اسم له غير الماء، قام التيمم مقامه، وكان التيمم - الذي أمر الله به - ناسخا لأمر النبيذ لو كان أمر النبيذ صحيحا، ولكن الله ﵎ قد كفى ذلك بإنكار عبد الله (^١٠) حضوره ليلة الجن، بأجود أسانيد الكوفيين (^١١)، والله أعلم.\n_________\n(^١) هو: القاضي إسماعيل بن إسحاق.\n(^٢) هو: إبراهيم بن محمد بن عرفة العتكي، أبو عبد الله النحوي، الملقب بنفطويه، قال الخطيب: كان صدوقا، وله مصنفات كثيرة، منها: كتاب كبير في غريب القرآن، وكتاب التاريخ، توفي سنة ٣٢٣ هـ. ينظر: تاريخ بغداد (٦/ ١٦٠).\n(^٣) هو: محمد بن يوسف الزبيدي، أبو يوسف ولقبه: أبو حمة اليماني، صاحب أبي قرة، كان محدث اليمن في وقته ارتحلوا إليه لسماع السنن، قال في التقريب: صدوق، مات حدود سنة ١٤٠ هـ. ينظر: الثقات (٩/ ١٠٤) وتقريب التهذيب ص ٩١١.\n(^٤) هو: المديني، تقدم.\n(^٥) هو: ابن عيينة، تقدم.\n(^٦) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٢٦٨) عن ابن عيينة، به.\nوهو عند البخاري [٧٢ كتاب التيمم، باب إذا لم يجد ماء ولا ترابا] عن هشام، به.\n(^٧) هو: ابن عروة، تقدم.\n(^٨) سورة الفرقان (٤٨).\n(^٩) سورة المائدة (٦).\n(^١٠) هو: ابن مسعود - ﵁ -، تقدم.\n(^١١) ذهب المؤلف ﵀ إلى القول بنفي حضور عبد الله بن مسعود - ﵁ - ليلة الجن، مستندا على ما أخرجه مسلم، من نفي عبد الله بن مسعود لحضوره، وهذا ما قرره - أيضا - ابن العربي في أحكام القرآن (٤/ ٣١٦)، على أن الروايات في هذا الباب كثيرة، بعضها دال على ما ذكر المؤلف، وبعضها مخالف، وقد استوفى ابن كثير في تفسيره (٤/ ٢٥٥) كثيرا منها، ثم أعقب ذلك بقوله: \" وأما ابن مسعود - ﵁ - فإنه لم يكن مع رسول الله - ﷺ - حال مخاطبته للجن ودعائه إياهم، وإنما كان بعيدا منه، ولم يخرج مع النبي - ﷺ - أحد سواه، ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة، هذه طريقة البيهقي، وقد يحتمل: أن يكون أول مرة خرج إليهم لم يكن معه - ﷺ - ابن مسعود - ﵁ - ولا غيره، كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإمام أحمد - وهي عند مسلم - ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى، والله أعلم\"، ينظر كذلك ما ساقه البيهقي [١/ ٩ كتاب الطهارات، باب مع التطهر بالنبيذ].","vol":"1","page":1710},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>ومن سورة المزمل</span>.\n\nقال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ الآية (^١).\nقال عكرمة: زُمْلِّتَ هذا الأمر فقم به (^٢).\nوقال قتادة وإبراهيم (^٣): هو الذي تزمل بثيابه (^٤).\nوقيل عن ابن عباس: كان بين أولها وآخرها سنة (^٥).\nوقال جابر بن عبد الله: كتب علينا قيام الليل إلا قيلا نصفه، فقمنا حتى انتفخت أقدامنا، وكنا في معزل لنا، فأنزل الله ﵎ الرخصة: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ (^٦) إلى آخر السورة (^٧).\n_________\n(^١) سورة المزمل (١ - ٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ٣٣٠ كتاب المغازي، ما جاء في مبعث النبي - ﷺ -] والطبري في تفسيره (١٢/ ٢٧٨) به.\nوأخرجه الحاكم [٢/ ٥٤٨ كتاب التفسير، سورة المزمل] عن عكرمة يرويه عن ابن عباس ﵄، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(^٣) هو: النخعي.\n(^٤) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٢٤) والطبري في تفسيره (١٢/ ٢٧٨) به.\nوأما قول النخعي فقد أخرجه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٨٠) بمعناه.\n(^٥) جزء من أثر أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ٢٦٦ كتاب الأوائل، باب أول ما فعل ومن فعله] وأبو داود [١٣٠٥ كتاب الصلاة، باب نسخ قيام الليل والتيسير فيه] والطبري في تفسيره (١٢/ ٢٧٩) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٨٠) والحاكم [٢/ ٥٤٨ كتاب التفسير، سورة المزمل] وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي [٢/ ٥٠٠ كتاب الصلاة، باب الترغيب في قيام الليل].\n(^٦) سورة المزمل (٢٠).\n(^٧) أورده في مجمع الزوائد (٥/ ٥١٩) وقال: \" رواه البزار، وفيه: علي بن زيد، وفيه كلام، وقد وثق \".","vol":"1","page":1711},{"text":"وقال: أبو عبد الرحمن (^١) قاموا حتى تورمت أقدامهم وسوقهم حتى (^٢) نزلت الرخصة: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ فاستراح الناس (^٣).\nوقال قتادة: قاموا حولا أو حولين، حتى انتفخت سوقهم وأقدامهم، فنزل التيسير (^٤).\nوقال زيد بن أسلم: أول ما افترض الله ﵎ على رسوله وعلى المؤمنين صلاة الليل ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ﴾ الآية إلى ﴿تَرْتِيلًا﴾ وكان نائما مُزَمِّلا ثيابه فقيل له: قم الليل، قم فصله ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ قال: هو القرآن وهو ثقيل مبارك، وكل حق ثقيل في الدنيا، ويثقل في الميزان يوم القيامة (^٥)، وثقله العمل بما فيه، وما رضي الله تعالى من العباد، بقول لا فعل معه، ولا بعلم لا عمل معه، فكانت صلاة الليل فريضة، فصلى رسول الله - ﷺ - والمؤمنون الليل على ما أمرهم الله به، قال ثم إن الله ﷿ منَّ على عباده فخففها، ووضع منها، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ﴾ (^٦) يقول ساعتاهما ﴿أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ (^٧) من القرآن - هاهنا - يعني ما تيسر من قيام الليل فاقرؤوا فيه القرآن، فجاء هذا بنسخ الأول، ووسع الله\n_________\n(^١) هو: السُّلَمي.\n(^٢) لوحة رقم [٢/ ٣٠٩].\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٨٠) به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٢٤) به.\n(^٥) لم أجده عن زيد بن أسلم، وأخرج الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٨١) نحوه، عن ابنه عبد الرحمن بن زيد.\n(^٦) سورة المزمل (٢٠).\n(^٧) سورة المزمل (٢٠)، وفي الأصل كتب: ما تيسر منه.","vol":"1","page":1712},{"text":"﵎ على نبيه - ﷺ - ووضع عنه وعن أمته، وأنزل الفرائض ونسخ صلاة الليل، ثم قال بعد الفريضة: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (^١)\nقال ابن عباس: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ في صلاة الليل (^٢).\nحدثنا محمد بن صالح (^٣) قال: حدثنا أبو حُمَة محمد بن يوسف الزيدي (^٤) قال: نا عبد الرحمن بن طاوس بن محمد بن عبد الله بن طاوس (^٥) عن محمد بن عبد الله بن طاوس (^٦)، عن أبيه، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾؟ قال مائة آية؟ (^٧).\n_________\n(^١) سورة الإسراء (٧٩).\n(^٢) لم أقف عليه.\n(^٣) هو: محمد بن صالح الضمري الطبري، روى عن أبي حِمَّة، قال الذهبي: لين، وقال ابن حجر: اتهم بالكذب وكان مخلطا. ينظر: المغني في الضعفاء (٢/ ٥٩٢) ولسان الميزان (٥/ ٢٠٠).\n(^٤) كذا في الأصل: الزيدي، وهو تحريف، وصوابه الزَبِيْدي، وقد جاء على الصواب عند الطبراني في الكبير (١١/ ٢٩).\nوهو: محمد بن يوسف الزَبِيْدي نسبة إلى زبيد في اليمن، أبو حمة، ويقال: أبو يوسف اليماني، كان محدث اليمن في وقته، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق من العاشرة مات بعد الأربعين. ينظر: الثقات لابن حبان (٩/ ١٠٤) وتهذيب التهذيب (٥/ ٣٢٠).\n(^٥) هو: عبد الرحمن بن طاوس بن محمد بن عبد الله، في التهذيب، ذكره ابن حجر في عداد شيوخ الزبيدي، ولم أقف له على ترجمة، قال الهيثمي بعد ذكر هذا الحديث: وفيه عبد الرحمن بن طاوس، ولم أعرفه. ينظر: تهذيب التهذيب (٥/ ٣٢٠) مجمع الزوائد (٧/ ١٣٠).\n(^٦) هو: محمد بن عبد الله بن طاوس بن كيسان اليماني، قال الذهبي: وُثّق، وقال ابن حجر: مقبول. ينظر: الكاشف (٣/ ٥٤) تقريب التهذيب ص ٨٦٢.\n(^٧) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٢٩) من طريق الزبيدي، به. قال في مجمع الزوائد (٧/ ١٣٠): \" رواه الطبراني وفيه عبد الرحمن بن طاوس، ولم أعرفه، وبقية رجاله وثقوا \" أ. هـ، وفيه - أيضا - محمد بن صالح وهو ضعيف.","vol":"1","page":1713},{"text":"وقال ابن شبرمة (^١) عن الحسن ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ علم أن لن تطيقوه (^٢).\nوقال القُطَعي (^٣) سمعنا الحسن يقول: لا بد من قيام الليل ولو قدر حلب شاة، وقال محمد بن سيرين مثله (^٤)، قال إسماعيل (^٥): أحسبهما قالا كذلك لقول الله ﷿: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾.\nوقد زعم أبو حنيفة وأصحابه بهذه الآية ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أن ذلك يجرى في صلاة الفرض (^٦)، وذهب عنهم ما أنزلت فيه الآية، وأنه في النوافل تخفيفا، يراد ما تيسر من سائر القرآن مع أم الكتاب، وخالفوا قول رسول الله - ﷺ -:؟ كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خِدَاج؟ (^٧) وقوله - ﵇ -:؟ من لم يقرأ بأم الكتاب - يريد المنفرد - فلا صلاة له؟ (^٨) ووضعوا الآية في غير موضعها وخالفوا المفسرين جميعا، وتفردوا بقول لم يقله أحد.\n_________\n(^١) هو: عبد الله بن شبرمة، تقدم.\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٩٣) من طريق عباد بن راشد عن الحسن، به.\n(^٣) هو: حزم بن أبي حزم مهران القطعي، أبو عبد الله البصري، قال أبو حاتم: صدوق لا بأس به، هو من ثقات من بقي من أصحاب الحسن، أخرج له البخاري في الصحيح حديثا واحدا، توفي سنة ١٧٥ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٤٤) وتهذيب التهذيب (٢/ ٥٢٩).\n(^٤) أخرجه عنهما ابن أبي شيبة [٢/ ٧٢ كتاب الصلاة، من كان يأمر بقيام الليل] به.\nعلق ابن عبد البر في التمهيد (٢/ ٨٩) على هذا القول بقوله: \" والعلماء على خلافه، كلهم يقولون: إنه فضيلة لا فريضة، ولو كان قيام الليل فرضا؛ لكان مقدرا مؤقتا معلوما، كسائر الفرائض \".\n(^٥) هو: ابن إسحاق القاضي.\n(^٦) يشير المؤلف ﵀ إلى الخلاف المشهور بين أئمة المذاهب في حكم قراءة الفاتحة في الصلاة، حيث ذهب الأحناف - مستدلين بهذه الآية - إلى أن قراءة الفاتحة ليست فرضا على التعيين، ويجزئ عنها ما تيسر من القرآن سواها، قال في المبسوط (١/ ١٩): \" قراءة الفاتحة لا تتعين ركنا في الصلاة عندنا \".\nينظر - أيضا ـ: بدائع الصنائع (١/ ١١١) وتبين الحقائق (١/ ١٠٥).\n(^٧) أخرجه ابن ماجه [٨٤٠ كتاب إقامة الصلاة والسنن فيها، باب القراءة خلف الإمام] عن عائشة ﵂، به.\nوأخرجه البيهقي [٢/ ٣٨ كتاب الصلاة، باب تعيين القراءة بفاتحة الكتاب] عن أبي هريرة - ﵁ -، به.\nوهو عند مسلم [١/ ٢٤٨ كتاب الصلاة] من حديث أبي هريرة، بنحوه.\n(^٨) أخرجه الدارمي [كتاب الصلاة، باب لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب] عبادة بن الصامت، به.\nوهو عند البخاري [١٥١ كتاب صفة الصلاة، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم] ومسلم [٣٩٤ كتاب الصلاة] من حديث عبادة، بنحوه.\nوقوله في أثناء الحديث: يريد المنفرد، هذا ليس من لفظ الحديث، وإنما من كلام المؤلف ﵀ تبعا لمذهب المالكية في أن الفاتحة لا تلزم المأموم.\nينظر: المدونة (١/ ٦٧) والنوادر والزيادات (١/ ١٧٧) والتاج والإكليل (١/ ٥١٨).","vol":"1","page":1714},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ (^١).\nقال مجاهد: بعضه في أثر بعضه، ترسل فيه ترسلا (^٢).\nوقال ابن جبير: فسره تفسيرا (^٣).\nوقال الحسن عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - يردد الآية ويبكي (^٤).\nوقال ابن عباس: بينه تبيينا (^٥).\nوقال عبد الله (^٦) لعلقمة (^٧): اقرأ فقرأ، وكان حسن الصوت، فقال: رتل (^٨) (^٩).\n_________\n(^١) سورة المزمل (٤).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٢/ ٢٥٥ كتاب الصلاة، في قراءة القرآن] والطبري في تفسيره (١٢/ ٢٨٠) والبيهقي في الصغرى ص ٥٥٦، بنحوه.\n(^٣) أورده في الدر المنثور (٨/ ٣١٤) وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ٢٢٦ كتاب الزهد، ما قالوا في البكاء من خشية الله] وسياق المؤلف مختصر، ولفظه: حدثنا الحسن قال: مر رجل من أصحاب النبي - ﷺ - على رجل يقرأ آية ويبكي ويرددها، قال: فقال: ألم تسمعوا إلى قول الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ قال: هذا الترتيل.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة [٢/ ٢٥٥ كتاب الصلاة، في قراءة القرآن] والطبري في تفسيره (١٢/ ٢٨١) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٨٠) به.\n(^٦) هو: ابن مسعود - ﵁ -، تقدم.\n(^٧) هو: ابن قيس النخعي، تقدم.\n(^٨) أخرجه ابن أبي شيبة [٢/ ٢٥٥ كتاب الصلاة، في قراءة القرآن] والطبراني (٩/ ١٤٠) والبيهقي في الشعب (٢/ ٣٩٢) به.\n(^٩) لوحة رقم [٢/ ٣١٠].","vol":"1","page":1715},{"text":"وقال أنس: (كان رسول الله - ﷺ - يمد صوته مدا) (^١).\nقال الله عز وعلا: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (^٢).\nقال الحسن: العمل به هو الثقيل (^٣).\nوقال قتادة: ثقل والله فرائضه وحدوده (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة [٢/ ٢٥٧ كتاب الصلاة، في حسن الصوت بالقراءة] وابن ماجه [١/ ٢٤٥ كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في القراءة في صلاة الليل] والنسائي في الكبرى [١/ ٣٤٧ كتاب صفة الصلاة، مد الصوت بالقراءة] وابن حبان [١٤/ ٢٢٢ كتاب التاريخ، باب من صفته - ﷺ -] عن أنس، به.\n(^٢) سورة المزمل (٥).\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٨١) به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٢٤) والطبري في تفسيره (١٢/ ٢٨١) به.\nاقتصر المؤلف ﵀ على هذين القولين، في معنى ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ وهو ثقل العمل به أو ثقل حدوده وفرائضه وهما متقاربان في المعنى، فمتعلق ﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ بالعمل، أي العمل به ثقيل، واختار ابن العربي أن متعلقه بالنبي - ﷺ -، أي أنه ثقيل على النبي - ﷺ -، وذلك لما كان يعانيه من شدة حال نزول الوحي، يقول ﵀: \" فيها قولان: أحدهما ثقله على النبي حين كان يلقيه الملك إليه ... الثاني ثقل العمل به، قاله الحسن وقتادة وغيرهما، والأول أولى؛ لأنه قد جاء: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وجاء عن النبي - ﷺ -: (بعثت بالحنيفية السمحة) ... وقد روي أن النبي كان ينزل عليه الوحي وهو على ناقته فتلقي بجرانها على الأرض فلا يزال كذلك حتى يسرى عنه، وهذا يعضد ثقل الحقيقة \" أحكام القرآن (٤/ ٣٢٨)، على أن وصف العمل بأنه ثقيل، لا ينافي نفي الحرج الوارد في الآية، أو وصف هذه الملة بالسماحة؛ لأن الحرج المنفي هو ما أوقع في العنت المانع من أداء التكاليف، أو حَمَلَ العبد على تَكلُفِ أداءها، على نحو تَخْرُجُ به عن المشقة المعتادة - التي هي في طوق المكلفين - ولذا وصف الله تعالى الصلاة بأنها كبيرة، يقول تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ قال ابن كثير: \" وإنها لكبيرة أي مشقة ثقيلة إلا على الخاشعين \" وكذلك وصف تعالى الجهاد بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ ولهذا فقد اختار الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٨١) أن الآية عامة تشمل ما ذكره المؤلف وما اختاره ابن العربي، قال: \" وأولى الأقوال بالصواب في ذلك، أن يقال: إن الله وصفه بأنه قول ثقيل، فهو كما وصفه به، ثقيل محمله، ثقيل العمل بحدوده وفرائضه \" والله أعلم.","vol":"1","page":1716},{"text":"قال الله ﵎: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ (^١).\nكان ابن عمر يقول: أوله ما بين المغرب والعشاء (^٢).\n\nوقال ابن عباس: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ الليل كله (^٣).\nوقال هو وابن الزبير: إذا أَنْشَأتَ (^٤) فهو ناشئة، الليل كله ناشئة (^٥).\n_________\n(^١) سورة المزمل (٦).\n(^٢) أشار إليه ابن العربي في أحكام القرآن (٤/ ٣٢٩).\nوقد أخرج ابن أبي شيبة [٢/ ١٥ كتاب الصلوات، في الصلاة بين المغرب والعشاء]: أن عبد الله بن عمر لم يكن يصليها إلا في رمضان يعني ما بين المغرب والعشاء.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٢/ ٢٨٣) به.\n(^٤) اللفظ عند الطبري (١٢/ ٢٨٢): \" إذا نشأت قائما فتلك ناشئة \"، قال الراغب الأصفهاني في المفرادت، مادة: نشأ: \" النشء والنشأة: إحداث الشيء وتربيته، قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ يقال: نشأ فلان، والناشئ يراد به الشاب، وقوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾ يريد القيام والانتصاب للصلاة \".\n(^٥) أخرجه عنهما الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٨٢) والبيهقي [٣/ ١٩ كتاب الصلاة، باب من فتر عن قيام الليل فصلى ما بين المغرب والعشاء] بنحوه.","vol":"1","page":1717},{"text":"وقال علي بن الحسين (^١) مثل قول ابن عمر (^٢).\nوقال الحسن ومجاهد: أي وقت قمت من الليل إلى صلاة الفجر (^٣)، وقال عكرمة كذلك (^٤).\nوقيل عن عمر: ناشئة الليل: من أول الليل إلى آخره (^٥).\nوقال جماعة: قيام الليل (^٦)، وكل قيام بعد المغرب إلى طلوع الفجر فهو ناشئة\n\nالليل، والله أعلم (^٧).\n_________\n(^١) هو: زين العابدين، تقدم.\n(^٢) أخرجه البيهقي [٣/ ٢٠ كتاب الصلاة، باب من فتر عن قيام الليل فصلى ما بين المغرب والعشاء] ولفظه: ناشئة الليل قيام ما بين المغرب والعشاء.\n(^٣) قول الحسن أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٢٥).\nوأما قول مجاهد فقد أخرجه عبد الرزاق [٣/ ٤٦ كتاب الصلاة، باب الصلاة من الليل] والطبري في تفسيره (١٢/ ٢٨٢).\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٨٢).\n(^٥) أشار إليه ابن كثير في تفسيره (٤/ ٦٨١).\n(^٦) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٨٢) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٨٠) عن: ابن عباس وابن الزبير - ﵃ -.\nوأخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٨٢) عن: أبي ميسرة، وابن زيد، والضحاك.\n(^٧) ذهب الإمام مالك بن أنس إلى أن المراد بناشئة الليل، الليل كله، وهو اختيار ابن العربي، حيث قال مؤيدا له: \" وهو الذي يعطيه اللفظ، وتقتضيه اللغة \" أحكام القرآن (٤/ ٣٢٩)، لكن إدخال المؤلف لما بين العشائين ضمن الناشئة - وإن كان قول الإمام مالك يحتمله - يَرِدُ عليه: أن الآيات موردها في قيام الليل، ووقته بعد العشاء الآخر، وأنه لم ينقل عن النبي - ﷺ - أنه خص ما بين العشاءين بصلاة، قال ابن تيمية \" ... بل ولا نقل عنه أحد - يعني النبي - ﷺ - - أنه خص ما بين العشاءين بصلاة، وقوله تعالى: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ عند أكثر العلماء هو إذا قام الرجل بعد نوم، ليس هو أول الليل، وهذا هو الصواب؛ لأن النبي ﵌ هكذا كان يصلي، والأحاديث بذلك متواترة عنه، كان يقوم بعد النوم، لم يكن يقوم بين العشاءين\" مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٧٤).","vol":"1","page":1718},{"text":"قوله سبحانه: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ (^١).\nقال مجاهد وجماعة: أن يواطئ سمعك وبصرك وقلبك ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ قال: أثبت قراءة (^٢)، وقال جماعة ما هذا معناه، وإن اختلفت ألفاظهم (^٣).\n﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ (^٤).\nقال أبو العالية: فراغا طويلا (^٥)، وقال مجاهد مثله (^٦).\nوقال الشعبي: قال جبريل - ﵇ -: يا محمد ألست تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ ما في السماء ملك فارغ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ. وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ (^٧).\nفقال الحسن وقتادة والضحاك: فراغا طويلا (^٨).\n﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ (^٩).\n_________\n(^١) سورة المزمل (٦).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٢٥) والطبري في تفسيره (١٢/ ٢٨٤) به.\n(^٣) ينظر: تفسير عبد الرزاق (٣/ ٣٢٤) وتفسير الطبري (١٢/ ٢٨٤) فقد أخرجا نحوه عن بعض السلف.\n(^٤) سورة المزمل (٧).\n(^٥) أورده ابن العربي في أحكام القرآن (٤/ ٣٢٨) وابن كثير في تفسيره (٤/ ٦٨١).\n(^٦) أورده في الدر المنثور (٨/ ٣١٨) وعزاه إلى عبد بن حميد.\nوأخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٨٥) لكن بلفظ: متاعا طويلا.\n(^٧) سورة الصافات (١٦٥ - ١٦٦).\nوقول الشعبي أورده النحاس في معاني القرآن (٦/ ٦٨) والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ١٣٣).\n(^٨) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٢٥) والطبري في تفسيره (١٢/ ٢٨٥) به.\nوأما قول الضحاك والحسن؛ فقد أورده ابن كثير في تفسيره (٤/ ٦٨١).\n(^٩) سورة المزمل (٨).","vol":"1","page":1719},{"text":"قال مجاهد: أخلص له المسألة والدعاء (^١).\nوقال الحسن: أخلص له إخلاصا (^٢).\nوقال قتادة: أخلص بالدعوة والعبادة (^٣).\n﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (^٤).\nصدقة التطوع، والصيام التطوع، وسائر أعمال البر، وتلاوة القرآن، وكثرة الذكر لله ﷿، وهذا كله القرض الحسن، والله ﵎ غير محتاج إلى ذلك، وإنما يريده ويحتاجه إليه لنا، لما أعده من المكافأة على ذلك، إلا أن القرض سمي قرضا؛ لأنه يُرَدُ أو البدل منه، فقال ﷿: قدموا عملا صالحا تأخذوا الجزاء والبدل عن حاجتكم إليه، سمع السائب (^٥) رجلا وهو يقول: من يقرض الله قرضا حسنا؟ فقال: سبحان الله، والحمد\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٧٨) به.\n(^٢) لم أقف عليه من قول الحسن بهذا اللفظ، وقد أخرج له الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٨٧) أنه قال: بتل نفسك واجتهد.\nوأخرج الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٨٦) عن ابن عباس ومجاهد والضحاك، مثله.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٢٥) والطبري في تفسيره (١٢/ ٢٧٨) به.\n(^٤) سورة المزمل (٢٠).\n(^٥) لم أجده له ترجمة، ولم يسم في المصادر التي أخرجت الأثر، ويحتمل أن لفظ السائب تحرف من السائل، وإنما سياق الكلام: سمع السائلَ رجلٌ، وذلك لأمرين:\nالأول: أنه ورد على هذا النحو في المصادر التي أوردت الخبر.\nالثاني: أن المؤلف قد أبهم اسم الرجل لما ذكر إسناد الخبر، فقال: روى ذلك سفيان عن أبي حيان عن أبيه عن شيخ لهم، فَلِمَ الإبهام وقد صرح باسمه أولا؟","vol":"1","page":1720},{"text":"لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر (^١)، روى ذلك سفيان (^٢) عن أبي حيان التيمي (^٣) عن أبيه (^٤) عن شيخ لهم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ١٩١ كتاب الزهد، كلام الحسن البصري] وابن أبي حاتم (٢/ ٤٦١) والبيهقي في الشعب (١/ ٤٣٦) به.\n(^٢) هو: الثوري، تقدم.\n(^٣) هو: يحيى بن سعيد بن حيان، أبو حيان التيمي الكوفي العابد، قال العجلي: كوفي ثقة كان خيارا صاحب سنة، أخرج له الجماعة. توفي سنة ١٤٥ هـ. ينظر: معرفة الثقات للعجلي (٢/ ٣٥٢) وتهذيب التهذيب (٦/ ١٣٤).\n(^٤) هو: سعيد بن يحيى بن حيان التيمي الكوفي، روى عن علي وأبي هريرة - ﵃ - وروى عنه ابنه، قال العجلي: ثقة. ينظر: معرفة الثقات للعجلي (٢/ ٣٥٢) وتهذيب التهذيب (٢/ ٣٠١).","vol":"1","page":1721},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>ومن سورة المدثر</span>.\nقال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (^١).\nقال عكرمة: دُثِّرت هذا الأمر فقم به (^٢).\nوقال جماعة: كان متدثرا (^٣).\nيعلى بن عطاء (^٤): لما قال الوليد بن المغيرة لرسول الله - ﷺ - ما قال (^٥)، رجع مغتما فاستلقى وتغطى بثوبه، وجعل يتفكر، فجاءه جبريل - ﵇ - فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (^٦) قال: لا تلبسها على ما كنت تفكر ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) سورة المدثر (١ - ٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ٣٣٠ كتاب المغازي، ما جاء في مبعث النبي - ﷺ -] والطبري في تفسيره (١٢/ ٢٩٧) به.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٩٦) عن قتادة والنخعي.\n(^٤) هو: يعلى بن عطاء العامري الليثي الطائفي، قال ابن سعد: كان ثقة، توفي سنة ١٢٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٤٢) وتهذيب التهذيب (٦/ ٢٤٧).\n(^٥) لوحة رقم [٢/ ٣١١].\n(^٦) سورة المدثر (١ - ٤).\n(^٧) لم أجده من خبر يعلى بن عطاء، وقد أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١٢٥) عن ابن أبي مليكة، يقول: سمعت ابن عباس: أن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاما، فلما أكلوا قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: ليس بساحر، وقال بعضهم: كاهن، وقال: بعضهم ليس بكاهن، وقال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم: ليس بشاعر، وقال بعضهم: سحر يؤثر، فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر، فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فحزن وقنع رأسه وتدثر، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾ قال في مجمع الزوائد (٧/ ١٣١): \" فيه إبراهيم بن يزيد الخوزي، وهو متروك \".","vol":"1","page":1722},{"text":"وقال مجاهد ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لست بكاهن، ولا ساحر، فأعرض عما قالوا (^١).\nوقال الزهري: فتر عن رسول - ﷺ - فترة فحزن، فجعل يغدو مرارا إلى رؤوس شواهق الجبال ليتردى منها، فكلما أوفى بِذِرْوة جبل (^٢) تبدى له جبريل - ﵇ - فيقول: إنك نبي الله فيسكن لذلك جأشه، وترجع نفسه، فكان النبي - ﷺ - يحدث عن ذلك قال:؟ فبينا أنا أمشي يوما إذ رأيت المَلَك الذي كان يأتيني بحراء، على كرسي بين السماء والأرض، فجثيت منه رعبا، فرجعت إلى خديجة فقلت: زملوني فدثروه، فأنزل الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٩٩) به.