{"ً":{"ٌ":151201,"ٍ":"آراء القرطبي والمازري الاعتقادية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/aqmeaqme/aqme.pdf"]},"ّ":"الكتاب: آراء القرطبي والمازري الاعتقادية من خلال شرحيهما لصحيح مسلم (دراسة وترجيح)\nالمؤلف: الدكتور / عبد الله بن محمد بن رميان الرميان\nأصل الكتاب: رسالة دكتوراه - جامعة أم القرى بمكة المكرمة، قسم العقيدة\nالناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، مكة المكرمة - المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ\nعدد الصفحات: ٩١٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3061,"ٕ":1,"ٖ":1770156261,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":3},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":6},{"title":"الباب الأول المازري والقرطبي عصرهما وحياتهما","level":1,"page":13},{"title":"الفصل الأول المازري عصره وحياته","level":2,"page":14},{"title":"المبحث الأول عصره","level":3,"page":15},{"title":"المطلب الأول: الحالة السياسية","level":4,"page":16},{"title":"المطلب الثاني: الحالة العلمية","level":4,"page":20},{"title":"المبحث الثاني حياته الشخصية","level":3,"page":25},{"title":"تمهيد","level":4,"page":26},{"title":"المطلب الأول: اسمه ونسبه وولادته","level":4,"page":27},{"title":"المطلب الثاني: نشأته","level":4,"page":30},{"title":"المطلب الثالث: وفاته","level":4,"page":31},{"title":"المبحث الثالث حياته العلمية","level":3,"page":32},{"title":"المطلب الأول: طلبه للعلم","level":4,"page":33},{"title":"المطلب الثاني: شيوخه","level":4,"page":33},{"title":"المطلب الثالث: جلوسه للتدريس","level":4,"page":35},{"title":"المطلب الرابع: تلاميذه","level":4,"page":38},{"title":"المطلب الخامس: مؤلفاته","level":4,"page":42},{"title":"المطلب السادس: مذهبه الفقهي وعقيدته","level":4,"page":49},{"title":"أولا: مذهبه الفقهي","level":5,"page":49},{"title":"ثانيا: عقيدته","level":5,"page":50},{"title":"المطلب السابع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه","level":4,"page":52},{"title":"المبحث الرابع التعريف بالكتاب وبيان أهميته","level":3,"page":55},{"title":"المطلب الأول: تسميته","level":4,"page":56},{"title":"المطلب الثاني: نسبته للمازري","level":4,"page":58},{"title":"المطلب الثالث: تأليفه","level":4,"page":58},{"title":"المطلب الرابع: أهميته","level":4,"page":60},{"title":"المطلب الخامس: مميزاته ومنهج المازري فيه","level":4,"page":64},{"title":"الفصل الثاني القرطبي عصره وحياته","level":2,"page":67},{"title":"المبحث الأول عصره","level":3,"page":68},{"title":"المطلب الأول: الحالة السياسية","level":4,"page":69},{"title":"أولا: الحال في الأندلس","level":5,"page":71},{"title":"ثانيا: الحال في مصر","level":5,"page":73},{"title":"المطلب الثاني: الحالة العلمية","level":4,"page":74},{"title":"١ - في الأندلس","level":5,"page":74},{"title":"٢ - في مصر","level":5,"page":76},{"title":"المبحث الثاني حياته الشخصية","level":3,"page":79},{"title":"المطلب الأول: اسمه ونسبه","level":4,"page":80},{"title":"المطلب الثاني: مولده ونشأته","level":4,"page":82},{"title":"أولا: مولده","level":5,"page":82},{"title":"ثانيا: بيئته ونشأته","level":5,"page":82},{"title":"المطلب الثالث: أسرته","level":4,"page":85},{"title":"المطلب الرابع: وفاته","level":4,"page":87},{"title":"المبحث الثالث حياته العلمية","level":3,"page":88},{"title":"المطلب الأول: طلبه للعلم ورحلاته فيه","level":4,"page":89},{"title":"المطلب الثاني: شيوخه","level":4,"page":90},{"title":"المطلب الثالث: تلاميذه","level":4,"page":94},{"title":"المطلب الرابع: مؤلفاته","level":4,"page":96},{"title":"المطلب الخامس: مذهبه الفقهي وعقيدته","level":4,"page":102},{"title":"أولا: مذهبه الفقهي","level":5,"page":102},{"title":"ثانيا: عقيدته","level":5,"page":104},{"title":"المطلب السادس: علمه وثناء العلماء عليه","level":4,"page":105},{"title":"المبحث الرابع التعريف بالكتاب وبيان أهميته","level":3,"page":107},{"title":"المطلب الأول: تسميته","level":4,"page":108},{"title":"المطلب الثاني: نسبته للقرطبي","level":4,"page":108},{"title":"المطلب الثالث: تأليفه","level":4,"page":108},{"title":"المطلب الرابع: أهمية الكتاب","level":4,"page":109},{"title":"المطلب الخامس: مميزاته","level":4,"page":111},{"title":"المطلب السادس: منهج القرطبي فيه","level":4,"page":113},{"title":"الباب الثاني الإيمان والتوحيد","level":1,"page":114},{"title":"الفصل الأول الإيمان وما يتعلق به من مسائل","level":2,"page":115},{"title":"المبحث الأول تعريف الإيمان لغة وشرعا وحكم الاستثناء فيه","level":3,"page":116},{"title":"المطلب الأول: تعريف الإيمان لغة","level":4,"page":117},{"title":"المطلب الثاني: تعريفه شرعا","level":4,"page":118},{"title":"المطلب الثالث: الاستثناء في الإيمان","level":4,"page":133},{"title":"المبحث الثاني الإيمان والإسلام","level":3,"page":137},{"title":"المبحث الثالث الكبيرة وحكم مرتكبها","level":3,"page":144},{"title":"المطلب الأول: تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر","level":4,"page":145},{"title":"المطلب الثاني: تعريف الكبيرة وتحديدها","level":4,"page":149},{"title":"المطلب الثالث: حكم مرتكب الكبيرة","level":4,"page":151},{"title":"الفصل الثاني توحيد الربوبية","level":2,"page":159},{"title":"التمهيد: علم الكلام وموقف السلف منه","level":3,"page":160},{"title":"المبحث الأول أول واجب على المكلف والرد على المتكلمين","level":3,"page":168},{"title":"المبحث الثاني معنى توحيد الربوبية وأدلته","level":3,"page":175},{"title":"المطلب الأول: تعريف توحيد الربوبية لغة","level":4,"page":176},{"title":"المطلب الثاني: تعريف توحيد الربوبية شرعا","level":4,"page":177},{"title":"المطلب الثالث: أدلة توحيد الربوبية","level":4,"page":179},{"title":"المبحث الثالث الإيمان بالقدر","level":3,"page":196},{"title":"المطلب الأول: تعريف القضاء والقدر لغة وشرعا","level":4,"page":197},{"title":"(أ) لغة","level":5,"page":197},{"title":"(ب) تعريفه شرعا","level":5,"page":198},{"title":"المطلب الثاني: هل يقع في القدر تغيير وتبديل أو محو وإثبات؟","level":4,"page":208},{"title":"المطلب الثالث: القضاء والقدر وفعل الأسباب","level":4,"page":213},{"title":"المطلب الرابع: الاحتجاج بالقدر على المعاصي","level":4,"page":218},{"title":"المطلب الخامس: أفعال العباد","level":4,"page":223},{"title":"المطلب السادس: الحكمة والتعليل في أفعال الله","level":4,"page":228},{"title":"المطلب السابع: تكليف ما لا يطاق","level":4,"page":230},{"title":"المطلب الثامن: معنى الظلم","level":4,"page":233},{"title":"المطلب العاشر: التحسين والتقبيح","level":4,"page":238},{"title":"الفصل الثالث توحيد الألوهية","level":2,"page":243},{"title":"المبحث الأول حقيقته ومكانته","level":3,"page":244},{"title":"المبحث الثاني العبادة وبعض أنواعها","level":3,"page":249},{"title":"المطلب الأول: تعريفها وشروط صحتها","level":4,"page":250},{"title":"المطلب الثاني: بعض أنواع العبادة","level":4,"page":252},{"title":"المبحث الثالث نواقض التوحيدي وقوادحه","level":3,"page":260},{"title":"المطلب الأول: الشرك","level":4,"page":261},{"title":"أنواع الشرك","level":5,"page":262},{"title":"من وسائل الشرك","level":5,"page":263},{"title":"المطلب الثاني: الكفر","level":4,"page":265},{"title":"تعريفه لغة وشرعا","level":5,"page":265},{"title":"أنواع الكفر","level":5,"page":266},{"title":"المطلب الثالث: النفاق","level":4,"page":266},{"title":"أنواع النفاق","level":5,"page":267},{"title":"الحكم في المنافق","level":5,"page":270},{"title":"المطلب الرابع: الفسق","level":4,"page":271},{"title":"المطلب الخامس: الحلف بغير الله","level":4,"page":272},{"title":"المطلب السادس: الطيرة","level":4,"page":278},{"title":"المطلب السابع: التبرك","level":4,"page":288},{"title":"التبرك بالنبي -ﷺ-","level":5,"page":288},{"title":"التبرك بالصالحين","level":5,"page":294},{"title":"المطلب الثامن: السحر","level":4,"page":295},{"title":"حكم إنكار السحر","level":5,"page":296},{"title":"حقيقة السحر وتأثيره","level":5,"page":297},{"title":"موقف القرطبي والمازري مما ورد أن النبي -ﷺ- قد سحر","level":5,"page":302},{"title":"حكم الساحر","level":5,"page":304},{"title":"المطلب التاسع: النشرة","level":4,"page":307},{"title":"المطلب العاشر: الرقى والتمائم","level":4,"page":309},{"title":"الرقى","level":5,"page":309},{"title":"التمائم","level":5,"page":316},{"title":"المطلب الحادي عشر: التنجيم","level":4,"page":318},{"title":"المطلب الثاني عشر: الكهانة","level":4,"page":322},{"title":"تعريف الكاهن","level":5,"page":322},{"title":"استمداد الكهان","level":5,"page":322},{"title":"تحريم الكهانة والنهي عن إتيان الكهان","level":5,"page":323},{"title":"المطلب الثالث عشر: ما جاء في كراهية بعض الألفاظ","level":4,"page":325},{"title":"أ - التسمي بملك الأملاك","level":5,"page":325},{"title":"ب - كلمة (لو)","level":5,"page":325},{"title":"ج - القول للمملوك: عبدي، وللسيد: ربي","level":5,"page":327},{"title":"المطلب الرابع عشر: نسبة الحوادث إلى الدهر","level":4,"page":328},{"title":"المبحث الرابع البدع والموقف من الفرق المبتدعة","level":3,"page":330},{"title":"المطلب الأول: ما يعصم من البدع","level":4,"page":331},{"title":"١ - الدعوة إلى التمسك بالكتاب والسنة","level":5,"page":331},{"title":"٢ - ذم الكلام وتقديم العقل على الشرع","level":5,"page":332},{"title":"٣ - سلوك منهج السلف","level":5,"page":333},{"title":"المطلب الثاني: تعريف البدعة والموقف من المبتدعة","level":4,"page":333},{"title":"تعريف البدعة","level":5,"page":333},{"title":"الموقف من المبتدعة","level":5,"page":334},{"title":"التحذير من التشبه بالمبتدعة","level":6,"page":334},{"title":"جواز غيبتهم","level":6,"page":335},{"title":"هجرهم","level":6,"page":336},{"title":"ترك الصلاة عليهم","level":6,"page":337},{"title":"المطلب الثالث: الكلام على بعض الفرق المبتدعة","level":4,"page":338},{"title":"١ - الخوارج","level":5,"page":338},{"title":"سبب التسمية","level":6,"page":339},{"title":"ضلالتهم وعظم الابتلاء بهم","level":6,"page":339},{"title":"سبب خروجهم","level":6,"page":340},{"title":"الحكم على الخوارج","level":6,"page":341},{"title":"الرد عليهم","level":6,"page":343},{"title":"٢ - الصوفية","level":5,"page":343},{"title":"أ - الكشف الصوفي","level":6,"page":344},{"title":"ب - في تقديسهم للأولياء","level":6,"page":346},{"title":"ج - في الوسوسة والغلو في الزهد","level":6,"page":348},{"title":"د - في الوجد والسماع","level":6,"page":350},{"title":"هـ - في جهلهم بمفهوم التوكل","level":6,"page":352},{"title":"٣ - المعتزلة","level":5,"page":353},{"title":"٤ - الشيعة","level":5,"page":354},{"title":"حكم الشيعة","level":6,"page":355},{"title":"الرد عليهم","level":6,"page":356},{"title":"٥ - القدرية","level":5,"page":356},{"title":"٦ - المرجئة","level":5,"page":357},{"title":"٧ - الأشاعرة","level":5,"page":358},{"title":"الفصل الرابع توحيد الأسماء والصفات","level":2,"page":360},{"title":"تمهيد","level":3,"page":361},{"title":"المبحث الأول منهجهما في أسماء الله تعالى","level":3,"page":365},{"title":"المطلب الأول: الاسم والمسمى","level":4,"page":366},{"title":"المطلب الثاني: عدد أسماء الله تعالى","level":4,"page":373},{"title":"المطلب الثالث: معنى الإحصاء المذكور","level":4,"page":375},{"title":"المطلب الرابع: طريق إثباتها","level":4,"page":377},{"title":"المطلب الخامس: أقسامها","level":4,"page":382},{"title":"المطلب السادس: اسم الله الأعظم","level":4,"page":382},{"title":"المطلب السابع: شرح بعض أسماء الله تعالى","level":4,"page":384},{"title":"المطلب الثامن: الأسماء المزدوجة","level":4,"page":397},{"title":"المطلب التاسع: ما ليس من أسماء الله","level":4,"page":398},{"title":"المبحث الثاني منهجهما في صفات الله تعالى","level":3,"page":403},{"title":"المطلب الأول: منهج السلف في الصفات","level":4,"page":404},{"title":"المطلب الثاني: منهجهما في الصفات وموقفهما من ظواهر النصوص","level":4,"page":408},{"title":"التفويض","level":5,"page":418},{"title":"المطلب الثالث: الشبهات العقلية التي ردوا بها الصفات","level":4,"page":422},{"title":"١ - التركيب","level":5,"page":427},{"title":"٢ - الجسم","level":5,"page":429},{"title":"٣ - حلول الحوادث والأعراض","level":5,"page":432},{"title":"٤ - الجهة والتحيز","level":5,"page":434},{"title":"٥ - الحد","level":5,"page":435},{"title":"٦ - لفظ الأعضاء والأركان والجوارح","level":5,"page":437},{"title":"المطلب الرابع: رمي السلف بالتشبيه والتجسيم","level":4,"page":438},{"title":"المطلب الخامس: منهجهما في سائر صفات الله تعالى","level":4,"page":443},{"title":"صفة العلم","level":5,"page":443},{"title":"صفة القدرة","level":5,"page":444},{"title":"صفة الإرادة","level":5,"page":445},{"title":"صفة الكلام","level":5,"page":448},{"title":"الكلام النفسي","level":5,"page":449},{"title":"قولهم كلام الله ليس بحرف ولا صوت","level":5,"page":452},{"title":"صفتا السمع والبصر","level":5,"page":456},{"title":"صفة العلو","level":5,"page":459},{"title":"صفة العزة","level":5,"page":473},{"title":"صفتا العظمة والكبرياء","level":5,"page":475},{"title":"وصف الله تعالى بالصورة","level":5,"page":477},{"title":"صفة الوجه","level":5,"page":489},{"title":"صفة اليد","level":5,"page":494},{"title":"إطلاق اليمين والشمال على يد الله تعالى","level":5,"page":500},{"title":"صفة الأصابع","level":5,"page":506},{"title":"صفة الرجل والقدم","level":5,"page":514},{"title":"صفة الساق","level":5,"page":522},{"title":"صفة الاستواء","level":5,"page":525},{"title":"صفة النزول","level":5,"page":530},{"title":"صفتا الإتيان والمجيء","level":5,"page":537},{"title":"صفة القرب والدنو","level":5,"page":540},{"title":"صفة المعية","level":5,"page":542},{"title":"صفتا الرضا والغضب","level":5,"page":544},{"title":"صفة الفرح","level":5,"page":547},{"title":"صفة الضحك","level":5,"page":549},{"title":"صفة المحبة","level":5,"page":555},{"title":"صفة الخلة","level":5,"page":558},{"title":"صفة الغيرة","level":5,"page":560},{"title":"صفة الاستحياء","level":5,"page":563},{"title":"صفة الإعراض","level":5,"page":564},{"title":"صفة السخرية والاستهزاء والمكر","level":5,"page":565},{"title":"صفة الرحمة","level":5,"page":569},{"title":"صفة الصبر","level":5,"page":571},{"title":"صفة الكنف","level":5,"page":572},{"title":"صفة العتب","level":5,"page":573},{"title":"صفة الملل","level":5,"page":574},{"title":"صفة النظر","level":5,"page":576},{"title":"صفة الأذن \"بمعنى الاستماع\"","level":5,"page":578},{"title":"نسبة استطابة الروائح إلى الله تعالى","level":5,"page":580},{"title":"وصف الله تعالى بأنه شخص","level":5,"page":581},{"title":"إطلاق لفظ \"الذات\" على الله تعالى","level":5,"page":583},{"title":"إطلاق النفس على الله تعالى","level":5,"page":585},{"title":"المبحث الثالث منهجهما في رؤية الله تعالى","level":3,"page":588},{"title":"رؤيته في الدنيا","level":4,"page":589},{"title":"هل رأى الرسول - ﷺ - ربه ليلة الإسراء","level":4,"page":591},{"title":"رؤيته تعالى في الآخرة","level":4,"page":593},{"title":"الرد على منكري الرؤية","level":4,"page":595},{"title":"الباب الثالث النبوة والإمامة والصحابة","level":1,"page":601},{"title":"الفصل الأول النبوة","level":2,"page":602},{"title":"المبحث الأول تعريف النبوة والرسالة وبيان فضل الأنبياء","level":3,"page":603},{"title":"المطلب الأول: النبوة والرسالة والفرق بينهما","level":4,"page":604},{"title":"المطلب الثاني: فضل الأنبياء ومكانتهم","level":4,"page":606},{"title":"المطلب الثالث: المفاضلة بين الأنبياء","level":4,"page":609},{"title":"المطلب الرابع: نبوة الخضر وحياته","level":4,"page":617},{"title":"نبوته","level":5,"page":617},{"title":"حياته","level":5,"page":620},{"title":"المطلب الخامس: نبوة النساء","level":4,"page":622},{"title":"المبحث الثاني دلائل النبوة","level":3,"page":626},{"title":"المطلب الأول: المعجزة والكرامة","level":4,"page":627},{"title":"المطلب الثاني: معجزاته ﵊","level":4,"page":631},{"title":"المبحث الثالث عصمة الأنبياء","level":3,"page":644},{"title":"المبحث الرابع خصائص نبينا محمد - ﷺ -","level":3,"page":649},{"title":"المبحث الخامس الإيمان بالملائكة والجن","level":3,"page":660},{"title":"المطلب الأول: الإيمان بالملائكة","level":4,"page":661},{"title":"١ - تعريف الملائكة","level":5,"page":661},{"title":"٢ - الإيمان بالملائكة","level":5,"page":661},{"title":"٣ - صفاتهم","level":5,"page":662},{"title":"٤ - تفاضلهم","level":5,"page":664},{"title":"٥ - أعمالهم","level":5,"page":667},{"title":"المطلب الثاني: الإيمان بالجن","level":4,"page":671},{"title":"تعريفهم","level":5,"page":672},{"title":"صفاتهم","level":5,"page":673},{"title":"تكليفهم","level":5,"page":674},{"title":"الفصل الثاني الإمامة","level":2,"page":676},{"title":"المبحث الأول حكم نصب الإمام وبما تنعقد به الإمامة","level":3,"page":677},{"title":"المبحث الثاني البيعة","level":3,"page":682},{"title":"المبحث الثالث شروط الإمام","level":3,"page":685},{"title":"١ - القرشية","level":4,"page":685},{"title":"٢ - الحرية","level":4,"page":687},{"title":"المبحث الرابع واجبات الإمام وحقوقه","level":3,"page":689},{"title":"١ - واجبات الإمام","level":4,"page":689},{"title":"٣ - حقوق الإمام","level":4,"page":690},{"title":"المبحث الخامس الموقف من الأئمة","level":3,"page":694},{"title":"الفصل الثالث الصحابة","level":2,"page":697},{"title":"المبحث الأول مكانة الصحابة وفضلهم","level":3,"page":698},{"title":"تفضيل الصحابة على من بعدهم","level":4,"page":699},{"title":"المفاضلة بين الصحابة","level":4,"page":702},{"title":"المبحث الثاني عدالتهم وعظم الطعن فيهم","level":3,"page":706},{"title":"المبحث الثالث الموقف مما وقع بينهم","level":3,"page":708},{"title":"الدفاع عن صحابة بأعيانهم","level":4,"page":710},{"title":"الباب الرابع اليوم الآخر","level":1,"page":717},{"title":"الفصل الأول أشراط الساعة","level":2,"page":718},{"title":"تمهيد","level":3,"page":719},{"title":"المبحث الأول تعريف أشراط الساعة وأقسامها","level":3,"page":720},{"title":"أولا: تعريف أشراط الساعة","level":4,"page":720},{"title":"ثانيا: أقسامها","level":4,"page":720},{"title":"المبحث الثاني أشراط الساعة الصغرى","level":3,"page":722},{"title":"١ - بعثة النبي -ﷺ-","level":4,"page":722},{"title":"٢ - ظهور نار الحجاز","level":4,"page":722},{"title":"٣ - رفع العلم وظهور الجهل","level":4,"page":723},{"title":"٤ - أن تلد الأمة ربتها","level":4,"page":724},{"title":"٥ - التطاول في البنيان","level":4,"page":725},{"title":"٦ - عبادة الأوثان","level":4,"page":726},{"title":"٧ - حسر الفرات عن جبل من ذهب","level":4,"page":728},{"title":"٨ - عودة أرض العرب مروجا وأنهارا","level":4,"page":728},{"title":"المبحث الثالث أشراط الساعة الكبرى","level":3,"page":730},{"title":"١ - المهدي","level":4,"page":730},{"title":"٢ - المسيح الدجال","level":4,"page":732},{"title":"٣ - نزول عيسى ﵇","level":4,"page":737},{"title":"٤ - يأجوج ومأجوج","level":4,"page":739},{"title":"أصلهم","level":5,"page":740},{"title":"خروجهم من السد","level":5,"page":741},{"title":"٥ - الخسوفات الثلاثة","level":4,"page":742},{"title":"٦ - الدخان","level":4,"page":743},{"title":"٧ - طلوع الشمس من مغربها","level":4,"page":745},{"title":"٨ - الدابة","level":4,"page":747},{"title":"٩ - النار التي تحشر الناس","level":4,"page":749},{"title":"الفصل الثاني فتنة القبر وعذابه ونعيمه","level":2,"page":751},{"title":"المبحث الأول الروح","level":3,"page":752},{"title":"مستقر الأرواح بعد مفارقة الأبدان","level":4,"page":754},{"title":"المبحث الثاني فتنة القبر","level":3,"page":759},{"title":"المبحث الثالث عذاب القبر ونعيمه","level":3,"page":762},{"title":"المبحث الرابع سماع الموتى","level":3,"page":764},{"title":"الفصل الثالث البعث والنشور","level":2,"page":768},{"title":"المبحث الأول النفخ في الصور","level":3,"page":769},{"title":"عدد النفخات في الصور","level":4,"page":769},{"title":"المبحث الثاني البعث والنشور","level":3,"page":774},{"title":"صفة البعث والنشور","level":4,"page":774},{"title":"المبحث الثالث الحشر","level":3,"page":776},{"title":"أرض المحشر","level":4,"page":777},{"title":"المبحث الرابع الميزان","level":3,"page":779},{"title":"ما الذي يوزن في الميزان","level":4,"page":779},{"title":"المبحث الخامس الشفاعة","level":3,"page":782},{"title":"أنواع الشفاعة","level":4,"page":783},{"title":"المبحث السادس الحوض","level":3,"page":785},{"title":"وجوب الإيمان به والرد على من أنكره","level":4,"page":785},{"title":"موضع الحوض","level":4,"page":786},{"title":"عظم الحوض ودفع دعوى الاضطراب في أحاديث تحديده","level":4,"page":787},{"title":"من يرد الحوض ومن يرد عنه","level":4,"page":788},{"title":"المبحث السابع الصراط","level":3,"page":790},{"title":"المبحث الثامن ذبح الموت","level":3,"page":792},{"title":"الفصل الرابع الجنة والنار","level":2,"page":795},{"title":"خلق الجنة والنار","level":3,"page":796},{"title":"خلود الجنة والنار","level":3,"page":798},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":800},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":803},{"title":"حرف الألف","level":2,"page":803},{"title":"حرف الباء","level":2,"page":805},{"title":"حرف التاء","level":2,"page":805},{"title":"حرف الجيم","level":2,"page":808},{"title":"حرف الحاء","level":2,"page":808},{"title":"حرف الخاء","level":2,"page":809},{"title":"حرف الدال","level":2,"page":809},{"title":"حرف الذال","level":2,"page":810},{"title":"حرف الراء","level":2,"page":810},{"title":"حرف الزاء","level":2,"page":810},{"title":"حرف السين","level":2,"page":811},{"title":"حرف الشين","level":2,"page":811},{"title":"حرف الصاد","level":2,"page":813},{"title":"حرف الضاد","level":2,"page":814},{"title":"حرف الطاء","level":2,"page":814},{"title":"حرف العين","level":2,"page":815},{"title":"حرف الغين","level":2,"page":816},{"title":"حرف الفاء","level":2,"page":816},{"title":"حرف القاف","level":2,"page":817},{"title":"حرف الكاف","level":2,"page":817},{"title":"حرف اللام","level":2,"page":818},{"title":"حرف الميم","level":2,"page":818},{"title":"حرف النون","level":2,"page":822},{"title":"حرف الهاء","level":2,"page":822},{"title":"حرف الواو","level":2,"page":822},{"title":"الرسائل العلمية والمجلات","level":2,"page":823}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,15":14,"1,17":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,29":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,39":33,"1,40":34,"1,41":35,"1,42":36,"1,43":37,"1,44":38,"1,45":39,"1,46":40,"1,47":41,"1,48":42,"1,49":43,"1,50":44,"1,51":45,"1,52":46,"1,53":47,"1,54":48,"1,55":49,"1,56":50,"1,57":51,"1,58":52,"1,59":53,"1,60":54,"1,61":55,"1,63":56,"1,64":57,"1,65":58,"1,66":59,"1,67":60,"1,68":61,"1,69":62,"1,70":63,"1,71":64,"1,72":65,"1,73":66,"1,75":67,"1,77":68,"1,79":69,"1,80":70,"1,81":71,"1,82":72,"1,83":73,"1,84":74,"1,85":75,"1,86":76,"1,87":77,"1,88":78,"1,89":79,"1,91":80,"1,92":81,"1,93":82,"1,94":83,"1,95":84,"1,96":85,"1,97":86,"1,98":87,"1,99":88,"1,101":89,"1,102":90,"1,103":91,"1,104":92,"1,105":93,"1,106":94,"1,107":95,"1,108":96,"1,109":97,"1,110":98,"1,111":99,"1,112":100,"1,113":101,"1,114":102,"1,115":103,"1,116":104,"1,117":105,"1,118":106,"1,119":107,"1,121":108,"1,122":109,"1,123":110,"1,124":111,"1,125":112,"1,126":113,"1,127":114,"1,129":115,"1,131":116,"1,133":117,"1,134":118,"1,135":119,"1,136":120,"1,137":121,"1,138":122,"1,139":123,"1,140":124,"1,141":125,"1,142":126,"1,143":127,"1,144":128,"1,145":129,"1,146":130,"1,147":131,"1,148":132,"1,149":133,"1,150":134,"1,151":135,"1,152":136,"1,153":137,"1,154":138,"1,155":139,"1,156":140,"1,157":141,"1,158":142,"1,159":143,"1,161":144,"1,163":145,"1,164":146,"1,165":147,"1,166":148,"1,167":149,"1,168":150,"1,169":151,"1,170":152,"1,171":153,"1,172":154,"1,173":155,"1,174":156,"1,175":157,"1,176":158,"1,177":159,"1,179":160,"1,180":161,"1,181":162,"1,182":163,"1,183":164,"1,184":165,"1,185":166,"1,186":167,"1,187":168,"1,188":169,"1,189":170,"1,190":171,"1,191":172,"1,192":173,"1,193":174,"1,195":175,"1,197":176,"1,198":177,"1,199":178,"1,200":179,"1,201":180,"1,202":181,"1,203":182,"1,204":183,"1,205":184,"1,206":185,"1,207":186,"1,208":187,"1,209":188,"1,210":189,"1,211":190,"1,212":191,"1,213":192,"1,214":193,"1,215":194,"1,216":195,"1,217":196,"1,219":197,"1,220":198,"1,221":199,"1,222":200,"1,223":201,"1,224":202,"1,225":203,"1,226":204,"1,227":205,"1,228":206,"1,229":207,"1,230":208,"1,231":209,"1,232":210,"1,233":211,"1,234":212,"1,235":213,"1,236":214,"1,237":215,"1,238":216,"1,239":217,"1,240":218,"1,241":219,"1,242":220,"1,243":221,"1,244":222,"1,245":223,"1,246":224,"1,247":225,"1,248":226,"1,249":227,"1,250":228,"1,251":229,"1,252":230,"1,253":231,"1,254":232,"1,255":233,"1,256":234,"1,257":235,"1,258":236,"1,259":237,"1,260":238,"1,261":239,"1,262":240,"1,263":241,"1,264":242,"1,265":243,"1,267":244,"1,268":245,"1,269":246,"1,270":247,"1,271":248,"1,273":249,"1,275":250,"1,276":251,"1,277":252,"1,278":253,"1,279":254,"1,280":255,"1,281":256,"1,282":257,"1,283":258,"1,284":259,"1,285":260,"1,287":261,"1,288":262,"1,289":263,"1,290":264,"1,291":265,"1,292":266,"1,293":267,"1,294":268,"1,295":269,"1,296":270,"1,297":271,"1,298":272,"1,299":273,"1,300":274,"1,301":275,"1,302":276,"1,303":277,"1,304":278,"1,305":279,"1,306":280,"1,307":281,"1,308":282,"1,309":283,"1,310":284,"1,311":285,"1,312":286,"1,313":287,"1,314":288,"1,315":289,"1,316":290,"1,317":291,"1,318":292,"1,319":293,"1,320":294,"1,321":295,"1,322":296,"1,323":297,"1,324":298,"1,325":299,"1,326":300,"1,327":301,"1,328":302,"1,329":303,"1,330":304,"1,331":305,"1,332":306,"1,333":307,"1,334":308,"1,335":309,"1,336":310,"1,337":311,"1,338":312,"1,339":313,"1,340":314,"1,341":315,"1,342":316,"1,343":317,"1,344":318,"1,345":319,"1,346":320,"1,347":321,"1,348":322,"1,349":323,"1,350":324,"1,351":325,"1,352":326,"1,353":327,"1,354":328,"1,355":329,"1,357":330,"1,359":331,"1,360":332,"1,361":333,"1,362":334,"1,363":335,"1,364":336,"1,365":337,"1,366":338,"1,367":339,"1,368":340,"1,369":341,"1,370":342,"1,371":343,"1,372":344,"1,373":345,"1,374":346,"1,375":347,"1,376":348,"1,377":349,"1,378":350,"1,379":351,"1,380":352,"1,381":353,"1,382":354,"1,383":355,"1,384":356,"1,385":357,"1,386":358,"1,387":359,"1,389":360,"1,391":361,"1,392":362,"1,393":363,"1,394":364,"1,395":365,"1,397":366,"1,398":367,"1,399":368,"1,400":369,"1,401":370,"1,402":371,"1,403":372,"1,404":373,"1,405":374,"1,406":375,"1,407":376,"1,408":377,"1,409":378,"1,410":379,"1,411":380,"1,412":381,"1,413":382,"1,414":383,"1,415":384,"1,416":385,"1,417":386,"1,418":387,"1,419":388,"1,420":389,"1,421":390,"1,422":391,"1,423":392,"1,424":393,"1,425":394,"1,426":395,"1,427":396,"1,428":397,"1,429":398,"1,430":399,"1,431":400,"1,432":401,"1,433":402,"1,434":403,"1,435":404,"1,436":405,"1,437":406,"1,438":407,"1,439":408,"1,440":409,"1,441":410,"1,442":411,"1,443":412,"1,444":413,"1,445":414,"1,446":415,"1,447":416,"1,448":417,"1,449":418,"1,450":419,"1,451":420,"1,452":421,"1,453":422,"1,454":423,"1,455":424,"1,456":425,"1,457":426,"1,458":427,"1,459":428,"1,460":429,"1,461":430,"1,462":431,"1,463":432,"1,464":433,"1,465":434,"1,466":435,"1,467":436,"1,468":437,"1,469":438,"1,470":439,"1,471":440,"1,472":441,"1,473":442,"1,474":443,"1,475":444,"1,476":445,"1,477":446,"1,478":447,"1,479":448,"1,480":449,"1,481":450,"1,482":451,"1,483":452,"1,484":453,"1,485":454,"1,486":455,"1,487":456,"1,488":457,"1,489":458,"1,490":459,"1,491":460,"1,492":461,"1,493":462,"1,494":463,"1,495":464,"1,496":465,"1,497":466,"1,498":467,"1,499":468,"1,500":469,"1,501":470,"1,502":471,"1,503":472,"1,504":473,"1,505":474,"1,506":475,"1,507":476,"1,508":477,"1,509":478,"1,510":479,"1,511":480,"1,512":481,"1,513":482,"1,514":483,"1,515":484,"1,516":485,"1,517":486,"1,518":487,"1,519":488,"1,520":489,"1,521":490,"1,522":491,"1,523":492,"1,524":493,"1,525":494,"1,526":495,"1,527":496,"1,528":497,"1,529":498,"1,530":499,"1,531":500,"1,532":501,"1,533":502,"1,534":503,"1,535":504,"1,536":505,"1,537":506,"1,538":507,"1,539":508,"1,540":509,"1,541":510,"1,542":511,"1,543":512,"1,544":513,"1,545":514,"1,546":515,"1,547":516,"1,548":517,"1,549":518,"1,550":519,"1,551":520,"1,552":521,"1,553":522,"1,554":523,"1,555":524,"1,556":525,"1,557":526,"1,558":527,"1,559":528,"1,560":529,"1,561":530,"1,562":531,"1,563":532,"1,564":533,"1,565":534,"1,566":535,"1,567":536,"1,568":537,"1,569":538,"1,570":539,"1,571":540,"1,572":541,"1,573":542,"1,574":543,"1,575":544,"1,576":545,"1,577":546,"1,578":547,"1,579":548,"1,580":549,"1,581":550,"1,582":551,"1,583":552,"1,584":553,"1,585":554,"1,586":555,"1,587":556,"1,588":557,"1,589":558,"1,590":559,"1,591":560,"1,592":561,"1,593":562,"1,594":563,"1,595":564,"1,596":565,"1,597":566,"1,598":567,"1,599":568,"1,600":569,"1,601":570,"1,602":571,"1,603":572,"1,604":573,"1,605":574,"1,606":575,"1,607":576,"1,608":577,"1,609":578,"1,610":579,"1,611":580,"1,612":581,"1,613":582,"1,614":583,"1,615":584,"1,616":585,"1,617":586,"1,618":587,"1,619":588,"1,620":589,"1,621":590,"1,622":591,"1,623":592,"1,624":593,"1,625":594,"1,626":595,"1,627":596,"1,628":597,"1,629":598,"1,630":599,"1,631":600,"1,633":601,"1,635":602,"1,637":603,"1,639":604,"1,640":605,"1,641":606,"1,642":607,"1,643":608,"1,644":609,"1,645":610,"1,646":611,"1,647":612,"1,648":613,"1,649":614,"1,650":615,"1,651":616,"1,652":617,"1,653":618,"1,654":619,"1,655":620,"1,656":621,"1,657":622,"1,658":623,"1,659":624,"1,660":625,"1,661":626,"1,663":627,"1,664":628,"1,665":629,"1,666":630,"1,667":631,"1,668":632,"1,669":633,"1,670":634,"1,671":635,"1,672":636,"1,673":637,"1,674":638,"1,675":639,"1,676":640,"1,677":641,"1,678":642,"1,679":643,"1,680":644,"1,681":645,"1,682":646,"1,683":647,"1,684":648,"1,685":649,"1,686":650,"1,687":651,"1,688":652,"1,689":653,"1,690":654,"1,691":655,"1,692":656,"1,693":657,"1,694":658,"1,695":659,"1,697":660,"1,699":661,"1,700":662,"1,701":663,"1,702":664,"1,703":665,"1,704":666,"1,705":667,"1,706":668,"1,707":669,"1,708":670,"1,709":671,"1,710":672,"1,711":673,"1,712":674,"1,713":675,"1,715":676,"1,717":677,"1,718":678,"1,719":679,"1,720":680,"1,721":681,"1,722":682,"1,723":683,"1,724":684,"1,725":685,"1,726":686,"1,727":687,"1,728":688,"1,729":689,"1,730":690,"1,731":691,"1,732":692,"1,733":693,"1,734":694,"1,735":695,"1,736":696,"1,737":697,"1,739":698,"1,740":699,"1,741":700,"1,742":701,"1,743":702,"1,744":703,"1,745":704,"1,746":705,"1,747":706,"1,748":707,"1,749":708,"1,750":709,"1,751":710,"1,752":711,"1,753":712,"1,754":713,"1,755":714,"1,756":715,"1,757":716,"1,759":717,"1,761":718,"1,763":719,"1,764":720,"1,765":721,"1,766":722,"1,767":723,"1,768":724,"1,769":725,"1,770":726,"1,771":727,"1,772":728,"1,773":729,"1,774":730,"1,775":731,"1,776":732,"1,777":733,"1,778":734,"1,779":735,"1,780":736,"1,781":737,"1,782":738,"1,783":739,"1,784":740,"1,785":741,"1,786":742,"1,787":743,"1,788":744,"1,789":745,"1,790":746,"1,791":747,"1,792":748,"1,793":749,"1,794":750,"1,795":751,"1,797":752,"1,798":753,"1,799":754,"1,800":755,"1,801":756,"1,802":757,"1,803":758,"1,804":759,"1,805":760,"1,806":761,"1,807":762,"1,808":763,"1,809":764,"1,810":765,"1,811":766,"1,812":767,"1,813":768,"1,815":769,"1,816":770,"1,817":771,"1,818":772,"1,819":773,"1,820":774,"1,821":775,"1,822":776,"1,823":777,"1,824":778,"1,825":779,"1,826":780,"1,827":781,"1,828":782,"1,829":783,"1,830":784,"1,831":785,"1,832":786,"1,833":787,"1,834":788,"1,835":789,"1,836":790,"1,837":791,"1,838":792,"1,839":793,"1,840":794,"1,841":795,"1,842":796,"1,843":797,"1,844":798,"1,845":799,"1,846":800,"1,847":801,"1,848":802,"1,895":803,"1,896":804,"1,897":805,"1,898":806,"1,899":807,"1,900":808,"1,901":809,"1,902":810,"1,903":811,"1,904":812,"1,905":813,"1,906":814,"1,907":815,"1,908":816,"1,909":817,"1,910":818,"1,911":819,"1,912":820,"1,913":821,"1,914":822,"1,915":823},"ٜ":{"1":[1,915]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,15","1,17","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,29","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,75","1,77","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,129","1,131","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,161","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,195","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,273","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,357","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,389","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,633","1,635","1,637","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,697","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,715","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729","1,730","1,731","1,732","1,733","1,734","1,735","1,736","1,737","1,739","1,740","1,741","1,742","1,743","1,744","1,745","1,746","1,747","1,748","1,749","1,750","1,751","1,752","1,753","1,754","1,755","1,756","1,757","1,759","1,761","1,763","1,764","1,765","1,766","1,767","1,768","1,769","1,770","1,771","1,772","1,773","1,774","1,775","1,776","1,777","1,778","1,779","1,780","1,781","1,782","1,783","1,784","1,785","1,786","1,787","1,788","1,789","1,790","1,791","1,792","1,793","1,794","1,795","1,797","1,798","1,799","1,800","1,801","1,802","1,803","1,804","1,805","1,806","1,807","1,808","1,809","1,810","1,811","1,812","1,813","1,815","1,816","1,817","1,818","1,819","1,820","1,821","1,822","1,823","1,824","1,825","1,826","1,827","1,828","1,829","1,830","1,831","1,832","1,833","1,834","1,835","1,836","1,837","1,838","1,839","1,840","1,841","1,842","1,843","1,844","1,845","1,846","1,847","1,848","1,895","1,896","1,897","1,898","1,899","1,900","1,901","1,902","1,903","1,904","1,905","1,906","1,907","1,908","1,909","1,910","1,911","1,912","1,913","1,914","1,915"],"ٞ":{"3":[1],"6":[2],"13":[3],"14":[4],"15":[5],"16":[6],"20":[7],"25":[8],"26":[9],"27":[10],"30":[11],"31":[12],"32":[13],"33":[14,15],"35":[16],"38":[17],"42":[18],"49":[19,20],"50":[21],"52":[22],"55":[23],"56":[24],"58":[25,26],"60":[27],"64":[28],"67":[29],"68":[30],"69":[31],"71":[32],"73":[33],"74":[34,35],"76":[36],"79":[37],"80":[38],"82":[39,40,41],"85":[42],"87":[43],"88":[44],"89":[45],"90":[46],"94":[47],"96":[48],"102":[49,50],"104":[51],"105":[52],"107":[53],"108":[54,55,56],"109":[57],"111":[58],"113":[59],"114":[60],"115":[61],"116":[62],"117":[63],"118":[64],"133":[65],"137":[66],"144":[67],"145":[68],"149":[69],"151":[70],"159":[71],"160":[72],"168":[73],"175":[74],"176":[75],"177":[76],"179":[77],"196":[78],"197":[79,80],"198":[81],"208":[82],"213":[83],"218":[84],"223":[85],"228":[86],"230":[87],"233":[88],"238":[89],"243":[90],"244":[91],"249":[92],"250":[93],"252":[94],"260":[95],"261":[96],"262":[97],"263":[98],"265":[99,100],"266":[101,102],"267":[103],"270":[104],"271":[105],"272":[106],"278":[107],"288":[108,109],"294":[110],"295":[111],"296":[112],"297":[113],"302":[114],"304":[115],"307":[116],"309":[117,118],"316":[119],"318":[120],"322":[121,122,123],"323":[124],"325":[125,126,127],"327":[128],"328":[129],"330":[130],"331":[131,132],"332":[133],"333":[134,135,136],"334":[137,138],"335":[139],"336":[140],"337":[141],"338":[142,143],"339":[144,145],"340":[146],"341":[147],"343":[148,149],"344":[150],"346":[151],"348":[152],"350":[153],"352":[154],"353":[155],"354":[156],"355":[157],"356":[158,159],"357":[160],"358":[161],"360":[162],"361":[163],"365":[164],"366":[165],"373":[166],"375":[167],"377":[168],"382":[169,170],"384":[171],"397":[172],"398":[173],"403":[174],"404":[175],"408":[176],"418":[177],"422":[178],"427":[179],"429":[180],"432":[181],"434":[182],"435":[183],"437":[184],"438":[185],"443":[186,187],"444":[188],"445":[189],"448":[190],"449":[191],"452":[192],"456":[193],"459":[194],"473":[195],"475":[196],"477":[197],"489":[198],"494":[199],"500":[200],"506":[201],"514":[202],"522":[203],"525":[204],"530":[205],"537":[206],"540":[207],"542":[208],"544":[209],"547":[210],"549":[211],"555":[212],"558":[213],"560":[214],"563":[215],"564":[216],"565":[217],"569":[218],"571":[219],"572":[220],"573":[221],"574":[222],"576":[223],"578":[224],"580":[225],"581":[226],"583":[227],"585":[228],"588":[229],"589":[230],"591":[231],"593":[232],"595":[233],"601":[234],"602":[235],"603":[236],"604":[237],"606":[238],"609":[239],"617":[240,241],"620":[242],"622":[243],"626":[244],"627":[245],"631":[246],"644":[247],"649":[248],"660":[249],"661":[250,251,252],"662":[253],"664":[254],"667":[255],"671":[256],"672":[257],"673":[258],"674":[259],"676":[260],"677":[261],"682":[262],"685":[263,264],"687":[265],"689":[266,267],"690":[268],"694":[269],"697":[270],"698":[271],"699":[272],"702":[273],"706":[274],"708":[275],"710":[276],"717":[277],"718":[278],"719":[279],"720":[280,281,282],"722":[283,284,285],"723":[286],"724":[287],"725":[288],"726":[289],"728":[290,291],"730":[292,293],"732":[294],"737":[295],"739":[296],"740":[297],"741":[298],"742":[299],"743":[300],"745":[301],"747":[302],"749":[303],"751":[304],"752":[305],"754":[306],"759":[307],"762":[308],"764":[309],"768":[310],"769":[311,312],"774":[313,314],"776":[315],"777":[316],"779":[317,318],"782":[319],"783":[320],"785":[321,322],"786":[323],"787":[324],"788":[325],"790":[326],"792":[327],"795":[328],"796":[329],"798":[330],"800":[331],"803":[332,333],"805":[334,335],"808":[336,337],"809":[338,339],"810":[340,341,342],"811":[343,344],"813":[345],"814":[346,347],"815":[348],"816":[349,350],"817":[351,352],"818":[353,354],"822":[355,356,357],"823":[358]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"آرَاءُ القُرطبي وَالمازري الاعتِقَادية مِنْ خِلال شَرْحَيْهِمَا لِصَحِيحِ مُسْلِم - درَاسَة وَتَرجيح\n\nتأليف: الدكتور عَبد الله بن محمَّد بن رميَان الرميَان، وَكيلُ كُليةِ الدّعوَةِ وَأصُول الدين لِلدِرَاسَاتِ العُليَا - بِجَامِعَة أم القُرى\n\nتوزيع دار ابن الجوزي - للنشر والتوزيع","vol":"1","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nحقُوق الطّبْع مَحفُوظة للمؤَلّف\nالطّبْعَة الأولى\n١٤٢٧ هـ\nأصل هذا الكتاب رسالة علمية نال بها المؤلف درجة العالمية العالية (الدكتوراه) من قسم العقيدة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة في ٢/ ٢/ ١٤٢١ هـ بتقدير (ممتاز) مع التوصية بطبع الرسالة وتداولها بين الجامعات\nعنوان المؤلف: مكة المكرمة - ص. ب: ١٣٦٦٣","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدِّمَة</span>\nإنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [سورة آل عمران: ١٠٢] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [سورة النساء]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [سورة الأحزاب] أما بعد:\nفإن أصدق الحديث كتابُ الله، وخيرُ الهدي هدي محمد - ﷺ -، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nوبعد:\nفإنَّ الله تعالى بعثَ رسولَه محمدًا - ﷺ - ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ويهديهم بإذنه إلي صراط مستقيم، فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانةَ ونصحَ الأمةَ وجاهدَ في الله حقَّ جهاده حتى أتاه اليقين.\nثم سار على دربِه الصحابة والتابعون، فهم بنبيِّهم يقتدون وعلى منهجه سائرون.\nثم خلفت من بعدهم خلوف ظهرت فيهم البدعُ واستحكمت فيهم الأهواءُ فنشأت الفرقُ والأحزاب: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ [سورة هود].","vol":"1","page":3},{"text":"ولكن لا تزالُ في هذه الأمة طائفةٌ منصورة، وفرقةٌ ناجية، لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالَفَهم حتى يأتي أمرُ الله، فيهم أهلُ السنة والجماعة، الذين يعتقدون ما عليه الرسولُ - ﷺ - ومن معه، فمنهجُهم في العقيدة هو الذي يجب الأخذُ به والسيرُ عليه والجزمُ بصحتِه ونقائه وكمالِه وأنَّ ما خالفه من العقائد مذموم مردود.\nوالمصدران الوحيدانِ لتَلقِّي هذه العقيدة الصحيحة النقية هما الكتاب والسنة ومن المعلوم أنَّ أصحَّ الكتب بعد كتاب الله هما صحيحا البخاري ومسلم، حيث أجمعت الأمةُ على تقديمهما وقبولهما.\nولهذا كثرت عنايةُ العلماءِ بهما دراسةً وشرحًا وتعليقًا وتوضيحًا، وقد لقي صحيح مسلم من العناية والاهتمام خصوصًا من علماء المغرب والأندلس ما فاق به غيره، وممن قام باختصاره وشرحه الحافظ الفقيه أبو العباس أحمد بن عمر القرطبيُّ الأندلسي المتوفى في الإسكندرية سنة (٦٥٦ هـ). وقد سماه \"المفهم في حل ما أشكل من تلخيص كتاب مسلم\" وهو كتابٌ ضخمٌ وشرح واسع يدل على سعة علم مؤلفه وتمكنه. ومع اعتماد العلماء السابقين عليه وكثرة نقلهم منه كالحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري، إذ نقل عنه في أكثر من مائة موضع، وقد ينقل له كلامًا في صفحة كاملة، وكالعراقي وابنه في \"طرح التثريب\" إذ نقلا عنه في أكثر من ثلاثمائة وثمانين موضعًا، وغيرهم كثير، مما هو مبين في الرسالة عند التعريف بالكتاب وبيان أهميته، هذا سوى تلميذه القرطبي المفسر الذي حوى تفسيره الكثير من آراء شيخه بل وكلماته وعباراته وإن لم ينسبها إليه وما صرح بنقله عن شيخه في تفسيره لا يحصى كثرة.\nأقول مع معرفة العلماء بقدره واستفادتهم منه بحيث إذا أطلق القرطبي عند العلماء المتقدمين قصد به صاحبُ \"المفهم\" إلَّا أنَّ هذا","vol":"1","page":4},{"text":"الكتاب بقي رهين الحبس دون إخراج قرونًا متطاولة، حتى يسَّر الله إخراجه بصورة جيدة وبتحقيق طيب على يد مجموعة من الباحثين، علمًا أنَّ هناك عشر رسائل علمية بعضها قد أجيزت في جامعة الإمام لتحقيق هذا الكتاب. ولما خرج هذا الشرح في سبع مجلدات ضخمة بأكثر من أربعة ألاف صفحة تسارع طلاب العلم لاقتنائه وأكبوا على مطالعته والاستفادة منه فوجدت هذه فرصة سانحةً ليكون هذا الشرح الكبير موضوعًا لرسالتي في مرحلة الدكتوراه في قسم العقيدة خصوصًا أنَّ القرطبي ﵀ قد تأثر بمنهج المتكلمين وسار على طريقة الأشاعرة المأولين، بحيث أنَّ دراسة منهجه في ذلك وبيان مخالفته لمنهج السلف في هذا الجانب وتقويم ما أخطأ فيه يكون وسيلةً نافعةً للاستفادة من هذا الشرح دون حرج أو حذر فاستشرت من مشايخي من أثق بعلمه واستنير برأيه، فوجدت التأييد التام، فاستعنت بالله تعالى وقدمت مخططه لقسم العقيدة، ولكن أعضاء القسم حفظهم الله، رأوا إضافة شرح آخر إليه فوقع اختيارهم على أول شروح صحيح مسلم وأقدمها وصولًا إلينا وهو \"المعلم بفوائد مسلم\"، لمحمد بن علي المازري المتوفي سنة (٥٣٦ هـ)، وهو الكتاب الذي أصبح أساسًا لما بعده حيث أكمله القاضي عياض بكتابه \"إكمال المعلم\" ثم أكمله عدد من العلماء بـ \"إكمال إكمال المعلم\"، و\"مكمل إكمال المعلم\" وغيرها فزادت الكتب المصنفة على \"المعلم\" على خمسة مؤلفات فرضخت للأمر، رغم علمي بصعوبته، إلَّا أنه مما سهل الأمر بعد الإستعانة بالله أنهما على مذهب واحد في العقيدة وهي عقيدة الأشاعرة وإن لم يلتزم القرطبي التزامًا كاملًا بها.\nولا ريب أنَّ الفتن والبدع التي ظهرت عصفت في مسارها بخلق كثير وإنَّ ممن نالهم عصف هذه الفتن القرطبي والمازري - رحمهما الله","vol":"1","page":5},{"text":"تعالى- إذ سيتبين من خلال الرسالة مخالفتهما لمذهب أهل السنة والجماعة في كثير من مسائل الاعتقاد.\nولكن ومع هذه المخالفة التي جاءت لأسباب عديدة تتعلق ببيئاتهم وأزمانهم لكننا لا نشك في صدقهم وحسن نواياهم ولا نغض الطرف عن جهودهم في خدمة السنة والدفاع عنها فليس حالهم كالذين عقدوا ألوية البدعة وأجمعوا على مفارقة الكتاب والسنة.\nلكن لا ينبغي مع هذا السكوت على أخطائهم ولا التغاضي عن زلاتهم التي هي في أصول الدين، حتى لا يغتر بها من يجهل الحال ويخفى عليه الأمر.\nوهذا هو هدف هذه الدراسة خصوصًا أنَّ الدراسة تتعلق بكتابين هما من أهم شروح صحيح مسلم الذي هو من أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى. ولم يكن هذا الموضوع مما كتب فيه رسالة علمية إضافة إلى استفادة الباحث الشخصية وذلك بالبحث في جل أبواب العقيدة مما يساعد على الإلمام بمسائلها والاطلاع على كلام أهل العلم فيها وهو ما كنت أتطلع إليه واسعى للحصول عليه خصوصًا أنَّ جميع دراساتي السابقة في المرحلة الجامعية والماجستير لم تكن في هذا التخصص فـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>خطة البحث:</span>\nقسمت البحث إلى مقدمة وأربعة أبواب وخاتمة.\nأما المقدمة: فعن أهمية الموضوع وأسباب اختياره وخطة البحث وبيان المنهج الذي سرت عليه وكلمة الشكر لمن يستحقها.\nوأما الباب الأول: فهو دراسة لشخصيتي المازري والقرطبي وعصرهما","vol":"1","page":6},{"text":"الذي عاشا فيه، وقسمت هذا الباب إلى فصلين:\nالفصل الأول: عن عصر المازري وحياته. وفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: عصره وفيه مطلبان.\nالمبحث الثاني: حياته الشخصية وفيه تمهيد وثلاثة مطالب.\nالمبحث الثالث: حياته العلمية وفيه سبعة مطالب.\nالمبحث الرابع: التعريف بكتاب المعلم وأهميته وفيه خمسة مطالب:\nالفصل الثاني: عن عصر القرطبي وحياته، وفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: عصره، وفيه مطلبان.\nالمبحث الثاني: حياته الشخصية، وفيه أربعة مطالب.\nالمبحث الثالث: حياته العلمية، وفيه ستة مطالب.\nالمبحث الرابع: التعريف بكتاب \"المفهم\" وبيان أهميته، وفيه ستة مطالب.\nالباب الثاني: الإيمان والتوحيد، وفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول: الإيمان وما يتعلق به من مسائل وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف الإيمان لغة وشرعًا، وحكم الإستثناء فيه، وفيه ثلاثة مطالب.\nالمبحث الثاني: الإيمان والإسلام.\nالمبحث الثالث: الكييرة وحهكم مرتكبها وفيه ثلاثة مطالب.\nالفصل الثاني: توحيد الربوبية وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:\nالتمهيد: عن علم الكلام وموقف السلف منه.\nالمبحث الأول: أول واجب على المكلف والرد على المتكلمين.\nالمبحث الثاني: معنى توحيد الربوبية وأدلته، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمبحث الثالث: الإيمان بالقدر وفيه عشرة مطالب.","vol":"1","page":7},{"text":"الفصل الثالث: توحيد الألوهية، وفيه أربعة مباححث:\nالمبحث الأول: حقيقة توحيد الألوهية ومكانته.\nالمبحث الثاني: العبادة وبعض أنواعها، وفيه مطلبان.\nالمبحث الثالث: نواقض التوحيد وقوادحه وفيه أربعة عشر مطلبًا.\nالمبحث الرابع: البدع والموقف من الفرق المبتدعة وفيه ثلاثة مطالب:\nالفصل الرابع: توحيد الأسماء والصفات، وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: منهجهما في أسماء الله تعالى وفيه تسعة مطالب.\nالمبحث الثاني: منهجهما في صفات الله تعالى: وفيه خمسة مطالب.\nالمبحث الثالث: منهجهما في رؤية الله تعالى.\nالباب الثالث: النبوة والإمامة والصحابة وفيه ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: النبوة وفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف النبوة والرسالة وبيان فضل الأنبياء وفيه خمسة مطالب.\nالمبحث الثاني: دلائل النبوة وفيه مطلبان:\nالمبحث الثالث: عصمة الأنبياء.\nالمبحث الرابع: خصائص نبينا محمد - ﷺ -.\nالمبحث الخامس:، الإيمان بالملائكة والجن، وفيه مطلبان.\nالفصل الثاني: الإمامة وفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: حكم نصب الإمام وبما تنعقد به الإمامة.\nالمبحث الثاني: البيعة.\nالمبحث الثالث: شروط الإمام.\nالمبحث الرابع: واجبات الإمام وحقوقه.\nالمبحث الخامس: الموقف من الأئمة.","vol":"1","page":8},{"text":"الفصل الثالث: الصحابة وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: مكانة الصحابة وفضلهم.\nالمبحث الثاني: عدالتهم وعظم الطعن فيهم.\nالمبحث الثالث: الموقف مما وقع بينهم.\nالباب الرابع: اليوم الآخر وفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول: أشراط الساعة وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف أشراط الساعة وأقسامها.\nالمبحث الثاني: أشراط الساعة الصغرى.\nالمبحث الثالث: أشراط الساعة الكبرى.\nالفصل الثاني: فتنة القبر وعذابه ونعيمه، وفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: الروح.\nالمبحث الثاني: فتنة القبر.\nالمبحث الثالث: عذاب القبر ونعيمه.\nالمبحث الرابع: سماع الموتى.\nالفصل الثالث: البعث والحشر وفيه ثمانية مباحث:\nالمبحث الأول: النفخ في الصور.\nالمبحث الثاني: البعث والنشور.\nالمبحث الثالث: الحشر.\nالمبحث الرابع: الميزان.\nالمبحث الخامس: الشفاعة.\nالمبحث السادس: الحوض.\nالمبحث السابع: الصراط.","vol":"1","page":9},{"text":"المبحث الثامن: ذبح الموت.\nالفصل الرابع: الجنة والنار.\nالخاتمة: وذكرت فيها أهم نتائج البحث.\nمنهج البحث: وقد سرت في إعداد هذا البحث على المنهج التالي:\n١ - قمت بقراءة كتابي \"المفهم\" و\"المعلم\" واستخرجت منهما مسائل العقيدة حسب علمي القاصر.\n٢ - قسمت هذه المسائل المحصورة إلى موضوعات علم العقيدة وعنونت لها بحسب الخطة المعدة لذلك حسب ما فهمت من مضامينها.\n٣ - جمعت شتات كلام القرطبي أو المازري في المسألة الواحدة من مواضعها المختلفة وأعتمد على أكمل النصوص وأوضحها في الدلالة على المسألة وقد أذكر أكثر من قول في المسألة الواحدة إن وجد وكان لذكره فائدة وإلَّا أحلت إلى مواضعها في الهامش.\n٤ - أعرض الأقوال في المسألة وأبين رأي القرطبي والمازري فيها ثم اتبعه ببيان موافقتهما لمنهج السلف من عدمه ثم أردف بعد ذلك بكلام أئمة السلف في هذه المسألة تأييدًا لما ذهبا إليه حال الموافقة، وردًا عليهما عند المخالفة هذا في المسائل التي فيها خلاف بين أهل السنة والجماعة وبين الأشاعرة، وأما في المسائل التي هي محل اتفاق فقد أذكر قوليهما دون حاجة إلى تعليق أو تأييد خصوصًا في البابين الثالث والرابع.\n٥ - أقدم في عرض المسائل قول القرطبي رغم تأخر زمنه عن المازري لأنه أصل هذه الرسالة ولقلة المادة العلمية العقدية في كتاب المعلم لأنه لا يعد في الحقيقة شرحًا لصحيح مسلم بل تعليق على بعض أحاديثه ولذلك فالكثير من المسائل لم أجد للمازري قولًا فيها ومنهجي في","vol":"1","page":10},{"text":"هذا ذكر قول المازري إن كان له قول في المسألة بعد كلام القرطبي وقد أقدمه أحيانًا لحاجة أو سبب وإن لم يكن له في المسألة قول سكت عنه دون التنبيه لذلك حتى لا يتكرر هذا في كل مسألة.\n٦ - عزوت الآيات القرآنية إلى مواضعها في القرآن وكتبتها وفق رسم المصحف العثماني.\n٧ - خرجت الأحاديث النبوية الواردة في البحث من مصادرها المعتمدة فإن كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما اكتفيت بهما في التخريج وأذكر الكتاب والباب، والجزء والصفحة من فتح الباري بالنسبة للبخاري وشرح صحيح مسلم للنووي بالنسبة لمسلم وإن كان في غيرهما ذكرت من خرَّجه من الأئمة وقد أكتفي بواحد مع بيان الحكم على الحديث ثم أحيل عليه إن ورد مرة أخرى.\n٨ - ترجمت للأعلام المذكورين في صلب البحث عند أول موضع، يرد فيه ما عدا الصحابة والأئمة الأربعة وأصحاب الكتب الستة، وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.\n٩ - شرحت ما رأيت الحاجة إلى شرحه من الألفاظ الغريبة.\n١٠ - خرجت الأبيات الشعرية الواردة في صلب البحث من دواوينها.\n١١ - بالنسبة للمرجع، فأذكر اسم الكتاب في الهامش كاملًا وكذلك مؤلفه في أول موضع يرد فيه ثم أذكره مختصرًا للبعد عن الإطالة وإثقال الحواشي.\n١٢ - ذيَّلت الرسالة بفهارس لمحتوياتها اشتملت على ما يلي:\n(١) فهرس الآيات القرآنية.\n(٢) فهرس الأحاديث والآثار.\n(٣) فهرس الأبيات الشعرية.\n(٤) فهرس الأعلام.","vol":"1","page":11},{"text":"(٥) فهرس المصادر والمراجع.\n(٦) فهرس موضوعات البحث.\nهذا وفي الختام لا يسعني إلَّا أن أتوجه بالشكر الجزيل لله ﷾ على إتمام هذا البحث وإخراجه على هذه الصورة التي هي جهد المقل، وعمل الضعيف وحسبي أني قد بذلت فيه وسعي وغاية جهدي فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان واستغفر الله من كل خطأ وزلل.\nوأتقدم بالشكر الجزيل لشيخي ومشرفي على هذا البحث فضيلة الأستاذ الدكتور علي بن نفيع العلياني فقد أفدت من علمه الغزير وتواضعه الجم، فله من الشكر أطيبه ومن الدعاء أخلصه والله يتولى عنا مكافأته كما أذكر بالذكرى الحسنة فضيلة الأستاذ الدكتور محمود خفاجي المشرف على هذا البحث في بدايته، فله مني جزيل الشكر وخالص الدعاء، كما أشكر كل من أعانني في إخراج هذا البحث من أساتذة وزملاء وإخوان هكذا بصفة التعميم والله بأعمال المخلصين عليم. كما أتقدم بالشكر الجزيل لهذا الصرح العلمي جامعة أم القرى بمكة المكرمة ممثلة بكلية الدعوة وأصول الدين وبقسم العقيدة على وجه الخصوص على رعاية طلاب العلم وتيسير التحصيل لهم وأخص بالشكر من كان له الفضل علي بعد الله تعالى في مواصلة دراستي بهذا القسم وهم كل من فضيلة الدكتور عبد الله بن عمر الدميجي عميد الكلية، وفضيلة الدكتور أحمد بن عطية الزهراني رئيس قسم العقيدة السابق، كما أشكر فضيلة الدكتور عبد الله بن محمد القرني رئيس قسم العقيدة على جهوده المشكورة ومساعيه الحميدة.\nوأسأل الله تعالى أن يجعل أعمالنا جميعًا خالصة لوجهه الكريم وأن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الباب الأول المازري والقرطبي عصرهما وحياتهما</span>\nوفيه فصلان:\nالفصل الأول: المازري عصره وحياته\nالفصل الثاني: القرطبي عصره وحياته","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الفصل الأول المازري عصره وحياته</span>\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: عصره\nالمبحث الثاني: حياته الشخصية\nالمبحث الثالث: حياته العلمية\nالمبحث الرابع: التعريف بالكتاب وبيان أهميته","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الأول عصره</span>\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: عصره من الناحية السياسية\nالمطلب الثاني: عصره من الناحية العلمية","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>المطلب الأول: الحالة السياسية:</span>\nلقد عاش المازري بين سنة (٤٥٣ هـ) وسنة (٥٣٦ هـ)، وهي فترة اضطراب وعدم استقرار وحروب وفتن، خصوصًا في بلاد إفريقية التي عاش فيها.\nفهذه الفترة لم تكن فيها للخليفة العباسي أيَّة سلطة حقيقة، إنما يُكتفى بذكر اسمه على المنابر، والدعاء له في الدولة التي تدين له بالولاء، وإلَّا فقد كانت الدولة الفاطمية العبيدية الباطنية تسيطر على مصر والشام وإفريقية. أمَّا بلاد اليمن وبلاد الحجاز فتخضعان لهم تارة، وتخرجان عن سلطتهم تارة أخرى.\nوفي اليمن كانت الدولة الصليحية الباطنية خاضعةً للدولة الفاطمية وتحت سلطتها.\nوكذلك في إفريقية كانت الدولة الصنهاجية تابعة للفاطميين وخاضعة لهم كما سيأتي تفصيله.\nوأمَّا خُراسان والعراق وما تبعهما فكانتا خاضعتين للسلطان السلجوقي.\nوالمغرب والأندلس كانتا تحت حكم دولة المرابطين (^١).\nوهكذا انقسمت بلاد الإسلام، وأصبحت دولًا متعددةً تحت رايات كثيرة.\nأما إذا خصصنا الحديث عن بلاد إفريقية وهي التي عاش فيها المازري، فإنها كانت تحت حكم الدولة الفاطمية التي قامت أصلًا في إفريقية ثم امتد سلطانها إلى مصر والشام، فانتقلت عاصمة الدولة من\n_________\n(^١) انظر: تاريخ الإسلام السياسي، لحسن إبراهيم حسن (٤/ ١، ١١٥، ١٧٧، ٢١٩).","vol":"1","page":19},{"text":"إفريقية إلى مصر سنة (٣٦٢ هـ) في عهد المعز لدين الله الفاطمي، وجعلوا على إفريقية بلكين بن زيزي الصنهاجي، وهي بداية قيام الدولة الصنهاجية التي امتدت قرابة القرنين، ولما توفي بلكين سنة (٣٧٣ هـ) (^١) تولى ابنه المنصور الذي توفي سنة (٣٨٥ هـ) (^٢) فتولى بعده ابنه باديس حتى توفي سنة (٤٠٧ هـ) (^٣)، فتولى ابنه المعز بن باديس.\nوكان المعز بن باديس يميل إلى السنة ويسعى إلى التخلص من سلطة الدولة الفاطمية الشيعية، خصوصًا أن الشعب يعين على ذلك بتمسكه بالسنة ورفضه للمذهب الرافضي الذي تدين به الدولة.\nوقد أعلن المعز بن باديس انفصاله عن الدولة الفاطمية ودعا للخليفة العباسي، ودان له بالولاء، وذلك سنة (٤٤٠ هـ) (^٤)، فما كان من الخليفة الفاطمي \"المستنصر\" إلَّا أن سلَّط عليه الأعراب من هلال ورياح وزغبة، الذين كانوا مع القرامطة فبعثهم إلى إفريقية، وأوكل الأمر فيها إليهم، فساروا إليها، ودخلوا مع الصنهاجيين في حروب طاحنة أدت إلى ضعف الدولة الصنهاجية وتسلَّط الأعراب على كثير من مدنها حتى دخلوا القيروان عاصمة الدولة الصنهاجية سنة (٤٤٩ هـ)، وعاثوا فيها فسادًا، حتى رحل المعز إلى المهدية، حيث سبقه ابنه تميم إليها، وانتقلت عاصمة الدولة الصنهاجية إلى المهدية، ولم ينته حكم المعز بن باديس الذي توفي سنة (٤٥٤ هـ) - أي بعد ولادة المازري بسنة - إلَّا وقد كثُرت الاضطرابات والمحن، واختل الأمن، وضعف أمر صنهاجة وتفككت وحدة الدولة.\n_________\n(^١) الدولة الصنهاجية، الهادي روجي إدريس (١/ ٦٩).\n(^٢) المرجع السابق (١/ ٩٨).\n(^٣) المرجع السابق (١/ ١٢٠).\n(^٤) المرجع السابق (١/ ٢١٢).","vol":"1","page":20},{"text":"قال ابن خلدون (^١): \"وانتزى الثوار في البلاد فغلب حَمُّو بن مليل البرغواطي على مدينة صفاقس، وملكها سنة إحدى وخمسين، وخالفت سوسة وصار أهلها إلى الشورى في أمرهم، وصارت تونس آخرًا إلى ولاية الناصر بن علناس بن حماد صاحب القلعة، وولى عليهم عبد الحق بن خراسان فاستبد بها، واستقرت في ملكه وملك بنيه، وتغلب موسى بن يحيى على قابس وصار عاملها المعز بن محمد الصنهاجي إلى ولايته، وأخوه إبراهيم من بعده، والتاث ملك آل باديس وانقسم في الثوار وهلك المعز سنة أربع وخمسين، ولما هلك المعز قام بأمره ابنه تميم وغلبه العرب على إفريقية فلم يكن له إلَّا ما ضمه السور\" (^٢).\nولكنَّه استطاع إعادة أغلب ما زال من ملكهم فاستعاد صفاقس وسوسة وتونس والقيروان.\nغير أنه لم يهدأ الوضع ويستعيد بعض الملك حتى فاجأه النصارى بحملات أدت إلى استيلائهم على المهدية عاصمة الدولة الصنهاجية سنة (٤٨٠ هـ)، ولم يخرجوا منها حتى بذل لهم تميم أموالًا طائلة، وما زال تميم في حروب متواصلة، لاستعادة ما ذهب من ملكه، وإخضاع من تحت يده من عمال، يسعون لانتهاز الفرصة للاستقلال بما تحت أيديهم، حتى توفي سنة (٥٠١ هـ) (^٣).\n_________\n(^١) عبد الرحمن بن محمد بن محمد المالكي المشهور بابن خلدون العالم المؤرخ نشأ في المغرب، ثم انتقل إلى مصر، له مؤلفات، منها: \"تاريخ ابن خلدون\" و\"مقدمة ابن خلدون\" وغيرها، توفي بالقاهرة سنة (٨٠٨ هـ). شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد (٩/ ١١٤)، ومعجم المؤلفين لعمر رضا كحالة (٢/ ١١٩).\n(^٢) تاريخ ابن خلدون (٦/ ١٨٨).\n(^٣) الدولة الصنهاجية (١/ ٢٩٦).","vol":"1","page":21},{"text":"وتولى من بعده ابنه يحيى الذي رجع إلى طاعة الفاطميين ولم يبق في الملك طويلًا إذ توفي سنة (٥٠٩ هـ) (^١).\nفتولى من بعده ابنه علي بن يحيى، ولكن ملكه أيضًا لم يدم طويلًا إذ توفي سنة (٥١٥ هـ) (^٢).\nفتولى ابنه الحسن، وهو صغير لم يبلغ الحلم، وفي عهده هاجم رجار النصراني حاكم صقلية المهدية وحاصرها، ولكنه فشل في الاستيلاء عليها، فرجع عنها.\nولكنه عاد مرة أخرى ونشب مع الحسن في قتال استطاع النصارى فيها أن يدخلوا المهدية، ويستولوا عليها، وذلك سنة (٥٤٣ هـ) بعد وفاة المازري بسبع سنوات (^٣).\nودخلت بعد ذلك المهدية وغالب مدن إفريقية تحت الحكم النصراني حتى جاء عبد المؤمن بن علي زعيم الموحدين واسترجعها من النصارى، وسيطر عليها، ودخلت إفريقية تحت حكم الدولة الموحدية.\nهذه مجمل الأحداث السياسية في عهد المازري في إفريقية، وهي - ولا شك - مرحلة حرجة مليئة بالفتن والاضطرابات وعدم الاستقرار السياسي مما سيكون له الأثر الواضح على حياة المازري الشخصية والعلمية ولا شك.\n_________\n(^١) المرجع السابق (١/ ٣٦٠).\n(^٢) المرجع السابق (١/ ٣٧٢).\n(^٣) انظر: تاريخ ابن خلدون (٦/ ١٨٣)، والدولة الصنهاجية (١/ ٤٤٨)، والكامل في التاريخ لابن الأثير (٧/ ٣٣٣، ٤١٤، ٤٨٥، ٨/ ٩، ٨٦، ٢٦٥، ٢٩٥، ٣٥٤، ٣٧٦، ٤٢٦، ٩/ ١١٩، ١٦٠، ٢٠٧، ٢٢٢، ٣٥٠). وانظر: مقدمة تحقيق المعلم لمحمد النيفر (١/ ٨).","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>المطلب الثاني: الحالة العلمية:</span>\nلقد عاش المازري في النصف الأخير من القرن الخامس، والثلث الأول من السادس.\nوقد رأينا في الحالة السياسية الأحداث المعاصرة لحياته من حروب واضطرابات تعرضت لها بلاده من الأعراب والنصارى، مما يترتب عليه تأثير على الحياة العلمية في تلك البلاد. إضافة إلى أن حياته كانت تحت ظل دولة ترضخ للحكم الفاطمي الشيعي وما يضمره من عداء للسنة والقائمين بها والمنافحين عنها، ولذا أثرت هذه الظروف على الحياة العلمية.\nفالغموض الذي صاحب حياة المازري خصوصًا في نشأته الأولى، فلم يُعرف من شيوخه سوى أربعة - بعد البحث والتحري - رغم كثرتهم، وهو العلم البارز - أثر من آثار هذا التأثير.\nفغالب تأثير الحياة السياسية في عصره على الحياة العلمية ينصب في ضياع ذلك التراث العلمي الضخم للعلماء في ذلك العصر، وقلة المعلومات عنهم، والمازري - وهو العلم البارز - مثل لذلك بغموض حياته وضياع معظم مؤلفاته.\nولكن رغم هذه الظروف الصعبة، والحملة الشيعية الظالمة إلَّا أن العلماء لم يتخلَّو عن واجبهم ولم يغفلوا عمَّا أُنيط بهم من نصرة الدين، ونصيحة الأمة، والقيام بواجب العلم، بل كلما ازدادت المحنة عظمت المهمة، فلم تقتصر على التدريس فقط في حلق العلم ومجالس الذكر، وهو ما حدث من علماء إفريقية في هذا العصر، بل قاوموا الدعوة الفاطمية الشيعية، رغم دخولهم راغمين تحت سلطانها.","vol":"1","page":23},{"text":"قال الشيخ محمد الشاذلي النيفر: ويرجع تستر الفاطميين إلى شدة شكيمة الأفارقة، فإنهم لم يقبلوا بالسنة بدلًا، كلفهم ذلك ما كلفهم، ومع أنهم لاقوا شدة وبلاءً كبيرًا من الفاطميين لم تلن لهم قناة ولا رجعوا عن السنة\" (^١).\nفهم يقومون بواجبهم من نشرٍ للعلم الصحيح، وإحياءٍ للسنة، والأخذ بعامة الأمة إلى ما فيه صلاحهم وإصلاحهم، ولو قدموا حياتهم ثمنًا لذلك.\nقال الشيخ النيفر: فمن المقاومة في ابتدائها حين تأسيس الدعوة ما قام به ابن خيرون (^٢) فإنه عُذب من أجل أنه سُعى به لدى عبيد الله المهدي (^٣) فقُتل رفسًا بأرجل السودان.\nولم يترك فقهاء القيروان أرضهم بل صمدوا عاملين للسنة بكل ما أوتوا من قوة، وقد صرح بصبر أهل القيروان وثباتهم ووقوفهم في وجه الدعوة ابن ناجي (^٤) في كتابه \"معالم الإيمان\" (^٥): وجزى الله مشيخة\n_________\n(^١) مقدمة المعلم (١/ ٩).\n(^٢) محمد بن محمد بن خيرون، مقرئ مؤرخ، نسَّابة، ولد في الأندلس، ثم رحل إلى إفريقية، من آثاره: كتاب \"الأداء\"، \"الألفات واللامات في رسم المصحف\"، توفي سنة (٣٠١ هـ). معجم المؤلفين (٣/ ٦٤١)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٢١٧).\n(^٣) عبيد الله بن محمد الفاطمي العلوي، المعروف بالمهدي، مؤسس دولة الفاطميين الشيعية بالمغرب، اختط \"المهدية\" وجعلها عاصمة لملكه، توفي سنة (٣٢٢ هـ). البداية والنهاية لابن كثير (١١/ ١٩١)، الأعلام لخير الدين الزركلي (٤/ ١٩٦).\n(^٤) أبو الفضل قاسم بن عيسى بن ناجي، فقيه، حافظ من القيروان، تولى القضاء في عدة بلدان، له عدة مؤلفات، منها: \"شرح المدونة\" و\"الشافي في الفقه\" توفي سنة (٨٣٧ هـ). الأعلام (٥/ ١٧٩)، معجم المؤلفين (٢/ ٦٤٦).\n(^٥) كتاب معالم الإيمان لعبد الرحمن بن محمد الدباغ، المحدث، المؤرخ، المتوفى سنة (٦٨٩ هـ)، وكتاب ابن ناجي المذكور هنا هو: \"زيادات على معالم الإيمان\". معجم =","vol":"1","page":24},{"text":"القيروان: هذا يموت، وهذا يضرب، وهذا يسجن، وهم صابرون، لا يفرون، ولو فروا لكفرت العامة دفعة واحدة (^١).\nفالأحوال السياسية في إفريقية فرضت على العلماء في ذلك الوقت طريقة خاصة في نشر العلم وتبليغه، وهو مقاومة الواقع المفروض من تأثير المذهب الشيعي الذي تدعمه الحكومة، وكذلك مواجهة الأطماع النصرانية التي سيطرت على البلاد القريبة من إفريقية، بل سيطرت أحيانًا على المهدية نفسها.\nولكن لم تكن هذه الظروف لتقضي على العلم، أو تطمس رسمه، قال فرحات الدشراوي: لقد كان المازري في تلك الفترة التي طالت فيها محنة الدولة الصنهاجية مثلًا ساطعًا عن اتصال السند العلمي بإفريقية منذ القرن الأول، بالرغم مما كان ينتاب البلاد من نوائب الفتنة، وشرور الاضطراب السياسي، فلقد استقر فيها الإسلام وترعرعت بربوعها علومه، ونمت به الآداب والمعارف، جيلًا بعد جيل، منذ دخولها في الملة الإسلامية والثقافة العربية، ولم تكن تلك التقلبات السياسية التي ألفتها البلاد قاطعة لأسباب النمو الفكري، والنهضة العلمية، بل إن إفريقية ظلت دارًا خصبة للعلوم الإسلامية، والآداب والمعارف ... فقد عاش المازري وهو صقلي الأصل في عهد كاد يتقلص فيه سلطان الإسلام من بلادنا بخطر النصارى الزاحفين من جهة جنوب إيطاليا وصقلية ... فكأن المازري ظل طيلة حياته - وقد أبى الالتجاء إلى المشرق، وآثر البقاء في بلده والصمود أمام المحنة - برهانًا عن صبر إفريقية على المآسي، وعما يكون بالعلوم والمعارف من العزاء من شرور السياسة واضطراب\n_________\n= المؤلفين (٢/ ١١٧).\n(^١) مقدمة المعلم (١/ ١١).","vol":"1","page":25},{"text":"الدول (^١).\nوالمهدية وهي بلد المازري، كانت بلد علم وعلماء ساعدها على ذلك موقعها على طريق المارين من المغرب إلى المشرق، والعكس، لذا أصبحت فيها حركة علمية متميزة.\nقال محمد الهادي العامري: \"انتصب أبو عبد الله محمد المازري للتدريس بالمهدية، فأقبل على مدرسته ما لا يحصى ولا يعد، من الرحالة المستهامين بطلب العرفان، أكان ذلك من الأندلس أو المغرب، أو المشرق الإسلامي، فكان ذلك الملتقى العجيب يجمع بين رجال الفكر والعلم من كل صوب وحدب ... وكانت المهدية في تلكم العهود تضج برجال العلم وتزخر بكبار الأدباء وتزدحم بالوافدين عليها\" (^٢).\nوبرز في عصر المازري علماء أعلام سواء بالمغرب أو المشرق، حفلت كتب التراجم بسيرهم، من أشهرهم:\n- ابن حزم (^٣): المتوفى سنة (٤٥٦ هـ).\n- والبيهقي (^٤) المتوفي سنة (٤٥٨ هـ).\n_________\n(^١) الصراع العقائدي في الفلسفة الإسلامية، محنة الحضارة الإسلامية في الدولة الصنهاجية، فرحات الدشراوي، دراسات ملتقى الإمام المازري في الفلسفة الإسلامية، المنستير، تونس، ١٩٧٥ م، ص (٢٧).\n(^٢) المرجع السابق، بحث الإمام المازري، حياته وعلمه، محمد الهادي العامري، ص (١١٢).\n(^٣) الإمام الشهير أحمد بن محمد بن حزم، الأندلسي بلدًا، الظاهري مذهبًا. له: الفصل في الملل والنحل، المحلى بالآثار، وغيرهما، توفي سنة (٤٥٦ هـ). سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٨٤)، طبقات الحفاظ للسيوطي ص (٤٥٥) ترجمة (٩٨٣).\n(^٤) أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي الحافظ الفقيه الشافعي، صاحب المصنفات الكثيرة، منها: \"السنن الكبرى\"، و\"شعب الإيمان\"، و\"دلائل النبوة\" وغيرها، توفي سنة (٤٥٨ هـ). سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٦٣)، طبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح =","vol":"1","page":26},{"text":"- وابن عبدالبر (^١): المتوفى سنة (٤٦٣ هـ).\n- والواحدي المفسر (^٢): المتوفي سنة (٤٦٨ هـ).\n- والجويني (^٣): المتوفى سنة (٤٧٨ هـ).\n- والبغوي (^٤): المتوفي سنة (٥١٦ هـ) ... وغيرهم.\n_________\n= (١/ ٣٣٢).\n(^١) أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبدالبر الأندلسي القرطبي المالكي، المحدث الحافظ المؤرخ، تولى قضاء بعض بلدان الأندلس، وصنف مصنفات كثيرة، منها: \"الاستيعاب في معرفة الأصحاب\"، وله \"الاستذكار\"، و\"التمهيد\"حول موطأ الإمام مالك ﵀، و\"بيان العلم وفضله\" توفي في شاطبة سنة (٤٦٣ هـ). سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٥٣)، الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون المالكي ص (٦٢٦).\n(^٢) علي بن أحمد بن محمد الواحدي، النيسابوري، المفسر، توفي في نيسابور سنة (٤٦٨ هـ). طبقات المفسرين لمحمد الداوودي (١/ ٣٩٤)، سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٣٩).\n(^٣) أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، الشافعي، الأشعري، المشهور بإمام الحرمين الأصولي، المتكلم، له: \"البرهان\" في أصول الفقه\"، و\"الإرشاد\" في أصول الدين، توفي سنة (٤٧٨ هـ). طبقات الشافعية لأحمد بن قاضي شهبة (١/ ٢٥٥)، البداية والنهاية (١٢/ ١٣٦).\n(^٤) الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء، البغوي، الشافعي، المحدث، المفسر، له عدة مصنفات، منها: \"معالم التنزيل\" و\"شرح السنة\"، توفي في خراسان سنة (١٦٦ هـ). سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٣٩)، طبقات الحفاظ ص (٤٧٨) ترجمة (١٠٢٩).","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المبحث الثاني حياته الشخصية</span>\nوفيه تمهيد وثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: اسمه ونسبه وولادته\nالمطلب الثاني: نشأته\nالمطلب الثالث: وفاته","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>تمهيد</span>\nإن علمية المازري وشهرته الواسعة لم تشفع لنا في الحصول على ترجمة وافية له، خصوصًا في جانب حياته الشخصية، ذلك أن غالب التراجم التي تحدثت عنه تهتم بالجانب العلمي، وكذلك الدراسات أو الكتابات التي اهتمت بحياته ركزت على حياته العلمية، أي: بعد بروزه وظهوره وشهرته فحفظت لنا تلاميذه ومؤلفاته، وتحدثت عن علمه واجتهاده وما يتعلق بهذه الجوانب. وأمَّا حياته الشخصية من ولادته ونشأته وبداية طلبه للعلم، وشيوخه، فالمعلومات لا تكاد تفي بالغرض في هذا الجانب.\nويكفي أن نعلم أنه لم يذكر أحد ممن ترجم له تاريخ ولادته.\nواختلفوا كثيرًا في مكان ولادته ونشأته الأولى، ولم يَذكر غالب من ترتجم له من شيوخه إلَّا اللخمي وابن الصائغ.\nولعل هذا يعود إلى أسباب، منها:\n١ - أنه لم ترجم له أحد من تلاميذه الملازمين أو ممن عرفه وعاصره، وأقرب من ترجم له القاضي عياض (^١)، وهو لم يلتق به، ولم يره، وإنما تتلمذ عليه بالإجازة.\n٢ - الأحداث السياسية المضطربة في عصره، خصوصًا في بلده وما جاوره، فالنصارى قد استولوا على صقلية بلاد المازري الأصلية سنة\n_________\n(^١) عياض بن موسى بن عياض اليحصبي الأندلسي المالكي، المحدث، الحافظ، له العديد من المؤلفات، منها: \"إكمال المعلم بفوائد مسلم\"، و\"الشفا بتعريف حقوق المصطفى\" توفي سنة (٥٤٤ هـ). الديباج المذهب ص (٢٧٣)، طبقات الحفاظ ترجمة (١٠٥٠) ص (٤٩٢).","vol":"1","page":31},{"text":"(٤٦٤ هـ) وما تبع ذلك من طمعهم في بقية البلاد المجاورة.\nوهذا ما حصل إذا احتلوا المهدية عاصمة الدولة الصنهاجية بعد القيروان سنة كثير من العلماء وتفرقهم في البلاد، إذ هذا الخوف والحياة المضطربة لا تساعد على تدوين تراجم لهؤلاء العلماء في ذلك البلد، وما دون من ذلك فهو عرضة للضياع والتلف في هذه الاضطرابات، إضافة إلى تفرق العلماء أو هجرتهم، أو اختفائهم مما أدى إلى غموض حياتهم.\nقال الدكتور الحسين شواط عن ذلك الزمن وأثره في شح مصادر ترجمة المازري: \"فاتصلت الحروب، وعمَّت الفوضى، وتجرأ العدو على بلاد إفريقية بعد أن افتكَّ صقلية، ووصل الأمر إلى استيلائه على المهدية نفسها عاصمة البلاد، بعد خراب القيروان، وضعفت الحياة العلمية، وتفرَّق أكثر العلماء في الأمصار، ولم تتهيأ أسباب التدوين لتواريخ من بقي بها من أهل العلم، ويسهل على الناظر في كتب طبقات الأفارقة مثل \"شجرة النور الزكية\" و\"معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان\" أن يلاحظ قلة العلماء في طبقة المازري، وفي الطبقة التي قبله والطبقة التي بعده، ولم تعد الحياة العلمية لتلك الربوع إلَّا بعد سنة ٥٥٥ هـ\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>المطلب الأول: اسمه ونسبه وولادته:</span>\nهو الإمام العلم العلَّامة أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر (^٢)\n_________\n(^١) منهجية فقه الحديث عند القاضي عياض في إكمال المعلم بفوائد مسلم، للدكتور حسين محمد شواط ص (١٠٤).\n(^٢) اتفقت المصادر على أن جده عمر إلا ما كان من الحميري حيث قال: محمد بن علي بن إبراهيم التميمي المازري، صاحب \"المعلم بفوائد مسلم\". الروض المعطار في خبر الأقطار، محمد عبد المنعم الحميرى ص (٥٢١)","vol":"1","page":32},{"text":"المازري (^١) المالكي.\nلم ينص أحدٌ على تاريخ ولادته، لكن اتفقوا على أنه تُوفي سنة (٥٣٦ هـ) وحدَّد أكثرهم عمره حين وفاته بثلاث وثمانين سنة، فتكون ولادته بناءً على ذلك سنة (٤٥٣ هـ).\nوقد ذكر الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب (^٢) أن ولادته سنة (٤٤٣ هـ) (^٣).\nوقد ردَّ ذلك الشيخ النيفر فقال: \"ولم أظفر إلى اليوم بمستند يدعم ما جاء به، إذ لم يذكر أحد أنه عاش نيفًا وتسعين سنة حتى إن ما خالف فيه\n_________\n(^١) نسبة لمازر بفتح الزاي. معجم البلدان، ياقوت الحموي (٥/ ٤٠).\nوهي مدينة في جزيرة صقلية، وصفها الحميري فقال: مدينة بجزيرة صقلية ... مدينة مشهورة على الساحل الموازي لإفريقية ... وهي مدينة شامخة فاضلة، لا مثال لها في شرف المحل، إليها الانتهاء في جمال الهيئة والبناء، وما اجتمع فيها من المحاسن لم يجتمع في غيرها، وأسوارها حصينة شاهقة، وديارها حسنة، وبها أزقة واسعة، وشوارع وأسواق عامرة بالتجارات ... وبساتين وجنات طيبة، يُسافَر إليها من جميع الآفاق ... ومن مفاخرها أن منها الفقيه الإمام أبا عبد الله محمد بن علي بن إبراهيم التميمي المازري ... نزيل المهدية. الروض المعطار ص (٢٥).\nوقد نُسب إليها عدد من العلماء، منهم: صاحب الترجمة، ومحمد بن مسلم المازري، ومحمد بن أبي الفرج المازري المعروف بالذكي الصقلي. انظر: شجرة النور الزكية في طبقات المالكية لمحمد مخلوف ص (١٢٥).\n(^٢) حسن حسني بن صالح بن عبد الوهاب الصمادحي، بحاثة مؤرخ، أديب، معاصر، ولد في تونس، وبها نشأ، تعلم فيها، وفي باريس، تولى مناصب في تونس كبيرة، منها عاملًا على المهدية وغيرها، ووزيرًا للدولة وعضوًا في العديد من المجامع، له عدة مؤلفات، منها: \"خلاصة تاريخ تونس\"، و\"مجمل تاريخ الأدب التونسي\"، أكب على المطالعة والبحث آخر عمره حتى توفي سنة (١٣٨٨ هـ). الأعلام (٢/ ١٨٧).\n(^٣) مجلة لواء الإسلام، العدد الثامن، ربيع الثاني (١٣٦٨ هـ) ص (٢٣).","vol":"1","page":33},{"text":"ابن قنفذ (^١) غيره من أنه قارب التسعين - أي توفي في حدود سبع أو ثمان وثمانين - لا يوافق ما ذكره الأستاذ عبد الوهاب، فالمصادر كلها مطبقة على أنه لم يبلغ التسعين، فضلًا عن تجاوزها، ولهذا لا يصح أنه ولد سنة ٤٤٣ هـ) (^٢).\nوأمَّا مكان ولادته فهو موضع اختلاف بين المترجمين، فذهب البعض إلى أنه ولد في مازر؛ لأنه نسب إليها، ومن ترجموا له قالوا: أصله من مازر (^٣)، أو: الساكن بالمهدية (^٤)، أو مستوطن المهدية (^٥). مما يدل على أنه انتقل إليها ولم يكن من أهلها، وهو مفهوم كلام ابن فرحون (^٦)، وإليه مال النيفر حيث قال: \"ولا يمكن أن يكون من مواليد المهدية لما ذكر عن ابن فرحون وعياض وغيرهما، ثم إنه ليس هناك ما يدل على أنه من مواليد إفريقية، بل الذي يدل عليه كلام ابن فرحون وعياض وغيرهما أنه من مواليد مازر، حيث قال: أصله من مازر، ولو كان أبوه هو المهاجر لقال: أصل أبيه من مازر، وكذلك لم يقل القاضي عياض واستوطن أبوه المهدية، وهو أعرف الناس به للمعاصرة\" (^٧).\n_________\n(^١) أحمد بن حسن بن علي بن قنفذ القسطنيني، له كتاب \"الوفيات\" من سنة (١١ هـ حتى ٨٠٧ هـ) توفي سنة (٨١٠ هـ). معجم المؤلفين (١/ ١٢٠).\n(^٢) مقدمة المعلم (١/ ٢٣).\n(^٣) الديباج المذهب ص (٣٧٤).\n(^٤) فهرس ابن عطية ص (١٣٢).\n(^٥) الغنية فهرس شيوخ القاضي عياض ص (١٣٢).\n(^٦) إبراهيم بن نور الدين أبو الحسن علي بن محمد بن فرحون المدني المالكي، تولى قضاء المدينة، رحل إلى مصر والشام، له عدة مؤلفات، توفي بالمدينة سنة (٧٩٩ هـ). شذرات الذهب (٨/ ٦٠٨)، الدرر الكامنة (١/ ٤٨). ومرجع كلامه في الديباج المذهب ص (٣٧٤).\n(^٧) مقدمة المعلم (١/ ٢٤).","vol":"1","page":34},{"text":"وذهب آخرون إلى أنه وُلد في إفريقية في المهدية أو غيرها، منهم: الذهبي (^١) في سير أعلام النبلاء (^٢)، فتكون نسبته لمازر لأن والده نزح منها، فهي بلاد آبائه وأجداده، وهذا الذي رجَّحه حسن حسني حيث قال: \"ولا نعلم شيئًا عن ولادة هذا العَلَم الفرد هل كانت بصقلية أو بالقطر الإفريقية، ولم ينص على ذلك أحدٌ من المؤرخين، ولا من مؤلفي التراجم، وأصحاب الطبقات، وبعد البحث الطويل غلب على ظننا أنه ولد بإفريقية سواء أكان ذلك بالمهدية أو بالقيروان، أو بغيرهما من مدن الساحل التونسي ... ومما يؤيد ولادة المازري بالجهة الساحلية هو مداولته التعليم صغيرًا بها، ولم يرو التاريخ أنه أخذ عن شيوخ بلاد نسبته مع توفرهم حينئذ هناك\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>المطلب الثاني: نشأته:</span>\nواكتنف الغموض نشأته كما اكتنف ولادته إذ النشأة مرتبطة بمكان الولادة فذهب البعض إلى أنه نشأ في مازر حيث ولد فيها وترعرع وخرج منها على غلبة الظن حين سقوطها في أيدي النصارى سنة (٤٦٤ هـ) حيث خرج منها غالب أهلها.\nوالذين رجحوا ولادته في المهدية جعلوا نشأته فيها على أن ما\n_________\n(^١) شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الدمشقي الذهبي، الحافظ، المحدث، إمام المؤرخين، صاحب المصنفات الكثيرة المفيدة، منها: \"سير أعلام النبلاء\"، \" تذكرة الحفاظ\"، \"ميزان الاعتدال في نقد الرجال\"، وغيرها، توفي بدمشق سنة (٧٤٨ هـ). طبقات الحفاظ ص (٥٤٧) ترجمة (١١٤٦)، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني (٣/ ٣٣٦)، سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٠٥).\n(^٢) سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٠٥).\n(^٣) مجلة لواء الإسلام، مرجع سابق.","vol":"1","page":35},{"text":"وصلنا من معلومات مدونة لا تذكر مازر بشيء بل ما ذكر إلَّا حياته في المهدية وطلبه للعلم فيها ونبوغه وتصديه للتدريس حتى أصبح علمًا من أعلام إفريقية، وأمَّا أسرته فلم تذكر التراجم شيئًا عن ذلك إلَّا ما ذكره صاحب شجرة النور من أنه له حفيد وهو عبد الله بن عبد الحق المهدوي الأنصاري الذي تولى القضاء بأشبيلية ثم مراكش وبها توفي سنة (٥٨٩ هـ). وكذلك ابنه عبد الحق بن عبد الله بن عبد الحق الذي تولى قضاء غرناطة، ثم إشبيلية، ثم مراكش، وبه توفى أيضًا سنة (٦٣١ هـ) (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>المطلب الثالث: وفاته:</span>\nعاش المازري - ﵀ - حياة علمية مديدة، جاوزت الثمانين سنة، قضاها في العلم والتعليم، واتفقت المصادر على أنه توفي سنة (٥٣٦ هـ) بمدينة المهدية، وحدده بعضهم بيوم السبت الثالث من ربيع الأول من تلك السنة (^٢). وقيل في الثامن عشر من ذلك الشهر (^٣).\nقال الذهبي: مات في ربيع الأول سنة (٥٣٦ هـ) ودفن بالمنستير (^٤) (^٥).\n_________\n(^١) شجرة النور ص (١٤٥، ١٦٩).\n(^٢) الغنية ص (١٣٣).\n(^٣) وفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٢٨٥).\n(^٤) سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٥).\n(^٥) وهي مدينة قرب المهدية، يسكنها العباد والزهاد، للعلم والمرابطة. انظر: معجم البلدان (٥/ ٢٠٩).","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المبحث الثالث حياته العلمية</span>\nوفيه سبعة مطالب:\nالمطلب الأول: طلبه للعلم\nالمطلب الثاني: شيوخه\nالمطلب الثالث: جلوسه للتدريس\nالمطلب الرابع: تلاميذه\nالمطلب الخامس: مؤلفاته\nالمطلب السادس: مذهبه الفقهي وعقيدته\nالمطلب السابع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>المطلب الأول: طلبه للعلم:</span>\nبدأ بطلب العلم مبكرًا على أيدي علماء بلده - وإن كان التاريخ لم يحتفظ إلَّا بأسماء القليلين من شيوخه - ومما يفيد حرصه على العلم وملازمته للعلماء منذ الصغر ما ذكره هو عن نفسه حيث قال: \"ولقد أذكر أني كنت صبيًّا حين راهقت الحلم بين يدي إمامي في الأصول - ﵀ - وكان أول يوم من رمضان، وبات الناس بغير عقد نية في الصيام، فقلت: إن هذا اليوم ما نقضيه على مذهب بعض أصحاب مالك في رواية شاذة، فأخذ بأذني أستاذي وقال لي: إن قرأت العلم على هذا، فلا تقرأه، فإنك إن اتبعت بنيات الطريق جاء منك زنديق\" (^١).\nوهذا النص يفيد طلبه للعلم منذ الصغر، واتخاذه الشيوخ في شتى التخصصات إضافة إلى جرأته على المسائل الفقهية مع صغر سنه.\nوأما رحلاته العلمية، فهي لا تتعدى محيط إفريقية، فهو لم يسافر بعيدًا عن بلده، بل حتى الحج لم يذكر أنه سافر إليه، وإن كان قد عزم على ذلك غير مرة، لكن خوف الطريق منعه من ذلك.\nلكنه رحل إلى صفاقس، وأخذ عن شيخه اللخمي فيها، ورحل إلى سوسه، والرباط، وأخذ عن شيخه ابن الصائغ (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>المطلب الثاني: شيوخه:</span>\nبالرغم من علمية المازري وشهرته إلَّا أن مصادر الترجمة شحيحة - كما سبق بيانه - خصوصًا في ذكر شيوخه، مع أننا لا نشك أنه تلقى العلم على عدد كبير من العلماء في سائر العلوم، ولكننا لم نظفر إلَّا بأسماء\n_________\n(^١) فتاوى المازري، الطاهر المعموري ص (١٢).\n(^٢) المرجع السابق ص (١٥).","vol":"1","page":39},{"text":"القليل منهم، وهم:\n١ - أبو بكر عبد الله بن محمد القيرواني المالكي، فقيه، مؤرخ، محدث، له مؤلفات، منها: \"رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية\" وغيره، توفي في القيروان (^١). ذكره المازري وأثنى عليه حيث قال: \"وعن الشيخ أبي بكر المالكي، وقد شهدنا فضله ودينه وجلالة علمه بالأخبار بما يحصل الثقة في أنفسنا بما يحكيه\" (^٢).\n٢ - أبو الحسن علي بن محمد الربعي اللخمي القيرواني: كان أحد أئمة المالكية المعتبرين، وأحد أعلام المذهب في زمنه، له تعليق على المدونة أسماه \"التبصرة\"، توفي بصفاقس سنة (٤٧٨ هـ) (^٣). ذكره المازري في \"شرح التلقين\" وكرر ذكره (^٤).\n٣ - أبو محمد عبد الحميد بن محمد الهروي: المعروف بابن الصائغ، فقيه، محدث، من القيروان، نزل المهدية، وتصدى للتدريس والإفتاء فيها، توفي سنة (٤٨٦ هـ) (^٥).\n٤ - أبو محمد القاسم بن محمد الأندلسي: محدث رحل إلى المشرق، وأخذ عن العلماء هناك (^٦).\n_________\n(^١) الأعلام (٤/ ١٢١)، ومعجم المؤلفين (٢/ ٢٨٥). وذكر تاريخ وفاته سنة (٤٥٣ هـ)، وهو خطأ ولا شك، إذ هي سنة ولادة تلميذه المازري، وأما صاحب الأعلام فقال: توفي بعد سنة (٤٥٣ هـ).\n(^٢) الإمام المازري، لحسن حسني ص (٧٩).\n(^٣) شجرة النور (١/ ١١٧)، الأعلام (٤/ ٣٢٨)، معجم المؤلفين (٢/ ٥٠٣) وجعل تاريخ وفاته (٤٩٨ هـ).\n(^٤) تحقيق كتاب شرح التلقين من أوله إلى باب سجود السهو، لزكي محمد بخاري، رسالة دكتوراه، شعبة الفقه، كلية الشريعة، الجامعة الإسلامية، (١٤١٤ هـ)، (١/ ٤٠).\n(^٥) الديباج المذهب ص (٢٦٠)، شجرة النور ص (١١٧).\n(^٦) الحديث بإفريقية من القرن السادس إلى القرن الثامن، صنو مسكين، رسالة ماجستير، قسم =","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>المطلب الثالث: جلوسه للتدريس:</span>\nجلس المازري للتدريس وتصدى له في زمن مبكر بعدما تقدم على أقرانه بما آتاه الله من الذهن الوقَّاد، والذَّكاء الحاد، لذا التفَّ حوله عدد كبيرٌ من طلَّاب العلم من بلده، والبلدان المجاورة، فقد عمَّت شهرته الآفاق، وطار صيته في البلدان، مما جعل الطلاب يتوافدون عليه، ويزدحمون على حلقته، وذلك لتميزه في سائر فنون العلم، لذا يجد كل طالب مبتغاه وحاجته، فهو في الفقه علم لا يبارى، إذ هو أبرز أعلام الفقه المالكي في عصره، قال القاضي عياض: \"إمام بلاد إفريقية وما وراءها من المغرب، وآخر المستقلين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه ورتبة الاجتهاد، ودقة النظر ... لم يكن في عصره للمالكية في أقطار الأرض في وقته أفقه منه ولا أقوم لمذهبهم\" (^١).\nوكما برز في الفقه برز في أُصوله، ولا أدل على ذلك من شرحه للبرهان في أصول الفقه، قال السبكي (^٢): \"هذا الرجل - يعني المازري - من أذكى المغاربة قريحة، وأحدِّهم ذهنًا، حيث اجترأ على شرح البرهان لإمام الحرمين، وهو لغز الأمة الذي لا يحوم نحو حماه، ولا يدندن حول مغزاه إلَّا غواص على المعاني ثاقب الذهن، مبرز في العلم\" (^٣). وقال\n_________\n= السنة، كلية أصول الدين، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (١٤٠٧ هـ)، (١/ ١٥٠). والذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة لمحمد بن عبد الملك المراكشي، السفر الخاص (٢/ ٥٧١).\n(^١) الغنية ص (١٣٢).\n(^٢) تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، فقيه، مؤرخ من أعلام الشافعية، توفي بدمشق سنة (٧٧١ هـ). الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٥)، معجم المؤلفين (٢/ ٣٤٣).\n(^٣) طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٦/ ٢٤٣).","vol":"1","page":41},{"text":"القاضي عياض: \"ودرس أصول الفقه والدين وتقدم في ذلك فجاء سابقًا\" (^١).\nوكان مقدمًا في اللغة، عارفًا بالآداب والحساب، والطب، قال القاضي عياض: \"وإليه يفزع في الفتوى في الطب في بلده، كما يفزع إليه في الفتوى في الفقه\" (^٢).\nوبالجملة فهو علم مقدم في شتى فنون العلم، قال ابن خلكان (^٣): \"أحد الأعلام المشار إليهم في حفظ الحديث والكلام عليه\" (^٤).\nولا أدل على ذلك من كثرة مؤلفاته وشمولها لسائر فنون العلم مما يدل دلالة أكيدة على بروز هذا الإمام في شتى العلوم. ولذا فلا غرابة أن يلتف حوله العدد الكبير من طلبة العلم ويحرصوا على لقائه والاجتماع به والأخذ عنه.\nقال الأستاذ حسن حسني: \"وتصدر للتدريس بجامعها - أي المهدية - جامع عبد الله بن المهدي، وبث ما وسعه صدره من العلم الغزير والمادة الواسعة فنشر العلوم الدينية والفنون على اختلاف أجناسها ومراميها، ومن ذلك الحين ذاع صيته، وطبقت شهرته المشرق والمغرب، فكانت حلقة دروسه تشمل المبتدئين من التلاميذ المجتهدين سواء كانوا إفريقيين أو وافدين من أقطار المغرب والأندلس، وصار كعبة\n_________\n(^١) الغنية ص (١٣٢).\n(^٢) المرجع السابق ص (١٣٢).\n(^٣) أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلكان البرمكي الشافعي، أبو العباس، فقيه، أديب، مؤرخ، تولى قضاء دمشق، وبها توفي سنة (٦٨١ هـ). البداية والنهاية (١٣/ ٣١٨)، معجم المؤلفين (١/ ٢٣٧).\n(^٤) وفيات الأعيان (٤/ ٢٨٥).","vol":"1","page":42},{"text":"أنظار الطلاب يقصده الداني والقاصي (^١).\nقال الدكتور حسين شواط: \"لقد بلغ المازري درجة الاجتهاد، ووصف بالإمامة في الفقه، والبروز في علوم الحديث، وأصول الفقه وأصول الدين ولم يكن في عصره من يماثله في ذلك في مختلف بلاد المغرب فأقبل عليه طلبة العلم من آفاق تلك الديار للإفادة من علمه وهو يعد بحق حامل لواء العلم بإفريقية في ذلك العصر وقد ساعد على تقوية أثره العلمي أمور منها:\n١ - ضعف الحياة العلمية، وقلة العلماء بسبب الظروف التي عاشتها إفريقية آنذاك مما جعل تلاميذه يكثرون وينشرون مروياتهم عنه ومؤلفاته في مختلف بلدان المغرب.\n٢ - بذله وقته لنشر العلم والجلوس للطلبة أكثر أوقات يومه وعزوفه عن الاتصال بالسلطان ورفضه تولي منصب القضاء والإفتاء.\n٣ - استقراره في مدينة المهدية، وهي ممر الحجيج والتجار من مختلف بلاد المغرب والأندلس في ذهابهم وعودتهم، فكثر بذلك الآخذون عنه.\n٤ - اهتمامه بطلبة العلم وبرهم والإحسان إليهم وبخاصة المهاجرين الفارين من صقلية.\n٥ - أنس مجلسه وملاحته بالإضافة إلى ما فيه من الفوائد العلمية (^٢).\n_________\n(^١) مجلة لواء الإسلام، مرجع سابق ص (٢٤).\n(^٢) قال النيفر: أخذ المازري في دروسه بالطريقة النبوية بالاستجمام حيث يأتي بحكايات قصد الترفيه على طلبته حتى لا يكلوا من تتابع المسائل مما يؤدي بهم إلى الملل وقد ذكر له طريقة دروسه المتخللة الاستجمام من ترجم له. واعتنى أحد طلبته وهو الحسن طاهر بن علي فجمعها. مقدمة المعلم للنيفر (١/ ٥٧). وانظر: مجلة لواء الإسلام، مرجع سابق ص (٢٥).","vol":"1","page":43},{"text":"٦ - كثرة مؤلفاته وتنوعها بحيث يجد فيها كل طالب مبتغاه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>المطلب الرابع: تلاميذه:</span>\n١ - أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت مؤسس دولة الموحدين بالمغرب سمع بالأندلس والمغرب لقي المازري وأخذ عنه توفي سنة (٥٢٤ هـ) (^٢).\n٢ - أبو العباس أحمد بن طاهر بن عيسى الأنصاري الداني الشارقي: رحل كثيرًا في طلب العلم، له تأليف في علوم الحديث، توفي سنة (٥٣٢ هـ) (^٣).\n٣ - أبو الحسن محمد بن عبد الرحمن العبدي المعروف بابن عظيمة: مقرئ، محدث، مؤرخ، له تأليف في علم القراءات، توفي سنة (٥٤٣ هـ) (^٤).\n٤ - أبو بكر محمد بن عبد الله الأشبيلي، المشهور بابن العربي، من أعلام القرن السادس، رحل إلى المشرق لطلب العلم، التقى بالمازري في المهدية، وأخذ عنه، ثم عاد إلى الأندلس، وتوفي بها سنة (٥٤٣ هـ)، له عدة مؤلفات منها \"العواصم من القواصم\" و\"عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي\" وغيرها (^٥).\n٥ - أبو عبد الرحمن مساعد بن أحمد الأصبحي ابن زعوقة، أخذ عن علماء الأندلس، ورحل إلى مكة، وأخذ عن علمائها، توفي سنة\n_________\n(^١) منهجية فقه الحديث ص (١٠٧).\n(^٢) شجرة النور ص (١٤٠)، الأعلام (٦/ ٢٢٨).\n(^٣) الديباج المذهب ص (١١٢)، معجم المؤلفين (١/ ١٥٩).\n(^٤) الأعلام (٦/ ١٩١)، معرفة القراء الكبار للذهبي (١/ ٥٠٤).\n(^٥) شجرة النور ص (١٣٦)، الديباج المذهب ص (٣٧٦)، ومجلة لواء الإسلام، مرجع سابق ص (٢٤).","vol":"1","page":44},{"text":"(٥٤٥ هـ) (^١).\n٦ - أبو الحسن محمد بن خلف بن صاعد الغساني: مقرئ، محدث، فقيه، سمع بالأندلس وإفريقية والمشرق، ولقي المازري، وأجازه بكل تآليفه، تولى قضاء أشبيلية، توفي سنة (٥٤٧ هـ) (^٢).\n٧ - أبو عبد الله محمد بن عيسى الشلبي، وقيل: أبو محمد عبد الله بن عيسى (^٣)، من رجال الحديث وحفَّاظه، رحل إلى المشرق، لازم المازري قرابة الثلاث سنوات، توفي سنة (٥٥١ هـ) (^٤).\n٨ - أبو الحسن علي بن محمد بن الضحاك الفزاري، وقيل: ابن المقري، من أهل غرناطة. له عدة مؤلفات، منها: \"مدارك الحقائق\" و\"السباعيات\" وغيرها، توفي سنة (٥٥٧ هـ) (^٥).\n٩ - أبو عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة: أخذ عن عدد كبير من علماء المغرب والمشرق، سمع من المازري بعض المعلم، وأجازه بباقيه، تولى قضاء شاطبة وغيرها، له مؤلفات، منها: \"شجرة الوهم المرقية إلى ذروة الفهم\" وغيرها، توفي سنة (٥٦٥ هـ) (^٦).\n١٠ - أبو مروان عبيد الله، وقيل: عبد الله (^٧)، وقيل: عبد الملك (^٨)\n_________\n(^١) شجرة النور ص (١٤١)، وبغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس لأحمد الضبي ص (٤١٥).\n(^٢) شجرة النور (١٤٢)، التكملة لكتاب الصلة لمحمد بن عبد الله بن الآبار (٢/ ٤٧٧).\n(^٣) منهجية فقه الحديث ص (١٠٨)، وفتاوى المازري ص (٥٣).\n(^٤) شجرة النور ص (١٤٣)، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للتلمساني (٢/ ٦٥٠).\n(^٥) شجرة النور ص (١٤٥)، الديباج المذهب (٣٠٣).\n(^٦) شجرة النور ص (١٤٩)، الأعلام (٧/ ١٤٩).\n(^٧) فتاوى المازري ص (٥٢).\n(^٨) شجرة النور ص (١٥٢).","vol":"1","page":45},{"text":"ابن عبد الله ابن عبد الرحمن المعافري، من أهل بلنسية، أخذ العلم في الأندلس، ورحل في طلب العلم، ولقي المازري بالمهدية، وأخذ عنه، من أثرياء بلده، وله مكتبة جامعة، توفي سنة (٥٧٤ هـ) (^١).\n١١ - أبو الحسن صالح بن خلف بن عامر الأنصاري الأوسي: إمامًا عالمًا مقدمًا في علم الكلام، أخذ المعلم عن المازري سماعًا لبعضه وإجازة لباقيه توفى سنة (٥٨١ هـ) (^٢).\n١٢ - أبو حفص عمر بن عبد المجيد الميانشي القرشي: نزل مكة ودرس بها وخطب، له مؤلفات، منها: \"المجالس المكية\" و\"ما لا يسمع المحدث جهله\" توفي سنة (٥٨١ هـ) وقيل: سنة (٥٨٣ هـ) (^٣).\n١٣ - أبو يحيى زكريا بن عبد الرحمن المهدوي الغساني، المعروف بابن الحداد، من أكبر تلاميذ المازري، وهو الذي خلفه في التدريس والإفتاء بالمهدية، اختلف في تاريخ وفاته، ويرى النيفر أنه بعد سنة (٥٨٠ هـ) (^٤).\n١٤ - أبو الحسن طاهر بن علي السوسي: تولى القضاء بسوسة، ثم انتقل منها إلى المهدية، ولازم المازري، ثم رحل إلى الأندلس وتوفي بها (^٥).\n_________\n(^١) التكملة (٢/ ٩٣٥)، مقدمة المعلم (١/ ٤٠).\n(^٢) شجرة النور ص (١٥٧)، الذيل والتكملة السفر الرابع (١/ ١٣٢)، وقال: توفي سنة ٥٨٦ هـ.\n(^٣) معجم المؤلفين (٢/ ٥٦٥)، العبر في خبر من غبر للذهبي (٣/ ٨٣).\n(^٤) شجرة النور ص (١٤٤)، مقدمة المعلم (١/ ٣٩).\n(^٥) شجرة النور ص (١٤٤)، التكملة (١/ ٣٤٢).","vol":"1","page":46},{"text":"١٥ - أبو القاسم محمد بن خلف الله بن مشكان (^١)، وقيل مجكان (^٢)، تولى قضاء قابس وهو من آخر من أخذ عنه (^٣).\n١٦ - أبو الطاهر بن الدمنة التونسي (^٤).\n١٧ - أبو يحيى بن الجواد المهدوي (^٥).\n١٨ - أبو الحسن الأوجقي (^٦).\n\nتلاميذه بالإجازة:\nنظرًا لشهرة الإمام المازري، وبروزه في سائر الفنون، رغب طلَّاب العلم في عموم بلاد المغرب والأندلس الالتقاء به، والأخذ عنه، لكن بعضهم لم تتهيأ له الظروف للانتقال إليه فحرصوا على التتلمذ عليه، ولو عن طريق الإجازة، وساعدهم على ذلك حرص المازري على انتشار مؤلفاته، وإشاعة مروياته، فأجاز عددًا من طلاب العلم بجميع مؤلفاته، أو ببعضها، ومن هؤلاء:\n١ - أبو محمد عبد الحق بن أبي بكر غالب بن عطية المحاربي: محدث، فقيه، مفسر، من أعلام الأندلس، له عدة مصنفات، منها: تفسيره \"المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز\" وغيره، توفي سنة (٥٤١ هـ) وقيل (٥٤٢ هـ) (^٧). وقد كتب إليه المازري يجيزه بكتاب \"المُعْلم\"\n_________\n(^١) فتاوى المازري ص (٤٥).\n(^٢) مقدمة المعلم (١/ ٣١).\n(^٣) التكملة (٢/ ٦٤٧)، الذيل والتكملة (٦/ ٢٨٩).\n(^٤) شجرة النور ص (١٢٧)، التكملة (٢/ ٦٢٩).\n(^٥) الذيل والتكملة (٦/ ٢٨٩)، مقدمة المعلم (١/ ٣٠).\n(^٦) شجرة النور ص (١٢٧).\n(^٧) شجرة النور ص (١٢٩)، طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٢٦٥).","vol":"1","page":47},{"text":"وبسائر مؤلفاته (^١).\n٢ - أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي، الشهير بالقاضي عياض: محدث، فقيه، أصولي، مؤرخ، بارز في سائر العلوم، له العديد من المؤلفات، منها: \"إكمال المُعْلم بفوائد مسلم\"، و\"الشفا بتعريف حقوق المصطفى\" وغيرها. كتب إليه المازري مجيزًا بكتاب \"المعلم\" وسائر مؤلفاته، فكان أثر ذلك أن أكمل القاضي عياض كتاب \"المعلم\" بكتابه المذكور سابقًا. توفي سنة (٥٤٤ هـ) (^٢).\n٣ - محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الحفيد: الإمام الفقيه، برز في فنون عديدة، خصوصًا بالفقه وأصوله، والفلسفة والطب، فهو إمام في هذه العلوم، مشارك في غيرها، له العديد من المؤلفات، منها: \"بداية المجتهد ونهاية المقتصد\" و\"الكليات\" في الطب وغيرها، استجاز المازري في مؤلفاته وهو صغير السن، إذ له من العمر عند وفاة المازري ست عشرة سنة حيث ولد سنة (٥٢٠ هـ) وتوفي سنة (٥٩٥ هـ) (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>المطلب الخامس: مؤلفاته:</span>\nلقد تنوعت مؤلفات المازري وتميَّزت بالجودة والأصالة، والابتكار، وشملت غالب فنون العلم، وأذكرها هنا مرتبة على حروف المعجم حسب أسمائها:\n١ - إملاء على رسائل إخوان الصفا:\nقال الأستاذ حسن حسني: \"حررها في إيضاح بعض مشكلات\n_________\n(^١) فهرس ابن عطية ص (١٣٩).\n(^٢) أزهار الرياض في أخبار عياض لأحمد المقري (٣/ ١٦٥)، الديباج المذهب ص (٢٧٠).\n(^٣) شجرة النور ص (١٤٦)، الأعلام (٥/ ٣١٨).","vol":"1","page":48},{"text":"وردت ضمن فصول تلك الرسائل الهامة في مسائل من العلوم الرياضية والآراء الفلسفية، وكان إملاؤه لها بطلب من أمير عصره الأمير العالم الأديب تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي صاحب إفريقية، وللأسف الكبير أن هذا التعليق أو الانتقاد على رسائل إخوان الصفا لم يبلغ إلينا فيما نعلم، ولم نقف منه إلَّا على ذكر من بين مؤلفات المازري\" (^١).\n٢ - إيضاح المحصول من برهان الأصول:\nوهو شرح لكتاب \"البرهان في أصول الفقه\" للجويني. قال السبكي: \"إن هذا الرجل - يعني المازري - كان من أذكى المغاربة قريحة، وأحدِّهم ذهنًا، بحيث اجترأ على يشرح \"البرهان\" لإمام الحرمين، وهو لغز الأمة الذي لا يحوم نحو حماه ولا يدندن حول مغزاه إلَّا غواص على المعاني، ثاقب الذهن، مبرز في العلم\" (^٢).\nوقد اعتمد عليه الزركشي (^٣) في \"البحر المحيط\"، ونقل منه كثيرًا (^٤).\nقال الشيخ النيفر: \"وشرح المازري لم أقف إلى الآن على وجود نسخة منه، فلذلك يعد مفقودًا\" (^٥).\nلكن الأستاذ حسن حسني أثبت وجود الكتاب، حيث قال: \"وهو\n_________\n(^١) مجلة لواء الإسلام، مرجع سابق ص (٢٧).\n(^٢) طبقات الشافعية الكبرى (٣/ ٢٤١).\n(^٣) محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، الشافعي، الأصولي، المحدث، من آثاره: (شرح علوم الحديث لابن الصلاح\"، \"البرهان في علوم القرآن\"، ومصنفات أخرى في الفقه الشافعي، توفي بالقاهرة سنة (٧٩٤ هـ). شذرات الذهب (٨/ ٥٧٢)، الدرر الكامنة (٣/ ٣٩٧).\n(^٤) تحقيق شرح التلقين (١/ ٥٣).\n(^٥) مقدمة المعلم (١/ ٦٥).","vol":"1","page":49},{"text":"شرح ممتع في أجزاء عديدة على برهان إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك الجويني الشافعي، المتوفى سنة (٣٤٨ هـ) في أصول الديانة، وهو من أهم ما صنف في علم الأصول، وأقدم ما شرح به هو تأليف المازري هذا، ومنه أجزاء متفرقة في مكتبات تونس وغيرها\" (^١).\n٣ - تعليق على أحاديث الجوزقي:\nوهو عبارة عن شرح مختصر للأحاديث التي اختارها الجوزقي (^٢) من صحيح مسلم. ولم يكتب ذلك بقلمه بل علَّقها بعض تلاميذه.\nقال النيفر: ولم نقف على ما يفيد الكتاب الذي علَّق عليه المازري من كتب الجوزقي ما هو؛ لأن للجوزقي كتبًا متعددة، ومن الأقرب حسبما يبدو أنه الجمع بين الصحيحين (^٣).\n٤ - التعليق على المدونة:\nوهو تعليق على \"المدونة\" (^٤) في الفقه المالكي لابن القاسم المالكي (^٥)، ويوجد قطع منه في الخزانة العامة بالرباط (ق/ ١٥٠).\n_________\n(^١) مجلة الهداية الإسلامية عدد (٧، ٨) سنة (١٣٦٩ هـ)، ص (١٠٤).\n(^٢) أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد الجوزقي النيسابوري، المحدث، الحافظ، له عدة مؤلفات في علم الحديث، منها: \"الصحيح المخرج على صحيح مسلم\"، و\"الجمع بين الصحيحين\" وغيرها، توفي سنة (٣٨٨ هـ). طبقات الحفاظ ص (٤١٨) ترجمة (٩١٢)، معجم المؤلفين (٣/ ٤٥٥).\n(^٣) مقدمة المعلم (١/ ٦١).\n(^٤) كشف الظنون (٢/ ١٦٤٤).\n(^٥) أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم العتقي المصري، المشهور بابن القاسم، من فقهاء المالكية، ولد بمصر، وتوفي فيها سنة (١٩١ هـ)، له: \"المدونة\" وهي من أجل كتب المالكية. الديباج المذهب ص (٢٣٩)، طبقات الحفاظ ص (١٦٦) ترجمة (٣٢٤)، معجم المؤلفين (٢/ ١٠٦).","vol":"1","page":50},{"text":"٥ - شرح التلقين:\nوهو أيضًا في الفقه المالكي، ألَّفه القاضي عبد الوهاب البغدادي (^١)، قام المازري بشرحه ولم يتمه، قال الشيخ النيفر: الذي في الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب أنه لم يتمه حيث يقول: لم يبلغنا أنه أكمله، وما قاله ابن فرحون صحيح ... بالرجوع إلى متن التلقين نجد أن هناك الشيء الكثير مما لم يشرحه المازري أي ما يقارب ثلث الكتاب (^٢).\nثم رأيت هذا الشرح مطبوعًا بثلاث مجلدات إلى آخر كتاب الجنائز بتحقيق مفتى الجمهورية التونسية الشيخ محمد المختار السلامي.\n٦ - شرح صحيح البخاري:\nقال الدكتور زكي بخاري في تحقيقه لجزء من كتاب شرح التلقين للمازري: \"ذكر المازري في ص (١٢٨٢) من شرح التلقين ما يدل على أنه شرح صحيح البخاري وأحال إلى كتابه ذلك (^٣).