{"ً":{"ٌ":151200,"ٍ":"آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية (عرض وتقويم في ضوء عقيدة السلف)","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/aihheaihhe/aihhe.pdf"]},"ّ":"الكتاب: آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية (عرض وتقويم في ضوء عقيدة السلف)\nالمؤلف: محمد بن عبد العزيز الشايع\nأصل الكتاب: رسالة ماجستير - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nالناشر: مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ\nعدد الصفحات: ٨١٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3060,"ٕ":1,"ٖ":1770156260,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":5},{"title":"أسباب اختيار الموضوع","level":2,"page":7},{"title":"الدراسات السابقة","level":2,"page":8},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":9},{"title":"منهج البحث","level":2,"page":13},{"title":"أولا: فيما يتعلق بجمع المادة العلمية","level":3,"page":13},{"title":"ثانيا: فيما يتعلق بعرض المسائل ودراستها","level":3,"page":13},{"title":"ثالثا: فيما يتعلق بكتابة البحث وتوثيقه","level":3,"page":14},{"title":"التمهيد في ترجمة ابن حجر الهيتمي، وبيان مصادره ومنهجه في تقرير العقيدة، وموقفه من شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم","level":1,"page":16},{"title":"المبحث الأول ترجمة موجزة لابن حجر الهيتمي","level":2,"page":17},{"title":"المطلب الأول عصر ابن حجر سياسيا، ودينيا، واجتماعيا، وعلميا","level":3,"page":17},{"title":"أولا: الحالة السياسية","level":4,"page":17},{"title":"ثانيا: الحالة الدينية","level":4,"page":20},{"title":"ثالثا: الحالة الاجتماعية","level":4,"page":22},{"title":"رابعا: الحالة العلمية","level":4,"page":23},{"title":"المطلب الثاني حياته الشخصية","level":3,"page":26},{"title":"أولا: اسمه، ولقبه، وكنيته","level":4,"page":26},{"title":"أ- اسمه","level":5,"page":26},{"title":"ب- لقبه","level":5,"page":28},{"title":"ج- كنيته","level":5,"page":28},{"title":"ثانيا: مولده، ونشأته، ورحلاته","level":4,"page":29},{"title":"أ- مولده","level":5,"page":29},{"title":"ب- نشأته","level":5,"page":30},{"title":"ج- رحلاته","level":5,"page":31},{"title":"ثالثا: وفاته","level":4,"page":32},{"title":"المطلب الثالث حياته العلمية","level":3,"page":33},{"title":"أولا: شيوخه","level":4,"page":33},{"title":"ثانيا: تلاميذه","level":4,"page":36},{"title":"ثالثا: مؤلفاته","level":4,"page":39},{"title":"رابعا: مذهبه العقدي","level":4,"page":52},{"title":"خامسا: مذهبه الفقهي","level":4,"page":55},{"title":"المبحث الثاني مصادر ابن حجر في تلقي العقيدة، ومنهجه في تقريرها","level":2,"page":57},{"title":"أولا: مصادره في تلقي العقيدة","level":3,"page":57},{"title":"١ - القرآن الكريم","level":4,"page":57},{"title":"٢ - السنة النبوية","level":4,"page":59},{"title":"٣ - الإجماع","level":4,"page":62},{"title":"٤ - العقل","level":4,"page":62},{"title":"ثانيا: منهجه في تقرير العقيدة","level":3,"page":64},{"title":"١ - معارضته النقل بالعقل، وتقديمه العقل عليه. وحكمه بموجبه","level":4,"page":64},{"title":"٢ - إعماله المجاز والتأويل والتفويض في بعض نصوص الكتاب والسنة","level":4,"page":67},{"title":"٣ - قصره شمولية بعض النصوص الشرعية، وذلك بتقييده مطلقها وتخصيصه عموماتها دون دليل شرعي","level":4,"page":68},{"title":"٤ - استدلاله بالأحاديث الضعيفة في تقرير المسائل العقدية","level":4,"page":69},{"title":"٥ - تجويزه الاحتجاج بالحديث الضعيف في المناقب، واستدلاله به فيها","level":4,"page":70},{"title":"٦ - حكايته الإجماع على غير وجهه، ودعواه تحققه باتفاق طائفته","level":4,"page":72},{"title":"٧ - استعماله المصطلحات البدعية، والألفاظ المجملة","level":4,"page":73},{"title":"٨ - اعتماده على غيره في تقريره لبعض المسائل العقدية، وتقليده لهم، دون تحققه من صحة كلامهم","level":4,"page":75},{"title":"٩ - تعصبه لمذهبه، وحصره الحق فيه","level":4,"page":76},{"title":"١٠ - عداؤه الشديد لمن خالفه، وخصومته له، وبخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة - ابن القيم - رحمهما الله - كما سيظهر في المبحث التالي.","level":4,"page":79},{"title":"المبحث الثالث موقف ابن حجر من شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم","level":3,"page":80},{"title":"الباب الأول آراؤه في الإيمان بالله","level":1,"page":94},{"title":"تمهيد في تعريف التوحيد وبيان أقسامه","level":2,"page":95},{"title":"أولا: تعريف التوحيد وبيان أقسامه عند أهل السنة والجماعة","level":3,"page":95},{"title":"ثانيا: تعريف التوحيد وبيان أقسامه عند ابن حجر","level":3,"page":96},{"title":"الفصل الأول آراؤه في توحيد الربوبية","level":2,"page":100},{"title":"تمهيد في تعريف توحيد الربوبية","level":3,"page":101},{"title":"المبحث الأول معرفة الله تعالى","level":3,"page":104},{"title":"أولا: حكم معرفة الله والطريق إليها","level":4,"page":104},{"title":"التقويم","level":5,"page":105},{"title":"ثانيا: دلائل معرفة الله تعالى","level":4,"page":113},{"title":"المبحث الثاني الفطرة","level":3,"page":118},{"title":"المبحث الثالث حكم إيمان المقلد","level":3,"page":124},{"title":"الفصل الثاني آراؤه في توحيد الألوهية","level":2,"page":132},{"title":"تمهيد في تعريف توحيد الألوهية","level":3,"page":133},{"title":"المبحث الأول معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وفضلها","level":3,"page":135},{"title":"أولا: معنى لا إله إلا الله","level":4,"page":135},{"title":"ثانيا: إعراب لا إله إلا الله","level":4,"page":137},{"title":"ثالثا: فضل لا إله إلا الله","level":4,"page":139},{"title":"المبحث الثاني معنى العبادة، وبيان بعض أنواعها","level":3,"page":145},{"title":"أولا: معنى العبادة","level":4,"page":145},{"title":"ثانيا: أنواع العبادة","level":4,"page":147},{"title":"ثالثا: موقفه من صرف العبادة لغير الله","level":4,"page":151},{"title":"المبحث الثالث موقفه مما ينافي توحيد الألوهية أو يقدح فيه","level":3,"page":161},{"title":"١ - الذبح لغير الله أو بغير اسمه","level":4,"page":161},{"title":"٢ - النذر لغير الله","level":4,"page":164},{"title":"٣ - السحر","level":4,"page":166},{"title":"٤ - الأوفاق","level":4,"page":172},{"title":"٥ - الكهانة والعرافة وما ألحق بهما","level":4,"page":174},{"title":"٦ - التنجيم","level":4,"page":179},{"title":"٧ - الرمل والخط","level":4,"page":183},{"title":"٨ - التمائم","level":4,"page":187},{"title":"٩ - الرقى","level":4,"page":191},{"title":"١٠ - الطيرة","level":4,"page":195},{"title":"١١ - الرياء","level":4,"page":197},{"title":"١٢ - اتخاذ القبور مساجد، والطواف بها، وإسراجها، والبناء فوقها، والكتابة عليها، والقراءة عندها","level":4,"page":201},{"title":"أ- اتخاذ القبور مساجد","level":5,"page":202},{"title":"ب- الطواف بالقبور","level":5,"page":204},{"title":"جـ - اتخاذ السرج على القبور","level":5,"page":205},{"title":"د- البناء على القبور","level":5,"page":208},{"title":"هـ - الكتابة على القبور","level":5,"page":211},{"title":"و- القراءة على القبور","level":5,"page":214},{"title":"١٣ - شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ-","level":4,"page":216},{"title":"الفصل الثالث آراؤه في توحيد الأسماء والصفات","level":2,"page":266},{"title":"[تمهيد]: في تعريف توحيد الأسماء والصفات","level":3,"page":267},{"title":"[المبحث الأول]: آراؤه في أسماء الله","level":3,"page":269},{"title":"أولا: الاسم والمسمى","level":4,"page":269},{"title":"ثانيا: أسماء الله هل هي توقيفية أم لا؟","level":4,"page":273},{"title":"ثالثا: عدد أسماء الله، وتعيين الاسم الأعظم منها","level":4,"page":277},{"title":"رابعا: شرحه لبعض أسماء الله الحسنى","level":4,"page":281},{"title":"المبحث الثاني آراؤه في صفات الله","level":3,"page":285},{"title":"أولا: آراؤه في الصفات إجمالا","level":4,"page":285},{"title":"الأول: الرد عليه في قوله بأن ظواهر نصوص الصفات غير مرادة","level":5,"page":287},{"title":"الثاني: الرد عليه في قوله بجواز التفويض والق ويل في نصوص الصفات","level":5,"page":290},{"title":"أولا: التأويل","level":6,"page":291},{"title":"ثانيا: التفويض","level":6,"page":295},{"title":"الثالث: الرد عليه في زعمه أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم","level":5,"page":297},{"title":"ثانيا: آراؤه في الصفات تفصيلا","level":4,"page":298},{"title":"* آراؤه في الصفات الذاتية","level":5,"page":298},{"title":"١ - صفة العلو","level":6,"page":298},{"title":"٢ - صفة اليمين لله تعالى","level":6,"page":307},{"title":"٣ - صفة الأصابع","level":6,"page":309},{"title":"٤ - صفة النور","level":6,"page":313},{"title":"٥ - صفة الصورة لله تعالى","level":6,"page":316},{"title":"* آراؤه في الصفات الفعلية","level":5,"page":322},{"title":"١ - صفة الكلام","level":6,"page":322},{"title":"أولا: الرد على قوله: إن كلام الله اسم مشترك بين الكلام النفسي القديم واللفظ الحادث","level":7,"page":325},{"title":"ثانيا: الرد على قوله: إن كلام الله بغير حرف ولا صوت","level":7,"page":330},{"title":"ثالثا: الرد على قوله: إن المراد بسماع كلام الله خلق فهمه في القلب وسمعه في الآذان، لا سماعه حقيقة","level":7,"page":333},{"title":"٢ - صفة النزول","level":6,"page":335},{"title":"النزول صفة فعلية ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.","level":7,"page":336},{"title":"٣ - صفة القرب","level":6,"page":342},{"title":"٤ - صفة المحبة","level":6,"page":344},{"title":"٥ - صفة الرحمة","level":6,"page":347},{"title":"٦ - صفة الغضب","level":6,"page":349},{"title":"الباب الثاني آراؤه في بقية أركان الإيمان","level":1,"page":352},{"title":"الفصل الأول آراؤه في الإيمان بالملائكة","level":2,"page":353},{"title":"تمهيد في تعريف الملائكة","level":3,"page":354},{"title":"المبحث الأول معنى الإيمان بالملائكة وما يتضمنه","level":3,"page":356},{"title":"أولا: رأيه في معنى الإيمان بالملائكة","level":4,"page":356},{"title":"ثانيا: رأيه فيما يتضمنه الإيمان بالملائكة تفصيلا","level":4,"page":357},{"title":"١ - وجودهم","level":5,"page":358},{"title":"٢ - خلقهم","level":5,"page":358},{"title":"٣ - عددهم","level":5,"page":361},{"title":"٤ - أعمالهم","level":5,"page":362},{"title":"٥ - موتهم","level":5,"page":364},{"title":"المبحث الثاني المفاضلة بين الملائكة، والمفاضلة بينهم وبين صالحي البشر","level":3,"page":366},{"title":"أولا: المفاضلة بين الملائكة","level":4,"page":366},{"title":"ثانيا: المفاضلة بين الملائكة وبين صالحي البشر","level":4,"page":368},{"title":"المبحث الثالث عصمة الملائكة","level":3,"page":372},{"title":"الفصل الثاني آراؤه في الإيمان بالكتب","level":2,"page":380},{"title":"تمهيد في تعريف الكتب","level":3,"page":381},{"title":"المبحث الأول معنى الإيمان بالكتب وما يتضمنه","level":3,"page":382},{"title":"المبحث الثاني نزول القرآن ومعناه","level":3,"page":385},{"title":"المبحث الثالث إعجاز القرآن","level":3,"page":393},{"title":"الفصل الثالث آراؤه في الإيمان بالرسل","level":2,"page":399},{"title":"تمهيد في تعريف النبي والرسول، والفرق بينهما","level":3,"page":400},{"title":"المبحث الأول آراؤه في الإيمان بالأنبياء والرسل عموما","level":3,"page":403},{"title":"أولا: معنى الإيمان بالرسل","level":4,"page":403},{"title":"ثانيا: المفاضلة بين الأنبياء","level":4,"page":404},{"title":"ثالثا: رأيه في نبوة من اختلف في نبوته","level":4,"page":409},{"title":"١ - الخضر","level":5,"page":410},{"title":"٢ - إخوة يوسف ﵇","level":5,"page":414},{"title":"٣ - إبراهيم ابن نبينا محمد -ﷺ-","level":5,"page":416},{"title":"٤ - لقمان","level":5,"page":420},{"title":"٥ - ذو القرنين","level":5,"page":422},{"title":"رابعا: عصمة الأنبياء","level":4,"page":423},{"title":"المبحث الثاني آراؤه في الإيمان بنبينا محمد -ﷺ-","level":3,"page":428},{"title":"أولا: معجزاته -ﷺ-","level":4,"page":428},{"title":"١ - تعريف المعجزة، وشروطها","level":5,"page":428},{"title":"٢ - ذكره لبعض معجزات النبي -ﷺ-","level":5,"page":433},{"title":"ثانيا: خصائصه -ﷺ-","level":4,"page":439},{"title":"١ - تعريف الخصائص، وأقسامها","level":5,"page":439},{"title":"٢ - ما ذكره من خصائصه -ﷺ-","level":5,"page":440},{"title":"القسم الأول: ما عده من خصائص نبينا -ﷺ- وهو ثابت","level":6,"page":440},{"title":"القسم الثاني: ما عده من خصائص نبينا -ﷺ- وهو غير ثابت","level":6,"page":442},{"title":"١ - اختصاصه -ﷺ- بأنه أول النبيين في الخلق والنبوة","level":6,"page":443},{"title":"٢ - اختصاصه - ﷺ - بأئه خلق من نور","level":6,"page":446},{"title":"٣ - اختصاصه - ﷺ - بأنه المقصود من الخلق، والممد لها، وخليفة الله فيها","level":6,"page":450},{"title":"٤ - اختصاصه - ﷺ - بإحياء أبويه وإيمانهما به","level":6,"page":453},{"title":"٥ - اختصاصه - ﷺ - بجواز رؤيته يقظة بعد وفاته","level":6,"page":458},{"title":"ثالثا: حكم سبه - ﷺ -.","level":4,"page":461},{"title":"المبحث الثالث آراؤه في كرامات الأولياء","level":3,"page":464},{"title":"أولا: تعريف كرامات الأولياء","level":4,"page":464},{"title":"ثانيا: الفرق بين الكرامة والمعجزة وخوارق السحر","level":4,"page":465},{"title":"ثالثا: جواز الكرامة ووقوعها، والرد على من خالف ذلك","level":4,"page":468},{"title":"الفصل الرابع آراؤه في الإيمان باليوم الآخر","level":2,"page":471},{"title":"تمهيد في تعريف اليوم الآخر","level":3,"page":472},{"title":"المبحث الأول آراؤه في الحياة البرزخية","level":3,"page":474},{"title":"أولا: فتنة القبر","level":4,"page":474},{"title":"١ - عموم فتنة القبر، وبيان من يستثنى منها","level":5,"page":474},{"title":"الأول: من لم يكلف كالأطفال","level":6,"page":477},{"title":"الثاني: الشهيد","level":6,"page":477},{"title":"الثالث: المرابط","level":6,"page":478},{"title":"الرابع: الصديق","level":6,"page":478},{"title":"الخامس: النبي","level":6,"page":478},{"title":"السادس: الملك","level":6,"page":479},{"title":"السابع: من مات ليلة الجمعة أو يومها","level":6,"page":479},{"title":"الثامن: من قرأ سورة الملك كل ليلة","level":6,"page":479},{"title":"التاسع: الكافر","level":6,"page":480},{"title":"٢ - اختصاص هذه الأمة بفتنة القبر","level":5,"page":480},{"title":"٣ - عدد الملائكة الموكلين بالسؤال، وأسماؤهم، وصفاتهم، ولغتهم","level":5,"page":482},{"title":"ثانيا: عذاب القبر ونعيمه","level":4,"page":485},{"title":"١ - وجوب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه","level":5,"page":485},{"title":"٢ - وقوع عذاب القبر ونعيمه على الروح والجسد","level":5,"page":487},{"title":"ثالثا: حقيقة الروح","level":4,"page":488},{"title":"المبحث الثاني آراؤه في أشراط الساعة","level":3,"page":491},{"title":"أولا: تعريف أشراط الساعة","level":4,"page":491},{"title":"ثانيا: أشراط الساعة الصغرى","level":4,"page":493},{"title":"١ - ظهور المهدي","level":5,"page":493},{"title":"٢ - خراب الكعبة","level":5,"page":497},{"title":"٣ - نفي المدينة شرارها","level":5,"page":499},{"title":"ثالثا: أشراط الساعة الكبرى","level":4,"page":501},{"title":"١ - خروج الدجال","level":5,"page":501},{"title":"٢ - نزول عيسى ﵇","level":5,"page":505},{"title":"٣ - خروج يأجوج ومأجوج","level":5,"page":508},{"title":"٤ - طلوع الشمس من مغربها","level":5,"page":513},{"title":"٥ - خروج الدابة","level":5,"page":517},{"title":"المبحث الثالث آراؤه في الحياة الآخرة","level":3,"page":520},{"title":"أولا: البعث","level":4,"page":520},{"title":"ثانيا: الشفاعة","level":4,"page":526},{"title":"ثالثا: الصراط","level":4,"page":530},{"title":"رابعا: الميزان","level":4,"page":532},{"title":"خامسا: الرؤية","level":4,"page":538},{"title":"١ - رؤية الله تعالى في الدنيا","level":5,"page":538},{"title":"٢ - رؤية النبي - ﷺ - لله ﷿ ليلة المعراج","level":5,"page":542},{"title":"٣ - رؤية الله تعالى في الموقف","level":5,"page":548},{"title":"٤ - رؤية الله تعالى في الجنة","level":5,"page":550},{"title":"سادسا: الجنة والنار","level":4,"page":555},{"title":"١ - خلق الجنة والنار ووجودهما الآن","level":5,"page":555},{"title":"٢ - دوام الجنة والنار","level":5,"page":557},{"title":"الفصل الخامس آراؤه في القضاء والقدر","level":2,"page":562},{"title":"تمهيد في تعريف القضاء والقدر والفرق بينهما","level":3,"page":563},{"title":"المبحث الأول معنى الإيمان بالقضاء والقدر وما يتضمنه","level":3,"page":566},{"title":"أولا: معنى الإيمان بالقضاء والقدر وما يتضمنه","level":4,"page":566},{"title":"ثانيا: بيانه لبعض الأمور التي لا تنافي الإيمان بالقضاء والقدر","level":4,"page":568},{"title":"١ - القضاء بالمعاصي","level":5,"page":568},{"title":"الأولى: من حيث الرضا به","level":6,"page":568},{"title":"الثانية: من حيث الاحتجاج به عليها","level":6,"page":571},{"title":"٢ - رد القضاء بالدعاء","level":5,"page":573},{"title":"٣ - زيادة العمر بالبر والصلة","level":5,"page":576},{"title":"المبحث الثاني آراؤه في أفعال العباد، والهدى والضلال، وتنزيه الله عن الظلم","level":3,"page":579},{"title":"أولا: أفعال العباد","level":4,"page":579},{"title":"ثانيا: الهدى والضلال","level":4,"page":584},{"title":"ثالثا: تنزيه الله عن الظلم","level":4,"page":587},{"title":"المبحث الثالث آراؤه في التحسين والتقبيح، والحكمة والتعليل في أفعال الله، وتكليف ما لا يطاق","level":3,"page":592},{"title":"أولا: التحسين والتقبيح","level":4,"page":592},{"title":"ثانيا: الحكمة والتعليل في أفعال الله","level":4,"page":597},{"title":"ثالثا: تكليف ما لا يطاق","level":4,"page":600},{"title":"الباب الثالث آراؤه في الصحابة، والإمامة، ومسائل الأسماء والأحكام","level":1,"page":605},{"title":"الفصل الأول آراؤه في الصحابة والإمامة","level":2,"page":606},{"title":"المبحث الأول آراؤه في الصحابة","level":3,"page":607},{"title":"أولا: تعريف الصحابة","level":4,"page":607},{"title":"ثانيا: فضل الصحابة","level":4,"page":609},{"title":"ثالثا: المفاضلة بين الصحابة","level":4,"page":612},{"title":"رابعا: المفاضلة بين الصحابة وبين من بعدهم","level":4,"page":616},{"title":"خامسا: عدالة الصحابة","level":4,"page":619},{"title":"سادسا: وجوب الإمساك عما شجر بين الصحابة","level":4,"page":622},{"title":"سابعا: حكم سب الصحابة","level":4,"page":625},{"title":"المبحث الثاني آراؤه في الإمامة","level":3,"page":629},{"title":"أولا: تعريف الإمامة","level":4,"page":629},{"title":"ثانيا: حكم الإمامة","level":4,"page":630},{"title":"ثالثا: طرق انعقاد الإمامة","level":4,"page":634},{"title":"رابعا: الواجب نحو الأئمة","level":4,"page":636},{"title":"١ - النصيحة لهم","level":5,"page":636},{"title":"٢ - السمع والطاعة لهم","level":5,"page":638},{"title":"٣ - عدم الخروج عليهم","level":5,"page":639},{"title":"خامسا: إثبات إمامة الخلفاء الراشدين","level":4,"page":642},{"title":"الفصل الثاني آراؤه في مسائل الأسماء والأحكام","level":2,"page":645},{"title":"تمهيد في تعريف مسائل الأسماء والأحكام، وبيان أهميتها","level":3,"page":646},{"title":"المبحث الأول آراؤه في مسائل الإيمان","level":3,"page":648},{"title":"أولا: تعريف الإيمان","level":4,"page":648},{"title":"ثانيا: زيادة الإيمان ونقصانه","level":4,"page":654},{"title":"ثالثا: حكم الاستثناء في الإيمان","level":4,"page":657},{"title":"رابعا: هل الإيمان مخلوق أم لا؟","level":4,"page":661},{"title":"خامسا: الفرق بين الإيمان والإسلام","level":4,"page":664},{"title":"سادسا: تعريف الكبيرة، وحكم مرتكبها","level":4,"page":668},{"title":"١ - تعريف الكبيرة","level":5,"page":668},{"title":"٢ - حكم مرتكب الكبيرة","level":5,"page":671},{"title":"المبحث الثاني آراؤه في مسائل الكفر والتكفير","level":3,"page":674},{"title":"أولا: تعريف الكفر","level":4,"page":674},{"title":"ثانيا: التحذير من التكفير بغير حق، وضرورة الاحتياط في الحكم به","level":4,"page":677},{"title":"ثالثا: موانع التكفير","level":4,"page":680},{"title":"رابعا: اعتبار المقاصد في التكفير","level":4,"page":684},{"title":"خامسا: اعتبار اللازم في التكفير","level":4,"page":687},{"title":"المبحث الثالث آراؤه في مسائل البدعة","level":3,"page":689},{"title":"أولا: تعريف البدعة","level":4,"page":689},{"title":"ثانيا: أقسام البدعة","level":4,"page":691},{"title":"ثالثا: حكم البدعة","level":4,"page":696},{"title":"رابعا: موقفه من بعض البدع المنتشرة في عصره","level":4,"page":699},{"title":"١ - الاحتفال بالمولد النبوي","level":5,"page":699},{"title":"٢ - السماع","level":5,"page":706},{"title":"٣ - صلاة الرغائب","level":5,"page":710},{"title":"٤ - الصلاة الألفية ليلة النصف من شعبان","level":5,"page":714},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":716},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":721}],"ٛ":{"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,19":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,22":20,"1,23":21,"1,24":22,"1,25":23,"1,26":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,38":36,"1,39":37,"1,40":38,"1,41":39,"1,42":40,"1,43":41,"1,44":42,"1,45":43,"1,46":44,"1,47":45,"1,48":46,"1,49":47,"1,50":48,"1,51":49,"1,52":50,"1,53":51,"1,54":52,"1,55":53,"1,56":54,"1,57":55,"1,58":56,"1,59":57,"1,60":58,"1,61":59,"1,62":60,"1,63":61,"1,64":62,"1,65":63,"1,66":64,"1,67":65,"1,68":66,"1,69":67,"1,70":68,"1,71":69,"1,72":70,"1,73":71,"1,74":72,"1,75":73,"1,76":74,"1,77":75,"1,78":76,"1,79":77,"1,80":78,"1,81":79,"1,82":80,"1,83":81,"1,84":82,"1,85":83,"1,86":84,"1,87":85,"1,88":86,"1,89":87,"1,90":88,"1,91":89,"1,92":90,"1,93":91,"1,94":92,"1,95":93,"1,97":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,105":100,"1,106":101,"1,107":102,"1,108":103,"1,109":104,"1,110":105,"1,111":106,"1,112":107,"1,113":108,"1,114":109,"1,115":110,"1,116":111,"1,117":112,"1,118":113,"1,119":114,"1,120":115,"1,121":116,"1,122":117,"1,123":118,"1,124":119,"1,125":120,"1,126":121,"1,127":122,"1,128":123,"1,129":124,"1,130":125,"1,131":126,"1,132":127,"1,133":128,"1,134":129,"1,135":130,"1,136":131,"1,137":132,"1,138":133,"1,139":134,"1,140":135,"1,141":136,"1,142":137,"1,143":138,"1,144":139,"1,145":140,"1,146":141,"1,147":142,"1,148":143,"1,149":144,"1,150":145,"1,151":146,"1,152":147,"1,153":148,"1,154":149,"1,155":150,"1,156":151,"1,157":152,"1,158":153,"1,159":154,"1,160":155,"1,161":156,"1,162":157,"1,163":158,"1,164":159,"1,165":160,"1,166":161,"1,167":162,"1,168":163,"1,169":164,"1,170":165,"1,171":166,"1,172":167,"1,173":168,"1,174":169,"1,175":170,"1,176":171,"1,177":172,"1,178":173,"1,179":174,"1,180":175,"1,181":176,"1,182":177,"1,183":178,"1,184":179,"1,185":180,"1,186":181,"1,187":182,"1,188":183,"1,189":184,"1,190":185,"1,191":186,"1,192":187,"1,193":188,"1,194":189,"1,195":190,"1,196":191,"1,197":192,"1,198":193,"1,199":194,"1,200":195,"1,201":196,"1,202":197,"1,203":198,"1,204":199,"1,205":200,"1,206":201,"1,207":202,"1,208":203,"1,209":204,"1,210":205,"1,211":206,"1,212":207,"1,213":208,"1,214":209,"1,215":210,"1,216":211,"1,217":212,"1,218":213,"1,219":214,"1,220":215,"1,221":216,"1,222":217,"1,223":218,"1,224":219,"1,225":220,"1,226":221,"1,227":222,"1,228":223,"1,229":224,"1,230":225,"1,231":226,"1,232":227,"1,233":228,"1,234":229,"1,235":230,"1,236":231,"1,237":232,"1,238":233,"1,239":234,"1,240":235,"1,241":236,"1,242":237,"1,243":238,"1,244":239,"1,245":240,"1,246":241,"1,247":242,"1,248":243,"1,249":244,"1,250":245,"1,251":246,"1,252":247,"1,253":248,"1,254":249,"1,255":250,"1,256":251,"1,257":252,"1,258":253,"1,259":254,"1,260":255,"1,261":256,"1,262":257,"1,263":258,"1,264":259,"1,265":260,"1,266":261,"1,267":262,"1,268":263,"1,269":264,"1,270":265,"1,271":266,"1,272":267,"1,273":268,"1,274":269,"1,275":270,"1,276":271,"1,277":272,"1,278":273,"1,279":274,"1,280":275,"1,281":276,"1,282":277,"1,283":278,"1,284":279,"1,285":280,"1,286":281,"1,287":282,"1,288":283,"1,289":284,"1,290":285,"1,291":286,"1,292":287,"1,293":288,"1,294":289,"1,295":290,"1,296":291,"1,297":292,"1,298":293,"1,299":294,"1,300":295,"1,301":296,"1,302":297,"1,303":298,"1,304":299,"1,305":300,"1,306":301,"1,307":302,"1,308":303,"1,309":304,"1,310":305,"1,311":306,"1,312":307,"1,313":308,"1,314":309,"1,315":310,"1,316":311,"1,317":312,"1,318":313,"1,319":314,"1,320":315,"1,321":316,"1,322":317,"1,323":318,"1,324":319,"1,325":320,"1,326":321,"1,327":322,"1,328":323,"1,329":324,"1,330":325,"1,331":326,"1,332":327,"1,333":328,"1,334":329,"1,335":330,"1,336":331,"1,337":332,"1,338":333,"1,339":334,"1,340":335,"1,341":336,"1,342":337,"1,343":338,"1,344":339,"1,345":340,"1,346":341,"1,347":342,"1,348":343,"1,349":344,"1,350":345,"1,351":346,"1,352":347,"1,353":348,"1,354":349,"1,355":350,"1,356":351,"1,357":352,"1,359":353,"1,360":354,"1,361":355,"1,362":356,"1,363":357,"1,364":358,"1,365":359,"1,366":360,"1,367":361,"1,368":362,"1,369":363,"1,370":364,"1,371":365,"1,372":366,"1,373":367,"1,374":368,"1,375":369,"1,376":370,"1,377":371,"1,378":372,"1,379":373,"1,380":374,"1,381":375,"1,382":376,"1,383":377,"1,384":378,"1,385":379,"1,387":380,"1,388":381,"1,389":382,"1,390":383,"1,391":384,"1,392":385,"1,393":386,"1,394":387,"1,395":388,"1,396":389,"1,397":390,"1,398":391,"1,399":392,"1,400":393,"1,401":394,"1,402":395,"1,403":396,"1,404":397,"1,405":398,"1,407":399,"1,408":400,"1,409":401,"1,410":402,"1,411":403,"1,412":404,"1,413":405,"1,414":406,"1,415":407,"1,416":408,"1,417":409,"1,418":410,"1,419":411,"1,420":412,"1,421":413,"1,422":414,"1,423":415,"1,424":416,"1,425":417,"1,426":418,"1,427":419,"1,428":420,"1,429":421,"1,430":422,"1,431":423,"1,432":424,"1,433":425,"1,434":426,"1,435":427,"1,436":428,"1,437":429,"1,438":430,"1,439":431,"1,440":432,"1,441":433,"1,442":434,"1,443":435,"1,444":436,"1,445":437,"1,446":438,"1,447":439,"1,448":440,"1,449":441,"1,450":442,"1,451":443,"1,452":444,"1,453":445,"1,454":446,"1,455":447,"1,456":448,"1,457":449,"1,458":450,"1,459":451,"1,460":452,"1,461":453,"1,462":454,"1,463":455,"1,464":456,"1,465":457,"1,466":458,"1,467":459,"1,468":460,"1,469":461,"1,470":462,"1,471":463,"1,472":464,"1,473":465,"1,474":466,"1,475":467,"1,476":468,"1,477":469,"1,478":470,"1,479":471,"1,480":472,"1,481":473,"1,482":474,"1,483":475,"1,484":476,"1,485":477,"1,486":478,"1,487":479,"1,488":480,"1,489":481,"1,490":482,"1,491":483,"1,492":484,"1,493":485,"1,494":486,"1,495":487,"1,496":488,"1,497":489,"1,498":490,"1,499":491,"1,500":492,"1,501":493,"1,502":494,"1,503":495,"1,504":496,"1,505":497,"1,506":498,"1,507":499,"1,508":500,"1,509":501,"1,510":502,"1,511":503,"1,512":504,"1,513":505,"1,514":506,"1,515":507,"1,516":508,"1,517":509,"1,518":510,"1,519":511,"1,520":512,"1,521":513,"1,522":514,"1,523":515,"1,524":516,"1,525":517,"1,526":518,"1,527":519,"1,528":520,"1,529":521,"1,530":522,"1,531":523,"1,532":524,"1,533":525,"1,534":526,"1,535":527,"1,536":528,"1,537":529,"1,538":530,"1,539":531,"1,540":532,"1,541":533,"1,542":534,"1,543":535,"1,544":536,"1,545":537,"1,546":538,"1,547":539,"1,548":540,"1,549":541,"1,550":542,"1,551":543,"1,552":544,"1,553":545,"1,554":546,"1,555":547,"1,556":548,"1,557":549,"1,558":550,"1,559":551,"1,560":552,"1,561":553,"1,562":554,"1,563":555,"1,564":556,"1,565":557,"1,566":558,"1,567":559,"1,568":560,"1,569":561,"1,571":562,"1,572":563,"1,573":564,"1,574":565,"1,575":566,"1,576":567,"1,577":568,"1,578":569,"1,579":570,"1,580":571,"1,581":572,"1,582":573,"1,583":574,"1,584":575,"1,585":576,"1,586":577,"1,587":578,"1,588":579,"1,589":580,"1,590":581,"1,591":582,"1,592":583,"1,593":584,"1,594":585,"1,595":586,"1,596":587,"1,597":588,"1,598":589,"1,599":590,"1,600":591,"1,601":592,"1,602":593,"1,603":594,"1,604":595,"1,605":596,"1,606":597,"1,607":598,"1,608":599,"1,609":600,"1,610":601,"1,611":602,"1,612":603,"1,613":604,"1,615":605,"1,617":606,"1,618":607,"1,619":608,"1,620":609,"1,621":610,"1,622":611,"1,623":612,"1,624":613,"1,625":614,"1,626":615,"1,627":616,"1,628":617,"1,629":618,"1,630":619,"1,631":620,"1,632":621,"1,633":622,"1,634":623,"1,635":624,"1,636":625,"1,637":626,"1,638":627,"1,639":628,"1,640":629,"1,641":630,"1,642":631,"1,643":632,"1,644":633,"1,645":634,"1,646":635,"1,647":636,"1,648":637,"1,649":638,"1,650":639,"1,651":640,"1,652":641,"1,653":642,"1,654":643,"1,655":644,"1,657":645,"1,658":646,"1,659":647,"1,660":648,"1,661":649,"1,662":650,"1,663":651,"1,664":652,"1,665":653,"1,666":654,"1,667":655,"1,668":656,"1,669":657,"1,670":658,"1,671":659,"1,672":660,"1,673":661,"1,674":662,"1,675":663,"1,676":664,"1,677":665,"1,678":666,"1,679":667,"1,680":668,"1,681":669,"1,682":670,"1,683":671,"1,684":672,"1,685":673,"1,686":674,"1,687":675,"1,688":676,"1,689":677,"1,690":678,"1,691":679,"1,692":680,"1,693":681,"1,694":682,"1,695":683,"1,696":684,"1,697":685,"1,698":686,"1,699":687,"1,700":688,"1,701":689,"1,702":690,"1,703":691,"1,704":692,"1,705":693,"1,706":694,"1,707":695,"1,708":696,"1,709":697,"1,710":698,"1,711":699,"1,712":700,"1,713":701,"1,714":702,"1,715":703,"1,716":704,"1,717":705,"1,718":706,"1,719":707,"1,720":708,"1,721":709,"1,722":710,"1,723":711,"1,724":712,"1,725":713,"1,726":714,"1,727":715,"1,728":716,"1,729":717,"1,730":718,"1,731":719,"1,732":720,"1,761":721,"1,762":722,"1,763":723,"1,764":724,"1,765":725,"1,766":726,"1,767":727,"1,768":728,"1,769":729,"1,770":730,"1,771":731,"1,772":732,"1,773":733,"1,774":734,"1,775":735,"1,776":736,"1,777":737,"1,778":738,"1,779":739,"1,780":740,"1,781":741,"1,782":742,"1,783":743,"1,784":744,"1,785":745,"1,786":746,"1,787":747,"1,788":748,"1,789":749,"1,790":750,"1,791":751,"1,792":752,"1,793":753,"1,794":754,"1,795":755,"1,796":756,"1,797":757,"1,798":758,"1,799":759,"1,800":760,"1,801":761,"1,802":762,"1,803":763,"1,804":764,"1,805":765,"1,806":766,"1,807":767,"1,808":768,"1,809":769,"1,810":770,"1,811":771,"1,812":772,"1,813":773,"1,814":774,"1,815":775},"ٜ":{"1":[2,815]},"ٝ":[null,"1,2","1,3","1,4","1,5","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,97","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,615","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729","1,730","1,731","1,732","1,761","1,762","1,763","1,764","1,765","1,766","1,767","1,768","1,769","1,770","1,771","1,772","1,773","1,774","1,775","1,776","1,777","1,778","1,779","1,780","1,781","1,782","1,783","1,784","1,785","1,786","1,787","1,788","1,789","1,790","1,791","1,792","1,793","1,794","1,795","1,796","1,797","1,798","1,799","1,800","1,801","1,802","1,803","1,804","1,805","1,806","1,807","1,808","1,809","1,810","1,811","1,812","1,813","1,814","1,815"],"ٞ":{"5":[1],"7":[2],"8":[3],"9":[4],"13":[5,6,7],"14":[8],"16":[9],"17":[10,11,12],"20":[13],"22":[14],"23":[15],"26":[16,17,18],"28":[19,20],"29":[21,22],"30":[23],"31":[24],"32":[25],"33":[26,27],"36":[28],"39":[29],"52":[30],"55":[31],"57":[32,33,34],"59":[35],"62":[36,37],"64":[38,39],"67":[40],"68":[41],"69":[42],"70":[43],"72":[44],"73":[45],"75":[46],"76":[47],"79":[48],"80":[49],"94":[50],"95":[51,52],"96":[53],"100":[54],"101":[55],"104":[56,57],"105":[58],"113":[59],"118":[60],"124":[61],"132":[62],"133":[63],"135":[64,65],"137":[66],"139":[67],"145":[68,69],"147":[70],"151":[71],"161":[72,73],"164":[74],"166":[75],"172":[76],"174":[77],"179":[78],"183":[79],"187":[80],"191":[81],"195":[82],"197":[83],"201":[84],"202":[85],"204":[86],"205":[87],"208":[88],"211":[89],"214":[90],"216":[91],"266":[92],"267":[93],"269":[94,95],"273":[96],"277":[97],"281":[98],"285":[99,100],"287":[101],"290":[102],"291":[103],"295":[104],"297":[105],"298":[106,107,108],"307":[109],"309":[110],"313":[111],"316":[112],"322":[113,114],"325":[115],"330":[116],"333":[117],"335":[118],"336":[119],"342":[120],"344":[121],"347":[122],"349":[123],"352":[124],"353":[125],"354":[126],"356":[127,128],"357":[129],"358":[130,131],"361":[132],"362":[133],"364":[134],"366":[135,136],"368":[137],"372":[138],"380":[139],"381":[140],"382":[141],"385":[142],"393":[143],"399":[144],"400":[145],"403":[146,147],"404":[148],"409":[149],"410":[150],"414":[151],"416":[152],"420":[153],"422":[154],"423":[155],"428":[156,157,158],"433":[159],"439":[160,161],"440":[162,163],"442":[164],"443":[165],"446":[166],"450":[167],"453":[168],"458":[169],"461":[170],"464":[171,172],"465":[173],"468":[174],"471":[175],"472":[176],"474":[177,178,179],"477":[180,181],"478":[182,183,184],"479":[185,186,187],"480":[188,189],"482":[190],"485":[191,192],"487":[193],"488":[194],"491":[195,196],"493":[197,198],"497":[199],"499":[200],"501":[201,202],"505":[203],"508":[204],"513":[205],"517":[206],"520":[207,208],"526":[209],"530":[210],"532":[211],"538":[212,213],"542":[214],"548":[215],"550":[216],"555":[217,218],"557":[219],"562":[220],"563":[221],"566":[222,223],"568":[224,225,226],"571":[227],"573":[228],"576":[229],"579":[230,231],"584":[232],"587":[233],"592":[234,235],"597":[236],"600":[237],"605":[238],"606":[239],"607":[240,241],"609":[242],"612":[243],"616":[244],"619":[245],"622":[246],"625":[247],"629":[248,249],"630":[250],"634":[251],"636":[252,253],"638":[254],"639":[255],"642":[256],"645":[257],"646":[258],"648":[259,260],"654":[261],"657":[262],"661":[263],"664":[264],"668":[265,266],"671":[267],"674":[268,269],"677":[270],"680":[271],"684":[272],"687":[273],"689":[274,275],"691":[276],"696":[277],"699":[278,279],"706":[280],"710":[281],"714":[282],"716":[283],"721":[284]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"سلسلة منشورات دار المنهاج للنشر والتوزيع (٢٧)\nآرَاءُ ابْن حَجَر الهَيْتَمِي الاعتقادية\nعَرْضٌ وَتَقْويم فِي ضَوْءِ عَقِيدَةِ السَّلَف\nتَأْلِيف\nمُحَمَّد بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ الشَّايع\nمكتبة دار المنهاج، للنشر والتوزيع","vol":"1","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nأصل هذا الكتاب رسالة ماجستير تقدم بها الباحث إلى قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وقد أُجيزت الرسالة بتقدير ممتاز مع التوصية بطباعتها وتداولها بين الجامعات","vol":"1","page":2},{"text":"آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية","vol":"1","page":3},{"text":"ح مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، ١٤٢٧ هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالشايع، محمد بن عبد العزيز بن محمد\nآراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية عرض وتقويم في ضوء عقيدة السلف. محمد بن عبد العزيز بن محمد الشايع.-\nالرياض، ١٤٢٧ هـ\n٨٢٤ ص؛ ١٧ × ٢٤ سم.- (منشورات مكتبة دار المنهاج؛ ٢٧)\nردمك: ٤ - ٩ - ٩٦٦١ - ٩٩٦٠\n١ - العقيدة الإسلامية أ- العنوان ب- السلسلة\nديوي ٢٤٠\n٤١٠٤/ ١٤٢٧\nجميع حقوق الطبع محفوظة لدار المنهاج بالرياض\nالطبعة الأولى\n١٤٢٧ هـ\nحقوق الطبع محفوظة ١٤٢٧ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.\nمكتبة دار المنهاج\nللنشر والتوزيع\nالمملكة العربية السعودية - الرياض\nالمركزي الرئيسي -طريق الملك فهد- شمال الجوازات\nهاتف ٤٠٦٥٥٥٣ - فاكس ٤٠٨٣٦٩٨ - ص ب ٥١٩٢ الرياض ١١٥٥٣\nالفروع: طريق خالد بن الوليد (إنكاس سابقًا) ت ٢٣٢٢٠٩٥\nطريق الأمير سعد بن عبد الرحمن (مخرج ١٥) ت ٤٤٥٦٢٢٩\nالمدينة النبوية -طريق سلطانة ت ٨٤٦٧٩٩٩/ ٠٤\nمكة المكرمة- الشاميّة- ت ٥٧٣٠٩٨٠/ ٠٢","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nوتشتمل على:\nأ- أهمية الموضوع، وأسباب اختياره.\nب- الدراسات السابقة.\nج- خطة البحث.\nد- منهج البحث.","vol":"1","page":5},{"text":"المقدمة\nإن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].\nأما بعد:\nفإن أحسن الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد -ﷺ-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة (^١).\n_________\n(^١) هذه خطبة الحاجة التي كان رسول الله -ﷺ- يعلمها أصحابه، وقد أخرج حديثها أبو داود في كتاب النكاح، باب خطبة النكاح (٢/ ٥٩١) برقم (٢١١٨)، والترمذي في كتاب النكاح، باب ما جاء في خطبة النكاح (٣/ ٤١٣) برقم (١١٠٥)، والنسائي في كتاب النكاح، باب ما يستحب من الكلام عند النكاح (٦/ ٨٩) برقم (٣٢٧٧)، وابن ماجه في كتاب النكاح، باب في خطبة النكاح (١/ ٦٠٩) برقم (١٨٩٢)، وأحمد (٦/ ٢٦٤) برقم (٣٧٢١) من طرق عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص وأبي عُبيدة، عن عبد الله بن مسعود -﵁-.=","vol":"1","page":7},{"text":"وبعد: فإن علم التوحيد أشرف العلوم وأفضلها، وأرفعها مكانة وأجلها؛ إذ شرف العلم بشرف المعلوم، ولا أشرف من توحيد الله تعالى ومعرفة ما يجب له من الأسماء الحسنى والصفات العلى، وإدراك حقوقه تعالى على عباده، والالتزام بذلك علمًا وعملًا، فإن العبد كلما كان بهذا أعرف وله أتبع كان إلى ربه أقرب، وبهذا تنال النجاة والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة.\nولما كان من فضل الله عليّ أن جعلني أحد طلاب الدراسات العليا بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة لمرحلة الماجستير؛ اخترت الكتابة في موضوع \"آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية، عرض وتقويم في ضوء عقيدة السلف\"، بعد استخارة الله تعالى، واستشارة مشايخي الفضلاء الذين أشاروا علي بتسجيله والكتابة فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>أسباب اختيار الموضوع:</span>\nومما دفعني لاختيار هذا الموضوع ورغبني فيه، ما يلي:\n١ - أهمية دراسة الأعلام المشهورين وآرائهم الاعتقادية، وعظم الفائدة المرجوة من ذلك؛ فإن البحث في آراء هؤلاء الأعلام يفيد الباحث من حيث قراءته الكتب الكثيرة في الفنون المختلفة، ودراسته لأغلب مسائل العقيدة من جهة، ويفيد الباحثين من حيث جمع آراء هؤلاء الأعلام الاعتقادية المتناثرة في كتبهم وتمحيصها من جهة أخرى.\n٢ - أهمية دراسة آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية على الخصوص ويتجلى ذلك في أمور:\n_________\n= قال الترمذي: \"حديث عبد الله حديث حسن رواه الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي -ﷺ-، ورواه شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، عن النبي -ﷺ-، وكلا الحديثين صحيح\".\nوقد توسع الشيخ الألباني -﵀- في تخريجه وجمع طرقه في رسالة له مفردة بعنوان: \"خطبة الحاجة\"، وخلص فيها إلى الحكم بصحته.","vol":"1","page":8},{"text":"أ- مكانته العلمية فهو من كبار أعلام الشافعية المتأخرين وأحد المحققين لمذهبهم وله اليد الطولى في تأليف كثير من الكتب التي لا تزال معتمدة عندهم، وأقواله تحظى بالقبول لديهم ولدى غيرهم من أتباع المذاهب الأخرى.\nب- كثرة مصنفاته وتنوع فنونها، حيث أربت على المائة والعشرين؛ طبع منها نحو الخمسين والباقي ما بين مخطوط ومفقود، وقد ملأها بكثير من آرائه الاعتقادية التي خالف فيها منهج السلف؛ مما يحتم بيانها والتحذير منها، ومناقشته فيها.\nج- أنه يعتبر من الأشاعرة المتأخرين الذين يجمعون بين التمشعر والتصوف في آن واحد؛ ولهذا فإن دراسة آرائه تعني الرد على الأشاعرة والصوفية، وتمييز ما أدخله من آراء المتصوفة على عقائد الأشاعرة.\nد- أنه يعد من حاملي لواء بعض البدع العملية وداعيًا إليها كالتوسل الممنوع، وشد الرحال إلى القبور، والاحتفال بالمولد النبوي وغيرها؛ مما جعله مرجعًا للقبورية والمتصوفة المتأخرين.\nهـ- أنه على جلالته العلمية إلا أنه كان له موقف معاد لبعض أئمة السلف كشيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم، فقد أكثر من الطعن فيهما والتقول عليهما، فلعل في هذا البحث دفاعًا عن هؤلاء الأعلام وانتصارًا لهم.\n٣ - أن هذا الموضوع لم يتناوله أحد بالبحث -حسب علمي-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>الدراسات السّابقة:</span>\nلم يتناول أحد بالبحث -حسب علمي- آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية على وجه التفصيل، ولكن هناك دراسات تخدم البحث يمكن تقسيمها إلى قسمين:\nالقسم الأول: دراسات تتعلق بالمسائل التي اختلف فيها ابن حجر مع شيخ الإسلام ابن تيمية سواء كانت عقدية أو فقهية:\nوالكتاب الوحيد في ذلك \"جلاء العينين في محاكمة الأحمدين\" تأليف السيد نعمان خير الدين الشهير بابن الألوسي البغدادي.","vol":"1","page":9},{"text":"وأصل الكتاب هو رد على إحدى فتاوى ابن حجر الهيتمي المضمنة فتاواه الحديثية، سئل فيها عن شيخ الإسلام ابن تيمية، فأجاب فيها بأنه مبتدع ضال، وجاهل غال، ثم ذكر بعض المسائل التي انتقدها على شيخ الإسلام ابن تيمية سواء أكانت مسائل فقهية أو مسائل عقدية، وهذه المسائل منها ما يقول به شيخ الإسلام ومنها ما هو مفترى عليه.\nوالكتاب إنما هو في الرد على ابن حجر في اتهامه لشيخ الإسلام ابن تيمية، وليس في دراسة آراء ابن حجر الاعتقادية، وفرق بين الأمرين.\nالقسم الثاني: دراسات مختصرة عن عقيدة ابن حجر الهيتمي قام بها بعض الباحثين استكمالًا لعناصر ترجمته في مقدمات تحقيقاتهم لبعض كتبه.\nويلحظ على هذه الدراسات جميعًا كونها لم تف بكافة جوانب البحث، وذلك لِمَا يلي:\n١ - أن دراساتهم دراسات موجزة تناسب الغرض الذي سيقت من أجله، ولهذا فإن أكثرهم تفصيلًا لم يُسطّر فيها أكثر من عشر صفحات.\n٢ - أن دراساتهم كانت في بيان عقيدة ابن حجر لا في دراسة آرائه الاعتقادية، وفرق بين الأمرين.\n٣ - أن دراساتهم كانت مجملة، لم تعتمد على استقراء كلامه وتقصي آرائه فهي في مجملها تقرر أشعريته وتصوفه، وتدعم ذلك ببعض الأمثلة فقط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>خطة البحث:</span>\nاقتضت طبيعة البحث تقسيمه إلى مقدمة، وتمهيد، وثلاثة أبواب، وخاتمة:\nالمقدمة: وتشتمل على:\nأ- أهمية الموضوع، وأسباب اختياره.\nب- الدراسات السابقة.\nج- خطة البحث.\nد- منهج البحث.","vol":"1","page":10},{"text":"التمهيد في ترجمة ابن حجر الهيتمي، وبيان مصادره ومنهجه في تقرير العقيدة، وموقفه من شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم:\nوفيه ثلانة مباحث:\nالمبحث الأول: ترجمة ابن حجر الهيتمي.\nالمبحث الثاني: مصادر ابن حجر ومنهجه في تقرير العقيدة.\nالمبحث الثالث: موقف ابن حجر من شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم.\nالباب الأول: آراؤه في الايمان بالله:\nوفيه تمهيد وثلاثة فصول:\nتمهيد في تعريف التوحيد وبيان أقسامه.\nالفصل الأول: آراؤه في توحيد الربوبية:\nوفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:\nتمهيد في تعريف توحيد الربوبية.\nالمبحث الأول: معرفة الله تعالى.\nالمبحث الثاني: الفطرة.\nالمبحث الثالث: حكم إيمان المقلد.\nالفصل الثاني: آراؤه في توحيد الألوهية:\nوفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:\nتمهيد في تعريف توحيد الألوهية.\nالمبحث الأول: معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وفضلها.\nالمبحث الثاني: معنى العبادة، وبيان بعض أنواعها.\nالمبحث الثالث: موقفه مما ينافي توحيد الألوهية أو يقدح فيه.\nالفصل الثالث: آراؤه في توحيد الأسماء والصفات:\nوفيه تمهيد، ومبحثان:\nتمهيد في تعريف توحيد الأسماء والصفات.","vol":"1","page":11},{"text":"المبحث الأول: آراؤه في أسماء الله.\nالمبحث الثاني: آراؤه في صفات الله.\nالباب الثاني: آراؤه في بقية أركان الإيمان:\nوفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول: آراؤه في الإيمان بالملائكة:\nوفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:\nتمهيد في تعريف الملائكة.\nالمبحث الأول: معنى الإيمان بالملائكة وما يتضمنه.\nالمبحث الثاني: المفاضلة بين الملائكة، والمفاضلة بينهم وبين صالحي البشر.\nالمبحث الثالث: عصمة الملائكة.\nالفصل الثاني: آراؤه في الإيمان بالكتب:\nوفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:\nتمهيد في تعريف الكتب.\nالمبحث الأول: معنى الإيمان بالكتب وما يتضمنه.\nالمبحث الثاني: نزول القرآن ومعناه.\nالمبحث الثالث: إعجاز القرآن.\nالفصل الثالث: آراؤه في الإيمان بالرسل:\nوفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:\nتمهيد في تعريف النبي والرسول، والفرق بينهما.\nالمبحث الأول: آراؤه في الإيمان بالأنبياء والرسل عمومًا.\nالمبحث الثاني: آراؤه في الإيمان بنبينا محمد -ﷺ-.\nالمبحث الثالث: آراؤه في كرامات الأولياء.\nالفصل الرابع: آراؤه في الإيمان باليوم الآخر:\nوفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:","vol":"1","page":12},{"text":"تمهيد: في تعريف اليوم الآخر.\nالمبحث الأول: آراؤه في الحياة البرزخية.\nالمبحث الثاني: آراؤه في أشرطة الساعة.\nالمبحث الثالث: آراؤه في الحياة الآخرة.\nالفصل الخامس: آراؤه في القضاء والقدر:\nوفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:\nتمهيد في تعريف القضاء والقدر والفرق بينهما.\nالمبحث الأول: معنى الإيمان بالقضاء والقدر وما يتضمنه.\nالمبحث الثاني: آراؤه في أفعال العباد، والهدى والضلال، وتنزيه الله عن الظلم.\nالمبحث الثالث: آراؤه في التحسين والتقبيح، والحكمة والتعليل في أفعال الله، وتكليف ما لا يطاق.\nالباب الثالث: آراؤه في الصحابة، والإمامة، ومسائل الأسماء والأحكام: وفيه فصلان:\nالفصل الأول: آراؤه في الصحابة، والإمامة:\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: آراؤه في الصحابة.\nالمبحث الثاني: آراؤه في الإمامة.\nالفصل الثاني: آراؤه في مسائل الأسماء والأحكام:\nوفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:\nتمهيد في تعريف مسائل الأسماء والأحكام، وبيان أهميتها.\nالمبحث الأول: آراؤه في مسائل الإيمان.\nالمبحث الثاني: آراؤه في مسائل الكفر والتكفير.\nالمبحث الثالث: آراؤه في مسائل البدعة.","vol":"1","page":13},{"text":"الخاتمة:\nوفيها أهم نتائج البحث.\nالفهارس:\n١ - فهرس الآيات.\n٢ - فهرس الأحاديث.\n٣ - فهرس الأعلام.\n٤ - فهرس الملل والنحل.\n٥ - فهرس المصطلحات.\n٦ - فهرس الألفاظ الغريبة.\n٧ - فهرس المصادر والمراجع.\n٨ - فهرس الموضوعات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>منهج البحث:</span>\nسلكت في كتابة البحث المنهج الاستقرائي التحليلي، ويمكن تلخيص معالمه فيما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>أولًا: فيما يتعلق بجمع المادة العلمية:</span>\n١ - حصرت كتب ابن حجر الهيتمي ومؤلفاته المخطوطة والمطبوعة، وقرأتها قراءة فاحصة لاستخراج المسائل العقدية منها وآرائه فيها.\n٢ - رتّبت تلك المسائل على أبواب العقيدة ومباحثها، وفق ما رسمه السلف في كتبهم ومؤلفاتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>ثانيًا: فيما يتعلق بعرض المسائل ودراستها:</span>\n١ - ذكرت أولًا رأي ابن حجر في المسألة موجزًا، ثم أوردت كلامه فيها بتمامه إن كان قصيرًا، أو مع التصرف فيه بما لا يخل بمقصوده إن كان طويلًا، وإن كان قد تكلم في المسألة في أكثر من موضع، فإني أقارن بين تلك المواضع فإن كان كلامه فيها متفقًا أوردت أجمعها وأحلت في الحاشية على الباقي، وإن كان كلامه مختلفًا أو فيه زيادة أو نقصان ذكرته كله وحاولت التوفيق بينه.","vol":"1","page":14},{"text":"٢ - بعد إيراد كلام ابن حجر ذكرت عقبه موافقته لمنهج السلف في المسألة أو مخالفته لهم:\nأ- فإن كانت المسألة مما وافق فيه منهج السلف ذكرت ما يدل على ذلك من كلامهم وبعض أدلتهم باختصار وإيجاز.\nب- وإن كانت المسألة مما خالف فيه منهج السلف ذكرت ما يدل على ذلك مع مناقشته فيما ذهب إليه بحسب كلامه فيها إجمالًا وتفصيلًا.\n٣ - في دراسة المسائل لم أعرض لاختلاف الطوائف وأقوال الفرق في المسألة المقصودة بالبحث، إلا إذا تعرض لذلك ابن حجر في كلامه عليها، أو كانت طبيعة المسألة تقتضي ذلك، إذ المقصود تقويم آراء ابن حجر الاعتقادية من حيث موافقتها أو مخالفتها لمنهج السلف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>ثالثًا: فيما يتعلق بكتابة البحث وتوثيقه:</span>\nأ- عزوت الآيات إلى سورها، وذكرت رقم الآية فيها، وجعلت ذلك في متن البحث، خشية الإطالة بذكرها في الحاشية.\n٢ - خرجت الأحاديث التي ذكرتها في البحث، وسلكت في ذلك الآتي:\nأ- إذا كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما، اكتفيت بهما عما سواهما.\nب- إذا كان الحديث خارج الصحيحين، فإني أجتهد في تخريجه من المصادر الحديثية المعتمدة، ثم أذكر حكم الأئمة عليه.\nج- رتبت مصادر التخريج باعتبار الكتب الستة أولًا ثم ما عداها بحسب تواريخ وفيات أصحابها.\nد- ذكرت عنوان الكتاب والباب ورقم الجزء والصحيفة والحديث في الكتب الستة، واكتفيت برقم الجزء والصحيفة والحديث فيما عداها.\n٣ - وثقت النقول التي نقلها ابن حجر الهيتمي، والتي استطعت الوقوف عليها.\n٤ - ترجمت للأعلام غير الصحابة والأئمة الأربعة وأصحاب الكتب الستة ومَن وَرَدَ ذكره عرضًا في سياق أسانيد الأحاديث المُتكلّم عليها،","vol":"1","page":15},{"text":"وذكرت اسم المترجم، وعقيدته -قدر الاستطاعة- وشيئًا من مؤلفاته، وتاريخ وفاته.\n٥ - عرّفْتُ بالملل والنحل الواردة في البحث.\n٦ - عرفت بالأماكن والبلدان والألفاظ الغريبة الواردة في البحث.\n٧ - سلكت في كتابة البحث طرائق البحث المعروفة في عزو النصوص.\n٨ - أخرت ذكر بيانات المصادر إلى فهرسها، خشية الإطالة بذكرها.\nهذا، وأحمد الله -جل وعلا- على ما مَنّ به عليّ من إتمام هذا البحث، وأشكر له فضله وإنعامه، فله الحمد أولًا وآخرًا، وأبرأ من الحول والقوة إلا به، وأسأله أن يجعله خالصًا لوجهه، نافعًا لي يوم العرض عليه، وأن يعفو عما وقع لي فيه من خطأ أو تقصير، وأن يوفقني للسداد، ويهديني سبل الرشاد.\nوأشكر بعد شكر الله تعالى من قرن شكرهم بشكره، وهما والداي الكريمان على حسن تربيتهما وكريم عنايتهما، ثم لزوجتي المباركة التي كانت ولا تزال نعم المعين لي على الدراسة والبحث. أجزل الله للجميع المثوبة، وأسبغ عليهم نعمة الصحة.\nكما أشكر فضيلة الشيخ الدكتور يوسف بن محمد السعيد الأستاذ المشارك بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة، الذي أشرف على هذا البحث، ولم يدخر جهدًا في توجيهه وتصويبه، فأعلى الله درجته، ووفقه في دينه ودنياه، وبارك له في علمه وعمله وعمره.\nوبعد، فهذا جهد المقل، وهذه بضاعته، فإن أصبت فذلك محض فضل الله، وإن كانت الأخرى فمن نفسي ومن الشيطان، وأستغفر الله، وهو أهل التقوى وأهل المغفرة.\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>التمهيد في ترجمة ابن حجر الهيتمي، وبيان مصادره ومنهجه في تقرير العقيدة، وموقفه من شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: ترجمة موجزة لابن حجر الهيتمي.\nالمبحث الثاني: مصادر ابن حجر الهيتمي ومنهجه في تقرير العقيدة.\nالمبحث الثالث: موقف ابن حجر من شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم -رحمهما الله-.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>المبحث الأول ترجمة موجزة لابن حجر الهيتمي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>المطلب الأول عصر ابن حجر سياسيًا، ودينيًا، واجتماعيًا، وعلميًا</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>أولًا: الحالة السياسية:</span>\nعاش ابن حجر -﵀- في القرن العاشر الهجري، وعاصر دولتين إسلاميتين هما: دولة المماليك، ودولة العثمانيين، حيث عاش قرابة الخمسة عشر عامًا الأولى من عمره في عهد الدولة الأولى، وقضى البقية منه وهو قرابة الاثنين والخمسين عامًا في عهد الدولة الثانية.\nأما الدولة الأولى: وهي دولة المماليك:\nفقد كانت تحكم مصر والشام، وتسيطر على غرب الجزيرة العربية سيطرة اسمية (^١).\nوالفترة التي عاصرها ابن حجر -﵀- من هذه الدولة تعتبر فترة ضعفها وهرمها، حيث ساءت الأحوال فيها بسبب كثرة الفتن والاضطرابات الداخلية من جهة، وتسلط الصليبيين الإسبان والبرتغال من جهة أخرى.\nفقد ظهر في هذه الفترة الضعف والتفكك بين أفراد المجتمع، وانتشرت العصبية المقيتة بينهم، وساد النظام الإقطاعي، وكثرت المكوس\n_________\n(^١) انظر: أخبار الدول للقرماني (ص ٣٨).","vol":"1","page":19},{"text":"على التجار والمزارعين، وتمكن الصليبيون من الاستيلاء على عدن وعمان (^١).\nولَمّا رأى بعض أمراء المماليك ضعف الدولة المملوكية، وقوة أعدائها الصليبيين، والخطر المحدق بالمسلمين اتصل بالعثمانيين وطلب منهم سرعة التدخل، ووعدهم بالتعاون (^٢).\nحينها تحركت جيوش الدولة العثمانية، ففتحت مصر أوائل سنة (٩٢٣ هـ)، ثم امتد فتحها ليشمل بقية تركة الدولة المملوكية، ومنها الحجاز (^٣).\nوأما الدولة الثانية: وهي دولة العثمانيين:\nفقد كانت تحكم الشرق الأقصى الإسلامي، ثم امتد حكمها -كما سبق- ليشمل تركة الدولة المملوكية (^٤).\nوالفترة التي عاصرها ابن حجر -﵀- من هذه الدولة تمثل عصرها الذهبي في تاريخها الطويل، ويمثل هذا العصر ولاية خليفتين من خلفائها، هما:\n١ - سليم الأول (^٥)، والفترة التي عاصرها ابن حجر من ولايته (٩٢٣ هـ- ٩٢٦ هـ).\n_________\n(^١) انظر: بدائع الزهور لابن إياس (٤/ ٤٠٢).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٥/ ١٣٧)، تاريخ الدولة العثمانية لعلي حسون (ص ٥٥).\n(^٣) انظر: بدائع الزهور (٥/ ١٥٧) وما بعدها، أخبار الدول للقرماني (ص ٣٨)، تاريخ الجبرتي (١/ ٣٧)، تاريخ الدولة العثمانية لمحمد فريد بك (ص ٩٦).\n(^٤) انظر: مقدمة الشيخ حمد الجاسر في تحقيقه لكتاب البرق اليماني في تاريخ الفتح العثماني (ص ٧).\n(^٥) هو سليم بن السلطان بايزيد خان تولى الخلافة بعد أبيه، وامتدت خلافته أربعًا وخمسين سنة، حتى توفي سنة ٩٢٦ هـ.\nانظر: الكواكب السائرة للغزي (١/ ٢٠٨)، شذرات الذهب (٨/ ١٤٣).","vol":"1","page":20},{"text":"٢ - سليمان القانوني (^١)، والفترة التي عاصرها ابن حجر من ولايته (٩٢٦ هـ- ٩٧٤ هـ).\nوفي هذا العصر الذهبي للدولة العثمانية كان الحكم الإسلامي في العالم يشهد أعظم اتساع له على مدى التاريخ (^٢).\nلكن الدولة العثمانية مع ذلك كانت تواجه خطرين في وقت واحد:\nالخطر الأول: خطر الروافض (^٣) ممثلًا في الدولة الصفوية التي قامت سنة (٩٠٦ هـ) قبل مولد ابن حجر بقرابة ثلاث سنين، وكان قيامها نقطة تحول كبير في تاريخ إيران، والشرق كله، فلأول مرة يعلن الرفض مذهبًا رسميًا لكل إيران (^٤).\nوالخطر الثاني: خطر الصليبيين ممثلًا في الأوربيين، وبخاصة البرتغال الذين وصل نفوذهم إلى محاولة الوصول إلى الأماكن المقدسة مكة والمدينة (^٥).\n_________\n(^١) هو سليمان بن السلطان سليم بايزيد خان، تولى الخلافة بعد أبيه، وامتدت خلافته تسعًا وأربعين سنة، حتى توفي سنة ٩٧٥ هـ.\nانظر: الكواكب السائرة (٣/ ١٥٦)، شذرات الذهب (٨/ ٣٧٥).\n(^٢) انظر: المنح الرحمانية في تاريخ الدولة العثمانية للبكري (ص ٧١) وما بعدها، فضائل سلاطين بني عثمان للحموي (ص ٣٣)، تاريخ الدولة العثمانية العلية لإبراهيم بيك (ص ٨٠ - ٨٨).\n(^٣) الرافضة: طائفة من أهل البدع والضلال، سموا بذلك لكونهم رفضوا زيد بن علي لَمّا تولى الشيخين، وهم يعرفون اليوم بالشيعة والإمامية، والاثني عشرية والجعفرية، وأصولهم أربعة: التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة، وقد ستروا تحت كل واحد منها بعض بدعهم، ويغلب عليهم الغلو في أئمتهم.\nانظر: فرق الشيعة للنوبختي، مقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ٦٥)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٤٦)، الفرق بين الفرق للبغدادي (ص ٢٩)، الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (٥/ ٣٥)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي (ص ٧٧)، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان للسكسكي (ص ٦٥).\n(^٤) انظر: تاريخ الدولة العثمانية العلية لإبراهيم بيك (ص ٨٠).\n(^٥) انظر: تاريخ الدولة العثمانية العليّة لإبراهيم بيك (ص ٨٩)، تاريخ الدولة العثمانية وعلاقاتها الخارجية للدكتور علي حسون (ص ٤٣)، النفوذ البرتغالي في الخليج العربي القرن العاشر الهجري لنوال الصيرفي (ص ١٩٨)، صراع المسلمين مع البرتغاليين في البحر الأحمر لغسان الرمال (ص ٢٠٣).","vol":"1","page":21},{"text":"هذا هو حال العالم الإسلامي بعمومه، أما في مكة بخصوصها والتي قضى ابن حجر -﵀- معظم سني حياته بها فقد كانت تحت حكم أسرة آل أبي نُميّ، وهي أسرة حسنية، وكان حكمهم خاضعًا للدولة العثمانية.\nوقد عاصر ابن حجر -﵀- اثنين من أمراء هذه الأسرة، هما:\n١ - بركات بن محمد بركات بن حسن (^١) (٩٠٣ هـ- ٩٣١ هـ).\n٢ - محمد بن بركات بن محمد بركات (^٢) (٩٣١ هـ- ٩٩٢ هـ).\nوقد تتابعت الفتن والحروب بين أفراد أسرة آل أبي نمي، وكان كل منهم يستعين بمن يواليه من القبائل التي حول مكة (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>ثانيًا: الحالة الدينية:</span>\nكانت الدولة المملؤكية قد حملت الناس على اتباع أحد المذاهب الفقهية الأربعة وترك كل ما سواها، وتعزير من يخالفها أو يخرج عنها (^٤).\nولَمّا جاءت الدولة العثمانية اتخذت المذهب الحنفي مذهبًا رسميًا لها (^٥).\nوقد كان عامة أهل العلم في هذه الفترة أشعرية (^٦) أو\n_________\n(^١) هو بركات بن محمد بن بركات بن الحسن بن عجلان الحسني، ولي مكة بعد وفاة أبيه سنة ٩٠٣ هـ، ثم عزله الأتراك عنها سنة ٩٠٧ هـ، ثم عاد إليها ووليها سنة ٩٠٨ هـ إلى أن توفي سنة ٩٣١ هـ.\nانظر: الكواكب السائرة للغزي (١/ ١٦٤)، النور السافر للعيدروسي (ص ١٥٢).\n(^٢) هو محمد بن بركات بن محمد بن بركات بن عجلان الحسني، ولي مكة بعد وفاة أبيه سنة ٩٣١ هـ، وطالت مدة ولايته لها حتى توفي سنة ٩٩٢ هـ.\nانظر: خلاصة الكلام في أمراء البيت الحرام لدحلان (ص ٧٠)، الأعلام (٦/ ٥٢).\n(^٣) انظر: منائح الكرم في أخبار مكة والبيت وولاة الحرم للسنجاري (٣/ ١٠١) وما بعدها، أمراء البلد الحرام لأحمد زيني دحلان (ص ٦٨ - ٧١)، تاريخ أمراء مكة المكرمة لعارف عبد الغني (ص ٦٩٩).\n(^٤) انظر: خطط الشام لمحمد كردي (٤/ ٤٩).\n(^٥) انظر: الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية لطاشكبرى زاده (ص ٥) وما بعدها.\n(^٦) الأشعرية: هم طائفة من طوائف أهل الكلام، ينتسبون إلى أبي الحسن الأشعري في مذهبه الثاني بعد رجوعه عن الاعتزال، وعامتهم يثبتون سبع صفات فقط لله تعالى، ويوافقون المرجئة في الإيمان، والجبرية في القدر. =","vol":"1","page":22},{"text":"ما تريدية (^١) المعتقد، صوفية (^٢) الطريقة؛ حيث انتشر التصوف في العالم الإسلامي أجمع (^٣).\nوقد ساعد على ذلك تأييد الدولة العثمانية له فيما بعد، مما أدى إلى بروز جملة من مظاهره في المجتمع، منها:\n١ - بناء المشاهد والقبور.\n٢ - كثرة الزوايا الصوفية.\n٣ - الاحتفالات البدعية.\n٤ - إقامة مجالس السماع.\n٥ - انتشار التواكل وترك العمل والكسب.\n٦ - ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nوقد أثرت هذه المظاهر على هدي المجتمع المسلم في هذه الفترة، وقلّ التزام الناس بالفرائض الدينية (^٤)، وتسلل هذا لبعض الحكام والقضاة (^٥).\n_________\n= انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٩٤)، خبيئة الأكوان لصديق حسن خان (ص ٥٠ - ٥٣).\n(^١) الماتريدية: هم طائفة من طوائف أهل الكلام، ينتسبون إلى أبي منصور الماتريدي، وعامتهم يثبتون ثمان صفات فقط لله تعالى، ويقولون: بالكلام النفسي، وأن القرآن حكاية عن كلام الله، ويوافقون الأشاعرة في كثير من أصولهم.\nانظر: أصول الدين للبزدوي (ص ٢) وما بعدها، التمهيد لأبي المعين النسفي (ص ١٦) وما بعدها، وللاستزادة: الماتريدية دراسة وتقويمًا للدكتور أحمد الحربي.\n(^٢) الصوفية: هم طائفة من أهل البدع تنتحل الزهد والتعبد، ينسبون إلى الصوف -على الصحيح- لكثرة لبسهم له، وهم طوائف شتى، يجمعهم الزهد البدعي، والتعبد لله تعالى بما لم يشرع من الاحتفالات والرقص والسماع والأذكار البدعية وغير ذلك.\nانظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي (ص ١١٠)، التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي، الموفي بمعرفة التصوف والصوفي للأدفوي، وللاستزادة: هذه هي الصوفية لعبد الرحمن الوكيل، ودراسات في التصوف لإحسان إلهي ظهير.\n(^٣) انظر: الشقائق النعمانية (ص ٥) وما بعدها.\n(^٤) انظر: أخبار الدول للقرماني (ص ٣٨، ٣٩، ٤٥)، تاريخ الدولة العثمانية لمحمد فريد بيك (ص ١٩٨)، تاريخ الدولة العثمانية لعلي حسون (ص ٥٨).\n(^٥) انظر: بدائع الزهور (٤/ ٣٤٣، ٣٤٧) (٥/ ٢٦).","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>ثالثًا: الحالة الاجتماعية:</span>\nكان للفتوحات الإسلامية واتساع رقعة الدولة الإسلامية في هذا العصر أثر بلا شك على الحالة الاجتماعية.\nفقد أدى ذلك إلى تداخل الأجناس واللغات، ونتج عنه تمازج الشعوب، وانتقال المبادئ والأفكار والثقافات.\nوكان لمصر والحجاز قصب السبق في ذلك لمكانتهما التاريخية، وأهميتهما السياسية في ذلك الوقت.\nوقد برزت في عصر ابن حجر -﵀- نتيجة لذلك جملة من المظاهر الاجتماعية السلبية، منها:\n١ - العصبية بين الأتراك والعرب التي تجاوزت مداها إلى أن القتيل من العرب لا يؤخذ له بالقصاص من قاتله، وأصبحت سببًا بعد ذلك في سقوط الدولة العثمانية.\n٢ - كثرة الاختلافات في المسائل الشرعية والنوازل الفقهية وكلام العامة فيها، واضطراب أهل العلم حولها، كإصلاح ما وهى وتشعب من الكعبة، والسماع الصوفي، وشرب القهوة ونحو ذلك، وما نتج عنه من فتن وقلاقل وتحزبات داخل المجتمع الواحد.\n٣ - انتشار الحشيش أكلًا وتدخينًا، وأكل القات، وشرب التبغ.\nوقد كان لابن حجر -﵀- عناية فائقة بعلاج هذه المظاهر، حيث ألّف عددًا من المؤلفات في بيان أحكامها والتحذير منها، مثل: مبلغ الأرب في فخر العرب (^١)، والمناهل العذبة في إصلاح ما وهى من الكعبة (^٢)، وكف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع (^٣)، وتحذير الثقات عن أكل الكفتة والقات.\nوكثير من كتب ابن حجر -رجمه الله- تجلي هذه الظواهر الاجتماعية وتصف العلاج لها، وتعكس علاقة التأثير والتأثر بين ابن حجر -﵀- وبين مجتمعه.\n_________\n(^١) انظر: (ص ١٥).\n(^٢) انظر: (ص ٢٤ - ٢٥).\n(^٣) انظر: (ص ٣٨ - ٣٩).","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>رابعًا: الحالة العلمية:</span>\nلقد عاش ابن حجر -﵀- أغلب سني القرن العاشر الهجري؛ والمتأمل لهذا القرن من جهة ما كتب فيه وما كتب عنه، يظهر له مدى الضعف العلمي الذي يعانيه مقارنة بما سبقه من القرون، ويتجلى ذلك في مظاهر عدة، أهمها:\n١ - انتشار البدع والخرافات كالموالد، ومجالس السماع، والصلوات المبتدعة ونحوها.\n٢ - شيوع الجمود الفكري، والتقليد المذهبي، ودعوى إغلاق باب الاجتهاد.\n٣ - اشتغال العلماء والطلاب في دروسهم بعلوم الآلة، والتصوف، والفقه المذهبي، دون علوم الاجتهاد.\n٤ - اقتصار كثير من المؤلفات على المتون والاختصارات والشروح والحواشي.\nوهذه الحالة العلمية الضعيفة كانت هي السائدة في العالم الإسلامي عامة (^١).\nأما مصر التي عاش بها ابن حجر -﵀- أوائل عمره فقد كانت مأهولة بالعلماء نظرًا لوجود الجامع الأزهر فيها، وبعد فتح العثمانيين لها انتقل كثير منهم إلى استنبول عاصمة الدولة العثمانية (^٢)، والفترة التي قضاها ابن حجر -﵀- في مصر تمثل الفترة الأولى فيها.\nوأما الحجاز التي قضى ابن حجر -﵀- بها بقية عمره فقد كانت أحسن حالًا من غيرها نظرًا لوجود الحرمين بها، خاصة بعد دخولها تحت سلطة الدولة العثمانية الواسعة النفوذ؛ حيث أصبح الطريق إلى مكة والمدينة ميسورًا وبدأت الهجرة إليهما تفتح أبوابها وأصبح العلماء يجاورون بهما مما ساعد على ازدهار العلم (^٣).\n_________\n(^١) انظر: مقدمة الدرر والفرائد المنظمة لحمد الجاسر (١/ ٤).\n(^٢) انظر: الشقائق النعمانية (ص ٥) وما بعدها.\n(^٣) انظر: الإعلام بأعلام بيت الله الحرام للنهروالي (ص ٣٨٢).","vol":"1","page":25},{"text":"ومع ذلك لم يخل هذا القرن من جملة من أهل العلم المشهورين، الذين عاصرهم ابن حجر -﵀-.\nفمن الحنفية: ابن كمال باشا (^١)، وابن طولون (^٢)، وطاش كبرى زاده (^٣)، وابن نجيم (^٤)، وأبو السعود (^٥).\nومن المالكية: الونشريسي (^٦)، والحطاب (^٧)، واللقاني (^٨)، والأخضري (^٩).\n_________\n(^١) هو أحمد بن سليمان بن كمال باشا الرومي، الحنفي، من مؤلفاته: طبقات الفقهاء، تجريد التجريد في أصول الدين، وتفسير القرآن العزيز، توفي سنة ٩٤٠ هـ.\nانظر: الشقائق النعمانية (ص ٢٢٦)، شذرات الذهب (٨/ ٢٣٨).\n(^٢) هو محمد بن علي بن محمد، الدمشقي الصالحي، الحنفي، شمس الدين، أبو عبد الله، المشهور بابن طولون، من مؤلفاته: تحذير العباد من الحلول والاتحاد، الدرر الغوالي في الأحاديث العوالي. توفي سنة ٩٥٣ هـ.\nانظر: الكواكب السائرة (٢/ ٥٢)، شذرات الذهب (٨/ ٢٩٨).\n(^٣) هو أحمد بن مصطفى بن خليل، عصام الدين، أبو الخير الرومي، المشهور بطاش كبرى زاده الحنفي، من مؤلفاته: الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية، مفتاح السعادة ومصباح السيادة، نوادر الأخبار في مناقب الأخيار. توفي سنة ٩٦٨ هـ.\nانظر: الشقائق النعمانية (ص ٣٢٥)، شذرات الذهب (٨/ ٣٥٢).\n(^٤) هو زين الدين بن إبراهيم بن محمد بن محمد المصري، الشهير بابن نجيم الحنفي، من مؤلفاته: البحر الرائق شرح كنز الدقائق، الأشباه والنظائر، فتح الغفار في شرح المنار، توفي سنة ٩٦٩ هـ.\nانظر: شذرات الذهب (٨/ ٣٥٨)، الأعلام (٣/ ٦٤).\n(^٥) هو محمد بن محمد بن مصطفى العمادي، أبو السعود الرومي، الحنفي، من مؤلفاته: التفسير المشهور إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، قصة هاروت وماروت، رسالة في المسح على الخفين. توفي سنة ٩٨٢ هـ.\nانظر: شذرات الذهب (٨/ ٣٩٨)، الأعلام (٧/ ٥٩).\n(^٦) هو أحمد بن يحيى بن محمد بن عبد الواحد، أبو العباس، التلمساني، الونشريسي، المالكي، من مؤلفاته: المعيار المعرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس وبلاد المغرب، عدة البروق في جمع ما في المذهب من المجموع والفروق، إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك. توفي سنة ٩١٤ هـ.\nانظر: شجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٢٧٤)، الأعلام (١/ ٢٦٩).\n(^٧) ستأتي ترجمته ضمن شيوخ ابن حجر (ص ٣٧).\n(^٨) ستأتي ترجمته ضمن شيوخ ابن حجر (ص ٣٧).\n(^٩) هو عبد الرحمن بن محمد الأخضري المالكي، من مؤلفاته: السلم المنورق في المنطق، وشرحه، والمختصر في العبادات وغيرها توفي سنة ٩٨٣ هـ. =","vol":"1","page":26},{"text":"ومن الشافعية: القسطلانى (^١)، وزكريا الأنصاري (^٢)، وبحرق (^٣) والرملي (^٤)، والخطيب الشربيني (^٥).\nومن الحنابلة: العليمي (^٦)، والشويكي (^٧)، وابن عطوة (^٨) والحجاوي (^٩)، وابن النجار (^١٠).\n_________\n= انظر: شجرة النور الزكية (١/ ٢٨٥)، الأعلام (٣/ ٣٣١).\n(^١) هو أحمد بن محمد بن أبي بكر، شهاب الدين أبو العباس القسطلاني، المصري، الشافعي، من مؤلفاته: إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، المواهب اللدنية في المنح المحمدية، مدارك المرام في مسالك الصيام وغيرها، توفي سنة ٩٢٣ هـ.\nانظر: الضوء اللامع (٢/ ١٠٣)، شذرات الذهب (٨/ ١٢١).\n(^٢) ستأتي ترجمته ضمن شيوخ ابن حجر (ص ٣٥).\n(^٣) هو محمد بن عمر بن المبارك الحميري، الحضرمي، الشافعي، الشهير ببحرق، من مؤلفاته: شرح الملحة، تفسير آية الكرسي، مختصر الترغيب والترهيب وغيرها. توفي سنة ٩٣٠ هـ.\nانظر: الضوء اللامع (٨/ ٢٥٣)، شذرات الذهب (٨/ ١٧٦).\n(^٤) ستأتي ترجمته ضمن شيوخ ابن حجر (ص ٣٧).\n(^٥) هو محمد بن أحمد الشربيني المصري، الشافعي، شهاب الدين، المعروف بالخطيب الشربيني، من مؤلفاته: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، شرح التنبيه للشيرازي وغيرها، توفي سنة. انظر: شذرات الذهب (٨/ ٣٨٤)، الأعلام (٦/ ٦).\n(^٦) هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي، المقدسي، الحنبلي، من مؤلفاته: المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد، فثح الرحمن في تفسير القرآن، ومختصره وغيرها، توفي سنة ٩٢٨ هـ.\nانظر: السحب الوابلة لابن حميد (٢/ ٥١٦)، الأعلام (٣/ ٣٣١).\n(^٧) هو أحمد بن محمد بن أحمد بن عمر الشويكي، النابلسي، الصالحي، الحنبلي، من مؤلفاته: التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح، والقواعد الكلية والضوابط الفقهية وغيرهما، توفي سنة ٩٣٩ هـ.\nانظر: شذرات الذهب (٨/ ٢٣١)، السحب الوابلة (١/ ٢١٥).\n(^٨) هو أحمد بن يحيى بن عطوة بن زيد التميمي، النجدي، الحنبلي، من مؤلفاته: منسك الحج، الفاصل بين الحق والباطل، الروضة الأنيفة وغيرها، توفي سنة ٩٤٨ هـ.\nانظر: السحب الوابلة (١/ ٢٧٤)، الأعلام (١/ ٢٧٠).\n(^٩) هو موسى بن أحمد بن موسى بن سالم الحجاوي، المقدسي، ثم الصالحي، الحنبلي، من مؤلفاته: زاد المستقنع في اختصار المقنع، منظومة الكبائر، شرح المفردات وغيرها، توفي سنة ٩٦٨ هـ.\nانظر: شذرات الذهب (٨/ ٣٢٧)، السحب الوابلة (٣/ ١١٣٤).\n(^١٠) هو محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي، الحنبلي، الشهير بابن النجار، من =","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>المطلب الثاني حياته الشخصية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>أولً<span data-type=\"title\" id=toc-18>ا: اسمه</span>، ولقبه، وكنيته:</span>\nأ- اسمه:\nهو (^١): أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن حجر، السلمنتي، الهيتمي، الوائلي، السعدي، المصري، ثم المكي.\n_________\n= مؤلفاته: منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات، وشرحه معونة أولي النهى، ومختصر التحرير وغيرها. توفي سنة ٩٧٢ هـ.\nانظر: شذرات الذهب (٨/ ٣٩٠)، السحب الوابلة (٢/ ٨٥٤).\n(^١) انظر: ترجمته في:\n- النور السافر عن أخبار القرن العاشر للعيدروسي (ص ٢٨٧).\n- الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة للغزي (٣/ ١١١).\n- شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد (١/ ١٠٩).\n- البدر الطالع بمحاسن من بعد الفرن السابع للشوكاني (١/ ١٠٩).\n- جلاء العينين في محاكمة الأحمدين للألوسي (ص ١٣٧ - ١٣٩).\n- ريحانة الألبّا وزهرة الحياة الدنيا للخفاجي (١/ ٤٣٥).\n- أبجد العلوم لصديق حسن خان (ص ٦٦١ - ٦٦٢).\n- تاريخ الشحر وأخبار القرن العاشر لمحمد بافقيه (ص ٣٨٠).\n- فهرس الفهارس للكتاني (١/ ٣٣٧).\n- خلاصة الخبر عن بعض أعيان القرنين العاشر والحادي عشر للكافي (ص ٤٩٧).\n- هدية العارفين للبغدادي (١/ ١٤٦).\n- الأعلام للزركلي (١/ ٢٣٤).\n- معجم المؤلفين لكحالة (٢/ ١٥٢).\nوللاستزادة:\n- نفائس الدرر في ترجمة ابن حجر لتلميذه السيفي.\n- ومختصره جواهر الدرر في مناقب ابن حجر.\n- مقدمة فتاواه الفقهية الكبرى لتلميذه الفاكهي.\n- ابن حجر الهيتمي حياته وآثاره للدكتور إبراهيم السكجي.\n- ابن حجر المكي وجهوده في الكتابة التاريخية للدكتورة لمياء شافعي.\n- ابن حجر الهيتمي لعبد المعز عبد الحميد الجزار.","vol":"1","page":28},{"text":"وبهذا السياق ذكر ابن حجر -﵀- نفسه في معجم شيوخه (^١).\nوالمتأمل له يجده قد نسب نفسه فيه إلى:\n١ - ابن حجر: وهي -بفتح الحاء المهملة والجيم المعجمة بعدها- نسبة لأحد أجداده؛ لقب بحجر لملازمته الصمت (^٢).\n٢ - السَّلمنتي: وهي -بالسين المهملة المفتوحة المشددة، بعدها لام ساكنة، وميم مضمومة، ونون ساكنة- نسبة إلى سلمنت (^٣)، وهي موطن أهله قبل انتقالهم إلى محلة أبي الهيتم (^٤).\n٣ - الهيتمي: وهي نسبة إلى محلة أبي الهيتم أو الهياتم بمصر الغربية، واختلف في ضبطها هل هو بالمثناة أم المثلثة؟\nقال العلامة الغزي (^٥): \"ضبطها عبد القادر الفاكهي في ترجمته بالمثناة الفوقية، وأما ما يقع لبعض المتشدقين من قراءته بالمثلثة فلم أقف عليه في كلام أئمة المنقول\" (^٦).\nوقال العلامة الزبيدي (^٧): \"يقال هي محلة أبي الهيثم بالمثلثة، فغيرتها العامة\" (^٨).\n_________\n(^١) انظر: (ل ١١٤/ أ).\n(^٢) انظر: نفائس الدرر (ل ١/ أ).\n(^٣) سلمنت: موضع قرب عين الشمس من نواحي مصر، انظر: معجم البلدان (٣/ ٢٦٩).\n(^٤) انظر: نفائس الدرر (ل ١/ ب).\n(^٥) هو محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله الغزّي العامري القرشي الدمشقي أبو المكارم نجم الدين، مؤرخ أديب، من مؤلفاته: الكواكب السائرة في تراجم أعيان المائة العاشرة، وعقد الشواهد في الأخلاق والعظات، ورسالة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها، توفي سنة ١٠٦١ هـ.\nانظر: الكواكب السائرة (٢/ ٣)، خلاصة الأثر (٤/ ١٨٩).\n(^٦) انظر: الكواكب السائرة (٣/ ١١٣).\n(^٧) هو محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني الزبيدي، لغوي محدث، مؤرخ، من مؤلفاته: تاج العروس في شرح القاموس، إتحاف السادة المتقين في شرح إحياء علوم الدين وغيرها. توفي سنة ١٢٠٥ هـ.\nانظر: فهرس الفهارس (١/ ٣٩٨)، معجم المؤلفين (١١/ ٢٨٢).\n(^٨) انظر: تاج العروس (٧/ ٧٣٧).","vol":"1","page":29},{"text":"وعلى هذا فمن ذكره بالمثلثة؛ على القول الأول: ضبطهم له خاطئ، وعلى القول الثاني: ضبطهم له محتمل.\n٤ - الوائلي: وهي نسبة لوائل، وهو بطن من بني سعد الأنصار (^١).\n٥ - السعدي: وهي نسبة لبني سعد الذين كانوا في مصر، وموطنهم إقليم الشرقية (^٢).\nقال تلميذه الفاكهي في مقدمة فتاويه: \"المستفاض أنهم من الأنصار، ولكن امتنع شيخنا من كتابة الأنصاري تورعًا\" (^٣).\n٦ - المصري: وهي نسبة إلى مصر التي ولد بها وقضى فيها أوائل عمره.\n٧ - المكي: وهي نسبة لمكة المكرمة التي استوطنها باقي حياته بعد انتقاله من مصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>ب- لقبه:</span>\nيلقب المترجم بشهاب الدين، وقد أثبت ذلك -﵀- في معجمه (^٤)، وذكره عنه من ترجم له (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>ج- كنيته:</span>\nيُكنّى بكنيتين:\n١ - أبو العباس، وبها اشتهر (^٦).\n٢ - أبو عبد الله، ووجدت على طرة إحدى مخطوطات كتبه (^٧)، ولم أجد فيما اطلعت عليه من مصادر ترجمته من ذكر له ولدًا بهذا الاسم.\n_________\n(^١) انظر: لب اللباب للسيوطي (٢/ ٣١٤).\n(^٢) انظر: نفائس الدرر (ل أ/ أ).\n(^٣) انظر: مقدمة الفتاوى الفقهية (١/ ٨).\n(^٤) انظر: (١١٤/ أ).\n(^٥) انظر: نفائس الدرر (ل ١/ أ)، مقدمة الفتاوى الفقهية (١/ ٧).\n(^٦) انظر: النور السافر (ص ٢٨٧).\n(^٧) وجد ذلك على طرة مخطوطة كتابه أسنى المطالب في صلة الأقارب.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>ثانيً<span data-type=\"title\" id=toc-22>ا: مولده</span>، ونشأته، ورحلاته:</span>\nأ- مولده:\nذكر تلميذه السيفي (^١) أنه وجد بخطه أنه ولد في محلة أبي الهيتم أواخر سنة (٩٠٩ هـ) (^٢).\nوهناك قولان آخران في سنة ولادته:\nالأول: أنها سنة (٩١١ هـ) وهو قول الغزي (^٣)، وعمدته في ذلك إخبار حفيده عبد العزيز الزمزمي (^٤) بذلك.\nالثاني: أنها سنة (٨٩٩ هـ) وهو قول الزبيدي (^٥)، والكتاني (^٦) (^٧)، ولم يذكرا عمدتهما في ذلك.\nوالراجح أنه ولد أواخر سنة (٩٠٩ هـ)؛ وذلك لِمَا يلي:\n١ - أنه ذكر في معجم شيوخه (^٨) أنه ولد قبل وفاة السيوطي (^٩) بنحو ثلاث سنين، والسيوطي توفي في جمادى الأولى سنة (٩١١ هـ)؛ ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بالقول بمولده سنة (٩٠٩ هـ).\n_________\n(^١) هو أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن علي بن عمرو السيفي اليزني الشافعي، من مؤلفاته: نفائس الدرر في ترجمة ابن حجر، كان حيًّا سنة ٩٧٤ هـ.\nانظر: هدية العارفين (١/ ٢٣٩)، معجم المؤلفين (٣/ ٧٣).\n(^٢) انظر: نفائس الدرر (ل ١/ أ).\n(^٣) انظر: الكواكب السائرة (٣/ ١١١).\n(^٤) هو عبد العزيز بن محمد بن عبد العزيز بن علي الزمزمي الشافعي المكي، من مؤلفاته: حاشية على التحفة لجده، وديوان خطب وغيرها، توفي سنة ١٠٧٢ هـ.\nانظر: المختصر من نشر النور والزهر (٢٥٩ - ٢٦٠)، معجم المؤلفين (٥/ ٢٥٩).\n(^٥) انظر: تاج العروس (١٧/ ٧٣٧).\n(^٦) هو محمد بن عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني الحسني الإدريسي، عالم بالحديث ورجاله، من مؤلفاته: فهرس الفهارس، اختصار الشمائل، التراتيب الإدارية وغيرها، توفي سنة ١٣٨٢ هـ.\nانظر: الأعلام (٦/ ١٨٧)، مقدمة كتابه فهرس الفهارس (١/ ٦).\n(^٧) انظر: فهرس الفهارس (١/ ٣٣٨).\n(^٨) انظر: (ل ٢٢/ أ).\n(^٩) هو عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد، المشهور بجلال الدين السيوطي، أشعري المعتقد، شافعي المذهب، مكثر من التصنيف، من مصنفاته: الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع، الخصائص الكبرى، شرح الصدور بأحوال الموتى والقبور وغيرها، توفي سنة ٩١١ هـ. =","vol":"1","page":31},{"text":"٢ - أنه ذكر في معجم شيوخه (^١) أن شيوخه أجازوا له بالإفتاء والتدريس وسنه دون العشرين، وذكر تلميذه السيفي (^٢) أنهم أجازوه أواخر سنة (٩٢٩ هـ)؛ وبالجمع بين هذين النصين يظهر صواب القول بمولده سنة (٩٠٩ هـ) وبعد القول بما عداه.\n٣ - أن تلميذه السيفي -كما سبق- قد نصّ على ذلك، وصرح أنه وجد ذلك بخطه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>ب- نشأته:</span>\nنشأ ابن حجر -﵀- في محلة أبي الهياتم يتيم الأب حيث توفي والده وهو صغير (^٣)، فكفله جده برعايته وتدريسه، فحفظ القرآن وكثيرًا من المنهاج في الفقه الشافعي، ثم توفي جده فكفله شيخا أبيه:\n١ - شمس الدين بن أبي الحمائل (^٤).\n٢ - شمس الدين الشناوي (^٥).\nوانتقل به الثاني إلى طنطا حيث المسجد الأحمدي، ثم إلى القاهرة حيث الجامع الأزهر، وفيهما تلقى تعليمه (^٦)، واستجاز شيوخه بإقراء العلوم والتصدر للإفتاء على المذهب الشافعي، فأجازوه وأذنوا له بذلك وهو دون العشرين (^٧).\n_________\n= انظر: الضوء اللامع (٤/ ٦٥ - ٧٠)، شذرات الذهب (٨/ ٥١).\n(^١) انظر: (ل ٢١).\n(^٢) انظر: نفائس الدرر (ل ٢/ أ).\n(^٣) انظر: نفائس الدرر (ل ١/ ب)، مقدمة الفتاوى الفقهية (١/ ٩)، النور السافر (ص ٢٨٨).\n(^٤) هو محمد السروي المشهور بابن أبي الحمايل، صوفي أشعري، وفقيه شافعي، عمّر طويلًا، وتوفي سنة ٩٣٢ هـ.\nانظر: شذرات الذهب (٨/ ١٨٦).\n(^٥) لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من المصادر، ولم يذكره سوى الفاكهي في مقدمة الفتاوى الفقهية (١/ ٩)، والسيفي في نفائس الدرر (ل ١/ ب) في معرض ترجمتهما لشيخهما.\n(^٦) انظر: نفائس الدرر (ل ١/ ب)، مقدمة الفتاوى الفقهية (١/ ٩)، النور السافر (ص ٢٨٨).\n(^٧) انظر: معجم شيوخه (ل ٢١/أ - ب)، نفائس الدرر (ل ٢/ ب)، مقدمة الفتاوى الفقهية (١/ ٩)، جواهر الدرر (ص ٢٠ - ٢١).","vol":"1","page":32},{"text":"وقد نقلت بعض مصادر ترجمته بعض ما عاناه في صباه وأوائل شبابه، ومنها قوله عن نفسه: \"قاسيت في الجامع الأزهر من الجوع ما لا تحتمله الجبلة البشرية لولا معونة الله وتوفيقه، بحيث إني جلست فيه نحو أربع سنين ما ذقت اللحم إلا في ليلة دعينا لأكل فإذا هو لحم يوقد عليه، فانتظرناه إلى انبهار الليل -أي: منتصفه- ثم جيء به فإذا هو يابس كما هو نيء فلم أستطع منه لقمة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>ج- رحلاته:</span>\nفي أثناء إقامته بمصر كان يتردد على مكة حاجًا ومعتمرًا ويجاور بها، وفي سنة (٩٤٠ هـ) قرر سكنى مكة المكرمة فقدم إليها بأهله واستوطنها إلى أن توفي سنة (٩٧٤ هـ) (^٢).\nوقد ذكرت بعض مصادر ترجمته (^٣) سبب انتقاله من مصر إلى مكة، وعزت ذلك إلى ما وقع له بالقاهرة من تسلط بعض حساده عليه.\nحيث كان مشتغلًا باختصار متن الروض في فقه الشافعية وشرحه، وقد ألحق به كثيرًا مما في كتب أهل اليمن وغيرهم، فلما رآه بعض العلماء طلبوا استنساخه فعمل أحد حاسديه على إتلافه، فحزن ابن حجر لذلك حزنًا شديدًا اعتل به، ومرض بسببه مدة من الزمن؛ فقرر حينها ترك مصر والمجاورة بمكة.\nقال السيفي: \"سمعت شيخنا -﵀- وهو يعفو عن فاعل ذلك، ويقول: حلله الله وعفا عنه\" (^٤).\nوفي أثناء مقامه بمكة تكررت زيارته المدينة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وفي إحداها ألّف كتابه الجوهر المنظم في زيارة القبر المكرّم (^٥).\n_________\n(^١) مقدمة الفتاوى الفقهية (١/ ٩)، وذكر السيفي نحوه في نفاض الدرر (ل ٩/ أ).\n(^٢) انظر: النور السافر (ص ٢٨٩).\n(^٣) انظر: نفائس الدرر (ل ٣/ أ)، مقدمة الفتاوى الفقهية (١/ ١٠).\n(^٤) نفائس الدرر (ل ٤/ أ).\n(^٥) انظر: الجوهر المنظم (ص ٢ - ٣).","vol":"1","page":33},{"text":"ولم تذكر المصادر رحلات أخرى له -﵀- غير رحلته إلى مكة المكرمة والمدينة النبوية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>ثالثًا: وفاته:</span>\nتوفي -﵀- بمكة، وذكرت أكثر المصادر أن وفاته سنة (٩٧٤ هـ)، ونص بعضها على أنه توفي يوم الاثنين الثالث والعشرين من رجب منها.\nيقول تلميذه السيفي: \"كان ابتداء مرضه الذي انتقل فيه في شهر رجب، فترك التدريس نيفًا وعشرين يومًا، ووصى يوم السبت الحادي والعشرين من رجب المذكور، وتوفي ضحوة الاثنين الثالث والعشرين من الشهر المذكور سنة أربع وسبعين وتسعمائة\" (^١).\nوقد شذت بعض المصادر (^٢) فذكرت أنه توفي سنة (٩٧٣ هـ)، والصحيح الأول؛ وذلك لأمرين:\nأحدهما: أن القائلين بالقول الأول أخص بابن حجر، ومنهم تلميذه السيفي.\nثانيهما: أن تلميذه السيفي ذكر تاريخ وفاته مفصلًا -كما سبق- مما يدل على عنايته به وضبطه.\nومن طريف ما ذكر مترجموه أنه أشيع في حياته بدمشق سنة (٩٧١ هـ) أنه توفي، فصلي عليه صلاة الغائب، ثم تبين بعد ذلك أنه حي لم يمت (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) نفائس الدرر (ل ٦/ ب).\n(^٢) انظر: شذرات الذهب (٨/ ٣٦٩)، البدر الطالع (١/ ١٠٩).\n(^٣) انظر: الكواكب السائرة (٣/ ١١٢).","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المطلب الثالث حياته العلمية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>أولًا: شيوخه:</span>\nتتلمذ ابن حجر -﵀- على جماعة من علماء عصره، وتلقى عنهم فنونًا عدّة كلّ حسب اختصاصه وما شُهِرَ به.\nوقد ذكرت المصادر منهم نحوًا من أربعين شيخًا، وسأقتصر على ذكر أشهرهم، وأكثرهم أثرًا عليه، وهم:\n١ - زكريا الأنصاري: هو زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، السنيكي، القاهري، الأزهري، الشافعي.\nولد سنة (٨٢٦ هـ)، وتوفي سنة (٩٢٦ هـ).\nمن مؤلفاته: حاشية على تفسير البيضاوي، وشرح ألفية العراقي، وشرح منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي (^١).\nتتلمذ عليه ابن حجر ولم يتجاوز عمره الثالثة عشر، وأجازه بمروياته (^٢).\nقال عنه ابن حجر: \"ما اجتمعت به إلا قال: أسأل الله أن يفقهك في الدين\" (^٣).\nوقد ذكر ابن حجر في معجمه، والفاداني (^٤) في أسانيده الكتب التى قرأها على شيخه زكريا وأجازه بها.\n_________\n(^١) انظر: الكواكب السائرة (١/ ٩٦ - ٢٠٧)، شذرات الذهب (٨/ ١٣٤ - ١٣٦)، النور السافر (ص ١٢٠ - ١٢٥)، الأعلام (٣/ ٤٦)، معجم المؤلفين (٤/ ١٨٢ - ١٨٣).\n(^٢) انظر: معجم الشيوخ (ل ٢٢/ أ- ٢٢/ ب).\n(^٣) انظر: مقدمة الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٩).\n(^٤) هو محمد ياسين بن محمد عيسى الفاداني المكي الشافعي، محدث فقيه، من مؤلفاته: الدر المنضود شرح سنن أبي داود، الفوائد الجنية حاشية على المواهب السنية على القواعد الفقهية، حاشية على التلطف شرح التعرف، توفي سنة ١٤١٠ هـ.\nانظر: ترجمته في أوائل كتابه الفوائد الجنية (١/ ٣٧).","vol":"1","page":35},{"text":"٢ - الزيني السنباطي: هو عبد الحق بن محمد بن عبد الحق السنباطي القاهري الشافعي.\nولد سنة (٨٤٢ هـ)، وتوفي سنة (٩٣١ هـ) (^١).\nجلس للإقراء بالجامع الأزهر، ودرس عليه خلق كثير، منهم ابن حجر (^٢)، وأجازه بمروياته (^٣).\nوقد ذكر ابن حجر في معجمه (^٤) والفاداني في أسانيده (^٥) الكتب التي قرأها عليه وأجازه بها.\n٣ - شمس الدين الدلجي: هو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الدلجي العثماني الشافعي.\nولد سنة (٨٦٠ هـ) وتوفي سنة (٩٤٧ هـ).\nمن مؤلفاته: شرح على الأربعين النووية، وشرح على الشفا، ومقاصد المقاصد اختصر به مقاصد التفتازاني (^٦).\nتتلمذ عليه ابن حجر وعمره ثماني عشرة سنة (^٧)، وقرأ عليه علومًا عدّة، هي: علم المعاني والبيان، وعلم الأصلين، وعلم المنطق (^٨).\n٤ - أبو الحسن البكري: هو محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أحمد البكري، الصديقي، المصري، الشافعي، المتوفى سنة (٩٥٢ هـ).\nمن مؤلفاته: الكنز في شرح المنهاج للنووي، وشرح الروض، وشرح العباب (^٩).\n_________\n(^١) انظر: النور السافر (ص ١٥٣ - ١٥٥)، شذرات الذهب (٨/ ١٧٩).\n(^٢) انظر: النور السافر (ص ٢٨٨)، الكواكب السائرة (٣/ ١١١)، فهرس الفهارس (١/ ٣٣٨).\n(^٣) انظر: معجم الشيوخ (ل ٢٢/ أ).\n(^٤) انظر: (ل ٢٢/ أ) وما بعدها.\n(^٥) انظر: (ص ٣١، ٣٢، ٣٧، ٤١).\n(^٦) انظر: الكواكب السائرة (٢/ ٦ - ٧)، شذرات الذهب (٨/ ٢٧٠)، الأعلام (٧/ ٥٦ - ٥٧)، معجم المؤلفين (١١/ ٢٦٥).\n(^٧) انظر: نفائس الدرر (ل ٢/ ب)، النور السافر (ص ٢٨٨).\n(^٨) انظر: مقدمة الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ١٠).\n(^٩) انظر: الكواكب السائرة (٢/ ١٩٤ - ١٩٧)، شذرات الذهب (٨/ ٢٩٢ - ٢٩٣)، معجم المؤلفين (٧/ ٢٠٨).","vol":"1","page":36},{"text":"تتلمذ عليه ابن حجر، وقرأ عليه في الأصلين وغيرهما (^١)، وقد أجازه بالإفتاء والتدريس وعمره دون العشرين (^٢).\n٥ - الشمس الحطابي: هو محمد بن محمد بن عبد الرحمن الحطاب، الرعيني، الأندلسي، المكي.\nولد سنة (٩٥٢ هـ)، وتوفي سنة (٩٥٤ هـ).\nمن مؤلفاته: قرة العين بشرح الورقات لإمام الحرمين، ومتممة الآجرومية في علم العربية، وتفريج القلوب بالخصال المكفرة لِمَا تقدم وما تأخر من الذنوب (^٣).\nتتلمذ عليه ابن حجر، وأخذ عنه النحو والصرف (^٤).\n٦ - الشهاب الرملي: هو أحمد بن حمزة الرملي المنوفي، الأنصاري، الشافعي.\nالمتوفى سنة (٩٥٧ هـ).\nتولى التدريس بعد وفاة شيخه زكريا، وتتلمذ عليه أغلب طلاب العلم بمصر.\nجمع ابنه فتاويه (^٥)، وقد طبعت طبعات عدة منسوبة للابن.\nتتلمذ عليه ابن حجر (^٦)، وأجاز له بالإفتاء والتدريس وهو دون العشرين (^٧).\n٧ - ناصر الدين اللقاني: هو محمد بن حسن اللقاني المالكي، الشهير بناصر الدين.\n_________\n(^١) انظر: نفائس الدرر (ل ٢/ ب)، النور السافر (ص ٢٨٨)، شذرات الذهب (٨/ ٣٧٠)، البدر الطالع (١/ ١٠٩)، فهرس الفهارس (ص ٣٣٨).\n(^٢) انظر: مقدمة الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٩).\n(^٣) انظر: شجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٢٧٠)، الأعلام (٧/ ٥٨)، معجم المؤلفين (١١/ ٢٣٠).\n(^٤) انظر: معجم الشيوخ (ل ٣٩/ ب) (ص ٤٩/ أ)، نفائس الدرر (ل ٢/ ب).\n(^٥) انظر: الكواكب السائرة (٢/ ١١٩)، شذرات الذهب (٨/ ٣١٦)، الأعلام (١/ ١٢٠).\n(^٦) انظر: النور السافر (ص ٢٨٨)، الكواكب السائرة (٣/ ١١٢)، البدر الطالع (١/ ١٠٩).\n(^٧) انظر: مقدمة الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٩).","vol":"1","page":37},{"text":"ولد بمصر سنة (٨٧٣ هـ)، وتوفي بها سنة (٩٥٨ هـ).\nمن مؤلفاته: شرح جمع الجوامع، حاشية على السعد التفتازاني في العقائد، شرح التصريف للزنجاني (^١).\nتتلمذ عليه ابن حجر، وأخذ عنه علومًا عديدة، منها المنطق (^٢).\n٨ - محمد الشنشوري: هو محمد بن عبد الله بن علي الشنشوري المصري الشافعي.\nولد سنة (٨٨٨ هـ)، توفي سنة (٩٨٣ هـ) (^٣).\nتتلمذ عليه ابن حجر، وقرأ عليه المنطق (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>ثانيًا: تلاميذه:</span>\nتتلمذ على ابن حجر -﵀- وأخذ عنه جماعة، ذكرت المصادر منهم نحوًا من خمسين تلميذًا.\nوفيما يلي ذكر أشهرهم:\n١ - عبد القادر الفاكهي: هو عبد القادر بن أحمد بن علي الفاكهي المكي.\nولد سنة (٩٢٠ هـ)، وتوفي سنة (٩٨٢ هـ).\nله مؤلفات كثيرة لا تحصى حتى شبه بالجلال السيوطي، منها: شرحان على البداية للغزالي، وشرح لمنهج القاضي زكريا، ومناهج الأخلاق السّنّيّة في مباهج الأخلاق السنية وغيرها.\nتتلمذ على ابن حجر ولازمه، وأكثر عنه في الفقه، وألّف رسالة في\n_________\n(^١) انظر: شجرة النور الزكية (١/ ٢٧١ - ٢٧٢)، معجم المؤلفين (٩/ ٢٠٣) (١١/ ١٦٧).\n(^٢) انظر: معجم الشيوخ (ل ٩٩/ ب- ١٠٣/ ب)، نفائس الدرر (ل ٢/ أ)، مقدمة الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ١٠)، النور السافر (ص ٢٨٨)، شذرات الذهب (٨/ ٣٧٠).\n(^٣) انظر: الكواكب السائرة (٢/ ٣٧ - ٣٨)، شذرات الذهب (٨/ ٣٩٥)، الأعلام (٦/ ٢٣٩)، معجم المؤلفين (١٠/ ٢٢٦ - ٢٢٧).\n(^٤) انظر: معجم الشيوخ (ل ١٠٠/ ب- ١٠١/ أ)، نفائس الدرر (ل ٢/ ب)، مقدمة الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ١٠).","vol":"1","page":38},{"text":"مناقبه سماها: فضائل ابن حجر الهيتمي (^١) (^٢).\n٢ - عبد الرؤوف الواعظ: هو عبد الرؤوف بن يحيى بن عبد الرؤوف المكي الشافعي، عرف جده بالواعظ.\nولد سنة (٩٣٠ هـ)، وتوفي سنة (٩٨٤ هـ).\nتتلمذ على ابن حجر واختص به، وأخذ عنه التفسير والأصول والعربية، وأجازه بمروياته (^٣).\n٣ - محمد طاهر الهندي: هو جمال الدين محمد طاهر الملقب بملك المحدثين، الهندي.\nولد سنة (٩١٣ هـ)، وتوفي مقتولًا على يد الرافضة سنة (٩٨٦ هـ).\nمن مؤلفاته: مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار.\nتتلمذ على ابن حجر في رحلة حجه إلى مكة (^٤).\n٤ - محمد الفاكهي: هو محمد بن أحمد بن علي الفاكهي المكي الحنبلي.\nولد سنة (٩٢٣ هـ)، وتوفي سنة (٩٩٢ هـ).\nمن مؤلفاته: شرح مختصر الأنوار المسمى نور الأبصار في فقه الشافعية، ورسالة في اللغة.\nتتلمذ على ابن حجر في آخرين (^٥).\n_________\n(^١) ذكر الدكتور محمد حبيب الهيلة في كتابه التاريخ والمؤرخون بمكة (ص ٢٤١) أن هذا الكتاب مفقود، وأن الغزي اطلع عليه ونقل عنه في ترجمته لابن حجر.\n(^٢) انظر: الكواكب السائرة (٣/ ١٦٩)، النور السافر (ص ٣٥٣ - ٣٥٤)، شذرات الذهب (٨/ ٣٩٧)، المختصر من نشر النور والزهر (ص ٢٧٢ - ٢٧٣)، الأعلام (٤/ ٣٦)، معجم المؤلفين (٥/ ٢٨٣).\n(^٣) لم أعثر له على ترجمة، وإنما ذكر عرضًا في تراجم غيره مقرونًا بذكر تتلمذه على ابن حجر.\nانظر: المختصر من نشر النور والزهر (ص ٤٥٤)، (ص ٤٩٤).\n(^٤) انظر: النور السافر (ص ٣٦١)، شذرات الذهب (٨/ ٤١٠).\n(^٥) انظر: النور السافر (ص ٤٠٧ - ٤١٣)، شذرات الذهب (٨/ ٤٢٧ - ٤٢٨)، المختصر من نشر النور والزهر (ص ٤٧١ - ٤٧٣)، الأعلام (٦/ ٧)، معجم المؤلفين (٨/ ٢٩٨).","vol":"1","page":39},{"text":"٥ - أحمد بن قاسم العبادي: هو أحمد بن قاسم العبادي، القاهري، الشافعي، المتوفى سنة (٩٩٤ هـ).\nمن مؤلفاته: الآيات البينات على جمع الجوامع، وحاشية على شرح الورقات، وحاشية على تحفة المحتاج لابن حجر.\nتتلمذ على ابن حجر، وقرأ عليه عوارف المعارف للشهاب السهروردي (^١)، والورقات للجويني (^٢) وسائر تصانيفهما (^٣).\nتوفي سنة (٩٩٤ هـ).\n٦ - عبد الكريم القطبي: هو عبد الكريم بن محب الدين بن أبي عيسى علاء الدين أحمد بن محمد النهرواني الحنفي المكي، الشهير بالقطبي.\nولد سنة (٩٦١ هـ)، وتوفي سنة (١٠١٤ هـ).\nله مؤلفات، منها: اختصار تاريخ قطب الدين النهروالي، وشرح على صحيح البخاري لم يتمه.\nتولى الإفتاء بمكة سنة (٩٨٢ هـ)، وأمَّ بالمقام الحنفي سنة (٩٩٠ هـ).\nتتلمذ على ابن حجر في آخرين (^٤).\n٧ - الملا علي القاري: هو الملا علي بن سلطان محمد الهروي القاري المكي، المتوفى سنة (١٠١٤ هـ).\n_________\n(^١) هو عمر بن محمد بن عبد الله القرشي، التيمي، البكري، السهروردي، البغدادي، صوفي شافعي، من مؤلفاته: عوارف المعارف، المشيخة، أعلام الهدى وعقيدة أرباب التقى وغيرها، توفي سنة ٦٣٢ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٧٥)، طبقات الشافعية للسبكي (٨/ ٣٣٨).\n(^٢) هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني الشافعي، أبو المعالي، المعروف بإمام الحرمين، من كبار الأشاعرة وأعلامهم، من مؤلفاته: الإرشاد في أصول الاعتقاد، الشامل في أصول الدين، لمع الأدلة، وغيرها. توفي سنة ٤٦٨ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٦٨)، شذرات الذهب (٣/ ٣٥٨).\n(^٣) انظر: الكواكب السائرة (٣/ ١٢٤)، شذرات الذهب (٨/ ٤٣٤)، معجم المؤلفين (٢/ ٤٨ - ٤٩).\n(^٤) انظر: المختصر من نشر النور والزهر (ص ٢٨٠ - ٢٨٣)، معجم المؤلفين (٥/ ٣٢٠).","vol":"1","page":40},{"text":"برع في علوم عديدة، وأكثر من التصنيف، وصار علامة زمانه.\nمن مؤلفاته: رسالة في بيان الحج المبرور وضعها في تحقيق الخلاف بين شيخه ابن حجر وبعض علماء الحنفية في أن الحج هل يكفر الكبائر أم لا؟ سماها: الذخيرة الكثيرة في رجاء المغفرة للكبيرة، وتعليق على قول ابن حجر في شرح المشكاة: بجواز خلف الوعيد في رسالة سماها: القول السديد في خلف الوعيد، ورسالة في العمامة والعذبة تعقب فيها شيخه ابن حجر سماها المقالة العذبة في العمامة والعذبة، وغيرها.\nتتلمذ على ابن حجر، وأكثر النقل عنه في كتبه، وتعقبه في مواضع منها (^١).\n٨ - أبو بكر الشنواني: هو أبو بكر بن إسماعيل بن شهاب الدين عمر بن علي الشنواني، التونسي، المصري، الشافعي.\nولد سنة (٩٥٩ هـ)، وتوفي سنة (١٠١٩ هـ).\nمن مؤلفاته: حاشية على المقدمة الأزهرية في علم العربية، وحاشية على شرح قطر الندى، وحاشية على شرح الآجرومية وغيرها.\nتتلمذ على ابن حجر، وأخذ عنه الحديث والتفسير (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>ثالثًا: مؤلفاته:</span>\nبدأ ابن حجر -﵀- التأليف في سن مبكرة بمصر قبل انتقاله إلى مكة واستيطانه بها، ومن أوائل مؤلفاته شرحه على ألفية ابن مالك حيث ألفها سنة (٩٣٠ هـ) (^٣).\nوابن حجر معدود في جملة المكثرين من التصنيف حيث أربت مؤلفاته\n_________\n(^١) انظر: خلاصة الأثر في تراجم أعيان القرن الحادي عشر (٣/ ١٨٥ - ١٨٦)، المختصر من نشر النور والزهر (ص ٣٦٥ - ٣٦٩)، الأعلام (٥/ ١٢ - ١٣)، معجم المؤلفين (٧/ ١٠٠ - ١٠١).\n(^٢) انظر: خلاصة الأثر (٢/ ٢٠٤)، الأعلام (٣/ ٧٢)، معجم المؤلفين (٤/ ٢٠٤).\n(^٣) انظر: مقدمة الفتاوى الفقهية (١/ ١٠).","vol":"1","page":41},{"text":"على سبعة عشر ومائة مؤلف ما بين كتاب في مجلدات ورسالة صغيرة في أوراق.\nوقد ذكر تلميذه السيفي منها اثنين وتسعين (^١)، والباقي جاء ذكره مفرقًا في مصادر ترجمته.\nوهذه المؤلفات تناولت العديد من العلوم كالحديث، والفقه، والعقيدة، والنحو، والأخلاق، والأدب، والسيرة، والتاريخ، والتراجم (^٢).\nوسأقتصر هنا على سياق كتبه العقدية، وذكر نبذة مختصرة عن كل واحد منها:\n١ - إتمام النعمة على العالم بمولد سيد ولد آدم:\nأ- نسبته إليه: ذكره ابن حجر في كتابه مولد النبي -ﷺ- (^٣) ونسبه له تلميذه السيفي (^٤).\nب- موضوعه: ذكر ابن حجر -﵀- فيه مولد النبي -ﷺ- وأصل الاحتفال به، وحكمه، وإنكار بعض القبائح التي تصدر من بعض الناس فيه، ومختصر سيرته -ﷺ-.\nوقد رتبه على مقدمة، وبابين، وثلاثة تنبيهات، وخاتمة.\nالمقدمة بيّن فيها سبب تأليف الكتاب.\nوالباب الأول: جعله في المقدمات وذكر فيه ثلاثة فصول:\nالأول: في أصل عمل المولد.\nوالثاني: في قبائح صدرت من الناس مقترنة بعمل المولد، لا سيما بمكة المشرفة.\nوالثالث: في ذكر اختلاف العلماء في تفضيل ليلة المولد على ليلة القدر.\n_________\n(^١) انظر: نفائس الدرر (ل ٢/ أ- ص ٦/ أ).\n(^٢) انظر: ابن حجر المكي وجهوده في الكتابة التاريخية للدكتورة لمياء شافعي (ص ١٥٥ - ٤٢٩)، ابن حجر الهيتمي حياته وآثاره للسكجي (ص ١٢٠) وما بعدها.\n(^٣) انظر: (ص ٢٦ - ٢٧).\n(^٤) انظر: نفائس الدرر (ل ٥/ ب).","vol":"1","page":42},{"text":"والباب الثاني: جعله في المقاصد وذكر فيه سبعة فصول:\nالأول: في ذكر نسبه الشريف.\nوالثاني: في ذكر نبذ من أصل خلقه -ﷺ-.\nوالثالث: في ذكر شيء من شرف هذا النسب.\nوالرابع: في تزويج عبد الله بآمنة.\nوالخامس: في حمله -ﷺ-.\nوالسادس: في ولادته -ﷺ-.\nوالسابع: في رضاعه -ﷺ-.\nثم التنبيهات الثلاثة: ذكر فيها ما يتعلق بشق صدره، وخاتم النبوة، واختلاف الناس في أبويه.\nثم الخاتمة: وضمنها اختصار ما سبق.\nجـ - طبعاته: طبع الكتاب طبعات عدة.\nوقد اختصره ابن حجر نفسه في كتاب له سماه مولد النبي -ﷺ- وسيأتي الكلام عليه- (^١).\n٢ - الإعلام بقواطع الإسلام:\nأ- نسبته إليه: ذكره ابن حجر نفسه في فتح المبين (^٢)، والزواجر (^٣)، ونسبه له السيفي (^٤)، والعيدروسي (^٥) (^٦)، والغزي (^٧)، وابن العماد (^٨) (^٩).\n_________\n(^١) انظر: (ص ٥٣).\n(^٢) انظر: (ص ٦٩).\n(^٣) انظر: (١/ ٣١).\n(^٤) انظر: نفائس الدرر (ل ٤/ أ).\n(^٥) هو عبد القادر بن شيخ بن عبد الله العيدروسي الحسيني الحضرمي ثم الهندي، أديب مؤرخ، من مؤلفاته: النور السافر عن أخبار القرن العاشر، تعريف الأحياء بفضائل الإحياء، المنهاج إلى معرفة المعراج، توفي سنة ١٠٣٨ هـ.\nانظر: خلاصة الأثر (٢/ ٤٤٠)، الأعلام (٤/ ٣٩).\n(^٦) انظر: النور السافر (ص ٢٩١).\n(^٧) انظر: الكواكب السائرة (٣/ ١١٢).\n(^٨) هو عبد الحي بن أحمد بن محمد بن العماد الحنبلي، فقيه مؤرخ، من مؤلفاته: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، شرح منتهى الإرادات، معطية الأمان عن حنث الأيمان، توفي سنة ١٠٨٩ هـ.\nانظر: خلاصة الأثر (٢/ ٣٤٠)، مختصر نشر النور والزهر (١/ ١٩٥).\n(^٩) انظر: شذرات الذهب (٨/ ٣٧١).","vol":"1","page":43},{"text":"ب- موضوعه: ذكر ابن حجر -﵀- فيه الألفاظ التي يكفر بها قائلها، ونقل عن أئمة المذاهب الفقهية ما أوردوه في كتبهم من الكلام عليها فبدأ بالألفاظ التي عدها الشافعية كفرًا، ثم الحنفية، ثم المالكية، ثم الحنابلة.\nجـ - طبعاته: طبع الكتاب طبعات عدة.\n٣ - بيان حقية خلافة الصديق وإمارة ابن الخطاب:\nأ- نسبته إليه: ذكره ابن حجر نفسه في مقدمة الصواعق المحرقة (^١).\nب- موضوعه: بيان أحقية الصديق والفاروق -﵄- بالخلافة، والرد على الرافضة في ذلك.\nثم زاد عليه أضعاف ما فيه، وأطلق عليه الصواعق المحرقة -كما سيأتي- (^٢).\nجـ - نسخه: توجد منه نسخ خطية عدة، منها:\n١ - بمكتبة الحرم المكي برقم: [٣٧٤٢] عام.\n٢ - بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية برقم: [٨٦٦٩].\n٣ - بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية برقم: [٤٥٤/ ٧].\n٤ - تحفة الزوار إلى قبر النبي المختار:\nأ- نسبته إليه: انفرد بنسبته إليه البغدادي (^٣) (^٤).\nب- موضوعه: ذكر فيه ابن حجر -﵀- مشروعية الزيارة، واستحباب شد الرحال إليها، وتوسل الزائر وتشفعه بالنبي -ﷺ-، وآداب المجاورة بالمدينة، والمساجد والآثار التي ينبغي زيارتها.\n_________\n(^١) انظر: (١/ ٥).\n(^٢) انظر: (ص ٥٠).\n(^٣) هو إسماعيل بن محمد أمين بن مير سليم الباباني البغدادي، مؤرخ أديب، من مؤلفاته: إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون، هدية العارفين إلى أسماء الكتب المؤلفين وآثار المصنفين، توفي سنة ١٣٣٩ هـ.\nانظر: إيضاح المكنون (١/ ١٥٨)، الأعلام (١/ ٣٢٦).\n(^٤) انظر: هدية العارفين (١/ ١٤٦)، إيضاح المكنون (١/ ٢٤٩).","vol":"1","page":44},{"text":"وقد رتّبه على مقدمة، وأربعة أبواب، وخاتمة.\nفالمقدمة: في ذكر آداب السفر والزيارة.\nوأما الأبواب:\nفالأول: في ذكر الأحاديث الواردة في الزيارة.\nوالثاني: في تأكد مشروعيتها وقربها من درجة الوجوب.\nوالثالث: في توسل الزائر وتشفعه به -ﷺ-.\nوالرابع: في آداب المجاورة بالمدينة.\nوأما الخاتمة: فذكر فيها المنبر الشريف، وحدود المسجد النبوي، وما زيد فيه.\nجـ - طبعاته: طبع الكتاب بتحقيق السيد أبو عِمّة.\n٥ - تطهير الجنان واللسان عن الخوض والتفوه بثلب معاوية بن أبي سفيان، مع المدح الجلي وإثبات الحق العلي لمولانا أمير المؤمنين علي (^١):\nأ- نسبته إليه: نسبه له الكتاني (^٢)، والبغدادي (^٣).\nب- موضوعه: بيّن فيه ابن حجر -﵀- فضل معاوية والرد على الرافضة في سبهم له، مع إثبات الحق لعلي بن أبي طالب -﵄-.\nورتبه على مقدمة، وثلاثة فصول، وخاتمة.\nاشتملت المقدمة على وجوب محبة جميع أصحاب رسول الله -ﷺ-، ومن أكابرهم معاوية -﵁-.\nالفصل الأول: في إسلام معاوية.\nالفصل الثاني: في فضائله ومناقبه وخصوصياته وعلومه واجتهاده.\n_________\n(^١) ذكر السيفي في نفائس الدرر (ل ٥/ ب) أن ابن حجر له مؤلفان في معاوية؛ أحدهما أبسط من الآخر، وكلاهما يسمى تطهير اللسان والجنان عن الخوض والتفوه بثلب معاوية بن أبي سفيان -﵁-، والذي بين أيدينا الآن كتاب واحد، ويظهر -والله أعلم- أنه المبسوط منهما، انظر: دراسة الباحثة مديحة السدحان (ص ٤٧ - ٤٨).\n(^٢) انظر: فهرس الفهارس (ص ٣٩٣).\n(^٣) انظر: هدية العارفين (١/ ١٤٦)، إيضاح المكنون (١/ ٢٩٤).","vol":"1","page":45},{"text":"الفصل الثالث: في الجواب عن أمور طعَن عليه بعضُهم بها.\nالخاتمة في ذكر أمور وفوائد مجموعة.\nجـ - طبعاته: طبع الكتاب طبعات عدة، وحققته الباحثة مديحة السدحان لنيل درجة الماجستير في الرئاسة العامة لتعليم البنات كلية الآداب سنة ١٤٠٨ هـ.\n٦ - التعرف في الأصلين والتصوف:\nأ- نسبته إليه: نسبه له السيفي (^١)، والعيدروسي (^٢)، ومرداد (^٣) (^٤).\nب- موضوعه: هو متن مختصر ذكر فيه ابن حجر -﵀- مسائل: أصول الفقه، وأصول الدين، والتصوف بإيجاز شديد.\nجـ - طبعاته: طبع الكتاب بحاشية شرحه التلطف في الوصول إلى التعرف لابن علان الصديقي (^٥) بمطبعة الترقي الماجدية العثمانية بمكة سنة ١٣٣٠ هـ، ولم أقف على طبعة سواها.\nوقد شرح الكتاب شروحًا عدة، لم يطبع منها إلا الشرح المذكور.\n٧ - الجوهر المنظم في زيارة القبر المكرم:\nأ- نسبته إليه: نسبه له السيفي (^٦)، والغزي (^٧)، والبغدادي (^٨).\n_________\n(^١) انظر: نفائس الدرر (ل ٥/ ب).\n(^٢) انظر: النور السافر (ص ٢٩١).\n(^٣) هو عبد الله بن أحمد أبي الخير بن عبد الله بن محمد بن مرداد، فقيه مؤرخ، من مؤلفاته: المختصر في نشر النور والزهر في تراجم أفاضل مكة، إتحاف ذوي التكرمة في بيان عدم دخول الطاعون مكة المعظمة، توفي سنة ١٣٤٣ هـ.\nانظر: الأعلام (٤/ ٧٠)، مقدمة كتابه المختصر (ص ٣٠).\n(^٤) انظر: المختصر من نشر النور والزهر (ص ١٢٣).\n(^٥) هو محمد بن علي بن محمد بن علان البكري الصديقي، أشعري شافعي، من مؤلفاته: دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، التلطف في الوصول إلى التعرف، الفتوحات الربانية على الأذكار النووية، توفي سنة ١٠٥٧ هـ.\nانظر: خلاصة الأثر (٤/ ١٨٤)، الأعلام (٦/ ٢٩٣).\n(^٦) انظر: نفائس الدرر (ل ٥/ ب).\n(^٧) انظر: الكواكب السائرة (٣/ ١١٢).\n(^٨) انظر: هدية العارفين (١/ ١٤٦).","vol":"1","page":46},{"text":"ب- موضوعه: ذكر فيه ابن حجر -غفر الله له- مشروعية الزيارة، واستحباب شد الرحال إليها، وبين آدابها.\nوقد رتبه على مقدمة، وثمانية فصول، وخاتمة.\nفالمقدمة: في آداب السفر.\nوأما الفصول:\nفالأول: في مشروعية زيارة قبر النبي -ﷺ-.\nوالثاني: في فضائل الزيارة وفوائدها.\nوالثالث: في التحذير من ترك زيارته -ﷺ-.\nوالرابع: في بيان الأفضل للحاج هل هو تقديم الزيارة أو الحج؟\nوالخامس: فيما يتأكد على الزائر في طريقه فعله.\nوالسادس: فيما يسن له فعله من حين دخوله المدينة الشريفة.\nوأما الخاتمة: فهي في آداب الزائر عند رجوعه.\nجـ - طبعاته: طبع الكتاب طبعات عدة.\n٨ - الدرر الزاهرة في كشف بيان الآخرة:\nأ- نسبته إليه: انفرد بنسبته إليه الزركلي (^١)، وذكر أنه مخطوط ضمن مجموع (^٢).\nب- نسخه: لم أقف على نسخة منه.\n٩ - الزواجر عن اقتراف الكبائر:\nأ- نسبته إليه: نسبه له معظم مترجميه، منهم: السيفي (^٣)، والعيدروسي (^٤)، والغزي (^٥)، وابن العماد (^٦)، ومرداد (^٧).\n_________\n(^١) هو خير الدين محمود بن محمد بن علي الزركلي الدمشقي، أديب مؤرخ، من مؤلفاته: الأعلام، شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز، ديوان شعري، توفي سنة ١٣٩٦ هـ.\nانظر: الأعلام (٨/ ٢٦٧).\n(^٢) انظر: الأعلام (١/ ٢٣٤).\n(^٣) انظر: نفائس الدرر (ل ٥/ أ).\n(^٤) انظر: النور السافر (ص ٢٩١).\n(^٥) انظر: الكواكب السائرة (٣/ ١١٢).\n(^٦) انظر: شذرات الذهب (٨/ ٣٧١).\n(^٧) انظر: المختصر من نشر النور والزهر (ص ١٢٣).","vol":"1","page":47},{"text":"ب- موضوعه: ذكر ابن حجر فيه تعريف الكبيرة وأنواعها وأحكامها، ثم عرض مجموعة من الكبائر وأورد تحت كل منها أدلة تحريمها، وبيّن أقوال العلماء فيها، وبلغ عدد ما أورده من الكبائر (٤٦٧) كبيرة.\nوقد رتب كتابه هذا على مقدمة، وبابين، وخاتمة.\nذكر في المقدمة: تعريف الكبيرة وأقوال أهل العلم فيها.\nوفي الباب الأول: الكبائر الباطنة.\nوفي الباب الثاني: الكبائر الظاهرة.\nوالخاتمة: اشتملت على الكلام في أربعة أمور:\n١ - فضائل التوبة وما يتعلق بها.\n٢ - وصف يوم الحشر والحساب والشفاعة.\n٣ - ذكر النار وما يتعلق بها.\n٤ - ذكر الجنة وما يتعلق بها.\nجـ - طبعاته: طبع الكتاب طبعات عدة، وهو يحتاج إلى خدمة وتحقيق؛ إذ لم يحظ -حسب اطلاعي- بتحقيق علمي يليق به.\nولأهل العلم -﵏- عناية فائقة بالكتاب تمثلت في نظمهم إياه، وشرحهم عليه، واختصارهم له (^١).\nوقد ترجم الكتاب إلى الأردية وطبع بعنوان تزكية الخواطر في ترجمة الزواجر سنة ١٣٢٨ هـ (^٢).\n١٠ - شرح عقيدة ابن عراق:\nأ- نسبته إليه: نسبه له السيفي، وقال عنه: لم يتمه (^٣).\n_________\n(^١) انظر ما ذكره الدكتور وليد العلي أوائل تحقيقه لكتاب الذخائر لشرح منظومة الكبائر للسفاريني: (ص ٧٩ - ٨٢).\n(^٢) انظر: معجم المطبوعات العربية في شبه القارة الهندية للدكتور أحمد خان (ص ١٢٠).\n(^٣) انظر: نفائس الدرر (ل ٦/ أ).","vol":"1","page":48},{"text":"ب- نسخه: لم أقف له على نسخة -بعد البحث-.\n١١ - شرح العوارف:\nأ- نسبته إليه: انفرد بنسبته له تلميذه السيفي (^١).\nب- موضوعه: الذي يظهر لي -والله أعلم- أنه شرح لعوارف المعارف لأبي حفص السهروردي البغدادي الشافعي، ويؤيد ذلك أن ابن حجر قرأه على شيوخه، وأقرأه لتلاميذه (^٢).\nوإذا تحقق ذلك فإن موضوع الكتاب التصوف وما يتعلّق به.\nجـ - نسخه: لم أجد له نسخة -بعد البحث-.\n١٢ - شرح كتاب عين العلم:\nأ- نسبته إليه: نقل عنه ابن حجر في الخيرات الحسان (^٣)، وأكثر النقل عنه القاري في شرحه (^٤)، ونسبه له السيفي (^٥)، والعيدروسي (^٦)، ومرداد (^٧).\nب- موضوعه: شرح كتاب عين العلم وهو كتاب ألفه أحد علماء الهند اختصر فيه إحياء علوم الدين للغزالي (^٨).\nجـ - نسخه: لم أجد له نسخة -بعد البحث-.\n١٣ - شرح منظومته في أصول الدين:\nأ- نسبته إليه: نسبه له السيفي (^٩)، ومرداد (^١٠).\n_________\n(^١) انظر: نفائس الدرر (ل ٦/ أ).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (ل ٥ /أ)، أسانيد الفقيه ابن حجر (ص ٨٢، ١٠٩).\n(^٣) انظر: (ص ١٤ - ١٨).\n(^٤) انظر: معين العلم المصطفى من عين العلم شرح مولانا الشيخ علي القاري اختصار شعبان عيسى أبي العلا (ص ي).\n(^٥) انظر: نفائس الدرر (ل ٦/ أ).\n(^٦) انظر: النور السافر (ص ٢٩١).\n(^٧) انظر: المختصر من نشر النور والزهر (ص ١٢٣).\n(^٨) انظر: كشف الظنون (٢/ ١١٨٢).\n(^٩) انظر: نفائس الدرر (ل ٥/ ب).\n(^١٠) انظر: المختصر من نشر النور والزهر (ص ١٢٣).","vol":"1","page":49},{"text":"قال السيفي عنه: لم يجاوز فيه الخطبة (^١).\nب- موضوعه: شرح فيه منظومته في أصول الدين -وسيأتي الكلام عليها- (^٢).\nجـ- نسخه: لم أقف على نسخة منه -بعد البحث-.\n١٤ - الصواعق المحرقة لإخوان الشياطين أهل الضلال والبدع والزندقة:\nأ- نسبته إليه: ذكره ابن حجر في فتح المبين (^٣)، والزواجر (^٤).\nونسبه له السيفي (^٥)، والعيدروسي (^٦)، ومرداد (^٧)، وحاجي خليفة (^٨) (^٩)، والبغدادي (^١٠).\nب- موضوعه: ذكر فيه ابن حجر -﵀- الكلام عن الإمامة والصحابة، وما يتعلق بالخلافة الراشدة، وآل بيت النبوة، والرد على المخالفين في ذلك.\nوقد رتبه على ثلاث مقدمات، وأحد عشر بابًا (^١١)، وخاتمة.\nأما المقدمات:\nفالأولى: في الداعي لتأليف الكتاب.\nوالثانية: في الإجماع على وجوب تنصيب الإمام.\nوالثالثة: في طريق ثبوت الخلافة.\n_________\n(^١) انظر: نفائس الدرر (ل ٥/ ب).\n(^٢) انظر: (ص ٥٣).\n(^٣) انظر: (ص ٤٣، ١٣٠، ٢٠٢، ٢٧٦).\n(^٤) انظر: (٢/ ٢٣١).\n(^٥) انظر: نفائس الدرر (ل ٥/ ب).\n(^٦) انظر: النور السافر (ص ٢٩١).\n(^٧) انظر: المختصر من نشر النور والزهر (ص ١٢٣).\n(^٨) هو مصطفى بن عبد الله كاتب جلبي المشهور بحاجي خليفة، مؤرخ بحاثة، من مؤلفاته: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، تحفة الكبار في أسفار البحار، وتقويم التواريخ، توفي سنة ١٠٦٧ هـ.\nانظر: مقدمة كتابه كشف الظنون (١/ و)، الأعلام (٦/ ٢٣٦).\n(^٩) انظر: كشف الظنون (٢/ ١٠٨٣).\n(^١٠) انظر: هدية العارفين (١/ ١٤٦).\n(^١١) ذكر ابن حجر في مقدمته (١/ ٦) أن عدد أبواب الكتاب عشرة أبواب، ولكن وقع عددها في الكتاب أحد عشر بابًا فلعل الحادي عشر قد زاده ابن حجر بعد كتابته المقدمة.","vol":"1","page":50},{"text":"وأما الأبواب:\nفالأول: في بيان كيفية خلافة الصديق -﵁- والاستدلال على حقيقتها بالأدلة النقلية والعقلية.\nوالثاني: فيما جاء عن أكابر أهل البيت من مزيد الثناء على الشيخين.\nوالثالث: في بيان أفضلية أبي بكر على سائر هذه الأمة ثم عمر ثم عثمان ثم علي.\nوالرابع: في خلافة عمر -﵁-.\nوالخامس: في فضائله وخصوصياته.\nوالسادس: في خلافة عثمان -﵁-.\nوالسابع: في فضائله ومآثره.\nوالثامن: في خلافة علي -﵁- ومقتل عثمان -﵁-.\nوالتاسع: في مآثر علي وفضائله وأحواله.\nوالعاشر: في خلافة الحسن وفضائله وكراماته -﵁-.\nوالحادي عشر: في فضائل أهل البيت النبوي.\nوأما الخاتمة:\nففي بيان اعتقاد أهل السنة في الصحابة، وقتال معاوية وعلي -﵄- وحقيقة خلافة معاوية بعد نزول الحسن له عنها، والاختلاف في كفر ولده يزيد ولعنه.\nجـ - طبعاته: طبع الكتاب طبعات عدة، وحققه كل من صالح الحميدي، ومها آل عبد اللطيف، وصباح الأهدل في ثلاث رسائل تقدموا بها لنيل درجة الماجستير بجامعة أم القرى كلية الدعوة وأصول الدين سنة ١٤٢٠ هـ.\nوقد ترجم الكتاب في القرن الحادي عشر الهجري وطبع باللغة الفارسية.\nومنذ تأليف ابن حجر -﵀- لهذا الكتاب توالت ردود الرافضة عليه (^١)،\n_________\n(^١) انظر ما ذكره الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة: (٣/ ٨٩، ١٥٣، ١٥٤)، (١٠/ ٢٠٤)، (١٤/ ٢٥٨، ٢٤٩)، (٢٦/ ٨٣).","vol":"1","page":51},{"text":"وانتصار أهل السنة له (^١).\n١٥ - القول المختصر في علامات المهدي المنتظر (^٢):\nأ- نسبته إليه: ذكره ابن حجر في الزواجر (^٣)، ونسبه له السيفي (^٤)، والكتاني (^٥)، والبغدادي (^٦).\nب- موضوعه: ذكر ابن حجر فيه الكلام على المهدي المنتظر، ورتبه على مقدمة، وثلاثة أبواب، وخاتمة.\nذكر في الباب الأول: ما جاء عن النبي -ﷺ- في علامات المهدي وخصوصياته.\nوفي الباب الثاني: ما جاء عن الصحابة -﵃-.\nوفي الباب الثالث: ما جاء عن التابعين -﵏-.\nوالكتاب في جملته تلخيص لكتاب الحافظ السيوطي المسمى: \"العرف الوردي في أخبار المهدي\" (^٧)، وكتاب القناعة فيما يحسن الإحاطة به من أشراط الساعة للحافظ السخاوي (^٨).\nجـ - طبعاته: طبع الكتاب طبعات عدة.\n_________\n(^١) انظر: دراسة الباحث صالح الحميدي التي قدم بها تحقيقه القسم. الأول من الكتاب (ص ١٢٣).\n(^٢) ورد تسمية الكتاب بـ \"الدرر في علامات المهدي المنتظر\" في الزواجر (١/ ٢٠٤).\n(^٣) انظر: (١/ ٢٠٤).\n(^٤) انظر: نفائس الدرر (ل ٦/ أ).\n(^٥) انظر: فهرس الفهارس (١/ ٣٣٩).\n(^٦) انظر: هدية العارفين (١/ ١٤٦)، إيضاح المكنون (٢/ ٢٥٣).\n(^٧) انظر: الحاوي له (٢/ ٨٥) وما بعدها.\n(^٨) هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد، شمس الدين، السخاوي، شافعي محدث، من مؤلفاته: القناعة فيما يحسن الإحاطة به من أشراط الساعة، فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، توفي سنة ٩٠٢ هـ.\nانظر: الضوء اللامع (٨/ ٢)، شذرات الذهب (٨/ ١٥).","vol":"1","page":52},{"text":"١٦ - كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع:\nأ - نسبته إليه: نسبه له السيفي (^١)، والعيدروسي (^٢)، وابن العماد (^٣)، وغيرهم.\nب - موضوعه: الرد على كتاب فرح الأسماع برخص السماع لمؤلفه محمد بن أحمد بن محمد التونسي المالكي الشاذلي القاهري المشهور بأبي المواهب (^٤).\nوقد رتبه على مقدمة وبابين:\nالمقدمة: ذكر فيها ثلاثة وعشرين حديثًا في ذم المزامير.\nوالباب الأول: وضح فيه أنواع الغناء وأحكامه وآلاته.\nوالباب الثاني: بيّن فيه أنواع اللهو واللعب وأحكامها.\nجـ - طبعاته: طبع الكتاب قديمًا بذيل الزواجر سنة ١٣٩٨ هـ، واستقلالًا مرات عدة.\n١٧ - منظومة في أصول الدين:\nأ - نسبتها إليه: نسبها له السيفي (^٥)، والعيدروسي (^٦)، ومرداد (^٧).\nب - شروحها: شرحها - ابن حجر نفسه - كما تقدم - (^٨).\nجـ - نسخها: لم أقف على نسخة منها - بعد البحث -.\n١٨ - مولد النبي - ﷺ -:\nأ - نسبته إليه: نسبه له السيفي (^٩)، الكتاني (^١٠)، البغدادي (^١١).\n_________\n(^١) انظر: نفائس الدرر (ل ٤/ ب - ص ٥/ أ).\n(^٢) انظر: النور السافر (ص ٢٩١).\n(^٣) انظر: شذرات الذهب (٨/ ٣٧١).\n(^٤) هو محمد بن أحمد بن محمد التونسي الشاذلي القاهري، الوفائي، أبو المواهب، صوفي مالكي، من مؤلفاته: فرح الأسماع برخص السماع، شرح الحكم العطائية، ودواوين شعر وغيرها، توفي سنة ٨٥٠ هـ.\nانظر: معجم المؤلفين (٩/ ١٤٢).\n(^٥) انظر: نفائس الدرر (ل ٥/ ب).\n(^٦) انظر: النور السافر (ص ٢٩١).\n(^٧) انظر: المختصر من نشر النور والزهر (ص ١٢٣).\n(^٨) انظر: (ص ٤٩).\n(^٩) انظر: نفائس الدرر (ل ٥/ ب).\n(^١٠) انظر: فهرس الفهارس (١/ ٣٣٩).\n(^١١) انظر: هدية العارفين (١/ ١٤٦)، إيضاح المكنون (٢/ ٦٦١).","vol":"1","page":53},{"text":"ب - موضوعه: اختصر فيه كتابه إتمام النعمة الكبرى على العالم بمولد سيد ولد آدم.\nص - طبعاته: طبع الكتاب طبعات عدة، وكتب عليه شروح كثيرة (^١).\n١٩ - النفحات المكية:\nأ - نسبته إليه: نسبه له السيفي (^٢)، وقال عنه: لم يتمه.\nب - موضوعه: بيان جملة من الفوائد، والكلام في الميزان والكلام والرد على الرافضة.\nوقد رتبه على مقدمة، وقسمين، وخاتمة.\nفالمقدمة: في بيان فوائد تعرف بها القواعد.\nوالقسم الأول: في الميزان.\nوالقسم الثاني: في الكلام.\nوالخاتمة: في الرد على الرافضة والشيعة (^٣).\nجـ - نسخه: لم أقف على نسخة منه - بعد البحث -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>رابعًا: مذهبه العقدي:</span>\nيعد - ابن حجر - غفر الله له وتجاوز عنا وعنه - من متأخري الأشاعرة الذين يجمعون بين الأشعرية والتصوف.\nوقد صرح بذلك في معجم شيوخه فقال في آخره (^٤): \"وكتبه الفقير إلى عفو ربه وكرمه ... أحمد بن محمد بن علي السلمنتي أصلًا، والهيتمي مولدًا، والأزهري مربى ومنشأ، والصوفي إرشادًا، والجنيدي اتباعًا وانقيادًا، والأشعري اعتقادًا، والوائلي السعدي نسبًا، والشافعي مذهبًا\".\nوذكر في غير موضع من كتبه أن أهل السنة عند الإطلاق المراد بهم\n_________\n(^١) انظر: ابن حجر المكي حياته وآثاره للسكجي (ص ٢٦٥)، وابن حجر المكي وجهوده في الكتابة التاريخية للمياء شافعي (ص ٢٨٩).\n(^٢) انظر: نفائس الدرر (ل ٥/ ب).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (ل ٥/ ب).\n(^٤) معجم شيوخه (ل ١١٤/ أ).","vol":"1","page":54},{"text":"الأشعرية والماتريدية (^١)، منها قوله: \"المراد بأهل السنة حيث أطلقوا أتباع أبي الحسن الأشعري (^٢)، وأبي منصور الماتريدي\" (^٣) (^٤) وقوله: \"اتفق أهل الحق، وهم فريقان: الأشاعرة، والحنفية\" (^٥).\nونظرة عجلى في معجم شيوخه، وأسانيده للفاداني، ومصادر ترجمته، تؤكد هذه الحقيقة وتجليها، فهو يروي الكتب الأشعرية والصوفية، ويدرسها لتلاميذه (^٦)، وله سند بخرقة التصوف (^٧)، كما أنه شديد التعظيم لابن عربي (^٨) والتلمساني (^٩) وأضرابهما (^١٠)، شديد الخصومة لشيخ الإسلام\n_________\n(^١) انظر: المنح المكية (٣/ ١٤٥٣)، الزواجر (١/ ٩٩)، تطهير الجنان (ص ٣٦)، المولد الشريف (٦٥)، الفتاوى الحديثية (ص ٣٧٠)، التعرف (ص ١٢٣ - ١٢٤، ١٢٦، ١٣٠، ١٣١).\n(^٢) هو علي بن إسماعيل بن سالم بن إسماعيل الأشعري أبو الحسن، شيخ الأشاعرة وإمامهم، مر بثلاثة أطوار في حياته: طور انتحل فيه الاعتزال، وطور سلك فيه مسلك ابن كلاب، وطور نهج فيه منهج السلف مع لوثة اعتزالية، من مؤلفاته: مقالات الإسلاميين، الإبانة، اللمع وغيرها، توفي سنة ٢٣٤ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٨٥)، شذرات الذهب (٢/ ٣٠٣).\n(^٣) هو محمد بن محمد بن محمود أبو منصور الماتريدي السمرقندي، إمام الماتريدية ومقدمهم، من مؤلفاته: كتاب التوحيد، تأويلات أهل السنة، رسالة في الإيمان وغيرها، توفي سنة ٣٣٣ هـ.\nانظر: الجواهر المضية للقرشي (٣/ ٣٦٠)، تاج التراجم لابن قطلوبغا (ص ٥٩).\n(^٤) تطهير الجنان واللسان (ص ٧).\n(^٥) فتح المبين (ص ٦٨).\n(^٦) انظر: نفائس الدرر (ل ٥/ أ)، أسانيد الفقيه - ابن حجر للفاداني (ص ٨٢).\n(^٧) نفائس الدرر (ل ١٤/ أ).\n(^٨) هو محمد بن علي بن محمد الحاتمي الطائي الأندلسي الشهير بابن عربي، الملقب عند المتصوفة بالشيخ الأكبر ومحيي الدين، من مؤلفاته: فصوص الحكم، الفتوحات المكية، التفسير، توفي سنة ٦٣٨ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٤٨)، شذرات الذهب (٥/ ١٩٠).\n(^٩) هو سليمان بن علي بن عبد الله بن علي الكومي التلمساني المشهور بعفيف الدين، أحد زنادقة الصوفية، من مؤلفاته: شرح الفصوص، شرح منازل السائرين، شرح القصيدة العينية لابن سينا، توفي سنة ٦٩٠ هـ.\nانظر: العبر للذهبي (٣/ ٣٧٢)، شذرات الذهب (٥/ ٤١٢).\n(^١٠) انظر: الزواجر (١/ ٥٦ - ٥٧)، المنح المكية (٣/ ١٤٦٩)، الفتاوى الحديثية (ص ٣٨٨).","vol":"1","page":55},{"text":"ابن تيمية (^١) وتلميذه العلامة - ابن القيم (^٢) - كما سيأتي -.\nولجمع - ابن حجر - عفا الله عنه - بين كل ذلك من جهة، وشهرته العلمية في عصره وما بعده من جهة أخرى؛ أصبح مقدمًا عند القوم، وكتبه مصدرًا لتقرير آرائهم، وبخاصة في المسائل التي حمل لواءها كالقول باستحباب التوسل بالنبي - ﷺ - بإطلاق، وشد الرحال إلى قبره، والاحتفال بمولده، والقول بحياته حياة حقيقية لا برزخية، وإسلام أبويه ... إلخ.\nوكتب القوم تنطق بهذا، وتفصح عنه أيما إفصاح، واعتبر ذلك في كتب خصوم الدعوة السلفية (^٣).\nولهذا كان لأئمة الدعوة السلفية - ﵏ - كلام شديد في - ابن حجر - غفر الله له - وردود قوية عليه في المسائل التي زل فيها مما نقله عنه المتصوفة القبورية في كتبهم، بينوا بها ضعف أدلته، وزيف أقواله (^٤).\n_________\n(^١) هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحراني، أبو العباس، تقي الدين، علم من أعلام السنة، وإمام من أئمة المسلمين، له مؤلفات لا تحصى كثرة، منها: النبوات، درء تعارض العقل والنقل، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح وغيرها. توفي سنة ٧٢٨ هـ.\nانظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٢/ ٣٨٧)، شذرات الذهب (٦/ ٨٠).\n(^٢) هو محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزُّرَعي، ثم الدمشقي، أبو عبد الله، شمس الدين، من أئمة السنة، وأعلام السلف، من مؤلفاته: الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية وغيرها، توفي سنة ٧٥١ هـ.\nانظر: ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٧)، شذرات الذهب (٦/ ١٦٨).\n(^٣) انظر: الدرر السنية في الرد على الوهابية لأحمد زيني دجلان (ص ٤، ٦، ٧، ١٠، ٢٣، ٣٠)، نصرة الإمام السبكي برد الصارم المنكي لإبراهيم السمنودي (ص ٢٣، ٥٥، ٧٦، ٧٧، ٩٩، ١٣٤، ١٣٧، ١٣٩، ١٤٣، ٢١٤)، شواهد الحق في الاستغاثة بخير الخلق للنبهاني (ص ٥٨، ٦٠، ٦٢، ٨٦، ١٠١، ١٠٢، ١٤٢، ٢١٥، ٣٢٩، ٣٤٣)، إرغام المريد للكوثري (ص ٦)، مفاهيم يجب أن تصحح لعلوي مالكي (ص ٢١٣)، الذخائر المحمدية له (ص ٣٧، ٤٨، ٦٦، ١٣٢)، أبواب الفرج له (ص ٣٠٤).\n(^٤) انظر: الدرر السنية (١/ ٢٣٦)، مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (٥/ ٥٤٢) (٤/ ٣٧١)، البيان المبدي لشناعة القول المجدي للشيخ سليمان بن سحمان (ص ٦٧ - ٦٨) =","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>خامسًا: مذهبه الفقهي:</span>\nيعد ابن حجر - ﵀ - من محققي الشافعية المتأخرين الذين يرجع إليهم في تحقيق المذهب، ويعمل بترجيحهم في الفتوى؛ ولهذا أصبحت كتبه محل حفاوة الشافعية بعده حيث كثرت العناية بها، وتعددت أوجه خدمتها اختصارًا وشرحًا وتحشية واستدراكًا، خصوصًا كتبه الفقهية كتحفة المحتاج بشرح المنهاج، وفتح الجواد بشرح الإرشاد، وحاشيته، وشرح العباب، والمنهاج القويم شرح مسائل التعليم وغيرها (^١).\nوقد قرر جمع من متأخري فقهاء الشافعية أن من كان من أهل الترجيح في المذهب والقدرة على التصحيح يختار في فتواه ما يظهر ترجيحه من كلام الشيخين الرافعي (^٢) والنووي (^٣)، وأما من لم يكن أهلًا لذلك فهو بالخيار بين أن يأخذ بترجيح ابن حجر أو الرملي (^٤).\n_________\n= والصواعق المرسلة الشهابية له (ص ٢٧٧)، والأسنة الحداد في رد شبهات علوي الحداد له (ص ٢٠٧، ٢٠٩).\n(^١) انظر: ابن حجر المكي وجهوده في الكتابة التاريخية (ص ١٧١ - ٢١٤).\nوقد قدمت رسالتان علميتان لدراسة الجوانب الفقهية عند ابن حجر - ﵀ -.\nالأولى: \"الشيخ شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي المكي وأثره في علم الفقه\" للباحث حسين عبد الحميد أبي العلاء تقدم بها لنيل درجة الدكتوراه بكلية الشريعة والقانون بالأزهر سنة ١٤٠٣ هـ.\nوالأخرى: \"الإمام ابن حجر الهيتمي، وأثره في الفقه الشافعي\" للباحث أمجد رشيد محمد تقدم بها لنيل درجة الماجستير بكلية الشريعة بالجامعة الأردنية سنة ١٤٢٠ هـ.\n(^٢) هو عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسين الرافعي القزويني، من أئمة الشافعية، من مؤلفاته: الفتح العزيز في شرح الوجيز، شرح مسند الشافعي، الأمالي، توفي سنة ٦٢٣ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٢٥٢)، شذرات الذهب (٥/ ١٠٨).\n(^٣) هو يحيى بن شرف بن مُري بن حسن بن حسين الحزامي النووي، أبو زكريا، المشهور بالنووي، أحد أعلام الشافحية، من مؤلفاته: المجموع شرح المهذب، شرح صحيح مسلم، رياض الصالحين، توفي سنة ٦٧٦ هـ.\nانظر: تذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ١٤٧٠)، طبقات الشافعية الكبرى (٥/ ١٦٥).\n(^٤) هو محمد بن أحمد بن حمزة الرملي الأنصاري، من فقهاء الشافعية المتأخرين، من مؤلفاته: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، غاية البيان في شرح زبد ابن رسلان، شرح =","vol":"1","page":57},{"text":"والعمل بترجيح ابن حجر هو قول شافعية حضرموت، والشام، والأكراد، وداغستان، وأكثر أهل الحرمين واليمن.\nوالعمل بترجيح الرملي هو قول شافعية مصر، وبعض أهل الحرمين واليمن (^١).\nولهذا عني متأخرو الشافعية بعد ابن حجر والرملي - رحمهما الله - بالمحاكمة بينهما، والترجيح بين أقولهما، وأفردوا لذلك كتبًا ورسائل (^٢).\n* * *\n_________\n= شروط الإمامة لوالده، توفي سنة ١٠٠٤ هـ.\nانظر: خلاصة الأثر (٣/ ٣٤٢)، الأعلام (٦/ ٧).\n(^١) انظر: الفوائد المدنية للكردي (ص ١٦ - ١٧، ٢٣ - ٢٧)، الفوائد المكية للسقاف (ص ٣٦ - ٣٧)، وللاستزادة: المذهب عند الشافعية د. محمد إبراهيم (ص ٤١ - ٤٣)، المدخل إلى مذهب الشافعي د. أكرم القواسمي (ص ٤١٤ - ٤١٥).\n(^٢) من الكتب المفردة في ذلك:\n١ - منظومة كشف الغطاء واللبس عند اختلاف ابن حجر والشمس للفقيه مصطفى بن إبراهيم بن حسن العلواني الشافعي، ومنها نسخة خطية محفوظة في الخزانة العامة بالرباط برقم (١٩٠٢/ د).\n٢ - فتح العلي في الخلاف بين ابن حجر والرملي للفقيه عمر بن حامد بافرج التريمي الحضرمي، ومنه نسخة خطية محفوظة بمكتبة تريم باليمن برقم (٣٠٣٣).\n٣ - إثمد العينين في بيان اختلاف الشيخين للفقيه علي بن أحمد باصبرين الحضرمي ثم الحجازي، مطبوع بهامش بغية المسترشدين مرات، وطبع أخيرًا مستقلًا بدار الفكر المعاصر بدمشق.","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>المبحث الثاني مصادر ابن حجر في تلقي العقيدة، ومنهجه في تقريرها</span>\nيحسن قبل عرض آراء ابن حجر - ﵀ - الاعتقادية وتقويمها ذكر مصادره في تلقي العقيدة ومنهجه في تقريرها.\nوفيما يلي بيان ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>أولًا: مصادره في تلقي العقيدة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>١ - القرآن الكريم:</span>\nعَرَّف - ابن حجر - ﵀ - القرآن بقوله: \"القرآن: مصدر قرأ، إذا جمع لجمعه السور المختلفة وعلوم الأولين والآخرين، وقيل: إذا أُلِفَ لحسن نظمه وتأليفه\" (^١).\n\"وهو هنا اللفظ المنزل على محمد - ﷺ - للإعجاز بأقصر سورة منه\" (^٢).\nوتعبير ابن حجر - غفر الله له - عنه باللفظ هنا مبني على قوله بأن كلام الله معنى قائم بنفسه، وأن القرآن إنما هو عبارة عنه - كما سيأتي - (^٣).\nوقد بيّن ابن حجر - ﵀ - اشتمال القرآن الكريم على كل شيء، فقال: \"ما من شيء إلا ويمكن استخراجه من القرآن لمن فهمه الله تعالى ... \" (^٤).\nوذكر - ﵀ - جملة من العلوم التي اشتمل عليها القرآن الكريم، وقرر أصولها أحسن تقرير، واستدل لها بأقرب طريق، حيث قال:\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ٢١).\n(^٢) المصدر السابق (ص ١٨٩)، وانظر: التعرف (ص ٢٤).\n(^٣) انظر: (ص ٣٢٧).\n(^٤) المنح المكية (٢/ ٨١١).","vol":"1","page":59},{"text":"\"لا كتاب اشتمل على ما اشتمل عليه القرآن؛ لاشتماله مع قلة ألفاظه وتضمنها لِمَا أبهر العقول وأعيى الفحول من بدائع الفصاحة وغايات البلاغة، فضلًا عما حواه من العلوم التي سأشير إلى شذرة منها على بيان المطالب الإلهية واردة على أحسن أسلوب وآنقه، كالاستدلال بالصنعة على وجود الصانع، وكدلائل التوحيد، وتحقيق وصفه - ﷾ - بنعوت الجلال، وكأسمائه الحسنى، وكالاحتجاج على صحة وقوع المعاد الجسماني، وكدفع شبهات الإلحاد، وكالجزاء بالعدل والإحسان، وتفاوت الدرجات والدركات.\nوعلى بيان تهذيب الأخلاق، والحث على الاتصاف بمحاسنها، والزجر عن قبائحها على أكمل وجه، وأوجز نظم ...\nوعلى بيان ما يحتاج إليه من السياسات في نظام أحوال الخلق كشرع العبادات المثمرة، وتحديد العهد بعقد الأيمان، وإظهار وصف العبودية بدوام القربات الموصلة إلى محبة المعبود، وكشرع ما يحصل به الغرض بأقرب وجه كالبيع والإجارة والنكاح، وكشرع الزواجر لحفظ الأبدان والأديان والعقول والأنساب والأموال.\nوعلى بيان علم تصفية الباطن وتطهير النفس من الرذائل، كالعجب والكبر والرياء وتحليتها بالأخلاق العلية كالإخلاص واليقين والعلم والمعرفة.\nوعلى بيان ما تتعظ به النفس مما ذكره تعالى من معاملته القرون الماضية في الأزمنة الخالية، والوقوف على آياته تعالى.\nإلى غير ذلك من العلوم التي لا يعلمها إلا علام الغيوب، ومن ثم قال بعضهم: لا يحيط بما فيه من العلوم إلا المتكلم به، ثم رسول الله - ﷺ -، خلا ما استأثر سبحانه به، ثم خلفاؤه لا سيما الأربعة وابن مسعود وابن عباس ... ثم تابعوهم بإحسان، ثم ضعفت الهمم عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه، وسائر فنونه، وقامت كل طائفة بفن من فنونه\" (^١).\n_________\n(^١) الإيعاب (١/ ٢٠).","vol":"1","page":60},{"text":"وأنكر - ﵀ - على الجاحظ (^١) زعمه أنه لا يوجد في القرآن الكريم تقرير الأدلة العقلية على المسائل العقدية بالطريقة البرهانية، حيث قال:\n\"زعم الجاحظ أنه لا يوجد فيه [يعني: القرآن الكريم] شيء من المذهب الكلامي، الذي هو احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته، بحجة تقطع الخصم على طريقة أرباب الكلام، ولا من النوع المنطقي الذي يستنتج منه النتائج الصحيحة من المقدمات الصادقة.\nوردوا عليه: بأنه مشحون من ذلك، إذ ما من برهان، ودلالة، وتقسيم، وتحديد يبنى منه كليات العلوم العقلية، إلا وكتاب الله قد نطق به، وقد بين الإسلاميون من أهل هذه العلوم كثيرًا من ذلك، منه أن من أول سورة الحج إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ...﴾ [الحج: ٧] خمس نتائج تستنتج من عشر مقدمات ...\nقال الأئمة: إنما أوردت حججه على عادة العرب، دون دقائق المتكلمين، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، ولأن من استطاع أن يفحم غيره بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون لا ينبغي له أن ينحط إلى الأغمض الذي لا يفهمه إلا الأقلون، وإلا كان ملغزًا؛ ومن ثم أخرج تعالى في مخاطباته محاجات خلقه في أجلى صورة، وأوضحها، ليفهم العامة ما يقنعهم، أو يلزمهم الحجة بسببه، والخاصة ما يليق بهم من دقائق المعارف التي هي منتهى كل أحد، ومبلغ أربه\" (^٢).\nوقد استدل ابن حجر - ﵀ - بالقرآن الكريم في كثير من المسائل العقدية، وبيّن وجه دلالته عليها تارة، وأهملها أخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>٢ - السنة النبوية:</span>\nعَرَّف ابن حجر - ﵀ - السنة بقوله: \"هي لغة: الطريقة، واصطلاحًا:\n_________\n(^١) هو عمرو بن بحر بن محبوب البصري، المشهور بالجاحظ، أديب معتزلي، من مؤلفاته: الحيوان، والبيان والتبيين، والرد على اليهود، توفي سنة ٢٥٠ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١١/ ٥٢٦)، شذرات الذهب (٢/ ١٢١).\n(^٢) المنح المكية (٢/ ٨١٣)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ٢٧٦).","vol":"1","page":61},{"text":"أقواله - ﷺ -، وأفعاله، وأحواله\" (^١).\nوأدخل تقريراته - ﷺ - في جملة أفعاله (^٢).\nوبين ابن حجر - ﵀ - أن السنة النبوية ليست على درجة واحدة في الحُجِّية، وإنما تختلف بحسب وصولها إلينا من جهة، وبحسب استجماعها شروط القبول من جهة أخرى.\nحيث ذكر أن السنة من حيث وصولها إلينا قسمان: متواترة وآحادية، وبين ما يفيده كل منهما، فقال:\n\"المتواتر: هو خبر جمع عقلاء ... يمتنع تواطؤهم على الكذب عن محسوس، فإن تعددت طبقاته اشترط ذلك في كل منها ... والعلم عنه ضروري.\nوما لم ينته للتواتر آحاد مظنون الصدق، ومنه: المستفيض (^٣)، والمشهور (^٤) ...\nوقد يفيد خبر الواحد العلم لقرينة، ويجب العمل به ... \" (^٥).\nوما قرره في ذلك هو الصحيح عند المحققين من أهل العلم.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"الصحيح أن خبر الواحد قد يفيد العلم إذا احتفت به قرائن تفيد العلم\" (^٦).\nكما ذكر - ﵀ - أيضًا أن السنة من حيث قبولها وعدمه ثلاثة أقسام:\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ٢٤)، وانظر: التعرف (ص ٦٥).\n(^٢) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٣) يعرف المحدثون المستفيض بأنه المشهور، ومنهم من يغاير بينهما بأن المستفيض يكون في ابتدائه وانتهائه سواء، والمشهور أعم من ذلك، ومنهم من يغاير بينهما على كيفيات أخرى.\nانظر: نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر لابن حجر العسقلاني (ص ٦٣).\n(^٤) يعرف المحدثون المشهور بأنه ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين ولم يبلغ حد التواتر. انظر: نزهة النظر (ص ٦٢).\n(^٥) التعرف (ص ٦٨)، وانظر: إلصاق عوار الهوس ممن لم يفهم الاضطراب في حديث البسملة عن أنس (ل ٦/ أ).\n(^٦) مجموع الفتاوى (١٨/ ٤٠)، وانظر: (٨/ ٤١، ٧٠)، (١٨/ ١٦ - ١٧) والمسودة في =","vol":"1","page":62},{"text":"صحيحة، وحسنة، وضعيفة، وبين حكم كل منها، فقال:\n\"الحديث الصحيح: هو ما اتصل إسناده - الذي هو حكاية عن طريق المتن - ... بنقل العدل الضابط ... إلى منتهاه، وقد خلا عن الشذوذ والعلة ...\nوأما الحديث الحسن: لكونه بالنظر إلى قسميه الآتيين يتجاذبه الصحة والضعف اختلف تعبير الأئمة في تعريفه، وكلها مدخولة ... وأقربها أن الحسن هو ما اتصل إسناده وعرفت رواته بالصدق، لكن في ضبطهم قصورًا عن ضبط رواة الصحيح.\nوبهذا مع ما تقرر قبله يعلم أن الحسن رتبة متوسطة بين الصحيح والضعيف، وأن هذه المرتبة لها طرفان:\nأعلى: ويسمى الحسن لذاته ...\nوأدنى: ويسمى الحسن لغيره ...\nوقد أكثر الأئمة في إطلاق الحسن، وإطلاق الاحتجاج به، والحاصل أن الأصح أنه يجوز إطلاقه، دون إطلاق الاحتجاج به بل يفصل بين الحسن لذاته فيحتج به، أو لغيره فيفصل بين ما تكثر طرقه أو يعتضد به فيحتج به، وما لا فلا.\nوأما الضعيف: ... فيُعَرف بأنه ما فَقَدَ شرطًا من شروط القبول الأعم من الصحيح والحسن، وهي ستة: اتصال السند، والعدالة، والضبط، ونفي كل من الشذوذ، والعلة القادحة، والعاضد عند الاحتياج إليه\" (^١).\nوقد استدل - ابن حجر - ﵀ - بالسنة النبوية على كثير من المسائل\n_________\n= أصول الفقه لآل تيمية، ومختصر الصواعق المرسلة لابن القيم اختصار الموصلي (٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠)، اختصار علوم الحديث لابن كثير (١/ ١٢٦)، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٥٠١)، نزهة النظر (ص ٧٣)، النكت على كتاب - ابن الصلاح لابن حجر (١/ ٣٧١) وما بعدها، وللاستزادة: أخبار الآحاد في الحديث النبوي للشيخ عبد الله بن جبرين (ص ٧٧)، خبر الواحد وحجيته للدكتور أحمد الشنقيطي (ص ٦٧ - ١٢٢)، حجية خبر الآحاد في العقيدة لمنيرة العقلا (ص ٤٥ - ٦٩).\n(^١) إلصاق عوار الهوس (ل ٥/ ب - ل ٧/ أ).","vol":"1","page":63},{"text":"العقدية، ولم أقف على تفريق له بين المتواتر منها والآحاد من حيث حجيتها في مسائل الاعتقاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>٣ - الإجماع:</span>\nعَرَّف - ابن حجر - ﵀ - الإجماع بقوله: \"هو اتفاق مجتهدي الأمة ... بعد وفاته - ﷺ - في أي عصر على أي أمر\" (^١).\nوبين ابن حجر - ﵀ - أن الإجماع أقسام عدة، وأنه ليس على درجة واحدة في الحُجِّية، حيث قال:\n\"هو حجة وإن نقل آحادًا.\nثم إن اتفق المعتبرون فقطعية، وإلا فظنية كالسكوتي.\nومن جحد مجمعًا عليه علم من الدين بالضرورة كفر\" (^٢).\nوما ذكره ابن حجر - ﵀ - هو الصحيح من أقوال أهل العلم.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - بعد ذكر أقوال الناس فيما يفيده الإجماع: \"والصواب التفصيل بين ما يقطع به من الإجماع، ويعلم يقينًا أنه ليس فيه منازع من المؤمنين أصلًا، فهذا يجب القطع بأنه حق\" (^٣).\nويقول أيضًا: \"وتنازعوا في الإجماع: هل هو حجة قطعية أو ظنية؟ والتحقيق: أن قطعيه قطعي وظنيه ظني ... \" (^٤).\nوقد حكى ابن حجر - ﵀ - الإجماع في بعض المسائل العقدية، واستدل به على آرائه فيها، وكان استدلاله به تارة مع تحققه وأخرى مع عدمه - كما سيأتي - (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>٤ - العقل:</span>\nعَرَّف ابن حجر - ﵀ - العقل بقوله:\n\"هو لغة: المنع.\n_________\n(^١) التعرف (ص ٧٤ - ٧٥)\n(^٢) المصدر السابق (ص ٧٥ - ٧٦).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٩).\n(^٤) المصدر السابق (١٩/ ٢٧٠).\n(^٥) انظر: (ص ٧٥)","vol":"1","page":64},{"text":"وهو صفة يميز بها بين الحسن والقبيح، وهو معنى قول الشافعي - ﵁ - إنه كآلة التمييز\" (^١).\nوهو بهذا يوافق جمهور السلف في تعريفهم له، خلافًا لمن قال بغير ذلك من المتكلمين (^٢).\nوقد جعل - ابن حجر - عفا الله عنه - العقل مصدرًا مستقلًا، وعارض به النقل، وقدمه عليه، حيث قال: \"وكالنص، حكم العقل القطعي، فالاعتقاد المستند إليه صحيح، وإن لم يرد فيه نص، بل لو ورد النص بخلافه، وجب تأويل النص إليه، كآيات الصفات وأحاديثها؛ إذ ظاهرها محال على الله عقلًا، فوجب صرفها عنه بتأويلها بما يوافق العقل\" (^٣).\nوما قرره - غفر الله له - متعقب بأن المسائل العقدية لا يستقل العقل بإدراكها، فضلًا عن أن يستقل بالدلالة عليها.\nيقول شيخ الإسلام - ابن تيمية - ﵀ -: \"العقل شرط في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلًا بذلك، لكنه غريزة في النفس، وقوة فيها، بمنزلة قوة البصر التي في العين، فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار، وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها، وإن عزل بالكلية كانت الأقوال والأفعال مع عدمه أمورًا حيوانية ...\nفالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة ... لكن المسرفين فيه قضوا بوجوب أشياء وجوازها وامتناعها لحجج عقلية بزعمهم اعتقدوها حقًّا وهي باطل، وعارضوا به النبوات وما جاءت به، والمعرضون عنه صدقوا بأشياء باطلة، ودخلوا في أحوال وأعمال فاسدة، وخرجوا عن التمييز الذي فضل الله به بني آدم على غيرهم\" (^٤).\n_________\n(^١) العمدة في شرح البردة (ص ٢٧٥).\n(^٢) انظر: بغية المرتاد لابن تيمية (ص ٢٥٧) وما بعدها، مجموع الفتاوى (١٨/ ٣٣٨)، درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية أيضًا (١/ ٩)، المسودة (ص ٥٥٨).\n(^٣) المنح المكية (٢/ ٨٦٨).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٣٨ - ٣٣٩)، وانظر: درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٢٤٤)، =","vol":"1","page":65},{"text":"وقد استدل - ابن حجر - غفر الله له - بالعقل في بعض المسائل العقدية، وجانب الصواب فيها؛ نظرًا لمخالفته منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال به - كما سيأتي -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>ثانيًا: منهجه في تقرير العقيدة:</span>\nسلك - ابن حجر - عفا الله عنه - في تقرير العقيدة منهج المتكلمين، وبرز ذلك في عدة جوانب، منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>١ - معارضته النقل بالعقل، وتقديمه العقل عليه. وحكمه بموجبه:</span>\nمن الأصول المقررة أن \"ما علم بصريح العقل لا يتصور أن يعارضه الشرع البتة، بل المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط\" (^١).\nفالمعارضة بين النقل الصحيح والعقل الصريح وَهْم عقلي لا وجود له في الواقع.\nوأول من عارض بين العقل والنقل وقدم المعقول على المنقول هم الجهمية (^٢)، ثم انتقل ذلك إلى المعتزلة (^٣)، وتبعهم عليه الأشاعرة\n_________\n= الاستقامة له أيضًا، الصواعق المرسلة لابن القيم (٤/ ١٢٧٧)، شرح الطحاوية (١/ ٢٧٧)، وللاستزادة: منهج السلف والمتكلمين في موافقة العفل للنقل لجابر إدريس.\n(^١) درء التعارض (١/ ١٤٧).\n(^٢) الجهمية: هم طائفة من أهل الباع، ينتسبون إلى الجهم بن صفوان السمرقندي، من بدعهم: القول بنفي الأسماء والصفات عن الله تعالى، وأن العبد مجبور على فعله ولا قدرة له ولا اختيار، وأن الإيمان إنما هو المعرفة، وأنه لا يزيد ولا ينقص، وغيرها.\nانظر: التنبيه والرد (ص ١١٠)، مقالات الإسلاميين (١/ ٢١٤)، الفرق بين الفرق (ص ٢١١)، الملل والنحل للبغدادي (ص ١٤٥)، الفصل (٤/ ٢٠٤)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٨٦)، البرهان (ص ٤).\n(^٣) المعتزلة هي فرقة ظهرت في الإسلام في أوائل القرن الثاني، وسلكت منهجًا عقليًا متطرفًا في بحث العقائد الإسلامية، ورأسها واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وجملة أصولهم خمسة هي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد ستروا تحت كل واحد منها معنى باطلًا يخالف المتبادر منه.\nانظر: التنبيه والرد للملطي (ص ٤٩)، مقالات الإسلاميين (١/ ٢٣٥)، الفرق بين الفرق (ص ١١٤)، الملل والنحل للبغدادي (ص ١٨٣)، الفصل (٥/ ٥٧)، التبصير في الدين =","vol":"1","page":66},{"text":"والماتريدية وبخاصة المتأخرون منهم، حتى صار ذلك علامة عليهم تميزهم عن أهل السنة والجماعة.\nيقول العلامة أبو المظفر السمعاني (^١) - ﵀ -: \"اعلم أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل، فإنهم أسّسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور تبعًا للمعقول\" (^٢).\nوشبهة هؤلاء على اختلافهم أن العقل هو الذي دل على صحة النقل، وذلك بمعرفة الله وصدق الرسول، فلو قدم النقل على العقل لكان في ذلك تقديم للفرع على الأصل، ولكان فيه إبطال للأصل، وإذا بطل الأصل الدال على الفرع بطل بالتالي الفرع المترتب عليه، وقد ذكر هذا المعنى كثير من أهل الكلام بعبارات متنوعة، وأساليب مختلفة (^٣).\nوقد قرر - ابن حجر - عفا الله عنه - ذلك في كتبه، وفرّع عليه جملة من المسائل العقدية.\nحيث قال: \"وكالنص، حكم العقل القطعي، فالاعتقاد المستند إليه صحيح، وإن لم يرد فيه نص، بل لو ورد النص بخلافه، وجب تأويل النص إليه، كآيات الصفات وأحاديثها؛ إذ ظاهرها محال على الله عقلًا، فوجب صرفها عنه بتأويلها بما يوافق العقل\" (^٤).\n_________\n= (ص ٥٣)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٤٣)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ٢٧)، البرهان (ص ٤٩).\n(^١) هو منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد التميمي السمعاني، أبو المظفر، الحنفي ثم الشافعي، أصولي مفسر سلفي، له مصنفات منها: تفسيره المشهور، والقواطع في أصول الفقه، والانتصار لأهل الحديث، توفي سنة ٤٨٩ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٩/ ١١٤)، شذرات الذهب (٣/ ٣٩٣).\n(^٢) نقله عنه السيوطي في صون المنطق (ص ١٨٢).\n(^٣) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص ٢١٢، ٢٣٣، ٢٦٢، ٢٢٦)، الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد للجويني (ص ٣٠١)، معالم أصول الدين للرازي (ص ٢٤)، غاية المرام للآمدي (ص ٢٠٠)، المسامرة شرح المسايرة لابن أبي شريف (ص ٩٩).\n(^٤) المنح المكية (٢/ ٨٦٨).","vol":"1","page":67},{"text":"وبناء على هذا أوّل ابن حجر - غفر الله له - نصوص الصفات كالعلو (^١)، واليمين (^٢)، والأصابع (^٣)، والنور (^٤)، والصورة (^٥)، والكلام (^٦)، والنزول (^٧)، والقرب (^٨)، والمحبة (^٩)، والرحمة (^١٠)، والغضب (^١١)، ونفى دلالاتها اللائقة بالله تعالى.\nولا شك في بطلان ما قرره ابن حجر من المعارضة بين العقل والنقل وتقديم العقل والحكم بموجبه عليه، لِمَا يلزم على ذلك من فتح باب الزندقة والإلحاد في آيات الله وأسمائه على مصراعيه، بدعوى مخالفتها لصرائح العقول.\nولهذا فمن طرد هذا الأصل الباطل أدّاه إلى الكفر والنفاق والإلحاد، ومن لم يطرده تناقض وفارق العقل والنقل وظهر ما في قوله من التفريق بين المتماثلات القاضي ببطلانه وفساده (^١٢).\nوهو ما وقع فيه ابن حجر - غفر الله له - حيث أنكر على المعتزلة طردهم هذا الأصل، ومعارضتهم النقل بالعقل وحكمهم بموجبه بزعمهم في جملة من المسائل كذبح الموت (^١٣)، وفتنة القبر، وعذابه ونعيمه، والصراط، والميزان، والحوض، والرؤية (^١٤).\nوبسط الكلام في بيان بطلان هذا الأصل، والرد عليه مذكور في مواضعه من كتب أهل العلم (^١٥).\n_________\n(^١) انظر: (ص ٣٠٣).\n(^٢) انظر: (ص ٣١٢).\n(^٣) انظر: (ص ٣١٤).\n(^٤) انظر: (ص ٣١٨).\n(^٥) انظر: (ص ٣٢١).\n(^٦) انظر: (ص ٣٢٧).\n(^٧) انظر: (ص ٣٤٠).\n(^٨) انظر: (ص ٣٤٧).\n(^٩) انظر: (ص ٣٤٩).\n(^١٠) انظر: (ص ٣٥٢).\n(^١١) انظر: (ص ٣٥٤).\n(^١٢) انظر: درء التعارض (٥/ ٣٢٢) (٦/ ٣)، الصواعق المرسلة لابن القيم (٤/ ١٣٥٣).\n(^١٣) انظر: الفتاوى الحديثية (ص ٢٣٤).\n(^١٤) انظر: الزواجر (١/ ١٠٠).\n(^١٥) انظر: درء التعارض (٥/ ٢٤٤) وما بعدها، مجموع الفتاوى (٣/ ٣٣٨)، الاستقامة لابن تيمية (١/ ٢٣)، الصواعق المرسلة (٤/ ١٢٧٧) وما بعدها، شرح الطحاوية لابن أبي العز =","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>٢ - إعماله المجاز والتأويل والتفويض في بعض نصوص الكتاب والسنة:</span>\nمن الأصول المقررة - عند القائلين بالمجاز - أن الأصل في الكلام الحقيقة، وأن المجاز على خلاف الأصل، فلا يعدل عنها إلا لقرينة (^١).\nوقد قرر ذلك ابن حجر - ﵀ - في مواضع متعددة، وكرره في مواطن مختلفة (^٢)، منها قوله:\n\"كل ما يمكن حمله على ظاهره يتعين حمله عليه، ولا يؤول إلا لدليل يمنع من الحمل على ظاهره\" (^٣).\nوأنكر - ﵀ - على من صرف ألفاظ النصوص عن حقائقها إلى مجازاتها، وتأولها بما ينافي ظاهرها، كإنكاره على من تأوّل شفاعة الصيام والقرآن يوم القيامة (^٤)، ومن تأوّل نزول الحجر الأسود أبيضَ من الجنة (^٥)، ومن تأوّل بقاء الملائكة على أسوار مكة والمدينة لحراستها من الطاعون والدجال (^٦).\nإلا أن - ابن حجر - غفر الله له - خالف ذلك ووقع فيما أنكره على غيره حيث أعمل المجاز والتأويل والتفويض في نصوص الصفات، وحرف دلالاتها عن حقائقها، ومن أمثلة ذلك:\nأ - قوله بأن حقيقة اليمين مستحيلة على الله تعالى، وأنها مجاز عن مزيد الرضا والقبول وإعظام الجزاء، وتأويله لها بذلك (^٧).\nب - قوله بأن حقيقة الأصابع مستحيلة على الله تعالى، وأنها مجاز عن إرادة الخير والشر في العبد، وتأويله لها بذلك (^٨).\n_________\n= (١/ ٢٧٧)، وللاستزادة: منهج السلف والمتكلمين في موافقة العقل للنقل لجابر إدريس (١/ ١١٧) وما بعدها.\n(^١) انظر: الطراز للعلوي (١/ ٧٧).\n(^٢) انظر: فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٢٨، ٢٢٣، ٢٢٥، ٣٤٤، ٣٤٦)، التعرف (ص ٣٥، ٣٧).\n(^٣) فتح الإله (ص ٣٤٦).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (ص ٢٨).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (ص ٢٢٥).\n(^٦) انظر: المصدر السابق (ص ٣٤٤).\n(^٧) انظر: (ص ٣١٢).\n(^٨) انظر: (ص ٣١٤).","vol":"1","page":69},{"text":"ج - قوله بأن حقيقة النزول مستحيلة على الله تعالى، وأنها مجاز عن نزول أمره أو بعض ملائكته، وتأويله لها بذلك (^١).\nد - قوله بأن حقيقة القرب مستحيلة على الله تعالى، وأنها مجاز عن مزيد الإنعام، وتأويله لها بذلك (^٢).\nهـ - قوله بأن حقيقة المحبة مستحيلة على الله تعالى، وأنها مجاز عن التفضيل والإنعام، وتأويله لها بذلك (^٣).\nو- قوله بأن حقيقة الغضب مستحيلة على الله تعالى، وأنها مجاز عن إرادة الإنعام أو الإنعام نفسه، وتأويله لها بذلك (^٤).\nز - قوله بأن حقيقة الغضب مستحيلة على الله تعالى، وأنها مجاز عن إرادة الانتقام أو الانتقام نفسه، وتأويله لها بذلك (^٥).\nوإعمال ابن حجر - عفا الله عنه - المجاز والتأويل والتفويض في هذه المسائل مخالف لِمَا قرره هو من جهة، ومنافٍ للصواب من جهة أخرى، وسيأتي لذلك مزيد بسط - بإذن الله - (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>٣ - قصره شمولية بعض النصوص الشرعية، وذلك بتقييده مطلقها وتخصيصه عموماتها دون دليل شرعي:</span>\nالأصل بقاء شمولية النصوص الشرعية على ما تدل عليه، فلا تقيد إطلاقاتها أو تخصص عموماتها إلا بدليل؛ إذ قصر شموليتها بالتقييد أو التخصيص دون دليل تحكم وقول على الله بلا علم، وهو منهج أهل الأهواء على اختلافهم.\nوقد قرر ابن حجر - ﵀ - ذلك، وأنكر على من خالفه، حيث قرر عموم النصوص الدالة على تحريم الحلف بغير الله، ورد على من استثنى\n_________\n(^١) انظر: (ص ٣٤٠).\n(^٢) انظر: (ص ٣٤٧).\n(^٣) انظر: (ص ٣٤٩).\n(^٤) انظر: (ص ٣٥٢).\n(^٥) انظر: (ص ٣٥٤).\n(^٦) انظر في مناقشة المجاز: (ص ١٦٢)، وفي مناقشة التأويل (ص ٢٩٧)، وفي مناقشة التفويض (ص ٣٠٠).","vol":"1","page":70},{"text":"من ذلك الحلف بالنبي - ﷺ -، وجعل ذلك تحكمًا لا دليل عليه.\nيقول في ذلك: \"نهى - ﷺ - الناس عن الحلف به وبغيره من الخلق على حد واحد، فتحريم بعض الصور فقط تحكم\" (^١).\nإلا أن - ابن حجر - غفر الله له - وقع في نحو ما أنكره حيث قصر شمولية النصوص الشرعية فقيد مطلقها، وخصص عامها في جملة من المسائل العقدية دون دليل، ومنها:\nأ - قصره النصوص الدالة على تحريم اتخاذ القبور مساجد على من اتخذها بقصد التبرك والتعظيم، وقوله بكراهة ذلك مع عدمه (^٢).\nب - قصره النصوص الدالة على تحريم اتخاذ السرج على القبور على من فعل ذلك بقصد التبرك بصاحب القبر وتعظيمه، وقوله بكراهة ذلك مع عدمه (^٣).\nج - قصره النصوص الدالة على تحريم البناء على القبور على المقابر المسبلة والموقوفة، وقوله بكراهة ذلك في المملوكة (^٤).\nد - قصره النصوص الدالة على تحريم تجصيص القبور على غير قبور الأنبياء والأولياء، وقوله بجواز ذلك في قبورهم (^٥).\nهـ - قصره النصوص الدالة على تحريم الكتابة على القبور على الكتابة التي لا تدل على المقبور، وقوله بجواز كتابة ما يدل عليه، بل واستحبابها في قبور الأنبياء والأولياء (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>٤ - استدلاله بالأحاديث الضعيفة في تقرير المسائل العقدية:</span>\nمن المتقرّر عند أهل العلم أن المسائل العقدية لا تبنى إلا على صحيح الأخبار دون سقيمها، \"فالأحاديث الموضوعة التي وضعتها الزنادقة ليُلبّسوا بها على أهل الإسلام، أو الأحاديث الضعيفة - إما لضعف رواتها أو جهالتهم، أو لعلة فيها - لا يجوز أن يقال بها، ولا اعتقاد ما فيها، بل\n_________\n(^١) تنبيه الأخيار (ل ١٩/ ب).\n(^٢) انظر: (ص ٢٠٧).\n(^٣) انظر: (ص ٢١٠).\n(^٤) انظر: (ص ٢١٣).\n(^٥) انظر: (ص ٢١٣).\n(^٦) انظر: (ص ٢١٧).","vol":"1","page":71},{"text":"وجودها كعدمها\" (^١).\nوقد قرّر ابن حجر - ﵀ - ذلك وأكّد عليه، حيث قال: \"المغيبات عنا لا يجوز لنا أن نقدم على الإخبار بشيء منها إلا إن صح سنده عن النبي - ﷺ -، وأما ما لم يصح سنده لا يجوز ذكره إلا مع بيان ضعفه أو مخرجه، وأما الجزم فلا يجوز إلا بما علمت صحته عن النبي - ﷺ -\" (^٢).\nإلا أن ابن حجر - غفر الله له - لم يلتزم بما ذكر في استدلاله على المسائل العقدية، بل إنه استدل بالضعيف والموضوع وما لا أصل له، وقد أوقعه ذلك في الخطأ في جملة من المسائل العقدية (^٣)، منها:\nأ - قوله باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي - ﷺ - (^٤).\nب - قوله باستحباب التوسل بالنبي - ﷺ - وذلك بطلب الدعاء منه بعد وفاته أو التوسل بذاته أو جاهه (^٥).\nج - قوله بنبوة إبراهيم - ابن نبينا محمد - ﷺ - (^٦).\nد - عده جملة من الخصائص لنبينا محمد - ﷺ - وهي غير ثابتة له (^٧).\nهـ - ذكره لبعض علامات المهدي وخصوصياته وهي غير ثابتة (^٨).\nو- ذكره لبعض صفات يأجوج ومأجوج وهي غير ثابتة (^٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>٥ - تجويزه الاحتجاج بالحديث الضعيف في المناقب، واستدلاله به فيها:</span>\n\" مسلك أهل التحقيق أن الحكم بفضيلة لأحد حكم شرعي، وأحكام الشرع متساوية الأقدام، فلا وجه للتمسك بالضعاف فيها بل لابد أن يكون الخبر صحيحًا لذاته أو لغيره، وكذا الحسن، فلا يحتج بالضعيف إلا على\n_________\n(^١) ذم التأويل لابن قدامة (ص ٤٧).\n(^٢) الفتاوى الحديثية (ص ٣٧).\n(^٣) كتب الباحث علي رضا بن عبد الله بحثًا نشره في مجلة الحكمة عنون له بـ\"الأحاديث المكذوبة الواهية في كتاب الفتاوى الحديثية لابن حجر المكي\" أتى فيه على عدد من الأمثلة وناقش ابن حجر فيها مناقشة حديثية.\n(^٤) انظر: (ص ٢٢٣).\n(^٥) انظر: (ص ٢٥٤).\n(^٦) انظر: (ص ٤٢٤).\n(^٧) انظر: (ص ٤٥٠).\n(^٨) انظر: (ص ٥٠٤).\n(^٩) انظر: (ص ٥١٧).","vol":"1","page":72},{"text":"طريق الشهادة والمتابعة إذا كان موافقًا لهما\" (^١).\nإلا أن ابن حجر - عفا الله عنه - خالف ذلك حيث قرر جواز الاحتجاج بالحديث الضعيف في المناقب، بل حكى عن بعضهم نقله الاتفاق على ذلك.\nيقول في ذلك: \"الضعيف يعمل به في المناقب، قال بعض حفاظ المتأخرين: \"اتفاقًا كالفضائل\" انتهى ... فاستحضر ذلك عند رؤيتك لكل حديث ضعيف وجدته في المناقب فإن هذه القاعدة مما يعظم نفعها جدًّا، ويجهلها أكثر المحصلين\" (^٢).\nوقول ابن حجر - غفر الله له - متعقب من وجوه:\nالأول: أن المناقب من الأحكام العقدية، والحكم بها حكم شرعي، لا بد فيه من تحقق صحته.\nالثاني: أن القول بذلك ولج منه الرافضة والمتصوفة وغيرهم لإثبات كثير من عقائدهم الباطلة.\nالثالث: أن هذا القول قد جر كثيرًا من القائلين به إلى الاستدلال بالأحاديث الموضوعة وما لا أصل له، ومنهم ابن حجر نفسه - كما سيأتي -.\nالرابع: أن الذي عليه المحققون من أهل العلم - كما سبق - عدم الاستدلال بالحديث الضعيف في المناقب والفضائل (^٣)، وعدم اعتباره حجة فيها، فضلًا عن القول باتفاقهم على قبوله.\nوقد أوقع ابن حجر - غفر الله له - وتجاوز عنا وعنه - القول بذلك في الخطأ في جملة من المسائل العقدية، منها:\n_________\n(^١) الدين الخالص لصديق حسن (٣/ ٣١٦).\n(^٢) المنح المكية (١/ ٢٧٧)، وانظر: تطهير الجنان (ص ١٢).\n(^٣) انظر: شرح علل الترمذي لابن رجب (١/ ٧٤)، فتح المغيث للسخاوي (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨)، الدين الخالص (٣/ ٣١٦)، وللاستزادة: الحديث الضعيف وحكم الاحتجاج به للدكتور عبد الكريم الخضير (ص ٢٥٠) وما بعدها، تحقيق القول بالعمل بالحديث الضعيف للدكتور عبد العزيز العثيم (ص ٢٨) وما بعدها.","vol":"1","page":73},{"text":"أ - قوله باختصاص نبينا محمدًا - ﷺ - بأنه أول النبيين في الخلق والنبوة (^١).\nب - قوله باختصاص نبينا محمدًا - ﷺ - بأنه خلق من نور (^٢).\nج - قوله باختصاص نبينا محمدًا - ﷺ - بأنه المقصود من الخلق، والممد لهم، وخليفة الله فيهم (^٣).\nد - قوله باختصاص نبينا محمدًا - ﷺ - بإحياء أبويه له وإيمانهما به (^٤).\nهـ - قوله بنبوة إبراهيم - ابن نبينا محمد - ﷺ - (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>٦ - حكايته الإجماع على غير وجهه، ودعواه تحققه باتفاق طائفته:</span>\nمن معالم منهج المتكلمين على اختلافهم حكايتهم الإجماع بحسب ما يعتقدون أنه من دين الإسلام، والإجماع فيه غير متحقق، بل قد يكون الإجماع مُنعقدًا على خلافه، ولهم في ذلك أمثلة متعددة.\nيقول شيخ الإسلام - ابن تيمية - ﵀ - في وصفهم: \"فهؤلاء تجد عمدتهم في كثير من الأمور المهمة في الدين إنما هو على ما يظنونه من الإجماع، وهم لا يعرفون في ذلك أقوال السلف البتة، أو عرفوا بعضها ولم يعرفوا سائرها، فتارة يحكون الإجماع ولا يعلمون إلا قولهم وقول من ينازعهم من الطوائف المتأخرين، طائفة أو طائفتين أو ثلاث، وتارة عرفوا أقوال بعض السلف.\nوالأول كثير في أصول الدين وفروعه كما تجد كتب أهل الكلام مشحونة بذلك، يحكون إجماعًا ونزاعًا ولا يعرفون ما قال السلف في ذلك البتة، بل قد يكون قول السلف خارجًا عن أقوالهم، كما تجد ذلك في مسائل أقوال الله وأفعاله وصفاته؛ مثل: مسألة القرآن، والرؤية، والقدر، وغير ذلك\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: (ص ٤٥١).\n(^٢) انظر: (ص ٤٥٤)\n(^٣) انظر: (ص ٤٥٨).\n(^٤) انظر: (ص ٤٦١).\n(^٥) انظر: (ص ٤٢٤).\n(^٦) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٥)، وانظر: درء التعارض (٨/ ٩٤، ٩٦، ٩٨)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ٨٦)، الفتاوى الكبرى (٥/ ١٢٦ - ١٢٧، ١٨١، ٢٦٥)، التسعينية (٢/ ٤٨٩، ٦١٣، ٦٢٢) (٣/ ٨٣٧)، توضيح المقاصد لابن عيسى (٢/ ٣٩٩).","vol":"1","page":74},{"text":"وقد جرى ابن حجر - غفر الله له - على هذا في مواضع من كتبه، وحكى الإجماع في مسائل عدة، الإجماع فيها غير متحقق، أو منعقد على خلاف ما ذكر، منها:\nأ - حكايته الإجماع على أن أول واجب على المكلف هو القصد إلى النظر، وزعمه أن ذلك مما لا خلاف فيه (^١).\nب - حكايته الإجماع على استحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي - ﷺ - (^٢).\nج - حكايته الإجماع على استحباب التوسل بالنبي - ﷺ - بطلب الدعاء منه، أو التوسل بذاته أو جاهه (^٣).\nد - حكايته الإجماع على أن ظواهر نصوص الصفات غير مرادة، والاتفاق على لزوم تأويلها (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>٧ - استعماله المصطلحات البدعية، والألفاظ المجملة:</span>\nالألفاظ والمصطلحات هي طريق التعبير عن العلوم على اختلافها، وبها يحصل بيانها وتوضيحها.\nوقد شغف المتكلمون على اختلافهم بإحداث المصطلحات البدعية، والتعبير بالألفاظ المجملة لترويج باطلهم والتشغيب بها على أهل الحق، حتى أصبح ذلك من سماتهم.\nولهذا يقول الإمام أحمد - ﵀ - في وصفهم: \"يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يُشَبِّهُون عليهم، نعوذ بالله من فتن المضلين\" (^٥).\nوهذا الكلام المتشابه الذي يخدعون به جهال الناس يتضمن ما أحدثوه من المصطلحات البدعية والألفاظ المجملة التي عارضوا بها\n_________\n(^١) انظر: (ص ١٠٩).\n(^٢) انظر: (ص ٢٢٣).\n(^٣) انظر: (ص ٢٥٦).\n(^٤) انظر: (ص ٢٩١).\n(^٥) الرد على الزنادقة والجهمية (ص ٨٥).","vol":"1","page":75},{"text":"نصوص الكتاب والسنة (^١).\nوقد جرى ابن حجر - عفا الله عنه - على سبيلهم وسلك طريقهم في مواضع عديدة، حيث أطلق جملة من هذه المصطلحات والألفاظ وعارض بها دلائل الوحيين، منها:\nأ - إطلاقه لفظ (الجسم) ومعارضته به النصوص الدالة على اتصاف الله تعالى بما يليق به من الصفات (^٢).\nب - إطلاقه لفظ (الجهة) ومعارضته به النصوص الدالة على علو الله - ﷾ - (^٣).\nج - إطلاقه لفظي (الحركة) و(الانتقال) ومعارضته بها النصوص الدالة على نزوله - ﷿ - (^٤).\nد - إطلاقه ألفاظ (الحيز) و(المكان) و(الجهة) ومعارضته بها النصوص الدالة على رؤية الله تعالى في الجنة إلى جهة العلو (^٥).\nوالحق الذي لا محيد عنه أن هذه الألفاظ ألفاظ مجملة، وهي ألفاظ اصطلاحية يراد بها معان متنوعة، ولم ترد في الكتاب والسنة لا بنفي ولا إثبات، فالمعارضة بها ليست معارضة بدلالة شرعية (^٦).\nوالألفاظ من حيث هي قسمان:\nالأول: ألفاظ وردت في كتاب الله أو سنة رسوله - ﷺ -، فهذه يجب إثباتها والقول بما دلت عليه.\nوالثاني: ألفاظ لم ترد في كتاب الله أو سنة رسوله - ﷺ -، فهذه لا تنفى ولا تثبت حتى يستفسر عن المراد بها، فإن تضمنت حقًّا أثبتت\n_________\n(^١) انظر: درء التعارض (١/ ٢٢٢)، بيان تلبيس الجهمية، تحقيق: حقي (١/ ٣٨٢ - ٣٨٣)، الصواعق المرسلة (٣/ ٩٢٩).\n(^٢) انظر: (ص ٣٠٤، ٣٤٠).\n(^٣) انظر: (ص ٣٠٤).\n(^٤) انظر: (ص ٣٤٠).\n(^٥) انظر: (ص ٥٥٩).\n(^٦) انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٢٩٨ - ٢٩٩) (٦/ ٣٦ - ٣٧)، (١٣/ ١١٢ - ١١٤) (١٧/ ٣٢٠)، بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤٩٩)، مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٢٥٧)، تنبيه ذوي الألباب السليمة لابن سحمان (ص ٩، ١٠)، وللاستزادة: تغيير الدلالة الوضعية للألفاظ العقدية وأثره في علم العقيدة د. إبراهيم البريكان (ص ١٥٣).","vol":"1","page":76},{"text":"وعبر عنه بالألفاظ الشرعية الواردة، وإن تضمنت باطلًا ردت جملة وتفصيلًا (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>٨ - اعتماده على غيره في تقريره لبعض المسائل العقدية، وتقليده لهم، دون تحققه من صحة كلامهم:</span>\nمما عرف المتكلمون به تتابع بعضهم على تقليد بعض في المسائل العقدية مع زعمهم تحريم التقليد وقولهم بوجوب النظر في أصول الدين على آحاد المسلمين!\nوبالنظر في آراء ابن حجر - غفر الله له - في المسائل العقدية، ومقارنتها بآراء غيره يظهر جليًا اعتماده على غيره في بعضها وتقليده له دون تحققه من صحة كلامه.\nويتضح ذلك في متابعته لبعض أهل العلم في جملة من المسائل العقدية ومشاركته لهم في أخطائهم، ومن ذلك:\nأ - اعتماده على تقي الدين السبكي (^٢) في مسألتي شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي - ﷺ - (^٣)، والتوسل (^٤).\nب - اعتماده على الحافظ السيوطي فيما ذكره من خصائص النبي - ﷺ - (^٥)، والكلام على المهدي (^٦).\nج - اعتماده على الحافظ السخاوي فيما ذكره من أشراط الساعة (^٧).\nهـ - اعتماده على العلامة القرطبي (^٨) ..................................................\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١١٣ - ١١٤).\n(^٢) هو علي بن عبد الكافي بن علي السبكي، تقي الدين، أبو الحسن، أشعري شافعي، من مؤلفاته: شفاء السقام في زيارة خير الأنام، السيف المسلول على من سب الرسول، الفتاوى، توفي سنة ٧٥٦ هـ.\nانظر: طبقات الشافعية الكبرى (٦/ ١٤٦)، الدرر الكامنة (٣/ ٦٣).\n(^٣) انظر: (ص ٢٢٥).\n(^٤) انظر: (ص ٢٥٦).\n(^٥) انظر: (ص ٤٥١).\n(^٦) انظر: (ص ٥٠١).\n(^٧) انظر: (ص ٥٠٩).\n(^٨) هو محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الله القرطبي، =","vol":"1","page":77},{"text":"في مسألة السماع ومباحثها (^١).\nواعتماد - ابن حجر - غفر الله له - على هؤلاء متفاوت بين اختصاره لبعض كتبهم دون نقد أو تعليق، أو تبنيه لآرائهم في المسائل العقدية دون تحقق من صحتها، وهو في الغالب لا يشير إلى ذلك، وإنما يعرف بالبحث والمقارنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>٩ - تعصبه لمذهبه، وحصره الحق فيه:</span>\nمن سمات أهل الكلام ومعالم منهجهم أنهم يُوهِمُون الناس بأنهم وحدهم الذين على الحق والاستقامة ولزوم السنة والجماعة، ويتجاهلون أهل السنة والجماعة على الحقيقة، أو يلمزونهم؛ ليصرفوا أنظار الناس عنهم.\n\"فإذا قالوا: قال أهل الحق، أو المحققون، أو اتفقوا، أو أجمعوا، أو نحو ذلك فإنما يعنون طائفتهم من أهل الكلام، أو سائر أهل الكلام من غير اعتبار لأهل السنة غالبًا، وإذا ذكروا أهل السنة لمزوهم بالحَشَوية، أو المقلدة، أو أهل الحديث، أو الحنابلة، أو العامة ... \" (^٢).\nوقد جرى على هذا ابن حجر - غفر الله له - حيث زعم أن أهل الحق طائفتان هما: الأشاعرة والماتريدية، وأن أهل البدع من خالفهم (^٣).\nيقول في ذلك: \"المراد بأصحاب البدع من كان على خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة، والمراد بهم: أتباع الشيخ أبي الحسن الأشعري، وأبي منصور الماتريدي إمامي أهل السنة\" (^٤).\n_________\n= أشعري مالكي، من مؤلفاته: الجامع لأحكام القرآن، والتذكرة بأحوال الموتى والآخرة، والأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وغيرها، توفي سنة ٦٧١ هـ. انظر: شذرات الذهب (٥/ ٣٣٥)، شجرة النور الزكية (ص ١٩٧).\n(^١) انظر: (ص ٧١٨).\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية، تحقيق: اللاحم (٢/ ٦٣٤ - ٥٣٧).\n(^٣) انظر: الفتاوى الحديثية (ص ٣٧٠)، المولد الشريف (ص ٦٥)، الزواجر (١/ ٩٩)، فتح المبين (ص ٦٨)، تطهير الجنان (ص ٣٦)، المنح المكية (٣/ ١٤٥٣).\n(^٤) الفتاوى الحديثية (ص ٣٧٠).","vol":"1","page":78},{"text":"بل إنه تجاوز ذلك فادّعى أن المدار في الاعتقاد ليس إلا ما عليه أهل السنة والجماعة، الذين هم بزعمه الأشاعرة والماتريدية.\nحيث قال: \"اعلم أن المدار في الاعتقاد ليس إلا ما عليه أهل السنة والجماعة وهم:\nأبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي وتابعوهما، وأنهما أعني الأشعرية والماتريدية، إذا اختلفا في مسألة فالتحقيق والمعمول به ما عليه الأشاعرة كما هو مقرر في الأصول.\nعلى أن بعض المحققين منا معشر الأشاعرة بيّن أن الاختلاف الواقع بين الفريقين إنما هو في مسائل قليلة وأنه يرجع إلى الاختلاف اللفظي؛ لأنه إذا حقق المناط رُئي أن كلًّا من الفريقين لا يخالف الآخر\" (^١).\nوالحق أن مصطلح أهل السنة له إطلاقان:\nأحدهما: عام:\nوالمراد به ما يكون مقابل الرافضة، فيدخل فيه جميع الفرق المنتسبة إلى الإسلام - عدا الرافضة -.\nوثانيهما: خاص:\nوالمراد به ما يكون مقابل أهل البدع والمقالات المحدثة، فلا يدخل فيه إلا أهل السنة والجماعة المحضة (^٢).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"لفظ أهل السنة:\nيراد به من أثبت خلافة الثلاثة، فيدخل في ذلك - أي: في لفظ أهل السنة - جميع الطوائف إلا الرافضة.\nوقد يراد به: أهل الحديث والسنة المحضة فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى، ويقول القرآن غير مخلوق، وأن الله يرى في الآخرة،\n_________\n(^١) المولد الشريف (ص ٦٥ - ٦٦).\n(^٢) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية (٢/ ٢٢١)، الرد على المنطقيين له (ص ٥٢٣).","vol":"1","page":79},{"text":"ويثبت القدر، وغير ذلك من الأمور المعروفة عند أهل السنة والحديث\" (^١).\nوعليه فدعوى ابن حجر - غفر الله له - أن الأشاعرة والماتريدية هم أهل الحق وأهل السنة والجماعة، وهم الذين عليهم المدار في الاعتقاد منقوضة من وجوه:\nأ - أن مصطلح أهل السنة والجماعة معروف في صدر الإسلام، وقد ورد التعبير به على ألسنة جماعة من السلف قبل الأشعري والماتريدي (^٢)، فحصره فيهما ومن سار على منهجهما لا يصح.\nب - أن أهل الشيء في اللغة هم أخص الناس به، يقال: أهل الرجل: أخص الناس به، وأهل البيت: سكانه، وأهل الإسلام: من يدين به (^٣).\nوعليه فمعنى أهل السنة والجماعة: هم أخص الناس بها، وأكثرهم تمسكًا بها، واتباعًا لها، قولًا وعملًا واعتقادًا، وهذا الوصف إنما يتحقق في الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن سلك سبيلهم.\nوأما الأشاعرة والماتريدية فإن هذا الوصف بإطلاقه لا يتحقق فيهم، لإعمالهم العقل وتقديمه على النقل، وردهم خبر الآحاد واستعاضتهم عنه بمعقولاتهم.\nجـ - أن الحق واحد لا يتعدد، والأشاعرة والماتريدية اختلفوا في جملة من المسائل العقدية الكبار، وقد عني جماعة منهم بتحقيق الخلاف فيها، واضطربت أقوالهم في الترجيح بينها (^٤)، ومما أقروا بأن الخلاف فيه\n_________\n(^١) منهاج السنة (٢/ ٢٢١).\n(^٢) ورد التعبير بذلك عن ابن عباس - ﵁ - وأيوب السختياني، وسفيان الثوري، والفضيل بن عياض، وأبي عبيد القاسم بن سلام، وأحمد بن حنبل، وابن جرير، والطحاوي - ﵏ -.\nانظر: الإيمان لأبي عبيد (ص ٥٣)، صريح السنة لابن جرير (ص ٢٠)، وتهذيب الآثار له (٢/ ١٨٢)، العقيدة الطحاوية (ص ٥)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ٦٠، ٦١، ٦٤، ٧٢).\n(^٣) انظر: تهذيب اللغة للأزهري (١/ ٢٢٧)، لسان العرب لابن منظور (١١/ ٢٩).\n(^٤) ذكر الدكتور شمس الدين الأفغاني - ﵀ - في رسالته الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات سبعة وعشرين باحثًا عنوا بذلك استقلالًا أو ضمن بحوث لهم.","vol":"1","page":80},{"text":"بينهم حقيقي: معرفة الله تعالى وهل تجب بالشرع أم العقل، وصفة الإرادة، وصفة الكلام، وصفة التكوين، والتكليف بما لا يطاق، والحكمة والتعليل، والتحسين والتقبيح، والاستطاعة، وأفعال العباد، وحكم إيمان المقلد.\nولا شك أن بعض هذه المسائل من المسائل الكِبَار، والكلام فيها تُبْنَى عليه فروع عديدة (^١).\nفالقول بأن الخلاف لفظي ليس على إطلاقه في كثير من المسائل، ودعوى أن الخلاف الحقيقي إنما هو في مسائل قليلة مردودة بما سبق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>١٠ - عداؤه الشديد لمن خالفه، وخصومته له، وبخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة - ابن القيم - رحمهما الله - كما سيظهر في المبحث التالي</span>.\nونتيجة لهذا المنهج الذي سلكه ابن حجر - غفر الله له - في تقرير العقيدة وقع في الاضطراب والتناقض، شأنه في ذلك شأن كل من أعرض عن منهج أهل السنة والجماعة وتنكب طريقهم.\nيقول العلامة الألوسي - ﵀ -: \"انظر إلى ما قاله - ابن حجر في التحفة والزواجر مع ما ذكره في الجوهر المنظم تجد المناقضة ظاهرة ... \" (^٢).\nويقول في معرض تعقبه على كتاب جلاء العينين في محاكمة الأحمدين: \"لم يبين ما ذكره أهل العلم فيه من تعصبه في مذهبه ... واضطرابه في أقواله، وعدم ثباته على قول، ومن يراجع أقواله في الزواجر والقواطع ثم يوازن بينها وبين أقواله في الجوهر المنظم والفتاوى الحديثية يجد ما قيل فيه واضحًا صريحًا\" (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: الماتريدية للشمس الأفغاني (١/ ٣٨٥) وما بعدها، الماتريدية للدكتور أحمد الحربي (ص ٤٩٨) وما بعدها.\n(^٢) غاية الأماني (١/ ٢٥٠).\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ٧٨)، وانظر: فتح المنان للألوسي أيضًا (ص ٣٤٠).","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>المبحث الثالث موقف ابن حجر من شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم</span>\nاشتهر أهل البدع على اختلافهم بعدائهم الشديد لمن خالفهم، وبخاصة أئمة السلف الذين كان لهم عناية بالرد عليهم وبيان زيف أقوالهم، حتى عُدّ جماعة منهم محنة لأهل البدع، ومن هؤلاء شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم - رحمهما الله تعالى -.\nولم يكن ابن حجر - عفا الله عنه - بدعًا فيهم، حيث اشتهر بعدائه الشديد لهما، وتعديه عليهما، وتحذيره منهما، وصار كلامه في ذلك محل استدلال الموافق، ومثار جدل المخالف.\nفمما قاله في حق شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه - ابن القيم - رحمهما الله -:\n- \"إياك أن تصغي إلى ما في كتب ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وغيرهما ممن اتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله، وكيف تجاوز هؤلاء الملحدون الحدود وتعدوا الرسوم وخرقوا سياج الشريعة والحقيقة فظنوا بذلك أنهم على هدى من ربهم، وليسوا كذلك ... \" (^١).\n- \"قال ابن القيم - عن شيخه ابن تيمية -: أنه ذكر شيئًا بديعًا؛ وهو أنه لما رأى ربه واضعًا يده بين كتفيه أكرم ذلك الموضع بالعذبة ...\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ٢٧١).","vol":"1","page":82},{"text":"بل هذا من قبيل رأييهما وضلالهما، إذ هو مبني على ما ذهبا إليه وأطالا في الاستدلال له والحط على أهل السنة في نفيهم له، وهو إثبات الجهة والجسمية لله تعالى، ولهما في هذا المقام من القبائح وسوء الاعتقاد ما تصم عنه الآذان، ويقضى عليه بالزور والبهتان، فقبحهما الله وقبح من قال بقولهما، والإمام أحمد وأتباع مذهبه مبرؤون عن هذه الوصمة القبيحة، كيف وهي كفر عند كثيرين؟ \" (^١).\nومما قاله في حق شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - بخصوصه:\n- \"ابن تيمية عبد خذله الله تعالى وأضله وأعماه وأذله، بذلك صرح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وجلالته وبلوغ مرتبة الاجتهاد أبي الحسن السبكي، وولده التاج (^٢)، والشيخ الإمام العز بن جماعة (^٣)، وأهل عصرهم وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفية.\nوالحاصل أنه لا يقام لكلامه وزن، بل يرمى في كل وعر وحَزن، ويعتقد فيه أنه مبتدع ضال، ومُضلّ جاهل غالٍ، أجارنا الله من مثل طريقته وعقيدته\" (^٤).\n- \"ولا يعتبر بإنكار ابن تيمية لسن زيارته - ﷺ - فإنه عبد أضله الله كما قال العز بن جماعة، وأطال في الرد عليه التقي السبكي في تصنيف مستقل، ووقوعه في حق رسول الله - ﷺ - ليس بعجب، فإنه وقع في حق الله سبحانه،\n_________\n(^١) أشرف الوسائل، شرح الشمائل (ص ١٧٣).\n(^٢) هو عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، تاج الدين، أبو نصر، أشعري شافعي، من مؤلفاته: طبقات الشافعية الكبرى، جمع الجوامع، الأشباه والنظائر في الفقه، توفي سنة ٧٧١ هـ.\nانظر: الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٥)، شذرات الذهب (٦/ ٢٢١).\n(^٣) هو عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الحموي، عز الدين، أشعري شافعي، من مؤلفاته: هداية السالك إلى المذاهب الأربعة في المناسك، تخريج أحاديث الرافعي، مختصر في السيرة النبوية، توفي سنة ٧٦٧ هـ.\nانظر: الدرر الكامنة (٢/ ٣٧٨)، شذرات الذهب (٦/ ٢٠٨).\n(^٤) الفتاوى الحديثية (ص ١٥٦ - ١٥٧).","vol":"1","page":83},{"text":"تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا، فنسب إليه العظائم؛ كقوله: إن لله تعالى جهة ويدًا ورجلًا وعينًا وغير ذلك من القبائح الشنيعة، ولقد كفَّره كثير من العلماء، عامله الله بعدله، وخذل متبعيه الذين نصروا ما افتراه على الشريعة الغراء\" (^١).\n- \"من هو ابن تيمية حتى ينظر إليه أو يعول في شيء من أمور الدين عليه؟ ! وهل هو إلا كما قال جماعة من الأئمة الذين تعقبوا كلماته الفاسدة؛ وحججه الكاسدة؛ حتى أظهروا عوار سقطاته؛ وقبائح أوهامه وغلطاته؛ كالعز بن جماعة: عبد أضله الله تعالى وأغواه، وألبسه رداء الخزي وأرداه، وبوأه من قوة الافتراء والكذب ما أعقبه الهوان؛ وأوجب له الحرمان ...\nهذا ما وقع من ابن تيمية مما ذكر، وإن كان عثرة لا تقال أبدًا، ومصيبة يستمر شؤمها سرمدًا، ليس بعجيب، فإنه سولت له نفسه وهواه وشيطانه أنه ضرب مع المجتهدين بسهم صائب، وما درى المحروم أنه أتى بأقبح المعائب؛ إذ خالف إجماعهم في مسائل كثيرة، وتدارك على أئمتهم سيما الخلفاء الراشدين باعتراضات سخيفة شهيرة، حتى تجاوز إلى الجناب الأقدس، المنزه - سبحانه - عن كل نقص، والمستحق لكل كمال أنفس، فنسب إليه الكبائر والعظائم، وخرق سياج عظمته بما أظهره للعامة على المنابر من دعوى الجهة والتجسيم، وتضليل من لم يعتقد ذلك من المتقدمين والمتأخرين، حتى قام عليه علماء عصره؛ وألزموا السلطان بقتله أو حبسه وقهره، فحبسه إلى أن مات وخمدت تلك البدع، وزالت تلك الضلالات، ثم انتصر له أتباع لم يرفع الله لهم رأسًا، ولم يظهر لهم جاهًا ولا بأسًا، بل ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون\" (^٢).\nوالمسائل التي أخذها ابن حجر - غفر الله له - على شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم - رحمهما الله - وشنع بها عليهما، قسمان:\nالأول: مسائل فقهية: كالقول بأن الطلاق الثلاث يقع واحدة، وأن\n_________\n(^١) حاشية الإيضاح (ص ٤٨٩).\n(^٢) الجوهر المنظم (ص ١٢ - ١٣).","vol":"1","page":84},{"text":"الصلاة إذا تركت عمدًا لا يجب قضاؤها، وأن المكوس إذا أخذت من التجار أجزأتهم عن الزكاة ونحوها.\nوالثاني: مسائل عقدية، وهي بحسب زعمه:\n١ - القول بتحريم زيارة قبر النبي - ﷺ -.\n٢ - القول بتحريم التوسل بالنبي - ﷺ -.\n٣ - القول بإثبات الجسمية والجهة لله تعالى.\n٤ - القول بعدم عصمة الأنبياء.\n٥ - القول بفناء النار.\n٦ - القول بأن التحسين والتقبيح شرعيان وعقليان.\n٧ - القول بأن مخالف الإجماع لا يكفر ولا يفسق.\n٨ - القول بأن التوراة والإنجيل لم تبدل ألفاظهما وإنما بدلت معانيهما (^١).\nوالملاحظ أن ابن حجر - غفر الله له - في تهجمه على شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة - ابن القيم - رحمهما الله - وتشنيعه عليهما متابع لقول بعض من تقدمه كالتقي السبكي، وابنه التاج، والعز بن جماعة الذين أشار إليهم في كلامه المتقدم.\nولهذا كان سياقه لأقوال شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم لا يخلو من الاتهام بالباطل، وقول الزور، والتلبيس والتضليل والتقول؛ مما يدل على عدم تحقق ابن حجر - عفا الله عنه - منها ووقوفه عليها.\nيقول الشيخ محمد صفي الدين البخاري الحنفي (^٢) - ﵀ - بعد سياقه لجملة من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - وبراءته مما نسب إليه:\n\"فإن قلت: ما نقلته في هذا الجزء يدل على براءة الشيخ مما نسب\n_________\n(^١) انظر: الفتاوى الحديثية (ص ١٥٨ - ١٥٩).\n(^٢) هو محمد بن أحمد بن محمد خير الله البخاري الأثري، صفي الدين أبو الفضل الحسيني، ماتريدي حنفي، من مؤلفاته: القول الجلي في ترجمة الشيخ تقي الدين بن تيمية الحنبلي، توفي سنة ١٢٠٠ هـ.\nانظر: فهرس الفهارس (١/ ١٥٢)، معجم المؤلفين (٩/ ٥).","vol":"1","page":85},{"text":"إليه وعلو مرتبته، فما بال العلاء البخاري (^١) والتقي الحصني (^٢)، وابن حجر الهيتمي وغيرهم ينسبونه إلى أمور فظيعة؟ !\nقلت: اعلم - وفقك الله تعالى - أن ابن تيمية - رحمه الله تعالى - كان رجلًا مشهورًا بالعلم والفضل وحفظ السنة، وكان مبالغًا في مذهب الإثبات، وكان يكره التأويل أشد الكراهة، وكان يرد على المتصوفة ما ذكروه في كتبهم من وحدة الوجود وما شاكلها كعادة أهل الحديث والفقهاء والمتكلمين ... وكان قد خالف الأئمة الأربعة في بعض ...\nفقام عليه ناس وحسدوه وأبغضوه، وأشاعوا عنه ما لم يقله من التشبيه والتجسيم وغير ذلك، فدخل ذلك على بعض أهل العلم من الحنفية والشافعية وغيرهما، ولم يطلبوا تحقيق ذلك من كتبه المشهورة، واعتمدوا على السماع، فوقع منهم ما قد وقع، وقد وقع مثل هذا لغير واحد من أهل العلم والفضل\" (^٣).\nونظرًا لشهرة ابن حجر - ﵀ - وعلو مكانته في عصره، وكثرة تصانيفه، وشدة خصومته، أصبح كلامه في حق الشيخين أشهر من كلام غيره، وأكثر أعداؤهما من سياقه ونقله.\nولهذا يقول النبهاني (^٤) عنه: \"كان أشد أئمة المسلمين إنكارًا لبدع ابن تيمية وردًا عليه بأشد العبارات؛ شفقة على المسلمين، ومحاماة عن هذا الدين المبين، وله في ذلك عبارات كثيرة في كتبه ولا سيما في الفتاوى\n_________\n(^١) هو محمد بن محمد البخاري، المشهور بالعلاء البخاري، فقيه حنفي، اشتهر بعدائه لشيخ الإسلام ابن تيمية وتكفيره له، وقد رد عليه ابن ناصر الدين الدمشقي بكتابه المعروف بالرد الوافر، توفي سنة ٨٤١ هـ.\nانظر: الضوء اللامع (٩/ ٢٩١)، شذرات الذهب (٧/ ٢٤١).\n(^٢) هو أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن بن حريز الحصني، الشافعي، فقيه محدث، اشتهر بعدائه لشيخ الإسلام ابن تيمية، من مؤلفاته: شرح منهاج الطالبين، وشرح مختصر أبي شجاع، وكفاية الأخيار، توفي سنة ٨٢٩ هـ.\nانظر: الضوء اللامع (١١/ ٨١)، شذرات الذهب (٧/ ١٨٨).\n(^٣) القول الجلي في ترجمة الشيخ تقي الدين بن تيمية الحنبلي (ص ٩٢ - ٩٤).\n(^٤) هو يوسف بن إسماعيل بن حسن بن محمد النبهاني الشافعي، أشعري صوفي، من مؤلفاته: جامع كرامات الأولياء، شواهد الحق في الاستغاثة بخير الخلق، الأنوار المحمدية في المواهب اللدنية وغيرها، توفي سنة ١٣٥٠ هـ. =","vol":"1","page":86},{"text":"الحديثية ... \" (^١).\nوقد انتصر لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم - رحمهما الله - جمع من أهل العلم، وردوا على ابن حجر - عفا الله عنه - ما قاله فيهما، وشنع به عليهما، وفيما يلي طرف من كلامهم:\n١ - العلامة إبراهيم بن حسن بن شهاب الدين الكوراني الشافعي (^٢) - ﵀ - حيث ساق كلام ابن حجر - عفا الله عنه - في حق الشيخين، وعقب عليه بقوله: \"أما إثبات الجهة والجسميّة المنسوب إليهما فقد تبين حاله، وأنّهما لم يثبتا الجسميّة أصلًا؛ بل صرّحا بنفيها في غير ما موضع من تصانيفهما، ولم يثبتا الجهة على وجه يستلزم محذورًا. وإنّما أقرا قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ على ظاهره الذي يليق بجلال ذات الله تعالى، لا الظاهر الذي هو من نعوت المخلوقين حتى يستلزم الجسميّة ...\nفالمناسبة التي أبداها ابن تيميّة مناسبة صحيحة غير مستلزمة للتجسيم، ولا مبنيّة عليه أصلًا كما ظنه ابن حجر؛ بل على صحة التجلي في المظهر مع التنزيه بليس كمثله شيء.\nوقد دل كلام ابن تيمية - عليه الرحمة - عمومًا وخصوصًا على أنّ الحق - ﷾ - يتجلى لما يشاء على أي وجه يشاء، مع التنزيه بليس كمثله شيء في كل حال، حتى في حال تجليه في المظهر، وهذا هو الغاية في الإيمان والعلم أيضًا\" (^٣).\n٢ - العلامة الملا علي بن سلطان القاري الحنفي الماتريدي - ﵀ - وهو من أشهر تلاميذ ابن حجر الهيتمي - كما سبق (^٤) - حيث ذكر كلام شيخه\n_________\n= انظر: الأعلام (٨/ ٢١٨)، معجم المؤلفين (٤/ ١٤٥).\n(^١) شواهد الحق في الاستغاثة بخير الخلق (ص ١٤٢).\n(^٢) هو إبراهيم بن حسن بن شهاب الدين الشهراني الشهرزوري الكوراني، برهان الدين، محدث شافعي، له مؤلفات منها: إتحاف الخلف بتحقيق مذهب السلف، إفاضة العلام، الأمم لإيقاظ الهمم، توفي سنة ١١٠١ هـ.\nانظر: فهرس الفهارس (١/ ١١٥)، البدر الطالع (١/ ١١).\n(^٣) إفاضة العلام له (ل/ ٩٢/ أ، ب)، وقد نقل كلامه الألوسي في جلاء العينين (ص ٦٤٨).\n(^٤) انظر: (ص ٤٠).","vol":"1","page":87},{"text":"السابق في حق الشيخين الإمامين ابن تيمية وابن القيبم، وعقب عليه بقوله: \"أقول: صانهما الله عن هذه الوصمة الشنيعة والنسبة الفظيعة، ومن طالع شرح منازل السائرين تبين له أنهما كانا من أهل السنة والجماعة ومن أولياء هذه الأمة.