\n(^٢) ذروة الجبل: أعلاه. ينظر: معجم مقاييس اللغة، مادة: ذرو.\n(^٣) أدرج المؤلف في هذا السياق خبرين من طريق الزهري:\nأحدهما: ينتهي عند قوله فيسكن لذلك جأشه، وترجع نفسه، وقد أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٢٧) عن الزهري مرسلا، ووصله أبو عوانه في مسنده (١/ ١١٠) وابن مندة في الإيمان (٢/ ٦٩٣) عن عروة بن الزبير، عن عائشة - ﵃ -.\nالثاني: من قوله: فكان النبي - ﷺ - يحدث، إلى نهاية الخبر، وقد أخرجه البخاري [سورة المزمل، باب والرجز فاهجر] ومسلم [١٦١ كتاب الإيمان] عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله ﵄.\nوقد ساقه بهذا التفصيل أبو عوانة (١/ ١١٠) وابن مندة في الإيمان (٢/ ٦٩٣) فميز بين رواية الزهري عن عروة عن عائشة، وبين روايته عن أبي سلمة عن جابر - ﵃ -.","vol":"1","page":1723},{"text":"قال قتادة: هي كلمة عربية، كانت العرب تقولها: طهر ثيابك أي من الذنب (^١).\nقال الزهري: فكان أول ما نزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (^٢).\nوقال ابن عباس في قوله سبحانه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال في كلام العرب: نَقِّ الثياب (^٣).\nوقال أبو رزين (^٤): عملك فأصلحه، وقال: وكان الرجل إذا كان حسن العمل قيل: فلان طاهر الثياب (^٥).\nوقال إبراهيم (^٦) ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم (^٧).\nوقال عكرمة: أمره الله ألا يلبس ثيابه على غدْرة، أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي (^٨):\nفإني بحمد الله لا ثوب فاجر ... لَبِسْتُ ولا من غَدْرَة أتقنع (^٩)\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٢٧) والطبري في تفسيره (١٢/ ٢٩٨) به.\n(^٢) جزء من أثر أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٩٧) عن الزهري، به.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٩٨) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٨٢) به.\n(^٤) هو: مسعود بن مالك الأسدي، تقدم.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ١٥٤ كتاب الزهد، كلام أبي رزين] والطبري في تفسيره (١٢/ ٢٩٩) وابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٢٣٥) به.\n(^٦) هو: النخعي، تقدم.\n(^٧) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٩٩) به.\n(^٨) هو: غيلان بن سلمة بن معتب بن مالك الثقفي، سكن الطائف، وأسلم هو وأولاده بعد فتح الطائف وكان أحد وجوه ثقيف، وقيل: إنه أحد من نزل فيه: (على رجل من القريتين عظيم). ينظر: الإصابة (٥/ ٣٣٧) والإصابة (٥/ ٢٥٣).\n(^٩) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٩٨) عن عكرمة، به، وأخرجه - أيضا - عنه عن ابن عباس ﵄، وساقه بتمامه.\nذكر ابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٢٣٦) هذا الخبر عن عكرمة بسند القاضي إسماعيل، قال: \" وذكر إسماعيل، قال: حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الأجلح، قال: سمعت عكرمة سئل عن قول الله ﷿: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ \" فذكره بتمامه.\nقوله: أتقنع: قنع رأسه؛ أي غطاه. ينظر: اللسان مادة: قنع.","vol":"1","page":1724},{"text":"وقال مجاهد ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ فقال: من الأوثان (^١).\nوقال إسماعيل (^٢): بلغني عن بعض من يتكلف الفقه، أنه ذكر أن قوله ﷿: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ يوجب غسل الثياب من النجاسات (^٣)، فتكلم بكلام يدل على قلة علمه بما مضى عليه أهل العلم، وبمعاني كلام العرب، وعلى قلة العلم بوضع الكلام\n_________\n(^١) أشار إليه ابن الجوزي في زاد المسير ص ١٤٨٧.\n(^٢) هو: ابن إسحاق القاضي.\n(^٣) ذهب الأحناف والشافعية إلى اشتراط تطهير الثياب ونحوها من النجاسات للصلاة، وأنه لا تجوز الصلاة في الثوب النجس.\nينظر: الأم (١/ ٥٥) وأحكام القرآن للجصاص (٥/ ٣٦٩) وبدائع الصنائع (١/ ١١٤) والمجموع للنووي (٣/ ١٣٩).\nوأما مالك؛ فقد اختلف قوله، وأشهره قولان:\nأحدهما: أن إزالة النجاسة عن ثوب المصلي وبدنه ومكانه؛ سنة من سنن الصلاة على كل حال.\nالثاني: أنها واجبة مع ذكرها، والقدرة على إزالتها.\nوقد صحح الحطاب في مواهب الجليل (١/ ١٨٩) ما نصه: \" المعتمد في المذهب: أن من صلى بالنجاسة متعمدا عالما بحكمها أو جاهلا، وهو قادر على إزالتها؛ يعيد الصلاة أبدا، ومن صلى بها ناسيا لها، أو غير عالم بها، أو عاجزا عن إزالتها؛ يعيد في الوقت على قول من قال: إنها سنة، وقول من قال: إنها واجبة مع الذكر والقدرة \" أ. هـ.\nينظر: المدونة (١/ ٢١) والنوادر والزيادات (١/ ٨٧) والبيان والتحصيل في مواضع منها: (١/ ٤١، ١٢٦، ١٦٤).","vol":"1","page":1725},{"text":"مواضعه، فأما ما مضى عليه أهل العلم فقد ذكرناه، ولم يقل أحد ما ذكره، وأما كلام العرب فقد ذكرنا منه في الأحاديث ما ذكرنا، وهو كثير في كلامهم وأشعارهم، يقول للرجل: طيب الإزار؛ أي لا يحل إزاره على حرام ولا فجور، ويقولون: نقي الجيب، أي لا يلبس ثوبه على دنس، قال النابغة (^١):\nرِقاق النعالِ طِيِّبٌ حُجُزاتُهم ... يُحَيَّوْن بالريحان يوم السَّباسِب (^٢)\nقال الأصمعي: طيب حجزاتهم أي: هم أعفاء.\nوقال (^٣): خِرْنِق (^٤):\nلا يبعُدنْ قومي الذين هُمُ ... سُم العُدَاة وآفة الجُزُر\nالنازلين بكل مُعْ تَرك ... والطِّيبِين معاقد الأُزُرِ (^٥)\n_________\n(^١) هو: زياد بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن ذبيان، أبو أمامة، في الطبقة الأولى من الشعراء، وأحد شعراء المعلقات. ينظر: الشعر والشعراء (١/ ١٥٧) وطبقات فحول الشعراء (١/ ٥١).\n(^٢) ديوان النابغة ص ٩.\nقوله: طيب حجزاتهم: حجزة الإنسان معقد السراويل والإزار، وهو هنا من باب الكناية عن الفرج، يريد أنهم أعفاء عن الفجور، ينظر: اللسان، مادة حجز.\nيوم السباسب: يوم من أعياد النصارى، يسمونه يوم السعانين. ينظر: لسان العرب مادة: سبسب.\n(^٣) كذا في الأصل، وصوابة بالتأنيث، لأنها امرأة، كما في الحاشية بعده.\n(^٤) هي: خِرْنِق بنت هَفّان بن بدر، لم أقف لها على ترجمة.\n(^٥) قولها: لا يبعدن، أي: لا يهلكن.\nوقولها: معاقد الأزر، أي: موضع عقد الإزار، وهو كناية عن طهارة قومها من الفاحشة. ... ينظر: المحتسب (٢/ ١٩٨) والمحرر الوجيز (٢/ ١٣٥) والبحر المحيط (٣/ ٤١٢) والمزهر (١/ ١٤٥).","vol":"1","page":1726},{"text":"وهذا البيت يحتج به (^١)؛ لقول الله ﷿: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (^٢).\nوأما وضع الكلام مواضعه؛ فقد كان ينبغي لهذا الرجل ألا يظن أن رسول الله - ﷺ - يحتاج أن (^٣) يوضأ (^٤) بغسل ثيابه من البول وما أشبهه، وأول هذه السورة من أول ما نزل من القرآن، وذلك قبل نزول الشرائع والوضوء والصلاة.\nوإنما تدل الآية آية (^٥) الطهار من أوثان الجاهلية، والأعمال الخبيثة، ألا تراه ﷿ قال: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ بالجنة والنار، وادع إلى الله، وقلبك فطهر، والشيطان فاهجر ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ على أذى من يؤذيك، وكل هذا دليل على قلة معرفة هذا الرجل باللغة، فإن أصحابه يدعون له علمها، كما أن أبا حنيفة، ومحمد بن الحسن (^٦)، وأصحابه، يدَّعون له علم اللغة، قالوا: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ (^٧) أن ذلك في\n_________\n(^١) وجه الاحتجاج به على نصب المقيمين، قال الطبري في تفسيره (٤/ ٣٦٤): \" نصب المقيمين على وجه المدح، قالوا: والعرب تفعل ذلك في صفة الشيء الواحد ونعته، إذا تطاولت بمدح أو ذم، خالفوا بين أوله وأوسطه أحيانا، ثم رجعوا بآخره إلى إعراب أوله \".\n(^٢) سورة النساء (١٦٢).\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ٣١٢].\n(^٤) كذا في الأصل، وهو تحريف وصوابه: يؤمر، وذلك لأمرين:\nالأول: أنه مقتضى السياق، ولفظ: يوضأ، لا يساعده السياق.\nالثاني: أن الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٣٦٩) قد نقل هذا النص، عن كتاب القاضي إسماعيل فقال: \" واحتج هذا الرجل: بأنه لا يجوز أن النبي - ﷺ - كان يحتاج إلى أن يؤمر يغسل ثيابه من البول وما أشبهه \".\n(^٥) كذا في الأصل، ولعله: أنه، بحيث يصير الكلام: وإنما تدل الآية أنه الطهار من أوثان الجاهلية ...\n(^٦) هو: محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني، أبو عبد الله الكوفي، صحب أبا حنيفة ومحمد بن يوسف، أخذ عنه الشافعي فأكثر، وكان مع فقهه مَضْرِبَ المثلِ ذكاءً، توفي سنة ١٨٩ هـ. ينظر: طبقات الحنفية لأبي الوفاء ص ٤٢، وسير أعلام النبلاء (٩/ ١٣٥)\n(^٧) سورة المزمل (٢٠).","vol":"1","page":1727},{"text":"صلاة الفريضة (^١)، وقاله الشافعي (^٢) - أيضا - ولم يعلم أنه من أول ما نزل من القرآن، فلم يعلموا أن ذلك نزل قبل الفرائض، وأنه معطوف على صلاة الليل، وأنه كلام مضمن بعضه من بعض، لا يشكل على ذي فهم، قال ﷿: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ (^٣) يريد فصلوا ما تيسر لكم تخفيفا، لم يرد القرآن إنما أراد التخفيف من الصلاة، فكان أوجب عليهم إطاله الصلاة، ثم خفف عنهم ذلك من أجل المرض والسفر والقتال في سبيل الله، فقال: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ (^٤) أن بعض القراءة أبين من بعض وقال: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ (^٥) فعلم أن ناشئة الليل قيام الليل، ثم خفف عنهم القيام الذي كان عليهم للعلل التي وَصِفَت، ثم قال: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أي فصلوا ما تيسر، واختُصِر الكلام في ذلك للمعرفة بالمعنى، ولو كان القصد في هذا التخفيف للقراءة؛ لكان فرض القيام على حاله لم ينسخ (^٦)، إذ كان التخفيف إنما هو في\n_________\n(^١) قد تقدم له في سورة المزمل عند هذه الآية، ذكر قول الأحناف ومذهبهم.\n(^٢) يشير إلى قول الشافعي في الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ على إزالة النجاسات من الثوب والبدن، وقد تقدم له قريبا ذكر ذلك في أول كلامه عن هذه الآية.\n(^٣) سورة المزمل (٢٠)، وفي الأصل كتب: ما تيسر منه.\n(^٤) سورة المزمل (٤).\n(^٥) سورة المزمل (٦).\n(^٦) أي: لكان خفف الله عنهم القراءة وأبقى فرض قيام الليل على ما شُرع ابتداء.","vol":"1","page":1728},{"text":"القراءة، ولو تأمل هؤلاء القوم أقوالهم، ونظروا فيما مضى عليه أهل العلم؛ لأغنوا عن كثير من التعب، والله أعلم (^١).\nوقال الزهري في الرجز: إنه الأوثان (^٢).\nوقال عكرمة: وقال الحسن: الذنب (^٣).\nوقال إبراهيم (^٤): الإثم (^٥).\n﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ (^٦).\nقال عكرمة: لا تعط شيئا لتعطى أكثر منه (^٧)، وقاله إبراهيم (^٨)، والضحاك (^٩)، وعطية (^١٠).\n_________\n(^١) قصر المؤلف ﵀ دلالة الأمر في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ على التطهر من أنجاس الجاهلية والأعمال الخبيثة، ومنع أن تكون في التطهر من النجاسات الحسية في البدن والثياب، وقد خالفه في ذلك ابن العربي فصحح جواز حمل الآية على المعنيين بلا معارضة بينهما، حيث يقول: \" ليس بممتنع أن تحمل الآية على عموم المراد فيها بالحقيقة والمجاز، على ما بيناه في أصول الفقه، وإذا حملناها على الثياب المعلومة الظاهرة، فهي تتناول معنيين: أحدهما: تقصير الأذيال فإنها إذا أرسلت تدنست ... والمعنى الثاني: غسلها من النجاسة؛ وهو ظاهر منها صحيح فيها \" أحكام القرآن (٤/ ٣٤١).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٢٨) والطبري في تفسيره (١٢/ ٣٠٠) به.\n(^٣) أورده ابن الجوزي في زاد المسير ص ١٤٨٧.\n(^٤) هو: النخعي، تقدم.\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٠١) به.\n(^٦) سورة المدثر (٦).\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٢٨) والطبري في تفسيره (١٢/ ٣٠١) به.\n(^٨) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٠١) به.\n(^٩) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٠١) به.\n(^١٠) هو: العوفي، تقدم.","vol":"1","page":1729},{"text":"وقال الضحاك: هي للنبي - ﷺ - خاصة، وقال هو مثل قوله: ﴿لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ (^١).\nوقاله جماعة (^٢)، وما يدخل في معناه، وقاله ابن عباس برواية صالحة (^٣).\nوقال الحسن: لا تمنن بعطيتك وعملك ولا تستكثر (^٤).\nوهذا عندي - والله أعلم - وإن كانت مخاطبة للنبي - ﷺ - فإنما يراد به أمته، وكذلك كل ما كان من أشكاله، والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة الروم (٣٩).\nقوله تعالى: ﴿لِيَرْبُوَ﴾ كذا رسمت في الأصل بالتاء الفوقية، على قراءة نافع، وهي بالتاء المضمومة مع إسكان الواو، وقرأ الباقون: بالياء مفتوحة، ونصب الواو. ينظر: التيسير للداني ص ١٧٥.\nوهذا الأثر عن الضحاك، قد تقدم للمؤلف ذكره، في سورة الروم عند قوله تعالى: ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ الآية: ٣٩.\n(^٢) أخرج الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٠١) عددا من الآثار عن السلف في هذا المعنى.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ١٨٨).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٢٨) والطبري في تفسيره (١٢/ ٣٠٢) بنحوه.","vol":"1","page":1730},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>ومن سورة لا أقسم</span>.\n\nقال الله ﷿: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)\nوَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ (^١).\nروى قتادة، عن زرارة (^٢)، عن ابن عباس ﴿وَلَوْ أَلْقَى (^٣) مَعَاذِيرَهُ﴾ لو تجرد من ثيابه (^٤).\nوقال: وقال الحسن: لو اعتذر لم تقبل معذرته (^٥).\nقال إسماعيل (^٦): أهل اليمن يسمون الستر المعذار (^٧)، فأحسب ابن عباس أراد لو ألقى ما يستره.\nوقال ابن جبير: هو شاهد على نفسه ولو اعتذر (^٨).\nوقال الحسن: عملك أحق بك، قال عكرمة: هو كما قال (^٩).\n_________\n(^١) سورة القيامة (١٤ - ١٥).\n(^٢) هو: زرارة بن أوفى العامري الحرشي، أبو حاجب البصري القاضي، قال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، توفي سنة ٩٣ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٧٦) وتهذيب التهذيب (٢/ ١٩٤).\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ٣١٣].\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٣٧) عن قتادة، به.\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٣٨) بنحوه.\n(^٦) هو: ابن إسحاق القاضي.\n(^٧) أورده في الدر المنثور (٨/ ٣٤٧) من قول الضحاك، وعزاه إلى ابن المنذر.\nوينظر - أيضا ـ: المحرر الوجيز (٥/ ٤٠٤) وتفسير ابن كثير (٤/ ٧٠٣) واللسان مادة: عذر.\n(^٨) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٣٧) به.\n(^٩) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٣٧) بنحوه.\nوقول عكرمة ورد جوابا على من سأله عن قول الحسن.","vol":"1","page":1731},{"text":"وقال مجاهد: وهو وإن جادل عنها بصيرة عليها (^١)، يريد شاهدا عليها.\nوقال قتادة: شاهدا عليها بعملها ولو اعتذر (^٢).\nفأما قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ (^٣).\nيقسم الله بما شاء من خلقه، ومعناها: أقسم، و(لا) صلة (^٤)، وليس لأحد أن يقسم إلا بالله.\nوالنفس اللوامة يلوم نفسه إذا نظر في صحيفته، فما قدم ليوم فقره، ويندم على ما فات.\nوقال الحسن ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ (^٥) قال: أَنّ نجعله كحافر الدابة (^٦).\nوقال قتادة: أو نجعله كخف البعير وحافر الدابة (^٧).\nوما من أحد إلا وهو يلوم نفسه يوم القيامة إن كان محسنا لام نفسه في التقصير وألا يكون زاد في العمل، وإن كان مسيئا فيلوم نفسه حيث لا ينفعه، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٣٧) به.\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٣٧) بنحوه.\n(^٣) سورة القيامة (١).\n(^٤) اختلف أهل العلم في نوع (لا) في هذا الموضع وأمثاله، والمشهور على أنها صلة كما ذكر المؤلف. ينظر: الكشاف (٤/ ١٦٣) والمحرر الوجيز (٥/ ٢٥٠) والبحر المحيط (٨/ ٢١٢) والتحرير والتنوير (٢٧/ ٣٣٠).\n(^٥) سورة القيامة (٤).\n(^٦) أورده في الدر المنثور ٨/ ٣٤٤) بمعناه، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٣٣) بنحوه.","vol":"1","page":1732},{"text":"وأما قوله: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ (^١).\nقال: تمضي قدما وتقول غدا أتوب.\nوقال مجاهد: يركب رأسه ويمضي أمامه (^٢).\nوقال الحسن: قدما قدما في المعاصي (^٣).\nقال الله ﵎: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ\n(١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ﴾ (^٤).\nقال ابن عباس - ﵁ -: كان رسول الله إذا نزل القرآن يقول هكذا، قال سعيد بن جبير: وصفه لنا ابن عباس وحرك شفتيه، حتى اضطربت لحيته من سرعة ما حرك شفتيه، فقال الله ﷿: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ﴾ إن علينا أن نجمعه في صدرك ونقرأه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ﴾ فإذا أنزلناه فاستمع له ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أي نبينه بلسانك، فكان إذا أتاه جبريل صلوات الله عليه أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده الله، قال ابن عباس: وإنما كان يحرك قبل ذلك لسانه به، مخافة أن يتفلت منه (^٥).\nوقال سعيد (^٦)، ومجاهد، وقتادة، وعامر (^٧)، نحو ذلك (^٨).\n_________\n(^١) سورة القيامة (٥).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٢٩) بنحوه.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٣٣) به.\n(^٤) سورة القيامة (١٦ - ١٧).\n(^٥) أخرجه البخاري [١٠٦٤ كتاب التفسير، سورة القيامة] ومسلم [١/ ٢٧٧ كتاب الصلاة] بنحوه.\n(^٦) هو: ابن جبير، تقدم.\n(^٧) هو: الشعبي، تقدم.\n(^٨) أخرجه عنهم جميعا الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٣٩).\nوأخرجه عبد الرزاق - أيضا - في تفسيره (٣/ ٣٣٤) عن قتادة.","vol":"1","page":1733},{"text":"ومعناه ومعنى قوله: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ﴾ - والله أعلم - فإذا جمعناه في صدرك؛ فاعمل بأحكامه وما فيه (^١).\n_________\n(^١) اختار المؤلف ﵀ أن المراد بالاتباع في قوله: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ﴾ العمل بأحكامه، وهذا ما اختاره ابن جرير الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٤١) وعلل ذلك بقوله: \" وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك؛ قول من قال: فإذا تلي عليك فاعمل به من الأمر والنهي، واتبع ما أمرت به فيه؛ لأنه قيل له: إن علينا جمعه في صدرك وقرآنه، ودللنا على أن معنى قوله: وقرآنه؛ وقراءته، فقد بين ذلك عن معنى قوله: فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه، يقول تعالى ذكره: ثم إن علينا بيان ما فيه من حلاله وحرامه وأحكامه لك مفصلة\".","vol":"1","page":1734},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>سورة هل أتى</span>.\n\nقال الله ﷿: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ (^١).\nقال عمر وابن مسعود: ليتها تمت (^٢).\nوقال قتادة: كان آدم آخر ما خلق من الخلق (^٣)، و﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يعني ذريته.\nقال أبو عبيدة (^٤): معنى هل، ليس باستفهام؛ إنما قد أتى على الإنسان، أو على التقرير، كما يقول الإنسان للإنسان: هل فعلت كذا، أما فعلت بك كذا، قال جرير:\nألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالَمِين بطون رَاحِ (^٥)\n_________\n(^١) سورة الإنسان (١).\n(^٢) قول عمر أخرجه ابن المبارك في الزهد ص ٧٩، ولفظه: أن عمر بن الخطاب سمع رجلا يقرأ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ فقال عمر: يا ليتها تمت.\nوأما قول ابن مسعود - ﵁ - فقد أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ١٠٧ كتاب الزهد، ابن مسعود] ولفظه: قرأ رجل عند عبد الله بن مسعود: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ فقال عبد الله: ألا ليت ذلك تم.\nقال البغوي في معالم التنزيل (٤/ ٤٢٦) في بيان معنى قول عمر وابن مسعود ﵄: \" يريد ليته بقي على ما كان \"، وبنحوه قال الزمخشري في الكشاف (٤/ ١٧٦): \" أراد ليت تلك الحالة تمت، وهي كونه شيئا غير مذكور، ولم يخلق ولم يكلف \".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٣٦) والطبري في تفسيره (١٢/ ٣٥٣) به.\n(^٤) مجاز القرآن (٢/ ٢٧٩).\n(^٥) ديوان جرير ص: ٧٩","vol":"1","page":1735},{"text":"(^١) فلفظ بحرف الاستفهام، وإنما يريد الإيجاب، وهذا مشهور في كلام العرب.\nقال الله ﷿: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ (^٢).\nقال عكرمة: نطفة ثم علقة ثم مضغة (^٣).\nوقال الحسن: الأمشاج اختلاط ماء الرجل وماء المرأة (^٤)، وقال - أيضا ـ: مشيج - والله - من أقذار كثيرة (^٥).\nوقال مجاهد: ألوان (^٦).\nوقال قتادة: خلقناهم مما يعلمون، قال: خُلقت يا بن آدم من قذر، فاتق الله يا ابن آدم (^٧).\nوقال أبو بكر الصديق على المنبر: يا ابن آدم اعرف نفسك، فإنك خلقت من أقذار، من نطفة جرت مجرى البول، فخالط رطب رطبا، ثم علقة نجسة (^٨).\n﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (^٩).\nقال الحسن: لم يكن الأسراء من المسلمين يومئذ، وإنما كانوا من المشركين (^١٠).\n_________\n(^١) لوحة رقم [٢/ ٣١٤].\n(^٢) سورة الإنسان (٢).\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٥٥) به\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٥٥) بنحوه.\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٥٤) بمعناه.\n(^٦) أورده في الدر المنثور (٨/ ٣٦٨) بنحوه، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٧) أورده في الدر المنثور (٨/ ٢٨٦) وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(^٨) أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ٩٢ كتاب الزهد، كلام أبي بكر - ﵁ -] بمعناه.\n(^٩) سورة الإنسان (٨).\n(^١٠) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٣٦) وابن أبي الجعد ص ٢٢٣ وابن أبي شيبة [٢/ ٤٠١ كتاب الزكاة، ما قالوا في الصدقة في غير أهل الإسلام] والطبري في تفسيره (١٢/ ٣٦٠) والبيهقي [٩/ ١٢٩ كتاب السير، باب بيع السبي من أهل الشرك] بنحوه.","vol":"1","page":1736},{"text":"وقال عطاء: هو المسجون من أهل القبلة وغيرهم (^١).\nوقال ابن جبير: الأسير المسجون (^٢).\nوقال الحكم بن عتيبة: هو المسجون، لا أدري من أهل القبلة، أم من غير (^٣) أهل القبلة وغيرهم.\nوقال مجاهد: الأسير المسجون (^٤).\nوقال قتادة: الأسير يومئذ كان المشرك، وأخوك المسلم أحق أن تطعمه (^٥).\nوقال مجاهد: وهم يشتهونه (^٦).\nوهذه الآية مدح لقوم فعلوا ذلك، فينبغي الاقتداء بهم والدخول في مدح الله وطلب مرضاته.\n\n﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ (^٧).\nقال مجاهد: أما إنهم لم يتكلموا به، ولكن علمه الله ﵎ من قلوبهم فحكاهم عنه (^٨) ليرغب فيه راغب (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٦٠) بنحوه.\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٦٠) به.\n(^٣) كذا في الأصل والسياق يقتضي حذف: غير، لتكون العبارة: أم من أهل القبلة وغيرهم.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٣٦) والطبري في تفسيره (١٢/ ٣٦٠) به.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٣٦) والطبري في تفسيره (١٢/ ٣٦٠) به.\n(^٦) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٥٩) به.\n(^٧) سورة الإنسان (٩).\n(^٨) كذا في الأصل، والعبارة قلقة، ولفظها عند الطبري: فأثنى به عليهم ليرغب في ذلك راغب.\n(^٩) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٣٧) والطبري في تفسيره (١٢/ ٣٦١) بنحوه.","vol":"1","page":1737},{"text":"والمرسلات.\nقال الله ﷿: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)\nوَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (^١).\nقال الضحاك: أتى ابن الأزرق (^٢) وعطية (^٣) إلى ابن عباس فقالا: يا بن عباس أرأيت قول الله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (^٤) وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (^٥) وقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (^٦) وقوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (^٧) وقوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ (^٨) وتتبعا هذا النحو، فقال ابن عباس: ويحك يا بن الأزرق، إنه يوم طويل وفيه مواقف، فيأتي عليهم ما شاء الله أن يأتي فينطقون، ثم يؤذن لهم بعد ذلك فيختصمون، ويأتي عليهم ما شاء الله أن يأتي، وهم يجحدون ويحلفون له كما يحلفون لكم، ويحسبون أنهم على شيء إلا أنهم هم الكاذبون، فإذا فعلوا ذلك ختم الله على أفواههم، وأنطق\n_________\n(^١) سورة المرسلات (٣٥ - ٣٦).\n(^٢) هو: نافع بن الأزرق أبو راشد الحروري، أحد رؤوس الخوارج، وإليه تنسب طائفة منهم يقال لها: الأزارقة، قتل سنة ٦٥ هـ. ينظر: الملل والنحل (١/ ١٣٧) ولسان الميزان (٦/ ١٤٤)\n(^٣) هو: عطية بن الأسود الحنفي، أحد أمراء الخوارج كان تابعا لابن الأزرق ثم نقم عليه ففارقه وإليه تنسب العطوية إحدى فرق الخوارج، توفي سنة ٧٥ هـ. ينظر: الأنساب للسمعاني (٤/ ٢١١) والملل والنحل (١/ ١٣٨).\n(^٤) سورة المرسلات (٣٥ - ٣٦).\n(^٥) سورة الزمر (٣١).