\n٧ - كشف الغطا عن لمس الخطا:\nوقد ذكر الشيخ النيفر سبب تأليف المازري لهذا الكتاب فقال:\n_________\n(^١) أبو محمد عبد الوهاب بن علي البغدادي المالكي، يعرف بابن نصر، شيخ المالكية في عصره، له عدة مؤلفات، منها: \"التلقين\" و\"الملخص في أصول الفقه\"، وغيرها، تولى القضاء في مصر وغيرها، توفي سنة (٤٢٢ هـ). الديباج المذهب ص (٢٦١)، البداية والنهاية (١٢/ ٣٤).\n(^٢) مقدمة المعلم (١/ ٥٩).\n(^٣) تحقيق شرح التلقين (١/ ٥٧)، والإحالة هذه وقفت عليها في المطبوع من شرح التلقين، وذلك عند حديثه عن تقدير طول القراءة في الصلاة. حيث قال بعد ذكره لاختلاف الفقهاء في ذلك: وعن النبي -ﷺ- أحاديث أُخر تقتضي التخفيف، وقد أوعبنا الكلام على جميعها وذكرنا صفة البناء فيها، وما تؤولت عليه فيما أملينا على البخاري، فمن أحب الوقوف عليه فليلتمسه هناك. شرح التلقين (٢/ ٥٧٨).","vol":"1","page":51},{"text":"\"وقضية ابن التبان (^١) أنه وقعت يده على ساق ابنته وهو يظنها زوجته ففارق الزوجة أم البنت، ورأى أنها حرمت عليه بهذا، وكان يفتي بذلك ... وهنا حرر المازري المسألة، وبيَّن أن هذا لا يصح مجريًا لها على الأصول ... وألَّف في ذلك كتابًا وسماه \"كشف الغطا عن لمس الخطا\"\" (^٢).\nقال الأستاذ حسن حسني عن هذا الكتاب: \"هي رسالة في مسألة فقهية دقيقة استفتي فيها فأجاب عنها بإيضاح وعلم وتحقيق، وقد وقفت عليها ومنها نسخة بالزيتونة\" (^٣).\n٨ - الكشف والإنباء عن المترجم بالإحياء:\nوهو جواب لسؤال ورده عن كتاب الغزالي (^٤) \"إحياء علوم الدين\" قال ابن الصلاح (^٥): \"ولأبي عبد الله المازري ... رسالة يذكر فيها حال الغزالي وحال كتابه \"الإحياء\" ... تكلم المازري في محاسن الإحياء ومذامه ومنافعه ومضاره بكلام يطول ختمه بأن من لم يكن عنده من\n_________\n(^١) محمد بن عبد الله التبان المعتزلي، أبو عبد الله، له مؤلفات، منها: \"كتاب في المعدوم\"، \"كتاب في تكليف من علم الله أنه يكفر\" توفي سنة (٤١٩ هـ). معجم المؤلفين (٣/ ٤٦٥)، هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين من كشف الظنون لإسماعيل البغدادي (٦/ ٦٣).\n(^٢) مجلة المنهل، عدد (٤٠)، سنة (٥٤، ١١، ١٢/ ١٣٩٩ هـ) ص (٧١٦، ٧١٨، ٧١٩).\n(^٣) مجلة الهداية الإسلامية، عدد (٩، ١٠، ١١، ١٢) سنة (١٣٦٩ هـ)، ص (١٣٤).\n(^٤) أبو حامد محمد بن محمد الطوسي الغزالي، الشافعي، حجة الإسلام، المتكلم، الصوفي، الفقيه، الأصولي، له عدة مصنفات، منها: \"تهافت الفلاسفة\" المستصفى في أصول الفقه\" توفي سنة (٥٠٥ هـ). سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٢٢)، طبقات الشافعية (١/ ٢٠٤).\n(^٥) تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الكردي الشافعي، المعروف بابن الصلاح، محدث، مفسر، فقيه، كانت له رياسة الفتوي بدمشق، له مصنفات كثيرة، منها: \"علوم الحديث\"، \"طبقات الشافعية\"، توفي بدمشق سنة (٦٤٣ هـ). سير أعلام النبلاء (٢٣/ ١٤٠)، البداية والنهاية (١٣/ ١٧٩).","vol":"1","page":52},{"text":"البسطة في العلم ما يعتصم به من غوائل هذا الكتاب، فإن قراءته لا تجوز له وإن كان فيه ما ينتفع به. ومن كان عنده من العلم ما يأمن به على نفسه من غوائل هذا الكتاب ويعلم ما فيه من الرموز فيجتنب مقتضى ظواهرها، ويكل أمر مؤلفها إلى الله تعالى، وإن كانت كلها تقبل التأويل، فقراءته لها سائغة، ويَنْتَفِعُ به، اللهم إلَّا أن يكون قارئه ممن يقتدى به، ويغتر به، فإنه ينهى عن قراءته وعن مدحه والثناء عليه\" (^١).\n٩ - قطع لسان النابح في المترجم بالواضح:\nقال عنه المازري في المعلم: \"وهو كتاب نقضنا فيه كلام رجل وصف نفسه بأنه كان من علماء المسلمين ثم ارتد وأخذ يلفق قوادح في الإسلام، فنقضنا أقواله في هذا الكتاب، وأشبعنا القول في هذه المسألة وبسطناه في أوراق\" (^٢).\nوقال في شرح التلقين: \"وقد أشبعنا الكلام على هذه المسألة وتأويل قوله ﵇: \"أُنزل القرآن على سبعة أحرف\" (^٣) وذكرنا تأويل ما حكي عن ابن مسعود وابن شهاب في كتابنا المترجم بقطع لسان النابح في المترجم بالواضح، وهو كتاب نقضنا فيه كتابًا ألَّفه بعض حذَّاق نصارى المشرق، قصد فيه إلى جمع المطاعن التي تشبث بها الملحدون، وقذفها الطاعنون على ديننا وأضافوها إلى العقل والنقل، فاكتفينا بذكرها هناك عن ذكرها هاهنا لاشتغال أهل الأصول بالخوض فيها دون أهل\n_________\n(^١) طبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح (١/ ٢٥٩).\n(^٢) المعلم (٣/ ١٥١)، وانظر أيضًا (٣/ ٢١٤).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب أُنزل القرآن على سبعة أحرف، ح (٤٩٩٢) (٨/ ٦٣٨)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف، وبيان معناه ح (٨١٨) (٦/ ٣٤٦).","vol":"1","page":53},{"text":"الفروع\" (^١).\n١٠ - المُعلم بفوائد مسلم:\nويأتي التعريف به مفصَّلًا.\n١١ - النكت القطعية في الرد على الحشوية والذين يقولون بقدم الأصوات والحروف:\nوسماه الأستاذ حسن حسني: \"النقط القطعية\" وقال عنه: \"وهذا تأليف لم نقف له على أثر ولا على السبب الأصلى في تحريره\" (^٢).\n١٢ - نظم الفرائد في علم العقائد:\nقال عنه الأستاذ حسن حسني: \"وهو من أجل مصنفات الإمام، إذ أنه أفرغ فيه ما آتاه الله تعالى من العلم الغزير الواسع والنظر الدقيق في المعتقدات وأصولها ولم نقف على ذكر وجود نسخة منه في المكتبات التي نعرفها\" (^٣).\n١٣ - كتاب في الطب:\nقال عنه الأستاذ حسن حسني: \"المشهور أنه وضع مؤلفًا في علم الطب ... الإمام ﵁ درس الطب، وألف فيه لاسيما وقد نقل مترجموه أنه كان درس فنونًا كثيرة من أدب وحساب وطب وغير ذلك، فلا يستغرب حينئذ من تدوينه في الطب، وإن لم يصل إلينا تأليفه المشار إليه\" (^٤).\n_________\n(^١) شرح التلقين (٢/ ٦٨٠).\n(^٢) مجلة الهداية الإسلامية، عدد (٧، ٨) سنة (١٣٦٨ هـ) ص (١٠٥).\n(^٣) مجلة لواء الإسلام، مرجع سابق ص (٢٥)، وثناؤه عليه ثناء مطلع على مضمونه، وكلامه لا يدل على ذلك، ولكن ربما اعتمد على كلام العلماء السابقين المطلعين عليه.\n(^٤) المرجع السابق ص (٢٨، ٢٩).","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>المطلب السادس: مذهبه الفقهي وعقيدته:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>أولًا: مذهبه الفقهي:</span>\nأخذ الإمام المازري الفقه على مذهب الإمام مالك وهو المنتشر في المغرب العربي والأندلس حتى بلغ رتبة عالية أهَّلته لأن يكون أحد أئمة المذهب المعتبرين حتى اعتمدت أقواله في المذهب. بل أصبح حامل راية المذهب المالكي في عصره.\nقال ابن خلكان: الفقيه المالكي المحدث (^١).\nوقال ابن فرحون: آخر المشتغلين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه (^٢).\nوقال القاضي عياض: لم يكن في عصره للمالكية في أقطار الأرض -في وقته- أفقه منه ولا أقوم لمذهبهم (^٣).\nوقال المقري (^٤): أحد الأئمة الأعلام ... عد في المذهب إمامًا وملك من مسائله زمامًا (^٥).\nوقال محقق كتاب \"شرح التلقين للمازري\": المازري ﵀ قد بلغ رتبة الإفتاء في المذهب وتبوأ مكانة مشهورة واستفاض خبره حتى كتب إليه الناس من المشرق والمغرب ... لقد أسهم المازري بجهد\n_________\n(^١) وفيات الأعيان (٤/ ٢٨٥).\n(^٢) الديباج المذهب ص (٣٧٥).\n(^٣) الغنية ص (١٣٢).\n(^٤) أحمد بن محمد بن أحمد المقري التلمساني، المالكي، الأشعري، مؤرخ، أديب، رحاله، تنقل بين المشرق والمغرب، ونال شهرة واسعة، من آثاره: \"نفح الطيب\" توفي في مصر سنة (١٠٤١ هـ). معجم المؤلفين (١/ ٢٤٩).\n(^٥) أزهار الرياض (٣/ ١٦٥).","vol":"1","page":55},{"text":"ظاهر في مجال التأليف في العلوم الشرعية عمومًا، وفي الفقه المالكي خصوصًا كما ظهر ذلك من خلال بعض مؤلفاته الفقهية ....\nأما أثره في المذهب المالكي فهو ظاهر جدًّا وذلك من خلال ما يلي:\n- كثرة الناقلين عن المازري والاستشهاد بأقواله وتخريجاته وملاحظاته، خاصة ما أثبته في كتابه \"شرح التلقين\" فقد اتفق المتأخرون ممن جاء بعد المازري على اعتبار كتابه \"شرح التلقين\" من المصادر الأصلية في تحرير المذهب وأكثروا من النقل عنه من هذا الكتاب وسائر مؤلفاته (^١).\nولم يكن ملتزمًا بالمذهب المالكي تقليدًا دون دليل بل وصل إلى مرحلة تؤهله للاجتهاد.\nقال ابن دقيق العيد (^٢): ما رأيت أعجب من هذا - يعني المازري- لأي شيء ما ادعى الاجتهاد (^٣).\nفهو يأخذ ما دل عليه الدليل ولو خالف المذهب ويظهر هذا من خلال شرحه للتلقين وهو أحد الكتب المالكية المعتمدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>ثانيا: عقيدته:</span>\nألَّف المازري كتابًا في العقيدة سماه \"نظم الفرائد في علم العقائد\" لكنه لم يصل إلينا. على أننا نستطيع أن نعرف عقيدته من خلال ما وصلنا من مؤلفاته، خصوصًا كتابه \"المُعلم\" الذي تظهر عقيدته واضحة من\n_________\n(^١) تحقيق شرح التلقين (١/ ٧٩).\n(^٢) تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي القشيري، المشهور بابن دقيق العيد، محدث، حافظ، فقيه، أصولي، تولى قضاء الديار المصرية، من مصنفاته: \"شرح عمدة الأحكام\" توفي بالقاهرة سنة (٧٠٢ هـ). الدرر الكامنة (٤/ ٩١)، شذرات الذهب (٨/ ١٢).\n(^٣) الوافي بالوفيات لخليل أيبل الصفدي (٤/ ١٥١).","vol":"1","page":56},{"text":"خلال تعليقه على صحيح مسلم. فهو أشعري العقيدة سائر على مذهب المتكلمين من الأشاعرة، يظهر ذلك من خلال نصره لأقوالهم ومدافعته عنها وتقريرها والاستدلال عليها.\nومن خلال تأويله لعامة صفات الله تعالى -كما سيتبين إن شاء الله- من خلال مبحث الصفات كما هو مذهب الأشاعرة.\nولذا فقد أكثر من ذكرهم في المعلم ووصفهم بالأئمة وانتسب إليهم فقال: ومال إليه بعض أئمتنا من المتكلمين (^١)، وجعلهم هم أهل السنة فقال: وإنما سميت الأشعرية أهل السنة لأتباعهم السنة وموافقتهم لها (^٢).\nهذا ما صرح به هو في كتابه وهو ما أكده الذين كتبوا عنه قال ابن الصلاح: كان إمامًا محققًا بارعًا في مذهبي مالك والأشعري (^٣) (^٤).\nقال السبكي: كان مصممًا على مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري ﵁، جليلها وحقيرها، كبيرها وصغيرها، لا يتعداها ويبدِّع من خالفه ولو في النزر اليسير والشيء الحقير (^٥).\nقال النيفر: نجد المازري في شرحه للمعلم أشعريًّا يتقلد قول الأشعري وقول أصحابه، ويذب عما رأوه من آراء فهو خالص في\n_________\n(^١) المعلم (٣/ ١٣٣).\n(^٢) المعلم (٣/ ١٧٦).\n(^٣) أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، ينتسب إلى الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري، كان على مذهب المعتزلة، ثم سلك مذهب الكلَّابية، ثم رجع أخيرًا إلى مذهب السلف، واستقر عليه، حتى توفي، وكتابه \"مقالات الإسلاميين\" و\"الإبانة عن أصول الديانة\" يدل على ذلك، ولكن الذين انتسبوا إليه بعد ذلك تابعوا ما كان عليه قبل سلوك مذهب السلف.\nتوفي سنة (٣٢٤ هـ). طبقات الشافعية (١/ ١١٣)، الديباج المذهب ص (٢٩٣).\n(^٤) انظر: طبقات الفقهاء الشافعية (١/ ٢٥٥).\n(^٥) طبقات الشافعية الكبرى (٦/ ٢٤٤).","vol":"1","page":57},{"text":"أشعريته (^١).\nوقال أيضًا: اشتمل المعلم على جملة صالحة من المسائل التي اختلفت فيها الأشعرية مع المعتزلة وانتصر فيها المازري لمذهبه العقائدي (^٢).\nوسيتضح هذا أكثر من خلال مباحث هذه الرسالة -إن شاء الله-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>المطلب السابع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه:</span>\nيعتبر الإمام المازري علمًا من أعلام المذهب المالكي، فهو حامل لوائه في زمنه، وأحد العلماء الذين بلغوا رتبة علمية عالية شهد له بها علماء أفذاذ. ومما يدل على تلك المكانة اجتماع الأعداد الكبيرة من طلاب العلم على درسه وحرصهم على الأخذ عنه ومراسلة أعداد أخرى من شتى بلاد المغرب والأندلس له للأخذ عنه عن طريق الإجازة إضافة إلى مؤلفاته التي تدل على تضلعه بالعلوم وإسهامه في سائر الفنون.\nلذا عده العلماء قد بلغ رتبة الاجتهاد وهي منزلة رفيعة لا يبلغها كل أحد.\nقال صاحب شجرة النور عنه: الإمام خاتمة العلماء المحققين والأئمة الأعلام المجتهدين الحافظ النظار كان واسع الباع في العلم والاطلاع مع ذهن ثاقب ورسوخ تام بلغ رتبة الاجتهاد (^٣).\nوقال ابن دقيق العيد: ما رأيت أعجب من هذا -يعني المازري-\n_________\n(^١) مقدمة المعلم (١/ ٧٤).\n(^٢) مقدمة المعلم (١/ ٨١).\n(^٣) شجرة النور ص (١٢٧).","vol":"1","page":58},{"text":"لأي شيء ما ادعى الاجتهاد (^١).\nوقال الذهبي: الإمام العلامة البحر المتفنن ... كان أحد الأذكياء الموصوفين والأئمة المتبحرين (^٢).\nوقال المقري: أحد الأئمة الأعلام المشار إليهم في حفظ الحديث والكلام عليه (^٣). وقال ابن فرحون: كان آخر المشتغلين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه ورتبة الاجتهاد ودقة النظر (^٤).\nوقال الحميري (^٥): برع في العلم وانتهت إليه رياسة العلم في وقته ولا يسمى بالإمام أحد بإفريقية سواه وسارت مقالاته وفتاويه في الأقطار وقصد الناس إليه (^٦).\nقال الشيخ محمد المختار السلامي: برزت مكانته العلمية منذ عهد حداثته وازدادت تلك المكانة رسوخًا مع نضجه وتقدم سنه فإذا كان وهو ابن عشرين سنة مرجعًا للقاضي يعود إليه ولا يخرج عن رأيه وإنه منذ حداثته يهاب الشيوخ البالغون درجة الإفتاء مناظرته (^٧) فإن ذلك يدلك\n_________\n(^١) الوافي بالوفيات (٤/ ١٥١).\n(^٢) سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٠٤).\n(^٣) أزهار الرياض (٣/ ١٦٥).\n(^٤) الديباج المذهب ص (٣٧٥).\n(^٥) محمد بن محمد بن عبد الله بن عبد المنعم الحميري الأندلسي، من أهل سبتة، توفي بعد سنة (٩٠٠ هـ). كشف الظنون عن أسماء الكتب والفنون لحاجي خليفة (١/ ٩٢٠)، الأعلام (٧/ ٥٣).\n(^٦) الروض المعطار ص (٥٢١).\n(^٧) قال في شرح التلقين: \"وقد كنت في سن الحداثة وعمري عشرون عامًا وقع في نفسي أن القراءة في الشفع لا يستحب تعيينها إذا كانت عقب تهجد بالليل، وإنما الاستحباب يتوجه في حق من اقتصر على شفع الوتر، فأمرت من يصلي التراويح في رمضان أن يوتر عقيب فراغه من عدد الأشفاع، ويأتي بجميع مقروآته بالحزب الذي يقوم به فيه ويوتر عقيبه فتمالأ =","vol":"1","page":59},{"text":"على أنه كان أرفع مقامًا، وأعلى شأنًا بعد ذهاب شيوخه وتفرده بالإمامه (^١). وهذه المكانة التي عرفها أهل العلم عرفها أهل السلطان فكتبوا إليه يستفتونه فيما يشكل عليهم (^٢) وهو لم يتول لهم قضاء ولا إفتاء.\n_________\n= المشايخ المفتون حينئذ بالبلد على إنكار ذلك واجتمعوا بالقاضي، وكان ممن يقرأ عليَّ ويصرف الفتوى فيما يحكم إليَّ، فسألوه أن يمنع من ذلك، فأبى عليهم إلَّا أن يجتمعوا لمناظرتي على المسألة، فأبوا، فأبى\". شرح التلقين (٢/ ٧٨٤).\n(^١) مقدمة تحقيق شرح التلقين (١/ ٩٨).\n(^٢) ومع ذلك لم يداهن في دين الله، ولم يجامل، إذ جاء في شرح التلقين قوله: \"وقد كتب إليَّ سلطان يسألني عن الصلاة بمقصورة في قصره، الحائط مشترك بينها وبين الجامع، وأحب أن يصلي على أعلى الحائط المشترك مرتفعًا عن الناس محجوبًا عنهم، فأجبته بأن سر اشتراط الجامع والجماعة في الجمعة بخلاف غيرها من الصلوات أنها صلاة قصد بها المباهاة والإشادة والإعلان، ولهذا جهر بالقراءة فيها، وإن كانت نهارًا، وجعل فيها الخطبة، فكل معنى تكمل المباهاة فيه ويزيد فيه بهاء الإسلام كان أولى أن يسلك، والإخفاء والاستتتار نقيض الغرض الذي أشار إليه الشرع، فلما كتبت إليه بهذا امتنع من إحداثه\". شرح التلقين (٣/ ٩٧٢).","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>المبحث الرابع التعريف بالكتاب وبيان أهميته</span>\nوفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: تسميته\nالمطلب الثاني: نسبته للمازري\nالمطلب الثالث: تأليفه\nالمطلب الرابع: أهميته\nالمطلب الخامس: مميزاته ومنهج المازري فيه","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>المطلب الأول: تسميته:</span>\nاختلفت المصادر في تسمية هذا الكتاب وإن كانت قد اتفقت على الكلمة الأولى وهي \"المعلم\" فبعضهم قد اقتصر عليها مسماه \"المُعْلِم\" بصيغة اسم الفاعل دون إضافة ما يفيد أنه شرح لصحيح مسلم أو أن هذا هو أصل اسمه ثم أضيف عليه ما يبين موضوعه من قبل المترجمين.\nوممن سماه بهذا الاسم القاضي عياض في كتابه \"إكمال المعلم بفوائد مسلم\" (^١).\nوابن الآبار (^٢) في كتابه \"التكملة لكتاب الصلة\" (^٣).\nوهناك من سمى الكتاب بـ \"المعلم بفوائد مسلم\".\nوقد وردت هذه التسمية عند أكثر المترجمين وإن كان بعضهم يقتصر على هذا الاسم وبعضهم يضيف كلمة \"كتاب\" في أوله، أو كلمة \"صحيح\" قبل كلمة \"مسلم\" أو كلمة \"كتاب\" بدل من كلمة \"صحيح\".\nوهذه التسمية هي المشهورة والمذكورة في غالب كتب التراجم وقد ذكرها ابن عطية في فهرس شيوخه (^٤)، وابن خلكان في كتابه \"وفيات الأعيان\" (^٥) وابن العماد الحنبلي (^٦) في كتابه \"شذرات ........\n_________\n(^١) إكمال المعلم (١/ ٧٢).\n(^٢) أبو عبد الله محمد بن عبد الله البلنسي، الأندلسي، الشهير بابن الآبار، فقيه، حافظ، مقرئ، مؤرخ، أخذ عن علماء الأندلس وإفريقية، من آثاره: \"هداية المعتسف في المؤتلف والمختلف\" توفي بتونس سنة (٦٥٨ هـ). سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٣٣٦)، معجم المؤلفين (٣/ ٤٣٢).\n(^٣) التكملة (٢/ ٩٣٩).\n(^٤) فهرس ابن عطية ص (١٣٩).\n(^٥) وفيات الأعيان (٤/ ٢٨٥).\n(^٦) عبد الحي بن أحمد بن محمد بن العماد الدمشقي الحنبلي، المشهور بابن العماد، مؤرخ، =","vol":"1","page":63},{"text":"الذهب\" (^١).\nوحسن حسني في مجلة الهداية (^٢)، والنيفر في مقدمة المعلم (^٣) وغيرهم.\nبل قد نصَّ ابن خلدون على أن هذه التسمية من المازري نفسه حيث قال عند تعريفه لصحيح مسلم، وبيان اهتمام المغاربة به: وأملى الإمام المازري من فقهاء المالكية عليه شرحًا وسماه \"المعلم بفوائد مسلم\" (^٤).\nوهناك تسمية أخرى له وردت عند البعض وهي \"المعلم في شرح مسلم\".\nوذلك عند حاجي خليفة (^٥) في كتابه \"كشف الظنون\" (^٦) والقاضي عياض في كتابه \"الغنية\" حيث قال عند حديثه عن المازري: كتب إليَّ من المهدية يجيزني في كتابه المسمى بالمعلم في شرح مسلم وغيره من تواليفه (^٧).\nوالذي يظهر لي -والله أعلم- أن اسمه \"المعلم بفوائد مسلم\" فمن\n_________\n= أديب، من آثاره: \"بغية أولى النهى في شرح المنتهى\"، في الفقه الحنبلي، توفي بمكة سنة (١٠٨٩ هـ). معجم المؤلفين (٢/ ٦٧)، الأعلام (٣/ ٢٩٠).\n(^١) شذرات الذهب (٦/ ١٨٦).\n(^٢) مجلة الهداية الإسلامية، عدد (٧، ٨) سنة (١٣٦٩ هـ) ص (١٠٣).\n(^٣) مقدمة المعلم (١/ ٥٣).\n(^٤) مقدمة ابن خلدون ص (٤١١).\n(^٥) مصطفى بن عبد الله القسطنطيني الحنفي الشهير بكاتب جلبي، أو حاجي خليفة مؤرخ عالم بالكتب ومؤلفيها من آثاره: \"سلم الوصول إلى طبقات الفحول\" توفي بالقسطنطينية سنة (١٠٦٧ هـ).\nمعجم المؤلفين (٣/ ٨٧٠)، الأعلام (٧/ ٢٣٦).\n(^٦) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة (٢/ ١٧٤١).\n(^٧) الغنية ص (١٣٣).","vol":"1","page":64},{"text":"اقتصر على \"المعلم\" أراد الاختصار ومن سماه \"المعلم في شرح صحيح مسلم\" ونحوها، أراد إيضاح أن هذا هو اسمه فكأنه اقتصر على تسميته بالمعلم وبين بما بعده موضوع الكتاب ومما يؤكد هذا ما جاء في شذرات الذهب حيث قال: محمد بن علي مصنف المعلم بشرح مسلم -ثم قال في تعداد مؤلفاته- وله المعلم بفوائد مسلم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>المطلب الثاني: نسبته للمازري:</span>\nقد أجمعت المصادر على نسبة هذا الكتاب للإمام المازري بل أصبح هذا المؤلف علامة فارقة له عند خوف الالتباس فيقال: المازري صاحب المعلم. وكل من ترجم للمازري ذكر مؤلفه هذا مما يجعلنا نثق بنسبة الكتاب إليه ولا يخامرنا شك في ذلك. بل لقد ورد في المعلم نفسه ما يدل على نسبته إلى أبي عبد الله المازري حيث ورد ما نصه: \"هذا كتاب قُصد فيه إلى تعليق ما جرى في مجالس الفقيه الإمام الجليل أبي عبد الله محمد بن علي المازري (^٢) ﵁ حين القراءة عليه لكتاب مسلم بن الحجاج -﵀- في شهر رمضان المكرم من سنة تسع وتسعين وأربعمائة (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>المطلب الثالث: تأليفه:</span>\nلم يقصد المازري تأليف هذا الكتاب ولم يستجمع نفسه لذلك،\n_________\n(^١) شذرات الذهب (٦/ ١٨٦).\n(^٢) هناك من يتفق مع أبي عبد الله بالاسم والنسبة فقط، أو بالنسبة دون الاتفاق باسم الأب كمحمد بن مسلم بن محمد المازري المتوفى بالإسكندرية، سنة (٥٣٠ هـ)، ومحمد بن أبي الفرج المازري، المعروف بالذكي الصقلي المتوفي سنة (٥١٦ هـ). معجم المؤلفين (٣/ ٥٢٥، ٥٨٥، ٧١٦).\n(^٣) المعلم (١/ ١٨١).","vol":"1","page":65},{"text":"إنما كان من إملائه في درسه، فقد درَّس في حلقته في رمضان سنة (٤٩٩ هـ) هذا الإملاء فتلقاه بعض التلاميذ ودوَّنه، ثم عرضه بعد على الشيخ، فاطلع عليه وصحح بعضه وحذف بعضه، ثم أجازه بعد ذلك.\nولذا فغالب الكتاب يكون النقل عن الإمام بالمعنى لا باللفظ، قال ابن الآبار في ترجمته لتلميذ المازري عبيد الله بن عيشون: \"ولقي أيضًا أبا عبد الله المازري بالمهدية وحكى عنه أنه سمعه يقول، وقد جرى ذكر كتابه \"المعلم بفوائد صحيح مسلم\": إني لم أقصد تأليفه وإنما كان السبب فيه أنه قرئ عليَّ كتاب مسلم في شهر رمضان فتكلمت على نقط منه فلما فرغنا من القراءة عرض عليَّ الأصحاب ما أمليته عليهم فنظرت فيه وهذبته فهذا كان سبب جمعه\" (^١)، وقد جاء ذلك في كتاب المعلم ونصه: \"هذا كتاب قصد فيه إلى تعليق ما جرى في مجالس الفقيه الإمام الجليل أبي عبد الله محمد بن علي المازري (﵁) حين القراءة عليه لكتاب مسلم بن الحجاج -﵀- في شهر رمضان المكرم من سنة تسع وتسعين وأربعمائة منقولًا ذلك بعضه بحكاية لفظ الفقيه الإمام أيَّده الله وأكثره بمعناه\" (^٢).\nوهو وإن كان من تدوين بعض تلاميذه في درسه فقد أجازه وصار ينسبه إلى نفسه ويعتبره من تأليفه وهو يدل على طول نفس المازري في دروسه وتمهله في إلقائه على طلابه بحيث يستطيع التلاميذ أن يدونوا ذلك أو كثيرًا منه بلفظ الشيخ.\nوقد جزم النيفر أن هذا الشرح كان خلال شهر واحد أي في شهر\n_________\n(^١) التكملة (٢/ ٩٣٦).\n(^٢) المعلم (١/ ١٨١).","vol":"1","page":66},{"text":"رمضان عام (٤٩٩ هـ) فقط حيث قال: \"ونجزم أن هذا الإملاء كان في رمضان واحد سنة (٤٩٩ هـ) لأن عباراته هذه لا يستفاد منها إلَّا أنه كانت القراءة في السنة المذكورة دون غيرها إذ لو كانت القراءة على سنوات في رمضانات متعددة لوقع التصريح بذلك\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>المطلب الرابع: أهميته:</span>\nإن أهمية كتاب المعلم بفوائد مسلم تبدو من خلال المميزات الكثيرة التي تميز بها، ومنها:\n- أنه يعتبر أول شرح لصحيح مسلم، أو أول تعليق يصل إلينا، بل لم يبدأ التأليف حول صحيح مسلم إلَّا في عصر المازري، فألَّف أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي النيسابوري المتوفى سنة (٥٢٩ هـ) في نيسابور كتاب \"المفهم بشرح غريب مسلم\" (^٢) وكذلك ألَّف محمد بن أحمد التجيبي المعروف بابن الحاج قاضي قرطبة المتوفى سنة (٥٢٩ هـ) كتابه \"الإيجاز والبيان لشرح خطبة مسلم مع كتاب الإيمان\" (^٣).\n- وأبو محمد عبد الله بن عيسى الشيباني الأندلسي المتوفى ببلنسية سنة (٥٣٠ هـ) له كتاب حول صحيح مسلم لم يكمله (^٤).\n- وعبد السلام بن عبد الرحمن بن برجان اللخمي الأندلسي المتوفى بمراكش سنة (٥٣٦ هـ) له كتاب \"الإرشاد\" وهو شرح للأحاديث من خلال الآيات القرآنية الدالة عليها (^٥).\n_________\n(^١) المعلم (١/ ١٢٨).\n(^٢) شذرات الذهب (٦/ ١٥٢)، سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٦).\n(^٣) شذرات الذهب (٦/ ١٥٣)، معجم المؤلفين (٣/ ٦٣).\n(^٤) سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢١٧)، معجم المؤلفين (٢/ ٢٦٧).\n(^٥) شذرات الذهب (٦/ ١٨٥)، سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٣٤).","vol":"1","page":67},{"text":"فهذه الكتب مع كتاب المازري هي أول المؤلفات حول صحيح مسلم.\nفالأول منها اختص بشرح الغريب، والثاني اقتصر على جزء منه، والثالث لم يتم شرحه المذكور، والرابع قصد مؤلفه استخراج معاني الأحاديث من كتاب الله.\nومع ذلك ما وصل إلينا إلَّا كتاب \"المعلم\"، فهو أول المؤلفات التي وصلت إلينا حول صحيح مسلم.\nثم بعد ذلك توالت الشروح لصحيح مسلم حتى بلغت عشرات الشروح والتعليقات.\nومما يبين أهمية الكتاب أنه أصبح أساسًا لمن جاء بعده، فبنيت عليه شروح كثيرة، حيث أكمله القاضي عياض في كتابه \"إكمال المعلم بفوائد مسلم\"، ثم جاء بعده أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري الأندلسي المحدث، المتوفى سنة (٧٠٧ هـ) بمراكش، فألَّف كتاب \"إكمال الإكمال\" (^١) وكذلك عيسى بن مسعود المنكلاتي الحميري الزواوي المتوفى بالقاهرة سنة (٧٤٣ هـ) له كتاب \"إكمال الإكمال\" (^٢) ومحمد بن خليفة التونسي المشهور بالأبي المحدث الحافظ المتوفى سنة (٨٢٨ هـ) له كتاب \"إكمال إكمال المعلم\" (^٣)، ولعيسى بن أحمد البجائي المشهور بابن الشاط كتاب في شرح صحيح مسلم اختصره من كتاب \"إكمال الإكمال\" (^٤) للأبي، ثم جاء محمد بن يوسف التلمساني السنوسي\n_________\n(^١) الديباج المذهب ص (٤١٠)، معجم المؤلفين (٣/ ٣٩).\n(^٢) الدرر الكامنة (٣/ ٢١٠)، معجم المؤلفين (٢/ ٥٩٨).\n(^٣) الأعلام (٦/ ١١٥)، معجم المؤلفين (٣/ ٢٧٨).\n(^٤) معجم المؤلفين (٢/ ٥٩٠).","vol":"1","page":68},{"text":"المتوفى سنة (٨٩٥ هـ) فألَّف كتاب \"مكمل إكمال الإكمال\" (^١).\nوهكذا توالت الشروح مبنية على كتاب \"المعلم\" ومكملة له وهذا ولا شك يدل على اهتمام العلماء بهذا الكتاب وعنايتهم به واعتبارهم إياه أساسًا يبني عليه غيره ولم تقتصر العناية والاهتمام بهذا الكتاب ممَّن ألفوا عليه بل كل من جاء بعد المازري وألَّف في شرح الصحيحين فقد استفاد منه أو اعتمد عليه.\nفقد نقل القرطبي عنه كثيرًا في كتابه \"المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم\" (^٢).\nوكذلك النووي (^٣) في كتابه \"المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج\" (^٤).\nوكذلك الحافظ ابن حجر (^٥) في كتابه \"فتح الباري في شرح صحيح البخاري\" (^٦).\n_________\n(^١) الأعلام (٧/ ١٥٤)، معجم المؤلفين (٣/ ٧٨).\n(^٢) انظر على سبيل المثال (٢/ ١٦٢، ١٧٦، ٣/ ٢١٢، ٥٤٤، ٥/ ٣٥١، ٤٨٣، ٦/ ٧، ١٢، ١٤).\n(^٣) محيي الدين يحيى بن شرف بن مري النووي الدمشقي الشافعي، أبو زكريا، إمام في العلم والزهد، والعبادة له مصنفات كثيرة نافعة مشهورة، منها: \"رياض الصالحين\"، \"المجموع شرح المهذب\" توفي سنة (٦٧٦ هـ). طبقات الحفاظ ص (٥٣٩) ترجمة (١١٣٠)، البداية والنهاية (١٣/ ٢٩٤).\n(^٤) انظر على سبيل المثال: المجلد الأول (٤١٨، ٤٢٧، ٤٨٤، ٥٠٠، ٥٠٨).\n(^٥) أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني المشهور بابن حجر المصري الشافعي، شيخ الإسلام العلم المحدث الحافظ، قاضي قضاة الشافعية بالديار المصرية، له عدد كبير من المصنفات، منها: \"الإصابة في تمييز الصحابة\"، \"بلوغ المرام من أدلة الإحكام\"، \"الدرر الكامنة\"، \"تهذيب التهذيب\" وغيرها. توفي سنة (٨٥٢ هـ). طبقات الحفاظ ص (٥٧٩) ترجمة (١١٩٢)، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسيوطي (٢/ ٣٦).\n(^٦) انظر على سبيل المثال: (١/ ٨٨، ٩٩، ٣/ ٣٣٠).","vol":"1","page":69},{"text":"وغيرهم من العلماء الذين اعتمدوا كتاب \"المعلم\" كمرجع في تآليفهم وتصانيفهم.\nتظهر أيضًا أهمية الكتاب من خلال إشادة العلماء به وثنائهم عليه.\nقال القاضي عياض عن كتاب \"المعلم\": \"نهاية في فنه، بالغ في بابه، مودع من فنون المعارف وفوائدها، وغرائب الأثر وشواردها\" (^١).\nوقال ابن خلكان عند ترجمته للمازري: \"وشرح صحيح مسلم شرحًا جيدًا\" (^٢).\nوقال ابن خلدون عند حديثه عن صحيح مسلم: وأملى الإمام المازري -من فقهاء المالكية- عليه شرحًا وسماه: المعلم بفوائد مسلم، اشتمل على عيون من علم الحديث وفنون الفقه (^٣).\nوقال النيفر: إذا نظرنا في الكتاب نراه مشحونًا بالفوائد المتنوعة المختلفة الدالة على سعة وتمكن صاحبها من ناحية الكثير من العلوم\" (^٤).\nوقال القاضي عياض أيضًا -عند ذكره لعزمه على تأليف كتابه \"إكمال المعلم\"-: \"إن تأليف كتاب جامع لشرحه لا معنى له مع ما قد تقرر في \"المعلم\" من فوائد جمة لا تضاهى، ونكت متقنة وقف عندها حسن التأليف وتناهى\" (^٥).\n_________\n(^١) إكمال المعلم (١/ ٧٢).\n(^٢) وفيات الأعيان (٤/ ٢٨٥).\n(^٣) مقدمة ابن خلدون ص (٤١١).\n(^٤) المعلم (١/ ١٢٨).\n(^٥) إكمال المعلم (١/ ٧٣).","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>المطلب الخامس: مميزاته ومنهج المازري فيه:</span>\nقد سبق بيان أن المازري لم يقصد تأليف هذا الكتاب، إنما كان من إملائه لتلاميذه، ولا شك أن ما يلقى على الطلاب في الدرس يختلف عن التأليف من وجوه كثيرة لا تخفى.\nومع أن المعلم على طريقة الإملاء في الدروس إلَّا أنه تميز بميزات واختص بفرائد لم تكن لغيره من الشروح، لغزارة علم مؤلفه، وذكائه، ودقة استنباطه.\nومن خلال النقاط التالية يتبين ميزات هذا الكتاب، ومنهج المازري فيه:\n• الكتاب لا يعتبر شرحًا لصحيح مسلم بمعنى استيعابه لجميع أحاديث الصحيح، وشرحه لها شرحًا وافيًا.\nإنما هو تعليق على بعض الأحاديث وعادة ما يكتفى بالتعليق على حديث أو حديثين في الباب، ولا يكون التعليق أيضًا عبارة عن شرح لهذا الحديث الذي اختاره، إنما يذكر من الحديث الجزء الذي يكون عليه التعليق.\n• لم يلتزم المازري بترتيب الأحاديث في تعليقه حسب ما هو في صحيح مسلم، بل يقدم ويؤخر في ذلك (^١).\nقال القاضي عياض: وكان في المعلم تقديم وتأخير عن ترتيب كتاب مسلم (^٢).\n• إذا ذكر الحديث أو جزءًا منه لا يذكر في الغالب جميع الفوائد المتعلقة\n_________\n(^١) انظر أمثلة لذلك في: المعلم (١/ ١٣٢)، والحديث بإفريقية (٢/ ٥٦٢).\n(^٢) إكمال المعلم (١/ ٧٣).","vol":"1","page":71},{"text":"به، إنما يقتصر على إيضاح غامض، أو استنباط فائدة، أو تعليق يسير، أو تفسير لغريب، وقد يتوسع أحيانًا عند مناقشته لمسألة، أو انتصاره لقول.\n• لم يتعرض المازري لمقدمة صحيح مسلم بالشرح، إنما علَّق على ثمانية مواضع فقط من المقدمة بالاختصار الذي عرف به المعلم (^١).\n• اهتم المازري بإيراد الألفاظ المختلفة لروايات صحيح مسلم سواء بالسند أو المتن (^٢).\n- كما اهتم المعلم بالمسائل العقدية والأصولية والفقهية- كما تبين سابقًا-، اهتم أيضًا بالحديث وعلومه، وفي الكتاب تعليقات نفيسة في هذا الباب (^٣).\nواهتم كذلك بالمباحث اللغوية اهتمامًا واضحًا بحيث لا يخلو تعليق على حديث من فوائد لغوية نافعة (^٤).\n- تميز الكتاب بالنقل عن مصادر ضاع بعضها، فلم يصل إلينا، ولذا يعتبر هذا توثيقًا لها، وحفظًا لما نقل منها (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المعلم (١/ ١٨٢).\n(^٢) انظر على سبيل المثال: المعلم (١/ ١٨٦، ١٨٧، ١٩٣، ٣٠١) وهي كثيرة.\n(^٣) انظر على سبيل المثال: المعلم (١/ ١٨٢، ١٨٣، ١٨٤، ١٨٥).\n(^٤) انظر على سبيل المثال: المعلم (١/ ١٨٣، ١٨٦، ١٨٩، ٢١٤) وهي كثيرة جدًّا تكاد تكون في كل صفحة من المعلم وأحيانًا يستروح ويطيل في ذلك بحيث يذكر فوائد لغوية لا تتعلق بشرح الحديث، ولكن وردت للمناسبة كما قال عند تعليقه على قول ورقة بن نوفل للرسول ﵊ عن جبريل \"هذا الناموس\": قال المطرز قال ابن الأعرابي لم يأت في الكلام فاعول لام الفعل سين إلَّا الناموس والجاسوس والجاروس والفاعوس والبابوس والداموس والقاموس والقابوس والعاطوس والفانوس والجاموس. فالناموس: صاحب سر الخير. والجاسوس: صاحب سر الشر، والجاروس: الكثير الأكل، والقاعوس: الحية. والبابوس: الصبي الرضيع. المعلم (١/ ٢١٨).\n(^٥) المقدمة تحقيق إكمال المعلم (١/ ٣٩).","vol":"1","page":72},{"text":"- تميز بتتبعه لميلاد كثير من أقوال مالك في الحديث والمسألة من قبل أن تكون مذهبًا، ويشير إلى وقت ميلادها مما يجعل منه ثروة في تقييم المذهب (^١).\nعلى أن المُعلم مهما وجد فيه من قصور، أو خلل، أو نقص، فيشفع له أنه لم يعد أصلًا، ويوضع كتأليف يعد له بحيث تجمع له المراجع، وتحرر فيه الأقوال، وتُراجع فيه المسائل وتدقق.\nوكذلك لم يكن شرحًا لصحيح مسلم، إنما تعليق على بعض أحاديث الصحيح، وإذا ظهرت هذه الصورة لم يعتمد عليه كشرح لصحيح مسلم، وقد اعتذر القاضي عياض عن المازري فيما يُوردُ على كتابه من نقد حيث قال: \"والعذر بيِّن فإن كتاب \"المُعْلم\" لم يكن تأليفًا استجمع له مؤلفه، وإنما هو تعليق ما تضبطه الطلبة من مجالسه وتتلقفه وكدات الألباء\" (^٢).\n_________\n(^١) المرجع السابق.\n(^٢) المرجع السابق (١/ ٧٢).","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>الفصل الثاني القرطبي عصره وحياته</span>\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: عصره\nالمبحث الثاني: حياته الشخصية\nالمبحث الثالث: حياته العلمية\nالمبحث الرابع: التعريف بالكتاب وبيان أهميته","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المبحث الأول عصره</span>\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: من الناحية السياسية\nالمطلب الثاني: من الناحية العلمية","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>المطلب الأول: الحالة السياسية</span>\nعاش القرطبي -﵀- في الفترة من (٥٧٨ هـ) حتى (٦٥٦ هـ) وهي فترة اضطرابات، وحروب وفتن، وضعف للأمة الإسلامية، وتسلُّط لأعدائها عليها من النصارى والتتار.\nفقد عاصر القرطبي حملة التتار واجتياحهم للبلاد الإسلامية، حيث خرجوا من بلاد الصين في الشرق، وساروا نحو بلاد الإسلام، فما مروا على بلدة إلَّا سقطت تحت أيديهم، فيعيثون فيها فسادًا؛ بقتل الرجال والشيوخ والأطفال والنساء، ونهب الأموال، وإحراق البلاد.\nفعظُمَت بهمُ الفتنة، حتى قال ابن الأثير (^١) -وهو المعاصر لتلك الأحداث- في تاريخه -مصورًا عظم الفتنة وشدة المحنة-: \"لقد بقيت سنين عديدة معرضًا عن ذكر هذه الحادثة استعظامًا لها، كارهًا لذكرها، فأنا أُقَدِّم رِجْلًا وأُؤخِّر أُخْرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني ويا ليتني مت قبل هذا، وكنت نسيًا منسيًا، إلَّا إنني حثَّني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها، وأنا مُتوقفٌ، ثمَّ رأيت أنَّ ترك ذلك لا يُجدي نفعًا، فنقول: هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى، والمصيبة الكبرى، التي عَقمَت الأيام والليالي عن مثلها عمَّت الخلائق وخصَّت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم مذ خلق الله -﷾- آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقًا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها ... ولعلَّ الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض\n_________\n(^١) عز الدين أبو الحسن علي بن محمد بن محمد الشيباني، المعروف بابن الأثير الجزري، مؤرخ أديب، نسَّابه، من آثاره: \"أسد الغابة في معرفة الصحابة\" توفي سنة (٦٣٠ هـ).\nالبداية والنهاية (١٣/ ١٤٩)، طبقات الحفاظ ص (٥٨٩) ترجمة (١٠٩٢).","vol":"1","page":79},{"text":"العالم، وتفنى الدُّنْيا، إلَّا يأجوج ومأجوج ... فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم، لهذه الحادثة التي استطار شرُّهَا وعمَّ ضررها (^١).\nثمَّ شرع في ذكر اجتياحهم لبلاد المسلمين، والمجازر العظيمة التي ارتكبوها والأفعال الشنيعة التي فعلوها.\nوما زالوا في تقدم مستمر والبلاد الإسلامية تتساقط في أيديهم حتى سقطت عاصمة الخلافة الإسلامية ببغداد، وقُتل الخليفة المستعصم بالله آخر خلفاء بني العباس مع أهله وحاشيته وعدد من العلماء، وذلك سنة (٦٥٦ هـ) (^٢) وهي السنة التي توفي فيها القرطبي.\nفقضوا على عامة بلاد الإسلام، وفي نيتهم مواصلة الزحف للقضاء على جميع البلاد الإسلامية حتى قيَّض الله -﷾- السلطان المملوكي سيف الدين قطز، المتوفى في ذي القعدة سنة (٦٥٨ هـ) حيث انتصر عليهم في معركة \"عين جالوت\" الشهيرة، وذلك في رمضان من سنة (٦٥٨ هـ) (^٣).\nوكان القرطبي معاصرًا لهذه الأحداث العظام التي عمَّت غالب بلاد الإسلام، ولذا تعرض لهؤلاء في كتابه \"المفهم\" حينما ورد ذكر الترك حيث قال: \"وخرج منهم في هذا الوقت أمم لا يحصيهم إلَّا الله، ولا يردهم عن المسلمين إلَّا الله، حتى كأنهم يأجوج ومأجوج، أو مقدمتهم،\n_________\n(^١) الكامل في التاريخ (١٠/ ٣٩٩).\n(^٢) البداية والنهاية (١٣/ ٢١٣)، وتاريخ الإسلام (٤/ ٥٤)، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص (٥١٦).\n(^٣) البداية والنهاية (١٣/ ٢٣٣).","vol":"1","page":80},{"text":"فنسأل الله أن يهلكهم ويبدد جمعهم\" (^١).\nولذا فقد ساهم في شحذ الهمم للوقوف أمام هؤلاء الأعداء، وصدهم عن بلاد الإسلام، وبيَّن تعين الجهاد في ذلك الوقت لقهر الأعداء، وكثرة الاستيلاء، حيث قال: \"وقد يكون الجهاد في بعض الأوقات أفضل من سائر الأعمال، وذلك وقت استيلاء العدو وغلبته على المسلمين، كحال هذا الزمان، فلا يخفى على من له أدنى بصيرة أن الجهاد اليوم أوكد الواجبات، وأفضل الأعمال، لما أصاب المسلمين من قهر الأعداء وكثرة الاستيلاء شرقًا وغربًا، جبر الله صدعنا وجدد نصرنا\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>أولًا: الحال في الأندلس:</span>\nما مضى حال الأمة الإسلامية عامة، حيث أُصيبت بهذا المصاب العظيم.\nوأما إذا خصصنا بلاد الأندلس بالحديث، حيث قضى فيها القرطبي حياته الأولى، فوُلدَ ونَشأ، وتعلم فيها.\nفقد عاش القرطبي حياته في عهد دولة الموحدين التي أسسها عبد الله بن تومرت، حيث خرج على المرابطين سنة (٥١٥ هـ) وسقطت مراكش عاصمة ملكهم على يد خليفته عبد المؤمن بن علي سنة (٥٤١ هـ).\nثم زحف إلى الأندلس فاستولى على ملكهم هناك وأصبحت قرطبة عاصمة دولة الموحدين في الأندلس، ومنطلق جيوشهم.\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ٢٤٨).\n(^٢) المفهم (١/ ٢٧٦).","vol":"1","page":81},{"text":"وقد سيطر الموحدون على بلاد الأندلس، وصدوا هجمات النصارى، وخاضوا معهم عدة معارك.\nوكانت ولادة أبي العباس القرطبي في عهد يوسف بن عبد المؤمن، الذي حكم أكثر من عشرين سنة (٥٥٨ - ٥٨٠ هـ) (^١) ثم جاء بعده ابنه يعقوب المنصور (^٢)، واستمر حكمه حتى سنة (٥٩٥ هـ)، وقد خاض مع النصارى معركة \"الأرك\" سنة (٥٩١ هـ) (^٣)، وانتصر فيها انتصارًا ساحقًا، وقتل وأسر أعدادًا كبيرة من النصارى.\nثم جاء بعده ابنه محمد الناصر الذي حكم حتى توفي سنة (٦١٠ هـ) (^٤) بعد هزيمته سنة (٦٠٩ هـ) في معركة \"العقاب\" (^٥) الشهيرة مع النصارى، والتي كانت سببًا في ضعفه وتمزق جيوشه، ثم وفاته حسرة بعد المعركة بزمن يسير.\nوقد خلف ابنه يوسف المنتصر حيث تولى الحكم وهو صغير، مما جعل الممالك التابعة له لا تخضع له ولا تدين له بالطاعة حتى توفي سنة (٦٢٠ هـ) (^٦).\nفتولى بعده عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن لعدة شهور، ثم عبد الله بن يعقوب المنصور، ثم إدريس بن يعقوب، فتوالى الملوك واحدًا بعد الآخر، لا يستقر الملك لأحد إلَّا مدة قصيرة، مما أضعف هذه\n_________\n(^١) دولة الإسلام في الأندلس، عصر المرابطين والموحدين، محمد عبد الله عنان ص (١٠).\n(^٢) المرجع السابق ص (١٤٠).\n(^٣) المرجع السابق ص (١٩٦).\n(^٤) المرجع السابق ص (٢٤٩).\n(^٥) المرجع السابق ص (٢٨٢).\n(^٦) المرجع السابق ص (٣٢٨).","vol":"1","page":82},{"text":"الدولة، فانتقلت من ضعف إلى ضعف، مما أطمع فيها النصارى فهاجموها فتساقطت المدن بأيديهم واحدة بعد الأخرى (^١)، حتى سقطت قرطبة حاضرة الأندلس، وعاصمة الموحدين، ومدينة القرطبي، وذلك سنة (٦٣٣ هـ)، حيث وُضع الصليب على جامعها وحُوِّلَ إلى كنيسة، ورحل المسلمون عنها، فتفرقوا في البلاد الإسلامية (^٢)، وكان فيمن رحل أبو العباس، حيث خرج في هذا الوقت أو قريبًا منه. فلا حول ولا قوة إلَّا بالله.\nوقد بيَّن القرطبي -﵀- وهو المعاصر لهذه الأحداث أن سبب تسلُّط الأعداء عليهم إنما كان لاختلافهم وتفرقهم حيث قال: \"ولما اختلفت ملوك المغرب وتجادلوا استولت الإفرنج على جميع بلاد الأندلس، والجزر القريبة، وهاهم قد طمعوا في جميع بلاد الإسلام، فنسأل الله أن يتدارك المسلمين بالعفو والنصر واللطف\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>ثانيًا: الحال في مصر:</span>\nعاش أبو العباس في مصر بعد نزوحه من الأندلس، فاستوطن الإسكندرية حتى توفي فيها سنة (٦٥٦ هـ)، وكانت مصر في ذلك الزمن خاضعة لسلطة الدولة الأيوبية، التي خلفت دولة الفاطميين، بقيادة صلاح الدين الأيوبي سنة (٥٦٧ هـ)، حتى توفي سنة (٥٨٩ هـ) فخلفه على مصر ابناه العزيز ثم الأفضل، ثم عمهما العادل بن أيوب الذي تولى مصر سنة (٥٩٦ هـ) حتى توفي سنة (٦١٥ هـ) ثم تولى ابنه الكامل حتى توفي سنة (٦٣٥ هـ)، ثم تولى الملك الصالح أيوب حتى توفي سنة\n_________\n(^١) المرجع السابق ص (٥٦١).\n(^٢) انظر: تاريخ الإسلام (٤/ ٢٣٣).\n(^٣) المفهم (٧/ ٢١٨).","vol":"1","page":83},{"text":"(٦٤٧ هـ) فتولى ابنه توران شاه، لكنه لم يبق في الحكم إلَّا يسيرًا حيث قتله المماليك واستولوا على السلطة، وبذلك سقطت الدولة الأيوبية وقامت دولة المماليك (^١).\nوحيث عاش القرطبي تحت سلطتها قرابة ثمان سنوات في آخر عمره، حيث انتصر المماليك على التتار، وقضوا عليهم، وصدوا هذا الجيش الجرار عن باقي بلاد الإسلام بقيادة المظفر قطز في معركة \"عين جالوت\" سنة (٦٥٨ هـ) بعد وفاة القرطبي -رحمة الله- بسنتين (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>المطلب الثاني: الحالة العلمية:</span>\nلقد عاش القرطبي -﵀- في الربع الأخير من القرن السادس، والنصف الأول من القرن السابع، وهو عصر مليء بالاضطرابات والحروب والهجمات الشرسة على بلاد المسلمين في المشرق والمغرب من قبل النصارى والمغول -كما سبق ذكره- وقد قُتل خلال ذلك عددٌ من العلماء، ورحل آخرون عن بلادهم، ودُمرت المساجد والمكتبات، حتى ألقى المغول مكتبة بغداد في نهر الفرات حتى تغير لونه (^٣).\nولكن مع ذلك فبيئة القرطبي وبلاده التي عاش فيها أو انتقل إليها بيئة علمية مزدهرة.\n\n* في الأندلس:\nعرفت الأندلس -التي عاش فيها القرطبي بداية حياته وتعلم في\n_________\n(^١) البداية والنهاية (١٣/ ٣، ٢٠، ١٩٠، ١٩٢، ٢٢٩)، وتاريخ ابن خلدون (٥/ ٣٩٢).\n(^٢) انظر: تاريخ الإسلام (٤/ ١٠٤)، وتاريخ ابن خلدون (٥/ ٣٩٢).\n(^٣) تاريخ الإسلام (٤/ ١٦٠).","vol":"1","page":84},{"text":"دور العلم فيها، ولازم مجالس العلماء-، بأنها بلد العلم والأدب، شجع على ذلك اهتمام غالب حكامها بالعلم وتشجيعهم عليه، واهتمامهم بإنشاء المكتبات وتشييدها، وجمع الكتب لها، بداية من عهد الأمويين، فهذا الحكم الثاني الأموي المتوفى سنة (٣٦٦ هـ) كون مكتبة عظيمة جمع لها الكتب من شتى البلاد، وكان محبًا للعلم مشجعًا عليه، قال عنه المقري: \"كان محبًا للعلوم مكرمًا لأهلها، جمَّاعًا للكتب بأنواعها، بما لم يجمعه أحد من الملوك قبله\" (^١).\nوفي حكم المرابطين كان يوسف بن تاشفين محبًّا للعلم، مقرِّبًا لأهله، قال عنه المراكشي (^٢): \"فانقطع إلى أمير المؤمنين من الجزيرة من أهل كل علم فحوله حتى أشبهت حضرته حضرة بني العباس في صدر دولتهم واجتمع له ولابنه من أعيان الكتاب، وفرسان البلاغة، ما لم يتفق اجتماعه في عصر من الأعصار (^٣).\nواستمر ذلك في دولة الموحدين، وهي التي قامت على أساس العلم، وعلى يد من انتسب إليه وهو عبد الله بن تومرت (^٤). وسار على دربه الخلفاء من بعده فيوسف بن عبد المؤمن كون مكتبة كبيرة جمع فيها\n_________\n(^١) نفح الطيب (١/ ٣٨٥).\n(^٢) عبد الواحد بن علي التميمي المراكشي، المالكي، مؤرخ نشأ بمراكش وتعلم في إفريقية والأندلس، تجول في بلدان العالم الإسلامي، توفي سنة (٦٤٧ هـ). معجم المؤلفين (٢/ ٣٣٤).\n(^٣) المعجب في تلخيص أخبار المغرب للمراكشي ص (٢٢٧).\n(^٤) سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عنه، فبين أنه تعلم العلم، ثم جاء إلى قوم من البربر لا يعرفون شرائع الإسلام فعلمهم الصلاة والزكاة والصيام وغيرها من شرائع الدين، ولكنه استجاز الكذب عليهم وإظهار المخاريق ليعتقدوا بولايته وأنه المهدي واستحل دماء أهل السنة والجماعة في المغرب بدعوى أنهم مجسمة ثم بيَّن شيخ الإسلام، أنه قد وافق عقائد المعطلة والفلاسفة. الفتاوى (١١/ ٤٧٨).","vol":"1","page":85},{"text":"من أصناف الكتب ما فاق به من قبله، قال المراكشي: \"ولم يزل -يعني يوسف بن عبد المؤمن- يجمع الكتب من أقطار الأندلس والمغرب، ويبحث عن العلماء، وخاصة أهل النظر، إلى أن اجتمع له منهم ما لم يجتمع لملك قبله ممن ملك المغرب\" (^١).\n\nولذا أصبحت الأندلس من أعظم بلاد المسلمين في الحركة العلمية، مما جعل العلماء وطلبة العلم يقصدونها لهذا الغرض، خصوصًا قرطبة، وهي بلد القرطبي التي تميزت بذلك، واشتهرت فصارت مدينة العلم في بلاد الأندلس، قال المقري عنها: \"هي أكثر بلاد الأندلس كتبًا، وأشد الناس اعتناءً بخزائن الكتب\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-36>٢).\n\n* في مصر:</span>\nوإذا نظرنا إلى مصر، حيث قضى فيها أبو العباس بقية عمره، رأيناها قد ازدهرت بالعلم، واكتظت بالعلماء، فالنكبات التي توالت على بلاد المسلمين جعلت عددًا كبيرًا من العلماء يرحلون إليها، ويستقرون فيها، منهم أبو العباس القرطبي، وتلميذه القرطبي المفسر، وابن مالك النحوي (^٣) وغيرهم. خصوصًا بعد سقوط عامة بلاد الأندلس في يد النصارى، وسقوط غالب بلاد المسلمين في يد التتار، وبهذا انتقل النشاط العلمي من المشرق والمغرب إلى مصر.\n_________\n(^١) المعجب ص (٣١١).\n(^٢) نفح الطيب (١/ ٤٦٢).\n(^٣) جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الأندلسي، نحوي أديب، مقرئ، رحل من الأندلس إلى المشرق، من آثاره \"الألفية في النحو\"، \"مختصرات الشاطبية\"، توفي بدمشق سنة (٦٧٢ هـ). البداية والنهاية (١٣/ ٢٨٣)، . إشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين عبد الباقي اليماني ص (٣٢٠).","vol":"1","page":86},{"text":"إضافة إلى حرص العلماء على تعويض الخسارة العلمية التي لحقت بالأمة الإسلامية من آثار غزو التتار لبلاد الإسلام وإتلافهم لنتاجهم العلمي. فانتشرت المدارس في عهد الأيوبين وبعدهم، قال ابن خلكان: \"ولما ملك السلطان صلاح الدين الديار المصرية لم يكن بها شيء غير المدارس\" (^١).\nفبلغت المدارس في القاهرة وحدها سنة (٦٠٠ هـ) ثلاث عشرة مدرسة، ثم تضاعف هذا العدد في زمن المماليك (^٢).\nإضافة إلى كثرة المكتبات الزاخرة بأمهات الكتب في شتى فنون المعرفة، ولا غرابة في ذلك إذا كان الحكام يشجعون على العلم، ويهتمون بنشره، وتقريب أهله.\nقال المقريزي (^٣) عن الملك الكامل: \"وكان يحب أهل العلم، ويؤثر مجالستهم، وشغف بسماع الحديث النبوي ... وكان يناظر العلماء، وعنده مسائل غريبة من فقه ونحو يمتحن بها، فمن أجاب قدَّمه وحظي عنده\" (^٤).\nوبالجملة فالحالة العلمية في هذا العصر تميزت بالازدهار والنشاط وكثرة المكتبات ودور العلم.\nوأعظم ما يدل على هذه الحركة العلمية كثرة العلماء الأعلام في\n_________\n(^١) وفيات الأعيان (٧/ ٢٠٦).\n(^٢) القاهرة وتاريخها وآثارها، د. عبد الرحمن زكي، ص (٧٣).\n(^٣) أحمد بن علي بن عبد القادر المصري، المشهور بابن المقريزي، مؤرخ محدث، فقيه، حنفي، له مؤلفات كثيرة، منها: \"الخبر عن البشر\"، \"كتاب النقود\" توفي بالقاهرة سنة (٨٤٥ هـ). الضوء اللامع (٢/ ٢١)، شذرات الذهب (٩/ ٣٧٠).\n(^٤) السلوك لمعرفة دول الملوك (١/ ٢٥٨).","vol":"1","page":87},{"text":"هذا العصر، سواء في المشرق أو المغرب، وغزارة نتاجهم العلمي الذي حُفِظ لنا، فمنهم:\nابن الجوزي (^١) توفي سنة (٥٩٧ هـ)، والفخر الرازي (^٢) توفي سنة (٦٠٦ هـ)، وابن قدامة المقدسي (^٣) توفي سنة (٦٢٠ هـ)، وابن الأثير الجزري توفي سنة (٦٣٠ هـ)، وابن الصلاح توفي سنة (٦٤٣ هـ)، والمنذري توفي سنة (٦٥٦ هـ)، والعز بن عبد السلام (^٤)، توفي سنة (٦٦٠ هـ)، وابن مالك النحوي توفي سنة (٦٧٢ هـ)، والقرطبى المفسر توفي سنة (٦٧٢ هـ)، والنووي توفي سنة (٦٧٦ هـ) وغيرهم.\n_________\n(^١) عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي البغدادي، الحنبلي، أبو الفرج بن الجوزي، الإمام، الحافظ، الواعظ، صاحب التصانيف الكثيرة، من آثاره: \"زاد المسير في علم التفسير\"، \"تلبيس إبليس\"، \"منهاج القاصدين\"، توفي سنة (٥٩٧ هـ) .. سير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٦٥)، طبقات الحفاظ ص (٥٠٢)، ترجمة (١٠٦٥).\n(^٢) محمد بن عمر بن الحسن البكري الطبرستاني الرازي الشافعي المشهور بالفخر الرازي، مفسر متكلم، أصولي من أئمة الأشاعرة الذين تأثروا بالفلسفة والاعتزال، قيل: إنه رجع في آخر حياته إلى مذهب السلف. من آثاره \"شرح الأسماء الحسنى\"، \"أسرار التنزيل وأنوار التأويل\"، توفي سنة (٦٠٦ هـ). طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٢١٥)، والبداية والنهاية (١٣/ ٦٠).\n(^٣) عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الدمشقي الحنبلي، فقيه، مجتهد من أعيان الحنابلة، من مصنفاته \"المفتي\" في الفقه الحنبلي، \"البرهان في علوم القرآن\"، توفي بدمشق سنة (٦٢٠ هـ). سير أعلام النبلاء (٢٢/ ١٦٥)، البداية والنهاية (١٣/ ١٠٧).\n(^٤) عبد العزيز بن عبد السلام بن القاسم السلمي الدمشقي، الشافعي، الشهير بالعز بن عبد السلام، شيخ الشافعية في عصره، المجاهد، الصدَّاع بالحق، من آثاره: \"التفسير\"، \"القواعد الكبرى والصغرى\"، توفي في مصر سنة (٦٦٠ هـ)، البداية والنهاية (١٣/ ٢٤٩)، الأعلام (٤/ ٢١).","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>المبحث الثاني حياته الشخصية</span>\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: اسمه ونسبه\nالمطلب الثاني: مولده ونشأته\nالمطلب الثالث: أسرته\nالمطلب الرابع: وفاته","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>المطلب الأول: اسمه ونسبه</span>\nهو أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري القرطبي الأندلسي المالكي.\nأمَّا الأنصاري فنسبة إلى الأنصار -﵃- إذ قد هاجر منهم أناس إلى المغرب واستقروا هناك.\nولكن هل نسبة أبي العباس إليهم ولاءً أم صليبة، رجَّح بعض المترجمين له أن نسبته إليهم بالولاء (^١)، وذلك لأن والده كان \"مُزَيِّنًا\" وهو من يمتهن الحلاقة والحجامة والختان، ولذا لُقِّب بابن المزين نسبة لعمل والده.\nوهذه مهنة محتقرة عند العرب لا يقوم بها عادة إلَّا الرقيق والموالي، وهذا دليل قوي لترجيح هذا القول.\nوأمَّا القرطبي فنسبة إلى مدينته قرطبة (^٢) التى عاش فيها الشطر الأول من حياته.\nوأما الأندلسي فنسبة إلى بلاده الأندلس (^٣).\nأما المالكي فإلى مذهب الإمام مالك -﵀- إذ هو من أعيان\n_________\n(^١) قال بذلك الدكتور عبد الوهاب الطريري في دراسته حول القرطبي عند تحقيقه لكتاب الإيمان من المفهم (١/ ٧٧)، وقد استفدت منه كثيرًا في هذه الترجمة \"القرطبي ومنهجه في كتابه المفهم في حل ما أشكل من تلخيص كتاب مسلم\" مع تحقيقه من أوله إلى نهاية باب مضاعفة أجر الكتابي إذا آمن، رسالة دكتوراه، قسم السنة وعلومها، كلية أصول الدين، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، (١٤١٥ هـ).\n(^٢) ينسب إلى هذه المدينة عدد كبير من العلماء كابن عبد البر القرطبي وأبي عبد الله القرطبي، صاحب التفسير، وغيرهم، وقد ذكر صاحب معجم المؤلفين بهذا الاسم قرابة ثمانين علمًا (٤/ ٤٧٠).\n(^٣) وأيضًا نسب إلى الأندلس واشتهر بهذا النسبة عدد من العلماء، كابن حزم الأندلسي، وابن العربي الأندلسي صاحب العواصم من القواصم، وغيرهما، وقد ذكر صاحب معجم المؤلفين من عرف بهذا الاسم قرابة الثلاثين علمًا (٤/ ٢٢٤).","vol":"1","page":91},{"text":"المذهب.\nكنيته أبو العباس، ولقب بضياء الدين، وبجمال الدين، كما لُقِّب بالعدل، والشاهد، وذلك لأنه قام بعمل العدول والشهود في الإسكندرية، وهم من يتعرفون على الناس، ويشهدون في القضايا، مع كونهم محل ثقة عند القضاة (^١).\nكما عُرِف بابن المزين نسبة لعمل والده -كما سبق-.\nقال ابن فرحون: \"أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر أبو العباس الأنصاري الأندلسي، ثم القرطبي المالكي الفقيه، عُرف بابن المزيّن بالزاي المعجمة بعدها ياء مثناة من تحت ونون يلقب بضياء الدين من أعيان فقهاء المالكية\" (^٢).\nوقال ابن العماد الحنبلي: \"أبو العباس القرطبي أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري المالكي المحدث الشاهد\" (^٣).\nوقال محمد محمد مخلوف (^٤): \"ضياء الدين أبو العباس أحمد بن عمر الأنصاري الأندلسي القرطبي يعرف بابن المزين\" (^٥).\nوقال البغدادي (^٦): \"أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري\n_________\n(^١) معيد النعم ومبيد النقم لعبد الوهاب السبكي ص (٦٣).\n(^٢) الديباج المذهب ص (١٣٠).\n(^٣) شذرات الذهب (٧/ ٤٧٣).\n(^٤) محمد بن حسنين بن محمد مخلوف العدوي المصري المالكي، عمل وكيلًا للأزهر، له العديد من المصنفات في شتى العلوم، توفي سنة (١٣٥٥ هـ). معجم المؤلفين (٣/ ٢٤٤)، الأعلام (٦/ ٩٦).\n(^٥) شجرة النور الزكية ص (١٩٤).\n(^٦) إسماعيل باشا بن محمد أمين بن سليم الباباني البغدادي، مؤرخ أديب، عالم بالكتب ومؤلفيها، من آثاره: \"إيضاح المكنون\"، \"هدية العارفين\". توفي سنة (١٣٣٩ هـ). الأعلام=","vol":"1","page":92},{"text":"أبو العباس، جمال الدين القرطبي\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>المطلب الثاني: مولده ونشأته</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>أولًا: مولده:</span>\nولد -﵀- في قرطبة من بلاد الأندلس عام (٥٧٨ هـ) ثمان وسبعين وخمسمائة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وهذا محل اتفاق بين من ترجموا له إذ لم يذكر أحد سوى هذا التاريخ لولادته. ولم أجد من ذكر اليوم أو الشهر الذي ولد فيه بل جميعهم اكتفوا بذكر السنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>ثانيا: بيئته ونشأته:</span>\nنشأ أبو العباس في مكان ولادته في قرطبة في بيئة علمية فوالده على ما يبدو من طلبة العلم أو العلماء وإن لم أظفر له بترجمة لكن جاء في افتتاح كتاب المفهم ما نصه: \"قال الشيخ الفقيه الإمام العالم المحدث أبو العباس أحمد بن الشيخ الفقيه أبي حفص عمر القرطبي الأنصاري\" (^٢). وتطواف هذا الوالد بولده وهو صغير في حواضر العلم في سائر أنحاء العالم الإسلامي ليسمع من العلماء مع مشقة ذلك في تلك الأوقات ليَدُلُ دلالة أكيدة على أنه من أهل العلم العارفين بفضله (^٣).\nقال ابن فرحون: رحل أبو العباس مع أبيه من الأندلس في سن الصغر فسمع كثيرًا بمكة والمدينة والقدس، ومصر، والإسكندرية،\n_________\n= (١/ ٣٢٦)، معجم المؤلفين (١/ ٣٧٧).\n(^١) هدية العارفين للبغدادي (١/ ٩٦).\n(^٢) المفهم (١/ ٨٥).\n(^٣) تحقيق كتاب الإيمان من المفهم للطريري (١/ ٨٠).","vol":"1","page":93},{"text":"وغيرها من البلاد (^١).\nونشأة أبي العباس في هذه البيئة العلمية الصالحة كان له أثر كبير على مستقبل حياته وتوجهه للعلم، وجده في طلبه.\nوقد عاش القرطبي الشطر الأول من حياته في قرطبة، وإن تخلل ذلك رحلات في سائر البلاد الإسلامية -كما سبق ذكره- حينما رحل مع والده في سن الصغر إلى الشام ومصر والحجاز، عاد بعدها إلى قرطبة، إذ رحلته تلك قبل مجاوزته الاثنتي عشرة سنة، بدليل أخذه من القاسم بن فيرة بمصر، وهو قد توفي سنة (٥٩٠ هـ) (^٢).\nوقد أخطأ من اعتبر رحلته هذه إلى مصر هي التي استقر فيها هناك، إذ وجد دليل على وجوده في قرطبة بعد هذا التاريخ.\nفقد ذكر أنه سمع صحيح مسلم في قرطبة سنة (٦٠٧ هـ) (^٣).\nوقد ذكر ابن مسدي (^٤) أنه لقيه بغرناطة سنة (٦١٤ هـ) (^٥).\nوقد رحل إلى الحج سنة (٦١٧ هـ) (^٦) حيث قال في رحلته تلك:\n_________\n(^١) الديباج المذهب ص (١٣١).\n(^٢) وفيات الأعيان (٤/ ٧٢)، نفح الطيب (٢/ ٢٢).\n(^٣) تلخيص صحيح مسلم للقرطبي (١/ ٣٤).\n(^٤) محمد بن يوسف بن موسى بن مسدي المهلبي الغرناطي، محدث، فقيه، مقرئ، رحل إلى المشرق، ثم جاور بمكة، من آثاره: \"أعلام الناسك بأحكام المناسك\". توفي سنة (٣٦٣ هـ). الديباج المذهب ص (٤٢٠)، معجم المؤلفين (٣/ ٧٩٠).\n(^٥) توضيح المشتبه لابن ناصر الدين الدمشقي (٨/ ١٣٩).\n(^٦) تغلب الإفرنج على دمياط سنة (٦١٥ هـ) وانكسروا سنة (٦١٧ هـ) على يد الكامل محمد بن العادل الأيوبي، وتغلبوا عليها مرة أخرى سنة (٦٤٧ هـ)، وانكسروا سنة (٦٤٨ هـ). البداية والنهاية (١٣/ ٨٦٦، ٩١، ٩٩، ١٨٩، ١٩٠)، الكامل في التاريخ (١٠/ ٣٩٤، ٤٠٠).\nوما ذكره القرطبي هنا إما سنة (٦١٧ هـ) أو سنة (٦٤٨ هـ)، وقد رجَّح الدكتور محمد=","vol":"1","page":94},{"text":"\"لما وصلت إلى تونس قاصدًا إلى الحج سمعت أخبارًا سيئة عن البلاد المصرية، من جهة العدو الذي غلب على دمياط، فعزمت على المُقام بتونس إلى أن ينجلي أمر العدو، فجدد الله عزمًا وأزال عني ما كنت أتخوفه من أمر العدو، وسافرت إلى أن وصلت إلى الإسكندرية، فوجدتها والديار المصرية على أشد خوف وأعظم كرب، والعدو قد استفحل أمره، وعظمت شوكته، فلم أكمل في الإسكندرية عشرة أيام حتى كسر الله العدو، ومكَّن منه من غير صنع أحد من المخلوقين، بل\n_________\n= أبا الخيل في كتابه \"جهود علماء الأندلس في الصراع مع النصارى\" أن كلام القرطبي هنا سنة (٦٤٧ هـ)، ورجح الدكتور عبد الوهاب الطريري في تحقيقه للمفهم أن هذا سنة (٦١٧ هـ)، وهو الذي يترجح عندي لأسباب، منها: أن قرطبة ساءت أحوالها فخرج عامة أهلها خصوصًا العلماء وطلبة العلم، خوفًا على أنفسهم من تسلُّط النصارى، خصوصًا بعد سقوط قرطبة سنة (٦٣٣ هـ)، وكان فيمن خرج أبو عبد الله القرطبي المفسر، وأبو القاسم أخو أبي العباس القرطبي، قال أبو عبد الله القرطبي: \"ولقد أخبرني صاحبنا أبو القاسم ﵀ أخو شيخنا أبي العباس أحمد بن عمر ﵀ أنه ربط نحوًا من خمسين امرأة واحدة بعد الأخرى حتى خرجوا من قرطبة أعادها الله\". التذكرة (٧٢٤)، وقد أُسر عدد من العلماء في قرطبة حينما تغلب النصارى عليها، فمن المستبعد أن يمكث أبو العباس فيها خمسة عشر عامًا بعد سقوطها وهو الذي تصدى للنصارى باللسان والسنان، وقد ألَّف كتابه القيم \"الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام\" ولو بقي لامتدت إليه يد الحقد، كما امتدت إلى غيره من العلماء. إضافة إلى أن أبا العباس من خلال الوقوف على سيرته وعلى أسماء شيوخه يتضح أنه قد أخذ منهم في مصر بعد استقراره فيها ولا يكون ذلك إذا كان استيطانه فيها بعد (٦٤٨ هـ) حيث جاوز غالبًا سن الطلب، فقد بلغ السبعين سنة إضافة إلى قصر المدة التي بقيها في مصر على هذا الرأي حيث تكون أقل من تسع سنوات، وهذه مدة قصيرة لا يتسنى خلالها قراءة التلاميذ عليه، وانتشار علمه، وذياع صيته، ولم يذكر له جلوس للتدريس في قرطبة ويبعد أن يبلغ هذا السن في قرطبة وليس له تلاميذ فيها. فالذي يترجح عندي أن وصف هذا الحال لدمياط يعود إلى استيلاء الإفرنج الأول عليها، وانكسارهم سنة (٦١٧ هـ) هو الموافق لحاله وسيرته والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":95},{"text":"بلطف أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين\" (^١).\nوهل عاد بعد هذه الرحلة إلى قرطبة أم كان هذا هو الاستقرار النهائي له في الإسكندرية؟ الله أعلم بذلك! .\nالمقصود أنه استقر في الإسكندرية وانتقل من قرطبة بعدما ساءت أحوالها انتقالًا نهائيًا. فكان أن قضى شطر حياته الأخير في الإسكندرية حيث تصدى للتدريس ونفع الناس هناك.\nقال ابن فرحون: \"نزل الإسكندرية واستوطنها ودرَّس بها\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>المطلب الثالث: أسرته:</span>\nلم أقف على ترجمة لوالده ولا ذكر لأسرته، سوى ما ذكره تلميذه أبو عبد الله القرطبي حينما أشار إلى أخيه أبي القاسم حيث قال: \"ولقد أخبرني صاحبنا أبو القاسم ﵀ أنه ربط نحوًا من خمسين امرأة واحدة بعد أخرى في حبل مخافة سبي العدو، حتى خرجوا من قرطبة أعادها الله\" (^٣).\nولم أقف أيضًا على شيء يدل على زواجه وإنجابه، إلَّا ما ذكره هو عن نفسه في \"المفهم\" حيث قال: \"ومنها أني تزوجت امرأة، وقبل الدخول بها حُدِّثْتُ عن صفتها ما أوقع في قلبي نفرة، فأُريتها في النوم على الصفة التي كانت عليها في بيتها، ثم إني لما اجتمعت بها وجدتها هي التي أريتها في النوم\" (^٤).\nوقد يكون تزوج فلم يوفق فآثر العزوبة بعد، وربما يؤيد هذا الظن\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٢٥).\n(^٢) الديباج المذهب ص (١٣٠).\n(^٣) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة لأبي عبد الله القرطبي ص (٧٢٤).\n(^٤) المفهم (٦/ ٢٥).","vol":"1","page":96},{"text":"ما ذهب إليه من تفضيله التفرغ للعبادة على الزواج، فبعد ذكره لأقوال القائلين بتفضيل الزواج على التفرغ منه للعبادة قال: \"وحديث أنس وسهيل يدلان على أن التزويج أفضل من التفرغ للعبادة، وهو أحد القولين المتقدمين، ويمكن أن يقال كان ذلك في أول الإسلام، لِمَا كان عليه النساء من المعونة على الدين والدنيا، وقلة الكلفة، والتعاون على البر والتقوى، والحنو والشفقة على الأزواج، وأما في هذه الأزمان فنعوذ بالله من الشيطان والنسوان، فوالله الذي لا إله إلَّا هو لقد حلت العزبة والعزلة بل وتعين الفرار من فتنتهن والرحلة، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله\" (^١).\nوقال أيضًا في شرحه لدعاء الرسول -ﷺ- لأنس بن مالك -﵁- بقوله: \" اللهُمَّ أكثِرْ مالَهُ وَوَلَدَهُ\" (^٢).\nقال: \"يدل على إباحة الاستكثار من المال والولد والعيال، لكن إذا لم يشغلك ذلك عن الله تعالى، ولا عن القيام بحقوقه، لكن لما كانت سلامة الدين مع ذلك نادرة، والفتن والآفات غالبة، تعين التقلل من ذلك، والفرار مما هنالك، ولولا دعوة النبي -ﷺ- لأنس بالبركة لخيف عليه من الإكثار الهلكة، ألا ترى أن الله تعالى قد حذَّرنا من آفات الأموال والأولاد، ونبَّه على المفاسد الناشئة من ذلك، فقال: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (^٣).\nوصدر الكلام بإنما الحاصرة المحققة، فكأنه قال: لا تكون\n_________\n(^١) المفهم (٤/ ٨٩).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب الدعوات، باب الدعاء بكثرة المال والولد مع البركة ح/ ٦٣٧٨ (١١/ ١٨٦)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أنى بن مالك ﵁ ح/ ٢٤٨٠ (١٦/ ٢٧٢).\n(^٣) سورة الأنفال، الآية: ٢٨.","vol":"1","page":97},{"text":"الأموال والأولاد إلَّا فتنة، يعني في الغالب، ثمل قال بعد ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (^١).\nووجه عداوتهما. أن محبتهما موجبة لانصراف القلوب إليهما، والسعي في تحصيل أغراضهما، واشتغالهما بما غلب عليهما من ذلك عما يجب عليهما من حقوق الله تعالى، ومع غلبة ذلك تذهب الأديان ويعم الخسران، فأي عداوة أعظم من عداوة من يدمر دينك هذا الدمار ويورثك عقوبة النار\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>المطلب الرابع: وفاته:</span>\nبعد عمر مديد حافل بالعلم والعمل قارب الثمانين سنة توفي أبو العباس القرطبي في مدينة الإسكندرية من بلاد مصر عام (٦٥٦ هـ) في شهر ذي القعدة. وقد اختُلِف في يوم وفاته من ذلك الشهر فقيل في الرابع منه (^٣)، وقيل في الرابع عشر (^٤)، وقيل في الرابع والعشرين (^٥)، عن ثمان وسبعين سنة.\nوقد اتفقت المصادر في ذلك سوى ما ذكره ابن فرحون، ويبدو أنه قد وهم في ذلك، أو أن التاريخ قد تصحف حيث جعله سنة (٦٢٦ هـ) (^٦) وقد تفرد بهذا الوهم.\n_________\n(^١) سورة التغابن، الآية: ١٤.\n(^٢) المفهم (٦/ ٤١٢).\n(^٣) نفح الطيب (٢/ ٦١٥).\n(^٤) ذيل مرآة الزمان لموسى اليونيني (١/ ٩٥).\n(^٥) المقفى الكبير لتقي الدين المقريزي (١/ ٥٤٥).\n(^٦) الديباج المذهب ص (١٣١).","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المبحث الثالث حياته العلمية</span>\nوفيه ستة مطالب:\nالمطلب الأول: طلبه للعلم ورحلاته فيه\nالمطلب الثاني: شيوخه\nالمطلب الثالث: تلاميذه\nالمطلب الرابع: مؤلفاته\nالمطلب الخامس: مذهبه وعقيدته\nالمطلب السادس: علمه وثناء العلماء عليه","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المطلب الأول: طلبه للعلم ورحلاته فيه:</span>\nبدأ أبو العباس بطلب العلم في مسقط رأسه \"قرطبة\" حيث أخذ عن علمائها ولازمهم في صغره.\nقال ابن كثير (^١): \"ولد بقرطبة سنة (٥٧٨ هـ) وسمع الكثير هناك\" (^٢).\nورحل لطلب العلم مع والده، وهو دون البلوغ، فطاف حواضر العلم في أنحاء العالم الإسلامي في الحجاز ومصر والشام والمغرب، وسمع من العلماء هناك. قال ابن فرحون: \"رحل أبو العباس مع أبيه من الأندلس في سن الصغر فسمع كثيرًا بمكة والمدينة والقدس ومصر والإسكندرية وغيرها من البلاد\" (^٣).\nورحلاته هذه وتطوافه سائر هذه البلدان مع بعدها عن موطنه، وتحمله ما في تلك الأسفار من المشاق والأخطار يدل على أن البلاد القريبة من بلده سيكون لها النصيب الأكبر، والوقت الأطول من هذه الرحلات العلمية لسهولة الوصول إليها، وهو ما أفادتنا به المصادر من أنه طاف عامة بلدان المغرب، ولقي العلماء فيها، وسمع منهم. قال ابن فرحون: \"سمع الحديث من مشايخ المغرب، فلقي بفاس أبا القاسم عبد الرحمن بن عيسى ابن الملجوم الأزدي، وسمع بتلمسان من أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن التجيبي، ومن قاضيها أبي محمد عبد الله بن\n_________\n(^١) إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، أبو الفداء، أحد أعلام عصره، من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، مفسر، محدث، مؤرخ، من آثاره: \"تفسير القرآن العظيم\"، \"اختصار علوم الحديث\". توفي سنة (٦٦٤ هـ). الدرر الكامنة (١/ ٣٧٣)، طبقات الشافعية (٣/ ٨٥).\n(^٢) البداية والنهاية (١٣/ ٢٢٦).\n(^٣) الديباج المذهب ص (١٣١).","vol":"1","page":101},{"text":"سليمان بن حوط الله وبسبته من عبد الحق الخزرجي\" (^١).\nولا شك أن القرطبي قد استفاد من هذه الرحلات الالتقاء بعدد كبير من العلماء في مختلف بلدان العالم الإسلامي.\nوبعد استقراره في مصر أخذ عن علمائها مع تصديه للتدريس فيها.\nوكان في بداية طلبه قد اشتغل بعلم الكلام ثم تركه واتجه للفقه والحديث.\nقال ابن مسدي: \"أخذ نفسه بعلم الكلام وأن الجوهر الفرد لا يقبل الانقسام وتغلغل في تلك الشعاب عدة أحقاب\" (^٢).\nوقال المقري: \"وكان يشتغل أولًا بالمعقول\" (^٣) ويدل على ذلك تمكنه من علم الكلام ورده على الخائضين فيه (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>المطلب الثاني: شيوخه:</span>\nأخذ أبو العباس العلم عن عدد من العلماء سواء في المشرق أو المغرب، وذلك خلال رحلاته العلمية، وتطوافه سائر الحواضر الإسلامية، ولكن مصادر ترجمته لم تزودنا إلَّا بعدد قليل منهم، لا يتناسبُ مع ما ذكر من كثرة رحلاته وتطوافه بسائر بلاد الإسلام، منذ نعومة أظفاره، فمنهم:\n١ - أبو محمد القاسم بن فيرة بن أبي القاسم الشاطبي، المقرئ الضرير، عالم بالقراءات، محدث، مفسر، لغوي، له \"حرز الأماني ووجه\n_________\n(^١) الديباج المذهب، ص (١٣١).\n(^٢) توضيح المشتبه (٨/ ١٣٩).\n(^٣) نفح الطيب (٢/ ٦١٥).\n(^٤) انظر على سبيل المثال: المفهم (٦/ ٦٩٠).","vol":"1","page":102},{"text":"التهاني\" قصيدة تزيد على ألف بيت في علم القراءات، وهي عمدة في هذا العلم، توفي بمصر سنة (٥٩٠ هـ) (^١).\n٢ - أبو ذر مصعب بن محمد بن مسعود الخشني، المحدث، الفقيه، اللغوي، إمامٌ في اللغة، ولي القضاء بجيان، ورحل إلى فاس، واستوطنها، وبها مات سنة (٦٠٤ هـ). له عدة مؤلفات، منها: \"شرح كتاب سيبويه\" (^٢). ذكره القرطبي في المفهم حيث قال: \"وقد رويته كذلك من طريق شيخنا أبي ذر بن مسعود الخشني\" (^٣).\n٣ - أبو القاسم عبد الرحمن بن يوسف الأزدي ابن الملجوم الزهراني، من أهل فاس، إمامٌ في اللغة والأدب، لقيه القرطبي بفاس، وسمع منه، توفي سنة (٦٠٥ هـ) (^٤).\n٤ - أبو الصبر أيوب بن محمد الفهري، من أهل سبته، رحل إلى الأندلس والمشرق في طلب العلم، وأخذ عن عدد كبير من العلماء، توفي شهيدًا في معركة العقاب بالأندلس سنة (٦٠٩ هـ) (^٥). ذكره القرطبي في المفهم فقال: \"وقد وجدت في أصل شيخنا أبي الصبر أيوب بن محمد الفهري السبتي\" (^٦)، وكرر ذكره في أكثر من موضع (^٧).\n٥ - أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن التجيبي، من أهل إشبيلية، طاف عامة\n_________\n(^١) شجرة النور (١٩٤)، طبقات القراء للذهبي (٢/ ٨٨٣)\n(^٢) شذرات الذهب (٧/ ٢٧)، معجم المؤلفين (٣/ ٨٨).\n(^٣) المفهم (٤/ ٤٨٠).\n(^٤) جذوة الاقتباس في ذكر من حل من الأعلام مدينة فاس لأحمد بن القاضي المكناسي (٢/ ٣٩٦)، معجم المؤلفين (٢/ ١٢٨).\n(^٥) شجرة النور (١/ ١٨٤)، جذوة الاقتباس (١/ ١٦٨).\n(^٦) المفهم (١/ ٤٣٠).\n(^٧) انظر: المفهم (٦/ ٤٠٩، ٤٢٣، ٤٣٢، ٧/ ٤٦، ١٦٩، ٣٥١).","vol":"1","page":103},{"text":"بلاد الأندلس لطلب العلم، ثم استوطن تلمسان، وفيها سمع منه القرطبي، وله عدة مؤلفات، منها: \"الترغيب في الجهاد\" توفي سنة (٦١٠ هـ) (^١).\n٦ - أبو محمد عبد الله بن سليمان بن داود بن حوط الله الأنصاري الحارثي، الفقيه، الأصولي، النحوي، الأديب، الحافظ، ولي القضاء في قرطبة وإشبيلية وسبتة وغيرها من بلاد الأندلس، توفي سنة (٦١٢ هـ) (^٢). ذكره القرطبي في المفهم فقال: \"فممن رويته عنه ... والشيخ الفقيه القاضي الأعدل العلم الأعلم، أبو محمد عبد الله بن سليمان بن داود بن حوط الله قراءة عليه وسماعًا لكثير منه وإجازة لسائره وذلك بقرطبة\" (^٣).\n٧ - أبو إبراهيم تقي الدين عوض بن محمود الحميري البوستي المالكي، الفقيه الزاهد، العابد، سمع منه القرطبي بمصر توفي سنة (٦٣٣ هـ) (^٤). ذكره القرطبي ممن روى عنهم صحيح مسلم فقال: قرأته كله على الشيغ الفقيه الزاهد الفاضل تقي الدين أبي إبراهيم عوض بن محمود (^٥).\n٨ - أبو الحسين مرتضي بن العفيف حاتم بن المسلم الحارثي المصري، المقرئ المحدث العابد، الزاهد، توفي بمصر سنة (٦٣٤ هـ) (^٦).\n_________\n(^١) نفح الطيب (٢/ ٣٧٩)، الأعلام (٦/ ١٩١).\n(^٢) الديباج المذهب ص (٢٣١)، طبقات الحفاظ، ص (٥١٨) ترجمة (١٠٩٠).\n(^٣) المفهم (١/ ١٠٣).\n(^٤) التكملة (٣/ ٤١٢)، توضيح المشتبه (٨/ ١٣٩).\n(^٥) المفهم (١/ ١٠٤).\n(^٦) سير أعلام النبلاء (٢٣/ ١١)، شذرات الذهب (٧/ ٢٦٥).","vol":"1","page":104},{"text":"وقد ذكره القرطبي فيمن روى عنهم صحيح مسلم فقال: وممن أجازه لي الشيخ الفقيه المحدث الزاهد التلاء للقرآن أبو الحسين مرتضي بن العفيف المقدسي\" (^١).\n٩ - أبو جعفر أحمد بن محمد القيسي القرطبي المعروف بابن حجة المقرئ المحدث الحافظ، درَّس بقرطبة وإشبيلية له مؤلفات منها: \"منهاج العباد\" أسر وعذب ثم توفي سنة (٦٤٣ هـ) (^٢).\n١٠ - أبو الفضل أحمد بن عبد العزيز بن الحسين بن الجباب التميمي السعدي المالكي، فخر القضاة، حدث عنه الدمياطي والمنذري، توفي سنة (٦٤٨ هـ) (^٣). ذكره القرطبي فيمن روى عنهم صحيح مسلم فقال: \"ومنهم القاضي فخر القضاة أبو الفضل بن الجباب وأجازه لي\" (^٤).\n١١ - أبو محمد زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المصري الشافعي، الإمام، الحافظ، الشهير، له عدة مؤلفات، منها: \"اختصار صحيح مسلم\" و\"الترغيب والترهيب\" وغيرها، توفي سنة (٦٥٦ هـ) (^٥). وقد ذكره القرطبي في المفهم، فقال: \"قال شيخنا أبو محمد عبد العظيم المنذري\" (^٦).\nومنهم عبد الحق بن محمد بن عبد الحق الخزرجي، وأبو الحسن\n_________\n(^١) المفهم (١/ ١٠٤).\n(^٢) بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة (٣/ ٣٨٢)، معجم المؤلفين (١/ ٢٩٥)، التذكرة ص (٣٩).\n(^٣) الوافي بالوفيات (٨/ ٥٥)، شذرات الذهب (٥/ ٢٤٠).\n(^٤) المفهم (١/ ١٠٤).\n(^٥) طبقات الحفاظ ص (٥٢٩) ترجمة (١١١٢)، سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٣١٩).\n(^٦) المفهم (٣/ ٧١١).","vol":"1","page":105},{"text":"علي بن محمد اليحصبي (^١)، وأبو جعفر بن أبي يحيى، وعبد العزيز بن أبي الوليد يوسف الدباغ، وأبو بكر محمد بن عبد الله العربي المعافري (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>المطلب الثالث: تلاميذه:</span>\nجلس أبو العباس للتدريس في الأندلس حال وجوده فيها، وفي مصر بعد استقراره في الإسكندرية، والتف حوله أعداد كبيرة من التلاميذ للاستفادة من علمه.\nقال المقري: \"ثم انتقل إلى المشرق، واشتهر وطار صيته، وأخذ النالس عنه، وانتفعوا بكتبه\" (^٣).\nوقال ابن فرحون: \"وأخذ عنه الناس من أهل المشرق والمغرب\" (^٤). ومع ذلك لم نعرف من تلاميذه إلَّا القليل، بل أقل القليل. فمنهم:\n١ - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي، المفسر، الحافظ، ولد في قرطبة وعاش بها وتعلم، ثم انتقل إلى مصر واستوطن الإسكندرية، وأخذ عن علمائها، له عدة مؤلفات، منها: \"الجامع لأحكام القرآن\" تفسير للقرآن الكريم في مجلدات و\"التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة\" وغيرها، توفي سنة (٦٧١ هـ) (^٥).\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في التلخيص فقال: فممن رويته عنه الشيخ الفقيه، القاضي، المحدث، الثقة، الثبت، أبو الحسن علي بن الشيخ الزاهد الفاضل المحدث المقيد، أبي عبد الله محمد بن علي بن حفص اليحصبي. التلخيص (١/ ٣٣).\n(^٢) لم أقف لهؤلاء على ترجمة.\n(^٣) نفح الطيب (٢/ ٦١٥).\n(^٤) الديباج المذهب ص (١٣١).\n(^٥) نفح الطيب (٢/ ٤٠٩) طبقات المفسرين للداوودي (٢/ ٦٩).","vol":"1","page":106},{"text":"وهو أشهر تلاميذه وأكثرهم ملازمة له، وكان كثير الذكر له، ملازمًا للثناء عليه، فكثير ما ينقل عنه فيقول: قال شيخنا الإمام أبو العباس الفقيه المحدث (^١).\nوقد نقل عنه في كتابيه السابقين نقولات كثيرة (^٢).\n٢ - أبو محمد شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، الشافعي، محدث، فقيه، إمام، حافظ، لغوي، عالم بالنسب، له عدة مؤلفات، منها: \"المتجر الرابح\" و\"الخيل\" وغيرها، توفي سنة (٧٠٥ هـ) (^٣). وقد ذكر القرطبي في معجم شيوخه فقال: \"اجتمعت به وأخذت عنه شيئًا\" (^٤).\n٣ - أبو الحسن بن يحيى القرشي (^٥). قال ابن فرحون: \"كتب عنه الحافظ أبو الحسن بن يحيى القرشي، وذكره في معجم شيوخه\" (^٦).\nومما لا شك فيه أن عدد التلاميذ الذين أخذوا عنه أكثر من هؤلاء بكثير، ولكن لم يصلنا من تلاميذه إلَّا هؤلاء لشح مراجع ترجمته كما سبق.\nكما تتلمذ على كتبه عدد كبير من جهابذة العلماء وطلبة العلم خلال\n_________\n(^١) التذكرة ص (١٧٠).\n(^٢) انظر على سبيل المثال: التذكرة ص (٣٩، ١٢٠، ١٨٩، ١٩١، ٢٣٦، ٣٧٧، ٤٢٢، ٦٩٠)، والجامع لأحكام القرآن (١/ ١٦٨، ٢/ ٢٤٨، ٣/ ٢٥، ٦٣، ٤/ ١١، ١٣، ٥٨، ٦٠، ٩٠، ٥/ ١٩، ٣٠، ٦٩، ٦/ ٣١، ١٢٣، ١٩١، ٧/ ٤٠، ٨/، ٦، ٩٤، ٢١٨، ١١/ ٢٧، ٢٨، ١٢/ ١٧٥، ١٥/ ١٥٠، ١٩٠، ٢٠٠ وغيرها.\n(^٣) طبقات الحفاظ ص (٥٤٠) ترجمة (١١٣٤)، الدرر الكامنة (٢/ ٤١٧).\n(^٤) الديباج المذهب ص (١٣١).\n(^٥) لم أجد له ترجمة.\n(^٦) الديباج المذهب ص (١٣١).","vol":"1","page":107},{"text":"القرون التي تلته إلى عصرنا هذا.\nوقد ذكر ابن فرحون أن أبا عبد الله بن الأبار أخذ عنه بالإجازة. قال: \"وحدث عنه بالإجازة أبو عبد الله بن الأبار\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>المطلب الرابع: مؤلفاته:</span>\nإن علمية أبي العباس القرطبي تجلت وظهرت فيما خلف لنا من تراث علمي نفيس في مؤلفاته التي شملت سائر فنون العلم في الفقه وأصوله، والعقيدة والحديث. وإن كان لم يصل إلينا إلَّا القليل من هذه المؤلفات، ولعل أشهرها كتاب \"المفهم\" الذي لم يطبع إلَّا قبل سنوات، وإن كان قد حظي باهتمام واسع من قبل العلماء السابقين إذ أصبح مرجعًا لكثير ممن ألفوا بعده.\nونعرف هذه المؤلفات من خلال ذكرها في كتب التراجم ممن ترجموا له أو من خلال ذكره لها في كتاب \"المفهم\" وهي كالتالي مرتبة على حروف المعجم:\n١ - إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار:\nوقد أحال عليه في المفهم فقال: \"جزء كتبناه في المسألة سميناه \"إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار وذكرنا فيه غاية أدلة الفريقين وتمسكاتهم من الكتاب والسنة على طريقة التحقيق والتحرير والنقل، ومن وقف على ذلك قضى منه العجب العجاب وعلم أنه لم يكتب مثله في هذا الباب\" (^٢).\n٢ - الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإثبات نبوة نبينا\n_________\n(^١) المرجع السابق.\n(^٢) المفهم (٤/ ١٥٧).","vol":"1","page":108},{"text":"محمد - ﷺ -:\nوقد ألَّفه ردًّا على أحد النصارى الذي ألَّف كتابًا سماه \"تثليث الوحدانية في معرفة الله\". وقد تهجم فيه على دين الإسلام، وانتقصه، فتصدى له القرطبي ورد باطله، ودحض شبهه بهذا الكتاب، وقد طبع الكتاب بتحقيق الدكتور: أحمد حجازي السقا، عن دار التراث العربي، ولم يُنسب في طبعته هذه لأبي العباس، وقد نسبه بعض الباحثين لأبي عبد الله القرطبي (^١)، ورد الدكتور محمد أبا الخيل نسبة الكتاب للقرطبي المفسر وناقش نسبته لأبي العباس خصوصًا بعد وقوفه على إحالات في المفهم للكتاب المذكور، ولكنه تردد في الجزم بنسبته إليه؛ لأن الإحالات التي ذكرها لم تصرح باسمه كاملًا بل اكتفت بجزء من الاسم (^٢) كما سيتبين بعد قليل.\nولعله لم يقف على الإحالة التي ذكر القرطبي فيها الكتاب باسمه كاملًا مما يزول معه اللبس ونجزم بنسبته إليه، وأن ما سبق من إحالات ذكر فيها الاسم مختصرًا إنما كان ذلك حسب مناسبة الإحالة.\nفالكتاب لأبي العباس القرطبي جزمًا لا شك فيه، حيث ذكره في المفهم في مواضع كثيرة بذكر اسمه مختصرًا حيث قال مرة: \"في كتابنا في الرد على النصارى\" (^٣)، وقال مرة أخرى: \"في كتابنا المسمى الإعلام\n_________\n(^١) وهم: البغدادي في هداية العارفين (٦/ ١٢٩) وبروكلمان في تاريخ الأدب العربي (١/ ٧٣٨)، ومشهور حسن في ترجمته للقرطبي المفسر ص (٥/ ٢٠٣).\n(^٢) انظر: جهود علماء الأندلس في الرد على النصارى، للدكتور محمد أبا الخيل ص (٣٩٩ - ٤٠٢).\n(^٣) المفهم (٥/ ٢٠٣).","vol":"1","page":109},{"text":"بصحة نبوة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام\" (^١)، وذكره كثيرًا باسم الإعلام (^٢). وهو بهذا يريد الاختصار ودليل الاستشهاد، وإلَّا فقد ذكره صريحًا باسمه كاملًا في كتاب التفسير حين قال: \"كما قد نقلناه في كتابنا المسمى: بكتاب الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإثبات نبوة نبينا - ﷺ -\" (^٣).\n٣ - تلخيص كتاب مسلم:\nوقد بين سبب وضعه لهذا التلخيص فقال: \"لما تقاصرت الهمم في هذا الزمان عن بلوغ الغايات من حفظ جميع هذا الكتاب بما اشتمل عليه من الأسانيد والروايات أشار من إشارته غنم وطاعته حتم إلى تقريبه على المتحفِّظ وتيسيره على المتفقه، بأن نختصر أسانيده ونحذف مكرره .. فاستعنت بالله تعالى وبادرت إلى مقتضى الإشارة\" (^٤).\nوالمفهم شرح لهذا التلخيص كما ذكر هو في مقدمة المفهم حيث قال: \"وسميته المُفْهِم لما أشْكَلَ من تلخيص كتاب مسلم\" (^٥).\nفلخص مقدمة الصحيح بذكر أهم مقاصدها، واقتصر في الإسناد على الصحابي، إلَّا أن تدعو حاجة لذكر غيره، وساق أكمل المتون، وألحق بها ما في غيرها من زيادة فائدة حيث قال: فاقتصرت في الإسناد على ذكر الصاحب إلَّا أن تدعو الحاجة إلى ذكر غيره، فأذكره لزيادة فائدة، وحصول عائدة، ومن تكرار المتون على أكملها مساقًا، وأحسنها\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٥٠).\n(^٢) انظر: المفهم (٦/ ٥٢، ١٤٨، ١٧٦، ١٨٣).\n(^٣) المفهم (٧/ ٤٠٤).\n(^٤) التلخيص (١/ ٣٤).\n(^٥) المفهم (١/ ٨٤).","vol":"1","page":110},{"text":"سياقًا، ملحقًا به ما في غيره من الرواية\" (^١).\nوقد حافظ على ترتيب مسلم إلَّا أن تدعو الضرورة للإخلال بهذا الترتيب في بعض الأحيان، وقد بيَّن ذلك بقوله: \"وربما قدمت بعض الأحاديث وأخَّرت، حيثما اضطررت، حرصًا على ضم الشيء لمشاكله، وتقريبًا له على متناوله\" (^٢).\nوقد بوَّب كتابه بما تتضمنه الأحاديث التي يضعها تحت الباب، وقد يجعل معنى من معاني الحديث أو جزءًا منه ترجمة عليه، وقد بيَّن هذا بقوله: \"وننبه على ما تضمنته أحاديثه بتراجم تسفر عن معناها وتدل الطالب على موضوعها وفحواها\" (^٣).\n٤ - الجامع لمقاصد الأصول:\nوهو كتابٌ في أصول الفقه، أحال عليه في المفهم كثيرًا في مواضع متعددة (^٤).\nواختلفت عباراته في هذه الإحالات، فمرة يقول: أوضحنا ذلك في الأصول، ومرة يقول: بيَّنا ذلك في أصول الفقه.\n٥ - الجدل:\nوقد أكثر الزركشي من النقل عنه في البحر المحيط (^٥)، ولم يتعرض القرطبي لذكره، إنما ذكره الزركشي في البحر المحيط حيث قال في مسألة\n_________\n(^١) التلخيص (١/ ٣٥).\n(^٢) التلخيص (١/ ٣٥).\n(^٣) المرجع السابق (١/ ٣٤).\n(^٤) انظر: المفهم (١/ ١٣١، ١٦٩)، (٤/ ٣٤١)، (٤٥٧)، ٤٩٢، ٥٥٩). (٥/ ١٦٣).\n(^٥) ذكر الطريري (٤٨) إحالة في البحر المحيط على كتاب القرطبي هذا. انظر: تحقيق كتاب الإيمان من المفهم (١/ ٢٦٥).","vol":"1","page":111},{"text":"السبر والتقسيم: \"ما ذكرناه أن هذا النوع من المسالك هو المشهور، وقد نازع فيه جماعة من المتأخرين منهم أبو العباس القرطبي في جدله\" (^١).\n٦ - جزء في صلاة الآبق والسكران:\nوقد ذكره في المفهم عند حديثه عن عدم قبول صلاة الآبق في كتاب الإيمان حيث قال: \"فكان هذا كما قلناه في قوله ﵊: \"إن شارب الخمر لا تقبل منه صلاة أربعين يومًا\" (^٢). وقد كنا كتبنا في ذلك الحديث جزءًا حسنًا\" (^٣).\n٧ - جزء في الطلاق الثلاث:\nوقد ذكره في المفهم في كتاب الطلاق باب إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة، حيث قال بعد عرضه للأقوال في هذه المسألة: \"وقد أشبعنا القول في هذه المسألة في جزء كتبناه في هذه المسألة سؤالًا وجوابًا\" (^٤).\n٨ - جزء في كراء الأرض:\nوقد ذكره في المفهم عند شرحه لحديث النهي عن كراء الأرض في كتاب البيوع، حيث قال بعد مناقشة المسألة: \"وقد كتبنا في هذه المسألة جزءًا حسنًا\" (^٥).\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (٥/ ٢٢٥).\n(^٢) أخرجه ابن ماجة، كتاب الأشربة، باب من شرب الخمر لم تقبل له صلاة، والنسائي في كتاب الأشربة، باب ذكر الرواية المبينة عن صلوات شارب الخمر، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، وقال: أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، وإسناده صحيح على شرط مسلم (٢/ ٣٢٦) حديث (٧٠٩).\n(^٣) المفهم (١/ ٢٥٧).\n(^٤) المفهم (٤/ ٢٣٨).\n(^٥) المفهم (٤/ ٤٠٨).","vol":"1","page":112},{"text":"٩ - شرح التلقين:\nوهو شرح لكتاب التلقين في الفقه المالكي للقاضي عبد الوهاب البغدادي. وقد ذكره في المفهم في كتاب الطهارة عند حديثه عن فرض غسل الرجلين في الوضوء، حيث قال بعد ذكر الأقوال في ذلك: \"وقد طولنا النفس في هذه المسألة في كتابنا في \"شرح التلقين\" أعان الله على تمامه\" (^١).\nوبعدم وصول الكتاب إلينا لا ندري هل أتم شرح هذا الكتاب الذي بدأ به أم لا؟ .\n١٠ - كشف القناع عن حكم الوجد والسماع:\nوقد طُبع عام (١٤١١ هـ) بتحقيق الدكتور عبد الله بن محمد الطريقي، وهو في مجمله ردٌّ على الصوفية المنحرفة الذين اتخذوا من هذا العمل عبادة تقربهم إلى الله بزعمهم، فبين بهذا الكتاب ضلالهم وانحرافهم، وناقش حكم الغناء وعرض الأقوال فيه بتحقيق هانصاف.\nوقد ألَّف هذا الكتاب أثناء تأليفه للمفهم بدليل إحالته فيه إلى المفهم (^٢)، وإحالته في المفهم إليه (^٣).\n١١ - مختصر الجامع لصحيح البخاري:\nولم يذكره في المفهم، إنما ذكره حاجي خليفة في كتابه \"كشف الظنون\" حيث قال: \"مختصر الشيخ الإمام جمال الدين أبي العباس أحمد بن عمر الأنصاري القرطبي، المتوفي سنة (٦٥٦ هـ) ست وخمسين\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٤٩٦).\n(^٢) كشف القناع ص (٧٨).\n(^٣) المفهم (٣/ ٦٤٥).","vol":"1","page":113},{"text":"وستمائة بالإسكندرية أوله: الحمد لله الذي خص أهل السنة بالتوفيق\" (^١).\nوذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (^٢).\nويوجد منه جزء في خزانة القرويين بفاس (^٣).\n١٢ - المفهم لما أشكل في تلخيص كتاب مسلم:\nوسيأتي التعريف به مفصلًا.\nوكما وهم من نسب كتاب أبي العباس \"الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام\" لأبي عبد الله القرطبي، فقد وهم البعض فنسبوا كتاب \"التذكرة في ذكر الموتى وأحوال الآخرة\" لأبي العباس (^٤)، وهو خطأ ظاهر إذ اشتهرت نسبة \"التذكرة\" لأبي عبد الله حتى أصبحت علامة فارقة بينه وبين غيره من القرطبيين كما قال المقري: \"وممن أخذ عنه القرطبي صاحب التذكرة\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>المطلب الخامس: مذهبه الفقهي وعقيدته:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>أولًا: مذهبه الفقهي:</span>\nيعتبر القرطبي أحد فقهاء المالكية في زمنه ذلك أنه درس بالأندلس والمغرب، وهي بلاد يتمذهب أهلها بالمذهب المالكي، فأخذ أصول المذهب عن شيوخه، وتبحر فيه، حتى عد أحد أعلامه ساعده في ذلك\n_________\n(^١) كشف الظنون (١/ ٥٥٤)، وانظر أيضًا ذيل مرآة الزمان (١/ ٩٥)، وهدية العارفين (١/ ٩٦).\n(^٢) فتح الباري (٢/ ٢١٧، ١٠/ ١٠٣، ١١/ ٥٢٩).\n(^٣) فهرس مخطوطات خزانة القرويين بفاس (١٤٧).\n(^٤) وهو عمر رضا كحالة في معجم المؤلفين (١/ ٢١٤).\n(^٥) نفح الطيب (٢/ ٦١٥).","vol":"1","page":114},{"text":"تمكنه من علم أصول الفقه وقوته فيه.\nقال ابن فرحون عنه: \"من أعيان المالكية\" (^١).\nوقال ابن العماد: \"كان من كبار الأئمة\" (^٢).\nوقال ابن كثير: \"أبو العباس الأنصاري القرطبي المالكي الفقيه المحدث\" (^٣).\nوقال المقريزي: \"فقيه مالكي محدث أصولي\" (^٤).\nولكنه لم يكن متعصبًا للمذهب، متمسكًا به ولو خالف الدليل، بل كان سالكًا لطريق الإنصاف، ساعيًا في اتباع الدليل، ولو خالف مالكًا أو المشهور من مذهبه.\nقال الطريري: إلَّا أن الشيخ أبا العباس مع ذلك كله لم ينزلق إلى وهدة التعصب الأعمى، ولم يتقيد بأغلال التقليد، فمع مذهبيته المالكية إلَّا أنك لا ترى الغلو في إمامه، ولا التحطط على مخالفيه، ولا التقليد الجامد للمذهب في كل مسألة ... وتتجلى سلامة أبي العباس من غلواء التعصب في مسائل كثيرة عرض لها في المفهم، ثم انقاد فيها إلى ما أداه اجتهاده مع مخالفته للمشهور من مذهب مالك\" (^٥).\nوقال المحققون للمفهم: \"مالكي متضلع في مذهب الإمام مالك، ومستحضر لأقواله وأدلته، ولكنه يقف في بعض الأحيان مع الدليل\n_________\n(^١) الديباج لمذهب ص (١٣٠).\n(^٢) شذرات الذهب (٣/ ٢٧٣).\n(^٣) البداية والنهاية (١٣/ ٢٢٦).\n(^٤) المقفى الكبير (١/ ٥٤٥).\n(^٥) تحقيق كتاب الإيمان من المفهم (١/ ٢٥١).","vol":"1","page":115},{"text":"ويصرح بمعارضته لمالك فيما ذهب إليه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>ثانيًا: عقيدته:</span>\nلقد حفل كتاب \"المفهم\" بالمباحث العقدية، وكان القرطبي طويل النفس في مناقشتها، والوقوف عندها، قويًّا في نصرة ما يراه من مسائل العقيدة، شديدًا في الرد على المخالفين له في ذلك.\nوقد كان في بداية طلبه للعلم توجه للعلوم العقلية، والأخذ بأقوال المتكلمين.\nقال ابن مسدي: \"أخذ نفسه بعلم الكلام، وأن الجوهر الفرد لا يقبل الانقسام، وتغلغل في تلك الشعاب عدة أحقاب\" (^٢). ولكنه انصرف بعد ذلك عنه بل رد على المتكلمين بكلام نفيس للغاية (^٣).\nوإن كان من خاض في هذه العلوم قلما ينجو دون أن يعلق به شيء منها.\nومن خلال هذه المباحث العقدية التي حفل بها المفهم نجد أبا العباس قد سلك طريقة الأشاعرة في غالب مسائل العقيدة خصوصًا في تأويل الصفات التي تأولها الأشاعرة، وإن كان قد تردد في بعضها فلم يجزم بالتأويل، إلَّا أنه تكلف في رد كثير مما يخالف ما ذهب إليه الأشاعرة وشنع على المخالفين لهم.\nقال في تأويل إتيان الله تعالى ومجيئه: \"لكن مع القطع بأن هذه الظواهر الواردة في الكتاب والسنة الموهمة للتجسيم والتشبيه يستحيل\n_________\n(^١) مقدمة تحقيق المفهم (١/ ٣٥).\n(^٢) توضيح المشتبه (٨/ ١٣٩).\n(^٣) انظر: المفهم (١/ ١٤٥، ٦/ ٦٩٣).","vol":"1","page":116},{"text":"حملها على ظاهرها لما يعارضها من ظواهر أخرى كما قرره أئمتنا ولما دل العقل الصريح عليه\" (^١).\nوقذف بالتجسيم من يثبت الصفات على مذهب السلف حيث قال: \"اعتقدوا أن الباري تعالى جسم مجسم، وصورة مصورة، ذات وجه وعين وجنب ورجل وأصبع، تعالى الله عن ذلك ... فالصحيح القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور، ويستتابون، فإن تابوا، وإلَّا قُتلوا كما يفعل بمن ارتد\" (^٢).\nفنستطيع أن نقول أن القرطبي أشعري العقيدة، وإن كان من غير المتعصبين للأشاعرة، إذ ربما خالفهم في بعض أقوالهم كما سيتضح من خلال الرسالة على أنه ﵀ كان شديدًا على الفرق الضالة المنحرفة عن الحق كالرافضة والمعتزلة والخوارج والصوفية وله ردود قوية عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>المطلب السادس: علمه وثناء العلماء عليه:</span>\nإن ما خلفه الإمام أبو العباس القرطبي يدل على علميته وسعة ثقافته فمؤلفاته كثيرة، وفي فنون متعددة من العلم، في الفقه والحديث والعقيدة وغيرها، وهي لا شك تدل على ما وصل إليه من مكانة علمية، جعلت العلماء بل أكابر العلماء يعتمدون عليها وينقلون منها، ويكفي من ذلك اعتماد الحافظ ابن حجر على كتاب المفهم في شرحه لصحيح البخاري واعتماد الزركشي على كتاب القرطبي في الأصول، وغيرهم من العلماء في شتى فنون العلم.\nمع فقد غالب كتب هذا الإمام.\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٤١٩).\n(^٢) المفهم (٦/ ٦٩٧).","vol":"1","page":117},{"text":"ولذا أثنى عليه العلماء بما هو أهله، قال المقري: \"انتقل إلى المشرق واشتهر وطار صيته وأخذ الناس عنه، وانتفعوا بكتبه ... كان بارعًا في الفقه والعربية عارفًا بالحديث ... له اقتدار على توجيه المعاني بالاحتمال ... وكان إمامًا عالمًا جامعًا\" (^١).\nوقال محمد محمد مخلوف: \"الإمام العمدة العلامة الفقيه المحدث المتقن الفهامة\" (^٢).\nوقال ابن كثير: \"أبو العباس الأنصاري القرطبي المالكي الفقيه المحدث\" (^٣).\nوقال الذهبي: \"العلامة المحدث\" (^٤)، \"عالم الإسكندرية\" (^٥) وقال ابن فرحون: \"كان من الأئمة المشهورين والعلماء المعروفين جامعًا لمعرفة علوم منها: علم الحديث، والفقه، والعربية، وغير ذلك ... وكان يشار إليه بالبلاغة والعلم والتقدم في علم الحديث والفضل التام وأخذ عنه الناس من أهل المشرق والمغرب\" (^٦).\nوقال المقريزي: \"فقيه مالكي محدث أصولي ... وكان عالمًا محققًا ثقة\" (^٧).\n_________\n(^١) نفح الطيب (٢/ ٦١٥).\n(^٢) شجرة النور ص (١٩٤).\n(^٣) البداية والنهاية (١٣/ ٢٢٦).\n(^٤) تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٣٨).\n(^٥) سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٣٢٣).\n(^٦) الديباج المذهب ص (١٣١).\n(^٧) المقفى الكبير (١/ ٥٤٥).","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>المبحث الرابع التعريف بالكتاب وبيان أهميته</span>\nالمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم\nوهو موضوع هذه الرسالة وأعظم كتبه وأشهرها ونتعرف عليه من خلال النقاط التالية\nوفيه ستة مطالب:\nالمطلب الأول: تسميته\nالمطلب الثاني: نسبته للقرطبي\nالمطلب الثالث: تأليفه\nالمطلب الرابع: أهميته\nالمطلب الخامس: مميزاته\nالمطلب السادس: منهج القرطبي فيه","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>المطلب الأول: تسميته:</span>\nلم يختلف في تسمية كتاب القرطبي هذا نظرًا لأنه نص على تسميته في مقدمته حيث قال: \"وسميته المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم\" (^١). وقد ورد عند بعض من ترجموا له بل عند أغلبهم بتسميته \"المفهم في شرح صحيح مسلم\" وهو سياق على وجه الاختصار وما دام مؤلفه قد نصَّ على تسميته فلا اجتهاد مع النص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>المطلب الثاني: نسبته للقرطبي:</span>\nلقد أجمع كل من ترجم للقرطبي على نسبة هذا الكتاب له. بل لقد اشتهر القرطبي بهذا الكتاب حتى أصبح علامة فارقة بينه وبين غيره ممن يتفق معه في الاسم فإذا أُريد التعريف به قيل: القرطبي صاحب المفهم. وقد ذكر اسمه أيضًا في كتابه كشف القناع حيث قال: وقد بيَّنا ما قيل في شرط البخاري ومسلم في كتابنا الملقب بالمفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>المطلب الثالث: تأليفه:</span>\nلقد ذكر القرطبي سبب تأليفه لهذا الكتاب فقال: فلما حصل من تلخيص كتاب مسلم وترتيبه وتبويبه المأمول وسهل إلى حفظه وتحصيله الوصول رأينا أن نكمل فائدته للطالبين ونسهل السبيل إليه على الباحثين بشرح غريبه والتنبيه على نكت من إعرابه وعلى وجوه الاستدلال بأحاديثه وإيضاح مشكلاته حسب تبويبه وعلى مساق ترتيبه (^٣).\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٨٤).\n(^٢) كشف القناع ص (٧٨).\n(^٣) المفهم (١/ ٨٣).","vol":"1","page":121},{"text":"ولم يذكر تحديد تاريخ تأليفه لهذا الكتاب لكن ورد ما يدل على أنه ألفه حال استقراره بمصر بعد رحيله من الأندلس منها قوله: وقد سمعنا ونحن بالأندلس أن بلدًا بشرقها خسف به وهلك كثير من أهله (^١).\nفيغلب على الظن أنه ألفه في آخر عمره فيكون من آخر مؤلفاته بدليل إحالته فيه على كثير من كتبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>المطلب الرابع: أهمية الكتاب:</span>\nيعتبر كتاب المفهم من أهم كتب شروح صحيح مسلم، وإن كان قد بقي حبيسًا قرونًا متطاولة.\nقال المحققون للكتاب في بيان أهميته ومكانته: يعد كتاب المفهم - تجوزًا - شرحًا واضحًا ذا أهمية بالغة لصحيح الإمام مسلم فهو حلقة وصل بين المازري والقاضي عياض من جهة، وبين من جاء بعد أبي العباس القرطبي كالأبي والسنوسي ... ويكفيه أهمية ومكانة أن اعتمده الإمامان النووي وابن حجر كمصدر مهم في شرحيهما على الصحيحين، ولا شك أن العلماء اهتموا فيما بعد بكتاب المفهم اهتمامًا واضحًا، فها نحن نجد بصماته عميقة فيما ألف بعده عند: الزواوي في كتابه \"إكمال الإكمال\" الذي جمع فيه بين المعلم والإكمال والمفهم والمنهاج: الأبي في كتابه \"إكمال إكمال المُعْلم\" الذي ذكر فيه أنه ضمنه كتب شراحه الأربعة: المازري وعياض والقرطبي والنووي. ثم يطالعنا التاريخ بكتاب \"مكمل إكمال الإكمال\" للسنوسي وغير ذلك من المصنفات التي اعتمدت على كتاب \"المفهم\" واستفادت منه (^٢).\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ٢٣٩).\n(^٢) مقدمة تحقيق المفهم (١/ ١٧، ١/ ١١).","vol":"1","page":122},{"text":"قال المقري: \"هو من أجل الكتب، ويكفي شرفًا اعتماد الإمام النووي - رحمه الله تعالى - عليه في كثير من المواضع\" (^١).\nومما يبين أهميته ومكانته، كثرة النقل عنه من علماء أجلاء، وفي كتب معتمدة فقد نقل عنه تلميذه القرطبي المفسر كثيرًا سواء في تفسيره أو في كتابه \"التذكرة\" (^٢)، وكذلك ابن حجر في كتابه \"فتح الباري في شرح صحيح البخاري\" فقد نقل عنه في مواضع كثيرة (^٣) بل نقل له كلامًا في صفحة كاملة (^٤).\nوكذلك أكثر العراقي (^٥) من النقل عنه في كتابه \"طرح التثريب\" (^٦).\nكذلك نقل عنه الشيخ عبد الرحمن بن حسن (^٧) في كتابه \"فتح\n_________\n(^١) نفح الطيب (٢/ ٦١٥) ولكن جاء في كتاب \"الإمام النووي وأثره في علم الحديث\" لأحمد الحداد أن الإمام النووي ﵀ لم يستفد من المفهم بتاتًا حيث قال: وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ النووي ﵀ لم يستفد من كتاب المفهم للقرطبي في شرحه هذا البتة، حيث لم يرجع إليه ولا في موطن واحد من شرحه مع كثرة مراجعه ومصادره. ص (٣٧٤).\n(^٢) انظر الإحالات عند ذكر تلاميذه ص (٨١).\n(^٣) وقد ذكر مؤلف \"معجم المصنفات الواردة في فتح الباري\" أكثر من مائة إحالة، انظرها ص (٢٤٧، ٤٠٧).\n(^٤) فتح الباري (١٣/ ٣٦٢).\n(^٥) عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن الكردي المصري، الشافعي، المعروف بزين الدين، العراقي، محدث، حافظ، فقيه، أصولي، له مصنفات كثيرة منها: \"ألفية في علوم الحديث\"، \"المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار\"، \"فتح المغيث بشرح ألفية الحديث\". توفي سنة (٨٠٦ هـ) والكتاب له ولابنه ولي الدين المتوفي سنة (٨٢٦ هـ) \"الضوء اللامع\" (٤/ ٧١)، \"معجم المؤلفين\" (٢/ ١٣٠، ٤/ ٧٤).\n(^٦) قد ذكر الطريري أنه وقف على (٣٨٢) إحالة، تحقيق كتاب الإيمان من المفهم (١/ ٣٤٩).\n(^٧) عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب التميمي، النجدي، حفيد الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب، طلب العلم في صغره على جده الشيخ محمد، ثم على عمه عبد الله بن محمد، ثم طلب العلم بمصر على علمائها عندما رُحِّل إليها بعد هدم الدرعية، من آثاره: =","vol":"1","page":123},{"text":"المجيد\" (^١) وغيرهم من العلماء.\nفهذه النقولات وغيرها تدل دلالة أكيدة على مكانة هذا الكتاب العلمية وأهميته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>المطلب الخامس: مميزاته:</span>\nاتضح لنا من خلال الفقرة السابقة أهمية كتاب المفهم، وعناية العلماء به، وكثرة استفادتهم منه، ولا شك أن ذلك يعود لما تميز به الكتاب من مميزات جعلته في طليعة كتب شرح السنة، ومن هذه المميزات ما يلي:\n- عنايته الفائقة بشرح الكلمات اللغوية والاستدلال عليها بالآيات القرآنية، والاستشهاد لها بالشعر العربي والأمثال والحكم (^٢).\n- كما تميز بوضوح العبارة وسهولتها وعنايته بتحسين سياقته وتجميلها بالمحسنات اللفظية، والتي جاءت بعيدة عن التكلف، فكانت قريبة المتناول سهلة المأخذ بعيدة عن العسر والمشقة (^٣).\n- تميز بعنايته بالناحية الأصولية فكَثُر ربطه للقضايا الفرعية بالقضايا الأصولية، كما أصَّل قواعد أصولية بنصوص السنة، وبيَّن مأخذها منها إضافة إلى عرضه بعض المسائل الأصولية في أثناء شرحه وإبداء رأيه فيها (^٤).\n_________\n= \"قرة عيون الموحدين\"، \"الرد على داود بن جرجيس\". توفي سنة (١٢٨٥ هـ). معجم المؤلفين (٢/ ٨٨)، الأعلام (٣/ ٣٠٤).\n(^١) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص (٩٧).\n(^٢) مقدمة تحقيق المفهم (١/ ١٨).\n(^٣) تحقيق كتاب الإيمان من المفهم (١/ ٣٥٤).\n(^٤) المرجع السابق.","vol":"1","page":124},{"text":"قال الطريري: \"واستجلاء الصفة الأصولية في المفهم لا يسعها أن تكون مبحثًا في فصل، وإنما هي جديرة أن تفرد برسالة دكتوراه تامة تامة تامة\" (^١).\n- ومن مميزاته احتواؤه لكتب سابقة فقد بعضها، كان القرطبي قد اجتنى فوائدها واستبطنها في المفهم، مما جعل كتابه زاخرًا بمواد علمية كانت مفرقة في مصادر شتى، فجاء شرحه غزير المادة مفنن العلوم (^٢).\nقال المحققون للمفهم: \"يعد كتاب المفهم حافظًا لما عدا عليه الزمن وأتلفه الأعداء من تراثنا العربي والإسلامي\" (^٣).\n- يعتبر المفهم رائدًا في حل الأحاديث المشكلة في صحيح مسلم، وإزالة ما بينها من تعارض في الظاهر، أو تناقض في الحكم يبدو لأول وهلة (^٤).\nقال المقري عن القرطبي: \"كان بارعًا في الفقه والعربية، عارفًا بالحديث ... له اقتدار على توجيه المعاني بالاحتمال\" (^٥).\n- ظهور شخصية القرطبي عند نقله عن غيره فهو إذا نقل ناقش وحاور وعقَّب وتعقباته تمحيص علمي ومناظرة مصغرة (^٦).\n- استمراره في شرحه على سنن واحد من أوله إلى آخره برغم طول الكتاب، فليس بين أوله وآخره ذاك التفاوت الذي يوجد في بعض الكتب (^٧).\n_________\n(^١) المرجع السابق (١/ ٢٦٥).\n(^٢) المرجع السابق (١/ ٣٥٤).\n(^٣) المفهم (١/ ١٨).\n(^٤) المرجع السابق.\n(^٥) نفح الطيب (٢/ ٦١٥).\n(^٦) تحقيق كتاب الإيمان من المفهم (١/ ٣٥٥).\n(^٧) المرجع السابق.","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>المطلب السادس: منهج القرطبي فيه:</span>\n- قام بشرح وافٍ لمقدمة الصحيح.\n- كانت طريقته في شرح الحديث كطريقة الحافظ ابن حجر في الفتح، بحيث يختار من الحديث النص الذي يحتاج إلى شرح ويضعه بين قوسين ثم يعقبه بالشرح والتعليق.\n- بيَّن أن من منهجه في هذا الشرح الاختصار ما لم يدع الكشف إلى التطويل والإكثار (^١).\nوقد وفى بذلك في الغالب، ولذا كثيرًا ما يختم شرحه بقوله: \"في هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى\" (^٢). أو عبارة نحو هذه (^٣).\n- ترجم لبعض الأعلام الذين ورد ذكرهم أثناء الشرح (^٤).\n- إذا عرض لمسألة أثناء الشرح سبق الكلام عنها أو سيأتي الكلام عليها، فإنه يحيل إلى السابق أو اللاحق (^٥)، أو يحيل إلى أحد كتبه التي استوفى فيها الكلام على هذه المسألة وبالرجوع إلى المبحث الخاص بمؤلفاته يتضح ذلك.\n- التزم بكامل شرحه بالأدب في المناقشة فهو عفيف اللسان أديب العبارة، عارفًا لأهل العلم فضلهم، حريصًا على الاعتذار عما وقع منهم (^٦).\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٨٤).\n(^٢) المفهم (٢/ ٤٦٦).\n(^٣) المفهم (١/ ١٦٥، ٢٠٨، ٣٥٠).\n(^٤) انظر كتاب (فضائل الصحابة) حيث ترجم لعدد كبير من الصحابة - ﵃ -.\n(^٥) وهذا كثير جدًّا، انظر على سبيل المثال: المفهم (١/ ٢٢٣، ٢٣٤، ٢٥٨، ٢/ ٢٥٢، ٢٩٤).\n(^٦) ولم يخالف هذا المنهج إلَّا في مواضع قليلة لا تذكر، انظر: المفهم (١/ ٥٤٢، ٥٨٩).","vol":"1","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>الباب الثاني الإيمان والتوحيد</span>\nوفيه ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: الإيمان وما يتعلق به من مسائل.\nالفصل الثاني: توحيد الربوبية\nالفصل الثالث: توحيد الألوهية\nالفصل الرابع: توحيد الأسماء والصفات","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>الفصل الأول الإيمان وما يتعلق به من مسائل</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف الإيمان لغة وشرعًا وحكم الاستثناء فيه\nالمبحث الثاني: الإيمان والإسلام\nالمبحث الثالث: الكبيرة وحكم مرتكبها","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>المبحث الأول تعريف الإيمان لغة وشرعًا وحكم الاستثناء فيه</span>\nالمطلب الأول: تعريفه لغة\nالمطلب الثاني: تعريفه شرعًا\nالمطلب الثالث: حكم الاستثناء فيه","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>المطلب الأول: تعريف الإيمان لغة:</span>\nالإيمان: مصدر آمن يؤمن إيمانًا فهو مؤمن، وهو مشتقٌ من الأمن.\nقال الجوهري (^١): \"الإيمان: هو التصديق. والله تعالى المؤمن؛ لأنه أمن عباده من أن يظلمهم. وأصل آمن: أأمن: بهمزتين ... والأمن ضد الخوف\" (^٢).\nوقال الأزهري (^٣): \"اتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن معناه التصديق\" (^٤).\nوقال ابن منظور (^٥): \"الإيمان ضد الكفر. والإيمان بمعنى التصديق: ضده التكذيب\" (^٦).\nوقال الأصفهاني (^٧): \"آمن إنما يقال على وجهين: أحدهما متعديًا بنفسه. يقال: آمَنْتُه: أي جعلت له الأمن. ومنه قيل لله مؤمن. والثاني: غير متعد. ومعناه: صار ذا أَمْنٍ ... قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ\n_________\n(^١) هو إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي، لغوي، أديب، توفي بنيسابور سنة (٣٩٣ هـ). سير أعلام النبلاء (١/ ٨٠). البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة للفيروزآبادي (٢/ ٦٧).\n(^٢) الصحاح للجوهري (٥/ ٢٠٧١) مادة: أمن.\n(^٣) هو محمد بن أحمد الأزهري، أحد أئمة اللغة المعروفين، توفي سنة (٣٧٠ هـ). البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (٢/ ١٨٦)، طبقات المفسرين لأحمد الأدنه وي ص (٨٣).\n(^٤) تهذيب اللغة للأزهري (١٥/ ٥١٠).\n(^٥) محمد بن مكرم بن علي الأنصاري الشهير بابن منظور إمام في اللغة والتاريخ، توفي سنة (٧١١ هـ). الدر الكامنة (٤/ ٢٦٢). معجم المؤلفين (٣/ ٧٣١).\n(^٦) لسان العرب لابن منظور (١٣/ ٢١) مادة أمن.\n(^٧) الحسين بن محمد بن المفضل الشهير بالراغب الأصفهاني، لغوي مفسر اختلف في تاريخ وفاته كثيرًا فقيل (٥٠٢ هـ) وقيل (٥٣٥ هـ) وقيل (٥٣٥ هـ) وقيل (٤٢٥ هـ). طبقات المفسرين للأدنه وي ص (١٦٨). البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (٢/ ٩١).","vol":"1","page":133},{"text":"كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾ (^١). قيل: معناه بمصدق لنا إلَّا أن الإيمان هو التصديق الذي معه أمْنُ\" (^٢).\nوقد رجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية في تعريف الإيمان اللغوي: أنه بمعنى الإقرار لأنه رأى لفظة أقر أصدق في الدلالة على معنى الإيمان من غيرها من الألفاظ، حيث قال: \"فالإيمان لغة: هو الإقرار؛ لأن التصديق، إنما يطابق الخبر فقط، وأما الإقرار فيطابق الخبر والأمر. ولأن أقر وآمن متقاربان، فالإيمان دخول في الأمن، والإقرار دخول في القرار ... ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار لا مجرد التصديق. والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق وعمل القلب الذي هو الانقياد\" (^٣).\nوأمَّا القرطبي فعرَّفه بالتصديق حيث قال: \"الإيمان لغة: هو التصديق مطلقًا\" (^٤).\nوأمَّا المازري فعرَّفه باليقين حيث قال: \"الإيمان هو اليقين\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>المطلب الثاني: تعريفه شرعًا:</span>\nأما تعريف الإيمان شرعًا: فهو ما وقع فيه الخلاف بين أهل السنة ومخالفيهم منذ زمن مبكر.\nقال ابن رجب (^٦): \"وهذه المسائل - أعني مسائل الإسلام والإيمان\n_________\n(^١) سورة يوسف، الآية: ١٧.\n(^٢) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص (٣٦) مادة أمن.