\nومما ذكره في الشرح المذكور قوله (^١) ما نصه: وهذا الكلام من شيخ الإسلام - يعني: الشيخ عبد الله الأنصاري الحنبلي (^٢) قدس الله سره الجلي - يبين مرتبته من السنة والمقدار في العلم، وأنه بريء مما رماه به أعداؤه الجهمية من التشبيه والتمثيل على عادتهم في رمي أهل الحديث والسنة بذلك، والرافضة لهم بأنهم نواصب، والناصبة بأنهم روافض، والمعتزلة بأنهم نوابت حشوية، وذلك ميراث من أعداء رسول الله - ﷺ - في رميه ورمي أصحابه بتقليب أهل الباطل لهم بالألقاب المذمومة، وقدس الله روح الشافعي حيث يقول - وقد نسب إليه الرفض -:\nإن كان رفضًا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي\nورضي الله عن شيخنا أبي العباس بن تيمية حيث يقول:\nإن كان نصبًا حب صحب محمد ... فليشهد الثقلان أني ناصبي\nوعفا الله عن الثالث (^٣) حيث يقول:\nفإن كان تجسيمًا بثبوت صفاته ... وتنزيهها عن كل تأويل مفتري\nفإني بحمد اللَّه ربي مجسم ... هلموا شهودًا واملؤوا كل محضر\nثم ذكر في الشرح المذكور (^٤) ما يدل على براءة الرجل من التشنيع المسطور؛ وهو أن حفظ حرمة نصوص الأسماء والصفات بإجراء أخبارها على ظواهرها وهو اعتقاد مفهومها المتبادر إلى أفهام العامة، ولا نعني\n_________\n(^١) انظر: مدارج السالكين (٢/ ٨٥) وما بعدها.\n(^٢) هو عبد الله بن محمد بن علي المشهور بأبي إسماعيل الأنصاري الهروي، من مؤلفات ذم الكلام، الأربعين في دلائل التوحيد، الفاروق في الصفات، توفي سنة ٤٨١ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٥٠٣)، شذرات الذهب (٣/ ٣٦٥).\n(^٣) هو - كما في تعليق مدارج السالكين - ابن القيم نفسه.\n(^٤) انظر: مدارج السالكين (٢/ ٨٧ - ٨٨).","vol":"1","page":88},{"text":"بالعامة الجهال؛ بل عامة الأمة كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى وقد سئل - ﵀ - عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، كيف استوى؟ فأطرق مالك حتى علاه الرحضاء ثم قال: \"الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة\" (^١).\nفرق بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة وبين الكيف الذي لا يعقله البشر.\nوهذا الجواب من مالك - ﵀ - شافٍ في جميع مسائل الصفات من السمع، والبصر، والعلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والنزول، والغضب، والرحمة، والضحك، فمعانيها كلها معلومة، وأما كيفيتها فغير معقولة؛ إذ تعَقُّل الكيف فرع العلم بكيفية الذات وكنهها، فإذا كان ذلك غير معلوم فكيف نعقل كيفية الصفات؟ !\nوالعصمة النافعة في هذا الباب: أن تصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسول الله - ﷺ -، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل تثبت له الأسماء والصفات وتنفي عنه مشابهة المخلوقات، فيكون إثباتك منزهًا عن التشبيه، ونفيك منزهًا عن التعطيل.\nفمن نفى حقيقة الاستواء فهو معطل، ومن شبهه باستواء المخلوقات فهو ممثل، ومن قال: هو استواء ليس كمثله شيء فهو الموحد المنزه، انتهى كلامه وتبين مرامه، وظهر أن معتقده موافق لأهل الحق من السلف وجمهور الخلف.\nفالطعن الشنيع القبيح الفظيع غير موجه عليه، ولا متوجه إليه ... \" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية (ص ٥٥) برقم (١٠٤)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٣٩٨) برقم (٦٦٤)، والصابوني في عقيدة السلف (ص ١٨) برقم (٢٥)، وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٥١)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٢٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٠٤) برقم (٨٦٦) من طرق عن الإمام مالك - ﵁ - به.\nقال الحافظ الذهبي - ﵀ - في كتابه العلو (٢/ ٩٥٤): \"هذا ثابت عن مالك ... وهو قول أهل السنة قاطبة\".\n(^٢) جمع الوسائل في شرح الشمائل (١/ ١٦٨)، وانظر: نحوًا من كلامه السابق في كتابه المقالة العذبة في العمامة والعذبة (ص ٩٠).","vol":"1","page":89},{"text":"٣ - العلامة محمد بن أحمد السفاريني الحنبلي السلفي (^١) - ﵀ - حيث أشار إلى كلام ابن حجر السابق في حق الشيخين، وأبهم قائله، ورد عليه بقوله: \"رأيت بعض من أعمى الله بصيرته، وأفسد سريرته، وتشدَّق وصال، ولَقْلَقَ في مقالته، وقال هذا على اعتقاده، وأخذ في الحطِّ على شيخ الإسلام وتلميذه، وزعم أنَّه نصرُ الحق في انتقاده، وهو مع ذلك هوى في مهاوي هَوَاهُ، وله ولهما موقفٌ بين يدي الله، وحينئذ تنكشفُ السّتُور، ويظهر المستُورُ، وأمَّا أنا فلا أخوضُ في حقِّ من سلف، وإن كانت مقالتُه أقرب إلى الضلال والتَّلف؛ لأنَّ الناقدَ بصيرٌ. ولله عاقبة الأمور\" (^٢).\n٤ - العلامة صديق حسن خان القنوجي المحدث السلفي (^٣) - ﵀ - حيث قال في ترجمته لابن حجر الهيتمي - عفا الله عنه - ما نصه:\n\"كان له تعصب مع شيخ الإسلام ابن تيمية شديد - عفا الله عنه - ما جناه\" (^٤).\n٥ - العلامة نعمان خير الدين الألوسي البغدادي الحنفي (^٥) - ﵀ - حيث ألف في ذلك كتابًا سماه \"جلاء العينين في محاكمة\n_________\n(^١) هو محمد بن أحمد بن سليمان السفاريني النابلسي، شمس الدين، سلفي حنبلي، من مؤلفاته: الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية، وشرحها لوامع الأنوار البهية وسواطع الأثرية، والذخائر لشرح منظومة الكبائر، توفي سنة ١١٨٨ هـ.\nانظر: سلك الدرر للمرادي (٤/ ٣١)، الأعلام (٦/ ١٤).\n(^٢) غذاء الألباب (٢/ ٢٤٧).\n(^٣) هو صديق حسن خان الحسيني البخاري القنوجي، أبو الطيب، محدث سلفي، من مؤلفاته: الدين الخالص، إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة، قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر، توفي سنة ١٣٠٧ هـ.\nانظر: التاج المكلل له (ص ٥٤١)، الأعلام (٦/ ١٦٧).\n(^٤) أبجد العلوم (ص ٦٦٢).\n(^٥) هو نعمان خير الدين الألوسي، أبو البركات، البغدادي الحنفي، من مؤلفاته: جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، الجواب الفسيح لما لفقه عبد المسيح، صادق الفجرين وغيرها. توفي سنة ١٣١٧ هـ.\nانظر: الأعلام (٨/ ٤٢)، أعلام العراق لمحمد بهجت الأثري (ص ٥٧).","vol":"1","page":90},{"text":"الأحمدين\" (^١) نصب نفسه فيه حكمًا بين أحمد بن تيمية وأحمد بن حجر - رحمهما الله - وبين المسائل المختلف فيها بينهما ووجه الحق فيها.\nوقد انتصر في كتابه هذا لشيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - وبين ما في كلام ابن حجر - عفا الله عنه - من الظلم والتعدي، وختمه بقوله: \"وها أنا بتوفيقه سبحانه قد ذكرت كلام الشيخين، وتصفحت نصوص الطرفين متجنبًا عن داء العصبيّة، متنحيًا عن حمى الغيرة الجاهلية؛ إذ لست بحنبلي المذهب، حتى أرمي بسهم العصبيّة في هذا المطلب. غير أنّ الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة المتقدمات في هذا الشأن، حملتني على نصح الإخوان عن الطعن فيمن هو من أولياء الله، والذّبّ عن ذلك الحبر الأواه، وبيان ما عسر تحقيقه ودق تدقيقه على كثير من فضلاء الزمان ...\nوأقول كما فصلته مرارًا: إنّ بعض الأقوال المتقدمة مكذوبة، والبعض الآخر منها لازم المذهب واللوازم غير مطلوبة، ومنها ما هو مذهب الحنابلة كما قد شاع وذاع، ومنها ما هو مجتهد فيه، وللاجتهاد كما لا يخفى عليك اتساع، وأنّ الشيخ أبا العباس قد بلغ نحو أمثاله في ذلك رتبة الاجتهاد بلا التباس، حاويًا لشروطه المتقدمة في هذا الكتاب فله الثواب على ذلك، ولا لوم عليه إن أخطأ بعد أن بذل الوسع فيما هنالك؛ إذ مأخذه الكتاب والسنة الفسيحة المسالك.\nوأقول: إنّ الفهامة ابن حجر قد استعجل ولم يتبين عندما أجاب وحرر، حتى بدّعه ونسب إليه المكفر ثم استغفر، فليته تتبع كتب ذلك الإمام، وأقواله المُسَلَّمة عند ذوي النقض والإبرام، حتى يلوح له الصدق، ويتثبت ليتحصحص الحق، ولا ينتقد عليه المتتبعون، أو يغيّر بنقله الغافلون، أو يتبع كلامه في الازدراء والتكفير من أهل زماننا الجاهلون؛ لأنّه العلامة المتبع، ومن إذا قال قولًا يصاخ له ويستمع، وعلى العلات أسأل الله تعالى أن يغفر لهذين الشيخين وينفعنا بعلوم هذين الأحمدين في الدارين\" (^٢).\n_________\n(^١) طبع الكتاب بمطبعة المدني سنة ١٤٠١ هـ، وحققه الباحث عثمان داود لنيل درجة الدكتوراه في العقيدة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية سنة ١٤٢٤ هـ.\n(^٢) (ص ٦٥١ - ٦٥٢)، وانظر: (ص ١٣، ١٨٩، ٤٦٧، ٦٠١، ٦٤٧، ٦٥٢).","vol":"1","page":91},{"text":"٦ - العلامة محمود شكري بن عبد الله الألوسي السلفي الحنفي (^١) حيث قال: \"ما ذكره ابن حجر المكي في فتاواه عن الشيخ: منه ما هو كذب وزور وبهتان منه عليه، كنسبة القول بالجسمية والجهة، وعدم تحريف التوراة والإنجيل ونحو ذلك، وكتب الشيخ المثبوتة في العلم كلها تصرح بضد ذلك، وجميع كتبه مصرحة بنفي الجهة والجسمية، وشطر من كتابه الجواب الصحيح في إثبات تحريف الكتابيين لكتبهم، فأي ذي دين وإنصاف لم يكذب ابن حجر في قوله ويحكم عليه بأنه من الكاذبين، وأن الشيخ كان من المحققين، والمسائل الأخرى التي ادعى ابن حجر على الشيخ أنه خرق بها الإجماع كلها مما قال به السلف، وقام عليها الدليل الصحيح، وألف في اختياراته كتب مفصلة\" (^٢).\n٧ - العلامة محمد رشيد رضا البغدادي المصوي (^٣) - ﵀ - حيث قال: \"ما عزاه ابن حجر الهيتمي إلى ابن تيمية من القول بأن الرب تعالى محل للحوادث، وأن القرآن محدث، وأن العالم قديم بالنوع، ومن القول بالجسمية والجهة، وبأن الرسول - ﷺ - لا جاه له كل ذلك مكذوب على ابن تيمية، وكتبه الكثيرة مصرحة بخلاف ذلك، ولم نرَ في كتب أحد من علماء الإسلام مثل ما رأينا في كتبه من الدلائل والبراهين على نفي هذه\n_________\n(^١) هو محمود شكري بن عبد الله بن محمود الخطيب، البغدادي، الحسيني، المشهور بأبي المعالي الألوسي، سلفي حنفي، من مؤلفاته: غاية الأماني في الرد على النبهاني، فتح المنان تتمة منهاج التأسيس رد صلح الإخوان، صب العذاب على من سب الأصحاب وغيرها، توفي سنة ١٣٤٢ هـ.\nانظر: الأعلام (٧/ ١٧٢)، معجم المؤلفين (٣/ ٨١٠).\n(^٢) غاية الأماني في الرد على النبهاني (٢/ ٥٠).\n(^٣) هو محمد رشيد بن علي رضا، البغدادي، المصري، سلفي في الجملة، له عناية بنشر السنة وعقيدة السلف، من مؤلفاته: تفسير المنار، والوحي المحمدي، والخلافة وغيرها، توفي سنة ١٣٥٤ هـ.\nانظر: الأعلام (٦/ ٣٦١)، معجم المؤلفين (٩/ ٣١٠).","vol":"1","page":92},{"text":"الأباطيل وتفنيدها. فإما أن يكون ابن حجر قد سمع تلك المطاعن من بعض الكاذبين فصدقها - وهو المرجح عندنا - وإما أن يكون هو الذي افتجر ذلك عليه وهو ما لا نظنه في مثله، وإما أن يكون ذلك مدسوسًا على ابن حجر، وقد دس المفسدون كثيرًا في الكتب ... ومهما كان سبب تلك المطاعن فهي لا قيمة لها مع استفاضة كتب الرجل بخلافها، وقد طبع الكثير منها ولله الحمد ...\nوكلام ابن حجر في ابن تيمية معارض بكلام من هو أعلم منه بالرجال وبما قيل فيهم كسميّه الحافظ ابن حجر العسقلاني (^١) وهو شيخ شيوخه وأعلمهم بالرجال، فانظروا ماذا قال في ابن تيمية في كتابه طبقات الحفاظ وغيره من كتبه. وبمثل قوله فيه وثنائه عليه واعترافه له بمشيخة الإسلام قال: وأثنى واعترف أكابر الحفاظ في عصره وبعد عصره وشهدوا له بالاجتهاد المطلق.\nوكتب ابن تيمية أكبر شهادة من كل أولئك العلماء على كون الرجل وصل إلى رتبة الاجتهاد المطلق، وقصارى ابن حجر أنه في رتبة المرجحين في فقه الشافعية\" (^٢).\n٨ - العلامة محمد بن حسين بن سليمان الفقيه المالكي (^٣) - ﵀ - حيث قال: \"وأما ما عوى به ابن حجر المكي في كتابه الجوهر المنظم، وشرحه لـ مناسك النووي، وكتابه الفتاوى الحديثية من التشنيع والحط على شيخ\n_________\n(^١) هو أحمد بن علي بن محمد بن حجر الكناني، العسقلاني، الشافعي، شهاب الدين، أبو الفضل، أحد أعلام المحدثين المتاخرين، من مؤلفاته: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، تهذيب التهذيب، التلخيص الحبير، توفي سنة ٨٥٢ هـ.\nانظر: الضوء اللامع (٢/ ٣٦)، شذرات الذهب (٧/ ٢٧٠).\n(^٢) فتاوى الإمام محمد رشيد رضا (٣/ ٨٢٤ - ٨٢٥).\n(^٣) هو محمد بن حسين بن سليمان بن إبراهيم الفقيه، سلفي مالكي، من مؤلفاته: الكشف المبدي لتمويه أبي الحسن السبكي تكملة الصارم المنكي، توفي سنة ١٣٥٥ هـ.\nانظر: ترجمته أوائل كتابه الكشف المبدي (ص ١٩).","vol":"1","page":93},{"text":"الإسلام ابن تيمية فقد رأينا أولًا أن نطوي الكشح ونلوي عنان القلم عما نبح به؛ لأنه أشبه بكلام الرافضة في حق الشيخين أبي بكر وعمر، وأين ابن حجر من شيخ الإسلام حتى يُقبل طعنه فيه، فلو وزنا بينه وبين شيخ الإسلام وجدنا الفرق كما بين السماء والأرض، وكما بين الثريا والثرى، وكما بين حب اللؤلؤ والذرة، ولكن لما رأينا بعض الناس الجاهلين الأغبياء قد قلَّدُوا ابن حجر في هذيانه، رأينا أن نكتم على بعض قاله في حق هذا الإمام فنقول:\nأولًا: أما طعن ابن حجر على شيخ الإسلام فهو معارض بمدح الأئمة الأعلام، الذين عاصروا شيخ الإسلام ... وغيرهم من المتقدمين قبل ابن حجر المكي، وأما في زمننا وقبله فخلق لا يحصون ...\nثانيًا: أن ابن حجر لم يعز ما قاله إلى كتاب من كتب شيخ الإسلام، والذي يظهر لي أنه ما رأى منها كتابًا واحدًا، وإلا لو رأى لاستحيى من الله أن يقول ما قال، اللهم إلا أن يكون قد غلب عليه التعصب والعناد، وهل يليق برجل ينتسب إلى العلم يستحل الخوض في أعراض أئمة الهدى من غير أن يعزي ما قاله إلى كتاب من كتبهم، بل كُتبهم على خلاف ما قال هذا المفتري.\nثالثًا: أن ابن حجر وأمثاله ممن طعن في شيخ الإسلام لا يقبل طعنهم فيه؛ لأنَّهم جاهلون بشهادتهم على أنفسهم أنهم مُقَلِّدُون مُحَرِّمُون على أنفسهم وعلى الناس الاستهداء بالكتاب والسنة مُقرُّون على أنفسهم أنهم لا يفهمون معاني الكتاب والسنة، ولا قدرة لهم على استنباط الأحكام من الأدلة. وأما شيخ الإسلام فقد شهد له بالاجتهاد المطلق، وأنَّ شروط الاجتهاد، قد توفرت فيه واستجمعها سبعون مجتهدًا في زمانه، فكيف يليق بالجاهل العاجز عن فهم النصوص أن يطعن في عرض إمام مجتهد، كُتُبُه تشهد له بالفضل الذي لم يشاركه فيه إلا القليل من الناس، وما لك يا ابن حجر وما لهذا الإمام أشفق على نفسك وأرحها من العناء فشيخ الإسلام","vol":"1","page":94},{"text":"لا يحط من قدره ما هذيت به ... \" (^١).\nوبعد: فما سبق طرف من كلام أهل العلم - ﵏ - في المحاكمة بين العلامة أحمد بن حجر الهيتمي - عفا الله عنه - وبين شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم - رحمهما الله - على وجه الإجمال، وأما تفصيل الكلام في المسائل المختلف فيها بينهم فقد أوسعها بحثًا العلامة نعمان خير الدين الألوسي - ﵀ - في كتابه المشهور جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، ومن أحيل على مليء فليحتل.\n* * *\n_________\n(^١) الكشف المبدي (ص ٢٢٤ - ٢٢٦).","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>الباب الأول آراؤه في الإيمان بالله</span>\nوفيه تمهيد، وثلاثة فصول:\nتمهيد في تعريف التوحيد وأقسامه.\nالفصل الأول: آراؤه في توحيد الربوبية.\nالفصل الثاني: آراؤه في توحيد الألوهية.\nالفصل الثالث: آراؤه في توحيد الأسماء والصفات.","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>تمهيد في تعريف التوحيد وبيان أقسامه</span>\nيرى ابن حجر - ﵀ - أن الإيمان بالله تعالى يعني الإيمان \"بأنه تعالى واحد في ذاته، وصفاته، وأفعاله، لا شريك له في الألوهية - وهي استحقاق العبادة - منفرد بخلق الذوات بصفاتها وأفعالها وبقدم ذاته وصفاته الذاتية\" (^١).\nوبناء على ذلك فإنه يرى أن الإيمان بالله يعني توحيد الله تعالى المتضمن لتوحيده سبحانه في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.\nولهذا يحسن قبل بيان آراء ابن حجر في الإيمان بالله ذكر تعريف التوحيد وبيان أقسامه عند أهل السنة والجماعة، ثم عند ابن حجر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>أولًا: تعريف التوحيد وبيان أقسامه عند أهل السنة والجماعة:</span>\n(التوحيد): أصل مادته (وَحَدَ)، وتدور هذه المادة على الانفراد والاختصاص (^٢).\nيقول ابن فارس (^٣): \"الواو، والحاء، والدال: أصل واحد يدل على الانفراد\" (^٤).\n_________\n(^١) فتح المبين لشرح الأربعين (ص ٦٩).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة للأزهري (٤/ ٣٨٤٤ - ٣٨٤٨)، الصحاح للجوهري (٢/ ٥٤٧)، لسان العرب لابن منظور، القاموس المحيط للفيروزآبادي (ص ٤١٤).\n(^٣) هو أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد القزويني، أبو الحسين، الإمام اللغوي، له مصنفات منها: مقاييس اللغة، ومجمل اللغة، وحلية الفقهاء، توفي سنة ٣٩٥ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٠٣)، شذرات الذهب (٣/ ١٣٢).\n(^٤) معجم مقاييس اللغة (ص ١٠٨٤).","vol":"1","page":99},{"text":"وعليه فتوحيد الله تعالى معناه: إفراده تعالى بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات (^١).\nوالتوحيد - عند أهل السنة والجماعة - ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\n١ - توحيد الربوبية.\n٢ - توحيد الألوهية.\n٣ - توحيد الأسماء والصفات.\nوقد دل على ذلك استقراء النصوص من الكتاب والسنة (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>ثانيًا: تعريف التوحيد وبيان أقسامه عند ابن حجر:</span>\nوقد عرف ابن حجر - عفا الله عنه - التوحيد بتعريفين ضمنهما أقسامه عنده:\nالأول: هو الإقرار \"بأنه تعالى واحد في ذاته فلا تعدد له بوجه، وصفاته فلا نظير له بوجه، وأفعاله فلا معين له ولا شريك له فيها بوجه\" (^٣).\nوبناء على تعريفه هذا فإن التوحيد ينقسم عنده إلى ثلاثة أقسام:\n١ - توحيد الذات.\n٢ - توحيد الصفات.\n٣ - توحيد الأفعال.\n_________\n(^١) انظر: مدارج السالكين لابن القيم (٣/ ٤٤٩)، تيسير العزيز الحميد لسليمان بن عبد الله (ص ١٧)، لوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٥٧)، القول السديد لابن سعدي (ص ١٠)، القول المفيد لابن عثيمين (١/ ٥).\n(^٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (١/ ٢٢٦)، مدارج السالكين (١/ ٢٤ - ٢٥)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٢٤)، تيسير العزيز الحميد (ص ٣٢)، فتح المجيد لعبد الرحمن بن حسن (١/ ٧٩)، القول السديد لابن سعدي (ص ١٠)، أضواء البيان للشنقيطي (٣/ ٤١٠ - ٤١٤)، القول المفيد لابن عثيمين (١/ ٥)، وللاستزادة: القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد للعباد (ص ١٧ - ٤٩).\n(^٣) المنح المكية (١/ ٤٣٦).","vol":"1","page":100},{"text":"وابن حجر في هذا التعريف يوافق المتكلمين من الأشاعرة وغيرهم، كما يوافقهم في أقسامه (^١).\nوالثاني: هو أن \"توحيد العبد لربه على مراتب: توحيد له بالقول والوصف بأن يخبر عن وحدانيته، وتوحيد له بالعلم وهو أن يعلمه بالبرهان على وحدانيته، وتوحيد له بالمعرفة وهو أن يعرفه بالبيان كما علمه بالبرهان\" (^٢).\nوابن حجر وإن نقل هذا التعريف عن أبي القاسم القشيري (^٣) (^٤) إلا أنه استحسنه وارتضاه، وهو بهذا يوافق الصوفية في تعريفهم للتوحيد (^٥).\nوقد عقد ابن حجر - غفر الله له - مقارنة بين توحيد المتكلمين وتوحيد الصوفية فقال: \"إن توحيد الله تعالى باللسان العلمي المقرر في كتب أئمة الكلام القول فيه مشهور عند من مارس ذلك الفن واطلع على دقائقه وأحاط بما فيه ... وأما التوحيد بالأحوال الشهودية (^٦) والمواجيد\n_________\n(^١) انظر: المغني للقاضي عبد الجبار (١/ ٢٤١)، الإنصاف للباقلاني (ص ٣٣)، مجرد مقالات الأشعري لابن فورك (ص ٥٥)، نهاية الإقدام للشهرستاني (ص ٩٠)، التوحيد للماتريدي (ص ٢٣، ١١٩)، بحر الكلام للنسفي (ص ٤، ١٩).\n(^٢) الفتاوى الحديثية (ص ٤٣٧).\n(^٣) هو عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة بن محمد، أبو القاسم القشيري النيسابوري، ممن جمع بين الأشعرية والتصوف، من مؤلفاثه: الرسالة القشيرية، شرح أسماء الله الحسنى، لطائف الإشارات، توفي سنة ٤٦٥ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٢٧)، شذرات الذهب (٣/ ٣١٩).\n(^٤) بحثت عن قول القشيري فلم أجده بهذا اللفظ فيما وقفت عليه من كتبه، فلعل ابن حجر أورده بمعناه، انظر: الرسالة القشيرية (٢/ ٤٦٣).\n(^٥) انظر: منازل السائرين للهروي (ص ٤٧)، الرسالة القشيرية (٢/ ٤٦٢)، روضة التعريف للسان الدين الخطيب (ص ٤٩٧).\n(^٦) يُعرّف الصوفية الأحوال الشهودية: بأنها ما يرد على القلب من طرب أو حزن أو بسط أو قبض من أثر المشاهدة بحيث يشهد له بصحة كونه محيطًا من مشاهدة شهوده، وقيل: هي المواهب الفائضة على العبد من ربه، إما واردة عليه ميراثًا للعمل الصالح، وإما نازلة من الحق تعالى امتنانًا محضًا.\nانظر: معجم اصطلاحات الصوفية للكاشاني (ص ٥٢، ١٧٠)، الرسالة القشيرية (١/ ١٥٤)، المعجم الصوفي للحنفي (ص ٧١).","vol":"1","page":101},{"text":"العرفانية (^١) فهو حال أئمة التصوف الذين أتحفهم الله بما لم يتحف أحدًا سواهم ... فتوحيدهم هو الذي عليه المُعوَّل، وحالهم هو الحال الأكمل، ومن ثم قال بعض محققيهم فارقًا بينهم وبين علماء الكلام: أولئك قوم اشتغلوا بالاسم عن المسمى، ونحن قوم اشتغلنا بالمسمى عن الاسم\" (^٢).\nويظهر مما سبق أن ابن حجر يرى أن التوحيد له جانبان: جانب علمي وهو ما وافق فيه تعريف المتكلمين، وجانب عملي وهو ما وافق فيه تعريف الصوفية.\nوما ذهب إليه ابن حجر - عفا الله عنه - في تعريف التوحيد سواء من الجانب العلمي أو الجانب العملي مخالف للحق الذي عليه أهل السنة والجماعة.\nحيث يؤخذ على تعريفه الأول - والذي وافق فيه المتكلمين - ما يلي:\n١ - اشتمال التعريف على بعض الألفاظ المجملة التي ضمنها المتكلمون بعض العقائد الباطلة، كتضمينهم نفي علو الله على عرشه ومباينته لخلقه قولهم: \"إنه واحد في ذاته لا تعدد له\"، وتضمينهم نفي الصفات الثابتة له تعالى قولهم: \"إنه واحد في صفاته فلا نظير له\" (^٣).\nوهذه المعاني الباطلة التي ضمنها المتكلمون تعريف التوحيد يقر بها ابن حجر - وسيأتي بيان أقواله في ذلك والرد عليها - (^٤).\n٢ - إهمال التعريف لتوحيد الألوهية - الذي هو قطب رحى الدين،\n_________\n(^١) يُعرّف الصوفية المواجيد العرفانية: بأنها كل ما صادف القلب من غم أو فرح، ولها عندهم ثلاث مراتب: التواجد وهو استدعاء الوجد، والوجد وهو إما أن يرجع إلى الأحوال أو إلى المكاشفات والمشاهدات، والوجود ويكون بمشاهدة الحق سبحانه في الوجد على وجه الدوام، ويستعان لتحقيق الوجد بأنواعه الثلاثة بوسائل صناعية كآلات اللهو والطرب.\nانظر: معجم اصطلاحات الصوفية للكاشاني (ص ٣١٧)، الرسالة القشيرية (١/ ١٦١)، المعجم الصوفي للحنفي (ص ٢٥٦).\n(^٢) الفتاوى الحديثية (ص ٤٣٧).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٩٩ - ١٠٠).\n(^٤) انظر: (ص ٢٩٠).","vol":"1","page":102},{"text":"وأساس الملة، والمقصود بشهادة أن لا إله إلا الله - حيث لم يذكر في التعريف، فإن غاية ما ذكر فيه توحيد الربوبية الذي يقر به المشركون، ولم ينكره أحد من بني آدم.\nولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد أن بين خطأ المتكلمين في تعريفهم السابق: \"ما يسمونه توحيدًا: فيه ما هو حق، وفيه ما هو باطل، ولو كان جميعه حقًّا؛ فإن المشركين إذا أقرّوا بذلك كله لم يخرجوا من الشرك الذي وصفهم الله به في القرآن، وقاتلهم عليه الرسول - ﷺ -؛ بل لا بد أن يعترفوا أنه لا إله إلا الله\" (^١).\nوما أخذ على التعريف الأول من إهمال توحيد الألوهية والاقتصار على توحيد الربوبية يؤخذ على التعريف الثاني - والذي وافق فيه ابن حجر مذهب الصوفية -.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وكذلك طوائف من أهل التصوف، والمنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد غاية ما عندهم من التوحيد هو شهود هذا التوحيد - يعني: توحيد الربوبية - وأن يشهد أن الله رب كل شيء، ومليكه وخالقه، لا سيما إذا غاب العارف بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، ودخل في فناء توحيد الربوبية بحيث يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل، فهذا عندهم هو الغاية التي لا غاية وراءها.\nومعلوم أن هذا هو تحقيق ما أقر به المشركون من التوحيد، ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلمًا، فضلًا عن أن يكون وليًا لله، أو من سادات الأولياء\" (^٢).\nوبهذا يعلم خطأ ابن حجر - غفر الله له - في تعريف التوحيد وبيان أقسامه، ومخالفته لما عليه أهل السنة والجماعة.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٠١).\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ١٠١ - ١٠٢).","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>الفصل الأول آراؤه في توحيد الربوبية</span>\nوفيه تمهيد وثلاثة مباحث:\nالتمهيد في تعريف توحيد الربوبية:\nالمبحث الأول: معرفة الله تعالى.\nالمبحث الثاني: قوله في الفطرة.\nالمبحث الثالث: حكم إيمان المقلد.","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>تمهيد في تعريف توحيد الربوبية</span>\nالربوبية: مصدر رَبَّ يَرُبُ رَبَابَةً ورُبُوبية (^١).\nيقول ابن فارس: \"الراء والباء يدل على أصول:\nفالأول: إصلاح الشيء والقيام عليه ...\nوالآخر: لزوم الشيء والإقامة عليه ...\nوالثالث: ضم الشيء للشيء.\nومتى أنعم النظر كان الباب كله قياسًا واحدًا\" (^٢).\n\"والرب يطلق في اللغة على المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيّم، والمنعم\" (^٣).\nوجميع هذه المعاني ترجع إلى ثلاثة هي: المالك، والسيد، والمصلح، وقد أشار إلى ذلك ابن الأنباري (^٤) حيث قال: \"الرب ينقسم على ثلاثة أقسام: يكون الرب المالك، ويكون الرب السيد المطاع ... ويكون الرب المصلح\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: اشتقاق أسماء الله تعالى للزجاجي (ص ٣٢).\n(^٢) انظر: معجم مقاييس اللغة (ص ٣٩٨).\n(^٣) لسان العرب (١/ ٣٩٩)، وانظر: تهذيب اللغة (٢/ ١٣٣٥)، الصحاح (١/ ١٣٠)، القاموس المحيط (ص ١١١).\n(^٤) هو محمد بن القاسم بن بشار، أبو بكر، المشهور بابن الأنباري، إمام مقرئ، ولغوي متفنن، من مؤلفاته: الزاهر في اللغة، وغريب الحديث، وعجائب علوم القرآن وغيرها، توفي سنة ٣٢٨ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٧٤)، شذرات الذهب (٢/ ٣١٥).\n(^٥) انظر: لسان العرب (١/ ٤٠٠ - ٤٠١).","vol":"1","page":106},{"text":"ويطلق الرب في الشرع ويراد به عين معناه في اللغة.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"الرب سبحانه: هو المالك، المدبر، المعطي، المانع، الضار، النافع، الخافض، الرافع، المعز، المذل\" (^١).\nويقول العلامة ابن القيم ﵀: \"الرب هو السيد، والمالك، والمنعم، والمربي، والمصلح، والله هو الرب بهذه الاعتبارات كلها\" (^٢).\nوقد بين ابن حجر ﵀ بعض معاني الرب فقال: \"رب العالمين: أي مالك، أو سيد، أو مصلح، أو مربي، أو خالق، أو معبود\" (^٣).\nوهو بهذا لم يخرج عما ذكره السلف وأهل اللغة في بيان معنى الرب، سوى تفسيره الرب بمعنى المعبود؛ فإنهما وإن كان بينهما تضمن وتلازم إلا أنهما متغايران (^٤).\nولفظ: (رب) لا يطلق بغير الإضافة إلا على الله تعالى.\nيقول ابن قتيبة (^٥) ﵀: \"لا يقال لمخلوق: هذا الرب معرفًا بالألف واللام كما تقال لله، إنما يقال هذا رب كذا، فيُعّرف بالإضافة، لأن الله تعالى مالك كل شيء، فإذا قيل: الرب دلت الألف واللام على معنى العموم، وإذا قيل لمخلوق: رب كذا ورب كذا نسب إلى شيء خاص؛ لأنه لا يملك شيئًا غيره\" (^٦).\nوفي تقرير هذا المعنى يقول ابن حجر ﵀: \"لا يطلق الرب بالألف\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٩٢).\n(^٢) بدائع الفوائد (٤/ ١٣٢).\n(^٣) فتح المبين (ص ٨).\n(^٤) انظر: مدارج السالكين لابن القيم (١/ ٢٤) وما بعدها، مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٦/ ١٢١)، وللاستزادة: حقيقة التوحيد والفروق بين الربوبية والألوهية للدكتور علي العلياني (ص ١٠٥) وما بعدها.\n(^٥) هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو محمد، خطيب أهل السنة وأحد أئمة السلف، من مؤلفاته: تفسير غريب القرآن، تأويل مختلف الحديث، الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية وغيرها، توفي سنة ٢٧٦ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٩٦)، شذرات الذهب (٢/ ١٦٩).\n(^٦) تفسير غريب القرآن (ص ٩).","vol":"1","page":107},{"text":"واللام إلا على الله تعالى خاصة، فأما مع الإضافة فيقال: رب المال، ورب الدار وغير ذلك ...\nوإنما كره للمملوك أن يقول لمالكه ربي؛ لأن في لفظه مشاركة لله تعالى في الربوبية ... \" (^١).\nوبناء على ما سبق فالمراد بتوحيد الربوبية: هو إفراد الله تعالى بالخلق والملك (^٢).\nوإفراده سبحانه بالخلق يراد به: الإقرار والاعتراف بأنه تعالى وحده خالق كل شيء، لا شريك له في ذلك.\nوأما إفراده جل وعلا بالملك فيراد به أمران متلازمان:\nالأول: الاعتراف بأنه تعالى المالك للكون أجمع بما فيه لا شريك له في ملكه.\nوالثاني: أنه المدبر له والمتصرف فيه بما شاء لا شريك له في ذلك (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ١٨٦)، وانظر: فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٦٨٦).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٣١)، مدارج السالكين (١/ ٣٤)، لوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ١٢٨ - ١٢٩)، شرح النونية لابن عيسى (٢/ ٢٦٩)، القول المفيد لابن عثيمين (١/ ٥).\n(^٣) انظر: القول المفيد لابن عثيمين (١/ ٥ - ٧)، وفتاواه (١/ ١٨ - ١٩).","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>المبحث الأول معرفة الله تعالى</span>\nعرض ابن حجر ﵀ لجملة من المسائل المتعلقة بمعرفة الله سبحانه، وهي: حكم معرفة الله تعالى، والطريق إليها، وبيان دلائلها.\nوفيما يلي عرض آرائه في ذلك وتقويمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>أولًا: حكم معرفة الله والطريق إليها:</span>\nيرى ابن حجر - غفر الله له - أن معرفة الله تعالى كسبية نظرية لا فطرية ضرورية، وأن طريقها النظر، وأنهما أول الواجبات العينية.\nحيث يقول: \"معرفة الله تعالى والنظر المؤدي إليها هما أول الواجبات العينية، وأساس جميع الفروض وغيرها وسائر أصول الشريعة وفروعها\" (^١).\nويقول: \"يجب شرعًا النظر لمعرفة الله تعالى الواجبة لذاتها ... فهو أول واجب، وقال جمع محققون: أوله القصد إلى ذلك النظر، وهي أول واجب ذاتي\" (^٢).\nويقول: \"قال الإمام (^٣) في الإرشاد: \"أول ما يجب على البالغ العاقل باستكماله سن البلوغ أو الحلم شرعًا القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدوث العالم ... \" وما قاله لا خلاف فيه\" (^٤).\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ٤٣٧).\n(^٢) التعرف (ص ١٠٣ - ١٠٤).\n(^٣) المراد به الجويني، وكلامه المذكور في كتابه الإرشاد (ص ٢٥).\n(^٤) الفتاوى الحديثية (ص ٢٧٤ - ٢٧٥).","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>التقويم:</span>\nاختلف الناس في معرفة الله تعالى هل هي كسبية نظرية أم فطرية ضرورية.\nفذهب عامة السلف - ﵏ - إلى أنها فطرية ضرورية (^١).\nوذهب جمهور المتكلمين من المعتزلة (^٢) - ومن تبعهم من الشيعة الإمامية (^٣) والزيدية (^٤) (^٥) - والأشاعرة (^٦) والماتريدية (^٧) إلى أنها كسبية نظرية.\n_________\n(^١) انظر: درء التعارض (٣/ ١٢٦) (٨/ ٤٤٤ - ٤٤٩، ٥٣٢ - ٥٣٣)، مجموع الفتاوى (١/ ٤٨ - ٤٩) (٢/ ٧٢)، شفاء العليل لابن القيم (٢/ ٨٢١)، مفتاح دار السعادة (١/ ٢٨٠)، جامع العلوم والحكم لابن رجب (٢/ ٢٥٦)، فتح الباري لابن حجر العسقلاني (١/ ٧٠ - ٧١)، أضواء البيان للشنقيطي (٣/ ٤١٠)، وللاستزادة: فطرية المعرفة للدكتور أحمد سعد حمدان.\n(^٢) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص ٣٩، ٤٦، ٥٢)، والمحيط بالتكليف له (ص ٢٦)، المغني في أبواب العدل والتوحيد له أيضًا (١٢/ ٢٣٠، ٣٥٢)، الكشاف للزمخشري (١/ ٥٩١).\n(^٣) انظر: أوائل المقالات للمفيد (ص ٦٤)، والاقتصاد للطوسي (ص ٢٥ - ٢٦)، والتبيان في تفسير القرآن له أيضًا (٨/ ٢٤٣، ١٧٢) (٩/ ٢٣٧).\n(^٤) الزيدية هي فرقة من فرق الشيعة، ينتسبون زورًا إلى زيد بن علي المتوفى سنة ١٢٢ هـ ويقولون بإمامته، وبإمامة من اجتمع فيه العلم والزهد والشجاعة ظاهرًا من ولد فاطمة.\nانظر: التنبيه والرد للملطي (ص ٤٥)، مقالات الإسلاميين (١/ ١٣٦)، الفرق بين الفرق (ص ٢٩)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٥٤)، التبصير في الدين (ص ٢٤)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ٧٧).\n(^٥) انظر: المعالم الدينية في العقائد الإلهية ليحيى بن حمزة (ص ٥٣)، ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة للناصر لدين الله (ص ١٢، ١٣)، رسائل الشريف المرتضى المجموعة الأولى (ص ١٢٧ - ١٢٨).\n(^٦) انظر: الإنصاف للباقلاني (ص ١٣)، الإرشاد للجويني (ص ٢٥)، الشامل له أيضًا (ص ٢١)، المواقف للإيجي (ص ٣٢)، وشرحها للجرجاني (١/ ٢٧٥)، شرح المقاصد (١/ ٢٧١)، حاشية البيجوري على جوهرة التوحيد (ص ٣٦)، وحاشية الصاوي عليها (ص ٥٥).\n(^٧) انظر: التوحيد للماتريدي (ص ١٢٩)، إشارات المرام للبياضي (ص ٥٣).","vol":"1","page":110},{"text":"وكلام ابن حجر - غفر الله له - المتقدم في تقرير كونها أول واجب يفهم منه القول بأنها كسبية نظرية لا فطرية ضرورية؛ إذ لو كانت فطرية ضرورية لما كان تحصيلها واجبًا على المكلف لتحققها أصلًا، فضلًا عن أن تكون أول الواجبات.\nوالصحيح: ما ذهب إليه عامة السلف - ﵏ - من أن معرفة الله تعالى في الأصل فطرية ضرورية، والاكتساب والنظر طارئان عليها؛ إذ قد يعرض للفطرة ما يفسدها فتحتاج حينئذٍ إلى الاكتساب والنظر.\nوالمراد بالنظر الذي قد يُحتاج إليه في تقريرها هو مطلق النظر لا النظر العقلي الذي أوجبه المتكلمون - كما سيأتي -.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تقرير ذلك: \"الصحيح أنها فطرية ... ولكن قد يعرض للفطرة ما يفسدها، فتحتاج حينئذٍ إلى النظر، فهي في الأصل ضرورية، وقد تكون نظرية، ثم المعرفة الواجبة لا تتعلق بنظر خاص، بل قد تحصل ضرورية\" (^١).\nويقول أيضًا: \"المعرفة وإن كانت ضرورية في حق أهل الفطرة السليمة، فكثير من الناس يحتاج فيها إلى النظر، والإنسان قد يستغني عنه في حال، ويحتاج إليه في حال\" (^٢).\nوالأدلة على ذلك متظافرة من الكتاب، والسنة، والفطرة، والعقل.\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢].\nفالله تعالى أشهد ذرية آدم على ربوبيته سبحانه فأقروا له بذلك واعترفوا ثم أشهدهم على هذا الاعتراف، وسواء كان هذا العهد قبل الخروج إلى الدنيا في عالم الذر أو كان عهد الفطرة - على خلاف بين أهل العلم - فإن ذلك لا يؤثر في دلالة الآية على المقصود (^٣).\n_________\n(^١) مجموعة الرسائل الكبرى (٢/ ٣٤١)، وانظر (٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦)، مجموع الفتاوى (٢/ ٦) (٦/ ٧٣).\n(^٢) درء التعارض (٨/ ٨).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٨/ ٤٨٦ - ٤٨٧)، والروح لابن القيم (٢/ ٥٥٥ - ٥٥٩).","vol":"1","page":111},{"text":"وقوله سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].\nوقد أجمع المفسرون من السلف على أن المراد بفطرة الله في الآية دين الإسلام، ودين الإسلام متضمن لمعرفة الله تعالى والإقرار به (^١).\nوقوله ﷿: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\nفالرسل دعوا أقوامهم ابتداءً إلى توحيد الألوهية وإفراد الله تعالى بالعبادة، ولو لم يكن الإقرار بالله تعالى وربوبيته أمرًا فطريًا لابتدأوا أقوامهم بذلك؛ لأن الأمر بتوحيده تعالى في عبادته فرع عن الإقرار به وبربوبيته (^٢)، ولصح لأعداء الرسل عند دعوتهم لهم أن يقولوا نحن لم نعرفه أصلًا فكيف تأمروننا بعبادته؟ ولما لم يحدث ذلك منهم دل على أن معرفتهم بالله مستقرة في فطرهم (^٣).\nولهذا احتج عليهم ﷾ بما أقروا به - وهو الربوبية - على ما أنكروه - وهو الألوهية - في آيات كثيرة كقوله ﷿: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]، وقوله: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] (^٤).\nومن السُّنَّة: قوله ﷺ: \"ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء\". ثم يقول أبو هريرة - ﵁ - راوي الحديث: \"فطرة الله التي\n_________\n(^١) انظر: التمهيد لابن عبد البر (١٨/ ٧٢)، درء التعارض (٨/ ٣٦٧).\n(^٢) انظر: درء التعارض (٣/ ١٢٩ - ١٣٠).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٨/ ٤٤٠).\n(^٤) انظر: مجموعة الرسائل الكبرى (٢/ ٣٣٧)، أضواء البيان (٢/ ٤٢٩ - ٤٣٠).","vol":"1","page":112},{"text":"فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم\" (^١).\nفالحديث دل على أن كل مولود يولد على الفطرة، والفطرة هي الإسلام - كما سيأتي (^٢) - والإسلام متضمن لمعرفة الله والإقرار به.\nوقوله - ﷺ -: \"ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل من نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا\" (^٣).\nفالحديث دل على أن الله تعالى خلق الخلق على الحنيفية، والحنيفية هي الإسلام، ومن مقتضياته أن الله تعالى خلق الخلق مقرين به معترفين بربوبيته (^٤).\nوأما الفطرة: فإن الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم يلجؤون إلى الله تعالى حال الشدة والكرب، وذلك يدل على أن الخلق كلهم على اختلاف أديانهم مفطورون على معرفة الله سبحانه والإقرار به (^٥).\nوأما العقل: فمن المعلوم أن كل نفس قابلة للعلم وإرادة الحق، ومعلوم أن مجرد التعليم والتحضيض لا يوجب العلم والإرادة، لولا أن في النفس قوة تقبل ذلك، وإلا فلو عَلَّم أحدٌ البهائم والجمادات وحضها، لم يحصل لها ما يحصل لبني آدم مع أن السبب في الموضعين واحد، فعلم أن ذلك لاختلاف القوابل.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ (١/ ٤٠٣) برقم (١٣٥٨)، ومسلم، كتاب القدر باب معنى كل مولود يولد على الفطرة (٤/ ٢٠٤٧) برقم (٢٦٥٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.\n(^٢) انظر: (ص ١٢٤).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (٤/ ٢١٩٧) برقم (٢٨٦٥)، من حديث عياض بن حمار المجاشعي - ﵁ - به.\n(^٤) انظر: التمهيد (١٨/ ٧٥)، درء التعارض (٨/ ٣٦٩)، مجموع الفتاوى (١٦/ ٣٤٥).\n(^٥) انظر: درء التعارض (٨/ ٥٣٢ - ٥٣٣).","vol":"1","page":113},{"text":"ومعلوم أن إقرار النفس بالخالق ممكن من غير سبب منفصل من خارجها، وتكون الذات كافية في ذلك، فإذا كان المقتضي لذلك قائمًا في النفس وقُدّر عدم المعارض، فإن المقتضى السالم يوجب مقتضاه، فعلم أن الفطرة السليمة إذا لم يحصل لها ما يفسدها كانت مقرة بالخالق عابدة له (^١).\nوبما سبق يظهر بطلان ما ذهب إليه ابن حجر - غفر الله له - من كون المعرفة كسبية نظرية لا فطرية ضرورية.\nوأما قوله - عفا الله عنه - بأن المعرفة والطريق المؤدي إليها أول الواجبات العينية، فهو قول باطل، والرد عليه من طريقين:\nأحدهما: النقض، بأن يقال:\nأولًا: أن قوله بذلك مبني على قوله بأن المعرفة كسبية لا فطرية ضرورية، وهو باطل - كما سبق - فكذلك ما بني عليه.\nثانيًا: أن ابن حجر يرى - كما سيأتي (^٢) - جواز التقليد في العقائد - ومنها المعرفة - وصحة إيمان المقلد، والقول بذلك يقتضي عدم وجوب النظر على كل أحد؛ إذ يلزم من القول بوجوب النظر على كل مكلف تأثيم من قلد ولم ينظر، وذلك يناقض القول بجواز التقليد في العقائد.\nولهذا يقول أبو جعفر السمناني (^٣) - وهو من رؤوس الأشاعرة -: \"إيجاب الأشعري النظر لحصول المعرفة بقية بقيت عنده من الاعتزال، وتفرع عليها أن الواجب على كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه، وأنه لا يُكتفى بالتقليد في ذلك\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: درء التعارض (٨/ ٤٦١)، وانظر: مزيدًا من الأدلة العقلية على ذلك في درء التعارض (٨/ ٤٥٦ - ٤٦٨)، وشفاء العليل (٢/ ٨٢٥ - ٨٣٦)، وشرح الطحاوية (١/ ٣٤ - ٣٥).\n(^٢) انظر: (ص ١٢٩).\n(^٣) هو محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد السمناني الحنفي، أبو جعفر، متكلم أشعري، من أصحاب أبي بكر الباقلاني، كان مقدم الأشعرية في وقته، توفي سنة ٤٤٤ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٥١)، الجواهر المضية (٢/ ٢١).\n(^٤) فتح الباري (١/ ٩٠) (١٣/ ٣٦١).","vol":"1","page":114},{"text":"وعلى هذا فالقول بجواز التقليد في العقائد يناقض القول بوجوب النظر على أحد.\nثالثًا: أن ابن حجر يرى - كما سيأتي (^١) - أن التحسين والتقبيح شرعيان لا عقليان، وهذا يناقض قوله إن أول واجب على المكلف المعرفة أو النظر، وتناقض ابن حجر في ذلك ليس مختصًا به بل شأنه في ذلك شأن الأشاعرة الذين يوافقهم وينهج نهجهم.\nيقول شيخ الإسلام في بيان ذلك: \"ثم القول بأن أول الواجبات هو المعرفة أو النظر لا يمشي على قول من يقول لا واجب إلا بالشرع، كما هو قول الأشعرية وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، فإنه على هذا التقدير لا وجوب إلا بعد البلوغ على المشهور وعلى قول من يوجب الصلاة على ابن عشر سنين أو سبع، لا وجوب على من لم يبلغ ذلك، وإذا بلغ هذا السن فإنما يخاطبه الشرع بالشهادتين إن كان لم يتكلم بهما، وإن كان تكلم بهما خاطبه بالصلاة، وهذا هو المعنى الذي قصده من قال أول الواجبات الطهارة والصلاة، فإن هذا أول ما يؤمر به المسلمون إذا بلغوا أو إذا ميزوا\" (^٢).\nوعليه فإن تناقض ابن حجر هنا فرع عن تناقض الأشاعرة أنفسهم الذين تابعوا المعتزلة في قولهم بوجوب النظر لحصول المعرفة وخالفوهم في طريق الوجوب فقالوا هو الشرع لا العقل مما أوقعهم في التناقض.\nثانيهما: المعارضة: بأن الأدلة متظافرة من الكتاب والسنة والإجماع على أن أول واجب على المكلف الشهادتان، لا المعرفة ولا النظر ولا القصد إليه.\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\nوقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥].\n_________\n(^١) انظر: (ص ٦٠١).\n(^٢) درء التعارض (٨/ ١٢ - ١٣).","vol":"1","page":115},{"text":"فالرسل جميعًا أول ما دعوا أقوامهم إلى إخلاص العبادة لله وحده دون ما سواه، وهذا يدل على أنه أول واجب على المكلفين؛ لأن من تمام البلاع أن يأمروا أقوامهم بأول ما أوجبه الله عليهم.\nومن السُّنَّة: قوله - ﷺ -: في وصيته لمعاذ - ﵁ - حين بعثه إلى اليمن: \"إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ... \" الحديث (^١).\nوأما الاجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن أول ما يؤمر به العبد إفراد الله بالعبادة.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"السلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العباد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقب البلوغ\" (^٢).\nكما أجمعوا على أن الكافر إذا قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد دخل في الإسلام، وهذا يدل على أن ذلك أول الواجبات.\nيقول الإمام ابن المنذر (^٣) ﵀: \"أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن الكافر إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وأن كل ما جاء به حق، وأبرأ إلى الله من كل دين يخالف الإسلام، وهو بالغ صحيح يعقل أنه مسلم\" (^٤).\nويقول العلامة ابن القيم - ﵀: \"أجمع المسلمون على أن الكافر إذا قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد دخل في الإسلام\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب أخد الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا (١/ ٤٤٦ - ٤٤٧) برقم (١٤٩٦)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (١/ ٥٠) برقم (٢٩) من حديث ابن عباس ﵄ به.\n(^٢) درء التعارض (٨/ ١١ - ١٢).\n(^٣) هو محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري الشافعي، أبو بكر، إمام محدث فقيه، له مصنفات منها: الأوسط، والإجماع، والإشراف في اختلاف العلماء، توفي سنة ٣٠٩ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٤٩٠)، شذرات الذهب (٢/ ٢٨٠).\n(^٤) الإجماع (ص ١٥٤).\n(^٥) مدارج السالكين (٣/ ٤٢١).","vol":"1","page":116},{"text":"فالقول بأن أول واجب على المكلف هو المعرفة أو النظر أو القصد إليه قول مُبتدَع حادث بعد القرون الفاضلة.\nيقول العلامة ابن حزم (^١) ﵀: \"ومن البرهان الموضح لبطلان هذه المقالة الخبيثة أنه لا يشك أحد ممن يدري شيئًا من السير ... في أن رسول الله - ﷺ - مذ بُعث لم يزل يدعو الناس الجماء الغفير إلى الإيمان بالله تعالى، وبما أتى به ويقاتل من أهل الأرض من قاتله ... ويقبل ممن آمن به ويحرم ماله ودمه وأهله وولده، ويحكم له بحكم الإسلام ...\nفما منهم من أحد ... قال له ﵇: إني لا أقبل إسلامك ولا يصح لك دين حتى تستدل على صحة ما أدعوك إليه ... لسنا نقول: إنه لم يبلغنا أنه ﵇ قال ذلك لأحد، بل نقطع نحن وجميع أهل الأرض قطعًا كقطعنا على ما شاهدناه أنه ﵇ لم يقل قط هذا لأحد، ولا رد إسلام أحد حتى يستدل، ثم جرى على هذه الطريقة جميع الصحابة ﵃ أولهم عن آخرهم، ولا يختلف أحد في هذا الأمر، ثم جميع أهل الأرض إلى يومنا هذا ...\nفصح أن هذه المقالة خرق للإجماع، وخلاف لله تعالى ورسوله ﷺ وجميع أهل الإسلام قاطبة\" (^٢).\nويقول العلامة أبو المظفر السمعاني ﵀: \"هذا القول - يعني: وجوب النظر وكونه أول واجب - مخترع لم يسبقهم إليه أحد من السلف وأئمة الدين، ولو أنك تدبرت جميع أقوالهم وكتبهم لم تجد هذا في شيء منها منقولًا عن النبي - ﷺ - ولا عن الصحابة وكذلك من التابعين بعدهم، وكيف يجوز أن يخفى عليهم أول الفرائض، وهم صدر الأمة والسفراء بيننا وبين رسول الله ﷺ؟ \" (^٣).\n_________\n(^١) هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي اليزيدي، فقيه محدث متكلم، له مؤلفات كثيرة، منها: الفصل في الملل والأهواء والنحل، والدرة فيما يجب اعتقاده، والمحلى، توفي سنة ٤٥٦ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٨٤)، شذرات الذهب (٣/ ٢٩٩).\n(^٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ٧٦).\n(^٣) الانتصار لأهل الحديث (ضمن صون المنطق للسيوطي) (ص ١٧١ - ١٧٢).","vol":"1","page":117},{"text":"وعليه فما زعمه ابن حجر - غفر الله له - من قيام الإجماع على أن أول واجب المعرفة والطريق إليها من النظر أو القصد إليه ونفي الخلاف عنه، منقوض بأن الإجماع مستقر على خلافه، وممن حكى ذلك ابن المنذر، وابن حزم، وأبو المظفر السمعاني، وابن تيمية وابن القيم - ﵏ جميعًا - كما سبق.\nبل إن من الأشاعرة أنفسهم من أنكر هذا القول وقال بخلافه كالشهرستاني (^١) (^٢)، والرازي (^٣) (^٤)، والآمدي (^٥) (^٦)، وغيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>ثانيًا: دلائل معرفة الله تعالى:</span>\nيرى ابن حجر ﵀ أن أفضل الطرق إلى اكتساب معرفة الله تعالى هو النظر في مخلوقاته سبحانه والاستدلال بها عليه، ويعلل ذلك بكونها لو أمكن تحصيلها بطريق أسهل من ذلك لورد به النقل.\nيقول في ذلك: \"لو كان الإسلام لا يتم إلّا على القوانين العقلية التي رتبها الأصوليون لبيّنها - ﷺ - للناس وبلّغها إليهم كما أمر في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، فلما تيقنا أنه لم يدع\n_________\n(^١) هو محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني، أشعري متكلم، له مصنفات كثيرة منها: نهاية الإقدام في علم الكلام، الملل والنحل، مصارعة الفلاسفة، توفي سنة ٥٤٨ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢٨٦)، شذرات الذهب (٤/ ١٤٩).\n(^٢) انظر: نهاية الإقدام له (ص ١٧٣، ١٢٦).\n(^٣) هو محمد بن عمر بن الحسن بن علي، أبو عبد الله، المشهور بالفخر الرازي، من كبار الأشاعرة وأئمته، ألف كتبًا كثيرة، منها: المطالب العالية، والأربعين في أصول الدين، والتفسير توفي سنة ٦٠٦ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٢١/ ٥٠٠)، وفيات الأعيان (٤/ ٢٤٨).\n(^٤) انظر: درء التعارض (٥/ ٢٩٠)، ونص كلامه في كتاب نهاية العقول.\n(^٥) هو علي بن أبي علي بن محمد الثعلبي، الشهير بسيف الدين الآمدي، متكلم أشعري، من كتبه: أبكار الأفكار، غاية المرام، الإحكام في أصول الأحكام، توفي سنة ٦٣١ هـ.\nانظر: وفيات الأعيان (٢/ ٤٥٥)، شذرات الذهب (٥/ ١٤٤).\n(^٦) انظر: أبكار الأفكار (١/ ١٧٠ - ١٧١).","vol":"1","page":118},{"text":"لذلك ولا تكلم به أحد من الصحابة بكلمة واحدة فما فوقها من هذا النمط من طريق تواتر ولا آحاد من طريق صحيح ولا سقيم؟ علم أنه - ﷺ - وأصحابه عدلوا إلى ما هو أبين للفهم ليستبقوا إليه بأوائل العقل وهو ما أمر الله به من الاعتبار بمخلوقاته في غير ما آية\" (^١).\nويؤكد ﵀ ذلك بقوله: \"لا حجة في إثبات التوحيد وما يجب له تعالى أو يجوز أو يستحيل بما سوى ما أنزل في كتابه وبيّنه على لسان نبيه - ﷺ - وما نبّه عليه من الاعتبار، فقال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ [الغاشية: ١٧]، ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨)﴾ [الواقعة: ٥٨]، الآيات.\nوشبه ذلك من المجادلة الواضحة التي يدركها كافة العقلاء وعامة المخاطبين، وهي أكثر من أن تحصى، فيتعين بها وجوده، ثم يتيقن وحدانيته وعلمه وقدرته ... \" (^٢).\nويصرح ﵀ بأن الاستدلال بما عليه المخلوقات من تمام الخلقة وبديع الصنعة أصح وأوفق في الدلالة على وجود الله تعالى وربوبيته من الاستدلال عليها بالنظر العقلي الذي سلكه المتكلمون من الأشاعرة وغيرهم.\nحيث يقول: \"فالاستدلال بهذا [يعني: الاستدلال بالمخلوقات على الخالق] أصح وأوضح في التوصل إلى المقصود، وعليه عوَّل سلف الأمة؛ لأنه نظر عقلي بديهي مركب على مقدمات من العقل والعلم، والتوصل إليه بطريق الأشاعرة فهو وإن صح إلا أنه لا يؤمن على صاحبه الفتنة؛ ولهذا تركها السلف لا لعجزهم عنها فهم أعقل وأفهم ممن بعدهم، ولم يأت آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أوائلها\" (^٣).\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ٢٧٤).\n(^٢) المصدر السابق (ص ٢٧٣ - ٢٧٤).\n(^٣) المصدر السابق (ص ٢٧٤).","vol":"1","page":119},{"text":"التقويم:\nاختلف الناس في دلائل معرفة الله تعالى:\nفذهب عامة السلف - ﵏ - إلى أن معرفة الله تحصل بمطلق النظر المؤدي إليها، وهو كل ما يتوصل به إلى الاستدلال على وجود الله تعالى والإقرار بربوبيته من الأدلة النقلية، والعقلية، والفطرية، والمشاهدة (^١)، ومنها: الاستدلال بالمخلوق على الخالق وبالصنعة على الصانع (^٢).\nوذهب جمهور المتكلمين إلى أن معرفة الله لا تحصل إلا بالنظر العقلي المؤدي إليها، وهو نظر خاص في أدلة حادثة ابتدعوها، أهمها: دليل الحدوث، ودليل الإمكان (^٣).\nوبما سبق يتضح أن ابن حجر ﵀ وإن وافق جمهور المتكلمين في القول بأن المعرفة كسبية نظرية، وأن الطريق إليها هو النظر إلا أنه خالفهم في دلائلها، وأنكر عليهم سلوكهم فيها غير مسلك السلف.\nوهو بهذا يوافق بعض أصحابه الأشاعرة في تقريرهم لدلائل المعرفة بمطلق النظر الدال عليها، وذمهم لما عليه جمهور أصحابهم المتكلمين من تقريرها بالنظر العقلي، على اختلاف بينهم وبين السلف في سبب ذلك.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ \"والذامون لها [يعنى: دلائل المتكلمين] نوعان:\nمنهم من يذمها؛ لأنها بدعة في الإسلام، فإنا نعلم أن النبي - ﷺ - لم يدع الناس بها ولا الصحابة، لأنها طويلة خطرة كثيرة الممانعات والمعارضات، فصار السالك فيها كراكب البحر عند هيجانه، وهذه طريقة\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٧٣) (١٠/ ١٤٧)، درء التعارض (٨/ ٦، ٨، ٤٥٦، ٤٦٨، ٥٣٣ - ٥٣٤)، الصواعق المرسلة لابن القيم (٢/ ٤٦٣ - ٤٦٤).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠)، درء التعارض (٩/ ٣٢١ - ٣٢٢)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ١٧٢ - ١٧٣).\n(^٣) انظر: الإنصاف (ص ١٦)، الإرشاد (ص ٣٩)، الشامل (ص ٢٣)، المواقف (ص ٢٦٦)، وشرحها (٨/ ٢).","vol":"1","page":120},{"text":"الأشعري في ذمه لها والخطابي (^١) والغزالي (^٢) وغيرهم ممن لا يفصح ببطلانها.\nومنهم من ذمها؛ لأنها مشتملة على مقامات باطلة لا تحصل المقصود بل تناقضه، وهذا قول أئمة الحديث وجمهور السلف\" (^٣).\nوعليه فقول ابن حجر - غفر الله له - في كلامه المتقدم: \"بأن طريق الأشاعرة وإن صح ... \" متعقب بأنه غير صحيح أصلًا؛ وذلك لما يلي:\n١ - أن هذا الطريق حادث بعد أن لم يكن، فلم يكن في عهد النبي ﷺ ولا أصحابه ولا التابعين ولا أتباعهم ولا عرفوه، وهذا مما يقر به ابن حجر - كما في كلامه المتقدم - ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أوائلها (^٤).\n٢ - أن هذا الطريق التزم أصحابه باطلًا من القول، منه: نفي الصفات الاختيارية بدعوى أنها أعراض (^٥)، والأعراض حادثة، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، ومن ثم قالوا بأنه يلزم نفيها عن الله تعالى؛ لأن ثبوتها بزعمهم يلزم منه قيام الحوادث به، وهذا يؤدي إلى تعطيل وجوده الذي تم بإثبات أن كل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث،\n_________\n(^١) هو حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي، الشافعي، من متقدمي الأشاعرة وفضلائهم، من مصنفاته: الغنية عن الكلام وأهله، غريب الحديث، معالم السنن. توفي سنة ٣٨٨ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٣)، شذرات الذهب (٣/ ١٢٧).\n(^٢) هو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي، الشافعي، المشهور بأبي حامد الغزالي، من كبار الأشاعرة وأئمتهم، من مؤلفاته: إحياء علوم الدين، الاقتصاد في الاعتقاد، ميزان العلم، توفي سنة ٥٠٥ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٢٢)، شذرات الذهب (٤/ ١٠).\n(^٣) الصفدية (١/ ٢٧٥)، وانظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٥٤٣)، درء التعارض (١/ ٣٠٩).\n(^٤) انظر: درء التعارض (١/ ٣٩، ٣٠٩ - ٣١٠)، مجموع الفتاوى (١٦/ ٢٦٧)، منهاج السنة (١/ ٤٢٥ - ٤٢٦).\n(^٥) الأعراض: جمع عرض، وهو مما اختلف أرباب الكلام فيه، وعامتهم على القول بأنه الموجود الذي يحتاج في وجوده إلى موضع أي محل يقوم به.\nانظر: المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين للآمدي (ص ٣٧١)، التعريفات للجرجاني (ص ١٤٨).","vol":"1","page":121},{"text":"ولا شك أن ما أدى إلى باطل يكون باطلًا كذلك (^١).\n٣ - أن هذا الطريق طريق غامض طويل، وهذا مما يعترف به أئمة الأشاعرة أنفسهم (^٢)، حتى عد بعضهم أكثر المتكلمين مقلدين في عقائدهم لعدم تحصيلهم له فضلًا عن غيرهم (^٣)، فالقول بوجوبه على كل مكلف وتأثيم من لم يسلكه، يلزم منه تكليف ما لا يطاق، والأشاعرة من أشد الناس إنكارًا له.\n٤ - أن هذا الطريق لا يؤمن على صاحبه الفتنة - كما في كلام ابن حجر المتقدم -.\nيقول الرازي - وهو من أئمتهم -: \"إن الدلائل التي ذكرها المتكلمون - وإن كانت كاملة قوية - إلا أن هذه الطريقة المذكورة في القرآن عندي أقرب إلى الحق والصواب؛ وذلك لأن تلك الدلائل دقيقة، وبسبب ما فيها من الدقة، انفتحت أبواب الشبهات وكثرت السؤالات، وأما الطريق الوارد في القرآن فحاصله راجع إلى طريق واحد، وهو المنع من التعمق والاحتراز عن فتح القيل والقال ... ومن ترك التعصب وجرب مثل تجربتي علم أن الحق ما ذكرته\" (^٤).\nولهذا كله يقول العلامة أبو المظفر السمعاني ﵀: \"فليتدبر المسلم المسترشد أحوال هؤلاء الناظرين كيف تحيّروا في نظرهم، وارتكسوا فيه، فلئن نجا واحد بنظره فقد هلك فيه الألوف من الناس ... أفيستجيز مسلم أن يدعو الخلق إلى مثل هذا الطريق المظلم، ويجعله سبيل منجاتهم ... وكيف له المنجاة من أودية الكفر وعامتها بل جميعها إنما يهبط عليها من هذه المرقاة، أعني: طلب الحق من النظر\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الصفدية (١/ ٢٧٤)، درء التعارض (١/ ٣٩ - ٤١)، مجموع الفتاوى (٦/ ٥١٩).\n(^٢) انظر: المستصفى للغزالي (٤/ ٥٧)، المحصول للرازي (٦/ ٤٥)، المطالب العالية له (١/ ٤٣٦).\n(^٣) انظر المستصفى (١/ ١٣٦).\n(^٤) المطالب العالية (١/ ٤٣٦).\n(^٥) الحجة في بيان المحجة (٢/ ١٢١).","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>المبحث الثاني الفطرة</span>\nذكر ابن حجر ﵀ اختلاف الناس في الفطرة، وتعدد أقوالهم في المراد بها، فقال:\n\"اختلف في المراد في الفطرة:\nفقيل: هي ما أخذ عليهم في أصلاب آبائهم فتقع الولادة عليها حتى يحصل التغيير بالأبوين.\nوقيل: ما قضي على المولود من سعادة أو شقاوة فمن علم الله أنه يصير مسلمًا ولد على فطرة الإسلام، ومن علم أنه يصير كافرًا ولد على الكفر.\nوقيل: معرفة الله تعالى والإقرار به وإن عبد معه غيره.\nوالأصح أن معناه أن كل مولود يولد متهيئًا للإسلام فمن كان أبواه أو أحدهما مسلمًا استمر عليه في أحكام الدنيا والآخرة، وإن كانا كافرين جرى عليه حكمهما، فيتبعهما في أحكام الدنيا، وهذا معنى: فيهودانه وينصرانه ويمجسانه أي: يحكم له بحكمهما في الدنيا، فإذا بلغ مستمرًا على الكفر حكم له به\" (^١).\nالتقويم:\nالفطرة في اللغة: مصدر فَطَرَ يَفْطُرُ فَطْرًا.\nوالفطر: يطلق ويراد به معان عدة، هي: الشق، والابتداءُ،\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ١٩٤).","vol":"1","page":123},{"text":"والاختراع، والخلق (^١).\nوأما في الشرع: فقد اختلف أهل العلم في المراد بالفطرة على أقوال كثيرة، والخلاف في ذلك جار بين أهل السنة والجماعة.\nوجملة هذه الأقوال ستة، هي:\nالأول: أن الفطرة هي الخلقة التي خلقوا عليها من المعرفة بربهم.\nالثاني: أن الفطرة هي البداءة التي ابتدأهم الله عليها.\nالثالث: أن الفطرة هي ما فطروا عليه من الإنكار والمعرفة والكفر والإيمان.\nالرابع: أن الفطرة هي ما أخذه الله من ذرية آدم من الميثاق قبل أن يخرجوا إلى الدنيا.\nالخامس: أن الفطرة هي ما يقلب الله عليه قلوب الخلق إليه مما يريد ويشاء.\nالسادس: أن الفطرة هي الإسلام (^٢).\nوالراجح -والله أعلم- أن الفطرة هي الإسلام والقول بذلك هو ما عليه أكثر الصحابة والتابعين وغيرهم.\nيقول الإمام ابن عبد البر (^٣) ﵀: \"هو المعروف عند عامة السلف من\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة (٣/ ٢٨٠٢)، معجم مقاييس اللغة (ص ٨٤٣)، الصحاح (٢/ ٧٨١)، لسان العرب (٥/ ٥٥)، القاموس المحيط (ص ٥٨٧).\n(^٢) انظر: معالم السنن للخطابي (٤/ ٢٩٩)، التمهيد (١٨/ ٦٨ - ٩٥)، شرح السنة للبغوي (١/ ١٥٦ - ١٦١)، تفسير القرطبي (١٤/ ٢٥)، درء التعارض (٨/ ٣٥٩ - ٤٣٥)، مجموعة الرسائل الكبرى (٢/ ٣٣٣ - ٣٤٧)، شفاء العليل (٢/ ٧٧٥ - ٨٠٥)، أحكام أهل الذمة لابن القيم (٢/ ٥٢٣ - ٦١٦)، فتح الباري (٣/ ٢٩٤)، وللاستزادة: الفطرة حقيقتها ومذاهب الناس فيها لعلي القرني (ص ٦٥ - ١٧٢).\n(^٣) هو يوسف بن عبد الله بن محمد بن عاصم، النميري المالكي، أبو عمر، حافظ المغرب، وصاحب التصانيف الشهيرة، من مؤلفاته: التمهيد، والاستذكار، والاستيعاب، توفي سنة ٤٦٣ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٥٣)، شذرات الذهب (٣/ ٣١٤).","vol":"1","page":124},{"text":"أهل العلم بالتأويل\" (^١).\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"الآثار المنقولة عن السلف لا تدل إلا على هذا القول\" (^٢).\nوالأدلة الدالة على أن المراد بالفطرة الاسلام متظافرة من الكتاب والسنة.\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].\nفقد أجمع أهل التأويل من السلف أن المراد بفطرة الله في الآية دين الإسلام (^٣).\nومن السنة: قوله ﷺ: \"كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء\". يقول أبو هريرة - ﵁ - راوي الحديث: \"اقرؤوا إن شئتم ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ \".\nوفي رواية: \"ما من مولود إلا وهو على الملة\".\nوفي أخرى: \"إلا على هذه الملة\" (^٤).\nودلالة هذا الحديث على أن المراد بالفطرة الإسلام من وجوه كثيرة، منها:\n١ - روايات الحديث المختلفة التي تدل بمجموعها على أن المراد بالفطرة الإسلام.\n٢ - قول أبي هريرة - ﵁ - في آخر الحديث: \"اقرؤوا إن شئتم ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ \"حيث فسر الحديث بالآية، وقد سبق أن أهل التأويل من السلف مجمعون على أن المراد بفطرة الله في الآية دين\n_________\n(^١) التمهيد (١٨/ ٧٢).\n(^٢) درء التعارض (٨/ ٤١٠).\n(^٣) انظر: التمهيد (١٨/ ٧٢، درء التعارض (٨/ ٣٦٧).\n(^٤) سبق تخريجه (ص ١١٣).","vol":"1","page":125},{"text":"الإسلام، وأبو هريرة - ﵁ - أعلم بمعنى ما سمع (^١).\n٣ - أن النبي - ﷺ - ذكر ملل الكفر دون الإسلام فقال: يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، ولم يقل يسلمانه؛ فدل ذلك على أن الفطرة هي الإسلام وأنه يتحول منه إلى غيره بفعل الأبوين أو غيره (^٢).\nوقوله - ﷺ - فيما يرويه عن ربه ﷿: \"وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا ... \" (^٣).\n\"والحنيف في كلام العرب: المستقيم المخلص، ولا استقامة أكثر من الإسلام\" (^٤).\nوالمراد بتفسير الفطرة بالإسلام أن الفطرة فيها قوة موجبة ومستلزمة للإقرار بالله ﷿، ومحبته سبحانه، والذل والخضوع له، والإخلاص إليه، لا أن المولود يولد عالمًا بالإسلام عاملًا به.\nيقول العلامة ابن القيم ﵀: \"ومما ينبغي أن يُعلم أنه إذا قيل إنه يولد على الفطرة، أو على الإسلام، أو على هذه الملة، أو خلق حنيفًا، فليس المراد به أنه حين يخرج من بطن أمه يعلم هذا الدين ويريده، فإن الله يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨].\nولكن فطرته موجبة مقتضية لدين الإسلام لقربه، فنفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته وإخلاص الدين له، وموجبات الفطرة ومقتضياتها تحصل شيئًا بعد شيء بحسب كمال الفطرة إذا سلمت من المعارض ...\nوليس المراد أيضًا مجرد قبول الفطرة لذلك ... بل المراد أن كل مولود فإنه يولد على محبة فاطره وإقراره له بربوبيته وادعائه له بالعبودية، فلو خُلِّي وعدم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره ... \" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: درء التعارض (٨/ ٣٧١).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٨/ ٣٧٢).\n(^٣) سبق تخريجه (ص ١١٣).\n(^٤) التمهيد (١٨/ ٧٥)، وانظر: درء التعارض (٨/ ٣٦٩).\n(^٥) شفاء العليل (٢/ ٧٨٩ - ٧٩٠).","vol":"1","page":126},{"text":"وما ذهب إليه ابن حجر ﵀ من أن الفطرة هي التهيؤ للإسلام والقابلية للتوحيد هو بمعنى قول من قال من أهل العلم بأن الفطرة هي الخلقة.\nوالفرق بين القول بأن الفطرة هي الخلقة والقول بأن الفطرة هي الإسلام:\nأن الفطرة على قول من يفسرها بالإسلام موجبة ومستلزمة ومقتضية للإسلام، وأما على قول من يفسرها بالخلقة فإنها ليست كذلك وإنما هي مجرد قابلة له ومتمكنة منه.\nفالمولود - على قول من يقول بأن الفطرة هي الخلقة - يولد على السلامة بحيث يمكن أن يوحد أو يشرك باختياره دون أن يكون في خلقته ما يقتضي ترجيح التوحيد على الشرك، بل تكون نفسه قابلة لأي منهما على السواء، ثم يعتقد الكفر أو الإيمان بعد البلوغ إذا ميَّز.\nوترجيح ابن حجر ﵀ لهذا القول يوافقه عليه جماعة من أهل العلم (^١)، ويمكن الجواب عنه من طريقين:\nأحدهما: النقض؛ وذلك بأن يقال:\nأولًا: أن مجرد التمكن والتهيؤ - في أصل الجِبِلّة - لا يسمى فطرة، ولا دينًا، ولا إسلامًا، ولا ملة، بل الفطرة قدر زائد على مجرد التمكن والتهيؤ (^٢) كما سبق-.\nثانيًا: أن مجرد التمكن والتهيؤ لا يتغير بفعل الأبوين، بل البالغ الكافر عنده من التمكن والتهيؤ لقبول الإسلام ما ليس عند الصغير.\nثالثًا: أن النصوص وردت بتشبيه تغيير الفطرة بجدع البهيمة الجمعاء، ومعلوم أن الأبوين لم يغيروا قبول المولود، ولو تغير القبول وزال التهيؤ لم\n_________\n(^١) ممن رجح هذا القول وانتصر له الطحاوي في مشكل الآثار (٤/ ١٧ - ١٩)، وابن عبد البر في التمهيد، والقرطبي في تفسيره (١٤/ ٢٩)، والنووي في شرح صحيح مسلم (١٦/ ٢٠٨).\n(^٢) انظر: درء التعارض (٨/ ٣٨٥).","vol":"1","page":127},{"text":"تقم عليه الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب (^١).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ متعقبًا هذا القول: \"صاحب هذا القول:\nإن أراد بالفطرة التمكن من المعرفة والقدرة عليها، فهذا ضعيف؛ لأن مجرد القدرة على ذلك لا يقتضي أن يكون حنيفًا ولا على الملة ...\nوإن أراد بالفطرة القدرة على المعرفة مع إرادتها، فالقدرة الكاملة مع الإرادة التامة تستلزم وجود المراد المقدور، فدل على أنهم فطروا على القدرة على المعرفة وإرادتها وذلك مستلزم للإيمان\" (^٢).\nوثانيهما: المعارضة: وذلك بما تقدم من الأدلة الدالة على أن المراد بالفطرة الإسلام.\nولعل الذي حمل ابن حجر ﵀ على ترجيح القول بأن الفطرة هي الخلقة ومجرد التهيؤ والتمكن مع أنه قول مرجوح في نفسه هو قوله بأن معرفة الله تعالى نظرية كسبية لا ضرورية فطرية - كما سبق - ومن ثم فإنه فسر الفطرة بالتهيؤ للإسلام والتمكن منه لا الإسلام نفسه.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: شفاء العليل (٢/ ٧٩٠).\n(^٢) درء التعارض (٨/ ٣٨٥)، وانظر: (٨/ ٤٤٤ - ٤٤٩).","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>المبحث الثالث حكم إيمان الْمُقَلّد</span>\nعرف ابن حجر ﵀ التقليد بقوله: \"التقليد أخذ قول الغير من غير معرفة دليله من حيث إفادته الحكم\" (^١).\nوسئل عن المراد بالمقلد الذي لا يصح إيمانه عند كثير من المتكلمين؟\nفأجاب بقوله: \"المراد من نشأ بقمة جبل ولم يرزق فطنة حتى يستدل بهذا العالم على أن له موجدًا ومدبرًا فمر عليه شخص فقال له ذلك فاعتقده وجزم به تقليدًا له من غير أن يتفطن لذلك الاستدلال وهذا نادر جدًّا.\nوأما من قال يلزم على القول بعدم صحة إيمان المقلد تكفير العوام فإنه يتمشى كلامه على أن المراد بالمقلد من لم يتقن الدليل على قواعد الاستدلال، وهذا بعيد جدًّا فإنه - ﷺ - اكتفى من كثيرين من أجلاف الأعراب والنساء بما هو طبع كل أحد حتى العجائز والصبيان من الاستدلال بالنجوم والسماء والأرض والأنهار والأشجار والزروع على أن لها خالقًا ومدبرًا، وعلى هذا لا تجد عاميًا مقلدًا أصلًا\" (^٢).\nوأنكر ﵀ نسبة القول بمنع التقليد في أصول الدين إلى أبي الحسن الأشعري، ورد على من قال به من أصحابه، حيث قال:\n_________\n(^١) التعرف (ص ١٠١).\n(^٢) الفتاوى الفقهية الكبرى (٤/ ٣٤١)، وانظر: التعرف (ص ١٠١، ١٠٤)، فتح المبين (ص ٧٤)، الفتاوى الحديثية (ص ٣٣٨).","vol":"1","page":129},{"text":"\"نقل المنع [يعني: المنع من التقليد في أصول الدين] عن إمام السنة (^١) الشيخ أبي الحسن الأشعري كذب عليه كما قاله الأستاذ أبو القاسم القشيري ...\nوخلاف الباقلاني (^٢) والإسفراييني (^٣) وأبي المعالي في أول قوليه تبعوا فيه ما ابتدعه المعتزلة، وأحدثوا القول به بعد انقضاء أئمة السلف\" (^٤).\nالتقويم:\nالتقليد في اللغة: مصدر قَلَدَ، يُقَلِّدُ، تَقلِيدًا.\nيقول ابن فارس: \"القاف واللام والدال أصلان صحيحان، يدل أحدهما على تعليق شيء على شيء وليّه به، والآخر على حظٍّ ونصيب.\nفالأول: التقليد: تقليد البدنة، وذلك أن يعلق في عنقها شيء ليعلم أنها هدي ...\nوالآخر: القلِد: الحظ من الماء، سقينا أرضنا قلِدها، أي: حظها\" (^٥).\nويطلق التقليد على معان عدة، منها: اللزوم، والتعليق، والتحمل (^٦).\n_________\n(^١) إطلاق لقب إمام السنة على أبي الحسن الأشعري لا يصح إلا على مذهب أصحابه الأشاعرة، وهو منقوض بما كان عليه - غفر الله له - في طوره الثاني قبل انتقاله لمذهب السلف.\nانظر: مجموع الفتاوى (٤/ ١٥٨) (١٧/ ٣٠٦).\n(^٢) هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر البصري ثم البغدادي، القاضي أبو بكر الباقلاني، أحد أعلام الأشاعرة وأئمتهم، من مؤلفاته: إعجاز القرآن، الإنصاف، التمهيد، توفي سنة ٤٠٣ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٩٠)، شذرات الذهب (٣/ ١٦٨).\n(^٣) هو عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله التميمي الإسفراييني، أبو منصور البغدادي، أشعري متكلم، من مؤلفاته: الفرق بين الفرق، الملل والنحل، وأصول الدين، توفي سنة ٤٢٩ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٥٧٢)، وفيات الأعيان (٣/ ٢٠٣).\n(^٤) فتح المبين (ص ٧٤).\n(^٥) معجم مقاييس اللغة (ص ٨٥٨ - ٨٥٩).\n(^٦) انظر: تهذيب اللغة (٣/ ٣٠٢٩)، الصحاح (٢/ ٥٢٧)، لسان العرب (٣/ ٣٦٥)، القاموس المحيط (ص ٣٩٨).","vol":"1","page":130},{"text":"وأما في الاصطلاح: فقد اختلفت عبارات أهل العلم في التعبير عنه (^١)، وهي في جملتها لا تخرج عما ذكره ابن حجر - غفر الله له - من كونه \"أخذ قول الغير من غير معرفة دليله من حيث إفادته الحكم\".\nوقد شرح العلامة ابن علان المكي ﵀ تعريف ابن حجر هذا فقال: \" [قوله]: (هو أخذ قول الغير) أي رأيه واعتقاده ... (من غير معرفة دليله) فخرج أخذ قول لا يختص بالغير كالمعلوم من الدين بالضرورة، وأخذ قول الغير مع معرفة دليله فليس بتقليد بل اجتهاد وافق اجتهاد القائل ... \" (^٢).\nوتعريف ابن حجر ﵀ التقليد بذلك مما وافق فيه بعض أهل العلم (^٣).\nوالتقليد تارة يكون في أصول الدين وتارة يكون في فروعه، والكلام هنا عن الأول دون الثاني، وجملة القول فيه أن يقال:\nاتفق الناس على أن التقليد في أصول الدين إن كان عن غير جزم فإنه لا يجوز، واختلفوا فيما إذا كان عن جزم على ثلاثة أقوال:\nالأول: القول بجوازه، وجواز النظر.\nالثاني: القول بوجوبه، وتحريم النظر.\nالثالث: القول بتحريمه، ووجوب النظر.\nواختلف القائلون بتحريمه في صحة إيمان المقلد على قولين:\nأحدهما: عدم صحة إيمانه.\nوثانيهما: صحة إيمانه مع إثمه (^٤).\n_________\n(^١) انظر: البرهان في أصول الفقه للجويني (٢/ ١٣٥٧)، المستصفى (٢/ ٣٨٧)، حاشية البناني على شرح المحلي لجمع الجوامع (٢/ ٣٩٩)، شرح الكوكب المنير لابن النجار (٤/ ٥٢٩).\n(^٢) التلطف (ص ١٠١).\n(^٣) انظر: حاشية البناني على شرح المحلي لجمع الجوامع (٢/ ٣٩٩)، شرح الكوكب المنير (٤/ ٥٢٩).\n(^٤) انظر: الفقيه والمتفقه للخطيب البغددادي (٢/ ٦٦)، الفصل (٤/ ٦٧)، الإحكام في =","vol":"1","page":131},{"text":"والخلاف في ذلك كله فرع عن الخلاف في حقيقة التقليد ومعنى النظر.\nيقول العلامة المعلمي (^١) ﵀: \"والحاصل أن علماء السلف لما حرموا النظر في علم الكلام، عارضهم المخالفون بادّعاء وجوبه، ولما قال بعض علماء السلف إن النظر في علم الكلام كفر أو مظنة الكفر؛ عارضهم المخالفون بزعم أن من لم يعرف علم الكلام فهو مقلد ولا إيمان لمقلد وأشاعوا هذه المقالة حتى استقر في كثير من الأذهان أن التقليد مرادف لعدم النظر في علم الكلام.\nوبهذا صار التقليد يطلق على معنيين، كما أن النظر كذلك:\nفعامة القائلين بوجوب النظر إنما يعنون النظر على طريقة السلف، وهو أمر متيسر لكل أحد حتى العامة، والقائلون بأن النظر لا يجب وهو حرام، إنما يعنون النظر على طريقة المتكلمين.\nوالقائلون بأنه لا يكفي التقليد، إنما يعنون التقليد بمعناه الحقيقي، وهو العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة، والقائلون بأنه يكفي التقليد، إنما عنوا به التقليد بمعناه المخترع، وهو الاقتصار على النظر على طريقة السلف بدون نظر في علم الكلام\" (^٢).\nوالراجح - والله أعلم - أن التقليد في أصول الدين يختلف حكمه باختلاف المراد بالتقليد، ومعنى النظر، وحال المقلد من حيث سلامته من\n_________\n= أصول الأحكام لابن حزم، المستصفى (٤/ ١٣٩)، إحكام الأحكام للآمدي (٤/ ٣٠٠)، المسودة (ص ٤٥٧)، مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٨، ٢٠٢)، فتح الباري (١٣/ ٣٤٩)، شرح الكوكب المنير (٤/ ٥٣٣)، الدين الخالص (١/ ١٣٣)، لوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٢٦٧)، أضواء البيان (٧/ ٤٨٦).\n(^١) هو عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن أبي بكر المعلمي العُتمي اليماني، أبو عبد الله، من أعلام المحدثين المتأخرين، من مؤلفاته: التنكيل لما ورد في تأنيب الكوثري من الأباطيل، علم الرجال وأهميته، مقام إبراهيم، توفي سنة ١٣٨٦ هـ. انظر: الأعلام (٣/ ٣٤٢)، معجم المؤلفين (٢/ ١٢٦).\n(^٢) رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله وتحقيق معنى التوحيد والشرك بالله للمعلمي (ص ٧٥).","vol":"1","page":132},{"text":"الشبهات من جهة وتمكنه من النظر والاستدلال من جهة أخرى.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ \"الناس في الاستدلال والتقليد على طرفي نقيض، منهم من يوجب الاستدلال حتى في المسائل الدقيقة، أصولها وفروعها على كل أحد، ومنهم من يحرِّم الاستدلال في الدقيق على كل أحد، وهذا في الأصول والفروع، وخير الأمور أوسطها\" (^١).\nويقول أيضًا: \"فلا إطلاق القول بالوجوب صحيحًا، ولا إطلاق القول بالتحريم صحيحًا\" (^٢).\nويقول العلامة الشنقيطي (^٣) ﵀: \"التحقيق أن التقليد منه ما هو جائز، ومنه ما ليس بجائز\" (^٤).\nوما قرره ابن حجر ﵀ من القول بندرة من هو مقلد في أصول الدين وأن الغالب على العامة الاستدلال، وحكمه بصحة إيمان المقلد تقليدًا جازمًا إذا لم يتمكن من النظر والاستدلال موافق لما عليه أهل السنة والجماعة وجمهور الأمة.\nيقول العلامة ابن حزم ﵀: \"قال سائر أهل الإسلام: كل من اعتقد بقلبه اعتقادًا لا يشك فيه وقال بلسانه: لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله - ﷺ - فإنه مسلم مؤمن ليس عليه غير ذلك ...\nونحن لا ننكر الاستدلال بل هو فعل حسن مندوب إليه محضوض عليه كل من أطاقه؛ لأنه تزود من الخير، وهو فرض على كل من لم تسكن نفسه إلى التصديق، نعوذ بالله ﷿ من البلاء، وإنما ننكر كونه فرضًا على كل أحد لا يصح إسلام أحد دونه، هذا هو الباطل المحض\" (^٥).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٨).\n(^٢) المصدر السابق (٢٠/ ٢٠٣).\n(^٣) هو محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، سلفي المعتقد، متفنن في علوم عدة، من مؤلفاته: أضواء البيان لتفسير القرآن بالقرآن، منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز، آداب البحث والمناظرة، توفي سنة ١٣٩٣ هـ.\nانظر: ترجمة تلميذه عطية سالم له في أوائل كتابه أضواء البيان (١/ ١٩).\n(^٤) أضواء البيان (٧/ ٤٨٧).\n(^٥) الفصل (٤/ ٦٧).","vol":"1","page":133},{"text":"ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"أما في المسائل الأصولية فكثير من المتكلمة والفقهاء من أصحابنا وغيرهم من يوجب النظر والاستدلال على كل أحد .... وأما جمهور الأمة فعلى خلاف ذلك، فإن ما وجب علمه إنما يجب على من يقدر على تحصيل العلم، وكثير من الناس عاجز عن العلم بهذه الدقائق، فكيف يكلف العلم بها\" (^١).\nويقول العلامة السفاريني ﵀: \"الحق الذي لا محيد عنه ولا انفكاك لأحد منه صحة إيمان المقلد تقليدًا جازمًا صحيحًا، وأن النظر والاستدلال ليسا بواجبين، وأن التقليد الصحيح محصل للعلم والمعرفة، نعم يجب النظر على من لا يحصل له التصديق الجازم أول ما تبلغه الدعوة\" (^٢).\nوأما ما ذكره من أن القول بمنع التقليد في أصول الدين كذب على أبي الحسن الأشعري، فهو مما اختلف فيه أصحابه من بعده:\nفمنهم: من أثبت ذلك عنه، وتابعه عليه (^٣).\nومنهم: من أثبت ذلك عنه، وشنع به عليه (^٤).\nومنهم: من أثبت ذلك عنه، وتأوله بالمقلد الشاك دون الجازم (^٥)، وهو مردود بأن الخلاف فيمن كان تقليده جازمًا، وأما الشاك فمتفق على عدم صحة إيمانه (^٦).\nومنهم: من أنكر ذلك عنه، وعده من الكذب عليه، ومن هؤلاء القشيري الذي نقل ابن حجر عنه تكذيبه لذلك وارتضاه لنفسه.\nونص كلامه: \"وأما ما قالوا إن الأشعري يقول بتكفير العوام، فهو كذب وزور، وقصد من يتعنت بذلك تحريش الجهلة، والذين لا تحصيل لهم عليه، كعادة من لا تحصيل له في تقوّله بما لا أصل له، وهذا أيضًا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢٠٢).\n(^٢) لوامع الأنوار البهية (١/ ٢٦٩).\n(^٣) انظر: أصول الدين للبغدادي (ص ٢٥٥).\n(^٤) انظر: البحر المحيط للزركشي (٦/ ٢٨٨)، جمع الجوامع (٢/ ٤٠٤).\n(^٥) انظر: جمع الجوامع (٢/ ٤٠٤).\n(^٦) انظر: تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد (ص ٣٦).","vol":"1","page":134},{"text":"من تلبيسات الكرامية (^١) ... \" (^٢)، وقد تُعقِّب قوله هذا بكون ذلك مشتهرًا عنه فلا وجه لتكذيبه (^٣).\nوقد بحثت في كتب الأشعري ﵀ وكتب المحققين من أهل المقالات كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم لَعلّي أظفر بشيء، فلم أجد شيئًا يدل على نسبة ذلك له أو نفيه عنه، والأشاعرة أنفسهم مختلفون في هذه المسألة على ستة أقوال (^٤)؛ مما يجعل كلامهم في ذلك غير معتمد.\nوقول ابن حجر ﵀ إن خلاف الباقلاني والإسفراييني وأبي المعالي في أول قوليه، وقولهم بمنع التقليد في أصول الدين وعدم صحة إيمان المقلد مما تابعوا فيه ما ابتدعه المعتزلة وأحدثوه بعد انقضاء أئمة السلف قول صحيح، إلا أن تأثرهم في ذلك بالمعتزلة فرع عن تأثرهم بهم في قولهم بأن معرفة الله نظرية كسبية لا ضرورية فطرية وأن أول واجب على المكلف النظر أو القصد إليه وهو ما يوافقهم عليه ابن حجر - كما سبق (^٥) - فهم طردوا قولهم وتابعوا المعتزلة في الجميع، وأما ابن حجر فقد تابع المعتزلة في القول بأن معرفة الله نظرية كسبية وأنها والطريق المؤدي إليها من النظر أو القصد إليه أول واجب على المكلف وخالفهم في إيمان المقلد فوقع في التناقض.\nوهذا التناقض لا يخص ابن حجر وحده بل يصدق عليه وعلى من\n_________\n(^١) الكرامية: هم أتباع أبي عبد الله محمد بن كرام السجستاني المتوفى سنة ٢٥٥ هـ، لهم بدع كثيرة، منها: القول بالتجسيم والقول بالإرجاء حيث يزعمون أن الإيمان مجرد الإقرار باللسان فقط.\nانظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٢٣)، الفرق بين الفرق (ص ٢١٥)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٠٨)، التبصير في الدين (ص ٩٣)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ١٠١)، البرهان (ص ٣٥).\n(^٢) شكاية أهل السنة (ضمن طبقات الشافعية الكبرى) (٣/ ٤١٩).\n(^٣) انظر: البحر المحيط للزركشي (٦/ ٢٧٨).\n(^٤) انظر: أصول الدين للبغدادي (ص ٢٥٥)، شرح المقاصد (٥/ ٢١٨)، تحفة المريد (ص ٣٤ - ٣٥).\n(^٥) انظر: (ص ١٠٩).","vol":"1","page":135},{"text":"وافقه من الأشاعرة في الجمع بين القولين، غير أن ذلك خير من قول من طرد قول المعتزلة في المسألتين؛ لأن القول ببعض الحق خير من تركه كله.\n* * *","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>الفصل الثاني آراؤه في توحيد الألوهية</span>\nوفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:\nتمهيد: في تعريف توحيد الألوهية.\nالمبحث الأول: معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وفضلها.\nالمبحث الثاني: معنى العبادة، وبيان بعض أنواعها.\nالمبحث الثالث: موقفه مما ينافي التوحيد أو يقدح فيه.","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>تمهيد في تعريف توحيد الألوهية</span>\nالألوهية مصدر أَلَه يألَه أُلُوهة وألوهية (^١).\nيقول ابن فارس: \"الألف واللام والهاء أصل واحد، وهو التعبد، فالإله الله تعالى، وسمي بذلك لأنه معبود، ويقال تأله الرجل إذا تعبد\" (^٢).\nوقد ذكر الفيروزآبادي (^٣) أن في اشتقاق لفظ الإله ومعناه عشرين قولًا (^٤).\nوقد ساق ابن حجر ﵀ بعض هذه الأقوال (^٥)، وفسر الإله في مواضع عدة من كتبه بالمعبود الحق (^٦).\nيقول في ذلك: \"الإله اسم جنس لكل معبود ثم استعمل في المعبود بحق\" (^٧).\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة (١/ ١٨٩)، الصحاح (٦/ ٢٢٢٣)، لسان العرب (١٣/ ٤٦٧)، القاموس المحيط (ص ١٦٠٣).\n(^٢) معجم مقاييس اللغة (ص ٨٦).\n(^٣) هو محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر الفيروزآبادي الشيرازي الشافعي من أئمة اللغة والأدب، صنف في فنون متعددة، من مؤلفاته: القاموس المحيط، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، سفر السعادة توفي سنة ٨١٧ هـ. انظر: البدر الطالع (٢/ ٢٨٠)، شذرات الذهب (٧/ ١٢٦).\n(^٤) انظر: القاموس المحيط (ص ١٦٠٣).\n(^٥) انظر: حاشية فتح الجواد بشرح الإرشاد (١/ ٨).\n(^٦) انظر: المنح المكية (١/ ٤٣٢) (٢/ ٨٥٨)، فتح المبين (ص ١٦، ص ٦٢)، الفتاوى الحديثية (ص ٢٧٧، ص ٤٤٠)، فتح الجواد (١/ ٧)، تحفة المحتاج (١/ ٩، ١٣)، المنهاج القويم (ص ٩)، الإيعاب (١/ ٥)، البدائع الجلية (ل ٥/ ب).\n(^٧) فتح الجواد (١/ ٧).","vol":"1","page":138},{"text":"وما ذكره في معنى الإله هو الذي يدل عليه القرآن والسنة (^١) وأقوال أئمة اللغة (^٢).\nإذا تقرر ذلك فإن توحيد الألوهية هو إفراد الله بجميع أنواع العبادة وإخلاص الدين له وحده (^٣).\nومعنى ذلك أن يتوجه العبد بأعماله التعبديّة كلها، باطنها وظاهرها لله تعالى وحده بحيث لا يكون شيء منها لغيره سبحانه.\nوهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وأول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول لا إله إلا الله (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن جرير (١/ ٨٢)، تفسير ابن كثير (١/ ٢١)، مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٤٩) (١٣/ ٢٠١ - ٢٠٢)، مدارج السالكين (٣/ ٤٦٠)، تحقيق كلمة الإخلاص لابن رجب (ص ٢٣، ٢٤)، تيسير العزيز الحميد (ص ٧٦ - ٨١).\n(^٢) انظر: معجم مقاييس اللغة (ص ٨٦)، الصحاح (٦/ ٢٢٢٣)، لسان العرب (١٣/ ٤٦٧)، القاموس المحيط (ص ١٦٠٣).\n(^٣) انظر: مدارج السالكين (٣/ ٥١٠)، اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٩٣)، تيسير العزيز الحميد (ص ٣٦)، فتح المجيد لعبد الرحمن بن حسن (١/ ٧٩)، القول السديد لابن سعدي (ص ١٢)، وتوضيح الكافية الشافية له (ص ١٣٤)، القول المفيد لابن عثيمين (١/ ٩).\n(^٤) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٣٦).","vol":"1","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>المبحث الأول معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وفضلها</span>\nتحدث ابن حجر ﵀ عن كلمة التوحيد وعُني بتقرير معناها، والكلام في إعرابها، وبيان فضلها، وفيما يلي عرض رأيه في ذلك مع التعقيب عليه بتقويمه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>أولًا: معنى لا إله إلا الله:</span>\nيرى ابن حجر ﵀ أن معنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، وصرح بذلك في مواضع من كتبه (^١)، ومنها قوله:\n\"لا إله إلا الله ... معناها: لا معبود بحق إلا ذلك الواحد الحق\" (^٢).\nوزاد في بيانه لمعناها في مواضع أخرى قيد الوجود فقال إن معناها لا معبود بحق في الوجود إلا الله (^٣)، منها قوله:\n\" (أشهد) أي: أعلم وأبين (أن لا إله) أي: لا معبود بحق في الوجود (إلا الله) \" (^٤).\nالتقويم:\nلا إله إلا الله هي كلمة الإخلاص وعنوان التوحيد، ولا يتم إسلام عبد دون تحقيق معناها، والعمل بمدلولها.\n_________\n(^١) انظر: الإيعاب (١/ ٦، ٢٥)، تحفة المحتاج (١/ ٩، ١٣).\n(^٢) انظر: الإيعاب (١/ ٦).\n(^٣) انظر: المنهاج القويم (ص ٩)، فتح الجواد (١/ ٧)، فتح المبين (ص ١٦).\n(^٤) المنهاج القويم (ص ٩).","vol":"1","page":140},{"text":"وهي تعني إفراد الله ﷾ بالعبادة وحده لا شريك له، والبراءة من كل معبود سواه، فمعنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله (^١).\nوهذا المعنى هو الذي اتفقت عليه دعوة المرسلين وشرائع النبيين، فما من رسول أرسله الله ﷿ إلا دعا قومه إليه، وحذرهم مخالفته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\nيقول العلامة الصنعاني (^٢) ﵀ في تقرير ذلك: \"إن رسل الله وأنبياءه من أولهم إلى آخرهم بعثوا لدعاء العباد إلى توحيد الله بتوحيد العبادة ... وهذا الذي تضمنه قول: (لا إله إلا الله) فإنما دعت الرسل أممها إلى قول هذه الكلمة، واعتقاد معناها، لا مجرد قولها باللسان.\nومعناها: هو إفراد الله بالإلهية والعبادة، والنفي لِمَا يعبد من دونه والبراءة منه.\nوهذا الأصل لا مرية فيما تضمنه، ولا شك فيه، وفي أنه لا يتم إيمان أحد حتى يعلمه ويحققه\" (^٣).\nوبما سبق تتضح موافقة ابن حجر ﵀ أهل السنة والجماعة في معنى لا إله إلا الله.\n_________\n(^١) انظر: تفسير الطبري (٩/ ١٦١) (١١/ ٣١٧ - ٣١٨)، تفسير البغوي (٧/ ٢٨٥)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٠١) (١٣/ ٢٠٢ - ٢٠٥)، تفسير ابن كثير (١/ ٢١٥)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٤٤)، تجريد التوحيد المفيد للمقريزي (ص ٤٧، ٤٨)، تطهير الاعتقاد للصنعاني (ص ٥ - ٦)، محموعة الرسائل والمسائل النجدية (٢/ ١٢٠)، تيسير العزيز الحميد (ص ٧٣ - ٧٤)، فتح المجيد (١/ ١٢١)، مفتاح الجنة لا إله إلا الله للمعصومي الحنفي (ص ٦٠، ٦٢)، الكلام المنتقى مما يتعلق بكلمة التقوى لابن حجي الحنبلي (ص ١٩)، معارج القبول للحكمي (٢/ ٤١٦)، أضواء البيان (٤/ ٥٠٨) (٦/ ٢٧٣).\n(^٢) هو محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني، الكحلاني ثم الصنعاني، أبو إبراهيم، المعروف بالأمير، من مؤلفاته: تطهير الاعتقاد، والرد على من قال بوحدة الوجود، وسبل السلام وغيرها، توفي سنة ١١٨٢ هـ، انظر: البدر الطالع (٢/ ١٣٣)، الأعلام (٦/ ٣٨).\n(^٣) تطهير الاعتقاد (ص ٥ - ٦).","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>ثانيًا: إعراب لا إله إلا الله:</span>\nيرى ابن حجر - غفر الله له - أن الخبر في لا إله إلا الله مقدر بموجود، وأن تقديره بذلك لا ينافي التوحيد بل يثبته، حيث وجه إليه سؤال عن الخبر في لا إله إلا الله هل يقدر بممكن أو موجود؛ وذلك لكون تقدير الخبر بممكن لا يلزم منه إثبات وجود الله إذ الإمكان لا يستلزم الوجود، وتقديره بموجود لا يلزم منه نفي الإمكان عن غير الله، وعلى كلا التقديرين فلا يلزم التوحيد الكامل؟\nفأجاب بقوله: \"لا شك أن المراد تقدير موجود لا مطلقًا، بل مع ملاحظة وجوب اتصاف وجوده بأنه واجب لذاته، أي: لا موجود وجوده واجب لذاته إلا الله، وهذا لا يرد عليه شيء.\nوبفرض الغفلة عن هذا، والاقتصار على تقدير موجود فقط، يمكن توجيهه بأن يقال إن الممكن يسمى موجودًا بالقوة، فإذا قدر موجودًا انتفى وجود الألوهية بسائر اعتباراته عن غير الله، وإثباته بسائر اعتباراته لله تعالى، وحينئذ فتقديره لا ينافي التوحيد الكامل بل يثبته كما هو جلي والله أعلم\" (^١).\nالتقويم:\nلَمّا كان فهم المعنى يتوقف على معرفة إعراب الجمل؛ كان الاعتناء بمعرفة إعراب لا إله إلا الله أمر مهم، وصلة ذلك بالبحث العقدي شيء متحتم.\nولهذا اعتنى العلماء بإعراب هذه الكلمة، وأفردوا المصنفات في ذلك (^٢).\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ٢٧٨).\n(^٢) انظر: ما ذكره الدكتور محمد العروسي في مقدمة تحقيقه لرسالة التجريد في إعراب كلمة التوحيد للقاري حيث ذكر تسع رسائل في إعراب لا إله إلا الله، ومما هو مطبوع منها: رسالة مسألة في كلمة الشهادة للزمخشري، ورسالة إعراب لا إله إلا الله لابن هشام، ورسالة في لا إله إلا الله لبدر الدين الزركشي، والتجريد في إعراب كلمة التوحيد للقاري، وعجالة ذوي الانتباه في تحقيق إعراب لا إله إلا الله للكوراني.","vol":"1","page":142},{"text":"وحاصل ما ذكروه أن:\nلا: نافية للجنس.\nوإله: اسمها مبني على الفتح؛ لأنه مفرد نكرة تضمن معنى الحرف.\nواختلفوا في خبرها هل هو مذكور أم محذوف؟\nفقال بعضهم: خبرها مذكور، وهو جملة الاستثناء (إلا الله).\nوقال آخرون: خبرها محذوف، وهو الصواب، ثم اختلف هؤلاء في تقديره:\nفقدره بعضهم بكلمة (موجود).\nوبعضهم بكلمة (ممكن).\nوبعضهم بكلمة (لنا).\nوبعضهم بكلمة (معبود).\nوبعضهم بكلمة (حق).\nوالصواب تقديره بكلمة (حق)؛ لأن المعبود بحق هو الله ﷾ وحده أما غيره من المعبودات فهي موجودة لكنها باطلة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢].\nوإلا: أداة استثناء.\nوالله: لفظ الجلالة بدل من لفظ الإله، بدل بعض من كل (^١).\nوبناء على ما سبق فما ذكره ابن حجر - عفا الله عنه - من كون الخبر في لا إله إلا الله مقدر بكلمة موجود باطل من وجوه، منها:\n١ - أن تقدير الخبر بكلمة (موجود) لا ينفي إمكان وجود إله دونه سبحانه فيما يستقبل (^٢)، وجوابه عن ذلك وإن كان ينفي هذا الاعتراض فإنه لا ينفي الاعتراض الآخر بعده، كما أن ورود الاعتراض بحد ذاته وإن\n_________\n(^١) انظر: مسألة في كلمة الشهادة (ص ١٣٥ - ١٦٤)، وإعراب لا إله إلا الله لابن هشام (ص ٤٧ - ٦٥)، ورسالة في معنى لا إله إلا الله للزركشي (ص ٦٤ - ٨٧)، والتجريد في إعراب كلمة التوحيد (ص ١٥ - ٣١)، وعجالة ذوي الانتباه (ص ١٩٨ - ٢٠٨).\n(^٢) انظر: التجريد في إعراب كلمة التوحيد (ص ١٩ - ٢٠).","vol":"1","page":143},{"text":"أجيب عنه يضعف هذا القول ويوهيه.\n٢ - أن تقدير الخبر بكلمة (موجود) يلزم منه أن يكون كل معبود بحق أو باطل هو الله ﷿؛ إذ الآلهة الموجودة المعبودة من دون الله كثيرة، وهذا هو مذهب أهل الاتحاد (^١) (^٢).\n٣ - أن تقدير ابن حجر الخبر بكلمة (موجود) يناقض ما ذكره في معنى لا إله إلا الله من كون معناها: لا معبود بحق إلا الله.\nوعليه فإن الصواب هو تقدير الخبر بكلمة (حق)، وأما تقديره بكلمة (موجود) فلا يكفي إلا إذا ذكر قيد الاستحقاق بحيث ينعت اسم لا بحق، ويكون التقدير لا إله حقًّا موجودٌ إلا الله وحينئذ يزول المحذور (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>ثالثًا: فضل لا إله إلا الله:</span>\nقرر ابن حجر فضل لا إله إلا الله، وذكر أنه \"ورد في فضلها أحاديث كثيرة\" (^٤).\nوبيّن أن \"أفضل الأذكار التي لم يخصها الشارع بحال أو زمن القرآن وبعده التهليل\" (^٥).\nوذكر أن التهليل أفضل من التحميد، حيث سئل عن المفاضلة بينهما فأجاب بقوله: \"ظاهر كلام الأئمة وصريحه أن الأول أفضل ... \" (^٦).\n_________\n(^١) الاتحاد معناه - عند القائلين به من الصوفية - تصيير الذاتين واحدة، وهو حال الصوفي الواصل، وقيل: هو شهود وجود واحد مطلق من حيث إن جميع الأشياء موجودة بوجود ذلك الواحد، معدومة في أنفسها، لا من حيث أن لما سوى الله وجودًا خاصًا به يصير متحدًا بالحق، وقيل: هو شهود الوجود الحق المطلق الذي لكل موجود بالحق، فيتحد به الكل من حيث كون كل شيء موجودًا به، معدومًا بنفسه، لا من حيث إن له وجودًا خاصًا اتحد به، فإنه محال.\nانظر: معجم اصطلاحات الصوفية للكاشاني (ص ٤٩)، المعجم الصوفي للحنفي (ص ١١)، وانظر في الرد عليه: مجموع الفتاوى (٢/ ١٧٢).\n(^٢) انظر: معنى لا إله إلا الله للزركشي (ص ٨٠)، معارج القبول (٢/ ٤١٦).\n(^٣) انظر: معارج القبول (٢/ ٤١٦).\n(^٤) الفتاوى الحديثية (ص ١٠٣).\n(^٥) المصدر السابق (ص ١٥٠).\n(^٦) المصدر السابق (ص ٢١٢).","vol":"1","page":144},{"text":"ولكن ابن حجر مع تقريره ما سبق في فضل لا إله إلا الله، وقوله بأفضلية التهليل على التحميد، عقد مقارنة بين الذكر بالتهليل والذكر بلفظ الجلالة فقط فقال: \"ذكر لا إله إلا الله أفضل من ذكر الجلالة مطلقًا هذا بلسان أئمة الظاهر، وأما أهل الباطن فالحال يختلف باختلاف أحوال السالك، فمن هو في ابتداء أمره ومقاساته لشهود الأغيار وعدم انفكاكه عن التعلق بها وعن إرادته وشهواته وبقائه مع نفسه يحتاج إلى إدمان الإثبات بعد النفي حتى يستولي عليه سلطان الذكر وجاذب الحق المرتبة على ذلك، فإذا استولت عليه تلك الجواذب حتى أخرجته عن شهواته وإرادته وحظوظه وجميع أغراض نفسه صار بعيدًا عن شهود الأغيار والاستغراق فيما يناسب حاله من ذكر الجلالة فقط؛ لأن ذلك فيه تمام لذاته ودوام مسرته ونعمته ومنتهى أربه ومحبته ... \" (^١).\nالتقويم:\nفضل كلمة التوحيد مغروس في الفطر، ومتقرر في العقول، والإحاطة ببيانه هنا متعذر.\nيقول العلامة ابن رجب (^٢) ﵀: \"كلمة التوحيد لها فضائل عظيمة لا يمكن هاهنا استقصاؤها؛ فلنذكر بعض ما ورد فيها: فهي كلمة التقوى ... وكلمة الإخلاص، وشهادة الحق، ودعوة الحق، وبراءة من الشرك، ونجاة هذا الأمر، ولأجلها خُلق الخلق ... \" (^٣).\nوقد أفرد غير واحد من أهل العلم الكلام على فضائلها في مصنفات خاصة (^٤)،\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ١٠٢).\n(^٢) هو عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، أبو الفرج، زين الدين، السلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، سلفي حنبلي، من مؤلفاته: جامع العلوم والحكم، فتح الباري شرح صحيح البخاري، القواعد الفقهية، توفي سنة ٧٩٥ هـ. انظر: الدرر الكامنة (٢/ ٣٢١)، شذرات الذهب (٦/ ٢٣٠).\n(^٣) كلمة الإخلاص له (ص ٥٢).\n(^٤) ممن صنف في فضائل كلمة التوحيد استقلالًا: ابن البنا الحنبلي، رسالة في فضل التهليل وثوابه الجزيل\"، وابن رجب \"كلمة الإخلاص\"، وابن عبد الهادي \"مسألة في التوحيد وفضائل لا إله إلا الله\"، والمعصومي \"مفتاح الجنة لا إله إلا الله\".","vol":"1","page":145},{"text":"وعدّها بعضهم فأوصلها إلى نحو مئتي فضيلة (^١).\nوأما المفاضلة بين الذكر بها والذكر بالتحميد فهو محل خلاف بين أهل العلم، والخلاف جار بين أهل السنة والجماعة منهم.\nيقول الحافظ ابن عبد البر ﵀: \"اختلف العلماء في أفضل الذكر: فقال منهم قوم: أفضل الكلام لا إله إلا الله ...\nوقال آخرون: أفضل الذكر الحمد لله رب العالمين ...\nولكل واحد من القولين وجه وآثار تدل على ما ذهب إليه من قال به ... \" ثم ساق أدلة كل قول منها (^٢).\nوالقول: بتفضيل التهليل على التحميد هو قول جماعة من المحققين كابن رجب (^٣) وابن عبد الهادي (^٤) (^٥) وغيرهما.\nومما سبق يتضح أن ما ذكره ابن حجر في فضل لا إله إلا الله موافق لِمَا عليه أهل السنة والجماعة، وأن قوله: بتفضيل التهليل على التحميد موافق لقول المحققين منهم.\nوأما تقريره تفضيل الذكر بالاسم المفرد على الذكر بلا إله إلا الله فهو مما وافق به الصوفية (^٦)، وخالف فيه أهل السنة والجماعة، ويرد عليه بما يلي:\n١ - أن الذكر بالاسم المفرد غير مشروع أصلًا لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله - ﷺ - ولا هو مأثور عن أحد من سلف الأمة، وإنما\n_________\n(^١) انظر: ما ذكره ابن عبد الهادي في مسألة في التوحيد وفضائل لا إله إلا الله (ص ٨٧ - ١١٧).\n(^٢) التمهيد (٦/ ٤٢)، وانظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (٢/ ٢٠).\n(^٣) انظر: كلمة الإخلاص (ص ٦٢)، وجامع العلوم والحكم (٢/ ٢٠).\n(^٤) هو يوسف بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي القرشي العدوي العمري، المقدسي، الشهير بابن المبرد، فقيه حنبلي، من مؤلفاته: التمهيد في الكلام على التوحيد، مسألة في التوحيد وفضل لا إله إلا الله، جمع الجيوش والدساكر في الرد على ابن عساكر، توفي سنة ٩٠٩ هـ.\nانظر: الضوء اللامع (١٠/ ٣٠٨)، شذرات الذهب (٨/ ٤٣).\n(^٥) انظر: التمهيد في الكلام على التوحيد (ص ٢١١)، ومسالة في التوحيد (ص ٩١ - ٩٢).\n(^٦) انظر: الأنوار القدسية في بيان قواعد الصوفية للشعراني (ص ٢١٩)، الدرة الخريدة شرح الياقوتة الفريدة للسوسي (٤/ ١٠٠).","vol":"1","page":146},{"text":"لهج به قوم من ضلال المتأخرين (^١).\n٢ - أن الشرع لم يستحب من الذكر إلا ما كان كلامًا تامًا مفيدًا، والذكر بالاسم المفرد لا يعد كلامًا تامًا مفيدًا؛ إذ لا يدل على ذكر أو مدح أو تعظيم ولا يتعلق به إيمان ولا ثواب ولا يدخل به الذاكر عقد الإسلام، وأبعد من ذلك ذكر الاسم المضمر فإنه لا يدل على معين أصلًا، وإنما هو بحسب قصد المتكلم ونيته (^٢).\n٣ - أن القول بتفضيل الذكر بالاسم المفرد على التهليل وتفضيل الذكر بالاسم المضمر على الاسم المفرد جر كثيرًا ممن يقول بذلك إلى القول بأن التهليل هو ذكر العامة، والذكر بالاسم المفرد هو ذكر الخاصة، والذكر بالاسم المضمر هو ذكر خاصة الخاصة (^٣).\nومعلوم أن التهليل هو ذكر الأنبياء الذين هم خاصة الخاصة بل هو أفضل قولهم؛ لِمَا روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي - ﷺ - قال: \"خير الدعاء دعاء عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٥٦، ٥٦٧)، العبودية لابن تيمية (ص ٧٣ - ٨٢).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٩٦ - ٣٩٧، ٥٥٦)، الرد على المنطقيين لابن تيمية (ص ٣٥)، طريق الهجرتين لابن القيم (ص ٣٣٨).\n(^٣) انظر: الفتاوى (١٠/ ٥٥٧)، العبودية (ص ٨٣)، الرد على المنطقيين (ص ٣٥).\n(^٤) أخرجه الترمذي في أبواب الدعوات (٥/ ٥٤١) برقم (٣٥٨٥)، وأحمد (١١/ ٥٤٨) برقم (٦٩١١) من طريق محمد بن أبي حميد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.\nومحمد بن أبي حميد هو الأنصاري الزرقي الملقب بحماد ضعيف، قال الحافظ في التقريب: (ص ٨٣٩ ترجمة ٥٨٧٣): \"محمد بن أبي حميد إبراهيم الأنصاري، الزرقي، أبو إبراهيم المدني، لقبه حماد، ضعيف، من السابعة\".\nوقد أعله الترمذي به فقال: \"هذا حديث غريب من هذا الوجه، وحماد بن أبي حميد هو محمد بن أبي حميد، وهو أبو إبراهيم الأنصاري المدني، وليس هو بالقوي عند أهل الحديث\".\nوالحديث له شواهد، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ٢٧٢): \"رواه مالك في الموطأ من حديث طلحة بن عبد الله بن كريز بفتح الكاف مرسلًا، وروي عن مالك =","vol":"1","page":147},{"text":"فالقول بأن التهليل هو ذكر العامة طعن في الأنبياء والمرسلين ﵇.\nكما أن القول بذلك جر بعضهم إلى الوقوع في الأحوال الشيطانية والقول بوحدة الوجود (^١) وأن كل موجود هو الله - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا - (^٢).\n٤ - أن ما استَدَلَّ به مَنْ فضَّل الذكر بالاسم المفرد والاسم المضمر على التهليل لا يخرج عن أمرين: إما دليل مطعون في ثبوته أو في دلالته، وإما ذوق (^٣) أو وجد لا يعارض بهما الأدلة الصحيحة الصريحة الدالة على أن أفضل الذكر بعد القرآن التهليل (^٤).\nوما ذكره ابن حجر في تعليل قوله والاستدلال له لا يخرج عن ذلك؛ إذ هو قائم على الذوق والوجد الصوفيين وهما نسبيان فكل إنسان له اعتقاداته وإراداته، وتطلب نفسه تذوقها، والأذواق مختلفة والمواجيد\n_________\n= موصولًا ذكره البيهقي وضعفه، وكذا ابن عبد البر في التمهيد ... ورواه العقيلي في الضعفاء من حديث نافع عن ابن عمر بلفظ: \"أفضل دعائي ودعاء الأنبياء قبلي عشية عرفة، لا إله إلا الله\" الحديث، وفي إسناده فرج بن فضالة وهو ضعيف جدًّا، قال البخاري: منكر الحديث، ورواه الطبراني في المناسك من حديث علي نحو هذا، وفي إسناده قيس بن الربيع\".\nوقد حسن الحديث بشواهده الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/ ٦) برقم (١٥٠٣)؛ فالحديث حسن لغيره.\n(^١) وحدة الوجود مذهب فلسفي صوفي يقوم على القول بالاتحاد العام بين الخالق والمخلوق، فوجود المخلوق هو وجود الخالق، بل الخالق هو المخلوق والمخلوق هو الخالق، ولا وجود لموجودين خلق أحدهما الآخر، ومن أشهر من قال به: ابن عربي وابن الفارض ومن على منهجهما من أهل الاتحاد.\nانظر: الفتاوى (٢/ ٣٦٤ - ٣٦٥).\n(^٢) انظر: الفتاوى (١٠/ ٣٩٧)، العبودية (ص ٨١).\n(^٣) يعرف الصوفية الذوق بقولهم: هو نور عرفاني، يقذفه الحق بتجليه في قلوب أوليائه يفرقون به بين الحق والباطل، من غير أن ينقلوا ذلك من كتاب أو غيره، فهو من ثمرات التجلي ونتائج الكشوفات.\nانظر: الرسالة القشيرية (١/ ١٧٨)، معجم اصطلاحات الصوفية للكاشاني (ص ١٨١)، الفتوحات المكية لابن عربي (٢/ ٥٤٨)، معجم مصطلحات الصوفية للحنفي (ص ١٠٤).\n(^٤) انظر: الفتاوى (١٠/ ٣٩٦)، تطهير الاعتقاد للصنعاني (ص ٤٠)، الدين الخالص (٣/ ٥٧٧).","vol":"1","page":148},{"text":"متباينة، وما كان كذلك فليس حجة في نفسه، فضلًا عن أن يعارض به النصوص الصحيحة الصريحة (^١).\nوعليه فإن ما علل به ابن حجر قوله لا يرقى لمعارضة النصوص الدالة على تفضيل التهليل على غيره من الأذكار المشروعة فضلًا عن الأذكار البدعية الممنوعة.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: الفتاوى (١٣/ ٧٣)، مدارج السالكين (١/ ٤٩٥، ٤٩٦)، التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل للمعلمي (٢/ ٢٤٢).","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>المبحث الثاني معنى العبادة، وبيان بعض أنواعها</span>\nتحدث ابن حجر ﵀ عن العبادة مبينًا معناها، وبعض أنواعها، ووجوب صرفها لله تعالى دون كل من سواه، وفيما يلي بيان آرائه في هذه المسائل وتقويمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>أولًا: معنى العبادة:</span>\nيرى ابن حجر ﵀ أن العبادة هي توحيد الله تعالى والإخلاص له، يقول في ذلك: \" [العبادة] أن تعبد الله أي: توحده في حال كونك لا تشرك به شيئًا، أو تأتي بجميع أنواع العبادة في حال كونك مخلصًا له بأن تقصد بها وجهه تعالى وحده، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] \" (^١).\nالتقويم:\nالعبادة في اللغة: مصدر عَبَدَ يَعبُدُ عبادَةً.\nيقول ابن فارس: \"العين والباء والدال أصلان صحيحان، كأنهما متضادان:\nوالأول من ذينك الأصلين يدل على لين وذل.\nوالآخر على شدة وغلظ\" (^٢).\nوالعبادة تطلق في اللغة على معان متعددة منها: الخضوع والذلة،\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ٢٢٤).\n(^٢) معجم مقاييس اللغة (ص ٧٢٨).","vol":"1","page":150},{"text":"والقوة والصلابة، والأنفة والكراهة، والطاعة والتنسك والمملوكية (^١).\nوالمتأمل في هذه المعاني يراها ترجع إلى الأصلين اللذين ذكرهما ابن فارس ولا تخرج عنهما.\nوأما العبادة في الشرع: فإن معانيها تتنوع بحسب اعتبارات سياقاتها.\nفالعبادة باعتبار أصلها هي مصدر بمعنى التّعبّد، وهي بهذا المعنى التذلل لله والخضوع له بفعل أوامره واجتناب نواهيه، مع المحبة والتعظيم.\nوالعبادة باعتبار أفرادها هي اسم بمعنى المتعبد به، وهي بهذا المعنى اسم جامع لكلّ ما يُحبّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة (^٢).\nوعبارات أهل العلم في تعريف العبادة وبيان معناها وإن تعددت فهي لا تخرج عما سبق (^٣).\nوتعريف ابن حجر العبادة بأنها توحيد الله والإخلاص له هو مقتضى نصوص الوحيين؛ إذ العبادة المأمور بها هى المتضمنة لتوحيد الله تعالى والإخلاص له.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].\nوقال - ﷺ - لمعاذ ﵁ حين بعثه إلى اليمن: \"فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله\"، وفي رواية: \"فادعهم إلى عبادة الله\"، وفي رواية: \"فادعهم إلى أن يوحدوا الله\" (^٤).\nقال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: \"وجه الجمع بينها: أن المراد\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة (٣/ ٢٢٩٩ - ٢٣٠٥)، الصحاح (٢/ ٥٠٢ - ٥٠٤)، لسان العرب (٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، القاموس المحيط (ص ٣٧٨ - ٣٧٩).\n(^٢) انظر: تقريب التدمرية لابن عثيمين (ص ١٢٩).\n(^٣) انظر: تفسير ابن جرير (١/ ١٩٦)، مجموع الفتاوى (١٠/ ١٤٩، ١٥٣، ٢٥١) (١٥/ ١٦٢)، منهاج السنة (٢/ ٤٤٨) (٣/ ٢٩٠)، مدارج السالكين (١/ ٧٤)، تفسير ابن كثير (١/ ٢٨)، فتح الباري (١١/ ٣٤٧)، تيسير العزيز الحميد (ص ٤٦)، فتح المجيد (١/ ٨٤ - ٨٥).\n(^٤) سبق تخريجه (ص ١١٦).","vol":"1","page":151},{"text":"بالعبادة: التوحيد، والمراد بالتوحيد: الإقرار بالشهادتين\" (^١).\nوتعريف العبادة بالتوحيد مروي عن ابن عباس ﵄ فقد ورد عنه في معنى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١] أنه قال: \"قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين؛ أي: وحدوا ربكم الذي خلقكم ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ \" (^٢)، ونقل السمعاني ﵀ عنه أنه قال: \"كل ما ورد في القرآن من العبادة فهو بمعنى التوحيد\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>ثانيًا: أنواع العبادة:</span>\nعرض ابن حجر ﵀ لنوعين من أنواع العبادة هما الخوف والرجاء وبين تلازمهما، وذكر أقوال الناس في تغليب أحدهما على الآخر، ورجح ما يراه منها.\nحيث قال: \"الرجاء والخوف متلازمان، فإن كل من رجا محبوبًا فلا بد وأن يخاف فوته وإلا فهو لا يحبه، فاستحال انفكاك أحدهما عن الآخر، وإن أمكن غفلة القلب عن استشعار أحدهما\" (^٤).\nوقال: \"الراجح عند أئمتنا أن الإنسان ما دام صحيحًا فليكن رجاؤه وخوفه مستويين.\nوقيل: يغلب الرجاء لئلا يغلب عليه داء اليأس من رحمة الله تعالى.\nوقيل: يغلب الخوف لئلا يغلب عليه داء الأمن من مكر الله.\nويرد بأنهما إذا استويا أُمِنَتْ غلبة أحدهما، فلا محذور يخشى حينئذ؛ بخلاف غلبة أحدهما فإنه يخشى من المحذور الذي في مقابله.\nأما المريض فيغلب الرجاء، لقوله - ﷺ -: \"لا يموتن أحدكم إلا وهو\n_________\n(^١) فتح الباري (١٣/ ٣٥٤).\n(^٢) أخرجه ابن إسحاق - كما في الدر المنثور للسيوطي (١/ ٨٥) -، ومن طريقه ابن جرير (١/ ١٩٦) برقم (٤٧٢)، وابن أبي حاتم برقم (٢١٦).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٥٦).\n(^٤) الفتاوى الحديثية (ص ٣٨٩ - ٢٩٠).","vol":"1","page":152},{"text":"محسن الظن بالله\" (^١) أي: يظن أنه يغفر له ويرحمه\" (^٢).\nالتقويم:\nالخوف والرجاء من العبادات القلبية العظيمة الباعثة على ما سواها من العبادات.\nيقول الحافظ ابن كثير (^٣) ﵀: \"لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء، فبالخوف ينكفّ عن المناهي، وبالرجاء يكثر من الطاعات\" (^٤).\nولهذا وصف الله بها خواص عباده، وأثنى عليهم بتحقيقها.\nقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].\nوقال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٧].\nوقال ﷿: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦].\nوالخوف والرجاء متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ إذ الخوف بلا رجاء يأس وقنوط، والرجاء بلا خوف أمن من مكر الله، وكلاهما من كبائر الذنوب (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت (٤/ ٢٢٠٥) برقم (٢٨٧٧) من حديث جابر - ﵁ - به.\n(^٢) المنح المكية (٣/ ١٣٩٩)، وانظر: فتح الجواد (١/ ٢٢٥)، الإفادة لِمَا جاء في المرض والعيادة (ص ٥٠)، الزواجر، تطهير الجنان واللسان (ص ٩٢).\n(^٣) هو إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الشافعي، عماد الدين أبو الفداء، الإمام الحافظ، والمحدث المؤرخ، من مؤلفاته: تفسير القرآن العظيم، البداية والنهاية، اختصار علوم الحديث، توفي سنة ٧٧٤ هـ.\nانظر: الدرر الكامنة (١/ ٤٠٠)، شذرات الذهب (٦/ ٢٣٢).\n(^٤) تفسير ابن كثير (٣/ ٥٣).\n(^٥) انظر: مجموع الفتاوى (١/ ٩٥) (١٥/ ٢١)، مدارج السالكين (٢/ ٤٣ - ٤٤) (٣/ ١٣٩)، التخويف من النار لابن رجب (ص ٢٥)، الآداب الشرعية لابن مفلح (٢/ ٣٠)، شرح الطحاوية (٢/ ٤٥٦)، فتح الباري (١/ ٣٠٧)، أضواء البيان (٣/ ٧٩ - ٨٠) (٤/ ٢٠٠).","vol":"1","page":153},{"text":"ولهذا قال - ﷺ -: \"لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد\" (^١).\nوقد قرر أهل السنة والجماعة ذلك، وذكروه في عقائدهم.\nيقول الإمام الطحاوي (^٢) ﵀: \"والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة\" (^٣).\nومثلوا حال العبد معهما بحال الطائر مع جناحيه، فقالوا: \"الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا، استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا، صار الطائر في حد الموت\" (^٤).\nومن مشهور قولهم في الرد على من ضل في هذا الباب: \"من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري (^٥)، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد\" (^٦).\nوقد اختلف أهل العلم -﵏- هل يغلب العبد جانب الرجاء أو جانب الخوف؟\nفمنهم من قال: يغلب جانب الرجاء مطلقًا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (٤/ ٢١٠٩) برقم (٢٧٥٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.\n(^٢) هو أحمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك الأزدي الطحاوي، أبو جعفر، الحنفي، أحد أئمة السلف، من مؤلفاته: العقيدة المشهورة، شرح معاني الآثار، شرح مشكل الآثار، توفي سنة ٣٢١ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٧)، شذرات الذهب (٢/ ٢٨٨).\n(^٣) العقيدة الطحاوية مع شرحها (٢/ ٤٥٦).\n(^٤) شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٤٥٦ - ٤٥٧).\n(^٥) الحروري: نسبة إلى حروراء وهي قرية قريبة من الكوفة في العراق، ويقال لمن يعتقد مذهب الخوارج: حروري؛ لأن أول فرقة منهم خرجوا على علي - ﵁ - عند هذه القرية، فاشتهروا بالنسبة إليها، وهم فرق كثيرة.\nانظر: التنبيه والرد للملطي (ص ١٨٨)، فتح الباري (١/ ٤٢٢).\n(^٦) لم أجدها مسندة مع شهرتها لأحد من السلف، وقد نسبها الغزالي في الإحياء (٤/ ١٧٤) إلى مكحول الدمشقي، وذكرها شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (١٥/ ٢١)، وابن القيم في بدائع الفوائد (٣/ ١١)، وابن رجب في التخويف من النار (ص ٣٠) وابن أبي العز في شرح الطحاوية (٢/ ٤٥٨) غير منسوبة لأحد.","vol":"1","page":154},{"text":"ومنهم من قال: يغلب جانب الخوف مطلقًا.\nومنهم من قال: إن كان في طاعة فليغلب الرجاء، وإن هم بمعصية فليغلب الخوف.\nومنهم من قال: إن أمن داء القنوط فالرجاء أولى، وإن أمن داء المكر فالخوف أولى.\nومنهم من قال: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه سواء، لا يغلب هذا على هذا، ولا هذا على هذا.\nومنهم من قال: في حال الصحة يغلب جانب الخوف، وفي حال المرض يغلب جانب الرجاء.\nومنهم من قال: في حال الصحة يجعل رجاءه وخوفه واحدًا، وفي حال المرض يغلب الرجاء أو يمحضه (^١).\nوالذي عليه جمهور السلف -﵏- ضرورة استوائهما بحيث لا يغلب أحدهما على الآخر.\nيقول الحافظ ابن رجب ﵀: \"فأما الخوف والرجاء فأكثر السلف على أنهما يستويان، لا يرجح أحدهما على الآخر\" (^٢).\nوالقول بذلك هو القول المختار الذي تعضده النصوص الشرعية وتدل عليه.\nيقول العلامة النووي ﵀: \"اعلم أن المختار للعبد حال صحته أن يكون خائفًا راجيًا، ويكون خوفه ورجاؤه سواء ... وقواعد الشرع من نصوص الكتاب والسنة متظاهرة على ذلك\" (^٣).\nوما رجحه ابن حجر ﵀ هو بمعنى هذا القول، إلا أنه استثنى المريض من ذلك للحديث المذكور.\n_________\n(^١) انظر: مدارج السالكين (١/ ٥٥٤)، التخويف من النار (ص ٣٠ - ٣١)، الآداب الشرعية (٢/ ٢٤)، فتح الباري (١١/ ٣٠٠ - ٣٠١).\n(^٢) التخويف من النار (ص ٢٥).\n(^٣) رياض الصالحين (ص ٢٠٦).","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>ثالثًا: موقفه من صرف العبادة لغير الله:</span>\nذكر ابن حجر ﵀ بعض أنواع العبادة التي تضمنها حديث ابن عباس - ﵁ - وفيه يقول النبي - ﷺ -: \"إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك\" (^١).\nوشرح -غفر الله له- الحديث مبينًا وجوب إفراد الله تعالى بهذه العبادات وعدم جواز صرف شيء منها لغير الله:\nحيث قال في شرحه لقوله - ﷺ -: \"إذا سألت فاسأل الله\": \"أي: أردت سؤاله فاسأل الله أن يعطيك إياه ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، ولا تسأل غيره فإن خزائن الجود بيده وأزمتها إليه، إذ لا قادر ولا معطي ولا متفضل غيره، فهو أحق أن يقصد سيما وقد قسم الرزق وقدره لكل بحسب\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في أبواب صفة القيامة والرقائق والورع (٤/ ٢٨٥) برقم (٢٥١٦)، وأحمد (٤/ ٤٠٩) برقم (٢٦٦٩)، وأبو يعلى في المسند (٤/ ٤٣٠) برقم (٢٥٥٦)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٢٣٨) برقم (١٢٩٨٨)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (ص ٣٧٤) برقم (٤٢٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٥١٤) برقم (١٩٢) من طرق عن الليث بن سعد عن قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني عن ابن عباس به.\nوأخرجه الترمذي في أبواب صفة القيامة والرقائق والورع (٤/ ٢٨٥) برقم (٢٥١٦)، وأحمد (٤/ ٤٨٧) برقم (٢٧٦٣) و(٥/ ١٨) برقم (٢٨٠٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣/ ٢٨٣) برقم (١٠٤٣) من طريق ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج به.\nقال الترمذي بعد إخراجه الحديث بهذين الإسنادين: \"حديث حسن صحيح\".\nوأخرجه أحمد (٥/ ١٨) برقم (٢٨٠٣) و(٤/ ٤٨٧) برقم (٢٨٠٣)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٢٣٨) برقم (١٢٩٨٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣/ ٢٨٣) برقم (١٠٤٣) من طريق نافع بن يزيد، عن قيس بن الحجاج به.\nوالحديث له طرق أخرى كثيرة عن ابن عباس قال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٤٦٠ - ٤٦١): \"وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة من رواية ابنه علي، ومولاه عكرمة، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وعبيد الله بن عبد الله، وعمر مولى غُفْرة، وابن أبي مليكة، وغيرهم، وأصح الطرق كلها طريق حنش الصنعاني التي خرَّجها الترمذي، كذا قاله ابن مندة وغيره ... \".\nثم قال: \"وبكل حال فطريق حنش التي خرَّجها الترمذي حسنة جيدة\".","vol":"1","page":156},{"text":"ما أراد له ... فمع النظر لذلك لا فائدة لسؤال الخلق مع التعويل عليهم ... فوجب أن لا يعتمد في أمر من الأمور إلا عليه ﷾ ... فبقدر ما يميل القلب إلى مخلوق يبتعد عن مولاه، لضعف يقينه، ووقوعه في هُوّة الغفلة عن حقائق الأمور التي تيقظ لها أصحاب التوكل واليقين\" (^١).\nوقال في شرحه لقوله - ﷺ -: \"وإذا استعنت فاستعن بالله\": \"وإذا استعنت أي: طلبت الإعانة على أمر من أمور الدنيا والآخرة فاستعن بالله، لما علمت أنه القادر على كل شيء وغيره عاجز عن كل شيء حتى جلب مصالح نفسه ودفع مضارها، والاستعانة إنما تكون بقادر على الإعانة، وأما من هو كلٌّ على مولاه لا قدرة له على إنفاذ ما يهواه لنفسه فضلًا عن غيره فكيف يؤهل للاستعانة به أو يتمسك بسببه؟\nقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، قدّم المعمول ليفيد الحصر والاختصاص، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، ومن ثم كانت لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة\" (^٢).\nوقال في شرحه لقوله - ﷺ -: \"واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك\":\n\"المعنى وَحِّد الله تعالى في لحوق الضرر والنفع، فهو الضار النافع، ليس لأحد معه في ذلك شيء ... فعلم أن هذا تقرير وتأكيد لِمَا قبله من الإيمان بالقدر خيره وشره، وتوحيده تعالى في لحوق الضرر والنفع على أبلغ برهان وأوضح بيان، وحث على التوكل والاعتماد على الله ﷿ في جميع الأمور، وعلى شهود أنه ﷾ وحده المؤثر في الوجود، النافع الضار، وغيره ليس له من النفع ولا من الضرر شيء، وعلى الإعراض عما سواه إذ من تيقن ذلك لم يشهد ضره ونفعه إلا من مولاه ولم ينزل حاجته إلا به ﷾\" (^٣).\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ١٧٢).\n(^٢) المصدر السابق (ص ١٧٣).\n(^٣) المصدر السابق (ص ١٧٣، ١٧٤).","vol":"1","page":157},{"text":"وختم شرحه لهذا الحديث بقوله: \"ثم مدار هذه الوصية كلها على هذا الأصل [يعني: التوكل] إذ ما قبله وما بعده مفرع عليه وراجع إليه؛ فإن من علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب له من خير وشر، ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم بخلاف المقدور لا يفيد شيئًا البتة، علم أن الله تعالى وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأفرده بالطاعة، وحفظ حدوده، وخافه ورجاه، وأحبه وقدم طاعته على طاعة خلقه كلهم، وأفرده بالاستعانة به، والسؤال له، والتضرع إليه، والرضا بقضائه في حال الشدة والرخاء\" (^١).\nومع تقرير ابن حجر -غفر الله له- ما سبق فإنه يرى أن من رجا النبي - ﷺ - أو دعاه أو استعاذ أو استغاث به إنما رجا الله تعالى ودعاه واستعاذ واستغاث به على الحقيقة؛ لأن النبي - ﷺ - إنما هو واسطة بين الراجي والمرجو والداعي والمدعو والمستعيذ والمعيذ والمستغيث والمغيث، وحصول الإجابة والمرجو والإعاذة والغوث منه - ﷺ - سببًا وكسبًا لا خلقًا وإيجادًا.\nيقول في تقرير ذلك: \"الاستغاثة طلب الغوث، والمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث من غيره، وإن كان أعلى منه، فالتوجه والاستغاثة به وبغيره ليس لهما معنى في قلوب المسلمين غير ذلك ... والمستغاث به في الحقيقة هو الله، والنبي - ﷺ - واسطة بينه وبين المستغيث، فهو سبحانه مستغاث به، والغوث منه خلقًا وإيجادًا، والنبي - ﷺ - مستغاث والغوث منه سببًا وكسبًا\" (^٢).\nوقد وقع ابن حجر -عفا الله عنه- في مزالق خطيرة، وطوام كبيرة، بسبب تقريره ذلك اعتمادًا على هذه الحجة الفاسدة، والشبهة الباطلة، منها: دعاؤه النبي - ﷺ -، وتوسله إليه، وطلب الشفاعة منه، ورجاؤه مغفرة الذنوب وستر العيوب، والاستعاذة به من كل مكروه، والاستغاثة به في المهالك (^٣)! ! !\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ١٧٦).\n(^٢) الجوهر المنظم (ص ٦٢).\n(^٣) انظر: المنح المكية (٣/ ١٣٢٣، ١٣٢٨، ١٣٣٤، ١٣٣٥، ١٤١٧، ١٤٢٧، ١٤٢٨)، العمدة في شرح البردة (ص ٦٥٩).","vol":"1","page":158},{"text":"يقول مخاطبًا الرسول - ﷺ - داعيًا له، طالبًا شفاعته: \"أقسم عليك ... أن تنيلني من حضرتك، بواسطة شفاعتك فيّ إلى من لا يخيب شفاعتك\" (^١)، \"والمعلوم والمستقر من أخلاقك الجميلة والذي دلت عليها آثارك الجليلة، أن من لجأ إليك، لا تخيبه من شفاعتك، ولا يحرمه ربك من فضله مسارعة إلى رضاك\" (^٢).\nويقول في رجائه للرسول - ﷺ -: \"قد رجوناك معشر محبيك، وخدامك، أيها النبي الكريم .. للأمور الخطيرة العظيمة من الذنوب والمخالفات والغفلات والشهوات\" (^٣).\nويقول مستعيذًا به - ﷺ -: \"أتينا إليك بقلوبنا، أي: وجهناها إلى الاستعاذة بك من كل مكروه، أو إلى قبرك المكرم حال كوننا أنضاء ... أي: مهازيل\" (^٤).\nويقول شارحًا قول البوصيري (^٥) في همزيته:\nيا نبي الهدى استغاثة ملهوف ... أضرت بحاله الحوباء (^٦)\n\"أي: أناديك نداء ملهوف أي: مضطر، متحسر، محتاج إلى من ينقذه مما يهلكه\" (^٧).\nبل إن ابن حجر تجاوز ذلك إلى التصريح برجائه للنبي - ﷺ - دون غيره، وبث شكواه إليه دون سواه، حيث قال في شرح قول البوصيري:\nوانطوت في الصدور حاجات نفس ... ما لها عن ندى يديك انطواء (^٨)\n_________\n(^١) المنح المكية (٣/ ١٣٢٣).\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ١٣٢٨).\n(^٣) المصدر السابق (٣/ ١٣٣٣).\n(^٤) المصدر السابق (٣/ ١٣٣٤).\n(^٥) هو محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي، شرف الدين، أبو عبد الله، الشهير بالبوصيري، اشتهر بقصائده ومنظوماته ومنها: البردة، والهمزية في مدح النبي - ﷺ -، واللامية في الرد على اليهود والنصارى، توفي سنة ٦٩٥ هـ.\nانظر: البدر السافر (ص ٩٧)، شذرات الذهب (٧/ ٧٥٣).\n(^٦) الهمزية مع شرحها المنح المكية (٣/ ١٤١٧).\n(^٧) المنح المكية (٣/ ١٤١٧).\n(^٨) الهمزية مع شرحها المنح المكية (٣/ ١٣٣٥).","vol":"1","page":159},{"text":"\"أي: استترت في الصدور، أي: القلوب حاجات نفس ... ما لها عن ... عطاء يديك الكريمتين انطواء، أي: استتار، واستغناء، بل لا يقضيها غير جاهك الواسع، ولا يمن بها غير عطائك الهامع، فلا ارتحال لنا عن واسع جودك، ولا انصراف عن ساحة كرمك، بل لا نزال مقيمين بجوارك، مستطهرين لندى آثارك، طامعين في حصول كل ما أملناه بشفاعتك، التي هي مطمع المذنبين، ووسيلة المقصرين\" (^١).\nويقول في شرحه لقوله:\nومن الفوز أن أبثك شكوى ... هي شكوى إليك وهي اقتضاء (^٢)\n\"هي شكوى ... إليك لا إلى غيرك، أي: أنشر وأظهر بين يديك في ضمن مدحي لك ما كاد أن يهلكني من عظيم ذنوبي، وقبيح عيوبي، رجاء أن تلمحني بنظرة تزيل عني كل وصمة، وتوجب لي منك كل رحمة، لأن رجائي فيك واسع، ومحبتي لك متزايدة، وهي أي: تلك الشكوى ... اقتضاءُ أي: أطلب من كرمك الواسع وفيضك الهامع، أن أتخلص من تلك الفرطات، وأنجو من بوائق سائر الورطات، وأن يحصل لي الشفاء من جميع الأدواء، فإن جاهك متكفل بكل مطلوب، ومحقق لكل مسؤول ومرغوب، لا سيما لخادم حضرتك، الفاني في محبتك\" (^٣).\nالتقويم:\nكل ما صح إطلاق مسمى العبادة عليه من الاعتقادات والأقوال والأعمال يجب صرفه لله تعالى وحده، ويحرم صرفه لغيره.\nيقول تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥] الآية.\nوفي الحديث القدسي: \"أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا\n_________\n(^١) المنح المكية (٣/ ١٣٣٥).\n(^٢) الهمزية مع شرحها المنح المكية (٣/ ١٤٢٧).\n(^٣) المنح المكية (٣/ ١٤٢٧ - ١٤٢٨).","vol":"1","page":160},{"text":"أشرك فيه معي غيري تركته وشركه\" (^١).\nوما ذكره ابن حجر -غفر الله له- في كلامه المتقدم من تأكيد اختصاص الله تعالى بالدعاء والاستعانة والتوكل ونحوها من العبادات يناقض صرفه بعضها الآخر لغير الله؛ إذ كلها يصدق عليها مسمى العبادة ويحرم صرفها لغيره سبحانه، فالتفريق بينها تفريق بين المتماثلات.\nوابن حجر -عفا الله عنه- بصنيعه هذا لا ينكر كون تلك الاعتقادات والأقوال والأعمال من أنواع العبادة التي لا يجوز صرفها لغير الله، وإنما يدعي أنه بفعله هذا لم يصرفها لغيره، متمسكًا بما ذكره من شبهة المجاز العقلي (^٢) والتي أشار إليها بقوله المتقدم: \"والمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث من غيره ... والمستغاث به في الحقيقة هو الله، والنبي - ﷺ - واسطة بينه وبين المستغيث\"، وشبهة الكسب والتسبب والتي أشار إليها أيضًا بقوله السابق: \"فهو سبحانه مستغاث به، والغوث منه خلقًا وإيجادًا، والنبي - ﷺ - مستغاث، والغوث منه سببًا وكسبًا\".\nولَمّا كان الأمر كذلك فسأكتفي بمناقشته فيما تمسك به من شبهات، متجاوزًا تقرير كون تلك الاعتقادات والأقوال والأعمال من العبادات، وأن العبادة لا يجوز صرفها لغير الله؛ لأن ذلك محل اتفاق لا نزاع.\nوعليه فإن ما تمسك به ابن حجر من شبهتي المجاز العقلي والكسب والتسبب هو في الحقيقة شبهة واحدة مركبة؛ ذلك أن من يقول بأن إسناد الفعل إلى غير الله مما لا يصح إسناده إلا إلى الله مجاز لا حقيقة، ويستدل بذلك على جواز صرف بعض العبادات لغير الله، يجعل القرينة كون الفاعل مسلمًا موحدًا، والعلاقة في ذلك الكسب والتسبب (^٣)؛ فرجع الأمر حينئذ إلى كونهما شبهة واحدة مركبة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، باب من أشرك في عمله غير الله (٤/ ٢٢٨٩) (٢٩٨٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.\n(^٢) المجاز العقلي -عند القائلين به- هو إسناد الفعل أو معناه إلى ملابس له غير ما هو له. انظر: التعريفات (ص ٢٥٩).\n(^٣) انظر: شفاء السقام للسبكي (ص ١٤٤، ١٧٦ - ١٧٨)، خلاصة الكلام في تاريخ البلد =","vol":"1","page":161},{"text":"وبناء على ذلك فإنه يمكن الرد عليه من طريقين:\nأحدهما: المنع من ذلك على قول من يقول بنفي وقوع المجاز في اللغة:\nفإن العلماء اختلفوا في وقوع المجاز في اللغة وعدمه، وهذا الخلاف جار في المجاز العقلي (^١).\nفقال قوم بعدم وقوعه مطلقًا، وقال آخرون بوقوعه مطلقًا، وفرق قوم فقالوا بوقوعه في اللغة دون القرآن (^٢).\nوقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية عدم وقوع المجاز مطلقًا لا في القرآن ولا في اللغة (^٣)، وانتصر له العلامة ابن القيم بأكثر من خمسين وجهًا (^٤).\nوهو القول الراجح لقوة أدلته، وسلامته من الاعتراضات، ومما يستدل به عليه ما يلي:\n١ - أن تقسيم الكلام إلى الحقيقة والمجاز تقسيم حادث بعد انقضاء القرون المفضلة، لم يتكلم به أحد من أئمة اللغة والنحو (^٥).\n٢ - أن الذين قسموا الكلام إلى حقيقة ومجاز لم يستطيعوا أن يفرقوا بينهما بحد صحيح جامع مانع (^٦).\n_________\n= الحرام أحمد زيني دحلان (ص ١٦، ص ٢٤٥ - ٢٥٥)، الدرر السنية له (ص ٢٠)، مفاهيم يجب أن تصحح لمحمد علوي مالكي (ص ٢٨).\n(^١) انظر: حاشية البناني على جمع الجوامع (١/ ٣٠٨).\n(^٢) انظر: الأحكام للآمدي (١/ ٤٣ - ٤٤)، جمع الجوامع (١/ ٣٠٨)، البرهان للزركشي (٢/ ٢٥٥)، والأحكام لابن حزم (٤/ ٢٨)، المسودة في أصول الفقه (ص ١٦٥)، التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (١/ ٨٠)، الإيمان لابن تيمية (ص ٨١)، مختصر الصواعق (٢/ ٥)، المزهر للسيوطي (١/ ٣٦٤ - ٣٦٦)، وللاستزادة: منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز للشنقيطي.\n(^٣) انظر: الإيمان (ص ٧٩ - ١٠٥).\n(^٤) انظر: مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٢ - ٧٦).\n(^٥) انظر: الإيمان (ص ٨٠)، مختصر الصواعق (٢/ ٣).\n(^٦) انظر: الإيمان (ص ٨٧، ٩٧)، مختصر الصواعق (١/ ١٠ - ٣٠).","vol":"1","page":162},{"text":"٣ - أن العرب نطقت بالحقيقة والمجاز -عند من يدعيهما- على وجه واحد، فجَعْلُ هذا حقيقة، وهذا مجازًا ضرب من التحكم لأن اسم الأسد وضع للسبع كما وضع للرجل الشجاع (^١).\n٤ - أن من زعم أن الكلمة استخدمت حقيقة في الدلالة على معنى، ثم استخدمت مجازًا في الدلالة على معنىً آخر فقد ادعى دعوى لا برهان عليها ولا يمكن لبشر على وجه الأرض إثبات ذلك، ولا سبيل إلى العلم بذلك إلا بوحي من الله تعالى (^٢).\n٥ - أن بعض الكلمات العربية تدل على المعنى وضده كالجون يدل على السواد وعلى البياض، والقرء يدل على الطهر وعلى الحيض فأيهما حقيقة وأيهما مجاز؟ (^٣).\nهذا ومما ينبغي الإشارة إليه أن الذين أنكروا وجود المجاز لم ينكروا وجود تلك الأمثلة التي ضربها المثبتون له، وإنما ذهبوا إلى أن ذلك أسلوب من أساليب اللغة العربية وأن الكل حقيقة، والكلمة إذا استعملت في هذا الأسلوب فهي حقيقة، وإذا استعملت في أسلوب آخر فهي حقيقة أيضًا، والذي يحدد المعنى المراد منها هو السياق، ولا يمكن أن نقول إنها في هذا الأسلوب حقيقة وفي الآخر مجازية (^٤).\nثانيهما: التسليم بذلك على قول من يقول بثبوت وقوع المجاز في اللغة، وبناء عليه يمكن الجواب عنه بجوابين:\n١ - أن دعوى كون دعاء غير الله والتوسل به واللجوء إليه مجازًا عقليًا باعتبار كونه إسنادًا للفعل إلى غير ملابس له لا يصح لغة؛ وذلك لما يلي:\nأ- أن العلماء الذين أثبتوا المجاز اتفقوا على أن الأصل في الكلام الحقيقة، وأنه لا يخرج عنها إلا بدليل قوي يصرفه إلى المجاز (^٥)، والحقيقة\n_________\n(^١) انظر: المزهر (١/ ٣٦٥).\n(^٢) انظر: مختصر الصواعق (٢/ ٣٠).\n(^٣) انظر: الإيمان (ص ٨٨ - ٨٩).\n(^٤) انظر: الوصول إلى الأصول لابن برهان (١/ ٩٧ - ٩٨).\n(^٥) انظر: الخصائص لابن جني (٣/ ٤٤٢)، المزهر للسيوطي (١/ ٣٥٦، ٣٦١).","vol":"1","page":163},{"text":"أنه لا دليل قوي، ولا صارف واضح، يمكن الاعتماد عليه للقول بأن دعاء غير الله والتوسل به مجاز عقلي، بل الدليل على خلافه (^١) -كما سيأتي-.\nب- أن حد المجاز العقلي لا ينطبق على دعاء الأموات، وندائهم، والاستغاثة بهم، إذا اعتبرنا حال الداعين واعتقادهم فالإسناد الواقع في كلامهم إسناد حقيقي ينطبق عليه حد الحقيقة العقلية، ولا ينطبق عليه حد المجاز العقلي، وذلك لأن علماء البلاغة ذكروا أن العبرة في الإسناد ليكون مجازًا عقليًا أن يكون الحكم المفاد منه خلاف ما يعتقده المتكلم، وقالوا: إن قول الدهري: أنبت الربيع البقل لا يسمى مجازًا (^٢).\nوبناء على ذلك فإن كثيرًا ممن يدعون الأموات والغائبين الإسناد الواقع في كلامهم حقيقة عقلية وليس مجازًا عقليًا، لاعتقادهم التأثير والتصرف في الكون ومما يؤيد ذلك سيرهم وأحوالهم القولية والفعلية (^٣).\nجـ - أن العلماء القائلين بالمجاز اشترطوا تعقيبه بما يدل عليه ويدفع الحقيقة عنه، والمجاز العقلي القرينة المدعاة فيه ليست متصلة بالكلام حتى يؤول به (^٤).\n٢ - أن دعوى ابن حجر كون دعاء غير الله، والتوسل به، واللجوء إليه، مجازًا عقليًا باعتبار كونه إسنادًا للفعل إلى غير ملابس له لا يصح شرعًا؛ وذلك لِمَا يلي:\nأ- أن المشركين الذين نزل فيهم القرآن الكريم وحكم بكفرهم كانوا يعتقدون السببية والتوسط، وهذه هي حجة من يرى المجاز العقلي ويبيح إسناد الدعاء لغير الله تعالى.\nفلو أن اعتقاد السببية والتوسط ينفع في حمل كلام من يدعو غير الله\n_________\n(^١) انظر: الرسالة المدنية لابن تيمية (ص ٤٠).\n(^٢) انظر: حاشية الجوهر المكنون (ص ٤٨)، التلخيص في علوم البلاغة للقزويني (ص ٥٠ - ٥١).\n(^٣) انظر: معارج الألباب للنعمي (ص ١٧٨)، الصواعق المرسلة الشهابية لابن سحمان (ص ١٣٧).\n(^٤) انظر: تنبيه الغبي للبقاعي (ص ٢٢ - ٢٣)، ومنع جواز المجاز (ص ٥٢).","vol":"1","page":164},{"text":"تعالى على المجاز العقلي، ويمنع الحكم عليه بالشرك، لكان الله تعالى أعذر المشركين الذين يعتقدون التسبب والوساطة، ولحكم بكفر من يعتقد الاستقلال فقط (^١).\nب- أن دعوى كون دعاء غير الله والتوسل به واللجوء إليه مجازًا عقليًا بزعمه سببًا في حصول المقصود ونيل المطلوب دعوى باطلة وزعم فاسد؛ لأن ذلك يحتاج إلى إثبات أمرين هما: أن هذه أسباب لحصول المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله، وأن هذه الأسباب مشروعة لا يحرم فعلها وكلاهما غير متحقق في هذه الصورة (^٢).\nجـ - أن هذا يناقض قول ابن حجر -غفر الله له- بأن المدار في الحكم بالكفر على الظواهر دون البواطن، وأنه لا نظر إلى المقاصد والنيات وقرائن الأحوال -كما سيأتي- (^٣).\nوبما سبق يتضح بطلان ما تمسك به ابن حجر -عفا الله عنه- من شبهتي المجاز العقلي والكسب والتسبب (^٤).\n_________\n(^١) انظر: فتح المنان للآلوسي (ص ٤٤٧ - ٤٤٨)، الدرر السنية (٩/ ٣٧٤).\n(^٢) انظر: صيانة الإنسان للسهسواني (ص ٢٨٦)، فتح المنان للآلوسي (ص ٤٤٨)، وتأسيس التقديس لأبي بطين، التوضيح عن توحيد الخلاق (ص ٣٠٥)، كشف ما ألقاه إبليس لعبد الرحمن بن حسن (ص ٧٥ - ٧٦)، (ص ٢٧٠ - ٢٧٢).\n(^٣) انظر: (ص ٦٩٦).\n(^٤) انظر: للاستزادة في الرد على شبهتي المجاز العقلي والكسب والتسبب المصادر التالية: الدرر السنية (٩/ ٢٧٤) (٩/ ٣٧٥، ٤٠٨، ٤١١)، التوضيح عن توحيد الخلاق (ص ٣٠٥)، كشف ما ألقاه إبليس (ص ٧٥ - ٧٦، ص ٣٧٠ - ٢٧٢)، منهاج التأسيس (ص ٣٢٤، ٣٣٨) ص (٤١٠ - ٣٤١)، تحفة الطالب والجليس (ص ٤٧ - ٥١)، تأسيس التقديس (ص ٣٦)، الصواعق المرسلة، الشهابية (ص ١٣٦ - ١٣٧)، صيانة الإنسان (ص ٢٨٦)، وللاستزادة: الدعاء ومنزلته من العقيدة لجيلان العروسي (٢/ ٩١٢).","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>المبحث الثالث موقفه مما يُنافي توحيد الألوهية أو يقدح فيه</span>\nتحدث ابن حجر ﵀ عن كثير من الأعمال والأقوال التي تنافي توحيد الألوهية أو تقدح فيه، وبيّن رأيه فيها، ويمكن تقسيم ما ذكره منها إلى قسمين:\nالأول: ما ينافي توحيد الألوهية أو يقدح فيه من الأعمال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>١ - الذبح لغير الله أو بغير اسمه:</span>\nيرى ابن حجر تحريم الذبح لغير الله والذبح على غير اسمه، يقول في ذلك: \"وجعل أصحابنا مما يحرم الذبيحة أن يقول: باسم الله واسم محمد، أو محمد رسول الله بجر اسم الثاني، أو محمد إذا عرف النحو فيما يظهر، أو أن يذبح كتابيّ لكنيسة أو لصليب أو لموسى أو لعيسى، ومسلم للكعبة أو لمحمد - ﷺ - أو تقربًا لسلطان أو غيره أو للجن، فهذا كله يحرم المذبوح وهو كبيرة ... بخلاف ما لو قصد الفرح بقدومه، أو شكر الله عليه، أو قصد إرضاء ساخط، أو التقرب إلى الله ليدفع عنه شر الجن\" (^١).\nوذكر أن ذلك كله مما فُسِّرَ به قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] حيث قال: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وما ذبح للطواغيت والأصنام قاله جمع، وقال آخرون: يعني ما ذكر عليه غير اسم الله\" (^٢).\nوظاهر كلامه يوحي بأنه يفرق بين ما كان بقصد التعظيم بالعبادة\n_________\n(^١) الزواجر (١/ ٢١١)، وانظر: (١/ ٢١٠ - ٢١١، ٢١٧ - ٢١٨)، والدر المنضود (ص ١٨٧)، فتح الجواد (٢/ ٣٥٤)، تحفة المحتاج (٤/ ٢٤٢).\n(^٢) الزواجر (١/ ٢١٧).","vol":"1","page":166},{"text":"فيكون حينئذ كفرًا مخرجًا من الملة، وبين ما كان بقصد التعظيم الذي هو دون التعظيم بالعبادة فيكون حينئذ أمرًا محرمًا وكبيرة لا تخرج من الملة.\nحيث عد من الكبائر \"الذبح باسم غير الله على وجه لا يكفر به بأن لم يقصد تعظيم المذبوح له كنحو التعظيم بالعبادة والسجود\" (^١).\nالتقويم:\nالذبح لغة: مصدر ذبح يذبح ذبحًا.\nيقول ابن فارس: \"الذال والباء والحاء أصل واحد، وهو يدل على الشق، فالذبح مصدر ذبحت الشاة ذبحًا\" (^٢).\nواصطلاحًا: قتل حيوان، مقدور عليه، مباح أكله، بقطع الحلقوم أو المريء (^٣).\nوهو ضربان:\nالأول: عبادة: وهو ما كان بقصد التقرب.\nوالثاني: عادة: وهو ما كان بقصد اللحم.\nوالذبح الذي يقصد به التقرب من أنواع العبادة التي يجب صرفها لله، ويحرم صرفها لغيره (^٤).\nقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣].\nوقال سبحانه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢].\n_________\n(^١) الزواجر (١/ ٢١٠)، وانظر: فتح الجواد (٢/ ٣٥٤)، تحفة المحتاج (٤/ ٢٤٢).\n(^٢) معجم مقاييس اللغة (ص ٣٩٢)، وانظر: تهذيب اللغة (٢/ ١٢٦٦)، الصحاح (١/ ٣٦٢)، لسان العرب، القاموس المحيط (ص ٢٧٨).\n(^٣) انظر: بدائع الصنائع (٥/ ٤١)، مغني المحتاج (٤/ ٢٦٥)، كشاف القناع (٣/ ٢٠١).\n(^٤) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٥٦٣)، مجموع الفتاوى (١٦/ ٥٣١)، تفسير ابن كثير (٢/ ٢٢٢)، تطهير الاعتقاد للصنعاني (ص ٣٣)، تيسير العزيز الحميد (ص ١٨٧)، فتح المجيد (١/ ٢٦٥)، الدين الخالص (٢/ ٢٥١).","vol":"1","page":167},{"text":"يقول الحافظ ابن كثير ﵀: \"يأمر الله رسوله - ﷺ - أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير اسمه أنه مخالف لهم في ذلك فإن صلاته ونسكه على اسمه وحده لا شريك له.\nوهذا كقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ أي: أخلص له صلاتك وذبحك فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى\" (^١).\nولهذا وردت السنة بلعن من ذبح لغير الله والتغليظ عليه.\nيقول - ﷺ -: \"لعن الله من ذبح لغير الله\" (^٢).\nوقد أجمع أهل العلم على تحريم ذبيحة من ذبح لغير الله أو ذكر عليها غير اسمه، وأن ذلك كله داخل في قوله سبحانه: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقوله ﷿: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] (^٣).\nومما تقدم يتبيّن صحة ما ذهب إليه ابن حجر ﵀ من تحريم الذبح لغير الله أو على غير اسمه، وأن ذلك مما يحرم الذبيحة.\nوأما ما يوحي به ظاهر كلامه من التفريق بين الذبِح لغير الله بقصد التعظيم بالعبادة وبين ما هو دون ذلك، وكون الأول كفرًا مخرجًا من الملة دون الثاني، فهو متعقب بما يلي:\n١ - أن الذبح لمعظم والاستعانة بذكر اسمه لا يمكن أن يقعا إلا بقصد التعظيم بالعبادة؛ إذ لا معنى لهما غيره، فلو لم يكن يعظمه تعظيم عبادة وخوف ورجاء ومحبة لِمَا ذبح له أو استعان بذكر اسمه، فلا يتخيل في الذبح والاستعانة تعظيم لا يكون عبادة (^٤).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٢٢).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي، باب تحريم الذبح لغير الله ولعن فاعله (٣/ ١٥٦٧) برقم (١٩٧٨) من حديث علي بن أبي طالب - ﵁ - به.\n(^٣) انظر: تفسير ابن جرير (٢/ ٨٩).\n(^٤) انظر: تطهير الاعتقاد (ص ٣٣)، شرح الصدور بتحريم رفع القبور للشوكاني (ص ٢٠).","vol":"1","page":168},{"text":"ولا يرد على ذلك كون الذبح قد يكون بقصد الإكرام فإن هذا جائز لا محرم، وابن حجر -غفر الله له- لا يريد ذلك قطعًا، بدليل قوله المتقدم: \"بخلاف ما لو قصد الفرح بقدومه، أو شكر الله عليه، أو قصد إرضاء ساخط ... \".\n٢ - أن تعليق الحكم بكون الذبح لغير الله أو على غير اسمه لا يكون كفرًا إلا إذا وقع بقصد التعظيم، فرع عن القول بأن العمل لا يكفر به صاحبه إلا إذا قارنه اعتقاد أو دل عليه، وهو قول باطل -كما سيأتي- (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>٢ - النذر لغير الله:</span>\nعرف ابن حجر ﵀ النذر بقوله:\n\"النذر لغة: الوعد بشرط، أو التزام ما ليس بلازم، أو الوعد بخير أو شر.\nوشرعًا: التزام مسلم مكلف ... ما لا في ذمته\" (^٢).\nوذكر -غفر الله له- أن النذر لغير الله تعالى كالنذر للأولياء والأموات يكون صحيحًا تارة وفاسدًا أخرى؛ وذلك بحسب إرادة الناذر ونيته، حيث قال:\n\"النذر للولي إنما يقصد به غالبًا التصدق عنه لخدَّام قبره وأقاربه وفقرائه، فإن قصد الناذر شيئًا من ذلك أو أطلق صح، وإن قصد التقرب لذات الميت كما يفعله أكثر الجهلة لم يصح ... لأن القُرَب إنما يُتَقرَّب بها إلى الله تعالى لا إلى خلقه\" (^٣).\nوبيّن ﵀ أن الناذر إن قصد بنذره تعظيم البقعة أو القبر أو التقرب إلى من دفن فيها أو من نسبت إليه فلا يصح نذره، حيث قال:\n\"الذي يتجه أن الناذر إن قصد تعظيم البقعة أو القبر أو التقرب إلى من دفن فيه أو من تنسب إليه، وهو الغالب من العامة؛ لأنهم يعتقدون أن لهذه\n_________\n(^١) انظر: (ص ٦٨٦).\n(^٢) فتح الجواد (٢/ ٣٨٥)، وانظر: تحفة المحتاج (٤/ ٣٢٣).\n(^٣) الفتاوى الفقهية الكبرى (٤/ ٢٧٨ - ٢٨٠)، وانظر: تحفة المحتاج (٤/ ٣٢٧ - ٣٢٨).","vol":"1","page":169},{"text":"الأماكن خصوصيات لأنفسهم ويرون أن النذر لها مما يندفع به البلاء، فلا يصح النذر في صورة من هذه الصور\" (^١).\nالتقويم:\nالنذر لغة: مصدر نَذَرَ يَنْذُرُ نَذْرًا.\nوهو الوعد بخير أو شر (^٢).\nواصطلاحًا: هو التزام قربة لم تتعين (^٣).\nوما ذكره ابن حجر في تعريفه المتقدم في معناه.\nوالنذر من أنواع العبادة التي يجب صرفها لله، ويحرم صرفها لغيره (^٤).\nقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠].\nوقال سبحانه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان: ٧].\nوقال - ﷺ -: \"من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه\" (^٥).\nوعليه فما قرره ابن حجر ﵀ من كون الناذر إن قصد بنذره التقرب إلى الميت فإن نذره غير صحيح، لكون القُرَب لا تكون إلا لله حقًّا، إلا أنه يؤخذ عليه عدم تصريحه بكون ذلك شركًا أكبر مخرجًا من الملة.\nوأما ما ذكره من كون الناذر إن قصد بنذره التقرب إلى الله بالتصدق على خدَّام القبر وأقاربه وفقرائه صح نذره وانعقد فلا يسلم له؛ وذلك لِمَا يلي:\n_________\n(^١) الفتاوى الفقهية الكبرى (٤/ ٢٥٦).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣٥٤٦)، معجم مقاييس اللغة (ص ١٠٢١)، الصحاح (٢/ ٨٢٥)، القاموس المحيط (ص ٦١٨).\n(^٣) انظر: مغني المحتاج (٤/ ٣٥٤)، الدر النقي لابن عبد الهادي (٣/ ٧٩٧).\n(^٤) انظر: تطهير الاعتقاد (ص ٣٣)، تيسير العزيز الحميد (ص ٢٠٣)، فتح المجيد (١/ ٢٩٠)، الانتصار لحزب الله الموحدين لأبي بطين (ص ٧٥).\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب النذر في الطاعة (٤/ ٢٠٩١) برقم (٦٦٩٦) من حديث عائشة - ﵂ - به.","vol":"1","page":170},{"text":"١ - أن الغالب على من ينذر للأولياء والأموات بقصد الصدقة إن لم يكن كلهم أنهم إنما ينذرون لاعتقادهم وجود خصوصية قبول النذر عند مشاهدهم وقبورهم، وإلا فما معنى تخصيص تلك الأماكن والبقاع بذلك؟ وهذا ما يشهد به الواقع المعلوم من حالهم (^١) - وقد تقدم في كلام ابن حجر ما يدل عليه- ولهذا فإن نذرهم غير صحيح.\n٢ - أن النذر للميت بقصد الصدقة على فقرائه وخدامه فيه إعانة لهم على العكوف على القبور وإقرار لهم على ذلك، وهذا العكوف منكر لا يصح أن يُقرُّوا عليه، فضلًا عن أن يعانوا عليه بالنذر (^٢).\nوبناء على ذلك فإن الحق الذي لا محيد عنه منع النذر للميت مطلقًا والحكم بعدم صحته، لأن التقرب بذلك لا يتصور إلا بارتكاب أحد محذورين، إما الشرك بصاحب القبر وإما إقرار العاكف عنده على عكوفه وإعانته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>٣ - السحر:</span>\nعرف ابن حجر ﵀ السحر بقوله: \"السحر لغة: كل ما لَطُفَ ودَقَّ، من سَحَره إذا أبدى له أمرًا فدق عليه وخفي ...\nوشرعًا: يختص بكل أمر يخفى سببه وعمل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع ... \" (^٣).\nوذكر أن السحر منه ما هو حقيقة ومنه ما هو تخييل، خلافًا لمن زعم أنه مجرد تخييل وأنه لا حقيقة له مطلقًا، حيث قال: \"اختلف العلماء في أن السحر له حقيقة أم لا؟\nفقال بعض العلماء: إنه تخييل لا حقيقة له؛ لقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦].\nوقال الأكثرون -وهو الأصح الذي دلت عليه السنة- له حقيقة؛ لأن\n_________\n(^١) انظر: تطهير الاعتقاد (ص ٣٣).\n(^٢) انظر: شرح الصدور بتحريم رفع القبور (ص ١٠ - ١١).\n(^٣) الزواجر (٢/ ١٠٠).","vol":"1","page":171},{"text":"اللعين لبيد بن الأعصم اليهودي (^١) الذي سحر رسول الله - ﷺ -، وأمر رسول الله - ﷺ - بإخراج سحره من بئر ذي أروان بدلالة الوحي له على ذلك، فأخرج منها فكان ذا عقد فحلت عقده، فكان كلما حلت منه عقدة خف عنه - ﷺ - إلى أن فرغت فصار رسول الله - ﷺ - كأنما نشط من عقال .. (^٢).\nوالجواب عن الآية أنا لا نمنع أن من السحر ما هو تخييل بل منه ذلك، وما له حقيقة\" (^٣).\nويرى ابن حجر ﵀ تحريم السحر وتعلمه وتعليمه بكل أنواعه، وأنه إن تضمن كفرًا أو شركًا كان حكمه كذلك.\nحيث عد من الكبائر: \"السحر الذي لا كفر فيه وتعليمه كتعلمه وطلب عمله\" (^٤)، ثم أورد الأدلة على ذلك وعقب عليها بقوله: \"في هذه الآيات دلالات ظاهرة على قبح السحر وأنه إما كفر وإما كبيرة\" (^٥).\nوذكر ﵀ خلاف العلماء في حكم الساحر -بعد أن بين أنواع السحر نقلًا عن الرازي- فقال:\n\"اختلف العلماء في الساحر هل يكفر أو لا؟ وليس من محل الخلاف النوعان الأولان [يعني: سحر من يعتقد تأثير الكواكب، وسحر من يعتقد أن من النفوس ما هو مؤثر بقوته في الإيجاد والإعداد] إذ لا نزاع في كفر من\n_________\n(^١) هو لبيد بن الأعصم، من يهود بني زريق، وقيل: هو حليف لبني زريق ولم يكن يهوديًّا بل كان منافقًا، وبنو زريق بطن من الأنصار مشهور من الخزرج، وكان بينهم وبين اليهود قبل الإسلام حلف وإخاء.\nانظر: فتح الباري (١٠/ ٢٢٦).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب السحر (٤/ ١٨٤١) برقم (٥٧٦٦)، ومسلم، كتاب السلام، باب السحر (٤/ ١٧١٩) برقم (٢١٨٩) من حديث عائشة - ﵁ - به.\nوانظر في الرد على من رد الحديث وأنكره: كتاب السحر حقيقته وحكمه والعلاج منه مع مناقشة شبهات منكري سحر النبي - ﷺ - د. مسفر الدميني (ص ٦٨ - ص ١٠٩)، وردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر للشيخ مقبل الوادعي.\n(^٣) الزواجر (٢/ ١٠٠)، وانظر: الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٣١٥)، والتعرف في الأصلين والتصوف (ص ١٢٢).\n(^٤) الزواجر (٢/ ٩٩).\n(^٥) المصدر السابق (٢/ ٩٩).","vol":"1","page":172},{"text":"اعتقد أن الكواكب مؤثرة في هذا العالم أو أن الإنسان يصل بالتصفية إلى أن تصير نفسه مؤثرة في إيجاد جسم أو حياة أو تغيير شكل ...\nوأما بقية أنواعه:\nفقال جماعة: إنها كفر مطلقًا؛ لأن اليهود لَمّا أضافوا السحر لسليمان -صلى الله على نبينا وعليه وسلم- قال تعالى تنزيهًا له عنه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فظاهر هذا أنهم إنما كفروا بتعليمهم السحر، لأن ترتيب الحكم على الوصف المناسب يشعر بعلِّيته وتعليم ما لا يكون كفرًا لا يوجب الكفر، وهذا يقتضي أن السحر على الإطلاق كفر، وكذا يقتضي ذلك قوله تعالى عن الملكين: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢].\nوأجاب القائلون بعدم الكفر كالشافعي - ﵁ - وأصحابه بأن حكاية الحال يكفي في صدقها صورة واحدة، فيحمل على سحر من اعتقد إلهية النجوم، وأيضًا فلا نسلم أن ذلك فيه ترتيب حكم على وصف يقتضي إشعاره بالعلّية؛ لأن المعنى أنهم كفروا وهم مع ذلك يعلمون السحر\" (^١).\nوبيّن ابن حجر بعد ذلك مذهبه في السحر ورأيه في فاعله فقال: \"مذهبنا في السحر حاصله أنه إن اشتمل على عبادة مخلوق كشمس أو قمر أو كوكب أو غيرها أو السجود له أو تعظيمه كما يعظم الله سبحانه، أو اعتقاد إباحة السحر بجميع أنواعه كان كفرًا وردة فيستتاب الساحر فإن تاب وإلا قتل\" (^٢)، \"فإن خلا عن ذلك كان حرامًا لا كفرًا فهو بمجرده لا يكون كفرًا ما لم ينضم إليه مكفر\" (^٣).\nالتقويم:\nالسحر في اللغة: مصدر سَحَرَ، يَسْحَرُ، سِحْرًا.\nيقول ابن فارس: \"السين والحاء والراء أصول ثلاثة متباينة:\n_________\n(^١) الزواجر (٢/ ١٠٤).\n(^٢) الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٣٠٣).\n(^٣) المصدر السابق (ص ١٩٧)، وانظر: التعرف (ص ٧١).","vol":"1","page":173},{"text":"أحدها: عضو من الأعضاء.\nوالآخر: خَدْع وشبهة.\nوالثالث: وقت من الأوقات\" (^١).\nويطلق السحر على كل ما لطف ودق وخفي سببه (^٢)، وهو بهذا موافق لِمَا ذكره ابن حجر.\nوأما في الاصطلاح: فقد اختلف أهل العلم في إمكان تعريفه (^٣)، والقائلون بإمكانه اختلفوا في التعبير عنه (^٤).\nوأجود ما وقفت عليه من تعريفاتهم، تعريف الإمام موفق الدين بن قدامة (^٥) ﵀ حيث عرف السحر بقوله:\n\"السحر: عزائم، ورقى، وعقد، تؤثر في الأبدان والقلوب، فيمرض، ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه\" (^٦).\nفقوله: \"يؤثر في الأبدان\" يدخل فيه سحر الحقيقة.\nوقوله: \"والقلوب\" يدخل فيه سحر التخييل.\nوالتعريف الذي ذكره ابن حجر في كلامه المتقدم موافق لتعريف جماعة من أهل العلم (^٧)، ويؤخذ عليه اقتصاره على ذكر سحر التخييل دون\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة (ص ٥٠٧).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة (٢/ ١٦٣٩)، الصحاح (٢/ ٦٧٩)، لسان العرب (٤/ ٣٤٨)، القاموس المحيط (ص ٥١٩).\n(^٣) انظر: أضواء البيان (٤/ ٤٤٤).\n(^٤) انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٥١)، الفصل (٥/ ١٠٣)، المحلى (١/ ٤٦)، تفسير القرطبي (١/ ٤٣)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣١)، تفسير الرازي (٣/ ٢٠٥)، فتح الباري (١٠/ ٢٢٢)، الكافي لابن قدامة، وللاستزادة: السحر بين الحقيقة والخيال للدكتور أحمد الحمد (ص ١١ - ١٣).\n(^٥) هو عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، موفق الدين، أبو محمد، الدمشقي، الصالحي، أحد أئمة الحنابلة، وأعلام السلف، من مصنفاته: لمعة الاعتقاد، ذم التأويل، المغني في الفقه، توفي سنة ٦٢٠ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٢٢/ ١٦٥ - ١٧٣)، شذرات الذهب (٥/ ٨٨).\n(^٦) الكافي (٤/ ١٦٤).\n(^٧) ممن عرف السحر بهذا التعريف أبو بكر بن الجصاص في أحكام القرآن (١/ ٥١)، =","vol":"1","page":174},{"text":"سحر الحقيقة، مما يوهم قصر السحر على التخييل كما هو قول المعتزلة ومن وافقهم.\nوأما ما قرره من كون السحر له حقيقة وأنه ليس مجرد تخييل لا حقيقة له مطلقًا فهو موافق لقول أهل السنة والجماعة (^١) ومن وافقهم (^٢)، وهو الحق الذي لا محيد عنه.\nوالقول بذلك هو ما عليه عامة أهل العلم من أتباع المذاهب الفقهية (^٣)، ولهذا أدخلوا جنايات السحرة في كتبهم، وبينوا ما يترتب عليها من الأحكام (^٤).\nولم يخالف في ذلك إلا المعتزلة (^٥)، وتبعهم عليه بعض أهل العلم كأبي جعفر الأستراباذي (^٦) وابن حزم (^٧) وغيرهما (^٨)، وهم المشار إليهم في كلام ابن حجر ﵀ المتقدم في قوله: \"قال بعض العلماء: إنه تخييل لا حقيقة له\".\n_________\n= وابن حزم في الفصل (٥/ ١٠٣)، والرازي في تفسيره (٣/ ٢١٣).\n(^١) انظر: تأويل الحديث لابن قتيبة (ص ١٧٩ - ١٨٧)، تأويل مشكل القرآن له أيضًا (ص ١١٦)، الحجة في بيان المحجة لقوام السنة ١/ ٤٨١ - ٤٨٤)، شرح السنة للبغوي (٧/ ٣٢٤)، بدائع الفوائد (٢/ ٢٢٧)، تيسير العزيز الحميد (ص ٣٨٣)، فتح القدير للشوكاني (١/ ١١٩)، أضواء البيان (٤/ ٤٣٧ - ٤٤٤).\n(^٢) انظر: أعلام الحديث للخطابي (٢/ ١٥٠٠ - ١٥٠٤)، شرح صحيح مسلم (١٤/ ١٧٤)، فتح الباري (١٠/ ٢٢٢).\n(^٣) انظر: أعلام الحديث للخطابي (٢/ ١٥٠١).\n(^٤) انظر: فتح القدير لابن الهمام (٦/ ٩٩)، الكافي لابن عبد البر (٢/ ١٦٤)، روضة الطالبين للنووي (٩/ ٣٤٧)، مغني المحتاج (٤/ ١١٨)، المبدع شرح المقنع لابن مفلح (٩/ ١٩٠)، وللاستزادة: الجناية بالسحر حكمها وعقوبتها لعبد الرحمن الراشد (ص ٣٩) وما بعدها.\n(^٥) انظر: متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار (١/ ١٠١)، وتنزيه القرآن عن المطاعن له أيضًا (ص ٢٨ - ٢٩)، الكشاف للزمخشري (١/ ٨٥).\n(^٦) هو أبو جعفر الأستراباذي نسبة إلى أستراباذ بلدة بخرسان، فقيه شافعي، له تعليق في الفقه.\nانظر: طبقات الشافعية للأسنوي (١/ ٤٨).\n(^٧) انظر: الفصل (٥/ ٩٩ - ١١٠)، المحلى (١/ ٤٦).\n(^٨) انظر: فتح الباري (١٠/ ٢٣٣).","vol":"1","page":175},{"text":"وقولهم هذا مجانب للصواب، ومخالف للحس؛ ولهذا يقول الإمام ابن قتيبة ﵀ في الرد عليه: \"ونحن نقول: إن الذي يذهب هذا مخالف للمسلمين واليهود والنصارى وجميع أهل الكتب ومخالف للأمم كلها\" (^١).\nوما أجاب به ابن حجر ﵀ عن استدلالهم بقول تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ [طه: ٦٦]، موافق لجواب جمع من المفسرين (^٢).\nوقول ابن حجر -غفر الله له- بأن السحر منه ما هو كفر وفاعله كافر، ومنه ما هو كبيرة وفاعله عاصٍ موافق لِمَا عليه أصحابه الشافعية (^٣)، خلافًا للجمهور القائلين بأن السحر كفر مطلقًا وأن الساحر كافر خارج من الملة (^٤).\nوالحق أنه لا منافاة بين القولين؛ إذ الجمهور حينما حكموا على السحر بأنه كفر وقالوا بكفر الساحر مطلقا دون تفصيل نظروا إلى السحر بمعناه الشرعي، والشافعية حينما فصلوا في حكم السحر وجعلوا منه ما هو كفر ومنه ما هو كبيرة وفصلوا في حكم الساحر بناء على ذلك نظروا إلى السحر بمعناه اللغوي.\nيقول الشيخ سليمان بن عبد الله (^٥) ﵀: \"عند التحقيق ليس بين القولين اختلاف، فإن من لم يكفر لظنه أنه يتأتى بدون الشرك وليس كذلك بل لا يأتي السحر الذي من قبل الشياطين إلا بالشرك وعبادة الشياطين\n_________\n(^١) تأويل مختلف الحديث (ص ١٧٩).\n(^٢) انظر: تفسير الرازي (٣/ ٢١٢)، تفسير القرطبي (٢/ ٤٦) (٧/ ٢٥٩) (١١/ ٢٢٢)، تفسير ابن كثير (١/ ١٥٢)، أضواء البيان (٤/ ٤٣٧).\n(^٣) انظر: شرح صحيح مسلم (٤/ ١٦٧)، فتح الباري (١٠/ ٢٢٤).\n(^٤) انظر: حاشية ابن عابدين (٤/ ٢٤٠)، حاشية الخرشي على مختصر خليل (٨/ ٨٣)، شرح منتهى الإرادات للبهوتي (٣/ ٣٩٤).\n(^٥) هو سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، أحد أئمة الدعوة السلفية النجدية، محدث فقيه، من مؤلفاته: تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد، حاشية على المقنع في الفقه، الدلائل في عدم موالاة أهل الإشراك، توفي سنة ١٢٣٣ هـ.\nانظر: علماء نجد خلال ثمانية قرون للبسام (٢/ ٣٤١)، علماء الدعوة لعبد الرحمن آل الشيخ (ص ٣٧).","vol":"1","page":176},{"text":"والكواكب، ولهذا سماه الله كفرًا في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢].\nوأما سحر الأدوية والتدخين ونحوه فليس بسحر، وإن سمي سحرًا فعلى سبيل المجاز، كتسمية القول البليغ والنميمة سحرًا، ولكنه يكون حرامًا لمضرته، يعزر من فعله تعزيرًا بليغًا\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>٤ - الأوفاق:</span>\nيُعرّف ابن حجر ﵀ الأوفاق بقوله: \"علم الأوفاق يرجع إلى مناسبات الأعداد وجعلها على شكل مخصوص، وهذا كأن يكون بشكل من تسعة بيوت مبلغ العدد من كل جهة خمسة عشر، وهو ينفع للحوائج وإخراج المسجون ووضع الجنين وكل ما هو من هذا المعنى، وضابطه: بطد زهج واح\" (^٢).\nويرى -غفر الله له- أن علم الأوفاق جائز لا محذور فيه إن استعمل في غرض مباح، بخلاف ما إذا استعين به في غرض محرم فإنه يكون حينئذ حرامًا.\nيقول في ذلك: \"علم الأوفاق لا محذور فيه إن استعمل لمباح ... أما إذا استعين به على حرام فإنه يكون حرامًا؛ إذ للوسائل حكم المقاصد\" (^٣).\nويرى أن من جعل علم الأوفاق من السحر إنما أراد بذلك ما استعمل منه لغرض محرم دون ما استعمل لغرض مباح (^٤).\nالتقويم:\nعلم الأوفاق: هو علم يتوصل به إلى توفيق الأعداد والحروف،\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (ص ٣٨٤).\n(^٢) الفتاوى الحديثية (ص ١٢)، وانظر: الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٣١٠).\n(^٣) الفتاوى الحديثية (ص ٢٢)، وانظر: (ص ١٢).\n(^٤) انظر: الفتاوى الحديثية (ص ١٢).","vol":"1","page":177},{"text":"واستوائها في الأقطار والأضلاع، وعدم التكرار (^١).\nوالأوفاق هي أشكال هندسية مختلفة، مقسمة إلى مربعات صغيرة متساوية، بخطوط مستقيمة متقابلة، أو قد تكون شكلًا هندسيًا بداخل أشكال هندسية أخرى (^٢).\nوأصل الأوفاق الحروف، ثم من بعدها الأعداد، فإن لكل حرف عندهم عددًا يقابله، ولكل منهما خاصية تناسبه ليست لغيرهما (^٣).\nيقول العلامة ابن خلدون (^٤) ﵀: \"حدث هذا العلم في الملة بعد صدر منها، وعند ظهور الغلاة من المتصوفة وجنوحهم إلى كشف حجاب الحس، وظهور الخوارق على أيديهم والتصرفات في عالم العناصر، وتدوين الكتب والاصطلاحات\" (^٥).\nوقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عمن يجلس في الطرق والحوانيت للناس ليخبرهم عن الأمور المغيبة، معتمدين في ذلك على صناعة التنجيم، وكتابة الأوفاق والطلاسم؟\nفأجاب بقوله: \"لا يحل شيء من ذلك ... والأجرة المأخوذة على ذلك والهبة والكرامة حرام على الدافع والآخذ ... ويجب على ولي الأمر وكل قادر السعي في إزالة ذلك\" (^٦).\nوبناء على ذلك فعلم الأوفاق علم حادث بعد صدر الأمة من الصحابة والتابعين وأتباعهم، وهو والسحر والطلسمات والشعبذة كلها باب واحد،\n_________\n(^١) انظر: مفتاح السعادة ومصباح السيادة لطاش كبرى زاده (١/ ٣٧٣)، الفروق للقرافي (٤/ ١١٢)، وللاستزادة: موقف الإسلام من السحر لحياة أخضر (١/ ٢٧٤).\n(^٢) انظر: المصادر السابقة.\n(^٣) انظر: شمس المعارف الكبرى للبوني (ص. ٣٥).\n(^٤) هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن خلدون، أبو زيد، ولي الدين الحضرمي الإشبيلي، الفيلسوف المؤرخ من مؤلفاته: تاريخه المسمى العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر، ومقدمته، وشفاء السائل لتهذيب المسائل، توفي سنة ٨٠٨ هـ.\nانظر: الضوء اللامع (٤/ ١٤٥)، الأعلام (٣/ ٣٣٠).\n(^٥) مقدمة ابن خلدون (٢/ ٩٣٦).\n(^٦) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٩١ - ١٩٥).","vol":"1","page":178},{"text":"فقول ابن حجر بجواز ما استعمل منه لغرض مباح دون ما استعمل لغرض محرم مردود بكونه حرامًا مطلقًا سواء استعمل في غرض مباح أو غرض محرم، إذ هو مبني على الشعبذة والخرافة.\nوكتابة الحروف والأعداد على الأوفاق لم يجعلها الله سببًا للشفا وحصول المنافع لا شرعًا ولا قدرًا، وكون الانتفاعٍ بها قد يحصل أحيانًا لا يقضي بجوازها؛ إذ قد يقع ذلك مصادفة واتفاقا، أو استدراجًا وفتنة من الشياطين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>٥ - الكهانة والعرافة وما ألحق بهما:</span>\nعرف ابن حجر ﵀ الكهانة بقوله: \" [الكَهَانَة] بالفتح مصدر كَهُنَ بضم الهاء، إذا صار كاهنًا، أي: مخبرًا بالأمور الخفية، والمغيبات البعيدة -أي: علاماتها- وهي ما كانت تأتي من الكهان وتذكره من المغيبات التي تلقيها إليهم الشياطين بواسطة استراقهم لبعض كلام الملائكة، ثم إلقائه إليهم مع ما يضمونه إليه من الكذب\" (^١).\nكما عرف الكاهن والعراف بقوله: \"الكاهن: هو الذي يخبر عن بعض المضمرات فيصيب بعضًا ويخطئ أكثرها ويزعم أن الجن تخبره بذلك ... والعَرّاف: بفتح المهملة وتشديد الراء ... هو الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها كالمسروق من الذي سرقه ومعرفة مكان الضالة ونحو ذلك\" (^٢).\nوقال في الفرق بينهما: \"الكاهن هو المخبر عن مستقبل أو ماضٍ أو عن نحس طالع أو سعده، بخلاف العراف فإنه إنما يخبر عن مسروق أو ضال ... وقصر بعضهم الكاهن على من يخبر عما يكون في المستقبل ويؤيد الأول قول بعضهم: يزعم بعض الكهان أن الجن يلقون إليهم الأخبار، وبعضهم أنهم يعرفون ذلك، وبعضهم أعطوه، وبعضهم أنهم يعرفون الأمور بمقدماتها وأسبابها\" (^٣).\n_________\n(^١) المنح المكية (١/ ٣٠٣)، وانظر: الزواجر (٢/ ١٠٩).\n(^٢) الزواجر (٢/ ١٠٩).\n(^٣) فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٣٨٤).","vol":"1","page":179},{"text":"ويرى ابن حجر -غفر الله له- أن الكهانة والعرافة من الكبائر، وأن إتيان الكاهن والعراف وتصديقهما من الكبائر أيضًا، حيث عدهما من الكبائر (^١).\nكما يرى أن الكهانة والعرافة يشتركان في الأحكام فقال: \"وكالعراف في هذا الكاهن فالأحكام ثلاثة جارية في كل منهما: حرمة المجيء، وحرمة الإخبار، وعدم قبول الصلاة أربعين يومًا\" (^٢).\nويقيس ابن حجر ﵀ على الكهانة والعرافة ما يشاركهما في دعوى علم الغيب كالطَّرْق (^٣)، والعيافة (^٤)، ويعلل ذلك بكونه \"ظاهرًا؛ لأن الملحظ في الكل واحد\" (^٥).\nولهذا عدّ من الكبائر: \"الكهانة والعرافة والطِّيَرَة والطَّرْق والتنجيم والعيافة، وإتيان كاهن وإتيان عرّاف، وإتيان طارق، وإتيان منجم، وإتيان ذي طير ليتطير له، أو ذي عيافة ليخط له\" (^٦).\nالتقويم:\nالكهانة والعرافة ضرب من ادعاء علم الغيب، وقد اختلف أهل العلم فيهما وفيمن يتعاطاهما هل هما بمعنى واحد أم بينهما تغاير؟\n_________\n(^١) انظر: الزواجر (٢/ ١٠٩)، والإعلام بقواطع الإسلام (ص ٣٠٤).\n(^٢) فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٣٨٤).\n(^٣) الطرق: ضرب من ضروب الكهانة، وقد ذكر أهل العلم له تفسيرات منها: أنه الخط يخط في الأرض، وأنه الضرب بالحصى بطريقة مخصوصة فيتوصل الكاهن بزعمه عن طريقها إلى معرفة الغيب.\nانظر: غريب الحديث لابن قتيبة (١/ ٤٠٣)، غريب الحديث لابن الجوزي (٢/ ٦٢)، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٢/ ٣٢).\n(^٤) العيافة: هي زجر الطير، والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، والاستدلال بذلك على الحوادث، واستعلام ما غاب.\nانظر: غريب الحديث لابن قتيبة (١/ ٤٠٣) (٢/ ٥١٥)، غريب الحديث لابن الجوزي (٢/ ٤٥)، والفائق في غريب الحديث للزمخشري (٣/ ٤٤)، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٣/ ٣٣٠).\n(^٥) الزواجر (٢/ ١٠٩).\n(^٦) المصدر السابق (٢/ ١٠٩).","vol":"1","page":180},{"text":"فمنهم من قال: هما بمعنى واحد (^١).\nومنهم من قال: بالتفريق بينهما، واختلف هؤلاء في تحديد وجه الفرق بينهما:\nفمنهم من قال بأن الكاهن أعم من العراف فهو يطلق عليه وعلى غيره ممن يدعي علم الغيب؛ وذلك لكون الكاهن يخبر عن المستقبل والماضي بخلاف العراف فهو إنما يخبر عن الواقع، ومن هؤلاء ابن الأثير (^٢) (^٣) والحافظ ابن حجر العسقلاني (^٤)، وهو ما ذهب إليه ابن حجر في كلامه المتقدم.\nومنهم قال بأن العراف أعم من الكاهن، وأن \"العراف اسم عام للكاهن والرمال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور الغيبية\" (^٥)، ومن هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية (^٦)، والشيخ سليمان بن عبد الله (^٧)، والشيخ عبد الرحمن بن حسن (^٨) (^٩) -رحمهم الله تعالى-.\nومما يؤيد ذلك أن العرّاف مبالغة من المعرفة، وعليه فإنه يشمل كل\n_________\n(^١) شرح صحيح مسلم للنووي (١٤/ ٢٢٧)، تيسير العزيز الحميد (ص ٤١٢)، فتح المجيد (٢/ ٤٩٣ - ٤٩٤).\n(^٢) هو المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الجزري ثم الموصلي، أبو السعادات، المشهور بابن الأثير، من مؤلفاته: النهاية في غريب الحديث، البديع، شرح غريب الطوال. وغيرها، توفي سنة ٦٠٦ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٢١/ ٤٨٨)، شذرات الذهب (٥/ ٢٢).\n(^٣) انظر: النهاية (٣/ ٢١٨).\n(^٤) انظر: فتح الباري (١٠/ ٢١٦ - ٢١٧).\n(^٥) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٧٣).\n(^٦) انظر: المصدر السابق (٣٥/ ١٧٣).\n(^٧) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٤١٢).\n(^٨) هو عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، المجدد الثاني، وحفيد إمام الدعوة، من مؤلفاته: فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد، والقول الفصل النفيس، والمورد العذب الزلال، توفي سنة ١٢٨٥ هـ.\nانظر: الأعلام (٣/ ٣٠٤)، علماء الدعوة (ص ٤٠).\n(^٩) انظر: فتح المجيد (٢/ ٤٩٣).","vol":"1","page":181},{"text":"من تعاطى هذه الأمور الغيبية وادعى المعرفة بها (^١).\nوعلى كل حال فإن الكاهن والعراف بمعنى متقارب، وكلاهما يشتركان في ادعاء علم الغيب.\nولهذا نُقل عن الإمام أحمد ﵀ أنه سئل عن الكاهن فقال: \"هو نحو العراف\" (^٢).\nوما قرره ابن حجر في الكهانة والعرافة وما يلحق بهما من كونها مما ينافي التوحيد هو مما وافق فيه أهل السنة والجماعة (^٣).\nولا يعارض ذلك كونه عد الكهانة والعرافة وما يلحق بهما من الكبائر؛ وذلك لأنه عد في الكبائر أمورًا صرح بكونها كفرًا لا كبيرة كالشرك (^٤)، والنفاق (^٥)، وتعمد الكذب على الله وعلى رسوله - ﷺ - (^٦) وغير ذلك؛ معللًا ذلك بأن مقصوده استيفاء الكلام على سائر ما قيل إنه كبيرة وإن لم يكن كذلك عنده (^٧) هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه عرف الكهانة والعرافة بما يدل على كونهما من ادعاء علم الغيب (^٨) وجعل ما يلحق بهما مقيسًا عليهما لاشتراكه في هذا الملحظ (^٩) -كما سبق-، وقد صرح في غير موضع من كتبه بكفر من ادعى علم الغيب (^١٠).\nوأما قوله باشتراك الكهانة والعرافة وما ألحق بهما من الطرق والعيافة في الأحكام فهو متجه؛ خاصة مع كون بعض أهل العلم لا يرى التفريق بين الكاهن والعراف، ومن فرق منهم جعل أحدهما أعم من الآخر فهو يتضمنه وزيادة -كما سبق-.\n_________\n(^١) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين (٢/ ٤٨).\n(^٢) أحكام أهل الملل للخلال (٢/ ٥٣٣).\n(^٣) انظر: شرح السنة للبغوي (١٢/ ١٨٢)، الكافي لابن قدامة (٤/ ١٦٦)، الفتاوى لابن تيمية (٣٥/ ١٧٣، ١٩٣)، تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان (ص ٤٠٥ - ٤١٦)، فتح المجيد للشيخ عبد الرحمن (٢/ ٤٨٧ - ٤٩٨).\n(^٤) انظر: الزواجر (١/ ٢٧).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (١/ ٧٩).\n(^٦) انظر: المصدر السابق (١/ ٩٧).\n(^٧) انظر: المصدر السابق (١/ ٢٧).\n(^٨) انظر: المصدر السابق (٢/ ١٠٩).\n(^٩) انظر: المصدر السابق (٢/ ١٠٩).\n(^١٠) انظر: الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٢٢٤)، والفتاوى الحديثية (ص ١٦٠).","vol":"1","page":182},{"text":"يقول الإمام الخطابي ﵀: \"وحديث النهي عن إتيان الكهان يشتمل على النهي عن هؤلاء كلهم [يعني: العرّاف وما في معناه] وعلى النهي عن تصديقهم والرجوع إلى قولهم\" (^١).\nوهذه الأحكام التي ذكرها ابن حجر يدل عليها أحاديث كثيرة منها:\nما جاء عن بعض أزواج النبي - ﷺ -، أن النبي - ﷺ - قال: \"من أتى عرّافًا، فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين يومًا\" (^٢).\nوما رواه أبو هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"من أتى عرّافًا أو كاهنًا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ -\" (^٣).\nوما رواه عمران بن حصين - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"ليس منا من تطير أو تُطيّر له، أو تكَهَّن أو تُكُهّن له\" (^٤).\nفقد تضمنت هذه الأحاديث ثلاثة أحكام:\nالأول: حرمة إتيان الكهان والعرافين ومن في معناهم وسؤالهم سواء صدقهم أو لم يصدقهم أو شك في خبرهم، بخلاف من أتى إليهم وسألهم\n_________\n(^١) معالم السنن (٥/ ٣٧١).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان (٤/ ١٧٥١) برقم (٢٢٣٠).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٥/ ٣٣١) برقم (٩٥٣٦)، وإسحاق بن راهويه في مسنده (١/ ٤٣٠) برقم (٥٠٣)، والحاكم (١/ ٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ١٣٥).\nقال الحاكم: \"صحيح على شرطهما جميعًا، ولم يخرجاه\".\nوقال الهيثمي في المجمع (٥/ ١١٧): \"رجاله رجال الصحيح، خلا عقبة بن سنان وهو ضعيف\"، وجَوَّدَ إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح (١٠/ ٢١٧).\n(^٤) أخرجه البزار في مسنده (٩/ ٥٢) برقم (٣٥٧٨)، والدولابي في الكنى (٢/ ١٦٦)، والطبراني في الكبير (١٨/ ١٦٢) برقم (٣٥٥) من طريق إسحاق بن الربيع أبي العطار عن الحسن عن عمران بن حصين به.\nقال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٠٣ - ١٠٤): \"رواه الطبراني، وفيه إسحاق بن الربيع، وثقه أبو حاتم، وضعفه عمرو بن علي، وبقية رجاله ثقات\".\nوجَوَّدَ إسناده الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٣٣)، والحافظ ابن حجر في الفتح (١٠/ ٢٢٤).\nوالحديث له شواهد فقد روي مرفوعًا من حديث ابن عباس وعلي - ﵃ -.","vol":"1","page":183},{"text":"ليختبرهم أو ليظهر عجزهم وكذبهم فهذا لا بأس به، وقد يكون واجبًا (^١)، ويدل عليه سؤال النبي - ﷺ - لابن صياد (^٢).\nوالثاني: حرمة تصديقهم وكون ذلك كفرًا، يقول الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: \"ظاهر الحديث أنه يكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان، لاعتقاده أنه يعلم الغيب ... \" (^٣).\nوالثالث: عدم قبول صلاة من أتى الكاهن والعراف أربعين يومًا، ومعنى ذلك أنه لا ثواب له فيها وإن كانت مجزئة في سقوط الفرض عنه، ولا يحتاج معها إلى إعادة؛ ويدل على ذلك كون العلماء متفقين على أنه لا يلزم من أتى العراف والكاهن إعادة صلوات أربعين ليلة (^٤).\nقال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: \"والوعيد جاء تارة بعدم قبول الصلاة، وتارة بالتكفير، فيحمل على حالين من الآتي\" (^٥).\nيريد بذلك أن الآتي إليهم إن لم يصدقهم في أقوالهم ففيه الوعيد بعدم قبول الصلاة أربعين يومًا، وإن صدقهم ففيه الوعيد بكفره، ويشهد لهذا الجمع روايات الحديث (¬<span data-type=\"title\" id=toc-78>٦).\n\n٦ - التنجيم:</span>\nيرى ابن حجر ﵀ أن التنجيم هو الاشتغال بعلم النجوم، وأن العلوم المتعلقة به مختلفة، حيث قال: \"العلوم المتعلقة بالنجوم:\nمنها ما هو واجب: كالاستدلال بها على القبلة والأوقات واختلاف المطالع واتحادها ونحو ذلك.\n_________\n(^١) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين (٢/ ٤٩).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب كيف يعرض الإسلام على الصبي؟ (٢/ ٩٣٩) برقم (٣٠٥٥)، ومسلم، كتاب الفتن، باب ذكر ابن صياد (٤/ ٢٢٤٠) برقم (٢٩٢٤) من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ -.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد (ص ٤٠٩).\n(^٤) انظر: شرح صحيح مسلم (٧٢٢/ ١٤).\n(^٥) فتح الباري (١٠/ ٢١٧).\n(^٦) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٤٠٩ - ٤١٠).","vol":"1","page":184},{"text":"ومنها ما هو جائز: كالاستدلال بها على منازل القمر وعروض البلاد ونحوهما.\nومنها ما هو حرام: كالاستدلال بها على وقوع الأشياء المغيبة بأن يقضي بوقوع بعضها مستدلًا بها عليه\" (^١).\nوقال في بيان المنهي عنه من علم النجوم: \"المنهي عنه من علم النجوم هو ما يدعيه أهلها من معرفة الحوادث الآتية في مستقبل الزمان كمجيء المطر، ووقوع الثلج، وهبوب الريح، وتغيّر الأسعار، ونحو ذلك، يزعمون أنهم يدركون ذلك بسير الكواكب لاقترانها وأفتراقها وظهورها في بعض الأزمان، وهذا علم استأثر الله به لا يعلمه أحد غيره، فمن ادعى علمه بذلك فهو فاسق بل ربما يؤدي به ذلك إلى الكفر\" (^٢).\nوبيّن أن دعوى الكسوف والخسوف وقرب نزول الغيث وما شابه ذلك مما هو معتمد على أمور جعلها الله علامات على حصول تلك الأشياء ليس من ادعاء علم الغيب أو التنجيم المنهي عنه، حيث قال: \"أما من يقول إن الاقتران والافتراق الذي هو كذا جعله الله علامة بمقتضى ما اطردت به عادته الإلهية على وقوع كذا وقد يتخلف فإنه لا إثم عليه بذلك\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"دعوى الكسوف والخسوف ليست من علم الغيب في شيء، لأنه يُدركه بالحساب فلا ضلال فيه ولا كفر، لكن يكره الاشتغال به لأنه مما لا يعني، وفي الخبر به قبل وروده ضرر في الدين ... \" (^٤).\nوذكر ابن حجر اختلاف العلماء في المنجم، وبيّن رأيه فيه فقال: \"وحاصل مذهبنا في ذلك أنه متى اعتقد أن لغير الله تأثيرًا كفر فيستتاب فإن تاب وإلا قتل سواء أسرَّ بذلك أم أظهره\"، وكذا لو اعتقد أنه يعلم الغيب المشار إليه بقوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] لأنه مكذب للقرآن، فإن خلا عن اعتقاد هذين فلا كفر، بل ولا إثم إن قال علمت ذلك\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ٦٨).\n(^٢) الزواجر (٢/ ١١٠) وانظر: الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٣٠٤).\n(^٣) الزواجر (٢/ ١١٠).\n(^٤) الفتاوى الحديثية (ص ٣٧٢).","vol":"1","page":185},{"text":"بواسطة القُرْبَة والعادة الإلهية ونحو ذلك\" (^١).\nالتقويم:\nالتنجيم في اللغة: مصدر \"نَجَّمَ\" المشتق من النجم، وهو الكوكب.\nوالتنجيم، صنعة المُنَجِّم، وهو الذي ينظر في النجوم ويحسب مواقيتها وسيرها (^٢).\nوأما في الاصطلاح: فقد اختلفت عبارات الناس في تعريفه، ويجمعها القول بأنه ادعاء معرفة ما يكون في الأرض قبل كونه (^٣).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تعريف التنجيم: هو \"الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية، والتمزيج بين القوى الفلكية والقوابل الأرضية كما يزعمون\" (^٤).\nوما قرره ابن حجر من التفصيل في حكم التنجيم وأن منه ما هو جائز أو واجب، ومنه ما هو محرم وكفر هو ما عليه جمهور السلف (^٥).\nيقول الخطيب البغدادي (^٦) ﵀: \"علم النجوم يشتمل على ضربين:\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ٣٧٣).\n(^٢) انظر: معجم مقاييس اللغة (ص ١٠١٤)، الصحاح (٥/ ٢٠٣٩)، لسان العرب (١٢/ ٥٧٠)، القاموس المحيط (ص ١٤٩٩).\n(^٣) انظر: شرح السنة للبغوي (١٢/ ٨٣)، معالم السنن (٥/ ٣٧١)، مقدمة ابن خلدون (ص ٥١٩)، مفتاح السعادة ومصباح السيادة لطاش كبرى زاده (١/ ٣٣٧)، كشف الظنون لحاجي خليفة (٢/ ١٩٣٠)، وللاستزادة: التنجيم والمنجمون وحكمهم في الإسلام لعبد المجيد المشعبي (ص ٣١)، مقدمة الدكتور يوسف السعيد على القول في علم النجوم للخطيب البغدادي (ص ١٠٤).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٩٢).\n(^٥) انظر: شرح السنة للبغوي (١٢/ ١٨٣)، معالم السنن (٥/ ٣٧١ - ٣٧٢)، القول في علم النجوم للخطيب البغدادي (ص ١٢٦)، الترغيب والترهيب للمنذري (٤/ ١٩٠)، تيسير العزيز الحميد (ص ٤٤١ - ٤٤٢).\n(^٦) هو أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي، أبو بكر الخطيب، أحد أعلام المحدثين، سلفي المعتقد، مكثر من التصنيف، من مصنفاته: القول في علم النجوم، تاريخ بغداد، تقييد العلم، توفي سنة ٤٦٣ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٧٠)، شذرات الذهب (٣/ ٣١١).","vol":"1","page":186},{"text":"أحدهما: مباح ...\nوالآخر: محظور ... \" (^١).\nوكذا ما ذكره من كون العلم بالكسوف والخسوف ونحوهما ليس من ادعاء علم الغيب ولا من التنجيم المنهي عنه إذا لم يجزم بذلك أو ادعى أن النجوم فاعلة بنفسها؛ لأن ذلك مما يعلم بالحساب والمشاهدة وليست بأمور خفية، كما يعلم وقت طلوع الهلال بالحساب، ويعلم وقت نزول المطر بمشاهدة الرياح، وهذا من ربط الأسباب بمسبباتها، والأمور بمقدماتها وليس من التنجيم في شيء، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان: ٤٨]. وقال ﷿: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦)﴾ [الروم: ٤٦]، ولأن فاعل ذلك لا يجزم بما يقول، أو يدعي أن النجوم فاعلة بنفسها، وإنما يخبر بما يغلب على ظنه معتمدًا على حسابه أو مشاهدته ولهذا يقع الخطأ كثيرًا في خبره (^٢).\nوالقول: بكفر المنجم -كما ذكر ابن حجر- هو الذي عليه أهل السنة والجماعة؛ إذ فعله يتضمن دعوى مشاركة الله تعالى في علم الغيب الذي اختص به، والكفر بما أخبر به جل وعلا من كون الغيب لا يعلم به أحد سواه كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ [الجن: ٢٦]،\n_________\n(^١) القول في علم النجوم (ص ١٢٦).\n(^٢) انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية (١/ ٣٢٠ - ٣٢١)، شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للشيخ عبد الله الغنيمان (١/ ١١٢)، التنجيم والمنجمون (ص ٣٠٥)، مقدمة محقق القول في علم النجوم (ص ٩١).","vol":"1","page":187},{"text":"كما أنه يتضمن اعتقاد أن تلك النجوم فاعلة ومؤثرة بنفسها، وكل ذلك كفر مُخرج من الملة (^١).\nوأما قوله بأنه \"إن خلا عن هذين فلا كفر إن قال علمت ذلك بواسطة القربة والعادة الإلهية\" فليس على إطلاقه، بل يُقيّد بكون إمكان العلم بذلك له تعلّق بالنجوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>٧ - الرمل والخط:</span>\nيرى ابن حجر ﵀ تحريم الرمل والخط وتعلمه وتعليمه، حيث يقول: \"تعلم الرمل وتعليمه حرام شديد التحريم، وكذا فعله لِمَا فيه من إيهام العوام أن فاعله يشارك الله تعالى في غيبه وما استأثر بمعرفته ... وقد أكذب الله مدعي علم الغيب، وأخبر في كتابه العزيز بأنه المستبد بعلم ما كان وما يكون في غير ما آية\" (^٢).\nوسئل عما يتمسك به أولئك المنجمون الرمالون في تجويز فعلهم من قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] وأن المراد به بزعمهم علم الخط في الرمل، وما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك\" (^٣).\nفأجاب عن الآية بقوله: \"ما روي في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] أنه الخط فغير متعين في الآية، وبفرضه فتأويله أن العرب كانوا أهل كهانة وزجر وعيافة فقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٤] الآيات، أي: ائتوني بكتاب يشهد بما ادعيتموه بلفظه، أو أثارة من علم وهو الخط على زعمكم أنكم تدينون به، فلا تقدرون على إقامة حجة لعبادة الآلهة، وللمفسرين في هذه الآثار أقاويل أخر غير ما ذكر\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٧١)، تيسير العزيز الحميد (ص ٤٤١ - ٤٤٢)، القول السديد لابن سعدي، معارج القبول لحافظ حكمي (٣/ ٥٥٩)، أضواء البيان (٢/ ١٩٧).\n(^٢) الفتاوى الحديثية (ص ١٦٠) وانظر: الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٣٠٤).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ونسخ ما كان من إباحة (١/ ٣٨١) برقم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم - ﵁ - به.\n(^٤) الفتاوى الحديثية (ص ١٦١).","vol":"1","page":188},{"text":"وأجاب عن الحديث بقوله: \"الحديث المذكور في مسلم، لكن يتعين تأويله على ما يطابق القرآن وما اتفق عليه إجماع أهل السنة.\nوذلك بأن يحمل ... على الإنكار، لا الإخبار، لأن الحديث خرج جوابًا على سؤال من اعتقد [علم الخط] على ما اعتقدت العرب، فأجابه - ﷺ - بأن ذلك من خواص الأنبياء بما يقتضي إنكار أن يتشبه به أحدهم، إذ هو من خواصهم ومعجزاتهم الدالة على النبوة، فهو كلام ظاهره الخبر والمراد به الإنكار، ومثله في القرآن والسنة كثير ...\nأو يحمل على أنه علق الحِلَّ بالموافقة بخط ذلك النبي، وهي غير واقعة في ظن الفاعل، إذ لا دليل عليها إلا بخبر معصوم، وذلك لم يوجد، فبقي النهي على حاله، لأنه علق الحِلَّ بشرطه، ولم يوجد، وهذا أولى من الأول ...\n[أو يحمل على أنه أراد] فمن وافق خطه فذاك الذي تجدون إصابته لا أنه يريد إباحة ذلك لفاعله على ما تأوله بعضهم ... وهذا يدل على أنه ليس على ظاهره، وإلا لوجب لمن وافق خطه أن يعلم علم المغيبات التي كان يعلمها ذلك النبي، وأمر بها في خطه، من الأوامر والنواهي والتحليل والتحريم، وحينئذ يلزم مساواته له في النبوة، فلما بطل حمله له على ظاهره لزم تأويله، وعلم أن الله تعالى خص ذلك النبي ﵇ بالخط، وجعله علامة لِمَا يأمره به وينهاه عنه ... \" (^١).\nالتقويم:\nالرمل والخط مما يلحق بعلم التنجيم؛ إذ هو يشاركه في دعوى علم الغيب، والاعتماد على ما لا حقيقة له من الحدس والتخمين وغيرهما (^٢).\nوقد عرفه طاش كبرى زاده بأنه: \"الاستدلال بأشكاله الاثني عشر على أحوال المسألة حين السؤال ... وذلك لأنهم يقولون: إن البروج الاثني عشر يقتضي كل منها حرفًا معينًا، وشكلا معينا من الأشكال المذكورة،\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ١٦٠ - ١٦١)، وانظر: الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٣٠٤).\n(^٢) انظر: التنجيم والمنجمون (ص ٢٩٤)، مقدمة محقق القول في علم النجوم (ص ١٢٠).","vol":"1","page":189},{"text":"فحين السؤال عن المطلوب يقتضي أوضاع البروج وقوى الشكل المعين من الرمال، فتلك الأشكال -بسبب مدلولاتها من البروج- تدل على أحكام مخصوصة تناسب أوضاع البروج\" (^١).\nوقد ذكر أهل العلم له صورًا كثيرة، وأشكالًا متعددة (^٢)، وما ذكروه لا يعدو أن يكون من أنواعه وأشكاله، وليس حصرًا له في المذكور.\nوما ذكره ابن حجر من تحريم الخط والرمل وتعلمه وتعليمه معللًا ذلك بما فيه من إيهام مشاركة الله تعالى في علم الغيب الذي اختص به هو قول أهل السنة والجماعة (^٣)، ومن وافقهم (^٤).\nوقوله بالتحريم لا ينافي كون ذلك شركًا، وكون فاعله كافرًا مشركًا خارجًا من الملة، كما يدل على ذلك تعليله السابق.\nيقول العلامة الذهبي (^٥) ﵀: \"من العلوم المحرمة: علم السحر ... والطِّيرة، والشّعبذة، والتنجيم، والرمل، وبعضها كفر صراح، ومنها ما يحصل من الكتابة\" (^٦).\nوأما ما أجاب به عن استدلال أولئك المنجمين على تجويز فعلهم\n_________\n(^١) مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم (١/ ٣٣٦)، وانظر: مقدمة ابن خلدون (ص ١١٢).\n(^٢) انظر: غريب الحديث للخطابي (١/ ٦٤٨)، شرح السنة للبغوي (١٢/ ١٨٣ - ١٨٤)، تفسير القرطبي (١٦/ ١٨٠)، إكمال الإكمال للإبي (٢/ ٢٤٠)، بلوغ الأرب للألوسي (٣/ ٣٢٣).\n(^٣) انظر: تفسير ابن جرير (١١/ ٢٧٣)، شرح السنة (١٢/ ١٨٣ - ١٨٤).\n(^٤) انظر: صحيح مسلم للنووي (٥/ ٢٣)، شرح الإبي إكمال الإكمال (٢/ ٢٤٥)، تفسير القرطبي (٢/ ٢٤٠)، الرد على من ذهب إلى تصحيح علم الغيب من جهة الخط لابن رشد (ص ٣٥).\n(^٥) هو محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله، شمس الدين أبو عبد الله، الذهبي، عالم متفنن، سلفي المعتقد، من مؤلفاته: سير أعلام النبلاء، والعلو للعلي الغفار، والكبائر، توفي سنة ٧٤٨ هـ.\nانظر: الدرر الكامنة (٣/ ٤٢٦)، شذرات الذهب (٦/ ١٥٣).\n(^٦) مسائل في طلب العلم وأقسامه (ص ٢١٤ - ٢١٥).","vol":"1","page":190},{"text":"بقوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] على أن المراد بها بزعمهم الخط، وقوله بأن هذا التفسير غير متعين، وعلى فرضه فالمراد به إظهار عجزهم عن الإتيان بما يشهد لقولهم الباطل مما يؤمنون به وإن لم يكن حجة في نفسه، فهو قول المحققين من أهل التفسير (^١).\nيقول الإمام ابن جرير (^٢) ﵀ بعد ذكره أقوال المفسرين في الآية: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: الأثارة: البقية من علم، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب ... وإذا وجه ذلك إلى ما قلنا فيه من أنه بقية من علم، جاز أن تكون تلك البقية من علم الخط، ومن علم استثر من كتب الأولين، ومن خاصة علم كانوا أوثروا به ... فتأويل الكلام إذن: ائتوني أيها القوم بكتاب من قبل هذا الكتاب بتحقيق ما سألتكم تحقيقه من الحجة على دعواكم صحة ما تدّعون لآلهتكم، أو ببقية من علم يوصل بها إلى علم صحة ما تقولون\" (^٣).\nوأما ما أجاب به عما استدلوا به من قوله - ﷺ -: \"كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك\"، وكون ذلك محمول على تأويلات عدة ذكر بعضًا منها، فهو جواب غيره من أهل العلم حيث تأولوا الحديث على تأويلات كثيرة (^٤)، وأولى هذه التأويلات بالقبول هو أن علم الرمل والخط مباح لمن وافق خط ذلك النبي بيقين، وأنه لا سبيل إلا اليقين في ذلك لتوقفه على النص الصريح في كيفيته عنه - ﷺ -، أو النقل المتواتر من زمن\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن جرير (١١/ ٢٧٣)، تفسير السمعاني (٥/ ١٤٩)، تفسير البغوي (٧/ ٢٥١)، تفسير ابن كثير (٤/ ١٦٤).\n(^٢) هو محمد بن جرير بن يزيد بن كثير، أبو جعفر الطبري، الإمام المفسر، أحد أعلام السلف، له مصنفات منها: جامع البيان في تأويل آي القرآن، وتاريخ الأمم والملوك، وصريح السنة وغيرها، توفي سنة ٣١٠ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٦٧)، شذرات الذهب (٢/ ٢٦٠).\n(^٣) تفسير ابن جرير (١١/ ٢٧٣).\n(^٤) انظر: شرح السنة للبغوي (١٢/ ١٨٤)، معالم السنن (٥/ ٣٧٤)، أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ١٢٥)، شرح صحيح مسلم للنووي (٥/ ٢٣)، إكمال الإكمال (٢/ ٢٤٠)، الرد على من ذهب إلى تصحيح علم الغيب من جهة الخط (ص ٤٢) وما بعدها.","vol":"1","page":191},{"text":"ذلك النبي إلى - ﷺ -، وكلا الأمرين منتفٍ؛ فيبقى التحريم على أصله (^١).\nوهذا التأويل هو الذي يميل إليه ابن حجر كما يدل عليه ظاهر قوله السابق: \"وهذا أولى من الأول\".\nيقول النووي ﵀: \"اختلف العلماء في معناه [يعني: الحديث]، والصحيح أن معناه من وافق خطه فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا يباح\" (^٢).\nوعلى كل حال فإن الحاصل من كلام أهل العلم في الحديث الاتفاق على أنه مؤول، وأن الخط والرمل محرم لا يجوز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>٨ - التمائم:</span>\nيرى ابن حجر ﵀ أن التمائم ليست جائزة بإطلاقها ولا محرمة بإطلاقها، بل منها ما هو جائز، ومنها ما هو محرم.\nيقول في بيان ذلك: \"مذهبنا .. أن كل عزيمة مقروءة أو مكتوبة إن كان فيها اسم لا يعرف معناه فهي محرمة الكتابة والقراءة سواء في ذلك المصروع وغيره، هان كانت العزيمة أو الرقيا مشتملة على أسماء الله تعالى وآياته والإقسام به وبأنبيائه وملائكته جازت قراءتها على المصروع وغيره، وكتابتها كذلك\" (^٣).\nويقول أيضًا: \"يجوز كتب العزائم التي ليس فيها شيء من الأسماء التي لا يعرف معناها، وكذلك يجوز تعليقها على الآدميين والدواب\" (^٤).\nويرى أن تعليق تلك التمائم المحظورة من أكبر الكبائر وأنها وسيلة إلى الشرك، حيث عدّ من الكبائر: \"الرقى وتعليق التمائم والحروز ... \" (^٥)، وأورد الأدلة على ذلك، ثم عقب عليها بقوله: \"عدّ هذين من الكبائر هو ما يقتضيه الوعيد في هذه الأحاديث لا سيما تسميته شركًا ... نعم يتعين حمله\n_________\n(^١) انظر: معالم السنن (٥/ ٣٧٤)، شرح صحيح مسلم للنووي (٥/ ٢٣)، إكمال الإكمال (٢/ ٢٤٠)، الرد لابن رشد (ص ٤٧).\n(^٢) شرح صحيح مسلم (٥/ ٢٣).\n(^٣) الفتاوى الحديثية (ص ١٦٤).\n(^٤) المصدر السابق (ص ٤١).\n(^٥) الزواجر (١/ ١٦٦).","vol":"1","page":192},{"text":"على ما كانوا يفعلونه من تعليق خرزة يسمونها تميمة أو نحوها، يرون أنها تدفع عنهم الآفات، ولا شك أن اعتقاد هذا جهل وضلال، وأنه من أكبر الكبائر؛ لأنه إن لم يكن شركًا فهو يؤدي إليه؛ إذ لا ينفع ويضر ويمنع ويدفع إلا الله تعالى\" (^١).\nالتقويم:\nالتمائم: جمع تميمة، وهي العِوَذ التي تعلّق على الإنسان وغيره لدفع الآفات عنه من أي شيء كانت (^٢).\nوهي ضربان:\nالأول: التمائم من غير القرآن: وهي ما كانت من خرزات، أو حلقات، أو عظام، أو خرق، ونحو ذلك.\nويلحق بها ما عبر عنه ابن حجر ﵀ بكونه مشتملًا على أسماء لا يعرف معناها، ويدخل في ذلك ما كانت مشتملة على الأبيات الشركية والأرقام والأحرف المجهولة من باب أولى (^٣).\nفهذا الضرب من التمائم محرم باتفاق، والحكم بكونه شركًا أكبر أو أصغر يختلف باختلاف حال معلقها من جهة، وحال التميمة نفسها وما تتضمنه من جهة أخرى.\nفأما اختلاف حكمها باختلاف حال معلقها، فالمراد به: أن معلق التميمة إن كان يعتقد أن التميمة تنفع وتضر بنفسها فإن تعليقه لها شرك أكبر، وإن كان يعتقد أنها سبب لدفع الأذى أو رفعه فحسب وأنها لا تستقل\n_________\n(^١) انظر: الزواجر (١/ ١١٦).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة (١/ ٤٥٣)، والصحاح (٥/ ١٨٧٨)، ولسان العرب (١٢/ ٦٩ - ٧٠)، والقاموس المحيط (١٤٠٠).\nوانظر: النهاية لابن الأثير (١/ ١٩٧)، وفتح الباري (١٠/ ١٩٦) (٦/ ١٤٢)، تيسير العزيز الحميد (ص ١٦٧).\n(^٣) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ١٦٦)، فتح المجيد (١/ ٢٤٣)، القول السديد لابن سعدي (ص ٤٠، ٤١)، معارج القبول (٢/ ٥١٢)، وللاستزادة: أحكام الرقى والتمائم د. فهد السحيمي (ص ٢٢٧)، التمائم في ميزان العقيدة د. علي العلجاني (ص ١١).","vol":"1","page":193},{"text":"بالنفع والضر فتعليقه لها شرك أصغر (^١).\nوأما اختلاف حكمها باختلاف حال التميمة نفسها وما تتضمنه، فالمراد به: أن التميمة إن كانت تشتمل على الاستغاثة بالشياطين أو غيرهم من المخلوقين، فهي شرك أكبر بكل حال، وإن كانت تشتمل على أسماء لا يفهم معناها فهي محرمة، والحكم بكونها شركًا أكبر أو أصغر يرجع إلى حال معلقها كما سبق (^٢).