\n(^٦) سورة النساء (٤٢).\n(^٧) سورة الأنعام (٢٣).\n(^٨) سورة غافر (٥٠).","vol":"1","page":1738},{"text":"جوارحهم فشهدت، ثم أنطق ألسنتهم بما صنعوا، وهو قوله سبحانه: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (^١) ويقال لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ (^٢)\n\nعم يتساءلون، والنازعات (^٣)، وعبس، وإذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، ليس فيها شيء من الأحكام، والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة النساء (٤٢).\n(^٢) سورة غافر (٥٠).\nوالأثر أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٩٧) من طريق الضحاك، بنحوه.\n(^٣) لوحة رقم [٢/ ٣١٥].","vol":"1","page":1739},{"text":"قال الله ﵎: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (^١).\nقال أبو هريرة: قدمت المدينة ورسول الله - ﷺ - بخيبر، فوجدت رجلا من غِفار (^٢) يؤم الناس، فقرأ في الركعة الأولى من صلاة الصبح سورة مريم، وقرأ في الثانية ويل للمطففين، وكان فينا رجل له مكيلان، مكيال صغير ومكيال كبير، يأخذ بواحد ويعطي بالآخر، فقلت: ويل لفلان، وقص قصته وإسلامه (^٣).\nوالتطفيف: أَلَّا يُتِم الشيء، فإن من نقص من صلاته، أو وضوئه، أو من مكياله، أو من ميزانه، وما أشبه ذلك من سائر الأشياء؛ فهو مطفف داخل في معنى الآية (^٤).\n_________\n(^١) سورة المطففين (١ - ٣).\n(^٢) غفار هم: أبناء مُلَيْل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن مضر بن نزار، ومنهم صاحب رسول الله أبو ذر الغفاري، وقد ورد في الحديث أن النبي - ﷺ - قال: غفار غفر الله لها، كانت منازلهم حول مكة. ينظر: العقد الفريد (٣/ ٢٩٣) والأنساب للسمعاني (٣/ ٣٠٤).\n(^٣) أخرجه ابن حبان [١٦/ ١٠٩ كتاب أخباره - ﷺ -، ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن أبا هريرة لم يصحب النبي - ﷺ - إلا سنة واحدة] والبيهقي [٢/ ٣٩٠ كتاب الصلاة، باب التجوز في القراءة في صلاة الصبح] وموارد الظمآن ص ١٢٨، من طريق عراك بن مالك عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٤) جعل المؤلف ﵀ دلالة الآية عامة في كل بخس في الميزان، سواء كان في الموازين أو في الحقوق والواجبات التي افترضها الله تعالى، ولذا مثل بنقص الصلاة ونقص الوضوء، ثم استشهد على ما قرره بقول الإمام مالك ﵀ وهذا المعنى وإن كان صحيحا في ذاته، داخل في معنى التطفيف باعتبار أن التطفيف يطلق على كل نقص، فإن الآية جاءت في سياق خاص، ونوع بعينه من التطفيف، وهو تطفيف الكيل والميزان، دل على ذلك حالة المقابلة التي ذكرها الله تعالى، بين حالهم عند استيفائهم للكيل إن كان لهم، وبخسهم له إن كان لغيرهم، وأما قول مالك ﵀ فإنه ذكر المعنى العام للتطفيف ولم يورد هذه الآية، ولم يستشهد بها على المعنى الذي أراده، والله أعلم.","vol":"1","page":1740},{"text":"قال مالك - ﵁ -: يقال لكل شيء وفاء وتطفيف (^١).\nوأما قوله عز من قائل: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ (^٢) فإن العرب تقول: كلتك ووزنتك؛ أي كلت لك، ووزنت لك، فيسقطون حرف الجر في أشياء من هذا النحو، وقال الله ﵎: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ (^٣) أي من قومه، يسقطون حرف الجر إذا لم يشكل المعنى؛ لأن قوله: ﴿وَاخْتَارَ﴾ قد أوجب أن الاختيار وقع على بعض دون بعض، فُعلم بلفظ الاختيار أنه قد اختير منهم، والله أعلم.\n\nإذا السماء انشقت، والسماء ذات البروج، لم يذكر فيهما شيء.\n_________\n(^١) ينظر قول مالك في الموطأ (١/ ٤٣).\n(^٢) سورة المطففين (٣).\n(^٣) سورة الأعراف (١٥٥).","vol":"1","page":1741},{"text":"والسماء والطارق.\n\nقال الله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ (^١).\nقال بعضهم ﴿وَالتَّرَائِبِ﴾: صدر الرجل، وهو قول الحسن (^٢).\nوقال مجاهد: الصدر أسفل من التراقي (^٣)، وقال عكرمة: الصدر (^٤)، ولم يقولا صدر من.\nوقيل: عصارة القلب، من هناك يكون الولد (^٥).\nهذا ما قاله المفسرون في الترائب، والذي عندي أنه من صلب الرجل، وترائب المرأة، ومن ذلك يكون الشبه بالمائين، ألا ترى النبي - ﷺ - قال لأم سلمة:؟ فمم يكون الشبه؟ (^٦) ولذلك ما جعلت المرأة أرق على الولد وأحنى من الأب؛ لأن ماء الرجال من ظهورهم، وماء المرأة من صدرها يقارب القلب، ويحتمل قول بعضهم: أن يكون كما ذكرنا، والله أعلم بما أراد بذلك.\n_________\n(^١) سورة الطارق (٧).\n(^٢) لم أقف عليه.\n(^٣) أورده في الدر المنثور (٨/ ٤٧٥) به، وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أورده في الدر المنثور (٨/ ٤٧٥) وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(^٥) أورده الثعلبي (١٠/ ١٧٩) المحرر الوجيز (٥/ ٤٦٥) وتفسير ابن كثير (٤/ ٧٨٥) ونسبه إلى معمر بن أبي حبيبة.\n(^٦) أخرجه مسلم [٣١١] عن أنس بن مالك، ولفظه: (أن أم سليم سألت نبي الله - ﷺ - عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فقال رسول الله - ﷺ -: إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل، فقالت أم سليم - واستحييت من ذلك - قالت: وهل يكون هذا؟ فقال نبي الله - ﷺ -: نعم، فمن أين يكون الشبه، إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه).","vol":"1","page":1742},{"text":"قال الله تبارك اسمه في سبح: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)\nوَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (^١).\nقال أبو العالية: نزلت في صلاة الفطر وزكاته (^٢).\nوقال عكرمة: كان الرجل يقول: أقدم زكاتي بين يدي صلاتي (^٣). (^٤)\nوقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: قدموا صدقة الفطر قبل الصلاة، فإن الله ﷿ يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (^٥).\nوقال ابن عباس: من السُنّة إخراج صدقة الفطر قبل الصلاة (^٦).\nوقال قتادة: قد أفلح من تزكى بعمل صالح وورع (^٧).\nوقال عطاء عن ابن عباس: أَلْقِها أمامك حين تغدو، يريد صدقة الفطر (^٨).\nقال نافع عن ابن عمر:؟ أمر النبي - ﷺ - بصدقة الفطر، فكنا نؤمر أن نخرجه قبل أن نخرج إلى الصلاة؟ (^٩).\n_________\n(^١) سورة الأعلى (١٤ - ١٥).\n(^٢) أخرجه البيهقي في فضائل الأوقات ص ٣٠٥ بمعناه.\n(^٣) أورده الشوكاني في فتح القدير (٥/ ٤٢٥) بلفظه، ولم يعزه.\n(^٤) لوحة رقم [٢/ ٣١٦].\n(^٥) أخرجه البيهقي [٤/ ١٧٥ كتاب الزكاة، وقت زكاة الفطر] بنحوه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة [٢/ ٣٩٥ كتاب الزكاة، زكاة الفطر تخرج قبل الصلاة] والدارقطني [٢/ ١١٩ كتاب زكاة الفطر] به.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٦٧) والطبري في تفسيره (١٢/ ٥٤٦) بنحوه.\n(^٨) لم أجده بهذا السياق، وفي معناه الأثر عن ابن عباس الذي ذكره في أول كلامه عن هذه الآية، وبنحوه أخرج عبد الرزاق [٣/ ٣١٧ كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر] عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: كان يؤمر أن يلقي الرجل قبل أن يخرج صاعا من تمر أو نصف صاع من قمح.\n(^٩) أخرجه مسلم [٢/ ٥٦٦ كتاب الزكاة] من طريق نافع، به.","vol":"1","page":1743},{"text":"وقال ابن شهاب: أمر رسول الله - ﷺ - بإخراج زكاة الفطر قبل الغدو إلى المصلى (^١)، ورواه - أيضا - موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه مثله (^٢).\nقال الله ﵎: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ (^٣).\nقال مجاهد: كان يتذكر القرآن في نفسه مخافة أن ينسى (^٤).\nوقال مالك بن أنس - ﵁ -: تأويل ذلك: سنقرئك فتحفظ (^٥)، وهذا أصح في المعنى، نفى أن ينسى، إذ كان قد وعده فقال سبحانه: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (^٦) في صدرك، والله أعلم بما أراد من ذلك (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة [٢/ ٣٩٥ كتاب الزكاة، زكاة الفطر تخرج قبل الصلاة] وابن أبي الجعد في مسنده (١/ ٤٠٨)، به.\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة [٤/ ٩١ كتاب الزكاة، باب الدليل على أن الصلاة التي أمر النبي - ﷺ - بأداء صدقة ...] والترمذي [٢/ ١٥٢ كتاب الزكاة، باب ما جاء في تقديمها قبل الصلاة] وأبو نعيم في المستخرج (٣/ ٦٥) عن موسى بن عقبة، به.\n(^٣) سورة الأعلى (٦).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤١٦) به.\n(^٥) أورده ابن العربي في أحكام القرآن (٤/ ٣٧٨).\n(^٦) سورة القيامة (١٧).\n(^٧) وكذلك صحح ابن العربي هذا المعنى، فقد نقل كلام الإمام مالك الذي أورده المؤلف، ثم علل تصحيحه بقوله: \" لأن تكليف الناسي في حال نسيانه، لا يعقل قولا، فكيف يكون مكلفا به فعلا \".","vol":"1","page":1744},{"text":"قال الله ﵎: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى\n(١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (^١).\nقال ابن عباس: هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى (^٢)، وقاله عكرمة وقتادة (^٣).\n\nهل أتاك حديث الغاشية، والفجر، لم يذكر فيهما شيء.\n_________\n(^١) سورة الأعلى (١٨ - ١٩).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤١٩) بمعناه.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٧٦) والطبري في تفسيره (١٢/ ٥٤٩) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤١٩) بمعناه.\nوأما قول عكرمة فقد أخرجه الطبري في تفسيره - الإحالة السابقة ـ.","vol":"1","page":1745},{"text":"﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ (^١).\n\nقال الضحاك وابن جبير: أقسم بهذا البلد (^٢).\nوقال ابن عباس: البلد مكة (^٣)، وقاله مجاهد (^٤)، وقال فيه يحيى وعبد الرحمن: الحرم (^٥).\nوقال فيه وكيع: مكة (^٦).\nوقال عطاء: هي مكة، إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة، لم تحل لبشر إلا لنبيكم - ﷺ - ساعة من النهار (^٧).\nوقال قتادة وأبو صالح (^٨): البلد مكة (^٩).\nوأما قوله: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ (^١٠) قال ابن عباس: أنت يا محمد يحل لك أن تقاتل فيه، فأما غيرك فلا (^١١).\n_________\n(^١) سورة البلد (١).\n(^٢) لم أجده عنهما، وقد أخرج ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٣٢) عن مجاهد، نحوه.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٥٨٤) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٣٢) به.\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٥٨٤) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٣٢) به.\n(^٥) أورده في الدر المنثور (٨/ ٥١٧).\n(^٦) لم أقف عليه.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٣٢) به، وأخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٥٨٦) بنحوه.\n(^٨) هو: مولى ابن عباس - ﵃ -، تقدم.\n(^٩) قول قتادة أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٥٨٤) به.\nوأما قول أبي صالح فقد أورده في الدر المنثور (٨/ ٥١٨) وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(^١٠) سورة البلد (٢).\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٣٢) به.","vol":"1","page":1746},{"text":"وقال مجاهد: أحل للنبي - ﷺ - أن يصنع فيها ما شاء، يقول: لا تؤاخذ بما صنعت فيه، وليس عليك فيه ما على الناس (^١).\nوقال الضحاك: اقتل فيه من شئت أو دع، أحللتها لك يوم الفتح عامة يومك (^٢).\nوقال قتادة: لست بآثم أنت به حل (^٣).\nوقال الشافعي: لا بأس أن يدخل الإنسان مكة وهو غير محرم (^٤)؛ لأن النبي - ﷺ - دخل عام الفتح وهو حلال (^٥).\nقال القاضي: والنبي - ﷺ - خص في ذلك بأن أحلت له، ولا تحل لأحد بعده، ولم تحل قبله لأحد، فلما أزيل حكمها يومئذ (^٦) زال حكم من يدخلها؛ لأن المُحْرِم إنما يُحْرم ليدخل الحرام، فيقضي فيه ما يجب عليه، فلما كان الحَرَم يومئذ ليس بحرم كان سبيل الداخل أن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٥٨٥) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٣٢) بنحوه.\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٥٨٦) به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٧٣) به، والطبري في تفسيره (١٢/ ٥٨٥) بنحوه.\n(^٤) أطلق المؤلف ﵀ في نسبة هذا القول إلى الشافعي، والمسألة فيها تفصيل في مذهب الشافعية وخلاف، وصورتها على قول الشافعي: أن من سبق له الحج والعمرة، وأراد الدخول إلى الحرم إما لتجارة أو زيارة أو نحو ذلك، فهل يلزمه الإحرام أم لا، للشافعية في ذلك طريقان:\nالأول: منهم من أطلق القول بالاستحباب، وهي طريقة الرافعي في آخرين.\nالثاني: صحح النووي وقوع الخلاف في المذهب، على قولين: الأول: أنه مستحب غير واجب، والثاني: أنه واجب، وقال ﵀: والأكثرون على الاستحباب.\nوأما من يتكرر دخولهم كالحطابين والصيادين فالمذهب أنه لا يلزمهم.\nينظر: الأم (٢/ ١٤١) والمجموع (٧/ ١٠)\n(^٥) يشير إلى الحديث الذي أخرجه مسلم [٢/ ٨٠٧ كتاب الحج] وغيره، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - ﷺ - دخل مكة، وقال قتيبة: دخل يوم فتح مكة، وعليه عمامة سوداء بغير إحرام.\n(^٦) لوحة رقم [٢/ ٣١٧].","vol":"1","page":1747},{"text":"يدخله محلا، وقد قال: لي (^١) رسول الله - ﷺ -:؟ أحلت لي ساعة من نهار ولم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي؟ (^٢) فكيف يكون غيره كهو صلى الله عليه، وأحسبه أتي من قوله: إن مكة صلح؛ عصبية للبلد، وتَعصُبُه لسيد أهل البلدِ رسولِ الله - ﷺ - أولى من إنكارِ غَلَبِه كفارَ قريشِ (^٣)، هذا وقد أنزل الله ﵎: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (^٤) فأخبر بالنصر والفتح، وقال رسول الله - ﷺ -:؟ من طرح السلاح فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، واقتلوا ابن خطل (^٥) وفلانا وفلانا - يعني عبد الله بن سعد بن أبي السرح (^٦)، ومقيس بن صبابة (^٧)، وعكرمة بن أبي جهل (^٨)؟ فقتل ابن خطل معلق بأستار الكعبة، وقتل مقيس\n_________\n(^١) كذا في الأصل، وتقدير الكلام: أحلت لي، أي رسول الله - ﷺ -.\n(^٢) أخرجه البخاري [١٤٤٣ كتاب الديات، باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين] ومسلم [٢/ ٨٠٦ كتاب الحج ١٣٥٥] من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) يشير إلى قول الشافعي ﵀ في أن مكة قد فتحت صلحا. ينظر: الأم (٧/ ٣٦٢).\n(^٤) سورة النصر (١).\n(^٥) هو: عبد الله بن هلال بن خطل وقيل عبد العزى، من بني تيم بن غالب، يقال: إنه أسلم ثم ارتد، ولما كان يوم الفتح أهدر النبي - ﷺ - دمه فقتله أبو بزرة الأسلمي وسعيد بن حريث وهو متعلق بأستار الكعبة. البداية والنهاية (٤/ ٢٩٦).\n(^٦) هو: عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث القرشي، أبو يحيى العامري، كان من كتاب الوحي، فأزله الشيطان فارتد، فلما كان يوم الفتح أهدر النبي - ﷺ - دمه، فأجاره أخوه من الرضاع عثمان بن عفان، فجاء به النبي - ﷺ - فقبل منه، وكانت له مواقف محموده في الفتوح، توفي سنة ٥٧ هـ. ينظر الإصابة (٤/ ٩٤).\n(^٧) هو: مقيس بن صبابة، كان قد أسلم، ثم لما قتل أحد المسلمين أخاه خطأ، أخذ ديته ثم قتل مسلما غدرا، ولحق بالمشركين فأهدر النبي عام الفتح دمه، فقتله رجل من قومه. ينظر: البداية والنهاية (٤/ ٢٩٧).\n(^٨) هو: عكرمة بن أبي جهل، واسمه: عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي، فر بعد ما أهدر النبي - ﷺ - دمه عام الفتح، ثم أخذت الأمان له امرأته، فأسلم وحسن إسلامه، واستعمله النبي - ﷺ - على صدقات هوازن، ثم خرج إلى الشام مجاهدا فقتل بأجنادين. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٠٩) والإصابة (٤/ ٤٤٣).","vol":"1","page":1748},{"text":"بن صبابة (^١)، وفر عكرمة في البحر ثم جاء وأسلم، وله في البحر قصة، وشفع عثمان (^٢) لابن أبي سرح فقبل إسلامه (^٣)، فكيف يسوغ في العقل أن يكون هذا وهم آمنون! الله المستعان.\n\nوالشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، لم يذكر فيهما شيء.\n_________\n(^١) قيل: قتله رجل من قومه يقال له نميلة بن عبد الله. ينظر: البداية والنهاية (٤/ ٢٩٧).\n(^٢) هو: ابن عفان - ﵁ -، تقدم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ٤٠٤ كتاب المغازي حديث فتح مكة] والنسائي [٧/ ١٠٦ كتاب تحريم الدماء، الحكم في المرتد] والحاكم [٢/ ٦٢ كتاب البيوع] والبيهقي [٨/ ٢٠٥ كتاب المرتد، باب من قال في المرتد يستتاب] عن مصعب بن سعد عن أبيه، بنحوه، وصححه الهيثمي (٦/ ٢٤٨).","vol":"1","page":1749},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>ومن سورة والضحى</span>\n\nقال الله ﵎: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (^١).\nقال جندب بن سفيان (^٢):؟ أبطأ جبريل على رسول الله صلى الله عليهما وسلم فقالت امرأة: - وفي رواية أخرى قالوا - قد ودعك ربك وقلاك؟ (^٣)\nوقيل: اشتكى فلم يقم مرتين أو ثلاثا، فجاءته امرأة فقالت: يا محمد إني أرجو أن يكون شيطانك قد تركك، فأنزل الله ﵎: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (^٤).\nوروى عبد الله بن شداد بن الهاد (^٥):؟ أن جبريل - ﵇ - أتى النبي صلى الله وسلم، فقال يا محمد اقرأ، فقال: وما أقرأ؟ قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فقال لخديجة: يا خديجة ما أراني إلا قد عُرِضَ لي، فقالت خديجة ﵂: كلا، والله ما كان ربك ليفعل ذلك بك، وما أتيت فاحشة قط، قالت: فأتت خديجة ورقة بن نوفل (^٦) فذكرت\n_________\n(^١) سورة الضحى (٣).\n(^٢) هو: جندب بن عبد الله بن سفيان أبو عبد الله البجلي، كان يقال له: جندب الخير، وكان على عهد النبي فتى صغيرا، نزل الكوفة ثم البصرة وتوفي قبل السبعين. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٨٠) والإصابة (١/ ٦١٣).\n(^٣) أخرجه البخاري [٢١١ كتاب التهجد، باب ترك القيام للمريض] عن جندب بن سفيان، بنحوه.\nالرواية الأخرى التي أشار إليها المؤلف ﵀ في أثناء الحديث أخرجها مسلم [٣/ ١١٣٤ كتاب الجهاد والسير] عن جندب، بنحوه.\n(^٤) أخرجه مسلم [٣/ ١١٣٤ كتاب الجهاد والسير] عن جندب بن سفيان، بنحوه.\n(^٥) هو: عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي، تقدم.\n(^٦) هو: ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى القرشي الأسدي، ابن عم خديجة زوج النبي - ﷺ -، كان قد تنصر في الجاهلية، والمشهور أنه توفي قبل دعوة النبي - ﷺ - إلى الإسلام. ينظر: الإصابة (٦/ ٤٧٤)","vol":"1","page":1750},{"text":"ذلك له فقالت (^١) ورقة: إن تكوني صادقة فإن زوجك نبي، وليلقين من أمته شدة، فاحتبس جبريل - ﷺ - على النبي - ﷺ - فقالت خديجة: يا محمد ما أرى إلا قد قلاك ربك، فأنزل الله تبارك وتعال: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (^٢).\nقال الله ﷿: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (^٣).\nقال الحسين (^٤) بن علي - رحمة الله عليه وعلى أبيه ـ: إذا أصبت خيرا أو عملت\n_________\n(^١) كذا في الأصل، بالتأنيث.\n(^٢) أخرجه الطبري في تاريخه (١/ ٥٣٢) به. ...\nوأخرجه - أيضا - ابن أبي شيبة [٦/ ٣٢٣ كتاب الفضائل، باب ما أعطى الله تعالى محمدا] والطبري في تفسيره (١٢/ ٦٢٤) لكن من طريق عروة بن الزبير عن أبيه - ﵃ -.\nقال ابن حجر في الفتح (٣/ ١٢) \" وقد تعقبه - أي خبر خديجة - ابن المنير ومن تبعه بالإنكار؛ لأن خديجة قوية الإيمان لا يليق نسبة هذا القول إليها، لكن إسناد ذلك قوي، أخرجه إسماعيل القاضي في أحكامه، والطبري في تفسيره، وأبو داود في أعلام النبوة له، كلهم من طريق عبد الله بن شداد بن الهاد، وهو من صغار الصحابة والإسناد إليه صحيح \" وهذا الإشكال الذي أورده ابن المنير وغيره ممن رد هذا الخبر، قد أجاب عنه ابن كثير في تفسيره (٤/ ٨٢٦) قال: \" ولعل ذكر خديجة ليس محفوظا، أو قالته على وجه التأسف والتحزن، والله أعلم\" أ. هـ وهذا التعليل الأخير الذي ذكره وجيه، ويشهد له ظاهر رواية ابن أبي شيبة والطبري الثانية، ولفظها: قال: أبطأ جبريل على النبي - ﷺ - فجزع جزعا شديدا، فقالت له خديجة: إني أرى ربك قد قلاك، مما نرى من جزعك، قال فنزلت: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ فدل هذا أنها إنما قالت ذلك على سبيل التوجع والتأسف، لِمَا رأته من حال النبي - ﷺ - لَما احتبس عنه جبريل - ﵇ -، والله أعلم.\n(^٣) سورة الضحى (١١).\n(^٤) كذا في الأصل، وعند ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٤٤): الحسن بن علي، وهو كذلك في غالب المصادر كأحكام القرآن لابن العربي (٤/ ٤١٠) وتفسير ابن كثير (٤/ ٨٢٩) والدر المنثور (٨/ ٤٥٤) وفتح القدير للشوكاني (٥/ ٤٦٠).","vol":"1","page":1751},{"text":"خيرا؛ فحدث (^١) إخوان ثقتك (^٢).\nوقال مجاهد: فحدث بالنبوة الذي أعطاك ربك (^٣).\nوقال أبو رجاء العُطاردي (^٤): لقد رزق الله البارحة خيرا، صليت كذا وسبحت كذا، قال أيوب (^٥): فاحتملت ذلك لأبي رجاء (^٦).\nوقال نصر بن علي الأكبر (^٧): قال (^٨) عبد الله بن غالب (^٩): إذا أصبح يقول: صليت البارحة كذا، وسبحت كذا، وقرأت كذا، فيقال له: يا أبا قريش مثلك لا يقول هذا، قال: يقول بقول الله ﷿: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ وتقولون لا تحدث بنعمة ربك (^١٠).\nقال بكر: هذا يجوز أن يقوله من يعتقد أن أعمال البر إذا عملها، فلولا منّ الله عليه بها، لم يكن بالقادر عليها، فإذا قاله وهذا اعتقاده ومذهبه السنة، حسن منه، وسمعت\n_________\n(^١) لوحة رقم [٢/ ٣١٨].\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٤٤) به.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٥) بنحوه.\n(^٤) هو: عمران بن مِلْحان بن تيم العطاردي، أبو رجاء البصري، أدرك زمن النبي - ﷺ - ولم يره، قال ابن سعد: ثقة في الحديث وله رواية علم بالقرآن. توفي سنة ١٠٩ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٧٠) وتهذيب التهذيب (٤/ ٣٨٦).\n(^٥) هو: السختياني، تقدم.\n(^٦) أورده ابن العربي في أحكام القرآن (٤/ ٤١١).\n(^٧) هو: نصر بن علي بن صُهبان بن أبي الأزدي الجَهْضمي، وثقه ابن معين وغيره، توفي في زمن أبي جعفر المنصور. ينظر: تهذيب التهذيب (٥/ ٥٩٩).\n(^٨) كذا في الأصل، وسياق الكلام يقتضي بدلا عنها: كان.\n(^٩) هو: عبد الله بن غالب الحداني، أبو قريش البصري، أحد العباد الزهاد، قال العجلي: كوفي ثقة، كان مع ابن الأشعث، وقتل بالجماجم سنة ٨٣. ينظر: الثقات للعجلي (٥/ ٢٠) وتهذيب التهذيب (٣/ ٢١٦).\n(^١٠) أخرجه الثعلبي في الكشف (١٠/ ٢٣١)، وأورده الزمخشري في الكشاف (٤/ ٢٢٠) به.","vol":"1","page":1752},{"text":"سهل بن عبد الله يقول: الرياء لا يكون في أهل السنة إلا خاطر (^١)؛ لأنهم يعتقدون في أعمالهم أنها مِنّة (^٢) من الله تعالى عليهم، وإنما يكون الرياء في أهل القدر الذين يعتقدون أنهم عملوها بالاستطاعة المركبة فيهم.\nوكتب عمر (^٣) إلى عتبة بن غزوان (^٤): وكن لأعمال البر أكتم منك للسيئة، فإنها أحق ما عليك، وهذا أحسن وأعظم ثوابا (^٥).\n\nومن سورة ألم نشرح\n\nقال الله ﵎: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾\nإلى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (^٦).\nقال مجاهد ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: ذنبك ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أثقل (^٧).\nوقال قتادة: ذنوب أثقلته فغفرت له (^٨).\nقال القاضي: قول قتادة لا يعجبني؛ لأن ذنوبه - ﷺ - أصغر الصغائر، وقد وضعها الله عنه وما يكون بعد ذلك في سورة الفتح (^٩)، وقد غفرت الصغائر لمن دونه إذا اجتنبت الكبائر.\nوقوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ في الأذان أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، قال: لا أُذكر إلا ذكِرتَ معي (^١٠)، وروى حماد بن زيد عن عطاء بن\n_________\n(^١) كذا في الأصل.\n(^٢) كذا في هذا الموضع وقد تقدم في سورة الكهف عند قوله تعالي: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ قال: مَنّ من الله.\n(^٣) هو: ابن الخطاب - ﵁ -، تقدم.\n(^٤) هو: عتبة بن غزوان بن جابر بن وهيب المازني، حليف بني عبد شمس، من السابقين الأولين هاجر إلى الحبشة، وشهد بدرا وما بعدها، وكان أول من اختط البصرة، توفي بطريقها قبل سنة عشرين. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٥) والإصابة (٤/ ٣٦٤).\n(^٥) لم يزل أهل العلم يستخفون بأعمال البر، يخافون مخالطة شوائب الرياء لها، قال ابن العربي في أحكام القرآن (٤/ ١١): \" وأما تحدثه بالعمل، فإن ذلك يكون بإخلاص من النية عند أهل الثقة، فإنه ربما خرج إلى الرياء وأساء الظن سامعه \".\n(^٦) الشرح (١ - ٤).\n(^٧) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٦٢٦) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٤٥) به.\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٨٠) والطبري في تفسيره (١٢/ ٦٢٦) به.\n(^٩) يشير إلى قوله تعالى في أول سورة الفتح: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾.\n(^١٠) أخرج عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٨٠) والطبري في تفسيره (١٢/ ٦٢٧) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٤٥) أثرا عن مجاهد في معنى ما ذكره المؤلف، ولفظه: قال: لا أذكر إلا ذكرت معي؛ أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله.","vol":"1","page":1753},{"text":"السائب (^١)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -:؟ سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته إياها، فقلت: يا رب إنه قد كانت قبلي رسل منهم من كان يحيي الموتى، ومنهم من سخرت له الريح، قال: ألم أجدك ضالا فهديتك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم أجدك يتيما فآويتك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم نشرح لك صدرك، ألم أضع عنك وزرك الذي أنقض ظهرك، ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت: بلى يا رب، بلى يا رب؟ (^٢) قال بكر قلت: يعني ضالا عن النبوة؛ لأنه - ﵇ - قد كان قبل ذلك معصوما.\nقال الله ﵎: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (^٣).\nقال الحسن: لما نزلت هذه الآية: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال رسول الله - ﷺ -:؟ أبشروا أتاكم اليسران؟ (^٤) (^٥) أي لن يغلب عسر يسرين، ولما قيل: العسر\n_________\n(^١) هو: عطاء بن السائب بن مالك الثقفي، أبو السائب الكوفي، قال ابن سعد: كان ثقة، وقد روى عنه المتقدمون، وقد كان تغير حفظه بآخره واختلط في آخر عمره، توفي سنة ١٣٧. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٢٥) وتهذيب التهذيب (٤/ ١٢٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٤٥) والحاكم [٢/ ٥٧٣ كتاب التفسير] من طريق حماد بن زيد به، قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(^٣) سورة الشرح (٥ - ٦).\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٦٢٧) عن يونس عن الحسن، به.\nوأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٨٠) عن معمر عن الحسن، بنحوه، ومن طريقه أخرحه الحاكم [٢/ ٥٧٥ كتاب التفسير] والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٢٠٦) قال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف: \" هو مرسل \".\n(^٥) لوحة رقم [٢/ ٣١٩].","vol":"1","page":1754},{"text":"كان معرفة، ولما أعيدت الألف واللام علم أن ذلك العسر بعينه، ولم تثبت الألف واللام في اليسر فصار نكرة، فصار اليسر الثاني غير الأول، فصار يُسْرَين بإزاء عسر، ولله الحمد (^١).\nقال الله ﵎: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (^٢).\nقال ابن مسعود: فإذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل (^٣).\nوقال مجاهد: إذا فرغت من أمر الدنيا فقم إلى الصلاة، فاجعل رغبتك لله ونيتك له (^٤)، وقال: فارغب إذا قمت إلى الصلاة في حاجتك يعني الدعاء (^٥).\nوقال قتادة: إذا فرغت من صلاتك فانصب في الدعاء (^٦).\nهذا ما روي، والمعنى: إذا فرغت من صلاتك فانصب، معناه فأخلص في الدعاء وارغب إلى الله، فيما بدا لك من أمر الدنيا والآخرة فادع الله، والله أعلم.\n\nوالتين والزيتون، واقرأ باسم ربك، ليس فيهما شيء.\n_________\n(^١) ينظر في مثل هذا التوجيه لمعنى اليسرين: أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٣٧٣) والكشاف (٤/ ٢٢١) والمحرر الوجيز (٥/ ٤٩٧).\n(^٢) سورة الشرح (٧ - ٨).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٤٦) به.\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٦٢٨) به.\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٦٢٨) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٤٦) بنحوه.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٨١) والطبري في تفسيره (١٢/ ٦٢٩) به.","vol":"1","page":1755},{"text":"قال الله ﵎: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (^١).\nقال ابن عباس: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (^٢) قال: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون من السنة إلى السنة، من موت أو حياة أو مطر أو رزق أو شيء حتى يكتب يحج فلان العام (^٣).\nسئل الحسن عن ليلة القدر أفي كل عام؟ قال: أي والله الذي لا إله إلا هو، إنها لفي رمضان، إنها لليلة ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (^٤) فيها يقضي الله كل خلق وأجل ورزق وعمل إلى مثلها (^٥).\nقال أبو العالية: ليلة مباركة هي ليلة القدر، يرفع فيها أمر السنة الماضية، ويقضى فيها أمر السنة المستقبلة، وقال المفسرون نحو ذلك (^٦).\n﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى﴾ (^٧) قال: خير هي حتى مطلع الفجر.\nوقال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر من شهر\n_________\n(^١) سورة القدر (١).\n(^٢) سورة الدخان (٤).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٨٧) بنحوه.\n(^٤) سورة الدخان (٤).\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٦٥٢) به.\n(^٦) أخرج عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٨٦) نحوه، عن قتادة.\nوأخرج الطبري في تفسيره (١٢/ ٦٥٢) والبيهقي في الشعب (٣/ ٣٢١) نحوه، عن مجاهد.\nوأخرج ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٨٧) نحوه عن: ابن عمر، وعكرمة.\n(^٧) سورة القدر (٥).","vol":"1","page":1756},{"text":"رمضان، ثم أنزل على النبي - ﷺ - في عشرين سنة بجواب كلام الناس (^١).\nوقوله سبحانه: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (^٢) قال قتادة: خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر (^٣).\nقال مالك: إنه بلغه:؟ أن رسول الله - ﷺ - أُري أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته، حتى ألا يبلغوا من الأعمال مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر؟ (^٤).\nقال مالك: وبلغني أن سعيد بن المسيب كان يقول: من شهد العشاء ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها، ورواه قتادة عن سعيد بن المسيب - وقال فيه ـ: من صلى المغرب والعشاء ليلة القدر في جماعة، فقد أصاب ليلة القدر أو وافق ليلة القدر (^٥).\nوقال (^٦) ابن عباس لما قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ (^٧) قال الله ﷿: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٦٥١) والحاكم [٢/ ٢٤٢ كتاب التفسير] بنحوه من طريق عكرمة وسعيد بن جبير، عن ابن عباس، وصححه الحاكم.\n(^٢) سورة القدر (٣).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٨٦) والطبري في تفسيره (١٢/ ٦٥٣) به.\n(^٤) أخرجه مالك في الموطأ [١/ ٢٦٢ كتاب الاعتكاف، باب ما جاء في ليلة القدر] والبيهقي في فضائل الأوقات ص ٢٠٨، به.\n(^٥) أخرجه مالك في الموطأ [١/ ٢٦٢ كتاب الاعتكاف، باب ما جاء في ليلة القدر]، وأما طريق قتادة فلم أجده، قال ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٣٧٣): \" لا أعلم هذا الحديث يروى مسندا من وجه من الوجوه، ولا أعرفه في غير الموطأ مرسلا ولا مسندا \".\n(^٦) لوحة رقم [٢/ ٣٢٠].\n(^٧) سورة الفرقان (٣٢)، وفي الأصل كتب: أنزل.\n(^٨) سورة الفرقان (٣٢).\nوالأثر أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٣٨٧) وابن أبي حاتم (٨/ ٢٦٨٩) والبيهقي في الشعب (٣/ ٣٢٠) بمعناه.","vol":"1","page":1757},{"text":"﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (^١).\nقال قتادة: خير هي حتى مطلع الفجر (^٢).\nوقال أبو العالية: رحمة كلها من أولها إلى آخرها، ولا يوافقها عبد مؤمن يقوم إيمانا واحتسابا إلا غفر له ما تقدم من ذنبه (^٣).\nوقال مجاهد: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ قال: من أن يحدث فيها داء لم يحدث في غيرها، ولا يستطيع شيطان أن يعمل فيها شيئا (^٤).\nوقال كعب الأحبار: نجدها في الكتاب خطوطا (^٥).\n\nلم يكن، ليس فيها شيء.\n_________\n(^١) سورة القدر (٥).\n(^٢) أخرج عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٨٦) والطبري في تفسيره (١٢/ ٦٥٤) به.\n(^٣) لم أعثر عليه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٥٣) بنحوه.\n(^٥) أورده في الدر المنثور (٨/ ٥٨٣) وعزاه إلى ابن زنجويه ومحمد بن نصر.","vol":"1","page":1758},{"text":"قال الله ﷿: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ (^١).\nقال حِبّان بن جَزْء (^٢) سمعت أبا هريرة يقول: حسبك إذا بلغت هذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (^٣).\nوقال الحارث بن سويد (^٤): إن هذا لإحصاء شديد (^٥).\nوقيل: نزلت هذه الآية وأبو بكر يأكل فأمسك، فقال: يا رسول الله: أُوافى لو أني ما عملت من خير أو شر؟ فقال:؟ رأيت، هل رأيت (^٦) مما تكره، فهو من مثاقيل ذر الشر، ويدخر لكم مثاقيل ذر الخير، حتى تعطوه يوم القيامة؟ قال أبو إدريس (^٧): مصداقها في كتاب الله قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (^٨).\n_________\n(^١) سورة الزلزلة (١).\n(^٢) هو: حبان بن جزء السلمي، روى عن أبيه وأخيه، وأبي هريرة وابن عمر، قال ابن حجر: صدوق من الثالثة. ينظر: التاريخ الكبير (٣/ ٨٩) وتقريب التهذيب ص ٢١٧.\n(^٣) سورة الزلزلة (٧ - ٨).\n(^٤) هو: الحارث بن سويد بن التيمي، أبو عائشة الكوفي، قال ابن عيينة: كان الحارث من أصحاب ابن مسعود، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة ٧٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٤٤٦) وتهذيب التهذيب (١/ ٤٦٩).\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ٢٦٦ كتاب الزهد، ما قالوا في البكاء من خشية الله] والطبري في تفسيره (١٢/ ٦٦٤) وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٢٧) به.\n(^٦) عند الطبري (١٢/ ٢٦٦): أرأيت ما رأيت مما تكره .. .\n(^٧) هو: عائذ بن عبد الله بن عتبة العوذي، أبو إدريس الخولاني، ولد عام غزوة حنين، توفي سنة ١١٨ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٢١١) وتهذيب التهذيب (٣/ ٥٧).\n(^٨) الشورى (٣٠).\nأخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٦٦٢) فرواه موصولا من طريق الهيثم بن الربيع، قال: ثنا سماك بن عطية، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، فذكره.\nورواه مرسلا من طريق ابن بشار وابن علية، قالا: ثنا أيوب عن أبي قلابة عن أبي إدريس الخولاني، فذكره.\nوصحح الدارقطني والعقيلي إرساله. ينظر: العلل للدارقطني (١/ ٢٧٧) والضعفاء للعقيلي (٤/ ٣٥٣).","vol":"1","page":1759},{"text":"وقال محمد بن كعب في هذه الآية ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ أما المؤمن فيرى حسناته في الآخرة، وأما الكافر فيرى حسناته في الدنيا (^١).\nقال الحسن: قدم صعصعة (^٢) عم الفرزدق (^٣) على رسول - ﷺ - فسمع ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ فقال: حسبي ما أبالي ألا أسمع من القرآن شيئا غير هذا (^٤)، هكذا رواه سليمان (^٥) وعارم (^٦) عن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٨٨) والطبري في تفسيره (١٢/ ٦٦٣) وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢١٣) به.\n(^٢) هو: صعصعة بن ناجية بن عقال بن دارم التميمي، جد الفرزدق، له صحبة، وكان في الجاهلية كريما من سادات تميم، اشتهر بأنه كان يفدي الموءودات، نزل البصرة ومات بها.\nوقول المؤلف عم الفرزدق، هذا مما اختلف الناس فيه؛ فجزم ابن عبد البر أنه عم الفرزدق، وقال ابن حجر: ليس للفرزدق عم اسمه صعصعة، وإنما صعصعة جده. ينظر: الاستيعاب (٢/ ٧١٨) والإصابة (٣/ ٣٤٧)\n(^٣) هو: همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية الدارمي التميمي، والفرزدق لقبه، الشاعر الفحل الفصيح، صاحب المنافرات المشهورة مع جرير. توفي سنة ١١٠ هـ. ينظر: طبقات فحول الشعراء (٢/ ٢٩٨) والشعر والشعراء لابن قتيبة (١/ ٤٧١).\n(^٤) أخرجه أحمد (٥/ ٥٩) وابن المبارك في الزهد ص ٢٧، والنسائي في الكبرى [٦/ ٥٢٠ كتاب التفسير، سورة الزلزلة] والطبراني في الكبير (٨/ ٨٦) من طريق جرير، به.\nونحوه ما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٨٨) من طريق معمر عن الحسن، غير أنه أبهم الرجل.\n(^٥) هو: ابن حرب الأزدي، تقدم.\n(^٦) هو: محمد بن الفضل السدوسي، أبو النعمان البصري، وعارم لقب له، قال العجلي: بصري ثقة، رجل صالح وليس يعرف إلا بعارم. مات سنة ٢٢٣ هـ ينظر: معرفة الثقات للعجلي (٢/ ٢٥٠) وتهذيب التهذيب (٥/ ٢٤٠).","vol":"1","page":1760},{"text":"جرير (^١)، عن الحسن.\nوروى أبو سهيل بن مالك (^٢)، عن أبيه (^٣)، عن كعب الأحبار (^٤): أنه كان يقول في القرآن فيما أنزل الله على محمد - ﷺ - آيتان أحصتا ما في التوراة والإنجيل ألا تجدون ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ قال جلساؤه: بلى، قال: فإنهما أحصتا ما في التوراة والإنجيل، قال كعب: لا يضركم ألا تسألوا عن العبد ماذا له عند ربه بعد وفاته، إلا أن تنظروا ماذا يورث، فإن ورث لسان صدق فالذي له عند ربه خير مما يورث، وإن ورث لسان سوء فالذي له عند ربه شر مما يورث، واللسان تابعه خيرا وشرا، المرء حيث يضع نفسه إن أحب الصالحين جعله الله معهم، وإن أحب الأشرار جعله الله معهم، فإن الله ﵎ جعلكم شهداء على سائر الأمم، وجعل نبيكم صلى الله عليه شاهدا عليكم، ثم تلا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ الآية كلها (^٥).\nقال (^٦) القاضي (^٧) معنى لسان صدق: أي ثناء صدق، ألا ترى أن النبي - ﷺ - قال:؟ أنتم شهداء الله في أرضه؟ (^٨).\n_________\n(^١) هو: جرير بن حازم بن عبد الله الأزدي العتكي، أبو النضر البصري، قال ابن سعد: كان ثقة إلا أنه اختلط في آخر عمره، توفي سنة ١٧٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٤١) وتهذيب التهذيب (١/ ٤٢٤).\n(^٢) هو: نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو سهيل المدني، حليف بني تيم، وثقه أحمد والنسائي وغيرهما، توفي أكمل. ينظر: تتمة طبقات ابن سعد ص ٣١٦ وتهذيب التهذيب (٥/ ٥٨٧).\n(^٣) هو: مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو أنس، جد مالك بن أنس، قال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث صالحة. توفي سنة ٧٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٢) وتهذيب التهذيب (٥/ ٣٣٤).\n(^٤) هو: كعب بن ماتع الحميري، أبو إسحاق، المعروف بكعب الأحبار، أدرك الجاهلية وأسلم زمن أبي بكر - ﵁ -، كان من أحبار اليهود العالمين بما في الكتب المنزلة، توفي بحمص سنة ٣٢ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٢١٠) وتهذيب التهذيب (٤/ ٥٦٩).\n(^٥) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣) عن أبي سهيل به.\n(^٦) لوحة رقم [٢/ ٣٢١].\n(^٧) هو: القشيري المؤلف.\n(^٨) أخرجه البخاري [٢٦٩ كتاب الجنائز، باب ثناء الناس على الميت] ومسلم [٢/ ٥٤٥ كتاب الجنائز] عن أنس بن مالك، به.","vol":"1","page":1761},{"text":"والعاديات، لم يذكر فيها شيء.","vol":"1","page":1762},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>ومن سورة القارعة</span>.\n\nقال الله ﵎: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ (^١).\nقال مالك بن مِغْوَل (^٢)، عن عبيد الله بن العَيْزَار (^٣) قال: إن الأقدام يوم القيامة لمثل النَّبْل في القَرَن (^٤)، فالسعيد من وجد لقدميه موضعا يضعهما، وعند الميزان ملك ينادي: ألا إن فلان بن فلان ثقلت موازينه، فسعد سعادة لم يشق بعدها أبدا، ألا إن فلان بن فلان خفت موازينه، فشقي شقاء لن يسعد بعده أبدا (^٥).\n_________\n(^١) سورة القارعة (٦).\n(^٢) هو: مالك بن مغول بن عاصم البجلي، أبو عبد الله الكوفي، قال ابن سعد: كان ثقة مأمونا، كثير الحديث، فاضلا خيرا، توفي سنة ١٥٨ هـ ينظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٥٣٥) وتهذيب التهذيب (٥/ ٣٣٦).\n(^٣) هو: عبيد الله بن العيزار، لم أجد له ترجمة، وقد ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٦٠): أنه لم يجد له ترجمة.\n(^٤) القرن: بالتحريك جَعْبة من جلد تشق، ويجعل فيها النبل. ينظر: النهاية في غريب الحديث (١/ ٤٩).\n(^٥) أخرجه ابن المبارك في الزهد ص ١١٠ وابن أبي شيبة [٧/ ٢٠٩ كتاب الزهد، كلام الشعبي] وابن أبي حاتم (٥/ ١٤٤١) عن مالك بن مغول، به.","vol":"1","page":1763},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>ومن سورة ألهاكم</span>.\n\nقال قتادة عن مُطَرِّف (^١) عن أبيه:؟ أنه أتى النبي - ﷺ - وهو يقرأ ألهاكم التكاثر قال: يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو تصدقت فأمضيت، أو لبست فأبليت؟ (^٢).\nوقال الحسن وعبد الله: بعد وعيد علم اليقين حق اليقين (^٣).\nقال يحيى بن سعيد الأنصاري: قال رجل من الأنصار: نعمة الله فيما زوى عني من الدنيا، أعظم من نعمته علي فيما أعطاني منها (^٤).\n﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (^٥).\nقال الزبير بن العوام: لما نزلت ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال الزبير:؟ يا رسول الله أي نعيم، وإنما هما الأسودان: الماء والتمر؟ قال: إن ذلك سيكون؟ (^٦) يعني - والله أعلم - ما فتح الله عليهم من الدنيا.\n_________\n(^١) هو: ابن الشخير، تقدم.\n(^٢) أخرجه مسلم [٢٩٥٨ كتاب الزهد والرقائق] عن قتادة، به.\n(^٣) كذا في الأصل، وقد أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ٢٢٩ كتاب الزهد، ما قالوا في البكاء من خشية الله] ولفظه: عن الحسن قال إذا قرأ (ألهاكم التكاثر) قال: في الأموال والأولاد (حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون) قال: وعيد بعد وعيد (علم اليقين).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة [٧/ ٢٠٩ كتاب الزهد، الشعبي] به.\n(^٥) سورة التكاثر (٨).\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٩٣) والحميدي في مسنده (١/ ٣٣) وأحمد (١/ ١٦٤) والترمذي [٥/ ٢٣٥ كتاب التفسير، باب ومن سورة التكاثر] وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٦١) بنحوه، قال الترمذي: حديث حسن.","vol":"1","page":1764},{"text":"وقال جابر بن عبد الله:؟ جاء رسول الله - ﷺ -، ومعه أبو بكر وعمر، فأتيناهم برطب وماء، فأكلوا وشربوا، ثم قال: هذا من النعيم الذي تسألون عنه؟ (^١) هذا ما لا ينكر، الرطب والماء البارد من أجل النعيم.\nوقال يزيد بن رومان (^٢):؟ خرج رسول - ﷺ - إلى المسجد فجاءه أبو بكر وعمر وعلي ﵏ قال عبد الرحمن (^٣): وأنا أشك في عثمان - ﵁ - - فقال رسول الله - ﷺ -: ما أخرجكم؟ قالوا: الخمص، قال النبي - ﷺ - وأنا، فاذهبوا بنا إلى أبي الهيثم بن التَيِّهان (^٤)، فذهبوا إليه فدقوا باب النخل فجاءت امرأته لتفتح لهم، فلما رأت رسول الله - ﷺ - رحبت به وسهلت، ثم فتحت ودخلت في عريشها (^٥) فقال لها النبي - ﷺ -: أين صاحبك؟ قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء، فلم نلبث أن جاء بقلة يحملها، فلما رأى رسول الله - ﷺ - قام فجد عرقا فقال النبي - ﷺ - لم جددته؟ فقال: يا رسول الله فيه التمرة والزهوة (^٦) والرطبة تأكل من أيها شئت، ثم ولى فأخذ شاة فقال له\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣/ ٣٣٨) وأخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٦٨١) به.\n(^٢) هو: يزيد بن رومان الأسدي، مولى آل الزبير، أبو روح المدني، كان فقيها قارئا محدثا، توفي سنة ١٣٠ هـ. ينظر: طبقات القراء (١/ ٧٦) وتهذيب التهذيب (٦/ ٢٠٠).\nولم أقف على رواية يزيد بن رومان، وقد أخرج مسلم وغيره هذا الحديث من طريق يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة، على ما يأتي - إن شاء الله - عند تخريج الحديث.\n(^٣) لم أجد له ترجمة.\n(^٤) هو: مالك بن التَّيِّهان من بني عمرو بن قضاعة، مشهور بكنيته، كان نقيب بني عبد الأشهل ليلة العقبة، وأول من بايع، شهد بدرا وما بعدها، توفي سنة ٢٠ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٢٣٦) والإصابة (٧/ ٣٦٤).\n(^٥) العريش: كل ما يستظل به، ويطلق على البيت الذي يبنى في النخيل من السعف مثل الكوخ، فيقيمون به مدة الرطب إلى أن يصرم. ينظر: النهاية في غريب الحديث (٣/ ١٨٧) واللسان مادة: عرش.\n(^٦) قال في النهاية في غريب الحديث (٢/ ٢٩١): \" زها النخل يزهو؛ إذا ظهرت ثمرته، وأزهى يُزهى؛ إذا اصفر أو احمر \".","vol":"1","page":1765},{"text":"النبي - ﷺ - لا تذبح لنا ذات دَرِّ، ثم جاء إلى امرأته فقال: (^١) هل عندك من شيء؟ فقالت: نعم، قبضة من شعير، فطحنته ثم خبزه، ثم فَتَّه، ثم صب عليه من عكته (^٢)، فأكل النبي - ﷺ - وأكلوا، فلما خرجوا قال النبي - ﷺ -: هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة؟ (^٣) وقال مالك: إنه بلغه نحو من ذلك، وفيه أبو بكر وعمر حسب (^٤)، ورواه ابن أبي حازم (^٥) عن أبيه، عن\n_________\n(^١) لوحة رقم [٢/ ٣٢٢].\n(^٢) قال في النهاية في غريب الحديث (٣/ ٢٥٧): \" العكة من السمن أو العسل، هي: وعاء من جلود مستدير، يختص بهما، وهي بالسمن أخص\".\n(^٣) أخرجه مسلم [٤/ ١٢٨١ كتاب الأشربة] عن يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة، بنحوه، وليس فيه ذكر علي بن أبي طالب وعثمان - ﵃ -.\nومن طريق ابن كيسان أخرجه أبو عوانة (٥/ ١٧٦) والبيهقي في الشعب (٤/ ١٤٤).\nوأخرجه الترمذي [٤/ ١٦٣ كتاب الزهد، باب ما جاء في معيشة أصحاب النبي - ﷺ -] والحاكم [٤/ ١٤٥ كتاب الأطعمة] عن عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة عن أبي هريرة بنحوه، قال الترمذي: حسن صحيح غريب.\nوأخرجه الحاكم [٤/ ٢٦١ كتاب الذبائح] عن يونس بن عبيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، مختصرا.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٢١٠) عن الشعبي عن الحارث عن عبد الله بن مسعود.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ٢٥٤) عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، مختصرا.\nوأخرجه البزار في مسنده (١/ ٨١) عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبي بكر، مختصرا.\nقال في مجمع الزوائد (٨/ ٩٦): \" وعن علي يعني ابن أبي طالب قال سمعت رسول الله - ﷺ -: (يقول المستشار مؤتمن، فإذا استشير فليشر بما هو صانع لنفسه) رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه أحمد بن زهير، عن عبدالرحمن بن عتيبة البصري، ولم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات \" أهـ.\n(^٤) أخرجه مالك في الموطأ [٢/ ٧١٠ كتاب صفة النبي - ﷺ -، باب جامع ما جاء في الطعام والشراب].\n(^٥) هو: عبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار المحاربي مولاهم، أبو تمام المدني الفقيه، قال ابن معين: ثقة صدوق ليس به بأس، توفي بالمدينة سنة ١٨٤ هـ وهو ساجد. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٣٠١) وتهذيب التهذيب (٣/ ٤٣٥).","vol":"1","page":1766},{"text":"رجل، عن ابن أبي الهيثم عن أبيه، وأتى به طويلا إلا أن الغرض منه في آخره، سواء كما حكي (^١).\nوقال مجاهد في هذه الآية: يسأل عن كل شيء التذه في الدنيا (^٢).\nوقال الحسن وقتادة: ثلاث لا يسأل عنها ابن آدم: بيت يكنه من الحر والبرد، وكسوة يواري بها سوأته، وكسرة يشد بها صلبه (^٣).\nسمعت سهل بن عبد الله (^٤) يقول: مما يسأل عنه العبد يقول الله ﵎: ألم أخمل ذِكْرَك (^٥).\n\nوالعصر، والهمزة، وألم تر، وإيلاف قريش، لم يذكر فيها شيء.\n_________\n(^١) هذا الطريق الذي يشير إليه المؤلف لم أقف عليه، على أن فيه راويا مبهما لم يسم.\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٦٨٣) به.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٦٨٣) بنحوه.\n(^٤) هو: التستري، تقدم.\n(^٥) لم أقف عليه.","vol":"1","page":1767},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>ومن سورة أرأيت</span>\n\nقال الله ﵎: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ (^١).\nقال مجاهد: يدفع اليتيم فلا يطعمه (^٢).\nوقال قتادة: يقهره ويظلمه (^٣).\nوقال شبل (^٤) والليث (^٥): يدفعه عن حقه الذي يجب له عليه (^٦).\n﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (^٧).\nمصعب بن سعد (^٨) عن أبيه:؟ سألت رسول الله - ﷺ - عن الذين هم عن صلاتهم ساهون؟ فقال: الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ (^٩) ورواه شيبان\n_________\n(^١) سورة الماعون (٢).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٧٠٦) به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٩٩) والطبري في تفسيره (١٢/ ٧٠٦) به.\n(^٤) هو: شبل بن عباد المكي القاري، صاحب ابن كثير، أخرج له البخاري في الصحيح، وروى عن ابن أبي نجيح فأكثر، توفي سنة ١٤٨ هـ. ينظر: معرفة القراء الكبار (١/ ١٢٩) وتهذيب التهذيب (٢/ ٤٧٤).\n(^٥) هو: ابن سعد، تقدم.\n(^٦) لم أجده.\n(^٧) سورة الماعون (٤ - ٥).\n(^٨) هو: ابن أبي وقاص، تقدم.\n(^٩) أخرجه أبو يعلى في مسنده (٢/ ١٤٠) والبيهقي [٢/ ٢١٤ كتاب الصلاة، باب الترغيب في حفظ أوقات الصلاة] من طريق شيبان الأُبُلّي به، قال البيهقي: هذا الحديث إنما يصح موقوفا.\nوأخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٧٠٨) من طريق عكرمة الأزدي، به.\nقال العقيلي في الضعفاء (٣/ ٣٧٧) \" والموقوف أولى \"، وقال في مجمع الزوائد (٢/ ٨٠): \" وفيه عكرمة ابن إبراهيم، ضعفه ابن حبان وغيره، وقال البزار رواه الحفاظ موقوفا ولم يرفعه غيره \".","vol":"1","page":1768},{"text":"الأُبُلّي (^١)، عن عكرمة بن إبراهيم الأزدي (^٢)، عن عبد الملك بن عمير عن مصعب.\nقال إسماعيل (^٣): ولا أعلم أحدا رفع هذا الحديث إلا هذا الشيخ عكرمة، وقد رواه الناس موقوفا على سعد (^٤).\nوقال ابن مسعود: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ قال: على مواقيتها (^٥).\nوقال مسروق: الحفاظ على الصلاة لوقتها، والسهو عنها ترك وقتها (^٦).\nوقال الحسن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ قال: هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها (^٧).\nوقال مجاهد: هم المنافقون (^٨)، وقال: ﴿سَاهُونَ﴾ لا هون (^٩).\nوقال قتادة: ساه عنها، لا يبالي صلى أولم يصل (^١٠).