\n(^٣) الفتاوى لابن تيمية (٧/ ٦٣٧، ٦٣٨).\n(^٤) المفهم (١/ ١٣٩).\n(^٥) المعلم (١/ ٢١٠).\n(^٦) عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي الدمشقي الحنبلي، إمام في العلم والعبادة، له عدة مؤلفات منها \"شرح علل الترمذي\" وشرح لصحيح البخاري، سماه \"فتح الباري\" توفي قبل =","vol":"1","page":134},{"text":"والكفر والنفاق - مسائل عظيمة جدًّا، فإن الله ﷿ علَّق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة، واستحقاق الجنة والنار، والاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة\" (^١).\nلهذا الخلاف المذكور تعددت الأقوال في تعريف الإيمان، والحق منها ما عليه أهل السنة والجماعة إذ عرفوه بأنه قولٌ باللسان، واعتقاد بالقلب، وعملٌ بالجوارح (^٢).\nوأما الأقوال الأخرى، فهي تختلف قربًا وبعدًا من الحق، وهي على النحو التالي:\nالأول: الإيمان: هو التصديق بالجنان، والقول باللسان. وهذا مشهور عن بعض الفقهاء، ولذا يقال: \"إرجاء الفقهاء\" وقال به: حماد بن أبي سليمان (^٣)، وأبو حنيفة وأصحابه (^٤).\nالثاني: الإيمان: هو التصديق بالله مع معرفته بالقلب. وهذا قول عامة الأشاعرة (^٥).\nالثالث: الإيمان: فعل جميع الطاعات المفترضة بالقلب واللسان والجوارح وهذا قول الخوارج والمعتزلة (^٦).\n_________\n= إكماله، توفي بدمشق سنة (٧٩٥ هـ). الدر الكامنة (٢/ ٣٢١). طبقات الحفاظ ص (٥٦٧) ترجمة (١١٧٢).\n(^١) جامع العلوم والحكم ص (٣٨).\n(^٢) انظر: الشريعة للآجري (٢/ ٦١١)، وشرح اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٤/ ٩١١) ومسائل الإيمان لأبي يعلى بن الفراء ص (١٥٢).\n(^٣) حماد بن أبي سليمان، تابعي رمي بالإرجاء تتلمذ عليه الإمام أبو حنيفة ولازمه توفي سنة (١٢٠ هـ). سير أعلام النجلاء (٥/ ٢٣١). طبقات الحفاظ ص (٦٠) ترجمة (١٠٥).\n(^٤) انظر: مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري (١/ ٢١٩)، والفتاوى لابن تيمية (٧/ ٥٠٧).\n(^٥) انظر: اللمع لأبي الحسن الأشعري ص (١٢٢)، والإنصاف للباقلاني ص (٥٥).\n(^٦) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١٤٩، ٣٢٩)، والملل والنحل (١/ ٤٥).","vol":"1","page":135},{"text":"وهم يخالفون أهل السنة أنهم جعلوا جميع الأعمال شرطًا لصحة الإيمان، فالإيمان كلٌّ لا يتجزأ، فإذا ذهب بعضه ذهب كلُّه، فمن أخل بالأعمال عندهم ذهب إيمانه، وهو عند الخوارج كافر في الدنيا، مخلدٌ في النار في الآخرة، وعند المعتزلة في الدنيا في منزلة بين المنزلتين، ووافقوا الخوارج في خلوده في النار في الآخرة، وفي نفي اسم الإيمان عنه في الدنيا، وخالفوهم في إطلاق لفظ الكفر عليه في الدنيا، وفي استحلال دمه وماله.\nالرابع: هو المعرفة بالقلب فقط. وهذا قول الجهمية (^١)، ويلزم من قولهم هذا إدخال إبليس وفرعون في الإيمان.\nالخامس: الإيمان هو الإقرار باللسان دون القلب. وهذا قول الكرَّامية (^٢). ويلزم من هذا القول إدخال المنافقين في الإيمان.\nقال القرطبي في بيان فساد هذا القول: \"الإيمان من أعمال الباطن، والإسلام من أعمال الجوارح الظاهرة، وفيه ردٌّ على غلاة المرجئة والكرامية، حيث حكموا بصحة الإيمان لمن نطق بالشهادتين، وإن لم يعتقد بقلبه، وهو قولٌ باطلٌ قطعًا، لأنه تسويغ للنفاق\" (^٣).\nوقال المازري ردًّا عليهم عند شرحه لقوله - ﷺ -: \"أليس يشهد أن لا إله إلَّا الله وأني رسول الله؟ قالوا: إنه يقول ذلك وما هو في قلبه. قال: لا يشهد أحدٌ أن لا إله إلَّا الله وأني رسول الله فيدخل النار أو تَطْعَمَهُ\" (^٤): \"إن احتجت به الغلاة من المرجئة في أن الشهادتين تنفع وإن لم تعتقد\n_________\n(^١) انظر: الملل والنحل (١/ ٨٨)، والفتاوى لابن تيمية (٧/ ٥٠٨).\n(^٢) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٢٣)، والفتاوى لابن تيمية (٧/ ٥٠٩).\n(^٣) المفهم (١/ ٣٦٦) وانظر أيضًا (١/ ٢٠٤).\n(^٤) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب الدليل على من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا ح/ ٣٣ (١/ ٣٥٦).","vol":"1","page":136},{"text":"بالقلب، قيل لهم: معناه أنه لم يصح عند النبي - ﷺ - ما حكوا عنه من أن ذلك ليس في قلبه، والحجة في قول النبي - ﷺ - وهو لم يقل ذلك ولم يشهد به عليه\" (^١).\nقال القرطبى في تعريفه للإيمان شرعًا: \"هو التصديق بالقواعد الشرعية\" (^٢).\nوقال: \"الإسلام والإيمان بحكم الوضع يعمان كل انقياد وكل تصديق، لكن قصرها الشرع على تصديق مخصوص، وانقياد مخصوص\" (^٣).\nوقال: \"الإيمان بالله هو التصديق بوجوده تعالى، وأنه لا يجوز عليه العدم، وأنه موصوف بصفات الجلال والكمال\"، ثم بعد ذكره لأركان الإيمان قال: \"مذهب السلف وأئمة الفتوى من الخلف أن من صدق بهذه الأمور تصديقًا جزمًا لا ريب فيه ولا تردد ولا توقف كان مؤمنًا حقيقة\" (^٤).\nفالقرطبي خالف مذهب أهل السنة والجماعة في تعريفهم للإيمان إذ جعله التصديق فقط، وأخرج الأعمال من الإيمان، وجعل إطلاق الإيمان على الأعمال ودخولها فيه من باب المجاز.\nفبعد ذكره لحديث جبريل ﵇ (^٥) وحديث وفد عبد القيس،\n_________\n(^١) المعلم (١/ ١٩٥).\n(^٢) المفهم (١/ ١٣٩).\n(^٣) المفهم (١/ ١٤٠).\n(^٤) المفهم (١/ ١٤٥).\n(^٥) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل للنبي - ﷺ - الإيمان والإسلام والإحسان، وعلم الساعة ح/ ٥٠ (١/ ١٤٠)، ومسلم في كتاب الإيمان باب بيان الإيمان =","vol":"1","page":137},{"text":"وحديث علي - ﵁ - الذي قال فيه: قال رسول الله - ﷺ -: \"الإيمان اعتقاد بالقلب، وإقرار باللسان وعمل بالأركان\" (^١) قال: هذه الإطلاقات الثلاث من باب التجوز والتوسع، على عادة العرب في ذلك، وهذا إذا حقق يريح من كثير من الإشكال الناشيء من ذلك الاستعمال (^٢).\nوقال عند شرحه لحديث \"الإيمان بضْعٌ وستُّون شعبة، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان\" (^٣): \"الإيمان في هذا الحديث يُراد به الأعمال، بدليل أنه ذكر فيه أعلى الأعمال، وهو قول لا إله إلَّا الله وأدناها: أي: أقربها وهو إماطة الأذى وهما عملان فما بينهما من قبيل الأعمال، وقد قدمنا القول في حقيقة الإيمان شرعًا ولغة، وأن الأعمال الشرعية تسمى إيمانًا مجازًا وتوسعًا؛ لأنها عن الإيمان تكون غالبًا\" (^٤).\nحتى أعمال القلوب أدخلها في مسمى الإيمان مجازًا، حيث قال: \"إطلاق الإيمان على أعمال القلوب كالنية والإخلاص والخوف،\n_________\n= والإسلام والإحسان ح/ ٨، (١/ ٢٥٩).\n(^١) حديث موضوع قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع لم يقله الرسول - ﷺ -. الموضوعات (١/ ١٢٨)، وقال ابن تيمية بعد أن ذكر الحديث: من الموضوعات على النبي - ﷺ - باتفاق أهل العلم بحديثه، الفتاوى (٧/ ٥٠٥) وقال ابن القيم: هذا حديث موضوع ليس من كلام النبي - ﷺ -. تهذيب سنن أبي داود (١٢/ ٢٩٥). وانظر سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني (٥/ ٢٩٥) حديث (٢٢٧١).\n(^٢) المفهم (١/ ١٤٠).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب الإيمان باب أمور الإيمان ح/ ٩ (١/ ٦٧). ومسلم في كتاب الإيمان باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونه من الإيمان ح/ ٣٥ (٢/ ٣٦٢) وفي رواية عند مسلم قال: الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلَّا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان (٢/ ٣٦٣).\n(^٤) المفهم (١/ ٢١٦).","vol":"1","page":138},{"text":"والنصيحة، وشبه ذلك من أعمال القلوب، وتسميتها إيمانًا لكونها في محل الإيمان أو عن الإيمان، على عادة العرب في تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره أو كان منه بسبب\" (^١).\nوكذلك المازري عرَّف الإيمان بأنه اليقين، حيث قال: \"الإيمان هو اليقين\" (^٢).\nوفي حديث وفد عبد القيس قال لهم رسول الله - ﷺ -: \"أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وأن تعطوا من المَغْنَمِ الخُمْس\" (^٣).\nفعند شرح المازري لهذا الحديث أخرج الأعمال من الإيمان، حيث قال: \"ظن بعض الفقهاء أن في هذا دلالة على أن الصلاة والزكاة من الإيمان، خلافًا للمتكلمين من الأشعرية القائلين بأن ذلك ليس من الإيمان، وهذا الذي ظنه غير صحيح لاحتمال أن يكون الضمير في قوله: ثم فسرها لهم، عائدًا على الأربع لا على الإيمان كما ظن هذا الظان، ويحتمل في الحديث الثاني من أن يكون قوله \"وإقام الصلاة\" محطوفًا أيضًا على الأربع\" (^٤).\nوأوَّل كل ما جاء في إطلاق الإيمان على الأعمال فقال عند شرحه\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٤٤٢).\n(^٢) المعلم (١/ ٢١٠).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب الإيمان باب أداء الخمس من الإيمان ح/ ٥٣ (١/ ١٥٧)، ومسلم في كتاب الإيمان باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله - ﷺ - وشرائع الدين والدعاء إليه والسؤال عنه وحفظه وتبليغه لمن لم يبلغه ح/ ١٧ (١/ ٢٩٤).\n(^٤) المعلم (١/ ١٩١).","vol":"1","page":139},{"text":"لحديث \"الحياء من الإيمان\" (^١).\n\"إنما كان الحياء - وهو في الأكثر غريزة - من الإيمان الذي هو اكتساب؛ لأن الحياء يمنع من المعصية، كما يمنع الإيمان منه\" (^٢).\nوعند شرحه لحديث: \"الطُّهُور شطرُ الإيمان\" (^٣). قال: \"يحتمل هذا الحديث وجهين: أحدهما: أن يكون المراد بقوله \"شطر الإيمان\" أي أنه ينتهي تضعيف الأجر فيه إلى أجر الإيمان من غير تضعيف، وهذا كأحد التأويلات في قوله - ﷺ -: \"إن قل هو الله أحد تعدلُ ثُلُث القُرآن\" (^٤). والوجه الثاني: أن يكون معنى شطر الإيمان: أن الإيمان يَجُبُّ ما قبله من الآثار، وقد أخبر - ﵇ - أن الوضوء أيضًا تذهب عن الإنسان به الخطايا؛ إلَّا أنه قد قام الدليل أن الوضوء لا يصح الانتفاع به، إلَّا مع مضامة الإيمان له، فكأنه لم يحصل به رفع الإثم إلَّا مع شيء ثان. ولما كان الإيمان يمحو الآثام المتقدمة عليه بانفراده صار الطهور في التشبيه كأنه على الشطر منه\" (^٥).\nولا شك أن المذهب الحق ما قاله جماهير العلماء من أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعملٌ بالجوارح.\nقال البغوي: \"اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان ... وقالوا إن الإيمان قولٌ وعملٌ\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب الإيمان باب الحياء من الإيمان ح (١٢٤، ١/ ٩٣). ومسلم في كتاب الإيمان باب عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء، وكونه من الإيمان ح (٣٦، ٢/ ٣٦٤).\n(^٢) المعلم (١/ ١٩٦).\n(^٣) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة باب فضل الوضوء ح/ ٢٢٣، (٣/ ١٠١).\n(^٤) رواه ابن ماجة في كتاب الأدب باب ثواب القرآن، والترمذي في أبواب فضائل القرآن باب ما جاء في سورة الإخلاص، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة (٢/ ٣١٦).\n(^٥) المعلم (١/ ٢٣٢).","vol":"1","page":140},{"text":"وعقيدة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية\" (^١).\nوقال الآجري (^٢): \"اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه علماء المسلمين: أن الإيمان واجب على جميع الخلق وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح\" (^٣).\nوذكر اللالكائي (^٤) روايات كثيرة عن النبي - ﷺ -، وعن الصحابة والتابعين، والسلف الصالح في هذا الباب (^٥).\nوقال البخاري: \"كتبت عن ألف نفر من العلماء وزيادة، ولم أكتب إلَّا عن من قال الإيمان: قول وعمل\" (^٦).\nوقال ابن عبد البر: \"أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قولٌ وعملٌ، ولا عمل إلَّا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان\" (^٧).\nولذا أصبح هذا القول من سمات أهل السنة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ولهذا كان القول: إن الإيمان قول وعمل عند أهل السنة من شعائر السنة وحكى غير واحد الإجماع على\n_________\n(^١) شرح السنة للبغوي (١/ ٤٤).\n(^٢) أبو بكر محمد بن الحسين الآجري الإمام المحدث صاحب سنة واتباع له عدة مصنفات توفي سنة (٣٦٠ هـ). طبقات الحفاظ ص (٣٩٥) ترجمة (٨٥٨)، وصفة الصفوة (٢/ ٤٧٠).\n(^٣) الشريعة للآجري (٢/ ٦١١).\n(^٤) هبة الله بن الحسن اللالكائي الحافظ له عدة مصنفات أشهرها وأنفعها كتاب \"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة\" توفي سنة (٤١٨ هـ) سير أعلام النبلاء (١٧/ ٤١٩). طبقات الحفاظ ص (٤٣٨) ترجمة (٩٥٣).\n(^٥) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤/ ٩١١) فما بعدها.\n(^٦) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٥/ ٩٥٩).\n(^٧) التمهيد لابن عبد البر (٩/ ٢٣٨).","vol":"1","page":141},{"text":"ذلك\" (^١).\nواستدلوا على ما ذهبوا إليه بأدلة من الكتاب والسنة، منها:\nمن الكتاب:\n- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ (^٢).\n- وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^٣).\nوثبت في صحيح البخاري أن هذه الآية نزلت في الذين ماتوا قبل أن تحوَّل القبلة (^٤)، والمقصود ما كان الله ليضيع صلاتكم، فسمى الصلاة إيمانًا.\n- وقوله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ (^٥).\nقال القاسم بن سلَّام (^٦) - بعد ذكره لهذه الآيات -: \"أفلست تراه\n_________\n(^١) الإيمان لابن تيمية ص (٢٤١) وانظر ص (٢٤٢) فقد نقل عن القاسم بن سلَّام أسماء كثير من الذين يقولون الإيمان قول وعمل.\n(^٢) سورة الأنفال، الآيات: ٢ - ٤.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.\n(^٤) صحيح البخاري \"كتاب الإيمان\" باب الصلاة من الإيمان ح/ ٤٠، (١/ ١١٨).\n(^٥) سورة العنكبوت، الآيات: ١ - ١٠.\n(^٦) هو القاسم بن سلَّام البغدادي أبو عبيد الإمام الشهير توفي سنة (٢٢٤ هـ). صفة =","vol":"1","page":142},{"text":"﵎ قد امتحنهم بتصديق القول بالفعل، ولم يكتف منهم بالإقرار دون العمل، حتى جعل أحدهما من الآخر\" (^١).\nوأما من السنة فأحاديث كثيرة منها: حديث وفد عبد القيس (^٢).\n- وقوله - ﷺ -: \"الإيمان بضعٌ وسبعُون أو بضعُ وستُّون شعبة فأفضلها قول لا إله إلَّا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبةٌ من الإيمان\" (^٣).\n- وقوله - ﷺ -: \"الطُّهور شطرُ الإيمان\" (^٤). وغيرها من الأدلة.\nوبهذا يتبين لنا أن ما ذهب إليه السلف هو الحق الذي أيَّدته النُّصوص من الكتاب والسنة.\nسُئِلَ سهل بن عبد الله التستري (^٥) عن الإيمان ما هو؟ فقال: \"قول ونية وسنة؛ لأن الإيمان إذا كان قولًا بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولًا وعملًا بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولًا وعملًا ونية بلا سنة فهو بدعة\" (^٦).\nوأما ما استدل به المرجئة من الأشاعرة وغيرهم، فهو كما يلي:\nأولًا: أن الإيمان في اللغة هو التصديق، وقد أبقاه الشرع على ما كان، وما روي نقله. وذكر الباقلاني (^٧) الإجماع على ذلك، حيث قال:\n_________\n= الصفوة (٤/ ١٣٠)، تهذيب التهذيب (٣/ ٤١٠).\n(^١) الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام ص (٦٦).\n(^٢) سبق تخريجه ص (١٣٩).\n(^٣) سبق تخريجه ص (١٤٠).\n(^٤) سبق تخريجه ص (١٤٠).\n(^٥) سهل بن عبد الله التستري الزاهد العابد محدث له كتاب في ذم الكلام توفي سنة (٢٨٣ هـ). صفة الصفوة (٤/ ٦٤)، طبقات الصوفية للسلمي ص (٢٠٦).\n(^٦) الفتاوى لابن تيمية (٧/ ١٧١).\n(^٧) هو أبو بكر محمد بن الطيب البغدادي المشهور بالباقلاني متكلم أشعري مكثر من التصنيف توفي في بغداد سنة (٤٠٣ هـ). البداية والنهاية (١١/ ٣٧٣)، الديباج المذهب ص (٣٦٣).","vol":"1","page":143},{"text":"فإن قالوا: فأخبرونا ما الإيمان عندكم؟ قيل: الإيمان هو التصديق بالله، وهو العلم. والتصديق يوجد بالقلب! فإن قال: فما الدليل على ما قلتم؟ قيل: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن وبعثة النبي - ﷺ - هو التصديق. لا يعرفون في اللغة إيمانًا غير ذلك، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (^١) أي بمصدق لنا، ومنه قولهم: فلان يؤمن بالشفاعة، وفلان لا يؤمن بعذاب القبر، أي: لا يصدق بذلك، فوجب أن الإيمان في الشريعة هو الإيمان المعروف في اللغة؛ لأن الله ما غير اللسان العربي ولا قلبه\" (^٢).\nثانيًا: ما ورد من آيات وأحاديث تدل على أن الإيمان في القلب كقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (^٣). وقوله - ﷺ - لأسامة بن زيد: \"أفلا شَقَقْتَ عن قَلْبِهِ\" (^٤).\nثالثًا: إن الله فرَّق بين الإيمَان والعمل في أكثر من موضع، منها قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ (^٥). والعطف يقتضي المغايرة.\nقال شيخ الإسلام في الرد عليهم بعد نقله لكلام الباقلَّاني السابق: \"هذا عمدة من نصر قول الجهمية في مسألة الإيمان، وللجمهور من أهل السنة وغيرهم عن هذا أجوبة.\n_________\n(^١) سورة يوسف، الآية: ١٧.\n(^٢) التمهيد للباقلاني ص (٣٨٩)، وانظر: الإنصاف للباقلاني ص (٥٥)، والفتاوى لابن تيمية (٧/ ١٢٢).\n(^٣) سورة النحل، الآية: ١٠٦.\n(^٤) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلَّا الله، ح/ ٩٦، (٢/ ٤٦٢).\n(^٥) سوة العصر، الآية: ٣.","vol":"1","page":144},{"text":"أحدهما: قول من ينازعه في أن الإيمان في اللغة مرادف للتصديق ويقول هو بمعنى الإقرار وغيره.\nالثاني: قول من يقول: وإن كان في اللغة هو التصديق فالتصديق يكون بالقلب واللسان وسائر الجوارح، كما قال النبي - ﷺ -: \"والفرْجُ يُصدِّقُ ذلك أو يُكذِّبهُ\" (^١).\nوالثالث: أن يقال: ليس هو مطلق التصديق بل هو تصديق خاص مقيَّد بقيود اتصل اللفظ بها، وليس هذا نقلًا للفظ، ولا تغييرًا له، فإن الله لم يأمرنا بإيمان مطلق، بل بإيمان خاص، وصفه وبيَّنه.\nوالرابع: أن يقال: وإن كان هو التصديق، فالتصديق التام القائم بالقلب مستلزم لما وجب من أعمال القلب والجوارح، فإن هذه لوازم الإيمان التام، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم، ونقول: أن هذه اللوازم تدخل في مسمى اللفظ تارة، وتخرج عنه أخرى.\nالخامس: قول من يقول: إن اللفظ باقٍ على معناه في اللغة، ولكن الشارع زاد فيه أحكامًا.\nالسادس: قول من يقول: إن الشارع استعمله في معناه المجازي، فهو حقيقة شرعية مجاز لغوي.\nالسابع: قول من يقول: إنه منقول. فهذه سبعة أقوال:\nالأول: قول من ينازع في أن معناه في اللغة التصديق، ويقول: ليس هو التصديق بل بمعنى الإقرار وغيره.\nقوله: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن هو التصديق، فيقال له: من نقل هذا الإجماع؟ ومن أين يعلم هذا الإجماع؟\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان باب زنا الجوارح دون الفرج ح/ ٦٢٤٣ (١١/ ٢٨)، ومسلم في كتاب القدر باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره ح/ ٢٦٥٧، (١٦/ ٤٤٥).","vol":"1","page":145},{"text":"وفي أي كتاب ذُكِرَ هذا الإجماع؟ .\nالثاني: أن يُقال: أتعني بأهل اللغة، نقلتها، كأبي عمرو (^١)، والأصمعي (^٢)، والخليل (^٣)، ونحوهم، أو المتكلمين بها؟ فإن عنيت الأول فهؤلاء لا ينقلون كل ما كان قبل الإسلام بإسناد، وإنما ينقلون ما سمعوه من العرب في زمانهم، وما سمعوه في دواوين الشعر، وكلام العرب، وغير ذلك بالإسناد، ولا نعلم فيما نقلوه لفظ الإيمان، فضلًا عن أن يكونوا أجمعوا عليه، وإن عنيت المتكلمين بهذا اللفظ قبل الإسلام، فهؤلاء لم نشهدهم ولا نقل لنا أحدٌ عنهم ذلك.\nالثالث: أنه لا يعرف عن هؤلاء جميعهم أنهم قالوا: الإيمان في اللغة هو التصديق، بل ولا عن بعضهم، وإن قدر أنه قاله واحد واثنان فليس هذا إجماعًا.\nالرابع: أن يقال: هؤلاء لا ينقلون عن العرب أنهم قالوا: معنى هذا اللفظ كذا وكذا، وإنما ينقلون الكلام المسموع من العرب، وأنه يفهم منه كذا وكذا، وحينئذ فلو قدر أنهم نقلوا كلامًا عن العرب يفهم منه أن الإيمان هو التصديق لم يكن ذلك أبلغ من نقل المسلمين كافة القرآن عن النبي - ﷺ -، وإذا كان مع ذلك قد يظن بعضهم أنه أُريد به معنى لم يرده، فظن هؤلاء ذلك فيما ينقلونه عن العرب أولى.\n_________\n(^١) هو أبو عمرو بن العلاء المازني النحوي المقريء كان من أعلم الناس بالقرآن والعربية والشعر، توفي سنة (١٥٤ هـ). سير أعلام النبلاء (٦/ ٤٠٧)، تهذيب التهذيب (٤/ ٥٦١).\n(^٢) عبد الملك بن قريب الباهلي المعرف بالأصمعي أديب لغوي، نحوي، أصولي، له عدة مصنفات، منها: \"نوادر الأعراب\"، \"الأصمعيات\" وغيرها، توفي بالبصرة سنة (٢١٦ هـ). تاريخ دمشق (٣٧/ ٥٥)، تهذيب التهذيب (٢/ ٦٢٢).\n(^٣) هو الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري إمام مقدم في العربية، وهو منشيء علم العروض توفي سنة (١٧٠ هـ). تهذيب التهذيب (١/ ٥٥٢). البداية والنهاية (١٠/ ١٦٦).","vol":"1","page":146},{"text":"الخامس: أنه لو قُدِّر أنهم قالوا هذا، فهم آحاد لا يثبت بنقلهم التواتر، والتواتر من شرطه استواء الطرفين والواسطة، وأين التواتر الموجود عن العرب قاطبة قبل نزول القرآن إنهم كانوا لا يعرفون للإيمان معنى غير التصديق (^١)؟\nالسادس: أنه لم يذكر شاهدًا من كلام العرب على ما ادعاه عليهم، وإنما استدل من غير القرآن بقول الناس: فلان يؤمن بالشفاعة، وفلان يؤمن بعذاب القبر، ومعلوم أن هذا ليس من ألفاظ العرب قبل نزول القرآن، بل هو مما تكلم الناس به بعد عصر الصحابة، ومن قال ذلك فليس مراده التصديق بما يرجى ويخاف بدون خوف ولا رجاء، بل يصدق بعذاب القبر ويخافه، ويصدق بالشفاعة ويرجوها، وإلَّا لو صدق بأنه يعذب في قبره ولم يكن في قلبه خوف من ذلك أصلًا لم يسموه مؤمنًا به، كما لا يسمون إبليس مؤمنًا بالله، وإن كان مصدقًا بوجوده وربوبيته. وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (^٢) ليس في الآية ما يدل على أن المصدق مرادف للمؤمن، فإن صحة هذا المعنى بأحد اللفظين لا يدل على أنه مرادف للآخر. ولو فرض أن الإيمان في اللغة التصديق فمعلوم أن الإيمان ليس هو التصديق بكل شيء بل بشيء مخصوص، فيكون الإيمان في كلام الشارع أخصَّ من الإيمان في اللغة\" (^٣).\nوأما استدلالهم الثاني، فهذه النصوص التي ذكروها لا تنفي وجود الإيمان في غير القلب، وقد جاءت نصوص أخرى تدل على أن الإيمان باللسان والجوارح أيضًا.\n_________\n(^١) الفتاوى (٧/ ١٢٢، ١٢٣، ١٢٤).\n(^٢) سورة يوسف، الآية: ١٧.\n(^٣) الفتاوى (٧/ ١٢٥، ١٢٦) بتصرف.","vol":"1","page":147},{"text":"وأما قولهم أن الله فرق بين الإيمان والعمل، فعطف العمل على الإيمان والعطف يقتضي المغايرة.\nفيقال: إن العطف بين شيئين يعني نوع مغايرة كالمغايرة بين الكل والجزء والخاص والعام والمطلق والمقيد، فيجوز عطف الأعمال على الإيمان؛ لأن الإيمان كلٌّ والأعمال جزءُ منه فيكون من باب عطف الخاص على العام كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ (^١).\nومن المعلوم قطعًا أن جبريل وميكال من جنس الملائكة وكقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (^٢) وغيرها (^٣)، فاستدلالهم بالعطف على إخراج الأعمال لا يسلم لهم.\nوأمَّا قولهم إن تسمية الأعمال إيمانًا من باب المجاز، فقد رد عليهم في ذلك شيخ الإسلام بكلامٍ يطول ذكره، أذكر منه قوله: \"إن القول بالمجاز كلامٌ مبتدع لم يتكلم به السلف من الصحابة والتابعين، بل ولا أحد الأئمة المشهورين بالعلم كمالك والثوري (^٤)، والأوزاعي (^٥)، وأبي حنيفة، والشافعي، بل ولا تكلم به أئمة اللغة كالخليل وسيبويه (^٦)، وأبي\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٩٨.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.\n(^٣) انظر مسائل الإيمان لأبي يعلى ص (٢٤١) والفتاوى لابن تيمية (٧/ ١٧٩).\n(^٤) هو سفيان بن سعد بن مسروق الثوري، ثقة، حافظ، فقيه، من أعلام القرن الثاني، ورعًا، فقيهًا، زاهدًا، توفي سنة (١٦١ هـ). حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصبهانيّ (٦/ ٣٥٦)، تهذيب التهذيب (٢/ ٥٦).\n(^٥) أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي إمام أهل الشام وأحد الأئمة الأعلام المشهورين توفي سنة (١٥٧ هـ). حلية الأولياء (٦/ ١٣٥)، صفة الصفوة (٤/ ٢٥٥).\n(^٦) هو عمرو بن عثمان الملقب بسيبويه، إمام النحو المقدم فيه، طلب الفقه والحديث في بداية =","vol":"1","page":148},{"text":"عمرو بن العلاء ونحوهم. أول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز أبو عبيد معمر بن المثنى (^١)، ولكن لم يعن في مجازه ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عني بمجاز الآية ما يعبر به عن الآية .. فهذا اصطلاح حادث، والغالب أنه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين، فإنه لا يوجد هذا في كلام أحد من أهل الفقه والأصول والتفسير والحديث ونحوهم من السلف إلَّا في كلام أحمد بن حنبل، ولم يرد بذلك أن للفظ استعمالًا في غير ما وضع له، وعلى فرض صحة التقسيم إلى حقيقة ومجاز فهو لا ينفعكم بل هو عليكم لا لكم؛ لأن الحقيقة هي اللفظ الذي يدل بإطلاقه بلا قرينة، والمجاز إنما يدل بقرينة، وقد تبين أن لفظ الإيمان حيث أطلق في الكتاب والسنة دخلت فيه الأعمال\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>المطلب الثالث: الاستثناء في الإيمان:</span>\nاختلف الناس في الاستثناء في الإيمان، أي قول العبد أنا مؤمن إن شاء الله، أو غير ذلك من العبارات الدالة على الاستثناء على ثلاثة أقوال:\nالأول: من منع الاستثناء وحرَّمه وقال أنه يقتضي الشك، ومن تردد في تحقيق الإيمان لم يكن مؤمنًا. بل ذهب بعضهم إلى تكفير من قال بالاستثناء (^٣). وقال بهذا الماتريدية ومن وافقهم. وهذا عائد على تعريف الإيمان عندهم بأنه التصديق والإقرار.\nوقد ردَّ عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية وبيَّن فساد قولهم هذا في كلام\n_________\n= عمره، ثم توجه إلى العربية فصار أعلم الناس بها، توفي سنة (١٨٠ هـ). البداية والنهاية (١٠/ ٧٤). سير أعلام النبلاء (٨/ ٣٥١).\n(^١) معمر بن المثنى التيمي البصري الإمام النحوي، صاحب التصانيف توفي سنة (٢٠٩ هـ). تهذيب التهذيب (٤/ ١٢٦)، تاريخ دمشق (٥٩/ ٤٢٣).\n(^٢) الفتاوى (٧/ ٨٨، ٨٩، ١١٦) بتصرف.\n(^٣) زيادة الإيمان ونقصانه للدكتور عبد الرزاق العباد ص (٥١٩).","vol":"1","page":149},{"text":"يطول ذكره (^١).\nالثاني: من قال بضد القول السابق، إذ أوجب الاستثناء في الإيمان، وهم الأشاعرة والكلابية. إذ الإيمان عندهم هو ما يموت عليه الإنسان، فالإيمان والكفر عندهم باعتبار الموافاة، وحملوا النصوص التي جاءت عن السلف في الاستثناء على ذلك.\nالثالث: من قال بجواز الاستثناء وعدمه، فلم يحرمه مطلقًا، ولم يوجبه مطلقًا. فأجازوه باعتبار، ومنعوه باعتبار آخر. أجازوه خوف تزكية النفس، ولدخول الأعمال في الإيمان والتقصير فيها ظاهر (^٢). ومنعوه إذا أراد المستثني الشك في أصل إيمانه وهذا هو مذهب السلف. وقد ورد عن السلف نصوص تدل على الاستثناء وعدمه، فمن استثنى قصد به الإيمان التام الكامل المقبول عند الله تعالى، ومن لم يستثق قصد الإيمان الباطن الذي هو أصل الإيمان وأساسه، وهذا لا استثناء فيه.\nفقد سأل رجلٌ الحسن البصري (^٣) عن الإيمان، فقال: الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب، فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ (^٤) فوالله ما أدري أنا منهم أم لا (^٥).\n_________\n(^١) الفتاوى (١٣/ ٤١).\n(^٢) انظر السنة للخلال (٣/ ٦٠٠)، والفتاوى لابن تيمية (٧/ ٤٩٦).\n(^٣) هو الحسن بن أبي الحسن يسار البصري إمام التابعين الفقيه الزاهد والعلم الشهير، كان ينطق بالحكمة توفي سنة (١١٠ هـ). تهذيب التهذيب (١/ ٣٨٨)، صفة الصفوة (٣/ ٢٣٣).\n(^٤) سورة الأنفال، الآيات: ٢ - ٤.\n(^٥) شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٨٦).","vol":"1","page":150},{"text":"وقال شيخ الإسلام: ولهذا كان الصحيح أنه يجوز أن يقول: أنا مؤمن بلا استثناء إذا أراد ذلك -أي أصل الإيمان- لكن ينبغي أن يقرن كلامه بما يبين أنه لم يرد الإيمان المطلق، ولهذا كان أحمد يكره أن يجيب على المطلق بلا استثناء يقدمه (^١).\nوقال أيضًا: والقول الثالث أوسطها وأعدلها أنه يجوز الاستثناء باعتبار وتركه باعتبار، فإن كان مقصوده أني لا أعلم أني قائم بكل ما أوجب الله عليَّ وأنه يقبل أعمالي ليس مقصوده الشك فيما في قلبه فهذا استثناؤه حسن وقصده ألَّا يزكي نفسه (^٢).\nوالمذهب الحق في ذلك هو ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن الاستثناء الذي ورد عن السلف باعتبار عدم قيام الإنسان بسائر الأعمال التي أمر الله تعالى بها وتقصيره في ذلك، لا باعتبار عدم علمه بالمستقبل وما يموت عليه.\nوقد ذهب عامة الأشاعرة إلى وجوب الاستثناء باعتبار أن الإيمان عندهم هو ما مات عليه الإنسان، فيكون مؤمنًا أو كافرًا، باعتبار الموافاة فهو يستثني لأنه لا يعلم ما يموت عليه. قال الجويني: \"فإن قيل: قد أثر عن سلفكم ربط الإيمان بالمشيئة، وكان إذا سئل الواحد منهم عن إيمانه قال إنه مؤمن إن شاء الله، فما محصول ذلك؟ قلنا: الإيمان ثابت في الحال قطعًا لا شك فيه، ولكن الإيمان الذي هو علم الفوز وآية النجاة إيمان الموافاة، فاعتنى السلف به، وقرنوه بالمشيئة، ولم يقصدوا التشكك في الإيمان الناجز\" (^٣).\n_________\n(^١) الفتاوى (٧/ ٤٤٩).\n(^٢) المرجع السابق (١٣/ ٤١).\n(^٣) الإرشاد للجويني ص (٣٣٦).","vol":"1","page":151},{"text":"وعليه فقد قرر القرطبي أن المسألة خلافية، ثم بيَّن أن القول الصحيح جواز الاستثناء وعدمه -وهو الحق- ولكنه لم يعلل الاستثناء بتعليل السلف، وهو عدم قيامه بكامل الأعمال التي أمر بها والخوف من التقصير فيها، إنما علل بتعليل الأشاعرة أي بالموافاة حيث قال: \"وفيه حجة لمن يقول: \"أنا مؤمن\" بغير استثناء، وهي مسألة اختلف فيها السلف، فمنهم المجيز والمانع، وسبب الخلاف النظر إلى الحال، أو إلى المآل، فمن منع خاف من حصول شك في الحال، أو تزكية، ومن أجاز صرف الاستثناء إلى الاستقبال، وهو غيب في الحال إذ لا يدري بما يختم له، والصواب الجواز إذا أمن الشك والتزكية، فإنه تفويض إلى الله تعالى\" (^١).\nوقد رد شيخ الإسلام هذا التعليل، وبيَّن أنه ليس من مذهب السلف، حيث قال: \"وأمَّا الموافاة فما علمت أحدًا من السلف علل بها الاستثناء، ولكن كثيرًا من المتأخرين يعلل بها من أصحاب الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم، كما يعلل بها نظارهم كأبي الحسن الأشعري، وأكثر أصحابه، ولكن ليس هذا قول سلف أصحاب الحديث\" (^٢).\nوقال أيضًا: لما اشتهر عند هؤلاء أن السلف يستثنون في الإيمان ورأوا أن هذا لا يمكن إلَّا إذا جعل الإيمان هو ما يموت العبد عليه، وهو ما يوافي به العبد ربه، ظنوا أن الإيمان عند السلف هو هذا، فصاروا يحكون هذا عن السلف، وهذا القول لم يقل به أحد من السلف، ولكن هؤلاء حكوه عنهم بحسب ظنهم\" (^٣).\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٣٦٦).\n(^٢) الفتاوى (٧/ ٤٣٩).\n(^٣) الفتاوى (٧/ ٤٣٦).","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>المبحث الثاني الإيمان والإسلام</span>\nاختلف العلماء في الإسلام والإيمان، والعلاقة بينهما، فهل هما بمعنى واحد، أي الأسماء من باب الترادف أم لا؟ . على أقوالٍ:\nالقول الأول:\nمن قال إنهما بمعنى واحد، فهما مترادفان، فيطلق كل منها على الآخر، واستدلوا بأدلة من الكتاب والسنة، منها:\n١ - أن الله -﷾- سمى الإسلام بما سمى به الإيمان، وسمى الإيمان بما سمَّى به الإسلام، وذلك كقول ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ (^٣).\n٢ - قول النبي - ﷺ - لوفد عبد القيس بعد أن أمرهم بالإيمان بالله وحده \"أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم\" (^٤).\nوممن قال بهذ القول الإمام البخاري إذ بوب في صحيحه في كتاب\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٩.\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ١٢٥.\n(^٣) سورة الذاريات، الآية: ٣٥، ٣٦.\n(^٤) سبق تخريجه ص (١٣٩).","vol":"1","page":153},{"text":"الإيمان ما يدل على قوله بهذا (^١). ومحمد بن نصر المروزي (^٢)، وابن عبد البر وابن منده (^٣)، وابن حزم وغيرهم. وقد بوَّب ابن منده في كتابه \"الإيمان\" فقال: ذكر الأخبار الدالة والبيان الواضح من الكتاب أن الإيمان والإسلام اسمان لمعنى واحد (^٤).\nوقال ابن عبد البر: وعلى القول بأن الإيمان هو الإسلام جمهور أصحابنا وغيرهم من الشافعيين والمالكيين وهو قول داود وأصحابه، وأكثر أهل السنة والنظر المتبعين للسلف والأثر (^٥).\nوقال المروزي: وقالت طائفة وهم الجمهور الأعظم من أهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث أن الإيمان الذي دعا الله العباد إليه وافترضه عليهم هو الإسلام الذي جعله دينًا وارتضاه لعباده ودعاهم إليه (^٦).\nالقول الثاني:\nمن فرَّق بين الإسلام والإيمان، واستدلوا على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة، منها:\n- قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا\n_________\n(^١) كتاب الإيمان باب (٣٧) فتح الباري (١/ ١٤٠).\n(^٢) هو محمد بن نصر المروزي الإمام الفقيه، الحافظ، إمام أهل الحديث في عصره، من تصانيفه: \"تعظيم قدر الصلاة\" و\"القسامة\"، توفي سنة (٢٩٤ هـ) تهذيب التهذيب (٣/ ٧١٧)، صفة الصفوة (٤/ ١٤٧).\n(^٣) محمد بن إسحاق بن محمد بن منده الإمام الحافظ محدث الإسلام كان من أوسع العلماء رحلة، وأكثرهم حديثًا وشيوخًا توفي سنة (٣٩٥ هـ). سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٨)، تاريخ دمشق (٥٢/ ٢٩).\n(^٤) الإيمان لابن منده (١/ ٣٢١).\n(^٥) التمهيد (٩/ ٢٥٠).\n(^٦) تعظيم قدر الصلاة للمروزي (٢/ ٥٢٩).","vol":"1","page":154},{"text":"يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (^١).\nوقالوا: إن هؤلاء ليسوا بمنافقين، إنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (^٢).\n- من السنة: ما ورد عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه سعد \"أن رسول الله - ﷺ - أعطى رهطًا وسعدٌ جالسٌ فيهم، قال سعدُ: فتركَ رسُول الله - ﷺ - منهم من لم يُعطه، وهو أعجبهم إليَّ، فقلتُ: يارسول الله ما لكَ عن فُلان؟ فوالله إنى لأرَاهُ مؤمنًا، فقال رسول الله - ﷺ -: أو مُسلمًا\" (^٣).\nوحديث جبريل -﵇- حينما سأل الرسول - ﷺ - عن الإيمان والإسلام، فاختلفت الإجابة (^٤).\nوممن قال بهذا ابن عباس والحسن وابن سيرين (^٥)، والزهري (^٦)، والإمام أحمد، وغيرهم.\nقال الزهري: \"الإسلام الكلمة والإيمان العمل\" (^٧).\n_________\n(^١) سورة الحجرات، الآية: ١٤.\n(^٢) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة ج (٢٧)، (١/ ٩٩)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب تألف من يخاف على إيمانه لضعفه ح/ ١٥٠، (٢/ ٥٣٩).\n(^٤) سبق تخريجه (ص ١٣٧).\n(^٥) أبو بكر محمد بن سيرين البصري مولى أنس بن مالك ﵁، من أئمة التابعين، كان ثقة، ثبتًا، عالمًا، توفي بالبصرة سنة (١١٠ هـ)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٦٠٦)، تهذيب التهذيب (٣/ ٥٨٥).\n(^٦) محمد بن مسلم بن عبيد الله القرشي الزهري من أعلام التابعين الحفاظ متفق على جلالته وإتقانه، توفي سنة (١٢٥ هـ). حلية الأولياء (٣/ ٣٦٠)، صفة الصفوة (٢/ ١٣٦).\n(^٧) الإيمان لابن منده (١/ ٣١١).","vol":"1","page":155},{"text":"وقال عبد الملك الميموني (^١): \"سألت أحمد بن حنبل: أتفرق بين الإيمان والإسلام، فقال لي: نعم، قلت بأي شيء تحتج؟ فقال لي: قال الله ﷿: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (^٢) قال: وأقول أنا مؤمن إن شاء الله، وأقول أنا مسلم ولا أستثني\" (^٣).\nالقول الثالث:\nإن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا دلَّ كلٌّ منهما على معنى يختلف عن الآخر، وإذا افترقا دلَّ كل منهما على ما يدل عليه الآخر، فإذا اجتمعا فيفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالأعمال القلبية. واستدلوا على ذلك بالأدلة السابقة في القول الثاني، ولكنهم زادوا على القول السابق بهذا التفصيل.\nوممَّن قال بهذا أبو بكر الإسماعيلي (^٤) والخطابي (^٥)، وابن رجب، وابن تيمية وغيرهم.\nقال أبو بكر الإسماعيلي: \"قال كثير من أهل السنة والجماعة أن\n_________\n(^١) هو عبد الملك بن عبد الحميد بن ميمون بن مهران الميموني ثقة، فاضل، لازم الإمام أحمد أكثر من عشرين سنة توفي سنة (٢٧٤ هـ). سير أعلام النبلاء (١٣/ ٨٩)، تهذيب التهذيب (٣/ ٥٨٥).\n(^٢) سورة الحجرات، الآية ١٤.\n(^٣) الإيمان لابن منده (١/ ٣١١) والسنة للخلال (٣/ ٦٠٤).\n(^٤) هو أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الجرجاني أبو بكر الإسماعيلي أحد الأئمة الأعلام، توفي سنة (٣٧١). سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٩٢)، طبقات الحفاظ ص (٣٩٩)، ترجمة (٨٦٧).\n(^٥) هو حمد وقيل أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي الشافعي محدث فقيه، لغوي، من مصنفاته \"معالم السنن\" و\"شأن الدعاء\" وغيرها، توفي سنة (٣٨٨ هـ). طبقات الحفاظ ص (٤٢٠) ترجمة (٩١٧)، البداية والنهاية (١١/ ٣٤٦).","vol":"1","page":156},{"text":"الإيمان قولٌ وعمل، والإسلام فعل ما فرض الله على الإنسان أن يفعله إذا ذكر كل اسم على حدته مضمومًا إلى الآخر، فقيل: المؤمنون والمسلمون جميعًا مفردين أريد بأحدهما معنى لم يرد بالآخر، وإذا ذكر أحد الاسمين شمل الكل وعمَّهم، وقد ذكر هذا المعنى أيضًا الخطَّابي في كتابه معالم السنن وتبعه عليه جماعة من العلماء من بعده\" (^١).\nوقال ابن رجب: \"هكذا اسم الإسلام والإيمان، والاسمان إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، فإذا قرن بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده ودل الآخر على الباقي\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"إذا أُفرد كلٌّ من الإسلام والإيمان بالذكر، فلا فرق بينهما حينئذ، وإن قرن بين الاسمين كان بينهما فرق والتحقيق في الفرق بينها أن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته، والإسلام هو استسلام العبد لله، وخضوعه وانقياده له، وذلك يكون بالعمل وهو الدين\" (^٣).\nوقال ابن تيمية: \"التحقيق ابتداءً هو ما بينه النبي - ﷺ - لما سئل عن الإسلام والإيمان، ففسَّر الإسلام: بالأعمال الظاهرة، والإيمان: بالإيمان بالأصول الخمسة، فليس لنا إذا جمعنا بين الإسلام والإيمان أن نجيب بغير ما أجاب به النبي - ﷺ -، وأما إذا أفرد اسم الإيمان فإنه يتضمن الإسلام، وإذا أفرد الإسلام فقد يكون مع الإسلام مؤمنًا بلا نزاع، وهذا\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم لابن رجب ص (٣٤).\n(^٢) المرجع السابق ص (٣٤).\n(^٣) جامع العلوم والحكم ص (٣٥).","vol":"1","page":157},{"text":"هو الواجب\" (^١).\nوهذا هو الراجح، جمعًا بين الأقوال، وهو الذي قال به القرطبي، إذ يقول: \"الإيمان والإسلام حقيقتان متباينتان، لغة وشرعًا، كما دل عليه حديث جبريل هذا وغيره، وهذا هو الأصل في الأسماء المختلفة، أعني: أن يدل كل واحد منهما على خلاف ما يدل عليه الآخر، غير أنه قد توسع الشرع فيهما فأطلق اسم الإيمان على حقيقة الإسلام، كما في حديث وفد عبد القيس، وكقوله: \"الإيمان بضع وسبعون بابًا أدناها إماطة الأذى عن الطريق وأرفعها قول لا إله إلَّا الله\" (^٢) وقد أطلق الإسلام مريدًا مسمى الإسلام والإيمان بمعنى التداخل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (^٣). وقد أطلق الإيمان كذلك أيضًا، كما روي من حديث علي مرفوعًا \"الإيمان اعتقادٌ بالقلب وإقرار باللسان، وعمل بالأركان\" (^٤) \" (^٥).\nوالمازري أخذ بالقول الثاني، ففرَّق بين الإسلام والإيمان، ولكنه لم يذكر هذا التفصيل الذي قال به أصحاب القول الثالث، فعند شرحه لحديث سعد بن أبي وقَّاص الذي قال فيه: \"يا رسول الله إني لأراه مؤمنًا، قال ﵊: أو مسلمًا\" (^٦) حيث قال: \"قوله - ﷺ -: \"أو مسلمًا\" دليل على التفرقة بين الإسلام والإيمان؛ لأن الإيمان التصديق، والإسلام الاستسلام والانقياد إلى الشرائع، والإيمان شعبة من ذلك، فكل إيمانٍ إسلام، وليس كل إسلام إيمانًا؛ لأنه قد ينقاد في الظاهر وهو\n_________\n(^١) الإيمان لابن تيمية ص (٢٠٤).\n(^٢) سبق تخريجه ص (١٣٨).\n(^٣) سورة آل عمران، الآية: ١٩.\n(^٤) سبق تخريجه ص (١٣٨).\n(^٥) المفهم (١/ ١٤٠).\n(^٦) سبق تخريجه ص (١٥٥).","vol":"1","page":158},{"text":"منافق، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (^١) \" (^٢).\nوهذا الذي ذكره المازري قاله ابن الصلاح، وبيَّن أنه قول جماهير العلماء، حيث قال: \"وحققناه أن الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان، وأن لك مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا، وهذا تحقيق واف بالتوفيق بين متفرقات النصوص الواردة في الإيمان والإسلام التي طالما غلط فيها الخائضون، وما حققناه من ذلك موافق لمذاهب جماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهما\" (^٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والرد إلى الله ورسوله في مسألة الإسلام والإيمان يوجب أن كلا من الاسمين -وإن كان مسماه واجبًا- لا يستحق أحد الجنة إلَّا بأن يكون مؤمنًا مسلمًا فالحق في ذلك ما بينه النبي - ﷺ - في حديث جبريل فجعل الدين وأهله ثلاث طبقات: أولها: الإسلام، وأوسطها: الإيمان، وأعلاها: الإحسان، ومن وصل إلى العليا فقد وصل إلى التي تليها، فالمحسن مؤمن، والمؤمن مسلم، وأما المسلم فلا يجب أن يكون مؤمنًا\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة الحجرات، الآية: ١٤.\n(^٢) المعلم: ٢/ ٢٣.\n(^٣) الإيمان لابن تيمية ص (٢٨٤).\n(^٤) المرجع السابق ص (٢٨١).","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>المبحث الثالث الكبيرة وحكم مرتكبها</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر\nالمطلب الثاني: تعريف الكبيرة وتحديدها\nالمطلب الثالث: حكم مرتكبها","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>المطلب الأول: تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر:</span>\nذهب جمهور العلماء من السلف والخلف إلى أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر، كما وردت بذلك النصوص من الكتاب والسنة.\nفمن الكتاب: قوله تعالى:\n- ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ (^١).\n- وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (^٢).\nومن السنة:\n- قوله - ﷺ -: \"الصلواتُ الخمسُ، والجُمُعةُ إلى الجُمُعة، ورمضان إلى رمضان، مُكفراتٌ ما بينهُنَّ إذا اجْتنبت الكبائِرُ\" (^٣).\n- وقوله - ﷺ -: \"إن من أكبر الكبائر أن يَلْعَن الرجُلُ والديه. قالوا: يارسول الله وكيف يلعنُ الرجُلُ والديه؛ قال: يَسُبُّ الرجلُ أبا الرجلِ فيسب أباهُ ويسُب أمَّهُ فيسُب أمَّهُ\" (^٤).\nوالأحاديث في هذا كثيرة.\nوشذت طائفة فقالت: إن جميع الذنوب كبائر، وليس فيها صغائر منهم أبو إسحاق الإسفرايني (^٥)، والجويني والقشيري (^٦)، والباقلاني،\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٣١.\n(^٢) سورة النجم، الآية: ٣٢.\n(^٣) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة باب الصلوات الخمس ح (٢٣٣)، (٣/ ١١٠٩).\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب الأدب باب لا يسب الرجل والديه ح / ٥٩٧٣، (١٠/ ٤١٧)، ومسلم في كتاب الإيمان باب بيان الكبائر وأكبرها ح/ ٨٧، (٢/ ٤٤١).\n(^٥) أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفراييني المعروف بالأستاذ فقيه شافعي متكلم أشعري توفي سنة (٤١٨ هـ). سير أعلام النبلاء (١٧/ ٣٥٣)، البداية والنهاية (١٢/ ٢٦).\n(^٦) هو القاسم بن عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك الخراساني القشيري الصوفي الأشعري له كتاب \"شرح الأسماء الحسنى\" توفي سنة (٤٦٥ هـ). طبقات المفسرين للأدنه وي ص =","vol":"1","page":163},{"text":"وابن فورك (^١) وغيرهم. ونسبه بعضهم إلى الأشعرية، وحكاه القاضي عياض عن المحققين.\nقال ابن حجر: ذهب الجمهور إلى أن من الذنوب صغائر وكبائر وشذت طائفة: منهم أبو إسحاق الإسفرايني، فقال: ليس من الذنوب صغيرة، بل كل ما نهى الله عنه كبيرة، ونقل ذلك عن ابن عباس وحكاه القاضي عياض عن المحققين (^٢).\nوقال ابن حجر الهيتمي (^٣): \"اعلم أن جماعة من الأئمة أنكروا أن في الذنوب صغيرة، وقالوا: بل سائر المعاصي كبائر منهم أبو إسحاق الإسفرايني، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين في الإرشاد، وابن القشيري في المرشد، بل حكاه ابن فورك عن الأشاعرة، واختاره في تفسيره فقال: \"معاصي الله تعالى عندنا كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيره وكبيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها\" (^٤).\nوقد رد القرطبي هذا القول، ونصر القول الأول الذي عليه جماهير أهل العلم فقال: \"قد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في الكبائر ما هي، وما الفرق بينها وبين الصغائر. فروي عن ابن مسعود: أن الكبائر ما نهى الله\n_________\n= (١٢٥)، \"سير أعلام النبلاء\" (١٨/ ٢٢٧).\n(^١) محمد بن الحسن بن فورك أبو بكر الأصبهاني، فقيه، شافعي، أصولي، متكلم، أشعري، كثير التصانيف توفي سنة (٤٠٦ هـ)، طبقات المفسرين للأدنه وي ص (٩٩)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢١٤).\n(^٢) فتح الباري (١٠/ ٤٢٣).\n(^٣) أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي شهاب الدين فقيه، مشارك في أنواع من العلوم له العديد من المصنفات منها: \"تحفة المحتاج لشرح المنهاج\"، و\"الصواعق المحرقة لإخوان الابتداع والضلال والزندقة\" وغيرها، توفي سنة (٩٧٣ هـ). الأعلام (١/ ٢٣٤)، معجم المؤلفين (١/ ٢٩٣).\n(^٤) الزواجر عن اقتراف الكبائر للهيتمي (١/ ٨).","vol":"1","page":164},{"text":"عنه في أول سورة النساء إلى قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (^١). وعن الحسن: أنها كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب، أو لعنة، أو عذاب، وقيل: هي كل ما أوعد الله عليه بنار أو بحد في الدنيا، وروي عن ابن عباس أنها كل ما نهى الله عنه\" (^٢).\nثم أنكر نسبة ذلك لابن عباس وردَّه، وبين صحة تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر فقال: \"وما أظنه صحيحًا -أي النقل عن ابن عباس-؛ لأنه مخالف لما في كتاب الله من التفرقة بين المنهيات، فإنه قد فرَّق بينها في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (^٣)، وقوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (^٤) فجعل من المنهيات كبائر وصغائر، وفرَّق بينها في الحكم لمَّا جعل تكفير السيئات في الآية مشروطا باجتناب الكبائر، واستثنى اللمم من الكبائر والفواحش، فكيف يخفى هذا الفرق على مثل ابن عباس؛ وهو حبر القرآن! فتلك الرواية عن ابن عباس ضعيفة أو لا تصح\" (^٥).\nولكن الحافظ ابن حجر صحَّح هذا النقل عن ابن عباس، ولكنه وجه قوله بعد نقله لقول القرطبي السابق حيث قال: \"لكن النقل المذكور عنه أخرجه إسماعيل القاضي (^٦) والطبري (^٧) بسندِ صحيح على شرط\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٣١.\n(^٢) المفهم (١/ ٢٨٣).\n(^٣) سورة النساء، الآية: ٣١.\n(^٤) سورة النجم، الآية: ٣٢.\n(^٥) المفهم (١/ ٢٨٤).\n(^٦) إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل الأزدي المالكي، مفسر، مقريء، تولى قضاء بغداد وله عدة مصنفات منها \"أحكام القرآن\". توفي سنة (٢٨٢ هـ). الديباج المذهب ص (١٥١)، طبقات المفسرين للأدنه وي ص (٤١).\n(^٧) أبو جعفر محمد بن جرير الطبري الإمام المحدث المفسر، صاحب كتاب \"جامع البيان في =","vol":"1","page":165},{"text":"الشيخين إلى ابن عباس، فالأولى أن يكون المراد بقوله: \"ما نهى الله عنه\" محمولًا على نهي خاص، وهو الذي قرن به وعيد كما قيد في الرواية الأخرى عن ابن عباس، فيحمل مطلقه على مقيده جمعًا بين كلاميه\" (^١).\nوالقول بتقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر، والذي قال به القرطبي هو القول الصحيح الذي عليه جماهير العلماء.\nقال أبو حامد الغزالي: \"إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه\" (^٢).\nوقال النووي: \"وذهب الجماهير من السلف والخلف من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، وهو مروي أيضًا عن ابن عباس، وقد تظاهر على ذلك دلائل من الكتاب والسنة، واستعمال سلف الأمة وخلفها\" (^٣).\nوقال ابن القيم: \"وقد دلَّ القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم والأئمة على أن الذنوب كبائر وصغائر\" (^٤).\nوقال ابن حجر الهيتمي: \"وقال جمهور العلماء أن المعاصي تنقسم إلى صغائر وكبائر\" (^٥).\n_________\n= تأويل القرآن\" توفي سنة (٣١٠ هـ)، طبقات الحفاظ ص (٣٢٧)، ترجمة (٧٠٤)، طبقات المفسرين للأدنه وي ص (٤٨).\n(^١) فتح الباري (١٠/ ٤٢٤).\n(^٢) شرح مسلم للنووي (٢/ ٤٤٤).\n(^٣) المرجع السابق.\n(^٤) الجواب الكافي ص (١٧٠).\n(^٥) الزواجر (١/ ٨).","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>المطلب الثاني: تعريف الكبيرة وتحديدها:</span>\nالكبيرةُ لغة: من الكبر.\nقال ابن منظور: \"الكِبْرُ: الإثم الكبير وما وعد الله عليه النار.\nوالكِبْرَةُ كالكِبْرِ: التأنيث للمبالغة\" (^١).\n\"والكبيرةُ: الإثم الكبير المنهيّ عنه شرعًا\" (^٢).\nوالعلماء الذين قالوا بانقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر، اختلفوا في تحديد الكبيرة على قولين:\nالقول الأول:\nمنهم من حصرها في عدد معين، فقيل: ثلاث، وقيل: أربع، وقيل: سبع، وقيل: تسع، وقيل: إحدى عشرة، وقيل: سبع عشرة، وقيل: سبعون، وقيل: سبعمائة (^٣).\nولا دليل على ذلك سوى ما يرد في بعض الأحاديث من ذكر بعض هذه الأعداد.\nالقول الثاني:\nمن يرى أن الكبائر لا تحصر بعدد معين، وهذا ما ذهب إليه القرطبي إذ قال عند شرحه لحديث: \"اجْتَنِبُوا السَّبع المُوبقات\" (^٤): \"ولا\n_________\n(^١) لسان العرب، مادة كبر (٥/ ١٢٩).\n(^٢) المعجم الوسيط (٢/ ٧٧٣).\n(^٣) انظر هذه الأقوال ومن قال بها في: تفسير الطبري (٤/ ٤١)، وزاد المسير لابن الجوزي (٢/ ٤٠) والنووي في شرح مسلم (٢/ ٤٤٣)، وابن حجر في الفتح (١٢/ ١٩٠) وابن تيمية في الفتاوى (١/ ٦٥٠)، والهيتمي في الزواجر (١/ ٩).\n(^٤) رواه البخاري في كتاب الوصايا باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ ح (٢٧٦٦) (٥/ ٤٦٢)، ومسلم في كتاب =","vol":"1","page":167},{"text":"شك أن الكبائر أكثر من هذه السبع بدليل الأحاديث المذكورة في هذا الباب وغيره، ولذلك قال ابن عباس حين سئل عن الكبائر فقال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع، وفي رواية عنه هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، وعلى هذا فاقتصاره ﵇ على هذه السبع في هذا الحديث يحتمل أن يكون هي التي أعلم بها في ذلك الوقت بالوحي ثم بعد ذلك أعلم بغيرها، ويحتمل أن يكون ذلك، لأن تلك السبع هي التي دعت الحاجة إليها في ذلك الوقت، أو التي سئل عنها في ذلك الوقت، وكذلك القول في كل حديث خصَّ عددًا من الكبائر والله تعالى أعلم\" (^١).\nثم هؤلاء الذين لا يرون حصرها بموجب هذه الأحاديث بعدد معين اختلفوا في تعريفها بضابط يضبطها على أقوال:\nقيل: كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب فهو كبيرة، روي هذا عن ابن عباس، وقال به سعيد بن جبير (^٢) ومجاهد (^٣)، والحسن (^٤).\nوقيل: \"الكبائر ما كان فيه من المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما كان بينك وبين الله، وقال به سفيان الثوري\" (^٥).\n_________\n= الإيمان باب بيان الكبائر وأكبرها ح/ ٨٩، (٢/ ٤٤٤).\n(^١) المفهم (١/ ٢٨٣).\n(^٢) هو سعيد بن جبير الأسدي مولاهم الكوفي أحد أعلام التابعين قتله الحجاج سنة (٩٥ هـ) وكان الناس في أشد الحاجة إلى علمه رحمه الله تعالى. حلية الأولياء (٤/ ٢٧٢)، تهذيب التهذيب (٢/ ٩).\n(^٣) هو مجاهد بن جبر المخزومي بالولاء المكي الثقة إمام التفسير من أئمة التابعين توفي سنة (١٠١ هـ)، حلية الأولياء (٣/ ٢٧٩)، صفة الصفوة (٢/ ٢٠٨).\n(^٤) تفسير الطبري (٤/ ٤٤).\n(^٥) مدارج السالكين لابن القيم (١/ ١٤٩).","vol":"1","page":168},{"text":"وقيل: كل معصية يقدم عليها المرء من غير استشعار خوف ولا ندم كالمتهاون بارتكابها والمتجرئ عليها اعتيادًا فما أشعر بهذا الاستخفاف والتهاون فهو كبيرة. وممن قال بهذا أبو حامد الغزالي (^١).\nوقيل: كل ذنب كبر وعظم عظمًا، يصح معه أن يطلق عليه اسم الكبيرة، وَوصفَ بكونه عظيمًا على الإطلاق. وقاله ابن الصلاح (^٢).\nوقد ذكر القرطبي تعريفًا جيدًا لها إذ قال: \"كل ذنب أطلق عليه بنص كتاب أو سنة أو إجماع أنه كبيرة أو عظيم، أو أخبر فيه بشدة العقاب، أو علق عليه الحد، أو شدد عليه النكير، فهو كبيرة. وهذا الكلام في غير ما قد ورد بالنص الصريح فيه أنه كبيرة من الكبائر أو أكبر الكبائر\" (^٣).\nوقد اختار هذا التعريف الحافظ ابن حجر، وارتضاه، فقال: \"ومن أحسن التعاريف قول القرطبي في المفهم\" (^٤) ثم ساق التعريف السابق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>المطلب الثالث: حكم مرتكب الكبيرة:</span>\nأجمع أهل السنة والجماعة على أن مرتكب الكبيرة الغير مستحل لها لا يكفر بذلك، بل ينقص إيمانه ولا يذهب بالكلية، بل يقولون مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.\nوالنصوص من الكتاب والسنة قد تضافرت على ذلك.\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ (^٥).\n_________\n(^١) شرح مسلم للنووي (٢/ ٤٤٤).\n(^٢) المرجع السابق (٢/ ٤٤٥).\n(^٣) المفهم (١/ ٢٨٣).\n(^٤) فتح الباري (١٢/ ١٩).\n(^٥) سورة النساء، الآية: ٤٨.","vol":"1","page":169},{"text":"قال ابن جرير: \"وقد أبانت الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرته شركًا بالله\" (^١).\nوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (^٢).\nوقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (^٣).\nقال السعدي (^٤): \"الإيمان والأخوة الإيمانية لا يزولان مع وجود الاقتتال كغيره من الذنوب الكبائر التي دون الشرك وعلى ذلك مذهب أهل السنة والجماعة\" (^٥).\nومن السنة: قوله - ﷺ - في حديث عبادة بن الصامت -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال وحوله عصابة من أصحابه: \"بايعوني على أن لا تُشْركوِا بالله شيئًا، ولا تسْرِقوا ولا تَزْنُوا ولا تَقْتلُوا أولادَكُم ولا تأتوا ببهتانٍ تفترونهُ بين أيديكم وأرجُلِكُم ولا تعصُوا في معرُوف، فمنْ وفَّى منكُم فأجْرُهُ على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعُوقِب في الدنيا فهو كفَّارةٌ له، وإن أصابَ من ذلك شيئًا ثم سَتَرَهُ الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنهُ وإن شاء\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٤/ ١٢٩).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٧٨.\n(^٣) سورة الحجرات الآية: ٩.\n(^٤) الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي أحد أعلام القرن الرابع عشر الهجري، له \"تفسير القرآن\" \"والقول السديد في مقاصد التوحيد\" وغيرها من المصنفات التي زادت على أربعين مصنفًا توفي في عنيزة بالقصيم سنة (٣٧٦ اهـ) معجم المؤلفين (١/ ١٢٢)، الأعلام (٣/ ٣٤٠).\n(^٥) تفسير السعدي ص (٨٧٩).","vol":"1","page":170},{"text":"عاقبهُ\" فبايعناه على ذلك (^١).\nوحديث أبي ذر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثُمَّ مات على ذلك إلا دخل الجنة قلتُ: وإن زَنَى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرَق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق على رغم أنْفِ أبي ذرٍّ\" (^٢).\nوالأحاديث في هذا الباب كثيرة، وهذا هو الذي عليه جماهير العلماء خلافًا للمبتدعة من الخوارج الذين قالوا بكفر مرتكب الكبيرة والمعتزلة الذين جعلوه في الدنيا بمنزلة بين المنزلتين، فليس بمؤمن ولا كافر، وفي الآخرة خالد مخلد في جهنم، والمرجئة الخالصة الذين قالوا لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة.\nقال الطحاوي (^٣): \"ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله\" (^٤).\nوقال الإمام أحمد: \"والكف عن أهل القبلة ولا تكفر أحد منهم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الإيمان باب بايعوا على أن لا تشركوا بالله شيئًا ح / ١٨ (١/ ٨١).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز باب من كان آخر كلامه لا إله إلا الله ح (١٢٣٧)، (٣/ ١٣٢) واللفظ من كتاب اللباس باب الثياب البيض ح (٥٨٢٧)، (٢٩٤١٠) ومسلم في كتاب الإيمان باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ح (٩٢)، (٢/ ٤٥٢).\n(^٣) أحمد بن محمد الطحاوي الحنفي أبو جعفر إمام حافظ، له عدة مصنفات، منها: \"معاني الآثار\"، وشرح مشكل الآثار\" وغيرها. توفي سنة (٣٢٢ هـ). سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٧)، طبقات الحفاظ ص (٣٥٥)، ترجمة (٧٦٨).\n(^٤) الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز (٢/ ٤٣٢).","vol":"1","page":171},{"text":"بذنب ولا تخرجه من الإسلام\" (^١).\nوقد بوَّب البخاري في صحيحه بقوله: \"باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلَّا بالشرك\" (^٢).\nوقال أبو عثمان الصابوني (^٣) مقررًا عقيدة السلف: \"ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة، صغائر وكبائر، فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله ﷿، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة ... وإن شاء عاقبه وعذبه مدة بعذاب النار وإذا عذبه لم يخلد فيها\" (^٤).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيانه لمذهب أهل السنة: \"وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر ... ولا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية ولا يخلدونه في النار ... ويقولون هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته\" (^٥).\nوقد نهج القرطبي منهج أهل السنة في هذه المسألة فقرر ما ذهبوا إليه من عدم تكفير مرتكب الكبيرة فعند شرحه لحديث: \"من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة\" (^٦). قال: \"من المعلوم من الشرع المجمع عليه من أهل السنة أن من مات على ذلك فلابد له من دخول الجنة، وإن\n_________\n(^١) السنة للإمام أحمد ص (٧٢).\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الإيمان فتح الباري (١/ ١٠٦).\n(^٣) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الصابوني، إمام في الحديث، متبع للسنة، واعظ مفسر، من العلماء العبَّاد الزُّهَّاد، توفي سنة (٤٤٧ هـ). طبقات المفسرين للأدنة وي ص (١١٨)، تاريخ دمشق (٩/ ٣).\n(^٤) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص (٢٧٦).\n(^٥) العقيدة الواسطية ضمن الفتاوى (٣/ ١٥١).\n(^٦) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ح (٩٣، ٢/ ٤٥٣).","vol":"1","page":172},{"text":"جرت عليه قبل ذلك أنواع من العذاب والمحنة ... وهذا معلوم ضروري من الدين مجمع عليه من المسلمين\" (^١).\nوقال أيضًا: \"من لقي الله تعالى مرتكب كبيرة ولم يتب منها فهو في مشيئة الله تعالى التي دل عليها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢).\nوقد جاءت الأحاديث الكثيرة الصحيحة المفيدة بكثرتها حصول العلم القطعي أن طائفة كثيرة من أهل التوحيد يدخلون النار ثم يخرجون منها بالشفاعة أو بالتفضل المعبر عنه بالقبضة في الحديث الصحيح (^٣) أو بما شاء الله\" (^٤).\nوقال: \"مذهب أهل الحق أن لا يكفر أحد من المسلمين بارتكاب كبيرة ما عدا الشرك\" (^٥).\nوقد ردَّ على المكفرة بالذنوب من المعتزلة والخوارج وبين تخريج الأحاديث التي تدل بظاهرها على ما ذهبوا إليه فقال في شرحه لحديث أبي هريرة: \"ولا يزني الزَّاني حين يزني وهو مؤمن\" (^٦): \"ظاهر هذا الحديث حجة للخوارج والمعتزلة وغيرهم ممن يخرج من الإيمان بارتكاب الكبائر غير أن أهل السنة يعارضونهم بظواهر أولى منها كقوله عليه الصلاة\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٢٩٠).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٤٨.\n(^٣) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب معرفة طريق الرؤية ح (١٨٣، ٣/ ٣٠).\n(^٤) المفهم (١/ ١٩٩).\n(^٥) المفهم (١/ ٣٠٠).\n(^٦) رواه البخاري في كتاب الأشربة باب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ ح/ ٥٥٧٨ (١٠/ ٣٣)، ومسلم في كتاب الإيمان باب نقصان الإيمان بالمعاصي ح (٥٧، ٢/ ٤٠١).","vol":"1","page":173},{"text":"والسلام في حديث أبي ذر: \"من مات لا يشركُ بالله شيئًا دخل الجنة وإن زنى وإن سرَقَ\" (^١) وكقوله في حديث عبادة بن الصامت: \"ومن أصاب شيئًا من -ذلك يعني من القتل والسرق والزنى- فعوقب فهو كفارة له، ومن لم يعاقب فأمره إلى الله إن شاء عفا وإن شاء عذبه\" (^٢) ويعضد هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٣).\nونحو هذا في الأحاديث كثيرة، ولما صحت هذه المعارضة تعين تأويل تلك الأحاديث الأول وما في معناها وقد اختلف العلماء في ذلك فقال حبر القرآن عبد الله بن عباس: إن ذلك محمول على المستحل لتلك الكبائر وقيل معنى ذلك: إن مرتكب تلك الكبائر يسلب عنه اسم الإيمان الكامل أو النافع الذي يفيد صاحبه الانزجار عن هذه الكبائر وقال الحسن: يسلب عنه اسم المدح الذي سمي به أولياء الله المؤمنون ويستحق اسم الذم الذي سمي به المنافقون والفاسقون ... وكل هذه التأويلات حسنة والحديث قابل لها وتأويل ابن عباس هذا أحسنها\" (^٤).\nولا شك أن حديث عبادة بن الصامت صريح في رد مذهب المكفرة بالذنوب، وقد قال عند شرحه: \"وهذا تصريح بأن ارتكاب الكبائر ليس بكفر؛ لأن الكفر لا يغفر لمن مات عليه بالنص والإجماع، وهو حجة لأهل السُّنَّة على المكفرة للذُّنوب وهم الخوارج وأهل البدعة\" (^٥).\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص (١٧١).\n(^٢) سبق تخريجه ص (١٧١).\n(^٣) سورة النساء، الآية: ٤٨.\n(^٤) المفهم (١/ ٢٤٧).\n(^٥) المفهم (٥/ ١٤٢).","vol":"1","page":174},{"text":"وكذلك حديث الشفاعة أيضًا، حيث قال فيه: \"وهذا الحديث ردٌّ على الخوارج والمعتزلة حيث حكمُوا بخلود أهل الكبائر في النار وأنهم لا يخرجون منها أبدًا\" (^١).\nوحمل جميع ما يرد من هذه الأحاديث الدالة بظاهرها على تكفير أهل الكبائر على هذه المحامل مع تخريج كل حديث بما يناسب سياقه، وقد قال عند شرحه لحديث: \"لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه\" (^٢) بعد أن بين مفهوم الحديث على ضوء معتقد أهل السنة والجماعة قال: \"وعلى هذا القانون ينبغي أن يحمل ما في هذا الباب مما قال فيه النبي - ﷺ - إن فاعله لا يدخل الجنة مما ليس بشرك للأدلة المتقدمة ولما يأتي في أحاديث الشفاعة\" (^٣).\nوالمازري أيضًا وافق أهل السنة بقولهم هذا ورد على الخوارج والمعتزلة والمرجئة فيما ذهبوا إليه، وإن كان نسب هذا القول إلى الأشعرية، فقال عند شرحه لحديث: \"من مات وهو يعلمُ أنَّهُ لا إله إلَّا الله دخل الجنة\" (^٤): \"اختلف الناس فيمن عصى من أهل الشهادتين فقالت المرجئة: \"لا تضره المعصية مع الإيمان، وقالت الخوارج: تضره المعصية ويكفر بها، وقالت المعتزلة يخلد في النار إذا كانت معصيته كبيرة ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر ولكن يوصف بأنه فاسق. وقالت\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٤٥٢).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان باب تحريم إيذاء الجارح (٤٦) (٢/ ٣٧٦).\n(^٣) المفهم (١/ ٢٢٨) وانظر على سبيل المثال (١/ ١٩٩، ٢٠١، ٢٢٨، ٢٤٥، ٢٤٧، ٢٥٤، ٢٥٦، ٢٥٧، ٢٨٩، ٢٩٩، ٣١٠، ٣٤٧، ٣٥٤، ٣/ ٧٢٥، ٤٠/ ٦٠، ٦/ ٥٢٧، ٦٠٧).\n(^٤) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب الدليل على أنَّ من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا ح / ٢٦ (١/ ٣٣١).","vol":"1","page":175},{"text":"الأشعرية: بل هو مؤمن وإن لم يغفر له وعذب، فلابد من إخراجه من النار وإدخاله الجنة وهذا الحديث حجة على الخوارج والمعتزلة. وأما المرجئة فإن احتجت بظاهره على صحة ما قالت به قلنا: محمله على أنه غُفِرَ له وأُخرِجَ من النار بالشفاعة ثم أدخل الجنة فيكون المعنى في قوله: \"دخل الجنة\" أي دخلها بعد مجازاته بالعذاب وهذا لابد من تأويله لما جاءت به ظواهر كثيرة من عذاب بعض العصاة، فلابد من تأويل هذا الحديث على ما قلناه لئلا تتناقض ظواهر الشرع\" (^١).\nوبين في شرحه لمثل هذه الأحاديث أنها لا تحمل على ظاهرها بمعزل عن الأحاديث الأخرى المبينة لها دفعًا لمذهب الخوارج فقال عند شرحه لحديث: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن\" (^٢): \"قيل معنى مؤمن أي آمن من عذاب الله ويحتمل أن يحمل على أن معناه: أن يكون مستحلًا لذلك، وقد قيل: معناه أي كامل الإيمان، وهذا على قول من يرى أن الطاعات تسمى إيمانًا. وهذه التأويلات تدفع قول الخوارج أنه كافر بزناه، وقول المعتزلة أن الفاسق الملّيّ لا يسمى مؤمنًا تعلقًا من الطائفتين بهذا الحديث، وإذا احتمل ما قلناه لم تكن لهم فيه حجة\" (^٣).\n_________\n(^١) المعلم (١/ ١٩٤).\n(^٢) سبق تخريجه ص (١٧٣).\n(^٣) المعلم (١/ ١٩٧) وانظر أيضًا (١/ ١٩٨، ١٩٩، ٢٠٠).","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>الفصل الثاني توحيد الربوبية</span>\nوفيه تمهيد وثلاثة مباحث:\nالتمهيد: علم الكلام وموقف السلف منه\nالمبحث الأول: أول واجب على المكلف والرد على المتكلمين.\nالمبحث الثاني: معنى توحيد الربوبية وأدلته\nالمبحث الثالث: الإيمان بالقدر","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>التمهيد\nعلم الكلام وموقف السلف منه</span>\nمما لا شك فيه أن علم الكلام الذي خاض فيه من خاض، فقعَّدوا له القواعد، وبنوا عليه المسائل، وألزموا الناس من خلاله بمنهج لم يأت في كتابٍ ولا سنة، ولا عرفه سلف هذه الأمة، وقد ترتب عليه من المحاذير ما الله به عليم، خصوصًا ما يتعلق بتوحيد الربوبية، ومعرفة الله تعالى، لذا وضعت هذا التمهيد لهذا الفصل في ذم الكلام وأهله وموقف السلف منه.\nلقد أمر الله تعالى بلزوم الكتاب والسنة، ونهى عن الخصومات في الدين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (^١)، وقال - ﷺ -: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة\" (^٢).\nوقد حرص الصحابة - ﵃ - على الالتزام بالكتاب والسنة، والتحذير من البدع والكلام المذموم، والمجادلة بالباطل. وما قصة عمر ﵁ مع صبيغ بن عسل (^٣) وتأديبه، والنهي عن\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ١١٥.\n(^٢) رواه أحمد في مسنده (٤/ ١٢٦)، وأبو داود في كتاب السنة، باب لزوم السنة، والترمذي في كتاب العلم، باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٣٤٢).\n(^٣) صبيغ بن عسل ويقال صبيغ بن شريك التميمي البصري: استمر في منهجه هذا حتى قتل في =","vol":"1","page":179},{"text":"مجالسته - بسبب كثرة أسئلته ومجادلاته بالباطل (^١) - إلَّا نموذجًا على حرص الصحابة - ﵃ - على إقفال هذا الباب، والتحذير من هذا المسلك.\nقال ابن مسعود - ﵁ - \"إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر\" (^٢).\nوقد سار التابعون، ومن بعدهم من السلف، على هذا المنهج، وازَداد تحذيرهم من هذا المسلك بعدما أحدث المتكلمون المسائل الكلامية البدعية، وما صاحبها من الألفاظ المحدثة الموهمة.\nقيل لأبي حنيفة: ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام والأعراض والأجسام؟ فقال: \"مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة فإنها بدعة\" (^٣).\nوقال الإمام مالك: \"لو كان الكلام علمًا، لتكلم فيه الصحابة والتابعون، كما تكلموا في الأحكام والشرائع، ولكنه باطلٌ، يدل على باطلٍ\" (^٤).\nوقال الإمام الشافعي: \"لأن يُبْتَلى المرءُ بكل ما نهى اللهُ عَنه -ما عدا الشرك به- خيرٌ من النظر في الكلام\" (^٥).\n_________\n= بعض الفتن. تاريخ دمشق (٢٣/ ٤٠٨).\n(^١) وردت القصة بعدة روايات انظر: الشريعة للآجري (١/ ٤٨٣)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٤/ ٧٠٢).\n(^٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٦٦).\n(^٣) الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة للأصبهاني (١/ ١١٥).\n(^٤) شرح السنة للبغوي (١/ ١٤٩).\n(^٥) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٦٥) الحجة في بيان المحجة للأصبهاني (١/ ١١٥).","vol":"1","page":180},{"text":"وقال الإمام أحمد: \"لا يفلح صاحب كلام أبدًا، ولا تكاد ترى أحدًا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل\" (^١).\nوقال أبو يوسف (^٢): \"من طلب الدين بالكلام تزندق\" (^٣).\nوقال البربهاري (^٤): \"اعلم أنها لم تكن زندقة ولا كفر ولا شكوك ولا بدعة ولا ضلالة ولا حيرة في الدين إلا من الكلام وأهل الكلام، والجدال والمراء، والخصومة والعجب\" (^٥).\nوهكذا تضافرت نصوص السلف في التحذير من علم الكلام وذمه. وهذا التحذير ينصب على علم الكلام المخالف للكتاب والسنة، مما أُدْخِلَ في العقيدة من الدلائل والمسائل المبتدعة، التي تكون سببًا في ضعف الإيمان، وقلة تعظيم الكتاب والسنة.\nوالقرطبي -﵀- له كلامٌ قويٌ جميلٌ في الرد على المتكلمين، وذم ما هم فيه، وبيان المحاذير المترتبة على الكلام، نقله الإمام الحافظ ابن حجر بطوله في الفتح -كما تقدم ذكره- خصوصًا أن القرطبي أخذ علم الكلام في بداية طلبه، كما قال ابن مسدي عنه: \"أخذ\n_________\n(^١) صحيح جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر تحقيق أبو الأشبال الزهيري ص (٣٦٧).\n(^٢) هو يعقوب بن إبراهيم الأنصاري مولاهم الشهير بأبي يوسف صاحب أبي حنيفة أثبت أصحاب الرأي في الحديث وأحفظهم له، توفي سنة (١٨٢ هـ). سير أعلام النبلاء (٨/ ٥٣٥)، طَبقات الحفاظ ص (١٣٦) ترجمة (٢٦٠).\n(^٣) الحجة في بيان المحجة للأصبهاني (١/ ١١٧)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٦٦).\n(^٤) هو الحسن بن علي بن خلف البربهاري شيخ الحنابلة كان قوَّالًا للحق، لا تأخذه في الله لومة لائم أوذي وامتحن بسب ذلك حتى توفي مستترًا سنة (٣٢٨ هـ). سير أعلام النبلاء (١٥/ ٩٠). البداية والنهاية (١١/ ٢١٣).\n(^٥) شرح السنة للبربهاري ص (٣٨).","vol":"1","page":181},{"text":"نفسه بعلم الكلام وأن الجوهر الفرد لا يقبل الانقسام وتغلغل في تلك الشعاب عدة أحقاب\" (^١). وقال المقري: \"وكان يشتغل أولًا بالمعقول\" (^٢).\nفنقده لعلم الكلام نقد المجرب الخبير، حيث قال عند شرحه لحديث: \"إن أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخَصِمُ\" (^٣): \"وهذا الخصم المبغوض عند الله تعالى هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق، ورده بالأوجه الفاسدة، والشبه الموهمة، وأشد ذلك؛ الخصومة في أصول الدين، كخصومة أكثر المتكلمين المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -، وسلف أمته إلى طرق مبتدعة واصطلاحات مخترعة، وقوانين جدلية، وأمور صناعية، مدار أكثرها على مباحث سوفسطائية، أو مناقشات لفظية ترد بشبهها على الآخذ فيها شبه ربما يعجز عنها وشكوك يذهب الإيمان معها، وأحسنهم انفصالًا عنها أجدلهم لا أعلمهم، فكم من عالم بفساد الشبهة لا يقوى على حلها، وكم من منفصل عنها لا يدرك حقيقة علمها! ثم إن هؤلاء المتكلمين قد ارتكبوا أنواعًا من المحال لا يرتضيها البله ولا الأطفال لما بحثوا عن تحيز الجواهر والأكوان والأحوال، ثم إنهم أخذوا يبحثون فيما أمسك عن البحث فيه السلف الصالح، ولم يوجد عنهم فيه بحث واضح، وهو كيفية تعلقات صفات الله تعالى وتقديرها، واتخاذها في أنفسها، وأنها هي الذات أو غيرها، وأن الكلام هل هو متحد أو منقسم؟ وإذا كان منقسمًا فهل ينقسم بالأنواع أو بالأوصاف؟ وكيف تعلق في الأزل بالمأمور؟ ثم\n_________\n(^١) توضيح المشتبه (٨/ ١٣٩).\n(^٢) نفح الطيب لابن ناصر الدمشقي (٢/ ٦١٥).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب المظالم باب قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] ح (٢٤٥٧) (٥/ ١٢٧)، ومسلم في كتاب العلم باب في الألد الخصم ح (٢٦٦٨) (١٦/ ٤٥٩).","vol":"1","page":182},{"text":"إذا انعدم المأمور فهل يبقى ذلك التعلق؟ وهل الأمر لزيد بالصلاة مثلًا هو عين الأمر لعمرو بالزكاة؟ إلى غير ذلك من الأبحاث المبتدعة التي لم يأمر الشرع بالبحث عنها، وسكت أصحاب النبي - ﷺ - ومن سلك سبيلهم عن الخوض فيها، لعلمهم بأنها بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته، فإن العقول لها حدٌّ تقف عنده، وهو العجز عن التكييف لا يتعداه، ولا فرق بين البحث في كيفية الذات وكيفية الصفات، ولذا قال العليم الخبير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (^١)، ولا تبادر بالإنكار فعل الأغبياء الأغمار، فإنك قد حُجبت عن كيفية حقيقة نفسك مع علمك بوجودها وعن كيفية إدراكاتك مع أنك تدرك بها، وإذا عجزت عن إدراك كيفية ما بين جنبيك فأنت عن إدراك ما ليس كذلك أعجز. وغاية علم العلماء وإدراك عقول الفضلاء، أن يقطعوا بوجود فاعل هذه المصنوعات، منزه عن صفاتها، مقدَّس عن أحوالها، موصوف بصفات الكمال اللائق به. ثم مهما أخبرنا الصادقون عنه بشيء من أوصافه وأسمائه، قبلناه، واعتقدناه، وما لم يتعرضوا له سكتنا عنه، وتركنا الخوض فيه، هذه طريقة السلف، وما سواها مهاوٍ وتلف، ويكفي في الردع عن الخوض في طرق المتكلمين ما قد ورد في ذلك عن الأئمة المتقدمين ... \".\nثم ذكر أقوالًا في ذم الكلام لعمر بن عبد العزيز (^٢)، ومالك، والشافعي، وأحمد، وابن عقيل (^٣) سبق بعضها، ثم بيَّن رجوع كثير من\n_________\n(^١) سورة الشورى، الآية: ١١.\n(^٢) هو الإمام الراشد القدوة العادل المصلح أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز مروان الأموي تولى الخلافة سنتين وأشهر رد فيها المظالم إلى أهلها وسعى في الإصلاح وفعل الخير من الحفاظ المجتهدين والعباد الزاهدين. تاريخ الخلفاء ص (٢٦١) وطبقات الحفاظ ص (٥٧) ترجمة (١٠١).\n(^٣) أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الحنبلي المتكلم صاحب التصانيف من =","vol":"1","page":183},{"text":"أئمة المتكلمين عن الكلام، كإمام الحرمين، والوليد بن أبان الكرابيسي (^١)، وأبي الوفا بن عقيل، والشهرستاني (^٢) وذكر أقوالهم في ذلك، ثم قال: \" ... ولو لم يكن في الكلام شيءٌ يُذمُّ به إلَّا مسألتان هما من مبادئه، لكان حقيقًا بالذم، وجديرًا بالترك:\nإحداهما: قول طائفة منهم: إن أول الواجبات: الشك في الله تعالى. والثانية: قول جماعة منهم: إن من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرقوها والأبحاث التي حرروها فلا يصح إيمانه، وهو كافر، فيلزمهم على هذا تكفير أكثر المسلمين من السلف الماضين، وأئمة المسلمين ... عصمنا الله من بدع المبتدعين، وسلك بنا طريق السلف الماضين، وإنما طوَّلت في هذه المسألة الأنفاس، لما قد شاع من هذه البدع في الناس، ولأنه قد اغتر كثيرٌ من الجُهَّال بزخرف تلك الأقوال، وقد بذلت ما وجب عليَّ من النصيحة، والله تعالى يتولى إصلاح القلوب الجريحة\" (^٣).\nوسبب ذم السلف لعلم الكلام، وتشديدهم في النكير على أهله، إنما كان لعلمهم أن الكتاب والسنة يفيان بما يحتاجه الناس، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ\n_________\n= الأذكياء المتبحرين توفي سنة (٥١٣ هـ). سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٤٣)، الكامل في التاريخ (٩/ ١٩٠).\n(^١) الوليد بن أبان الكرابيسي المعتزلي المتكلم قيل: إنه رجع عند وفاته عن الكلام وأوصى بما عليه أهل الحديث توفي سنة (٢١٤ هـ). سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤٨)، معجم المؤلفين (٤/ ٧٦).\n(^٢) هو محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني الشافعي المتكلم الأشعري، من تصانيفه: \"الملل والنحل\"، \"نهاية الإقدام\" وغيرها توفي سنة (٥٤٨ هـ). سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢٨٦)، معجم المؤلفين (٣/ ٤٢٢).\n(^٣) المفهم (٦/ ٦٩٠ - ٦٩٤).","vol":"1","page":184},{"text":"لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ (^١).\nوقد وسع الصحابة - ﵃ - والتابعين ذلك، فلم يخوضوا في علم الكلام، والحق في الاتباع وترك الابتداع. إضافة إلى أن علم الكلام يؤدي بأهله إلى الشك والحيرة؛ لاشتماله على مسائل مبتدعة، ومعاني باطلة، بنيت على أصول فاسدة، حيث عظموا العقل، وجعلوه حاكمًا على الكتاب والسنة، فضعف خضوعهم للكتاب والسنة، وقلَّت عنايتهم بهما، فعرضوا مسائل العقيدة وفق منهج كلامي، وقالب فلسفي جدلي، مما يؤدي إلى صرف الناس عن إدراك حقيقة العقيدة الصافية السهلة الواضحة. ثم إنهم أفنوا أعمارهم في توحيد الربوبية، وإثبات أدلة وجود الله تعالى، وهو أمِرٌ فطري، لا يحتاج إلى كل ذلك، وأغفلوا توحيد الألوهية، الذي خلِق الناس لأجله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (^٢). فلم يكن ما خاضوا فيه علمًا نافعًا، ولا منهجًا صائبًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية عنهم: \"من أعظم الناس حشوًا وقولا للباطل وتكذيبًا للحق\" (^٣).\nعلى أن من خاض من السلف في بعض المسائل التي لم تكن معروفة عند المتقدمين منهم، إنما فعل ذلك مضطرًا مجبرًا للدفاع عن الإسلام، ودفع شبه الملحدين والزنادقة، الذين يدّعون علم المعقول، ويطعنون في الكتاب والسنة، كما قال الإمام الدارمي (^٤) -﵀-:\n_________\n(^١) سورة العنكبوت، الآية: ٥١.\n(^٢) سورة الذاريات، الآية: ٥٦.\n(^٣) الفتاوى (٤/ ٢٧).\n(^٤) هو عثمان بن سعيد الدارمي الإمام الحافظ المحدث صاحب المسند طاف الأقاليم في طلب الحديث كان قويًّا على المبتدعة وله مصنفات في الرد عليهم توفي سنة (٢٨٠ هـ). سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣١٩)، تاريخ دمشق (٣٨/ ٣٦١).","vol":"1","page":185},{"text":"\"وقد كان من مضى من السلف يكرهون الخوض في هذا وما أشبهه، وقد كانوا رُزِقُوا العافية منهم، وابتُلِيْنَا بهم عند دروس الإسلام، وذهاب العلماء، فلم نجد بُدًّا من أن نرد عليهم ما أتوا به من الباطلِ بالحق\" (^١).\nوقال ابن تيمية: \"فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم، لم يكن أعطى الإسلام حقه\" (^٢).\nوكذلك ينبغي أن يُعلم أن الذين خاضوا في علم الكلام، وأخذوا بأقوال المتكلمين ليسوا على درجة واحدة، ولا يلحق الذم المذكور عن السلف جميع هؤلاء، بل هم درجات وبعضهم أقرب إلى السنة من بعض، إذ منهم من تابع أهل الكلام، وانخدع بأقوالهم، لعدم معرفته بالحق في بعض المسائل، مع تعظيمه لنصوص الشرع، ونصرته للحق، فهذا لا يقارن بمن حرَّف الكلِمَ عن مواضعه، وأصَّل أصولًا من عقله، وجعلها حاكمًا على شرع الله\" (^٣).\n_________\n(^١) الرد على الجهمية للدارمي ص (٢٣).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٣٥٧).\n(^٣) انظر: النبوات ص (١٥٩)، الاستقامة (١/ ٣٧)، درء التعارض (٢/ ٣١٥، ٧/ ٩٨) وكلها لابن تيمية.","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>المبحث الأول أول واجب على المكلف والرد على المتكلمين</span>\nلقد سلك كثير من المتكلمين في معرفة الله تعالى والاستدلال على وجوده طرقًا ملتوية، ما أنزل الله بها من سلطان، وليس لهم في ذلك دليل من كتاب أو سنة، أو فهم سلف الأمة. وقد ترتب على ما ذهبوا إليه من المفاسد ما لا يحصى كثرةً، وقولهم هذا راجع إلى اعتقادهم بأن معرفة الله تعالى نظرية وليست فطرية، أي لا يوجد في القلوب معرفة للخالق سبحانه قبل النظر، لذا اعتبروه أول الواجبات على العبد. قال الباقلاني: \"أول ما فرض الله ﷿ على العباد النظر في آياته، والاعتبار بمقدوراته، والاستدلال عليه بآثار قدرته، وشواهد ربوبيته، لأنه سبحانه غير معلوم باضطرار، ولا مُشاهد بالحواس، إنما يُعْلَم وجوده وكونه على ما تقتضيه أفعاله، بالأدلة الظاهرة والبراهين الباهرة\" (^١).\nوقال الجويني: \"أول ما يجب على العاقل البالغ باستكمال سن البلوغ أو الحُلم شرعًا القصد إلى النظر الصحيح\" (^٢).\nوقد ذكر الباجوري (^٣) الأقوال في أول واجب على المكلف، ثم قال بعد ذلك في محاولة للجمع بينها: \"الأصح أن أول واجب قصدًا: المعرفة، وأول واجب وسيلة قريبةً: النظر. ووسيلة بعيدة: القصد إلى\n_________\n(^١) الإنصاف للباقلاني ص (٢٢).\n(^٢) الإرشاد للجويني ص (٢٥).\n(^٣) إبراهيم بن محمد الباجوري أو البيجوري الشافعي الأشعري شيخ الأزهر في زمنه توفي سنة (١٢٧٧ هـ). معجم المؤلفين (١/ ٥٧)، هدية العارفين (٥/ ٤١).","vol":"1","page":187},{"text":"النظر وبهذا يجمع بين الأقوال الثلاثة\" (^١).\nوهذا القول هو الذي عليه عامة الأشاعرة، وقد أخذوه عن المعتزلة. قال أبو جعفر السمناني (^٢): \"إن هذه المسألة بقيت في مقالة الأشعري من مسائل المعتزلة وتفرع عليها أن الواجب على كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه، وأنه لا يكفي التقليد في ذلك\" (^٣).\nويترتب على قولهم هذا إخراج لعامة المسلمين من الإسلام، بل تكفير لسلف الأمة وَخَلَفِها، وقد بيَّنوا أن هذه الطريقة لا يعرفها كل أحد، فجعلوا الإيمان بالله والدخول في دينه لا يستطيعه إلَّا من رسخ في العلم بزعمهم. ولهذا لما عدَّد شارح \"الجوهرة\" المطالب السبعة التي يتوصل بها إلى إثبات وجود الله تعالى قال: \"وهذه المطالب لا يعرفها إلَّا الراسخون في العلم\" ثم قال: \"قال السنوسي (^٤): وبها ينجو المكلف من أبواب جهنم السبعة\" (^٥).\nفانظر كيف جعل السنوسي عاقبة ترك هذه المطالب على المكلف سواء كان من العوام أو من العلماء الراسخين في العلم، وانظر كيف اعترف الباجوري بأنه لا يعلمها إلَّا الراسخون في العلم، فيكونون على هذا هم الناجين فقط دون من سواهم، ويكون العوام وهم أكثر المسلمين ليسوا بناجين من النار، بل حتى العلماء الذين ليسوا براسخين في العلم،\n_________\n(^١) تحفة المريد على جوهرة التوحيد للباجوري ص (٣٨).\n(^٢) هو محمد بن أحمد بن محمد السمناني القاضي الحنفي أحد المتكلمين لازم القاضي أبا بكر الباقلاني حتى برز في علم الكلام، كان حامل لواء الأشعرية في زمنه توفي سنة (٤٤٤ هـ).\nسير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٥١)، البداية والنهاية (١٢/ ٦٨).\n(^٣) نقله عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٣٦١).\n(^٤) محمد بن يوسف السنوسي سبقت ترجمته ص (٦٩).\n(^٥) تحفة المريد للباجوري ص (٤٢).","vol":"1","page":188},{"text":"وهذا تحجير لواسع، وتضييق لرحمة الله، وابتداع لقول لم يسبقوا إليه\" (^١).\nولا شك أن في الكتاب والسنة تعريفًا للناس بخالقهم بطرق سهلة ميسرة لا تخفى على أحد، ولا تحتاج لرسوخ في العلم، ودقةٍ في النظر، مع ما في فِطَرِ الناس من معرفة لله تعالى. والرسول - ﷺ - ما أمر الناس بالفظر أو طلب منهم ذلك، أو سأل من دخل في الإسلام عنه، إنما كانت الدعوة إلى الشهادتين فمن فعل ذلك دخل في الإسلام وحكم له به.\nقال ابن تيمية: \"والنبي - ﷺ - لم يدع أحدًا من الخلق إلى النظر ابتداءً ولا إلى مجرد إثبات الصانع، بل أول ما دعاهم إليه الشهادتان، وبذلك أمر أصحابه (^٢).\nوقال ابن حزم: \"وقال سائر أهل الإسلام: كل من اعتقد بقلبه اعتقادًا، لا يشك فيه، وقال بلسانه: لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله وأن كل ما جاء به حق وبرئ من كل دين سوى دين محمد - ﷺ - فإنه مسلم مؤمن ليس عليه غير ذلك\" (^٣).\nوقال أبو المظفر السمعاني (^٤): \"إنما أنكرنا طريقة أهل الكلام على ما أسسوا فإنهم قالوا: أول ما يجب على الإنسان النظر المؤدي إلى معرفة الباري. وهذا قول مخترع لم يسبقهم إليه أحد من السلف وأئمة الدين ولو\n_________\n(^١) منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله الخالق، عبد اللطيف محمد نور (١/ ٣١٦).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٦).\n(^٣) الفصل في الملل والنحل (٤/ ٢٩).\n(^٤) هو منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني مفسر أُصولي متكلم، له عدة مصنفات منها: \"منهاج أهل السنة\" توفي سنة (٤٨٩ هـ). طبقات المفسرين للأدنه وي ص (١٤٥)، البداية والنهاية (١٢/ ١٦٤).","vol":"1","page":189},{"text":"أنك تدبرت جميع أقوالهم وكتبهم لم تجد هذا في شيء منها منقولًا عن النبي - ﷺ -، ولا من الصحابة - ﵃ -، وكذلك من التابعين بعدهم\" (^١).\nوالرد على هؤلاء من وجهين:\nأولًا: أن معرفة الله تعالى ليست نظرية، بل فطرية، وسيأتي بيان ذلك.\nثانيًا: أن أول الواجبات على العبد النطق بالشهادتين، كما جاءت بذلك النصوص من الكتاب والسنة.\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (^٣).\nوقول الرسول - ﷺ - لمعاذ بن جبل - ﵁ - حينما بعثه إلى اليمن: \"فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسُولُ الله ... \" (^٤). وقوله - ﷺ -: \"أمرتُ أن أقاتل الناسَ حتى يشهدُوا أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسُولُ الله ... \" (^٥).\nوهذا متفق عليه بين السلف، كما تبين من النصوص السابقة. والقرطبي -﵀- نصر قول أهل السنة والجماعة في هذه المسألة،\n_________\n(^١) الحجة في بيان المحجة للأصبهاني (٢/ ١٢٠).\n(^٢) سورة النحل، الآية: ٣٦.\n(^٣) سورة الأنبياء، الآية: ٢٥.\n(^٤) رواه البخاري كتاب التوحيد باب ما جاء في دعاء النبي - ﷺ - أمته إلى توحيد الله ﵎ ح (٧٣٧٢) (١٣/ ٣٥٩). ومسلم في كتاب الإيمان باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام ح (١٩) (١/ ٣١٠).\n(^٥) رواه البخاري في كتاب الإيمان باب قتال الناس حتى يقولوا لا إله إلَّا الله محمد رسول الله - ﷺ - ح (٢٢) (١/ ٣٢٥).","vol":"1","page":190},{"text":"وخالف الأشاعرة ومن وافقهم في قولهم هذا، حيث قال بعد ذكره لأركان الإيمان: مذهب السلف وأئمة الفتوى من الخلف، أن من صدق بهذه الأمور تصديقًا جزمًا لا ريب فيه، ولا تردد ولا توقف كان مؤمنًا حقيقة وسواء كان ذلك عن براهين ناصعة، أو عن اعتقادات جازمة.\nعلى هذا انقرضت الأعصار الكريمة، وبهذا صرحت فتاوى أئمة الهدى المستقيمة حتى حدثت مذاهب المعتزلة المبتدعة، فقالوا: إنه لا يصح الإيمان الشرعي، إلَّا بعد الإحاطة بالبراهين العقلية والسمعية وحصول العلم بنتائجها ومطالبها ومن لم يحصل إيمانه كذلك، فليس بمؤمن ولا يجزئ إيمانه بغير ذلك وتبعهم على ذلك جماعة من متكلمي أصحابنا كالقاضي أبي بكر، وأبي إسحاق الإسفراييني، وأبي المعالي في أول قوليه، والأول هو الصحيح، إذ المطلوب من المكلفين ما يقال عليه: إيمان كقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^١)، ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^٢).\nوالإيمان: هو التصديق لغة وشرعًا، فمن صدق بذلك كله ولم يجوز نقيض شيء من ذلك، فقد عمل بمقتضى ما أمره الله به، على نحو ما أمره الله تعالى ومن كان كذلك فقد تقصَّى عن عهدة الخطاب، إذ قد عمل بمقتضى السنَّة والكتاب، ولأنَ رسول الله - ﷺ - وأصحابه بعده حكمُوا بصحَّة إيمان كلّ من آمن وصدق بما ذكرناه، ولم يفرقوا بين من آمن عن برهان، أو عن غيره، ولأنهم لم يأمروا أجلاف العرب بترديد النظر ولا سألوهم عن أدلَّة تصديقهم، ولا أرجؤوا إيمانهم حتى ينظروا وتحاشوا\n_________\n(^١) سورة النساء، آية: ١٣٦.\n(^٢) سورة الفتح، آية: ١٣.","vol":"1","page":191},{"text":"عن إطلاق الكفر على أحد منهم، بل سموهم المؤمنين والمسلمين، وأجروا عليهم أحكام الإيمان والإسلام؛ ولأن البراهين التي حررها المتكلمون ورتبها الجدليون إنما أحدثها المتأخرون ولم يخض في شيء من تلك الأساليب السلف الماضون فمن المحال والهذيان أن يشترط في صحة الإيمان ما لم يكن معروفًا ولا معمولًا به لأهل ذلك الزمان، وهم من هم فهمًا عن الله وأخذًا عن رسول الله - ﷺ - وتبليغًا لشريعته وبيانًا لسُنَّته وطريقته\" (^١).\nوبيَّن في موضعٍ آخر فساد ما ذهبوا إليه، وخطورة ما يترتب عليه، فقال: \"ولو لم يكن في الكلام شيءٌ يُذَمُّ به إلَّا مسألتان، هما من مبادئه، لكان حقيقًا بالذم، وجديرًا بالترك.\nإحداهما: قول طائفة منهم: إن أول الواجبات الشك في الله تعالى.\nوالثانية: قول جماعة منهم: إن من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرقوها، والأبحاث التي حرروها فلا يصح إيمانه وهو كافر.\nفيلزمهم على هذا تكفير أكثر المسلمين، من السلف الماضين، وأئمة المسلمين، وأن من يبدأ بتكفيره أباه وأسلافه، وجيرانه، وقد أُورد على بعضهم هذا فقال: لا يُشَنَّع علي بكثرة أهل النار ... ومن شك في تكفير من قال: إن الشك في الله تعالى واجب، وأن معظم الصحابة والمسلمين كفار، فهو كافر شرعًا، أو مختل العقل، وضعًا إذ كل واحدة منها معلومة الفساد بالضرورة الشرعية، الحاصلة بالأخبار المتواترة القطعية، وإن لم يكن كذلك، فلا ضروري يصار إليه في الشرعيات ولا العقليات\" (^٢).\nولا شك أن من ذهب إلى هذا القول ليس له حجة في ذلك، وما\n_________\n(^١) المفهم (١/ ١٤٥).\n(^٢) المفهم (٦/ ٦٩٣).","vol":"1","page":192},{"text":"تمسكوا به في حديث معاذ لا يسلم لهم، بل هو حجة عليهم، وقد بيَّن القرطبي هذا فقال: \"قوله: \"فإذا عرفوا الله فأخبرهم\". أي: إن أطاعوا بالنطق بذلك أي: بكلمتي التوحيد كما قال في الرواية الأخرى: \"فإن هم أطاعوا بذلك فأعلمهم\" فسمى الطواعية بذلك والنطق به: معرفة؛ لأنه لا يكون غالبًا إلَّا عن المعرفة، وهذا الذي أمر النبي - ﷺ - به معاذًا هو الدعوة قبل القتال التي كان النبي - ﷺ - يوصي بها أمراءه، وقد اختلف في حكمها على ما يأتي في الجهاد، وعلى هذا فلا يكون في حديث معاذ حجة لمن تمسك به من المتكلمين، على أن أول واجب على كل مكلف معرفة الله تعالى بالدليل والبرهان، بل هو حجة لمن يقول: إن أول الواجبات التلفظ بكلمتي الشهادة مصدقًا بها\" (^١).\nقال الشوكاني (^٢) -﵀- رادًّا على المتكلمين في قولهم في هذه المسألة، مبينًا ما يترتب عليها من النتائج الفاسدة: \"فيا لله العجب من هذه المقالة التي تقشعر لها الجلود، وترجف عند سماعها الأفئدة، فإنها جناية على جمهور هذه الأمة المرحومة وتكليف لهم بما ليس في وسعهم ولا يطيقونه، وقد كفى الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها، الإيمان الجملي، ولم يكلفهم رسول الله - ﷺ - وهو بين أظهرهم بمعرفة ذلك، ولا أخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك بأدلته\" (^٣).\n_________\n(^١) المفهم (١/ ١٨١).\n(^٢) محمد بن علي الشوكاني الإمام العالم المجتهد أكثر من التصنيف منها: \"فتح القدير\" في التفسير، \"نيل الأوطار\" في فقه الحديث، وغيرها كثير توفي سنة (١٢٥٠ هـ). معجم المؤلفين (٣/ ٥٤١)، الأعلام (٦/ ٢٩٨).\n(^٣) إرشاد الفحول ص (٣٩٣).","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>المبحث الثاني معنى توحيد الربوبية وأدلته</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: تعريفه لغة\nالمطلب الثاني: تعريفه شرعا\nالمطلب الثالث: أدلته:\nأ - دليل الفطرة.\nب - دليل الخلق.\nجـ - دليل المعجزة.","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>المطلب الأول: تعريف توحيد الربوبية لغة:</span>\nقال الجوهري: \"رب كل شيء مالكُهُ. والربُّ: اسم من أسماء الله ﷿\" (^١).\nوقال ابن فارس (^٢): \"رب: الراء والباء يدل على أصول، فالأول: إصلاح الشيء، والقيام عليه، فالربُّ: المالكُ والخالقُ، والصَّاحب. والرّبُّ: المُصْلح للشَّيء. يُقال: رَبَّ فلانٌ ضَيعته، إذا قام على إصلاحها ... والله جلَّ ثناؤُه الرَّبُّ؛ لأنه مصلحُ أحوال خلقه\" (^٣).\nوقال ابن قتيبة (^٤): \"الرب: المالك، يقال: هذا رب الدار، ورب الضيعة، ورب الغلام، أي مالكه، قال الله سبحانه: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ (^٥) أي: إلى سيدك. ولا يقال لمخلوق: هذا الرب، معرَّفًا بالألف واللام، كما يقال لله، إنما يقال، هذا رب كذا، فيعرف بالإضافة؛ لأن الله مالك كل شيء، فإذا قيل: الرب، دلَّت الألف واللام على معنى العموم، وإذا قيل لمخلوق: رب كذا ورب كذا، نسب إلى شيء خاص\" (^٦).\nوقال القرطبي: \"وأصل رب: اسم فاعل من رب الشيء يربه إذا\n_________\n(^١) الصحاح للجوهري (١/ ١٣٠).\n(^٢) هو أحمد بن فارس بن زكريا القزويني المعروف بالرازي أبو الحسين لغوي مشارك في سائر العلوم توفي سنة (٣٩٥ هـ). طبقات المفسرين للأدنه وي ص (٩٢). معجم المؤلفين (١/ ٢٢٣).\n(^٣) معجم مقاييس اللغة (٢/ ٣٨١، ٣٨٢).\n(^٤) هو عبد الله بن مسلم بن قتية الدينوري إمام مشارك في سائر العلوم له العديد من المصنفات في التفسير واللغة والحديث منها: \"تاويل مختلف الحديث\" \"مشكل القرآن\" وغيرها توفي سنة (٢٧٦ هـ). طبقات المفسرين للأدنه وي ص (٤٤). سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٩٦).\n(^٥) سورة يوسف، آية: ٥٠.\n(^٦) تفسير غريب القرآن ص (٩).","vol":"1","page":197},{"text":"أصلحه وقام عليه، ثم إنه يقال على السيد والمالك\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>المطلب الثاني: تعريف توحيد الربوبية شرعًا:</span>\nهو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومالكه، وخالقه، ورازقه، وأنه المحيي والمميت، النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء ليس له في ذلك شريك، ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر (^٢).\nقال ابن القيم: \"فهو رب كل شيء وخالقه، والقادر عليه، لا يخرج شيء عن ربوبيته، وكل من في السموات والأرض عبدٌ له في قبضته، وتحت قهره\" (^٣).\nوهذا هو الذي قرره القرطبي -﵀- وأشار إليه في أكثر من موضع حيث قال: \"إن الله تعالى يفعل ما يريد ويحكم في خلقه بما يشاء فلا مدخل لعقولنا في أفعاله، ولا معارضة لأحكامه، بل يجب علينا الرضا والتسليم، فإن إدراك العقل لأسرار أحكام الربوبية قاصر سقيم\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"الإيمان بالله هو التصديق بوجوده تعالى، وأنه لا يجوز عليه العدم، وأنه تعالى موصوفٌ بصفات الجلال والكمال ... وأنه واحد، صمد، فرد، خالق جميع المخلوقات، متصرف فيها بما يشاء من التصرفات، يفعل في ملكه ما يريد، ويحكم في خلقه ما يشاء\" (^٥).\n_________\n(^١) المفهم (٤٢/ ٧).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ ص (٣٣).\n(^٣) مدارج السالكين (١/ ٣٤).\n(^٤) المفهم (٦/ ٢١٦).\n(^٥) المفهم (١/ ١٤٤).","vol":"1","page":198},{"text":"وهذا التوحيد هو أساس أنواع التوحيد الأخرى؛ لأن الخالق المالك الرازق المدبر هو المستحق للعبادة والخضوع، وهو المستحق لأوصاف الجلال والكمال.\nوقد زعم أهل الكلام ومن وافقهم أن هذا التوحيد هو الذي جاءت به الرسل، وأُنزلت لأجله الكتب، فأطالوا في إثباته، وتوسعوا في تقريره.\nقال شارح الطحاوية في تعريفه لتوحيد الربوبية: \"الإقرار بأنه خالق كل شيء، وأنه ليس للعالم صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، وهذا التوحيد حق لا ريب فيه، وهو الغاية عند كثير من أهل النظر والكلام، وطائفة من الصوفية، وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات\" (^١).\nولا شك أن التوحيد الذي جاءت بالدعوة إليه الرسل هو توحيد العبادة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (^٢).\nوهو الذي أنكره كفار قريش، فما نفعهم إيمانهم بتوحيد الربوبية -مع كفرهم بتوحيد الألوهية- كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ\n_________\n(^١) شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (١/ ٢٥).\n(^٢) سورة النحل، الآية: ٣٦.","vol":"1","page":199},{"text":"كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ (^١).\nفهم عبدوا الأصنام، وأشركوها مع الله تعالى في العبادة، مع إقرارهم بتفرد الله ﷾ بالخلق والرزق، والإحياء والإماتة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>المطلب الثالث: أدلة توحيد الربوبية:</span>\nتبين مما سبق أن الاعتقاد بوجود الله سبحانه أمرٌ فطريٌّ، لا يحتاج إلى دليل، ولكن انحراف بعض طوائف الملحدين، أوجد الحرص على إبراز الأدلة التي جاءت في الكتاب والسنة، والعقل السليم، والتي تدل على وجود الله ﷾، لرد أولئك إلى الفطر السليمة التي فطر الله الناس عليها.\nقال شيخ الإسلام: \"الإقرار بالخالق وكماله يكون فطريًّا ضروريًّا في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة وأحوال تعرض لها\" (^٢).\nفهذه القضية مع وضوحها تخبط فيها بعض الناس، فأكثروا فيها من القيل والقال، واشتد النزاع وطال الجدال.\nفأهل الكلام من المعتزلة وغالب الأشاعرة أنكروا المعرفة الفطرية التي في قلب العبد، وأوجبوا النظر لمعرفة الله تعالى -كما سبق-.\nوأما أهل السنة والجماعة فقد استدلوا على وجود الله بعدة أدلة جاءت في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - كدليل الفطرة، ودليل الخلق ودليل المعجزة، وهو ما ذهب إليه القرطبي -﵀- موافقًا فيه السلف\n_________\n(^١) سورة المؤمنون، الآيات: ٨٤ - ٨٩.\n(^٢) الفتاوى (٦/ ٧٣).","vol":"1","page":200},{"text":"معرضًا عن منهج أهل الكلام.\nوأما المازري فله كلام في دليل الفطرة يفهم منه ميله إلى إثبات أن الفطرة هي دين الإسلام كما سيأتي مفصلًا.\nأ- دليل الفطرة:\nذكر القرطبي تعريف الفطرة لغة وشرعًا. فقال في تعريفها اللغوي: \"أصل الفطرة ابتداء الخلقة، ومنه فطر ناب البعير إذا ابتدأ خروجه. ومنه قول الأعرابي المتحاكم إلى ابن عباس في البئر \"أنا فطرتها\" أي ابتدأت حفرها\" (^١).\nوقال في تعريفها شرعًا: \"أي جبلة الله التي جبلهم عليها من التهيؤ لمعرفته والإقرار به\" (^٢).\nودليل الفطرة من كتاب الله تعالى قوله جل وعلا: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (^٣).\nومن السنة قوله -ﷺ-: \"ما من مولُود إلَّا يُولَدُ على الفطرة، فأبَواهُ يُهَوِّدَانِه، ويُنصِّرَانه ويُمَجسانه، كما تُنْتَجُ البهيمةُ بهيمةً جمعاء هل تحشُون فيها من جدعاء\" (^٤).\nوقوله -ﷺ- في الحديث القدسي فيما يرويه عن ربه ﷿ قال: \"إنِّي خلقتُ عبادي حُنَفاء كُلَّهُم وإنَّهُم أتتهُم الشياطينُ فاجْتَالَتْهُم عن دينهِم\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٣٨٨).\n(^٢) المفهم (١/ ٣٨٨).\n(^٣) سورة الروم، الآية: ٣٠.\n(^٤) رواه البخاري في كتاب التفسير باب تفسير سورة الروم ح (٤٧٧٥) (٨/ ٣٧٢)، ومسلم في كتاب القدر باب معنى كل مولود يولد على الفطرة ح (٢٦٥٨) (١٦/ ٤٤٦).","vol":"1","page":201},{"text":"وحرَّمت عليهم ما أحْلَلتُ لهُم\" (^١).\nوقد اختلف في الفطرة الواردة في الآية والحديثين على أقوال:\nقيل: الفطرة هي الإسلام، وقيل: قدرة العبد على معرفة الله تعالى بعد بلوغه فهو يولد سالمًا ليس في قلبه شيء، وقيل: هي البداءة التي ابتدأهم الله عليها من الحياة والموت والسعادة والشقاوة.\nوقيل: ما أخذ عليهم من الميثاق قبل خروجهم إلى الدنيا.\nوقيل: هي ما كتب عليهم فمنهم من فطر على الإيمان ومنهم من فطر على الكفر (^٢).\nوالقول الراجح الذي تؤيده الأدلة هو القول الأول الذي فسر الفطرة بالإسلام وهو الذي عليه عامة السلف وأكثر المفسرين.\nقال مجاهد: \"فطرة الله: أي الإسلام\" (^٣).\nوقال البخاري: \"باب لا تبديل لخلق الله\": لدين الله، والفطرة: الإسلام\" (^٤).\nوقال ابن عبد البر: \"أجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الإسلام وهو المعروف عند عامة السلف\" (^٥).\nوهو الذي رجَّحه القرطبي، ورد الأقوال الأخرى لمخالفتها\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار ح (٢٨٦٥) (١٧/ ٢٠٣).\n(^٢) انظر: فطرية المعرفة وموقف المتكلمين منها للدكتور أحمد حمدان ص (١٦٦).\n(^٣) تفسير الطبري (١٠/ ١٨٣).\n(^٤) صحيح البخاري مع الفتح (٨/ ٣٧٢).\n(^٥) انظر: التمهيد (١٨/ ٧٢).","vol":"1","page":202},{"text":"للأدلة، فقال عند شرحه لحديث: \"ما من مولود إلَّا يولد على الفطرة\" (^١): \"اختلف الناس في الفطرة المذكورة في هذا الحديث، وفي الآية فقيل: هي سابقة السعادة والشقاوة وهذا إنما يليق بالفطرة المذكورة في القرآن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (^٢) وأما في الحديث فلا؛ لأنه قد أخبر في بقية الحديث بأنها تبدل وتغير، وقيل: هي ما أخذ عليهم من الميثاق، وهم في أصلاب أبائهم، وهذا إنما يليق بالرواية التي جاء فيها: \"كل مولود يولد على الفطرة\" ويبعد في رواية من رواه \"على هذه الملة\" وهي إشارة إلى ملة الإسلام.\nوقال بظاهر هذه الآية طائفة من المتأولين، وهذا القول أحسن ما قيل في ذلك -إن شاء الله تعالى- لصحة هذه الرواية، ولأنها مبينة لرواية من قال: على الفطرة. ومعنى الحديث: إن الله تعالى خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق، كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول، وعلى تلك الأهلية أدركت الحق ودين الإسلام هو الدين الحق، وقد جاء ذلك صريحًا في الصحيح: \"جبل الله الخلق على معرفته فاجتالتهم الشياطين\" (^٣) وقد تقدم هذا المعنى وقد دلَّ على صحة هذا المعنى بقية الخبر حيث قال: \"كلما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ \" يعني: أن البهيمة تلد ولدها كامل الخلق سليمًا من الآفات، فلو نزل على أصل تلك الخلقة لبقي كاملًا بريئًا من العيوب، لكن يُتصرفُ فيه، فتجدع أذنه ويوسم وجهه فتطرأ عليه الآفات والنقائص فيخرج عن الأصل، وكذلك\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص (٢٠١).\n(^٢) سورة الروم، الآية: ٣٠.\n(^٣) سبق تخريجه ص (٢٠٢).","vol":"1","page":203},{"text":"الإنسان وهو تشبيه واقع ووجهه واضح\" (^١).\nوقول القرطبي السابق موافقٌ للقول الصحيح في هذه المسألة، أما قوله: \"إن الله خلق بني آدم مؤهلة لقبول الحق\"، وقوله في تعريف الفطرة: \"أي جبلة الله التي جبلهم عليها من التهيؤ لمعرفته والإقرار به\" والتي نقلتها سابقًا فلا يفهم منه مخالفته للقول الصحيح، فقد نقل الحافظ بن حجر عن الطيبي (^٢) قوله: إن المراد بالفطرة: تمكن الناس من الهدى من أصل الجبلة، والتهيؤ لقبول الدين، فلو ترك المرء عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها؛ لأن حسن هذا الدين ثابت في النفوس، وإنما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية، كالتقليد. ثم قال الحافظ: وإلى هذا مال القرطبي في المفهم (^٣).\nفقول القرطبي موافق للمشهور عن السلف؛ لأن السلف الذين فسَّروا الفطرة بالإسلام لم يقصدوا أن المولود يولد عالمًا بأحكام الدين، وإنما قصدوا أن الفطرة تستلزم معرفة الله تعالى وتوحيده من غير سبب خارجي (^٤).\nولذا نقل الحافظ ابن حجر عقب نقله لقول القرطبي السابق قول ابن القيم الذي يوضح هذا المعنى حيث قال: \"ليس المراد بقوله: \"يولد على الفطرة\" أنه خرج من بطن أمه يعلم الدين؛ لأن الله يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٦٧٥).\n(^٢) هو الحسين بن محمد بن عبد الله الطيبي شرف الدين عالم مشارك في شتى العلوم له \"التبيان في المعاني والبيان\" وغيرها، توفي سنة (٧٤٣ هـ). الدرر الكامنة (٢/ ٦٨)، معجم المؤلفين (١/ ٦٣٩).\n(^٣) فتح الباري (٣/ ٢٩٣).\n(^٤) انظر: دلائل التوحيد لمحمد جمال الدين القاسمي ص (٢٢).","vol":"1","page":204},{"text":"مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (^١) ولكن المراد أن الفطرة مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته ... كل مولود يولد على إقراره بالربوبية، فلو خُلِّيَ وعدم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره\" (^٢).\nوأما المازري فقد ذكر الأقوال التي قيلت في الفطرة، ولم يرجح، لكن رده للأقوال الأخرى المخالفة لتفسير الفطرة بالإسلام يدل على ترجيحه لهذا القول، وسياق كلامه يظهر ذلك، حيث قال عند شرحه لحديث: \"ما من مولود إلَّا يولد على الفطرة\" (^٣): \"ذهب بعض الناس إلى أن المراد بالفطرة المذكورة في الحديث ما أُخذ عليهم وهم في أصلاب آبائهم، وأن الولادة تقع عليها حتى يقع التغير بالأبوين. وذهب بعض الناس إلى أن الفطرة هي ما قضي عليه من سعادة أو شقاوة يصير إليها، وهذا التأويل إنما يليق بما في بعض الطرق، وهو قوله: \"على الفطرة مطلقًا\"، وأما ما وقع في بعض الطرق وهو قوله: \"على هذه الفطرة\" وقوله في أخرى: \"إلَّا وهو على هذه الملة\" فإن هذه الإشارة إلى فطرة معينة وملة معينة تمنع هذا التأويل وقد يتعلق هؤلاء بقوله: \"إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا\" (^٤) وظاهر هذا يمنع من كون كل مولود يولد على هذه الفطرة، وقد ينفصل الأخرون عنه بأن المراد به حالة ثانية طرأت عليه من التهيؤ للكفر وقبوله عليه، غير الفطرة التي ولد عليها، وقال آخرون: يحتمل أن يريد بالفطرة ما هيء له وكان مناسبًا لما وضع في العقول، وفطرة الإسلام صوابها كالموضوع في العقل، وإنما يدفع العقل عن\n_________\n(^١) سورة النحل، الاية: ٧٨.\n(^٢) فتح الباري (٣/ ٢٩٣).\n(^٣) سبق تخريجه ص (٢٠١).\n(^٤) رواه البخاري في كتاب التفسير باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ ح (٤٧٢٦) (٨/ ٢٧٤).","vol":"1","page":205},{"text":"إدراكه آفة وتغيير من قبل الأبوين وغيرهما\" (^١).\nفذكره الأقوال السابقة، والرد عليها، ثم ذكر تفسير الفطرة بالإسلام، ووجه ذلك، وعدم إعقابه بالرد يدل على اختياره لهذا القول.\nوقد وجَّه أيضًا الحديث القدسي الذي قال فيه الله تعالى فيما يرويه عنه رسوله -ﷺ-: \"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كُلُّكم ضالٌّ إلَّا من هديتُهُ\" (^٢) فقال: \"ظاهره أن الناس على الضلال يخلقون إلَّا من هداه سبحانه، وقد ذكر في الحديث الآخر أنهم على الفطرة يولدون وقد يراد بهذا هاهُنا وصفهم بما كانوا عليه قبل بعثة النبي -ﷺ-، أو أنهم إن تركوا وما في طباعهم من إيثار الراحة وإهمال النظر ضلوا إلَّا من هداه الله سبحانه\" (^٣).