\nوما قرره ابن حجر في هذا الضرب من التمائم من كونه محرمًا موافق لِمَا عليه أهل السنة والجماعة (^٣)، ولكن يؤخذ عليه كونه حمل الأحاديث المصرحة بكون هذا الضرب من التمائم شركًا على ما كان يعتقده أهل الجاهلية من أنها تنفع وتضر بنفسها دون اعتقاد كونها سببًا، وأعجب منه اضطرابه بعد ذلك في الحكم عليها بكونها شركًا وتردده في ذلك كما هو ظاهر كلامه السابق! !\nوالصحيح أنها شرك -كما وردت بذلك الأحاديث عنه - ﷺ - وأن المراد بالشرك فيها يختلف باختلاف حال معلقها، وحال التميمة نفسها -كما سبق-.\nوالثاني: التمائم من القرآن: ويلحق بها ما كان مشتملًا على دعائه سبحانه والتضرع إليه بأسمائه وصفاته.\nفهذا الضرب من التمائم اختلف أهل العلم في جوازه، والخلاف فيه جار في أقوال السلف من الصحابة والتابعين فمن بعدهم (^٤).\n_________\n(^١) انظر: التوضيح عن توحيد الخلاق (ص ٢٦٨)، تيسير العزيز الحميد (ص ١٥٤، ١٥٨، ص ١٦٢)، القول السديد (ص ٣٧)، معارج القبول (٢/ ٥١٢)، أحكام الرقى والتمائم (ص ٢٣٨)، التمائم في ميزان العقيدة (ص ٣٣).\n(^٢) انظر: القول السديد (ص ٤٠، ٤١).\n(^٣) انظر: المصادر السابقة.\n(^٤) انظر: مصنف ابن أبي شيبة (٧/ ٣٧٤) وما بعدها، سنن البيهقي (٦/ ٢١٩) وما بعدها، شرح السنة (١٢/ ١٥٨)، التمهيد (١٧/ ١٦٠ - ١٦١)، الفتاوى (١٩/ ٦٤ - ٦٥)، زاد المعاد لابن القيم (٤/ ٢١٢، ٣٥٨)، الآداب الشرعية (٢/ ٤٥٩) (٣/ ٨١)، فتح الباري (٦/ ١٤٢)، تيسير العزيز الحميد (ص ١٦٨)، فتح المجيد، معارج القبول (٢/ ٥١٠) =","vol":"1","page":194},{"text":"يقول الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: \"اعلم أن العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم اختلفوا في جواز تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله وصفاته.\nفقالت طائفة: يجوز ذلك، وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره، وهو ما روي عن عائشة، وبه قال أبو جعفر الباقر (^١)، وأحمد في رواية ...\nوقالت طائفة: لا يجوز ذلك، وبه قال ابن مسعود، وابن عباس، وهو ظاهر قول حذيفة، وعقبة بن عامر، وابن عكيم - ﵁ - وبه قال جماعة من التابعين، منهم أصحاب ابن مسعود، وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه وجزم بها المتأخرون\" (^٢).\nوالذي يظهر لي أن القول الراجح هو قول الطائفة الثانية القائلة بعدم الجواز \"لوجوه ثلاثة تظهر للمتأمل:\nالأول: عموم النهي، ولا مخصص للعموم.\nوالثاني: سد الذريعة، فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك.\nوالثالث: أنه إذا عُلق فلا بد أن يمتهنه المُعلِّق، بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك ... \" (^٣).\nوعليه فإن ما ذهب إليه ابن حجر من تجويز التمائم من القرآن وأسماء الله وصفاته وإن كان خلافًا للقول الراجح، إلا أنه قول مأثور عن بعض السلف.\n_________\n= وللاستزادة: أحكام الرقى والتمائم (ص ٢٤٣)، التمائم في ميزان العقيدة (ص ٤٣).\n(^١) هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، ثقة فاضل، كان من فقهاء المدينة، توفي سنة ١١٤ هـ.\nانظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٢)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٠١).\n(^٢) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ١٦٧ - ١٦٨).\n(^٣) فتح المجيد (١/ ٢٤٤)، وانظر: قرة عيون الموحدين (ص ٦٢)، القول السديد (ص ٤١)، معارج القبول، أحكام الرقى والتمائم (ص ٢٤٥ - ٢٤٧)، التمائم في ميزان العقيدة (ص ٤٦).","vol":"1","page":195},{"text":"ولكن يؤخذ عليه كونه ألحق بهذا الضرب من التمائم ما كان مشتملًا على الإقسام بأنبياء الله وملائكته، وهذا القول علاوة على أنه لم يقل به أحد ممن قال بجواز التمائم من القرآن فإنه شرك لا يجوز وإن كان ذلك الإقسام بأنبياء الله وملائكته -كما سيأتي- (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>٩ - الرّقى:</span>\nعرف ابن حجر ﵀ الرقى بأنها: \"ألفاظ خاصة يحدث عندها الشفاء من الأسقام والأدواء والأسباب المهلكة، ولا يقال لفظ الرقى على ما يحدث ضررًا بل ذاك يقال له: السحر\" (^٢).\nوبيّن أن الرقى منها ما هو مشروع، ومنها ما هو ممنوع فقال: \"هذه الألفاظ [يعني: الرقى] منها مشروع كالفاتحة، وغير مشروع كرقى الجاهلية والهند وغيرهما وربما كان كفرًا ... \" (^٣).\nوقال أيضًا: \"مذهبنا ... أن كل عزيمة مقروءة أو مكتوبة إن كان فيها اسم لا يعرف معناه فهي محرمة الكتابة والقراءة سواء في ذلك المصروع وغيره، وإن كانت العزيمة أو الرقيا مشتملة على أسماء الله تعالى وآياته والإقسام به وبأنبيائه وملائكته جازت قراءتها على المصروع وغيره، وكتابتها كذلك ... \" (^٤).\nوقال في وصف الرقى المشروعة: \"يستحب الرقية ... وأفضلها بالوارد، ثم المعوذات، لجمعها الاستعاذة من المكروهات جملة وتفصيلًا ...، ثم ببقية القرآن خلافًا لمن نازع فيه ... \" (^٥).\nكما قال في وصف الرقى الممنوعة: \"أما الرقى ... إذا كانت بغير لسان العربية ولم يعرف معناها فإنها حينئذ حرام ...، وسبب ذلك ... أن ذلك المجهول قد يكون سحرًا أو كفرًا ... \" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: (ص ٢٤٢).\n(^٢) الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٣١٠)، وانظر: فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٦١٥).\n(^٣) الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٣١٠).\n(^٤) الفتاوى الحديثية (ص ١٦٤).\n(^٥) الإفادة لِمَا جاء في المرض والعيادة (ص ٧٧)،\n(^٦) الزواجر (١/ ١٦٧).","vol":"1","page":196},{"text":"ولهذا فإنه \"يشترط ... في كل رقية -خلافًا لمن شذ- أن تخلو عن الأسماء والكلمات المجهولة المعنى؛ لأنها قد تكون كفرًا، لاشتمالها على الإقسام بملك، أو جني، والتعظيم له بنحو وصفه بالتأثير والألوهية.\nومن ثم لَمّا سألوه - ﷺ - عن رقى كانوا يرقون بها في الجاهلية؟ قال: \"اعرضوا عليّ رقاكم\" (^١) فلم يأذن لهم في مطلقها، لنحو ذلك المعنى\" (^٢).\nوقد اختلف كلام ابن حجر في الحكم على الرقى المشروعة فمرة قال باستحبابها فقال: \"تستحب الرقية، ولا تختص بمرض\" (^٣)، وأخرى قال بجوازها فقال: \"جواز الرقية بكتاب الله تعالى ويلحق به ما كان بالذكر والدعاء ... \" (^٤).\nالتقويم:\nالرقى: جمع رقية.\nوالرقية في اللغة: هي العوذة، يقال: رقى الراقي رقية ورقيًا، إذا عوَّذ ونفث (^٥).\nوقيل: هي العزيمة، يقال: رقى الراقي على الداء، إذا عزم عليه (^٦).\nفالرقية والعوذة والعزيمة كلها بمعانٍ متقاربة، وإن كان بعض أهل العلم يفرق بينها (^٧).\n_________\n(^١) يشير إلى حديث عوف بن مالك - ﵁ - وفيه قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: \"اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا\".\nوالحديث أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك (٤/ ١٧٢٧) برقم (٢٢٠٠).\n(^٢) انظر: الإفادة لما جاء في المرض والعيادة (ص ٧٩).\n(^٣) المصدر السابق (ص ٧٧).\n(^٤) فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٦٢١).\n(^٥) انظر: تهذيب اللغة (٢/ ١٤٤٧)، لسان العرب (١٤/ ٣٣٢)، النهاية في غريب الحديث (٣/ ٢٥٤)، القاموس المحيط (ص ١٦٦٤).\n(^٦) انظر: الصحاح للجوهري (٥/ ١٩٨٥)، لسان العرب (١٤/ ٣٣٢)، القاموس المحيط (ص ١٤٦٨).\n(^٧) انظر: الفروق للقرافي (٤/ ١٤٧ - ١٤٨).","vol":"1","page":197},{"text":"وأما في الشرع: فقد تعددت عبارات أهل العلم في تعريفها، فمنهم من قصرها على الرقى المشروعة دون غيرها (^١)، ومنهم من عرفها بما يشمل الرقى بنوعيها المشروع والممنوع (^٢).\nوما ذكره ابن حجر في تعريف الرقى من هذا القبيل؛ إذ إنه يتناول الرقى بنوعيها، وهو أولى من قصر الرقى في الشرع على الرقى الشرعية؛ وذلك لورود النصوص الشرعية بإطلاق لفظ الرقى على المشروع والممنوع، والحكم على الرقى الممنوعة بكونها غير شرعية لا يخرجها عن مسمى الرقى في الاصطلاح الشرعي.\nإلا أنه يُؤخذ على ابن حجر -عفا الله عنه- قوله في التعريف: \"ألفاظ خاصّة يحدث عندها الشّفاء\"، إذ الشّفاء يحصل بها لا عندها، وقوله هذا مبنيٌّ على قول أصحابه الأشاعرة في الأسباب.\nوأما ما قرره ابن حجر من تقسيم الرقى إلى قسمين: رقى مشروعة، وأخرى ممنوعة، فهو محل إجماع لدى أهل العلم (^٣).\nفإن أهل العلم قسموا الرقى إلى قسمين:\nالأول: الرقى المشروعة: وهي ما اجتمعت فيها شروط الرقية الشرعية وهي ثلاثة:\n١ - أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته.\n٢ - أن تكون باللسان العربي وبما يعرف معناه.\n٣ - أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى (^٤).\n_________\n(^١) انظر: أحكام الرقى والتمائم د. فهد السحيمي (ص ٢٩ - ٣٠).\n(^٢) انظر: الفروق (٤/ ١٤٧)، الفتاوى (١/ ١٨٢، ٣٢٨) (١٠/ ١٩٥)، فتح الباري (٤/ ٤٥٣).\n(^٣) انظر: النهاية في غريب الحديث (٢/ ٢٥٥)، الفتاوى (١٩/ ٦١)، شرح صحيح مسلم (٣/ ٩٣)، فتح الباري (١٠/ ١٩٥)، فيض القدير للمناوي (٢/ ٣٤٢)، نيل الأوطار (٥/ ١٩٢)، تيسير العزيز الحميد (ص ١٦٧)، فتح المجيد (١/ ٢٤٣)، القول السديد (ص ٤٢)، معارج القبول (٢/ ٥٠٩)، وللاستزادة: أحكام الرقى والتمائم د. فهد السحيمي (ص ٣٦)، الرقى على ضوء العقيدة د. علي العلياني (ص ٥٩).\n(^٤) انظر: المصادر السابقة.","vol":"1","page":198},{"text":"وقد حكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على اشتراط هذه الشروط في الرقى حتى تكون مشروعة، منهم الحافظ ابن حجر العسقلاني (^١)، والحافظ السيوطي (^٢) - رحمهما الله تعالى-.\nوالثاني: الرقى الممنوعة: وهي ما تخلّف فيها شرط من الشروط الثلاثة السابقة، وحكمها يختلف باختلافها فإن كانت تشتمل على الشرك أو اعتقاد كونها مؤثرة بذاتها فهي شرك أكبر، وإن كانت تشتمل على ألفاظ لا يفهم معناها فهي محرمة خشية أن تكون شركًا (^٣).\nوكلام ابن حجر السابق في تقسيم الرقى إلى مشروعة وممنوعة ووصف كل منهما يتضمن بعض هذه الشروط والضوابط، إلا أن المتأمل في كلامه السابق يراه عد الرقى التي تتضمن الإقسام بالأنبياء والملائكة من الرقى المشروعة مرة فقال: \"وإن كانت العزيمة أو الرقيا مشتملة على أسماء الله تعالى وآياته والإقسام به وبأنبيائه وملائكته جازت قراءتها\" وعدّها أخرى ممنوعة فقال: \"لأنها قد تكون كفرًا، لاشتمالها على الإقسام بملك أو جني، والتعظيم له بنحو وصفه بالتأثير والألوهية\" فوقع في التناقض، إلا إن حملنا كلامه الأخير على ما كان يجمع بين القسم والتعظيم.\nوعلى كل حال فإن الحق الذي لا عدول عنه حرمة الحلف بغير الله وكونه شركًا -كما سيأتي- (^٤) وأن الرقى التي تتضمن شيئًا من ذلك هي من الرقى الممنوعة لا المشروعة.\nوأما اختلاف كلامه في الحكم على الرقى المشروعة بالجواز أو الاستحباب فهو محمول على اختلاف حكمها باختلاف متعلق الحكم نفسه،\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري (١٠/ ١٩٥).\n(^٢) نقله عنه الشيخ سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد (ص ١٦٧)، والشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد (١/ ٢٤٣) وبعد البحث لم أجده في شيء من كتبه.\n(^٣) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ١٦٥، ١٦٨)، فتح المجيد (١/ ٢٤١).\n(^٤) انظر: (ص ٢٤٢).","vol":"1","page":199},{"text":"فالقول بالاستحباب هو في حق الراقي، وأما القول بالجواز فهو في حق المرقي (^١).\nوعلى هذا يحمل كلام أهل العلم في الرقى المشروعة وترددهم في الحكم عليها بين الاستحباب والجواز (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>١٠ - الطيرة:</span>\nيرى ابن حجر ﵀ تحريم الطيرة، وأنها مما ينافي التوحيد ويقدح فيه، حيث عدّها في الكبائر، فقال: \"ترك السفر والرجوع منه تطيرًا\" (^٣)، وأورد الأحاديث الدالة على النهي عنها، ثم عقب عليها بقوله: \"عدّ هذا [يعني: عد الطيرة من الكبائر] ينبغي حمله على ما إذا كان معتقدًا حدوث تأثير للتطير، لكن الكلام في إسلام مثل هذا\" (^٤).\nالتقويم:\nالطِّيرة في اللغة: مصدر تطير يتطير تطيرًا وطيرة.\nوهي التشاؤم بالطير (^٥)، وأصله فيما يقال: التشاؤم بالسوانح والبوارح (^٦) من الطيور، ثم صار عامًّا في كل مكروه من قول أو فعل أو مرئي (^٧).\nوأما في الاصطلاح:\n\"فالتطير هو التشاؤم بمرئي أو مسموع\" (^٨).\n_________\n(^١) انظر: القول السديد (ص ٤٢).\n(^٢) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ١٦٥)، فتح المجيد (١/ ٢٤١).\n(^٣) الزواجر (١/ ١٥٠).\n(^٤) المصدر السابق (١/ ١٥٠).\n(^٥) انظر: معجم مقاييس اللغة (ص ٦٣٠)، الصحاح (٢/ ٧٢٨)، لسان العرب (٤/ ٥١١)، القاموس المحيط (ص ٥٥٥).\n(^٦) السانح: ما مر من مياسرك إلى ميامنك، والبارح عكسه. انظر: شرح السنة للبغوي (١٢/ ١٧٠)، النهاية في غريب الحديث (٣/ ١٥٣)، غريب الحديث لابن الجوزي (٢/ ٤٨).\n(^٧) انظر: شرح السنة (١٢/ ١٧٠)، التمهيد (٩/ ٢٨٢)، شرح صحيح مسلم (٢١/ ١٨٤)، غريب الحديث لابن الجوزي (٢/ ٤٨)، النهاية في غرب الحديث (٣/ ١٥٣)، فتح الباري (١٠/ ٢١٢).\n(^٨) مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٤٦)، وانظر: تفسير القرطبي (١٦/ ١٨١)، مجموع الفتاوى =","vol":"1","page":200},{"text":"وقد وردت النصوص الشرعية بالنهي عنها والتحذير منها.\nقال - ﷺ -: \"لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر\" (^١).\nوقال - ﷺ -: \"لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل\" (^٢).\nوسئل - ﷺ - عن قوم يتطيرون، فقال: \"ذلك يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم\" (^٣).\nوأخبر - ﷺ - أنها شرك، فقال: \"الطيرة شرك، الطيرة شرك\" (^٤).\nوعليه فما قرره ابن حجر -غفر الله له- من تحريم الطيرة وعدها في الكبائر هو مقتضى النصوص الشرعية، إلا أن حمله لذلك على ما كان مقارنا للاعتقاد بتأثيرها فيه نظر؛ لكون ذلك الاعتقاد شركًا في نفسه مخرجًا من الملة.\nولهذا استدرك ابن حجر ﵀ على نفسه فقال: \"لكن الكلام في إسلام مثل هذا\".\n_________\n= (٢٣/ ٦٧)، الدرر السنية (١١/ ٤١).\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب لا هامة (٤/ ١٨٣٧) برقم (٥٧٥٧)، ومسلم، كتاب السلام، باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر (٤/ ١٧٤٤) برقم (٢٢٢٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب الفأل (٤/ ١٨٣٧) برقم (٥٧٥٦)، ومسلم، كتاب السلام، باب الطيرة والفأل (٤/ ١٧٤٦) برقم (٢٢٢٤) من حديث أنس بن مالك - ﵁ - به.\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب تحريم الكهان وإتيان الكهان (٤/ ١٧٤٨) برقم (٢٢٢٧) من حديث معاوية بن الحكم السلمي - ﵁ - به.\n(^٤) أخرجه أبو داود، كتاب الطب، باب في الطيرة (٤/ ٢٣٠) برقم (٣٩١٠)، والترمذي، كتاب السير، باب ما جاء في الطيرة (١٤/ ٣٧) برقم (١٦١٤)، وابن ماجه، كتاب الطب، باب من كان يعجبه الفأل (٢/ ١١٧٠) برقم (٣٥٣٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٣٥٨) وفي شرح معاني الآثار (٤/ ٣١٢)، والحاكم (١/ ١٧، ١٨) والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ١٣٩) من طرق عن سلمة بن كهيل، عن عيسى بن عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - به.\nقال الترمذي: \"حسن صحيح\".\nوقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح سنده، ثقات رواته، ولم يخرجاه\".\nوالحديث صححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (٤٣٠).","vol":"1","page":201},{"text":"ومراده بذلك -والله أعلم- أن التطير المصحوب بهذا الاعتقاد يُوجِب البحث لا في كون هذا الفعل كبيرة؛ إذ لا شك في ذلك، لكن البحث في إسلام من صدر منه هذا الفعل، هل هو باقٍ معه أم أنه انسلخ منه بسبب هذا الاعتقاد؟\nوهذا هو الحق، ذلك أن التطير موضع تفصيل، فإن من وصل به تطيره إلى اعتقاد وجود شركة بين الله تعالى وبين ما تطيّر به في أمر التأثير فلا إسلام له بل هو مشرك شركًا أكبر مخرجًا من الملة، وإن كان تطيره دون ذلك -كما هو الغالب على الواقعين في هذا الداء من المسلمين- من اعتقاد كون المتطير به سببًا في حصول المكروه أو علامة عليه فإن فعله هذا إنما هو من قبيل الشرك الأصغر (^١).\nيقول العلامة ابن القيم ﵀: \"التطير هو التشاؤم بمرئي أو مسموع، فإذا استعملها الإنسان فرجع بها من سفر وامتنع بها عما عزم عليه، فقد قرع باب الشرك، بل وَلَجَه، وبرئ من التوكل على الله سبحانه، وفتح على نفسه بابَ الخوف والتعلق بغير الله\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>١١ - الرياء:</span>\nعرف ابن حجر ﵀ الرياء بقوله: \"الرياء مأخوذ من الرؤية والسمعة ... \".\nوحد الرياء: \"إرادة العامل بعمله غير وجه الله تعالى\" (^٣).\nوقرر -غفر الله له- أن الرياء \"قد شهد بتحريمه الكتاب، والسنة، وانعقد عليه إجماع الأمة\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: شرح السنة (١٢/ ١٧٠)، التمهيد (٢٤/ ١٩٥)، شرح صحيح مسلم (١٣/ ٢١٩)، مفتاح دار السعادة، فتح الباري (١٠/ ٢١٣)، تيسير العزيز الحميد (ص ٤٢١)، فتح المجيد (٢/ ٥٠٦)، النبذة الشريفة النفيسة لحمد بن معمر (ص ٦٩ - ٧٠)، الدين الخالص (٢/ ١٤٢ - ١٤٣)، القول السديد (ص ١٠٢)، القول المفيد (٢/ ٩٣ - ٩٤).\n(^٢) مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٤٦).\n(^٣) الزواجر (١/ ٤٣).\n(^٤) المصدر السابق (١/ ٣٨) وانظر: (١/ ٣٨ - ٤٣).","vol":"1","page":202},{"text":"وأن \"المعنى في تحريمه وكونه كبيرة وشركًا مقتضيًا للّعن أن فيه استهزاء بالحق تعالى\" (^١)، \"وفيه أيضًا تلبيس على الخلق لإيهامه لهم أنه مخلص مطيع لله تعالى وهو بخلاف ذلك\" (^٢).\nوعدَّ الرياء من الشرك الأصغر (^٣)، وبيّن أنه قد يبلغ بصاحبه الشرك الأكبر فقال: \"الرياء ينقسم إلى درجات متفاوتة في القبح، فأقبحها الرياء في الإيمان وهو شأن المنافقين ... ويليهم المراؤون بأصول العبادات الواجبة ... ويليهم المراؤون بالنوافل ... ويليهم المراؤون بأوصاف العبادات كتحسينها وإطالة أركانها وإظهار التخشع فيها ... \" (^٤).\nوذكر حكم العمل إذا كان رياءً كله، أو خالطه، أو طرأ عليه، فقال: \"العمل:\nإما رياء محض بأن يراد به غرض دنيوي فقط ولو مباحًا فهو حرام لا ثواب فيه.\nوإما مشرب برياء ولا ثواب فيه أيضًا للخبر الصحيح \"من عمل عملًا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء هو للذي أشرك\" (^٥) ...\nومن عقد عملًا لله ثم طرأ له خاطر رياء: فإن دفعه لم يضر إجماعًا، وإن استرسل معه ففيه خلاف، والذي رجحه أحمد وجماعة من السلف ثوابه بنيته الأولى، ومحله في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والحج، دون نحو القراءة ففيه لا أجر له بعد حدوث الرياء.\nولو تم عمله خالصًا فأثنى عليه ففرح لم يضر لخبر مسلم: \"ذلك عاجل بشر المسلم\"\" (^٦) (^٧).\n_________\n(^١) الزواجر (١/ ٤٣).\n(^٢) المصدر السابق (١/ ٤٤).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (١/ ٣٨).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (١/ ٤٦).\n(^٥) سبق تخريجه (ص ١٦١).\n(^٦) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أثني على الصالح فهي بشرى ولا تضره (٤/ ٢٠٣٤) رفم (٢٦٤٢) من حديث أبي ذر -﵁- به.\n(^٧) فتح المبين (ص ٥٤)، وانظر: الزواجر (١/ ٤٣ - ٤٦)، حاشية الإيضاح (ص ٣٩).","vol":"1","page":203},{"text":"التقويم:\nالرياء في اللغة: مشتق من الرؤية، وهي النظر، يقال: راءيته، مراءاة، ورياء إذا أريته على خلاف ما أنا عليه (^١).\nوأما في الاصطلاح: فقد ذكر أهل العلم له تعريفات متعددة، إلا أنه وإن اختلفت عباراتهم فيها، فإن مدارها على أمرين:\nالأول: إرادة غير الله من دون الله.\nوالثاني: إرادة غير الله مع الله (^٢).\nوما ذكره ابن حجر من تحريم الرياء هو ما تدل علية النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، وما أجمع عليه علماء الأمة.\nوأما ما قرره من كون الرياء تارة يكون شركًا أكبر، وأخرى يكون شركًا أصغر فإنه حق (^٣)؛ ذلك أن الرياء تارة يكون في أصل الاعتقاد ومطلق العمل، وهو ما يطلق عليه أهل العلم النفاق الاعتقادي (^٤) أو شرك النية والإدارة والقصد (^٥)، وهذا مما أجمع أهل العلم على كونه شركًا أكبر يكفر به صاحبه ويخرج من الملة، وتارة يكون الرياء في أفراد العمل وهو إما أن يكون في أصله، أو مخالطًا له، أو طارئًا عليه فهو حينئذٍ بحسبه، وفيه التفصيل الآتي بيانه.\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة (٢/ ١٣٢٦)، الصحاح (٦/ ٢٣٤٨)، لسان العرب (١٤/ ٢٩٦)، القاموس المحيط (ص ١٦٥٨).\n(^٢) انظر: التعريفات للجرجاني (ص ١١٣)، إحياء علوم الدين للغزالي (٣/ ٢٥٧)، فتح الباري (١١/ ٣٣٦)، تيسير العزيز الحميد (ص ٥٣٧)، فتح المجيد (٢/ ٦١٧)، معارج القبول (٢/ ٤٩٣).\n(^٣) انظر: جامع العلوم والحكم (١/ ٧٩)، تيسير العزيز الحميد (ص ٥٣٢ - ٥٣٣)، فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (١/ ٥١٨).\n(^٤) النفاق الاعتقادي: هو إبطان الكفر وإظهار الإسلام.\nانظر: فتح الباري (١/ ١١١)، مجموعة التوحيد (٢/ ١٠).\n(^٥) شرك النية والإرادة والقصد: هو العمل لغير وجه الله، والتقرب إليه، وطلب الجزاء منه.\nانظر: مجموعة التوحيد (١/ ٨)، معارج القبول (٢/ ٤٩٣).","vol":"1","page":204},{"text":"يقول الشيخ حافظ حكمي (^١) -﵀-: \"اعلم أن الرياء قد أطلق في كتاب الله كثيرًا، ويراد به النفاق الذي هو أعظم من الكفر، وصاحبه في الدرك الأسفل من النار ... والفرق بين هذا الرياء الذي هو النفاق الأكبر وبين الرياء الذي سمّاه النبي -ﷺ- شركًا أصغر خفيًا هو حديث: \"إنما الأعمال بالنيات\" (^٢) ...\nفإن كان الباعث على العمل هو إرادة الله والدار الآخرة وسلم من الرياء في فعله، وكان موافقًا للشرع فذلك العمل الصالح المقبول.\nوإن كان الباعث على العمل هو إرادة غير الله ﷿ فذلك النفاق الأكبر ...\nوإن كان الباعث على العمل هو إرادة الله ﷿ والدار الآخرة، ولكن دخل عليه الرياء في تزيينه وتحسينه فذلك هو الذي سماه النبي -ﷺ- الشرك الأصغر\" (^٣).\nوأما ما ذكره ابن حجر من تقسيم العمل إلى عمل هو رياء محض، وآخر هو مشرب به، وثالث طارئ عليه، وحكمه على كل قسم منها بما يراه، فهو مما وافق فيه أهل العلم (^٤).\nيقول الحافظ ابن رجب -﵀-: \"اعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة\n_________\n(^١) هو حافظ بن أحمد بن علي بن أحمد حكمي، عالم متفنن، سلفي المعتقد، من مؤلفاته: معارج القبول، وأعلام السنة المنشورة، الجوهرة الفريدة في تحقيق العقيدة، توفي سنة: ١٣٧٧ هـ.\nانظر: الشيخ حافظ بن أحمد حكمي د. أحمد علوش.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله -ﷺ- (١/ ٢١) برقم (١) ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله -ﷺ-: \"إنما الأعمال بالنية\" (٣/ ١٥١٥) برقم (١٩٠٧) من حديث عمر بن الخطاب -﵁- به.\n(^٣) معارج القبول (٢/ ٤٩٢ - ٤٩٤).\n(^٤) انظر: الفروق (٣/ ٢٢)، قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام (١/ ١٢٤)، أعلام الموقعين لابن القيم (٢/ ١٦٢)، جامع العلوم والحكم (١/ ٧٩ - ٨٣)، معارج القبول (٢/ ٤٩٢ - ٤٩٤).","vol":"1","page":205},{"text":"يكون رياء محضًا بحيث لا يراد سوى مراءاة المخلوقين لغرض دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] ... وهذا العمل لا يشك مسلم أنه محبط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة.\nوتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء:\nفإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضًا وحبوطه ...\nوأما إن كان أصل العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء ...\nفإن كان خاطرًا ودفعه فلا يضره بغير خلاف.\nفإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك خلاف بين العلماء من السلف حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري، وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن البصري وغيره ...\nفأما إذا عمل لله خالصًا ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بفضل ذلك ورحمته، واستبشر بذلك لم يضّره ذلك ... \" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-84>١).\n\n١٢ - اتخاذ القبور مساجد، والطواف بها، وإسراجها، والبناء فوقها، والكتابة عليها، والقراءة عندها:</span>\nيرى ابن حجر -﵀- تحريم اتخاذ القبور مساجد، والطواف بها، وإسراجها، والبناء فوقها، والكتابة عليها، والقراءة عندها، وأن ذلك من كبائر الذنوب، حيث ذكر في تعداده الكبائر: \"اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، واتخاذها أوثانًا، والطواف بها، واستلامها، والصلاة عليها\" (^٢)، كما عد من الكبائر أيضًا: \"اتخاذ المساجد أو السرج على القبور ... \" (^٣).\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٧٩ - ٨٣).\n(^٢) الزواجر (١/ ١٤٨).\n(^٣) المصدر السابق (١/ ١٦٥).","vol":"1","page":206},{"text":"وقد فصل ابن حجر في حكم كل منها؛ ونظرًا لجمعه لها في تعداده الكبائر من جهة، ولتعلقها كلها بالقبور من جهة أخرى، رأيت جمعها وإجمال الكلام عليها بما يناسب المقام، وفيما يلي إيراد رأيه في كل منها، مع التعقيب عليه بتقويمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>أ- اتخاذ القبور مساجد:</span>\nيرى ابن حجر -﵀- تحريم اتخاذ القبور مساجد (^١)، وأن \"اتخاذ القبر مسجدًا معناه: الصلاة عليه أو إليه\" (^٢)، وأن التحريم يشمل الأمرين جميعًا يقول في ذلك: \"قال أصحابنا: تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبرّكًا وإعظامًا، فاشترطوا شيئين: أن يكون قبر معظم، وأن يقصد بالصلاة إليه ومثلها الصلاة عليه التبرك والإعظام\" (^٣).\nويقرر ابن حجر -عفا الله عنه- أن الصلاة إلى القبور أو عليها بقصد التبرك والتعظيم فهو حرام وكفر، أما إن كان بغير قصد التعظيم والتبرك فهو حينئذٍ مكروه.\nيقول في ذلك: \"تحرم الصلاة إلى قبر نبي أو ولي تبركًا وإعظامًا، وقول النووي في تحقيقه: تكره الصلاة إلى قبر غيره -ﷺ-، محمول كما هو ظاهر على من لم يرد تعظيم القبر بذلك وإلا حَرُمَ، بل يكون ذلك كفرًا\" (^٤).\nالتقويم:\nاتخاذ القبور مساجد مما جاءت الأحاديث بالنهي عنه، وتواترت في التحذير منه، وهو مما ينافي التوحيد ويقدح فيه (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الزواجر (١/ ١٤٨ - ١٤٩).\n(^٢) المصدر السابق (١/ ١٤٨).\n(^٣) المصدر السابق (١/ ١٤٨ - ١٤٩)، وانظر: تحفة المحتاج (١/ ٤١٤)، فتح الجواد (١/ ٢٤٠)، حاشية الإيضاح (ص ٥١٩)، المنهاج القويم (ص ٢١٣)، تحفة الزوار (ص ٢٠، ص ٢٨).\n(^٤) الجوهر المنظم (ص ٧٠).\n(^٥) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦٧٤)، إغاثة اللهفان لابن القيم (١/ ٢٠٣)، تيسير العزيز الحميد (ص ٣٢٠)، تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد للألباني (ص ٩).","vol":"1","page":207},{"text":"والنهي عن ذلك يتضمن ثلاثة معان:\nالأول: الصلاة على القبور والسجود عليها.\nوالثاني: الصلاة إلى القبور واستقبالها.\nوالثالث: بناء المساجد على القبور، وقصد الصلاة فيها (^١).\nوقد ذكر ابن حجر منها المعنيين الأول والثاني، وأهمل الثالث فلم يذكره وهو مما يتضمنه النهي، ولهذا يقول العلامة الصنعاني -﵀-: \"اتخاذ القبور مساجد أعم من أن يكون بمعنى الصلاة إليها، أو بمعنى الصلاة عليها\" (^٢).\nيقول الإمام الشافعي -﵀- في بيان تضمن النهي عن اتخاذ القبور مساجد لهذه المعاني الثلاثة جميعًا: \"وأكره أن يبنى على القبر مسجد، وأن يسوى، أو يصلى عليه، وهو غير مسوى، أو يصلى إليه ... وإن صلى إليه أجزأه وقد أساء، أخبرنا مالك أن رسول الله -ﷺ- قال: \"قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" (^٣) ... \" (^٤).\nوما قرره ابن حجر من تحريم اتخاذ القبور مساجد مما اتفق عليه أئمة المذاهب الفقهية (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٤٦)، مرقاة المفاتيح للشيخ علي القاري (٢/ ٣٧٢)، تحذير الساجد (ص ٢١).\n(^٢) سبل السلام (١/ ٢١٤).\n(^٣) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الجامع، باب ما جاء في إجلاء اليهود من المدينة (٢/ ٦٨٠) من طريق إسماعيل بن أبي حكيم، عن عمر بن عبد العزيز -﵀- مرسلًا به.\nوأخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور (١/ ٣٩٥) برقم (١٣٣٠)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور (١/ ٣٧٧) برقم (٥٣١) من حديث عائشة -﵂- موصولًا بلفظ: \"لعن الله اليهود والنصارى ... \".\n(^٤) انظر: الأم (١/ ٢٤٦).\n(^٥) انظر: الآثار لمحمد بن الحسن (ص ٤٥)، التمهيد لابن عبد البر (١/ ١٦٨)، المنتقى للباجي (٧/ ١٩٥)، شرح صحيح مسلم للنووي (٥/ ١١ - ١٤)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٦٧)، كشاف القناع (٢/ ١٤٠).","vol":"1","page":208},{"text":"يقول شيخ الإسلام -﵀-: \"ويحرم الإسراج على القبور، واتخاذ المساجد عليها، وبينها، ويتعين إزالتها، ولا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين\" (^١).\nوأما ما ذكره من اشتراط التبرك والتعظيم للتحريم، وقوله: بكراهة ذلك مع عدمها، وحمله عبارة النووي على ذلك، فهو متعقب بأن الأحاديث الواردة في ذلك صريحة في التحريم ولم تخصصه بذلك، وإنما وردت عامة في كل من اتخذ القبور مساجد، وأما عبارة النووي فتحمل على كراهة التحريم.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: \"وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها [يعني: القبور] ...، وطائفة أطلقت الكراهة. والذي ينبغي أن تحمل على كراهة التحريم إحسانًا للظن بالعلماء، وأن لا يظن بهم أن يجوِّزوا فعل ما تواتر عن رسول الله -ﷺ- لعن فاعله والنهي عنه\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>ب- الطواف بالقبور:</span>\nذكر ابن حجر -﵀- تحريم الطواف بالقبور (^٣)، وحكى إجماع أهل العلم على ذلك فقال: \"لا يجوز أن يطاف بقبره -ﷺ- كما نقله النووي عن أطباق العلماء، ويوجه بأنهم كما أجمعوا على تحريم الصلاة لقبره -ﷺ- إعظامًا له، كذلك أجمعوا على تحريم الطواف بقبره؛ لأن الطواف بمنزلة الصلاة\" (^٤).\nالتقويم:\nالطواف من العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله، وهو يختص بالكعبة المشرفة فلا يشرع الطواف بغيرها.\nوما ذكره ابن حجر من تحريم الطواف بالقبور، وحكايته إجماع أهل\n_________\n(^١) الاختيارات العلمية (ص ٥٢).\n(^٢) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦٧٤) وانظر: إغاثة اللهفان لابن القيم (١/ ٢٠٣)، تيسير العزيز الحميد (ص ٣٢٠)، فتح المجيد (١/ ٣٨٨).\n(^٣) انظر: الزواجر (١/ ١٤٨).\n(^٤) الجوهر المنظم (ص ٦٣).","vol":"1","page":209},{"text":"العلم على ذلك حق؛ فإن أهل العلم قد أنكروا كل طواف بغيرها شرع الله التطوُّف به أيًا كان موضعه (^١).\nوالطواف بالقبور تارة يكون شركًا أكبر مخرجًا من الملة وذلك في حق من أراد بطوافه غير الله تعالى والتقرب إليه كصاحب القبر أو الضريح، وهذا هو الغالب في حال الطائفين بالقبور، وتارة يكون بدعة منكرة وذلك في حق من أراد بطوافه وجه الله والتقرب إليه ظنًا منه أن ذلك مما يتقرب به إلى الله كما يتقرب إليه بالطواف بالكعبة المشرفة، فإن بيّن له خطأ ظنه فأصر عليه كفر (^٢).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: \"الطواف بالبيت العتيق مما أمر الله به ورسوله، وأما الطواف بالأنبياء والصالحين فحرام بإجماع المسلمين، ومن اعتقد ذلك دينًا فهو كافر، سواء طاف ببدنه أو بقبره\" (^٣).\nويقول أيضًا: \"ليس في الأرض مكان يطاف به كما يطاف بالكعبة، ومن اعتقد أن الطواف بغيرها مشروع فهو شر ممن يعتقد جواز الصلاة إلى غير الكعبة ... فمن اتخذ الصخرة اليوم قبلة يصلي إليها فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل مع أنها كانت قبلة لكن نسخ ذلك، فكيف بمن يتخذ مكانًا يطاف به كما يطاف بالكعبة؟ والطواف بغير الكعبة لم يشرعه الله بحال ... \" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>جـ - اتخاذ السرج على القبور:</span>\nيرى ابن حجر -﵀- تحريم اتخاذ السرج على القبور، وأن ذلك من الكبائر (^٥)، وأن قول الشافعية بكراهة اتخاذ السرج على القبور محمول على\n_________\n(^١) انظر: تنبيه الغافلين لابن النحاس (ص ٢٩٧)، سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٦٤)، الأمر بالاتباع للسيوطي (ص ١٨٣)، الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة (ص ١٢٠)، كشاف القناع للبهوتي (٢/ ١٤٠).\n(^٢) انظر: الباعث على إنكار البدع (ص ١٢٠)، مجموع الفتاوى (٢/ ٣٠٨) (٢٧/ ١٠)، إغاثة اللهفان لابن القيم (١/ ١٩٤)، تجريد التوحيد المفيد للمقريزي (ص ٥٨)، أحكام الجنائز للألباني (ص ٢٦٣).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢/ ٣٠٨).\n(^٤) المصدر السابق (٢٧/ ١٠).\n(^٥) انظر: الزواجر (١/ ١٦٥).","vol":"1","page":210},{"text":"ما لم يقصد به التعظيم والتبرك بصاحب القبر أو على ما لم يكن فيه إسراف وتبذير.\nيقول في ذلك: \"يحمل قول أصحابنا: بكراهة ذلك على ما إذا لم يقصد به تعظيمًا وتبركًا بذي القبر\" (^١).\nويقول: \"كلام أصحابنا ... مصرح بكراهتها دون حرمتها، فضلًا عن كونها كبيرة، فليحمل [أي: عد اتخاذ السرج على القبور من الكبائر] ... على ما إذا عظمت مفاسدها ... كأن يسرف في الإيقاد عليها لأنه من التبذير والإسراف وإنفاق المال في المحرمات\" (^٢).\nويقول أيضًا: \"نعم صرح أصحابنا بحرمة السراج على القبر وإن قلّ حيث لم ينتفع به مقيم ولا زائر وعللوه بالإسراف وإضاعة المال والتشبه بالمجوس (^٣) فلا يبعد في هذا حينئذ أن يكون كبيرة\" (^٤).\nالتقويم:\nاتخاذ السرج على القبور وسيلة إلى عبادتها وتعظيمها، والتذلل والخضوع لها، وسؤالها ما لا يقدر عليه إلا الله؛ ولهذا ورد النهي عن ذلك ولعن فاعله، وعده جمع من أهل العلم من كبائر الذنوب، وحكى الإجماع على تحريمه غير واحد منهم (^٥).\nفقد رُوي عن عبد الله بن عباس -﵄- أنه قال: \"لعن رسول الله -ﷺ-\n_________\n(^١) الزواجر (١/ ١٤٩).\n(^٢) المصدر السابق (١/ ١٦٦).\n(^٣) المجوس: هم قوم يدينون بالمجوسية وهي إحدى النحل الوثنية القديمة الوارد ذكرها في القرآن الكريم، يقولون بخالقين: خالق الخير وهو النور، وخالق الشر وهو الظلمة، وكانوا يعبدون النار، وقد عدهم بعض العلماء من أهل الكتاب، والصحيح أنهم ليسوا أهل كتاب.\nانظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٢٣٣)، اعتفادات فرق المسلمين والمشركين (ص ١٣٤)، التبصير في الدين (ص ١٢٦)، البرهان في عقائد أهل الأديان (ص ٩٠).\n(^٤) الزواجر (١/ ١٦٦).\n(^٥) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦٧٧)، إغاثة اللهفان (١/ ١٨٨)، زاد المعاد لابن القيم (١/ ٥٢٥)، الدرر السنية (٥/ ١٠٤، ١٢٥)، تيسير العزيز الحميد (ص ٣٤٧)، فتح المجيد (١/ ٤٢٠ - ٤٢١).","vol":"1","page":211},{"text":"زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج\" (^١).\nيقول العلامة ابن القيم -﵀-: \"قرن في اللعن بين متخذي المساجد عليها وموقدي السرج عليها، فهما في اللعنة قرينان، وفي ارتكاب الكبيرة صنوان، فإن كل ما لعن رسول الله -ﷺ- فهو من الكبائر، ومعلوم إن إيقاد السرج عليها إنما لعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها، وجعلها نُصُبًا يُوفِضُ إليه المشركون كما هو الواقع ... \" (^٢).\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: \"يحرم الإسراج على القبور، واتخاذ المساجد عليها، وبينها، ويتعين إزالتها، ولا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين\" (^٣).\nوبناء على ما سبق فما ذهب إليه ابن حجر -﵀- من تحريم اتخاذ السرج على القبور وعده ذلك من الكبائر مما وافق فيه أهل السنة والجماعة، وأهل العلم المعروفين.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، كتاب الجنائز، باب في زيارة النساء القبور (٣/ ٥٥٨) برقم (٣٢٣٦)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الجنائز، باب التغليظ في اتخاذ السرج على القبور (١/ ٦٥٧) برقم (٢١٧٠)، وفي المجتبى، كتاب الجنائز، باب التغليظ في اتخاذ السرج على القبور (٤/ ٩٥ - ٩٦) برقم (٢٠٤٣)، والترمذي، أبواب الصلوات، باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجد (١/ ٣٥٢) برقم (٣٢٠)، والطيالسي (٤/ ٤٥٤) برقم (٢٨٥٦)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣٤٤)، وأحمد (٣/ ٤٧١)، برقم (٢٠٣٠)، (٤/ ٣٦٣) برقم (٢٦٠٣)، (٥/ ١٢٨)، برقم (٢٩٨٤)، وابن حبان (٧/ ٤٥٢ - ٤٥٤)، برقم (٣١٧٩، ٣١٨٠)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٤٨) برقم (١٢٧٢٥)، والحاكم (١/ ٣٧٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٧٨)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ٤١٦ - ٤١٧) برقم (٥١٠) من طرق عن أبي صالح عن ابن عباس -﵄- به.\nوقد اختلف المحدثون في تعيين أبي صالح أهو باذان أو مهران، وجمهورهم على الأول كما في التلخيص الحبير (٢/ ١٤٥).\nيقول الحاكم: \"أبو صالح هذا ليس بالسمان المحتج به، إنما هو باذان، ولم يحتج به الشيخان، لكنه حديث متداول بين الأئمة ... \".\nوقد حسن الحديث الترمذي، والبغوي، وشيخ الإسلام في الفتاوى (٢٤/ ٣٥٠)، وابن القيم في تهذيب السنن (٤/ ٣٤٧)، والسيوطي في الأمر بالاتباع (ص ١٢٩ - ١٣٠)، وأحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي (٢/ ١٣٧).\n(^٢) إغاثة اللهفان (١/ ١٨٨).\n(^٣) الاختيارات العلمية (ص ٥٢).","vol":"1","page":212},{"text":"وأما ذكره عن الشافعية من القول بكراهة اتخاذ السرج على القبور دون حرمة ذلك، وحمله كلامهم على ما لم يقصد به التعظيم والتبرك أو ما لم يكن فيه إسراف وتبذير، فمتعقب بكون النهي الوارد عن اتخاذ السرج على القبور ظاهرًا في التحريم، ولا يحتمل غيره، إذ هو دال على لعن فاعله، وهو غاية في النهي والزجر، وأي لفظ أدل على التحريم من ذلك؟ !\nوحمل النهي على ما قصد به التعظيم والتبرك أو اشتمل على إسراف وتبذير تخصيص لعموم النهي الوارد، والأصل بقاؤه على عمومه فلا يعدل عنه إلا بدليل، ولا دليل يدل على التخصيص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>د- البناء على القبور:</span>\nيرى ابن حجر -﵀- تحريم البناء على القبور في المقابر المسبلة والموقوفة، وجواز هدم بنائها، يقول في ذلك: \"يحرم بناء القبر في المقبرة المسبلة وهي التي اعتاد أهل البلد الدفن فيها، ومثلها الموقوفة لذلك ... لوجود علة تحريم البناء في ذلك وهي تحجير الأرض على من يدفن بعد بلاء الميت ومنع الناس من الانتفاع بها، فحرم ووجب على ولاة الأمر هدم الأبنية التي في المقابر المسبلة ... \" (^١).\nوأما المقابر المملوكة لأصحابها فيرى كراهة البناء عليها لانتفاء علة التحريم عنها حيث يقول: \"يكره [يعني: البناء على القبور] ... ومحل كراهة البناء إذا كان بملكه، فإن كان بمسبلة ... أو موقوفة حرم وهدم\" (^٢).\nكما يرى ابن حجر بطلان النذر بتجصيص القبور، ويستثني من ذلك قبور الأنبياء والأولياء.\nيقول في ذلك: \"والنذر للتجصيص المذكور باطل ... ويصح ذلك في قبور الأنبياء والأولياء والعلماء\" (^٣).\n_________\n(^١) الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٤٢٢)، وانظر: (١/ ٤١٣)، وتحفة المحتاج (١/ ٤٣٣ - ٤٣٤)، وفتح الجواد (١/ ٢٤٣ - ٢٤٤).\n(^٢) فتح الجواد (١/ ٢٤٣ - ٢٤٤)، وانظر: تحفة المحتاج (١/ ٤٣٤).\n(^٣) الفتاوى الفقهية الكبرى (٤/ ٢٨٢).","vol":"1","page":213},{"text":"التقويم:\nالبناء على القبور من ذرائع الشرك الموصلة له، ووسائله المفضية إليه، ولهذا جاءت النصوص بالتحذير من ذلك، والأمر بإزالته (^١).\nفقد روى أبو الهياج الأسدي (^٢) -﵀- أن علي بن أبي طالب -﵁- قال له: \"ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله -ﷺ-؟ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته\" (^٣).\nوثبت عن جابر بن عبد الله -﵁- أنه قال: \"نهى رسول الله -ﷺ- أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه\" (^٤).\nوروى أبو سعيد الخدري -﵁-: \"أن رسول الله -ﷺ- نهى أن يبنى على القبور، أو أن يقعد عليها، أو يصلى عليها\" (^٥).\nواتفق أهل العلم﵏- على النهي عن ذلك والتحذير منه.\nيقول العلامة الشوكاني (^٦) -﵀-: \"اعلم أنه اتفق الناس سابقهم\n_________\n(^١) انظر: الدرر السنية (٥/ ١٤٠)، مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (١/ ٢٤٦)، النبذة الشريفة (ص ١٢٣) وما بعدها، تيسير العزيز الحميد (ص ٣٣٢) وما بعدها.\n(^٢) هو حيان بن حصين أبو الهياج الأسدي الكوفي، تابعي ثقة، روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.\nانظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٢٢٣)، تهذيب الكمال (٧/ ٤٧٢).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب الأمر بتسوية القبر (٢/ ٦٦٦) برقم (٩٦٩).\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه (٢/ ٦٦٧) برقم (٩٧٠).\n(^٥) أخرج ابن ماجه الشاهد منه في كتاب الجنائز، باب ما جاء في النهي عن البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها (١/ ٤٩٨) برقم (١٥٦٤)، وأخرجه بتمامه أبو يعلى في المسند (٢/ ٢٩٧) برقم (١٠٢٠) من طريق وهيب بن خالد، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن القاسم بن مخيمرة، عن أبي سعيد به.\nوالحديث رجاله ثقات، غير أن فيه انقطاعًا فإن القاسم بن مخيمرة لم يسمع من أبي سعيد، وبهذا أعله البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ٤١)، والألباني في أحكام الجنائز (ص ٢٠٦ - ٢٠٧)، إلا أن ما دل عليه الحديث ثابت متقرر بأحاديث أخرى ومنها الأحاديث المتقدمة.\n(^٦) هو محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني ثم الصنعاني، ففيه محدث، من مؤلفاته: التحف في مذاهب السلف، الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد، =","vol":"1","page":214},{"text":"ولاحقهم وأولهم وآخرهم من لدن الصحابة -﵀- إلى هذا الوقت أن رفع القبور والبناء عليها بدعة من الباع التي ثبت النهي عنها، واشتد وعيد رسول الله -ﷺ- لفاعلها، ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين أجمعين\" (^١).\nوبناء على ما سبق فما ذكره ابن حجر من النهي عن البناء على القبور موافق لِمَا دلّت عليه النصوص الشرعية، وما ذهب إليه عامة أهل العلم سلفًا وخلفًا.\nوأما تفريقه بين البناء على القبور في المقبرة المسبلة أو الموقوفة والمقبرة المملوكة وقوله بتحريم الأول وكراهة الثاني، فهو مما تابع فيه بعض الشافعية (^٢)، وهذا القول متعقب بما يلي:\n١ - أن النصوص الواردة في النهي عن البناء على القبور عامة مطلقة فتخصيصها أو تقييدها بالمقابر المسبلة أو الموقوفة دون المقابر المملوكة يحتاج إلى دليل، ولا دليل يدل على التخصيص أو التقييد (^٣).\n٢ - أن العلة التي علل بها الفقهاء النهي عن البناء على القبور كون ذلك وسيلة إلى الشرك، ومشابهة لأهل الكتاب والمشركين، وإضاعة للمال بلا فائدة، واتخاذًا للزينة والخيلاء في غير موضعها (^٤)، وهذه العلل متحققة في البناء على القبور سواء أكانت تلك القبور في مقابر مسبلة أو مملوكة.\nوبهذا يعلم أن تعليل النهي عن البناء على القبور بكون ذلك يتضمن تحجير الأرض ومنع الناس من الاستفادة منها، والاعتماد في التفريق بين\n_________\n= شرح الصدور في تحريم رفع القبور، توفي سنة ١٢٥٠ هـ.\nانظر: البدر الطالع (٢/ ٢٠٤)، الأعلام (٦/ ٢٩٨).\n(^١) شرح الصدور في تحريم رفع القبور (ص ٧).\n(^٢) انظر: شرح صحيح مسلم (٢٧/ ٧).\n(^٣) انظر: نيل الأوطار للشوكاني (٧٨/ ٥، ٧٩، ٨١)، والبناء على القبور للمعلمي (ص ٥٥).\n(^٤) انظر: بدائع الصنائع (١/ ٣٢٠)، تفسير القرطبي (١٠/ ٣٨٠)، الأمم للشافعي (١/ ٣٦٧)، المغني لابن قدامة (٢/ ٣٨٨)، السيل الجرار للشوكاني (١/ ٣٦٧).","vol":"1","page":215},{"text":"المقابر المسبلة والمقابر المملوكة على ذلك لا يصح؛ لكون هذه العلة، وإن كانت صحيحة إلا أنها ليست هي علة النهي الوحيدة.\n٣ - أن تحريم البناء على القبور في المقابر المملوكة أولى بالتحريم من البناء عليها في المقابر المسبلة أو الموقوفة؛ لما في تخصيص تلك القبور مع انفرادها عن غيرها من إشعار بتميزها مما يجعل الفتنة بها أحرى.\nولهذا يقول الشيخ سليمان بن عبد الله -﵀-: \"أجمع العلماء على النهي عن البناء على القبور، وتحريمه، ووجوب هدمه، لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا مطعن فيها بوجه من الوجوه، ولا فرق في ذلك بين البناء في مقبرة مسبلة أو مملوكة، إلا أنه في المملوكة أشد، ولا عبرة بمن شذ من المتأخرين فاباح ذلك إما مطلقًا، أو في المملوكة ... \" (^١).\nوأما ما ذكره أن حجر من بطلان النذر بتجصيص القبور فهو موافق لما دلت عليه النصوص الشرعية، وما عليه أهل العلم من المذاهب الفقهية المتبوعة (^٢)، إلا أن استثناءه قبور الأنبياء والأولياء من ذلك لا يصح؛ لعدم الدليل على تخصيص النهي بمن هو دونهم، إضافة لكون تحريم تخصيص قبور الأنبياء والأولياء والحكم ببطلان النذر لذلك أولى بالتحريم من غيرها؛ لكون الفتنة بها أشد (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>هـ - الكتابة على القبور:</span>\nيرى ابن حجر -غفر الله له- كراهة الكتابة على القبور حيث يقول: \"يكره تجصيص القبر ... والبناء عليه ... والكتابة عليه للنهي الصحيح عن الثلاثة\" (^٤).\n_________\n(^١) تيسر العزيز الحميد (ص ٣٣٢).\n(^٢) انظر: فتح القدير لابن الهمام (٢/ ١٤١)، المدونة (١/ ١٨٩)، الكافي لابن عبد البر (١/ ١٨٣)، روضة الطالبين، شرح صحيح مسلم (٧/ ٣٧، ٣٨)، المبدع (٢/ ٢٧٣)، كشاف القناع (٢/ ١٣٩).\n(^٣) انظر: المصادر السابقة.\n(^٤) تحفة المحتاج (١/ ٤٣٣)، وانظر الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٤٠٥)، فتح الجواد (١/ ٢٤٤).","vol":"1","page":216},{"text":"وفصل في موضع آخر حيث حكى عن الأذرعي (^١) من الشافعية قوله: بتحريم كتابة القرآن وكراهة كتابة ما سواه، ثم عقب بقوله: \"ما ذكره الأذرعي من تحريم كتابة القرآن قريب ... ويلحق بالقرآن في ذلك كل اسم معظم، بخلاف غيره من النظم والنثر فإنه مكروه لا حرام ... \" (^٢).\nويرى -عفا الله عنه- جواز كتابة اسم الميت على قبره إن تعذر تمييزه بغير ذلك في عامة القبور، واستحباب ذلك خاصة في قبور الأنبياء والأولياء، حيث يقول: \"ما بحثه السبكي من عدم الكراهة في كتابة اسم الميت للتعريف، والأذرعي من استحبابها، ظاهر إن تعذر تمييزه إلا بها لو كان عالمًا أو صالحًا وخشي من طول السنين اندراس قبره والجهل به لو لم يكتب اسمه على قبره، ويحمل النهي على غير ذلك، لأنه يجوز (^٣) أن يستنبط من النص معنى يخصصه، وهو هنا الحاجة إلى التمييز، فهو بالقياس ندب على وضع شيء يعرف به القبر، بل هو داخل فيه، أو إلى بقاء هذا العالم أو الصالح ليكثر الترحم عليه أو عود بركته على من زاره\" (^٤).\nالتقويم:\nالكتابة على القبور مما ورد النهي عنه والتحذير منه، واتفق أهل العلم على ذلك (^٥)؛ لأنها من وسائل الشرك وذرائعه (^٦).\n_________\n(^١) هو أحمد بن حمدان بن أحمد بن عبد الواحد، أبو العباس، شهاب الدين، الأذرعي، فقيه شافعي، من مؤلفاته: غنية المحتاج، وقوت المحتاج كلاهما في شرح المنهاج، وجمع التوسط والفتح بين الروضة والشرح، توفي سنة ٧٨٣ هـ.\nانظر: الدرر الكامنة (١/ ١٢٥)، البدر الطالع (١/ ٣٥).\n(^٢) الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٤٠٦).\n(^٣) وقع في المطبوعة \"ولا يجوز أن يستنبط ... \" وهو تصحيف، والصواب ما أثبت أعلاه بدلالة السياق ووقوعها على هذا النحو في الطبعة الأولى من الفتاوى (٢/ ١٢).\n(^٤) الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٤٠٥ - ٤٠٦)، وانظر: تحفة المحتاج (١/ ٤٣٣، ٤٣٤).\n(^٥) انظر: بدائع الصنائع (١/ ٣٢٠)، روضة الطالبين (١/ ٦٥٢)، المبدع (٢/ ٢٧٣)، كشاف القناع (٢/ ١٣٩).\n(^٦) انظر: النبذة الشريفة لابن معمر (ص ١٢٥)، والفواكه العذاب (ص ٩١ - ٩٤).","vol":"1","page":217},{"text":"يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن (^١) -﵀-: \"ثبت بالكتاب والسنة النهي عن ذلك أشد النهي، وقرر الفقهاء منع الكتابة على القبور والقباب وعلى جدران المساجد ونحوها، ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله -ﷺ- ولا خلفائه الراشدين، ولا أهل القرون المفضلة يفعل ذلك، لا في حياته، ولا بعد مماته ... \" (^٢).\nوبناء على ذلك فما قرره ابن حجر -غفر الله له- من كراهة الكتابة على القبور أو التفصيل فيها مردود بكون النهي عن ذلك يقتضي التحريم مطلقًا، لا الكراهة أو التفصيل المذكور؛ إذ الأصل في النهي التحريم إلا أن يصرفه صارف إلى الكراهة، ولا صارف له هنا.\nوتحريم الكتابة على القبور يتفاوت بتفاوت المكتوب، فليست كتابة الشرك الصراح كدعاء المقبور ورجائه والاستغاثة به ككتابة الآيات والأحاديث على قبره، كما أن كتابة الآيات والأحاديث على القبر ليست ككتابة اسم المقبور وتاريخ وفاته، وإن كانت كلها تشترك في التحريم.\nوأما قوله بجواز كتابة اسم الميت على قبره، فمتعقب بكون النهي عن ذلك عامًّا في كل مكتوب، فلا يخصص إلا بدليل، وزعمه بأنه يجوز أن يستنبط من النص ما يخصصه لا يستقيم؛ إذ لو سلم ذلك لادعى كل مدعٍ تخصيص عمومات الكتاب والسنة مما لا يوافق هواه بدعوى استنباطه ما يخصصها.\nوقد سئل الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين (^٣) عن كتابة\n_________\n(^١) هو عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، النجدي الأزهري، من أعلام الدعوة السلفية الإصلاحية في نجد، من مؤلفاته: منهاج التأسيس في كشف شبهات داود بن جرجيس، ومصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام، وعيون المسائل وغيرها، توفي سنة ١٢٩٣ هـ.\nانظر: علماء الدعوة (ص ٤٧)، الأعلام (٤/ ١٨٢).\n(^٢) مصباح الظلام (ص ٢٤٧).\n(^٣) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الرحمن أبو بطين، من أعلام الدعوة السلفية في نجد، وأحد فقهاء الحنابلة المتأخرين، من مؤلفاته: الانتصار لحزب الله الموحدين، وتأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس، وتعليقات على لوامع =","vol":"1","page":218},{"text":"اسم الميت على القبر؟ فقال: \"هو داخل في عموم النهي عن الكتابة على القبر، وأما جعل العلامة على القبر فلا بأس به ... \" (^١).\nوإذا تقرر حرمة الكتابة على القبور، وأن كتابة اسم المقبور على قبره داخل في عموم ذلك، فإن تحريم الكتابة يعم أيضًا كل قبر سواء كان صاحبه نبيًّا أو وليًا أو صالحًا، بل تحريم ذلك في قبورهم أولى؛ لما قد يحصل بالكتابة عليها من الفتنة بها، والشرك عندها، ودعاء أصحابها.\nوبذا يعلم خطأ ابن حجر في قوله باستحباب كتابة اسم المقبور على قبور الأنبياء والأولياء خاصة، بدعوى كثرة التّرحُّم عليهم، وعود بركتهم على زائريهم؛ فإن الترحم حاصل بالكتابة وغيرها، وأما التماس البركة بزيارتهم فليس ذلك من مقاصد الزيارة الشرعية، ولا هو مما ثبتت البركة فيه حتى تُلتمس به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>و- القراءة على القبور:</span>\nيرى ابن حجر -عفا الله عنه- استحباب قراءة القرآن على القبور وسنية ذلك، حيث يقول: \"قول بعضهم: تكرار الذهاب بعد الدفن للقراءة على القبر ليس بسنة ممنوع؛ إذ يسن ... قراءة ما تيسر على القبر والدعاء له، فالبدعة إنما هي في تلك الاجتماعات الحادثة دون نفس القراءة والدعاء، على أن من تلك الاجتماعات ما هو من البدع الحسنة كما لا يخفى\" (^٢).\nويرى صحة الوصية بذلك، ووجوب إنفاذها، حيث يقول: \"لو أوصى بكذا لمن يقرأ على قبره كل يوم جزء قرآن ولم يعين المدة صح، ثم من قرأ على قبره مدة حياته استحق الوصية وإلا فلا\" (^٣).\n_________\n= الأنوار للسفاريني، توفي سنة ١٢٨٢ هـ.\nانظر: علماء الدعوة (ص ٧٩)، الأعلام (٤/ ٩٧).\n(^١) الدرر السنية (٥/ ١٣٦ - ١٣٧).\n(^٢) تحفة المحتاج (١/ ٤٣٥).\n(^٣) المصدر السابق (٣/ ٣٩٢)، وانظر: الفتاوى الفقهية الكبرى (٣/ ٣٩٢).","vol":"1","page":219},{"text":"التقويم:\nالقراءة على القبور تارة تكون قراءة دائمة في كل وقت، وتارة تكون في بعض الأوقات والأحوال دون بعض.\nفأما القراءة الدائمة على القبور فهي بدعة حادثة لم تكن معروفة عند السلف.\nوأما القراءة في بعض الأحوال والأوقات كحين زيارتها أو دفن الميت فيها، فقد اختلف أهل العلم فيها على ثلاثة أقوال.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: \"لم يقل أحد من العلماء بأنه يستحب قصد القبر دائمًا للقراءة عنده؛ إذ قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن ذلك ليس مما شرعه النبي -ﷺ- لأمته.\nلكن اختلفوا في القراءة عند القبور هل تكره، أم لا تكره؟\nوالمسألة مشهورة، وفيها ثلاث روايات عن أحمد:\nإحداها: أن ذلك لا بأس به ...\nوالثانية: أن ذلك مكروه ... وهذه الرواية التي رواها أكثر أصحابه عنه، وعليها قدماء أصحابه الذين صحبوه ... وهي مذهب جمهور السلف، كأبي حنيفة ومالك ... ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام؛ وذلك لأن ذلك كان عنده بدعة.\nوقال مالك: ما علمت أحدًا يفعل ذلك، فعلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه.\nوالثالثة: أن القراءة عنده وقت الدفن لا بأس بها ... وأما القراءة بعد ذلك ... فهذا مكروه، فإنه لم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلا\" (^١).\nوعليه فإن مذهب جمهور السلف كراهة القراءة على القبور، والذي\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧٤٣ - ٧٤٤)، وانظر: الفتاوى (٢٤/ ٣١٧) (٢٤/ ٣٠١ - ٣٠٢)، والاختيارات العلمية (ص ٩١)، فتاوى اللجنة الدائمة (٩/ ٣٥، ٣٨، ٥١، ٥٢)، وأحكام الجنائز (ص ١٩١ - ١٩٣).","vol":"1","page":220},{"text":"ينبغي حمل الكراهة في كلامهم على كراهة التحريم لا كراهة التنزيه؛ إذ العلماء المتقدمون كثيرًا ما يطلقون الكراهة ويريدون بها كراهة التحريم هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الآثار التي استدل بها القائلون بجواز ذلك مطلقًا أو جوازه حال الدفن دون ما بعده ضعيفة لا تثبت (^١)، إضافة إلى كون القراءة على القبور قد توقع في الغلو فيها والشرك بها من دون الله تعالى (^٢).\nوبناء على ما سبق فما ذهب إليه ابن حجر من استحباب القراءة على القبور مخالف لما عليه أئمة المذاهب الأربعة -ومنهم الأمام الشافعي الذي ينتسب إليه ابن حجر ويذهب مذهبه- فإنهم وإن اختلفوا في كراهة القراءة على القبور أو عدمها، إلا أنهم متفقون على عدم استحبابها.\nوأما قول ابن حجر ببدعية الاجتماعات الحادثة عند القبور للقراءة والدعاء، ثم زعمه بعد ذلك بأن من تلك الاجتماعات ما هو بدعة حسنة تناقض ظاهر؛ فإن البدع المحدثة في دين الله كله سيئة لعموم قوله -ﷺ-: \"كل بدعة ضلالة\" (^٣)، وتقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة مسلك بدعي، روج له الصوفية والقبورية لنشر بدعهم بين العامة وصدهم عن السنن -كما سيأتي- (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>١٣ - شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ</span>-:\nيعد ابن حجر -غفر الله له- من حاملي لواء القول باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ- والمنافحين عنه والرادين على من خالفه، وقد صنف في تقرير ذلك مصنفين أحدهما: الجوهر المنظم في زيارة القبر الشريف النبوي المكرم، والآخر: تحفة الزوار إلى قبر النبي المختار، علاوة على كتبه الأخرى التي عرض فيها لهذه المسألة (^٥)، بل بلغ به الأمر\n_________\n(^١) انظر: المصادر السابقة.\n(^٢) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (٩/ ٥٦).\n(^٣) سبق تخريجه (ص ٧).\n(^٤) انظر: (ص ٧٠٥).\n(^٥) انظر: فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٣٥٠)، الإيعاب شرح العباب (٣/ ٩٣/ أ)، المنح المكية (٣/ ١٠٨٧) (٣/ ١٠٩٠)، الدر المنضود (ص ١٢٦) وما بعدها، حاضية الإيضاح (ص ٤٨٨، ٥٠٥، ٥١٠)، فتح الجواد (١/ ٢٤٤)، الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٤٢١)، تحفة=","vol":"1","page":221},{"text":"إلى تضمينها خطبه وحثه الحجاج القادمين إلى مكة عليها، وتحذيرهم من تركها (^١)، حتى صار من بعده من القبورية عالة عليه في تقريرها (^٢).\nوفيما يلي عرض رأيه في ذلك مع التعقيب عليه بتقويمه:\nيرى ابن حجر استحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ-، و\"تأكد مشروعية الزيارة وقربها من درجة الوجوب، وشد الرحل إليها وإلى المسجد النبوي الذي حوى المطلوب\" (^٣).\nويذكر أن العلماء اختلفوا فيها بين الوجوب والندب، وأن \"أكثر العلماء من الخلف والسلف على ندبها دون وجوبها، وعلى كلٍ من القولين فهي مع مقدماتها من نحو السفر إليها ولو بقصدها فقط دون أن ينضم لها قصد اعتكاف أو صلاة بمسجده -ﷺ- من أهم القربات وأنجح المساعي\" (^٤).\nويقرر أن ذلك مما يدل عليه الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، والقياس حيث يقول: \"اعلم ... أن زيارته -ﷺ- مشروعة مطلوبة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة وبالقياس\" (^٥).\nثم يفصل ابن حجر دلالة تلك الأدلة على مشروعية الزيارة وشد الرحال إليها، فيذكر أولًا دلالة الكتاب فيقول:\n\"أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ [النساء: ٦٤] دلت على حث الأمة على المجيء إليه -ﷺ-، والاستغفار عنده، واستغفاره لهم وهذا لا ينقطع بموته ...\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ\n_________\n= المحتاج (١/ ٤٣٥) (٢/ ٥٨)، النخب الجليلة (ص ٨).\n(^١) انظر: النخب الجليلة في الخطب الجزيلة (ص ٨).\n(^٢) انظر: الدرر السنية في الرد على الوهابية لدحلان (ص ٤)، شواهد الحق للنبهاني (ص ٥٨)، نصرة الإمام السبكي برد الصارم المنكي للسمنودي (ص ١٨٢)، مفاهيم يجب أن تصحح للمالكي (ص ٢١٣)، حقيقة التوسل والوسيلة لموسى محمد علي (ص ١٨٢).\n(^٣) تحفة الزوار (ص ٥١).\n(^٤) الجوهر المنظم (ص ٨).\n(^٥) المصدر السابق (ص ٦).","vol":"1","page":222},{"text":"فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] ... من خرج لزيارة رسول الله -ﷺ- يصدق عليه أنه خرج مهاجرًا إلى الله ورسوله لما يأتي أن زيارته -ﷺ- بعد وفاته كزيارته في حياته، وزيارته في حياته داخلة في الآية الكريمة قطعًا، فكذا بعد وفاته بنص الأحاديث الشريفة الآتية\" (^١).\nثم يثني ابن حجر بدلالة السنة فيقول: \"وأما السنة: فالأحاديث الواردة في الزيارة لقبره -ﷺ-، وقد جاء في السنة الصحيحة المتفق عليها أيضًا الأمر بزيارة القبور، وقبره -ﷺ- سيد القبور وهو داخل في عموم ذلك بل أولى\" (^٢) (^٣).\nثم يورد دلالة الاجماع فيقول: \"وأما إجماع المسلمين فقد نقل جماعة من الأئمة حملة الشرع الشريف الذين عليهم المدار والمعول في نقل الخلاف والإجماع، وإنما الخلاف بينهم في أنها واجبة أو مندوبة ... وأكثر العلماء من الخلف والسلف على ندبها دون وجوبها\" (^٤).\nثم يذكر دلالة القياس فيقول: \"وأما القياس فقد جاء أيضًا في السنة الصحيحة المتفق عليها الأمر بزيارة القبور، فقبر نبينا محمد -ﷺ- منها أولى وأحق وأحرى وأعلى بل لا نسبة بينه وبين غيره ... \" (^٥).\n\"وإذا ثبت أن الزيارة قربة، فالسفر إليها كذلك\" (^٦).\nولم يكتفِ ابن حجر -عفا الله عنه- بما أورده من دلالة الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، على نصرة قوله باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ-، بل استدل أيضًا ببعض الآثار الواردة عن السلف من الصحابة ومن بعدهم مما يظن أنه يؤيد قوله ويقوي مذهبه.\n_________\n(^١) الجوهر المنظم (ص ٦ - ٧)، وانظر: تحفة الزوار (ص ٥٤).\n(^٢) تحفة الزوار (ص ٥٧)، وانظر: الجوهر المنظم (ص ٨).\n(^٣) ساق ابن حجر كثيرًا من هذه الأحاديث في كتابيه الجوهر المنظم (ص ٧ - ص ١٠)، وتحفة الزوار (ص ٢٩) وما بعدها.\n(^٤) الجوهر المنظم (ص ٧ - ٨)، وانظر: تحفة الزوار (ص ٦٧، ٥٩، ٨٢)، حاشية الإيضاح (ص ٤٨٨).\n(^٥) الجوهر المنظم (ص ٧)، وانظر: تحفة الزوار (ص ٦١).\n(^٦) تحفة الزوار (ص ٦٧).","vol":"1","page":223},{"text":"فقال: \"وكذلك يستدل بفعل بلال بن رباح مؤذن الرسول -ﷺرضي الله عنه- فقد ثبت أن بلالًا سافر من الشام إلى زيارة قبر النبي -ﷺ- بالمدينة المشرفة كما رواه ابن عساكر (^١) بسند جيد\" (^٢)، \"ومما استفاض عن ابن عبد العزيز (^٣) أنه كان يبرد البريدي أي: يرسل الرسول من الشام، يقول له: سلم لي على رسول الله -ﷺ-، وذلك في صدر من صدر التابعين ... \" (^٤).\nويرى ابن حجر أن استحباب شد الرحال لا يختص بقبر النبي -ﷺ- بل يشاركه في ذلك قبور الأنبياء والأولياء حيث يقول: \"زيارة قبور الأولياء قربة مستحبة، وكذا الرحلة إليها ... \" (^٥).\nكما يرى أن استحباب الزيارة وشد الرحال إليها لا يختص بالرجال وحدهم بل يشاركهم في ذلك النساء، يقول في ذلك: \"ويسن زيارة قبور المسلمين للرجال وتكره لغيرهم إلا مع خشية فتنة فتحرم، نعم يسن لهن حيث لا خشية فتنة زيارة قبره -ﷺ-، وألحق به ابن الرفعة (^٦) وغيره قبور الأنبياء والأولياء والعلماء\" (^٧).\n_________\n(^١) هو علي بن الحسن بن هبة الله، أبو القاسم، ثقة الدين، ابن عساكر الدمشقي، أشعري المعتقد، شافعي المذهب، صاحب المصنفات، من مؤلفاته: تاريخ دمشق الكبير، وتبيين كذب المفتري في ما نسب إلى أبي الحسن الأشعري، الإشراف على معرفة الأطراف، توفي سنة ٥٧١ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٥٥٤)، شذرات الذهب (٤/ ٢٣٩).\n(^٢) تحفة الزوار (ص ٦٧).\n(^٣) هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص القرشي الأموي، الخليفة العادل، الزاهد الراشد، كان من الأئمة المجتهدين، والخلفاء المتقين، أقام السنة، ونشر العدل، توفي سنة ١٠١ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ١١٤)، شذرات الذهب (١/ ١١٩).\n(^٤) تحفة الزوار (ص. ٧).\n(^٥) الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٤٢١ - ٤٢٢)، وانظر: الجوهر المنظم (ص ١٠).\n(^٦) هو أحمد بن محمد بن علي بن مرتفع الأنصاري، نجم الدين، أبو العباس، المعروف بابن رفعة، من مؤلفاته: الكفاية شرح التنبيه، والمطلب شرح الوسيط، والنفائس في هدم الكنائس، توفي ٧١٠ هـ.\nانظر: الدرر الكامنة (١/ ٢٨٤)، البدر الطالع (١/ ١١٥).\n(^٧) فتح الجواد (١/ ٢٤٤)، وانظر: الجوهر المنظم (ص ١٠).","vol":"1","page":224},{"text":"وينكر ابن حجر على من حرم شد الرحال إلى قبر النبي -ﷺ-، ويحذر من الاغترار بقوله، فيقول: \"ولا يُغْتَر بإنكار ابن تيمية لسن زيارته -ﷺ- فإنه عبد أضله الله كما قال العز بن جماعة وأطال في الرد عليه التقي السبكي في تصنيف مستقل ... \" (^١).\nالتقويم:\nزيارة قبر النبي -ﷺ- وشد الرحال إليها \"من المسائل التي طالت ذيولها، واشتهرت أصولها، وامتحن بسببها من امتحن\" (^٢).\nوزيارة قبر النبي -ﷺ- تارة تكون دون شد الرحال وأخرى مع شدها:\nفالأولى: مشروعة عند أهل العلم دون من شذ منهم، وذلك بشرط أن تكون الزيارة زيارة شرعية.\nوأما الأخرى -وهي الزيارة مع شد الرحال-:\nفهي لا تخلو من ثلاثة أحوال:\n١ - إما أن تكون بقصد المسجد النبوي وزيارة قبر النبي -ﷺ- على السواء.\n٢ - وإما أن تكون بقصد المسجد النبوي والصلاة فيه فقط.\n٣ - وإما أن تكون بقصد زيارة قبر النبي -ﷺ- فقط.\nفالحالة الأولى والثانية مشروعة، وأما الحالة الثالثة فهي محل النزاع ومدار البحث (^٣).\nوقد اختلف أهل العلم في جوازها على قولين:\nالأول: تحريم شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ-، وهو قول الجمهور.\nوالثاني: جواز شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ-، وهو قول\n_________\n(^١) حاشية الإيضاح (ص ٤٨٩)، وانظر: الجوهر المنظم (ص ٢١، ١٣)، الإيعاب (٣/ ٩٣/ ب)، فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٣٥٠).\n(^٢) الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد للشوكاني (ص ٨٣).\n(^٣) انظر: الرد على الإخنائي (ص ٤٨، ٢٤، ١٦٤)، والفتاوى (٢٧/ ٣٤٢)، والصارم المنكي (ص ١٨).","vol":"1","page":225},{"text":"بعض أتباع الأئمة الأربعة (^١).\nوهذان القولان -أعني القول بالتحريم والقول بالجواز- هما القولان المشهوران عن أهل العلم المتقدمين، وأما القول باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺوهو الذي يقرره ابن حجر وينتصر له- فهو قول لم يقل به أحد من العلماء المتقدمين، وإنما قال به بعض المتأخرين (^٢).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: \"لم يقل أحد من علماء المسلمين إن السفر إلى ذلك واجب، ولا عرف عنهم القول بالاستحباب، بل إن السلف والقدماء على التحريم\" (^٣).\nويقول: \"فدعوى من ادعى أن هذا قول الأئمة الأربعة أو جمهور أصحابهم أو جمهور علماء المسلمين فهو كذب بلا ريب وكذلك إن ادعى أن هذا قول عالم معروف من الأئمة المجتهدين، وإن قال إن هذا قول بعض المتأخرين أمكن أن يصدق في ذلك، وهو بعد أن يعرف صحة نقله نقل قولًا شاذًا مخالفًا لإجماع السلف، مخالفًا لنصوص الرسول ... \" (^٤).\nوعليه فإن القول باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ- الذي يقول به ابن حجر وينتصر له ويحكي الاجماع عليه- قول باطل لا يصح؛ وذلك لأمرين:\nالأول: أن الأدلة الصحيحة جاءت بتحريم ذلك، والتحذير منه، ومنها:\n١ - قوله -ﷺ-: \"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام،\n_________\n(^١) انظر: شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، وشرحه على مختصر خليل (٣/ ٩٣)، وفتح الباري (٣/ ٦٥)، والمغني للموفق بن قدامة (٣/ ١١٧)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٧/ ٢١١)، وكشاف القناع للبهوتي (٢/ ١٥٠).\n(^٢) انظر: الرد على الإخنائي (ص ٣٣، ٤١، ١٧٦، ١٤١، ١٥٣)، الصارم المنكي (ص ١٦٧)، الكشف المبدي للفقيه (ص ١٨٠ - ١٨١)، تيسير العزيز الحميد (ص ٣٥٩)، فتح المجيد (١/ ٤٣٣)، مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (٢/ ٥١ - ٥٢)، النبذة الشريفة النفيسة للشيخ حمد بن معمر (ص ١٦٩ - ١٧٠).\n(^٣) الرد على الإخنائي (ص ٤١).\n(^٤) الرد على الإخنائي (ص ١٤١)، وانظر: (ص ١٥٣، ١٧٦، ١٥٣).","vol":"1","page":226},{"text":"ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى\" (^١).\nووجه الدلالة أن النبي -ﷺ- نهى عن شد الرحال لغير هذه المساجد الثلاثة بقصد التقرب والعبادة، وإذا كان النهي عن ذلك يتناول المساجد التي هي بيوت الله تعالى وأشرف بقاع الأرض، فكون النهي يتناول القبور والمشاهد من باب أولى (^٢).\n٢ - قوله -ﷺ-: \"لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم\" (^٣).\nووجه الدلالة أن النبي -ﷺ- نهى أن يتخذ قبره عيدًا، والعيد كل ما يعتاد، وشد الرحال لقبره -ﷺ- وسيلة لاتخاذه عيدًا، والوسائل لها أحكام المقاصد، ومما يدل على تناوله النهي عن شد الرحال لقبره -ﷺ- قوله: \"وصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم\" (^٤).\n٣ - قوله -ﷺ-: \"قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (١/ ٣٥٣) برقم (١١٨٩)، ومسلم، كتاب الحج، باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد (٢/ ١٠١٤) برقم (١٣٩٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.\n(^٢) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦٧١)، التوضيح عن توحيد الخلاق (ص ٢٤٨، ٢٥٠)، مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (٢/ ٣٩ - ٤٠، ٥٢).\n(^٣) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب زيارة القبور (٢/ ٥٣٤) برقم (٢٠٤٢)، وأحمد (١٤/ ٤٠٣) برقم (٨٨٠٤)، والطبراني في الأوسط (٩/ ١٥ - ١٦) برقم (٨٠٢٦)، والبيهقي في حياة الأنبياء بعد وفاتهم (ص ٩٥) برقم (١٤). من طرق عن عبد الله بن نافع، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة -﵁- به.\nوالحديث إسناده حسن لأجل عبد الله بن نافع، قال فيه الحافظ في التقريب: (ص ٥٥٢ ترجمة: ٣٦٨٣): \"ثقة، صحيح الكتاب، في حفظه لين\"، وبقية رجاله ثقات.\nوقد حسن الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على الإخنائي (ص ٩٢ - ٩٣)، والحافظ ابن عبد الهادي في الصارم المنكي (ص ٣٠٨)، والحافظ السخاوي في القول البديع (ص ١٥٥)، والعلامة الألباني في تحذير الساجد (ص ١٧).\n(^٤) انظر: تهذيب سنن أبي داود لابن القيم (٢/ ٤٤٧)، والصارم المنكي (ص ٣٠٨).\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في البيعة (١/ ١٥٤) برقم (٤٣٧)، ومسلم، =","vol":"1","page":227},{"text":"ووجه الدلالة أن النهي عن اتخاذ القبور مساجد يتضمن الصلاة عليها أو إليها وتحري العبادة عندها -كما سبق- (^١) وشد الرحال إلى القبور مفضٍ إلى اتخاذها مساجد (^٢).\n٤ - قول أبي هريرة -﵁-: خرجت إلى الطور، فلقيت كعب الأحبار ... فذكر حديثًا طويلًا، وفيه: فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري، فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور، فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت، سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"لا تُعمل المطي إلا لثلاتة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى مسجدي هذا، والى مسجد إيلياء أو بيت المقدس\" (^٣).\n_________\n= كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور (١/ ٣٧٦) برقم (٥٣٠) من حديث أبي هريرة -﵁- به.\n(^١) انظر: (ص ١٨٥).\n(^٢) انظر: تحذير الساجد (ص ٢١).\n(^٣) أخرجه الترمذي في أبواب الجمعة، باب الساعة التي ترجى في يوم الجمعة (١/ ٥٠١ - ٥٠٢) برقم (٤٩١) مختصرًا دون ذكر الشاهد وأشار إليه بقوله: (وفي الحديث قصة طويلة\". وأخرجه النسائي، كتاب الجمعة، باب ذكر الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة (١٣/ ١١٣ - ١١٤) برقم (١٤٣٠)، ومالك في الموطأ، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الساعة التي في يوم الجمعة (١/ ١٦٤ - ١٦٦) برقم (٢٩٠)، والحميدي في مسنده (٢/ ٤٢١). برقم (٩٤٤)، وأحمد في مسنده (٣٩/ ٢٦٧) برقم (٢٣٨٤٨)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٩٤)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢/ ٢٤٧) برقم (١٠٠١)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢/ ٥٤) برقم (٥٨١، ٥٩٠)، وابن حبان (٧/ ٧) برقم (٢٧٧٩)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٣٦ - ١٣٧) برقم (١٢١٠). من طرق عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة -﵁- به.\nوأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ١٢٣ - ١٢٤)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة (٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢/ ٢٤٩) برقم (١٠٠٢)، وأبو يعلى في المسند (١١/ ٤٣٥) برقم (٦٥٥٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢/ ٥٥، ٥٦) برقم (٥٨٢، ٥٨٤. ٥٨٥)، والطبراني في الكبير (٢/ ٢٧٦) برقم (٢١٥٧) (٢١٥٨) (٢١٥٩)، وفي الأوسط (١/ ٤٧١) برقم (٨٥٧) من طرق عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة -﵁- به.\nوأخرجه الطيالسي (٢/ ٦٨٥) برقم (١٤٤٥)، وأحمد (٣٩/ ٢٧٠) برقم (٢٣٨٥٠)، =","vol":"1","page":228},{"text":"ووجه الدلالة منه أن الصحابي الذي روى الحديث قد فهم أن الطور وأمثاله من مقامات الأنبياء داخلة في عموم النهي، وأنه لا يجوز السفر إليها، وقد أقره أبو هريرة على فهمه فلم ينكر عليه ذلك.\n٥ - إجماع المتقدمين من أهل العلم على أن السفر إلى غير المساجد الثلاثة كزيارة القبور ليس مستحبًا ولا قربة ولا طاعة، وإن اختلفوا هل هو جائز أم لا، فالقول باستحباب ذلك خرق لإجماعهم، وخروج عن قولهم (^١).\nالثاني: ضعف الأدلة التي استدل بها القائلون بالاستحباب -والتي ذكر بعضها ابن حجر- وإمكان الإجابة عنها، وفيما يلي مناقشة الأدلة التي ساقها ابن حجر لتدعيم قوله وتأييد مذهبه:\nأما استدلاله بدلالة الكتاب، فقد ذكر عليها دليلين:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤].\nووجه الدلالة عنده -كما سبق- أن الآية دلت على الحث على المجيء إليه -ﷺ- والاستغفار عنده واستغفاره لمن جاء إليه، وأن هذا لا ينقطع بموته.\nفالجواب عنه: أن الآية ليس فيها دلالة على ما ذكره، بل إن الآية تدل على نقيض قوله.\n_________\n= والطبراني في الكبير (٢/ ٢٧٧) برقم (٢١٦٠) من طرق عن عبد الملك بن عمير، عن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، عن أبي بصرة -﵁- بنحوه.\nوأخرجه أحمد (٤٥/ ٢٠٦) برقم (٢٧٢٣٠)، والطبراني في الكبير (٢/ ٢٧٧) برقم (٢١٦١) من طريق مرثد بن عبد الله اليزني، عن أبي بصرة -﵁- بنحوه.\nوالحديث صحيح، وقد صححه جمع من أهل العلم، منهم الإمام الترمذي حيث قال بعد إخراجه له مختصرًا: \"وهذا حديث صحيح\"، كما صححه الحافظ ابن حجر في الإصابة (١/ ٤٤٩)، والعلامة الألباني في إرواء الغليل (٣/ ٢٢٨).\n(^١) انظر: الرد على الإخنائي (ص ١٣، ٤٨، ١٧٣).","vol":"1","page":229},{"text":"يقول العلامة ابن عبد الهادي (^١) -﵀-: \"فأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ الآية فالكلام فيها في مقامين:\nأحدهما: عدم دلالتها على مطلوبه.\nوالثاني: بيان دلالتها على نقيضه.\nوإنما يتبين الأمران بفهم الآية، وما أريد بها وسيقت له، وما فهمه منها أعلم الأمة بالقرآن ومعانيه، وهم سلف الأمة ومن سلك سبيلهم، ولم يفهم منها أحد من السلف والخلف إلا المجيء إليه في حياته ليستغفر لهم ... وهذه هي عادة الصحابة معه -ﷺ- ... فلما استأثر الله بنبيه -ﷺ- لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره ويقول: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت، أفترى عطل الصحابة والتابعون وهم خير القرون على الإطلاق هذا الواجب؟ ... وكيف أغفل هذا الأمر أئمة الإسلام وهداة الأنام ... فلم يدعوا إليه، ولم يحضّوا عليه، ولم يرشدوا إليه، ولم يفعله أحد منهم البتة ...\nوهذا يبين أن هذا التأويل الذي تأوله المعترض تأويل باطل قطعًا ولو كان حقًّا لسبقونا إليه علمًا وعملًا وإرشادًا ونصيحةً، ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو في سنة لم يكن على عهد السلف.\nوأما دلالة الآية على خلاف تأويله فهو أنه سبحانه صدرها بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء: ٦٤]، وهذا يدل على أن مجيئهم إليه ليستغفر لهم إذ ظلموا أنفسهم طاعة له ... ولم يقل مسلم إن على من ظلم نفسه بعد موته أن يذهب إلى قبره ويسأله أن يستغفر له، ولو كان هذا طاعة له لكان خير القرون قد عصوا هذه الطاعة وعطّلوها وَوُفِّق\n_________\n(^١) هو محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة، أبو عبد الله، سلفي المعتقد، من أعلام المحدثين، وأحد تلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية، من مؤلفاته: الصارم المنكي في الرد على السبكي، المحرر في الأحكام، توفي سنة ٧٤٤ هـ.\nانظر: الدرر الكامنة (٣/ ٣٣١)، شذرات الذهب (٦/ ١٤١).","vol":"1","page":230},{"text":"لها هؤلاء الغلاة العصاة\" (^١).\n٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠].\nووجه الدلالة عنده -كما سبق- أن من خرج لزيارة رسول الله -ﷺ- يصدق عليه أنه خرج مهاجرًا إلى الله ورسوله، وزيارته -ﷺ- بعد وفاته كزيارته في حياته، وزيارته في حياته داخلة في الآية الكريمة قطعًا، فكذلك بعد وفاته.\nوالجواب عنه: أن الاستدلال بالآية على القول باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ- \"مردود من وجوه:\nأ- أن الآية واردة في الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام، يدل عليه سياق الآية وسباقها ... ويدل عليه أيضًا شأن نزولها ... ويدل عليه أيضًا معنى الهجرة ... فلا بد في معنى الهجرة من أمرين، الأول:\nالخروج من أرض إلى أرض، والثاني: ترك الأولى للثانية، والخروج لزيارة النبي -ﷺ- في حياته يتحقق فيه الأمر الأول لا الثاني.\nب- أن مثل من يستدل بهذه الآية على كون الزيارة قربة كمثل من يستدل على كون الزيارة قربة بجميع الآيات والأحاديث التي ورد فيها ذكر الهجرة ... مع أن أحدًا من أهل العلم والدين لم يستدل بهذه الأحاديث والآيات على كون الزيارة قربة.\nج- أنه لو سُلِّم دخول زيارته -ﷺ- في الآية الكريمة في الحياة، فلا نسلم دخول زيارته -ﷺ- بعد الممات فيها، والأحاديث الدالة على أن زيارته -ﷺ- بعد وفاته كزيارته في حياته لم يثبت واحد منها\" (^٢).\nوأما استدلاله بدلالة السنة، فقد ذكر منها دليلين إجماليين، وأفاض في ذكر الأدلة التفصيلية التي يرجع حاصلها إلى ما ذكر من الدليلين\n_________\n(^١) الصارم المنكي (ص ٣١٧ - ٣١٨)، وانظر: صيانة الإنسان للهسواني (ص ٢٣ - ٤١)، والكشف المبدي للفقيه (ص ١٢٥ - ١٣٤)، وأوضح الإشارة للنجمي (ص ٤٩٤).\n(^٢) صيانة الإنسان (ص ٤٢) وما بعدها.","vol":"1","page":231},{"text":"الاجماليين، ولذا ساوردهما وأكتفي بالإجابة عنهما عن الإطالة بمناقشة الأدلة التفصيلية.\n١ - الأحاديث الواردة في فضل زيارة قبر النبي -ﷺ-:\nوقد ذكر ابن حجر نحوًا من خمسة عشر حديثًا منها -مستدلًا بها على قوله باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ- (^١).\nوالجواب عنها بطريقين:\nالطريق الأول: طريق مجمل: وذلك بأن يقال إن هذه الأحاديث كلها لا تصلح للاحتجاج، ولا تقوم بها الحجة لأمرين:\nأ- أن الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبي -ﷺ- كلها موضوعة أو ضعيفة لا يصح منها شيء (^٢).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: \"أحاديث زيارة قبره -ﷺ- كلها ضعيفة، لا يعتمد على شيء منها في الدين؛ ولهذا لم يروِ أهل الصحاح والسنة منها شيئًا، وإنما يرويها من يروي الضعاف كالدارقطني (^٣) والبزار (^٤) وغيرهما\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الجوهر المنظم (ص ٧ - ١٠)، وتحفة الزوار (ص ٢٩) وما بعدها.\n(^٢) ممن نص على ذلك من أهل العلم: شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على الإخنائي (ص ١٨٩)، والحافظ ابن عبد الهادي في الصارم المنكي (ص ٢٩)، والشيخ سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد (ص ٣٦١)، والشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد (١/ ٤٣٦)، والشيخ حمد بن معمر في النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين (ص ١٧٠) وحكاه عن جمع من أهل العلم، ومن المعاصرين الشيخ حماد الأنصاري في كشف الستر (ص ٦ - ٧)، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني في السلسلة الضعيفة (حديث رقم ٤٧)، والشيخ بكر أبو زيد في التحديث بما قيل لا يصح فيه حديث (ص ١٣١).\n(^٣) هو علي بن عمر الدارقطني، أبو الحسن، الإمام الحافظ، المقرئ المحدث، له تصانيف عديدة منها: السنن، والصفات، والرؤية، توفي سنة ٣٨٥ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٤٤٩)، شذرات الذهب (٣/ ١١٦).\n(^٤) هو أحمد بن عمرو بن عبد الخالق بن خلاد بن عبيد الله، أبو بكر، العتكي البصري المعروف بالبزار، الإمام الحافظ، من مؤلفاته: البحر الزخار المعروف بالمسند، وكتاب الصلاة على النبي -ﷺ-، وكتاب الأشربة وتحريم المسكر، توفي سنة ٢٩٢ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥٥٤)، شذرات الذهب (٢/ ٢٠٩).\n(^٥) قاعدة جليلة في التوسل (ص ١٣٣)، وانظر: الرد على الإخنائي (ص ٨٧).","vol":"1","page":232},{"text":"ب- أن الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبي -ﷺ- على فرض صحتها إنما تدل على مطلق الزيارة التي بدون سفر ومن غير شد للرحال، وحينئذٍ فهي لا تدل على ما استدل عليه ابن حجر من القول باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ-، بل هي خارجة عن محل النزاع أصلًا (^١).\nالطريق الثاني: طريق مفصل: وذلك بتتبع هذه الأحاديث والكلام على كل واحد منها بما يناسبه من حيث الرواية والدراية، وقد قام بذلك جمع من أهل العلم في القديم والحديث، وصنفوا في ذلك مصنفات خاصة بما يغني عن الإطالة في الجواب عما ذكره ابن حجر منها (^٢).\n٢ - الأحاديث الواردة في الأمر بزيارة القبور، ويدخل فيها دخولًا أوليًا قبره -ﷺ-، إذ هو سيد القبور وأشرفها.\nوالجواب عنها: بأن يقال إن هذه الأحاديث لا تدل على ما ذهب إليه ابن حجر من القول باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ-، وذلك لأمرين:\nأ- أن هذه الأحاديث إنما تدل على الأمر بمطلق الزيارة التي بدون سفر ومن غير شد للرحال، فهي خارجة عن محل النزاع أيضًا (^٣).\nب- أن هذه الأحاديث جاءت بالأمر بمطلق الزيارة فهي أحاديث عامة تخصصها الأحاديث الأخرى كالأحاديث الواردة في النهي عن زيارة النساء للقبور، والنهي عن زيارة القبور لمن ينوح عندها أو يقول هجرًا، أو يتعبد عندها ويتخذها مساجد، كذلك تخصصها الأحاديث الواردة في النهي عن شد الرحال للقبور (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الرد على الإخنائي (ص ٨٦).\n(^٢) ممن تتبع هذه الأحاديث بالتخريج والدراسة في القديم الحافظ ابن عبد الهادي في الصارم المنكي (ص ٢٠) وما بعدها، وفي الحديث الشيخ حماد والأنصاري في كشف الستر عما ورد في السفر إلى القبر، والشيخ صالح بن حامد الرفاعي في الأحاديث الواردة فضائل المدينة (ص ٥٨٣) وما بعدها، والشيخ أحمد النجمي في أوضح الإشارة (ص ٢٢٥) وما بعدها، والشيخ عمرو عبد المنعم في هدم المنارة (ص ٢٢٩)، وما بعدها.\n(^٣) انظر: الرد على الإخنائي (ص ٨٦).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (ص ٧٧).","vol":"1","page":233},{"text":"وأما استدلاله بدلالة الاجماع، وزعمه أن جماعة من الأئمة قد نقلوا الاجماع على مشروعية شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ-، وأن الخلاف بينهم إنما هو في كون ذلك واجبًا أو مندوبًا.\nفالجواب عنه من وجهين:\n١ - أن المقصود بقول من قال باستحباب السفر لزيارة قبره -ﷺ- أو حكى الإجماع على ذلك من المتقدمين هو استحباب السفر إلى مسجده -ﷺ- للصلاة فيه ويتبع ذلك زيارة قبره -ﷺ- ومما يدل على ذلك أن لفظ إتيان القبر، وزيارته، والسفر إليه، يتناول من يقصد المسجد، ومن لم يقصد إلا القبر، فالأول مشروع والثاني ممنوع؛ فوجب حمل الكلام على المعنى المشروع، خاصة مع كونه هو المعنى المعروف الشائع بينهم (^١).\n٢ - أن المتقدمين من علماء السلف مجمعون على أن السفر لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ- ليس بقربة ولا طاعة وإن اختلفوا هل هو حرام أم جائز فلم يقل أحد منهم بالاستحباب -كما سبق- فابن حجر ومن وافقه على القول باستحباب شد الرحال خرقوا إجماع الطائفتين، ولم يكتفوا بذلك بل ادعوا أن هذا الخرق للإجماع إجماع (^٢)! !\nوأما استدلاله بدلالة القياس على ما جاء في السنة الصحيحة المتفق عليها من الأمر بزيارة القبور، وكون قبر نبينا -ﷺ- منها، وأنه أولى وأحق وأعلى.\nفالجواب عنه: أن هذا استدلال بالسنة لا بالقياس (^٣)، ولهذا فما قيل في الجواب عن الاستدلال بالأحاديث الواردة في الأمر بزيارة القبور يقال هنا؛ إذ الجواب عنهما واحد.\nوأما قوله بان الزيارة إذا ثبت كونها قربة، فالسفر إليها كذلك.\nفالجواب عنه من وجهين:\n١ - \"أنه ليس كل ما كان جائزًا أو مستحبًا أو واجبًا جاز التوسل إليه\n_________\n(^١) انظر: الرد على الإخنائي (ص ١٣٥)، والصارم المنكي (ص ٣٤٣).\n(^٢) انظر: الرد على الإخنائي (ص ١٤٠).\n(^٣) انظر: صيانة الإنسان (ص ٤٨)، الكشف المبدي (ص ١٥٢).","vol":"1","page":234},{"text":"بكل طريق ... بل لو توسل الإنسان إلى الطاعة بما حرمه الله لم يجز ذلك ...\nوكون الرحلة إلى القربة قد تكون معصية محرمة كثير في الشريعة، كالرحلة للصلاة والاعتكاف والقراءة والذكر في غير المساجد الثلاثة، وكما لو رحلت المرأة إلى أمر غير واجب بغير إذن الزوج كحج التطوع، وكذلك العبد لو رحل إلى الحج بغير إذن سيده، وكذلك المرأة إذا رحلت بغير زوج ولا ذي محرم لزيارة غير واجبة، ففي مواضع كثيرة يكون العمل طاعة إذا أمكن بلا سفر، ومع السفر لا يجوز.\nفإن قيل: ما رحل إليه هؤلاء المنهيون عن السفر ليس بقربة في حقهم، قيل له: ومن رحل لزيارة القبور لم يكن ما رحل إليه قربة في حقه\" (^١).\n٢ - أن زيارة قبر النبي -ﷺ-، ليست متوقفة على السفر لمجرد الزيارة، \"لجواز أن يسافر لزيارة المسجد النبوي أو لأمر آخر من التجارة وغيرها، ثم بعد وصوله المدينة الطيبة يزور قبر النبي -ﷺ-، فحينئذٍ تكون الزيارة متوقفة على مطلق السفر لا على سفر الزيارة، فيكون مطلق السفو قربة لا سفر الزيارة\" (^٢).\nوأما استدلاله بفعل بلال -﵁- وعمر بن عبد العزيز -﵀- فهو متعقب بكونه لم يصح عنهما، وبيان ذلك كما يلي:\n١ - أن قصة بلال -﵁- قد أخرجها الحاكم أبو أحمد محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري (^٣) في الجزء الخامس من فوائده (^٤)، ومن\n_________\n(^١) الرد على الإخنائي (ص ١٧٧) وما بعدها.\n(^٢) صيانة الإنسان (ص ٧٣)، وانظر: (ص ٧١ - ٧٣)، والكشف المبدي (ص ١٧٤) وما بعدها.\n(^٣) هو محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري الكرابيسي، المحدث الحافظ، من مؤلفاته: الأسامي والكنى، والفوائد وغيرها، توفي سنة ٣٧٨ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٣٧٠)، شذرات الذهب (٣/ ٩٣).\n(^٤) كتاب الفوائد للحاكم مفقود، وقد أشار الحاكم نفسه إلى روايته لهذا الأثر في كتابه الأسامي والكنى دون أن يخرجه فيه بسنده حيث قال في ترجمة أبي إسحاق إبراهيم بن=","vol":"1","page":235},{"text":"طريقه ابن عساكر (^١) والذهبي (^٢) عن محمد بن الفيض، عن إبراهيم بن محمد بن سليمان بن أبي الدرداء، عن أبيه، عن جده سليمان، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء -﵁-.\nوالقصة بهذا الإسناد لا تصح.\nيقول الحافظ ابن عبد الهادي -﵀-: \"هو أثر غريب منكر، وإسناده مجهول، وفيه انقطاع، وقد تفرد به محمد بن الفيض الغساني عن إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال عن أبيه عن جده.\nوإبراهيم بن محمد هذا شيخ لا يعرف ... بل هو مجهول ... ولم يرو عنه غير محمد بن الفيض، روى عنه هذا الأثر المنكر ...\nومحمد بن سليمان بن بلال -والد إبراهيم- شيخ قليل الحديث، لم يشتهر من حاله ما يوجب قبول أخباره ...\nوأما سليمان بن بلال فإنه رجل غير معروف، بل هو مجهول الحال، قليل الرواية لم يشتهر بحمل العلم ونقله، ولم يوثقه أحد فيما علمناه ...\nوالحاصل أن مثل هذا الإسناد لا يصح الاعتماد عليه، ولا يرجع عند التنازع إليه\" (^٣).\nوممن حكم بوضع القصة ونكارتها الحافظ الذهبي (^٤)، والحافظ ابن حجر العسقلاني (^٥)، والحافظ السيوطي (^٦)، والعلامة ابن عراق الكناني (^٧) (^٨)\n_________\n= محمد بن سليمان (١/ ١٧٤): \"كناه لنا أبو الحسين محمد بن الفيض الغساني الدمشقي وأخبرنا عنه بحديث\"، كما أخرجه من طريق الحاكم ابن عساكر والذهبي وعزاه إليه ابن عبد الهادي -كما سيأتي-.\n(^١) تاريخ دمشق (٩٧/ ٧).\n(^٢) سير أعلام النبلاء (١/ ٣٥٧ - ٣٥٨).\n(^٣) الصارم المنكي (ص ٢٣٧ - ٢٤١).\n(^٤) انظر: سير أعلام النبلاء (١/ ٣٥٨).\n(^٥) انظر: لسان الميزان (١/ ١٠٧ - ١٠٨).\n(^٦) انظر: ذيل الموضوعات (ص ١٠٤).\n(^٧) هو علي بن محمد بن علي بن عبد الرحمن بن عراق الكناني، نور الدين، فقيه محدث، من مؤلفاته: تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة، ونشر اللطائف في قطر الطائف، توفي سنة ٩٦٣ هـ.\nانظر: الكواكب السائرة (٢/ ١٩٧)، شذرات الذهب (٨/ ٣٣٧).\n(^٨) انظر: تنزيه الشريعة المرفوعة (٢/ ١١٨).","vol":"1","page":236},{"text":"والعلامة علي القاري (^١).\nوأما ما زعمه ابن حجر من أن ابن عساكر قد رواها بسند جيد، فهو مما تابع فيه السبكي (^٢)، وقد قال ابن عبد الهادي في الرد عليه: \"قوله إسناده جيد خطأ منه\" (^٣).\n٢ - أما قصة عمر بن عبد العزيز -﵀- فيجاب عنها بجوابين:\nأ- أن هذه القصة قد رويت عن عمر بن عبد العزيز -﵀- على وجهين:\nالأول: أنه كان يوجه بالبريد قاصدًا لمدينة ليقرئ النبي -ﷺ- السلام:\nوقد أخرج القصة على هذا الوجه البيهقي (^٤) من طريق عبد الله بن يوسف الأصفهاني، عن إبراهيم بن فراس، عن محمد بن صالح الرازي، عن زياد بن يحيى، عن حاتم بن وردان، قال: \"كان عمر بن عبد العزيز يوجه بالبريد قاصدًا إلى المدينة ليقرئ عنه النبي -ﷺ- السلام\" (^٥).\nوالقصة بهذا الإسناد لا تصح، يقول الحافظ ابن عبد الهادي -﵀-: \"إن ما نقل عن عمر بن عبد العزيز من إبراده البريد من الشام قاصدًا إلى المدينة لمجرد الزيارة، ليس بصحيح عنه؛ بل في إسناده ضعف وانقطاع ... حاتم بن وردان ... لم يلق عمر بن عبد العزيز ولم يدركه فروايته عنه مرسلة غير متصلة\" (^٦).\nوالثاني: أنه كان يرسل السلام لرسول الله -ﷺ- مع بعض من قدم عليه من المدينة إذا أراد الرجوع إليها:\n_________\n(^١) انظر: المصنوع في معرفة الحديث الموضوع (ص ٢٥٧ - ٢٥٨).\n(^٢) انظر: شفاء السقام في زيارة خير الأنام له (ص ٥٧ - ٥٨).\n(^٣) الصارم المنكي (ص ٢٣٧).\n(^٤) هو أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي، من فضلاء الأشاعرة ومتقدميهم، وأكابر الشافعية ومقدميهم، من مؤلفاته: الأسماء والصفات، ودلائل النبوة، والبعث والنشور، توفي سنة ٤٥٨ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٦٣)، شذرات الذهب (٣/ ٣٠٤).\n(^٥) شعب الإيمان، إتيان المدينة وزيارة قبر النبي -ﷺ- (٨/ ١٠٠) رقم (٣٨٦٩).\n(^٦) الصارم المنكي (ص ٢٤٤ - ٢٤٦).","vol":"1","page":237},{"text":"وقد أخرج القصة على هذا الوجه البيهقي أيضًا من طريق أبي سعيد بن أبي عمرو، عن أبي عبد الله الصفار، عن ابن أبي الدنيا، عن إسحاق بن أبي حاتم المدائني، عن ابن أبي فديك، عن رباح بن بشير، عن يزيد بن أبي سعيد قال: \"قدمت على عمر بن عبد العزيز إذ كان خليفة بالشام، فلما ودعته قال: إن لي إليك حاجة إذا أتيت المدينة سترى قبر النبي -ﷺ- فأقرئه مني السلام\" (^١).\nقال العلامة ابن عبد الهادي -﵀-: \"هذا أجود ما روي عن عمر بن عبد العزيز في هذا الباب مع أن في ثبوته نظرًا، فإن رباح بن بشير شيخ مجهول لم يرو عنه غير ابن أبي فديك.\nولو فرض أنه شيخ معروف ثقة، فليس في روايته ذكر إبراد البريد لمجرد الزيارة، وإنما فيها إرسال السلام مع بعض من قدم على عمر من أهل المدينة ... ويزيد بن أبي سعيد قصد الرجوع إلى بلده المدينة، وانضم إلى ذلك قصد آخر، وليس هذا محل النزاع، وإنما الخلاف في شد الرحال وإعمال المطي إلى مجرد زيارة القبور\" (^٢).\nب- \"أنه لو ثبت عن عمر بن العزيز -﵀- أنه كان يبرد البريد من الشام قاصدًا إلى المدينة لمجرد الزيارة والسلام، كان في فعله ذلك من جملة المجتهدين، ومن المعلوم أنه -﵁- أحد الخلفاء الراشدين ومن كبار الأئمة المجتهدين؛ فإذا قال قولًا باجتهاده وفعل فعلًا برأيه فإن قام دليله وظهرت حجته تعمين المصير إليه والاعتماد عليه، وإلا فهو ممن يحتج لقوله، ويستدل لفعله\" (^٣).\nوبعد هذا العرض والمناقشة يتبين أن القول الصحيح هو تحريم شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ-، وخطأ ابن حجر -غفر الله له- في قوله باستحباب ذلك وضعف أدلته التي ساقها للاستدلال له.\nوأما ما زعمه من أن استحباب شد الرحال لا يختص بقبره -ﷺ- بل\n_________\n(^١) شعب الإيمان، إتيان المدينة وزيارة قبر النبي -ﷺ- (٨/ ١٠٠ - ١٠١) رقم (٣٨٧٠).\n(^٢) الصارم المنكي (ص ٢٤٥).\n(^٣) المصدر السابق (ص ٢٤٦).","vol":"1","page":238},{"text":"يشاركه في ذلك قبور الأنبياء والأولياء، فيرد عليه بنظير قوله في الاستحباب وهو أنه إذا بطل استحباب شد الرحال لقبره -ﷺ- فقبر غيره من باب أولى؛ \"إذ قبر نبينا منها أولى وأحق وأعلى، بل لا نسبة بينه وبين غيره\".\nوكذا قوله بأن استحباب الزيارة وشد الرحال إليها لا يختص بالرجال وحدهم بل يشاركهم في ذلك النساء.\nفيجاب عنه: بأن أهل العلم استحبوا زيارة القبور للرجال، بل حكى بعضهم الإجماع على ذلك (^١)، وأما النساء فقد اختلفوا في مشروعية الزيارة في حقهن على أقوال، والقول الصحيح -والله أعلم- هو القول بتحريم زيارة القبور لهن (^٢)، ويدخل في ذلك قبره -ﷺ-، إذ لا وجه لتخصيص النهي عن ذلك بغير قبره -ﷺ- لعموم الأدلة وعدم وجود المخصص (^٣).\nوأما شد الرحال إلى القبور فقد تقدم أن القول الصحيح الذي تعضده الأدلة ولا تدل على سواه هو تحريم شد الرحال إلى القبور وهذا الحكم عام في حق الرجال والنساء.\nوما حكاه ابن حجر -عفا الله عنه- عن شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- وشنع به عليه من القول بتحريم الزيارة وإنكارها مطلقًا، مردود بكون شيخ الإسلام لم ينكر استحباب زيارة قبر النبي -ﷺ- من غير شد رحل، بل أنكر الزيارة مع شد الرحال وفرق بين الأمرين، ثم هو في قوله هذا متبع لقول الجمهور وأهل العلم المتقدمين -كما سبق- فالإنكار عليه إنكار عليهم، والتشنيع عليه تشنيع عليهم (^٤).\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (٥/ ٣١٠): \"وهو قول العلماء كافة، نقل العبدري فيه إجماع المسلمين\"، وتعقبه ابن حجر في الفتح (٣/ ١٤٨) بثبوت القول بكراهة الزيارة مطلقًا عن بعض التابعين.\n(^٢) انظر: حاشية ابن عابدين (٢/ ٢٤٢)، والمجموع للنووي (٥/ ٢٨١ - ٢٨٢)، والمغني لابن قدامة (٣/ ٥٢٣ - ٥٢٤).\n(^٣) انظر: مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (٣/ ٢٣٩ - ٢٤٥) (٦/ ١٢٩ - ١٣٠)، وجزء زيارة النساء للقبور للشيخ بكر أبو زيد (ص ١١ - ١٣).\n(^٤) انظر: الصارم المنكي (ص ١٨)، جلاء العينين للألوسي (ص ٥٧٧)، شفاء الصدور للكرمي (ص ١٦٧ - ١٦٨)، الكشف المبدي (ص ١١٨ - ١١٩).","vol":"1","page":239},{"text":"والذي أوقع ابن حجر في فهمه الخاطئ لكلام شيخ الإسلام في ذلك، هو تقليده لغيره ومتابعته له على قوله، ومنهم العز بن جماعة وأبو الحسن السبكي اللذين استدل بقولهما وأشاد بهما.\nيقول العلامة مرعي الحنبلي (^١) -﵀-: \"ومن العجب أن ابن تيمية - رحمه الله تعالى- قائل بزيارة القبور حتى قبور الكفار ... وكتبه في الفقه ومناسكه في الحج مصرحة بذلك (^٢)، ومع هذا فتجد كثيرًا من المتعصبين وممن يستحل الوقعية في أئمة الدين ينقلون عنه القول بتحريم زيارة قبور الأنبياء والصالحين، إما جهلًا أو بغضًا وعنادًا ممن شاع عنه ذلك في الأصل ثم قلده في ذلك من لا يحتاط لدينه ونسي قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] ... فنسأل الله -﷾- أن لا يفضحنا يوم تبلى السرائر، وأن يجعلنا من المتأدبين مع الأئمة الأكابر\" (^٣).\nالثاني: ما ينافي توحيد الألوهية أو يقدح فيه من الأقوال:\n١ - الحلف بغير الله:\nيرى ابن حجر -عفا الله عنه- كراهة الحلف بغير الله إذا كان الحالف لا يعتقد تعظيم المحلوف به كتعظيم الله، فإن كان يعتقد في المحلوف به ذلك فإن الحلف به يكون حينئذ كفرًا مخرجًا من الملة.\nيقول في ذلك: \"يكره الحلف بغير أسماء الله تعالى وصفاته كالنبي -ﷺ-\n_________\n(^١) هو مرعي بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد بن أبي بكر بن يوسف بن أحمد الكرمي المقدسي، من فقهاء الحنابلة المتأخرين، له تصانيف منها: أقاويل الثقات في تاويل الأسماء والصفات، وتحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان، ودليل الطالب لنيل المطالب، توفي سنة ١٠٣٣ هـ.\nانظر: خلاصة الأثر (٤/ ٣٥٨)، الأعلام (٧/ ٢٠٣).\n(^٢) انظر: منسك شيخ الإسلام ضمن مجموعة الرسائل الكبرى (٢/ ٣٧٥)، ومجموع الفتاوى (٢٦/ ٩٨).\n(^٣) شفاء الصدور في زيارة المشاهد والقبور (ص ١٦٧ - ١٦٨)، وانظر: جلاء العينين للألوسي (ص ٥٧٧ - ٥٩٩)، والكشف المبدي للفقيه (ص ٦٢، ١٣٤، ١٩٤)، وأوضح الإشارة للنجمي (٤٠٦)، وللاستزادة: دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام عرض ونقد د. عبد الله الغصن (ص ٣٢٣) وما بعدها.","vol":"1","page":240},{"text":"والملائكة والكعبة والحياة، وكذا الأمانة بل هي من أشدها كراهة ...\nفالحلف بذلك كله مكروه بأي صفة كان، لا حرامٌ، ومحله إن لم يعتقد في المحلوف به أن يعظم بالحلف به كما يعظم الله فإن اعتقد ذلك كفر\" (^١).\nويرى أن الأحاديث الدالة على أن الحلف بغير الله شرك أو كفر محمولة على من اعتقد التعظيم للمحلوف به كما يعتقد لله تعالى، يقول في ذلك: \"أئمتنا ... أطلقوا أن الحلف بغير الله مكروه، نعم إن اعتقد له من العظمة بالحلف به ما يعتقده لله كان الحلف حينئذ كفرًا وهو محمل حديث ابن عمر (^٢) ... والأحاديث\" (^٣).\nويبين ابن حجر أن النهي عن الحلف بغير الله عام في جميع صوره، ومنها الحلف بالنبي -ﷺ- حيث يقول في الرد على من استثنى ذلك من عموم النهي: \"نهى -ﷺ- الناس عن الحلف به وبغيره من الخلق على حدٍّ واحد، فتحريم بعض الصور فقط تحكم\" (^٤).\nويرى ابن حجر أن مما يلحق بالحلف بغير الله قول بعض المجازفين: إن فعلت كذا فأنا كافر أو بريء من الإسلام أو النبي، حيث عد من\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ١٩٠ - ١٩١)، وانظر: تنبيه الأخيار (ل ١٩/ ب)، تحفة المحتاج (٤/ ٢٨٩)، فتح الجواد (٢/ ٣٧٢).\n(^٢) يشير إلى حديث ابن عمر \"من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك\"، والحديث أخرجه أبو داود كتاب الأيمان والنذور باب في كراهية الحلف بالآباء (٣/ ٥٧٠) برقم (٣٢٥١)، والترمذي كتاب الأيمان والنذور باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله (٤/ ٩٣) برقم (١٥٣٥)، والطيالسي (٣/ ٤١٢) برقم (٢٢٠٨)، وأحمد (١٠/ ٢٤٩) برقم (٦٠٧٢)، والطحاوي في المشكل (٢/ ٢٩٧) برقم (٨٢٦)، وابن حبان (١٠/ ١٩٩) برقم (٤٣٥٨)، والحاكم (١/ ١٨) (٤/ ٢٩٧)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٩)، كلهم من حديث ابن عمر -﵁-.\nقال الترمذي: \"حديث حسن\".\nوقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي.\n(^٣) الزواجر (٢/ ١٨٤)، وانظر: تحفة المحتاج (٤/ ٢٨٩)، وفتح الجواد (٢/ ٣٧٢).\n(^٤) تنبيه الأخيار (ل ١٩/ ب).","vol":"1","page":241},{"text":"الكبائر: \"الحلف بالأمانة أو بالصنم مثلًا، وقول بعض المجازفين: إن فعلت كذا فأنا كافر أو بريء من الإسلام أو النبي\" (^١).\nوقال في بيان حكم ذلك: \"ويحرم إن فعل كذا فهو يهودي ونحوه، إن قصد تبعيد نفسه أو أطلق، وتلزمه التوبة، ويسن له أن يتشهد\" (^٢).\nالتقويم:\nالحلف بالله تعالى تعظيم له سبحانه، والعدول بالحلف به إلى الحلف بغيره عدوان على مقام الرب -﷿- وتنقص لكماله؛ ولهذا وردت النصوص بالنهي عن الحلف بغير الله تعالى والتحذير من ذلك، وتسميته شوكًا وكفرًا، ومنها:\nقوله -ﷺ-: \"ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت\" (^٣).\nوقوله -ﷺ-: \"من حلف فقال في حلفه باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله\" (^٤).\nوقوله -ﷺ-: \"من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك\" (^٥).\nوعليه فإن الحلف بغير الله محرم، وصاحبه دائر بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر؛ وبيان ذلك أنه إن اعتقد تعظيم المحلوف به كتعظيم الله كان حلفه كفرًا أكبر وشركًا أكبر يخرج به من الملة، وإن لم يعتقد ذلك في المحلوف به كان حلفه كفرًا أصغر وشركًا أصغر لا يخرجه عن الملة، وإن\n_________\n(^١) الزواجر (٢/ ١٨٤).\n(^٢) فتح الجواد (٢/ ٣٧٢)، وانظر: الزواجر (٢/ ١٨٤).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم (٤/ ٢٠٧٦) برقم (٦٦٤٦)، ومسلم، في كتاب الأيمان، باب النهي عن الحلف بغير الله (٣/ ١٢٦٧) برقم (١٦٤٦) من حديث عبد الله بن عمر -﵄- به.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب لا يحلف باللات والعزى ولا بالطواغيت (٤/ ٢٠٧٧) برقم (٦٦٥٠)، ومسلم، كتاب الإيمان من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله (٣/ ١٢٦٧ - ١٢٦٨) برقم (١٦٤٧) من حديث أبي هريرة -﵁- به.\n(^٥) سبق تخريجه (ص ٢٤١).","vol":"1","page":242},{"text":"كان قد أتى ذنبًا عظيمًا (^١).\nيقول الشيخ سليمان بن عبد الله -﵀-: \"أجمع العلماء على أن اليمين لا تكون إلا بالله أو بصفاته، وأجمعوا على المنع من الحلف بغيره\" (^٢).\nوبناء على ما سبق فإن ما ذهب إليه ابن حجر من كراهة الحلف بغير الله متعقب بما يلي:\nأ- أن ظاهر النصوص من الأحاديث والآثار الواردة في النهي عن الحلف بغير الله تدل على أن النهي فيها للتحريم، خاصة مع كونه الأصل في النواهي ما لم يأت صارف يصرفها عن ذلك، ولا صارف هنا عن التحريم، فبقي الأمر على الأصل (^٣).\nب- أن الحلف بغير الله يتضمن مضاهاة غير الله بالله، فإن العلماء متفقون على أن الحكمة من النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، وأن العظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده (^٤)، وإذا كان الأمر كذلك فلا يصح أن يقال بكراهة الحلف بغير الله، بل القول الصحيح تحريم ذلك.\nجـ- أن ابن حجر قرر أن الحالف بغير الله إذا اعتقد في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله كفر كفرًا أكبر مخرجًا من الملة، وكان حلفه كذلك؛ وعليه فيمكن القول بأن الحلف بغير الله إذا كان محتملًا لهذا الاعتقاد الباطل، فكيف يقال فيما هو مضاه له وشيبه به ووسيلة إليه إنه مكروه كراهة تنزيه، فإن الشرع قد جاء بتحريم كل قول أو فعل يوقع في الشرك أو يكون سببًا له، والوسائل لها أحكام المقاصد.\n_________\n(^١) انظر: مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (١/ ٣٧)، تيسير العزيز الحميد (ص ٥٩٣)، فتح المجيد (٢/ ٦٩١)، النبذة الشريفة النفيسة للشيخ حمد بن معمر (ص ٦٠ - ٦١)، القول المفيد لابن عثيمين (٣/ ٢١٩).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٥٩٠)، وانظر: التمهيد (١٤/ ٣٦٦، ٣٦٧)، والفتاوى (١/ ٢٩٠، ٣٣٥)، والاستغاثة لشيخ الإسلام (١/ ٣٦٤، ٣٦٥).\n(^٣) انظر: منهاج التأسيس للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن (ص ١٠٥) (ص ٣٠٦).\n(^٤) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١/ ١٦٨) (١١/ ١٠٥)، فتح الباري (١١/ ٥٣١).","vol":"1","page":243},{"text":"ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: \"الحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور وهو مذهب أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، وقد حكى إجماع الصحابة على ذلك، وقيل: هي مكروهة كراهة تنزيه، والأول أصح قال عبد الله بن مسعود: \"لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليّ من أن أحلف بغير الله صادقًا\" (^١)؛ لأن الحلف بغير الله شرك، والشرك أعظم من الكذب\" (^٢).\nوأما ما قرره ابن حجر من كون النهي عن الحلف بغير الله عامًا يشمل كل محلوف به سواه سبحانه ومنه الحلف بالنبي -ﷺ- فهو مما وافق فيه عامة أهل العلم من السلف والخلف (^٣).\nيقول شيخ الإسلام -﵀-: \"الصواب الذي عليه عامة علماء المسلمين سلفهم وخلفهم، أنه لا يحلف بمخلوق ولا نبي ولا غير نبي ولا ملك من الملائكة، ولا ملك من الملوك، ولا شيخ من الشيوخ، والنهي عن ذلك نهي تحريم عند أكثرهم كمذهب أبي حنيفة وغيره وهو أحد القولين في مذهب أحمد\" (^٤).\nوأما قول ابن حجر عن الحلف بغير ملة الإسلام كقول بعض المجازفين أنا يهودي أو نصراني إن فعلت كذا بأنه محرم وكبيرة عظيمة يجب التوبة منها والإقلاع عنها فهو محل إجماع أهل العلم من المذاهب\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٨/ ٤٦٩) برقم (١٥٩٢٩)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٨٣) برقم (٨٩٠٢) من طريق مسعد بن كدام، عن وبرة بن عبد الرحمن قال: قال ابن مسعود ... فذكره.\nقال الهيثمي في المجمع (٤/ ١٧٧): \"رواته رواة الصحيح\".\nوأخرجه ابن أبي شيبة (ص ١٨ - ١٩ في الجزء المفقود من المصنف) عن وكيع بن مسفر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن أبي وبرة عن ابن مسعود -﵁- به.\nوالأثر صححه الألباني في إرواء الغليل (٨/ ١٩١).\n(^٢) الفتاوى (١/ ٢٠٤).\n(^٣) انظر: تفسير القرطبي (٦/ ٢٧٠ - ٢٧١)، وأضواء البيان للشنقيطي (٢/ ١٢٣).\n(^٤) الفتاوى (٢٧/ ٣٤٩).","vol":"1","page":244},{"text":"الفقهية المشهورة (^١).\nيقول العلامة النووي -﵀-: \"يحرم أن يقول إن فعلت كذا أنا يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام ونحو ذلك، فإن قاله وأراد حقيقة تعليق خروجه عن الإسلام بذلك صار كافرًا في الحال وجرت عليه أحكام المرتدين، وإن لم يرد ذلك لم يكفر لكن ارتكب محرمًا فيجب عليه التوبة ... ويقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله\" (^٢).\n٢ - سب الدهر:\nيرى ابن حجر -﵀- النهي عن سب الدهر، وأن حكمه يختلف باختلاف حال الساب، حيث عده من الكبائر فقال في تعداده لها: \"سب الدهر من عالم ... \" (^٣) يعني بالنهي الوارد عن ذلك.\nثم أورد الأحاديث الدالة على النهي عن سب الدهر، وأعقبها بقوله: \"عدّ هذا هو ظاهر الأحاديث ببادئ الرأي لا سيما قوله تعالى: \"ويشتمني عبدي\" (^٤)، فعد تعالى سب الدهر شتمًا له أي: يؤدي إليه وهو كفر، وما أدى إلى الكفر أدنى مراتبه أن يكون كبيرة، لكن كلام أئمتنا يأبى ذلك ويصرح بأن ذلك مكروه لا حرام فضلًا عن كونه كبيرة.\nوالذي يتجه في ذلك التفصيل وهو أن من سب الدهر:\nإن أراد به الزمن فلا كلام في الكراهة.\n_________\n(^١) انظر: بدائع الصنائع (٣/ ٨)، حاشية ابن عابدين (٣/ ٥٥)، الحاوي الكبير للماوردي (١٥/ ٢٦٣)، المقدمات الممهدات (٢/ ٣١)، نهاية المحتاج (٨/ ١٦٩)، الإنصاف للمرداوي (١١/ ٣١، ٣٣)، زاد المعاد لابن القيم (٢/ ٤٧٠).\n(^٢) الأذكار (ص ٣١٩).\n(^٣) الزواجر (١/ ١١٣).\n(^٤) يشير إلى الحديث القدسي: \"استقرضت عبدي فلم يقرضني، وشتمني عبدي وهو لا يدري، يقول: وا دهراه وا دهراه وأنا الدهر\".\nوالحديث أخرجه أحمد (١٦/ ٣٤٠) برقم (١٠٥٧٨)، وابن خزيمة (٤/ ١١٣) برقم (٢٤٧٩)، والحاكم (١/ ٤١٨)، من طرق عن يزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة -﵁- به.\nقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\"، ولم يتعقبه الذهبي بشيء.","vol":"1","page":245},{"text":"أو الله تعالى فلا كلام في الكفر.\nوإن أطلق فهذا محل التردد لاحتماله الكفر وغيره، وظاهر كلام أئمتنا الكراهة هنا أيضًا لأن المتبادر منه الزمن وإطلاقه على الله تعالى بطريق التجوز\" (^١).\nالتقويم:\nسب الدهر مما جاءت الأحاديث بالنهي عنه، وتكاثرت في التحذير منه، وهو مما ينافي التوحيد ويقدح فيه، لأنه في حقيقته سب لله تعالى إذ هو خالق الدهر والمتصرف فيه بما يشاء (^٢).\nيقول العلامة ابن القيم -﵀- مبينًا مفاسد سب الدهر:\n\"في هذا ثلاث مفاسد عظيمة:\nإحداها: سبه من ليس بأهل أن يسب فإن الدهر خلق مسخر من خلق الله منقاد لأمره، مذلل لتسخيره، فسابه أولى بالذم والسب منه.\nالثانية: أن سبه متضمن للشرك، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع، وأنه مع ذلك ظالم قد ضر من لا يستحق الضرر، وأعطى من لا يستحق العطاء ... وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة، وأشعار هؤلاء الظلمة الخونة في سبه كثيرة جدًّا، وكثير من الجهال يصرح بلعنه وتقبيحه.\nالثالثة: أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال التي لو اتبع الحق فيها أهواءَهم لفسدت السماوات والأرض، وإذا وقعت أهواؤهم حمدوا الدهر وأثنوا عليه ... \" (^٣).\nوعليه فسب الدهر إيذاء لله، وشعار لأهل الجاهلية يجب التنزه عنه والتحذير منه.\n_________\n(^١) الزواجر (١/ ١١٣)، وانظر: حاشية الإيضاح (ص ٥)، وتنبيه الأخيار (ل ١٥/ أ).\n(^٢) انظر: التمهيد لابن عبد البر (١٨/ ١٥٤ - ١٥٧)، شرح السنة للبغوي (١٢/ ٣٥٧) شرح صحيح مسلم للنووي (٣/ ١٥)، مجموع الفتاوى (٢/ ٤٩١ - ٤٩٥)، فتح الباري (٨/ ٥٧٥)، غذاء الألباب للسفاريني (٢/ ٥٥٩ - ٥٦٢)، تيسير العزيز الحميد (ص ٦٠٨ - ٦٠٩)، فتح المجيد (٢/ ٧٠٦ - ٧٠٨).\n(^٣) زاد المعاد (٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥).","vol":"1","page":246},{"text":"وأما حكمه فيختلف باختلاف مقصد قائله:\nفإن سب الدهر قاصدًا ما يقصده أهل الجاهلية من تأثيره وفعله من دون الله كما قال تعالى عنهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]. فهذا شرك أكبر.\nوإن سبه مع خلو قصده مما تقدم كأن يجري سب الدهر على لسانه دون اعتقاد لفاعلية الدهر وتأثيره فهذا شرك أصغر؛ ووجهه أن ألفاظ سب الدهر فيها منازعة لله في ربوبيته فصارت شركًا من هذا لوجه، إضافة إلى كونها ذريعة إلى الشرك الأكبر (^١).\nوبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر من التفصيل في حكم من سب الدهر على الوجه الذي ذكره، وقوله بكراهة ذلك إن أراد به سب الزمن، وتردده في الحكم عليه إن أطلق ولم يعين مراده باطل لوجوه، منها:\n١ - أن النهي عن سب الدهر يقتضي التحريم مطلقًا لا الكراهة، إذ الأصل في النهي التحريم، فالعدول عنه إلى الكراهة يحتاج إلى دليل، ولا دليل يدل على ذلك، فيبقى النهي على أصله.\n٢ - أن سب الدهر إيذاء لله تعالى وشتم له سبحانه، وقد توعد الله من آذاه بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧]، وجعل نسبة الولد إليه شتمًا له سبحانه كما في الحديث القدسي: \"شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني، ويكذبني وما ينبغي له، أما شتمه فقوله: إن لي ولدًا، وأما تكذيبه فقوله ليس يعيدني كما بدأني\" (^٢).\nوإذا كان الأمر كذلك فلا يصح أن يقال فيما هو أذية لله وقرين لنسبة الولد إليه في الشتم إنه مكروه أو أن يتردد في حكمه.\n٣ - أن سب الدهر دائر بين أمرين لا ثالث لهما وهما سب الله تعالى أو الشرك به، وكلاهما موجب للتحريم لا الكراهة.\n_________\n(^١) انظر: زاد المعاد (٢/ ٣٥٥)، وتيسير العزيز الحميد (ص ٦٠٩).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ برقم (٣١٩٣) من حديث أبي هريرة -﵁- به.","vol":"1","page":247},{"text":"يقول العلامة ابن القيم -﵀-: \"ساب الدهر دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما، إما سبه لله تعالى أو الشرك به، فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك وهو يسب من فعله فقد سب الله\" (^١).\n٣ - الاستسقاء بالأنواء:\nيرى ابن حجر -﵀- أن الاستسقاء بالأنواء وقول القائل: مطرنا بنوء كذا يحرم تارة ويجوز أخرى، وذلك بحسب اعتقاد قائل ذلك، ومراده بقوله، يقول في تقرير ذلك:\n\"من قال ذلك معتقدًا لتأثير الكوكب وحده أو مع الله تعالى كافر، وهذا مما لا خلاف فيه.\nومن قاله معتقدًا أن الكوكب جعله الله علامة على كذا بحسب ما استقر في العادة فليس بحرام.\nوعلى هذا نص الشافعي -﵁- فقال: إذا قال: مطرنا بنوء كذا يريد وقت كذا فهو كقوله: مطرنا في شهر كذا، وهذا لا يكون كفرًا من مسلم ولا حرامًا بخلاف قول أهل الشرك، لأنهم يعتقدون التأثير له ... \" (^٢).\nالتقويم:\nالاستسقاء بالأنواء يراد به إضافة المطر لها، ونسبة مجيئه إليها (^٣).\nوالأنواء: جمع نوء، والنوء النجم (^٤).\n_________\n(^١) زاد المعاد (٢/ ٣٥٥).\n(^٢) الفتاوى الحديثية (ص ٣٧١)، وانظر: الزواجر (١/ ١٥٨ - ١٥٩)، تنبيه الأخيار (ل ١٩/ أ).\n(^٣) انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (١/ ٣٢١)، غريب الحديث لابن الجوزي (٢/ ٤٤٠)، التمهيد لابن عبد البر (١٦/ ٢٨٧)، شرح السنة للبغوي (٤/ ٤٢٠)، النهاية لابن الأثير (٥/ ١٢٢)، تيسير العزيز الحميد (ص ٤٥١)، فتح المجيد (٢/ ٥٣٥).\n(^٤) انظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣٤٧٢)، معجم مقاييس اللغة (ص ١٠٠٢)، الصحاح (١/ ٧٩)، لسان العرب، القاموس المحيط (ص ٦٩).","vol":"1","page":248},{"text":"وقول القائل: مطرنا بنوء كلذا لا يخرج عن حاليق:\nأحدهما: أن يعتقد أن المنزل هو النجم وحده، أو أنه شريك لله تعالى في ذلك فهذا كفر أكبر بالاتفاق.\nوثانيهما: أن يعتقد أن المنزل هو الله وحده، وأن النجم سبب لذلك، أو علامة جعلها الله عليه، فهذا مما اختلف أهل العلم في حكمه (^١).\nيقول الشيخ سليمان بن عبد الله -﵀-: \"الاستسقاء بالنجوم نوعان:\nأحدهما: أن يعتقد أن المنزل للمطر هو النجم، فهذا كفر ظاهر؛ إذ لا خالق إلا الله، وما كان المشركون هكذا، بل كانوا يعلمون أن الله هو المنزل للمطر، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣] وليس هذا معنى الحديث (^٢)، فالنبي -ﷺ- أخبر أن هذا لا يزال في أمته، ومن اعتقد أن النجم ينزل المطر، فهو كافر.\nالثاني: أن ينسب المطر إلى النجم، مع اعتقاده أن الله تعالى هو الفاعل لذلك المنزل له، إلا أنه -﷾- أجرى العادة بوجود المطر عند ظهور ذلك النجم، فحكى ابن مفلح (^٣) خلافًا في مذهب أحمد في تحريمه وكراهته، وصرح أصحاب الشافعي بجوازه.\nوالصحيح أنه محرم، لأنه من الشرك الخفي، وهو الذي أراده\n_________\n(^١) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٥٢)، التمهيد (١٦/ ٢٨٦)، شرح السنة للبغوي (٤/ ٤٢١)، المنتقى للباجي (١/ ٣٣٤ - ٣٣٥)، شرح صحيح مسلم للنووي (٢/ ٦٠)، والأذكار له أيضًا (ص ٣١٨)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٧/ ٢٢٩)، فتح الباري (٢/ ٦٠٨)، تيسير العزيز الحميد (ص ٤٥٤)، فتح المجيد (٢/ ٥٣٩)، القول المفيد لابن عثيمين (٢/ ١١٥).\n(^٢) يشير إلى حديث أبي مالك الأشعري وفيه: \"أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن وذكر منها الاستسقاء بالنجوم\"، والحديث أخرجه مسلم في كتاب الجنائز، باب التشديد في النياحة (٢/ ٦٤٤) برقم (٩٣٤).\n(^٣) هو محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، أبو عبد الله، شمس الدين المقدسي الراميني ثم الصالحي، أحد أعلام الحنابلة في وقته، وتلاميذ شيخ الإسلام ابن ثيمية، من مؤلفاته: الفروع، والآداب الشرعية، وأصول الفقه وغيرها، توفي سنة (٧٦٣ هـ).\nانظر: الدرر الكامنة (٤/ ١٦١)، شذرات الذهب (٦/ ١٩٩).","vol":"1","page":249},{"text":"النبي -ﷺ-، وأخبر أنه من أمر الجاهلية، ونفاه، وأبطله، وهو الذي كان يزعم المشركون، ولم يزل موجودًا في هذه الأمة إلى اليوم، وأيضًا فإن هذا من النبي -ﷺ- حماية لجناب التوحيد، وسدٌّ لذرائع الشرك ... \" (^١).\nوعليه فما ذهب إليه ابن حجر من تحريم قول مطرنا بنوء كذا في حق من اعتقد تأثير الكواكب والنجوم وكفر قائله موافق لإجماع أهل العلم.\nوأما قوله بجواز ذلك في حق من اعتقد تسبب الكواكب أو كونها علامة على ذلك، فهو وإن كان قولًا لبعض الشافعية إلا أن الصحيح خلافه لِمَا سبق.\nوقول الشافعي -﵀- الذي أورده ابن حجر للدلالة على ما ذهب إليه يختص بمن قال مطرنا بنوء كذا وأراد في وقت كذا دون من قال ذلك يريد تسبب النجم في المطر أو كونه علامة عليه، وفرق بين الأمرين. على أنه قد نص غير واحد على تحريم هذا اللفظ مطلقًا سدًا للذريعة وحماية لجناب التوحيد.\n٤ - إطلاق لفظ: عبدي وأمتي:\nيرى ابن حجر -﵀- كراهة قول السيد لعبده وأمته عبدي وأمتي حيث يقول: \"روى الشيخان أنه -ﷺ- قال: \"لا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي\" (^٢)، وفي رواية لمسلم: \"لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل: غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي\" (^٣).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (ص ٤٥٤، ٤٥٥)، وانظر: كلام ابن مفلح الذي أشار إليه في المبدع (٢/ ٢١٢).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب العتق، باب كراهية التطاول على الرقيق وقوله عبدي وأمتي (٢/ ٧٦٨) برقم (٢٥٥٢)، ومسلم، كتاب الألفاظ من الأدب، باب حكم إطلاق لفظ العبد والأمة والمولى والسيد (٤/ ١٧٦٤) برقم (٢٢٤٩) من حديث أبي هريرة -﵁- به.\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الألفاظ من الأدب، باب حكم إطلاق لفظ العبد والأمة والمولى والسيد (٤/ ١٧٦٤) برقم (٢٢٤٩).","vol":"1","page":250},{"text":"ويؤخذ من قوله -ﷺ- في هذه: \"كلكم عبيد الله\" الإيماء إلى علة كراهة عبدي وأمتي بأنه موهم وجود حقيقة العبودية والأمتِّية لغير الله، وهو كذب بل كفر صريح فنهى عن ذلك اللفظ الموهم لذلك، وإن كان غير مراد بخلاف الفتاتية والغلامية والجارية، لا يوهم ذلك الإيهام ولا قريبًا منه فلا يكره\" (^١).\nالتقويم:\nقول السيد لعبده وأمته عبدي وأمتي من الألفاظ المنهي عنها وإن كانت تطلق لغة؛ لِمَا فيها من إيهام العبودية لغير الله، فالنهي عنها جاء تحقيقًا للتوحيد وبعدًا عن الشرك (^٢).\nوالنهي عن قول السيد لعبده وأمته عبدي وأمتي نهي تنزيه لا تحريم باتفاق أهل العلم.\nيقول الحافظ ابن حجر العسقلاني شارحًا ترجمة البخاري في صحيحه: \"باب كراهية التطاول على الرقيق، وقوله: عبدي وأمتي، وقول الله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (^٣) [النور: ٣٢].\n\"قوله: عبدي أو أمتي، أي: وكراهية ذلك من غير تحريم، ولذلك استشهد للجواز بقوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ وبغيرها من الآيات والأحاديث الدالة على الجواز، ثم أردفها بالحديث الوارد في النهي عن ذلك، واتفق العلماء على أن النهي الوارد في ذلك للتنزيه، حتى أهل الظاهر ... \" (^٤).\nوعليه فما قرره ابن حجر -﵀- من كراهة تلفظ السيد بقوله عبدي وأمتي موافق لاتفاق أهل العلم.\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ١٨٥ - ١٨٦)، وانظر: تنبيه الأخيار (ل ١٩/ أ).\n(^٢) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ٧)، والأذكار له (ص ٣٢٢)، زاد المعاد (٢/ ٤٧٠)، فتح الباري (٥/ ٢١١)، تيسير العزيز الحميد (ص ٦٥٥)، فتح المجيد (٢/ ٧٥٥)، القول المفيد لابن عثيمين (٣/ ٩٧ - ٩٨).\n(^٣) صحيح البخاري (٢/ ٧٦٧).\n(^٤) فتح الباري (٥/ ٢١١).","vol":"1","page":251},{"text":"٥ - التسمي بملك الأملاك وما في معناه:\nيرى ابن حجر -﵀- تحريم التسمي بملك الأملاك، وشاهن شاه، وحاكم الحكام، وقاضي القضاة. وأن ذلك كبيرة من كبائر الذنوب. حيث عد من الكبائر: \"التسمية بملك الأملاك\" (^١) وأورد الأدلة على ذلك، ثم عقب عليها بقوله:\n\"عد ما ذكر [يعني: من الكبائر] ... ظاهر، قال أئمتنا: وتحرم التسمية بكل من ملك الأملاك، وشاهِن شاه إذ هو بمعناه؛ وذلك أنه لا يوصف بذلك غير الله -﷿-.\nوألحق بذلك بعض أئمتنا حاكم الحكام، وقاضي القضاة ... \" (^٢).\nالتقويم:\nلما كان الله سبحانه هو مالك الملك، ولا ملك أعظم وأكبر منه، كان إطلاق هذا الاسم على غيره لا يجوز؛ حفظًا للتوحيد ودفعًا لوسائل الشرك (^٣)، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إن أخنع (^٤) اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك\" (^٥).\nوقد نص غير واحد من أهل العلم على أنه يلحق بملك الأملاك ما في معناه كشاهن شاه، وسلطان السلاطين، وأحكم الحاكمين. واختلفوا في التسمي بقاضي القضاة وحاكم الحكام هل يلحقان بذلك أم لا؟\n_________\n(^١) الزواجر (١/ ٢١٢).\n(^٢) المصدر السابق (١/ ٢١٢)، وانظر: تنبيه الأخيار (ل ١٨/ أ).\n(^٣) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٤/ ١٢٢)، تهذيب السنن لابن القيم (٧/ ٢٥٨)، زاد المعاد (٢/ ٣٤٠)، تحفة المودود (ص ١٣٠)، فتح الباري (١٠/ ٥٩٠)، تيسير العزيز الحميد (ص ٦١٢)، فتح المجيد (٢/ ٧١١)، القول المفيد (٣/ ٣).\n(^٤) أخنع أي: أوضع أو أذل، والخانع: الذليل الخاضع، والمعنى: أشد الأسماء ذلًا وأوضعها عند الله.\nانظر: غريب الحديث لأبي عبيد (٢/ ١٨)، والنهاية (٢/ ٨٤).\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب أبغض الأسماء إلى الله (٤/ ١٩٥١) برقم (٦٢٠٥)، ومسلم، كتاب الأدب، باب تحريم التسمي بملك الأملاك (٣/ ١٦٨٨) برقم (٢١٤٣).","vol":"1","page":252},{"text":"والراجح -والله أعلم- أنهما يلحقان بذلك لكون علة النهي متحققة فيهما كما هي متحققة في ملك الملوك وشاهن شاه وسلطان السلاطين (^١).\nيقول العلامة ابن القيم ﵀: \"ومن المحرم التسمية بملك الملوك، وسلطان السلاطين، وشاهن شاه ...\nوقال بعض العلماء: وفي معنى ذلك كراهية التسمية بقاضي القضاة، وحاكم الحكام؛ فإن حاكم الحكام في الحقيقة هو الله ... \" (^٢).\nوبناء على ما سبق فما ذهب إليه ابن حجر ﵀ من تحريم التسمي بملك الأملاك وما في معناه موافق لِمَا عليه أهل العلم من أهل السنة والجماعة.\n٦ - التوسل:\nيرى ابن حجر- غفر الله له- استحباب التوسل بالنبي -ﷺ-، حيث يقول: \"التوسل به -ﷺ- ... حسن في كل حال قبل خلقه، وبعد خلقه في الدنيا والآخرة ... \" (^٣).\nويبين مراده بالتوسل به -ﷺ- المستحب فيقول: \"معنى التوسل به -ﷺ- طلب الدعاء منه\" (^٤)، أو الدعاء بحقه \"والمراد بحقه رتبته ومنزلته إليه، أو الحق الذي جعله الله سبحانه وتعالي له على الخلق، أو الحق الذي جعله الله بفضله له عليه\" (^٥).\nويرى أن \"السؤال به -ﷺ- ليس سؤالًا له حتى يوجب اشتراكًا وإنما هو سؤال الله بمن له عنده قدر عليّ ومرتبة رفيعة وجاه عظيم فمن كرامته على ربه أن لا يخيب السائل به والمتوسل بجاهه\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: زاد المعاد (٢/ ٣٤٠)، تحفة المودود (ص ١٣٠)، فتح الباري (١٠/ ٥٩١)، تيسير العزيز الحميد (ص ٦١٣ - ٦١٤).\n(^٢) تحفة المودود (ص ١٣٠).\n(^٣) الجوهر المنظم (ص ٦١)، وانظر: تحفة الزوار (ص ٨٧) وما بعدها، وحاشية الإيضاح (ص ٤٩٩)، فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٣٦٣).\n(^٤) الجوهر المنظم (ص ٦٢)، وانظر: حاشية الإيضاح (ص ٥٠٠).\n(^٥) الجوهر المنظم (ص ٦١).\n(^٦) المصدر السابق (ص ٦١).","vol":"1","page":253},{"text":"ويقرر أن التوسل به مشروع في كل أحواله -ﷺ- سواء كان ذلك قبل خلقه، أو بعد خلقه في الدنيا أو الآخرة، ويسوق الأدلة على ذلك فيقول:\n\"مما يدل لطلب التوسل به قبل خلقه ...\nما أخرجه الحاكم (^١) وصححه أنه -ﷺ- قال: \"لَمّا اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد -ﷺ- إلا ما غفرت لي، فقال الله: يا آدم كيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لَمّا خلقتني بيدك، ونفخت فيّ من روحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إليّ، إذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك ... \" (^٢).\n\"وفي حياته: ما أخرجه النسائي والترمذي وصححه ... أن رجلًا ضريرًا أتى النبي -ﷺ- فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت وهو خير لك، قال: فادعه، وفي رواية: ليس لي قائد وقد شق عليّ، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد -ﷺ- نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي اللهم شفّعه فيّ.\nوصححه البيهقي وزاد: فقام وقد أبصر.\nوفي رواية: اللهم شفّعه فيّ وشفعني في نفسي\" (^٣).\n\"ومما يستدل به على التوسل بالنبي -ﷺ- فعل عمر بن الخطاب -﵁- في توسله بالاستسقاء بعم النبي -ﷺ- العباس بن عبد المطلب، وكان يقول:\n_________\n(^١) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم الضبي، أبو عبد الله، المعروف بابن البَيِّع الحاكم النيسابوري، إمام محدث، من مؤلفاته: المستدرك على الصحيحين، والمدخل إلى الصحيح، ومعرفة علوم الحديث، توفي سنة (٤٠٥ هـ).\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٦٢)، شذرات الذهب (٣/ ١٧٦).\n(^٢) الجوهر المنظم (ص ٦١)، وانظر: تحفة الزوار (ص ٨٩)، وحاشية الإيضاح (ص ٥٠٠).\n(^٣) الجوهر المنظم (ص ٦١)، وانظر: تحفة الزوار (ص ٩٨)، وحاشية الإيضاح (ص ٥٠٠).","vol":"1","page":254},{"text":"اللهم إنّا كنّا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا هانا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون ...\nوهذا أوفى دليل في هذا المعنى لأن قول عمر بن الخطاب -﵁-: اللهم إنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، دليل ظاهر على أنه في حياته، وهو ما نحن فيه\" (^١).\n\"وبعد وفاته ... استعمل السلف هذا الدعاء [يعني: الدعاء الوارد في حديث الضرير السابق] في حاجاتهم بعد موته، وقد علّمه عثمان بن حنيف الصحابي راويه لمن كان له حاجة عند عثمان بن عفان زمن إمارته بعده -ﷺ- وعسر عليه قضاؤها منه، وفعله فقضاها منه، رواه الطبراني (^٢) والبيهقي.\nوروى الطبراني بسند جيد أنه -ﷺ- ذكر في دعائه: بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي\" (^٣).\n\"وقد صح في حديث طويل أن الناس أصابهم قحط في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁- فجاء رجل إلى قبر النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتاه -ﷺ- في النوم فأخبره أنهم يسقون فكان كذلك.\nوفيه: ائت عمر فاقرئه السلام وأخبره أنهم يسقون، وقل له: عليك الكيس الكيس، أي: الرفق ... فأتاه فأخبره فبكى، ثم قال: يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه.\nوفي رواية: أن رائي المنام بلال بن الحارث المزني الصحابي -﵁-.\nفعلم أنه -ﷺ- يطلب منه الدعاء بحصول الحاجات كما في حياته ...\n_________\n(^١) تحفة الزوار (ص ١٠٧).\n(^٢) هو سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي الطبراني، أبو القاسم، من حفاظ الحديث المكثرين من التصنيف فيه، من مصنفاته: ص المعاجم الثلاثة الكبير والأوسط والصغير، توفي سنة (٣٦٠ هـ).\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ١١٩)، شذرات الذهب (٣/ ٣٠).\n(^٣) انظر: الجوهر المنظم (ص ٦١)، وانظر: تحفة الزوار (١٠٨)، حاشية الإيضاح (ص ٥٠٠).","vol":"1","page":255},{"text":"وأنه -ﷺ- يتوسل به في كل خير قبل بروزه لهذا العالم وبعده في حياته وبعد وفاته وكذا في عرصات القيامة فيشفع إلى ربه، وهذا مما قام الإجماع عليه، وتواترت به الأخبار\" (^١) (^٢).\nوابن حجر حينما يقرر استحباب التوسل لا يرى ذلك مقتصرًا على النبي -ﷺ- وحده، بل يشمل ذلك التوسل بالأنبياء والأولياء والصالحين، يقول في ذلك: \"ولا فرق بين ذكر التوسل ... به -ﷺ- أو بغيره من الأنبياء وكذا الأولياء ... وذلك:\nلأنه ورد جواز التوسل بالأعمال كما في حديث الغار الصحيح مع كونها أعراضًا فالذوات الفاضلة أولى.\nولأن عمر بن الخطاب توسل بالعباس - ﵄ - في الاستسقاء ولم ينكر عليه\" (^٣).\nوقد شنع ابن حجر- عفا الله عنه- على شيخ الإسلام ابن تيمية في تحريمه التوسل بجاه النبي -ﷺ- فقال:\n\"من خرافات ابن تيمية التي لم يقلها عالم قبله، وصار بها بين أهل الإسلام مثلة، أنه أنكر الاستغاثة والتوسل به -ﷺ-، وليس ذلك كما أفتى، بل التوسل به حسن في كل حال ... فقول ابن تيمية ليس له أصل من افترائه\" (^٤).\nالتقويم:\nالتوسل: طلب الوسيلة، والوسيلة، القربة والشفاعة، يقال: وَسلَ وتَوَسلَ إلى الله تَوسُّلًا؛ إذا عمل عملًا تقرب به إليه.\n_________\n(^١) انظر: الجوهر المنظم (ص ٦٢، ٦٣)، وانظر: تحفة الزوار (ص ١١١)، وما بعدها.\n(^٢) توسع ابن حجر في ذكر الأدلة التي استدل بها على استحباب التوسل بالنبي -ﷺ- في أحواله كلها في كتابه تحفة الزوار إلا أن كلامه فيه كان نقلًا عن السبكي ولهذا اعتمدت على الأدلة التي ساقها من نفسه في كتابه الجوهر المنظم مع الإشارة إلى مواضعها من تحفة الزوار.\n(^٣) انظر: الجوهر المنظم (ص ١ - ٦٢).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (ص ٦١).","vol":"1","page":256},{"text":"فالتوسل في اللغة: التقرب (^١).\nوهو في الشرع: التقرب إلى الله تعالى بوسيلة (^٢).\nوهو قسمان:\nالأول: توسل مشروع: وهو التقرب إلى الله تعالى بوسيلة مشروعة، وهو ثلاثة أنواع:\n١ - التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته.\n٢ - التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة.\n٣ - التوسل إلى الله تعالى بطلب الدعاء من الصالحين الأحياء.\nوالثاني: توسل ممنوع: وهو التقرب إلى الله تعالى بوسيلة ممنوعة، وهو أربعة أنواع:\n١ - التوسل إلى الله تعالى بسؤال الأموات ودعائهم.\n٢ - التوسل إلى الله تعالى بطلب الدعاء من الأموات.\n٣ - التوسل إلى الله تعالى بذوات المخلوقين.\n٤ - التوسل إلى الله تعالى بجاه المخلوقين أو حقهم (^٣).\nوهي مترددة بين الشرك والبدعة فالتوسل بسؤالهم ودعائهم وطلب الدعاء منهم بعد وفاتهم شرك أكبر، والتوسل بذواتهم أو جاههم أو حقهم بدعة منكرة (^٤).\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣٨٩٢)، معجم مقاييس اللغة (ص ١٠٩١)، الصحاح (٥/ ١٨٤١)، لسان العرب (١١/ ٧٢٤)، القاموس المحيط (١٣٨٩).\n(^٢) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية (ص ٧٩)، والتوصل إلى حقيقة التوسل لمحمد نسيب الرفاعي (ص ٢٠)، والتوسل أنواعه وأحكامه للألباني (ص ١٣).\n(^٣) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٧)، قاعدة في الوسيلة لابن تيمية (ص ٧٩)، كشف ما ألقاه إبليس لعبد الرحمن بن حسن (ص ٢٩٥، ٢٩٦)، النبذة الشريفة لابن معمر (ص ٩٤)، صيانة الإنسان (ص ١٩٧)، التوصل (ص ٢٢)، التوسل للألباني (ص ٣١)، التوسل لابن عثيمين (ص ١٣).\n(^٤) انظر: المصادر السابقة.","vol":"1","page":257},{"text":"إذا تقرر ذلك فالتوسل بالنبي -ﷺ- لفظ مجمل مشترك ترد عليه الأنواع المشروعة والممنوعة حسب مورد التوسل به واعتباراته وبكون حكمه تابعًا لحكمها.\nفإن أريد به التوسل بالإيمان به ومحبته، أو التوسل بطلب الدعاء منه حال حياته -ﷺ- فهو توسل مشروع.\nوإن أريد به التوسل بسؤاله ودعائه، أو طلب الدعاء منه بعد وفاته -ﷺ-، أو التوسل بذاته أو جاهه وحقه فهو توسل ممنوع (^١).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"لفظ التوسل بالشخص، والتوجه به، والسؤال به، فيه إجمال واشتراك غلط بسببه من لم يفهم ...\nيراد به التسبب به لكونه داعيًا وشافعًا مثلًا، أو لكون الداعي محبًا له مطيعًا لأمره، مقتديًا به، فيكون التسبب إما لمحبة السائل له واتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته.\nويراد به الإقسام به والتوسل بذاته، فلا يكون التوسل لا لشيء منه، ولا لشيء من السائل بل بذاته، أو بمجرد الإقسام به على الله.\nفهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه\" (^٢).\nوعليه فقول ابن حجر باستحباب التوسل بالنبي -ﷺ- بمعنى طلب الدعاء منه بعد وفاته، أو السؤال بحقه وجاهه قول باطل؛ إذ هو بهذا المعنى توسل ممنوع لا يجوز، فلم يكن الصحابة والتابعون وأتباعهم يفعلونه ولو كان مشروعًا لكانوا أولى الناس به، فإنهم عدلوا عن الاستسقاء به إلى الاستسقاء بعمه، ولم يعرف عن أحد منهم أنه توسل بجاه النبي -ﷺ- وحقه (^٣).\nوأما زعمه كون السؤال به -ﷺ- ليس سؤالًا له، واعتماده على ذلك\n_________\n(^١) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧٩٣)، قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٨٢)، كشف ما ألقاه إبليس لعبد الرحمن بن حسن (ص ٢١٧)، الكشف المبدي للفقيه (ص ٢٦٣)، القول الجلي لمحمد أحمد خضر (ص ٥٤).\n(^٢) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧٩٣).\n(^٣) انظر: اللمعة في الأجوبة السبعة لابن تيمية (ص ٣٦)، قاعدة جليلة (ص ١١٥)، كشف ما ألقاه إبليس (ص ٢١٥ - ٢١٦).","vol":"1","page":258},{"text":"في تجويزه فمردود بكون السؤال به -ﷺ- يجمع بين الشرك والبدعة.\nفهو شرك من جهة كون السائل اعتقد أن السؤال بالنبي -ﷺ- سببًا لتحقق المسؤول، واتخاذ ما لم يجعله الله سببًا لا شرعًا ولا كونًا سببًا شرك أصغر.\nوهو بدعة من جهة كون السؤال بالنبي -ﷺ- لم يكن معروفًا في عهد النبي -ﷺ- وأصحابه، وكل ما لم يكن موجودًا في عهدهم مع قيام المقتضي له فهو بدعة (^١).\nوقوله بذلك مبني على شبهة المجاز العقلي وقد سبق الجواب عنها بما يغني عن إعادته (^٢).\nوأما ما أورده ابن حجر من الأدلة لقوله باستحباب التوسل بالنبي -ﷺ- في جميع أحواله فهي مما لا يمكن الاستدلال به؛ لكونها إما مطعونًا في ثبوتها، أو في دلالتها، أو فيهما جميعًا، وفيما يلي مناقشة هذه الأدلة:\nأولًا: مناقشة الأدلة التي استدل بها ابن حجر على قوله باستحباب التوسل بالنبي -ﷺ- قبل خلقه:\nاستدل ابن حجر بحديث توسل آدم ﵇ بالنبي -ﷺ- حين وقعت منه الخطيئة ومغفرة الله له بسبب توسله.\nوالحديث أخرجه الحاكم (^٣)، والبيهقي (^٤)، والطبراني (^٥)، من طرق عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن جده، عن عمر بن الخطاب مرفوعًا.\nقال الحاكم بعد إخراجه له: \"صحيح الإسناد وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: التوسل لابن عثيمين (ص ٣٣).\n(^٢) انظر: (ص ١٦٢).\n(^٣) انظر: المستدرك (٢/ ٦١٥).\n(^٤) انظر: دلائل النبوة (٥/ ٤٨٩).\n(^٥) انظر: المعجم الصغير (٢/ ٨٢).\n(^٦) المستدرك (٢/ ٦١٥).","vol":"1","page":259},{"text":"وأخرجه الآجري (^١) من وجه آخر عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم به موقوفًا من قول عمر -﵁- (^٢).\nوالحديث معلول سندًا ومتنًا.\nفأما السند ففيه ثلاث علل:\n١ - ضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم- وعليه مدار الحديث- (^٣).\n٢ - جهالة من دون عبد الرحمن بن زيد، وقد أشار إلى ذلك الهيثمي (^٤) حيث قال: \"فيه من لم أعرفهم\" (^٥).\nومن هؤلاء عبد الله بن مسلم الفهري (^٦).\n٣ - اضطراب عبد الرحمن، ومن دونه في إسناده، فتارة يروونه مرفوعًا، وتارة موقوفًا على عمر -﵁- (^٧).\nوأما المتن فهو يخالف القرآن الكريم في موضعين منه:\n١ - أن ظاهر الحديث ينص على أن مغفرة الخطيئة كانت بسبب توسل آدم بنبينا محمدﷺ-، وهذا مخالف لنص القرآن الكريم، إذ المغفرة كانت بسبب الكلمات التي تلقاها آدم من ربه قال ﷿: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ\n_________\n(^١) هو محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري البغدادي، أبو بكر، أحد أعلام السلف ومصنفيهم، من مؤلفاته: الشريعة، والأربعون، وأخلاق العلماء وغيرها، توفي سنة ٣٦٠ ص. انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٣٣)، شذرات الذهب (٣/ ٣٥).\n(^٢) انظر: الشريعة (٣/ ١٤١٥) برقم (٩٥٦).\n(^٣) انظر: ترجمته في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٥/ ٢٣٤)، والتاريخ الكبير للبخاري (٥/ ٢٨٤)، والمجروحين لابن حبان (٢/ ٥٧ - ٥٩)، والكامل لابن عدي (٤/ ١٥٨١)، وميزان الاعتدال للذهبي (٢/ ٢٦٤).\n(^٤) هو علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، أبو الحسن، المصري، المحدث الحافظ، من مؤلفاته: مجمع الزوائد، وترتيب الثقات لابن حبان، وزوائد ابن ماجه على الكتب الستة، توفي سنة (٨٠٧ ص).\nانظر: الضوء اللامع (٥/ ٢٠٠)، الأعلام (٤/ ٢٦٦).\n(^٥) مجمع الزوائد (٨/ ٢٥٣).\n(^٦) انظر: ميزان الاعتدال (٢/ ٥٠٤)، ولسان الميزان (٣/ ٣٥٩ - ٣٦٠).\n(^٧) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٧٥)، والتوسل للألباني (ص ١٢٤).","vol":"1","page":260},{"text":"فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧]. وقد قيل: إن الكلمات هي ما ذكر في قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣] (^١).\n٢ - أن الحديث جاء في آخره: \"ولولا محمد ما خلقتك\"، وهذا مخالف للقرآن الكريم في بيانه أن الحكمة من خلق الجن والإنس هي عبادة الله وحده، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] (^٢).\nوقد أعل الحديث بهذه العلل أو بعضها جماعة من المحدثين كالبيهقي (^٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٤)، والحافظ الذهبي (^٥)، والإمام ابن عبد الهادي (^٦)، والحافظ الهيثمي (^٧)، والحافظ ابن حجر العسقلاني (^٨)، والعلامة الألباني (^٩) (^١٠).\nوأما تصحيح الحاكم لهذا الحديث فيجاب عنه بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: \"رواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه، فإنه نفسه قال في كتاب المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم: عبد الرحمن بن\n_________\n(^١) انظر: الرد على البكري لابن تيمية (ص ١٠)، التوسل للألباني (ص ١٢٥)، التوصل للرفاعي (ص ٢٢٤).\n(^٢) انظر: التوسل للألباني (ص ١٢٥)، التوصل للرفاعي (ص ٢٢٧).\n(^٣) انظر: دلائل النبوة (٥/ ٤٨٩).\n(^٤) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٦٧)، الرد على البكري (ص ٥ - ١١، ٦٠).\n(^٥) انظر: ميزان الاعتدال (٢/ ٥٠٤).\n(^٦) انظر: الصارم المنكي (ص ٤٣).\n(^٧) انظر: مجمع الزوائد (٨/ ٢٥٣).\n(^٨) انظر: لسان الميزان (٣/ ٣٥٩)، النكت على ابن الصلاح (١/ ٣٢٠ - ٣٢١).\n(^٩) هو محمد ناصر الدين بن نوح نجاتي بن آدم الألباني، أحد علماء المحدثين المعاصرين، من مؤلفاته: التوسل أنواعه وأحكامه، تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، سلسلة الأحاديث الصحيحة، وغيرها، توفي سنة ١٤٢٠ هـ.\nانظر: الألباني حياته وآثاره لمحمد الشيباني.\n(^١٠) انظر: التوسل (ص ١١٥).","vol":"1","page":261},{"text":"زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة، لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه ...\nوأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله، فهذا مما أنكره عليه أئمة العلم بالحديث، وقالوا: إن الحاكم يصحح أحاديث وهي موضوعة مكذوبة عند أهل المعرفة بالحديث ...\nولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم، وإن كان غالب ما يصححه فهو صحيح، لكن هو في المصححين بمنزلة الثقة الذي يكثر غلطه، وإن كان الصواب أغلب عليه. وليس فيمن يصحح الحديث أضعف من تصحيحه ... \" (^١).\nوعليه فالحديث معلول لا يحتج به، وكلام عامة أهل العلم فيه دائر بين الحكم بوضعه أو ضعفه الشديد.\nثانيًا: مناقشة الأدلة التي استدل بها ابن حجر على قوله باستحباب التوسل بالنبي -ﷺ- في حياته:\nاستدل ابن حجر بحديث الضرير وحديث توسل عمر بالعباس -﵄- على استحباب التوسل بجاه النبي -ﷺ- وحقه في حياته، وهما حديثان صحيحان، ولكنهما لا يدلان على ما ذهب إليه ابن حجر.\nفأما حديث الضرير (^٢) فيجاب عنه بما يلي:\n١ - أن المراد بالتوسل به -ﷺ- في الحديث هو التوسل بدعائه وهو\n_________\n(^١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٦٨ - ١٧٠).\n(^٢) أخرجه الترمذي، كتاب الدعوات (٥/ ٥٦٩) برقم (٣٥٧٨)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب عمل اليوم والليلة ذكر حديث عثمان بن حنيف (٦/ ١٦٨ - ١٦٩) برقم (١٠٤٩٤)، وابن ماجه في سننه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في صلاة الحاجة (١/ ٤٤١) برقم (١٣٨٥)، وأحمد (٢٨/ ٤٧٨) برقم (١٧٢٤٠)، والبخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٢٠٩ - ٢١٠)، وابن خزيمة (٢/ ٢٢٥) برقم (١٢١٩)، والطبراني في الكبير (٩/ ٣١ - ٣٢) برقم (٨٣١١) والصغير (١/ ٣٠٧) برقم (٥٠٨)، والحاكم (١/ ٣١٣)، والبيهقي في دلائل النبوة (٦/ ١٦٦) من طرق عن عثمان بن حنيف -﵁- به.\nقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح غريب ... \".\nوقال الحاكم: \"هذا حديث حسن صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":262},{"text":"مشروع في حياته -ﷺ- بخلاف التوسل بجاهه أو حقه أو ذاته فهو لا يشرع بحال، ومما يؤيد كون التوسل المراد في الحديث التوسل بدعائه قول الأعمى: ادع الله أن يعافيني، ووعده -ﷺ- بالدعاء مع بيان الأفضل له، ثم إصرار الأعمى على الدعاء، وقوله: اللهم فشفعني فيه، وشفعه فيّ، كل ذلك يدل على أن المراد به التوسل بدعائه؛ لأن هذه الصيغة لا تحتمل غير ذلك (^١).\n٢ - أنه لو كان المراد بالتوسل به -ﷺ- في الحديث التوسل بذاته أو جاهه، أو حقه، لا دعائه، لكان كل أعمى من الصحابة ومن بعدهم إلى هذا الزمان، يتوسلون إلى الله بذات النبي -ﷺ- وجاهه وحقه عند الله، ولن يبقى بعد ذلك أعمى (^٢).\nوأما حديث توسل عمر بن الخطاب بالعباس (^٣) -﵄- فيجاب عنه من وجهين:\n١ - أن المقصود بالتوسل بالنبي -ﷺ- الوارد في الحديث طلب الدعاء منه وهو مشروع في حياته دون وفاته- كما سبق- لا التوسل بذاته أو حقه وجاهه فهو ممنوع مطلقًا، فلا دلالة في الحديث على ما ذهب إليه ابن حجر (^٤).\n_________\n(^١) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧٨٣ - ٧٨٤)، قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١١٥)، اللمعة في الأجوبة السبعة لابن تيمية (ص ٤٨ - ٥٠)، تلخيص كتاب الاستغاثة لابن تيمية (ص ١٢٩ - ١٣٠)، النبذة الشريفة لابن معمر (ص ٨٣)، صيانة الإنسان (ص ١٢٥)، الصواعق المرسلة الشهابية لابن سحمان (ص ١٦٢)، الضياء الشارق له أيضًا (ص ٥٣٧)، كشف ما ألقاه إبليس لعبد الرحمن بن حسن (ص ٢١٦)، الكشف المبدي للفقيه (ص ٢٤٥)، التوصل للرفاعي (ص ٢٣٦)، التوسل للألباني (ص ٧٥).\n(^٢) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٢٦٠)، تلخيص كتاب الاستغاثة (ص ١٣٠).\n(^٣) الحديث أخرجه البخاري، كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام إذا قحطوا (١/ ٣٠٢) برقم (١٠١٠) من حديث أنس -﵁- به.\n(^٤) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٨٢)، تلخيص الاسثغاثة (ص ١٢٦)، اللمعة في الأجوبة السبعة، كشف ما ألقاه إبليس لعبد الرحمن بن حسن (ص ٥٥)، الصواعق المرسلة الشهابية (ص ٢٦٢)، الضياء الشارق (ص ٥٥١ - ٥٥٢)، صيانة الإنسان (ص ١٣٦)، الكشف المبدي (ص ٢٤٣)، التوصل للرفاعي (ص ٢٦١)، التوسل للألباني (ص ٥٥).","vol":"1","page":263},{"text":"ومما يدل على أن المراد بالتوسل في الحديث طلب دعائه -ﷺ- لا التوسل بذاته أو جاهه أو حقه أمران:\nأ- الأحاديث الواردة في الاستسقاء، ومنها ما رواه أنس بن مالك -﵁-: \"أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة من باب نحو دار القضاء- ورسول الله -ﷺ- قائم يخطب- فاستقبل رسول الله -ﷺ- وقال: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا، فرفع يديه ثم قال: \"اللهم أغثنا، اللهم أغثنا ... \" الحديث\" (^١).\nفدل هذا الحديث دلالة قوية ظاهرة على أن توسلهم به -ﷺ- كان توسلًا بدعائه، لا بجاهه، وهذا ظاهر من قوله: \"فادع الله لنا\".\nب- أن توسل عمر بن الخطاب بالعباس -﵁- كان توسلًا بدعائه لا بذاته، فإن العباس لَمّا استسقى به عمر قال: \"اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث ... \" (^٢) (^٣)\n٢ - أن عدول عمر -﵁ - عن التوسل بالنبي -ﷺ- بعد وفاته بطلب الدعاء منه أو التوسل بذاته أو جاهه وحقه إلى التوسل بالعباس -﵁- وإقرار الصحابة له دليل على عدم جواز ذلك؛ إذ لا يمكن أن يتوسلوا بالمفضول ويدعوا الفاضل، خاصة مع جدبهم وحاجتهم، فالدليل حجة عليه لاله (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الاستسفاء، باب الاستسقاء في خطبة الجمعة (١/ ٣٠٣) برقم (١٠١٤)، ومسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء (٢/ ٦١٢) برقم (٨٩٧) من حديث أنس -﵁- به.\n(^٢) أخرجه الزبير بن بكار في الأنساب كما في فتح الباري (٢/ ٥٧٧).\n(^٣) انظر: التوسل للألباني (ص ٥٦ - ص ٦٨).\n(^٤) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٨٢)، تلخيص الاستغاثة (ص ١٢٦)، اللمعة في الأجوبة السبعة (ص ٥٠).","vol":"1","page":264},{"text":"ثالثًا: مناقشة الأدلة التي استدل بها ابن حجر على قوله باستحباب التوسل بالنبي -ﷺ- بعد وفاته:\nاستدل ابن حجر على استحباب التوسل بالنبي -ﷺ- وفاته بطلب الدعاء منه، أو التوسل بذاته أو جاهه بثلاثة أدلة:\nالأول: فعل عثمان بن حنيف -﵁-:\nونص القصة: \"أن رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفان -﵁- في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته، فلقي ابن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال عثمان بن حنيف: ايت الميضأة فتوضأ ثم ايت المسجد فصل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد -ﷺ- نبي الرحمة يا محمد؛ إني أتوجه بك إلى ربي فتقضي لي حاجتي وتذكر حاجتك ... \".\nوالجواب عنها من وجهين:\n١ - أن القصة أخرجها الطبراني (^١) والبيهقي (^٢) من طريق شبيب بن سعيد، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر الحظمي، عن أبي أمامة سهل بن حنيف، عن عمه عثمان بن حنيف بها.\nوهي بهذا الإسناد لا تثبت، بل هي معلولة بما يلي:\nأ- ضعف شبيب بن سعيد (^٣) وتفرده بها (^٤).\nب- الاختلاف على شبيب فيها فإنه تارة يذكر القصة في الحديث وتارة يهملها (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المعجم الكبير (٩/ ٣١) برقم (٨٣١٠)، والمعجم الصغير (١/ ٣٠٦ - ٣٠٧) برقم (٥٠٨).\n(^٢) انظر: دلائل النبوة (٦/ ١٦٧ - ١٦٨).\n(^٣) انظر: التاريخ الكبير (٤/ ٢٣٣)، والجرح والتعديل (٤/ ٣٥٩)، والكامل لابن عدي (٤/ ١٣٤٦)، وميزان الاعتدال (٢/ ٢٦٢)، تهذيب الكمال (١٢/ ٣٦٠).\n(^٤) نص على تفرده في هذه الرواية الطبراني في الصغير (١/ ٣٠٧).\n(^٥) أخرجها البيهقي في دلائل النبوة (٦/ ١٦٧ - ١٦٨) بالوجهين، وأخرجها الحاكم في المستدرك (١/ ٥٢٦) وابن السني في عمل اليوم والليلة (ص ٥٨١) برقم (٦٢٨) دون ذكر القصة وهي الرواية المحفوظة لموافقتها لرواية الأثبات.","vol":"1","page":265},{"text":"جـ- مخالفة شبيب للثقات الذين رووا الحديث مجردًا عن القصة في السند والمتن (^١).\n٢ - أن فعل عثمان بن حنيف -ﷺ- لو ثبت عنه فهو معارض بفعل الصحابة -﵃- فإنهم لم يكونوا- يتوسلون بالنبي -ﷺ- بعد وفاته لا بطلب الدعاء منه ولا بالتوسل بذاته أو جاهه، بل عدلوا عن التوسل به بعد وفاته إلى التوسل بعمه العباس، ولو كان التوسل به -ﷺ- بعد وفاته بطلب الدعاء منه أو التوسل بذاته وجاهه مشروعًا لم يعدلوا عن التوسل به -ﷺ- (^٢).\nالثاني: حديث أنس بن مالك -﵁- في قصة فاطمة بنت أسد:\nونصه: \"لَمّا ماتت فاطمة بنت أسد أم علي -﵄- دعا أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلامًا أسود يحفرون ... فلما فرغ دخل رسول الله -ﷺ-، فاضطجع فيه فقال: \"الله الذي يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها، ووسع عليها مدخلها، بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين ... \".\nوالجواب عنه:\nأن الحديث أخرجه الطبراني (^٣)، ومن طريقه أبو نعيم (^٤) في الحلية (^٥) عن أحمد بن حماد، عن روح بن صلاح، عن سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن أنس بن مالك -﵁- به.\nوالحديث بهذا الإسناد ضعيف لا تقوم به الحجة، لضعف روح بن\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (١/ ٢٦٨)، التوسل للألباني (ص ٩٥).\n(^٢) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧٥٩ - ٧٦٠)، صيانة الإنسان (ص ٣٧٧)، الكشف المبدي (ص ٢٦٧)، الصواعق المرسلة الشهابية (ص ١٦٢)، التوسل للألباني (ص ٩٢)، هدم المنارة لعمرو عبد المنعم (ص ١١٤).\n(^٣) انظر: المعجم الكبير (٢٤/ ٣٥١) برقم (٨٧١)، والأوسط (١/ ١٥٢) برقم (١٩١).\n(^٤) هو أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني، أبو نعيم، حافظ محدث، مكثر من التصنيف، من مصنفاته: حلية الأولياء، ومعرفة الصحابة وغيرها، توفي سنة (٤٣٠ هـ).\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٤٥٣)، شذرات الذهب (٣/ ٢٤٥).\n(^٥) انظر: حلية الأولياء (٣/ ١٢١).","vol":"1","page":266},{"text":"صلاح من جهة (^١)، وتفرده به عن أصحاب سفيان الثوري من جهة أخرى (^٢).\nوأما زعم ابن حجر أن الطبراني رواه بسند جيد فلعله بناه على توثيق ابن حبان (^٣) (^٤) والحاكم (^٥) لروح هذا، وهو متعقب بما يلي:\n١ - أن ابن حبان والحاكم قد عرفا بتساهلهما في التوثيق فلا يعارض قولهما قول جمهور المحدثين (^٦).\n٢ - أن روح تفرد بالحديث عن أصحاب سفيان، وقد عد أهل الحديث تفرد الرجل عمن أكثر الرواة عنه طعنًا فيه وفي روايته (^٧).\nالثالث: فعل بلال بن الحارث المزني -﵁-:\nوالجواب عنه من وجهين:\n١ - أن القصة أخرجها ابن أبي شيبة (^٨) (^٩) من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن مالك الدار بها.\nوهي معلولة سندًا ومتنًا.\n_________\n(^١) انظر: الكامل لابن عدي (٣/ ١٠٠٥)، ميزان الاعثدال (٢/ ٥٨)، لسان الميزان (٢/ ٤٦٥).\n(^٢) نص على تفرده به أبو نعيم في الحلية (٣/ ١٢١).\n(^٣) هو محمد بن حبان بن أحمد بن معاذ بن معبد التميمي الدارمي البستي، أبو حاتم، المحدث الحافظ، شيخ خراسان في وقته، من مؤلفاته: الصحيح، والمجروحين، وروضة العقلاء وغيرها، توفي سنة ٣٥٤ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٩٢)، شذرات الذهب (٣/ ١٦).\n(^٤) انظر: الثقات (٨/ ٢٤٤).\n(^٥) انظر: سؤالات أبي مسعود السجزي للحاكم (ص ٩٨).\n(^٦) انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني (١/ ٣٢)، والتوسل له (ص ١١٢).\n(^٧) انظر: مقدمة صحيح مسلم (١/ ٧).\n(^٨) هو عبد الله بن محمد بن إبراهيم أبي شيبة العبسي مولاهم، المشهور بابن أبي شيبة، من حفاظ الحديث وأعلام السلف، من مؤلفاته: المصنف، والإيمان، والأدب وغيرها، توفي سنة ٢٣٥ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١١/ ١٢٢)، شذرات الذهب (٢/ ٨٥).\n(^٩) انظر: المصنف (١٢/ ٣١ - ٣٢) برقم (١٢٠٥١).","vol":"1","page":267},{"text":"أما السند ففيه علتان:\nأ- جهالة مالك الدار حيث لم يُذكر فيه جرح ولا تعديل ولم يرو عنه إلا اثنان، وهذا يرفع عنه جهالة العين دون جهالة الحال، فيبقى على جهالته (^١).\nب- جهالة الرجل الذي جاء إلى قبر النبي -ﷺ-، وأما ما ذكره ابن حجر من كونه سمي في رواية أخرى، وأنه بلال بن الحارث المزني، فهذه الرواية رواها سيف بن عمر (^٢)، وسيف تفرد بها وهو ضعيف بالاتفاق، بل متهم بالوضع والكذب (^٣).\nوأما المتن: فإن القصة منكرة؛ لمخالفتها ما ثبت في الشرع من استحباب إقامة صلاة الاستسقاء في مثل هذه الحالات، ومخالفتها ما اشتهر وتواتر عن الصحابة والتابعين، إذ ما جاء عنهم أنهم كانوا يرجعون إلى قبر النبي -ﷺ- أو قبر غيره من الأموات عند نزول النوازل واشتداد القحط يستدفعونها بهم وبدعائهم وشفاعتهم، بل كانوا يرجعون إلى الله تعالى واستغفاره وعبادته (^٤).\n٢ - أن القصة لو صحت فلا حجة فيها، إذ من شرط حجية قول الصحابي وفعله عدم مخالفته للأدلة أو معارضته بقول أو فعل صحابي آخر، وكلاهما غير متحقق في فعل بلال بن الحارث على التسليم بصحته عنه (^٥).\n_________\n(^١) انظر: ترجمته في الجرح والتعديل (٨/ ٢١٣)، والتاريخ الكبير (٧/ ٣٠٤)، وتهذيب التهذيب (٦/ ١٨٧).\n(^٢) نص على ذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح (٢/ ٤٩٦) حيث قال: \"روى سيف في الفتوح .. \"، وبمراجعة كتاب الفتوح لسيف بن عمر لم أجد الرواية فلعلها في الجزء المفقود منه.\n(^٣) انظر: ترجمته في الجرح والتعديل (٤/ ٢٧٨)، والمجروحين لابن حبان (١/ ٣٤٥)، والكامل لابن عدي (٣/ ١٢٧١)، وميزان الاعتدال (٢/ ٢٥٥)، والمغني في الضعفاء للذهبي (١/ ٤٦٠) وتهذيب الكمال (١٢/ ٣٢٤).\n(^٤) انظر: التوسل للألباني (ص ١٣٢).\n(^٥) انظر: الصواعق المرسلة الشهابية لابن سحمان (ص ١٦٩)، والتوصل للرفاعي (ص ٢٥٦)، والتوسل للألباني (ص ١٣٠)، وتعليق الشيخ عبد العزيز بن باز على فتح الباري (٢/ ٤٩٥).","vol":"1","page":268},{"text":"وبعد مناقشة أدلة ابن حجر التي ساقها للاستدلال على قوله باستحباب التوسل بالنبي -ﷺ- بطلب الدعاء منه بعد وفاته أو التوسل بذاته وجاهه وبيان ضعفها وعدم دلالتها على قوله يظهر بطلان زعمه بكون ذلك مما تواترت به الأخبار وقام عليه الإجماع.\nفإن الأخبار على خلافه، وكل ما استدل به فهو مطعون في ثبوته أو في دلالته، والمستدل عليه أن يبين صحة دليله ودلالته على قوله، وكلاهما غير متحقق فيما ساقه من الأدلة.\nوأما الإجماع فإنه على نقيضه، فلم يعرف عن السلف الأوائل من الصحابة والتابعين وأتباعهم طلب الدعاء منه -ﷺ- بعد وفاته أو التوسل بذاته وجاهه، ودعوى إجماعهم على خلاف ذلك تحتاج إلى دليل، ولا دليل يدل على ذلك (^١).\nوقوله باستحباب التوسل بالأنبياء والأولياء وكونه لا يقتصر على النبي -ﷺ- وحده، القول فيه كالقول في التوسل بالنبي -ﷺ-.\nوأما استدلاله بقياس التوسل بالأنبياء والأولياء على التوسل بالأعمال، وتوسل عمر بالعباس -﵄- فالجواب عنهما بأن يقال:\nأما قياس التوسل بالأنبياء والأولياء على التوسل بالأعمال لكون التوسل بهم توسل بذوات والتوسل بها توسل بأعراض، والتوسل بالذوات أولى من التوسل بالأعراض فمردود من وجهين:\n١ - أنه لا ملازمة بين جواز التوسل بالأعراض وبين جواز التوسل بالذوات فالقياس بينهما قياس مع الفارق (^٢).\n٢ - أن التوسل بالأعمال هو تقرب إلى الله تعالى بما شرعه لعباده، وهو معقول لتزكيتها لنفس العامل وجعله أهلًا لقبول دعائه واستجابته، وأما ذوات غيره فلا تأثير لها في تزكيته البتة مهما كان فضلها فإن عملها مزكٍّ لها لا لغيرها (^٣).\n_________\n(^١) انظر: صيانة الإنسان (ص ٢٢٧).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (ص ٢٧٧).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (ص ٢٧٨، ١٥٥)، والتوسل للألباني (ص ١٥١).","vol":"1","page":269},{"text":"وأما توسل عمر بالعباس -﵄- فقد سبق الجواب عنه بما يغني عن إعادته (^١).\nوأما تشنيع ابن حجر- عفا الله عنه- على شيخ الاسلام ابن تيمية في إنكاره التوسل بالنبي -ﷺ- زعمه بكونه مما انفرد به فالجواب عنه من وجهين:\n١ - أن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يمنع من عموم التوسل به -ﷺ-- كما توهمه عبارة ابن حجر- وإنما ذهب إلى أن التوسل بالنبي -ﷺ- منه ما هو مشروع ومنه ما هو ممنوع- وقد سبق نقل كلامه في ذلك (^٢).\n٢ - أن شيخ الإسلام لم ينفرد بمنع التوسل بالنبي -ﷺ- بطلب الدعاء منه بعد وفاته أو التوسل بذاته أو جاهه، بل سبقه إلى ذلك جماعة من أهل العلم منهم أبو حنيفة النعمان، وصاحبه أبو يوسف (^٣) (^٤) فالتشنيع عليه تشنيع عليهم، والاستطالة في عرضه استطالة في أعراضهم.\nوقد رد على ابن حجر غير واحد من أهل العلم في القديم والحديث تشنيعه على شيخ الإسلام وزعمه بتفرده بتحريم التوسل بالنبي -ﷺ- بما يغني عن التطويل بذكره (^٥).\n_________\n(^١) انظر: (ص ٢٦٣).\n(^٢) انظر: (ص ٢٥٨).\n(^٣) هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، الكوفي البغدادي، أبو يوسف، تلميذ أبي حنيفة وناشر مذهبه، من مؤلفاته: الخراج، والفرائض، والآثار وغيرها، توفي سنة ١٨٢ هـ.\nانظر: تاريخ بغداد (١٤/ ٢٤٢)، شذرات الذهب (١/ ٢٩٨).\n(^٤) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٨٧)، إتحاف السادة المتقين للزبيدي (٢/ ٢٨٥)، جلاء العينين للألوسي (ص ٥١٦ - ٥١٧، ٥٥١)، الصواعق المرسلة الشهابية لابن سحمان (ص ٢١٠).\n(^٥) انظر: جلاء العينين للألوسي (ص ٤٨٥ - ٥٧٧)، وللاستزادة: دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية لعبد الله الغصن (ص ٤٢٨).","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>الفصل الثالث آراؤه في توحيد الأسماء والصفات</span>\nوفيه تمهيد، ومبحثان:\nتمهيد في تعريف توحيد الأسماء والصفات.\nالمبحث الأول: آراؤه في أسماء الله.\nالمبحث الثاني: آراؤه في صفات الله.","vol":"1","page":271},{"text":"في تعريف توحيد الأسماء والصفات\nالأسماء: جمع اسم، والاسم: \"مشتق من السمو أي: العلو ... أو من الوسم أي: العلامة ... \" (^١)، وهو اللفظ الدال على المسمى (^٢)، وأسماء الله كل ما دل على ذات الله مع صفات الكمال القائمة به كالعليم والقدير والحكيم والسميع والبصير (^٣).\nوالصفات: جمع صفة، والصفة: أصلها \"وَصَفَ\" حذفت الواو وعوض عنها التاء (^٤)، وهي \"ما دل على معنى زائد على الذات\" (^٥)، وصفات الله نعوت الكمال القائمة بذاته كالعلم والقدرة والحكمة والسمع والبصر (^٦).\nوالفرق بين الأسماء والصفات أن الأسماء تدل على الذات مع دلالتها على صفات الكمال، وأما الصفات فإنها تدل على معنى قائم بالذات فقط، فالأسماء تدل على أمرين، والصفات تدل على أمر واحد (^٧).\n_________\n(^١) الإيعاب شرح العباب (١/ ٣)، وانظر: تهذيب اللغة (٢/ ١٧٤٨)، الصحاح (٦/ ٢٣٨٣)، معجم مقاييس اللغة (ص ٤٩٠)، لسان العرب (١٤/ ٤٠١)، القاموس المحيط (ص ١٦٧٢).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ١٨٩، ١٩٢)، بدائع الفوائد لابن القيم (١/ ١٦).\n(^٣) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (٣/ ١١٦).\n(^٤) انظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣٩٠٠ - ٣٩٠١)، الصحاح (٤/ ١٤٣٨ - ١٤٣٩)، معجم مقاييس اللغة (ص ١٠٩٣)، لسان العرب (٩/ ٣٥٦)، القاموس المحيط (ص ١١١١).\n(^٥) المنح المكية (٢/ ٨٨١).\n(^٦) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (٣/ ١١٦).\n(^٧) انظر: بدائع الفوائد (١/ ١٦٢)، فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (٣/ ١١٦)، وللاستزادة: دفع إيهام التشبيه د. محمد السمهري (ص ٣٧).","vol":"1","page":272},{"text":"وعليه فتوحيد الأسماء والصفات: \"هو إفراد الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الواردة في القرآن والسنة، والإيمان بها، وبمعانيها، وأحكامها\" (^١).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى-: \"الأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسله نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه وينفى عنه ما نفاه عن نفسه، وقد عُلِمَ أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد في أسمائه ولا في آياته ...\nفطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا بلا تعطيل كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] \" (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) معتقد أهل السُّنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات للتميمي (ص ٣١)، وانظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٣٤)، فتح المجيد (١/ ٧٩)، القول السديد للسعدي (ص ١٠)، معارج القبول (١/ ٩٨)، القول المفيد لابن عثيمين (١/ ١٢).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوي (٣/ ٣).","vol":"1","page":273},{"text":"آراؤه في أسماء الله\nعرض ابن حجر ﵀ لمسائل عدة تتعلق بأسماء الله ﷾، كما شرح بعضها وبين معانيها، وفيما يلي بيان هذه المسائل وآراء ابن حجر فيها مع التعقيب عليها بتقويمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>أولًا: الاسم والمسمى:</span>\nتعددت آراء ابن حجر ﵀ في مسألة الاسم والمسمى تعددًا لا يمكن الجمع معه بينها:\nفتارة يرى \"أن الاسم غير المسمى ... على الأصح ... \" (^١).\nوأخرى يرى أن \"الاسم عين المسمى ... \" (^٢).\nوثالثة يفصل فيقول: \"الاسم أي: مدلوله:\nإما ذات المسمى كالله.\nأو غيره كالخالق.\nأو لا هو المسمى ولا غيره كالعَالِم\" (^٣).\nويرى ابن حجر أن هذه المسألة \"مسألة طويلة الذيل، وليس للخلاف فيها كبير فائدة\" (^٤).\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ٨١).\n(^٢) ثلاث مسائل في صفات الباري (ص ٢).\n(^٣) التعرف (ص ١١٣)، وانظر: الإيعاب شرح العباب (١/ ٢).\n(^٤) فتح المبين (ص ٨١).","vol":"1","page":274},{"text":"التقويم:\nمسألة الاسم والمسمى من المسائل الحادثة التي لم ترد في الكتاب والسُّنة، والقول بأن الاسم هو المسمى أو غيره لم يرد عن السلف - ﵏- وإنما أحدثه أهل الأهواء من الجهمية والمعتزلة (^١).\nوالذي عليه جمهور السلف -﵏- أن الاسم تارة يراد به الذات وهو المسمى، وتارة يراد به اللفظ وهو التسمية (^٢).\nيقول العلامة ابن أبي العز الحنفي (^٣) ﵀: \"الاسم يراد به \"المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك، فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله: اسم عربي، والرحمن: اسم عربي، والرحمن من أسماء الله تعالى، ونحو ذلك، فالاسم هنا للمسمى، ولا يقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال، فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له، حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى\" (^٤).\nإذا تقرر ذلك فما ذهب إليه ابن حجر في هذه المسالة مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة من جهة، ولا يخلو من الاضطراب والتناقض من جهة أخرى.\n_________\n(^١) انظر: صريح السُّنة للطبري (١٧ - ١٨، ٢٥ - ٢٦)، الفتاوى (٦/ ١٨٧).\n(^٢) انظر: رد الإمام الدارمي على بشر (١/ ١٥٨)، شرح أصول الاعتقاد (٢/ ٢٠٤ - ٢١٥)، الحجة في بيان المحجة، مجموع الفتاوى (٦/ ٢٠٥ - ٢٠٦)، بدائع الفوائد (١/ ١٧ - ١٨)، شفاء العليل (٢/ ٧٥٧ - ٧٥٨)، شرح الطحاوية لابن أبي العز (١/ ١٠٢)، لوامع الأنوار (١/ ٢٩)، معارج القبول (١/ ١٠٢).\n(^٣) هو علي بن علي بن محمد بن أبي العز الأذرعي، الدمشقي، الصالحي، المعروف بابن أبي العز، حنفي، من مؤلفاته: شرح العقيدة الطحاوية، الاتباع، التنبيه على مشكلات الهداية، توفي سنة (٧٩٢ هـ).\nانظر: إنباء الغمر بأنباء العمر للحافظ ابن حجر (٢/ ٩٥)، شذرات الذهب (٦/ ٣٢٦).\n(^٤) شرح العقيدة الطحاوية (١/ ١٢٠٩).","vol":"1","page":275},{"text":"فالقول بأن الاسم كير المسمى: هو مذهب الجهمية (^١) والمعتزلة (^٢).\nوالقول بأن الاسم عين المسمى: هو مذهب الأشاعرة (^٣) والماتريدية (^٤).\nوالقول بأن الاسم تارة يكون هو المسمى، وتارة يكون كيره، وتارة لا هو ولا غيره: هو المشهور عن أبي الحسن الأشعري (^٥).\nوالجهمية والمعتزلة حينما قالوا: إن الاسم غير المسمى أرادوا أن أسماء الله مخلوقة؛ لأن أسماءه من كلامه، وكلامه مخلوق (^٦).\nفخالفهم الأشاعرة والماتريدية فقالوا: الاسم عين المسمى ولم يفرقوا بين الذات الذي هو المسمى وبين اللفظ الذي هو التسمية، وأرادوا بذلك أن أسماء الله غير مخلوقة، ولكنهم قالوا: إن أسماءه من صفات ذاته، وهو سبحانه لا يتكلم ولا يسمي نفسه بمشيئته وقدرته؛ وذلك ليسلم لهم قولهم في الصفات وبخاصة صفة الكلام، حيث يؤولونه بالكلام النفسي، ويجعلونه من الصفات الذاتية لا الفعلية (^٧).\nوعليه فالأشاعرة والماتريدية وإن خالفوا الجهمية والمعتزلة في الظاهر إلا أنهم موافقون لهم في الباطن (^٨).\nوأما قول الأشعري بأن الاسم تارة يكون هو المسمى، وتارة يكون غيره، وتارة لا يكون هو ولا غيره، فقد بناه على اعتبار معاني الأسماء، وما دلت عليه من الصفات، ومعتقده في كل منها، وعليه قسم الأسماء إلى ثلاثة أقسام:\n_________\n(^١) انظر: رد الإمام الدارمي على بشر (١/ ١٥٨)، الفتاوى (٦/ ١٨٩).\n(^٢) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص ٥٤٢)، مقالات الإسلاميين (١/ ٢٥٣).\n(^٣) انظر: التمهيد للباقلاني (ص ٢٥٨)، الإرشاد للجويني (ص ١٣٥)، أصول الدين للبغدادي (ص ١١٤ - ١١٥).\n(^٤) انظر: بحر الكلام للنسفي (ص ٣٧)، الصحائف الإلهية للسمرقندي (ص ٣٩٦)، شرح المقاصد للتافتازاني (٤/ ٣٣٧).\n(^٥) انظر: المواقف للإيجي (ص ٣٣٣)، وشرحها للجرجاني (٨/ ٢٠٧).\n(^٦) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ١٨٦، ٢٠٤) (١٢/ ١٧٠).\n(^٧) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٩٢).\n(^٨) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٩٢).","vol":"1","page":276},{"text":"القسم الأول: يكون الاسم فيه عين المسمى نحو (الله) لأنه بزعمه اسم جامد لا يدل على معنى، وهذا زعم مردود؛ إذ ليس في أسماء الله اسم جامد غير مشتق، فكل أسماء الله دالة على معان في غاية الكمال.\nوالقسم الثاني: يكون الاسم فيه غير المسمى نحو (الخالق) و(الرازق) لأنهما بزعمه يدلان على نسبته إلى غيره، وذلك لاعتقاده بنفي صفات الأفعال الاختيارية وإنكار قيامها بالله ﷿، وبناء على ذلك جعل (الخالق) و(الرازق) ونحوهما غير المسمى، وهذا باطل لثبوت اتصاف الله تعالى بالصفات الفعلية الاختيارية -كما سيأتي-.\nوالقسم الثالث: يكون الاسم فيه لا هو المسمى ولا غيره نحو (العليم) و(القدير) لأنهما يدلان على صفة حقيقية، وذلك لإثباته الصفات الذاتية، ولهذا جعل (العليم) و(القدير) ونحوهما للمسمى (^١).\nوعند التأمل في هذه الأقوال الثلاثة وما ساقه أصحابها من أدلة، نجد أن هذه الأدلة تنقض أقوالهم وترد عليها، فما استدل به الجهمية والمعتزلة يجاب به عن قول الأشاعرة والماتريدية، وما استدل به الأشاعرة والماتريدية يجاب به عن قول الجهمية والمعتزلة، ومجموع هذه الأدلة تشهد لقول أهل السنة والجماعة، وتدل عليه، وقد استوعب شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الأقوال وأدلتها، وبين ما يعترض به عليها بما لا مزيد عليه (^٢).\nومما تجدر الإشارة إليه هنا أن اضطراب ابن حجر -غفر الله له- في هذه المسألة وتردده فيها بين هذه الأقوال راجع -والله أعلم- إلى أمرين:\nأحدهما: اضطراب الأشاعرة أنفسهم في هذه المسألة واختلافهم فيها من جهة، وترددهم فيها بين موافقة أهل السنة والجماعة في الظاهر وموافقة الجهمية والمعتزلة في الباطن من جهة أخرى، مما جعل مذهبهم في هذه المسألة غير محرر، ولهذا قال الباجوري (^٣) بعد ذكره المسألة ورأي\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٢٠١ - ٢٠٢).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٨٥) وما بعدها.\n(^٣) هو إبراهيم بن محمد بن أحمد الباجوري، أشعري شافعي، من مؤلفاته: تحفة المريد=","vol":"1","page":277},{"text":"الأشاعرة فيها-: \"وبالجملة فهذا المبحث لم يَصْفُ\" (^١).\nثانيهما: عدم اهتمام ابن حجر بالمسألة، وتهوينه من شأنها، وظنه أن الخلاف فيها ليس فيه كبير فائدة -كما سبق نقله عنه- والحق أن المسألة مهمة، وأن الخلاف فيها له ثمرة ظاهرة، فمن فروعها: القول في أسماء الله وهل هي مخلوقة أم لا؟ ومن أصولها: صفات الله سبحانه والقول في كلامه جل وعلا وهل هو مخلوق أم لا؟\nولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض حديثه عنها: \"القول في أسمائه هو نوع من القول في كلامه\" (^٢).\nوبكل حال فقول ابن حجر -عفا الله عنه- في هذه المسألة مضطرب، والجمع بين أقواله فيها متعذر، والترجيح بينها غير ممكن؛ لعدم معرفة المتقدم منها من المتأخر، وكلها باطلة مجانبة للصواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>ثانيًا: أسماء الله هل هي توقيفية أم لا</span>؟:\nيرى ابن حجر ﵀ أن \"أسماء الله توقيفية على الأصح فلا يجوز اختراع اسم أو وصف له تعالى إلا بقرآن أو خبر صحيح وإن لم يتواتر ... \" (^٣).\nويستثني من ذلك ما كان وروده بصيغة المصدر، أو الفعل، أو ذكر على سبيل المقابلة والمشاكلة (^٤)، حيث يقول: \"لا يجوز أن يذكر اسم أو صفة إلا إن ورد في القرآن وصح الخبر به عن النبي -ﷺ- ... ولا يكفي (٣)\n_________\n= شرح جوهرة التوحيد، حاشية على أم البراهين، تحفة البشر على مولد ابن حجر، توفي سنة (١٢٧٧ هـ).\nانظر: الأعلام (١/ ٧١)، معجم المؤلفين (١/ ٨٤).\n(^١) تحفة المريد (ص ٨٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٦/ ١٨٦).\n(^٣) تحفة المحتاج (١/ ١٠) وانظر: فتح المبين (ص ٨١)، إتحاف أهل الإسلام (ص ٥٤)، التعرف (ص ١١٣)، تنبيه الأخيار (ل ١٦/ أ).\n(^٤) يعرف البلاغيون المشاكلة بتعريفات عدة أشهرها قولهم: \"هي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقًا أو تقديرًا\".\nانظر: الإيضاح للقزويني (ص ٣٦٠)، والتبيان للطيبي (ص ٣٤٧).","vol":"1","page":278},{"text":"ورود أصله المصدر أو الفعل، ولا ورود لفظه على جهة المقابلة ... \" (^١).\nوبناء على ذلك أنكر ابن حجر تسمية الله ﷿ ببعض الأسماء:\n١ - حيث أنكر تسمية الله سبحانه بالنظيف (^٢)، ورمضان (^٣)، والدهر (^٤)، والصانع (^٥)، والواهب (^٦)؛ لعدم ورود النصوص بها.\n٢ - وأنكر تسمية الله تعالى بالزارع (^٧)، والرامي (^٨)، والمسبت (^٩)، لورودها بصيغة المصدر أو الفعل.\n٣ - وأنكر تسمية الله ﷿ بالماكر (^١٠)؛ لوروده على سبيل المقابلة والمشاكلة.\nالتقويم:\nاتفق -من يثبت الأسماء لله تعالى- على تسمية الله ﷿ بما سمى به نفسه مما ورد في نصوص الوحيين، وتنازعوا فيما عداها من الأسماء مما صح معناه في اللغة والعقل والشرع ولم يرد إطلاقه فيهما هل يجوز تسمية الله به أم لا؟\n\"فالجمهور منعوا إطلاق ما لم يأذن به الشرع مطلقًا، وجوزه المعتزلة مطلقًا، ومال إليه بعض الأشاعرة كالقاضي أبي بكر الباقلاني، وتوقف إمام الحرمين الجويني ... \" (^١١).\nوالقول بأن أسماء الله توقيفية هو قول أهل السنة والجماعة قاطبة (^١٢)،\n_________\n(^١) تنبيه الأخيار (ل ١٧/ أ)، وانظر: تحفة المحتاج (١/ ١٠)، والترف (ص ١١٣).\n(^٢) انظر: تنبيه الأخيار (ل ١٦/ أ)، فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٣٥٦).\n(^٣) انظر: إتحاف أهل الإسلام (ص ٥٤)، الفتاوى الحديثية (ص ١٨١)، فتح الإله (ص ٢٤).\n(^٤) انظر: حاشية الإيضاح (ص ٥)، الزواجر (١/ ١١٣)، العمدة شرح البردة (ص ٤١٢).\n(^٥) انظر: تحفة المحتاج (٤/ ١٠٨).\n(^٦) انظر: تنبيه الأخيار (ل ١٧/ أ).\n(^٧) انظر: تنبيه الأخيار (ل ١٧/ أ).\n(^٨) انظر: المصدر السابق (ل ١٧/ أ).\n(^٩) انظر: المصدر السابق (ل ١٧/ أ).\n(^١٠) انظر: المصدر السابق (ل ١٧/ أ)، تحفة المحتاج (١/ ١٠).\n(^١١) لوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ١٢٤).\n(^١٢) انظر: أصول السنة لابن أبي زمنين (ص ٦٠)، مجموع الفتاوى (٥/ ٢٦)، بدائع الفوائد (١/ ١٨٣)، لوامع الأنوار (١/ ١٢٤ - ١٢٥)، القواعد المثلى لابن عثيمين (ص ١٦).","vol":"1","page":279},{"text":"وجمهور الأشاعرة (^١) والماتريدية (^٢)، وهو الحق الذي تدل عليه النصوص من الكتاب والسنة، ومنها:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] فهذه الآية تدل على أن أسماء الله توقيفية من وجهين:\nأ- قوله: \"الأسماء\" فالألف واللام فيها للعهد، والأسماء المعهودة هي التي جاء النص عليها في الكتاب والسنة (^٣).\nب- قوله: \"الحسنى\" فهذا الوصف يدل على أنه ليس في الأسماء الأخرى أحسن منها، وأن غيرها لا يقوم مقامها ولا يؤدي معناها (^٤).\n٢ - قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].\n\"قال أهل التفسير: من الإلحاد في أسمائه تسميته بما لم يرد في الكتاب أو السنة الصحيحة\" (^٥).\n٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].\nفهاتان الآيتان تدلان على تحريم الخوض في الأمور الغيبية مع عدم الدليل، ويدخل في ذلك أسماء الله تعالى باعتبارها من الأمور المغيبة التي لا تعرف إلا عن طريق الوحي.\n٤ - قول النبي -ﷺ-: \"أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو\n_________\n(^١) انظر: أصول الدين للبغدادي (ص ١١٩)، المواقف للإيجي (ص ٣٣٣)، وشرحها للجرجاني (٨/ ٢١٠)، تحفة المريد للباجوري (ص ٨٩).\n(^٢) انظر: التوحيد للماتريدي (ص ٤٢، ٩٤)، التمهيد للنسفي (ص ١٠)، إشارات المرام للبياضي (ص ١١٦).\n(^٣) انظر: المحلى لابن حزم (١/ ٢٩).\n(^٤) انظر: بدائع الفوائد (١/ ١٦٨).\n(^٥) فتح الباري لابن حجر (١١/ ٢٢١)، وانظر: المحلي لابن حزم (١/ ٢٩)، تفسير البغوي (٣/ ٣٠٧).","vol":"1","page":280},{"text":"أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ... \" (^١) الحديث.\n\"فالحديث صريح في أن أسماءه ليست من فعل الآميين وتسمياتهم\" (^٢).\nوعليه فما ذهب إليه ابن حجر ﵀ من كون أسماء الله توقيفية موافق لِمَا تدل عليه النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، وما ذهب إليه أهل السنة والجماعة ومن وافقهم.\nومما تجدر الإشارة إليه هنا أن القول بأن أسماء الله توقيفية لا ينافي الإخبار عنه بما لم يرد؛ إذ \"ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته\" (^٣).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"يُفَرَّق بين دعائه والإخبار عنه، فلا يُدعى إلا بالأسماء الحسنى، وأما الإخبار عنه، فلا يكون باسم سيئ، لكن قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسمع، وإن لم يحكم بحسنه، مثل اسم شيء، وذات، وموجود\" (^٤).\nوأما ما قرره من استثناء ما ورد بصيغة المصدر أو الفعل، أو كان على سبيل المقابلة والمشاكلة من عموم أسماء الله ﷿ فهو موافق لقول أهل السنة والجماعة، وهو الحق الذي لا محيد عنه؛ وذلك لكونها تحتمل المدح\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٢٥٣) برقم (٩٣٧٦)، وأحمد (٦/ ٢٤٦) برقم (٣٧١٢)، وأبو يعلى (٩/ ١٩٨) برقم: (٥٢٩٧)، وابن حبان (٣/ ٢٥٣) برقم (٩٧٢)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٦٩ - ١٧٠) برقم (١٠٣٥٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٠٩ - ٥١٠)، من طرق عن فضيل بن مرزوق، عن أبي سلمة الجهني، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود -﵁- به.\nقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٣٦): \"رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح، غير أبي سلمة الجهني، وقد وثقه ابن حبان\". والحديث صححه الألباني في الصحيحة (١/ ٣٣٦) حديث: (١٩٩).\n(^٢) شفاء العليل (٢/ ٧٥٧).\n(^٣) بدائع الفوائد (١/ ١٨٢).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٦/ ١٤٢).","vol":"1","page":281},{"text":"والذم من جهة، ولورودها مقيدة لا مطلقة من جهة أخرى (^١).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"الأسماء التي فيها عموم وإطلاق لما يحمد وما يذم، لا توجد في أسماء الله الحسنى؛ لأنها لا تدل على ما يحمد به الرب ويمدح\" (^٢).\nويقول العلامة ابن القيم ﵀: \"لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدًا أن يشتق له منه اسم مطلق، كما غلط بعض المتأخرين، فجعل من أسمائه الحسنى المضل، الفاتن، الماكر، تعالى الله عن قوله؛ فإن هذه الأسماء لم يطلق عليه منها إلا أفعال مخصوصة معينة، فلا يجوز أن يسمى بأسمائها المطلقة\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>ثالثًا: عدد أسماء الله، وتعيين الاسم الأعظم منها:</span>\nيرى ابن حجر ﵀ أن أسماء الله غير محصورة في عدد معين، حيث يقول: \"أسماء الله ... لا تنحصر في التسعة والتسعين\" (^٤).\nويرى أن الاسم الأعظم منها هو (الله) حيث صرح بذلك في أكثر من موضع، وعزاه إلى أكثر أهل العلم في مواضع أخرى (^٥)، يقول في تقرير ذلك: \"هو الاسم الأعظم عند أكثر أهل العلم ... ورئيس الأسماء المقدم عليها الموصوف بها، ولم يتكرر غيره في القرآن تكرره؛ لأنه جاء فيه ألفي مرة وخمسمائة وستين مرة ... ومما يؤيده أنه لا خلاف أن لفظ الجلالة أعرف المعارف، وأنه لم يسم به غير الله ... \" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (٢/ ١١)، بدائع الفوائد (١/ ١٨٣)، مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٢٤)، وللاستزادة: القواعد الكلية للأسماء والصفات لإبراهيم البريكان (ص ١٨٧ - ١٨٨)، دراسة عقدية لبعض الصفات التي يدعى أنها من باب المشاكلة د. يوسف السعيد (ص ٢٦ - ٢٧).\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ١١).\n(^٣) بدائع الفوائد (١/ ١٨٣).\n(^٤) التعرف (ص ١١٣).\n(^٥) انظر: الإيعاب (١/ ٧) (١/ ٤٣)، البدائع الجليلة (ص ٦)، المنهاج القويم (ص ٧)، فتح الجواد (١/ ٧).\n(^٦) الإيعاب (١/ ٧).","vol":"1","page":282},{"text":"وبيّن أن وصف لفظ الجلالة (الله) بالاسم الأعظم لا يعني وصف ما عداه بالنقص؛ إذ \"ليس المراد بوصفه بالأعظمية إلا من حيث دلالته على الذات التي لا يوازي عظمتها شيء، أو على وصفها الأعلى الذي لا يساويه غيره من بقية أوصافه، فكان الدال على أحد هذين بالنسبة لذلك أعظم من الدال على غيرهما، وإن كان كل أوصافه تعالى عظيمًا جليلًا\" (^١).\nالتقويم:\nأسماء الله الحسنى لا تدخل تحت حصر ولا تعد بعدد، فإن لله سبحانه أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، والقول بذلك هو مذهب سلف الأمة وأئمتها وهو قول جمهور العلماء (^٢)، ولم يخالفهم فيه إلا طائفة من المتأخرين كابن حزم وغيره (^٣).\nومما يستدل به لذلك، ما يلي:\n١ - قوله -ﷺ-: \"أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ... \" (^٤).\nفقوله: \"أو استأثرت به في علم الغيب عندك \" دليل على أن أسماء الله أكثر من تسعة وتسعين، وأن له أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره (^٥).\n٢ - قوله -ﷺ-: \"اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من\n_________\n(^١) الإيعاب (١/ ٤٣).\n(^٢) انظر: شرح صحيح مسلم (١٧/ ٥)، درء التعارض (٣/ ٣٣٢)، مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٢ - ٤٨٦)، بدائع الفوائد (١/ ١٦٦)، فتح الباري (١١/ ٢٢٤)، إيثار الحق لابن المرتضى (ص ١٦٩)، وللاستزادة: أسماء الله الحسنى للغصن (ص ١٣١)، معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله للتميصي (ص ٦٩)، وما بعدها.\n(^٣) انظر: قوله في المحلى (١/ ٣٦)، والرد عليه في المصادر السابقة.\n(^٤) تقدم تخريجه (ص ٢٨١).\n(^٥) انظر: شأن الدعاء للخطابي (ص ٢٤)، شفاء العليل (٢/ ٧٥٨).","vol":"1","page":283},{"text":"عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك\" (^١).\n\"فأخبر أنه -ﷺ- لا يحصي ثناء عليه، ولو أحصى أسماءه لأحصى صفاته كلها، فكان يحصي الثناء عليه، لأن صفاته إنما يعبر عنها بأسمائه\" (^٢).\n٣ - قوله -ﷺ- في حديث الشفاعة-: \"فيفتح علي من محامده بما لا أحسنه الآن\" (^٣).\nووجه الدلالة: أن تلك المحامد تتضمن بعض أسماء الله تعالى وصفاته (^٤).\n٤ - أن الأسماء الواردة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين، وعليه فلا يصح حصرها في العدد المذكور (^٥).\nويتضح مما تقدم صحة ما ذهب إليه ابن حجر ﵀ من القول بأن أسماء الله كير محصورة بعدد معين، وموافقته في ذلك لسلف الأمة وأئمتها وجمهور العلماء.\nوأما تعيين الاسم الأعظم من أسماء الله فهو مما اختلف الناس في إمكانه من عدمه، والقائلون بإمكانه اختلفوا في تعيينه، والخلاف في ذلك جارٍ في أقوال أهل السنة والجماعة أنفسهم (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود (١/ ٣٥٢) برقم (٤٨٦) من حديث عائشة -﵂- به.\n(^٢) درء التعارض (٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ذرية من حملنا مع نوح (٣/ ١٤٥٨)، برقم (٤٧١٢)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة (١/ ١٨٤) برقم (١٩٤) من حديث أبي هريرة -﵁- به.\n(^٤) بدائع الفوائد (١/ ١٦١).\n(^٥) انظر: مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٢)، العواصم والقواصم لابن الوزير (٧/ ٢٢٨).\n(^٦) انظر: شرح مشكل الآثار (١/ ١٦٢)، شأن الدعاء للخطابي (ص ٢٥)، مجموع الفتاوى (١٨/ ٣١١)، مختصر الصواعق المرسلة (١/ ١٠١)، فتح الباري (١١/ ٢٢٧)، الحاوي للفتاوي للسيوطي (١/ ٣٩٤)، وللاستزادة: اسم الله الأعظم للدميجي (ص ١٠٩) وما بعدها، أسماء الله الحسنى للغصن (ص ٩٠ - ٩٨).","vol":"1","page":284},{"text":"وما قرره ابن حجر ﵀ من أن اسم الله الأعظم هو (الله) وعزوه القول بذلك لأكثر أهل العلم موافق لقول جماعة، منهم: ابن عباس -﵁- (^١)، والشعبي (^٢) (^٣)، وجابر بن زيد (^٤) (^٥)، وابن المبارك (^٦) (^٧)، وأبو حنيفة (^٨)، والطحاوي (^٩)، وابن العربي (^١٠)، والخطابي (^١١)، والقرطبي (^١٢)، وعزاه الطرطوشي (^١٣)، والسفاريني لأكثر أهل العلم (^١٤).\nوهو القول الراجح -إن شاء الله- ومما يدل لذلك:\n١ - أن لفظ الجلالة (الله) هو الاسم المذكور في كل الأحاديث الواردة في بيان الاسم الأعظم، حيث ورد في بعضها بلفظ (الله) وفي\n_________\n(^١) أخرجه ابن مردويه كما في الدر المنثور (١/ ٢٣).\n(^٢) هو عامر بن شراحبيل بن ذي كبار الهمذاني الشعبي، أبو عمرو، الإمام، من فقهاء التابعين ومحدثيهم، حدث عن عدد من الصحابة، توفي سنة ١٠٤ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٩٤)، شذرات الذهب (١/ ١٢٦).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٢٧٣) برقم (٩٤١٦) و(١٤/ ٣٢) برقم (١٧٤٦٢)، والدارمي في الرد على بشر المريسي (١/ ١٦٨) من طرق عن الشعبي به.\n(^٤) هو جابر بن زيد الأزدي اليحمري، أبو الشعثاء، من فقهاء التابعين، روى عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وغيرهم، توفي سنة ٩٣ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٨١)، شذرات الذهب (١/ ١٠١).\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٢٧٣) برقم (٩٤١٥) و(١٤/ ٣٢) برقم (١٧٤٦١)، والدارمي في الرد على بشر المريسي (١/ ١٦٩) من طرق عن أبي هلال الراسبي عن حيان الأعرج عن جابر بن زيد به.\n(^٦) انظر: الدعاء المأثور وآدابه للطرطوشي (ص ٩٧).\n(^٧) هو عبد الله بن المبارك الحنظلي مولاهم، التركي ثم المروزي، أبو عبد الرحمن، أحد أئمة السلف وأعلامهم عبادة وعلمًا، من مؤلفاته: كتاب الزهد، توفي سنة (١٨١ هـ).\nانظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٣٧٨)، شذرات الذهب (١/ ٢٩٥).\n(^٨) انظر: شرح مشكل الآثار (١/ ١٦٢).\n(^٩) انظر: المصدر السابق (١/ ١٦١).\n(^١٠) انظر: أحكام القرآن له (٢/ ٧٩٨).\n(^١١) انظر: شأن الدعاء (ص ٢٥).\n(^١٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٠٢).\n(^١٣) هو محمد بن الوليد بن محمد بن خلف المهري، المالكي، المعروف بالطرطوشي، من مؤلفاته: الحوادث والمبدع، وتحريم الغناء، والرد على اليهود وغيرها، توفي سنة ٥٣٠ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٩٠)، شذرات الذهب (٤/ ٦٢).\n(^١٤) انظر: الدعاء المأثور وآدابه للطرطوشي (ص ٩٦)، لوامع الأنوار (١/ ٣٥).","vol":"1","page":285},{"text":"بعضها الآخر بلفظ (اللهم) (^١)، ولا خلاف أن لفظة (اللهم) معناها: يا الله (^٢).\n٢ - أن القول بذلك هو المأثور عن بعض السلف -﵃- وهو قول جمهور العلماء -كما تقدم-.\n٣ - أن لهذا الاسم من الخصائص والمزايا المعنوية واللفظية ما لا يوجد في غيره، كاختصاص الله به حيث لم يطلق على غيره سبحانه، وكونه الأصل في أسمائه وسائر الأسماء مضافة إليه، وتكراره في القرآن الكريم أكثر من غيره، وغيرها (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>رابعًا: شرحه لبعض أسماء الله الحسنى:</span>\nعرض ابن حجر ﵀ لشرح بعض الأسماء الحسنى التي ورد ذكرها في الأحاديث التي شرحها أو المتون التي علق عليها، ولما كان شرحه مقتضبًا يناسب سبب ورودها من جهة، والغالب عليه في شرحه بيان المعنى اللغوي للاسم فقط من جهة أخرى؛ رأيت سياق كلامه عليها جملة، ثم التعقيب عليها إجمالًا.\nوفيما يلي بيان آرائه فيما ساقه من الأسماء الحسنى:\n١ - الإله، الله: \"الله علم على الذات الواجب الوجود لذاته المستحق لجميع الكمالات، وأصله الإله: وهو اسم جنس لكل معبود، ثم استعمل في المعبود بحق\" (^٤).\n٢ - البر: \"البر أي: المحسن كما يدل عليه اشتقاقه من البر بسائر مواده لأنها ترجع إلى الإحسان كبر في يمينه أي: صدق؛ لأن الصدق\n_________\n(^١) انظر: شرح مشكل الآثار (١/ ١٦١ - ١٦٥).\n(^٢) انظر: جلاء الأفهام لابن القيم (ص ١٠٩).\n(^٣) انظر: شأن الدعاء (ص ٢٥)، مدارج السالكين (١/ ٣٠ - ٣٣)، وللاستزادة: اسم الله الأعظم للدميجي (١٣٠ - ١٣٧)، أسماء الله الحسنى للغصن (ص ٩٠ - ٩٨).\n(^٤) فتح الجواد (١/ ٧)، وانظر: المنهاج القويم (ص ٧)، الفتح المبين (ص ٦)، تحفة المحتاج (١/ ٩)، الإيعاب (١/ ٥)، البدائع الجليلة (ص ٥).","vol":"1","page":286},{"text":"إحسان في ذاته ويلزمه الإحسان للغير، وأبر الله حجه أي: قبله؛ لأن القبول إحسان وزيادة، وأبر فلان على أصحابه أي: أعلاهم؛ لأنه غالبًا ينشأ عن الإحسان لهم ... \" (^١).\n٣ - الجواد: \"الجواد بالتخفيف أي: كثير الجود أي: العطاء\" (^٢).\n٤ - الحكيم: \"الحكيم من أسمائه تعالى ... هو الفاعل لما لا اعتراض لأحد عليه، لوضعه الفعل في محله\" (^٣).\n٥ - الحميد: \"الحميد: فعيل بمعنى محمود وأبلغ منه، وهو من جمع أكمل صفات الحمد، وقيل: بمعنى حامد لأفعال عباده\" (^٤).\n٦ - الرحمن: \"هو صفة في الأصل بمعنى كثير الرحمة جدًّا، ثم غلب على البالغ في الرحمة والإنعام\" (^٥).\n٧ - الرحيم: \"أي: ذو الرحمة الكثيرة فالرحمن أبلغ منه ... وكلاهما مشتق من الرحمة وهي عطف وميل روحاني غايته الإنعام، فهي لاستحالتها في حقه مجاز إما عن نفس الإنعام ... أو عن إرادته ... \" (^٦).\n٨ - السلام: \"أي: السالم من كل ما لا يليق بجلال الربوبية وكمال الألوهية، أو المُسلِّم لعبيده من الآفات\" (^٧).\n٩ - الصمد: \"هو الذي لا جوف له، أو الذي يصمد إليه في الحوائج أي: يقصد، وقيل غير ذلك\" (^٨).\n١٠ - الغفار: \"الستار لذنوب من أراد من عباده فلا يفضحه بالهتك في الدنيا ولا بالعذاب في الآخرة\" (^٩).\n_________\n(^١) تحفة المحتاج (١/ ١٠).\n(^٢) المصدر السابق (١/ ١٠).\n(^٣) الإيعاب (١/ ١٨).\n(^٤) الدر المنضود (ص ٩٨).\n(^٥) المنهاج القويم (ص ٧)، وانظر: فتح الجواد (١/ ٧)، الفتح المبين (ص ٦)، تحفة المحتاج (١/ ٩)، الإيعاب (١/ ٧ - ٩)، البدائع الجليلة (ص ٦)، العمدة شرح البردة (ص ٤٤٨).\n(^٦) المنهاج القويم (ص ٧)، وانظر: المصادر السابقة.\n(^٧) تحفة المحتاج (٢/ ٢٩)، وانظر: حاشية الإيضاح (ص ٧).\n(^٨) حاشية الإيضاح (ص ٧).\n(^٩) فتح المبين (ص ١٦)، وانظر: تحفة المحتاج (١/ ١٣).","vol":"1","page":287},{"text":"١١ - القهار: \"الغالب الذي لا يغلب والقوي الذي لا يضعف، مأخوذ من قهره غلبه وأقهرته وجدته مقهورًا، والقُهرة بالضم الاضطرار\" (^١).\n١٢ - الكريم: \"فسر بأنه الذي عم عطاؤه جميع خلقه بلا سبب منهم، وتفسيره بالعفو أو العلي بعيد\" (^٢).