\n_________\n(^١) هو: شيبان بن أبي شيبة فروخ الحبطي مولاهم، أبو محمد الأُبُلّي، قال الساجي: قدري إلا أنه كان صدوقا، توفي سنة ٢٣٥ هـ. ينظر: الكاشف (٢/ ١٥) وتهذيب التهذيب (٢/ ٥١٦).\n(^٢) هو: عكرمة بن إبراهيم الأزدي، أبو عبد الله الكوفي القاضي، قال العقيلي: في حديثه اضطراب. ينظر: ضعفاء العقيلي (٣/ ٣٧٧) ولسان الميزان (٥/ ١١٢).\n(^٣) هو: ابن إسحاق القاضي، تقدم.\n(^٤) ممن رواه موقوفا: عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٧٠٦) والطبري في تفسيره (١٢/ ٧٠٧) من طريق طلحة بن مصرف، عن مصعب.\nوأخرجه الطبري - أيضا - من طريق عاصم بن بهدلة، عن مصعب، بنحوه.\n(^٥) تقدم تخريجه في سورة المعارج الآية رقم (٢٣).\n(^٦) تقدم تخريجه في سورة المعارج الآية رقم (٢٣).\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٤٠٠) بنحوه.\n(^٨) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٧٠٨) به.\n(^٩) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٧٠٧) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٦٨) به.\n(^١٠) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٩٩) والطبري في تفسيره (١٢/ ٧٠٧) به.","vol":"1","page":1769},{"text":"﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (^١).\nقال ابن زيد بن أسلم (^٢) عن أبيه: يصلون - وليس الصلاة من شأنهم - رياءً (^٣)، ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ قال: هم المنافقون يراءون بصلاتهم ويمنعون زكاة أموالهم (^٤).\nوروي عن عبد الله (^٥): الماعون هو ما يعاور (^٦) الناس بينهم الفأس والقِدْرة (^٧) وأشباه ذلك (^٨).\nوروي عن علي ﵀ الماعون: الزكاة (^٩).\nوقال ابن عباس: متاع البيت (^١٠).\n\nوقال ابن عمر: هو المال الذي لا يعطى حقه (^١١).\n_________\n(^١) سورة الماعون (٦ - ٧).\n(^٢) هو: عبد الرحمن بن زيد، تقدم.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٧٠٨) به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٦٩) بمعناه.\n(^٥) هو: ابن مسعود - ﵁ -، تقدم.\n(^٦) قال في اللسان مادة: عور: \" المعاورة والتعاور: شبه المداولة والتداول، في الشيء يكون بين اثنين ... \".\n(^٧) كذا في الأصل بالتأنيث، قال الأزهري في الصحاح، مادة: قدر \" القدر مؤنثة عند جميع العرب بلا هاء، فإذا صغرت قلت لها: قُدَيْرة وقُدَير، بالهاء وغير الهاء \"، وهي كذلك بلا هاء في المصادر التي أخرجت الأثر.\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٣٩) وابن أبي شيبة [٢/ ٤٢٠ كتاب الزكاة، باب قوله: ويمنعون الماعون] والطبري في تفسيره (١٢/ ٧١١) بنحوه.\n(^٩) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٣٩) والطبري في تفسيره (١٢/ ٧٠٩) به.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي شيبة [٢/ ٤٢٠ كتاب الزكاة، باب قوله: ويمنعون الماعون] والطبري في تفسيره (١٢/ ٧١٣) والبيهقي [٤/ ١٨٣ كتاب الزكاة، باب ما ورد في تفسير الماعون] به.\n(^١١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٩٩) وابن أبي شيبة [٢/ ٤٢٠ كتاب الزكاة، باب قوله: ويمنعون الماعون] والطبري في تفسيره (١٢/ ٧١٠) بنحوه.","vol":"1","page":1770},{"text":"وروي عن ابن عباس - أيضا - في وجه آخر: الزكاة (^١).\nوقال عكرمة: رأس الماعون الزكاة، وما يتعاطاه الناس بينهم من العارية (^٢).\nوقال ابن جبير: الزكاة (^٣)، وقاله الحسن - أيضا - (^٤).\nوقال أهل اللغة: الماعون في اللغة هو الذي لا ينبغي منعه (^٥).\nفتأول قوم الزكاة، وتأول قوم غير ذلك (^٦) فالزكاة أحق به، وقد يدخل فيه ألا يمنع الإنسان معروفا لا ضرر عليه فيه، ألا تراه ﷿ قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ومعناه لمن وجبت عليه الصلاة بالدخول في الإسلام؛ لأن الصلاة لا تجب إلا بعد الإيمان، ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ عن وقتها حتى يخرج ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ بالدين وليسوا من أهله ولا ممن يحافظ عليه ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ الواجب عليهم وهو الزكاة، والله أعلم (^٧).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٨٨٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٦٨) والبيهقي [٦/ ٨٨ كتاب العارية، باب ما جاء في جواز العارية والترغيب فيها] بنحوه.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٧١١) به.\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٧١١) به.\n(^٥) ينظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة (٢/ ٣١٣) وفتح الباري (٨/ ٣٨٣).\n(^٦) لوحة رقم [٢/ ٣٢٣].\n(^٧) وقريب من قول المؤلف هنا في المراد بالماعون، ما ذهب إليه ابن العربي في أحكام القرآن (٤/ ٤٥٧) حيث قال: \" لما بينا أن الماعون من العون، كان كل ما ذكره العلماء في تفسيره عونا، وأعظمه الزكاة إلى المحلاب، وعلى قدر الماعون والحاجة إليه يكون الذم في منعه، إلا أن الذم إنما هو على منع الواجب، والعارية ليست بواجبة على التفصيل، بل إنها واجبة على الجملة والله أعلم؛ لأن الويل لا يكون إلا لمن منع الواجب، فاعلموه وتحققوه \" وهذا المعنى لا يخرج عما رواه المؤلف عن عكرمة ﵀، وقد قال ابن كثير في تفسيره عن قول عكرمه: \" وهذا الذي قاله عكرمة حسن، فإنه يشمل الأقوال كلها وترجع كلها إلى شيء واحد، وهو ترك المعاونة بمال أو منفعة \".","vol":"1","page":1771},{"text":"﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (^١).\nروي عن علي بإسناد الشيوخ عن الشعبي: أنه وَضْعُ اليمنى على اليسرى (^٢).\nوعن ابن عباس: وضع اليمنى على الشمال عند النحر في الصلاة (^٣).\nوقال مجاهد: النحر يوم النحر، مناحر البدن بمنى (^٤).\nوقال ابن جبير: الصلاة يوم النحر بمنى، قال: صل ركعتين ثم اذبح وانحر (^٥).\nوقال عطاء: موقفهم بجمع صلاتهم (^٦) يوم النحر، قال عطاء: إن شاء نحر، وإن شاء ذبح (^٧).\nوقال بكل قول من ذلك جماعة، والذي توجبه الآية - والله أعلم - فصل لربك صلاة الأضحى، وانحر في إثرها، وهذا أنزل بالمدينة يؤمر بالنحر بعد الصلاة، فأما الحج فلا عيد فيه ولا صلاة عيد، والنحر فيه بعد الصلاة بالمشعر وهي صلاة الغداة، ثم إتيان منى ورمي\n_________\n(^١) سورة الكوثر (١ - ٢).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٧٢١) عن الشعبي بنحوه، ولفظه: وضع يد اليمنى على وسط ساعده اليسرى، ثم وضعهما على صدره.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٧٢٢) هذا بيان لموضع اليدين في الصلاة وأنها تكون عند نحر المصلي، وقد جاء في لفظ آخر عند الطبري (١٢/ ٧٢١) أن علي بن أبي طالب قال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٤٠١) والطبري في تفسيره (١٢/ ٧٢٣) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٧٠) بنحوه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٧٠) بنحوه.\n(^٦) كذا في الأصل بدون عطف، وهي مثبتة في المصادر التي أخرجت الأثر.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٤٠١) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٧٠) بمعناه.","vol":"1","page":1772},{"text":"الجمرة ثم النحر، ألا ترى رسول الله - ﷺ - لما ذبح أبو بردة بن نِيَار (^١) قبل الغدو، أمره رسول الله - ﷺ - بإعادة ذلك فقال: عندي عناق جذعة (^٢)، فمعنى الآية: صل وانحر، والله أعلم (^٣).\nقل يا أيها الكافرون، وإذا جاء نصر الله، لم يذكر فيهما شيء.\n_________\n(^١) هو: هانئ بن نيار بن عمرو بن كلاب البلوي، أبو بردة الأنصاري حليفهم، شهد العقبة مع السبعين، وبدرا وما بعدها، وكان مع علي بن أبي طالب في حروبه كلها، حتى توفي في أول خلافة معاوية. ينظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٢٣٨) والإصابة (٧/ ٣١).\n(^٢) يشير إلى ما أخرجه البخاري [١٢٠٠ كتاب الأضاحي، باب من ذبح قبل الصلاة أعاد] ومسلم [٣/ ١٢٣٤ كتاب الأضاحي] من حديث البراء بن عازب، ولفظه: قال: صلى رسول الله - ﷺ - ذات يوم فقال: من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا؛ فلا يذبح حتى ينصرف، فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله فعلت، فقال: هو شيء عجلته، قال: فإن عندي جذعة هي خير من مسنتين أأذبحها، قال: نعم، ثم لا تجزي عن أحد بعدك.\n(^٣) ذهب المؤلف ﵀ إلى تخصيص عموم الآية، فرجح أن المراد بالصلاة هنا صلاة عيد الأضحى، وأن المراد بالنحر الأضحية بعدها، تبعا لقول الإمام مالك، وخالفه ابن العربي في أحكام القرآن (٤/ ٤٥٩) فقوى بقاء الآية على عمومها، وعلل ذلك بأن الله تعالى أخبر أنه خص نبيه - ﷺ - بالكوثر، وأمره بإزاء ذلك أن يصلي وينحر، وبعيد أن يكون هذا الفضل العظيم يوازيه صلاة يوم النحر وذبح أضحية، يقول ﵀ \" والذي عندي: أنه أراد اعبد ربك وانحر له، ولا يكن عملك إلا لمن خصك بالكوثر، وبالحري أن يكون جميع العمل يوازي هذه الخصيصة من الكوثر، ... أما أن يوازي هذا صلاة يوم النحر وذبح كبش أو بقرة أو بدنة؛ فذلك بعيد في التقدير والتدبير وموازنة الثواب للعباد \" وهذا المعنى أيضا استند عليه الطبري في ترجيح بقاء الآية على عمومها قال ﵀\" وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال معنى ذلك فاجعل صلاتك كلها لربك، خالصا دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان، شكرا له على ما أعطاك من الكرامة، والخير الذي لا كفء له، وخصك به من إعطائه إياك الكوثر، وإنما قلت ذلك أولى الأقوال بالصواب في ذلك؛ لأن الله جل ثناؤه أخبر نبيه بما أكرمه به من عطيته وكرامته وإنعامه عليه بالكوثر، ثم أتبع ذلك قوله فصل لربك وانحر، فكان معلوما بذلك أنه خصه بالصلاة له والنحر، على الشكر له على ما أنعمه من النعمة التي أنعمها عليه، بإعطائه إياه الكوثر، فلم يكن لخصوص بعض الصلاة بذلك دون بعض، وبعض النحر دون بعض وجه، إذ كان حثا على الشكر على النعم\" تفسير الطبري (١٢/ ٧٢٤).","vol":"1","page":1773},{"text":"قال الله ﷿: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (^١).\nلما دعا نبي الله - ﷺ - أبا لهب (^٢) إلى الإسلام جعل يقول: تبا لك، فأنزل الله ﵎: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ،﴾ (^٣) يعني خسرت يدا أبي لهب وخسر: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ (^٤) وولده من كسب، ولذلك قالت عائشة: أحل ما أكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه (^٥)، وروته عن رسول الله - ﷺ -، وروى عمارة بن عمير عن عمته عن عائشة عن النبي - ﷺ - أنه قال:؟ ولد الرجل من أطيب كسبه، فكلوا من أموالهم؟ (^٦).\nوالذي يوجب عندي تبسط الأب في مال ابنه والأكل منه، قول الله ﷿: ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَاءَكُمْ﴾ (^٧) حتى بلغ: ﴿صَدِيقِكُمْ﴾ فذكر من ذكر ولم يذكر الأبناء، والأبناء أقرب الجماعة، فكان عندي مذكورا تحت قوله: ﴿بُيُوتِكُمْ﴾ بيت\n_________\n(^١) سورة المسد (١).\n(^٢) هو: عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم، أبو عتبة عم الرسول - ﷺ -، كني بأبي لهب لإشراق وجهه، وكان شديدا على النبي - ﷺ - في أذيته، هو وامرأته أم جميل. ينظر: سيرة ابن هشام (١/ ٩٠).\n(^٣) أخرجه البخاري [١٠٨٢ كتاب التفسير، سورة تبت يدا أبي لهب] عن ابن عباس ﵄.\n(^٤) سورة المسد (٢).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٧٣) به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ٥١٦ كتاب البيوع، في الرجل يأخذ من مال ولده] وأحمد (٦/ ١٧٣) وابن ماجه [٢/ ٣٤ كتاب الإجارة، باب ما للرجل من مال ولده] وأبو داود [٣٥٢٩ كتاب الإجارة، باب في الرجل يجد عين ماله] والترمذي [٣/ ٧٦ كتاب النفقات، باب ما جاء أن الوالد يأخذ من مال ولده] وصححه، والحاكم [٢/ ٥٢ كتاب البيوع] وصححه، والبيهقي [٧/ ٤٨٠ كتاب النفقات، باب نفقة الوالدين] من حديث عمارة بن عمير، به.\n(^٧) سورة النور (٦١)، وفي الأصل: ليس عليكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم.","vol":"1","page":1774},{"text":"الولد هو بيت الأب، ولذلك قال النبي - ﷺ -:؟ أنت ومالك لأبيك؟ (^١) أي تجري مجراك فيه، على وجه المعروف من غير اغتصاب، أو تغنم، أو ما أشبه ذلك، والله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه عند آية (٦١) من سورة النور.\n(^٢) بقيت ثلاث سور، هي: الإخلاص، والفلق والناس، لم يتكلم عنها، وقد جرت طريقة المؤلف أن ينبه على السور التي لم يتكلم فيها بشيء.","vol":"1","page":1775},{"text":"قال القاضي بكر: هذا آخر كتاب الأحكام، اختصرته من كتاب إسماعيل بن إسحاق ﵀، وتركت الأسانيد ليقرب (^١) على المتعلم، فإن احتيج إلى الأسانيد أخذت من كتاب إسماعيل ﵀، وأما الكلام فالكثير منه كلام إسماعيل، وربما اختصرته وزدت فيه، وتكلمت بما حضرني، مما ظننت أن إسماعيل لكثرة شغله أغفله، أو لزيادة زِيْدَت علينا بعده، فاحتجت إلى الانفصال منها، مما رجوت أن يكون تقوية للمذهب، وتصحيحا لما ذهب إليه فيه، إلا ما قلت فيه حدثنا فذلك من سائر الحديث ليس مخرجه إسماعيل، نفعنا الله به، ومن نوى تعلمه، وأراد الله به، والحمد لله رب العلمين لا شريك له (^٢).\n_________\n(^١) لوحة رقم [٢/ ٣٢٤].\n(^٢) وقع بعده ما نصه:\nفرغ من نسخه الفقير إلى رحمة ربه: عبد الكافي بن محمد ... غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين، آمين رب العالمين، وصلى الله على محمد نبيه وآله وسلم، وذلك في سلخ ربيع الأول سنة تسع وثمانين وخمسمائة.","vol":"1","page":1776},{"text":"¬الخاتمة\nأحمد الله وأتوجه له بالشكر على ما أتم به وأعان، وما منّ به علينا من نعمٍ في قديم أو حديث، حمدًا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، وهو المستحق للشكر والثناء سبحانه.\nوأصلي وأسلم على رسول الهدى محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nمضت أربع سنوات وقفتها مع هذه الرسالة، جنيت خلالها أطيب الثمار وأزكاها: قراءة كتاب الله وتعلمه، متنقلًا بين كتب التفسير، والحديث، والفقه، والقراءات، واللغة، والسير والتاريخ والتراجم، وغيرها، بدأتها بدراسة عن عصر المؤلف وأثره عليه، ثم تحدثت عن حياته الشخصية والعلمية، واتبعت ذلك بدراسة مفصلة عن الكتاب، ومنهج مؤلفه فيه، ثم تناولت القسم الأول منه بالتحقيق والدراسة، حيث شمل من أول الكتاب إلى آخر تفسير سورة الأعراف، وظهر لي عدة نتائج، من أبرزها الآتي:\n١. تأثر المؤلف إيجابًا بالعصر الذي عاش فيه، حيث كثر في العراق - محل نشأته - الاختلاف العقدي والتعدد المذهبي مما جعل شخصيته تجمع بين التأصيل للمذهب، والتقعيد له، والرد على مخالفيه.\n٢. صحة سماع المؤلف من شيخه القاضي إسماعيل بن إسحاق فيما صرح فيه بالسماع، وحمل ما لم يصرح فيه بالسماع على أخذه بالإجازة.\n٣. أن المؤلف قد حاز مكانة علمية عالية، بشهادة العلماء، وبجهوده ومنهجه وتنوع مصنفاته.\n٤. كون المؤلف من أهل السنة، المتبعين نهج سلف هذه الأمة، المنافحين عن منهجهم.\n٥. اعتماد المؤلف في كتابه هذا على نوعين من أنواع المصادر، وهي المصادر السمعية، والمصادر النقلية.\n٦. أن المؤلف باختصاره هذا حفظ لنا أحد أقدم كتب أحكام القرآن (كتاب أحكام القرآن للقاضي إسماعيل بن إسحاق).\n٧. أن المؤلف لم يكن مجرد مختصر، بل كان اختصاره عن علم وحسن انتقاء، وله نظر في ذلك وترجيح، وزيادات واستدراكات.","vol":"1","page":1777},{"text":"¬٨. التزام المؤلف بالمنهج الصحيح في التفسير، من تقديم تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة والتابعين، ثم باللغة العربية.\n٩. تميز هذا الكتاب على غيره من كتب الأحكام بالإكثار من إيراد الأحاديث والآثار في تفسير الآيات مع بيان الأحكام الفقهية، فهذا الكتاب يعد بحق من كتب تفسير الأحكام بالمأثور.\nهذه بعض النتائج التي توصلت لها من خلال دراستي وتحقيقي لهذا الكتاب.\nوقبل الختام فإن الباحث يوصي الباحثين وطلبة العلم بما يلي:\n١. دراسة اختيارات المؤلف في كتابه هذا، بشكل موسع، وبيان أسس الترجيح عنده.\n٢. دراسة استدراكات واعتراضات الجصاص في أحكام القرآن على ما ذكره القاضي إسماعيل صاحب الأصل، والذي يوجد في الكتاب كمٌ كبير منها، حاولت الإشارة إلى شيء منها في حاشية الرسالة.\n٣. دراسة استدراكات الكيالهراسي على ما ذكره صاحب الأصل، وإن كانت أقل مما استدركه الجصاص عليه.\nكما يوصي الباحث الأقسام العلمية المختصة:\nبفتح الباب أمام تحقيق كتب أحكام القرآن المطبوعة غير المحققة، حيث ظهر لي كثرة الأخطاء والتصحيفات في ثناياها، وحاجتها إلى ما يجلي غامضها ويوضح مراميها.\n\nوفي الختام فهذا جهد المقل، فما كان فيه من صواب فمن الله، وهو المحمود على توفيقه، وما كان فيه من غير ذلك فأستغفر الله العظيم، وأحمده على ما يسر وأعان.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.","vol":"1","page":1778},{"text":"¬خاتمة.\n\nالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، سبحانه هو المبدئ المعيد، وأشهد ألا إله إلا الله الحق المبين، وأصلي وأسلم على نبيه الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه والطيبين، وبعد:\nفقد تضمنت هذه الرسالة تعريفا بكتب أحكام القرآن، والمراحل التي مرّ بها التدوين في هذا الفن، وأبرز آثاره، وأشهر المؤلفات فيه.\nوتضمن هذا البحث الكلام عن عصر المؤلف، وحياته العلمية والعملية، وآثاره التي خلفها.\nكما تضمن - أيضا - توثيق الكتاب وتصحيح نسبته إلى مؤلفه.\nوفي هذه الرسالة تكلمت عن طريقته في الاختصار، مع بسط الكلام عن المنهج الذي سار عليه في كتابه، والاستشهاد ببعض الأمثلة على ذلك.\nوعقدت فصلا للمقارنة بين كتابي أحكام القرآن للقشيري وأبي بكر بن العربي، بينت فيه أبرز أوجه الالتقاء والافتراق.\n\nوأختم هذا البحث بذكر أبرز النتائج التي توصلت لها من خلال تحقيق هذا الكتاب ودراسته:\n\nأولا: أهم النتائج التي أظهرها هذا البحث؛ الوقوف على طبيعة اختصار أبي الفضل القشيري، لكتاب القاضي إسماعيل بن إسحاق، حيث تبين أن هذا الاختصار - وإن وقع على قدر كبير من الأصل - فإنه لم ينل من أساس المادة العلمية لكتاب القاضي إسماعيل، بل يمكن القول أن هذا الكتاب تضمن كتاب القاضي إسماعيل، باختصار لا","vol":"1","page":1779},{"text":"¬يؤثر على مادته العلمية في الجملة، حيث وقع غالب الاختصار على حذف الأسانيد، والروايات المكررة، أو اختصارها.\nوهذه النتيجة ساعد على الوصول إليها أمران:\nالأول: مقارنة كتاب القشيري، بالقطعة المتبقية من الأصل.\nالثاني: مقارنة مختصر أبي الفضل القشيري، بالنصوص التي نقلت عن كتاب القاضي إسماعيل، كتلك النصوص التي نقلها الجصاص، أو ابن العربي، أو ابن حجر في فتح الباري.\n\nثانيا: من النتائج التي أظهرتها هذه الدراسة، أن عمل أبي الفضل القشيري في كتابه أحكام القرآن، لم يقتصر على مجرد الاختصار فقط، بل تضمن زيادات قيمة في المسائل العلمية، مع المناقشة لها، والاختيار منها، حتى أشبه أن يكون هذا المختصر مؤلفا مستقلا.\nوقد أشار أبو الفضل القشيري إلى هذه الزيادات التي تضمنها مختصره ولفت النظر إليها، وكذلك فعل بعض من ترجم له من أهل العلم - على ما سبق ذكره في قسم الدراسة - حيث نبهوا على أنه اختصر الأصل وزاد عليه.\n\nثالثا: من النتائج التي أظهرها هذا البحث؛ تصحيح سماع أبي الفضل القشيري، من القاضي إسماعيل بن إسحاق، حيث وقع خلاف في ذلك أشار إليه بعض من ترجم لأبي الفضل، وقد صح سماعه من جهتين:\nأولهما: أنه أدرك القاضي إسماعيل في وقت يصح سماعه منه.\nوالثاني: أنه قد صرح بسماعه منه في مواضع من كتابه أحكام القرآن على نحو ما تقدم في هذه الرسالة.","vol":"1","page":1780},{"text":"¬رابعا: أظهرت هذه الدراسة عقيدة المؤلف، حيث تبين من دراسة الكتاب أن المؤلف على عقيدة السلف الصالح، وقد استعرضت بعضا من مسائل العقيدة التي عرض لها المؤلف في كتابه، وجرى فيها على عقيدة أهل السنة والجماعة.\nخامسا: أظهرت هذه الدراسة مدى التوافق الكبير بين اختيارات أبي الفضل القشيري واختيارات ابن العربي، حيث اتفقا على جلِّ المسائل التي اشتركا في الترجيح فيها، دل على ذلك المواضع التي حصل فيها المقارنة بين قوليهما، على ما تقدم في ثنايا التحقيق.\nسادسا: تميز المذهب المالكي بين المذاهب الفقهية المشهورة، بالعناية بأحكام القرآن، حيث كان له قصب السبق في ذلك، وأظهرت هذه الدراسة - أيضا - أن المدرسة العراقية المالكية، التي ينتمي إليها المؤلف، هي من حمل راية هذا التميز بين المدارس المالكية الأخرى.\n\nوأخيرا: فيوصي الباحث بالعناية باختيارات أبي الفضل القشيري في كتابه أحكام القرآن، ودراستها بشكل موسع، في بحث علمي مستقل؛ لأنها تضمنت كثيرا من الدقائق التفسيرية، والنظرات العلمية.\n\nوبعد فالحمد لله أولا وآخرا، وبفضله وإحسانه تتم الصالحات، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":1781},{"text":"¬ثبت<span data-type=\"title\" id=toc-230> المصادر والمراجع</span>\n١ - اتجاهات التفسير في القرآن الرابع عشر، د. فهد الرومي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط الثانية.\n٢ - الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي، مكتبة المعارف، الرياض، ط الأولى.\n٣ - الإجماع لابن المنذر، تحقيق: د. أبو حماد صغير أحمد بن محمد حنيف، مكتبة الفرقان، عجمان، ط الثانية.\n٤ - إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد، مطبعة السنة المحمدية.\n٥ - أحكام القرآن، لابن العربي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى ٠.\n٦ - أحكام القرآن، للإمام الشافعي، جمع البهقي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٢ هـ.\n٧ - أحكام القرآن، للجصاص، دار الفكر، بيروت، ١٤١٤ هـ.\n٨ - أحكام القرآن، للقاضي إسماعيل بن إسحاق، (أجزاء متفرقة من سور: النساء، المائدة، المؤمنون، النور، الجمعة، المنافقون، التغابن، الطلاق) مخطوط مصور، مكتبة رقادة، القيروان بتونس، وحصلت على نسخة منه من: د. عامر حسن صبري.\n٩ - أحكام القرآن، للكيا الهراسي، تحقيق: موسى محمد علي، د. عزت علي عيد عطية، دار الكتب الحديثة، مصر.\n١٠ - أحكام القرآن الكريم، للطحاوي، تحقيق: د. سعد الدين أونال، مركز البحوث الإسلامية، إستانبول، ط الأولى.\n١١ - الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم الظاهري، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٢ - أخبار مكة في قديم الهر وحديثه، محمد بن إسحاق الفاكهي، تحقيق: عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، مكتبة النهضة، مكة، ١٤٠٧ هـ.\n١٣ - أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، لأبي الوليد محمد بن عبد الله الأزرقي، تحقيق: رشدي الصالح ملحس، دار الأندلس.\n١٤ - اختلاف الحديث، للإمام الشافعي، تحقيق: عامر أحمد حيدر، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط الأولى.\n١٥ - اختلاف العلماء، للإمام المروزي، تحقيق: السيد صبحي السامرائي، عالم الكتب، بيروت، ط الثانية.\n١٦ - الأدب المفرد، للبخاري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط الثالثة.","vol":"1","page":1782},{"text":"¬١٧ - الأدفوي مفسرًا، رسالة ماجستير بقسم القرآن وعلومه بكلية أصول الدين بالرياض، عبد الله بن عبد الغني كحيلان، ١٤٠٥ هـ.\n١٨ - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (تفسير أبي السعود)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n١٩ - أساس البلاغة، للزمخشري، دار صادر، بيروت.\n٢٠ - أسباب النزول، للواحدي، تحقيق: عصام بن عبد المحسن الحميدان، مؤسسة الريان، ط الأولى.\n٢١ - أسباب النزول من خلال الكتب التسعة جمعًا ودراسة، رسالة دكتوراه في قسم القرآن وعلومه بكلية أصول الدين بالرياض، إعداد: خالد بن سليمان المزيني، ١٤٢٤ هـ.\n٢٢ - أسباب تعدد المدارس في المذهب المالكي وأهم مميزات المدرسة البغدادية، د. الحبيب بن طاهر، بحث مقدم في مؤتمر (القاضي عبد الوهاب البغدادي)، دار البحوث للدراسات الإسلامية، دبي، ١٤٢٤ هـ.\n٢٣ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار، لابن عبد البر، علق عليه: عبد المعطي قلعجي، دار قتيبة، دمشق، ط الأولى.\n٢٤ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لابن عبد البر، بهامش الإصابة لابن حجر، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٢٥ - الإشراف على مذاهب العلماء، لابن المنذر، تحقيق: د. صغير أحمد بن محمد حنيف، دار طيبة، الرياض، ط الأولى.\n٢٦ - الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٢٧ - اصطلاح المذهب عند المالكية، د. محمد إبراهيم أحمد علي، دار البحوث للدراسات الإسلامية، دبي، ط الأولى.\n٢٨ - الأضداد (ضمن ثلاثة كتب في الأضداد)، للأصمعي، نشر: د. اوغست هفنر، المكتبة الشرقية، بيروت.\n٢٩ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، للشنقيطي، طبع على نفقة صاحب السمو الملكي الأمير: أحمد بن عبد العزيز آل سعود، ١٤٠٣ هـ.\n٣٠ - الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، لأبي بكر محمد بن موسى الهمذاني، علق عليه: راتب حاكمي، مطبعة الأندلس، حمص، ط الأولى.","vol":"1","page":1783},{"text":"¬٣١ - إعراب القرآن، لأبي جعفر النحاس، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى.\n٣٢ - إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم، تحقيق: الشيخ عبد الرحمن الوكيل، مكتبة ابن تيمية، القاهرة.\n٣٣ - الأغاني، لأبي فرج الأصفهاني، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، المؤسسة المصرية العامة.\n٣٤ - الإقناع لابن المنذر، تحقيق: د. عبد الله بن عبد العزيز الجبرين، مكتبة الرشد، الرياض، ط الثانية.