\nوقد جمع القرطبي بين الحديثين، وبيَّن أنه لا تعارض بينها، فقال: \"لا معارضة بين قوله تعالى: \"كلكم ضال إلَّا من هديته\" وبين قوله: \"كل مولود يولد على الفطرة\"؛ لأن هذا الضلال المقصود في هذا الحديث هو الطارئ على الفطرة الأولى المغير لها الذي بينه النبي -ﷺ- بالتمثيل في بقية الخبر حيث قال: \"كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء\"\" (^٤).\nب- دليل الخلق:\nإن المتأمل في هذا الكون العظيم الصنع في أجرامه السماوية ومخلوقاته الأرضية في الليل والنهار في سائر الكائنات والمخلوقات وما تدل عليه من بديع الصنع، وقمة الإعجاز، فهي آيات باهرة ودلالات\n_________\n(^١) المعلم (٣/ ١٧٩).\n(^٢) رواه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب باب تحريم الظلم ح (٢٥٧٧) (١٦/ ٣٦٨).\n(^٣) المعلم (٣/ ١٦٥).\n(^٤) المفهم (٦/ ٥٥٢).","vol":"1","page":206},{"text":"واضحة تدل على أن لهذا الكون خالقًا مدبرًا أوجده وأبدعه، وأحكم صنعه، وهذا يعرفه كل من نظر في هذه المخلوقات وتدبر في هذه الكائنات (^١).\nولذا عندما سئل أحد الأعراب بما عرف الله؟\nقال: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، أفلا تدل على العليم الخبير؟ ! .\nولهذا قالت الرسل عليهم الصلاة والسلام لقومهم -كما حكى الله تعالى عنهم-: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٢) فقولهم فاطر السموات والأرض إشارة إلى استنكار الشك فيمن هذا صنعه وأثره.\nوالقرآن مليء بالآيات التي تدعو الإنسان إلى التفكر في خلق الله تعالى، والنظر في ملكوت السموات والأرض؛ لأن ذلك سببٌ لإيمان من طمست فطرته، فجحد الله تعالى، وسببٌ لزيادة إيمان المؤمن وقوة يقينه بالله تعالى.\nقال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى\n_________\n(^١) انظر: دلائل التوحيد للقاسمي ص (٣٥).\n(^٢) سورة إبراهيم، الآية: ١٠.\n(^٣) سورة يونس، الآية: ١٠١.\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ١٦٤.","vol":"1","page":207},{"text":"يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ (^٢).\nوغيرها من الآيات الكثيرة الدالة على ذلك.\nقال ابن تيمية -﵀-: \"فالاستدلال على الخالق بخلق الإنسان في غاية الحسن والاستقامة، وهي طريقة عقلية صحيحة، وهي شرعية دلَّ القرآن عليها، وهدى الناس إليها، وبيَّنها وأرشد إليها ... هذا يعلمه الناس كلهم بعقولهم سواء أخبر به الرسول أم لم يخبر، لكن الرسول أمر أن يستدل به ودل به، وبيِّنه واحتج به، فهو دليلٌ شرعيٌّ؛ لأن الشارع استدل به، وأمر أن يستدل به، وهو عقلي؛ لأنه بالعقل تعلم صحته\" (^٣).\nوقال ابن القيم -﵀-: \"لما كان أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه دعاه خالقه وبارئه ومصوره وفاطره من قطرة ماء إلى التبصر والتفكر في نفسه، فإذا تفكر الإنسان في نفسه استنارت له ايات الربوبية، وسطعت له أنوار اليقين، واضمحلت عنه غمرات الشك والريب\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"وإذا تأملت ما دعا الله سبحانه في كتابه عباده إلى الفكر فيه أوقعك على العلم به ﷾ وبوحدانيته وصفات كماله، ونعوت جلاله من عموم قدرته وعلمه،، وكمال حكمته وإحسانه، وبره ولطفه، وعدله، ورضاه، وغضبه، وثوابه وعقابه، فبهذا\n_________\n(^١) سورة فصلت، الآية: ٥٣.\n(^٢) سورة الذاريات، الآيتان: ٢٠، ٢١.\n(^٣) النبوات (١/ ٥٢).\n(^٤) التبيان في أقسام القرآن (١/ ١٩٠).","vol":"1","page":208},{"text":"تعرف إلى عباده وندبهم إلى التفكر في آياته\" (^١).\nولقد عقد الإمام ابن منده -﵀- في كتابه \"التوحيد\" عدة فصول تدل على هذا المعنى، وساق تحتها الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وفهم السلف لتلك النصوص (^٢).\nوقد بيَّن القرطبي أن هذه المخلوقات تدل على وجود الله ﷾، فما ترى من الشمس والقمر والنجوم والجبال وغيرها من المخلوقات العظيمة دالة على ذلك حيث قال: \"الشمس والقمر دليلان على وجود الحق سبحانه وقهره وكمال إلهيته\" (^٣).\nوأشار -﵀- إلى أن النظر في هذه المخلوقات يؤدي بالعبد إلى الإيمان بالله تعالى، واليقين به سبحانه، وأن العاقل هو الذي يقوده هذا التفكر إلى الإيمان بالله تعالى والدخول في دينه، فعند شرحه لحديث أنس الذي قال فيه: \"جاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك. قال: صدق، قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله. قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله. قال: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله. قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك؟ قال: نعم ... \" (^٤).\nقال القرطبي -﵀-: هذا الرجل كان كامل العقل، وقد كان\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة (١/ ١٨٧).\n(^٢) التوحيد لابن منده (١/ ١١٣) فما بعدها.\n(^٣) المفهم (٢/ ٥٥٢).\n(^٤) رواه البخاري في كتاب العلم باب ما جاء في العلم وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ ح (٦٣) (١/ ١٧٩) ومسلم في كتاب الإيمان باب السؤال عن أركان الإسلام ح (١٢) (١/ ٢٨٣).","vol":"1","page":209},{"text":"نظر بعقله في المخلوقات فدله ذلك على أن لها خالقًا خلقها، ألا ترى أنه استفهم النبي -ﷺ- عن خالق المخلوقات استفهام تقرير للقاعدة التي لا يصح العلم بالرسول إلَّا بعد حصولها، وهي التي تفيد العلم بالمرسل، ثم إنه لما وافقه على ما شهد به العقل وأن الله تعالى هو المنفرد بخلق هذه المخلوقات أقسم عليه، وسأله به هل أرسله؟ \" (^١).\nوهذا دليلٌ عقليٌّ على إثبات الخالق -﷾- فهذه المخلوقات لا شك أنها تدل على الخالق بالنظر والتفكر فيها، ووجود هذه المخلوقات من غير خالق أمر يحيله العقل، فهذه الموجودات محدثة، فهي موجودة بعد أن لم تكن، فهي إما أن تكون وجدت من عدم أو من محدث لها.\nوالأول معلوم البطلان عقلًا، فلابد إذًا من محدث لها. فإما أن تكون أحدثت نفسها، وهذا معلوم البطلان أيضا، وإما أن يكون المُحْدِثُ مُحَدثًا لمُحدثٍ آخر، وهذا الأخيرُ مُحْدَث لمُحْدِثِ آخر أيضا إلى ما لا نهاية. وهذا باطلٌ؛ لأنه يؤدي إلى الدور أو التسلسل، فلابد أن تحتاج إلى محدث أول لها قديم أزلي لا يحتاج إلى غيره، وهو واجب الوجود (^٢) وهو الله ﷾.\n_________\n(^١) المفهم (١/ ١٦٣).\n(^٢) قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: لفظ الوجود ومعناه المطلق يشترك فيهما كل من الممكن والواجب والحادث والقديم الأزلي فالله يوصف بأنه موجود والحادث يقال له أيضًا: إنه موجود. ولكن للممكن وجود يخصه فإنه حادث سبق وجوده عدم ويلحقه الفناء وهو في حاجة دائمة ابتداءً ودوامًا إلى من يكسبه ويعطيه الوجود بل يحفظه عليه ولله تعالى وجود يخصه فهو سبحانه واجب الوجود لم يسبق وجوده عدم ولا يلحقه فناء ووجوده من ذاته لم يكسبه من غيره وذلك لأنه تعالى الغني عن كل ما سواه. الشيخ العلامة عبد الرزاق عفيفي لمحمد أحمد سيد (٢/ ٤٠٨).","vol":"1","page":210},{"text":"وهذا الاستدلال يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ (^١).\nقال ابن القيم في تفسيره لهذه الآية: \"فتأمل هذا الترديد والحصر المتضمن لإقامة الحجة بأقرب طريق وأفصح عبارة، يقول تعالى: هؤلاء مخلوقون بعد أن لم يكونوا، فهل خُلقوا من غير خالق خلقهم، فهذا من المحال الممتنع عند كل من له فهم وعقل ... ثم قال: ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ وهذا أيضًا من المستحيل أن يكون العبد موجدًا خالقًا لنفسه ... وإذا بطل القسمان تعين أن لهم خالقًا خلقهم، وفاطرًا فطرهم، فهو الإله الحق الذي يستحق العبادة\" (^٢).\nوقد استدل القرطبي بهذ الدليل العقلي فقال: \"العقل الصريح قد دلَّ على أن كل ما نشاهده من هذه الموجودات ممكن في نفسه متغير في ذاته، وكل ما كان كذلك كان مفتقرًا إلى غيره، وذلك الغير إن كان ممكنًا متغيرًا كان مثل الأول، فلابد أن يستند إلى موجود لا يفتقر إلى غيره يستحيل عليه التغير (^٣)، وهو المعبر عنه بلسان النظار بواجب الوجود، وفي لسان الشرع بالصمد، المذكورفي قوله تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (^٤) \" (^٥).\nوهذا الدليل يعرفه كل أحد إذ مخلوقات الله ﷾ ظاهرة\n_________\n(^١) سورة الطور، الآية: ٣٥.\n(^٢) بدائع التفسير (٤/ ٢٦٨).\n(^٣) هذه جعلها المتكلمون قاعدة فاسدة لنفي صفات الله ﷾ الفعلية كالاستواء والمجيء والنزول إلى السماء الدنيا ونحو ذلك.\n(^٤) سورة الإخلاص، الآية: ١ - ٢.\n(^٥) المفهم (٥/ ٥٢٨).","vol":"1","page":211},{"text":"واضحة وفيها دلالة بينه، ولكن يؤكد على هذا الدليل ويوجَهُ إليه خاصة من انقدحت الشبُه في قلبه، فتمكنت منه فأفسدته حتى أنكر الخالق أوشك فيه.\nوقد بيَّن القرطبي هذا عند شرحه لقول الرسول -ﷺ-: \"يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا؟ حتى يقول له: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستتعذ بالله ولينته\" (^١) حيث قال: \"قوله في الحديث الآخر: \"قل آمنت بالله\" أمرٌ بتذكر الإيمان الشرعي واشتغال القلب به لتمحى تلك الشبهات وتضمحل تلك الترهات وهذه كلها أدوية للقلوب السليمة الصحيحة المستقيمة التي تعرضُ الترهات لها ولا تمكث فيها، فإذا استعملت هذه الأدوية على نحو ما أمر به بقيت القلوب على صحتها وانحفظت سلامتها، فأما القلوب التي تمكنت أمراض الشُّبه فيها ولم تقدر على دفع ما حل بها بتلك الأدوية المذكورة فلابد من مشافهتها بالدليل العقلي والبرهان القطعي كما فعل النبي -ﷺ- مع الذي خالطته شبهة الإبل الجرب حين قال النبي -ﷺ-: \"لا عدوى\" (^٢) فقال أعرابي: فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فإذا دخل فيها البعير الأجرب أجربها؟ فقال النبي -ﷺ-: \"فمن أعدى الأول\" فاستأصل الشبهة من أصلها وتحرير ذلك على طريق البرهان العقلي أن يقال: إن كان الداخل أجربها فمن أجربه، فإن كان أجربه بعير أخر كان الكلام فيه كالكلام في الأول، فإما أن يتسلسل أو يدور وكلاهما محال، فلابد أن نقف عند بعير أجربه الله من\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب بدء الخلق باب صفة إبليس وجنوده ح (٣٢٧٦) (٦/ ٣٨٧). ومسلم في كتاب الإيمان باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها ح (١٣٤) (٢/ ٥١٣).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب الطب باب لا صَفَرَ وهو داء يأخذ البطن ح (٥٧١٧) (١٠/ ١٨٠).\nومسلم في كتاب السلام باب لاعدوى ولا طيرة ولا هامة ... ح (٢٢٢٠) (١٤/ ٤٦٤).","vol":"1","page":212},{"text":"غير عدوى\" (^١).\nووجدت للمازري كلامًا في هذا الدليل ذهب فيه إلى قريب مما ذكره القرطبي حيث قال في شرحه للحديث السابق: \"أمره ﵇ لهم عند وجود ذلك أن يقول: \"آمنت بالله\": فإن ظاهره أنه أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها، والرد لها من غير استدلال ولا نظر في إبطالها والذي يقال في هذا المعنى: إن الخواطر على قسمين: فأما التي ليست بمستقره ولا اجتلبتها شبهة طرأت، فهي التي تدفع بالإعراض عنها، وعلى هذا يحمل الحديث وعلى مثلها ينطلق اسم الوسوسة، فكأنه لما كان أمرًا طارئًا على غير أصل دفع بغير نظر في دليل إذ لا أصل له ينظر فيه، وأما الخواطر المستقرة التي أوجبتها الشبهة فإنها لا تدفع إلَّا باستدلال ونظر في إبطالها، ومن هذا المعنى حديث: \"لا عدوى\" مع قول الأعرابي: فما بال الإبل الصحاح تجرب بدخول الجمل الأجرب فيها، وعلم -ﷺ- أنه اغتر بهذا المحسوس وأن الشبهة قدحت في نفسه فأزالها ﵇ من نفسه بالدليل فقال له: \"فمن أعدى الأول\" (^٢). ثم فصَّل في شرح كيفية ذلك كما فعل القرطبي.\nجـ دليل المعجزة:\nإن المعجزات التي يجريها الله تعالى تأييدًا لرسله عليهم الصلاة والسلام وتصديقًا لهم، هي من دلائل ربوبيته وإثبات وحدانيته. ذلك أنه إذا ثبتت نبوة الرسول -ﷺ- بحصول المعجزة، وجب تصديقه في كل ما يخبر به، والاستجابة لكل ما يدعو إليه، وأعظم ذلك إثبات ربوبية الله تعالى ووحدانيته والدعوة إلى توحيده.\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٣٤٥).\n(^٢) المعلم (١/ ٢١٠).","vol":"1","page":213},{"text":"قال ابن تيمية -﵀-: \"المعجزة تدل على الوحدانية والرسالة، وذلك لأن المعجزة -التي هي فعلٌ خارقٌ للعادة- تدل بنفسها على ثبوت الصانع كسائر الحوادث بل هي أخص من ذلك؛ لأن الحوادث المعتادة ليست في الدلالة كالحوادث الغريبة، ولهذا يسبح الرب عندها ويمجد ويعظم ما لا يكون عند المعتاد، ويحصل في النفوس ذلة من ذكر عظمته ما لا يحصل للمعتاد إذ هي آيات جديدة فتعطى حقها، وتدل بظهورها على الرسول، وإذا تبين أنها تدعو إلى الإقرار بأنه رسول الله فتتقرر بها الربوبية والرسالة\" (^١).\nوكذلك ابن القيم -﵀- يرى أن دلالة المعجزة من أقوى الطرق التي يستدل بها على وجود الله تعالى وتوحيده، حيث قال: \"وهذه الطريق من أقوى الطرق وأصحها، وأدلها على الصانع وصفاته وأفعاله وارتباط أدلة هذه الطريق بمدلولاتها أقوى من ارتباط الأدلة العقلية الصريحة بمدلولاتها فإنها جمعت بين دلالة الحس والعقل، ودلالتها ضرورية بنفسها، ولهذا يسميها الله سبحانه آيات بينات، وليس في طرق الأدلة أوثق ولا أقوى منها، فإن انقلاب عصا تقلها اليد ثعبانًا عظيمًا يبتلع ما يمر به ثم يعود عصا كما كانت، من أدل الدليل على وجود الصانع وحياته وقدرته، وإرادته، وعلمه بالكليات والجزئيات، وعلى رسالة الرسول، وعلى المبدأ والمعاد، فكل قواعد الدين في هذه العصا، وكذلك اليد، وفلق البحر ... وكذلك سائر آيات الأنبياء ... من أعظم الأدلة على الصانع وصفاته وأفعاله وصدق رسله واليوم الآخر، وهذه من طرق القرآن التي أرشد إليها عباده ودلهم بها\" (^٢).\n_________\n(^١) الفتاوى (١١/ ٣٧٩).\n(^٢) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (٣/ ١١٩٧، ١١٩٨).","vol":"1","page":214},{"text":"وقد وقف القرطبي وقفات كثيرة عند معجزاته ﵊ ودلائل نبوته مبينًا أن ذلك علامةٌ على صدقه وآية لرسالته والتي لا شك أنها تتضمن الدعوة إلى وحدانيته والإقرار بربوبيته، والدعوة إلى عبادته تعالى. حيث قال: \"قوله ﵊: \"الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله\" (^١) عند وقوع ما أخبر به من الغيب، دليلٌ على أن ذلك من جملة معجزاته، وإن لم يقترن بها في تلك الحال تحد قولي، وهذا على خلاف ما يقوله المتكلمون: إن من شروط المعجزة اقتران التحدي القولي بها، فإن لم تكن كذلك، فالخارق كرامة لا معجزة والذي ينبغي أن يقال: إن ذلك لا يشترط بدليل: أن الصحابة ﵃ كانوا كلما ظهر لهم خارق للعادة على يدي النبي -ﷺ- استدلوا بذلك على صدقه وثبوت رسالته\" (^٢).\nوالتفصيل في معجزاته -ﷺ- يأتي في مبحث دلائل النبوة في الفصل الثالث من هذه الرسالة.\nعلى أنه صرَّح في موضع آخر على أن هذا الدليل -أي المعجزة- علامة على ربوبية الله سبحانه وإثبات وحدانيته، فعند شرحه لحديث أنس ﵁ الذي سبق ذكره بسؤال الأعرابي للرسول -ﷺ- عن خلق السماء والأرض والجبال، قال القرطبي بعد ذلك: \"ثم إن الرجل استمر على أسئلته إلى أن حصل على طلبته فانشرح صدره للإسلام، وزاحت عنه الشكوك والأوهام، وذلك ببركة مشاهدته أنوار رسول الله -ﷺ-، فقد كان\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب \"إنَّ الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر ح (٣٠٦٢) (٦/ ٢٠٧). ومسلم في كتاب الإيمان باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه ح (١١١) (٢/ ٤٨٢).\n(^٢) المفهم (١/ ٣١٩).","vol":"1","page":215},{"text":"كثير من العقلاء يحصل لهم العلم بصحة رسالته بنفس رؤيته ومشاهدته، قبل النظر في معجزته ... والحاصل: من حال هذا السائل أنه حصل له العلم بصدق رسول الله -ﷺ- وبصحة رسالته لمجموع قرائن لا تتعين إحداها ولا تنحصر أعدادها، ويستفاد من هذا الحديث: أن الشرع إنما طلب من المكلفين التصديق الجزم بالحق كيفما حصل وبأي وجه ثبت، ولم يقصرهم في ذلك على النظر في دلالة معينة، ولا معجزة ولا غيرها، بل كل من حصل له اليقين بصدقه، بمشاهدة وجهه، أو بالنظر في معجزته، أو بتحليفه، أو بقرينة لاحت له كان من المؤمنين، ومن جملة عباد الله المخلصين، لكن دلالات المعجزات هي الخاصة بالأنبياء، والطرق العامة للعقلاء\" (^١).\nوبهذا يتبين لنا أن هذه الأدلة التي ذكرها القرطبي لإثبات ربوبية الله تعالى تدل على أنه يرى أن معرفة الله تعالى لا تنحصر في طريقة معينة لا يعرف إلَّا بها، فالمعرفة بالله تعالى أعظم المعارف وأوضحها، والطرق المؤدية إليها كثيرة، وهذا هو المنهج الصحيح الذي سلكه السلف الصالح، ودلَّت عليه نصوص الكتاب والسنة.\n_________\n(^١) المفهم (١/ ١٦٣).","vol":"1","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>المبحث الثالث الإيمان بالقدر</span>\nوفيه عشرة مطالب:\nالمطلب الأول: تعريفه لغة وشرعًا\nالمطلب الثاني: هل يقع في القدر تغيير وتبديل\nالمطلب الثالث: القدر وفعل الأسباب\nالمطلب الرابع: الاحتجاج بالقدر على المعاصي\nالمطلب الخامس: أفعال العباد\nالمطلب السادس: الحكمة والتعليل في أفعال الله\nالمطلب السابع: تكليف ما لا يطاق\nالمطلب الثامن: معنى الظلم\nالمطلب التاسع: الواجب على الله\nالمطلب العاشر: التحسين والتقبيح","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>المطلب الأول: تعريف القضاء والقدر لغة وشرعًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>(أ) لغة:</span>\nقال الجوهري: \"القضاء: الحكم، وأصله قضاي؛ لأنه من قضيت، إلَّا أن الياء لما جاءت بعد الألف همزت، والجمع أقضية، وقضى أي حكم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (^١)، وقد يكون بمعنى الفراغ تقول: قضيت حاجتي، وضربه فقضى عليه أي قتله كأنه فرغ منه. وقد يكون بمعنى الأداء والإنهاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ (^٢). وقد يكون بمعنى الصنع والتقدير ... ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (^٣) ومنه القضاء والقدر\" (^٤).\nوقال الزهري: \"القضاء في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه وكل ما أحكم عمله أو أُتمَّ أو خُتِم أو أُدِّي أداء، أو أوجب، أو أعْلِمَ، أو أُنْفِذَ، أو أُمْضيَ فقد قُضِي. وقد جاءت هذه الوجوه كلها في الحديث ومنه القضاء المقرون بالقدر\" (^٥).\nوقال ابن فارس: \"القاف والضاد والحرف المعتل أصلٌ صحيح يدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته\" (^٦).\nهذا في تعريف القضاء لغةً. وأما القدر فقال ابن سيده (^٧): القَدْرُ\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ٢٣.\n(^٢) سورة الإسراء، الآية: ٤.\n(^٣) سورة فصلت، الآية: ١٢.\n(^٤) الصحاح (٦/ ٢٤٦٣).\n(^٥) لسان العرب (١٥/ ١٨٦).\n(^٦) معجم مقاييس اللغة (٥/ ٩٩).\n(^٧) علي بن إسماعيل المرسي الشهير بابن سيدة إمام في اللغة له كتاب \"المحكم والمحيط =","vol":"1","page":219},{"text":"والقَدَرُ: القضاءُ والحُكم وهو ما يُقَدِّره الله ﷿ من القضاء ويحكم به من الأمور، قال الله ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ (^١) أي الحكم ... وفي الحديث ذكر ليلة القدر، وهي الليلة التي تقدر فيها الأرزاق\" (^٢).\nوالقَدَر والقَدْر بسكون الدال وفتحها، قال صاحب اللسان: \"قال اللحياني: القَدَرُ الاسم والقَدْرُ المصدر\" (^٣).\nقال القرطبي: القَدَر: مصدر قَدَرْتُ الشيءَ خفيفة الدال أَقْدِرُه وأَقْدُرُه قَدْرًا وقَدَرًا إذا أحطْتَ بمقداره ويقال فيه: قدَّرْتُ أُقدِّرُ تقديرًا مشدّد الدال للتضعيف\" (^٤).\n\"وهناك تلازم بين القضاء والقدر بحيث إن أحدهما لا ينفك عن الآخر\" (^٥).\nقال الخطابي: \"وجماع القول في هذا الباب أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينها، فقد رام هدم البناء ونقضه\" (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>(ب) تعريفه شرعًا:</span>\nاختلفت عبارات السلف في تعريف القدر، وهي تدل على تقدير\n_________\n= الأعظم\" و\"شواذ اللغة\" وغيرها توفي سنة (٤٥٨ هـ) سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٤٤)، الديباج المذهب ص (٢٩٩).\n(^١) سورة القدر، الآية: ١.\n(^٢) لسان العرب (٥/ ٧٤).\n(^٣) لسان العرب (٥/ ٧٤).\n(^٤) المفهم (١/ ١٣٢).\n(^٥) انظر القضاء والقدر لعبد الرحمن المحمود ص (٤٤).\n(^٦) معالم السنن (٤/ ٢٩٧).","vol":"1","page":220},{"text":"الله تعالى للأشياء في القدم وعلمه سبحانه بوقوعها في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة.\nوكتابة ذلك ومشيئته لها، ووقوعها على حسب ما قدرها تعالى.\nقال الإمام أحمد: \"القدر قدرة الله على العباد\" (^١).\nوقال النووي: \"واعلم أن مذهب أهل الحق إثبات القدر ومعناه أنه الله ﵎ قدَّر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها ﷾\" (^٢).\nوقال السفاريني (^٣): \"القدر عند السلف ما سبق به العلم، وجرى به القلم، مما هو كائن إلى الأبد، وأن الله ﷿ قدَّر مقادير الخلائق، وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وعلم ﷾ أنها ستقع في أوقات معلومة عنده تعالى، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها\" (^٤).\nوهكذا عرفه القرطبي -﵀- إذ قال: فإذا قلنا: إن الله تعالى قدر الأشياء، فمعناه أنه تعالى علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل\n_________\n(^١) مسائل ابن هانيء (٢/ ١٥٥). وقال ابن القيم عن قول أحمد: واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدًّا وقال: هذا يدل على دقة علم أحمد وتبصره في معرفة أصول الدين وهو كما قال أبو الوفاء فإنَّ إنكار القدر إنكار لقدرة الرب الذي خلق أعمال العباد، وكتابتها وتقديرها. شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (١/ ١٣٠).\n(^٢) شرح مسلم للنووي (١/ ٢٦٩).\n(^٣) محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي محدث فقيه مكثر من التصنيف له \"الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية\" و\"البحور الزاخرة في علوم الآخرة\". وغيرها توفي سنة (١١٨٨ هـ). سلك الدرر (٤/ ٤٧)، معجم المؤلفين (٣/ ٦٥).\n(^٤) لوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٣٤٨).","vol":"1","page":221},{"text":"إيجادها ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا محدث في العالم العلوي والسفلي إلَّا وهو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته، هذا هو المعلوم من دين السلف الماضين، والذي دلَّت عليه البراهين\" (^١).\nوالإيمان بالقدر ركنٌ من أركان الإيمان، كما جاء في حديث عمر بن الخطاب -﵁- عندما سأل جبريل ﵇ الرسولَ -ﷺ- عن الإيمان فقال -ﷺ-: \"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره\" (^٢).\nوالأدلة عليه من الكتاب والسنة كثيرة، منها:\n- قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ (^٣) أي: جعلنا الماء في مقر يتمكن فيه، وهو الرحم مؤخر إلى مقدار معلوم قد علمه الله، وحكم به، فقدرنا ذلك تقديرًا، فنعم المقدرون له نحن، أو فقدرنا على ذلك، فنعم القادرون عليه نحن، والأول أحق (^٤).\n- وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (^٥).\nقال ابن كثير: \"أي قدر قدرًا، وهدى الخلائق إليه، ولهذا يستدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها، وكتابته لها قبل برئها، وردوا بهذه الآية الكريمة وما\n_________\n(^١) المفهم (١/ ١٣٢).\n(^٢) سبق تخريجه ص (١٣٧).\n(^٣) سورة المرسلات، الآية: ٢١ - ٢٣.\n(^٤) تفسير النسفي (٢/ ٧٦٣).\n(^٥) سورة القمر، الآية: ٤٩.","vol":"1","page":222},{"text":"شاكلها من الآيات وما ورد في معناها من الأحاديث الثابتة على الفرقة القدرية الذين نبغوا في أواخر عهد الصحابة\" (^١).\nومن السنة قوله -ﷺ-: \"لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمن بالقدر، خيره وشره من الله، وحتى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه\" (^٢).\n- وقوله -ﷺ-: \"كل شيءٍ بقدرٍ، حتَّى العَجْزُ والكَيْسُ\" (^٣).\nوقول أبي هريرة -﵁-: \"جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله -ﷺ- في القدر، فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (^٤) \" (^٥).\nقال ابن عباس -﵁- في هذه الآية: \"خلق الله الخلق كلهم بقدر، وخلق لهم الخير والشر بقدر، فخير الخير السعادة، وشر الشر الشقاء\" (^٦).\nوهذه الأحاديث وما في معناها تدل على علم الله -﷾- وتقديره لأعمال الخلائق وآجالهم، والسعيد منهم والشقي، قبل خلقهم، فهو سبحانه العالم بما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كان\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٨٦).\n(^٢) رواه الترمذي في كتاب القدر باب ما جاء في الإيمان بالقدر خيره وشره وقال \"حديث غريب لا نعرفه إلَّا من حديث عبد الله بن ميمون وهو منكر الحديث\". قال الألباني بعد ذكره لقول الترمذي السابق: لكن الحديث صحيح فإنه جاء مفرقًا في أحاديث ثم ساقها. سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥/ ٥٦٦) حديث (٢٤٣٩).\n(^٣) رواه مسلم في كتاب القدر باب كل شيء بقدر ح (٢٦٥٥) (١٦/ ٤٤٤).\n(^٤) سورة القمر، الآية: ٤٨، ٤٩.\n(^٥) رواه مسلم في كتاب القدر باب كل شيء بقدر ح (٢٦٥٦) (١٦/ ٤٤٤).\n(^٦) تفسير الطبري (١١/ ٥٦٩).","vol":"1","page":223},{"text":"كيف يكون.\nوعلم الله -﷾- كما قال السلف \"سابق لا سائق\" بمعنى: أنه علم تعالى ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، ومنحهم سبحانه القدرة على سلوك طريق الخير أو الشر، وعلم من يسلك طريق الخير، فيهتدي فيسعد، ومن يسلك طريق الشر فيضل فيشقى.\nوقد بيَّن العلماء مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب، فقال الطحاوي: \"خلق الخلق بعلمه، وقدَّر لهم أقدارًا، وضرب لهم آجالًا، لم يَخْف عليه شيءٌ قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وجمل شيء يجري بتقديره، ومشيئته تنفذ، لامشيئة للعباد إلَّا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء، ويخذل ويبتلي عدلًا ... لا راد لقضائه، ولا مُعقِّب لحكمه، ولا غالب لأمره، آمنَّا بذلك كله، وأيقنَّا أن كلا من عنده\" (^١).\nوقال الآجري: \"مذهبنا في القدر أنا نقول إن الله ﷿ خلق الجنة، وخلق النار، وخلق لكل واحدة منهما أهلًا ... لا معارض لله في حكمه، يفعل في خلقه ما يريد عدلًا، من ربنا قضاؤه وقدره ... خلق الخلق كما شاء لما شاء فجعلهم شقيًّا وسعيدًا قبل أن يخرجهم إلى الدنيا، وهم في بطون أمهاتهم، وكتب آجالهم، وكتب أرزاقهم، وكتب أعمالهم، ثم أخرجهم إلى الدنيا، وكل إنسان يسعى فيما كتب له وعليه ... لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، الخلق كلهم له، يفعل في خلقه ما يريد، غير ظالم لهم ... أحب الطاعة من عباده، وأمر بها فجرت\n_________\n(^١) الطحاوية مع شرحها (١/ ١٢٥ - ١٣٩).","vol":"1","page":224},{"text":"ممن أطاعه بتوفيقه لهم، ونهى عن المعاصي، وأراد كونها من غير محبة منه لها، ولا أمر بها تعالى ﷿ أن يأمر بالفحشاء أو يحبها، وجل الله تعالى ربنا من أن يجري في ملكه ما لم يرد أن يجري أو شيء لم يحط به علمه قبل كونه قد علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم وبعد أن خلقهم قبل أن يعملوا قضاء وقدرًا، قد جرى القلم بأمره تعالى في اللوح المحفوظ بما يكون من بر وفجور ... يضل من يشاء ويهدي من يشاء\" (^١).\nوبيَّن ابن تيمية -﵀- مذهب أهل السنة والجماعة في القدر، فقال: \"مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب ما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وكان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان: وهو أن الله خالق كل شيء ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها وصفاتها القائمة بها، من أفعال العباد، وغير أفعال العباد، وأنه سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون شيء إلَّا بمشيئته وقدرته، لا يمتنع عليه شيء شاءه، بل هو القادر على كل شيء، ولا يشاء شيئًا إلَّا وهو قادر عليه، وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها، وقد قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم: قدَّر آجالهم، وأرزاقهم، وأعمالهم، وكتب ذلك، وكتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة، فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء، وقدرته على كل شيء ومشيئته لكل ما كان وعلمه بالأشياء قبل أن تكون وتقديره لها وكتابته إياها قبل أن تكون\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع إيمانهم\n_________\n(^١) الشريعة (٢/ ٦٩٩، ٧٠٢).\n(^٢) الفتاوى (٨/ ٤٤٩).","vol":"1","page":225},{"text":"بالقضاء والقدر وأن الله خالق كل شيء، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأن العباد لهم مشيئة وقدرة، يفعلون بقدرتهم ومشيئتهم ما أقدرهم الله عليه، مع قولهم: إن العباد لا يشاؤون إلَّا أن يشاء الله\" (^١).\nوقد قال القرطبي في بيانه لمعنى الإيمان بالقدر: \"الإيمان بالقدر هو التصديق بما تقدم ذكره، وحاصله: هو ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ (^٢) وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (^٣)، وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (^٤). وإجماع السلف والخلف على صدق قول القائل: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وقوله ﵊: \"كل شيء بقدر حتى العَجْز والكيس\" (^٥) \" (^٦).\nوالقرطبي والمازري على مذهب الأشاعرة في القدر، وقد صرَّح المازري في ذلك فقال في معرض رده على المعتزلة في قولهم في القدر: \" ... هذا أيضًا مطابق لقول الأشعرية أهل السنة في أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن المعاصي قضاها الله وقدَّرها، ألَا ترى قول السائل أرأيت ما يعمله الناس اليوم ويكدحون فيه؟ ولم يفرق بين خير وشرٍ، ولا طاعة ومعصية، وكذلك جوابه -ﷺ- لم يفرق فيه بل قال: بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم، وتلا كتاب الله مصدقًا لما قال ومسويًا بين الفجور والتقوى\n_________\n(^١) المرجع السابق (٨/ ٤٥٩).\n(^٢) سورة الصافات، الآية: ٩٦.\n(^٣) سورة القمر، الآية ٤٩.\n(^٤) سورة الإنسان، الآية: ٣٠.\n(^٥) سبق تخريجه ص (٢٢٣).\n(^٦) المفهم (١/ ١٤٥).","vol":"1","page":226},{"text":"بقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ (^١) فأخبر سبحانه عن النفس وما فعل فيها، وكذلك قوله -ﷺ- في كتاب مسلم: \"كل شيء بقدر حتى العَجْز والكَيْس\" مطابقٌ أيضًا لقول الأشعرية في هذا، وكذلك قوله: \"جاء قوم مشركون يخاصمون النبي -ﷺ- في القدر فنزل: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ إلى قوله ﷿: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (^٢) \" (^٣) وهكذا الأحاديث كلها مطابقة لقول أهل الحق\" (^٤).\nويتبين متابعة المازري والقرطبي للأشاعرة في القدر، والذي يميل إلى مذهب الجبر من خلال الحديث عن المسائل المتعلقة بالقدر، كأفعال العباد، والتحسين والتقبيح العقليين، وتكليف ما لا يطاق وغيرها من المسائل. وإلَّا فالأشاعرة يوافقون أهل السنة في الإيمان بمراتب القدر الأربع التي هي:\n- الإيمان بعلم الله الأزلي: إذ علم سبحانه ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ (^٥).\n- والإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق فما من شيء في الكون إلَّا وقد علمه سبحانه، وكتبه قبل حدوثه، كما قال تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ\n_________\n(^١) سورة الشمس، الآية: ٨.\n(^٢) سورة القمر، الآية: ٤٩.\n(^٣) سبق تخريجه ص (٢٢٣).\n(^٤) المعلم (٣/ ١٧٦).\n(^٥) سورة الحج، الآية: ٧٠.","vol":"1","page":227},{"text":"وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾ (^١).\n- والإيمان بمشيئة الله الشاملة، وقدرته تعالى التامة، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٢).\n- والإيمان بخلقه سبحانه وإيجاده للأشياء، فلا خالق غيره، ولا رب سواه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (^٣).\nقال الدكتور عبد الرحمن المحمود: القدر له أربع مراتب، هي العلم، والكِتابة، والمشيئة، والخلق. فأما مرتبتا العلم والكتابة، فلم ينكرهما إلّا غلاة القدرية ... وأما مرتبتا المشيئة والإرادة والخلق فقد وقع فيهما الخلاف على قولين:\nأحدهما: إنكار هاتين المرتبتين، وهذا مذهب المعتزلة ...\nالثاني: الإقرار بهاتين المرتبتين بإثبات الإرادة والمشيئة الشاملة، والقول بأن الله خالق كل شيء، ومن ذلك أفعال العباد. وهذا قول الجمهور من أهل السنة والجهمية والأشاعرة والماتريدية ومن وافق هؤلاء.\nولكن أفعال العباد لها متعلقان: أحدهما: بالخالق تعالى، فهذا قد اتفق فيه أهل السنة والأشاعرة على أن الله خالق أفعال العباد.\nوالثاني: بالعبد، وهل له قدرة أو لا؟ وهل قدرته مؤثرة أم غير\n_________\n(^١) سورة سبأ، الآية: ٣.\n(^٢) سورة التكوير، الآية: ٢٩.\n(^٣) سورة الزمر، الآية: ٦٢.","vol":"1","page":228},{"text":"مؤثرة؟ وقع فيها الخلاف بين الطوائف إلى حدٍ كبيبر (^١).\nوالأقوال في القدر ترجع إلى ثلاثة أقوال:\nالأول: قول أهل الجبر الذين يقولون إن الإنسان مجبور على أفعاله، وليس له إرادة ولا قدرة، وهو مذهب الجهمية ومن وافقهم.\nالثاني: قول القدرية الذين قالوا إن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله من غير إرادة الله تعالى أو علمه، ويمثل هذا المذهب المعتزلة ومن وافقهم.\nالثالث: من توسط فأثبت القدر وأن الله خالق كل شيء، وأن للإنسان مع ذلك إرادة ومشيئة، ولكنه خاضعة لمشيئة الله تعالى، كما أن للإنسان قدرة يفعل بها الفعل، ولكنه هو وأفعاله مخلوق لله تعالى، وهذا هو مذهب السلف.\nوبين هذه الطوائف الثلاث ظهرت فرق تميل في بعض المسائل إلى طائفة، وفي المسائل الأخرى إلى طائفة ثانية، ويكون الحكم عليها حسب ما يغلب على مذهبها، فقد يقال: إنها مائلة إلى مذهب الجبر، أو إلى مذهب السلف، أو إلى مذهب القدرية، ومن أشهر هذه الطوائف طائفة الأشعرية، حيث يغلب عليهم مخالفة المعتزلة، والميل إلى مذهب الجبرية، وإن لم يصلوا إلى حد موافقة الجهم (^٢) في أقواله (^٣). فغلوهم في مخالفة المعتزلة أوصلهم إلى موافقة الجبرية في بعض مسائل القدر.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فإن الأشعرية وبعض المثبتين للقدر\n_________\n(^١) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ١٣٣٠).\n(^٢) الجهم بن صفوان الراسبي السمرقندي أبو محرز رأس الضلالة وإمام الجهمية أجمع السلف على ذمه لما زرع من الشر والفساد بأقواله قتل سنة (١٢٨ هـ). سير أعلام النبلاء (٦/ ٢٦). البداية والنهاية (١٠/ ٢٨).\n(^٣) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ١٣٠٨).","vol":"1","page":229},{"text":"وافقوا الجهم بن صفوان في أصل قوله في الجبر، وإن نازعوه في بعض ذلك نزاعًا لفظيًّا أتوا بما لا يعقل ... وبالغوا في مخالفة المعتزلة في مسائل القدر حتى نسبوا إلى الجبر\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>المطلب الثاني: هل يقع في القدر تغيير وتبديل أو محو وإثبات</span>؟\nدلَّت ظواهر بعض النصوص على أن القدر يمكن أن يقع فيه تغيير وتبديل أو محو وإثبات، كقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (^٢)، وقوله -ﷺ-: \"من سرَّه أن يُبْسَطَ له في رزقه، وأن يُنْسَأ له في أثره فليَصِلْ رَحمه\" (^٣).\nفهذان النصَّان وما يماثلهما تُشْكِل مع ما سبق من أن القدر لا يتغير وأن القلم قد جفَّ بما هو كائن.\nوقد أورد القرطبي والمازري بعض صور الجمع بين هذه النصوص واتفقا على أن ما في علم الله ﷾ ثابت لا يتغير ولا يتبدل.\nقال القرطبي في شرحه للحديث السابق: \"معنى التأخير هنا في الأجل -وإن كانت الآجال مقدرة في علم الله لا يزاد فيها ولا ينقص-: أنه يبقى بعده ثناء جميل، وذكر حميد، وأجر متكرر، فكأنه لم يمت، وقيل معناه: يؤخر أجله المكتوب في اللوح المحفوظ والذي في علم الله ثابت لا تبديل فيه، كما قال تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ أي: أصل المكتوب في اللوح المحفوظ، وهو علم الله\n_________\n(^١) منهاج السنة (٤٦٣/ ١، ٤٦٤).\n(^٢) سورة الرعد، الآية: ٣٩.\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب الأدب باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم ح (٥٩٨٥) (١٠/ ٤٢٩). ومسلم في كتاب البر والصلة والأداب باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها ح (٢٥٥٧) (١٦/ ٣٥٠).","vol":"1","page":230},{"text":"الذي لا يقبل المحو ولا التغيير، وحكي معناه عن عمر -﵁- في الآية\" (^١).\nوأطال المازري -على غير عادته- في هذه المسألة، وذكر عدة صور للجمع بين النصوص، فقال: قد أُثبت في هذا الحديث أن الأجل لا يزاد فيه، ولا ينقص، وقد قال في حديث آخر: إن صلة الرحم تزيد في العمر، فكيف الجمع بين الحديثين؟\nقلنا: أول ما يجب أن تعلم أن الأجل عبارة عن الوقت الذي قدر موت الإنسان فيه، والباري سبحانه يعلمه، فما علمه الباري من الآجال لا يتبدل ولا يتغير، فالزيادة في الأجل الذي علمه الله ﷾ لا تصح. وإن كان في غير الأجل الذي عند الله تعالى في غيبه، فهذا غير ممتنع، وقال الحذاق من أهل العلم: ما وقع من الظواهر في الزيادة في العمر والنقصان منه، فيحمل على ما عند ملك الموت، أو من وكله الباري بقبض الأرواح، وأمره فيها بآجال محدودة، فإنه سبحانه بعد أن يأمره بذلك أو يثبته في اللوح المحفوظ لملك الموت فينقص منه أو يزيد فيه، على حسب ما شاء الله حتى يقع الموت على حسب ما علم الله تعالى في الأزل، وقد قال ﷿: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ (^٢) وهذا تنبيهٌ إلى ما قلناه، وإن كان قيل في الآية: محو الليل بالنهار، والنهار بالليل، وقيل: محو الأحكام المنسوخة بالناسخة لها. وقيل: معنى ذلك أن الله علم أن يعمره مائة عام؛ لأنه يَصِلُ رَحِمَهُ، وعلم أنه لو لم يصل رحمه لعمَّره ثمانين، والباري سبحانه موصوف بأنه يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون، وهذا أمثل ما ذكرنا من التأويلات،\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٥٢٨) وانظر أيضًا (٦/ ٦٥٤).\n(^٢) سورة الرعد، الآية: ٣٩.","vol":"1","page":231},{"text":"أو ما قلناه من أن الزيادة والنقصان يرجعان إلى المَلَك\" (^١).\nوقد أشار الحافظ ابن حجر إلى هذه المسألة وذكر أن فيها خلافًا بين الأشعرية والحنفية \"الماتريدية\" حيث قال: \"قد اشتهر الخلاف في ذلك بين الأشعرية والحنفية، وتمسَّك الأشاعرة بمثل هذا الحديث (^٢)، وتمسك الحنفية بمثل قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (^٣) وأكثر كل من الفريقين الاحتجاج لقوله، والحق أن النزاع لفظي، وأن الذي سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل، وأن الذي يجوز عليه التغير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل، ولا يبعد أن يتعلق ذلك بما في علم الحفظة الموكلين بالآدمي، فيقع فيه المحو والإثبات، كالزيادة في العمر والنقص، وأما ما في علم الله فلا محو فيه ولا إثبات، والعلم عند الله\" (^٤).\nونرى القرطبي والمازري لم يخرجا عما ذكره العلماء في هذه المسألة من صور الجمع بين هذه الأحاديث حيث ذكر العلماء أن الله قدَّر السبب والمسبب، فقدَّر أن هذا يصل رحمه فيزيد الله في عمره بهذا السبب، ولو لم يصل لما زاد.\nوقال آخرون: الزيادة والنقصان تكون في الصحف التي في أيدي الملائكة، فالمكتوب غير المعلوم، فما علمه الله من نهاية العمر لا يتغير، وما كتبه قد يمحى ويثبت، وعلى هذا يحمل قول عمر -﵁-\n_________\n(^١) المعلم (٣/ ١٨٤) بتصرف.\n(^٢) وهو حديث ابن مسعود ﵁ في خلق الجنين وما يؤمر به الملك من كتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. أخرجه البخاري في كتاب القدر باب (١) ح (٦٥٩٤) (١١/ ٤٨٦) ومسلم في كتابه القدر باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه ح (٢٦٤٣) (١٦/ ٤٢٩).\n(^٣) سورة الرعد، الآية: ٣٩.\n(^٤) فتح الباري (١١/ ٤٩٧).","vol":"1","page":232},{"text":"الذي أشار إليه القرطبي وهو قوله: \"اللهم إن كنت كتبتني من أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت عليَّ الذنب والشقوة فامحني وأثبتني في أهل السعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب\" (^١).\nومن العلماء من قال: إن الزيادة والنقصان على سبيل المجاز، فيحمل على البركة في العمر والسعة في الرزق، والزيادة في العمل ونحوها (^٢).\nوقد ردَّ شيخ الإسلام على هذا القول فقال: \"يُقال لهؤلاء تلك البركة وهي الزيادة في العمل والنفع هي أيضًا مقدَّرة مكتوبة، وتتناول لجميع الأشياء -ثم بيَّن شيخ الإسلام المذهب الصحيح في ذلك فقال: - والجواب المحقق: أن الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة، فإذا وَصَلَ رَحِمَهُ زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يُوجب النقص نقص من ذلك المكتوب ... والله سبحانه عالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فهو يعلم ما كتبه له وما يزيده إياه بعد ذلك، والملائكة لا علم لهم إلَّا ما علَّمهم الله. والله يعلم الأشياء قبل كونها، وبعد كونها، فلهذا قال العلماء: إن المحو والإثبات في صحف الملائكة، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ولا يبدو له ما لم يكن عالمًا به، فلا محو فيه ولا إثبات\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"الأجل أجلان: (أجلٌ مطلق) يعلمه الله (^٤)، و(أجل مقيد)، وبهذا يتبين معنى قوله -ﷺ-: \"من سرَّه أن يُبْسَط له في رزقه، وأن\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٧/ ٤٠١) وقد ذكر هذا القول عن ابن مسعود وغير واحد من الصحابة.\n(^٢) وقد ذكر القرطبي هذا القول، وقال به أيضا ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (٢٣٨) والنووي في شرحه لصحيح مسلم (١٦/ ٣٤٩) والقاضي عياض في إكمال المعلم (٨/ ٢١) وغيرهم.\n(^٣) الفتاوى (١٤/ ٤٩٠).\n(^٤) أي يعلمه الله وحده.","vol":"1","page":233},{"text":"يُنْسَأ له في أثرِه فليصل رحمه\" (^١) فإن الله أمر الملك أن يكتب أجلًا، وقال: إن وصل رحمه زده كذا وكذا، والملك لا يعلم أيزداد أم لا، لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر، فإذا جاء ذلك لا يتقدم ولا يتأخر\" (^٢).\nولكن ما في اللوح المحفوظ هل يتغير ويتبدل؟\nأشار شيخ الإسلام إلى ذلك وذكر أن الخلاف فيها على قولين لكنه لم يرجِّح (^٣).\nوالقرطبي يرى أن المحو والإثبات يكونان فيما في اللوح المحفوظ كما يتبين من قوله السابق، فالتغير الذي نفاه هو ما في علم الله سبحانه، وهذا أمرٌ متفق عليه.\nوالراجح في هذه المسألة أن ما في اللوح المحفوظ لا يتغير ولا يتبدل، وإنما التغير والتبدل يكون في الصحف التي في أيدي الملائكة. فقد نقل ابن الجوزي عن الزَّجَّاج في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ قال المفسرون: وهو اللوح المحفوظ الذي أثبت فيه ما يكون ويحدث\".\nثم قال ابن الجوزي: \"وروى عكرمة عن ابن عباس قال: هما كتابان: كتاب سوى أم الكتاب يمحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب لا يغير منه شيء\" (^٤).\nوقال الشيخ السعدي عند تفسيره للآية السابقة: \"يمحو الله ما يشاء\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص (٢٣٠).\n(^٢) الفتاوى (٨/ ٥١٧).\n(^٣) المرجع السابق (١٤/ ٤٩٢).\n(^٤) زاد المسير (٤/ ٢٥٩).","vol":"1","page":234},{"text":"من الأقدار، ويثبت ما يشاء منها، وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه، وكتبه قلمه، فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير؛ لأن ذلك محال على الله أن يقع في علمه نقص أو خلل، ولهذا قال: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ أي: اللوح المحفوظ الذي ترجع إليه سائر الأشياء، فهو أصلها، وهي فروع وشعب، فالتغير والتبديل يقع في الفروع والشعب، كأعمال اليوم والليلة التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أسبابًا، ولمحوها أسبابًا لا تتعدى تلك الأسباب ما رسم في اللوح المحفوظ كما جعل الله البر والصلة والإحسان من أسباب طول العمر وسعة الرزق، وكما جعل المعاصي سببًا لمحق بركة الرزق والعمر، وكما جعل أسباب النجاة من المهالك والمعاطب سببًا للسلامة، وجعل التعرض لذلك سببًا للعطب، فهو الذي يدبر الأمور بحسب قدرته وإرادته وما يدبره منها لا يخالف ما قد علمه وكتبه في اللوح المحفوظ\" (^١).\nوقد رجَّح هذا القول أيضًا الحافظ ابن حجر حيث قال: \"المحو والإثبات بالنسبة لما في علم الملك، وما في أم الكتاب هو الذي في علم الله تعالى، فلا محو فيه البتة، ويقال له: القضاء المبرم، ويقال للأول: القضاء المعلق\" (^٢).\nوقال به السفاريني في لوامع الأنوار (^٣). وهو مفهوم كثير من العلماء الذين تكلموا في هذه المسألة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>المطلب الثالث: القضاء والقدر وفعل الأسباب:</span>\nإن الإيمان بالقضاء والقدر، واعتقاد أن الأمور جميعها تسير وفق\n_________\n(^١) تفسير السعدي ص (٤٤٥).\n(^٢) فتح الباري (١٠/ ٤٣).\n(^٣) لوامع الأنوار للسفاريني (١/ ٣٤٩).","vol":"1","page":235},{"text":"ما سبق فيه القضاء، وجرت به المقادير، لا يقتضي من العبد ترك العمل -المفضي إلى الخمول والدعة والبطالة- اتكالًا على ذلك، بل هذا ينافي حقيقة التوكل. فلابد مع التوكل على الله من مباشرة الأسباب المأمور بها شرعًا وعقلًا وفطرة. وقد اقتضت حكمة الله تعالى تعلق الأشياء بمسبباتها وارتباطها بها، وبناءها عليها.\nقال ابن القيم -﵀-: \"وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة وحصول السرور في الدنيا والآخرة في كتابه على الأعمال، ترتيب الجزاء على الشرط، والمعلول على العلة، والمسبب على السبب ... وبالجملة فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر، والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بل ترتب أحكام الدنيا والآخرة مصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال\" (^١).\nوقد قال بعض العلماء كلامًا سديدًا في هذه المسألة، وهو قوله: \"الالتفات إلى الأسباب شركٌ في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا، نقصٌ في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية، قدحٌ في الشرع، ومجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب، فإن المطر إذا نزل وبذر الحب لم يكن ذلك كافيًا في حصول النبات، بل لابد من ريح مربية بإذن الله، ولابد من صرف الانتفاء عنه، فلابد من تمام الشروط، وزوال الموانع وكل ذلك بقضاء الله وقدره\" (^٢).\nوهذا ما قرره القرطبي فقال: \"استعمل الحرص والاجتهاد في\n_________\n(^١) الجواب الكافي ص (٩، ١٠).\n(^٢) الفتاوى لابن تيمية (٨/ ٧٠).","vol":"1","page":236},{"text":"تحصيل ما تنتفع به في أمر دينك ودنياك التي تستعين بها على صيانة دينك، وصيانة عيالك ومكارم أخلاقك، ولا تفرط في طلب ذلك، ولا تتعاجز عنه متكلًا على القدر، فتنسب للتقصير، وتُلام على التفريط شرعًا وعادة، ومع إنهاء الاجتهاد نهايته وإبلاغ الحرص غايته، فلابد من الاستعانة بالله والتوكل عليه، والالتجاء في كل الأمور إليه، فمن سلك هذين الطريقين حصل على خير الدارين\" (^١).\nوردَّ على الذين يتركون العمل احتجاجًا بالقدر، فقال: \"وقوله: \"أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل\"؟ وفي الرواية الأخرى: \"أفلا نتَّكل على كتابنا؟ \" (^٢) حاصل هذا السؤال أنه إذا وجبت السعادة والشقاوة، بالقضاء الأزلي، والقدر الإلهي، فلا فائدة للتكليف ولا حاجة بنا إلى العمل، فنتركه، وهذه أعظم شبه النافين للقدر، وقد أجابهم -ﷺ- بما لا يبقى معه إشكال فقال: \"اعملوا فكلٌّ مُيسَّر لما خُلِقَ له\" ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ (^٣) ووجه الانفصال: أن الله تعالى أمرنا بالعمل فلابد من امتثال أمره، وغيَّب عنَّا المقادير لقيام حجته وزجره، ونصب الأعمال علامة على ما سبق في مشيئته وحكمته وعزه\" (^٤).\nوالرسول -ﷺ- وهو إمام المتوكلين، لم يكن ليترك الأسباب، مع توكله على الله، بل كانت أقواله وأفعاله -ﷺ- تدل على أن فعل الأسباب من التوكل على الله.\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٦٨٢).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب التفسير سورة الليل: باب ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨)﴾ ح (٤٩٤٧) (٨/ ٥٧٩)، ومسلم في كتاب القدر باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه ح (٢٦٤٧) (١٦/ ٤٣٤).\n(^٣) سورة الليل، الآيتان: ٥، ٦.\n(^٤) المفهم (٦/ ٦٥٨).","vol":"1","page":237},{"text":"وهذا أمرٌ معلوم لا يحتاج إلى بيان، فقد شارك -ﷺ- أصحابه في حفر خندق حول المدينة في غزوة الأحزاب عملًا بالأسباب، وقد ردَّ القرطبي على جهلة الصوفية -الذين يجعلون الأخذ بالأسباب من قوادح التوكل- عند شرحه لهذا الحديث فقال: \"وغير خَافٍ ما في هذا الحديث من الفقه، من جواز التحصن والاحتراز من المكروهات، والأخذ بالحزم، والعمل في العادات بمقتضاها، وأن ذلك كله غير قادح في التوكل، ولا منقص فيه، فقد كان النبي -ﷺ- على كمال المعرفة بالله تعالى، والتوكل عليه، والتسليم لأمره، ومع ذلك لم يطرح الأسباب، ولا مقتضى العادات، على ما يراه جهال المتزهدين أهل الدعاوي الممخرقين\" (^١).\nومن اتخاذ الأسباب التي أمر بها تعالى: الدعاء، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (^٤).\n\"فإن قالوا إن هذا الدعاء الذي أمرنا الله ﷿ به وأرشدنا إليه، وجعل تركه استكبارًا وتوعَّد عليه بدخول النار، مع الذل، وأنكر عليهم أن غيره يجيب المضطر، إن كان ذلك كله لا فائدة فيه للعبد، فقد نسب إلى الرب -﷿- ما لا يجوز عليه، ولا تحل نسبته إليه بإجماع المسلمين، فإنه ﷿ لا يأمر إلَّا بما فيه فائدة للعبد، دنيوية وأخروية،\n_________\n(^١) المفهم (٣/ ٦٤٥) وانظر أيضًا (٣/ ٤٩٣).\n(^٢) سورة غافر، الآية: ٦٠.\n(^٣) سورة النمل، الآية: ٦٢.\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ١٨٦.","vol":"1","page":238},{"text":"إما جلب نفع أو دفع ضر\" (^١).\nلكن المعتزلة قالوا: لا فائدة في الدعاء، مع سابق القدر، وغلاة الصوفية قالوا: إن الدعاء قادح في التوكل. وهذا كلامٌ باطلٌ، مردود على أصحابه بالشرع والعقل إذ الدعاء من الأسباب التي جعلها الله موصلة للمراد.\nقال ابن تيمية: الدعاء في اقتضائه الإجابة، كسائر الأعمال الصالحة في اقتضائها الإثابة، وكسائر الأسباب في اقتضائها المسببات، ومن قال: إن الدعاء علامة ودلالة محضة على حصول المطلوب المسؤول ليست بسبب أو هو عبادة محضة لا أثر له في حصول المطلوب وجودًا ولا عدمًا، بل ما يحصل بالدعاء يحصل بدونه، فهما قولان ضعيفان، فإن الله علَّق الإجابة به تعليق المسبب بالسبب، كقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (^٢) وفي الصحيحين عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلَّا أعطاه بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجِّل له دعوته، وإما أن يدَّخر له من الخير مثلها، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها قالوا: يا رسول الله إذًا نُكثر، قال: الله أكثر\" (^٣) فعلَّق العطايا بالدعاء، تعليق الوعد والجزاء بالعمل المأمور به\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: قطر الولي على حديث الولي للشوكاني ص (٥١٢).\n(^٢) سورة غافر، الآية: ٦٠.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٨)، والترمذي في كتاب الدعوات، باب في انتظار الفرج وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وأخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: هذا صحيح الاسناد إلَّا أن الشيخين لم يخرجاه (١/ ٩٨٥)، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٢/ ٩٨٥)، برقم (٥٦٣٧).\n(^٤) الفتاوى (٨/ ١٩٢).","vol":"1","page":239},{"text":"وقال ابن القيم: \"إن هذا المقدور قدر بأسباب، ومن أسبابه الدعاء، فلم يقدر مجردًا عن سببه، ولكن قدر بسببه، فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور، وهكذا، كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدَّر حصول الزرع بالبذر ... فالدعاء من أقوى الأسباب، فإذا قدَّر وقوع المدعو به بالدعاء لا يصح أن يُقال لا فائدة في الدعاء، كما لا يقال لا فائدة في الأكل والشرب، وجميع الحركات والأعمال، وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء، ولا أبلغ في حصول المطلوب\" (^١).\nوهذا هو الذي قرَّره القرطبي، فردَّ على المعتزلة والصوفية فيما ذهبوا إليه في مسألة الدعاء إذ قال عند شرحه لحديث الرسول -ﷺ- الذي دعا فيه ﵇ بنقل الحمى من المدينة إلى الجحفة (^٢): \"هذا وما في معناه من أدعية النبي -ﷺ- التي تفوق الحصر حجة على بعض المعتزلة القائلين: لا فائدة في الدعاء مع سابق القدر، وعلى غلاة الصوفية القائلين: إن الدعاء قادح في التوكل، وهذه كلها جهالات لا ينتحلها إلَّا جاهل لظهور فسادها وقبح ما يلزم عليها\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>المطلب الرابع: الاحتجاج بالقدر على المعاصي:</span>\nإن الاحتجاج بقدر الله تعالى على الوقوع في المعاصي، واقتراف المنكرات مذهب باطلٌ شرعًا وعقلًا، وهو حجة المشركين الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا\n_________\n(^١) الجواب الكافي ص (٩).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب فضائل المدينة باب (١٢) ح (١٨٨٩) (٤/ ١١٩) ومسلم في كتاب الحج باب الترغيب في سكنى المدينة والصبر على لأوائها ح (١٣٧٦) (٩/ ١٥٨).\n(^٣) المفهم (٣/ ٤٩٣).","vol":"1","page":240},{"text":"حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ (^١).\nقال الشيخ السعدي في تفسير هذه الآية: \"الله تعالى أعطى كل مخلوق قدرة وإرادة، يتمكن بها من فعل ما كلِّف به، فما أوجب الله على أحد ما لا يقدر على فعله، ولا حرَّم على أحد ما لا يتمكن من تركه، فالاحتجاج بعد هذا بالقضاء والقدر ظلم محض، وعناد صرف ... فالمحتجُّون على المعاصي بالقضاء والقدر يتناقضون في ذلك، فإنهم لا يمكنهم أن يطردوا في ذلك بل لو أساء إليهم مسيء بضرب أو أخذ مال أو نحو ذلك، واحتج بالقضاء والقدر لما قبلوا منه هذا الاحتجاج\" (^٢).\nفبطلان الاحتجاج بالقدر أمرٌ واضح؛ لأنه يلزم منه تعطيل الشرع وجريان الأحكام على العباد، وهذا معلوم بطلانه بالضرورة (^٣).\nوقد بيَّن شيخ الإسلام بطلان هذه الحجة عقلًا، فقال: \"إن الواحد من هؤلاء إما أن يرى القدر حجة للعبد، وإما أن لا يراه حجة للعبد، فإن كان القدر حجة للعبد فهو حجة لجميع الناس، فإنهم كلهم مشتركون في القدر، وحينئذ فيلزم أن لا ينكر على من يظلمه ويشتمه ويأخذ ماله ويفسد حريمه، ويضرب عنقه، ويهلك الحرث والنسل، وهؤلاء جميعهم كذّابون متناقضون، فإن أحدهم لا يزال يذم هذا ويبغض هذا، ويخالف هذا، حتى إن الذي ينكر عليهم يبغضونه ويعادونه وينكرون عليه، فإن كان القدر حجة لمن فعل المحرمات وترك الواجبات، لزمهم أن لا يذموا\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآيتان: ١٤٨، ١٤٩.\n(^٢) تفسير السعدي ص (٢٨٢).\n(^٣) انظر الفتاوى لابن تيمية (٨/ ٢٦٤).","vol":"1","page":241},{"text":"أحدًا ولا يبغضوا أحدًا، ولا يقولوا في أحدٍ: إنه ظالم، ولو فعل ما فعل، ومعلوم أن هذا لا يمكن لأحدٍ فعله، ولو فعل الناس هذا لهلك العالم، فتبين أن قولهم فاسد في العقل\" (^١).\nوهؤلاء قد يستدلون بحديث أبي هريرة -﵁- في احتجاج آدم وموسى -﵉- حيث قال -ﷺ-: \"احتجَّ آدمُ وموسى فقال له موسى: يا آدمُ أنت أبُونا خيَّبْتَنا وأخرجْتَنا من الجنة، قال لهُ آدمُ: أنت موسى اصطفاك الله بكلامِه وخطَّ لك بيده أتلُومني على أمر قد قدَّره الله عليَّ قبل أن يخلُقني بأربعين سنة؟ فقال -ﷺ-: فحجَّ آدمُ موسى فحجَّ آدمُ موسى\" (^٢).\nوقد كان للعلماء أجوبة كثيرة على هذا الحديث تخرجه عن الاستدلال به في هذا المذهب الباطل في القدر.\nوكذا فعل القرطبي حيث أبطل الاستدلال بهذا الحديث على فعل المعاصي، وذكر بعض صور توجيه الحديث، وبيَّن ضعف بعضها، ورجَّح ما يراه، حيث قال: \"ظاهر هذا أن آدم إنما غلب موسى بالحجة؛ لأنه اعتذر بما سبق له من القدر، عما صدر عنه من المخالفة، وقبل عذره، وقامت بذلك حجته، فإن صح هذا لزم عليه أن يحتج به كل من عصى ويعتذر بذلك، فيُقبل عذره، وتثبت حجته، فحينئذ تكون للعصاة على الله حجة، وهذا مناقض لقوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ (^٣) وقد اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث:\n_________\n(^١) الفتاوى (٨/ ٢٦٣).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء باب وفاة موسى وذكره بعدُ ح (٣٤٠٩) (٦/ ٥٠٨) ومسلم في كتاب القدر باب حجاج آدم وموسى -﵉- ح (٢٦٥٢) (١٦/ ٤٣٩).\n(^٣) سورة الأنعام، الآية: ١٤٩.","vol":"1","page":242},{"text":"فقيل: إما غلبه آدم بالحجة؛ لأن آدم أبوموسى، وموسى ابن، ولا يجوز لوم الابن أباه، ولا عتبه. قلت: وهذا نأي عن الحديث، وعما سيق له.\nوقيل: إنما كان ذلك لأن موسى قد كان علم من التوراة أن الله تعالى قد جعل تلك الأكلة سبب إهباطه من الجنة وسكناه الأرض، ونشر نسله فيها، ليكلفهم ويمتحنهم ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي.\nقلت: وهذا إبداء حكمة تلك الأكلة لا انفصال عن إلزام تلك الحجة، والسؤال باقٍ لم ينفصل عنه.\nوقيل: إنما توجهت حجته عليه، لأنه قد علم من التوراة ما ذكروا: أن الله تاب عليه واجتباه وأسقط عنه اللوم والعتب، فلوم موسى وعتبه له -مع علمه بأن الله تعالى قدر المعصية، وقضى بالتوبة وبإسقاط اللوم والمعاتبة حتى صارت تلك المعصية كأن لم تكن- وقع في غير محله، وعلى غير مستحقه، وكان هذا من موسى نسبة جفاء في حال الصفاء، كما قال بعض أرباب الإشارات: ذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء، وهذا الوجه إن شاء الله أشبه ما ذكروا، وبه يتبين أن ذلك الإلزام لا يلزم\" (^١).\nوالمازري كذلك رجَّح ما ذهب إليه القرطبي من أن اللوم لا ينبغي وقوعه بعد التوبة، حيث قال: قال بعض أهل العلم: لما كان الله سبحانه قد تاب على آدم ﵇ من معصيته، لم يجب لومه عليها، وإلَّا فالعاصي منا لا ينجيه من اللوم والعقاب، وقوله: \"إن الله قدَّر ذلك عليَّ\" لأنه أيضا قد قدَّر عليه العقوبة واللوم إذا وقعا به، ولما كان الله تعالى تاب على آدم -ﷺ- صار ذكر ذلك له إنما يفيد إذًا مباحثته عن السبب الذي دعاه إلى ذلك، فأخبر آدم أن السبب قضاء الله وقدره، وهذا جوابٌ صحيح إذا\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٦٦٧).","vol":"1","page":243},{"text":"كانت المباحثة عن الموقع في ذلك ولم يكن عند آدم سبب موقع فيه على الحقيقة إلَّا قضاء الله وقدره، ولهذا قال -ﷺ-: \"فحجَّ آدم موسى\" ولهذا قال آدم لموسى صلى الله عليهما: \"أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه\" وذكر فضائله التي أعطاه يريد بذلك أن الله سبحانه قدَّر ذلك وقضى به، فنفذ ذلك كما قدر علي ما فعلت فنفذ فيَّ\" (^١).\nوقد نقل الحافظ ابن حجر كلام القرطبي السابق، وقال هو محصل ما أجاب به المازري، واختاره الحافظ وقال هو المعتمد (^٢).\nواختار ابن القيم ﵀ هذا الجواب وأيَّد هذا التوجيه، فقال: \"الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع، ويضر في موضع، فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه، وترك معاودته، كما فعل آدم فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع؛ لأنه لا يدفع بالقدر أمرًا ولا نهيًا، ولا يبطل به شريعة، بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوة يوضحه أن آدم قال لموسى: أتلومني على أن عملت عملًا كان مكتوبًا عليَّ قبل أن أُخلق؟ فإذا أذنب الرجل ذنبًا ثم تاب منه توبة، وزال أمره، حتى كأن لم يكن فأنَّبهُ مؤنِّبٌ عليه، ولَامَه، حَسُنَ منه أن يحتجَّ بالقدر بعد ذلك، ويقول: هذا أمر كان قد قدِّرَ عليَّ قبل أن أُخلق، فإنه لم يدفع بالقدر حقًّا، ولا ذكره حجة على باطل، ولا محذور في الاحتجاج به، وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل بأن يرتكب فعلًا محرمًا، أو يترك واجبًا فيلومه عليه لائم، فيحتج بالقدر على\n_________\n(^١) المعلم (٣/ ١٧٧).\n(^٢) فتح الباري (١١/ ٥١٨).","vol":"1","page":244},{"text":"إقامته عليه وإصراره، فيبطل بالاحتجاج به حقًّا، ويرتكب باطلًا\" (^١).\nعلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- له جوابٌ آخر غير هذا، فهو يرى أن الحديث ليس واردًا في الاحتجاج بالقدر على المعصية أصلًا، فلا يكون دليلًا على ذلك، فالقدر حجة لآدم على موسى -﵉- لأنه لامَه لأجل المصيبة التي حصلت بفعل ذلك، وتلك المصيبة كانت مكتوبة عليه، فيكون الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على المعائب، فيكون لوم موسى لآدم على الإخراج من الجنة لا على الأكل من الشجرة؛ لأن موسى -﵇- أعرف بالله وبأمره ودينه من أن يلوم على ذنب أخبره الله تعالى أنه قد تاب على صاحبه واجتباه بعده وهداه. وآدم ﵇ أعلم بالله من أن يحتج بالقدر على الذنب، وموسى ﵇ أعلم بالله من أن يقبل هذه الحجة\" (^٢).\nوهذا توجيه قوي سديد، وقد نقله ابن القيم في شفاء العليل ملخصًا، وقال: هذا جواب شيخنا ﵀ (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>المطلب الخامس: أفعال العباد:</span>\nأفعال العباد هي لب مسائل القدر، فهي التي من أجلها صار الناس فرقًا وأحزابًا.\nفهل أفعال العباد هي خلق الله تعالى أم أنها خلق العبد؟\nوقع الخلاف في هذه المسألة على أقوال:\nالأول: أن الله وحده هو خالق أفعال العباد وأعمالهم، إنما تنسب لهم\n_________\n(^١) شفاء العليل (١/ ٩٤).\n(^٢) انظر: الفتاوى (٨/ ١٠٨، ١٧٨، ١٧٩، ٣٠٤ - ٣٠٧).\n(^٣) شفاء العليل (١/ ٩٢ - ٩٤).","vol":"1","page":245},{"text":"مجازًا، فالعباد مجبورون على أفعالهم، لا قدرة لهم ولا إرادة، فحركاتهم وإراداتهم كورق الشجر، تحركه الرياح، وكحركة الشمس والقمر والأفلاك، وهذا مذهب الجبرية (^١).\nالثاني: القول بأن العباد هم الخالقون لأفعالهم، فليست أفعالهم مخلوقة لله تعالى، فهم يقولون: إن الله لا يريد المعاصي والكفر، فكيف يخلقها ويعذب عليها، فلو فعل ذلك كان ظالمًا والله منزه عن الظلم، وهذا قول المعتزلة (^٢).\nالثالث: قول جمهور الأشاعرة، وهم يقولون إن الله خالق أفعال العباد، وهي كسب لهم، والمراد بالكسب الذي أثبتوه للمكلف مقارنة وجود الفعل لقدرة المكلف، واختياره من غير أن يكون ثمة تأثير منه، أو مدخل في وجوده سوى كونه محلًا لظهور الفعل. فأثبتوا للعبد قدرة غير مؤثرة في المقدور، وقال بعضهم: إن للعبد نوع تأثير في المقدور، ولكن الذي عليه جمهورهم ومتأخروهم أن قدرة العبد غير مؤثرة في المقدور (^٣).\nوللكسب عندهم تعريفات أهمها:\n١ - ما يقع به المقدور من غير صحة انفراد القادر به.\n٢ - ما يقع به المقدور في محل قدرته.\n٣ - ما وجد بالقادر وله عليه قدرة محدثة (^٤).\n_________\n(^١) انظر الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٨٧) ومقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ٣٤٠).\n(^٢) انظر الملل والنحل (١/ ٤٥). ومقالات الإسلاميين (١/ ٢٧٠، ٢٧٤، ٢٩٨).\n(^٣) انظر: اللمع للأشعري ص (٦٩)، وانظر: الإنصاف للباقلاني ص (١٤٤، ١٥٧) والقضاء والقدر للمحمود ص (٣٦٥).\n(^٤) انظر: اللمع للأشعري ص (٧٣). شفاء العليل لابن القيم (١/ ٣٦٣)، والقضاء والقدر=","vol":"1","page":246},{"text":"وهذا الكسب الذي أثبته هؤلاء لا حقيقة له، وقد قيل ثلاثة لا حقيقة لها: طفرة النطام، وأحوال أبي هاشم، وكسب الأشعري (^١).\nوالقرطبي والمازري على مذهب الأشاعرة في أفعال العباد إذ أثبتوا أن الله ﷾ خالق أفعال العباد وأن للعبد قدرة غير مؤثرة، وسموا ذلك كسبًا.\nقال القرطبي: \"إن عدم الاستقلال بإيجاد الأعمال لا يناقض خطاب التكليف بها إقدامًا عليها، وإحجامًا عنها، فنحن -وإن كنا نعلم أنَّا لا نستقل بأفعالنا- نحس بوجدان الفرق بين الحركة الضرورية والاختيارية، وتلك التفرقة راجعة إلى تمكن محسوس، وتأتٍّ معتاد، يوجد مع الاختيارية، ويفقد مع الضرورية، وذلك هو المعبر عنه بالكسب، وهو مورد التكليف، فلا تناقض ولا تعنيف\" (^٢).\nوقال أيضًا: قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (^٣) دليلٌ على صحة إطلاق أئمتنا على أفعال العباد: كسبًا واكتسابًا، ولذلك لم يطلقوا على ذلك: لا خلق ولا خالق، خلافًا لمن أطلق ذلك من مجترئة المبتدعة، ومن أطلق من أئمتنا على العبد فاعل، فالمجاز المحض كما يعرف في علم الكلام\" (^٤).\nوقال المازري: \"الإنسان عندنا مكتسب لفعله، لا مجبور عليه، وتحقيق القول في الكسب يتسع، وموضعه كتب الأصول ولا يبعد في\n_________\n= للمحمود ص (٢٠٩).\n(^١) الفتاوى لابن تيمية (٨/ ١٢٨)\n(^٢) المفهم (٦/ ٥٥٤).\n(^٣) سورة البقرة، آية: ٢٨٦.\n(^٤) المفهم (٧/ ٣٢٢).","vol":"1","page":247},{"text":"العقل أن يجعل الله ﷾ هذه الأعمال أمارة على استحقاق الجنة والنار، ويسهل لكل عبد ما قضي له، أو عليه من ذلك\" (^١).\nوالأشاعرة هربوا من قول المعتزلة فوقعوا في الجبر، إذ أثبتوا للعبد قدرة غير مؤثرة، فأصبح العبد عندهم مجبورًا على فعله، ولذا بيَّن القرطبي أن الهداية هي خلق القدرة على الطاعة حيث قال: \"الهداية الحقيقية هي خلق القدرة على الطاعة، وقبولها، وليس ذلك إلَّا لله تعالى\" (^٢).\nفالعاصي على هذا غير قادر على الطاعة ولا مستطيع لها؛ لأن الله لم يخلق له القدرة على ذلك.\nوهذا خلاف قول أهل السنة والجماعة الذين أثبتوا للعبد قدرة على فعله، والله سبحانه لم يخلق للمطيع قدرة على الطاعة، لم يخلقها للعاصي، بل القدرة ثابتة للجميع، وأما قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾ (^٣) وما شابهها من الآيات، فالمراد بعدم الاستطاعة فيها مشقة ذلك وصعبوته عليهم، فنفوسهم لا تستطيع إرادته، وإن كانوا قادرين على فعله لو أرادوه (^٤).\nومذهب أهل السنة والجماعة في أفعال العباد أن الله ﷾ خالق أفعال العباد كلها، والعباد فاعلون حقيقة، ولهم قدرة حقيقية على أعمالهم، وقدرتهم مؤثرة في المقدور، فهم يقولون إن العبد فاعل حقيقة، وهو الذي يوصف بفعله، فهو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم، والله خالقه، وخالق فعله؛ لأنه هو الذي خلق فيه\n_________\n(^١) المعلم (٣/ ١٧٥).\n(^٢) المفهم (١/ ١٩٦).\n(^٣) سورة هود، الآية: ٢٠.\n(^٤) درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (١/ ٦١).","vol":"1","page":248},{"text":"القدرة والإرادة اللتين بهما يفعل، فلا منافاة بين عموم خلقه تعالى لجميع الأشياء، وبين كون العبد فاعلًا لفعله حقيقة (^١).\nفأهل السنة وسط بين القدرية الذين يجعلون العبد خالقًا لأفعاله الاختيارية، وبين الجبرية الذين يجعلون العبد مجبورًا في أفعاله لا قدرة له، ولا إرادة ولا اختيار (^٢).\nوأما قول الأشاعرة فهو في الحقيقة لا يختلف عن قول الجبرية، فالجبرية قالوا: إن فعل العبد ينسب إليه مجازًا (^٣)، والأشاعرة يقولون ينسب إليه عادة.\nوالنتيجة بهذا واحدة، وهو نفي الفعل عن العبد، وإن كان بعض الأشاعرة أثبت للعبد نوع تأثير وهؤلاء أقرب إلى أهل السنة.\nقال الجويني -وهو من أئمة الأشاعرة الذين خالفوهم في هذه المسألة-: \"أما نفي هذه القدرة والاستطاعة فمما يأباه العقل والحس، وأما إثبات قدرة لا أثر لها بوجه فهو كنفي القدرة أصلًا\" (^٤).\nوقد بيَّن شيخ الإسلام -﵀- أن سبب قولهم هذا يرجع إلى عدم تفريقهم بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق، وعدم تفريقهم بين ما يقوم بالله من الأفعال وما هو منفصل عنه، وجعلهم كل أفعال الله مفعولة له منفصلة عنه.\n_________\n(^١) انظر: الفتاوى لابن تيمية (٨/ ٩١٧، ٤٥٩)، وشفاء العليل لابن القيم (١/ ٣٣٣)، وشرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد العثيمين (٢/ ٢١٠).\n(^٢) انظر: وسطية أهل السنة بين الفرق للدكتور محمد باكريم ص (٣١٧٩).\n(^٣) الملل والنحل (١/ ٨٧)، وقد قال القرطبي بذلك كما سبق بيانه فوافق الجبرية وإن كان ليس هناك فرق في الحقيقة بين نسبته إليه مجازًا أو عادة.\n(^٤) الملل والنحل (١/ ٩٨).","vol":"1","page":249},{"text":"فلما جاءوا إلى مسألة القدر، وأفعال العباد، واعتقدوا أنها مفعولة لله قالوا: هي فعله، لأن الفعل عندهم هو المفعول فقيل لهم في ذلك: أهي فعل العبد؟ فاضطربوا في الإجابة (^١).\nقال -﵀-: \"والتحقيق الذي عليه أئمة السنة، وجمهور الأمة من الفرق بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق، فأفعال العباد هي كغيرها من الحدثان مخلوقة مفعوله لله كما أن نفس العبد وسائر صفاته مخلوقة مفعولة لله، وليس ذلك نفس خلقه وفعله بل هي مخلوقة ومفعولة، وهذه الأفعال هي فعل العبد القائم به ليست قائمة بالله، ولا يتصف بها فإنه لا يتصف بمخلوقاته ومفعولاته، وإنما يتصف بخلقه، وفعله كما يتصف بسائر ما يقوم بذاته، والعبد فاعل لهذه الأفعال، وهو المتصف بها وله قدرة عليها، وهو فاعلها باختياره ومشيئته وذلك كله مخلوق لله فهي فعل العبد، وهي مفعول الرب\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>المطلب السادس: الحكمة والتعليل في أفعال الله:</span>\nالله ﷾ حكيم لا يفعل جل وعلا عبثًا، ولا بغير معنى ومصلحة وحكمة، فأفعاله تعالى صادرة عن حكمة بالغة. قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ (^٣) وقال تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾ (^٤)، فالله ﷾ أنكر أن يسوى بين المختلفين أو يفرق بين المتماثلين فقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)﴾ (^٥)، وقال\n_________\n(^١) انظر الفتاوى (٢/ ١١٩).\n(^٢) المرجع السابق.\n(^٣) سورة المؤمنون، الآية: ١١٥.\n(^٤) سورة القمر، الآية: ٥.\n(^٥) سورة القلم، الآية: ٣٥.","vol":"1","page":250},{"text":"تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ (^١).\nولذا فأثبت أهل السنة والجماعة الحكمة في أفعال الله تعالى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"قال الجمهور من أهل السنة وغيرهم: بل هو حكيم في خلقه وأمره، والحكمة ليست مطلق المشيئة، إذ لو كان كذلك لكان كل مريد حكيمًا، ومعلوم أن الإرادة تنقسم إلى محمودة ومذمومة بل الحكمة تتضمن ما في خلقه وأمره من العواقب المحمودة والغايات المحبوبة، والقول بإثبات هذه الحكمة ليس قول المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة فقط، بل هو قول جماهير طوائف المسلمين من أهل التفسير والفقه والحديث والتصوف والكلام وغيرهم\" (^٢).\nوظاهر كلام القرطبي في هذه المسألة موافقة أهل السنة في إثبات الحكمة لأفعال الله تعالى، حيث قال: \"إن لله تعالى فيما يجريه حكمًا وأسرارًا راعاها، ومصالح راجعة إلى خلقه اعتبرها، كل ذلك بمشيئته وإرادته من غير وجوب عليه، ولا حكم عقليٍّ يتوجَّه إليه (^٣) بل ذلك بحسب ما سبق في علمه، ونافذِ حكمه، فما أُطلع عليه من تلك الأسرار عُرِفَ، وما لا، فالعقل عنده يقف، وحذار من الاعتراض والإنكار، فإن مآل ذلك إلى الخيبة وعذاب النار\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"الحكيم: المحكم للأمور أو الكثير الحكمة\" (^٥).\n_________\n(^١) سورة القمر، الآية: ٤٣.\n(^٢) منهاج السنة (١/ ١٤١) وانظر الفتاوى (٨/ ٩٢).\n(^٣) أراد بهذا الاستثناء الاحتراز من قول المعتزلة الذين أوجبوا على الله تعالى بمقتضي الحكمة أمورًا ومنعوا أمورًا لمخالفتها لمقتضى الحكمة بزعمهم وبمحض عقولهم.\n(^٤) المفهم (٦/ ٢١٦).\n(^٥) المفهم (١/ ٤٠٥).","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>المطلب السابع: تكليف ما لا يطاق:</span>\nالطاقة: هي الاستطاعة (^١). والإجماع على أن الله -﷾- ما كلَّف العباد إلَّا بما يستطيعون، كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (^٢).\nقال شيخ الإسلام في بيان ذلك: \"ما قال أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، لا مالك ولا أبوحنيفة، ولا الشافعي، ولا أحمد، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، ولا الليث (^٣)، ولا أمثال هؤلاء أن الله يكلف العباد ما لا يطيقونه\" (^٤).\nوهذا الذي قرَّره القرطبي عند ذكره للآية السابقة حيث قال: \"هذا خبرٌ من الله تعالى أنه لا يأمرنا إلَّا بما نطيقه، ويمكننا إيقاعه عادة، وهو الذي لم يقع في الشريعة غيره، ويدل على ذلك تصفحها، وقد حكي الإجماع على ذلك\" (^٥).\nولكن هل يصح التكليف بما لا يُطاق؟ .\nهذا موطن خلاف بين الطوائف.\n_________\n(^١) قال الجرجاني: الاستطاعة: هي عرض يخلقه الله تعالى في الحيوان يعقل به الأفعال الاختيارية والاستطاعة والقدرة والقوة والوسع متقاربة في المعنى في اللغة وأما في عرف المتكلمين فهي عبارة عن صفة بها يتمكن الحيوان من الفعل والترك. التعريفان للجرجاني ص (٣٥).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.\n(^٣) هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن الأصبهاني ثقة ثبت فقيه إمام مقدم شيخ الديار المصرية في زمنه كان من الأثرياء الأجواد توفي سنة (١٧٥ هـ) حلية الأولياء (٧/ ٣١٨). صفة الصفوة (٤/ ٣٠٩).\n(^٤) الفتاوى (٨/ ٤٧٩).\n(^٥) المفهم (٧/ ٣٢١).","vol":"1","page":252},{"text":"والتكليف بما لا يُطاق على قسمين:\nالأول: ما لا يطاق للعجز عنه عادة: كتكليف الإنسان بالطيران في الهواء، أو المشي فوق الماء. وما لا يطاق للعجزء عنه عقلًا كالجمع بين الضدين.\nالثاني: ما لا يطاق، لا للعجز عنه، لكن لتركه والاشتغال بضده: كتكليف الكافر الإيمان في حال كفره.\nوالأشاعرة اتفقوا على جواز النوع الثاني، واختلفوا في النوع الأول، فمن مجيز ومانع (^١).\nوقد حكى القرطبي هذا الخلاف دون ترجيح نقال: \"إنما الخلاف في جواز التكليف بما لا يمكننا إيقاعه: عقلًا كالجمع بين الضدين، أو عادة: كالطيران في الهواء، والمشي فوق الماء، فمن مجوز ومن مانع\" (^٢).\nولكنه في موضع آخر وافق الأشاعرة في قولهم، فرجَّح جواز التكليف بما لا يطاق، فقال: \"قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ (^٣) ما: هذه أيضًا على عمومها، فتتناول كل ما يقع في نفس الإنسان من الخواطر، ما أُطيق دفعها شها، وما لا يُطاق، ولذلك أشفقت الصحابة من محاسبتهم على جميع ذلك، ومؤاخذتهم به، فقالوا للنبي -ﷺ-: كُلِّفنا ما نطيق بالصلاة والى جام، وهذه الآية لا نطيقها ... فأقرهم النبي -ﷺ- على ما فهموه، وبيَّن لهم أن لله تعالى أن\n_________\n(^١) انظر: اللمع للأشعري ص (٩٨)، والمستصفى للغزالي (١/ ١١٦٣).\n(^٢) المفهم (٧/ ٣٢١).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٨٤.","vol":"1","page":253},{"text":"يكلف عباده بما يطيقونه وبما لا يطيقونه\" (^١).\nوقال في استخراجه لفوائد من قوله -ﷺ-: \"من صَوَّرَ صورةً في الدُّنيا كلِّف أن ينفُخ فيها الرُّوح يوم القيامة وليس بنافخ\" (^٢): ويُستفاد منه جواز التكليف بالمحال في الدنيا، كما جاز في الآخرة (^٣).\nوالمازري لم يصرح بهذا فعند شرحه لحديث أبي هريرة﵁- الذي قال فيه: \"لما نزلت على رسول الله -ﷺ- ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ (^٤) قال: فاشتدَّ ذلك على أصحاب رسول الله -ﷺ- فأَتوْا رسول الله -ﷺ- ثمَّ بركُوا على الرُّكَب فقالوا: لا نطيقها\" (^٥): قال: إشفاقهم وقولهم: \"لا نطيقها\" يحتمل أن يكون أنهم اعتقدوا أنهم يؤاخذون بما لا قدرة لهم على دفعه من الخواطر التي لا تكتسب، فلهذا رأوه من قبيل ما لا يطاق ... فإن كان المراد هذا كان الحديث دليلًا على أنهم كلفوا ما لا يطاق، وعندنا أن تكليفه جائزٌ عقلًا\" (^٦).\nوالقول بتكليف ما لا يطاق بناه الأشاعرة على ما في مذهبهم من أنه لا يجب على الله شيء ولا يقبح منه شيء.\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٣٣٦).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب التعبير باب من كذب في حلمه ح (٧٠٤٢) (١٢/ ٤٤٦)، ومسلم في كتاب اللباس والزينة باب تحريم تصوير صورة الحيوان ح (٢١١٠) (١٣/ ٣٣٨).\n(^٣) المفهم (٥/ ٤٣٣).\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ٢٨٤.\n(^٥) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب بيان أنه ﷾ لم يكلف إلَّا ما يطاق ح (١٢٥) (٢/ ٥٠٤).\n(^٦) المعلم (١/ ٢٠٨).","vol":"1","page":254},{"text":"وأما أهل السنة فاتفقوا على عدم جواز التكليف، بما لا يطاق، وهو النوع الأول، وقد ذكر شيخ الإسلام الإجماع على ذلك (^١).\nوأما النوع الثاني فقالوا بجواز التكليف به للاتفاق على وقوعه في الشريعة، ولكنهم خالفوا في إطلاق ذلك عليه، فمنعوه لأن مضمونه أن فعل ما لا يفعله المكلف لا يطيقه، وإن كان بعض المنتسبين إلى السنة قد أطلقه في رده على القدرية (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>المطلب الثامن: معنى الظلم:</span>\nلا شك أن الله ﷾ حكمٌ عدلٌ، لا يظلم الناس شيئًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (^٣)، وكقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ (^٤)، وكقوله تعالى في الحديث القدسي: \"يا عبادي إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلتُهُ بينكم مُحرَّمًا، فلا تظالموا\" (^٥).\nولكن ما هو الظلم الذي ينزه عنه ﷾؟\nوقع الخلاف في معنى الظلم، بناءً على مسألة التحسين والتقبيح، على ثلاثة أقوال:\nالأول: من عرَّف الظلم بأنه التصرف في ملك الغير أو مخالفة الآمر الذي تجب طاعته، فيقولون: الظلم بالنسبة لله غير ممكن الوجود.\n_________\n(^١) الفتاوى (٨/ ٣٠١).\n(^٢) المرجع السابق (٨/ ٢٩٨، ٢٩٩).\n(^٣) سورة يونس، الآية: ٤٤.\n(^٤) سورة الأنبياء، الآية: ٤٧.\n(^٥) سبق تخريجه ص (٢٠٦).","vol":"1","page":255},{"text":"فالظلم منه ممتنع غير مقدور، كالجمع بين الضدين، ولو قدر وجوده، فإنه عدل. فلو عذَّب الله المطيعين من الأنبياء والمرسلين، ونعَّم العاصين من الكافرين والظالمين لم يكن ظالمًا؛ لأنه يتصرف في ملكه، وليس فوقه آمر حتى يخالفه.\nوهذا هو قول الجهمية وعامة الأشاعرة، ومن تابعهم من بعض أتباع مالك والشافعي وأحمد (^١).\nالثاني: قول المعتزلة، وهو أن الظلم مقدور لله ﷿، ولكنه منزه عنه لقبحه، ولكنهم يجعلون الظلم الذي حرَّمه الله، وتنزَّه عنه نظير الظلم من الآدميين بعضهم لبعض، فشبَّهوه في الأفعال ما يحسن منها وما لا يحسن بعباده، فضربوا له من أنفسهم الأمثال، ولذلك فهم يسمون مشبهة الأفعال. فالله عندهم عدل لا يظلم؛ لأنه لم يرد وجود شيء من الذنوب، لا الكفر، ولا الفسوق، بل العباد يفعلون ذلك بغير مشيئته، فليس بخالق لأفعال العباد؛ لأنه لو كان خالقًا لها، ثم عاقب عليها، لكان ظالمًا للعباد (^٢).\nوقد ذكر القرطبي القولين السابقين، وارتضى القول الأول الذي عليه عامة الأشاعرة، وأعرض عن القول الثالث الذي عليه أهل السنة، فلم يذكره ولم يشر إليه، حيث قال: \"اتفق العقلاء على أن الظلم على الله تعالى مُحال، وإنما اختلفوا في الطريق، فالقائلون بالتحسين والتقبيح عقلًا يقولون: يستحيل عليه لقبحه، ومن لا يقول بذلك يقولون: يستحيل عليه لاستحالة شرطه في حقه تعالى، وذلك أن الظلم إنما يتصور في حق\n_________\n(^١) انظر منهاج السنة (٣/ ٢٩). وجامع الرسائل رسالة في كون الرب عادلًا وتنزهه عن الظلم (١/ ١٢١).\n(^٢) انظر إنعام الباري في شرح حديث أبي ذر الغفاري لابن تيمية (٢٩ - ٤٤).","vol":"1","page":256},{"text":"من حدَّت له حدود، ورسمت له مراسم، فمتى تعداها كان ظالمًا، والله تعالى هو الذي حدَّ الحدود، ورسم الرسوم، إذ لا حاكم فوقه، ولا حاجز عليه، ولا يجب عليه حكم، ولا يترتب عليه حق، ولا يتصور الظلم في حقه\" (^١).\nوقال أيضًا: \"الظلم لا يتصور من الله تعالى، فإن الكل خلقه وملكه، لا حجر عليه ولا حكم، فلا يتصور في حقه الظلم لاستحالة شرطه\" (^٢).\nوبيَّن أنَّ لله تعالى أن يعذب من غير تكليف، كالصبي والمجنون، ولا يكون ظالمًا، موافقًا للأشاعرة فيما ذهبوا إليه، حيث قال: ثم لله تعالى أن يعذب من شاء ابتداءً من غير تكليف، من صبي أو مجنون، أو غير ذلك، بحكم المالكية، وأنه لا حجر عليه، ولا حكم، فلا يكون ظالمًا بشيء من ذلك إن فعله\" (^٣).\nوكذلك المازري أخذ بهذا القول موافقًا عامة الأشاعرة على ذلك حيث قال: الظلم مستحيل منه ﷾ جده؛ لأنه إنما يكون إذا تعديت الحدود وتجوَّزت المراسم، والباري جلَّت قدرته ليس فوقه أحد يحد له حدًّا، أو يرسم له رسمًا، حتى يكون متجاوزًا لذلك ظالمًا، ولا فوقه من يستحق أن يطيعه حتى يحلل له الحلال ويحرِّم عليه الحرام، ولكن تحريم الشيء يقتضي المنع منه، والكف عنه، فسمي الباري سبحانه تقدسه عن الظلم بهذا اللفظ، فقال \"حرَّمت على نفسي\"\" (^٤).\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٥٥٢).\n(^٢) المفهم (٦/ ٦٦٢).\n(^٣) المفهم (٦/ ٦٧٨). وانظر أيضًا (٦/ ٢١٢).\n(^٤) المعلم (٣/ ١٦٥) وانظر أيضًا (٣/ ١٩٨، ١٩٩).","vol":"1","page":257},{"text":"والصحيح في هذه المسألة ما عليه عامة أهل السنة وهو أن حقيقة\nالظلم وضع الشيء في غير موضعه، وهذا الذي حرَّمه الله على نفسه مثل\nأن يترك حسنات المحسن، فلا يجازيه عليها، أو يعاقب البريء على ما لم\nيفعل من السيئات، ونحو ذلك من الأفعال التي يُنزَّه عنها الرب -سبحانه\nوتعالى- لقسطه وعدله، وهو قادر عليها، وإنما استحق الحمد والثناء؛\nلأنه ترك هذا الظلم وهو قادر عليه، وكما أن الله منزِّه عن صفات النقص\nوالعيب فهو أيضًا منزه عن أفعال النقص والعيب (^١).\nالمطلب التاسع: الواجب على الله تعالى:\nخالف المعتزلة جماهير المسلمين في مسألة وجوب شيء على الله\nتعالى، وذلك بناءً على قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين حيث أوجبوا\nعلى الله أمورًا وحرموا عليه أخرى بمحض عقولهم قياسًا لله تعالى على\nعباده. حيث أوجبوا عليه رعاية مصالح العباد وثوابهم على الطاعة،\nومعاقبتهم على المعصية وسموا ذلك عدلًا (^٢).\nوجماهير المسلمين من أهل السنة وغيرهم قالوا: لا يجب على الله\nشيء، بل له أن يفعل مايشاء ويحكم مايريد.\nوقال ابن القيم -﵀- في النونية:\nماللعباد عليه حق واجب ... هو أوجب الأجر العظيم الشان\nكلا ولاعمل لديه ضائع ... إن كان بالإخلاص والإحسان\nإن عذبوا فبعد له أونعموا ... فبفضله والحمد للمنان (^٣)\n_________\n(^١) انظر الفتاوى لابن تيمية (١٨/ ١٤٥)، مفتاح دار السعادة لابن القيم (٢/ ١٠٧)، القضاء والقدر للمحمود ص (١٨٨).\n(^٢) الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٤٥)، والفتاوى لابن تيمية (٨/ ٩١).\n(^٣) القصيدة النونية المسماة \"الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية\"، مع شرحها للشيخ=","vol":"1","page":258},{"text":"قال الشيخ محمد خليل هراس (^١) في شرح هذه الأبيات: \"في هذه الأبيات الثلاثة بيان لمذهب أهل السنة في أنه ليس للعباد حق واجب على الله وأنه مهما يكن من حق فهو الذي أحقه، وأوجبه ولذلك لا يضيع عنده عمل قام على الإخلاص والمتابعة، فإنهما الشرطان الأساسيان لقبول الأعمال فإذا توفرا في عمل ما كان مقبولًا بمقتضى وعده سبحانه وإيجابه واستحق صاحبه الأجر المقدر له، فهو إن عذب العباد فبعدله، فإنه لا يجزي على السيئة إلَّا سيئة مثلها، فلا يظلم أحدًا مثقال ذرة، وإن أنعم وأثاب فبفضله، فله الحمد أولًا وآخرًا\" (^٢).\nوالقرطبي نصر هذا القول ورد على المعتزلة فيما ذهبوا إليه، فقال: \"إن الله تعالى الفعال لما يريد القادر على ما يشاء لا يتوجه عليه وجوب ولا حق ولا يثبت عليه لوم ولا حكم، وأما على أصول أهل البدع القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين، وما يتولد على ذلك من الأصول الفاسدة من التجويز والتعديل والإيجاب على الله تعالى فلا يلتفت إليها ولا يعرج عليها لظهور فسادها\" (^٣).\nوقال المازري في شرحه لحديث معاذ بن جبل -﵁-: \"قوله -ﷺ- في حديث معاذ: \"هل تدري ما حق العباد على الله؟ \" (^٤) يحتمل\n_________\n= محمد خليل هراس (٢/ ٩١).\n(^١) محمد خليل هراس المصري عالم قضى حياته في التعليم والتأليف والدفاع عن العقيدة السلفية توفي سنة (١٣٩٥ هـ). انظر: مقدمة شرحه للعقيدة الواسطية، تحقيق علوي السقاف ص (٤١).\n(^٢) المرجع السابق (٢/ ٩٢).\n(^٣) المفهم (٦/ ٢١٢)، وانظر أيضًا (٦/ ٢١٦).\n(^٤) الحديث أخرجه البخاري في كتاب اللباس باب إرداف الرجل خلف الرجل ح (٥٩٦٧) (١٠/ ٤١٢). ومسلم في كتاب الإيمان باب الدليل على: أنَّ من مات على التوحيد دخل =","vol":"1","page":259},{"text":"وجهين:\nأحدهما: أن يكون أراد حقًّا شرعيًّا لا واجبًا بالعقل، كما تقول المعتزلة، وكأنه لما وعد به تعالى ووعده الصدق صار حقًّا من هذه الجهة.\nوالوجه الثاني: أن يكون خرج مخرج القابلة للفظ الأول، لأنه قال في أوله: \"ما حق الله على العباد؟ \" ولا شك أن لله على عباده حقًّا فاتبع اللفظ الثاني الأول\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>المطلب العاشر: التحسين والتقبيح:</span>\nأول من اشتهر عنه القول بالتحسين والتقبيح الجهم بن صفوان الذي وضع قاعدته \"إيجاب المعارف بالعقل قبل ورود الشرع\" وبنى على ذلك أن العقل يوجب ما في الأشياء من صلاح وفساد وحسن وقبح، قبل نزول الوحي، ثم جاء الوحي مصدقًا لما قال به العقل من حسن بعض الأشياء، وقبح بعضها، وقد أخذ المعتزلة بهذا القول، واشتهر عنهم فقالوا: إن العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة ولو لم يبعث إليهم رسول\" (^٢).\nوقابل هذا القول قول الأشاعرة، ومن تابعهم الذين قالوا: إن الفعل لا يدل على حسن شيء، ولا قبحه، قبل ورود الشرع، فلا يعرف الحسن والقبح إلَّا بالشرع، فلو عكس الشرع، فحسن ما قبحه وقبح ما حسنه لم يكن ممتنعًا (^٣).\n_________\n= الجنة ح (٣٠) (١/ ٣٤٣).\n(^١) المعلم (١/ ١٩٥)، وانظر أيضًا (١/ ٣٢٥).\n(^٢) نشأة الفكر الفلسفي للنشار (١/ ٣٤٦).\n(^٣) انظر: اللمع للأشعري ص (١١٦) والتبصير في الدين لأبي المظفر الإسفراييني ص (١٠٣).","vol":"1","page":260},{"text":"ولم يجعلوا أحكام الشرع معللة بناء على مذهبهم في التعليل، فلا فرق عندهم بين السجود للشيطان والسجود للرحمن في نفس الأمر، ولا بين الصدق والكذب، إلَّا أن الشارع حرم هذا وأوجب، هذا فمعنى حسنه كونه مأمورًا به، لا أنه منشأ مصلحة، ومعنى قبحه كونه منهيًّا عنه، لا أنه منشأ مفسدة ولا فيه صفة اقتضت حسنه أو قبحه\" (^١).\nوهذا ما سلكه القرطبي في هذه المسألة حيث قال: \"الله تعالى جبل القلوب الكاملة على القيام بحق الأمانة من حفظها واحترامها وأدائها لمستحقها، وعلى النفرة من الخيانة فيها لتنتظم المصالح بذلك، لا لأنها حسنة في ذاتها كما يقوله المعتزلة\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"إن أعمال العباد الصالحة ليست مما تقتضي دخول الجنة إذ ليست في أنفسها على صفات تقتضي ذلك، ولا يستحق المكلف على الله بسببها شيئًا (^٣)، إذ لا منفعة له فيها، ولا غرض، فإنه الغني بذاته\n_________\n(^١) مدراج السالكين لابن القيم (١/ ٢٣٠).\n(^٢) المفهم (١/ ٣٥٦).\n(^٣) العمل سبب لدخول الجنة كما قال تعالى: ﴿دْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ النحل: (٣٢) وقوله تعالى: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، الأعراف: (٤٣). قال ابن كثير: بسبب أعمالكم نالتكم الرحمة فدخلتم الجنة. تفسير ابن كثير (٢/ ٢٠٦)، وقال السعدي: العمل هو السبب والمادة والأصل في دخول الجنة. تفسير السعدي ص (٤٦٧) وفي الجمع بين قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾، وبين قوله -ﷺ- \"لن ينجو أحد بعمله\" مسلم في كتاب صفات المنافقين، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله ح (٢٨١٦) (١٧/ ١٦٤) قال ابن القيم: الأعمال سبب لدخول الجنة مقتضية له كاقتضاء سائر الأسباب مسبباتها، وأما الحديث فأخبر فيه أن دخول الجنة ليس في مقابلة عمل أحد وأنه لولا رحمة الله بعبده لما أدخله الجنة لأنَّ العمل بمجرده ولو تناهى لا يوجب دخول الجنة ولا أن يكون عوضًا لها لأنه ولو وقع على الوجه الذي يحبه الله لا يقاوم نعمة الله بل جميع العمل لا يوازي نعمة واحدة، مفتاح دار السعادة (١/ ٨) بتصرف، وبمن ﵀=","vol":"1","page":261},{"text":"الذي لا يُستغنى عنه، وكأن هذا نص في الرد على أهل البدع والمعتزلة في قولهم في قاعدة التحسين والتقبيح والاستحقاق العقليين\" (^١).\nوصرَّح في موضع آخر \"أن الحسن والقبح لا يعرفان إلَّا من قبل الشرع، فما حسنه بالثناء عليه، فهو حسن، وما قبحه بالذم عليه فهو القبيح\" (^٢).\nوهذا القول نقله الحافظ ابن حجر وارتضاه (^٣).\nوالمازري ورد عنه ما يشير إلى أخذه بهذا القول إذ رد على المعتزلة قولهم في التحسين والتقبيح، فحاصله الأخذ بالرأي المقابل لهم،\n_________\n= في شفاء العليل أنَّ هذا مذهب الجبرية حيث قال: وسلكت الجبرية وادي الجبر وطريق المشيئة المحضة ... قالوا ولما كان الأمر راجعًا إلى محض المشيئة لم تكن الأعمال سببًا للنجاة فكانت رحمته للعباد هي المستقلة بنجاتهم لا أعمالهم فكانت رحمته خيرًا من أعمالهم وهؤلاء راعوا جانب الملك وعطلوا جانب الحمد ولله سبحانه له الملك وله الحمد. شفاء العليل (١/ ٢٤٤). وقول القرطبي السابق مبالغة في مخالفة المعتزلة وإلَّا فالله تعالى جعل الأعمال من الأسباب الموصلة إلى الجنة فعلق الجزاء على الأعمال وهو ما قرره القرطبي في موضع آخر من المفهم حيث قال: لم يجعل الله التمسك بسابق القدر حجة للمقصرين ولا عذرًا للمعتذرين وعلق الجزاء على الأعمال وجعلها له سببًا فقال تعالى: ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الجاثية/ ٢٢] وبـ ﴿مَا عَمِلَتْ﴾ [النحل: ١١١]، وقال في أهل الجنة ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة/ ١٧]، وقال في أهل النار: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨)﴾ [فصلت/ ٢٨]، وقال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم/ ٣١]، وقال على لسان نبيه -ﷺ-: \"يا عبادي إنما هي أعمالكم أردها عليكم فمن وجد خيرًا فليحمدالله ومن وجد الأخرى فلا يلومن إلَّا نفسه\". سبق تخريجه ص (٢٠٦). المفهم (٦/ ٦٦٤).\n(^١) المفهم (٧/ ١٣٩).\n(^٢) انظر: المرجع السابق (٧/ ١٣٩).\n(^٣) انظر: فتح الباري (١/ ٢٦٧).","vol":"1","page":262},{"text":"خصوصًا إذا علمنا أن المازري أشعري خالص لا يكاد يخرج عن رأي الأشاعرة في جميع مسائل العقيدة. حيث قال في هذه المسألة: \"لا يقال أن قولهم: \"أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر\" (^١) إنما بعُدَ عندهم على طريقة المعتزلة في التقبيح والتحسين من جهة العقول، وأنه لا يؤجر إلَّا على فعله، بل يحتمل أن يكون إنما بَعُدَ عندهم على ما عهدوه من حكم الشريعة، وتقرر عندهم أن الأجور تكون بقدر المشاق، وهذا مما تدعو إليه الطباع وتستلذه\" (^٢).\nوالمذهب الصحيح في هذا ما عليه جمهور أهل السنة والجماعة، وهو وسطٌ بين طرفين، فهم يقولون: إن الحسن والقبح يعرفان بالعقل، ولكن لا يترتب على ذلك ثواب ولا عقاب، قبل ورود الشرع بالأمر والنهي.\nقال ابن القيم -﵀-: \"الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة، كما أنها نافعة وضارة، والفرق بينهما كالفرق بين المطعومات والمشمومات والمرئيات، ولكن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب، إلَّا بالأمر والنهي، وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحًا موجبًا للعقاب مع قبحه في نفسه، بل هو في غاية القبح، والله لا يعاقب عليه إلَّا بعد إرسال الرسل، فالسجود للشيطان والأوثان والكذب والزنا والظلم والفواحش كلها قبيحة في ذاتها، والعقاب عليها مشروط بالشرع\" (^٣).\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتاب الزكاة باب بيان أنَّ اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف ح (١٠٠٦)، (٧/ ٩٥).\n(^٢) المعلم (٢/ ١٧).\n(^٣) مدراج السالكين (١/ ٢٣١).","vol":"1","page":263},{"text":"وقال الشيخ عبد العزيز بن باز (^١) - رحمه الله تعالى- تعليقًا على كلام القرطبي الذي نقله الحافظ ابن حجر وارتضاه: \"هذا قول بعض أهل السنة، وذهب بعض المحققين منهم إلى أن العقل يحسن ويقبح لما فطر الله عليه العباد من معرفة الحسن والقبيح، وقد جاءت الشرائع الإلهية تأمر بالحسن وتنهى عن القبيح، ولكن لا يترتب الثواب والعقاب على ذلك، إلَّا بعد بلوغ الشرع كما حقق ذلك العلامة ابن القيم -﵀- في \"مفتاح دار السعادة\" (^٢) وهذا هو الصواب والله أعلم\" (^٣).\n_________\n(^١) هو الشيخ الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز إمام أهل السنة في زمنه تولى القضاء في عدد من البلدان ثم تولى رئاسة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عند إنشائها ثم تولى رئاسة الإدارة العامة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ثم مفتيًا عامًا للمملكة ورئيسًا لهيئة كبار علمائها إضافة إلى اضطلاعه بالعديد من المهام والأعمال الدعوية مع الاجتهاد في نشر العلم والعبادة ونفع الناس، خلَّف عدة مؤلفات منها \"الفوائد الجلية في المباحث الفرضية\"، \"العقيدة الصحيحة وما يضادها\"، \"نقد القومية العربية\" وله حاشية مفيدة على فتح الباري وَصَلَ فِيها إلى كِتَاب الحجِّ إلى غير ذلك من المؤلفات النِّافعة، توفي ﵀ في يوم الخميس ٢٧/ ١/ ١٤٢٠ هـ وصلي عليه بعد صلاة الجمعة في المسجد الحرام، وصلي عليه صلاة الغائب في جميع مناطق المملكة وبعض الدول الإسلامية.\n(^٢) مفتاح دار السعادة (٢/ ١٤ - ٦٢).\n(^٣) فتح الباري (١/ ٢٦٧) الهامش.","vol":"1","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>الفصل الثالث توحيد الألوهية</span>\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: حقيقته ومكانته\nالمبحث الثاني: العبادة وبعض أنواعها\nالمبحث الثالث: نواقض التوحيد وقوادحه\nالمبحث الرابع: البدع والموقف من الفرق المبتدعة","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>المبحث الأول حقيقته ومكانته</span>\nتوحيد الألوهية هو إفراد الله تعالى بالعبادة، واستحقاقه لها وحده دون سواه قولًا وفعلًا وقصدًا. ويسمى هذا التوحيد توحيد العبادة، وتوحيد الطلب، وتوحيد القصد والإرادة.\nوهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أصل دين الرسل، ومفتاح دعوتهم الذي فاتحوا به أقوامهم، فكل رسول أرسل إلى قومه يدعوهم بقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (^١) كما أخبر الله عنهم في كتابه، وهذا التوحيد هو حقيقة دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحدٍ سواه، وهو معنى قول: \"لا إله إلَّا الله\" وهو الذي تضمنه قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (^٢). بل كل آية في القرآن فهي متضمنة لهذا التوحيد وحقوقه وجزائه، كما دلَّت على ذلك سورة \"الفاتحة\"، و\"قل ياأيها الكافرون\"، وأول سورة \"الزمر\" وآخرها، وأول سورة \"يونس\" ووسطها وآخرها، وأول سورة \"الأعراف\" وآخرها، وجملة سورة \"الأنعام\" وغالب سور القرآن (^٣).\nفمن أجل هذا التوحيد أنزل الله كتبه، وأرسل رسله، ومن أجله شرع الله الجهاد، ومن أجله خلق الله الجنة والنار، بل هو المقصود الأعظم من خلق الإنس والجن، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ٥٩.\n(^٢) سورة الفاتحة، الآية: ٥.\n(^٣) انظر: مدراج السالكين لابن القيم (٣/ ٤٤٩)، وتيسير العزيز الحميد لسليمان بن عبد الله آل الشيخ (٣٦).","vol":"1","page":267},{"text":"إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (^١).\nفهو أول واجب على المكلف، وآخر واجب عليه، وأول ما يدخل به الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، وهذا التوحيد هو الذي وقع فيه النزاع بين الرسل وأممهم، وشآقَّت فيه قريش رسول الله -ﷺ-، وقالت: أجعل الألهة إلهًا واحدًا، فهم أقروا بربوبية الله وقدرته على الخلق والرزق والإحياء والإماتة، وأنكروا تفرده بالإلهية والعبادة، فقاتلهم رسول الله -ﷺ-، وأمر بقتالهم حتى يقولوا لا إله إلَّا الله، ويأتوا بلوازمها ومقتضياتها، ولهذا فإن إقرار المشرك بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، لا ينجيه من عذاب الله إن لم يقترن به إقراره بأنه لا إله إلَّا الله، فلا يستحق العبادة أحدٌ إلَّا هو، وأن محمدًا رسول الله، فيجب طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر (^٢).\nوقد جاءت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة في الدعوة إليه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ\n_________\n(^١) سورة الذاريات، الآية: ٥٦.\n(^٢) انظر: التدمرية لابن تيمية ص (١٩٦)، وتيسير العزيز الحميد لآل الشيخ ص (٣٧).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢١.\n(^٤) سورة الأنعام، الآية: ١٦٢، ١٦٣.\n(^٥) سورة النحل، آية: ٣٦.\n(^٦) سورة الأنبياء، الآية: ٢٥.","vol":"1","page":268},{"text":"أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^١). إلى غير ذلك من الآيات القرآنية.\nوفي السنة ما روى ابن عباس﵄- أن رسول الله -ﷺ- لما بعث معاذًا -﵁- إلى اليمن قال: \"إنك تقدُمُ على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله -﷿- فإذا عرفوًا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها، فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس\" (^٢).\nوعن معاذ بن جبل -﵁- قال: \"أنا رديف النبي -ﷺ- فقال: يا معاذ! قلت: لبيك وسعديك، ثم قال مثله ثلاثًا: هل تدري ما حق الله على العباد؟ قلت: لا، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، ثم سار ساعة فقال: يا معاذ! قلت: لبيك وسعديك قال: وهل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ ألَّا يعذبهم\" (^٣). إلى غيرها من الأحاديث الشريفة الدالة على هذا المعنى.\nوهذا هو دين الأنبياء جميعًا، كما قال -ﷺ-: \"الأنبياءُ إخْوةٌ من علَّات، أمَّهاتُهُم شتَّى، ودينهم واحدٌ\" (^٤).\nقال القرطبي: \"قوله: \"دينهم واحد\" أي: في توحيدهم وأصول\n_________\n(^١) سورة الزمر، الآية: ٦٥.\n(^٢) سبق تخريجه ص (١٩٠).\n(^٣) سبق تخريجه ص (٢٥٩).\n(^٤) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله الله ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ ح (٣٤٤٣) (٦/ ٥٥٠)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى ﵇ ح (٢٣٦٥) (١٥/ ١٢٨).","vol":"1","page":269},{"text":"أديانهم\" (^١).\nوبهذا يتبين فساد ما ذهب إليه المعتزلة والأشاعرة ومن شايعهم في عدم التفريق بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، فجعلوا توحيد الربوبية هو توحيد الألوهية الذي دعت إليه الرسل ﵈\" (^٢).\nوقد بيَّن القرطبي أن شهادة أن لا إله إلَّا الله تعني عبادة الله وحده دون سواه، ولم يذكر قول الأشاعرة الذين جعلوا معناها أي لا خالق ولا موجود إلَّا الله، حيث قال عند شرحه لحديث ابن عمر -﵁- الذي قال فيه -ﷺ-: \"بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله ... \" (^٣): \"قد روي من طرق، ففي بعضها \"شهادة أن لا إله إلَّا الله\" وفي بعضها: \"على أن تعبد الله وتكفر بما دونه\" فالأولى نقل للفظ، والأخرى نقل بالمعنى\" (^٤).\nوقال في موضع آخر: من مات لا يتخذ معه شريكًا في الإلهية ولا في الخلق، ولا في العبادة دخل الجنة\" (^٥).\nوقد تبين لنا فيما سبق رد القرطبي على المتكلمين في مسألة أول واجب على العبد، وتشنيعه عليهم فيما ذهبوا إليه، وبيَّن أن أول الواجبات النطق بكلمة التوحيد، حيث قال عند شرحه لحديث معاذ -﵁- (^٦):\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ١٧٦).\n(^٢) انظر: شرح الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي (١/ ٢٥، ٢٩).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب قول النبي -ﷺ- بني الإسلام على خمس ح (٨، ١/ ٦٤) ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام ح (١٦، ١/ ٢٩٠).\n(^٤) المفهم (١/ ١٦٩).\n(^٥) المفهم (١/ ٢٩٠).\n(^٦) سبق تخريجه ص (١٩٠).","vol":"1","page":270},{"text":"\"قوله: \"فإذا عرفوا الله فأخبرهم\" أي: إن أطاعوا بالنطق بذلك، أي: بكلمتي التوحيد كما قال في الرواية: \"فإن هم أطاعوا بذلك فأعلمهم\" فسمى الطواعية بذلك والنطق به: معرفة؛ لأنه لا يكون غالبًا إلَّا عن المعرفة، وهذا الذي أمر النبي -ﷺ- به معاذًا- هو الدعوة قبل القتال التي كان النبي -ﷺ- يوصي بها أمراءه، وقد اختلف في حكمها على ما يأتي في الجهاد، وعلى هذا فلا يكون حديث معاذ حجة لمن تمسك به من المتكلمين على أن أول واجب على كل مكلف معرفة الله تعالى بالدليل والبرهان، بل هو حجة لمن يقول: إن أول الواجبات التلفظ بكلمتي الشهادة مصدقًا بها\" (^١).\n_________\n(^١) المفهم (١/ ١٨١).","vol":"1","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>المبحث الثاني العبادة وبعض أنواعها</span>\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: تعريفها وشروط صحتها\nالمطلب الثاني: بعض أنواعها:\n١ - الدعاء\n٢ - الخوف والرجاء\n٣ - التوكل","vol":"1","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>المطلب الأول: تعريفها وشروط صحتها:</span>\nإن توحيد الألوهية هو إفراد الله تعالى بالعبادة، وقد وضَّح القرطبي معنى العبادة فقال: \"أصل العبادة الخضوع والتذلل، وسميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات؛ لأنهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذللين لله تعالى\" (^١).\nوالعبد الذي خضع لله تعالى، واستسلم، يسعى لأن تكون عبادته وفق ما أمر الله تعالى به لتوافق مرضاة الله، فتكون سببًا لنجاته.\nوالعبادة الصحيحة المقبولة عند الله تعالى لابد لها من شرطين أساسيين هما: الإخلاص لله تعالى، والمتابعة لرسوله -ﷺ-، وقال قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (^٣).\nوقد بيَّن القرطبى أن الإخلاص شرطٌ في صحة جميع العبادات فقال: \"الإخلاص شرطٌ في جميع العبادات، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، والإخلاص مصدر من أخلصت العسل وغيره، إذا صفيته وأفردته من شوائب كدره، أي: خلَّصته منها. فالمخلص في عباداته هو الذي يخلصها من شوائب الشرك والرياء، وذلك لا يتأتي له إلَّا بأن يكون الباعث على عملها قصد التقرب إلى الله تعالى، وابتغاء ما عنده، فأما إذا كان الباعث عليها غير ذلك من أعراض الدنيا، فلا يكون عبادة، بل يكون مصيبة موبقة لصاحبها، فإما كفر وهو:\n_________\n(^١) المفهم (١/ ١٨١).\n(^٢) سورة البينة، الآية: ٥.\n(^٣) سورة الزمر، الآية: ٣.","vol":"1","page":275},{"text":"الشرك الأكبر، وإما رياء وهو: الشرك الأصغر\" (^١).\nوأما المتابعة للرسول -ﷺ- فهو المبلغ عن ربه-سبحانه. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (^٢)، وقال -ﷺ-: \"من أحْدَثَ في أمرنا هذا ما ليسَ فيه فهو رَدٌّ\" (^٣).\nقال القرطبي: \"سنة الله تعالى في العبادة أنها لا تتلقى إلَّا من جهة الأنبياء\" (^٤).\nولا شك أن هذا إقفالٌ لباب الابتداع في الدين، فلا عبادة صحيحة إلَّا ما جاءت عن طريق الرسول -ﷺ-، قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (^٥).\nقال الفضيل بن عياض (^٦): \"أخلصه وأصوبه، فإنه إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقْبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقْبَل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص إذا كان لله، والصواب إذا كان على السنة\" (^٧).\n_________\n(^١) المفهم (٣/ ٧٤٢).\n(^٢) سورة الحشر، الآية: ٧.\n(^٣) رواه البخاري في كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود ح (٢٦٩٧) (٥/ ٣٥٥)، ومسلم في كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور ح (١٧١٨) (١٢/ ٢٥٧).\n(^٤) المفهم (٣/ ٥٧٤).\n(^٥) سورة الملك، الآية: ٢.\n(^٦) هو فضيل بن عياض بن مسعود التميمي أبو علي الإمام القدوة الزاهد العابد المشهور توفي سنة (١٨٧ هـ). تهذيب التهذيب (٣/ ٣٩٩)، صفة الصفوة (٢/ ٢٣٧).\n(^٧) مدارج السالكين لابن القيم (١/ ٨٣).","vol":"1","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>المطلب الثاني: بعض أنواع العبادة:</span>\n١ - الدعاء:\nإن الدعاء من أعظم أنواع العبادة، وأوضح مظاهر الخضوع والتذلل لرب العالمين، لما فيه من. الالتجاء والافتقار إلى أرحم الراحمين. وقد كان -ﷺ- وهو من حقق العبودية على أكمل صورها مظهرًا الحاجة والافتقار إلى الله تعالى، ملتجئًا إليه، كثير الإلحاح في الدعاء.\nوقد بيَّن القرطبي أن دعاء الرسول -ﷺ- في غزوة بدر وغيرها إنما هو من القيام بحق العبودية، وإظهار الفاقة والحاجة إليه تعالى، حيث قال: \"قوله: \"فما زال يهتف بربه مادًّا يديه مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه\" (^١) هذا منه -ﷺ- قيام بوظيفة ذلك الوقت من الدعاء والالتجاء إلى الله تعالى، وتعليم لأمته ما يلجؤون إليه عند الشدائد والكرب الواقعة بهم، فإن ذلك الوقت كان وقت اضطرار وشدة، وقد وعد الله المضطر بالإجابة حيث قال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (^٢) يعني عن المضطر عند الدعاء. فقام بعبادة ذلك الوقت، ولا يلزم من اجتهاده في الدعاء ذلك الوقت أن يكون ارتاب في أن الله سينجز له ما وعده به ... لكنه قام بحق العبودية وإظهار الفاقة، وامتثال العبادة، فإن الدعاء مخ العبادة، فقلبه -ﷺ- مستغرق بمعرفة الواعد وإنجاز الموعود ولسانه وجوارحه مستغرقة بالقيام بحق عبادة المعبود، فقام بكل جارحة بوظيفتها، ولكل عبادة بحقيقتها\" (^٣).