\n١٣ - المجيد: \"المجيد من المجد، وهو الكرم؛ فهو بمعنى ماجد، أي: كريم\" (^٣).\n١٤ - الوهاب: \"أي: كثير التفضيل على عباده المؤمنين بما وهبه لهم بما لا يقابل بعمل لعجزه وإن جلَّ عن أن يقابله\" (^٤).\nويرى ابن حجر أن أسماء الله الحسنى تفسر بمعانيها اللغوية المعلومة منها إلا \"المستحيل معناها في حقه فالمراد بها غايتها\" (^٥).\nالتقويم:\nالكلام في أسماء الله تعالى فرع عن الكلام في صفاته؛ إذ كل اسم متضمن لصفة دال عليها.\nولهذا وقع الخطأ في تفسير أسماء الله تعالى كما وقع في تفسير صفاته؛ إذ كل من عرض لتفسير الأسماء فسرها بما يتوافق مع قوله في الصفات.\nوقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لذلك فقال: \"الكلام في تفسير أسماء الله، وصفاته، وكلامه، فيه من الغث والسمين ما لا يحصيه إلا رب العالمين\" (^٦).\nوما ذكره ابن حجر من أسماء الله الحسنى وفسره منها:\nمنه ما وافق فيه الحق والصواب كتفسيره الإله، والله، والبر،\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ١٦).\n(^٢) تحفة المحتاج (١/ ٢٩)، وانظر: فتح المبين (ص ١٦)، الإيعاب (١/ ٢٥).\n(^٣) الدر المنضود (ص ٩٨).\n(^٤) الإيعاب (١/ ٢٥).\n(^٥) المناج القويم (ص ٧)، وانظر: تحفة المحتاج (١/ ١٠).\n(^٦) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٨٨).","vol":"1","page":288},{"text":"والجواد، والحكيم، والحميد، والسلام، والصمد، والغفار، والقهار، والكريم، والمجيد، والوهاب؛ حيث فسرها بمعانيها اللغوية المعلومة من لغة العرب.\nومنه ما خالف فيه الحق والصواب كتفسيره الرحمن، والرحيم؛ حيث فسرها بغايتها ولوازمها لا بمعانيها اللغوية المعلومة لها من لغة العرب.\nوقوله هذا مبني على قوله في صفات الله فما كان من الأسماء دالًا على الصفات التي يثبتها أو لا يرى محظورًا في إثباتها فسرها بما يتوافق مع معانيها اللغوية، وما كان من الأسماء دالًا على الصفات التي ينفيها ويرى أن معانيها مما يستحيل على الله فسرها بغاياتها ولوازمها لا بمعانيها اللغوية.\nوهو ما أشار إليه بقوله السابق- فيما نقلته عنه-: \"وكذا سائر أسمائه تعالى المستحيل معناها في حقه المراد بها غايتها\".\nوابن حجر في قوله هذا مجانب للصواب مخالف للحق من وجوه:\n١ - أن تفسير أسماء الله بغاياتها دون معانيها تعطيل لها عن معانيها الثابتة لله تعالى واللائقة به سبحانه.\n٢ - أن التفريق بين أسماء الله في تفسيرها تحكم، وهو تفريق بين المتماثلات؛ إذ الكل جاء إطلاقه على الله تعالى وهو سبحانه ورسوله -ﷺ- أعلم بما يليق به وبما يستحيل عليه.\n٣ - أن قول ابن حجر بأن في أسماء الله تعالى ما يستحيل معناه على الله سبحانه قول باطل مبني على مذهبه في الصفات -وسيأتي بيانه والرد عليه مفصلًا- بما يغني عن تكراره.\n* * *","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>المبحث الثاني آراؤه في صفات الله</span>\nتناول ابن حجر -غفر الله له- صفات الله إجمالًا وتفصيلًا، فأجمل مذهبه ورأيه فيها في مواضع حين تكلم عن نصوصها والواجب تجاهها، وفصَّل مذهبه ورأيه في مواضع أخرى حين عرض لآحاد الصفات وبين المراد بها.\nوفيما يلي عرض رأيه ومذهبه وفقًا لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>أولًا: آراؤه في الصفات إجمالًا:</span>\nيذكر ابن حجر ﵀ مذاهب الناس في آيات الصفات وأحاديثها فيقول: \"الآيات والأحاديث التي فيها ذكر الوجه واليد، فهذه ونحوها فيها مذهبان:\nمذهب السلف ... وهو أن يُفَوَّض علم حقائقها إلى الله تعالى من التنزيه عما دلت عليه ظواهرها مما هو مستحيل على الله.\nومذهب الخلف وهو أن يُخْرج تلك النصوص عن ظواهرها وتُحمل على محامل تليق بالله تعالى ... \" (^١).\nويقرر ابن حجر أنه لا خلاف بين المذهبين في عدم إرادة ظواهر النصوص ووجوب المصير إلى التأويل، وإنما الخلاف بينهما في التأويل هل يكون إجمالًا أو تفصيلًا؟\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ١١٧)، وانظر: أشرف الوسائل (ص ٢٣٢)، المنح المكية (٢/ ٨٢٤، ٨٦٨)، شرح المشكاة (ص ١٣٤)، غرز المواعظ (ص ٨).","vol":"1","page":290},{"text":"يقول في ذلك: \"وبما قررته عُلِمَ أنه لا خلاف بين الفريقين؛ لأنهم جميعًا متفقون على التأويل، وإنما اختار السلف عدم التفصيل، لأنهم لم يضطروا إليه لقلة أهل البدع والأهواء في زمانهم، والخلف التفصيل لكثرة أولئك في زمانهم والإجمال لا يغنيهم، فاضطروا إلى التفصيل\" (^١).\nويرى ابن حجر -عفا الله عنه- أن \"مذهب السلف هو الأسلم ... ومذهب الخلف هو الأعلم الأحكم\" (^٢)! ! .\nويوجز ابن حجر مذهبه في آيات الصفات وأحاديثها فيقول: \"والمختار إيثار التأويل إن قرب وسلم من التكلف، وإلا فالتفويض\" (^٣).\nالتقويم:\nصفات الله تعالى من المباحث العقدية التي اضطربت فيها آراء الناس، وتعددت فيها أقوالهم.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بيان أقوال الناس في آيات الصفات وأحاديثها والقول الحق منها:\n\"الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام، كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة.\nقسمان يقولان: تجري عليها ظواهرها.\nوقسمان يقولان: هي على خلاف ظاهرها.\nوقسمان يسكتون.\nأما الأولان: فقسمان:\nأحدهما: من يجريها على ظاهرها، ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، فهؤلاء المشبهة ...\nوالثاني: من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله ... وهذا هو\n_________\n(^١) أشرف الوسائل (ص ٢٣٢)، وانظر: الزواجر (١/ ٣٢)، الفتاوى الحديثية (ص ٢٠١)، شرح المشكاة (ص ١٣٤) غرز المواعظ (ص ٨).\n(^٢) غرر المواعظ (ص ٨)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ١١٧).\n(^٣) غرر المواعظ (ص ٨)، وانظر: الزواجر (١/ ٣٢).","vol":"1","page":291},{"text":"المذهب الذي حكاه الخطابي وغيره من السلف، وعليه يدل كلام جمهورهم، وكلام الباقين لا يخالفه ...\nوأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها ... فهؤلاء قسمان:\nقسم يتأولونها ويعينون المعنى المراد مثل قولهم: استوى بمعنى استولى ...\nوقسم يقولون: الله أعلم بما أراد بها، لكنا لا نعلم أنه لم يُرد إثبات صفة خارجة عما علمنا.\nوأما القسمان الواقفان:\nفقسم يقولون: يجوز أن يكون المراد ظاهرها الأليق بجلال الله، ويجوز أن لا يكون المراد صفة لله ونحو ذلك. وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم.\nوقوم يمسكون عن هذا كله، ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات.\nفهذه الأقسام الستة التي لا يمكن للرجل أن يخرج عن قسم منها.\nوالصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها، القطع بالطريقة الثابتة كالآيات والأحاديث الدالة على أن الله سبحانه فوق عرشه، وتُعلم طريقة الصواب في هذا وأمثاله بدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك ... \" (^١).\nوما قرره ابن حجر -غفر الله له- من أن ظاهر نصوص الصفات غير مراد، وجواز التفويض والتأويل فيها، وقوله بأن طريقة السلف التفويض وهي الأسلم وطريقة الخلف التأويل وهي الأعلم والأحكم باطل، والرد عليه في مقامات ثلائة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>الأول: الرد عليه في قوله بأن ظواهر نصوص الصفات غير مرادة:</span>\nوذلك بأن يقال: القول بأن ظاهر نصوص الصفات مراد أو ظاهرها غير مراد يحتاج إلى تفصيل؛ إذ لفظ الظاهر مجمل مشترك:\n_________\n(^١) الحموية (ص ٥٣٩ - ٥٤٨).","vol":"1","page":292},{"text":"فإن أريد به ما يظهر من هذه النصوص من المعاني اللائقة بالله تعالى فهو مراد قطعًا.\nوإن أريد به ما يظهر لبعض الناس من هذه النصوص حيث يفهم أن ظاهرها يقتضي تشبيه الله سبحانه بخلقه فهو ليس بمراد قطعًا (^١).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"الظاهر لفظ مشترك، فالظاهر الذي لا يليق إلا بالمخلوق غير مراد، وأما الظاهر اللائق بجلال الله تعالى وعظمته فهو مراد\" (^٢).\nوعليه فإطلاق القول بأن ظاهر نصوص الصفات مراد أو غير مراد خطأ مجانب للصواب، والحق في ذلك التفصيل على وفق ما تقدم.\nوالناس في ظاهر نصوص الصفات على قولين:\nالأول: أن ظاهر نصوص الصفات المعنى اللائق بالله ﷿، وهو قول السلف قاطبة -﵏- (^٣).\nوالثاني: أن ظاهر نصوص الصفات التمثيل بصفات المخلوقين، وهو قول الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من المتكلمين (^٤).\nوذهب الأشاعرة والماتريدية إلى التفريق بين ظواهر نصوص الصفات فجعلوا ظاهر بعضها المعنى اللائق بالله وظاهر بعضها الآخر التمثيل (^٥)، وقولهم في حقيقته لا يخرج عن قول الجهمية والمعتزلة.\nيقول شيخ الإسلام ﵀: \"لفظة (الظاهر) قد صارت مشتركة، فإن\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٢٠٧)، (٦/ ٣٥٦)، (١٧/ ٤١٣)، التسعينية (٢/ ٥٥٧)، التدمرية (ص ٦٩) وما بعدها، الحموية (٥٢٦ - ٥٢٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٠٧).\n(^٣) انظر: شرح أصول الاعتقاد للالكائي (٣/ ٤٣٢)، عقيدة أهل السلف أصحاب الحديث للصابوني (ص ١٦٥)، درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٠٨ - ١٠٩).\n(^٤) انظر: متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار (ص ٥٧، ٧٢)، المحيط بالتكليف له أيضًا (ص ٢٠٠).\n(^٥) انظر: الإرشاد للجويني (ص ٦٠)، أساس التقديس للرازي (ص ١٣٠)، تحفة المريد للباجوري (ص.١٣)، التمهيد للنسفي (ص ١٦١)، بحر الكلام له أيضًا (ص ٢١ - ٨٢)، إشارات المرام للبياضي (ص ١٨٦ - ١٩٩).","vol":"1","page":293},{"text":"الظاهر في الفطر السليمة واللسان العربي والدين القيم ولسان السلف غير الظاهر في عرف كثير من المستأخرين\" (^١).\nوبناء على ذلك ذهب السلف إلى أن ظاهر نصوص الصفات مراد، وذهب الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم إلى أن ظاهر نصوص الصفات غير مراد، وفرق الأشاعرة والماتريدية بينها فجعلوا ظاهر بعضها مراد وظاهر بعضها الآخر غير مراد، وهو تفريق لا وجه له؛ إذ من يقول في بعض الصفات الظاهر مراد أو غير مراد يلزمه ذلك في سائرها لأن جنسها واحد (^٢).\nومما سبق يتضح أن القول بأن ظواهر نصوص الصفات غير مرادة على وجه الإطلاق ونسبة ذلك إلى السلف والخلف قول باطل؛ للاشتراك في معنى الظاهر، وللاختلاف في تعيينه.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وقد رأيت من ... يقول: إن طريقة أهل التأويل هي في الحقيقة طريقة أهل السلف، بمعنى: أن الفريقين اتفقوا على أن هذه الآيات والأحاديث لم تدل على صفات الله سبحانه، ولكن السلف أمسكوا عن تأويلها، والمتأخرين رأوا المصلحة في تأويلها، لمسيس الحاجة إلى ذلك، ويقول الفرق أن هؤلاء يعينون المراد بالتأويل، وأولئك لا يعينون لجواز أن يراد غيره، وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف\" (^٣).\nوعليه فالحق أن ظواهر نصوص الصفات تدل على المعنى اللائق بالله ﷿، وأنها بهذا المعنى مرادة، وأن القول بذلك هو مذهب السلف وأئمتهم؛ لموافقته لأقوالهم في نصوص الصفات من جهة، ولما يلزم القائل بأن ظواهر نصوص الصفات التمثيل من اللوازم الباطلة من جهة أخرى (^٤).\n_________\n(^١) التسعينية (٢/ ٥٥٧).\n(^٢) انظر: التدمرية (ص ٧٦ - ٧٧)، الصواعق المرسلة (١/ ٢٢٠).\n(^٣) الحموية (ص ٥٢٨ - ٥٢٩).\n(^٤) انظر: الرسالة للشافعي (ص ٣٤١)، جامع بيان العلم لابن عبد البر (٢/ ١١٨)، مجموع الفتاوى (٦/ ٣٩٤)، التدمرية (ص ٦٩)، الحموية (ص ٥٢٦ - ٥٢٨)، الصواعق المرسلة =","vol":"1","page":294},{"text":"يقول الإمام الشافعي ﵀: \"القرآن عربي، والأحكام فيه على ظاهرها وعمومها، وليس لأحد أن يحيل منها ظاهرًا إلى باطن، ولا عامًا إلى خاص، إلا بدلالة من كتاب الله تعالى، فإن لم تكن فسنة رسول الله -ﷺ- ... أو بإجماع من عامة العلماء الذين لا يجهلون كلهم كتابًا ولا سنة، وهكذا السنة، ولو جاز في الحديث أن يحال شيء منه عن ظاهره إلى معنى باطن يحتمله كان أكثر الحديث يعتمد عددًا من المعاني غيره، ولكن الحق فيها واحد؛ لأنها على ظاهرها\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>الثاني: الرد عليه في قوله بجواز التفويض والق ويل في نصوص الصفات:</span>\nقول ابن حجر -غفر الله له- بجواز التأويل والتفويض في نصوص الصفات مبني على قوله بأن ظواهر نصوص الصفات تقتضي التمثيل وأنها غير مرادة -وقد سبق أن قوله هذا قول باطل- وما بني على باطل فلا بد أن يكون باطلًا.\nوابن حجر في قوله هذا ليس بدعًا في قومه من الأشاعرة بل هو تابع لهم سائر على منهجهم، فإنهم لما قالوا إن ظواهر نصوص الصفات تقتضي التمثيل وأنها غير مرادة اتفقوا على صرفها عن ظاهرها، ثم اختلفوا في المعنى المصروف إليه فمن عينه منهم قال بالتأويل، ومن لم يعينه قال بالتفويض، وتوسط قوم فقالوا بالتأويل إن أمكن مع عدم التكلف وإلا فبالتفويض (^٢).\nوالتوسط هو ما ذهب إليه ابن حجر -كما سبق نقله عنه-.\n_________\n= لابن القيم (١/ ٢٢٨)، ومختصره للموصلي (١/ ٥١ - ٥٣)، إيثار الحق على الخلق لابن المرتضى (ص ١٣٨ - ١٣٩)، أضواء البيان للشنقيطي (٧/ ٤٤١ - ٤٤٥).\n(^١) انظر: اختلاف الحديث -بهامش الأم له- (٧/ ٢٧ - ٢٨).\n(^٢) انظر: شرح المقاصد (٤/ ٥٠)، تحفة المريد (ص ٩١)، وحاشية الصاوي (ص ١٢٨)، إضاءة الدلجة للمقري (ص ١٤٨)، إشارات المرام للبياضي (ص ١٨٧ - ١٨٩)، المسايرة لابن الهمام وحاشية ابن قطلوبغا عليها (ص ٣٠ - ٣٣).","vol":"1","page":295},{"text":"وفيما يلي مناقشة التأويل والتفويض في صفات الله وبيان بطلانهما:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>أولًا: التأويل:</span>\nالتأويل لغة: مأخوذ من الأوْل، يقال: آل يؤول إذا رجع وعاد، وأوَّل الكلام إذا فسره.\nوهو يدل على معان كثيرة ترجع إلى معنيين رئيسين:\nأحدهما: العاقبة، والمرجع، والمصير.\nوالثاني: التفسير، والتدبر، والبيان (^١).\nوأما في الاصطلاخ: فالسلف يطلقون لفظ التأويل ويريدون به أحد المعنيين السابقين في اللغة العربية، وهما: العاقبة، والتفسير (^٢).\nوأما المتأخرون فقد ابتدعوا للتأويل معنى لم يكن معروفًا عند السلف، وقالوا: هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح (^٣).\nوالتأويل بهذا المعنى له ثلاث حالات:\n١ - أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لدليل صحيح من كتاب الله أو سنة رسوله -ﷺ-، فهذا تأويل صحيح مقبول لا نزاع فيه.\n٢ - أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لشيء يعتقده الصارف دليلًا، وهو في نفس الأمر ليس بدليل، فهذا تأويل فاسد.\n٣ - أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لا لدليل، فهذا لا يسمى\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة (١/ ٢٣٢ - ٢٣٣)، الصحاح (١٤/ ٦٢٧ - ١٦٢٨)، معجم مقاييس اللغة (ص ٩٩ - ١٠٠)، لسان العرب (١١/ ٣٢، ٣٣)، القاموس المحيط (ص ١٢٤٤).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩) (٤/ ٦٤ - ٦٩)، بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٢٣٤)، نقض المنطق (ص ٥٧ - ٥٨)، درء التعارض (١/ ١٤، ٢٠٦) (٥/ ٢٣٤)، الصواعق المرسلة (١/ ١٧٧ - ١٧٨) (٣/ ٩٢٢ - ٩٢٣)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٢٥٣ - ٢٥٤)، أضواء البيان (١/ ٢٩).\n(^٣) انظر: الحدود في الأصول لابن فورك (ص ١٤٦)، الحدود للباجي (ص ٤٨)، التعريفات للجرجاني (ص ٢٨)، البرهان للجويني (١/ ٥١١)، المستصفى للغزالى (١/ ٣٨٧)، الإحكام للآمدي (٣/ ٥٢ - ٥٣).","vol":"1","page":296},{"text":"تأويلًا في الاصطلاح بل هو تلاعب بكتاب الله وسنة نبيه -ﷺ- (^١).\nوالقول بالتأويل في نصوص الصفات -بمعنى: صرف اللفظ عن ظاهره من الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح- باطل؛ إذ هو لا يخرج عن كونه تأويلًا فاسدًا أو لعبًا ظاهرًا، وبيان ذلك من وجوه:\n١ - أن التأويل بهذا المعنى اصطلاح حادث متأخر بعد عصر السلف، فلم يكن يعرف عند الصحابة والتابعين التأويل بهذا الاصطلاح (^٢).\n٢ - أن التأويل بهذا المعنى مبني على أساس فاسد، وهو أن ظاهر النصوص باطل لا يليق بالله، وهذا جناية على النصوص حيث جعلوها دالَّة على معنى باطل غير لائق بالله تعالى، ولا مراد له (^٣).\n٣ - أن المتأوِّلين للصفات قد عجزوا عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من آيات الصفات وأحاديثها وما لا يسوغ، فكل ما يدعون أنه لا يسوغ فيه التأويل هو من جنس ما أوَّلوه، وكذا العكس، بل ربما زعم أحدهم أن العقل جوّز أو أوجب ما يدعي الآخر أن العقل أحاله (^٤).\n٤ - أن المتأوّلين يلزمهم في تأويلاتهم التي أثبتوها نظير ما فروا منه في الألفاظ التي أوَّلوها (^٥).\n٥ - أن المتأوِّلين ليسوا جازمين بالمعنى الذي عينوه، وصرفوا اللفظ إليه، فيكون تأويلهم من القول على الله بلا علم، وهو محرم لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣] (^٦).\n_________\n(^١) انظر: أضواء البيان (١/ ٣٣٠)، منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات للشنقيطي أيضًا (ص ٣٣ - ٣٤).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٠٨)، درء التعارض (٥/ ٢٣٥، ٣٨٢)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦).\n(^٣) انظر: التدمرية (ص ٦٩)، أضواء البيان (٢/ ٢١٩ - ٣٢٠).\n(^٤) انظر: الحموية (ص ٢٧٦ - ٢٧٧)، الصواعق المرسلة (١/ ٢٢٨ - ٢٣٠).\n(^٥) انظر: الصواعق المرسلة (١/ ٢٣٤).\n(^٦) انظر: درء التعارض (١/ ١٢).","vol":"1","page":297},{"text":"٦ - أنه يلزم من التأويل محاذير عظيمة، منها:\nأ- أن لا يكون الكتاب والسنة هدى للناس ولا بيانًا ولا شفاء لِمَا في الصدور ولا نورًا، ولا مردًا عند التنازع، بل كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير، بل كان وجود الكتاب والسنة ضررًا محضًا في أصل الدين (^١).\nب- أن يكون الله تعالى قد كلف عباده أن لا يفهموا من تلك الألفاظ حقائقها وظواهرها، وكلفهم أن يفهموا منها ما لا تدل عليه، ولم يجعل معها قرينة تفهم ذلك؛ ومعلوم أن هذا فيه عذاب عظيم للعقول، وفساد كبير في القلوب (^٢).\nجـ- أن من زعم أن نصوص الصفات تقتضي التمثيل وأن المراد بها غير ظاهرها يلزمه أحد ثلاثة محاذير لا بد منها أو من بعضها، وهي: القدح في علم المتكلم بها، أو في بيانه، أو في نصحه، وكلها موجبة للكفر مخرجة من الملة (^٣).\nد- أن من أول ظواهر نصوص الصفات وزعم أن الحق في تأويله يلزمه استجهال السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم أو الطعن فيهم بكتمان الحق، وكلاهما يجمع بين الظلم والضلال (^٤).\nهـ- أن القائلين بالتأويل في نصوص الصفات يلزمهم فتح باب التأويل في غيرها كنصوص المعاد والجنة والنار، وقبول تأويل من أوّلها؛ إذ الموجب لتأويلها وصرفها عن ظاهرها واحد، وهو الزعم بإحالة العقل لظاهرها، وحينئذٍ يفتح الباب على مصراعيه لكل مدع أن يدعي فيما شاء من نصوص الكتاب والسنة إحالة العقل لظاهرها ووجوب تأويلها (^٥).\nوبما سبق يتضح بطلان التأويل في نصوص الصفات، وأن الحق فيها\n_________\n(^١) انظر: الحموية (ص ٢٣٥).\n(^٢) انظر: الصواعق المرسلة (١/ ٣١٤).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (١/ ٣٢٤ - ٣٢٦).\n(^٤) انظر: الحموية (ص ٢٠٦)، الصواعق المرسلة (١/ ٣١٥).\n(^٥) انظر: الصواعق المرسلة (١/ ٣٤٨ - ٣٤٩).","vol":"1","page":298},{"text":"هو ما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها من إجرائها على ظواهرها اللائقة بالله تعالى، وترك التأويل فيها، وممن حكى إجماعهم على ذلك: محمد بن الحسن (^١) (^٢) -صاحب أبي حنيفة- والحافظ ابن خزيمة (^٣) (^٤)، والحافظ ابن عبد البر (^٥)، والقاضي أبو يعلى (^٦) (^٧)، والإمام ابن قدامة (^٨)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٩)، وغيرهم.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات، فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها (أي: تفسيرها) وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد -إلى ساعتي هذه- عن أحد من الصحابة أنه تأوّل شيئًا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاه المفهوم المعروف، بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته، وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأوّلين ما لا يحصيه إلا الله ... \" (^١٠).\n_________\n(^١) هو محمد بن الحسن بن فرقد، أبو عبد الله، الشيباني، الكوفي، فقيه العراق، صاحب أبي حنيفة، من مؤلفاته: السير الكبير، توفي سنة ١٨٩ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٩/ ١٣٤)، شذرات الذهب (١/ ٣٢١).\n(^٢) انظر: شرح أصول الاعتقاد للالكائي (٣/ ٤٣٢)، ذم التأويل لابن قدامة (ص ١٤).\n(^٣) هو محمد بن إسحاق بن إسحاق، أبو بكر، السلمي النيسابوري الشافعي، المشهور بابن خزيمة من أئمة السلف وعلمائهم، من مؤلفاته: التوحيد، والصحيح وغيرهما، توفي سنة ٣١١ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٦٥)، شذرات الذهب (٢/ ٢٦٢).\n(^٤) انظر: ذم التأويل لابن قدامة (ص ١٨)، ولم أجد كلامه في كتبه.\n(^٥) انظر: التمهيد (٧/ ١٤٥)، جامع بيان العلم (٢/ ١١٨).\n(^٦) هو محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد البغدادي الحنبلي، ابن الفراء المشهور بالقاضي أبي يعلى، من مؤلفاته: الإلمان، إبطال التأويلات، المعتمد وغيرها، توفي سنة ٤٥٨ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٨٩ - ٩١)، شذرات الذهب (٣/ ٣٠٦).\n(^٧) انظر: إبطال التأويلات (١/ ٧١).\n(^٨) انظر: تحريم النظر في كتب أهل الكلام له (ص ١٠ - ١١).\n(^٩) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٣٩٤).\n(^١٠) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٩٤).","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>ثانيًا: التفويض:</span>\nالتفويض في اللغة: مأخوذ من قولهم: فوض إليه الأمر، إذا رده وصيّره إليه، وجعله الحاكم فيه (^١).\nوأما في الاصطلاح: فالتفويض هو رد العلم بنصوص الصفات إلى الله تعالى (^٢).\nوهو قسمان:\nالأول: تفويض الكيفية، والمراد به الإيمان بألفاظ نصوص الصفات، واعتقاد ما دلت عليه من المعاني اللائقة بالله، وتفويض كيفية اتصاف الله بها إليه سبحانه، وهو مذهب السلف -﵏-.\nوالثاني: تفويض المعنى، والمراد به الإيمان بألفاظ نصوص الصفات ورد ما دلت عليه من المعاني إلى الله تعالى، وهو مذهب الخلف (^٣)، وهو المراد بقول ابن حجر.\nوالتفويض في نصوص الصفات بهذا المعنى -أعني: تفويض المعنى- باطل؛ لوجوه منها:\n١ - أن التفويض بهذا المعنى حادث متأخر بعد عصر السلف، فلم يكن يعرف عند الصحابة والتابعين التفويض بهذا المعنى في جميع نصوص الصفات.\n٢ - أن التفويض بهذا المعنى مبني على أساس فاسد، وهو أن ظاهر النصوص باطل لا يليق بالله، وهذا جناية على النصوص حيث جعلوها\n_________\n(^١) انظر: الصحاح (٢/ ١٠٩٩)، معجم مقاييس اللغة (ص ٨٢٢)، لسان العرب (٧/ ٢١٠)، القاموس المحيط (س ٨٣٩).\n(^٢) انظر: القواعد المثلى (ص ٧٧)، مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات للقاضي (ص ١٥٢)، موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة للغصن (٢/ ٨٣٢)، منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان حسن (٢/ ٥٧٩)، تبرئة السلف من تفويض الخلف للحيدان (ص ١٧).\n(^٣) انظر: المصادر السابقة.","vol":"1","page":300},{"text":"دالّة على معنى باطل غير لائق بالله تعالى، ولا مراد له (^١).\n٣ - أن نصوص الصفات قد تواترت بأساليب متعددة ودلالات متعاضدة تؤكد أن ظاهرها هو المطلوب فهمه، فصرف العقول والقلوب عن إدراك هذا المعنى -والذي احتشدت النصوص لتأكيده- هو غاية في الاستبلاه، وتعطيل للنصوص عن معانيها (^٢).\n٤ - أن أئمة السلف -﵏- قد فسروا كثيرًا من آيات الصفات، ونقل تفاسيرهم لها غير واحد، مما يدل أنهم فهموا معانيها (^٣).\n٥ - أن النبي -ﷺ- كان يحضر مجلسه أقوام مختلفو الأفهام متفاوتو الإدراك ولم ينقل عنه -ﷺ- أنه كان يحذر من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفات الله تعالى أو غير ذلك من المسائل في العقائد والأحكام، مما يبين أنها على ظاهرها، وأنها مفهومة عندهم (^٤).\n٦ - أنه يلزم من التفويض لوازم باطلة، منها:\nأ- القدح في الرب سبحانه، وفي القرآن الكريم، وفي الرسول -ﷺ-؛ وذلك بأن يكون الله تعالى أنزل كلامًا لا يفهم، وأمر بتدبر ما لا يُتَدبر، وبعقل ما لا يُعقَل، وأن يكون القرآن الذي هو النور المبين والذكر الحكيم، سببًا لأنواع الاختلافات والضلالات، وأن يكون النبي -ﷺ- لم يبلغ البلاغ المبين، ولا بين للناس ما نزل إليهم (^٥).\nب- استجهال السلف من الصحابة وخيار التابعين وأتباعهم وجعلهم بمنزلة الأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني (^٦).\nجـ- استطالة نفاة المعاد -وغيرهم من الملاحدة- على المفوضة فيقول الواحد منهم: الحق في نفس الأمر ما علمته برأي وعقلي، وليس في\n_________\n(^١) انظر: علاقة الإثبات والتفويض بصفات رب العالمين د. رضا معطي (ص ١١٠).\n(^٢) انظر: مذهب أهل التفويض للقاضي (ص ٥٢٧).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (ص ٣٩٢).\n(^٤) انظر: أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات لمرعي الكرمي (ص ٨٥).\n(^٥) انظر: درء التعارض (١/ ٢٠٤).\n(^٦) انظر: الحموية (ص ٢٠٦).","vol":"1","page":301},{"text":"النصوص ما يناقض ذلك، لأن تلك النصوص مشكلة ومتشابهة لا يعلم أحد معناها، وما لا يعلم معناه لا يجوز الاستدلال به، فيبقى هذا المذهب -أعني: مذهب التفويض- سدًّا لباب الهدى والبيان، وفتحًا لباب التأويل والضلال (^١).\nوبهذا يتضح أن كلًّا من التأويل والتفويض في نصوص الصفات مجانب للحق، مخالف لمذهب السلف الموافق للكتاب والسنة والعقل الصريح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>الثالث: الرد عليه في زعمه أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم:</span>\nلَمّا كانت طريقة الخلف تخالف طريقة السلف في نصوص الصفات وكان من المتقرر بداهة أن السلف أفضل في الدين، وأصوب في العلم؛ درج المتكلمون على تبرير هذا الاختلاف بكون السلف -﵏- آثروا السلامة واختاروا الورع والاحتياط على الخوض في التأويل الذي هو الأعلم والأحكم -بزعمهم- ومن ثم تتابعوا على ترديد هذه المقالة: (مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم) (^٢)، وكان من أولئك ابن حجر -كما سبق نقله عنه قريبًا-.\nوهذه المقالة تجمع بين الجهل بطريقة السلف والضلال بتصويب طريقة الخلف، وهي باطلة من وجوه:\n١ - أن هذه المقالة مبنية على ظن فاسد وخطأ ظاهر وهو اعتقاد أن مذهب السلف -﵏- هو تفويض معاني نصوص الصفات وهذا باطل؛ إذ مذهب السلف إثبات نصوص الصفات واعتقاد ما دلت عليه من المعاني وتفويض كيفياتها لا معانيها، وفرق بين الأمرين (^٣).\n_________\n(^١) انظر: درء التعارض (١/ ٢٠٢، ٢٠٥).\n(^٢) انظر: إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل للبدر بن جماعة (ص ٩٣)، شرح المقاصد للتفتازاني (٤/ ٥٠)، شرح الخريدة البهية لأحمد الدردير (ص ٤٢ - ٤٣)، تحفة المريد للبيجوري (ص ٩١).\n(^٣) انظر: الحموية (ص ٢٠٤ - ٢٠٥)، درء التعارض (٥/ ٣٧٨).","vol":"1","page":302},{"text":"٢ - أن هذه المقالة تخالف ما ثبت في النصوص من تفضيل السلف على الخلف، وجعل الخيرية لسلف هذه الأمة كقوله -ﷺ-: \"خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ... \" (^١).\nولا شك أن وصف الرسول -ﷺ- القرون الثلاثة الأولى بأنها خير القرون يقتضي الخيرية المطلقة في كل شيء، ولا يمكن مع هذه الخيرية المطلقة أن يكون من أتى بعدهم أعلم منهم وأحكم (^٢).\n٣ - أن هذه المقالة تخالف ما ثبت في العقل من التلازم بين السلامة والحكمة والعلم فإن كون طريقة السلف أسلم من لوازم كونها أعلم وأحكم؛ إذ لا سلامة إلا بالعلم والحكمة، العلم بأسباب السلامة، والحكمة في سلوك تلك الأسباب (^٣).\nوبهذا يتبين أن طريقة السلف هي الأسلم والأعلم والأحكم، و\"ما امتاز عنهم المتأخرون إلا بالتكلف والاشتغال بالأطراف التي كانت همة القوم مراعاة أصولها، وضبط قواعدها، وشد معاقدها، وهممهم مشمرة إلى المطالب العالية في كل شيء، فالمتأخرون في شأن، والقوم في شأن آخر، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>ثانيًا: آراؤه في الصفات تفصيلًا:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-107> آراؤه في الصفات الذاتية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>١ - صفة العلو:</span>\nيرى ابن حجر -غفر الله له- أن الله تعالى منزه عن علو الذات\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي -ﷺ-، باب فضائل أصحاب النبي -ﷺ- ورضي الله عنهم (٣/ ١١٢٣) برقم (٣٦٥١)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (٤/ ١٩٦٣) برقم (٢٥٣٣) من حديث عبد الله بن مسعود -﵁- به.\n(^٢) انظر: الحموية (ص ٢٠٢ - ٢١٢)، فضل علم السلف على الخلف لابن رجب (ص ١٤٦ - ١٤٧).\n(^٣) انظر: فتح رب البرية بتلخيص الحموية لابن عثيمين (ص ١٩).\n(^٤) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (١/ ١٩ - ٢٠).","vol":"1","page":303},{"text":"\"لتعاليه عن الجهة والمكان\" (^١)، ولأنه \"تعالى خالق الجهات والأمكنة ومحدثها بعد أن لم تكن فهي لحدوثها مستحيلة على الله تعالى\" (^٢).\nويرى أن الله تعالى \"كان في القدم ولا جهة ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان\" (^٣).\nويتأول ابن حجر -عفا الله عنه- الآيات والأحاديث الدالة على كون الله تعالى في العلو وأنه سبحانه في السماء بعلو القدر والقهر، فيقول: \"من في السماء: أي عزه وسلطانه وخزائن رحمته، وهكذا مجمل سائر الأحاديث والآيات الموهم ظاهرها مكانًا أو جهة، تعالى الله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا\" (^٤).\nوأعجب من ذلك حكايته الخلاف في كفر من قال: الله في السماء، حيث يقول: \"لوقال: الله في السماء فقيل: يكفر، وقيل: لا، والقائلون بالجهة لا يكفرون على الصحيح، نعم إن اعتقدوا لازم قولهم من الحدوث أو غيره كفروا إجماعًا\" (^٥)! ! .\nويختم ابن حجر كلامه في علو الله تعالى بالحط من شأن الإمامين الجليلين ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله- لقولهما بالعلو، وتبرئة الإمام أحمد من معتقدهما فيه بزعمه حيث يقول: \"هذا من قبيح رأيهما وضلالهما؛ إذ هو مبني على ما ذهبا إليه، وأطالا في الاستدلال له، والحط على أهل السنة في نفيهم له، وهو إثبات الجهة والجسمية له، تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا، ولهما في هذا المقام من القبائح، وسوء الاعتقاد، ما تصم عنه الآذان، فيقضى عليه بالزور، والكذب، والضلال، والبهتان قبحهما الله، وقبح من قال بقولهما، والإمام\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ٢٠)، وانظر: الإنافة في الصدقة والضيافة (ص ٣٦)، الزواجر (١/ ٣٢)، الفتاوى الحديثية (ص ١٥١، ١٥٣)، المنح المكية (٣/ ١٣٩٧)، النخب الجليلة (ص ٤٢)، شرح المشكاة (ص ٩٣)، العمدة شرح البردة (ص ٥١٥).\n(^٢) الإنافة في الصدقة والضيافة (ص ٣٦).\n(^٣) المصدر السابق (ص ٣٦).\n(^٤) المصدر السابق (ص ٣٦).\n(^٥) الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٢٣٩).","vol":"1","page":304},{"text":"أحمد وأجلاء مذهبه مبرؤون عن هذه الوصمة القبيحة، كيف وهو كفر عند كثيرين\" (^١).\nالتقويم:\nمادة \"العين، واللام، والحرف المعتل، ياءً كان أو واوًا أو ألفًا ... تدل على السمو والارتفاع\" (^٢).\nوالعلو يطلق في اللغة على معان هي: علو الذات، وعلو القهر، وعلو القدر (^٣).\nوقد أجمع أهل القبلة على إثبات علو القهر وعلو القدر لله تعالى، واختلفوا في علو الذات (^٤).\nوالذي عليه سلف الأمة وأئمتها إثبات علو الذات لله تعالى (^٥)، وهو قول عامة الصفاتية الأوائل، والكرامية، ومتقدمي الشيعة الإمامية (^٦).\nوالقول بذلك هو مقتضى دلالة السمع، والفطرة، والعقل.\nفأما دلالة السمع: فقد تواترت نصوص الكتاب والسنة تواترًا لفظيًا ومعنويًا على إثبات العلو الذاتي لله تعالى، حتى ذكر بعض أهل العلم أن أدلة ذلك تزيد على ألف دليل (^٧).\n_________\n(^١) أشرف الوسائل (ص ١٧٣)، وانظر: در الغمامة في در الطيلسان والعذبة والعمامة (ل ١٧/ أ).\n(^٢) معجم مقاييس اللغة (ص ٦٩٠).\n(^٣) انظر: تهذيب اللغة (٣/ ٢٥٣٦)، معجم مقاييس اللغة (ص ٦٩٠)، لسان العرب (١٥/ ٨٣)، القاموس المحيط (ص ١٦٩٤).\n(^٤) انظر: مختصر الصواعق المرسلة (١/ ٢٧٥).\n(^٥) انظر: العرش لابن أبي شيبة (ص ٢٧٦)، إثبات صفة العلو لابن قدامة (ص ٤١)، العرشية لشيخ الإسلام ضمن الفتاوى (٦/ ٥٤٥)، اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٩٥)، العلو للذهبي (٢/ ٨٦٣)، الكلام على مسألة الاستواء على العرش لابن عبد الهادي (ص ٢٥)، إثبات علو الله للتويجري (ص ١٠)، علو الله على خلقه للدويش (ص ١٤١).\n(^٦) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٧)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ١٢٧) (٢/ ١٤).\n(^٧) انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ١٢١)، الصواعق المرسلة (٤/ ١٢٧٩)، اجتماع الجيوش (ص ٣٣١).","vol":"1","page":305},{"text":"وقد ذكر العلامة ابن القيم ﵀ أنواع الأدلة النقلية الدالة على علو الله فعد منها عشرين نوعًا، ذكر منها: التصريح بالاستواء، والفوقية بمن وبدونها، والعروج إليه، والصعود إليه، ورفع بعض المخلوقات إليه، والعلو المطلق، وتنزيل الكتاب منه، واختصاص بعض المخلوقات بكونها عنده، وأنه في السماء، ورفع الأيدي إليه، ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا، والإشارة إليه حسًا (^١).\nولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسوله -ﷺ- من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة، مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله ﷾ هو العلي الأعلى، وهو فوق كل شيء ... وأنه فوق السماء ... ثم عن السلف في ذلك من الأقوال، ما لو جمع لبلغ مئين وألوفًا، ثم ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسوله -ﷺ-، ولا عن أحد من سلف الأمة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف حرف واحد يخالف ذلك، لا نصًا ولا ظاهرًا\" (^٢).\nوأما دلالة الفطرة: فإن بني آدم كلهم مفطرون على الإقرار بعلو الله الذاتي، لا يستطيع أحد منهم أن ينفك عن ذلك، فإن الخلق كلهم باختلاف طوائفهم وتعدد مذاهبهم -عدا من اجتالته الشياطين منهم- إذا نابهم شيء اتجهوا بقلوبهم وأيديهم إلى جهة العلو اضطرارًا وليس اختيارًا بحيث لا يستطيع أحد دفع ذلك (^٣).\nوأما دلالة العقل: فإن من المعلوم ببداهة العقول أن الله تعالى كان ولا شيء معه، ثم خلق الخلق، فلما خلقهم فلا يخلو أن يكون خلقهم في\n_________\n(^١) انظر: مختصر الصواعق (٢/ ٢٠٥)، النونية مع شرحها لهراس (١/ ١٨٤ - ٢٥١)، وانظر: شرح الطحاوية (٢/ ٣٨٠ - ٣٨٦).\n(^٢) الحموية (ص ٢١٦ - ٢٣٢).\n(^٣) انظر: الرد على الجهمية للدارمي (ص ٢٠ - ٢١)، التوحيد لابن خزيمة (١/ ٢٥٤)، التمهيد لابن عبد البر (٧/ ١٣٤ - ١٣٥)، درء التعارض (٦/ ١٢)، مجموع الفتاوى (٥/ ٢٥٩ - ٢٦٠)، اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٣٢٨ - ٣٣١).","vol":"1","page":306},{"text":"نفسه، أو خلقهم خارج نفسه، والأول باطل قطعًا بالاتفاق؛ لأن الله تعالى منزه عن النقائص وأن يكون محلًا للقاذورات -تعالى الله عن ذلك- فلزم أن يكون بائنًا من خلقه، وأن يكونوا هم بائنين عنه.\nوإذا لزمت المباينة فلا يخلو إما أن يكون فوقهم، أو تحتهم، أو عن يمينهم، أو عن شمالهم، والفوقية هي أشرف الجهات، وهي صفة كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فوجب اختصاصه بذلك (^١).\nوعليه فما قرره ابن حجر من نفي علو الله الذاتي مخالف لدلالة السمع، والفطرة، والعقل.\nوقول ابن حجر بذلك مما تابع فيه متأخري الأشاعرة (^٢) الذين قالوا بقولهم هذا حتى يسلم لهم دليل إثبات حدوث العالم الذي استدلوا به على وجود الله، حيث صاغوه بعقولهم، وعارضوا به دلائل الفطرة، ثم التزموا عليه لوازم كثيرة خالفوا بها الكتاب والسنة - وقد سبق بيانه والرد عليه بما يغني عن إعادته هنا (^٣).\nحيث زعموا أن إثبات العلو الذاتي لله تعالى يلزم منه أن يكون الله في جهة، ولو كان في جهة لافتقر إلى محل، وللزم أن يكون المحل قديمًا لأنه تعالى قديم، أو يكون سبحانه حادثًا لأن المحل حادث. وكلاهما ممتنع (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الرد على الجهمية للإمام أحمد (ص ١٣٩)، درء التعارض (٦/ ١٤٣ - ١٤٦) (٧/ ٣ - ١٠)، مجموع الفتاوى (٥/ ١٥٢)، مختصر الصواعق المرسلة (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠)، شرح الطحاوية (٢/ ٣٨٩ - ٣٩٠)، جلاء العينين (ص ٣٣٧).\n(^٢) انظر: الإرشاد للجويني (ص ٥٨)، الشامل في أصول الدين له أيضًا (ص ٢٩٩ - ٣٠٠)، الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص ٢٩ - ٣٠)، قواعد العقائد له أيضًا (ص ١٦٢ - ١٦٥)، المواقف للإيجي (ص ٢٧١)، الأربعين للرازي (ص ١٥٢)، المسائل الخمسون له أيضًا (ص ٢٦ - ٤٠)، محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين له أيضًا (ص ١٥٧ - ١٥٨)، غاية المرام للآمدي (ص ١٨٠ - ١٨١).\n(^٣) انظر: (ص ١٢١).\n(^٤) انظر: الإرشاد للجويني (ص ٥٨)، الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص ٣٤)، المواقف الإيجي (ص ١٧١)، غاية المرام للآمدي (ص ١٨٠ - ١٨١).","vol":"1","page":307},{"text":"وهذا ما عبر عنه ابن حجر بقوله السابق: \"إن الله خالق الجهات والأمكنة ومحدثها بعد أن لم تكن فهي لحدوثها مستحيلة على الله تعالى\".\nوالجواب عن ذلك من وجوه:\n١ - أن هذا الاعتراض ناتج عن قولهم: إن إثبات الصفات -ومنها العلو- يقتضي التجسيم، وهذا باطل، وقد سبق الجواب عنه (^١).\n٢ - \"أن الجهة ... من الأمور التي فيها إضافة ونسبة، فإنه يقال: هذه جهة هذا ... والجهة أصلها الوجهة التي يتوجه إليها الشيء كما يقال: عِدَة ووعد، وزِنَة ووزن ... وإذا كان كذلك فالجهة تضاف تارة إلى المتوجِّه إليها، كما يقال في الإنسان له ست جهات لأنه يمكنه التوجه إلى النواحي الست المختصة به التي يقال إنها جهاته، والمصلي يصلي إلى جهة من الجهات لأنه يتوجه إليها.\nوهنا تكون الجهة ما يتوجه إليه المضاف.\nوتارة تكون الجهة ما يتوجه منها المضاف كما يقول القائل إذا استقبل الكعبة: هذه جهة الكعبة ...\nوإذا كان هذا هو المعروف من لفظ الجهة ... في الموجودات المخلوقة، فإنه إذا قيل: إن الخالق سبحانه في جهة، فإما أن يراد في جهة له، أو في جهة لخلقه.\nفإن قيل: في جهة له، فأما أن تكون جهة يتوجه منها، أو جهة يتوجه إليها.\nوعلى التقديرين فليس فوق العالم شيء غير نفسه، فهو جهة نفسه لا يتوجه منها إلى شيء موجود خارج العالم، ولا يتوجه إليها من شيء موجود خارج العالم، وليس هناك شيء موجود غير نفسه يتوجه منه ولا يتوجه إليه.\nومن قال: إن العالم هناك في جهة بهذا الاعتبار فقد صدق.\nومن قال: إنه جهة نفسه بهذا الاعتبار فقد قال معنى صحيحًا.\n_________\n(^١) انظر: (ص ٢٩٣).","vol":"1","page":308},{"text":"ومن قال: إنه فوق المخلوقات كلها في جهة موجودة يتوجه إليها، أو يتوجه منها خارجة عن نفسه فقد كذب ...\nوعلى كل تقدير فمن قال: إنه فوق العالم لم يقل إنه ... في جهة موجودة خارجة عن نفسه\" (^١).\n٣ - أن لفظ الجهة إما أن يراد بها جهة مخلوقة أو جهة عدمية.\nفإن أريد بها جهة مخلوقة فلا شك في بطلان ذلك، فإن الله ليس في جهة بهذا المعنى؛ لأن الله تعالى ليس في مخلوق ولا المخلوق في الله تعالى، بل الله تعالى بائن عن المخلوقات كلها.\nوإن أريد بها جهة عدمية غير مخلوقة، وهي أن الله تعالى فوق هذا العالم ووراء هذا الكون فهذا المعنى صحيح؛ لأن وراء هذا الكون ليس جهة مخلوقة حتى تكون ظرفًا لله تعالى ولا يكون مظروفًا فيها.\nوالقول بالجهة بهذا المعنى -أي: المعنى العدمي- هي مراد من أطلق الجهة على الله من السلف.\nوإذا تقرر كون المراد بالجهة أمرًا عدميًا لا وجوديًا لم يصح أن يقال: إن إثبات ذلك يستلزم أن يكون الله تعالى محتاجًا إليها (^٢).\n٤ - أن لفظ الجهة فيه إجمال وهو لفظ اصطلاحي يُراد به معان متنوعة، ولم يرد في الكتاب والسنة لابنفي ولا إثبات، ولا جاء عن أحد من سلف الأمة وأئمتها فيه نفي ولا إثبات أصلًا، فالمعارضه به ليست معارضة بدلالة شرعية، فاللفظ الذي ورد في الكتاب والسنة أو الإجماع يجب القول بموجبه سواء فهمنا معناه أو لم نفهمه.\nوأما الذي لم يرد به دليل شرعي فلا ينفى ولا يثبت حتى يستفسر من المتكلم بذلك، فإن أثبت حقًّا أثبتناه، وإن أثبت باطلًا رددناه، وإن نفى\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ١١٧ - ١١٩).\n(^٢) انظر: التدمرية (ص ٦٦ - ٦٧)، مجموع الفتاوى (٣/ ٤١ - ٤٢) (٤/ ٥٨ - ٥٩) (٥/ ٢٦٢ - ٢٦٣) (٦/ ٣٨ - ٤٠)، درء التعارض (١/ ٢٥٣ - ٢٥٤)، التسعينية (١/ ١٩٢)، جلاء العينين (ص ٣٥٩)، غاية الأماني للألوسي (١/ ٧٧، ٤٩٣).","vol":"1","page":309},{"text":"باطلًا نفيناه، وإن نفى حقًّا لم ننفه (^١).\nوأما تأويل ابن حجر -غفر الله له- الآيات والأحاديث الدالة على كون الله تعالى في العلو بعلو القهر والقدر دون علو الذات فمتعقب بما يلي:\n١ - أن القول بذلك تأويل، والتأويل في نصوص الصفات بهذا المعنى باطل كما سبق (^٢).\n٢ - أن القول بذلك مبني على اعتقاد كون ظاهر النصوص يقتضي التمثيل والتجسيم، وهو باطل كما سبق (^٣).\n٣ - أن علو قدر الله وعلو قهره على عباده متقرر في النفوس مركوز في الفطر بما يغني عن تقريره بأنواع الأدلة.\n٤ - أن تأويل نصوص العلو بعلو القدر والقهر لو صرح به في حق الله كان قبيحًا؛ فإن ذلك إنما يقال في المتقاربين في المنزلة وأحدهما أفضل من الآخر، وأما إذا لم يتقاربا بوجه فلا يصح فيهما ذلك.\n٥ - أن الآيات والأحاديث تواترت كلها على التصريح بعلو الله المطلق الذي يتضمن علو ذاته وقدره وقهره، ولم يرد فيها على كثرتها ما يفيد تقييد ذلك بعلو القهر والقدر ومنع دخول علو الذات فيها، فتقييدها بذلك وتأويلها به دون غيره تحكم لا دليل عليه.\n٦ - أن العلو صفة كمال وضده السفل صفة نقص، ولو كان الله غير متصف بالعلو الذاتي الذي هو صفة كمال للزم أن يتصف بالسفل الذاتي وهو صفة نقص؛ إذ القابل للشيء لا يخلو منه أو من ضده، وضد العلو السفل وهو مذموم بإطلاق (^٤).\nوأما حكاية ابن حجر الخلاف في كفر من قال الله في السماء فهي من أعجب آرائه وأبطلها، وبيان ذلك من وجهين:\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٢٩٨ - ٢٩٩).\n(^٢) انظر: (ص ٢٩٧).\n(^٣) انظر: (ص ٢٩٣).\n(^٤) انظر: مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٢٠٥ - ٢١٧).","vol":"1","page":310},{"text":"١ - أن القول بأن الله في السماء هو نص كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ- كقوله سبحانه: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، وقوله -ﷺ-: \"أنا أمين من في السماء ... \" (^١)، فكيف يكون القول بما هو نص الوحيين كفرًا.\n٢ - أن القول بذلك منقوض بما ورد عن بعض أئمة السلف من تكفير من أنكر كون الله ﷿ في السماء أو شك في ذلك، ومنهم الإمام أبو حنيفة ﵀ فقد سُئل عمن يقول: لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقال: قد كفر، لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] وعرشه فوق سماواته، فقيل له: إنه يقول: أقول على العرش استوى، ولكن لا يدري العرش في السماء أو في الأرض، فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر\" (^٢).\nوأما تشنيع ابن حجر على الإمامين شيخ الاسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم في قولهما بالعلو الذاتي لله تعالى، وزعمه أن القول بذلك مما ينزه عنه الإمام أحمد وأجلاء مذهبه فمتعقب بما يلي:\n١ - أن القول بالعلو الذاتي لله تعالى هو مقتضى دلالة السمع، والإجماع، والفطرة، والعقل، فكيف يشنع على من قال بموجب هذه الأدلة.\n٢ - أن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم لم يكونا بدعًا في أهل السنة والجماعة في قولهما بإثبات العلو الذاتي لله تعالى؛ إذ القول بذلك هو قول عامة أهل السنة والجماعة ومن وافقهم من أسلاف ابن حجر -أعني متقدمي الصفاتية كالأشعري وأصحابه- كما تقدم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب في بعث علي بن أبي طالب (٣/ ١٣١٣) برقم (٤٣٥١)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم (٢/ ٧٤٢) برقم (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁- به.\n(^٢) الفقه الأكبر برواية أبي مطيع (ص ٤٠، ٤٤)، ونقلها عنه ابن قدامة في إثبات العلو (ص ١١٦)، وشيخ الإسلام في الحموية (ص ٣٢٤) ودرء التعارض (٦/ ٢٦٣)، وابن القيم في اجتماع الجيوش (ص ١٣٩)، وابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية (٢/ ٣٨٧)، وملا علي القارئ في شرح الفقه الأكبر (ص ١٧١).","vol":"1","page":311},{"text":"٣ - أن زعم ابن حجر براءة الإمام أحمد ﵀ وأجلاء مذهبه من قول الإمامين الجليلين في إثبات العلو الذاتي لله تعالى منقوض بما نقله عنه خاصة أصحابه المؤلفين في مسائله (^١)، وبما كتبه بنفسه في رده على الجهمية حيث قال: \"وقد أخبرنا أنه في السماء فقال سبحانه: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] ... وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ [الأنبياء: ١٩] ...\nفهذا خبر الله أنه في السماء، ووجدنا كل شيء أسفل مذمومًا قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] ... \" (^٢).\nوالمحاكمة بين شيخي الإسلام وابن حجر -عفا الله عنه- طويلة الذيل، متشعبة المسالك، وقد أفردها غير واحد بالتأليف، وليس هذا الموضع محل تفصيلها (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>٢ - صفة اليمين لله تعالى:</span>\nيرى ابن حجر استحالة معنى اليمين على الله، وأن المراد بها في النصوص الكناية عن مزيد الرضا والقبول والمحبة.\nيقول في شرحه لحديث أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها ... \" (^٤).\n\"اليمين هنا: كناية عن مزيد الرضا والقبول، وإعظام الجزاء؛\n_________\n(^١) انظر: طبقات الحنابلة (١/ ٤٣١)، إثبات العلو لابن قدامة (ص ١١٦)، اجتماع الجيوش (ص ٢٠٠)، العلو للذهبي (٢/ ١١١١)، وللاستزادة: المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد للأحمدي (١/ ٣١٨).\n(^٢) الرد على الجهمية والزنادقة (ص ٣٨).\n(^٣) انظر: جلاء العينين للألوسي (ص ٣٨٤)، وما بعدها (ص ٣٩٦ - ٤٠٢)، الكشف المبدي للفقيه (ص ٤٣١)، دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ٢١٩).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب الصدقة من كسب طيب (١/ ٤٢٠) برقم (١٤١٠) ومسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب (٢/ ٧٠٢) برقم (٤٠١٤).","vol":"1","page":312},{"text":"لاستحالة معناها على الله، تعالى عما يقول الظالمودن والجاحدودن علوًا كبيرًا\" (^١).\nوقال أيضًا:\n\"اليمين: كناية عن مزيد المحبة والرضا (^٢) المستلزمين بزيادة ثوابها وعظم نفعها\" (^٣).\nالتقويم:\nوصف يد الله ﷿ باليمين ثابت بالكتاب والسنة.\nفمن الكتاب: قوله سبحانه: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧].\nومن السُّنَّة: قوله -ﷺ-: \"يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة ... \" (^٤).\nوقوله -ﷺ-: \" ... ويطوي السماء بيمينه ... \" (^٥).\nواليمين صفة ذاتية لله تعالى، وهي على ما يليق به سبحانه شأنها شأن بقية الصفات الإلهية (^٦).\nوأما تأويل ابن حجر لها بمزيد الرضا والقبول والمحبة فهو تأويل باطل من وجوه، منها:\n١ - أن القول بذلك تأويل، والتأويل في نصوص الصفات بهذا المعنى باطل -كما سبق- (^٧).\n_________\n(^١) الإنافة في الصدقة والضيافة (ص ١٠٥)، وانظر: غرر المواعظ (ص ١٢).\n(^٢) في المطبوع (الإخاء)، ولعل الصواب ما أثبته أعلاه لعدم مناسبته السياق، ودلالة كلامه الآخر على ما أثبت.\n(^٣) الإنافة في الصدقة والضيافة (ص ٩٠).\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف (٢/ ٦٩٠) برقم (٩٩٣) من حديث أبي هريرة -﵁- به.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] (٤/ ٢٣١٣) برقم (٧٤١٢).\n(^٦) انظر: رد الدارمي على بشر المريسي (٢/ ٦٩٨)، التوحيد لابن خزيمة (١/ ١٥٩)، التوحيد لابن مندة (٣/ ١٦)، إبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ١٧٦).\n(^٧) انظر: (ص ٢٩٧).","vol":"1","page":313},{"text":"٢ - أن صرف لفظ اليمين عن ظاهره المتبادر منه الحامل عليه اعتقاد كونه يوجب المماثلة وهو باطل -كما سبق- (^١).\n٣ - أن النصوص الواردة في صفة اليمين كلها تؤكد أن المراد بها حقيقتها؛ إذلم يرد في شيء منها ما يدل على أن المراد بها غير ظاهرها (^٢).\n٤ - أن النصوص ورد بعضها بإثبات اليمين لله تعالى وورد في بعضها إثبات الشمال له سبحانه (^٣)، وتواترت النصوص بإثبات اليدين له، وهذا كله مما ينافي هذا التأويل.\n٥ - أن تأويل ابن حجر اليمين بالرضا أو القبول أو المحبة يلزمه فيه نظير ما فر منه، فإنه إنما تأوّل اليمين لزعمه أن ظاهرها يقتضي التمثيل، فيقال له: كذلك الرضا والقبول والمحبة فإنها مما يتصف به المخلوق فإن كان إثباتها لا يقتضي التمثيل فكذلك اليمين، وإن كان إثباتها يقتضي ذلك لزم المحظور (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>٣ - صفة الأصابع:</span>\nيرى ابن حجر أن المراد بالأصبعين في قوله -ﷺ-: \"قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن إذا شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه\" (^٥)\n_________\n(^١) انظر: (ص ٢٩٣).\n(^٢) انظر: رد الدارمي (٢/ ٦٩٨)، التوحيد لابن خزيمة (١/ ١٥٩) التوحيد لابن مندة (٣/ ١٦).\n(^٣) وصف يد الله الأخرى بالشمال ورد في بعض الأحاديث واختلف أهل العلم من أهل السنة والجماعة في إطلاقه على الله. انظر: رد الدارمي على بشر (٢/ ٦٩٨)، إبطال التأويلات (١/ ١٧٦)، كتاب التوحيد للشيخ محمد عبد الوهاب (ص ١٩١)، شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ٣١١)، وللاسثزادة: القول المبين في أن كلتا يدي الرحمن يمين للدكتور علي الشهراني.\n(^٤) انظر: الصواعق المرسلة (١/ ٢٣٤).\n(^٥) أخرجه ابن ماجه المقدمة (١/ ٧٢) برقم (١٩٩)، والنسائي في الكبرى، كتاب النعوت (٤/ ٤١٤) برقم: (٧٧٣٨)، وأحمد (٢٩/ ١٧٨) برقم (١٧٦٣٠)، وابن أبي عاصم في السنة (ص ٩٨) برقم (٢١٩)، وابن خزيمة في التوحيد (١/ ١٨٨) برقم (١٠٨)، وابن حبان (٣/ ٢٢٢)، برقم (٩٤٣)، والآجري في الشريعة (٣/ ١١٦٢) برقم (٧٣٤)، =","vol":"1","page":314},{"text":"هما \"إرادته إما خيرًا وإما شرًّا\" (^١).\nيقول في توضيح ذلك: \"بيانه أن القلب صالح للميل إلى الخير وإلى الشر ... ومحال أن يميل إلى أحدهما بدون داعية، بل لا بد في ميله لذلك من حدوث داعية وإرادة يحدثها الله تعالى فإن كان داعية الكفر فهو الخذلان ... وإن كان داعية الإيمان فهو التوفيق ...\nوالمراد بالأصبعين في الحديث ... الداعيتان المذكورتان، فتأمل ذلك\" (^٢).\nالتقويم:\nالأصابع من صفات الله الذاتية الخبرية الثابتة في السنة النبوية، ومن أدلتها:\n١ - حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: \"إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن ... \" (^٣).\n٢ - حديث عبد الله بن مسعود -﵁- أن حبرًا جاء إلى النبي -ﷺ- فقال: \"يا محمد! أو يا أبا القاسم! إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبعٍ، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، أنا الملك. فضحك رسول الله -ﷺ- تعجبًا مما قال الحبر تصديقًا له، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧] \" (^٤).\n_________\n= والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٨٩) (٤/ ٤٢١)، والدارقطني في الصفات (ص ٥٥) برقم (٤٣)، وابن مندة في الرد على الجهمية (ص ٨٧) برقم (٦٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٧٤) من طريق عبد الرحمن بن يزيد، عن بسر بن عبد الله الحضرمي، عن أبي إدريس الخولاني، عن النواس بن سمعان -﵁- به.\nقال الحاكم: \"على شرط الشيخين\"، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في تخريجه للسنة لابن أبي عاصم.\n(^١) أسنى المطالب (ص ١٨).\n(^٢) الزواجر (١/ ٨٨).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء (٤/ ٢٠٤٥).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب التفسير تفسير سورة الزمر، باب \"وما قدروا الله حق قدره\"=","vol":"1","page":315},{"text":"وقد ساق الإمام ابن خزيمة في كتاب التوحيد الأحاديث الدالة على صفة الأصابع لله تعالى، وبَوَّب عليها بقوله: \"باب إثبات الأصابع لله ﷿\" (^١)، كما ساقها الإمام الآجري في الشريعة، وبَوَّب عليها بقوله: \"باب الإيمان بأن قلوب الخلائق بين أصبعين من أصابع الرب ﷿ بلا كيف\" (^٢)، وقوله: \"باب الإيمان بأن الله ﷿ يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والخلائق كلها على إصبع، والماء والثرى على إصبع\" (^٣).\nوسئل سفيان بن عيينة (^٤) ﵀ عن هذا الحديث -الذي فيه ذكر الأصابع- في عِدَّة من أحاديث الصفات، فقال: \"هي كما جاءت، نُقِرُّ بها، ونُحدثُ بلا كيف\" (^٥).\nيقول الإمام البغوي (^٦) ﵀: \"والإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله ﷿، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى كالنفس، والوجه، والعين ... فهذه ونظائرها صفات الله تعالى ورد بها السمع ويجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها، مُعْرضًا فيها عن التأويل، مجتنبًا عن التشبيه، معتقدًا أن الباري ﷾ لا يشبه شيء من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال الله ﷾:\n_________\n= (٣/ ١٥١٩) برقم (٢٧٨٦)، ومسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب صفة القيامة (٤/ ٢١٤٧) برقم (٢٧٨٦).\n(^١) انظر: (١/ ١٨٧).\n(^٢) انظر: (٣/ ١١٥٦).\n(^٣) انظر: (٣/ ١١٦٤).\n(^٤) هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون، مولى محمد بن مزاحم، إمام كبير، حافظ عصره، جبل في السنة، حمل العلم عن الكبار، وانتهى إليه علو الإسناد، توفي سنة ١٩٨ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٥٤)، شذرات الذهب (١/ ٣٥٤).\n(^٥) أخرجه الدارقطني في الصفات (ص ٧١)، وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٤٨) من طريق أحمد بن إبراهيم الدورقي، عن أحمد بن نصر، عن سفيان بن عيينة به. وإسناده صحيح.\n(^٦) هو الحسين بن مسعود بن محمد الفراء البغوي، سلفي شافعي، من مؤلفاته: معالم التنزيل، شرح السنة، الأنوار في شمائل النبي المختار، توفي سنة (٥١٦ هـ).\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٣٩)، شذرات الذهب (٤/ ٤٨).","vol":"1","page":316},{"text":"﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] \" (^١).\nوعليه فالأصابع صفة ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلال الله سبحانه وعظمته، والقول: بذلك هو مذهب عامة أهل السنة والجماعة (^٢)، وأما صرفها عن ظاهرها المراد، وابتغاء تأويلها، وحملها على أنواع المجازات، فهو مذهب المتكلمين من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية على اختلاف بينهم في تأويلها (^٣).\nوما ذكره ابن حجر -غفر الله له- من تأويل صفة الأصابع لله تعالى بإرادة المخلوق للخير والشر أحد هذه الأوجه، وهو باطل من وجوه، منها:\n١ - أن تفسير الأصابع بإرادة المخلوق تأويل، والتأويل بهذا المعنى في نصوص الصفات باطل -كما سبق- (^٤).\n٢ - أن صرف لفظ الأصابع عن ظاهره المتبادر منه الحامل عليه اعتقاد كونه يوجب المماثلة وهو باطل -كما سبق- (^٥).\n٣ - أن الأحاديث الواردة في صفة الأصابع لله تعالى تنافي هذا التأويل من طريقين:\nأ- أن الأحاديث الواردة كلها تؤكد أن المراد بها حقيقتها؛ إذ لم يرد في شيء منها ما يدل على أن المراد بها غير ظاهرها.\nب- أن الأحاديث الواردة في ذلك منها ما لا يمكن حمله على إرادة المخلوق للخير والشر كحديث ابن مسعود -﵁- السابق (^٦).\n_________\n(^١) انظر: شرح السنة (١/ ١٦٨ - ١٧٠).\n(^٢) انظر: رد الدارمي على بشر (١/ ١٦٨ - ١٧٠)، التوحيد لابن خزيمة (١/ ١٨٧)، الشريعة للآجري (٣/ ١١٥٦)، الحجة في بيان المحجة لقوام السنة (٢/ ٢٩٠)، تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص ٢٠٨).\n(^٣) انظر: فتح الباري (٨/ ٥٥١) (١٣/ ٣٩٨) (١٣/ ٤٧٧) فقد استوعب الحافظ ابن حجر أقوالهم فيها.\n(^٤) انظر: (ص ٢٩٧).\n(^٥) انظر: (ص ٢٩٣).\n(^٦) انظر: رد الدارمي على بشر (١/ ٣٧١)، التوحيد لابن خزيمة (١/ ٢٠٠).","vol":"1","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>٤ - صفة النور:</span>\nيرى ابن حجر أن \"النور بكل معانيه مستحيل على الله\" (^١)، وأن قول الله ﷿: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] مؤول بـ\"منوِّرهما أي: خالق نورهما، أو هادي أهلهما، أو مدبر أمرهما، أو منوّرهما بالنجوم كما أنه منوِّر القلوب بالدلائل\" (^٢).\nالتقويم:\nالنور صفة ذاتية لله تعالى ثابتة بالكتاب والسنة.\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥].\nوقوله سبحانه: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥].\nوقوله جل وعلا: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩].\nومن السُّنَّة: قوله -ﷺ-: \"اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن ... \" (^٣).\nوقوله -ﷺ-: \"إن الله خلق خلقه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النور اهتدى، ومن أخطأ ضل ... \" (^٤).\n_________\n(^١) الإيعاب (١/ ٢٤).\n(^٢) المصدر السابق (١/ ٢٤).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب التهجد بالليل (١/ ٣٣٥) برقم (١١٢٠)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه (١/ ٥٣٢) برقم (٧٦٩) من حديث ابن عباس -﵄-.\n(^٤) أخرجه الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة (٥/ ٢٦) برقم (٢٦٤٢)، وأحمد (١١/ ٢٢١٩)، برقم (٦٦٤٤)، وابن أبي عاصم في السنة (ص ١٠٧) برقم (٢٤١)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٢/ ٤٢٤) برقم (٩٣٢)، وابن حبان (١٤/ ٤٣) برقم (٦١٦٩) والآجري في الشريعة (٢/ ٧٥٧) برقم (٣٣٧ - ٣٣٨)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٤/ ٦٠٤) برقم (١٠٧٩)، والحاكم (١/ ٣٠ - ٣١)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٢٠٣)، والسنن الكبرى (٩/ ٤) من طرق عن عبد الله بن الديلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵁- به.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح قد تداوله الأئمة، وقد احتجا بجميع رواته، ثم لم يخرجاه ولا أعلم له علة، وقال الذهبي: على شرطهما، ولا أعلم له علة.\nوأورده الهيثمي في المجمع (٧/ ١٩٣ - ١٩٤) وقال: \"رواه أحمد بإسنادين ... وأحد =","vol":"1","page":318},{"text":"وقوله -ﷺ-: \"حجابه النور ... \" (١).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"النص في كتاب الله وسنة رسوله قد سمى الله نور السماوات والأرض، وقد أخبر النص أن الله نور، وأخبر أيضًا أنه يحتجب بالنور، فهذه ثلاثة أنوار في النص\" (^٢).\nوالنور المضاف إليه سبحانه على وجهين:\nالأول: إضافة الصفة إلى موصوفها.\nوالثاني: إضافة المفعول إلى فاعله.\nوكلاهما ثابت في حقه سبحانه (^٣).\nوبناء على ما سبق فإن النور صفة ثابتة في حق الله تعالى وهي على ما يليق بجلاله سبحانه شأنها شأن بقية صفاته (^٤).\nوأما زعم ابن حجر أن النور بكل معانيه مستحيل على الله، فهو زعم باطل من وجوه، منها:\n١ - أن قوله هذا مبني على ظن فاسد وهو أن النور المراد هو النور الواقع على الجدران المرئي في الشاهد، وليس الأمر كذلك، فإن هذا النور مخلوق منفصل عنه سبحانه وهو مختص بمحل دون آخر بخلاف نوره سبحانه (^٥).\n٢ - أن النور جاء في أسمائه وهذا الاسم مما تلقته الأمة بالقبول وأثبته الأئمة في أسمائه سبحانه، ومحال أن يسمي الله نفسه نورًا وليس له\n_________\n= إسنادي أحمد ثقات\"، والحديث صححه الألباني في تخريجه للسنة لابن أبي عاصم. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب في قوله -ﷺ-: \"إن الله لا ينام\"، وفي قوله: \"حجابه النور\" (١/ ١٦١) برقم (٢٩٣) من حديث أبي موسى الأشعري -﵁-.\n(^٢) الفتاوى (٦/ ٣٨٦)، وانظر: مختصر الصواعق (٢/ ١٩٤).\n(^٣) اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٤٥).\n(^٤) انظر: الفتاوى (٦/ ٣٧٤ - ٤٩٦)، اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٤٤ - ٥٢)، الكافية الشافية مع شرحها لهراس (٢/ ١٠٥)، مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ١٨٨ - ٢٠٥)، مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (٣/ ٩٩ - ١ - ٢، ١١٦ - ١١٧).\n(^٥) انظر: مختصر الصواعق (٢/ ١٩٢).","vol":"1","page":319},{"text":"نور ولا صفة النور ثابتة له (^١).\n٣ - أن النور صفة كمال وضده صفة نقص؛ ولهذا سمى الله نفسه نورًا وسمى كتابه نورًا وجعل لأوليائه النور ولأعدائه الظلمة فقال: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، ولو كان الله غير متصف بالنور الذي هو صفة كمال للزم أن يتصف بالظلمة التي هي صفة نقص فإنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب (^٢).\n٤ - أن إثبات النور لله تعالى هو قول الصفاتية كابن كلاب (^٣) والأشعري وأئمة أصحابهما، والقول بإنكاره إنما هو قول الجهمية والمعتزلة، فقول ابن حجر: إن النور بكل معانيه مستحيل على الله مخالف لقول أئمته الأوائل من الأشاعرة، وإن كان متأخروهم على نفيه! ! (^٤).\nأما ما ذكره ابن حجر في قوله سبحانه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] من تفسير النور فيها بالهادي أو المنوّر أو المدبر فهي أقوال مأثورة عن السلف في تفسير الآية (^٥)، وهي لا تنافي كون الله ﷿ نورًا في نفسه.\nيقول العلامة ابن القيم ﵀: \"القرآن والحديث وأقوال الصحابة صريح بأنه ﷾ نور السماوات والأرض.\nولكن عادة السلف أن يذكر أحدهم في تفسير اللفظة بعض معانيها\n_________\n(^١) انظر: مختصر الصواعق (٢/ ١٨٩).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٢/ ٢٠٢).\n(^٣) هو عبد الله بن سعيد القطان، أبو محمد، المعروف بابن كلاب، رأس الكلابية، وشيخ الأشعري، وافق المعتزلة في بعض أفواله، وأحدث بدعة الكلام النفسي في الإسلام، توفي سنة ٢٤٠ هـ، انظر: سير أعلام النبلاء (١١/ ١٧٤ - ١٧٦)، طبقات الشافعية الكبرى (٢/ ٢٩٩).\n(^٤) انظر: الإبانة للأشعري (ص ١١٧)، الفتاوى (٦/ ٣٧٩)، مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ١٩٦).\n(^٥) انظر: \"تفسير ابن جرير\" (٩/ ٣٢٠ - ٣٢١)، تفسير ابن أبي زمنين (٣/ ٢٣٥)، تفسير السمعاني (٣/ ٥٢٩)، تفسير البغوي (٦/ ٤٥)، تفسير ابن كثير (٣/ ٣١٨ - ٣١٩).","vol":"1","page":320},{"text":"ولازمًا من لوازمها أو الغاية المقصودة منها، أو مثالًا ينبه السامع على نظيره، وهذا كثير في كلامهم لمن تأمله.\nفكونه سبحانه هاديًا لا ينافي كونه نورًا، وما ذكر ... أنه بمعنى منوّر ... لا ينافي كونه في نفسه نورًا، وأن يكون النور من أسمائه وصفاته، بل يؤكد ذلك؛ فإن الموجودات النورانية نوعان: منها ما هو في نفسه مستنير ولا ينير غيره كالجمرة مثلًا فهذا لا يقال له نور، ومنها ما هو مستنير في نفسه وهو منير لغيره كالشمس والنار، وليس في الموجودات ما هو منور لغيره وهو في نفسه ليس بنور بل إنارته لغيره فرع كونه نورًا في نفسه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>٥ - صفة الصورة لله تعالى:</span>\nيرى ابن حجر أن الله ﷿ \"لا صورة له ترى ﷾، وتنزه جل وعلا\" (^٢)، وأن قول النبي -ﷺ-: \"إن الله خلق آدم على صورته\" (^٣) وارد على سبب هو أن النبي -ﷺ- رأى رجلًا يضرب عبده على وجهه فقال له -ﷺ- ذلك، أي لا تضربه على وجهه فإن الله خلق وجه آدم على صورة هذا الوجه وآدم أبوك، فكيف تضرب وجهًا يُشْبِه وجه أبيك؟\nفالضمير لغير مذكور دلَّ عليه قرينة الحال الخارجة وهو جائز، ويصح أن يكون الضمير لله تعالى كما هو ظاهر السياق وحينئذ يتعين أن المراد بالصورة الصفة، أي: أن الله خلق آدم على أوصافه من العلم والقدرة وغيرهما ...\nوالحاصل: أن الحديث إن أُعيد الضمير فيه لله وجب تأويله على ما هو معروف من مذهب الخلف الذي هو أحكم وأعلم، خلافًا لفرقة ضلُّوا عن الحق وارتكبوا عظائم من الجهة والتجسيم اللذين هما كفر عند كثير من\n_________\n(^١) مختصر الصواعق (٢/ ١٩٩)، وانظر: الفتاوى (٦/ ٣٩٠ - ٣٩١)، تفسير سورة النور للشنقيطي (ص ١٢٨).\n(^٢) المنح المكية (٢/ ٦٩٣).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام (٤/ ١٩٥٩) برقم (٦٢٢٧)، ومسلم، كتاب الجنة، باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير (٤/ ٢١٨٣) برقم (٢٨٤١) من حديث أبي هريرة -﵁- به.","vol":"1","page":321},{"text":"العلماء أعاذنا الله من ذلك بمنه وكرمه\" (^١).\nالتقويم:\nصفة الصورة من الصفات الذاتية الثابتة لله تعالى بالأحاديث الصحيحة، منها:\nقوله -ﷺ- في حديث رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة: \"فيأتيهم الجبار في صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا ... \" (^٢).\nوقوله -ﷺ-: \"رأيت ربي في أحسن صورة\" (^٣).\nقال الإمام الآجري ﵀ بعد ذكره لهذه الأحاديث: \"هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها، ولا يقال فيها: كيف؟ ولم؟ بل تستقبل بالتسليم والتصديق وترك النظر كما قال من تقدم من أئمة المسلمين\" (^٤).\nوقال الإمام ابن قتيبة ﵀: \"الذي عندي -والله تعالى أعلم- أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ٣٨٥)، وانظر: (ص ٣٨١).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب الصراط جسر جهنم (٤/ ٢٠٥٥) برقم (٦٥٧٣)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (١/ ١٦٣) برقم (٢٩٩) من حديث أبي هريرة -﵁-.\n(^٣) الحديث روي من حديث اثني عشر صحابيًّا، وأصحها حديث معاذ بن جبل -﵁- فقد نقل ابن عدي في الكامل عن الإمام أحمد أنه قال عنه: \"هذا أصحها\". وحديث معاذ بن جبل -﵁- أخرجه الترمذي في السنن، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة ص (٥/ ٣٤٣) برقم (٣٢٣٥)، وأحمد (٣٦/ ٤٢٢) برقم (٢٢١٠٩)، وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٥٤٢) برقم (٣٢١)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٠٩)، والدارقطني في الرؤية (ص ٣٠٨ - ٣١٥) برقم (٢٢٧، ٢٢٨، ٢٢٩، ٢٣٠، ٢٣١، ٢٣٢)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٣٤٤) من طرق عن معاذ بن جبل -﵁- مطولًا.\nقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح ... \".\n(^٤) الشريعة (٣/ ١١٥٣).","vol":"1","page":322},{"text":"لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد\" (^١).\nوقول ابن حجر -غفر الله له- بأن الله ﷿ لا صورة له تُرى باطل من وجوه:\n١ - أن الأحاديث الصحيحة قد جاءت بإثبات الصورة لله ﷿، ووردت بألفاظ مختلفة كلها تؤكد أن المراد بها حقيقتها.\n٢ - أن القول بنفي الصورة عن الله يستلزم نفي وجوده؛ إذ \"الصورة هي الصورة الموجودة في الخارج ولفظ (ص، و، ر) يدل على ذلك، وما من موجود من الموجودات إلا له صورة في الخارج ... فيمتنع أن يكون قائمًا بنفسه ليس له صورة يكون عليها؛ لأنه لابد لكل موجود من صفات تقوم به\" (^٢).\n٣ - أن القول بنفي الصورة عن الله يستلزم نفي رؤيته في الآخرة؛ إذ لا تُعقل رؤية إلا لما له صورة في الخارج تُرى، وابن حجر يثبت رؤية المؤمنين لله تعالى في الآخرة -وإن كان إثباته لها على وفق معتقد الأشاعرة كما سيأتي- (^٣) فقوله بنفي الصورة عن الله وإثباته لرؤيته سبحانه في الآخرة تناقض منه.\nوأما قول النبي -ﷺ-: \"خلق الله آدم على صورته\" فالذي عليه جمهور السلف -﵏- أن الضمير فيه راجع إلى الله تعالى، وخالف في ذلك بعض العلماء من أهل السنة والجماعة فنفوا رجوعه إلى الله واختلفوا في مرجعه (^٤).\n_________\n(^١) تأويل مختلف الحديث (ص ٢٢١).\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس، تحقيق اليحيى (٢/ ٤٧٥).\n(^٣) انظر: (ص ٥٦٢).\n(^٤) انظر: تأويل مختلف الحديث (ص ٢١٧)، التوحيد لابن خزيمة (١/ ٤٥، ٨٤)، الشريعة (٣/ ١١٤٧)، طبقات الحنابلة لأبي يعلى (١/ ٢٥ - ٢٩)، بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس، تحقيق: اليحيى (٢/ ٣٧٣)، مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (٢/ ٣/ ٢٢١ - ٢٢٣)، عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن للتويجري (ص ١٢)، تعريف=","vol":"1","page":323},{"text":"يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير في هذا الحديث عائد إلى الله تعالى، فإنه مستفيض من طرق متعددة، عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها تدل على ذلك، ولكن لَمّا انتشرت الجهمية في المائة الثالثة، جعل طائفة الضمير فيه عائدًا إلى غير الله تعالى، حتى نقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم والسنة في عامة أمورهم، كأبي ثور (^١)، وابن خزيمة، وأبي الشيخ الأصبهاني (^٢)، وغيرهم ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة\" (^٣).\nومما يؤيد القول بان الضمير عائد إلى الله تعالى ما يلي:\n١ - أن الحديث ورد بعدة ألفاظ تدل على هذا القول وتؤيده، منها:\nأ- رواية: \"خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا ... \" (^٤).\nب- رواية: \"خلق الله آدم على صورة الرحمن\" (^٥).\n_________\n= أهل الإيمان بصحة حديث صورة الرحمن للأنصاري، شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (٢/ ٣٩).\n(^١) هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي، أبو ثور البغدادي، ويكنى أيضًا أبا عبد الله، الإمام الحافظ المجتهد، صاحب الإمام الشافعي، وأحد الفقهاء المشهورين، توفي سنة ٢٤٠ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٧٢).\n(^٢) هو عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيَّان، المعروف بأبي الشيخ، الإمام الحافظ، محدث أصبهان، من مؤلفاته: العظمة، والسنن، والفرائض، وغيرها، توفي سنة ٣٦٩ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٧٦)، شذرات الذهب (٢/ ٩٣).\n(^٣) بيان تلبيس الجهمية، تحقيق اليحيى (٢/ ٣٩٦ - ٣٩٩).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام (٤/ ١٩٥٩) برقم (٦٢٢٧)، ومسلم، كتاب الجنة، باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم من أفئدة الطير (٤/ ٢١٨٣) برقم (٢٨٤١) من حديث أبي هريرة -﵁- به.\n(^٥) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١/ ٢٦٨) برقم (٤٦٨)، وابن أبي عاصم في السنة (ص ٢٢٨) برقم (٥١٧)، وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٨٥) برقم (٤١)، والآجري في الشريعة (٣/ ١١٥٢) برقم (٧٢٥)، والدارقطني في الصفات (ص ٥٦، ٦٤) برقم (٤٥، ٤٨)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣١٩)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٣/ ٤٢٣ - ٤٢٤) برقم ٧١٦)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ١٨) من طرق عن جرير، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن ابن عمر -﵄- به. =","vol":"1","page":324},{"text":"جـ- رواية: \"من قاتل فليجتنب الوجه، فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن\" (^١).\n٢ - أن القول بذلك هو الذي عليه جمهور السلف وأئمتهم -﵏- كأحمد وإسحاق (^٢) وغيرهما، بل ورد عنهم الإنكار على من قال بخلافه وعده من الجهمية (^٣).\n٣ - أن كل التأويلات التي ذكرها النفاة وتأولوا بها هذا الحديث لا تصح؛ فإنها \"تارة يكون المعنى المحمول عليه النص فيها باطلًا، وتارة يكون غير دال عليه، وتارة يكون النص دالًا على نقيض ما يقوله المؤؤل، ومضادًا له، وتارة يجمع من ذلك ما يجمع، وهذا شأن أهل التحريف والإلحاد\" (^٤).\nوما ذكره ابن حجر من رجوع الضمير إلى المضروب أو إلى الصفة من جملة تلك التأويلات الباطلة، وبيان ذلك كما يلي:\nأما تأويل الحديث بان الله خلق آدم على صورة المضروب، وإرجاع الضمير إليه فباطل من وجوه، منها:\n_________\n= والحديث صححه الإمام أحمد، والإمام إسحاق بن راهويه، والإمام الحاكم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ الذهبي، والحافظ ابن حجر العسقلاني.\nانظر: بيان تلبيس الجهمية القسم السادس ت. اليحيى (٢/ ٤٥٨ - ٤٦٣)، ميزان الاعتدال (٤/ ٥٢٦)، فتح الباري (٥/ ١٨٣).\n(^١) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٢/ ٥٣٦) برقم (١٢٤٣)، وابن أبي عاصم في السنة (ص ٢٣٠) برقم (٥٢١)، والدارقطني في الصفات (ص ٦٥) برقم (٤٩)، وأبو يعلى في إبطال التأويلات (١/ ٩٦) برقم (٨٢) من طرق عن ابن لهيعة، عن أبي يونس سليم بن جبير، عن أبي هريرة -﵁- به.\nقال الشيخ الألباني: \"إسناده ضعيف، ورجاله ثقات غير ابن لهيعة، فإنه سيئ الحفظ، وإنما يصح الحديث بلفظ: \"على صورته دون ذكر الرحمن\"، لكن يشهد لها الرواية السابقة.\n(^٢) هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن عبد الله بن مطر، التميمي، ثم الحنظلي، المروزي، أبو يعقوب المشهور بإسحاق بن راهويه، من أئمة السلف وعلمائهم، من مؤلفاته: المسند والتفسير والسنن في الفقه، توفي سنة ٢٣٨ هـ انظر: سير أعلام النبلاء (١١/ ٣٥٨)، شذرات الذهب (٢/ ٨٩).\n(^٣) انظر: إبطال التأويلات (١/ ٨٨).\n(^٤) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس، تحقيق: عبد الرحمن اليحيى (٢/ ٤٨١).","vol":"1","page":325},{"text":"١ - أن روايات الحديث الأخرى تنافي ذلك كرواية: \"إن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعًا ... \"، ورواية: \"إن الله خلق آدم على صورة الرحمن\"، ورواية: \"إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه؛ فإن الله خلق آدم على صورته\"؛ فإن هذه الروايات لم يسبق فيها شيء يصلح لعود الضمير على المضروب.\n٢ - أن ما ذكر في سبب ورود الحديث من كون النبي -ﷺ- مر برجل يضرب وجه رجل آخر فقال: \"لا تضربه فإن الله خلق آدم على صورته\" زيادة لا أصل لها، ولا تعرف في شيء من كتب الحديث.\nأن الله خلق آدم على صورة بنيه كلهم، فإفراد الضمير وتخصيصه بواحد منهم لم يتقدم له ذكر بأن الله خلق آدم على صورته في غاية البعد.\n٤ - أن ذرية آدم ﵇ خلقوا على صورة آدم، ولم يخلق آدم على صورهم، ومثل هذا يقال فيه: خلق الثاني المتأخر في الوجود والخلق على صورة الأول المتقدم في الوجود والخلق، ولا يقال: إنه خلق الأول على صورة الثاني المتأخر في الوجود، وعليه فلا يصح أن يقال: خلق الوالد على صورة ابنه أو على خلق ابنه، بل يكون هذا فاسدًا في الكلام (^١).\nوأما تأويل الحديث بأن الله خلق آدم على أوصافه التي يتصف بها من العلم والقدرة وغيرهما، وإرجاع الضمير إلى الله بهذا الاعتبار فهو باطل أيضًا من وجوه، منها:\n١ - أن الصورة: هي الصورة الموجودة في الخارج، ولفظ (صَوَرَ) يدلّ على ذلك، وما من موجود من الموجودات إلا له صورة في الخارج.\nأما الصفة: فهي -في الأصل- مصدر وصفت الشيء، أصفه، وصفًا، ثم يسمون المفعول باسم المصدر صفة.\n_________\n(^١) انطر: بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس، تحقيق: عبد الرحمن اليحيى (٢/ ٤٤٢ - ٤٤٩).","vol":"1","page":326},{"text":"وعليه فتفسير الصورة بمجرد الصفة التي تقوم بالأعيان، كالعلم، والقدرة، فاسد؛ لأنه لا يوجد في الكلام أن قول القائل مثلًا: صورة فلان يراد بها مجرد الصفات القائمة به من العلم، والقدرة، ونحو ذلك، بل هذا من البهتان على اللغة وأهلها.\n٢ - أن لفظ الصورة إن دلّ على صفة قائمة بالموصوف، أو على صفة قائمة بالذهن واللسان، فلا بد مع ذلك أن يدل على الصورة الخارجية.\n٣ - أن لفظ الحديث نهى عن ضرب الوجه وعلل ذلك بأن الله خلق آدم على صورته، فلو كان المراد من الحديث مجرد خلق آدم على الصفات لم يكن للوجه بذلك اختصاص (^١).\nوقول ابن حجر إن الحديث إن أُعيد الضمير فيه لله وجب تأويله على ما هو معروف من مذهب الخلف الذي هو أعلم وأحكم، وإطلاقه القول بالضلال على من أثبت الصورة حقيقة ولمزه بالتجسيم وإلزامه القول بالجهة، سبق الجواب عنه بما يغني عن إعادته (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-113> آراؤه في الصفات الفعلية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>١ - صفة الكلام:</span>\nيرى ابن حجر -عفا الله عنه- أن \"كلام الله اسم مشترك:\nبين الكلام النفسي القديم: ومعنى إضافة الكلام له تعالى على هذا كونه صفة له.\nوبين اللفظ المؤلف الحادث من السور والآيات -أي سواء قلنا إن ذلك اللفظ المؤلف هو لفظ جبريل أو لفظ النبي -ﷺ-: ومعنى إضافة الكلام إلى الله على هذا أنه مخلوق، ليس من تأليف المخلوقين.\nوقد أجمع أهل السنة وغيرهم أنه لا يصح نفي كلام الله عن ذلك اللفظ المؤلف ... \" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس، تحقيق: عبد الرحمن اليحيى (٢/ ٤٨٥ - ٥٣٧).\n(^٢) انظر: (ص ٣٠٢)، (ص ٢٩٣)، (ص ٣٠٨).\n(^٣) الفتاوى الحديثية (ص ٢٧٨)، وانظر: التعرف (ص ٦٦)، فتح الإله (ص ٣، ١٠٤، ١٠٥، ١٤٢، ١٤٥).","vol":"1","page":327},{"text":"ويعتقد ابن حجر -غفر الله له- أن \"كلامه سبحانه ... لا يحد بزمن، ولا يشتمل على حرف ولا صوت\" (^١).\nومع كون ابن حجر يقول بأن كلام الله نفسيٌّ، وأنه بغير حرف ولا صوت؛ جوّز سماع كلامه سبحانه، فقال في سياقه لمذاهب الناس في سماع موسى لكلام الله: \"ومذهب أهل السنة أن الله خلق له فهمًا في قلبه، وسمعًا في أذنيه وسائر بدنه، سمع به كلام الله من غير صوت ولا حرف ولا واسطة\" (^٢)! .\nالتقويم:\nالكلام صفة ذاتية لله تعالى باعتبار أصلها، فعلية باعتبار أفرادها (^٣)، وهي ثابتة لله تعالى بدلالة الكتاب والسنة، والإجماع، والعقل.\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤].\nوقوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾ [القصص: ٣٠].\nوقوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦].\nومن السُّنَّة: قوله -ﷺ-: \"ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ... \" (^٤).\nوقوله -ﷺ-: \"يقول الله: يا آدم! فيقول: لببك وسعديك، فيفادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار\" (^٥).\n_________\n(^١) تنبيه الأخيار (ل ١٨).\n(^٢) الفتاوى الحديثية (ص ٢٧٧).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٢٩١ - ٢٩٢)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (١/ ١٧٤، ١٨٦).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة (٤/ ٢٣٤٣) برقم (٧٥١٢)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة (٢/ ٧٠٣) برقم (١٠١٦) من حديث عدي بن حاتم -﵁- عنه.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] (٤/ ٢٣٣٦) برقم (٧٤٨٣) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁- به.","vol":"1","page":328},{"text":"وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة وأئمتها على إثبات صفة الكلام لله تعالى، ونقل إجماعهم غير واحد من أهل العلم (^١).\nيقول ابن حزم ﵀: \"أجمع أهل الإسلام على أن الله تعالى كلم موسى، وعلى أن القرآن كلام الله، وكذا غيره من الكتب المنزلة والصحف\" (^٢).\nوأما العقل: فإن الكلام صفة كمال، وضدها البكم والخرس صفة نقص، والبكم والخرس إن وجدت في المخلوق العاجز الضعيف كانت نقصًا بينًا، فكيف يصح إثباتها لمن له الكمال المطلق سبحانه؟ وكيف يهب عبده الكمال ويتصف بالنقص؟ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\nولقد جاء القرآن الكريم بتقرير هذا المعقول أحسن تقرير، فقال تعالى في العجل الذي اتخذه قوم موسى إلهًا يعبدونه من دون الله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٨]، وقال: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [طه: ٨٩] فعاب العجل بكونه قد سُلب صفة الكلام، فدل على أن سلبها صفة نقص لا تليق بالإله المعبود، وما كان ليعيب إلههم الباطل، بما هو عيب فيه، تعالى وتقدس (^٣).\nوأهل السنة والجماعة يثبتون الكلام صفة قائمة بذات الله، ويقولون إنه لم يزل متكلمًا ولا يزال، وأن كلامه تعالى متعلق بمشيئته واختياره، وأنه مسموع بالآذان حقيقة من غير توهم، وأنه بحرف وصوت، وأن القرآن الكريم من كلامه سبحانه بحروفه ومعانيه، تكلم الله به على الحقيقة (^٤).\n_________\n(^١) ممن حكى الإجماع على ذلك الأشعري في رسالته لأهل الثغر (ص ٢١٤)، وقوام السنة في الحجة (١/ ٣٣١، ٣٣٢)، وشيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٠٤).\n(^٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ١١).\n(^٣) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (١/ ١٧٥).\n(^٤) انظر: خلق أفعال العباد (ص ١٣ - ٢٨)، الرد على الجهمية للدارمي (ص ١٧١ - ١٨٦)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢/ ٢٢٧ - ٣١٢)، عقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني (ص ١٦٥)، الحجة في بيان المحجة (١/ ٢٢٧ - ٢٣٠، ٢٥٣ - ٢٨٠) =","vol":"1","page":329},{"text":"ومما سبق بيانه من دلالة الكتاب والسنة والإجماع والعقل على إثبات صفة الكلام لله تعالى، وسياق قول أهل السنة والجماعة فيها، يتبين مخالفة ابن حجر -غفر الله له- لهم فيما قرروه، وموافقته للأشاعرة في قولهم (^١).\nوفيما يلي مناقشة كلامه، والرد عليه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>أولًا: الرد على قوله: إن كلام الله اسم مشترك بين الكلام النفسي القديم واللفظ الحادث:</span>\nيقرر ابن حجر أن كلام الله لفظ مشترك بين الكلام النفسي، واللفظ الحادث، ويريد بذلك أن كلام الله المضاف إليه نوعان:\nالأول: كلام مضاف إليه إضافة صفة إلى موصوفها، وهو الكلام النفسي القديم.\nوالثاني: كلام مضاف إليه إضافة مخلوق إلى خالقه، وهو اللفظ المؤلف الحادث -سواء قيل إن مؤلف اللفظ جبريل أو محمد ﵇-.\nويرى أن كلا النوعين يطلق عليهما كلام الله حقيقة لا مجازًا، وهو بهذا يوافق جمهور الأشاعرة المتأخرين (^٢).\nوالجواب عن قوله من وجوه:\n_________\n= (٢/ ١٨٧ - ٢١٣)، مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢٧ - ٥٢٨) (١٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤، ٥٨٤ - ٥٨٦)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ١٢٥ - ١٢٧)، مختصر الصواعق (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤)، شرح الطحاوية لابن أبي العز (١/ ١٧٢ - ٢٠٦)، لوامع الأنوار البهية (١/ ١٣٣ - ١٤٣)، معارج الفبول (١/ ٢٤٧ - ٢٨٠).\n(^١) انظر: الإنصاف للباقلاني (ص ٢٧، ٣٧)، الإرشاد للجويني (ص ١٠٥ - ١٣١)، الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص ٨٣)، المحصل للرازي (ص ١٧١، ١٨٤ - ١٨٦)، الأربعين له (١/ ٢٤٤ - ٢٥٨)، أصول الدين للبغدادي (ص ١٠٦ - ١٠٧)، المواقف للإيجي (ص ٢٩٣)، وشرحها للجرجاني (٨/ ٩١ - ١٠٤)، غاية المرام للآمدي (ص ٨٨ - ١٢٠)، تحفة المريد للباجوري (ص ٧٢).\n(^٢) انظر المصادر السابقة.","vol":"1","page":330},{"text":"١ - أن حقيقة الكلام تتضمن اللفظ والمعنى، فالكلام \"اسم عام لهما جميعًا يتناولهما عند الإطلاق؛ وإن كان مع التقييد يراد به هذا تارة، وهذا تارة\" (^١).\nيقول شيخ الإسلام ﵀: \"عامة ما يوجد في الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة، بل وسائر الأمم عربهم وعجمهم من لفظ الكلام ... فإنه عند إطلاقه يتناول اللفظ والمعنى جميعًا، لشموله لهما، ليس حقيقة في اللفظ فقط -كما يقوله قوم- ولا في المعنى فقط -كما يقوله قوم- ولا مشتركًا بينهما -كما يقوله قوم- ولا مشتركًا في كلام الآدميين وحقيقة في المعنى في كلام الله -كما يقوله قوم-\" (^٢).\n٢ - أن ما اصطلح الأشاعرة على تسميته كلامًا نفسيًا ليس كلامًا في اللغة ولا في الشرع، ويؤيد ذلك ما يلي:\nأ- انعقاد الإجماع على عدم كونه كلامًا؛ فإن \"الكلام ... إنما يعرف في القرآن والسنة وسائر كلام العرب إذا كان لفظًا ومعنى، ولم يكن في مسمى الكلام نزاع بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما حصل النزاع بين المتأخرين من علماء أهل البدع، ثم انتشر\" (^٣).\nيقول العلامة السجزي (^٤) ﵀: \"اعلموا -أرشدنا الله وإياكم- أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نحلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب ... والأشعري ... في أن الكلام لا يكون إلا حرفًا وصوتًا ذا تأليف واتساق وإن اختلفت به اللغات ...\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٦٧)، وانظر: الرد على من أنكر الحرف والصوت للسجزي (ص ٨٠ - ٨٢)، مسألة القرآن لابن عقيل (ص ٧٠)، البرهان في بيان القرآن لابن فدامة (ص ٧٧)، التسعينية (٢/ ٤٣٥)، مجموع الفتاوى (٦/ ٥٣٣) (٧/ ١٣٢ - ١٣٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٥٦ - ٤٥٧).\n(^٣) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٢٠٢).\n(^٤) هو عبيد الله بن سعيد بن حاتم بن أحمد بن محمد بن حاتم الوايلي البكري، السجزي، أبو نصر، إمام سلفي، من مؤلفاته: الإبانة في الرد على الزائغين في مسألة القرآن، الرد على من أنكر الحرف والصوت، توفي سنة ٤٤٤ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٥٤)، شذرات الذهب (٣/ ٢٧١).","vol":"1","page":331},{"text":"فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفًا وصوتًا، فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل، وهم لا يخبرون أصول السنة، ولا ما كان السلف عليه ... خرقوا الإجماع المنعقد بين الكافة المسلم والكافر\" (^١).\nب- أن هذا القول بدعة حادثة بعد انقضاء القرون المفضلة؛ \"فيمتنع أن يكون الكلام الذي هو أظهر صفات بني آدم ... لم يعرفه أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم، حتى جاء من قال فيه قولًا لم يسبقه أحد من المسلمين، ولا غيرهم\" (^٢).\nوقد اعترف الشهرستاني -وهو من أئمة الأشاعرة- بأن الأشعري ابتدع قولًا ثالثًا بعد قول أهل السنة وقول المعتزلة فقال: \"أبدع الأشعري قولًا ثالثًا وقضى بحدوث الحروف، وهو خرق الإجماع، وحكم بأن ما نقرأه كلام الله مجازًا لا حقيقة وهو عين الابتداع، فهلا قال ورد السمع بأن ما نقرأه ونكتبه كلام الله تعالى دون أن يتعرض لكيفيته وحقيقته\" (^٣).\nونحوه ما قاله الرازي: \" ... وذلك كلام النفس الذي لم يقل به أحد إلا أصحابنا\" (^٤).\nجـ- أن الأشاعرة القائلين بالكلام النفسي لم يتصوروا ماهيته وعجزوا عن بيانه بتعريف منضبط.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"الكلام القديم النفساني الذي أثبتموه، لم تثبتوا ما هو بل ولا تصورتموه، وإثبات الشيء فرع عن تصوره، فمن لم يتصور ما يثبته كيف يجوز أن يثبته؟\n_________\n(^١) الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص ٨٠ - ٨٢)، وانظر: مسألة في القرآن لابن عقيل (ص ٦٦، ٧٠)، حكاية المناظرة في القرآن لابن قدامة (ص ٢٢)، الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم له أيضًا (ص ٤٠)، التسعينية (٢/ ٦٨٥ - ٦٩٠)، درء التعارض (٢/ ٨٣ - ٨٦)، الاستقامة (١/ ٢١٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٧/ ١٣٣)، وانظر: الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص ٨٠ - ٨٢)، الصراط المستقيم (ص ٣٦ - ٣٧)، التسعينية (٢/ ٦٢٥، ٦٨٣) (٣/ ٨٧٥).\n(^٣) نهاية الإقدام (ص ٣١٣).\n(^٤) المحصول (٤/ ٢٢٤).","vol":"1","page":332},{"text":"ولهذا كان أبو سعيد بن كلاب -رأس هذه الطائفة وإمامها في هذه المسألة- لا يذكر في بيانها شيئًا يعقل، بل يقول: هو معنى يناقض السكوت والخرس، والسكوت والخرس إنما يتصوران إذا تصور الكلام\" (^١).\nومما يؤكد ذلك اعتراف كثير من الأشاعرة بعجزهم عن تصور الكلام النفسي، والإجابة عما يرد عليه (^٢).\nد- أن الأدلة التي ساقها الأشاعرة على قولهم بأن حقيقة الكلام معنى قائم بالنفس لا يصح الاستدلال بها؛ لكونها إما مطعونًا في ثبوتها، أو غير مُسَلَّم بدلالتها (^٣).\n٣ - أن النصوص الشرعية من الكتاب والسنة قد تواترت بإثبات الكلام، والقول، وإسناداة، والمناجاة، والصوت، والحرف لله تعالى، وتنوع ذلك بتنوع الزمان بين الماضي والحاضر والمستقبل، وهذا كله يدل دلالة ظاهرة على أن كلام الله كلام حقيقي، وأن القول بأن كلامه كلام نفسي باطل (^٤).\n٤ - أن القرآن الكريم مُعجِز ومُتحدىً به، ومعلوم أن الكلام النفسي لا يتصور معارضته ولا يتحدى به، فليس هذا الإعجاز والتحدي إلا بالقرآن العربي الذي هو كلام الله لفظًا ومعنى (^٥).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٦/ ٢٩٦).\n(^٢) انظر: ما ذكره الآمدي في أبكار الأفكار (١/ ٤٠٠)، والإيجي فيما نقله عنه الجرجاني ووافقه عليه في شرح المواقف (٨/ ١٠٣ - ١٠٤).\n(^٣) انظر: الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص ٨١). وما بعدها، مسألة القرآن لابن عقيل (ص ١١٢) وما بعدها، البرهان في بيان القرآن (ص ٧٨ - ٨١)، الصراط المستقيم (ص ٤١)، مجموع الفتاوى (٦/ ٢٩٦ - ٢٩٧)، الصواعق المرسلة (١/ ٣٤٤ - ٣٤٥)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (١/ ١٩٩ - ٢٠٤)، بدعة الكلام النفسي للخميس (ص ٣١) وما بعدها، العقيدة السلفية في كلام رب البرية للجديع (ص ٣٢٥ - ٤١٠).\n(^٤) نظر: مسألة القرآن لابن عقيل (ص ٥٩ - ٦٤)، درء التعارض (٢/ ٩٣)، مجموع الفتاوى (٦/ ٥٣٠ - ٥٣١)، مختصر الصواعق (٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨).\n(^٥) انظر: مسألة القرآن لابن عقيل (ص ٥١، ٥٢)، الصراط المستقيم (ص ٢٢)، البرهان في بيان القرآن (ص ٣٠ - ٣١، ٧٠)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٢٠٣).","vol":"1","page":333},{"text":"وكون القرآن الكريم بألفاظه ومعانيه معجزًا ومتحدًا به دون الكلام النفسي قد اعترف به غير واحد من الأشاعرة والماتريدية، وعده بعضهم مشكلًا على قول الأشعري وأصحابه (^١).\n٥ - أن الكلام النفسي شيء معدوم محض لا وجود له ولا عبرة به، فلا تتعلق به الأحكام لا نفيًا ولا إثباتًا، ولا إيجابًا ولا سلبًا؛ لأنه إن قُدر تصوره فهو من قبيل حديث النفس وخواطرها ووساوس القلب وهواجس الصدور، فلا يحل به حرام ولا يحرم به حلال، ولا يدخل به المرء في الإسلام ولا يخرج به عن الإسلام إلى الكفر ولا يقع به الطلاق ولا العتاق، ولا تفسد به الصلاة بالاتفاق (^٢).\nولهذا يقول الزركشي (^٣) مقرًا بذلك: \"واعلم أنه لم يفرع أئمتنا على الكلام النفسي، ولا اعتبروه بمجرده في إثبات العقود، ولا في فسخها، ولم يوقعوا العتاق، والطلاق بالنية؛ وإن صمم بقلبه؛ لأن النية غير المنوي، فلا يستلزم أحدهما الآخر ... \" (^٤).\n٦ - أن القول بذلك يلزم منه لوازم باطلة، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، ومن تلك اللوازم: تشبيه الله بالأخرس، والقول بنفي الحرف والصوت وأنه سبحانه يتكلم بمشيئته واختياره، وجعل القرآن العربي ليس من كلام الله الذي تكلم به، وأن يكون القرآن والتوراة والإنجيل كلها بمعنى واحد والاختلاف بينها بحسب التعبير عنها باللغات (^٥).\n_________\n(^١) كالإيجي فيما نقله عنه الجرجاني في شرح المواقف (٨/ ١٠٣ - ١٠٤)، عن مقالة له مفردة في تحقيق كلام الله، والجرجاني في شرح المواقف (٨/ ١٠٣ - ١٠٤)، والعصام في حاشيته على شرح العقائد النسفية (ص ١٨٨ - ١٨٩).\n(^٢) انظر: البرهان في بيان القرآن (ص ٧٧)، الإيمان لابن تيمية (ص ١٣١ - ١٣٢)، مجموع الفتاوى (٧/ ١٣٧ - ١٣٨)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أي العز (١/ ٢٠١).\n(^٣) هو محمد بن بهادر بن عبد الله، بدر الدين، المشهور بالزركشي، أشعري شافعي، من مؤلفاته: البحر المحيط في أصول الفقه، والبرهان في علوم القرآن وغيرها، توفي سنة (٧٩٤ هـ). انظر: الدرر الكامنة (٤/ ١٧)، وشذرات الذهب (٦/ ٣٣٥).\n(^٤) البحر المحيط (٢/ ٦٥).\n(^٥) انظر: درء التعارض (٢/ ١١٤ - ١١٥) (٦/ ٢٨٨)، مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥).","vol":"1","page":334},{"text":"وقد اعترف بلزوم هذه اللوازم الباطلة لمن قال بالكلام النفسي بعض أئمة الأشاعرة (^١)، والتزمها قوم منهم، ونفاها آخرون بما لا يدفع لزومها.\n٧ - أن القول بذلك قد أفضى إلى القول بخلق القرآن العربي -أي ألفاظ القرآن- وأنه لفظ جبريل ﵇ أو محمد -ﷺ- (^٢)، وهو ما صرح به ابن حجر في كلامه السابق.\nوالقول بخلق القرآن -أي ألفاظه- هو ما استقر عليه مذهب الأشاعرة، وقال به جمهورهم، وينقضه ما أورده الأشاعرة أنفسهم على المعتزلة في قولهم بخلق القرآن؛ إذ ما أوردوه وارد عليهم، وما استشهدوا به على بطلان قولهم شاهد ببطلان قولهم أيضًا؛ فإن المعتزلة قالوا بخلق القرآن كله لفظًا ومعنى، والأشاعرة قالوا بخلق اللفظ دون المعنى، فهم متفقون على القول بخلق ألفاظ القرآن (^٣)، ولهذا صرح بعضهم بكون الخلاف بينهم وبين المعتزلة خلافًا لفظيًا (^٤).\nوأما القول بأن ألفاظ القرآن إنما هي ألفاظ جبريل ﵇ أو محمد -ﷺ- فهو قول لمتأخري الأشاعرة دون أبي الحسن الأشعري، وقولهم بذلك من أظهر الأدلة على بطلان القول بالكلام النفسي؛ لما فيه من مشابهة الكفار ومضاهاة المشركين الذين كانوا يقولون: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥] (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>ثانيًا: الرد على قوله: إن كلام الله بغير حرف ولا صوت:</span>\nقول ابن حجر -عفا الله عنه- بأن كلام الله بغير حرف ولا صوت\n_________\n(^١) انظر: ما ذكره الإيجي فيما نقله عنه الجرجاني في شرح المواقف ووافقه عليه (٨/ ١٠٣ - ١٠٤).\n(^٢) انظر: الإنصاف للباقلاني (ص ٢٧، ٣٧)، الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص ٧٣)، أصول الدين للبغدادي (ص ١٠٦ - ١٠٧)، المواقف للإيجي (ص ٢٩٣)، تحفة المريد للباجوري (ص ٩٤).\n(^٣) انظر: مسألة القرآن لابن عقيل (ص ٥١)، المناظرة في القرآن (ص ٣٤)، الصراط المستقيم (ص ٣٨)، البرهان في بيان القرآن (ص ٥٥، ٩٦)، التسعينية (٢/ ٦١٨).\n(^٤) انظر: شرح المواقف للجرجاني (٨/ ٩٣)، شرح العقائد العضدية للدواني (ص ٥٨٨).\n(^٥) انظر: البرهان في بيان القرآن (ص ٨١ - ٨٧)، مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧، ٣٠٧، ٥٥٧) (١٥/ ٢٢٢) (١٧/ ٦٩ - ٧٠).","vol":"1","page":335},{"text":"مبني على قوله بأن كلام الله الذي هو صفته هو المعنى النفسي القديم القائم بذاته دون اللفظ المؤلف الحادث، وقد سبق أن قوله هذا باطل؛ ولا ريب أن ما بني على باطل فلا بد أن يكون باطلًا.\nوابن حجر حينما قرر ذلك قرره تبعًا للأشاعرة الذين قالوا بقولهم هذا ليسلم لهم القول بأن كلام الله هو المعنى النفسي القديم القائم بذاته، وأنى لهم ذلك، وقد استدلوا على قولهم بشبه عقلية باطلة ظنوها أدلة عارضوا بها دلالة النقل الصحيح، وناقضوا بها دلالة العقل الصريح (^١).\nولن أورد هنا ما استدلوا به، أو أناقشهم فيه؛ إذ المقام ليس مقامًا للرد على أدلتهم من جهة، ولكون أهل السنة والجماعة قد أشبعوا الكلام في هذه المسألة وردوا على المخالفين فيها بما يغني عن الإطالة من جهة أخرى (^٢).\nوإنما المقصود هنا مناقشة ابن حجر في قوله هذا مناقشة مجملة وفق ما ذكره هو لا ما ذكره غيره.\nوعليه فيجاب عن قول ابن حجر بنفي الحرف والصوت عن كلام الله تعالى بما يلي:\n١ - أن القول بأن كلام الله بصوت وحرف هو مقتضى الأدلة من الكتاب والسنة، ودلالتهما على ذلك من وجوه:\nأ- أن النصوص قد أثبتت المناجاة والمناداة لله تعالى، كقوله سبحانه: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ [مريم: ٥٢]، ومعلوم أن المناداة والمناجاة لا يكونان إلا بصوت، والصوت لا يكون إلا بحرف (^٣).\n_________\n(^١) انظر: الإرشاد للجويني (ص ١٢١)، الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص ٧٤ - ٧٥)، المواقف للإيجي (ص ٢٩٣ - ٢٩٤)، وشرحها للجرجاني (٨/ ٩٢ - ٩٣).\n(^٢) انظر: الرد على من أنكر الحرف والصوت للسجزي (ص ٨٠) وما بعدها، الرد على من يقول (ألم) حرف لينفي الألف واللام والميم عن كلام الله ﷿ لابن مندة (ص ٣١) وما بعدها، الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم لابن قدامة، مسألة الحرف والصوت في كلام الله د. الخميس.\n(^٣) انظر: الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص ١٦٦)، مسألة القرآن لابن عقيل =","vol":"1","page":336},{"text":"ب- أن النصوص قد دلت على أن الله متكلم، وأن كلامه مسموع كقوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، والمسموع لا يكون إلا صوتًا (^١).\nجـ- أن النصوص قد دلت على أن آيات القرآن حروف، والقرآن كلام الله بالإجماع، فدل ذلك على أن كلام الله بحرف، قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ١، ٢]، وقال سبحانه: ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١، ٢]، وقال جلَّ وعلا: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [يونس: ١]، ونحوها (^٢).\nد- أن النصوص جاءت بإطلاق الحرف على كلام الله (^٣) كقوله -ﷺ-: \"أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته\" (^٤)، وقوله -ﷺ-: \"من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (ألم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف\" (^٥).\n٢ - أن الناس قد أجمعوا قبل ظهور البدع على أن كلام الله تعالى\n_________\n= (ص ١٠٨)، الصراط المستقيم لابن قدامة (ص ٤٧)، مجموع الفتاوى (٦/ ٥٣٠ - ٥٣١).\n(^١) انظر: الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص ١٦١، ١٦٥)، الصراط المستقيم (ص ٤٦، ٤٧)، حكاية المناظرة في القرآن (ص ٤٠ - ٤١).\n(^٢) انظر: الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص ١٥٤)، الصراط المستقيم (ص ٢٥).\n(^٣) انظر: الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص ٨١، ٨٢)، الصراط المستقيم (ص ٣٨).\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل الفاتحة (١/ ٥٥٤) برقم (٨٠٦)، من حديث ابن عباس -﵄- به.\n(^٥) أخرجه الترمذي، كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء فيمن قرأ حرفًا من القرآن ماله من الأجر (٥/ ١٦١) برقم (٢٩١٠)، والبخاري في التاريخ (١/ ١/ ٢١٦)، وابن مندة في الرد على من يقول (ألم) حرف (ص ٥٤)، رقم: (١٤) من طريق محمد بن كعب القرظي عن ابن مسعود -﵁- به.\nقال الترمذى: \"حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه\".\nوقد أخرجه ابن المبارك في الزهد (ص ٢٧٩) برقم (٨٠٨)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٦٢)، والطبراني (٩/ ١٤٠) موقوفًا من كلام ابن مسعود -﵁-.\nانظر: كتاب الرد على من يقول (ألم) حرف وذيله للجديع ففيه جمع لطرقه وبيان لمخارجه.","vol":"1","page":337},{"text":"بحرف وصوت، حتى نبغ ابن كلاب فأحدث القول بأن كلام الله تعالى معنى نفسي ليس بحرف ولا صوت -وقد سبق نقل كلام أهل العلم في ذلك واعتراف بعض أئمة الأشاعرة به بما يغني عن إعادته-.\n٣ - أن الكلام الحقيقي هو المنتظم من الحروف المسموعة الدال على المعاني المقصودة، وأما الكلام الذي يدعي الأشاعرة -ومنهم ابن حجر- ثبوته، ويزعمون أنه معنى نفسي قائم بالذات ليس بحرف ولا صوت فإنه غير معقول، وليس له حقيقة في الشرع ولا في اللغة (^١).\n٤ - تناقض الأشاعرة -ومنهم ابن حجر- وخرقهم لإجماع الأمة الذي وافقوها عليه، ووقوعهم فيما أقروا إجماع الأمة على تحريمه، وبيان ذلك:\nأ- أن الأمة مجمعة -ومنهم الأشاعرة- على أن ما بين دفتي المصحف كلام الله، وقد اتفق أهل العلم وجمهور الأمة على أن القرآن سور وآيات وحروف، واتفقوا على عد سوره وآياته وحروفه (^٢).\nب- أن الأمة مجمعة -ومنهم الأشاعرة- على أن من أنكر حرفًا من كتاب الله فهو كافر، ولا شك أن كتاب الله متضمن لكلامه، فدل ذلك على إجماعهم على أن كلام الله حروف، وعلى تحريم إنكار حرف منه وكفر من قال بذلك (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>ثالثًا: الرد على قوله: إن المراد بسماع كلام الله خلق فهمه في القلب وسمعه في الآذان، لا سماعه حقيقة:</span>\nلما كانت الأدلة من الكتاب والسنة تدل على أن كلام الله مسموع، والمسموع لا يكون إلا صوتًا، والصوت لا يكون إلا حرفًا، لزم الأشاعرة -ومنهم ابن حجر- القول بأن كلام الله بصوت وحرف، وحينئذ اختلفوا في\n_________\n(^١) انظر: الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص ٨١ - ٨٢)، الصراط المستقيم (ص ٣٨).\n(^٢) انظر: الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص ١٦٧)، الصراط المستقيم (ص ٣٦)، البرهان في بيان القرآن (ص ٥٦)، رسالة في القرآن وكلام الله لابن قدامة أيضًا (ص ١٦٥).\n(^٣) انظر: الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص ١١٠)، الصراط المستقيم (ص ٣٦)، البرهان في بيان القرآن (ص ٥٣)، رسالة في القرآن وكلام الله (ص ١٦٥).","vol":"1","page":338},{"text":"الجواب عن ذلك (^١)، فكان منهم من تأول سماع كلام الله بخلق فهمه في القلب وسمعه في الآذان لا سماعه حقيقة، وهو القول الذي ارتضاه ابن حجر وعزاه إلى أهل السنة يريد بهم من قال به من الأشاعرة.\nوالحق أن كلام الله بصوت وحرف، وأنه مسموع على الحقيقة تارة بلا واسطة، وتارة من المبلغ عنه.\nيقول العلامة ابن القيم ﵀: \"قال أهل السنة والحديث: يسمع كلامه سبحانه منه تارة بلا واسطة كما سمعه موسى وجبرائيل وغيره، وكما يكلم عباده يوم القيامة، ويكلم أهل الجنة، ويكلم الأنبياء في الموقف، ويسمع من المبلغ عنه كما سمع الأنبياء الوحي من جبرائيل تبليغًا عنه، وكما سمع الصحابة القرآن من الرسول -ﷺ- عن الله، فسمعوا كلام الله بواسطة المبلغ، وكذلك نسمع نحن بواسطة التالي ... \" (^٢).\nوأما ما ذكره ابن حجر من كون معنى سماع كلامه سبحانه خلق فهمه في القلب وسمعه في الآذان لا سماعه حقيقة، وعزوه ذلك إلى أهل السنة فهو باطل من وجوه:\n١ - أن تأويل سماع كلام الله بخلق فهمه في القلب مُعَارض بما ورد في النصوص من التفريق بين الإيحاء إلى سائر النبيين وبين تكليم الله لموسى كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًاإِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٤].\n\"ففرق بين إيحائه إلى سائر النبيين، وبين تكليمه لموسى ... فلو كان تكليمه لموسى إلهامًا، ألهمه موسى من غير أن يسمع صوتًا، لم يكن فرق بين الإيحاء إلى غيره والتكليم له؛ فلما فرق القرآن بين هذا وهذا، وعُلم بإجماع الأمة ما استفاضت به السنن عن النبي -ﷺ- من تخصيص موسى\n_________\n(^١) انظر: أبكار الأفكار (١/ ٣٦٧).\n(^٢) مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٣٣٠ - ٣٣١).","vol":"1","page":339},{"text":"بتكليم الله إياه، دل ذلك على أن الذي حصل له ليس من جنس الإلهامات وما يدرك بالقلوب، إنما هو كلام مسموع بالآذان، ولا يسمع بها إلا ما هو صوت\" (^١).\n٢ - أن هذا التأويل مُعَارَض بأقوال السلف -﵏- \"فإن مفسري القرآن، وأهل السنة والآثار، وأتباعهم من السلف كلهم متفقون على أن الله كلم موسى بصوت، كما في الآثار المعروفة عنهم في الكتب المأثورة عن السلف ... \" (^٢).\n٣ - أن هذا التأويل \"معلوم الفساد بالضرورة، وإنما ألجأ إليه القائلون به ما تقدم من الأصول التي استلزمت هذه المحاذير، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم\" (^٣).\nوأما عزو ابن حجر هذا القول إلى أهل السنة فهو متعقب بكونه ليس قولًا لهم هانما هو من أقوال الأشاعرة، والأشاعرة ليسوا من أهل السنة المحضة، وبكونه ليس مُسَلمًا لديهم جميعًا بل إن منهم من اعترض عليه، وأعرض عنه (^٤).\nوجملة القول أن ما قرره ابن حجر -غفر الله له- في كلام الله تعالى مما تابع فيه متأخري الأشاعرة، وهو مُعَارَض بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والعقل، واعتراض أئمة الأشاعرة أنفسهم عليه فضلًا عن غيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>٢ - صفة النزول:</span>\nيرى ابن حجر -غفر الله له- استحالة اتصاف الله تعالى بالنزول \"لتعاليه سبحانه عن الحركة والجهة والجسمية ولوازمها، فوجب تأويل ذلك إما إجمالًا بأن ينزه الله عن ظاهره ويفوض علم حقيقة المراد به إليه تعالى وهو مذهب أكثر السلف وهو أسلم، وإما تفصيلًا بأن يبين بنزول أمره مثلًا كما تقرر وهو مذهب بعض السلف كمالك وجعفر الصادق في الآخرين\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٣١ - ٥٣٢).\n(^٢) المصدر السابق (٦/ ٥٣٢).\n(^٣) درء التعارض (٢/ ١١٥).\n(^٤) انظر: شرح المقاصد (٤/ ١٥٥ - ١٥٧).","vol":"1","page":340},{"text":"وأكثر الخلف وهو أعلم ... \" (^١).\nويؤول ابن حجر الأحاديث الدالة على نزول الله سبحانه بثزول أمره أو بعض ملائكته، حيث يقول: \"نزول الله كناية عن نزول رحمته أو بعض ملائكته؛ لتعاليه ﵎ عن الجهة والمكان والجسم والزمان تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا\" (^٢).\nالتقويم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>النزول صفة فعلية ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع</span>.\nفأما الكتاب: \"فمما يعتبر به من كتاب الله ﷿ في النزول، ويحتج به على من أنكره قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾ [البقرة: ٢١٠].\nوقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢].\nوهذا يوم القيامة إذا نزل الله ليحكم بين العباد ... فالذي يقدر على النزول يوم القيامة من السماوات كلها ليفصل بين عباده، قادر على أن ينزل كل ليلة من سماء إلى سماء\" (^٣).\nوأما السُّنَّة: فقد تكاثرت الأحاديث عن النبي -ﷺ- في إثبات صفة النزول لله تعالى، وعدها غير واحد من أهل العلم كالحافظ ابن عبد البر (^٤)، والعلامة عبد الغني المقدسي (^٥) (^٦)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٧)، وتلميذه ابن القيم (^٨)،\n_________\n(^١) فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٢٣٦)، وانظر: الزواجر (١/ ٣٩).\n(^٢) الإيضاح والبيان (ل ٥/ أ).\n(^٣) انظر: الرد على الجهمية للدارمي (ص ٧٤).\n(^٤) انظر: التمهيد (٧/ ١٣٧).\n(^٥) هو عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الجماعيلي، الدمشقي، الصالحي، إمام سلفي، من مؤلفاته: الاقتصاد في الاعتقاد، كتاب التوحيد، التوكل وسؤال الله ﷿ وغيرها، توفي سنة ٦٠٠ هـ، انظر: سير أعلام النبلاء (٢١/ ٤٤٣)، شذرات الذهب (٤/ ٣٤٥).\n(^٦) انظر: الاقتصاد في الاعتقاد له (ص ١٠٠).\n(^٧) انظر: شرح حديث النزول له (ص ٦٩، ١٤٧، ٣٢٣).\n(^٨) انظر: مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٢٢١، ٢٣٠).","vol":"1","page":341},{"text":"والحافظ الذهبي (^١) من قبيل المتواتر، واهتم عدد منهم بإحصاء رواتها (^٢).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك: \"أحاديث النزول متواترة عن النبي -ﷺ-، رواها أكثر من عشرين نفسًا من الصحابة بمحضر بعضهم من بعض، والمستمع لها منهم يصدق المحدث بها ويقره، ولم ينكرها أحد منهم، ورواها أئمة التابعين، وأودعوه كتبهم، وأنكروا على من أنكره\" (^٣).\nوأما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات صفة النزول لله تعالى، ونقل إجماعهم على ذلك أكثر من تسعة عشر إمامًا (^٤)، منهم الإمام الشافعي ﵀ الذي ينتسب إليه ابن حجر ويتمذهب بمذهبه، حيث يقول: \"القول في السنة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم وأخذت عنهم مثل: سفيان ومالك وغيرهما، الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء، وأن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء\" (^٥).\nونزول الرب ﷾ الثابت له بالأدلة المتقدمة على تسعة أنواع هي:\n_________\n(^١) انظر: العلو (١/ ٧٠٠).\n(^٢) انظر: شرح أصول الاعتقاد للالكائي (٣/ ٤٨١)، رد الدارمي على بشر (١/ ٤٩٧)، النزول للدارقطني (ص ٢٥) وما بعدها، مختصر الصواعق (٢/ ٢٢١، ٢٣٠)، الأربعين في صفات رب العالمين للذهبي (ص ٧١).\n(^٣) التسعينية (٣/ ٩١٤).\n(^٤) انظر: صفة النزول الإلهي للجعيدي (ص ٢٢٣).\n(^٥) أخرجه الهكاري في اعتقاد الإمام الشافعي (ص ١٦) برقم (٤) من طريق أبي يعلى الخليل بن عبد الله الحافظ، عن أبي القاسم بن علقمة الأبهري، عن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، عن أبي شعيب، وأبي ثور، عن أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي به.\nومن طريقه أخرجه ابن قدامة في إثبات صفة العلو (ص ١٢٣) برقم (١٠٨)، والذهبي في العلو (٢/ ١٠٥٥) برقم (٤٠٤). وذكره شيخ الإسلام في الفتاوى (٤/ ١٨٢)، وابن القيم في اجتماع الجيوش (ص ١٦٥)، والذهبي في الأربعين (ص ٤٢، ٧٠) برقم (١٥، ٥٧)، والسيوطي في الأمر بالاتباع (ص ٣١٣).","vol":"1","page":342},{"text":"نزوله سبحانه إلى سماء الدنيا كل ليلة، وعشية عرفة، وليلة النصف من شعبان، وبعد أن ينادي المنادي بين يدي الساعة، ونزوله تعالى إلى الأرض بين النفختين في الصور، ويوم القيامة، ونزوله جل وعلا من العرش إلى الكرسي يوم القيامة، ونزوله ﷿ على القنطرة يوم القيامة، ونزوله جل في علاه لأهل الجنة (^١).\nيقول الإمام الدارمي (^٢) ﵀ بعد سياقه لأحاديث النزول الدالة على هذه الأنواع: \"فهذه الأحاديث قد جاءت كلها وأكثر منها في نزول الرب ﵎ في هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا، ولا ينكرها منهم أحد، ولا يمتنع من روايتها، حتى ظهرت هذه العصابة فعارضت آثار رسول الله -ﷺ- برد، وتشمروا لدفعها بجد، فقالوا: كيف نزوله هذا؟ قلنا: لم نكلف معرفة كيفية نزوله في ديننا ولا تعقله قلوبنا وليس كمثله شيء من خلقه فنشبه منه فعلًا أو صفة بفعالهم وصفتهم، ولكن ينزل بقدرته ولطف ربوبيته كيف يشاء، فالكيف منه غير معقول، والإيمان بقول رسول الله -ﷺ- في نزوله واجب\" (^٣).\nوعليه فإن النزول ثابت لله تعالى على ما يليق بجلاله، وأما التشغيب عليه بما ذكره ابن حجر من لزوم الحركة والانتقال والجسمية فهو مردود.\nيقول العلامة ابن القيم ﵀: \"لفظ الحركة والانتقال والجسم ... ونحو ذلك من الألفاظ التي تحتها حق وباطل، فهذه لا تقبل مطلقًا ولا ترد مطلقًا، فإن الله سبحانه لم يثبت لنفسه هذه المسميات ولم ينفها عنه، فمن أثبتها مطلقًا فقد أخطأ، ومن نفاها مطلقًا فقد أخطأ، فإن معانيها منقسمة إلى ما يمتنع إثباته لله، وما يجب إثباته له.\n_________\n(^١) انظر: أدلة هذه الأنواع وتخريجها في صفة النزول الإلهي للجعيدي (ص ٥٦ - ١٥١).\n(^٢) هو عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد الدارمي، محدث حافظ، من أئمة السلف وأعلامهم، من مؤلفاته: الرد على الجهمية، والرد على بشر المريسي، توفي سنة انظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣١٩)، شذرات الذهب (٢/ ١٧٦).\n(^٣) الرد على الجهمية له (ص ٩٣).","vol":"1","page":343},{"text":"فإن الانتقال: يراد به انتقال الجسم والعرض من مكان هو محتاج إليه، إلى مكان آخر يحتاج إليه، وهو يمتنع إثباته للرب تعالى، وكذلك الحركة إذا أريد بها هذا المعنى، امتنع إثباتها لله تعالى.\nويراد بالحركة والانتقال حركة الفاعل من كونه فاعلًا، وانتقاله أيضًا من كونه غير فاعل إلى كونه فاعلًا، فهذا المعنى حق في نفسه، لا يعقل كون الفاعل إلا به، فنفيه عن الفاعل نفي لحقيقة فعله وتعطيل له، وقد يراد بالحركة والانتقال ما هو أعم من ذلك ...\nوقد دل القرآن والسنة والإجماع على أنه سبحانه يجيء يوم القيامة، وينزل لفصل القضاء بين عباده، ويأتي في ظلل من الغمام والملائكة، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وينزل عشية عرفة، وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، وينزل إلى أهل الجنة، وهذه أفعال يفعلها بنفسه في هذه الأمكنة، فلا يجوز نفيها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصة بالمخلوقين، فإنها ليست من لوازم أفعاله المختصة به، فما كان من لوازم أفعاله لم يجز نفيه عنه، وما كان من خصائص الخلق لم يجز إثباته له، وحركة الحي من لوازم ذاته، ولا فرق بين الحي والميت إلا بالحركة والشعور، فكل حي متحرك بالإرادة وله شعور، فنفي الحركة عنه كنفي الشعور وذلك يستلزم نفي الحياة\" (^١).\nوأما تأويل ابن حجر النزول الوارد في النصوص بنزول رحمته أو أمره أو بعض ملائكته فباطل من وجوه:\n١ - أن القول بذلك تأويل، والتأويل بهذا المعنى في نصوص الصفات باطل -كما سبق- (^٢).\n٢ - أن القول بذلك مبني على اعتقاد كون النزول يلزم منه التجسيم والحركة والانتقال، وقد سبق الجواب عنه (^٣).\n٣ - أن الأحاديث الواردة في النزول متواترة، وكلها تدل على أن المراد\n_________\n(^١) مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨)، وانظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٢٠).\n(^٢) انظر: (ص ٢٩٧).\n(^٣) انظر: (ص ٢٩٣).","vol":"1","page":344},{"text":"بالنزول نزول الرب سبحانه، وليس في شيء منها ما يدل على أن المراد بالنزول نزول أمره ورحمته أو بعض ملائكته (^١).\n٤ - أن ألفاظ أحاديث النزول كلها تدل على أن المراد نزول الرب لا نزول غيره كقوله -ﷺ-: \"ينزل ربنا ﵎ ... فيقول: من يدعوني فأستجيب له ... الحديث\" (^٢) (^٣).\n٥ - أن تأويل النزول الوارد في الأحاديث بنزول أمره ورحمته أو نزول ملك من ملائكته لا يصح.\nفأما تأويله بنزول أمره ورحمته فمتعقب بما يلي:\nأ- أن الرحمة إما أن تكون عينًا قائمة بنفسها، وإما أن تكون صفة قائمة في غيرها.\nفإن كانت عينًا قائمة بنفسها وهي مخلوقة، لم يكن لها أن تقول: من يدعوني فأستجيب له، ولا أنا الملك.\nوأيضًا فحينئذ يكون الذي ينزل لفصل القضاء مخلوقًا محدثًا لا رب العالمين، وهذا معلوم البطلان قطعًا.\nوإن كانت صفة من الصفات فهي لا تقوم بنفسها؛ بل لا بد لها من محل، ثم لا يمكن للصفة أن تقول هذا الكلام (^٤).\nب- أن الرحمة والأمر إذا نزلا إلى السماء الدنيا، ولم ينزلا إلى الأرض، ثم إذا طلع الفجر صعدا فأي منفعة في نزولهما (^٥)؟\nجـ- أن رحمته سبحانه وأمره ينزلان بالليل والنهار، ولا يختص نزولهما بالثلث الأخير، ولا بوقت دون وقت، بل لا ينقطعان عن العالم\n_________\n(^١) انظر: مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٢٢١ - ٢٢٢).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل (١/ ٣٤١) برقم (١١٤٥)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء والذى في آخر الليل (١/ ٥٢١) برقم (٣٥٨) من حديث أبي هريرة -﵁- به.\n(^٣) انظر: شرح حديث النزول (ص ٣٢٢)، مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣).\n(^٤) انظر: مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٢٥٩).\n(^٥) انظر: رد الدارمي على بشر (١/ ٤٩٩)، مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٢٦٠).","vol":"1","page":345},{"text":"السفلي والعلوي طرفة عين (^١).\nد- أن نزول أمره ورحمته لا يكون إلا منه، وحينئذ فهذا يقضي أن يكون هو فوق العالم، فتأويله نفسه يبطل مذهبه (^٢).\nوأما تأويله بنزول بعض ملائكته فمتعقب بما يلي:\nأ- أن أحاديث النزول صريحة في نسبة النزول لله تعالى بما لا يحتمل تأويل نزوله بنزول غيره (^٣) -كما سبق-.\nب- أن الأحاديث خصت النزول بجوف الليل وجعلت منتهاه إلى السماء الدنيا، والملائكة لا يختص نزولها بهذا الزمان ولا هذا المكان (^٤).\nجـ- أن الأحاديث الواردة في النزول جاء في بعض رواياتها \"ثم يصعد\" و\"ثم يعلو\" والملائكة تصعد في كل وقت لا يختص صعودها بطلوع الفجر (^٥).\nوأما ما عزاه ابن حجر إلى مالك وجعفر الصادق وغيرهما من السلف من تأويلهم النزول، فالجواب عنه أن يقال: \"إن جميع هذه التأويلات مبتدعة، لم يقل أحد من الصحابة شيئًا منها، ولا أحد من التابعين لهم بإحسان، وهي خلاف المعروف المتواتر عن أئمة السنة والحديث وأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة، ولكن بعض الخائضين بالتأويلات الفاسدة، يتشبث بألفاظ عن بعض الأئمة وتكون إما غلطًا وإما محرفة\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: التمهيد لابن عبد البر (٧/ ١٤٣)، مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٢٦٠).\n(^٢) انظر: رد الدارمي على بشر (١/ ٥٠٠)، شرح حديث النزول (ص ١٣٨).\n(^٣) انظر: شرح حديث النزول (ص ٣٢٢).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (ص ٢٣٣).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (ص ٢٣٤).\n(^٦) المصدر السابق (ص ٢٢٣).\nوانظر: في الرد على ما ذكره عن مالك خاصة: التمهيد (٧/ ١٤٣)، شرح حديث النزول (ص ٢١٠)، مختصر الصواعق (٢/ ٢٦١)، سير أعلام النبلاء (٨/ ١٥)، وللاستزادة: منهج الإمام مالك في العقيدة للدعجان (ص ٢٥١)، براءة الأئمة الأربعة للحميدي (ص ٣١٧).\nوأما ما ذكره عن جعفر الصادق فلم أقف على من ذكره غير ابن حجر.","vol":"1","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>٣ - صفة القرب:</span>\nيرى ابن حجر -عفا الله عنه- أن قرب الله ﷾ الوارد في النصوص قرب معنوي لا حقيقي، ويفسره بمزيد الإنعام وعموم المغفرة وجزيل الثواب، حيث يقول في شرحه لقوله -ﷺ-: \"ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة ... \" (^١).\n\"وإنه أي: الله، ليدنو أي: يقرب من عباده القرب المعنوي المقتضي لمزيد الإنعام عليهم بالمغفرة العامة والثواب الجزيل ... \" (^٢).\nالتقويم:\nالقرب والدنو من صفات الله تعالى الفعلية الاختيارية، الثابتة بدلالة الكتابة والسنة والإجماع.\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].\nوقوله سبحانه: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١].\nوقوله ﷿: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].\nومن السُّنَّة: قوله جل وعلا في الحديث القدسي: \" ... من تقرب مني شبرًا، تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا، تقربت منه باعًا ... \" (^٣).\nوقوله -ﷺ-: \"أيها الناس: أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، ولكن تدعون سميعًا قريبًا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة (٢/ ٩٨٣) برقم (١٣٤٨) من حديث عائشة -﵂- به.\n(^٢) فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٢٣٢).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٤/ ٢٣١٠) برقم (٧٤٠٥)، ومسلم، كتاب التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح بها (٤/ ٢١٠٢) برقم (٢٦٧٥) من حديث أبي هريرة -﵁- به.\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب خفض الصوت بالذكر (٤/ ٢٠٧٦) برقم (٢٧٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري -﵁-.","vol":"1","page":347},{"text":"وأما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات صفة القرب لله تعالى، وحكاه عنهم جمع من أهل العلم، منهم: الإمام الشافعي ﵀ وقد سبق نقل قوله قريبًا (^١)، واثنان من فضلاء أصحابه وهما: أحمد بن سريج (^٢) إمام الشافعية في وقته، وشيخ الحرمين محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي (^٣) -رحمهما الله-.\nقال الإمام أحمد بن سريج بعد ذكره وجوب الإيمان بصفات الله ونقله إجماع السلف على ذلك معددًا هذه الصفات: \"الفوقية ... والقرب والبعد ... وجميع ما لفظ به المصطفى -ﷺ-\" (^٤).\nوقال شيخ الحرمين أبي الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي في سياقه للعقيدة التي أجمع عليها أهل العلم ممن أدركه: \"وأن الله تعالى أول لم يزل، آخر لا يزال ... إلى سائر أسمائه وصفاته من النفس والوجه ... والقرب والدنو ... \" (^٥).\nوقرب الرب تعالى الوارد في النصوص نوعان:\nالأول: قربه اللازم من عباده بعلمه وقدرته وتدبيره، وهذا المعنى يقر به جميع المسلمين.\nوالثاني: قربه بنفسه من مخلوقاته قربًا لازمًا في وقت دون وقت، فهذا يثبته من يثبت قيام الصفات الاختيارية به تعالى، وينفيه من عداهم (^٦).\n_________\n(^١) انظر: (ص ٣٤٢).\n(^٢) هو أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، القاضي الشافعي، أبو العباس، من أئمة السلف، وفقهاء العراق، ذكر في ترجمته أن فهرسة كتبه كان يشتمل على أربعمائة مصنف، توفي سنة ٣٠٦ هـ، انظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٠١)، شذرات الذهب (٢/ ٢٤٧).\n(^٣) هو محمد بن عبد الملك بن محمد بن أبي طالب الكرجي، أبو الحسن، من فضلاء الشافعية، سلفي المعتقد، من مؤلفاته؛ الذرائع في علم الشرائع، ومنظومة في عقيدة السلف سماها: عروس القصائد في شموس العقائد، توفي سنة: ٥٣٢ هـ. انظر: العبر للذهبي (٤/ ٨٩)، طبقات السبكي (٦/ ٩٧).\n(^٤) نقله عنه ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ١٧٠).\n(^٥) نقله عنه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٤/ ١٧٥ - ١٨١).\n(^٦) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ١٣، ١٩)، وشرح حديث النزول (ص ٣٦٥).","vol":"1","page":348},{"text":"يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وأما دنوه نفسه وتقربه من بعض عباده، فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة، ونزوله واستواؤه على العرش، وهذا مذهب أئمة السلف وأئمة الإسلام المشهورين وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر، وأول من أنكر ذلك في الإسلام الجهمية ... \" (^١).\nوعليه فما قرره ابن حجر من كون قربه سبحانه المراد به القرب المعنوي المقتضي لمزيد الإنعام والمغفرة والثواب لا القرب الحقيقي باطل من وجوه، منها:\n١ - أن القول بذلك تأويل، والتأويل في نصوص الصفات بهذا المعنى باطل كما سبق (^٢).\n٢ - أن المقتضي لهذا التأويل اعتقاد أن ظاهره يستلزم التمثيل والجسمية والحركة والانتقال، وقد سبق الجواب عنه (^٣).\n٣ - أن النصوص الواردة في صفة القرب والدنو كلها تدل على أن المراد بالقرب قرب حقيقي، ولم يرد في شيء منها ما يدل على كونه قربًا معنويًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>٤ - صفة المحبة:</span>\nيرى ابن حجر -غفر الله له- استحالة اتصاف الله تعالى بالمحبة، ويؤولها بما ينفي ظاهرها، حيث يقول:\n\"المشهور أن الصفات المستحيلة على الله تعالى كالرحمة والمحبة إذا أطلقت عليه المراد: مبدؤها وهو الإرادة، أو غايتها وهو التفضيل والإنعام، دون حقيقتها وهو العطف والميل النفساني ... \" (^٤).\nويقول في شرحه لقول النبي -ﷺ-: \"أخبروه أن الله تعالى يحبه\" (^٥):\n_________\n(^١) شرح حديث النزول (ص ٣١٨، ٣١٩).\n(^٢) انظر: (ص ٢٩٧).\n(^٣) انظر: (ص ٢٩٣).\n(^٤) فتح الإله بشرح المشكاة (ص ١٣٤).\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي -ﷺ- أمته إلى توحيد الله (٤/ ٢٣٠٢) برقم (٧٣٧٥)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل قراءة قل هو الله أحد (١/ ٥٥٧) برقم (٨١٣) من حديث عائشة -﵄- به.","vol":"1","page":349},{"text":"\"أي: يثيبه ويقربه وينعم عليه، أو يريد له ذلك ... \" (^١).\nالتقويم:\nالمحبة صفة فعلية ثابتة لله تعالى بدلالة الكتاب والسنة والإجماع.\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].\nوقوله سبحانه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤].\nومن السُّنَّة: قوله -ﷺ-: \"لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ... \" (^٢).\nوقوله -ﷺ-: \"إن الله يحب العبد التقي، الغني، الخفي\" (^٣).\nوأما الإجماع: \"فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى لعباده المؤمنين، ومحبتهم له، وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء ﵇\" (^٤).\nوعليه فالمحبة شأنها شأن بقية الصفات التي وصف الله بها نفسه أو وصفه بها رسوله -ﷺ-، يثبتها أهل السنة والجماعة لله تعالى على ما يليق بجلاله، إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا بلا تعطيل.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"أهل السنة والجماعة المتبعون لإبراهيم وموسى ومحمد -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- يثبتون ما أثبتوه من تكليم الله، ومحبته، ورحمته، وسائر ما له من الأسماء الحسنى والمثل الأعلى\" (^٥).\nوأما تأويل ابن حجر المحبة بمبدئها وهو الإرادة أو غايتها وهو الإنعام\n_________\n(^١) فتح الإله بشرح المشكاة (ص ١٣٤).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي -ﷺ-، باب مناقب علي (٣/ ١١٤١) برقم (٣٧٠٢)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي بن أبي طالب -﵁- (٤/ ١٨٧٢) برقم (٢٤٠٧) من حديث سلمة بن الأكوع -﵁- به.\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق (٤/ ٢٢٧٧) برقم (٢٩٦٥) من حديث سعد بن أبي وقاص -﵁- به.\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢/ ٣٥٤).\n(^٥) المصدر السابق (١٦/ ٢٠٩).","vol":"1","page":350},{"text":"فهو صرف لها عن ظاهرها المتبادر منها، وهو إثبات المحبة لله تعالى على ما بجلاله سبحانه، وهو قول باطل من وجوه:\n١ - أن القول بذلك تأويل، والتأويل في نصوص الصفات بهذا المعنى باطل -كما سبق- (^١).\n٢ - أن المقتضي لهذا التأويل اعتقاد كون ظاهرها يستلزم التمثيل وهو باطل -كما سبق- (^٢).\n٣ - أن النصوص وردت بإثبات المحبة لله وأنه يُحِب ويُحَب، كما وردت بإثبات الود والخلة له سبحانه، ولم يرد في شيء منها تأويلها بالإرادة أو الإنعام؛ مما يدل على أن المراد بها حقيقتها (^٣).\n٤ - أن المحبة صفة كمال وضدها صفة نقص؛ وعليه فيلزم من نفي المحبة عنه اتصافه بضدها؛ إذ العلاقة بينهما علاقة سلب وإيجاب.\n٥ - أنه يلزم \"هؤلاء الذين ينفون أن الله يُحِب ويُحَب أن لا يبقى عندهم فرق بالنسبة إلى الله بين أوليائه وبين أعدائه، ولا بين الإيمان والكفر، ولا بين ما أمر به وما نهى عنه، ولا بين بيوته التى هى المساجد، وبين الحانات ومواضع الشرك\" (^٤).\n٦ - أن تأويل ابن حجر المحبة بالإرادة والإنعام يلزمه فيه نظير ما فرّ منه، فإنه إنما تأول المحبة لزعمه أن ظاهرها يقتضي التمثيل، فيقال له: كذلك الإرادة والإنعام، فإنهما مما يتصف به المخلوق فإن كان إثباتهما لا يقتضي التمثيل فكذلك المحبة، وإن كان إثباتهما يقتضي ذلك لزم المحظور (^٥).\n_________\n(^١) انظر: (ص ٢٩٧).\n(^٢) انظر: (ص ٢٩٣).\n(^٣) انظر: مدارج السالكين (٣/ ٢٧ - ٣٠)، روضة المحبين لابن القيم (ص ٢٢)، شرح الطحاوية لابن أبي العز (١/ ١٦٧).\n(^٤) منهاج السنة (٥/ ٣٢٥).\n(^٥) انظر: التدمرية (ص ٣١ - ٣٢)، الصواعق المرسلة (١/ ٢٣٤)، توضيح المقاصد لابن عيسى (٢/ ٤٧، ٥٩)، وشرح النونية لهراس (١/ ٣٠٢ - ٣١٥).","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>٥ - صفة الرحمة:</span>\nيرى ابن حجر استحالة اتصاف الله تعالى بالرحمة، معللًا ذلك بكون حقيقتها العطف والميل الروحاني وهما مما ينزه الله عنه، ويتأولها بإرادة الإنعام أو بالإنعام نفسه.\nيقول في ذلك: \"الرحمة هي عطف وميل روحاني غايته الإنعام، فهي لاستحالتها في حقه تعالى مجاز إما عن نفس الإنعام فتكون صفة فعل، أو عن إرادته فتكون صفة ذات\" (^١).\nويقول في شرحه لقوله -ﷺ-: \"إن الله كتب كتابًا فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي\" (^٢): \"أي: أن مظاهر الرحمة غلبت مظاهر الغضب ... \" (^٣).\nالتقويم:\nالرحمة صفة ثابتة لله تعالى بدلالة الكتاب والسنة والإجماع.\nأما الكتاب: فقد \"كرر الله تعالى التمدح بالرحمة مرارًا جَمّة أكثر من خمسمائة مرة من كتابه الكريم، منها باسمه الرحمن أكثر مائة وستين مرة، وباسمه الرحيم أكثر من مائتي مرة، وجمعهما للتأكيد مائة وست عشرة مرة\" (^٤)، ومن ذلك:\nقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة: ٢، ٣].\nوقوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨].\n_________\n(^١) المنهاج القويم (ص ٧)، وانظر: فتح الجواد (١/ ٨)، حاشية الإيضاح (ص ٥)، المنح المكية (١/ ٤٤١) (٣/ ١٣٩٧)، الإيعاب (١/ ٨)، البدائع الجلية (ص ٦).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧] (٢/ ٩٨٦) برقم (٣١٩١)، ومسلم، كتاب التوبة، باب سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (٤/ ٢١٠٧) برقم (٢٧٥١) من حديث أبي هريرة -﵁- به.\n(^٣) المنح المكية (٣/ ١٣٩٧).\n(^٤) إيثار الحق على الخلق لابن الوزير (ص ١٢٥).","vol":"1","page":352},{"text":"وأما السُّنَّة: فقوله - ﷺ -: \"إنما يرحم الله من عباده الرحماء\" (^١).\nوأما الإجماع: \"فقد أجمع المسلمون على حسن إطلاق الرحمة على الله، من غير قرينة تشعر بالتأويل، ولا تَوَقُّف على عبارة التنزيل\" (^٢).\nوالرحمة المضافة إليه سبحانه نوعان:\nأحدهما: رحمة مضافة إليه إضافة صفة إلى الموصوف بها، كقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام: ١٣٣].\nوهذه الرحمة صفة يتصف بها سبحانه على ما يليق بجلاله.\nوثانيهما: رحمة مضافة إليه إضافة مفعول إلى فاعله، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان: ٤٨]، وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩)﴾ [هود: ٩].\nوهذه الرحمة ليست صفة لله تعالى، بل هي أثر رحمته التي هي صفته، وتسمية الأشاعرة هذا النوع صفة فعل غلط؛ لأن الله - ﷿ - لا يوصف بما خلقه منفصلًا عن ذاته (^٣).\nوتأسيسًا على ما سبق فإن أهل السنة والجماعة يثبتون الرحمة صفة لله تعالى، كما أثبتها سبحانه لنفسه وأثبتها له رسوله - ﷺ -.\nوأما تأويل ابن حجر لها لإرادة الإنعام أو الإنعام نفسه فهو مردود بما يلي:\n١ - أن هذا تأويل، والتأويل بهذا المعنى في نصوص الصفات باطل -كما سبق- (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤/ ٢٣٢٦) برقم (٧٤٤٨)، ومسلم، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت (٢/ ٦٣٥) برقم (٩٢٣) من حديث أسامة بن زيد - ﵁ - به.\n(^٢) إيثار الحق على الخلق لابن الوزير (ص ١٢٧).\n(^٣) انظر: بدائع الفوائد (٢/ ١٨٣)، الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية للفياض (ص ٩٣)، التنبيهات السنية شرح العقيدة الواسطية لابن رشيد (ص ٧٧)، شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (٢/ ١٨٥).\n(^٤) انظر: (ص ٢٩٧).","vol":"1","page":353},{"text":"٢ - أن المقتضي لهذا التأويل اعتقاد كون ظاهرها يستلزم التمثيل وهو باطل -كما سبق- (^١).\n٣ - أن الرحمة صفة كمال وضدها صفة نقص، فيلزم من نفي صفة الرحمة عنه سبحانه اتصافه بضدها؛ إذ العلاقة بينهما علاقة سلب وإيجاب (^٢).\n٤ - أن تأويل ابن حجر الرحمة بالإرادة أو الإنعام يلزمه فيه نظير ما فر منه، فإنه إنما تأول الرحمة لزعمه أن ظاهرها يقتضي التمثيل، فيقال له: كذلك الإرادة والإنعام، فإنهما مما يتصف به المخلوق فإن كان إثباتهما لا يقتضي التمثيل فكذلك الرحمة، وإن كان إثباتهما يقتضي ذلك لزم المحظور (^٣).\n٥ - أن قول ابن حجر بأن حقيقة الرحمة العطف والميل الروحاني لو قُدِّر أنه حق في حق المخلوق لم تكن كذلك في حق الخالق سبحانه (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>٦ - صفة الغضب:</span>\nيرى ابن حجر استحالة اتصاف الله تعالى بالغضب، حيث يقول: \"الغضب فوران الدم وغليانه ... لإرادة الانتقام ... ولاستحالة هذا المعنى في حقه تعالى كان المراد بالغضب في حقه تعالى: إرادة الانتقام فيكون صفة ذات، أو الانتقام نفسه فيكون صفة فعل\" (^٥).\nويقول في شرحه لقوله - ﷺ -: \"إن الله كتب كتابًا، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي\" (^٦): \"أي: أن مظاهر الرحمة غلبت مظاهر الغضب\" (^٧).\nالتقويم:\nالغضب صفة ثابتة لله تعالى بدلالة الكتاب والسنة.\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣].\n_________\n(^١) انظر: (ص ٢٩٣).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ١١٨).\n(^٣) انظر: التدمرية (ص ٣١ - ٣٢)، الصواعق المرسلة (١/ ٢٣٤)، توضيح المقاصد لابن عيسى (٢/ ٤٧، ٥٩)، شرح الكافية الشافية لهراس (١/ ٣٠٢ - ٣١٥).\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ١١٧).\n(^٥) فتح المبين (ص ١٥٦).\n(^٦) سبق تخريجه (ص ٣٥٢).\n(^٧) المنح المكية (٣/ ١٣٩٧).","vol":"1","page":354},{"text":"وقوله سبحانه: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١].\nوقوله - ﷿ -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ١٣].\nومن السُّنَّة: حديث الشفاعة المشهور، وفيه: \"إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله ... \" (^١).\nوإثبات الغضب لله تعالى على ما يليق به سبحانه هي جادة أهل السنة والجماعة.\nيقول العلامة - ابن أبي العز - ﵀ -: \"مذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرضى، والعداوة والولاية، والحب والبغض ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة، ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى، كما يقولون مثل ذلك في السمع والبصر والكلام وسائر الصفات ... ولا يقال: إن الرضى إرادة الإحسان، والغضب إرادة الانتقام، فإن هذا نفي للصفة\" (^٢).\nوعليه فما قرره ابن حجر - غفر الله له - من تأويل الغضب الوارد في النصوص بإرادة الانتقام أو بالانتقام نفسه مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة، وتعليله ذلك بكون حقيقة الغضب مستحيلة على الله مما وافق فيه الأشاعرة (^٣).\nوالجواب عن قوله من وجوه:\n١ - أن القول بذلك تأويل، والتأويل في نصوص الصفات بهذا المعنى باطل -كما سبق- (^٤).\n٢ - أن المقتضي لهذا التأويل اعتقاد كون ظاهرها يستلزم التمثيل وهو باطل - كما سبق - (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، باب ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ (٢/ ١٠٢٧). برقم (٣٤٤٠)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١/ ١٨٥)، برقم (٣٢٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.\n(^٢) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٦٨٥).\n(^٣) انظر: مشكل الحديث لابن فورك (ص ٢٥٩)، تأويل الأحاديث الموهمة للتشبيه للسيوطي (ص ١٢٠).\n(^٤) انظر: (ص ٣٩٧).\n(^٥) انظر: (ص ٢٩٣).","vol":"1","page":355},{"text":"٣ - أن تأويل الغضب بإرادة الانتقام أو الانتقام نفسه تفسير له بغير مدلوله اللغوي وهو الغضب الحقيقي، وتفسيره بذلك ينفي حقيقة الصفة.\n٤ - أن تأويل ابن حجر الغضب بإرادة الانتقام أو الانتقام نفسه يلزمه فيه نظير ما فر منه، فإنه إنما تأول الغضب لزعمه أن ظاهره يقتضي التمثيل، فيقال له: كذلك الإرادة والانتقام، فإنهما مما يتصف به المخلوق فإن كان إثباتهما لا يقتضي التمثيل فكذلك الغضب، وإن كان إثباتهما يقتضي ذلك لزم المحظور (^١).\nوأما تعليله استحالة اتصاف الله سبحانه بالغضب بكون حقيقته فوران الدم وغليانه لإرادة الانتقام وكون ذلك مما يستحيل عليه فهو تعليل عليل؛ إذ هو لازم له في تأويله له بالإرادة، وبيان ذلك أن \"يقال له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة.\nفإن قال: هذه إرادة المخلوق.\nقيل له: وهذا غضب المخلوق، وكذلك يلزم بالقول في كلامه، وسمعه، وبصره، وعلمه، وقدرته، إن نفى الغضب والمحبة والرضى ونحو ذلك مما هو من خصائص المخلوقين، فهذا منتفٍ عن السمع والبصر والكلام، وجميع الصفات.\nوإن قال: إنه لا حقيقة لهذا إلا ما يختص بالمخلوقين فيجب نفيه عنه. قيل له: وهكذا السمع والبصر والكلام والعلم والقدرة\" (^٢).\nوبعد عرض آراء ابن حجر - غفر الله له وعفا عنه - في صفات الله الذاتية والفعلية وتقويمها؛ يتبين سلوكه مسلك الأشاعرة فيها، وتذبذبه بين التأويل والتفويض، وفق ما قرره في مذهبه في الصفات إجمالًا ونقلته عنه في موضعه.\n_________\n(^١) انظر: التدمرية (ص ٣١)، الصواعق المرسلة (١/ ٢٣٤)، توضيح المقاصد لابن عيسى (٢/ ٤٧، ٥٩) شرح الكافية الشافية لهراس (١/ ٣٠٢ - ٣١٥).\n(^٢) التدمرية (ص ٣٢)، وانظر: شرح الطحاوية (٢/ ٦٨٦)، الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية للفياض (ص ٩٥ - ٩٦).","vol":"1","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>الباب الثاني آراؤه في بقية أركان الإيمان</span>\nوفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول: آراؤه في الإيمان بالملائكة.\nالفصل الثاني: آراؤه في الإيمان بالكتب.\nالفصل الثالث: آراؤه في الإيمان بالرسل.\nالفصل الرابع: آراؤه في الإيمان باليوم الآخر.\nالفصل الخامس: آراؤه في الإيمان القضاء والقدر.","vol":"1","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>الفصل الأول آراؤه في الإيمان بالملائكة</span>\nوفيه تمهيد وثلائة مباحث:\nتمهيد في تعريف الملائكة.\nالمبحث الأول: معنى الإيمان بالملائكة وما يتضمنه.\nالمبحث الثاني: المفاضلة بين الملائكة، والمفاضلة بينهم وبين صالح البشر.\nالمبحث الثالث: عصمة الملائكة.","vol":"1","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>تمهيد في تعريف الملائكة</span>\nالملائكة: جمع مَلَك، واختلف اللغويون في اشتقاقه من عدمه:\nفقيل: هو جامد غير مشتق.\nوقيل: هو مشتق، واختلف القائلون بذلك منهم في أصل مادة اشتقاقه (^١).\nوقد أشار إلى ذلك ابن حجر - ﵀ - فقال: \"الملائكة: جمع مَلَك على غير قياس، أو جمع ملأك على مَفْعَل؟ إذ هو من الألوكة وهي الرسالة، ثم خفف بنقل الحركة والحذف فصار ملكًا، وقيل فيه غير ذلك\" (^٢).\nوالقول باشتقاقه، وأن أصله من الألوكة وهي الرسالة أصوب من جهة اللغة والمعنى.\nيقول الحافظ - ابن جرير ﵀ -: \"الملائكة: جمع ملاك، غير أن أحدهم بغير الهمزة أكثر وأشهر في كلام العرب منه بالهمز، وذلك أنهم يقولون في واحدهم: ملك من الملائكة ...\nوقد يقال في واحدهم: مألك، فيكون ذلك مثل قولهم: جبذ وجذب، وشأمل وشمأل، وما أشبه ذلك من الحروف المقلوبة.\nفمن قال: مَلأكًا فهو مَفْعل، من لأك إليه يلأك، إذا أرسل إليه رسالة ملأكة.\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة (١/ ١٨٤)، معجم مقاييس اللغة (ص ٨٨)، الصحاح (٤/ ١٦١١)، لسان العرب (١٠/ ٣٩٢)، القاموس المحيط (ص ١٢٠٣).\n(^٢) فتح المبين (ص ٧٠)، وانظر: المنح المكية (١/ ٢١٥).","vol":"1","page":360},{"text":"ومن قال: مَألْكًا فهو مَفْعل، من ألكت إليه آلك، إذا أرسلت إليه مألَكه وألوكًا ...\nفسميت الملائكة ملائكة بالرسالة، لأنها رسل الله بينه وبين أنبيائه، ومن أرسلت إليه من عباده\" (^١).\nوقد ورد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ - مما يبين حقيقة الملائكة، ويوضح أوصافهم، آيات كثيرة، وأحاديث متعددة.\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥].\nوقوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [فاطر: ١].\nومن السُّنَّة: قوله - ﷺ -: \"خلقت الملائكة من نور\" (^٢).\nفالملائكة خلق من خلق الله تعالى، خلقهم لعبادته، واصطفاهم لقربه، واختصهم بتدبير أمره، وجعلهم سفراءه ورسله إلى خلقه.\nوقد بَيّن ابن حجر - ﵀ - حقيقة الملائكة، وشيئًا من صفاتهم فقال: \"ومما يجب الإيمان به الملائكة: وهم أجسام من العناصر الأربعة لكن غلبت عليها النور، فنطقت، وتشكلت بالأشكال المختلفة، وقدرت على الأعمال التي لا يطيقها غيرهم، وكملت علمًا وعملًا، وعصمت من المخالفات، ولم تفتر عما سخرت له من الطاعة والقيام بمصالح العباد، ولا يوصفون بذكورة ولا أنوثة، ولهم من الكثرة ما لا يحيط بها إلا خالقها\" (^٣).\nهذا وقد عرض ابن حجر في كلامه عن الملائكة لجملة من المسائل؟ كمعنى الإيمان بهم، وما يتضمنه، والمفاضلة فيما بينهم، والمفاضلة بينهم وبين صالحي البشر، وعصمتهم.\nوفيما يلي عرض رأيه في هذه المسائل مع التعقيب عليها بتقويمها.\n_________\n(^١) تفسير ابن جرير (١/ ١٣٤ - ١٣٥).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب في أحاديث متفرقة (٤/ ٢٢٩٤) برقم (٢٩٩٦) من حديث عائشة - ﵂ - به.\n(^٣) التعرف (ص ١١٨ - ١١٩).","vol":"1","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>المبحث الأول: معنى الإيمان بالملائكة وما يتضمنه</span>\nتحدث ابن حجر - ﵀ - عن معنى الإيمان بالملائكة، وذكر بعض ما يتضمنه تفصيلًا، وفيما يلي عرض رأيه وفقًا لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>أولًا: رأيه في معنى الإيمان بالملائكة:</span>\nيرى ابن حجر - ﵀ - أن الإيمان بالملائكة يعني الإيمان \"بأنهم عباد الله، لا كما زعم المشركون من تألههم، مكرمون، لا كما زعم اليهود من تنقيصهم، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، وبأنهم سفراء الله تعالى بينه وبين خلقه، متصرفون فيهم، كما أنهم صادقون فيما أخبروا به عنه، وأنهم بالغون من الكثرة ما لا يعلمه إلا الله تعالى\" (^١).\nالتقويم:\nالإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان التي لا يصح إيمان العبد إلا بها، وهو ينتظم أمورًا أربعة:\nالأول: الإيمان بوجودهم.\nوالثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه كجبريل، ومن لم نعلم اسمه نؤمن بهم إجمالًا.\nوالثالث: الإيمان بما علمنا من صفاتهم.\nوالرابع: الإيمان بما علمنا من أعمالهم (^٢).\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ٧٠، ٧١).\n(^٢) انظر: المنهاج في شعب الإيمان للحليمي (١/ ٣٠٢)، شعب الإيمان للبيهقي (١/ ١٦٣)، الحبائك في أخبار الملائك للسيوطي (ص ٩)، فتاوى ابن عثيمين (٥/ ١١٦).","vol":"1","page":362},{"text":"يقول العلامة ابن القيم - ﵀ -: \"قد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات ... تتنزل بالأمر من عند الله في أقطار العالم، وتصعد إليه بالأمر، قد أطت السماء بهم ... ويدخل البيت المعمور كل يوم منهم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه ...\nوالقرآن مملوء بذكرهم، وأصنافهم، وأعمالهم، ومراتبهم ... بل لا تخلو سورة من سور القرآن عن ذكر الملائكة تصريحًا، أو تلويحًا، أو إشارة.\nوأما ذكرهم في الأحاديث النبوية فأكثر وأشهر من أن يذكر، ولهذا كان الإيمان بالملائكة - ﵈ - أحد الأصول الخمسة التي هي أركان الإيمان\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>ثانيًا: رأيه فيما يتضمنه الإيمان بالملائكة تفصيلًا:</span>\nيقول ابن حجر: \"ومما يجب الإيمان به الملائكة: وهم أجسام من العناصر الأربعة لكن غلب عليها النور فنطقت وتشكلت بالأشكال المختلفة، وقدرت على الأعمال التي لا يطيقها غيرهم، وكملت علمًا وعملًا ... ولم تفتر عما سخرت من الطاعة والقيام بمصالح العباد، ولا يوصفون بذكورة ولا أنوثة، ولهم من الكثرة ما لا يحيط بها إلا خالقهم، ويحشرون، ويدخلون الجنة معهم، لكن لا نعيم لهم فيها، وإنما هم خدم لأهلها\" (^٢).\nوقد تحدث ابن حجر - ﵀ - عن بعض هذه المسائل حديثًا مفصلًا، وأكثر النقل عن غيره من أهل العلم فيها، ونظرًا لجمعه لها في بيانه لما يتضمنه الإيمان بالملائكة من جهة، ولتعلقها كلها بموضوع المبحث؛ رأيت جمعها وإجمال الكلام عليها بما يناسب المقام، وفيما يلي إيراد رأيه في كل منها مفصلًا مع التعقيب عليه بتقويمه ومناقشته.\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (٢/ ١٢٥ - ١٣١).\n(^٢) التعرف (ص ١١٨ - ١١٩).","vol":"1","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>١ - وجودهم:</span>\nيقول ابن حجر: \"ويجب اعتقاد وجود الملائكة ... \" (^١).\nالتقويم:\nالقول بوجود الملائكة من مقتضيات الإيمان بهم، وإنكار ذلك كفر بهم، وتكذيب لكتاب الله وسنة رسوله اللذين أخبرا عنهم.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"وما تواتر عن الأنبياء من وصف الملائكة هو مما يوجب العلم اليقين بوجودهم في الخارج ... \" (^٢).\nويقول أيضًا: \"والإقرار بالملائكة ... عام في بني آدم، لم ينكر ذلك إلا شواذ من بعض الأمم ... فذكر الملائكة ... عام في الأمم، وليس في الأمم أمة تنكر ذلك إنكارًا عامًا، وإنما يوجد إنكار ذلك في بعضهم؛ مثل من قد يتفلسف، فينكرهم لعدم العلم، لا للعلم بالعدم\" (^٣).\nوما حكاه شيخ الإسلام عن الفلاسفة (^٤) ومن وافقهم من إنكار وجود الملائكة وتأويلهم لها بقوى النفس الخيرة مردود عليهم بالنصوص المتواترة في الكتاب والسنة المملوءة بذكر الملائكة وأصنافهم وأعمالهم ومراتبهم (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>٢ - خلقهم:</span>\nأ - مادة خلقهم:\nيقول ابن حجر: \"هم أجسام من العناصر الأربعة لكن غلب عليهم النور\" (^٦).\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ١٦٨).\n(^٢) درء التعارض (٦/ ١٠٧).\n(^٣) النبوات (١/ ١٩٤ - ١٩٥).\n(^٤) الفلاسفة: هم طائفة ينسبون إلى الفلسفة، والفلسفة كلمة يونانية مركبة من كلمتين \"فيلا\" أي: محب، و\"سوفيا\" أي: الحكمة، فمعناها: محب للحكمة، ومن آرائهم: القول بقدم العالم، وإنكار النبوات، وإنكار البعث الجسماني وغيرها.\nانظر: الملل والنحل للشهرستاني (٢/ ٧٩٥)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ١٤٥)، إغاثة اللهفان (٢/ ٢٧٥).\n(^٥) انظر: درء التعارض (٦/ ١٠٧) (١٠/ ٢٠٥)، الرد على المنطقيين (ص ١٠٦)، مجموع الفتاوى (٤/ ٣٤٦، ٢٥٩، ١٣٥) (٦/ ٢٤ - ٢٥) (١٠/ ٣٩٩)، إغاثة اللهفان (٢/ ١٢٥ - ١٣١)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٤٠٢ - ٤٠٣)، فتح الباري (٦/ ٣٠٦).\n(^٦) التعرف (ص ١١٨)، وانظر: المنح المكية (١/ ٢١٦)، الفتاوى الحديثية (ص ١٦٨).","vol":"1","page":364},{"text":"التقويم:\n\"كل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن ... قد خلق من مادة\" (^١)، والمادة التي خلق منها الملائكة هي النور، فقد ثبت في الحديث عنه أنه قال: \"خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم\" (^٢).\nولم يرد عن النبي ما يبين المراد بهذا النور، وما ورد عن بعض السلف في بيانه لا يصح، ونص الحديث ورد بإطلاق مبدأ خلقهم من النور دون تعيين له بنور العزة أو نور الذراعين والصدر، فوجب الوقوف في ذلك على ما ورد به النص (^٣).\nوأما ما ذكره ابن حجر من كون الملائكة خلقوا من العناصر الأربعة التي هي: (الماء، والنار، والهواء، والتراب) (^٤)، ثم غلب عليها النور فلا دليل عليه.\n\nب - جنسهم:\nيقول ابن حجر: \"لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة\" (^٥).\nالتقويم:\nأنكر الله - ﷾ - على من ادعى له الولد، فقال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾ [الأنبياء: ٢٦]، والولد: اسم يطلق على الذكر والأنثى.\nوالملائكة \"لا توصف بذكورة ولا أنوثة، لأنه لم يدل على ذلك عقل صريح ولم يرد به نقل صحيح، ثم هم لا يتوالدون\" (^٦)، ومن المتقرر أن\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٨/ ٢١٨)، وانظر: منهاج السنة (١/ ٣٦٤).\n(^٢) سبق تخريجه (ص ٣٦١).\n(^٣) انظر: السلسلة الصحيحة (١/ ٧٤١)، معتقد فرق المسلمين في الملائكة للعقيل (ص ٢١ - ٢٦).\n(^٤) انظر: المعجم الفلسفي جميل صليبا (٢/ ١١٢).\n(^٥) التعرف (ص ١١٩)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ٩٠).\n(^٦) الكوكب الأجوج للسقاف (ص ١٥٢).","vol":"1","page":365},{"text":"الجن والإنس يجري بينهم التناكح، وأن الملائكة بخلافهم.\nيقول شيخ الإسلام: \"الإنس والجن مشتركون مع كونهم أحياء ناطقين مأمورين منهيين؛ فإنهم يأكلون ويشربون، وينكحون وينسلون، ويتغذون وينمون بالأكل والشرب، وهذه الأمور مشتركة بينهم، وهم يتميزون بها عن الملائكة، فإن الملائكة لا تأكل ولا تشرب ولا تنكح ولا تنسل\" (^١).\nوعليه فالملائكة لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة، وإنما يخلق كل واحد منهم بذاته وهم باقون على أصل خلقتهم (^٢).\n\nب - قدرتهم على التشكل:\nيرى ابن حجر أن الملائكة \"تشكل بالأشكال المختلفة\" (^٣)؛ وذلك لكون الله - ﷿ - خلقها على هيئة \"جسم نوراني في غاية اللطافة فقبلت التشكل والانخلاع من طور إلى طور\" (^٤).\nالتقويم:\nمن الخصائص التي خص الله بها الملائكة قدرتهم على التشكل بأشكال متعددة، حسب ما تقتضيه المناسبات التي ينزلون فيها بأمر الله تعالى، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة.\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)﴾ [هود: ٧٧].\nوقوله سبحانه: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧)﴾ [مريم: ١٧].\nوقوله - ﷿ -: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾ [الذاريات: ٢٤، ٢٥].\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٦/ ١٩٢).\n(^٢) انظر: الحبائك (ص ٢٦٤)، الكوكب الأجوج (ص ١٥٢)، معتقد فرق المسلمين في الملائكة للعقيل (ص ٧٢ - ٧٣).\n(^٣) التعرف (ص ١١٨)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ٨٨)، أشرف الوسائل (ص ٧٧).\n(^٤) فتح المبين (ص ٨٨).","vol":"1","page":366},{"text":"ومن السُّنّة: مجيء جبريل - ﵇ - النبي - ﷺ - على صورة الرجل المسافر (^١)، وعلى صورة دحية الكلبي - ﵁ - (^٢).\nوقدرة الملائكة على التشكل جائزة شرعًا وعقلًا، وقول من قال بمنعها وأنها مجرد خيالات تظهر للرائي دون أن يكون لها حقيقة في الخارج (^٣)، مبني على قياس الملائكة على البشر، وهو قياس مع الفارق للاختلاف في الخلقة والقدرة (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>٣ - عددهم:</span>\nيرى ابن حجر أن الملائكة \"بالغون من الكثرة ما لا يعلمه إلا الله تعالى\" (^٥)، يقول في ذلك: \"ولهم من الكثرة ما لا يحيط بهم إلا خالقهم\" (^٦)، \"وقد ورد في كثرتهم ما يبهر العقل ويفوق الحصر؛ ومنه: ... حديث المعراج المتفق على صحته: \"إن البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم\" (^٧) ... \" (^٨).\nالتقويم:\nدلت نصوص الكتاب والسنة على كثرة الملائكة، ولم يرد فيها تعيين عددهم.\nقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: ٣١].\nوقال سبحانه عقبها: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].\n_________\nأخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، (١/ ٣٦) برقم\n(^١) من حديث عمر - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السماوات وفرض الصلوات (١/ ١٥٣) برقم (١٦٧) من حديث جابر بن عبد الله - ﵁ -.\n(^٣) انظر: غاية المرام للآمدي (ص ٣٢٥)، فتح الباري (١/ ٢١)، الحبائك (ص ٢٦١ - ٢٦٢).\n(^٤) انظر: بيان تلبيس الجهيمة (٢/ ٤٩٢).\n(^٥) فتح المبين (ص ٧١).\n(^٦) التعرف (ص ١١٩).\n(^٧) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (٢/ ٩٩١ - ٩٩٢). برقم (٣٢٠٧)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - (١/ ١٤٥) برقم (١٦٢) من حديث أنس - ﵁ - به.\n(^٨) الدر المنضود (ص ٣٤ - ٣٥).","vol":"1","page":367},{"text":"وفي الحديث: \"يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها\" (^١).\nوقد اتفقت كلمة أهل العلم على كثرتهم، وأن عددهم لا يحصيه إلا خالقهم (^٢).\nيقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه لحديث البيت المعمور السابق: \"استُدِلَّ به على أن الملائكة أكثر المخلوقات؛ لأنه لا يعرف من جميع العوالم من يتجدد من جنسه في كل يوم سبعون ألفًا، غير ما ثبت عن الملائكة في هذا الخبر\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>٤ - أعمالهم:</span>\nيرى ابن حجر أن الله تعالى قد وكل إلى الملائكة تصريف العالم وأنها \"قدرت على الأعمال التي لا يطيقها غيرهم ... ولم تفتر عما سخرت له من الطاعة والقيام بمصالح العباد\" (^٤).\nوقد خص ابن حجر الحفظة من الملائكة بمزيد تفصيل حيث سئل عن عددهم على كل إنسان؟ وهل على الكافر من الإنس حفظة؟ وهل الحفظة غير الكاتبين الكريمين؟\nفأجاب بقوله: \"قول السائل: كم هم على كل إنسان؟\nجوابه: أنه ورد في ذلك أمور مختلفة ... ويمكن الجواب عن تخالف هذه المذكورات على تقدير صحتها كلها بأنه - ﷺ - حيث ذكر القليل يحتمل أنه أراد حفظًا خاصًا، وحيث ذكر الكثير محتمل أنه أراد حفظًا عامًا، ويحتمل أنه أعلم بالقليل ثم بأكثر منه، ويحتمل أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص؛ فمن الناس من يُوكل به قليل ومنهم من يوكل به كثير ...\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب في شدة حر جهنم وبعد قعرها (٤/ ٢١٨٤) برقم (٢٨٤٢) من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - به.\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٣٢)، إغاثة اللهفان (٢/ ١٢٥ - ١٣١)، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٤٠٨ - ٤٠٩)، فتح الباري (٧/ ٢١٥).\n(^٣) فتح الباري (٧/ ٢١٥).\n(^٤) التعرف (ص ١١٩).","vol":"1","page":368},{"text":"وقوله: وهل على الكافر حفظة؟\nجوابه: نعم، كما شمله بل صرح به قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ٩ - ١٢].\nوقوله: هل هم غير الكاتبين الكريمين؟\nجوابه: أنه قد عُلم أن ملائكة الحفظ الموكلين بالإنسان ينقسمون إلى أن منهم من هو موكل بالحفظ لا غير، ومنهم - وهما الكاتبان الكريمان - من هو موكل بالحفظ والكتابة، وورد في هذين أنهم لا يفارقون الإنسان\" (^١).\nالتقويم:\n\"كل حركة في السماوات والأرض ... فهي ناشئة عن الملائكة الموكلين بالسماوات والأرض، كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥]، وقوله: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ [الذاريات: ٤] ... وقد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات\" (^٢)، وأن من أصنافهم: الحفظة: وهم الذين يحفظون بني آدم، والكتبة: وهم الذين يكتبون أعمالهم ويحصونها عليهم.\nيقول سبحانه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]، ويقول جل وعلا: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].\nيقول الحافظ ابن كثير - ﵀ -: \"للعبد ملائكة يتعاقبون عليه حراس بالليل وحراس بالنهار يحفظونه من الأسواء والحادثات، كما يتعاقب ملائكة آخرون لحفظ الأعمال من خير أو شر، وملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فاثنان عن اليمين والشمال يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ٤٨ - ٥٢)، وانظر: (ص ٩٠) (ص ٢١٨).\n(^٢) إغاثة اللهفان (٢/ ١٢٥).","vol":"1","page":369},{"text":"ويحرسانه واحد من ورائه وآخر من قدامه فهو بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعة آخرين بالليل بدلًا، حافظان وكاتبان\" (^١).\nوأما القول في الكافر وهل عليه حفظة أم لا؟ فهو مما اختلفت فيه أقوال أهل العلم، يقول العلامة القرطبي - ﵀ -: \"اختلف الناس في الكفار هل عليهم حفظة أم لا؟\nفقال بعضهم: لا؛ لأن أمرهم ظاهر، وعملهم واحد.\nوقيل: بل عليهم حفظة؛ لقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ٩ - ١٢]، وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠)﴾ [الانشقاق: ١٠]. فأخبر أن الكفار يكون لهم كُتَّاب، ويكون عليهم حفظة.\nفإن قيل: الذي عن يمينه أي شيء يكتب ولا حسنة له؟ قيل له: الذي يكتب عن شمال يكون بإذن صاحبه، ويكون شاهدًا على ذلك وإن لم يكتب والله أعلم\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>٥ - موتهم:</span>\nيقول ابن حجر: \"والملائكة يموتون بالنصوص والإجماع، ويتولى قبض أرواحهم ملك الموت، ويموت ملك الموت بلا ملك الموت\" (^٣).\nالتقويم:\nمن عظمة الله تعالى وكمال ربوبيته سبحانه تفرده جل وعلا بالبقاء قال سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]. وقال - ﷿ -: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧].\nقال ابن كثير - ﵀ -: \"يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٢/ ٥٥٢).\n(^٢) تفسير القرطبي (٢٤٨/ ١٩)، وانظر: شرح صحيح مسلم للنووي (٢/ ١٩)، فتح الباري (٨/ ٥٩٤)، الحبائك (ص ٨٩).\n(^٣) الفتاوى الحديثية (ص ٢١٩).","vol":"1","page":370},{"text":"ويموتون أجمعون، وكذلك أهل السماوات إلا ما شاء الله، ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم؛ فإن الرب تعالى وتقدس لا يموت، بل هو الحي الذي لا يموت أبدًا\" (^١).\nوقد اختلف الناس في الملائكة هل يموتون أم هم ممن استثنى الله؟\nيقول الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ - في شرحه لحديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - كان يقول: \"أعوذ بعزتك، الذي لا إله إلا أنت، الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون\" (^٢): \"قوله: \"والجن والإنس يموتون\" استدل به على أن الملائكة لا تموت، ولا حجة فيه ... ولا اعتبار له، وعلى تقديره فيعارضه ما هو أقوى منه، وهو عموم قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، مع أنه لا مانع من دخولهم في مسمى الجن؟ لجامع ما بينهم من الاستتار عن عيون الإنس\" (^٣).\nوالقول بموت الملائكة هو الذي عليه أكثر الناس، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"الذي عليه أكثر الناس أن جميع الخلق يموتون حتى الملائكة وحتى عزرائيل ملك الموت ... والمسلمون واليهود والنصارى متفقون على إمكان ذلك وقدرة الله عليه؛ وإنما يخالف في ذلك طوائف من المتفلسفة ... ومن دخل معهم من المنتسبين إلى الإسلام أو اليهود والنصارى ... ممن زعم أن الملائكة هي العقول والنفوس، وأنه لا يمكن موتها بحال، بل هي عندهم آلهة وأرباب هذا العالم\" (^٤).\nوبما سبق يتضح موافقة ابن حجر - ﵀ - لما دلت عليه النصوص وقرره أهل العلم فيما يتعلق بوجود الملائكة، وخلقهم، وعددهم، وأعمالهم، وموتهم، سوى ما ذكره من كون الملائكة خلقوا من العناصر الأربعة لعدم ورود الدليل عليه - كما سبق -.\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٨٧).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤/ ٢٣٠٥) برقم (٧٣٨٣).\n(^٣) فتح الباري (١٣/ ٣٧٠).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٥٩)، وانظر: الحبائك (ص ٢٧٢).","vol":"1","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>المبحث الثاني المفاضلة بين الملائكة، والمفاضلة بينهم وبين صالحي البشر</span>\nتحدث ابن حجر - ﵀ - عن المفاضلة بين الملائكة، والمفاضلة بينهم وبين صالحي البشر، وساق أقوال الناس في ذلك، ورجح ما يراه منها، وفيما يلي عرض رأيه في هاتين المسألتين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>أولًا: المفاضلة بين الملائكة:</span>\nساق ابن حجر - ﵀ - أقوال الناس في المفاضلة بين الملائكة فقال: \"فيه خلاف، والأدلة فيه متكافئة:\nفقيل: جبريل أفضل؛ لأنه صاحب السر المخصوص بالرسالة إلى الأنبياء والرسل، والقائم بخدمتهم وتربيتهم.\nوقيل: إسرافيل؛ لأنه صاحب سر الخلائق أجمعين إذ اللوح المحفوظ في جبهته لا يطلع عليه غيره، وجبريل وغيره إنما يتلقون ما فيه عنه، وهو صاحب الصور القائم ملتقمًا له ينتظر الساعة والأمر به لينفخ فيه فيموت كل شيء إلا من استثنى الله ثم بعد أربعين سنة يؤمر بالنفخ فيحيون ثم يبعثون\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وأفضلهم جبريل وإسرافيل، وتعارضت الأحاديث في أفضلهما، وأكثرها يدل على أفضلية إسرافيل\" (^٢).\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ٤٢٤).\n(^٢) المصدر السابق (ص ٩١).","vol":"1","page":372},{"text":"التقويم:\nالملائكة متفاوتون في الفضل، يَفْضُل بعضهم بعضًا، شأنهم في ذلك شأن سائر المخلوقات، فأفضل الملائكة المقربون منهم.\nيقول الحافظ ابن كثير - ﵀ - في سياقه لأصناف الملائكة: \"ومنهم الكروبيون الذين هم حول العرش، وهم أشرف الملائكة مع حملة العرش، وهم الملائكة المقربون كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] (^١).\nوأفضل المقربين رؤساء الملائكة الثلاثة الذين كان النبي - ﷺ - يذكرهم في دعائه الذي يفتتح به صلاته إذا قام من الليل، حيث يقول: \"اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض ... \" الحديث (^٢).\nيقول العلامة ابن القيم - ﵀ -: \"ذكر هؤلاء الثلاثة من الملائكة لكمال اختصاصهم واصطفائهم وقربهم من الله، وكم من ملك غيرهم في السماوات فلم يسم إلا هؤلاء الثلاثة ... \" (^٣).\nوقد اختلف في المفاضلة بين هؤلاء الثلاثة على أقوال:\nالأول: أن أفضلهم جبريل ثم إسرافيل ثم ميكائيل.\nالثافي: أن أفضلهم إسرافيل ثم جبريل ثم ميكائيل.\nالثالث: أن أفضلهم جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل.\nالرابع: التوقف (^٤).\nوقد ذكر الحافظ السيوطي الآيات والأحاديث والآثار الواردة في كل\n_________\n(^١) البداية والنهاية (١/ ٤٩)، وانظر: تفسير الرازي (١١/ ١١٩).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل (١/ ٥٣٤) برقم (٧٧٠) من حديث عائشة - ﵂ - به.\n(^٣) زاد المعاد (١/ ٤٣).\n(^٤) انظر: تفسير الرازي (٣/ ١٩٨)، والمطالب العالية له (٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، والحبائك للسيوطي (ص ٢٧٤)، فيض القدير للمناوي (٢/ ١٠١ - ١٠٢).","vol":"1","page":373},{"text":"منهم، وهي في مجملها لا تخرج عن كونها ضعيفة لا يثبت بها حكم، أو تدل على مطلق الفضل لا التفضيل المطلق (^١).\nوعليه فقول ابن حجر - ﵀ - بأن أكثر الأحاديث تدل على أفضلية إسرافيل متوقف على صحتها من جهة، وصراحة دلالتها من جهة أخرى، وهما كير متحققين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>ثانيًا: المفاضلة بين الملائكة وبين صالحي البشر:</span>\nذكر ابن حجر - ﵀ - أقوال الناس في المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر، ورجح ما رآه منها، وبين أدلته على قوله (^٢).\nيقول في بيان ذلك: \"في المسألة أقوال:\nأحدها: مذهب المعتزلة أن الملائكة أفضل مطلقًا، ووافقهم أئمة من أهل السنة كالباقلاني ... والرازي ...\n(والثاني): السكوت عن التفاضل، \" وقالوا: ليست المسألة مما كلفنا الله تعالى بمعرفة الحكم فيها، فلنفوض إلى الله تعالى ونعتقد أن الفضل لمن فضله الله\" (^٣).\n(والثالث): \"الذي عليه محققو أهل السنة أن خواصنا وهم الأنبياء أفضل منهم مطلقًا، وعوامنا وهم الصلحاء كأبي بكر - ﵁ - أفضل من عوامهم، وخواصهم كجبريل أفضل من عوامنا\" (^٤).\nوقد \"قامت الأدلة على تفضيل نبينا بل سائر الأنبياء على الملائكة:\nومنها: قوله تعالى بعد ذكر جمع من الأنبياء: ﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦]، والملائكة من جملة العالمين، وقوله: ﴿خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] [البينة: ٧] والبرية: الخليقة، والملائكة من جملتهم ... وقوله:\n_________\n(^١) انظر: الحبائك (ص ١٩ - ٣٧).\n(^٢) انظر: الدر المنضود (ص ٣٦ - ٤١)، فتح المبين (ص ٢٠)، التعرف (ص ١١٩)، حاشية الإيضاح (ص ٤)، المولد الشريف (ص ٢٠)، الفتاوى الحديثية (ص ٢٢٣، ٢٥٢، ٢٥٥، ٢٥٦، ٤٢٤)، المنح المكية (١/ ١٢١، ١٢٦، ١٤٥، ٢٧٣، ٤٢٠).\n(^٣) الدر المنضود (ص ٤٠ - ٤١).\n(^٤) المصدر السابق (ص ٣٦).","vol":"1","page":374},{"text":"﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] وهذا يشملهم، ولا شك أن المسخَّر له مقصود بالذات، وغيره بالعَرضَ.\nومنها: اختصاص الأنبياء بأنهم الذين قامت بهم حجة الله على خلقه، وبأن آدم منهم سجد له الملائكة، والمسجود له أفضل من الساجد.\nومنها: أن للبشر طاعاتٍ لم يثبت مثلها للملائكة، كالجهادِ والغزو، ومخالفة الهوى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على البلايا والمحن.\nومنها: أن طاعات البشر أكمل، لأن الله كلفهم بها مع وجود صوارف عنها قائمة بهم وخارجة عنهم، ولا شك أن فعل الشيء مع مشقة ووجود الصارف عنه أبلغ في الطاعة والإذعان مع فعله مع عدم ذلك، إذ لا امتحان فيه بوجه ... \" (^١).\nالتقويم:\nمسألة المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر مسألة أثرية سلفية صحابية (^٢)، وقد أكثر الناس الخوض فيها، وتعددت أقوالهم حيالها، وحاصلها ثلاثة:\nالأول: القول بتفضيل صالحي البشر على الملائكة، وهو المشهور من مذهب السلف (^٣)، ومن وافقهم من الأشاعرة (^٤).\nوالثاني: القول بتفضيل الملائكة على صالحي البشر، وهو مذهب المعتزلة (^٥)، وبعض أهل السنة والأشاعرة (^٦) والصوفية (^٧).\n_________\n(^١) الدر المنضود (ص ٣٨ - ٣٩).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣٥٧).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٤/ ٣٤٣)، بدائع الفوائد (٣/ ٦٨٤)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٣٦٨).\n(^٤) انظر: المواقف (ص ٣٦٧)، وشرحها للجرجاني (٨/ ٢٨٣).\n(^٥) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٩٦)، الكشاف (١/ ٣١٦ - ٣١٧).\n(^٦) انظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٤١٠).\n(^٧) انظر: التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي (ص ٦٩).","vol":"1","page":375},{"text":"والثالث: السكوت وعدم القطع فيها بقول (^١).\nهذه هي أهم الأقوال في المسألة، وقد احتج أصحاب كل قول بأدلة، ورد عليهم الآخرون بما يرد عليها (^٢).\nوالتحقيق: هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - حيث قال: \"بأن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية، فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى، منزهون عما يلابسه بنو آدم، مستغرقون في عبادة الرب، ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر، وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة، فيصير حال صالحي البشر أكمل من حال الملائكة\" (^٣).\nقال ابن القيم معقبًا على ذلك: \"وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل، وتتفق أدلة الفريقين، ويصالح كل منهم على حقه، فعلى المتكلم في هذا الباب أن يعرف أسباب الفضل أولًا، ثم درجاتها ونسبة بعضها إلى بعض، والموازنة بينها ثانيًا، ثم نسبتها إلى من قامت به ثالثًا كثرة وقوة، ثم اعتبار تفاوتها بتفاوت محلها رابعًا، فرب صفة هي كمال الشخص، وليست كمالًا لغيره، بل كمال غيره بسواها، فكمال خالد بن الوليد بشجاعته وحروبه، وكمال ابن عباس بفقهه وعلمه، وكمال أبي ذر بزهده وتجرده عن الدنيا، فهذه أربعة مقامات يضطر إليها المتكلم في درجات التفضيل، وتفضيل الأنواع على الأنواع أسهل من تفضيل الأشخاص على الأشخاص، وأبعد عن الهوى والغرض\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: شعب الإيمان للبيهقي (١/ ١٨٢)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٤٢٣)، فتح القدير للشوكاني (١/ ٥٤٢) (٣/ ٢٢ - ٢٣، ٢٤٤).\n(^٢) انظر: المحلى (١/ ١٣)، والفصل (٥/ ١٥ - ١٧)، مجموع الفتاوى (٤/ ٣٥٠ - ٣٩٢)، الاستغاثة لشيخ الإسلام (٢/ ٦٣٤)، بدائع الفوائد (١/ ٧٠)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٤١٠ - ٤٢٣)، فتح الباري (١٣/ ٣٨٦ - ٣٨٨)، الحبائك (ص ٢٠٣ - ٢٢٦)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٣٦٨)، وللاستزادة: مباحث المفاضلة في العقيدة د. محمد الشظيفي (ص ٣٥٤ - ٣٦٠)، معتقد فرق المسلمين في الملائكة (ص ٢٠٥ - ٢٠٩).\n(^٣) مجمع الفتاوى (٤/ ٣٤٣).\n(^٤) بدائع الفوائد (٣/ ٦٨٤).","vol":"1","page":376},{"text":"وقد أفاض شيخ الإسلام - ابن تيمية - ﵀ - في الاستدلال لقوله حيث ذكر ثلاثة عشر دليلًا عليه، ورد على المخالفين بما لا مزيد عليه (^١).\nومما تجد الإشارة إليه أن المفاضلة جائزة بين الملائكة وصالحي البشر ما لم تكن على وجه التنقص أو الحمية والعصبية للجنس، فإن أفضت إلى ذلك فلا شك في ردِّها (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣٥٠ - ٣٩٣).\n(^٢) انظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٤١٢).","vol":"1","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>المبحث الثالث عصمة الملائكة</span>\nحكى ابن حجر - ﵀ - اتفاق المسلمين على عصمة المرسلين من الملائكة وخلافهم فيمن عداهم، ورجح عصمة الجميع، فقال: \"أجمع المسلمون أنهم أيعني: الملائكة، مؤمنون فضلاء، واتفق أئمة المسلمين أن الرسل منهم إلى الأنبياء معصومون كالأنبياء، والأصح بل الصواب عصمة بقيتهم\" (^١).\nكما حكى قصة هاروت وماروت، وذكر اختلاف أهل العلم فيهما هل هما ملكان أم لا؟ ورجح كونهما ملكين، ورد على من أنكر ثبوت قصتهما فقال: \"والجمهور على فتح تاء هاروت وماروت، وهما بناء على فتح لام الملكين بدل منهما ... وهو الصحيح للتصريح به في الحديث ... ونازع جماعة في أصل ثبوت القصة، وليس كما زعموا لورود الحديث بصحته بها ... \" (^٢).\nوقد أورد ابن حجر - ﵀ - عفا الله عنه - القصة، مختصرة وأجاب عنها فقال: \"وأما ما وقع لهاروت وماروت كما صح عنه - ﷺ - في شأنهما أنهما كانا من الملائكة وأنهما افتتنا بالزهرة، وكانت أجمل نساء زمنها حتى زنيا بها وشربا الخمر، وقتلا فمسخت كوكبًا لأنهما علَّماها الاسم الأعظم الذي كانا يرقيان به إلى السماء فرقيت إليها فمسخت هذا الكوكب المضيء\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ٨٧)، وانظر: التعرف (ص ١١٩)، الزواجر (٢/ ١٠٥ - ١٠٦)، الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٢٨٨ - ٢٨٩).\n(^٢) الزواجر (٢/ ١٠٥ - ١٠٦).","vol":"1","page":378},{"text":"المعروف، فذلك أمر خارق للعادة أوجده الله تأديبًا للملائكة في قولهم ...\nوهذا الذي ذكرته من الجواب عن هذه القصة من أنها أمر خارق للعادة، وبهذه الحكمة التي ذكرتها يبين به الرد على من أطال في إنكار قصتهما ... وأن ذلك الوقوع لتلك الحكمة لا يخل بعصمة الملائكة من حيث هي ولا ينافيه شيء من الأدلة والقواعد، فاحفظ ما قررته وتأمله، فإن الكلام قد كثر في هذا المحل وتعارضت فيه الآراء والظنون، وما ذكرته فيه هو الأوفق بالسنة وغير مناف للقواعد وإن لم أر من سبقني إليه\" (^١).\nالتقويم:\nالعصمة لغة: اسم مصدر من \"عَصَمَ\".\nيقول ابن فارس: \"العين، والصاد، والميم، أصل واحد صحيح، يدل على إمساك ومنع وملازمة، والمعنى في ذلك كله معنى واحد\" (^٢).\nوالمراد بها اصطلاحًا: الالتزام بالمأمورات والبعد عن المنهيات (^٣).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"العصمة مطلقًا ... هي فعل المأمور وترك المحذور\" (^٤).\nوعليه فالمراد بالبحث في عصمة الملائكة هو البحث في تحقق هذا المعنى في حقهم من عدمه.\nولتحقيق ذلك يقال: اتفق المسلمون على عصمة المرسلين من الملائكة، واختلفوا فيمن عداهم.\nيقول القاضي عياض (^٥) - ﵀ -: \"أجمع المسلمون على أن الملائكة\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ٨٧، ٨٨).\n(^٢) معجم مقاييس اللغة (ص ٧٧٩)، وانظر: تهذيب اللغة (٣/ ٢٤٦٥)، الصحاح (٥/ ١٩٨٦)، لسان العرب (١٢/ ٤٠٣)، القاموس المحيط (ص ١٤٦٩).\n(^٣) انظر: منهاج السنة (٦/ ٤٠٦، ٤٢٩، ٤٦٩). (٧/ ٨٥)، فتح البادي (١١/ ٥١٠)، شرح الكوكب المنير (٢/ ١٦٧)، وللاستزادة: عصمة غير الأنبياء للدكتور يوسف السعيد (ص ٢١٨ - ٢١٩).\n(^٤) منهاج السنة (٧/ ٨٥).\n(^٥) هو عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض اليحصبي، أبو الفضل =","vol":"1","page":379},{"text":"مؤمنون فضلاء، واتفق أئمة المسلمين أن حكم المرسلين منهم حكم النبيين سواء في العصمة ...\nواختلفوا في غير المرسلين منهم:\nفذهبت طائفة إلى عصمة جميعهم عن المعاصي، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] ...\nوذهبت طائفة إلى أن هذا خصوص للمرسلين منهم والمقربين.\nوالصواب عصمة جميعهم، وتنزيه نصابهم عن جميع ما يحط من رتبتهم ومنزلتهم عن جليل مقدارهم\" (^١).\nوعليه فما ذكره ابن حجر - ﵀ - من ترجيح القول بعصمة الجميع هو الصواب الذي تعضده الأدلة، ومنها:\nقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ [الأنبياء: ٢٦، ٢٧].\nوقوله سبحانه: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].\nوقوله جل وعلا: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠].\nوقوله سبحانه: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠].\nوقوله ﵎: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥].\nفهذه الآيات دلت بمجموعها على فعلهم المأمورات وتركهم المنهيات، ومبالغتهم في الاشتغال بعبادة الله، واصطفاء الله سبحانه منهم، وقد سيقت كلها في معرض التمدح، وإذا كان شأنهم كذلك لم يبق للمعصية\n_________\n= المشهور بالقاضي، من أئمة المالكية وعلمائهم، من مؤلفاته: إكمال المعلم بفوائد مسلم، الشفا في حقوق المصطفى، ترتيب المدارك وغيرها، توفي سنة ٥٤٤ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢١٢)، شذرات الذهب (٤/ ١٣٨).\n(^١) الشفا (٢/ ٨٥١ - ٨٥٣).","vol":"1","page":380},{"text":"عليهم سبيل (^١).\nوأما هاروت وماروت الوارد ذكرهما في قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢].\nفقد اختلف أهل العلم فيهما على قولين:\nالأول: أنهما ليسا من الملائكة، وإنما هما شيطانان، و(ما) في قوله سبحانه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ نافية، وعلى قول هؤلاء فلا إشكال في الآية.\nالثاني: أنهما من الملائكة، و(ما) في قوله سبحانه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ موصولة (^٢)، واختلف هؤلاء في الجواب عن قصتهما:\nفمنهم من ذهب إلى القول بأنه يمكن أن تكون هذه شريعة من الشرائع، ثم نسخت، كما نسخ غيرها من الشرائع (^٣).\nومنهم من ذهب إلى القول بأن هذا من امتحان الله لعباده، وهو أمر جائز (^٤).\nومنهم من ذهب إلى القول بأن فعلهما ليس بمعصية، وأنهما لم يعصيا، لكونهما يعلمان الناس السحر تعليم إنذار وتحذير، لا تعليم دعاء إليه (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الفصل (٣/ ٣٠٣ - ٣٠٤)، والشفا (٢/ ٨٥١ - ٨٥٩)، والمواقف للإيجي (ص ٣٦٦)، وشرحها للجرجاني (٨/ ٢٨٠)، وشرح المقاصد (٥/ ٦٤)، الحبائك (ص ٢٥٢ - ٢٥٣)، والكوكب الأجوج للسفاف (ص ١٥٢)، وللاستزادة: عصمة غير الأنبياء للسعيد (ص ٢٢٠ - ٢٢٧).\n(^٢) انظر: تفسير ابن جرير (١/ ٤٩٧)، تفسير ابن أبي زمنين (١/ ١٦٤)، تفسير السمعاني (١/ ١١٦)، تفسير البغوي (١/ ١٢٩)، تفسير القرطبي (٢/ ٥٠ - ٥١)، تفسير ابن كثير (١/ ١٤٧).\n(^٣) انظر: الفصل لابن جزم (٣/ ٣٠٥).\n(^٤) انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (١/ ١٨٤)، تفسير ابن جرير (١/ ٤٩٩ - ٥٠٠) تفسير البغوي (١/ ١٢٩).\n(^٥) انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (١/ ١٨٣)، الشفا (٢/ ٨٥٦) تفسير القرطبي (٢/ ٥٣).","vol":"1","page":381},{"text":"ومنهم من ذهب إلى القول بأن ما ورد من الدلائل على عصمة الملائكة لا يعارضه ما ورد في قصة هاروت وماروت، لكونهما قد سبق في علم الله لهما ذلك، فيكون تخصيصًا لهما (^١).\nوما ذكره ابن حجر - ﵀ - في الجواب عن الآية هو بمعنى هذا.\nوأما ما ذكره من تفصيل قصتهما وحكمه بصحتها، فالجواب عنه أن يقال: إن القصة رويت مرفوعة وموقوفة.\nفأما الرواية المرفوعة: فقد وردت من حديث ابن عمر، وعلي - ﵄ -.\nفأما حديث ابن عمر: فقد أخرجه أحمد (^٢)، وعبد بن حميد (^٣) (^٤)، وابن حبان (^٥)، والبزار (^٦)، والبيهقي (^٧)، وابن السني (^٨) (^٩) من طرق عن يحي بن أبي بكير، عن زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا بنحو القصة المذكورة.\nقال الحافظ ابن كثير - ﵀ -: \"هذا حديث غريب من هذا الوجه ورجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين إلا موسى بن جبير هذا، وهو الأنصاري السلمي مولاهم الحذاء ... ذكره ابن أبي حاتم (^١٠) في كتاب الجرح\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٧)، تفسير ابن كثير (١/ ١٤٧).\n(^٢) انظر: المسند (١٠/ ٣١٧) رقم (٦١٧٨).\n(^٣) هو عبد بن حميد بن نصر الكسِّي أو الكَشِّي، أبو محمد، إمام حافظ، من مؤلفاته: التفسير، والمسند، والمنتخب منه، توفي سنة ٢٤٩ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٣٥)، شذرات الذهب (٢/ ١٢٠).\n(^٤) انظر: المنتخب (٢/ ٢٩) رقم (٧٨٥).\n(^٥) انظر: الصحيح (١٤/ ٦٣ - ٦٦) رقم (٦١٨٦).\n(^٦) انظر: كشف الأستار للهيثمي (٣/ ٣٥٨) رقم (٢٩٣٨).\n(^٧) انظر: السنن الكبرى (١٠/ ٤ - ٥).\n(^٨) هو أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أسباط الدينوري، أبو بكر، المعروف بابن السني، من مؤلفاته: عمل اليوم والليلة، اختصار السنن الكبرى للنسائي، فضائل الأعمال، توفي سنة ٣٦٤ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٢٥)، شذرات الذهب (٣/ ٤٨).\n(^٩) انظر: عمل اليوم والليلة (ص ٦٠٥) رقم (٦٥٧).\n(^١٠) هو عبد الرحمن بن محمد بن إدريس التميمي الحنظلي، أبو محمد، إمام حافظ، وسلفي عابد، من مؤلفاته: الجرح والتعديل، مناقب الإمام الشافعي، توفي سنة ٣٢٧ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٦٣ - ٢٦٩)، طبقات الشافعية (٣ - ٣٢٤).","vol":"1","page":382},{"text":"والتعديل (^١)، ولم يحك فيه شيئًا من هذا ولا هذا، فهو مستور الحال، وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -.\nوروي له متابع من وجه آخر عن نافع:\nكما قال ابن مردويه (^٢): حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا هشام بن علي بن هشام، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن سلمة، حدثنا موسى بن سرجس، عن نافع، عن ابن عمر سمع النبي - ﷺ - يقول فذكره بطوله.\nوقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين - وهو سُنَيْد صاحب التفسير - حدثنا الفرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن نافع ...\nوهذان - أيضًا - غريبان جدًّا.\nوأقرب ما في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر، عن كعب الأحبار، لا عن النبي - ﷺ - ... فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل، والله أعلم\" (^٣).\nوأما حديث علي - ﵁ -.\nفقد أخرجه ابن مردويه من طريق مغيث، عن مولاه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي - ﵁ - مرفوعًا.\nوأخرجه ابن السني (^٤) وابن مردويه من طريق جابر، عن أبي الطفيل، عن علي - ﵁ - مرفوعًا (^٥).\n_________\n(^١) انظر: (٤/ ١٣٩/١).\n(^٢) هو أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك بن موسى بن جعفر، الأصبهانيّ، أبو بكر، الحافظ المجود، محدث أصبهان، من مؤلفاته: التفسير الكبير، والتاريخ، والأمالي، توفي سنة ٤١٠ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٣٠٨)، شذرات الذهب (٣/ ١٩٠).\n(^٣) التفسير (١/ ١٤٨).\n(^٤) عمل اليوم والليلة (ص ٦٠٤) رقم (٦٥٤).\n(^٥) انظر: تفسير ابن كثير (١/ ١٤٨).","vol":"1","page":383},{"text":"قال ابن كثير: \"وهذا أيضًا لا يصح، وهو منكر جدًّا، والله أعلم\" (^١).\nوأما الرواية الموقوفة: فقد وردت من قول جماعة من الصحابة كعلي، وابن مسعود، وابن عباس - ﵃ - ومن قول جماعة من التابعين ككعب الأحبار، ومجاهد (^٢)، والحسن (^٣)، والسدي (^٤). وغيرهم - رحمهم الله تعالى - (^٥).\nقال الحافظ ابن كثير - ﵀ -: \"وأما ما يذكره كثير من المفسرين في قصة هاروت وماروت ... فهذا أظنه من وضع الإسرائيليين، وإن كان قد أخرجه كعب الأحبار، وتلقاه عنه طائفة من السلف، فذكروه على سبيل الحكاية والتحديث عن بني إسرائيل\" (^٦).\nهذا وقد ضعف القصة برواياتها وأنكرها جماعة من أهل العلم قديمًا وحديثًا (^٧).\nوحاصل الكلام أن القصة راجعة \"في تفاصيلها إلى أخبار بني\n_________\n(^١) التفسير (١/ ١٤٨).\n(^٢) هو مجاهد بن جبر المكي الأسود، أبو الحجاج، إمام حافظ مفسر، من أئمة التابعين، توفي سنة ١٠٢ هـ.\nانظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٤٦٦)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٤٩).\n(^٣) هو الحسن بن أبي الحسن بن يسار، أبو سعيد، إمام حافظ مفسر، من أئمة التابعين، توفي سنة ١١٠ هـ.\nانظر: طبقات ابن سعد (٥/ ١٥٦)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٦٣).\n(^٤) هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي، إمام حافظ مفسر، من أئمة التابعين، توفي سنة ١٢٧ هـ.\nانظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٢٣)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٦٤).\n(^٥) انظر: تفسير ابن جرير (١/ ٤٩٧)، تفسير ابن كثير (١/ ١٤٨ - ١٥٢)، الدر المنثور للسيوطي (١/ ٢٣٨).\n(^٦) البداية والنهاية (١/ ٣٧).\n(^٧) ممن قال بضعف القصة ونكارتها: الإمام أحمد في المنتخب من العلل للخلال (ص ٢٩٥) برقم (١٩٤)، وأبو حاتم في العلل لابنه (٢/ ٦٩ - ٧٠)، وابن حزم في الفصل (٤/ ٦١ - ٦٢)، والقاضي عياض في الشفا (٢/ ٨٥٣ - ٨٥٥)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٨٦ - ١٨٧)، والرازي في تفسيره (٣/ ٢١٩)، والقرطبي في تفسيره (٢/ ٥٢)، والسيوطي في اللآلي المصنوعة (١/ ١٥٨ - ١٥٩)، وأبو السعود في تفسيره =","vol":"1","page":384},{"text":"إسرائيل؛ إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال\" (^١).\n* * *\n_________\n= (١/ ١٦٥)، والألوسي في روح المعاني (١/ ٣٤٠)، وأحمد شاكر في تعليقه على المسند (٩/ ٣٢)، والألباني في السلسلة الضعيفة (١/ ٣١٤ - ٣١٨).\n(^١) تفسير ابن كثير (١/ ١٥١).","vol":"1","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>الفصل الثاني آراؤه في الإيمان بالكتب</span>\nوفيه تمهيد وثلاثة مباحث:\nتمهيد في تعريف الكتب.\nالمبحث الأول: معنى الإيمان بالكتب وما يتضمنه.\nالمبحث الثاني: نزول القرآن ومعناه.\nالمبحث الثالث: إعجاز القرآن.","vol":"1","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>تمهيد في تعريف الكتب</span>\nالكتب في اللغة: جمع كتاب، بمعنى مكتوب.\nيقول ابن فارس: \"الكاف والتاء والباء أصل صحيح واحد يدل على جمع شيء إلى شيء، من ذلك الكتاب والكتابة، يقال: كتبت الكتاب أكتبه كتبًا\" (^١).\nوقد أشار إلى ذلك ابن حجر - ﵀ - فقال: \"الكتب ... لغة: الضم والجمع\" (^٢)، \"يقال: كتب يكتب كَتْبًا وكتابة وكتابًا ... وبه يعلم أن معنى هذه المادة يدور على الجمع وضم الشيء إلى الشيء ... \" (^٣).\nوالمراد بالكتب هنا - التي يجب الإيمان بها -: \"هي الكتب التي أنزلها الله تعالى على رسله، رحمة للخلق، وهداية لهم، ليصلوا بها إلى سعادة الدنيا والآخرة\" (^٤).\nوقد أشار ابن حجر - ﵀ - إلى بعضها بقوله: \"الكتب: هي التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، والصحف ... \" (^٥).\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة (ص ٩١٧)، وانظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣٠٩٧)، الصحاح (٨/ ٢٠١ - ٢٠٩)، لسان العرب (١/ ٦٩٨ - ٧٠٢)، القاموس المحيط (ص ١٦٥).\n(^٢) تحفة المحتاج (١/ ٣١).\n(^٣) الإيعاب (١/ ٤٤ - ٤٥).\n(^٤) فتاوى ابن عثيمين (٥/ ١٢٠).\n(^٥) فتح المبين (ص ١١)، وانظر: (ص ٧١)، المنح المكية (٢/ ٨٥١)، تحفة المحتاج (٣/ ٢٤٣)، الإيعاب (١/ ٢٧).","vol":"1","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>المبحث الأول معنى الإيمان بالكتب وما يتضمنه</span>\nبَيّن ابن حجر - ﵀ - معنى الإيمان بالكتب، وأن ذلك يتضمن أمورًا عديدة، فقال: \" [الإيمان بالكتب]: أي بأنها كلام الله تعالى الأزلي القديم بذاته، المنزه عن الحرف والصوت، وبأنه تعالى أنزلها على بعض رسله بألفاظ حادثة في ألواح أو على لسان الملك، وبأن كل ما تضمنته حق وصدق، وبأن بعض أحكامها نسخ وبعضها لم ينسخ\" (^١).\nويذكر ما يتميز به القرآن الكريم على جملة الكتب المنزلة، فيقول: \"ويميز القرآن بأنه لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر أحد منهم على الإتيان بمثل أقصر سورة منه، وبأن يتلوه حق تلاوته خشوعًا وتدبرًا، ورعاية لما يجب له مما اتفق عليه القراء، ويذب عنه تأويل المحرفين، وطعن الطاعنين، ويصدق بجميع ما فيه، ويقف مع أحكامه، ويتفهم أمثاله وعلومه ... \" (^٢).\nالتقويم:\nالإيمان بالكتب هو الركن الثالث من أركان الإيمان التي لا يصح إيمان العبد إلا بها، والكتب المنزلة من عند الله تعالى قسمان:\nالأول: ما لم يرد تسميته في القرآن والسنة، وهي أكثرها، فهذه يجب الإيمان بها إجمالًا.\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ٧١).\n(^٢) المصدر السابق (ص ١٢٤)، وانظر: فتح الإله بشرح المشكاة (ص ١١٤)، والإيعاب (١/ ٢٧).","vol":"1","page":389},{"text":"الثاني: ما ورد تسميته في القرآن والسنة، وهي:\n١ - التوراة: المنزل على موسى - ﵇ -.\n٢ - الإنجيل: المنزل على عيسى - ﵇ -.\n٣ - الزبور: المنزل على داوود - ﵇ -.\n٤ - صحف إبراهيم - ﵇ -.\n٥ - صحف موسىى - ﵇ -.\n٦ - القرآن العظيم المنزل على نبينا محمد - ﷺ -، وهو آخرها.\nفهذه يجب الإيمان بها على التعيين، ويزيد القرآن عليها - خاصة - بعد نزوله ونسخه لها بوجوب تصديقه والعمل بما فيه (^١).