\n٣٥ - إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض، تحقيق: د. يحيى إسماعيل، دار الوفاء، مصر، ط الأولى.\n٣٦ - الأم، للإمام الشافعي، دار المعرفة، بيروت.\n٣٧ - إملاء ما من به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن، للعبكري، تحقيق: إبراهيم عطوه عوض، دار الحديث، القاهرة.\n٣٨ - الأموال، لأبي عبيد القاسم بن سلام، تحقيق: محمد خليل هراس، دار الفكر، مصر، ١٤٠١ هـ.\n٣٩ - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، لأبي الحسن المرداوي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٤٠ - الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، لابن المنذر، تحقيق: د. صغير أحمد بن محمد حنيف، دار طيبة، الرياض.\n٤١ - أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، لابن هشام، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، ١٤٢٢ هـ.\n٤٢ - الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ومعرفة أصوله واختلاف الناس فيه، لمكي بن أبي طالب، تحقيق: د. أحمد حسن فرحات، دار المنارة، جده، ط الأولى.\n٤٣ - الإيمان، لابن مندة، تحقيق: د. علي بن ناصر الفقيهي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط الثانية.\n٤٤ - البحر المحيط في أصول الفقه، للزركشي، دار الكتبي.\n٤٥ - البحر المحيط في التفسير، لأبي حيان الأندلسي، دار الفكر، بيروت، ١٤١٢ هـ.\n٤٦ - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، للكاساني، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٤٧ - بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لابن رشد - الحفيد -، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط الأولى.\n٤٨ - البداية والنهاية، لابن كثير، دار المعرفة، بيروت، ط الثانية.","vol":"1","page":1784},{"text":"¬٤٩ - البرهان في علوم القرآن، للزركشي، تحقيق: د. يوسف عبد الرحمن المرعشلي وآخرون، دار المعرفة، بيروت، ط الثانية.\n٥٠ - بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، للسيوطي، دار المعرفة، بيروت.\n٥١ - بلوغ المرام من أدلة الأحكام، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: محمد حامد الفقي، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط الثالثة.\n٥٢ - البيان في عد آي القرآن، لأبي عمرو الداني، تحقيق: د. غانم قدوري الحمد، مركز المخطوطات والتراث والوثائق، الكويت.\n٥٣ - البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في مسائل المستخرجة، لأبي الوليد بن رشد، تحقيق: أحمد الحبابي، دار الغرب الإسلامي، بيروت.\n٥٤ - تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة، دار الكتاب العربي، بيروت.\n٥٥ - تاج العروس من جواهر القاموس، لمحمد مرتضى الزبيدي، دار مكتبة الحياة، بيروت.\n٥٦ - تاج اللغة وصحاح العربية (الصحاح)، لإسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطر، طبع على نفقة حسن عباس الشربتلي، ط الثانية.\n٥٧ - التاريخ الإسلامي (الدولة العباسية)، محمود شاكر، المكتب الإسلامي، بيروت.\n٥٨ - تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والإجتماعي، د. حسن إبراهيم حسن، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط السابعة.\n٥٩ - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، للذهبي، تحقيق: د. عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، ط الأولى.\n٦٠ - تاريخ الأمم والملوك، لابن جرير الطبري، دار سويدان، بيروت.\n٦١ - تاريخ التشريع الإسلامي، للشيخ محمد الخضري بك، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ١٣٨٧ هـ.\n٦٢ - تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس، لأبي الوليد بن الفرضي، مكتبة المثنى، بغداد.\n٦٣ - تاريخ الفقه الإسلامي، محمد علي السايس، مطبعة محمد علي صبيح، مصر.\n٦٤ - التاريخ الكبير، للبخاري، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٦٥ - تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، دار الكتاب العربي، بيروت.","vol":"1","page":1785},{"text":"¬٦٦ - تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر، تحقيق: محب الدين عمر بن غرامة العمروي، دار الفكر، بيروت، ط الأولى.\n٦٧ - تحرير القول السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد (التحرير والتنوير)، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس.\n٦٨ - تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، للمباركفوري، ضبطه وصححه: عبد الرحمن محمد عثمان، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ١٤١٤ هـ.\n٦٩ - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، للسيوطي، تحقيق: د. أحمد عمر هاشم، دار الكتاب العربي، ١٤٠٩ هـ.\n٧٠ - ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، للقاضي عياض، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المملكة المغربية.\n٧١ - الترغيب والترهيب، للمنذري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط الثالثة.\n٧٢ - التشريع والفقه في الإسلام تاريخًا ومنهجًا، د. مناع القطان، مكتبة وهبة، مصر، ط الأولى.\n٧٣ - تعجيل المنفعة، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: د. إكرام الله إمداد الحق، دار الكتاب العربي، بيروت، ط الأولى.\n٧٤ - تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: د. أحمد بن علي المباركي، ط الأولى.\n٧٥ - تعظيم قدر الصلاة، لأبي عبد الله محمد بن نصر المروزي، تحقيق: د. عبد الرحمن الفريوائي، مكتبة الدار، المدينة، ١٤٠٦ هـ.\n٧٦ - تفاسير آيات الأحكام ومناهجها، رسالة دكتوراه بقسم القرآن وعلومه بكلية أصول الدين بالرياض، د. علي بن سليمان العبيد، ١٤٠٧ هـ.\n٧٧ - تفسير القرآن، لأبي المظفر السمعاني، تحقيق: ياسر بن إبراهيم، وغنيم بن عباس غنيم، دار الوطن، الرياض.\n٧٨ - تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، مكتبة دار التراث، القاهرة.\n٧٩ - تفسير القرآن العظيم مسندًا عن رسول الله - ﷺ - والصحابة والتابعين. لابن أبي حاتم، تحقيق: أسعد محمد الطيب، مكتبة نزار مصطفى الباز، الرياض، ط الأولى.","vol":"1","page":1786},{"text":"¬٨٠ - تفسير القرآن الكريم (سورة البقرة)، للشيخ محمد بن صالح العثيمين، دار ابن الجوزي، ط الأولى.\n٨١ - تفسير عبد الرزاق، تحقيق: د. مصطفى مسلم محمد، مكتبة الرشد، الرياض، ط الأولى.\n٨٢ - التفسير والمفسرون، د. محمد حسين الذهبي، مكتبة وهبة، القاهرة، ط الرابعة.\n٨٣ - تقريب التهذيب، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: صغير أحمد شاغف، دار العاصمة، الرياض، ط الأولى.\n٨٤ - التقصي لحديث الموطأ (تجريد التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد)، لابن عبد البر، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٨٥ - تكملة الإكمال، لأبي بكر محمد بن عبد الغني البغدادي المعروف بابن نقطة، تحقيق: د. عبد القيوم عبد رب النبي، ومحمد صالح المراد، مطبوعات جامعة أم القرى، مكة المكرمة.\n٨٦ - تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، لابن حجر العسقلاني، تصحيح: ... عبد الله هاشم اليماني، شركة الطباعة الفنية المتحدة، القاهرة.\n٨٧ - التلقين، للقاضي عبد الوهاب البغدادي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المملكة المغربية، ١٤١٣ هـ.\n٨٨ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البر، تحقيق: سعيد أحمد أعراب، ١٣٩٦ هـ.\n٨٩ - تنوير المقالة في حل ألفاظ الرسالة، لأبي عبد الله محمد بن إبراهيم التتائي، تحقيق: د. محمد عايش عبد العال شبير، ط الأولى.\n٩٠ - تهذيب الآثار (مسند علي بن أبي طالب)، لابن جرير الطبري، تحقيق: محمود شاكر،، مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض.\n٩١ - تهذيب الأسماء واللغات، للنووي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٩٢ - تهذيب التهذيب، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى.\n٩٣ - تهذيب السنن، لابن القيم، حاشية على مختصر سنن أبي داود للمنذري، تحقيق: أحمد شاكر ومحمد حامد الفقي.\n٩٤ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال، للحافظ المزي، تحقيق: د. بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط الخامسة.","vol":"1","page":1787},{"text":"¬٩٥ - تهذيب اللغة، لأبي منصور الأزهري، الدار المصرية للتأهيل والترجمة.\n٩٦ - التهذيب في الفرائض، لأبي الخطاب محفوظ الكلوذاني، تحقيق: د. راشد بن محمد الهزاع، المطبعة الأهلية بجدة، ط الأولى.\n٩٧ - توضيح المشتبه في ضبط أسماء الرواة وأنسابهم وألقابهم وكتابهم، لابن ناصر الدين، شمس الدين محمد بن عبد الله بن محمد القيسي الدمشقي، حققه: محمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط الأولى.\n٩٨ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، لابن سعدي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط الثانية.\n٩٩ - الثقات، لابن حبان، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند، ط الأولى.\n١٠٠ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لابن جرير الطبري، تحقيق: محمود شاكر وأحمد شاكر، دار المعارف، مصر.\n١٠١ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لابن جرير الطبري، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي وأولاده بمصر، ط الثالثة.\n١٠٢ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لابن جرير لطبري، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر، مصر، ط الأولى.\n١٠٣ - جامع التحصيل في أحكام المراسيل، للعلائي، عالم الكتب، بيروت، ط الثانية.\n١٠٤ - الجامع تفسير القرآن، لعبد الله بن وهب برواية سحنون، تحقيق: ميكلوش موراني، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط الأولى.\n١٠٥ - الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n١٠٦ - الجدل الفقهي عند مالكية بغداد، د. محمد العلمي، بحث مقدم في مؤتمر (القاضي عبد الوهاب البغدادي)، دار البحوث للدراسات الإسلامية، دبي، ١٤٢٤ هـ.\n١٠٧ - جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس وأسماء رواة الحديث وأهل الفقه والأدب وذوي النباهة والشعر، للحميدي، تحقيق: محمد الطبخي، مكتبة الخانجي، القاهرة.\n١٠٨ - الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم، دار إحياء التراث، بيروت، ط الأولى.\n١٠٩ - جزء القراءة خلف الإمام، للبخاري، تحقيق: سعيد زغلول، دار الحديث، مصر.","vol":"1","page":1788},{"text":"¬١١٠ - جزء القراءة خلف الإمام، للبيهقي، تحقيق: سعيد زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى.\n١١١ - جزء فيه من أحاديث أيوب السختياني، للقاضي إسماعيل بن إسحاق، تحقيق: د. سليمان بن عبد العزيز العريني، مكتبة الرشد، الرياض، ط الأولى.\n١١٢ - جمهرة أنساب العرب، لابن حزم، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار المعارف، مصر.\n١١٣ - حجة القراءات، لأبي زرعة بن زنجلة، تحقيق: سعيد الأفغاني، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط الخامسة.\n١١٤ - الحجة على أهل المدينة، لمحمد بن الحسن الشيباني، علق عليه: السيد مهدي حسن الكيلاني القادري، عالم الكتب، بيروت، ط الثالثة.\n١١٥ - الحجة للقراء السبعة، لأبي علي الفارسي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى.\n١١٦ - الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه، د. عبد الرحمن بن صالح المحمود، دار طيبة، الرياض، ط الأولى.\n١١٧ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم الأصبهاني، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١١٨ - الخوارج والشيعة، د. أحمد محمد أحمد جلي، مطبوعات مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض.\n١١٩ - الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، لأحمد بن يوسف المعروف بالسمين الحلبي، تحقيق: د. أحمد محمد الخراط، دار القلم، دمشق.\n١٢٠ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للسيوطي، الناشر: محمد أمين وبح، بيروت.\n١٢١ - الدراية في تخريج أحاديث الهداية، لابن حجر العسقلاني، علق عليه: عبد الله هاشم اليماني، مكتبة ابن تيمية، القاهرة.\n١٢٢ - دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، للبيهقي، دار الريان للتراث، القاهرة، ط الأولى.\n١٢٣ - الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، لابن فرحون المالكي، تحقيق د. محمد الأحمدي أبو النور. دار التراث، القاهرة.\n١٢٤ - ديوان الأعشى، دار صادر، بيروت.\n١٢٥ - ديوان الحطيئة، تحقيق: نعمان أمين طه، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، مصر.","vol":"1","page":1789},{"text":"¬١٢٦ - ديوان الراعي النميري، جمع وشرح وتحقيق: د. محمد نبيل طريفي، دار صادر، بيروت.\n١٢٧ - ديوان الفرزدق، دار صادر، بيروت.\n١٢٨ - ديوان النابغة الذبياني، تحقيق: أحمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة.\n١٢٩ - ديوان جران العود، رواية أبي سعيد الحسن السكري، تحقيق: د. نوري حمودي القيسي، دار الرشيد، العراق، ١٩٨٢ م.\n١٣٠ - ديوان جرير، دار صادر، بيروت.\n١٣١ - ديوان حاتم الطائي، تحقيق د. عادل سليمان جمال، مطبعة المدني، القاهرة.\n١٣٢ - ديوان حسان بن ثابت، دار صادر، بيروت.\n١٣٣ - ديوان ذي الرمة، شرح أبي نصر أحمد بن حاتم الباهلي، تحقيق د. عبد القدوس أبو صالح، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط الثالثة.\n١٣٤ - ديوان قيس بن الخطيم، تحقيق د. ناصر الدين الأسد، دار صادر، بيروت، ط الثانية.\n١٣٥ - ديوان لبيد بن ربيعة العامري، حققه وقدم له د. إحسان عباس، سلسلة التراث العربي الصادرة عن وزارة الإعلام بالكويت.\n١٣٦ - الذخيرة، لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، تحقيق: د. محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط الأولى.\n١٣٧ - الرسالة، للإمام الشافعي، تحقيق: أحمد شاكر، دار الكتاب العلمية، بيروت.\n١٣٨ - الرسالة في فقه الإمام مالك، لابن أبي زيد القيرواني، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٣٩ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للألوسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n١٤٠ - الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام، لأبي القاسم عبد الرحمن السهيلي، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٩ هـ.\n١٤١ - روضة الطالبين وعمدة المفتين، للإمام النووي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط الثالثة.\n١٤٢ - روضة الناظر وجنة المناظر، لابن قدامة، تحقيق: د. عبد الكريم بن علي النملة، مكتبة الرشد، الرياض، ط الرابعة.\n١٤٣ - زاد المسير في علم التفسير، لابن الجوزي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط الأولى.","vol":"1","page":1790},{"text":"¬١٤٤ - زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وعبدالقادر الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط الخامسة عشرة.\n١٤٥ - الزهد، لهناد بن السري، تحقيق: عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي، دار الخلفاء، الكويت، ط الأولى.\n١٤٦ - السبعة في القراءات، لابن مجاهد، تحقيق: د. شوقي ضيف، دار المعارف، القاهرة، ط الثالثة.\n١٤٧ - سبل السلام شرح بلوغ المرام، للصنعاني، دار الريان للتراث، مصر، ط الرابعة.\n١٤٨ - السنة، لأبي عبد الله محمد بن نصر المروزي، تحقيق: سالم أحمد السلفي، مؤسسة الكتب، بيروت، ط الأولى.\n١٤٩ - سنن أبي داود، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت.\n١٥٠ - سنن ابن ماجة، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، شركة الطباعة العربية السعودية، الرياض، ط الثانية.\n١٥١ - سنن الدارقطني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٤١٣ هـ.\n١٥٢ - سنن الدارمي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط الثانية.\n١٥٣ - السنن الكبرى، للبيهقي، دار المعرفة، بيروت.\n١٥٤ - السنن الكبرى، للنسائي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، ط الأولى.\n١٥٥ - سنن النسائي (المجتبى)، دار المعرفة، بيروت، ط الثانية.\n١٥٦ - سنن سعيد بن منصور، تحقيق: د. سعد بن عبد الله آل حميد، دار الصميعي، الرياض، ط الأولى.\n١٥٧ - سنن سعيد بن منصور، تحقيقق: حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٥٨ - سؤالات حمزة السهمي للدارقطني وغيره من المشايخ في الجرح والتعديل، تحقيق: موفق بن عبد الله بن عبد القادر، مكتبة المعارف، الرياض، ط الأولى.\n١٥٩ - سير أعلام النبلاء، للذهبي، مؤسسة الرسالة، ط العاشرة.\n١٦٠ - سير الحاث إلى علم الطلاق الثلاث، لجمال الدين أبي المحاسن يوسف بن حسن بن عبد الهادي الحنبلي المعروف بالمبرد، تحقيق د. عبد العزيز بن محمد الحجيلان، دار ابن الجوزي، ١٤١٨ هـ.\n١٦١ - السيرة النبوية، لابن هشام، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤١٣ هـ.","vol":"1","page":1791},{"text":"¬١٦٢ - شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، للشيخ محمد بن محمد مخلوف، دار الكتاب العربي، بيروت.\n١٦٣ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لابن العماد الحنبلي، دار الآفاق الجديدة، بيروت.\n١٦٤ - شرح أشعار الهذليين، لأبي سعيد الحسن بن الحسين السكري، تحقيق: عبد الستار أحمد فراج، مكتبة دار العروبة، مصر.\n١٦٥ - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، للإمام اللالكائي، تحقيق: د. أحمد سعد حمدان، دار طيبة، الرياض، ط الثانية.\n١٦٦ - شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، دار الفكر، بيروت، ط الأولى.\n١٦٧ - شرح السنة، للإمام البغوي، تحقيق: زهير الشاويش، شعيب الأرناؤوط، المكتب الإسلامي، بيروت.\n١٦٨ - شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، وشعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط الثانية.\n١٦٩ - الشرح الممتع على زاد المستقنع، شرح فضيلة الشيخ: محمد بن صالح العثيمين، مؤسسة آسام، الرياض، ط الثانية.\n١٧٠ - شرح النووي على صحيح مسلم، مؤسسة قرطبة، الرياض، ط الأولى.\n١٧١ - شرح حدود ابن عرفة، لأبي عبد الله محمد الأنصاري الرصاع، تحقيق: د. محمد أبو الأجفان والطاهر المعموري، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط الأولى.\n١٧٢ - شرح ديوان الحماسة، لأبي علي أحمد بن محمد المرزوقي، نشره: أحمد أمين وعبد السلام هارون، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة.\n١٧٣ - شرح شواهد المغني، للسيوطي، تعليق: محمد محمود الشنقيطي، دار مكتبة الحياة، بيروت.\n١٧٤ - شرح مشكل الآثار، للطحاوي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط الأولى.\n١٧٥ - شرح معاني الآثار، للطحاوي، تحقيق: محمد زهري النجار، محمد سيد جاد الحق، عالم الكتب، بيروت، ط الأولى.\n١٧٦ - شعب الإيمان، للبيهقي، تحقيق: محمد السيد زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى.\n١٧٧ - الشعر والشعراء، لابن قتيبة، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار الحديث، القاهرة، ط الأولى.","vol":"1","page":1792},{"text":"¬١٧٨ - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط الثالثة.\n١٧٩ - صحيح ابن خزيمة، تحقيق: د. محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت ١٤٠٠ هـ.\n١٨٠ - صحيح البخاري، ضبطه: د. مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، دمشق، ط الخامسة.\n١٨١ - صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط الرابعة.\n١٨٢ - صفعاء العقيلي، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى.\n١٨٣ - الصلة في تاريخ أئمة الأندلس وعلمائهم ومحدثيهم وفقهائهم وأدبائهم، لابن بشكوال، تحقيق: السيد عزت العطار الحسيني، مكتبة الخانجي، القاهرة.\n١٨٤ - الصيام، لأبي بكر الفريابي، تحقيق: عبد الوكيل الندوي، الدار السلفية، الهند، ط الأولى.\n١٨٥ - الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد، لأبي الفضل كمال الدين جعفر بن ثعلب الأدفوي، تحقيق: سعد محمد حسن، الدار المصرية للتأليف والترجمة.\n١٨٦ - الطبقات السنية في تراجم الحنفية، لتقي الدين بن عبد القادر التميمي، تحقيق د. عبد الفتاح محمد الحلو، دار الرفاعي للنشر والطباعة، الرياض.\n١٨٧ - طبقات الشافعية الكبرى، لأبي نصر عبد الوهاب بن علي السبكي، تحقيق: محمود محمد الطناحي وعبد الفتاح محمد الحلو، مطبعة عيسى البابي الحلبي.\n١٨٨ - الطبقات الكبرى، لابن سعد، دار صادر، بيروت.\n١٨٩ - طبقات المفسرين، للداوودي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٩٠ - طبقات المفسرين، للسيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٩١ - طبقات فحول الشعراء، لمحمد بن سلام الجمحي، تحقيق: محمود شاكر، دار المدني، جده.\n١٩٢ - طُلبة الطَلَبة، لأبي حفص عمر بن محمد النسفي، دار الطباعة العامرة.\n١٩٣ - ظُهر الإسلام، أحمد أمين، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٣٨٨ هـ.\n١٩٤ - عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي، لابن العربي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط الأولى.","vol":"1","page":1793},{"text":"¬١٩٥ - العبر في خبر من غبر، للذهبي، حققه: محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٩٦ - العصر العباسي الثاني، د. شوقي ضيف، دار المعارف، مصر، ط الثانية.\n١٩٧ - علل الترمذي الكبير، ترتيب أبي طالب القاضي، تحقيق: حمزة ديب مصطفى، مكتبة الأقصى، الأردن، ط الأولى.\n١٩٨ - علل الحديث، لابن أبي حاتم، دار المعرفة، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n١٩٩ - العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، لابن الجوزي، تحقيق: إرشاد الحق الأثري، إدارة العلوم الأثرية، فيصل آباد.\n٢٠٠ - العلل الواردة في الأحاديث النبوية، للدار قطني، تحقيق د. محفوظ الرحمن زين الله السلفي، دار طيبة، الرياض، ط الأولى.\n٢٠١ - العلل ومعرفة الرجال، للإمام أحمد بن حنبل، المكتب الإسلامي، بيروت، ط الأولى.\n٢٠٢ - عمدة القاري في شرح البخاري، للعيني، دار إحياء التراث، بيروت.\n٢٠٣ - العين، للخليل بن أحمد، تحقيق: د. مهدي المخزومي ود. إبراهيم السامرائي، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ط الأولى.\n٢٠٤ - عيون المجالس، للقاضي عبد الوهاب البغدادي، تحقيق: امباي بن كيياكاه، مكتبة الرشد، الرياض، ط الأولى.\n٢٠٥ - غاية النهاية في طبقات القراء، لابن الجزري، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٠٦ - غريب الحديث، لأبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي، تحقيق: د. سليمان بن إبراهيم العايد، مطبوعات جامعة أم القرى، ط الأولى.\n٢٠٧ - غريب الحديث، لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي، تحقيق: عبد الكريم الغرباوي، مطبوعات جامعة أم القرى.\n٢٠٨ - غريب الحديث، لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى.\n٢٠٩ - فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، وعليها تعليقات الشيخ ... عبد العزيز بن باز، وقام بإكمال التعليقات د. علي عبد العزيز الشبل، دار السلام، الرياض، ط الأولى.\n٢١٠ - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، للشوكاني، المكتبة التجارية، مكة المكرمة، ط الأولى.","vol":"1","page":1794},{"text":"¬٢١١ - فتح المغيث شرح ألفية الحديث، لشمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية، المدينة المنورة.\n٢١٢ - الفَرق بين الفِرق، لعبد القادر بن طاهر البغدادي، دار الجيل، بيروت، ١٤٠٨ هـ.\n٢١٣ - الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم، دار الجيل، بيروت.\n٢١٤ - فضائل القرآن، لأبي عبيد القاسم بن سلام، دار ابن كثير، دمشق، ط الأولى.\n٢١٥ - الفهرست، لابن النديم، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى.\n٢١٦ - فهرسة أبي بكر محمد بن خير الإشبيلي فيما رواه عن شيوخه، المكتبة الأندلسية، ١٨٩٣ م.\n٢١٧ - فهرست مصنفات تفسير القرآن الكريم، من جمع وإعداد مجمع الملك فهد للطباعة المصحف الشريف، من الموقع الاكتروني للمجمع: www.qurancomplex.org\n٢١٨ - القاموس المحيط للفيروز آبادي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط الأولى.\n٢١٩ - القول المسدد في الذب عن المسند، لابن حجر العسقلاني، إدارة ترجمان السنة، لاهور باكستان.\n٢٢٠ - الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، للذهبي، تحقيق: محمد عوامة وأحمد محمد الخطيب، مؤسسة علوم القرآن، جدة، ط الأولى.\n٢٢١ - الكامل، للمبرد، تحقيق: د. محمد أحمد الدالي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١٨ هـ.\n٢٢٢ - الكامل في التاريخ، لابن الأثير، دار صادر، بيروت، ١٤٠٢ هـ.\n٢٢٣ - الكامل في ضعفاء الرجال، لابن عدي، دار الفكر، بيروت، ط الثالثة.\n٢٢٤ - الكتاب (كتاب سيبويه) تحقيق: عبدالسلام محمد هارون، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الثالثة.\n٢٢٥ - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، للزمخشري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط الأولى.