\n_________\n(^١) رواه مسلم من حديث عمر بن الخطاب -﵁- في كتاب الجهاد والسير باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر ح (١٧٦٣) (١٢/ ٣٢٧).\n(^٢) سورة النمل، الآية: ٦٢.\n(^٣) المفهم (٣/ ٥٧٤).","vol":"1","page":277},{"text":"وقال في موضع آخر- عن دعاء الرسول -ﷺ- ببعض الدعوات- حاثًّا على الاقتداء به ﵇: \"إنما دعا النبي -ﷺ- بهذه الدعوات، وتعوَّذ بهذه التعوذات، إظهارًا للعبودية، وبيانًا للمشروعية ليُقتدي بدعواته ويتعوذ بتعويذاته\" (^١).\nوالدعاء كما أنه عباد وقربة إلى الله تعالى، وامتثالٌ لأمره تعالى، إذ قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (^٢). فالمسلم بدعائه يرجو الإجابة، ولذا فلابد من القيام بهذه العبادة على وجهها الصحيح من الإتيان بشروط الدعاء، والحذر من موانع الإجابة، وقد ذكر العلماء ذلك في كتبهم، وتوسَّعوا ليحقِّقَ العبد العبادة. وقد ذكر القرطبي بعض هذه الشروط والتي منها: العزم في الدعاء وإظهار الحاجة والافتقار حيث قال عن هذا الشرط عند شرحه لقوله -ﷺ-: \"لا يقُولَنَّ أحدُكُم اللهُمَّ اغفر لي إن شئت! اللهم ارحمني إن شئت! ليعزم في الدعاء فالله صانع ما شاء لا مكره له\" (^٣): \"إنما نهى الرسول -ﷺ- عن هذا القول لأنه يدل على فتور الرغبة، وقلة التهمم بالمطلوب، وكأن هذا القول يتضمن: أن هذا المطلوب إن حصل وإلَّا استغني عنه، ومن كان هذا حاله لم يتحقق من حاله الافتقار والاضطرار الذي هو روح عبادة الدعاء، وكان ذلك دليلًا على قلة اكتراثه بذنوبه وبرحمة ربه، وأيضًا فإنه لا يكون موقنًا بالإجابة، وقد قال -ﷺ-: \"ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافلٍ\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ٣٥).\n(^٢) سورة غافر، الآية: ٦٠.\n(^٣) رواه البخاري في كتاب الدعوات، باب ليعزم المسألة فإنه لا مكره له ح (٦٣٣٩) (١١/ ١٤٤)، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب العزم بالدعاء ح (٢٦٧٩) (١٧/ ٩).","vol":"1","page":278},{"text":"لاهٍ\" (^١) ثم أن النبي -ﷺ- لم يكتف بالنهي عن ذلك حتى أمر بنقيضه، فقال: \"ليعزم في الدعاء\" أي ليجزم في طلبته وليحقق رغبته ويتيقن الإجابة\" (^٢).\nوذكر في موضع آخر جملة من شروط الدعاء وآدابه التي بالقيام بها وتحقيقها ترجى الإجابة فقال: \"إن إجابة الدعاء لابد لها من شروط في الداعي وفي الدعاء وفي الشيء المدعو به، فمن شرط الداعي أن يكون عالمًا بأنه لا قادر على حاجته إلَّا الله تعالى، وأن الوسائط في قبضته ومسخرة بتسخيره، وأن يدعو بنية صادقة، وحضور قلب، وأن يكون مجتنبًا لأكل الحرام، وألَّا يمل من الدعاء فيتركه، ويقول: قد دعوت فلم يستجب لي، كما قال في الحديث، ومن شروط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعًا ... واستدامة الإلحاح في الدعاء، فإن الله يحب الملحين عليه في الدعاء، وكيف لا؟ والدعاء مخ العبادة، وخلاصة العبودية، والقائل قد دعوت فلم أر يستجاب لي، ويترك. قانطًا من رحمة الله وفي صورة الممتن بدعائه على ربه، ثم إنه جاهل بالإجابة، فإنه يظنها إسعافه في عين ما طلب فقد يعلم الله تعالى: أن عين ما طلب مفسدة فيصرفه عنها، فتكون إجابته في الصرف، وقد يعلم الله أن تأخيره إلى وقت آخر أصلح للداعي، وقد يؤخره؛ لأنه سبحانه يحب استماع دعائه ودوام تضرعه، فتكثر أجوره، حتى يكون ذلك أعظم وأفضل من عين المدعو به لو قضى له. وقد قال -ﷺ-: \"ما من داع يدعو إلَّا كان بين إحدى ثلاث: إما أن يستجاب له، وإما أن يدخر له، وإما أن يكفر\n_________\n(^١) رواه الترمذي في كتاب الدعوات، باب (٦٦) وقال: حديث غريب لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ١٤١) برقم (٥٩٤).\n(^٢) المفهم (٧/ ٢٩).","vol":"1","page":279},{"text":"عنه\" (^١). ثم بعد هذا كله فإجابة الدعاء -وإن وردت في مواضع من الشرع مطلقة- فهي مقيدة بمشيئته، كما قال تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ (^٢) \" (^٣).\n٢ - الخوف والرجاء:\nوهما من أنواع العبادة التي أمر الله تعالى بها، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ (^٥).\nفالخوف من الله تعالى دليلٌ على كمال المعرفة به سبحانه، إذ كلما كان المسلم بالله أعرف كان له أخوف، والخوف هو أساس التقوى.\nقال القرطبي في هذا: \"المتقي شرعًا هو الذي يخاف الله تعالى ويجعل بينه وبين عذابه وقاية من طاعته، وحاجزًا عن مخالفته، فإن أصل التقوى الخوف، والخوف إنما ينشأ عن المعرفة بجلال الله وعظمته وعظيم سلطانه وعقابه\" (^٦).\nوالرجاء لابد أن يكون مع إحسان العمل، أما الرجاء مع ترك العمل فهو عجز، قال القرطبي موضحًا هذا المعنى: \"استصحبوا الأعمال الصالحة والآداب الحسنة التي يرتجي العامل لها قبولها، ويحقق ظنه برحمة ربه عند فعلها، فإن الله قريب من المحسنين، وعقابه مخوف على\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص (٢٣٩).\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ٤١.\n(^٣) المفهم (٧/ ٦٢، ٦٣).\n(^٤) سورة النازعات، الآيتان: ٤٠، ٤١.\n(^٥) سورة الرحمن، الآية: ٤٦.\n(^٦) المفهم (٦/ ٥٣٧).","vol":"1","page":280},{"text":"العصاة والمذنبين، وقد قلنا: إن حسن الظن بغير عمل غرة، كما قال -ﷺ-: \"الكيِّسَ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله\" (^١) وهذا إنما يكون في حالة الصحة والقوة على العمل، وأما في حال حضور الموت، فليس ذلك الوقت وقتًا يقدر فيه على استئناف غير الفكر في سعة رحمة الله تعالى وعظيم فضله، وأنه لا يتعاظمه ذنب يغفره، وأنه الكريم الحليم الغفور الشكور\" (^٢).\nوهذا الذي ذكره القرطبي هو الذي عليه عامة سلف الأمة، إذ العبد لابد له من الخوف والرجاء، فيستقيم سلوكه على أمر الله على هذين المسلكين، ويعالج نفسه بالخوف أحيانًا وبالرجاء أحيانًا، حسب ما يصلح به حاله.\nقال الإمام أحمد: \"ينبغي للمؤمن أن يكون رجاؤه وخوفه واحدًا\" (^٣) ونقل ابن رجب عن بعض السلف قوله: \"من عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحد مؤمن\" (^٤).\nولذا قال القرطبي عند قوله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (^٥): \"هكذا حال العارف بالله تعالى بين الرجاء والخوف، لابد\n_________\n(^١) رواه أحمد في مسنده (٤/ ١٢٤) والترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب (٢٥) وقال هذا حديث حسن وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير ص (٦٢٥) برقم (٤٣٠٥).\n(^٢) المفهم (٧/ ١٤٣).\n(^٣) مسائل الإمام أحمد لابن هانيء (٢/ ١٧٨).\n(^٤) التخويف من النار لابن رجب (١٧).\n(^٥) سورة الإسراء، الآية: ٥٧.","vol":"1","page":281},{"text":"منها للمؤمن، ولذا قال بعض السلف: لو وزن رجاء المؤمن وخوفه لاعتدلا، إلَّا أن الخوف أولى بالمسمى، لكن بحيث لا يقنط من رحمة الله، والرجاء أولى بالمحسن لكن بحيث لا يفتر فيكسل عن الاجتهاد في عبادة الله\" (^١).\n٣ - التوكل:\nالتوكل على الله من أصول العبادة التي لا يتم توحيد العبد لله إلَّا بها، وقد جاءت النصوص في الدعوة إليه والحث عليه. قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ (^٣)، وقال تعالى في وصف المؤمنين الصادقين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ (^٤).\nوقد عرَّف القرطبي -﵀- التوكل، وبيَّن من يستحق أن يطلق عليه هذا الوصف فقال: \"التوكل لغة: هو إظهار العجز عن أمر ما، والاعتماد فيه على الغير، والاسم: التكلان يقال منه: اتكلت عليه في أمري وأصله: إوتكلت: قلبت الواو تاءً لانكسار ما قبلها، ثم أبدل منها التاء وأدغمت في تاء الافتعال ويقال: وكَّلته بأمر كذا توكيلًا، والاسم: الوكالة بكسر الواو وفتحها.\nواختلف العلماء في التوكل، وفيمن يستحق \"اسم المتوكل على الله\"، فقالت طائفة من المتصوفة: لا يستحقه إلَّا من لم يخالط قلبه خوف\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ٣٥٨).\n(^٢) سورة هود، الآية ١٢٣.\n(^٣) سورة آل عمران، الآية: ١٦٠.\n(^٤) سورة الأنفال، الآية: ٢.","vol":"1","page":282},{"text":"غير الله من سبع أو غيره، وحتى يترك السعي في طلب الرزق لضمان الله تعالى، وقال عامة الفقهاء: إن التوكل على الله هو الثقة بالله، والإيقان بأن قضاءه ماض، واتباع سنة نبيه -ﷺ- في السعي فيما لابد، منه من الأسباب من مطعم ومشرب وتحرز من عدو وإعداد الأسلحة، واستعمال ما تقتضيه سنة الله تعالى المعتادة ... ثم المتوكلون على حالين:\nالحال الأول: حال التمكن في التوكل، فلا يلتفت إلى شيء من تلك الأسباب بقلبه، ولا يتعاطاها إلَّا بحكم الأمر.\nالحال الثاني: حال غير المتمكن، وهو الذي يقع له الالتفات إلى الأسباب أحيانًا، غير أنه يدفعها عن نفسه بالطرق العلمية، والبراهين القطعية\" (^١).\nوهو وإن ذكر قول غلاة المتصوفة في التوكل الذين يدعون إلى ترك الأخذ بالأسباب، فقد رد عليهم فيما ذهبوا إليه وبين ضلال ما هم عليه فقال: \"العمل بالأسباب المعتادة التي يرجى بها دفع مضرة أو جلب منفعة لا يقدح في التوكل خلافًا لما ذهب إليه جُهَّال المتوكلة\" (^٢).\nوبيَّن أن الأخذ بالأسباب ملازم للتوكل على الله، لا ينفك عنه حيث قال: استعمل الحرص والاجتهاد في تحصيل ما تنتفع به في أمر دينك ودنياك التي تستعين بها على صيانة دينك وصيانة عيالك ومكارم أخلاقك، ولا تفرط في طلب ذلك، ولا تتعاجز عنه متكلًا على القدر، فتنسب للتقصير، وتلام على التفريط شرعًا وعادة، ومع إنهاء الاجتهاد نهايته، وإبلاغ الحرص غايته، فلابد من الاستعانة بالله والتوكل عليه،\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٤٦٧/ ٤٦٨).\n(^٢) المفهم (٦/ ١٨٦).","vol":"1","page":283},{"text":"والالتجاء إليه في كل الأمور، فمن سلك هذين الطريقين حصل على خير الدارين\" (^١).\nومما يبين أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل ما كان عليه الرسول -ﷺمن الأخذ بالأسباب والحزم في جميع الأمور، فقد حمل السلاح، ولبس في الحرب درعين، ومن تتبع سيرته ﵇ علم منه ذلك علم اليقين، وهو ﵊ إمام المتوكلين.\nوقد بيَّن القرطبي حاله -ﷺ- من أخذه بالأسباب وتوكله على الله تعالى، فقال في استنباطه لفوائد من غزوة الخندق: \"منه جواز التحصن والاحتراز من المكروهات والأخذ بالحزم والعمل في العادات بمقتضاها، وأن ذلك كله غير قادح في التوكل ولا منقص، فقد كان النبي -ﷺ- على كمال المعرفة بالله، والتوكل عليه، والتسليم لأمره، ومع ذلك فلم يطرح الأسباب ولا مقتضى العادات على مايراه جهال المتزهدين أهل الدعاوي الممخرقين\" (^٢).\nوحث على الاقتداء به ﵊ فلنا فيه أسوة، حيث قال: \"من أهمل شيئًا من الأسباب المعتادة زاعمًا أنه متوكل، فقد غلط، فإن التوكل لا يناقض التحرز، بل: حقيقته لا تتم إلَّا لمن جمع بين الاجتهاد في العمل على سنة الله، وبين التفويض إلى الله تعالى، كما فعل رسول الله -ﷺ-\" (^٣).\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٦٨٢).\n(^٢) المفهم (٣/ ٦٤٥).\n(^٣) المفهم (٦/ ٥٨).","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>المبحث الثالث نواقض التوحيدي وقوادحه</span>\nوفيه أربعة عشر مطلبًا:\nالمطلب الأول: الشرك\nالمطلب الثاني: الكفر\nالمطلب الثالث: النفاق\nالمطلب الرابع: الفسق\nالمطلب الخامس: الحلف بغير الله\nالمطلب السادس: الطيرة\nالمطلب السابع: التبرك\nالمطلب الثامن: السحر\nالمطلب الناسع: النشرة\nالمطلب المعاشر: الرقى والتمائم\nالمطلب الحادي عشر: التنجيم\nالمطلب الثاني عشر: الكهانة\nالمطلب الثالث عشر: ما جاء في كراهية بعض الألفاظ\nالمطلب الرابع عشر: نسبه الحوادث إلى الدهر","vol":"1","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>المطلب الأول: الشرك:</span>\nالشرك بالله تعالى هو أكبر الكبائر، وأعظم الظلم، لأنه صرفٌ للعبادة والتألُّه لغير مستحقها.\nقال القرطبي: \"اتخاذ الإنسان إلهًا غير خالقه المنعم عليه مع علمه بأن ذلك المتخذ ليس هو الذي خلقه، ولا الذي أنعم عليه، من أقبح القبائح، وأعظم الجهالات، وعلى هذا فذلك أكبر الكبائر وأعظم العظائم\" (^١).\nوقال أيضًا: \"الشرك هو أعظم الظلم، إذ المشرك اعتقد الإلهية لغير مستحقها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ (^٢) \" (^٣).\nوبيَّن معنى الشرك فقال: \"معناه بحكم أصل الوضع ألا يتخذ معه شريكًا في الألوهية، ولا في الخلق، لكن هذا القول قد صار بحكم العرف عبارة عن الإيمان الشرعي، ألا ترى أن من وحَّد الله تعالى ولم يؤمن بالنبي -ﷺ- لم ينفعه إيمانه بالله تعالى، ولا توحيده، وكان من الكافرين بالإجماع القطعي؟ \" (^٤).\nلكن لا مانع أن يبقى الشرك على أصله، وهو اتخاذ شريك مع الله تعالى، وتكون هذه الصورة التي ذكرها القرطبي وأمثالها من باب الكفر، لأن الكفر أعم من الشرك.\nفالكفر يدخل تحته الشرك، وجميع الأعمال المناقضة للإيمان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ (^٥)\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٢٨٠).\n(^٢) سورة لقمان، الآية: ١٣.\n(^٣) المفهم (١/ ٣٣٤).\n(^٤) المفهم (١/ ٢٩١).\n(^٥) سورة البينة، الآية: ٦.","vol":"1","page":287},{"text":"حيث فرَّق -﷾- بين المشركين وبين الكفار من أهل الكتاب، لأن كفر هؤلاء لم يكن من باب الشرك. لكن قد يرد الشرك ويراد به الكفر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^١).\nقال الحافظ ابن حجر: \"المراد بالشرك في هذه الآية الكفر، لأن من جحد نبوة محمد -ﷺ- مثلًا كان كافرًا، ولو لم يجعل مع الله إلهًا آخر، والمغفرة منتفية عنه بلا خلاف\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>أنواع الشرك:</span>\nينقسم الشرك بإطلاقه إلى قسميق:\nالأول: الشرك الأكبر، وهو جعل مع الله سبحانه شريكًا في الألوهية كفعل الجاهلية، أو صرف العبادة أو بعض أنواعها لغير الله تعالى، أو إشراك معه غيره فيها، وهذا شركٌ أكبر مخرج من الملة.\nالثاني: الشرك الأصغر، وهو من كبائر الذنوب، لكنه لا يخرج من الملة، وهو شرك ظاهر يتمثل في بعض الأفعال والألفاظ الشركية، كالحلف بغير الله وغيرها، ومنه الرياء ويسمى: بالشرك الخفي.\nقال القرطبي: \"أصل الشرك المحرم: اعتقاد شريك لله تعالى في إلهيته، وهو الشرك الأعظم، وهو شرك الجاهلية، ويليه في الرتبة اعتقاد شريك لله تعالى في الفعل، وهو قول من قال: إن موجودًا ما غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده، وإن لم يعتقد كونه إلهًا، ويلي هذا في الرتبة الإشراك في العبادة، وهو الرياء، وهو أن يفعل شيئًا من العبادات\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٤٨.\n(^٢) فتح الباري (١/ ٨٥).","vol":"1","page":288},{"text":"التي أمر الله تعالى بفعلها له لغير الله ... وهو مبطل للأعمال، لهذا أشار بقوله: \"من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركتُه وشرِيكَهُ\" (^١). وهذا هو المسمى بالرياء، وهو على الجملة مبطل للأعمال\" (^٢).\nوقال في موضع آخر: \"المخلص في عباداته هو الذي يخلصها من شوائب الشرك والرياء، وذلك لا يتأتى له إلَّا بأن يكون الباعث له على عملها قصد التقرب إلى الله تعالى، وابتغاء ماعنده، فأما إذا كان الباعث عليها غير ذلك من أعراض الدنيا، فلا يكون عبادة، بل يكون مصيبة موبقة لصاحبها، فإماكفر، وهو الشرك الأكبر، وإما رياء وهو: الشرك الأصغر\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>من وسائل الشرك:</span>\nلقد جاء الإسلام بالتوحيد الخالص والنهي عن الشرك والتحذير منه، وسد جميع الطرق والوسائل المؤدية إليه وحرَّمها. ومن ذلك نهيه عن الصور وتعظيمها، والبناء على القبور وتشييدها؛ لأن ذلك يؤدي إلى الشرك بالله تعالى، حيث يكون سببًا لعبادتها، كما حدث ذلك في الأمم السابقة، لذا حذَّر -ﷺ- من ذلك، وشدَّد في النهي، فعن عائشة ﵂ أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة -فيها تصاوير- لرسول الله -ﷺ-، فقال رسول الله -ﷺ-: \"إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصُّور أولئك شرارُ\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله ح (٢٩٨٥) (١٨/ ٣٢٦).\n(^٢) المفهم (٦/ ٦١٥).\n(^٣) المفهم (٣/ ٧٤٢).","vol":"1","page":289},{"text":"الخلق عند الله يوم القيامة\" (^١). قال القرطبي: \"إنما فعل ذلك أوائلهم ليتأنسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا بها أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون الله تعالى عند قبورهم، فمضت لهم بذلك أزمان، ثم إنهم خلف من بعدهم خلف جهلوا أغراضهم ووسوس لهم الشيطان: أن آباءهم وأجدادهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها فعبدوها. فحذر النبي -ﷺ- عن مثل ذلك، وشدَّد النكير والوعيد على فعل ذلك، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال: \"اشتدَّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد\" (^٢) أي أنهاكم عن ذلك، وقال: \"لعن الله اليهود والنصارى، اتَّخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد\" (^٣) وقال: \"اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد\" (^٤) ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر رسول الله -ﷺ-، فأعلوا حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة -إذ كان مستقبل المصلين- فتتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا على زاوية\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب الصلاة، باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ح (٤٢٧) (١/ ٦٢٤)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها ح (٥٢٨) (٥/ ١٤).\n(^٢) أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٢٤٦) ومالك في الموطأ كتاب قصر الصلاة في السفر باب جامع الصلاة. وقال الألباني: رواه أحمد وابن سعد وأبو يعلى وأبو نعيم بسند صحيح وله شاهد مرسل رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" وكذا ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم وإسناده قوي. انظر: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد للألباني ص (٢٥).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء باب ما ذكر عن بني إسرائيل ح (٣٤٥٣) (٦/ ٥٧٠) ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب النهي عن بناء المساجد على الصور واتخاذ الصور فيها ح (٥٣١) (٥/ ١٦).\n(^٤) سبق تخريجه في الصفحة نفسها.","vol":"1","page":290},{"text":"مثلث من ناحية الشمال حتى لايتمكن أحد من استقبال قبره، ولهذا الذي ذكرناه كله قالت عائشة: \"لولا ذلك لأبرز قبره\" (^١) (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>المطلب الثاني: الكفر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>تعريفه لغة وشرعًا:</span>\nقال القرطبي في تعريف الكفر: \"أصل الكفر التغطية والستر، ومنه سمي الزارع: كافرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ (^٣) أي الزُّراع. ومنه قول الشاعر:\n.................. ... في ليلةٍ كَفَرَ النجوم غمامها (^٤)\nأي: ستر وغطى، والغمام: السحاب.\nوأما الكفر الواقع في الشرع: فهو جحد المعلوم منه ضرورة شرعية، وهذا هو الذي جرى به العرف الشرعي\" (^٥).\nلكن هذا التعريف الذي قاله القرطبي لا يتناول جميع معاني الكفر التي جاءت في الشرع، لأن الكفر في الشرع أعم من الجحود، ولذا فإبليس من الكافرين، وهو لم يجحد أمر الله ولم ينكره، بل قابله بالرفض والاستكبار (^٦).\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب المغازي باب مرض النبي -ﷺ- ووفاته ح (٤٤٤١) (٧/ ٧٤٦).\n(^٢) المفهم (٢/ ١٢٧).\n(^٣) سورة الحديد، الآية: ٢٠.\n(^٤) البيت للشاعر المخضرم لبيد بن ربيعة وهذا عجز البيت، وصدره:\n* يعلو طريقة متنها متواتر *\nانظر: ديوان لبيد بن ربيعة ص (١٧٢).\n(^٥) المفهم (١/ ٢٥٢).\n(^٦) انظر مدراج السالكين لابن القيم (١/ ٣٣٧).","vol":"1","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>أنواع الكفر:</span>\nالكفر كفران. كفر مخرج من الملة موجب للخلود في النار، وكفر لا يخرج من الملة، وهو كفر النعمة، وصاحبه مستحق للوعيد، دون الخلود في النار، لما ورد في بعض النصوص من إطلاق الكفر على بعض المعاصي وهو مقصود العلماء بقوله: كفر دون كفر. قال القرطبي بعد ذكره للشرك المخرج من الملة: \"وقد جاء الكفر بمعنى جحد المنعم وترك الشكر على النعم، وترك القيام بالحقوق، ومنه قوله -ﷺ- للنساء: \"يكفرن الإحسان ويكفرن العشير\" (^١) أي يجحدن حقوق الأزواج وإحسانهم، ومن هنا صح أن يُقال: كفر دون كفر\" (^٢).\nوفي مثال لذلك قال عمن انتسب لغير أبيه، وما جاء في الحديث من تكفيره: \"لا شك أن هذا محرم معلوم التحريم، فمن فعل ذلك مستحلًا فهو كافر حقيقة، فيبقى الحديث على ظاهره، وأما إن كان غير مستحل فيكون الكفر الذي في الحديث محمولًا على كفران النعم والحقوق، فإنه قابل الإحسان بالإساءة، ومن كان كذلك صدق عليه اسم: الكافر، وعلى فعله أنه كفر لغة وشرعًا\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>المطلب الثالث: النفاق:</span>\nالنفاق لغة: هو مخالفة الباطن للظاهر، وهو من النافقاء، وهو جحر اليربوع (^٤). وأُطلق على من يظهر الإسلام ويُبْطِن الكفر.\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب كفران العشير وكفر دون كفرح (٢٩) (١/ ١٠٤)، ومسلم في كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي -ﷺ- في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار ح (٩٠٧) (٦/ ٤٦٥).\n(^٢) المفهم (١/ ٢٥٣).\n(^٣) المفهم (١/ ٢٥٤) وانظر: أيضًا (١/ ٢٥٥، ٢٥٧، ٢٥٩).\n(^٤) لسان العرب (١٠/ ٣٥٨) مادة نفق.","vol":"1","page":292},{"text":"وقد بيَّن المازري سبب تسمية المنافق بهذا الاسم نقلًا عن ابن الأنباري (^١) فقال: قال ابن الأنباري في تسمية المنافق منافقًا ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه يسمى بذلك؛ لأنه يستر كفره، فأشبه الداخل للنفق وهو السرب يستتر فيه.\nوالثاني: أنه شبه باليربوع الذي له جحر يقال له: النافقاء، وآخر يقال له: القاصعاء، فإذا طُلِبَ من القاصعاء خرج من النافقاء، وكذلك المنافق؛ لأنه يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي يدخل فيه.\nالثالث: أنه شبه باليربوع أيضًا، ولكن من جهة أن اليربوع يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهرها أرق التراب فإذا رابه ريب دفع ذلك التراب برأسه فخرج فظاهره جحره تراب على وجه الأرض وباطنه حفر، فكذلك المنافق ظاهره الإيمان وباطنه الكفر (^٢).\nوقد تابعه القرطبي على ذلك فنقل هذا القول في سبب التسمية (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>أنواع النفاق:</span>\nالنفاق على نوعين:\n١ - نفاق الاعتقاد وهو: إظهار الإسلام وإبطان الكفر، وهذا لا شك في كفر صاحبه.\n٢ - نفاق العمل، وهو الاتصاف ببعض صفات المنافقين، كما قال -ﷺ-: \"آية المنافق ثلاث -وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم-: إذا حدَّث\n_________\n(^١) محمد بن عبد الكريم بن إبراهيم الشيباني المعروف بابن الأنباري من الكُتَّاب والوزراء توفي سنة (٥٥٨ هـ). معجم المؤلفين (٣/ ٤٢١).\n(^٢) المعلم (١/ ١٩٨).\n(^٣) المفهم (١/ ٢٤٩).","vol":"1","page":293},{"text":"كذب وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمن خان\" (^١).\nوقال القرطبي: \"ظاهر هذا الحديث أن من كانت هذه الخصال الثلاث (^٢) فيه خرج عن الإيمان، وصار في النفاق الذي هو الكفر الذي قال فيه مالك: النفاق الذي كان على عهد رسول الله -ﷺ- هو الزندقة عندنا اليوم، وليس الأمر على مقتضى هذا الظاهر ... ولما استحال حمل هذا الحديث على ظاهره على مذهب أهل السنة اختلف العلماء فيه على أقوال:\nأحدها: أن هذا النفاق هو نفاق العمل الذي سأل عنه عمر حذيفة لما قال له: هل تعلم في شيئًا من النفاق؟ أي: من صفات المنافقين الفعلية، ووجه هذا: أن من كانت فيه هذه الخصال المذكورة كان ساترًا لها، ومظهرًا لنقائضها، فصدق عليه اسم منافق.\nوثانيها: أنه محمول على من غلبت عليه هذه الخصال، واتخذها عادة، ولم يبال بها تهاونًا واستخفافًا بأمرها، فأيُّ من كان هكذا كان فاسد الاعتقاد غالبًا فيكون منافقًا خالصًا.\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب الإيمان باب علامة النفاق ح (٣٣) (١/ ١١١) ومسلم في كتاب الإيمان باب بيان خصال المنافق ح (٥٩) (٢/ ٤٠٧).\n(^٢) قال القرطبي: كونه ﵊ ذكر في حديث أبي هريرة أن علامة المنافق ثلاث، وفي حديث ابن عمر أنها أربع، يحتمل أن يكون ذلك لأنه ﵊ استجد من العلم بخصال المنافقين مالم يكن عنده فإما بالوحي وإما بالمشاهدة لتلك منهم وعلى مجموع الروايتين تكون خصالهم خمسًا: الكذب والغدر والإخلات والخيانة، والفجور في الخصومة. ولا شك في أن للمنافقين خصالًا أخرى مذمومة كما وصفهم الله تعالى حيث قال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢] فيحمل أن يقال: إنما خصَّت تلك الخصال الخمس بالذكر لأنها أظهر عليهم من غيرها عند مخالطتهم للمسلمين، أو لأنها هي التي يضرون بها المسلمين ويقصدون بها مفسدتهم دون غيرها من صفاتهم والله أعلم. المفهم (١/ ٢٥٩).","vol":"1","page":294},{"text":"وثالثها: أن تلك الخصال كانت علامة المنافقين في زمانه، فإن أصحاب النبي -ﷺ- كانوا مجتنبين لتلك الخصال، بحيث لا تقع منهم، ولا تعرف فيما بينهم، وبهذا قال ابن عباس وابن عمر وروي عنهما في ذلك حديث وهما أنهما أتيا النبي -ﷺ- فسألاه عن هذا الحديث فضحك النبي -ﷺ- وقال: \"ما لكم ولهن إنما خصصت بهن المنافقين أنتم من ذلك براء\" (^١) وذكر الحديث بطوله القاضي عياض قال: وإلى هذا صار كثير من التابعين والأئمة\" (^٢).\n\nوقال المازري في شرح هذا الحديث: \"قد توجد هذه الأوصاف الآن فيمن لا يطلق عليه اسم النفاق، فيحتمل أن يكون الحديث محمولًا على زمنه -ﷺ-، وكان ذلك علامة للمنافقين في أهل زمانه، ولا شك أن أصحابه كانوا مبرئين من هذه النقائص مطهرين منها، وإنما كانت تظهر في زمانه من أهل النفاق، أو يكون -ﷺ- أراد بذلك من غلب عليه فعل هذه واتخذها عادة تهاونًا بالديانة أو يكون أراد النفاق اللغوي الذي هو إظهار خلاف المضمر، وإذا تأملت هذه الأوصاف وجدت فيها معنى ذلك؛ لأن الكاذب يظهر إليك أنه صدق ويبطن خلافه، والخصم يظهر أنه أنصف ويبطن الفجور والواعد يظهر أنه سيفعل وينكشف الباطن بخلافه\" (^٢).\n_________\n(^١) لم أجده مع طول البحث والتحري ثم وجدته عند القاضي عياض في إكمال المعلم وقد قال فيه الدكتور: يحيى إسماعيل محقق المعلم: لم أجده وليس عليه أنوار النبوة. إكمال المعلم (١/ ٣١٥).\nوقال الدكتور حسين شواط في تحقيقه لكتاب الإيمان من إكمال المعلم: لم أقف على هذا الحديث برغم طول البحث في المظان. كتاب الإيمان من إكمال المعلم (١/ ٣٤٤) هامش (٤).\n(^٢) المعلم (١/ ١٩٧).","vol":"1","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>الحكم في المنافق:</span>\nلا شك أن حكم المنافق الخالص في الآخرة الخلود في النار، بل هو في الدرك الأسفل منها، كما جاءت بذلك الآيات والأحاديث. قال القرطبي: \"المنافقون يحكم لهم في الدنيا بأحكام المسلمين، وهم عند الله من أسوأ الكافرين\" (^١).\nأما من ظهر نفاقه وبان هل يقتل أم لا؟\nقال القرطبي في ذلك: \"المنافقون الذين علم نفاقهم في عهد رسول الله -ﷺ- كانوا مستحقين للقتل، لكن امتنع النبي -ﷺ- من ذلك لئلا يكون قتلهم منفرًا لغيرهم عن الدخول في الإسلام؛ لأن العرب كانوا أهل أنفة وكبر، بحيث لو قتل النبي -ﷺ- هؤلاء المنافقين لنفر من بعد عنهم، فيمتنع من الدخول في الدين، وقالوا: هو يقتل أصحابه، ولغضب من قرب من هؤلاء المنافقين، فتهيج الحروب، وتكثر الفتن، ويمتنع من الدخول في الدين، وهو نقيض المقصود، فعفا النبي -ﷺ- عنهم، ورفق بهم، وصبر على جفائهم وأذاهم، وأحسن إليهم حتى انشرح صدر من أراد الله هدايته فرسخ في قلبه الإيمان، وتبين له الحق اليقين، وهلك عن بينة من أراد الله هلاكه، وكان من الخاسرين، ثم أقام النبي -ﷺ- مستصحبًا لذلك إلى أن توفاه الله تعالى، فذهب النفاق وحكمه؛ لأنه ارتفع مسماه واسمه، ولذلك قال مالك: \"النفاق في عهد رسول الله -ﷺ- هو الزندقة عندنا اليوم\" ويظهر من مذهبه أن ذلك الحكم منسوخ بقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ...﴾ إلى قوله: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ (^٢)\n_________\n(^١) المفهم (١/ ١٨٩).\n(^٢) سورة الأحزاب، الآية: ٦٠، ٦١.","vol":"1","page":296},{"text":"وبقوله: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (^١) فقد سوَّى بينهما في الأمر بالجهاد، وجهاد الكفار قتالهم وقتلهم، فليكن جهاد المنافقين كذلك ... وقد ذهب غير واحد من أئمتنا إلى أن المنافقين يعفى عنهم ما لم يظهروا نفاقهم، فإن أظهروه قتلوا، وهذا أيضًا يخالف ما جرى في عهد النبي -ﷺ-، فإن منهم من أظهر نفاقه واشتهر عنه حتى عرف به، والله أعلم بنفاقه، ومع ذلك لم يقتلوا ... وقد وضح من هذا الحديث (^٢) إبطال قول من قال: إن النبي -ﷺ- لم يقتل المنافقين لأنه لم تقم بينة معتبرة بنفاقهم، إذ قد نص فيه على المانع من ذلك وهو غير ما قالوه\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>المطلب الرابع: الفسق:</span>\nقال القرطبي في تعريف الفسق لغة: \"الفاسق في أصل اللغة هو الخارج مطلقًا، والفسق والفسوق: الخروج، ومنه قولهم: فسقت الرطبة، إذا خرجت من قشرها الأعلى، ومنه سميت الفأرة: فويسقة؛ لأنها تخرج من جحرها للفساد\" (^٤).\nوينقسم الفسق في الشرع إلى قسمين:\nالأول: فسق مخرج من الملة موجب لصاحبه الخلود في النار، كما قال تعالى عن إبليس: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (^٥) وسمى سبحانه\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ٧٣.\n(^٢) وهو قوله -ﷺ- لعمر لما قال: عن عبد الله بن أبي: دعني أضرب عنق. هذا المنافق \"دعه لا يتحدث الناس أنَّ محمدًا يقتلُ أصحابه\" رواه البخاري في كتاب المناقب، باب ما ينهى من دعوى الجاهلية ح (٣٥١٨) (٦/ ٦٣١)، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا ح (٢٥٨٤) (١٦/ ٣٧٣).\n(^٣) المفهم (٦/ ٥٦١).\n(^٤) المفهم (١/ ١٠٧).\n(^٥) سورة الكهف، الآية: ٥٠.","vol":"1","page":297},{"text":"أصحاب النار فسَّاقًا، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ (^١).\nالثاني: فسق لا يخرج من الملة، وهو الوقوع في المعاصي، والتجرؤ عليها، حيث سمى الله تعالى الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بالشهداء بأنهم فاسقون، وهم لم يخرجوا من الإسلام بذلك، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (^٢).\nقال القرطبي مبينًا الفسق بنوعيه: هو في الشرع خروج مذموم بحسب المخروج منه، فإن كان إيمانًا فذلك الفسق كفرًا، وإن كان غير إيمان فذلك الفسق معصية\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>المطلب الخامس: الحلف بغير الله:</span>\nإن من الأعمال الشركية الحلف بغير الله تعالى لما فيه من تعظيم للمحلوف به. والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده فلا يحلف إلَّا بالله وذاته وصفاته (^٤). قال -ﷺ-: \"من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك\" (^٥).\nوقد جعل القرطبي الحلف بغير الله كفرًا أو كبيرة من كبائر الذنوب، وذلك حسب قصد الحالف وذلك عند شرحه لقوله -ﷺ-: \"من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال -وفي رواية: متعمدًا-\" (^٦).\n_________\n(^١) سورة السجدة، الآية: ٢٠.\n(^٢) سورة النور، الآية: ٤.\n(^٣) المفهم (١/ ١٠٧).\n(^٤) انظر: نيل الأوطار للشوكاني (٩/ ١١٤).\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند (١/ ١٢٥) والترمذي في أبواب النذور والأيمان، باب (٨)، والحاكم في المستدرك (١/ ٦٥)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥/ ٦٩) برقم (٢٠٤٢).\n(^٦) رواه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب من حلف بملة سوى ملة الإسلام ح (٦٦٥٢) =","vol":"1","page":298},{"text":"حيث قال: \"قوله: \"كاذبًا متعمدًا\" يحتمل أن يريد به النبي -ﷺ- من كان معتقدًا لتعظيم تلك الملة المغايرة لملة الإسلام، وحينئذ يكون كافرًا حقيقة ... وأما إن كان الحالف بذلك غير معتقد لذلك فهو آثم مرتكب كبيرة، إذ قد نسبه في قوله لمن يعظم تلك الملة ويعتقدها فغلظ عليه الوعيد بأن صيَّره كواحد منهم مبالغة في الردع والزجر\" (^١).\nوقد نهى الرسول -ﷺ- عن الحلف بالآباء إذ المقصود تعظيمهم بذلك، وهو نهيٌّ عن الحلف بالآباء وغيرهم إذ الحلف لا يكون إلَّا بالله فهو المستحق للتعظيم، قال -ﷺ-: \"إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم\" (^٢) قال القرطبي: \"إنما نهى النبي -ﷺ- عن الحلف بالآباء لما فيه من تعظيمهم بصيغ الأيمان؛ لأن العادة جارية بأن الحالف منَّا إنما يحلف بأعظم ما يعتقده كما بيناه وإذا كان ذلك: فلا أعظم عند المؤمن من الله تعالى فينبغي ألا يحلف بغيره، فإذا حلف بغير الله فقد عطم ذلك الغير بمثل ما عظَّم به الله تعالى، وذلك ممنوع منه، وهذا الذي ذكرناه في الآباء جارٍ في كل محلوف به غير الله تعالى وإنما جرى ذكر الآباء هنا؛ لأنه هو السبب الذي أثار الحديث حين سمع النبي -ﷺ- عمر يحلف بأبيه، وقد شهد لهذا المعنى قوله: \"من كان حالفًا فلا يحلف إلَّا بالله\" وهذا حصر، وعلى ما قررناه فظاهر النهي التحريم، ثم هذا النهي وإن كان ظاهره التحريم فيتحقق فيما\n_________\n= (١١/ ٥٤٦)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل النفس ح (١١٠) (٢/ ٤٧٩).\n(^١) المفهم (١/ ٣١٢).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم ح (٦٦٤٦)، (١١/ ٥٣٨) ومسلم في كتاب الأيمان، باب النهي عن الحلف بغير الله ح (١٦٤٦) (١١/ ١١٦) ولفظه \"إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت\" وفي رواية عند مسلم \"فلا يحلف إلَّا بالله\".","vol":"1","page":299},{"text":"إذا حلف بملة غير الإسلام، أو بشيء من المعبودات دون الله تعالى، أو ما كانت الجاهلية تحلف به كالدمى والدماء والأنصاب، فهذا لا يشك في تحريمه، وأما الحلف بالآباء والأشراف ورؤوس السلاطين وحياتهم ونعمهم وما شاكل ذلك، فظاهر هذا الحديث يتناولهم بحكم عمومه ولا ينبغي أن يختلف في تحريمه وأما ما كان معظمًا في الشرع مثل: النبي -ﷺ- والكعبة والعرش والكرسي وحرمة الصالحين، فأصحابنا يطلقون على الحلف بها الكراهية وظاهر الحديث وما قدمناه من النظر في المعنى يقتضي التحريم\" (^١).\nوما ذهب إليه القرطبي -﵀- من تحريم ذلك كله والاقتصار على الحلف بالله تعالى هو الصحيح من كلام أهل العلم.\nقال ابن تيمية -﵀-: والصواب الذي عليه عامة علماء المسلمين سلفهم وخلفهم أنه لا يحلف بمخلوق لا نبي ولا غير نبي، ولا مَلَكٍ من الملائكة، ولا مَلِكٍ من الملوك، ولا شيخ من الشيوخ، والنهي عن ذلك نهي تحريم عند أكثرهم، كمذهب أبي حنيفة وغيره، وهو أحد القولين في مذهب أحمد\" (^٢).\nوأمَّا الحلف بالألفاظ المبهمة المراد بها اسم الله تعالى كقوله: \"والذي نفسي بيده\" وما شابهها من الألفاظ فهو جائز. قال القرطبي عنه: \"هو قسم بالله تعالى، أي: والذي هو مالك نفسي، أو قادر عليها، ففيه دليل: على أن الحلف بالألفاظ المبهمة والمراد بها: اسم الله تعالى يمين جائزة حكمها حكم الأسماء الصريحة\" (^٣).\n_________\n(^١) المفهم (٤/ ٦٢١).\n(^٢) الفتاوى (٢٧/ ٣٤٩).\n(^٣) المفهم (٤/ ١٦٠).","vol":"1","page":300},{"text":"لكن من حلف بغير الله تعالى بالآباء، أو الأصنام، أو غيرها، فهل عليه كفارة في ذلك، قال بذلك بعض أهل العلم، وقد بين القرطبي رأيه في هذه المسألة، ورجَّح عدم الكفارة فقال: قد تقرر أن اليمين بذلك -أي الطواغيت والآباء- محرم ومع ذلك فلا كفارة فيه، عند الجمهور لأجل الحلف بها، ولا لأجل الحنث فيها، أما الأول فلأن النبي -ﷺ- قد قال: \"من قال: واللات والعزى فليقل: لا إله إلَّا الله\" (^١) ولم يذكر كفارة ولو كانت لوجب تبيينها لتعين الحاجة لذلك وأما الثاني فليست بيمين منعقدة ولا مشروعة فيلزم بالحنث فيها الكفارة\" (^٢).\nفالكفارة إذا هي قول لا إله إلَّا الله، وقد كان الحلف بها يجري على ألسنتهم من غير قصد، وذلك لما نشأوا عليه من تعظيم الأصنام والحلف بها.\nقال القرطبي: \"ولما نشأ القوم على تعظيم تلك الأصنام وعلى الحلف بها، وأنعم الله عليهم بالإسلام بقيت تلك الأسماء تجري على ألسنتهم من غير قصد للحلف بها، فأمر النبي -ﷺ- من نطق بذلك أن يقول بعده: لا إله إلَّا الله تكفيرًا لتلك اللفظة وتذكيرًا من الغفلة وإتمامًا للنعمة\" (^٣).\nوإذا تبين حرمة الحلف بغير الله تعالى مطلقًا فقد يستشكل ما ورد من قوله -ﷺ-: \"أفلح وأبيه إن صدق\" (^٤).\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب التفسير باب ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ ح (٤٨٦٠) (٨/ ٤٧٨)، ومسلم في كتاب الأيمان، باب من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلَّا الله ح (١٦٤٧) (١١/ ١١٧).\n(^٢) المفهم (٤/ ٦٢٤).\n(^٣) المفهم (٤/ ٦٢٦).\n(^٤) رواه مسلم في كتاب الإيمان، بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام ح (١١) =","vol":"1","page":301},{"text":"وما ورد في القرآن من القسم بغير الله تعالى.\nوقد أورد القرطبي هذا الاستتشكال وأجاب عليه فقال: فإن قيل كيف يحكم بتحريم الحلف بالآباء والنبي -ﷺ- قد حلف بذلك لما قال: \"أفلح وأبيه إن صدق\" وكيف يحكم بتحريم الحلف بغير الله، وقد أقسم الله تعالى بغيره فقال: ﴿وَالضُّحَى (١)﴾، ﴿وَالشَّمْسِ﴾، ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾، ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾، وغير ذلك مما في كتاب الله تعالى من ذلك؟ (^١).\nوقد أجاب عن ذلك فقال: قوله: \"وأبيه\" الرواية الصحيحة التي لا يعرف غيرها، هكذا بصيغة القسم بالأب، وقال بعضهم: إنما هي \"والله\" وصحفت بأن قصرت اللامان فالتبست بأبيه، وهذا لا يلتفت إليه؛ لأنه تقدير يخرم الثقة برواية الثقات الأثبات، وإنما صار هذا القائل إلى هذا الاحتمال لما عارضه عنده من نهيه -ﷺ- عن الحلف بالآباء حيث قال: \"لا تحلفوا بأبائكم من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت\" (^٢).\nوينفصل عن هذا من وجهين:\nأحدهما: أن يقال: إن هذا كان قبل النهي عن ذلك.\nوالثاني: أن يكون ذلك جرى على اللسان بحكم السبق من غير قصد للحلف به كما جرى منه: تربت يمينك، وعَقْرى حلقى (^٣) وهذه عادة عربية بشرية لا مؤاخذة عليها ولا ذم يتعلق بها (^٤).\n_________\n= (١/ ٢٨٣).\n(^١) المفهم (٤/ ٦٢٢).\n(^٢) سبق تخريجه ص (٢٩٩).\n(^٣) عقرى: أي عقرها الله وأصابها بعقر في جسدها و\"حلقى\" أي: أصابها وجع في حلقها وهو دعاء يجري على لسان العرب ولا يعنونه.\n(^٤) المفهم (١/ ١٦٠).","vol":"1","page":302},{"text":"وأما عن قسم الله تعالى بتلك الأمور من وجهين:\nأحدهما: أن المقسم به محذوف تقديره: ورب الضحى ورب الشمس ونحو ذلك، قاله أكثر أئمة المعاني.\nوثانيهما: أن الله تعالى يقسم بما يريد، كما يفعل ما يريد. إذ لا حكم عليه ولا حاكم فوقه، ونحن المحكوم عليهم، وقد أبلغنا حكمه على لسان نبيه -ﷺ-: \"من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت\" و\"من كان حالفًا فلا يحلف إلَّا بالله\" فيجب الانقياد والامتثال لحكم ذي العزة والجلال (^١).\nوالمازري قد قرَّر تحريم الحلف بغير الله تعالى، وأجاب عن الاستشكال الذي سبق ذكره وذلك عند تعليقه على قوله -ﷺ-: \"إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم\"، حيث قال: \"هذا لئلا يشرك في التعظيم بالقسم غير الله سبحانه، وقد قال ابن عباس: لأن أحلف بالله فآثم أحب إليَّ من أن أضاهي، فقيل معناه: الحلف بغير الله، وقيل معناه: الخديعة، يرى أنه حلف وما حلف، وقد قال ابن عباس أيضًا: أن أحلف بالله مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغيره فأبر. ولهذا ينهى عن اليمين بسائر المخلوقات، ولا يعترض على هذا بقوله -ﷺ-: \"أفلح وأبيه إن صدق\" لأنه لا يراد بها القسم، وإنما هذا قولٌ جارٍ على ألسنتهم ... وقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ (قيل معناه: ورب التين والزيتون) أو يكون المراد به التنبيه على ما فيها من العجائب والمنة بهما عليهم، ولا يراد بهما القسم، ولو سلَّمنا أن المراد بهما القسم من غير حذف وإضمار لم يبعد أن يكون الباري سبحانه يقسم بهما ويمنعنا من القسم بهما، وتعظيم الباري جلت قدرته للأشياء بخلاف تعظيمنا لها؛ لأن كل حق بالإضافة إلى حقه\n_________\n(^١) المفهم (٤/ ٦٢٢).","vol":"1","page":303},{"text":"سبحانه حقير، وكل عظيم عند الإضافة إليه هين ... وإنما تعظيمه لبعض الأمور تنبيه لنا على قدرها عنده أو تعبد لنا بأن نعظمها فلا يقاس هذا على هذا\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>المطلب السادس: الطيرة:</span>\nالطيرة: مصدر طار يطير طيرة وطيرانًا. وأصلها: أن العرب كانوا إذا خرج الواحد منهم في حاجة نظر إلى أول طائر يراه، فإن طار عن يمينه تشاءم به، وامتنع عن المضي في تلك الحاجة، وإن طار عن يساره تيمن به، ومضى في حاجته.\nوأصل هذا: أن الرامي للطير إنما يصيب ما كان عن يساره ويخيبه ما كان عن يمينه، فسمي التشاؤم: تطيرًا بذلك (^٢). وحاصل الطيرة: أن يسمع الإنسان قولًا أو يرى أمرًا، يخاف منه ألَّا يحصل له غرضه الذي قصد تحصيله (^٣).\nوقال المازري في تعريف الطيرة: \"الطيرة مأخوذ مما كانوا يعتادونه في الطير ويعتقدونه في البوارح والسوانح، وكان لهم في التشاؤم والتيامن طريقة معروفة، وقيل منها أخذ اسم الطيرة ... وقال بعضهم: الطيرة أخذ المعاني من أمور غير محسوسة ولا معقولة، ولا معنى يشعر العقل بما يتوقع من ذلك، فلهذا فارقت الفأل وإنها لا تقع إلَّا على توقع أمر مكروه\" (^٤).\nوقد جاء النهي عن الطيرة لما فيها من نسبة أفعال الله سبحانه إلى\n_________\n(^١) المعلم (٢/ ٢٤٠).\n(^٢) المفهم (٢/ ١٤٠).\n(^٣) المفهم (٥/ ٦٢٦).\n(^٤) المعلم (٣/ ١٠٤).","vol":"1","page":304},{"text":"شيء من خلقه، ولما يؤدي إلى الاعتقاد بأن لتلك المخلوقات تأثيرًا في قضاء الله وقدره. فقد قال -ﷺ-: \"الطيرةُ شرك، وما منا إلَّا، ولكن يذهبه الله بالتوكل\" (^١).\nقال القرطبي: \"وإنما كان -ﷺ- يكره الطيرة؛ لأنها من أعمال الشرك؛ ولأنها تجلب ظن السوء بالله تعالى، كما قد روى أبو داود عن عبد الله بن مسعود أن النبي -ﷺ- قال: \"الطيرة شرك -ثلاثًا- وما منا إلَّا، ولكن الله يذهبه بالتوكل\" أي: من اعتقد في الطيرة ما كانت الجاهلية تعتقده فيها فقد أشرك مع الله تعالى خالقًا آخر، ومن لم يعتقد ذلك فقد تشبه بأهل الشرك\" (^٢).\nهذا إذا صدت الإنسان عن حاجته كما قال -ﷺ-: \"من ردَّتُه الطيرةُ عن حاجته فقد أشرك\" (^٣). لكن إذا وقع في نفسه شيء من ذلك، ولكنه توكل على الله ومضى في حاجته، فلا يلحقه إثمٌ ولا ذم، إذ لا يكلف الله نفسًا إلَّا وسعها، لما جاء من حديث معاوية بن الحكم -﵁- عندما قال للرسول -ﷺ-: يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام وإن منَّا رجالًا يأتون الكهان قال: \"فلا تأتهم\" قال: ومنا رجال يتطيرون، قال: \"ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصُدَّنهم\" (^٤).\n_________\n(^١) رواه الترمذي في أبواب السير، باب ما جاء في الطيرة، وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\"، ورواه أبو داود في كتاب الكهانة والتطير، باب في الطيرة، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٧٩١) برقم (٤٢٩).\n(^٢) المفهم (٥/ ٦٢٨).\n(^٣) رواه أحمد في مسنده (٢/ ٢٢٠)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٥٣) رقم (١٠٦٥).\n(^٤) رواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ح (٥٣٧) (٥/ ٢٣).","vol":"1","page":305},{"text":"قال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: \"معنى ذلك أن الإنسان بحكم العادة يجد في نفسه نفرة وكراهة مما يتطير به، فينبغي له ألا يلتفت إلى تلك النفرة، ولا لتلك الكراهة، ويمضي لوجهه الذي خرج إليه، فإن تلك الطيرة لا تضر، وإذا لم تضر فلا تصد الإنسان عن حاجته، وأشار به إلى أن الأمور كلها بيد الله تعالى فينبغي أن يعول عليه، وتفوض جميع الحوائج إليه، ويفهم منه: أن هذا الوجدان لتلك النفرة لا يلام واجدها عليها شرعًا؛ لأنه لا يقدر على الانفكاك عنها، وإنما يلام الإنسان أو يمدح على ما كان داخلًا تحت استطاعته\" (^١).\nوقال المازري حول هذا الحديث: \"أي يجدون ذلك ضرورة فلا ملام عليهم فيه، ولكن إنما يكون اللوم على توقفهم عن إمضاء حوائجهم لأجل ذلك، وهو المكتسب فنهاهم أن يصدهم ذلك عما أرادوا فعله\" (^٢).\nوبيَّن القرطبي في موضع آخر أن المعرض عما يجد الماضي في حاجته على سنة الرسول -ﷺ-، وقد يُذهبُ الله ﷾ عنه ما يجد إذا علم منه صدق التوكل، وصحة التفويض، حيث قال: \"المتطيَّر ليس على سنة النبي -ﷺ-، إلَّا أن يمضي لوجهه، ويعرض عنها، غير أنه قد لا يقدر على الانفكاك عنها، بحيث لا تخطر له مرة واحدة، فإن إزالة تأثيرها من النفوس لا تدخل تحت استطاعتنا ... لكنه إذا صحَّ تفويضه إلى الله تعالى وتوكل عليه وداوم على ذلك أذهب الله تعالى ذلك عنه، ولذلك قال -ﷺ-: \"ولكن الله يذهبه بالتوكل\" (^٣) \" (^٤).\n_________\n(^١) المفهم (٢/ ١٤١).\n(^٢) المعلم (١/ ٢٧٥).\n(^٣) سبق تخريجه ص (٣٠٥).\n(^٤) المفهم (٥/ ٦٢٨).","vol":"1","page":306},{"text":"وبيَّن أن الرسول -ﷺ- ما كان يتطير بشيء، إنما كان يحب الفأل، وعرف الفأل، فقال: هو أن يسمع الإنسان قولًا حسنًا، أو يرى شيئًا يستحسنه يرجو منه أن يحصل له غرَضه الذي قصد تحصيله، وهذا معنى ما فسر به النبي -ﷺ- الفأل، وكان رسول الله -ﷺ- يكره الطيرة، ويعجبه الفأل ... وإنما كان يعجبه الفأل؛ لأنه تنشرح له النفس، وتستبشر بقضاء الحاجة وبلوغ الأمل، فيحسن الظن بالله -﷿- (^١). قالت عائشة -﵂-: تزوجني رسول الله -ﷺ- في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نساء رسول الله -ﷺ- كان أحظى عنده مني، وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوال\" (^٢).\nوقد جعل القرطبي -﵀- قول عائشة هذا ردًا على الجُهَّال الذين يتشاءمون من شهر شوال، وبيَّن أنه ينبغي إزالة ما في أذهان هؤلاء الجُهَّال من هذه الخرافات بالعمل على مخالفتها، فقال: هذا إنما قالته عائشة -﵂- لترد به قول من كان يكره عقد النكاح في شهر شوال ويتشاءم به ... ولذلك قالت عائشة ذلك رادَّة لذلك الوهم: \"فأي نسائه كان أحظى عنده مني\" أي: لم يضرني ذلك ولا نقص من حظوتي، ثم إنها تبركت بشهر شوال، فكانت تحب أن تدخل نساءها على أزواجهن في شوال للذي حصل لها فيه من الخير برسول الله، ومن الحظوة عنده، ولمخالفة ما يقول الجهال من ذلك.\nومن هذا النوع كراهة الجهال عندنا اليوم عقد النكاح في شهر المحرم، بل ينبغي أن يتيمن بالعقد والدخول فيه تمسكًا بما عظم الله\n_________\n(^١) المفهم (٥/ ٦٢٦، ٦٢٧).\n(^٢) المفهم (٤/ ١٢٣).","vol":"1","page":307},{"text":"ورسوله من حرمته وردعًا للجهال عن جهالاتهم\" (^١).\nعلى أنه ربما عورض ما سبق تقريره بقوله -ﷺ-: \"فر من المجذوم فرارك من الأسد\" (^٢) وقوله -ﷺ-: \"لا يورد مُمرضٌ على مُصح\" (^٣) وقوله -ﷺ-: \"إنما الشؤْمُ في ثلاثة: المرأة والفرس والدار\" (^٤).\nأما الحديث الأول فقد قال القرطبي عند شرحه: \"هذا الخطاب إنما هو لمن يجد في نفسه نفرة طبيعية لا يقدر على الانتزاع منها فأمره بالفرار لئلا يتشوش عليه ويغلبه وهمه وليس ذلك خوفًا لعدوى\" (^٥).\nوأما الحديث الثاني: فقال القرطبي في شرحه: \"إنما نهى عن إيراد الممرض على المصح مخافة الوقوع فيما وقع فيه أهل الجاهلية من اعتقاد ذلك، أو مخافة تشويش النفوس وتأثير الأوهام، وهذا كنحو أمره -ﷺ- بالفرار من المجذوم فإنا وإن كنا نعتقد أن الجذام لا يعدي فإنا نجد من أنفسنا نفرة وكراهية لذلك حتى إذا أكْرَهَ الإنسان نفسه على القرب منه، وعلى مجالسته تألمت نفسه وربما تأذت بذلك ومرضت ويحتاج الإنسان في هذا إلى مجاهدة شديدة ومكابدة، ومع ذلك فالطبع أغلب، وإذا كان الأمر بهذه المثابة فالأولى بالإنسان ألا يقرب شيئًا يحتاج الإنسان فيه إلى هذه المكابدة، ولا يتعرض فيه لهذا الخطر، والمتعرض لهذا الألم زاعمًا أنه يجاهد نفسه حتى يزيل عنها تلك الكراهة هو بمنزلة من أدخل على\n_________\n(^١) المفهم (٤/ ١٢٤).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب الطب باب الجذام ح (٥٧٠٧) (١٠/ ١٦٧).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب الطب، باب لا هامة ح (٥٧٧١) (١٠/ ٢٥١) ومسلم في كتاب السلام، باب لا عدوى ولا طيرة ... ح (٢٢٢١) (١٤/ ٤٦٦).\n(^٤) رواه البخاري في كتاب الطب، باب الطيرة ح (٣٧٥٣) (١٠/ ٢٢٣) ومسلم في كتاب السلام، باب الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم ح (٢٢٢٣) (١٤/ ٤٦٩).\n(^٥) المفهم (٤/ ٧٥).","vol":"1","page":308},{"text":"نفسه مرضًا أراد علاجه حتى يزيله، ولا شك في نقص عقل من كان على هذا، وإنما الذي يليق بالعقلاء، ويناسب تصرف الفضلاء أن يباعد أسباب الآلام ويجانب طرق الأوهام ... وبمجموع الأمرين وردت الشرائع، وتوافقت على ذلك العقول والطبائع\" (^١).\nهذا هو الرأي الذي رجَّحه القرطبي في هذه المسألة وللعلماء أقوال كثيرة فيها:\nفمن العلماء من رجَّح الأخبار الدالة على نفي العدوى على الأخبار المثبتة لها وبعضهم عكس ذلك. وآخرون حاولوا الجمع بين النصوص بطرق كثيرة أحدها ما ذكره القرطبي (^٢).\nوكذلك المازري ذكر بعض هذه الأقوال عند الجمع بين نفيه -ﷺ- للعدوى ونهيه أن يورد ممرض على مصح، لكنه لم يرجح حيث قال: \"قال بعض أصحابنا لا يورد ممرض على مصح منسوخ بقوله: \"لا عدوى\" وقال آخرون: ليس بينهما تناف فيفتقر إلى النسخ، ولكن نفي العدوى، وهي اعتقاد كون بعض الأمراض تفعل في غيرها بطبيعتها، وأما أن تكون سببًا لخلق الباري سبحانه عندها مرض (^٣)، ما وردت عليه، فلم ينفه، فإنما نهى أن يورد الممرض على المصح لئلا تمرض الصحاح من قبل الله جلت قدرته عند ورود المرضى فتكون المرضى كالسبب فيها، وقال آخرون: إنما المراد بهذا الاحتياط على اعتقاد الناس لئلا يتشاءم\n_________\n(^١) المفهم (٥/ ٦٢٤) وانظر أيضًا (٥/ ٦١٤).\n(^٢) انظر فتح الباري لابن حجر (١٠/ ١٦٠).\n(^٣) هذا على قول الأشاعرة بإثبات وجود تلازم عادي بين الأسباب والمسببات، أي أن المسببات تحدث عند الأسباب لا بها. انظر منهج أهل السنة والجماعة، ومنهج الأشاعرة في توحيد الله (١/ ٣٤٤).","vol":"1","page":309},{"text":"بالإبل المريضة، ويعتقد أنها أمرضت إبله، فيأثم في هذا الاعتقاد، وقال آخرون: إنما ذلك للتأذي بمشاهدة المرضى، وما قد يكون فيها من رائحة تؤذي، وهو المراد بما وقع في بعض الأحاديث فإنه أذى، وقال بعض أصحابنا في هذا إن كانت مندوحة عن مخالطة من يتأذى كره للوارد وإلَّا فلا، وكذا في أهل الجذام، إذا تأذى الناس بمخالطتهم\" (^١).\nوأما الحديث الذي يثبت الشؤم في ثلاثة فقال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: \"قد تخيل بعض أهل العلم أن التطير بهذه الثلاثة مستثنى من قوله: \"لا طيرة\" (^٢) وأنه مخصوص بها، فكأنه قال: لا طيرة إلَّا في هذه الثلاثة، فمن تشاءم بشيء منها نزل به ما كره من ذلك، وممن صار إلى هذا القول: ابن قتيبة، وعضد هذا بما يروى عن النبي -ﷺ- من حديث أبي هريرة -﵁- أنه قال: \"الطيرة على من تطير\" (^٣) وقال أبو عبد الله (^٤): إن مالكًا أخذ بحديث الشؤم في الدار والفرس وحمله على ظاهره، ولم يتأوله، فذكر في كتاب الجامع من \"العتبية\" أنه قال: رب دار سكنها قوم فهلكوا وآخرون بعدهم فهلكوا، وأشار إلى حمل الحديث على ظاهره، ويعضد هذا حديث يحيى بن سعيد، قال: جاءت امرأة إلى النبي -ﷺ- فقالت: يا رسول الله دار سكناها والعدد كثير والمال وافر،\n_________\n(^١) المعلم (٣/ ١٠٣).\n(^٢) قوله -ﷺ- \"لا عدوى ولا طيرة وإنما الشؤم في ثلاثة ... \" سبق تخريجه ص (٣٠٨).\n(^٣) رواه ابن حبان في صحيحه، كتاب العدوى والطيرة والفال، باب ذكر الخبر على أنَّ الطيرة تؤذي المتطير ح (٦١٢٣) (١٣/ ٤٩٢).\n(^٤) محمد بن أحمد العتبي القرطبي المالكي من فقهاء المالكية، له كتاب \"العتبية\" وهي المستخرجة من الأسمعة المسموعة من الإمام مالك ﵀ توفي في سنة (٣٣٦). الديباج المذهب (٣٣٦). الأعلام (٥/ ٣٠٧).","vol":"1","page":310},{"text":"فذهب العدد وقل المال، فقال رسول الله -ﷺ-: \"دعوها ذميمة\" (^١).\nقلت -أي القرطبي-: ولا يظن بمن قال هذا القول أن الذي رخص فيه من الطيرة بهذه الأشياء الثلاثة هو على نحو ما كانت الجاهلية تعتقد فيها وتفعل عندها، فإنها كانت لا تقدم على ما تطيرت به، ولا تفعله بوجهٍ، بناءً على أن الطيرة تضر قطعًا، فإن هذا ظنٌّ خطأ، وإنما يعني بذلك: أن هذه الثلاثة أكثر ما يتشاءم الناس بها لملازمتهم إياها، فمن وقع في نفسه شيء من ذلك، فقد أباح الشرع له أن يتركه ويستبدل به غيره مما تطيب به نفسه، ويسكن له خاطره، ولم يلزمه الشرع أن يقيم في موضع يكرهه، أو مع امرأة يكرهها، بل قد فسح له في ترك ذلك كله، لكن مع اعتقاد أن الله تعالى هو الفعال لما يريد، وليس لشيء من هذه الأشياء أثر في الوجود، وهذا على نحو ما ذكرناه في المجذوم، فإن قيل: فهذا يجري في كل متطير به، فما وجه خصوصية هذه الثلاثة بالذكر؟ فالجواب: ما نبهنا عليه من أن هذه ضرورية في الوجود، ولابد للإنسان منها، ومن ملازمتها غالبًا، فأكثر ما يقع التشاؤم بها فخصها بالذكر لذلك فإن قيل: فما الفرق بين الدار وبين موضع الوباء فإن الدار إذا تطير بها فقد وسع له في الارتحال عنها، وموضع الوباء قد منع من الخروج منه؟ ! .\nفالجواب ما قاله بعض أهل العلم: إن الأمور بالنسبة إلى هذا المعنى ثلاثة أقسام:\nأحدها: ما لم يقع التأذي به ولا اطردت عادة به خاصة ولا عامة ولا نادرة ولا متكررة، فهذا لا يصغى إليه، وقد أنكر الشرع الالتفات إليه،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب الشؤم في الفرس، صحيح الأدب المفرد للألباني (٣٤١)، وأبو داود في كتاب الكهانة والتطير باب في الطيرة، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٤١٧) برقم (٧٩٠).","vol":"1","page":311},{"text":"كلقي غراب في بعض الأسفار، أو صُراخ بومة في دار، ففي مثل هذا قال -ﷺ-: \"لا طيرة\" و\"لا تطيروا\" وهذا القسم هو الذي كانت العرب تعتبره وتعمل عليه مع أنه ليس في لقاء الغراب، ولا دخول البومة دارًا ما يشعر بأذى ولا مكروه لا على وجه الندور ولا التكرار.\nوثانيها: ما يقع به الضرر، ولكنه يعم ولا يخص، ويندر ولا يتكرر كالوباء، فهذا لا يقدم عليه عملًا بالحزم والاحتياط، ولا يفر منه لإمكان أن يكون قد وصل الضرر إلى الفار فيكون سفره سببًا في محنته وتعجيلًا لهلكته.\nثالثها: سبب يخص ولا يعم، ويلحق منه الضرر بطول الملازمة كالدار والفرس والمرأة، فيباح له الاستبدال والتوكل على الله تعالى، والإعراض عما يقع في النفوس منها من أفضل الأعمال، وقد وضح الجواب والله الموفق للصواب\" (^١).\nثم بيَّن -﵀- بعض تأويل العلماء لهذا الحديث، وبين انتقاداته لها، وقرر أن ما ذكره في تخريج الحديث هو الأولى، فقال: \"وقد سلك العلماء في تأويل ذلك الحديث أوجهًا أُخر.\nمنها: أن بعضهم قال: إنما هذا منه -ﷺ- خبر عن غالب عادة ما يتشاءم به، لا أنه خبر عن الشرع (^٢)، وهذا ليس بشيء؛ لأنه تعطيل لكلام الشرع عن الفوائد الشرعية التي لبيانها أرسله الله ﷾، ومنهم\n_________\n(^١) المفهم (٥/ ٦٢٩).\n(^٢) وقد كانت عائشة ﵂، تنكر على أبي هريرة هذه الرواية وتقول إنما قال النبي -ﷺ-: \"إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك\" وأجاب الحافظ ابن حجر ﵀ عن هذا الإنكار فقال: ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة مع موافقة من ذكرنا من الصحابة له في ذلك. فتح الباري (٦/ ٦١).","vol":"1","page":312},{"text":"من تأول الشؤم المذكور في هذه الثلاثة، فقال: الشؤم في المسكن ضيقه، وسوء جيرانه، وفي المرأة سوء خلقها، وألا تلد، وفي الفرس جماحه وألا يُغزى عليه.\nوهذا المعنى لا يليق بالحديث ونسبته إلى أنه هو مراد الشرع من فاسد الحديث. وما ذكرناه أولى والله تعالى أعلم\" (^١).\nوأما المازري فقد قال عن هذا الحديث: \"مالك -﵁- أخذ هذا الحديث على ظاهره، ولم يتأوله، فذكر في كتاب الجامع من المستخرجة أنه قال: رب دار سكنها قوم فهلكوا، وآخرون بعدهم فهلكوا، وأشار إلى حمل الحديث على ظاهره، وقال غيره: فإن هذا محمله على أن المراد به أن قدر الله سبحانه ربما اتفق بما يكره عند سكنى الدار، فيصير ذلك كالسبب فيتسامح في إضافة الشؤم إليه مجازًا واتساعًا، قالوا: وقد قال في بعض طرق مسلم: إن يكن الشؤم، وهذا لفظ ينافي القطع، ويكون محمله إن يكن الشؤم حقًّا فهذه الثلاث أحق به، بمعنى أن النفوس يقع فيها التشاؤم بهذه أكثر مما يقع بغيرها. وقد وقع في بعض الأحاديث أنه -ﷺ- لمَّا شكِيَ إليه في بعض الديار ذهاب الأهل والمال قال: دعوها ذميمة.\nوقد اعترض بعض أهل العلم في هذا الموضع؟ بأن قال: فإنه نهى -ﷺ- عن الفرار من بلد الطاعون، وأباح الفرار من هذه الدار فما الفرق؟ قال بعض أهل العلم: إن الجامع لهذه الفصول كلها ثلاثة أقسام (^٢).\n_________\n(^١) المفهم (٥/ ٦٢٩) وانظر أقوال العلماء في المسالة: في مفتاح دار السعادة لابن القيم (٢/ ٢٥٧). وفتح الباري لابن حجر (٦/ ٧١). وتيسير العزيز الحميد لسليمان بن عبد الله آل الشيخ ص (٤٢٨).\n(^٢) المعلم (٣/ ١٠٤).","vol":"1","page":313},{"text":"ثم ذكر الأقسام الثلاثة التي ذكرها أهل العلم وسبق نقلها عن القرطبي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>المطلب السابع: التبرك:</span>\nمن معتقد أهل السنة والجماعة أن البركة من الله تعالى، فلا تطلب إلَّا منه، وطلبها من غيره شرك (^١).\nولكنه ﷾ جعل بركة في بعض الأعيان والأقوال والأفعال، فهي سبب للبركة. والبركة في الأشياء لا تعرف إلَّا عن طريق الشرع، ثم التبرك بهذا الشيء لا يكون إلَّا على الصفة المشروعة التي جاء بها الشارع، وذلك لإقفال باب البدع والخرافات، فمثلًا طلب بركة السحور التي جاءت في الحديث (^٢) يكون بالتسحر، وطلب بركة ماء زمزم (^٣) بشربه، وهكذا.\nوأما ما يتعلق بالتبرك بالأشخاص وآثارهم، فتفصيل ذلك كما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>التبرك بالنبي -ﷺ</span>-:\nدلَّت النصوص على التبرك بالرسول -ﷺ- وبآثاره، فهو -ﷺ- مبارك في ذاته وأفعاله وآثاره، وقد كان الصحابة -﵃- يتبركون به وبآثاره، وقد أقرهم على ذلك، فقد جاء في صحيح البخاري من حديث خروج النبي -ﷺ- في الحديبية وفيه: \"ما تنخم النبيُّ -ﷺ- نُخَامَةً إلَّا وقعتْ في\n_________\n(^١) انظر التبرك المشروع والتبرك الممنوع للدكتور علي بن نفيع العلياني ص (١٧).\n(^٢) وهو قوله -ﷺ- \"تسحروا فإنَّ في السَّحور بركَة\" رواه البخاري في كتاب الصوم، باب بركة السحورح (١٩٢٣) (٤/ ١٦٥) ومسلم في كتاب الصيام، باب فضل السحورح (١٠٩٥) (٧/ ٢١٣).\n(^٣) وهو قوله -ﷺ- \"إنها مباركة إنها طعام طعم\" رواه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي ذر ﵁ ح (٢٤٧٣) (١٦/ ٢٦٣).","vol":"1","page":314},{"text":"كفِّ رجُلٍ منهم فدلَكَ بها وجهَهُ وجلدَه\" (^١).\nفهذا الحديث وأمثاله يدل على مشروعية التبرك بالرسول -ﷺ-، وبآثاره، كفضل وضوئه وشعره (^٢).\nوأما التبرك بالمواضع التي نزل فيها الرسول -ﷺ- أو صلى فيها اتفاقًا من غير قصد، فقد ذهب بعض المتأخرين من العلماء إلى استحباب ذلك، واستدلوا على مشروعية ذلك بفعل ابن عمر -﵄- فقد كان يتحرى الصلاة في المواضع التي صلى فيها رسول الله -ﷺ- والنزول في أماكن نزوله في سفره (^٣). وما جاء في صحيح البخاري أيضًا أن عتبان بن مالك طلب من الرسول -ﷺ- أن يصلي له في مكان في بيته ليتخذه مصلى فأجابه الرسول -ﷺ- لذلك (^٤).\nورأى الآخرون المنع من ذلك؛ لأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة -﵃- ذلك سوى ابن عمر -﵄-. فتحري ذلك ليس من سنة الخلفاء الراشدين، بل هو مما ابتدع، وقول الصحابي إذا\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب الوضوء، باب البزاق والمخاط ونحوه في الثوب ح (٢٤١)، (١/ ٤٢٠).\n(^٢) على أنه من المناسب لنا في هذا الزمن عند الحديث عن التبرك بآثار الرسول -ﷺ- أن ننقل قول العلامة الألباني في هذه المسألة حيث قال: إننا نؤمن بجواز التبرك بآثارهﷺ- ولا ننكره لكن يشترط للراغب في التبرك أن يكون حاصلًا على أثر من آثاره -ﷺ- ويستعمله ونعلم أنَّ آثاره -ﷺ- من ثياب أو شعر أو فضلات قد فقدت وليس بامكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين وإذا كان الأمر كذلك فإن التبرك بهذه الآثار يصبح أمرًا غير ذي موضوع في زماننا هذا ويكون أمرًا نظريًا فلا ينبغي إطالة القول فيه. التوسل أنواعه وأحكامه للألباني ص (١٦١).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب الصلاة باب المساجد التي على طرق المدينة والموضع التي صلى فيها رسول الله -ﷺ- ح (٤٨٣) (١/ ٦٧٦).\n(^٤) رواه البخاري في كتاب الصلاة باب المساجد في البيوت ح (٤٢٥) (١/ ٦١٨).","vol":"1","page":315},{"text":"خالفه نظيره ليس بحجة، فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة؟ ! . إضافة إلى أن ذلك تشبُّهٌ بأهل الكتاب، وقد يكون ذريعة إلى الشرك بالله تعالى (^١).\nقال ابن تيمية -﵀-: \"ما فعله ابن عمر لم يوافقه عليه أحد من الصحابة، فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين، ولا غيرهم من المهاجرين والأنصار أن أحدًا منهم كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي -ﷺ-، والصواب مع جمهور الصحابة؛ لأن متابعة النبي -ﷺ- تكون بطاعة أمره، وتكون في فعله، بأن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعله، فإذا قصد العبادة في مكان كان قصد العبادة فيه متابعة له، كقصد المشاعر والمساجد، وأما إذا نزل في مكان بحكم الاتفاق لكونه صادف وقت النزول أو غير ذلك مما يعلم أنه لم يتحر ذلك المكان، فإذا تحرينا ذلك المكان لم نكن متبعين له، فإن الأعمال بالنيات\" (^٢).\n\"على أن من العلماء من رخَّص في ذلك إذا لم يتخذ عيدًا فيكثر انتياب الناس له لأجل ذلك\" (^٣).\nوالقرطبي -﵀- أقرَّ التبرك بالرسول -ﷺ- بذاته وبآثاره -وهو مشروع بلا شك- وقرر مشروعية بل فضل التبرك بمواضعه، فقال: \"كان أصحابه يتبركون بوضوئه وشرابه، وبعرقه، ويستشفون بجبته، ويتبركون بآثاره، ومواطنه، ويدعون، ويصلون عندها، وهذا كله عمل بمقتضى الأمر بالتعزير والتعظيم ونتيجة الحب الصحيح\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (ص ٣٩٠).\n(^٢) المرجع السابق (ص ٣٨٧).\n(^٣) انظر: المرجع السابق (ص ٣٨٤، ٣٨٧).\n(^٤) المفهم (٥/ ٢٧٦).","vol":"1","page":316},{"text":"وما ذكره القرطبي هنا من أن الصحابة -﵃- كانوا يتبركون بمواطنه، ويدعون ويصلون عندها ليس بصحيح، بل نقل ذلك عن ابن عمر فقط، خالف فيه جميع الصحابة من المهاجرين والأنصار كما قال ابن تيمية.\nوقال القرطبي في موضع آخر في كتاب الحج؛ \"المبيت بذي طوى ودخول مكة نهارًا ليس من المناسك، لكن إن فعل ذلك اقتداءً بالنبي -ﷺ-، وتتبعًا لمواضعه، كان له في ذلك ثوابٌ كثير، وخير جزيل\" (^١).\nوقال أيضًا: \"والتعريس بذي الحليفة ليس من سنن الحج ولا العمرة، ولكنه مستحب تبركًا بالنبي -ﷺ-\" (^٢).\nعلى أنه -عفا الله عنه- قد غلا في ذلك، وتجاوز الحد، فقد جعل وجود خاتم الرسول -ﷺ- بين الصحابة سببًا لاستقامة أمرهم، وفقده سببًا لما حصل بينهم من حروب وفتن، فقال: \"وكون الخلفاء تداولوا خاتم النبي -ﷺ- إنما كان ذلك تبركًا بآثار النبي -ﷺ-، واقتداءً به، واستصحابًا لحاله، حتى كأنه حي معهم، ولم يزل أمرهم مستقيمًا متفقًا عليه في المدة التي كان ذلك الخاتم فيهم، فلما فُقِد اختلف الناس على عثمان -﵁- وطرأ من الفتن ما هو معروف، ولايزال الهرج إلى يوم القيامة\" (^٣).\nبل جعل رؤية قبر الرسول -ﷺ- من العبادات التي يؤثرها العبد على أهله وماله ونفسه والناس أجمعين، حيث قال؛ \"من المؤمنين من يكون مستغرقًا بالشهوات محجوبًا بالغفلات عن ذلك المعنى -أي عن محبة\n_________\n(^١) المفهم (٣/ ٣٧٣).\n(^٢) المفهم (٣/ ٤٥٨).\n(^٣) المفهم (٥/ ٤١١).","vol":"1","page":317},{"text":"الرسول -ﷺ- في أكثر أوقاته، فهذا بأخس الأحوال، لكنه إذا ذُكِّرَ بالنبي -ﷺ- وبشيء من فضائله اهتاج لذكره، واشتاق لرؤيته، بحيث يؤثر رؤيته، بل رؤية قبره ومواضع آثاره على أهله وماله وولده ونفسه والناس أجمعين\" (^١).\nوقال في موضع آخر، وهو يذكر فضائل المدينة: \"ففي حياته -ﷺ-: صحبته ورؤية وجهه الكريم، وبعد وفاته: مجاورة جسده الشريف، ومشاهدة آثاره المعظمة، فطوبى لمن ظفر بشيء من ذلك، وأحسن الله عزاء من لم ينل شيئًا مما هنالك\" (^٢).\nونقل عن القاضي عياض مقرًّا له جعل قبر الرسول -ﷺ- أفضل بقاع الأرض، حيث قال: \"قال القاضي عياض: أجمع المسلمون على أن موضع قبر النبي -ﷺ- أفضل بقاع الأرض كلها\" (^٣).\nولا شك أن هذا من الغلو الذي نهى عنه -ﷺ- فقال: \"لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم\" (^٤)، وقال: \"لا تجعلوا قبري عيدًا\" (^٥)، وغيرها من الأحاديث الناهية عن الغلو في شخصه -ﷺ- فضلًا عن آثاره.\nومع ما وقع فيه القرطبي -﵀- هنا من الغلو المذموم، إلَّا أنه قرر ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من النهي عن الصلاة إلى القبور،\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٢٢٧).\n(^٢) المفهم (٣/ ٤٩٦).\n(^٣) المفهم (٣/ ٥٠٣).\n(^٤) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٣٤٤٥) (٦/ ٥٥١).\n(^٥) رواه أحمد في مسنده (٢/ ٣٦٧) وأبو داود في كتاب المناسك، باب زيارة القبور وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ١٢١١) برقم (٧٢٢٦).","vol":"1","page":318},{"text":"والبناء عليها، سدًّا لذريعة الشرك، وحماية لجانب التوحيد، فقال: \"حذَّر النبي -ﷺ- عن مثل هذا -أي تعظيم القبور والصور- وشدَّد النكير والوعيد على مثل هذا، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال: \"اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد\" (^١) أي: أنهاكم عن ذلك ... ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر الرسول -ﷺ-، فأعلو حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره -ﷺ-، ثم خافوا أن تتخذ موضع قبره قبلة، إذ كان مستقبل المصلين، فتتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من ناحية الشمال حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره\" (^٢).\nوقال عند شرحه لحديث النهي عن تجصيص القبور: \"بظاهر هذا الحديث قال مالك وكره البناء والجص على القبور، وقد أجازه غيره، وهذا الحديث حجة عليه، ووجه النهي عن البناء والتجصيص في القبور: أن ذلك مباهاة واستعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبه بمن كان يعظم القبور ويعبدها وباعتبار هذه المعاني وبظاهر هذا النهي ينبغي أن يقال هو حرام كما قد قال به بعض أهل العلم\" (^٣).\nوقال في موضع آخر: \"قوله: \"لا تصلوا إلى القبور\" (^٤) أي: \"لا تتخذوها قبلة لقطع الذريعة أن يعتقد الجهال في الصلاة إليها أو عليها\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص (٢٩٠).\n(^٢) المفهم (٢/ ١٢٨).\n(^٣) المفهم (٢/ ٦٢٦).\n(^٤) رواه مسلم في كتاب الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه ح (٩٧٢) (٧/ ٤٣).","vol":"1","page":319},{"text":"الصلاة لها فيؤدي إلى عبادة من فيها، كما كان السبب في عبادة الأصنام\" (^١).\nفيكون تقريره هنا كالرد على كلامه السابق الذي فيه غلو في قبر الرسول -ﷺ-، ولا شك أن تعظيم القبور من أعظم الذرائع إلى الشرك بالله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>التبرك بالصالحين:</span>\nلقد ذهب القرطبي -﵀- إلى جواز التبرك بالصالحين وبآثارهم، وذلك عند شرحه لحديث عبد الله بن عمر -﵄- الذي قال فيه: \"إن الناس نزلوا مع رسول الله -ﷺ- على الحجر -أرض ثمود- فاستقوا من آبارها وعجنوا من العجين، فأمرهم رسول الله -ﷺ- أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة\" (^٢) قال القرطبي: \"أمره لهم أن يستقوا من بئر الناقة دليلٌ على التبرك بآثار الأنبياء والصالحين، وإن تقادمت أعصارهم، وخفيت آثارهم\" (^٣).\nوذكر في مواضع أخرى ما يدل على مذهبه في التبرك بآثارهم (^٤)، والصواب أن قياس التبرك بالصالحين على التبرك بالنبي -ﷺ- ليس بصحيح، وذلك لأسباب كثيرة، منها:\n١ - عدم مقاربة غير الرسول للرسول -ﷺ-، فضلًا عن المساواة في الفضل\n_________\n(^١) المفهم (٢/ ٦٢٨).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء باب قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ ح (٣٣٧٨) (٦/ ٤٨٠) ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا ح (٢٩٨١) (١٨/ ٣٢٢).\n(^٣) المفهم (٧/ ٣٥٥).\n(^٤) انظر: المفهم (١/ ٥٤٦) (٣/ ٥٦٩).","vol":"1","page":320},{"text":"والبركة.\n٢ - ومنها عدم تحقق الصلاح، فإنه لا يتحقق الصلاح إلَّا بصلاح القلب، وهذا لا يمكن الاطلاع عليه إلَّا بنص.\n٣ - ومنها أننا لو ظننا صلاح شخص، فلا نأمن أن يختم له بخاتمة سوء والأعمال بالخواتيم، فلا يكون أهلًا للتبرك بآثاره.\n٤ - ومنها أن الصحابة لم يكونوا يفعلون مع غير النبي -ﷺ- لا في حياته ولا بعد موته، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.\n٥ - ومنها أن فعل هذا مع غير الرسول -ﷺ- قد يورث العُجْبَ والكِبْرَ والفتنة، فيكون كالمدح في الوجه بل أعظم (^١).\nقال ابن رجب -﵀-: \"التبرك بالآثار إنما كان يفعله الصحابة ﵃ مع النبي -ﷺ- ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم بعض، ولا يفعله التابعون مع الصحابة مع علو قدرهم، فدل على أن هذا لا يفعل إلَّا مع النبي -ﷺ-، مثل التبرك بوضوئه وفضلاته، وشعره وشرب فضل شرابه، وطعامه، وفي الجملة فهذه الأشياء فتنة للمعظِّم وللمعظَّم لما يخشى عليه من الغلو المدخل في البدعة، وربما يترقى إلى نوع من الشرك، كل هذا إنما جاء من التشبه بأهل الكتاب والمشركين الذي نهيت عنه هذه الأمة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>المطلب الثامن: السحر:</span>\nإن السحر من الأعمال الشركية التي تناقض التوحيد، ومعنى السحر كما قال القرطبي: \"حيل صناعية يتوصل إليها بالتعلم والاكتساب غير أنها لخفائها ودقتها لا يتوصل إليها إلَّا آحاد الناس، فيندر وقوعها،\n_________\n(^١) انظر: تيسير العزيز الحميد ص (١٨٦) والتبرك المشروع والتبرك الممنوع ص (٨١، ٩٦).\n(^٢) الحكم الجديرة بالإذاعة لابن رجب ص (٥٨).","vol":"1","page":321},{"text":"وتستغرب آثارها لندورها، ومادته الوقوف على خواص الأشياء، والعلم بوجوه تركيبها وأزمان ذلك\" (^١).\nوَهَذا الذي ذكره القرطبي أحد أنواع السحر، إذ السحر أنواع، منها ما يكفر به الساحر عند الجميع، ومنه ما اختلف في تكفيره. قال النووي ﵀ عند كلامه عن السحر: \"إنه قد يكون كفرًا وقد لا يكون كفرًا، بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر كفر، وإلَّا فلا\" (^٢).\nوقال الشنقيطي (^٣) بعد ذكره لأنواع السحر: \"وعلوم الشر كثيرة وقصدنا بذكر ما ذكرنا منها التنبيه على خستها شرعًا، وأن منها ما هو كفر بواح، ومنها ما يؤدي إلى الكفر، وأقل درجاتها التحريم الشديد\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>حكم إنكار السحر:</span>\nبيَّن القرطبي -﵀- وجود السحر وأثره، وأن الكتاب والسنة قد دلا على ذلك، وأن من أنكر السحر فقد كفر، لتكذيبه بالكتاب والسنة، وذلك عند شرحه لحديث عائشة التي قالت فيه: \"سحر رسول الله -ﷺ- يهودي\" (^٥).\n_________\n(^١) المفهم (٥/ ٥٦٩).\n(^٢) شرح صحيح مسلم للنووي (١٤/ ٤٢٧).\n(^٣) هو الشيخ العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي رحل من موريتانيا واستقر في السعودية إذ درس في المعهد العلمي بالرياض ثم في كلية الشريعة ثم مدرسًا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وعضوًا في هيئة كبار العلماء عُرف ﵀ بالورع والزهد وكثرة العبادة وقد خلف عددًا من المؤلفات منها \"أضواء البيان في تفسير القرآن\" وغيره توفي ﵀ في مكة ودفن بها في (١٧/ ١٢/ ١٣٩٣ هـ) علماء نجد خلال ثمانية قرون. للشيخ عبد الله البسام (٦/ ٣٧١)، معجم المؤلفين (٣/ ١٤٦).\n(^٤) أضواء البيان (٤/ ٤٩).\n(^٥) رواه البخاري في كتاب الجزية والموادعة، باب هل يعفي عن الذمي إذا سحر ح (٣١٧٥) (٦/ ٣١٩)، ومسلم في كتاب السلام، باب السحر ح (٢١٨٩) (١٤/ ٤٢٤).","vol":"1","page":322},{"text":"حيث قال: \"هذا الحديث يدل على أن السحر موجود وأن له أثرًا في المسحور، وقد دل على ذلك مواضع كثيرة من الكتاب والسنة بحيث يحصل بذلك القطع بأن السحر حقٌّ وأنه موجود، وأن الشرع قد أخبر بذلك، كقصة سحرة فرعون، وبقولِه تعالى فيها: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ (^١) ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ (^٢) إلى غير ذلك مما تضمنته تلك الآيات من ذكر السحر والسحرة، وكقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ...﴾ إلى آخرها (^٣). وبالجملة: فهو أمرٌ مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله -ﷺ- عن وجوده ووقوعه، فمن كذب بذلك فهو كافر مكذب لله ولرسوله، منكر لما علم مشاهدة وعيانًا، ومنكر ذلك إن كان مستسرًا به فهو الزنديق، وإن كان مظهرًا فهو المرتد\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>حقيقة السحر وتأثيره:</span>\nأما هل للسحر حقيقة أم لا؟ فيه قولان لأهل العلم:\nالأول: من قال: إن السحر تخييل فقط ولا حقيقة له، قال به جماعة من العلماء منهم ابن حزم الظاهري (^٥)، وحجتهم في ذلك قوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ (^٦). قال الحافظ ابن حجر في الرد عليهم: \"هذه الآية عمدة من زعم أن السحر إنما هو تخييل ولا حجة له بها؛ لأن هذه وردت في قصة سحرة فرعون، وكان سحرهم كذلك، ولا يلزم منه أن\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ١١٦.\n(^٢) سورة طه، الآية: ٦٦.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ١٠٢.\n(^٤) المفهم (٥/ ٥٦٨).\n(^٥) انظر: فتح الباري لابن حجر (١٠/ ٢٣٣).\n(^٦) سورة طه، الآية: ٦٦.","vol":"1","page":323},{"text":"جميع أنواع السحر تخييل\" (^١).\nوقد بيَّن القرطبي أن أكثر السحر تخييل حيث قال: \"وأكثره تخييلات لا حقيقة لها، وإيهامات لا ثبوت لها، فتعظم عند من لا يعرفها، وتشتبه على من لا يقف عليها، ولذلك قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (^٢) مع أنه كان في عين الناظر إليه عظيمًا، وعن ذلك عبر الله تعالى بقوله: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ (^٣)؛ لأن الحبال والعصي لم تخرج عن حقيقتها، وذلك بخلاف عصا موسى، فإنها انقلبت ثعبانًا مبينًا خرقًا للعادة، وإظهارًا للمعجزة\" (^٤).\nالثاني: أن السحر له حقيقة، وعليه عامة العلماء، وهو الذي تؤيده الأدلة.\nقال المازري: \"أهل السنة وجمهور العلماء من الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقة كحقائق غيره من الأشياء الثابتة، خلافًا لمن أنكره ونفى حقيقته، وأضاف ما يتفق منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها، وقد ذكره الله سبحانه في كتابه العزيز، وذكر أنه مما يتعلم، وذكر ما يشير إلى أنه مما يكفر به، وأنه يفرق بين المرء وزوجه، وهذا كله مما لا يمكن أن يكون فيما لاحقيقة له، وكيف يتعلم ما لا حقيقة له؟ \" (^٥).\nوهو الذي عليه القرطبي إذ بيَّن أن أكثره تخيلات لا حقيقة لها، فيفهم أن منه ما له حقيقة، وهذا هو الصحيح من كلام أهل العلم، وأن منه خيالات ومنه حقائق. وأما هل السحر له تأثير أم لا؟ هذا يبنى على القول\n_________\n(^١) فتح الباري (١٠/ ٢٣٥).\n(^٢) سورة طه، الآية: ٦٦.\n(^٣) سورة الأعراف، الآية: ١١٦.\n(^٤) المفهم (٥/ ٥٦٩).\n(^٥) المعلم (٣/ ٩٣).","vol":"1","page":324},{"text":"الأول، فمن أنكر حقيقة السحر، وجعله من باب التخييل فقط فهو ينكر تأثيره. والذين أثبتوا أن للسحر حقيقة أثبتوا أن له تأثيرًا، ولكنهم اختلفوا في هذا التأثير.\nفالجمهور أن للسحر تأثيرًا فقط بحيث يغير المزاج، فيكون نوعًا من الأمراض، ولا يزيد على ذلك بحيث يكون الجماد حيوانًا مثلًا. وذهبت طائفة قليلة إلى أن للسحر تأثيرًا يصل إلى قلب الأعيان (^١). قال الحافظ ابن حجر عن ما قالته هذه الطائفة: \"إن كان بالنظر إلى القدرة الإلهية فمسلم، وإن كان بالنظر إلى الواقع فهو محل الخلاف، فإن كثيرًا ممن يدعي ذلك لا يستطيع إقامة البرهان عليه (^٢).\nوهذا هو الذي ذهب إليه القرطبي، وقد نقل الحافظ ابن حجر كلام القرطبي بعد كلامه السابق.\nقال القرطبي: \"السحر ليس بخرق عادة، بل هو أمر عادي، يتوصل إليه من يطلبه غالبًا، غير أنه يقل ويندر، فلا نقول: إن الساحر تنخرق له العادة خلافًا لمن قال ذلك من أئمتنا وغيرهم: إن العادة تنخرق له، فإن أرادوا بذلك جواز انخراقها له عادة عقلًا فمسلم، ما لم يدَّع النبوة، فإن حاصل ذلك أنه أمر ممكن، والله تعالى قادر على كل ممكن، وإن أراد بذلك: أن الذي وقع في الوجود خارق للعادة فهو باطل\" (^٣).\n_________\n(^١) موقف الإسلام من السحر لحياة سعيد عمر باخضر (١/ ٣٥٨).\n(^٢) فتح الباري (١٠/ ٢٣٣).\n(^٣) المفهم (٥/ ٥٦٩). وقد أثبت المازري أن مذهب الأشعرية جواز خرق العادة خلافًا لما قرره القرطبي هنا حيث قال: فإن قيل إذا جوزت الأشعرية خرق العادة على يدي الساحر فبماذا يتميز من النبي الصادق قيل: العادة تنخرق على يد النبي وعلى يد الولي وعلى يد الساحر إلَّا أن النبي يتحدى بها، ويستعجز سائر الخلق ويحكي عن الله سبحانه خرق العادة لتصديقه فلو كان كاذبًا لم تخرق العادة على يديه ولو خرقها لأظهر على يد غيره من المعارضين له، مثل =","vol":"1","page":325},{"text":"وأمَّا المازري فقد أجاز أكثر من ذلك، وبيَّن أن هذا هو مذهب الأشعرية، فقال: \"وإذا ثبت السحر فاختلف الناس في القدر الذي يقع عن السحر، ولهم في ذلك اضطراب كثير، وقد رأيت بعض الناس ذهب إلى أنه لا يبلغ الأمر فيه إلى غريبة تربي على التفرقة بين المرء وزوجه، وذكر أن الله سبحانه إنما ذكر ذلك تعظيمًا لما يكون عنه، وتهويلًا له في حقنا فلو كان يقع عنه ما هو أعظم لذكره إذ لا يضرب المثل عند المبالغة إلَّا بأعلى أحوال المذكور.\nومذهب الأشعرية: أنه يجوز أن يقع عنه ما هو أكثر من ذلك، والذي قالته الأشعرية هو الصحيح عقلًا، وإذا قلنا أن لا فاعل إلَّا الله سبحانه، وإنما يقع من ذلك عادة أجراها تعالى، فلا تفترق الأفعال في ذلك، وليس بعضها أولى من بعض، وهذا واضحٌ، لكن إن ورد السمع بقصوره عن مرتبة ما، وجب اتباع السمع في ذلك، وسمع قاطع يوجب الاقتصار على ما قاله من حكينا قوله لا يوجد وذكر التفرقة بين الزوجين ليس بنص جلي، فيما قاله، ولكنه إنما يبقى النظر في كونه ظاهرًا، والمراد في المسألة القطع، فلهذا لم نشتغل هاهنا بتحرير ما تعلق به من الآية\" (^١).\n_________\n= ما أظهر على يده والولي والساحر لا يتحديان ولا يستعجزان الخليقة ليستدلوا على صدقهم وعلى نبوتهم ولو حاولوا أشياء من ذلك لم تنخرق لهم العادة، أو تنخرق ولكنها تنخرق لمن يعارضهم، وأما الولي والساحر فإنهما يفترقان من طريق أخرى وهي أنَّ الساحر يكون ذلك علمًا على فسقه وكفره والولي لا يكون علمًا على ذلك فيه فافترق حال الثلاثة بعضهم من بعض والساحر أيضا يكون ذلك منه عن أشياء يفعلها وقوى يمزجها ومعاناة وعلاج والولي لا يفتقر إلى ذلك وكثيرًا ما يقع له ذلك بالاتفاق من غير أن يستدعيه أو يشعر به. المعلم (٣/ ٩٤).\n(^١) المعلم (٣/ ٩٣).","vol":"1","page":326},{"text":"ونرى أن القرطبي قصر تأثير الساحر على النوع الأول وهو المرض، والتفريق بين الزوجين وما شابههما.\nوأما المازري فجوز أكثر من ذلك.\nوالصحيح أن السحر له تأثير حقيقي على الإنسان، وأما ما يفعله الساحر من الطيران في الهواء أو المشي فوق الماء، أو قلب الإنسان حيوانًا، أو غيرها من الأعمال فعند كثير من العلماء أن هذا من باب التخييل ليس من نوع تغيير طبيعة الشيء إلى غيرها.\nقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -﵀- عن وقوع مثل هذه الأفعال من الساحر: \"بالنسبة إلى ثبوت وقوع مثل ذلك بالفعل فلم يقم دليل مقنع؛ لأن غالب ما يستدل عليه به قائله حكايات لم تثبت عن عدول، ويجوز أن يكون ما وقع منها من جنس الشعوذة، والأخذ بالعيون، لا قلب الحقيقة مثلًا إلى حقيقة أخرى، وهذا هو الأظهر عندي والله تعالى أعلم\" (^١).\nوقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- أن حد قدرة الساحر هو ما يكون باستطاعة أحد من الإنس أو الجن، وما لا يدخل تحت قدرتهم فلا يستطيعه الساحر، كقلب الإنسان حيوانًا مثلًا حيث قال -﵀-: \"وجميع ما يختص بالسحرة والكُهَّان وغيرهم مما ليس بنبي: لا يخرج عن مقدور الإنس والجن، وأعني بالمقدور: ما يمكنهم التوصل إليه بطريق من الطرق ... فما يقدر عليه الساحر من سحر بعض الناس حتى يمرض أو يموت هو من مقدور الجن، وهو من جنس مقدور\n_________\n(^١) أضواء البيان (٤/ ٥٩).","vol":"1","page":327},{"text":"الإنس\" (^١).\nوقال ابن القيم -﵀-: \"الساحر يفعل هذا وهذا، فتارة يتصرف في نفس الرائي وإحساسه، حتى يرى الشيء بخلاف ما هو به، وتارة يتصرف في المرئي باستعانته بالأرواح الشيطانية حتى يتصرف فيها\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>موقف القرطبي والمازري مما ورد أن النبي -ﷺ- قد سحر:</span>\nجاء في الحديث عن عائشة -﵂- قالت: سَحَرَ رسول الله -ﷺ- يهوديٌّ من بني زريق، يقال له: لبيد بن الأعصم، قالت: حتى كان رسول الله -ﷺ- يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله ... \" (^٣).\nوهذا الحديث قد أنكرته بعض المبتدعة بزعم أنه يحط من منصب النبوة، وينافي العصمة، ويؤثر على الثقة بالشريعة.\nوقد كان للقرطبي والمازري موقف من هذه الشبهة، إذ بيَّنا أن السحر ثابت لكنه لا يحط من منزلته -ﷺ-، ولا يؤدي إلى نزع الثقة بشريعته، بل هو دليل بشريته ﵊، إذ هو كالأمراض والآلام والجراحات التي تصيبه -ﷺ-، ولم يتعد الأمر أكثر من ذلك. قال القرطبي: \"قد جعل هذا بعض أهل الزيغ مطعنًا في النبوة وقال: إذا انتهى الحال إلى هذا لم يوثق بقول من كان كذلك، والجواب: إن هذا صدر عن سوء فهم، وعدم علم. أما سوء فهم فلأنها إنما أرادت أنه -ﷺ- أُخذ عن النساء، فكان قبل مقاربة الجماع يخيل إليه أنه يتأتى له ذلك، فإذا لابسه لم ينهض لغلبة مرض السحر عليه، وقد جاء هذا المعنى منصوصًا في غير\n_________\n(^١) النبوات (٢/ ٢٧٣، ٢٧٤).\n(^٢) بدائع الفوائد (٢/ ٤٥٣).\n(^٣) سبق تخريجه ص (٣٢٢).","vol":"1","page":328},{"text":"كتاب مسلم فقالت: حتى كان يخيل إليه أنه يأتي النساء فلا يأتيهن، ولو لم ينقل أن ذلك في الجماع لصح في غيره، كما صح فيه، فيخيل إليه أنه يقدم على الأكل أو المشي مثلًا، لأنه لا يحس بمانع يمنعه منه، فإذا رام ذلك، وأخذ فيه، لم يتأث له ذلك لغلبة المرض الناشئ عن السحر، لا أنه -ﷺ- أوجب له خللًا في عقله، ولا تخليطًا في قوله إذ قام برهان المعجزة على صدقه وعصمة الله تعالى له عن الغلط فيما يبلغه بقوله وفعله، وأما عدم علم الطاعن: فقد سلبه الله العلم بأحكام النبوات، وما تدل عليه المعجزات، فكأنهم لم يعلموا أن الأنبياء من البشر، وأنه يجوز عليهم من الأمراض والآلام والغضب والضجر والعجز والسحر والعين وغير ذلك مما يجوز على البشر، لكنهم معصومون عما يناقض دلالة المعجزة من معرفة الله تعالى، والصدق والعصمة عن الغلط في التبليغ، وعن هذا المعنى عبَّر الله تعالى بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (^١) من حيث البشرية يجوز عليهم ما يجوز عليهم، ومن حيث الخاصة النبوية: امتاز عنهم وهو الذي شهد له العلي الأعلى بأن بصره ما زاغ وما طغى، وبأن فؤاده ما كذب ما رأى، وبأن قوله وحي يوحى وأنه ما ينطق عن الهوى\" (^٢).\nوقال المازري: \"قد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث من طريق ثابتة، وزعموا أنه يحط منصب النبوة، ويشكك فيها، وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل، وزعموا أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع، ولعله يُخيَّل إليه جبريل -﵇- وليس ثم ما يراه أو أنه أوحي إليه وما أوحي إليه، وهذا الذي قالوه باطل، وذلك أن الدليل قد قام على صدقه فيما يبلغه عن الله سبحانه، وعلى عصمته فيه، والمعجزة\n_________\n(^١) سورة الكهف، الآية: ١١٠.\n(^٢) المفهم (٥/ ٥٧٠).","vol":"1","page":329},{"text":"شاهدة بصدقه، وتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل، وما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها، ولا كان رسولًا مفضلًا من أجلها، وهو في كثير منها عرضة لما يعترض البشر فغير بعيد أن يخيل إليه في أمور الدنيا ما لا حقيقة له، وقد قال بعض الناس إنما المراد بالحديث: أنه يخيل إليه أنه وطئ زوجاته وليس بواطئ، وقد يتخيل في المنام للإنسان مثل هذا المعنى، ولا حقيقة له، فلا يبعد أن يكون -ﷺ- يتخيله في اليقظة، وإن لم يكن حقيقة، وقال بعض أصحابنا: يمكن أن يكون يخيل إليه الشيء أنه فعله وما فعله، ولكنه لا يعتقد ما تخيله أنه صحيح فتكون اعتقاداته كلها على السداد فلا يبقى لاعتراض الملحدة طريق\" (^١).\nوقد نقل الحافظ ابن حجر كلام المازري السابق في كتابه \"فتح الباري\" وارتضاه (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>حكم الساحر:</span>\nاختلف العلماء في حد الساحر: هل يقتل بمجرد السحر؟ أم لابد أن يتضمن سحره الكفر، أو يقتل بسحره؟ .\nذهب الإمام مالك وأبو حنيفة وأحمد (في رواية عنه) أنه يقتل على كل حال (^٣). وأما الشافعي فقال: الساحر إذا كان يعمل في سحره ما يبلغ به الكفر يقتل، فإذا عمل عملًا دون الكفر لم نر عليه قتلًا (^٤). وهو رواية عن أحمد (^٥).\n_________\n(^١) المعلم (٣/ ٩٣).\n(^٢) فتح الباري (١٠/ ٢٣٧).\n(^٣) انظر: المغني لابن قدامة (١٠/ ١١١)، وتيسير العزيز الحميد ص (٣٩١).\n(^٤) فتح الباري (١٠/ ٢٤٧).\n(^٥) انظر: المغني (١٠/ ١١١)، وتيسير العزيز الحميد ص (٣٩١).","vol":"1","page":330},{"text":"فالخلاف إذًا في الساحر الذي لم يشتمل سحره على الكفر، ولم يقتل بسحره. وأما إذا قتل بسحره، أو اشتمل سحره على الكفر فحده القتل عند الجميع. على أن كثيرًا من العلماء يرى أن الساحر لا يتم له السحر إلَّا بخدمة الشياطين له، وهم لا يخدمونه إلَّا بالتقرب إليهم، وهذا كفر. ثم هل تقبل توبة الساحر أم لا؟ في المسألة خلاف أيضًا:\nوالقرطبي والمازري أخذا بمذهب المالكية في ذلك، وهو قتل الساحر على كل حال.\nقال القرطبي: \"الساحر عند مالك كالزنديق؛ لأن العمل عنده بالسحر كفر مستسر به، فلا تقبل توبة الساحر، كما لا تقبل توبة الزنديق، إذ لا طريق لنا إلى معرفة صدق توبته ... وإنما صار مالك إلى أن السحر كفر لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (^١) أي بالسحر، ويتأيد ذلك بأن الساحر لا يتم له سحره حتى يعتقد أن سحره ذلك مؤثر بذاته وحقيقته، وذلك كفر.\nوبقول مالك قال أحمد وجماعة من الصحابة والتابعين والشافعي في قول له آخر (^٢). فالساحر عندنا يقتل على كل حال قتل بسحره أم لا؛ لأنه كالزنديق (^٣).\nوقال المازري: \"الساحر عندنا إذا سحر بنفسه قتل، فإن تاب لم تقبل توبته خلافًا للشافعي، وهذه المسألة مبنية على الخلاف في قبول توبة الزنديق؛ لأنه مسرٌّ لما يوجب قتله كالساحر. وإنما قلنا \"أنه يقتل\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٠٢.\n(^٢) المفهم (٥/ ٥٧٤).\n(^٣) المفهم (٥/ ٥٦٨).","vol":"1","page":331},{"text":"على الجملة؛ لأن من عمل السحر وعلمه فقد كفر، والكافر يقتل، قال تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (^١) فإذا ثبت كونه كفرًا وجب القتل به. قال بعض أصحابنا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ يعني باعوها وبيعه لنفسه يتضمن قتله.\nقال الشافعي: \"إن عمل السحر (وقال به) (^٢) سئل فإن قال تعمدت القتل به قُتِلَ، وإن قال لم أتعمد القتل به كانت فيه الدية. وإذا ثبت أنه كافر استغني عن هذا التفصيل الذي قاله الشافعي\" (^٣).\nلكن إن اعترض على ذلك بأن الرسول -ﷺ- لم يقتل لبيد بن الأعصم الذي سحره، فقد أجاب القرطبي عن هذا الاعتراض فقال: \"إنما امتنع النبي -ﷺ- من ذلك لما نبَّه عليه من خوف وقوع شر بين المسلمين واليهود، لما كان بينهم من العهد والذمة، فلو قتله لثارت فتنة، ولتحدث الناس أن محمدًا يقتل من عاهده وأمَّنه، وهذا نحو مما راعاه في الامتناع عن قتل المنافقين حيث قال: \"لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه\" (^٤) فيكون ذلك منفرًا عن الدخول في دينه وفي عهده والله تعالى أعلم\" (^٥).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٠٢.\n(^٢) هكذا في الأصل ولعلها \"وَقتَلَ به\".\n(^٣) المعلم (٣/ ٩٣).\n(^٤) سبق تخريجه ص (٢٩٧).\n(^٥) المفهم (٥/ ٥٧٤) وقد ذهب الشنقيطي ﵀ إلى هذا فقال: بينت الروايات الصحيحة أنه ترك قتله اتقاء إثارة فتنة فدل على أنه لولا ذلك لقتله وقد ترك المنافقين لئلا يقول الناس: إنَّ محمدًا يقتل أصحابه فيكون ذلك تنفيرًا عن دين الإسلام مع اتفاق العلماء على قتل الزنديق وهو عبارة عن المنافق والله أعلم. أضواء البيان (٤/ ٦٢).","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>المطلب التاسع: النشرة:</span>\nوهي مسألة لها علاقة بالسحر؛ لأن السحر بمنزلة الداء، والنشرة بمنزلة الدواء. هي ضربٌ من العلاج يعالج به من يظن أن به سحرًا، أو مسًا من الجن. قال ابن الجوزي: \"هي حل السحر عن المسحور، ولا يكاد يقتدر عليه إلَّا من يعرف السحر\" (^١).\nوقد اختلف العلماء في حكم النشرة:\nفكان الحسن البصري يكره ذلك، ويقول: لا يعلم ذلك إلَّا ساحر. واستدلوا بقوله -ﷺ- \"النشرة من عمل الشيطان\" (^٢) وأجازها آخرون، وقد جاء في البخاري عن قتادة (^٣) قال: قلت لسعيد بن المسيب (^٤): رجل به طب -أو يؤخذ عن امرأته- أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه\" (^٥).\nوسُئِلَ الإمام أحمد عمَّن يطلق السحر عن المسحور، فقال: \"لا بأس به\" وقال الحافظ ابن حجر بعد نقله لكلام الإمام أحمد السابق: \"وهو المعتمد\" (^٦).\n_________\n(^١) فتح الباري (١٠/ ٢٤٤).\n(^٢) رواه أحمد في مسنده (٣/ ٢٩٤) وأبو داود في كتاب الطب باب في النشرة قال الحافظ ابن حجر: أخرجه أبو داود في المراسيل ووصله أحمد وأبو داود بسند حسن عن جابر. فتح الباري (١٠/ ٢٤٤).\n(^٣) هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، من الحفاظ الثقات رمي بشيء من القدر لكنه ممن يحتج به توفي سنة (١١٧ هـ). تهذيب التهذيب (٣/ ٤٢٨). صفة الصفوة (٣/ ٢٥٩).\n(^٤) هو سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي القرشي من أئمة التابعين أخذ عن كثير من الصحابة وكان من عُبَّاد الناس وعلمائهم توفي سنة (٩٣ هـ). تهذيب التهذيب (٢/ ٤٣). صفة الصفوة (٢/ ٧٩).\n(^٥) أخرجه البخاري في كتاب الطب باب هل يستخرج السحر (١٠/ ٢٤٣).\n(^٦) انظر: فتح الباري (١٠/ ٢٤٤) وتيسير العزيز الحميد ص (٤١٦).","vol":"1","page":333},{"text":"وقد ذكر القرطبي الخلاف بين العلماء في هذه المسألة، ونقل قول المازري فيها فقال: \"اختلف العلماء في النشرة وهي: أن يكتب شيئًا من أسماء الله أو من القرآن ثم يغسله بالماء، ثم يمسح به المريض أو يسقيه إياه، فأجازها سعيد بن المسيب، قيل له: الرجل يؤخذ عن امرأته أيحل عنه وينشر؟ قال: لا بأس به، وما ينفع لم ينه عنه. وقال المازري (^١): \"النشرة أمر معروف عند أهل التعزيم، وسميت بذلك، لأنها تنشر عن صاحبها أي: تحل، ومنعها الحسن وقال: هي من السحر، وقد روى أبو داود من حديث جابر بن عبد الله -﵁- قال؛ سئل رسول الله -ﷺ- عن النشرة فقال: \"هي من عمل الشيطان\" (^٢) قال بعض علمائنا: هذا محمول على أنها خارجة عما في كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ-، وعن المداواة المعروفة والنشرة من جنس الطب. قلت -أي القرطبي-: ويتأيد هذا بقوله -ﷺ-: \"لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك، ومن استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل\" (^٣) \" (^٤).\nوالصحيح أن النشرة على نوعين:\nالأول: حل السحر بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، فإن السحر من عمله، فيتقرب إليه الناشر والمنتشر بما يحب فيُبطِلُ عملَهُ عن المسحور.\nوالثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة، فهذا جائز، بل مستحب، وعلى النوع المذموم يحمل قول الحسن: لا يحل\n_________\n(^١) انظر: المعلم (٣/ ٩٤).\n(^٢) سبق تخريجه ص (٣٣٣).\n(^٣) رواه مسلم في كتاب السلام، باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة ح (٢١٩٩) (١٤/ ٤٣٧).\n(^٤) المفهم (٥/ ٥٩٠).","vol":"1","page":334},{"text":"السحر إلَّا ساحر (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>المطلب العاشر:<span data-type=\"title\" id=toc-118> الرقى </span>والتمائم:</span>\nكانت الرقى تستخدم في الجاهلية لمعالجة اللديغ والمصاب بالعين وغيرها من الأمراض.\nولما كان في عمل الجاهلية هذا من ادعاء علم الغيب، ومن الشرك والتوكل على غير الله، والاستعانة بالجن، فقد وردت النصوص الشرعية تجريم ذلك كله، فقال -ﷺ-: \"إن الرقى والتمائم والتولة شرك\" (^٢).\nلكن الصحابة -﵃- أتوا النبي -ﷺ- وأخبروه بأنهم عندهم رقى يرقون بها من العقرب وغيرها، وأنهم بحاجة إلى تلك الرقى، فطلب منهم -ﷺ- أن يعرضوا عليه تلك الرقى فعرضوها عليه، فقال لهم بعد ذلك: \"لا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شرك\" (^٣).\nوقال -ﷺ- عندما سألوه عن الرقى \"من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل\" (^٤).\nقال القرطبي: \"قول عائشة -﵂-: \"رخص رسول الله -ﷺ- في الرقية من الحمة\" (^٥) وقول أنس: \"رخَّص رسول الله -ﷺ- في الرقية\n_________\n(^١) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم (٤/ ٣٩٦) وقد نقله عنه الشيخ محمد عبد الوهاب ﵀ في كتاب التوحيد.\n(^٢) رواه أحمد في مسنده (١/ ٣٨١) وأبو داود في كتاب الطب باب تعليق التمائم وابن ماجه في كتاب الطب باب تعليق التمائم، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٣٣٦) ح (١٦٣٢).\n(^٣) سبق تخريجه ص (٣٣٤).\n(^٤) سبق تخريجه ص (٣٣٤).\n(^٥) رواه البخاري في كتاب الطب باب رقية الحية والعقرب ح (٥٧٤١)، (١٠/ ٢١٦)، ومسلم في كتاب السلام باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة ح (٢١٩٣)، (١٤/ ٤٣٤).","vol":"1","page":335},{"text":"من العين والحمة والنملة\" (^١) دليل على أن الأصل في الرقى كان ممنوعًا كما قد صرَّح به حيث قال: نهى رسول الله -ﷺ- عن الرقى (^٢). وإنما نهى عنه مطلقًا لأنهم كانوا يرقون في الجاهلية برقى هو شرك وبما لا يفهم وكانوا يعتقدون أن ذلك الرقى يؤثر، ثم إنهم لما أسلموا وزال ذلك عنهم نهاهم النبي -ﷺ- عن ذلك عمومًا ليكون أبلغ في المنع وأسد للذريعة، ثم إنهم لما سألوه وأخبروه: أنهم ينتفعون بذلك رخص لهم في بعض ذلك وقال: \"أعرضوا عليَّ رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك\" (^٣).\nفجازت الرقية من كل الآفات، ومن الأمراض، والجراح، والقروح، والحمة، والعين، وغير ذلك، إذا كان الرقى بما يفهم، ولم يكن فيه شرك ولا شيء ممنوع (^٤).\nوقال المازري: \"يحتمل أن يكون النهي كان ثابتًا ثم نُسخ، أو يكون كان النهي لأنهم كانوا يعتقدون منفعتها بطبيعة الكلام، كما كانت تعتقد الجاهلية، فلما استقر في أنفسهم وارتاضوا بالشرع أباحها لهم مع اعتقادهم أن الله هو النافع والضار، أو يكون النهي عن الرقى الكفرية ألا تراه يقول للذي قال له: \"نهيت عن الرقى قال: فعرضوها عليه -ﷺ- فقال ما أرى بأسًا\" (^٥).\nوبهذا يتضح موقف الإسلام من الرقى، وأنها جائزة بشروط، قال\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتاب السلام باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة ح (٢١٩٦)، (١٤/ ٤٣٥).\n(^٢) هو جزء من الحديث السابق الذي قال فيه ﵇ \"من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل\".\n(^٣) سبق تخريجه ص (٣٣٤).\n(^٤) المفهم (٥/ ٥٨٠).\n(^٥) المُعلم (٣/ ٩٥).","vol":"1","page":336},{"text":"ابن حجر -﵀-: \"أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط، وهي:\n١ - أن تكون بكلام الله وبأسمائه وصفاته، أو بما أُثِرَ عن النبي -ﷺ-.\n٢ - أن تكون باللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره.\n٣ - أن لا يعتقد أن الرقية تؤثر بذاتها، بل بإذن الله ﷿\" (^١).\nوقد نصَّ المازري على الشرطين الأول والثاني من هذه الشروط التي ذكرها الحافظ فقال: \"جميع الرقى عندنا جائزة إذا كانت بكتاب الله -﷿- وذكر الله وينهى عنها بالكلام الأعجمي ما لا يعرف معناه لجواز أن يكون فيه كفر أو إشراك\" (^٢).\nوأما القرطبي -﵀- فقد جعل الشرط الأول للأفضلية والكمال، فقال: \"وأفضل ذلك وأنفعه ما كان بأسماء الله تعالى وكلامه، وكلام رسوله -ﷺ-\" (^٣).\nوقال عند شرحه لقوله ﵇ عندما عرضوا عليه الرقى \"لا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شرك\" (^٤): \"دليل على جواز الرقى والتطبب بما لا ضرر فيه، ولا منع شرعيًا مطلقًا، وإن كان بغير أسماء الله تعالى وكلامه، لكن إذا كان مفهومًا\" (^٥).\nوجعل -﵀- الرقية ثلاثة أقسام:\n-قسم من رقى الجاهلية، وبما لا يعرف، فهذا يجب اجتنابه على سائر\n_________\n(^١) فتح الباري (١٠/ ٢٠٦).\n(^٢) المعلم (٣/ ٩٥).\n(^٣) المفهم (٥/ ٥٨١).\n(^٤) سبق تخريجه ص (٣٣٤).\n(^٥) المفهم (٥/ ٥٨٤).","vol":"1","page":337},{"text":"المسلمين.\n- وقسم بأسماء الله تعالى وبالمروي عن رسول الله -ﷺ-، وهذا التجاء إلى الله تعالى.\n- وقسم ثالث وهو الرقى بأسماء الملائكة والنبيين والصالحين، وما عطم الله وأجازه، لكنه جعل تركه أولى، فقال: الرقى بأسماء الملائكة والنبيين والصالحين أو بالعرش والكرسي والسموات والجنة والنار، وما شاكل ذلك مما يعظم كما قد يفعله كثير ممن يتعاطى الرقى فهذا القسم ليس من قبيل الرقى المحظور الذي يعم اجتنابه، وليس من قبيل الرقى الذي هو التجاء إلى الله تعالى، وتبرك بأسمائه، وكأن هذا القسم المتوسط يلحق بما يجوز فعله غير أن تركه أولى (^١).\nفالقرطبي -﵀- خالف في هذا الشرط، وهو كون الرقية بأسماء الله تعالى وصفاته وما أثر عن النبي -ﷺ- فأجاز الرقية بأسماء الملائكة أو النبيين إلى غير ذلك مما ذكر، ولا شك أنه قد أخطأ فيما ذهب إليه، لأن الرقى من الاستعاذة، والاستعاذة من أنواع العبادة التي لا يجوز صرفها إلَّا لله تعالى وحده، فلا يجوز صرفها لغيره من المخلوقات مهما بلغت عظمتها.\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ (^٢): \"الرقى الموصوفة بكونها شركًا هي الرقى التي منها شرك من دعاء غير الله والاستعانة\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٤٦٦).\n(^٢) هو سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب من أحفاد الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي كان إمامًا بارزًا في شتى العلوم توفي في شبابه وذلك سنة (١٢٣٣ هـ) على يد إبراهيم باشا عندما استولى على الدرعية. الأعلام (٣/ ١٢٩)، معجم المؤلفين (١/ ٧٩٣).","vol":"1","page":338},{"text":"والاستعاذة به، كالرقى بأسماء الملائكة والأنبياء والجن ونحو ذلك\" (^١).\nوإذا ثبت جواز الاسترقاء كما دلت النصوص على ذلك فهل يكون الاسترقاء قادحًا في التوكل أم لا؟\nأي هل الاسترقاء أفضل أم تركه؟ اختلف العلماء في ذلك، فذهب الإمام أحمد والخطابي والقاضي عياض والنووي، وابن تيمية، وابن القيم وغيرهم من العلماء، إلى أن الاسترقاء قادح في التوكل، وأن تركه أفضل كما جاء عن رسول الله -ﷺ- في السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، قال -ﷺ-: \"هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون\" (^٢).\nقال النووي: \"الظاهر من معنى الحديث أن هؤلاء كمل تفويضهم إلى الله ﷿، فلم يتسببوا في دفع ما أوقعه بهم ولا شك في فضيلة هذه الحالة ورجحان صاحبها\" (^٣).\nوذهب آخرون إلى أن الاسترقاء غير قادح في التوكل منهم ابن قتيبة وابن عبد البر والمازري والقرطبي.\nوقد استدلوا على ذلك بما ورد من منافع الأدوية، والحث على التداوي إضافة إلى فعل الرسول -ﷺ- وهو إمام المتوكلين وأن الرقى بأسماء الله هو غاية التوكل على الله فهو التجاء إليه، وتعويل عليه في كشف الضر والبلاء.\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص (١٦٥).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب الرقاق باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب ح (٦٥٤١)، (١١/ ٤١٣)، ومسلم في كتاب الإيمان باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب ح (٢٢٠)، (٣/ ٩٢).\n(^٣) شرح صحيح مسلم النووي (٣/ ٩٢).","vol":"1","page":339},{"text":"وأما الحديث السابق، فقد قال المازري فيه بعد أن بين أنه قد جاءت أحاديث كثيرة في منافع الأدوية، وكثرة تداوي الرسول -ﷺ-: فإذا ثبت هذا صح أن يحمل ما في الحديث على قوم يعتقدون أن الأدوية نافعة بطباعها كما يقول بعض الطبائعيين لا أنهم يفوضون الأمر إلى الله سبحانه وحده\" (^١).\nلكن القرطبي رد قول المازري هذا فقال بعد سياقه لكلام المازري السابق: وهذا غير لائق بمساق الحديث ولا بمعناه إذ مقصوده: إثبات مزية وخصوصية لهؤلاء السبعين ألفًا، وما ذكره يرفع المزية والخصوصية، فإن مجانبة اعتقاد ذلك هو حال المسلمين كافة، ومن لم يجانب اعتقاد ذلك لم يكن مسلمًا، ثم إن ظاهر لفظ الحديث إنما هو \"لا يرقون ولا يكتوون\" أي لا يفعلون هذه الأمور، وما ذكره خروج عنه من غير دليل (^٢).\nثم ذكر قول الداوودي (^٣) وهو أن المراد أن هؤلاء يجتنبون فعل ذلك في الصحة، وأما في المرض فجائز، ورد عليه القرطبي بأن هذا وإن صح في بعض الرقى لم يصح في البعض الآخر، فالتعويذات من الرقى ويجوز أن يتعوذ من الشرور كلها قبل وقوعها وكذلك التطبب يجوز أن يتحرز من الأدواء قبل وقوعها.\nثم ذكر قول الخطابي الذي سبق ذكره، وإقرار القاضي عياض له\n_________\n(^١) المعلم (١/ ٢٣١).\n(^٢) المفهم (١/ ٤٦٣).\n(^٣) هو أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداوودي البوشنجي كان من الأئمة الكبار في المذهب الشافعي توفي سنة (٤٦٧ هـ). سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٢٢). معجم المؤلفين (٢/ ١٢٢).","vol":"1","page":340},{"text":"ولم يعلق عليه.\nوذكر قولًا آخر لم ينسبه لأحد، وهو أن استعمال الرقى والكي قادح في التوكل بخلاف سائر أنواع الطب؛ لأن باب الرقى والكي والطيرة موهوم، وما عداها غير موهوم، بل محقق، فيصير كالأكل للغذاء أو الشرب للري.\nوردَّ أيضًا هذا القول وبيَّن أنه فاسد من وجهين: أحدهما أن أكثر أبواب الطب موهومة فلا معنى للتخصيص.\nوالثاني: أن الرقى باسماء الله هو غاية التوكل على الله تعالى، فإذا كان هذا قادحًا في التوكل فليكن الدعاء والأذكار قادحًا في التوكل، ولا قائل به، ثم بيَّن أن الرسول رقى واسترقى، وفعل ذلك الخلفاء والسلف، فإذا كانت الرقى قادحة في التوكل ومانعة من اللحوق بالسبعين ألفًا، فالتوكل لم يتم للنبي -ﷺ-، ولا لأصحابه، ولا يكون بهذا أحد منهم من السبعين ألفًا، ولا يقول بهذا عاقل\" (^١).\nثم بيَّن رأيه في هذه المسألة فقال: \"وأمَّا الرقى والاسترقاء: فما كان منه من رقى الجاهلية أو بما لا يعرف فواجب اجتنابه على سائر المسلمين وتركه حاصل من أكثرهم، فلا يكون اجتناب ذلك هو المراد هنا، ولا اجتناب الرقى بأسماء الله تعالى وبالمروي عن رسول الله -ﷺ- لما قدمناه من أنه التجاء إلى الله وتبرك بأسمائه.\nويظهر لي والله أعلم أن المقصود: اجتناب رقى لا تدخل في هذين القسمين كالرقى بأسماء الملائكة والنبيين والصالحين، أو بالعرش والكرسي والسموات والجنة والنار وما شاكل ذلك مما يعظم ... هذا ما\n_________\n(^١) انظر: المفهم (١/ ٤٦٣، ٤٦٤، ٤٦٥).","vol":"1","page":341},{"text":"ظهر لي فمن ظهر له ذلك فليقبله شاكرًا، وإلَّا فليتركه عاذرًا\" (^١).\nونحن نقول نتركه ونعذره، فقد اجتهد -﵀- فأخطأ، فالله يغفر له خطأه ويجازيه على اجتهاده. والذي يظهر والله أعلم رجحان القول الأول، ومقصودهم بطلب الإنسان الرقية من غيره، لا أنه يرقي نفسه هو، فهذا لا يدخل في الحديث قال ابن تيمية -﵀-: \"المسترقي يسأل غيره ويرجو نفعه، وتمام التوكل ينافي ذلك، والمراد وصف السبعين ألفًا بتمام التوكل، فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>التمائم:</span>\nجمع تميمة وهي ما يعلق على الإنسان أو الحيوان لدفع العين والآفات.\nوقد كان هذا من أفعال الجاهلية الذين يظنون أن تعليق التمائم تقيهم وتصرف عنهم البلاء فنهاهم -ﷺ- عن هذا الفعل فقال: \"من علَّق تميمة فقد أشرك\" (^٣).\nوجاء عن أبي بشير الأنصاري -﵁- أنه كان مع رسول الله -ﷺ- في بعض أسفاره قال: فأرسل رسول الله -ﷺ- رسولًا: \"لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلَّا قطعت\" (^٤).\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٤٦٦).\n(^٢) الفتاوى (١/ ١٨٢، ٢٣٨) وانظر التفصيل في ذلك والرد على أدلة القائلين بالقول الثاني في أحكام الرقى والتمائم للدكتور فهد بن ضويان السحيمي ص (٤٦).\n(^٣) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ١٥٦) وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٨٨٩) برقم (٤٩٢).