\nيقول العلامة ابن أبي العز - ﵀ -: \"وأما الإيمان بالكتب المنزلة على المرسلين، فنؤمن بأن لله تعالى سوى ذلك كتبًا أنزلها على أنبيائه، ولا يعرف أسماءها وعددها إلا الله تعالى.\nوأما الإيمان بالقرآن، فالإقرار به، واتباع ما فيه، وذلك أمر زائد على الإيمان بغيره من الكتب ... \" (^٢).\nوبناء على ما سبق فما ذكره ابن حجر - ﵀ - في تقريره لمفهوم الإيمان بالكتب، وبيانه لما يتضمنه يشتمل على حق وباطل.\nفأما ما اشتمل عليه من الحق:\nفقوله: بأن الإيمان بها يتضمن الإيمان بكونها كلام الله تعالى، وأنه سبحانه أنزلها على رسله - ﵈ - وأن ما تضمنته حق وصدق، وأن النسخ واقع بينها وفيها، وأن القرآن الكريم يتميز عنها بوجوب الإقرار بما فيه، والعمل به.\n_________\n(^١) انظر: تعظيم قدر الصلاة للمروزي (١/ ٢٩٣)، المنهاج في شعب الإيمان للحليمي (١/ ٣١٧ - ٣٢٣)، شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٤٤٧)، شرح الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٤٢٤ - ٤٢٥)، فتح الباري (١٢/ ١٧٢)، معارج القبول (٢/ ٦٧٥)، أضواء البيان للشنقيطي (١/ ١٤٨ - ١٤٩)، فتاوى ابن عثيمين (٣/ ٢٤١ - ٢٤٢).\n(^٢) شرح الطحاوية (٢/ ٤٢٤ - ٤٢٥).","vol":"1","page":390},{"text":"وأما ما اشتمل عليه من الباطل، فيمكن إجماله ومناقشته فيما يلي:\n١ - قوله بأن الكتب هي كلام الله القديم بذاته؛ ووجه كون كلامه هذا باطلًا، أن وصف القدم إما أن يريد به الكلام الذي هو صفته سبحانه، أو الكتب التي تضمنت ذلك الكلام، وعلى كلا التقديرين فكلامه باطل؛ لأن كلام الله تعالى الذي هو صفته من حيث هو قديم النوع حادث الآحاد فإطلاق القدم عليه مطلقًا لا يصح إلا على قول الأشاعرة ومن وافقهم من أن كلام الله تعالى معنى قائم بنفسه سبحانه - وقد تقدم مناقشته والرد عليه - وأما وصف كتبه سبحانه بكونها كلامه القديم أو أنها قديمة فمما لا يعرف عن السلف - ﵏ - وأول من عرف عنه أنه أطلق القدم على القرآن هو عبد الله بن كلاب.\nوهاتان المسألتان - أعني: وصف كلام الله ووصف كتبه بالقدم - متلازمتان، وكل واحدة منهما فرع عن الأخرى.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"وكما لم يقل أحد من السلف [يعني: عن القرآن] إنه مخلوق، فلم يقل أحد منهم إنه قديم، لم يقل واحدًا من القولين أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا من بعدهم من الأئمة الأربعة ولا غيرهم ... وأول من عرف أنه قال هو قديم عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم افترق الذين شاركوه في هذا القول.\nفمنهم من قال: الكلام معنى واحد قائم بذات الرب ...\nومنهم من قال: هو حروف أو حروف وأصوات قديمة أزلية ...\nوكلا الحزبين يقول: إن الله تعالى لا يتكلم بمشيئته وقدرته ... \" (^١).\n٢ - قوله بأن الكتب هي كلام الله المنزه عن الحرف والصوت - وقد تقدم الرد على ذلك وبيان مخالفته لمعتقد أهل السنة والجماعة بما يغني عن إعادته - (^٢).\n٣ - قوله بأن ألفاظ الكتب حادثة أي: مخلوقة - وقد تقدم الرد عليه كسابقه - (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٠١)، وانظر: (١٢/ ٥٨٩ - ٥٩٠).\n(^٢) انظر: (ص ٣٣٥).\n(^٣) انظر: (ص ٣٣٠).","vol":"1","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>المبحث الثاني نزول القرآن ومعناه</span>\nحكى ابن حجر - ﵀ - اتفاق أهل السنة على أن القرآن الكريم منزل، وذكر اختلافهم في معنى تنزيله، والمنزل منه، فقال:\n\"اعلم أنهم اختلفوا في كيفية إنزال القرآن - بعد اتفاق أهل السنة على أن كلام الله منزل -.\nفقيل: إنزاله إظهار قراءته.\nوقيل: إلهامه تعالى كلامه لجبريل وتعليمه قراءته، ثم جبريل أداه لنبينا - ﷺ - قيل: بأن انخلع من صورة البشرية إلى صورة الملائكة ثم أخذه من جبريل، وقيل: بل جبريل هو الذي انخلع من الملكية حتى أخذه منه النبي - ﷺ - ...\nوحكى بعضهم في المُنزّل عليه - ﷺ - ثلاثة أقوال:\nأحدها: اللفظ والمعنى، وجبريل حفظ اللفظ من اللوح المحفوظ ونزل به.\nثانيها: أنه إنما نزل بالمعاني خاصة، ونبينا - ﷺ - علم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب ...\nوثالثها: أن الذي نزل على جبريل المعنى فعبر عنه بلغة العرب ثم نزل بتلك الألفاظ على النبي - ﷺ -\" (^١).\nويبين ابن حجر - ﵀ - رأيه في هاتين المسألتين فيقول: \"الذي يتعين ترجيحه\n_________\n(^١) فتح الإله بشرح المشكاة (ص ١٣٠).","vol":"1","page":392},{"text":"بحسب الأدلة أن المنزل عليه - ﷺ - اللفظ والمعنى، وأن ذلك ليس من اختراع جبريل، وإنما أخذه بالتلقي الروحاني أو من اللوح المحفوظ\" (^١).\nالتقويم:\nتواترت النصوص من الكتاب والسنة على أن القرآن الكريم منزل من عند الله سبحانه.\nقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤)﴾ [الأنعام: ١١٤].\nوقال سبحانه: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾ [النحل: ١٠٢].\nوقال ﷿: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الزمر: ١].\nوأحاديث أسباب نزول الآيات كلها تدل على نزول القرآن الكريم من الله ﵎ (^٢).\nوقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن القرآن الكريم منزل، ووافقهم على ذلك الأشاعرة - الذين حكى ابن حجر اتفاقهم في كلامه السابق واصفًا لهم بأهل السنة كعادته -.\nثم اختلفوا في معنى نزوله، والمنزل منه:\nفقال أهل السنة والجماعة: نزل من الله لفظًا ومعنى، وسمعه جبريل منه سبحانه، وسمعه محمد - ﷺ - من جبريل، وليس لجبريل - ﵇ - ولا لمحمد - ﷺ - فيه إلا التبليغ والأداء، وهذا هو معنى قولهم: القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود (^٣).\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ٢٨٠)، وانظر: فتح الإله (ص ١٢٨ - ١٢٩)، الإيضاح والبيان (ل ٢)، إتحاف أهل الإسلام (ص ٧٩).\n(^٢) انظر: أسباب النزول للواحدي، والعجاب في بيان الأسباب لابن حجر - ﵀ - العسقلاني، ولباب النقول في أسباب النزول للسيوطي.\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٥٣٠ - ٥٤٤) (١٢/ ١١٧ - ١٣٩)، مختصر الصواعق المرسلة =","vol":"1","page":393},{"text":"واضطرب الأشاعرة ومن وافقهم في ذلك، وتعددت أقوالهم، نتيجة لزعمهم أن كلام الله معنى قائم بنفسه، وأنه ليس بحرف ولا صوت (^١).\nوقد حكى ابن حجر اختلافهم في هاتين المسألتين وأقوالهم فيها، والذي يعنيني هنا هو ما اختاره من هذه الأقوال، ورجحه على غيره، وهو القول بأن المنزل هو اللفظ والمعنى، وأن معنى نزوله هو أن جبريل - ﵇ - أخذه بالتلقي الروحاني، أو من اللوح المحفوظ.\nوقد أفاض شيخ الإِسلام في بيان هاتين المسالتين، وذكر الحق فيهما بما لا مزيد عليه، وفيما يلي طرف من كلامه.\nقال - ﵀ -: \"القرآن العظيم كلام الله العزيز العليم، ليس شيء منه كلامًا لغيره لا جبريل ولا محمد ولا غيرهما، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٣].\nفأمره أن يقول: \"نزّله روح القدس من ربك بالحق\"، والضمير في قوله: \"قل نزّله\" عائد على ما في قوله: \"بما ينزل\" والمراد به القرآن، كما يدل عليه سياق الكلام ...\nوقوله: \"نزله روح القدس من ربك بالحق\"، بيان لنزول جبريل به من الله، فإن روح القدس هنا هو جبريل، بدليل قوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧] ...\n_________\n= (٢٢٠ - ٢٢١)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ١٧٤ - ١٨٥)، توضيح المقاصد لابن عيسى (١/ ٢٧٥)، فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (١/ ٢١٤ - ٢٣٩).\n(^١) انظر: الإنصاف للباقلاني (ص ٩٦ - ٩٧)، الإرشاد للجويني (ص ٣٠)، شرح المقاصد (٤/ ١٥٢ - ١٥٦)، غاية المرام للآمدي (ص ١١١)، تحفة المريد للباجوري (ص ٩٥).","vol":"1","page":394},{"text":"وهذه الآية تبطل قول من يقول إن القرآن العربي ليس منزلًا من الله بل مخلوق: إما في جبريل أو محمد أو جسم آخر غيرهما، كما يقول ذلك الكلابية والأشعرية الذين يقولون إن القرآن العربي ليس هو كلام الله، وإنما كلامه المعنى القائم بذاته، والقرآن العربي خلق ليدل على ذلك المعنى، ثم إما أن يكون خلق في بعض الأجسام الهواء أو غيره، أو ألهمه جبريل فعبر عنه بالقرآن العربي، أو ألهمه محمدًا فعبر عنه بالقرآن العربي، أو يكون أخذه جبريل من اللوح المحفوظ أو غيره، فهذه الأقوال التي تقدمت هي تفريع على هذا القول، فإن هذا القرآن العربي لا بد له من متكلم تكلم به أولًا قبل أن يصل إلينا ...\nوالمقصود هنا أن هذه الآية تبين بطلان هذا القول، كما تبين بطلان غيره؛ فإن قوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ يقتضي نزول القرآن من ربه، والقرآن اسم للقرآن العربي لفظه ومعناه بدليل:\nقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨]، وإنما يقرأ القرآن العربي لا يقرأ معانيه المجردة.\nوأيضًا فضمير المفعول في قوله: \"نزّله\" عائد على ما في قوله: \"والله أعلم بما ينزل\" فالذي أنزله الله هو الذي نزّله روح القدس، فإذا كان روح القدس نزل بالقرآن العربي لزم أن يكون نزّله من الله، فلا يكون شيء منه نزّله من عين من الأعيان المخلوقة، ولا نزّله من نفسه.\nوأيضًا فإنه قال عقيب هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ١٠٣]، وهم كانوا يقولون: إنما يعلمه هذا القرآن العربي بشر ... والله أبطل ذلك بأن لسان ذلك أعجمي وهذا لسان عربي مبين، فعُلم أن روح القدس نزل باللسان العربي المبين، وأن محمدًا لم يؤلف نظم القرآن بل سمعه من روح القدس، وإذا كان روح القدس نزل به من الله عُلم أنه سمعه منه ولم يؤلفه هو، وهذا بيان من الله أن القرآن الذي هو اللسان العربي المبين سمعه روح القدس من الله ونزل به منه.","vol":"1","page":395},{"text":"ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]، إلى قوله: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]. وكذلك قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٤] \" (^١).\nوبناء على ما سبق فما ذهب إليه ابن حجر - غفر الله له - في هاتين المسألتين متعقب بما يلي:\nأولًا: أن قوله بأن المنزل من القرآن اللفظ والمعنى يناقض قوله بأن كلام الله سبحانه لفظ مشترك بين المعنى القائم بذاته تعالى الذي هو صفته وبين اللفظ المؤلف الذي هو خلقه.\nووجه ذلك: أن القول بأن القرآن منزل من الله، وأن المنزل منه اللفظ والمعنى يقضي أن القرآن لفظًا ومعنى هو من عند الله، بينما يرى ابن حجر أن القرآن معناه من الله تعالى وهو الكلام القائم بذاته، وأما لفظه فهو لفظ جبريل - ﵇ - أو محمد - ﷺ - كما سبق - (^٢).\nوعليه فإن ابن حجر وإن وافق أهل السنة في ظاهر اللفظ، إلا أنه خالفهم في حقيقة المعنى المراد به.\nثانيًا: أن قوله بأن معنى نزول القرآن هو أن جبريل أخذه بالتلقي الروحاني أو من اللوح المحفوظ باطل من وجوه:\n١ - أن قوله هذا مبني على ما ذهب إليه في كلام الله سبحانه حيث زعم أن كلام الله تعالى الذي هو صفته معنى قائم بالنفس وأنه ليس بحرف ولا صوت، وليس بمسموع على الحقيقة - وقد سبق نقل ذلك عنه وبيان بطلانه - (^٣) ولا شك أن ما بني على باطل فلا بد أن يكون باطلًا.\n٢ - أن لفظ الإنزال ورد في النصوص مطلقًا ومقيدًا، ولم يرد مقيدًا بالإنزال منه سبحانه إلا في حق القرآن، فدل ذلك على أن نزول\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ١١٧ - ١٢٤).\n(^٢) انظر: (ص ٣٢٧).\n(^٣) انظر: (ص ٣٢٧).","vol":"1","page":396},{"text":"القرآن الكريم منه سبحانه نزولٌ حقيقيٌّ، وأن جبريل سمعه من الله - ﷿ - ونزل به من عنده (^١).\n٣ - أن النصوص دلت على أن القرآن الكريم ينزل شيئًا بعد شيء، فالمنزل أولًا هو قديم بالنسبة إلى المنزل آخرًا، وكل ما تقدم على غيره فهو قديم في لغة العرب، قال تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]. فالمحدث في الآية ليس هو المخلوق ولكنه الذي أنزل جديدًا (^٢).\n٤ - أن النصوص قد دلت على أن جبريل يسمع الوحي من الله تعالى حقيقة دون واسطة، والقرآن من جملة الوحي، فعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا، فيصعقون، قال: فيقولون: يا جبريل ماذا قال ربك؟ فيقول: الحق، فيقولون: الحق، الحق\" (^٣).\n٥ - أن القول بذلك يستلزم أن يكون القرآن العربي هو لفظ جبريل أو\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١١٨، ٢٤٧ - ٥١٩)، مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٢٢٠).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ٥٢٢).\n(^٣) أخرجه أبو داود، كتاب السنة، باب في القرآن (٥/ ١٠٥) برقم (٤٧٣٨)، وابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ٣٥٠) برقم (٢٠٧)، وابن حبان (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤) برقم (٣٧)، والآجري في الشريعة (٣/ ١٠٩٤) برقم (٦٦٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٣٢٥)، والخطيب في تاريخه (١١/ ٣٩٢)، من طرق عن أبي معاوية عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - مرفوعًا به.\nوأخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (ص ١٥١) برقم (٤٦٥، ٤٦٦)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١/ ٢٨١) برقم (٥٣٧)، وابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ٣٥١ - ٣٥٢) برقم (٢٠٨، ٢٠٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٣٢٥)، والخطيب في تاريخه (١١/ ٣٩٣) من طرق عن الأعمش به موقوفًا من كلام ابن مسعود، وعلقه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾ (٤/ ٢٣٣٥) عن مسروق، عن عبد الله موقوفًا عليه.\nوالحديث صحيح بروايتيه المرفوعة والموقوفة فإن هذا مما له حكم الرفع.\nانظر: تغليق التعليق لابن حجر (٥/ ٣٥٣ - ٣٥٤)، فتح الباري له أيضًا (١٣/ ٤٥٦).","vol":"1","page":397},{"text":"محمد - ﷺ - (^١)، وهو ما يقرره ابن حجر - ﵀ - وأسلافه من الأشاعرة - وقد سبق نقل قوله في ذلك والرد عليه - (^٢).\n٦ - أن القول بأن معنى نزول القرآن أن جبريل أخذه بالتلقي الروحاني، أو من اللوح المحفوظ يلزم منه لوازم باطلة:\nإذ يلزم من قال بأن معنى ذلك تلقي جبريل له روحانيًا أن يكون جبريل ألهمه إلهامًا، وهذا الإلهام يكون لآحاد المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]، وقد أوحى الله إلى سائر النبيين، فيكون هذا الوحي لآحاد الأنبياء والمؤمنين أعلى من أخذ محمد القرآن عن جبريل؛ لأن جبريل الذي علمه لمحمد هو بمنزلة الواحد من هؤلاء (^٣).\nكما أنه يلزم من قال بأن معنى نزوله أن جبريل أخذه من اللوح المحفوظ أن يكون بنو إسرائيل الذين أخذوا التوراة من الألواح التي كتبها الله لموسى أعلى منزلة من محمد - ﷺ - الذي أخذ القرآن من جبريل الذي أخذه من اللوح المحفوظ (^٤).\nوعليه فالقول الصحيح هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من كون القرآن الكريم نزل من عند الله لفظًا ومعنى، وتكلم به سبحانه على الحقيقة وسمعه جبريل منه، وبلغه محمدًا - ﷺ - كما سمعه، والقول بذلك لا ينافي كتابته في اللوح المحفوظ ونزوله جملة إلى بيت العزة في السماء الدنيا قبل نزول جبريل به منجمًا على محمد - ﷺ -.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - مقررًا ذلك: \"وهذا لا ينافي ما جاء عن ابن عباس وغيره من السلف في تفسير قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: ١] أنه أنزله إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم أنزله بعد ذلك منجمًا مفرقًا بحسب الحوادث، ولا ينافي أنه مكتوب في اللوح المحفوظ\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١٣٦، ٥٢١).\n(^٢) انظر: (ص ٣٢٧).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١٢٨).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (١٢/ ١٢٧).","vol":"1","page":398},{"text":"قبل نزوله، كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ [البروج: ٢١، ٢٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]، وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس: ١١ - ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾ [الزخرف: ٤] \" (^١).\nوبهذا يظهر خطأ ابن حجر في قوله، ومخالفته لمذهب أهل السنة والجماعة في هاتين المسألتين.\n* * *\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ١٢٦ - ١٢٧).","vol":"1","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>المبحث الثالث إعجاز القرآن</span>\nيعرف ابن حجر - ﵀ - المعجزة بأنها: \"الأمر الخارق للعادة، المقرون بالتحدي الدال على صدق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام\" (^١).\nويرى أن هذا المعنى بشروطه المقررة متحقق في القرآن الكريم، حيث يقول: \"وهذه الشروط جميعًا موجودة في القرآن فكان معجزة\" (^٢).\nويبين وجه كون القرآن الكريم من معجزات النبي - ﷺ - الدالة على نبوته، فيقول: \"إن الشعراء والبلغاء فضلًا عن غيرهم ... في قريش وغيرهم ... أظهروا عوار عجزهم عن المعارضة، وعثار عقلهم عن المناقضة، ومن ثم كان عجزهم عن ذلك أعجب في الآية، وأوضح في الدلالة، من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، لأن قوم عيسى لم يكونوا يطمعون في ذلك، ولا يتعاطون علمه، وقريش كان أعلى أربهم، ومنتهى طلبهم، التفنن في أفننة الفصاحة، والتنزه في رياض البلاغة ... فدل عجزهم عنه مع ذلك، على أنه إنما هو لكونه من أعلام نبوته، وبراهين رسالته ... إذ محال أن يلبثوا ثلاثًا وعشرين سنة، على السكوت عن معارضة آية منه، المستلزمة لنقض أمره، وتفريق أتباعه، وزوال شوكته، وحيازة مرتبته مع قدرتهم عليها، وطلبها منهم ... \" (^٣).\nويذكر أن إعجاز القرآن الكريم ليس محصورًا في وجه دون آخر،\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ٢١).\n(^٢) المصدر السابق (ص ٢٢).\n(^٣) المنح المكية (٢/ ٧٩٠)، وانظر: فتح المبين (ص ٢٢).","vol":"1","page":400},{"text":"فيقول: \"وجوه إعجاز القرآن لا تنحصر\" (^١).\nويختم ابن حجر - ﵀ - كلامه في هذه المسألة بالرد على المعتزلة في قول بعضهم بالصِّرفة، وقول آخرين منهم بأن الإعجاز واقع بجميع القرآن لا ببعضه.\nحيث يقول في الرد على القول بالصِّرفة: \"القول بالصِّرفة ... للنظام (^٢) من المعتزلة ... أفسدوه:\nبأن قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ [الإسراء: ٨٨] دليل ظاهر على عجزهم مع بقاء قدرتهم، إذ لو سلبوا القدرة لم يبق فائدة لاجتماعهم؛ لأنه حينئذ بمنزلة اجتماع الموتى ...\nوبأن الإجماع منعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن، والقول بالصِّرفة يلزمه إضافته إلى الله تعالى، لا إلى القرآن، وحينئذ يلزمه زوال الإعجاز بزوال زمن التحدي، وفيه خرق لإجماع الأمة أن معجزة الرسول العظمى باقية، ولا معجزة باقية أظهر من القرآن.\nويلزم الصِّرفة أيضًا أنه لا فضيلة للقرآن على غيره\" (^٣).\nويقول في الرد على القول بأن الإعجاز واقع بجميع القرآن لا ببعضه: \"زعم بعضهم أن الإعجاز إنما هو بمجموع القرآن لا بكل سورة؛ لأن ما فيه من أنواع الإعجاز السابقة إنما يستفاد من مجموعه.\nوهذه مقالة فاسدة، لا يعوّل عليها، لمنافاتها لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، ... فالصواب خلاف هذه المقالة، بل قائلوها معتزلة لا يقام لهم وزن\" (^٤).\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ٢٢)، وانظر: المنح المكية (٢/ ٧٩٤ - ٧٩٥).\n(^٢) هو إبراهيم بن سيار النظام البصري، أبو إسحاق، معتزلي متكلم، انفرد بمسائل مخزية، من مؤلفاته: الطفرة، والجواهر والأعراض، والوعيد وغيرها توفي سنة بضع وعشرين ومائتين. انظر: تاريخ بغداد (٦/ ٩٧)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤١).\n(^٣) المنح المكية (٢/ ٧٩٦).\n(^٤) المصدر السابق (٢/ ٨٠٦ - ٨٠٧)، العمدة شرح البردة (ص ٦٠٧).","vol":"1","page":401},{"text":"التقويم:\nالقول بإعجاز القرآن مما اتفق عليه أهل القبلة في الجملة، وأقروا بكونه أظهر معجزات النبي - ﷺ -، وأبينها، وأعلاها، وأشرفها.\nوبما سبق نقله عن ابن حجر - ﵀ - في هذه المسألة، وتقريراته في فروعها يتبين ما يلي:\n١ - أن ما ذكره في تعريف المعجزة وشروطها مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة - كما سيأتي - (^١).\n٢ - أن ما قرره من إعجاز القرآن، ودلالته على نبوة محمد - ﷺ - هو محل إجماع أهل القبلة - وإن اختلفوا في وجه إعجازه - (^٢).\nوقد وردت النصوص بإثبات ذلك، وتقريره:\nقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ [الطور: ٣٣، ٣٤].\nوقال سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود: ١٣].\nوقال - ﷿ -: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس: ٣٨].\nيقول العلامة ابن القيم - ﵀ -: \"من المحال أن يأتي واحد بكلام يفتعله، ويختلقه من تلقاء نفسه، ثم يطالب أهل الأرض بأجمعهم أن يعارضوه في أيسر جزء منه يكون مقداره ثلاث آيات من عدة ألوف، ثم تعجز الخلائق عن ذلك\" (^٣).\nوقال: \"ما من الأنبياء إلا أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم\n_________\n(^١) انظر: (ص ٤٣٧).\n(^٢) انظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي (٢/ ٢٢٦ - ٢٣٨)، الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (٤/ ٣ - ٢٣).\n(^٣) بدائع الفوائد (٢/ ٤٣٥).","vol":"1","page":402},{"text":"تابعًا يوم القيامة\" (^١).\nقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه: \"قوله: \"وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ\" أي: أن معجزتي التي تحديت بها، الوحي الذي أنزل علي، وهو القرآن، لما اشتمل عليه من الإعجاز الواضح، وليس المراد حصر معجزاته فيه، ولا أنه لم يؤت من المعجزات ما أوتي من تقدّمه، بل المراد أنه المعجزة العظمى التي اختص بها دون غيره\" (^٢).\nوفي تقرير هذه المعاني، وبيان دلالتها على نبوته -ﷺ- يقول الحافظ البيهقي ﵀: \"من دلائل نبوته -ﷺ- أنه كان أمِّيًا لا يخط كتابًا بيمينه، ولا يقرؤه، ولد في قوم أميِّين، ونشأ بين ظهرانيهم في بلد ليس بها عالم يَعرِفُ أخبار المتقدمين، وليس فيهم مُنجِّم يتعاطى علم الكوائن ... وكل ذلك معلوم عند أهل بلده، مشهود عند ذوي المعرفة والخبرة بشأنه، يعرفه العالم والجاهل، والخاص والعام منهم، فجاءهم بأخبار التوراة والإنجيل والأمم الماضية، وقد كان ذهب معالم تلك الكتب، ودرست، وحُرِّفت عين مواضعها، ولم يبق من المتمسكين بها، وأهل المعرفة بصحيحها من سقيمها إلا القليل، ثم حاجَّ كل فريق من أهل الملل المخالفة له بما لو احتشد له حُذَّاق المتكلمين، وجهابذة المحصلين، لم يتهيأ لهم نقض شيء منه، فكان ذلك من أدل شيء على أنه أمر من عند الله ﷿\" (^٣).\n\n٣ - أن ما قرره من كون إعجاز القرآن لا ينحصر في وجه دون آخر موافق لقول المحققين من أهل العلم (^٤).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"كون القرآن معجزة ليس هو من جهة بلاغته وفصاحته فقط، أو نظمه وأسلوبه فقط، ولا من جهة إخباره بالغيب فقط ... بل هو آية بينة معجزة من وجوه متعددة، من جهة اللفظ،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزول الوحي وأول ما نزل (٣/ ١٦٠٧) برقم (٤٩٨١)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد -ﷺ- إلى جميع الملل ونسخ الملل بملته (١/ ١٣٤) برقم (٢٣٩) من حديث أبي هريرة -﵁- به.\n(^٢) فتح الباري (٩/ ٦).\n(^٣) الاعتقاد والهداية (ص ٢٠٩).\n(^٤) انظر: البرهان في علوم القرآن (٢/ ٢٣٧)، الإتقان في علوم القرآن (٤/ ١٤ - ١٧).","vol":"1","page":403},{"text":"ومن جهة النظم، ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الله تعالى، وأسمائه وصفاته، وملائكته، وغير ذلك، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب الماضي، وعن الغيب المستقبل، ومن جهة ما أخبر به عن المعاد، ومن جهة ما بين فيه من الدلائل اليقينية، والأقيسة العقلية، التي هي الأمثال المضروبة ...\nوكل ما ذكره الناس من وجوه إعجاز القرآن هو حجة في إعجازه، ولا تناقض في ذلك، بل كل قوم تنبهوا لما تنبهوا له\" (^١).\nوقد أكثر أهل العلم ممن صنف في إعجاز القرآن من ذكر أوجه إعجازه (^٢)، حتى عد السيوطي منها خمسة وثلاثين وجهًا (^٣).\n\n٤ - أن ما ذكره في الرد على أقوال بعض المعتزلة ومن وافقهم، وبيان بطلانها، حق لا مرية فيه.\nفالقول بالصِّرفة مأثور عن النظام (^٤) ووافقه عليه بعض المعتزلة (^٥)، والشيعة الإمامية (^٦)، والفلاسفة (^٧).\nومرادهم به -على اختلاف بينهم في تحقيقه-: أن إعجاز القرآن هو في صرف الناس عن معارضته لا في القرآن نفسه (^٨).\nوجمهور الأمة على رد هذا القول وإبطاله؛ للأدلة المتواترة على\n_________\n(^١) الجواب الصحيح (٥/ ٤٢٨ - ٤٢٩).\n(^٢) انظر: بيان إعجاز القرآن للخطابي (ص ٢٤ - ٢٧)، إعجاز القرآن للباقلاني (ص ٣٣) وما بعدها، البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن للزملكاني (ص ٥٣ - ٥٦)، معترك الأقران للسيوطي (١/ ١٤) وما بعدها.\n(^٣) انظر: معترك الأقران له (١/ ١٤) وما بعدها.\n(^٤) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٩٦)، الفرق بين الفرق (ص ١٢٨).\n(^٥) كهشام الفُوطي وعباد بن سليمان كما في مقالات الإسلاميين (١/ ٢٩٦)، والجاحظ كما في الحيوان له (٤/ ٨٩).\n(^٦) كالمفيد كما في أوائل المقالات له (ص ٦٨)، وابن سنان الخفاجي كما في سر الفصاحة له (ص ٩٩ - ١٠٠).\n(^٧) كنصير الدين الطوسي كما في تلخيص المحصل له (ص ١٥١).\n(^٨) انظر: المصادر السابقة.","vol":"1","page":404},{"text":"بطلانه، وكثرة الإيرادات عليه، وقد ذكر ابن حجر بعضًا منها -فيما سبق نقله عنه- بما يغني عن الإطالة بتسطيرها (^١).\nوأما القول بأن الإعجاز واقع بجميع القرآن لا ببعضه فهو منقول عن بعض المعتزلة، ولم أجد من عين القائل منهم بذلك، وهو أحد الأقوال في مسألة القدر المعجز من القرآن، وهو مردود بما ذكره ابن حجر من وقوع التحدي بالإثبات بعشر سور مثله، أو بسورة واحدة منه (^٢).\nوبهذا يظهر موافقة ابن حجر ﵀ لما قرره أهل السنة والجماعة في مسألة إعجاز القرآن وفروعها، عدا تعريفه المعجزة، وبيانه لشروطها، والتي سيأتي بسط كلامه فيها وتقويمه.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: بيان إعجاز القرآن للخطابي (ص ٢٣ - ٢٤)، إعجاز القرآن للباقلاني (ص ٤٢)، الرسالة الشافية للجرجاني (ص ١٤٦ - ١٥٤)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١/ ٧٥)، الإتقان للسيوطي (٤/ ٦ - ٧)، وللاستزادة: الصرفة دلالاتها لدى القائلين بها وردود المعارضين لها د. سامي عطا حسن (ص ١٣٨ - ١٥١)، المنحى الاعتزالي في البيان وإعجاز القرآن لأحمد أبي زيد (ص ٢٦٣ - ٢٦٩)، إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة لمنير سلطان (ص ٢٠١ - ٢٠٣)، إعجاز القرآن الكريم د. محمد بن حسن بن عقيل موسى (ص ١١٣ - ١١٩).\n(^٢) انظر: الإتقان في علوم القرآن (٤/ ١٧).","vol":"1","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>الفصل الثالث آراؤه في الإيمان بالرسل</span>\nوفيه تمهيد وثلاثة مباحث:\nتمهيد في تعريف النبي والرسول، والفرق بينهما.\nالمبحث الأول: آراؤه في الإيمان بالأنبياء والرسل عمومًا.\nالمبحث الثاني: آراؤه في الإيمان بنبينا محمد -ﷺ-.\nالمبحث الثالث: آراؤه في كرامات الأولياء.","vol":"1","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>تمهيد في تعريف النبي والرسول، والفرق بينهما</span>\nالنبي: مأخوذ من (النبأ) بمعنى الخبر، أو (النَّبَاوَة) أو (النَّبْوَة) بمعنى العلو والرفعة (^١).\nوالرسول مأخوذ من (الإرسال) بمعنى التوجيه، أو (الرَّسلُ) بمعنى التتابع (^٢).\nوكل هذه المعاني متحققة في النبي والرسول.\nوقد أشار ابن حجر إلى ذلك فقال: \"النبيء بالهمزة من النبأ وهو الخبر؛ لأن النبي مخبر عن الله تعالى، وبتركه من النبا مهملًا ومن النَبَوة وهي الرفعة؛ لأن النبي مرفوع الرتبة على غيره\" (^٣)، \"والرسل جمع رسول\" (^٤).\nوقد اختلف الناس في تعريف النبي والرسول، والفرق بينهما على قولين:\nأحدهما: أنهما بمعنى واحد، ولا فرق بينهما (^٥).\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣٤٨٩)، معجم مقاييس اللغة (ص ١٠٠٩)، الصحاح (١/ ٧٤)، لسان العرب (١/ ١٦٢)، القاموس المحيط (ص ١٧٢٢).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة (٢/ ١٤٠٧)، معجم مقاييس اللغة (ص ٤٠٢)، الصحاح (٤/ ١٧٠٨)، لسان العرب (١١/ ٢٨٣)، القاموس المحيط (ص ١٣٠٠).\n(^٣) فتح المبين (ص ٢٠٣)، وانظر: فتح الجواد (١/ ٩)، البدائع الجليلة (ل ١١/ ب).\n(^٤) فتح المبين (ص ١١).\n(^٥) انظر: شرح الأصول الخمسة (ص ٥٦٧)، أعلام النبوة للماوردي (ص ٧٠)، غاية المرام (ص ٣١٧)، المواقف (ص ٣٣٧).","vol":"1","page":408},{"text":"ثانيهما: أنهما متغايران (^١).\nوالقول بالمغايرة بينهما، وثبوت الفرق فيهما هو قول الجمهور، وإن اختلفوا في تحديد وجهه (^٢).\nوالقول بذلك هو ما قرره ابن حجر ﵀ حيث قال في تعريف النبي والرسول: \"هو ذكر حر من بني آدم أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، فإن أمر به فرسول أيضًا وإن لم يكن له كتاب ولا نسخ\" (^٣).\nويشكل على ما ذكره ابن حجر ﵀ في الفرق بين النبي والرسول ثبوت الإرسال في حق النبي، وحصول الكتمان بعدم البلاغ.\nيقول العلامة الشنقيطي ﵀: \"آية الحج تبين أن ما اشتهر على ألسنة أهل العلم من أن النبي هو من أوحي إليه وحي ولم يؤمر بتبليغه، وأن الرسول هو النبي الذي أوحي إليه وأمر بتبليغ ما أوحي إليه غير صحيح؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] يدل على أن كلًّا منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير\" (^٤).\nولهذا فإن أصح التعاريف وأسلمها من الاعتراضات -فيما يظهر لي- تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث يقول: \"النبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خَالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة، فهو نبي وليس برسول ... \" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: أعلام الحديث للخطابي (١/ ٢٩٨)، والمنهاج للحليمي (١/ ٢٣٩)، والدرة فيما يجب اعتقاده لابن حزم (ص ٣٨٠)، والفصل له (٥/ ١١٩ - ١٢٠)، والنبوات لابن تيمية (٢/ ٧١٤)، شرح الطحاوية (١/ ١٥٥)، ولوامع الأنوار البهية (١/ ٤٩)، أضواء البيان (٥/ ٧٣٥)، وللاستزادة كتاب النبي والرسول د. أحمد بن ناصر الحمد.\n(^٢) انظر: المصادر السابقة.\n(^٣) فتح الجواد (١/ ٩)، وانظر: تحفة المحتاج (١/ ١٤)، المنهاج القويم (ص ٩)، فتح المبين (ص ١١، ١٨، ٢٠٢)، المنح المكية (١/ ١١٧)، التعرف (ص ١١٦)، الإيعاب (١/ ٢٦)، البدائع الجليلة (ل ١١)، العمدة شرح البردة (ص ٢٢٦).\n(^٤) أضواء البيان (٥/ ٧٣٥).\n(^٥) النبوات (٢/ ٧١٤).","vol":"1","page":409},{"text":"وعليه فالنبي والرسول بينهما عموم وخصوص مطلق، وكذا النبوة والرسالة، فالرسالة أعم من جهة نفسها؛ إذ النبوة داخلة في الرسالة، كما أنها أخص من جهة أهلها؛ إذ كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، والرسالة أفضل من النبوة، والرسول أفضل من النبي (^١).\nيقول العلامة السفاريني ﵀: \"بيّن النبي والرسول عموم وخصوص مطلق، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، والرسول أفضل من النبي إجماعًا لتميزه بالرسالة التي هي أفضل من النبوة على الأصح خلافًا لابن عبد السلام (^٢) (^٣) (^٤).\nوقد قرر ابن حجر ﵀ ذلك في مواضع من كتبه، ورد على العز بن عبد السلام قوله هذا، منها قوله: \"مر تفسير (النبي والرسول) بما يُعلم منه أن بينهما عمومًا مطلقًا ... ورُد ما عليه ابن عبد السلام من تفضيل النبوة لتعلقها بالحق على الرسالة لتعلقها بالخلق؛ ووجه رده أن الرسالة فيها التعلقان كما هو ظاهر، والكلام في نبوة الرسول مع رسالته وإلا فالرسول أفضل من النبي قطعًا\" (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) انظر الإيمان لابن تيمية (ص ٦ - ٧)، شرح الطحاوية (١/ ١٥٥)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٤٩ - ٥٠).\n(^٢) هو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي المشهور بالعز بن عبد السلام، أشعري شافعي، من مؤلفاته: ملحة الاعتقاد، قواعد الأحكام، التفسير، توفي سنة ٦٦٠ هـ.\nانظر: طبقات الشافعية الكبرى (٨/ ٢٠٩)، شذرات الذهب (٥/ ٣٠١).\n(^٣) انظر: كلام العز بن عبد السلام المشار إليه في كتابه قواعد الأحكام الكبرى (ص ٢٣٧).\n(^٤) لوامع الأنوار البهية (١/ ٤٩ - ٥٠).\n(^٥) فتح المبين (ص ١٨)، وانظر: الدر المنضود (ص ٣٤)، المنهاج القويم (ص ٩)، الإيعاب (١/ ٢٦)، الفتاوى الحديثية (ص ٢٠٥).","vol":"1","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>المبحث الأول آراؤه في الإيمان بالأنبياء والرسل عمومًا</span>\nبين ابن حجر ﵀ معنى الإيمان بالرسل، وتحدث عن المفاضلة بينهم، وعرض لنبوة من اختلف في نبوته منهم، وأوسع الكلام في عصمتهم.\nوفيما يلي عرض آرائه في ذلك، مع التعقيب عليها بتقويمها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>أولًا: معنى الإيمان بالرسل:</span>\nيرى ابن حجر ﵀ أن الإيمان بالرسل يعني الإيمان بأن الله \"أرسلهم إلى الخلق لهدايتهم، وتكميل معاشهم ومعادهم، وأيَّدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم، فبلغوا عنه رسالته، وبينوا للمكلفين ما أمروا ببيانه، وأنه يجب احترام جميعهم، ولا نفرِّق بين أحد منهم كما في الإيمان به، وأنه نزههم عن كل وصمة ونقص ... \" (^١).\nالتقويم:\nالإيمان بالرسل هو الركن الرابع من أركان الإيمان التي لا يصح إيمان العبد إلا بها، وهو ينتظم أربعة أمور:\nالأول: الإيمان بأن رسالتهم حق من الله تعالى.\nالثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه مثل: محمد، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح -عليهم الصلاة والسلام- وأما من لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالًا.\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ٧١)، وانظر: (ص ١٦٨)، المنح المكية (١/ ٣٣٦) (٢/ ٨٩٠).","vol":"1","page":411},{"text":"الثالث: تصديق ما صح عنهم من أخبارهم.\nالرابع: العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم، وهو خاتمهم محمد -ﷺ- المرسل إلى جميع الناس (^١).\nيقول الإمام محمد بن نصر المروزي (^٢) ﵀: (الإيمان بالرسل) \"أن تؤمن بمن سمى الله في كتابه من رسله، وتؤمن بأن لله سواهم رسلًا، وأنبياء لا يعلم أسماءهم إلا الذي أرسلهم، وتؤمن بمحمد -ﷺ-، وإيمانك به غير إيمانك بسائر الرسل، إيمانك بسائر الرسل: إقرارك بهم، وإيمانك بمحمد -ﷺ- إقرارك به، وتصديقك إياه، واتباعك ما جاء به\" (^٣).\nوبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر في معنى الإيمان بالرسل، وبيانه لما يتضمنه موافق لما قرره أهل السنة والجماعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>ثانيًا: المفاضلة بين الأنبياء:</span>\nيرى ابن حجر ﵀ جواز المفاضلة بين الأنبياء، وأن النصوص الواردة في النهي عن ذلك مؤولة، فيقول: \"جواز التفضيل بين الأنبياء هو ما عليه عامة العلماء ...\nوأما قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦] فهو باعتبار الإيمان بهم، وبما أنزل إليهم.\nوأما الأحاديث الصحيحة: \"لا تفضلوا بين الأنبياء\" (^٤)، \"لا تخيروا\n_________\n(^١) انظر: تعظيم قدرة الصلاة (١/ ٣٩٣)، المنهاج للحليمي (١/ ٢٣٧ - ٢٣٨)، شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٣٧١)، جامع العلوم والحكم (١/ ١٠٢)، فتح الباري (١/ ١١٨)، معارج القبول (٢/ ٦٧٧)، فتاوى ابن عثيمين (١/ ١٢٤ - ١٢٥).\n(^٢) هو محمد بن نصر بن الحجاج المروزي، أبو عبد الله، من أئمة السلف وأعلامهم، من مؤلفاته: تعظيم قدر الصلاة، واختلاف الفقهاء، وقيام الليل وغيرها، توفي سنة ٢٩٤ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٣)، شذرات الذهب (٢/ ٢١٦).\n(^٣) تعظيم قدر الصلاة (١/ ٣٩٣).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩)﴾ (٢/ ١٠٦٠)، برقم (٣٤١٤)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى -ﷺ- (٤/ ١٨٤٣) برقم (٢٣٧٣)، من حديث أبي هريرة -﵁- به.","vol":"1","page":412},{"text":"بين الأنبياء\" (^١)، فهي إما قبل علمه بالتفضيل، أو على تفضيل يؤدي إلى تنقيص أو إلى نقص مقام أحدهم، وعليهما يدل سياق الحديث، أو على التفضيل في ذات النبوة والرسالة، فإنهم كلهم مشتركون في ذلك، لا يتفاوتون فيه، وإنما يتفاوتون في زيادة الأحوال والمعارف والخصوصيات والكرامات.\nوزعم حملها على التفضيل بآرائنا ليس في محله؛ لأن تفضيل ذلك بالرأي المحض مجمع على منعه، وبالدليل الدال عليه لا وجه لمنعه.\nوأما الحديثان الصحيحان: \"ما ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس ابن متى\" (^٢)، \"من قال: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب\" (^٣). فحكمة التخصيص فيها بيونس نفي توهم التفاوت بينهما في القرب من الحق لاختلاف محلهما الصوري برفع نبينا -ﷺ- إلى قاب قوسين، ونزول يونس إلى قعر البحر، أي: لا تتوهموا من هذا التفاوت الصوري تفاوتًا في القرب والبعد من الله تعالى، بل نسبة كل إليه واحدة، وإن تفاوت مكاناهما ... \" (^٤).\nويقرر ابن حجر أفضلية نبينا محمد -ﷺ- على من سواه، فيقول: \"وهو أفضل المخلوقين كلهم بشهادة قوله -ﷺ-: \"أنا سيد الناس يوم القيامة\". رواه البخاري (^٥) ....\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الخصومات، باب ما يذكر في الأشخاص والملازمة (٢/ ٧١٩)، برقم (٢٤١٢)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى -ﷺ- (٤/ ١٨٤٥)، برقم (٢٣٧٤)، من حديث أبي سعيد الخدري -﵁- به.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩)﴾ (٢/ ١٠٦٠) برقم (٣٤١٣)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب ذكر يونس ﵇ (٤/ ١٨٤٦) برقم (٢٣٧٧)، من حديث ابن عباس -﵄- به.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩)﴾ (٢/ ١٠٦١) برقم (٣٤١٥)، من حديث أبي هريرة -﵁- بنحوه.\n(^٤) المنح المكية (١/ ١٢٢)، وانظر: فتح المبين (ص ١٩)، والفتاوى الحديثية (ص ٢٠٣، ٢٥٣، ١٧٦)، الدر المنضود (ص ١٠٠)، تحفة المحتاج (١/ ١٤)، أشرف الوسائل (ص ٧٧).\n(^٥) سبق تخريجه (ص ٢٨٤).","vol":"1","page":413},{"text":"وقوله: \"أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وبيدي لواء الحمد، ولا فخر، وما من بني آدم فمن سواه إلا تحت لوائي\" رواه الترمذي (^١).\nومن هذا ... عُلِمَت أفضليته على آدم، فقوله: أنا سيد ولد آدم إما للتأدب مع آدم، أو لأنه علم فضل بعض بنيه عليه كإبراهيم فإذا فضل نبينا الأفضل من آدم فقد فضل آدم بالأولى ... \" (^٢).\nويجمل ابن حجر الكلام في المفاضلة بين بقية الرسل والأنبياء، فيقول: \"أرسل تعالى رسله بالمعجزات وخص نبينا -ﷺ- ... المفضل عليهم، ثم بقية أولي العزم، ويتردد النظر في نوح وعيسى، ثم بقية الرسل، ثم الأنبياء\" (^٣).\nوقال: \"إبراهيم أفضل الأنبياء بعد محمد -ﷺ-\" (^٤).\nالتقويم:\n\nالقول بجواز المفاضلة بين الأنبياء والرسل مما تدل عليه نصوص الكتاب، والسنة، والإجماع.\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].\nوقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥].\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة بني إسرائيل (٥/ ٢٨٨) برقم (٣١٤٨)، وابن ماجه كتاب الزهد باب ذكر الشفاعة (٢/ ١٤٤٠) برقم (٤٣٠٨)، وأحمد (١٧/ ١٠) برقم (١٠٩٨٧) من طرق عن علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري -﵁- به.\nقال الترمذي: \"هذا حديث حسن\".\n(^٢) فتح المبين (ص ١٩ - ٢٠)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ١٧٦، ٢٠٣، ٢٥٣)، المنح المكية (١/ ١١٩، ١٢٢، ١٥٨، ١٤٦٥)، أشرف الوسائل (ص ٧٧)، تحفة المحتاج (١/ ١٤)، الدر المنضود (ص ٣٦، ١٠٠)، مولد النبي -ﷺ- (ص ٢٤)، التعرف (ص ١١٥ - ١١٧)، العمدة شرح البردة (٢٤٣، ٢٥٠، ٢٨٦، ٥٤٢).\n(^٣) التعرف (ص ١١٤ - ١١٦).\n(^٤) الدر المنضود (ص ١٠٠).","vol":"1","page":414},{"text":"ومن السُّنَّة: قوله -ﷺ-: \"أنا سيد ولد آدم ... \" (^١).\nوأما الإجماع: فقد أجمع العلماء كافة على أن الرسل أفضل من الأنبياء -كما سبق (^٢) - وأجمعوا على المفاضلة بين آحادهم -كما سيأتي- (^٣).\nوأما النصوص الواردة في النهي عن المفاضلة -والتي ذكر ابن حجر بعضها- فقد اختلف أهل العلم في توجيهها، وذهبوا في ذلك مذهبين:\nأحدهما: مذهب الجمع: وهو مذهب أكثر أهل العلم، واختلف هؤلاء في وجهه على أقوال (^٤)، وقد ذكر ابن حجر في كلامه السابق بعضًا منها.\nوالثاني: مذهب النسخ: وهو مذهب بعض أهل العلم، حيث قالوا بنسخ نصوص النهي عن التفضيل بما ورد في المفاضلة (^٥).\nوأصح المذهبين -فيما يظهر لي- مذهب الجمع، وأولى الأقوال فيه القول بأن نصوص النهي عن المفاضلة محمولة على ما كان يؤدي إلى توهم لنقص في المفضول أو الغض منه، أو كان على وجه الإزراء به، ونصوص المفاضلة محمولة على ما خلا عن ذلك (^٦).\nوبناء على ما سبق فما ذكره ابن حجر من كون القول بجواز المفاضلة هو ما عليه عامة العلماء، وأن النهي عن ذلك لا يعارضه مما وافق فيه أهل العلم، وأصاب فيه الحق.\nوأما تحقيق القول في المفاضلة، بين الرسل والأنبياء فلا شك ولا\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص ٢٨٤).\n(^٢) انظر: (ص ٤١٠).\n(^٣) انظر: (ص ٤١٦).\n(^٤) انظر: مشكل الآثار (١/ ٣٠٨)، تأويل مختلف الحديث (ص ١٠٩)، دلائل النبوة (٥/ ٤٩١ - ٥٠٠)، معالم السنن (٤/ ٢٨٦)، المنهاج في شعب الإيمان (٢/ ١١٧)، شرح صحيح مسلم (١٥/ ٤٣)، شرح الطحاوية (١/ ١٥٩)، فتح الباري (٦/ ٤٤٦).\n(^٥) انظر: تفسير القرطبي (٣/ ٢٦٢)، شرح صحيح مسلم (١٥/ ٤٣)، فتح الباري (٦/ ٤٥٢).\n(^٦) اختار هذا القول الخطابي كما في معالم السنن له (٤/ ٢٨٦)، والحليمي كما في المنهاج له (٢/ ١١٧)، وشيخ الإسلام كما في منهاج السنة (٧/ ٢٥٦)، والفتاوى (١٤/ ٤٣٦)، وابن أبي العز كما في شرحه على الطحاوية (١/ ١٥٩).","vol":"1","page":415},{"text":"ريب أن أفضل الرسل نبينا محمد -ﷺ-؛ لتواتر النصوص في ذلك، وقيام إجماع أهل العلم عليه.\nفقد تواترت نصوص الكتاب والسنة نصًا وظاهرًا في الدلالة على أفضليته -ﷺ- على غيره من الأنبياء والرسل، وأوردها غير واحد من أهل العلم ممن كتبوا في خصائصه -ﷺ- (^١)، وأجمعت الأمة على القول بمقتضاها (^٢).\nيقول القاضي عياض ﵀: \"لا خلاف أنه أكرم البشر، وسيد ولد آدم، وأفضل الناس منزلة، عند الله، وأعلاهم درجة، وأقربهم زلفى، واعلم أن الأحاديث الواردة في ذلك كثيرة جدًّا\" (^٣).\nوقرر السلف ذلك في عقائدهم، وعدوه من معاقد العقائد، التي يجب الإيمان بها، فقد عقد الإمام الآجري في كتاب الشريعة بابًا بعنوان: \"باب ما فضل الله ﷿ به نبينا -ﷺ- في الدنيا من الكرامات على جميع الأنبياء ﵈\" (^٤)، وقال الحافظ عبد الغني المقدسي في عقيدته: \"فصل: ونعتقد أن محمدًا المصطفى خير الخلائق، وأفضلهم وأكرمهم على الله ﷿، وأعلاهم درجة، وأقربهم إلى الله وسيلة\" (^٥).\nويلي نبينا محمدًا -ﷺ- في الفضل بقية أولي العزم الذين أثنى الله عليهم، وأمر نبيه بالاقتداء بهم في قوله سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥].\nوقد اختلف أهل العلم في تعيينهم، فمنهم من عينهم بالصفة، ومنهم من عينهم بالتسمية، وأصح الأقوال أنهم الخمسة المذكورون نصًا في\n_________\n(^١) انظر: غاية السؤل في خصائص الرسول لابن الملقن (ص ٢٢٣)، اللفظ المكرم بخصائص النبي -ﷺ- للخيضري (٢/ ٥)، الخصائص الكبرى للسيوطي (٢/ ٣١٤)، مرشد المحتار إلى خصائص النبي المختار لابن طولون (ص ٣٢٣).\n(^٢) انظر: في حكاية إجماعهم الشفا للقاضي عياض (١/ ٢١٥)، تفسير الرازي (٦/ ١٩٥)، تفسير ابن كثير (٣/ ٥٣).\n(^٣) الشفا (١/ ٢١٥).\n(^٤) الشريعة (٣/ ١٥٥٢).\n(^٥) الاقتصاد في الاعتقاد (ص ١٩٦).","vol":"1","page":416},{"text":"قوله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾ [الأحزاب: ٧]، وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] (^١).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وأفضل أولياء الله هم أنبياؤه، وأفضل أنبيائه هم المرسلون منهم، وأفضل المرسلين أولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد -ﷺ-\" (^٢).\nوقد اختلف في المفاضلة بينهم، وحكى الخلاف غير واحد من أهل العلم، منهم العلامة السفاريني ﵀ حيث قال: \"اختلف العلماء فيمن يلي النبي -ﷺ- في الفضيلة منهم، والمشهور أنه إبراهيم خليل الرحمن، لما ورد أن إبراهيم ﵇ خير البرية (^٣)، خص منه محمد -ﷺ- بإجماع، فيكون أفضل من موسى وعيسى ونوح ﵈، والثلاثة بعد إبراهيم أفضل من سائر الأنبياء والمرسلين، قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على نقل أيهم أفضل، والذي ينقدح في النفس تفضيل موسى فعيسى فنوح عليهم الصلاة والسلام\" (^٤).\nومما سبق يتضح صواب رأي ابن حجر ﵀ في المفاضلة بين الأنبياء، وموافقته في ذلك لجمهور أهل العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>ثالثًا: رأيه في نبوة من اختلف في نبوته:</span>\nتحدث ابن حجر ﵀ عن نبوة بعض من اختلف في نبوته ورجح ما\n_________\n(^١) انظر: تفسير الطبري (١١/ ٣٠٢)، تفسير البغوي (٧/ ٢٧١)، تفسير القرطبي (١٦/ ٢٢٠)، تفسير ابن كثير (٤/ ١٨١).\n(^٢) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص ٥٥).\n(^٣) يشير إلى حديث أنس بن مالك أن رجلًا قال لرسول الله -ﷺ-: يا خير البرية، فقال رسول الله -ﷺ-: \"ذاك إبراهيم\"، والحديث أخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب فضائل إبراهيم الخليل (٤/ ١٨٣٩) برقم (٢٣٦٩).\n(^٤) لوامع الأنوار البهية (٢/ ٣٠٠)، وانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٥٣)، فيض القدير (٣/ ٤٦٤).","vol":"1","page":417},{"text":"رآه راجحًا فيهم، وقد ذكر منهم: الخضر، وإخوة يوسف، وإبراهيم ابن نبينا محمد -ﷺ-، ولقمان، وذا القرنين.\nوفيما يلي بيان رأيه في كل منهم، معقبًا عليه بتقويمه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>١ - الخضر:</span>\nيرى ابن حجر ﵀ نبوة الخضر، كما يرى استمرار حياته وتعميره، فقد سئل عن نبوته وحياته، فأجاب بأن: \"المعتمد حياته ونبوته\" (^١).\nالتقويم:\nالخضر بفتح أوله وكسر ثانيه، أو بكسر أوله وإسكان ثانيه، عبد من عباد الله، ذكرت قصته مع نبي الله موسى ﵇ في القرآن الكريم مجملة، وفصلت بعض أحواله في السنة النبوية، وقد اختلف الناس حوله اختلافًا كثيرًا (^٢).\nيقول الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: \"الخضر اختلف في اسمه، وفي اسم أبيه، وفي نسبه، وفي نبوته، وفي تعميره\" (^٣).\nوقد اقتصر كلام ابن حجر حوله على تحقيق القول في نبوته وحياته، ولذا سأقتصر في تقويمه عليهما.\nفأما ما يتعلق بنبوته:\nفقد اختلف أهل العلم فيها على أقوال أشهرها قولان:\nأحدهما: أنه نبي وهو قول الجمهور، واختلف القائلون به في كونه نبيًّا رسولًا أو نبيًّا فقط، وأكثرهم على القول بنبوته دون رسالته (^٤).\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ٢٤١)، وانظر: (ص ٤١٠)، تحفة المحتاج (٤/ ١١١)، التعرف (ص ١٢٣).\n(^٢) انظر: فتوى في الخضر لابن تيمية ضمن جامع المسائل له (٥/ ١٣١)، والزهر النضر في حال الخضر لابن حجر، والخدر في أمر الخضر للقارئ (ص ٧٣)، وما بعدها، جواب سؤال يتعلق بما ورد فيما أظهر الخضر للشوكاني ضمن الفتح الرباني له (٣/ ١٢٤٩).\n(^٣) فتح الباري (٦/ ٤٣٣).\n(^٤) انظر: تفسير القرطبي (١١/ ١٦)، مدارج السالكين (٢/ ٤٧٥ - ٤٧٦)، فتح الباري (٦/ ٤٣٤)، الزهر النضر (ص ٦٨)، الحذر في أمر الخضر (ص ٨٣)، روح المعاني للألوسي (١٥/ ٣٢٠).","vol":"1","page":418},{"text":"والثاني: أنه ولي لا نبي، وهو قول بعض الصوفية ومن وافقهم (^١).\nوالصحيح قول الجمهور بأنه نبي لا ولي، وقول من قال منهم بنبوته دون رسالته، والأدلة على ذلك كثيرة، وقد ذكرها غير واحد من أهل العلم.\nيقول الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: \"والذي لا يتوقف فيه الجزم بنبوته\" (^٢).\nويقول العلامة الألوسي ﵀: \" ... والمشهور ما عليه الجمهور [يعني القول بنبوته] وشواهده من الآيات والأخبار كثيرة، وبمجموعها يكاد يحصل اليقين\" (^٣).\nوأما ما يتعلق بحياته وتعميره:\nفقد اختلف أهل العلم فيها أيضًا على قولين:\nأحدهما: القول بوفاته، وهو ما عليه المحققون من أهل العلم (^٤).\nوالثاني: القول بتعميره، وهو قول لبعض الصوفية ومن وافقهم (^٥)، وحكاه بعضهم عن أكثر أهل العلم (^٦)، وفي حكايته نظر ظاهر.\nوالأدلة من الكتاب والسنة والمعقول تدل على قول من قال بوفاته وتؤيده.\nفمن الكتاب:\nأ- قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]. فالخضر إن كان بشرًا فقد دخل في هذا العموم لا محالة، ولا يجوز\n_________\n(^١) انظر: نشر المحاسن الغالية لليافعي (ص ٤٨، ٧٠).\n(^٢) الزهر النضر (ص ١٦٢).\n(^٣) روح المعاني (١٥/ ٣٢٠).\n(^٤) انظر: جامع المسائل (٥/ ١٣١)، المنار المنيف لابن القيم (ص ٧٢)، البداية والنهاية (١/ ٣١٢)، الزهر النضر (ص ٨٦ - ٨٩)، فتح الباري (٦/ ٤٣٤).\n(^٥) انظر: لطائف المنن لابن عطاء الله السكندري (ص ١٥١)، نشر المحاسن الغالية (ص ٣٩٥).\n(^٦) انظر: شرح صحيح مسلم (١٥/ ١٣٥ - ١٣٦)، تهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ١٧٦ - ١٧٧).","vol":"1","page":419},{"text":"تخصيصه منه إلا بدليل صحيح، والأصل عدمه حتى يثبت، ولم يذكر ما فيه دليل على التخصيص عن معصوم يجب قبوله (^١).\nب - قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١].\nقال ابن عباس -﵁-: \"ما بعث الله نبيًّا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء، ليؤمن به وينصرنه\" (^٢).\nفالخضر إن كان نبيًّا أو وليًا فقد دخل في هذا الميثاق، فلو كان حيًّا في زمن النبي -ﷺ- لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه يؤمن بما أنزل الله عليه، وينصره أن يصل أحد من الأعداء إليه، ولم يثبت أن الخضر اجتمع مع النبي -ﷺكما سيأتي- فدل ذلك على موته (^٣).\nومن السُّنَّة: قوله -ﷺ-: \"أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة لا يبقى على ظهر الأرض أحد\" (^٤).\nوقوله -ﷺ-: \"تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله، ما على الأرض نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة\" (^٥).\nقال ابن الجوزي: \"فهذه الأحاديث الصحاح تقطع دابر دعوى حياة الخضر\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: المنار المنيف (ص ٦٩ - ٧٠)، البداية والنهاية (١/ ٣١٢).\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٣/ ٣٣٠) برقم (٧٣٢٧) من طريق المثنى وأحمد بن حازم، كلاهما عن أبي نعيم، عن سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -﵄- بنحوه.\nوذكره ابن كثير في تفسيره (١/ ٤٠٥) بلفظه عن ابن عباس، وبنحوه عن جمع من الصحابة والتابعين.\n(^٣) انظر: البداية والنهاية (١/ ٣١٢).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب السمر في العلم (١/ ٦٣) برقم (١١٦)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب قوله -ﷺ-: لا تأتي مائة سنة (٤/ ١٩٦٥) برقم (٢٥٣٧) من حديث عبد الله بن عمر -﵄- به.\n(^٥) أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب قوله -ﷺ- لا تأتي مائة سنة (٤/ ١٩٦٦) برقم (٢٥٣٨) من حديث جابر بن عبد الله -﵁- به.\n(^٦) نقله عنه ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ٣١٣)، وأصل كلامه في كتابه عجالة المنتظر في شرح حال الخضر وهو غير مطبوع، ولم أقف على من ذكر له نسخة خطية.","vol":"1","page":420},{"text":"وأما المعقول: فقد نقل العلامة ابن القيم عن الحافظ ابن الجوزي -رحمهما الله- وجوهًا من المعقول تدل على موت الخضر، منها:\nأ - أن الذي أثبت حياته يقول: إنه ولد آدم لصلبه أو الرابع من ولد ولده، ومحال أن يعمر كل هذه المدة الطويلة، فإن مثل هذا بعيد في العادات أن يقع في حق البشر.\nب - أن الخضر لو كان كذلك، لكانت خلقته ليست على خلقتنا، بل كان مفرطًا في الطول والعرض، ولم يذكر أحد ممن زعم رؤيته أنه رآه على خلقة عظيمة.\nج - أن الخضر لو كان كذلك، لكان ممن مات زمن نوح ﵇ فإن العلماء قد اتفقوا على أن نوحًا لما نزل من السفينة مات من كان معه، ثم مات نسلهم، ولم يبق غير نسل نوح، بدليل قوله ﷿: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ [الصافات: ٧٧]، ومعلوم أن الخضر ليس من نسل نوح عند القائلين بتعميره.\nد - أنه لو كان حيًّا؛ لكان جهاده الكفار، ورباطه في سبيل الله، ومقامه في الصف ساعة، وحضوره الجمعة والجماعة، وتعليمه العلم خيرًا له وأفضل من سياحته بين الوحوش في الصحاري والبراري، وهل هذا إلا من أعظم الطعن عليه، والعيب له (^١)؟ .\nوبمجموع هذه الأدلة فإن الراجح -والله أعلم- القطع بموته.\nوغاية ما استدل به القائلون بتعميره ثلاثة أدلة:\nالأول: الأحاديث الدالة على بقائه وتعميره، وكلها ضعيفة لا تقوم بها حجة (^٢).\n_________\n(^١) انظر: المنار المنيف (ص ٧٣ - ٧٦)، وقد ذكرها أيضًا الألوسي في روح المعاني (١٥/ ٣٢١).\n(^٢) انظر: الموضوعات لابن الجوزي (١/ ١١٩)، جامع المسائل لابن تيمية (٥/ ١٣٣)، المنار المنيف (ص ٦٧)، البداية والنهاية (١/ ٣١١)، الزهر النضر (ص ٨٠)، فتح الباري (٦/ ٤٣٤ - ٤٣٥)، الفوائد الموضوعة للكرمي (ص ٥٨)، أسنى المطالب للحوت (ص ٢٩٦).","vol":"1","page":421},{"text":"والثاني: الأقوال المروية عن بعض الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن بعدهم، وأكثرها لا تصح عنهم، ومن صحت عنه فهي معارضة بأقوال من خالفه (^١).\nوالثالث: القصص والحكايات التي تذكر عن بعض الصالحين ومدعي الولاية من رؤية الخضر والاجتماع به، والاحتجاج بها غير معتبر؛ إذ هي ليست حجة في نفسها، واحتمال الخطأ والكذب فيها غالب (^٢).\nوجملة القول أن \"الأخبار الصحيحة النبوية، والمقدمات الراجحة العقلية، تساعد القائلين بوفاته ﵇ أي مساعدة، وتعاضدهم على دعواهم أيَّ معاضدة، ولا مقتضى للعدول عن ظواهر تلك الأخبار ... \" (^٣).\nومما سبق يتضح صواب ابن حجر ﵀ في قوله بنبوة الخضر، وخطؤه في قوله بتعميره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>٢ - إخوة يوسف ﵇:</span>\nيرى ابن حجر ﵀ نبوة إخوة يوسف ﵇ وأنهم الأسباط الوارد ذكرهم في قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [النساء: ١٦٣]. حيث يقول في تفسيرهما:\n\"اتفقوا على أن المراد بالأسباط أولاد يعقوب فكوننا أمرنا بالإيمان بما أنزل إلى أبيهم وبما أنزل إليهم ظاهر ونص في أنه أنزل عليهم ما يجب الإيمان به إجمالًا، وهذا صريح في نبوتهم.\nوعليه فقد يستشكل ما وقع منهم في هذه القصة من الأمور الكثيرة التي ظواهرها يجب تنزيه الأنبياء -صلى الله على نبينا وعليهم وسلم- عنها\n_________\n(^١) انظر: البداية والنهاية (١/ ٣٠٨ - ٣١١)، الزهر النضر (ص ١١٥ - ١٦٠)، فتح الباري (٦/ ٤٣٥).\n(^٢) انظر: المنار المنيف (ص ٧٥)، فتح الباري (٦/ ٤٣٥)، روح المعاني (١٥/ ٣٢٨).\n(^٣) روح المعاني (١٥/ ٣٢٨).","vol":"1","page":422},{"text":"بناء على الأصح بل الصواب أن الأنبياء جميعهم من الرسل وغيرهم معصومون قبل النبوة وبعدها من صغائر المعاصي وكبائرها عمدها وسهوها.\nويجاب: بأن ذلك يتأتى على مذهب كثيرين، بل نقل عن الأكثرين أن العصمة إنما هي بعد النبوة لا قبلها، والأولى أن يجاب بأن هذه الأمور إنما تشكل على قواعد شرعتنا أما على شرعهم فنحن لا ندريه، وبفرض أنه يوافق شرعتنا في ذلك فيحتمل أن لهم تأويلًا سوّغ لهم ارتكاب ما فعلوه، وتعبير كثير ببغيهم وحسدهم ونحو ذلك من العبارات التي ظاهرها لا يليق بهم إنما هو بناء على عدم نبوتهم كما هو قول فيهم ... \" (^١).\nالتقويم:\nاتفق أهل العلم على أن المراد بالأسباط في الآيتين أبناء يعقوب، واختلفوا هل هم أبناؤه لصلبه أم لا؟ (^٢).\nفمن قال إنهم أبناؤه من ذريته، حكم بعدم نبوة إخوة يوسف.\nومن قال إنهم أبناؤه لصلبه حكم بنبوة إخوة يوسف، واختلف هؤلاء في الجواب عما وقع منهم:\nفقال بعضهم: إن زلتهم قد غفرت بندمهم، واستغفار أبيهم لهم، ولا يستحيل في العقل زلة النبي (^٣)، ويرد بأن الأنبياء معصومون من الكبائر -كما سيأتي- (^٤).\nوقال آخرون: إنهم لم يكونوا أنبياء حين فعلهم بأخيهم يوسف ذلك، وإنما نبأهم الله بعد توبتهم (^٥)، ويرد بأن القول الصحيح أن الأنبياء\n_________\n(^١) أسنى المطالب (ص ٢٦٠)، وانظر: المنح المكية (٢/ ٨٤٢، ٨٤٥ - ٧٤٦).\n(^٢) انظر: تفسير ابن جرير (١/ ٦١٨)، تفسير القرطبي (٢/ ١٤١)، تفسير ابن كثير (١/ ٢٠٠).\n(^٣) انظر: تفسير ابن عطية (٣/ ٢٢٠)، تفسير القرطبي (٩/ ١٣٣)، تفسير ابن سعدي (ص ٣٦٣).\n(^٤) انظر: (ص ٤٣٣).\n(^٥) انظر: تفسير ابن عطية (٣/ ٢٢٠)، تفسير القرطبي (٩/ ١٣٣)، تفسير السعدي (ص ٣٦٣).","vol":"1","page":423},{"text":"معصومون قبل النبوة وبعدها -كما سيأتي- (^١).\nوأما ما ذكره ابن حجر ﵀ في الجواب عما وقع في قصتهم فلم أقف على من ذكره من أهل العلم، وهو غريب منه؛ إذ ما وقع من إخوة يوسف من أصول المحرمات التي تتفق الشرائع على تحريمها.\nوالراجح -والله أعلم- القول بعدم نبوة إخوة يوسف ﵇.\nيقول الحافظ ابن كثير ﵀: \"اعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق (يعني: سياق قصتهم) يدل على خلاف ذلك.\nومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر، ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل، ولم يذكروا سوى قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦] وهذا فيه احتمال لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم الأسباط، كما يقال للعرب قبائل وللعجم شعوب، يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل فذكرهم إجمالًا لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم، والله أعلم\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>٣ - إبراهيم ابن نبينا محمد -ﷺ</span>-:\nيرى ابن حجر -غفر الله له- نبوة إبراهيم ابن نبينا محمد -ﷺ-، حيث سئل عن قول النووي ﵀: \"وأما ما روي عن بعض المتقدمين: (لو عاش إبراهيم كان نبيًّا) فباطل، وجسارة على الكلام في المغيبات، ومجازفة وهجوم على عظيم\" (^٣) هل هو صحيح أم لا؟\nفأجاب بقوله: \"قد تعجب منه شيخ الإسلام في الإصابة، وقال: \"إنه ورد عن ثلاثة من الصحابة، ولا يظن بالصحابي أنه هجم على مثل هذا بظنه\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: (ص ٤٣٣).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٥١٤)، وانظر: جامع المسائل (٣/ ٢٩٧ - ٢٩٩).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٠٣).\n(^٤) الإصابة في تمييز الصحابة (١/ ٣٢١).","vol":"1","page":424},{"text":"صح عن أنس -﵁- أنه سُئل النبي -ﷺ- عن ابنه إبراهيم قال: \"لا أدري رحمة الله على إبراهيم لو عاش لكان صديقًا نبيًّا\".\nوفي رواية عن أنس أنه رفع ذلك إلى النبي -ﷺ-.\nورواه ابن مندة والبيهقي عن ابن عباس عن النبي -ﷺ-.\nورواه ابن عساكر عن جابر عن النبي -ﷺ-.\nوأخرج أيضًا وقال: فيه من ليس بالقوي عن علي بن أبي طالب: \"لما توفي إبراهيم أرسل النبي -ﷺ- إلى أمه مارية فجاءت وغسلته وكفنته وخرج به وخرج الناس معه فدفنه، وأدخل -ﷺ- يده في قبره فقال: \"أما والله إنه نبي ابن نبي، وبكى وبكى المسلمون حوله حتى ارتفع الصوت، ثم قال -ﷺ-: \"تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يغضب الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون\" ...\nولا بُعد في إثبات النبوة له مع صغره لأنه كعيسى القائل يوم ولد: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠]، وكيحيى الذي قال تعالى فيه: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢].\nواحتمال نزول جبريل بوحي لعيسى أو يحيى يجري في إبراهيم، ويرجحه أنه -ﷺ- صوَّمه يوم عاشوراء وعمره ثمانية أشهر ... وبه يعلم تحقيق نبوة سيدنا إبراهيم في حال صغره\" (^١).\nالتقويم:\nتواترت نصوص الوحيين الدالة على أن محمدًا -ﷺ- هو خاتم النبيين، وتعددت أوجه دلالاتهما نصًّا وظاهرًا.\nقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].\nوقال -ﷺ-: \"كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وأنه لا نبي بعدي ... \" (^٢).\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ٢٣٥ - ٢٣٦)، وانظر: (ص ٢٣٩).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل (٢/ ١٠٧٤) برقم (٣٤٥٥)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء (٣/ ١٤٧١) برقم (١٨٤٢)، من حديث أبي هريرة -﵁- به.","vol":"1","page":425},{"text":"وقال -ﷺ- لعلي -﵁-: \"ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي\" (^١).\nوأجمع أهل العلم على أن نبينا محمدًا -ﷺ- هو خاتم النبيين، وعدوا ذلك من خصائصه على سائر الرسل (^٢)، ومنهم ابن حجر -كما سيأتي- (^٣).\nوما ذكره ابن حجر من إثبات نبوة إبراهيم ابن نبينا محمد -ﷺ- مُعارضٌ بما تقدم، واستدلاله بما ذكر لا يصح، وبيان هذا أن الأحاديث الواردة في ذلك قسمان:\nأحدهما: الأحاديث الدالة على نبوته مطلقًا، ولم يرد في ذلك إلا حديث واحد، وهو قوله -ﷺ-: \"إنه نبي ابن نبي\".\nوالجواب عنه: أن الحديث أخرجه ابن عساكر (^٤) من طريق عيسى بن عبد الله عن أبيه، عن جده، عن أبي جده، عن علي بن أبي طالب -﵁- به.\nوالحديث ضعيف؛ لضعف عيسى بن عبد الله، وبه أعل ابن عساكر الحديث، حيث قال عقيبه: \"عيسى هو ابن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ليس بالقوي\" (^٥).\n\nثانيهما: الأحاديث الدالة على نبوته المعلقة بحياته:\nوقد ورد ذلك من حديث ثلاثة من الصحابة: أنس، وابن عباس، وجابر -﵃-.\nفأما حديث أنس: فقد أخرجه ابن سعد (^٦)، وأحمد (^٧)، وابن مندة (^٨)،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة (٣/ ١٣٣١) برقم (٤٤١٦)، ومسلم كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي (٤/ ١٨٧٠) برقم (٢٤٠٤) من حديث سعد بن أبي وقاص -﵁- به.\n(^٢) انظر: غاية السول (ص ٢٥٦)، اللفظ المكرم (٢/ ٥)، مرشد المحتار (ص ٣٤٨)، الخصائص الكبرى (٢/ ٣١٨).\n(^٣) انظر: (ص ٤٥٠).\n(^٤) انظر: تاريخ دمشق (٣/ ١٤٤ - ١٤٥).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (٣/ ١٤٤ - ١٤٥).\n(^٦) انظر: الطبقات (١/ ١٤٠).\n(^٧) انظر: المسند (١٩/ ٣٥٩) رقم: (١٢٣٥٨)، (٢١/ ٤٠٢) رقم: (١٣٩٨٥).\n(^٨) انظر: فتح الباري (١٠/ ٤٧٦).","vol":"1","page":426},{"text":"وأبو نعيم (^١)، من طرق عن السدي، عن أنس -﵁- أنه قال: \"لو عاش إبراهيم ابن النبي -ﷺ- لكان صديقًا نبيًّا\".\nزاد ابن مندة: \"ولكن لم يكن ليبقى؛ لأن نبيكم آخر الأنبياء\".\nوالحديث صححه الحافظ ابن حجر (^٢)، والعلامة الألباني وقال: \"على شرط مسلم\" (^٣).\nوأما حديث ابن عباس: فقد أخرجه ابن ماجه (^٤)، وابن مندة (^٥)، من طريق إبراهيم بن عثمان، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس -﵄- قال: لما مات إبراهيم ابن رسول الله -ﷺ-، صلى رسول الله -ﷺ- عليه، وقال: \"إن له مرضعًا في الجنة، ولو عاش لكان صديقًا نبيًّا ... \".\nوالحديث ضعيف، فيه إبراهيم بن عثمان أبو شيبة الواسطي، قال الحافظ ابن حجر: \"متروك الحديث\" (^٦).\nوقد ضعف الحديث لأجله الحافظ ابن حجر (^٧)، والعلامة البوصيري (^٨) (^٩) والشيخ الألباني (^١٠).\nوأما حديث جابر: فقد أخرجه ابن عساكر (^١١) من طريق أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"لو عاش إبراهيم لكان نبيًّا\".\n_________\n(^١) انظر: معرفة الصحابة (١/ ٢٠٦).\n(^٢) انظر: فتح الباري (١٠/ ٤٧٦).\n(^٣) انظر: السلسلة الضعيفة (١/ ٣٨٨).\n(^٤) انظر: السنن، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على ابن رسول الله وذكر وفاته (١/ ٤٨٤) رقم (١٥١١).\n(^٥) انظر: الإصابة (١/ ٣١٩).\n(^٦) التقريب (ص ١١٢)، وانظر: تهذيب الكمال (٢/ ١٤٧).\n(^٧) انظر: الإصابة (١/ ٣١٩).\n(^٨) انظر: زوائد ابن ماجه (١/ ٤٨٤).\n(^٩) هو أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن سَليم، البوصيري، الكناني، الشافعي، من مؤلفاته: إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، زوائد نوادر الأصول، توفي سنة ٨٤٠ هـ.\nانظر: الضوء اللامع (١/ ٢٥١)، شذرات الذهب (٧/ ٢٣٣).\n(^١٠) انظر: السلسلة الضعيفة (١/ ٣٨٧).\n(^١١) انظر: تاريخ دمشق (٣/ ١٣٨ - ١٣٩).","vol":"1","page":427},{"text":"والحديث ضعيف، فيه أبو حمزة الثمالي، وهو ثابت بن أبي صفية، قال الحافظ ابن حجر: \"ضعيف رافضي\" (^١).\nوالجواب عنها جميعًا: أن هذه الأحاديث لا تدل على ما ذهب إليه ابن حجر من إثبات نبوة إبراهيم ابن نبينا -ﷺ-، بل غاية ما تدل عليه أنه لو عاش لكان نبيًّا لكنه لم يعش فلم تثبت له النبوة (^٢)، ومما يؤيده ما أخرجه البخاري -وهو أصح شيء في الباب- عن عبد الله بن أبي أوفى -﵁- أنه قال: \"لو قضى الله أن يكون بعد محمد -ﷺ- نبي عاش ابنه، ولكن لا نبي بعده\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>٤ - لقمان:</span>\nيرى ابن حجر ﵀ عدم نبوة لقمان، حيث قال: \"والخضر نبي دون لقمان ... \" (^٤)، وأورد كلام السيوطي في عدم نبوته ولم يتعقبه بشيء (^٥).\nالتقويم:\nذكر الله تعالى لقمان في كتابه، وبين أنه آتاه الحكمة، وقص من خبره ما يدل على حكمته.\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ١٢].\nوقد اختلف أهل العلم فيه هل كان نبيًّا أم حكيمًا؟\nفذهب الجمهور إلى أنه كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا (^٦)، وحكى بعضهم\n_________\n(^١) التقريب (ص ١٨٥)، وانظر: تهذيب الكمال (٤/ ٣٥٧)، ميزان الاعتدال (١/ ٣٦٣)، تهذيب التهذيب (٢/ ٧ - ٨).\n(^٢) انظر: الإصابة (١/ ٣٢١)، سلسلة الأحاديث الضعيفة (١/ ٣٨٨).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من سمى بأسماء الأنبياء (٤/ ١٩٤٩) برقم (٦١٩٤).\n(^٤) التعرف (ص ١٢٣).\n(^٥) تنبيه الأخيار (ل ١٧/ أ).\n(^٦) انظر: تفسير ابن جرير (١٠/ ٢٠٩)، تفسير البغوي (٦/ ٢٨٦)، تفسير السمعاني (٤/ ٢٢٩)، تفسير القرطبي (١٤/ ٥٩)، شرح صحيح مسلم (٢/ ١٤٤)، تفسير ابن كثير (٣/ ٤٨٨) البداية والنهاية (٢/ ١٢٥)، فتح الباري (٦/ ٤٦)، روح المعاني (٢١/ ٨٣)، تفسير السعدي (ص ٥٩٦).","vol":"1","page":428},{"text":"اتفاق أهل العلم على ذلك، فلم يعتد بخلاف من خالف (^١).\nوذهب عكرمة (^٢) إلى أنه كان نبيًّا، وعد هذا غير واحد من تفرده (^٣)، إلا أنه قد نقل عن الشعبي والليث (^٤) ما يوافقه (^٥)، ولم أجد قوليهما -بعد البحث- مسندين.\nوقال بعض أهل العلم: خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة (^٦)، ورد بأن في هذا بُعدًا بيّنًا، وذلك أن الحكمة تنحط عن أدنى درجات الأنبياء بما لا يُقدَّر قدره، وليس من الحكمة اختيار الحكمة المجردة على النبوة (^٧).\nقال الحافظ ابن كثير ﵀: \"اختلف السلف في لقمان هل كان نبيًّا أو عبدًا صالحًا من غير نبوة؟ على قولين، الأكثرون على الثاني ...\nوالآثار منها ما هو مصرح فيه بنفي كونه نبيًّا، ومنها ما هو مشعر بذلك؛ لأن كونه عبدًا قد مسه الرق ينافي كونه نبيًّا، لأن الرسل كانت تُبعث في أحساب قومها؛ ولهذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبيًّا، وإنما ينقل كونه نبيًّا عن عكرمة إن صح السند إليه، فإنه رواه ابن جرير (^٨) وابن أبي حاتم (^٩) من حديث وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة قال: كان لقمان نبيًّا، وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي، وهو ضعيف، والله أعلم\" (^١٠).\n_________\n(^١) انظر: تفسير البغوي (٦/ ٢٨٦)، شرح صحيح مسلم (٢/ ١٤٤).\n(^٢) هو عكرمة القرشي الهاشمي مولاهم، أبو عبد الله، مولى لابن عباس، من أعلام التابعين ومفسريهم، توفي: سنة ١٠٧ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ١٢)، شذرات الذهب (١/ ١٣٠).\n(^٣) انظر: شرح صحيح مسلم (٢/ ١٤٤)، فتح الباري (٦/ ٤٦).\n(^٤) هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن، مولى خالد بن ثابت، إمام حافظ مفسر، توفي سنة ١٧٥ هـ، انظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ١٣٦)، شذرات الذهب (١/ ٢٨٥).\n(^٥) انظر: تفسير بن أبي حاتم (٩/ ٣٠٩٨)، تفسير السمعاني (٤/ ٢٢٩)، تفسير القرطبي (١٤/ ٥٩).\n(^٦) انظر: تفسير السمعاني (٤/ ٢٢٩)، تفسير البغوي (٦/ ٢٨٦)، تفسير القرطبي (١٤/ ٥٩).\n(^٧) انظر: الانتصاف على الكشاف لابن المنير (٢/ ١٩٤).\n(^٨) انظر: التفسير له (١٠/ ٢١٠).\n(^٩) انظر: التفسير له (٩/ ٣٠٩٨).\n(^١٠) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٨٨).","vol":"1","page":429},{"text":"وبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر من عدم نبوة لقمان موافق لما عليه جمهور أهل العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>٥ - ذو القرنين:</span>\nيرى ابن حجر عدم نبوة ذي القرنين، حيث قال: \"والخضر نبي دون لقمان وذي القرنين\" (^١).\nالتقويم:\nذكر الله تعالى ذا القرنين في كتابه، وبين تمكينه له في الأرض، وإعانته إياه.\nقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣)﴾ [الكهف: ٨٣].\nوقد اختلف أهل العلم فيه اختلافًا كثيرًا من جهة تعيينه، واسمه، وعصره، ونبوته -وهي محل البحث هنا-.\nوجملة أقوال أهل العلم فيها ثلاثة:\nالأول: القول بأنه ملَكَ من الملائكة، وليس بنبي.\nوالثاني: القول بأنه نبي من الأنبياء.\nوالثالث: القول بأنه عبد صالح مكنه الله تعالى حتى ملك الأرض (^٢).\nوالناظر في سياق أهل العلم لهذه الأقوال يجد اضطرابًا كثيرًا في نسبتها لأصحابها، حتى إن الرجل الواحد ربما نسبت له الأقوال الثلاثة.\nوبكل حال فإن القول بعدم نبوته هو ما عليه جمهور أهل العلم، وهو\n_________\n(^١) التعرف (ص ١٢٣).\n(^٢) انظر: تفسير ابن جرير (٨/ ٢٧٠)، تفسير البغوي (٦/ ١٩٨)، تفسير ابن عطية (٣/ ٥٣٨)، تفسير القرطبي (١١/ ٤٦)، تفسير الرازي (٢١/ ١٦٥)، تفسير ابن كثير (٣/ ١١٢)، البداية والنهاية (٢/ ٩٥ - ١٠٠)، فتح الباري (٦/ ٣٨٢ - ٣٨٣)، روح المعاني (١٦/ ٣٠)، تفسير السعدي (ص ٤٣٥)، وللاستزادة: ذو القرنين وسد الصين لمحمد راغب الطباخ (ص ٩٩)، وما بعدها.","vol":"1","page":430},{"text":"الصحيح -إن شاء الله- وظاهر سياق قصته في كتاب الله ﷿ يدل على ذلك (^١).\nوبتقرير ما سبق فإن ما قرره ابن حجر موافق لما عليه الجمهور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>رابعًا: عصمة الأنبياء:</span>\nيعرف ابن حجر ﵀ العصمة بقوله: \"العصمة: الحفظ عن الوقوع في المخالفات ... \" (^٢)، \"حفظ يستحيل عليه شرعًا وقوع خلافه من سائر الذنوب\" (^٣).\nويرى أن الأنبياء معصومون عن الوقوع في المعاصي كلها، قبل النبوة وبعدها، حيث يقول: \"الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون عن الذنوب كبيرها وصغيرها، عمدها وسهوها، قبل النبوة وبعدها على الصحيح المختار في الأصول ... \" (^٤).\nكما يرى أن قصص الأنبياء الواردة في القرآن والسنة التي يوهم ظاهرها وقوع الذنوب منهم مؤولة، وأن القصص التي يذكرها بعض المفسرين مما يخالف القول بعصمتهم لا يعتمد عليها ولا يلتفت إليها، يقول في ذلك: \"ما وقع في قصص يذكرها المفسرون وفي كتب قصص الأنبياء مما يخالف ذلك لا يعتمد عليه ولا يلتفت إليه وإن جلَّ ناقلوه ... وما جاء في القرآن من إثبات العصيان لآدم ومن معاتبة جماعة منهم على أمور فعلوها فإنما هو من باب أن للسيد أن يخاطب عبده بما شاء وأن يعاتبه على خلاف الأولى معاتبة غيره على المعصية\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: تفسير البغوي (٦/ ١٩٨)، تفسير ابن عطية (٣/ ٥٣٨)، روح المعاني (١٦/ ٣٠).\n(^٢) فتح المبين. (ص ٤٠).\n(^٣) المنح المكية (٢/ ٥٩٩).\n(^٤) الزواجر (١/ ١٣)، وانظر: فتح المبين (ص ٧١)، الفتاوى الحديثية (ص ١٠١)، الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٢٢١)، التعرف (ص ٦٥، ١١٧).\n(^٥) فتح المبين (ص ٧١)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ١٠١، ٢٩٢، ٣٣٢)، أشرف الوسائل (ص ٩٢)، الزواجر (١/ ١٣) (٢/ ١٠٠)، فتح الإله (ص ١٣٥)، أسنى المطالب (ص ٢٦٧)، المنح المكية (٢/ ٥٣٥).","vol":"1","page":431},{"text":"التقويم:\nمسألة عصمة الأنبياء مسألة طويلة الذيل، متشعبة المسالك، والخلاف جار في كثير من فروعها، وبسطها هنا خروج عن المقصود (^١)؛ ولهذا سأكتفي بعرض مذهب أهل السنة والجماعة فيها بإيجاز، ثم تقويم رأي ابن حجر وفقًا له، وفيما يلي بيان ذلك:\nالعصمة عند أهل السنة والجماعة هي -كما سبق- (^٢): \"حفظ الله تعالى للمعصوم من النقائص والعيوب، وتخصيصه بالكمالات النفسية، مع قدرته على الخير وضده\".\nفقولهم: \"حفظ الله تعالى للمعصوم، احتراز من قول القدرية (^٣) القائلين بأن العبد يخلق فعل نفسه، وأن العصمة إنما هي فعل النبي لا فعل الله، ومن ثم عرفوا العصمة بأنها ألطاف صارفة للنبي عن المعاصي، وهي ما يخطر بباله من ذكر الوعد والوعيد ومن ذكر كونه نبيًّا ونحو ذلك (^٤).\nوقولهم: \"مع قدرته على الخير والشر\" احتراز من قول الجبرية (^٥)\n_________\n(^١) انظر: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة (ص ٤٠٢ - ٤٠٦)، الشفا (٢/ ٧٤٥)، الفصل (٤/ ٥)، عصمة الأنبياء للرازي (ص ٢٦ - ٣٦)، شرح صحيح مسلم (٥/ ٥٣ - ٥٥)، مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٩ - ٣٢٠) (١٠/ ٢٨٩ - ٢٩٣) (١٥/ ١٤٨)، منهاج السنة (١/ ٤٧٠)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٣٠٣ - ٣٠٥)، أضواء البيان (٤/ ٥٢٢ - ٥٢٣، ٥٣٨)، إعلام المسلمين بعصمة النبيين لعزوز المكي (ص ١٥ - ٢٩)، وللاستزادة: عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام د. يوسف السعيد، العصمة في ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة لمنصور التميمي، حقوق النبي -ﷺ- د. محمد التميمي (١/ ١٢٦ - ١٦٠).\n(^٢) انظر: (ص ٣٧٩).\n(^٣) القدرية اسم عام يجمع كل من ينفي القدر وهم طائفتان: منهم من ينفي العلم عن الله وهم القدرية الغلاة وقد انقرض هؤلاء، ومنهم من ينفي الإرادة عند الله وهم القدرية غير الغلاة من المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة والإباضية وكلهم مجمعون على أن العبد يخلق فعل نفسه، وأن الله لا يخلق أفعال العباد. انظر: التنبيه والرد (ص ١٧٦)، الفرق بين الفرق (ص ١١٤)، الفصل (٣/ ٢٢)، التبصير في الدين للإسفرايني (ص ٥٣).\n(^٤) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص ٧٨١)، أوائل المقالات (ص ١٥٦).\n(^٥) الجبرية اسم عام يجمع كل من ينفي حقيقة الفعل عن العبد ويضيفه إلى الله تعالى، وهم =","vol":"1","page":432},{"text":"القائلين بأن الله خالق فعل العبد، والعبد لا مشيئة له ولا اختيار، وأن العصمة إنما هي فعل الله ﷿ لا فعل النبي، ومن ثم عرفوا العصمة بأنها محض فضل الله تعالى، بحيث لا اختيار للعبد فيه، وذلك إما بخلقهم على طبع يخالف غيرهم بحيث لا يميلون إلى المعصية، ولا ينفرون عن الطاعة كطبع الملائكة، وإما بصرف همتهم عن السيئات، وجذبهم إلى الطاعات جبرًا من الله تعالى بعد أن أودع في طبائعهم ما في طبائع البشر ونحو ذلك (^١).\nففارقوا بذلك القدرية والجبرية ومن قال بقولهما.\nوأما تحقيق زمن العصمة ومتعلقها عندهم:\nفقد اختلفوا في زمن العصمة هل هي قبل النبوة وبعدها، أم مختصة بما بعد النبوة؟ والأكثر على الأول (^٢).\nوأما متعلق العصمة: فقد أجمعوا على عصمتهم في التبليغ ودعوى الرسالة (^٣)، وعصمتهم من كبائر الذنوب (^٤) وصغائر الخسة التي تزري بصاحبها كسرقة الحبة والحبتين، والتطفيف في الكيل ونحو ذلك (^٥).\nواختلفوا فيما عداها من الصغائر والخطأ والنسيان والسهو، وجمهورهم على جوازها عليهم، مع كونهم لا يقرون على فعلها، ولا يصرون على عملها، بل لا بد أن يتنبهوا لها، ويتوبوا منها.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"القول بأن الأنبياء معصومون عن\n_________\n= أصناف متعددة، يدخل فيهم الجهمية، والضرارية، والكلابية الأشعرية ومن وافقهم. انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٨٥)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ١٠٣)، البرهان (ص ٤٢).\n(^١) شرح كتاب الفقه الأكبر للقاري (ص ٩٣ - ٩٤).\n(^٢) انظر: تفسير البغوي (٤/ ١٣٢)، الشفا (٢/ ٧٩٣)، تفسير آيات أشكلت لابن تيمية (١/ ١٨١ - ١٨٦، ٢٣٠).\n(^٣) انظر: الشفا (٢/ ٧٤٦)، مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٨٩، ٢٩٠)، منهاج السنة (٢/ ٣١١).\n(^٤) انظر: مختصر ابن الحاجب مع شرحه (١/ ٤٧٧)، الشفا (٢/ ٧٨٤)، إرشاد الفحول للشوكاني (ص ٦٧٣).\n(^٥) انظر: لوامع الأنوار البهية (٢/ ٣٠٣).","vol":"1","page":433},{"text":"الكبائر دون الصغائر، هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر أبو الحسن الآمدي (^١) أن هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضًا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل هو لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول\" (^٢).\nوبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر في مسألة عصمة الأنبياء فيما يتعلق بتعريفها، وزمنها، ومتعلقها، منه ما هو حق، ومنه ما هو باطل.\nفأما تعريفه لها: فيؤخذ عليه أنه بناه على مذهب الأشعرية في العصمة والذي ينحو منحى الجبر، ولهذا وافق الجبرية في تعريفهم، وجعل العصمة فعل الله ﷿ لا فعل النبي، وسيأتي الرد عليه مفصلًا عند عرض رأيه في أفعال العباد وتقويمه (^٣).\nوأما كلامه عن زمنها، وقوله بأنها قبل النبوة وبعدها: فهو موافق لأحد قولي أهل السنة والجماعة، وهو القول الذي عليه أكثرهم.\nوأما كلامه عن متعلقها، وقوله بأنهم معصومون من كبائر الذنوب وصغائرها، عمدها وسهوها:\nفهو مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة، بل ومذاهب الطوائف المشهورة، وغايته أنه قول مهجور لبعض الرافضة (^٤)، والمتكلمين من المعتزلة والأشاعرة (^٥).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"إنما نقل ذلك القول في العصر المتقدم عن الرافضة، ثم عن بعض المعتزلة، ثم وافقهم عليه طائفة من المتأخرين.\n_________\n(^١) انظر: كلامه في كتابه الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١٧٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٩)، وانظر: منهاج السنة (٦/ ٤٧٢)، الجواب الصحيح (٦/ ٢٩٨).\n(^٣) انظر: (ص ٥٨٨).\n(^٤) انظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (٧/ ٨، ٢١)، الرسائل العشر للطوسي (ص ٩٧ - ١٠٦)، تنزيه الأنبياء للمرتضى (ص ١٥ - ١٦).\n(^٥) انظر: جمع الجوامع مع شرحه للمحلي (٣/ ٢٢٤).","vol":"1","page":434},{"text":"وعامة ما ينقل عن جمهور العلماء أنهم غير معصومين عن الإقرار عن الصغائر، ولا يقرون عليها، ولا يقولون إنها لا تقع بحال، وأول من نقل عنهم من طوائف الأمة القول بالعصمة مطلقًا وأعظمهم قولًا لذلك الرافضة؛ فإنهم يقولون بالعصمة حتى ما يقع على سبيل النسيان والسهو والتأويل\" (^١).\nولا شك أن دلائل القرآن والسنة متظاهرة على نقض هذا القول، وبيان بطلانه، وصرف ابن حجر لها ومن قال بقوله بوجوه التأويل، والتهويش عليها بالطعن في صحتها لا يغني شيئًا.\nوقد انتقد الإمام ابن قتيبة ﵀ هذا القول، ورد على أصحابه فقال: \"يستوحش كثير من الناس من أن يلحقوا بالأنبياء ذنوبًا، ويحملهم التنزيه لهم -صلوات الله عليهم- على مخالفة كتاب الله جل ذكره، واستكراه التأويل، وعلى أن يلتمسوا لألفاظه المخارج البعيدة بالحيل الضعيفة\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض رده عليهم: \"نصوص الكتاب والسنة في هذا الباب كثيرة متظاهرة، والآثار في ذلك عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين كثيرة.\nلكن المنازعين يتأولون هذه النصوص من جنس تأويلات الجهمية والباطنية (^٣) كما فعل من صنف في هذا الباب، وتأويلاتهم تبين لمن تدبرها أنها فاسدة من باب تحريف الكلم عن مواضعه ... \" (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٢٠).\n(^٢) تأويل مشكل القرآن (ص ٤٠٢).\n(^٣) الباطنية اسم عام يجمع كل من يدعي أن للنصوص ظاهرًا وباطنًا، وهذا الاسم يدخل تحته طوائف كثيرة كغلاة الصوفية، وغلاة الرافضة، وغلاة الفلاسفة.\nانظر: التبصير في الدين للإسفراييني (ص ١١٨)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ١١٩)، عقائد الثلاث والسبعين فرقة لليمني (١/ ٤٧٧).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٠/ ٣١٣ - ٣١٤).","vol":"1","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>المبحث الثاني آراؤه في الإيمان بنبينا محمد -ﷺ</span>-\nعرض ابن حجر ﵀ لبعض المسائل المتعلقة بالإيمان بنبينا محمد -ﷺ- على وجه الخصوص، فذكر منها: معجزاته، وخصائصه، وحكم سبه -ﷺ-، وفصل في كل منها بما يناسبها، ويوضح رأيه فيها.\nوفيما يلي عرض آرائه في ذلك، وتقويمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>أولًا: معجزاته -ﷺ</span>-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>١ - تعريف المعجزة، وشروطها:</span>\nعرف ابن حجر ﵀ المعجزة تعريفًا بين فيه معناها، وشروطها، فقال: \"المعجزة لا تطلق حقيقة إلا على الأمر الخارق للعادة، المقرون بالتحدي، الدال على صدق الأنبياء ﵈.\nفعلم أن لها شروطًا:\nأحدها: خرقها للعادة بأن تحيل العادة وقوعها كانشقاق القمر.\nثانيها: اقترانها بالتحدي وهو طلب المعارضة والمقابلة مع أمن معارضتها ...\nفخرج الخارق من غير تحد وهو كرامة الولي، والخارق المتقدم على التحدي كإظلال الغمام وشق الصدر الواقعين لنبينا -ﷺ- قبل النبوة فهي كرامات لا معجزات وتسمى إرهاصًا أي: تأسيسًا للنبوة.\nولا يقال خرج به أيضًا الخارق المتأخر عن التحدي بما تخرجه عن المقارنة العرفية؛ لأنه يلزم عليه إخراج أكثر آياته -ﷺ- كنطق الحصى،","vol":"1","page":436},{"text":"والجذع، والدواب، ونبع الماء، بل قيل: لعله لم يتحد بغير القرآن، وتمني الموت، وزعم أنه لا معجزة إلا هذان أقرب إلى الكفر منه إلى البدعة.\nفالحق أن المراد بالتحدي ليس معناه الأصلي بل المراد به دعوى الرسالة وكل معجزاته مقارنة لذلك ...\nثالثها: دلالتها على صدق المتحدي، فخرج الخارق المكذب له، كأن قال: آيتي نطق هذه الدابة، فنطقت بكذبه\" (^١).\nالتقويم:\nالمعجزة في اللغة: مأخوذة من العجز.\nقال ابن فارس: \"العين والجيم والزاء، أصلان صحيحان، يدل أحدهما على الضعف، والآخر على مؤخر الشيء.\nفالأول: عَجَزَ عن الشيء يَعْجِزُ عجزًا، فهو عاجزٌ، أي: ضعيف ... وأما الآخر: فالعجز: مؤخر الشيء، والجمع أعجاز ... \" (^٢).\nوأما في الاصطلاح: فإن لفظ (المعجزة) لم يرد في الكتاب والسنة، ولم يكن السلف الأوائل يستعملونه بمعناه الاصطلاحي الذي تعارف عليه من بعدهم، وإنما الوارد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله -ﷺ- والمتعارف عليه عند السلف الأوائل إطلاق لفظ (الآية) و(البينة) و(البرهان).\nقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٣٨]، وقال ﷿: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقال جل وعلا: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [القصص: ٣٢].\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"هذه الألفاظ إذا سميت بها آيات الأنبياء، كانت أدل على المقصود من لفظ المعجزات، ولهذا لم يكن لفظ\n_________\n(^١) المنح المكية (١/ ٢٣١ - ٢٣٢)، وانظر: أشرف الوسائل (ص ٢٤٤)، فتح المبين (ص ٢١)، الفتاوى الحديثية (ص ٤٠٤)، التعرف (ص ١١٦)، الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٣١٦)، العمدة شرح البردة (ص ٦١٢).\n(^٢) معجم مقاييس اللغة (ص ٧٣٨ - ٧٣٩)، وانظر: تهذيب اللغة (٣/ ٢٣٣٧)، الصحاح (٣/ ٨٨٣)، لسان العرب (٥/ ٣٦٩)، القاموس المحيط (ص ٦٦٣).","vol":"1","page":437},{"text":"المعجزات موجودًا في الكتاب والسنة، وإنما فيه لفظ الآية، والبينة، والبرهان\" (^١).\nوأما المتأخرون فقد أطلقوا لفظ المعجزة واستعملوه، ولكنهم اختلفوا في تعريفها وشروطها، وجمهورهم على ما ذكره ابن حجر (^٢).\nوالصواب أن المعجزة اسم يعم كل خارق للعادة، ويفرق بينها بحسب حال من تقع منه أو يدعيها.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"اسم المعجزة يعم كل خارق للعادة في اللغة، وكذلك الكرامة في عرف الأئمة المتقدمين، كالإمام أحمد بن حنبل وغيره، ويسمونها الآيات، لكن كثيرًا من المتأخرين يفرق في اللفظ بينهما، فيجعل المعجزة للنبي، والكرامة للولي، وجماعهما: الأمر الخارق للعادة\" (^٣).\nوتعريف جمهور المتكلمين -ومنهم ابن حجر- المعجزة بذلك، واشتراطهم فيها هذه الشروط، ترتب عليه حصرهم دلائل النبوة في المعجزات، وإخراجهم لكثير من دلائل النبوة عن دلالتها، وهذا باطل (^٤).\nومنشأ الخطأ عندهم اعتقادهم أن دلائل النبوة وكرامات الولاية وخوارق السحر كلها من جنس واحد، ثم اختلفوا فمنهم من أنكر وجودها\n_________\n(^١) الجواب الصحيح (٥/ ٤١٢)، النبوات (١/ ٢١٥) (٢/ ٨٢٨) قاعدة في المعجزات لابن تيمية (ص ٧)، شرح الطحاوية (٢/ ٧٤٦)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٩٠).\n(^٢) انظر: المغني للقاضي عبد الجبار (١٥/ ٥٦٩ - ٥٧١)، شرح الأصول الخمسة (ص ٥٦٩) البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات للباقلاني (ص ٣٥ - ٣٦، ٤٥ - ٤٦)، أصول الدين للبغدادي (ص ١٧٠)، الإرشاد (ص ٢٦٠)، المواقف (ص ٣٣٩)، وشرحها للجرجاني. (٨/ ٢٢٢ - ٢٣٠)، غاية المرام (ص ٣٣٣)، شرح المقاصد (٥/ ١١ - ١٣).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١١/ ٣١١)، وانظر: شرح الطحاوية (٢/ ٧٤٦).\n(^٤) انظر: البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات (ص ٣٧ - ٣٨)، الإنصاف للباقلاني أيضًا (ص ٦١)، الإرشاد (ص ٢٦٠)، أعلام النبوة للماوردي (ص ٦٢)، شرح المقاصد (٥/ ١٩)، وانظر: الرد عليهم في الجواب الصحيح (٦/ ٥٠٤)، شرح الأصفهانية (٢/ ٤٧١ - ٤٩١)، درء التعارض (٩/ ٤٠)، النبوات (١/ ٤٨٠، ٥٢٢ - ٥٢٣).","vol":"1","page":438},{"text":"-أعني: الكرامات والسحر- وهم المعتزلة (^١)، ومنهم من حاول التفريق بما لا يصح وهم الأشاعرة (^٢).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وأصل خطأ الطائفتين (يعني: المعتزلة، والأشاعرة) أنهم لم يعرفوا آيات الأنبياء وما خصهم الله به، ولم يقدروا النبوة، ولم يقدروا آيات الأنبياء قدرها، بل جعلوا هذه الخوارق الشيطانية من جنسها، فإما أن يكذبوا بوجودها، وإما أن يسووا بينها ويدعوا فرقًا لا حقيقة له\" (^٣).\nوالحق أن دلائل النبوة وكرامات الولاية وخوارق السحر ليست من جنس واحد، والفرق بينها متقرر (^٤).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"آيات الأنبياء هي التي تعلم أنها مختصة بالأنبياء، وأنها مستلزمة لصدقهم، ولا تكون إلا مع صدقهم، وهي لا بد أن تكون خارقة للعادة، خارجة عن قدرة الإنس والجن، ولا يمكن أحد أن يعارضها، لكن كونها خارقة للعادة ولا تمكن معارضتها هو من لوازمها ليس هو حدًا مطابقًا لها ... \" (^٥).\nوأما ما ذكره ابن حجر من شروط المعجزة فقد تعاقب على اشتراطها جمهور المتكلمين (^٦)، وهي متعقبة بما يلي:\n_________\n(^١) انظر: المغني (١٥/ ١٨٩)، أعلام النبوة (ص ٦٢).\n(^٢) انظر: البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات (ص ٩١، ٩٦)، الإرشاد (ص ٢٦٩)، نهاية الإقدام (ص ٤٣٤)، المواقف (ص ٣٤٦)، شرح المقاصد (٥/ ١١، ٧٢ - ٧٤)، وشرح جوهرة التوحيد للصاوي (ص ٩٨).\n(^٣) النبوات (٢/ ١٠٤٠)، وانظر: (٢/ ١٠٦٤) (١/ ٤٨٠ - ٤٨٦)، الجواب الصحيح (٦/ ٤٠٠، ٥٠٠).\n(^٤) انظر: النبوات (١/ ٤٨٧ - ٥٢٣، ٦٠٦ - ٦٠٧) (٢/ ٦٦٢ - ٦٦٤، ١٠٧٤ - ١٠٩٠)، شرح الأصفهانية (٢/ ٤٧٢ - ٤٧٧).\n(^٥) النبوات (٢/ ٧٧٥).\n(^٦) انظر: المغني (١٥/ ٥٦٩ - ٥٧١)، شرح الأصول الخمسة (ص ٥٦٩)، البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات (ص ٣٥ - ٣٦، ٤٥ - ٤٦)، أصول الدين للبغدادي =","vol":"1","page":439},{"text":"أما اشتراط خرق العادة فلا يصح لوجهين:\nالأول: أن العادة أمر نسبي لا ينضبط، فقد يكون الأمر عادة عند قوم دون غيرهم.\nالثاني: أن هذا لا يختص بالأنبياء، فقد شاركهم فيه غيرهم، كالساحر مثلًا فقد يأتي بما هو خارق لعادة من شاهده ولا يستطيع الحاضرون معارضته، مع أن ما أتى به ليس خارقًا لعادة السحرة أمثاله (^١).\nوأما اشتراط اقتران التحدي بها فلا يصح لكون التحدي لم يقع في كثير من دلائل الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- (^٢).\nوأما تفسيره له بدعوى النبوة وأمن المعارضة فمردود من وجوه:\nالأول: أن آيات الأنبياء على قوله هذا لم تتميز بصفة تختص بها، إنما تكون آية إن اقترنت بدعوى النبوة، وإلا فلا، فالدليل والبرهان يكون دليلًا إن استدل به، وإن لم يستدل به فليس دليلًا، وهو باطل (^٣).\nالثاني: أن هناك من الأشخاص من ادعى النبوة كاذبًا، وجرى على يديه بعض الخوارق، ولم يعارض، ومع ذلك عرف الناس كذبه، ولم يصدقوه كما في مسيلمة الكذاب (^٤)، والأسود العنسي (^٥) وغيرهما (^٦).\n_________\n= (ص ١٧٠)، الإرشاد (ص ٢٦٠)، المواقف (ص ٣٣٩)، وشرحها (٨/ ٢٢٢ - ٢٣٠)، شرح المقاصد (٥/ ١١ - ١٣).\n(^١) انظر: النبوات (١/ ١٧٣، ١٦٤، ١٦٥، ١٧٠).\n(^٢) انظر: المحلى (١/ ٣٦)، الفصل (٥/ ٢، ٦)، النبوات (١/ ٥٤١)، الجواب الصحيح (٦/ ٣٠٨، ٤٠٨، ٤٩٦).\n(^٣) انظر: النبوات (١/ ٢٢٩، ٦٠٣، ٦٠٥).\n(^٤) هو مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي الوائلي، أبو ثمامة، ادعى النبوة، وتلقب بالرحمن، حتى عرف برحمان اليمامة، قتل سنة ١٢ هـ.\nانظر: شذرات الذهب (١/ ٢٣)، الأعلام (٧/ ٢٢٦).\n(^٥) هو عيهلة بن كعب بن عوف العنسي المذحجي، ذو الحمار، أسلم يوم أسلمت اليمن، ثم ارتد عن الإسلام، وادعى النبوة، قتل سنة ١١ هـ.\nانظر: الأعلام (٥/ ١١١).\n(^٦) انظر: النبوات (١/ ٢٤٢).","vol":"1","page":440},{"text":"الثالث: أن قوله هذا يلزم منه أن تكون آية النبي هي صرف الناس عن المعارضة سواء كان فعله خارقًا أو غير خارق (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>٢ - ذكره لبعض معجزات النبي -ﷺ</span>-:\nيرى ابن حجر ﵀ أن نبينا -ﷺ- أعطي مثل معجزات الأنبياء قبله، وفاقهم بما اختص به، يقول في ذلك:\n\"انطوى تحت منشور آياته كل آية لغيره من الأنبياء، فلم يعط أحد منهم كرامة أو فضيلة إلا وقد أعطي مثلها، أو أعظم منها ...\nومنه: أن آدم لما أعطي خلق الله تعالى بيده، أعطي نبينا شق صدره، وملأه من ذلك الخلق النبوي ...\nوإدريس: لما أعطي المكان العلي، أعطي نبينا المعراج الأفخم الأعظم.\nونوح: لما نجى هو وقومه، أعطي نبينا أن الله لم يهلك أمته بعذاب عام ...\nوإبراهيم: لما نجى من النار، نجى نبينا من نار الحرب، قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤].\nولما أعطي موسى قلب العصا حية، أعطي نبينا حنين الجذع، الذي هو أبهر وأغرب ...\nوانفراق البحر، أعطي لنبينا انشقاق القمر الذي هو أبهر؛ لأنه تصرف في العالم العلوي ...\nوتفجر الماء من الحجر، أعطي نبينا تفجيره من بين أصابعه، وهو أبلغ؛ لأن الحجر من جنس الأرض التي ينبع منها الماء.\nوالكلام، أعطي نبينا مثله ليلة الإسراء، وزيادة الدنو ...\nوهارون: الفصاحة، أعطي نبينا أفصح منها، على أنها في العبرانية، والعربية أفصح منها ...\n_________\n(^١) انظر: النبوات (١/ ٢٤٢).","vol":"1","page":441},{"text":"ويوسف: شطر الحسن، وتأويل الرؤيا، أعطي نبينا الحسن كله، وعبَّر عن المرائي، فوقعت كما عبر ما لا يدخله الحصر، وتعبير يوسف إنما كان في ثلاث مراءٍ كما في سورته.\nوتليين الحديد لداود: أعطي نبينا أن العود اليابس اخضرَّ في يديه ... وسليمان وداود كلام الطير، أعطي نبينا أنه كلمه الحجر، وسبَّح في كفه الحصى، وكلمه ذراع الشاة المسمومة ...\nوالريح التي غدوها شهر ورواحها شهر، أعطي نبينا البراق، وهو أسرع من الريح ...\nوأيضًا الريح سخرت لسليمان لتحمله إلى نواحي الأرض، ونبينا -ﷺ- زويت له الأرض أي: جمعت، حتى رأى مشارقها ومغاربها، وفرق بين من يسعى إلى الأرض، ومن تسعى له الأرض.\nوتسخير الجن: أعطي نبينا أن الله مكنه من شيطان تفلَّت عليه في صلاته، فأراد أن يربطه بسارية، وسخر له الجن حتى أسلموا، ولم يسخروا لسليمان إلا في العمل ...\nوعيسى: إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، أعطي نبينا رد العين إلى محلها بعد ما سقطت، فعادت أحسن ما كانت ... وتسبيح الحصى وحنين الجذع، أبلغ من تكليم الموتى، لأن هذا من جنس من يتكلم.\nوبالجملة فقد أوتي -ﷺ- مثلهم، وزاد بخصائص لا تحصى\" (^١).\nوقد أورد ابن حجر ﵀ كثيرًا من معجزاته -ﷺ-، وذكر أدلتها من الكتاب والسنة، وكلام أهل العلم في بعضها بما يدل على إعجازها، وفيما يلي سياق ما ذكره، حيث قال:\n\"معجزاته -ﷺ- كثيرة ... وهي:\nما قبل نبوته:\nكقصة الفيل، والنور الذي خرج معه حتى أضاء له قصور الشام\n_________\n(^١) المنح المكية (٢/ ٦٥٣)، وانظر: (١/ ١١٩)، الفتاوى الحديثية (ص ٢٣٧)، التعرف (ص ١١٤)، العمدة (ص ٤٣٤) (ص ٢٨٨).","vol":"1","page":442},{"text":"وأسواقها، وحتى رؤيت أعناق الإبل ببصرى، ومسح الطائر لفؤاد أمه حتى لم تجد ألمًا لولادته، والطواف به في الآفاق، وغيض ماء بحيرة ساوة، وخمود نار فارس، وسقوط شرفات إيوان كسرى، وما سمع من الهواتف الصارخة بنعوته وأوصافه، وانتكاس الأصنام وخرورها لوجهها من غير دافع لها من أمكنتها إلى سائر ما نقل من العجائب في أيام ولادته، وأيام حضانته وبعدها إلى أن أبقاه الله (^١)؛ كإظلال الغمام له أي: في السفر، وشق الصدر (^٢).\nوهذا القسم لا يسمى معجزة حقيقية؛ لتقدمه على التحدي جملة وتفصيلًا، وإنما يسمى إرهاصًا، أي: تأسيسًا للنبوة ...\nوأما بعد موته:\nوهو غير محصور؛ إذ كل خارق وقع لخواص أمته، إنما هو في الحقيقة له، إذ هو السبب فيه.\nوأما من حين نبوته إلى وفاته:\nوهذا هو الذي الكلام فيه.\nفمنه: انشقاق القمر (^٣) ...\nومنه: رد الشمس (^٤) ...\nومنه: تسبيح الحصى في كفه ...\nومنه: تسليم الحجر عليه (^٥) ...\nومنه: ما صح من كلامه مع أُحد لما صعده هو وأبو بكر وعمر وعثمان ...\nومنه: كلام الشجر وسلامه عليه ...\n_________\n(^١) انظر: المولد الشريف (ص ٤١ - ٦٢)، مولد النبي -ﷺ- (ص ٣٧ - ٥٢)، العمدة (ص ٣٣٧) وما بعدها.\n(^٢) انظر: المنح المكية (١/ ٢٦٨) (٢/ ٦٦٣)، المولد الشريف (ص ٦٣)، مولد النبي -ﷺ- (ص ٥٣)، النخب الجليلة (ص ٩٢)، العمدة شرح البردة (ص ٣٩٢).\n(^٣) انظر: المنح المكية (٢/ ٦٦٣)، العمدة (ص ٣٨٨).\n(^٤) انظر: المنح المكية (٢/ ٦٦٦).\n(^٥) انظر: الفتاوى الحديثية (ص ٢٣٧).","vol":"1","page":443},{"text":"ومنه: حنين الجذع (^١) ...\nومنه: سجود الجمل له ...\nومنه: كلام الذئب ...\nومنه: كلام الحمار ... وكلام الغزالة ...\nومنه: نبع الماء الطهور من بين أصابعه (^٢) ...\nومنه: إحياء الموتى ... \" (^٣).\nكما عرض ابن حجر لبعض معجزاته -ﷺ- في مواضع متفرقة من كتبه كالإسراء والمعراج (^٤)، وإخباره عن المغيبات (^٥)، وتسبيح الطعام في يده (^٦)، وأمَّيته -ﷺ- (^٧).\nالتقويم:\nمعجزات النبي -ﷺ- تميزت على معجزات غيره من الأنبياء والرسل بكثرة عددها وظهور إعجازها.\nيقول القاضي عياض ﵀: \"معجزات نبينا -ﷺ- أظهر من سائر معجزات الرسل بوجهين:\nأحدهما: كثرتها ...\nالثاني: وضوح معجزاته -ﷺ- ... \" (^٨).\nولهذا ذكر بعض أهل العلم أن معجزاته -ﷺ- تبلغ ألفًا (^٩)، وقال\n_________\n(^١) انظر: المنح المكية (١/ ٣٦٨)، فتح الإله (ص ٢٢٤).\n(^٢) انظر: المنح المكية (٢/ ٧٢٧).\n(^٣) أشرف الوسائل (ص ٢٤٤ - ٢٥٣).\n(^٤) انظر: المنح المكية (١/ ٤٠٩)، أشرف الوسائل (ص ٤٦ - ٤٧)، النخب الجليلة (ص ٩١)، الجوهر المنظم (ص ٢٣).\n(^٥) انظر: المنح المكية (١/ ٤٩١)، الجوهر المنظم (ص ٥٧).\n(^٦) انظر: المنح المكية (٢/ ٧٣١).\n(^٧) انظر: الدر المنضود (ص ٩٢).\n(^٨) الشفا (١/ ٥٢٣ - ٥٢٥).\n(^٩) انظر: دلائل النبوة للبيهقي (١/ ١٠)، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص ٣٠٠)، الجواب الصحيح (١/ ٥٢٢).","vol":"1","page":444},{"text":"آخرون: بأنها تزيد على ألف ومائتين (^١)، وقال غيرهم: بأنها تبلغ ثلاثة آلاف (^٢).\nووازن غير واحد منهم بين معجزاته -ﷺ- ومعجزات غيره من الأنبياء وبينوا ما اختصه الله تعالى به من مشاركته لهم في معجزاتهم، وتفوقه عليهم بظهور معجزاته (^٣)، ومن أوائلهم الإمام الشافعي ﵀ حيث روي عنه أنه قال: \"ما أعطى الله نبيًّا ما أعطى محمدًا\". فقيل له: أعطي عيسى إحياء الموتى؟ فقال: \"أعطي محمد -ﷺ- حنين الجذع الذي كان يقف يخطب إلى جنبه حتى هيئ له المنبر، فلما هيئ له المنبر حن الجذع حتى سمع صوته، فهذا أكبر من ذلك\" (^٤).\nوعليه فما قرره ابن حجر ﵀ من كون نبينا محمدًا -ﷺ- أعطي معجزات الأنبياء قبله، وفاقهم بما اختص به عددًا وإعجازًا موافق لما قرره أهل العلم.\nوأما ما ذكره من تقسيم معجزاته -ﷺ- بحسب زمن وقوعها قبل النبوة، وبعدها، وبعد وفاته، فهو تقسيم معتبر (^٥).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"من آيات الأنبياء ما كان قبل ولادتهم، وقبل إنبائهم، وما يكون بعد موتهم؛ فإن الآية هي دليل على صدق الخبر بأنه رسول الله، وهذا الدليل لا يختص لا بمكان ولا زمان\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: شرح صحيح مسلم (١/ ٢).\n(^٢) انظر: فتح الباري (٦/ ٥٨٣).\n(^٣) انظر: دلائل النبوة لأبي نعيم (ص ٥٨٧ - ٦٢٥)، الشفا (١/ ٥٢٥ - ٥٢٨)، الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام للقرطبي (ص ٣٤٨)، البداية والنهاية (٦/ ٢٩١)، الخصائص الكبرى (٢/ ٣٠٤)، المواهب اللدنية للقسطلاني (٢/ ٥٨٤).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي (ص ٨٣)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ١١٦)، من طريق عمرو بن سوَّاد عن الشافعي به.\n(^٥) انظر: النبوات (٢/ ٧٩٤، ٨٥٢)، الجواب الصحيح (٦/ ٣٨٠)، وقد جرى عليه أبو نعيم والبيهقي في سياقهما لدلائله -ﷺ-.\n(^٦) النبوات (٢/ ٧٩٤).","vol":"1","page":445},{"text":"ولكن يلاحظ على ابن حجر في تقريره لذلك ما يلي:\n١ - أنه جعل ما قبل نبوته -ﷺ- لا يعد معجزة؛ لتقدمه على التحدي جملة وتفصيلًا بزعمه، وهو باطل.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"آيات النبوة وبراهينها تكون في حياة الرسول وقبل مولده، وبعد مماته، لا تختص بحياته، فضلًا عن أن تختص بحال دعوى النبوة، أو حال التحدي، كما ظنه بعض أهل الكلام\" (^١).\nوقد سبق بيان بطلان اعتبار اشتراط التحدي ومقارنة دعوى النبوة في تعريف المعجزة وشروطها.\n٢ - أنه حصر دلائل نبوته -ﷺ- في المعجزات، فلم يذكر سواها، وهو باطل؛ فإن معرفة صدق النبي لا تنحصر في المعجزات فقط، بل تكون بها وبغيرها من الطرق مثل: النظر في أحوال الأنبياء وما عرفوا به من الصدق والأمانة، وما تميزوا به من محاسن الأخلاق وجميل الصفات، والنظر في ما جاؤوا به من الشرائع التي تنتظم بها مصالح العباد في دينهم ودنياهم، والنظر في عاقبتهم وتأييد الله لهم وإظهارهم على من خالفهم.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"هذه الطريقة هي من أتم الطرق عند أهل الكلام والنظر حيث يقررون نبوة الأنبياء بالمعجزات، ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح لتقرير نبوة الأنبياء لكن كثيرًا من هؤلاء بل كل من بنى إيمانه عليها يظن أن لا تعرف نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات ... وللنظار هنا طرق متعددة:\nمنهم من لا يجعل المعجزة دليلًا بل يجعل الدليل استواء ما يدعو إليه وصحته وسلامته من التناقض كما يقوله طائفة من النظار.\nومنهم من يوجب تصديقه بدون هذا وهذا.\nومنهم من يجعل المعجزة دليلًا ويجعل أدلة أخرى غير المعجزة،\n_________\n(^١) الجواب الصحيح (٦/ ٣٨٠).","vol":"1","page":446},{"text":"وهذا أصح الطرق\" (^١).\nوأما الكلام على ما أورده ابن حجر من المعجزات، وبسط القول فيها بإيراد أدلتها وكلام أهل العلم عليها، فهو مما يطول تسطيره، ويخرجنا عما نحن بصدده، وقد أفرد أهل العلم كتبًا كثيرة في دلائل النبوة وأوسعوها بحثًا رواية ودراية بما يغني عن الإفاضة والإطالة (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>ثانيًا: خصائصه -ﷺ</span>-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>١ - تعريف الخصائص، وأقسامها:</span>\nيرى ابن حجر ﵀ أن كمالات نبينا -ﷺ- لا تحصى، وأن خصائصه لا تستقصى، يقول في ذلك: \"مما يتعين على كل مكلف أن يعتقد أن كمالات نبينا -ﷺ- لا تحصى، وأن أحواله وصفاته وشمائله لا تستقصى، وأن خصائصه ومعجزاته لم تجتمع قط في مخلوق، وأن حقه على الكُمَّلِ فضلًا عن غيرهم أعظم الحقوق ... \" (^٣).\nالتقويم:\nالخصائص: جمع خصِيْصة، يقال: \"خصه بالشيء يَخُصُّه خصًّا وخَصُوصِيَّة وخُصُوصِيَّة، والفتح أفصح، واختصه: أي أفرده دون غيره\" (^٤).\nوعليه فالخصائص النبوية: هي الفضائل والأمور التي انفرد بها النبي -ﷺ- وامتاز بها إما عن إخوانه الأنبياء، وإما عن سائر البشر.\n_________\n(^١) شرح الأصفهانية (ص ٨٨)، وانظر: الجواب الصحيح (٦/ ٥٠٤)، درء التعارض (٩/ ٤٠)، النبوات (١/ ٤٨٠، ٥٢٢ - ٥٢٣).\n(^٢) ذكر المنجد في معجم ما ألف عن رسول الله -ﷺ- (ص ٦٢ - ٦٥، ١٨٧ - ١٩٠)، ما يزيد على سبعين مؤلفًا في دلائل النبوة، ومما هو مطبوع منها: دلائل النبوة للفريابي، ودلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، وأعلام النبوة للماوردي، ودلائل النبوة للبيهقي، ودلائل النبوة لقوام السنة.\n(^٣) المنح المكية (١/ ١٠٢)، العمدة شرح البردة (ص ٥٨٧).\n(^٤) لسان العرب (٧/ ٢٤)، وانظر: تهذيب اللغة (١/ ١٠٣٨)، معجم مقاييس اللغة (ص ٣٠٣)، الصحاح (٣/ ١٠٣٧)، القاموس المحيط (ص ٧٩٦).","vol":"1","page":447},{"text":"وهي ضربان:\nالأول: خصائص تشريعية: وهي ما اختص به النبي -ﷺ- من التشريعات الإلهية.\nوالثاني: خصائص تفضيلية: وهي الفضائل والتشريفات التي كرم الله بها نبينا -ﷺ- دون غيره (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>٢ - ما ذكره من خصائصه -ﷺ</span>-:\nأورد ابن حجر جملة من خصائص نبينا -ﷺ-، ويمكن تقسيم ما أورده إلى قسمين:\nالأول: ما عده من خصائصه -ﷺ- وهو ثابت.\nالثاني: ما عده من خصائصه -ﷺ- وهو غير ثابت.\nوفيما يلي سياق ما ذكره وفقًا لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>القسم الأول: ما عده من خصائص نبينا -ﷺ- وهو ثابت:</span>\nقال في سياقه لجملة منها: \"رسول الله -ﷺ- هو سيد الأولين والآخرين، والملائكة المقربين، والخلائق أجمعين، وحبيب رب العالمين، أكمل رسل الله، وأفضل خلق الله، المخصوص بـ:\nالشفاعة العظمى يوم الدين (^٢).\nوالمنصوص على عموم رسالته إلى العالمين من الإنس، والجن، والملائكة السابقين واللاحقين (^٣).\nصاحب اللواء المعقود.\nوالمقام المحمود (^٤).\n_________\n(^١) انظر: خصائص المصطفى -ﷺ- بين الغلو والجفاء للصادق محمد (ص ٢٣ - ٢٥).\n(^٢) انظر: الدر المنضود (ص ١٦٩)، الجوهر المنظم (ص ٥٩)، المنح المكية (٣/ ١٣٤٥)، الفتاوى الحديثية (ص ١٧٢).\n(^٣) انظر: تحفة المحتاج (١/ ١٤)، فتح المبين (ص ١٢، ١٢٦)، الدر المنضود (ص ٣٦)، المنح المكية (١/ ١٤١، ١٥٨، ٤٣٥)، الفتاوى الحديثية (ص ٨٨، ٩٤، ١٦٨، ٢٠٦، ٢٨٣، ٢٨٥) التعرف (ص ١١٥).\n(^٤) انظر: تحفة المحتاج (١/ ١٧١)، فتح الجواد (١/ ١٠٥)، الدر المنضود (ص ١٦٨)، =","vol":"1","page":448},{"text":"والحوض المورود ...\nفهو الذي اصطفاه بالمحبة والخلة.\nوالقرب والدنو المنزه عن الإحاطة والجهة (^١).\nوالمعراج.\nوالصلاة بالأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه.\nوالشهادة عليهم وعلى أممهم.\nولواء الحمد.\nوالوسيلة.\nوالبشارة والنذارة.\nوالهداية والإمامة.\nوالرحمة للعالمين.\nوبالكوثر.\nوأنه يعطيه حتى يرضى.\nوبإتمام النعمة.\nوبشرح الصدر.\nورفع الذكر فلا يذكر تعالى إلا ويذكر معه.\nوبغرة النصر.\nوالتأييد بالملائكة ﵈.\nوبنزول السكينة.\nوالسبع المثاني.\nوإجابة الدعوة.\nوبالقسم بحياته ...\n_________\n= الجوهر المنظم (ص ٥٩ - ٦٠)، المنح المكية (٣/ ١٤٦٥)، الفتاوى الحديثية (ص ٢٠٤، ٢٥٤)، التعرف (ص ١٢٠)، غرر المواعظ (ص ١٣١).\n(^١) انظر: ما سبق (ص ٣٠٨).","vol":"1","page":449},{"text":"ودوام الصلاة عليه من الله وجميع ملائكته الذين لا يحصيهم إلا الله تعالى ومن أمته في سائر الأزمنة والأمكنة (^١) ... إلى غير ذلك مما لا يطمع في حصره ولا غاية لاستقصائه\" (^٢).\nوذكر في مواضع أخرى من كتبه اختصاصه بختم النبوة (^٣)، وجوامع الكلم (^٤)، وإسلام قرينه من الجن (^٥)، وإحلال الحرم له يوم الفتح (^٦).\nالتقويم:\nالخصائص الثابتة لنبينا -ﷺ- كثيرة، وما ذكره ابن حجر طرف منها، والكلام عليها وبيان أدلتها يطول، وقد أفردها غير واحد من أهل العلم بمصنفات خاصة (^٧)؛ ولهذا سأطوي الكلام عليها مكتفيًا بالإحالة على مصنفات أهل العلم فيها (^٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>القسم الثاني: ما عده من خصائص نبينا -ﷺ- وهو غير ثابت:</span>\nيرى ابن حجر ﵀ أن تعظيم النبي -ﷺ- يجب أن يكون بما ثبت له، وأذن به، دون مجاوزة ذلك، حيث يقول: \"يتعين على كل أحد أن لا يعظمه إلا بما أذن الله لأمته في جنسه مما يليق بالبشر، فإن مجاوزة ذلك تفضي إلى الكفر والعياذ بالله، بل مجاوزة الوارد من حيث هو ربما تؤدي إلى محذور؛ فليقتصر على الوارد ... \" (^٩).\n_________\n(^١) انظر: الدر المنضود.\n(^٢) المولد الشريف (ص ٢٥)، وانظر: مولد النبي -ﷺ- (ص ٢٨).\n(^٣) انظر: أشرف الوسائل (ص ٥٧، ٨٠)، المنح المكية (١/ ٢٧٤)، مولد النبي -ﷺ- (ص ٤٦)، المولد الشريف (ص ٤٩، ٦٣).\n(^٤) انظر: فتح المبين (ص ٢٤).\n(^٥) انظر: الفتاوى الحديثية (ص ١٠١)، الإفصاح (ص ١٧٤).\n(^٦) انظر: فتح الإله (ص ٣٢٠).\n(^٧) ذكر المنجد في معجم ما ألف عن رسول الله -ﷺ- جملة منها (ص ١٨٧ - ١٩٠).\n(^٨) انظر: غاية السول (ص ٢٢٣)، اللفظ المكرم (٢/ ٥)، الخصائص الكبرى (٢/ ٣١٤)، مرشد المحتار (ص ١٢٣)، خصائص المصطفى بين الغلو والجفاء (ص ٣١ - ٧٩).\n(^٩) الجوهر المنظم (ص ٦٤).","vol":"1","page":450},{"text":"ولكن ابن حجر لم يتقيد بما ذكره هنا حيث ادعى للنبي -ﷺ- من الخصائص ما لم يثبت له، ولم يأذن به، وفيما يلي بيان ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>١ - اختصاصه -ﷺ- بأنه أول النبيين في الخلق والنبوة:</span>\nيقول في ذلك: \"اعلم أن الله شرف نبيه -ﷺ- بسبق نبوته في سابق أزليته؛ وذلك أن الله تعالى لما تعلقت إرادته بإيجاد الخلق أبرز الحقيقة المحمدية من محض نوره ... ثم أعلمه بنبوته، وبشره برسالته، هذا وآدم لم يكن ...\nروى مسلم أنه -ﷺ- قال: \"إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء، ومن جملة ما كتب في الذكر وهو أم الكتاب أن محمدًا خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته\" ...\nوصح أيضًا: متى كنت نبيًّا؟ قال: \"وآدم بين الروح والجسد\" ...\nوجاء \"أنا أول الأنبياء خلقًا وآخرهم بعثًا ... \" (^١).\nالتقويم:\nالقول بأن نبينا محمدًا -ﷺ- أول الكائنات خلقًا، وأنه متقدم على سائر الأنبياء بالنبوة قرره غير واحد من غلاة المتصوفة ومن وافقهم (^٢).\nوما ذكره ابن حجر -عفا الله عنه- لا يخرج عما قرروه، وهو باطل من وجوه:\nالأول: أن الأدلة النقلية والعقلية والحسية كلها تدل على أن نبينا محمدًا -ﷺ- آخر الأنبياء خلقًا، وخاتمهم نبوة.\nالثاني: أن النصوص الشرعية وإن اختلفت في تحديد أول ما خلق الله\n_________\n(^١) المولد الشريف (ص ٢٧)، وانظر: أشرف الوسائل (ص ٣٤ - ٣٧)، المنح المكية (١/ ١٣٩) (٢/ ٦٥٣)، مولد النبي -ﷺ- (ص ٣٤).\n(^٢) انظر: الفتوحات المكية لابن عربي (١/ ١٣٤)، الخصائص الكبرى للسيوطي (١/ ٧)، الإبريز للدباغ (ص ٢٥٣).","vol":"1","page":451},{"text":"من الكائنات إلا أنه لم يصح في شيء منها أن أول المخلوقات نبينا محمد -ﷺ- أو نوره -كما سيأتي-.\nالثالث: أن ما استدل به ابن حجر على دعواه لا يصح، وبيان ذلك فيما يلي:\n١ - قوله -ﷺ-: \"إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء، ومن جملة ما كتب في الذكر وهو أم الكتاب أن محمدًا خاتم النبيين وأن آدم لمنجدل في طينته\":\nالحديث بهذا اللفظ لم يخرجه مسلم -كما ذكر ابن حجر- وإنما خرَّج أوله (^١).\nوأما آخره ومحل الاستدلال منه وهو قوله: \"ومن جملة ما كتب في الذكر ... \" فقد أخرجه أحمد (^٢)، والبخاري في التاريخ الكبير (^٣)، ويعقوب بن سفيان (^٤) (^٥)، وابن حبان (^٦)، والطبراني (^٧)، والبيهقي (^٨)، وأبو نعيم (^٩) من طرق عن سعيد بن سويد الكلبي، عن عبد الله (^١٠) بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم ﵇ لمنجدل في طينته ... \".\nوهو بهذا الإسناد لا يصح فيه سعيد بن سويد الكلبي.\n_________\n(^١) انظر: الصحيح، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى (٤/ ٢٠٤٤) برقم (٢٦٥٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵁-.\n(^٢) انظر: المسند (٢٨/ ٣٧٩، ٣٨٢، ٣٩٥) بالأرقام التالية: (١٧١٥٠، ١٧١٥١، ١٧١٦٣).\n(^٣) انظر: (٦/ ٦٨ - ٦٩).\n(^٤) هو يعقوب بن سفيان الفارسي الفسوي، المحدث الحافظ، من مؤلفاته: المعرفة والتاريخ، كتاب السنة، كتاب البر والصلة وغيرها، توفي سنة ٢٧٧ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٨٠)، شذرات الذهب (٢/ ١٧١).\n(^٥) انظر: المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٤٥).\n(^٦) انظر: الصحيح (١٤/ ٣١٢) برقم (٦٤٠٤).\n(^٧) انظر: المعجم الكبير (١٨/ ٦٢٩).\n(^٨) انظر: الدلائل (٢/ ١٣٠).\n(^٩) انظر: الدلائل (١/ ٤٨، ٤٩).\n(^١٠) كذا وقع في رواية عبد الرحمن بن مهدي وهو خطأ، والصواب عبد الأعلى، وقد نبه على ذلك الإمام عبد الله بن أحمد في المسند (٢٨/ ٣٨٦)، وللاستزادة: انظر: تحقيق المسند (٢٨/ ٣٨٠).","vol":"1","page":452},{"text":"قال الحافظ ابن حجر العسقلاني عنه: \"سعيد بن سويد الكلبي الشامي، روى عن العرباض بن سارية، وربما أدخل بينهما عبد الأعلى بن هلال ...\nذكره ابن حبان في الثقات، وقال البخاري: لم يصح حديثه، يعني الذي رواه معاوية عنه مرفوعًا: \"إني عبد الله وخاتم النبيين في أم الكتاب، وآدم منجدل في طينته\"، وخالفه ابن حبان والحاكم فصححاه ... \" (^١).\n\n٢ - قوله - ﷺ - جوابًا لمن سأله: متى كنت نبيًّا؟: \"وآدم بين الروح والجسد\".\nالحديث أخرجه الترمذي (^٢)، والحاكم (^٣)، وأبو نعيم (^٤) من طرق عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ - به.\nقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه\" (^٥).\nوالجواب عنهما: أن الحديثين لا يدلان على ما ذهب إليه ابن حجر من تقدم نبينا محمد - ﷺ - على غيره من الأنبياء في الخلق والنبوة، وإنما غاية ما يدلان عليه أنه - ﷺ - كتب نبيًّا وآدم لم تنفخ فيه الروح بعد.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"هؤلاء الضلال يتوهمون أن النبي - ﷺ - كان حينئذ موجودًا، وأن ذاته خلقت قبل الذوات ...\nوالمقصود هنا أن الله - سبحانه الله وتعالى- كتبه نبيًّا بعد خلق آدم وقبل نفخ الروح فيه.\nوهو موافق لما أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن مسعود: \"إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ... \" (^٦) إلى آخره، بين فيه خلق الجنين، وتنقله\n_________\n(^١) تعجيل المنفعة (١/ ٥٨٣ - ٥٨٤)، وانظر: التاريخ الكبير (٣/ ٤٧٦)، الجرح والتعديل (٤/ ٢٩)، الثقات (٦/ ٣٦١).\n(^٢) انظر: السنن، كتاب المناقب، باب في فضل النبي - ﷺ - (٥/ ٥٤٥)، برقم (٣٦٠٩).\n(^٣) انظر: المستدرك (٢/ ٦٠٩).\n(^٤) انظر: الدلائل (١/ ٤٨).\n(^٥) السنن (٥/ ٥٤٦).\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (٢/ ٩٩٣) برقم (٣٢٠٨)، ومسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي (٤/ ٢٠٣٦) برقم (٢٦٤٣).","vol":"1","page":453},{"text":"من حال إلى حال، فناسب هذا أنه بين خلق آدم ونفخ الروح فيه تكتب أحواله، ومن أعظمها كتابة سيد ولده\" (^١).\n\n٣ - قول - ﷺ -: \"أنا أول الأنبياء خلقًا وآخرهم بعثًا\":\nالجواب عنه: أن الحديث أخرجه ابن أبي حاتم (^٢)، وأبو نعيم (^٣) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن، عن أبي هريرة - ﵁ - به. وهو بهذا الإسناد لا يصح، لما يلي:\nأ - عنعنة الحسن البصري، وهو معدود فيمن احتمل الأئمة تدليسه (^٤)، إلا أن في سماعه من أبي هريرة كلام، والصحيح أنه سمع منه أحاديث معدودة ليس هذا منها (^٥).\nب - عنعنة قتادة بن دعامة السدوسي، وهو معدود فيمن أكثر من التدليس، فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع (^٦).\nجـ - ضعف سعيد بن بشير، خاصة في روايته عن قتادة (^٧)، والحديث من روايته عنه، ولهذا ذكره الذهبي في ترجمته وعده من غرائبه (^٨).\nوعليه فالحديث ضعيف لا تقوم به حجة (^٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>٢ - اختصاصه - ﷺ - بأئه خلق من نور:</span>\nيقول في ذلك: \"نور نبوته متقدم على جميع المخلوقات، وشاهده:\n_________\n(^١) تلخيص كتاب الاستغاثة (١/ ٦٦ - ٦٧).\n(^٢) انظر: التفسير (٩/ ٣١١٦) رقم: (١٧٥٩٤) (١٧٥٩٥).\n(^٣) انظر: دلائل النبوة (١/ ٤٢) رقم: (٣).\n(^٤) انظر: تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفية بالتدليس لابن حجر (ص ١٠٢).\n(^٥) انظر: التدليس في الحديث للدميني (ص ٢٩١).\n(^٦) انظر: تعريف أهل التقديس (ص ١٤٦).\n(^٧) انظر: التاريخ الكبير (٣/ ٤٦٠)، المجروحين لان حبان (١/ ٣١٥)، ميزان الاعتدال (٢/ ١٢٩)، تهذيب التهذيب (٤/ ٩).\n(^٨) انظر: ميزان الاعتدال (٢/ ١٢٩).\n(^٩) انظر: الكامل لابن عدي (٣/ ١٢٠٩)، ميزان الاعتدال (٢/ ١٢٩)، الأسرار المرفوعة للقاري (ص ٢٧٢)، الفوائد المجموعة (ص ٣٢٦)، السلسلة الضعيفة (٢/ ١١٥).","vol":"1","page":454},{"text":"حديث عبد الرزاق بسنده عن جابر - ﵁ - قال: يا رسول الله أخبرني عن أول شيء خلقه الله قبل الأشياء، قال: \"يا جابر إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله تعالى، ولم يكن في ذلك الوقت لوح، ولا قلم، ولا جنة، ولا نار، ولا ملك، ولا سماء، ولا أرض، ولا شمس، ولا قمر، ولا جن، ولا إنس، فلما أراد الله تعالى أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء:\nفخلق من الجزء الأول: القلم، ومن الثاني، اللوح، ومن الثالث: العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء:\nفخلق من الأول: السماوات، ومن الثاني: الأراضين، ومن الثالث: الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء:\nفخلق من الأول: نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني: نور قلوبهم وهو المعرفة بالله، ومن الثالث: نور أنسهم وهو التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله ... \" الحديث ...\nوفي حديث ... \"كنت نورًا بين يدي ربي قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام\".\nوفي الخبر: \"لما خلق الله تعالى آدم جعل ذلك النور يدور في ظهره، فكان يلمع في جبينه، فيغلب على سائر نوره\" الحديث ... \" (^١).\n\"وكان يكثر الدعاء بأن الله تعالى يجعل كلًّا من حواسه وأعضائه وبدنه نورًا، إظهارًا لوقوع ذلك ...\nومما يؤيد أنه - ﷺ - صار نورًا، أنه كان إذا مشى في الشمس أو القمر لم يظهر له ظل؛ لأنه لا يظهر إلا لكثيف، وهو - ﷺ - قد خصه الله من سائر الكثائف الجسمانية، وصيره نورًا صرفًا لا يظهر له ظل أصلًا خرقًا للعادة، كما خرقت له في شق صدره وقلبه مررًا ولم يتأثر بذلك\" (^٢).\n_________\n(^١) المنح المكية (١/ ١٣٩).\n(^٢) المصدر السابق (١/ ٢٢٩)، وانظر: المولد الشريف (ص ٣٠، ٣٤، ٣٧، ٣٨)، مولد النبي - ﷺ - (ص ٣٩)، العمدة شرح البردة (٢٨٩).","vol":"1","page":455},{"text":"التقويم:\nما ذكره ابن حجر - غفر الله له - من كون نبينا محمد - ﷺ - خلق من نور منقول عن جماعة من غلاة الصوفية (^١)، وهو قول باطل من وجوه:\n١ - أن القول بذلك ينافي بشرية نبينا محمد - ﷺ -، فإن البشر مخلوقون من التراب لا من النور، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ [الروم: ٢٠]. وقال - ﷺ -: \"خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم\" (^٢).\nفهذا خبر عام في جميع البشر، فتخصيص نبينا محمد - ﷺ - بأنه خلق من نور يحتاج إلى مخصص، ولا مخصص (^٣).\n٢ - أن القول بذلك يفضي إلى بعض العقائد الفاسدة كاعتقاد أن النبي - ﷺ - مخلوق من نور الله تعالى، وأن العالم كله خلق من نوره، وأنه أول المخلوقات، وأن خلقه متقدم على العرش والقلم، وقد التزم جماعة من القائلين بذلك بهذه العقائد (^٤)، ومنهم ابن حجر.\n٣ - أن القول بذلك مأخوذ من بعض الفلسفات القديمة، والنظريات الفاسدة (^٥).\n٤ - أن ما استدل به القائلون بذلك - ومنهم ابن حجر- لا يصح، وبيان ذلك فيما يلي:\n_________\n(^١) انظر: الفتوحات المكية لابن عربي (١/ ١١٩)، الإنسان الكامل للجيلي (٢/ ٤٦)، الإبريز للدباغ (ص ٢٥٢).\n(^٢) سبق تخريجه (ص ٣٦١).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٩٤ - ٩٥)، فتاوى اللجنة الدائمة (١/ ٣٠٩)، فتاوى ابن عثيمين (١/ ٣٣٣).\n(^٤) انظر: الفتوحات المكية (١/ ١١٩)، الإنسان الكامل (٢/ ٤٦)، الإبريز (ص ٢٥٢).\n(^٥) انظر: الجواب الصحيح (٣/ ٣٨٤)، حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ لعبد الرؤوف القاسم (ص ٢٨٠)، التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق لزكي مبارك (١/ ٢١٠، ٢٧٩، ٢٠١)، الانحرافات العقدية عند الصوفية لإدريس محمود إدريس (١/ ٣٩٣)، خصائص المصطفى بين الغلو والجفاء (ص ١٠٠ - ١٠٩).","vol":"1","page":456},{"text":"أ- أما حديث جابر - ﵁ -: \"إن الله خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره ... \".\nفهو حديث باطل، ولم يخرجه أحد من أئمة الحديث، ومن القواعد المقررة التي يعرف بها وضع الحديث أن لا يتداوله المحدثون في كتبهم.\nوعزو ابن حجر الحديث إلى عبد الرزاق باطل؛ إذ هو ليس في شيء من كتبه (^١).\nب - وأما حديث: \"كنت نورًا بين يدي ربي قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام\":\nفلم أجد من أخرجه بهذا اللفظ، وقد عزاه العجلوني (^٢) (^٣) لابن القطان (^٤) في أحكامه، وبعد البحث في المطبوع من كتبه لم أجده في شيء منها (^٥).\nوقد أخرج القطيعي (^٦) في زوائده على فضائل الصحابة لأحمد (^٧)،\n_________\n(^١) انظر: تنبيه الحذاق على بطلان ما شاع بين الأنام من حديث النور للشنقيطي، النور المحمدي لعداب الحمش (ص ٥٠)، ملحق عن قصيدة البردة لعبد الله الصديق الغماري بذيل كتاب البوصيري مادح الرسول - ﷺ - للحمامصي (٧٥).\n(^٢) هو إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي العجلوني الدمشقي، أبو الفداء، من مؤلفاته: كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، شرح الحديث المسلسل بالدمشقيين، الفيض الجاري شرح صحيح البخاري وغيرها، توفي سنة ١١٦٢ هـ، انظر: سلك الدرر (١/ ٢٥٩)، الأعلام (١/ ٣٢٥).\n(^٣) انظر: كشف الخفاء (١/ ٣١١).\n(^٤) هو علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى الفاسي، أبو الحسن، المشهور بابن القطان، من مؤلفاته: بيان الوهم والإبهام الواقعين في كتب الأحكام، النظر في أحكام النظر، رسالة في حديث عاشوراء، وغيرها، توفي: سنة ٦٢٨ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٠٦)، وشذرات الذهب (٥/ ١٢٨).\n(^٥) وهي بيان الوهم، والنظر في أحكام النظر.\n(^٦) هو أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك أبو بكر القطيعي، من كبار أئمة الحنابلة، سمع من عبد الله بن أحمد كتب أبيه، ورواها عنه، توفي سنة ٣٦٨ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢١٠)، شذرات الذهب (٣/ ٦٥).\n(^٧) انظر: فضائل الصحابة (٢/ ٦٦٢) رقم: (١١٣٠).","vol":"1","page":457},{"text":"وابن عساكر في تاريخه (^١) من طريق الحسن بن علي البصري، عن أحمد بن المقدام العجلي، عن الفضيل بن عياض، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن زاذان، عن سلمان الفارسي زحبه حديثًا بنحوه، ولفظه: \"كنت أنا وعلي نورًا بين يدي الله - ﷿- قبل أن يخلق آدم باربعة عشر ألف عام ... \".\nوفيه: الحسن بن علي البصري، متهم بالكذب (^٢)، والحديث معدود في طوامه (^٣).\nقال العلامة محمود شكري الألوسي: \"هذا الحديث موضوع قطعًا بإجماع أهل السنة\" (^٤).\nجـ - وأما حديث: \"لما خلق الله تعالى آدم جعل ذلك النور يدور في ظهره ... \".\nفلم أجد بعد البحث من خرَّجه من أهل الحديث، وإنما ذكره بعضهم دون عزو.\nوأما ما زعمه ابن حجر من كون دعاء النبي - ﷺ - أن يجعل كل حواسه نورًا إظهارًا لوقوع ذلك، وأنه لم يكن له ظل لكونه نورًا صرفًا فهو من مجازفاته؛ إذ دعاء النبي - ﷺ - بذلك لا يعني إظهار وقوعه وإلا لمنعت أمته من الدعاء بمثله، ودعوى كونه - ﷺ - نورًا صرفًا لا ظل له لم يشهد لها ما يدل عليها ومثلها مما تتوافر الهمم لنقله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>٣ - اختصاصه - ﷺ - بأنه المقصود من الخلق، والممد لها، وخليفة الله فيها:</span>\nيقول في ذلك: \"اعلم أن الله تعالى شرف نبيه بسبق نبوته في سابق أزليته، وذلك أنه تعالى لما تعلقت إرادته بإيجاد الخلق أبرز الحقيقة المحمدية من محض نوره، قبل وجود ما هو كائن من المخلوقات بعد، ثم سلخ العوالم كلها، ثم أعلمه تعالى بسبق نبوته وبشره بعظيم رسالته، كل\n_________\n(^١) انظر: تاريخ دمشق (١/ ١٣٧).\n(^٢) انظر: ميزان الاعتدال (١/ ٥٠٧)، لسان الميزان (٢/ ٢٢٩).\n(^٣) انظر: المصدران السابقان.\n(^٤) مختصر التحفة الاثني عشرية (ص ١٦٨).","vol":"1","page":458},{"text":"ذلك وآدم لم يوجد، ثم انبجست منه - ﷺ - عيون الأرواح فظهر بالملأ الأعلى أصلًا ممدًا للعوالم كلها\" (^١).\nويقول في شرحه لقول البوصيري:\n\"كل فضل في العالمين فمن فضـ ... ـل النبي استعاره الفضلاء\" (^٢)\n\"كل فضل وجد في العالمين الإنس والملائكة والجن فهو كائن من فضل ذلك النبي الأكرم على ربه من سائر الأنبياء والمرسلين، والملائكة المقربين، .. استعاره ... الفضلاء؛ لأنه - ﷺ - الممد لهم، إذ هو الوارث للحضرة الإلهية، والمستمد منها بلا واسطة دون غيره، فإنه لا يستمد منها إلا بواسطته - ﷺ -، فلا يصل لكامل شيء إلا وهو من بعض مدده، وعلى يديه، فآيات كل نبي إنما هي مقتبسة من نوره؛ لأنه كالشمس وهم كالكواكب، فهي غير مضيئة بذاتها، وإنما هي مستمدة من نور الشمس، فإذا غابت أظهرت أنوارها، فهم قبل وجوده - ﷺ - إنما كانوا يظهرون فضله، وأنوارهم مستمدة من نوره الفائض ومدده الواسع.\nألا ترى أن ظهور خلافة آدم، وإحاطته بالأسماء كلها، إنما هو مستمد من جوامع الكلم المخصوص به نبينا - ﷺ -، ثم توالت الخلائق إلى زمن بروز جسمه الشريف، فلما أبرز كان كالشمس اندرج في نوره كل نور، وانطوى تحت منشور آياته كل آية لغيره من الأنبياء ... \" (^٣).\nويقول في معرض ذكره لآداب زيارة قبر النبي - ﷺ -: \"ينبغي له أن يستحضر حياته المكرمة في قبره المكرم، وأنه يعلم بزائريه على اختلاف درجاتم وأحوالهم وقلوبهم وأعمالهم، وأنه - ﷺ - يمد كلًّا منهم بما يناسب ما هو عليه، وأنه خليفة الله الذي جعل خزائن كرمه، وموائد نعمه طوع يديه وتحت إرادته يعطي منهما من يشاء، ويمنع منهما من يشاء، وأنه لا يمكن أحدًا أن يصل إلى الحضرة العلية من غير طريقه ... \" (^٤).\n_________\n(^١) مولد النبي - ﷺ - (ص ٣٤ - ٣٦)، وانظر: العمدة شرح البردة (ص ٢٢٠).\n(^٢) الهمزية مع شرحها المنح المكية (٢/ ٦٥٣).\n(^٣) المنح المكية (٢/ ٦٥٣).\n(^٤) الجوهر المنظم (ص ٤٢).","vol":"1","page":459},{"text":"التقويم:\nما ذكره ابن حجر- غفر الله له - من كون النبي - ﷺ - هو المقصود من الخلق، وهو الممد لها، وخليفة الله فيها، منقول عن جماعة من غلاة المتصوفة (^١)، وهو باطل من وجوه:\n١ - أن القول بذلك يعارض النصوص الشرعية الدالة على أن المقصود من الخلق ابتلاؤهم بالعبادة كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. وقوله سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، وأن الله تعالى هو الممد للمخلوقات والمتصرف فيها كيف يشاء كقوله - ﷿ -: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [المائدة: ١٧].\n٢ - أن القول بذلك ينافي بشرية الرسول - ﷺ - وما أخبر الله به عنه وأخبر هو عن نفسه كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]، وقوله - ﷿ -: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨]، وقوله - ﷺ -: \"يا معشر قريش أو كلمة نحوها اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله - ﷺ - لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئًا\" (^٢).\n٣ - أن هذا القول مأخوذ من بعض الفلسفات الفاسدة، والعقائد الباطلة كالفلسفة الهندية، والعقيدة النصرانية (^٣).\n_________\n(^١) انظر: الإبريز للدباغ (ص ٢٥٢، ٢٦٠)، حجة الله على العالمين للنبهاني (ص ١٤، ٥٢).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] (٣/ ١٤٩٧) برقم (٤٧٧١) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.\n(^٣) انظر: الجواب الصحيح (٣/ ٣٨٤)، حقيقة الصوفية للقاسم (ص ٢٨٠)، مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية (١/ ٣٩٣).","vol":"1","page":460},{"text":"٤ - أن ابن حجر لم يذكر دليلًا يعتمد عليه في دعواه، والقائلون بقوله غاية ما استدلوا به أحاديث موضوعة لا تقوم بها الحجة.\nولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵁ -: \"ما يذكرون أن النبي - ﷺ - كان كوكبًا، أو أن العالم كله خلق منه، أو أنه كان موجودًا قبل أن يخلق أبواه، أو أنه كان يحفظ القرآن قبل أن يأتيه به جبريل، وأمثال هذه الأمور، فكل ذلك كذب مفترى باتفاق أهل العلم بسيرته.\nوالأنبياء كلهم لم يخلقوا من النبي - ﷺ -، بل خلق كل واحد من أبويه، ونفخ الله فيه الروح.\nولا كان كلما يعلم الله لرسله وأنبيائه بوحيه يأخذونه بواسطة سوى جبريل، بل تارة يكلمهم الله وحيًا يوحيه إليهم، وتارة يكلمهم من وراء حجاب كما كلم موسى بن عمران، وتارة يبعث ملكًا فيوحي بإذنه ما يشاء، ومن الأنبياء من يكون على شريعة غيره، كما كان أنبياء بني إسرائيل على شريعة التوراة.\nوأما كونهم كلهم يأخذون من واحد فهذا يقوله ونحوه أهل الاتحاد من أهل الوحدة والاتحاد كابن عربي صاحب الفتوحات المكية والفصوص وأمثالهما\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>٤ - اختصاصه - ﷺ - بإحياء أبويه وإيمانهما به:</span>\nيقول في ذلك: \"اختلف الناس في أبويه هل هما مؤمنان في الجنة أم لا ...\nواعلم أن الحق الواضح الجلي الذي لا غبار عليه أن أبوي النبي - ﷺ - ناجيان لا عقاب عليهما، وكذا أهل الفترة جميعهم ...\nروى الطبراني بسنده عن عائشة - ﵄ - عن النبي - ﷺ - أنه ترك الحجون كئيبًا حزينًا، فأقام به ما شاء الله - ﷿ -، ثم رجع مسرورًا، قال: سألت ربي - ﷿ -، فأحيا لي أمي فآمنت بي، ثم ردَّها\".\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٨/ ٣٦٧ - ٣٦٨).","vol":"1","page":461},{"text":"ورواه ابن شاهين (^١) عنها بلفظ: حج بنا رسول الله - ﷺ - حجة الوداع ومر بي على عقبة الحجون وهو باك حزين مغتم، فبكيت لبكائه، ثم إنه نزل فقال: \"يا حميراء، استمسكي\" فاستندت إلى جنب البعير، فمكثت مليًا، ثم عاد إليَّ وهو فرح مبتسم فقال: \"ذهبت لقبر أمي، فسألت ربي أن يحييها، فأحياها فآمنت بي\".\nوكذا جاء من حديثيهما أيضًا: أحيا أبويه - ﷺ - ورضي عنهما حتى آمنا به، رواه الخطيب وكذا السهيلي (^٢)، وقال: في سنده مجاهيل، وابن كثير قال: منكر جدًّا وسنده مجهول، وليس كما قال مطلقًا\" (^٣).\n\"والأحاديث مصرحة لفظًا في أكثره، ومعنى في كله، أن آباء النبي - ﷺ - غير الأنبياء وأمهاته إلى آدم وحواء ليس فيهم كافر؛ لأن الكافر لا يقال في حقه إنه مختار، ولا كريم، ولا طاهر، بل نجس كما في الآية: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، ... وأيضًا قال تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ [الشعراء: ٢١٩]، على أحد التفاسير فيه أن المراد تنقل نوره من ساجد إلى ساجد ... \" (^٤).\nالتقويم:\nالقول بحياة أبوي النبي وإيمانهما به بعد وفاتهما قرره غير واحد من المتصوفة (^٥) وهو قول باطل من وجوه:\n_________\n(^١) هو عمر بن أحمد بن عثمان بن أحمد البغدادي، أبو حفص، المشهور بابن شاهين، سلفي ثقة حافظ، من مؤلفاته: شرح مذاهب أهل السنة ومعرفة شرائع الدين، وناسخ الحديث ومنسوخه، وتاريخ أسماء الثقات وغيرها، توفي سنة ٣٨٥ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٤٣١)، شذرات الذهب (٣/ ١١٧).\n(^٢) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الخثعمي السهيلي، عالم باللغة والسير، من مؤلفاته: الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، تفسير سورة يوسف، نتائج الفكر وغيرها، توفي سنة ٥٨١ هـ. انظر: وفيات الأعيان (١/ ٢٨٠)، تذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٧).\n(^٣) المولد الشريف (ص ٦٥)، وانظر: أشرف الوسائل (ص ٣٩)، المنح المكية (١/ ١٥١، ١٦٥)، الزواجر (١/ ٣٣)، العمدة شرح البردة (ص ٣٢٤).\n(^٤) المنح المكية (١/ ١٥١).\n(^٥) انظر: الرسائل التسع للسيوطي (ص ١٣٩ - ١٩٧، ٢٠١ - ٢٢١). الحاوي له (٢/ ٢٠٢ - ٣٣٣).","vol":"1","page":462},{"text":"الأول: أن القول بذلك معارض بدلالة الكتاب والسنة والإجماع (^١).\nفمن دلالة الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء: ١٧، ١٨].\nوقوله سبحانه: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾ [غافر: ٨٥].\nوقوله - ﷿ - ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣].\nومن دلالة السنة: قوله - ﷺ - لمن سأله عن والده: \"إن أبي وأباك في النار\" (^٢).\nوقوله - ﷺ -: \"إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي\" (^٣).\nوأما الإجماع: \"فقد اتفق السلف والخلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وسائر المجتهدين على ذلك؛ من غير إظهار خلاف لما هنالك، والخلاف من اللاحق لا يقدح في الإجماع السابق\" (^٤).\nالثاني: أن القول بذلك ينافي \"القواعد الشرعية الدالة على عدم قبول الإيمان بعد مشاهدة الأحوال الغيبية، ودعوى الخصوصية تحتاج إلى إثبات بالأدلة القوية.\nوأما الاستدلال بالقدرة الإلهية، وقابلية الخصوصية للحضرة النبوية،\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣٢٤)، رسالة في حق أبوي الرسول - ﷺ - لإبراهيم الحلبي (ص ٤٥٦)، أدلة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول للقاري (ص ٦٤).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار (١/ ١٩١) برقم (٢٠٣) من حديث أنس - ﵁ - به.\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي - ﷺ - ربه - ﷿في زيارة قبر أمه (٢/ ٦٧٢) برقم (٩٧٦) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.\n(^٤) أدلة معتقد أبي حنيفة (ص ٨٤)، وانظر: رسالة في حق أبوي الرسول - ﷺ - (ص ٤٦١).","vol":"1","page":463},{"text":"فأمر لا ينكره أحد من أهل الملة الحنيفية، وإنما الكلام في إثبات هذا المرام، بالأدلة على وجه النظام، لا بالاحتمال الذي لا يصلح للاستدلال، خصوصًا في معارضة نصوص الأقوال\" (^١).\nالثالث: أن القول بذلك قد جر بعض القائلين به - ومنهم ابن حجر- إلى القول بنجاة كل أصول النبي - ﷺ -.\nوقد ردّ ذلك العلامة القاري - ﵀ - فقال: \"وأما ما ذكر ابن حجر المكي ... من أن الأحاديث مصرحة لفظًا في أكثره، ومعنى في كله، أن آباء النبي - ﷺ - غير الأنبياء وأمهاته إلى آدم وحواء، ليس فيهم كافر؛ لأن الكافر لا يقال في حقه إنه مختار، ولا كريم، ولا طاهر؛ فمردود عليه، إذ ليس في الأحاديث لفظ صريح يشير إليه، وأما المعنى؛ فكأنه أراد به لفظ: (المختار) و(الكريم) و(الأطهار)، وهو لا دلالة فيه على الإيمان أصلًا، وإلا فيلزم منه أن تكون قبيلة قريش كلهم مؤمنين؛ لحديث: \"إن الله اصطفى بني كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة\" (^٢). ولم يقل به أحد من المسلمين ...\nفتأمل؛ فإنه موضع زلل، ومقام خطل، واحذر أن تكون ضالًا مضلًا في الوحل\" (^٣).\nالرابع: أن الأدلة التي ساقها ابن حجر في الدلالة على قوله لا تصح وبيان ذلك فيما يلي:\n١ - أما استدلاله بكونهم من أهل الفترة على نجاتهم فهو مردود من وجهين:\nأ- أن ذلك معارض بقوله بحياتهما بعد وفاتهما وإيمانهما بالنبي - ﷺ -؛\n_________\n(^١) أدلة معتقد أبي حنيفة (ص ٨٨ - ٨٩).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي - ﷺ - (٤/ ١٧٨٢) برقم (٢٢٧٦) من حديث واثلة بن الأسقع - ﵁ - به.\n(^٣) أدلة معتقد أبي حنيفة (ص ١١٨ - ١١٩)، وانظر: رسالة في حق أبوي الرسول - ﷺ - (ص ٤٦٣ - ٤٦٨).","vol":"1","page":464},{"text":"فإنهما لو كانا من أهل الفترة لما احتاجا إلى الإحياء والإيمان بالنبوة بناء على أنهما من أهل النجاة (^١).\nب - أن أهل الفترة القول الصحيح في حقهم أنهم يمتحنون بنار في عرصات القيامة، لا القول بنجاتهم مطلقًا (^٢).\n٢ - أن الأحاديث التي أوردها ابن حجر في الدلالة على قوله موضوعة لا تصح.\nفقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - هل صح عن النبي - ﷺ - أن الله تعالى أحيى له أبويه حتى أسلما على يديه، ثم ماتا بعد ذلك؟\nفأجاب بقوله: \"لم يصح ذلك عن أحد من أهل الحديث، بل أهل الحديث متفقون على أن ذلك كذب مختلق، وإن كان قد رُوي ... بإسناد فيه مجاهيل ... فلا نزاع بين أهل المعرفة أنه من أظهر الموضوعات كذبًا؛ كما نص عليه أهل العلم؛ فإن مثل هذا لو وقع لكان مما تتوفَّر الهمم والدواعي على نقله فإنه من أعظم الأمور خرقًا للعادة ... \" (^٣).\nوأما تفصيل الكلام على ما أورده منها، فيمكن بيانه فيما يلي:\nأ- حديث عائشة - ﵄ - في زيارته لقبر أمه - ﷺ - بالحجون، وحياتها وإيمانها: أخرجه ابن شاهين (^٤)، ومن طريقه الخطيب (^٥)، وعنه الجورقاني (^٦) (^٧)، والدارقطني (^٨)، وابن عساكر (^٩) من طريق محمد بن الحسن\n_________\n(^١) انظر: أدلة معتقد أبي حنيفة (ص ٩١).\n(^٢) انظر: الجواب الصحيح (١/ ٣١٢)، أضواء البيان (٣/ ٤٨٣).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٢٤).\n(^٤) انظر: ناسخ الحديث ومنسوخه (ص ٤٨٩) رقم: (٦٥٦).\n(^٥) انظر: السابق واللاحق (ص ٣٧٧ - ٣٧٨).\n(^٦) هو الحسين بن إبراهيم بن الحسين بن جعفر الجورقاني الهمداني، أبو عبد الله، سلفي حافظ، من مؤلفاته: الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير، توفي سنة ٥٤٣ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ١٨٤)، شذرات الذهب (٤/ ١٣٦).\n(^٧) انظر: الأباطيل والمناكير (١/ ٢٢٢).\n(^٨) انظر: لسان الميزان (٤/ ٣٠٥) فقد عزاه إلى غرائب مالك له.\n(^٩) انظر: المصدر السابق (٤/ ٣٠٥) فقد عزاه إلى غرائب مالك له.","vol":"1","page":465},{"text":"النقاش، عن أحمد بن يحيى الحضرمي، عن محمد بن يحيى الزهراني، عن عبد الوهاب بن موسى، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - ﵄ - به.\nقال ابن الجوزي: \"موضوع بلا شك: النقاش ليس بثقة، وأحمد بن يحيى ومحمد بن يحيى مجهولان ...\nوأم رسول الله - ﷺ - ماتت بالأبواء بين مكة والمدينة، وليست بالحجون\" (^١).\nوالحديث ذكره عامة من ألف في الموضوعات والأحاديث المشتهرة (^٢).\nب - حديث: \"أن رسول الله - ﷺ - سأل ربه أن يحيي أبويه، فأحياهما له وآمنابه\".\nذكره السهيلي فقال: \"ورُوي حديث غريب لعله أن يصح، وجدته بخط جدي ... بسند فيه مجهولون، ذكر أنه نقله من كتاب انتسخ من كتاب مُعوِّذ بن داود بن معوذ الزاهد يرفعه إلى ابن أبي الزناد عن عروة، عن عائشة - ﵄ - ... \" (^٣) فذكره.\nوالحديث ظاهر البطلان؛ إذ ليس له إسناد يثبت، فضلًا عما ذكره السهيلي من جهالة بعض رواته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>٥ - اختصاصه - ﷺ - بجواز رؤيته يقظة بعد وفاته:</span>\nسئل ابن حجر - ﵀ - هل تمكن رؤية النبي - ﷺ - في اليقظة؟\nفأجاب بقوله: \"أنكر ذلك جماعة، وجوَّزه آخرون وهو الحق ... استُدل:\nبحديث البخاري: \"من رآني في المنام فسيراني في اليقظة\" أي: بعيني\n_________\n(^١) الموضوعات (١/ ٢٨٣ - ٢٨٤).\n(^٢) انظر: الموضوعات لابن الجوزي (١/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، اللآلئ المصنوعة (١/ ٢٦٦)، تنزيه الشريعة لابن عراق (١/ ٣٣٢)، كشف الخفاء (١/ ٦١).\n(^٣) الروض الأنف (١/ ١٩٤).","vol":"1","page":466},{"text":"رأسه، وقيل: بعين قلبه، واحتمال إرادة القيامة بعيد من لفظ اليقظة، على أنه لا فائدة في التقييد حينئذ لأن أمته كلهم يرونه يوم القيامة من رآه في المنام ومن لم يره في المنام ...\nوالحكايات في ذلك عن أولياء الله كثيرة جدًّا، ولا ينكر ذلك إلا معاند أو محروم.\nوأكثر ما تقع رؤيته - ﷺ - بالقلب ثم بالبصر لكنها به ليست كالرؤية المتعارفة وإنما هي جمعية حالية وحالة برزخية وأمر وجداني فلا يدرك حقيقته إلا من باشره كذا قيل، ويحتمل أن المراد الرؤية المتعارفة بأن يرى ذاته طائفة في العالم أو تنكشف الحجب له بينه وبين النبي وهو في قبره فينظره حيًّا فيه رؤية حقيقية إذ لا استحالة، لكن الغالب أن الرؤية إنما هي لمثاله لا لذاته ... \" (^١).\nالتقويم:\nما ذكره ابن حجر- غفر الله له - من جواز رؤيته - ﷺ - يقظة بعد وفاته قرره جماعة من الصوفية (^٢)، وهو باطل من وجوه:\nالأول: أن القول بذلك معارض بالأدلة النقلية والعقلية والحسية الدالة على وفاة النبي - ﷺ - ولا يرد على ذلك حياته في قبره إذ حياته فيه حياة برزخية (^٣).\nالثاني: أن رؤيته - ﷺ - يقظة بعد وفاته لو كانت ممكنة، لكان أولى الناس بها أصحابه - ﷺ -، ولا سيما مع قيام المقتضي لهذه الرؤية، فإنه قد جرى بين الصحابة من النزاع في كثير من المسائل ما يستدعي ظهوره لهم\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ٣٩٢ - ٣٩٤)، وانظر: (ص ٣٨٢، ٣٩١)، أشرف الوسائل (ص ٥٩٩)، المنح المكية (٢/ ٦٩٣).\n(^٢) انظر: بهجة النفوس لابن أبي جمرة (٤/ ٢٣٧)، الحاوي (٢/ ٢٥٥)، طبقات الصوفية الكبرى للشعراني (٢/ ٦٩).\n(^٣) انظر: حياة الأنبياء بعد وفاتهم (ص ٣٢ - ٤٩). توضيح المقاصد لابن عيسى (٢/ ١٦٠ - ١٧١)، الصواعق المرسلة الشهابية لابن سحمان (٩٨ - ١٠١)، شرح الكافية الشافية لهراس (١/ ٤٠٢).","vol":"1","page":467},{"text":"وفصله بينهم (^١).\nالثالث: أن القول بذلك يلزم منه لوازم باطلة، منها: القول باستمرار التشريع، وأن يخلو القبر من جسده - ﷺ - فيزار مجرد القبر ويسلم على غائب، وأن يكون من رآه صحابيًّا وغيرها (^٢).\nالرابع: أن القائلين بذلك اضطربوا في رؤيته - ﷺ - هل هي رؤية لذاته على الحقيقة أو رؤية مثال لها، وهل تكون بالقلب أو بالبصر (^٣)، وهذا الاضطراب كاف لرد القول بجواز رؤيته - ﷺ - بعد وفاته يقظه؛ إذ الرؤية أمر محسوس والاختلاف فيها على هذا الوجه يدل على عدم تحققها.\nالخامس: أن القائلين بذلك - ومنهم ابن حجر- لم يذكروا على قولهم هذا دليلًا يُعتمد عليه، وما ذكره ابن حجر أمران:\n١ - حديث: \"من رآني في المنام، فسيراني في اليقظة\":\nوالحديث أخرجه البخاري من طريق عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن محمد بن شهاب الزهري، عن أبي هريرة - ﵁ - به (^٤).\nوالجواب عنه من وجهين:\nأ- أن أهل العلم اختلفوا في المراد بالحديث على أقوال (^٥)، أصحها أن المراد به التشبيه والتمثيل، ويدل لذلك روايات الحديث الأخرى فقد رواه بقية أصحاب الزهري بلفظ: \"من رآني في المنام فسيراني في اليقظة أو فكأنما رآني في اليقظة، لا يتمثل الشيطان بي\" (^٦).\nب - أن حمل الحديث على رؤيته - ﷺ - يقظة بعد وفاته وإن كان أحد\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٣٩٢ - ٣٩٣).\n(^٢) انظر: فتح الباري (١٢/ ٤٠١ - ٤٠٢).\n(^٣) انظر: أقوالهم في الحاوي (٢/ ٢٦٣).\n(^٤) انظر: صحيح البخاري، كتاب التعبير، باب من رأي النبي - ﷺ - في المنام (٤/ ٢١٩٠) برقم (٦٩٩٣).\n(^٥) انظر: شرح صحيح مسلم (١٥/ ٢٤)، فتح الباري (١٢/ ٣٨٥).\n(^٦) أخرجها مسلم، كتاب الرؤيا، باب قول النبي ﵊: \"من رآني في المنام فقد رآني\" (٤/ ١٧٧٥) برقم (٢٢٦٦).","vol":"1","page":468},{"text":"الأقوال في المراد بالحديث إلا أنه قول ضعيف؛ إذ إن جماعة رأوه في المنام ولم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة، ومعلوم أن خبر الصادق لا يتخلف (^١).\n٢ - الحكايات التي يذكرها المصنفون في الكرامات أو يتناقلها العامة:\nوهذه الحكايات ليست حجة شرعية يجب المصير إليها؛ إذ هي كذب مختلق، أو تزوير شيطان مرق؛ ولهذا لم يقع مثل هذا لأحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>ثالثًا: حكم سبه - ﷺ </span>-.\nيرى ابن حجر - ﵀ - كفر من سب رسول الله - ﷺ -، وقتله ما لم يتب حيث قال: \"من كفر بسبه - ﷺ - أو تنقيصه صريحًا أو ضمنًا ومثله المَلَك فاختلفوا في تحتم قتله\" (^٣).\n\"فيقتل ما لم يتب على الأصح عندنا.\nومطلقًا عند مالك وجماعة من أصحابنا، وبالغ بعضهم فنقل عليه الإجماع ... \" (^٤).\nالتقويم:\nالسب: هو كل كلام قبيح يوجب الإهانة، والنقص، والاستخفاف (^٥).\nوضابطه العرف، \"فإن الكلام على أعيان الكلمات لا ينحصر وجماع ذلك أن ما يعرف الناس أنه سب فهو سب، وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال والاصطلاحات والعادات وكيفية الكلام ونحو ذلك، وما اشتبه فيه\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٨٥).\n(^٢) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٤٤)، غاية الأماني (٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦).\n(^٣) الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٣١٩).\n(^٤) أشرف الوسائل (ص ٣٤٣)، وانظر: (ص ١٦٧)، أسنى المطالب (ص ٣٢٥)، فتح الإله (ص ٦٣٤).\n(^٥) انظر: الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية (٣/ ١٠٤١).","vol":"1","page":469},{"text":"الأمر ألحق بنظيره وشبهه\" (^١).\nوسب النبي - ﷺ - من نواقض الإيمان التي توجب الكفر ظاهرًا وباطنًا، سواء استحل ذلك أو لم يستحله (^٢).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية﵀ -: \"إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرًا وباطنًا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو مستحلًا له، أو كان ذاهلًا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل\" (^٣).\nوقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع.\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾ [التوبة: ٦١ - ٦٣].\nوقوله - ﷿ -: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥: ٦٦].\nوقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٧ - ٥٨].\nومن السُّنَّة: ما روي عنه - ﷺ - أنه لما دخل مكة عام الفتح جاءه رجل فقال: ابن خَطَل متعلق بأستار الكعبة، فقال: \"اقتلوه\" (^٤).\n_________\n(^١) الصارم المسلول (٣/ ١٠٠٩)، وانظر: (٣/ ٩٩٢).\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ٩٥٨)، السيف المسلول على من سب الرسول للسبكي (ص ١٣٢).\n(^٣) الصارم المسلول (٣/ ٩٥٥).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب أين ركز النبي - ﷺ - الراية يوم الفتح؟ (٣/ ١٢٩٦)، برقم (٤٢٨٦)، ومسلم، كتاب الحج، باب دخول مكة بغير إحرام (٢/ ٩٨٩) برقم (١٣٥٧) من حديث أنس - ﵁ - به.","vol":"1","page":470},{"text":"وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على كفر من سب رسول الله - ﷺ -، ونقل إجماعها على ذلك غير واحد من أهل العلم (^١).\nومن سب النبي لا يخلو من حالين:\nالأول: أن يصر على سبه دون توبة، فهذا يقتل باتفاق أهل العلم.\nالثاني: أن يتوب من سبه، فهذا اختلف أهل العلم في توبته وقتله على ثلاثة أقوال:\n١ - القول بقتله بكل حال وعدم قبول توبته، والمراد بعدم قبولها أن القتل لا يسقط عنه بالتوبة.\n٢ - القول بقبول توبته وعدم قتله.\n٣ - القول بقبول توبة الساب الذمي دون الساب المسلم، وتوبة الذمي إسلامه أو العود إلى الذمة كما كان.\nوالراجح الأول، وهو قول الجمهور؛ لأنه حد من الحدود، والحدود لا تسقط بالتوبة (^٢).\nوبناء عليه فما ذهب إليه ابن حجر - ﵀ - من القول بقبول توبة الساب مخالف لقول جمهور أهل العلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: التمهيد لابن عبد البر (٤/ ٢٢٦) المحلى (٢/ ٣٣٠)، الشفا (٢/ ٩٣٢)، الصارم المسلول (٢/ ١٦)، السيف المسلول (ص ١١٩)، تنبيه الولاة والحكام على أحكام شاتم خير الأنام لابن عابدين (١/ ٣١٦)، السيف البتار لمن سب النبي المختار لعبد الله الغماري (ص ١٤).\n(^٢) انظر: الشفا (٢/ ١٠١٥)، الصارم المسلول (٣/ ٥٦٣، ٦٢٠)، السيف المسلول (ص ١٦١)، تنبيه الولاة والحكام على أحكام شاتم خير الأنام (١/ ٣١٦)، السيف البتار (ص ٢٤).","vol":"1","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>المبحث الثالث آراؤه في كرامات الأولياء</span>\nعرض ابن حجر - ﵀ - إلى كرامات الأولياء، وبين المراد بها، والفرق بينها وبين المعجزات وخوارق السحر، وقرر إمكانها ووقوعها، ورد على من خالف في ذلك؛ وفيما يلي بيان آرائه ثم التعقيب عليها بتقويمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>أولًا: تعريف كرامات الأولياء:</span>\nعرف ابن حجر الكرامة فقال: \"الكرامة: ظهور أمر خارق للعادة، غير مقارن لدعوى النبوة، على يد من عرفت ديانته، واشتهرت ولايته باتباع نبيه في جميع ما جاء به، وإلا فهي استدراج، أو سحر، أو إذلال ... \" (^١).\nالتقويم:\nالكرامة في اللغة: مصدر (كَرُم).\nيقول ابن فارس: \"الكاف والراء والميم أصل صحيح له بابان:\nأحدهما: شرف في الشيء نفسه، أو شرف في خلق من الأخلاق ...\nوالآخر: الكَرْم، وهي القلادة ... \" (^٢).\nفالكرامة من الباب الأول لشرفها في نفسها، وتشرف صاحبها في خلقه مع الخالق والخلق.\nوأما في الاصطلاح: فإن لفظ (الكرامة) لم يرد في الكتاب والسنة،\n_________\n(^١) المنح المكية (٣/ ١٤٦٥)، وانظر: فتح المبين (ص ٢١)، الفتاوى الحديثية (ص ٤٠٤).\n(^٢) معجم مقاييس اللغة (ص ٩٢٣)، وانظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣٩٣٢)، الصحاح (٥/ ٢٠١٩)، لسان العرب (١٢/ ٥١٠)، القاموس المحيط (ص ١٤٨٩).","vol":"1","page":472},{"text":"ولم يكن السلف الأوائل يستعملونه بمعناه الاصطلاحي الذي تعارف عليه من بعدهم.\nوأما المتأخرون فقد اصطلحوا على استعمال هذا اللفظ في الدلالة على خوارق الأولياء (^١).\nيقول العلامة محمود شكري الألوسي - ﵀ -: \"كل من يذكر تعريف الكرامة وحَدَّها يقول: هي خرق الله العادة لوليه؛ لحكمة أو مصلحة تعود عليه أو على غيره\" (^٢).\nوبهذا يظهر أن تعريف ابن حجر - ﵀ - الكرامة بما سبق لا يخرج عن قول من عرفها من المتأخرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>ثانيًا: الفرق بين الكرامة والمعجزة وخوارق السحر:</span>\nبيّن ابن حجر - ﵀الفرق بين الكرامة والمعجزة، فقال: \"الذي عليه معظم الأئمة أنه يجوز بلوغها مبلغ المعجزة في جنسها وعظمها، وإنما يفترقان في:\nأن المعجزة تقترن بدعوى النبوة ... والكرامة تقترن بدعوى الولاية، أو تظهر على يد الولي من غير دعوى شيء وهو الأكثر ...\nوأن دلالة المعجزة على النبوة قطعية وأن النبي يعلم أنه نبي، ودلالة الكرامة ظنية، ولا يعلم مظهرها أو من ظهرت عليه أنه ولي وقد يعلم ذلك ... \" (^٣).\nكما بين ابن حجر أيضًا الفرق بين الكرامة وخوارق السحر، فقال: \"أما الفرق بين الكرامة والسحر فهو أن الخارق الغير مقترن بتحدي النبوة إن ظهر على يد صالح وهو القائم بحقوق الله وحقوق خلقه فهو الكرامة، أو على يد من ليس كذلك فهو السحر أو الاستدراج ...\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٣١١)، شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٤٦).\n(^٢) فتح المنان (ص ٤١٣)، وانظر: لوامع الأنوار البهية (٢/ ٣٩٢)، تيسير العزيز الحميد (ص ٤١٣)، الدرر السنية (١١/ ٢١١)، فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (١/ ٣٨٨).\n(^٣) الفتاوى الحديثية (ص ٣٩٦ - ٤٠٠)، وانظر: فتح المبين (ص ٢١)، المنح المكية (٣/ ١٤٦٤)، فتح الإله (ص ١٢٧).","vol":"1","page":473},{"text":"وتمييز الصالح المذكور عن غيره بيِّن لا خفاء فيه؛ إذ ليست السيما كالسيما، ولا الآداب كالآداب، وغير الصالح لو لبس ما عسى أن يلبس لابد أن يرْشح من نتن فعله أو قوله ما يميزه عن الصالح\" (^١).\nالتقويم:\nاختلف الناس في الخوارق هل هي جنس واحد أم لا؟\nفذهب أهل السنة والجماعة إلى أنها ليست من جنس واحد (^٢)، وفرقوا بينها بما سيأتي.\nوذهب المعتزلة والأشاعرة إلى أنها من جنس واحد، ثم اختلفوا فأثبت المعتزلة المعجزات ونفوا ما عداها (^٣)، وأثبت الأشاعرة الجميع واضطربوا في الفرق بينها (^٤).\nوما ذكره ابن حجر - غفر الله له - في الفرق بين الكرامة والمعجزة بناه على مذهبه الأشعري؛ حيث حصر الفرق بينهما في دعوى النبوة ودلالة كل منهما، دون اختلافهما في قدر خرق العادة وهو أظهر، لأن جمهور الأشاعرة يقولون باستوائها وأن كل ما جاز خرقه للنبي جاز للولي (^٥).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في معرض الرد عليهم: \"أصلهم أن ما يأتي به النبي والساحر والكاهن والولي من جنس واحد، لا يتميز بعضه عن بعض بوصف، لكن خاصة النبي اقتران الدعوى، والاستدلال والتحدي بالمثل بما يأتي به.\nفلم يجعلوا لآيات الأنبياء خاصة تتميز بها عن السحر، والكهانة، وعما يكون لآحاد المؤمنين، ولم يجعلوا للنبي مزية على عموم المؤمنين، ولا على السحرة والكهان من جهة الآيات التي يدل الله بها العباد على صدقه ...\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ٣٩٩)، وانظر: المنح المكية (٣/ ١٤٦٧).\n(^٢) انظر: النبوات (١/ ٥٢٦، ٦٠٦) (٢/ ١٠٤٠).\n(^٣) انظر: المغني (١٥/ ٢٤١ - ٢٤٣)، أعلام النبوة (ص ٦٢)، الكشاف (٤/ ١٥٠).\n(^٤) انظر: البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات (ص ٩١، ٩٦)، الإرشاد (ص ٢٦٩)، المواقف (ص ٣٤٦)، شرح المقاصد (٥/ ١١، ٧٢ - ٧٤).\n(^٥) انظر: أصول الدين للبغدادي (١٧٤ - ١٧٥)، الإرشاد (ص ٢٦٩)، المواقف (ص ٣٤٠).","vol":"1","page":474},{"text":"فهؤلاء سووا بين الأجناس الثلاثة\" (^١)، وقالوا: \"الفرق هو دعوى النبوة والتحدي بالمثل، وهذا غلط فإن آيات الأنبياء - ﵇ - التي دلت على نبوتهم، هي أعلى مما يشتركون فيه هم وأتباعهم؛ مثل الإتيان بالقرآن، ومثل الإخبار بأحوال الأنبياء المتقدمين وأممهم، والإخبار بما يكون يوم القيامة، وأشراط الساعة ... \" (^٢).\nوعليه فإن الحق أن الكرامة دون المعجزة في خرقها للعادة، وأن الفرق بينهما لا ينحصر في دعوى النبوة ودلالة كل منهما، بل إنهما يفترقان في أمور عديدة، منها:\n١ - أن الكرامة دون المعجزة في خرق العادة.\n٢ - أن الكرامة معتادة في الصالحين بخلاف المعجزة فهي خارقة لعادة البشر.\n٣ - أن الكرامة تابعة للمعجزة ودليل من دلائل النبوة، فإن الولي لم تحصل له الكرامة إلا لاتباعه النبي، ولو لم يتبعه لما وقعت له.\n٤ - أن الكرامة ينالها الولي بفعله كعبادته ودعائه، بخلاف المعجزة فإنها غير مكتسبة (^٣).\nوأما ما ذكره ابن حجر - ﵀ - في الفرق بين الكرامة وخوارق السحر فهو موافق لما عليه أهل السنة والجماعة.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"وبين كرامات الأولياء وبين ما يشبهها من الأحوال الشيطانية فروق متعددة، منها: أن كرامات الأولياء سببها الإيمان والتقوى، والأحوال الشيطانية يكون سببها ما نهى الله عنه ورسوله، ويستعان بها على ما نهى الله عنه ورسوله\" (^٤).\n_________\n(^١) النبوات (١/ ٦٠٦).\n(^٢) المصدر السابق (١/ ٥٢٦).\n(^٣) انظر: النبوات (١/ ٥٥٨ - ٥٦٠)، وللاستزادة: كرامات الأولياء لعبد الله العنقري (ص ٣٠ - ٣٧).\n(^٤) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص ٣٢٧)، وانظر: قطر الولي على حديث الولي للشوكاني (ص ٢٧٢).","vol":"1","page":475},{"text":"وبهذا يتضح خطأ ابن حجر في قصره التفريق بين الكرامة والمعجزة على دعوى النبوة ودلالة كل منهما، وصوابه في التفريق بين الكرامة وخوارق السحر باعتبار حال من وقعت منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>ثالثًا: جواز الكرامة ووقوعها، والرد على من خالف ذلك:</span>\nقرر ابن حجر - ﵀ - جواز الكرامة ووقوعها، ورد على من أنكرها، فقال: \"أنكر جماعة محرومون - كأكثر المعتزلة، وإن وافقهم بعض منا لكن يتعين تأويل كلامه لأن جلالته تأبى أن يرضى بهذا الزيف الذي انتحلوه - جواز الكرامة ووقوعها ...\nومن أدلة الجواز: أن الوقوع ممكن كالمعجزة، وقدرة الله تعالى شاملة لهما، ولا بدع أن الملك يصدق رسوله بخرق بعض العادات، ثم يفعل مثل ذلك ببعض أتباعه إكرامًا له.\nومن أدلة الوقوع: النص القاطع بما وقع لمريم: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ [آل عمران: ٣٧]، وفي ولادة عيسى، ولأصحاب الكهف، ولوزير سليمان في عرش بلقيس، ونظائر ذلك ...\nوالتواتر المعنوي وإن كانت التفاصيل آحادًا في كرامات الصحابة لا سيما فيما وقع لعمر، وعلي، وتوابعهم، ومن بعدهم، إلى زماننا ... \" (^١).\nوقد ساق ابن حجر جملة من الكرامات لمن ثبتت ولايته كعمر وعلي (^٢) - ﵄ - وبعض من يدعي الولاية كابن عربي وغيره (^٣).\nالتقويم:\nما قرره ابن حجر من جواز الكرامة ووقوعها موافق لما عليه أهل السنة والجماعة (^٤).\n_________\n(^١) المنح المكية (٣/ ١٤٦٦ - ١٤٦٧)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ١٤٨، ٣٩٥، ٤٠٥).\n(^٢) انظر: الصواعق المحرقة (١/ ٢٩٣) (٢/ ٣٧٥).\n(^٣) انظر: الفتاوى الحديثية (ص ٣٩٧ - ٣٩٩)، المنح المكية (٣/ ١٤٦٩).\n(^٤) انظر: كرامات الأولياء للالكائي (ص ٧٠)، وما بعدها، شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٤٥)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٣٩٤)، وللاستزادة: كرامات الأولياء لعبد الله العنقري.","vol":"1","page":476},{"text":"وأما ما ذكره عن المعتزلة من إنكارهم ذلك، فهو مبني على قولهم بأن المعجزة والكرامة وخوارق السحر من جنس واحد، ومن ثم قالوا: لو أثبتنا الكرامة لاشتبهت بالمعجزة والتبس أمر النبي بالولي فنفوا الكرامة حتى يسلم لهم دليل النبوة (^١).\nوقولهم باطل من وجوه، منها:\n١ - أن إنكار الكرامة هو بمنزلة إنكار البدهيات، فإن العقل يدل على جوازها، والحس يدل على وقوعها (^٢)، وهو ما أشار إليه ابن حجر في كلامه السابق.\n٢ - أن إنكار الكرامة مبني على القول بأن المعجزة والكرامة وخوارق السحر من جنس واحد، وهو قول باطل كما سبق (^٣).\n٣ - أن الكرامة تفارق المعجزة في أمور عديدة فلا يمكن اشتباههما والتباس أصحابهما (^٤).\nومراد ابن حجر - ﵀ - بمن وافق المعتزلة من أصحابه الأشاعرة أبو إسحاق الإسفراييني (^٥)، وهو محق في الاعتذار عنه.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"قالت طائفة: لا تخرق العادة إلا لنبي وكذَّبوا بما يُذكَر من خوارق السحرة والكهان، وبكرامات الصالحين.\nوهذه طريقة أكثر المعتزلة ... بل يحكى هذا القول عن أبي إسحاق\n_________\n(^١) انظر: المغني (١٥/ ٢٤١ - ٢٤٣)، أعلام النبوة (ص ٦٢)، الكشاف (٤/ ١٥٠).\n(^٢) انظر: كرامات أولياء الله - ﷿ - للالكائي (ص ٧٠)، وما بعدها، النبوات (١/ ١٣٢)، شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٥٢)، الإنصاف في حقيقة الأولياء للصنعاني (ص ٦٤)، الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني (٢/ ١٠٦١)، لوامع الأنوار (٢/ ٣٩٤).\n(^٣) انظر: (ص ٤٣٨).\n(^٤) انظر: (ص ٤٧٥).\n(^٥) هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الإسفراييني، أشعري شافعي، من مؤلفاته: جامع الخلي في أصول الدين والرد على الملحدين، توفي سنة ٤١٨ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٣٥٣)، شذرات الذهب (٣/ ٢٠٩).","vol":"1","page":477},{"text":"الإسفراييني، وأبي محمد بن أبي زيد (^١) ولكن كأن في الحكاية عنهما غلطًا، وإنما أرادوا الفرق بين الجنسين\" (^٢).\nوأما ما ساقه ابن حجر - غفر الله له - من قصص بعض الأولياء وكراماتهم فيشوب بعضه مخالفة ما قرره أهل السنة والجماعة، بل وما قرره هو في كلامه عن الكرامات، كحكايته عن بعضهم إحياء الموتى كرامة له، وتجويزه ذلك وقوله بوقوعه، وحكايته خوارق من ثبتت عدم ولايته وصلاحه من غلاة الملاحدة كابن عربي وأمثاله.\n* * *\n_________\n(^١) هو عبد الله بن أبي زيد القيرواني، أبو محمد، سلفي مالكي، من مؤلفاته: الرسالة، الجامع وغيرهما، توفي سنة: ٣٨٦ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٠)، شذرات الذهب (٣/ ١٣١).\n(^٢) النبوات (١/ ١٢٩ - ١٣٢).","vol":"1","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>الفصل الرابع آراؤه في الإيمان باليوم الآخر</span>\nوفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:\nتمهيد في تعريف اليوم الآخر.\nالمبحث الأول: آراؤه في الحياة البرزخية.\nالمبحث الثاني: آراؤه في أشراط الساعة.\nالمبحث الثالث: آراؤه في الحياة الآخرة.","vol":"1","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>تمهيد في تعريف اليوم الآخر</span>\nاليوم: واحد الأيام.\nيقول ابن فارس: \"الياء والواو والميم كلمة واحدة، وهي اليوم: الواحد من الأيام ... \" (^١).\nوالآخر: نقيض المتقدم.\nيقول ابن فارس: \"الهمزة والخاء والراء أصل واحد صحيح، إليه ترجع فروعه، وهو خلاف التقدم\" (^٢).\nوالمراد باليوم الآخر هنا: يوم القيامة، ويدخل فيه كل ما كان مقدمة إليه كالحياة البرزخية، وأشراط الساعة (^٣).\nوسمي بذلك \"لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة\" (^٤)، ويطلق عليه أسماء أخرى ذكرها أهل العلم، وأوردوا أدلتها، وبيّنوا معانيها في كتبهم بما يغني عن تسطيره (^٥).\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة (ص ١١١١)، وانظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣٩٩٠)، الصحاح (٥/ ٢٠٦٥)، لسان العرب (١٢/ ٦٤٩)، القامودس المحيط (ص ١٥١٤).\n(^٢) معجم مقاييس اللغة (ص ٩٣)، وانظر: تهذيب اللغة (١/ ١٣١)، الصحاح (٢/ ٥٧٦)، لسان العرب (٤/ ١١)، القاموس المحيط (ص ٤٣٦).\n(^٣) انظر: تعظيم قدر الصلاة (١/ ٣٩٣)، المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٣٣٦)، شعب الإيمان (٢/ ٥)، إحياء علوم الدين (٤/ ٤٤١)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٥)، معارج القبول (٢/ ٧٠٣)، فتاوى ابن عثيمين (٥/ ١٢٧).\n(^٤) فتح الباري (١/ ١١٨)، وانظر: فتاوى ابن عثيمين (٥/ ١٢٧).\n(^٥) انظر: إحياء علوم الدين (٤/ ٤٤١)، التذكرة في أحوال الموتى للقرطبي (١/ ٣٢٨)، النهاية لابن كثير (١/ ٣٢٣)، فتح الباري (١١/ ٤٠٣)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٦٨).","vol":"1","page":480},{"text":"يقول ابن حجر - ﵀ - في تقرير ذلك: \"اليوم الآخر يوم القيامة الذي هو محل الجزاء على الأعمال حسنها وقبيحها\" (^١).\n\"وهو من الموت إلى آخر ما يقع يوم القيامة، وصف بذلك لأنه لا ليل بعده، ولا يقال يوم إلا لما يعقبه ليل ... \" (^٢).\nوالإيمان باليوم الآخر هو الركن الخامس من أركان الإيمان التي لا يصح إيمان العبد إلا بها، وهو يتضمن أربعة أمور:\nالأول: الإيمان بما يكون قبله مما هو مقدمة له كالموت، وعذاب القبر، وأشراط الساعة.\nوالثاني: الإيمان بالبعث.\nالثالث: الإيمان بالحساب والجزاء.\nالرابع: الإيمان بالجنة والنار (^٣).\nوقد بيّن ابن حجر﵀ - ذلك فقال: \" [الإيمان] باليوم الآخر ... أي: بوجوده، وما اشتمل عليه من سؤال الملكين، ونعيم القبر وعذابه، والجزاء، والبعث، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة، والنار، وغير ذلك\" (^٤).\nهذا وقد عرض ابن حجر لبعض هذه المسائل، وتحدث عنها، وفيما يلي عرض آرائه فيها وتقويمها.\n* * *\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ١٥١).\n(^٢) فتح المبين (ص ٧١).\n(^٣) انظر: تعظيم قدر الصلاة (١/ ٣٩٣)، المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٣٣٦)، شعب الإيمان (٢/ ٥)، مجموع الفتاوى (٢/ ٧٠٣)، فتاوى ابن عثيمين (٥/ ١٢٧).\n(^٤) فتح المبين (ص ٧١).","vol":"1","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>المبحث الأول آراؤه في الحياة البرزخية</span>\nتحدث ابن حجر - ﵀ - عن فتنة القبر، وعذابه ونعيمه، وعرض للبحث في حقيقة الروح، وفيما يلي بيان آرائه في ذلك وتقويمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>أولًا: فتنة القبر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>١ - عموم فتنة القبر، وبيان من يستثنى منها:</span>\nذكر ابن حجر - ﵀ - أن مما يجب الإيمان به فتنة القبر، فقال: \"ومما يجب الإيمان به ... عذاب القبر، وسؤال الملكين منكر ونكير لغير نبي، وصبي، ومن اتصل جنونه ببلوغه بعد رد الحياة فيه بقدر ما يقعد ويفهم\" (^١).\nوبيّن أن فتنة القبر تعم كل ميت مقبور أو غير مقبور، سوى من استثني كمن لم يكلف، والشهيد، والمرابط، والنبي، والملك، ومن مات ليلة الجمعة أو يومها، والكافر، حيث قال:\n\"سؤال الملكين يعم كل ميت ولو غير مقبور كحريق وغريق وأكيل سبع.\nوالذي يظهر اختصاص السؤال بمن يكون له تكليف، وبه جزم غير واحد من أئمتنا الشافعية ... ومن ثم خالف في ذلك القرطبي وغيره فجزموا بأن الطفل يُسأل.\nولا يُسأل الشهيد كما صحت به الأحاديث، وألحق به:\n_________\n(^١) التعرف (ص ١٢١)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ٣٦١)، الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٣٩٩، ٤٠١، ٤٣٠).","vol":"1","page":482},{"text":"من مات مرابطًا لظاهر حديث رواه أحمد وأبو داود، وهو: \"كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمَّن من فتَّاني القبر\" (^١) ...\nوالصّدّيق؛ لأنه أعلى مرتبة من الشهيد، ومنه يؤخذ انتفاء السؤال في حقه - ﷺ - وفي حق سائر الأنبياء.\nوبحث بعض المحققين والحفاظ أن المَلَك لا يُسأل؛ لأن السؤال يختص بمن شأنه أن يُفتن.\nوفي حديث حسنه الترمذي والبيهقي وضعفه الطحاوي: \"من مات ليلة الجمعة أو يومها لم يُسأل\" (^٢).\nووردت أخبار بنحوه فيمن يقرأ كل ليلة سورة تبارك، وفي بعضها ضم سورة السجدة إليها.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، كتاب الجهاد، باب الرباط (٣/ ٢٠) برقم (٢٥٠٠)، والترمذي، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل من مات مرابطًا (٤/ ١٤٢) برقم (١٦٢١)، وأحمد (٣٩/ ٣٧٤) برقم (٢٣٩٥١)، وابن أبي عاصم في كتاب الجهاد (٢/ ٧٠٩) برقم (٣١٨٧)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣/ ١٠٢)، وابن حبان (١٠/ ٤٨٤) برقم (٤٦٢٤)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٣١١) برقم (٨٠٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٧٩، ١٤٤)، والبيهقي في الشعب (٤/ ٤٠) برقم (٤٢٨٧) من طرق عن عمرو بن مالك الجنبي، عن فضالة بن عبيد - ﵁ - به.\nقال الترمذي: \"حسن صحيح\".\nوقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\".\nوصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٤٧٤).\n(^٢) أخرجه الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء فيمن يموت يوم الجمعة (٣/ ٣٨٦)، وأحمد (١١/ ١٤٧) برقم (٥٦٨٢)، والطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٢٥٠) برقم (٢٧٧) من طرق عن هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ - به.\nقال الترمذي: \"حديث غريب ليس إسناده بمتصل، إنما يروى عن أبي عبد الرحمن الحلبي، عن عبد الله بن عمرو، ولا نعرف لربيعة بن سيف سماعًا من عبد الله بن عمرو\".\nوبهذا أعله الطحاوي في مشكل الآثار.","vol":"1","page":483},{"text":"وجزم الترمذي الحكيم (^١) (^٢) بأن المعلن بكفره لا يسأل ووافقه ابن عبد البر (^٣)، ورواه عن بعض كبار التابعين، لكن خالفه القرطبي وابن القيم، واستدلاله بآية ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وبحديث البخاري: \"وأما الكافر والمنافق\" (^٤) بالواو، ورجحه شيخ الإسلام ابن حجر (^٥) بأن الأحاديث متفقة على ذلك، وهي مرفوعة مع كثرة طرقها الصحيحة\" (^٦).\nالتقويم:\nفتنة القبر: هي امتحان الميت واختباره بعد عودة الروح إلى جسده وإقعاده (^٧).\nوهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.\nقال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].\n\"وتواترت الأحاديث عن النبي - ﷺ - في هذه الفتنة من حديث البراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبي هريرة وغيرهم - ﵃ -: \" (^٨).\nوأجمعت الأمة على وقوعها، والتعوذ بالله ﷿ منها (^٩).\nوهي عامة لكل ميت مقبور وغير مقبور، وإضافتها للقبر للغالب (^١٠).\n_________\n(^١) هو محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، المشهور بالحكيم الترمذي؛ من مؤلفاته: ختم الولاية، ونوادر الأصول، وعلل الشريعة وغيرها، توفي سنة ٣١٩ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٤٣٩)، طبقات الشافعية الكبرى (٢/ ٢٤٥).\n(^٢) انظر: نوادر الأصول له (ص ٣٢٤).\n(^٣) انظر: التمهيد (٢٢/ ٢٥٢).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر (١/ ٤٠٨) برقم (١٣٧٤) من حديث أنس - ﵁ - به.\n(^٥) انظر: فتح الباري (٣/ ٢٣٨ - ٢٣٩).\n(^٦) الفتاوى الحديثية (ص ٢٠).\n(^٧) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٥٧)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٣).\n(^٨) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٥٧)، وانظر: (٤/ ٢٨٥)، الروح لابن القيم (١/ ٢٨٤)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٧٨)، نظم المتناثر للكتاني (ص ١٢٥).\n(^٩) انظر: رسالة إلى أهل الثغر للأشعري (ص ٢٧٩).\n(^١٠) انظر: الروح (١/ ٢٩٩)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٧٩)، شرح الصدور بشرح حال الموتى =","vol":"1","page":484},{"text":"وقد ورد في الأحاديث والآثار وأقوال أهل العلم استثناء نفرٍ منها (^١)، وذكر ابن حجر بعضهم في كلامه السابق، وهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>الأول: من لم يكلف كالأطفال:</span>\nوقد اختلف الناس في امتحانهم.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"من ليس مكلفًا كالصغير والمجنون فهل يمتحن في قبره ويسأله منكر ونكير؟ .\nعلى قولين للعلماء:\nأحدهما: أنه يمتحن وهو قول أكثر أهل السنة.\nثانيهما: أنه لا يمتحن في قبره ... \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>الثاني: الشهيد:</span>\nوقد وردت الأحاديث بذلك، ومنها قوله - ﷺ -: \"إن للشهيد عند الله - ﷿ - ست خصال\"، وذكر منها: \"ويجار من عذاب القبر\" (^٣).\n_________\n= والقبور للسيوطي (ص ١٤٣)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٩)، جمع الشتيت في شرح أبيات التثبيت للصنعاني (ص ٨٢).\n(^١) انظر: إثبات عذاب القبر للبيهقي (ص ٩٥ - ١٠٤)، التذكرة (١/ ٢٣٠)، الروح (١/ ٣٤٥)، شرح الصدور (ص ١٤٦)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١١)، جمع الشتيت (ص ٨٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٠)، وانظر: (٤/ ٢٥٧، ٢٧٧)، الروح (١/ ٣٦٦ - ٣٦٩)، فتح الباري (٣/ ٢٣٩)، شرح الصدور (ص ١٤٥، ١٥١)، جمع الشتيت (ص ٩٧)، فتاوى ابن عثيمين (٤/ ٢٩٤). وللاستزادة: الحياة البرزخية في الإسلام د. حسين جابر (ص ١٠٨).\n(^٣) أخرجه الترمذي، كتاب فضائل الجهاد، باب ثواب الشهيد (٤/ ١٨٧) برقم (١٦٦٣)، وابن ماجه، كتاب الجهاد، باب فضل الشهادة (٢/ ٩٣٥) برقم (٢٧٩٩)، وأحمد (٩/ ٤١٢٨) برقم (١٧١٨٢)، وابن أبي عاصم في كتاب الجهاد (٢/ ٥٣٢) برقم (٢٠٤)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٦٦) برقم (٦٢٩)، والبيهقي في الشعب (٤/ ٢٥) برقم (٤٢٥٤) من طرق عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معدي كرب الكندي - ﵁ - به.\nقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح غريب\".\nوصححه الألباني في أحكام الجنائز (ص ٣٥ - ٣٦).","vol":"1","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>الثالث: المرابط:</span>\nوقد وردت الأحاديث بذلك (^١)، ومنها قوله - ﷺ -: \"كل ميت يختم على عمله، إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله، فإنه ينمو عمله إلى يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>الرابع: الصّدِّيق:</span>\nذكر ذلك القرطبي، وعلله بقوله: \"إذا كان الشهيد لا يفتن فالصدِّيق أجل خطرًا، وأعظم أجرًا فهو أحرى أن لا يفتن؛ لأنه المقدم ذكره في التنزيل على الشهداء في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [النساء: ٦٩].\nوقد جاء في المرابط الذي هو أقل مرتبة من الشهيد أنه لا يفتن؛ فكيف بمن هو أعلى مرتبة منه ومن الشهيد؟ والله أعلم\" (^٣).\nوتعقبه العلامة ابن القيم - ﵀ - فقال: \"الأحاديث ترد هذا القول وتبين أن الصدِّيق يُسأل في قبره كما يُسأل غيره ... ولا يلزم من هذه الخاصية التي اختص بها الشهيد أن يشاركه الصدِّيق في حكمها وإن كان أعلى منه، فخواص الشهداء قد تنتفي عمن هو أفضل منهم وإن كان أعلى منهم درجة\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>الخامس: النبي:</span>\nوقد اختلف الناس في سؤاله على قولين، والخلاف فيه جار بين أهل السنة والجماعة (^٥).\n_________\n(^١) انظر: التذكرة (١/ ٢٣٠)، شرح الصدور (ص ١٥٠).\n(^٢) سبق تخريجه (ص ٤٨٣).\n(^٣) التذكرة (١/ ٢٣٨).\n(^٤) الروح (١/ ٣٥١ - ٣٥٢).\n(^٥) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٥٧)، الروح (١/ ٣٥٢)، فتح الباري (٣/ ٢٣٩)، شرح الصدور (ص ١٥٢)، فيض القدير (٢/ ١١٣)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٢)، جمع الشتيت (ص ٩٤)، فتاوى ابن عثيمين (٤/ ٢٩٤)، وللاستزادة: الحياة البرزخية لحسين جابر (ص ١١٣).","vol":"1","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>السادس: المَلَك:</span>\nقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ -: \"وأما المَلَك فلا أعرف أحدًا ذكره، والذي يظهر أنه لا يُسأل؛ لأن السؤال يختص بمن شأنه أن يفتن\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>السابع: من مات ليلة الجمعة أو يومها:</span>\nلقوله - ﷺ -: \"من مات ليلة الجمعة أو يومها لم يسأل\" (^٢) (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>الثامن: من قرأ سورة الملك كل ليلة:</span>\nوقد وردت الأحاديث بذلك (^٤)، ومنها قوله - ﷺ -: \"سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر\" (^٥).\nوقول ابن حجر: \"في بعضها ضم سورة السجدة إليها\" وهم منه؛ إذ لم يرد في فضائل سورة السجدة ذلك، وإنما غاية ما ورد أن النبي - ﷺ - كان يقرأ بهما كل ليلة (^٦) فلعله التبس عليه بهذا.\n_________\n(^١) فتح الباري (٣/ ٢٣٩)، وانظر: لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٢).\n(^٢) سبق تخريجه (ص ٤٨٣).\n(^٣) انظر: التذكرة (١/ ٢٣٦)، الروح (١/ ٣٥٠).\n(^٤) انظر: التذكرة (١/ ٢٣٤)، الروح (١/ ٣٤٧).\n(^٥) أخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٤/ ٢٦٣) من طريق إسحاق بن إبراهيم بن جميل، عن أحمد بن منيع، عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبش، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - به.\nقال الشيخ الألباني في الصحيحة (٣/ ١٣١): \"سائر الرجال موثوقون معروفون فالسند حسن.\nوقد أخرجه الحاكم (٢/ ٤٩٨) من طريق عبد الله، عن سفيان به موقوفًا أتم منه، وهو في حكم المرفوع، وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. ويشهد له حديث ابن عباس ... \".\n(^٦) انظر: الأحاديث والآثار الواردة في فضائل سور القرآن الكريم د. إبراهيم علي السيد (ص ٢٨٣ - ٢٩٢)، وموسوعة فضائل سور وآيات القرآن لمحمد بن رزق الطرهوني (٢/ ٤٣ - ٥١).","vol":"1","page":487},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>التاسع: الكافر:</span>\nاختلف أهل العلم في سؤاله، وقد نقل الخلاف عنهم ابن حجر في كلامه السابق، والصحيح سؤاله لعموم الأدلة.\nيقول الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ -: \"من زعم أن السؤال إنما يقع على من يدعي الإيمان إن محقًا وإن مبطلًا، مستنده في ذلك ما رواه عبد الرزاق (^١) من طريق عبيد بن عمير (^٢) أحد كبار التابعين قال: \"إنما يفتن رجلان: مؤمن ومنافق، وأما الكافر فلا يُسأل عن محمد ولا يعرفه\" (^٣).\nوهذا موقوف، والأحاديث الناصة على أن الكافر يسأل مرفوعة، مع كثرة طرقها الصحيحة، فهي أولى بالقبول\" (^٤).\nهؤلاء جملة من ذكرهم ابن حجر ممن يستثنى من فتنة القبر، وقد أغفل منهم من قتله بطنه، وقد صحت به الأحاديث (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>٢ - اختصاص هذه الأمة بفتنة القبر:</span>\nبحث ابن حجر اختصاص هذه الأمة بفتنة القبر، وذكر أقوال أهل العلم فيها فقال:\n\"جزم الترمذي الحكيم (^٦) وابن عبد البر (^٧) بأن السؤال من خواص هذه الأمة؛ لحديث مسلم: \"إن هذه الأمة تبتلى في قبورها\".\n_________\n(^١) هو عبد الرزاق بن همام بن نافع الصنعاني، إمام محدث، من مؤلفاته: المصنف، والتفسير، توفي سنة ٢١٠ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٩/ ٥٦٣)، شذرات الذهب (٢/ ٢٧).\n(^٢) هو عبيد بن عمير بن قتادة الليثي، أبو عاصم المكي، ولد على عهد النبي - ﷺ -، قاله مسلم، وعدّه غيره من كبار التابعين، وكان قاضي أهل مكة، مجمع على ثقته، مات قبل ابن عمر.\nانظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٤٦٣)، سير أعلام النبلاء (٤/ ١٥٦).\n(^٣) انظر: المصنف (٣/ ٥٩٠).\n(^٤) فتح الباري (٣/ ٢٣٨ - ٢٣٩)، وانظر: الروح (١/ ٣٥٧)، شرح الصدور (ص ١٤٣)، جمع الشتيت (ص ١٠٩).\n(^٥) انظر: الروح (١/ ٣٤٩).\n(^٦) انظر: نوادر الأصول (ص ٣٢٤).\n(^٧) انظر: التمهيد (٢٢/ ٢٥٣).","vol":"1","page":488},{"text":"وخالفهما جماعة منهم ابن القيم، وقال: ليس في هذه الأحاديث ما ينفي ذلك (^١).\nوتوقف آخرون، وللتوقف وجه؛ لأن قوله \"إن هذه الأمة\" فيه تخصيص، فتعدية السؤال لغيرهم تحتاج إلى دليل، وعلى تسليم اختصاصه بهم، فهو لزيادة درجاتهم لخفة أهوال المحشر عليهم ففيه رفق بهم، أكثر من غيرهم؛ لأن المحن إذا فرقت هان أمرها، بخلاف ما إذا توالت فتفريقها لهذه الأمة عند الموت، وفي القبور، والمحشر، دليل ظاهر على تمام عناية ربهم بهم أكثر من غيرهم، وكان اختصاصهم بالسؤال في القبر من التخفيفات التي اختصوا بها عن غيرهم لما تقرر، فتأمل ذلك\" (^٢).\nالتقويم:\nاختلف الناس في سؤال منكر ونكير وفتنتهما، هل هي خاصة بهذه الأمة أو عامة لها ولغيرها على ثلاثة أقوال:\nالأول: القول بالعموم، وهو قول جمهور أهل العلم، واستدلوا بعموم الآيات والأحاديث الواردة فيها.\nالثاني: القول بالخصوصية، وهو قول بعض أهل العلم، واستدلوا عليه بما يلي:\n١ - قوله - ﷺ -: \"إن هذه الأمة تبتلى في قبورها\" (^٣).\n٢ - قوله - ﷺ -: \"أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم\" (^٤).\n٣ - قوله - ﷺ -: \"إنكم بي تمتحنون وعني تسألون\".\n_________\n(^١) انظر: الروح (١/ ٣٦٤).\n(^٢) الفتاوى الحديثية (ص ٢٠).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه (٤/ ٢١٩٩ - ٢٢٠٠) برقم (٢٨٦٧) من حديث زيد بن ثابت - ﵁ - به.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس (١/ ٥٥) برقم (٨٦)، ومسلم، كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي - ﷺ - في صلاة الكسوف (٢/ ٦٢٤) برقم (٩٠٥) من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق - ﵄ - به.","vol":"1","page":489},{"text":"وقول الملائكة للمقبور: \"ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ \" (^١).\nالثالث: التوقف (^٢).\nوالراجح - والله أعلم - قول الجمهور، وهو القول بعموم السؤال لهذه الأمة ولغيرها.\nيقول العلامة ابن القيم - ﵀ - بعد سياقه للأقوال وأدلتها: \"الظاهر والله أعلم أن كل نبي مع أمته كذلك [يعني: يسأل عنه كنبينا - ﷺ - مع أمته] وأنهم معذبون في قبورهم بعد السؤال لهم وإقامة الحجة عليهم كما يعذبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة، والله ﷾ أعلم\" (^٣).\nوأما ما استدل به القائلون بالخصوصية فإنه لا يعدو أن يكون إخبارًا عن فتنة هذه الأمة، لا عن اختصاصها بها، فلا ينافي ذلك فتنة غيرها (^٤).\nوعليه فالقول بالتوقف لا وجه له، خلافًا لابن حجر - ﵀ - إذ الأدلة على العموم ظاهرة، والأدلة التي استدل بها القائلون بالخصوصية لا تعارضها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>٣ - عدد الملائكة الموكلين بالسؤال، وأسماؤهم، وصفاتهم، ولغتهم:</span>\nعرض ابن حجر - ﵀ - لعدد الملائكة الموكلين بالسؤال، وأسمائهم، وصفاتهم، ولغتهم فقال: \"قول [بعضهم] اسمهما على المذنب: منكر ونكير ... وأما على المطيع: مبشر وبشير.\nقال بعض المتأخرين: لم نقف له على أصل، ومقتضى الأحاديث استواء سائر الثاس في اسمهما وهو منكر ونكير كما في حديث عند الترمذي\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤٢/ ١٢) برقم (٢٥٠٨٩)، وإسحاق بن راهويه (٢/ ٥٩٤)، وابن مندة في الإيمان (٢/ ٩٦٧)، والبيهقي في عذاب القبر (ص ٤١ - ٤٢) برقم (٢٩)، من طرق عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ذكوان، عن عائشة - ﵄ - به مطولًا.\nوالحديث صححه المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٦٧ - ٢٦٩)، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (١/ ٢٨٩ - ٢٩٠).\n(^٢) انظر: التذكرة (١/ ٢٢٩)، الروح (١/ ٣٦٣ - ٣٦٥)، شرح الصدور (ص ١٤٣)، جمع الشتيت (ص ٨١)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٠ - ١١).\n(^٣) الروح (١/ ٣٦٥).\n(^٤) انظر: الروح (١/ ٣٦٤ - ٣٦٥).","vol":"1","page":490},{"text":"وقال: حسن غريب ..... (^١).\nوفي مرسل ضعيف زيادة اثنين آخرين وهما: ناكور ورومان (^٢).\nفعليه يكون الملائكة الذين يسألون أربعة.\nوفي صفتهما ... حديث ابن حبان والترمذي: \"يأتيه ملكان أسودان أزرقان\" (^٣).\nوبما تقرر عُلِمَ أن منكرًا ونكيرًا هما اللذان يسألان المؤمن وغيره ...\nوظاهر الأحاديث هو السؤال لسائر الناس بالعربية، نظير ما مر أنه لسان أهل الجنة، إلا إن ثبت خلاف ذلك، ولا يستبعد تكلم غير العربي بالعربية؛ لأن ذلك الوقت وقت تخرق فيه العادات ... \" (^٤).\nالتقويم:\nتعددت الروايات في بيان من يتولى سؤال المقبور، فورد ذكره في بعضها كرواية: \"يأتيه مَلَك\"، ورواية: \"يأتيه ملكان\"، ورواية: \"يأتيه آت\"، ولم يذكر في بعضها الآخر كرواية: \"يُؤتى\"، ورواية: \"يُسأل\"، ورواية: \"يُقال له\".\nقال العلامة القرطبي - ﵀ -: \"لا تعارض في ذلك - والحمد لله - بل كل ذلك صحيح المعنى:\n_________\n(^١) يشير إلى حديث أبي هريرة - ﵁ - وفيه: \"إذا قبر الميت أو قال أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير ... \".\nوالحديث أخرجه الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر (٣/ ٣٨٣) برقم (١٠٧١)، وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٤٠٣) برقم (٨٦٤)، وابن حبان (٧/ ٣٨٦) برقم (٣١١٧)، والبيهقي في عذاب القبر (ص ٦٩) برقم (٦٨)، والآجري في الشريعة (٣/ ١٢٨٨) برقم (٨٥٨) كلهم من حديث سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة - ﵁ - به.\nقال الترمذي: \"حديث أبي هريرة حديث حسن غريب\".\nوقد أورده الألباني في السلسلة الصحيحة (٣/ ٣٧٩) برقم (١٣٩١) وقال: \"إسناده جيد، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم\".\n(^٢) انظر: اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة (٢/ ٤٣٧)، تنزيه الشريعة (٢/ ٣٧٢).\n(^٣) سبق تخريجه في حاشية رقم (١) من هذه الصفحة.\n(^٤) الفتاوى الحديثية (ص ٢١).","vol":"1","page":491},{"text":"بالنسبة إلى الأشخاص فرب شخص يأتيانه جميعًا ويسألانه جميعًا في حال واحدة ... لتكون الفتنة في حقه أشد وأعظم، وذلك بحسب ما اقترف من الآثام ... وآخر يأتيه أحدهما على الانفراد فيكون ذلك أخف في السؤال وأقل في المراجعة والعتاب لما عمله من صالح الأعمال.\nوقد يحتمل وجهًا آخر وهو أن الملكين يأتيان جميعًا ويكون السائل أحدهما، وإن تشاركا في الإتيان، فيكون الراوي اقتصر على الملك السائل وترك غيره ... \" (^١).\nوعليه فالملائكة الموكلون بسؤال القبر اثنان، والأحاديث الواردة بأنهما ثلاثة أو أربعة موضوعة (^٢).\nوأما اسمهما فهو منكر ونكير، والأصل في ذلك الحديث الذي أشار إليه ابن حجر في كلامه السابق، وفيه: \"يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير ... \" (^٣).\nوما قرر ابن حجر من عدم ورود الدليل على التفريق بين المؤمن والكافر في اسمي الملكين الموكلين بالسؤال، واستواء سائر الناس فيهما حق (^٤)، وقوله بضعف زيادة ناكور ورمان هو المعتمد الذي عليه أهل التحقيق (^٥).\nوما ذكره من صفاتهما فهو مما صح به الخبر - كما سبق - (^٦) وقد وردت أحاديث وآثار تبين صفات أخرى لهما (^٧).\nوأما البحث في لغتهما فقد سئل عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني،\n_________\n(^١) التذكرة (١/ ١٩٠)، وانظر: شرح الصدور (ص ١٤٢)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٧)، لوائح الأنوار السنية للسفاريني (٢/ ١٥١).\n(^٢) انظر: الموضوعات (٣/ ٢٣٤ - ٢٣٥)، اللآلئ المصنوعة (٢/ ٤٣٦).\n(^٣) سبق تخريجه (ص ٤٩١).\n(^٤) انظر: اللآلئ المصنوعة (٢/ ٤٣٧)، تنزيه الشريعة (٢/ ٣٧٢).\n(^٥) انظر: شرح الصدور (ص ١٤٤)، جمع الشتيت (ص ١٣٥)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٨).\n(^٦) انظر: (ص ٤٩١).\n(^٧) انظر: التذكرة (١/ ٢٠٥)، أهوال القبور لابن رجب (ص ٩)، جمع الشتيت (ص ١١٢).","vol":"1","page":492},{"text":"فأجاب بقوله: \"سؤال الملكين ظاهر الحديث أنه بالعربي؛ لأن فيه \"أنهما يقولان له: ما علمك بهذا الرجل؟ \" إلى آخر الحديث، ويحتمل مع ذلك أن يكون خطاب كل أحد بلسانه\" (^١).\nوبهذا يظهر صواب ابن حجر - ﵀ - فيما قرره في عدد الملائكة الموكلين بالسؤال، وأسمائهم، وصفاتهم، ولغتهم، وموافقته في ذلك لما عليه المحققون من أهل العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>ثانيًا: عذاب القبر ونعيمه:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>١ - وجوب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه:</span>\nيرى ابن حجر - ﵀ - وجوب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، حيث قال: \"ومما يجب الإيمان به عذاب القبر ... \" (^٢).\nالتقويم:\nالمراد بعذاب القبر ونعيمه: ما يحصل في البرزخ من العذاب والنعيم.\nيقول الحافظ السيوطي - ﵀ -: \"قال العلماء: عذاب القبر هو عذاب البرزخ، أضيف إلى القبر لأنه الغالب، وإلا فكل ميت إذا أراد الله تعذيبه ناله ما أراد به قبر أو لم يقبر ... وكذا القول في النعيم\" (^٣).\nوالأصل في ثبوته ووجوب الإيمان به الكتاب والسنة والإجماع.\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ [الأنعام: ٩٣].\nفقول الملائكة: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ دليل واضح على عذاب\n_________\n(^١) الأجوبة المهمة له (ص ٣٣)، وانظر: شرح الصدور (ص ١٤٦)، جمع الشتيت (ص ١٣٤)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١١).\n(^٢) التعرف (ص ١٢١).\n(^٣) شرح الصدور (ص ١٨١)، وانظر: الروح (١/ ٣٣٢).","vol":"1","page":493},{"text":"القبر ولو تأخر عنهم العذاب إلى انقضاء الدنيا لما صح أن يقال لهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ (^١).\nوقوله سبحانه: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾ [التوبة: ١٠١].\nفالمراد بقوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ عذاب الدنيا بالمصائب، وعذاب القبر، وأما عذاب الآخرة فقد ذكره بقوله: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ (^٢).\nوقال ﷿: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦].\nفالعذاب الحاصل لآل فرعون إنما كان بعد موتهم وهو عذاب القبر، وأما عذاب الآخرة فهو مذكور بعده في قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، ولهذا فإن \"هذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور\" (^٣).