\n٢٢٦ - كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، إسماعيل بن محمد العجلوني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط الثانية.","vol":"1","page":1795},{"text":"¬٢٢٧ - الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها، لمكي بن أبي طالب، تحقيق: د. محيي الدين رمضان، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط الرابعة.\n٢٢٨ - اللباب في تهذيب الأنساب، لعز الدين ابن الأثير الجزري، دار صادر.\n٢٢٩ - لسان العرب، لابن منظور، دار صادر، بيروت، ط الأولى.\n٢٣٠ - لسان الميزان، لابن حجر العسقلاني، مجلس دائرة المعارف، الهند، ط الثالثة.\n٢٣١ - المبسوط، للسرخسي، دار المعرفة، بيروت.\n٢٣٢ - مجاز القرآن، لأبي عبيدة، علق عليه: د. محمد فؤاد سزكين، مكتبة الخانجي، مصر.\n٢٣٣ - المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، محمد بن حبان البستي، تحقيق: محمود بن إبراهيم الزايد، دار الباز للنشر والتوزيع، مكة المكرمة.\n٢٣٤ - مجمع الزائد ومنبع الفوائد، للهيثمي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٨ هـ.\n٢٣٥ - المجموع شرح المهذب، للنووي، مطبعة المنيرية.\n٢٣٦ - مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز (الجزء الثاني فتاوى الطهارة والصلاة) جمع: د. عبد الله بن محمد العليان. دار الوطن، الرياض.\n٢٣٧ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة.\n٢٣٨ - مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن صالح العثيمين (فتاوى العقيدة) جمع وترتيب: فهد بن ناصر السليمان، دار الوطن، الرياض.\n٢٣٩ - المحتسب في تبيين وجوده شواذ القراءات والإيضاح عنها، لأبي الفتح عثمان بن جنّي، تحقيق: علي النجدي ناصف، د. عبدالحليم النجار، د. عبد الفتاح إسماعيل شلبي، دار سزكين، ط الثانية.\n٢٤٠ - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية، مكتبة ابن تيمية، القاهرة.\n٢٤١ - المحلى، لابن حزم، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مكتبة دار التراث، القاهرة.\n٢٤٢ - مختصر اختلاف العلماء، للجصاص، تحقيق: د. عبد الله نذير أحمد، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط الأولى.\n٢٤٣ - مختصر المزني، مكتبة المعارف، الرياض.","vol":"1","page":1796},{"text":"¬٢٤٤ - مختصر سنن أبي داود، للحافظ المنذري، تحقيق: محمد حامد الفقي، وأحمد محمد شاكر.\n٢٤٥ - مدارج السالكين، ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الكتاب العربي، بيروت.\n٢٤٦ - المدرسة البغدادية للمذهب المالكي، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا، جامعة محمد الخامس، المغرب، د. محمد العلمي.\n٢٤٧ - المدرسة المالكية العراقية، د. حميد لحمر، بحث مقدم في مؤتمر (القاضي عبد الوهاب البغدادي)، دار البحوث للدراسات الإسلامية، دبي، ١٤٢٤ هـ.\n٢٤٨ - المدونة الكبرى، للإمام مالك، براوية سحنون، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى.\n٢٤٩ - المراسيل، لأبي داود، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط الأولى.\n٢٥٠ - مسائل الإمام أحمد بن حنبل برواية ابنه عبد الله، تحقيق د. علي سليمان المهنا، مكتبة الدار، المدينة المنورة، ط الأولى.\n٢٥١ - مسائل الإيمان، لأبي يعلى الحنبلي، تحقيق: سعود بن عبد العزيز الخلف، دار العاصمة، الرياض، ط الأولى.\n٢٥٢ - المستدرك على الصحيحين، للحاكم، وبذيله التلخيص للذهبي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى.\n٢٥٣ - مسند أبي داود الطيالسي، تحقيق: د. محمد بن عبد المحسن التركي، دار هجر، القاهرة، ط الأولى.\n٢٥٤ - مسند أبي عوانة، دار المعرفة، بيروت.\n٢٥٥ - مسند أبي يعلي الموصلي، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى.\n٢٥٦ - مسند الإمام أحمد بن حنبل، المكتب الإسلامي، بيروت.\n٢٥٧ - مسند البزار (البحر الزخار)، تحقيق: د. محفوظ الرحمن زين الله السلفي، مؤسسة علوم القرآن، بيروت.\n٢٥٨ - مسند الحميدي، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى.\n٢٥٩ - مسند حديث مالك بن أنس، للقاضي إسماعيل بن إسحاق، تحقيق: ميكلوش موراني، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط الأولى.\n٢٦٠ - مشارق الأنوار على صحاح الآثار، للقاضي عياض، المكتبة العتيقية، تونس، ودار التراث مصر.","vol":"1","page":1797},{"text":"¬٢٦١ - المصاحف، لأبي بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى.\n٢٦٢ - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، للفيومي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٦٣ - المصنف، لعبد الرزاق الصنعاني، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط الثانية.\n٢٦٤ - المصنف في الأحاديث والآثار، لابن أبي شيبة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى.\n٢٦٥ - المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: عبد الرحمن بن عمر المدخلي، دار العاصمة، الرياض.\n٢٦٦ - معارج القبول بشرح سلم الأصول إلى علم الأصول، للشيخ حافظ الحكمي، دار ابن القيم، الدمام، ط الثانية.\n٢٦٧ - معالم التنزيل، للبغوي، تحقيق: محمد عبد الله النمر وعثمان جمعه ضميريه وسليمان مسلم الحرش، دار طيبة، الرياض، ط الأولى.\n٢٦٨ - معالم السنن، للخطابي، حاشية على مختصر سنن أبي داود للمنذري، تحقيق: أحمد شاكر ومحمد حامد الفقي.\n٢٦٩ - معاني القرآن، لأبي جعفر النحاس، تحقيق: محمد علي الصابوني، ط الأولى، مطبوعات جامعة أم القرى.\n٢٧٠ - معاني القرآن، للفراء، تحقيق: أحمد يوسف نجاتي ومحمد علي النجار، دار السرور، بيروت.\n٢٧١ - معاني القرآن وإعرابه، للزجاج، تحقيق: د. عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب، بيروت، ط الأولى.\n٢٧٢ - معجم الأدباء، لياقوت الحموي، دار المستشرق، بيروت.\n٢٧٣ - المعجم الأوسط، للطبراني، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد وعبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين، القاهرة، ١٤١٥ هـ.\n٢٧٤ - معجم البلدان، لياقوت الحموي، دار صادر، بيروت.\n٢٧٥ - معجم الصحابة، لابن قانع - تحقيق: صلاح بن سالم المصراني، مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة المنورة، ط الأولى.\n٢٧٦ - المعجم الصغير، للطبراني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط الأولى.\n٢٧٧ - المعجم الكبير، للطبراني، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، العراق، ط الثانية.","vol":"1","page":1798},{"text":"¬٢٧٨ - معجم قبائل العرب، عمر رضا كحالة، دار العلم للملايين، بيروت.\n٢٧٩ - معجم لغة الفقهاء، وضع: د. محمد رواس قلعه جي، د. حامد صادق قنيبي، دار النفائس، بيروت، ط الثانية.\n٢٨٠ - معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، لعبد الله البكري، حققه: مصطفى السقا، عالم الكتب، بيروت، ط الثالثة.\n٢٨١ - معجم مصنفات القرآن الكريم، د. علي شواخ إسحاق، دار الرفاعي، الرياض.\n٢٨٢ - معرفة السنن والآثار، للبيهقي، تحقيق: د. عبد المعطي أمين قلعجي، دار الوعي، سوريا، ط الأولى.\n٢٨٣ - معرفة الصحابة، لأبي نعيم الأصبهاني، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي، دار الوطن، الرياض، ط الأولى.\n٢٨٤ - معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، للذهبي، تحقيق: بشار عواد معروف وشعيب الأرناؤوط وصالح مهدي عباس، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط الأولى.\n٢٨٥ - المعرفة والتاريخ، ليعقوب بن سفيان الفسوي، تحقيق: خليل المنصور، دارالكتب العلمية، بيروت، ١٤١٩ هـ.\n٢٨٦ - المُعلم بفوائد مسلم، للمازري، تحقيق: الشيخ محمد الشاذلي النيفر، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط الأولى.\n٢٨٧ - المُغْرِب في ترتيب المُعْرِب، لأبي الفتح ناصر بن عبد السيد بن علي المطرزي، دار الكتاب العربي، بيروت.\n٢٨٨ - المغني، لابن قدامة، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي ود. عبد الفتاح محمد الحلو، دار هجر، القاهرة، ط الثانية.\n٢٨٩ - مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، لابن هشام، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت.\n٢٩٠ - مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، للرازي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى.\n٢٩١ - المفردات، للراغب الأصفهاني، دار الفكر، بيروت.\n٢٩٢ - المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، مكتبة الخانجي، مصر.\n٢٩٣ - مقاييس اللغة، لأحمد بن فارس، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط الأولى.","vol":"1","page":1799},{"text":"¬٢٩٤ - المقتضب، لأبي العباس المبرد، تحقيق: محمد عبد الخالق عظيمة، وزارة الأوقاف، جمهورية مصر العربية.\n٢٩٥ - المقدمات لبيان ما اقتضته المدونة من الأحكام، لابن رشد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى.\n٢٩٦ - مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، مكتبة العلم، جدة.\n٢٩٧ - الملل والنحل، للشهرستاني، صححه: أحمد فهمي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الثانية.\n٢٩٨ - المناسك، لسعيد بن أبي عروبة، تحقيق: د. عامر حسن صبري، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط الأولى.\n٢٩٩ - المناسك، لسعيد بن أبي عروبة، تحقيق: د. عامر حسن صبري، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط الأولى.\n٣٠٠ - مناهل العرفان في علوم القرآن، للزرقاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط الأولى.\n٣٠١ - المنتقى شرح موطأ الإمام مالك، لأبي الوليد الباجي، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، الطبعة الثانية.\n٣٠٢ - المهذب في فقه الإمام الشافعي، لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي، دار المعرفة، بيروت، ١٣٧٩ هـ.\n٣٠٣ - مواهب الجليل شرح مختصر خليل، للحطاب، دار الفكر، بيروت.\n٣٠٤ - الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة، د. ناصر القفاري ود. ناصر العقل، دار الصميعي، الرياض.\n٣٠٥ - الموطأ، لعبد الله بن هب (كتاب المحاربة)، تحقيق: ميكلوش موراني، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط الأولى.\n٣٠٦ - الموطأ، للإمام مالك، دار زمزم، الرياض، ط الثانية.\n٣٠٧ - الموطأ، للإمام مالك برواية أبي مصعب الزهري. تحقيق: د. بشار عواد معروف ومحمود محمد خليل، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط الثانية.\n٣٠٨ - الموطأ، للإمام مالك برواية القعنبي. تحقيق: عبد المجيد تركي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط الأولى.\n٣٠٩ - الموطأ، للإمام مالك برواية سويد الحدثاني. تحقيق: عبد المجيد تركي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط الأولى.\n٣١٠ - الموطأ، للإمام مالك برواية محمد بن الحسن الشيباني. تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، دار القلم، بيروت، ط الأولى.","vol":"1","page":1800},{"text":"¬٣١١ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال، للذهبي، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار المعرفة، بيروت.\n٣١٢ - الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز وما فيه من الفرائض والسنن، لأبي عبيد القاسم بن سلام، تحقيق: د. محمد بن صالح المديفر، مكتبة الرشد، الرياض، ط الثانية.\n٣١٣ - الناسخ والمنسوخ في كتاب الله ﷿ واختلاف العلماء في ذلك، للنحاس، تحقيق: د. سليمان بن إبراهيم اللاحم، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط الأولى.\n٣١٤ - النحو الوافي، عباس حسن، دار المعارف، مصر، ط السابعة.\n٣١٥ - نزول القرآن الكريم، د. محمد بن عبد الرحمن الشايع، ط الأولى.\n٣١٦ - النسخ في القرآن، دراسة تشريعية تاريخية نقدية، د. مصطفى زيد، دار الوفاء، المنصورة، ١٤٠٨ هـ.\n٣١٧ - النشر في القراءات العشر، لابن الجزري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى.\n٣١٨ - نصب الراية لأحاديث الهداية، للزيلعي، مطبعة دار المأمون، مصر.\n٣١٩ - النكت الظراف على الأطراف، لابن حجر العسقلاني، بحاشية تحفة الأشراف بمعرفة الأطرف للحافظ المزي، تحقيق: عبد الصمد شرف الدين، زهير الشاويش، المكتب الإسلامي - بيروت.\n٣٢٠ - النكت والعيون (تفسير الماوردي)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى.\n٣٢١ - النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي، محمود محمد الطناحي، المكتبة العلمية، بيروت.\n٣٢٢ - النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات، لابن أبي زيد القيرواني، تحقيق: مجموعة من الباحثين، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط الأولى.\n٣٢٣ - نواسخ القرآن (ناسخ القرآن ومنسوخه)، لابن الجوزي، تحقيق: حسين الداراني، دار الثقافة العربية، دمشق، ط الأولى.\n٣٢٤ - نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار، للشوكاني، تحقيق: عصام الدين الصبابطي، دار الحديث، القاهرة، ط الأولى.\n٣٢٥ - الوافي بالوفيات، صلاح الدين بن خليل الصفدي، طبع على نفقة وزارة الأبحاث العلمية التابعة لألمانيا الاتحادية، ط الثانية.\n٣٢٦ - وفيات الأعيان، لابن خلكان، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط الأولى.","vol":"1","page":1801},{"text":"¬فهرس المصادر والمراجع\n\n- أبجد العلوم، صديق حسن القنوجي، ت/ عبد الجبار زكار، دار الكتب العلمية، بيروت/١٩٧٨ م\n- إتحاف الورى بأخبار أم القرى، نجم الدين بن عمر، ت/فهيم شلتوت، جامعة أم القرى، ط/الأولى ١٤٠٤ هـ\n- إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربع عشر، أحمد بن محمد الدمياطي، عالم الكتب، بيروت، ط/الأولى ١٩٨٧ م.\n- الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي، ت/مصطفى البغا، دار بن كثير، بيروت، ط/الثانية ١٩٩٣ م.\n- الآثار الباقية عن القرون الخالية، للبيروني، نشر إدوارد سخاو، لبيزج ط/١٩١٣ م.\n- الآحاد والمثاني، أبو بكر الشيباني، ت/باسم الجوابرة، دار الراية، الرياض، ط/الأولى ١٩٩١ م.\n- الأحاديث المختارة، أبو عبد الله المقدسي، ت/عبد الملك بن دهيش، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، ط/الأولى ١٤١٠ هـ.\n- أحكام القرآن، أبو بكر بن العربي، ت/ محمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت/١٩٩٦ م.\n- أحكام القرآن، أبو بكر الجصاص، ت/ محمد الصادق قمحاوي، دار إحياء التراث العربي، بيروت/١٩٥٨ م.\n- الإحكام في أصول الأحكام، أبو محمد بن حزم، دار الحديث، القاهرة، ط ١/ ١٤٠٤ هـ.\n- أخبار النحويين، عبد الواحد بن أبي هاشم، ت/ مجدي فتحي، دار التصحابة للثراث، طنطا، ط ١/ ١٤١٠ هـ.\n- أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه، أبو عبد الله الفاكهي، ت/ عبد الملك بن دهيش، دار خضر، بيروت، ط ٢/ ١٩٩٤ م.\n- أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، أبو الوليد محمد الأزرقي، ت/رشدي ملحس، دار الأندلس، بيروت، ط ٣/ ١٤٠٣ هـ.\n- اختلاف العلماء، محمد بن نصر المروزي، ت/ صبحي السامرائي، عالم الكتب، بيروت، ط ٢/ ١٤٠٦ هـ.\n- الأدب المفرد، محمد بن إسماعيل البخاري، ت/ محمد عبد الباقي، دار البشائر، بيروت، ط ٣/ ١٩٨٩ م.\n- إرشاد النقاد، محمد الصنعاني، ت/صلاح الدين مقبول، الدار السلفية، الكويت، ط/ الأولى ١٤٠٥ هـ.","vol":"1","page":1802},{"text":"¬- الأزمنة والأمكنة، أبو علي المرزوقي، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة.\n- أزهار الرياض في أخبار عياض، شهاب الدين أحمد المقري التلمساني، صندوق إحياء التراث، الرباط، ط/١٩٩٨ م.\n- أسباب النزول، أبو الحسن النيسابوري، ت/أيمن صالح، دار الحديث، القاهرة، ط/الرابعة ١٩٩٨ م.\n- الاستذكار، أبو عمر بن عبد البر، ت/ سالم محمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/ الأولى ٢٠٠٠ م\n- الاستيعاب، أبو عمر بن عبد البر، ت/ البجاوي، دار الجيل، بيروت، ط/الأولى ١٤١٢ هـ.\n- الإشراف في منازل الأشراف، أبو محمد بن أبي الدنيا، مكتبة الرشد، الرياض، ط/الأولى ١٩٩٠ م.\n- الإصابة في تمييز الصحابة، أحمد بن حجر العسقلاني، ت/عادل عبد الموجود، دار الكتب العلمية، بيروت. ط/الأولى ١٩٩٥ م.\n- اصطلاح المذهب عند المالكية، محمد إبراهيم أحمد، دار البحوث للدراسات الإسلامية، دبي، ط/الأولى ٢٠٠٠ م.\n- أصول السرخسي، أبو بكر السرخسي، دار المعرفة، بيروت.\n- إعراب القراءات الشواذ، أبو بالبقاء عبد الله العكبري، عالم الكتب، بيروت، ط/الأولى ١٩٩٦ م.\n- إعراب القرآن، أبو جعفر أحمد النحاس، ت/زهير غازي، عالم الكتب، بيروت، ط/الثانية ١٩٨٥ م.\n- أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربي، محمد الفاضل ابن عاشور، تونس مكتبة النجاح.\n- أعلام الموقعين عن رب العالمين، شمس الدين بن قيم الجوزية، ت/محمد عبد السلام، دار الكتب العلمية بيروت، ط/الأولى ١٤١١ هـ.\n- الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، ط/السابعة ١٩٨٨ م.\n- الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني، دار إحياء التراث الإسلامي، بيروت، ط/الثانية ١٩٩٧ م.\n- الأم، محمد بن إدريس الشافعي، دار المعرفة، بيروت، ط/الثانية ١٣٩٣ هـ.\n- أمالي المحاملي، أبو عبد الله المحاملي الضبي، ت/إبراهيم القيسي، المكتبة الإسلامية، عمان، ط/الأولى ١٤١٢ هـ.\n- الإمتاع والمؤانسة، لأبي حيان التوحيدي، تحيق أحمد أمين وأحمد الزين، ط. مكتبة الحياة، بيروت.","vol":"1","page":1803},{"text":"¬- الإنباه على قبائل الرواة، أبو عمر بن عبد البر، إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط/الأولى ١٤١٥ هـ، .\n- الأنساب، أبو سعيد عبد الكريم السمعاني، ت/عبد الله البارودي، دار الفكر، بيروت، ط/الأولى ١٩٩٨ م.\n- الإنصاف، علي بن سليمان المرداوي، ت/محمد الفقي، دار إحياء التراث، بيروت.\n- الأوراق، أبو بكر محمد بن يحيى الصولي، دار المسيرة بيروت ت ١٤٠١ هـ.\n- إيضاح الرموز ومفتاح الكنوز الجامع للقراءات الآربعة عشر، شمس الدين محمد بن خليل القباقبي، ديوان المطبوعات الجامعة، الجزائر، ١٩٩٥ م.\n- الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه، مكي بن أبي طالب القيسي، ت/أحمد حسن، جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض، ط/الثانية ١٤١١ هـ.\n- الإيمان، محمد بن إسحاق بن مندة، مؤسسة الرسالة بيروت، ت/علي ناصر الفقيهي، ط/الثانية ١٤٠٦ هـ.\n- البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، عادل عبد الموجود، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الأولى ١٩٩٣ م.\n- بحر العلوم، نصر بن محمد السمرقندي، ت/محمود مطرجي، دار الفكر، بيروت.\n- بدائع الصنائع، علاء الدين الكاساني، دار الكتاب العربي، بيروت، ط/الثانية ١٩٨٢ م.\n- بداية المجتهد ونهاية المقتصد، محمد بن رشد القرطبي، دار الفكر، بيروت.\n- البداية والنهاية، أبو الفداء ابن كثير الدمشقي، ت/أحمد أبو ملحم، دار الريان، القاهرة، ط/الأولى ١٤٠٨ هـ.\n- البرهان في علوم القرآن، بدر الدين الزركشي، ت/ يوسف المرعشلي آخرون، دار المعرفة، بيروت، ط/ الأولى، ١٩٩٠ م.\n- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في مسائل المستخرجه، أبو الوليد بن رشد القرطبي، ت/سعيد أعراب، دار الغرب، بيروت، ط/الثانية ١٤٠٨ هـ.\n- تاج العروس، مرتضى الزبيدي، دار الفكر، بيروت، ط/١٩٩٤ م.\n- تاج اللغة وصحاح العربية، دار العلم للملايين، بيروت، ط/الرابعة ١٩٩٠ م.\n- التاج والإكليل، أبو عبد الله محمد بن يوسف العبدري، دار الفكر، بيروت، ط/١٣٩٨ هـ.\n- تاريخ الأدب العربي، للسباعي بيومي، ط. دار الكتاب العربي، بيروت.","vol":"1","page":1804},{"text":"¬- تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، د. حسن إبراهيم حسن، ط. مكتبة النهضة مصر ١٩٥٥ م.\n- التاريخ الإسلامي، محمود شاكر، المكتب الإسلامي، بيروت، ط/١٩٧٩ م.\n- تاريخ الأمم والملوك، محمد بن جرير الطبري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/١٩٩٥ م.\n- تاريخ الخلفاء، جلال الدين السيوطي، ط/القاهرة ١٣٥٠ هـ\n- التاريخ الكبير، محمد بن إسماعيل البخاري، ت/ السيد هاشم، دار الفكر، بيروت.\n- تاريخ بغداد، أبو بكر الخطيب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- تاريخ دمشق، أبو القاسم بن هبة الله، محب الدين العمري، دار الفكر، بيروت، ط/١٩٩٥ م.\n- تبين الحقائق، فخر الدين الزيلعي، دار الكتب الإسلامية، القاهرة، ط/١٤١٣ هـ.\n- اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر الهجري، فهد عبد الرحمن الرومي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/الثانية: ١٤١٤ هـ.\n- تخريج أحاديث الكشاف، أحمد بن حجر العسقلاني، دار المعرفة، بيروت.\n- تخريج الأحاديث والآثار، جمال الدين الزيلعي، ت/عبد الله السعد، دار ابن خزيمة، الرياض، ط/الأولى ١٤١٤ هـ.\n- تدريب الراوي شرح تقريب النواوي، جلال الدين السيوطي، ت/عبد الوهاب عبد اللطيف، الكتبة العلمية المدينة المنورة، ط/ الثانية ١٩٧٢ م.\n- ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، أبو الفضل عياض بن موسى المالكي، ت/محمد الطنجي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، ط/الثانية ١٩٨٣ م.\n- التعاريف، محمد المناوي، ت/محمد رضوان، دار الفكر المعاصر، بيروت، ط/الأولى ١٤١٠ هـ\n- التعريفات، علي الجرجاني، ت/ إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط/الأولى ١٤٠٥ هـ.\n- تعظيم قدر الصلاة، محمد بن نصر المروزي، ت/عبد الرحم الفريوائي، مكتبة الدار، المدينة المنورة، ط/الأولى ١٤٠٦ هـ\n- تغليق التعليق، أحمد بن حجر العسقلاني، ت/سعيد القزقي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط/الأولى ١٤٠٥ هـ\n- تفسير ابن أبي حاتم، عبد الرحمن الرازي ابن أبي حاتم، ت/أسعد الطيب، المكتبة العصرية، صيدا.\n- تفسير الثعالبي، عبد الرحمن بن محمد الثعالبي، مؤسسة الأعلمي، بيروت.\n- تفسير الثوري، سفيان الثوري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الأولى ١٤٠٣ هـ.","vol":"1","page":1805},{"text":"¬- تفسير السمعاني، أبو المظفر منصور السمعاني، ت/ ياسر إبراهيم، دار الوطن، الرياض، ط/الأولى ١٩٩٧ م\n- تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء ابن كثير الدمشقي، ت/حسين زهران، دار الفكر، بيروت، ط ١٩٩٢ م.\n- التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، فخر الدين الرازي ت/إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الأولى ١٤١١ هـ\n- تفسير مجاهد، مجاهد بن جبر، ت/عبد الرحمن السورتي، المنشورات العلمية، بيروت.\n- تفسير مقاتل بن سليمان، أبو الحسن مقاتل بن سليمان، ت/أحمد فريد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الأولى ٢٠٠٣ م.\n- التفسير والمفسرون، محمد حسن الذهبي، مكتبة وهبة، القاهرة، ط/الأولى ١٩٨٩ م.\n- تقريب التهذيب، أحمد بن حجر العسقلاني، ت/أبو الأشبال صغير أحمد، دار العاصمة، الرياض، ط/الأولى ١٤١٦ هـ.\n- التلخيص الحبير، أحمد بن حجر العسقلاني، مكتبة الباز، مكة المكرمة، ط/الأولى ١٩٩٧ م.\n- التلقين، أبو محمد عبد الوهاب بن نصر، ت/محمد الغاني، المكتبة التجارية، مكة المكرمة، ط/الأولى ١٤١٥ هـ.\n- التمهيد، أبو عمر بن عبد البر، ت/مصطفى العلوي، وزارة عموم الأوقاف، المغرب، ط/١٣٨٧ هـ.\n- التهجد وقيام الليل، أبو بكر بن أبي الدنيا، ت/مصلح الحارثي، مكتبة الرشد، الرياض، ط/الأولى ١٤١٨ هـ.\n- تهذيب التهذيب، على بن حجر العسقلاني، ت/خليل شيحا وآخرون، دار المعرفة، بيروت، ط/الأولى ١٤١٧ هـ.\n- تهذيب الكمال، يوسف المزي، ت/بشار معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/الأولى ١٩٨٠ م.\n- التواضع والخمول، أبو بكر القرشي، ت/محمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الأولى ١٩٨٩ م.\n- التيسير في القراءات السبع، أبو عمرو الداني، ت/أوتو يرتزل، دار الكتاب العربي، بيروت ط/ الثالثة ١٩٨٥ م\n- الثقات، محمد بن حبان البستي، ت/السيد شريف الدين، دار الفكر، بيروت ط/الأولى ١٩٧٥ م.\n- الثمر الداني شرح رسالة القيرواني، صالح عبد السميع الآبي الأزهري، المكتبة الثقافية، بيروت.\n- جامع البيان عن تأويل أي القرآن، أبو جعفر بن جرير الطبري، دار الكتب العلمية، بيروت ط/الأولى ١٩٩٢ م","vol":"1","page":1806},{"text":"¬- جامع التحصيل في أحكام المراسيل، صلاح الدين العلائي، حمدي السلفي، عالم الكتب، ط/الثانية ١٩٨٦\n- الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله وسننه وأيامه، محمد بن إسماعيل البخاري، دار السلام، الرياض، ط/الأولى ١٤١٧ هـ.\n- جامع العلوم والحكم، أبو الفرج بن رجب، ت/شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/الخامسة ١٤١٤ هـ.\n- الجامع المختصر من السنن عن رسول الله - ﷺ -، أبو عيسى الترمذي، دار الفكر، ييروت، ط/١٤١٤ هـ.\n- الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد القرطبي، ت/محمد الحفناوي، دار الحديث، القاهرة، ط/الأولى ١٤١٤ هـ.\n- الجرح والتعديل، عبد الرحمن بن أبي حاتم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط/الأولى ١٩٥٢\n- جمهرة أشعار العرب، أبو زيد القرشي، خليل شرف الدين، مكتبة الهلال، بيروت، ط/الثانية ١٩٩١ م.\n- جمهرة أنساب العرب، أبو محمد بن حزم، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الأولى ١٩٨٣ م.\n- جمهرة نسب قريش وأخبارها، الزبير بن بكار، ت/محمود شاكر، مكتبة خياط، بيروت.\n- حاشية ابن القيم على سنن أبي داود.\n- حجة القراءات، أبو زرعة عبد الرحمن بن زنجلة، ت/سعيد الأفغاني، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/الخامسة ١٤٢٢ هـ.