\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل ح (٣٠٠٥) (٦/ ١٦٤) ومسلم في كتاب اللباس والزينة باب كراهة قلادة الوتر في رقبة البعير ح (٢١١٥) (١٤/ ٣٤١).","vol":"1","page":342},{"text":"قال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: اختلف العلماء في تقليد البعير وغيره من الحيوان والإنسان ما ليس بتعاويذ قرآنية مخافة العين، فمنهم من نهى عنه ومنعه قبل الحاجة وأجازه عند الحاجة إليه، ومنهم من أجازه قبل الحاجة وبعدها كما يجوز الاستظهار بالتداوي قبل حلول المرض\" (^١).\nوقال المازري: \"الظاهر من مذهب مالك قصر النهي على الوتر خاصة وأجازه ابن القاسم بغير الوتر، وقال بعض أصحابنا فيمن قلد بعيره شيئًا ملونًا فيه خرز قال: إن كان للجمال فلا بأس به، وقد اختلف الناس في تقليد البعير وغيره من الحيوان والإنسان أيضًا ما ليس بتعاويذ قرآنية مخافة العين فمنهم من نهى عنه ومنعه قبل الحاجة إليه وأجازه عند الحاجة إليه لنفي ما أصابه من ضرر العين وشبهه ومنهم من أجازه قبل الحاجة وبعدها كما يجوز الاستظهار بالتداوي قبل حلول المرض\" (^٢).\nفأقول: إن أرادوا بغير التعاويذ القرآنية ما جاء من الأذكار النبوية فالخلاف فيه صحيح كما سنذكره.\nوأما إن أرادوا ما ليس بتعاويذ قرآنية ممَّا تفعله الجاهلية من تعليق لأسماء الملائكة أو الجن أو ما فيه طلاسم غير معروفة أو ما ليس فيه كتابة كقطعة جلد أو نحاس فهذا لا شك في حرمته والمنع منه وهو شرك أكبر إن اعتقد المعلق أنه ينفعه ويدفع عنه الضر، وأما إن اعتقد أنه سبب، وأن النافع الضار هو الله وحده، فهذا شرك أصغر؛ لأنه اعتقد ما ليس بسبب سببًا (^٣).\n_________\n(^١) المفهم (٥/ ٤٣٦).\n(^٢) المعلم (٣/ ٨١).\n(^٣) انظر التمائم في ميزان العقيدة للدكتور علي العلياني ص (١٩، ٢٠).","vol":"1","page":343},{"text":"وأما ما كان بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ففيه خلاف بين العلماء من السلف والخلف، فأجازه جماعة ومنعه آخرون. والميل إلى المنع أولى، خصوصًا في هذه الأزمان التي تعلق فيها كثير من الناس بالبدع والخرافات والأوهام.\nقال الشيخ السعدي -﵀-: \"وأمَّا التعاليق التي فيها قرآن أو أحاديث نبوية، أو أدعية طيبة محترمة، فالأولى تركها لعدم ورودها عن الشارع، ولكونها يتوسل بها إلى غيرها من المحرم، ولأن الغالب على متعلقها أنه لا يحترمها ويدخل فيها المواضع القذرة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>المطلب الحادي عشر: التنجيم </span>(^٢):\nوهو من ادعاء علم الغيب الذي لا يعلمه إلَّا الله سبحانه، وهو نوعان:\nالأول: من اعتقد أن هذه الكواكب هي التي تدبر هذا الكون، ومنها يصدر الخير والشر والسعادة والنحوسة. والإجماع على كفر من اعتقد هذا\n_________\n(^١) القول السديد في مقاصد التوحيد، ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات السعدي (٣/ ١٩).\n(^٢) قال الشيخ السعدي ﵀: التنجيم نوعان: نوع يسمى (علم التأثير): وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الكونية فهذا باطل ودعوى لمشاركة الله في علم الغيب الذي انفرد به أو تصديق لمن ادَّعى ذلك وهذا ينافي التوحيد لما فيه من هذه الدعوى الباطلة ولما فيه من تعلق القلب بغير الله ولما فيه من فساد العقل، لأن سلوك الطرق الباطلة وتصديقها من مفسدات العقول والأديان.\nالنوع الثاني: (علم التسيير) وهو: الاستدلال بالشمس والقمر والكواكب على القبلة والأوقات والجهات فهذا النوع لا بأس به بل كثير منه نافع قد حث عليه الشارع إذا كان وسيلة إلى معرفة أوقات العبادات أو إلى الإهتداء به في الجهات فيجب التفريق بين ما نهى عنه الشارع وحرمه وبين ما أباحه أو استحبه أو أوجبه فالأول هو المنافي للتوحيد دون الثاني. القول السديد في مقاصد التوحيد، المجموعة الكاملة لمؤلفات السعدي (٣/ ٣٢).","vol":"1","page":344},{"text":"الاعتقاد (^١).\nالثاني: من اعتقد أن الله هو الخالق المدبر، ولكنه جعل هذه الكواكب علامات ودلالات على الحوادث الأرضية. وهذا مجمع على تحريمه، ولكن هل يكفر أم لا؟ اختلف العلماء في تكفيره على قولين:\nالأول: من حكم بكفره؛ لأنه ادعى أن لهذه الكواكب دلالات على علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه.\nوقد ذهب إلى هذا القرطبي المفسر (^٢) والشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ حيث قال: \"وينبغي أن يقطع بكفره؛ لأنها دعوى لعلم الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه بما لا يدل عليه\" (^٣).\nالثاني: من لم يحكم بكفره، وذهب إلى هذا، الإمام مالك وابن حجر وآخرون.\nقال ابن حجر: \"ولم يتعين الكفر في حق من قال ذلك، وإنما يكفر من نسب الاختراع إليها، وأما من جعلها علامة على حدوث أمر في الأرض فلا\" (^٤).\nوقد بيَّن القرطبي كفر النوع الأول، وهو اعتقاد أن هذه الكواكب تدبر الكون، وذلك عند شرحه لقوله -ﷺ- لأصحابه إثر سماء كانت من الليل: \"هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك\n_________\n(^١) التنجيم والمنجمون للدكتور عبد المجيد المشعبي ص (٢٧٩).\n(^٢) تفسير القرطبي (١٩/ ١٩).\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص (٤٤٢).\n(^٤) فتح الباري (٦/ ٣٤١).","vol":"1","page":345},{"text":"كافر بي مؤمن بالكوكب\" (^١).\nقال القرطبي: \"ظاهره أنه الكفر الحقيقي؛ لأنه قابل به المؤمن الحقيقي، فيحمل على من اعتقد أن المطر من فعل الكواكب وخلقها، لا من فعل الله تعالى، كما يعتقده بعض جهال المنجمين والطبائعيين العرب\" (^٢).\nوأما النوع الثاني: الذين يعتقدون أن الكواكب دالة على علم الغيب ومعرفة حوادث الأرض، فقد بيَّن القرطبي فساد مذهبهم لكنه لم يحكم بكفرهم، حيث قال: \"النجوم لا يعلم بها علم الغيب، ولا القضاء ولو كان كذلك لكانت الملائكة أعلم بذلك وأحق به، وكل ما يتعاطاه المنجمون من ذلك فليس شيء منه علمًا يقينًا، وإنما هو رجم بظن وتخمين بوهم، الإصابة فيه نادرة، والخطأ والكذب فيه غالب، وهذا مشاهد من أحوال المنجمين، والمطلوب من العلوم النجوميات ما يهتدى به في الظلمات، وتعرف به الأوقات، وما سوى ذلك فمخارق وترهات، ويكفي في الرد عليهم ظهور كذبهم واضطراب قولهم، وقد اتفقت الشرائع على أن القضاء بالنجوم محرم مذموم\" (^٣).\nوأما المازري فقد حكم أيضًا بتكفير أصحاب القول الأول، فقال:\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب الأذان باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم ح (٨٤٦) (٢/ ٣٨٨) ومسلم في كتاب الإيمان باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء ح (٧١) (٢/ ٤١٩).\n(^٢) المفهم (١/ ٢٥٩) وقد بين أيضًا أنه لا يجوز إطلاقًا هذا اللفظ ولو اعتقد أن الله هو خالق المطر فقال عمن فعل هذا: ليس بكافر ولكنه مخطيء من وجهين: أحدهما: أنه خالف الشرع وقد حذر من هذا الإطلاق. وثانيهما: أنه قد تشبه بأهل الكفر في قولهم وذلك لا يجوز لأنا قد أمرنا بمخالفتهم ... فلو قال غير هذا اللفظ الممنوع يريد به الإخبار عما أجرى الله به سنته جاز. المفهم (١/ ٢٥٩).\n(^٣) المفهم (٥/ ٦٣٨).","vol":"1","page":346},{"text":"\"من اعتقد اعتقاد كثير من الفلاسفة في كون الأفلاك فاعلة لما تحتها، وكل فلك يفعل فيما تحته حتى ينتهي الأمر إلينا وسائر الحيوان والمعادن والنبات، ولا صنع للباري -﷾- في ذلك فإن ذلك مروق من الإسلام\" (^١).\nوقال في شرحه للحديث السابق: \"هذا يحمل على أن المراد به تكفير من اعتقد أن المطر من فعل الكوكب وخلقه، دون أن يكون خلقًا لله سبحانه كما يقول بعض الفلاسفة\" (^٢).\nوأما النوع الثاني فقد ناقش المازري أصحابه وأطال في ذلك، وبيَّن أن هذه الكواكب ليس فيها دلالة على حوادث الأرض، وأن مرجع قولهم إلى النوع الأول، لكنه لم يصرح بكفرهم، فقال بعد مناقشتهم: \"وهذه الطريقة تضعف طريقة الإسلاميين منهم الذين يقولون: لا خالق إلَّا الله ﷿، وإنما هي دلالة على الغيوب بدلالة أجراها الباري جلت قدرته كما أجرى الغيوم والسحب الثقيلة دلالة على الأمطار، وإن كانت ربما خابت؛ لأن ما يذكرونه من الطرق التي تتحصل المعرفة منها تتسع جدًّا، ولا تنضبط، والحذَّاق منهم يعترفون بهذا، وقد حاول القاضي ابن الطيب (^٣) الاعتضاد في الرد عليهم بالسمعيات وما وقع من العموميات في أن لا يعلم الغيب إلَّا الله -﷿- وما وقع أيضًا من الآثار عن النبي -ﷺ-\n_________\n(^١) المعلم (٣/ ١٠٥).\n(^٢) المعلم (١/ ٢٠٠) وبين أنَّ هذه العبارة لا تجوز وإن اعتقد أنَّ الله ﷾ هو الخالق ولكن جعل في بعض الاتصالات من الكواكب دلالة على وقوع المطر لكنه لا يكفر بذلك إذا عبر عنه بعبارة لا يمنع الشرع منها ثم بين أنَّ الظن بمن قال ذلك من العوام إرادة هذا المعنى. انظر المعلم (١/ ٢٠٠).\n(^٣) هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني. انظر المعلم (١/ ٣٥٨).","vol":"1","page":347},{"text":"في النجوم بالتخصيص\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>المطلب الثاني عشر: الكهانة:</span>\nالكهانة كالتنجيم في دعوى علم الغيب ومنافاتها للتوحيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>تعريف الكاهن:</span>\nقال القرطبي في تعريفه للكاهن: \"الكاهن الذي يتعاطى علم ما غاب عنه\" (^٢).\nوقال المازري: \"الكاهن: يخبر عن غيب من طريق غير موثوق به\" (^٣). وقال أيضًا: \"الكهان قوم يزعمون أنهم يعلمون الغيب بأمور تلقى في نفوسهم\" (^٤).\nوفرَّق بين الكاهن والعرَّاف فقال: \"الكاهن الذي يخبر بالغيب المستقبل، والعراف: هو الذي يخبر بما أخفى، وقد حصل في الوجود\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>استمداد الكهان:</span>\nإن ما يخبر به الكاهن من معلومات يستمده من مصادر عديدة موهومة، وقد بيَّن القرطبي -﵀- نقلًا عن القاضي عياض أن الكهانة على أربعة أضرب، لكنه ذكر ثلاثة فقط، فقال: \"قال القاضي أبو الفضل: الكهانة في العرب على أربعة أضرب:\nأحدها: أن يكون للإنسان رئيٌّ من الجن يخبره بما يسترق من السمع، وهذا القسم قد بطل منذ بعث الله محمَّدًا -ﷺ- كما نص الله تعالى عليه في\n_________\n(^١) المعلم (٣/ ١٠٦، ١٠٨).\n(^٢) المفهم (٢/ ١٣٩).\n(^٣) المعلم (١/ ٢٧٥).\n(^٤) المعلم (٣/ ١٠٥).\n(^٥) المعلم (٢/ ١٩١).","vol":"1","page":348},{"text":"الكتاب (^١).\nالثاني: أن يخبره بما يطرأ ويكون في أقطار الأرض، وما يخفى مما قرب أو بعد، وهذا لا يبعد وجوده، ونفت هذا كله المعتزلة وبعض المتكلمين وأحالوه، ولا استحالة، ولا بعد في وجود مثل هذا، لكنهم بعد يكذبون والنهي عام في تصديقهم والسماع منهم.\nالثالث: التخمين والحرز، وهذا يخلق الله فيه لبعض الناس شدة قوة، لكن الكذب في هذا الباب أغلب قال: ومن هذا الباب العرافة وصاحبها عراف، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها، وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك بالزجر والطرق والنجوم وأسباب معتادة في ذلك، وهذا الفن هي العيافة -بالياء- وكلها ينطلق عليها اسم الكهانة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>تحريم الكهانة والنهي عن إتيان الكهان:</span>\nقد جاءت النصوص في تحريم الكهانة والنهي عن إتيان الكهان وتصديقهم، قال القرطبي: \"سؤالهم عن غيب ليخبروا به حرام وما يأخذون على ذلك حرام، ولا خلاف فيه؛ لأنه حلوان الكاهن المنهي عنه. قال أبو عمر: ويجب على ولي الحسبة أن يقيمهم من الأسواق وينكر\n_________\n(^١) وقال في موضع آخر مبينًا منع ذلك بعد بعثة الرسول -ﷺ-: كانت الكهانة في الجاهلية في كثير من الناس شائعة فاشية وكان أهل الجاهلية يترافعون إلى الكهان في وقائعهم وأحكامهم ... وإنما كان الكاهن يتمكن من التكهن بواسطة تابعة من الجن وذلك أنَّ الجني كان يسترق السمع فيخطف الكلمة من الملائكة فيخبر بها وليه فيتحدث بها ويزيد معها مئة كذبة كما قال رسول الله -ﷺ- فلما بعث الله رسوله -ﷺ- أرسلت الشهب على الجن فلم يتمكنوا مما كانوا يتمكنون منه قبل ذلك فانقطعت الكهانة لئلا يجر ذلك إلى تغيير الشرع ولبس الحق بالباطل لكنها وإن كانت قد انقطعت فقد بقي في الوجود قوم يتشبهون بأولئك الكهان فنهى رسول الله -ﷺ- عن أتباعهم. المفهم (٢/ ١٣٩).\n(^٢) المفهم (٥/ ٦٣٢).","vol":"1","page":349},{"text":"عليهم أشد النكير، ولا يدع أحدًا يأتيهم لذلك، وإذا ظهر صدق بعضهم في بعض الأمور فليس ذلك بالذي يخرجهم عن الكهانة، فإن تلك الكلمة إما خطفة جني، أو موافقة قدر، ليغتر به بعض الجهال. ولقد انخدع كثير من المنتسبين للفقه والدين فجاؤوا إلى هؤلاء الكهنة والعرَّافين فبهرجوا عليهم بالمحال، واستخرجوا منهم الأموال، فحصلوا من أقوالهم على السراب والآل (^١)، ومن أديانهم على الفساد والضلال\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"نهى الرسول -ﷺ- عن اتباعهم؛ لأنهم كذبة ممخرقون مبطلون ضالون مضلون، فيحرم إتيانهم والسماع منهم، وقد كثر هذا النوع في كثير من نساء الأندلس، وكثير من رجال غير الأندلس، فليحذر من الإتيان إليهم والسماع منهم\" (^٣).\nوعند شرحه لقوله -ﷺ-: \"من أتى عرَّافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يومًا\" (^٤). قال: \"العرَّاف: هو الحازي والمنجم الذي يدعي الغيب، وهذا يدل على أن إتيان العرافين كبيرة، وظاهره أن صلاته في هذه الأربعين تحبط وتبطل\" (^٥).\nوقل المازري: \"نهاهم -ﷺ- عن إتيان الكهان؛ لأنهم يجرهم ذلك إلى تغيير الشرائع ثم يلبسون عليهم\" (^٦).\n_________\n(^١) الآل الباطل انظر: القاموس المحيط للفيروزآبادي ص (١٢٤٣).\n(^٢) المفهم (٥/ ٦٣٣).\n(^٣) المفهم (٢/ ١٤٠).\n(^٤) رواه مسلم في كتاب السلام باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان ح (٢٢٣٠) (١٤/ ٤٧٨).\n(^٥) المفهم (٥/ ٦٣٥) وقد جاء الوعيد هنا بعد قبول الصلاة وجاء برواية أخرى بالتكفير وفيه تقييد الكفر بتصديقه فيكون من صدقة وقع عليه الكفر ومن سأله ولم يصدقه لم تقبل صلاته أربعين يومًا. انظر تيسير العزيز الحميد ص (٤٠٩).\n(^٦) المعلم (١/ ٢٧٥).","vol":"1","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>المطلب الثالث عشر: ما جاء في كراهية بعض الألفاظ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>أ - التسمي بملك الأملاك:</span>\nقال - ﷺ -: \"إن أخنع اسمٍ عند الله رجل يسمى ملك الأملاك، لا مالك إلَّا الله\" (^١).\nفالذي تسمى بهذا الاسم قد تعدى على مقام الربوبية، إذ الله سبحانه هو ملك الأملاك، ولذا قال - ﷺ -: \"لا مالك إلَّا الله\". فالذي تسمى ملك الأملاك أو ملك الملوك، قد بلغ الغاية من الكفر والكذب (^٢).\nقال القرطبي: \"المسمى بهذا الاسم قد انتهى من الكبر إلى الغاية التي لا تنبغي لمخلوق وأنه قد تعاطى ما هو خاص بالإله الحق إذ لا يصدق هذا الاسم بالحقيقة إلَّا على الله تعالى فعوقب على ذلك من الإذلال والإخساس والاسترذال بما لم يعاقب به أحد من المخلوقين\" (^٣).\nقل ابن القيم: \"لما كان الملك الحق لله وحده، ولا ملك على الحقيقة سواه، كان أخنع اسم وأوضعه عنده وأغضبه له اسم \"شاهان شاه\" أي ملك الملوك، وسلطان السلاطين، فإن ذلك ليس لأحد غير الله فتسميته بهذا من أبطل الباطل\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>ب - كلمة (لو):</span>\nمن كمال التوحيد الاستسلام للقضاء والقدر، والعبد مأمور عند\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب الأدب، باب أبغض الأسماء إلى الله ح (٦٢٠٦) (١٠/ ٦٠٤) ومسلم في كتاب الآداب باب تحريم التسمي بملك الأملاك وبملك الملوك ح (٢١٤٣) (١٤/ ٣٦٨).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص (٦١٢).\n(^٣) المفهم (٥/ ٤٥٥).\n(^٤) زاد المعاد (٢/ ٣٤٠).","vol":"1","page":351},{"text":"المصائب بالصبر والاحتساب وقول \"لو\" لا يرد القدر، بل ربما دل على التضجر والاعتراض على القدر (^١).\nقال - ﷺ -: \"احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَرُ الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان\" (^٢).\nقال القرطبي: \"نهي الرسول - ﷺ - في هذا الحديث عن قول \"لو\" محمول على من يقول ذلك معتمدًا على الأسباب معرضًا عن المقدور، أو متضجرًا منه، كما حكاه الله من قول المنافقين حيث قالوا: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ (^٣) ثم رَّد الله قولهم، وبيَّن عجزهم فقال: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^٤) .. فالواجب عند وقوع المقدور التسليم لأمر الله، وترك الاعتراض على الله، والإعراض عن الالتفات إلى ما فات، فيجوز النطق بـ \"لو\" عند السلامة من تلك الآفات\" (^٥).\nوأمَّا ما جاء في الأحاديث مما يخالف ظاهره هذا الحديث، فالصحيح أنه لا تعارض بينها، إذ كل ما جاء خبر عن مستقبل لا اعتراض فيه على قدر، ولا كراهة، وإنما المنهي عنه ما كان في معارضته القدر مع اعتقاد أن ذلك المانع لو يقع لوقع خلاف المقدور (^٦).\n_________\n(^١) انظر: تيسير العزيز الحميد ص (٦٦١).\n(^٢) رواه مسلم في كتاب القدر باب الأمر بالقوة وترك العجز ح (٢٦٦٤) (١٦/ ٤٥٥).\n(^٣) سورة آل عمران، الآية: ١٦٨.\n(^٤) سورة آل عمران، الآية: ١٦٨.\n(^٥) المفهم (٤/ ٦٣٨).\n(^٦) انظر: تيسير العزيز الحميد ص (٦٦٧، ٦٦٨).","vol":"1","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>ج - القول للمملوك: عبدي، وللسيد: ربي:</span>\nقال - ﷺ -: \"لا يقل أحدكم أطعم ربك، وضِّئ ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي\" (^١).\nقال الخطَّابي: \"وسبب المنع أن الإنسان مربوب معبد بإخلاص التوحيد لله تعالى، وترك الإشرك به، فترك المضاهاة بالاسم لئلا يدخل في معنى الشرك، ولا فرق بين الحر والعبد، وأما من لا تعبد عليه من سائر الحيوانات والجمادات فلا يكره أن يطلق عليه عند الإضافة كقوله: رب الدار والثوب\" (^٢).\nوقد اختلف في هذا النهي هل هو للتحريم، أم للأدب والتنزيه؟ خصوصًا مع ما ورد من النصوص المخالفة لهذا النهي.\nقال القرطبي عن هذا الحديث: \"هذا كله من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأولى لا أن إطلاق ذلك الاسم محرم، ألا ترى قول يوسف ﵇: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (^٣) وقول النبي - ﷺ -: \"أن تلد الأمة ربَّها وربتها\" (^٤) فكان محل النهي في هذا الباب ألا تتخذ هذه الأسماء عادة فيترك الأولى والأحسن ... ولما كان ابتداء التربية وكمالها من الله تعالى بالحقيقة لا من غيره، كان الأولى بالإنسان ألا ينسب تربية نفسه إلَّا إلى من إليه الربوبية الحقيقية، وهو الله تعالى فإن مثل ذلك كان متجوزًا في\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها باب حكم إطلاق لفظة العبد والأمة والمولى والسيد ح (٢٢٤٩) (١٥/ ٨).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص (٦٥٣).\n(^٣) سورة يوسف، الآية: ٤٢.\n(^٤) سبق تخريجه ص (١٣٧).","vol":"1","page":353},{"text":"اللفظ مخالفًا للأولى\" (^١).\nوقال عن قوله - ﷺ -: \"لا يقل العبد: ربي، وليقل: سيدي\"، قال: \"إنما فرق بينها؟ لأن الرب من أسماء الله المستعملة بالاتفاق، واختلف في السيد هل هو من أسماء الله تعالى أم لا؟ فإذا قلنا: ليس من أسمائه فالفرق واضح، إذ لا التباس ولا إشكال يلزم من إطلاقه، كما يلزم من إطلاق الرب، وإذا قلنا: إنه من أسمائه فليس في الشهرة، والاستعمال كلفظ الرب فيحصل الفرق بذلك وأما من حيث اللغة فالرب مأخوذ مما ذكرنا (^٢) والسيد من السؤدد وهو التقدم يقال: ساد قومه: إذا تقدمهم ولا شك تقدم السيد على غلامه فلما حصل الافتراق جاز الإطلاق\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>المطلب الرابع عشر: نسبة الحوادث إلى الدهر:</span>\nقال - ﷺ - قال الله تعالى: \"يؤذيني - ابن آدم يسبُّ الدهر، وأنا الدهر أقلب الليل والنهار\" (^٤).\nقال القرطبي: \"يراد بابن آدم هنا: أهل الجاهلية ومن جرى مجراهم ممن يطلق هذا اللفظ، ولا يتحرز منه، فإن الغالب من أحوال بني آدم إطلاق نسبة الأفعال إلى الدهر فيذمونه ويسفهونه إذا لم تحصل لهم أغراضهم ويمدحونه إذا حصلت لهم وأكثر ما يوجد ذلك في كلام الشعراء والفصحاء، ولا شك في كفر من نسب تلك الأفعال أو شيئًا منها للدهر\n_________\n(^١) المفهم (٥/ ٥٥٢).\n(^٢) قال الرب أصله من ربِّ الشيء والولد يربه ورباه يربيه: إذا قام عليه بما يصلحه ويكمله فهو: ربُّ ورابُّ. المفهم (٥/ ٥٥٣).\n(^٣) المفهم (٥/ ٥٥٤).\n(^٤) رواه البخاري في كتاب الأدب، باب لا تسبوا الدهر ح (٦١٨١) (١٠/ ٥٨٠) ومسلم في كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها باب النهي عن سب الدهر (٢٢٤٦) (١٥/ ٥).","vol":"1","page":354},{"text":"حقيقة واعتقد ذلك.\nوأما من جرت هذه الألفاظ على لسانه ولا يعتقد صحة تلك فليس بكافر، ولكنه قد تشبه بأهل الكفر وبالجاهلية في الإطلاق، وقد ارتكب ما نهاه رسول الله - ﷺ - عنه فليتب وليستغفر الله تعالى\" (^١).\nوقال أيضًا: \"لما كان اعتقاد أهل الجاهلية أن الدهر هو الذي يفعل الأفعال ويذمونه إذا لم تحصل أغراضهم أعلمهم النبي - ﷺ - أن الله يفعل كل شيء، فإذا سبوا الدهر من حيث: أنه الفاعل ولا فاعل إلَّا الله، فكأنهم سبوا الله تعالى فلذلك قال الله تعالى: \"يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر\". أي أنا الذي أفعل ما ينسبونه للدهر لا الدهر، فإنه ليل ونهار (^٢).\nوقال المازري: المراد أنهم كانوا ينسبون الأفعال لغير الله ﷾ جهلًا بكونه ﷿ خالق كل شيء ويجعلون له شريكًا في الأفعال، فأنكر عليهم هذا الاعتقاد وأراد أن الذي يشيرون إليه بأنه يفعل هذه الأفعال هو الله جلت قدرته ليس هو الدهر، كما لوقال قائل: القاضي فلان قتل فلانًا الزاني، فيقول الآخر: الشرع قتله لم يقتله القاضي، أو يقول: الشرع هو القاضي، وإنما يعني أنه يجب إضافة الشيء إلى ما هو الأصل فيه، أو التنبيه على غلط القائل وإرشاده لموضع الصواب، إذا ظن به أنه خفي عنه\" (^٣).\n_________\n(^١) المفهم (٥/ ٥٤٧).\n(^٢) المفهم (٥/ ٥٤٧).\n(^٣) المعلم (٣/ ١١١).","vol":"1","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>المبحث الرابع البدع والموقف من الفرق المبتدعة</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: ما يعصم من البدع\nالمطلب الثاني: تعريف البدعة والموقف من المبتدعة\nالمطلب الثالث: الكلام على بعض الفرق المبتدعة:\n١ - الخوارج.\n٢ - الصوفية.\n٣ - المعتزلة.\n٤ - الشيعة.\n٥ - القدرية.\n٦ - المرجئة.\n٧ - الأشاعرة.","vol":"1","page":357},{"text":"المبحث الرابع البدع والموقف من الفرق المبتدعة\nإن من أصول أهل السنة والجماعة إنكار البدع في الدين، والتحذير منها، مع الدعوة إلى التمسك بالكتاب والسنة، والسير على منهج سلف الأمة.\nوقد كان للقرطبي - ﵀ - كلامٌ نفيسٌ في هذا الجانب حذر فيه من البدع والمبتدعين، وأوصى بالتمسك بالكتاب والسنة، والاقتداء بالسلف الصالح، وكشف عوار هذه الفرق المنحرفة والنحل الضالة، مع ما وقع فيه - ﵀ - من الخطأ والزلل، والوقوع في بعض ما حذر منه، خصوصًا في باب الأسماء والصفات، كما سيتبين بعد ذلك - إن شاء الله - وسيكون الحديث هنا من خلال المطالب التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>المطلب الأول: ما يعصم من البدع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>١ - الدعوة إلى التمسك بالكتاب والسنة:</span>\nإن منهج المسلم المستسلم لله تعالى الاتباع وترك الابتداع، الاتباع لما جاء في الكتاب والسنة، إذ هما المصدران الأساسيان لمعرفة ما يحب الله ويكره، ولذا فالذين ضلوا الطريق من المبتدعة المنحرفة كان ذلك بسبب بعدهم عن هذه المصادر الأصلية إلى غيرها من الطرق المعوجة والوسائل المضلة.\nقال القرطبي في الرد على هؤلاء: \"وعلى الجملة فقد حصل العلم القطعي واليقين الضروري، وإجماع السلف والخلف على ألا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا يعرف شيء","vol":"1","page":359},{"text":"منها إلَّا عن طريق الرسل الكرام، فمن قال: إن هناك طريقًا آخر يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل بحيث يستغنى بها عن الرسل، فهو كافر يقتل، ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>٢ - ذم الكلام وتقديم العقل على الشرع </span>(^٢):\nالكتاب والسنة وافيان بكل شيء إذ فيهما الهدى والنور، والصلاح والفلاح، ومن بحث عن ذلك في غيرهما فقد ضلَّ كما كان حال المبتدعة الذين سلكوا علم الكلام، فقدَّموا العقل على الشرع، فكان هذا منهم ابتداعًا في دين الله، وسببًا للانحراف والضلال، وقد قال القرطبي في بيان ضلال المتكلمين وخصومتهم في أصول الدين: \"أشد ذلك الخصومة في أصول الدين كخصومة أكثر المتكلمين المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، وسلف أمته إلى طرق مبتدعة، واصطلاحات مخترعة - ثم تحدث عن دخولهم في مسالك أمسك عنها السلف، حتى قال: - إلى غير ذلك من الأبحاث المبتدعة، التي لم يأمر الشرع بالبحث عنها، وسكت أصحاب النبي - ﷺ - ومن سلك سبيلهم عن الخوض فيها، لعلمهم بأنها بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته، فإن العقول لها حد تقف عنده ... ويكفي في الرح عن الخوض في طرق المتكلمين ما قد ورد في ذلك عن الأئمة المتقدمين ... عصمنا الله من بدع المبتدعين، وسلك بنا طريق السلف الماضين، وإنما طوَّلت في هذه المسألة الأنفاس لما قد شاع من هذه البدع في الناس\" (^٣).\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٢١٩).\n(^٢) انظر أول واجب على المكلف والرد على المتكلمين في هذه الرسالة ص (١٤٧)\n(^٣) المفهم (٦/ ٦٩٠ - ٦٩٤).","vol":"1","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>٣ - سلوك منهج السلف:</span>\nإن المخرج من الفتن والاعتصام من البدع، يكون بالالتزام بسنة الرسول - ﷺ -، وسنة الخلفاء من بعده، والاقتداء بالصحابة الكرام ومن بعدهم من أئمة الإسلام، فمن اقتدى بهم صار أقوم الناس سبيلًا، وأحسنهم طريقًا، ومن انحرف عن منهجهم وأراد الهدى في غير مسلكهم فقد ضل ضلالًا بعيدًا.\nوقد بيَّن القرطبي أن الهدي هدي الصحابة - ﵃ - وأنهم القدوة لمن بعدهم، فقال: \"الصحابة - ﵃ - لثقابة أذهانهم، وصحة فهومهم وغزارة علومهم أولى بالعلم ممن بعدهم، كيف لا، وهم أئمة الهدى، وبهم إلى كل العلوم يقتدى، وإليهم المرتجع وقولهم المتبع\" (^١).\nوقال في الوصية باتباع منهج السلف، وضلال من خالفه: \"لم يخض في شيء من تلك الأساليب السلف الماضون، فمن المحال والهذيان أن يشترط في صحة الإيمان ما لم يكن معروفًا، ولا معمولًا به لأهل ذلك الزمان، وهم من هم فهمًا عن الله، وأخذًا عن رسول الله، وتبليغًا لشريعته، وبيانًا لسنته وطريقته\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>المطلب الثاني:<span data-type=\"title\" id=toc-136> تعريف البدعة </span>والموقف من المبتدعة:</span>\nتعريف البدعة:\nقال القرطبي في تعريف البدعة: \"حقيقة البدعة ما ابتدئ وافتتح من غير أصل شرعي، وهي التي قال فيها - ﷺ -: \"من أحدث في أمرنا\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٣٣٨).\n(^٢) المفهم (١/ ١٤٦).","vol":"1","page":361},{"text":"ما ليس منه فهو رد\" (^١) \" (^٢).\nوقد قال - ﷺ -: \" ... شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة\" (^٣).\nقال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: \"يعني المحدثات التي ليس لها في الشريعة أصل يشهد لها بالصحة والجواز، وهي المسماة بالبدع، ولذا حكم عليها بأن كل بدعة ضلالة\" (^٤).\nفالموقف من هذه البدع رفضها، وعدم العمل بها؟ لأنها ليست من شرع الله تعالى، قال القرطبي: \"من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فهو منسوخ لا يعمل به ولا يلتفت إليه\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>الموقف من المبتدعة:</span>\nإن صاحب البدعة قد جاء بأمر لم يأذن به الله، فكأنه قد استدرك على صاحب الشريعة - ﷺ -، ولذا كان للسلف الصالح ﵃ الموقف الحازم من المبتدعة بما يتناسب مع بدعتهم، ويتضح هذا من خلال النقاط التالية:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-138> التحذير من التشبه بالمبتدعة:</span>\nلأنه إذا كان الشرع قد نهى عن البدعة، فإن التشبه بالمبتدعة منهيٌ عنه؛ لقوله - ﷺ -: \"من تشبَّه بقوم فهو منهم\" (^٦). قال الصنعاني - رحمه\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص (٢٧٦).\n(^٢) المفهم (٢/ ٥٠٨).\n(^٣) رواه مسلم في كتاب الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة ح (٨٦٧)، (٦/ ٤٠٣).\n(^٤) المفهم (٢/ ٥٠٨).\n(^٥) المفهم (٥/ ١٧١).\n(^٦) رواه أحمد في مسنده (٢/ ٥٠) وأبو داود في كتاب اللباس، باب في لبس الشهرة، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ١٠٥٩) برقم (٦١٤٩).","vol":"1","page":362},{"text":"الله - معلِّقًا على هذا الحديث: \"والحديث دالٌ على أن من تشبَّه بالفُسَّاق كان منهم، أو بالكفار أو بالمبتدعة في أي شيء مما يختصون به من ملبوس أو مركوب أو هيئة\" (^١).\nقال القرطبي في معرض تعداده لحلل النهي عن الصلاة على غير الأنبياء: \"وينضاف إلى ذلك: أن أهل البدع قد اتخذوا ذلك شعارًا لهم في الدعاء لأئمتهم وأمرائهم، ولا يجوز التشبه بأهل البدع\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-139> جواز غيبتهم:</span>\nقرر القرطبي جواز غيبة المبتدع، فقال في شرحه لحديث عائشة - ﵂ - التي قالت فيه: \"إن رجلًا استأذن على النبي - ﷺ - فقال: ائذنوا له، فلبئس أخو العشيرة - أو بئس - ابن العشيرة\" (^٣): \"ففي حديثه من الفقه: جواز غيبة: المعلن بفسقه، ونفاقه، والأمير الجائر، وصاحب البدعة\" (^٤).\nوقد تكلم السلف على ذلك، وبيَّنوا أن المقصود منه تحذير الناس من صاحب البدعة، حتى لا يتأثروا به.\nقال الحسن البصري - ﵀ -: \"ليس لأهل البدعة غيبة\".\nوقال أيضًا في رواية أخرى: \"ليس لصاحب بدعة ولا لفاسق يعلن\n_________\n(^١) سبل السلام للصنعاني (٤/ ٣٤٨).\n(^٢) المفهم (٢/ ٤٢).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب الأدب، باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب ح (٦٠٥٤) (١٠/ ٤٨٦). ومسلم في كتاب البر والصلة، باب مدارة من يتقي فحشه ح (٢٥٩١) (١٦/ ٣٨٠).\n(^٤) المفهم (٦/ ٥٧٣).","vol":"1","page":363},{"text":"بفسقه غيبة\" (^١).\nقال الشاطبي (^٢) - ﵀ - مبئنًا هدف غيبة المبتدع عند حديثه عن أحكام أهل البدع: \" ... ذكرهم بما هم عليه وإشاعة بدعتهم كي يحذروا ولئلا يغتر بكلامهم، كما جاء عن كثير من السلف ذلك\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-140> هجرهم:</span>\nقال الإمام أحمد - ﵀ -: \"أصول أهل السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ -، والاقتداء بهم، وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات، والجلوس مع أصحاب الأهواء\" (^٤).\nقال القرطبي: \"وأما الهجران لأجل المعاصي والبدعة فواجب استصحابه إلى أن يتوب من ذلك ولا يختلف في هذا\" (^٥).\nقلت: ضابط هذا أن يكون للمصلحة الراجحة، أما إذا أدَّى إلى مفسدة أعظم من هذه المصلحة، فلا يشرع إضافة إلى تفريق العلماء بين صاحب البدعة المعلن لبدعته أو الداعي إليها، ومن ليس كذلك، قال شيخ الإسلام - ابن تيمية: \"وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته، لم يشرع الهجر\" (^٦).\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٥٨).\n(^٢) إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشاطبي الإمام الفقيه الأصولي المحدث من أئمة المالكية كان مدافعًا عن السنة محاربًا للبدعة، له مصنفات نافعة منها \"الإعتصام\" و\"الموافقات\" توفي سنة (٧٩٠ هـ)، شجرة النور الزكية (٢٣١)، معجم المؤلفين (١/ ٧٧).\n(^٣) الاعتصام (١/ ١٧٦).\n(^٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٥٦).\n(^٥) المفهم (٦/ ٥٣٤).\n(^٦) الفتاوى (٢٨/ ٢٠٦).","vol":"1","page":364},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-141> ترك الصلاة عليهم:</span>\nقال القرطبي: \"يكره لأهل الفضل الصلاة على المعلن بالبدع والكبائر\" (^١).\nوقال في موضعٍ آخر: \"على أن أهل الفضل يجتنبون الصلاة على المبتدعة والبغاة وأصحاب الكبائر رادعًا لأمثالهم\" (^٢).\nوتخصيص القرطبي ذلك بأهل الفضل هو الصحيح، إذ يكون هذا رادعًا لأمثالهم من أهل البدع مع ما فيه من تحذير لعامة الناس عن مسالكهم، فيكون الإنكار عليهم من أهل الفضل في حياتهم وبعد مماتهم، وإلَّا فالصلاة من عموم المسلمين مشروعة على المبتدع ما لم تصل به بدعته إلى الكفر.\nقال - ابن تيمية - ﵀ -: \"وأما من كان مظهرًا للفسق مع ما فيه من الإيمان، كأهل الكبائر، فهؤلاء لابد أن يصلي عليهم بعض المسلمين، ومن امتنع من الصلاة على أحدهم زجرًا لأمثاله عن مثل ما فعله، كما امتنع النبي - ﷺ - عن الصلاة على قاتل نفسه، وعلى الغال، وعلى المدين الذي لا وفاء له، وكما كان كثير من السلف يمتنعون من الصلاة على أهل البدع كان عمله بهذه السنة حسنًا\" (^٣).\n\n* عدم الاعتداد بخلافهم، وعدم قبول روايتهم:\nقال القرطبي في بيان اتفاق السلف والخلف على تقديم الصديق - ﵁ - وأفضليته: \"ولم يختلف في ذلك أحدٌ من أئمة السلف، ولا الخلف، ولا مبالاة بأقوال أهل التشيع، ولا أهل البدع، فإنهم بين\n_________\n(^١) المفهم (٢/ ٦٠٨).\n(^٢) المفهم (٢/ ٦٣٨).\n(^٣) الفتاوى (٢٤/ ٢٨٦).","vol":"1","page":365},{"text":"مكفر تضرب رقبته، وبين مبتدع مفسق لا تقبل كلمته، وتدحض حجته\" (^١).\nوقال أيضًا: \"ولا مبالاة بخلاف أهل البدع في بعض هذه المسائل، فإنهم مسبوقون بإجماع السلف، وأيضا فإنهم لا يعتد بخلافهم\" (^٢).\nوقال عن قبول رواية المبتدع: \"الفاسق المتأول الذي لا يعرف فسق نفسه، ولا يُكَفَّر ببدعته، فقد اختلف في قبول قوله، فقبل الشافعي شهادته، وردها القاضي أبو بكر (^٣)، وفرَّق مالك بين أن يدعو إلى بدعة فلا تقبل، أو لا يدعو فتقبل، وروي عنه: أنه لا تقبل شهادتهم مطلقًا، وكلهم اتفقوا على أن من كانت بدعته تجرئه على الكذب كالخطابية من الرافضة لم تقبل روايته ولا شهادته\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>المطلب الثالث: الكلام على بعض الفرق المبتدعة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>١ - الخوارج:</span>\nالخوارج أول الفرق المبتدعة ظهورًا، إذ سموا بهذا الاسم لخروجهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ - يوم الحكمين، وهم يكفرون صاحب الكبيرة ويرون أنه مخلد في النار، ولذا كفروا عامة الصحابة الذين عاصروهم.\nوالقرطبي - ﵀ - أكثر من الرد عليهم، والحديث عنهم،\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٢٣٨).\n(^٢) المفهم (٤/ ١٥).\n(^٣) محمد بن عبد الله المشهور بابن العربي صاحب كتاب \"العواصم من القواصم\"، (٢/ ٦٣٩، ٦٥٧).\n(^٤) المفهم (١/ ١٠٨). وانظر: موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع للدكتور إبراهيم بن عامر الرحيلي (٢/ ٦٣٩، ٦٥٧).","vol":"1","page":366},{"text":"وبيان أصل نشأتهم، وسبب ضلالتهم، والخلاف في تكفيرهم. يتبين هذا من خلال النقاط التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>سبب التسمية:</span>\nقال القرطبي: \"سموا: المارقة، والخوارج، لأنهم مرقوا من الدين، وخرجوا على خيار المسلمين\" (^١).\n\"والحرورية: الخوارج سموا بذلك، لأنهم خرجوامن حروراء وهي حرة معروفة بالعراق\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>ضلالتهم وعظم الابتلاء بهم:</span>\nقال القرطبي: \"خرجت الخوارج فكفروه - أي علي بن أبي طالب ﵁ - وكل من معه وقالوا: حكمت الرجال في دين الله، والله تعالى يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (^٣) ثم اجتمعوا وشقوا عصا المسلمين، ونصبوا راية الخلاف، وسفكوا الدماء، وقطعوا السبيل\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"لما حكموا بكفر من خرجوا عليه من المسلمين استباحوا دماءهم وتركوا أهل الذمة وقالوا: نفي لهم بذمتهم، وعدلوا عن قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين عن قتال المشركين، وهذا كله من آثار عبادات الجهال الذين لم يشرح الله صدورهم بنور العلم، ولم يتمسكوا بحبل وثيق، ولا صحبهم في حالهم ذلك توفيق ... ويكفي من جهلهم وغلوهم في بدعتهم حكمهم بتكفير من شهد له رسول الله بصحة إيمانه، وبأنه من أهل الجنة كعلي وغيره من صحابة رسول الله\n_________\n(^١) المفهم (٣/ ١٠٩).\n(^٢) المفهم (٣/ ١١١).\n(^٣) الأنعام، الآية: ٥٧.\n(^٤) المفهم (٦/ ٢٧٠).","vol":"1","page":367},{"text":"- ﷺ -\" (^١).\nوعند شرحه لقوله - ﷺ -: \"إذا قال الرجلُ هلَكَ الناسُ فهو أهلكهم\" (^٢). قال: \"قد يغلب على القائل رأي الخوارج فيهلك الناس بالخروج عليهم، ويشق عصاهم بالقتال وغير ذلك كما فعلت الخوارج، فيكون قد أهلكهم حقيقة وحسًا\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>سبب خروجهم:</span>\nبيَّن القرطبي أن خروج الخوارج على المسلمين لم يكن طلبًا لدنيا ولا حثا في رياسة، ولكنهم جهلوا الأحكام، فخالفوا أئمة الإسلام.\nقال القرطبي: \"حملهم على الخروج الغيرة للدين لا شيء من العصبية والملك، لكنهم أخطأوا التأويل، وحرَّفوا التنزيل\" (^٤).\nلكنهم لا يعذرون على فعلهم هذا، إذ ليس محلًا للاجتهاد، وهم ليسوا من أهله.\nقال القرطبي وهو يتحدث عن عدم لوم من اجتهد في أمر يسوغ فيه الاجتهاد، فأخطأ؛ لأن هذه الأمور اجتهادية، وليس فيها نصوص قطعية، حيث قال مستثنيًا هؤلاء: \"ويستثنى من ذلك قتلة عثمان، فإنه لم يرتكب ما يوجب خلعه، ولا قتله، والخوارج على عليّ والمسلمين، فإنهم حكموا بكفر الجميع، فهاتان الطائفتان مخطئتان قطعًا\" (^٥).\n_________\n(^١) المفهم (٣/ ١١٤، ١١٥).\n(^٢) رواه مسلم في كتاب البر والصلة، باب النهي من قول هلك الناس ح (٢٦٢٣) (١٦/ ٤١٣).\n(^٣) المفهم (٦/ ٦٠٩).\n(^٤) المفهم (٤/ ٦٠).\n(^٥) المفهم (٦/ ٦٢٠).","vol":"1","page":368},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-147> الحكم على الخوارج:</span>\nقال القرطبي: \"بظاهر هذا التشبيه (^١) تمسك من حكم بتكفيرهم من أئمتنا، وقد توقف في تكفيرهم كثير من العلماء لقوله - ﷺ -: \"فيتمارى في الفُوقِ\" وهذا يقضي بأنه يشك في أمرهم، فيتوقف فيهم، وكأن القول الأول أظهر من الحديث، فعلى القول بتكفيرهم: يقاتلون ويقتلون وتسبى أموالهم، وهو قول طائفة من أهل الحديث في أموال الخوارج، وعلى قول من لا يكفرهم: لا يجهز على جريحهم ولا يتبع منهزمهم ولا تقتل أسراهم، ولا تستباح أموالهم، وكل هذا إذا خالفوا المسلمين، وشقوا عصاهم، ونصبوا راية الحرب، فأما من استتر ببدعته منهم، ولم ينصب راية الحرب، ولم يخرج عن الجماعة، فهل يقتل بعد الاستتابة أو لا يقتل وإنما يجتهد في رد بدعته ورده عنها؟ اختلف في ذلك وسبب الخلاف في تكفير من هذه حاله: أن باب التكفير بابٌ خطير أقدم عليه كثير من الناس فسقطوا، وتوقف فيه الفحول فسلموا، ولا نعدل بالسلامة شيئًا\" (^٢).\nوفي موضع آخر بيَّن عدم كفرهم، وذلك عند شرحه لقوله - ﷺ -: \"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلَّا الله وأني رسول الله إلَّا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة\" (^٣) حيث قال: \"قوله: \"المفارق للجماعة\" ظاهره: أنه أتى به نعتًا جاريًا على التارك لدينه، لأنه إذا ارتد عن دين الإسلام، فقد خرج عن جماعتهم، غير أنه يلحق بهم في هذا الوصف كل من خرج عن جماعة\n_________\n(^١) وهو قوله - ﷺ -: \"يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية\" أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب إثم من راءى بقراءة القرآن ح (٥٠٥٨) (٨/ ٧١٧).\n(^٢) المفهم (٣/ ١١٠).\n(^٣) رواه مسلم في كتاب القسامة، باب ما يباح من دم المسلم ح (١٦٧٦) (١١/ ١٧٦).","vol":"1","page":369},{"text":"المسلمين، وإن لم يكن مرتدًا كالخوارج وأهل البدع إذا منعوا أنفسهم من إقامة الحد عليهم، وقاتلوا عليه، وأهل البغي والمحاربين ومن أشبههم\" (^١).\nأما المازري فعند شرحه لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - في ذكر الخوارج ووصفهم الذي قال فيه: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"يخرج في هذه الأمة - ولم يقل منها - قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية\" (^٢).\nقال المازري: \"يتعلق بظاهر هذا الحديث من يرى تكفيرهم، وقد اختلف أهل الأصول في تكفيرهم، وقد ينفصل عن هذا من لا يرى تكفيرهم بأن يحمل قتلهم على أنه كالحد لهم على بدعتهم، ويشير إلى هذا قوله ﵇: \"يقتلون أهل الإسلام\"\" (^٣).\nوفي موضع آخر أشار المازري إلى دقة فهم الصحابة - ﵃ - وذلك لتفريق أبي سعيد الخدري - ﵁ - بين قوله - ﷺ -: \"يخرج في هذه الأمة\" وليس \"من هذه الأمة\"، وقد بيَّن المازري أنه وردت روايات فيها عبارة \"من هذه الأمة\"، ثم أشار إلى اختلاف الناس في تكفيرهم لشدة إشكال المسألة، حتى إن كثيرًا من العلماء يتهرب من الإجابة على ذلك لصعوبة إدخال كافر بالملة، أو إخراج مسلم منها، ولذا\n_________\n(^١) المفهم (٥/ ٤٠).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم ح (٦٩٣١) (١٢/ ٢٩٥)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم ح (١٠٦٤) (٧/ ١٦٦).\n(^٣) المعلم (٢/ ٢٤).","vol":"1","page":370},{"text":"نقل عن بعض العلماء قوله: إن هذه المسألة من المعوصات؛ لأن القوم لم يصرحوا بنفس الكفر، وإنما قالوا أقوالًا تؤدي إليه، ثم بيَّن المازري أن التكفير بلازم القول موضع إشكال ولم يصرح بتكفير الخوارج من عدمه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>الرد عليهم:</span>\nأكثر القرطبي - ﵀ - من الرد على الخوارج فيما ذهبوا إليه من البدع والانحرافات والتي أعظمها تكفيرهم لمرتكب الكبيرة وإخراجهم له من الإسلام وحكمهم عليه بالخلود في النار، وقد خالفوا في هذه المسألة، وفي غيرها جماعة المسلمين، وخرجوا عليهم، وقد قال القرطبي في بيان أن مخالفتهم لا يعتد بها، ولا يلتفت إليها: ولا التفات لإنكار الخوارج والنظَّام، الرجم، إما لأنهم ليسوا بمسلمين عند من يكفرهم، وإما لأنهم لا يعتد بخلافهم لظهور بدعتهم وفسقهم\" (^٢).\nولا مجال هنا لتتبع ردوده عليهم، ولا على الفرق الأخرى التي سيأتي الحديث عنها إذ هذا مفرق في ثنايا الرسالة، ولكن سأحيل إلى أرقام الصفحات في الهامش (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>٢ - الصوفية:</span>\nكانت بداية التصوف عبارة عن تمسك بالأخلاق والزهد في الدنيا، ثم انحرف مفهومه إلى الانقطاع عن الدنيا والعلم، ثم انحرف إلى عقائد\n_________\n(^١) انظر: المعلم (٢/ ٢٥، ٢٦).\n(^٢) المفهم (٥/ ٨٤)، وانظر أيضًا (١/ ٤٣٧، ٥٩٥)، (٤/ ٦)، (٥/ ٨٤).\n(^٣) انظر: الرد عليهم، المفهم (١/ ٢٤٧) (٣/ ١٠٩، ٥٩٢)، (٤/ ٦، ٦٠)، (٥/ ٤٠، ٨٤، ٨٦، ١١٦، ١٤٢، ٦٣٥) (٦/ ٢٧٠، ٦٠٩، ٦٢٠) وأما المازري فانظر المعلم (١/ ١٩٤، ١٩٧) (٢/ ٢٤، ٢٦، ٢٦١).","vol":"1","page":371},{"text":"باطلة، كالحلول والاتحاد، وترك الواجبات، وفعل المحرمات وغيرها من الانحرافات (^١).\nوالقرطبي - ﵀ - كانت له صولات وجولات مع هذه الطائفة بين انحرافها وبعدها عن الحق فيما ابتدعته من الأباطيل كالغناء والمزامير، التي يتقربون فيها بزعمهم إلى الله تعالى إلى غير ذلك من الانحرافات التي وقعوا فيها، وسبب كثرة رده على هذه الطائفة انتشار التصوف في زمنه وكثرته، وانشغال الناس به عن العلم والتفقه، حيث قال مُشيرًا إلى ذلك: \"مجالس العلم والتذكير هي المجالس التي يذكر فيها كلام الله وسنة رسوله، وأخبار السلف الصالحين، وكلام الأئمة الزُّهَّاد المتقدمين، المبرَّأَةُ عن التصنع والبدع، والمنزهة عن المقاصد الردية والطمع، وهذه المجالس قد انعدمت في هذا الزمان (^٢) وعوض منها الكذب والبدع ومزامير الشيطان نعوذ بالله من حضورها ونسأله العافية من شرورها\" (^٣).\nومجمل ردوده على هذه الطائفة تنحصر في النقاط التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>أ - الكشف الصوفي:</span>\nقصة الخضر مع موسى - ﵇ - صرف الصوفية معانيها وأهدافها ومراميها وجعلوها عمودًا من أعمدة العقيدة الصوفية، حيث\n_________\n(^١) انظر تلبيس إبليس لابن الجوزي ص (١٩٩) والفلاسفة الإسلاميون والصوفية وموقف أهل السنة منهم للدكتور عبد الفتاح فؤاد ص (٦٥).\n(^٢) هذا منه ﵀ مبالغة لا يوافق عليها إذ قد تبين لنا في مبحث الحياة العلمية في عصره في الباب الأول إزدهارها في زمنه وكثرة العلماء ومجالس العلم وأعظم دليل على ذلك ما وصل إلينا من التراث العلمي لذلك العصر.\n(^٣) المفهم (٧/ ١١).","vol":"1","page":372},{"text":"جعلوها دليلًا على أن هناك ظاهرًا شرعيًّا وحقيقة صوفية تخالف الظاهر (^١).\nوقد قال القرطبي عند ذكر قصة موسى مع الخضر في كتاب النبوات: \"ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق يلزم منه هدُّ الأحكام الشرعية، فقالوا: هذه الأحكام الشرعية إنما يحكم بها على الأغنياء والعامة، وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص، بل: إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم، قالوا: وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار وخلوها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع والكليات، كما اتفق للخضر فإنه استغنى بما تجلى له من تلك العلوم عما كان عند موسى من تلك الفهوم، وقد جاء فيما ينقلون استفت قلبك، وإن أفتاك المفتون.\nقلت - أي القرطبي -: وهذا القول زندقة وكفر، يقتل قائله، ولا يستتاب؛ لأنه إنكار ما علم من الشرائع، فإن الله تعالى قد أجرى سنته، وأنفذ حكمته، فإن أحكامه لا تعلم إلَّا بواسطة رسله السفراء، بينه وبين خلقه، وهم المبلغون عنه رسالاته ... فمن قال: إن هناك طريقًا آخر يعرف بها أمره ونهيه، غير الرسل، بحيث يستغنى بها عن الرسل فهو كافر يقتل ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب، ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا - ﷺ - الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله، فلا نبي بعده، ولا رسول، وبيان ذلك: أنه من قال: يأخذ عن قلبه، وإن ما وقع\n_________\n(^١) الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق ص (١٢٥).","vol":"1","page":373},{"text":"فيه هو حكم الله، وأنه يعمل بفقتضاه وأنه لا يحتاج في ذلك إلى كتاب ولا سنة، فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة، فإن هذا نحو مما قاله رسوله: \"إن روح القدس نفث في روعي\" (^١).\nوقد سمعنا عن بعض الممخرقين المتظاهرين بالدين، أنه قال: أنا لا آخذ عن الموتى، وإنما آخذ عن الحي الذي لا يموت، وإنما أروي عن قلبي عن ربي، ومثل هذا كثير، نسأل الله الهداية والعصمة، وسلوك طريق سلف هذه الأمة، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله\" (^٢).\nوقال في موضع آخر: \"وقد شاهدت بعض الممخرقين وسمعنا منهم أنهم يعرضون عن القواعد الشرعية، ويحكمون بالخواطر القلبية، يقول: الشاهد المتصل بي أعدل من الشاهد المنفصل عني، وهذه مخرقة أبرزتها زندقة يقتل صاحبها، ولا يستتاب، من غير شك ولا ارتياب\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>ب - في تقديسهم للأولياء:</span>\nرفع رموز الصوفية أنفسهم ودعوا الجهال والغوفاء إليهم وزعموا أن لهم ولاية خاصة ومكانة عند الله عالية.\nقال القرطبي مبينا عظم الابتلاء بهؤلاء في زمنه: \"قد اغتر كثير من الجُهَّال بالأعمال، فلاحظوا أنفسهم بعين استحقاق الكرامات، وإجابة\n_________\n(^١) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ١٦٦) وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢٧) وقال - ابن كثير: أخرجه - ابن حبان في صحيحه، انظر تفسير - ابن كثير (١/ ١١٧) لكني لم أجده في صحيح - ابن حبان كما ذكرا بن كثير وقال العجلوني عندما ذكر حديث \"اطلبوا الحوائج بعز الأنفس\" رواه ابن عساكر بسند ضعيف لكن يقويه ما رواه الطبراني وأبو نعيم ثم ذكر الحديث. كشف الخفاء ومزيل الإلباس فيما اشتهر من الحديث على ألسنة الناس (١/ ١٥٥).\n(^٢) المفهم (٦/ ٢١٧).\n(^٣) المفهم (٥/ ١٥٤).","vol":"1","page":374},{"text":"الدعوات، وزعموا أنهم ممن يتبرك بلقائهم، ويغتنم صالح دعائهم، وأنهم يجب احترامهم وتعظيمهم فيتمسح بأثوابهم، وتقبل أيديهم، ويرون أن لهم المكانة عند الله بحيث ينتقم لهم ممن تنقصهم في الحال، وأن يؤخذ من أساء الأدب عليهم من غير إمهال، وهذه كلها نتائج الجهل العميم، والعقل غير المستقيم، فإن ذلك إنما يصدر من جاهل معجب بنفسه، غافل عن جرمه وذنبه، مغتر بإمهال الله ﷿ له عن أخذه، ولقد غلب أمثال هؤلاء الأنذال في هذه الأزمان، فاستتبعوا العوام، وعظمت بسببهم على أهل الدين المصائب والطوام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وهذه نفثات مصدور وإلى الله عاقبة الأمور\" (^١).\nوقد ألزم الصوفية كل تابع لهم بأن يتخذ له شيخًا يلازمه، ولا يأخذ إلَّا عنه، ويطيعه طاعة عمياء، وإن أمره بالسوء والفحشاء، وشعارهم في ذلك قولهم: \"كن بين يدي شيخك كالميت بين يدي الغاسل\" (^٢) وقد بيَّن القرطبي انحراف الصوفية في هذا الجانب عند شرحه لقوله - ﷺ -: \"لا طاعة في معصية إنما الطاعة في المعروف\" (^٣) حيث قال: \"هذا الحديث يرد حكاية حكيت عن بعض مشايخ الصوفية، وذلك أن مريدًا له قال يومًا: قد حمي التنور، فماذا أصنع؟ فتغافل عنه، فأعاد عليه القول فقال له: ادخل فيه، فدخل المريد في التنور، ثم إن الشيخ تذكر فقال: الحقوه كان قد عقد على نفسه ألَّا يخالفني، فلحقوه فوجده في التنور لم تضره النار.\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ٣٧٥).\n(^٢) الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق ص (٣١٩).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض، والأحكام ح (٧٢٥٧) (١٣/ ٢٤٥)، ومسلم في كتاب الإجازة، باب وجوب طاعة الأمراء من غير معصية وتحريمها في المعصية ح (١٨٤٠) (١٢/ ٤٦٩).","vol":"1","page":375},{"text":"وهذه الحكاية أظنها من الكذب الذي كذب به على هذه الطائفة الفاضلة (^١)، فكم قد كذب عليها الزنادقة وأعداء الدين، وبيان ما يحقق ذلك أن هذا الشيخ إما أن يكون قاصدًا لأمر ذلك المريد بدخول النار أو لا، فإن كان قاصدًا كان قصده ذلك معصية ولا طاعة فيها، بنص النبي - ﷺ -، ويكون امتثال المريد لذلك معصية، وكيف تظهر الكرامات على العصاة في حال معصيتهم؟ ... وإن كان الشيخ غير قاصد لذلك ولا شاعر بما صدر عنه، فكيف يحل للمريد أن يلقي نفسه في النار بأمر غلط لا حقيقة له، ثم إن هذا المريد عاص بذلك الفعل، ولا يظهر على العاصي كرامة حال ملابسته للمعصية، ولو جاز ذلك لجاز للزناة وشربة الخمر والفسقة أن يدَّعوا الكرامات وهم ملابسون لفسقهم.\nهذا مما لا يجوز إجماعًا وإنما تنسب الكرامات لأولياء الله، وهم أهل طاعته، لا إلى أولياء الشيطان، وهم أهل الفسق والعصيان\" (^٢).\nوقد أطال في الرد عليهم، ورد تخريجهم هذه الحكاية بقولهم إن الشيخ أراد التأديب والمريد أطاعه لثقته بشيخه ووفائه له، واعتقاده أنه لا يأمره إلَّا بمصلحة، فصح توكل المريد، فأنجاه الله، فبين أن هذه القيود لا تجيز فعل المحرم إجماعَا ولا تُهدُّ القواعد الشرعية لأجلها (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>ج - في الوسوسة والغلو في الزهد:</span>\nقال - ﷺ -: \"ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي\n_________\n(^١) ثناؤه عليهم هنا فيه إشكال فهو مخالف لردوده عليهم وبيانه لضلالاتهم فيما سبق ويأتي والذي يظهر والله أعلم، أنه يفرق بين مشايخ الصوفية المتقدمين وبين المعاصرين له إذ يحسن الظن بمن تقدم خصوصًا عندما كانت الصوفية في صورتها القريبة من الاعتدال.\n(^٢) المفهم (٤/ ٤١).\n(^٣) المفهم (٤/ ٤٢).","vol":"1","page":376},{"text":"هذا: كل مال نحلته عبدًا حلال\" (^١)\nقال القرطبي: \"فائدة هذه القضية رفع توهم من يتوهم أن ما يستلذ ويستطاب من رفيع الأطعمة والملابس والمناكح والمساكن محرم أو مكروه، وإن كان ذلك من الكسب الجائز، كما ذهب إليه بعض غلاة المتزهدة\" (^٢).\nوقال في موضع آخر: \"دليل (^٣) على جواز الشبع خلافًا لمن كرهه مطلقًا، وهم قوم من المتصوفة\" (^٤).\nوفي استخراجه لبعض الفوائد من الأحاديث التي فيها حمل الرسول - ﷺ - للصبيان، وعدم تورعه مما قد يلاقيه من النجاسة، قال: \"فيه من الفقه ما يدل على جواز حمل الصبيان، وترك التعمق في التحفظ، مما يكون منهم من المخاط والبول، وغير ذلك، فلا يجتنب من ذلك إلَّا ما ظهرت عينه، أو تحقق أو تفاحش، وكان النبي - ﷺ - وأصحابه يعملون على مقتضى الحنيفية السمحة، فيمشون حفاة في الطين، ويجلسون بالأرض، وتكون عليهم الثياب الوسخة التي ليست بنجسة ويلعقون أصابعهم والقصعة عند الأكل، ولا يعيبون شيئًا من ذلك ولا يتوسوسون فيه، وكل ذلك ردٌّ على غلاة متوسوسة الصوفية اليوم فإنهم يبالغون في نظافة\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص (٢٠٢).\n(^٢) المفهم (٦/ ٧١٢).\n(^٣) وهو ما جاء من حديث أنس بن مالك ﵁ أنَّ أبا طلحة دعا النبي - ﷺ - إلى طعام فدعا الرسول - ﷺ - أصحابه فكان العشرة يدخلون فيأكلون حتى الشبع ثم من بعدهم من شبعوا جميعًا. انظر صحيح البخاري كتاب الأطعمة، باب من أدخل الضيفان عشرة عشرة ح (٥٤٥٠) (٩/ ٤٨٦)، ومسلم في كتاب الأشربة، باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه ح (٢٠٤٠) (١٣/ ٢٢٧).\n(^٤) المفهم (٥/ ٣١١).","vol":"1","page":377},{"text":"الظواهر والثياب وبواطنهم وسخة خراب\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>د - في الوجد والسماع:</span>\nأباح الصوفية سماع الغناء والمزامير، بل زعموا أنها تقرب لرب العالمين. وقد واجه القرطبي هذا الباطل ورد هذا الضلال، خصوصًا مع انتشاره في عصره، بل أفرد هذا بتأليف مستقل، وذلك بكتابه الموسوم بـ \"كشف القناع عن حكم مسائل الوجد والسماع\" (^٢). وقد استدل الصوفية على باطلهم بإنشاد النبي - ﷺ - وأصحابه في حفر الخندق، إذ كانوا يرتجزون أثناء العمل بأبيات من الشعر.\nوقد قال القرطبي في رد هذا الاستدلال: \"وقد يستدل بإنشاد النبي - ﷺ - وأصحابه هذه الأسجاع أهل المجون والبدع من المتصوفة على إباحة ما أحدثوه من السماع المشتمل على مناكر لا يرضى بها أهل المروءات، فكيف بأهل الديانات، كالطارات والشبابات واجتماع المغاني، وأهل الفساد، والشبان، والغناء بالألحان، والرقص بالأكمام، وضرب الأقدام، كما يفعله الفسقة المجان، ومجموع ذلك يعلم فساده وكونه معصية من ضرورة الأديان، فلا يحتاج في إبطاله إلى إقامة دليل ولا برهان، وقد كتبنا في ذلك جزءًا حسنًا سميناه \"كشف القناع عن حكم مسائل الوجد والسماع\"\" (^٣).\nوقال في موضع آخر عن هذه المسألة عند شرحه للحديث الذي فيه أن الصحابة - ﵃ - يرتجزون والرسول - ﷺ - معهم (^٤): \"من هنا\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٣٠٠).\n(^٢) انظر: ص (٨٧).\n(^٣) المفهم (٣/ ٦٤٥).\n(^٤) رواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ابتناء مسجد النبي - ﷺ - (٥٢٤) =","vol":"1","page":378},{"text":"أخذت الصوفية إباحة السماع غير أنهم اليوم أفرطوا في ذلك وتعدوا فيه الوجه الجائز، وتذرعوا بذلك إلى استباحة المحرمات من أصناف الملاهي: كالشبابات والطارات والرقص وغير ذلك، وهذه أفعال المجان، أهل البطالة والفسوق، المدخلين في الشريعة ما ليس منها، أعاذنا الله من ذلك بمنه\" (^١).\nوأما حال هؤلاء عند الذكر والمواعظ فهو الزعيق والصياح، بزعم أن هذا من صفات أهل الخشوع والصلاح.\nوقد بيَّن القرطبي - ﵀ - أن هذا لم يكن من هدي الصحابة - ﵃ - وهم أشد الناس خشية لله تعالى بعد الأنبياء ﵈، وذلك عند قول أنس - ﵁ - وهو يبين حال الصحابة - ﵃ - عند غضب الرسول - ﷺ - حيث قال: \"فجعلت التفت يمينًا وشمالًا، فإذا كل رجل لاف رأسه في ثوبه يبكي\" (^٢). قال القرطبي: \"هذه حالة العارفين بالله تعالى، الخائفين من سطوته وعقوبته، لا كما تفعله جهَّالُ العوام والمبتدعة الطغام من الزعيق والزفير، ومن النهيق الذي يشبه نهاق الحمير، فيقال لمن تعاطى ذلك، وزعم أن ذلك وجدٌ وخشوع: إنك لم تبلغ ذلك، أي: تساوي حال رسول الله - ﷺ -، ولا حال أصحابه في المعرفة بالله تعالى، والخوف منه، والتعظيم لجلاله، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ، الفهم عن الله تعالى، والبكاء خوفًا من\n_________\n= (٥/ ١٠).\n(^١) المفهم (٢/ ١٢٤).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب العلم، باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره ح (٩٢) (١/ ٢٢٥) ومسلم في كتاب الفضائل، باب توقيره - ﷺ - وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه ح (٢٣٥٩) (١٥/ ١٢٠).","vol":"1","page":379},{"text":"الله، والوقار حياءً من الله [ثم أطال في ذكر أحوال العارفين، وذكر ماورد عن السلف من الصعق وغيره عند سماع القرآن] ثم قال: فالجواب: أين الدر من الصدف، والمسك من الجيف؟ هيهات قياس الملائكة بالحدادين، والمحققين بالممخرقين، فإن كنت يا من لبس عليه، تدعي أنك على نعتهم فمت كموتهم، فتنبه لبهرجتك، فإن الناقد بصير، والمحاسب خبير\" (^١).\nوقد بيَّن أن من كان يصرخ في حال خطبة الجمعة، فإما أن يكون مع ذلك ذهاب عقله، فقد انتقض وضوؤه فصلى بغير وضوء، ويكون قد تكلم في الخطبة وشوش على الحاضرين وأظهر بدعة في مجتمع الناس إلى ما في ذلك من الرياء والفسق (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>هـ - في جهلهم بمفهوم التوكل:</span>\nمن اعتقادات الصوفية ترك العمل، واعتقاد ذلك من كمال التوكل إذ العمل عندهم قادح في التوكل.\nوقد بيَّن القرطبي فساد هذا الفهم، ومخالفته لهدي الرسول - ﷺ -، وسنته، وذلك في مواضع كثيرة من المفهم، حيث قال مبينًا أن السعي في طلب الرزق لا ينقص التوكل: \"المتفرغ للعبادة وطلب العلم لا يخل بحاله، ولا ينقص توكله اشتغاله بالنظر في مطعمه ومشربه وحاجته، كما يذهب إليه جهال المتزهدة\" (^٣).\nوعند شرحه لحديث أنس بن مالك - ﵁ - الذي فيه أولئك النفر الذين سألوا عن عبادة الرسول - ﷺ - فكأنهم تقالوها ثم ذكروا\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ١٦٠).\n(^٢) المفهم (٦/ ١٦١).\n(^٣) المفهم (٣/ ٧٤١).","vol":"1","page":380},{"text":"من أعمالهم وعباداتهم فرد عليهم - ﷺ - بقوله: \" ... لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني\" (^١).\nفبعد شرح القرطبي لهذا الحديث واستخراجه لما يستفاد منه قال: \"وعند الوقوف على ما أوضحناه من هذا الحديث يتحقق أن فيه ردًّا على غلاة المتزهدين وعلى أهل البطالة من المتصوفين إذ كل فريق قد عدل عن طريقه وحاد عن تحقيقه\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>٣ - المعتزلة:</span>\nفرقة ظهرت في أوائل القرن الثاني الهجري، وسلكت مسلكًا عقليًّا متطرفًا في مسائل العقيدة، وسموا بهذا الاسم لاعتزال زعيمهم واصل بن عطاء (^٣) مجلس الحسن البصري ﵀.\nوقد أكثر القرطبي والمازري من الرد عليهم، وتفنيد أقوالهم، وبيان خطأهم فيما ذهبوا إليه خصوصًا المازري إذ أكئر من الرد عليهم على غير عادته مع الفرق الأخرى، وربما سبب ذلك أن مذهب الاعتزال قابل مذهب الأشاعرة، وقد تصدى كثير من الأشاعرة للرد على المعتزلة تبعًا لمن ينتسبون إليه، وهو أبو الحسن الأشعري الذي كان على مذهب المعتزلة، ثم رجع عنه، وبين فساده فتابعه على ذلك غالب علماء الأشاعرة. وقد رد القرطبي والمازري عليهم في كثير من المسائل: فرد\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح ح (٥٠٦٣) (٩/ ٥) ومسلم في كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ح (١٤٠١) (٩/ ١٨٥).\n(^٢) المفهم (٤/ ٨٧).\n(^٣) واصل بن عطاء المعتزلي المعروف بالغزال متكلم أديب خطيب فصيح رأس المعتزلة وناشر مذهبهم الباطل أجمع السلف على ذمة توفي سنة (١٣١ هـ). سير أعلام النبلاء (٥/ ٤٦٤)، الأعلام (٨/ ١٠٨).","vol":"1","page":381},{"text":"عليهم في مسائل القدر (^١). وفي إنكارهم لرؤية الله تعالى في الآخرة (^٢). وفي حكمهم على مرتكب الكبيرة بالخلود في النار (^٣). وفي إنكارهم لشفاعة الرسول - ﷺ - في القيامة وإنكارهم للدجال (^٤). وكذلك في قولهم بعدم خلق الجنة والنار (^٥). وغيرها من المسائل (^٦).\nوتتبين هذه الردود في المباحث الخاصة بكل مسألة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>٤ - الشيعة:</span>\nوهم فرقة قالت بإمامة علي بن أبي طالب - ﵁ - وأنه قد نص عليه واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج عن أولاده وقالوا: إن خروج الولاية عن علي - ﵁ - بظلم من الشيخين وبعضهم كفر الصحابة - ﵃ - واعتقدوا العصمة في أئمتهم إلى غير ذلك من الضلالات التي في معتقداتهم، وهم فرق كثيرة منها الغالية، ومنها دون ذلك، وقد يسمَّون بالرافضة.\nوقد تكلم القرطبي على الشيعة، وبين أنهم من أكثر الفرق الضالة تعمدًا للكذب، وتضليلًا للناس، فقال في كذبهم على عائشة - ﵂ -: \"وهذا التأويل (^٧) عليها من أكاذيب الشيعة المبتدعة وتشنيعاتهم عليها\" (^٨).\n_________\n(^١) انظر: المفهم (٣/ ٤٩٣، ٥٢٦) (٥/ ٦٢١) والمعلم (١/ ٣٠٤، ٣٢٥) (٢/ ١٧) (٣/ ١٧٦، ١٨٥، ١٩٧، ١٩٨، ٢٦٥).\n(^٢) انظر: المفهم (١/ ٤١٥) (٢/ ٥٧) والمعلم (١/ ٢٢٣، ٢٢٥) (٣/ ٢١٢).\n(^٣) انظر: المفهم (٢٤٧، ٤٥٢) والمعلم (١/ ١٩٤، ١٩٧) (٢/ ٢٦١).\n(^٤) انظر: المفهم (١/ ٤٣٧) (٧/ ٢٦٧).\n(^٥) انظر: المفهم (٢/ ٤٥٢).\n(^٦) انظر: المعلم (١/ ٢٦٦) (٢/ ٢٥) (٣/ ١٨٨، ١٩٨) (٣/ ٢٠٥، ٣٠٣).\n(^٧) وهو قولهم: إنها لم تقصر في السفر لأنها لم تكن في سفر جائز.\n(^٨) المفهم (٢/ ٣٢٧).","vol":"1","page":382},{"text":"وقال في موضع آخر في رده على طعنهم في أبي بكر - ﵁ -: \"ولا تسمع أكاذيب الرافضة المبطلين الضالين المضلين\" (^١).\nوبين في موضع آخر كذبهم وتبرؤ علي - ﵁ - مما نسبوه إليه، وذلك عند تعليقه على قول علي - ﵁ -: \"ما كان النبي - ﷺ - يُسرُّ إلى شيئًا يكتمه الناس ... \" (^٢). حيث قال: \"هذا رد وتكذيب للفرق الغالية فيه وهم الشيعة والإمامية والرافضة الزاعمين أن النبي - ﷺ - وصَّى لعلي، وولَّاه بالنص، وأسرَّ إليه دون الناس كلهم بعلوم عظيمة، وأمور كثيرة، وهذه كلها منهم أكاذيب وترهات وتمويهات يشهد بفسادها نصوص متبوعهم وما تقتضيه العادات من انتشار ما تدعو إليه الحاجة العامة وغضب علي على ذلك دليل على أنه لا يرتضي شيئًا مما قيل هنالك\" (^٣).\nوبيَّن في موضع آخر أن الرافضة لا يعتد بخلافهم؛ لأنه قد حكم كثير من العلماء بتكفيرهم (^٤).\nوقال أيضًا: الرافضة لا يلتفت لخلافهم إذ ليسوا على طريقة المسلمين (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>حكم الشيعة:</span>\nالشيعة فرق مختلفة لا شك في كفر الغالي منها، وقد بيَّن القرطبي خلاف العلماء فيهم، وذلك لاختلاف معتقداتهم، حيث قال: \"ولا مبالاة بأقوال أهل التشيع، ولا أهل البدع، فإنهم بين مكفر تضرب رقبته، وبين\n_________\n(^١) المفهم (٣/ ٥٦٩).\n(^٢) رواه مسلم في كتاب الأضاحي، باب تحريم الذبح لغير الله ح (١٩٧٨) (١٣/ ١٥٠).\n(^٣) المفهم (٥/ ٢٤٤).\n(^٤) المفهم (٢/ ٩٢).\n(^٥) المفهم (٤/ ٩٣).","vol":"1","page":383},{"text":"مبتدع مفسق لا تقبل كلمته، وتدحض حجته\" (^١).\nوقال في موضع آخر: \"فأما الروافض فقد كفَّروا الصحابة كلهم؛ لأنهم تركوا العمل بالحق الذي هو النص على استخلاف علي - ﵁ - واستخلفوا غيره بالاجتهاد، ومنهم من كفَّر عليًّا - ﵁ -؛ لأنه لم يطلب حقه، وهؤلاء لا يشك في كفرهم؛ لأن من كفر الأمة كلها والصدر الأول، فقد أبطل نقل الشريعة، وهدم الإسلام، وأما غيرهم من الفرق فلم يرتكب أحد منهم هذه المقالة الشنعاء القبيحة القصعاء، ومن ارتكبها منهم ألحقناه بمن تقدم في التكفير ومأواه جهنم وبئس المصير\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>الرد عليهم:</span>\nأكثر القرطبي من الرد على الشيعة في كثير مما ذهبوا إليه من الأباطيل، وذلك في مواضع متفرقة من المفهم، فرد عليهم في تجويز الكبائر على الأنبياء (^٣)، وفي موقفهم من الصحابة - ﵃ أجمعين - (^٤)، وفي موقفهم من الخلافة، وقولهم بالنص على علي - ﵁ (^٥). إلى غير ذلك من المسائل الأخرى (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>٥ - القدرية:</span>\nوهم القائلون بأن العبد يخلق فعل نفسه، وأن أفعال العباد مقدورة لهم على جهة الاستقلال، وكان متقدموهم ينكرون علم الله بالأشياء قبل\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٢٣٨).\n(^٢) المفهم (٦/ ٢٧٣).\n(^٣) انظر: المفهم (٢/ ٩٢، ١٨٥) (٣/ ٥٦٤) (٦/ ٢١٧، ٣٠٣).\n(^٤) انظر: المفهم (٢/ ٣٢٧) (٦/ ٢٥٢).\n(^٥) انظر: المفهم (٦/ ٢٤٨، ٢٧٣) وانظر: المازري في هذه المسألة المعلم (٣/ ١٣٦).\n(^٦) انظر: المفهم (٥/ ١٣٦، ٢٤٤) (٧/ ٣٢٧، ٣٣٣).","vol":"1","page":384},{"text":"وجودها، وهم الذين كفرهم السلف أخذ معبد الجهني (^١) هذا عن نصراني أسلم ثم تنصر، وأخذ غيلان الدمشقي (^٢) عن معبد، وقد يطلق القدرية على المعتزلة لنفيهم القدر في معاصي العباد (^٣).\nوقد رد عليهم القرطبي فيما ذهبوا إليه في القدر حين قال: \"حملت القدرية هدى الله على البيان بناءً على مذهبهم الفاسد في القدر\" (^٤)، وقال في موضع آخر: \"والأحاديث في هذا الباب كثيرة صحيحة يفيد مجموعها العلم القطعي واليقين الحقيقي الاضطراري بإبطال مذاهب القدرية لكنهم كابروا في ذلك كله، وردوه وتأولوا ذلك تأويلًا فاسدًا\" (^٥).\nوأما المازري فقد جاء ذكر القدرية في المعلم في موضعين، رد في واحد منها على القدرية في قولهم بخلق العباد لأفعالهم (^٦)، وفي الموضع الآخر بيَّن الخلاف في تكفير القدرية (^٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>٦ - المرجئة:</span>\nوهم الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، فيقولون لا يضر مع\n_________\n(^١) معبد الجهني البصري أول من تكلم بالقدر في أواخر عهد الصحابة ﵃ وأنكر عليهم ابن عمر ﵄ توفي معبد سنة (٨٠ هـ). تهذيب التهذيب (٤/ ١١٦)، سير أعلام النبلاء (٤/ ١٨٥).\n(^٢) غيلان بن مسلم الدمشقي أبو مروان من البلغاء وهو ثاني من تكلم بالقدر ودعا إليه قتل في خلافة هشام بن عبد الملك. العقد الفريد ابن عبد ربه الأندلسي (٢/ ٢٠٥) الأعلام (٥/ ١٢٤).\n(^٣) انظر: السنة لعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل (١/ ٣٨٤) وما بعدها والملل والنحل للشهرستاني (١/ ٤٥).\n(^٤) المفهم (٢/ ٥٠٧).\n(^٥) المفهم (٦/ ٦٦١).\n(^٦) المعلم (٣/ ١٧١).\n(^٧) المعلم (١/ ١٨٧).","vol":"1","page":385},{"text":"الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، والجهمية والكرامية من فرق المرجئة (^١). وقد ردَّ القرطبي والمازري هذا المذهب الباطل كما تبين ذلك في مبحث حكم مرتكب الكبيرة (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>٧ - الأشاعرة:</span>\nهم المنتسبون إلى أبي الحسن الأشعري في مذهبه الثاني، ولا يخفى أنه قد رجع عن مذهبه الثاني إلى مذهب أهل السنة والجماعة في آخر حياته، ولكن الأشاعرة تابعوه على ما كان عليه قبل رجوعه إلى مذهب السلف، وعامة الأشاعرة يثبتون سبع صفات فقط، ويخالفون أهل السنة في كثير من مسائل العقيدة (^٣).\nوالقرطبي والمازري على مذهب الأشاعرة في كثير من مسائل العقيدة، وإن كان القرطبي لم يلتزم بذلك، بل يخالف الأشاعرة في بعض المسائل (^٤).\nوقد جاء ذكر الأشاعرة باسمهم الصريح في موضع واحد من المفهم (^٥)، وفي خمسة مواضع من المعلم (^٦). وهم يطلقون أهل السنة أو أهل السنة والجماعة ويقصدون بذلك الأشاعرة، وهذا يتبين من خلال الأقوال التي ينسبونها لأهل السنة إذ كثير منها لا يقول به أهل السنة بل هو قول الأشاعرة، فقد ذكر القرطبي رأي الأشاعرة في بعض المسائل وقال:\n_________\n(^١) انظر: القدرية والمرجئة للدكتور ناصر العقل ص (٧٧) وما بعدها.\n(^٢) ص (١٥٧).\n(^٣) انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة للدكتور عبد الرحمن المحمود ومنهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله الخالد بن عبد اللطيف.\n(^٤) ويتضح هذا من خلال التفصيل في مباحث الرسالة.\n(^٥) المفهم (٢/ ٥٧).\n(^٦) المعلم (١/ ١٨٤، ١٩٤) (٣/ ٩٤، ١٦٥، ١٧٦).","vol":"1","page":386},{"text":"\"هذا قول أهل السنة\" (^١).\nوقد يذكر بعض أقوال أهل السنة وينسبها إليهم وهو يقصد الأشاعرة إذ يوافقون أهل السنة في هذه المسائل (^٢).\nوأما المازري فقد ذكر أهل السنة وقصد بهم الأشاعرة وذلك في سبعة مواضع من المعلم (^٣).\nوقد جاء ذكر بعض الفرق كالجهمية (^٤)، والباطنية (^٥)، والكرامية (^٦)، والراوندية (^٧)، والقلندرية (^٨).\n_________\n(^١) المفهم (١/ ١٩٦، ٢١٢، ٢٩٦) (٦/ ٢١٢).\n(^٢) المفهم (١/ ٢٠٠، ٣٢١، ٣٧٣، ٤١٣) (٣/ ٥٦٢) (٥/ ١٤٢، ٥٦٥، ٦٣٥) (٦/ ٤٠، ٩٠، ٢٣٨، ٢٤٤، ٣٨٧، ٦٠٨) (٧/ ١٨٨، ٢٦٧، ٢٩٢، ٣٣٥).\n(^٣) (١/ ٢١٧) (٣/ ٣٥، ٩٣، ١١٦، ١٣٧، ١٧٠، ١٩٧).\n(^٤) هي إحدى الفرق المنحرفة التي نسبت للجهم من صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال وزعم أنَّ الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط وأنَّ الكفر هو الجهل به ونفي أسماء الله تعالى وصفاته إلى غير ذلك من مخالفته لمذهب السلف. الملل والنحل (١/ ٨٦).\nالفرق بين الفرق للبغدادي ص (٢١١). انظر: المفهم (٧/ ٢٦٧).\n(^٥) من الفرق الضالة التي تدَّعي أنَّ للنصوص ظاهرًا وباطنًا ويعتقدون أن الله لا يوصف بالوجود ولا العدم ولا هو معلوم ولا مجهول إلى غير ذلك من العقائد الباطلة ولهم ألقاب كثيرة كالقرامطة والنصيرية والإسماعيلية. الفرق بين الفرق ص (٢٨١). وقد أدرج الحديث عنها والرد عليها مع الشيعة.\n(^٦) أتباع عبد الله بن كرام افترقوا لعدة فرق من أبرز عقائدهم قولهم إنَّ الإيمان مجرد القول باللسان. مقالات الإسلاميين (١/ ٢٢٤). الفرق بين الفرق ص (٢١٥). وانظر: المفهم (١/ ٢٦٧).\n(^٧) فرقة من فرق الروافض الحلولية الذين قالوا بتناسخ روح الإله في الأئمة. الفرق بين الفرق ص (٢٧٢) وانظر: المفهم (٦/ ٢٤٨) والمعلم (٣/ ١٣٧).\n(^٨) المفهم (٧/ ١٦٦). وهذه الطائفة من طوائف الصوفية وتسمى الملامية أو الملامتية واليونسية والحيدرية، نشأت بعد الستمائة بقليل بدمشق. انظر: أخبارهم في خطط المقريزي (٢/ ٤٣٢) وانظر: فتوى شيخ الإسلام فيهم في الفتاوى (٣٥/ ١٣).","vol":"1","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>الفصل الرابع توحيد الأسماء والصفات</span>\nوفيه تمهيد وثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: منهجهما في أسماء الله تعالى\nالمبحث الثاني: منهجهما في صفات الله\nالمبحث الثالث: منهجهما في رؤية الله تعالى","vol":"1","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>تمهيد</span>\nتوحيد الأسماء والصفات هو إفراد الله ﷾ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، التي وردت في الكتاب والسنة، وذلك بإثبات ما أثبته سبحانه لنفسه، أو أثبته له رسوله - ﷺ - من غير تحريفٍ (^١)، ولا تعطيلٍ (^٢)، ومن غير تكييف (^٣)، ولا تمثيل (^٤)، ولا تشبيه (^٥). فنؤمن بأن الله تعالى متصفٌ بجميع صفات الكمال، ومنزه سبحانه عن جميع صفات النقص.\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب - ﵀ -: \"توحيد الأسماء والصفات: هو الإقرار بأن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، له المشيئة النافذة، والحكمة البالغة، وأنه سميع بصير، رؤوف رحيم، على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وأنه الملك القدوس، السلام، المؤمن،\n_________\n(^١) التحريف في الإصطلاح هو: تغيير النص لفظًا أو معنى، فالتحريف اللفظي مثل: نصب لفظ الجلال في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ ليكون التكليم من موسى، والتحريف المعنوي مثل: تحريف معنى اليدين المضافتين إلى الله تعالى إلى القوة والنعمة ونحو ذلك.\n(^٢) التعطيل في الاصطلاح: هو إنكار ما يجب إثباته لله تعالى من الأسماء والصفات.\n(^٣) التكييف هو: حكاية كيفية الصفة وأنها على هيئة كذا وكذا أو السؤال عنها بكيف.\n(^٤) التمثيل: هو إثبات المثيل والنظير للشيء.\n(^٥) التشبيه: هو إثبات المشابه للشيء والفرق بين التشبيه والتمثيل أنَّ التشبيه يقتضي المشابهة والمساواة في أكثر الصفات والتمثيل يقتضي المماثلة والمساواة من كل وجه.\nوهذه التعريفات استقيتها من شرح العقيدة الواسطية للهراس ص (٦٦ - ٦٩) وفتح رب البرية بتلخيص الحموية لابن عثيمين ص (٥٤، ٥٥) والتحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية لفالح آل مهدي (٢/ ٦، ٧).","vol":"1","page":391},{"text":"المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، سبحان الله عما يشركون، إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى والصفات العلى\" (^١).\nوالأدلة على هذا التوحيد كثيرة من الكتاب والسنة، بل لا تخلو سورة من سور القرآن من ذكر أسماء الله وصفاته. قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦)﴾ (^٤).\nوكان - ﷺ - إذا أوى إلى فراشه يقول: \"اللهم ربّ السموات، ورب الأرض، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى،\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص (٣٤).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.\n(^٣) سورة الحشر، الآية: ٢٣، ٢٤.\n(^٤) سورة الحديد، الآية: ١ - ٦.","vol":"1","page":392},{"text":"ومنزل الإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء\" (^١). وغيره من الأحاديث الكثيرة التي جاءت بإثبات أسمائه سبحانه وصفاته، ولذا فأهل السنة والجماعة يؤمنون بهذه الأسماء والصفات كما جاءت، وكما يليق بالله ﷾.\nويُعدّ هذا المبحث من أهم مباحث العقيدة وأخطرها، إذ كثر الخلط والانحراف عن المنهج السوي فيه من قبل بعض الفرق الإسلامية، حيث نشأ عن الضلال فيه معتقداتٌ باطلةٌ، وتصوراتٌ خاطئةٌ في الذات الإلهية، ولهذا اعتنى علماء السنة والجماعة بهذا التوحيد وصنَّفوا فيه المصنفات، وأفردوه بكثير من المؤلفات. ومنهجهم في هذا هو المنهج الأقوم الذي جاء في الكتاب والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة.\nقال شيخ الإسلام - مبينًا اعتقاد السلف في هذا الباب -: \"الأصل في هذا الباب أن يُوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله: نفيًّا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه. وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد (^٢) لا في أسمائه ولا في آياته، فإن الله تعالى ذمَّ الذين يلحدون في أسمائه وآياته، كما قال\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب الدعاء عند النوم ح (٢٧١٣)، (١٧/ ٣٩).\n(^٢) الإلحاد في اللغة: الميل والعدول عن الشيء. والإلحاد في أسماء الله تعالى وآياته هو العدول والميل بها عن حقائقها ومعانيها الصحيحة إلى معانٍ باطلة. انظر: شرح العقيدة الواسطية للهراس ص (٧٠).","vol":"1","page":393},{"text":"تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ الآية (^٢). فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقين: إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (^٣) فمعنى قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ردٌّ للتشبيه والتمثيل، وقوله ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ردٌّ للإلحاد والتعطيل\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.\n(^٢) سورة فصلت، الآية: ٤٠.\n(^٣) سورة الشورى، الآية: ١١.\n(^٤) الفتاوى (٣/ ٣).","vol":"1","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>المبحث الأول منهجهما في أسماء الله تعالى</span>\nوفيه تسعة مطالب:\nالمطلب الأول: الاسم والمسمى\nالمطلب الثاني: عدد أسماء الله\nالمطلب الثالث: معنى إحصائها\nالمطلب الرابع: طريق إثباتها\nالمطلب الخامس: أقسامها\nالمطلب السادس: اسم الله الأعظم\nالمطلب السابع: شرح بعض الأسماء\nالمطلب الثامن: الأسماء المزدوجة\nالمطلب التاسع: ما ليس من أسماء الله","vol":"1","page":395},{"text":"إن شرف العلم تابعٌ لشرف معلومه، ولا أجلّ ولا أعظم من الله تعالى، ولذا فمعرفة أسمائه سبحانه، والإيمان بها، وفهم معانيها من أجلِّ العلوم، وأفضل الطاعات، ولا طريق لذلك إلَّا بالكتاب والسنة، والاقتداء بسلف الأمة. فقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن لله أسماء سمى بها نفسه، وأن هذه الأسماء كلها حسنى، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (^١).\nقال - ابن القيم - ﵀ -: \"إن أسماء الله ﵎ دالةٌ على صفات كماله، فهي مشتقة من الصفات، فهي أسماء، وهي أوصاف، وبذلك كانت حسنى، إذ لو كانت ألفاظًا لا معاني فيها، لم تكن حسنى، ولا كانت دالة على مدح ولا كمال\" (^٢).\nوقد تكلَّم القرطبي والمازري في أسماء الله تعالى، وما يتعلق بها، ويتضح هذا من خلال التفصيل في المباحث التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>المطلب الأول: الاسم والمسمى:</span>\nالكلام في هذه المسألة من الأمور المُحْدَثة، التي لم يتحدث فيها الصحابة - ﵃ - ولا التابعون، إنما حدثت بعدهم، ولذا أنكر بعض العلماء الحديث فيها، ومنعوا منه، قال الشافعي - ﵀ -: \"إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى، أو الاسم المسمى، فاشهد عليه أنه من أهل الكلام ولا دين له\" (^٣).\nوقال محمد بن جعفر البغدادي (^٤): \"سمعت إبراهيم\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٢٨).\n(^٣) طبقات السافعية للسبكي (٢/ ١٧٤).\n(^٤) هو محمد بن جعفر بن محمد الربعي البغدادي ابن الإمام حدث عنه النسائي في سننه توفي =","vol":"1","page":397},{"text":"الحربي (^١) - ولم يكن في وقته مثله - يقول - وقد سُئِلَ عن الاسم والمسمى -: لي مذ أجالس أهل العلم سبعون سنة، ما سمعت أحدًا منهم يتكلم في الاسم والمسمى\" (^٢).\nوقال الطبري: \"وأمَّا القول في الاسم أهو المسمى أم غير المسمى، فإنه من الحماقات الحادثة التي لا أثر فيها فيتبع، ولا قول من إمام فيستمع، فالخوض فيه شين، والصمت عنه زين، وحسب امرئ من العلم به، والقول فيه أن ينتهي إلى قول الله ﷿ ثناؤه الصادق، وهو قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (^٤) \" (^٥).\nلكن لما تحدث أهل البدع في هذه المسألة، وخاضوا فيها، وجانبوا فيها الصَّواب، كان لابد لأهل الحق من الحديث فيها بالصواب كغيرها من المسائل التي تحدث فيها أهل السنة، وقد سكت عنها من قبلهم؛ لأنهم ابتلوا بالحديث فيها ردًّا على أهل البدع، قال الإمام الدارمي: \"قد كان من مضى من السلف يكرهون الخوض في هذا وما أشبهه، وقد كانوا رزقوا العافية منهم، وابتلينا بهم عند دروس الإسلام،\n_________\n= سنة (٣٠٠ هـ). سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥٦٨). تهذيب التهذيب (٣/ ٥٣١).\n(^١) إبراهيم بن إسحاق الحربي البغدادي الإمام الحافظ أحد أعلام القرن الثالث الهجري صنَّف \"غريب الحديث\" وغيره توفي سنة (٢٨٥ هـ). تاريخ بغداد للبغدادي (٦/ ٢٧). صفة الصفوة (٢/ ٤٠٤).\n(^٢) سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٥٩).\n(^٣) سورة الإسراء، الآية: ١١٠.\n(^٤) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.\n(^٥) صريح السنة ص (٢٦).","vol":"1","page":398},{"text":"وذهاب العلماء، فلم نجد بدًّا من أن نرد عليهم ما أتوا به من الباطل بالحق\" (^١).\nوأول الأقوال في هذه المسألة قولة الجهمية والمعتزلة الذين قالوا: إن الاسم غير المسمى؛ لأن الاسم مخلوق والمسمى غير مخلوق، وهذا بناءً على قولهم في أن أسماء الله وصفاته مخلوقة، وقد تابعهم على قولهم هذا ابن حزم والغزالي (^٢).\nوقد أجمع أهل السنة، ومن وافقهم في رد هذا القول، ولكنهم اختلفوا في هذه المسألة على أقوال:\nالأول: من، قال: الاسم هو المسمى وقد استدلوا بأدلة منها: قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ (^٣)، قالوا: المسبِّح هو المسمى، وهو الله تعالى، وقوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ (^٤) والمراد المسميات (^٥).\nوقد روى شيخ الإسلام عن الشافعي قوله: \"إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة\" (^٦).\nوقد قال بهذا بعض علماء السنة، ومنهم: البغوي واللالكائي وغيرهما (^٧).\n_________\n(^١) الرد على الجهمية للدارمي ص (٢٣).\n(^٢) انظر: الفصل في الملل والنحل لابن حزم (٥/ ١٩). والمقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى للغزالي (٢٨).\n(^٣) سورة الأعلى، الآية: ١.\n(^٤) سورة يوسف، الآية: ٤٠.\n(^٥) انظر: الفتاوى لابن تيمية (٦/ ١٩٠).\n(^٦) الفتاوى (٦/ ١٨٧). وانظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٠).\n(^٧) قال ابن تيمية: ولم يعرف عن أحد من السلف أنه قال: الاسم هو المسمى بل هذا قاله كثير =","vol":"1","page":399},{"text":"الثاني: من قال: إن الأسماء ثلاثة أقسام:\nأ - تارة يكون هو المسمى كاسم الموجود.\nب - وتارة يكون الاسم غير المسمى كاسم الخالق.\n* - وتارة لا يكون هو ولا غيره كاسم العليم والقدير.\nوهذا هو المشهور عن أبي الحسن الأشعري (^١).\nوقد ردَّ شيخ الإسلام هذا القول، وبيَّن مجانبته للصَّواب (^٢).\nالثالث: من قال: الاسم للمسمى إذ هو دليل وعلم عليه، قال شارح الطحاوية: \"فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك، فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحمن من أسماء الله تعالى، ونحو ذلك، فالاسم ههنَا هو المراد للمسمى، ولا يقال \"غيره\"، لما في لفظ \"الغير\" من الإجمال، فإن أُريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى، فحق، وإن أريد أن الله تعالى كان ولا اسم له، حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله\" (^٣).\nوقد ذكر شيخ الإسلام أن الاسم يتناول اللفظ والمعنى المتصور في القلب، ولذا أمر الله تعالى بذكره تارة، وبذكر اسمه تارة كما أمر بتسبيحه تارة، وبتسبيح اسمه تارة، حيث قال: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١)﴾ (^٤)،\n_________\n= من المنتسبين للسنة بعد الأئمة وأنكره أكثر أهل السنة عليهم. الفتاوى (٦/ ١٨٧).\n(^١) الفتاوى (٦/ ١٨٨) وانظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ١٠٤٣).\n(^٢) الفتاوى (٦/ ٢٠١).\n(^٣) شرح الطحاوية (١/ ١٠٢).\n(^٤) سورة الأحزاب، الآية: ٤١.","vol":"1","page":400},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ \" (^٣) \" (^٤).\nوهذا القول هو اختيار أكثر أهل السنة والذي ارتضاه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، حيث قال ابن القيم: \"هذا المذهب مخالف لمذهب المعتزلة الذين يقولون أسماؤه تعالى غيره، وهي مخلوقة، ولمذهب من رد عليهم ممن يقول اسمه نفس ذاته لا غيره، وبالتفصيل تزول الشبه ويتبين الصواب\" (^٥).\nوهذا القول هو الموافق لظاهر كلام القرطبي، حيث ردَّ على الذين قالوا: الاسم هو المسمى حقيقة، حيث قال: \"الاسم في العرف العام: هو الكلمة الدالة على معنى فرد، وبهذا الاعتبار لا فرق بين الاسم والفعل والحرف، إذ كل واحد منها يصدق عليه ذلك الحد، فلا فعل ولا حرف في العرف العام، وإنما ذلك اصطلاح النحويين والمنطقيين، وليس ذلك من غرضنا، وإذا فهمت هذا فهمت غلط من قال: إن الاسم هو المسمى حقيقة، كما قالت طائفة من جُهَّال الحشوية، فإنهم صرحوا بذلك، واعتقدوه حتى ألزموا على ذلك أن من قال: سمُّ: مات، ومن قال: نار: احترق، وهؤلاء أخس من أن يشتغل بمخاطبتهم (^٦)، وأمَّا من قال من\n_________\n(^١) سورة المزمل، الآية: ٨.\n(^٢) سورة الأحزاب، الآية: ٤٢.\n(^٣) سورة الأعلى، الآية: ١.\n(^٤) انظر: الفتاوى (٦/ ٢٠٦، ٢٠٩، ٢١٠).\n(^٥) بدائع الفوائد (١/ ٢٣).\n(^٦) قال ابن تيمية: وهؤلاء الذين قالوا: إنَّ الاسم هو المسمى لم يريدوا بذلك أنَّ اللفظ المؤلف من الحروف هو نفس الشخص المسمى به فإنَّ هذا لا يقوله عاقل ولهذا يقال: لو كان الاسم هو المسمى لكان من قال: نار احترق لسانه ومن الناس من يظن أنَّ هذا مرادهم ويشنع =","vol":"1","page":401},{"text":"النحويين ومن المتكلمين: الاسم هو المسمى، فحاشاهم أن يريدوا هذه الحماقة، وإنما أرادوا: أنه هو من حيث أنه لا يدل إلَّا عليه، ولا يفيد إلَّا هو، فإن كان ذلك الاسم من الأسماء الدالة على ذات المسمى دل عليه من غير مزيد أمر أخر، وإن كان من الأسماء الدالة على معنى زائد: دلَّ على تلك الذات منسوبة إلى ذلك الزائد خاصة دون غيره، وبيان ذلك: أنك إذا قلت: زيد -مثلًا- فهو يدل على ذاتٍ مُشخَّصه في الوجود من غير زيادة ولا نقصان، فلو قلت -مثلًا-: العالم دل هذا على تلك الذات منسوبة إلى العلم ... ومن هنا صحَّ عقلًا أن تكثر الأسماء المختلفة على ذات واحدة، ولا توجب تعددًا فيها ولا تكثيرًا (^١)، وقد غمض فهم هذا مع وضوحه على بعض أئمة المتكلمين، وفر منه هربًا من لزوم تعدد في ذات الإله ... قد يقال: الاسم هو المسمى ويعني به: أن هذه الكلمة التي هي الاسم قد يطلق ويراد به المسمى كما قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ (^٢) أي سبح ربك، فأريد بالاسم المسمى، وهذا بحث لفظي لا ينبغي أن ينكر ولا جرم قال به في هذه الآية وفيما يشبهها جماعة من علماء اللسان وغيرهم، وإذا تقرر هذا فافهم أن أسماء الحق سبحانه، وإن تعددت فلا تعدد في ذاته تعالى\" (^٣).\nوبيَّن في موضع آخر أن الاسم غير المسمى، وذلك عند قول عائشة\n_________\n= عليهم وهذا غلط عليهم بل هؤلاء يقولون: اللفظ هو التسمية والإسم ليس هو اللفظ بل هو المراد باللفظ فإنك إذا قلت: يا زيد يا عمر فليس مرادك دعاء اللفظ بل مرادك دعاء المسمى باللفظ وذكرت الإسم فصار المراد بالاسم هو المسمى. الفتاوى (٦/ ١٨٨).\n(^١) وهذا منه ﵀ رد على الجهمية الذين يزعمون أنَّ إثبات الأسماء يوجب تعددًا في الذات.\n(^٢) سورة الأعلى، الآية: ١.\n(^٣) المفهم (٧/ ١٤) وقد نقل الحافظ ابن حجر هذا القول بطوله في فتح الباري (١١/ ٢٢٥).","vol":"1","page":402},{"text":"-﵂- للرسول -ﷺ-: \"والله يا رسول الله ما أهجر إلَّا اسمك\" (^١)، حيث قال: \"هذا يدل على أن الاسم غير المسمى، وهي مسألة اختلف فيها أهل اللسان والمتكلمون\" (^٢).\nوأما أن الاسم هو المسمى فعند قوله -ﷺ-: \"اللهم باسمك أحيا وباسمك أموت\" (^٣) قال: \"فالاسم هنا: هو المسمى كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (^٤) أي سبح ربك، هذا قول الشارحين\" (^٥).\nوقال أيضًا عند رقية جبريل للرسول -ﷺ- بقوله: \"باسم الله أرقيك\" (^٦): \"الاسم هنا يراد به المسمى، فكأنه قال: الله يبريك، كما قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ (^٧) أي سبح ربك، ولفظ الاسم في أصله عبارة عن الكلمة الدالة على المسمى، والمسمى هو مدلولها غير أنه قد يتوسع فيوضع الاسم موضع المسمى مسامحة فتدبر هذا فإنه موضع كثر فيه الغلط وتاه فيه كثير من الجهال وسقط\" (^٨).\nوالتفصيل هو الصواب؛ لأن إنكار قول من قال: الاسم هو المسمى: لما في قوله من الاحتمال الباطل، وذلك بجعل الأسماء هي\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب النكاح، باب غيرة النساء ووجدهن (ح ٥٢٢٨) (٩/ ٢٣٧). ومسلم في كتاب فضائل الصحابة باب فضائل عائشة -﵂- ح (٢٤٣٩) (١٥/ ٢١٢).\n(^٢) المفهم (٦/ ٣٢٣).\n(^٣) رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم ح (٢٧١١) (١٧/ ٣٨).\n(^٤) سورة الأعلى، الآية: ١.\n(^٥) المفهم (٧/ ٤٠).\n(^٦) رواه مسلم في كتاب السلام، باب الطب والمرض والرقي ح (٢١٨٦) (١٤/ ٤٢٠).\n(^٧) سورة الأعلى، الآية: ١.\n(^٨) المفهم (٥/ ٥٦٤).","vol":"1","page":403},{"text":"نفسها المسميات، فإذا قال الإنسان: نار أحرقت لسانه، إذ لو اقتصروا على أن الاسم مراد به المسمى لكان ذلك هو الحق. وكذلك من قال: الاسم غير المسمى فيكون اسم الشيء مباينًا له، وهذا باطل، فالخالق سبحانه أسماؤه من كلامه، وليس كلامه بائنًا عنه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>المطلب الثاني: عدد أسماء الله تعالى:</span>\nقال -ﷺ-: \"إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، من حَفِظَهَا دخل الجنة، واللهُ وتر يحب الوتر\" (^٢).\nوقد اختلف العلماء في هذا العدد المذكور، هل المراد به الحصر، بحيث إن أسماء الله لا تزيد على هذا العدد أم إنها أكثر من ذلك، لكن اختصت هذه بأن من أحصاها دخل الجنة؟\nذهب جمهور العلماء إلى أن هذا العدد لا يُفيد الحصر، إذ أسماؤه تعالى لا تحد بعدد قلة سبحانه أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها أحد كما قال -ﷺ-: \"أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك\" (^٣). قال ابن كثير: \"الأسماء الحسنى غير منحصرة في تسعة وتسعين\" (^٤)، وقال ابن القيم: \"الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر ولا تحد بعدد، فإن لله تعالى أسماء وصفات استأثر بها في علم\n_________\n(^١) انظر: الفتاوى لابن تيمية (٦/ ٢٠٧) وبدائع الفوائد لابن القيم (١/ ٢٢).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب إنَّ لله مائة اسم إلَّا واحدة ح (٧٣٩٢) (١٣/ ٣٨٩).\nومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب في أسماء الله تعالى: ح (٢٦٧٧) (٧/ ١٧).\n(^٣) أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٣٩١) وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٣٨٣) حديث (١٩٩).\n(^٤) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٥٨).","vol":"1","page":404},{"text":"الغيب عنده، فلا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل\" (^١)، وقال النووي: \"اتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه ﷾ ... فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء\" (^٢).\nوالقرطبي وافق جمهور العلماء فيما ذهبوا إليه من عدم حصر أسماء الله تعالى بهذا العدد ولا بغيره، حيث قال عند شرحه للحديث السابق: \"ليس المقصود حصر الأسماء فيما ذكر وهذا كقول القائل: لزيد مائة دينار أعدَّها للصدقة، لا يفهم من هذا: أنه ليس له مال غير المائة دينار، وإنما يُفهم أن هذه المائة هي التي أعدها للصدقة لا غيرها، وقد دلَّ على أن لله أسماء أُخر ما قدمناه من قوله -ﷺ-: \"اللهم إني أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك\" (^٣)، وقوله: \"فأحمده بمحامد لا أقدر عليها إلَّا أن يلهمنيها الله\" (^٤) \" (^٥).\nقال ابن القيم: \"وتلك المحامد تفي بأسمائه وصفاته\" (^٦).\nوقال ابن تيمية: \"والصواب الذي عليه جمهور العلماء أن قول النبي -ﷺفي الحديث السابق- معناه أن من أحصى التسعة والتسعين من أسمائه دخل الجنة، وليس مراده أنه ليس له إلَّا تسعة وتسعون اسمًا\" (^٧).\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (١/ ١٧٤).\n(^٢) شرح النووي لصحيح مسلم (١٧/ ٨).\n(^٣) سبق تخريجه ص (٤٠٤).\n(^٤) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب \"رؤية ممن حملنا مع نوح \" ح (٤٧١٢) (٨/ ٢٤٧).\nومسلم في كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة ح (١٩٤) (٣/ ٦٦).\n(^٥) المفهم (٧/ ١٦).\n(^٦) بدائع الفوائد (١/ ١٧٦).\n(^٧) درء تعارض العقل والنقل (٣/ ٣٣٢).","vol":"1","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>المطلب الثالث: معنى الإحصاء المذكور:</span>\nلا شك أن العلم بأسماء الله -﷾- وإحصاءها أصل لسائر العلوم، فمن أحصى أسماء الله كما ينبغي للمخلوق، فقد أحصى جميع العلوم إذ إحصاء أسمائه سبحانه أصل لإحصاء كل معلوم؛ لأن المعلومات هي مقتضاها ومرتبطة بها (^١).\nولذا اختلفت عبارات العلماء في تحديد معنى الإحصاء الوارد في الحديث، والذي جعل الرسول -ﷺ- جزاءه الجنة، وقد قال القرطبي في بيانه لمعنى الإحصاء الوارد في الحديث: \"الإحصاء في الكلام على ثلاث مراتب، أولها: العدد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ (^٢) والثانية: بمعنى الفهم، ومنه يقال: رجل ذو حصاة أي: ذو لب وفهم، ومنه سمي العقل حصاة، قال كعب بن سعد الغنوي (^٣):\nوأن لسان المرءِ ما لم تكُن له ... حصاةُ على عوراتِهِ لدليلُ (^٤)\nوالثَّالثة: بمعنى الإطاقة على العمل والقوة، ومنه قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ (^٥) أي: لن تطيقوا العمل بذلك، والمرجو من كرم الله تعالى أن من حصل له إحصاء هذه الأسماء على إحدى هذه المراتب مع صحة النية أن يدخله الله الجنة، لكن المرتبة الأولى: هي مرتبة أصحاب\n_________\n(^١) أسماء الله الحسنى لعبد الله بن صالح الغصن ص (١١٥).\n(^٢) سورة الجن، الآية: ٢٨.\n(^٣) كعب بن سعد بن عمرو الغنوي شاعر جاهلي أشهر شعره بائيته في رثاء أخ له قتل في حرب ذي قار. الأعلام (٥/ ٢٢٧). كشف الظنون (١/ ٨٠٨).\n(^٤) البيت لطرفة بن العبد البكري الشاعر الجاهلي أحد شعراء المعلقات وليس كما ذكر القرطبي. انظر ديوان طرفة بن العبد ص (٨١).\n(^٥) سورة المزمل، الآية: ٢٠.","vol":"1","page":406},{"text":"اليمين، والثانية: للسابقين، والثالثة: للصديقين، ونعني بإطاقتها حسن المراعاة لها، والمحافظة على حدودها، والاتصاف بقدر الممكن منها، كما أشار إليه الطوسي (^١) في المقصد الأسنى\" (^٢).\nوالحق أن الإحصاء شامل لثلاثة أمور، كما ذكر ذلك ابن القيم -﵀- وهي:\n١ - إحصاء ألفاظها وعدها.\n٢ - فهم معانيها ومدلولها.\n٣ - دعاؤه بها (^٣).\nقال ابن بطَّال (^٤): \"الإحصاء يقع بالقول ويقع بالعمل، فالذي بالعمل أن لله أسماء يختص بها كالأحد والقدير فيجب الإقرار بها، والخضوع عندها، وله أسماء يستحب الاقتداء بها في معانيها، كالكريم والعفو فيستحب للعبد أن يتحلى بمعانيها ليؤدي حق العمل بها، فبهذا يحصل الإحصاء العملي، وأما الإحصاء القولي فيحصل بجمعها وحفظها والسؤال بها، ولو شارك المؤمن غيره في العد والحفظ فإن المؤمن يمتاز عنه بالإيمان والعمل بها\" (^٥).\n_________\n(^١) هو محمد بن محمد الغزالي الطوسي صاحب \"إحياء علوم الدين\".\n(^٢) المفهم (٧/ ١٧).\n(^٣) بدائع الفوائد (١/ ١٧١).\n(^٤) هو علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال البكري القرطبي المعروف بابن اللَّجام الإمام الحافظ المحدث له شرح لصحيح البخاري توفي سنة (٤٤٩ هـ). سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٧). الديباج المذهب ص (٢٩٨).\n(^٥) فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٣٩٠).","vol":"1","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>المطلب الرابع: طريق إثباتها:</span>\nتبين أن أسماء الله تعالى غير محصورة، وهذا هو رأي جمهور العلماء، وهو الرأي الذي نصره القرطبي.\nوقد تتبع العلماء أسماء الله تعالى في الكتاب والسنة، محاولة لجمعها ومعرفتها، قال القرطبي: وقد بحث الناس عن هذه الأسماء في الكتاب والسنة فجمعوها في كتبهم كالخطابي والقشيري، وغيرهما، فمن أرادها وجدها (^١).\nوقد اختلف العلماء في هذه الأسماء، هل هي توقيفية بحيث لا يسمى الله تعالى إلَّا بما ورد في الكتاب والسنة، أو من الممكن أن يشتق لله تعالى من أفعاله أسماء، أو يسمى بأسماء مستحسنة، وإن لم ترد في الكتاب أو السنة؟\nالحق هو ما عليه جمهور العلماء من أن أسماء الله توقيفية فلا يسمى سبحانه إلَّا بما جاء في الكتاب والسنة، وقد خالف في ذلك المعتزلة، ورأوا أن العقل إذا دلَّ على جواز تسمية الله باسم فيجب أن نسميه به، حتى لو لم يرد بذلك نصٌّ صحيح، وقد بالغ في إثبات هذا أبو علي الجبائي (^٢)، حتى سمى الله بأسماء ينزه الحق ﷾ عنها\" (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ١٧).\n(^٢) أبو علي محمد بن عبد الوهاب بن سلام المعروف بالجبائي أحد أئمة المعتزلة أخذ عنه الأشعري ثم تركه وصارت بينها مناظرات توفي سنة (٣٠٣ هـ). سير أعلام النبلاء (١٤/ ١٨٣). طبقات المفسرين للسيوطي (٢/ ١٠٢).\n(^٣) انظر مقالات الإسلاميين (٢/ ٢٠٨) والفرق بين الفرق ص (٣٣٧).\n(^٤) ذكر بعض من ترجم لأبي الحسن الأشعري أنَّ من أسباب تركه الاعتزال مناظرته لشيخه أبي علي الجبائي في بعض المسائل ومنها هذه المسألة فقد كان أبو الحسن الأشعري يرى أنَّ أسماء الله توقيفية بخلاف شيخه الجبائي فمرة دخل رجل على الجبائي فقال له: هل يجوز =","vol":"1","page":408},{"text":"ولا شك أن ما ذهب إليه المعتزلة ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة، ولا عمل سلف الأمة، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ (^٢).\nقال الخطابي -﵀-: \"ومن علم هذا الباب أعني: الأسماء والصفات، ومما يدخل في أحكامه، ويتعلق به من شرائط، أنه لا يتجاوز فيها التوقيف\" (^٣).\nوذلك لأنها من أمور الغيب التي يجب الوقوف فيها على ما جاء في\n_________\n= أن يسمى الله تعالى عاقلًا؟ قال الجبائي: لا لأنَّ العقل مشتق من العقال، وهو المانع والمنع في حق الله محال، فامتنع الإطلاق، فقال أبو الحسن الأشعري: فعلى قياسك لا يسمى الله سبحانه حكيمًا لأنَّ هذا الاسم مشتق من حكمة اللجام وهي الحديدة المانعة للدابة عن الخروج ويشهد لذلك قول حسان بن ثابت -﵁-:\nفنحكم بالقوافي من هجانا ... ونضرب حين تختلط الدماء\nوقول الآخر:\nأبني حنيفة حكِّموا سفاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا\nأي: نمنع بالقوافي من هجانا وامنعوا سفاءكم.\nفإذا كان اللفظ مشتقًّا من المنع، والمنع على الله محال لزمك أن تمنع إطلاق (حكيم) على الله سبحانه.\nفقال الجبائي: فلم منعت أنت أن يسمى الله عاقلًا وأجزت أن يسمى حكيمًا؟ قال الأشعري: لأن طريقي في مأخذ أسماء الله الإذن الشرعي دون القياس اللغوي فأطلقت حكيمًا لأنَّ الشرع أطلقه ومنعت عاقلًا لأنَّ الشرع منعه ولو أطلقه الشرع لأطلقته. طبقات الشافعية للسبكي (٣/ ٣٥٧).\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ٣٦.\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ٣٣.\n(^٣) شأن الدعاء للخطابي ص (١١١).","vol":"1","page":409},{"text":"الكتاب والسنة، فلا مجال للعقل فيها؛ لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه الله من الأسماء لقوله -ﷺ-: \"لا نُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك\" (^١).\nوالتسمية من الثناء، فدل على أن العقل لا مجال له في باب الأسماء إلَّا التصديق والوقوف عند النصوص.\nواحتج الغزالي بالاتفاق على أنه لا يجوز لنا أن نسمي رسول الله -ﷺ- باسم لم يسمه به أبوه، ولا سمى به نفسه، وكذا كل كبير من الخلق قال: \"فإذا امتنع ذلك في حق المخلوق فامتناعه في حق الله أولى\" (^٢).\nوالقرطبي تكلم في هذه المسألة في موضعين من المفهم بيَّن فيهما موضع الخلاف في ذلك، ولم يرجح حيث قال: \"العلماء اختلفوا في أسماء الله تعالى هل الأصل فيها التوقيف، فلا يسمى إلَّا بما سمى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله، أو بجمع الأمة عليه؟ أو الأصل جواز تسميته بكل اسم حسن إلَّا أن يمنع منه مانع شرعي؟ .\nالأول: لأبي الحسن، والثاني: للقاضي أبي بكر (^٣)، ومثار الخلاف: هل الألف واللام في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (^٤) للجنس أو للعهد؟ ... ثم هل يكتفي في كون الكلمة اسمًا من أسماء الله تعالى بوجودها في كلام الشارع من غير تكرار، ولا كثرة، أم لا بد منهما؟ فيه رأيان\" (^٥).\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتاب الصلاة باب ما يقال في الركوع والسجود ح (٤٨٦) (٤/ ٤٥٠).\n(^٢) المقصد الأسني للغزالي ص (١٧٤).\n(^٣) الباقلاني.\n(^٤) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.\n(^٥) المفهم (٦/ ٥٧٦).","vol":"1","page":410},{"text":"وبيَّن في الموضع الآخر أنه لا بد من التوقيف عليها أو استعمالها استعمال الأسماء من الكثرة والتكرار، حيث قال: \"أسماء الله تعالى لا بد فيها من التوقيف عليها، أو استعمالها استعمال الأسماء من الكثرة والتكرار، فيخبر به، وينادى به، كما اتفق في سائر أسماء الله تعالى كالغفور والشكور والعليم والحليم، وغير ذلك من أسمائه، فإنك تجدها في الشريعة وفي لسان أهلها تارة يخبر بها، وأخرى يخبر عنها، وأخرى يدعى وينادى بها (^١).\nوما ذكره -﵀- في هذا الكلام فيه إيهام، إذ الأسماء التي جاء بها للتمثيل كلها، وردت في كتاب الله، وليته ضرب لنا مثلًا لما استعمل استعمال الأسماء من الكثرة والتكرار، ولم يرد في كتاب ولا سنة ليتبين لنا مراده جزمًا بلا تخمين. والذي يظهر لي -والله أعلم- أنه خلط بين الأسماء وبين مسألة الإخبار عنه. فالأسماء يجب التوقيف فيها، فلا يسمى إلَّا بنص من كتاب أو سنة، وأما مسألة الإخبار عنه فقد توسع العلماء في ذلك فأجازوا الإخبار عنه تعالى بغير أسمائه التي ورد فيها النَّص، فأجازوا إطلاق اسم: \"الموجود\" و\"الشيء\" و\"الذات\" وغيرها على الله تعالى، من باب الإخبار، وإن لم ترد في الكتاب أو السنة، لكنه لا يخبر عنه باسم سيء.\nقال ابن تيمية: \"وأما الإخبار عنه فلا يكون باسم سيئ، لكن. قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسيئ، وإن لم يحكم بحسنه مثل اسم: شيء وذات وموجود\" (^٢).\n_________\n(^١) المفهم (٥/ ٥٤٨).\n(^٢) الفتاوى (٦/ ١٤٢، ١٤٣).","vol":"1","page":411},{"text":"وقال ابن القيم: \"ما يدخل في باب الإخبار عنه أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، كالشيء والموجود والقائم بنفسه، فإنه يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى\" (^١).\nوربما جعل القرطبي من أسمائه ما هو من صفاته، التي يخبر عنه بها، ويدعى بها، مثل: أرحم الراحمين، ورافع السماء، ومنزل الغيث، ومنجي المؤمنين، ومهلك الظالمين، ونحوها، وهذا كثير في السنة.\nوإذا قيل كل ما لا يقبل الدعاء به فليس من أسمائه لا يعني أنه لا يجوز أن ندعوه بصفاته وأفعاله، ولكن وإن دعوناه بها فلا تكون من أسمائه (^٢).\nوالمازري أثبت القول الصحيح وهو التوقيف على ما جاء في الكتاب والسنة، حيث قال: \"الباري سبحانه لا يسمى إلَّا بما سمى به نفسه، أو سمَّاه به رسوله -ﷺ-، أو اجتمعت الأمة عليه، قال أبو الحسن الأشعري أو على معناه: \"وما لم يرد فيه إذن في إطلاقه ولا ورد فيه منع ولم يستحل وصف الباري تعالى به ففيه اختلاف هل يبقى على حكم العقل لا يوصف بتحليل ولا تحريم أو يمنع منه لقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (^٣) فأثبت كون أسمائه حسنى ولا حسن إلَّا ما ورد الشرع به\" (^٤).\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (١/ ١٦٩).\n(^٢) انظر: أسماء الله وصفاته في معتقد أهل السنة والجماعة للدكتور عمر الأشقر ص (٥٩).\n(^٣) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.\n(^٤) المعلم (٣/ ١٦٧).","vol":"1","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>المطلب الخامس: أقسامها:</span>\nقال القرطبي: \"أسماء الله تعالى من جهة دلالتها أربعة أضرب:\nفمنها: ما يدل على الذات مجردة، كاسم \"الله تعالى\" على قول من يقول: إنه علم غير مشتق وهو الخليل وغيره؛ لأنه يدل على الوجود الحق الموصوف بصفات الجلال والكمال دلالة مطلقة غير مقيدة بقيد ولأنه أشهر أسمائه، ومنها: ما يدل على صفات الباري تعالى الثابتة له كالعالم (^١)، والقادر، والسميع، والبصير. ومنها: ما يدل على إضافة أمر ما إليه (^٢) كالخالق والرازق. ومنها: ما يدل على سلب شيء عنه (^٣)، كالقدوس، والسلام. وهذه الأقسام الأربعة لازمة منحصرة دائرة بين النفي والإثبات، فاختبرها تجدها كذلك\" (^٤).\nوقد ذكر ابن القيم هذا التقسيم في بدائع الفوائد (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>المطلب السادس: اسم الله الأعظم:</span>\nاختلف العلماء في اسم الله الأعظم، فذهب البعض إلى نفي ذلك بمعنى أنه ليس لله اسمٌ أعظم، له مزايا وخصائص تميزه عن سائر الأسماء، وإلى هذا ذهب الطبري والأشعري، والباقلاني، وغيرهم.\n_________\n(^١) وهي وإن دلت على إضافة أمر إليه كالخلق والرزق، إلَّا أنها صفات ثابتة لله تعالى أزلًا وأبدًا. قال الطحاوي: ليس منذ خلق الخلق استفاد اسم الخالق ولا بإحداثه البرية استفاد اسم الباري. شرح الطحاوية (١/ ١٠٩).\n(^٢) العالم لم تأت وصفًا لله تعالى إلَّا مضافة كقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٧٣] وأما بالأفراد فالعليم.\n(^٣) أي التنزيه والتقديس بنفي صفات النقص عنه وهذا النفي يدل على إثبات صفات الكمال له ويتضح هذا في اسم القدوس والسلام.\n(^٤) المفهم (٧/ ١٥).\n(^٥) بدائع الفوائد (١/ ١٦٦).","vol":"1","page":413},{"text":"وذهب الجمهور إلى إثبات الاسم الأعظم لله تعالى لورود النص الصريح بذلك عن الرسول -ﷺ- (^١).\nوهذا الذي ذهب إليه القرطبي تبعًا لجمهور العلماء، ثم اختلف الجمهور في تحديد اسم الله الأعظم. ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح أربعة عشر قولًا (^٢). فذهب كثير من العلماء إلى أنه: لفظ الجلالة \"الله\" وذهب آخرون إلى أنه: \"الحي القيوم\"، وقيل: \"ذو الجلال والإكرام\"، ورجَّح الدُّكتور عبد الله الدميجي في كتابه \"اسم الله الأعظم\" أن تحديده على وجه القطع أمر متعذر (^٣).\nوالقرطبي -﵀- لم يصرِّح برأيه في هذه المسألة، إنما اكتفى بقوله وهو يتحدث عن سورتي البقرة وآل عمران وتسميتهما بالزهراوين: \"ويقع لي أنهما سميتا بذلك لأنهما اشتركتا في تضمن اسم الله الأعظم، كما ذكر أبو داود من حديث أسماء بنت يزيد أن رسول الله -ﷺ- قال: \"اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (^٤) والتي في سورة آل عمران: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (^٥) \" (^٦) والله أعلم\" (^٧).\n_________\n(^١) وقد خصه بعض العلماء بباب مستقل مثل: ابن ماجه حيث عقد بابًا باسم: اسم الله الأعظم وذلك في كتاب الدعاء من سننه وابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الدعاء (٦/ ٤٧).\nوالبغوي في شرح السنة في كتاب الدعوات باب ما قيل في الاسم الأعظم (٣/ ٣٠٩) وغيرهم.\n(^٢) فتح الباري (١١/ ٢٢٧).\n(^٣) اسم الله الأعظم ص (١٦١) وانظر هذه الأقوال وغيرها على وجه التفصيل في هذا المرجع.