\nوأما السُّنَّة: فقد تواترت الأحاديث الدالة على عذاب القبر، وتعدد رواتها فبلغوا تسعة وثلاثين صحابيًّا (^٤)، ونص على ذلك جماعة من أهل العلم (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الروح (١/ ٣٣٧).\n(^٢) انظر: تفسير ابن جرير (٦/ ٤٥٦)، تفسير ابن كثير (٢/ ٤٢٣).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٤/ ٨٥)، وانظر: الروح (١/ ٣٣٧).\n(^٤) ذكر البيهقي في كتابه إثبات عذاب القبر رواياتهم بطرق متعددة.\n(^٥) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٥)، الروح (١/ ٢٨٤)، مفتاح دار السعادة لابن القيم (١/ ٤٣)، أهوال القبور لابن رجب (ص ٤٥)، شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٥٧٨)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٥)، نظم المتناثر من الحديث المتواتر (ص ١٢٥)، سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٢٩٥).","vol":"1","page":494},{"text":"أما الإجماع: فقد أجمعت الأمة وأئمتها على إثبات الثواب والعقاب في البرزخ (^١).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"مذهب سائر المسلمين، بل وسائر أهل الملل إثبات ... الثواب والعقاب في البرزخ\" (^٢).\nوعليه فما قرره ابن حجر من وجوب الايمان بعذاب القبر ونعيمه موافق لقول أهل السنة والجماعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>٢ - وقوع عذاب القبر ونعيمه على الروح والجسد:</span>\nسئل ابن حجر هل عذاب القبر على الروح والجسد أم على أحدهما؟\nفأجاب بقوله: \"الأصح أن العذاب على الروح والجسد\" (^٣).\nالتقويم:\nاختلف الناس في عذاب القبر هل هو واقع على الروح؟ أم الجسد؟ أم هما جميعًا؟ .\nوالقول بوقوع عذاب القبر ونعيمه على الروح والجسد محل اتفاق أهل السنة والجماعة.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين، كما يكون للروح منفردة عن البدن\" (^٤).\nومما يشهد لذلك ويدل عليه الأحاديث الواردة في إعادة روح المقبور إلى بدنه عند السؤال، واختلاف أضلاعه إذا لم يوفق للإجابة، وهي مخرجة من طرق مختلفة عن عدة من الصحابة - ﵃ - (^٥).\n_________\n(^١) انظر: اعتقاد أئمة الحديث لأبي بكر الإسماعيلي (ص ٦٩)، شرح صحيح مسلم (١٧/ ٢٠٠)، مجموع الفتاوى (٤/ ٢٦٢)، الروح (١/ ٢٨٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٦٢).\n(^٣) الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٤٠١).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٢).\n(^٥) انظر: إثبات عذاب القبر للبيهقي (ص ٥٠ - ٥٣).","vol":"1","page":495},{"text":"وبسط أدلة هذا القول، ومحاجة من خالفه، مذكورة في مواضعها من كتب أهل العلم (^١).\nوبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر في هذه المسألة موافق لما عليه أهل السنة والجماعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>ثالثًا: حقيقة الروح:</span>\nيرى ابن حجر - ﵀ - الإمساك عن الكلام في حقيقة الروح؛ امتثالًا لكتاب الله ﷿ واقتداء بالنبي - ﷺ - وتأدبًا معهما حيث يقول: \"الروح ...... لم يتكلم عليها - ﷺ - فنمسك عنها أدبًا.\nوجمهور الخائضين أنها جسم لطيف سار في البدن سريان ماء الورد به؛ لأنها وصفت بأوصاف الجسم في الكتاب والسنة\" (^٢).\nالتقويم:\nالروح: مأخوذة من الريح.\nيقول ابن فارس: \"الراء والواو والحاء أصل كبير مطّرد، يدل على سعة وفسحة واطّراد، وأصل ذلك كله الرّيح، وأصل الياء في الريح الواو، وإنما قلبت ياءً لكسرة ما قبلها، فالروح رُوح الإنسان، وإنما هو مشتق من الريح، وكذا الباب كله\" (^٣).\nولفظ (الروح) يطلق على معان عدة، منها: القرآن، والوحي، وجبريل، والقوة، والمسيح ابن مريم، وروح الإنسان التي بها حياته (^٤) -وهي المراد بالبحث هنا-.\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٦٢ - ٢٧٠، ٢٨٢ - ٢٩٩)، الروح (١/ ٢٨٢ - ٢٨٣)، أهوال القبور (ص ٧٨ - ٨٠)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٧٩)، فتح الباري (٣/ ٢٣٥)، (١١/ ٣٦٦)، شرح الصدور (ص ١٨١)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٤).\n(^٢) التعرف (ص ١٢٠)، وانظر: الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٣٩٣).\n(^٣) معجم مقاييس اللغة (ص ٤٢٨)، وانظر: تهذيب اللغة (٢/ ١٣١٢)، الصحاح (١/ ٣٦٧)، لسان العرب (٢/ ٤٥٥)، القاموس المحيط (ص ٢٨٢).\n(^٤) انظر: الروح (٢/ ٦٥٩)، فتح الباري (٨/ ٤٠٢)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٩).","vol":"1","page":496},{"text":"وقد اختلف الناس في الخوض فيها بناء على اختلافهم في المراد بالروح التي وقع السؤال عنها في قوله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥] (^١).\nفمن فسرها بروح الإنسان التي بها حياته، أمسك عن الكلام فيها، ومن فسرها بغيرها خاض في ذلك (^٢).\nواختلف الخائضون في بيان حقيقتها، وتعددت مذاهبهم في ماهيتها.\nيقول العلامة السفاريني - ﵀ -: \"اختلف الناس في حقيقة الروح؛ وهل هي النفس أو غيرها، وهل هي جزء من البدن، أو عرض من أعراضه، أو جسم مساكن له مودع فيه، أو جوهر مجرد؟\nوقد تكلم الناس في هذه المسائل من سائر الطوائف، واضطربت فيها أقوالهم، وكثر فيها خطؤهم، ومن الناس من أمسك عن الكلام والخوض فيها لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]، وهدى الله أتباع الرسول وسلف الأمة وأهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.\nقال ابن القيم بعد ما ساق أقوال الناس في حقيقة الروح: \"والصحيح أن الروح جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك، ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الوِرْد وسريان الدهن في الزيتون والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي هذا الجسم اللطيف متشابكًا بهذه الأعضاء وأفادها هذه الآثار من الحسن والحركة والإرادة، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط عليها\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن جرير (٨/ ١٤١)، تفسير السمعاني (٣/ ٢٧٤)، تفسير البغوي (٥/ ١٢٥)، تفسير القرطبي (١٠/ ٣٢٣)، تفسير ابن كثير (٣/ ٦٨).\n(^٢) انظر: فتح الباري (١/ ٢٢٤) (٨/ ٤٠٢ - ٤٠٤).","vol":"1","page":497},{"text":"وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن وانفصل إلى عالم الأرواح\" (^١) وذكر لكلامه مائة دليل وستة عشر دليلًا وأجاد وأفاد\" (^٢).\nوبهذا يظهر أن القول بالإمساك عن البحث في حقيقة الروح وإن كان مأثورًا عن بعض أهل العلم، إلا أن جمهورهم على خلافه، وأكثرهم على ما قرره العلامة ابن القيم - ﵀ - في كلامه السابق.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: كلام ابن القيم في كتابه الروح (٢/ ٥٧٣ - ٦١٥).\n(^٢) لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٩)، وانظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٤٠ - ٣٤٢، ٥/ ١١٥ - ١١٦)، درء التعارض (٨/ ٥٢)، الروح (٢/ ٥٧٣ - ٦١٥)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٦٥).","vol":"1","page":498},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>المبحث الثاني آراؤه في أشراط الساعة</span>\nعرف ابن حجر - ﵀ - أشراط الساعة، وبيّن أقسامها، وتحدث عن بعضها، وفيما يلي بيان آرائه في ذلك وتقويمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>أولًا: تعريف أشراط الساعة:</span>\nعرف ابن حجر - ﵀ - أشراط الساعة، وبيّن أقسامها فقال: \"الساعة: يوم القيامة، سمي بها مع طول زمنه اعتبارًا بأول أزمنته، فإنها تقوم بغتة في ساعة ...\nوأَماراتها: بفتح الهمزة ... أي: أشراطها وعلاماتها الدالة على اقترابها ...\nولها أمارات صغار وعظام ... \" (^١).\nالتقويم:\nالأشراط: جمع شرط، والشَّرَطُ بالتحريك العلامة، وأشراط الشيء أوائله.\nقال ابن فارس: \"الشين والراء والطاء أصل يدل على عَلَم وعلامة ... \" (^٢).\nوالساعة: قطعة من الزمان، وفي عرف أهل الميقات: جزء من أربعة\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ٨١ - ٨٣).\n(^٢) معجم مقاييس اللغة (ص ٥٥٥)، تهذيب اللغة (٢/ ١٨٥٦)، الصحاح (٣/ ١١٣٦)، لسان العرب (٧/ ٣٢٩)، القاموس المحيط (ص ٨٦٩).","vol":"1","page":499},{"text":"وعشرين جزءًا من اليوم والليلة (^١).\nوالمراد بها هنا: يوم القيامة، واختلف في سبب تسميته بذلك، فقيل: \"إشارة إلى أنها ساعة خفيفة يقع فيها أمر عظيم، وقيل: لوقوعها بغتة، أو لطولها، أو لسرعة الحساب فيها، أو لأنها عند الله خفيفة مع طولها على الناس\" (^٢).\nوعليه فأشراط الساعة: هي العلامات والآيات التي تسبق قيام الساعة وتدل على قربها (^٣).\nوقد اختلفت عبارات أهل العلم في تقسيمها، وتعددت مناهجهم في ذكرها (^٤)، والمشهور تقسيمها إلى قسمين:\n\nالأول: الأشراط الكبرى:\nوهي التي تظهر قرب قيام الساعة، وإذا ظهر أولها تتابعت سريعًا، وتكون غير معتادة الوقوع.\nوهي العشر الواردة في حديث حذيفة بن أسيد - ﵁ - وفيه: \"أشرف علينا رسول الله - ﷺ - من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال: \"لا تقوم الساعة حتى ترون عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى بن مريم، والدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس أو تحشر الناس تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا\" (^٥).\n\nوالثاني: الأشراط الصغرى:\nوهي التي تتقدم قيام الساعة بأزمان متطاولة، ولا تزال، وتكون في\n_________\n(^١) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (ص ١٨٩).\n(^٢) فتح الباري (١١/ ٣٨٩).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (١٣/ ٧٩).\n(^٤) انظر: مقدمة الدكتور محمد العقيل في تحقيقه لكتاب القناعة فيما يحسن الإحاطة به من أشراط الساعة للسخاوي (ص ٦٣).\n(^٥) أخرجه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في الآيات التي تكون قبل الساعة (٤/ ٢٢٢٥) برقم (٢٩٠١).","vol":"1","page":500},{"text":"أصلها معتادة الوقوع، وهي كل ما عدا العشر المتقدمة (^١).\nوقد جرى ابن حجر - ﵀ - على هذا التقسيم، وذكر جملة من الأشراط، وسأورد كلامه فيها وفقًا لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>ثانيًا: أشراط الساعة الصغرى:</span>\nأورد ابن حجر - ﵀ - جملة من أشراط الساعة الصغرى، أجمل في بعضها وفصل في أخرى، وسأكتفي بالإحالة فيما أجمله، والتفصيل فيما فصله.\nفأما ما أجمله منها فهو:\n• بعثته - ﷺ - (^٢).\n• ولادة الأمة ربتها (^٣).\n• التطاول في البنيان (^٤).\n• التساهل في الكسب من الحرام (^٥).\n• فشو الربا (^٦).\n• تعلق الناس بالدينار والدرهم (^٧).\nوأما ما فصله فهو: ظهور المهدي، وتخريب الكعبة، ونفي المدينة شرارها، وفيما يلي بيان آرائه فيها وتقويمها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>١ - ظهور المهدي:</span>\nقرر ابن حجر تواتر الأخبار بظهور المهدي، واستفاضتها بأخباره حيث قال:\n\"تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى - ﷺ - بمجيء المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه سيملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري (١٣/ ٩١).\n(^٢) انظر: الفتاوى الحديثية (ص ٣٦٧).\n(^٣) انظر: فتح المبين (ص ٨٣).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (ص ٨٤).\n(^٥) انظر: فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٣٦٩).\n(^٦) انظر: المصدر السابق (ص ٤٢٥).\n(^٧) انظر: المصدر السابق (ص ٤٠٣).","vol":"1","page":501},{"text":"عدلًا، وأنه يخرج مع عيسى ﵇ فيساعده على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين، وأنه يؤم هذه الأمة وعيسى يصلي خلفه في طول من قصته وأمره\" (^١).\nوبيّن ابن حجر حقيقته وأنه من ولد النبي - ﷺ -، وأجاب عما ورد فيه من كونه من ولد عمه العباس أوهو عيسى ابن مريم نفسه، حيث قال: \"هذه كلها لا تنافي ما تقرر أولًا من أنه من ذريته - ﷺ - ومن ولد فاطمة؛ لأن أحاديثه أكثر وأصح ...\nويمكن الجمع بأنه لا مانع من أن يكون من ذريته - ﷺ - وللعباس فيه ولادة من جهة أن في أمهاته عباسية ...\nوفي حديث ... \"لا مهدي إلا عيسى ابن مريم\" (^٢) على أنه ضعيف.\nوالذي في الأحاديث الثابتة التصريح بأنه من عترته من ولد فاطمة، فوجب تقديمها عليه\" (^٣).\nوسئل عن مكان خروجه، فأجاب بقوله: \"ثبت في أحاديث أنه يخرج من قبل المشرق، وأنه يبايع له بمكة بين الركن والمقام، ويسكن بيت المقدس\" (^٤).\nوقرر \"أن خروج المهدي قبل نزول عيسى ﵇ ... وأما ما قيل إنه بعد\n_________\n(^١) القول المختصر (ص ٣٠)، وانظر: (ص ٨٥).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه، كتاب الفتن، باب شدة الزمان (٢/ ١٣٤٠) برقم (٤٠٣٩)، والحاكم (٤/ ٤٤١)، والخطيب في تاريخه (٤/ ٢٢١) من طريق محمد بن خالد الجَنَدي، عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن أنس بن مالك - ﵁ - به.\nوالحديث بهذا الإسناد لا يصح؛ وذلك لعنعنة الحسن، وجهالة محمد بن خالد الجَنَدي، ووقوع الاختلاف في سنده بين الوصل والإرسال، وقد ضعفه بهذه العلل الذهبي في الميزان (٣/ ٥٣٥)، والشوكاني في الفوائد المجموعة (ص ١٩٥)، والألباني في السلسة الضعيفة (١/ ١٧٥).\n(^٣) القول المختصر (ص ٢٩ - ٣٠)، وانظر: الصواعق المحرقة (٢/ ٤٧٢ - ٤٧٦).\n(^٤) الفتاوى الحديثية (ص ٢٥٠).","vol":"1","page":502},{"text":"نزوله، فبعيد والأحاديث ترد على قائله، فلا ينظر إليه\" (^١).\nوقد أفاض ابن حجر ﵀ في ذكر علامات المهدي وخصوصياته التي جاءت عن النبي - ﷺ - (^٢)، والصحابة (^٣)، والتابعين، وتابعيهم (^٤).\nالتقويم:\nوردت الأحاديث عن النبي - ﷺ - بظهور المهدي، وتكاثرت في الدلالة على ذلك، واختلف الناس في ثبوتها، والمحققون من أهل العلم على تواترها (^٥).\nيقول العلامة الشوكاني ﵀: \"الأحاديث في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر التي أمكن الوقوف عليها خمسون حديثًا، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها في جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة أيضًا لها حكم الرفع؛ إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك\" (^٦).\n_________\n(^١) القول المختصر (ص ٨٥)، وانظر: الصواعق (٢/ ٤٨٠).\n(^٢) انظر: القول المختصر (ص ٣١ - ٥٣)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ٥٥ - ٦٣)، الصواعق المحرقة (٢/ ٤٧٦ - ٤٨٠).\n(^٣) انظر: القول المختصر (ص ٥٤ - ٦٦).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (ص ٦٧ - ٨٠).\n(^٥) انظر: المنار المنيف (ص ١٤٢)، القناعة في ما يحسن الإحاطة به من أشراط الساعة للسخاوي (ص ٧٩)، الإشاعة لأشراط الساعة للبرزنجي (ص ١٣٩)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٨٤)، الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة لصديق حسن خان (ص ١٤٩)، نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني (ص ١٤٥)، الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر للتويجري (ص ٤٣)، إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة له أيضًا (٢/ ٢٩٠)، عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر للعباد (ص ١٧١)، وللاستزادة: المهدي المنتظر في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة للبستوي (ص ٤٠)، المهدي لمحمد إسماعيل المقدم (ص ٣٣).\n(^٦) نقل ذلك عنه صديق حسن خان في الإذاعة (ص ١٥٠)، وعزاه إلى رسالة له بعنوان التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح، وبعد البحث فيما طبع من كتبه ومنها الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني لم أجدها.","vol":"1","page":503},{"text":"\"وقد اختلف الناس في المهدي على أربعة أقوال:\nأحدها: أنه المسيح ابن مريم، وهو المهدي على الحقيقة، واحتج أصحاب هذا بحديث محمد بن خالد الجَنَدي المتقدم، وقد بينّا حاله، وأنه لا يصح، ولو صح لم يكن فيه حجة؛ لأن عيسى أعظم مهدي بين يدي رسول الله - ﷺ - وبين الساعة ...\nالثاني: أنه المهدي الذي ولي من بني العباس، وقد انتهى زمانه ... وهذا ... المهدي الذي تولى من بنى العباس ليس هو المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، بل هو مهدي من جملة المهديين، وعمر بن عبد العزيز كان مهديًا، بل هو أولى باسم المهدي منه ...\nالثالث: أنه رجل من أهل بيت النبي - ﷺ -، من ولد الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان، وقد امتلأت الأرض جورًا وظلمًا، فيملأها قسطًا وعدلًا، وأكثر الأحاديث على هذا تدل ...\nالرابع: أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري المنتظر، من ولد الحسين بن علي، لا من ولد الحسن، الحاضر في الأمصار، الغائب عن الأبصار ... \" (^١) وهو قول الرافضة الإمامية (^٢).\nوما قرره ابن حجر ﵀ بشأن المهدي من كونه من ولد النبي - ﷺ -، وأنه يخرج من قبل المشرق، وأن خروجه قبل نزول عيسى ﵇ موافق لما قرره أهل العلم - ﵏ - (^٣).\nوأما ما ذكره من علاماته وخصوصياته فقد اعتمد فيها على النقل عن\n_________\n(^١) المنار المنيف (ص ١٤٨ - ١٥٢)، وانظر: منهاج السنة (٨/ ٢٥٤).\n(^٢) انظر: أصول الكافي للكليني (١/ ٣٢٨)، الغيبة للطوسي (ص ١٤٢).\n(^٣) انظر: التذكرة (٢/ ٤٤٩)، النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير (١/ ٤٩)، القناعة (ص ٧٨)، الإشاعة (ص ١٣٩)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٨٤)، الإذاعة (ص ١٤٩)، إتحاف الجماعة (٢/ ٢٩٠)، الاحتجاج بالأثر (ص ٢٨)، عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي (ص ٢٥٥)، المهدي للبستوي (ص ١٤٣)، المهدي لمقدم (ص ٣٣).","vol":"1","page":504},{"text":"غيره دون التحقق من صحته؛ ولهذا كثر فيها الضعف والوضع (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>٢ - خراب الكعبة:</span>\nيقول ابن حجر: \"صح عنه - ﷺ - أنه قال: \"يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة\" (^٢)، أي: الذي له ساقان دقيقان، فالتصغير لذلك ...\nوهذا الهدم يكون في زمن عيسى صلى الله على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين ... قاله الحليمي (^٣) (^٤).\nوقال غيره: بل يكون بعد موته، وبعد رفع القرآن، وصححه بعض المتأخرين، ويؤيده حديث البخاري: \"ليحجن هذا البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج\" (^٥).\nفإن قلت: هل يمكن الجمع بين القولين بتقدير صحتهما؟\nقلت: يمكن؛ إذ يحتمل أنه يهدم بعضه في زمن عيسى فيُبْعث إليه فيهرب، ثم بعد موته ورفع القرآن يعود ويكمل هدمه، إشارة إلى هدم معالم الدين من أصلها وأنه لم يبق في الأرض منها بقية أصلًا، بل لم يبق على ظهرها من يقول: الله الله ...\nوعُلِمَ مما نقل ... أن هذا التخريب لا ينافي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] ... لما تقدم أن تخريبه مقدمة لخراب\n_________\n(^١) انظر: الانتقادات عليه إجمالًا فيما ذكره البستوي في كتابه المهدي المنتظر (ص ١٣٠) وعداب الحمش في كتابه المهدي (ص ٦٧)، وتفصيلًا في الموسوعة في أحاديث المهدي للبستوي، وحواشي تحقيق الدكتور عبد الرحمن التركي لكتاب القول المختصر.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب هدم الكعبة (١/ ٤٧٦) برقم (١٥٩٦)، ومسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكانه (٤/ ٢٢٣٢) برقم (٢٩٠٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.\n(^٣) هو الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم الفقيه، أشعري شافعي، من مؤلفاته: المنهاج في شعب الإيمان، وآيات الساعة وأحوال القيامة، توفي سنة ٤٠٣ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٣١)، شذرات الذهب (٣/ ١٦٧).\n(^٤) انظر: المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٤٢٩).\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب قول الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ (١/ ٤٧٥) برقم (١٥٩٣) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - به.","vol":"1","page":505},{"text":"الدنيا فكونه آمنًا محترمًا إنما هو قبل ذلك، على أن الحكم بالحرمة والأمن باق إلى يوم القيامة وكذا وجودهما بالفعل، لكن باعتبار أغلب أوقاته وإلا فكم وقع فيه من قتال وإخافة لأهله جاهلية وإسلامًا ... \" (^١).\nالتقويم:\nخراب الكعبة - شرفها الله - أمر ثابت، وهو من أشراط الساعة التي لم تقع بعد (^٢).\nواختلف أهل العلم في وقت وقوعه:\nفقيل: إنه زمن عيسى ﵇.\nوقيل: إنه بعده وبعد هلاك يأجوج ومأجوج.\nوقيل: إنه بعد خروج الدابة.\nوقيل: إنه بعد الآيات كلها وقرب قيام الساعة حين ينقطع الحاج ولا يبقى في الأرض من يقول: الله الله (^٣).\nقال ابن كثير ﵀: \"الكعبة يحجها الناس ويعتمرون بها بعد خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم وطمأنينة الناس وكثرة أرزاقهم في زمان المسيح ﵇ ثم يبعث الله ريحًا طيبة فيقبض بها روح كل مؤمن، ويتوفى نبي الله عيسى ﵇ ويصلي عليه المسلمون، ويدفن بالحجرة النبوية مع رسول الله - ﷺ -، ثم يكون خراب الكعبة على يد ذي السويقتين بعد هذا، وإن كان ظهوره في زمن المسيح ... \" (^٤).\nوبهذا يظهر - والله أعلم - أن القول الصحيح أن ظهور ذي السويقتين\n_________\n(^١) المناهل العذبة في إصلاح ما وهي من الكعبة (ص ٨٧ - ٩٠)، وانظر: فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٣٢٥ - ٣٢٦)، القول المختصر (ص ١٠٤).\n(^٢) انظر: النهاية في الفتن والملاحم (١/ ٢٠٢)، القناعة (ص ٩٠)، الإشاعة (ص ٢٤٢)، إتحاف الجماعة (٣/ ٢١٠)، وللاستزادة: أشراط الساعة للوابل (ص ٢٣١).\n(^٣) انظر: النهاية (١/ ٢٠٢ - ٢٠٤)، القناعة (ص ٩٠)، الإشاعة (ص ٢٤٤)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٢٤).\n(^٤) النهاية في الفتن الملاحم (١/ ٢٠٤)، وانظر: الإذاعة (ص ٢٠٥).","vol":"1","page":506},{"text":"في زمن عيسى، وأما تخريبه الكعبة فبعد هلاك يأجوج ومأجوج ووفاة عيسى ﵇ وخروج الريح التي تقبض روح كل مؤمن، وقرب قيام الساعة حين ينقطع الحج ولا يبقى في الأرض من يقول: الله الله.\nوبتقرير ما سبق يظهر - والله أعلم - أن ما ذكره ابن حجر في الجمع بين القول بوقوعها قبل عيسى والقول بوقوعها بعده غير صحيح.\nوأما ما ذكره من كون خرابها لا ينافي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] فهو ظاهر، وقد قرره غير واحد من أهل العلم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>٣ - نفي المدينة شرارها:</span>\nقال ابن حجر ﵀ في شرحه لحديث: \"لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد\" (^٢).\n\"لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها:\nإما بأن يضيق عليهم المعيشة فيها فيخرجون إلى بلاد السعة.\nوإما بأن يزيد شرهم وأذاهم لبقية أهلها فيوقع الله في قلوبهم الخروج منها كرهًا عليهم وإن كانت معيشتهم مستقيمة بها.\nوإما بأن يتوجه أهل الطاعة بالنبي - ﷺ - في إخراجهم من بينهم لما في بقائهم من المفاسد وخروجهم من المصالح فيلقي الله تعالى الرعب في قلوبهم فيخرجون هاربين خائفين على غاية من الذلة والجهادة والحقارة.\nوهذا كله إن قلنا إن هذا النفي في أزمنة متفرقة قبل خروج الدجال وهو أحد احتمالين ...\nوثانيهما: أنه مختص بزمن الدجال لأنه إذا قصد المدينة رجفت ثلاث رجفات فيخرج إليه كل كافر ومنافق ...\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري (٣/ ٥٣٩)، الإشاعة (ص ٢٤٣).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب المدينة تنفي شرارها (٢/ ١٠٠٥) برقم (١٣٨١) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.","vol":"1","page":507},{"text":"وقيل: يحتمل أنه - ﷺ - لأن بعثته من أشراط الساعة وعلاماتها\" (^١).\nالتقويم:\nنفي المدينة شرارها من أشراط الساعة الصغرى، والمراد به: إخراج المدينة النبوية الشريفة من سكنها وهو خبيث ونفيها له (^٢).\nواختلف أهل العلم في زمن وقوعه:\nفمنهم من قال بأن هذا مختص بزمن النبي - ﷺ - لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام بالمدينة إلا من ثبت إيمانه.\nومنهم من قال بأن هذا مختص بزمن الدجال (^٣).\nقال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: \"يحتمل أن يكون المراد كلًّا من الزمنين، وكان الأمر في حياته - ﷺ - كذلك للسبب المذكور، ويؤيده قصة الأعرابي ... فإنه - ﷺ - ذكر هذا الحديث معللًا به خروج الأعرابي وسؤاله الإقالة عن البيعة (^٤).\nثم يكون ذلك أيضًا في آخر الزمان عندما ينزل بها الدجال فترجف بأهلها فلا يبقى منافق ولا كافر إلا خرج إليه ...\nوأما ما بين ذلك فلا\" (^٥).\nوبهذا التقرير يظهر أن ما ذكره ابن حجر في معنى نفي المدينة شرارها وزمن وقوع ذلك اجتهاد منه لا يوافق عليه، فإن القول بعموم ذلك في الأزمنة المتفرقة لا يصح.\nوقوله في احتمال خروجهم منها بسبب توجه أهل الطاعة بالنبي - ﷺ -\n_________\n(^١) فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٣٤٣).\n(^٢) انظر: الإشاعة (ص ٥٢)، إتحاف الجماعة (٢/ ١٧٣)، وللاستزادة: أشراط الساعة للوابل (ص ٢٢٥).\n(^٣) انظر: شرح صحيح مسلم (٩/ ١٥٤)، فتح الباري (٤/ ٨٨)، الإشاعة (ص ٥٢).\n(^٤) القصة أخرجها البخاري، كتاب فضائل المدينة، باب المدينة تنفي الخبث (٢/ ١٠٠٦) برقم (١٣٨٣) من حديث جابر - ﵁ -.\n(^٥) فتح الباري (٤/ ٨٨).","vol":"1","page":508},{"text":"جار على قوله في التوسل وقد سبق رده (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>ثالثًا: أشراط الساعة الكبرى:</span>\nذكر ابن حجر ﵀ جملة من أشراط الساعة الكبرى، منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>١ - خروج الدجال:</span>\nقال ابن حجر: \"الدجال يخرج في زمن المهدي فهو من علاماته ...\nقال النووي وغيره: كان السلف يستحبون أن يُلَقَّن الصبيان أحاديث الدجال ليحفظوها وترسخ في قلوبهم ويتوارثها الناس (^٢)؛ لقوله - ﷺ -: \"ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق كبر من الدجال\" (^٣) ...\nوورد له علامات:\nخروجه من خراسان أو من أصبهان ...\nأعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافئة - أي بالهمزة: ذاهبة النور وفُقئت فطفئت - وفي رواية: \"اليسرى\"، وفي أخرى: \"ممسوح العين، عليها ظفرة غليظة\" وبها عُلم أن له عينًا ممسوحة وعينًا عوراء، ثم رأيت بعضهم جمع بأن العَوَر في اللغة: العيب، وعيناه كذلك، وهو موافق لما ذكرته.\nومكتوب بين عينيه: (ك ف ر) يقرؤه كل مؤمن قارئ وغيره.\nمعه جنة هي نار، وعكسه، ينجو من ناره من قرأ فواتح الكهف، ونهر يُرى ماؤه أبيض، ونهر عكسه، وهو الماء البارد ... \" (^٤).\n\"وأنه يصيح ثلاث صيحات، فيسمعهن أهل المشرق وأهل المغرب.\nوأنه يطأ الأرض كلها إلا مكة والمدينة، وكذا بيت المقدس، ومسجد الطور كما في رواية، إلا دمشق وعسقلان، وما جاء فيهما لا يثبت ...\n_________\n(^١) انظر: (ص ٢٥٩).\n(^٢) انظر: شرح صحيح مسلم (١٨/ ٥٨).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في بقية من أحاديث الدجال (٤/ ٢٢٦٦) برقم (٢٩٤٦) من حديث هشام بن عمار - ﵁ - به.\n(^٤) القول المختصر (ص ٩١ - ٩٣).","vol":"1","page":509},{"text":"يلبث أربعين يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم .. \" (^١).\n\"ومن فتنته: أن يقول للأعرابي: أبعث لك أبويك وتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شيطانان بصورتيهما، ويقولان: يا بني اتبعه فإنه ربك.\nوأنه يسلط على نفس واحدة فينشرها شقين، ثم يمشي بينهما ويقول: انظروا فإني أبعثه الآن ثم يزعم أن له ربًا غيري! ! ثم يبعثه الله، فيقول: أنت عدو الله الدجال ...\nويأمر السماء فتمطر، والأرض أن تنبت فتُنبت، ويأمر النهر أن يسيل فيسيل، ثم يأمره أن يرجع فيرجع، ثم يأمره أن ييبس فييبس ...\nويمر بالحي فيكذبونه فلا يبقي لهم سائمة إلا هلكت، وبالحي فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر والأرض أن تنبت فترعى مواشيهم في يومها، وتكون فيه أسمن ما كانت وأملأ ضروعًا.\nويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل ... \" (^٢).\n\"وكان موجودًا في العهد النبوي، وهو محبوس ببعض الجزائر، وليس هو ابن صياد (^٣) كما دل عليه حديث الجساسة في مسلم (^٤)، وكون ابن صياد فيه كثير من صفاته لا يقتضي أنه هو ... \" (^٥).\n_________\n(^١) القول المختصر (ص ٩٤ - ٩٥).\n(^٢) المصدر السابق (ص ٩٣ - ٩٤).\n(^٣) هو صافي وقيل: عبد الله، اشتهر بابن صياد أو صائد كان من يهود المدينة، وقيل: من الأنصار، وكان صغيرًا عند قدوم النبي - ﷺ - المدينة، وذكر ابن كثير أنه أسلم بعد وفاة النبي - ﷺ - وكان ابنه عُمارة من سادات التابعين، اختلف فيه اختلافًا كثيرًا وتضاربت أقوال أهل العلم فيه.\nانظر: شرح صحيح مسلم (١٨/ ٤٦)، النهاية (١/ ١١٨، ١٧٣)، فتح الباري (٦/ ١٧٣، ١٠/ ٢٥٨، ١٣/ ٣٢٣).\n(^٤) انظر: صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في خروج الدجال ومكثه في الأرض (٤/ ٢٢٦١) برقم (٢٩٤٢).\n(^٥) القول المختصر (ص ٩٦)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ٣٨٥)، فتح الإله (ص ٣٤٤، ٣٤٩).","vol":"1","page":510},{"text":"التقويم:\nخروج الدجال من أشراط الساعة الكبرى بدلالة السنة المتواترة (^١).\nومنها حديث حذيفة بن أسيد - ﵁ - وفيه: \"لا تقوم الساعة حتى ترون عشر آيات، وذكر منها الدجال\" (^٢).\nوالدجال: المموه الكذاب، وإذا أطلق انصرف إلى المسيح الأعور (^٣).\nوالذي تدل عليه الأحاديث أنه أول الأشراط الكبرى وقوعًا (^٤).\nوما ذكره ابن حجر في علامات الدجال، وأحوال فتنته وارد في عدة أحاديث، منها:\nحديث النواس بن سمعان - ﵁ - حيث قال: \"ذكر رسول الله - ﷺ - الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع، حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك في وجوهنا فسألناه، فقلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال الغداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل، قال: \"غيرُ الدجال أخوفني عليكم، فإن يخرج وأنا فيكم فانا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم، إنه شاب جعدٌ قططٌ عينه طافية، وإنه يخرج خلّة بين الشام والعراق، فعاث يمينًا وشمالًا يا عباد الله اثبتوا\". قلنا: يا رسول الله ما لبثه في الأرض؟ قال: \"أربعون يومًا: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كلجمعة، وسائر أيامه كأيامكم\". قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي هو كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: \"لا، اقدروا له قدره\". قلنا: يا رسول الله فما إسراعه في الأرض؟ قال: \"كالغيث استدبرته الريح، قال: فيمر بالحي فيدعوهم فيستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت وتروح عليهم سارحتهم وهي أطول ما كانت ذُرَى\n_________\n(^١) انظر: التذكرة (٢/ ٥٢١)، النهاية (١/ ١٠٣)، القناعة (ص ١٠)، الإشاعة (ص ١٨٨)، الإذاعة (ص ١٨٨)، إتحاف الجماعة (٢/ ٣٢٢)، قصة المسيح الدجال للألباني، وللاستزادة: أشراط الساعة للوابل (ص ٢٧٥).\n(^٢) سبق تخريجه (ص ٥٠٠).\n(^٣) انظر: التذكرة (٢/ ٥٢١).\n(^٤) انظر: فتح الباري (١١/ ٣٥٣).","vol":"1","page":511},{"text":"وأمده خواصر وأسبغه ضروعًا، ويمر بالحي فيدعوهم، فيردوا عليه قوله، فتتبعه أموالهم فيصبحون ممحلين ليس لهم من أموالهم شيء، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، قال: ويأمر برجل فيُقتل، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل إليه يتهلل وجهه، قال: فبينا هو على ذلك إذ بعث الله ﷿ المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين، واضعًا يده على أجنحة ملكين، فيتبعه فيدركه فيقتله عند باب لد الشرقي\" (^١).\nوحديث أنس - ﵁ - وفيه أن رسول الله - ﷺ - قال: \"مما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر\" (^٢).\nوقول ابن حجر بأن المراد بالعور في عينيه عيبهما جمعًا بين الروايات موافق لما قرره جمع من أهل العلم (^٣).\nوقوله بأنه يطأ الأرض كلها إلا مكة والمدينة وبيت المقدس والطور حق. إذ استثناء مكة والمدينة وارد في أحاديث عدة، والقول بمقتضى ذلك هو مذهب الجمهور سوى من شذ (^٤).\nواستثناء بيت المقدس والطور وارد في حديث جنادة بن أمية عن بعض أصحاب النبي - ﷺ - وفيه أن النبي - ﷺ - قال: \"لا يأتي - يعني: الدجال - أربعة مساجد: الكعبة، ومسجد الرسول، والمسجد الأقصى، والطور\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٥٠) برقم (٢١٣٧).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٢٧)، برقم (٧١٣١)، ومسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته ومن معه (٤/ ٢٢٤٨) برقم (٩٣٣).\n(^٣) انظر: التذكرة (٢/ ٥٢٩)، شرح صحيح مسلم (٢/ ٢٣٥)، النهاية (١/ ١٦٥).\n(^٤) انظر: فتح الباري (٤/ ٩٦).\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١٥/ ١٤٧ - ١٤٨)، وأحمد (٣٨/ ١٨٠) برقم (٢٣٠٩٠) (٣٩/ ٨٨ - ٩٠) برقم (٢٣٦٨٣، ٢٣٦٨٤، ٢٣٦٨٥)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٤/ ٣٧٩) برقم (٥٦٩٢) من طرق عن مجاهد، عن جنادة بن أبي أمية - ﵁ - به.\nقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٤٣): \"رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح\".","vol":"1","page":512},{"text":"وحكمه بضعف الأحاديث الواردة في استثناء دمشق وعسقلان صواب كما حققه الحافظ السخاوي ﵀ (^١).\nوأما ما قرره من كون الدجال موجودًا في عهد النبي - ﷺ - فيدل عليه حديث الجساسة المشهور (^٢).\nوقوله بأنه ليس ابن صياد، وتعليله ذلك بأن مشابهة ابن صياد له في كثير من صفاته لا تقتضي أن يكون هو، موافق لقول جماعة من أهل العلم، وهو الصحيح - إن شاء الله - (^٣).\nيقول الحافظ ابن كثير ﵀: \"الصحيح أن الدجال غير ابن صياد، وأن ابن صياد كان دجالًا من الدجاجلة ثم تاب بعد ذلك، فأظهر الإسلام والله أعلم بضميره وسيرته، وأما الدجال الأكبر فهو المذكور في حديث فاطمة بنت قيس الذي روته عن رسول الله - ﷺ - عن تميم الداري وفيه قصة الجساسة\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>٢ - نزول عيسى ﵇:</span>\nيقول ابن حجر ﵀: \"خروج المهدي قبل نزول عيسى ﵇ وأما ما قيل: إنه بعد نزوله فبعيد، والأحاديث ترد على قائله، فلا ينظر إليه\" (^٥).\n\"والأشهر ما صح في مسلم أنه ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق.\nوفي رواية: بالأردن.\nوفي أخرى: بعسكر المسلمين.\nولا تنافي لأن عسكرهم بالأردن ودمشق وبيت المقدس من ذلك\" (^٦)\n_________\n(^١) انظر: القناعة (ص ٣٦).\n(^٢) سبق تخريجه (ص ٥١٠).\n(^٣) انظر: معالم السنن (٤/ ٥٠٣)، التذكرة (٢/ ٥٦٣)، شرح صحيح مسلم (١٨/ ٤٦ - ٤٧)، مجموع الفتاوى (١١/ ٢٨٣)، النهاية (١/ ١١٨، ١٧٣)، فتح الباري (٦/ ١٧٣) (١٠/ ٣٥٨) (١٣/ ٣٢٣)، وللاستزادة: أشراط الساعة للوابل (ص ٢٨٣ - ٣٠٨).\n(^٤) النهاية (١/ ١٧٣ - ١٧٤).\n(^٥) القول المختصر (ص ٨٥).\n(^٦) الفتاوى الحديثية (ص ٢٥٠)، وانظر: القول المختصر (ص ٨٦ - ٨٧).","vol":"1","page":513},{"text":"\"ويقيم سبع سنين كما صح في حديث مسلم، ولا ينافيه حديث الطيالسي (^١) أنه يقيم أربعين سنة؛ لأن المراد مجموع لبثه في الأرض قبل الرفع وبعده فإنه رفع وسنه ثلاث وثلاثون سنة\" (^٢).\n\"وجاء لعيسى ﵇ علامات:\nلا يجد ريح نَفَسه - بفتح الفاء - وهو ينتهي حيث ينتهي طرفه كافر إلا مات.\nيذق الصليب، ويذبح الخنزير والقردة، أي: يبطل دين النصرانية ويتخذ دين الإسلام فلا يُعبد غير الله.\nويضع الجزية أي: أنه لا يقبل إلا الإسلام.\nوتترك الصدقة أي: الزكاة؛ لعدم من يقبلها لنزول البركات وظهور الكنوز ... \" (^٣).\nالتقويم:\nنزول عيسى ﵇ من أشراط الساعة الكبرى بدلالة الكتاب والسنة (^٤).\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩].\nوقال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١].\nفسرتا بنزول عيسى ﵇ (^٥).\n_________\n(^١) هو سليمان بن داود بن الجارود، المشهور بأبي داود الطيالسي، إمام محدث، صاحب المسند، توفي سنة ٢٠٤ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٩/ ٣٧٨)، شذرات الذهب (٢/ ١٢).\n(^٢) الفتاوى الحديثية (ص ٢٥١)، وانظر: القول المختصر (ص ٩٠).\n(^٣) القول المختصر (ص ٨٩)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ٢٤٢، ٢٤٣)، المنح المكية (١/ ٢١٠)، التعرف (ص ١١٤).\n(^٤) انظر: التذكرة (٢/ ٥٣٧)، النهاية (١/ ١٨٢)، القناعة (ص ٢٥)، الإشاعة (ص ٢١٧)، الإذاعة (ص ١٩٧)، التصريح بما تواتر من نزول المسيح للكشميري، فصل المقال في رفع عيسى حيًّا ونزوله وقتله الدجال لهراس، عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى ﵇ للغماري، وللاستزادة: أشراط الساعة للوابل (ص ٣٣٧).\n(^٥) انظر: تفسير ابن جرير (٤/ ٣٥٦)، (١١/ ٢٠٤)، تفسير السمعاني (١/ ٥٠٠) (٥/ ١١٢)، تفسير البغوي (٢/ ٣٠٧) (٩/ ٢١٧)، تفسير ابن كثير (١/ ٦٣٦)، (٤/ ١٤٠).","vol":"1","page":514},{"text":"وقد تواترت الأحاديث بنزوله آخر الزمان (^١)، ومنها حديث حذيفة بن أسيد - ﵁ - وفيه: \"لا تقوم الساعة حتى ترون عشر آيات\"، وذكر منها: نزول عيسى ﵇\" (^٢).\nوأجمعت الأمة على القول بموجبها، ولم يخالف في ذلك أحد من أهل الشريعة (^٣).\nوالذي تدل عليه النصوص أن نزوله بعد ظهور المهدي وخروج الدجال، وأنه يأتم بالمهدي ويقود المسلمين في قتال الدجال، وعلى يده تكون هلكته.\nوأما مكان نزوله فقد اختلفت الأحاديث في تحديده.\nيقول الحافظ ابن كثير ﵀: \"الأشهر في موضع نزوله أنه على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق ... وليس بدمشق منارة تعرف بالشرقية سوى التي شرق الجامع الأموي، وهذا هو الأنسب والأليق؛ لأنه ينزل وقد أقيمت الصلاة ...\nوورد في بعض الأحاديث أنه ينزل ببيت المقدس، وفي رواية بالأردن، وفي رواية بعسكر المسلمين ... \" (^٤).\nوأما مدة مكثه في الأرض فقد اختلفت الأحاديث في تحديدها أيضًا والجمع بينها بما ذكره ابن حجر هو قول طائفة من أهل العلم (^٥)، وهو متعقب.\nيقول العلامة السفاريني ﵀: \"جمع بعضهم أن سيدنا عيسى حين رفع كان عمره ثلاثًا وثلاثين سنة وينزل سبعًا فهذه أربعون سنة.\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن كثير (٤/ ١٤٠)، فتح الباري (٦/ ٣٥٨)، روح المعاني (٧/ ٦٠)، الإذاعة (ص ١٩٨)، التصريح (ص ٥٦)، نظم المتناثر (ص ١٤٧).\n(^٢) سبق تخريجه (ص ٥٠٠).\n(^٣) انظر: روح المعاني (٧/ ٦٠)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٩٤ - ٩٥)، التصريح (ص ٥٦).\n(^٤) النهاية (١/ ١٩٢ - ١٩٣)، وانظر: الإشاعة (ص ٢١٩)، الإذاعة (ص ٢٠٠).\n(^٥) انظر: النهاية (١/ ١٩٣)، القناعة (ص ٤٣)، الإشاعة (ص ٢٢٠)، التصريح (ص ١٢٧ - ١٢٨).","vol":"1","page":515},{"text":"وهذا والله أعلم ليس بشيء لما مر من حديث عائشة - ﵂ - عند أحمد وغيره \"فيقتل الدجال ثم يمكث عيسى في الأرض أربعين سنة\" (^١).\nوقد قال الحافظ جلال الدين السيوطي: كنت أفتيت بأن ابن مريم يمكث في الأرض بعد نزوله سبع سنين، قال: واستمريت على ذلك مدة من الزمان حتى رأيت الحافظ البيهقي اعتمد أن مكثه في الأرض أربعين سنة معتمدًا ما أفاده الإمام أحمد في روايته بلفظ: ثم يمكث ابن مريم في الأرض بعد قتل الدجال أربعين سنة.\nوهذا هو المرجح؛ لأن زيادة الثقة يحتج بها، ولأنهم يأخذون برواية الأكثر ويقدمونها على رواية الأقل لما معها من زيادة العلم، ولأنه مثبت والمثبت مقدم\" (^٢).\nوأما علاماته التي ذكرها ابن حجر فقد وردت في أحاديث عدة، منها حديث أبي هريرة - ﵁ - وفيه: \"والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ... \" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-204>٣).\n\n٣ - خروج يأجوج ومأجوج:</span>\nبين ابن حجر وقت خروج يأجوج ومأجوج، وأصلهم، وبعضًا من صفاتهم، حيث قال:\n\"بعده [يعني: الدجال] خروج يأجوج ومأجوج.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٥/ ١٣٤)، وأحمد (٤١/ ١٥) برقم (٢٤٤٦٧)، كلاهما من طريق يحيى بن أبي كثير، عن الحضرمي بن لاحق، عن ذكوان، عن عائشة - ﵂ - به.\nقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٣٨): \"رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، غير الحضرمي بن لاحق، وهو ثقة\".\n(^٢) لوامع الأنوار البهية (٢/ ٩٨ - ٩٩)، وكلام السيوطي والبيهقي لم أجده في مظانه من كتبهما.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم (٢/ ١٠٧٣) برقم (٣٤٤٨)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم (١/ ١٣٥) برقم (٢٤٢).","vol":"1","page":516},{"text":"وهم من ولد آدم وحواء للحديث المرفوع أنهم من ذرية نوح، وهو من ذريتهما، قطعوا به لعدم رؤية نقل عن أحد من السلف، ما عدا كعبًا بخلافه.\nاعتُرض قول النووي من فتاويه: أنهم من ولده لا من حواء عند جماهير العلماء، قيل: نام فاحتلم، فامتزجت نطفته بالتراب، فخلقوا منها.\nواعتُرض بأن النبي لا يحتلم، ورد بأن المنفي احتلامه عن رؤية جماع لا مجرد دفق الماء.\nوفي حديث: \"يأجوج أمة، ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة ألف أمة، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح\".\nيجامعون ما شاؤوا، طولهم شبر، وأطولهم ثلاثة، سيوقد المسلمون بقسيِّهم ونشابهم وأثر سهمهم سبع سنين، ويؤمر عيسى ﵇ بعد أن يعلم أنه لا بد لأحد من قتالهم بإحدار المسلمين إلى جبل الطور، يمرون ببحيرة طبرية، فيشرب أولهم ماءها، ثم ينتهون إلى جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض كلهم، فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد مخضوبًا دمًا، ويُحصَرُ عيسى ﵇ وأصحابه حتى يكون رأس الثور أو القطعة من الأقط خيرًا لأحدهم من مائة دينار لأحدنا اليوم، فيرغبون إلى الله، فيرسل عليهم دودًا في رقابهم، فيصبحون قتلى، فيهبط عيسى ﵇ وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون موضع شبر منها إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغبون إلى الله ﷿، فيرسل طيرًا تطهرها منهم، ثم مطرًا يغسلها حتى يجعلها كالمرآة، ثم تؤمر الأرض بإنبات ثمرتها وردّ بركتها، ثم يبعث الله ﷿ بعد موت عيسى ﵇ ريحًا طيبة فتأخذ تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس\" (^١).\n_________\n(^١) القول المختصر (ص ٩٧ - ٩٩).","vol":"1","page":517},{"text":"التقويم:\nخروج يأجوج ومأجوج من أشراط الساعة الكبرى بدلالة الكتاب والسنة (^١).\nقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف: ٩٨].\nوقال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧].\nفسر الوعد في الآيتين: بيوم القيامة، أو يوم خروجهم.\nوفي حديث حذيفة بن أسيد - ﵁ -: \"لا تقوم الساعة حتى ترون عشر آيات، وذكر منها: خروج يأجوج ومأجوج\" (^٢).\nواتفق أهل العلم على أنهم من جنس البشر، واختلفوا في أصل نسبهم:\nفقال الجمهور - وحكاه بعضهم إجماعًا - إنهم من ولد يافث بن نوح، وهو من ذرية آدم وحواء.\nوقال كعب الأحبار - ﵁ - ووافقه بعض أهل العلم إنهم من ولد آدم وحده، وذلك أنه احتلم فاختلط ماؤه بالتراب فخلقوا من ذلك (^٣).\nورُد بما يلي:\n١ - أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يحتلمون، وجوابهم عن ذلك بأن المنفي احتلامهم عن رؤية الجماع لا مجرد دفق الماء يحتاج إلى دليل (^٤).\n٢ - أن هذا القول لا أصل له إلا عن بعض أهل الكتاب (^٥).\n_________\n(^١) انظر: التذكرة (٢/ ٥٦٨)، النهاية (١/ ١٩٦)، القناعة (ص ٤٧)، الإشاعة (ص ٢٢٩)، الإذاعة (ص ٢٠٣).\n(^٢) سبق تخريجه (ص ٥٠٠).\n(^٣) انظر: النهاية (١/ ٢٠١)، فتح الباري (٦/ ٣٨٦)، (١٣/ ١٠٦)، القناعة (ص ٤٨)، الإشاعة (ص ٢٢٩).\n(^٤) انظر: التذكرة (٢/ ٥٧٤)، القناعة (ص ٤٨)، الإشاعة (ص ٢٣٠).\n(^٥) انظر: فتح الباري (٦/ ٣٨٦)، (١٣/ ١٠٦ - ١٠٧).","vol":"1","page":518},{"text":"٣ - أن هذا القول يرده الحديث المرفوع عنه - ﷺ -، وفيه: \"ولد نوح: سام، وحام، ويافث، فولد سام العرب وفارس والروم والخير منهم، وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والصقالبة ... وولد لحام القبط والبربر والسودان\" (^١)، ويافث بن نوح من ذرية آدم وحواء قطعًا.\nوأما ما نقله ابن حجر عن العلامة النووي في فتاويه من كون القول بأنهم ولد آدم من غير حواء هو مذهب الجمهور فغير محرر؛ إذ كلام النووي في فتاويه نص في أن مذهب الجمهور أنهم من ولد آدم وحواء لا من ولد آدم فقط، حيث سئل عن يأجوج ومأجوج هل هم من أولاد حواء؟\nفأجاب بقوله: \"هم من ولد آدم من حواء عند جماهير العلماء، وقيل: إنهم من بني آدم لا من حواء، فيكونون إخوتنا لأب ... \" (^٢).\nولعل الذي أوقع ابن حجر في هذا متابعته للحافظ السخاوي في كتابه القناعة (^٣) الذي نقل ذلك عن شيخه الحافظ ابن حجر العسقلاني (^٤)، ويدل لذلك كون ابن حجر قد اعتمد اعتمادًا ظاهرًا في كلامه على أشراط الساعة الكبرى على كتاب القناعة للسخاوي.\nوبهذا يظهر أن يأجوج ومأجوج من جنس البشر، وأنهم من ذرية يافث بن نوح الذي هو من ولد آدم وحواء، وبطلان القول بما عداه.\n_________\n(^١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (١/ ١١٨) مرفوعًا، قال الهيثمي في المجمع (١/ ١٩٣): \"رواه البزار، وفيه محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي عن أبيه، فمحمد وثقه ابن حبان، وقال أبو حاتم: صدوق، وضعفه يحيى بن معين والبخاري، ويزيد بن سنان وثقه أبو حاتم فقال: محله الصدق، وقال البخاري: مقارب الحديث، وضعفه يحيى وجماعة\".\nوأخرجه الحاكم (٤/ ٤٦٣) من كلام سعيد بن المسيب ﵀.\nوذكره ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ١٠٨)، وقال: محفوظ من قول سعيد بن المسيب، وأطال البحث فيه.\n(^٢) فتاوى النووي (ص ١١٦)، وانظر: شرح صحيح مسلم (٣/ ٩٨).\n(^٣) انظر: (ص ٤٨).\n(^٤) انظر: فتح الباري (١٣/ ١٠٧).","vol":"1","page":519},{"text":"وما ذكره ابن حجر في عددهم وصفاتهم وأحوالهم مروي في عدة أحاديث وآثار:\nفقوله: \"يأجوج أمة، ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة ألف أمة، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح\":\nورد في حديث أخرجه الطبراني (^١) من طريق يحيى بن سعيد العطار، عن محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن حذيفة - ﵁ -، به.\nويحيى بن سعيد العطار ضعيف (^٢).\nوقوله: \"طولهم شبرًا، وأطولهم ثلاثة\":\nورد في بعض الآثار الضعيفة التي لا تقوم بها حجة، وأنكرها الحافظ ابن كثير ﵀ (^٣).\nوقوله: \"سيوقد المسلمون ... \" إلى آخر كلامه في وصفهم:\nورد في حديث النواس بن سمعان - ﵁ - وفيه: \"أوحى الله ﷿ إلى عيسى ابن مريم ﵇ إني قد أخرجت عبادًا من عبادي لا يدان لك بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور، فيبعث الله ﷿ يأجوج ومأجوج، وهم كما قال ﷿: ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله ﷿ فيرسل عليهم نغفًا في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، فيهبط عيسى وأصحابه فلا يجدون في الأرض بيتًا إلا قد ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله ﷿، فيرسل عليهم طيرًا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله ﷿\". قال ابن جابر: فحدثني عطاء بن يزيد السكسكي عن كعب أو غيره قال: فتطرحهم بالمهبل، قال ابن جرير: فقلت: يا أبا يزيد فأين المهبل؟ قال: مطلع الشمس، قال: \"ويرسل الله ﷿ مطرًا لا يكنُّ منه بيت وبر ولا مدر أربعين يومًا، فيغسل الأرض حتى يتركها\n_________\n(^١) انظر: الأوسط (٤/ ٥٠٩).\n(^٢) انظر: تهذيب الكمال (٣١/ ٣٤٣)، تهذيب التهذيب (١١/ ٢٢٠)، وقد أورد الحديث الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٦) وضعفه به.\n(^٣) انظر: النهاية (١/ ٢٠١).","vol":"1","page":520},{"text":"كالزَّلَفة ويقال للأرض أنبتي ثمرتك وردّي بركتك، قال: فيومئذ يأكل النفر من الرمانة ويستظلون بقحفها، ويبارك الله في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر تكفي الفخذ من الناس، والشاة من الغنم تكفي أهل البيت، قال: فبينا هم على ذلك إذ بعث الله ﷿ ريحًا طيبة تحت آباطهم فتقبض روح كل مسلم، أو قال: كل مؤمن ويبقى شرار الناس، يتهارجون تهارج الحمير، وعليهم أو قال: وعليه تقوم الساعة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>٤ - طلوع الشمس من مغربها:</span>\nقال ابن حجر ﵀: \"ثم تطلع الشمس من مغربها، قيل: ردًا على الملحدة، والمنجمة، فإنهم عن آخرهم ينكرون ذلك.\nوجاء أنها كلما غربت سجدت تحت العرش، ثم تستأذن في الرجوع فيؤذن لها، ثم في تلك الليلة لا يُرد عليها مرةً بعد أخرى ثلاثًا، فإذا أيست من إدراك المشرق أذن لها، فيؤذن لها في الطلوع من مكانها، وإن تلك الليلة تعدل ثلاث ليال من ليالينا هذه، يعرف ذلك المتنفلون يقوم أحدهم فيقرأ حزبه ثم ينام، ثم يقوم فيقرأ حزبه ثم ينام، فبينما هم كذلك صاح الناس وفزعوا إلى المساجد، فإذا هم بها قد طلعت من مغربها، حتى صارت في وسط السماء رجعت وطلعت من مطلعها ...\nفلا يقبل إسلام كافر ولا توبة مخلط ... وجرى القرطبي على أن عدم قبول ذلك إنما هو في منكر طلوعها من مغربها، وآية ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: ١٨] وآخر سورة غافر يؤيدان الأول.\nوعن ابن عمرو (^٢) ﵀: \"يبقى الناس بعد ذلك مائة وعشرين سنة\".\nقيل: إن صح يحتاج إلى تأويل.\nوما ورد أن هذه أولى الآيات لا ينافيه رواية أن أولها الدجال؛ لأنه\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص ٥١٢).\n(^٢) وقع في طبعات القول المختصر كلها بلفظ: \"وعن ابن عمر\"، والتصحيح من مصادر التخريج كما سيأتي (ص ٥٢٤).","vol":"1","page":521},{"text":"أول الآيات الأرضية، وهذه أول الآيات السماوية\" (^١).\nالتقويم:\nطلوع الشمس من مغربها من أشراط الساعة الكبرى بدلالة الكتاب والسنة (^٢).\nقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].\nفقد دلت الأحاديث الصحيحة أن المراد ببعض الآيات المذكورة في الآية هو طلوع الشمس من مغربها، وهو قول أكثر المفسرين (^٣).\nوفي حديث حذيفة بن أسيد - ﵁ -: \"لا تقوم الساعة حتى ترون عشر آيات، وذكر منها: طلوع الشمس من مغربها\" (^٤).\nوالذي تدل عليه النصوص أن طلوعها في آخر الزمان قرب قيام الساعة، وأنها من آخر الأشراط الكبرى وقوعًا (^٥).\nوما ذكره ابن حجر في صفة طلوعها من مغربها وارد في عدة أحاديث، منها:\nحديث أبي ذر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال يومًا: \"أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم قال: \"إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك، حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي\n_________\n(^١) القول المختصر (ص ١٠١ - ١٠٣).\n(^٢) انظر: التذكرة (٢/ ٥٨٥)، النهاية (١/ ٢١٤)، القناعة (ص ٥٨)، الإشا عة (ص ٢٤٨)، الإذاعة (ص ٢٠٦)، إتحاف الجماعة (٣/ ١٩٢)، وللاستزادة: أشراط الساعة للوابل (ص ٣٩١)، أشراط الساعة للغامدي (٢/ ٦٢٤).\n(^٣) انظر: تفسير ابن جرير (٥/ ٤٠٥)، تفسير السمعاني (٢/ ١٥٩)، تفسير البغوي (٣/ ٢٠٧)، تفسير القرطبي (٧/ ١٤٥)، تفسير ابن كثير (٢/ ٢١٦).\n(^٤) سبق تخريجه (ص ٥٠٠).\n(^٥) انظر: النهاية (١/ ٢١٤)، فتح الباري (١١/ ٣٦١)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٤٢).","vol":"1","page":522},{"text":"ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئًا، حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي، أصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها ... \" (^١).\nوحديث عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ليأتين على الناس ليلة تعدل ثلاث ليال من لياليكم هذه فإذا كان ذلك يعرفها المتنفلون فإن أحدهم يقوم فيقرأ حزبه ثم ينام، ثم يقوم فيقرأ حزبه ثم ينام، فبينما هم كذلك ماج الناس بعضهم في بعض، فقالوا: ما هذا؟ فيفزعون إلى المساجد فإذا هم بالشمس قد طلعت من مغربها فضج الناس ضجة واحدة حتى إذا صارت في وسط السماء رجعت وطلعت من مطلعها ... \" (^٢).\nوإذا طلعت الشمس من مغربها فإنه لا يقبل الإيمان ممن لم يكن قبل ذلك مؤمنًا، كما لا تقبل توبة العاصي؛ وذلك لأن طلوع الشمس من مغربها آية عظيمة، يراها كل من كان في ذلك الزمان، فتنكشف لهم الحقائق، ويشاهدون من الأهوال ما يلوي أعناقهم إلى الإقرار والتصديق بالله وآياته، وحكمهم في ذلك حكم من عاين بأس الله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥] (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء مختصرًا (٤/ ٢٣١٦) برقم (٧٤٢٤)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان، مطولًا بهذا اللفظ (١/ ١٣٨) برقم (٢٥٠).\n(^٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٣٩٢)، وعزاه لعبد بن حميد وابن مردويه، وذكر ابن كثير في النهاية (١/ ٢١٩)، والتفسير (٢/ ٢١٨) إسناد ابن مردويه فقال: \"قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة، حدثنا ضرار بن صرد، حدثنا فضيل، عن سليمان بن يزيد، عن عبد الله بن أبي أوفى ... فذكره\".\nوقال عقيبه في التفسير: \"هذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس هو في شيء من الكتب الستة\".\n(^٣) انظر: التذكرة (٢/ ٥٨٧)، النهاية (١/ ٢٢٢)، القناعة (ص ٦١).","vol":"1","page":523},{"text":"وأما ما ذكره ابن حجر عن القرطبي من كون عدم قبول التوبة خاصًا بمنكر ذلك دون غيره فهو باطل؛ لعموم النصوص وعدم المخصص.\nوسياق القرطبي لذلك يدل على احتماله له دون قطعه به؛ فإنه قال: \"والملحدة والمنجمة عن آخرهم ينكرون ذلك ويقولون: هو غير كائن؛ فيطلعها الله تعالى يومًا من المغرب ليُري المنكرين قدرته أن الشمس في ملكه ... وعلى هذا يحتمل أن يكون رد التوبة والإيمان على من آمن وتاب من المنكرين لذلك المكذبين لخبر النبي - ﷺ - بطلوعها، فأما المصدقون لذلك فإنه تقبل توبتهم وينفعهم إيمانهم قبل ذلك\" (^١).\nوأما ما نقله ابن حجر عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ - من كون الناس يبقون بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة واعتراضه عليه بقول الحافظ السخاوي الذي أبهمه بقوله: \"وقيل: إن صح يحتاج إلى تأويل\".\nفقد أخرجه ابن أبي شيبة (^٢)، ونعيم بن حماد (^٣) (^٤) من طريق وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي خيثمة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ - به.\nقال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: \"رفع هذا لا يثبت، وقد أخرجه عبد بن حميد في تفسيره بسند جيد عن عبد الله بن عمرو موقوفًا، وقد ورد عنه ما يعارضه ...\nويمكن الجواب عنه بأن المدة ولو كانت كما قال عشرين ومائة سنة لكنها تمر مرورًا سريعًا كمقدار مرور عشرين ومائة شهر من قبل ذلك، أو\n_________\n(^١) التفسير (٧/ ١٤٨)، وانظر: التذكرة (٢/ ٥٨٨).\n(^٢) انظر: المصنف (١٥/ ١٧٩).\n(^٣) هو نعيم بن حماد بن معاوية بن الحارث، أبو عبد الله، الخزاعي المروزي، سلفي محدث، طعن عليه في حفظه، من مؤلفاته: الفتن، والرد على الجهمية، وغيرها، توفي سنة ٢٢٨ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٩٥)، شذرات الذهب (٢/ ٦٧).\n(^٤) انظر: الفتن (٢/ ٦٥٦، ٧٠٢).","vol":"1","page":524},{"text":"دون ذلك ... \" (^١).\nوقول ابن حجر بأن ما ورد في أن طلوع الشمس من مغربها أولى الآيات لا ينافي رواية أن أولها الدجال، وجمعه بين الروايتين بما ذكر قرره غير واحد من أهل العلم (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>٥ - خروج الدابة:</span>\nيقول ابن حجر ﵀: \"ثم تخرج الدابة من صدع من الصفا - وبه جزم غير واحد - أو من المروة، أو من شعب جياد، أو من بعض أودية تهامة، أو من وراء مكة، أو من مدينة قوم لوط، ليلة مزدلفة.\nولها ثلاث خرجات:\nمرة من أقصى البادية، ولا يدخل ذكرها مكة ثم تكمن زمانًا.\nثم أخرى يدخل ذكرها مكة.\nقال - ﷺ -: \"بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمه وأكرمها المسجد الحرام، لم يرعهم إلا وهي تربو بين الركن والمقام تنفض عن رأسها التراب ... \" (^٣).\nقيل: . طولها ستون ذراعًا.\nوقيل: مختلفة الخلقة تشبه عدة من الحيوانات.\nوقيل: أخذ من قوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢] أنها إنسان تناظر أهل البدع والكفر ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينة.\n_________\n(^١) فتح الباري (١١/ ٣٥٤).\n(^٢) انظر: النهاية (١/ ٢١٨)، شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٥٨)، فتح الباري (١١/ ٣٥٣)، القناعة (ص ٦٣)، الإشاعة (ص ٢٥٥)، الإذاعة (ص ٢٠٨).\n(^٣) أخرجه الطيالسي (٢/ ٣٩٥) برقم (١١٦٥)، والطبراني في الكبير (٣/ ١٧٣) برقم (٣٥٣٥)، والحاكم (٤/ ٤٨٤) من طرق عن طلحة بن عمرو، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد - ﵁ - به.\nوالحديث بهذا الإسناد صححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بضعف طلحة بن عمرو.\nوقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٧): \"رواه الطبراني، وفيه طلحة بن عمرو، وهو متروك\".","vol":"1","page":525},{"text":"ومن الغريب ما قيل إنها تقتل إبليس\" (^١).\nالتقويم:\n\nخروج الدابة من أشراط الساعة الكبرى بدلالة الكتاب والسنة (^٢).\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ [النمل: ٨٢].\nوفي حديث حذيفة بن أسيد - ﵁ -: \"لا تقوم الساعة حتى ترون عشر آيات ... \" وذكر منها: \"الدابة\" (^٣).\nوالذي تدل عليه النصوص أن خروجها بعد طلوع الشمس من مغربها حين يغلق باب التوبة، فتخرج تميز المؤمن من الكافر (^٤).\nوأما مكان خروجها فقد اختلف فيه على أقوال ذكر ابن حجر بعضًا منها، وأشهرها مكة.\nواختلف القائلون بذلك في تعيينه منها:\nفقال بعضهم: تخرج من صدع في الصفا.\nوقال آخرون: تخرج من صدع بالمروة.\nوقيل: تخرج من شعب أجياد (^٥).\nوأما ما ذكره ابن حجر من كونها تخرج ثلاث خرجات فقد ورد في حديث حذيفة السابق، ولا يصح.\n_________\n(^١) القول المختصر (ص ٩٩ - ١٠١).\n(^٢) انظر: التذكرة (٢/ ٥٧٥)، النهاية (١/ ٢٠٨)، القناعة (ص ٥٣)، الإشاعة (ص ٢٤٨)، الإذاعة (ص ٢١٢)، إتحاف الجماعة (٣/ ١٧٥)، وللاستزادة: أشراط الساعة للوابل (ص ٤٠٣).\n(^٣) سبق تخريجه (ص ٥٠٠).\n(^٤) انظر: النهاية (١/ ٢١٤)، فتح الباري (١١/ ٣٦١)، الإشاعة (ص ٢٤٨)، لوامع الأنوار البهية (١/ ١٤٢)، الإذاعة (ص ٢٠٩).\n(^٥) انظر: التذكرة (٢/ ٥٧٨)، الإشاعة (ص ٢٦٥)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٤٤).","vol":"1","page":526},{"text":"والظاهر من النصوص - والله أعلم - أنها تخرج مرة واحدة من مكان واحد.\nوأما حقيقة هذه الدابة وأوصافها فقد اختلفت أقوال الناس فيها اختلافًا بينًا:\nفقال بعضهم: هي من جنس الإنسان، وادعى قوم أنها علي بن أبي طالب - ﵁ -، وادعى آخرون أنها إنسان متكلم يناظر أهل البدع والكفر ويجادلهم.\nوقال آخرون: هي من جنس الحيوان، واختلفوا في تعيينه، فقيل: هي فصيل ناقة صالح، وقيل: هي ثعبان كان بالكعبة، وقيل: هي الجساسة (^١).\nقال العلامة الآلوسي ﵀: \"المشهور - وهو الحق - أنها دابة ليست من نوع الإنسان\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرطبي (١٣/ ٢٣٥)، شرح صحيح مسلم (١٨/ ٢٨)، روح المعاني (١٠/ ٢٢).\n(^٢) روح المعاني (١٠/ ٢٢).","vol":"1","page":527},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>المبحث الثالث آراؤه في الحياة الآخرة</span>\nتحدث ابن حجر ﵀ عن الحياة الآخرة، وفصل في بعض مواقفها، وفيما يلي سياق آرائه في ذلك وتقويمها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>أولًا: البعث:</span>\nعرف ابن حجر ﵀ البعث بأنه: \"رجوع الأجسام كما كانت على وجه أكمل وأفضل\" (^١).\nوذكر اختلاف الناس في حقيقته فقال:\n\"المعاد للحشر جسماني ثم قيل: هو إيجاد أجزاء البدن بعد فنائها، وقيل: هي جمع متفرقها، والحق فناؤها إلا عجب الذنب.\nوقيل: جسماني وروحاني أي: جسم وروح تعاد إليه على أنها جوهر مجرد يتعلق بالبدن تعلق تدبير وتصرف من غير أن تحل فيه ولا تفنى بفنائه بل ترجع إليه على ما كانت من التجرد\" (^٢).\nوقال: \"اعلم أن أهل السنة أجمعوا على أن الأجساد تعاد كما كانت في الدنيا بأعيانها وألوانها وأعراضها وأوصافها\" (^٣).\nوبيّن ابن حجر أن البعث يشمل الحيوان والآدميين والجان، فقال:\n\"اختلفوا في إعادة الحيوان، والأصح إعادته لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير: ٥]، ولحديث الصحيحين في الاقتصاص\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ١٦٦)، وانظر: العمدة شرح البردة (ص ٤٥٠).\n(^٢) التعرف (ص ١٢١).\n(^٣) الفتاوى الحديثية (ص ١٧)، وانظر: الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٤٠٢).","vol":"1","page":528},{"text":"للحيوان بعضه من بعض (^١)، وقيل: لا يعاد شيء منها، وحشرت معناه ماتت، والاقتصاص كناية عن العدل وهو خلاف ظاهر الآية والحديث فمن ثم كان الأصح الأول (^٢).\nوأما الآدميون المكلفون منهم يعودون إجماعًا، وكذا الصغار العقلاء ... ومثلهم من بلغ مجنونًا، وَتَوَقُّفُ الباقلاني في الصغار وتَردُّدُ غيره في المجانين لا يُعَوّلُ عليه.\nوأما الجان ... فهم مكلفون قطْعًا، ومن ثم وعدوا بمغفرة الذنوب والإجارة من عذاب أليم في الآية التي في السؤال [يريد بها قوله سبحانه: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١]]، وتوعدوا بالعقاب ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٣٠] ولا ينذر بالإعادة إلا مكلف ... \" (^٣).\nالتقويم:\nالبعث في اللغة: هو الإثارة.\nيقول ابن فارس: \"الباء والعين والثاء أصل واحد، وهو الإثارة\" (^٤).\nوهو يختلف باختلاف ما علق به؛ ولهذا يطلق على معان عدة، منها:\n١ - الإرسال: يقال بعثه وابتعثه بمعنى أرسله.\n٢ - الإسراع: يقال انبعث في السير بمعنى أسرع.\n٣ - الإحياء: سواء بعد النوم كقولهم: بعثه من منامه إذا أيقظه، أو بعد\n_________\n(^١) يشير إلى حديث: \"لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء\".\nوالحديث أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم (٤/ ١٩٩٧) برقم (٢٥٨٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\nوعزو ابن حجر الحديث للصحيحين وهم منه، فلم أجده في البخاري بعد بحث.\n(^٢) انظر: أسنى المطالب (ص ١٧٣)، الزواجر (٢/ ٨٧)، غرر المواعظ (ص ٩١).\n(^٣) الفتاوى الحديثية (ص ١٦٧).\n(^٤) معجم مقاييس اللغة (ص ١٤٢).","vol":"1","page":529},{"text":"الموت كقولهم: بعثه من موته إذا أحياه (^١).\nوالمراد به في الشرع: إحياء الأموات، وخروجهم من قبورهم ونحوها؛ للجزاء يوم القيامة (^٢).\nوهو ثابت بالأدلة النقلية والعقلية، بأوجه متعددة، وطرق متنوعة، توجب القطع به، والإيمان بحصوله (^٣)، ولهذا \"أجمع أهل الملل عن آخرهم على جوازه ووقوعه\" (^٤)، ولم يشذ منهم إلا طوائف لا عبرة بها (^٥).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"معاد الأبدان متفق عليه عند المسلمين واليهود والنصارى\" (^٦).\nوقد اختلف أهل الكلام في بعض فروعه، وذكر ابن حجر في كلامه السابق بعضها، وهي: الاختلاف فيه هل هو جسماني أم روحاني، والاختلاف في كونه بعثًا من عدم أو تفريق، والاختلاف في المبعوث هل هو الجسم الأول بعينه أو غيره (^٧)؟\nوما قرره ابن حجر - عفا الله عنه - في هذه الفروع منه ما هو حق، ومنه ما هو باطل.\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة (١/ ٣٥٤)، الصحاح (١/ ٢٧٣)، لسان العرب (٢/ ١١٦)، القاموس المحيط (ص ٢١١).\n(^٢) انظر: فتح الباري (١١/ ٣٩٣) (٣/ ٤)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٥٧).\n(^٣) انظر: كتاب البعث لابن أبي داود، البعث والنشور للبيهقي، التذكرة (١/ ٢٧٧)، مجموع الفتاوى (٩/ ٢٢٤)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٨٩ - ٥٩٧)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٥٧).\n(^٤) المواقف (ص ٣٧٢).\n(^٥) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٤، ٢٦٢، ٣١٣ - ٣١٦)، شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٥٨٩)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٥٧ - ١٥٩).\n(^٦) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٤)، وانظر: اليوم الآخر بين اليهودية والمسيحية والإسلام د. فرج الله عبد الباري (ص ١٢٠).\n(^٧) انظر: الإرشاد (ص ٣١٣ - ٣١٥)، أصول الدين للبغدادي (ص ٢٢٩ - ٢٣٧)، الأربعين في أصول الدين للرازي (٢/ ٣٩ - ٧٤)، المواقف (ص ٣٧١ - ٣٧٦)، وشرحها للجرجاني (٨/ ٢٨٩)، شرح المقاصد (٥/ ٨٢ - ١٠٠)، تحفة المريد (ص ١٧٠ - ١٧٢).","vol":"1","page":530},{"text":"فأما قوله بأن البعث جسماني فقط فهو موافق لقول كثير من المتكلمين من الجهمية والمعتزلة.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"أهل الأرض في المعاد على أربعة أقوال:\nأحدها: وهو مذهب سلف المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين المشهورين وغيرهم من أهل السنة والحديث من الفقهاء والصوفية والنظار وهو إثبات معاد الأرواح والأبدان جميعًا ...\nوالقول الثاني: قول من يثبت معاد الأبدان فقط، كما يقول ذلك كثير من المتكلمين الجهمية والمعتزلة المبتدعين من هذه الأمة، وبعض المصنفين يحكي هذا القول عن جمهور متكلمي المسلمين أو جمهور المسلمين وذلك غلط؛ فإنه لم يقل ذلك أحد من أئمة المسلمين، ولا هو قول جمهور نظارهم، بل هو قول طائفة من متكلميهم المبتدعة، الذين ذمهم السلف والأئمة.\nوالقول الثالث: المعاد للنفس الناطقة بالموت فقط، وأن الأبدان لا تعاد، وهذا لم يقله أحد من أهل الملل، لا المسلمين، ولا اليهود، ولا النصارى، بل كل هؤلاء متفقون على إعادة الأبدان ...\nولكن من تفلسف من هؤلاء فوافق سلفه من الصابئة (^١) والفلاسفة المشركين على أن المعاد للروح وحده، فإنه يزعم أن الأنبياء خاطبوا الجمهور بمعاد الأبدان وإن لم يكن له حقيقة ... وحقيقة قولهم أن الأنبياء كذبوا للمصلحة، وهؤلاء ملاحدة كفار ...\n_________\n(^١) الصابئة: إحدى النحل القديمة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، وأصل تسميتها من قول العرب: \"صبأ يصبأ\" إذا خرج الرجل من دين إلى دين، وقيل: نسبة صابئ بن متوشلخ، وقيل: إلى صابئ بن لامك، وقد اختلف أهل العلم في حقيقة هذه النحلة على أقوال كثيرة جدًّا.\nانظر: الملل والنحل للشهرستاني (٢/ ٩ - ٥٨)، الرد على المنطقيين لابن تيمية (ص ٤٥٤ - ٤٥٦)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ١٤٣)، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (ص ٩٢ - ٩٤).","vol":"1","page":531},{"text":"والقول الرابع: إنكار المعادين جميعًا، كما هو قول أهل الكفر من العرب، واليونان، والهند، والترك وغيرهم ... \" (^١).\nوعليه فالحق أن البعث جسماني روحاني، وأن تعلق الروح بالجسد يوم البعث هو أكمل أنواع تعلقها؛ إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتًا ولا نومًا ولا فسادًا (^٢).\nوأما قوله بأن الحق فناء أجزاء البدن إلا عجب الذنب فهو قول مجمل يحتمل حقًّا وباطلًا.\nفإن أراد بفنائها استحالتها فهو حق.\nوإن أراد بفنائها عدمها فهو باطل.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض سياقه لمذاهب المتكلمين في هذه المسألة: \"اضطربوا في المعاد، فإن معرفة المعاد مبنيَّة على معرفة المبدأ، والبعث مبني على الخلق.\nفقال بعضهم: هو تفريق تلك الأجزاء، ثم جمعها وهي باقية بأعيانها.\nوقال بعضهم: بل يُعدمها ويُعدم الأعراض القائمة بها، ثم يعيدها، وإذا أعادها فإنه يعيد تلك الجواهر التي كانت باقية إلى أن حصلت في هذا الإنسان.\nفلهذا اضطربوا لما قيل لهم: فالإنسان إذا أكله حيوان آخر، فإن أعيدت تلك الجواهر من الأول نقصت من الثاني، وبالعكس ...\nوالمشهور أن الإنسان يبلى ويصير ترابًا كما خلق من تراب ... \" (^٣).\nوالقول باستحالة الأجساد بعد موتها ترابًا كما كانت إلا عجب الذنب هو ما عليه أهل السنة والجماعة (^٤)، ويشهد له حديث أبي هريرة - ﵁ - أن\n_________\n(^١) الجواب الصحيح (٦/ ٧ - ١١)، وانظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٣ - ٣١٥).\n(^٢) انظر: الروح (١/ ٢٦٤)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٧٩)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٨٢).\n(^٣) النبوات (١/ ٣١٥ - ٣١٦)، وانظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٢٤٦)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٩٧)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٦٠).\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٤ - ٣٥)، الفوائد (ص ١٥ - ١٦)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٩٨)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٦٠).","vol":"1","page":532},{"text":"رسول الله - ﷺ - قال: \"كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب (^١)، منه خلق وفيه يركب\" (^٢).\nويستثنى من هذا الأنبياء والشهداء (^٣).\nوأما قوله بأن المبعوث هو الجسم الأول بعينه لا غيره فهو موافق لمذهب أهل السنة والجماعة، ومن شاركهم من الأشاعرة ونحوهم.\nيقول العلامة القرطبي ﵀: \"وعند أهل السنة أن تلك الأجساد الدنياوية تعاد بأعيانها وأعراضها بلا خلاف بينهم\" (^٤).\nويدل عليه:\n١ - حديث أبي هريرة - ﵁ - المتقدم: \"كل ابين آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب، منه خلق وفيه يركب\".\n٢ - حديث أبي هريرة - ﵁ - وفيه: \"كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر عليّ ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحد، فلما مات فُعل به ذلك، فأمر الله الأرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيت، فغفر له\" (^٥).\n٣ - أن الإعادة التي ذكرها الله تعالى في كتابه ورسوله - ﷺ - في سنته هي الإعادة التي فهمها المسلمون والمشركون، وهي تقتضي إعادة المخلوق من المادة التي استحال منها بعد فنائه، ولو كان المراد بها\n_________\n(^١) عجب الذنب: هو العظم الذي في أسفل الصلب عند العجز، وهو العسيب من الدواب، انظر: النهاية (٣/ ١٨٤).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب يوم ينفخ في الصور (٣/ ١٥٨٠) برقم (٤٩٣٦)، ومسلم، كتاب الفتن، باب ما بين النفختين (٤/ ٢٢٧١) برقم (٢٩٥٥).\n(^٣) انظر: فتح الباري (٨/ ٥٥٢ - ٥٥٣).\n(^٤) التذكرة (١/ ٢٨٤).\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، باب حديث الغار (٢/ ١٠٨٢) برقم (١٠٨١) واللفظ له، وأخرجه مسلم في كتاب التوبة، باب سعة رحمة الله (٤/ ٢١٠٩) برقم (٢٧٥٦) بنحوه.","vol":"1","page":533},{"text":"إعادة جسم آخر، لم يكن هناك ما يدعو الكفار إلى التعجب منه وإنكاره، لأنهم يرون خلق البشر يومًا بعد يوم ماثلًا للعيان، ولما صح تسميته بعثًا بل يسمى حينئذ خلقًا جديدًا (^١).\nوأما ما ذكره ابن حجر من كون البعث عامًا في الإنس والجن فهو حق، ويشهد له عموم الأدلة الدالة على تكليفهم.\nوأما الحيوان فقد اختلف في بعثه على قولين حكاهما ابن حجر في كلامه السابق، والخلاف فيهم جار بين أهل السنة والجماعة، والراجح - والله أعلم - ما اختاره ابن حجر من بعثهم، وبعثهم للقصاص بينهم لا للحساب لعدم تكليفهم، ولهذا فإنهم يفنون بعد ذلك فلا يصيرون إلى جنة ولا نار (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>ثانيًا: الشفاعة:</span>\nعرف ابن حجر ﵀ الشفاعة بقوله: \"الشفاعة: هي السعي في إصلاح حال المشفوع فيه عند المشفوع إليه\" (^٣).\nوبيّن أن الشفاعة في الآخرة خمسة أنواع، منها ما هو خاص بالنبي - ﷺ - ومنها ما يشاركه فيه غيره، فقال: \"الشفاعة الأخروية خمسة أنواع كلها ثابتة لنبينا - ﷺ - وبعضها يختص به دون غيره، وفيما شورك فيه يكون هو - ﷺ - المقدم على غيره، فالشفاعات كلها راجعة إلى شفاعته وهو صاحب الشفاعة على الإطلاق ... إذ الذي في الأحاديث أنه - ﷺ - يكون في ذلك اليوم إمام النبيين وصاحب شفاعتهم فكل ما صح من شفاعتهم ينسب إليه بذلك، فلا يخرج شيء عن شفاعته لا من أنواع الشفاعة ولا من الأشخاص المشفوع لهم، من ملته ومن غير ملته؛ لأنه إذا كان صاحب شفاعة الأنبياء والكل\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٦، ١٧/ ٢٥٢ - ٢٥٣)، الفوائد (ص ١٥ - ١٦)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٩٨ - ٥٩٩)، روح المعاني (٢٣/ ٥٧ - ٦١).\n(^٢) انظر: تفسير ابن جرير (١٢/ ٤٥٩)، تفسير السمعاني (٦/ ١٦٥)، تفسير البغوي (٨/ ٣٤٦)، تفسير القرطبي (٦/ ٤٢١، ١٩/ ٢٢٩)، تفسير ابن كثير (٤/ ٥٠٣).\n(^٣) المنح المكية (٣/ ١٣٤٥)، وانظر: العمدة (ص ٢٣١).","vol":"1","page":534},{"text":"تحت لوائه فتقديمهم للشفاعة، وإجابة شفاعتهم إنما هو إجابة له - ﷺ - فكل شيء تقع شفاعة النبيين فيه هو داخل تحت شفاعة نبينا - ﷺ -، ومن شفع فيه من المؤمنين كذلك بطريق الأولى.\nفهو - ﷺ - شفيع الشفعاء لا تخرج شفاعة عن حيطة شفاعته، وإنما الشفعاء نوابه في الحقيقة، وقد تميز عن جميعهم بشفاعات ليظهر لا سيما في ذلك سؤدده الأعظم على الكل صلوات الله عليهم أجمعين\" (^١).\nوقد ذكر بعض شفاعاته - ﷺ - فقال: \"له - ﷺ - شفاعات غير العظمى:\nكالشفاعة لمن يدخل من أمته الجنة بغير حساب، وهذه كالعظمى من خصائصه - ﷺ -.\nولعصاة أدخلتهم ذنوبهم النار فيخرجون، وإنكار المعتزلة لهذه من ضلالاتهم، كيف وقد صحت الأحاديث الكثيرة بها من غير معارض لها؟\nولقوم استحقوا دخولها فلم يدخلوها، قال النووي: ويجوز أن يَشْرَكه في هذه الأنبياء والعلماء والأولياء.\nوفي قوم حبستهم الأوزار ليدخلوا الجنة.\nولبعض أهل الجنة في رفع درجاتهم فيعطى كل منهم ما يناسبه، قال: وهذه يجوز أن يَشْرَكه فيها من ذُكر أيضًا ...\nولفتح باب الجنة ...\nولقوم كفار سابق لهم خدمة له - ﷺ - في تخفيف عذابهم\" (^٢).\nالتقويم:\nالشفاعة لغة: خلاف الوتر.\nقال ابن فارس: \"الشين والفاء والعين، أصل صحيح يدل على مقارنة الشيئين، والشفع خلاف الوتر\" (^٣).\n_________\n(^١) الجوهر المنظم (ص ٥٩).\n(^٢) الدر المنضود (ص ١٦٩)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ١٧٢).\n(^٣) معجم مقاييس اللغة (ص ٥٣١).","vol":"1","page":535},{"text":"يقال: شفع يشفع شفاعة، فهو شافع وشفيع، والمشفِّع: الذي يَقْبَل الشفاعة، والمشفَّع: الذي تُقْبل شفاعته (^١).\nوالشفاعة في الاصطلاح: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة (^٢).\nوما ذكره ابن حجر في تعريفها بمعنى ما سبق؛ إذ إصلاح حال المشفوع فيه عند المشفوع إليه تارة يقع بجلب المصلحة له، وأخرى بدفع المفسدة عنه.\nوالشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.\nفأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nوقوله سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ [طه: ١٠٩].\nوقوله ﷿: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم: ٢٦].\nوأما السُّنَّة: فقد تواترت الأحاديث عن النبي - ﷺ - في إثبات الشفاعة (^٣).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"أحاديث الشفاعة كثيرة متواترة، منها في الصحيحين أحاديث متعددة، وفى السنن والمسانيد مما يكثر عدده\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة (٢/ ١٨٩٧)، الصحاح (٣/ ١٢٣٨)، لسان العرب (٨/ ١٨٣)، القاموس المحيط (ص ٩٤٧).\n(^٢) انظر: النهاية لابن الأثير (٢/ ٤٨٥)، لوائح الأنوار (٢/ ٢٤٦).\n(^٣) انظر: السنة لابن أبي عاصم (٢/ ٣٩٩)، شرح صحيح مسلم (٣/ ٣٥)، قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٢)، إثبات الشفاعة للذهبي (ص ٢٢)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٢٥٨)، فتح الباري (١١/ ٤٢٦)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٠٨)، وللاستزادة: الشفاعة للوادعي.\n(^٤) مجموع الفتاوى (١/ ٣١٤).","vol":"1","page":536},{"text":"وقد جمع الحافظ الذهبي ﵀ جزءًا في الأحاديث الواردة في إثبات الشفاعة (^١).\nوأما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات الشفاعة، وعدها من معاقد العقائد التي يجب الإيمان بها، والرد على من أنكرها (^٢).\nيقول أبو حاتم وأبو زرعة - رحمهما الله -: \"أدركنا العلماء في جميع الأمصار ... فكان من مذهبهم ... الشفاعة حق\" (^٣).\nوالشفاعة المثبتة هي الشفاعة التى استجمعت شروطها، وانتفت موانعها (^٤).\nيقول العلامة ابن القيم ﵀: \"الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله ... وهو لا يرضى من القول والعمل إلا التوحيد واتباع الرسول.\nفهذه ثلاثة أصول تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها\" (^٥).\nوالشفاعة قسمان:\nأحدها: الشفاعة العامة الثابتة للنبي - ﷺ - ولغيره كالملائكة والنبيين والمؤمنين.\nوثانيهما: الشفاعة الخاصة بالنبي - ﷺ -، والتي لا يشاركه فيها أحد.\nوالشفاعة بقسميها أنواع، اختلف أهل العلم في عدها تبعًا لاختلافهم في أدلتها من حيث الصحة والدلالة، وجملتها عندهم ثمانية أنواع، وقد أوردها ابن حجر في كلامه السابق.\n_________\n(^١) طبع بتحقيق إبراهيم باجس عبد المجيد بدار أضواء السلف.\n(^٢) انظر: شرح صحيح مسلم (٣/ ٣٥)، مجموع الفتاوى (١/ ١٤٨)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٠٨)، الدين الخالص لصديق حسن خان (٢/ ٢٢).\n(^٣) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٧٧).\n(^٤) انظر: الدرر السنية (٢/ ١٥٨)، مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (٢/ ٣/ ٦٥ - ٦٦) (٣/ ٩٤ - ٩٧) (٤/ ١٣٠ - ١٣٦)، تيسير العزيز الحميد (ص ٢٩٧)، فتح المجيد (٢/ ٣٥٥)، وللاستزادة: الشفاعة للدكتور ناصر الجديع (ص ٦٩ - ٨٢).\n(^٥) مدارج السالكين (١/ ٣٤١).","vol":"1","page":537},{"text":"وذِكْرُ أدلة هذه الأنواع، والكلام في ثبوتها ودلالتها مبسوط في مواضعه من كتب أهل العلم (^١).\nوقول ابن حجر - عفا الله عنه - بأن الشفاعة بقسميها وأنواعها راجعة إلى شفاعة الرسول - ﷺ - يحتمل حقًّا وباطلًا.\nفأما احتمال الحق فيه فهو ما عبر عنه بقوله: \"لأنه إذا كان صاحب شفاعة الأنبياء والكل تحت لوائه فتقديمهم للشفاعة وإجابة شفاعتهم إنما هو إجابة له - ﷺ - ... \".\nوأما احتمال الباطل فيه فهو ما عبر عنه بقوله: \"وإنما الشفعاء نوابه في الحقيقة\".\nفإن أراد به أنهم يشفعون بأمره وإذنه فهذا باطل؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وقوله ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨].\nوإن أراد به أنهم إنما يشفعون بعده وتبعًا له فهذا حق، كما دل عليه حديث الشفاعة الطويل (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>ثالثًا: الصراط:</span>\nيرى ابن حجر ﵀ وجوب الإيمان بالصراط، حيث يقول: \"ومما يجب الإيمان به ... الصراط\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٥٨٨)، الحجة في بيان المحجة (٩/ ٤٥٢ - ٥٦٤)، الدرة فيما يجب اعتقاده (ص ٢٩٤ - ٢٩٧)، الشفا (١/ ٢٨٩)، التذكرة (٢/ ٥٦ - ٧٨)، شرح صحيح مسلم (٣/ ٣٥ - ٣٦)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٧)، حاشية تهذيب السنن لابن القيم (٢/ ١٣٤)، النهاية لابن كثير (٢/ ٢٠٢ - ٢٠٩)، إثبات الشفاعة (ص ٢٠ - ٢٢)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٢٨٢)، فتح الباري (١١/ ٤٢٦ - ٤٢٨)، التوضيح عن توحيد الخلاق (ص ٣٥٢)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢١١)، وللاستزادة: الشفاعة للدكتور ناصر الجديع (ص ٣٨) وما بعدها.\n(^٢) سبق تخريجه (ص ٢٨٤).\n(^٣) التعرف (ص ١١٨ - ١٢١)، وانظر: العمدة شرح البردة (ص ٤٨٦).","vol":"1","page":538},{"text":"ويرى أيضًا أن المرور عليه خاص بالمؤمنين والمنافقين دون الكفار، فقد سئل بما صورته: هل يمر الكافر على الصراط؟ .\nفأجاب بقوله: \"في أحاديث ما يقتضي أنهم يمرون، وفي أحاديث ما يقتضي خلافه، وجمع بحمل الأول على المنافقين\" (^١).\nالتقويم:\nالصراط لغة: أصله السراط بالسين، انقلبت سينه مع الطاء صادًا لقرب مخرجها (^٢).\nيقول ابن فارس: \"الصاد والراء والطاء هو من باب الإبدال - وقد ذكر في السين - وهو الطريق\" (^٣).\nوالمراد به هنا: الجسر الممدود على جهنم ليعبر الناس عليه إلى الجنة (^٤).\nوهو ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع.\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ [مريم: ٧١].\n\"اختلف المفسرون (^٥) في المراد بالورود المذكور ... ما هو؟ والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط\" (^٦).\nوقال - ﷺ -: \"يُضرب الجسر بين ظهراني جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيزه ولا يتكلم في ذلك اليوم إلا الرسل، ودعوة الرسل يومئذ: اللهم سلم\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ٢٤٤).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة (٢/ ١٦٧٣)، الصحاح (٣/ ١١٣٩)، لسان العرب (٩/ ١٨٥)، القاموس المحيط (ص ٨٦٥).\n(^٣) معجم مقاييس اللغة (ص ٥٩٣).\n(^٤) انظر: شرح صحيح مسلم (١/ ٤٣٠)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٦)، شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٦٠٥)، فتح الباري (١١/ ٤٤٦)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٩٢).\n(^٥) انظر: تفسير ابن جرير (٨/ ٣٦٤)، تفسير السمعاني (٣/ ٣٠٦)، تفسير ابن أبي زمنين (٣/ ١٠٢)، تفسير البغوي (٥/ ٢٤٦)، تفسير ابن كثير (٣/ ١٤٦).\n(^٦) شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٦٠٦)، وانظر: شرح صحيح مسلم (١٦/ ٥٨)، مجموع الفتاوى (٤/ ٢٧٩)، درء التعارض (٧/ ٤٩ - ٥٠).","vol":"1","page":539},{"text":"سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله ﷿، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم المُوْبَق بعمله، ومنهم المجازي حين يُنَجّى ... \" (^١).\nوأجمع أهل السنة والجماعة على القول بمقتضى ذلك، وإثبات الصراط في الآخرة (^٢).\nوقد اختلف في الصراط هل يمر عليه جميع الخلق أم هو خاص بالمؤمنين والمنافقين دون المشركين، والراجح - والله أعلم - ما ذهب إليه ابن حجر من القول بالخصوصية.\nوقد بسط العلامة ابن رجب ﵀ أدلة ذلك بما لا مزيد عليه (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>رابعًا: الميزان:</span>\nعرف ابن حجر ﵀ الميزان، وبين شموله المؤمن والكافر، وعرض للخلاف في عدده، وذكر أنواع الوزن، ورد على المعتزلة المنكرين له، فقال:\n\"الميزان: هو مفعال من الوزن، قلبت واوه ياءً لانكسار ما قبلها كميعاد.\nوفي الآيات والأحاديث الشهيرة إثبات الميزان ذي الكفتين واللسان ووزن الأعمال بها بعد أن تُجَسَّم ... تحقيقًا لتمام العدل.\nوالكافر كالمؤمن في ذلك، ومعنى ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] أي: قدرًا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب الصراط جسر جهنم (٤/ ٢٠٥٥) برقم (٦٥٧٣)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (١/ ١٦٤) برقم (١٨٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٦)، شرح الطحاوية (٢/ ٦٠٥)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٩٢).\n(^٣) انظر: التخويف من النار (ص ١٨٦) وما بعدها.","vol":"1","page":540},{"text":"قيل: ولكل إنسان ميزان؛ لظاهر ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، والأصح أنه ليس إلا ميزان واحد، والجمع إما لتعظيم شأنها وتفخيمه ... أو باعتبار الموزونات، أو لكونه ذا أجزاء على حد شابت مفارقه مع أنه ليس للإنسان إلا مفرق واحد ...\nوالوزن أقسام:\nوزن الإيمان بجميع السيئات، والكفر بجميع الحسنات، ليخلد المؤمن في النعيم، والكافر في الجحيم.\nووزن الأعمال بالمثاقيل؛ لظهور مقادير الجزاء كما دل عليه آخر سورة: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ [الزلزلة: ١].\nووزن مظالم العباد؛ لما صح أنه يؤخذ للمظلوم من حسنات الظالم بقدر حقه فإن لم يكن له حسنات طرح عليه من سيئاته.\nوإنكار المعتزلة للميزان وحملها على مجازها من إقامة العدل في الحساب من تقولهم على الشريعة، وتصرفهم في نصوصها بصرفها عن ظواهرها بمجرد الحزر والتخمين ... \" (^١).\nالتقويم:\nالميزان لغة: أصله موزان فقلبت الواو ياءً لكسر ما قبلها فأصبحت ميزان.\nقال ابن فارس: \"الواو والزاي والنون بناء يدل على تعديل واستقامة، وَزَنْتُ الشيءَ وَزْنًا، والزِّنَة: قدرُ وزن الشيء\" (^٢).\nوالميزان: الآلة التي يوزن بها الأشياء (^٣).\nوالميزان شرعًا: هو ما يضعه الله يوم القيامة لوزن أعمال العباد، وهو\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ١٨٥)، وانظر: الإعلام بقواطع الإسلام ص (ص ٢٦٢)، الزواجر (٢/ ٣٧٤)، العمدة (ص ٤٩٢).\n(^٢) معجم مقاييس اللغة (ص ١٠٩٠).\n(^٣) انظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣٨٨٦)، الصحاح (٦/ ٢٢١٣)، لسان العرب (١٣/ ٤٤٦)، القاموس المحيط (ص ١٥٩٧).","vol":"1","page":541},{"text":"ميزان حقيقي له لسان وكفتان لا يعلم قدره إلا الله (^١).\nوهو ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع (^٢).\nقال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف: ٨ - ٩].\nوقال سبحانه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧].\nوقال ﷿: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣].\nوقال - ﷺ -: \"كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم\" (^٣).\nوقال - ﷺ -: \"الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان ... \" (^٤) الحديث.\nو\"أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان، ويميل بالأعمال\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٨٤).\n(^٢) انظر: أصول السنة لابن أبي زمنين (ص ١٦٥)، الشرح والإبانة (ص ٩٧، ٢٠٣)، الاقتصاد في الاعتقاد (١٨٠)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٦)، منهاج السلامة في ميزان القيامة لابن ناصر الدين الدمشقي (ص ٥٨)، تحرير المقال والبيان في الكلام على الميزان للسخاوي (ص ١٥٥ - ١٥٧)، تحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان لمرعي الكرمي (ص ٢٤)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٨٤).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح (٤/ ٢٠١١) برقم (٦٤٠٦)، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل التهليل والتسبيح (٤/ ٢٥٧٢) برقم (٢٦٩٤) من حديث أبي هريرة - ﷺ -، به.\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة باب فضل الوضوء (١/ ٢٥٣) برقم (٢٢٣) من حديث أبي مالك الأشعري - ﵁ - به.\n(^٥) فتح الباري (١٣/ ٥٣٨)، وانظر: أصول السنة لابن أبي زمنين (ص ١٦٥)، الشرح =","vol":"1","page":542},{"text":"قال الإمامان الجليلان أبو حاتم (^١) وأبو زرعة (^٢) الرازيان - رحمهما الله تعالى -: \"أدركنا العلماء في جميع الأمصار ... وكان من مذهبهم ... أن الميزان حق الذي له كفتان يوزن فيه أعمال العباد حسنها وسيئها\" (^٣).\nوقد اختلف في الوزن هل يشمل الكافر وأعماله أم لا، والخلاف جار في أقوال أهل السنة والجماعة (^٤).\nوالراجح - والله أعلم - عدم شموله له؛ لأنه ليس له من الأعمال الصالحة ما يوزن وإنما يجازى عليها في الدنيا، ولعموم الأدلة الدالة على بطلان عمله وعدم وزنه كقوله تعالى:\n﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، وقوله سبحانه: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]، وقوله ﷿: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"أما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ فإنه لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم، فتحصى، فيقفون عليها، ويقررون بها، ويجزون بها\" (^٥).\n_________\n= والإبانة (ص ٢٠٣)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٧٧)، منهاج السلامة (ص ١٣٠).\n(^١) هو محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أبو حاتم الرازي، محدث حافظ، من أئمة السلف وأعلامهم، توفي سنة ٢٧٧ هـ، انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٩٢)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٥٦٧).\n(^٢) هو عبيد الله بن عبد الكريم القرشي مولاهم الرازي، محدث حافظ، من أئمة السلف، من مؤلفاته: الضعفاء والمتروكون، توفي سنة ٢٦٤ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٦٥)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٥٥٧).\n(^٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٧٧).\n(^٤) انظر: شعب الإيمان (٢/ ٥٧)، التذكرة (٢/ ١٠)، الفصل (٣/ ٦٥)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٦)، النهاية (٢/ ٣٦ - ٣٧)، فتح الباري (١٣/ ٥٣٨)، تحرير المقال (ص ١٦٧ - ١٧٠)، البدور السافرة (ص ٢٤١)، تحقيق البرهان (ص ٣٤ - ٣٦)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٨٥)، لوائح الأنوار (٢/ ٢٠٣).\n(^٥) مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٦).","vol":"1","page":543},{"text":"وعليه فقول ابن حجر بشمول الوزن للكافر وأعماله خلاف الراجح من أقوال أهل العلم، وجوابه عن الآية بما ذكر مبني على قول من قال بشمول الوزن للكافر وأعماله والراجح خلافه كما سبق.\nواختلف أيضًا في الميزان هل هو واحد أم متعدد، والخلاف في ذلك أيضًا جارٍ في أقوال أهل السنة والجماعة.\nوالراجح - والله أعلم - ما قرره ابن حجر من أن الميزان ميزان واحد، وهو قول أكثر أهل العلم (^١).\nيقول الحافظ ابن كثير ﵀: \"الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه\" (^٢).\nوقول ابن حجر إن الوزن على أقسام ثلاثة يشهد له الأدلة الواردة في الوزن والموزونات، وقد ساق ابن حجر للأول والثاني ما يدل عليها، وترك الاستدلال للثالث، وهو وزن الإيمان بجميع السيئات والكفر بجميع الحسنات.\nفأما وزن الإيمان بجميع السيئات فيشهد له حديث البطاقة، وفيه: \"يصاح برجل من أمتي على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلًا، كل سجل منها مد البصر، ثم يقول الله ﷿: أتنكر من هذا شيئًا، فيقول: لا يا رب، فيقول ﷿ ألك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا يا رب، فيقول ﷿: إن لك عندنا حسنات وإنه لا ظلم عليك، فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله؛ فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول ﷿: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: التذكرة (٢/ ٢٥)، النهاية (٢/ ٢٢)، تفسير ابن كثير (٣/ ٢٠٠)، شرح الطحاوية (٢/ ٦٠٩)، تحرير المقال (ص ١٥٨)، تحقيق البرهان (ص ٣١ - ٣٢)، روح المعاني (٨/ ٨٤)، لوامع الأنوار (٢/ ١٨٦)، لوائح الأنوار (٢/ ١٩٦).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٢٠٠).\n(^٣) أخرجه الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء فيمن يموت وهو شهيد (٥/ ٢٤) =","vol":"1","page":544},{"text":"وأما وزن الكفر بجميع الحسنات فهو على قول من يقول بشمول الوزن للكافر وأعماله، وقد سبق أن الراجح خلافه.\nوقول ابن حجر بأن من الوزن وزن الإيمان مخالف لقول بعض أصحابه الأشاعرة في استثناء الإيمان من الوزن (^١)؛ وذلك بناء على قولهم بأن الإيمان مجرد التصديق بالقلب، وأن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان - كما سيأتي - (^٢).\nوقد حكى العلامة السفاريني قولهم هذا وعقب عليه بقوله: \"وفيه نظر لا يخفى\" (^٣).\nوأما ما ذكره ابن حجر عن المعتزلة من إنكار الميزان فيحتاج إلى تقييده ببعضهم؛ إذ إنكاره ليس مجمعًا عليه بينهم.\nيقول القاضي عبد الجبار (^٤): \"أما وضع الموازين فقد صرح الله تعالى به في محكم كتابه، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢] إلى غير ذلك من الآيات التي تتضمن هذا المعنى.\n_________\n= برقم (٢٦٣٩)، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله (٢/ ١٤٣٧) برقم (٤٣٠٠)، وأحمد (١١/ ٥٧١) برقم (٦٩٩٤)، وعبد بن حميد في المنتخب (١/ ٣٠٢) برقم (٣٣٩)، وابن حبان (١/ ٤٦١) برقم (٢٢٥)، والبغوي في شرح السنة (١٥/ ١٣٣ - ١٣٤) برقم (٤٣٢١)، والحاكم في المستدرك (١/ ٦، ٥٢٩) من طرق عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - به.\nقال الترمذي: \"حديث حسن غريب\".\nوقال الحاكم: \"صحيح الإسناد على شرط مسلم\"، ووافقه الذهبي.\nوصححه الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه على المسند (١١/ ١٩٧)، والشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٢١٢).\n(^١) انظر: الحاوي (٢/ ١٩٧)، تحقيق البرهان (ص ٣٨).\n(^٢) انظر: (ص ٦٦٠).\n(^٣) لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٨٨).\n(^٤) هو عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني الشافعي، من كبار المعتزلة، له مصنفات كثيرة منها؛ المغني في أبواب العدل والتوحيد، الأصول الخمسة، متشابه القرآن، توفي سنة ٤١٥ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٤٤)، شذرات الذهب (٣/ ٢٠٢).","vol":"1","page":545},{"text":"ولم يرد الله وتعالى بالميزان إلا المعقول منه المتعارف عليه فيما بيننا، دون العدل وغيره علىِ ما يقوله بعض الناس؛ لأن الميزان وإن ورد بمعنى العدل في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: ٢٥] فدل ذلك على طريق التوسع والمجاز، وكلام الله تعالى مهما أمكن حمله على الحقيقة لا يجوز أن يعدل به عنه إلى المجاز، يبين ذلك ويوضحه أنه لو كان الميزان إنما هو العدل، لكان لا يثبت للثقل والخفة فيه معنى، فدل على أن المراد به الميزان المعروف الذي يشتمل على ما تشتمل عليه الموازين فيما بيننا\" (^١).\nوكلام القاضي عبد الجبار كافٍ في إثبات كون القول بإنكار الميزان ليس قولًا لجميع المعتزلة، وفي الرد على من أنكره منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>خامسًا: الرؤية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>١ - رؤية الله تعالى في الدنيا:</span>\nسئل ابن حجر ﵀ عن رؤية الله تعالى في الدنيا، فأجاب بقوله: \"الكلام هنا في مقامين:\nالأول: في إمكانها عقلًا:\nالذي عليه أهل السنة أنها ممكنة عقلًا وشرعًا في الدنيا، واستدلوا لذلك بأمور عقلية وأمور نقلية، لكن أدلتهم العقلية لا تخلو من دَخَل وخفاء، فالمعول عليه في إمكانها إنما هو الأدلة النقلية.\nفمنها أن موسى - صلى الله على نبينا وعليه وسلم - قد سألها بقوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].\nفلو لم تكن الرؤية ممكنة جائزة الوقوع في الخارج لكان طلب موسى لها جهلًا منه بما يجوز على الله وما لا يجوز، أو سفهًا أو عبثًا أو طلبًا للمحال، والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين منزهون عن كلٍّ فردًا فردًا من ذلك إجماعًا، بل من جوّز واحدًا من هذه على واحد منهم فهو كافر مهراق الدم.\n_________\n(^١) شرح الأصول الخمسة (ص ٧٣٥).","vol":"1","page":546},{"text":"وأيضًا فالله تعالى قد علق الرؤية باستقرار الجبل وهو أمر ممكن في نفسه، فوجب كون المعلق به كذلك؛ إذ المحال لا يعلق بممكن أصلًا.\nوأوَّلَ المعتزلة الآية بتأويلات تخالف ظاهرها حتى يخرجوها عنه إلى ما يوافق اعتقادهم الفاسد، أنها من قسم المحال العقلي الذي لا يمكن وقوعه في الدنيا كالآخرة، ومحل بسطها وردها كتب التفسير والأصول.\nالثاني: في وقوعها:\n... الرؤية وإن كانت ممكنة عقلًا وشرعًا عند أهل السنة لكنها لم تقع في هذه الدار لغير نبينا - ﷺ -، وكذا له على قول عليه بعض الصحابة - ﵃ - لكن جمهور أهل السنة على وقوعها له - ﷺ - ليلة المعراج بالعين ... \" (^١).\nالتقويم:\nرؤية الله ﷿ في الدنيا جائزة في الشرع والعقل، غير واقعة بإجماع أهل السنة والجماعة (^٢)، سوى رؤية النبي - ﷺ - له ليلة المعراج - كما سيأتي -.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"أئمة السنة والجماعة متفقون على أن الله لا يراه أحد بعينه في الدنيا، ولم يتنازعوا إلا في نبينا محمد - ﷺ - خاصة\" (^٣).\nوالأدلة على ذلك متضافرة نقلًا وعقلًا.\nفمن الأدلة النقلية:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (١٩٩ - ٢٠٠)، وانظر: (ص ٢٨٨)، فتح المبين (ص ٨١)، المنح المكية (١/ ٤٢٣)، التعرف (ص ١١٠).\n(^٢) انظر: الرد على الجهمية للدارمي (ص ١٥٠)، شرح السنة للبربهاري (ص ٧٦)، مجموع الفتاوى (٣/ ٣٩٠، ٥/ ٤٩٠، ٦/ ٥١٠، ٥١٢)، مدارج السالكين (٣/ ٢٢٩)، حادي الأرواح (ص ٣٢٠)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٢٢٢).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٥/ ٤٩٠).","vol":"1","page":547},{"text":"تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾ [الأعراف: ١٤٣].\nوالاستدلال بها من وجوه، منها:\nأ - أنه لا يظن بكليم الله ورسوله، وأعلم الناس به في وقته أن يَسأل ما لا يجوز عليه، بل هو من أعظم المحال.\nب - أن الله تعالى لم ينكر عليه سؤاله، ولما سأل نوح ﵇ ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله، وقال: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦].\nجـ - أنه تعالى قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ولم يقل: إني لا أُرى، أو لا تجوز رؤيتي، أو لست بمرئي، والفرق بين الجوابين ظاهر.\nد - أن الله تعالى قادر على أن يجعل الجبل مستقرًا، وذلك ممكن، وقد علّق به الرؤية، ولا يجوز تعليق المحال بممكن (^١).\n٢ - قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٣].\nووجه الاستدلال بها:\nأن النفي الوارد في الآية المراد به أبصار أهل الدنيا على أحد القولين في الآية (^٢).\nيقول الإمام أحمد ﵀ في تفسيرها: \"يعني في الدنيا دون الآخرة؛ وذلك أن اليهود قالوا لموسى: أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فماتوا وعوقبوا بقولهم أرنا الله جهرة، وقد سأل مشركو قريش النبي - ﷺ - فقالوا: أو تأتي بالله والملائكة قبيلًا، فلما سألوا النبي - ﷺ - هذه المسألة قال الله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ١٠٨] حين قالوا: أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة، فأنزل الله سبحانه يخبر أنه لا تدركه الأبصار أي: أنه لا يراه أحد في الدنيا دون الآخرة، فقال: لا تدركه\n_________\n(^١) انظر: حادي الأرواح (ص ٢٦٧ - ٢٦٩)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٢١٣).\n(^٢) انظر: تفسير ابن جرير (٥/ ٢٩٦)، تفسير ابن أبي زمنين (٢/ ٨٩)، تفسير السمعاني (٢/ ١٣٣)، تفسير البغوي (٣/ ١٧٤)، تفسير ابن كثير (٢/ ١٨٠).","vol":"1","page":548},{"text":"الأبصار يعني في الدنيا\" (^١).\n٣ - قوله - ﷺ -: \"تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه ﷿ حتى يموت\" (^٢).\nوجه الاستدلال به:\nأن الحديث صريح في نفي رؤية الله تعالى في الدنيا، وقد خاطب به رسول الله - ﷺ - أصحابه، فإذا كانت الرؤية الدنيوية منتفية في حقهم فغيرهم من باب أولى (^٣).\nوأما الأدلة العقلية:\n\"فمعلوم أن الرؤية تعلق بالموجود دون المعدوم ... وإذا كان كذلك فقد عُلِمَ أن الله تعالى هو أحق بالوجود وكماله من كل موجود؛ إذ وجوده هو الوجود الواجب، ووجود كل ما سواه هو من وجوده؛ وله الكمال التام في جميع الأمور الوجودية المحضة فإنها هي الصفات التي بها يكون كمال الوجود.\nوحينئذ فيكون الله - وله المثل الأعلى - أحق بأن تجوز رؤيته لكمال وجوده، ولكن لم نره في الدنيا لعجزنا عن ذلك وضعفنا كما لا نستطيع التحديق في شعاع الشمس، بل كما لا تطيق الخفاش أن تراها، لا لامتناع رؤيتها، بل لضعف بصره وعجزه ... \" (^٤).\nوقول ابن حجر بأن الأدلة العقلية لا تخلو من دخل وخفاء وأن المعول عليه في إمكانها الأدلة النقلية موافق لقول جماعة من أصحابه الأشاعرة (^٥)؛ ولعل ذلك راجع إلى ضعف ما ذكروه منها وكون ما استدل به السلف لا يتأتى على أصولهم.\n_________\n(^١) الرد على الجهمية والزنادقة (ص ٩٥)، وانظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٥٥٧ - ٥٥٨)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٥١٣).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الفتن، باب ذكر ابن صياد (٤/ ٢٢٤٥) برقم (٢٩٣١) من حديث بعض أصحاب النبي - ﷺ - به.\n(^٣) انظر: فتح الباري (١٣/ ٩٦).\n(^٤) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٣٥٧ - ٣٥٨)، وانظر: مجموع الفتاوى (٦/ ١٣٦).\n(^٥) انظر: نهاية الإقدام (ص ٣٦٩)، غاية المرام (ص ١٦٠ - ١٦١)، شرح المواقف للجرجاني (٨/ ١٢٨).","vol":"1","page":549},{"text":"وما ذكره ابن حجر في الرد على المعتزلة وتمحلاتهم في تأويل أدلة الرؤية (^١) موافق لما قرره أهل السنة والجماعة (¬<span data-type=\"title\" id=toc-214>٢).\n\n٢ - رؤية النبي - ﷺ - لله ﷿ ليلة المعراج:</span>\nذكر ابن حجر ﵀ اختلاف أهل العلم في رؤية النبي - ﷺ - لله ﷿ ليلة المعراج، ورجح رؤيته له بعيني رأسه، حيث قال:\n\"اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في أن نبينا - ﷺ - رأى ربه في هذا المقام الذي وصل إليه دون غيره من الخلق بعين رأسه أو بعين قلبه فقط؟\nوالذي صح عن ابن عباس في رواية: أنه رآه ببصره، وفي أخرى: أنه رآه بقلبه ولا تخالف؛ لأنه صح عنه كما رواه الطبراني بإسناد رجاله رجال الصحيح إلا واحدًا، فوثقه ابن حبان: \"أنه رآه مرتين: واحدة بالعين، وواحدة بالقلب\" ... ورواية ابن مردويه عنه: \"لم يره بعينه\" لم تصح (^٣)، وبتسليمها فالإثبات مقدم على النفي.\n_________\n(^١) انظر: شرح الأصول الخمسة (ص ٢٦٢ - ٢٦٥)، متشابه القرآن (ص ٢٩٦ - ٢٩٨)، الكشاف (٢/ ١١٣ - ١١٤).\n(^٢) انظر: بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤٢٣)، حادي الأرواح (ص ٣٧٤)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٢٠٠).\n(^٣) اختلفت الرواية عن ابن عباس - ﵄ - وتعددت أقواله في المسألة وقد استوعبها الحافظ ابن حجر في الغنية في مسألة الرؤية وساقها معزوة إلى أصحابها.\nوالرواية التي ذكرها ابن حجر هنا أخرجها الطبراني في الكبير (١٢/ ٩٠) برقم (١٢٥٦٤) من طريق جمهور بن منصور، عن إسماعيل بن مجالد، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس - ﵄ - بها.\nقال الهيثمي في المجمع (١/ ٧٩): \"رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، خلا جمهور بن منصور الكوفي، وجمهور بن منصور ذكره ابن حبان في الثقات\".\nوكلامه متعقب بضعف مجالد واختلاطه، قال الحافظ في التقريب (ص ٩٢٠) برقم (٦٥٢٠): \"مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني أبو عمر الكوفي، ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره، مات سنة ١٤٤ هـ\".\nورواية ابن مردويه التي ذكرها ابن حجر وأعلّها، أخرجها الدارقطني في الرؤية (ص ٣٥٤) برقم (٢٨٠) من طريق محمد بن مخلد، عن محمد بن هارون الأنصاري، عن معمر بن سهل، عن عمر بن مدرك، عن العرزمي، عن عطاء، عن ابن عباس - ﵄ - بها. =","vol":"1","page":550},{"text":"وجاء عن أنس بإسناد قوي: \"رأى محمد ربه\" (^١) وإطلاق الرؤية إنما ينصرف لرؤية العين.\nوكان الحسن البصري يحلف أنه رأى ربه (^٢).\nوبذلك قال عروة (^٣)، وسائر أصحاب ابن عباس، وجزم به كعب الأحبار (^٤)، والزهري (^٥)، ومعمر (^٦) وآخرون، وهو قول الأشعري وغالب أتباعه.\nوأنكرت عائشة وابن مسعود الرؤية ...\n_________\n= وإسنادها ضعيف جدًّا، فيه عمر بن مدرك أبو حفص القاص الرازي، كذبه ابن معين.\nانظر: ترجمته في تاريخ بغداد (١١/ ٢١١ - ٢١٣)، والميزان (٣/ ٢٢٣).\n(^١) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٨٨) برقم (٤٣٢)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٤٨٧) برقم (٢٨٠) من طريق أبي بحر البكرواي، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس - ﵁ - به.\nوفيه أبو بحر البكرواي، قال في التقريب (ص ٥٩٠) برقم (٣٩٦٨): \"هو عبد الرحمن بن عثمان بن أمية بن عثمان بن أبي بكرة الثقفي، أبو بحر البكرواي، ضعيف مات سنة ١٩٥ هـ\".\nوأعله به الألباني في تخريج السنة.\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٤٨٨) برقم (٢٨١) من طريق إسماعيل بن خزيمة، عن عبد الرزاق، عن المعتمر بن سليمان، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن، به.\nورجال إسناده ثقات غير إسماعيل بن خزيمة فلم أجد له ترجمة، والمبارك بن فضالة صدوق.\n(^٣) هو عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، ولد في أوائل خلافة عثمان - ﵁ - وتوفي سنة ٩٤ هـ على الصحيح.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٢١)، شذرات الذهب (١/ ١٠٣).\n(^٤) هو كعب بن ماتع الحميري، أبو إسحاق، ثقة، مخضرم، مات في آخر خلافة عثمان - ﵁ -.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٣/ ٤٨٩)، شذرات الذهب (١/ ٤٠).\n(^٥) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، أبو بكر، فقيه حافظ متفق على جلالته وإتقانه، توفي سنة ١٢٥ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٢٦)، شذرات الذهب (١/ ١٦٢).\n(^٦) هو معمر بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري، ثفة ثبت فاضل، توفي سنة ١٥٤ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٧/ ٥)، شذرات الذهب (١/ ٢٣٥).","vol":"1","page":551},{"text":"وسئل أحمد عن قول عائشة: \"من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية\"، فقال: يدفع قولها بقول النبي - ﷺ -: \"رأيت ربي\" (^١)، وقول النبي - ﷺ - \"أكبر\" (^٢).\nوقال في سياق ذكر معتقده في الرؤية: \"وتجوز رؤيته في الدنيا، لكن لم تقع يقظة إلا لنبينا - ﷺ - بعيني رأسه ليلة المعراج التي أسرى فيها بجسمه الشريف يقظة\" (^٣).\nالتقويم:\nاختلفت أقوال السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم في رؤية النبي - ﷺ - لربه ليلة المعراج، وهي في مجملها على ثلاثة أضرب:\nالأول: أقوال تثبت الرؤية مطلقًا.\nالثاني: أقوال تنفي الرؤية مطلقًا.\nالثالث: أقوال تقيد الرؤية بالرؤية القلبية لا البصرية.\nومن ثم اختلف أهل العلم بعدهم في تحرير أقوالهم على مذهبين:\nالمذهب الأول: من يرى أن الاختلاف بين أقوالهم اختلاف تضاد لا تنوع يوجب الترجيح بينها لا الجمع، واختلف القائلون بذلك في القول الراجح منها ووجهه.\nوالمذهب الثاني: من يرى أن الاختلاف بين أقوالهم اختلاف تنوع لا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ٣٥٠) برقم (٢٥٨٠)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٩١) برقم (٤٤٠)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٢/ ٤٨٤) برقم (١١١٦)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٥١٢) برقم (٨٩٧)، والدارقطني في الرؤية (ص ٣٤٥) برقم (٢٦٤) من طرق عن أسود بن عامر، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -، به.\nقال الهيثمي في المجمع (١/ ٧٨): \"رجاله رجال الصحيح\".\nوالحديث صححه الألباني في تحقيقه للسنة لابن أبي عاصم.\n(^٢) المنح المكية (١/ ٤٢٢ - ٤٢٤).\n(^٣) التعرف (١/ ١١٠)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ٢٠٠، ٢٨٨).","vol":"1","page":552},{"text":"تضاد يوجب الجمع لا الترجيح (^١).\nوالمذهب الثاني هو الصحيح -والله أعلم- واختاره جمع من المحققين منهم شيخ الاسلام ابن تيمية (^٢)، وتلميذه ابن القيم (^٣)، وابن كثير (^٤)، وابن أبي العز (^٥)، والسفاريني (^٦)، والشنقيطي (^٧)، وغيرهم.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وأما الرؤية فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: \"رأى محمد ربه بفؤاده مرتين\"، وعائشة أنكرت الرؤية.\nفمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد، والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هي مطلقة، أو مقيدة بالفؤاد، تارة يقول: \"رأى محمد ربه\"، وتارة يقول: \"رآه محمد\" ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح أنه رآه بعينه ...\nوليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل:\nكما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله -ﷺ- هل\n_________\n(^١) انظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٤٧٧ - ٥٦٣)، الرؤية للدارقطني (ص ٣٠٨ - ٣٦١)، شرح اعتقاد أهل السنة (٢/ ٥١٣ - ٥٢٣)، الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٥٢)، شرح السنة للبغوي (١٢/ ٢٢٨)، مجموع الفتاوى (٢/ ٣٣٥، ٣/ ٣٨٦، ٦/ ٥٠٩)، زاد المعاد (٣/ ٣٧)، تفسير ابن كثير (٤/ ٢٦٣)، العلو للذهبي (١/ ٧٦٥ - ٧٧٤)، شرح الطحاوية (١/ ٢٢٢ - ٢٢٥)، فتح الباري (٨/ ٦٠٨)، ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري لأبي شامة (ص ١٨٠)، أقاويل الثقات للكرمي (ص ١٩٦ - ١٩٧)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٥٠ - ٢٥٦)، أضواء البيان (٣/ ٣٦٣)، وللاستزادة: الغنية في مسألة الرؤية، رؤية النبي -ﷺ- لربه للتميمي، رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها للحمد (ص ١٣٨).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٥٠٩ - ٥١٠).\n(^٣) انظر: زاد المعاد (٣/ ٣٧ - ٣٨).\n(^٤) انظر: تفسيره (٤/ ٢٦٣).\n(^٥) انظر: شرح الطحاوية (١/ ٢٢٢، ٢٧٥).\n(^٦) انظر: لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٥٤ - ٢٥٥).\n(^٧) انظر: أضواء البيان (٣/ ٣٩٩).","vol":"1","page":553},{"text":"رأيت ربك؟ فقال: \"نور أنى أراه\" (^١).\nوقد قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: ١]، ولو كان قد رآه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.\nوكذا قوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢)﴾ [النجم: ١٢]، ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨]، ولو كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.\nوفي الصحيحين عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قال: \"هي رؤيا عين أريها رسول الله -ﷺ- ليلة أسري به\" (^٢) وهذه رؤيا الآيات؛ لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم، حيث صدقه قوم وكذبه قوم، ولم يخبرهم أنه رأى ربه بعينه، وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه\" (^٣).\nوأما ما قرره ابن حجر من القول بالرؤية البصرية فهو قول مرجوح، واستدلاله بما ذكر لا يُسلَّم له، وبيان ذلك فيما يلي:\nأ- أما ما ذكره عن ابن عباس -﵄- فالجواب عنه:\nأن الروايات عن ابن عباس متعددة، ورواتها اختلفوا عليه فيها، والثابت عنه إطلاق الرؤية أو تقييدها بالفؤاد، وما عداهما ضعيف لا يثبت (^٤).\nيقول الحافظ ابن كثير ﵀: \"قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب في قوله ﵇: \"نور أنا أراه\" (١/ ١٦١) برقم (٢٩١).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (٣/ ١٤٦١) برقم (٤٧١٦).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٠٩ - ٥١٠).\n(^٤) انظر: سياق الروايات عنه وتخريجها في مجموع الفتاوى (٦/ ٥٠٩)، زاد المعاد (٣/ ٣٧)، تفسير ابن كثير (٤/ ٢٦٣)، الغنية في مسألة الرؤية (ص ٣١).","vol":"1","page":554},{"text":"مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١) وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾ [فاطر: ١١ - ١٢] ...\nقال ابن عباس: رآه بفؤاده مرتين ... وفي رواية عنه أنه أطلق الرؤية وهي محمولة على المقيدة بالفؤاد.\nومن روى عنه بالبصر فقد أغرب، فإنه لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة -﵃-\" (^١).\nب- وأما ما ذكره عن أنس، وكعب الأحبار، والحسن البصري، وعروة، ومعمر، والزهري من القول بالرؤية البصرية، فالجواب عنه:\nأن أقوال هؤلاء لا تدل على الرؤية البصرية، بل على مطلق الرؤية (^٢).\nولهذا يقول الحافظ ابن كثير ﵀: \"لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة -﵃-[يعني: الرؤية البصرية].\nوقول البغوي في تفسيره (^٣): ذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه، وهو قول أنس والحسن وعكرمة، فيه نظر، والله أعلم\" (^٤).\nوأما قول ابن حجر بأن إطلاق الرؤية ينصرف لرؤية العين فهو متعقب بأن (الرؤية) لفظ مشترك يحدده سياق الكلام وقرائنه.\nجـ- وأما ما ذكره عن الإمام أحمد ﵀ من إنكاره قول عائشة -﵂-، فالجواب عنه:\nأن المروي عن أحمد إطلاق الرؤية أو تقييدها برؤية الفؤاد دون الرؤية\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٦٣).\n(^٢) انظر: سياق أقوالهم وتخريجها في الرؤية للدارقطني (ص ٣٠٨ - ٣٦١)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٥١٢ - ٥٢٣)، كتاب التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٤٧٧ - ٥٦٣)، الغنية في مسألة الرؤية.\n(^٣) (٧/ ٤٠٣).\n(^٤) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٦٣).","vol":"1","page":555},{"text":"البصرية، ومن حكى عنه القول بالرؤية البصرية فقد وهم عليه (^١).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"لم يقل أحمد -رحمه الله تعالى- إنه رآه بعيني رأسه يقظة، ومن حكى عنه ذلك فقد وهم عليه، ولكن قال مرة رآه، ومرة قال: رآه بفؤاده، فحكيت عنه روايتان، وحكيت عنه الثالثة من تصرف بعض أصحابه أنه رآه بعيني رأسه، وهذه نصوص أحمد موجودة ليس فيها ذلك\" (^٢).\nوأما إنكاره قول عائشة -﵂- فالجواب عنه ما ذكره العلامة ابن القيم ﵀ حيث قال: \"في رد الإمام أحمد قول عائشة ومعارضته بقول النبي -ﷺ- إشعار بأنه أثبت الرؤية التي أنكرتها عائشة ... وهذا يدل على أحد أمرين:\nإما أن يكون الإمام أحمد أنكر قول من أطلق نفي الرؤية؛ إذ هو مخالفة للحديث.\nوإما أن يكون رواية عنه بإثبات الرؤية، وقد صرح بأنه رآه رؤيا حلم بقلبه، وهذا تقييد منه للرؤية، وأُطلق عنه بأنه رآه، وأنكر قول من نفى مطلق الرؤية واستحسن قول من قال رآه ولا يقول بعينه ولا بقلبه.\nوهذه النصوص عنه متفقة لا مختلفة، وكيف يقول أحمد بعيني رأسه يقظة ولم يجد في حديث قط، فأحمد إنما اتبع ألفاظ الحديث كما جاءت، وإنكاره قول من قال: لم يره أصلًا لا يدل على إثبات رؤية اليقظة بعينه، والله أعلم\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-215>٣).\n\n٣ - رؤية الله تعالى في الموقف:</span>\nسئل ابن حجر ﵀ عن رؤية الله تعالى في الموقف هل هي خاصة بالمؤمنين أم تشمل المنافقين والكافرين؟ .\n_________\n(^١) حكى القاضي أبو يعلى في الروايتين والوجهين (ص ٦٠ - ٦٨)، وإبطال التأويلات (١/ ١١١ - ١١٤) عن الإمام أحمد ثلاث روايات، الرؤبة البصرية إحداها.\nوانظر: المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد للأحمدي (٢/ ١٤٥).\n(^٢) نقله عنه تلميذه ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٣٧)، وانظر: قريبًا منه مجموع الفتاوى (٦/ ٥٠٩ - ٥١٠).\n(^٣) التبيان في أقسام القرآن (ص ٢٦٠ - ٢٦١).","vol":"1","page":556},{"text":"فأجاب بقوله: \"قال جمع من أهل السنة إنها تحصل للمنافقين في الموقف، وجمع إنها تحصل للكافرين\" (^١).\nالتقويم:\nرؤية الله تعالى في الموقف \"تنازع الناس فيها ... بعد ثلاثمائة سنة من الهجرة، وأمسك عن الكلام في هذا قوم، وتكلم فيها آخرون، فاختلفوا على ثلاثة أقوال: \" (^٢).\n\"أحدها: أن الكفار لا يرون ربهم بحال، لا المظهر للكفر، ولا المسر له.\nوهذا قول أكثر العلماء المتأخرين، وعليه يدل عموم كلام المتقدمين، وعليه جمهور أصحاب الإمام أحمد وغيرهم.\nالثاني: أنه يراه من أظهر التوحيد من مؤمني هذه الأمة ومنافقيها وغبرات من أهل الكتاب، وذلك في عرصة القيامة، ثم يحتجب عن المنافقين فلا يرونه بعد ذلك.\nوهذا قول أبي بكر بن خزيمة من أئمة أهل السنة، وقد ذكر القاضي أبو يعلى نحوه في حديث إتيانه ﷾ لهم في الموقف الحديث المشهور (^٣).\nالثالث: أن الكفار يرونه رؤية تعريف وتعذيب -كاللص إذا رأى السلطان- ثم يحتجب عنهم، ليعظم عذابهم، ويشتد عقابهم، وهذا قول أبي الحسن بن سالم (^٤) وأصحابه، وقول غيرهم ... \" (^٥).\nوالراجح -والله أعلم- القول الثالث، وهو رؤبة جميع أهل الموقف لله تعالى بحسب أعمالهم.\n_________\n(^١) الفتاوى الحديثية (ص ٢٨٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٨٦).\n(^٣) انظر: إبطال التأويلات (٢/ ٢٩٠).\n(^٤) هو أحمد بن محمد بن سالم المخرمي البصري، رأس السالمية وشيخهم، توفي سنة ٣٢٧ هـ.\nانظر: حلية الأولياء (١٠/ ٣٧٨)، سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٧٢).\n(^٥) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٧٨ - ٤٨٨).","vol":"1","page":557},{"text":"يقول العلامة ابن القيم ﵀: \"دلت الأحاديث الصحيحة الصريحة على أن المنافقين يرونه تعالى في عرصات القيامة، بل والكفار أيضًا\" (^١).\nوالمقصود هنا بيان أن ابن حجر ﵀ لم يخرج في كلامه عن هذه المسألة عن سياق أقوال من تقدمه، وأما بسط المسألة وبيان أدلتها فهو مذكور في مواضعه من كتب أهل العلم (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>٤ - رؤية الله تعالى في الجنة:</span>\nيقرر ابن حجر ﵀ ثبوت رؤية الله تعالى في الجنة، حيث يقول: \"رؤيته تعالى ... في الآخرة ممكنة بل واقعة كما صرحت به النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي كادت تتواتر.\nوخلاف المعتزلة في ذلك لسوء جهلهم، وفرط عنادهم، وتصرفهم في النصوص بآرائهم القاصرة الفاسدة نعوذ بالله من أحوالهم\" (^٣).\nويرى أن الرؤية متحققة في الجنة لكل من دخلها من الرجال بالإجماع، ومن النساء على خلاف، حيث يقول: \"الرؤية في الجنة أجمع أهل السنة أنها حاصلة للأنبياء والرسل والصديقين من كل أمة ورجال المؤمنين من البشر من هذه الأمة.\nواختلف في نساء هذه الأمة:\nفقيل: لا يرين؛ لأنهن مقصورات في الخيام، ولم يرد تصريح برؤيتهن.\nوقيل: يرين؛ لعموم النصوص.\nوقيل: يرين في مثل أيام الأعياد التي كانت في الدنيا كيوم الجمعة فإن التجلي فيها عام، وأخرج الدارقطني حديث: \"إذا كان يوم القيامة رأى\n_________\n(^١) حادي الأرواح (ص ٢٦٩).\n(^٢) انظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٤٢٩ - ٤٣٧)، شرح صحيح مسلم (١/ ٤٣٧)، مجموع الفتاوى (٦/ ٤٨٥ - ٥٠٧)، حادي الأرواح (ص ٢٦٩)، شرح الطحاوية (١/ ٢٢١)، فتح الباري (٨/ ٦٠٧، ١١/ ٤٤٧)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٤٨).\n(^٣) فتح المبين (ص ٨١)، وانظر: المنح المكية (١/ ٤٢٤)، فتح الإله (ص ٦).","vol":"1","page":558},{"text":"المؤمنون ربهم ﷿\"، وفيه: \"ويراه المؤمنات يوم الفطر والأضحى\" (^١) \" (^٢).\nويقيد ابن حجر رؤية الله تعالى في الجنة والنظر إليه بما يوافق معتقده في نفي العلو عنه سبحانه، فيقول: \"ستلقون ربكم في الدار الأخرى ناظرين إليه على وجه منزه من الحلول والجهة والمكان والتحيز والإحاطة ... \" (^٣).\nالتقويم:\nرؤية الله تعالى في الجنة ثابتة بالكتاب، والسنة، والإجماع (^٤).\nفأما الكتاب فمنه:\nقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].\nوجه الاستدلال:\nإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله وتعديته بأداة (إلى) الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلاف حقيقته وموضوعه، صريح في أن الله تعالى أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب تعالى، وهذا قول كل مفسري أهل السنة (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني في كتاب الرؤية (ص ١٧٠) برقم (٥٦) من طريق أحمد بن سلمان بن الحسن، عن محمد بن عثمان بن محمد، عن مروان بن جعفر، عن نافع أبي الحسن مولى بني هاشم، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس بن مالك -﵁- به.\nوإسناده ضعيف فيه مروان بن جعفر السَّمُري لين الحديث، انظر: ميزان الاعتدال (٤/ ٨٩)، لسان الميزان (٦/ ١٤)، ونافع أبو الحسن مولى بني هاشم لم أجد له ترجمة.\n(^٢) الفتاوى الحديثية (ص ٢٨٦)، وانظر: التعرف (ص ١١٠).\n(^٣) فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٢٧٩).\n(^٤) انظر: الرد على الجهمية للدارمي (ص ٨٧)، كتاب التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٤٠٦)، التصديق بالنظر إلى الله تعالى في الآخرة للآجري (ص ٢٧)، كتاب الرؤية للدارقطني (ص ٩١ - ٣٠٨)، رؤية الله ﵎ لابن النحاس (ص ٩٥ - ١٣٧)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ١٦٠)، الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٣٦)، ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري (ص ٣٠ - ١٠٣)، مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩)، (٥/ ٤٨٥)، (١٦/ ٨٤)، بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٢٥٣)، حادي الأرواح (ص ٢٦٧ - ٣١٩)، شرح الطحاوية (١/ ٢٠٧ - ٢١٥)، فتح الباري (١٣/ ٤٢٤)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٤٣)، وللاستزادة: رؤية الله تعالى للحمد (ص ١٨٩ - ٢٣٨).\n(^٥) انظر: حادي الأرواح (ص ٢٧٦)، شرح الطحاوية (١/ ٢٠٩).","vol":"1","page":559},{"text":"وقوله سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].\nوجه الاستدلال:\nأن الحسنى: هي الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجه الله الكريم كما فسرها بذلك الرسول -ﷺ- (^١)، فقد روى مسلم في صحيحه عن صهيب قال: قرأ رسول الله -ﷺ-: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، قال: \"إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى منادٍ: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا ويريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقِّل موازيننا، ويبيِّض وجوهنا، ويُدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة\" (^٢).\nوقوله ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥].\nوجه الاستدلال:\nأن الله تعالى إذا احتجب عن الكافرين في السخط، كان هذا دليلًا على أن أولياءه يرونه في الرضا، وبهذا احتج جمع من أئمة السلف (^٣).\nوأما السُّنَّة: فقد تواترت الأحاديث عن النبي -ﷺ- في إثباتها (^٤)، وجمعها غير واحد من أهل العلم في مصنفات مستقلة (^٥)، وتتبعها العلامة ابن القيم في كتابه حادي الأرواح وساقها معزوة إلى مخرجيها فبلغت ثلاثين حديثًا (^٦).\n_________\n(^١) انظر: حادي الأرواح (ص ٢٧٠)، شرح الطحاوية (١/ ٢١١).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه (١/ ١٦٣) برقم (١٨١).\n(^٣) انظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٤٤٣)، حادي الأرواح (ص ٢٧٢)، شرح الطحاوية (١/ ٢١١ - ٢١٢).\n(^٤) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٤٧٠)، الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٤٥)، مجموع الفتاوى (٦/ ٤٦٩)، بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٥٣، ٤٠٩، ٤١٦)، حادي الأرواح (ص ٢٧٧، ٣١٩)، شرح الطحاوية (١/ ٢١٥)، فتح الباري (٨/ ٣٠٢).\n(^٥) ذكر طائفة منها شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٦/ ٤٨٦)، ومما هو مطبوع: التصديق بالنظر إلى الله تعالى في الآخرة للآجري، والرؤية للدارقطني، ورؤية الله تعالى لابن النحاس.\n(^٦) انظر: حادي الأرواح (ص ٢٧٧ - ٣٠٧).","vol":"1","page":560},{"text":"قال ﵀: \"الأحاديث عن النبي -ﷺ- وأصحابه الدالة على الرؤية متواترة، رواها عنه: أبو بكر الصديق، وأبو هريرة، وأبو سعيد، وجرير بن عبد الله البجلي، وصهيب، وابن سنان الرومي، وعبد الله بن مسعود الهذلي، وعلي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري، وعدي بن حاتم الطائي، وأنس بن مالك الأنصاري، وبريدة بن الحصيب الأسلمي، وأبو رزين العقيلي، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو أمامة الباهلي، وزيد بن ثابت، وعمار بن ياسر، وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وعمارة بن رويبة، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص -وحديثه موقوف- وأبي بن كعب، وكعب بن عجرة، وفضالة بن عبيدة -وحديثه موقوف- ورجل من أصحاب النبي -ﷺ- غير مسمى\" (^١).\nوعليه فقول ابن حجر: \"والأحاديث النبوية كادت تتواتر\" متعقب بتواترها حقيقة، فإن الحكم بالتواتر وإن كان نسبيًا إلا أنه هنا ظاهر جدًّا.\nوأما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات الرؤية في الآخرة، وسؤال الله الكريم حصولها، وحكى إجماعهم غير واحد من أهل العلم (^٢).\nوما ذكره ابن حجر من ثبوت الرؤية لكل من دخل الجنة من الرجال حق.\nوأما النساء فقد اقتصر على ذكر أقوال الناس في رؤيتهن دون ترجيح، وجملتها ثلاثة:\nأحدها: أنهن لا يرينه مطلقًا.\nوالثاني: أنهن يرينه كالرجال.\n_________\n(^١) حادي الأرواح (ص ٢٧٧).\n(^٢) انظر: الرد على الجهمية للدارمي (ص ١٠٣)، شرح صحيح مسلم (٣/ ١٥)، ضوء الساري (ص ٢٨)، مجموع الفتاوى (٦/ ٤٦٩، ٥١٠)، حادي الأرواح (ص ٣١٩)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٤٠)، توضيح المقاصد لابن عيسى (٢/ ٥٧٩).","vol":"1","page":561},{"text":"والثالث: أنهن يرينه في مثل أيام الأعياد دون غيرها (^١).\nوالراجح -والله أعلم- أن النساء يرين الله تعالى في الجنة كالرجال؛ وذلك لما يلي:\n١ - أن الأدلة في الرؤية عامة للرجال والنساء، ولم يعارض هذا العموم ما يقتضي تخصيصه (^٢).\n٢ - أن النساء يشاركن الرجال في الأعمال التى توجب الرؤية فوجب أن يشاركنهم في الثواب (^٣).\n٣ - ضعف ما استدل به أصحاب القولين اآخرين؟ إذ الآية لا تمنع من رؤيتهن الله ﷿ وهن في خيامهن، والحديث لا يراد حصر رؤيتهن له في أيام الأعياد، وإنما مجرد الإخبار بذلك فلا ينفي وقوع الرؤية لهن في غيرها (^٤).\nوأما ما قرره ابن حجر من تقييد رؤية الله في الجنة بالرؤية المنزهة عن الحلول والاحاطة والجهة والمكان والتحيز، فهو يتضمن حقًّا وباطلًا.\nفاما الحق الذي يتضمنه: فهو تنزيه رؤية الله عن الحلول والإحاطة؛ إذ الله ﷿ منزه عن أن يكون حالًا في غيره أو غيره حالًا فيه إذ كل ما سواه ناقص لا يليق بكماله مخلوق لا دوام له، وهو منزه أيضًا عن أن يحاط به لكمال عظمته سبحانه لا تدركه الأبصار ولا تحيط به كما يُعْلَم ولا يحاط به علمًا (^٥).\nوأما الباطل الذي تضمنه: فهو تنزيه رؤية الله -بزعمه- عن الجهة والمكان والتحيز؛ ووجه بطلانه ما يلي:\n١ - أن (الجهة) و(المكان) و(التحيز) ألفاظ مجملة لم ترد في الكتاب\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٤٠٨) وما بعدها، النهاية لابن كثير (٢/ ٣٥٣)، تحفة الجلساء برؤية الله للنساء للسيوطي ضمن الحاوي (٢/ ١٩٨ - ٢٠٢)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٤٧).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٤٣٠).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٦/ ٤٢٦).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (٦/ ٤٥٢).\n(^٥) انظر: شرح الطحاوية (١/ ٢٢٥).","vol":"1","page":562},{"text":"والسنة، فلا تثبت بإطلاق ولا تنفي بإطلاق وإنما يستفصل عن معناها، ويعبر عنها بالألفاظ الشرعية، وقد سبق مناقشتها بالتفصيل بما يغني عن إعادته (^١).\n٢ - أن مراد ابن حجر بنفي الجهة والمكان والتحيز نفي علو الله تعالى وهو باطل -كما سبق- (^٢) وقوله بنفي الرؤية إلى جهة مبني عليه، وما بني على باطل فهو باطل.\n٣ - أن إثبات الرؤية إلى غير جهة مخالف لظواهر نصوص الكتاب والسنة (^٣)، وما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها من ثبوت الرؤية إلى جهة العلو (^٤).\n٤ - أن إثبات الرؤية إلى غير جهة مخالف للفطرة، ومناقض للعقل، يفضي بإثباتها إلى نفيها، وبمامكانها إلى استحالتها، ولهذا خرج الأشاعرة -ومنهم ابن حجر- بقولهم هذا عن إجماع عقلاء بني آدم من مثبتة الصفات ونفاتها، وألزمهم كلا الفريقين بإثبات الرؤية والجهة معًا أو نفيهما معًا (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>سادسًا: الجنة والنار:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>١ - خلق الجنة والنار ووجودهما الآن:</span>\nيرى ابن حجر ﵀ أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن خلافًا لمن زعم غير ذلك، يقول في شرحه لقوله -ﷺ-: \"ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه، لقد جيء بالنار، وذلك حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها ... ثم جيء بالجنة وذلك حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي ... \" (^٦): \"فيه أبلغ الرد على المعتزلة ومن وافقهم، إذ هو\n_________\n(^١) انظر: (ص ٣٠٨).\n(^٢) انظر: (ص ٣٠٨).\n(^٣) انظر: بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤٠٩ - ٤١١).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (٢/ ٤١٥)، حادي الأرواح (ص ٣١٩).\n(^٥) انظر: بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٧٧)، منهاج السنة (٣/ ٣٤٢ - ٣٤٣، ٣٥١ - ٣٥٢)، مجموع الفتاوى (١٦/ ٨٤)، شرح الطحاوية (١/ ٢١٩)، توضيح المقاصد لابن عيسى (١/ ٤٢٥ - ٤٢٧).\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب العمل في الصلاة، باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة (١/ ٣٦١) =","vol":"1","page":563},{"text":"صحيح في وجود الجنة والنار الآن ... \" (^١).\nالتقويم:\nالقول بخلق الجنة والنار ووجودهما الآن مذهب أهل السنة والجماعة قاطبة سلفًا وخلفًا (^٢) ومن وافقهم من الأشاعرة (^٣) والماتريدية (^٤)، وخالف في ذلك الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم (^٥) فقالوا بنفي خلقهما ووجودهما الآن.\nيقول العلامة ابن أبي العز ﵀: \"اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل على ذلك أهل السنة، حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية، فأنكرت ذلك وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة ... وحرفوا النصوص عن مواضعها، وضللوا وبدعوا من خالف شريعتهم.\nفمن نصوص الكتاب:\nقوله تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١]، وعن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾ [النبأ: ٢١ - ٢٢] ...\n[ومن نصوص السنة:]\nفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر -﵄- أن رسول الله -ﷺ-\n_________\n= برقم (١٢١٢)، ومسلم، كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف (٢/ ٦١٩) برقم (٩٠١) من حديث عائشة -﵂- به.\n(^١) فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٥٦٢).\n(^٢) انظر: الشرح والإبانة لابن بطة (ص ٢٠٦)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٦/ ١١٨٤)، الحجة في بيان المحجة (١/ ٤٧١ - ٤٧٥)، عقيدة السلف أصحاب الحديث (ص ٣٦٤)، التمهيد (١٩/ ١١٥)، درء التعارض (٨/ ٣٤٥ - ٣٤٦)، حادي الأرواح (ص ١١)، شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٦١٤ - ٦٢٠)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٣٠).\n(^٣) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٣٤٩)، الإرشاد (ص ٣١٩)، أصول الدين للبغدادي (ص ٢٣٧)، المواقف (ص ٣٧٤ - ٣٧٥)، وشرحها (٨/ ٥٨٤)، شرح المقاصد (٥/ ١٠٧).\n(^٤) انظر: أصول الدين للبزدوي (ص ١٦٥ - ١٦٦)، المسايرة (ص ٢٤٧ - ٢٤٩).\n(^٥) انظر: متشابه القرآن (ص ١٦٠ - ١٦١)، أوائل المقالات (ص ١٤٥ - ١٤٦).","vol":"1","page":564},{"text":"قال: \"إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك يبعثك الله يوم القيامة\" (^١) ... \" (^٢).\nوبما سبق يُعلم أن ما قرره ابن حجر من القول بخلق الجنة والنار ووجودهما الآن موافق لقول أهل السنة والجماعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>٢ - دوام الجنة والنار:</span>\nيرى ابن حجر ﵀ دوام الجنة والنار، ويرد على من قال بفنائهما، حيث يقول: \"قال قوم: إن عذاب الكفار منقطع وله نهاية، واستدلوا:\nبهذه الآية [يريد قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧]].\nوبـ ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ [النبأ: ٢٣].\nوبأن معصية الظلم متناهية، فالعقاب عليها بما لا يتناهى ظلم\" (^٣).\n\"ونقل غير واحد هذه المقالة عن ابن مسعود وأبي هريرة.\nقال ابن تيمية: وهو قول عمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأنس، وذهب إليه الحسن البصري، وحماد بن سلمة (^٤)، وجماعة من المفسرين\" (^٥).\nوالجواب: \"دلت الآيات والأحاديث على أن عذاب الكفار في جهنم دائم مؤبد، وما ورد مما يخالف ذلك يجب تأويله، فمن ذلك:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي (١/ ٤٠٩) برقم (١٣٧٩)، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه (٤/ ٢١٩٩) برقم (٢٨٦٦).\n(^٢) شرح الطحاوية (٢/ ٦١٤ - ٦١٦).\n(^٣) الزواجر (١/ ٣٧).\n(^٤) هو حماد بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصري، إمام قدوة محدث، سلفي المعتقد، شديد على المبتدعة، توفي سنة ١٦٧ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٧/ ٤٤٤)، شذرات الذهب (١/ ٢٦٢).\n(^٥) الزواجر (١/ ٣٧)، وانظر: كلام شيخ الإسلام في رسالة الرد على من قال بفناء الجنة والنار (ص ٥٣).","vol":"1","page":565},{"text":"قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧] فظاهره أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرض إلا ما شاء الله من هذه المدة فلا يكونون خالدين فيها، وقد أوله العلماء بنحو عشرين وجهًا يرجع بعضها إلى حكمة التقييد بدوام السموات والأرض، وبعضها إلى حكمة الاستثناء ومعناه ...\nوقوله: ﴿أَحْقَابًا﴾ لا يقتضي أن له نهاية؛ لأن العرب يعبرون به وبنحوه عن الدوام.\nولا ظلم في ذلك؛ لأن الكافر كان عازمًا على الكفر ما دام حيًّا فعوقب دائمًا، فهو لم يعاقب بالدائم إلا على دائم فلم يكن عذابه إلا جزاء وفاقًا\" (^١).\n\"ويرد ما نقله -يعنى: ابن تيمية- عن الحسن قول غيره ... قال العلماء: قال ثابت: سألت الحسن عن هذا فأنكره.\nوالظاهر أن هؤلاء الذين ذكرهم لم يصح عنهم من ذلك شيء وعلى التنزل بمعنى كلامهم -كما قاله العلماء- ليس فيها أحد من عصاة المؤمنين، أما مواضع الكفار فهي ممتلئة بهم لا يخرجون عنها أبدًا كما ذكره الله تعالى في آيات كثيرة\" (^٢).\n\"واعلم أن التقييد والاستثناء في أهل الجنة ليس المراد بهما ظاهرهما باتفاق الكل، لقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] فيؤول بنظير ما مر، ويكون المراد بها إذا جعلناها بمعنى من أهل الأعراف وعصاة المؤمنين الذين لم يدخلوها إلا بعد\" (^٣).\nوقد نقل ابن حجر القول بفناء النار عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وعده من جملة ما خالف به الناس، وخرق به الإجماع (^٤).\n_________\n(^١) الزواجر (١/ ٣٦ - ٣٧).\n(^٢) المصدر السابق (١/ ٣٧).\n(^٣) المصدر السابق (١/ ٣٨)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ١٦٥، ١٦٦، ٢٣٤، ٢٥٧).\n(^٤) انظر: الفتاوى الحديثية (ص ١٥٨ - ١٥٩).","vol":"1","page":566},{"text":"التقويم:\nأجمع أهل السنة والجماعة (^١) ومن وافقهم (^٢) على القول ببقاء الجنة، ودوام نعيمها، وخلود أهلها، وخالف في ذلك الجهمية فقالوا بفنائها وأهلها.\nوأما النار فقد اختلف الناس في بقائها، ودوام عذابها، وخلود أهلها على ثمانية أقوال (^٣)، أهمها ثلاثة:\nالأول: أن النار كالجنة باقية لا تفنى، وأن الله تعالى يخرج منها من يشاء، ويبقى فيها الكفار بقاءً أبديًا لا انقضاء له.\nوالثاني: أن النار تفنى، وأن الله تعالى يخرج منها من يشاء، ثم يبقيها ما يشاء، ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمدًا تنتهي إليه.\nوالثالث: الإمساك عن ذلك كله، والوقوف عند قوله سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧].\nوالقول الصحيح -والله أعلم- أن النار كالجنة باقية لا تفنى، وهو قول جمهور أهل السنة والجماعة (^٤)، وحكاه بعضهم إجماعًا (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الشرح والإبانة (ص ٢٠٨)، أصول السنة لابن زمنين (ص ١٣٩ - ١٤٠)، عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص ٣٦٤)، مراتب الإجماع لابن حزم (ص ١٣)، الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٥٣)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ٥٨١)، حادي الأرواح (ص ٣٢٣)، شرح الطحاوية (٢/ ٦٢٠).\n(^٢) انظر: الفصل (٤/ ٨٣)، أصول الدين للبغدادي (ص ٢٣٨)، أصول الدين للبزدوي (ص ١٦٥ - ١٦٦)، المسايرة (ص ٢٤٧ - ٢٤٩).\n(^٣) انظر: حاي الأرواح (ص ٣٢٩ - ٣٣٢)، شرح الطحاوية (٢/ ٦٢٤)، فتح الباري (١١/ ٤٢١ - ٤٢٢).\n(^٤) انظر: أصول) السنة لابن أبي زمنين (ص ١٣٩ - ١٤٠)، عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص ٣٦٤)، الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٦٣، ٤٣٦)، التمهيد (٥/ ١١)، الاقتصاد في الاعتقاد (ص ١٧٦)، شرح الطحاوية (٢/ ٦٢٠ - ٦٢١)، توقيف الفريقين على خلود أهل الدارين لمرعي الكرمي (ص ٦٢)، كشف الأستار في إبطال قول من قال بفناء النار للشوكاني (٢/ ٧٨٩)، لوامع الأنوار (٢/ ٢٣٠).\n(^٥) انظر: مراتب الإجماع (ص ١٣)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ٥٨١)، رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار للصنعاني (ص ١١٦).","vol":"1","page":567},{"text":"وأدلة ذلك متظافرة من الكتاب والسنة:\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ [فاطر: ٣٦].\nوقوله سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾ [المائدة: ٣٧].\nوقوله ﷿: ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ [الشورى: ٤٥].\nومن السُّنَّة: قوله -ﷺ-: \"يدخل أهل الجنة الجنة، وبدخل أهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، كل خالد فيما هو فيه\" (^١).\nوقوله -ﷺ-: \"أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم -أو قال بخطاياهم- فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحمًا أذن بالشفاعة ... \" (^٢).\nوالقولان الآخران لا تنهض أدلتهما لمعارضة هذه الأدلة الصريحة، والجواب عنها يطول المقام بتسطيره، وما ذكره ابن حجر في كلامه السابق يغني عن إعادته.\nوأما ما ذكره ابن حجر عن شيخ الاسلام ابن تيمية ﵀ من القول بفناء النار، فالجواب عنه:\nأن الناس على اختلاف مشاربهم قد اختلفوا في موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من هذه المسألة، وذهبوا في ذلك ثلاثة مذاهب:\nالأول: من ينفي قوله بفناء النار.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب (٤/ ٢٠٤٩) برقم (٦٥٤٤)، ومسلم، كتاب الجنة، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفة (٤/ ٢١٨٩) برقم (٢٨٥٠) من حديث ابن عمر -﵄- به.\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات الشفاعة (١/ ١٧٢) برقم (١٨٥) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁- به.","vol":"1","page":568},{"text":"الثاني: من يثبت قوله بفناء النار.\nالثالث: من يقول بميله إلى القول بفناء النار دون جزمه به (^١).\nونصوص شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذه المسألة محتملة لهذه المذاهب كلها (^٢)، وسواء ثبت عنه القول بذلك أو الميل له أو عدمه فإنه لا طعن عليه فيه؛ إذ الخلاف في المسألة مشهور مأثور، والمجتهد فيها دائر بين الأجر والأجرين، والتثريب عليه ممتنع (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: رفع الأستار (ص ٦١) وما بعدها، إيثار الحق على الخلق لابن الوزير (ص ٢٠٣)، جلاء العينين (ص ٤٢٠ - ٤٢٤)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٣٥)، مقدمة العلامة الألباني على رفع الأستار (ص ٨ - ٤٥)، مقدمة الدكتور السمهري على الرد على من قال بفناء الجنة والنار (ص ١٨ - ٢٧)، كشف الأستار لإبطال ادعاء فناء الجنة والنار المنسوب لشيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم للدكتور علي بن علي الحربي، دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية للدكتور عبد الله الغصن (ص ٦٠٨ - ٦٢٤).\n(^٢) جمع جملة منها العلامة الألباني في مقدمة تحقيقه لرفع الأستار (ص ٨ - ٢٠)، والدكتور علي الحربي في رسالته كشف الأستار (ص ٥٨ - ٧١)، والدكتور عبد الله الغصن في دعاوى المناوئين (ص ٦١١ - ٦١٦).\n(^٣) انظر: جلاء العينين (ص ٤٢٧).","vol":"1","page":569},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>الفصل الخامس آراؤه في القضاء والقدر</span>\nوفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:\nتمهيد في تعريف القضاء والقدر والفرق بينهما.\nالمبحث الأول: معنى الإيمان بالقضاء والقدر وما يتضمنه.\nالمبحث الثاني: آراؤه في أفعال العباد، والهدى والضلال، وتنزيه الله عن الظلم.\nالمبحث الثالث: آراؤه في التحسين والتقبيح، والحكمة والتعليل في أفعال الله، وتكليف ما لا يطاق.","vol":"1","page":571},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>تمهيد في تعريف القضاء والقدر والفرق بينهما</span>\nالقضاء في اللغة: هو بالمدّ، ويقصر، أصله: قَضَايٌ؛ لأنّه من قضيت، إلا أنّ الياء لَمّا جاءت بعد الألف همزت.\nيقول ابن فارس: \"القاف والضّاد والحرف المعتلّ أصل صحيح يدلّ على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه\" (^١).\nويطلق القضاء على معان عدّة منها: الأمر، والأداء، والحكم، والفراغ، والإعلام، والموت (^٢).\nوالقدر في اللغة: مصدر قَدَرَ يَقدر قَدَرًا.\nيقول ابن فارس: \"القاف والدّال والرّاء أصل صحيح يدلّ على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته\" (^٣).\nويطلق القدر على معان عدّة منها: الحكم، والقضاء، والطّاقة، والتّضييق، والتّقدير (^٤).\nوالمراد بالقضاء والقدر في الشرع: علم الله بالأشياء قبل كونها، وكتابته لها في اللوح المحفوظ، ومشيئته سبحانه لوقوعها، وخلقه ﷿ لها على ما سبق به علمه وكتابته ومشيئته (^٥).\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة (ص ٨٩٣).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة (٣/ ٢٩٨٦)، الصحاح (٦/ ٢٤٦٣)، لسان العرب (١٥/ ١٨٦)، القاموس المحيط (ص ١٧٠٨).\n(^٣) معجم مقاييس اللغة (ص ٨٧٦).\n(^٤) انظر: تهذيب اللغة (٣/ ٢٨٩٦)، الصحاح (٢/ ٧٨٦)، لسان العرب (٥/ ٧٤)، القاموس المحيط (ص ٥٩١).\n(^٥) انظر: شرح السنة (١/ ١٤٢)، معالم السنن (٤/ ٢٩٧)، شرح صحيح مسلم (١/ ٢١٧)، =","vol":"1","page":572},{"text":"وقد اختلف أهل العلم في لفظي القضاء والقدر هل هما بمعنى واحد أم معان متغايرة، واختلف القائلون بالتّغاير بينهما في تحديد وجهه (^١).\nيقول ابن حجر ﵀ في ذلك: \"اعلم أنّ من المهمّ الفرق بين القضاء والقدر، فإنّه قد استشكل، فالقضاء إيجاد جميع المخلوقات في اللوح، والتّقدير إيجادها في العيان، ولذلك قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، أي: فأبرزه على ما سبق في علمه، فجاء الوجود الخارجي على طبق الوجود العلمي\" (^٢).\nوقال في موضع آخر: \"القضاء -عند الأشعرية- إرادته الأزليّة المتعلّقة بالأشياء على ما هي عليه، والقدر: إيجاده إياها على قدر مخصوص وتقدير معيّن في ذواتها وأفعالها.\nوالقضاء: علمه أولًا بالأشياء على ما هي عليه، والقدر: إيجاده إيّاها على ما يطابق العلم\" (^٣).\nوما ذكره ابن حجر ﵀ هو مذهب بعض الأشاعرة لا كلّهم كما تُوهِمُ عبارته (^٤).\n_________\n= جامع الرسائل (٢/ ٣٥٥)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٨ - ١٤٩)، شفاء العليل (١/ ١٣٣)، فتح الباري (١/ ١١٨)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٤٥) (١/ ٣٤٩)، الدرر السنية (١/ ٥١٢)، فتاوى ابن عثيمين (٢/ ٧٩ - ٨١).\n(^١) انظر: الأربعين في أصول الدين للغزالي (ص ٢٤)، المفردات للراغب الأصفهاني (ص ٤٢٢)، فتح الباري (١١/ ١٤٩، ٤٧٧)، عمدة القاري للعيني (٢٣/ ١٤٥)، إرشاد الساري للقسطلاني (٩/ ٣٤٣)، الدين الخالص (٣/ ١٥٤)، الدرر السنية (١/ ٥١٢)، فتاوى ابن عثيمين (١/ ٥٢، ٦٢)، وللاستزادة: القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة د. المحمود (ص ٣٠).\n(^٢) أسنى المطالب (ص ٣٥).\n(^٣) فتح المبين (ص ٧٢).\n(^٤) انظر: الأربعين في أصول الدين للغزالي (ص ٢٤)، المفردات للراغب الأصفهاني (ص ٤٢٢)، فتح الباري (١١/ ١٤٩، ٤٧٧)، عمدة القاري للعيني (٢٣/ ١٤٥)، إرشاد الساري للقسطلاني (٩/ ٣٤٣).","vol":"1","page":573},{"text":"والرّاجح -والله أعلم- في هذه المسألة أنّ لفظي القضاء والقدر بينهما عموم وخصوص، فإذا أطلق القضاء مفردًا شمل القدر، وإذا أطلق القدر مفردًا شمل القضاء.\nوأمّا إذا اجتمعا فالمراد بالقضاء ما يقضيه الله تعالى في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير، والمراد بالقدر ما قدّره الله تعالى في الأزل، فالقدر سابق والقضاء لاحق (^١).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: الدرر السنية (١٠/ ٥١٢ - ٥١٣)، فتاوى ابن عثيمين (١/ ٥٢، ٦٢).","vol":"1","page":574},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>المبحث الأول معنى الإيمان بالقضاء والقدر وما يتضمنه</span>\nأوضح ابن حجر ﵀ معنى الإيمان بالقضاء والقدر، وبيّن ما يتضمّنه، وذكر بعض الأمور التي قد يظنّ أنها تنافيه وأجاب عنها.\nوفيما يلي سياق آرائه في ذلك وتقويمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>أولًا: معنى الإيمان بالقضاء والقدر وما يتضمّنه:</span>\nيقول ابن حجر ﵀ في شرحه لحديث جبريل: \"قوله: \"وتؤمن بالقدر خيره وشرّه\" ... أي بأنّ ما قدّره الله في أزله لا بدّ من وقوعه وما لم يُقدّره يستحيل وقوعه، وبأنّه تعالى قدّر الخير والشّرّ قبل خلق الخلق، وأنّ جميع الكائنات بقضائه وقدره وإرادته لقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الفرقان: ٢]، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩] ... ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠، التكوير: ٢٩] ... \" (^١).\n\"ولخبر: \"كلّ شيء بقدر حتى العجر والكيس\" (^٢) \" (^٣).\n\"ولإجماع السّلف والخلف على صحّة قول القائل: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن\" (^٤).\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ٧١ - ٧٢).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب القدر، باب كل شيء بقدر (٤/ ٢٠٤٥) برقم (٢٦٥٥) من حديث عبد الله بن عمر -﵄- به.\n(^٣) فتح المبين (ص ٧٢).\n(^٤) المصدر السابق (ص ٧٢)، وانظر: (ص ٩٩، ١٧٤)، كنه المراد (ص ١/ ٢٣)، غرر المواعظ (ص ٣).","vol":"1","page":575},{"text":"\"واعلم أنّ الإيمان بالقدر على قسمين:\nأحدهما: الإيمان بأنّه تعالى سبق في علمه ما يفعله العباد من خير وشرّ وما يجازون عليه، وأنّه كتب ذلك عنده وأحصاه وأنّ أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه.\nثانيهما: أنه تعالى خلق أفعال عباده كلّها من خير وشرّ، وكفر وإيمان ... \" (^١).\nالتّقويم:\nالإيمان بالقضاء والقدر هو الرّكن السّادس من أركان الإيمان التي لا يصحّ إيمان العبد إلا بها، وهو يتضمّن أربعة أمور:\nالأول: الإيمان بأن الله تعالى علم بكلّ شيء جملة وتفصيلًا، أزلًا وأبدًا، سواء كان ذلك مِمّا يتعلّق بأفعاله أو بأفعال عباده.\nالثاني: الإيمان بأنّ الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ.\nوفي هذين الأمرين يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠].\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السّماوات والأرض بخمسين ألف سنة\" (^٢).\nالثالث: الإيمان بأن جميع الكائنات لا تكون إلا بمشيئة الله تعالى، سواء كانت مما يتعلّق بفعله أم مما يتعلّق بفعل المخلوقين.\nقال الله تعالى فيما يتعلّق بفعله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَار﴾ [القصص: ٦٨]، وقال: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦].\nوقال تعالى فيما يتعلّق بفعل المخلوقين: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ٧٣).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب القدر، باب احتجاج آدم وموسى ﵈ (٤/ ٢٠٤٤) برقم (٢٦٥٣).","vol":"1","page":576},{"text":"فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٧].\nالرابع: الإيمان بأنّ جميع الكائنات مخلوقة لله تعالى بذواتها، وصفاتها، وحركاتها.\nقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزّمر: ٦٢]، وقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وقال عن نبي الله إبراهيم ﵊ أنّه قال لقومه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦] \" (^١).\nوبما سبق تقريره يُعلم أنّ ما ذكره ابن حجر في بيان معنى الإيمان بالقضاء والقدر لا يخرج عمّا قرّره أهل السّنّة والجماعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>ثانيًا: بيانه لبعض الأمور التي لا تنافي الإيمان بالقضاء والقدر:</span>\nذكر ابن حجر ﵀ بعض الأمور التي لا تنافي الإيمان بالقضاء والقدر، وبيّن وجه عدم منافاتها، وأجاب عن الإشكالات الواردة عليها، وفيما يلي سياق أقواله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>١ - القضاء بالمعاصي:</span>\nوالكلام فيه من جهتين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>الأولى: من حيث الرّضا به:</span>\nيقول ابن حجر ﵀: \"القضاء إيجاد جميع المخلوقات في اللوح، والتّقدير إيجادها في العيان ...\nوقد يطلق على المقضي نفسه كما في حديث البخاري: \"اللهم إني أعوذ بك من درك الشّقاء وسوء القضاء\" (^٢) أي: المقضي، وهو بهذا المعنى\n_________\n(^١) فتاوى ابن عثيمين (٥/ ١٣٧)، وانظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٨ - ١٤٩)، شفاء العليل (١/ ١٣٣ - ٢٢٧)، جامع العلوم والحكم (١/ ١٠٣)، معارج القبول (٣/ ٩٢٠ - ٩٤٠).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب التعوذ من جهد البلاء (٤/ ١٩٩٦) برقم (٦٣٤٧)، ومسلم، كتاب الدعوات، باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره (٤/ ٢٠٨٠) برقم (٢٧٠٧) من حديث أبي هريرة -﵁- به.","vol":"1","page":577},{"text":"لا يجب الرّضا به بل قد لا يجوز، ومن ثَمّ استعاذ منه -ﷺ-، بخلافه على المعنى الأوّل فإنّه يجب الرّضا به ... \" (^١).\nوقال أيضًا: \"أمّا المقضي فقد يجب الرّضا به إن وجب، وقد يندب إن نُدِب، ويُباح إن أبيح، ويُكره إن كُره، ويحرم إن حرم.\nفمن قُضي عليه بمعصية إن لاحظها من حيث كونها كسبه لزمه أن يكرهها، أو من حيث كونها قضاء الله وخلقه لزمه أن يرضى بها لئلا يسفه الرّبوبيّة بقوله: لِمَ فَعَل هذا بي وأنا لا أستحقّه؟ أو نحوه ... \" (^٢).\nالتّقويم:\nالرّضا: ضدّ السّخط، والسّخط: الكراهية للشّيء.\nيقول ابن فارس: \"الرّاء والضّاد والحرف المعتلّ أصل واحد، يدلّ على خلاف السّخط، تقول: رضي يرضى رضًا، وهو راضٍ، ومفعوله مرضيٌّ عنه\" (^٣).\nوالمراد به هنا: التّسليم بالقضاء، والقناعة بما قُسم، والسّكون إلى الله، وحمده على ما قضاه، وترك ما ينافي ذلك (^٤).\nوقد وردت الآيات والأحاديث بالحثّ على الرّضا بالقضاء، والحضّ عليه.\nقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].\n_________\n(^١) أسنى المطالب (ص ٣٥).\n(^٢) المصدر السابق (ص ٣٥ - ٣٦).\n(^٣) معجم مقاييس اللغة (ص ٤٠٦)، وانظر: تهذيب اللغة (٢/ ١٤٢٠)، الصحاح (٦/ ٢٣٥٧)، لسان العرب (١٤/ ٣٢٣)، القاموس المحيط (ص ١٦٦٢).\n(^٤) انظر: الرضا عن الله بقضائه لابن أبي الدنيا (ص ٥٨، ٧٦)، شعب الإيمان للبيهقي (٧/ ٢٢٧)، مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٣)، مدارج السالكين (٢/ ١٧٥)، جامع العلوم والحكم (١/ ٤٨٨)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٥٩).","vol":"1","page":578},{"text":"وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣].\nوقال ﷿: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].\nوقال -ﷺ-: \"ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا\" (^١).\nوقال -ﷺ- في حقّ ابنه إبراهيم: \"تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربّنا، والله يا إبراهيم إنّا بك لمحزونون\" (^٢).\nوقضاء الله تعالى بالمعاصي على العبد لا ينافي وجوب الإيمان بالقضاء والقدر؛ إذ الرّضا بالقضاء يختلف حكمه باختلاف حكم المقضي، والمراد بالقضاء، ومتعلّق القضاء (^٣).\nيقول العلامة ابن أبي العزّ ﵀: \"فإن قيل: إذا كان الكفر بقضاء الله وقدره، ونحن مأمورون أن نرضى بقضاء الله، فكيف ننكره ونكرهه؟\nفالجواب: أن يُقال أولًا: نحن غير مأمورين بالرّضا بكلّ ما يقضيه الله ويقدّره، ولم يرد بذلك كتاب ولا سنّة، بل من المقضي ما يُرضى به، ومنه ما يُسخط ويُمقت، كما لا يرضى به القاضي لأقضيته سبحانه، بل من\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا فهو مؤمن (١/ ٦٢) برقم (٣٤) من حديث العباس -﵁ - به.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي -ﷺ-: \"إنّا بك لمحزونون\" (١/ ٣٨٨) برقم (١٣٠٣)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته بالصبيان والعيال (٤/ ١٨٠٧) برقم (٢٣١٥) من حديث أنس بن مالك -﵁- به.\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٨٢ - ٤٨٣، ٦٨٢ - ٦٨٣)، منهاج السنة (٣/ ٢٠٣ - ٢٠٩)، والاستقامة (٢/ ٧٣ - ٧٦)، مدارج السالكين (٢/ ١٧١، ١٨٤، ١٨٨ - ١٩١)، شفاء العليل (٢/ ٧٦١)، شرح الطحاوية (١/ ٣٣٦)، الدرة البهية شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية لابن سعدي (ص ٥١ - ٥٣)، وللاستزادة: الرضا بالقضاء للدكتور سالم القرني (ص ٥٠ - ٧٥).","vol":"1","page":579},{"text":"القضاء ما يُسخط، كما أنّ من الأعيان المقضيّة ما يُغضب عليه ويُمقت ويُلعن ويُذمّ.\nويُقال ثانيًا: هنا أمران: قضاء الله، وهو فعل قائم بذات الله تعالى، ومقضي، وهو المفعول المنفصل عنه، فالقضاء كلّه خير وعدل وحكمة، فيرضى به كلّه، والمقضي قسمان: منه ما يرضى به، ومنه ما لا يرضى به.\nويقال ثالثًا: القضاء له وجهان:\nأحدهما: تعلّقه بالرّبّ تعالى ونسبته إليه، فمن هذا الوجه يرضى به.\nوالوجه الثاني: تعلّقه بالعبد ونسبته إليه، فمن هذا الوجه ينقسم إلى ما يرضى به، وإلى ما لا يرضى به ... \" (^١).\nوبما سبق تقريره يتبيّن صحّة كلام ابن حجر ﵀ في الرّضا بالقضاء وبيان حكمه، وعدم منافاة القضاء بالمعاصي للإيمان بالقضاء والقدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>الثانية: من حيث الاحتجاج به عليها:</span>\nيقول ابن حجر ﵀: \"لا عذر لعاص يحتج على الله تعالى فيما يسوق إليه القضاء والقدر من المعاصي؛ لأنّ الله تعالى أجرى عادته الإلهيّة في هذا العالم على أسباب ومسبّبات تناط بتلك الأسباب ...\nفإن قلت: ينافيه احتجاج آدم بالقضاء والقدر في قصّته المشهورة مع موسى على نبيّنا وعليهما الصّلاة والسّلام (^٢) ...\nقلت: لا ينافيه؛ لأنّ الاحتجاج بالقدر إن كان قبل الوقوع في الذّنب ليكون وسيلة للوقوع فيه لم يجز، وإن كان بعد الوقوع فيه وقبل أن يستوفي\n_________\n(^١) شرح الطحاوية (١/ ٣٣٦).\n(^٢) يشير إلى حديث أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله -ﷺ- قال: \"احتجّ آدم وموسى، فقال\nموسى: يا آدم أنت أبونا، خيبتنا، وأخرجتنا من الجنّة، فقال له آدم: أنت موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخطّ لك بيده، أتلومني على أمر قدّره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ \" فقال النبي -ﷺ-: \"فحجّ آدم موسى، فحجّ آدم موسى\".\nوالحديث أخرجه البخاري، كتاب القدر، باب تحاجّ آدم وموسى (٤/ ٢٠٦٨) برقم (٦٦١٤)، ومسلم، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى ﵈ (٤/ ٢٠٤٢ - ٢٠٤٣) برقم (٢٦٥٢).","vol":"1","page":580},{"text":"منه ما وجب عليه به ليمنع بذلك مؤاخذته به لم يجز أيضًا، وإن كان لا ليمنع ذلك بل ليمنع تعييره به ساغ له ذلك كما صرّح به قوله -ﷺ-: \"فحجَّ آدم موسى\"\" (^١).\nالتّقويم:\nالقضاء بالمعاصي لا ينافي وجوب الإيمان بالقضاء والقدر، والاحتجاج به عليها باطل في الشّرع والعقل (^٢).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"ليس لأحد أن يحتجّ بالقدر على الذّنب باتّفاق المسلمين، وسائر أهل الملل، وسائر العقلاء؛ فإنّ هذا لو كان مقبولًا لأمكن كلّ أحد أن يفعل ما يخطر له من قتل النّفوس، وأخذ الأموال، وسائر أنواع الفساد في الأرض ويحتجّ بالقدر.\nونفس المحتجّ بالقدر إذا اعتدي عليه، واحتجّ المعتدي بالقدر لم يقبل منه، بل يتناقض، وتناقض القول يدلّ على فساده، فالاحتجاج بالقدر معلوم الفساد في بداية العقول\" (^٣).\nوأمّا حديث احتجاج آدم وموسى ﵈ الذي أشار إليه ابن حجر في كلامه السّابق، فقد اختلفت مواقف النّاس تجاهه، وتعدّدت مذاهبهم فيه، وكثرت إجاباتهم عنه (^٤).\nوالصّحيح أنّ الحديث لا دلالة فيه لمن احتجّ بالقدر على المعصية؛ ووجه ذلك أنّ الحديث يحتمل أحد أمرين:\n_________\n(^١) المنح المكية (٣/ ١٣٦٢ - ١٣٦٥)، وانظر: فتح المبين (ص ٢٠٠).\n(^٢) انظر: التمهيد (١٨/ ١٥)، مجموع الفتاوى (٨/ ٢٦٢ - ٢٦٨)، منهاج السنة (٣/ ٦٥ - ٧٨)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٨٥٨ - ٨٥٩)، شفاء العليل (١/ ٩٢ - ٩٣)، دفع الشبهة والغرر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدر لمرعي الكرمي (ص ٨٦).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٨/ ١٧٩).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (٨/ ٣٠٣ - ٣٠٥)، درء التعارض (٨/ ٤١٨ - ٤٢٠)، شفاء العليل (١/ ٨١ - ٩٤)، فتح الباري (١١/ ٥٠٩ - ٥١٠)، إيقاظ الفكرة لمراجعة الفطرة للصنعاني (٢/ ٧٠٤)، دفع الشبهة والغرر (ص ٨٠)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٤٦).","vol":"1","page":581},{"text":"الأول: أن يكون احتجاج آدم بالقدر على المصيبة لا على المعصية، والقدر يحتج به على المصائب دون المعايب.\nوالثاني: أن يكون احتجاج آدم بالقدر على المعصية لا على المصيبة، ولكن احتجاجه به بعد وقوعه في المعصية وتوبته منها لدفع ملامة موسى ﵇.\nولا خلاف في جواز الاحتجاج بالقدر في هاتين الحالتين بخلاف ما دونهما، وعليهما يحمل الحديث (^١).\nومما سبق يعلم صحّة ما ذهب إليه ابن حجر ﵀ من بطلان الاحتجاج بالقدر على المعاصي، وتوجيهه احتجاج آدم ﵇ بوقوعه بعد التّوبة ولغرض دفع الملامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>٢ - ردّ القضاء بالدّعاء:</span>\nيقول ابن حجر ﵀: \"قال بعض المبتدعة [بإبطال] الدّعاء من أصله، وقالوا: لا فائدة له؛ لأنّه إن سبق وصول المدعو به للدّاعي، فالدّعاء بوصوله عبث، وإلا فهو عبث أيضًا.\nوردّ عليهم أهل السّنّة:\n... أنّ المقدّرات على قسمين: منها ما أُبرم وهو المعبّر عنه بما في أمّ الكتاب الذي لا يقبل تغييرًا ولا تبديلًا، ومنها ما عُلّق على فعل شيء، وهو المعبّر عنه باللوح المحفوظ القابل للتّغيير والتّبديل، وأصل ذلك قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩] ...\nوكذلك الدّعاء قد يكون المدعو به معلّقًا على الدّعاء فكان للدّعاء فائدة أي فائدة.\nعلى أنّ الدّعاء لا يخيب أبدًا؛ لأنّه إن كان بما عُلِّق على الدّعاء فواضح وجود الفائدة فيه، وعليه يحمل قوله -ﷺ-: \"لا يردّ القضاء إلا\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٩/ ٣١٨)، شفاء العليل (١/ ٩٣ - ٩٥)، شرح الطحاوية (١/ ١٣٥ - ١٣٦).","vol":"1","page":582},{"text":"الدّعاء\" (^١)، وإن كان بما لم يُعلَّق على ذلك ففائدته الثّواب لأنّ الدّعاء من العبادة بل من أنهاها ... وأيضًا فيبدل الله الدّاعي بدل ما دعا به بما لم يقدر له بما هو مثل ذلك، أو أفضل منه، كما يليق بجوده وكرمه وسعة فضله وحلمه ... \" (^٢).\nالتّقويم:\nتواترت آي الكتاب ونصوص السّنّة في الحثّ على الدّعاء، والتّحذير من تركه (^٣).\nقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥].\nوقال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].\nوقال ﷿: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧].\nوقال -ﷺ-: \"الدّعاء هو العبادة\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه في المقدمة، باب ما جاء في القدر (١/ ٣٥) برقم (٩٠)، ووكيع في الزهد (٣/ ٧١١) برقم (٤٠٧)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٤١ - ٤٤٢)، وأحمد (٣٧/ ٦٨) برقم (٢٢٣٨٦)، وهناد في الزهد (٢/ ٤٩١) برقم (١٠٠٩)، والطحاوي في مشكل الآثار (٤/ ١٦٩) برقم (٣٠٦٩)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٠٠) برقم (١٤٤٢)، والحاكم (١/ ٤٩٣)، والبغوي في شرح السنة (١٣/ ٦) من طرق عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن أبي الجعد عن ثوبان -﵁- به.\nوالحديث بهذا الإسناد صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وهما متعقبان بجهالة عبد الله بن أبي الجعد.\nوقد أورده العلامة الألباني في الصحيحة (١/ ٢٣٦) برقم (١٥٤) وحسّنه لشواهده.\n(^٢) الفتاوى الحديثية (ص ١٧١)، وانظر: فتح المبين (ص ٢٧٣)، أسنى المطالب (ص ١١٨).\n(^٣) انظر: الدعاء لمحمد بن فضيل الضبي، والدعاء لحسين بن إسماعيل المحاملي، والدعاء للطبراني، وشأن الدعاء للخطابي (ص ٦)، الدعاء المأثور وآدابه للطرطوشي (ص ٣٧)، الترغيب في الدعاء والحث عليه لعبد الغني المقدسي (ص ١١).\n(^٤) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء (٢/ ١٦١) برقم (١٤٧٩)، والترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء في فضل الدعاء (٥/ ٤٢٦) برقم (٣٣٧٢)، وابن ماجه كتاب الدعاء باب فضل الدعاء (٢/ ١٢٥٨) برقم (٣٨٢٨)، وأحمد (٣٠/ ٢٩٧) برقم (١٨٣٥٢)، والبخاري في الأدب المفرد (ص ٢٤٩) برقم (٧١٤)، والطبراني في الصغير=","vol":"1","page":583},{"text":"\"وإذا أراد الله بعبد خيرًا ألهمه دعاءه والاستعانة به، وجعل استعانته ودعاءه سببًا للخير الذي قضاه له\" (^١).\nوالذي يدلّ عليه الكتاب، والسّنّة، والفطرة، والعقل، والمشاهدة، والحسّ، أنّ الدّعاء سبب من الأسباب وأنّ له تأثيرًا في المطلوب المسؤول كسائر الأسباب المقدّرة والمشروعة، والقول بذلك مذهب أهل الملل كلّهم سوى من شذّ منهم (^٢).\nيقول العلامة ابن أبي العز ﵀: \"الذي عليه أكثر الخلق من المسلمين وسائر أهل الملل وغيرهم أنّ الدّعاء من أقوى الأسباب في جلب المنافع، ودفع المضار ...\nوذهب قوم من المتفلسفة، وغالية المتصوفة إلى أن الدعاء لا فائدة فيه!\nقالوا: لأن المشيئة: الإلهية إن اقتضت وجود المطلوب، فلا حاجة إلى الدعاء، وإن لم تقتضه، فلا فائدة في الدّعاء ...\nوجواب الشّبهة: بمنع المقدمتين.\nفإن قولهم عن المشيئة الإلهية إمّا أن تقتضيه أو لا، ثم قسم ثالث، وهو أن تقتضيه بشرط لا تقتضيه مع عدمه، وقد يكون الدّعاء من شرطه ...\n_________\n= (٢/ ٩٧)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٩١) من طرق عن يُسَيْع الكندي، عن النعمان بن بشير -﵁- به.\nقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\".\nوصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\nوقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٤٩): \"إسناده جيد\".\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧١٢).\n(^٢) انظر: شأن الدعاء للخطابي (ص ٦)، جامع الرسائل (١/ ٨٧)، منهاج السنة (٥/ ٣٦٢)، مجموع الفتاوى (٨/ ١٣٨، ١٩٢، ٥٣٠)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧١٢)، زاد المعاد (٣/ ٤٨١)، مدارج السالكين (٣/ ١٠٤)، شرح الطحاوية (٢/ ٦٨٠)، دفع الشبهة والغرر للكرمي (ص ٧٤)، بحث في أن إجابة الدعاء لا تنافي سبق القضاء للشوكاني ضمن الفتح الرباني (١/ ٣٨٧)، وللاستزادة: الدعاء ومنزلته في العقيدة الإسلامية لجيلان العروسي (١/ ٣١١).","vol":"1","page":584},{"text":"وقولهم: إن اقتضت المشيئة المطلوب فلا حاجة إلى الدّعاء. قلنا: بل قد تكون إليه حاجة، من تحصيل مصلحة أخرى عاجلة وآجلة، ودفع مضرّة أخرى عاجلة وآجلة.\nوكذلك قولهم: وإن لم تقتضه فلا فائدة فيه. قلنا: بل فيه فوائد عظيمة من جلب منافع ودفع مضار كما نبّه عليه النبي -ﷺ-، بل ما يُعجِّل للعبد من معرفته بربّه، وإقراره به، وبأنّه سميع قريب قدير عليم رحيم، وإقراره بفقره إليه، واضطراره إليه، وما يتبع ذلك من العلوم العليَّة، والأحوال الزّكيّة، التي هي من أعظم المطالب\" (^١).\nوبما سبق يعلم صحّة ما ذهب إليه ابن حجر ﵀ في تقريره عدم منافاة الدّعاء للقدر، وردّه على من زعم المعارضة بينهما.\nوأمّا ما ذكره من كون المقادير على قسمين مبرم ومعلّق، وأنّ المقدّرات المعلّقة يقع فيها المحو والإثبات، وهي المعبّر عنها باللوح المحفوظ.\nفمتعقّب بأنّ المحو والإثبات على الصّحيح إنّما هو في المكتوب عند الملائكة، وأمَّا اللوح المحفوظ فلا يقع فيه محو ولا إثبات (^٢)، وهو المراد بأمّ الكتاب في الآية (¬<span data-type=\"title\" id=toc-229>٣).\n\n٣ - زيادة العمر بالبرّ والصلة:</span>\nساق ابن حجر ﵀ جملة من الأحاديث الدّالّة على زيادة العمر بالبرّ والصّلة، ثم عقب عليها بقوله: \"في الأحاديث أنّ صلّة الرّحم تزيد في العمر، وللعلماء فيها قولان هما:\nالأوّل: أنّها زيادة حقيقيّة.\nوالثّاني: أنّها زيادة مجازيّة، والمراد زيادة الأعمال والبركة والآثار\n_________\n(^١) شرح الطحاوية (٢/ ٦٨٠ - ٦٨٢).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٥١٧، ٥٤٠) (١٤/ ٤٨٨ - ٤٩٢)، فتح الباري (٤/ ٣٠٢) (١٠/ ٤١٦) (١/ ٤٨٩)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٤٩).\n(^٣) انظر: تفسير ابن جرير (٧/ ٤٠٣)، تفسير البغوي (٤/ ٣٢٤)، تفسير ابن كثير (٢/ ٥٧٠).","vol":"1","page":585},{"text":"الصّالحة التي يدوم له ثوابها بعد الموت ... \" (^١).\nوقال في موضع آخر: \"الأحاديث المصرّحة بأنّ صلة الرّحم تزيد في العمر محمولة على ظاهرها وأنّ الزّيادة فيها حقيقيّة، أي: بالنّسبة لعلم الملائكة واللوح المحفوظ بأن يكتب به معلّقا، كإن وصل فلان رحمه عاش عشرين سنة، وإلا عاش عشرة، وما في أمّ الكتاب الواقع لا غير، لأنّها علم الله القديم وهو لا تعليق فيه ولا يطّلع أحد عليه.\nوقيل: المراد بالزّيادة في العمر البركة فيه، بأن يبارك له في عشرين مثلًا، فيحصل له من أعمال الخير ما لا يحصله غيره في أربعين مثلًا\" (^٢).\nالتقويم:\nزيادة العمر بالبرّ والصّلة ثابتة بالسّنّة المتواترة، حيث وردت أحاديثها عن سبعة وعشرين صحابيًّا، وتعدّدت طرقها، واختلفت ألفاظها، بما يؤكّد دلالتها، وجمعها غير واحد من أهل العلم وتكلّموا عليها رواية ودراية (^٣)، ومنها:\nحديث أنس بن مالك - ﵁ - أنّ النّبيّ -ﷺ- قال: \"من أحبّ أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه\" (^٤).\nوحديث أبي هريرة -﵁- بنحوه أنّ النبيّ -ﷺ- قال: \"من سرّه أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه\" (^٥).\nوقد اختلفت مذاهب أهل العلم في إثبات الزّيادة وعدمها، وذهبوا فيها مذهبين:\n_________\n(^١) أسنى المطالب (ص ١٣٠)، وانظر: (ص ١١٨)، الإنافة (ص ١٦٢).\n(^٢) الإنافة (ص ٥٤).\n(^٣) انظر: إرشاد ذوي العرفان لِمَا للعمر من الزيادة والنقصان لمرعي الكرمي (ص ٤١)، تنبيه الأفاضل على ما ورد في زيادة العمر ونقصانه من الدلائل للشوكاني (ص ١١)، وللاستزادة: جمع جهود الحفاظ النقلة بتواتر روايات زيادة العمر بالبر والصلة للطفي بن محمد الصغير (ص ٢٧) وما بعدها.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب من أحب البسط في الرزق (٢/ ٦١٦) برقم (٢٠٦٧)، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (٤/ ١٩٨٢) برقم (٢٥٥٧) واللفظ له.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم (٤/ ١٨٩٥) برقم (٥٩٨٥).","vol":"1","page":586},{"text":"أحدهما: القول بعدمها، واستدلّ هؤلاء بعموم النّصوص الدّالّة على تقدير الأعمال وضرب الآجال.\nوالثّاني: القول بإثباتها، واستدلّ هؤلاء بالأحاديث الدّالّة عليها (^١).\nقال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: \"الحقّ أنّ النّزاع لفظي، وأنّ الذي سبق في علم الله لا يتغيّر ولا يتبدّل، وأنّ الذي يجوز عليه التّغيير والتّبديل ما يبدو للنّاس من عمل العامل، ولا يبعد أن يتعلّق ذلك بما في علم الحفظة والموكلين بالآدمي، فيقع فيه المحو والإثبات كالزّيادة في العمر والنّقص، وأمّا ما في علم الله فلا محو فيه ولا إثبات، والعلم عند الله\" (^٢).\nواختلفت أيضًا مذاهبهم في المراد بالزّيادة على مذهبين:\nأحدهما: أنّ الزّيادة حقيقيّة.\nوالثّاني: أنّ الزّيادة مجازيّة.\nوالرّاجح -والله أعلم- الأوّل واعتمده جمع من المحقّقين، منهم: الإمام ابن قتيبة (^٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٤)، والحافظ ابن حجر (^٥)، والعلّامة مرعي الكرمي (^٦)، والعلّامة الشّوكاني (^٧).\nيقول شيخ الإسلام ﵀: \"والجواب المحقّق أنّ الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة، فإذا وصل رحمه زاد في المكتوب، وإن عمل ما يوجب النّقص نقص من ذلك المكتوب\" (^٨).\nوعليه فما ذكره ابن حجر ﵀ في زيادة العمر بالبرّ والصّلة موافق لِمَا عليه المحقّقون من أهل العلم، سوى قوله بوقوع المحو والإثبات في اللوح المحفوظ -وقد سبق تعقّب ذلك-.\n_________\n(^١) انظر: إرشاد ذوي العرفان (ص ٤١)، تنبيه الأفاضل (ص ١١).\n(^٢) فتح الباري (١١/ ٤٨٨)، وانظر: إرشاد ذوي العرفان (ص ٦٤).\n(^٣) انظر: تأويل مختلف الحديث (ص ٢٠٢).\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٩٠ - ٤٩١).\n(^٥) انظر: فتح الباري (١١/ ٤٨٨) (١٠/ ٤١٦).\n(^٦) انظر: إرشاد ذوي العرفان (ص ٦٤).\n(^٧) انظر: تنبيه الأفاضل (ص ٢٩).\n(^٨) مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٩٠ - ٤٩١).","vol":"1","page":587},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>المبحث الثاني آراؤه في أفعال العباد، والهدى والضّلال، وتنزيه الله عن الظّلم</span>\nعرض ابن حجر لمسألة أفعال العباد وما يتّصل بها من الهدى والضّلال، وتنزيه الله سبحانه عن الظّلم، وفيما يلي عرض آرائه وتقويمها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>أولًا: أفعال العباد:</span>\nيرى ابن حجر أنّ أفعال العباد من خلق الله تعالى ومن كسب العباد، فهي تنسب لله خلقًا، وللعباد كسبًا، وأنّه بهذا يفارق القدريّة والجبريّة بزعمه، يقول في ذلك: \"الله تعالى أجرى عادته الإلهيّة في هذا العالم على أسباب ومسبّبات تناط بتلك الأسباب، وينسب وقوعها إليها، نظرًا للصّورة الوجوديّة، وإن كان الكلّ في الحقيقة إنّما هو بقضائه وقدره كما يدلّ على ذلك كلّه قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧].\nفأسند تعالى إليه -ﷺ- الرّمي، وإليهم القتل باعتبار الصّورة الوجوديّة، ونفاهما عنهم باعتبار الحقيقة الإيجاديّة، إشارة إلى أنه يجب علينا رعاية المقامين، بأن نسند الأفعال إلى فاعليها صورة ليمدحوا أو يذمّوا باعتبار جريان تلك الصّور عليهم، وإلى الله حقيقة من حيث عجز العبد عن ذلك وانفراد الحقّ ﵎ به.\nوأن نعتقد بطلان مذهب القدريّة الذين ينفون قدرة الحقّ، ويثبتون قدرة العبد تخيّلًا منهم أنهم فرّوا بذلك عن نسبة القبيح إلى الله تعالى، وغفلة عن","vol":"1","page":588},{"text":"أنّه يلزمهم ما هو أقبح من ذلك وهو أن يجري في ملكه ما لا يشاؤه، على أنّ نسبة أفعال العباد إليه تعالى لا تستلزم نسبة القبيح إليه؛ لأنّ الشّيء إنّما هو قبيح بالنّسبة لفعلنا لا لفعله تعالى لأنّه يتصرّف في ملكه بما يشاء ...\nوأن نعتقد بطلان مذهب الجبرية أيضًا، لأنّه يلزم عليه أن لا ثواب ولا عقاب، ولا مدح ولا ذمّ، لأنّ المجبر المكره على الشّيء من كلّ وجه لم يصدر منه فعل ينسب إليه حتى يُدار عليه حكم ...\nوقد عُلم من الشّريعة الغرّاء أنّ الله تعالى أسند الأفعال لعباده، ومدحهم عليها تارة، وذمّهم أخرى، فنتج ما قلناه من التّوسّط بين المذهبين بأن نظرنا إلى الأفعال من حيث الصّورة وأنطنا بها أحكامًا، ومن حيث الحقيقة وأنطنا بها أحكامًا، لأنّ هذا هو العدل السّويّ، والطّريق الواضح الجليّ\" (^١).\nويقول أيضًا: \"أفعالنا كلّها بقدرته تعالى أوجدها فليس لقدرتنا في إيجادها تأثير البتّة، وإنّما خلق لنا قدرة واختيارًا فحيث لا مانع أوجدها مقارنة لها بالحكمة، فهو مُبدعها والعبد مُكتسبها فيجازى بفعله إن خيرًا فجزاؤه خير وإن شرًّا فالجزاء شرّ ... \" (^٢).\nالتّقويم:\nأفعال العباد قسمان: اضطراريّة واختياريّة.\nفالاضطراريّة: كحركات المرتعش ونبضات العروق ونحو ذلك، وهذه لا خلاف بين النّاس في كونها خارجة عن قدرة العبد.\nوالاختياريّة: ما سوى ذلك (^٣) -وهي محلّ البحث هنا- وقد اختلف الناس فيها، وتعدّدت مذاهبهم تجاهها، وحاصل الكلام عليها ما يلي:\n_________\n(^١) المنح المكية (٣/ ١٣٦٢ - ١٣٦٣)، وانظر: (٢/ ٦٧١)، الزواجر (١/ ١٠٠، ١٠٦، ١٠٨)، الفتاوى الحديثية (ص ٢٧٦).\n(^٢) التعرف (ص ١١١)، وانظر: (ص ١٣١)، الزواجر (١/ ١٠٠، ١٠٢)، فتح المبين (ص ٢٠٠)، غرر المواعظ (ص ٤٠)، الإيعاب (١/ ١٤)، فتح الإله (ص ٦، ١٣٥).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٠٥).","vol":"1","page":589},{"text":"أفعال العباد الاختياريّة لها متعلّقان:\nالأوّل: تعلّقها بالله ﷿ من حيث خلقه لها وعدمه.\nوالثّاني: تعلّقها بالعباد من حيث قدرتهم عليها وعدمها.\nفأهل السّنّة والجماعة قالوا: بأنّ أفعال العباد كلّها من طاعة ومعصية، وخير وشرّ، مخلوقة لله تعالى، وأنّ العباد لهم قدرة على أفعالهم، وهم فاعلون لها على الحقيقة، وهي قائمة بهم، ومنسوبة إليهم، ومن ثم فإنّهم يستحقّون عليها المدح والذّمّ والثّواب والعقاب.\nفجمعوا في قولهم بين المتعلّقين، وقالوا بكلا الجهتين، لدلالة نصوص الوحيين.\nفمن الأدلّة على خلق الله لأفعال العباد:\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].\nوقوله سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩].\nومن الأدلّة على قدرة العباد على أفعالهم ونسبتها لهم حقيقة.\nقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣].\nوقوله سبحانه: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].\nوجمع الله بين الأمرين في قوله ﷿: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠] (^١).\nوقد خالف أهل السّنّة والجماعة في ذلك عامّة الطّوائف والفرق.\nفالجهميّة الجبريّة ومن وافقهم قالوا بالمتعلّق الأوّل دون الثّاني فأثبتوا خلق الله لأفعال العباد ونفوا قدرة العباد عليها، وسووا بين أفعالهم\n_________\n(^١) انظر: خلق أفعال العباد (ص ١٨٨)، عقيدة السّلف وأصحاب الحديث (ص ٢٧٩)، شرح السنة للبغوي (١/ ١٤٢ - ١٤٤)، الانتصار في الرّدّ على المعتزلة القدرية الأشرار للعمراني (١/ ١٦٧)، مجموع الفتاوى (٣/ ٣٧٣ - ٣٧٤) (٨/ ١١٧ - ١١٨، ٤٨٦ - ٤٨٨)، شفاء العليل (١/ ٣٣٣، ٣٦٣)، شرح الطحاوية (١/ ٣٢١) (٢/ ٦٤٠)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٢٩١)، وللاستزادة: أفعال العباد بين أهل السنة ومخالفيهم د. عبد العزيز الحميدي (ص ١٣ - ٩٠).","vol":"1","page":590},{"text":"الاختياريّة وأفعالهم الاضطراريّة (^١).\nوالمعتزلة القدريّة ومن وافقهم قالوا بالمتعلّق الثّاني دون الأوّل فنفوا خلق الله لأفعال العباد، وقالوا بأنّ العباد هم الذين خلقوا أفعالهم، وأثبتوا قدرة العباد المطلقة على أفعالهم (^٢).\nورامت الأشعريّة التّوسّط بين الجبريّة والقدريّة فأحدثت نظريّة الكسب، وحارت أفهامهم في تصوّرها، واضطربت أقوالهم في التّعبير عنها (^٣).\nوحاصلها أنّ الكسب هو الاقتران العادي بين قدرة العبد الحادثة وفعله الواقع بقدرة الله وجدها (^٤).\nوبناء على ذلك قالوا: إنّ أفعال العباد خلق لله وكسب للعباد، وليس لقدرة العبد المخلوقة فيه أثر في فعله، ولكن الفعل يحدث عندها لا بها (^٥).\nوالمتأمّل في كلام ابن حجر -عفا الله عنه- المتقدّم يظهر له موافقته لهم على قولهم.\nوالرّدّ على الكسب الأشعري، وبيان بطلانه يطول، فأكتفي بطرف منه:\n_________\n(^١) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٣٣٨)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٨٧)، الفرق بين الفرق (ص ٢١١)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ١٠٣).\n(^٢) انظر: المغني (٨/ ٨، ١٦، ٤٣) (٩/ ٩٥)، المحيط بالتكليف (ص ٣٤٠)، شرح الأصول الخمسة (ص ٣٣٦) وما بعدها، إنقاذ البشر من الجبر والقدر لعلي بن الحسين الكاظم المرتضى ضمن رسائل العدل (١/ ٢٥٦ - ٣٠٥).\n(^٣) انظر: أصول الدين للبغدادي (ص ١٣٣)، الإرشاد (ص ١٨٨)، الملل والنحل للشهرستاني\n(١/ ٩٧)، القضاء والقدر للرازي (ص ٧٧)، المواقف (ص ٣١١)، وشرحها للجرجاني (٨/ ١٤٥)، غاية المرام (ص ٢٢٣)، شرح المقاصد (٤/ ٢٦٣)، تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد (ص ١٠٤ - ١٠٦).\n(^٤) نقله ابن القيم ﵀ في شفاء العليل (١/ ٣٦٨) عن بعض متأخري الأشاعرة دون تعيينه، واستحسنه في بيان قولهم وتلخيص اختلافهم.\n(^٥) انظر: أصول الدين للبغدادي (ص ١٣٣)، الإرشاد (ص ١٨٨)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٩٧)، القضاء والقدر للرازي (ص ٧٧)، المواقف (ص ٣١١)، وشرحها للجرجاني (٨/ ١٤٥)، غاية المرام (ص ٢٢٣)، شرح المقاصد (٤/ ٢٦٣)، تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد (ص ١٠٤ - ١٠٦).","vol":"1","page":591},{"text":"١ - أنّ النّصوص الشّرعيّة قد دلّت على خلق الله لأفعال العباد وإثبات القدرة لهم عليها، ونسبتها لهم حقيقة، واستحقاقهم المدح والذّمّ والثّواب والعقاب وفقًا لها، وقد تقدّم ذكر بعضها.\n٢ - أنّ القول بالكسب بهذا المعنى قول حادث بعد انقضاء القرون الثّلاثة المفضّلة فلم يعرف القول به إلا في زمن الأشعري.\n٣ - أنّ القول بالكسب بهذا المعنى قول متناقض؛ إذ القائل به لا يستطيع أن يوجد فرقًا بين الفعل الذي نفاه عن العبد، والكسب الذي أثبته له، ولهذا فإن حقيقته القول بالجبر (^١).\n٤ - أنّ القول بالكسب بهذا المعنى قول غير معقول؛ إذ لا حقيقة له ولا حاصل تحته، ولذا شنع أعداء الأشاعرة به عليهم، وعدّه بعض الأشاعرة عقدة تورّط فيها أصحاب الأشعري (^٢).\n٥ - أنّ القول بالكسب بهذا المعنى مبني على أصلين باطلين، قال بهما الأشعري وجمهور أصحابه والتزموا ما يرد عليهما، وهما: القول بأنّ الفعل هو المفعول والخلق هو المخلوق، وأنّ قدرة العبد لا يكون مقدورها إلا مقارنًا للفعل لا خارجًا عنه (^٣).\n٦ - أنّ كبار أعلام الأشاعرة اضطربت أقوالهم في الكسب، وذهب كلّ منهم إلى رأي، وفرّ إلى قول، فمنهم من نحا إلى التّصريح بحقيقة المذهب وهو الجبر، ومنهم من اقترب إلى القول بمذهب أهل السّنّة والجماعة في ذلك، ومنهم من سعى إلى النّهوض بالمذهب الأشعري من عثرته وتوجيه قول إمامه بما لا يوافقه عليه أصحابه الأشاعرة فضلًا عن غيرهم (^٤).\nوبما سبق إيراده في الرّدّ على الكسب الأشعري يتّضح خطأ ابن حجر -عفا الله عنه- في قوله به، وتقريره له.\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١١٩، ٣٨٧، ٤٠٣ - ٤٠٧)، منهاج السنة (٣/ ٢٠٩).\n(^٢) انظر: منهاج السنة (٣/ ١٠٩)، شفاء العليل (١/ ٣٧٠).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١١٩ - ١٢٠).\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٢٨ - ١٢٩)، شفاء العليل (١/ ٣٦٩).","vol":"1","page":592},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>ثانيًا: الهدى والضّلال:</span>\nيرى ابن حجر -عفا الله عنه- أنّ الهدى والضّلال بخلق الله وإرادته، وأنّ الهداية والإضلال محض فعل الله تعالى، لا فعل للعبد فيهما، ولا دخل له في واحد منهما.\nيقول عقب إيراده لقوله سبحانه: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٧ - ٨].\n\"اعلم أنّ في هذه الآية دلالة ظاهرة وحجّة واضحة لردّ ما عليه المعتزلة، والحقيقة ما عليه أهل السّنّة من أنّ الزّيغ والهداية بخلق الله وإرادته.\nوبيانه: أنّ القلب صالح للميل إلى الخير وإلى الشّرّ، وإلى الإيمان وإلى الكفر، ومُحال أن يميل إلى أحدهما بدون داعية بل لا بدّ في ميله لذلك من حدوث داعية وإرادة يُحدثها الله تعالى، فإن كان داعية الكفر فهو الخذلان والإزاغة والصد والختم والطّبع والرّين والقسوة والوقر والكنان وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن، وإن كان داعية الإيمان فهو التّوفيق والإرشاد والهداية والتّسديد والتّثبيت والعصمة وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن\" (^١).\nويقول أيضًا: \"أمر الله تعالى عباده أن يسألوه في كلّ ركعة من صلاتهم اهدنا الصراط المستقيم، وفي هذه الجملة دليل لقول أهل الحقّ أنّ الهداية والضّلال من خلق الله وإيجاده لا دخل للعبد في واحد منهما خلافًا للمعتزلة.\nقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١]، ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٥، التكوير: ٢٩]، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات].\nوأصرح من ذلك في إبطال مذهبهم الفاسد أنّه تعالى أراد هداية\n_________\n(^١) الزواجر (١/ ٨٨).","vol":"1","page":593},{"text":"الجميع قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥] فعمّ الدّعوى وخصّ الهداية ... \" (^١).\nالتّقويم:\nوردت النّصوص بإثبات الهداية لمن شاء الله هدايته والإضلال لمن شاء إضلاله.\nقال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦].\nوقال سبحانه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].\nوقال ﷿: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدّثّر: ٣١].\nووردت النّصوص أيضًا بإضافة الهدى والضّلال إلى العباد.\nقال تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس: ١٠٨].\nوقال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القلم: ٧].\nواختلف الناس في المراد بهما وفاعلهما هل هو الله ﷿ أم العبد بناء على اختلافهم في أفعال العباد.\nفذهبت المعتزلة القدريّة إلى أنّ الهداية والإضلال من فعل العبد لا فعل الله تعالى، وأنّ المراد بهما في حقّ الله تعالى تسميته سبحانه من شاء من خلقه مهتديًا وضالًا (^٢).\nوذهبت الجهميّة الجبريّة إلى أنّ الهداية والإضلال من فعل الله لا فعل العبد، وأنّ المراد بهما في حقّ الله تعالى ما يخلقه سبحانه في العبد دون\n_________\n(^١) فتح المبين (١٩٤ - ١٩٥)، وانظر: (ص ١٣)، تطهير العيبة (ص ٩)، المنح المكية (١/ ٢٨٤)، التعرف (ص ١١١)، الإيعاب (١/ ٢٢، ٤٤).\n(^٢) انظر: تنزيه القرآن عن المطاعن للقاضي عبد الجبار (ص ١٩، ٤٤٣)، رسائل العدل والتوحيد (٢/ ٢٩ - ٥٢، ٨٥) الكشاف (١/ ٢٦ - ٢٧).","vol":"1","page":594},{"text":"فعل منه أو اختيار (^١).\nواضطرب الأشاعرة في ذلك بناء على اضطرابهم في الكسب وحقيقته، فقالوا: إنّ الهداية والإضلال فعل الله لا فعل العبد يخلقهما ﷾ في العبد، وليس للعبد فيهما دخل ولا اختيار، فوافقوا بقولهم هذا الجهميّة الجبريّة (^٢).\nوالحقّ هو ما عليه أهل السّنّة والجماعة من أنّ الهداية والإضلال فعل الله تعالى، والاهتداء والضّلال فعل العبد.\nوأنّ المراد بالهداية في حقّه سبحانه: بيانه ﷿ الحقّ وإرشاده له، وتوفيقه وتسديده من شاء من خلقه إليه.\nوالمراد بالإضلال في حقّه تعالى: إضلاله ﷿ من شاء من خلقه بأن يكلهم إلى أنفسهم ولا يعينهم على الخير فيضلّون فيعاقبهم بجنس عملهم.\nوالمراد بالاهتداء والضلال في حقّ العبد: أنّه فاعل الهدى والضّلال والطّاعة والعصيان على الحقيقة، وليس فاعل ذلك أحدًا غيره (^٣).\nيقول العلّامة ابن القيّم ﵀ في تقرير ذلك: \"اتّفقت رسل الله من أوّلهم إلى آخرهم، وكتبه المنزّلة عليهم على أنّه سبحانه يضلّ من يشاء، ويهدي من يشاء، وأنّه من يهده الله فلا مُضِلّ له، ومن يُضْلِل فلا هادي له، وأنّ الهدى والإضلال بيده لا بيد العبد، وأنّ العبد هو الضّالّ أو المهتدي، فالهداية والإضلال فعله سبحانه وقدره، والاهتداء والضّلال فعل العبد وكسبه\" (^٤).\nومما سبق يتّضح أنّ ما قرّره ابن حجر -عفا الله عنه- في هذه المسألة وعزاه إلى أهل السّنّة وأهل الحقّ، وانتصر له وَرَدّ على من خالفه هو مذهب أصحابه الأشاعرة.\n_________\n(^١) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٣٣٨)، الفرق بين الفرق (ص ٢١١)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٨٧).\n(^٢) انظر: أصول الدين للبغدادي (ص ١٤٠)، الإرشاد (ص ١٨٩)، القضاء والقدر للرازي (ص ٩٥)، المواقف (ص ٣١٩)، وشرحها للجرجاني (٨/ ١٦٩)، شرح المقاصد (٤/ ٣٠٩).