\n- حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، جلال الدين السيوطي، ت/محمد النجار، مطبعة إدارة الوطن، القاهرة، ط/١٢٩٩ م.\n- الحضارة الإسلامية في القرن الرابع آدم متز، ترجمة محمد عبد الهادي، دار الكتب العلمية بيروت، ط/الرابعة ١٣٨٧.\n- حلية الأولياء، أبو نعيم الأصبهاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الرابعة ١٤٠٥ هـ\n- خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، عبد القادر البغدادي، ت/ عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي القاهرة، ط/الأولى ١٩٨١ م.\n- الخصائص، أبو الفتح بن جني، مطبعة الهلال، القاهرة، ط/١٩١٣ م.\n- خطط المقريزي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار أحمد بن علي المقريزي، بولاق القاهرة، ط/١٣٧٠ هـ","vol":"1","page":1807},{"text":"¬- الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، شهاب الدين أبي العباس الحلبي، دار الكتب العلمية بيروت، ط/الأولى ١٤١٤ هـ.\n- الدر المنثور في التفسير بالمأثور، جلال الدين السيوطي، دار الفكر، بيروت، ط/١٤١٤ هـ.\n- دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية د. سعود الخلف دار أضواء السلف، الرياض. ط، الأولى ١٤١٨ هـ\n- دراسات في مصادر الفقه المالكي، ميكلوش موراني، تعريب/سعيد بحيرى وآخرون، دار الغرب، بيروت، ط/الأولى ١٤٠٩ هـ.\n- الدعاء، أبو القاسم الطبراني، مصطفى عبد القادر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الأولى ١٤١٣\n- الديباج المذهب، إبراهيم بن فرحون المالكي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- الذب عن مذهب مالك، ابن أبي زيد القيرواني، مخطوط في شستربتي رقم ١٠٠ لوحة رقم ٢٠١\n- الذخيرة، شهاب الدين أحمد القرافي، دار الغرب بيروت، ط/١٩٩٤ م.\n- الرد على المنطقيين، أحمد بن تيمية الحراني، ط/الثانية لاهور باكستان\n- رسالة القيرواني، عبد الله بن أبي زيد القيرواني، دار الفكر، بيروت.\n- الرسالة، محمد بن إدريس الشافعي، أحمد شاكر، القاهرة، ط/١٩٣٩ م.\n- الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية، أبو القاسم عبد الرحمن السهلي، ت/طه عبد الرؤوف، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة ط/الأولى.\n- زاد المسير في علم التفسير، أبو الفرج بن الجوزي، الكتب الإسلامي، ط/الأولى ١٤٢٣ هـ.\n- زاد المعاد في هدي خير العباد، شمس الدين بن قيم الجوزية، ت/شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/الخامسة والعشرون ١٤١٢ هـ.\n- الزهد، أحمد بن حنبل، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الأولى ١٩٨٣ م.\n- الزهد، عبد الله بن المبارك المروزي، ت/حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- سؤالات الحاكم، علي بن عمر الدارقطني، ت/موفق عبد الصمد، مكتبة المعارف، بيروت، ط/الأولى ١٩٨٤ م.\n- السبعة في القراءات، أبو بكر أحمد بن موسى، ت/شوقي ضيف، دار المعارف، بيروت، ط/الثالثة ١٩٨٨ م.\n- سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء على الأمة، المكتب الإسلامي، بيروت، ط/الرابعة ١٣٩٨ م.\n- السنة، أبو بكر أحمد الخلال، ت/عطية الزهراني، دار الراية، الرياض، ط/الأولى ١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":1808},{"text":"¬- سنن ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، ت/محمد الأعظمي، ط/الثانية ١٤٠٤ هـ.\n- سنن أبي داود، أبو داود سليمان بن الأشعث، ت/صدقي محمد، دار الفكر، بيروت، ط/١٤١٤ هـ.\n- سنن الدارقطني، علي بن عمر الدارقطني، دار الفكر، ييروت، ط/١٤١٤ هـ.\n- سنن الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ت/فواز زمرلي، دار الريان، القاهرة، ط/الأولى ١٤٠٧ هـ.\n- السنن الكبرى، أبو بكر البيهقي، ت/محمد عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، ط/١٤١٤ هـ.\n- السنن الكبرى، أبو عبد الرحمن النسائي، ت/عبد الغفار البنداري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الأولى ١٤١١ هـ.\n- سنن النسائي، أبو عبد الرحمن النسانئ، دار المعرفة، ييروت، ط/الثانية ١٤١٢ هـ.\n- سنن سعيد بن منصور، سعيد بن منصور، ت/سعد آل حميد، دار العصيمي، الرياض، ط/الأولى ١٤١٤ هـ.\n- سير أعلام النبلاء، محمد بن أحمد الذهبي، ت/شعيب الأرناؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/ التاسعة ١٤١٣ هـ.\n- سيرة ابن إسحاق، محمد بن إسحاق بن سيار، ت/محمد حميد، معهد الدراسات والأبحاث للتعريب.\n- السيرة النبوية، ابن هشام، ت/مصطفى السقا وآخرون، دار الخير، القاهرة، ط/الأولى ١٤١٢ هـ.\n- شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، محمد بن محمد مخلوف، ط/السلفية.\n- شذرات الذهب، عبد الحي بن أحمد العكري، ت/عبد القادر الأرناؤوط، دار ابن كثير، دمشق، ط/الأولى ١٤٠٦ هـ.\n- شرح الأشموني على ألفية ابن مالك بحاشية الصبان دار إحياء الكتب العربية، عيسى الحلبي\n- شرح حديث الأحرف السبعة د. عبد العزيز قارئ.\n- شرح سنن ابن ماجه، عبد الرحمن السيوطي، ت/عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات، حلب، ط/الثانية ١٩٨٦ م\n- شرح فتح القدير، كمال الدين بن الهمام الحنفي، ت/عبد الرزاق غالب، دار الكتب العلمية بيروت، ط/الأولى ١٤١٥ هـ.\n- شرح مسلم، لشرف الدين النووي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- شرح معاني الآثار، أبو جعفر الطحاوي، ت/ محمد النجار، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الأولى ١٣٩٩ هـ.","vol":"1","page":1809},{"text":"¬- شعب الإيمان، أبو بكر أحمد البيهقي، ت/محمد السعيد زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الأولى ١٤١٠ هـ\n- الشعر والشعراء، أبو محمد عبد الله بن قتيبة، ت/أحمد شاكر، دار الحديث، القاهرة، ط/الأولى ١٤١٧ هـ.\n- شواذ القراءات، رضي الدين شمس القراء الكرماني، مؤسسة البلاغ للطباعة، بيروت، ط/الأولى ٢٠٠١ م.\n- الصحاح، إسماعيل بن حماد الجوهري، ت/أحمد عطار، ط/الثانية ١٤٠٢ هـ.\n- صحيح ابن حبان، محمد بن حبان البستي، ت/شعيب الأناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/الثانية ١٩٩٣ م.\n- صحيح ابن خزيمة، محمد بن إسحاق بن خزيمة، ت/محمد الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط/١٩٧٠ م\n- صحيح ابن ماجه، محمد بن ناصر الدين الألباني، مكتب التربية العربي، الرياض، ط/الثالثة ١٩٨٨ م.\n- صحيح الترغيب والترهيب، محمد بن ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط/الثانية ١٩٨٢ م.\n- صحيح الجامع الصغير وزياداته، محمد بن ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت ١٩٧٩ م.\n- صحيح سنن أبي داود، ناصر الدين الألباني، مؤسسة غراس للنشر والتوزيع، الكويت، ط/الأولى ٢٠٠٢ م.\n- صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري، دار ابن حزم، الرياض، ط/الأولى ١٤١٦ هـ.\n- صفة الصفوة، عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، ت/محمد فاخوري، ط/الثانية ١٩٧٩ م\n- الصلة، لابن بشكوال، ت/عزت الحسني، مكتبة نشر الثقافة الإسلامية، ط/١٩٥٥.\n- ضعفاء العقيلي، أبو جعفر العقيلي، ت/عبد المعطي أمين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الأولى ١٤٠٤ هـ.\n- ضعيف النسائي، ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط/الأولى ١٤١١ هـ.\n- ضعيف سنن أبي داود، ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط/الأولى ١٤١٢ هـ.\n- طبقات الشافعية الكبرى، تاج الدين بن علي السبكي، ت/محمود الطناحي، هجر للطباعة والنشر، ط/الثانية ١٤١٣ هـ.\n- طبقات الشافعية، أبو بكر بن قاضي شهبة، ت/الحافظ عبد العليم خان، عالم الكتب، بيروت، ط/الأولى ١٤٠٧ هـ.","vol":"1","page":1810},{"text":"¬- طبقات الفقهاء، أبو إسحاق الشيرازي، ت/خليل الميس، دار القلم، بيروت.\n- الطبقات الكبرى، محمد بن سعد بن منيع، دار إحياء الثرات العربي، بيروت، ط/الأولى ١٤١٧ هـ.\n- طبقات المحدثين بأصبهان، أبو محمد عبد الله بن محمد الأنصاري، ت/عبد الغفور البلوشي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/الثانية ١٩٩٢ م\n- طبقات المفسرين، محمد بن علي الداودي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- طبقات فحول الشعراء، محمد بن سلام الجمحي، ت/محمود شاكر، دار المدني، جدة.\n- ظهر الإسلام (١/ ١٠٠). أحمد أمين ط. دار الكتاب العربي، بيروت ١٩٦٩ م\n- العبر في خبر من غبر، شمس الدين محمد الذهبي، ت/صلاح الدين المنجد، مطبعة حكومة الكويت، الكويت، ط/الثانية ١٩٨٤ م\n- ابن العربي المالكي الإشبيلي، وتفسيره أحكام القرآن، مصطفى المشني، دار الجيل، بيروت، ط/الأولى ١٤١١ هـ.\n- العقد الفريد، أحمد بن عبد ربه الأندلسي، ت/مفيد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الثالثة ١٤١٠ هـ.\n- العلل الواردة في الأحاديث النبوية، أبو الحسن الدارقطني، ت/محفوظ الرحمن السلفي، دار طيبة، الرياض، ط/الأولى ١٩٨٥ م\n- عمدة القارئ، بدر الدين العيني، دار إحياء التراث، بيروت.\n- عون المعبود شرح سنن أبي داود، أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الأولى ١٤١٠ هـ.\n- العيال، أبو بكر بن أبي الدنيا، ت/نجم عبد الرحمن، دار ابن القيم، الدمام، ط/الأولى ١٤١٠ هـ.\n- غاية النهاية في طبقات القراء، ابن الجزري، نشر: ج، برجستراسر، مكتبة الخانجي، القاهرة ط/١٩٣٣ هـ.\n- غاية النهاية في طبقات القراء، شمس الدين أبو الخير محمد بن الجزري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الثالثة ١٩٨٢ م.\n- غريب الحديث، أبو عبيد القاسم بن سلام، ت/محمد خان، دار الكتاب العربي، بيروت، ط/الأولى ١٣٩٦ م.\n- غريب القرآن، أبو بكر محمد بن عزير السجستاني، ت/محمد أديب جمران، دار قتيبة، ط/الأولى ١٤١٦ هـ.","vol":"1","page":1811},{"text":"¬- الغوامض والمبهمات، خلف بن عبد المللك ابن بشكوال، ت/ محمود مغرواي، دار الأندلس الخضراء، جدة، ط/الأولى ١٤١٥ هـ.\n- الفائق في غريب الحديث، جار الله بن محمود الزمخشري، ت/إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الأولى ١٤١٧ هـ.\n- الفتاوى الكبرى، تقي الدين أحمد ابن تيمية الحراني، ت/محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الأولى ١٤٠٨ هـ.\n- فتح الباري بشرح صحيح البخاري، أحمد بن حجر العسقلاني، محب الدين الخطيب، دار الريان للتراث، القاهرة، ط/الأولى ١٤٠٧ هـ.\n- فتح القدير الجامع بين فني علم الرواية والدراية من علم التفسير، محمد بن علي الشوكاني، دار الفكر، بيروت، ط/١٤٠٣ هـ.\n- الفرق بين الفرق، عبد القاهر بن طاهر الاسفرائيني، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- الفصل في الملل، على بن أحمد بن حزم، مكتبة الخانجي، القاهرة.\n- فضائل الأوقات، أبو بكر أحمد بت الحسن البيهقي، ت/سليمان الخزي، مكتبة العلوم والحكم، ط/الأولى ١٩٩٧ م.\n- الفهرست، أبو الفرج بن النديم، ت/عدنان القيسي، مكتبة المنارة، مكة المكرمة، ط/الأولى ١٤١٠ هـ.\n- الفواكه الدواني، أحمد بن غنيم النفراوي، دار الفكر، بيروت، ط/١٤١٥ هـ.\n- القاموس المحيط، الفيروز أبادي، مؤسسة الرسالة، بيروت.\n- القوانين الفقهية، محمد بن أحمد بن جزي الكلبي.\n- الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، محمد بن أحمد الذهبي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الأولى ١٤٠٣ هـ.\n- الكافي في فقه الإمام المبجل أحمد بن حنبل، أبو محمد ابن قدامة، ت/زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، ط/الخامسة ١٤٠٨ هـ.\n- الكافي، أبو عمر يوسف بن عبد البر القرطبي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الأولى ١٤٠٧ هـ.\n- الكامل في التاريخ، أبو الحسن الشيباني، ت/عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الثانية ١٤١٥ هـ.\n- الكامل في ضعفاء الرجال، عبد الله بن عدي الجرجاني، ت/يحيى غزاوي، دار الفكر، بيروت، ط/الثالثة ١٩٨٨ م.","vol":"1","page":1812},{"text":"¬- كتاب الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين، عبد الرحمن بن محمد بن عساكر، ت/ محمد عبد العزيز مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة، ط/١٩٩٠ م.\n- كتاب الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين، عبد الرحمن بن محمد بن عساكر، ت/ محمد عبد العزيز مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة، ط/١٩٩٠ م.\n- كتاب الجُمل في النحو، أبو القاسم الزجاجي، ت/علي الحمد، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/الرابعة ١٩٨٨ م.\n- كتاب الحُلل في شرح أبيات الجمل، أبو محمد عبد الله بن محمد البَطَلَيوسي، مصطفى إمام، مكتبة المتنبي، القاهرة، ت/الأولى ١٩٧٩ م.\n- الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، أبو القاسم محمود الزمخشري، دار المعرفة، بيروت،\n- كشف الظنون، مصطفى بن عبد الله القسطنطيني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/١٩٩٢ م.\n- الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها، مكي بن طالب القيسي، ت/محيي الدين رمضان، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/الرابعة ١٤٠٧ هـ.\n- الكشف والبيان، الثعلبي.\n- الكفاية في علم الرواية، أبو بكر بن الخطيب البغدادي، ت/أبو عبد الله السورقي، المكتبة العلمية، المدينة المنورة.\n- لسان العرب، لابن منظور، ت/أمين عبد الوهاب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط/الثانية ١٤١٧ هـ.\n- لسان الميزان، أحمد بن حجر العسقلاني، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ط/الثالثة ١٩٨٦ م.\n- ما ينصرف وما لا ينصرف لأبي إسحاق الزجاج ... تحقيق هدى محمود قراعة، القاهرة ١٣٩١ هـ\n- المبسوط، شمس الدين السرخسي، دار المعرفة، بيروت.\n- المتوارين، أبو محمد الأزدي، ت/مشهور سلمان، دار القلم، بيروت، ط/الأولى ١٤١٠ هـ.\n- مجاز القرآن، أبو عبيدة معمر بن المثنى، ت/محمد فؤاد سزكين، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط/١٩٥٤ م.\n- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، نور الدين أبو بكر الهيثمي، دار الفكر، بيروت، ط/١٤١١ هـ.\n- مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، جمع عبد الرحمن بن قاسم، طبع الرئاسة العامة لشؤون الحرمين.\n- المجموع، النووي، دار الفكر، ييروت، ط/١٩٩٧ م.\n- المحبر، أبو جعفر البغدادي، دائر المعارف العثمانية، حيدر أباد، ط/١٩٤٢ م.","vol":"1","page":1813},{"text":"¬- المحتسب في تبيين وجود شواذ القراءات والإيضاح عنها، أبو الفتح عثمان بن جني، علي ناصف، دار سزكين، استانبول، ط/الثانية ١٩٨٦ م.\n- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ت/عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الأولى ١٤١٣ هـ.\n- المحلى، علي بن أحمد بن حزم، ت/أحمد شاكر، دار الآفاق الجديدة، بيروت.\n- مختصر اختلاف العلماء، أحمد بن محمد الطحاوي، ت/عبد الله بن نذير أحمد، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط/الثانية ١٤١٧ هـ.\n- مدارك التنزيل وحقائق التأويل، حافظ الدين أبو البركات النسفي، النسفي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/١٩٨٨ م.\n- المدخل لدراسة القرآن الكريم، محمد محمد أبو شهبة، مكتبة السنة، الأولى ١٤١٢ هـ.\n- المدخل، عبد القادر بدران، ت/عبد الله التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/الثانية ١٤٠١ هـ.\n- المدونة الكبرى، مالك بن أنس، دار صادر، بيروت.\n- المذهب المالكي مدارسه ومؤلفاته، خصائصه وسماته - محمد المختار محمد المامي - مركز زايد للتراث ط: الأولى ١٤٢٢ هـ الإمارات.\n- مرآة الجنان\n- المراسيل، أبو داود سليمان بن الأشعث، ت/شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/الأولى ١٤٠٨ هـ.\n- المزهر في علوم اللغة وأنواعها، جلال الدين السيوطي، ت/محمد جاد المولى، المكتبة العصرية، بيروت، ت/١٩٨٦ م.\n- المستدرك على الصحيحين، أبو عبد الله الحاكم، ت/مصطفى عبد القادر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الأولى ١٤١١ هـ.\n- المستطرف في كل فن مستظرف، شهاب الدين الأبشيهي، ت/عبد الله الطباع، دار القلم، بيروت.\n- مسند ابن أبي الجعد، أبو الحسن علي بن الجعد، ت/عامر أحمد، مؤسسة نادر بيروت، ط/الأولى ١٤١٠ هـ.\n- مسند ابن راهويه، إسحاق بن راهوية، ت/عبد الغفور البلوشي، مكتبة الإيمان، المدينة المنورة، ط/الأولى ١٤١٢ هـ.\n- مسند أبي عوانة، أبو عوانة الاسفرائيني، دار المعرفة، بيروت.","vol":"1","page":1814},{"text":"¬- مسند أبي يعلى، أبو يعلى أحمد بن علي، ت/حسين أسد، دار المأمون للتراث، دمشق، ط/الأولى ١٤٠٤ هـ.\n- مسند الإمام أحمد، ت/شعيب الأرناؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/الأولى ١٤٢١ هـ.\n- مسند البزار، أبو بكر أحمد البزار، ت/محفوظ الرحمن زين الله، مؤسسة علوم القرآن، بيروت، ط/الأولى ١٤٠٩ هـ.\n- مسند الحارث (زوائد الهيثمي)، الحارث بن أبي أسامة، ت/حسين الباكري، مركز خدمة السنة، المدينة المنورة، ط/الأولى ١٤١٣ هـ\n- مسند الحميدي، عبد الله الحميدي، ت/حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- مسند الشافعي، محمد بن إدريس الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- مسند الشاميين، أبو القاسم الطبراني، ت/حمدي السلفي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/الأولى ١٤٠٥ هـ.\n- مسند الطيالسي، سليمان بن داود الطيالسي، دار المعرفة، بيروت.\n- المسند المستخرج على صحيح مسلم، أبو نعيم الأصفهاني، ت/محمد بن حسن الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الأولى ١٤١٧ هـ.\n- مسند عبد بن حميد، أبو محمد عبد بن حميد، ت/صبحي السامرائي، مكتبة السنة، القاهرة، ط/الأولى ١٤٠٨ هـ.\n- المسند، أحمد بن حنبل، دار الفكر، بيروت.\n- المسند، أحمد بن حنبل، تعليق أحمد شاكر، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة.\n- مشكل الآثار، أبو جعفر الطحاوي، ت/شعيب الأناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/الثانية ١٩٩٤ م.\n- المصفى من علم الناسخ والمنسوخ، أبو الفرج ابن الجوزي، د/صالح الضامن، موسسة الرسالة، بيروت، ط/الأولى ١٤١٥ هـ.\n- مصنف ابن أبي شيبة، أبو بكر عبد الله بن أبي شيبة، ت/كمال الحوت، مكتبة الرشد، الرياض\n- مصنف عبد الرزاق، أبو بكر عبد الرزاق الصنعاني، ت/حبيب الرحمن الأعظمي، الكتب الإسلامي، بيروت، ط/الثانية ١٤٠٣ هـ.\n- المطالب العاليه بزوائد المسانيد الثمانية، أحمد بن حجر العسقلاني، ت/حبيب الرحمن الأعظمي، دار المعرفة، بيروت، ط/١٤١٤ هـ.\n- معالم التنزيل، أبو محمد الحسين بن محمد البغوي، ت/خالد العك، دار المعرفة، بيروت ط/١٩٨٦ م.","vol":"1","page":1815},{"text":"¬- معاني القرآن، أبو جعفر االنحاس، دار الفكر، بيروت.\n- معاني القرآن، أبو الحسن البلخي الأخفش، ت/فائز فارس، دار البشير، ط/الثالثة ١٤٠١ هـ.\n- معاني القرآن، أبو زكريا يحي بن زياد الفراء، ت/إبراهيم الدسوقي، مركز الأهرام، القاهرة، ط/الأولى ١٤٠٩ هـ.\n- معجم الأدباء، ياقوت الحموي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الأولى ١٤١١ هـ.\n- المعجم الأوسط، أبو القاسم الطبراني، ت/طارق بن عوض الله الحسيني، دار الحرمين، القاهرة، ط/١٤١٥ هـ.\n- معجم البلدان، ياقوت الحمودي، دار الفكر، بيروت.\n- المعجم الصغير، أبو القاسم الطبراني، ت/محمد شكور وآخرون، المكتب الإسلامي، بيروت، ط/الأولى ١٤٠٥ هـ.\n- المعجم الكبير، أبو القاسم الطبراني، ت/حمدي السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ط/الثانية ١٤٠٤ هـ.\n- معجم المؤلفين، عمر رضا كحالة، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n- معجم المصنفات في علوم القرآن\n- معجم قبائل العرب القديمة والحديثة، عمر رضا كحاله، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/الثامنة ١٤١٨ هـ.\n- معجم ما استعجم، أبو عبيد عبد الله البكري، ت/مصطفى السقا، عالم الكتب، بيروت، ط/الثالثة ١٤٠٣ هـ.\n- معجم مقاييس اللغة، أبو الحسن أحمد بن فارس، ت/شهاب الدين أبو عمرو، دار الفكر، بيروت، ط/الأولى ١٤١٥ هـ.\n- معرفة الثقات، أبو الحسن أحمد العجلي، ت/عبد العظيم البستوي، مكتبة الدار، المدينة المنورة، ط/الأولى ١٩٨٥ م\n- معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، شمس الدين الذهبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت\n- المعرفة والتاريخ، أبو يوسف يعقوب الفسوي، ت/أكرم العمري، ط/الثانية ١٩٨١\n- مغني اللبيب، جمال الدين أبو محمد بن هشام، دار إحياء الكتب العربية، بيروت.\n- مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، شمس الدين محمد الشربيني، دار الفكر، بيروت، ط/١٩٧٨ م.\n- المغني في الضعفاء، شمس الدين أبو عبد الله الذهبي، ت/نور الدين عتر، دار المعارف، بيروت، ط/١٩٧١ م.","vol":"1","page":1816},{"text":"¬- المغني، أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، ١٤٠١ هـ.\n- مفردات غريب القرآن، الراغب الإصفهان، ت/نديم مرعشلي، دار الفكر، بيروت.\n- مقالات الإسلاميين، أبو الحسن الأشعري، ت/محمد محيي الدين، ط/١٩٨٥ م.\n- مقدمات أساسية في علوم القرآن، عبد الله الجديع، نشر البحوث الإسلامية، ط/الأولى ١٤٢٢ هـ.\n- الملل والنحل، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، ت/عبد الأمير علي مهنا، دار المعرفة، بيروت، ط/الثالثة ١٤١٤ هـ.\n- المنتظم في تاريخ الأمم، أبو الفرج عبد الرحمن الجوزي، دار صادر، بيروت، ط/الأولى ١٣٥٨ هـ.\n- المنتقى شرح الموطا، محمد الزرقاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الأولى ١٤١١ هـ.\n- المنتقى، عبد الله بن علي بن الجارود، ت/عبد الله البارودي، مؤسسة الكتاب، بيروت، ط/الأولى ١٩٨٨ م\n- المنمق في أخبار قريش، أبو جعفر محمد بن حبيب، ت/خورشيد فاروق، عالم الكتب، بيروت، ط/الأولى ١٩٨٥ م.\n- المنهاج في الحكم على القراءات د. إبراهيم بن سعيد الدوسري، دار الحضارة للنشر، الرياض، ط/الأولى ١٤٢٤ هـ.\n- المهذب في فقه الإمام الشافعي، أبو إسحاق الشيرازي، مكتبة مصطفى البابي، القاهرة، ط/الثالثة ١٣٩٦ هـ.\n- مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، أبو عبد الله المغربي، الحطاب الرعيني، ت/زكريا عميرات، دار الكتب العلمية بيروت، ط/الأولى ١٤١٦ هـ.\n- الموطأ، مالك بن أنس، ت/فؤاد عبد الباقي، دار الحديث، القاهرة.\n- الناسخ والمنسوخ في الكتاب العزيز، أبو عبيد القاسم بن سلام، ت/محمد المديفر، مكتبة الرشد، الرياض، ط/الأولى ١٤١١ هـ.\n- الناسخ والمنسوخ لأبي داود\n- الناسخ والمنسوخ، هبة الله بن سلامة المقري، ت/زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، ط/الأولى ١٤٠٤ هـ.\n- الناسخ والمنسوخ، أبو جعفر النحاس، د/محمد عبد السلام، مكتبة الفلاح، الكويت، ط/الأولى ١٤٠٨ هـ.\n- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، جمال الدين بن تغري بردي، ت/محمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الأولى ١٩٩٢ م.","vol":"1","page":1817},{"text":"¬- النشر في القراءات العشر، شمس الدين أبو الخير بن الجزري، ت/علي الضباع، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، برهان الدين أبي الحسن البقاعي، دائرة المعارف العثمانية، ط/الثانية ١٤١٣ هـ.\n- نهاية الأرب في فنون الأدب، أحمد بن عبد الوهاب النويري، دار الكتب، القاهرة.\n- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، شمس الدين بن شهاب الدين الرملي، دار الكتب العلمية بيروت، ط/١٤١٤ هـ.\n- النهاية في غريب الحديث والأثر، مجد الدين ابن الأثير الجزري، ت/صلاح عويضة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/الأولى ١٤١٨ هـ.\n- نوادر الأصول في أحاديث الرسول، أبو عبد الله الحكيم الترمذي، ت/عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، ط/١٩٩٢ م.\n- النوادر والزيادات، على ما في المدونة من غيرها من الأمهات، أبو عبد الله ابن أبي زيد القيرواني، ت/عبد الفتاح الحلو، دار الغرب، بيروت، ط/الأولى ١٩٩٩ م.\n- نواسخ القرآن، أبو الفرج ابن الجوزي، دار الكتب العلمية بيروت، ط/الأولى ١٤٠٥ هـ.\n- نيل المرام من تفسير آيات الأحكام، أبو الطيب صديق حسن القنوجي، ت/يوسف البكري، رمادي للنشر، الدمام، ط/الأولى ١٤١٨ هـ.\n- هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، إسماعيل بن محمد البغدادي، مكتبة المثنى، بغداد، مصورة عن طبعة استنبول/١٩٥١ م.\n- الوافي بالوفيات، صلاح الدين الصفدي، ت/أحمد الأرناؤوط، دار إحياء التراث، بيروت، ط/١٤٢٠ هـ.\n\n• البحوث.\n- الأدفوي مفسرا، رسالة ماجستير تقدم بها: عبد الله كحيلان، لقسم القرآن وعلومه بجامعة الإمام عام ١٣٠٥ هـ.\n- أسباب تعدد المدارس في المذهب المالكي، وأهم مميزات المدرسة البغدادية (بحث مقدمة للمؤتمر العلمي بدولة الإمارات العربية، حول القاضي عبد الوهاب البغدادي) أعده الحبيب بن طاهر.\n- تفاسير آيات الأحكام ومناهجها للدكتور علي العبيد، رسالة مقدم لقسم القرآن وعلومه بجامعة الإمام، لنيل درجة الدكتوراه في عام ١٤٠٧ هـ.\n- المدارس الفقهية المالكية بالعراق عوامل نشأتها وأبرز أعلامها، (بحث مقدم للمؤتمر العلمي بدولة الإمارات العربية، حول القاضي عبد الوهاب البغدادي) أعده محمد التمسماني.\n- المدرسة البغدادية للمذهب المالكي: نشأتها، أعلامها، منهجها، أثرها (رسالة علمية مقدمة لكلية الأداب بجامعة محمد الخامس) إعداد محمد العلمي.","vol":"1","page":1818}]}