\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ١٦٣.\n(^٥) سورة آل عمران، الآية: ٢.\n(^٦) رواه أبو داود في كتاب الصلاة باب الدعاء، والترمذي في أبواب الدعوات باب (٦٥) وقال حديث حسن صحيح وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٢٢٩) برقم (٩٨٠).\n(^٧) المفهم (٢/ ٤٣٠).","vol":"1","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>المطلب السابع: شرح بعض أسماء الله تعالى:</span>\nتعرض القرطبي لبعض أسماء الله تعالى بالشرح والتَّوضيح في مواضع متعددة من \"المفهم\"، وأمَّا المازري فتعرض للقليل منها كعادته في الاختصار، وقد رتبتها هنا على حروف المعجم دون النظر لترتيب ورودها في المفهم، وهي كما يلي:\nالأحد:\nقال القرطبي حول هذا الاسم: \"يدل على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع صفات الكمال المعظمة، وبيانه: أن الأحد والواحد وإن رجعا إلى أصل واحد لغة، فقد افترقا استعمالًا وعرفًا، وذلك: أن الهمزة من أحد منقلبة عن الواو من: وحد كما قال النابغة (^١):\nكأنَّ رَحْلي وقد زَالَ النَّهارُ بنا ... يوم الجليلِ على مُسْتأْنسٍ وَحِد (^٢)\nفهما من الوحدة، وهي راجعة إلى نفي التعدد والكثرة، غير أن استعمال العرب فيهما مختلف: فإن الواحد عندهم أصل العدد من غير تعرض لنفي ما عداه، والأحد يثبت مدلوله ويتعرض لنفي ما سواه، ولهذا أكثر ما استعملته العرب في النفي، فقالوا: ما فيها أحد ولم يكن له كفوًا أحد، ولم يقولوا هنا: واحد، فإن أرادوا الإثبات قالوا: رأيت واحدًا من الناس، ولم يقولوا هنا: أحدًا، وعلى هذا فالأحد في أسمائه تعالى مشعر بوجوده الخاص به، الذي لا يشاركه فيه غيره، وهو المعبر عنه بواجب الوجود، وربما عبَّر عنه بعض المتكلمين بأنه أخص وصفه\" (^٣).\n_________\n(^١) هو زياد بن معاوية الذبياني الشهير بالنابغة الذبياني من أشهر شعراء الجاهلية كان الشعراء يعرضون عليه أشعارهم في سوق عكاظ، كان نديمًا للنعمان بن المنذر ملك الحيرة وأكثر شعره في مدحه. الأعلام (٣/ ٥٤).\n(^٢) قاله في مدح النعمان بن المنذر ملك الحيرة واعتذاره إليه: انظر: ديوان النابغة الذبياني ص (٧٩).\n(^٣) المفهم (٢/ ٤٤١).","vol":"1","page":415},{"text":"الأول والآخر:\nقال القرطبي حول هذين الاسمين: \"اختلفت عبارات العلماء في هذا وأرشق عباراتهم قول من قال: الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، وقيل: الأول بالابتداء، والآخر بالإفناء، وقيل: الأول: القديم، والآخر: الباقي\" (^١).\nالباطن:\nقال القرطبي: \"اختلفت عبارات العلماء حوله فقيل: الباطن: بلا احتجاب، وقيل: الباطن عن الإدراكات، وقيل: الباطن الخفي اللطيف الرفيق بالخلق\" (^٢).\nالجبَّار:\nذكر القرطبي هذا الاسم فقال: \"الجبار: العظيم الشأن، الممتنع على من يرومه، ومنه نخلة جبارة، إذا فاقت الأيدي طولًا، يقال منه: جبَّار بين الجبرية والجبروت، ولم يأت فعَّال من أفعلت إلَّا جبَّار من أجبرت ودراك وسآر والجبروت أيضًا للمبالغة بزيادة التاء ... وقيل: معنى الجبار: أي: المصلح من قولهم: جبرت العظم، وذلك أنه تعالى يجبر القلوب المنكسرة من أجله ويرحم عباده ويسد خلاتهم\" (^٣).\nالجميل:\nذكر القرطبي هذا الاسم عند شرحه لقوله -ﷺ-: \"إن الله جميل يحب الجمال\" (^٤). حيث قال: \"الجمال لغة هو الحسن ... وهذا الحديث يدل\n_________\n(^١) انظر: المفهم (٧/ ٤٢).\n(^٢) المفهم (٧/ ٤٢).\n(^٣) المفهم (١/ ٤٤٣).\n(^٤) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب تحريم الكبر وبيانه ح (٩١) (٢/ ٤٤٨).","vol":"1","page":416},{"text":"على أن الجميل من أسماء الله تعالى، وقال بذلك جماعة من أهل العلم، إلَّا أنهم اختلفوا في معناه فقيل: معناه معنى الجليل، قاله القشيري، وقيل: معناه ذو النور والبهجة، أي: مالكهما، قاله الخطَّابي، وقيل: جميل الأفعال بكم والنظر إليكم، فهو يحب التجمل منكم في قلة إظهار الحاجة إلى غيره، قاله الصيرفي، وقال: الجميل: المنزه عن النقائص الموصوف بصفات الكمال الآمر بالتجمل له بنظافة الثياب والأبدان والنزاهة عن الرذائل والطغيان\" (^١).\nوقال المازري عن هذا الاسم عند شرحه للحديث السابق: \"أُطلق في هذا الحديث تسمية الباري تعالى جميلًا ويحتمل أن يكون سماه بذلك لانتفاء النقص عنه؛ لأن الجميل منا من حسنت صورته، ومضمون حسن الصورة انتفاء النقائص والشين عنها، ويحتمل أن \"جميل\" ها هُنَا بمعنى مجمل أي محسن\" (^٢).\nالحق:\nعند شرح القرطبي لقوله -ﷺ- في دعائه لربه: \"أنت الحق ووعدك الحق ... \" (^٣)، قال: \"أي واجب الوجود وأصله: من حق الشيء إذا ثبت ووجب ومنه: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ (^٤) ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ (^٥) أي ثبت ووجب، وهذا الوصف لله تعالى بالحقيقة والخصوصية لا ينبغي لغيره إذ وجوده لنفسه فلم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم، وما عداه مما يقال\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٢٨٨).\n(^٢) المعلم (١/ ٢٠٣).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب التهجد باب التهجد بالليل ح (١١٢٠) (٣/ ٥) ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه ح (٧٦٩) (٥/ ٢٩٠).\n(^٤) سورة الزمر، الآية: ١٩.\n(^٥) سورة السجدة، الآية: ١٣.","vol":"1","page":417},{"text":"عليه هذا الاسم مسبوق بعدم ويجوز عليه لحاق العدم، ووجوده من موجده لا من نفسه، وباعتبار هذا المعنى كان أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد (^١):\nألا كل شيء ما خلا الله باطل (^٢) ... ..................\nوإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ (^٣) \" (^٤).\nالحكيم: قال القرطبي: \"الحكيم: المحكم للأمور أو الكثير الحكمة\" (^٥).\nالخبير:\nقال القرطبي: \"الخبير: العليم بخبرة الأمور، أي: بواطنها وما يختبر منها\" (^٦).\nالرب:\nقال القرطبي عن هذا الاسم عند قوله -ﷺ-: \"أنت رب السموات والأرض ومن فيهن ... \" (^٧): \"أي مصلحهما ومصلح من فيهما، مأخوذ\n_________\n(^١) لبيد بن ربيعة بن عامر العامري من الشعراء المخضرمين قدم على رسول الله -ﷺ- فأسلم وحسن إسلامه توفي سنة (٤١ هـ) وعمره كما قيل يزيد على (١٥٠ سنة) فهو من المعمَّرين. أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير (٤/ ٤٨٢) الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر (٣/ ٣٩٢).\n(^٢) تتمة البيت: وكل نعيم لا محالة زائل. وقد أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة باب أيام الجاهلية ح (٣٨٤١) (٧/ ١٨٣).\n(^٣) سورة القصص، الآية: ٨٨.\n(^٤) المفهم (٢/ ٣٩٨).\n(^٥) المفهم (١/ ٤٠٥).\n(^٦) المفهم (١/ ٤٠٤).\n(^٧) وهو قوله ﵇ \"أنت الحق ... \" سبق تخريجه ص (٤١٧).","vol":"1","page":418},{"text":"من الربّة، وهي: نبتٌ تصلحُ عليه المواشي، يقال: ربَّ يربُّ ربًّا، فهو رابٌّ، وربٌّ، وربَّى يربِّي تربية: فهو: مُربّ، قال النَّابغة:\n* وربَّ عليه اللهُ أحسَنَ صُنْعَهُ (^١) *\nوقال آخر:\nيَرُبُّ الذي يأتي من الخير إنه ... إذا فعل المعروف زاد وتمَّما (^٢)\nوالربُّ أيضًا: السَّيد. فيكون معناه: أنه سيدُ من في السموات والأرض، والرب: المالك أي: هو مالكهما، ومالك من فيهما\" (^٣).\nوقال في موضع آخر: \"أصل \"ربٌّ\": اسم فاعل من ربَّ الشيء: إذا أصلحه وقام عليه ثم إنه يقال على السيد والمالك\" (^٤).\nالرفيق:\nقال القرطبي عن هذا الاسم وذلك عند شرحه لقوله -ﷺ-: \"إن الله رفيق يحب الرفق\" (^٥): \"الرفيق: هو كثير الرفق، وهو اللينُ، والتسهيل، وضده العنف، والتشديد، والتصعيب، وقد يجيء الرفق بمعنى الإرفاق، وهو: إعطاء ما يرتفق به قال أبو زيد: يقال: رفقت به وأرفقته بمعنى: نفعته، وكلاهما صحيح في حق الله تعالى إذ هو الميسر والمسهل لأسباب الخير والمنافع كلها، والمعطي لها، فلا تيسير إلَّا بتيسيره، ولا منفعة إلَّا بإعطائه وتقديره، وقد يجيء الرفق أيضًا بمعنى: التِّمهل في الأمر والتَّأني\n_________\n(^١) قاله النابغة عندما أخبر بمرض النعمان بن المنذر وهو كما في ديوانه:\nورب عليه الله أحسن فضله ... وكان على البرية ناصرا\nانظر: ديوان النابغة ص (١١٩).\n(^٢) لم أقف عليه.\n(^٣) المفهم (٢/ ٣٩٧).\n(^٤) المفهم (٧/ ٤٢).\n(^٥) رواه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق ح (٢٥٩٣). (١٦/ ٣٨٣).","vol":"1","page":419},{"text":"فيه يُقال منه: رفقت الدابة أرفقها رفقًا: إذا شددت عضدها بحبل لتبطئ في مشيها وعلى هذا فيكون الرفيق في حق الله تعالى بمعنى: الحليم فإنه لا يعجل بعقوبة العصاة، بل يمهل ليتوب من سبقت له السعادة، ويزداد إثمًا من سبقت له الشقاوة وهذا المعنى أليق بالحديث، فإنه السبب الذي أخرجه وذلك أن اليهود سلموا على النبي -ﷺ- فقالوا: السَّام عليك ففهمتهم عائشة -﵂- فقالت: بل عليكم السَّامُ واللعنة، قال لها النبي -ﷺ- هذا الحديث\" (^١).\nوقال المازري: إن لم يرد في الشريعة بإطلاقه سوى هذا ففي قبوله خلاف (^٢) ويحتمل أن يكون قوله \"رفيق\" يفيد صفة فعل وهو ما يخلقه سبحانه من الرفق لعباده\" (^٣).\nالسلام:\nقال القرطبي: \"السَّلام من أسمائه تعالى الحسنى، وهو السالم من النقائص، وسمات الحدث (^٤)، وقيل: المسلم عباده، وقيل: المسلم عليهم في الجنة، كما قال: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ (^٥) \" (^٦).\nوقال في موضع آخر: \"السلام اسم من أسماء الله تعالى كما قال تعالى: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ (^٧) ومعناه في حق الله تعالى: أنه\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٥٧٦).\n(^٢) هذا بناء على قول الأشاعرة في قبول أخبار الآحاد.\n(^٣) انظر: المعلم (٣/ ١٦٧).\n(^٤) هذه حجة المبتدعة في نفي صفات الله الفعلية كالنزول إلى السماء الدنيا والمجيء بزعم أن ذلك من صفات وسمات المحدثات.\n(^٥) سورة الزمر، الآية: ٧٣.\n(^٦) المفهم (٢/ ٣٤).\n(^٧) سورة الحشر، الآية: ٢٣.","vol":"1","page":420},{"text":"المنزه عن النقائص والآفات التي تجوز على خلقه ... المسلِّم لمن استجار به من جميع المخلوقات\" (^١).\nالسِّيد:\nلم يجزم القرطبي بأن هذا من أسماء الله وذلك عند شرحه لقوله -ﷺ-: \"لا يقل العبد: \"ربي\" وليقل: \"سيدي\"\" (^٢). حيث قال: \"إنما فرَّق بينهما لأن الرب من أسماء الله المستعملة بالاتفاق، واختلف في السيد هل هو من أسماء الله تعالى أم لا؟ فإذا قلنا: ليس من أسمائه فالفرق واضح، إذ لا التباس ولا إشكال يلزم من إطلاقه، كما يلزم من إطلاق الرَّبِّ، وإذا قلنا: إنه من أسمائه فليس في الشهرة والاستعمال كلفظ \"الرب\" فيحصل الفرق بذلك وأما من حيث اللغة ... فالسيد من السؤدد، وهو التقدم يقال: ساد قومه: إذا تقدمهم\" (^٣).\nالصمد:\nذكر القرطبي هذا الاسم مع اسم الله تعالى \"الأحد\" وذلك عند قوله -ﷺ-: \"قل هو الله أحد، تعدل ثلث القرآن\" (^٤) قال القرطبي: \"اشتملت على اسمين من أسمائه تعالى يتضمنان جميع أوصاف كماله تعالى لم يوجدا في غيرها من جميع السور وهما: \"الأحد\" و\"الصمد\" ... أما الصمد: فهو المتضمن لجميع أوصاف الكمال فإن الصمد هو الذي انتهى سؤدده بحيث يُصْمَدُ إليه في الحوائج كلها أي: يقصد ولا يصح ذلك تحقيقًا إلَّا\n_________\n(^١) المفهم (٥/ ٤٨٥).\n(^٢) سبق تخريجه ص (٣٥٣).\n(^٣) المفهم (٥/ ٥٥٤) وقد جاء في اسم السيد قوله -ﷺ- \"السيد الله ﵎\" رواه أبو داود في كتاب الأدب باب كراهية التمادح، وأحمد في المسند (٤/ ٢٤) وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري ص (٩٧). برقم (١٥٥).\n(^٤) سبق تخريجه ص (١٤٠).","vol":"1","page":421},{"text":"ممن حاز جميع خصال الكمال حقيقة وذلك لا يكمل إلَّا الله تعالى فهو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، فقد ظهر أن لهذين الاسمين من شمول الدلالة على الله تعالى وصفاته، ما ليس لغيرهما من الأسماء، وأنهما ليسا موجودين في شيء من سور القرآن، فظهرت خصوصية هذه السورة بأنها تعدل ثلث القرآن (^١).\nالطيب:\nقال -ﷺ-: \"إن الله طيِّبٌ لا يقبلُ إلَّا طيِّبًا\" (^٢). قال القرطبي: \"إن الله طيِّب أي: منزه عن النقائص والخبائث فيكون بمعنى القدوس، وقيل: طيب الثناء ومستلذ الأسماء عند العارفين بها، وعلى هذا: فطيب: من أسمائه الحسنى، ومعدودٌ في جملتها المأخوذة من السنة كالجميل والنظيف (^٣) على قول من رواه ورآه (^٤).\nالظاهر:\nقال القرطبي: \"اختلفت عبارات العلماء فيه فقيل: الظاهر بلا اقتراب وقيل: الظاهر بالآيات، وقيل: الظاهر: الغالب\" (^٥).\nالعزيز:\nقال القرطبي متحدثًا عن مصدر هذا الاسم وهو \"العزة\": \"العزة:\n_________\n(^١) المفهم (٢/ ٤٤١).\n(^٢) رواه مسلم في كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها ح (١٠١٥) (٧/ ١٠٤).\n(^٣) الصحيح أنه لم يرد فيه حديث صحيح إنما جاء في حديث ضعيف قوله: \"إنَّ الله طيب يحب الطيب نظيف يحب النظافة ... \". رواه الترمذي في كتاب الأداب، باب ما جاء في النظافة وقال: حديث غريب وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ص (٢٣٤) برقم (١٦١٦).\n(^٤) المفهم (٣/ ٥٨).\n(^٥) انظر المفهم (٧/ ٤٢).","vol":"1","page":422},{"text":"القوة والغلبة ومنه: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾ (^١) أي غلبني ويقال أيضًا: عزَّ الشيء إذا قل، فلا يكاد يوجد مثله يعزُّ عزًّا وعزازة، وعزَّ يعزّ عِزة إذا صار قويًّا بعد ضعف وذلةٍ. فعزة الله تعالى قهره للجبابرة وقوته الباهرة\" (^٢).\nالعلي:\nقال القرطبي: \"العلي: ذو العلو وهو الرفعة المعنوية في حقه تعالى لا المكانية (^٣) \" (^٤).\nوقال في موضع آخر: \"العلي: أي العلي شأنه\" (^٥).\nالقدوس:\nقال القرطبي: \"القدوس من القدس، وهي الطهارة، والقدس: السطل الذي يستقى به، ومنه: البيت المقدَّس أي: المطهر\" (^٦).\nالقيُّوم أو القيَّام:\nقال القرطبي: \"قيَّام على المبالغة من \"قام بالشيء\" إذا هيأ له ما يحتاج إليه ويقال: \"قيُّوم\" و\"قيَّام\" و\"قيِّم\" وقرأ عمر \"الله لا إله إلَّا هو الحي القيَّام\" (^٧) وعلقمة (^٨): القيم. وقال قتادة: هو القائم بتدبير خلقه.\n_________\n(^١) سورة ص، الآية: ٢٣.\n(^٢) المفهم (١/ ٤٤٣).\n(^٣) هذا على مذهبه في نفي علو الله تعالى وسيأتي تفصيله.\n(^٤) المفهم (١/ ٤٠٥).\n(^٥) المفهم (٥/ ٦٣٩).\n(^٦) المفهم (٢/ ٩١).\n(^٧) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥ وهي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.\n(^٨) علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الإمام الحافظ فقيه العراق من كبار التابعين ومن أخص أصحاب ابن مسعود وأشدهم له ملازمة توفي سنة (٦٢ هـ). حلية الأولياء (٢/ ٩٨). تذكرة =","vol":"1","page":423},{"text":"وقال الحسن: القائم على كل نفس بما كسبت. وقال ابن جبير: الدائم الوجود. وقال ابن عباس: الذي لا يحول ولا يزول\" (^١).\nالكبير:\nقال القرطبي عن هذا الاسم: الكبير: الكبير سلطانه\" (^٢).\nاللطيف:\nقال القرطبي: \"اللطيف: الكثير اللطف وهو في حق الله تعالى: رفقه بعباده وإيصاله لهم ما يصلحهم بحيث لا يشعرون كما قال: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ (^٣) وأصله: من اللطف في العمل وهو الرفق فيه وضده العنف والاسم منه: اللطف بتحريك الطاء يقال: جاءتنا لطفة من فلان أي هدية\" (^٤).\nالله:\nقال القرطبي وهو يتحدث عن أقسام أسماء الله تعالى من جهة دلالتها: \"فمنها ما يدل على الذات مجردة كاسم الله تعالى على قول من يقول: إنه علم غير مشتق (^٥) وهو الخليل وغيره؛ لأنه يدل على الوجود\n_________\n= الحفاظ للذهبي (١/ ٤٨).\n(^١) المفهم (٢/ ٣٩٧).\n(^٢) المفهم (٥/ ٦٣٩).\n(^٣) سورة يوسف، الآية: ١٠٠.\n(^٤) المفهم (١/ ٤٠٤).\n(^٥) الخلاف في لفظ الجلالة هل هو مشتق أو غير مشتق؟ خلاف مشهور وقد رجح ابن القيم -﵀- أنه مشتق ومعنى كونه مشتقًا أنه دال على صفة له تعالى وهي الإلهية كسائر أسماء الله الحسنى كالعليم والقدير والغفور وغيرها، فإنها مشتقة من مصادرها. انظر بدائع الفوائد لابن القيم (١/ ١٨، ١٩) وتفسير القرطبي (١/ ٧٢)، وتفسير ابن كثير (١/ ١٨، ١٩). وتيسير العزيز الحميد ص (٢٨).","vol":"1","page":424},{"text":"الحق الموصوف بصفات الجلال والكمال دلالة مطلقة غير مقيدة بقيد؛ ولأنه أشهر أسمائه حتى تعرف كل أسمائه به فيقال: الرحمن: اسم الله ولا يقال الله اسم الرحمن؛ ولأن العرب عاملته معاملة الأسماء الأعلام في النداء، فجمعوا بينه وبين ياء النداء، ولو كان مشتقًّا لكانت لامه زائدة، وحينئذ لا يجمع بينه وبينها في النداء، كما لا تقول العرب: يا لحارث، ولا يا لعباس، ولاستيفاء المباحث علم الاشتقاق\" (^١).\nالمقدِّم والمؤخِّر:\nقال القرطبي عن هذين الاسمين عند شرحه لقوله -ﷺ-: \"أنت المقدم وأنت المؤخر\" (^٢): \"أي: المقدم لمن شئت بالتوبة والولاية والطاعة، والمؤخر لمن شئت بضد ذلك، والأولى: أنه تعالى مقدِّم كل مقدَّم في الدنيا والآخرة، ومؤخِّر كل مؤخَّر في الدنيا والآخرة\" (^٣).\nوقال في موضع آخر عن هذين الاسمين: \"أي: تقدِّم من تشاء فتجعلهم أنبياء وأولياء وعلماء وفضلاء وتؤخِّر من شئت فتجعله فرعون وأبا جهل، أو تملِّك الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وعلى الجملة فكل تقديم وتأخير منه\" (^٤).\nالمحيي والمميت:\nقال -ﷺ-: \"اللهم باسمك أحيا وباسمك أموت\" (^٥). قال القرطبي:\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ١٥).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب الدعوات، باب الدعاء للمشركين ح (٦٣٩٨) (١١/ ٢٠٠) ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل ح (٢٧١٩) (١٧/ ٤٣).\n(^٣) المفهم (٧/ ٤٨).\n(^٤) المفهم (٢/ ٤٠٣).\n(^٥) سبق تخريجه ص (٤٠٣).","vol":"1","page":425},{"text":"\"المحيي المميت من أسمائه تعالى، ومعنى ذلك: أن الله تعالى إنما سمى نفسه بأسمائه الحسنى؛ لأن معانيها ثابتة في حقه، وواجبة له، فكل ما ظهر في الوجود من الآثار إنما هي صادرة عن تلك المقتضيات، فكل إحياء في الدنيا والآخرة: إنما هو صادر عن قدرته على الإحياء، وكذلك القول في الإماتة، وفي الرحمة والملك وغير ذلك من المعاني التي تدل عليها أسماؤه، فكأنه قال: باسمك المحيي أحيا وباسمك المميت أموت، وكذلك القول في سائر الأسماء الدالة على المعاني\" (^١).\nالملك:\nقال القرطبي: \"\"الملك\": من له المُلْكُ و\"المالك\": من له المِلْك والمِلكُ أمدحُ، والمالك أخصُّ وكلاهما واجبٌ لله تعالى (^٢).\nنور السموات والأرض:\nقال -ﷺ-: \"اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض\" (^٣) قال القرطبي: \"أي: مُنوِّرُها في قول الحسن دليله قراءة علي -﵁-: \"الله نَوَّر السَّموات\" (^٤) بفتح النون والواو مشددة، قال ابن عباس: هادي أهلهما. ومجاهد: مُدبِّرهما. وقيل: هو المنزه في السموات والأرض من كل عيب من قول العرب: امرأة نوارة، أي: مبرأة من كل ريبة، وقيل: هو اسم مدح يقال: فلان نورُ البلد وشمس الزمان، كما قال النابغة:\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ٤٠).\n(^٢) المفهم (٥/ ٤٥٥).\n(^٣) وهو أول الحديث الذي قال فيه ﵇ \"أنت الحق .. \" سبق تخريجه ص (٤١٧).\n(^٤) سورة النور، الآية: ٣٥ والآية هي: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.","vol":"1","page":426},{"text":"فإنك شمسُ والملوك كواكبُ ... إذا طَلَعتْ لم يبدُ منهن كوكبُ (^١)\nوقال آخر:\nإذا سار عبد الله في مرو ليلةً ... فقد سار فيها نورها وجمالها (^٢)\nوقال أبو العالية (^٣): \"مزيِّن السموات بالشمس والقمر والنجوم، ومزيِّن الأرض بالأنبياء والأولياء والعلماء\" (^٤).\nوقال في موضع آخر: \"فأما اسم الله تعالى \"النور\" فمعناه: أنه هاد من ظلمات الجهالات كما أن النور المحسوس هاد في محسوس الظلمات، وقيل معناه: أنه منوِّر السموات والأرض وخالق الأنوار فيهما\" (^٥).\nالوتر:\nقال -ﷺ-: \"إن لله تسعة وتسعين اسمًا من حفظها دخل الجنة، والله وتر يحب الوتر\" (^٦).\n_________\n(^١) قاله النابغة الذبياني في مدحه للنعمان بن المنذر ملك الحيرة واعتذاره إليه. انظر: ديوان النابغة الذبياني ص (٥٤).\n(^٢) ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة عبد الله بن المبارك وقال: قال عمار بن الحسن يمدح ابن المبارك:\nإذا سار عبد الله في مرو ليلة ... فقد سار منها نورها وجمالها\nإذا ذكر الأحبار في كل بلدة ... فهم أنجم فيها وأنت هلالها\nسير أعلام النبلاء (٨/ ٣٩١).\n(^٣) أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي البصري الإمام الحافظ المقريء المفسر أحد أئمة التابعين وأعلامهم من أعلم الناس بعد الصحابة بالقرآن توفي سنة (٩٠ هـ) وقيل (٩٣ هـ).\nتهذيب التهذيب (١/ ٦١٠). معرفة القراء الكبار (١/ ٦٠).\n(^٤) المفهم (٢/ ٣٩٦).\n(^٥) المفهم (١/ ٤٠٨).\n(^٦) سبق تخريجه ص (٤٠٤).","vol":"1","page":427},{"text":"قال القرطبي: \"الوتر: الفرد، والشفع: الزوج، وأن معنى وحدانية الله تعالى: أنه واحد في ذاته، فلا انقسام له، وواحد في إلهيته فلا نظير له، وواحد في مُلكه ومِلكه فلا شريك له ... إن الله تعالى في ذاته وكماله وأفعاله واحد، ويحب التوحيد أن يوحَّد ويعتقد انفراده دون خلقه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>المطلب الثامن: الأسماء المزدوجة:</span>\nعامة أسماء الله تعالى يطلق مفردًا ومقترنًا بغيره، كالقدير والسميع والبصير وغيرها. ومنها ما لا يطلق على الله مفردًا بل مقرونًا بمقابله، كالمانع والضار، والمنتقم، فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله، فإنه مقرون بالمعطي، والنافع، والعفو، فهو المعطي المانع الضار النافع المنتقم العفو المعز المذل؛ لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله؛ لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية، وتدبير الخلق والتصرف فيهم، عطاءً ومنعًا ونفعًا وضرًّا، وعفوًا، وانتقامًا، وأما أن يثنى عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار فلا يسوغ، فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض، فهي وإن تعددت تجري مجرى الاسم الواحد، ولذلك لم تجئ مفردة، ولم تطلق عليه إلَّا مقترنة (^٢).\nوقد أشار القرطبي إلى هذا فقال عند ذكر اسميه تعالى المقدم والمؤخر: \"وهذان الاسمان من أسماء الله تعالى المزدوجة كالأول والآخر، والمبدئ والمعيد والقابض، والباسط، والخافض، والرافع، والضار، والنافع، فهذه الأسماء لا تقال إلَّا مزدوجة كما جاءت في\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ١٧).\n(^٢) انظر: بدائع الفوائد لابن القيم (١/ ١٧٧).","vol":"1","page":428},{"text":"الكتاب والسنة هكذا، قال بعض العلماء، ولم يجز أن يقال: يا خافض حتى يضم إليه: يا رافع (^١) \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>المطلب التاسع: ما ليس من أسماء الله:</span>\nجاء في بعض الأحاديث بعض الألفاظ الموهمة أنها من أسماء الله، حتى ذهب البعض إلى جعلها من أسمائه تعالى، كالدهر ورمضان، والصاحب، والخليفة.\nفقد جاء عن رسول الله -ﷺ- في الدهر قوله: \"قال الله ﵎ يؤذيني ابن آدم يقول: يا خيبة الدهر، فلا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أُقلِّبُ ليله ونهاره\" (^٣). قال القرطبي: \"قيدها بعض الناس \"الدَّهَر\" بالنصب على أن تكون ظرفًا يعمل فيه \"أقُلِّبُ\" فكأنه قال: أنا طول الدهر، أقلب الليل والنهار، ويكون \"أُقَلِّبُ\" هو الخبر، والذي حمله على ذلك خوف أن يقال: إن الدهر من أسماء الله تعالى، وهذا عدول عما صح إلى ما لم يصح مخافة ما لا يصح، فإن الرواية الصحيحة عند أهل التحقيق بالضم ولم يرو الفتح من يعتمد عليه، ولا يلزم من ثبوت الضم أن يكون الدهر من أسماء الله تعالى ... فلا يكون الدهر اسمًا من أسمائه تعالى\" (^٤).\nوأما رمضان، فقد ورد فيه حديث لا يصح وهو قوله: \"لا تقولوا\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ٤٨).\n(^٢) انظر: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى للدكتور محمد خليفة التميمي (٤١١).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب التفسير، تفسير سورة الجاثية (٤٥). ح (٤٨٢٦) (٨/ ٤٣٧)، ومسلم في كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب النهي عن سب الدهر ح (٢٢٤٦) (١٥/ ٥).\n(^٤) المفهم (٥/ ٥٤٨).","vol":"1","page":429},{"text":"رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى\" (^١).\nوقد رده القرطبي فقال: وليس بصحيح فإنه من حديث: أبي معشر نجيح وهو ضعيف، و\"رمضان\": مأخوذ من رمض الصائم يرمض: إذا حر جوفه من شدة العطش والرمضاء: شدة الحر (^٢).\nوقال في موضع آخر: \"لم يوجد في شيء من أسماء الله تعالى رمضان، والمعنى الذي أشتق منه رمضان محال على الله تعالى\" (^٣). قال -ﷺ-: \"اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل\" (^٤). قال القرطبي: \"لا يسمى الله تعالى بالصاحب ولا بالخليفة لعدم الإذن وعدم تكرارهما في الشريعة\" (^٥).\nوكذلك الشافي قال القرطبي بعد ذكره لقوله -ﷺ-: \"اشف أنت الشافي\" (^٦): \"الشافي اسم فاعل، والألف واللام فيه بمعنى \"الذي\" وليس باسم علم لله إذ لم يكثر ذلك ولم يتكرر على ما قدمناه\" (^٧).\nوما ذهب إليه القرطبي هنا في نفي هذه الألفاظ أن تلحق بأسماء الله تعالى الحسنى هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء ما عدا اسم الشافي\n_________\n(^١) رواه البيهقي في السنن الكبرى في كتاب الصيام، باب ما روي من كراهية قول القائل جاء رمضان وذهب رمضان (٤/ ٢٠١). وقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ١٨٧) والسيوطي في اللآليء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة (٢/ ٩٧).\n(^٢) المفهم (٣/ ١٣٦).\n(^٣) المفهم (١/ ١٥٤).\n(^٤) رواه مسلم في كتاب الحج باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره ح (١٣٤٢) (٩/ ١١٨).\n(^٥) المفهم (٣/ ٤٥٤).\n(^٦) رواه البخاري في كتاب الطب باب مسح الراقي الوجع بيده اليمنى ح (٥٧٥٠) (١٠/ ٢٢١).\nومسلم في كتاب السلام، باب استحباب رقية المريض ح (٢١٩١) (١٤/ ٤٣٠).\n(^٧) المفهم (٥/ ٥٧٧).","vol":"1","page":430},{"text":"إذ ذهب إلى إلحاقه بأسماء الله تعالى عدد من العلماء لوروده في الحديث الصحيح (^١).\n_________\n(^١) انظر: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى للدكتور محمد بن خليفة التميمي ص (١٧٩، ٢٨٢، ٢٨٣، ٢٨٥، ٢٩١)، وأسماء الله الحسنى لعبد الله بن صالح الغصن ص (٣٤٦، ٣٥٢).","vol":"1","page":431},{"text":"آرَاءُ القُرطبي وَالمازري الاعتِقَادية مِنْ خِلال شَرْحَيْهِمَا لِصَحِيحِ مُسْلِم\nدرَاسَة وَتَرجيح\nتأليف الدكتور\nعَبد الله بن محمَّد بن رميَان الرميَان\nوَكيلُ كُليةِ الدّعوَةِ وَأصُول الدين لِلدِرَاسَاتِ العُليَا\nبِجَامِعَة أم القُرى\nالجزء الثاني","vol":"1","page":432},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nحقُوق الطّبْع مَحفُوظة للمؤَلّف\nالطّبْعَة الأولى\n١٤٢٧ هـ\nأصل هذا الكتاب رسالة علمية نال بها المؤلف درجة العالمية العالية (الدكتوراه) من قسم العقيدة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة في ٢/ ٢/ ١٤٢١ هـ بتقدير (ممتاز) مع التوصية بطبع الرسالة وتداولها بين الجامعات\nعنوان المؤلف: مكة المكرمة - ص. ب: ١٣٦٦٣","vol":"1","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>المبحث الثاني منهجهما في صفات الله تعالى</span>\nوفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: منهج السلف في الصفات\nالمطلب الثاني: منهجهما في الصفات وموقفهما من ظواهر النصوص\nالمطلب الثالث: الشبهات العقلية التي ردوا بها الصفات\nالمطلب الرابع: رمي السلف بالتشبيه والتجسيم\nالمطلب الخامس: منهجهما في سائر صفات الله تعالى","vol":"1","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>المطلب الأول: منهج السلف في الصفات:</span>\nإن منهج السلف في صفات الله تعالى وسطٌ بين المعطلة من الجهمية والمعتزلة ومن سلك مسلكهم، وبين الأشاعرة وغيرهم من الذين يلحدون في ذلك ويعطلون حقائق ما وصف الله به نفسه ﷿ وبين الممثلة من غلاة الكرامية وغلاة الرافضة الذين يضربون لله ﷿ الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات.\nوكلا المذهبين مجانب للحق والصواب، والمذهب الصحيح ما عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين، ومن اقتدى بهم، إذ هو الصراط المستقيم، فهم يؤمنون بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسول الله -ﷺ- من صفات الجلال والكمال حقيقة على الوجه الذي يليق به تعالى، وينفون عنه ما نفاه سبحانه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله -ﷺ- من صفات النقص التي لا تليق به سبحانه، وعمدتهم في هذا: الأدلة الواردة في الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (^١).\nقال محمد بن الحسن (^٢): \"اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله -ﷺ- في صفة الرب ﷿ من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئًا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي -ﷺ-، وفارق الجماعة، فإنهم لم يصفوا، ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب\n_________\n(^١) سورة الشورى، آية: ١١.\n(^٢) محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني فقيه العراق وصاحب أبي حنيفة وقد أخذ عنه الشافعي كان من الفقهاء الأذكياء توفي بالري سنة (١٨٩ هـ). تاريخ بغداد (٢/ ١٧٢)، سير أعلام النبلاء (٩/ ١٣٤).","vol":"1","page":435},{"text":"والسنة ثم سكتوا\" (^١).\nوقال ابن خزيمة (^٢): \"نحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر مذهبنا: أنا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا ونصدق ذلك بقلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين عزَّ ربنا عن أن يشبه المخلوقين وجلَّ ربنا عن مقالة المعطلين، وعزَّ أن يكون عدمًا كما قاله المبطلون، لأن ما لا صفة له عدم، تعالى الله عما يقول الجهميون الذين ينكرون صفات خالقنا الذي وصف بها نفسه في محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه محمد -ﷺ-\" (^٣).\nوقال الصابوني: \"أصحاب الحديث يعرفون ربهم ﷿ بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله أو شهد بها رسوله -ﷺ- على ما وردت به الأخبار الصحاح ونقلته العدول الثقات عنه ويثبتون دته ﷿ ما أثبته لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله -ﷺ-، ولا يعتقدون تشبيهًا لصفاته بصفات خلقه، وقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف والتكييف، ومنَّ عليهم بالتعريف والتفهيم، حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (^٤) \" (^٥).\nوقال ابن عبد البر: \"أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٣/ ٤٨٠).\n(^٢) أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة الحافظ صاحب الصحيح وله كتاب \"التوحيد\" وغيرها من علماء السنة المنافحين عنها توفي سنة (٣١١ هـ) سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٦٥)، طبقات الحفاظ للسيوطي ص (٣٣٠) ترجمة (٧١٠).\n(^٣) التوحيد لابن خزيمة (١/ ٢٦).\n(^٤) سورة الشورى، آية: ١١.\n(^٥) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص (١٦٠، ١٦٢) باختصار.","vol":"1","page":436},{"text":"الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة، لا على المجاز، إلَّا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يُحدُّون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج، فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مُشبِّه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ-، وهم أئمة الجماعة والحمد لله\" (^١).\nوقال أبو القاسم قوَّام السُّنَّة (^٢): \"قال علماء السلف: جاءت الأخبار عن النبي -ﷺ- متواترة في صفات الله تعالى، موافقة لكتاب الله تعالى، نقلها السلف على سبيل الإثبات والمعرفة، والإيمان به والتسليم، وترك التمثيل والتكييف، وأنه ﷿ أزلي بصفاته وأسمائه، التي وصف بها نفسه، أو وصفه الرسول -ﷺ- بها، فمن جحد صفة من صفاته بعد الثبوت، كان بذلك جاحدًا ... والله تعالى امتدح نفسه بصفاته ودعا عباده إلى مدحه بذلك، وصدق به المصطفى -ﷺ- وبيَّن مراد الله فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته، وكان ذلك مفهومًا عند العرب غير محتاج إلى تأويله\" (^٣).\nوقال ابن قدامة: \"ومذهب السلف -رحمة الله عليهم- الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه في آياته وتنزيله أو على\n_________\n(^١) التمهيد (٧/ ١٤٥).\n(^٢) إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الأصبهاني الملقب \"قوام السنة\" مكثر من التصنيف إذ له العديد من التصانيف النافعة في التفسير والحديث، والتوحيد، وغيرها توفي سنة (٥٣٥ هـ) طبقات المفسرين للسيوطي ص (٣٧). طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ٣٠٢).\n(^٣) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٨٣، ١٨٤).","vol":"1","page":437},{"text":"لسان رسوله من غير زيادة عليها، ولا نقص منها، ولا تجاوز لها، ولا تفسير لها، ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها، ولا تشبيه بصفات المخلوقين، ولا سمات المحدثين، بل أمروها كما جاءت وردوا علمها إلى قائلها (^١) ومعناها إلى المتكلم بها\" (^٢).\nوقال ابن تيمية: \"الأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسله نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه، وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد لا في أسمائه ولا في آياته، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)﴾ (^٤) الآية، فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات إثباتًا بلا تشبيه وتنزيهًا بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (^٥) ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ردٌّ للتشبيه والتمثيل، وفي قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ ردٌّ للإلحاد\n_________\n(^١) أي: علم كيفيتها.\n(^٢) ذم التأويل لابن قدامة ص (١١).\n(^٣) سورة الأعراف، آية: ١٨٠.\n(^٤) سورة فصلت، آية: ٤٠.\n(^٥) سورة الشورى، آية: ١١.","vol":"1","page":438},{"text":"والتعطيل\" (^١).\nوقال ابن رجب: \"أما طريقة أئمة أهل الحديث وسلف الأمة فهي إقرار النصوص، وإمرارها كما جاءت، ونفي الكيفية عنها، والتمثيل ... ومن قال: الظاهر منها غير مراد، قيل له: الظاهر ظاهران، ظاهر يليق بالمخلوقين، ويختص بهم، فهو غير مراد، وظاهر يليق بذي الجلال والإكرام، فهو مراد، ونفيه تعطيل ... وأهل العلم والإيمان يعلمون أن ذلك كله متلقى مما جاء به الرسول -ﷺ-، وأن ما جاء به من ذلك عن ربه فهو الحق الذي لا مزيد عليه، ولا عدول عنه، وأنه لا سبيل إلى تلقي الهدى إلَّا منه، وأنه ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله -ﷺ- الصحيحة ما ظاهره كفر أو تشبيه أو مستحيل، بل كل ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله -ﷺ- فإنه حق وصدق، يجب اعتقاد ثبوته مع نفي التمثيل عنه، فكما أن الله ليس كمثله شيء في ذاته، فكذلك في صفاته\" (^٢).\nوالنصوص عن السلف في هذا كثيرة متواترة لا مجال لجمعها، وإنما ذكرت إشارات وإلماحات لما عليه السلف من الاعتقاد في الصفات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>المطلب الثاني: منهجهما في الصفات وموقفهما من ظواهر النصوص:</span>\nالقرطبي والمازري -عفا الله عنهما- على منهج الأشاعرة في صفات الله تعالى، وهو إثبات الصفات السبع، وهي: الحياة والعلم، والقدرة، والكلام، والسمع والبصر، والإرادة على مخالفة لأهل السنة في إثباتها. وتأويل باقي الصفات أو تفويض العلم بها.\n_________\n(^١) التدمرية ص (٦، ٨).\n(^٢) فتح الباري لابن رجب (٧/ ٢٣٣، ٢٣٤).","vol":"1","page":439},{"text":"وللقرطبي كلامٌ جميل عند ردّه على المتكلمين ليته التزم به حيث قال: \"بحث المتكلمون عن كيفية تعلقات صفات الله تعالى وتقديرها واتخاذها في أنفسها، وأنها هي الذات أو غيرها إلى غير ذلك من الأبحاث المبتدعة التي لم يأمر الشرع بالبحث عنها، وسكت أصحاب النبي -ﷺ-، ومن سلك سبيلهم عن الخوض فيها لعلمهم بأنها بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته، فإن العقول لها حد تقف عنده وهو العجز عن التكييف لا يتعداه، ولا فرق بين البحث في كيفية الذات وكيفية الصفات، ولذلك قال العليم الخبير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (^١) ونقطع بوجود الخالق المنزه عن صفات المخلوقات المقدس عن أحوالها الموصوف بصفات الكمال اللائق به، ثم مهما أخبرنا الصادقون عنه بشيء من أوصافه وأسمائه قبلناه واعتقدناه وما لم يتعرضوا له سكتنا عنه، وتركنا الخوض فيه هذه طريقة السلف وما سواه مهاوٍ وتلف\" (^٢).\nوهذا منهج سلفي صرف، لكنه -﵀- عند التطبيق سلك مسلك المؤولين، وسار على طريقة المتكلمين مخالفًا ما جاء عن السلف وما عليه الأثبات من الخلف.\nوالقرطبي والمازري رحمهما الله منهجهما في الصفات بين التأويل والتفويض، مع رمي السلف بالتشبيه والتجسيم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.\nالتأويل: التأويل هو: صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر (^٣).\n_________\n(^١) سورة الشورى، آية: ١١.\n(^٢) المفهم (٦/ ٦٩٠، ٦٩١) بتصرف.\n(^٣) انظر: تعريفات التأويل في: موقف المتكلمين من نصوص الكتاب والسنة، لسليمان الغصن (١/ ٤٩٧).","vol":"1","page":440},{"text":"وما سلكه الأشاعرة تبعًا لمن قبلهم من الجهمية والمعتزلة هو من التأويل الفاسد المذموم الذي ليس عليه دليل من كتاب أو سنة؛ لأن هؤلاء اتخذوا من التأويل الفاسد متكأً لتبرير الأصول التي أصَّلوها واعتقدوها واخترعوا لأجل ذلك قوانين عقلية، وأصولًا كلامية، جعلوها الحكم في فهم الدين، والفيصل في معرفة الحق من الباطل، فمتى ظهرت مسألة رجعوا إلى معقولاتهم، وخواطرهم، وآرائهم، فطلبوا الدين من قبلها، فإذا سمعوا شيئًا من الكتاب والسنة عرضوه على معيارهم، فإن استقام قبلوه، وإلَّا حرَّفوه بالتأويلات البعيدة، والمعاني المستكرهة، فحادوا عن الحق وزاغوا عنه\" (^١).\nقال ابن القيم: \"والتأويل الذي يخالف ما دلَّت عليه النصوص وما جاءت به السنة هو التأويل الفاسد\" (^٢).\nوالتأويل يطلق مشتركًا بين ثلاثة معان:\nالأول: أنه الحقيقة التي يؤول إليها الأمر وهذا هو معناه في القرآن.\nالثاني: يُراد به التفسير والبيان.\nالثالث: معناه المتعارف في اصطلاح الأصوليين وهو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى محتمل مرجوح بدليل يدل على ذلك\" (^٣).\nوذكر ابن القيم أن هذا الأخير هو قول المعتزلة والجهمية وغيرهم من المتكلمين حيثما قال: \"وهذا التأويل هو الذي صنف في تسويغه وإبطاله من الجانبين، فمن صنف في إبطال التأويل على رأي المتكلمين:\n_________\n(^١) الحجة في بيان المحجة للأصفهاني (٢/ ٢٣٨).\n(^٢) الصواعق المرسلة (١/ ١٨٧).\n(^٣) انظر: الأسماء والصفات نقلًا وعقلًا للشنقيطي (٨٢، ٨٤).","vol":"1","page":441},{"text":"القاضي أبو يعلى، والشيخ موفق الدين ابن قدامة، وقد حكى غير واحد إجماع السلف على عدم القول به\" (^١).\nوقال ابن تيمية: \"وأما التأويل بمعنى صرف اللفظ عن مفهومه إلى غير مفهومه، فهذا لم يكن هو المراد بلفظ التأويل في كلام السلف ... وكان السلف ينكرون التأويلات التي تخرج الكلام عن مراد الله ورسوله التي هي من نوع تحريف الكلم عن مواضعه، فكانوا ينكرون التأويل الباطل الذي هو التفسير الباطل كما ننكر قول من فسر كلام المتكلم بخلاف مراده\" (^٢).\nلكن القرطبي والمازري -عفا الله عنهما- سلكا مسلك التأويل، فصرفا نصوص التنزيل إلى معانٍ باطلة، مخالفة لما عليه السلف من الإيمان بها، وعدم تأويلها كما سبق بيانه.\nومن ذلك: القرطبي -في الحديث الذي فيه إثبات الأصبع لله تعالى- الرواية التي فيها: \"تصديقًا له\" (^٣) لأنها تخالف مذهبه في الصفات، ثم بيَّن منهجه في مثل هذه النصوص فقال: \"إذا جاءنا مثل هذا الكلام في كلام الصادق تأوَّلناه، أو توقَّفْنَا فيه إلى أن يتبين وجهه مع القطع باستحالة ظاهره لضرورة صدق من دلَّت المعجزة على صدقه، فأما إذا جاءنا مثل هذا على لسان من يجوز عليه الكذب، بل: من أخبرنا الصادق\n_________\n(^١) انظر: الصواعق المرسلة (١/ ١٧٩).\n(^٢) الصفدية (١/ ٢٩١).\n(^٣) وذلك أن الرجل الذي من أهل الكتاب قال: يا أبا القاسم \"إن الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع والثرى على إصبع ثم يهزهن يقول أنا الملك فضحك رسول الله -ﷺ- حتى بدت نواجذه تصديقًا له وتعجبًا.","vol":"1","page":442},{"text":"عن نوعه بالكذب والتحريف كذَّبناه\" (^١).\nفالقرطبي بيَّن موقفه هنا من نصوص الصفات -الموهمة للتشبيه بزعمه- وهو: إما التكذيب -إن لم يكن نصًّا شرعيًّا- أو التأويل أو التوقف عند وضوح النص الشرعي.\nوقد قال في موضع آخر: كل ما أطلق على الله تعالى مما يدل على الجوارح والأعضاء كالأعين والأيدي والجنب، والأصبع وغير ذلك، مما يلزم من ظاهره التجسيم الذي تدل العقول على استحالته فهي كلها متأولة في حقه تعالى لاستحالة حملها على ظواهرها\" (^٢).\nوبين أن منهجه هذا تبعًا للمتكلمين حيث قال: \"التحقيق أن يقال: الله ورسوله أعلم، والتسليم الذي كان عليه السلف أسلم (^٣)، لكن مع القطع بأن هذه الظواهر الواردة في الكتاب والسنة الموهمة للتجسيم والتشبيه يستحيل حملها على ظواهرها لما يعارضها من ظواهر أُخر كما قرره أئمتنا في كتبهم ولما دل العقل الصريح عليه\" (^٤).\nومع تأويل القرطبي لعامة نصوص الصفات، إلَّا أنه تردد في بعضها بين التفويض والتأويل منها قوله: \"اعلم أن الناس قد أكثروا في تأويلات\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ٣٩٠) أراد بقوله: \"أخبرنا الصادق عن نوعه بالكذب\". اليهود لأنَّ الذي حاور الرسول -ﷺ- في هذا الحديث من اليهود ولكن هذا التكذيب ليس له وجه، لأنَّ هذا الحديث جاءنا عن غير طريق هذا اليهودي إذ جاءنا عن طريق الثقات الأثبات ونقلوا إقرار الرسول -ﷺ- وتعجبه من حديثه وضحكه تصديقًا له وسيأتي الرد عليه في ما ذهب إليه في صفة الأصابع ص (٤٣١).\n(^٢) المفهم (٣/ ٣٧).\n(^٣) هذا هو التفويض وليس من مذهب السلف بل مذهب السلف الإيمان بالصفات كما جاءت وتفويض كيفيتها انظر: ص (٣٥٧).\n(^٤) المفهم (١/ ٤١٩).","vol":"1","page":443},{"text":"هذه الأحاديث فمن مبعد ومن محوّم وما ذكرناه أحسنها وأقومها لمنهاج كلام العرب؛ ولأن يكون هو المراد ومغ ذلك فلا نقطع بأنه هو المراد والتحقيق أن يقال: \"الله ورسوله أعلم\" والتسليم الذي كان عليه السلف أسلم\" (^١).\nوكذلك المازري سلك هذا المسلك في نصوص الصفات بل تكلف في تأويل كل ما جاء في إثبات الصفات الفعلية لله تعالى أو الذاتية كاليد والقدم، والأصبع، وغيرها، حيث قال في شرحه للحديث المثبت لصفة القدم لله تعالى: \"هذا الحديث من مشاهير الأحاديث التي وقعت موهمة للتشبيه ولمَّا نقله الأثبات واشتهر عند الرواة تكلف العلماء قديمًا وحديثًا الكلام عليه والنظر في تأويله\" (^٢).\nوبيَّن المازري غرضه من التأويل فقال بعد تأويله لصفة الأصبع الورادة في الحديث: \"والغرض المنع أن يكون لله سبحانه أصبع جارحة لإحالة العقل، له ثم بعد هذا يتأول على ما يجوز وقد أرينا طرفًا من التأويل\" (^٣).\nونرى هنا أنهما حرصا على التأويل لمخالفة هذه النصوص للعقل لأنها موهمة لتشبيه الخالق بالمخلوق بزعمهم.\nولا شك أن هذا باطل، لأن نصوص الصفات التي جاءت في الكتاب والسنة لا توهم التشبيه، إذ لا يمكن أن يكون ظاهر ما جاء في الكتاب والسنة باطلًا.\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٤١٩).\n(^٢) المعلم (٣/ ٢٠٠).\n(^٣) المعلم (٣/ ١٩٥).","vol":"1","page":444},{"text":"قال مرعي الكرمي ﵀ (^١): \"ويجد الناظر في النصوص الواردة عن الله ورسوله في ذلك نصوصًا تشير إلى حقائق هذه المعاني، ويجد الرسول تارة قد صرَّح بها مخبرًا بها عن ربه واصفًا له بها، ومن المعلوم أنه -﵇- كان يحضر في مجلسه الشريف: العالم والجاهل، والذكي والبليد، والأعرابي الجافي، ثم لا يجد شيئًا يعقب تلك النصوص مما يصرفها عن حقائقها، لا نصًّا ولا ظاهرًا، كما تأولها بعض هؤلاء المتكلمين، ولم ينقل عنه -﵇- بأنه كان يحذر الناس من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفته لربه من الفوقية واليدين، ونحو ذلك، ولا نقل عنه أن لهذه الصفات معاني أخرى باطنة غير ما يظهر من مدلولها .. ولم يقل الرسول ولا أحد من سلف الأمة يومًا من الدهر: هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه وكيف يجوز على الله ورسوله والسلف أن يتكلموا دائمًا بما هو نصٌّ أو ظاهرٌ في خلاف الحق، ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يتكلمون به، ولا يدلون عليه\" (^٢).\nوهم بتأويلهم هذا نفوا ما ذكره الله وأثبتوا ما لم يذكره فوقعوا في خطأين، قال ابن الوزير (^٣): \"فاعلم أن منشأ معظم البدع يرجع إلى أمرين واضح بطلانهما فتأمل ذلك بإنصاف وشد عليه يديك، وهذان الأمران الباطلان هما: الزيادة في الدين بإثبات ما لم يذكره الله تعالى ورسله -﵈- من مهمات الدين الواجبة، والنقص منه بنفي بعض ما\n_________\n(^١) مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي الحنبلي محدث فقيه مؤرخ تنقل بين عدَّة بلدان واستقر أخيرًا بمصر وفيها توفي بعد أن أصبح من أكابر علماء الحنابلة فيها توفي سنة (١٠٣٣ هـ) معجم المؤلفين (٣/ ٨٤٢)، الأعلام.\n(^٢) أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات للكرمي ص (٨٥).\n(^٣) محمد بن إبراهيم المرتضي اليماني الشهير بابن الوزير إمام حافظ، له عدَّة مصنفات منها: \"العواصم في الذب عن سنة أبي القاسم\" توفي في صنعاء سنة (٨٤٠ هـ).","vol":"1","page":445},{"text":"ذكره الله تعالى ورسله من ذلك بالتأويل الباطل\" (^١).\nالقول بالمجاز:\nالمجاز: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أولًا (^٢).\nوقد جعل المؤولة المجاز بابًا واسعًا لتحريف نصوص الصفات إذا عجزوا عن الطعن في أصل ثبوتها، قال الشيخ الشنقيطي: \"وبهذا الباطل توصل المعطلون إلى نفي صفات الكمال والجلال الثابتة لله تعالى في كتابه وسنة نبيه بدعوى أنها من المجاز\" (^٣).\nوالمجاز أحد طرق التأويل، بل بعض العلماء يرى أن التأويل كله راجع إلى المجاز، كما قال الغزالي في كلامه على التأويل: \"ويشبه أن يكون كل تأويل صرفًا للفظ عن الحقيقة إلى المجاز\" (^٤).\nقال ابن القيم: \"تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز، ليس تقسيمًا شرعيًّا، ولا عقليًّا، ولا لغويًّا، فهو اصطلاح محض، وهو اصطلاح حدث بعد القرون الثلاثة المفضلة، وكان منشؤه من جهة المعتزلة والجهمية، ومن سلك طريقهم من المتكلمين\" (^٥).\nوقد صرف القرطبي والمازري كثيرًا من نصوص الصفات من الحقيقة إلى المجاز، هربًا من إثباتها.\nقال القرطبي في نفيه لعلو الله تعالى عند شرحه لحديث الجارية:\n_________\n(^١) إيثار الحق على الخلق لابن الوزير ص (٨٥).\n(^٢) انظر: بطلان المجاز وأثره في إفساد التصور وتعطيل نصوص الكتاب والسنة لمصطفى الصياصنة ص (٣٣)، معجم المؤلفين (٣/ ٣٥)، الأعلام (٥/ ٣٠٠).\n(^٣) مذكرة أصول الفقه لمحمد الأمين الشنقيطي ص (٥٨).\n(^٤) المستصفى للغزالي (٢/ ٤٩).\n(^٥) مختصر الصواعق (٢/ ٥).","vol":"1","page":446},{"text":"\"وإذا ثبت ذلك، ثبت أن النبي -ﷺ- إنما أطلقه على الله بالتوسع والمجاز لضرورة إفهام المخاطبة القاصرة الفهم\" (^١).\nوقال في موضع آخر: \"نسبة اليمين إلى الله تعالى نسبة مجازية توسعية، عبَّر بها عن كثرة العطاء والقدرة عليه\" (^٢).\nوقال المازري: \"استعير لمنع الباري سبحانه عن معاصيه اسم الغيرة مجازًا واتساعًا، وخاطبهم النبي -ﷺ- بما يفهمونه\" (^٣).\nوقال في تأويله لإتيان الله تعالى ومجيئه: \"عُبِّر بالإتيان ها هنا عن الرؤية على سبيل المجاز\" (^٤).\nوالنصوص الواردة عنهما في هذا كثيرة تتبين من خلال التفصيل في الصفات، والحق الواجب حمل جميع أخبار الصفات الواردة في الكتاب والسنة على ظاهرها واعتقاد حقائقها على الوجه اللائق بالله تعالى، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة.\nقال ابن عبد البر: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة -كلها- في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز ... وأما أهل البدع من الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها مشبه\" (^٥).\nوالذي حملهم على القول بالمجاز ظنهم أن حقائق صفات الله\n_________\n(^١) المفهم (٢/ ١٤٣).\n(^٢) المفهم (٣/ ٣٧).\n(^٣) المعلم (١/ ٣٢٢).\n(^٤) المعلم (١/ ٢٢٦).\n(^٥) التمهيد (٧/ ١٤٥).","vol":"1","page":447},{"text":"تعالى التي نفوها مما يختص بالمخلوقين، فظنوا أن صفات الله تعالى إذا كانت حقيقة لزم أن يكون الرب مماثلًا للمخلوقين وأن صفاته مماثلة لصفاتهم (^١). قال ابن تيمية: \"لكن نعلم أن كثيرًا ممن ينفي ذلك لا يعلم لوازم قوله بل كثير منهم يتوهم أن الحقيقة ليست إلَّا محض حقائق المخلوقين، وهؤلاء جهال بمسمى الحقيقة والمجاز، وقولهم افتراء على اللغة والشرع، وإلَّا فقد يكون المعنى الذي يقصد به نفي الحقيقة نفي مماثلة صفات الرب سبحانه لصفات المخلوقين قيل له: أحسنت في نفي هذا المعنى الفاسد، ولكن أخطأت في ظنك أن هذا هو حقيقة ما وصف الله به نفسه\" (^٢).\nوقد ردَّ شيخ الإسلام على الأشاعرة -المثبتة لبعض الصفات دون بعض- بقولهم هذا بأصلين:\nأحدهما: أن يقال: القول في بعض الصفات كالقول في بعض، فإن كان المخاطب ممن يقر بأن الله حي بحياة عليم بعلم قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه، وغضبه وكراهيته، فيجعل ذلك مجازًا، ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات.\nقيل له: لا فرق بين ما نفيته وما أثبته، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين؛ فكذلك محبته ورضاه وغضبه، وهذا هو التمثيل، وإن قلت: له إرادة تليق به كما أن\n_________\n(^١) انظر: اللمع للأشعري ص (٢٠) والتبصير في الدين الأسفراييني ص (٩٤) والعقيدة النظامية لعبد الملك الجويني ص (٢١).\n(^٢) الفتاوى (٢٠/ ٢١٨).","vol":"1","page":448},{"text":"للمخلوق إرادة تليق به، قيل لك: وكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا وغضب يليق به، وللمخلوق رضا وغضب يليق به.\nوإن قال الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام. قيل له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة فإن قلت: هذه إرادة المخلوق قيل لك: وهذا غضب المخلوق.\nوكذلك يلزم بالقول في كلامه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>التفويض:</span>\nالتفويض: هو صرف اللفظ عن ظاهره مع عدم التعرض لبيان المراد منه، بل يترك ويفوض علمه إلى الله تعالى، بأن يقال: الله أعلم بمراده. هذا هو التفويض عند القائلين به في نصوص الصفات الخبرية التي توهم التشبيه بصفات المخلوقين بزعمهم.\nوجزمهم وقطعهم أن معاني النصوص ليست على ظواهرها يناقض قولهم بالتفويض.\nإذ قالوا: إن ظواهر نصوص هذه الصفات يقتضي التشبيه حيث لا يعقل لها معنى معلوم إلَّا ما هو معهود في الأذهان من صفات المخلوقين، وبالتالي فإنه يتعين نفيه ومنعه، وهذه مقدمة مشتركة بين مذهب التأويل والتفويض.\nوقولهم: إن المعاني المرادة من هذه النصوص مجهولة للخلق، لا سبيل للعلم بها، بل هي مما استأثر الله بعلمه، ولا يمكن تعيين المراد\n_________\n(^١) التدمرية ص (٣١).","vol":"1","page":449},{"text":"بها لعدم ورود النص التوقيفي بذلك، وهنا يفترق مذهب التفويض عن مذهب التأويل الذي يجوز الاجتهاد في تعيين معان مجازية للصفات السمعية (^١).\nوالقرطبي مع اعتقاده أن التفويض هو مذهب السلف إلَّا أنه قال به حيث اضطر إليه في بعض النصوص التي لم يجد له تأويلًا سائغًا، أو يرى بُعد التأويلات التي يوردها وأنها غير مقنعة فيلجأ إلى التفويض وهذا في مواضع كثيرة جدًّا في \"المفهم\"، منها قوله بعد ذكره لعدة تأويلات: \"ويحتمل تأويلًا آخر، والله بمراده أعلم والتسليم للمتشابهات أسلم، وهي طريقة السلف وأهل الاقتداء من الخلف\" (^٢).\nوقال بعد تأويله لاستواء الله تعالى على عرشه: \"له محامل واضحة، وتأويلات صحيحة، غير أن الشرع لم يعين لنا محملًا من تلك المحامل فيتوقف في التعيين، ويسلك مسلك السلف الصالح في التسليم\" (^٣).\nوقال في موضع آخر: \"مذهب السلف ترك التعرض لتأويلاتها مع قطعهم باستحالة ظواهرها، ومذهب غيرهم إبداء تأويلاتها وحملها على ما يصح حمله في اللسان عليها، من غير قطع متعين محمل منها\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"قد قلنا التسليم هو الطريق المستقيم (^٥). والتسليم\n_________\n(^١) انظر: مذهب التفويض في نصوص الصفات لأحمد القاضي ص (١٥٢، ١٧٠).\n(^٢) المفهم (٦/ ٦٦٦).\n(^٣) المفهم (٦/ ٦٧٠).\n(^٤) المفهم (٦/ ٦٩٧).\n(^٥) المفهم (٧/ ٧).","vol":"1","page":450},{"text":"الذي عليه السلف أسلم\" (^١).\nوالسلامة التي يمكن إثباتها في مذهب أهل التفويض هي السلامة من التحريف الذي يقوله المتكلمون على الله بغير علم بصرف معاني النصوص إلى استعمالات مجازية، ولا ريب أن هذا لون من السلامة، لكن قابله الوقوع في هلكة التجهيل بتفريغ تلك النصوص من أي معنى يفهمه السامع (^٢). وكذلك التعطيل لما ثبت لله تعالى من حقائق تلك الصفات.\nثم مع اعتقاد القرطبي بأن التفويض هو مذهب السلف، وبيانه أن سلوكه أسلم، فلم يلتزم به طلبًا للسلامة - كما زعم - إنما جعله مخرجًا عند عدم وجود وجه للتأويل.\nونسبة التفويض للسلف واشتهار هذا القول عند الأشاعرة (^٣)، حتى أصبح عندهم من المسلمات التي لا تقبل الجدل، هو من الكذب على السلف، إذ مذهب السلف واضح في الإيمان بنصوص الصفات، وإجرائها على ظاهرها من غير تكييف وجعل هؤلاء عبارات السلف التي تدعو إلى إمرار النصوص هي الدليل على نسبة هذا القول إليهم، كما قال القرطبي: \"قد أكثر الناس في تأويل هذا الحديث وأبعدوا ... والأشبه ما ذكرناه أو التوقف كما قال السلف \"اقرؤوها كما جاءت\" يعنون المشكلات\" (^٤).\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٤١٩).\n(^٢) مذهب أهل التفويض للقاضي ص (٤٤٤).\n(^٣) انظر: الملل والنحل (١/ ١٠٤).\n(^٤) المفهم (١/ ٤١١).","vol":"1","page":451},{"text":"والسلف﵏ - أرادوا إمرارها دون تكييف لا كما يفهم هؤلاء. قال ابن تيمية: \"هؤلاء المبتدعة الذين فضلوا طريقة الخلف على طريقة السلف من حيثما ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه، ولا فهم لمراد الله ورسوله منها، واعتقدوا أنهم بمنزلة الأميين، الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (^١) وأن طريقة المتأخرين منهم هي استخراج معاني النصوص وصرفها عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات ومستنكر التأويلات ... فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف، والكذب عليهم\" (^٢).\nقال الأصبهاني: \"السنة هي: اتباع الأثر والحديث، والسلامة التسليم والإيمان بصفات الله ﷿ من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تأويل، بجميع ما ورد من الأحاديث في الصفات - ثم ذكر أمثلة من الآيات والأحاديث - ثم قال: كل ذلك بلا كيف ولا تأويل، نؤمن بها إيمان أهل السلامة والتسليم، ولا نتفكر في كيفيتها، وساحة التسليم لأهل السنة والسلامة واسعة بحمد الله ومنِّه، وطلب السلامة في معرفة صفات الله ﷿ أوجب وأولى وأقمن وأحرى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٣) فليس كمثله شيء: ينفي كل تشبيه وتمثيل. وهو السميع البصير: ينفي كل تعطيل وتأويل، فهذا مذهب أهل السنة والجماعة والأثر، فمن فارق مذهبهم فارق السنة ومن اقتدى بهم وافق\n_________\n(^١) سورة البقرة، آية: ٧٨\n(^٢) الصواعق المرسلة لابن القيم (١/ ١٦٢).\n(^٣) سورة الشورى، آية: ١١.","vol":"1","page":452},{"text":"السنة\" (^١).\nفمذهب السلف - ﵃ - إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها. والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرعٌ على الكلام في الذات، يحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين ﷿ إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف (^٢).\nوالأقوال عن السلف كثيرة تبين إثباتهم للصفات، وإيمانهم بها، وعدم التفويض إلَّا للكيفية، وسيتضح هذا أكثر في التفصيل في الصفات إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>المطلب الثالث: الشبهات العقلية التي ردوا بها الصفات:</span>\nالقرطبي والمازري على منهج المتكلمين في ردهم لصفات الله تعالى بالشبه العقلية الباطلة التي يدل على بطلانها الكتاب والسنة والعقل السليم.\nوهم في صرفهم لظواهر النصوص يظنون أن هذا من باب تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه؛ لأنهم زعموا أن ظواهر النصوص الواردة في صفات الله تعالى الذاتية كالقدم واليد ونحوها، أو الفعلية يوهم التشبيه، فلابد من صرفها عن ظاهرها بالتأويل، أو التفويض، والتفويض - عندهم - أن يعلم أن ظاهرها غير مراد، ويفوض معرفة المراد بها بعد ذلك (^٣).\n_________\n(^١) الحجة في بيان المحجة (١/ ٢، ٢٦٠).\n(^٢) ذم التأويل لابن قدامة ص (١٥).\n(^٣) انظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ١٠٤).","vol":"1","page":453},{"text":"وقولهم هذا لأنهم لم يفهموا من نصوص الصفات إلَّا ما هو من صفات المخلوقين ونعوت المحدثين فجعلوا للظاهر المتبادر إلى الذهن معنى باطلًا فوقعوا في التشبيه والتعطيل. ولذا قال ناظمهم:\nوكل نص أوهم التشبيها ... أوله أوفوض ورم تنزيها (^١)\nقال الشيخ الشنقيطي: \"والحق الذي لا يشك فيه أدنى عاقل أن كل ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله - ﷺ - فالظاهر المتبادر منه السابق إلى فهم من في قلبه شيء من الإيمان، هو التنزيه التام عن مشابهة شيء من صفات الحوادث. وهل ينكر عاقل أن السابق إلى الفهم المتبادر لكل عاقل هو منافاة الخالق للمخلوق في ذاته وجميع صفاته؟ لا والله لا يُنكرُ ذلك إلَّا مكابرة، والجاهل المفتري الذي يزعم أن ظاهر آيات الصفات لا يليق بالله لأنه كفر وتشبيه إنما جر إليه ذلك تنجيس قلبه بقذر التشبيه بين الخالق والمخلوق فأداه شؤم التشبيه إلى نفي صفات الله ﷿، وعدم الإيمان بها مع أنه جل وعلا هو الذي وصف نفسه بها فكان هذا الجاهل مشبهًا أولًا ثم معطلًا ثانيًا\" (^٢).\nلأن مجرد الاتفاق في المسميات لا يقتضي التشبيه إنما التشبيه عند السلف أن يقال: يد كيد أو وجه كوجه ونحو ذلك.\nقال إسحاق بن راهوية (^٣): \"إنما التشبيه إذا قال: يد كيد أو مثل يد\n_________\n(^١) جوهرة التوحيد مع شرحها عون المريد (١/ ٤٤٢).\n(^٢) أضواء البيان (٢/ ٣٠).\n(^٣) هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد المروزي المعروف بابن راهوية ثقة حافظ مجتهد أثنى عليه الإمام أحمد فقال: إسحاق لم يلق مثله توفي سنة (٢٣٨ هـ). تهذيب التهذيب (١/ ١١٢)، طبقات الحفاظ ص (٢١٠) ترجمة (٤١٨).","vol":"1","page":454},{"text":"أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع، أو مثل سمع فهذا تشبيه، وأما إذا قال كما قال الله: يد وسمع وبصر ولا يقول كيد ولا مثل سمع ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيهًا وهو كما قال ﵎ في كتابه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^١) \" (^٢).\nقال نعيم بن حماد (^٣): \"من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر ومن أنكر ما وصف الله به نفسه، فقد كفر وليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيهًا\" (^٤).\nوبسبب هذا التنزيه المزعوم عن مشابهة الله تعالى لخلقه، وقع القرطبي والمازري في نفي جميع صفات الله تعالى عدا الصفات السبع التي يثبتها الأشاعرة.\nوخالفوا المنهج السلفي الذي عليه الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام في القرون المفضلة ومن سلك مسلكهم إلى يومنا هذا.\nفهم يثبتون لله تعالى ما أثبته سبحانه لنفسه أو أثبته له رسوله - ﷺ - مع تنزيهه سبحانه عن مشابهة المخلوقين. لكن هؤلاء جعلوا مجرد إثبات الصفات لله تعالى الواردة في الكتاب والسنة يعتبر تشبيهًا له سبحانه بخلقه. ولذا رموا السلف المثبتين لهذه الصفات بصفات منفرة كقولهم: المجسمة أو المشبهة أو الحشوية كما سبق بيانه.\n_________\n(^١) سورة الشورى، آية: ١١.\n(^٢) أقاويل الثقات للكرامي ص (١٣٩).\n(^٣) نعيم بن حماد بن معاوية الخزاعي كان من أشد الناس على الجهمية توفي سنة (٢٢٨ هـ) في سجن المأمون إذ امتحن على القول بخلق القرآن فأبى حتى مات في سجنه ﵀ سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٩٥)، طبقات الحفاظ ص (٢٠٣) ترجمة (٤٠٥).\n(^٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٣/ ٥٨٧).","vol":"1","page":455},{"text":"وقد سلك المتكلمون هذا المنهج الباطل نظرًا لتحكيمهم العقول القاصرة في النصوص الشرعية، وتقديم العقل على النقل، وزعمهم أن إثبات هذه الصفات يناقض العقل فاعتقدوا أن إثبات الصفات الذاتية كاليد والقدم ونحوها يقتضي التجسيم والتركيب بحيث يكون الله تعالى جسمًا مجسمًا ذا أعضاء وجوارح.\nوأن إثبات علو الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه أو نزوله إلى السماء الدنيا يقتضي إثبات الجهة لله تعالى والتحيز وأنه محصور محدود.\nوأن إثبات هذه الصفات وغيرها من الصفات الفعلية لله تعالى يلزم منه حلول الحوادث بالله تعالى، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. إلى غير ذلك من الترهات التي هي من آثار تحكيم العقول وتقديمها على النصوص الشرعية فلبسوا على من لا يعرف مصطلحاتهم، وهي في الحقيقة أوهام وشبهات منعتهم من قبول الحق، ووقعوا بسببها في تحريف نصوص الكتاب والسنة.\nوسأورد بعض النقولات من كتابي \"المفهم\" و\"المعلم\" تبين سلوك القرطبي والمازري لهذا المسلك والتزامهما بهذا المنهج، والأمر يتضح أكثر عند التفصيل في الصفات حيث يكون الرد المفصل من خلالها.\nوسأتبع هذه النقولات بالتفصيل في هذه الشبه التي انقدحت في عقولهم مع الرد عليها من كلام السلف.\nومن الشبه التي وقع فيها القرطبي - ﵀ - ما ذهب إليه من أن العقل والنقل يؤيدان ما ذهب إليه في التأويل حيث قال: \"العقل والنقل يردان مذهب المجسمة، أما العقل: فلو كان عرضًا أو جسمًا لجاز عليه","vol":"1","page":456},{"text":"ما يجوز عليهما، ويلزم تغيره وحدثه. وأما النقل: فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^١) ولو كان جسمًا أوعرضًا لكان كل شيء منهما مماثلًا له\" (^٢).\n\"فإن الأجسام من حيث هي متساوية في الأحكام العقلية، وما ثبت للشيء ثبت لمثله، وقد ثبت لهذه الأجسام الحدوث فيلزم عليه أن يكون الله تعالى حادثًا، ويلزم على قولهم أن يكون كل واحد منا مثلًا له تعالى من جهة الجسمية والحيوانية والجوارح وغير ذلك من الأعضاء (^٣).\nوقال: \"والله منزه عن الجسمية ولوازمها\" (^٤).\nثم قال: \"وقد شهد العقل والنقل أن الله منزه عن مماثلة الأجسام وعن الجوارح المركبة\" (^٥).\nوقال في نفي علو الله تعالى واستوائه على عرشه: \"الباري منزه عن الاختصاص بالأمكنة والجهات، إذ ذاك من لوازم المحدثات\" (^٦).\nوقال أيضًا: \"الله منزه عن الفوقية كما هو منزه عن التحتية إذ كل ذلك من لوازم الأجرام وخصائص الأجسام\" (^٧).\nوقال أيضًا: \"الباري يستحيل أن يحيط به حجاب، إذ يلزم منه أن يكون مقدرًا محصورًا فيحتاج إلى مقدر ومخصص، ويلزم منه\n_________\n(^١) سورة الشورى، آية: ١١.\n(^٢) المفهم (١/ ٤٠٨).\n(^٣) المفهم (٧/ ١٩٤).\n(^٤) المفهم (١/ ٤٣٦).\n(^٥) المفهم (٤/ ٢٢).\n(^٦) المفهم (٦/ ٤٥١).\n(^٧) المفهم (٣/ ٥٩٥).","vol":"1","page":457},{"text":"حدوثه\" (^١).\nوقال: \"كل موجود ممكن محدث، وهو لا يخلو عن الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث\" (^٢).\nوقال في نفي استواء الله على عرشه بالشبه العقلية: \"ومما يعلم استحالته كون العرش حاملًا لله تعالى، وأن الله مستقر عليه كاستقرار الأجسام، إذ لو كان مجمولًا لكان محتاجًا فقيرًا لما يحمله (^٣)، وذلك ينافي وصف الإلهية إذ أخص أوصاف الإله الاستغناء المطلق\" (^٤).\nوقال المازري: \"الصورة تفيد التركيب، وكل مركب محدث، والباري سبحانه ليس بمحدث، فليس بمركب وما ليس بمركب فليس بمصور\" (^٥) إلى غير ذلك من الشبه العقلية التي جعلوها حجة لصرف النصوص عن المراد بها، وللقدح في مذهب السلف الصالح في الإثبات وأهل السنة لا يوافقونهم على هذه الألفاظ، ولا يجعلون الطعن عليهم فيها سببًا لعدم قولهم الحق، أو التردد فيه. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>١ - التركيب:</span>\nادَّعى الأشاعرة ومن على منهجهم أن إثبات الصفات الخبرية\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٤١١).\n(^٢) المفهم (٦/ ٦٧٠).\n(^٣) أهل السنة مع إثباتهم لاستواء الله على عرشه لا يسلمون بهذه اللوازم وينكرون احتياج الله تعالى لخلقه ويثبتون استغناءه التام، وسيأتي الرد عليه عند التفصيل في هذه الصفة ص (٤٤٧).\n(^٤) المفهم (٦/ ٦٧٠).\n(^٥) المعلم (٣/ ١٦٩).\n(^٦) سورة الرعد، آية: ١٧.","vol":"1","page":458},{"text":"الذاتية لله تعالى كصفة الوجه واليد ونحوها يؤدي إلى أن يكون الله مركبًا، وما كان كذلك، فهو مستلزم للحاجة والافتقار، وهذا بناءً على قياسهم الخالق على المخلوق، وبهذا وقعوا في التشبيه والتعطيل (^١). ويقال في الرد عليهم:\nهذا اللفظ من الألفاظ المجملة التي لبسوا بها على الناس فلابد من الاستفصال عن معناه، فيقال لهم: ماذا تريدون بلفظ المركب؟ إن أردتم به ما ركبه غيره كقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ (^٢) أو ما كان متفرقًا فاجتمع، كأجزاء الطعام والثوب وغيره، أو ما يقبل التفريق والانقسام. فمن ادعى أن اتصاف الله بالصفات يؤدي إلى هذا المعنى الباطل فقد كذب وافترى، أما إن قصدتم ما تميز به شيء عن شيء كالعلم عن القدرة، أو ما ركب من الذات وصفاتها، فهذا حق، لكن تسمية هذا تركيبًا اصطلاحٌ باطل، فما من موجود إلَّا ويعلم منه شيء دون شيء، والجسم الذي له صفات لا يعرف في اللغة إطلاق كونه مركبًا، فإن التفاحة التي لها لون وطعم وريح لا يعرف في اللغة إطلاق كونها مركبة من لونها وطعمها وريحها (^٣)، فحجتهم صارت مبنية على مثل هذه الألفاظ المجملة، والتزام الألفاظ الشرعية مع الاستفصال عن الإجمال الواقع في المصطلحات الحادثة هو منهج السلف، وهو المنهج الحق. ثم هم يثبتون أن الله عالمٌ قادرٌ مريدٌ، فإن كانت ذاته مركبة من هذه المعاني لزم التركيب الذي ادعوه، وإن كانت عرضية لزم الافتقار الذي ادعوه.\n_________\n(^١) انظر: التبصير في الدين للإسفراييني ص (٩٦) والملل والنحل (١/ ١٠٥).\n(^٢) سورة الانفطار، آية: ٨.\n(^٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (٥/ ١٤٤) والفتاوى (٦/ ١٠٩)، والصواعق المرسلة لابن القيم (٣/ ٩٣٠).","vol":"1","page":459},{"text":"ثم لا يسلم لهم أن هناك تركيبًا من أجزاء بحال، وإنما هي ذات قائمة بنفسها مستلزمة للوازمها التي لا يصح وجوده إلَّا بها، وليست صفة الموصوف أجزاء له ولا أبعاضًا يتميز بعضها عن بعض، أو تتميز عنه حتى يصح أن يقال هي مركبة منه أو ليست مركبة. أنه لو فرض أن هذا يسمى مركبًا فليس مستلزمًا للإمكان، ولا للحدوث، ولا للافتقار، وذلك أنه علم بالعقل والسمع أنه يمتنع أن يكون الرب تعالى فقيرًا إلى خلقه، بل هو الغني عن العالمين فهو سبحانه غني بنفسه، ليس ثبوته وغناه مستفادا من غيره، إنما هو بنفسه، لم يزل ولا يزال حقًّا صمدًا قيومًا، فالقول في صفاته التي هي داخلة في مسمى نفسه هو القول في نفسه (^١).\nثم لا يتصورُ عاقل في حق الله تعالى خالق المفرد والمركب الذي يجمع المتفرق ويؤلف بين الأجزاء فيركبها كما يشاء أن يكون اتصافه بالصفات التي وصف بها نفسه يؤدي إلى التركيب! كالإنسان المركب من الأجزاء التي يحتاج بعضها إلى بعض، إن هذا قياس باطل عقلًا وشرعًا، وهو بهتان ومكابرة للعقل الذي يدل على إثبات إله واحد لا شريك له، ولا شبيه له، ولا يتصور عقلًا أن يكون هذا الرب الواحد لا صفة له ولا وجه ولا يدين، ولا هو فوق خلقه فدعوى أن هذا يؤدي إلى التركيب دعوى باطلة، وكذب صريح على العقل والوحي (¬<span data-type=\"title\" id=toc-180>٢).\n\n٢ - الجسم:</span>\nلفظ الجسم من الألفاظ المبتدعة التي لم تأت في الكتاب ولا السنة، ولا تكلم بها أحدٌ من الصحابة أو التابعين.\n_________\n(^١) انظر: نقض أساس التقديس لابن تيمية (١/ ٦٠٥، ٦٠٧) ومنهاج السنة لابن تيمية (٢/ ٥٤١).\n(^٢) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٣/ ٩٤٥، ٩٤٧).","vol":"1","page":460},{"text":"\"فلما ظهرت الجهمية نفاة الصفات تكلم الناس في الجسم، وفي إدخال لفظ الجسم في أصول الدين، وفي التوحيد، وكان هذا من الكلام المذموم عند السلف والأئمة، فصار الناس في لفظ الجسم على ثلاثة أقوال: طائفة تقول إنه جسم، وطائفة تقول ليس بجسم، وطائفة تمسك عن إطلاقه نفيًّا أو إثباتًا، وهذا لكونه بدعة في الشرع، أو لكونه في العقل يتناول حقًّا وباطلًا، فمنهم من يكف عن التكلم في ذلك، ومنهم من يستفصل المتكلم، فإن ذكر في النفي أو الإثبات معنى صحيحًا قبله، وعبَّر عنه بعبارة شرعية، ولا يعبر عنها بعبارة مبتدعة في الشرع، وإن ذكر معنى باطلًا ردَّه، وذلك أن لفظ الجسم فيه اشتراك بين معناه في اللغة ومعانيه المصطلح عليها، وفي المعنى مصطلحات عقلية فيطلقه كل قوم بحسب اصطلاحاتهم وحسب اعتقاداتهم\" (^١).\n\"فيقال لمن أطلقه: ما أردت بالجسم؟ فإن قال: أردت الجسم الذي معناه في لغة العرب البدن الكثيف الذي لا يسمى في اللغة جسم سواه، فهذا المعنى منفي عن الله تعالى عقلًا وسمعًا\" (^٢).\n\"وإن قال: أردت بالجسم ما كان مركبًا من الجواهر الفردة أو المادة والصورة، وأن هذا يقتضي أن يكون تجسيمًا والأجسام متماثلة. قيل له: أكثر العقلاء يخالفونك في تماثل الأجسام المخلوقة، وفي أنها مركبة، فلا يقولون: إن الهواء مثل الماء، ولا أبدان الحيوان مثل الحديد والجبال، فكيف يوافقونك على أن الرب تعالى يكون جسمًا مماثلًا لخلقه إذا أثبتوا له ما ورد في صحيح المنقول من صفاته تعالى\" (^٣).\n_________\n(^١) منهاج السنة لابن تيمية (٢/ ١٩٨).\n(^٢) الصواعق المرسلة لابن القيم (٣/ ٩٣٩).\n(^٣) انظر: الفتاوى لابن تيمية (١٧/ ٣١٧، ٣١٨).","vol":"1","page":461},{"text":"وإن قال: أردت بالجسم ما يوصف بالصفات ويرى بالأبصار، ويتكلم ويكلم ويسمع ويبصر ويرضى ويغضب، فهذه المعاني ثابتة لله تعالى، وهو موصوف بها، فلا ننفيها عنه تعالى بتسميتك للموصوف بها جسمًا، كما أننا لا نسُبُّ الصحابة لأجل تسمية الروافض لمن يحبهم ويواليهم نواصب، ولا نرد خبر الصادق عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله لتسمية أعداء الحديث لنا حشوية! ! ولا نجحد صفات خالقنا وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه لتسمية الفرعونية المعطلة لمن أثبت ذلك جسمًا مشبهًا! !\nفإن كان تجسيمًا ثبوت استوائه ... على عرشه إني إذًا لمجسم\nوإن كان تشبيهًا ثبوت صفاته ... فمن ذلك التشبيه لا أتكتم\nوإن كان تنزيهًا جحود استوائه ... وأوصافه أو كونه يتكلم\nفعن ذلك التنزيه نزهت ربنا ... بتوفيقه والله أعلى وأعظم (^١)\nوإن أردت بالجسم ما يشار إليه إشارة حسية، فقد أشار أعرف الخلق بأصبعه رافعًا إلى السماء بمشهد الجمع العظيم مستشهدًا له لا للقبلة.\nوإن أردت بالجسم ما يقال: أين هو؟ فقد سأل أعلم الخلق به بأين منبهًا على علوه على عرشه، وسمع السؤال بأين وأجاب عنه، ولم يقل هذا السؤال إنما يكون للجسم.\nوإن أردت بالجسم ما يلحقه من وإلى، فقد نزل جبريل ﵇ من عنده، وعرج برسوله - ﷺ - إليه، وإليه يصعد الكلم الطيب وعبده المسيح رفع إليه.\n_________\n(^١) هذه الأبيات لابن القيم ﵀. انظر: الصواعق المرسلة (٣/ ٩٤٠).","vol":"1","page":462},{"text":"وإن أردت بالجسم ما له وجه ويدان وسمع وبصر، فنحن نؤمن بوجه ربنا الأعلى، وبيديه وسمعه وبصره، وغير ذلك من صفاته التي أطلقها على نفسه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>٣ - حلول الحوادث والأعراض:</span>\nلقد نفى القرطبي والمازري - تبعًا للأشاعرة - صفات الله تعالى الفعلية بحجة أن إثباتها يؤدي إلى حلول الحوادث بالله تعالى، وقالوا: ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث (^٢).\nقال شارح الطحاوية: \"حلول الحوادث بالرب تعالى المنفي في علم الكلام المذموم لم يرد نفيه ولا إثباته في الكتاب ولا في السنة، وفيه إجمال، فإن أريد بالنفي أنه لا يحلُّ في ذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن، فهذا نفي صحيح، وإن أُريد به نفي الصفات الاختيارية من أنه لا يفعل ما يريد ولا يتكلم بما شاء، ولا أنه يغضب ويرضى لا كأحد من الورى ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول والاستواء والإتيان كما يليق بجلاله وعظمته فهذا نفي باطل.\nوأهل الكلام يطلقون نفي حلول الحوادث فيسلم السني للمتكلم ذلك على ظن أنه نفى عنه سبحانه ما لا يليق بجلاله، فإذا سلم له هذا النفي ألزمه نفي الصفات الاختيارية وصفات الفعل وهذا غير لازم له\" (^٣).\nوقال شيخ الإسلام في رد هذه الشبهة: \"لفظ الأعراض والحوادث لفظان مجملان، فإن أريد بذلك ما يعقله أهل اللغة من أن هذه الأعراض\n_________\n(^١) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٣/ ٩٣٩، ٩٤٣).\n(^٢) انظر: التبصير في الدين للإسفراييني ص (٩٦، ٩٧) والملل والنحل (١/ ٩٥).\n(^٣) شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٩٧).","vol":"1","page":463},{"text":"والحوادث هي الأمراض والآفات كما يقال: فلان عرض له مرض شديد، وفلان قد أحدث حدثًا عظيمًا ... ويقال: فلان به عارض من الجن، وفلان حدث له مرض فهذه من النقائص التي ينزه الله عنها\" (^١).\nثم بيَّن أنه إن أريد بنفي الأعراض والحوادث نفي صفات الله تعالى التي أثبتها سبحانه لنفسه، فإن هذا غير صحيح فجعل هذه الصفات أعراضًا وأحداثًا اصطلاح أحدثه علماء الكلام، والعلماء باللغة وبكتاب الله لا يفقهون من هذه الألفاظ هذا المعنى الذي اصطلحوا عليه ونفوا به صفات كماله وجلاله (^٢).\nولا يلزم من إثبات الصفات الاختيارية لله تعالى كالخلق والإحياء والغضب والرضا ونحو ذلك، مما وصف الله به نفسه حلول الحوادث بالله تعالى؛ لأن الله سبحانه عندما يخلق أو يتكلم أو يغضب أو يرضى لا يكون الكلام قد حدث له بعد أن كان ممتنعًا عليه؛ لأنه سبحانه لم يزل متصفًا بصفات الكمال.\nفحدوث الكلام والخلق والتصوير في وقت دون وقت \"غير ممتنع ولا يطلق عليه أنه حدث بعد أن لم يكن ألا ترى أن من تكلم اليوم وكان متكلمًا بالأمس لا يقال: إنه حدث له الكلام ولو كان غير متكلم لآفةٍ كالصغر والخرس ثم تكلم يقال: حدث له الكلام، فالساكت لغير آفةٍ يسمى متكلمًا بالقوة بمعنى أنه يتكلم إذا شاء، وفي حال تكلمه يسمى متكلمًا بالفعل وكذلك الكاتب في حال الكتابة هو كاتب بالفعل ولا يخرج عن كونه كاتبًا في حال عدم مباشرته للكتابة\" (^٣).\n_________\n(^١) الفتاوى لابن تيمية (٦/ ٩٠).\n(^٢) انظر: الفتاوى (٦/ ٩١).\n(^٣) شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٩٧).","vol":"1","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>٤ - الجهة والتحيز:</span>\nوقد توصلوا بهذين اللفظين إلى نفي علو الله تعالى على خلقه، واستوائه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا (^١).\nفيقال لهم: لفظ الجهة من الألفاظ المجملة التي تحتمل حقًّا وباطلًا، فيقال لمن أطلقه: ماذا تقصد بلفظ \"الجهة\" الذي تنفيه عن الله تعالى؟\nفإن أردت بذلك نفي السفل أو نفي أن يكون الله تعالى في داخل المخلوقات تحيط به فهذا المعنى صحيح، ولكن إطلاق لفظ جهة لا يوافق عليه؛ لأنه لم يرد في كتاب ولا سنة فلا يجوز إطلاقه، وإلَّا فمن المعلوم أن الله تعالى عالٍ على خلقه مستوٍ على عرشه، ليس في داخل المخلوقات ولا تحيط به ﷾ عن ذلك فهو مباين لخلقه غير مختلط بهم.\nوأما إن أردت بنفي الجهة نفي علو الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه، فهذا باطل مخالف للعقل والنقل؛ لأن هذه الصفات لله تعالى ثابتة بالأدلة القاطعة، فلا يكون هذا اللفظ الحادث سببًا في نفي ما ثبت لله تعالى من صفات الكمال\" (^٢).\nوأمَّا التحيز فيقال: إن أردتم به أن الله تعالى يحوزه شيء فالله تعالى منزه عن هذا، إذ ما ثم إلَّا الخالق والمخلوق، وقد علم بصريح العقل أن الله لا يحل في خلقه، ولا يحله شيء من خلقه، فإذا كان كذلك واستحال أن يوصف بجهة السفل - كما يوافق الأشعرية على ذلك - لم يبق إلَّا أن\n_________\n(^١) انظر: التبصير في الدين للأسفراييني ص (٩٨) والفرق بين الفرق للبغدادي ص (٣٣٣).\n(^٢) انظر: نقض أساس التقديس لابن تيمية (٢/ ١١٧ - ١١٩) ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (١/ ٢٥٣، ٢٥٥).","vol":"1","page":465},{"text":"يوصف بالعلو. وأما التحيز العدمي -فهذا قد يطلقونه- كما هو الشأن في العالم، فقد يقولون إن العالم متحيز -أي ليس داخلًا في عالم آخر- وعليه فإن الحيز هنا أمر عدمي، والعدم ليس بشيء، فإذا كان كذلك، فإن الله تعالى بهذا الاعتبار منحاز عن خلقه\" (^١).\nولكن يجب إطلاق كلمة العلو والاستواء لا هذا اللفظ الذي لم يرد في الكتاب أو السنة، إنما أرادوا بإطلاقه نفي ما ثبت لله ﷾ من علوه على خلقه واستوائه على عرشه، ونزوله إلى سمائه الدنيا تعالى الله تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.\nوقولهم هذا بدعوى تنزيه الله تعالى أوقعهم بضد هذا التنزيه الذي ادعوه إذ هذا التنزيه المزعوم جعلهم يقولون: بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، فجمعوا بهذا بين النقيضين إذ يستحيل أن يكون الموجود لا داخل العالم ولا خارجه، وما ثم إلَّا الخالق والمخلوق، والمخلوق هو العالم، فإذا قيل ليس داخل العالم لزم أن يكون خارجه (^٢).\nويلزم من قولهم هذا تشبيه الله تعالى بالممتنعات والمعدومات؛ لأنها يصدق عليها: لا داخل العالم ولا خارجه، فيكونون قد فروا من شيء توهموه شرًّا، إلى ما هو أشرُّ منه (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>٥ - الحد:</span>\nالحد من الألفاظ المحدثة المحتملة للحق والباطل، ولذا نقل عن السلف إثباته ونفيه.\n_________\n(^١) انظر: نقض أساس التقديس (٢/ ١١٧، ١١٩) ودرء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٥٣، ٢٥٤).\n(^٢) انظر: التدمرية لابن تيمية ص (٣٦) وشرح النونية للهراس (١/ ١٧٦، ١٧٧).\n(^٣) انظر: التدمرية ص (٦١، ٦٤).","vol":"1","page":466},{"text":"قيل لعبد الله بن المبارك: كيف تعرف الله ﷿؟ قال: على العرش بحد (^١).\nوورد إثبات هذا اللفظ عن الدارمي وغيره (^٢)،\nوقد أنكره بعض السلف ولم يروا إطلاقه، وجاء عن الإمام أحمد إثبات الحد ونفيه (^٣).\nوالصحيح أنه لا تعارض بين القولين، إذ النافي نفى المعاني الباطلة، والمثبت قصد إثبات ما تنفيه المعطلة، والرد على الجهمية القائلين بالحلول.\nقال شيخ الإسلام: \"ولما كان الجهمية يقولون ما مضمونه إن الخالق لا يتميز عن الخلق فيجحدون صفاته التي تميز بها، ويجحدون قدره .. فبين ابن المبارك أن الرب سبحانه على عرشه مباين لخلقه منفصل عنه، وذكر الحد؛ لأن الجهمية كانوا يقولون. ليس له حد، وما لا حد له لا يباين المخلوقات، ولا يكون فوق العالم؛ لأن ذلك مستلزم للحد\" (^٤).\nوقال عن الروايتين الواردتين عن الإمام أحمد: \"حيث نفاه نفى تحديد الحادِّ له، وعلمه بحده، وحيث أثبته أثبته في نفسه، ولفظ الحد يقال على حقيقة المحدود، صنفة أو قدرًا، أو مجموعهما، ويقال على العلم والقول الدال على المحدود\" (^٥).\n_________\n(^١) رد الدارمي على المريسي (١/ ٢٢٤).\n(^٢) المرجع السابق.\n(^٣) انظر: أساس التقديس لابن تيمية (١/ ٤٣٠، ٤٣٣).\n(^٤) المرجع السابق (١/ ٤٤٣).\n(^٥) المرجع السابق (٢/ ١٧٤).","vol":"1","page":467},{"text":"فيكون الحد في كلام السلف على ثلاثة معان:\n١ - ما ينفصل به الشيء ويتميز به عن غيره، وعلى هذا نقول إن الله تعالى غير حالٍّ في خلقه، ولا قائم بهم، بل هو القيوم القائم بنفسه، المقيم لما سواه، فالحد بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في نفس الأمر أصلًا، فإنه ليس وراء نفيه إلَّا نفي وجود الرب، ونفي حقيقته (^١).\n٢ - ويطلق على معنى الكيفية، ويدل عليه قول الإمام أحمد: \"ولا يصفه الواصفون ولا يحده أحد، تعالى الله عما يقول الجهمية والمشبهة\" (^٢).\nفالله تعالى بهذا المعنى له حد، لكن لا يجوز لأحد أن يحده؛ لأنه غير معلوم، فلصفات الله كيفية، لكنها غير معلومة لنا، كما قال الإمام الدارمي: \"والله تعالى له حد لا يعلمه أحد غيره .. ولكن نؤمن بالحد، ونكل علم ذلك إلى الله\" (^٣).\n٣ - ويطلق على معنى حكاية غاية ونهاية تنتهي إليها صفات الله تعالى، فهذا ممنوع لأن صفات الله تعالى كقدرته وإرادته لا تحد بغاية، ويدل على ذلك قول الإمام أحمد \"سميع بصير بلا حد ولا تقدير\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>٦ - لفظ الأعضاء والأركان والجوارح:</span>\nاحتج نفاة صفات الله تعالى الذاتية، كاليد والوجه والقدم، وغيرها، بأن إثباتها لله تعالى يلزم منه إثبات الأعضاء والجوارح لله تعالى (^٥).\n_________\n(^١) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٢٦٣).\n(^٢) نقض أساس التقديس (٢/ ١٦٥).\n(^٣) رد الدارمي على المريسي (١/ ٢٢٣، ٢٢٤).\n(^٤) نقض أساس التقديس (١/ ٤٣١).\n(^٥) انظر: التبصير في الدين للأسفراييني ص (٩٦) والملل والنحل (١٠٥١).","vol":"1","page":468},{"text":"ولا شك أن هذا زعمٌ باطلٌ، وقولٌ مردودٌ، إذ جاء إثبات هذه الصفات في الكتاب والسنة، فلا ندعها لقول هؤلاء، ولذا فأهل السنة يقولون عن هذا الزعم: لا يقال لهذه الصفات إنها أعضاء أو جوارح، أو أدوات أو أركان؛ لأن الركن جزء الماهية، والله تعالى هو الأحد الصمد، لا يتجزأ، والأعضاء فيها معنى التفريق والتعضية، والجوارح فيها معنى الاكتساب والانتفاع، وكذلك الأدوات هي الآلات التي ينتفع بها في جلب المنفعة ودفع المضرة، وكل هذه المعاني منتفية عن الله، ولهذا لم يرد ذكرها في صفات الله تعالى\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>المطلب الرابع: رمي السلف بالتشبيه والتجسيم:</span>\nإن متابعة القرطبي والمازري للمتكلمين في قواعدهم التي أحدثوها لنفي صفات الله ﷾ جعلتهم يرمون أهل السنة بألقاب ذميمة هم منها براء، وذلك كتسميتهم بالحشوية، والمجسمة، إذ كل من أثبت الصفات لله سبحانه كما جاءت بها النصوص رموه بهذه الألقاب والأوصاف للتنفير منه.\nوتسميتهم بالحشوية أرادوا أنهم من حشو الناس وسقطهم، فلا يعتد بكلامهم، أو لإثباتهم العلو والاستواء، وهذا بزعمهم يؤدي إلى أن يكون الله تعالى في السماء مظروفًا محشوًا تعالى الله عن ذلك.\nقال ابن القيم:\nومن العجائب قولهم لمن اقتدى ... بالوحي من أثر ومن قرآن\nحشوية يعنون حشوًا في الوجو ... د وفضلة في أمة الإنسان\nويظن جاهلهم بأنهم حشوا ... رب العباد بداخل الأكوان\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٢٦٤).","vol":"1","page":469},{"text":"لا تبهتوا أهل الحديث به فما ... ذا قولهم تبًّ لذي البهتان\nكم ذا مشبهة وكم حشوية ... فالبهت لا يخفى على الرحمن (^١)\nفأولى أن يتصف هؤلاء المتكلمون بالحشو؛ لأنهم حشوا الأوراق وسودوها بزبالات عقولهم، وأفسدوها بالبدع، والضلالات المخالفة للقرآن والسنة (^٢). وسموهم بالمجسمة؛ لأنهم أثبتوا الصفات التي نفاها المتكلمون بعقولهم التي قدموها على نصوص الوحي، وأهل السنة أثبتوها لله تعالى من غير تشبيه له ﷾ بخلقه.\nقال ابن القيم:\nكم ذا مشبهة مجسمة نوا ... بتة مسبة جاهل فتان\nأسماء سميتم بها أهل الحـ ... ـديث وناصري القرآن والإيمان\nما ذنبهم والله إلَّا أنهم ... أخذوا بوحي الله والفرقان\nوأبوا يدينوا بالذي دنتم به ... من هذه الآراء والهذيان (^٣)\nوعند شرح القرطبي لقوله - ﷺ -: \"إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّاهم الله فاحذروهم\" (^٤) قال: يعني يتبعونه ويجمعونه طلبًا للتشكيك في القرآن، وإضلالًا للعوام، كما فعلته الزنادقة والقرامطة الطاعنون في القرآن. أو طلبًا لاعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما وقع في الكتاب والسنة مما يوهم ظاهره الجسمية حتى\n_________\n(^١) القصيدة النونية مع شرحها للهراس (١/ ٣٣٣).\n(^٢) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص (٨٠، ٨٢).\n(^٣) القصيدة النونية مع شرحها للهراس (١/ ٣٣٦).\n(^٤) وذلك بعد ما قرأ قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ الآية [سورة آل عمران،آية ٧] رواه البخاري في كتاب التفسير، باب \"منه آيات محكمات\" ح (٤٥٤٧) (٨/ ٥٧)، ومسلم في كتاب العلم، \"باب رفع العلم وقبضه\"ح (٢٦٧٣) (١٦/ ٤٦٥).","vol":"1","page":470},{"text":"اعتقدوا أن الباري تعالى جسم مجسم، وصورة مصورة، ذات وجه وعين ويد وجنب (^١) ورجل وإصبع، تعالى الله عن ذلك، فحذر النبي - ﷺ - عن\n_________\n(^١) أهل السنة لا يقولون بأن الجَنْب صفة من صفات الله تعالى لعدم ورود ذلك بالكتاب أو السنة أما قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [سورة الزمر، آية: ٥٦]. فمعناه: قصرت في طاعة الله، قال ابن جرير في تفسير هذه الآية: قوله \"على ما فرطت في جنب الله\" يقول: على ما ضيعت من العمل بما أمرني الله به وقصرت في الدنيا في طاعة الله انظر: تفسير الطبري (١١/ ١٩). وقال الدارمي في رده على المريسي: وأدعيت علينا زورًا وبهتانًا أننا نقول أنَّ الجنب الوارد في الآية هو العضو فإن كنت صادقًا فأشر إلى أحد من بني آدم قاله؟ ! إنما تفسيرها: تحسر الكافرين على ما فرطوا في الإيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله تعالى واختاروا عليها الكفر، ولا يجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين فضلًا عن علمائهم، انظر: رد الدارمي على المريسي (٢/ ٨٠٧). قال ابن تيمية: لا يعرف عالم مشهور عند المسلمين ولا طائفة مشهورة من طوائف المسلمين أثبتوا لله جنبًا نظير جنب الإنسان وهذا اللفظ جاء في القرآن في قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ فليس في مجرد الإضافة ما يستلزم أن يكون المضاف إلى الله صفة له، بل قد يضاف إليه من الأعيان المخلوقة وصفاتها القائمة بها ما ليس بصفة له باتفاق الخلق كقوله تعالى: \"بيت الله \"و\"ناقة الله\"و\"عباد الله\" بل وكذلك \"روح الله\" عند سلف المسلمين وأئمتهم وجمهورهم ولكن إذا أضيف إليه ما هو صفة له وليس بصفة لغيره مثل: كلام الله وعلم الله ويد الله ونحو ذلك كان صفة له وفي القرآن ما يبين أنه ليس المراد بالجنب ما هو نظير جنب الإنسان فإنه قال: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ والتفريط ليس في شيء من صفات الله ﷿ والإنسان إذا قال: فلان قد فرط في جنب فلان، أو جانبه لا يريد به أنَّ التفريط وقع في شيء من نفس ذلك الشخص بل يريد به أنه فرط في جهته اللفظ وفي حقه فإذا كان هذا اللفظ إذا أضيف إلى المخلوق لا يكون ظاهره أنَّ التفريط في نفس جنب الإنسان المتصل بأضلاعه بل ذلك التفريط لم يلاصقه فكيف يظن أنَّ ظاهره في حق الله أنَّ التفريط كان في ذاته.\nالجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٤/ ٤١٥).\nوقد ذكر ابن الجوزي عند تفسيره لهذه الآية خمسة أقوال لجنب الله هي: طاعة الله وحق الله وأمر الله وذكر الله وقرب الله. زاد المسير (٧/ ٦٠). على أن صديق حسن خان ﵀ قد ذكر الجنب من صفات الله تعالى وهو وهم منه ﵀. انظر: قطف الثمر في عقيدة أهل الأثر لصديق حسن ص (٦٧).","vol":"1","page":471},{"text":"سلوك طريقهم، فأما القسم الأول: فلا شك في تكفيرهم وأن حكم الله فيهم القتل من غير استتابة. وأما القسم الثاني: فالصحيح القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور، ويستتابون، فإن تابوا، وإلَّا قتلوا، كما يفعل بمن ارتد\" (^١).\nوعند شرحه للحديث الذي فيه إثبات القدم لله تعالى قال: \"قد ضل بظاهر هذا اللفظ من أذهب الله عقله، وأعدم فهمه، وهم المجسمة المشبهة، فاعتقدوا أن لله تعالى رِجْلًا من لحم وعصب تشبه أرجلنا، كما اعتقدوا في الله تعالى أنه: جسم يشبه أجسامنا، ذو وجه وعينين، وجنب، ويد، ورجل، وهكذا، وهذا ارتكاب جهالة خالفوا بها العقول وأدلة الشرع المنقول، وما كان سلف هذه الأمة عليه من التنزيه عن المماثلة والتشبيه، وكيف يستقر هذا المذهب الفاسد في قلب من له أدنى فكرة ومن العقل أقل مسكة\" (^٢).\nوعند شرحه لقوله - ﷺ -: \"إذا قاتل أحدكلم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته\" (^٣).\nقال: \"قد أعادت المشبهة هذا الضمير على الله تعالى، فالتزموا القول بالتجسيم، وذلك نتيجة العقل السقيم، والجهل العميم، وقد بيَّنا جهلهم وحقَّقنا كفرهم، فيما تقدم\" (^٤).\nوقال عند حديثه عن فتنة الدجال: \"وكل ما يظهره الله على يدي الدجال من الخوارق للعادة محن امتحن الله بها عباده، وابتلاء ابتلاهم به\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٦٧٠).\n(^٢) المفهم (٧/ ١٩٤).\n(^٣) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة، باب النهي عن ضرب الوجه ح (٢٦١٢) (١٦/ ٤٠٤).\n(^٤) المفهم (٦/ ٥٩٨).","vol":"1","page":472},{"text":"ليميز أهل التنزيه والتوحيد بما يدل عليه العقل السديد من استحالة الإلهية على ذوي الأجسام، وإن أتوا على دعواهم بامتثال تلك الطوام أو ليغتر أهل الجهل باعتقاد التجسيم حتى يوردهم ذلك نار الجحيم\" (^١).\nوقال أيضًا: \"الغالب على اليهود أنهم يعتقدون الجسمية، وأن الله تعالى شخص ذو جوارح، كما تعتقده غلاة الحشوية في هذه الملة\" (^٢).\nوقال المازري بعد ذكره لعدة تأويلات لصرف ما ثبت في الحديث الصحيح من إثبات القدم لله تعالى: \"وإذا أمكن حمل الحديث على هذه التأويلات الصحيحة الجائزة على الله سبحانه لم يصح حمله على ما تقوله المجسمة من إفادته إثبات الجارحة لله، تعالى الله عن قولهم، وقد قام الدليل القاطع على استحالة ذلك عليه جل وعلا وهذا واضح فتأمله\" (^٣).\nولا شك أن رميهم أهل السنة بهذه الألقاب من التعدي والظلم الذي لا يرضاه الله تعالى إضافة إلى إلزامهم لمن يثبت هذه الصفات لله تعالى كما وردت بالتشبيه وأهل السنة من هذا براء (^٤).\nقال الإمام الدارمي في رده على المريسي: \"وكيف استجزت أن تسمى أهل السنة وأهل المعرفة بصفات الله المقدسة مشبهة إذا وصفوا الله بما وصف به نفسه في كتابه بالأسماء التي أسماؤها موجودة في صفات بني آدم بلا تكييف\" (^٥).\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ٢١٧٣) وانظر: أيضًا (٧/ ٢٩٣).\n(^٢) المفهم (٣/ ٣٨٩).\n(^٣) المعلم (٣/ ٢٠١).\n(^٤) ويتبين هذا في هذا المبحث أي: مبحث منهجهما في الصفات حيث صرفوا عامة النصوص الواردة في الصفات الفعلية والذاتية عن ظاهرها والزموا من أثبتها بالتجسيم والتشبيه.\n(^٥) رد الدارمي على المريسي (١/ ٣٠١).","vol":"1","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>المطلب الخامس: منهجهما في سائر صفات الله تعالى:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>صفة العلم:</span>\nالعلم صفة ذاتية لازمة لله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (^١)، وقال سبحانه: ﴿قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (^٢). وقال - ﷺ -: \"اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علَّام الغيوب\" (^٣). والأدميون وإن كانوا يوصفون بالعلم، فإن ذلك ينصرف منهم إلى نوع من المعلومات دون نوع، وقد يوجد ذلك منهم في حال دون حال، وقد تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل، ويعقب ذكرهم النسيان (^٤).\nوعلم الله ليس كعلم المخلوقين، تعالى الله سبحانه عن مشابهة خلقه، وقد أثبت الأشاعرة هذه الصفة مع باقي الصفات السبع التي أثبتوها مع مخالفة لأهل السنة في إثباتها (^٥)، وتابعهم القرطبي على ذلك، حيث قال عند تعريفه للإيمان بالله تعالى: \"الإيمان بالله: هو التصديق بوجوده تعالى، وأنه لا يجوز عليه العدم، وأنه تعالى موصوف بصفات الجلال والكمال من العلم والقدرة والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، والحياة، وأنه تعالى منزه عن صفات النقص التي هي أضداد تلك الصفات\" (^٦).\n_________\n(^١) سورة الأنعام، آية: ٧٣.\n(^٢) سورة الطلاق، آية: ١٢.\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الاستخارة ح (٦٣٨٢) (١١/ ١٨٧)\n(^٤) شأن الدعاء للخطابي ص (٥٧).\n(^٥) انظر: اللمع للأشعري ص (٢٨ - ٣٢) والإنصاف للباقلاني ص (٣٨، ٣٩).\n(^٦) المفهم (١/ ١٤٤).","vol":"1","page":474},{"text":"وقال عن علم الله تعالى: \"الله عالم بما كان وبما يكون وبما لا يكون: أن لو كان كيف كان يكون\" (^١).\nوقال أيضًا: \"الله تعالى علم مقادير الأشياء وأحوالها، وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا محدث في العالم العلوي والسفلي إلَّا وهو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>صفة القدرة:</span>\nصفة ذاتية لازمة لله تعالى، قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٣)\n، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾ (^٤).\nوقال - ﷺ -: \"أعوذ بعزة الله وقدرته من شرما أجد وأحاذر\" (^٥)، وقال - ﷺ - في حديث الاستخارة: \"اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر\" (^٦).\nوالقرطبي أثبت هذه الصفة متابعة للأشاعرة؛ لأنها من الصفات السبع التي يثبتها الأشاعرة، وقد سبق نقل إثبات القرطبي لهذه الصفات، وذلك في صفة العلم.\nوقد بين حكم من أنكر هذه الصفة فقال: اختلف في تكفير من\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٢١٦).\n(^٢) المفهم (١/ ١٣٢).\n(^٣) سورة البقرة، آية: ٢٠.\n(^٤) سورة الأنعام، آية: ٦٥.\n(^٥) رواه مسلم في كتاب السلام، باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء ح (٢٢٠٢) (١٤/ ٤٣٩).\n(^٦) سبق تخريجه ص (٤٧٤).","vol":"1","page":475},{"text":"اعترف بأن الله قادر بلا قدرة، وعالم بلا علم، ومريد بلا إرادة، فهل يكفر أم لا؟ ولا يختلف المسلمون أن من جهل أو شك في كون الباري تعالى عالمًا به، وقادرًا على إعادته كافر حلال الدم في الدنيا، مخلد في النار في الآخرة؛ لأن ذلك معلوم من الشرع بالضرورة، وجحده أو الشك فيه تكذيب للرسول - ﷺ - قطعًا\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>صفة الإرادة:</span>\nصفة ذاتية لازمة لله تعالى، قال جل وعلا: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ (^٢)، وقال ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾ (^٣). وقال - ﷺ -: \"إذا أراد الله بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم\" (^٤).\nوالقرطبي قد أثبت هذه الصفة تبعًا للأشاعرة، بل إن الأشاعرة صرفوا كثيرًا من صفات الله تعالى إلى هذه الصفة، فقالوا عن محبة الله: إنها إرادة إكرام من يحب، وعن غضبه تعالى: إرادة الانتقام، وهكذا.\nوقد سبق في صفة العلم والقدرة نقل النصوص عن القرطبي في إثبات هذه الصفة، وفي تكفير من قال: إن الله مريد بلا إرادة.\nوقد أنكر القرطبي والمازري تسمية إرادة الله تعالى عزمًا، حيث قال القرطبي: \"عزم الله لي. أي: خلق فيَّ قصدًا مؤكدًا، وهو العزم، لا\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ٧٥).\n(^٢) سورة الأنعام، آية: ١٢٥.\n(^٣) سورة المائدة، آية: ١.\n(^٤) أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت ح (٢٨٧٩) (١٧/ ٢١٥).","vol":"1","page":476},{"text":"أن إرادة الله تسمى عزمًا لعدم الإذن في ذلك\" (^١).\nوقال المازري عند قول مسلم \"عزم الله لي\": \"لا يظن بمسلم أنه أراد لو عزم الله لي عليه لأن إرادة الله سبحانه لا تسمى عزمًا ولعله أراد سهل لي سبيل العزم، أو خلق في قدرة عليه\" (^٢).\nوقد جاء هذا اللفظ في قول أم سلمة - ﵂ - في صحيح مسلم قالت: \" .. فلما توفي أبوسلمة قلت: من خير من أبي سلمة صاحب رسول الله - ﷺ -، ثم عزم الله لي فقلتها (^٣). قالت: فتزوجت رسول الله - ﷺ -\" (^٤).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"وهل يجوز وصفه بالعزم؟ فيه قولان: أحدهما: المنع كقول القاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى. والثاني: الجواز وهو أصح فقد قرأ جماعة من السلف ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (^٥) بالضم، وفي الحديث الصحيح من حديث أم سلمة: \"ثم عزم الله لي\"، وكذلك في خطبة مسلم: \"فعزم لي\" (^٦).\nوالعزم في حق المخلوقين عقد القلب على إمضاء الأمر، ولا نقول في حق الله كيف؟ بل نثبته على وجه يليق بجلاله وعظمته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ\n_________\n(^١) المفهم (٢/ ٥٧).\n(^٢) المعلم (١/ ١٨٢).\n(^٣) أي قالت: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، لقوله ﵊: \"ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلفني خيرًا منها: إلَّا أخلف الله له خيرًا منها\" وهو نفس الحديث المخرج بعده.\n(^٤) رواه مسلم في كتاب الجنائز باب ما يقال عند المصيبة ح (٩١٨) (٦/ ٤٧٦).\n(^٥) سورة آل عمران، آية: ١٥٩.\n(^٦) الفتاوى (١٦/ ٣٠٣).","vol":"1","page":477},{"text":"شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (^١) (^٢).\nولكن مع إثبات الأشاعرة للصفات السبع، فهم لا يتفقون في إثباتهم مع أهل السنة، وذلك أنهم قالوا بنفي حلول الحوادث بذات الله تعالى، أي: نفي ما يتعلق بالله من الصفات الفعلية والاختيارية التي تقوم بذاته، وهذا قالوه بناء على دليل حدوث الأجسام، وأن ما حلت به الحوادث فهو حادث، ووجدوا أن إثبات هذه الصفات - عدا الحياة - يلزم منه حلول الحوادث بالله؛ لأنه مع وجود المخلوقات توجد معلومات ومرادات ومسموعات ومبصرات ومقدرات، وكذا إذا كلم بعض رسله أو أوحى إليهم، وصلة هذه بالله تعالى يلزم منها ما يسمونه بحلول الحوادث بالله تعالى؛ لأن علم الله بالشيء بعد وجودهِ ليس هو نفس علمه بعد وجوده، لم يتجدد له فيه نعت ولا صفة، وإلّا صار جهلًا، وهكذا بقية الصفات، فحاولوا حل هذه المعضلة - بزعمهم - بأن قالوا بأزلية هذه الصفات، وأنها لازمة لذات الله أزلًا وأبدًا، وقالوا: إنه لا يتجدد لله عند وجود هذه الموجودات نعت ولا صفة، وإنما يتجدد مجرد التعلق بين العلم والمعلوم فقط، ولا شك أن هذا من مخالفة العقل والنقل؛ لأن العلم بالشيء بعد وجوده ليس كالعلم به قبل وجوده، وقد ذكر الله تعالى علمه بما يكون في بضعة عشر موضعًا مع أنه تعالى قد أخبر أن علمه قد أحاط بكل شيء قبل كونه\" (^٣).\nوقد رد عليهم شيخ الإسلام بتخبطهم هذا بكلام يطول ذكره (^٤).\n_________\n(^١) سورة الشورى، آية: ١١.\n(^٢) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي السقاف ص (١٨١).\n(^٣) موقف ابن تيمية من الأشاعرة للمحمود (٣/ ١٠٥٤).\n(^٤) انظر: رسالة في تحقيق علم الله، لابن تيمية، جامع الرسائل (١/ ١٧٧)، والفتاوى (٨/ ٨) (١٦/ ٣٠١) والرد على المنطقيين ص (٤٦٥).","vol":"1","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>صفة الكلام:</span>\nصفة الكلام من أكثر الصفات التي وقع فيها النزاع والجدل، وابتلي بسببها عدد من أئمة الإسلام إذ ثبتوا على الحق فيها، وما حادوا عن الصواب، فواجهوا بسبب ذلك ما كان سببًا في رفع درجاتهم، وإعلاء مكانتهم، واختلف الناس في هذه الصفة على أقوال، منها:\n- ما ذهب إليه المعتزلة والجهمية من أن معنى كون الله تعالى متكلمًا أنه خلق الكلام في غيره، وليس الكلام صفة قائمة به (^١).\n- وأما الكلابية والأشاعرة، فأثبتوا صفة الكلام لله ﷿، وأن كلامه قائم بذاته أزلًا وأبدًا، لا يتعلق بمشيئته وقدرته، وقالوا: إن ذلك الكلام معنى واحد في الأزل هو الأمر بكل مأمور، والنهي عن كل محظور، والخبر عن كل مخبر عنه، فإن عبَّر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عبَّر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبَّر عنه بالسريانية كان إنجيلًا (^٢). فجعلوا صفة الكلام صفة ذاتية لله تعالى، وليست فعلية؛ لأن الله تعالى - بزعمهم - ليس له فعل قائم به، وإنما فعله مفعوله، والمفعول منفصل عنه، وكلام الله ليس منفصلًا عنه (^٣).\n- وأمَّا أهل السنة، فأثبتوا صفة الكلام صفة ذاتية لله تعالى، وفعلية، بمعنى أنه باعتبار أصله صفة ذاتية؛ لأنه تعالى لم يزل ولا يزال متكلمًا، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية؛ لأن الكلام يتعلق بمشيئته وقدرته (^٤).\n_________\n(^١) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٣٣، ٢٦٧).\n(^٢) انظر: الفتاوى لابن تيمية (١٢/ ٥٨٣).\n(^٣) انظر: الإنصاف للباقلاني ص (٧١) والتبصير في الدين للأسفرابيني ص (١٠١).\n(^٤) انظر: القواعد المثلى للشيخ محمد العثيمين ص (٢٥).","vol":"1","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>الكلام النفسي:</span>\nالقرطبي وافق الأشاعرة في قولهم في صفة الكلام، وأنه كلام نفسي ليس بحرف ولا صوت. فعند حديث أسامة بن زيد - ﵄ - الذي قال فيه: \"بعثنا رسول الله - ﷺ - في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلًا فقال: لا إله إلَّا الله، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: [قال: لا إله إلَّا الله وقتلته؟ قال: قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفًا من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا\" (^١).\nقال القرطبي: \"قوله: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟، أي: أقالها بقلبه، وتكلم بها مع نفسه، ففيه دليل لأهل السنة على أن حديث النفس كلام وقول، فهو رد على من أنكر ذلك من المعتزلة وأهل البدع\" (^٢).\nقلت: هذا ليس قولًا لأهل السنة، بل للأشاعرة المخالفين لأهل السنة في هذه المسألة، وليس في هذا دليل لهم بل عليهم؛ لأن هذا الرجل تكلم بهذه الكلمة، ونطق بها بلسانه، فالمنكر والمسؤول عنه هل اعتقد بقلبه معناها أم أن هذا القول على سبيل الكذب والتمويه، خوفًا من السلاح؟ .\nقال شيخ الإسلام: \"مما لا نزاع فيه أن القول والحديث ونحوهما مع التقييد يضاف إلى النفس والقلب، كما في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إن الله تجاوز لأمتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم تتكلم به\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص (١٤٤).\n(^٢) المفهم (١/ ٢٩٦).","vol":"1","page":480},{"text":"أو تعمل\" (^١) لكن النزاع في شيئين: أحدهما: أن الكلام على الإطلاق من غير إضافة إلى نفس أو قلب أو نحو ذلك هل هو اسم لمجرد المعنى أو لمجرد الحروف أو لمجموع المعاني والحروف؟ والذي عليه السلف والفقهاء والجمهور أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعًا، وقيل: بل مسماه هو اللفظ، والمعنى ليس جزءًا من مسماه، بل هو مدلول مسماه، وهذا قول كثير من المعتزلة وغيرهم وطائفة من المنتسبين للسنة وقيل: بل مسماه هو المعنى وإطلاق الكلام عليه مجازٌ؛ لأنه دالٌ عليه، وهذا قول ابن كلاب ومن تبعه\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"إذا قيد القول بالنفس كانت دلالة المقيد خلاف دلالة المطلق، والدليل قوله - ﷺ -: \"إن الله تجاوز لأمتي عمَّا حدَّثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل\" (^٣).\nوهذا ردٌّ عليهم مطلقًا لأنه قال: \"ما لم تتكلم\" فدل على أن حديث النفس ليس هو الكلام المطلق (^٤).\nأما قول العربي: \"كان في نفسي كلام\" ونحو ذلك، فلا يُخالفُ في صحته لكن ليس على مراد الأشعرية، إنما على مراد أهل السنة من كون لفظ \"الكلام\" إذا جاء مقيَّدًا كان التقييد قرينة دالة على إخراجه من إطلاقه حيث قد تُراد به المعاني أو الألفاظ بالقرائن، فلما قيَّده العربي ههُنَا\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب الأيمان والنذور باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان ح (٦٦٦٤) (١١/ ٥٥٧) ومسلم في كتاب الإيمان باب تجاوز الله عن حديث النفس ح (١٢٧) (٢/ ٥٠٦).\n(^٢) انظر: الفتاوى (٧/ ١٣٤ - ١٣٦).\n(^٣) سبق تخريجه ص (٤٨١).\n(^٤) انظر: الفتاوى (٧/ ١٣٣).","vol":"1","page":481},{"text":"بالنفس أخرجه من مطلق الكلام فكيف تحتج الأشاعرة بما هو مجاز على قواعدهم لتقرير ما هو الحقيقة؟ وذلك أنهم يقولون: ما تصرفه القرائن عن حقيقته إنما هو مجاز (^١).\nفأهل السنة يرون أن إثبات الكلام النفسي هو إضافة نقص إلى الله تعالى إذ أن الأخرس له خواطر يريد أن يتكلم بها، ولكنه مع ذلك لا يستطيع، فالله ﷾ منزَّه عن مثل هذا العجز، الذي يعتبر نقصًا في المخلوق، والله ﵎ منزه عن كل نقض، بل أولى بالتنزه عن ذلك النقص من المخلوق، فهو سبحانه متصف بصفات الكمال، ومتكلم بمشيئته وقدرته وإرادته متى شاء وكيف شاء\" (^٢).\nثم نعلم جميعًا أن المتكلم بالألفاظ والمعاني أكمل ممن يقوم المعنى في نفسه، وهو لا يقدر على التعبير عنه وهذا إن وجد في المخلوق الضعيف كان نقصًا بيِّنًا فكيف تصفون الله بأن كلامه هو المعنى الذي يكون في نفسه، وأن الله ﷿ يفهمه من شاء من خلقه، كما أفهمه جبريل، وجبريل يكون - على قولكم هذا - أكمل من الله؛ لأنه فهم المعنى، وأمكنه التعبير عنه، تعالى الله عن قولكم علوًّا كبيرًا، بل أي فرق بين الله وبين الآلهة التي لا ترجع إلى عابديها قولًا؟ \" (^٣).\n\"فالذين قالوا بهذا القول لم يتصوروا ماهيته وعجزوا عن بيانه بتعريف منضبط\" (^٤)\nقال شيخ الإسلام: \"الكلام النفساني الذي أثبتُّموه لم تثبتوا ما هو؟