\n(^٣) انظر: الانتصار للعمراني (١/ ٢٧٦) وما بعدها، مدارج السالكين (١/ ٤١٣)، شفاء العليل (١/ ٢٢٩)، شرح الطحاوية (١/ ١٣٧)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٣٤).\n(^٤) شفاء العليل (١/ ٢٢٩).","vol":"1","page":595},{"text":"وقولهم هذا مبني على قولهم بالكسب في أفعال العباد، وقولهم بنفي تأثير الأسباب والطّبائع. وهما باطلان، وما بني على باطل فهو باطل.\nوالرّدّ عليهم من طريقين:\nأحدهما: النّقض:\nبأن يُقال إنّ حقيقة هذا القول هو الجبر، إلا أنّ الجهميّة صرّحوا به، والأشاعرة امتنعوا عن ذلك وتستّروا تحت مسمّى الكسب.\nولهذا فإنّ الرّازي وهو من كبار الأشاعرة لَمّا أيقن بذلك صرّح بالجبر، وامتنع عن التزام لوازمه، وقال: \"إنّ الإنسان مضطر في اختياره، وإنّه ليس في الوجود إلا الجبر\" (^١).\nولا ريب في بطلان القول بالجبر، وقد تقدّم في كلام ابن حجر بيان ذلك والرّدّ على القائلين به، فكلامه هنا منقوض بكلامه هناك.\nثانيهما: المعارضة:\nبما تقدّم إيراده من الأدلّة الشّرعيّة الدّالّة على أنّ العبد فاعل لفعله حقيقة، والاهتداء والضّلال منسوب إليه.\nويتبيّن مِمّا سبق خطأ ابن حجر -عفا الله عنه- في هذه المسألة، ومجانبته لقول أهل السّنّة والجماعة فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>ثالثًا: تنزيه الله عن الظّلم:</span>\nيرى ابن حجر -عفا الله عنه- أنّ الظّلم مستحيل على الله تعالى؛ لأنّ معناه ممتنع في حقّه سبحانه.\nيقول في ذلك: \"الظّلم لغة: وضع الشّيء في غير محلّه ...\nوهو مستحيل عليه تعالى؛ إذ هو تصرّف في حقّ الغير بغير حقّ أو مجاوزة الحدّ وكلاهما مُحال؛ إذ لا مُلك ولا حقّ لأحد معه بل هو الذي خلق المالكين وأملاكهم، وتفضّل عليهم بها وحدّ لهم الحدود، وحرّم وأحلّ فلا حاكم معه يتبعه ولا حقّ يترتّب عليه، تعالى الله عن ذلك علوًّا\n_________\n(^١) المباحث المشرقية (٢/ ٥٤٤).","vol":"1","page":596},{"text":"كبيرًا، وما ذُكر من استحالة الظّلم عليه تعالى هو قول الجمهور.\nوقيل: بل هو متصوّر منه لكنّه لا يفعله عدلًا منه وتنَزّهًا عنه ... وهو غير سديد\" (^١).\nالتّقويم:\nوردت النّصوص بِتَنْزِيه الله عن الظّلم، وتحريمه سبحانه له على نفسه.\nقال تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨].\nوقال سبحانه: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].\nوقال ﷿: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩].\nوقال -ﷺ-: \"قال الله تعالى: يا عبادي إنّي حرّمت الظّلم على نفسي وجعلته بينكم مُحرّمًا فلا تظالموا ... \" (^٢).\n\"وقد اتّفق المسلمون وغيرهم على أنّ الله مُنَزّه عن الظّلم\" (^٣).\nواختلفوا في حقيقته، ومعنى تنزيه الله عنه:\nفذهبت القدريّة من المعتزلة ومن تبعهم إلى أنّ الظّلم الذي يُنَزّه عنه الخالق من جنس الظّلم الذي يُنَزّه عنه المخلوق.\nفقالوا: إنّ الظلّم إضرار لا نفع فيه للمفعول به، ولا رفع لضرر آخر عنه، ولا هو مستحقّ له فإذا اتّفقت هذه الأمور عن أيّ فعل فإنّه يكون ظلمًا، ويستوي في ذلك الخالق والمخلوق (^٤).\nوذهبت الجبريّة من الجهميّة ومن تبعهم من الأشاعرة وغيرهم إلى أنّ الظّلم هو الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، وكلّ ممكن فهو في حقّه عدل.\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ١٩١ - ١٩٢)، وانظر: العمدة (ص ٤١١)، فتح الإله (ص ٥٢٥).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم (٤/ ١٩٩٤) برقم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر -﵁- به.\n(^٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٥٠٥).\n(^٤) انظر: شرح الأصول الخمسة (ص ٣٤٥ - ٣٤٦)، المحيط بالتكليف (ص ٢٥١)، المختصر في أصول الدين للقاضي عبد الجبار ضمن رسائل العدل والتوحيد (١/ ٢٥٧).","vol":"1","page":597},{"text":"فقالوا: الظّلم هو التّصرّف في ملك الغير أو مخالفة الآمر الذي تجب طاعته، وكلاهما ممتنع في حقّه سبحانه، فالظّلم مستحيل عليه، ومعناه غير متحقّق فيه (^١).\nوالأصل الذي تفرّعت عنه مذاهبهم قولهم في أفعال العباد، وذلك أنّ أفعال العباد إن كانت من خلق الله تعالى كان عذابهم عليها ظلمًا؛ إذ كيف يعذبون على ما خلق فيهم؟\nومن ثم اختلفوا في أفعال العباد، وانبنى على اختلافهم فيها اختلافهم في حقيقة الظّلم ومعنى تنزيه الله عنه.\nوالحقّ أنّ الظّلم في اللغة: وضع الشّيء في غير موضعه (^٢)، وهو في الشّرع بمعناه في اللغة (^٣).\nفالله سبحانه حكم عدل يضع الأشياء مواضعها فلا يضع شيئًا إلا في موضعه الذي يناسبه، فلا يفرّق بين متماثلين ولا يسوّي بين مختلفين.\nوهو سبحانه حرّم الظّلم على نفسه بفعله وإرادته بعد قدرته عليه تفضّلًا منه سبحانه، وعدلًا منه ﷿.\nوقد فسّره سلف الأمّة وأئمّتها بأنّه لا يُحمّل المرء سيئات غيره، ولا يعذّبه بما لم تكسب يداه، وأنّه لا ينقص من حسناته فلا يجازى بها أو ببعضها (^٤).\nوهذا هو الظّلم الذي نفى الله خوفه عن العبد بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ\n_________\n(^١) انظر: التمهيد للباقلاني (ص ٣٨٤)، الاقتصاد في الاعتقاد. للغزالي (ص ١١٥)، أصول الدين (ص ١٣١)، المواقف (ص ٣٢٢)، تحفة المريد (ص ١١١).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة (٣/ ٢٢٤٨)، معجم مقاييس اللغة (ص ٦٤١)، الصحاح (٥/ ١٩٧٧)، لسان العرب (١٢/ ٣٧٠٣)، القاموس المحيط (ص ١٤٦٤).\n(^٣) انظر: جامع الرسائل (١/ ١٢٣).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (١/ ١٢٤)، مجموع الفتاوى (٨/ ٥٠٥)، درء التعارض (٨/ ٢٣)، منهاج السنة (٢/ ٢٣٦)، مفتاح دار السعادة (٢/ ١٠٧)، شفاء العليل (٢/ ٧٥٣ - ٧٥٤)، مدارج السالكين (١/ ٢٣٦)، شرح الطحاوية (٢/ ٦٥٩)، دفع الشبهة والغرر (ص ١١٨ - ١٣١)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٢٨٨).","vol":"1","page":598},{"text":"الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه: ١١٢]، قال المفسّرون: لا يخاف أن يحمل عليه سيّئات غيره، ولا ينقص من حسناته، وقيل: يظلم بأن يؤاخذ بما لم يعمل، وقيل: لا يخاف ألا يجزى بعمله (^١).\nوبناء على ما سبق فما قرّره ابن حجر -عفا الله عنه- في هذه المسألة، وعزاه للجمهور هو قول أصحابه الأشاعرة.\nوالرّدّ عليهم من طريقين:\nأحدهما: النّقض، فيقال:\nأولًا: إنّ الله مدح نفسه بعدم إرادة الظّلم، وعدم فعله، والمحال الذي لا يمكن، ولا يكون، لا يصحّ أن يمدح بعدم إرادته ولا فعله، ولا يحمد عليه؛ لأنّه ممتنع في نفسه وإنّما يكون المدح بترك الأفعال لمن هو قادر عليها، وتَنَزّه عنها (^٢).\nثانيًا: إنّ القول بأنّ الظّلم هو التّصرّف في ملك الغير، غير مطّرد ولا منعكس؛ فإنّ الإنسان قد يتصرّف في ملك غيره بحقّ ولا يكون ظالمًا، وقد يتصرّف في ملكه بغير حقّ فيكون ظالمًا، وظلم العبد نفسه كثير في القرآن الكريم (^٣).\nوكذا القول بأنّ الظّلم مخالفة الآمر الذي تجب طاعته وأنّه لا يكون إلا من مأمور منهي فإنّه باطل، بدلالة الحديث المتقدّم \"إنّي حرّمت الظّلم على نفسي\" فالله تعالى هو من كتب على نفسه الرّحمة، وحرّم على نفسه الظّلم (^٤).\nثالثًا: أنّ نفي الظّلم عن الله تعالى بطريق السّلب المحض باطل؛ لأمرين:\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن جرير (٨/ ٤٦٢)، تفسير ابن أبي زمنين (٣/ ١٢٩)، ثفسير السمعاني (٣/ ٣٥٧)، تفسير البغوي (٥/ ٢٩٦٠)، تفسير ابن كثير (٣٠/ ١٨٤).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٤٤)، مفتاح دار السعادة (٢/ ١٠٦)، شفاء العليل (٢/ ٧٥٤)، شرح الطحاوية (٢/ ٦٦٠).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٤٥).\n(^٤) انظر: شرح الطحاوية (٢/ ٦٦٠).","vol":"1","page":599},{"text":"١ - أنّ الله تعالى لا يوصف بالسّلب المحض الذي لا يتضمّن إثباتًا؛ لأنّ السّلب المحض ليس فيه مدح ولا كمال، لأنّه عدم محض، ليس بشيء، وما ليس بشيء، هو كما قيل ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا (^١).\n٢ - أنّ نفي الظّلم عن الله تعالى بطريق السّلب المحض يتضمّن أعظم القدح في الله ﷿؛ ذلك أنّ فيه تشبيهًا لله تعالى بالجمادات التي لا تقبل الاتّصاف بصفات النّقص، فضلًا عن صفات الكمال (^٢).\nرابعًا: أنّ ما استدلّوا به من النّصوص حقّ يجب القول بموجبها، لكن ليس فيها ما يدلّ على مذهبهم، وقد استوفى ذكرها والرّدّ عليها العلّامة ابن القيّم ﷿ بما لا مزيد عليه (^٣).\nوالآخر: المعارضة:\nبما تقدّم ذكره من الأدلّة الدّالّة على حقيقة الظّلم، وأقوال السّلف في تفسيرها.\nوبما سبق يتّضح بطلان ما ذهب إليه ابن حجر -غفر الله له- ومخالفته لمذهب أهل السّنّة والجماعة في هذه المسألة.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: التدمرية (ص ٥٧ - ٥٨).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (ص ٣٨، ٦٢، ١٥٩)، الصفدية (١/ ٩٠).\n(^٣) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ١٠٨ - ١١٠).","vol":"1","page":600},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>المبحث الثّالث آراؤه في التّحسين والتّقبيح، والحكمة والتّعليل في أفعال الله، وتكليف ما لا يطاق</span>\n* * *\nتحدّث ابن حجر ﵀ عن التّحسين والتّقبيح، والحكمة والتّعليل في أفعال الله، وتكليف ما لا يطاق، وقرّر ما يراه فيها، وفيما يلي بيان آرائه وتقويمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>أولًا: التّحسين والتّقبيح:</span>\nيرى ابن حجر -غفر الله له- أنّ التّحسين والتّقبيح شرعيّان لا عقليّان، وأنّه لا حكم بحسن ولا قبح ولا ثواب ولا عقاب قبل ورود الشّرع، ويردّ على من قال بخلاف ذلك، حيث يقول: \"اعلم أنّ الذي قرّره وأطبق عليه الأئمّة الأشاعرة الشّافعيّة وغيرهم أئمّة النّقل والأصول والفقه أنّه لا حكم قبل ورود الشّرع، وأنّ تحكيم المعتزلة للعقل باطل، وكذا قول بعضٍ إنّ الإيمان وحده يجب بالعقل ...\nفقد قامت الأدلّة المقرّرة في الأصول أنّه لا حكم قبل الشّرع، من جملتها قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].\nقال المحقّقون: معناه لا عذاب على أحد في شيء فعله إلا بعد أن تبلغه دعوة نبيّ له ولم يؤمن به، وقيل في الآية غير ذلك ولا تعويل عليه عند المحقّقين؛ لأنّ ما قلناه هو ظاهرها الذي لا يتبادر ذهن من له أدنى ذوق إلا إليه\" (^١).\n_________\n(^١) المولد الشريف (ص ٦٥).","vol":"1","page":601},{"text":"ويقول أيضًا: \"لا حكم قبل الشّرع؛ إذ لا يستقلّ العقل بإدراك حسن ولا قبيح من حيث ترتّب ثواب أو عقاب بل من حيث صفة الكمال أو النّقص وملاءمة الطّبع ومنافرته له ... \" (^١).\nالتّقويم:\nالتّحسين والتّقبيح: الحكم على الشّيء بكونه حسنًا أو قبيحًا، والحسن والقبح ضدّان (^٢).\nوقد اختلف النّاس فيهما هل هما عقليّان أم شرعيّان، وهل يثبتان للأفعال ثبوت الصّفات الذّاتيّة أو الإضافيّة؟\nفذهب جمهور المعتزلة ومن وافقهم إلى أنّهما عقليّان لا شرعيّان، وزعموا أنّ الحسن والقبح صفتان ذاتيتان للأفعال، والعقل يستقلّ بإدراكهما، والشّرع إنّما هو كاشف ومبيّن لتلك الصّفات فقط.\nوقالوا: إنّ الثّواب والعقاب مترتّبان على التّحسين والتّقبيح العقليين، وإن لم يرد الشّرع بذلك (^٣).\nوذهب جمهور الأشاعرة ومن وافقهم إلى أنّ التّحسين والتّقبيح شرعيّان لا عقليّان، وزعموا أنّ الحسن والقبح صفتان إضافيّتان في الأفعال فلا تُدرك بالعقل وإنّما بالشّرع، وعليه فلا يحكم بهما إلا بعد وروده.\nوقالوا: إنّ الثّواب والعقاب مترتّبان على التّحسين والتّقبيح الشّرعيّين، ولا عبرة فيهما بتحسين العقل وتقبيحه (^٤).\n_________\n(^١) التعرف (ص ١٣ - ١٤)، وانظر: فتح المبين (ص ١٦٠)، المنح المكية (١/ ١٥٥) (٢/ ٨٩٢)، الفتاوى الحديثية (ص ٣٩٥)، فتح الإله (ص ٦٧٦).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة (١/ ٨٢١) (٣/ ٢٨٧٠)، معجم مقاييس اللغة (ص ٢٦٢) (ص ٨٧٠)، الصحاح (٥/ ٢٠٩٩) (١/ ٣٩٣)، لسان العرب (١٣/ ١١٤) (٢/ ٥٥٢)، القاموس المحيط (ص ١٥٣٥) (ص ٣٠٠).\n(^٣) انظر: المغني (٦/ ٢٦، ٣٠، ٣١، ٣٤)، المحيط بالتكليف (ص ٢٣٥، ٢٣٩، ٢٥٤).\n(^٤) انظر: نهاية الإقدام (ص ٣٧٠)، الإرشاد (٢٢٨)، محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين =","vol":"1","page":602},{"text":"وهدى الله أهل السّنّة والجماعة لِمَا اختلفوا فيه من الحقّ بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فقالوا: بأنّ التحسين والتقبيح شرعيّان وعقليّان، والأفعال من حيث هي قد يدرك العقل حسنها وقبحها قبل ورود الشّرع وقد لا يدرك ذلك، إلا أنّ الثّواب والعقاب في الجميع معلّق على ورود الشّرع (^١).\nيقول العلّامة ابن القيّم - ﵀ -: \"الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة، كما أنّها نافعة وضارّة، والفرق بينهما كالفرق بين المطعومات والمشمومات والمرئيّات، ولكن لا يترتّب عليهما ثواب ولا عقاب إلا بالأمر والنّهي، وقبل ورود الأمر والنّهي لا يكون قبيحًا موجبًا للعقاب مع قبحه في نفسه، بل هو في غاية القبح، والله تعالى لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرّسل، فالسّجود للشّيطان والأوثان، والكذب والزّنا، والظّلم والفواحش، كلّها قبيحة في ذاتها، والعقاب عليها مشروط بالشّرع\" (^٢).\n\"وقد دلّ القرآن ... أنّه لا عقاب إلا بإرسال الرّسل، وأنّ الفعل نفسه حسن وقبيح، ونحن نبيّن دلالة الأمرين.\nأمّا الأوّل: ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وفي قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وفي قوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩] ...\nوأمّا الأصل الثاني - وهو دلالته على أنّ الفعل في نفسه حسن وقبيح - فكثير جدًّا، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا\n_________\n= (ص ٢٠٢) المواقف (ص ٣٢٣)، وشرحها (٨/ ١٨١ - ١٨٢)، شرح المقاصد (٤/ ٢٨٢).\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٩٠ - ٩٣، ٤٢٨، ٤٣١) (٣/ ١١٤ - ١١٦)، الرد على المنطقيين (ص ٤٢٠ - ٤٢٤)، منهاج السنة (٢/ ٤١)، مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٧ - ٤٧)، مدارج السالكين (١/ ٢٣١ - ٢٣٤)، إيقاظ الفكرة (١/ ٤٥٧)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٢٨٤).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٢٣١).","vol":"1","page":603},{"text":"بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠) يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٢٨ - ٣٣].\nفأخبر سبحانه أنّ فعلهم فاحشة قبل نهيه عنه، وأمر باجتنابه بأخذ الزينة ...\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي: لا يأمر بما هو فاحشة في العقول والفطر، ولو كان إنّما عُلم كونه فاحشة بالنّهي، وأنّه لا معنى لكونه فاحشة إلا تعلّق النّهي به، لصار معنى الكلام: إنّ الله لا يأمر بما ينهى عنه، وهذا يُصان عن التّكلّم به آحاد العقلاء فضلًا عن كلام العزيز الحكيم ...\nثم قال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] دلّ على أنّه طيّب قبل التّحريم، وأنّ وصف الطّيب فيه مانع من تحريمه مناف للحكمة.\nثم قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، ولو كان كونها فواحش إنّما هو لتعلّق التّحريم بها، وليست فواحش قبل ذلك، لكان حاصل الكلام: قل إنّما حرّم ربّي ما حَرَّم. وكذلك تحريم الإثم والبغي، فكون ذلك فاحشة وإثمًا وبغيًا بمنزلة كون الشّرك شركًا، فهو شرك في نفسه قبل النّهي وبعده ... \" (^١).\nوعليه فما قرّره ابن حجر - عفا الله عنه - في هذه المسألة موافق لقول الأشاعرة والرّدّ عليه من طريقين:\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٢٣٢ - ٢٣٤).","vol":"1","page":604},{"text":"أحدهما: النّقض، فيقال:\nأولًا: إنّ القول بأنّ التّحسين والتّقبيح شرعيّان لا عقليّان مبني على القول بعدم تعليل أفعال الله تعالى - وهو ما قرّره الأشاعرة ومنهم ابن حجر - والتزموا لوازمه (^١)، وهو باطل - كما سيأتي (^٢) - وما بني على باطل فهو باطل.\nثانيًا: إنّ ما قرّره الأشاعرة ومنهم ابن حجر في التّحسين والتّقبيح يناقض قولهم بوجوب النّظر أو القصد إليه - كما سبق - (^٣) وقولهم بالكمال والنّقص في الأفعال وأنّها تُدرك بالعقل؛ إذ الكمال بمعنى التّحسين والنّقص بمعنى التّقبيح (^٤).\nثالثًا: أنّ القول بأنّ التّحسين والتّقبيح شرعيّان لا عقليّان يلزم منه أن تكون الأفعال كلّها سواء في نفس الأمر، وأنّها غير منقسمة في ذواتها إلى حسن وقبيح، ومصلحة ومفسدة، فلا فرق بين السّجود للرّحمن والسّجود للشّيطان، ولا بين الصّدق والكذب، ولا بين العدل والظّلم سوى في الأمر والنّهي، وهو من أبطل الباطل (^٥).\nرابعًا: أنّ أئمّة الأشاعرة القائلين بهذا القول قد اضطربوا في سياق أدلّته وتقريرها، وقدح بعضهم في أدلّة بعض؛ بما يضعف قولهم، ويغني عن تكلّف البحث فيه (^٦).\nوما ذكره ابن حجر - غفر الله له - من الاستدلال عليه بقوله - ﷿ -: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] متعقب بكون الآية إنّما تدلّ على عدم المؤاخذة على الأفعال قبل إرسال الرّسل وورود الشّرع، دون نفي الحسن والقبح عن الأفعال نفسها - وهي محلّ البحث هنا - (^٧).\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٢٨).\n(^٢) انظر: (ص ٦٠٦).\n(^٣) انظر: (ص ١٠٩).\n(^٤) انظر: إيقاظ الفكرة (١/ ٤٦٥).\n(^٥) انظر: مدارج السالكين (١/ ٢٣٠).\n(^٦) انظر: المحصول للرازي (١/ ١٢٤) وما بعدها، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٨٢) وما بعدها، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (١/ ٢٠٢) وما بعدها.\n(^٧) انظر: تفسير ابن جرير (٨/ ٥٠)، تفسير ابن كثير (٣/ ٣٣).","vol":"1","page":605},{"text":"والآخر: المعارضة:\nبما تقدّم ذكره من الأدلّة الدّالّة على أنّ الفعل نفسه حسن وقبيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>ثانيًا: الحكمة والتّعليل في أفعال الله:</span>\nيرى ابن حجر - عفا الله عنه - أنّ أفعال الله تعالى معلّلة بحكم موضّحة لأفعاله لا مترتّبة عليها.\nيقول في ذلك: \"أفعال الله هل تعلّل؟\nقيل: نعم؛ لأنّ فعلًا لا علّة له عبث والله مُنَزّه عنه، ولأنّ القرآن مملوء من تعليل أفعاله تعالى نحو ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥].\nوقيل: لا؛ لأنّ كلّ من فعل فعلًا لعلّة كان مستكملًا بها ما لم يكن له قبلها فيكون ناقصًا بذاته كاملًا بغيره، والنّقص على الله تعالى مُحال، ورد بمنع الكلّيّة وأنّ ذلك لا يلزم إلّا في حقّ المخلوقين.\nوالتّحقيق: أنّ أفعاله تعالى معلّلة بحكم غايتها تعود لنفع المكلّفين وكمالهم لا لنفع الله تعالى وكماله؛ لاستغنائه بذاته عمّا سواه، فتلك العلل حكم موضّحة لأفعاله لا أغراض باعثة عليها لأنّه تعالى مُنَزّه عن أن يبعثه شيء على شيء\" (^١).\nالتّقويم:\nمسألة الحكمة والتّعليل في أفعال الله \"من أجل مسائل التّوحيد المتعلّقة بالخلق والأمر، والشّرع والقدر\" (^٢).\nوالمراد بها: \"هل أفعال الرّبّ تعالى وأوامره معلّلة بالحكم والغايات؟ \" (^٣).\nوقد اختلف النّاس فيها، وتعدّدت مذاهبهم تجاهها:\nفذهب الأشاعرة إلى نفي الحكمة والتّعليل في أفعال الله تعالى، وقالوا: بأنّ الفعل غير مرتّب على الحكمة بل هو محض المشيئة وصرف\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ٢١٢)، وانظر: الزواجر (٢/ ٨٨).\n(^٢) مفتاح دار السعادة (٢/ ٤٢).\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ٤٢).","vol":"1","page":606},{"text":"الإرادة؛ إذ لو كان مترتبًا عليها لكان الله محتاجًا إليها في فعله منتفعًا بها.\nومن ثم قالوا بعدم تعليل أفعال الله سبحانه (^١).\nوذهب المعتزلة إلى إثبات الحكمة والتّعليل في أفعال الله تعالى، وقالوا: بأنّ الفعل مترتّب على الحكمة، وأجابوا عمّا أورده الأشاعرة بأنّ الحكمة تعود إلى المخلوق لا إلى الخالق فهي حكمة مخلوقة منفصلة عنه سبحانه.\nومن ثَمّ قالوا بتعليل أفعاله تعالى (^٢).\nوهدى الله أهل السّنّة والجماعة للقول الحقّ والسّبيل الوسط، فقالوا: بأنّ الله تعالى حكيم، ولا يخلو فعل من أفعاله تعالى عن حكمة.\nوالحكمة مقصودة له سبحانه، يفعل لأجلها لأنّه يحبّها ويرضاها، والفعل مترتّب عليها، وليست هي مترتّبة على الفعل وحاصلة عقيبه كما يقول الأشاعرة، ولا مخلوقة منفصلة عنه كما يقول المعتزلة (^٣).\nإذ الحكمة تتضمّن شيئين:\nأحدهما: حكمة تعود إلى الله تعالى يحبّها ويرضاها فهي صفة له، تقوم به؛ لأنّ الله لا يوصف إلا بما قام به.\nوثانيهما: حكمة تعود إلى عباده، هي نعمة عليهم يفرحون ويلتذون بها في المأمورات والمخلوقات (^٤).\n_________\n(^١) انظر: نهاية الإقدام (ص ٣٩٧)، محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين (ص ٢٠٥)، المواقف (ص ٣٣١)، وشرحها (٨/ ٢٠٢)، شرح المقاصد (٤/ ٢٩٦)، غاية المرام (ص ٢٢٤)، تحفة المريد (ص ٩٦).\n(^٢) انظر: المغني (٦/ ٤٨) (١١/ ٩٢ - ٩٣)، والمختصر في أصول الدين للقاضي عبد الجبار ضمن رسائل العدل والتوحيد (١/ ٢٠٣).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٧ - ٣٩، ٨١ - ٩٧، ٣٧٧)، منهاج السنة (١/ ١٤١)، بيان تلبيس الجهمية (٩٨/ ١١، ٢١٤)، مفتاح دار السعادة (٢/ ٤٢)، شفاء العليل (٢/ ٥٣٧)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٢٨٠)، وللاستزادة: الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى للدكتور محمد بن ربيع المدخلي.\n(^٤) انظر: منهاج السنة (١/ ١٤١)، مجموع الفتاوى (٨/ ٣٤).","vol":"1","page":607},{"text":"والحكمة العائدة إليه سبحانه، والمتعلّقة بأفعاله نوعان:\n١ - حكمة مطلوبة لذاتها، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].\n٢ - حكمة مطلوبة لغيرها وتكون وسيلة إلى مطلوب لنفسه، كما في قوله - ﷿ -: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣] (^١).\nوحكمته سبحانه بنوعيها لا يحاط بها علمًا، وبعضها معلوم للخلق، وبعضها مِمّا يخفى عليهم.\nيقول العلّامة ابن القيّم - ﵀ -: \"الله سبحانه حكيم، لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل، وقد دلّ كلامه وكلام رسوله على هذا في مواضع لا تكاد تُحصى\" (^٢).\nومما سبق يتّضح اضطراب ابن حجر - عفا الله عنه - في هذه المسألة فقد وافق أهل السّنّة في إثبات الحكمة والتّعليل في أفعال الله، ووافق الأشاعرة في قوله بأن \"تلك العلل حكم موضحة لأفعاله لا أغراض باعثة عليها\" فوقع بذلك في التّناقض؛ إذ القول بإثبات الحكمة والتّعليل يناقض القول بأنّها موضّحة لأفعاله لا باعثة عليها، ولهذا طرد أهل السّنّة والجماعة قولهم، وطرد الأشاعرة قولهم.\nوقول ابن حجر: \"بأنّ أفعاله تعالى معلّلة بحكم غايتها تعود لنفع المكلّفين وكمالهم لا لنفع الله وكماله؛ لاستغنائه بذاته عمّا سواه، فتلك العلل حكم موضحة لأفعاله لا باعثة عليها لأنّه تعالى مُنَزّه عن أن يبعثه شيء على شيء\" متعقّب بما يلي:\n١ - أنّ حصر الحكمة في حصول النّفع الذي يُراد به دفع المفسدة\n_________\n(^١) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥٤١).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٥٣٧).","vol":"1","page":608},{"text":"وجلب المنفعة ممنوع؛ ذلك أنّه إن أراد أنّ هذه الحكمة هي التي لأجلها يفعل الإنسان فهذا مُسَلَّم ولا ينفعه شيئًا، وإن أراد أنّها الحكمة التي يفعل الله لأجلها أو ما هو أعمّ من ذلك، فإنّ حكمة الرّبّ فوق ذلك، والله يتعالى عن ذلك، فيكون استدلاله هذا مستندًا إلى قياس الخالق على المخلوق قياس تساوٍ، وهو باطل (^١).\n٢ - أنّ التّعبير عن الحكمة بالأغراض الباعثة في حقّ الله تعالى مِمّا لا يدلّ عليه الشّرع، والتّعبير بذلك لاستبشاع المعنى الشّرعي الثّابت له سبحانه لا يجوز (^٢).\n٣ - أنّ قوله بلزوم القول بترتّب الفعل على الحكمة لنقص الباري سبحانه في ذاته واستكماله بتحصيل الغرض، مبني على أنّ الحكمة مغايرة له، والحقّ -الذي عليه أهل السُّنَّة والجماعة- أنّ الحكمة التي يعود حكمها إلى الله تعالى صفة له، وما كان صفة لله تعالى لا يتصوّر أن ينفكّ عنه، وعليه فلا صحّة بلزوم ذلك (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>ثالثًا: تكليف ما لا يطاق:</span>\nيرى ابن حجر - غفر الله له - جواز تكليف الله تعالى العباد بما شاء من الأفعال، حيث يقول: \"له تكليفهم بما شاء من الأفعال مع تقدير أسباب منعهم منها، وهو المسمّى بتكليف ما لا يطاق\" (^٤).\nويقول أيضًا: \"أجمعت الأمّة على التّكليف بالمحال كغيره، كتكليف أبي جهل مثلًا بالإيمان مع علم الله بأنّه لا يؤمن؛ وذلك لأنّ التكليف بذلك إنّما هو بالنّظر للحالة الرّاهنة المنطوي عنا عاقبتها، فهم بالنّسبة إليها مكلّفون بالإيمان لقدرتهم عليه ظاهرًا، وإن كانوا عاجزين عنه باطنًا، لعلم الله تعالى بأنّهم لا يؤمنون، لأنّ هذا لا نظر إليه وإلا لارتفع الاختيار،\n_________\n(^١) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥٧٨ - ٥٧٩).\n(^٢) انظر: منهاج السنة (٢/ ٤٥٥)، العواصم والقواصم (٧/ ٣١٨).\n(^٣) انظر: منهاج السنة (١/ ٤٢١)، مجموع الفتاوى (١٦/ ١٣٣)، شفاء العليل (٢/ ٥٧٩).\n(^٤) فتح المبين (ص ٧٢).","vol":"1","page":609},{"text":"وثبت القول بالجبر المنابذ لِمَا جاءت به الشّرائع، فاحذر أن تميل إليه فتزلّ قدمك، ويحق ندمك، واستحضر قوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣] (^١).\nالتّقويم:\nالتّكليف في اللغة: الأمر بما يشقّ، يقال: كلّفه تكليفًا، إذا أمره بما يشقّ عليه، وتكلّفت الشّيء: تجشّمته (^٢).\nوفي الاصطلاح: الإلزام بمقتضى خطاب الشّرع.\nوخطاب الشّرع قسمان: أمر ونهي، فالأمر: يتضمّن الواجب والمندوب، والنّهي: يتضمّن الحرام والمكروه، والمباح تخيير بينهما (^٣).\nوتكليف ما لا يطاق ضربان:\nأحدهما: التكليف بالممتنع لذاته كالجمع بين النّقيضين، والممتنع عادة كالطيران في الهواء، والممتنع للعجز عنه كنقط المصحف للأعمى.\nفهذا اختلف النّاس في جوازه عقلًا على ثلاثة أقوال:\nالأول: عدم جوازه، وهو قول المعتزلة (^٤).\nوالثّاني: جوازه، وهو قول أكثر الأشاعرة (^٥).\nوالثّالث: جواز التّكليف بالممتنع عادة وبما لا يقدر عليه للعجز عنه، دون التّكليف بالممتنع لذاته (^٦).\nوأمّا وقوعه شرعًا:\n_________\n(^١) المنح المكية (٢/ ٨٢٢).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣١٧٥)، معجم مقاييس اللغة (ص ٩٠٨)، الصحاح (٤/ ١٤٢٤)، لسان العرب (٩/ ٣٠٧)، القاموس المحيط (ص ١٠٩٩).\n(^٣) انظر: شرح مختصر الروضة (١/ ١٧٦)، شرح الكواكب المنير (١/ ٤٨٣).\n(^٤) انظر: شرح الأصول الخمسة (ص ٣٩٦)، المختصر في أصول الدين ضمن رسائل العدل والتوحيد (١/ ٢١٨).\n(^٥) انظر: الإرشاد (ص ٢٠٣)، معالم أصول الدين للرازي (ص ٨٥)، القضاء والقدر له (ص ٣٠٧)، إحكام الأحكام للآمدي (١/ ١٣٣)، المواقف (ص ٣٣٠ - ٣٣١).\n(^٦) انظر: المسودة (ص ٧١)، درء التعارض (١/ ٦٣)، مجموع الفتاوى (٨/ ٢٩٥، ٢٩٨).","vol":"1","page":610},{"text":"فقد حكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على عدم وقوعه (^١)، ونازع في ذلك الرّازي وطائفة (^٢)، فذهبوا إلى القول بوقوعه، وهو ظاهر البطلان.\nوثانيهما: التّكليف بالممتنع لغيره وهو المأمور به الذي علم الله أنه لا يكون أو أخبر أنه لا يكون، وما لا يطاق للاشتغال بضدّه كالتّكليف بالقيام حال الجلوس، والتكليف بعموم التكاليف الشّرعيّة.\nفهذا التّكليف به جائز عقلًا وواقع شرعًا بإجماع أهل العلم (^٣)، والخلاف فيه إنّما هو من جهة تسميته تكليفًا بما لا يطاق.\nفالأشاعرة ومن وافقهم قالوا بصحّة تسميته بذلك (^٤).\nوأهل السّنّة ومن وافقهم قالوا بعدم صحّة ذلك (^٥).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"تكليف ما لا يطاق ينقسم إلى قسمين:\nأحدهما: ما لا يطاق للعجز عنه، كتكليف الزَّمِن المشي، وتكليف الإنسان الطّيران ونحو ذلك، فهذا غير واقع في الشّريعة عند جماهير أهل السّنّة المثبتين للقدر ...\nوالثّاني: ما لا يطاق للاشتغال بضدّه، كاشتغال الكافر بالكفر، فإنّه هو الذي صدّه عن الإيمان، وكالقاعد في حال قعوده، فإنّ اشتغاله بالقعود يمنعه أن يكون قائمًا ... وتكليف الكافر الإيمان من هذا الباب.\nومثل هذا ليس بقبيح عقلًا عند أصدق العقلاء، بل العقلاء متّفقون\n_________\n(^١) انظر: المسودة (ص ٧١)، درء التعارض (١/ ٦٣)، مجموع الفتاوى (٨/ ٣٠١ - ٣٠٢).\n(^٢) انظر: معالم أصول الدين للرازي (ص ٨٥)، والإرشاد (ص ٢٠٤).\n(^٣) انظر: منهاج السنة (٣/ ١٠٤ - ١٠٥).\n(^٤) انظر: أصول الدين (ص ٢١٣)، الإرشاد (ص ٢٠٣)، القضاء والقدر للرازي (ص ٣٠٧)، المواقف (ص ٣٣٠ - ٣٣١)، شرح المقاصد (٤/ ٢٩٦).\n(^٥) انظر: الانتصار للعمراني (٢/ ٤٥٩)، مجموع الفتاوى (٨/ ٢٩٨ - ٣٠٢)، درء التعارض (١/ ٦٠)، شرح الطحاوية (٢/ ٦٥٣).","vol":"1","page":611},{"text":"على أمر الإنسان ونهيه بما لا يقدر عليه حال الأمر والنّهي لاشتغاله بضدّه، إذا أمكن أن يترك ذلك الضّدّ ويفعل الضّدّ المأمور به.\nوإنّما النّزاع هل يسمّى هذا تكليف ما لا يطاق لكونه تكليفًا بما اتّفقت فيه القدرة المقارنة للفعل.\nفمن المثبتين للقدر من يدخل هذا في تكليف ما لا يطاق ...\nومنهم من يقول هذا لا يدخل فيما لا يطاق، وهذا هو الأشبه بما في الكتاب والسّنّة وكلام السّلف، فإنّه لا يقال للمستطيع المأمور بالحجّ إذا لم يحجّ إنّه كلّف بما لا يطيق، ولا يقال لمن أمر بالطّهارة والصّلاة فترك ذلك كسلًا إنّه كلّف ما لا يطيق\" (^١).\nوعليه فما قرّره ابن حجر - عفا الله عنه - من القول بجواز تكليف الله تعالى العباد بما شاء من الأفعال قول مُجمل.\nوأمّا قوله بأنّ الأمّة أجمعت على التكليف بالمحال كغيره، ومنه تكليف أبي جهل بالإيمان مع علم الله تعالى بعدم إيمانه، فهو متعقّب بما يلي:\n١ - أنّ الفعل الممكن في نفسه لا يقال إنّه مُحال لتعلّق العلم بعدمه، وإلا لزم هذا بعينه فيما علم الله أنّه لا يفعله وهو مقدور له، فإنه لا يقع البتّة، مع كونه مقدورًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾ [السجدة: ١٣]، فإيمان كلّ النّاس أخبر الله أنّه ممكن له مقدور، مع علمه بأنّه لا يقع منهم كلّهم وإنّما من بعضهم (^٢).\n٢ - أنّ تكليف أبي جهل بالإيمان من قبيل التّكليف بالممتنع لغيره لا الممتنع لذاته؛ إذ الممتنع لذاته ليس شيئًا حتى يفرض فيه بخلاف الممتنع لغيره فإنّه ممكن ولكنّه امتنع لعدم تعلّق الإرادة بإحداثه وعلم الله بأنّه لا يفعله فلا يصحّ إطلاق المستحيل عليه (^٣).\n_________\n(^١) منهاج السنة (٣/ ١٠٤ - ١٠٥).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٢٩٢، ٥٠٠).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٨/ ٢٩٢، ٥٠٠).","vol":"1","page":612},{"text":"٣ - أنّ التّكليف بما يمتنع لغيره لا يُعدّ تكليفًا بما لا يُطاق، ولا يصحّ تسميته بذلك (^١).\n٤ - أنّ القول بأنّ تكليف أبي جهل بالإيمان من تكليف ما لا يطاق مبني على القول بأنّ الاستطاعة واحدة وهي المقارنة للفعل فقط وهو مذهب الأشاعرة، والحقّ أنّ الاستطاعة نوعان: استطاعة قبل الفعل بمعنى الصّحة والوسع والتّمكّن وسلامة الآلات وهي مناط التّكليف، واستطاعة مقارنة للفعل وليست مناطًا للتّكليف وإنّما هي محض فضل الله تعالى يؤتيها من يشاء وفق حكمته سبحانه (^٢).\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٧٩)، منهاج السنة (٣/ ١٠٥).\n(^٢) انظر: درء التعارض (١/ ٦١)، مجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٢)، شفاء العليل (١/ ٣٢٠)، شرح الطحاوية (٢/ ٦٣٢).","vol":"1","page":613},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>الباب الثالث آراؤه في الصحابة، والإمامة، ومسائل الأسماء والأحكام</span>\nوفيه فصلان:\nالفصل الأول: آراؤه في الصحابة، والإمامة.\nالفصل الثاني: آراؤه في مسائل الأسماء والأحكام.","vol":"1","page":615},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>الفصل الأول آراؤه في الصحابة والإمامة</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: آراؤه في الصحابة.\nالمبحث الثاني: آراؤه في الإمامة.","vol":"1","page":617},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>المبحث الأول آراؤه في الصحابة</span>\nعرض ابن حجر - ﵀ - لجملة من المسائل المتعلقة بالصحابة، وهي: تعريف الصحابة، وبيان فضلهم، والمفاضلة بينهم، والمفاضلة بينهم وبين من بعدهم، وبحث عدالتهم، ووجوب الإمساك عما شجر بينهم، وحكم سبهم.\nوفيما يلي عرض آرائه في هذه المسائل وتقويمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>أولًا: تعريف الصحابة:</span>\nعرّف ابن حجر - ﵀ - الصحابة في مواطن كثيرة من كتبه أجمل في بعضها، وأسهب في أخرى بالنقل عن غيره (^١).\nوأجمعها قوله: \"الصحب: اسم جمع لصاحب، وهو من اجتمع بالنبي - ﷺ - ولو لحظة وإن لم يره ولم يرو عنه، مؤمنًا، ومات على الإيمان\" (^٢).\nالتّقويم:\nالصّحابة: جمع صحابي.\nوهو في اللغة: مشتقّ من الصّحبة، والصّحبة مصدر صحب فهو صاحب (^٣).\n_________\n(^١) انظر: المنهاج القويم (ص ١٠)، فتح الجواد (١/ ١٠)، المنح المكية (٣/ ١١٧٥)، التعرف (ص ٧٣)، البدائع الجليلة (ل ١٢)، الإيعاب (١/ ٣١ - ٣٣).\n(^٢) المنهاج القويم (ص ١٠).\n(^٣) انظر: تهذيب اللغة (٢/ ١٩٧٨)، الصحاح (١/ ١٦١)، لسان العرب (١/ ٥١٩)، القاموس المحيط (ص ١٣٤).","vol":"1","page":618},{"text":"يقول ابن فارس: \"الصّاد والحاء والباء أصل واحد يدلّ على مقارنة الشّيء ومقاربته، ومن ذلك الصّاحب، والجمع صحب ... \" (^١).\nوأما في الاصطلاح:\nفقد اختلف أهل العلم فيمن يصدق عليه اسم الصحابي، وتعددت تعريفاتهم له (^٢).\nيقول الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ -: \"أصحّ ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي: من لقي النبي - ﷺ - مؤمنًا به، ومات على الإسلام.\nفيدخل فيمن لقيه: من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يَرْوِ، ومن غزا معه أو لم يَغْزُ، ومن رآه رؤية ولم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى.\nويخرج بقيد \"الإيمان\": من لقيه كافرًا أو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتح به مرة أخرى.\nوقولنا \"به\": يخرج من لقيه مؤمنًا بغيره، كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة، وهل يدخل من لقيه منهم وآمن بأنه سيبعث أو لا يدخل؟ محل احتمال ...\nويدخل في قولنا \"مؤمنًا به\": كل مكلف من الجن والإنس ... وهل تدخل الملائكة؟ محل نظر؛ وقد قال بعضهم: إن ذلك ينبني على أنه هل كان مبعوثًا إليهم أم لا؟ ... وفي صحة بناء هذه المسألة على هذا الأصل نظر لا يخفى.\nوخرج بقولنا \"ومات على الإسلام\": من لقيه مؤمنًا به ثم ارتدّ ومات على ردته والعياذ بالله ...\nويدخل به من ارتد وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت، سواء اجتمع به - ﷺ - مرة أخرى أم لا ...\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة (ص ٥٨٧).\n(^٢) انظر: سياق أقوالهم وأدلتهم في تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة للعلائي (ص ٣٠ - ٥٠).","vol":"1","page":619},{"text":"وهذا التعريف مبني على الأصح المختار عند المحققين كالبخاري (^١) وشيخه أحمد بن حنبل (^٢) ومن تبعهما، ووراء ذلك أقوال أخرى شاذة ... \" (^٣).\nوبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر - ﵀ - موافق لقول المحققين من أهل العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>ثانيًا: فضل الصحابة:</span>\nقرر ابن حجر - ﵀ - فضل الصحابة، ودلالة النصوص على ذلك فقال: \"اعلم أن الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل أحد تزكية جميع الصحابة ... والثناء عليهم، فقد أثنى الله - ﷾ - عليهم في آيات من كتابه.\nمنها: قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فأثبت الله لهم الخيرية على سائر الأمم، ولا شيء يُعادل شهادة الله لهم بذلك ...\nومنها: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، والصحابة في هذه الآية والتي قبلها هم المشافهون بهذا الخطاب على لسان رسول الله - ﷺ - حقيقة ...\nومنها: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم: ٨]، فآمنهم الله من خزيه، ولا يأمن من خزيه في ذلك اليوم إلا الذين ماتوا والله سبحانه ورسوله عنهم راضيان، فأمْنُهم من الخزي صريح في موتهم على كمال الإيمان وحقائق الإحسان، وفي أن الله لم يزل راضيًا عنهم، وكذلك رسول الله - ﷺ -.\nومنها: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري (٧/ ٣ - ٥).\n(^٢) انظر: شرح أصول الاعتقاد (١/ ١٥٩ - ١٦٠).\n(^٣) الإصابة (١/ ١٥٨ - ١٥٩)، وانظر: منهاج السنة (٤/ ٢٤٣)، اختصار علوم الحديث لابن كثير (٢/ ٤٩١)، والمقنع في علوم الحديث لابن الملقن (٢/ ٤٩١).","vol":"1","page":620},{"text":"الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، فصرح تعالى برضاه عن أولئك، وهم ألف ونحو أربعمائة، ومن ﵁ لا يمكن موته على الكفر ...\nومنها: قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال: ٦٤]، وقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ٨ - ١٠] فتأمل ما وصفهم الله به من هذه الآيات، تعلم به ضلال من طعن فيهم ...\nومنها: قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩] فانظر إلى عظيم ما اشتملت عليه هذه الآية ... \" (^١).\n\"وتأمل أعظم فضائلهم ومناقبهم التي نوه بها - ﷺ - حيث جعل محبتهم محبة له، وبغضهم بغضًا له، وناهيك بذلك جلالة لهم وشرفًا، فحبهم عنوان محبته، وبغضهم عنوان بغضه ...\nوإنما يعرف فضائل الصحابة من تدبر سيرهم معه - ﷺ - وآثارهم الحميدة في الإسلام في حياته وبعد مماته، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وأكمله وأفضله، فقد جاهدوا في الله حق جهاده حتى نشروا الدين\n_________\n(^١) الصواعق (٢/ ٦٠٣ - ٦٠٦).","vol":"1","page":621},{"text":"وأظهروا شرائع الإسلام، ولولا ذلك منهم لما وصل إلينا قرآن ولا سنة ولا أصل ولا فرع ... \" (^١).\nولم يكتف ابن حجر - ﵀ - بتقرير فضل الصحابة عمومًا، بل ساق النصوص الواردة في فضائل بعضهم على وجه الخصوص كأبي بكر (^٢)، وعمر (^٣)، وعثمان (^٤)، وعلي (^٥)، ومعاوية (^٦)، وأزواجه - ﷺ - (^٧)، وابنته فاطمة (^٨) وولديها الحسن (^٩) والحسين (^١٠) وآل بيته - ﷺ - (^١١).\nالتقويم:\n\"أثنى الله ﵎ على أصحاب رسول الله - ﷺ - في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله - ﷺ - من الفضل ما ليس لأحد بعدهم\" (^١٢).\nوالقول بمقتضى ذلك من معاقد العقائد التي أجمع عليها أهل السنة والجماعة (^١٣)، وصنفوا فيها المصنفات، وأفردوا في تقريرها المؤلفات (^١٤).\n_________\n(^١) الزواجر (٢/ ٢٣١ - ٢٣٢)، وانظر: تطهير الجنان (ص ٣٠)، الصواعق (١/ ٢١) (٩/ ٦١٢)، المنح المكية (٣/ ١١٩٣) (٣/ ١٢٥١).\n(^٢) انظر: الصواعق (١/ ١٨٩) وما بعدها، المنح المكية (٣/ ١٢٠١).\n(^٣) انظر: الصواعق (١/ ٢٧١) وما بعدها.\n(^٤) انظر: المصدر السابق (١/ ٣١٥) وما بعدها.\n(^٥) انظر: المصدر السابق (٢/ ٣٥٣) وما بعدها.\n(^٦) انظر: المصدر السابق (٢/ ٦٣٥)، تطهير الجنان (ص ٤٤) وما بعدها.\n(^٧) انظر: الصواعق (٢/ ٤١٧، ٤٥٨ - ٤٦٠)، المنح المكية (٣/ ١١٥٢، ١١٥٩، ١١٦٠).\n(^٨) انظر: الصواعق (٢/ ٥٥٧) وما بعدها.\n(^٩) انظر: المصدر السابق (٢/ ٤٠٣) وما بعدها.\n(^١٠) انظر: المصدر السابق (٢/ ٥٥٧) وما بعدها.\n(^١١) انظر: المصدر السابق (٢/ ٤١٦) وما بعدها.\n(^١٢) نقله البيهقي عن الإمام الشافعي - ﵀ - في مناقبه له (١/ ٤٤٢ - ٤٤٣).\n(^١٣) انظر: العقيدة الطحاوية مع شرحها (٢/ ٦٨٩)، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (١/ ٧ - ٨)، جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٣٦)، شرح السنة للبربهاري (ص ٦٨ - ٦٩)، عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص ٢٨٩)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٢ - ١٥٦)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠).\n(^١٤) انظر: معجم ما ألف عن الصحابة وأمهات المؤمنين وآل البيت لمحمد بن إبراهيم الشيباني.","vol":"1","page":622},{"text":"يقول الإمام المبجل أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى -: \"من السنة الواضحة الثابتة البينة المعروفة ذكر محاسن أصحاب رسول الله - ﷺ - أجمعين، والكف عن ذكر ما شجر بينهم، فمن سب أصحاب رسول الله - ﷺ - أو أحدًا منهم أو انتقصه أو طعن عليه أو عرّض بعيبهم أو عاب أحدًا منهم فهو مبتدع رافضي خبيث مخالف لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، بل حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة\" (^١).\nوبما سبق يعلم موافقة ابن حجر - ﵀ - لِمَا عليه أهل السنة والجماعة من الإقرار بفضل الصحابة - ﵃ - ومحبتهم، والترضي عنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>ثالثًا: المفاضلة بين الصحابة:</span>\nبيّن ابن حجر - ﵀ - أن الصحابة - ﵃ - متفاوتون في الفضل، وذكر أقوال أهل العلم في المفاضلة بينهم، ورجّح ما يراه منها، فقال:\n\"اعلم أن الذي أطبق عليه عظماء الملة وعلماء الأمة أن أفضل هذه الأمة أبو بكر الصديق، ثم عمر، ثم اختلفوا:\nفالأكثرون - ومنهم الشافعي وأحمد وهو المشهور عن مالك - أن الأفضل بعدهما عثمان ثم علي - ﵃ -.\nوجزم الكوفيون - ومنهم سفيان الثوري - بتفضيل علي على عثمان.\nوقيل: بالوقف عن التفاضل بينهما، وهو رواية عن مالك ... وتوقفه هذا رجع عنه، فقد حكى القاضي عياض عنه أنه رجع عن التوقف إلى تفضيل عثمان ... \" (^٢).\n\"والأصح عثمان ثم علي، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، وقيل: أهل أحد\" (^٣).\n_________\n(^١) طبقات الحنابلة (١/ ٣٠).\n(^٢) الصواعق (١/ ١٦٩)، وانظر: الفتا وى الحديثية (ص ٣٥٥).\n(^٣) المنح المكية (٣/ ١١٩١)، وانظر: الزواجر (٢/ ٢٣٢)، أشرف الوسائل (ص ٤٨٨)، التعرف (ص ١٢٤).","vol":"1","page":623},{"text":"\"ثم الصحابة أصناف: مهاجرون، وأنصار، وحلفاء وهم من أسلم يوم الفتح أو بعده.\nفأفضلهم إجمالًا: المهاجرون، فمن بعدهم على الترتيب المذكور.\nوأما تفصيلًا: فسُبَّاق الأنصار أفضل من جماعة من متأخري المهاجرين، وسُبَّاق المهاجرين أفضل من سُبَّاق الأنصار، ثم هم بعد ذلك يتفاوتون، فرب متأخر إسلامًا كعمر أفضل من متقدّم كبلال\" (^١).\nالتقويم:\nاختلف الناس في الكلام في المفاضلة بين الصحابة - ﵃ -:\nفمنهم من أمسك عن الخوض فيها.\nومنهم من تكلم بمقتضى النصوص.\nوالذي عليه إجماع أهل السنة والجماعة قاطبة القول بأفضلية أبي بكر ثم عمر - ﵄ - (^٢) واختلفوا بعدهما في عثمان وعلي - ﵄ -.\nيقول الإمام الشافعي - ﵀ -: \"ما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصحابة، وإنما اختلف من اختلف منهم في علي وعثمان\" (^٣).\nقال البيهقي - ﵀ - بعد ذكره قول الشافعي هذا بسنده: \"وروينا عن جماعة من التابعين وأتباعهم نحو هذا\" (^٤).\nوقال يحيى بن سعيد القطان (^٥) - ﵀ -: \"من أدركت من أصحاب النبي\n_________\n(^١) الصواعق (٢/ ٦١٧).\n(^٢) انظر: السنة لابن أبي عاصم (ص/٥٦٨)، السنة لعبد الله بن أحمد (٢/ ٥٧٤)، السنة للخلال (٢/ ٤٠٤)، شرح أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٦)، الاعتقاد للبيهقي (ص ٥٢٢)، شرح صحيح مسلم (١٥/ ١٤٨)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٣) (٤/ ٤٢١)، منهاج السنة (٨/ ٢٢٣ - ٢٢٤).\n(^٣) الاعتقاد للبيهقي (ص ٥٢٢).\n(^٤) المصدر السابق (ص ٥٢٢).\n(^٥) هو يحيى بن سعيد بن فروخ القطان، إمام في الحديث والسنة، توفي سنة ١٩٧ هـ. انظر: تاريخ بغداد (١٤/ ١٣٥)، سير أعلام النبلاء (٩/ ١٧٥).","vol":"1","page":624},{"text":"والتابعين لم يختلفوا في أبي بكر وعمر وفضلهما، إنما كان الاختلاف في علي وعثمان\" (^١).\nوجملة أقوال السلف - ﵏ - في المفاضلة بين عثمان وعلي ثلاثة:\nالأول: تفضيل عثمان على علي، وهو قول جمهورهم (^٢).\nافماني: تفضيل علي على عثمان، وهو قول أكثر أهل الكوفة (^٣).\nونسبة ابن حجر - ﵀ - القول بذلك إلى سفيان الثوري - ﵀ - متعقبة بكونه رجع عنه إلى قول الجمهور (^٤).\nالثالث: التوقف عن المفاضلة بينهما، وهو قول بعض أهل المدينة، ورواية عن الإمام مالك - ﵀ - (^٥).\nوما ذكره ابن حجر - ﵀ - من رجوع الإمام مالك عنها إلى قول الجمهور هو المعتمد عند المحققين من أصحابه (^٦) وغيرهم (^٧).\nوقد استقر إجماع أهل السنة والجماعة بَعْدُ على تقديم عثمان على علي.\nيقول الحافظ ابن عبد البر - ﵀ - بعد ذكره الأقوال السابقة: \"وأهل السنة اليوم على ما ذكرت لك من تقديم أبي بكر في الفضل على عمر،\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٧/ ١٣٦٧).\n(^٢) انظر: الاستيعاب (٣/ ٢١٤)، معالم السنن (٣/ ٣٠٤)، منهاج السنة (٢/ ٧٣، ٨٢ - ٨٥) (٨/ ٨٥)، فتح الباري (٧/ ١٦).\n(^٣) انظر: معالم السنن (٤/ ٣٠٣)، منهاج السنة (٨/ ٢٢٤)، مجموع الفتاوى (٤/ ٤٢٦)، فتح الباري (٧/ ١٦).\n(^٤) انظر: معالم السنن (٤/ ٣٠٣)، مجموع الفتاوى (٤/ ٤٢٦)، منهاج السنة (٢/ ٧٣)، فتح الباري (٧/ ١٦).\n(^٥) انظر: المدونة (٦/ ٤٥١)، جامع بيان العلم لابن عبد البر (٢/ ١٨٦)، الانتقاء له (ص ٣٥ - ٣٦)، فتح الباري (٧/ ١٦).\n(^٦) انظر: الجامع في المقدمات لابن رشد (ص ١٧٤)، البيان والتحصيل له أيضًا (١٨/ ٤٥٨ - ٤٥٩).\n(^٧) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٤٢٦)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٣٥٦).","vol":"1","page":625},{"text":"وتقديم عمر على عثمان، وتقديم عثمان على علي - ﵃ -\" (^١).\nويقول الحافظ ابن الصلاح - ﵀ -: \"تقديم عثمان هو الذي استقرت عليه مذاهب أصحاب الحديث والسنة\" (^٢).\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان على علي\" (^٣).\nويقول الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ -: \"الإجماع انعقد بأخرة بين أهل السنة أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة\" (^٤).\nوأفضل الصحابة بعدهم بقية العشرة المبشرين بالجنة وهم طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد - ﵃ أجمعين -.\nثم أهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر.\nثم أهل بيعة الرضوان، على الصحيح.\nثم أهل أحد.\nثم بقية المهاجرين ثم بقية الأنصار (^٥).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة: \"ومن أصول أهل السنة والجماعة [أنهم] ... يقبلون ما جاء به الكتاب أو السنة أو الإجماع من فضائلهم ومراتبهم.\nفيفضلون من أنفق من قبل الفتح - وهو صلح الحديبية - وقاتل على من أنفق من بعده وقاتل.\nويقدمون المهاجرين على الأنصار.\n_________\n(^١) الاستيعاب (٣/ ٢١٤).\n(^٢) مقدمة ابن الصلاح (ص ١٤٩).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٣).\n(^٤) فتح الباري (٧/ ٣٤)، وانظر: (٧/ ٥٨).\n(^٥) انظر: شرح السنة للبربهاري (ص ٦٨)، مقدمة ابن الصلاح (ص ١٤٩)، الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي (ص ١٩٨ - ٢٠٣)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٢ - ١٥٣)، اختصار علوم الحديث لابن كثير (١/ ٥٠١)، فتح الباري (٧/ ٥٨)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٣٥٧)، معارج القبول (٣/ ١١٢٦).","vol":"1","page":626},{"text":"ويؤمنون بأن الله تعالى قال لأهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.\nوبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، كما أخبر به النبي - ﷺ -، بل قد رضي عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.\nويشهدون بالجنة لمن شهد له النبي - ﷺ - كالعشرة ... \" (^١).\nوبما سبق يتضح موافقة ابن حجر - ﵀ - لأهل السنة والجماعة في القول بالمفاضلة بين الصحابة وتحقيقها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>رابعًا: المفاضلة بين الصحابة وبين من بعدهم:</span>\nقرر ابن حجر - ﵀ - تفضيل الصحابة - ﵃ - على كل من جاء بعدهم جماعات وأفرادًا، ورد على من قال بخلاف ذلك، فقال: \"اعلم أنه وقع خلاف في التفضيل بين الصحابة ومن جاء بعدهم من صالحي هذه الأمة\" (^٢).\n\"وأشار بعضهم إلى أن محل الخلاف في صحابي لم يحصل له إلا مجرد الرؤية، وأما من زاد على ذلك بنحو رواية أو غزو فلا نزاع فيه\" (^٣).\n\"فذهب أبو عمر بن عبد البر (^٤) إلى أنه يوجد فيمن يأتي بعد الصحابة من هو أفضل من بعض الصحابة ...\nوالجواب عنه ...\nأن المفضول قد يكون فيه مزية لا توجد في الفاضل.\nوأيضًا مجرد زيادة الأجر لا تستلزم الأفضلية المطلقة.\nوأيضًا الخيرية بينهما إنما هي باعتبار ما يمكن أن يجتمعا فيه، وهو عموم الطاعات المشتركة بين سائر المؤمنين، فلا يبعد حينئذ تفضيل بعض من يأتي على بعض الصحابة في ذلك، وأما ما اختص به الصحابة - رضوان الله عليهم - وفازوا به من مشاهدة طلعته - ﷺ - ورؤية ذاته المشرفة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٢ - ١٥٣).\n(^٢) الصواعق (٢/ ٦١١).\n(^٣) المنح المكية (٢/ ٦٩٢).\n(^٤) انظر: الاستذكار (١/ ٢٣٦ - ٢٤٠).","vol":"1","page":627},{"text":"المكرمة فأمر من وراء العقل؛ إذ لا يسع أحدًا أن يأتي من الأعمال وإن جَلَّت بما يُقارب ذلك فضلًا عن أن يماثله.\nومن ثم سئل عبد الله بن المبارك، وناهيك به جلالة، وعلمًا، أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟\nفقال: الغبار الذي دخل أنف فرس معاوية مع رسول الله - ﷺ - خير من عمر بن عبد العزيز كذا وكذا مرة.\nأشار بذلك إلى أن فضيلة صحبته - ﷺ - ورؤيته لا يعدلها شيء ...\nفالصواب ما قاله جمهور العلماء سلفًا وخلفًا ... أن من بعدهم لو عمل ما عساه أن يعمل لا يمكنه أن يُحَصِّل ما يقرب من هذه الخصوصية فضلًا أن يساويها، هذا فيمن لم يفز إلا بذلك، فما بالك بمن ضم إليها أنه قاتل معه - ﷺ - أو في زمنه بأمره، أو نقل شيئًا من الشريعة إلى من بعده، أو أنفق شيئًا من ماله بسببه، فهذا مما لا خلاف في أن أحدًا من الجائين بعده لا يدركه، وثم قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠] ... \" (^١).\nالتقويم:\nاتفق أهل العلم على أفضلية من صحب النبي - ﷺ - فأقام معه، أو روى عنه، أو قاتل بين يديه، أو أنفق من ماله بسببه على من بعده (^٢).\nواختلفوا فيمن ثبتت له الصحبة وليس له إلا مجرد رؤيته - ﷺ - هل يفضل كل من بعده أو يمكن أن يكون فيهم من هو أفضل منه، على قولين:\nالأول: مذهب الجمهور وهو أن الصحابة أفضل ممن جاء بعدهم جماعات وأفرادًا مطلقًا (^٣).\n_________\n(^١) الصواعق (٢/ ٦١١ - ٦١٤).\n(^٢) انظر: فتح الباري (٧/ ٦، ٧).\n(^٣) انظر: شرح أصول الاعتقاد (١/ ١٦٠)، شرح صحيح مسلم (٢/ ١٤١) (١٦/ ٩٣)، منهاج السنة (٤/ ٦٠٠)، مجموع الفتاوى (٤/ ٥٢٧)، تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة للعلائي (ص ٧٤)، فتح الباري (٧/ ٦ - ٧)، فيض القدير (٤/ ٢٨٠) (٥/ ٥١٧).","vol":"1","page":628},{"text":"والثاني: مذهب ابن عبد البر (^١) والقرطبي (^٢) - رحمهما الله - وهو أن الصحابة أفضل ممن جاء بعدهم جماعات لا أفرادًا، وأنه يمكن أن يكون فيمن بعدهم من يفوق أحدهم.\nوالحق ما عليه الجمهور لتواتر الأدلة الدالة على تفضيل الصحابة على من بعدهم وإطلاقها بما يفيد عمومها في أفرادهم.\nوالأحاديث التي استدل بها ابن عبد البر والقرطبي - رحمهما الله - على مذهبهما لا تخرج عن ثلاثة أحوال: إما أنها ضعيفة فلا يحتج بها، أو حسنة، أو صحيحة بمجموع طرقها فهي دون الأحاديث المطلقة في الصحة.\nوجملة الأجوبة عنها ثلاثة أيضًا:\nأحدها: أنها لا تستلزم المساواة فإنه قد يكون في المفضول مزية لا تكون في الفاضل.\nوثانيها: أن ما تدل عليه من المساواة إنما هو باعتبار ما يمكن أن يجتمعا فيه وهو عموم الطاعات المشتركة بين سائر المؤمنين فهذا الذي يقع فيه التساوي، أما ما اختص به الصحابة من المشاهدة والسابقة فإنه لا يسع أحدًا أن يأتي بما يقاربه فضلًا عن أن يماثله.\nوثالثها: أن ما تدل عليه من المساواة المقصود به ما يظهر للرائي دون ما هو حقيقة في نفس الأمر (^٣).\nوبكل حال فما قرره ابن حجر - ﵀ - في هذه المسألة مستفاد من كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ - ولعله المشار إليه في قوله المتقدم \"أشار بعضهم ... \".\nيقول الحافظ - ﵀ -: \"الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين، لكن هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد؟ محل بحث وإلى الثاني نحا الجمهور، والأول قول ابن عبد البر.\n_________\n(^١) انظر: الاستذكار (١/ ٢٣٦ - ٢٤٠).\n(^٢) انظر: تفسيره (٤/ ١٧١ - ١٧٣).\n(^٣) انظر: شرح صحيح مسلم (٢/ ١٤١)، منهاج السنة (٤/ ٦٠٠)، مجموع الفتاوى (٤/ ٥٢٧)، تحقيق منيف الرتبة (ص ٧٤)، فتح الباري (٧/ ٧)، فيض القدير (٤/ ٢٨٠) (٥/ ٥١٧).","vol":"1","page":629},{"text":"والذي يظهر أن من قاتل مع النبي - ﷺ - أو في زمانه بأمره أو أنفق من ماله بسببه لا يعدله في الفضل أحد بعده كائنًا من كان، وأما من لم يقع له ذلك فهو محل البحث ...\nوالأحاديث المذكورة ... لا تدلّ على أفضلية غير الصحابة على الصحابة؛ لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وأيضًا فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل فأما ما فاز به من شاهد النبي - ﷺ - من زيادة فضيلة المشاهدة فلا يعدله فيها أحد ... \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>خامسًا: عدالة الصحابة:</span>\nقرر ابن حجر - ﵀ - عدالة جميع الصحابة، وحكى إجماع أهل العلم عليها، ورد على من قصرها على من لازم النبي - ﷺ - ونصره منهم.\nيقول في ذلك: \"اعلم أن الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل أحد تزكية جميع الصحابة بإثبات العدالة لهم، والكف عن الطعن فيهم، والثناء عليهم، فقد أثنى الله - ﷾ - عليهم في آيات من كتابه\"، والنبي - ﷺ - في \"الأحاديث الكثيرة الشهيرة ... [بما] يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق، على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه؛ لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد، ونصرة الإسلام ببذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين القطع بتعديلهم والاعتقاد بنزاهتهم، هذا مذهب كافة العلماء ومن يُعتمد قوله، ولم يخالف فيه إلا شذوذ من المبتدعة الذين ضلوا وأضلوا، فلا يُلتفت إليهم، ولا يعول عليهم ...\nوزَعْمُ المازري (^٢) اختصاص الحكم بالعدالة بمن لازمه ونصره دون\n_________\n(^١) فتح الباري (٧/ ٦ - ٧).\n(^٢) هو محمد بن علي بن عمر التميمي أبو عبد الله المازري، أشعري المعتقد، مالكي المذهب، من مؤلفاته: المعلم بفوائد مسلم، شرح التلقين، إيضاح المحصول من برهان الأصول وغيرها. توفي سنة ٥٤٦ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٠٤)، شذرات الذهب (٤/ ١١٤).","vol":"1","page":630},{"text":"من اجتمع به يومًا أو لغرض غير موافق عليه بل اعترضه جماعة من الفضلاء.\nقال شيخ الإسلام العلائي (^١): \"هو قول غريب يخرج كثيرًا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة، كوائل بن حجر، ومالك بن الحويرث، وعثمان بن أبي العاص وغيرهم ممن وفد عليه - ﷺ -، ولم يقم عنده إلا قليلًا وانصرف، والقول بالتعميم هو الذي صرح به الجمهور، وهو المعتبر\". انتهى\" (^٢).\nالتقويم:\nالعدالة في اللغة: مصدر عَدُل، يقال: عَدُل يعدِلُ عدولة وعدالة (^٣).\nيقول ابن فارس: \"العين والدال واللام أصلان صحيحان، لكنهما متقابلان كالمتضادين: أحدهما يدل على استواء، والآخر يدل على اعوجاج.\nفالأول: العدل من الناس: المرضي المستوي الطريقة، يقال: هذا عَدْلٌ، وهما عَدْلٌ ... وتقول: هما عَدْلان أيضًا، وهم عدول ...\nوالآخر: يقال في الاعوجاج، عَدَل، وانعدَل: أي: انعرج\" (^٤).\nوأما في الاصطلاح: فقد اختلف أهل العلم في تعريفها اختلافًا\n_________\n(^١) هو خليل بن كيكلدي بن عبد الله الدمشقي المعروف بصلاح الدين العلائي، شافعي متفنن، من مؤلفاته: تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة، جزء في تفسير الباقيات الصالحات، جامع التحصيل لأحكام المراسيل وغيرها. توفي سنة ٧٦١ هـ.\nانظر: الدرر الكامنة (٢/ ٩١)، شذرات الذهب (٦/ ١٩٠).\n(^٢) الصواعق (٢/ ٦٠٣ - ٦٠٨)، وانظر: تطهير الجنان (ص ١٦٦)، المنح المكية (٣/ ١١٧٩)، الإعلام بقواطع دين الإسلام (ص ٣٠٠)، التعرف (ص ٧٣، ١٢٦)، الإيعاب (١/ ٣٤).\n(^٣) انظر: تهذيب اللغة (٣/ ٢٣٥٨)، الصحاح (٥/ ١٧٦٥)، لسان العرب (١١/ ٤٣٠)، القاموس (ص ١٣٣١).\n(^٤) معجم مقاييس اللغة (ص ٧٤٥).","vol":"1","page":631},{"text":"كثيرًا (^١)، وأجمع ما رأيته من أقوالهم فيها قول الحافظ السيوطي ﵀ فإنه عرفها بقوله: \"هي ملكة - أي: هيئة راسخة في النفس - تمنع من اقتراف كبيرة، أو صغيرة دالة على الخسة، أو مباح يخل بالمروءة\".\nثم أعقب ذلك بقوله: \"وهذه أحسن عبارة في حدها\" (^٢).\nوالصحابة - ﵃ - قوم اختارهم الله لصحبة نبيه - ﷺ - ونصرته، وتبليغ شرعه وإعلاء كلمته، وكلهم - ﵃ - عدول، قد تحققت فيهم صفة العدالة، وظهر فيهم معناها على ما مرّ ذكره في تعريفها.\nيقول الحافظ العلائي - ﵃ -: \"الذي ذهب إليه جمهور السلف والخلف أن العدالة ثابتة لجميع الصحابة - ﵃ - وهي الأصل المستصحب فيهم إلى أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد منهم لِمَا يوجب الفسق مع علمه، وذلك مما لم يثبت صريحًا عن أحد منهم - بحمد الله - فلا حاجة إلى البحث عن عدالة من ثبت له الصحبة ولا الفحص عنها بخلاف من بعدهم\" (^٣).\nوالأدلة على ذلك متظافرة:\n\"أحدها: ثناء الله عليهم، ومدحه إياهم، ووصفه لهم بكل جميل ...\nالثاني: ثناء النبي - ﷺ - وإخباره بما منحهم الله تعالى من كونهنم خير القرون من أمته وأفضلها، وأن أحدًا ممن يأتي بعدهم لا يبلغ أدنى جزء من شأنهم ولو أنفق ملء الأرض ذهبًا في سبيل الله ...\nالثالث: الإجماع على ذلك ممن يعتد به ... فإنه لم يخالف في عدالة الصحابة من حيث الجملة أحد من أهل السنة\" (^٤).\nوما ذكره الحافظ العلائي - ﵀ - من ثبوت الإجماع منقول عن جماعة من أهل العلم، منهم: الخطيب البغدادي (^٥)، وابن عبد البر (^٦)،\n_________\n(^١) انظر: الكفاية في علوم الحديث للخطيب (ص ١٠٢).\n(^٢) الأشباه والنظائر (ص ٤١٣).\n(^٣) تحقيق منيف الرتبة (ص ٦٠).\n(^٤) تحقيق منيف الرتبة (ص ٦٢ - ٧٨).\n(^٥) انظر: الكفاية في علم الرواية (ص ٦٧).\n(^٦) انظر: الاستيعاب (١/ ١٢٩).","vol":"1","page":632},{"text":"وابن الصلاح (^١)، والنووي (^٢)، وابن كثير (^٣)، والعراقي (^٤) (^٥)، وابن حجر العسقلاني (^٦)، والسخاوي (^٧)، والألوسي (^٨).\nوالعدالة الثابتة للصحابة - ﵃ - تعمّ جميعهم ممن لازم النبي - ﷺ - ونصره ومن ليس له إلا مجرد رؤيته - ﷺ -، لعموم الأدلة الدالة على عدالتهم، وثبوت معنى الصحبة لجميعهم؛ ولِمَا يلزم القول بقصرها على من لازم النبي - ﷺ - من إخراج جملة ممن اشتهرت صحبته.\nوما ذكره ابن حجر - ﵀ - عن المازري وما تعقبه به ونقله عن الحافظ العلائي في الرد عليه مستفاد من كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحم الله الجميع - (^٩).\nوبكل حال فما قرره ابن حجر في هذه المسألة موافق لِمَا قرره أهل السنة والجماعة وأجمعوا عليه من إثبات العدالة لجميع الصحابة - ﵃ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>سادسًا: وجوب الإمساك عما شجر بين الصحابة:</span>\nقرر ابن حجر - ﵀ - وجوب الإمساك عما شجر بين الصحابة، وذكر أنهم مجتهدون فيما صدر منهم، واعترف بأن عليًّا كان أولى بالحق، ونبه على أن كثيرًا مما نقل من أخبارهم مكدوب أو ضعيف.\nيقول في ذلك: \"يجب الإمساك عما جرى بين الصحابة، بمعنى: أنه يجب على من تأهل إعطاء كل منهم ما يستحقه شرعًا، وغيره يلزمه اعتقاد\n_________\n(^١) انظر: مقدمة ابن الصلاح (ص ١٤٦ - ١٤٧).\n(^٢) انظر: شرح صحيح مسلم (١٥/ ١٤٩).\n(^٣) انظر: اختصار علوم الحديث (٢/ ٤٩٨).\n(^٤) هو عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم، أبو الفضل، المعروف بزين الدين العراقي، أشعري المعتقد، شافعي المذهب، من مؤلفاته: ألفية الحديث المعروفة بالتبصرة والتذكرة، التقييد والإيضاح، تكملة شرح جامع الترمذي لابن سيد الناس وغيرها، توفي سنة ٨٠٦ هـ.\nانظر: الضوء اللامع (٤/ ٧١)، ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي (ص ٣٧٠).\n(^٥) انظر: التبصرة والتذكرة (٣/ ١٣ - ١٤).\n(^٦) انظر: الإصابة (١/ ١٦٢).\n(^٧) انظر: فتح المغيث (٤/ ٩٣).\n(^٨) انظر: الأجوبة العراقية (ص ١٠).\n(^٩) انظر: الإصابة (١/ ١٦٣ - ١٦٤).","vol":"1","page":633},{"text":"ما عليه أهل السنة فيهم تفصيلًا إن سهل وإلا إجمالًا كما هو، لا الكف عن معرفة أخبارهم وسيرهم إلا لمن خشي عليه من الاطلاع عليها أن يعتقد في بعض منهم ما لا يليق به كما هو الغالب على العوام عند سماعها ممن لا يُبَيّنُ لهم الحق عند أهل السنة من مشكلها.\nفتأمله فإنه الحق الذي تشهد له القواعد، ولهذا لم يبالوا بإطلاق الوجوب الموهم.\nوكلهم عدول مأجورون لكن أجر المصيب أكثر كما صحّ به الخبر\" (^١).\nويقول أيضًا: \"ما وقع بين الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - من القتال مقصور على الدنيا فقط، وأما في الآخرة فكلهم مجتهدون مثابون، وإنما التفاوت بينهم في الثواب؛ إذ من اجتهد وأصاب كعلي - كرم الله وجهه (^٢) - وأتباعه له أجران ... ومن اجتهد وأخطأ كمعاوية - ﵃ - له أجر واحد\" (^٣).\nويقول أيضًا: \"فعلي - ﵁ - مجتهد مصيب، فله أجران ... ومقاتلوه كعائشة وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص ومن تبعهم من الصحابة الكثيرين من أهل بدر وغيرهم مجتهدون غير مصيبين، فلهم أجر واحد ... \" (^٤).\nويقول أيضًا: \"كثير مما نقل عنهم إما كذب، وإما في سنده علة أو علل ... \" (^٥).\nالتقويم:\n\"الإمساك عن ذكر أصحاب رسول الله - ﷺ - وذكر زلاتهم، ونشرُ\n_________\n(^١) التعرف (ص ١٢٥).\n(^٢) الأولى في حق علي أن يقال - ﵁ - كغيره من الصحابة، ولا يخص بأي لفظ دونهم، وقول كرم الله وجهه في حق علي وتخصيصه به إنما عرف عن الرافضة ثم تسرب إلى غيرهم من أهل العلم، ولهم في ذلك تعليلات عليلة لا تصح.\nانظر: فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (٣/ ٢٨٩)، معجم المناهي اللفظية (ص ٤٥٤).\n(^٣) تطهير الجنان واللسان (ص ٣٤).\n(^٤) المصدر السابق (ص ١١١).\n(^٥) المصدر السابق (ص ١٣٠).","vol":"1","page":634},{"text":"محاسنهم ومناقبهم، وصرف أمورهم إلى أجمل الوجوه، من أمارات المؤمنين المتبعين لهم بإحسان الذين مدحهم الله - ﷿ - بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] \" (^١).\nوالقول بذلك هو ما عليه أهل السنة والجماعة قاطبة قولًا وعملًا (^٢).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في تقرير عقيدتهم: \"ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون إن هذه الآثار المروية في مساويهم: منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه.\nوالصحيح منه: هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون.\nوهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم ...\nثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد - ﷺ - الذين هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كُفِّرَ به عنه.\nفإذا كان هذا في الذنوب المحققة؛ فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين: إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور.\nثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل مغمور في جنب فضائل\n_________\n(^١) الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم (ص ٣٤٧).\n(^٢) انظر: الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم (ص ٣٤١ - ٣٤٢، ٣٦٣)، الشرح والإبانة (ص ٢٦٨)، تنزيه خال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان من الظلم والفسق لأبي يعلى (ص ٨٥ - ٨٨)، عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص ٢٩٤)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٢ - ١٥٦)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٩٢)، اختصار علوم الحديث (٢/ ٤٩٨ - ٥٠١)، شرح الطحاوية (٢/ ٧٢٢ - ٧٢٥)، معارج القبول (٣/ ١٢٠٨).","vol":"1","page":635},{"text":"القوم ومحاسنهم، من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح.\nومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما مَنّ الله به عليهم من الفضائل، علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم هم صفوة الصفوة من قرون هذه الأمة، التي هي خير الأمم وأكرمها على الله\" (^١).\nويقول: \"وأهل السنة متفقون على عدالة القوم، ثم لهم في التّصويب والتّخطئة مذاهب لأصحابنا وغيرهم:\nأحدها: أن المصيب علي فقط.\nوالثاني: الجميع مصيبون.\nوالثالث: المصيب واحد لا بعينه.\nوالرابع: الإمساك عما شجر بينهم مطلقًا.\nمع العلم بأن عليًّا وأصحابه هم أولى الطائفتين بالحق ... \" (^٢).\nوالذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة أن عليًّا - ﵁ - هو أولى بالحق في قتاله مع معاوية، وفي قتاله مع عائشة وطلحة والزبير - ﵃ أجمعين - (^٣).\nوبما سبق نقله يتبين موافقة ابن حجر - ﵀ - لما عليه أهل السنة والجماعة قاطبة من الإمساك عما شجر بين الصحابة واعتقاد الفضل لجميعهم والحكم باجتهادهم، وموافقته لِمَا عليه جمهورهم من كون علي - ﵁ - أولى بالحق من فيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>سابعًا: حكم سب الصحابة:</span>\nيرى ابن حجر - ﵀ - كفر من طعن في الصحابة أو سبهم إذا كان طعنه أو سبه يخالف دليلًا قطعيًا، وتبديعه وتفسيقه مع عدم ذلك.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٤ - ١٥٦).\n(^٢) المصدر السابق (٣٥/ ٥١).\n(^٣) انظر: شرح صحيح مسلم (٩/ ٣٩)، مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٧) (٤/ ٤٣٦ - ٤٣٩) (٣٥/ ٥١ - ٥٥)، شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٢٣ - ٧٢٤)، فتح الباري (٦/ ٦١٩) (١٣/ ٦٧)، لوائح الأنوار (٢/ ٣٨ - ٣٩).","vol":"1","page":636},{"text":"يقول - ﵀ -: \"سب الصحابة والطعن فيهم إن خالف دليلًا قطعيًا كقذف عائشة - ﵂ - أو إنكار صحبة أبيها كان كفرًا، وان كان بخلاف ذلك كان بدعة وفسقًا\" (^١).\nوقد أكثر - غفر الله له - من النقل عن أهل العلم في تقرير قوله هذا وتأييده (^٢).\nالتقويم:\nسب الصحابة - ﵃ - محرم بدلالة الكتاب والسنة والإجماع (^٣).\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] \"وأدنى أحوال الساب لهم أن يكون مغتابًا\" (^٤).\nوقوله - ﷿ -: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ [الهمزة: ١]، \"والطاعن عليهم همزة لمزة\" (^٥).\nوقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨]، \"وهم صدور المؤمنين فإنهم هم المواجهون بالخطاب في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حيث ذكرت\" (^٦).\n_________\n(^١) الصواعق (٢/ ٦٢١ - ٦٢٢)، وانظر: الزواجر (٢/ ٢٣٠ - ٢٣٤)، تحفة المحتاج (٤/ ١١١)، التعرف (ص ٧١)، تنبيه الأخيار (ل ٢٢/ ب).\n(^٢) نقل ابن حجر - ﵀ - أقوال أهل العلم في حكم الساب في الأعلام بقواطع الإسلام (ص ٢٥٧) ولم يعقب عليها بشيء، ونقل عن التقي السبكي في الصواعق (١/ ١٢٨ - ١٥١) نقلًا مطولًا استوعب فيه إحدى رسائل السبكي المضمنة فتاواه (٢/ ٥٧٠ - ٥٩٣) مما أوقع بعض الباحثين في الخطأ بظن الكلام له لطوله.\n(^٣) انظر: النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب لمحمد بن عبد الواحد المقدسي (ص ٢٥ - ٤٤، ٦٦)، الشفا (٢/ ١١٠٨ - ١١١٤)، شرح صحيح مسلم (١٦/ ٩٣)، الصارم المسلول (٣/ ١٠٦٧) وما بعدها، فتاوى السبكنى (٢/ ٥٧٠ - ٥٩٣)، إلقام الحجر لمن زكى ساب أبي بكر وعمر للسيوطي (ص ٦٣ - ٧٢)، الرد على الرافضة للشيخ محمد بن عبد الوهاب ضمن مجموع مؤلفاته (١١/ ١٥ - ٢٠)، إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي - ﷺ - للشوكاني (ص ٥٠، ٦٩)، صب العذاب على من سب الأصحاب للألوسي (ص ٤٧٠).\n(^٤) الصارم المسلول (٣/ ١٠٦٧).\n(^٥) المصدر السابق (٣/ ١٠٦٧).\n(^٦) المصدر السابق (٣/ ١٠٦٧).","vol":"1","page":637},{"text":"وقوله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨].\nومن السُّنّة: قوله - ﷺ -: \"الا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه\" (^١).\nوأما الإجماع: فقد أجمع أهل العلم على تحريم سبهم والطعن عليهم إجماعًا قطعيًا.\nيقول العلامة الألوسي - ﵀ -: \"حرمة سب الصحابة - ﵃ - مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان، أو يتنازع فيه اثنان\" (^٢).\nوسب الصحابة - ﵃ - ليس على مرتبة واحدة، بل له مراتب متفاوتة، فإن سبهم أنواع، فمنها سب يطعن في عدالتهم، ومنها سب لا يوجب الطعن في عدالتهم، والسب قد يكون لجميعهم أو أكثرهم، وقد يكون لبعضهم، وهذا البعض قد يكون ممن تواترت النصوص بفضله وقد لا يكون كذلك (^٣).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"من سبهم سبًّا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم - مثل وصف بعضهم بالبخل، أو الجبن، أو قلة العلم، أو عدم الزهد، ونحو ذلك - فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير، ولا يحكم بكفره بمجرّد ذلك، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من العلماء.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب لو كنت متخذًا خليلًا (٣/ ١١٣٠) برقم (٣٦٧٣)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة (٤/ ١٩٤٧) برقم (٢٥٤٠).\n(^٢) الأجوبة العراقية (ص ٤٩).\n(^٣) انظر: الشفا (٢/ ١١٠٨ - ١١١٤)، الصارم المسلول (٣/ ١١١٠ - ١١١١)، إلقام الحجر (ص ٦٧ - ٧٢)، الرد على الرافضة للشيخ محمد بن عبد الوهاب ضمن مجموع مؤلفاته (١١/ ١٨ - ١٩)، وللاستزادة: نواقض الإيمان القولية والعملية للدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف (ص ٤٠٥ - ٤٣٥).","vol":"1","page":638},{"text":"وأما من لعن وقبَّح مطلقًا فهذا محل الخلاف فيهم، لتردد الأمر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد.\nوأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله - ﷺ - إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب في كفره؛ فإنه مكذب لِمَا نصّه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم، والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين، فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق ... \" (^١).\nويقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ -: \"من اعتقد فسقهم أو فسق مجموعهم وارتدادهم وارتداد معظمهم عن الدين، أو اعتقد حقيّة سبهم وإباحته، أو سبهم مع اعتقاد حقية سبهم أو حليّته فقد كفر بالله ورسوله فيما أخبر من فضائلهم وكمالاتهم المستلزمة لبراءتهم عما يوجب الفسق والارتداد وحقية السب أو إباحته، ومن كذبهما فيما ثبت قطعًا صدوره عنهما فقد كفر ...\nومن خص بعضهم بالسب:\nفإن كان ممن تواتر النقل في فضله وكماله كالخلفاء فإن اعتقد حقية سبه أو إباحته فقد كفر؛ لتكذيبه ما ثبت قطعًا عن رسول الله - ﷺ - ومكذبه كافر، وإن سبه من غير اعتقاد حقية سبه أو إباحته فقد تفسق؛ لأن سباب المسلم فسوق، وقد حكم بعض فيمن سب الشيخين بالكفر مطلقًا، والله أعلم.\nوإن كان ممن لم يتواتر النقل في فضله وكماله فالظاهر أن سابه فاسق، إلا أن يسبه من حيث صحبته لرسول الله - ﷺ - فإن ذلك كفر\" (^٢).\nوعليه فحكم الساب يختلف باختلاف اعتقاده، ومن سبَّه، ومتعلق سبِّه، وكلام ابن حجر - ﵀ - المتقدم اقتصر على بعض هذه الاعتبارات.\n_________\n(^١) الصارم المسلول (٣/ ١١١٠ - ١١١١).\n(^٢) الرد على الرافضة ضمن مجموع مؤلفاته (١١/ ١٨ - ١٩).","vol":"1","page":639},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>المبحث الثاني آراؤه في الإمامة</span>\nعرض ابن حجر - ﵀ - لبعض المسائل المتعلقة بالإمامة، وهي: تعريف الإمامة، وحكمها، وطرق انعقادها، وما يجب نحو من وليها، وإثبات إمامة الخلفاء الراشدين - ﵃ -.\nوفيما يلي عرض آرائه في هذه المسائل وتقويمها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>أولًا: تعريف الإمامة:</span>\nيرى ابن حجر - ﵀ - أن الإمامة هي: \"خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا\" (^١).\nالتقويم:\nالإِمامة في اللغة: مصدر من الفعل أمَّ، يقال: \"أمَّهم وأمّ بهم: تقدَّمهم ... \" (^٢).\n\"والإمام: كل من اقتدي يه وقدم في الأمور، والنبي - ﷺ - إمام الأئمة، والخليفة إمام الرعية، والقرآن إمام المسلمين\" (^٣).\nوأما في الاصطلاح: فقد عرّفها أهل العلم بتعريفات عدّة، وهي وإن\n_________\n(^١) تحفة المحتاح (٤/ ١٠٢).\n(^٢) القاموس المحيط (ص ١٣٩٢)، وانظر: تهذيب اللغة (١/ ٢٠١) الصحاح (٥/ ١٨٦٥)، لسان العرب (١٢/ ٢٤).\n(^٣) معجم مقاييس اللغة (ص ٤٨).","vol":"1","page":640},{"text":"اختلفت في الألفاظ فهي متقاربة في المعاني (^١)، ومن أشهرها تعريفا الماوردي (^٢) وابن خلدون - رحمهما الله -.\nيقول الماوردي: \"الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به\" (^٣).\nويقول ابن خلدون: \"الإمامة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به\" (^٤).\nوبالنظر فيما ذكراه في تعريف الإمامة يلاحظ متابعة ابن حجر - ﵀ - لهما في تعريفه لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>ثانيًا: حكم الإمامة:</span>\nيرى ابن حجر - ﵀ - وجوب نصب الإمام، ويرد على من قال بخلافه.\nيقول في ذلك: \"اعلم أن الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - أجمعوا على أن نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب، بل جعلوه أهم الواجبات، حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله - ﷺ -، واختلافهم في التعيين لا يقدح في الإجماع المذكور ...\nثم ذلك الوجوب عندنا معشر أهل السنة والجماعة وعند أكثر المعتزلة بالسمع أي: من جهة التواتر والإجماع المذكور، وقال كثير بالعقل.\nووجه ذلك الوجوب: أنه - ﷺ - أمر بإقامة الحدود، وسد الثغور،\n_________\n(^١) انظر: غياث الأمم في اجتياث الظلم للجويني (ص ١٥٢)، المواقف (ص ٣٩٥)، شرح الأصول الخمسة (ص ٧٥٠)، التعريفات (ص ٣٥)، إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة لصديق حسن (ص ١٧).\n(^٢) هو علي بن محمد بن حبيب الماوردي، أبو الحسن، البصري الشافعي، من مؤلفاته: أعلام النبوة، الأحكام السلطانية، النكت والعيون في تفسير القرآن الكريم وغيرها، توفي سنة ٤٥٠ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٦٤)، شذرات الذهب (٣/ ٢٨٥).\n(^٣) الأحكام السلطانية (ص ٥).\n(^٤) المقدمة (ص ١٩٠).","vol":"1","page":641},{"text":"وتجهيز الجيوش للجهاد، وحفظ بيضة الاسلام، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به وإن كان مقدورًا فهو واجب، ولأن في نصبه جلب منافع لا تحصى، ودفع مضار لا تستقصى، وكل ما كان كذلك يكون واجبًا ...\nوأما مخالفة الخوارج (^١) ونحوهم في الوجوب فلا يعتد بها؛ لأن مخالفتهم كسائر المبتدعة لا تقدح في الإجماع ولا تخل بما يفيده من القطع بالحكم المجمع عليه.\nودعوى أن في نصبه ضررًا من حيث إن إلزام من هو مثله بامتثال أوامره فيه إضرار به، فيؤدي إلى الفتنة، ومن حيث إنه غير معصوم من نحو الكفر والفسوق، فإن لم يُعزَل أضر بالناس، وإن عُزل أدى إلى محاربته، وفيها ضرر أي ضرر، باطلة لا ينظر إليها؛ لأن الإضرار اللازم من ترك نصبه أعظم وأقبح، بل لا نسبة بينهما، ودفع الضرر الأعظم عند التعارض واجب، وفرض انتظام حال الناس بدون إمام محال عادة، كما هو مشاهد\" (^٢).\nالتقويم:\nنصب الإمام واجب بدلالة الكتاب، والسنة، والإجماع، والقواعد الشرعية (^٣).\n_________\n(^١) الخوارج طائفة من أهل الباع، حذر منهم النبي - ﷺ - ومن فتنتهم، وأمر بقتلهم، وأخبر بمروقهم من الإسلام، خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقاتلهم، وقتل كبيرهم ذا الثدية، وهم فرق شتى يُكفّر بعضهم بعضًا، ويلعن بعضهم بعضًا، يجمعهم القول بإكفار عثمان وعلي والحكمين وأصحاب الجمل، وكل من رضي بالتحكيم، والإكفار بارتكاب الكبائر، ووجوب الخروج على الإمام الجائر.\nانظر: التنبيه والرد (ص ٥١)، مقالات الإسلاميين (١/ ١٦٧)، الفرق بين الفرق (ص ٧٢)، الملل والنحل للبغدادى (ص ٥٧)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١١٤)، التبصير في الدين (ص ٣٨)، اعتقادّات فرق المسلمين والمشركين (ص ٥١)، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (ص ١٧).\n(^٢) الصواعق المحرقة (١/ ٢٥ - ٢٦)، وانظر: غرر المواعظ (ص ٤٩)، التعرف (ص ١٢٤)، تحفة المحتاج (٤/ ١٠٢).\n(^٣) انظر: الأحكام السلطانية للماوردي (ص ٥)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص ١٩)، =","vol":"1","page":642},{"text":"فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].\nفالله سبحانه أوجب على المسلمين طاعة أولي الأمر منهم، وهم العلماء والأمراء، والأمر بالطاعة دليل على وجوب نصب ولي الأمر؛ لأن الله تعالى لا يأمر بطاعة من لا وجود له، ولا يفرض طاعة من وجوده مندوب، فالأمر بطاعته يقتضي الأمر بإيجاده.\nوقوله سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨].\nفهذا الأمر من الله تعالى لرسوله - ﷺ - بأن يحكم بين المسلمين بما أنزل الله - أي: بشرعه - وخطاب الرسول - ﷺ - خطاب لأمته ما لم يرد دليل يخصصه به، ولا دليل هنا على التخصيص فيكون خطابًا للمسلمين جميعًا بإقامة الحكم بما أنزل الله وذلك لا يتحقق إلا بنصب الإمام.\nومن السُّنّة: قوله - ﷺ -: \"من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية\" (^١).\nوفعله - ﷺ - حيث تولّى زعامة الدولة الإسلامية الأولى.\nوأما الإجماع: فقد اتفق السواد الأعظم من المسلمين على اختلاف طوائفهم على وجوب نصب الإمام، ولم يشذ عن ذلك إلا النجدات (^٢) من\n_________\n= غياث الأمم (ص ١٥)، المقدمة الزهراء في إيضاح الإمامة الكبرى للذهبي (ص ٦٩)، تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام لابن جماعة (ص ٤٨)، إكليل الكرامة (ص ١١، ١٠٣).\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء بييعة الخلفاء (٣/ ١٤٧٨) برقم (١٨٥١) من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - به.\n(^٢) النجدات: فرقة من فرق الخوارج، وهم أتباع نجدة بن عامر الحنفي، من بني حنيفة من بكر بن وائل، انفرد عن سائر الخوارج بآراء عدّة، قدم مكة، واستقل باليمامة سنة ٦٦ هـ أيام أمير المؤمنين ابن الزبير إلى أن قتله أتباع ابن الزبير سنة ٦٩ هـ.\nانظر: التنبيه والرد (ص ٦٧)، مقالات الإسلاميين (١/ ١٧٤)، الفرق بين الفرق (ص ٨٧)، الملل والنحل للبغدادي (ص ٦٥)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٢٢)، التبصير في الدين (ص ٤٣)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ٥٥)، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (ص ٢٥).","vol":"1","page":643},{"text":"الخوارج ونفر من المعتزلة (^١).\nيقول العلامة ابن حزم - ﵀ -: \"اتفق جميع أهل السنة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل، يقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله - ﷺ - حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم\" (^٢).\nولهذا أجمع الصحابة - ﵃ - على الاشتغال بها قبل دفن النبي - ﷺ -، وقد حكى هذا الإجماع غير واحد من أهل العلم (^٣).\nولَمّا كان الاستدلال بالإجماع على وجوب نصب الإمام أظهر من الاستدلال بغيره، اعتمد عليه غير واحد من أهل العلم، وأغفلوا ما سواه (^٤)، ومنهم ابن حجر - ﵀ - في كلامه السابق.\nوأما دلالة القواعد الشرعية:\nفهي متقررة بقاعدتي \"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب\"، و\"رعاية الشريعة لجلب المنافع ودفع المضار\".\nوهي ما أشار إليه ابن حجر - ﵀ - في كلامه السابق في تقرير وجه القول بوجوب نصب الإمام.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا\n_________\n(^١) يُعزى القول بذلك إلى عبد الرحمن بن كيسان المشهور بأبي بكر الأصم وهشام بن عمرو الفوطي من كبار المعتزلة.\nانظر: مقالات الإسلاميين (٢/ ١٤٩)، الفرق بين الفرق (ص ١٦٣).\n(^٢) الفصل (٤/ ١٤٩).\n(^٣) انظر: مراتب الإجماع لابن حزم (ص ١٤٤)، الأحكام السلطانية للماوردي (ص ٥)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص ١٩)، شرح السنة للبغوي (١٠/ ٨٤)، تفسير القرطبي (١/ ٢٦٤)، شرح صحيح مسلم (١٢/ ٢٠٥)، فتح الباري (١٣/ ٢٠٨).\n(^٤) انظر: المصادر السابقة.","vol":"1","page":644},{"text":"تتم مصالحهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض؛ لأن الله أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد، والعدل، وإقامة الحج، والجمع، والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، لا تتم إلا بالقوة والإمارة\" (^١).\nوبناء على ما سبق فالحق ما رجحه ابن حجر - ﵀ - من كون وجوب الإمامة بدلالة السمع؛ فإن العقل وإن كان يدل عليها إجمالًا، ويقضي بحسنها ابتداءً، إلا أنه لا يتعلق به أمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب - كما سبق (^٢).\nوأما ما ذكره عن الخوارج من القول بعدم وجوب نصب الإمام ومخالفتهم لإجماع عموم الأمة القاضي بذلك، فهو متعقب بأنه قول طائفة منهم لا جميعهم وهم النجدات، وقد تابعهم عليه نفر من المعتزلة - كما سبق - (^٣).\nولا ريب أن قولهم هذا خروج عن إجماع الأمة، ومفارقة لسبيل الجماعة، وما سبق ذكره كاف في الرد عليهم وبيان تهافت قولهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>ثالثًا: طرق انعقاد الإمامة:</span>\nيرى ابن حجر - ﵀ - أن الإمامة تنعقد بالاستخلاف، أو البيعة، أو الغلبة.\nيقول في ذلك: \"تنعقد الإمامة بطرق:\nأحدها: بالبيعة: كما بايع الصحابة أبا بكر - رضي الله تعالى عنهم - والأصح أن المعتبر هو بيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس الذين يتيسر اجتماعهم حالة البيعة ...\nوثانيها: باستخلاف الإمام واحدًا بعده ولو فرعه أو أصله، ويعبر عنه بعهده إليه كما عهد أبو بكمر إلى عمر - ﵄ - وانعقد الإجماع على الاعتداد بذلك ...\n_________\n(^١) السياسة الشرعية (ص ١٦١ - ١٦٢).\n(^٢) انظر: (ص ٦٠٣).\n(^٣) انظر: (ص ٦٤٣).","vol":"1","page":645},{"text":"وثالثها: باستيلاء جامع الشروط [يعني: المعتبرة في الإمام] بالشوكة ... وكذا فاسق وجاهل وغيرهما وإن اختلت فيه الشروط كلها في الأصح وإن عصى بما فعل حذرًا من تشتت الأمر وثوران الفتن\" (^١).\nالتقويم:\nالإمامة ضربان: اختيارية وقهرية.\nفالاختيارية تنعقد بطريقين:\nأحدهما: البيعة: والمراد بها مبايعة أهل الحل والعقد - وهم العلماء والأمراء ووجوه الناس - من يرون فيه الكفاءة لولاية الإمامة، وبهذا الطريق تمت خلافة أبي بكر الصديق - ﵁ - (^٢).\nوالصحيح ما ذكره ابن حجر - ﵀ - من أن المعتبر بيعة جمهور أهل الحل والعقد دون اشتراطٍ لعدد معين منهم، أو إجماعهم على البيعة (^٣).\nوثانيهما: الاستخلاف: والمراد به استخلاف الإمام القائم وعهده بالإمامة إلى من بعده، وبهذا الطريق تمت خلافة عمر - ﵁ - (^٤).\nوالصحيح ما ذكره ابن حجر - ﵀ - من جواز استخلاف الإمام لأحد فروعه أو أصوله (^٥).\nوالإمامة الاختيارية بطريقيها مجمع على صحتها، وانعقاد الإمامة بها، وثبوت أحكام الإمامة لمن تمت له.\nيقول الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ -: \"أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان، حيث لا\n_________\n(^١) تحفة المحتاج (٤/ ١٠٣ - ١٠٤)، وانظر: الصواعق المحرقة (١/ ٢٧).\n(^٢) انظر: الأحكام السلطانية للماوردي (ص ٦)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص ٢٣)، تحرير الأحكام (ص ٥٢)، إكليل الكرامة (ص ٢٧).\n(^٣) انظر: الأحكام السلطانية للماوردي (ص ٧)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص ٢٣)، غياث الأمم (ص ٥٢)، تحرير الأحكام (ص ٥٣).\n(^٤) انظر: الأحكام السلطانية للماوردي (ص ١٠)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص ٢٣)، تحرير الأحكام (ص ٥٣)، إكليل الكرامة (ص ٣٣).\n(^٥) انظر: الأحكام السلطانية للماوردي (ص ١٠)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص ٢٥).","vol":"1","page":646},{"text":"يكون هناك استخلاف غيره، وعلى جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين عدد محصور أو غيره\" (^١).\nوخالف في ذلك المعتزلة حيث قصروا عقد الإمامة على بيعة أهل الحل والعقد فقط دون الاستخلاف (^٢)، والرافضة حيث قصروا الإمامة على الاستخلاف والعهد فقط دون بيعة أهل الحل والعقد (^٣).\nوأما القهرية: فالمراد بها قهر صاحب الشوكة وتوليه الإمامة بغير بيعة أو استخلاف (^٤).\nوقد اختلف أهل العلم في انعقاد الإمامة بها، واتفقوا على أن صاحبها إذا غلب أعطي أحكامها (^٥).\nيقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ -: \"الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلّب على بلد أو بلدان له حكم الإمام في جميع الأشياء\" (^٦).\nوخالف في ذلك الخوارج والمعتزلة فلم يعتبروا القهر والغلبة موجبة لأحكام الإمامة لمن ولي بطريقها (^٧).\nوبما سبق تقريره يتبين صحة ما ذهب اليه ابن حجر - ﵀ - في هذه المسألة، وموافقته فيها لِمَا عليه أهل السنة والجماعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>رابعًا: الواجب نحو الأئمة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>١ - النصيحة لهم:</span>\nيقول ابن حجر - ﵀ - في شرحه لحديث تميم الداري - ﵁ - وفيه أن\n_________\n(^١) فتح الباري (١٣/ ٢٠٨).\n(^٢) انظر: المغني للقاضي عبد الجبار (٢٠/ ٢٠٥).\n(^٣) انظر: أصول الكافي (١/ ٢٢٧، ٢٨٦).\n(^٤) انظر: الأحكام السلطانية للماوردي (ص ٨)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص ٢٢)، تحرير الأحكام (ص ٥٥).\n(^٥) انظر: المصادر السابقة.\n(^٦) الدرر السنية (٩/ ٥).\n(^٧) انظر: المغني للقاضي عبد الجبار (٢٠/ ٢٥٥).","vol":"1","page":647},{"text":"رسول الله - ﷺ - قال: \"الدين النصيحة ثلاثًا، قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلين وعامتهم\" (^١).\nقوله: \"النصيحة لأئمة المسلمين: هم الخلفاء ونوابهم؛ بطاعتهم فيما يوافق الحق كالصلاة خلفهم، والجهاد معهم، وأداء الصدقات إليهم إن طلبوها أو كانوا عادلين، وترك الخروج عليهم وإن جاروا، والدعاء بالصلاح لهم، ومعاونتهم عليه، وتبيينه لهم، وتذكيرهم بالله وأحكامه وحكمه ومواعظه لكن برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه أو لم يبلغهم من حقوق المسلمين، وتألف قلوب الناس لطاعتهم وعدم إغرائهم بالثناء الكاذب عليهم\" (^٢).\nالتقويم:\nدلت النصوص الشرعية على وجوب النصيحة لأئمة المسلمين وبذلها لهم، منها:\nقوله - ﷺ -: \"إن الله يرضى لكم ثلاثًا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم\" (^٣).\nو\"النصيحة كلمة جامعة معناها: حيازة الحظ للمنصوح له ... وهي من وجيز الأسماء ومختصر الكلام، وليس في كلام العرب كلمة مفردة يستوفى بها العبارة عن هذه الكلمة\" (^٤).\nوما ذكره ابن حجر - ﵀ - من كون النصيحة لأئمة المسلمين تتضمن أداء جملة من حقوقهم موافق لِمَا قرّره أهل العلم في معناها (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب الدين النصيحة (١/ ٧٤) برقم (٥٥).\n(^٢) فتح المبين (ص ١٢٤).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة (٣/ ١٣٤٠) رقم (١٧١٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.\n(^٤) شرح صحيح مسلم (١/ ٣٧).\n(^٥) انظر: تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٦٩٤)، أعلام الحديث للخطابي (١/ ١٩٢ - ١٩٣)، صيانة صحيح مسلم (ص ٢٢٣ - ٢٢٤)، شرح صحيح مسلم (١/ ٣٧)، جامع العلوم والحكم (١/ ٢١٩)، فتح الباري (١/ ١٣٨).","vol":"1","page":648},{"text":"يقول الإمام محمد بن نصر المروزي - ﵀ -: \"النصيحة لأئمة المسلمين: حب طاعتهم ورشدهم وعدلهم، وحب اجتماع الأمة كلهم، وكراهية افتراق الأمة عليهم، والتدين بطاعتهم في طاعة الله، والبغض لمن رأى الخروج عليهم، وحب إعزازهم في طاعة الله\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>٢ - السمع والطاعة لهم:</span>\nيقول ابن حجر - ﵀ - في شرحه لحديث العرباض بن سارية - ﵁ - وفيه أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمّر عليكم عبد ... \" (^٢).\nقوله: \"السمع والطاعة: جمع بينهما تأكيدًا للاعتناء بهذا المقام ومن ثم خصه بالذكر عاطفًا له على ما يشمله وغيره وهو تقوى الله تعالى فهو من عطف الخاص على العام لمزيد التأكيد والاعتناء بشأنه، ويصح أن يكون عطف مغاير من حيث أن أظهر مقاصد التقوى الأمور الأخروية وأظهر مقاصد هذا انتظام الأمور الدنيوية ... وانتظام الشريعة حتى توضع الولايات في غير أهلها والأمر بالطاعة حينئذ إيثار لأهون الضررين؛ إذ الصبر على ولاية من لا يجوز ولايته أهون من إثارة الفتن التي لا دواء لها ولا خلاص منها، ويرشد إلى هذا تعقيب ذلك بقوله: \"وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا ... \" (^٣).\n_________\n(^١) تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٦٩٤).\n(^٢) أخرجه أبو داود، كتاب السنة، باب في لزوم السنة (٥/ ١٣ - ١٥) برقم (٤٦٠٧)، والترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة (٥/ ٤٣ - ٤٤) برقم (٢٦٧٦)، وابن ماجه في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (١/ ١٥) برقم (٤٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٩٥ - ٩٦) من طرق عن العرباض بن سارية - ﵁ - به.\nقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\".\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nوأفاض الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم في تخريجه والكلام عليه (٢/ ١٠٩).\n(^٣) فتح المبين (ص ٢١٩)، وانظر: غرر المواعظ (ص ٨١)، التعرف (ص ١٢٤).","vol":"1","page":649},{"text":"التقويم:\nدلّت النصوص الشرعية على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر وأئمة المسلمين ما لم يأمروا بمعصية، منها:\nقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].\nوقوله - ﷺ -: \"على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أُمِرَ بمعصية فلا سمع ولاطاعة\" (^١).\nيقول العلامة ابن أبي العز - ﵀ -: \"دلّ الكتاب والسنة على وجوب طاعة أولي الأمر، ما لم يأمروا بمعصية، فتأمل قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، كيف قال: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم؟ لأن أولي الأمر لا يُفردون بالطاعة، بل يطاعون فيما هو طاعة لله ورسوله، وأعاد الفعل مع الرسول؛ لأنه من يطع الرسول فقد أطاع الله، فإن الرسول لا يأمر بغير طاعة الله، بل هو معصوم في ذلك، وأما ولي الأمر، فقد يأمر بغير طاعة الله، فلا يطاع إلا فيما هو طاعة لله ورسوله.\nوأما لزوم طاعتهم وإن جاروا، فلأنه يترتب على الخروج عن طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ومضاعفة الأجور، فإن الله تعالى ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء من جنس العمل، فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتوبة وإصلاح العمل\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>٣ - عدم الخروج عليهم:</span>\nيقول ابن حجر - ﵀ -: \"يحرم الخروج عليه [يعني: الإمام] ولو جائرًا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية (٤/ ٢٢٣٢) برقم (٧١٤٤)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية (٣/ ١٤٦٩) برقم (١٨٣٩) من حديث ابن عمر - ﵄ - به.\n(^٢) شرح الطحاوية (٢/ ٥٤٢ - ٥٤٣)، وانظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٣٥ - ١٧).","vol":"1","page":650},{"text":"درءًا للفتن\" (^١).\nويقول: \"الخروج على الإمام خرقه عظيم لا يتدارك؛ ولذا أجمعوا على حرمة الخروج على الخائن، وإذا كان خرقه كذلك وجب سد بابه على كل أحد ولم يسمع لأحد فيه قول، وإن بلغ من الاجتهاد ما بلغ، وهذا واضح فتعين المصير إليه فاعلمه\" (^٢).\nالتقويم:\nدلّت النصوص الشرعية على تحريم الخروج على ولاة الأمور وأئمة المسلمين، منها:\nقوله - ﷺ -: \"من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات، فميتته جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برّها وفاجرها، ولا يفي بذي عهدها، فَقِتْلةٌ جاهلية، ومن قاتل تحت راية عميَّة يقاتل لعصبية أو يغضب لعصبية، فقتله قِتْلةٌ جاهلية\" (^٣).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -:\n\"فالأول: هو الذي يخرج عن طاعة ولي الأمر، ويفارق الجماعة.\nوالثاني: ... مثل الذي يقطع الطريق فيقتل من لقيه من مسلم وذمي ...\nوالثالث: هو الذي يقاتل لأجل العصبية والرياسة، لا في سبيل الله\" (^٤).\nوما قرره ابن حجر - ﵀ - من لزوم النصيحة لأئمة المسلمين، ووجوب السمع والطاعة لهم ما لم يأمروا بمعصية، وتحريم الخروج عليهم ما لم يأتوا كفرًا بواحًا موافق لِمَا عليه أهل السنة والجماعة.\n_________\n(^١) التعرف (ص ١٢٤).\n(^٢) فتح الجواد (٢/ ٢٩٤)، وانظر: الزواجر (٢/ ١١١).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن (٣/ ١٤٧٦) برقم (١٨٤٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.\n(^٤) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٣).","vol":"1","page":651},{"text":"يقول الإمام الطحاوي - ﵀ - في سياق عقيدتهم: \"ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعوا عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله - ﷿ - فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة\" (^١).\nويقول أبو الحسن الأشعري - ﵀ - وهو يعدد ما أجمع عليه السلف من الأصول: \"وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وعلى أن كل من ولي شيئًا من أمورهم عن رضى ورغبة وامتدت طاعته من بر وفاجر لا يلزم الخروج عليهم بالسيف جار أو عدل، وعلى أن يغزو معهم العدو، ويحج معهم البيت، وتدفع إليهم الصدقات إذا طلبوها، ويصلى خلفهم الجمع والأعياد\" (^٢).\nويقول الصابوني (^٣) - ﵀ - في بيان عقيدة أهل الحديث: \"ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم برًا كان أو فاجرًا، ويرون جهاد الكفرة معهم وإن كانوا جورة فجرة، وبرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح وبسط العدل في الرعية، ولا يرون الخروج عليهم بالسيف وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف، ويرون قتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى طاعة الإمام العدل\" (^٤).\nوكلام أئمة أهل السنة والجماعة في تقرير هذا الأصل كثير، وهو مبثوث في عقائدهم وكتبهم (^٥).\n_________\n(^١) العقيدة الطحاوية مع شرحها (٢/ ٥٤٠).\n(^٢) رسالة إلى أهل الثغر (ص ٢٩٦ - ٢٩٧).\n(^٣) هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد النيسابوري الصابوني الشافعي، من أئمة السلف وأعلامهم، من مؤلفاته: عقيدة السلف وأصحاب الحديث، الانتصار، الدعوات، توفي سنة ٤٤٩ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٠)، شذرات الذهب (٣/ ٢٨٢).\n(^٤) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص ٢٩٤).\n(^٥) انظر: شرح السنة للبربهاري (ص ٦٩ - ٧١)، اعتقاد أهل السنة للإسماعيلي (ص ٧٥، ٧٦)، أصول السنة لابن أبي زمنين (ص ٢٧٥ - ٢٧٦)، الشرح والإبانة لابن بطة (ص ٢٧٨ - ٢٨٠)، مجموع الفتاوى (٣٥/ ٥ - ٧)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٤٠) وما بعدها.","vol":"1","page":652},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>خامسًا: إثبات إمامة الخلفاء الراشدين:</span>\nيرى ابن حجر ﵀ أن الخلفاء الراشدين هم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والحسن - ﵃ - حيث يقول في شرحه لحديث العرباض بن سارية المتقدم، وفيه أن رسول الله - ﷺ - قال: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي\".\nقوله: \"الخلفاء الراشدين المهديين\" هم: أبو بكر فعمر فعثمان فعلي فالحسن- رضي الله تعالى عنهم- ... والدلائل على اتصاف أولئك الخلفاء بالرشاد -وهو ضد الضلال- والهداية لأقوم طريق وأصوبه كثيرة مشهورة ... \" (^١).\nوبين أن \"استحقاقهم الخلافة على هذا الترتيب بلا تردد، وزَعْمُ أنه لا إجماع على خلافة علي باطل، وإنما هاجت الفتن لأمور أخرى\" (^٢).\nفقال: \"أحق الصحابة بالخلافة وأفضلهم أبو بكر، ثم عمر ... ثم عثمان ثم علي\" (^٣).\n\"وعلم مما قدمته أنه [يعني: عليًّا] الحقيق بالخلافة بعد الأئمة الثلاثة بالإجماع، ولا اكتراث ولا التفات إلى من زعم أنه لا إجماع على خلافته\" (^٤).\nوحكى إجماع الصحابة - ﵃ - على ذلك، فقال: \"اتفق الصحابة -رضوان الله عليهم- على ترتيبها وأن من توقف في ذلك فضلًا عن أن يطعن فيه فإنما هو بمجرد خداعه وعناده\" (^٥).\nوقد أفاض ابن حجر ﵀ في وصف أحداث خلافة الخلفاء الراشدين، والرد على الطاعنين في خلافتهم تفصيلًا بما يطول ذكره (^٦).\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ٢٢٠).\n(^٢) التعرف (ص ١٢٥).\n(^٣) المنح المكية (٣/ ١٢٥١)، وانظر: أشرف الوسائل (ص ٤٨٨).\n(^٤) المنح المكية (٣/ ١٢٦٤).\n(^٥) تطهير الجنان واللسان (ص ١٣٨)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ٢٠٨).\n(^٦) انظر: الصواعق المحرقة في الكلام على خلافة أبي بكر (١/ ٣٠) وما بعدها، وخلافة عمر (١/ ٢٥١) وما بعدها، وخلافة عثمان (١/ ٣٠٢) وما بعدها، وخلافة علي (١/ ٣٤١) وما بعدها، وخلافة الحسن (٢/ ٣٩٧) وما بعدها.","vol":"1","page":653},{"text":"التقويم:\nوردت النصوص بأن الخلافة بعد رسول الله - ﷺ - ثلاثون سنة، في الحديث عن سفينة مولى رسول الله - ﷺ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك\" (^١).\nوقد نص جمع من أهل العلم في شرحه أن المراد بالخلافة فيه: خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والحسن - ﵃ - (^٢).\nفإن \"خلافة أبي بكر الصديق سنتان وثلاثة أشهر، وخلافة عمر عشر سنين ونصف، وخلافة عثمان اثنتا عشرة سنة، وخلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر، وخلافة الحسن ستة أشهر\" (^٣).\nيقول الحافظ ابن كثير ﵀: \"والدليل على أنه أحد الخلفاء الراشدين [يعني: الحسن] الحديث الذي أوردناه ... من طريق سفينة مولى رسول الله - ﷺ - قال: \"الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا\"، وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي\" (^٤).\nوما قرره ابن حجر ﵀ من كون استحقاقهم للخلافة على هذا الترتيب\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، كتاب السنة، باب من جاء في الخلفاء (٥/ ٣٧) برقم (٤٦٤٧)، والترمذي، كتاب الفتن باب ما جاء في الخلافة (٤/ ٤٣٦) برقم (٢٢٢٦)، وأحمد (٣٦/ ٢٤٨) برقم (٢١٩١٩)، وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٥٤٨) برقم (١١٨١)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٢/ ٥٩١) برقم (١٤٠٢)، والنسائي في الكبرى (٥/ ٤٧) برقم (٨١٥٥)، وابن حبان (١٥/ ٣٩٢) برقم (٦٩٤٣)، والطبراني في الكبير (١/ ٨٩) برقم (١٣٦)، والحاكم (٣/ ٧١)، والبيهقي في الدلائل (٦/ ٣٤١) من طرق عن سعيد بن جُهمان عن سفينة مولى رسول الله - ﷺ - به.\nقال الترمذي: \"هذا حديث حسن قد رواه غير واحد عن سعيد بن جُهمان، ولا نعرفه إلا من حديث سعيد بن جُهمان\".\nوصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\nوصححه الألباني في تخريج السنة لابن أبي عاصم.\n(^٢) انظر: عارضة الأحوذي لابن العربي (٩/ ٧١)، عون المعبود للعظيم آبادي (١٢/ ٣٩٧ - ٣٩٩)، تحفة الأحوذي للمباركفوري (٦/ ٤٧٧).\n(^٣) شرح الطحاوية (٢/ ٧٢٢).\n(^٤) البداية والنهاية (٨/ ١٨).","vol":"1","page":654},{"text":"بلا تردد هو ما عليه أهل السنة والجماعة (^١).\nيقول الإمام الطحاوي ﵀ في سياق عقيدتهم: \"ونثبت الخلافة بعد رسول الله - ﷺ - أولًا لأبي بكر الصديق - ﵁ - تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب - ﵁ - ثم لعثمان - ﵁ - ثم لعلي - ﵁ -\" (^٢).\nويقول الإمام ابن بطة (^٣) ﵀: \"ثم الإيمان والمعرفة بأن خير الخلق وأفضلهم ... وأحقهم بخلافة رسول الله - ﷺ - أبو بكر الصديق ... ثم من بعده على هذا الترتيب والصفة أبو حفص عمر بن الخطاب - ﵁ - وهو الفاروق، ثم من بعدهما على هذا الترتيب والنعت عثمان بن عفان - ﵁ - وهو أبو عبد الله وأبو عمرو ذو النورين - ﵁ - ثم على هذا النعت والصفة من بعدهم أبو الحسن علي بن أبي طالب - ﵁ - ... فبحبهم وبمعرفة فضلهم قام الدين وتمت السنة وعدلت الحجة\" (^٤).\nويقول الإمام ابن قدامة ﵀: \"وهو [يعني: أبا بكر] أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي - ﵁ - لفضله وسابقته وتقديم النبي - ﷺ - له في الصلاة على جميع الصحابة - ﵃ - وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة، ثم من بعده عمر - ﵁ - لفضله وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان - ﵁ - لتقديم أهل الشورى له، ثم علي - ﵁ - لفضله وإجماع أهل عصره عليه\" (^٥).\nوبما سبق يتضح موافقة ابن حجر ﵀ لِمَا عليه أهل السنة والجماعة في إثباتهم الخلافة لهؤلاء الخمسة - ﵃ - وقولهم باستحقاتهم لها على هذا الترتيب.\n_________\n(^١) انظر: العقيدة الطحاوية مع شرحها (٢/ ٦٩٨)، الشرح والإبانة (ص ٢٥٧)، جامع بيان العلم وفضله (٢٠/ ٢٢٦ - ٢٢٨)، عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص ٢٩٠)، لمعة الاعتقاد (ص ٢٧ - ٢٨)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٣)، الوصية الكبرى (ص ٣٣).\n(^٢) العقيدة الطحاوية مع شرحها (٢/ ٦٩٨).\n(^٣) هو عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العكبري المشهور بابن بطة، حنبلي سلفي، من مؤلفاته: الإبانة الكبرى، والإبانة الصغرى، توفي سنة ٣٨٧ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٥٢٩)، شذرات الذهب (٣/ ١٢٢).\n(^٤) الشرح والإبانة (ص ٢٥٧ - ٢٦١).\n(^٥) لمعة الاعتقاد (ص ٢٧ - ٢٨).","vol":"1","page":655},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>الفصل الثاني آراؤه في مسائل الأسماء والأحكام</span>\nوفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:\nتمهيد في تعريف مسائل الأسماء والأحكام، وأهميتها:\nالمبحث الأول: آراؤه في مسائل الإيمان.\nالمبحث الثاني: آراؤه في مسائل الكفر والتكفير.\nالمبحث الثالث: آراؤه في مسائل البدعة.","vol":"1","page":657},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>تمهيد في تعريف مسائل الأسماء والأحكام، وبيان أهميتها</span>\nالمراد بالأسماء: أسماء الدين، مثل: مؤمن، ومسلم، وكافر، وفاسق.\nوالمراد بالأحكام: أحكام هؤلاء في الدنيا والآخرة، أي: أحكام أصحاب هذه الأسماء (^١).\nيقول الحافظ ابن رجب ﵀: \"هذه المسائل أعني: مسائل الإسلام والإيمان، والكفر والنفاق مسائل عظيمة جدًّا، فإن الله ﷿ علَّق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة، واستحقاق الجنة والنار، والاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة ...\nوقد صنف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسائل تصانيف متعددة، وممن صنف في الإيمان من أئمة السلف: الإمام أحمد، وأبو عبيد القاسم بن سلَّام (^٢)، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن أسلم الطوسي (^٣) -رحمهم الله تعالى- وكثرت فيه التصانيف بعدهم من جميع الطوائف\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٨).\n(^٢) هو القاسم بن سلام بن عبد الله، المشهور بأبي عبيد، من أئمة الحديث وكبار السلف، من مؤلفاته: غريب الحديث، والإيمان، وغيرهما، توفي سنة ٢٢٤ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٩٠)، شذرات الذهب (٢/ ٥٤).\n(^٣) هو محمد بن أسلم بن سالم بن يزيد، أبو الحسن، الكندي، الخراساني، الطوسي، من أئمة السلف وعبّادهم، توفي سنة ٢٤٢ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ١٩٥)، شذرات الذهب (٢/ ١٠٠).\n(^٤) جامع العلوم والحكم (١/ ١١٤).","vol":"1","page":658},{"text":"وقد أشار ابن حجر ﵀ إلى أهمّيّة هذه المسائل، وضرورة العناية بها، حيث قال: \"اعلم أن مسائل الإيمان، والإسلام، والكفر، والنفاق، عظيمة جدًّا، فيتعين على كل أحد الاعتناء بتحقيقها ... \" (^١).\nوفيما يلي عرض آرائه في هذه المسائل وتقويمها.\n* * *\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ٧٦).","vol":"1","page":659},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>المبحث الأول آراؤه في مسائل الإيمان</span>\nعرض ابن حجر -غفر الله له- لجملة من المسائل المتعلقة بالإيمان، وذكر فيها رأيه، وهي: تعريف الإيمان، وزيادته ونقصانه، وحكم الاستثناء فيه، وهل هو مخلوق أم لا؟، والفرق بينه وبين الإسلام، وتعريف الكبيرة، وحكم مرتكبها.\nوفيما يلي عرض آرائه وتقويمها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>أولًا: تعريف الإيمان:</span>\nعرف ابن حجر -عفا الله عنه- الإيمان، وبيّن معناه في اللغة والشرع.\nفقال: \"الإيمان هو لغة: مطلق التصديق من آمن بوزن أَفْعَلَ لا فَاعَلَ وإلا لجاء مصدره فَعالًا وهمزته للتعدية كان المصدق جعل الغير آمنًا من تكذيبه أو للصيرورة كأنه صار ذا أمن من أن يكذبه غيره، ويضمن معنى اعترف وأقر فيعدى بالباء، وأذعن وقَبِلَ فيعدى باللام نحو: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦].\nوشرعًا: التصديق بالقلب فقط أي: قبوله وإذعانه لِمَا علم بالضرورة أنه من دين محمد - ﷺ -\" (^١).\nوقال: \"الإيمان: التصديق مما علم من الدين ضرورة إجمالًا في الإجمالي، وتفصيلًا في التفصيلي ...\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ٦٥).","vol":"1","page":660},{"text":"وشرط خروج القادر عن عهدة التكليف به تلفظه وإلا خلد في النار بإجماع أهل السنة قاله الإمام النووي (^١)، لكن مال جمع محققون إلى نجاته نظرًا لإيمان قلبه، والنطق بهما الإسلام، وطاعة الجوارح غير داخلة بل هي شرط لكمال الإيمان، وشرط الخروج عن عهدة اللزوم به الإيمان فلا يعتد بأحدهما بدون الآخر\" (^٢).\nوقال: \"الإيمان: التصديق، الإجمالي في الإجمالي، والتفصيلي في التفصيلي ...\nولا يكفي التصديق وحده بل لا بد معه من الإقرار بالشهادتين باللسان، فإن تركه مع القدرة عليه كان كافرًا مخلدًا في النار كما نقله النووي عن أهل السنة، لكن أشار الغزالي (^٣) -رحمه الله تعالى- إلى ما اختاره جمع محققون غيره أنه من أهل الجنة، وتركه التلفظ به معصية فقط؛ لأن قلبه مملوء بالتصديق فكيف يخلد، والكلام فيمن يمتنع منه جحود أو إنكارٌ وإلا كان كافرًا إجماعًا.\nوالأعمال من الإيمان عندنا -كأكثر المحدثين- أي: من كماله، فالميت مؤمنًا فاسقًا تحت المشيئة ... \" (^٤).\nالتقويم:\n\nالإيمان في اللغة:\nمصدر آمن يؤمن إيمانًا فهو مؤمن (^٥)، وهو بمعنى الإقرار لا مجرد التصديق؛ فإن الإيمان يتضمن أمرين:\nأحدهما: الإخبار.\n_________\n(^١) انظر: شرح صحيح مسلم (١/ ١٤٩).\n(^٢) التعرف (ص ١١٧ - ١١٨).\n(^٣) انظر: إحياء علوم الدين (١/ ١٠٤ - ١٠٥).\n(^٤) المنح المكية (٣/ ١٣٤٠ - ١٣٤١)، وانظر: تحفة المحتاج (٤/ ١١٢)، فتح المبين (ص ٦٦، ٧٤ - ٧٦، ١٨٣)، الفتاوى الحديثية (ص ٢٦٣)، الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٢١٧)، الخيرات الحسان (ص ١٣٦).\n(^٥) انظر: تهذيب اللغة (١/ ٢٠٩)، معجم مقاييس اللغة (ص ٨٨)، الصحاح (٥/ ٢٠٧١)، لسان العرب (١٣/ ٢١)، القاموس المحيط (ص ١٥١٨).","vol":"1","page":661},{"text":"وثانيهما: الالتزام.\nوالتصديق إنما يتضمن الأول دون الثانى، بخلاف الإقرار فإنه يتضمنهما جميعًا (^١).\nولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"معلوم أن الإيمان هو الإقرار لا مجرد التصديق، والإقرار يتضمن قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد\" (^٢).\nوبناء على ذلك فما ذكره ابن حجر -غفر الله له- من كون الإيمان في اللغة هو مطلق التصديق مردود.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"ليس لفظ الإيمان مرادفًا للفظ التصديق كما يظنه طائفة من الناس ... وذلك أن الإيمان يفارق التصديق، أي: لفظًا ومعنى.\nفأما اللفظ، فمن وجهين:\nأحدهما: أنه يقال: صدقه، فيتعدى بنفسه إلى المصدق، ولا يقال: أمنته، إلا من الأمان الذي هو ضد الإخافة، بل آمنت له ... كما يقال: أقررت له، فهذا فرق في اللفظ.\nوالفرق الثاني: ... أن الإيمان لا يستعمل في جميع الأخبار، بل في الإخبار عن الأمور الغائبة، ونحوها مما يدخلها الريب، فإذا أقر بها المستمع قيل: آمن، بخلاف لفظ التصديق؛ فإنه عام متناول لجميع الأخبار.\nوأما المعنى:\nفإن الإيمان مأخوذ من الأمن الذي هو الطمأنينة، كما أن لفظ الإقرار مأخوذ من قر يقر، وهو قريب من آمن يأمن، لكن الصادق يطمأن إلى خبره، والكاذب بخلاف ذلك كما يقال: الصدق طمأنينة والكذب ريبة؛ فالمؤمن دخل في الأمن كما أن المقر دخل في الإقرار، ولفظ الإقرار يتضمن الالتزام، ثم إنه يكون على وجهين:\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٥٣٠ - ٥٣١).\n(^٢) المصدر السابق (٧/ ٦٣٨).","vol":"1","page":662},{"text":"أحدهما: الإخبار ...\nوالثاني: إنشاء الالتزام ...\nوكذلك لفظ الإيمان فيه إخبار وإنشاء والتزام، بخلاف لفظ التصديق المجرد\" (^١).\nوقول ابن حجر -عفا الله عنه- بأن الإيمان في اللغة يضمن معنى الاعتراف والإقرار والإذعان والقبول متعقب بكون معنى الإيمان المطابق له في اللغة هو الإقرار -كما تقدم- لا أنه ضمن معناه، وقوله بذلك إقرار ضمني بقصور لفظ التصديق عن لفظ الإيمان.\nوأما الإيمان في الشرع:\nفهو حقيقة مركبة من اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح.\nوالأدلة على ذلك متظافرة من الكتاب والسنة والإجماع.\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١].\nوقوله سبحانه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦].\nوقوله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ لأالبقرة: ١٤٣] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس.\nومن السُّنَّة: قوله - ﷺ -: \"الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها أماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٢٩ - ٥٣١)، وانظر: (٧/ ٢٩٠ - ٢٩٣) (١٠/ ٢٦٩ - ٢٧٦)، الإيمان (ص ١٢٦ - ١٣٤) (ص ٢٧٤ - ٢٨١)، شرح الأصفهانية (ص ١٤٢ - ١٤٣)، شرح الطحاوية (٢/ ٤٧١ - ٤٧٤).","vol":"1","page":663},{"text":"من الايمان\" (^١).\n\"فهذه الشعب تتفرع من أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن\" (^٢)، وقد عني جمع من أهل العلم بعدها وفقًا لذلك (^٣).\nوأما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل.\nيقول الإمام الشافعي ﵀: \"كان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركنا: أن الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاثة عن الآخر\" (^٤).\nوقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم، منهم: وكيع بن الجراح (^٥) (^٦) وأبو عبيد القاسم بن سلام (^٧)، والبخاري (^٨)، والبغوي (^٩)، وابن عبد البر (^١٠) -رحم الله الجميع-.\nوالقول بمقتضى ذلك هو ما عليه أهل السنة والجماعة (^١١)، وإن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان (١/ ٢٩) برقم (٩)، ومسلم واللفظ له، كتاب الإيمان، باب عدد شعب الإيمان (١/ ٦٣) برقم (٣٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) فتح الباري (١/ ٥٢).\n(^٣) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥/ ٩١١ - ٩٤٠)، الإبانة الكبرى لابن بطة ت/ رضا نعسان (٢/ ٦٥٠ - ٦٥٣)، وقد أفردها بالتصنيف جماعة آخرون كالحليمي والبيهقي والقزويني والقصري والبلقيني وكتبهم مطبوعة بحمد الله.\n(^٤) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥/ ٨٨٦).\n(^٥) هو وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي، أبو سفيان، الرُؤاسي، إمام محدث، من أئمة السلف، من مؤلفاته: الزهد، التفسير، فضائل الصحابة وغيرها، توفي سنة ١٩٧ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٩/ ١٤٠)، شذرات الذهب (١/ ٣٤٩).\n(^٦) انظر: كتاب الإيمان للعدني (ص ٩٦).\n(^٧) انظر: الإيمان له (ص ٦٦).\n(^٨) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥/ ٨٨٦).\n(^٩) انظر: شرح السنة (١/ ٣٨ - ٣٩).\n(^١٠) انظر: التمهيد (٩/ ٢٣٨).\n(^١١) انظر: الإيمان لابن أبي شيبة (ص ٤٦)، الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص ٦٦)، الإيمان للعدني (ص ٧٩)، الإيمان لابن مندة (٢/ ٥)، الشريعة (٢/ ٦١١)، الإبانة الكبرى، تحقيق: نعسان (٢/ ٧٦٠)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٤/ ٨٣٠)، الحجة في بيان المحجة (١/ ٤٠٣)، أصول السنة لابن أبي زمنين (ص ٢٠٧)، شرح السنة للبربهاري (ص ٦٧)، عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص ٢٦٤)، مسائل الإيمان لأبي يعلى =","vol":"1","page":664},{"text":"اختلفت عباراتهم في التعبير عنه إجمالًا وتفصيلًا (^١).\nوقد خالف أهلَ السنة والجماعة في ذلك عامةُ الطوائف والفرق (^٢)، ومنهم الأشاعرة فإنهم اتفقوا على أن الإيمان هو تصديق القلب، وأن أعمال الجوارح غير داخلة في مسماه، واختلفوا في إقرار اللسان على قولين -حكاهما ابن حجر في كلامه المتقدم- يقول الباجوري في بيان ذلك.\nوفسر الإيمان بالتصديق ... والنطق فيه الخلف بالتحقيق (^٣)\nوالذي عليه جمهورهم أن الإيمان هو مجرد التصديق القلبي، وأما إقرار اللسان وعمل الجوارح فهي خارجة عن مسماه (^٤)، وهو ظاهر كلام ابن حجر المتقدم -غفر الله له-.\nوالقول بذلك باطل، والرد عليه من طريقين:\nأحدهما: النقض، وذلك بأن يقال:\nأولًا: أن الإيمان في اللغة ليس هو مجرد التصديق -كما سبق- بل هو الإقرار، والإقرار -كما تقدم- يتضمن الإخبار والالتزام.\nثانيًا: أن الإيمان لو فرض أنه في اللغة مجرد التصديق فإن الأعمال داخلة في مسماه، وذلك من وجهين:\n١ - أن التصديق يكون بالأعمال أيضًا، ودليل ذلك قوله - ﷺ -: \"العينان تزنيان، وزناهما النظر، والأذن تزني، وزناها السمع\" إلى أن قال: \"والفرج يصدق ذلك أو يكذبه\" (^٥).\n_________\n= (ص ١٥٢)، الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي (ص ١٨١)، الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٢٩٣ - ٢٩٥)، شرح الطحاوية (٢/ ٤٥٩)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٤٠٣).\n(^١) انظر: الإيمان لابن تيمية (ص ١٦٢ - ١٦٣)، مجموع الفتاوى (٧/ ٥٠٥ - ٥٠٦).\n(^٢) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢١٣)، مجموع الفتاوى (١٣/ ٤٧ - ٥١)، الإيمان لشيخ الإسلام (ص ٧٢)، شرح الطحاوية (٢/ ٤٥٩).\n(^٣) جوهرة التوحيد مع شرحها تحفة المريد (ص ٤٢).\n(^٤) انظر: التمهيد للباقلاني (ص ٣٨٩)، أصول الدين للبغدادي (ص ٢٤٧)، الإرشاد (ص ٣٣٣)، المواقف (ص ٣٨٤)، وشرحها (٨/ ٣٢٢)، شرح المقاصد (٥/ ١٧٥).\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج (٤/ ١٩٦٤) برقم (٦٢٤٣)، ومسلم، كتاب القدر، باب قُدِّر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره (٤/ ٢٠٤٦) =","vol":"1","page":665},{"text":"٢ - أن يكون المراد به تصديقًا خاصًا دل عليه الشرع، وهو تصديق يتضمن الاعتقاد والقول والعمل جميعًا (^١).\nثالثًا: أن الإيمان لو كان هو مجرد التصديق، فإن التصديق يلزم منه ضرورة تحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال والأعمال (^٢).\nرابعًا: أن قول ابن حجر بأن الإيمان هو مجرد التصديق القلبي يناقض قوله بزيادة الإيمان ونقصانه؛ إذ التصديق غير قابل لهما -كما سيأتي-.\nخامسًا: أن القول بذلك يلزم منه لوازم باطلة، منها:\n١ - أن من لم ينطق بالشهادتين وهو مصدق بقلبه كأبي طالب وبعض أهل الكتاب من اليهود والنصارى يكون مؤمنًا، وهؤلاء متفق على كفرهم (^٣).\n٢ - أن من صدق بقلبه ولم يعمل بجوارحه فلم يصل ولم يصم ولم يزك مؤمن، لبقاء أصل التصديق بقلبه، وهذا باطل (^٤).\n٣ - أن من صدق بقلبه ثم أتى ناقضًا من نواقض الإسلام القولية أو العملية فإنه لا يكفر، بل يكون مؤمنًا لبقاء أصل التصديق في قلبه (^٥)، وهو من أفسد اللوازم من جهة، ومناقض لِمَا قرره ابن حجر في كتابه الإعلام بقواطع الإسلام من جهة أخرى.\nوالآخر: المعارضة:\nبما تقدم من الأدلة الدالة على أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>ثانيًا: زيادة الإيمان ونقصانه:</span>\nذكر ابن حجر -غفر الله له- اختلاف الأشاعرة في زيادة الإيمان ونقصانه، وأقوالهم في ذلك، فقال:\n_________\n= برقم (٢٦٥٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.\n(^١) انظر: شرح الطحاوية (٢/ ٤٧٣).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٥٤١).\n(^٣) انظر: الإيمان لابن تيمية (ص ١٢٥)، مجموع الفتاوى (٧/ ٥٨٣).\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٥٨٣).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (٧/ ٥٨٣).","vol":"1","page":666},{"text":"\"الزيادة والنقص: أنكرهما أبو حنيفة وأتباعه (^١) واختاره من الأشاعرة إمام الحرمين (^٢) وآخرون ... وأثبتهما جمهور الأشاعرة ... \" (^٣).\nوبيّن في موضع آخر رأيه في المسألة فقال بأن الإيمان \"يزيد وينقص قوة ومتعلقًا\" (^٤).\nالتقويم:\nتواترت نصوص الوحيين في الدلالة على زيادة الإيمان ونقصانه.\nقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢].\nوقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤].\nوقال ﷿: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١].\nوفي الحديث: \"يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير\" (^٥).\nوكل دليل يدل على زيادة الإيمان فهو دليل على نقصه والعكس بالعكس، إذ ما قبل الزيادة قبل النقصان (^٦).\n_________\n(^١) انظر: العقيدة الطحاوية مع شرحها (٢/ ٤٥٩)، الفرق بين الفرق (ص ٢٠٣)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٤١).\n(^٢) انظر: الإرشاد (ص ٣٣٥).\n(^٣) فتح المبين (ص ٧٦).\n(^٤) التعرف (ص ١١٧).\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان نقصانه (١/ ٣٨) برقم (٤٤)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١/ ١٨٢) برقم (١٩٣) من حديث أنس بن مالك - ﵁ - به.\n(^٦) انظر: السنة للخلال (٢/ ٦٨٨)، شعب الإيمان (١/ ١٦٠)، الفصل (٣/ ٢٣٧)، فتح الباري (١/ ٤٧).","vol":"1","page":667},{"text":"والقول بمقتضى ذلك هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة (^١)، وانعقد عليه إجماعهم (^٢).\nيقول الإمام البخاري ﵀: \"لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص\" (^٣).\nوقد اضطرب الأشاعرة في هذه المسألة وتعددت فيها أقوالهم، وذلك مبني على تعريفهم الإيمان بأنه مجرد التصديق وإجماعهم على عدم دخول الأعمال في مسماه.\nفقال بعضهم: بأن التصديق لا يقبل الزيادة ولا النقصان، ومن ثم منعوا ذلك في الإيمان.\nوقال آخرون: التصديق يزيد بكثرة الدلائل ولا ينقص لأن نقصه شك، ومن ثم قالوا بزيادة الإيمان دون نقصه.\nوقال جمهورهم: الإيمان يزيد وينقص، ولأصحاب هذا القول مسلكان في تقريره:\nأحدهما: القول بأن التصديق الذي هو أصل الإيمان لا يزيد ولا ينقص، والزيادة والنقصان إنما تكون في الأعمال التي هي ثمراته، فالزيادة والنقصان فيه ليست بحسب ذاته ولكن بحسب متعلقه.\n_________\n(^١) انظر: السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ٣١٠)، الإيمان لأبي عبيد (ص ٧٢)، الإيمان للعدني (ص ٩٤)، الإبانة الكبرى، تحقيق: نعسان (٢/ ٨٦١)، الشريعة (٢/ ٦٠٣)، شرح أصول الاعتقاد (٣/ ١٨)، أصول السنة لابن أبي زمنين (ص ٢٠٧)، التبصر في الدين لابن جرير (ص ١٩٧)، شرح السنة للبربهاري (ص ٦٧)، عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص ٢٦٤)، التمهيد (٩/ ٢٤٣، ٢٥٢)، مسائل الإيمان لأبي يعلى (ص ٣٩٥)، الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي (ص ١٨١)، مجموع الفتاوى (٧/ ٥٠٥)، شرح الطحاوية (٢/ ٤٦٦)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٤١١)، وللاستزادة: زيادة الإيمان ونقصانه لعبد الرزاق العباد (ص ٣٣ - ١٣١).\n(^٢) انظر: شرح السنة للبغوي (١/ ٣٨ - ٣٩)، التمهيد (٩/ ٢٣٨) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٧٢)، مدارج السالكين (١/ ٤٢١).\n(^٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٧٣ - ١٧٤).","vol":"1","page":668},{"text":"ثانيهما: القول بأن التصديق نفسه يزيد وينقص، فيصح إطلاق القول بزيادة الإيمان ونقصانه بحسب الذات الذي هو التصديق وذلك بكثرة النظر وتظافر الأدلة ووضوحها، وبحسب المتعلق الذي هو أفراد ما جاء به الرسول - ﷺ -، وكل ما قبل الزيادة قبل النقص (^١).\nوهذا القول هو ما اختاره ابن حجر -غفر الله له- وعبّر عنه في كلامه المتقدم بقوله \"يزيد وينقص قوة ومتعلقًا\"، وهو متعقب بما يلي:\nأولًا: أن قوله هذا مبني على قوله في تعريف الإيمان وأنه مجرد التصديق، وهو باطل -كما سبق- وما بني على باطل فهو كذلك.\nثانيًا: أن قوله هذا يقصر الزيادة والنقصان على تصديق القلب، والحق أن الزيادة والنقصان تدخل الاعتقاد والقول والعمل (^٢).\nثالثًا: أن النصوص الدالة على الزيادة والنقصان في الإيمان بعمل الجوارح أكثر من غيرها (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>ثالثًا: حكم الاستثناء في الإيمان:</span>\nذكر ابن حجر ﵀ اختلاف الناس في حكم الاستثناء في الإيمان، وحرر محل نزاعهم، ورجح ما رآه من أقوالهم، حيث قال:\n\"منع جماعة منهم أبو حنيفة وأصحابه قول أنا مؤمن إن شاء الله، وإنما يقال: أنا مؤمن حقًّا.\nوأجازه آخرون، وقال السبكي (^٤): وهم أكثر السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والشافعية والمالكية والحنابلة، ومن المتكلمين الأشعرية والكلابية ...\n_________\n(^١) انظر: أصول الدين للبغدادي (ص ٢٥٢)، الإرشاد (ص ٣٣٥)، المواقف (ص ٣٨٨)، وشرحها (٨/ ٣٣٠) وما بعدها، شرح المقاصد (٥/ ٢١٠)، تحفَة المريد (ص ٤٩ - ٥١).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٢٣٢ - ٢٣٧، ٥٦٢ - ٥٨٤، ٦٧٢)، شرح الطحاوية (٢/ ٤٦٦)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٤١٣ - ٤١٦).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٥٦٢) (٦/ ٤٧٩).\n(^٤) انظر: فتاواه (١/ ٥٣).","vol":"1","page":669},{"text":"وليس الخلاف فيمن يأتي بإذن شاء الله شاكًا في ثبوت الإيمان له حالًا؛ لأنه كافر بل هو فيمن هو جازم به حالًا غير أن بقاءه على الموت عليه غير معلوم له.\nووجه جوازه:\nأنه ليس القصد بالاستثناء فيه إلا التبرك، اتباعًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، فإنه يَعم طلب الاستثناء حتى في قطعي الحصول، وقد صرح به فيه، في ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧]، مع أن خبره تعالى قطعي الصدق تعليمًا وتأديبًا لعباده في صرف الأمور كلها إلى مشيئته ...\nوأن المعتبر في النجاة هو الموت على الإيمان، وهذا غير معلوم وهو أمر مستقبل فصح ربطه بها لا تعليقًا بل تبركًا واتباعًا وخوفًا من سوء الخاتمة.\nوأما توجيه منعه بأن تركه أبعد عن التهمة بعدم الجزم به في الحال الذي هو كفر، وبتقدير أنه قصد غير التعليق فربما اعتادت نفسه التردد في الإيمان لكثرة إشعار النفس بواسطة الاستثناء بترددها في ثبوت الإيمان واستمراره.\nفجوابه: أنه لا تهمة مع القرائن القطعية بانتفائها، وأيضًا إشعار اللفظ بما مرّ إنما هو بالنظر للتعليق وليس الكلام فيه؛ إذ الغرض أنه إنما قصد التبرك لِمَا مرّ، على أنه لو فرض أنه أطلق فلم يقصد تعليقًا ولا تبركًا فالذي يظهر أنه لا إثم عليه أيضًا؛ لأن الغرض أنه جازم بالإيمان في الحال، وإيهام لفظه تدفعه قرائن أحواله\" (^١).\nالتقويم:\nالمراد بالاستثناء في الايمان: قول الرجل مجيبًا لمن سأله: أمؤمن أنت؟ إن شاء الله، ونحوها من العبارات التي تشعر بعدم القطع (^٢).\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ٧٨ - ٧٩).\n(^٢) انظر: الإيمان لشيخ الإسلام (ص ٤١٠).","vol":"1","page":670},{"text":"وهذه المسألة إنما حدث الخوض فيها بسبب الإرجاء الذي ظهر في الأمة بفعل أهل الأهواء، ولهذا عد السلف سؤال الرجل عن إيمانه بدعة، وفصلوا في جوابه (^١).\nيقول الإمام الأوزاعي ﵀ لمن سأله عن الرجل يسأل غيره أمؤمن أنت؟: \"إن المسألة عما تسأل عنه بدعة، والشهادة به تعمق لم نكلفه في ديننا، ولم يشرعه نبينا، ليس لمن يسأل عن ذلك فيه إمام، القول به جدل، والمنازعة فيه حدث\" (^٢).\nهذا، وجملة أقوال الناس في هذه المسألة ثلاثة:\nأحدها: القول بتحريم الاستثناء في الإيمان، وهو قول الجهمية (^٣)، والمرجئة (^٤)، والماتريدية (^٥)، وبعض الأشاعرة (^٦).\nقالوا: لأن الإيمان شيء واحد يعلمه الإنسان من نفسه، ومن استثنى فقد شك، والشك في الإيمان كفر (^٧).\nوثانيها: القول بوجوب الاستثناء في الإيمان، وهو قول الكلابية (^٨)، وجمهور الأشاعرة (^٩).\nقالوا: لأن الإيمان هو ما مات عليه الإنسان، وكذلك الكفر هو ما مات عليه الإنسان، أما قبل ذلك فلا عبرة به، وإنما العبرة بالموافاة (^١٠).\n_________\n(^١) انظر: السنة للخلال (٣/ ٦٠١)، الشريعة (٢/ ٦٥٦)، الإبانة الكبرى، تحقيق: نعسان (٢/ ٨٧٧)، مجموع الفتاوى (٧/ ٤٤٨).\n(^٢) انظر: الإبانة الكبرى، تحقيق: نعسان (٢/ ٨٨٢).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٤٢٩).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (٧/ ٤٢٩).\n(^٥) انظر: التوحيد للماتريدي (ص ٣٨٨)، تأويلات أهل السنة (ص ٢٦٥)، بحر الكلام (ص ٤٠).\n(^٦) انظر: أصول الدين للبغدادي (ص ٢٥٣).\n(^٧) انظر: المصادر السابقة.\n(^٨) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٢٨٩) (٧/ ٤٣٠)، الاستقامة (١/ ١٥٠).\n(^٩) انظر: أصول الدين (ص ٢٥٣)، شرح المقاصد (٥/ ٢١٤)، المسامرة شرح المسايرة (ص ٢٨٣).\n(^١٠) انظر: المصادر السابقة.","vol":"1","page":671},{"text":"وثالثها: التفصيل في ذلك، وهو قول أهل السنة والجماعة (^١).\nقالوا: والمعتبر في ذلك إرادة المستثني وما قام بقلبه.\nفإن أراد باستثنائه الشك في إيمانه، مُنع من الاستثناء بغير خلاف.\nوإن أراد باستثنائه عدم تحصيله الإيمان المطلق، أو خوفًا من تزكية نفسه، جاز له الاستثناء (^٢).\nيقول العلامة ابن أبي العز ﵀: \"الاستثناء في الإيمان ... الناس فيه على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط، منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجيزه باعتبار ويمنعه باعتبار، وهذا أصح الأقوال\" (^٣).\nوعليه فما قرره ابن حجر ﵀ في هذه المسألة موافق لقول أهل السنة والجماعة، إلا أنه يؤخذ عليه ما يلي:\n١ - عزوه ذلك إلى المتكلمين من الكلابية والأشاعرة، والصواب أنه قول لبعضهم؛ إذ جمهورهم على القول بوجوبه -كما سبق-.\n٢ - تعليله ذلك بالتبرك والموافاة، وهذا التعليل فيه نظر.\nفأما الاستثناء باعتبار التبرك فهو متعقب بأن الأصل في الاستثناء أن يكون للمستقبل دون الماضي أو الحاضر، والمخبر بقوله أنا مؤمن إن شاء الله يريد الماضي والحاضر لا المستقبل، والاستثناء فيها بقصد التبرك يلزم منه طرده في كل خبر، وهو لا يعرف عن السلف.\nوأما الاستثناء باعتبار الموافاة فهو متعقب بأن القول بذلك لم يعرف عن أحد من السلف -﵏-.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"أما مذهب السلف أصحاب\n_________\n(^١) انظر: السنة لعبد الله (١/ ٣٠٧)، الإيمان لأبي عبيد (ص ٦٧)، الإبانة الكبرى (٢/ ٨٦٢)، الشريعة (٢/ ٦٥٦)، السنة للخلال (٣/ ٥٩٣)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥/ ٩٧٦)، الاقتصاد في الاعتقاد (ص ١٨٣)، مجموع الفتاوى (٧/ ٤٣٨ - ٤٣٩، ٥٠٥، ٦٦٦)، شرح الطحاوية (ص/٤٩٨)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٤٣٥).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٤٣٨ - ٤٣٩، ٤٤٧، ٦٦٨)، شرح الطحاوية (٢/ ٤٩٨)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٤٣٥).\n(^٣) شرح الطحاوية (٢/ ٤٩٤ - ٤٩٥).","vol":"1","page":672},{"text":"الحديث ... فكانوا يستثنون في الإيمان، وهذا متواتر عنهم، لكن ليس في هؤلاء من قال: أنا أستثني لأجل الموافاة، وأن الإيمان إنما هو اسم لِمَا يوافي به العبد ربه، بل صرح أئمة هؤلاء بأن الاستثناء إنما هو لأن الإيمان يتضمن فعل الواجبات، فلا يشهدون لأنفسهم بذلك، كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى؛ فإن ذلك مما لا يعلمونه وهو تزكية لأنفسهم بلا علم ...\nوأما الموافاة فما علمت أحدًا من السلف علل بها الاستثناء، ولكن كثيرًا من المتأخرين يعلل بها من أصحاب الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم، كما يعلل بها نظارهم كأبي الحسن الأشعري وأكثر أصحابه، لكن ليس هذا قول سلف أصحاب الحديث\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>رابعًا: هل الإيمان مخلوق أم لا</span>؟\nساق ابن حجر ﵀ أقوال الناس في خلق الإيمان وعدمه، ورجح ما رآه منها، حيث قال:\n\"قال جمع من الحنفية: الإيمان مخلوق، وكلام أبي حنيفة صريح فيه.\nوقال آخرون منهم: غير مخلوق.\nوهما متفقان على أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله سبحاته وتعالي، وبالغ جمع منهم فكفروا من قال بخلقه لِمَا يلزم عليه من خلق كلامه ﷾ ...\nوالقول بعدم خلق الإيمان لم ينفرد به الحنفية بل نقله الأشعري عن أحمد وجماعة من أهل الحديث ومال إليه، لكن وجَّهه بأن الإيمان حينئذ ما دلّ عليه وصفه تعالى بالمؤمن فإيمانه هو تصديقه في الأزل بكلامه القديم لإخباره بوحدانيته وليس تصديقه هذا محدثًا ولا مخلوقًا تعالى الله أن يقوم به حادث، بخلاف تصديقه لرسله بإظهار المعجزة فإنه من صفات الأفعال وهي حادثة عند الأشاعرة قديمة عند الماتريدية.\nوبذلك علم أنه لا خلاف في الحقيقة، لأنه إن أريد بالإيمان المكلف\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٤٣٨ - ٤٣٩).","vol":"1","page":673},{"text":"به فهو مخلوق قطعًا، أو ما دلّ عليه وصفه تعالى بالمؤمن فهو غير مخلوق قطعًا\" (^١).\nالتقويم:\nالقول في خلق الإيمان وعدمه \"من مسائل الفضول، والسكوت أولى\" (^٢).\nوقد ورد عن الإمام أحمد ﵀ أنه سئل عن ذلك؟ فقال: \"من قال مخلوق فهو جهمي، ومن قال إنه غير مخلوق فقد ابتدع، وأنه يهجر حتى يرجع\" (^٣).\nوأصل هذه المقالة ترجع إلى القول باللفظ في القرآن، فقد نهى الإمام أحمد ﵀ عن قول إنه مخلوق أو غير مخلوق، وذلك لأن (اللفظ) كلمة مجملة تشترك بين الملفوظ الذي هو القرآن وهو غير مخلوق، وبين التلفظ الذي هو فعل العبد وهو مخلوق (^٤).\nو(الإيمان) من هذا الباب، فإنه لفظ مجمل مشترك، يشترك فيه صفات الله وكلامه، وفعل العبد وكلامه.\nولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"إذا قال الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟\nقيل له: ما تريد بالإيمان؟\nأتريد به شيئًا من صفات الله وكلامه، كقوله: \"لا إله إلا الله\" وإيمانه الذي دلّ عليه اسمه المؤمن؟ فهو غير مخلوق.\nأو تريد شيئًا من أفعال العباد وصفاتهم؛ فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة، ولا يكون للعبد المُحدَث المخلوق صفة قديمة غير مخلوقة، ولا يقول هذا من يتصور ما يقول.\nفإذا حصل الاستفسار والتفصيل ظهر الهدى وبان السبيل، وقد قيل:\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ٧٧ - ٧٨).\n(^٢) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٦٣٠).\n(^٣) طبقات الحنابلة (٢/ ١٧٦).\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٦٥٥).","vol":"1","page":674},{"text":"أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وأمثالها مما كثر فيه تنازع الناس بالنفي والإثبات إذا فصل فيها الخطاب، ظهر الخطأ من الصواب\" (^١).\nوعليه فما قرره ابن حجر ﵀ من التفصيل في هذه المسألة موافق لِمَا عليه أهل السنة والجماعة في الجملة، إلا أنه يؤخذ عليه أمران:\nأحدهما: حكايته عن الأشعري نسبته القول بعدم خلق الإيمان للإمام أحمد وجماعة من أهل الحديث، وهي متعقبة بما يلي:\n١ - أن الذي ذكره الأشعري ﵀ في حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة من المقالات خلاف ما نقله عنه ابن حجر حيث قال: \"ويقرون بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولا يقولون: مخلوق ولا غير مخلوق\" (^٢).\nوقد تتبعت ما طبع من كتب الأشعري ﵀ فلم أجد في شيء منها ما نقله ابن حجر عنه.\nولو صح ما ذكره ابن حجر ﵀ عن الأشعري فهو من جملة ما حكاه عن أصحاب الحديث وهو متعقب فيه، فإنه -غفر الله له- لم يكن خبيرًا بأقوالهم ومذاهبهم (^٣).\n٢ - أن الذي عليه جماهير أهل الحديث التفصيل في خلق الإيمان وعدمه -كما تقدم- لا القول بعدم خلقه.\nيقول الإمام الذهبي ﵀: \"الذي صح عن السلف وعلماء الأثر أن الإيمان قول وعمل، وبلا ريب أن أعمالنا مخلوقة، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]، فصح أن بعض الإيمان مخلوق،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٦٤)، وانظر: الإيمان لابن مندة (١/ ٣٢٧)، مسائل الإيمان لأبي يعلى (ص ٤٥٩)، والروايتين والوجهين له (ص ٨٢ - ٨٥)، مختصر المعتمد له (ص ١٩١)، مجموع الفتاوى (٧/ ٦٥٥) وما بعدها، سير أعلام النبلاء (٦٣٠/ ١٢) (١٤/ ٣٩).\n(^٢) مقالات الإسلاميين (١/ ٣٤٧).\n(^٣) انظر: منهاج السنة (٥/ ٢٧٥ - ٢٧٨، ٣٠٣ - ٣٠٤).","vol":"1","page":675},{"text":"وقولنا: لا إله إلا الله فمن إيماننا، فتلفظنا بها أيضًا من أعمالنا، وأما ماهية الكلمة الملفوظة فهي غير مخلوقة لأنها من القرآن\" (^١).\n٣ - أن الثابت عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ القول بالتفصيل المتقدم أيضًا، لا القول بعدم خلقه.\nفقد سئل ﵀ عن الإيمان مخلوق أم لا؟ فقال: \"أما ما كان من مسموع فهو غير مخلوق، وأما ما كان من عمل الجوارح فهو مخلوق\" (^٢).\nثانيهما: تقريره في توجيه ما ذهب إليه الإمام أحمد وجماعة من أهل الحديث فيما حكاه الأشعري أن كلام الله قديم، وأن الله منزه عن قيام الحوادث به، وأن صفات الله الفعلية حادثة، وقد تقدم بيان ما في ذلك من الإجمال والرد عليه بما يغني عن تكراره (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>خامسًا: الفرق بين الإيمان والإسلام:</span>\nيرى ابن حجر ﵀ التفريق بين الإيمان والإسلام، حيث قال: \"الأظهر أن الإيمان والإسلام متلازما المفهوم فلا ينفك أحدهما عن الآخر وإن اختلف المفهومان، أو مترادفان فلا يوجد شرعًا إيمان من غير إسلام ولا عكسه ...\nإذا تقرر ذلك فحيث ورد ما يدل على تغايرهما ... كما في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ الآية [لحجرات: ١٤] فهو باعتبار أصل مفهومهما.\nوحيث ورد ما يدل على اتحادهما كقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥)﴾ الاية [الذاريات: ٣٥] فهو باعتبار تلازم المفهومين أو ترادفهما.\nمن هنا قال كثيرون: إنهما على وزان الفقير والمسكين فإذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، وإن قرن بينهما تغايرًا ...\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٦٣٠).\n(^٢) طبقات الحنابلة (١/ ٩٣ - ٩٤).\n(^٣) انظر: (ص ٣٣٠).","vol":"1","page":676},{"text":"وحيث فسرنا الإيمان بالأعمال فهو باعتبار إطلاقه على متعلقاته لِمَا مرّ أنه تصديق بأمور مخصوصة ... \" (^١).\nالتقويم:\nاختلف أهل العلم -رحمهم الله تعالى- في الإيمان والإسلام هل هما بمعنى واحد، أم معان متغايرة؟ والخلاف جار بين أهل السنة والجماعة على قولين:\nأحدهما: أن الإيمان والإسلام بمعنى واحد، وممن قال بهذا القول: البخاري (^٢)، ومحمد بن نصر (^٣)، وابن مندة (^٤)، وابن عبد البر (^٥) -رحم الله الجميع-.\nوثانيهما: أن الإيمان والإسلام مفترقان، وهو قول كثير من السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم (^٦)، واختاره الخلال (^٧) (^٨)، وابن بطة (^٩)، والخطابي (^١٠)، واللالكائي (^١١) (^١٢)، وأبو يعلى (^١٣)، وأبو القاسم\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ٧٤ - ٧٥)، وانظر: (ص ٦٢، ٦٥)، تحفة المحتاج (١/ ٢٩)، تطهير اللسان (ص ١٩٣).\n(^٢) انظر: الصحيح (١/ ٢٧)، وفي شرح مذهبه فتح الباري (١/ ١١٤).\n(^٣) انظر: تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٥٠٦ - ٥٣١).\n(^٤) انظر: الإيمان له (١/ ٣٢١).\n(^٥) انظر: التمهيد (٩/ ٢٤٧، ٢٥٠).\n(^٦) انظر: السنة للخلال (٣/ ٦٠٢)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٤/ ٨١٢).\n(^٧) هو أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد الخلال، أبو بكر، سلفي حنبلي، من أبرز علماء الحنابلة، من مؤلفاته: السنة، الجامع لعلوم أحمد، والحث على التجارة والصناعة والعمل، وغيرها، توفي سنة ٣١١ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٩٧)، شذرات الذهب (٢/ ٢٦١).\n(^٨) انظر: السنة له (٣/ ٦٠٢).\n(^٩) انظر: الشرح والإبانة (ص ١٨٢).\n(^١٠) انظر: معالم السنن (٤/ ٣١٥).\n(^١١) هو هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي اللالكائي، أبو القاسم، سلفي شافعي، من مؤلفاته: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وكرامات الأولياء وغيرها، توفي سنة ٤١٨ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٤١٩)، شذرات الذهب (٣/ ٢١١).\n(^١٢) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤/ ٨١٢).\n(^١٣) انظر: مسائل الإيمان (ص ٤٢١ - ٤٣٦).","vol":"1","page":677},{"text":"الأصبهاني (^١) (^٢)، والبغوي (^٣)، وابن الصلاح (^٤)، وابن تيمية (^٥)، وابن كثير (^٦)، وابن رجب (^٧) -رحم الله الجميع-.\nوالقول بذلك هو القول الذي تعضده الأدلة، وتدل عليه، ومنها:\nقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].\nوحديث سعد بن أبي وقاص حين أعطى النبي - ﷺ - رهطًا وترك رجلًا هو أعجبهم إلى سعد فقال سعد: يا رسول الله ما لك عن فلان؟ إني لأراه مؤمنًا، فقال: \"أو مسلمًا\" (^٨).\nوحديث جبريل ﵇ حين سأل النبي - ﷺ - عن الإسلام والإيمان ففرق بينهما (^٩).\nواختلف القائلون بالتفريق بينهما في تحديد وجهه، والأكثر على أنه إذا قرن بينهما فإن الإسلام يفسر بالأعمال الظاهرة والإيمان يفسر بالأعمال الباطنة، كما في حديث جبريل وغيره من الآيات والأحاديث التي قرنت بينهما.\nوأما إذا أفرد أحدهما فيدخل فيه الآخر، كما في حديث وفد\n_________\n(^١) هو إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي التيمي الأصبهاني، المعروف بأبي القاسم بقوام السنة، سلفي شافعي، من مؤلفاته: الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، دلائل النبوة، سير السلف الصالحين وغيرها، توفي سنة ٥٣٥ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٢/ ٨)، شذرات الذهب (٤/ ١٠٥).\n(^٢) انظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٤٠٦ - ٤٠٧).\n(^٣) انظر: شرح صحيح مسلم (١/ ١٤٥).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (١/ ١٤٨)، الإيمان لابن تيمية (ص ٣٤٥).\n(^٥) انظر: الإيمان له (ص ٣٤٣، ٣٤٩).\n(^٦) انظر: تفسيره (٤/ ٢٣٠).\n(^٧) انظر: جامع العلوم والحكم (١/ ١٠٥ - ١٠٨).\n(^٨) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة (١/ ٣٣) برقم (٢٧)، ومسلم، كتاب الإيمان باب تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه (١/ ١٣٢) برقم (١٥٠).\n(^٩) سبق تخريجه (ص ٣٦٧).","vol":"1","page":678},{"text":"عبد القيس حيث فسر الإيمان بما فسر به الإسلام، وكما في حديث عمرو بن عبسة حيث فسر الإسلام بما فسر به الإيمان.\nففي حديث وفد عبد القيس قال - ﷺ -: \"آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان ... \" الحديث (^١).\nوفي حديث عمرو بن عبسة - ﵁ - قال: أي الإسلام أفضل؟ قال - ﷺ -: \"الإيمان\"، قال: وما الإيمان؟ قال: \"تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت\" (^٢).\nيقول الحافظ ابن رجب ﵀: \"اسم الإسلام والإيمان إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، فإذا قرن بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه الآخر بانفراده ودل الآخر على الباقي، وقد صرح بهذا جماعة من الأئمة\" (^٣).\nوعليه فما قرره ابن حجر ﵀ من التفريق بين الإيمان والإسلام، ونقله عن الكثيرين في تحديد وجهه موافق لقول جمهور أهل العلم.\nإلا أنه يؤخذ عليه أنه جعل تفسير الإيمان بالأعمال من إطلاقه على بعض متعلقاته لا من إطلاق بعضه على كله، وذلك مبني على قوله بأن الإيمان هو مجرد التصديق، وأن الأعمال غير داخلة في مسماه، وقد تقدم الرد عليه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان (١/ ٤١) برقم (٥٣)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله - ﷺ - (١/ ٤٧ - ٤٨) برقم (١٧).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (١١/ ١٢٧) برقم (٢٠١٠٧)، ومن طريقه أحمد (٢٨/ ٢٥١ - ٢٥٢) برقم (١٧٠٢٧)، وعبد بن حميد في المنتخب (١/ ٢٦٩) برقم (٣٠١) عن معمر بن راشد، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن عمرو بن عبسة - ﵁ - به.\nوأورده الهيثمي في المجمع (١/ ٥٩) (٣/ ٢٠٧) وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.\n(^٣) جامع العلوم والحكم (١/ ١٠٦).\n(^٤) انظر: (ص ٦٦٥).","vol":"1","page":679},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>سادسًا: تعريف الكبيرة، وحكم مرتكبها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>١ - تعريف الكبيرة:</span>\nساق ابن حجر ﵀ أقوال الناس في تعريف الكبيرة، واختلافهم في طريقه هل هو الحد أم العدّ في مواضع من كتبه (^١).\nورجح في بعضها تعريفها بالحد، فقال: \"الصحيح بل الصواب أن للكبيرة حدًا.\nفقيل: هي ما فيه حد.\nوقيل: ما ورد فيه وعيد شديد في الكتاب والسنة، وإن لم يكن فيه حد، وهذا هو الأصح، وهو بمعنى ما اختاره الإمام من أنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها\" (^٢).\nوقال: \"الأظهر في تعريفها أنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة\" (^٣).\nورجح في أخرى تعريفها بالعد، فقال: \"اعلم أن كل ما سبق من الحدود إنما قصدوا به التقريب فقط، وإلا فهي ليست بحدود جامعة، وكيف يمكن ضبط ما لا مطمع في ضبطه\" (^٤).\nوقال: \"للكبيرة حدود مدخولة، فالأولى تقريبها بالعد\" (^٥).\nالتقويم:\nالكبيرة في اللغة: ضد الصغيرة.\nيقول ابن فارس: \"الكاف والباء والراء أصل صحيح يدل على خلاف الصغر\" (^٦).\nوهي مشتقة من الكُبْرِ وهو لا يخرج عن معنيين:\n_________\n(^١) انظر: الزواجر (١/ ٥ - ٩)، أشرف الوسائل (ص ١٩٦)، الفتاوى الحديثية (ص ٣٦١)، التعرف (ص ٧٠)، فتح الإله (ص ٥٣٥).\n(^٢) أشرف الوسائل (ص ١٩٦).\n(^٣) الفتاوى الحديثية (ص ٣٦١).\n(^٤) الزواجر (١/ ٩).\n(^٥) التعرف (ص ٧٠).\n(^٦) معجم مقاييس اللغة (ص ٩١٥).","vol":"1","page":680},{"text":"أحدهما: العظمة.\nوثانيهما: الإثم الكبير (^١).\nوأما في الاصطلاح:\nفقد اختلف أهل العلم في تعريفها اختلافًا كثيرًا، وتعددت أقوالهم فيها، حتى أربت على العشرين (^٢).\nيقول العلامة ابن القيم ﵀: \"وأما الكبائر فقد اختلف السلف فيها اختلافًا لا يرجع إلى تباين وتضاد، وأقوالهم متقاربة\" (^٣).\nوجملة هذه الأقوال ترجع إلى أحد أمرين:\nأحدهما: تعريفها بالعد.\nوثانيهما: تعريفها بالحد.\nفمن عرفها بالعد، منهم من قال: بأنه لا يمكن حدها، لأن الله تعالى أبهمه إمعانًا في التحذير منها، ومنهم من قال: بأنه يمكن حدها ولكنه لا يخلو من اعتراض، واختلف هؤلاء في عدها.\nومن عرفها بالحد قال: بأن الأحاديث اختلفت في ذكر عددها بما يدل أن العدد فيها ليس للحصر، وأن القائل بإبهامها إنما يخبر عن نفسه أنه لا يعلمها، فلا يمنع أن يكون غيره قد علمها، واختلف هؤلاء في حدها (^٤).\nوأولى الأقوال بالصواب تعريف الكبيرة بالحد، وحدها: بأنها كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. وما قاربه في المعنى.\nوهذا القول هو المأثور عن أكثر السلف، واختاره جمع من المحققين\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣٠٩٠)، الصحاح (٢/ ٨٠١)، لسان العرب (٥/ ١٢٥)، القاموس المحيط (ص ٦٠١).\n(^٢) انظر: تفسير البغوي (٢/ ٢٠١ - ٢٠٤)، شرح صحيح مسلم (٢/ ٨٥ - ٨٧)، مجموع الفتاوى (١١/ ٣٥٠) وما بعدها، مدارج السالكين (١/ ٣٢١ - ٣٢٧)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٢٥ - ٥٢٧)، فتح الباري (١٠/ ٤١٠ - ٤١١)، الزواجر (١/ ٥ - ١٠)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٦٥)، الذخائر بشرح منظومة الكبائر للسفاريني أيضًا (ص ١١٢، ١٢١).\n(^٣) مدارج السالكين (١/ ٣٢٠).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (١/ ٣٢٠).","vol":"1","page":681},{"text":"من أهل العلم (^١).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد ذكره لاختلاف أهل العلم في تعريف الكبيرة، وبيانه لبعض أقوالهم: \"أمثل هذه الأقوال في هذه المسألة القول المأثور عن ابن عباس، وذكره أبو عبيد وأحمد بن حنبل وغيرهما، وهو أن الصغيرة ما دون الحدين: حد الدنيا، وحد الآخرة ...\nوهو معنى قول القائل: كل ذنب ختم بلعنة، أو غضب، أو نار، فهو من الكبائر ...\nوإنما قلنا إن هذا الضابط أولى من سائر تلك الضوابط المذكورة لوجوه:\nأحدها: أنه المأثور عن السلف، بخلاف تلك الضوابط؛ فإنها لا تعرف عن أحد من الصحابة والتابعين والأئمة، وإنما قالها بعض من تكلم في شيء من الكلام أو التصوف بغير دليل شرعي.\nالثاني: أن الله قال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١].\nفقد وعد مجتنب الكبائر بتكفير السيئات، واستحقاق الوعد الكريم، وكل من وُعِد بغضب الله أو لعنته أو نار أو حرمان جنة أو ما يقتضي ذلك؛ فإنه خارج عن هذا الوعد، فلا يكون من مجتنبي الكبائر.\nوكذلك كل من استحق أن يقام عليه الحد، لم تكن سيئاته مُكَفَّرةً عنه باجتناب الكبائر، إذ لو كان كذلك لم يكن له ذنب يستحق أن يُعاقَب عليه، والمستحق أن يقام عليه الحد له ذنب يستحق العقوبة عليه.\nالثالث: أن هذا الضابط مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله من الذنوب، فهو حد يُتَلَقَّى من خطاب الشارع، وما سوى ذلك ليس مُتَلَقَّى من كلام الله\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٦٥٠)، مدارج السالكين (١/ ٣٢٧)، الكبائر للذهبي (ص ٢٢)، الآداب الشرعية لابن مفلح (١/ ٢٤٢)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٢٥)، فتح الباري (١٢/ ١٨٨)، الذخائر (ص ١٢١).","vol":"1","page":682},{"text":"ورسوله بل هو قول ورأي القائل وذوقه من غير دليل شرعي، والرأي والذوق بدون دليل شرعي لا يجوز.\nالرابع: أن هذا الضابط يمكن الفرق به بين الكبائر والصغائر، وأما تلك الأمور فلا يمكن الفرق بها بين الكبائر والصغائر؛ لأن تلك الصفات لا دليل عليها ...\nالخامس: أن تلك الأقوال فاسدة ... \" (^١).\nوبما تقدم يظهر من كلام ابن حجر ﵀ في هذه المسألة أنه يرى أن الكبيرة يمكن تعريفها بالحد، ولكن تعريفها به لا يخلو من اعتراض وتعقب؛ ولهذا فالأولى عنده تعريفها بالعد ويؤيد ذلك اعتباره حدها في سياقه للكبائر، وبيانه لبعض حدودها في كلامه السابق.\nوعليه فلا تعارض في كلامه بين ترجيح تعريفها بالعد وتعريفه لها ببعض الحدود.\nوقوله بهذا كافٍ في ردّ ما أورده من حدود الكبيرة، ومغنٍ عن ذكر الاعتراضات الواردة عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>٢ - حكم مرتكب الكبيرة:</span>\nيرى ابن حجر ﵀ أن مرتكب الكبيرة إذا مات على الإيمان فإنه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وهو تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، خلافًا للخوارج والمعتزلة من جهة، والمرجئة من جهة أخرى.\nيقول في ذلك:\n\"الحق ما عليه أهل السنة والجماعة وهو أن الميت مؤمنًا فاسقًا تحت المشيئة فإن شاء تعالى عذبه كما يريد ثم مآله إلى أن يعفو عنه فيخرجه من النار ... وإن شاء الله تعالى عفا عنه ابتداء فسامحه وأرضى عنه خصماءه ثم يدخل الجنة مع الناجين.\nوأما قول الخوارج إن مرتكب الكبيرة كافر، وقول المعتزلة إنه مخلد\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١١/ ٦٥٠ - ٦٥٧).","vol":"1","page":683},{"text":"في النار حتمًا وأنه لا يجوز العفو عنه كما لا يجوز عقاب المطيع فهو من تقولهم وافترائهم على الله، تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا ...\nوأما قول المرجئة لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة فهو من افترائهم أيضًا على الله تعالى، وما ورد مما قد يؤيده لم يُرَد به ظاهره بدليل نصوص أخر قاطع برهانها واضح بيانها ... \" (^١).\nالتقويم:\nاختلف الناس في مرتكب الكبيرة من جهتين:\nالأولى: اسمه.\nوالثانية: حكمه.\nفذهب الخوارج (^٢) والمعتزلة (^٣) إلى أنه في الآخرة خالدٌ في النار، واختلفوا في اسمه في الدنيا وحكمه فيها.\nفقالت الخوارج: هو كافر، واختلفوا في كفره هل هو كفر شرك أو كفر نعمة؟\nفمن قال بأن كفره كفر شرك قال: تجرى عليه أحكام الكفار في الدنيا.\nومن قال منهم بأن كفره كفر نعمة قال: تجرى عليه أحكام المسلمين في الدنيا (^٤).\nوقالت المعتزلة: هو في منزلة بين المنزلتين، أي: بين الإيمان\n_________\n(^١) الزواجر (١/ ٣١ - ٣٢)، وانظر: (٢/ ٩٠، ٩٤)، فتح المبين (ص ١٨٢)، تحفة المحتاج (١/ ٢٠٩٣)، تطهير الجنان واللسان (ص ١٣٣)، فتح الإله (ص ٢٣٨)، العمدة (ص ٦٣٤ - ٦٧٧)، تنبيه الأخيار (ل ١٠ / أ).\n(^٢) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١٦٨)، الملل والنحل (١/ ١١٥)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ٥١)، البرهان (ص ١٩).\n(^٣) انظر: شرح الأصول الخمسة (ص ٦٦٦).\n(^٤) انظر: الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الرد على أهل الخلاف لأبي عمار عبد الكافي الإباضي ضمن كتاب آراء الخوارج للدكتور عمار طالبي (٢/ ١١٦).","vol":"1","page":684},{"text":"والكفر، وحكمه في الدنيا حكم باقي المسلمين (^١).\nوذهب المرجئة إلى أن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، وأنه في الآخرة من أهل الجنة إذا مات موحدًا مؤمنًا وإن زنى وسرق وقتل، وقال المرجئة الخالصة منهم: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة (^٢).\nوتوسط أهل السنة والجماعة وهم الوسط الخيار، فقالوا: إن مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وأن حكمه في الدنيا حكم بقية المسلمين، وهو في الآخرة إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له (^٣).\nيقول الإمام الصابوني ﵀: \"ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة، صغائر وكبائر؛ فإنه لا يكفر بها، وإن خرج عن الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص؛ فإن أمره إلى الله ﷿ إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة يوم القيامة سالمًا غانمًا غير مبتلى بالنار، ولا معاقبًا على ما ارتكبه واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عاقبه وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيها بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار\" (^٤).\nوقد نقل إجماع أهل السنة والجماعة على ذلك غير واحد من أهل العلم (^٥).\nوعليه فما رجحه ابن حجر ﵀ في هذه المسألة وحكاه عن أهل السنة والجماعة من القول بأن مرتكب الكبيرة مؤمن لإيمانه فاسق بكبيرته، وهو في الآخرة تحت مشيئة الله تعالى، وتبريهم من قولي الوعيدية والمرجئة موافق لِمَا قرروه.\n_________\n(^١) انظر: شرح الأصول الخمسة (ص ٦٩٧، ٧٠١، ٧١٢)، المنية والأمل (ص ٦).\n(^٢) انظر: التنبيه والرد (ص ١٥٥)، الملل والنحل (١/ ١٣٩ - ١٤٠)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ١٠٨)، البرهان (ص ٣٣).\n(^٣) انظر: شرح السنة للبربهاري (ص ٧٣)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٦٢، ١٧٥، ١٧٦)، الشرح والإبانة (ص ٢٦٥)، شرح السنة للبغوي (١/ ١٠٣)، عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص ٢٧٦)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٥١، ٣٧٤) (٤/ ٣٠٧)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٢٤).\n(^٤) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص ٢٧٦).\n(^٥) انظر: الشرح والإبانة (ص ٢٦٥)، رسالة إلى أهل الثغر (ص ٢٧٤)، شرح السنة للبغوي (١/ ١٠٣).","vol":"1","page":685},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>المبحث الثاني آراؤه في مسائل الكفر والتكفير</span>\nعرض ابن حجر ﵀ لجملة من المسائل المتعلقة بالكفر والتكفير، ومنها: تعريف الكفر، والتحذير من التكفير بغير حق، وضرورة الاحتياط في الحكم به، وبيان موانعه، وحكم اعتبار المقاصد واللوازم فيه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>أولًا: تعريف الكفر:</span>\nعرف ابن حجر ﵀ الكفر الذي هو بمعنى الردة بأنه قطع الإسلام، وبين أنه يكون بالنية والقول والفعل، حيث قال: \"كفر المسلم أي: قطعه للإسلام.\nإما أن يكون بنية بالقلب حالًا أو مآلًا ...\nأو تعمّد فعل ...\nأو تعمّد قول.\nباعتقاد لذلك الفعل أو القول أي معه، أو مع عناد من الفاعل أو القائل، أو مع استهزاء أي استخفاف منهما ظاهر\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"ويحصل [أي: الكفر] باطنًا باعتقاده ما يوجب الكفر وإن لم يظهره، وظاهرًا إما بفعل كالسجود لمخلوق، أو ذبح على اسمه تقربًا إليه، وطرح نحو قرآن أو حديث أو علم شرعي على مستقذر ولو طاهرًا كبزاق، وطرح المستقذر عليه، وطرح فتوى علم على الأرض مع\n_________\n(^١) ساق ابن حجر ﵀ جملة من المكفرات في كتابه الإعلام بقواطع الإسلام وأغلبها نقلًا عن غيره، وما كان منها من كلامه أوردته في مواضعه من البحث.\n(^٢) فتح الجواد (٢/ ٢٩٨).","vol":"1","page":686},{"text":"قوله أي شيء هذا الشرع، وإما بقول مع اعتقاد أو عناد أو استهزاء ...\nوإذا حكمنا بردته بواحد من هذه المذكورات ونحوها حكمنا بها باطنًا وإن كان مصدقًا بقلبه؛ لأن ملحظ الإكفار بها دلالتها إما على عدم الانقياد الباطني وإما على تكذيب الشرع وكلاهما كفر وإن وجد في القلب تصديق كما مرّ ذلك مستوفى في بحث الإيمان\" (^١).\nالتقويم:\nالكفر لغة: مصدر كَفَرَ يَكْفُرُ كُفْرًا (^٢).\nيقول ابن فارس: \"الكاف والفاء والراء أصل صحيح يدل على معنى واحد، وهو الستر والتغطية ... والكفر: ضد الإيمان، سمي بذلك تغطية الحق\" (^٣).\nوأما في الشرع: فالكفر ضد الإيمان (^٤).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"الكفر عدم الإيمان باتفاق المسلمين\" (^٥).\nولَمّا كان الناس مختلفين في حقيقة الإيمان، اختلفوا في حقيقة الكفر على نحو اختلافهم فيه.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أيضًا: \"والناس لهم فيما يجعلونه كفرًا طرق متعددة:\nفمنهم من يقول: الكفر تكذيب ما علم بالاضطرار من دين الرسول، ثم الناس متفاوتون في العلم الضروري بذلك.\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ١٥٠)، وانظر: تحفة المحتاج (٤/ ١٠٦ - ١١١)، الإعلام بقواطع الإسلام (ص ١٩٢ - ١٩٤).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣١٦٠)، الصحاح (٢/ ٨٠٧)، لسان العرب (٥/ ١٤٤)، القاموس المحيط (ص ٦٠٥).\n(^٣) معجم مقاييس اللغة (ص ٩٣٠ - ٩٣١).\n(^٤) انظر: تعظيم قدر الصلاة (ص ٢/ ٥٤٩)، التبصير في معالم الدين لابن جرير (ص ١٦٢)، مجموع الفتاوى (٧/ ٦٣٩) (١٢/ ٣٣٥)، مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٤٢١).\n(^٥) مجموع الفتاوى (٢/ ٨٦).","vol":"1","page":687},{"text":"ومنهم من يقول: الكفر هو الجهل بالله تعالى، ثم قد يجعل الجهل بالصفة كالجهل بالموصوف، وقد لا يجعلها، وهم مختلفون في الصفات نفيًا وإثباتًا.\nومنهم من لا يحد بحد، بل كل ما تبين له أنه تكذيب لِمَا جاء به الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر، جعله كفرًا، إلى طرق أخرى ... \" (^١).\nولهذا فتأسيسًا على ما سبق من كون الإيمان عند أهل السنة والجماعة اعتقادًا بالقلب وقولًا باللسان وعملًا بالجوارح، وكونه عند جمهور الأشاعرة مجرد تصديق القلب.\nقال أهل السنة والجماعة بأن الكفر يكون بالاعتقاد، أو القول، أو العمل، أو بها جميعًا، وأن الكفر بالقول والعمل يقع بمجرده، دون اشتراط اقترانه بالتكذيب أو عدم الانقياد، أو كونهما علامة أو دليلًا عليهما (^٢).\nوقال جمهور الأشاعرة بأن الكفر يكون بالاعتقاد، والقول، والعمل؛ إلا أن وقوع الكفر بالقول والعمل لكونهما دليلًا على التكذيب أو عدم الانقياد وعلامة عليهما، لا لأنهما كفر بمجردهما (^٣)، وهو ما قرره ابن حجر -عفا الله عنه- في كلامه المتقدم.\nوالقول بذلك ظاهر البطلان، والرد عليه من طريقين:\nأحدهما: النقض، وذلك بأن يقال:\nأولًا: أن القول بذلك فرع عن القول بأن الإيمان هو مجرد التصديق وهو باطل -كما سبق- (^٤) فما هو فرع له كذلك.\n_________\n(^١) منهاج السنة (٥/ ٢٥١).\n(^٢) انظر: تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٩٣٠)، مجموع الفتاوى (٧/ ٢٢٠، ٥٥٧ - ٥٥٨)، الصارم المسلول (٣/ ٩٥٥) وما بعدها، الدرر السنية (١٠/ ١٤٩) وما بعدها، وللاستزادة: التوسط والاقتصاد في أن الكفر يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد لعلوي السقاف.\n(^٣) انظر: أصول الدين للبغدادي (ص ٢٦٦)، المواقف (ص ٣٨٨)، وشرحها (٨/ ٣٣١ - ٣٣٢)، شرح المقاصد (٥/ ٢٢٤ - ٢٢٥).\n(^٤) انظر: (ص ٦٦٥).","vol":"1","page":688},{"text":"ثانيًا: أن القول بذلك يستلزم لوازم باطلة، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، منها:\n١ - أن لا يكون للقول والعمل المكفر أثر في التكفير وجودًا وعدمًا، وإنما المؤثر في التكفير على الحقيقة هو الاعتقاد، والاعتقاد بمجرده مكفر سواء صاحبه القول والعمل أو لم يصاحباه؛ وعليه فلا معنى لوقوع الكفر بهما (^١).\n٢ - أن لا يكون شيء من الأقوال والأعمال كفرًا إلا مع الاعتقاد، والاعتقاد من السرائر المحجوبة؛ وعليه فلا يتحقق كفر كافر قط إلا بالنص الخاص في شخص خاص (^٢).\n٣ - أن لا يكفر من قال قولًا كفريًا أو عمل عملًا كفريًا وزعم أن قوله لذلك أو فعله له ليس اعتقادًا وإنما غيظًا أو سفهًا أو عبثًا أو لعبًا (^٣).\nثالثًا: أن القول بذلك يؤدي إلى التساهل في الأقوال والأعمال الكفرية بدعوى عدم اعتقاد ما دلت عليه، وتعطيل الحكم بالكفر على من يستحقه بزعمه عدم اعتقاده (^٤).\n\nثانيهما: المعارضة:\nبما دلت عليه النصوص المتكاثرة من إطلاق الكفر على بعض الأقوال والأعمال، ووصف المقارف لها بالكفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>ثانيًا: التحذير من التكفير بغير حق، وضرورة الاحتياط في الحكم به:</span>\nحذر ابن حجر ﵀ من التكفير بغير حق، وبين أن من قال لأخيه: يا كافر دائر بين الوقوع في الكفر والوقوع في الكبيرة، حيث قال: \"قول إنسان لمسلم: يا كافر أو يا عدو الله ...\nإما كفر بأن يسمى المسلم كافرًا أو عدو الله من جهة وصفه بالإسلام، فيكون قد سمى الإسلام كفرًا ومقتضيًا لعداوة الله وهذا كفر.\n_________\n(^١) انظر: الصارم المسلول (٣/ ٩٦٣).\n(^٢) انظر: إيثار الحق على الخلق (ص ٤١٩).\n(^٣) انظر: الصارم المسلول (٣/ ٩٦٣).\n(^٤) انظر: الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٣٨٤، ٣٨٦).","vol":"1","page":689},{"text":"وإما كبيرة بأن لا يقصد ذلك فرجوع ذلك إليه حينئذ كناية عن شدة العذاب والإثم عليه وهذا من أمارات الكبيرة\" (^١).\nوبين ابن حجر ﵀ ضرورة احتياط المفتي والحاكم في الحكم بالكفر، حيث قال:\n\"ينبغي للمفتي أن يحتاط في التكفير ما أمكنه لعظيم خطره، وغلبة عدم قصده سيما من العوام، وما زال أئمتنا على ذلك قديمًا وحديثًا\" (^٢).\nالتقويم:\nالكفر حكم شرعي متلقى من نصوص الشريعة، والحكم به بمحض العقل ومجرد الرأي من القول على الله بغير علم (^٣).\nولهذا وردت النصوص بالتحذير من التكفير بغير حق، وضرورة الاحتياط في الحكم به.\nقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ [النساء: ٩٤].\nوفي الحديث: \"من دعا رجلًا بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه\" (^٤).\nوقد اختلف أهل العلم في المراد بالحديث، وحكم من تلفظ بإحدى هاتين اللفظتين على أقوال كثيرة (^٥).\n_________\n(^١) الزواجر (٢/ ١٢٥)، وانظر: الإعلام بقواطع الإسلام (ص ١٧٥ - ١٨٤).\n(^٢) تحفة المحتاج (٤/ ١١٠)، وانظر: الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٢١٨ - ٢١٩).\n(^٣) انظر: الشفا للقاضي عياض (٢/ ١٠٦٥)، درء التعارض (١/ ٢٤٢)، منهاج السنة (٥/ ٢٤٤)، مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٤٢١)، العواصم من الفواصم (٤/ ١٧٨).\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم (١/ ٨٠) برقم (٦١) من حديث أبي ذر - ﵁ - به.\n(^٥) انظر: شرح صحيح مسلم (١/ ٢٤٩)، فتح الباري (١٠/ ٤٦٦).","vol":"1","page":690},{"text":"يقول الحافظ ص ابن حجر العسقلاني ﵀: \"التحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم ... وقيل: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره، وهذا لا بأس به، وقيل: يُخشى عليه أن يؤول به ذلك إلى الكفر كما قيل: المعاصى بريد الكفر فيخاف على من أدامها وأصر عليها سوء الخاتمة.\nوأرجح الجميع أن يقال: من قال ذلك لمن لا يعرف منه إلا الإسلام ولم يقم له شبهة في زعمه أنه كافر، فإنه يكفر بذلك ..\nفمعنى الحديث: فقد رجع عليه تكفيره، فالراجع التكفير لا الكفر فكأنه كفر نفسه؛ لكونه كفّر من هو مثله، ومن لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام\" (^١).\nوقد ذكر الفقهاء من شتى المذاهب في كتبهم كتاب المرتد، وبينوا فيه من الأحكام المترتبة على الردة ما يؤكد خطورة التكفير، وضرورة الاحتياط في الحكم به (^٢).\n\"ولهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم، لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله\" (^٣).\nوبما سبق يتضح صحة ما قرره ابن حجر ﵀ من خطورة التكفير بغير حق، وضرورة الاحتياط في الحكم به، وحكم من قال لأخيه: يا كافر أو يا عدو الله.\n_________\n(^١) فتح الباري (١٠/ ٤٦٦).\n(^٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٧/ ١٣٤)، فتح القدير لابن الهمام (٦/ ٩١)، جامع الأمهات لابن الحاجب (ص ٥١٢)، الذخيرة للقرافي (١٢/ ١٣)، روضة الطالبين (٧/ ٢٨٣)، كنز الراغبين شرح منهاج الطالبين للمحلي (٤/ ٢٦٧)، الفروع لابن مفلح (٦/ ١٦٤)، كشاف القناع للبهوتي (٦/ ١٦٧).\n(^٣) الرد على البكري (١/ ٣٨١).","vol":"1","page":691},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>ثالثًا: موانع التكفير:</span>\nيرى ابن حجر ﵀ أن الحكم بالكفر على من تلبس به يمنع منه موانع عدة هي: الجهل، والخطأ، والتأويل، والإكراه.\nوقد قرر ذلك في مواضع متعددة من كتبه، منها:\nقوله: \"إطلاق الكفر ... مع الجهل وعدم العذر به بعيد، وعندنا إذا كان بعيد الدار عن المسلمين بحيث لا ينسب لتقصير في تركه المجيء إلى دارهم للتعلم أو كان قريب العهد بالإسلام يعذر لجهله، فيعرّف الصواب، فإن رجع إلى ما قاله بعد ذلك كفر\" (^١).\nوقوله: \"ويعذر أيضًا فيما يظهر بدعوى سبق اللسان بالنسبة لدرء القتل عنه ... وذلك حق الله تعالى وهو مبني على المسامحة\" (^٢).\nوقوله: \"ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة ... ببدعة لشبهة تأويلهم إلا إذا انضم إليها مكفر صريحًا لا لزومًا\" (^٣).\nوقوله: \"ولا تصح ردة ... مكره على مكفر قلبه مطمئن بالإيمان للآية\" (^٤).\nالتقويم:\nلَمّا كان الحكم بالكفر يلزم منه لوازم عدة، ويبنى عليه أحكام كثيرة؛ ذكر أهل العلم ما يمنع منه، ويقدح في الحكم به، وبحثوا في ضوابط كل منها، وجملتها أربعة، هي: الجهل، والخطأ، والتأويل، والإكراه.\nوليس المقصود هنا بحث هذه الموانع ومناقشة الأقوال الواردة فيها وإنما المقصود بيان موافقة ابن حجر ﵀ فيما قرره من الإعذار بها لقول أهل السنة والجماعة أو مخالفته لهم.\n_________\n(^١) الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٢٤٢).\n(^٢) المصدر السابق (ص ٢٨٢).\n(^٣) التعرف (ص ١٢٤).\n(^٤) تحفة المحتاج (٤/ ١١٣)، وانظر: فتح المبين (ص ١٣٠)، فتح الجواد (٢/ ٢٩٩)، الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٣١٨).","vol":"1","page":692},{"text":"فأولها: الجهل:\nوالمراد به هنا: التلبس والوقوع في الكفر بسبب عدم العلم.\nوقد اختلف أهل العلم في الإعذار به على ثلاثة أقوال:\nالأول: الإعذار به مطلقًا.\nالثاني: عدم الإعذار به مطلقًا.\nالثالث: التفضيل فمن كان حديث عهد بإسلام، أو ناشئًا بغير دار الإسلام، أو ببادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم عذر بجهله، ومن كان بخلاف ذلك فلا يعذر، ومحله المسائل الخفية لا الظاهرة (^١).\nوالقول الثالث هو بمعنى ما قرره ابن حجر ﵀ في كلامه المتقدم، وهو الراجح الذي عليه المحققون من أهل العلم، وأدلته مبسوطة في مواضعها من كتبهم (^٢).\n\nثانيها: الخطأ:\nوالمراد به هنا أحد أمرين:\nالأول: الخطأ الناشئ عن اجتهاد، فهذا بمعنى التأويل وحكمه حكمه -وسيأتي-.\nالثاني: الخطأ الناشئ عن غير قصد كسبق اللسان ونحوه، فهذا اتفق أهل العلم على الإعذار به مطلقًا (^٣)، وهو الذي عناه ابن حجر ﵀ في كلامه المتقدم، ويدل لذلك قوله ﷿: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ\n_________\n(^١) انظر: التمهيد (١٨/ ٤٦ - ٤٧)، مجموع الفتاوى (١/ ٤٩١) (٣/ ٢٣١) (٧/ ٦١٩) (١١/ ٤٠٧ - ٤٠٩) (٣٥/ ١٦٥)، مدارج السالكين (١/ ٣٦٧)، فتح الباري (٦/ ٥٢٣)، الدرر السنية (١٠/ ٤٣٢)، فتاوى اللجنة الدائمة (١/ ٢٢٠، ٥٢٨) (٢/ ٩٦ - ٩٩)، مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (٢/ ٥٢٨ - ٥٣٠)، فتاوى الشيخ ابن عثيمين (٢/ ١٢٦ - ١٣٨)، وللاستزادة: الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق معاش (ص ٢٨١) وما بعدها، عارض الجهل وأثره على أحكام الاعتقاد لأبي العلاء الراشد (ص ٣٧) وما بعدها، نواقض الإيمان الاعتقادية للدكتور محمد الوهيبي (١/ ٢٢٥) وما بعدها.\n(^٢) انظر: المصادر السابقة.\n(^٣) انظر: شرح صحيح مسلم (١٧/ ٧١)، فتح الباري (١٣/ ٢٩).","vol":"1","page":693},{"text":"وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥]، وقوله - ﷺ -: \"الله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح\" (^١).\n\nثالثها: التأويل:\nوالمقصود به هنا: التلبس والوقوع في الكفر من غير قصد لذلك أو تعمد المخالفة بسبب القصور في فهم الأدلة الشرعية.\n\"والمتأولون من أهل القبلة الذين ضلوا وأخطؤوا في فهم ما جاء في الكتاب والسنة مع إيمانهم بالرسول واعتقادهم صدقه في كل ما قال، وأن ما قاله كان حقًّا والتزموا ذلك، لكنهم أخطؤوا في بعض المسائل الخبرية أو العملية، فهؤلاء قد دل الكتاب والسنة على عدم خروجهم من الدين، وعدم الحكم لهم بأحكام الكافرين، وأجمع الصحابة - ﵃ - والتابعون ومن بعدهم من أئمة السلف على ذلك\" (^٢).\nوضابط التأويل المعتبر الإعذار به شرعًا والمانع من الكفر ما كان تأويلًا سائغًا بخلاف ما هو دون ذلك، وهذا يختلف باختلاف ظهور المسائل، وصراحة أدلتها، وقوة التأويل فيها، وورود الشبهة عليها، وسلامة قصد المتأول، وامتلاكه آلة النظر (^٣).\nيقول العلامة ابن سعدي ﵀: \"والمقصود أنه لا بد من هذا الملحظ في هذا المقام؛ لأنه وجد بعض التفاصيل التي كفر أهل العلم فيها من\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب التوبة، باب الحض على التوبة والفرح بها (٤/ ٢١٠٤) برقم (٢٧٤٧) من حديث أنس بن مالك - ﵁ - به.\n(^٢) الإرشاد في معرفة الأحكام لابن سعدي (ص ٢٠٧).\n(^٣) انظر: الحجة في بيان المحجة (٢/ ٥١٠ - ٥١١)، الشفا (٢/ ١٠٥١ - ١٠٦٥)، الدرة لابن حزم (ص ٤١٤)، مجموع الفتاوى (٣/ ٢٣١)، العواصم والقواصم (٤/ ١٧٦)، منهاج التأسيس والتقديس للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن (ص ١٠٢)، الإرشاد في معرفة الأحكام (ص ٢٠٩).","vol":"1","page":694},{"text":"اتصف بها، وثم أخر من جنسها لم يكفروه بها، والفرق بين الأمرين أن التي جزموا بكفره بها لعدم التأويل المسوغ وعدم الشبهة المقيمة لبعض العذر، والتي فصلوا فيها القول، لكثرة التأويلات الواقعة فيها\" (^١).\nوقد ساق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ جملة من المسائل التي يعذر بالتأويل فيها فيقاس عليها نحوها (^٢).\nوعليه فما قرره ابن حجر ﵀ من الإعذار بالتأويل والمنع من التكفير مع وجوده موافق لقول أهل السنة والجماعة إلا أنه يؤخذ عليه إطلاقه الإعذار به دون تقييد ذلك بالتأويل المقبول أو السائغ.\n\nرابعها: الإكراه:\nوالمراد به هنا: التلبس والوقوع في الكفر من غير قصد له بسبب الإلزام به.\nولا خلاف بين أهل العلم في أن أعمال القلوب ليست محلًا للإكراه؛ ولهذا أصبحت سلامتها شرطًا لصحة الإعذار به في قوله ﷿: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦] وأن محل الإكراه أعمال الجوارح من الأقوال والأعمال.\nواختلفوا في الإعذار بالإكراه فيهما هل هو خاص بالأقوال دون الأعمال أم هو عام فيهما، والصحيح ما عليه الجمهور من القول بالعموم؛ لعموم الأدلة، ويستثنى من ذلك القتل للإجماع على عدم الإعذار بالإكراه فيه، والزنى على خلاف (^٣).\nوضابط الإكراه المعتبر الإعذار به شرعًا والمانع من التكفير ما استجمع شروطًا أربعة:\n_________\n(^١) الإرشاد في معرفة الأحكام (ص ٢٠٩).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣٣ - ٣٦).\n(^٣) انظر: تفسير القرطبي (١٠/ ١٨٢)، الفتاوى الكبرى (١/ ٥٦)، جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٧٠ - ٣٧١)، فتح الباري (١٢/ ٣١٤)، فتح القدير للشوكاني (٣/ ١٩٧).","vol":"1","page":695},{"text":"١ - أن يكون المكرِه قادرًا على تحقيق ما أوعد به.\n٢ - أن يكون المكرَه عاجزًا عن الدفع عن نفسه.\n٣ - أن يغلب على الظن وقوع الوعيد بترك ما أكره عليه.\n٤ - أن يكون الإكراه ملجأ يلحق المكرَه بسببه ضررٌ كثيرٌ لا يسيرٌ (^١).\nوعليه فما قرره ابن حجر ﵀ من الإعذار بالإكراه والمنع من التكفير مع وجوده موافق لقول أهل السنة والجماعة إلا أنه يؤخذ عليه أيضًا إطلاقه الإعذار به دون تقييد ذلك بالإكراه المعتبر الذي يستجمع الشروط السابقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>رابعًا: اعتبار المقاصد في التكفير:</span>\nيرى ابن حجر ﵀ أن المعتبر في الحكم بالكفر هو الظاهر دون الباطن، حيث يقول:\n\"المدار في الحكم بالكفر على الظواهر، ولا نظر للمقصود والنيات ولا نظر لقرائن حاله\" (^٢).\nالتقويم:\nالحكم بالكفر يتناول الظاهر والباطن للتلازم بينهما، وهو فرع عن القول بأن الإيمان اعتقاد وقول وعمل (^٣).\nولهذا فإن الاعتقادات والأقوال والأعمال الكفرية من حيث هي قسمان (^٤):\nالأول: ما لا يحتمل إلا الكفر.\nكسب الله تعالى ورسوله - ﷺ - ودينه، وإهانة المصحف ونحو ذلك؛ فإن هذه الأعمال لا تحتمل إلا الكفر فلا ينظر إلى قصد من عملها ولا إلى نيته ولا إلى قرائن أحواله.\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣١١).\n(^٢) الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٢٨٢)، وانظر: (ص ١٨٥).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٥٨٢، ٦١٦، ٦٢١)، شرح الأصفهانية (ص ١٤٢).\n(^٤) انظر: ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة للدكتور عبد الله القرني (ص ٢١٢ - ٢١٧).","vol":"1","page":696},{"text":"يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرًا وباطنًا سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلًا له، أو كان ذاهلًا عن اعتقاده. هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل\" (^١).\nويقول: \"لو أخذ يلقي المصحف في الحش، ويقول أشهد أن ما فيه كلام الله، أو جعل يقتل نبيًّا من الأنبياء، ويقول أشهد أنه رسول الله، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب، فإذا قال أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال كان كاذبًا فيما أظهره من القول\" (^٢).\nوالحكم بالكفر هنا إنما هو للفعل لا للفاعل، إذ لا يلزم من الحكم بكفر الفعل تكفير الفاعل؛ لكون تكفيره يتوقف على وجود الشروط وانتقاء الموانع.\nوالثاني: ما يحتمل الكفر وعدمه:\nكالسجود لغير الله، وإفشاء سر المسلمين لعدوهم ونحو ذلك؛ فإن هذه الأعمال تحتمل الكفر وعدمه، فالمعتبر فيها قصد من عملها ونيته وقرائن أحواله.\nفالسجود لغير الله يحتمل أن يكون عبادة وقربة، فهو حينئذ كفر، ويحتمل أن يكون تعظيمًا وتحية، فهو حينئذ معصية؛ ولهذا لم يحكم النبي - ﷺ - بكفر معاذ - ﵁ - بمجرد سجوده له، وإنما استفصل منه (^٣).\nففي الحديث عن عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ - قال: \"لَمّا قدم معاذ من الشام سجد للنبي - ﷺ - قال: ما هذا يا معاذ؟ قال: أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك، فقال النبي - ﷺ -: فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله لأمرت\n_________\n(^١) الصارم المسلول (٣/ ٩٥٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٦١٦)، وانظر: شرح الأصفهانية (ص ١٤٢)، أعلام الموقعين (٣/ ١٠٧).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣٦٠).","vol":"1","page":697},{"text":"المرأة أن تسجد لزوجها\" (^١).\nوكذا إفشاء سر المسلمين لعدوهم يحتمل الموالاة والإعانة، وهو حينئذ كفر، ويحتمل إرادة مصلحة دنيوية، وهو حينئذ معصية؛ ولهذا لم يحكم النبي - ﷺ - بكفر حاطب بن أبي بلتعة - ﵁ - بمجرد مكاتبته لقريش بأمر مسير الرسول - ﷺ - والمسلمين إليهم لفتح مكة، وإنما استفصل منه (^٢).\nففي الحديث عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال له: \"ما هذا يا حاطب؟ قال: لا تعجَل عليَّ يا رسول الله، إني كنت امرءًا من قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن أصنع إليهم يدًا يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني فقال رسول الله: إنه صدقكم، فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال: إنه شهد بدرًا وما يدريك لعل الله ﷿ اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم\" (^٣).\nوبما سبق يُعلم خطأ ابن حجر -غفر الله له- في إطلاق القول بأن المدار في الحكم بالكفر على الظواهر وأنه لا نظر إلى المقاصد أو النيات أو القرائن من جهة، ومناقضة قوله هذا لِمَا سبق نقله عنه من كون الحكم بالكفر في حق من ظهر منه قول أو عمل مكفر إنما هو بسبب كونه دليلًا على تكذيب القلب أو عدم الانقياد الباطن من جهة أخرى.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه، كتاب النكاح، باب حق الزوج على المرأة (١/ ٥٩٥) برقم (١٨٥٣)، وعبد الرزاق (١١/ ٣٠١) برقم (٢٠٥٩٦)، وأحمد (٣٢/ ١٤٥) برقم (١٩٤٠٣)، وابن حبان (٩/ ٤٧٩) برقم (٤١٧١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٢٩٢) من طرق عن القاسم بن عوف الشيباني، عن عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ -.\nقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٣٠٩): \"رجاله رجال الصحيح\"، والحديث له شواهد من حديث معاذ بن جبل، وزيد بن أرقم، وصهيب وغيرهم من الصحابة - ﵃ -.\n(^٢) انظر: الأم (٤/ ٢٦٤).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدرًا (٣/ ١٢١٥) برقم (٣٩٨٥)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أهل بدر وقصة حاطب (٤/ ١٩٤١) برقم (٢٤٩٤).","vol":"1","page":698},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>خامسًا: اعتبار اللازم في التكفير:</span>\nيرى ابن حجر ﵀ عدم اعتبار اللازم في التكفير، والحكم بمقتضاه فيه، حيث يقول:\n\"الأصح أن لازم المذهب ليس بمذهب؛ لأن القائل بالملزوم قد لا يخطر له القول بلازمه ... فلا كفر به\" (^١).\nالتقويم:\nاللازم: ما يمتنع انفكاكه عن الشيء، وقد يكون هذا اللازم بينًا، وهو الذي يكفي تصوره مع تصور ملزومه في جزم العقل باللزوم بينهما، وقد يكون غير بيّن، وهو الذي يفتقر جزم الذهن باللزوم بينهما إلى وسط (^٢).\n\"ولازم قول الإنسان نوعان:\nأحدهما: لازم قوله الحق، فهذا يجب عليه أن يلتزمه ...\nوالثاني: لازم الذي ليس بحق، فهذا لا يجب التزامه ... \" (^٣).\nواللوازم من حيث التزام أصحابها بها على أحوال ثلاثة:\nالأول: أن يلتزم بها، فتعد قولًا له.\nالثاني: أن يمنع التلازم بينها وبين قوله، فلا تعد قولًا له.\nالثالث: أن يسكت عنها فلا يلتزمها ولا يمنع التلازم بينها وبين قوله -فهذه محل البحث هنا- فهل تعد قولًا له أم لا؟ قولان، أصحهما أنها لا تعد كذلك (^٤).\n_________\n(^١) الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٢٦٣)، وانظر: (ص ٢٠٢، ٢٢٣، ٢٣٩، ٢٦٣، ٢٩٤، ٣٠١)، تحفة المحتاج (٤/ ١٠٩) التعرف (ص ١٢٤)، فتح الجواد (٢/ ٢٩٩).\n(^٢) انظر: التعريفات للجرجاني (ص ١٩٠).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٩/ ٤١ - ٤٢).\n(^٤) انظر: القواعد النورانية لشيخ الإسلام (ص ١٢٨ - ١٢٩)، مجموع الفتاوى (٥/ ٣٠٦، ٤٧٧)، الاعتصام للشاطي (٢/ ٥٤٩)، توضيح المقاصد لابن عيسى (٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥)، توضيح الكافية الشافية لابن سعدي (ص ١٥٥ - ١٥٦)، شرح النونية لهراس (٢/ ٣٤ - ٣٧)، القواعد المثلى لابن عثيمين (ص ٣٢ - ٣٣).","vol":"1","page":699},{"text":"ولهذا فإن الصحيح عدم اعتبار اللازم في التكفير، والحكم بمقتضاه فيه ما لم يلتزمه (^١).\nوقد نقل الحافظ السخاوي عن شيخه الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمهما الله- أنه قال: \"الذي يظهر أن الذي يحكم عليه بالكفر من كان الكفر صريح قوله، وكذا من كان لازم قوله وعُرض عليه فالتزمه ... أما من لم يلتزمه وناضل عنه فإنه لا يكون كافرًا ولو كان اللازم كفرًا\" (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: الفصل (٣/ ٢٥٠)، الشفا للقاضي عياض (٢/ ١٠٨٤ - ١٠٨٦)، مجموع الفتاوى (٥/ ٣٠٦) (٢٠/ ٢١٧)، العواصم من القواصم (٤/ ٣٦٨)، العلم الشامخ للمقبلي (ص ٤١٢)، وللاستزادة: نواقض الإيمان الاعتقادية (٢/ ٣٥ - ٣٨).\n(^٢) فتح المغيث (١/ ٣٣٤)، وقد بحثت عن كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ في مظانه من كتبه فلم أجده.","vol":"1","page":700},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>المبحث الثالث آراؤه في مسائل البدعة</span>\nعرض ابن حجر ﵀ لجملة من المسائل المتعلقة بالبدعة، وهي: تعريف البدعة، وبيان أقسامها، وتوضيح حكمها، وبيّن موقفه من بعض البدع المنتشرة في عصره.\nوفيما يلي بيان ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>أولًا: تعريف البدعة:</span>\nعرف ابن حجر ﵀ البدعة في اللغة، وبين المراد بها في الشرع، حيث قال:\n\"هي لغة: ما كان مخترعًا على غير مثال سابق، ومنه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] أي: موجدهما على غير مثال سابق.\nوشرعًا: ما أحدث على خلاف أمر الشارع ودليله الخاص والعام\" (^١).\nالتقويم:\nالبدعة لغة: اسم هيئة من الابتداع (^٢).\nيقول ابن فارس: \"الباء والدال والعين أصلان:\nأحدهما: ابتداء الشيء وصنعه لا على مثال سابق.\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ٢٢١)، وانظر: (ص ١٠٧)، الفتاوى الحديثية (ص ٣٧٠).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة (١/ ٢٩٣)، الصحاح (٣/ ١١٨٣)، لسان العرب (٨/ ٦)، القاموس المحيط (ص ٩٠٦).","vol":"1","page":701},{"text":"والثاني: الانقطاع والكلال، كقولهم: أبدعت الراحلة إذا كلت وعطبت\" (^١).\nوالمعنى الثاني داخل في الأول؛ إذ الانقطاع والكلال ابتداء لشيء خارج عما اعتيد عليه (^٢).\nوأما في الشرع:\nفقد عرف العلماء البدعة في الشرع بتعريفات كثيرة (^٣)، وهي وإن كان بينها اختلاف في الألفاظ أدى إلى تفاوتها في استيفاء جزئيات التعريف كاملة، إلا أن مضمونها في الجملة واحد.\nوأجمعها تعريف الشاطبي ﵀ حيث عرفها بقوله: \"البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية\" (^٤).\nفقد تضمن هذا التعريف ضوابط البدعة، وهي:\nالأول: الإحداث والاختراع.\nالثاني: التعبد بها.\nالثالث: عدم استنادها إلى أصل شرعي بطريق خاص أو عام (^٥).\nومما سبق يتضح صواب قول ابن حجر ﵀ في تعريفه البدعة في اللغة والشرع، ومطابقة تعريفه لها لما ذكره أهل العلم في تعريفها وضوابطها، إلا أنه أغفل الإشارة في تعريفه إلى ضابط التعبد بها فلم يذكره وهو مهم.\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة (ص ١١٩).\n(^٢) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ١٠٧ - ١٠٨).\n(^٣) انظر: الحوادث والبدع للطرطوشي (ص ٣٩)، الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة (ص ٨٥)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٩٥) (٤/ ١٠٧) (١٨/ ٢٤٦) (٢١/ ٣١٧)، الاعتصام للشاطبي (١/ ٣٧)، جامع العلوم والحكم (٢/ ١٢٧)، الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع للسيوطي (ص ٨١).\n(^٤) الاعتصام (١/ ٣٧).\n(^٥) انظر: جامع العلوم والحكم (٢/ ١٢٨)، فتح الباري (١٣/ ٢٥٤)، وللاستزادة: قواعد معرفة البدع للدكتور محمد الجيزاني (ص ١٩) وما بعدها.","vol":"1","page":702},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>ثانيًا: أقسام البدعة:</span>\nلما عرف ابن حجر - عفا الله عنه - البدعة بأنها ما أحدث على خلاف أمر الشرع ودليله، بين المراد بالمحدث، وأقسامه، فقال:\n\"المراد بالمحدث الذي هو بدعة وضلالة: ما ليس له أصل في الشرع، وإنما الحامل عليه مجرد الشهوة والإرادة فهذا باطل قطعًا، بخلاف محدث له أصل في الشرع إما بحمل النظير على النظير أو بغير ذلك فإنه حسن؛ إذ هو سنة الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، ومن ثم قال عمر - ﵁ - به في التراويح: نعمت البدعة هي (^١)، فليس ذلك مذمومًا بمجرد لفظ محدث أو بدعة فإن القرآن باعتبار لفظه وإنزاله وصف بالمحدث في أول سورة الأنبياء وإنما منشأ الذم ما اقترن به من مخالفته للسنة ودعائه إلى الضلالة\" (^٢).\nوقال في شرحه لحديث عائشة - ﵂ - وفيه أن النبي - ﷺ - قال: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" (^٣).\n\"قوله: (من أحدث) أي: أنشأ واخترع من قبل نفسه.\n(في أمرنا هذا ما ليس منه): مما ينافيه أو لا يشهد له شيء من قواعده وأدلته العامة.\n(فهو رد): أي مردود على فاعله؛ لبطلانه وعدم الاعتداد به، سواء كانت منافاته لما ذكر لعدم مشروعيته بالكلية كنذر القيام وعدم الاستظلال ومن ثم أبطل - ﷺ - نذر ذلك، أو للإخلال بشرطه أو ركنه عبادة كانت أو عقدًا ... أو للزيادة على المشروع فيه في نحو الصلاة دون الوضوء أو لارتكاب منهياته كالصلاة بنحو مغصوب ...\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب صلاة التراويح، باب فصل من قام رمضان (٢/ ٥٩٥) برقم (٢٠١٠).\n(^٢) فتح المبين (ص ٢٢١).\n(^٣) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في كتاب الأقضية، باب نقص الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (٣/ ١٣٤٣) برقم (١٧١٨).","vol":"1","page":703},{"text":"أما ما لا ينافي ذلك بأن شهد له شيء من أدلة الشرع أو قواعده فليس يرد على فاعله بل هو مقبول منه، وذلك كبناء نحو الربط وخانات السبيل وسائر أنواع البر التي لم تعهد في الصدر الأول فإنه موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف والمعاونة على البر والتقوى، وكالتصنيف في جميع العلوم النافعة الشرعية على اختلاف فنونها ... وككتابة القرآن في المصاحف ووضع المذاهب وتدوينها ...\nومن ثم استجاز كثير من الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - كما وقع لأبي بكر وعمر وزيد بن ثابت - ﵃ - في جمع القرآن، فإن عمر أشار به على أبي بكر خوفًا من اندراس القرآن بموت الصحابة - ﵃ - لَمّا كثر فيهم القتل يوم اليمامة وغيره، فتوقف لكونه صورة بدعة ثم شرح الله صدره لفعله لأنه ظهر له أنه يرجع إلى الدين وأنه غير خارج عنه ...\nوكما وقع لعمر - ﵁ - في جمع الناس لصلاة التراويح في المسجد مع تركه - ﷺ - لذلك بعد أن كان فعله ليالي، وقال - أعني: عمر -: نعمت البدعة هي، أي لأنها وإن أحدثت ليس فيها رد لِمَا مضى بل موافقة له؛ لأنه - ﷺ - علل الترك بخشية الافتراض، وقد زال ذلك بوفاته - ﷺ -.\nوقال الشافعي - رضي الله تعالى عنه -: \"ما أحدث وخالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا أو أثرًا فهو البدعة الضالة، وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئًا من ذلك فهو البدعة المحمودة\" (^١).\nوالحاصل أن البدعة الحسنة متفق على ندبها وهي ما وافق شيئًا مما مرّ ولم يلزم من فعله محذور شرعي ... وأن البدعة السيئة هي ما خالف شيئًا من ذلك صريحًا أو التزامًا ... \" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (١/ ٢٢٦) برقم (٢٥٣)، ومناقب الشافعي له (١/ ٤٦٩). وأخرجه بنحوه أبو نعيم في الحلية (٩/ ١١٣).\n(^٢) فتح المبين (ص ١٠٧ - ١٠٨).","vol":"1","page":704},{"text":"التقويم:\nدلّت النصوص الشرعية على أن البدع كلها سيئة، وليس فيها شيء حسن، ومنها:\nقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].\nقال الإمام مالك - ﵀ -: \"من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا - ﷺ - خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، فما لم يكن يومئذ دينًا، فلا يكون اليوم دينًا\" (^١).\nوقوله - ﷺ -: \"كل بدعة ضلالة\" (^٢).\nقال الحافظ ابن رجب - ﵀ -: \"فقوله - ﷺ -: \"كل بدعة ضلالة\" من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين\" (^٣).\nوقوله - ﷺ -: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" (^٤).\nقال العلامة الشوكاني - ﵀ -: \"هذا الحديث من قواعد الدين، لأنه يندرج تحته من الأحكام ما لا يأتي عليه الحصر، وما أصْرَحَهُ وأدَلّه على إبطال ما ذهب إليه الفقهاء من تقسيم البدع إلى أقسام، وتخصيص الرد ببعضها بدون مخصص من عقل ولا نقل\" (^٥).\nوقد أجمع سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان على ذم البدع صغيرها وكبيرها، وتقبيحها والتحذير منها، والنهي عن مجالسة أصحابها، بل والتنفير من الذرائع المؤدية إليها، ولم يُعلم عن السلف توقف في شأن شيء من البدع فضلًا عن القول باستحسانها، فهو بحسب الاستقراء إجماع ثابت يدل دلالة واضحة على أن البدع كلها سيئة ليس فيها شيء حسن (^٦).\n_________\n(^١) ذكره الشاطبي عن الإمام مالك في الاعتصام (٢/ ١٨).\n(^٢) سبق تخريجه (ص ٧).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٢٨).\n(^٤) سبق تخريجه (ص ٧٠٣).\n(^٥) نيل الأوطار (٢/ ٦٩).\n(^٦) انظر: الاعتصام (١/ ٤٢)، وانظر: في سياق أقوال السلف - ﵏ - كتاب ما جاء =","vol":"1","page":705},{"text":"وعليه فما قرره ابن حجر - غفر الله له - من تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة باطل، والرد عليه من طريقين:\nأحدهما، النقض: بأن يقال:\nأولًا: أن متعلق البدعة يقتضي القول ببطلان ذلك بنفسه؛ لأنه من باب مضادة الشارع واطّراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة، فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح، وأن يكون منه ما يمدح، ومنه ما يذم؛ إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقة الشارع (^١).\nثانيًا: أن القول بذلك يفتح باب الابتداع على مصراعيه، ولا يمكن معه رد أي بدعة؛ لأن كل صاحب بدعة سيدعي أن بدعته حسنة.\nثالثًا: أن قول ابن حجر - غفر الله له - بذلك مناقض لِمَا قرره قبل من كون التحسين والتقبيح شرعيين لا عقليين (^٢).\nرابعًا: أن ما احتج به ابن حجر - عفا الله عنه - على قوله لا يصح، وبيان ذلك فيما يلي:\n١ - أن الأمثلة التي ساقها للبدعة الحسنة وقرر عمل الأمة بها، وادعى أنها لم تعهد في الصدر الأول لا تسلم له؛ إذ الأربطة والمدارس وكتابة القرآن وتصنيف الكتب ونحوها من أعمال البر مسبوقة بالصفة ودار الأرقم وكتابة القرآن والحديث في الصدر الأول، وهي أصل مشروعيتها (^٣).\n\"وسائر العلوم الخادمة للشريعة فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول فأصولها موجودة في الشرع ... فعلى هذا لا ينبغي أن تسمى ... بدعة أصلًا\" (^٤).\n٢ - أن فعل عمر - ﵁ - وقوله لا يدل على ما ذهب إليه ابن حجر، وذلك من وجهين:\n_________\n= في البدع لابن وضاح (ص ٢٥) وما بعدها، جزء في اتباع السنن واجتناب البدع للضياء المقدسي (ص ٣١) وما بعدها، التمسك بالسنن والتحذير من البدع للذهبي (ص ٩٣) وما بعدها، الأمر بالاتباع والنهي عن الإبداع للسيوطي (ص ٥٧) وما بعدها.\n(^١) انظر: الاعتصام (١/ ١٤٢).\n(^٢) انظر: (ص ٦٠١).\n(^٣) انظر: جامع العلوم والحكم (٢/ ١٣١)، حوار مع المالكي للمنيع (ص ١٠٤).\n(^٤) الاعتصام (١/ ٣٨ - ٣٩).","vol":"1","page":706},{"text":"أ - أنه قال ذلك عندما جمع الناس في صلاة التراويح وصلاة التراويح ليست ببدعة، بل هي عين السنة، بدليل ما روته عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - صلى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمع من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله - ﷺ -، فلما أصبح، قال: \"قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم، وذلك في رمضان\" (^١).\nفبيّن رسول الله - ﷺ - العلة التي من أجلها ترك الجماعة في صلاة التراويح، فلما رأى عمر - ﵁ - أن العلة قد زالت، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، أعاد صلاة التراويح جماعة، فالذي فعله عمر - ﵁ - ليس بدعة وإنما هو عين السنة (^٢).\nب - أن المراد بالبدعة في قول عمر - ﵁ - البدعة بالمعنى اللغوي لا بالمعنى الشرعي؛ إذ صلاة التراويح جماعة قد ثبت فعلها في عهده - ﷺ - كما سبق - فإطلاق لفظ البدعة عليها بمعناه الشرعي لا يصح، ولكن لَمّا كانت قد تركت في عهد النبي - ﷺ - للعلة المذكورة وفي عهد أبي بكر وصدر عهد عمر - ﵄ - ثم فعلت بعد صح إطلاق لفظ البدعة عليها بمعناه اللغوي إذ ليس لها مثال سابق (^٣).\n٣ - أن قول الإمام الشافعي - ﵀ - لا يدل على ما ذهب إليه ابن حجر - غفر الله له - وذلك من وجهين:\nأ - أن الإمام الشافعي - ﵀ - لا يمكن أن يقول بتقسيم البدعة بمعناها الشرعي إلى قسمين حسنة وسيئة؛ إذ ذلك معارض لأصوله، ومنها إنكاره\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب تحريض النبي - ﷺ - على صلاة الليل (١/ ٣٣٧) برقم (١١٢٩).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٣٤)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٥٨٨، ٥٩١)، جامع العلوم والحكم (٢/ ١٢٨)، الاعتصام (١/ ١٩٤).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٧١) (٢٢/ ٢٢٤، ٢٣٤)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٥٨٩ - ٥٩٠)، الاعتصام (١/ ١٩٥)، جامع العلوم والحكم (٢/ ١٢٨).","vol":"1","page":707},{"text":"الاستحسان الذي لا يستند إلى دليل شرعي، ومن مشهور قوله: \"من استحسن فقد شرع\" (^١)، ومما سطره في رسالته قوله: \"ليس لأحد دون رسول الله - ﷺ - أن يقول إلا بالاستدلال ... ولا يقول بما استحسن؛ فإن القول بما استحسن شيء يحدثه لا على مثال سابق\" (^٢).\nب - أن المراد بالبدعة في قول الإمام الشافعي - ﵀ - المتقدم البدعة بمعناها اللغوي لا بمعناها الشرعي، ويدل لذلك سياقه لقول عمر - ﵁ - المتقدم.\nيقول الحافظ ابن رجب - ﵀ -: \"مراد الشافعي - ﵁ - ما ذكرناه قبل، أن أصل البدعة المذمومة ما ليس لها أصل في الشريعة ترجع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع، وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة يعني: ما كان لها أصل من السنة ترجع إليه، وإنما هي بدعة لغة لا شرعًا لموافقتها السنة\" (^٣).\n\nثانيهما: النقض:\nبما تقدم من الأدلة الدالة على أن البدعة كلها سيئة، وقد جاءت على كثرتها مطلقة ولم يستثن منها شيء (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>ثالثًا: حكم البدعة:</span>\nيرى ابن حجر - غفر الله له - أن البدعة تجري فيها الأحكام التكليفية الخمسة، حيث قال:\n\"البدعة منقسمة إلى الأحكام الخمسة؛ لأنها إذا عرضت على القواعد الشرعية لم تخل عن واحد من تلك الأحكام.\nفمن البدع الواجبة على الكفاية: الاشتغال بالعلوم العربية المتوقف عليها فهم الكتاب والسنة ... وبالجرح والتعديل وتمييز صحيح الأحاديث\n_________\n(^١) نقله عنه الشاطبي في الاعتصام (٢/ ١٣٧).\n(^٢) الرسالة (ص ٢٥)، وانظر: (ص ٥٠٤، ٥٠٧، ٥٠٨).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٣١).\n(^٤) انطر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٧٠)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٥٨٨)، الاعتصام (١/ ١٤١ - ١٤٢).","vol":"1","page":708},{"text":"من سقيمها، وتدوين نحو الفقه وأصوله وآلاته، والرد على نحو القدرية والجبرية والمرجئة ... لأن حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد على المتعين كما دلت عليه القواعد الشرعية ولا يتأتى حفظها إلا بذلك، ولأن ما لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب.\nومن البدع المحرمة: مذاهب سائر أهل البدع المخالفة لِمَا عليه أهل السنة والجماعة.\nومن المندوبة: إحداث نحو الربط، والمدارس، وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول ...\nومن البدع المكروهة: زخرفة المساجد، وتزويق المصاحف.\nومن المباحة: التوسع في لذيذ المآكل والمشارب والملابس\" (^١).\nالتقويم:\nالقول بأن البدعة مما تجري فيه الأحكام التكليفية الخمسة من الوجوب، والندب، والحرمة، والكراهة، والإباحة قول حادث، وأول من عرف عنه القول به العز بن عبد السلام (^٢)، وتبعه عليه القرافي (^٣) - غفر الله لهما - وتلقفه عنهما بعض فقهاء المذاهب المتأخرين (^٤)، ومن هؤلاء ابن حجر - عفا الله عنه -.\nوهو قول باطل، والرد عليه من طريقين:\nأحدهما: النقض: وذلك بأن يقال:\nأولًا: أن متعلق البدعة يقتضي القول ببطلان هذا التقسيم؛ لأنها من باب مضادة الشارع وإطراح الشرع، وما كان بهذه المثابة، فلا يصح أن ينقسم إلى هذه القسمة وتجري فيه الأحكام التكليفية الخمسة (^٥).\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ٢٢١ - ٢٢٢)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ٢٠٣).\n(^٢) انظر: قواعد الأحكام (٢/ ١٧٢ - ١٧٤)، وفتاواه (ص ١١٦).\n(^٣) انظر: الفروق (٤/ ٢٠٢).\n(^٤) انظر: قوانين الأحكام الشرعية لابن جزي (ص ١٩)، المنثور في القواعد للزركشي (١/ ٢١٨)، الحاوي للسيوطي (١/ ١٩٢، ٣٤٨).\n(^٥) انظر: الدين الخالص (٣/ ٢٣ - ٢٥).","vol":"1","page":709},{"text":"ثانيًا: \"أن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي، بل هو في نفسه متدافع؛ لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي، لا من نصوص الشرع ولا من قواعده، إذ لو كان هناك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة، لَمَا كان ثم بدعة، ولكان العمل داخلًا في عمومٍ الأعمال المأمور بها أو المخير فيها، فالجمع بين عد تلك الأشياء بدعًا وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متنافيين.\nأما المكروه والمحرم منها فمسلم من جهة كونها بدعًا لا من جهة أخرى؛ إذ لو دل دليل على منع أمر أو كراهته لم يثبت ذلك كونه بدعة لإمكان أن يكون معصية كالقتل، والسرقة، وشرب الخمر، ونحوها، فلا بدعة يتصور فيها ذلك التقسيم البتة، إلا الكراهية والتحريم\" (^١).\nثالثًا: أن جميع الأمثلة التي مثل بها ابن حجر - غفر الله له - لا تصح دليلًا على التقسيم المذكور، سوى مثاله للبدع المحرمة.\n\"أما قسم الواجب: فجميع ما ذكر فيه من أمثلة من قبيل المصالح المرسلة (^٢) لا من قبيل البدعة المحدثة، والمصالح المرسلة قد عمل بمقتضاها السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم، فهي من الأصول الفقهية الثابتة عند أهل الأصول وإن كان فيها خلاف بينهم، ولكن لا يُعد ذلك قدحًا على ما نحن فيه ...\nوأما قسم المندوب: فليس من البدع بحال، ويتبين ذلك بالنظر في الأمثلة التي مثل لها ...\nوأما القسم المباح: فليست في الحقيقة من البدع، بل هي من باب التنعم، ولا يقال فيمن تنعم بمباح إنه قد ابتدع ...\n_________\n(^١) الاعتصام (١/ ١٩١).\n(^٢) المراد بالمصالح المرسلة: \"كل منفعة داخلة في مقاصد الشارع الكلية دون أن يكون لها شاهد جزئي بالاعتبار أو الإلغاء\".\nانظر: المحصول (١/ ٢١٨)، المستصفى (١/ ٢٨٤)، الاعتصام (٢/ ١١٤)، المصالح المرسلة للشنقيطي (ص ٩ - ١٠)، وللاستزادة: البدعة والمصالح المرسلة للدكتور توفيق الواعي (ص ٢٤١) وما بعدها.","vol":"1","page":710},{"text":"وأما القسم المكروه: ففيه أشياء هي من قبيل البدع\" (^١) المحرمة لا المكروهة.\nوالثاني: المعارضة:\nبما تقدم من الأدلة الدالة على تحريم البدع كلها، والحكم ببطلانها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>رابعًا: موقفه من بعض البدع المنتشرة في عصره:</span>\nحذر ابن حجر - ﵀ - من جملة من البدع الحادثة في مواضع متعددة من كتبه، سواء من البدع العقدية (^٢) أو البدع العملية (^٣).\nوفيما يلي دراسة لموقفه من أشهر بدع عصره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>١ - الاحتفال بالمولد النبوي:</span>\nعرف ابن حجر - غفر الله - المولد، بقوله: \"المولد: بكسر اللام زمن الولادة، وبفتحها: مكانها\" (^٤).\nوذكر اختلاف المؤرخين في تاريخ مولده - ﷺ -، وأرجح أقوالهم، فقال: \"اختلفوا في مولده ويومه على أقوال كثيرة، ولا خلاف أنه ولد يوم الاثنين، والأشهر أنه ولد في شهر ربيع الأول، والأشهر أيضًا أنه ولد في ثاني عشر، وكثيرون أئمة حفاظ متقدمون وغيرهم على أنه يوم ثامنه\" (^٥).\nوبين حكم الاحتفال به، فقال: \"اعلم أنه بدعة؛ لأنه لم ينقل عن أحد من السلف من القرون الثلاثة التي شهد النبي - ﷺ - بخيريتها، لكنها بدعة حسنة لِمَا اشتملت عليه من الإحسان الكثير للفقراء، ومن قراءة القرآن، وإكثار الذكر، وقراءة مولد وما اشتمل عليه من كراماته وكثير من معجزاته، وإظهار السرور والفرح به ...\n_________\n(^١) الاعتصام (١/ ١٩١ - ١٩٧).\n(^٢) سبق ذكرها في مواضعها من الرسالة.\n(^٣) انظر: الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٣٩٧، ٣٩٨، ٤١٣، ٤٢٢، ٤٣١) (٤/ ٢١٦)، تحفة المحتاج (١/ ٤٣٢، ٤٣٣، ٤٣٨)، الإفادة لما جاء في المرض والعيادة (ص ٣٨، ٣٩)، الدر المنضود (ص ١٧١).\n(^٤) المنح المكية (١/ ١٧٩).\n(^٥) مولد النبي - ﷺ - (ص ٤٩)، وانظر: المولد الشريف (ص ٥٣)، أشرف الوسائل (ص ٣٨).","vol":"1","page":711},{"text":"ومما يدل على أن عمل المولد المشتمل على ما مر من الإحسان الواسع والذكر الكثير بدعة حسنة:\nإكثار الإمام الكبير أبي شامة (^١) شيخ النووي - رحمهما الله - الثناء على الملك المظفر (^٢) صاحب إربل (^٣) بما كان يفعله من خيرات في هذه الليلة مما لم يحك بعضه عن غيره ... فثناء هذا الإمام على هذا الفعل في هذه الليلة أول دليل على أنها بدعة حسنة، لا سيما أبو شامة - رحمه الله تعالى - إنما ذكر هذا الثناء الفائق في كتابه الذي سماه الباعث على إنكار البدع والحوادث (^٤)، فذكر ذلك الثناء والمدح في هذا الكتاب الموضوع لإنكار البدع أول دليل على أن ذلك ليس من البدع التي تنكر بل من التي تستحسن وتشكر ...\nواستدل شيخ الإسلام الحافظ أبو الفضل ابن حجر لكونها بدعة حسنة بخبر الصحيحين أنه - ﷺ - لَمَّا قدم المدينة ووجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هذا يوم أغرق الله فيه فرعون ونجّى موسى، فنحن نصومه شكرًا لله تعالى، فقال - ﷺ -: \"فنحن أحق بموسى منكم\" فصامه وأمر بصيامه، وقال: \"إن عشت إلى قابل ... \" الحديث (^٥).\n_________\n(^١) هو عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي، الدمشقي، شهاب الدين، أبو القاسم، المشهور بأبي شامة، من أئمة الشافعية في وقته، له مؤلفات منها: الباعث على إنكار البدع والحوادث، المؤمل للرد إلى الأمر الأول، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز وغيرها. توفي سنة ٦٦٥ هـ.\nانظر: تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٦٠)، شذرات الذهب (٥/ ٣١٨).\n(^٢) هو الملك المظفر أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي كوحك التركماني تولى الملك بعد أبيه سنة ٥٦٣ هـ، اشتهر بعمل المولد والاحتفال الهائل به، توفي سنة ٦٣٠ هـ.\nانظر: وفيات الأعيان (٤/ ١١٣ - ١٢١)، شذرات الذهب (٥/ ١٣٨).\n(^٣) إربل: بالكسر ثم السكون قلعة حصينة ومدينة كبيرة تعد من أعمال الموصل، وقد قام بعمارتها الأمير كوكبري، وأكثر أهلها من الأكراد، وتقع شمال العراق شرقي مدينة الموصل.\nانظر: معجم البلدان (١/ ١٣٧).\n(^٤) انظر: (ص ٩٥).\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب صيام يوم عاشوراء (٢/ ٥٩٣) برقم (٢٠٠٤)، ومسلم =","vol":"1","page":712},{"text":"قال - أعني: شيخ الإسلام -: \"فيستفاد منه فضل الشكر لله تعالى بأنواع العبادات على ما منّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، وأي نعمة أعظم من نعمة بروز هذا النبي، نبي الرحمة في ذلك اليوم - ﷺ - ...\nثم ينبغي أن يتحرى اليوم بعينه، فإن كان قد ولد ليلًا فليقع الشكر بما يناسب الليل كالإطعام والقيام، وإن كان قد ولد نهارًا فبما يناسب كالصيام، ولا بد أن يكون ذلك اليوم من عدد أيام ذلك الشهر بعينه حتى يطابق قصة موسى ﵊ في يوم عاشوراء، ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر، بل توسع قوم فتعلق إلى أي يوم كان من السنة وفيه منافرة، وبالجملة فلا بأس أن نفعل الخير في سائر الأيام والليالي التي وقع الاختلاف في تعيينها للمولد حسبما يأتي على حسب الاستطاعة، بل يحسن في أيام الشهر كلها ولياليه\". انتهى (^١).\nوقد جاء عن الإمام الزاهد والقدوة المعمر أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الرحيم بن جماعة (^٢) أنه لَمّا كان بطيبة على مشرّفها أفضل الصلاة والسلام كان يعمل بها طعامًا في المولد النبوي، ويطعم الناس، ويقول: لو تمكنت لعملت بطول الشهر كل يوم مولدًا\" (^٣).\nوأنكر - ﵀ - بعض ما يحصل في الاحتفال بالمولد من القبائح فقال: \"في بيان قبائح صدرت من الناس مقترنة بعمل المولد، منها لا سيما بمكة:\nاختلاط الرجال بالنساء في المسجد الحرام ... وخروجهم إلى زيارة محل المولد المشهور على أقبح هيئة وأشنع رؤية ويسمون ذلك زفة المولد،\n_________\n= كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء (٢/ ٧٩٥) برقم (١١٣٠) من حديث ابن عباس - ﵂ - به.\n(^١) بحثت عن كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ - في مظانه من كتبه فلم أجده، وقد نقله عنه تلميذه السخاوي في الأجوبة المرضية (٣/ ١١١٧)، والسيوطي في الحاوي (١/ ١٩٦).\n(^٢) هو إبراهيم بن عبد الرحيم بن محمد بن جماعة الكناني، أبو إسحاق، المقدسي الشافعي، فقيه مفسر، من مؤلفاته: التفسير في عشر مجلدات، توفي سنة ٧٩٠ هـ.\nانظر: الدرر الكامنة (١/ ٣٨)، شذرات الذهب (٦/ ٣١١).\n(^٣) المولد الشريف (ص ١٣ - ١٦)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ٢٠٢)، تنبيه الأخيار (ل ١٠/ أ).","vol":"1","page":713},{"text":"وذلك أن النساء يتزين بأحسن حليهن وحللهن ويتطيبن بأطيب طيبهن، ثم يخرجن مختلطات بالرجال اختلاطًا فاحشًا بحيث يقع في تلك الليلة من المفاسد والقبائح ما تصم عنه الآذان ...\nومن القبائح أيضًا لكنها أخف وأسهل أنهم يخرجون والقمر في سلطانه بالسرج الكثيرة من الشموع على اختلاف أنواعها، ثم يأتون فتنصب الشموع وغيرها في المسجد الحرام على صفات أكثر وأظهر ما كانت عليه في حال مشيهم، وهذا قبيح أي قبيح.\nومنها أن بعض المتوسمين من المكيين بصورة الفقهاء يصطفون في الذهاب والعودة في تلك الزفة صفوفًا مختلفة صف من الرجال وصف من الشموع، والناس مصطفون بجنبي الطريق مزدحمون على التفرج عليهم، فيتمهلون غاية التمهل والتأني في مشيتهم، ويتبختر بعضهم تبخترًا يغلب تبختر النساء، أعاذ الله بلده وحرمه من أفعال هؤلاء وقبائحهم ...\nومنها أن أكثر الناس في عملهم المولد لا يمنعون النساء إشرافهن على الرجال ونظرهن إليهم، وذلك قبيح؛ لأنه إما محرم على المعتمد من مذهبنا أو مكروه على مقابله، ومحل الكراهية حيث لا شهوة ولا خشية فتنة، وإلا حرم اتفاقًا.\nوالواقع من النساء في المولد كثيرًا ما يترتب عليه الشهوة والفتنة هذا في نظر النساء إلى الرجال، وأما نظر الرجال إليهن المرتب غالبًا على نظرهن للرجال وإشرافهن إليهم فحرام على الأصح عندنا، وإن لم يكن هناك شهوة ولا خشية فتنة ...\nومنها أنهم في تلك الموالد يأتون بمن يقرأ لهم المولد الشريف على الكيفية التي ألفها الوعاظ في هذه الأزمنة، وذلك منكر أي منكر؛ لأن أكثره كذب وبهتان واختلاق، بل لم يزالوا يزيدون فيه ما هو أقبح وأسمج مما لا تحل روايته ولا سماعه.\nبل يجب على العلماء وكل من علم ذلك وقدر على الإنكار عليهم وتركهم للباطل منه أو مفارقة المجلس والقيام عنه إن أمكن، على أنه لا","vol":"1","page":714},{"text":"ضرورة بهم إلى ذلك؛ لأن قاصدي الخير وإظهار الفرح والسرور به - ﷺ - والمحبة يكفيهم أن يجمعوا أهل الصلاح والقراء والذاكرين فيطعموهم ويتصدقوا عليهم، فإن أرادوا زيادة على ذلك أمروا من ينشد لهم من المدائح النبوية المتعلقة بالحث على الأخلاق الكريمة كالكرم والزهد والتخلي عن الدنيا ولذاتها والتهيؤ للموت والذهاب إلى الله تعالى، وغير ذلك مما في معناه ... \" (^١).\nالتقويم:\nالاحتفال بالموالد ظاهرة معروفة منذ العصور المتقدمة والسابقة للإسلام، وعقيدة راسخة عند أهل الأديان الأولى.\nوقد اشتهر ذلك عن النصارى حيث يحتفلون بميلاد عيسى - ﵇ - على رأس كل سنة في الخامس والعشرين من الشهر الثاني عشر الميلادي إلى يومنا هذا.\nثم تسربت هذه الظاهرة إلى المسلمين بعد مضي القرون الثلاثة الأولى المشهود لها بالخيرية في أواخر المائة الرابعة على أيدي الخلفاء الفاطميين، بعد قيام دولتهم العبيدية في مصر، وكان أول من أحدثه بالقاهرة المعز لدين الله الفاطمي (^٢) سنة اثنين وستين وثلاثمائة (^٣).\nفأصبح المسلمون منذ ذلك الوقت يحتفلون بمولد النبي - ﷺ - إلى يومنا هذا مضاهاة لعمل النصارى، بل أصبح عمل النصارى حجة لمن استحسن الاحتفال بمولده - ﷺ - من المسلمين بطريق الأولى زعموا.\n_________\n(^١) المولد الشريف (ص ١٧ - ١٩).\n(^٢) هو المعز معد بن إسماعيل بن سعيد بن عبد الله، أبو تميم، المدعي زورًا أنه فاطمي، تولى الخلافة بعد أبيه المنصور سنة ٣٤١ هـ بالمنصورية بالمغرب، استولى على مصر واستوطن القاهرة سنة ٣٦٢ هـ وكان مظهرًا الرفض ومبطنًا الكفر المحض، توفي قبحه الله سنة ٣٦٥ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ١٥٩)، وفيات الأعيان (٥/ ٢٢٤).\n(^٣) انظر: الخطط للمقريزي (١/ ٤٩٠ - ٤٩٩)، صبح الأعشى القلقشندي (٣/ ٤٩٨ - ٤٩١)، وللاستزادة: القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل للشيخ إسماعيل الأنصاري (ص ٦٤).","vol":"1","page":715},{"text":"وفي هذا يقول الحافظ السخاوي - غفر الله له -: \"إذا كان أهل الصليب اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيدًا أكبر، فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر\" (^١)! !\nوما قرره ابن حجر - عفا الله عنه - في كلامه المتقدم من كون الاحتفال بالمولد النبوي بدعة حسنة باطل، والرد عليه من طريقين:\nأحدهما: النقض، وذلك بأن يقال:\nأولًا: أن القول بذلك فرع عن القول بتقسيم البدعة إلى قسمين حسنة وسيئة، وهو تقسيم باطل - كما سبق - فكذلك ما فُرّع عليه.\nثانيًا: أن النبي - ﷺ - لم يحتفل لنفسه إحياءً لمولده أو مولد غيره من الأنبياء قبله، ولم يأمر أمته به، ولما لم يقع ذلك منه ولم يأمر به مع قيام المقتضي لذلك في وقته كان عمله بعد ذلك بدعة منكرة.\nثالثًا: \"أن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له، وعدم المانع منه، ولو كان خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف - ﵃ - أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله - ﷺ - وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص\" (^٢).\nرابعًا: أن المؤرخين اختلفوا في يوم مولده - ﷺ - وقد ذكر ذلك ابن حجر نفسه في كلامه المتقدم - فعلى التسليم باستحسان الاحتفال به فإن إقامته في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول غير مقطوع بوقوعه فيه، وقد جر هذا بعضهم إلى الاحتفال سائر أيام ربيع الأول ولياليه كما ذكر ذلك ابن حجر واستحسنه ممن فعله.\nخامسًا: أن الشهر الذي ولد فيه - ﷺ - وهو ربيع الأول على الصحيح هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح بأولى من الحزن فيه (^٣).\nسادسًا: أن الاحتفال بالمولد النبوي يتضمن كثيرًا من الأعمال\n_________\n(^١) التبر المسبوك في ذيل السلوك (ص ١٤).\n(^٢) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ١٢٣).\n(^٣) انظر: المورد في عمل المولد للفاكهي (ص ٢٦ - ٢٧)، المدخل لابن الحاج (٢/ ١٥).","vol":"1","page":716},{"text":"المنكرة، والقبائح المحرمة، ومنها: إنشاد الأشعار والقصائد المتضمنة للشرك بالله، ودعوى حضور النبي - ﷺ -، وإضاعة الصلوات، والغناء، والطرب، والضرب بالدفوف، والرقص، واختلاط الرجال بالنساء، وإضاعة الأموال وتبذيرها في غير وجوهها المشروعة، وقد ذكر ابن حجر - غفر الله له - شيئًا من هذا في زمانه في كلامه المتقدم، ولا زال الأمر على ذلك (^١).\nسابعًا: أن ما استدل به ابن حجر - عفا الله عنه - على قوله باستحسان الاحتفال بمولده - ﷺ - لا يصح، وبيان ذلك فيما يلي:\n١ - أن ما ذكره من ثناء بعض أهل العلم عليه، وتقريرهم لاستحسانه، وقيامهم بعمله، معارض بذم غيرهم، وتقريرهم لبدعيته، وإنكارهم على من عمله؛ وهم أولى بقبول قولهم لسابقتهم، وكثرتهم، وقوة أدلتهم.\nوكلام أهل العلم وأفعالهم ليست دليلًا في نفسها، بل هي محتاجة إلى إثبات صحتها بالدليل.\n٢ - أن ما نقله عن الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ - من تخريجه عمل المولد على خبر الصحيحين في صوم اليهود لعاشوراء باطل، والجواب عنه من عدة أوجه:\nأ - أن الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ - صرح في أول كلامه أن أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن السلف، وهذا كاف في ذم الاحتفال به - كما تقدم - وقوله بذلك مما أغفل ابن حجر - عفا الله عنه - نقله، ونصه: \"أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة ... \" إلى أن قال: \"وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين ... \" إلى آخر كلامه المنقول (^٢).\nب - أن تخريج الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتواه عمل المولد على حديث صوم عاشوراء، لا يمكن الجمع بينه وبين جزمه أول تلك\n_________\n(^١) انظر: المورد في عمل المولد (ص ٢٤)، تنبيه الغافلين لابن النحاس (ص ٣٠٦)، وللاستزادة: القول الفصل (ص ١٨٧).\n(^٢) انظر: كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ - بتمامه في الحاوي للفتاوي (١/ ١٩٦).","vol":"1","page":717},{"text":"الفتوى بأن ذلك العمل بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، فإن عدم عمل السلف الصالح بالنص على الوجه الذي يفهمه منه من بعدهم يمنع اعتبار ذلك الفهم صحيحًا؛ إذ لو كان صحيحًا لم يعزب عن فهم السلف الصالح، ويفهمه من بعدهم.\nكما يمنع اعتبار ذلك النص دليلًا عليه؛ إذ لو كان دليلًا عليه لعمل به السلف الصالح، فاستنباط الحافظ ابن حجر العسقلاني الاحتفال بالمولد النبوي من حديث صوم يوم عاشوراء، مخالف لِمَا أجمع عليه من جهة فهمه، ومن جهة العمل به، وما خالف إجماعهم فهو خطأ؛ لأنهم لا يجمعون إلا على هدى (^١).\nجـ - أن تخريج الاحتفال بالمولد على صيام يوم عاشوراء من التكلف المردود؛ لأن العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع (^٢).\nهـ - أن صيام يوم عاشوراء قد فعله النبي - ﷺ - ورغب فيه، بخلاف الاحتفال بمولده فإنه - ﷺ - لم يفعله ولم يرغّب فيه، ولو كان في ذلك شيء من الفضل لبين ذلك لأمته كما بين لهم فضل اتباعه والصلاة والسلام عليه (^٣).\nوالثاني: المعارضة:\nبما تقدم من بيان بدعية الاحتفال بالمولد النبوي، وعموم النصوص الدالة على أن كل بدعة ضلالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>٢ - السماع:</span>\nذكر ابن حجر - ﵀ - أقسام السماع، وبيّن حكم كل مثها، فقال: \"أقسام الغناء المحرم وغيره:\n_________\n(^١) انظر: الرد القوي على الرفاعي والمجهول وابن علوي وبيان أخطائهم في المولد النبوي للشيخ حمود التويجري (ص ٣٠)، القول الفصل (ص ٧٨).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (١/ ٨٠)، الرد القوي (ص ٣٢).\n(^٣) انظر: الرد القوي (ص ٣٢)، الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف للجزائري (ص ٤٣).","vol":"1","page":718},{"text":"القسم الأول: في سماع مجرد الغناء من غير آلة.\nاعلم أن مذهبنا أنه يكره الغناء وسماعه إلا ... في عرس ونحوه ... أو إن حرك لحال سني مذكر للآخرة.\nوبه يعلم أن كل شعر فيه الأمر بالطاعة أو كان حكمة أو كان في مكارم الأخلاق أو الزهد ونحو ذلك من خصال البر كحث على طاعة أو سنة أو اجتناب معصية يكون كل من إنشائه وإنشاده وسماعه سنة\" (^١).\nو\"الغناء إنشادًا واستماعًا على قسمين:\nالأول: ما اعتاد الناس استعماله لمحاولة عمل، وحمل ثقيل، وقطع مفاوز سفر ترويحًا للنفوس وتنشيطًا لَها، كحداء الأعراب بإبلهم، وغناء النساء لتسكين صغارهن، ولعجب الجواري بلعبهن، فهذا إذا سلم المغني به من فحش وذكر محرم، كوصف الخمور والقينات، لا شك في جوازه ولا يختلف فيه، وربما يندب إليه إذا نشط على فعل خير، كالحداء في الحج والغزو، ومن ثم ارتجز - ﷺ - هو والصحابة رضوان الله تعالى عليهم في بناء المسجد، وحفر الخندق كما هو مشهور ...\nوكالأشعار المزهدة في الدنيا المرغبة في الآخرة، فهي من أنفع المواعظ فالحاصل عليها أعظم الأجر ...\nالثاني: ما ينتحله المغنون العارفون بصنعة الغناء المختارون المدن من غزل الشعر مع تلحينه بالتلحينات الأنيقة، وتقطيعه لها على النغمات الرقيقة التي تهيج النفوس وتطربها ... فهذا هو الغناء المختلف فيه على أقوال العلماء ... \" (^٢).\n\"والذي يتقوى في النفس رجحانه تحريم الغناء الملحن وسماعه ...\nلقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] أي: الغناء ...\nوقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ فسعره\n_________\n(^١) كف الرعاع (ص ٤٩ - ٥٠).\n(^٢) المصدر السابق (ص ٥٩ - ٦٠).","vol":"1","page":719},{"text":"مجاهد بالغناء والمزامير (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] قال مجاهد: هو الغناء (^٢) ... \" (^٣).\n\"القسم الثاني: في سماع الغناء المقترن برقص أو نحو دف أو مزمار ووتر ...\nوالمقصود هنا أن الغناء إذا أبيح أو كره إن انضم إليه محرم يصير بانضمام المحرم إليه محرمًا، وإذا حرم يشتد إثمه بانضمام المحرم إليه، وأن الرقص إن كان فيه تَكَسُّر كفعل المخنث كان حرامًا، وإن خلا عن ذلك كان مكروهًا، فإذا انضم القسم الحرام منه إلى الغناء المحرم ازداد الإثم والتحريم، وكذا إذا كان المحرم أحدهما، لأن المكروه وإن كان لا إثم فيه، لكنه بانضمامه إلى محرم يزداد إثمًا\" (^٤).\nالتقويم:\nالسماع في اللغة: مصدر سمع يسمع سمعًا وسماعًا (^٥).\nيقول ابن فارس: \"السين والميم والعين أصل واحد، وهو إيناس الشيء بالإذن ... تقول: سمعت الشيء سماعًا\" (^٦).\nوالمراد به هنا: \"تنبيه القلب على معاني المسموع، وتحريكه عنها طلبًا وهربًا، وحبًا وبغضًا، فهو حاب يحدو بكل أحد إلى وطنه ومألفه\" (^٧).\nوهو على أضرب ثلاثة:\nأحدها: سماع شرعي، وهو سماع القرآن.\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن جرير (٨/ ١٠٨).\n(^٢) انظر: تفسير ابن جرير (٩/ ٤٢٠).\n(^٣) كف الرعاع (ص ٦٩ - ٧٠).\n(^٤) المصدر السابق (ص ٧١ - ٧٢).\n(^٥) انظر: تهذيب اللغة (٢/ ١٧٥٥)، الصحاح (٣/ ١٢٣١)، لسان العرب (٨/ ١٦٢)، القاموس المحيط (ص ٩٤٣).\n(^٦) معجم مقاييس اللغة (ص ٤٩١ - ٤٩٢).\n(^٧) مدارج السالكين (١/ ٤٨٢)، وانظر: كشف القناع عن حكم الوجد والسماع للقرطبي (ص ٤٣).","vol":"1","page":720},{"text":"وثانيها: سماع بدعي، وهو سماع الغناء.\nوثالثها: سماع مباح، وهو سماع القصائد المزهدة في الدنيا والمرغبة في الآخرة الدالة على مكارم الأخلاق وجميل الأفعال (^١).\nيقول العلامة ابن القيم - ﵀ -: \"الكلام في السماع مدحًا وذمًا يحتاج فيه إلى معرفة صورة المسموع وحقيقته، وسببه والباعث عليه، وثمرته وغايته.\nفبهذه الفصول الثلاثة يتحرر أمر السماع، ويتميز النافع منه والضار، والحق والباطل، والممدوح والمذموم.\nفالمسموع على ثلاثة أضرب.\nأحدهما: مسموع يجبه الله ويرضاه، وأمر به عباده، وأثنى على أهله، ورضي عنهم به.\nالثاني: مسموع يبغضه ويكرهه، ونهى عنه، ومدح المعرضين عنه.\nالثالث: مسموع مباح مأذون فيه، لا يحبه ولا يبغضه، ولا مدح صاحبه ولا ذمه، فمن حرم هذا النوع الثالث فقد قال على الله ما لا يعلم، وحرم ما أحل الله، ومن جعله دينًا يتقرب به إلى الله فقد كذب على الله، وشرع دينًا لم يأذن به الله، وضاهى بذلك المشركين\" (^٢).\nوبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر - ﵀ - من التفصيل في أحكام السماع، وقوله بجوازه إذا كان بغير آلة ولا رقص، ويتضمن التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة، ولم يكن على التلحينات والتقطيعات المحترفة، وبحرمته مع عدم ذلك هو الحق الذي لا محيد عنه، وهو الذي عليه المحققون من أهل العلم (^٣).\n_________\n(^١) انظر: كشف القناع (ص ٤٧) وما بعدها، مختصر الفتاوى المصرية (ص ٥٩١ - ٥٩٤)، مدارج السالكين (١/ ٤٨٢)، نزهة الاستماع في مسألة السماع لابن رجب (ص ٣٤) وما بعدها.\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٤٨٢).\n(^٣) انظر: تحريم الغناء والسماع للطرطوشي (ص ٢٢٢) وما بعدها، كشف القناع (ص ٤٣) وما بعدها، مختصر الفتاوى المصرية (ص ٥٩١) وما بعدها، الكلام على مسألة السماع =","vol":"1","page":721},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>٣ - صلاة الرغائب:</span>\nيرى ابن حجر - ﵀ - بدعية صلاة الرغائب، وأنها حادثة بعد انقضاء القرون الثلاثة الفاضلة، وأن الأحاديث الواردة فيها باطلة موضوعة، وقد نقل عن أهل العلم ما يؤيد قوله هذا، ويرد على من خالفه.\nيقول في ذلك:\n\"صلاة الرغائب هي اثنتا عشرة ركعة بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة من رجب ...\nأطال الإمام النووي - ﵀ - في فتاويه في ذمها وتقبيحها وإنكارها، فقال: \"هي أي صلاة الرغائب بدعة قبيحة منكرة أشد الإنكار مشتملة على منكرات، فينبغي تركها، والإعراض عنها، والإنكار على فاعلها، وعلى ولي الأمر - وفقه الله - منع الناس من فعلها فإنه راع وكل راع مسؤول عن رعيته، وقد صنف العلماء كتبًا في إنكارها وذمها وتسفيه فاعلها، فلا تغتر بكون الفاعلين لها في كثير من البلدان، ولا بكونها مذكورة في قوت القلوب (^١)، وإحياء علوم الدين (^٢) ونحوهما فإنها بدعة باطلة ... \" (^٣).\nوعبارة إحياء علوم الدين في صلاة الرغائب: \"أما صلاة رجب فقد روي بإسناد عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"ما من أحد يصوم أول خميس من رجب ثم يصلي فيما بين العشاء والعتمة يعني ليلة الجمعة اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، و﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: ١] ثلاث مرات، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]، اثنتي عشرة مرة يفصل بين كل ركعتين بتسليمة، فإذا فرغ من صلاته صلى عليَّ سبعين مرة\n_________\n= لابن القيم (ص ١٠١) وما بعدها، مدارج السالكين (١/ ٤٨١) وما بعدها، إغاثة اللهفان (١/ ٢٤٥)، نزهة الأسماع (ص ٣٤) وما بعدها، رسالة في السماع والرقص المنبجي الحنبلي (ص ٢٨)، الرهص والوقص لمستحل الرقص لإبراهيم الحلبي (ص ٤٦) وما بعدها، الصاعقة المحرقة على المتصوفة الراقصة المتزندقة لمحمد صفي الدين الحنفي (ص ٣٣).\n(^١) انظر: (١/ ١٣٥).\n(^٢) انظر: (١/ ١٨٢).\n(^٣) فتاوى النووي (ص ٦٢).","vol":"1","page":722},{"text":"يقول: اللهم صلّ على محمد النبي الأمي وعلى آله، ثم يسجد فيقول في سجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح سبعين مرة، ثم يرفع رأسه ويقول: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعظم سبعين مرة، ثم يسجد الثانية فيقول مثل ما قال في السجدة الأولى، ثم يسأل الله حاجته فإنها تقضى، قال رسول الله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده ما من عبد ولا أمة صلى هذه الصلاة إلا غفر الله تعالى له جميع ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر، وعدد الرمل، ووزن الجبال، وعدد ورق الأشجار، وشفع يوم القيامة في سبعمائة من أهل بيته ممن قد استوجب النار\".\nوهذه صلاة مستحبة، وإنما أوردناها في هذا القسم أي: قسم ما يتكرر بتكرر السنين كالعيدين لأنها تكرر بتكرر السنين وإن كانت لا يبلغ رتبتها رتبة التراويح وصلاة العيد، لأن هذه الصلاة نقلها الآحاد ولكن أهل القدس بأجمعهم يواظبون عليها، ولا يسمحون بتركها فأحببت إيرادها\" (^١). انتهت عبارة الإحياء.\nوقد تساهل الغزالي - رحمه الله تعالى - في ذلك تساهلًا كثيرًا حيث زعم أولًا أنها مروية بالسند، وثانيًا أن الآحاد نقلوها وكل ذلك باطل موضوع كذب على النبي - ﷺ - حادث بعد الأربعمائة، ومن ثم قال الحافظ الكبير شيخ الإسلام الزين العراقي في تخريجه أحاديث الإحياء: إن هذا الحديث الذي ذكره الغزالي أورده رزين (^٢) في كتابه وهو حديث موضوع (^٣)، وقال غيره (^٤): لم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة يختص بها، والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول جمعة بن شهر رجب كذب باطل.\n_________\n(^١) الإحياء (١/ ١٨٢).\n(^٢) هو رزين بن معاوية بن عمار، أبو الحسن العبدري الأندلسي، السرقسطي، إمام محدث، من مؤلفاته: تجريد الصحاح، توفي سنة ٥٣٥ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٠٤)، شذرات الذهب (٤/ ١٠٦).\n(^٣) تخريج أحاديث الإحياء (١/ ١٨٢).\n(^٤) المراد به الحافظ ابن رجب - ﵀ - قارن الكلام المذكور بلطائف المعارف (ص ٢٢٨).","vol":"1","page":723},{"text":"وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء، وممن ذكر ذلك من أعيان العلماء من المتأخرين من الحفاظ أبو إسماعيل الأنصاري، وأبو بكر السمعاني (^١)، وأبو الفضل حافظ الشام ابن ناصر (^٢)، وابن الجوزي وغيرهم، وإنما لم يذكرها المتقدمون لأنها حدثت بعدهم وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة فلذلك لم يعرفها المتقدمون ولم يتكلموا فيها\" (^٣).\nالتقويم:\nصلاة الرغائب هي صلاة تكون في ليلة أول جمعة من شهر رجب بين صلاتي المغرب والعشاء، ويسبقها صيام يوم الخميس قبلها (^٤).\nوصفتها على ما ذكر ابن حجر - ﵀ - نقلًا عن الغزالي - غفر الله له - في كلامه المتقدم.\nوهي بدعة حادثة بعد المائة الرابعة، وأول ما أحدثت ببيت المقدس وذلك بعد سنة ثمانين وأربعمائة، ولا يعرف أن أحدًا صلاها قبل ذلك (^٥).\nولهذا يقول الحافظ ابن رجب - ﵀ -: \"وإنما لم يذكرها المتقدمون؛ لأنها أحدثت بعدهم وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة، فلذلك لم يعرفها المتقدمون ولم يتكلموا فيها\" (^٦).\n_________\n(^١) هو محمد بن منصور بن عبد الجبار التميمي السمعاني المروزي، أبو بكر، فقيه محدث، من مؤلفاته: الأمالي، توفي سنة ٥١٠ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٧١)، شذرات الذهب (٤/ ٢٩).\n(^٢) هو محمد بن أبي بكر بن عبد الله القيسي الحموي الشافعي، المشهور بابن ناصر الدين، محدث فقيه، من مؤلفاته: منهاج السلامة في ميزان يوم القيامة، الرد الوافر، الترجيح لحديث صلاة التسبيح وغيرها، توفي سنة ٨٤٢ هـ.\nانظر: الضوء اللامع (٨/ ١٠٣)، شذرات الذهب (٧/ ٢٤٣).\n(^٣) الإيضاح والبيان (ل ١٠/ أ - ل ١١/ ب)، وانظر: فتح المبين (ص ١٠٨)، إتحاف أهل الإسلام (ص ٣٥٥).\n(^٤) انظر: الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ١٣٨).\n(^٥) انظر: الحوادث والبدع (ص ١٣٢).\n(^٦) لطائف المعارف (ص ٢٢٨)، وانظر: مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٣٢).","vol":"1","page":724},{"text":"وعليه فما قرره ابن حجر - ﵀ - من القول ببدعيتها، والرد على من استحسنها هو الحق الذي لا محيد عنه، وذلك لما يلي:\nأولًا: أنها بدعة حادثة بعد انقضاء القرون الثلاثة المفضلة المشهود لها بالخيرية، فلم يفعلها الصحابة ولا التابعون ولا أتباعهم مع قيام المقتضي وعدم المانع، ولو كانت مشروعة لسبقونا إليها (^١).\nثانيًا: أن الحديث الوارد في تقرير مشروعيتها وبيان فضلها حديث باطل لا يصح، اتفق الأئمة على وضعه (^٢).\nثالثًا: أن هذه الصلاة مخالفة للسنة من جهة وقتها للنهي الوارد عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام، ومن جهة صفتها للنهي الوارد عن عدم الطمأنينة في الصلاة (^٣).\nرابعًا: اشتمال هذه الصلاة على جملة من المنكرات الشرعية، ومنها: تأخير الفطور، وأداء العشاء الآخرة بلا قلوب حاضرة، والمبادرة إلى تعجيلها، والسجود بعد السلام لغير سهو (^٤).\nولما سبق أنكرها جماهير أهل العلم - ﵏ (^٥) - وكتب بعضهم رسائل في التحذير منها (^٦).\n_________\n(^١) انظر: رسالة في ذم صلاة الرغائب للعز بن عبد السلام (ص ٢٦)، مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٣٢)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦١٣).\n(^٢) انظر: الموضوعات (٣/ ١٢٤)، مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٣٢)، المنار المنيف (ص ٩٥)، تخريج أحاديث الإحياء للعراقي (١/ ١٨٢)، اللآلئ المصنوعة (٢/ ٥٦)، الفوائد المجموعة (ص ٤٧)، الأسرار المرفوعة (ص ٢٨٩).\n(^٣) انظر: رسالة في ذم صلاة الرغائب (ص ٢٩، ٣٢).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (ص ٣٠) وما بعدها.\n(^٥) انظر: الحوادث والبدع (ص ١٣٢)، الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ١٣٨)، المدخل لابن الحاج (١/ ٢٩٣)، مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٣٢)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦١٣)، الفتاوى الكبرى (١/ ١٧٧)، المنار المنيف (ص ٩٥)، الاعتصام (١/ ١٦٨)، لطائف المعارف (ص ٢٢٨)، الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع (ص ١٦٦).\n(^٦) أفردها العز بن عبد السلام في رسالتين أحدهما في ذم صلاة الرغائب، والأخرى في رد جواز صلاة الرغائب وهما مطبوعتان، وغيره.","vol":"1","page":725},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>٤ - الصلاة الألفية ليلة النصف من شعبان:</span>\nيرى ابن حجر - ﵀ - أن إحياء ليلة النصف من شعبان على الكيفية المشهورة بين العوام والتي تعرف بالصلاة الألفية بدعة حادثة، حيث يقول:\n\"الصلاة ليلة النصف من شعبان بدعة مذمومة، وهي على كيفيات: مائة ركعة بألف قل هو الله أحد.\nواثنتا عشرة ركعة في كل ركعة ثلاثون مرة قل هو الله أحد.\nوأربع عشرة ركعة ثم يجلس فيقرأ الفاتحة وقل هو الله أحد والمعوذتين كلًّا أربع عشرة، وآية الكرسي مرة، و﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٢٨].\nوكلها موضوعة، والكلام في خصوص إحيائها بالكيفية المشهورة بين العوام دون غيرها من الليالي، فلا ينافيه ما جاء في ليلة النصف من شعبان ... إذ ليس فيها صلاة مخصوصة، وقيام الليل سنة مطلقًا\" (^١).\nالتقويم:\nالصلاة الألفية ليلة النصف من شعبان هي صلاة خاصة ذات كيفيات متعددة، وقد ذكر ابن حجر - ﵀ - في كلامه المتقدم بعضها.\nوهي بدعة حادثة بعد المائة الرابعة سنة ثمان وأربعين وأربعمائة (^٢)، ولم تكن معروفة عن السلف الأوائل من الصحابة والتابعين وأتباعهم، والوارد عن بعهض التابعين وأتباعهم في إحياء ليلة النصف من شعبان إنما هو قيامهم الليل على الصفة المعهودة لا على هذه الصفة المنكرة الحادثة، وتخصيصهم القيام تلك الليلة مما أنكر عليهم؛ إذ لا يصح حديث في فضل إحيائها بخصوصها (^٣).\n_________\n(^١) فتح المبين (ص ١٠٨ - ١٠٩)، وانظر: الإيضاح والبيان (ل ٧، ١٠، ١٢، ١٣)، إتحاف أهل الإسلام (ص ٣٦٦ - ٣٦٨).\n(^٢) انظر: الحوادث والبدع (ص ١٣٢).\n(^٣) انظر: البدع والنهي عنها لابن وضاح (ص ١٠٠).","vol":"1","page":726},{"text":"يقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^١) - ﵀ -: \"لم أدرك أحدًا من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى ليلة النصف من شعبان، ولم ندرك أحدًا منهم يذكر حديث مكحول (^٢) ولا يرى لها فضلًا على ما سواها من الليالي.\nوقال: والفقهاء لم يكونوا يصنعون ذلك\" (^٣).\nوعليه فما قرره ابن حجر - ﵀ - من القول ببدعية الصلاة الألفية ليلة النصف من شعبان هو الحق الذي لا محيد عنه؛ وذلك لما يلي:\nأولًا: أنها بدعة حادثة بعد انقضاء القرون الثلاثة المفضلة المشهود لها بالخيرية، فلم يفعلها الصحابة ولا التابعون ولا أتباعهم مع قيام المقتضي وعدم المانع، ولو كانت مشروعة لسبقونا إليها (^٤).\nثانيًا: أن الأحاديث الواردة في تقرير مشروعيتها وبيان فضلها أحاديث باطلة لا تصح، اتفق الأئمة على وضعها (^٥).\nثالثًا: أن هذه الصلاة مخالفة للسنة من جهة صفتها، وعدد ركعاتها، وما يقرأ فيها.\n_________\n(^١) هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العُمري المدني، صاحب قرآن وتفسير، من مؤلفاته: التفسير، والناسخ والمنسوخ، توفي سنة ١٨٢ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٣٤٩)، شذرات الذهب (١/ ٢٩٧).\n(^٢) مكحول بن أبي مسلم شهراب بن شاذان، المشهور بمكحول الدمشقي، من أعلام التابعين وعلماء التفسير، توفي سنة ١١٢ هـ، وقيل غير ذلك.\nانظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٤٥٣)، سير أعلام النبلاء (٥/ ١٥٥).\n(^٣) أخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص ١٠٠) برقم (١١٩) من طريق هارون بن سعيد، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - ﵏ جميعًا - به.\nوهو بهذا الإسناد صحيح.\n(^٤) انظر: الحوادث والبدع (ص ١٣٢)، الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ١٢٤)، مجموع الفتاوى (٢٣/ ١٣١، ١٣٣، ١٣٤)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦٢٨)، المنار المنيف (ص ٩٨)، الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع (ص ١٧٦).\n(^٥) انظر: الموضوعات (٢/ ١٢٧ - ١٣٠)، مجموع الفتاوى (٢٣/ ١٣١)، المنار المنيف (ص ٩٨)، اللآلئ المصنوعة (٢/ ٥٧ - ٦٠)، تنزيه الشريعة (٢/ ٩٣)، الفوائد المجموعة (ص ٥١)، الأسرار المرفوعة (ص ٣٩٦).","vol":"1","page":727},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>الخاتمة</span>\nبعد حمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتبلغ الغايات، وتنال المكرمات، فقد تم إنجاز هذا البحث وإتمامه بحول منه سبحانه وعونه.\nوإني لا أدعي فيه الكمال والإحاطة، وحسبي أني بذلت فيه قصارى جهدي، وكامل مكنتي، فإن أصبت فهو من فضل ربي وتوفيقه، فله الحمد والفضل، وإن أخطأت فهو مني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأستغفر الله وأتوب إليه.\nوهذا عرض لأبرز نتائج البحث، وتوصياته:\n١ - أهمية العناية بدراسة آراء أعلام المذاهب الفقهية المتبوعة الاعتقادية، وضرورة تقويمها - خاصة المتأخرين منهم - لعظيم أثرهم، وانتشار كتبهم.\n٢ - أثر الأحوال السياسية والدينية والاجتماعية والعلمية السيئة في القرن العاشر الهجري على حياة ابن حجر وتكوينه العلمي وآرائه الاعتقادية سلبًا وإيجابًا.\n٣ - كثرت كتب ابن حجر - ﵀ - التي ضمنها آراءه الاعتقادية، وعناية أهل العلم بها، وشهرتها بين الناس بما يحتم ضرورة تحقيقها ودراستها وتقويمها.\n٤ - اعتماد ابن حجر - ﵀ - في تقرير المسائل العقدية على كلام بعض أهل العلم، ونقله أقوالهم دون تحقيق؛ مما أوقعه في الخطأ في بعضها.\n٥ - تناقض ابن حجر - ﵀ - في مسائل عدة، واضطراب كلامه في مسائل أخرى.","vol":"1","page":728},{"text":"٦ - تجويز ابن حجر - ﵀ - الأخذ بمذهب الأشاعرة أو الماتريدية في المسائل العقدية.\n٧ - تأثر ابن حجر - غفر الله له - بالصوفية غير الغالية وتبنيه لبعض آرائهم، ورده عليهم في بعضها الآخر، واعتذاره للغالية منهم واعتقاده إمامتهم.\n٨ - وافق ابن حجر - ﵀ - أهل السنة والجماعة في مسائل وخالفهم في أخرى، وفيما يلي بيان ذلك:\n\n• في مصادر تلقي العقيدة ومنهج الاستدلال بها:\nوافق أهل السنة والجماعة في اعتبار القرآن والسنة والإجماع والعقل مصادرَ لتلقي العقيدة وخالفهم في بعض الجوانب المنهجية للاستدلال بها.\n• في الإيمان بالله:\nوافق أهل السنة والجماعة في معنى الإيمان بالله، وخالفهم في معنى التوحيد وبيان أقسامه.\n- في توحيد الربوبية:\nوافق أهل السنة والجماعة في معنى توحيد الربوبية، ودلائله، وحكم إيمان المقلد، وقول بعضهم بأن الفطرة هي الخلقة.\nوخالفهم في معرفة الله وحكمها.\n- في توحيد الألوهية:\nوافق أهل السنة والجماعة في معنى توحيد الألوهية، وشهادة أن لا إله إلا الله، ومعنى العبادة وأنواعها، وذكره بعض ما يناقضه أو يقدح فيه في الجملة.\nوخالفهم في تفضيله الذكر بالاسم الظاهر على الذكر بلا إله إلا الله، وتجويزه صرف بعض العبادات لغير الله بناء على شبهتي المجاز العقلي والتسبب والكسب، وتقريره استحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي - ﷺ - والتوسل به، والقول بجواز الأوفاق، وكراهة سب الدهر وتجصيص القبور والكتابة عليها.","vol":"1","page":729},{"text":"- في توحيد الأسماء والصفات:\nوافق أهل السنة والجماعة في بيان معنى الأسماء والصفات، وإثبات أسماء الله تعالى، والقول بأنها توقيفية، وأنها غير محصورة بعدد، وقول بعضهم بأن الاسم الأعظم هو الله، وشرحه لمعانيها في الجملة.\nوخالفهم في قوله بأن ظواهر نصوص الصفات غير مرادة، وتجويزه التأويل والتفويض فيها، وزعمه أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم، وإعماله التأويل في نصوص الصفات بما ينفي دلالتها.\n\n• في الإيمان بالملائكة:\nوافق أهل السنة والجماعة في تعريف الملائكة، ومعنى الإيمان بهم، وتقريره عصمتهم، والمفاضلة بينهم وبين صالحي البشر، وقول بعضهم بأن إسرافيل أفضلهم.\n\n• في الإيمان بالكتب:\nوافق أهل السنة والجماعة في تعريف الكتب، ومعنى الإيمان بها، ونزول القرآن، وإعجازه في الجملة.\nوخالفهم في معنى نزوله وكيفيته.\n\n• في الإيمان بالرسل:\nوافق أهل السنة والجماعة في معنى الإيمان بهم، والمفاضلة بينهم، وقول بعضهم بنبوة الخضر وإخوة يوسف، وعدم نبوة لقمان وذي القرنين.\nوخالفهم في القول بنبوة إبراهيم ابن نبينا محمد - ﷺ -، والقول بعصمتهم مطلقًا من الكبائر والصغائر والعمد والسهو.\n• وفي الإيمان بنبينا محمد - ﷺ -:\nوافق أهل السنة والجماعة في بعض ما ذكره من معجزاته وخصائصه، وتكفيره لمن سبه، وقول بعضهم بقبول توبته ونفيها القتل عنه.\nوخالفهم في تعريف المعجزة، وبيانه شروطها، وذكره بعض الخصائص التي لم تثبت له وتتضمن غلوًا في جنابه - ﷺ -.","vol":"1","page":730},{"text":"• وفي كرامات الأولياء:\nوافق أهل السنة والجماعة في تعريف الكرامة، والفرق بينها وبين خوارق السحرة، والقول بجوازها ووقوعها، والرد على من خالف في ذلك.\nوخالفهم في بيان الفرق بينها وبين المعجزة، وسياقه لبعض خوارق غلاة الصوفية وعده لها من كراماتهم.\n\n• وفي الإيمان باليوم الآخر:\n- في الحياة البرزخية:\nوافق أهل السنة والجماعة في إثبات فتنة القبر، ونعيمه وعذابه، وقول بعضهم في حقيقة الروح.\n- في أشراط الساعة:\nوافق أهل السنة والجماعة في تعريف أشراط الساعة، وبيان أقسامها، وما ذكره منها.\n- في الحياة الآخرة:\nوافق أهل السنة والجماعة في إثبات المعاد، والشفاعة، والصراط، والميزان، والجنة، والنار والقول بخلقهما الآن وأبديتهما.\nوخالفهم في القول بأن رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين إلى غير جهة.\n\n• في الإيمان بالقضاء والقدر:\nوافق أهل السنة والجماعة في معنى الإيمان بالقضاء والقدر وما يتضمنه.\nوخالفهم في أفعال العباد، والهدى والضلال، ومعنى الظلم الذي نزه الله نفسه عنه وحكمه في حقه، والتحسين والتقبيح، والحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى، وتكليف ما لا يطاق.\n\n• في الصحابة:\nوافق أهل السنة والجماعة في تعريف الصحابة، وتقرير فضلهم، وبيان","vol":"1","page":731},{"text":"المفاضلة بينهم، والمفاضلة بينهم وبين من بعدهم، وبحث عدالتهم، والقول بوجوب الإمساك عما شجر بينهم، وبيان حكم سبهم.\n\n• في الإمامة:\nوافق أهل السنة والجماعة في تعريف الإمامة، والقول بوجوبها، وطرق انعقادها، وما يجب تجاه من وليها، وإثبات إمامة الخلفاء الراشدين - ﵃ -.\n\n• في الأسماء والأحكام:\n- في مسائل الإيمان:\nوافق أهل السنة والجماعة في القول بجواز الاستثناء في الإيمان، وتقرير الفرق بين الإسلام والإيمان في الجملة، وتعريف الكبيرة وحكم مرتكبها.\nوخالفهم في تعريف الإيمان، وقوله بأن الزيادة والنقصان فيه قاصرة على اعتقاد القلب.\n- في مسائل الكفر والتكفير:\nوافق أهل السنة والجماعة في التحذير من التكفير بغير حق وضرورة الاحتياط فيه، وبيان موانعه، واعتبار اللوازم فيه في الجملة.\nوخالفهم في تعريف الكفر، وعدم اعتبار المقاصد في التكفير.\n- في مسائل البدعة:\nوافق أهل السنة والجماعة في تعريف البدعة، وإنكاره لبعض بدع عصره كالسماع وصلاة الرغائب، والصلاة الألفية ليلة النصف من شعبان.\nوخالفهم في تقريره انقسام البدعة إلى حسنة وسيئة، وحكمه بجريان الأحكام الخمسة فيها، وقوله بأن المولد بدعة حسنة.\nوالحمد لله أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":732},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>فهرس المصادر والمراجع</span>\nأولًا: كتب ابن حجر الهيتمي:\n١ - إتحاف أهل الإسلام بخصوصيات الصيام: تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n٢ - أسنى المطالب في صلة الأرحام والأقارب: تحقيق محمد الحبيب الهيلة، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات، الرياض، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.\n٣ - أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل: تحقيق أحمد المزيدي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٤ - الإعلام بقواطع الإسلام: تحقيق د. محمد الخميس، (مطبوع ضمن مجموع ألفاظ الكفر) دار إيلاف، الكويت، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.\n٥ - الإفادة لما جاء في المرض والعيادة: تحقيق د. عبد الله نذير، المكتبة المكية، مكة المكرمة، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٦ - إلصاق عرر الهوى والهوس: مخطوط محفوظ بمكتبة الملك فهد الوطنية.\n٧ - الإنافة في الصدقة والضيافة: تحقيق مجدي السيد إبراهيم، مكتبة القرآن، القاهرة.\n٨ - الإيضاح والبيان بما جاء في ليلة النصف من شعبان: مخطوط محفوظ بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات برقم (١٠٢٤٧).\n٩ - الإيعاب شرح العباب: مخطوط محفوظ بمكتبة جامعة الملك سعود بالرياض، برقم (٥٥٤١)، وأخرى بمكتبة الأزهر برقم (٢٨١٥ فقه شافعي).\n١٠ - البدائع الجليلة الأبية في شرح الألفية: مخطوط محفوظ بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، برقم (٢٨٦).\n١١ - تحفة الزوار إلى قبر النبي المختار: تحقيق السيد أبي عمة، دار الصحابة، طنطا، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n١٢ - تحفة المحتاج بشرح المنهاج: تحقيق عبد الله بن محمود بن محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤٢١ هـ.","vol":"1","page":761},{"text":"١٣ - تطهير الجنان واللسان عن التفوه بثلب معاوية بن أبي سفيان: ابن حجر الهيتمي، تحقيق مديحة بنت إبراهيم السدحان، رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في العقيدة بالرئاسة العامة لتعليم البنات، سنة ١٤١٠ هـ.\n١٤ - تطهير الجنان واللسان عن التفوه بثلب معاوية بن أبي سفيان: تحقيق أبي عبد الرحمن المصري، دار الصحابة، طنطا، ط: ١، ١٤١٣ هـ.\n١٥ - تطهير العيبة من دنس الغيبة: تحقيق مجدي السيد إبراهيم، مكتبة القرآن، القاهرة.\n١٦ - التعرف في الأصلين والتصوف: (مطبوع بحاشية كتاب التلطف في الوصول إلى التعرف لابن علان المكي) مطبعة الترقي الماجدية العثمانية، مكة المكرمة، ١٣٣٠ هـ.\n١٧ - تنبيه الأخيار عن معضلات وقعت في كتاب الوظائف وأذكار الأذكار: مخطوط محفوظ بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات بالرياض ضمن مجموع برقم: (٥٥٧٥).\n١٨ - الجوهر المنظم في زيارة القبر الشريف النبوي المكرم: المطبعة الخيرية، ط: ١، ١٣٣١ هـ.\n١٩ - حاشية فتح الجواد بشرح الإرشاد: مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط: ٢، ١٣٩١ هـ.\n٢٠ - الخيرات الحسان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان: تحقيق محمد عاشق، شركة الأرقم، بيروت.\n٢١ - در الغمامة في در الطيلسان والعذبة والعمامة: مخطوط محفوظ بمكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية برقم (٢١٧/ خ).\n٢٢ - الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود: تحقيق حسنين محمد محمود، مطبعة المدني، مصر.\n٢٣ - رسالة في الجواب عن ثلاث مسائل في صفات الله: مخطوط محفوظ بمكتبة جامعة الملك سعود بالرياض برقم (٢٨٨٨/ ١).\n٢٤ - الزواجر عن اقتراف الكبائر: دار المعرفة، بيروت.\n٢٥ - الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة: تحقيق عبد الرحمن التركي وآخر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n٢٦ - الصواعق المحرقة لإخوان الشياطين أهل الضلال والبدع والزندقة: ابن حجر الهيتمي، تحقيق صالح بن ضيف الله الحميدي، رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في العقيدة بجامعة أم القرى.","vol":"1","page":762},{"text":"٢٧ - العمدة في شرح البردة، تحقيق بسام محمد البارود، دار الفقيه، دبي، ط: ١، ١٤٢٥ هـ.\n٢٨ - غرر المواعظ والنصائح لأرباب الولايات والمصالح: مخطوط محفوظ بمكتبة الحرم المكي، برقم (٢٥٠٢).\n٢٩ - الفتاوى الحديثية، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٣٠ - الفتاوى الفقهية الكبرى على مذهب الإمام الشافعي: جمعها ودونها ورتبها تلميذه عبد القادر الفاكهي، تحقيق عبد اللطيف بن عبد الرحمن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n٣١ - فتح الإله بشرح المشكاة: مخطوط محفوظ بمكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض برقم (٦٣٤١/ ف).\n٣٢ - فتح الجواد بشرح الإرشاد: مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط: ٢، ١٣٩١ هـ.\n٣٣ - فتح المبين لشرح الأربعين: دار إحياء الكتب العربية، مصر.\n٣٤ - القول المختصر في علامات المهدي المنتظر: تحقيق عبد الرحمن التركي، مؤسسة الزهراء للإعلام العربي، القاهرة، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n٣٥ - كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع: تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤٠٦ هـ.\n٣٦ - كنه المراد شرح بانت سعاد: مخطوط محفوظ بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات.\n٣٧ - معجم شيوخ ابن حجر الهيتمي: مخطوط محفوظ.\n٣٨ - المناهل العذبة في إصلاح ما وهى من الكعبة: تحقيق د. عبد الرؤوف الكمالي، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط: ١، ١٤٢٤ هـ.\n٣٩ - المنح المكية في شرح الهمزية: تحقيق بسام محمد بارود، المجمع الثقافي، أبو ظبي، ط: ١، ١٤١٨ هـ.\n٤٠ - المنهاج القويم: تحقيق أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.\n٤١ - المولد الشريف (إتمام النعمة الكبرى على العالم بمولد سيد ولد آدم) تحقيق د. محمد زينهم عرب، الصدر لخدمات الطباعة، مصر.\n٤٢ - مولد النبي - ﷺ -: تحقيق أبي الفضل الحويني، دار الصحابة، طنطا، ط: ١، ١٤١١ هـ.\n٤٣ - النخب الجليلة في الخطب الجزيلة: المطبعة اليوسفية، مصر.","vol":"1","page":763},{"text":"ثانيًا: الكتب الأخرى:\n٤٤ - الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير، الحسين بن إبراهيم الجورقاني: تحقيق د. عبد الرحمن بن عبد الجبار الفروائي، دار الصميعي، الرياض، ط: ٣، ١٤١٥ هـ.\n٤٥ - إبانة عن أصول الديانة: علي بن إسماعيل الأشعري، تحقيق د. فوقية حسين محمود، دار الأنصار، القاهرة، ط: ١، ١٣٩٧ هـ.\n٤٦ - أبجد العلوم: صديق حسن خان، دار ابن حزم، ط: ١، ١٤٢٣ هـ.\n٤٧ - الإبريز من كلام سيدي عبد العزيز: أحمد بن المبارك، دار الفكر، بيروت.\n٤٨ - إبطال التأويلات لأخبار الصفات، محمد بن الحسين بن الفراء: تحقيق محمد بن حمد الحمود، دار إيلاف الدولية، الكويت، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n٤٩ - إتحاف أهل الإسلام بخصوصيات الصيام: تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n٥٠ - إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين: الزبيدي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n٥١ - الآثار: محمد بن الحسن الشيباني.\n٥٢ - إثبات الشفاعة، محمد بن أحمد الذهبي: تحقيق إبراهيم باجس، دار أضواء السلف، الرياض، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.\n٥٣ - إثبات صفة العلو، عبد الله بن أحمد بن قدامة: تحقيق بدر البدر، الدار السلفية، الكويت، ط: ١، ١٤٠٦ هـ.\n٥٤ - إثبات عذاب القبر لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقى: تحقيق د. شرف محمود القضاة، دار الفرقان، الأردن، ط: ٢، ١٤٠٥ هـ.\n٥٥ - إثبات علو الله ومباينته لخلقه: حمود بن عبد الله التويجري، مكتبة المعارف، الرياض، ط: ١، ١٤٠٥ هـ.\n٥٦ - الإجماع: ابن المنذر، تحقيق صغير أحمد بن محمد، دار طيبة، الرياض، ط: ١، ١٤٠٢ هـ.\n٥٧ - الأجوبة العراقية على الأسئلة اللاهورية: لأبي الثناء محمود شكري الألوسي، المطبعة الحميدية، بغداد.\n٥٨ - الأجوبة المرضية فيما سئل عنه السخاوي من الأحاديث النبوية: السخاوي، تحقيق محمد إسحاق محمد، دار الراية، الرياض، ط: ١، ١٤١٨ هـ.\n٥٩ - الأجوبة المهمة: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق مأمون محمد أحمد، ط: ١، ١٤١٤ هـ.","vol":"1","page":764},{"text":"٦٠ - الأحاديث المكذوبة الواهية في كتاب الفتاوى الحديثية لابن حجر المكي: علي رضا بن عبد الله، بحث منشور بمجلة الحكمة العدد (٢٢).\n٦١ - الأحاديث الواردة في فضائل المدينة: صالح الرفاعي، دار الخضيري، ط: ٣، ١٤١٨ هـ.\n٦٢ - الأحاديث والآثار الواردة في فضائل سور القرآن الكريم: د. إبراهيم علي السيد، دار السلام، القاهرة، ط: ١، ١٤٢١ هـ.\n٦٣ - أحكام أهل الذمة: محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق د. صبحي الصالح، دار العلم للملايين، ط: ١، ١٣٨١ هـ.\n٦٤ - أحكام أهل الملل: أحمد بن محمد الخلال، تحقيق د. إبراهيم السلطان، مكتبة المعارف، الرياض، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n٦٥ - أحكام الجنائز وبدعها: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ١، ١٣٨٨ هـ.\n٦٦ - أحكام الرقى والتمائم: د. فهد السحيمي، أضواء السلف، الرياض، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٦٧ - الأحكام السلطانية: علي بن محمد الماوردي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٣٩٨ هـ.\n٦٨ - الأحكام السلطانية، لأبي يعلى محمد بن الحسين الفراء: تحقيق محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٢١ هـ.\n٦٩ - أحكام القرآن: أحمد بن علي الجصاص، تحقيق محمد الصادق القحاوي، دار إحياء التراث، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n٧٠ - أحكام القرآن: محمد بن عبد الله بن العربي، تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١.\n٧١ - الإحكام في أصول الأحكام، علي بن محمد الآمدي: تحقيق عبد الرزاق عفيفي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٢، ١٤٠٢ هـ.\n٧٢ - إحياء علوم الدين: محمد بن محمد بن محمد الغزالي، دار عالم الكتب.\n٧٣ - أخبار الآحاد في الحديث النبوي: د. عبد الله بن جبرين.\n٧٤ - آداب الشافعي ومناقبه، عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي: تحقيق عبد الغني عبد الخالق، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٧٥ - الآداب الشرعية: محمد بن مفلح الحنبلي، مطبعة المنار، مصر، ط: ١، ١٣٤٩ هـ.","vol":"1","page":765},{"text":"٧٦ - أدلة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول ﵊: علي بن سلطان القاري، ت. مشهور بن حسن بن سلمان، مكتبة الغرباء الأثرية المدينة، ط: ١، ١٤١٣ هـ.\n٧٧ - الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة، صديق حسن خان: تحقيق بسام عبد الوهاب الجابي، دار ابن حزم، بيروت، ط: ١، ١٤٢١ هـ.\n٧٨ - الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار: يحيى بن شرف الدين النووي، دار الدعوة، إستانبول.\n٧٩ - الأربعين في أصول الدين، لأبي حامد الغزالي: تحقيق محمد مصطفى أبي العلا، مكتبة الجندي، مصر، ١٣٩٠ هـ.\n٨٠ - الأربعين في أصول الدين، محمد بن عمر الرازي: تحقيق د. أحمد حجازي السقا، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ط: ١، ١٤٠٦ هـ.\n٨١ - الأربعين في صفات رب العالمين، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي: ت. عبد القادر بن محمد عطا صوفي، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط: ١، ١٤١٣ هـ.\n٨٢ - الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، عبد الملك الجويني: تحقيق أسعد تميم، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط: ٢، ١٤١٣ هـ.\n٨٣ - إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري: لأحمد بن محمد القسطلاني، دار الفكر، بيروت.\n٨٤ - إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي - ﷺ -، محمد بن علي الشوكاني: تحقيق مشهور حسن سلمان، دار المنار، الرياض، ط: ١، ١٤١٣ هـ.\n٨٥ - إرشاد ذوي العرفان لما للعمر من الزيادة والنقصان، لمرعي بن يوسف المكرمي الحنبلي: تحقيق مشهور حسن، دار عمار، الأردن، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٨٦ - الإرشاد في معرفة الأحكام: عبد الرحمن بن ناصر السعدي، مكتبة المعارف، الرياض، ١٤٠٠ هـ.\n٨٧ - إرغام المريد: محمد زاهد الكوثري، مكتبة الكليات الأزهرية، مصر.\n٨٨ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٢، ١٤٠٥ هـ.\n٨٩ - أساس التقديس في علم الكلام: محمد بن عمر بن الحسين، الرازي، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n٩٠ - الأسامي والكنى: محمد بن أحمد الحاكم، تحقيق د. يوسف الدخيل، مكتبة الغرباء، المدينة النبوية، ط: ١، ١٤١٤ هـ.","vol":"1","page":766},{"text":"٩١ - أسانيد الفقيه أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي: محمد ياسين الفاداني، دار البشائر، بيروت، ١٤٠٨ هـ.\n٩٢ - أسباب النزول، علي بن أحمد الواحدي: تحقيق د. السيد الجميلي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط: ٣، ١٤١٠ هـ.\n٩٣ - الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة، علي بن سلطان القاري: تحقيق د. محمد لطفي الصباغ، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٢، ١٤٠٦ هـ.\n٩٤ - أسماء الله الحسنى: عبد الله بن صالح الغصن، دار الوطن، الرياض، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n٩٥ - الأسماء والصفات: أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق عبد الله الحاشدي، مكتبة السوادي، ط: ١، ١٤١٣ هـ.\n٩٦ - الأسنة الحداد في رد شبهات علوي الحداد: سليمان بن سحمان، مطابع الرياض، ١٣٧٦ هـ.\n٩٧ - أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب: محمد الحوت البيروتي، دار الفكر، بيروت، ١٣٥٥ هـ.\n٩٨ - إشارات المرام من عبارات الإمام، أحمد البياضي الحنفي: تحقيق يوسف عبد الرزاق، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، ط: ١، ١٣٦٨ هـ.\n٩٩ - الإشاعة لأشراط الساعة، محمد بن الحسين البرزنجي: تحقيق موفق فوزي الجبر، دار الهجرة، بيروت، ط: ١، ١٤١٤ هـ.\n١٠٠ - الأشباه والنظائر في قواعد وفروع الشافعية: جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، طبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه.\n١٠١ - أشراط الساعة: يوسف بن عبد الله الوابل، دار ابن الجوزي، الدمام، ط: ٣، ١٤١٤ هـ.\n١٠٢ - الإصابة في تمييز الصحابة، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وآخر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n١٠٣ - أصول الدين: عبد القاهر بن طاهر البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ٣، ١٤٠١ هـ.\n١٠٤ - أصول الدين: لأبي اليسر البزدوي، تحقيق د. هانز بيترلنس، طبعة مصطفى الحلبي، مصر، ط: ١، ١٣٨٣ هـ.\n١٠٥ - أصول السنة، محمد بن عبد الله بن أبي زمنين: تحقيق عبد الله بن محمد البخاري، مكتبة الغرباء، المدينة المنورة، ط: ١، ١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":767},{"text":"١٠٦ - أصول الكافي: محمد بن يعقوب الكليني، تحقيق علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط: ٣، ١٣٨٨ هـ.\n١٠٧ - إضاءة الدلجة: أحمد المقرئ المغربي، مكتبة القاهرة، مصر ١٣٧٤ هـ.\n١٠٨ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ١٤١٣ هـ.\n١٠٩ - إعجاز القرآن الكريم بين الإمام السيوطي والعلماء، دراسة نقدية مقارنة: محمد بن حسن بن عقيل موسى، دار الأندلس الخضراء، جدة، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n١١٠ - إعجاز القرآن: محمد بن الطيب الباقلاني، تحقيق السيد أحمد صقر، دار المعارف، مصر، ط: ٣.\n١١١ - إعراب لا إله إلا الله: ابن هشام الأنصاري، تحقيق د. حسن موسى الشاعر، مطبوع ضمن مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، العدوان (٨١ - ٨٢) سنة ١٤٠٩ هـ.\n١١٢ - أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري: سليمان بن حمد الخطابي، ت. د. محمد بن سعد آل سعود، مركز إحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى، ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n١١٣ - أعلام العراق: محمد بهجت الأثري، طبع بمصر، سنة ١٣٤٥ هـ.\n١١٤ - إعلام المسلمين بعصمة النبيين: إسحاق بن عقيل المكي، دار ابن حزم، بيروت، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n١١٥ - أعلام النبوة، لعلي بن محمد الماوردي: تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط: ١، ١٤٠٧ هـ.\n١١٦ - الإعلام بأعلام بيت الله الحرام: محمد بن أحمد الهروالي، تحقيق هشام عطا، المكتبة التجارية، مكة، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n١١٧ - الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإثبات نبوة سيدنا محمد ﵊، القرطبي: ت. أحمد السقا حجازي، دار التراث العربي، القاهرة.\n١١٨ - الأعلام: خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٩٠ م.\n١١٩ - إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان: محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق محمد حامد الفقي، مكتبة الرياض الحديثة.\n١٢٠ - أفعال العباد بين أهل السنة ومخالفيهم: عبد العزيز الحميدي، رسالة ماجستير بقسم العقيدة بالجامعة الإسلامية، سنة ١٤١١ هـ.","vol":"1","page":768},{"text":"١٢١ - أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات، مرعي بن يوسف الكرمي: تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n١٢٢ - إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة، صديق حسن خان: تحقيق مجموعة من الأساتذة، ط: ١، ١٤١١ هـ.\n١٢٣ - إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم: الأبي، مكتبة طبرية، الرياض.\n١٢٤ - إلقام الحجر لمن زكى ساب أبي بكر وعمر، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي: تحقيق مرزوق علي إبراهيم، توزيع دار اللواء، القاهرة، ط: ١، ١٤١١ هـ.\n١٢٥ - الأم: محمد بن إدريس الشافعي، مصورة من الطبعة الأميرية ببولاق، ١٣٢١ هـ.\n١٢٦ - الإمامة والرد على الرافضة، لأبي نعيم الأصبهانيّ: تحقيق د. علي بن محمد الفقيهي، مكتبة العلوم والحكم، المدينة، ط: ٣، ١٤١٥ هـ.\n١٢٧ - الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي: تحقيق مشهور حسن سلمان، دار ابن القيم، الدمام، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n١٢٨ - إنباء الغمر بأبناء العمر: أحمد بن علي بن حجر، دار الكتب العلمية، بيروت، مصورة عن طبعة دائرة المعارف العثمانية، ط: ٢، ١٤٠٦ هـ.\n١٢٩ - الإنسان الكامل في معرفة الأوائل والأواخر: عبد الكريم الجليلي، دار الفكر، بيروت، ط: ٤، ١٣٩٥ هـ.\n١٣٠ - الإنصاف في حقيقة الأولياء وما لهم من الكرامات والألطاف، محمد بن إسماعيل الصنعاني: تحقيق د. عبد الرزاق البدر، مطابع الجامعة الإسلامية بالمدينة، ط: ١، ١٤٢١ هـ.\n١٣١ - الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف: لأبي بكر الجزائري، مطابع الرشيد، المدينة النبوية، ١٤٠٢ هـ.\n١٣٢ - الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به: محمد بن الطيب الباقلاني، تحقيق محمد زاهد الكوثري، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط: ٣، ١٤١٣ هـ.\n١٣٣ - الإنصاف لمعرفة الراجح من الخلاف: علي بن سليمان المرداوي، مكتبة السنة المحمدية، مصر، ط: ١، ١٣٧٤ هـ.\n١٣٤ - إنقاذ البشر والجبر والقدر: علي بن الحسين الكاظم المرتضى، (مطبوع ضمن رسائل العدل).\n١٣٥ - الأنوار القدسية في بيان قواعد الصوفية: عبد الوهاب الشعراني، دار صادر، بيروت، ط: ١، ١٩٩٩ م.","vol":"1","page":769},{"text":"١٣٦ - أهوال أهل القبور وأحوال أهلها إلى النشور، لعبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي: تحقيق الداني منير آل زهوي، المكتبة العصرية، بيروت، ١٤٢٣ هـ، دون ذكر الطبعة.\n١٣٧ - أوائل المقالات: المفيد بن محمد بن النعمان، دار الكتاب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٣ هـ.\n١٣٨ - أوضح الإشارة في الرد على من أجاز الممنوع من الزيارة: أحمد بن يحيى النجمي، مكتبة الغرباء، المدينة النبوية، ط: ٢، ١٤١٩ هـ.\n١٣٩ - إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون: إسماعيل باشا البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، مصورة عن طبعة إسطنبول، سنة ١٩٤٥ م.\n١٤٠ - إيضاح في علوم البلاغة للخطيب القزويني، شرح وتعليق محمد عبد المنعم خفاجي، مكتبة الكليات الأزهرية.\n١٤١ - إيقاظ الفكرة لمراجعة الفطرة، لمحمد بن إسماعيل الصنعاني: تحقيق د. عبد الله شاكر الجندي، دار الأندلس، حائل، ط: ١، ١٤١٤ هـ.\n١٤٢ - الإيمان: ابن مندة، تحقيق د. علي محمد فقيهي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ٢، ١٤٠٦ هـ.\n١٤٣ - الإيمان، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية: تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٣، ١٤٠٨ هـ.\n١٤٤ - ابن حجر الهيتمي المكي وجهوده في الكتابة التاريخية: د. لمياء أحمد شافعي، مكتبة ومطبعة الغد، مصر، ط: ١، ١٤١٨ هـ.\n١٤٥ - ابن حجر الهيتمي حياته وآثاره: إبراهيم بن حسن السكجي، رسالة دكتوراه مقدمة إلى المعهد الأعلى للشريعة بجامعة الزيتونة بتونس.\n١٤٦ - ابن حجر الهيتمي: عبد المعز بن عبد الحميد الجزار، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، ١٤٠١ هـ.\n١٤٧ - إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة: حمود بن عبد الله التويجري، دار الصميعي، الرياض، ط: ٢، ١٤١٤ هـ.\n١٤٨ - اجتماع الجيوش الإسلامية: محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق د. عواد المعتق، دار الفرزدق، الرياض، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n١٤٩ - الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر: حمود بن عبد الله التويجري، مكتبة دار العليان، ط: ٢، ١٤٠٦ هـ.\n١٥٠ - اختصار علوم الحديث، الحافظ أبو الفداء ابن كثير مع شرح الشيخ أحمد شاكر المسمى الباعث الحثيث: تحقيق علي بن حسن بن علي الحلبي، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":770},{"text":"١٥١ - اختلاف الحديث: محمد بن إدرشى الشافعي، (مطبوع بحاشية الأم له).\n١٥٢ - الاختيارات الفقهية من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: اختارها علي بن محمد البعلي، دار المعرفة، بيروت.\n١٥٣ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار: يوسف بن عبد الله بن عبد البر، تحقيق عبد المعطي قلعجي، دار قتيبة، بيروت، ط: ١، ١٤١٣ هـ.\n١٥٤ - الاستغاثة والرد على البكري، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية: تحقيق عبد الله السهلي، دار الوطن، الرياض، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n١٥٥ - الاستقامة، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية: تحقيق د. محمد رشاد سالم، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط: ٢، ١٤١١ هـ.\n١٥٦ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب: يوسف بن عبد الله بن عبد البر، تحقيق علي محمد معوض وآخر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n١٥٧ - اسم الله الأعظم: د. عبد الله بن عمر الدميجي، دار الوطن، الرياض، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n١٥٨ - اشتقاق أسماء الله تعالى: للزجاجي، تحقيق د. عبد الحسين المبارك، مطبعة النعمان، ١٣٩٤ هـ.\n١٥٩ - الاعتصام: إبراهيم بن موسى الشاطبي، تحقيق محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، ١٤٠٢ هـ.\n١٦٠ - اعتقاد أئمة الحديث: أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، تحقيق د. محمد الخميس، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n١٦١ - اعتقاد الإمام الشافعي: علي بن أحمد الهكاري، تحقيق د. عبد الله البراك، دار الوطن، الرياض، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n١٦٢ - اعتقادات فرق المسلمين والمشركين: محمد بن عمر الرازي، تحقيق طه عبد الرؤوف وآخر، مكتبة الكليات الأزهرية، مصر، ١٣٩٨ هـ.\n١٦٣ - الاقتصاد في الاعتقاد: محمد بن محمد الغزالي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n١٦٤ - الاقتصاد في الرد على المعتزلة، يحي بن أبي الخير العمراني: تحقيق د. سعود بن عبد العزيز الخلف، دار أضواء السلف، الرياض، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n١٦٥ - الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد: محمد بن الحسن الطوسي، مكتبة الأضواء، بيروت، ط: ٢، ١٩٨٦ م.\n١٦٦ - اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، أحمد عبد الحليم بن تيمية: تحقيق د. ناصر عبد الكريم العقل، مكتبة الرشد، الرياض، ط: ٢، ١٤١١ هـ.","vol":"1","page":771},{"text":"١٦٧ - الانتصار لأهل الحديث: لأبي المظفر السمعاني، (مطبوع ضمن صون المنطق للسيوطي)، تحقيق علي سامي النشار، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٦٨ - الانتصار لحزب الله الموحدين: عبد الله أبا بطين، تحقيق عبد السلام آل عبد الكريم، دار العاصمة، الرياض، ط: ١.\n١٦٩ - الانتصاف المحلى بطراز حواشي الكشاف: أحمد بن محمده بن المنير، (مطبوع بحاشية الكشاف).\n١٧٠ - الانتقاء في فضل الثلاثة الفقهاء: لأبي عمر يوسف بن عبد البر، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٧١ - الباعث على إنكار البدع والحوادث، عبد الرحمن إسماعيل الشافعي المعروف بأبي شامة: تحقيق مشهور حسن سلمان، دار الراية، الرياض، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n١٧٢ - بحث في الدعاء لا ينافي سبق القضاء: لمحمد بن علي الشوكاني، (مطبوع ضمن الفتح الرباني).\n١٧٣ - بحر الكلام: أبو المعين النسفي، مطبعة الكردي، القاهرة، ١٩١١ م.\n١٧٤ - بحر المحيط في أصول الفقه: محمد بن بهادر الزركشي، تحقيق عبد القادر العاني، وزارة الأوقاف، الكويت، ط: ٢، ١٤١٣ هـ.\n١٧٥ - بدائع الزهور في وقائع الدهور: محمد بن أحمد الحنفي، تحقيق محمد مصطفى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٤٠٢ هـ.\n١٧٦ - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: مسعود بن أحمد الكاساني، دار الكتاب العربي، بيروت، ط: ٢، ١٩٨٢ م.\n١٧٧ - بدائع الفوائد: محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، دار الكتاب العربي، بيروت.\n١٧٨ - البداية والنهاية: لأبي الفداء إسماعيل بن كثير، مكتبة المعارف، بيروت، ط: ١.\n١٧٩ - البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن التاسع: محمد بن علي الشوكاني، دار المعرفة، بيروت، ط: ١، ١٣٤٨ هـ.\n١٨٠ - البدعة والمصالح المرسلة: د. توفيق الواعي، دار التراث، الكويت، ط: ١، ١٤٠٤ هـ.\n١٨١ - البدور السافرة في أمور الآخرة: جلال الدين السيوطي، تحقيق مصطفى عاشور، مكتبة القرآن، القاهرة.\n١٨٢ - براءة الأئمة الأربعة من مسائل المتكلمين المبتدعة، د. عبد العزيز بن أحمد الحميدي، دار ابن عفان، القاهرة، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.","vol":"1","page":772},{"text":"١٨٣ - بردة المديح: محمد البوصيري، المكتبة الثقافية، بيروت.\n١٨٤ - برق اليماني في الفتح العثماني: محمد بن علاء الدين النهروالي، تحقيق حمد الجاسر، دار اليمامة، الرياض، ١٣٨٧ هـ.\n١٨٥ - برهان الكاشف عن إعجاز القرآن: عبد الواحد الزملكاني، تحقيق د. أحمد فطلوب وآخر، مطبعة المعاني، بغداد، ط: ١، ١٣٩٤ هـ.\n١٨٦ - البرهان في أصول الفقه، أبو المعالي الجويني: تحقيق عبد العظيم الديب، الدوحة الحديثة، قطر، ١٩٨٠ م.\n١٨٧ - البرهان في بيان القرآن، عبد الله بن أحمد بن قدامة: ت. د. سعود بن عبد الله الفنيسان، دار إشبيليا، الرياض، ط: ١، ١٤١٨ هـ.\n١٨٨ - البرهان في عقائد أهل الأديان: عباس بن منصور السكسكي، تحقيق د. بسام علي العموش، مكتبة المنار، الأردن، ط: ٢، ١٤١٧ هـ.\n١٨٩ - البرهان في علوم القرآن، محمد بن عبد الله الزركشي: تحقيق د. يوسف المرعشلي وآخرين، دار المعرفة، بيروت، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n١٩٠ - البعث والنشور: أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق محمد السعيد بن بسيوني، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n١٩١ - بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة: ابن تيمية، تحقيق د. موسى الدويش، مكتبة العلوم والحكم، ط: ٣، ١٤١٥ هـ.\n١٩٢ - بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب: محمود شكري الألوسي، تحقيق محمد بهجة البيطار، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ٢.\n١٩٣ - البناء على القبور: عبد الرحمن المعلمي، تحقيق حاكم المطيري، دار أطلس، الرياض، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n١٩٤ - بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما لها وما عليها شرح مختصر صحيح البخاري: عبد الله بن أبي حمزة الأندلسي، دار الجيل، بيروت، ط: ٢، ١٩٧٢ م.\n١٩٥ - البوصيري مادح الرسول الأعظم: عبد المتعال الحمامصي، مكتبة الهداية، ط: ٢، ١٤١٣ هـ.\n١٩٦ - بيان إعجاز القرآن: حمد بن محمد الخطابي، (مطبوع ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن)، تحقيق د. محمد خلف الله وآخر، دار المعارف، القاهرة، ط: ٤.\n١٩٧ - البيان المبدي لشناعة القول المجدي: سليمان بن سحمان، مطبعة القرآن والسنة، الهند.","vol":"1","page":773},{"text":"١٩٨ - بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية: ابن تيمية، تحقيق أحمد معاذ حقي، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في العقيدة والمذاهب المعاصرة، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\n١٩٩ - بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية: ابن تيمية، تحقيق محمد اللاحم، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في العقيدة والمذاهب المعاصرة، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\n٢٠٠ - البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل والكهانة والسحر: محمد بن الطيب الباقلاني، تحقيق رتشرد يوسف اليسوعي.\n٢٠١ - البيان والتحصيل: ابن رشد، تحقيق د. محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، ط: ٢، ١٤٠٨ هـ.\n٢٠٢ - تأسيس التقديس في كشف شبهات داود بن جريس: عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، دار إحياء الكتب، مصر، ١٣٤٤ هـ.\n٢٠٣ - تأويل الأحاديث الموهمة للتشبيه: جلال الدين السيوطي، تحقيق البسيوني مصطفى، دار الشروق، جدة، ط: ١، ١٣٩٩ هـ.\n٢٠٤ - تأويل مختلف الحديث: عبد الله بن مسلم بن قتيبة، تصحيح محمد زهري النجار، دار الجيل، بيروت، ١٣٩٣ هـ.\n٢٠٥ - تأويل مشكل القرآن: عبد الله بن مسلم بن قتيبة، تحقيق أحمد صقر، دار التراث، القاهرة، ط: ٢، ١٣٩٣ هـ.\n٢٠٦ - تاج التراجم: زين الدين قاسم بن قطلوبغا، طبعة باكستان، كراتشي، ط: ٢، ١٤٠١ هـ.\n٢٠٧ - تاج العروس من جواهر القاموس: محمد بن محمد الزبيدي، المطبعة الخيرية، القاهرة، ١٣٠٦ هـ.\n٢٠٨ - تاريخ أمراء مكة المكرمة: عارف عبد الغني، دار البشائر، بيروت، ط: ١، ١٤١٣ هـ.\n٢٠٩ - تاريخ الجبرتي: (عجائب الآثار): عبد الرحمن الجبرتي المصري، دار الجيل، بيروت.\n٢١٠ - تاريخ الدولة العثمانية العلية: إبراهيم بيك حليم، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٢١١ - تاريخ الدولة العثمانية وعلاقاتها الخارجية: د. علي حسون، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ١، ١٤٠٠ هـ.","vol":"1","page":774},{"text":"٢١٢ - تاريخ الدولة العلية العثمانية: محمد فريد بك، تحقيق د. إحسان حقي، دار النفائس، بيروت، ١٤٠٣ هـ.\n٢١٣ - تاريخ الشحر وأخبار القرن العاشر، محمد بن عمر الطيب بافقيه: تحقيق عبد الله الحبشي، عالم الكتب، بيروت، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٢١٤ - التاريخ الكبير: محمد بن إسماعيل البخاري، دار الفكر، بيروت.\n٢١٥ - التاريخ والمؤرخون بمكة من القرن الثالث الهجري إلى القرن الثالث عشر: محمد الحبيب الهيلة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٤١٥ هـ.\n٢١٦ - التبر المسبوك في ذيل السلوك: محمد بن عبد الرحمن السخاوي، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة.\n٢١٧ - تبرئة السلف من تفويض الخلف: محمد بن إبراهيم اللحيدان، دار الكتاب والسنة، الرياض، ط: ١، ١٤١٣ هـ.\n٢١٨ - التبصرة والتذكرة في شرح ألفية العراقي: عبد الرحيم بن الحسين العراقي، دار الباز، مكة المكرمة.\n٢١٩ - التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين: أبو المظفر الإسفراييني، تحقيق محمد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية، مصر، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٢٢٠ - التبصير في معالم الدين: محمد بن جرير الطبري، تحقيق علي الشبل، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n٢٢١ - التبيان في أقسام القرآن: محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، دار الفكر.\n٢٢٢ - التبيان في تفسير القرآن: محمد بن الحسن الطوسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٢٢٣ - التبيان في علم البيان: شرف الدين الطيبي، تحقيق هادي عطية، عالم الكتب، بيروت، ط: ١، ١٤٠٧ هـ.\n٢٢٤ - التبيهات اللطيفة على ما احتوت عليه العقيدة الواسطية من المباحث المنيفة، عبد الرحمن بن ناصر السعدي: علي حسن، دار ابن القيم، الدمام، ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n٢٢٥ - تجريد التوحيد المفيد: أحمد بن علي المقريزي، تحقيق علي بن محمد العمران، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n٢٢٦ - التحديث بما قيل لا يصح فيه حديث: د. بكر أبو زيد، دار الهجرة، الثقبة، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n٢٢٧ - تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٤، ١٤٠٣ هـ.","vol":"1","page":775},{"text":"٢٢٨ - التحذير من القول بحياة الخضر: محمد بن إبراهيم اللحيدان، دار الكتاب والسنة، ط: ١، ١٤١٣ هـ.\n٢٢٩ - تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام، بدر الدين بن جماعة: تحقيق د. فؤاد عبد المنعم أحمد، طبعة رئاسة المحاكم الشرعية بقطر، ط: ٢، ١٤٠٧ هـ.\n٢٣٠ - تحرير المقال والبيان في الكلام على الميزان: السخاوي، تحقيق بدر العماش، منشور ضمن مجلة البحوث الإسلامية الصادرة عن الرئاسة العامة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية العدد (٥٦).\n٢٣١ - تحريم الغناء والسماع، محمد الطرطوشي: تحقيق عبد المجيد تركي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط: ١، ١٩٩٧ م.\n٢٣٢ - تحريم النظر في كتب الكلام: ابن قدامة المقدسي، تحقيق عبد الرحمن دمشقية، عالم الكتب، الرياض، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n٢٣٣ - تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي، محمد عبد الرحمن المباركفوري: تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، مكتبة ابن تميمة، القاهرة، ١٤١٢ هـ.\n٢٣٤ - تحفة الجلساء برؤية الله للنساء: جلال الدين السيوطي، (مطبوع ضمن الحاوي للفتاوي).\n٢٣٥ - تحفة الطالب والجليس في كشف شبهات داود بن جرجيس: عبد الله أبابطين، تحقيق عبد السلام آل عبد الكريم، دار العاصمة، الرياض، ط: ٢، ١٤١٠ هـ.\n٢٣٦ - تحفة المحتاج بشرح المنهاج: تحقيق عبد الله بن محمود محمد عمر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤٢١ هـ.\n٢٣٧ - تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد: إبراهيم بن محمد البيجوري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤٠٣ هـ.\n٢٣٨ - تحفة المودود: محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، دار عالم الكتب، الرياض، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n٢٣٩ - تحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان: مرعي الكرمي الحنبلي، تحقيق مشهور حسن سلمان، دار ابن القيم، الدمام.\n٢٤٠ - تحقيق القول بالعمل بالحديث الضعيف: د. عبد العزيز العثيم، دار الهجرة ط: ٢، ١٤١٢ هـ.\n٢٤١ - تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة، خليل بن كيكلدي العلائي: تحقيق د. عبد الرحيم القشقري، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n٢٤٢ - تخريج أحاديث الإحياء: للعراقي، (مطبوع بحاشية الإحياء).","vol":"1","page":776},{"text":"٢٤٣ - التخويف من النار والتعريف بحال أهل البوار: عبد الرحمن بن رجب الحنبلي، تحقيق بشير محمد عيون، مكتبة المؤيد، بيروت، ط: ٢، ١٤٠٩ هـ.\n٢٤٤ - التدليس في الحديث:، د. مسفر غرم الله الدميني، دون ذكر الناشر، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n٢٤٥ - تذكرة الحفاظ: محمد بن أحمد الذهبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، مصورة عن طبعة دائرة المعارف العثمانية، ط: ٤، ١٣٨٨ هـ.\n٢٤٦ - التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة لمحمد أبي بكر بن فرج القرطبي: تحقيق محمود بن منصور البسطويسي، دار البخاري، المدينة المنورة، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n٢٤٧ - الترغيب في الدعاء والحث عليه، لعبد الغني بن عبد الواحد المقدسي: تحقيق محمد بن حسن، ط: ١، ١٤١١ هـ.\n٢٤٨ - الترغيب والترهيب: للمنذري، تحقيق محمد خليل هراس، مكتبة الجمهورية العربية، القاهرة، ١٣٨٩ هـ.\n٢٤٩ - التسعينية، لشيخ الإسلام بن تيمية: تحقيق د. محمد بن إبراهيم العجلان، مكتبة المعارف، الرياض، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.\n٢٥٠ - التصديق بالنظر إلى الله تعالى في الآخرة، لأبي بكر محمد بن الحسين الآجري: تحقيق سمير أمين الزهيري، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٢٥١ - التصريح بما تواتر من نزول المسيح: محمد أنور الكشميري، تحقيق عبد الفتاح أبي غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط: ٣، ١٤٠١ هـ.\n٢٥٢ - التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق: زكي مبارك، دار الجيل، بيروت.\n٢٥٣ - تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: تحقيق إكرام الله إمداد الحق، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n٢٥٤ - التعرف لمذهب أهل التصوف: للكلاباذي، تحقيق عبد الحليم محمود وآخر، دار الإيمان، دمشق، ط: ١، ١٤٠٧ هـ.\n٢٥٥ - تعريف أهل الإيمان بصحة حديث صورة الرحمن: حماد بن محمد الأنصاري، مقال منشور بمجلة الجامعة السلفية بالهند، المجلد الثامن، العدد الرابع، سنة ١٣٩٦ هـ.\n٢٥٦ - تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: تحقيق د. أحمد سير مباركي، ط: ٢، ١٤١٤ هـ.","vol":"1","page":777},{"text":"٢٥٧ - التعريفات، علي بن محمد الجرجاني: تحقيق جماعة من العلماء، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤٠٣ هـ.\n٢٥٨ - تعظيم قدر الصلاة، محمد بن نصر المروزي: تحقيق د. عبد الرحمن الفريوائي، مكتبة الدار، المدينة المنورة، ط: ١، ١٤٠٦ هـ.\n٢٥٩ - تغليق التعلق على صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر: تحقيق سعيد القزقي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ١، ١٤٠٥ هـ.\n٢٦٠ - تفسير أبي السعود: (إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم) لأبي السعود العمادي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٢٦١ - تفسير آيات أشكلت: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق عبد العزيز الخليفة، مكتبة الرشد، الرياض، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n٢٦٢ - تفسير ابن أبي حاتم (تفسير القرآن العظيم مسندًا عن رسول الله والصحابة والتابعين): تحقيق أسعد محمد الطيب، مكتبة نزار الباز، مكة المكرمة، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n٢٦٣ - تفسير الرازي (مفاتيح الغيب): محمد بن عمر الرازي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ٢.\n٢٦٤ - تفسير الطبري (جامع البيان في تأويل القرآن): محمد بن جرير الطبري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n٢٦٥ - تفسير القرآن العظيم: إسماعيل بن كثير القرشي، دار الخير، بيروت، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n٢٦٦ - تفسير القرآن العظيم، محمد بن عبد الله بن أبي زمنين: تحقيق حسين بن عكاشة وآخر، دار الفاروق الحديثة، القاهرة، ط: ١، ١٤٢٣ هـ.\n٢٦٧ - تفسير القرآن، منصور بن محمد السمعاني: تحقيق ياسر إبراهيم وآخر، دار الون، الرياض، ط: ١، ١٤١٨ هـ.\n٢٦٨ - تفسير القرطبي، محمد بن أحمد القرطبي، تصحيح أحمد البردوني، ط: ٢.\n٢٦٩ - تفسير سورة النور: محمد الأمين الشنقيطى، عناية عبد الله الأهدل، دار المجتمع، جدة، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n٢٧٠ - تفسير غريب القرآن: ابن قتيبة، تحقيق السيد أحمد صقر، دار إحياء الكتب العربية، مصر، ١٣٧٨ هـ.\n٢٧١ - تقريب التدمرية: محمد بن صالح العثيمين، مكتبة السنة، مصر، ط: ١، ١٤١٣ هـ.\n٢٧٢ - تقريب التهذيب: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: تحقيق صغير الباكستانين دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤١٦ هـ.","vol":"1","page":778},{"text":"٢٧٣ - تلخيص المحصل: نصير الدين الطوسي، تحقيق طه عبد الرؤوف، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة.\n٢٧٤ - التلخيص في علوم البلاغة: محمد بن عبد الرحمن القزويني، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٧٥ - تلخيص كتاب الاستغاثة بالمعروف بالرد على البكري، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية: تحقيق محمد بن علي عجال، مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة، ط: ١، ١٤١٧ هـ، وأخرى مطبوعة بدار أطلس، الرياض، ١٤١٧ هـ.\n٢٧٦ - التلطف في الوصول إلى التعرف: محمد بن علي بن علان، مطبعة الترقي الماجدية، ط: ١، ١٣٣٠ هـ\n٢٧٧ - التمسك بالسنن والتحذير من البدع، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي: تحقيق د. محمد باكريم محمد باعبد الله، مطبوع ضمن مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، العدد (١٠٣ - ١٠٤) ١٤١٦ هـ.\n٢٧٨ - تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، محمد بن الطيب الباقلاني: تحقيق عماد الدين أحمد حيدر، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط: ٣، ١٤١٤ هـ.\n٢٧٩ - التمهيد في أصول الدين: لأبي المعين النسفي، تحقيق د. عبد الحي قابيل، دار الثقافة، القاهرة، ١٤٠٧ هـ.\n٢٨٠ - التمهيد في أصول الفقه: محفوظ بن أحمد أبي الخطاب الكلوذاني، تحقيق أبي عمشة، مركز إحياء التراث بجامعة أم القرى.\n٢٨١ - التمهيد في الكلام على التوحيد: يوسف بن عبد الهادي، تحقيق د. محمد بن عبد الله السمهري، مكتبة بلنسية، الرياض، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n٢٨٢ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، يوسف بن عبد الله بن عبد البر النميري: تحقيق سعيد أحمد أعراب وآخرين، ١٣٨٧ هـ.\n٢٨٣ - تنبيه الأفاضل عما ورد في زيادة العمر ونقصانه من الدلائل، لمحمد علي الشوكاني: تحقيق مشهور حسن، دار ابن حزم، بيروت، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n٢٨٤ - تنبيه الحذاق على بطلان ما شاع بين الأنام من حديث النور المنسوب لمصنف عبد الرزاق: أحمد عبد القادر الشنقيطي، مكتبة دار اليقين، الرياض، ط: ٢، ١٤٠٢ هـ.\n٢٨٥ - تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين: أحمد بن إبراهيم بن النحاس، مكتبة الحرمين، الرياض، ط: ٢، ١٤٠٦ هـ.\n٢٨٦ - تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي: برهان الدين البقاعي، تحقيق عبد الرحمن الوكيل، طبعة الرئاسة العامة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية، ١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":779},{"text":"٢٨٧ - تنبيه الولاة والحكام على أحكام شاتم خير الأنام: محمد أمين بن عابدين، (مطبوع ضمن مجموعة رسائله)، عالم الكتب.\n٢٨٨ - التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع: محمد بن أحمد الملطي، تحقيق يمان بن سعد الدين المياديني، دار المؤتمن، الرياض، ط: ١، ١٤١٤ هـ.\n٢٨٩ - التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية: عبد العزيز الرشيد، دار الرشيد، الرياض، ط: ٢، ١٤١٦ هـ.\n٢٩٠ - التنجيم والمجمون وحكمهم في الإسلام: عبد المجيد المشعبي، مكتبة الصديق، الطائف، ط: ١، ١٤١٤ هـ.\n٢٩١ - تنزيه الأنبياء: علي بن الحسين المرتضى، دار الأضواء، بيروت، ط: ٢، ١٩٨٩ م.\n٢٩٢ - تنزيه القرآن عن المطاعن: عبد الجبار بن أحمد، دار النهضة الحديثة، بيروت.\n٢٩٣ - تنزيه خال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان من الظلم والفسق في مطالبته بدم أمير المؤمنين عثمان، محمد بن الحسين بن خلف الفراء المشهور بالقاضي أبي يعلى: تحقيق أبي عبد الله الأثري، مكتبة الرشد، الرياض، ط: ١، ١٤٢٢ هـ.\n٢٩٤ - التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل: عبد الرحمن المعلمي، تحقيق محد ناصر الدين الألباني، طبعة الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، ط: ٢، ١٤٠٣ هـ.\n٢٩٥ - تهذيب الأسماء واللغات: يحيى بن شرف الدين النووي، إدارة الطباعة المنيرية.\n٢٩٦ - تهذيب السنن، محمد بن أبي بكر الزرعي ابن القيم الجوزية: تحقيق محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت.\n٢٩٧ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال: يوسف المزي، تحقيق د. بشار عواد، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ٥، ١٤١٣ هـ.\n٢٩٨ - تهذيب اللغة، محمد بن أحمد الأزهري: تحقيق د.: رياض زكي، دار المعرفة، بيروت، ط: ١، ١٤٢٢ هـ.\n٢٩٩ - التوسط والاقتصاد في أن الكفر يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد: علوي بن عبد القادر السقاف، دار ابن القيم، الدمام، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.\n٣٠٠ - التوسل أنواعه وأحكامه: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٥، ١٤٠٦ هـ.\n٣٠١ - التوسل حكمه وأقسامه، محمد بن صالح العثيمين: إعداد علي أبي لوز، دار بن خزيمة، الرياض، ط: ١، ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":780},{"text":"٣٠٢ - التوصل إلى حقيقة التوسل المشروع والممنوع: محمد نسيب الرفاعي، ط: ٤.\n٣٠٣ - توضيح الكافية الشافية: عبد الرحمن بن ناصر السعدي، المطبعة السلفية، القاهرة ١٣٦٨ هـ.\n٣٠٤ - توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم الموسوعة بالكافية الشافية، أحمد بن إبراهيم بن عيسى: تحقيق زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٣، ١٤٠٦ هـ.\n٣٠٥ - التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق: محمد بن علي بن غريب وآخرون، مكتبة طيبة، الرياض، ط: ٢، ١٤٠٤ هـ.\n٣٠٦ - توقيف الفريقين على خلود أهل الدارين، مرعي الكرمي الحنبلي: تحقيق خليل بن عثمان الجبور السبيعي، دار ابن الحزم، بيروت، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٣٠٧ - التوقيف على مهمات التعاريف: عبد الرؤوف المناوي، تحقيق د. عبد الحميد صالح حمدان، عالم الكتب، القاهرة، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n٣٠٨ - تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد: سليمان بن عبد الله آل الشيخ، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٤، ١٤٠٠ هـ.\n٣٠٩ - الثقات، محمد بن حبان البستي، مؤسسة الكتب الثقافية، مصورة عن طبعة دائرة المعارف العثمانية بالهند، ١٣٩٩ هـ.\n٣١٠ - جامع بيان العلم وفضله: يوسف بن عبد البر النميري، دار الكتب، بيروت، مصورة عن طبعة إدارة الطباعة.\n٣١١ - جامع الأمهات: عثمان بن أبي بكر بن الحاجب، دار اليمامة للنشر، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٣١٢ - جامع العلوم والحكم: عبد الرحمن بن شهاب الدين بن رجب، تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ٣، ١٤١٢ هـ.\n٣١٣ - جامع المسائل، لأحمد بن عبد الحليم بن تيمية: تحقيق محمد عزيز شمي، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط: ١، ١٤٢٢ هـ.\n٣١٤ - الجامع في المقدمات، لأبي الوليد محمد بن رشد القرطبي: تحقيق د. المختار بن الطاهر، دار الفرقان، عمان، ط: ١، ١٤٠٥ هـ.\n٣١٥ - الجامع لشعب الإيمان: أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق عبد العلي عبد الحميد حامد، الدار السلفية، الهند، ط: ١، ١٤٠٧ هـ.\n٣١٦ - الجرح والتعديل: عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، دار الكتب العلمية، بيروت، مصورة من طبعة دار المعارف العثمانية بالهند، ط: ١.","vol":"1","page":781},{"text":"٣١٧ - جزء اتباع السنن واجتناب البدع، عبد الله بن محمد بن عبد الواحد المقدسي: تحقيق علي حسن الحلبي، دار ابن القيم، الدمام، ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n٣١٨ - جزء في أصول الدين (مسألة القرآن)، علي بن عقيل البغدادي الحنبلي: تحقيق د. سليمان بن عبد الله العمير، مكتبة دار السلام، الرياض، ط: ١، ١٤١٣ هـ.\n٣١٩ - جزء في زيارة النساء للقبور: د. بكر أبو زيد، دار العاصمة، الرياض، ط: ٢، ١٤١٥ هـ.\n٣٢٠ - جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية: تحقيق محيي الدين مستو، مكتبة دار التراث، المدينة المنورة، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٣٢١ - جلاء العينين في محاكمة الأحمدين: السيد نعمان خير الدين الشير بالألوسي البغدادي، مطبعة المدني، ١٤٠١ هـ.\n٣٢٢ - جمع الجوامع في أصول الفقه: عبد الوهاب بن علي السبكي، دار الكتب العلمية، بيروت (مصورة عن طبعة محمود أفندي سنة ١٣٣١ هـ).\n٣٢٣ - جمع الشتيت في شرح أبيات التثبيت: محمد بن إسماعيل الصنعاني، تصحيح حسن المشاط، مكتبة دار الإيمان، المدينة النبوية، ط: ٣، ١٤٠٤ هـ.\n٣٢٤ - جمع جهود الحفاظ النقلة بتواتر روايات زيادة العمر بالبر والصلة: لطفي بن محمد الصغير، دار أضواء السلف، الرياض، ط: ١، ١٤١٨ هـ.\n٣٢٥ - الجناية بالسحر حكمها وعقوبتها: عبد الرحمن الراشد، دار العاصمة، الرياض، ١٤٢٢ هـ.\n٣٢٦ - الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه: عبد الرزاق بن طاهر معاش، دار الوطن، الرياض، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n٣٢٧ - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق د. عبد العزيز بن إبراهيم العسكر وآخرَيْن، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤١٤ هـ.\n٣٢٨ - الجواهر المضية في طبقات الحنفية: للقرشي، تحقيق د. عبد الفتاح الحلو، دار هجر، القاهرة، ط: ٢، ١٤١٣ هـ.\n٣٢٩ - حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح: محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، مكتبة المدني، جدة.\n٣٣٠ - حاشية ابن عابدين، (رد المحتار على الدر المختار): محمد أمين بن عابدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n٣٣١ - حاشية البناني على شرح المحلي لجمع الجوامع: البناني، (مطبوع بحاشية جمع الجوامع).","vol":"1","page":782},{"text":"٣٣٢ - حاشية الخرشي على مختصر خليل: محمد الخرشي، دار صادر، بيروت.\n٣٣٣ - الحاوي الكبير: علي بن محمد بن حبيب الماوردي، تحقيق د. محمود مطرجي وآخرين، دار الفكر، بيروت، ط: ١، ١٤١٤ هـ.\n٣٣٤ - الحاوي للفتاوي: جلال الدين السيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٢ هـ.\n٣٣٥ - الحبائك في أخبار الملائك: جلال الدين السيوطي، تحقيق محمد السعيد بن بسيوني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ٢، ١٤٠٨ هـ.\n٣٣٦ - حجة الله على العالمين في معجزات سيد المرسلين: يوسف بن إسماعيل النبهاني، دار الفكر، بيروت، دون ذكر الطبعة، وتاريخها.\n٣٣٧ - الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة: إسماعيل بن محمد الأصبهاني، تحقيق د. محمد بن ربيع المدخلي وآخر، دار الراية، الرياض، ط: ١، ١٤١١ هـ.\n٣٣٨ - حجية خبر الواحد في العقيدة: منيرة بنت فراج العقلا، رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في العقيدة، بالرئاسة العامة لتعليم البنات.\n٣٣٩ - الحدود في الأصول، سليمان بن خلف الباجي: تحقيق نزيه حماد، مؤسسة الزعبي، بيروت، ١٣٩٢ هـ.\n٣٤٠ - الحدود في الأصول، محمد بن الحسن بن فورك: تحقيق محمد السليمان، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط: ١، ١٩٩٩ م.\n٣٤١ - الحديث الضعيف وحكم الاحتجاج به: د. عبد الكريم الخضير، دار المسلم، الرياض، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n٣٤٢ - الحذر من أمر الخضر، الملا علي بن سلطان القاري: تحقيق محمد خير رمضان يوسف، دار القلم، دمشق، ط: ١، ١٤١١ هـ.\n٣٤٣ - حقوق النبي -ﷺ- على أمته: د. محمد خليفة التميمي، دار أضواء السلف، الرياض، ط: ١، ١٤١٨ هـ.\n٣٤٤ - حقيقة التوسل والوسيلة: موسى علي محمد، عالم الكتب، ط: ٢، ١٤٠٥ هـ.\n٣٤٥ - حكاية المناظرة في القرآن مع بعض أهل البدعة، عبد الله بن أحمد بن قدامة: تحقيق عبد الله بن يوسف الجديع، مكتبة الرشد، الرياض، ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n٣٤٦ - الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى: د. محمد بن ربيع المدخلي، مكتبة لينة، مصر، ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n٣٤٧ - حلية الأولياء، وطبقات الأصفياء: أبو نعيم الأصبهاني، دار الكتاب العربي، بيروت، ط: ٣، ١٤٠٠ هـ.","vol":"1","page":783},{"text":"٣٤٨ - الحوادث والبدع، محمد بن الوليد الطرطوشي: تحقيق علي حسن الحلبي، دار ابن الجوزي، الدمام، ط: ١، ١٤١١ هـ.\n٣٤٩ - حياة الألباني وآثاره: محمد بن إبراهيم الشيباني، الدار السلفية، الكويت، ط: ١، ١٤٠٧ هـ.\n٣٥٠ - حياة الأنبياء بعد وفاتهم، أحمد بن الحسين البيهقي: تحقيق د. أحمد بن عطية الغامدي، مكتبة العلوم والحكم، المدينة، ط: ١، ١٤١٤ هـ.\n٣٥١ - الحياة البرزخية في الإسلام: د. حسين جابر موسى، دار الفتح، الشارقة، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n٣٥٢ - الحيوان: عمرو بن بحر الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط: ٢، ١٣٨٦ هـ.\n٣٥٣ - خبر الواحد وحجيته: د. أحمد الشنقيطي، طبعة عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، ط: ١، ١٤٢٤ هـ.\n٣٥٤ - خبيئة الأكوان في افتراق الأمم على المذاهب والأديان: صديق حسن خان، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤٠٥ هـ.\n٣٥٥ - الخصائص الكبرى: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤٠٥ هـ.\n٣٥٦ - خصائص المصطفى -ﷺ- بين الغلو والجفاء: الصادق بن محمد بن إبراهيم، مكتبة الرشد، الرياض، ط: ١، ١٤٢١ هـ.\n٣٥٧ - الخصائص: عثمان بن جني الموصلي.\n٣٥٨ - خطبة الحاجة التي كان رسول الله -ﷺ- يعلمها لأصحابه: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت.\n٣٥٩ - خطط المقريزية: (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار): أحمد بن علي المقريزي، دار صادر، بيروت.\n٣٦٠ - خلاصة الخبر عن بعض أعيان القرنين العاشر والحادي عشر: عمر بن علوي الكاف، دار المنهاج، ط: ١، ١٤٢٣ هـ.\n٣٦١ - خلاصة الكلام تاريخ أمراء البلد الحرام: أحمد زيني دحلان، الدار المتحدة للنشر، بيروت.\n٣٦٢ - خلق أفعال العباد، محمد بن إسماعيل البخاري: تحقيق بدر البدر، الدار السلفية، الكويت، ط: ١، ١٤٠٥ هـ.\n٣٦٣ - الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد: محمد بن علي الشوكاني، مكتبة الصحابة، الكويت.","vol":"1","page":784},{"text":"٣٦٤ - الدر النقي: يوسف بن عبد الهادي، دار المجتمع، جدة، ط: ٢.\n٣٦٥ - درء تعارض العقل والنقل، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية: تحقيق د. محمد رشاد سالم، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط: ٢، ١٤١١ هـ.\n٣٦٦ - دراسات في التصوف: إحسان إلهي ظهير، إدارة ترجمان السنة، باكستان، ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n٣٦٧ - دراسة عقدية لبعض الصفات التي يدعي أنها من باب المشاركة: د. يوسف بن محمد السعيد، بحث منشور في مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، العدد الثاني والثلاثون، ١٤٢١ هـ.\n٣٦٨ - الدرة البهية شرح العقيد التائية في حل المشكلة القدرية: عبد الرحمن بن سعدي، مكتبة المعارف، الرياض، ١٤٠٦ هـ.\n٣٦٩ - الدرة الخريدة شرح الياقوتة الفريدة: محمد النظيفي، طبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ١٣٩٢ هـ.\n٣٧٠ - الدرة فيما يجب اعتقاده: علي بن أحمد بن حزم، تحقيق د. أحمد بن ناصر الحمد وآخر، مكتبة التراث، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٣٧١ - الدرر السنية في الأجوبة النجدية: لمجموعة من أئمة الدعوة النجدية، جمع عبد الرحمن القاسم، ط: ٥، ١٤١٣ هـ.\n٣٧٢ - الدرر السنية في الرد على الوهابية: أحمد زيني دحلان، طبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط: ٢، ١٣٨٦ هـ.\n٣٧٣ - درر الفرائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة: عبد القادر الجزيري، تحقيق حمد الجاسر، مطبعة نهضة مصر، القاهرة، ١٤٠٣ هـ.\n٣٧٤ - الدرر المنثور في التفسير بالمأثور: عبد الرحمن السيوطي، دار الفكر، بيروت، ط: ١، ١٤٠٣ هـ.\n٣٧٥ - الدعاء المأثور وآدابه، محمد بن الوليد الطرطوشي: تحقيق محمد بن رضوان الداية، دار الفكر المعاصر، بيروت، ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n٣٧٦ - الدعاء لأبي القاسم بن سليمان بن أحمد الطبراني: تحقيق د. محمد بن سعيد البخاري، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط: ١، ١٤٠٧ هـ.\n٣٧٧ - الدعاء لمحمد بن فضيل الضبي: تحقيق د. عبد العزيز البعيمي، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٣٧٨ - الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية: جيلان بن خفر العروي، مكتبة الرشد، الرياض، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n٣٧٩ - الدعاء، لحسين بن إسماعيل المحاملي: تحقيق د. سعيد بن عبد الرحمن القزقي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط: ١، ١٤٩٢ هـ.","vol":"1","page":785},{"text":"٣٨٠ - دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تميمة عرض ونقد: د. عبد الله بن صالح الغصن، دار ابن الجوزي، الدمام، ط: ١، ١٤٢٤ هـ.\n٣٨١ - دفع إيهام التشبيه عن أحاديث الصفات: د. محمد بن عبد الله السمري، دار بلنسية، الرياض، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.\n٣٨٢ - دفع الشبهة والغرر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدر، لمرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي: تحقيق د. عبد الله بن سليمان الغفيلي، دار المسير، الرياض، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٣٨٣ - دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، أحمد الحسين البيهقي ت: عبد المعطي قلعجي، دار القلم، بيوت، ط: ١، ١٤٠٥ هـ.\n٣٨٤ - دلائل النبوة، قوام السنة إسماعيل بن محمد التميمي الأصبهاني: ت. مساعد بن سليمان الراشد الحميد، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n٣٨٥ - دلائل النبوة، لأبي نعيم الأصبهاني: تحقيق د. محمد رواس قلعجي وآخر، دار النفائس، ط: ٤، ١٤١٩ هـ.\n٣٨٦ - الدين الخالص: صديق حسن خان، دار التراث، القاهرة.\n٣٨٧ - الذخائر بشرح منظمة الكبائر: محمد السفاريني الحنبلي، تحقيق وليد العلي، دار البشائر، بيروت، ط: ١، ١٤٢٢ هـ.\n٣٨٨ - الذخيرة: أحمد بن إدريس القرافي، دار الغرب الإسلامي، ط: ١، ١٩٩٤ م.\n٣٨٩ - الذريعة إلى تصانيف الشيعة: الطهراني، دار الأضواء، بيروت.\n٣٩٠ - ذم التأويل، عبد الله بن أحمد بن قدامة: تحقيق بدر البدر، دار الفتح، الشارقة، ط: ١، ١٤١٤ هـ.\n٣٩١ - ذو القرنين وسد الصين: محمد راغب الطباخ، تحقيق مشهور حسن سلمان، دار غراس للنشر، الكويت، ط: ١، ١٤٢٤ هـ.\n٣٩٢ - ذيل طبقات الحفاظ: جلال الدين عبد الرحمن السيوطي.\n٣٩٣ - ذيل طبقات الحنابلة: عبد الرحمن بن رجب الحنبلي، دار المعرفة، بيروت.\n٣٩٤ - رؤية الله ﵎، لأبي محمد عبد الرحمن بن عمر النحاس: تحقيق د. علاء الدين علي رضا، دار المعراج، الرياض، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n٣٩٥ - رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها: د. أحمد بن ناصر الحمد، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الاسلامي بجامعة أم القرى، ط: ١، ١٤١١ هـ.\n٣٩٦ - رؤية النبي -ﷺ- لربه: محمد بن خليفة التميمي، أضواء السلف، الرياض، ط: ١، ١٤٢٢ هـ.","vol":"1","page":786},{"text":"٣٩٧ - الرؤية، لأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني: تحقيق إبراهيم محمد العلي وآخر، مكتبة المنار، الأردن، ط: ١، ١٤١١ هـ.\n٣٩٨ - رد الإمام الدارمي على بشر المريسي (نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد علي المريسي الجهمي العنيد)، عثمان بن سعيد الدارمي: تحقيق د. رشيد الألمعي، مكتبة الرشد، الرياض، ط: ١، ١٤١٨ هـ.\n٣٩٩ - الرد القوي على الرفاعي والمجهول وابن علوي وبيان أخطائهم في المولد النبوي: حمود بن عبد الله التويجري، دار اللواء، الرياض، ط: ١، ١٤٠٣ هـ.\n٤٠٠ - الرد على الإخنائي: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق عبد الرحمن المعلمي، الرئاسة العامة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية، ١٤٠٤ هـ.\n٤٠١ - الرد على الجهمية: الدارمي، تحقيق بدر البدر، الدار السلفية، الكويت، ط: ١، ١٤٠٥ هـ.\n٤٠٢ - الرد على الجهمية، محمد بن إسحاق بن مندة: تحقيق د. علي الفقيهي، مكتبة الغرباء، المدينة المنورة، ط: ٣، ١٤١٤ هـ.\n٤٠٣ - الرد على المنطقين: أحمد بن الحليم بن تيمية، إدارة ترجمان السنة، باكستان، ط: ٢، ١٣٩٣ هـ.\n٤٠٤ - الرد على من أنكر (ألم) حرف لينفي الألف واللام والميم عن كلام الله ﷻ، عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن مندة: تحقيق عبد الله بن يوسف الجديع، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n٤٠٥ - الرد على من أنكر الحرف والصوت، عبد الله بن سعيد السجزي: تحقيق د. محمد باكريم باعبد الله، دار الراية، الرياض، ط: ١، ١٤١٤ هـ.\n٤٠٦ - الرد على من ذهب إلى تصحيح علم الغيب من جهة الخط: محمد بن أحمد بن رشد، تحقيق مشهور حسن سلمان، دار ابن حزم، بيروت، ط: ١، ١٤١٣ هـ.\n٤٠٧ - الرد على من قال بفناء الجنة والنار وبيان الأقوال في ذلك، ابن تيمية: تحقيق د. محمد بن عبد الله السمري، دار بلنسية، الرياض، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n٤٠٨ - ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر: مقبل بن هادي الوادعي، دار الصحابة، طنطا، ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n٤٠٩ - الرسائل العشر، محمد بن الحسن الطوسي، مؤسسة النشر الإسلامي، دون ذكر الطبعة، وتاريخها.\n٤١٠ - الرسائل والمسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة: د. عبد الإله بن سلمان الأحمدي، دار الطيبة، الرياض، ط: ١، ١٤١٢ هـ.","vol":"1","page":787},{"text":"٤١١ - رسالة إلى أهل الثغر، علي بن إسماعيل الأشعري: تحقيق عبد الله شاكر الجندي، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n٤١٢ - الرسالة الشافية: عبد القاهر الجرجاني، تحقيق محمد خلف الله وآخر (مطبوع ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن)، دار المعارف، مصر، ط: ٤.\n٤١٣ - الرسالة القشيرية: عبد الكريم القشيري، تحقيق د. عبد الحليم محمود وآخر، دار المعارف، القاهرة.\n٤١٤ - الرسالة المدنية: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق د. الوليد الفريان، دار طيبة، الرياض، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٤١٥ - رسالة في السماع والرقص، محمد بن محمد المنجبي الحنبلي: تحقيق محمد صبحي حلاق، دار ابن حزم، بيروت، ط: ٢، ١٤١٧ هـ.\n٤١٦ - رسالة في القرآن وكلام الله، عبد الله بن أحمد بن قدامة: تحقيق د. يوسف بن محمد السعيد، منشورة بمجلة البحوث الإسلامية الصادرة عن إدارة البحوث العلمية والإفتاء بالمملكة، العدد (٦١)، ١٤٢١ هـ.\n٤١٧ - رسالة في حق أبوي الرسول -ﷺ-: إبراهيم الحلبي، تحقيق علي رضا، منشورة بمجلة الحكمة العدد (٢١) سنة (١٤٢١ هـ).\n٤١٨ - رسالة في ذم صلاة الرغائب، عبد العزيز عبد السلام السلامي: تحقيق إياد الطباع، دار الفكر المعاصر، بيروت، ط: ١، ١٤٢٢ هـ.\n٤١٩ - الرسالة: محمد بن إدريس الشافعي، دار المعرفة، بيروت.\n٤٢٠ - الرسالة، لشيخ الإسلام ابن تيمية: ت. د. محمد بن عودة السعوي، ط: ١، ١٤٠٥ هـ.\n٤٢١ - الرضا بالقضاء: د. سالم بن محمد القرني، بحث منشور بمجلة الدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى العدد (٢١).\n٤٢٢ - الرضا عن الله بقضائه ابن أبي الدنيا: تحقيق ضياء الدين السلفي، الدار السلفية، الهند، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n٤٢٣ - رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار، محمد بن إسماعيل الصنعاني: تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ١، ١٤٠٥ هـ.\n٤٢٤ - رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله وتحقيق معنى التوحيد والشرك بالله: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، تحقيق الداني آل زهوي، المكتبة العصرية، بيروت، ط: ١، ١٤٢٣ هـ.\n٤٢٥ - الرقى على ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة: د. علي العلياني، دار الوطن، الرياض، ط: ١، ١٤١١ هـ.","vol":"1","page":788},{"text":"٤٢٦ - الرهص والوقص لمستحل الرقص، إبراهيم بن محمد الحلبي: تحقيق د. صالح السدلان، الدار العالمية للكتاب الإسلامي، الرياض، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n٤٢٧ - الروايتان والوجهان مسائل من أصول الديانات: لأبي يعلى محمد بن الحسين الفراء، تحقيق د. سعود بن عبد العزيز الخلف، دار البخاري، المدينة المنورة، دون ذكر الطبعة وتاريخها.\n٤٢٨ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: السيد محمود الألوسي البغدادي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط: ٤، ١٤٠٥ هـ.\n٤٢٩ - الروح في الكلام على أرواح الأموات والأحياء، لابن القيم الجوزية: تحقيق د. بسام علي العموش، دار ابن تيمية، ط: ٢، ١٤١٢ هـ.\n٤٣٠ - الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام: عبد الرحمن بن أبي الحسن السهيلي، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٩ هـ.\n٤٣١ - روضة الطالبين وعمدة المفتين: يحيى بن شرف الدين النووي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٣، ١٤١٢ هـ.\n٤٣٢ - الروضة الندية، شرح العقيدة الواسطية: زيد بن عبد العزيز الفياض، دار الوطن، الرياض، ط: ٣، ١٤١٤ هـ.\n٤٣٣ - رياض الصالحين: يحيى بن شرف الدين النووي، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٣، ١٤٠٦ هـ.\n٤٣٤ - ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا، أحمد بن محمد عمر الخفاجي: تحقيق عبد الفتاح الحلو، طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، ط: ١، ١٣٨٦ هـ.\n٤٣٥ - زاد المعاد في هدي خير العباد، محمد بن أبي بكر الزرعي بن قيم الجوزية: تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ١٣، ١٤٠٦ هـ.\n٤٣٦ - الزهر النضر في حال الخضر، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: تحقيق صلاح الدين مقبول، مجموع البحوث الإسلامية، الهند، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٤٣٧ - زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه: عبد الرزاق العباد البدر، مكتبة دار القلم والكتاب، الرياض، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n٤٣٨ - سؤالات مسعود بن علي السجزي للحافظ محمد بن عبد الله الحاكم: تحقيق د. موفق عبد القادر، دار الغرب الإسلامي، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٤٣٩ - سبل السلام شرح بلوغ المرام: محمد بن إسماعيل الصنعاني، مطبعة صبيح، القاهرة.","vol":"1","page":789},{"text":"٤٤٠ - السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة: محمد بن عبد الله بن حميد، تحقيق د. بكر بن عبد الله أبي زيد، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n٤٤١ - السحر بين الحقيقة والخيال: د. أحمد بن ناصر آل حمد، مكتبة التراث، مكة المكرمة، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٤٤٢ - السحر حقيقته وحكمه والعلاج منه مع مناقشة شبهات منكري سحر النبي -ﷺ-: د. مسفر الدميني، مكتبة المغني، الرياض، ط: ٢، ١٤١٣ هـ.\n٤٤٣ - سر الفصاحة: محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٢ هـ.\n٤٤٤ - سلسلة الأحاديث الصيحة: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٤، ١٤٠٥ هـ.\n٤٤٥ - سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعية: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n٤٤٦ - سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر: محمد خليل المرادي، دار البشائر، بيروت، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٤٤٧ - السنة: أحمد بن محمد الخلال، تحقيق د. عطية الزهراني، دار الراية، الرياض، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n٤٤٨ - سنن أبي داود، لسليمان بن الأشعث الجستاني: ت. عزت الدعاس وآخرون، دار الحدي، بيروت، ط: ١، ١٣٩٤ م.\n٤٤٩ - سنن ابن ماجه، لمحمد بن يزيد القزويني: ت. محمد فؤاد عبد الباقي، دار الحديث، القاهرة.\n٤٥٠ - سنن الترمذي، لمحمد بن عيسى الترمذي: تحقيق أحمد شاكر، دار الفكر، بيروت ١٤٠٨ هـ.\n٤٥١ - السنن الكبرى: أحمد بن الحسين البيهقي، دار المعرفة، بيروت، ١٤١٣ هـ.\n٤٥٢ - السنن الكبرى، أحمد بن شعيب النسائي: تحقيق عبد الغفار البنداري وآخرين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤١١ هـ.\n٤٥٣ - سنن النسائي، لأحمد بن شعيب النسائي، ترقيم عبد الفتاح أبي غدة، دار البشائر، بيروت، ط: ٣: ١٤٠٩ هـ.\n٤٥٤ - سير أعلام النبلاء، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي: تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ٨ -، ١٤١٢ هـ.\n٤٥٥ - السيف البتار لمن سب النبي المختار -ﷺ-، عبد الله بن أحمد الغماري: تحقيق صفوة جودت أحمد، مكتبة القاهرة، ط: ١، ١٤١٧ هـ.","vol":"1","page":790},{"text":"٤٥٦ - السيف المسلول على من سب الرسول -ﷺ-، علي بن عبد الكافي السبكي: تحقيق إياد أحمد الغوج، دار الفتح، الأردن، ط: ١، ١٤٢١ هـ.\n٤٥٧ - شأن الدعاء، لمحمد بن محمد الخطابي: تحقيق أحمد يوسف الدقاق، دار المأمون للتراث، ط: ١، ١٤٠٤ هـ.\n٤٥٨ - الشامل في أصول الدين، عبد الملك بن عبد الله الجويني: تحقيق عبد الله محمد محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.\n٤٥٩ - شجرة النور الزكية في طبقات المالكية: محمد بن محمد مخلوف، مصورة عن المطبعة السلفية، القاهرة، ١٣٤٩ هـ.\n٤٦٠ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب: عبد الحي بن العماد الحنبلي، المكتب التجاري للطباعة، بيروت.\n٤٦١ - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، هبة الله بن الحسن اللالكائي: تحقيق د. أحمد سعد حمدان، دار طيبة، الرياض، ط: ٢، ١٤١١ هـ.\n٤٦٢ - شرح الأصول الخمسة، عبد الجبار بن أحمد: تحقيق د. عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، القاهرة، ط: ٣، ١٤١٦ هـ.\n٤٦٣ - شرح الزرقاني على مختصر خليل: عبد الباقي الزرقاني، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٨ هـ.\n٤٦٤ - شرح السنة: الحسن بن علي البربهاري، تحقيق خالد بن قاسم الردادي، دار السلف، الرياض، ط: ٣، ١٤٢١ هـ.\n٤٦٥ - شرح السنة، الحسين بن مسعود البغوي: تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرين، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٢، ١٤٠٣ هـ.\n٤٦٦ - شرح الصدور بتحريم رفع القبور: محمد بن علي الشوكاني، مطبوعات الجامعة الإسلامية، المدينة النبوية، ١٣٩٥ هـ.\n٤٦٧ - شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور: جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، دار المدني، جدة.\n٤٦٨ - شرح العقيدة الأصفهانية: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق حسنين محمد مخلوف، دار الكتب الإسلامية، مصر، وأخرى بتحقيق د. محمد بن عودة السعوي، وهي رسالة دكتوراه مقدمة بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة بكلية أصول الدين بجامعة الإمام.\n٤٦٩ - شرح العقيدة الطحاوية، علي بن محمد بن أبي العز الحنفي: تحقيق د. عبد الله بن عبد المحسن التركي وآخر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ٢، ١٤١٣ هـ.","vol":"1","page":791},{"text":"٤٧٠ - شرح الفقه الأكبر: الملا علي القاري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤٠٤ هـ.\n٤٧١ - شرح الكافية الشافية: محمد خليل هراس، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤٠٦ هـ.\n٤٧٢ - شرح الكوكب المنير: ابن النجار الفتوحي، تحقيق د. محمد الرحيلي وآخر، مركز البحث العلمي، دار إحياء التراث الإسلامي، ١٤٠٠ هـ.\n٤٧٣ - شرح المقاصد، مسعود بن عمر الشهير بسعد الدين التفتازاني: تحقيق د. عبد الرحمن عميرة، عالم الكتب، بيروت، ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n٤٧٤ - شرح المواقف: علي بن محمد الجرجاني، مطبعة السعادة، مصر، ط: ١، ١٣٢٥ هـ.\n٤٧٥ - شرح الموطأ: محمد بن عبد الباقي الزرقاني، طبعة مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ١٣٨١ هـ.\n٤٧٦ - شرح حديث النزل، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية: تحقيق د. محمد بن عبد الرحمن الخميس، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤١٤ هـ.\n٤٧٧ - شرح صحيح مسلم: يحي بن شرف الدين النووي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٤٧٨ - شرح علل الترمذي: عبد الرحمن بن رجب الحنبلي، تحقيق: نور الدين عتر، دار الملاح، ط: ١، ١٣٩٨ هـ.\n٤٧٩ - شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري: عبد الله بن محمد الغنيمان، مكتبة الدار، المدينة النبوية، ط: ١، ١٤٠٥ هـ.\n٤٨٠ - شرح مختصر الخرقي: محمد بن عبد الله الزركشي، تحقيق د. عبد الله بن جبرين، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n٤٨١ - شرح معاني الآثار: أحمد بن محمد الطحاوي، تحقيق محمد زهري النجار، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٣٩٩ هـ.\n٤٨٢ - شرح منتهى الإرادات: منصور البهوتي، مطبعة أنصار السنة، مصر.\n٤٨٣ - شرح نهج البلاغة، لعز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد: تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم، دار إحياء التراث العربي، ط: ٢، ١٩٦٥ م.\n٤٨٤ - الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة: ابن بطة، تحقيق رضا نعسان معطي، المكتبة الفيصلية، مكة المكرمة.\n٤٨٥ - الشريعة، محمد بن الحسين الأجري ت: د. عبد الله بن عمر الدميجي، دار الوطن، الرياض، ط: ١، ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":792},{"text":"٤٨٦ - الشفا بتعريف حقوق المصطفى: عياض بن موسى اليحصبي، ت. علي محمد البجاوي، مطبوع بمطبعة عيسى البابي الحلبي.\n٤٨٧ - شفاء السقام في زيارة خير الأنام: علي بن عبد الكافي السبكي، دار جوامع الكلم، القاهرة، ١٩٨٤ م.\n٤٨٨ - شفاء الصدور في زيارة المشاهد والقبور: مرعي الكرمي الحنبلي، تحقيق جمال حبيب صلاح، الرئاسة العامة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية، ط: ١، ١٤١٨ هـ.\n٤٨٩ - شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية: تحقيق عمر الحفيان، مكتبة العبيكان، الرياض، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.\n٤٩٠ - الشفاعة عند أهل السنة والرد على المخالفين فيها، د. ناصر بن عبد الرحمن الجديع، دار أطلس، الرياض، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n٤٩١ - الشفاعة: مقبل بن هادي الوادعي، دار الأرقم، الكويت، ط: ٢، ١٤٠٣ هـ.\n٤٩٢ - الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية، طاش كبرى زاده، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٣٩٥ هـ.\n٤٩٣ - شكاية أهل السنة: القشيري، (مطبوع ضمن طبقات الشافعية الكبرى).\n٤٩٤ - شمس المعارف الكبرى، البوني، طبعة دار شقرون، مصر.\n٤٩٥ - شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق: يوسف إسماعيل النبهاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n٤٩٦ - الشيخ حافظ بن أحمد حكمي حياته ومنهجه: د. أحمد علوش، مكتبة الرشد، الرياض، ط: ١، ١٤١٤ هـ.\n٤٩٧ - الصارم المسلول على شاتم الرسول -ﷺ-، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية: تحقيق محمد بن عبد الله الحلواني وآخر، دار رمادي للنشر، الدمام، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n٤٩٨ - الصارم المنكي في الرد على السبكي: محمد بن أحمد بن عبد الهادي، تحقيق عقيل المقطري، مؤسسة الريان، بيروت، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n٤٩٩ - الصاعقة المحرقة على المتصوفة الرافضة المتزندقة، محمد بن صفي الدين الحنفي: تحقيق عبد الرحمن دمشقية، دار عالم الكتب، الرياض، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n٥٠٠ - صب العذاب على من سب الأصحاب، محمود شكري الألوسي: تحقيق عبد الله البخاري، دار أضواء السلف، الرياض، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n٥٠١ - صبح الأعشى في صناعة الإنشا: أحمد بن علي القلقشندي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٤٠٥ هـ.","vol":"1","page":793},{"text":"٥٠٢ - الصحائف الإلهية، شمس الدين السمرقندي: تحقيق د. أحمد الشريف، مكتبة الفلاح، الكويت، ط: ١، ١٤٠٥ هـ.\n٥٠٣ - الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، إسماعيل بن حماد الجوهري: تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت، ط: ٢، ١٣٩٩ هـ.\n٥٠٤ - صحيح مسلم، لمسلم بن الحجاج النيسابوري: تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، المكتبة الإسلامية، إستانبول.\n٥٠٥ - صحيح ابن حبان، تحمد بن حبان البستي، ترتيب، علي بن بلبان القارئ: تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ٢، ١٤١٤ هـ.\n٥٠٦ - صحيح ابن خزيمة، ت: محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٢، ١٤١٢ هـ.\n٥٠٧ - صحيح البخاري، لمحمد إسماعيل البخاري: مراجعة محمد علي قطب وآخرين، المكتبة العصرية، بيروت، ١٤١٥ هـ.\n٥٠٨ - صحيح الجامع وزيادته: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٣، ١٤٠٨ هـ.\n٥٠٩ - صحيح سنن أبي داود: لمحمد ناصر الدين الألباني، مكتب التربية العربي لدول الخليج، توزيع المكتب الإسلامي، ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n٥١٠ - الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم، عبد الله بن أحمد بن قدامة: تحقيق د. محمد بن عبد الرحمن الخميس، دار الفرقان، الإمارات، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٥١١ - صراع المسلمين مع البرتغاليين في البحر الأحمر: غسان علي الرمال، مطابع دار العلم، جدة، ١٤٠٦ هـ.\n٥١٢ - الصرفة ودلالتها لدى القائلين بها ورود المعارضين لها: د. سامي عطا حسن، بحث منشور بمجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، الصادرة عن جامعة الكويت، العدد (٥١)، شوال ١٤٢٣ هـ.\n٥١٣ - صريح السنة، محمد بن جرير الطبري: تحقيق بدر المعتوق، دار الخلفاء، ط: ١، ١٤٠٥ هـ.\n٥١٤ - صفة النزول الإلهي ورد الشبهات حولها: عبد القادر بن محمد بن يحيى الجعيدي، مكتبة دار البيان الحديثة، الطائف، ط: ١، ١٤٢١ هـ.\n٥١٥ - الصفدية: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، تحقيق د. محمد رشاد سالم، دار الفضيلة، الرياض، ط: ١، ١٤٢١ هـ.\n٥١٦ - الصواعق المرسلة الشهابية على الشبهة الداحضة الشامية: سلميان بن سحمان، تحقيق عبد السلام آل عبد الكريم، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤٠٩ هـ.","vol":"1","page":794},{"text":"٥١٧ - الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، محمد بن أبي بكر بن القيم الجوزية: تحقيق د. علي الدخيل الله، دار العاصمة، الرياض، ط: ٢، ١٤١٢ هـ.\n٥١٨ - صيانة صحيح مسلم وحمايته من الإسقاط والسقط، عثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح: تحقيق موفق عبد القادر، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط: ٢، ١٤٠٨ هـ.\n٥١٩ - ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري، لأبي شامة شهاب الدين الدمشقي: تحقيق د. أحمد عبد الرحمن الشريف، دار الصحوة، القاهرة، ط: ١، ١٤٠٥ هـ.\n٥٢٠ - ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة: عبد الله بن محمد القرني، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ١، ١٤١٣ هـ.\n٥٢١ - الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق، سليمان بن سحمان: تحقيق عبد السلام آل عبد الكريم، دار العاصمة، الرياض، ط: ٤، ١٤٢١ هـ.\n٥٢٢ - طبقات الشافعية الكبرى، عبد الوهاب بن علي السبكي: تحقيق عبد الفتاح الحلو وآخرين، دار إحياء الكتب العربية.\n٥٢٣ - طبقات الشافعية: عبد الرحيم الأسنوي، تحقيق عبد الله الجبوري، دار العلوم، الرياض، ١٤٠١ هـ.\n٥٢٤ - طبقات الصوفية الكبرى: عبد الوهاب بن أحمد الشعراني، دار الفكر العربي، القاهرة.\n٥٢٥ - الطبقات الكبرى: محمد بن سعد، دار صادر، بيروت.\n٥٢٦ - طبقات المحدثين بأصبهان: لأبي الشيخ، تحقيق عبد الغفار البندري وآخر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n٥٢٧ - طريق الهجرتين وباب السعادتين: محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤٠٢ هـ.\n٥٢٨ - عارض الجهل وأثره على أحكام الاعتقاد: لأبي العلابن راشد الراشد، مكتبة الرشد، الرياض، ط: ١، ١٤٢٣ هـ.\n٥٢٩ - عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي: ابن العربي المالكي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n٥٣٠ - العبر في خبر من غبر، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي: تحقيق محمد السيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤٠٥ هـ.\n٥٣١ - العبودية: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٥، ١٣٥٩ هـ.","vol":"1","page":795},{"text":"٥٣٢ - العجاب في بيان الأسباب، أحمد بن علي بن حجر: تحقيق عبد الحكيم محمد الأنيس، دار ابن الجوزي، ط: ١، ١٤١٨ هـ.\n٥٣٣ - عجالة ذوي الانتباه في تحقيق إعراب لا إله إلا الله: للكوراني، ت. د. محمد فجال، منشور بمجلة الأحمدية العدد (٥).\n٥٣٤ - عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: د. يوسف بن محمد السعيد، بحث منشور بمجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، العدد (٢٨).\n٥٣٥ - عصمة الأنبياء: محمد بن محمد الرازي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ٢، ١٤٠٩ هـ.\n٥٣٦ - عصمة غير الأنبياء: د. يوسف بن محمد السعيد، بحث منشور بمجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية العدد (٣١).\n٥٣٧ - عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى ﵇: عبد الله بن محمد الغماري، مكتبة القاهرة.\n٥٣٨ - عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن: حمود بن عبد الله التويجري، دار اللواء، الرياض، ط: ٢، ١٤٠٩ هـ.\n٥٣٩ - عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر: عبد المحسن بن حمد العباد، مطابع الرشيد، المدينة النبوية، ط: ١، ١٤٠٢ هـ.\n٥٤٠ - عقيدة السلف وأصحاب الحديث، إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني: تحقيق د. ناصر الجديع، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n٥٤١ - العقيدة الطحاوية: الطحاوي، (مطبوعة مع شرحها لابن أبي العز).\n٥٤٢ - علاقة الإثبات والتفويض بصفات رب العالمين: د. رضا بن نعسان معطي، دار الهجرة، الثقبة، ط: ٦، ١٤١٦ هـ.\n٥٤٣ - علل الحديث، عبد الرحمن الرازي، دار المعرفة، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n٥٤٤ - العلم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشايخ، صالح المقبلي، مكتبة دار البيان، دمشق.\n٥٤٥ - علماء الدعوة: عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ، مطبعة المدني، الطبعة، ١٣٨٦ هـ.\n٥٤٦ - علماء نجد خلال ثمانية قرون: عبد الله بن عبد الرحمن البسام، دار العاصمة، الرياض، ط: ٢، ١٤١٩ هـ.\n٥٤٧ - علو الله على خلقه: د. موسى بن سليمان الدويش، عالم الكتب، بيروت، ط: ١، ١٤٠٧ هـ.","vol":"1","page":796},{"text":"٥٤٨ - العلو للعلي العظيم وإيضاح صحيح الأخبار من سقيمها، محمد بن أحمد الذهبي: تحقيق عبد الله بن صالح البراك، دار الوطن، الرياض، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.\n٥٤٩ - عمدة القاري شرح صحيح البخاري: محمود بن أحمد العيني، دار إحياء التراث العربي.\n٥٥٠ - عمل اليوم والليلة، أحمد بن محمد بن السني: تحقيق عبد الرحمن البرنس، دار القبلة، جدة.\n٥٥١ - العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم: محمد بن إبراهيم بن الوزير، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ٢، ١٤١٢ هـ.\n٥٥٢ - عون المعبود شرح سنن أبي داود: محمد شمس الحق العظيم آبادي، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان.\n٥٥٣ - غاية الأماني في الرد على النبهاني: محمود شكري الألوسي، مكتبة العلم، جدة.\n٥٥٤ - غاية السول في خصائص الرسول -ﷺ-، لعمر بن علي بن الملقن: تحقيق عبد الله بحر الدين عبد الله، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط: ٢، ١٤٢٢ هـ.\n٥٥٥ - غاية المرام في علم الكلام، علي بن أبي علي الآمدي: تحقيق حسن محمد عبد اللطيف، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في جمهورية مصر العربية، ١٣٩١ هـ.\n٥٥٦ - غذاء الألباب بشرح منظومة الآداب، محمد السفاريني، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، ١٣٩١ هـ.\n٥٥٧ - غريب الحديث: القاسم بن سلام الهروي، دار الكتاب العربي، بيروت، مصورة عن طبعة دار المعارف العثمانية بالهند، ١٣٨٦ هـ.\n٥٥٨ - غريب الحديث، عبد الرحمن بن علي بن الجوزي: تحقيق د. عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية بيروت، ط: ١، ١٤٠٥ هـ.\n٥٥٩ - الغنية في مسألة الرؤية، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني: تحقيق د. محمد عبد المحسن التركي، دار اللواء، الرياض، دون ذكر الطبعة، ١٤١٩ هـ.\n٥٦٠ - غياث الأمم في التياث الظلم، أبو المعالي الجويني: تحقيق د. مصطفى حلمي وآخر، دار الدعوة، الإسكندرية.\n٥٦١ - الفائق في غريب الحديث: محمود بن عمر الزمخشري، دار الفكر، بيروت، ط: ٣، ١٣٩٩ هـ.\n٥٦٢ - فتاوى الإمام النووي: المسماة (المسائل المنثورة): يحيى بن شرف الدين النووي، دار الكتب العلمية، بيروت.","vol":"1","page":797},{"text":"٥٦٣ - فتاوى السبكي: علي بن عبد الكافي السبكي، دار المعرفة، بيروت.\n٥٦٤ - الفتاوى الفقهية الكبرى على مذهب الإمام الشافعي، جمعها ودونها ورتبها تلميذه عبد القادر الفاكهي: تحقيق عبد اللطيف عبد الرحمن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n٥٦٥ - الفتاوى الكبرى: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، دار المعرفة، بيروت، ١٤٠٣ هـ.\n٥٦٦ - فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع وترتيب: أحمد بن عبد الرزاق الدويش، رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء، المملكة العربية السعودية، الرياض، ط: ٣، ١٤١٩ هـ.\n٥٦٧ - فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم، جمع وترتيب محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، مطبعة الحكومة بمكة المكرمة، ط: ١، ١٣٩٩ هـ.\n٥٦٨ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، أحمد بن علي العسقلاني: تحقيق عبد العزيز بن باز، وتصحيح محب الدين الخطيب وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، المطبعة السلفية، القاهرة، ١٣٨٠ هـ.\n٥٦٩ - الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني، لمحمد بن علي الشوكاني: تحقيق محمد صبحي بن حسن حلاق، مكتبة الجيل الجديد، صنعاء، ط: ١، ١٤٢٣ هـ.\n٥٧٠ - فتح القدير: محمد بن علي الشوكاني، طبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط: ٢، ١٣٨٣ هـ.\n٥٧١ - فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد، عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: تحقيق د. الوليد الفريان، دار الصميعي، الرياض، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n٥٧٢ - فتح المغيث شرح ألفية الحديث: السخاوي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤٠٣ هـ.\n٥٧٣ - فتح المنان تتمة منهاج التأسيس: محمود شكري الألوسي، مطبعة السنة المحمدية، ١٣٦٦ هـ.\n٥٧٤ - فتح رب البرية بتلخيص الحموية: محمد بن صالح العثيمين، مطابع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، ط: ٤، ١٤١٠ هـ.\n٥٧٥ - الفتوحات المكية، ابن عربي الطائي: تحقيق د. عثمان يحيى، وزارة الثقافة والإعلام بمصر، ١٣٩٢ هـ.\n٥٧٦ - الفتوى الحموية الكبرى، لشيخ الإسلام ابن تيمية: تحقيق د. حمد بن المحسن التويجري، دار الصميعي، الرياض، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٥٧٧ - فرق الشيعة: الحسن بن موسى النوبختي، المطبعة الحيدرية، النجف، ١٣٧٩ هـ.","vol":"1","page":798},{"text":"٥٧٨ - الفرق بين الفرق: عبد القاهر البغدادي، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار المعرفة، بيروت.\n٥٧٩ - الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، لأحمد بن عبد الحليم بن تيمية: تحقيق عبد الرحمن اليحيى، دار طويق للنشر والتوزيع، الرياض، ط: ١، ١٤١٤ هـ.\n٥٨٠ - الفروع: محمد بن مفلح المقدسي، دار مصر للطباعة، مصر.\n٥٨١ - الفروق: شهاب الدين القرافي، دار المعرفة، بيروت.\n٥٨٢ - فصل المقال في رفع عيسى حيًّا ونزوله وقتله الدجال: محمد خليل هراس، مكتبة السنة، القاهرة، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n٥٨٣ - الفصل في الملل والأهواء والنحل، علي بن أحمد بن حزم الأندلس: تحقيق د. عبد الرحمن عميرة وآخر، دار الجيل، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n٥٨٤ - فضائل الصحابة، أحمد بن عبد الله الأصبهاني: تحقيق عادل بن يوسف العزازي، دار الوطن، الرياض، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٥٨٥ - فضائل سلاطين بني عثمان: محمد بن أحمد الحموي، تحقيق د. محسن محمد حسن، دار الكتاب الجامعي، القاهرة، ط: ١، ١٤١٣ هـ.\n٥٨٦ - فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد: فضل الله الجيلاني، مكتبة دار الاستقامة، ١٤١٦ هـ.\n٥٨٧ - الفطرة حقيقتها ومذاهب الناس فيها: علي بن محمد القرني، دار المسلم، الرياض، ط: ١، ١٤٢٤ هـ.\n٥٨٨ - فطرية المعرفة وموقف المتكلمين منها: د. أحمد سعد حمدان، دار طيبة، الرياض، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n٥٨٩ - الفقيه والمتفقه: للخطيب البغدادي، تحقيق إسماعيل الأنصاري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ٢، ١٤٠٠ هـ.\n٥٩٠ - فهرس الفهارس والأثبات، ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات: عبد الحي الكتاني، تحقيق د. إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٢ هـ.\n٥٩١ - الفوائد الجنية حاشية على المواهب السنية على القواعد الفقهية: محمد ياسين الفاداني، تحقيق رمزي دمشقية، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط: ١، ١٤١١ هـ.\n٥٩٢ - الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة: محمد بن علي الشوكاني، تحقيق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٣، ١٤٠٢ هـ.","vol":"1","page":799},{"text":"٥٩٣ - الفوائد المدنية فيمن يفتى بقوله من أئمة الشافعية: محمد بن سليمان الكردي، مخطوط.\n٥٩٤ - الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية: علوي بن أحمد السقاف، (مطبوع ضمن مجموعة كتب للمؤلف) بمطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر.\n٥٩٥ - الفوائد الموضوعة في الأحاديث الموضوعة، مرعي الكرمي الحنبلي: ت. د. محمد لطفي الصباغ، دار الوراق، الرياض، ط: ٣، ١٤١٩ هـ.\n٥٩٦ - الفوائد: محمد بن أبي بكر بن القيم الجوزية، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٨ هـ.\n٥٩٧ - الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب: حمد بن ناصر بن معمر، تحقيق عبد السلام آل عبد الكريم، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤٠٧ هـ.\n٥٩٨ - فيض القدير شرح الجامع الصغير: عبد الرؤوف المناوي، دار الحديث، القاهرة.\n٥٩٩ - قاعدة جلية في التوسل والوسيلة، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية: تحقيق د. ربيع المدخلي، مكتبة لينة، مصر، ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n٦٠٠ - قاعدة في الوسيلة، أحمد عبد الحليم بن تميمة: تحقيق علي الشبل، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.\n٦٠١ - القاموس المحيط: محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ٢، ١٤٠٧ هـ.\n٦٠٢ - قرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين: عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، تحقيق بشير محمد عيون، مكتبة المؤيد، دمشق، ط: ١، ١٤١١ هـ.\n٦٠٣ - قصة المسيح الدجال ونزول عيسى ﵇ وقلته إياه: لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتبة الإسلامية، الأردن، ط: ١١، ١٤٢١ هـ.\n٦٠٤ - القضاء والقدر، محمد بن عمر الرازي: تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n٦٠٥ - قطر الولي على حديث الولي، محمد بن علي الشوكاني: تحقيق د. إبراهيم إبراهيم هلال.\n٦٠٦ - القناعة فيما يحسن الإحاطة به من أشراط الساعة، محمد بن عبد الرحمن السخاوي: تحقيق د. محمد عبد الوهاب العقيل، أضواء السلف، الرياض، ط: ١، ١٤٢٢ هـ.\n٦٠٧ - قواعد الأحكام في مصالح الأنام: للعز بن عبد السلام، دار الشرق، ١٣٨٨ هـ.\n٦٠٨ - قواعد العقائد، محمد بن محمد الغزالي: تحقيق موسى محمد علي، عالم الكتب، بيروت، ط: ٢، ١٤٠٥ هـ.","vol":"1","page":800},{"text":"٦٠٩ - القواعد الكلية للأسماء والصفات عند السلف: د. إبراهيم محمد البريكان، دار الهجرة، المملكة العربية السعودية، الثقبة، ط: ١، ١٤١٤ هـ.\n٦١٠ - القواعد المثلى في صفات الله وأسماه الحسنى، محمد بن صالح العثيمين: تحقيق أشراف بن عبد المقصود، أضواء السلف، الرياض، ١٤١٦ هـ.\n٦١١ - القواعد النورانية: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق محمد الفقي، مطبعة أنصار السنة المحمدية، مصر، ط: ١، ١٣٧٠ هـ.\n٦١٢ - قواعد معرفة البدع: د. محمد بن حسين الجيزاني، دار ابن الجوزي، الدمام، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٦١٣ - قوانين الأحكام الشرعية: محمد بن أحمد بن جزي، تحقيق طه سعد وآخر، عالم الفكر، ط: ١.\n٦١٤ - القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع: محمد بن عبد الرحمن السخاوي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤٠٧ هـ.\n٦١٥ - القول الجلي في حكم التوسل بالنبي والولي، محمد بن أحمد بن محمد عبد السلام خضر: تحقيق د. يوسف بن محمد السعيد، دار أطلس، الرياض، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n٦١٦ - القول السديد شرح كتاب التوحيد: عبد الرحمن بن ناصر السعدي، دار الوطن، الرياض، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n٦١٧ - القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد: عبد الرزاق العباد، مكتبة الغرباء، المدينة النبوية، ط: ١، ١٤١٤ هـ.\n٦١٨ - القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل: إسماعيل بن محمد الأنصاري، طبع وزارة الشؤون الإسلامية بالمملكة العربية السعودية، ١٤١٦ هـ.\n٦١٩ - القول المبين في أن كلتا يدي الرحمن يمين: د. علي الشهراني، بحث منشور في مجلة الحكمة الصادرة في بريطانيا العدد (٢٨) سنة ١٤٢٥ هـ.\n٦٢٠ - القول المفيد على كتاب التوحيد، محمد بن صالح العثيمين، تحقيق د. سليمان أبا الخيل وآخر، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n٦٢١ - القول في علم النجوم: علي بن أحمد الخطيب البغدادي، تحقيق د. يوسف السعيد، دار أطلس، الرياض، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.\n٦٢٢ - الكافي في فقه أهل المدينة: يوسف بن عبد البر القرطبي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ٢، ١٤١٣ هـ.\n٦٢٣ - الكافي في فقه الإمام أحمد: عبد الله بن أحمد بن قدامة، تحقيق زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٤، ١٤٠٥ هـ.","vol":"1","page":801},{"text":"٦٢٤ - الكامل في ضعفاء الرجال: عبد الله بن عدي الجرجاني، دار الفكر، بيروت، ط: ٢، ١٤٠٥ هـ.\n٦٢٥ - الكبائر: محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق مشهور حسن سلمان، مكتبة المنار، الأردن، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٦٢٦ - كتاب الإيمان ومعالمه وسننه واستكماله ودرجاته: القاسم بن سلام، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، (مطبوع ضمن مجموع)، دار الأرقم، الكويت، ط: ٢، ١٤٠٥ هـ.\n٦٢٧ - كتاب الإيمان: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٢، ١٤٠٣ هـ.\n٦٢٨ - كتاب الإيمان: محمد بن يحيى العدني، تحقيق حمد الحربي، الدار السلفية، الكويت، ط: ١، ١٤٠٧ هـ.\n٦٢٩ - كتاب البعث: عبد الله بن سليمان بن الأشعث، تحقيق أبي إسحاق الحويني، دار الكتاب العربي، بيروت، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٦٣٠ - كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، محمد بن عبد الوهاب: تحقيق عبد القادر الأرنؤوط، دار السلام، الرياض، ١٤١٣ هـ.\n٦٣١ - كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب ﷿، محمد إسحاق بن خزيمة: تحقيق د. عبد العزيز بن إبراهيم الشهوان، مكتبة الرشد، الرياض، ط: ٢، ١٤١١ هـ.\n٦٣٢ - كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله ﷿ وصفاته على الاتفاق والتفرد، محمد بن إسحاق بن محمد بن مندة: تحقيق د. علي بن ناصر الفقيهي، مكتبة الغرباء، المدينة المنورة، ط: ٣، ١٤١٤ هـ.\n٦٣٣ - كتاب الجهاد، أحمد بن عمرو بن أبي عاصم: تحقيق مساعد الراشد الحميد، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n٦٣٤ - كتاب الرؤية، علي بن عمر الدارقطني: تحقيق إبراهيم بن محمد العلي وآخر، مكتبة المنار، الأردن، ط: ١، ١٤١١ هـ.\n٦٣٥ - كتاب الردة والفتوح: سيف بن عمر التميمي، تحقيق د. قاسم السامرائي، دار أمية، الرياض، ط: ٢، ١٤١٨ هـ.\n٦٣٦ - كتاب الزهد: هناد بن السري، تحقيق د. عبد الرحمن الفروائي، دار الخلفاء، الكويت، ط: ١، ١٤٠٦ هـ.\n٦٣٧ - كتاب السنة، عبد الله بن أحمد بن حنبل: تحقيق د. محمد بن سعيد القحطاني، دار بن القيم، الدمام، ط: ١، ١٤٠٦ هـ.","vol":"1","page":802},{"text":"٦٣٨ - كتاب السنة، عمرو بن أبي عاصم الشيباني، ت: محمد ناصر الدين الألباني: المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٢، ١٤٠٥ هـ.\n٦٣٩ - كتاب الصفات، علي بن عمر الدارقطني: تحقيق د. علي بن محمد الفقيهي، ط: ١، ١٤٠٣ هـ.\n٦٤٠ - كتاب الفتن، لنعيم بن حماد المرزوي: تحقيق سمير بن أمين الزهيري، مكتبة التوحيد، القاهرة، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n٦٤١ - كتاب ما جاء في البدع، محمد بن وضاح القرطبي: تحقيق بدر بن عبد الله البدر، دار الصميعي، الرياض، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n٦٤٢ - الكرامات: عبد الله بن عبد العزيز العنقري، رسالة ماجستير مقدمة لقسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية جامعة الملك سعود بالرياض.\n٦٤٣ - كرامات أولياء الله ﷻ، هبة الله بن الحسن اللالكائي: تحقيق د. أحمد سعد حمدان، دار طيبة، الرياض، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n٦٤٤ - كشاف القناع عن متن الإقناع: البهوتي، مطبعة أنصار السنة المحمدية، القاهرة، ١٣٦٦ هـ.\n٦٤٥ - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل: محمود بن عمر الزمخشري، دار المعرفة، بيروت.\n٦٤٦ - كشف الأستار عن زوائد البزار، نور الدين علي الهيثمي: تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ٢، ١٤٠٤ هـ.\n٦٤٧ - كشف الأستار في إبطال قول من قال بفناء النار: محمد بن علي الشوكاني، (ضمن الفتح الرباني له).\n٦٤٨ - كشف الأستار لإبطال إدعاء فناء الجنة والنار المنسوب لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية: د. علي بن علي الحربي اليماني، دار طيبة، مكة المكرمة، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n٦٤٩ - كشف الخفا والإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس: إسماعيل بن محمد العجلوني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط: ٣، ١٣٥٢ هـ.\n٦٥٠ - كشف الستر عما ورد في السفر إلى القبر: حماد الأنصاري، (ضمن الرسائل الأنصارية) ١٤٠٦ هـ.\n٦٥١ - كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: حاجي مصطفى بن عبد الله خليفة، دار الكتب العلمية، بيروت، مصورة عن مطبعة إسطنبول، ١٩٤١ م.\n٦٥٢ - كشف القناع عن حكم الوجد والسماع، أحمد بن عمر القرطبي: تحقيق عبد الله الطريقي، ط: ١، ١٤١١ هـ.","vol":"1","page":803},{"text":"٦٥٣ - الكشف المبدي لتمويه أبي الحسن السبكي تكملة الصارم المنكي، محمد بن حسين الفقيه: تحقيق صالح المحسن وآخر، دار الفضيلة، الرياض، ط: ١، ١٤٢٢ هـ.\n٦٥٤ - الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ: عبد الرؤوف القاسم، المكتبة الإسلامية، الأردن، ط: ٢، ١٤١٣ هـ.\n٦٥٥ - كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيس، عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: تحقيق عبد العزيز آل حمد، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n٦٥٦ - الكفاية في علم الراوية: أحمد بن علي الخطيب البغدادي، دار ابن تيمية، القاهرة، ١٤١٠ هـ.\n٦٥٧ - الكلام المنتقى مما يتعلق بكلمة التقوى: سعيد بن حجي الحنبلي: تحقيق محمد خير رمضان، دار ابن حزم، بيروت، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n٦٥٨ - الكلام على مسألة الاستواء على العرش، محمد بن أحمد بن عبد الهادي: تحقيق د. ناصر السلامة، دار الفلاح، مصر.\n٦٥٩ - الكلام على مسألة السماع، لمحمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية: تحقيق راشد الحمد، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n٦٦٠ - كلمة الإخلاص وتحقيق معناها: عبد الرحمن بن رجب الحنبلي، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني وآخر، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٤، ١٣٩٧ هـ.\n٦٦١ - الكليات: أيوب بن موسى الكفوي، تحقيق عدنان درويش وآخر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ٢، ١٤١٩ هـ.\n٦٦٢ - كنز الراغبين شرح منهاج الطالبين: محمد بن أحمد المحلي، (مطبوع مع حاشية قليوبي وعميرة)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n٦٦٣ - الكنى والأسماء: محمد بن أحمد الدولابي، تحقيق أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n٦٦٤ - الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة: محمد بن محمد بن أحمد الغزي، تحقيق جبرائيل سليمان، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، ١٩٧٩ م.\n٦٦٥ - الكوكب الأجوج في أحكام الملائكة والجن والشياطين ويأجوج ومأجوج: علوي بن أحمد السقاف، (مطبوع ضمن مجموعة كتب للمؤلف) بمطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر.\n٦٦٦ - اللآلئ المصنوعة: للسيوطي، جلال الدين السيوطي، دار المعرفة، بيروت.\n٦٦٧ - لب اللباب في تحرير الأنساب: جلال الدين السيوطي، تحقيق محمد أحمد عبد العزيز وآخر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤١١ هـ.","vol":"1","page":804},{"text":"٦٦٨ - لباب النقول في أسباب النزول: جلال الدين السيوطي، دار إحياء العلوم، بيروت، ط: ١، ١٩٧٨ م.\n٦٦٩ - لسان العرب: محمد بن مكرم بن منظور، دار صادر، بيروت، ط: ٢، ١٤١٤ هـ.\n٦٧٠ - لسان الميزان: أحمد بن علي بن حجر، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ط: ٢، ١٣٩٠ هـ.\n٦٧١ - لطائف المنن: لابن عطاء الله السكندري.\n٦٧٢ - اللفظ المكرم بخصائص النبي -ﷺ-، لمحمد بن محمد عبد الله الخيضري: تحقيق د. محمد الأمين بن محمد محمود الشنقيطي، دار البخاري، المدنية، ط: ٢، ١٤١٧ هـ.\n٦٧٣ - لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد: عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، المطبعة السلفية، القاهرة.\n٦٧٤ - اللمعة في الأجوبة السبعة، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية: تحقيق سليمان الغصن، دار الصميعي، الرياض، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٦٧٥ - لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية: محمد السفاريني، تحقيق عبد الله البصيري، مكتبة الرشد، الرياض، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n٦٧٦ - لوامع الأنوار الإلهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرة المضية في عقدية الفرقة المرضية: محمد السفاريني الحنبلي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٣، ١٤١١ هـ.\n٦٧٧ - الماتريدية دراسة وتقويمًا: أحمد بن عوض الله الحربي، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤١٣ هـ.\n٦٧٨ - المباحث المشرقية: لمحمد بن عمر الرازي، تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n٦٧٩ - مباحث المفاضلة في العقيدة: د. محمد بن عبد الرحمن أبو يوسف، دار ابن عفان، الخبر، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٦٨٠ - المبدع شرح المقنع: إبراهيم بن محمد بن مفلح، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٣٨٠ هـ.\n٦٨١ - المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين: للآمدي، تحقيق د. عبد الأمير الأعسم، (مطبوع ضمن كتاب المصطلح الفلسفي عند العرب)، مكتبة الفكر العربي، بغداد، ط: ١، ١٤٠٤ هـ.\n٦٨٢ - مجرد مقالات الأشعري: ابن فورك، تحقيق دانيال جيماريه، دار المشرق، بيروت ١٩٨٦ م.","vol":"1","page":805},{"text":"٦٨٣ - المجروحين والمحدثين والضعفاء والمتروكين، محمد بن حبان البسبتي: تحقيق محمود إبراهيم زايد، دار المعرفة، بيروت، ١٤١٢ هـ.\n٦٨٤ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: نور الدين علي الهيثمي، دار الريان، مصر، ١٤٠٧ هـ.\n٦٨٥ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن القاسم وابنه محمد، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، ١٤١٦ هـ.\n٦٨٦ - مجموع فتاوى وسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين: جمع وترتيب فهد السليمان، دار الثريا، الرياض، ط: ٢، ١٤١٤ هـ.\n٦٨٧ - مجموعة التوحيد: لمجموعة من أئمة الدعوة: تحقيق بشير عيون، مكتبة دار البيان، دمشق، ١٤١٣ هـ.\n٦٨٨ - مجموعة الرسائل الكبرى: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط: ٢، ١٣٩٢ هـ.\n٦٨٩ - مجموعة الرسائل والمسائل النجدية لبعض علماء نجد الأعلام، دار العاصمة، الرياض، ط: ٢، ١٤١٢ هـ.\n٦٩٠ - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، عبد الحق بن غالب بن عطية: تحقيق عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤١٣ هـ.\n٦٩١ - المحصول في علم أصول الفقه، لمحمد بن عمر الرازي: تحقيق طه جابر العلواني، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ٢، ١٤١٢ هـ.\n٦٩٢ - المحلى: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، دار الفكر، بيروت.\n٦٩٣ - مختصر ابن الحاجب مع شرحه بيان المختصر: لشمس الدين أبي الثناء الأصفهاني، تحقيق د. محمد مظهر بقا، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، بجامعة أم القرى، ط: ١، ١٤٠٦ هـ.\n٦٩٤ - مختصر التحفة الاثني عشرية: محمود شكري الألوسي، تحقيق محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية، ط: ٢، ١٣٨٧ هـ.\n٦٩٥ - مختصر الفتاوى المصرية: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، اختصار البعلي، تحقيق محمد حامد الفقي، ط: ٢، ١٤٠٦ هـ.\n٦٩٦ - المختصر في أصول الدين: للقاضي عبد الجبار، (مطبوع ضمن رسائل العدل).\n٦٩٧ - المختصر من كتاب نشر النور والزهر في تراجم أفاضل مكة: محمد سعيد العمودي وآخر، عالم المعرفة، جدة، ١٤٠٦ هـ.\n٦٩٨ - مدارج السالكين، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية: تحقيق محمد حامد الفقي، دار الفكر، بيروت، ١٤١٢ هـ.","vol":"1","page":806},{"text":"٦٩٩ - المدخل إلى مذهب الشافعي: د. أكرم القواسمي، دار النفائس، بيروت، ط: ١، ١٤٢٣ هـ.\n٧٠٠ - المدخل: محمد بن محمد العبدري بن الحاج، دار الفكر، ١٤٠٢ هـ.\n٧٠١ - المدونة الكبرى: مالك بن أنس، رواية سحنون بن سعيد، دار صادر، بيروت.\n٧٠٢ - مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات، عرض ونقد: أحمد بن عبد الرحمن القاضي، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n٧٠٣ - المذهب عند الشافعية: د. محمد إبراهيم، بحث منشور بمجلة جامعة الملك عبد العزيز العدد (٢) سنة (١٣٩٨ هـ).\n٧٠٤ - مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والمعتقدات: ابن حزم، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط: ٢، ١٤٠٠ هـ.\n٧٠٥ - مرشد المحتار إلى خصائص النبي المختار -ﷺ-، لمحمد بن علي بن طولون الدمشقي الصالحي: تحقيق د. بهاء محمد الشاهد، مكتبة الإمام الشافعي.\n٧٠٦ - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: علي القاري، المطبعة الميمنية.\n٧٠٧ - المزهر في علوم اللغة: جلال الدين السيوطي، المكتبة الأزهرية، القاهرة، ١٣٢٥ هـ.\n٧٠٨ - مسألة الحرف والصوت في كلام الله تعالى: د. محمد بن عبد الرحمن الخميس، بحث منشور في مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، العدد السابع والعشرون، ١٤٢٠ هـ.\n٧٠٩ - مسألة في التوحيد وفضائل لا إله إلا الله: يوسف بن عبد الهادي المقدسي، تحقيق عبد الهادي محمد منصور، دار البشائر، بيروت، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n٧١٠ - مسائل الإيمان، محمد بن الحسين، الفراء: تحقيق سعود بن عبد العزيز الخلف، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n٧١١ - المسائل الخمسون في أصول الدين، محمد بن عمر الرازي: تحقيق د. أحمد حجازي السقا، المكتب الثقافي، القاهرة، ط: ١، ١٩٨٩ م.\n٧١٢ - مسائل في طلب العلم وأقسامه: محمد بن أحمد الذهبي، (مطبوع ضمن ست رسائل للمؤلف): بتحقيق جاسم الدوسري، الدار السلفية، الكويت، ١٤٠٨ هـ.\n٧١٣ - المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة: عبد الإله بن سلمان الأحمدي، دار طيبة، الرياض، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n٧١٤ - المسايرة لابن الهمام، وعليها حاشية ابن قطلوبغا، مطبعة بولاق، ط: ١، ١٣١٧ هـ.\n٧١٥ - المستدرك: لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري، وبذيله التلخيص للحافظ الذهبي، دار المعرفة، بيروت.","vol":"1","page":807},{"text":"٧١٦ - المستصفى: محمد بن محمد الغزالي، تحقيق د. حمزة زهير حافظ.\n٧١٧ - مسند البزار: (البحر الزخار): لأبي بكر البزار، تحقيق محفوظ الرحمن زين الله، مكتبة العلوم والحكم، المدينة النبوية، ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n٧١٨ - مسند الطيالسي: سليمان بن داود الجارود: تحقيق محمد التركي، دار هجر، مصر، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٧١٩ - المسند للإمام أحمد بن حنبل: تحقيق وشرح أحمد شاكر، دار المعارف، مصر، ط: ٤، ١٣٧٣ هـ، وأخرى بتحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ٢، ١٤٢٠ هـ.\n٧٢٠ - المسند: لإسحاق بن إبراهيم بن راهوية: تحقيق د. عبد الغفور البلوشي، مكتبة الإيمان، المدينة المنورة، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n٧٢١ - المسودة في أصول الفقه: آل تيمية، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة المدني، القاهرة.\n٧٢٢ - مشكل الآثار، أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي: تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٧٢٣ - مشكل الحديث وبيانه: ابن فورك، تحقيق موسى محمد علي، المكتبة العصرية، بيروت.\n٧٢٤ - المصالح المرسلة: محمد الأمين الشنقيطي، طبعة الجامعة الإسلامية، المدينة النبوية.\n٧٢٥ - مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه: أحمد بن أبي بكر البوصيري، تحقيق موسى محمد علي وآخر، دار الكتب الحديثة، القاهرة.\n٧٢٦ - مصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام: عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ، تحقيق إسماعيل بن عتيق، دار الهداية، الرياض.\n٧٢٧ - المصنف، عبد الله بن محمد بن أبي شيبة: تحقيق عمرو غرامة العمري، دار عالم الكتب، الرياض، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٧٢٨ - المصنف، عبد الرزاق بن همام الصنعاني ت: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٢، ١٤٠٣ هـ.\n٧٢٩ - المصنف، عبد الله بن محمد بن أبي شيبة: عامر الأعظمي، الدار السلفية، الهند.\n٧٣٠ - المصنوع في معرفة الحديث الموضوع: علي القاري، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب، ط: ٥، ١٤١٤ هـ.\n٧٣١ - المطالب العالية من العلم الإلهي: محمد بن عمر الرازي، تحقيق محمد عبد السلام شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.","vol":"1","page":808},{"text":"٧٣٢ - مظاهر الانحراف العقدية عند الصوفية: إدريس محمود إدريس، مكتبة الرشد، الرياض، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٧٣٣ - معارج الألباب في مناهج الحق والصواب: حسين بن مهدي النعمي، تحقيق محمد حامد الفقي، مكتبة المعارف، الرياض، ط: ٣، ١٤٠٥ هـ.\n٧٣٤ - معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول، حافظ بن أحمد حكمي: تحقيق عمر بن محمود أبي عمر، دار ابن القيم، المملكة العربية السعودية، الدمام، ط: ٢، ١٤١٣ هـ.\n٧٣٥ - المعالم الدينية في العقائد الإلهية: يحيى بن حمزة العلوي، تحقيق سيد مختار أحمد، دار الفكر المعاصر، بيروت، ط: ١، ١٩٨١ م.\n٧٣٦ - معالم السنن: حمد الخطابي، تحقيق عزت الدعاس، ط: ١، ١٣٨٨ هـ.\n٧٣٧ - معاني القرآن وإعراب: إبراهيم الزجاج، تحقيق د. عبد الجليل شلبي، عالم الكتب، بيروت، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٧٣٨ - معترك الأقران في إعجاز القرآن: جلال الدين السيوطي، تحقيق علي البجاوي، دار الثقافة العربية، القاهرة، ١٣٨٩ هـ.\n٧٣٩ - معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات: د. محمد خليفة التميمي، دار إيلاف الدولية، الكويت، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n٧٤٠ - معتقد أهل السنة والجماعة، في أسماء الله الحسنى: د. محمد خليفة التيمي، دار إيلاف الدولية، الكويت، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n٧٤١ - معتقد فرق المسلمين واليهود والنصارى والفلاسفة والوثنيين في الملائكة المقربين: د. محمد بن عبد الوهاب العقيل، أضواء السلف، الرياض، ط: ١، ١٤٢٢ هـ.\n٧٤٢ - المعتمد في أصول الدين: لأبي يعلى الفراء، تحقيق وديع حداد، دار المشرق، بيروت.\n٧٤٣ - معجم اصطلاحات الصوفية: عبد الرزاق الكاشاني، تحقيق د. عبد العال شاهين، دار المنار، القاهرة: ط: ١، ١٤١٣ هـ.\n٧٤٤ - المعجم الأوسط، سليمان بن أحمد الطبراني: تحقيق د. محمود الطحان، مكتبة المعارف، الرياض، ط: ١، ١٤٠٥ هـ.\n٧٤٥ - معجم البلدان: ياقوت الحموي، دار صادر، بيروت، ١٤٠٠ هـ.\n٧٤٦ - المعجم الصغير، سليمان بن أحمد الطبراني: تحقيق محمد شكور محمود، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ١، ١٤٠٥ هـ.\n٧٤٧ - المعجم الصوفي: د. عبد المنعم الحفني، دار الرشاد، القاهرة، ط: ١، ١٤١٧ هـ.","vol":"1","page":809},{"text":"٧٤٨ - المعجم الفلسفي: د. جميل صليبا، الشركة العالمية للكتاب، بيروت، ١٤١٤ هـ.\n٧٤٩ - المعجم الكبير، سليمان بن أحمد الطبراني: تحقيق حمدي السلفي، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بالعراق، ط: ٢.\n٧٥٠ - معجم المؤلفين: عمر رضا كحالة، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٧٥١ - معجم المطبوعات العربية في شبه القارة الهندية: د. أحمد خان، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، ١٤٢١ هـ.\n٧٥٢ - معجم المناهي اللفظية: بكر بن عبد الله أبو زيد، دار العاصمة، الرياض، ط: ٢.\n٧٥٣ - معجم ما ألف عن الصحابة وأمهات المؤمنين وآل البيت: محمد بن إبراهيم الشيباني، مركز المخطوطات والتراث والوثائق، الكويت، ط: ١، ١٤١٤ هـ.\n٧٥٤ - معجم ما ألف عن رسول الله -ﷺ-: د. صلاح الدين المنجد، دار الكتاب الجديد، بيروت، ط: ١، ١٤٠٢ هـ.\n٧٥٥ - معجم مقاييس اللغة: أحمد بن فارس، تحقيق شهاب الدين أبي عمرو، دار الفكر، بيروت، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n٧٥٦ - معرفة الصحابة، أحمد بن عبد الله الأصبهاني: تحقيق د. محمد راضي عثمان، مكتبة الدار، المدينة النبوية، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٧٥٧ - معنى لا إله إلا الله: محمد بن عبد الله الزركشي، تحقيق علي محيي الدين علي القرة، دار الإصلاح، الدمام.\n٧٥٨ - معين العلم المصطفى من عين العلم شرح مولانا الشيخ علي القاري: اختصار شعبان عيسى أبي العلا.\n٧٥٩ - مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج: محمد الخطيب الشربيني، دار الفكر للطباعة، ١٣٩٨ هـ.\n٧٦٠ - المغني في أبواب العدل والتوحيد: عبد الجبار بن أحمد، تحقيق أحمد الأهوائي وآخرين، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر.\n٧٦١ - المغني في الضعفاء، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي: تحقيق حازم القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤١٨ هـ.\n٧٦٢ - مفاهيم يجب أن تصحح: محمد علوي مالكي، دار جوامع الكلم، القاهرة.\n٧٦٣ - مفتاح الجنة لا إله إلا الله: محمد سلطان المعصومي، تحقيق علي حسن الحلبي، المكتبة الإسلامية، الأردن، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٧٦٤ - مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة: محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، مكتبة الرياض الحديثة.","vol":"1","page":810},{"text":"٧٦٥ - مفردات ألفاظ القرآن: للراغب الأصفهاني، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٣٩٢ هـ.\n٧٦٦ - مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، أبو الحسين علي بن إسماعيل الأشعري: تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، ١٤١١ هـ.\n٧٦٧ - المقالة العذبة في العمامة والعذبة: علي القاري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤٢٤ هـ.\n٧٦٨ - المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعية والتحصيلات المحكمات: محمد بن أحمد بن رشد، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٧٦٩ - مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث: لابن الصلاح، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٣٩٨ هـ، نشر وتوزيع دار الباز بمكة المكرمة.\n٧٧٠ - مقدمة ابن خلدون: عبد الرحمن بن خلدون، دار القلم، بيروت، ط: ٥، ١٩٨٤ م.\n٧٧١ - المقدمة الزهراء في إيضاح الإمامة الكبرى، محمد بن أحمد الذهبي: تحقيق طلعت الحلوني، دار ابن عباس، مصر، ط: ١، ١٤٢٤ هـ.\n٧٧٢ - المقنع في علوم الحديث، عمر بن علي بن الملقن: عبد الله الجديع، دار فواز، الإحساء، ط: ١، ١٤١٣ هـ.\n٧٧٣ - الملل والنحل: عبد القاهر البغدادي، تحقيق د. ألبير نصري، دار المشرق، بيروت.\n٧٧٤ - الملل والنحل: محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، تحقيق محمد سيد كيلاني، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ١٤٠٦ هـ.\n٧٧٥ - منائح الكرم في أخبار مكة والبيت وولاة الحرم: علي بن تاج الدين السنجاري، تحقيق د. ماجدة فيصل زكريا، معهد البحوث، مركز إحياء التراث بجامعة أم القرى، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٧٧٦ - المنار المنيف في الصحيح والضعيف: محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط: ١، ١٣٩٠ هـ.\n٧٧٧ - مناقب الشافعي: أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق أحمد صقر، دار التراث، ط: ١، ١٣٩١ هـ.\n٧٧٨ - المنتخب من العلل للخلال، عبد الله بن أحمد بن قدامة: تحقيق طارق عوض الله، دار الراية، الرياض، ط: ١، ١٤١٩ هـ.","vol":"1","page":811},{"text":"٧٧٩ - المنتخب، عبد بن حميد: تحقيق مصطفى العدوي، دار الأرقم، الكويت، ط: ١، ١٤٠٥ هـ.\n٧٨٠ - المنتقى شرح الموطأ: سليمان بن خلف الباجي، مطبعة السعادة، مصر، ط: ١، ١٣٣١ هـ.\n٧٨١ - المنثور في القواعد: بدر الدين محمد الزركشي، تحقيق تيسير فائق، وزارة الأوقاف الكويتية، ط: ١، ١٤٠٢ هـ.\n٧٨٢ - المنح الرحمانية في الدولة العثمانية: محمد البكري الصديقي، د. ليلى الصباغ، دار البشائر، بيروت، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n٧٨٣ - المنحى الاعتزالي في البيان وإعجاز القرآن: أحمد أبو زيد، مكتبة المعارف، الرباط ط: ١.\n٧٨٤ - منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز: محمد الأمين الشنقيطي، (مطبوع بآخر كتابه أضواء البيان).\n٧٨٥ - منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس: عبد اللطيف بن عبد الله آل الشيخ، دار الهداية، الرياض، ط: ٢، ١٤٠٧ هـ.\n٧٨٦ - منهاج السلامة في ميزان القيامة: محمد بن ناصر الدين الدمشقي، تحقيق مشعل المطيري، دار الصميعي، الرياض، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n٧٨٧ - المنهاج في شعب الإيمان، الحسين بن الحسن الحليمي: تحقيق حلمي محمود فودة، دار الفكر، ط: ١، ١٣٩٩ هـ.\n٧٨٨ - منهج الإمام مالك في إثبات العقيدة: سعود بن عبد العزيز الدعجان، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n٧٨٩ - منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة: عثمان علي حسن، مكتبة الرشد، الرياض، ط: ٢، ١٤١٣ هـ.\n٧٩٠ - منهج السلف والمتكلمين في موافقة العقل للنقل: جابر إدريس علي، أضواء السلف، الرياض، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٧٩١ - منهج ودراسات في آيات الأسماء والصفات: محمد الأمين الشنقيطي، دار السلفية، الكويت، ط: ٤، ١٤٠٤ هـ.\n٧٩٢ - المنية والأمل: أحمد بن يحيى بن المرتضى، تصحيح توما آرنلد، دار صادر، بيروت، مصورة عن طبعة دائرة المعارف بحيدر آباد الدكن، ١٣١٦ هـ.\n٧٩٣ - المهدي المنتظر في روايات أهل السنة والشيعة الإمامية: د. عداب محمود الحمش، دار الفتح، الأردن، ط: ٢، ١٤٢٣ هـ.","vol":"1","page":812},{"text":"٧٩٤ - المهدي المنتظر في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة، د. عبد العليم البستوي، المكتبة المكية، مكة المكرمة، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.\n٧٩٥ - المهدي وفقه أشراط الساعة: د. محمد إسماعيل المقدم، دار بلنسية، الرياض، ط: ١، ١٤٢٣ هـ.\n٧٩٦ - المواقف في علم الكلام: لمفيد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي، عالم الكتب، بيروت.\n٧٩٧ - المواهب اللدنية المنح المحمدية، أحمد بن محمد القسطلاني: ت. صالح أحمد الشامي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n٧٩٨ - الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الرد على أهل الخلاف: أبو عمار عبد الكافي الإباضي، (مطبوع ضمن كتاب آراء الخوارج للدكتور عمار طالبي)، نشر الشركة الوطنية، الجزائر، ١٣٩٠ هـ.\n٧٩٩ - المورد في عمل المولد: تاج الدين الفاكهي، مكتبة المعارف، الرياض، ط: ١، ١٤٠٧ هـ.\n٨٠٠ - موسوعة فضائل سور وآيات القرآن: محمد بن رزق الطرهوني، مكتبة العلم، جدة، ط: ٢، ١٤١٤ هـ.\n٨٠١ - الموضوعات، عبد الرحمن بن علي بن الجوزي: تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، دار الفكر، ط: ٢، ١٤٠٣ هـ.\n٨٠٢ - الموفي بمعرفة التصوف والصوفي: جعفر بن ثعلب الأدفوي، تحقيق د. محمد عيسى، مكتبة دار العربة، الكويت، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٨٠٣ - موقف الإسلام من السحر، د. حياة أخضر، دار المجتمع، جدة، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n٨٠٤ - موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتب والسنة عرضًا ونقدًا: سليمان بن صالح الغصن، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n٨٠٥ - ناسخ الحديث ومنسوخه، عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين: تحقيق سمير بن أمين الزهيري، مكتبة المنار، الأردن، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٨٠٦ - النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين، حمد بن ناصر بن معمر، تحقيق عبد السلام آل عبد الكريم، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n٨٠٧ - النبوات، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية: تحقيق د. عبد العزيز الطويان، أضواء السلف، الرياض، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.\n٨٠٨ - النبي والرسول: د. محمد بن ناصر الحمد، مكتبة القدس، الزلفي، ط: ١، ١٤١٤ هـ.","vol":"1","page":813},{"text":"٨٠٩ - نزهة الأسماع في مسألة السماع، عبد الرحمن بن أحمد بن رجب: تحقيق د. عبد الله الطريقي، ط: ١، ١٤١٣ هـ.\n٨١٠ - نزهة النظر شرح نخبة الفكر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق علي حسن الحلبي، دار ابن الجوزي، الدمام، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n٨١١ - نشر المحاسن الغالية في فضل المشايخ الصوفية أصحاب المقامات العالية: عبد الله بن أسعد اليافعي، ط: ١، ١٣٨١ هـ.\n٨١٢ - نصرة الإمام السبكي برد الصارم المنكي: إبراهيم السمنودي المنصوري، مطبعة الجمهور، ١٣١٩ هـ.\n٨١٣ - نظم المتناثر من الحديث المتواتر: للكتاني، دار الكتب السلفية، القاهرة، ط: ٢.\n٨١٤ - نفائس الدرر في ترجمة ابن حجر: أبو بكر بن محمد باعمرو اليزني السفي، مخطوط بالمكتبة الظاهرية ضمن مجموع رقم: [٢٣١٩] (ص ١٣٨ - ١٤٤).\n٨١٥ - النفوذ البرتغالي في الخليج العربي في القرن العاشر الهجري: نوال الصيرفي، دارة الملك عبد العزيز، الرياض، ط: ١، ١٤٠٣ هـ.\n٨١٦ - نقض المنطق: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق محمد عبد الرزاق حمزة وآخر تصحيح محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية، مصر، ط: ١، ١٣٧٠ هـ.\n٨١٧ - النكت على كتاب ابن الصلاح، أحمد بن علي بن حجر: تحقيق د. ربيع المدخلي، دار الراية، الرياض، ط: ٢، ١٤٠٨ هـ.\n٨١٨ - نهاية الإقدام في علم الكلام: عبد الكريم الشهرستاني، تحقيق ألفرد جيوم، مكتبة الثقافة الدينية.\n٨١٩ - النهاية في غريب الحديث والأثر، مجد الدين المبارك بن محمد بن الأثير: تحقيق طاهر أحمد الزاوي وآخرين، دار الفكر، بيروت.\n٨٢٠ - النهي عن سب الصحابة وما فيه من الإثم والعقاب، محمد بن عبد الواحد المقري: تحقيق عبد الرحمن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n٨٢١ - نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول: للحكيم الترمذي، دار صادر، بيروت.\n٨٢٢ - نواقض الإيمان الاعتقادية: د. محمد بن عبد الله الوهيبي، دار المسلم، الرياض، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n٨٢٣ - نواقض الإيمان القولية والعملية: د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف، دار الوطن، الرياض، ط: ١، ١٤١٤ هـ.","vol":"1","page":814},{"text":"٨٢٤ - النور السافر عن أخبار القرن العاشر: عبد القادر بن شيخ بن عبد الله العيدروسي، تصحيح محمد رشيد الصغار، مطبعة الفرات، بغداد، ١٣٥٣ هـ.\n٨٢٥ - النور المحمدي بين هدي الكتاب المبين وغلو الغالين: عداب محمود الحمش، دار حسان، الرياض، ط: ١، ١٤٠٧ هـ.\n٨٢٦ - نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار: محمد بن علي الشوكاني، دار التراث، القاهرة.\n٨٢٧ - هداية العارفين في أسماء المؤلفين وآثار المصنفين: إسماعيل باشا البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، مصورة عن طبعة إسطنبول سنة ١٩٥١ م.\n٨٢٨ - هدم المنارة لمن صحح أحاديث التوسل والزيارة: عمرو عبد المنعم سليم، دار الضياء، طنطا، ط: ١، ١٤٢٢ هـ.\n٨٢٩ - هذه هي الصوفية: عبد الرحمن الوكيل، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ٤، ١٩٨٤ م.\n٨٣٠ - الهمزية: البوصيري، مطبوعة مع شرحها المنح المكية.\n٨٣١ - الوصول إلى الأصول: أحمد بن علي بن برهان، تحقيق عبد الحميد أبي زنيد، مكتبة المعارف، الرياض، ط: ١، ١٤٠٣ هـ.\n٨٣٢ - الوصية الكبرى: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، نشر قعي محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية، ومكتبتها، ط: ٣، ١٤٠١ هـ.\n٨٣٣ - اليوم الآخر بين اليهودية والمسيحية والإسلام: د. فرج الله عبد الباري، دار الوفاء، المنصورة، ط: ٢، ١٤١٢ هـ.","vol":"1","page":815}]}