\n_________\n(^١) العقيدة السلفية في كلام رب البرية لعبد الله بن يوسف الجديع ص (٣٥١، ٣٥٢).\n(^٢) البيهقي وموقفه من الإلهيات للدكتور أحمد عطية الزهراني ص (٢٠٠).\n(^٣) العقيدة السلفية في كلام رب البرية، للجديع ص (٣٦٧، ٣٦٨) بتصرف.\n(^٤) المرجع السابق ص (٣٦٧).","vol":"1","page":482},{"text":"بل ولا تصورتموه وإثبات الشيء فرع تصوره فمن لم يتصور ما يثبته كيف يجوز أن يثبته؟ ولهذا كان أبو سعيد بن كلَّاب - رأس هذه الطائفة وإمامها في هذه المسألة - لا يذكر في بيانها شيئًا يعقل، بل يقول: هو معنى يناقض السكوت والخرس، والسكوت والخرس إنما يتصوران إذا تصور الكلام، فالساكت هو الساكت عن الكلام، والأخرس هو العاجز عنه، أو الذي حصلت له آفة في محل النطق تمنعه عن الكلام، وحينئذ فلا يعرف الساكت والأخرس حتى يعرف الكلام ولا يعرف الكلام حتى يعرف الساكت والأخرس فتبين أنهم لم يتصوروا ما قالوه ولم يثبتوه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>قولهم كلام الله ليس بحرف ولا صوت:</span>\nذهب الأشاعرة إلى القول بأن كلام الله تعالى ليس بحرف ولا صوت، وقالوا: إذا كان المتكلما ذا مخارج سمع كلامه ذا حروف وأصوات، والباري جل ثناؤه ليس بذي مخارج وكلامه ليس بحرف ولا صوت (^٢).\nقال القرطبي: \"لا خلاف بين أهل السنة في أن موسى سمع كلام الله الذي لا يشبهه كلام البشر الذي ليس بصوت ولا حرف، ولو سمعه بالحرف والصوت لما صحت خصوصية الفضيلة لموسى بذلك إذ قد سمع كلامه تعالى بواسطة الحرف والصوت المشترك، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (^٣) \" (^٤).\nوعند شرحه لقوله - ﵇ - في بيان كيف يأتيه الوحي:\n_________\n(^١) الفتاوى (٦/ ٢٩٦).\n(^٢) الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٢٨).\n(^٣) سورة التوبة، آية: ٦.\n(^٤) المفهم (١/ ٤٣٣).","vol":"1","page":483},{"text":"\"أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليَّ ... \" (^١).\nقال: \"والذي عندي في هذا الحديث: أن هذا تشبيه لأصوات خفق أجنحة الملائكة، فيعني أنها متتابعة متلاحقة، لا أن الله تعالى يتكلم بصوت، فإن كلامه تعالى ليس بحرف ولا صوت كما هو مبرهن عليه في موضعه فإن أراد هذا القائل: أن كلام الله تعالى القائم به صوت يسمع بحاسة الأذن فهو غلط فاحش، وما هذا اعتقاد أهل الحق، وإن أراد: أن الملائكة تسمع كلام ملك آخر يبلغهم عن الله بصوت فصحيح\" (^٢).\nسئل شيخ الإسلام عن كلام الله تعالى هل هو بحرف وصوت، أم لا؟ فقال: الصواب الذي عليه سلف الأمة كالإمام أحمد والبخاري صاحب الصحيح في كتاب خلق أفعال العباد وغيره وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم اتباع النصوص الثابتة، وإجماع سلف الأمة، وهو أن القرآن جميعه كلام الله حروفه ومعانيه، ليس شيء من ذلك كلامًا لغيره، ولكن أنزله على رسوله، وليس القرآن اسمًا لمجرد المعنى، ولا لمجرد الحرف بل لمجموعهما، وكذلك سائر الكلام، ليس هو الحرف فقط، ولا المعنى فقط ... وأن الله يتكلم بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح\" (^٣).\nوقد نصَّ أئمة الإسلام أحمد ومن قبله من الأئمة على ما نطق به الكتاب والسنة من أن الله ينادي بصوت، وأن القرآن كلامه تكلم به بحرف\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب بدء الوحي باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ - ح (٢) (١/ ٢٥). ومسلم في كتاب الفضائل باب عرق النبي - ﷺ - في البرد وحين يأتيه الوحي ح (٢٣٣٣) (١٥/ ٩٥).\n(^٢) المفهم (٦/ ١٧١).\n(^٣) الفتاوى (١٢/ ٢٤٣، ٢٤٤).","vol":"1","page":484},{"text":"وصوت، ليس منه شيء كلامًا لغيره لا جبريل ولا غيره\" (^١).\nفقول الأشاعرة هذا ليس عليه دليل سوى زعمهم أن إثبات الصفة يقتضي تشبيه الله تعالى بخلقه؛ لأن الحرف والصوت من صفات كلام المخلوقين.\nوأهل السنة يثبتون هذه الصفة لله تعالى من غير تشبيه له بخلقه، ويبطلون زعم الأشاعرة أن إثبات الصوت يلزم منه إثبات المخارج وغير ذلك من اللوازم الباطلة التي نطقوا بها.\nوقد ردَّ عليهم الإمام أحمد في هذه المسألة فقال: \"أما قولهم: إن الكلام لا يكون إلَّا من جوف وفم وشفتين ولسان، أليس الله قال للسموات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾ (^٢) وقال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ (^٣) أتراها سبحت بجوف وفم ولسان وشفتين؟ والجوارح إذا شهدت على الكافر فقالوا: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (^٤) أتراها أنها نطقت بجوف وفم ولسان، ولكن الله أنطقها كيف شاء من غير أن يقول بجوف ولا فم ولا شفتين ولا لسان\" (^٥).\nفهذه النصوص تدل على أن المتكلم ليس من شرطه أن يكون ذا مخارج فبطل ما زعموا.\nأما قول القرطبي لو كان سمع موسى كلام الله تعالى بحرف وصوت لم تكن له خصوصية إذ قد سمعه بحرف وصوت جميع الناس ثم استدل\n_________\n(^١) المرجع السابق (١٢/ ٥٨٤).\n(^٢) سورة فصلت، آية: ١١.\n(^٣) سورة الأنبياء، آية: ٧٩.\n(^٤) سورة فصلت، آية: ٢١.\n(^٥) الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد ص (٣٥).","vol":"1","page":485},{"text":"بالآية على ما سبق ذكره.\nفيقال: \"موسى ﵇ وحده هو الذي سمع كلام الله تعالى بحرف وصوت، والخطأ في عدم التفريق بين كلام الله تعالى وبين الأصوات المسموعة من القراء كما هو فهم الأشاعرة حيث حسبوا أهل السنة بإثباتهم لكلام الله تعالى بصوت يقولون: إن أصوات التالين هي صفة كلام الله وأهل السنة يقولون: أن أصوات القراء بالقرآن من أفعالهم وهي مضافة إليهم، وأفعالهم مخلوقة فأصوات القراء ليست صفة لكلام الله. ولكن الصوت الذي هو صفة لكلام الله تعالى هو الذي سمعه موسى ﵇ حين ناداه ربه وكلَّمه وسمعه جبريل - ﵇ - حين يوحي إليه بالوحي ويسمعه العباد يوم القيامة\" (^١).\nقال شيخ الإسلام: \"كثير من الخائضين في هذه المسألة لا يفرق بين صوت العبد وصوت الرب، بل يجعل هذا هو هذا، فينفيهما جميعًا أو يثبتهما جميعًا، والله تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه بصوت نفسه، ونادى موسى بصوت نفسه، كما ثبت بالكتاب والسنة، وإجماع السلف، وصوت العبد ليس هو صوت الرب، فالعباد يقرؤونه بأصوات أنفسهم، وأفعالهم، فالصوت المسموع من العبد صوت القارئ، والكلام كلام البارئ. وقد قال - ﷺ -: \"زيِّنوا القرآن بأصواتكم\" (^٢) فبين أن الصوت صوت القارئ والكلام كلام البارئ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (^٣) وهو سبحانه نادى\n_________\n(^١) انظر: العقيدة السلفية ص (٣٨٢، ٣٨٣).\n(^٢) رواه أبو داود في أبواب الوتر، باب كيف يستحب الترتيل في القرآن، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ص (٦٦٩) برقم (٣٥٨٠).\n(^٣) سورة التوبة، آية: ٦.","vol":"1","page":486},{"text":"موسى بصوت سمعه موسى، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ (^٢)، ففرق بين إيحائه للنبيين وبين تكليمه لموسى، فمن قال إن موسى لم يسمع صوتًا، بل ألهم معناه لم يفرق بين موسى وغيره، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ (^٣) وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ (^٤) فقد فرَّق بين الإيحاء والتكلم من وراء حجاب، كما كلم الله موسى، فمن سوَّى بين هذا وهذا كان ضالًّا\" (^٥).\nوخاتمة المطاف أن نعلم أن السلف يثبتون أن الله تعالى يتكلم بصوت يسمع كما دلَّت عليه النصوص من الكتاب والسنة، وأن صوته سبحانه لا يشبه أصوات خلقه كما أن ذاته لا تشبه ذواتهم ومن قال بغير هذا فقد ضل سواء السبيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>صفتا السمع والبصر:</span>\nالسمع والبصر صفتان ذاتيتان ثابتتان لله ﷿ بالكتاب والسنة والعقل والفطرة، وإجماع الأمة، ولم يخالف في ذلك إلَّا شواذ من المنحرفة كالجهمية وبعض المعتزلة (^٦). قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا\n_________\n(^١) سورة النازعات، آية: ١٥.\n(^٢) سورة النساء، آية: ١٦٤.\n(^٣) سورة البقرة، آية: ٢٥٣.\n(^٤) سورة الشورى، آية: ٥١.\n(^٥) الفتاوى (١٢/ ٥٨٣، ٥٨٨) بتصرف.\n(^٦) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ١٨٢).","vol":"1","page":487},{"text":"بَصِيرًا﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٢).\nوأخرج أبو داود في سننه عن أبي يونس مولى أبي هريرة، قال: سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾، (^٣) قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يضع إبهَامَهُ على أذُنِهِ والتي تليها على عينه قال أبو هريرة: رأيت رسول الله - ﷺ - يقرؤُها ويضعُ إصبعيه قال ابن يونس: قال المقري: يعني أن الله سميع بصير: يعني أن لله سمعًا وبصرًا\" (^٤).\nقال أبو داود - بعد ذكره للحديث -: \"وهذا ردٌّ على الجهمية\".\nوقال البيهقي: \"أراد بهذه الإشارة تحقيق إثبات السمع والبصر لله ببيان محلهما من الإنسان يريد أن له سمعًا وبصرًا، لا أن المراد به العلم، فلو كان كذلك لأشار إلى القلب، لأنه محل العلم، ولم يرد بذلك الجارحة (^٥) فإن الله تعالى منزه عن مشابهة المخلوقين\" (^٦).\nقال الحافظ ابن كثير﵀ -: \"فإذا نطق الكتاب العزيز ووردت الأخبار الصحيحة بإثبات السمع والبصر، والعين، والوجه، والعلم، والقوة، والقدرة، والعظمة، والمشيئة، والإرادة، والقول،\n_________\n(^١) سورة النساء، آية: ١٣٤.\n(^٢) سورة الشورى آية: ١١.\n(^٣) سورة النساء، آية: ٥٨.\n(^٤) رواه أبو داود في كتاب السنة، باب الجهمية وقال الحافظ ابن حجر سنده قوي على شرط مسلم، انظر: فتح الباري (١٣/ ٣٨٥) وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود: صحيح الإسناد (٣/ ١٩٥).\n(^٥) الأولى: ترك مثل هذه العبارة لأنها ليست من عبارات السلف الذين يثبتون الصفات لله تعالى من غير تشبيه ولا تعرض لمثل هذه العبارات.\n(^٦) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي (١/ ٤٦٣).","vol":"1","page":488},{"text":"والكلام، والرضى، والسخط، والحب، والبغض، والفرح، والضحك، وجب اعتقاد حقيقته من غير تشبيه بشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، والانتهاء إلى ما قاله الله - ﷾ - ورسوله - ﷺ - من غير إضافة ولا زيادة عليه ولا تكييف له ولا تشبيه ولا تحريف، ولا تبديل ولا تغيير، وإزالة لفظ عما تعرفه العرب، وتصرفه عليه، والإمساك عما سوى ذلك\" (^١).\nقال القرطبي في إثبات صفتي السمع والبصر: \"نقول: إن الله تعالى يدرك المدركات ويبصر المبصرات ويسمع المسموعات على الوجه اللائق بجماله وكماله وتقدسه عن شبه المخلوقات\" (^٢).\nوالأشاعرة وإن وافقوا أهل السنة في إثبات السمع والبصر، إلَّا أنهم يخالفونهم في قولهم إنه يسمع المسموعات ويبصر المبصرات بسمع واحد قديم، وأنه لا يتجدد له سمع ولا بصر عند حدوث المسموعات والمبصرات، وإنما يتجدد التعلق، وهذا قولهم في جميع الصفات التي يثبتونها (^٣)، وذلك بناءً على أصلهم في امتناع قيام الحوادث بذاته؛ لأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث كما زعموا، وهذا أصل فاسد التزموا لأجله بنفي قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى، كالاستواء والنزول والفرح والضحك وغيرها. قال ابن تيمية - ﵀ -: \"قد دلَّ الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة، ودلائل العقل على أنه سميع بصير، والسمع والبصر لا يتعلق بالمعدوم فإذا خلق الأشياء رآها سبحانه وإذا دعاه عباده\n_________\n(^١) العقائد لابن كثير نقلًا عن كتاب \"علاقة الإثبات والتفويض بصفات رب العالمين\" للدكتور رضا نعسان ص (٨٢).\n(^٢) المفهم (٣/ ٢١٥).\n(^٣) انظر: الفرق بين الفرق ص (٣٣٤) والإنصاف للباقلاني ص (٣٨، ٣٩).","vol":"1","page":489},{"text":"سمع دعاءهم وسمع نجواهم كما قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ (^١) أي تشتكي إليه وهو يسمع التحاور- والتحاور تراجع الكلام - بينها وبين الرسول - ﵇ - فالله تعالى إذا خلق العباد وعملوا وقالوا: فإما أن نقول إنه يسمع أقوالهم ويرى أعمالهم، وإما لا يرى ولا يسمع فإن نفى ذلك فهو تعطيل لهاتين الصفتين وتكذيب للقرآن، وهما صفتا كمال لا نقص فيه\" (^٢).\n\"فأهل السنة والجماعة يثبتون لله سمعًا وبصرًا أزليين يسمع ويبصر بهما كل مسموع وكل مبصر عند حدوثه وهذا هو الحق الذي يدل عليه الكتاب والسنة ويقبله العقل السليم\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>صفة العلو:</span>\nعلو الله تعالى من أعظم صفاته التي تضافرت على إثباتها الأدلة من الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة. إلَّا أن آثار علم الكلام الذي شوَّه صفاء العقيدة وغير سلامة الفطرة جعل بعض من ركب علم الكلام وخاض في هذه الأوهام ينكر علو الله تعالى، ويصرف ما جاء في ذلك من النصوص إلى علو القهر أو الشأن.\nوهذا ما ذهب إليه القرطبي والمازري تبعًا لمتأخري الأشاعرة في نفيهم لعلو الله تعالى. ولا شك أن الكتاب والسنة والعقل والفطرة يشهد بضد ما ذهبوا إليه وما قالوا به.\nويتبين هذا من تكلفهم في تأويل النصوص وحيرتهم من كثرة الأدلة.\n_________\n(^١) سورة المجادلة، آية: ١.\n(^٢) انظر: الرد على المنطقيين ص (٤٦٥) والفتاوى (٦/ ٢٢٨).\n(^٣) انظر: جامع الرسائل لابن تيمية (٢/ ١٥ - ١٧).","vol":"1","page":490},{"text":"ومن أصرح الأدلة وأوضحها في إثبات علو الله تعالى حديث الجارية، إلَّا أن القرطبي - ﵀ - تكلَّف في تأويله وأجهد نفسه في ذلك، ويتضح هذا من خلال كلامه عليه حيث قال: \"قوله - ﷺ - للجارية: \"أين الله؟ \" (^١) هذا السؤال من النبي - ﷺ - تنزل مع الجارية على قدر فهمها إذ أراد أن يُظهر منها ما يدل على أنها ليست ممن يعبد الأصنام ولا الحجارة التي في الأرض، فأجابت بذلك، وكأنها قالت: إن الله ليس من جنس ما يكون في الأرض و\"أين\" ظرف يسأل به عن المكان ... وهو لا يصح إطلاقه على الله تعالى بالحقيقة إذ الله تعالى منزه عن المكان كما هو منزه عن الزمان، بل هو خالق الزمان والمكان، ولم يزل موجودًا ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان، ولو كان قابلًا للمكان لكان مختصًّا به، ويحتاج إلى مخصص، ولكان فيه إما متحركًا وإما ساكنًا، وهما أمران حادثان، وما يتصف بالحوادث حادث، ولما صدق قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^٢) إذ كانت تماثله الكائنات في أحكامها، والممكنات في إمكانها، وإذا ثبت ذلك ثبت أن النبي - ﷺ - إنما أطلقه على الله بالتوسع والمجاز لضرورة إفهام المخاطبة القاصرة الفهم الناشئة مع قوم معبوداتهم في بيوتهم فأراد النبي - ﷺ - أن يتعرف منها هل هي ممن يعتقد أن معبوده في بيت الأصنام أم لا؟ فقال لها: أين الله؟ فقالت: في السماء، فقنع منها بذلك، وحكم بإيمانها إذ لم تتمكن من فهم غير ذلك، وإذ نزهت الله تعالى عن أن يكون من قبيل معبوداتهم وأصنامهم ورفعته عن أن يكون في مثل أمكنتهم، وحملها على ذلك أنها رأت المسلمين يرمقون\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب تحريم الكلام في الصلاة ح (٥٣٧) (٥/ ٢٣).\n(^٢) سورة الشورى، آية: ١١.","vol":"1","page":491},{"text":"أبصارهم وأيديهم إلى السماء عند الدعاء فتُركت على ذلك في تلك الحال لقصور فهمها، إلى أن يتمكن فهمها وينشرح صدرها، إذ لو قيل لها في تلك الحال: الله يستحيل عليه المكان والزمان، لخيف عليها أن تعتقد النفي المحض والتعطيل، إذ ليس كل عقل يقبل هذا ويعقله على وجهه، بل إنما يعقله العالمون الذين شرح الله صدورهم لهدايته، ونور قلوبهم بنور معرفته، وأمدهم بتوفيقه ومعونته، وأكثر الخلق تغلب عليهم الأوهام وتكلّ منهم الأفهام، وقيل في تأويل هذا الحديث: إن النبي - ﷺ - سألها بـ \"أين\" عن الرتبة المعنوية التي هي راجعة إلى جلاله تعالى، وعظمته التي بها باين كل من نسبت إليه الإلهية، وهذا كما يقال: أين الثريا من الثرى؟ ! والبصر من العمى؟ ! أي: بعد ما بينهما واختصت الثريا والبصر بالشرف والرفعة، وعلى هذا يكون قولها \"في السماء\" أي في غاية العلو والرفعة، وهذا كما يقال: فلان في السماء ومناط الثريا وهذا كما قال:\nوإن بني عوفٍ كما قد علمتم ... مناط الثُّريَّا قد تعالت نجُومها (^١)\nأقول هذا والله ورسوله أعلم والتسليم أسلم.\nتنبيه: ثم اعلم أنه لا خلاف بين المسلمين قاطبةً محدِّثِهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونُظَّارهم أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء كقوله: ﴿أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (^٢) ليست على ظاهرها وأنها متأولة عند جميعهم أما من قال منهم بالجهة فتلك الجهة عنده جهة الفوق التي عبر عنها بالعرش وهي فوق السموات كما جاء في الأحاديث فلابد أن يتأول كونه في السماء، وقد تأولوا تأويلات وأشبه ما فيه: أن في:\n_________\n(^١) لم أقف عليه.\n(^٢) سورة الملك، آية: ١٦.","vol":"1","page":492},{"text":"بمعنى: على كما قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (^١) أي: على جذوع النخل ويكون العلو بمعنى الغلبة، وأما من يعتقد نفي الجهة في حق الله تعالى، فهو أحق بإزالة ذلك الظاهر وإجلال الله تعالى عنه وأولى الفرق بالتأويل، وقد حصل من هذا الأصل المحقق: أن قول الجارية \"في السماء\" ليس على ظاهره باتفاق المسلمين فيتعين أن يعتقد فيه أنه مُعرَّضٌ لتأويل المتأولين وأن من حمله على ظاهره فهو ضالٌّ من الضِّالين\" (^٢).\nومع صراحة هذا الحديث وسؤال الرسول - ﷺ - للجارية بأين، إلَّا أن القرطبي أنكر جواز ذلك، فقال: \"الله يحكم ما يشاء ... فلا يتوجه في فعله لم وكيف؟ كما لا يتوجه عليه في وجوده أين\" (^٣).\nوقد نقل هذا الكلام الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وسكت عنه، وتعقبه الشيخ عبد العزيز بن باز - ﵀ - فقال: \"الصواب عند أهل السنة وصف الله سبحانه بأنه في جهة العلو، وأنه فوق العرش، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، ويجوز عند أهل السنة السؤال عنه بأين كما جاء في صحيح مسلم\" (^٤).\nوكذا المازري نفى علو الله تعالى عند شرحه لهذا الحديث فقال: \"إنما أراد النبي - ﷺ - أن يتطلب دليلًا على أنها موحدة فخاطبها بما تفهم به قصده، إذ من علامات الموحدين التوجه إلى السماء عند الدعاء، وطلب الحوائج؛ لأن العرب التي تعبد الأصنام تطلب حوائجها من الأصنام والعجم من النيران، فأراد - ﷺ - الكشف عن معتقدها: هل هي من جملة من\n_________\n(^١) سورة طه، آية: ٧١.\n(^٢) المفهم (٢/ ١٤٢ - ١٤٥) وانظر: (٣/ ١١١) (٤/ ٣٠٥).\n(^٣) المفهم (٦/ ٢١٦).\n(^٤) فتح الباري (١/ ٢٦٦). هامش (١).","vol":"1","page":493},{"text":"آمن؟ فأشارت إلى السماء وهي الجهة المقصودة عند الموحدين، كما ذكرنا، وقيل: إنما وجه السؤال بـ \"أين\" ههنا سؤال عما تعتقده من جلال الباري وعظمته وإشارتها إلى السماء إخبار عن جلالته تعالى في نفسها، والسماء قبلة الداعين، كما أن الكعبة قبلة المصلين، فكما لم يدل استقبال الكعبة على أن الله جلَّت قدرته فيها لم يدل التوجه إلى السماء والإشارة على أن الله سبحانه حالٌّ فيها\" (^١).\nفالقرطبي والمازري نفيا علو الله تعالى، وهو في الحديث نصٌّ صريح لا يقبل التأويل، والعجب من كلام القرطبي هذا؛ إذ مضمونه: أن إجابة الجارية: باطل وضلال، وكيف يرضى الرسول - ﷺ - بإقرارها على هذا الباطل هي ومن حضر أو نقل له هذا الحديث إلى قيام الساعة، وهو ﵊ الذي بُعث لدفع الباطل وإقرار الحق ونشره وتصحيح تصورات العباد في ربهم تعالى.\nمع ما كان عليه - ﷺ - من إنكار المنكر وعدم التواني في ذلك، ولذا عد العلماء إقراره - ﷺ - وسكوته من التشريع، ولكن الذي دفع القرطبي لهذا القول - المخالف للقواعد والأصول والذي يُعرَفُ ضلاله ببداهة العقول - التزامه بالقواعد الفاسدة التي رتبها المتكلمون لنفي صفات الله تعالى كما صرح بذلك في كثير من المواضع، ثم قوله هنا مخالف لما قرره عند رده على المتكلمين في قولهم بأن أول واجب على العبد النظر، حيث بين فساد قولهم ولازمه تكفير عامة المسلمين؛ لأنهم ليس عندهم أهلية النظر التي قصرها المتكلمون على أصحاب العقل والفهم. وهذا ما وقع فيه هنا إذ بين أن قول الجارية ضلال وأن الحق بضده، ولكن تقصر عامة العقول\n_________\n(^١) المعلم (١/ ٢٧٥).","vol":"1","page":494},{"text":"والأفهام عن معرفته فلا يقبله أو يفهمه كل عقل بل هو مقصور على العلماء دون أكثر الخلق. وهذا كقول المتكلمين في مسألة أول واجب على المكلف، إذ معنى قوله هذا أن عامة الخلق على ضلال في اعتقادهم بالله تعالى، وأن الرسول - ﷺ - أقرهم على هذا الضلال - حاشاه - ﷺ - من ذلك -.\nوأمَّا قوله: إن إثبات هذا يقتضي مشابهة المخلوقات، وأن الله تعالى لو كان قابلًا للمكان لكان مختصًا به ويحتاج إلى مخصص وأيضًا يقتضي وصف الله تعالى بالحوادث، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، وغيرها من قواعد المتكلمين، فقد سبق الإجابة عليها بالتفصيل، فلتراجع.\nوأما قوله: \"إن هذا من باب التوسع والمجاز\" فهو باطل؛ إذ المجاز عندهم هو قسيم الحقيقة أي: بمعنى الشيء المقابل للحقيقة، والقول بالمجاز قول محدث، قد حدث بعد القرون المفضلة، وكان منشؤه من جهة المعتزلة، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.\nوقد سبق الرد عليهم في قولهم بالمجاز. فجعل هذا من المجاز تأويل منافٍ لسياق الكلام والأدلة كثيرة وصريحة على علو الله تعالى وفوقيته.\nوأما تأويل هذا على أن المراد به علو الرتبة المعنوية (^١)، فلا يسلم له؛ لأن أهل السنة والجماعة يثبتون لله تعالى العلو بأقسامه الثلاثة: علو الشأن، وعلو القهر، وعلو الفوقية (علو الذات)، فيعتقدون أن الله تعالى في السماء فوق جميع المخلوقات، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه،\n_________\n(^١) وانظر أيضًا: المفهم (١/ ٤٠٥).","vol":"1","page":495},{"text":"عالٍ عليهم غير مختلط بهم.\nوألفاظ العلو لم تستعمل في القرآن عند الإطلاق، إلَّا في معنى علو الذات، وهذا المعنى مستلزم لمعاني العلو الأخرى\" (^١).\nوقد بسط العلماء - ﵏ - أدلة العلو في كتبهم فقد نقل شيخ الإسلام عن بعض أكابر الإمام الشافعي أنه قال: \"في القرآن ألف دليل أو أزيد تدل على أن الله تعالى عالٍ على الخلق، وأنه فوق عباده، وقال غيره: فيه ثلاثمائة دليل تدل على ذلك\" (^٢).\nوقد ذكر ابن القيم في \"الصواعق المرسلة\" ثلاثين دليلًا من أدلة العقل والفطرة على علو الله تعالى (^٣).\nقال الإمام الدارمي: \"فالله ﵎ فوق عرشه فوق سمواته، بائن من خلقه، فمن لم يعرفه بذلك لم يعرف إلهه الذي يعبد، وعلمه من فوق العرش بأقصى خلقه وأدناهم واحد، لا يبعد عنه شيء .. والآثار في ذلك عن رسول الله - ﷺ - كثيرة، والحجج متظاهرة والحمد لله على ذلك\" (^٤).\nوقال ابن قدامة: \"فإن الله تعالى وصف نفسه بالعلو في السماء، ووصفه بذلك رسوله - ﷺ - خاتم الأنبياء، وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة الأتقياء والأئمة الفقهاء، وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين وجمع الله تعالى عليه قلوب المسلمين، وجعله مغروزًا في طباع الخلق أجمعين، فتراهم عند نزول الكرب بهم يلحظون السماء بأعينهم، ويرفعون نحوها للدعاء أيديهم، وينظرون مجيء الفرج من\n_________\n(^١) انظر: الفتاوى لابن تيمية (١٦/ ٣٥٩).\n(^٢) الفتاوى لابن تيمية (٥/ ١٢١).\n(^٣) الصواعق المرسلة لابن القيم (٤/ ١٢٧٩ - ١٣٤٠).\n(^٤) الرد على الجهمية للدارمي ص (٤٧).","vol":"1","page":496},{"text":"ربهم ينطقون بذلك بألسنتهم\" (^١).\nوقال ابن تيمية: \"فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسوله - ﷺ - من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة مملوء بما هو إما نص، وإما ظاهر في أن الله ﷾ هو العلي الأعلى، وهو فوق كل شيء، وهو على كل شيء، وأنه فوق العرش وأنه فوق السماء\" (^٢).\nفمن الأدلة على علو الله تعالى من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (^٤)، وقوله ﷿: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾ (^٥)، وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (^٦)، والآيات في هذا كثيرة.\nومن السنة حديث الجارية السابق، وقوله - ﷺ -: \"ألا تأمنونني وأنا أمين من في السماء\" (^٧).\nومنها حديث المعراج الطويل، وفيه تجاوز النبي - ﷺ - سماءً سماءً، حتى انتهى إلى ربه تعالى، فقرَّبه وأدناه، وفرض عليه خمسين صلاة، فلم\n_________\n(^١) إثبات صفة العلو لابن قدامة ص (٤١).\n(^٢) الفتاوى (٥/ ١٢).\n(^٣) سورة الأنعام، آية: ١٨.\n(^٤) سورة النحل، آية: ٥٠.\n(^٥) سورة الملك، آية: ١٦.\n(^٦) سورة فاطر، آية: ١٠.\n(^٧) رواه البخاري في كتاب المغازي باب بعث علي بن أبي طالب - ﵁ - ح (٤٣٥١) (٧/ ٦٦٥) ومسلم في كتاب الزكاة باب ذكر الخوارج وصفاتهم ح (١٠٦٤) (٧/ ١٦٨).","vol":"1","page":497},{"text":"يزل يتردد بين موسى - ﵇ - وبين ربه - ﵎ - ينزل من عند ربه إلى موسى فيسأله كم فرض عليه، فيخبره، فيقول: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فيصعد إلى ربه فيسأله التخفيف (^١). فهذه النصوص وغيرها قد تضافرت مع دلالة العقل والفطرة (^٢) على إثبات علو الله تعالى على خلقه.\nوأما قوله باتفاق المسلمين على أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء ليست على ظاهرها، فهذه الشبهة هي التي جعلتهم ينفون علو الله تعالى وفوقيته مع اعترافهم بأن جهة العلو أشرف من غيرها، وذلك أنهم تصوروا أن النصوص التي نطقت بأن الله في السماء تدل بظاهرها على أنه تعالى مظروف في جوف السماء، فشبهوه بمخلوق داخل مخلوق آخر (^٣). فأرادوا أن يفروا من هذا التشبيه الذي أوقعهم فيه سوء الفهم، فوقعوا في التعطيل.\nقال القرطبي: \"مذهب أهل الحق والتحقيق أنهم يحيلون على الله تعالى أن يكون في السماء أو في الأرض إذ لو كان في شيء لكان محصورًا محدودًا ولو كان كذلك لكان محدثًا وعلى هذه القاعدة فقوله تعالى: ﴿أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (^٤) وقول الأمة للنبي - ﷺ - حين قال لها: \"أين الله؟ \" فقالت: \"في السماء\" ولم ينكر عليها ذلك، وما قد روي عن بعض السلف أنهم كانوا يطلقون ذلك ليس على ظاهره بل هو مؤول تأويلات صحيحة\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السماوات وفرض الصلوات ح (١٦٢) (٢/ ٥٦٧).\n(^٢) انظر: الفتاوى لابن تيمية (٤/ ٦٠) (٥/ ١٥٢، ٢٧٥، ٢٧٦).\n(^٣) الصفات الإلهية لمحمد أمان الجامي ص (٢٣٥).\n(^٤) سورة الملك، آية: ١٦.","vol":"1","page":498},{"text":"قد أبداها كثير من أهل العلم في كتبهم لكن السلف - ﵃ أجمعين - كانوا يجتنبون تأويل المتشابهات ولا يتعرضون لها مع علمهم بأن الله تعالى يستحيل عليه سمات المحدثات ولوازم المخلوقات\" (^١).\nفالنصوص لا تدل على ما فهموا، بل تدل على ما يليق بالله تعالى، وقد ردَّ شيخ الإسلام هذه الشبهة، فقال: \"من توهم كون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه فهو كاذب - إن نقله عن غيره - ضال - إن اعتقده في ربه - وما سمعنا أحدًا يفهم هذا من اللفظ، ولا رأينا أحدًا يفهم هذا من اللفظ، ولا رأينا أحدًا نقله عن واحد، ولو سئل سائر المسلمين، هل تفهمون من قول الله ورسوله: \"إن الله في السماء\" أن السماء تحويه؟ لبادر كل واحد منهم إلى أن يقول: هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا، وإذا كان الأمر هكذا، فمن التكلف أن يجعل ظاهر اللفظ شيئًا محالًا لا يفهمه الناس منه، ثم يريد أن يتأوله بل عند الناس \"أن الله في السماء\" و\"هو على العرش\" واحد، إذ السماء إنما يراد به العلو، فالمعنى أن الله في العلو لا في السفل، وقد علم المسلمون أن كرسيه ﷾ وسع السموات والأرض، وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وأن العرش خلق من مخلوقات الله لا نسبه له إلى قدرة الله وعظمته، فكيف يتوهم بعد هذا أن خلقًا يحصره ويحويه؟ وقد قال سبحانه: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (^٢) وقال: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (^٣) بمعنى \"على\" ونحو ذلك، وهذا كلام عربي حقيقة لا مجازًا، وهذا يعلمه من عرف حقائق معاني الحروف، وأنها متواطئة في الغالب لا\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٣٣٥).\n(^٢) سورة طه، آية: ٧١.\n(^٣) سورة آل عمران، آية: ١٣٧.","vol":"1","page":499},{"text":"مشتركة (^١).\nولهذه الشبهة التي انقدحت في أذهانهم ذهب القرطبي إلى نفي العلو وتأويل كل دليل يدل عليه.\nفعند شرحه لقوله - ﷺ -: \"يُرفَعُ إليه عَمَلُ الليل قبل عَمَلِ النهار، وعمل النهار قبلَ عملِ الليل\" (^٢) وهو من أدلة العلو. قال: \"قوله: \"يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل\" يعني: أن الملائكة الموكلين بنا تحصى علينا عمل اليوم، فترفعه في آخره لقرب الليل وكذلك في الليل ترفعه بقرب النهار، ولذلك جاء في الرواية الأخرى \"يُرفع إليه عملُ الليل بالنهار وعمل النهار بالليل\" فجعل الباء مكان \"قبل\" وهذا الحديث كقوله \"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار\" (^٣) والهاء في \"إليه\" عائدة إلى الله تعالى لكن على طريقة حذف المضاف والمراد به: المحل الذي تنتهي الملائكة إليه بأعمال العباد، ولعله سدرة المنتهى، وهذا كما تقول: رفع المال إلى الملك أي: إلى خزائنه، وعلى هذا يحمل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (^٤) وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (^٥) أي: مقاماتهم في حضرته وإنما احتجنا إلى إبداء هذا التأويل، لئلا يتخيل الجاهل أنه مختص بجهة فوق، فيلزمه التجسيم، ويكفيك مما يدل على\n_________\n(^١) الفتاوى (٥/ ١٠٦).\n(^٢) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب في قوله ﵇ \"إنَّ الله لا ينام\" وفي قوله \"حجابه النور\" ح (١٧٩) (٣/ ١٦).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة باب فضل صلاة العصر ح (٥٥٥) (٢/ ٤١) ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب فضل صلاتي الصبح والعصر، والمحافظة عليهما ح (٦٣٢) (٥/ ١٣٨).\n(^٤) سورة فاطر، آية: ١٠.\n(^٥) سورة المعارج، آية: ٤.","vol":"1","page":500},{"text":"نفي الجهة في حقه تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (^١) \" (^٢).\nوهذه التأويلات التي ذكرها القرطبي لهذه النصوص باطلة؛ لأنها خروج بالنصوص عن حقيقتها إلى معانٍ فاسدة لا تحتملها من دون دليل، ولا صحيح تعليل، دفعه ذلك دعوى التنزيه وعدم الوقوع في التشبيه، وهي دعوى ساقطة، الأدلة بضدها وأهل السنة والجماعة أثبتوا علو الله تعالى بهذه الأدلة وبغيرها من النصوص الكثيرة التي يقف أمامها أهل التأويل في حيرة من كثرتها وصراحتها على ما ينفون. بل الفطرة دالة على علو الله تعالى على خلقه لأن الله ﵎ فطر الخلق كلهم، العرب والعجم، حتى البهائم على الإيمان به، وبعلوه، فما من عبد يتوجه إلى ربه بدعاء أو عبادة، إلَّا وجد من نفسه ضرورة بطلب العلو، وارتفاع قلبه إلى السماء لا يلتفت إلى غيره يمينًا، ولا شمالًا، ولا ينصرف عن هذه الفطرة، إلَّا من اجتالته الشياطين والأهواء، ولهذا أخبر النبي - ﷺ - أن الجارية التي سألها \"أين الله؟ \" فقالت: في السماء، مؤمنة؛ لأنها لم تقل إلَّا الحق، وكان أبو المعالي يقول في مجلسه: كان الله ولا شيء، وهو الآن على ما كان عليه - يعرِّض بإنكار استواء الله على عرشه - فقال أبو جعفر الهمذاني (^٣): دعنا من ذكر العرش - أي لأنه ثبت بالسمع - وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا ما قال عارف قط: يا الله إلَّا وجده من قلبه ضرورة بطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف تدفع هذه الضرورة من قلوبنا فصرخ أبو المعالي ولطم رأسه وقال: حيَّرني\n_________\n(^١) سورة الحديد، آية: ٤.\n(^٢) المفهم (١/ ٤١٠).\n(^٣) محمد بن أبي الحسن بن محممد الهمذاني أبو جعفر إمام حافظ رحل كثيرًا في طلب العلم قال الذهبي: كان من أئمة أهل الأثر ومن كبراء الصوفية توفي سنة (٥٣١ هـ). سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٠١). شذرات الذهب (٤/ ٩٧).","vol":"1","page":501},{"text":"الهمذاني حيرني الهمذاني\" (^١).\nولهذا كان - ﷺ - في خطبة حجة الوداع يرفع بإصبعه \"السبابة\" إلى السماء وينكبها إلى الناس ويقول: \"اللهم اشهد اللهم اشهد\" (^٢) وكان - ﷺ - كثيرًا ما يرفع يديه عند الدعاء، فجعل العلماء هذا من الأدلة الفطرية الشرعية على علو الله تعالى، ولكن القرطبي أوَّلَ هذا كغيره من الأدلة حيث قال عند شرحه لحديث أبي بردة - ﵁ - الذي قال فيه: \"ثم دعا رسول الله - ﷺ - بماءٍ فتوضأ منه ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه\" (^٣).\nقال القرطبي: \"قوله: ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه\" دليل على استحباب الرفع عند الدعاء، وقد فعل النبي - ﷺ - ذلك يوم بدر، وفي الاستسقاء، وقد رويت كراهية ذلك عن مالك، ويمكن أن يقال: إنما كره أن يتخذ ذلك سنة راتبة على أصله في هذا الباب، أو مخافة أن يعتقد الجهال مكانًا لله تعالى، والذي يزيل هذا الوهم: أن يقال: لا يلزم من مدِّ الأيدي إلى السماء أن يكون مكانًا لله ولا جهة كما لا يلزم من استقبال الكعبة أن يكون الله تعالى فيها، بل السماء قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة الصلاة (^٤). وقال عن الحديث الأول: هذه الإشارة منه - ﷺ - إلى السماء؛ لأنها قبلة الدعاء، وإما لعلو الله المعنوي؛ لأن الله تعالى لا يحويه مكان، ولا يختص بجهة (^٥).\n_________\n(^١) شرح الطحاوية (٢/ ٣٩٠).\n(^٢) رواه مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ - ح (١٢١٨) (٨/ ٤٢٠).\n(^٣) رواه مسلم في كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين ﵄ ح (٢٤٩٨) (١٦/ ٢٩٢).\n(^٤) المفهم (٦/ ٤٥٠).\n(^٥) المفهم (٣/ ٣٣٥).","vol":"1","page":502},{"text":"وقد أجاب عن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - بجواب مفصل اشتمل على أربعين وجهًا - وصلت إلينا في الجزء المطبوع من نقض التأسيس -. والحمد لله.\nوقد ركَّز شيخ الإسلام في هذه الأوجه على بيان أن الاستدلال برفع الأيدي والأبصار إلى السماء عند الدعاء إنما هو حجة أهل الإثبات من السلف والخلف، وإن من هؤلاء الأشعري، وأئمة أصحابه، وقد نقل شيخ الإسلام كلامهم في ذلك فالمعترض إنما يعترض على شيوخه الأشاعرة، وهم باستدلالهم يردون عليه، والإشارة إلى الله في العلو باليد، والأصابع، أو العين، أو الرأس، قد تواترت به السنن عن الرسول - ﷺ -، والنهي عن رفع البصر في الصلاة؛ لأنه من باب الخشوع الذي أثنى الله على أهله، ولو كان الله ليس في الفوق، بل هو في السفل كما هو في الفوق لم يكن رفع البصر إلى السماء ينافي الخشوع بل يكون بمنزلة خفضها.\nوالناس على اختلاف عقائدهم وأديانهم يشيرون عند الدعاء إلى السماء؛ لأن هذا شيء يجدونه في فطرهم.\nودعوى أن السماء قبلة الدعاء كالكعبة قبلة للصلاة باطل معلوم بالاضطرار بطلانه من وجوه منها أن المسلمين مجمعون على أن قبلة الداعي هي قبلة الصلاة، ومنها أن كون السماء أو العرش قبلة لا يثبت بغير الشرع، وليس في النصوص أي دليل على ذلك، ومنها أن القبلة أمر يدخله النسخ ولذلك تحولت، القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، ولو كانت القبلة هي العرش أو السماء لجاز تغييرها وتبديلها ولجاز أن يدعو الإنسان ربه إلى سائر الجهات، وهذا فضلًا عن أنه باطل فإن العباد","vol":"1","page":503},{"text":"مفطورون على أن لا يتوجهوا إلا إلى جهة العلو، ومنها: أن القبلة ما يستقبله الإنسان بوجهه أما ما يرفع الإنسان إليه يده أو رأسه أو بصره، فهذا باتفاق الناس لا يسمى قبلة، ومعلوم أن مستقبل القبلة يستدبر ما يقابلها، أما الداعي فإنه لا يكون مستقبلًا للسماء مستدبرًا للأرض، بل يكون مستقبلًا لبعض الجهات، إلى غيرها من الأوجه.\nفتبين من هذه الأوجه وغيرها سلامة احتجاج السلف على العلو بما فطر الناس عليه من رفع أيديهم إلى السماء عند الدعاء والحاجة (^١).\nفالحاصل أن الحق ما دلت عليه النصوص الكثيرة وشهد به العقل والفطرة وأجمع عليه سلف الأمة من أن الله تعالى له العلو المطلق من كل وجه علو الشأن وعلو القهر وعلو الذات (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>صفة العزة:</span>\nصفة ذاتية ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (^٤) وقال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (^٥). وقال - ﷺ -: \"العز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذَّبته\" (^٦)، وكان من دعائه - ﷺ -: \"اللهم إني أعوذ بعزتك\" (^٧) قال\n_________\n(^١) موقف ابن تيمية من الأشاعرة للمحمود (٣/ ١٢٤٧، ١٢٤٨).\n(^٢) وقد جاءت مصنفات كاملة خصصت لهذه الصفة مثل \"إجتماع الجوش الإسلامية لغزو المعطلة والجهمية\" لابن القيم، \"العلو للعلي الغفار\" للذهبي و\"العلو\" لابن قدامة وغيرها.\n(^٣) سورة النساء، آية: ١٣٩.\n(^٤) سورة يونس، آية: ٦٥.\n(^٥) سورة فاطر، آية: ١٠.\n(^٦) رواه مسلم في كتاب البر والصلة باب تحريم الكبر ح (٢٦٢٠) (١٦/ ٤١١).\n(^٧) رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل ح (٢٧١٦) =","vol":"1","page":504},{"text":"الشيخ الغنيمان: \"والعزة من صفات ذاته تعالى التي لا تنفك عنه، فغلب بعزته وقهر بها كل شيء، وكل عزة حصلت لخلقه فهي منه\" (^١).\nقال القرطبي في إثبات صفة العزة لله تعالى: \"العزة: القوة والغلبة، ومنه: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾ (^٢) أي: غلبني ويقال أيضًا: عز الشيء إذا قلَّ، فلا يكاد يوجد مثله يعزُّ عزًّا وعزازة وعزَّ يعز عِزة إذا صار قويًّا بعد ضعف وذلة، فعزة الله تعالى قهره للجبابرة وقوته الباهرة، وهو مع ذلك عديم المثل والنظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٣) \" (^٤).\nوقال في موضع آخر: \"العز والعظمة والكبرياء من أوصاف الله تعالى الخاصة به التي لا تنبغي لغيره، فمن تعاطى شيئًا منها أذله الله تعالى وصغَّره وحقَّره وأهلكه كما قد أظهر الله تعالى من سننه في المتكبرين السابقين واللاحقين\" (^٥).\nوالعزة التي هي صفة من صفات الله تعالى تكون بمعنى الامتناع على من يرومه من أعدائه وتكون بمعنى القهر والغلبة، وتكون بمعنى القوة والصلابة، وهذه المعاني ثابتة لله تعالى، وقد أشار ابن القيم إلى هذه المعاني في نونيته فقال:\nوهو العزيز فلن يُرام جنابه ... أنّى يُرام جنابُ ذي السلطان\nوهو العزيز القاهر الغلاب لم ... يغلبه شيءٌ هذه صفتان\n_________\n= (١٧/ ٤١).\n(^١) شرح كتاب التوحيد، من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ١٤٧).\n(^٢) سورة ص، آية: ٢٣.\n(^٣) سورة الشورى، آية: ١١.\n(^٤) المفهم (١/ ٤٤٣).\n(^٥) المفهم (١/ ٢٧٦).","vol":"1","page":505},{"text":"وهو العزيز بقوة هي وصفه ... فالعز حينئذ ثلاث معان\nوهي التي كملت له سبحانه ... من كل وجه عادم النقصان (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>صفتا العظمة والكبرياء:</span>\nصفتان ذاتيتان لله ﷿، ثابتتان بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ (^٣)، وجاء في حديث الشفاعة أنه يقول ﷿: \"وعزتي وجلالي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلَّا الله\" (^٤)، وقال - ﷺ -: \"العز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته\" (^٥) وعند أبي داود بلفظ \"الكبرياء ردائي والعظمة إزاري\" (^٦).\nقال الأزهري: \"من صفات الله ﷿: العلي العظيم ... وعظمة الله لا تكيف، ولا تحد، ولا تمثل بشيء، ويجب على العباد أن يعلموا أنه عظيم كما وصف نفسه، وفوق ذلك بلا كيفية ولا تحديد\" (^٧).\nوقال الغنيمان: \"من المعلوم أن الكبرياء من صفات الله تعالى، ولا يجوز للعباد أن يتصفوا بها ... ووصف الله تعالى بأن العظمة إزاره والكبرياء رداؤه كسائر صفاته، تثبت على ما يليق به، ويجب أن يؤمن بها\n_________\n(^١) القصيدة النونية مع شرحها للهراس (٢/ ٧٣).\n(^٢) سورة الواقعة، آية: ٩٦.\n(^٣) سورة الجاثية، آية: ٣٧.\n(^٤) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم ح (٧٥١٠) (١٣/ ٤٨١) ومسلم في كتاب الإيمان باب أدنى أهلى الجنة منزلة فيها ح (١٩٣) (٣/ ٥٤).\n(^٥) سبق تخريجه ص (٥٠٤).\n(^٦) أخرجه أبو داود في كتاب اللباس باب ما جاء في الكبر.\n(^٧) تهذيب اللغة للأزهري (٢/ ٣٠٣).","vol":"1","page":506},{"text":"على ما أفاده النص دون تحريف ولا تعطيل\" (^١).\nقال القرطبي في هاتين الصفتين: \"الكبرياء والكبر: كلاهما مصدر: كبر في نفسه يكبر وأصله: من كبر السن، أو كبر الجرم، لكن صار ذلك بحكم عرف الاستعمال عبارة عن حصول كمال الذات يستلزم ترفيعًا لها على الغير، ومن ههنا كان الكبر قبيحًا ممنوعًا في حقنا واجبًا في حق الله تعالى، وبيانه: أن الكمال الحقيقي المطلق لا يصح إلَّا لله تعالى، وكمال غيره إنما هو عرض نسبي، فإذا وصف الحق نفسه بالكبر ونسبه إليه كانت النسبة حقيقة في حقه، إذ لا أكمل منه ولا أرفع، فكل كامل ناقص، وكل رفيع محتقر بالنسبة إلى كماله وجلاله، والعظمة بمعنى الكبرياء غير أنها لا تستدعي غيرًا يتعاظم عليه، كما يستدعيه الكبر كما بيَّنا، وأيضًا فقد يستعمل الكبير فيما لا يستعمل فيه العظيم فيقال: فلان كبير السن، ولا يقال: عظيم السن\" (^٢).\nوقال في موضع آخر: \"الكبرياء والعظمة من أوصاف كمال الله تعالى، واجبان له، إذ ليست أوصاف كمال الله وجلاله مستفادة من غيره، بل هي واجبة الوجود لذواتها، بحيث لا يجوز عليه العدم ولا النقص، ولا يجوز عليه تعالى نقيض شيء من ذلك، فكماله وجلاله حقيقة له، بخلاف كمالنا فإنه مستفاد من الله تعالى، ويجوز عليه العدم وطروء النقيض والنقص، فإذا كان هذا فالتكبر والتعاظم خرق منا، ومستحيل في حقنا، ولذلك حرمهما الشرع وجعلهما من الكبائر\" (^٣).\nفالقرطبي هنا أثبت هاتين الصفتين لله تعالى كما يليق به سبحانه كما\n_________\n(^١) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (٢/ ٥٥، ٥٦).\n(^٢) المفهم (١/ ٤٤٣).\n(^٣) المفهم (١/ ١٨٦).","vol":"1","page":507},{"text":"جاء عن السلف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>وصف الله تعالى بالصورة:</span>\nثبت وصف الله تعالى بالصورة في عدة أحاديث، منها ما جاء في الحديث الطويل في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وفيه: \"وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه\" (^١).\nوفي الحديث الآخر، قال - ﷺ -: \"إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته\" (^٢)، وقال - ﷺ -: \"خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا\" (^٣)، فأثبت جمهور السلف بهذه الأحاديث وصف الله بالصورة، إلَّا أن بعض علماء السنة خالف في ذلك، منهم ابن خزيمة وابن منده (^٤).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير في هذا الحديث (^٥) عائدٌ إلى الله تعالى، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها تدل على\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ح (٧٤٣٩) (١٣/ ٤٣١) ومسلم في كتاب الإيمان باب معرفة طريق الرؤية ح (١٨٣) (٣/ ٢١).\n(^٢) سبق تخريجه ص (٤٧٢).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب الإستئذان باب بدء السلام ح (٦٢٢٧) (١١/ ٥) ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير ح (٢٨٤١) (١٧/ ١٨٤).\n(^٤) انظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة (١/ ٨٤ - ٩٤) والتوحيد لابن منده (١/ ٢٢٢، ٢٢٤).\n(^٥) وهو حديث \"خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا ... \".","vol":"1","page":508},{"text":"ذلك ... لكن لما انتشرت الجهمية في المائة الثالثة جعل طائفة الضمير فيه عائدًا إلى غير الله تعالى، حتى نقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم والسنة كأبي ثور (^١)، وابن خزيمة، وأبي الشيخ الأصبهاني (^٢)، وغيرهم، ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة\" (^٣).\nوقد أنكر القرطبي والمازري وصف الله تعالى بالصورة، وذكرا تأويلات عديدة لهذه الأحاديث، وأطال المازري جدًّا عند حديثه عن هذه المسألة على غير عادته.\nقال القرطبي عند شرحه لحديث: \"يأتيهم الله في صورته\": \"أما الصورة الثانية التي يعرفون عندما يتجلى لهم الحق، فهي صفته تعالى التي لا يشاركه فيها شيء من الموجودات، ولا يشبهه شيء من المصورات ... ولا يستبعد إطلاق الصورة بمعنى الصفة، فمن المتداول أن يقال: صورة هذا الأمر كذا، أي: صفته\" (^٤).\nوعند شرحه لقوله - ﷺ -: \"فإن الله خلق آدم على صورته\" قال: \"أي على صورة وجه المضروب ... وهذا هو ظاهر الحديث، ولا يكون في\n_________\n(^١) إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي إمام حافظ فقيه من أصحاب الشافعي مفتي العراق في زمنه كان من العلماء الورعين والأئمة المجتهدين توفي سنة (٢٤٠ هـ) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٧٢). طبقات الحفاظ ص (٢٤٧) ترجمة (٥٠٦).\n(^٢) عبد الله بن محمد بن جعفر الأصبهاني المعروف بأبي الشيخ له العديد من المصنفات منها كتاب \"العظمة\" وغيره توفي سنة (٣٦٩ هـ). سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٧٦)، معجم المؤلفين (٢/ ٢٧٧).\n(^٣) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١، ٥٣٨/ ٥٣٩) وقد نقله من كتاب \"نقض أساس التقديس\" لابن تيمية (٣/ ٢٠٢) فما بعدها.\n(^٤) المفهم (١/ ٤١٨).","vol":"1","page":509},{"text":"الحديث إشكال يوهم في حق الله تعالى تشبيهًا، وإنما أشكل ذلك على من أعاد الضمير في صورته على الله تعالى، وذلك ينبغي ألَّا يصار إليه شرعًا ولا عقلًا، أما العقل فيحيل الصورة الجسمية على الله تعالى، وأما الشرع فلم ينص على ذلك نصًّا قاطعًا، ومحال أن يكون ذلك، فإن النص القاطع صادق، والصادق لا يقول المحال، فيتعين عود الضمير على المضروب؛ لأنه هو الذي سبق الكلام لبيان حكمه، وقد أعادت المشبهة هذا الضمير على الله تعالى، فالتزموا القول بالتجسيم، وذلك نتيجة العقل السقيم والجهل الصميم، وقد بيَّنا جهلهم، وحقَّقنا كفرهم فيما تقدم، ولو سلمنا: أن الضمير عائدٌ على الله تعالى فللتأويل فيه وجه صحيح، وهو أن الصورة قد تطلق بمعنى الصفة، كما يقال: صورة هذه المسألة كذا، أي: صفتها، وصوَّر لي فلان كذا، فتصورته. أي: وصفه لي ففهمته، وضبطتُ وصفه في نفسي وعلى هذا فيكون معنى قوله: \"إن الله خلق آدم على صورته\" أي: خلقه موصوفًا بالعلم الذي فصل به بينه وبين جميع أصناف الحيوانات وخصه منه بما لم يخص به أحدًا من ملائكة الأرضين والسموات، وقد قلنا فيما تقدم: إن التسليم في المتشابهات أسلم، والله ورسوله أعلم\" (^١).\nوفي حديث: \"خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا\" قال: \"هذا الضمير عائدٌ على أقرب مذكور، وهو آدم، وهو أعمُّ، وهذا الأصل في عود الضمائر، ومعنى ذلك أن الله تعالى أوجده على الهيئة التي خلقه عليها، لم ينتقل في النشأة أحوالًا، ولا تردد في الأرحام أطوارًا، إذ لم يخلقه صغيرًا فكبر، ولا ضعيفًا فقوي، بل خلقه رجلًا كاملًا سويًّا قويًّا، بخلاف سُنَّة الله في ولده، ويصح أن يكون معناه للإخبار عن أن الله تعالى\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٥٩٧).","vol":"1","page":510},{"text":"خلقه يوم خلقه على الصورة التي كان عليها بالأرض، وأنه لم يكن في الجنة على صورة أخرى، ولا اختلفت صفاته، ولا صورته، كما تختلف صور الملائكة والجن، والله تعالى أعلم، ولو سلَّمنا أن الضمير عائدٌ على الله تعالى لصح أن يقال هنا: إن الصورة بمعنى الصفة\" (^١).\nوأما المازري فعند شرحه لقوله - ﷺ -: \"إذا قاتل ... فإن الله خلق آدم على صورته\" قال: هذا الحديث ثابت عند أهل النقل، وقد رواه بعضهم: \"إن الله خلق آدم على صورة الرحمن\" (^٢) ولا يثبت هذا عند أهل النقل، ولعلَّه نُقِلَ من راويه بالمعنى الذي توهمه، وظن أن الضمير عائدٌ على الله سبحانه، فأظهره، وقال: على صورة الرحمن.\nواعلم أن هذا الحديث غلط فيه ابن قتيبة وأجراه على ظاهره، وقال: فإن الله سبحانه له صورة، لا كالصور، وأجرى الحديث على ظاهره، والذي قاله لا يخفى فساده؛ لأن الصورة تفيد التركيب، وكل مركب محدث، والباري سبحانه ليس بمحدث، فليس بمركب، وما ليس بمركب فليس بمصور، وهذا من جنس قول المبتدعة: إن الباري ﷿ جسم لا كالأجسام، لما رأوا أهل السنة يقولون: الباري سبحانه شيء لا كالأشياء طردوا هذا، فقالوا: جسم لا كالأجسام، وقال ابن قتيبة: صورة لا كالصور، وعجبًا لابن قتيبة في قوله: صورة لا كالصور، مع كون هذا الحديث يقتضي ظاهره عند خلق آدم على صورته، فقد صارت صورة الباري سبحانه على صورة آدم - ﵇ - على ظاهر هذا على أصله، فكيف يقول على صورة آدم، ويقول: إنها لا كالصور، هذا تناقض، ويقال له أيضًا: إن أردت بقولك صورة لا كالصور، أنه ليس بمؤلف ولا\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ١٨٣).\n(^٢) سيأتي تخريجه عند رد الحافظ ابن حجر على المازري في رده لهذا الحديث.","vol":"1","page":511},{"text":"مركب، فليس بصورة على الحقيقة، وأنت مثبت تسمية تفيد في اللغة معنى مستحيلًا عليه تعالى مع نفي ذلك المعنى، فلم تعط اللفظ حقه، ولم تجره على ظاهره، فإذا سلمت أنه ليس على ظاهره، فقد وافقت على افتقاره إلى التأويل، وهذا الذي نقول به، فإذا ثبت افتقاره إلى التأويل قلنا: اختلف الناس في تأويله، فمنهم: من أعاد الضمير إلى المضروب، وذكر أن في بعض طرق الحديث أنه سمع - ﷺ - يقول: قبح الله وجهك، ووجه من أشبهك، أو نحو هذا، فقال - ﷺ - ما قال، أما على هذه الرواية وهي شتم من أشبهه، فبيَّن وجه هذا التعليل؛ لأنه إذا شتم من أشبهه فكأنه شتم آدم وغيره من الأنبياء - ﵈ -، وقال آخرون: إن الضمير عائد على آدم نفسه، وعورض هؤلاء بأن هذا يجعل الكلام غثًا لغوًا لا فائدة تحته، وردوا على هذا الاعتراض بأن فيه فائدة وهو الرد على الطبائعيين الذين يعتقدون أن تصوير آدم كان على بعض تأثيرات النجوم، أو على الدهريين بقولهم: ليس ثم إنسان أول، إنما الإنسان من نطفة، والنطفة من إنسان، هكذا أبدًا إلى غير أول، أو على القدرية في قولهم: إن كثيرًا من أعراض آدم وصفاته خلق لآدم، ولكن لا يحسن مع ذكر سبب الحديث، وهو قوله: \"إذا قاتل أحدكم أخاه ... \" وقال آخرون: الضمير يعود إلى الله ويكون له وجهان: أحدهما أن يراد بالصورة الصفة، كما يقال: صورة فلان عند السلطان كذا، أي صفته، وذلك لصفات الكمال التي تميز بها آدم ﵇.\nوالثاني: أن تكون إضافة الصورة إضافة تشريف واختصاص كما قيل في الكعبة بيت الله، وقيل ناقة الله\" (^١).\n_________\n(^١) المعلم (٣/ ١٦٩) بتصرف.","vol":"1","page":512},{"text":"فمن خلال هذه النقولات عن القرطبي والمازري في هذه الصفة تبين تأويلهم لها، وحرصهم على صرفها عن ظاهرها.\nفالقرطبي جعل إطلاق الصورة في حديث: \"فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون\" بمعنى الصفة.\nوأما في الحديثين الآخرَين وهو قوله: \"إذا قاتل ... فإن الله خلق آدم على صورته\"، وقوله: \"خلق الله آدم على صورته ستون ذراعًا\" فأعاد الضمير في الحديث الأول على المضروب، والضمير في الحديث الثاني إلى آدم نفسه. وبيَّن أنه لو سلم بعودة الضمير فيهما إلى الله فيكون معنى صورته أي: صفته، وأما المازري فقد رد حديث: \"إن الله خلق آدم على صورة الرحمن\" ورد على ابن قتيبة في إثباته الصورة، وقوله: صورة لا كالصور. ثم بيَّن التأويلات في هذا الحديث، وهو قوله - ﵇ -: \"إذا قاتل .. فإن الله خلق آدم على صورته\" فجعل الضمير إما يعود إلى المضروب، أو إلى آدم نفسه، وبيَّن أنه لو فرض عودته إلى الله تعالى لكان المقصود بالصورة، إما الصفة أو قصد بذلك التشريف.\nفيكون الرد هنا أولا على المازري في رده لحديث: \"إن الله خلق آدم على صورة الرحمن\" وفي رده على ابن قتيبة ثم نتبع ذلك بالرد على هذه التأويلات التي ذكرها القرطبي والمازري بما يبطلها من كلام أهل السنة.\nأما رد المازري لحديث: \"إن الله خلق آدم على صورة الرحمن\" فقد قال الحافظ ابن حجر بعد نقله لكلام المازري السابق في الفتح: \"وقد أنكر المازري ومن تبعه صحة هذه الزيادة\" ثم قال: \"وعلى صحتها فيحمل على ما يليق بالباري ﷾\".\nقلت - أي: ابن حجر -: الزيادة أخرجها ابن أبي عاصم في","vol":"1","page":513},{"text":"\"السنة\" (^١) والطبراني (^٢) من حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات، وأخرجها ابن أبي عاصم أيضًا من طريق أبي يونس عن أبي هريرة بلفظ يرد التأويل الأول (^٣) قال: \"من قاتل فليجتنب الوجه فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن\" (^٤).\nوأما رد المازري على ابن قتيبة، فذلك بناء على قواعد المتكلمين الفاسدة في جعل إثبات الصفات لله تعالى يستلزم التجسيم والتشبيه، وأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، وقد سبق تفنيد هذه الشبه وإبطالها.\nوأنكر على ابن قتيبة قوله: صورة لا كالصور، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة الذين يثبتون الصفات بالنصوص الصحيحة من الكتاب والسنة من غير تحريف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (^٥) فمع إيمانهم بالصفات الثابتة لله تعالى، فهم ينفون وينكرون تشبيه الله تعالى بخلقه، ولو اتفقت المسميات، فكما أن ذاته ليست كذوات المخلوقين، فصورته سبحانه ليست كصور المخلوقين، وكذلك يقال في الوجه واليد والأصابع، وسائر صفات الله ﷾.\nفأهل السنة والجماعة يجمعون بين الإيمان بالنصوص، وتنزيهه تعالى عن مشابهة المخلوقين.\n_________\n(^١) السنة لابن أبي عاصم (١/ ٢٣٠).\n(^٢) المعجم الكبير للطبراني (١٢/ ٤٣٠) وقد أخرجه ابن خزيمة في التوحيد (١/ ٨٧) وأعله بثلاث علل وضعفه الألباني في تخريجه لكتاب السنة لابن أبي عاصم (١/ ٢٣٠).\n(^٣) وهو إعادة الضمير على المضروب.\n(^٤) فتح الباري (٥/ ٢١٧).\n(^٥) سورة الشورى، آية: ١١.","vol":"1","page":514},{"text":"وقد ردَّ شيخ الإسلام ابن تيمية على هؤلاء الذين يزعمون أن إثبات هذا الحديث، وهو قوله - ﷺ -: \"إن الله خلق آدم على صورة الرحمن\" مع قولهم: صورة لا كالصور من باب التناقض، حيث قال: \"فإن قيل بأن هذا تصريحٌ أن وجه الله يشبه وجه الإنسان فيقال: لا ريب أن كل موجودين لابد أن يتفقا في شيء يشتركان فيه، وأن أحدهما أكمل فيه وأولى من الآخر، وإلا إذا قدر أنهما لا يتفقان في شيء أصلًا ولا يشتركان فيه، لم يكونا موجودين، وهذا معلوم بالفطرة البديهية، وهذا الذي جاءت به السنة من ثبوت الشبه من بعض الوجوه، وقد أخبر به الرسول - ﷺ - فوجب قبوله والإيمان به، والله تعالى هو الذي خلق آدم على صورته، وهذا لا يناقض قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لأن المماثلة منفية عن الله تعالى على كل حال، وهذا لا يمنع المشابهة من بعض الوجوه البعيدة، كالوجود والعلم والحياة ونحو ذلك، مع أن المحذور الذي فروا منه إلى تأويل الحديث على أن الصورة بمعنى الصفة يلزمهم فيما أثبتوه نظير ما فروا منه فإن كان مثل هذا لازمًا على التقديرين لم يجز ترك مقتضى الحديث ومفهومه مع أنه لا محذور فيه.\nوالتشبيه المنفي بالنص والإجماع والأدلة العقلية الصحيحة منتف على التقديرين، فلابد أن يكون بين الذات والذات مشابهة إذا كان على الصفة المعنوية، فكون هذا عالمًا قادرًا، وهذا عالمًا قادرًا، وهذا ذاتًا لها صفات، وهذا ذاتًا لها صفات، لابد أن يثبت التشابه. فوجود ذات ليس لها صفات ممتنع في العقل، وثبوت الصفات الكمالية معلوم بالشرع والعقل. كذلك ثبوت ذات لا تشبه الموجودات بوجه من الوجوه ممتنع في العقل، وثبوت المشابهة من بعض الوجوه في الأمور الكمالية معلوم","vol":"1","page":515},{"text":"بالشرع والعقل\" (^١).\n\"وقد بيَّن أهل السنة أن إعادة الضمير في حديث \"خلق الله آدم على صورته\" على غير الله هو قول الجهمية، قال الإمام أحمد بن حنبل - ﵀ -: من قال: إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه\" (^٢).\nقال شيخ الإسلام: \"أما عود الضمير إلى غير الله فباطل من وجوه:\n- ما في الصحيحين ابتداءً \"أن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعًا\" وفي أحاديث أخر: \"إن الله خلق آدم على صورته\" ولم يقدم ذكر أحد يعود الضمير إليه، وما ذكر بعضهم: من أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا يضرب رجلًا، ويقول: قبَّح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك، فقال: \"خلق الله آدم على صورته\" أي صورة هذا المضروب، فهذا شيء لا أصل له، ولا يعرف في شيء من كتب الحديث.\n- أن الحديث الآخر لفظه: \"إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته\" وليس في هذا ذكر أحد يعود الضمير إليه.\n- أنه في مثل هذا لا يصلح إفراد الضمير، فإن الله خلق آدم على صورة بنيه كلهم، فتخصيص واحد لم يتقدم له ذكر بأن الله خلق آدم على صورته في غاية البعد لاسيما وقوله: \"إذا قاتل أحدكم\" و\"إذا ضرب أحدكم\" عامٌّ في كل مضروب، والله خلق آدم على صورهم جميعًا، فلا معنى لإفراد الضمير.\n_________\n(^١) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ٥٥٨، ٥٦١) بتصرف وقد نقله من كتاب \"نقض أساس التقديس\" لابن تيمية (٢/ ٢٧٣، ٢٨٥).\n(^٢) إبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ٨٨).","vol":"1","page":516},{"text":"- أن ذرية آدم خُلِقُوا على صورة آدم، لم يخلق آدم على صورهم.\n- أنه لو أُريد مجرد المشابهة لآدم وذريته لم يحتج إلى لفظ \"خلق\" على كذا، فإن هذه العبارة إنما تستعمل فيما فعل على مثال غيره.\n- أن يقال: كون الوجه يشبه وجه آدم مثل كون سائر الأعضاء تشبه أعضاء آدم، لو صح أن هذا علة منع الضرب لوجب هذا الحكم لسائر الأعضاء وهذا لا يقوله أحد.\nوأمَّا عود الضمير على آدم ففاسد؛ لأنه كون آدم خلق على صورة آدم ليس له معنى، وليس في ذلك مناسبة للنهي عن ضرب وجوه بنيه، ولا عن تقبيحها، كذلك الله خلق سائر أعضاء آدم غلى صورة آدم، فيكون هذا مانعًا من ضرب سائر الأعضاء، وهذا معلوم الفساد.\nأما تأويلهم الحديث على أن آدم لم يخلق من نطفة وعلقة، ولم يتكون في مدة طويلة، فلو كانت هذه العلة هي المانعة من ضرب الوجه وتقبيحه، كونه خلق على هذا الوجه، وهذه العلة منتفية في بنيه، فينبغي أن يجوز ضرب وجوه بنيه وتقبيحها لانتفاء العلة إذ هم لم يخلقوا على صورهم التي هم عليها إضافة إلى أن هذا القول لا دليل عليه، وليس في هذه الأحاديث ما يدل عليه بحال من الأحوال\" (^١).\nوقد أطال شيخ الإسلام في رد هذه التأويلات بما يبطلها فاكتفينا بنقل بعضه مختصرًا خشية الإطالة.\nأما قولهم: إن المراد بالصورة: الصفة فهو فاسد؛ لأن الصورة هي الصورة الموجودة في الخارج ولفظ: \"صَوَرَ\" يدل على ذلك، وما من\n_________\n(^١) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ٥٤٠، ٥٤٥) بتصرف وإختصار وقد نقله من كتاب \"نقض التأسيس\" لابن تيمية (٣/ ٢٠٢) فما بعدها.","vol":"1","page":517},{"text":"موجود من الموجودات إلَّا وله صورة في الخارج. أما الصفة فهي: مصدر وصفت الشيء أصفه وصفًا ثم يسمون المفعول باسم المصدر صفة. فتفسير الصورة بمجرد الصفة التي تقوم بالأعيان كالعلم والقدرة فاسد؛ لأن قول القائل: صورة فلان لا يقصد مجرد الصفات القائمة به من العلم والقدرة وغيرها، بل هذا من الجناية على اللغة وأهلها. وإذا دلَّ لفظ الصورة على صفة قائمة بالموصوف أو بالذهن واللسان فلابد مع ذلك أن يدل على الصورة الخارجية، كما يمكن أن يقال لمن يقول بهذا: المشاركة في بعض الصفات واللوازم البعيدة إما أن يصحح قول القائل: إن الله خلق آدم على صورة الله، أو لا يصحح ذلك، فإن لم يصحح ذلك بطل قولك. وإن كانت تلك المشاركة تصحح هذا الإطلاق جاز أن يقال: إن الله خلق كل ملك من الملائكة على صورته، بل خلق كل حي على صورته، إذ ما من شيء من الأشياء إلَّا وهو يشاركه في بعض اللوازم البعيدة، كالوجود والقيام بالنفس وحمل الصفات، فعلى هذا يصح أن يقال في كل جسم وجوهر: إن الله خلقه على صورته، فبطل هذا التأويل على التقديرين (^١).\nوأما القول بأن هذا من إضافة التشريف كناقة الله، وبيت الله، فقد رد شيخ الإسلام هذا القول فقال: \"إضافة المخلوق جاءت في الأعيان القائمة بنفسها، كالناقة والبيت، فأما الصفات القائمة بغيرها مثل العلم والقدرة والكلام والمشيئة إذا أضيفت كانت إضافة صفة إلى موصوف، فالأعيان القائمة بنفسها قد علم المخاطبون أنها لا تكون قائمة بذات الله تعالى فيعلمون أنها ليست إضافة صفة، وعلى هذا فالصورة قائمة\n_________\n(^١) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ٥١٠، ٥٣١، ٥٥٣، ٥٥٧، بتصرف وقد نقله من كتاب \"نقض أساس التقديس\" لابن تيمية (٣/ ٢٠٢). فما بعدها.","vol":"1","page":518},{"text":"بالموصوف بها المضافة إليه، فصورة الله كوجه الله، ويد الله وعلم الله، ويمتنع أن تقوم بغيره، كما أنه لابد أن يكون في العين المضافة إلى الله تعالى معنى يختص بها تستحق به الإضافة، وأما الصور المخلوقة، فهي مشاركة لجميع الصور في كون الله خلقها من جميع الوجوه، فما الموجب لتخصيصها بالإضافة إلى الله تعالى؟ وأيضًا فسائر الأعضاء مشاركة للصورة التي هي الوجه في كون الله تعالى خلق ذلك جميعه فينبغي أن يضاف سائر الأعضاء إلى الله بهذا الاعتبار\" (^١).\nوبهذا يعرف أن الحق هو ما عليه جماهير أهل السنة والجماعة في إئبات وصف الله تعالى بالصورة كما جاء في هذه الأحاديث. ويتبين بطلان قول من وصف من أثبت الصورة بالتجسيم، والحكم عليهم بالكفر لأجل هذا الاعتقاد الذي وافقوا فيه النصوص. وهذا موقف المؤولة والنفاة من أهل السنة والجماعة المثبتين للصفات، ولو تصوروا أن هذا الوصف الذي ألصقوه والحكم الذي أطلقوه يشمل: الصحابة والتابعين وسلف الأمة من عباد الله الصالحين الذين كانوا على هذا الاعتقاد لخاف على نفسه ورجع عن قوله.\nقال ابن قتيبة - ﵀ -: \"لذي عندي والله أعلم أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقع الألف لتلك لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد\" (^٢).\nوهذا هو الحق والصواب الذي عليه الأدلة واضحة من الكتاب والسنة.\n_________\n(^١) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ٥٦٣، ٥٦٦) بتصرف وقد نقله من كتاب \"نقض أساس التقديس\" لابن تيمية ص (٣/ ٢٧٣، ٢٨٥).\n(^٢) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص (٢٢٠).","vol":"1","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>صفة الوجه:</span>\nصفة ذاتية ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (^٣)، وقال - ﷺ -: \"إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يُرفعُ إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه\" (^٤). وعندما نزل قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ (^٥) قال - ﷺ -: \"أعوذ بوجهك\" (^٦) فالوجه صفة ثابتة لله ﷿ أثبتها أهل السنة والجماعة للنصوص الكثيرة المتواترة من الكتاب والسنة في إثباتها وأثبتوها على ما يليق به ﷾.\nوالقرطبي مع تأويله لهذه الصفة وصرفها عن ظاهرها في عدة مواضع إلَّا أنه في بعض المواضع تردد بين التأويل والتفويض حيث قال عند شرحه للحديث الأول: سبحات وجه ربنا: جلاله والهاء في بصره عائدة على الله تعالى على أحسن الأقوال، وهو الذي عاد عليه ضمير \"وجهه\" وكذلك ضمير \"خلقه\" ... وقد أكثر الناس في تأويل هذا الحديث، وأبعدوا، لا سيما من قال: إن الهاء في وجهه تعود على\n_________\n(^١) سورة القصص، آية: ٨٨.\n(^٢) سورة البقرة، آية: ٢٧٢.\n(^٣) سورة الرحمن، آية: ٢٧.\n(^٤) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب في قوله ﵇ \"إنَّ الله لا ينام\" ح (١٧٩). (٣/ ١٦).\n(^٥) سورة الأنعام، آية: ٦٥.\n(^٦) رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله عزَّوجل ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ح (٧٤٠٦) (١٣/ ٤٠٠).","vol":"1","page":520},{"text":"المخلوق، فإنه يحيل مساق الكلام ويخل بالمعنى، والأشبه ما ذكرناه أو التوقف كما قال السلف: \"اقرؤوها كما جاءت\" يعنون المشكلات (^١).\nوقال في موضع آخر: \"لطفه وكرمه بعباده المؤمنين ورحمته لهم وعوده عليهم يقتضي أن يمن عليهم بأن يريهم وجهه إبلاغًا في الإنعام، وإكمالًا للامتنان، فإذا كشف عنهم الموانع وأراهم وجهه الكريم، فقد فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء، فكأنه قد رفع عنهم حجابًا يمنعهم ووجه الله تعالى هل هو عبارة عن وجوده المقدس أو عن صفة شريفة عظيمة معقولة؟ في ذلك لأئمتنا قولان\" (^٢).\nوقال عند قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (^٣) أي: يخلصون في عباداتهم وأعمالهم لله تعالى ويتوجهون إليه بذلك لا لغيره ويصح أن يقال: يقصدون بأعمالهم وجهه الكريم أي: وجوده المنزه المقدس عن صفات المخلوقين\" (^٤).\nوعند قوله تعالى: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (^٥) قال: \"أي جهة الله يعني القبلة وأضافها الله تعالى إليه تشريفًا، وقيل: رضاه، وقيل: رحمته كما قال في الحديث \"فإن الرحمة تواجهه\" (^٦) وقال الفراء: العمل كما قال الشاعر:\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٤١١).\n(^٢) المفهم (١/ ٤١٢).\n(^٣) سورة الأنعام، آية: ٥٢.\n(^٤) المفهم (٦/ ٢٨٥).\n(^٥) سورة البقرة، آية: ١١٥.\n(^٦) رواه الترمذي في أبواب الطهارة باب ماجاء في كراهية مسح الحصى في الصلاة وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب مسح الحصى في الصلاة وضعفه الألباني في ضعيف ص (٨٨) الجامع الصغير برقم (٦١٣).","vol":"1","page":521},{"text":"أستغفر الله ذنبًا لستُ مُحصيه ... رب العباد إليه الوجه العملُ (^١)\nوفي قوله نظر فإن الوجه المذكور في الشعر ليس هو العمل بدليل ذكر العمل بعده، وإنما معناه: القصد أي: إليه القصد والعمل ويمكن حمل الوجه في الآية على هذا والله أعلم\" (^٢).\nوقال المازري في شرحه للحديث الأول الذي سبق: الضمير الذي في \"وجهه\" يعود على المخلوق لا على الخالق إذ الحجاب بمعنى الستر إنما يكون على الأجسام المحدودة والباري جلَّت قدرته، ليس بجسم ولا محدود والحجاب في اللغة: المنع ومنه سمى المانع من الأمير: حاجبًا لمنعه الناس عنه ومنه الحاجب في الوجه؛ لأنه يمنع الأذى عن العين ... وأما تفسير السبحات، فقال الهروي: سبحات وجهه: نور وجهه تعالى في كتاب العين: سبحة من نور وجهه وجلاله، وإنما نقلنا هذا ليعلم قول أهل اللغة في هذه اللفظة لا على اتباعهم فيما يرجع الضمير إليه وإطلاق اللفظ الذي قالوه\" (^٣).\nويتضح أن ماورد عن القرطبي والمازري مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة الذين يثبتون هذه الصفة كما جاءت من غير تشبيه، وأما ما ذكره القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (^٤) فقد ذهب كثير من علماء السنة إلى أن هذه الآية ليست من آيات الصفات، بل المراد بها قبلة الله، وقد بيَّن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - حيث قال: المراد بالوجه هنا القبلة فإن \"الوجه\" هو الجهة في لغة العرب، يقال:\n_________\n(^١) لم أقف عليه.\n(^٢) المفهم (٢/ ٣٤١).\n(^٣) المعلم (١/ ٢٢٤).\n(^٤) سورة البقرة، آية: ١١٥.","vol":"1","page":522},{"text":"قصدت هذا الوجه وسافرت إلى هذا الوجه أي: إلى هذه الجهة، وهذا كثير مشهور، فالوجه هو: الجهة وهو الوجه كما في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ (^١) أي: متوليها، فقوله تعالى: ﴿وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ كقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ كلا الآيتين في اللفظ والمعنى متقاربان، وكلاهما في شأن القبلة والوجه والجهة، وهو الذي ذكر في الآيتين: إنا نوليه: نستقبله، والسياق يدل عليه؛ لأنه قال: أينما تولوا، وأين من الظروف، وتولوا: أي تستقبلوا، فالمعنى: أي موضع استقبلتموه، فهنالك وجه الله، فقد جعل وجه الله في المكان الذي يستقبله هذا بعد قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ وهي الجهات كلها، كما في الآية الأخرى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ (^٢) فأخبر أن الجهات له فدل على أن الإضافة إضافة تخصيص وتشريف، كأنه قال: جهة الله وقبلة الله، ولكن من الناس من يسلم أن المراد بذلك جهة الله، أي: قبلة الله، ولكن يقول هذه الآية تدل على الصفة، وعلى أن العبد يستقبل ربه، كما جاء في الحديث: \"إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه\" (^٣) ويقول أن لآية دلَّت على المعنيين\" (^٤).\nهذا بالنسبة لهذا الدليل، وأما ما سواه من الأدلة فهي نصٌّ في إثبات هذه الصفات، والسلف بإجماعهم على الاستدلال بها، قال الإمام ابن خزيمة: \"فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق،\n_________\n(^١) سورة البقرة، آية: ١٤٨.\n(^٢) سورة البقرة، آية: ١٤٢.\n(^٣) رواه البخاري في كتاب الصلاة باب حسك البزاق باليد من المسجد ح (٤٠٦) (١/ ٦٠٦)، ومسلم في كتاب المساجد وموضع الصلاة باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها ح (٥٤٧) (٥/ ٤١).\n(^٤) الفتاوى (٦/ ١٦).","vol":"1","page":523},{"text":"والشام، ومصر، مذهبنا: أنَّا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين عزَّ ربنا عن أن يشبه المخلوقين وجلَّ ربنا عن مقالة المعطلين\" (^١).\nومما يدل على إبطال مذهب التأويل في هذه الصفة، قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (^٢) فأضاف الوجه إلى الذات وأضاف النعت إلى الوجه، فقال: \"ذو\" ولو كان ذكر الوجه صلة، ولم يكن صفة للذات لقال: ذي الجلال، فلما قال: \"ذو الجلال\" علمنا أنه نعت للوجه، وأن الوجه صفة للذات (^٣).\nوقال الدارمي في رده على المريسي: \"لو كان وجه الله قبلته، أو الأعمال التي يبتغى بها وجهه أفيجوز أن يقال للقبلة والأعمال ذو الجلال والإكرام؟ فقد علم المؤمنون من خلق الله أنه لا يقدس وجه بذي الجلال والإكرام غير وجه الله.\nثم قوله في الحديث: \"أحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره\" أفيستقيم: أن يتأول هذا أنه أحرقت سبحات وجهه الأعمال الصالحة، ووجه القبلة كل شيء أدركه بصره؟ ما يشك مسلم في استحالة هذا، ثم قوله - ﷺ -: \"أعوذ بوجهك\" وقوله: \"أسألك لذة النظر إلى وجهك\" (^٤). أفيجوز أن يتأول هذا: أعوذ بثوابك والأعمال التي يبتغى بها\n_________\n(^١) التوحيد لابن خزيمة (١/ ٢٦).\n(^٢) سورة الرحمن، آية: ٢٧.\n(^٣) انظر: التوحيد لابن خزيمة (١/ ٥١)\n(^٤) أخرجه النسائي في السنن الكبرى كتاب صفة الصلاة باب (٩٦) وابن حبان في صحيحه في باب صفة الصلاة، ذكر جواز دعاء المرء في الصلاة بما ليس في كتاب الله وصححه الألباني في صحيح الجامع ص (٢٧٩) برقم (١٣٠١).","vol":"1","page":524},{"text":"وجهك، وبوجه القبلة؟ فإنه لا يجوز أن يستعاذ بوجه شيء غير وجه الله تعالى، وكذلك لا يجوز أن تقول: لذة النظر إلى قبلتك، وإلى الأعمال التي ابتغى بها وجهك - وبعد ذكر النصوص في صفة الوجه والرد على جميع التأويلات فيها - قال: وعلى تصديق هذه الآثار والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والعلم ولولا كثرة من يستنكر الحق ويستحسن الباطل، ما اشتغلنا كل هذا الاشتغال بتثبيت وجه الله ذي الجلال والإكرام\" (^١).\nفإثبات الوجه لله تعالى واجب على الحقيقة بما يليق به ﷾. هذا هو المذهب السلفي الواضح النقي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>صفة اليد:</span>\nلقد جاءت النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة بإثبات اليد لله ﷾، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢)، وقال تعالي: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (^٣) وقال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (^٤).\nوجاء في السنة أحاديث كثيرة، منها: قوله - ﷺ -: \"إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل\" (^٥) وفي حديث الشفاعة وفيه: \"فيأتونه فيقولون: ياآدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه\" (^٦).\n_________\n(^١) رد الدارمي على المريسي (٢/ ٧٠٨، ٧٢٣) بتصرف، وانظر: الحجة في بيان المجحة (١/ ٢١٧) وأصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٣/ ٤٥٧).\n(^٢) سورة آل عمران، آية: ٧٣.\n(^٣) سورة المائدة، آية: ٦٤.\n(^٤) سورة ص، آية: ٧٥.\n(^٥) رواه مسلم في كتاب التوبة باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت ح (٢٧٥٩) (١٧/ ٨٣).\n(^٦) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء باب قول الله ﷿ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ =","vol":"1","page":525},{"text":"وأهل السنة والجماعة أثبتوا أن لله ﷾ يدين تليقان به ﷾ من غير تشبيه بخلقه، تعالى الله عن ذلك.\nقال الإمام ابن خزيمة: \"باب: ذكر إثبات اليد للخالق البارئ جل وعلا، والبيان أن الله تعالى له يدان كما أعلمنا في محكم تنزيله\" ثم سرد جملة من الآيات تدل على ذلك، ثم قال: \"باب: ذكر البيان من سنة النبي - ﷺ - على إثبات يد الله ﷿ موافقًا لما تلونا من تنزيل ربنا لا مخالفًا، قد نزه الله نبيه وأعلى درجته ورفع قدره عن أن يقول إلَّا ما هو موافق لما أنزل الله عليه من وحيه\" (^١).\nوذكر أبو الحسن الأشعري أن من جملة ما عليه أهل الحق والسنة: أن لله يدين بلا كيف (^٢). ورد على أهل البدع في تأويلها (^٣).\nوقال اللالكائي: \"سياق ما دل من كتاب الله ﷿ وسنة رسوله - ﷺ - على أن من صفات الله ﷿: الوجه والعين واليدين\" (^٤) ثم سرد بعد ذلك الأدلة على ثبوت هذه الصفات (^٥).\nوقد كانت هذه الصفة من أكثر ما تعرض له القرطبي في \"المفهم\"، والمازري في \"المعلم\" ولكنهما صرفا النصوص عن ظاهرها، والتزما بتأويل جميع النصوص الواردة في ذلك في تكلف ظاهر.\n_________\n= ح (٣٣٤٠) (٦/ ٤٢٨) ومسلم في كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ح (١٩٤) (٣/ ٦٦).\n(^١) التوحيد لابن خزيمة (١/ ١١٨، ١١٩).\n(^٢) الإبانة عن أصول الديانة للأشعري ص (١٠٦).\n(^٣) المرجع السابق (١٢٥، ١٤٠).\n(^٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٥٧).\n(^٥) المرجع السابق.","vol":"1","page":526},{"text":"ففي شرح القرطبي لحديث الشفاعة قال: \"اعلم أن الله تعالى منزه عن يد الجارحة، واليد في كلام العرب تطلق على القدرة والنعمة والملك. واللائق هنا حملها على القدرة، وتكون فائدة الاختصاص لآدم: أنه تعالى خلقه بقدرته ابتداءً من غير سبب ولا واسطة خلق ولا أطوار قَلَبَهُ فيها وذلك بخلاف غيره من ولده، ويحتمل أن يكون شرفه بالإضافة إليه كما قال \"بيتي\" وقد قدمنا أن التسليم في المشكلات أسلم\" (^١).\nوقال عند قوله - ﷺ -: \"وكلتا يديه يمين\" (^٢): \"يفهم من إضافة اليدين إليه تعالى قدرته على المخلوقات\" (^٣).\nوعند شرحه لقوله - ﷺ -: \"إن الله يبسط يده بالليل ... \" (^٤) قال: \"هذا الحديث أُجري مجرى المثل الذي يفهم منه دوام قبول التوبة واستدامة اللطف والرحمة\" (^٥).\nوقال المازري في قوله تعالى ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (^٦): \"أي: نعمتاه على تأويل اليد ههنا على النعمة، ونعم الله لا تحصى، فالتثنية للتأكيد لا حقيقية\" (^٧).\nوقال في شرحه لقوله - ﷺ -: \"إن الله يبسط يده ... \": \"المراد بهذا: القبول على التائب؛ لأنه قد جرت العادة أن الإنسان إذا نُوول ما يقبله\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٤٢٧).\n(^٢) رواه مسلم في كتاب الإمارة باب فضيلة الإمام العادل ح (١٨٢٧) (١٢/ ٤٥٢).\n(^٣) المفهم (٣/ ٣٧).\n(^٤) سبق تخريجه ص (٥٢٥).\n(^٥) المفهم (٧/ ١٠٦).\n(^٦) سورة المائدة، الآية: ٦٤.\n(^٧) المعلم (٢/ ٤٧).","vol":"1","page":527},{"text":"بسط يده إليه، وإذا نوول ما يكره قبض يده فخاطب العرب من حيث تعلم، وذكر أمثالًا محسوسة ليؤكد معنى ما يريده في النفس وأما يد الجارحة فمستحيلة على الله سبحانه والقبض والبسط من صفات الأجسام، واليد قد تطلق في اللغة على النعمة، وهذا المعنى المشهور في اللسان يقارب ما قلناه؛ لأن ما يفعله سبحانه من قبول توبة عباده من أحد نعمه عليهم وكذلك ما يفعله من النعم بالتائبين، وأما إثبات اليدين لله سبحانه من غير أن تكون يدي جارحة بل صفتين من الصفات قديمة أزلية فأثبتها أبو بكر القاضي ابن الطيب وغيره من أئمتنا لقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (^١) فأثبت اليدين ههُنا صفتين قديمتين؛ لأن صرف اليد ههُنَا عنده إلى النعمة لا يليق بهذا الموضع؛ لأن النعمة مخلوقة، ولا يخلق مخلوق بمخلوق، وصرفها إلى القدرة يمنع منه التثنية، والقدرة واحدة بلا خلاف، وأبو المعالي مال إلى نفي ذلك وحمل القرآن على التجوز وأن المراد أن الله خلق آدم بغير واسطة بخلاف غيره من بنيه، فكنَّى عن ذلك بأنه خلقه بيديه، لأنا إذا لم يكن بيننا وبين ما يكون من الأفعال وسائط عبر عن ذلك بأن يقال: فعلته بنفسي، وتوليته بيدي، والقصد تمييز آدم بالاختصاص، وقد يجمع الشيء تفخيمًا، وإن كان واحدًا، والعرب تفعل ذلك، فهذا المعنى سلك الأئمة في هذه الآية وإن قلنا بإثبات اليد على طريقة القاضي، فلابد من تأويل الأحاديث على نحو ما قلناه، لذكر البسط فيه، وإنما يبقى النظر في معنى اليد، وإضافة هذا الأمر إليهما\" (^٢).\nوقال عند قوله - ﷺ -: \"يطوي الله سبحانه السموات يوم القيامة ثم\n_________\n(^١) سورة ص، آية: ٧٥.\n(^٢) المعلم (٣/ ١٩٠).","vol":"1","page":528},{"text":"يأخذهن بيده اليمنى\" (^١): \"تقدَّم القول في ذكر اليد واختلاف الأصوليين في إثباتها بمعنى الصمة، لا بمعنى الجارحة، وتنازعهم في مقتضى قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (^٢) وذكرنا تأويل ما وقع في ذكر اليد، ولكن لما ذكر ههُنا اليمين والشمال كان آكد في إيهام الجارحة، فإذا ثبت استحالة يد الجارحة عليه ووصفه باليمين والشمال، فلابد من حمل هذا على ما يجوز وأمثل ما تؤول عليه عندي: أن الله سبحانه أراد أنه يطوي السموات والأرضين بقدرته، وكنى عن ذلك بذكر اليد؛ لأن بها فعلنا نحن وبها تصرفنا فخاطب بما يفهم وبما يخرج إلى الحس والوجود ليكون أوكد وأرسخ في نفس السامع\" (^٣).\nوهذه التأويلات التي ذكروها بناءً على مذهبهم الفاسد بأن إثبات الصفات يستلزم التجسيم والتشبيه، وهذا زعمٌ باطلٌ؛ لأن اللازم المذكور إنما يلزم من أثبت يدين مماثلتين لأيدي المخلوقين، وأما من أثبت يدين تليقان بالله لا تشبهان أيدي المخلوقين، فإن هذا لا يلزمه ماذكروه؛ لأن إثبات يدين حقيقيتين تليقان بالله تعالى، هو مثل إثبات علم وقدرة وحياة وسمع وبصر يليق بالله تعالى، أما تأويل اليدين بالقوة أو القدرة، أو النعمة، فهذا مذهب الكلَّابية والأشاعرة، وغيرهم، ممن ينفي صفات الله تعالى الخبرية، ولو فرض مجيء اليد بمعنى القدرة، فلا يجوز إطلاق هذا المعنى إلَّا في حق من اتصف باليد على الحقيقة، ولذلك لا يقال: يد الهوى ولا يد الماء\" (^٤).\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار ح (٢٧٨٨) (١٧/ ١٣٨).\n(^٢) سورة ص، آية: ٧٥.\n(^٣) المعلم (٣/ ١٩٥).\n(^٤) الفتاوى لابن تيمية (٦/ ٣٧٠).","vol":"1","page":529},{"text":"وقد ورد ذكر اليدين في الآية بصيغة التثنية، وتأويلها بالقدرة لا يمكن لأن قدرة الله تعالى صفته وهي مفردة، وقد قال تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (^١) إشارة إلى المعنى الذي أوجب السجود، فلو كانت اليد بمعنى القدرة لم يكن بين آدم وإبليس فرق لتشاركهما فيما خُلق كل منهما به وهي قدرته ولقال إبليس: وأي فضيلة له عليَّ وأنا خلقتني بقدرتك كما خلقته بقدرتك، فلما قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (^٢) دلَّ على اختصاص آدم بأن الله خلقه بيديه.\nولا جائز أن يراد باليدين النعمتان لاستحالة خلق المخلوق بمخلوق؛ لأن النعم مخلوقة (^٣).\nوأما جعل قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (^٤) من باب العناية بخلق آدم ﵇، وتشريفه بالإضافة إليه، فهذا كلام باطل؛ لأنه يقتضي أن اليدين ليستا من الصفات الحقيقية بل من الصفات المعنوية، وهذا مخالف لسياق الآية، ولفهم السلف، وذلك أن الفعل إذا أُضيف إلى الفاعل، وعُدِّيَ الفعل إلى اليد بحرف الباء كقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ كان نصًّا في أنه فعل الفعل بيديه، فلو لم يرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة من غير فائدة، وكلام الله تعالى منزَّه عن ذلك\" (^٥).\nوأهل السنة والجماعة قد أجمعوا على إثبات اليدين لله تعالى فيجب إثباتهما بدون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف، ولا تمثيل، وهما\n_________\n(^١) سورة ص، آية: ٧٥.\n(^٢) سورة ص، آية: ٧٦.\n(^٣) فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٤٠٥) وقد نقل هذا عن ابن بطال.\n(^٤) سورة ص، آية: ٧٥.\n(^٥) انظر: الفتاوى لابن تيمية (٦/ ٣٦٦).","vol":"1","page":530},{"text":"يدان حقيقيتان، تليقان به ﷾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>إطلاق اليمين والشمال على يد الله تعالى:</span>\nجاءت النصوص من الكتاب والسنة بوصف يد الله ﷾ بأنها يمين. قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (^١)، وقال - ﷺ -: \"يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة\" (^٢)، وقال - ﷺ -: \"يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض\" (^٣)، وقال - ﷺ -: \"ما تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلَّا الطيب إلَّا أخذها الرحمن بيمينه\" (^٤)، وقوله - ﷺ -: \"إن المقسطين عند الله تعالى على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين\" (^٥).\nفإطلاق اليمين على يد الله تعالى بإجماع السلف لهذه النصوص الكثيرة الصريحة بإثباتها ولا يلتفت لمن خالف هذا ممن حاد عن مذهب السلف فعطل صفات الله تعالى.\nوالقرطبي والمازري، كما أوَّلا صفة اليد، فكذلك صرفا ما جاء في\n_________\n(^١) سورة الزمر، آية: ٦٧.\n(^٢) رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب \"وكان عرشه على الماء، وهو رب العرش العظيم\" ح (٧٤١٩) (١٣/ ٤١٥) ومسلم في كتاب الزكاة، باب الحث على النفقة ح (٩٩٣) (٧/ ٨٤).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب قول الله تعالى\"ملك الناس\" ح (٧٣٨٢) (١٣/ ٣٧٩) ومسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار ح (٢٧٨٧) (١٧/ ١٣٧).\n(^٤) رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ح (٧٤٣٠) (١٣/ ٤٢٦) ومسلم في كتاب الزكاة باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها ح (١٠١٤) (٧/ ١٠٢).\n(^٥) سبق تخريجه ص (٥٢٧).","vol":"1","page":531},{"text":"إثبات اليمين عن ظاهرها إلى تأويلات باطلة.\nقال القرطبي عند شرحه لقوله - ﵇ -: \"عن يمين الرحمن\"، \"قال ابن عرفة (^١): يقال: أتاه عن يمين: إذا أتاه من الجهة المحمودة. قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾ (^٢) أي: أصحاب المنزلة الرفيعة وقيل غير هذا في الآية.\n... وقد توسعت العرب في اليمين فأطلقوه ولا يريدون به يمين الجارحة بل الجهة المحمودة والظفر بالخصلة الشريفة المقصودة، كما قال شاعرهم:\nإذا ما رايةُ رُفعتْ لمجدٍ ... تلقَّاها عَرَابةُ باليمين (^٣)\nوالمجد: الشرف، ورايته عبارة عما يظهر من خصاله، وهما معنويان، فاليمين التي تُتلقى به تلك الراية معنوي لا محسوس، فأشبه ما يحمل عليه اليمين في هذا الحديث ما قاله ابن عرفة\" (^٤).\nوعند قوله - ﷺ -: \"يمين الله ملأى\" قال: \"نسبة اليمين إلى الله تعالى نسبة مجازية توسعية عبر بها عن كثرة العطاء والقدرة عليه، وحمل على هذه الاستعارة عادة التخاطب وحصول التفاهم\" (^٥).\nوقال المازري في شرح هذا الحديث: \"هذا مما يتأول لأن اليمين التي هي جارحة إنما كانت يمينًا بنسبتها إلى الشمال فلا يوصف بها\n_________\n(^١) أبو الحسن علي بن محمد الجرجاني الحناطي المعلم توفي في حدود سنة (٤٢٠ هـ). سير أعلام النبلاء (٢١٧/ ٤٢١).\n(^٢) سورة الواقعة، آية: ٢٧.\n(^٣) البيت للشاعر المخضرم الشماخ بن ضرار الذبياني انظر: ديوان الشماخ ص (٣٣٦).\n(^٤) المفهم (٤/ ٢٢) وانظر: (٣/ ٦٠).\n(^٥) المفهم (٣/ ٣٧).","vol":"1","page":532},{"text":"تعالى؛ لأنها تتضمن إثبات شمال، وهذا يؤدي إلى التحديد ويتقدس الباري سبحانه عن أن يكون جسمًا محدودًا، وإنما خاطبهم - ﷺ - بما يفهمونه إذ أراد الإخبار على أن الباري لا ينقصه الإنفاق، ولا يمسك خشية الإملاق، جلت قدرته وعظمت عن ذلك، وعبَّر ﵇ عن قدرة الله سبحانه على توالي النعم بسح اليمين؛ إذ الباذل منَّا والمنفق يفعل ذلك بيمينه\" (^١).\nقال أبو يعلى في إبطال هذه التأويلات: \"فإن قيل قوله: \"عن يمين الرحمن\" المراد به المنزلة الرفيعة، والمحل العظيم، قيل: هذا غلط؛ لأنه لو أراد ذلك لقال: المقسطون في يمين الرحمن، ولأنه قال: \"وكلتا يديه يمين\" فلو كان المراد به المنزلة لم يكن لذكر اليد معنى. فإن قيل: حمله على ظاهره يستحيل على الله سبحانه؛ لأنه يؤدي إلى وصفه بالحد والجهة، قيل: لا يفضي إلى ذلك كما أن قوله: \"ترون ربكم كما ترون القمر\" حملناه على ظاهره، وإن كنا نعلم أن رؤية القمر في جهة محدودة والله تعالى لا في جهة (^٢) ولا محدود\" (^٣).\nولا شك أن المذهب الحق هو ما عليه أهل السنة والجماعة من إثبات اليمين لله ﷾.\nقال الشيخ ابن باز - ﵀ - رده على هذه التأويلات الباطلة المنكرة لوصف يد الله تعالى باليمين والتي ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري عند قوله - ﷺ -: \"ما تصدق أحد بصدقة ... إلَّا أخذها الرحمن\n_________\n(^١) المعلم (٢/ ١٤).\n(^٢) نفي الجهة عن الله من الألفاظ المحدثة التي تحتمل الحق والباطل وسيأتي التفصيل في ذلك.\n(^٣) ابطال التأويلات (١/ ١٨١، ١٨٢) بتصرف.","vol":"1","page":533},{"text":"بيمينه\" (^١): \"هذه التأويلات ليس لها وجه، والصواب إجراء الحديث على ظاهره، وليس في ذلك بحمد الله محذور عند أهل السنة والجماعة؛ لأن عقيدتهم الإيمان بما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة من أسماء الله سبحانه وصفاته وإثبات ذلك لله على وجه الكمال مع تنزيهه تعالى عن مشابهة المخلوقات، وهذا هو الحق الذي لا يجوز العدول عنه. وفي هذا الحديث دلالة على إثبات اليمين لله سبحانه، وعلى أنه يقبل الصدقة عن الكسب الطيب ويضاعفها\" (^٢).\nوأما إثبات الشمال أو اليسار لله تعالى فقد وقع الخلاف فيه بين أهل السنة: فذهب البعض إلى جواز ذلك للحديث الذي أخرجه مسلم وهو قوله - ﷺ -: \"يطوي الله ﷿ السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أين الجبَّارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله ... \" (^٣)، وقالوا: إن وصف إحدى اليدين باليمين كما جاءت في الأحاديث يقتضي أن الأخرى ليست يمينًا، فتكون شمالًا، وفي بعض الأحاديث تذكر اليمين ويذكر مقابلها: \"بيده الأخرى\" وهذا يعني أن الأخرى ليست اليمين فتكون الشمال، فيكون موافقًا لما جاء في هذا الحديث. وممن قال بهذا الدارمي وأبو يعلى، وصديق خان (^٤)،\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص (٥٣١).\n(^٢) فتح الباري (٣٢٩) هامش (١).\n(^٣) سبق تخريجه ص (٥٣١).\n(^٤) محمد صديق بن حسن الحسيني البخاري القنوجي المعروف بصديق حسن خان من العلماء الأمراء الذين سلكوا منهج السلف ودافعوا عنه في القرن الثالث عشر الهجري وساهم في نشره ما تولاه من مناصب رفيعة في حكومة بهوفال بالهند. مكثر من التأليف من مصنفاته: \"فتح البيان في مقاصد القرآن\"، \"الدين الخالص\"، \"الروضة الندية شرح الدرة البهية\" وغيرها توفي سنة (١٣٠٧ هـ) معجم المؤلفين (٣/ ٣٥٨)، الأعلام (٦/ ١٦٧).","vol":"1","page":534},{"text":"والهراس، والغنيمان وغيرهم (^١).\nوقالوا: إن قوله - ﷺ -: \"كلتا يديه يمين\" لبيان تنزيهه تعالى عن النقص والضعف كما في أيدينا، الشمال من النقص وعدم البطش، فهو من إجلال الله وتعظيمه (^٢).\nوقال آخرون: منهم: ابن خزيمة، والبيهقي، والألباني (^٣)، وغيرهم (^٤) بأن كلتا يدي الله يمين لا شمال ولا يسار فيهما.\n_________\n(^١) قال الشيخ محمد خليل هراس: يظهر أن المنع من إطلاق اليسار على الله ﷿ إنما هو على جهة التأدب فقط فإن إثبات اليمين وإسناد بعض الشؤون إليها كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وكما في قوله ﵇: \"إن يمين الله ملأى سحاء الليل والنهار\" يدل على أن اليد الأخرى المقابلة لها ليست يمينًا انظر تعليقه على كتاب التوحيد، وانظر أقوال الآخرين في رد الدارمي على المريسي (٢/ ٦٩٨) وإبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ١٧٨) وقطف الثمر لصديق خان ص (٦٦) وشرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ٣٠٦).\n(^٢) انظر رد الدارمي على المريسي (٢/ ٦٩٨).\n(^٣) هو الشيخ العلم العلامة محدث العصر محمد ناصر الدين الألباني ولد سنة (١٣٣٢ هـ) في ألبانيا ثم نزح إلى سوريا وتلقى العلم هناك حتى برز خصوصًا في علم الحديث جاء إلى المملكة مدرسًا في الجامعة الإسلامية سنة (١٣٨١ هـ) في أول تأسيسها ثم رجع إلى سوريا ثم استقر في الأردن له العديد من المؤلفات منها\"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" \"سلسلة الأحاديث الضعفية\" \"التوسل أنواعه وأحكامه\" \"جلباب المرأة المسلمة\" وغيرها، توفي ﵀ في \"عمَّان\" بالأردن يوم السبت (٢٢/ ٦/ ١٤٢٠ هـ).\n(^٤) سئل الشيخ الألباني ﵀: كيف نوفق بين رواية \"بشماله\" الواردة في حديث ابن عمر ﵄ وبين قوله - ﷺ - \"وكلتا يديه يمين\".\nفقال لا تعارض بين الحديثين بادئ بدء فقوله - ﷺ - \"وكلتا يديه يمين\" تأكيد لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ فهذا الوصف الذي أخبر به رسول الله - ﷺ - تأكيد للتنزيه فيد الله ليست كيد البشر: شمال ويمين ولكن كلتا يديه سبحانه يمين.\nوأمر أخر أن رواية \"بشماله\" شاذة كما بينتها في تخريج المصطلحات الأربعة الواردة في القرآن\"، (رقم ١) للمودودي.","vol":"1","page":535},{"text":"قال القرطبي في وصف يد الله تعالى بالشمال: \"قوله: \"ثم يطوي الأرض بشماله\" كذا جاء في الرواية بإطلاق لفظ الشمال على يد الله تعالى، ولا يكاد يوجد في غير هذه الرواية، وإنما الذي اشتهر في الأحاديث \"وبيده الأخرى\" كما جاء في حديث أبي موسى الأشعري، وقد تحرز النبي - ﷺ - من إطلاق لفظ الشمال على الله تعالى، فقال: \"وكلتا يديه يمين\" لئلا يتوهم نقص في صفة الله تعالى، فإن الشمال في حقنا أضعف من اليمين وأنقص، فنفى النبي - ﷺ - عن الله ذلك، لكنه جاء في هذا الحديث كما ترى على المقابلة المتعارفة في حقوقنا والله تعالى أعلم\" (^١).\nوقال المازري عند شرحه للحديث الذي فيه إثبات الشمال: \"لما علم سبحانه أنا نحن نتناول ما نكرم باليمين، وما دونه بالشمال، وأنا نقوى بأيماننا على أشياء لا نقوى عليها بشمائلنا، وكانت السموات أعظم بما لا يتقارب ولا يتدانى من الأرضين، أضاف فعله فيها إلي اليمين وفعله في الأرض إلى الشمال على حسب ما قلناه، من أنا نحاول الأصعب باليمين، والأخف بالشمال، وإن كان الله سبحانه ليس شيء عليه أخف من شيء، ولا شيء أصعب من شيء، ولكنه تعالى خاطبنا بما نفهم، ولما ذكر اليد تمثيلًا أتم المعنى على التمثيل بعينه، ولا يبعد أن يكون في السموات ما هو أفضل من الأرض وكل ما فيها، لاسيَّما إذا قلنا بتفضيل الملائكة، أو يكون الباري سبحانه يفضل السموات لأمور تخفى عنا، فيكون أضافها إلى اليمين لما قلنا من اختصاص اليمين بالأشرف،\n_________\n= ويؤكد هذا أن أبا داود رواه وقال: \"بيده الأخرى\" بدل \"بشماله\" وهو الموافق لقوله - ﷺ - \"وكلتا يديه يمين\" والله أعلم. مجلة الأصالة العدد الرابع ص (٦٨).\nوانظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة (١/ ١٥٩) والأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ١٣٨).\n(^١) المفهم (٧/ ٣٩٢).","vol":"1","page":536},{"text":"والشمال بما هو دونها، وجرى في ذلك على حكم التمثيل الذي به افتتح فختم عليه، وهذا الذي ظهر إليَّ في هذا الحديث\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>صفة الأصابع:</span>\nالأصابع ثابتة لله ﷿ بالسنة الصحيحة، فقد جاء من حديث ابن مسعود - ﵁ - قال: \"جاء رجلٌ من أهل الكتاب إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا أبا القاسم إن الله يمسك السموات على إصبع والأرضين على أصبع، والشجر والثرى على أصبع، ثم يقول: أنا الملك، أنا الملك. قال: فرأيت رسول الله - ﷺ - يضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (^٢) \" (^٣).\nوجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء\" (^٤). قال ابن خزيمة - ﵀ -: \"باب إثبات الأصابع لله ﷿\" (^٥) ثم ذكر بالأسانيد ما يثبت ذلك (^٦).\nوقال الآجري: \"باب الإيمان بأن قلوب الخلائق بين إصبعين من\n_________\n(^١) المعلم (٣/ ١٩٦).\n(^٢) سورة الزمر، آية: ٦٧.\n(^٣) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب قوله تعالى: \"لما خلقت بيدي\" ح (٧٤١٥) (١٣/ ٤٠٤) ومسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار ح (٢٧٨٦) (١٧/ ١٣٥).\n(^٤) رواه مسلم في كتاب القدر باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء ح (٢٦٥٤) (١٦/ ٤٤٣).\n(^٥) كتاب التوحيد لابن خزيمة (١/ ١٨٧).\n(^٦) المرجع السابق (١/ ١٨٧ - ١٩٢).","vol":"1","page":537},{"text":"أصابع الرب ﷿ بلا كيف\" (^١).\nوقال البغوي: \"والإصبع المذكور في الحديث صفة من صفات الله ﷿، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل من صفات الله ﷿ كالنفس والوجه والعين واليد والرجل ... \" (^٢).\nومع هذه النصوص الصريحة في إثبات الأصابع لله تعالى على الوجه الذي يليق به سبحانه من غير تشبيه كما هو مذهب أهل السنة، إلَّا أن القرطبي والمازري سارا على المذهب المخالف لمذهب السلف في تأويل هذه الصفات، وصرف هذه النصوص عن ظواهرها بتأويلات بعيدة لا تحتملها ألفاظ النصوص الواردة.\nقال القرطبي في شرحه للحديث الأول: \"قول اليهودي: إن الله يمسك السموات على إصبع ... الحديث إلى آخره\" هذا كله قول اليهودي لا قول النبي - ﷺ -، والغالب على اليهود أنهم يعتقدون الجسمية، وأن الله تعالى شخص، ذو جوارح، كما تعتقده غلاة الحشويَّة في هذه الملة، وضحك النبي - ﷺ - إنما هو تعجب من جهله، ألا ترى أنه قرأ عند ذلك: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (^٣) أي: ما عرفوه حق معرفته، ولا عظموه حق تعظيمه، وهذه الرواية هي الرواية الصحيحة المحققة، فأما رواية من زاد في هذا اللفظ تصديقًا له، فليست بشيء؛ لأنها من قول الراوي، وهي باطلة؛ لأن النبي - ﷺ - لا يصدق الكاذب، ولا المحال، وهذه الأوصاف في حق الله تعالى محال بدليل ما قدمناه غير مرة، وحاصله: أنه لو كان ذا يد وأصابع وجوارح على نحو ما هو المعروف\n_________\n(^١) الشريعة للآجري (٣/ ١١٥٦).\n(^٢) شرح السنة للبغوي (١/ ١٦٦).\n(^٣) سورة الزمر، آية: ٦٧.","vol":"1","page":538},{"text":"عندنا لكان كواحدٍ منا، ويجب له من الافتقار والحدث والنقص والعجز ما يجب لنا، وحينئذ تستحيل عليه الإلهية، ولو جازت الإلهية لمن كان على هذه الأوصاف لجاز أن يكون كل واحد منا إلهًا ولصحت الإلهية للدجال، ولصدق في دعواه إياها، وكل ذلك كذب ومحال، والمفضي إليه كذب ومحال، فقول اليهودي كذب ومحال، ولذلك أنزل الله تعالى في الرد عليه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ وإنما تعجب النبي - ﷺ - من جهله فوهم الراوي، وظن أن ذلك التعجب تصديق وليس كذلك، فإن قيل: فقد صح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن\" (^١) فقد أخبر بأن له أصابع، فالجواب: أنه إذا جاءنا مثل هذا في كلام الصادق تأولناه، أو توقفنا فيه إلى أن يتبين وجهه مع القطع باستحالة ظاهره لضرورة صدق من دلت المعجزة على صدقه، فأما إذا جاءنا مثل هذا على لسان من يجوز عليه الكذب بل من أخبرنا الصادق عن نوعه بالكذب والتحريف، كذبناه وقبحناه، ثم لو سلمنا أن النبي - ﷺ - صدقه وقال له: صدقت، لما كان تصديقًا له في المعنى، بل: في النقل أي: في نقل ذلك عن كتابه أو عن نبيه، وحينئذ نقطع بأن ظاهره غير مراد، ثم هل نتوقف في تعيين تأويل ونسلِّم، أو نبدي تأويلًا له وجه في اللسان وصحة في العقل، على الرأيين اللذين لأئمتنا، وقد تقدما، وقد قلنا: إن الإصبع يصح أن يراد به القدرة على الشيء ويسارة تقليبه، كما يقول من استسهل شيئًا واستخفه مخاطبًا لمن استثقله: أنا أحمله على إصبعي، أو أرفعه بإصبعي، وأمسكه بخنصري، وكما يقول من طاعَ بحمل شيء: أنا أحمله على عيني، وأرفعه على رأسي يعني به: الطواعية وما أشبه ذلك مما في معناه، وهو كثير، ولما كان ذلك معروفًا عند العقلاء متداولًا بينهم\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص (٥٣٧).","vol":"1","page":539},{"text":"خوطبوا بذلك جريًا على منهاجهم، وتوسعًا معلومًا عندهم، وعلى هذا فيمكن حمل الحديث وما في معناه على نحو من هذا، وبيان ذلك: أن السموات والأرض وهذه الموجودات عظيمة أقدارها في إدراكنا، وكبير خلقها في حقنا، فقد يسبق الوهم الغالب على الإنسان أن خلقها وإمساكها على الله كبير، وتكلفها عسير، فنفى النبي - ﷺ - هذا الوهم بهذا الحديث، وبيَّنه على طريق التمثيل بما تعارفناه، فكأنه قال: خلق بيده المذكورات العظيمة، وإمساكها في قدرة الله تعالى كالشيء الحقير الذي تجعلونه بين أصابعكم وتهزُّونه بين أيديكم، وتتصرفون فيه كيف شئتم، ولهذا أشار بقوله: \"ثم يقبض أصابعه ويبسطها\" (^١)، وبقوله: \"ثم يهزهن\" أي: هن في قدرته كالحبة مثلًا في حق أحدنا، أي: لا يبالي بإمساكها ولا بهزها، ولا تحريكها، ولا القبض والبسط عليها، ولا يجد في ذلك صعوبة ولا مشقة، ومن لا يقنعه هذا التفهيم فليس له إلَّا سلامة التسليم، والله بحقائق الأمور عليم\" (^٢).\nوفي شرحه للحديث الثاني بين أن إثبات الإصبع لله محال، ثم ذكر تأويلات لهذا الحديث، وهي: أن هذا الإصبع يراد به بيان التمكن منه، والتصرف فيه، أو إن الإصبع في الحديث يراد به النعمة والتثنية لأجل نعمة النفع، ونعمة الدفع، فيصرفُ اللهُ عن القلوب ضرًّا ويوصل إليها نفعًا، ثم رد هذا بأنه نفع ودفع يختص بقلوب الصالحين، فتشكل قلوب الفساق والكفار، فرجح تأويله بالنعمة وختمه بقوله: التسليم هو الطريق السليم\" (^٣).\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص (٥٣٧).\n(^٢) المفهم (٧/ ٣٨٩).\n(^٣) انظر: المفهم (٦/ ٦٧٢).","vol":"1","page":540},{"text":"وقال المازري في شرح الحديث الأول: \"الإصبع قد يراد به معنى الاقتدار، وقد يراد به معنى النعمة، وهذا الحديث، قد يراد به أن الله خلق السموات على عظمها مقتدرًا عليها، من غير أن يمسه تعب ولغوب، كما أن الإنسان منا لا يشق عليه ولا يتعبه ما يصرفه على إصبعه، والناس يذكرون الإصبع في مثل هذه المعاني احتقارًا، ويقولون: بإصبع واحدة أقتلك، أو أفعل كذا أوكذا، فقد يراد هَهُنا هذا المعنى أن الله سبحانه لم يتعبه خلق ما ذكر ولا شق عليه على عظم مخلوقاته هذه، وقد قال بعض الناس: قد يكون بعض المخلوقات اسمه إصبع، فأخبر بخلق هذه الأشياء عليه، وقال بعضهم: يحتمل أن يُراد إصبع بعض خلقه، وهذا غير مستنكر في قدرة الله سبحانه، والغرض المنع أن يكون لله سبحانه إصبع الجارحة لإحالة العقل له، ثم بعد هذا يتأول على ما يجوز، وقد أرينا طرقًا من التأويل\" (^١).\nوقال عند شرحه للحديث الثاني: \"هذا تجوز وتوسع كما يقول القائل: فلان في قبضتي، وبكفي، ولا يريد أنه حال بكفه، وإنما المراد أنه تحت قدرتي، وكذلك يقال: ما أفعل هذا إلَّا بإصبعي، أو فلان بين إصبعي أصرفه كيف شئت، ولا يريد أنه حالٌّ بين الإصبعين، وإنما يريد: أنه هين عليه القهر له، والغلبة، وتصريفه كيف شاء، فكذلك المراد بقوله: \"إصبعين من أصابع الرحمن\" أي: أنه متصرف بحسب قدرته ومشيئته ﷾ لا يعتاص عليه، ولا يفوته ما أراد منه، كما لا يعتاص على الإنسان ما كان بين إصبعيه، ولا يفوته وخاطب العرب من حيث تفهم، ومثَّل بالمعاني المحسوسة تأكيدًا للمعاني في نفوسها، فإن\n_________\n(^١) المعلم (٣/ ١٩٥).","vol":"1","page":541},{"text":"قيل: فإن قدرة الله سبحانه واحدة، والإصبعان ههنا اثنان، قيل: قد أخبرنا أن ذلك مجاز واستعارة وتمثيل، فوقع الكلام على حسب ما اعتادوه في هذا الخطاب غير مقصود منه إلى تثنية أو جمع، ويحتمل أن يُراد بالإصبع ههنا النعمة ويقال: عندي لفلان إصبع حسنة، أي يد جميلة، ولكن يقال على هذا: فلم ثنَّى النعمة؟ ونعم الله لا تحصى، قيل: لا تحصى آحادها، والأجناس قد تحصى، فيكون المراد بالنعمتين اللتين عبر عنهما بالإصبعين نعمة النفع ونعمة الدفع، فنعمة النفع هي الظاهرة، ونعمة الدفع هي الباطنة، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (^١): إن الظاهرة نعمة النفع والباطنة نعمة الدفع، وقلب العبد للباري سبحانه عليه نعمة نفع ونعمة دفع، فلا يبعد أن يراد بالنعمتين هاتان أو غيرهما من الأجناس التي تليق بهذا\" (^٢).\nوكلام القرطبي والمازري في هذه الصفة يدل على التكلف الشديد والحرص الأكيد على صرف النص عن ظاهره لزعمهم أن إثباته يستلزم أن يكون من جنس أصابع المخلوقين، وهذا ظنٌّ سيء بالله تعالى، وبكلامه، وكلام رسوله - ﷺ -، وقعوا فيه بسبب تأثرهم بالمنهج الكلامي الفاسد المتناقض.\nوأهل السنة ينفون التشبيه عن الله تعالى مع إيمانهم بالنصوص وتسليمهم بمقتضاها.\nونرى القرطبي قد صرف الحديث الأول عن الاستدلال به على هذه الصفة إذ جعل هذا من كلام اليهودي الذي أنكره الرسول - ﷺ - بضحك\n_________\n(^١) سورة لقمان، آية: ٢٠.\n(^٢) المعلم (٣/ ١٧٩).","vol":"1","page":542},{"text":"المعجب من جهله، وإن في تلاوته ﵊ للآية ردٌّ عليه، ووهَّم الراوي في قوله ضحك \"تصديقًا له\".\nولا شك أن طعنه في الراوي مما لا يسلَّم له، إذ في هذا طعن بالثقات الأثبات من الرواة، وردٌّ للأخبار الثابتة حرصًا على أصولهم الفاسدة، ولو كان الأمر على خلاف ما ظن الراوي لكان الرسول - ﷺ - مُقرًّا له على الباطل، وحاشاه - ﷺ - من ذلك.\nقال الإمام ابن خزيمة في رد هذا الرأي، وبيان فساده: \"قد أجل الله قدر نبيه - ﷺ - عن أن يوصف الخالق البارئ بحضرته بما ليس من صفاته، فيسمعه فيضحك عنده ويجعل بدل وجوب النكير والغضب على المتكلم به ضحكًا تبدو نواجذه تصديقًا وتعجبًا لقائله. لا يصف النبي - ﷺ - بهذه الصفة مؤمن مصدق برسالته\" (^١).\nونعلم من وصفه - ﷺ - أنه كان شديد الغضب لله تعالى ومواقف إنكاره وغضبه - ﷺ - إذا انتهكت محارم الله لا تخفى على مُطَّلع على سنته وسيرته.\nثم صرف القرطبي والمازري لهذا الحديث وللحديث الآخر بتأويلات باطلة بعيدة، كقولهم: إن هذا من المجاز والاستعارة الجارية مجرى المثل، أو إن المقصود بالإصبع: القدرة، أو النعمة، أو المقصود: خلق من خلق الله اسمه \"إصبع\" أو إصبع بعض خلقه، وغيرها من التأويلات التي يغني عرضها عن نقدها.\nوهما قد ترددا في ذلك، وبحثا عن كل مخرج إلَّا الإثبات الذي عليه سلف الأمة وأتباعهم من الخلف.\n_________\n(^١) التوحيد لابن خزيمة (١/ ١٧٨).","vol":"1","page":543},{"text":"وقد رد عليهم ابن قتيبة - ﵀ - هذه التأويلات بعد ذكره لقوله - ﷺ -: \"إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن\" حيث قال: \"ونحن نقول إن هذا الحديث صحيح، وأن الذي ذهبوا إليه في تأويل الإصبع لا يشبه الحديث؛ لأنه ﵇ قال في دعائه: \"يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك\" فقالت له إحدى أزواجه: أَوَتَخَاف يا رسول الله على نفسك؟ فقال: \"إن قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الله ﷿\" (^١) فإن كان القلب عندهم بين نعمتين من نعم الله تعالى فهو محفوظ بتينك النعمتين، فلأي شيء دعا بالتثبيت؟ ولم احتج على المرأة التي قالت له: \"أتخاف على نفسك؟ \" بما يؤكد قولها؟ وكان ينبغي أن لا يخاف إذا كان القلب محروسًا بنعمتين. فإن قال لنا: ما الإصبع عندك ههُنا؟ قلنا: هو مثل قوله في الحديث الآخر: \"ويحمل الأرض على إصبع\"، وكذا \"على إصبعين\" ولا يجوز أن تكون الإصبع ههنا نعمة، وكقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (^٢) ولم يجز لك ولا نقول: إصبع كأصابعنا، ولا يد كأيدينا، ولا قبضة كقبضاتنا؛ لأن كل شيء منه ﷿ لا يشبه شيئًا منا\" (^٣).\nوقال أبو يعلى في إبطال هذه التأويلات: \"فإن قيل: يحتمل أن يكون المراد بالأصابع: الملك والقدرة، ويكون فائدته أن قلوبهم في قبضته جارية على قدرته، وذكر هذا ﵇ عن طريق المثل.\n_________\n(^١) رواه الترمذي في أبواب الدعوات باب (٩٠) وقال: حديث حسن وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٣/ ١٧١).\n(^٢) سورة الزمر، آية: ٦٧.\n(^٣) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص (٢٠٩).","vol":"1","page":544},{"text":"قيل: هذا غلطٌ؛ لأن حمله على الملك والقدرة والنعم، يسقط فائدة التخصيص بالقلب؛ لأن جميع الأشياء هذا حكمها، وأنها في ملكه وبنعمه. ولأنه لو أراد النعمتين، لكان القلب محفوظًا بها، ولم يحتج إلى الدعاء بالتثبيت، ولما دعا بالتثبيت، لم يصح حمله على النعمتين، وهذا جواب ابن قتيبة. وأما القول بالمجاز، فلا يصح في صفات الله تعالى؛ لأنه لا حقيقة للمجاز. وأما القول بأن المراد بقوله ﵇: \"يمسك السموات على إصبع ... \" أي: على إصبع بعض خلق يخلقه، فلا يصح هذا؛ لأنه جاء في الحديث: \"وسائر الخلق على إصبع\" فاقتضى ذلك أنه لم يبق مخلوق إلَّا وهو على الإصبع فلو كان المراد به إصبع بعض خلقه لخرج بعض الخلق عن أن يكون على الإصبع وهذا خلاف الخبر.\nثم إن المفسرين قالوا: إن هذا يكون عند فناء الخلق وإماتتهم، فلا يكون له مجيب غير نفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ (^١) فدل هذا على أنه لم يبق هناك خلق يضع السموات على إصبعه. فإن قيل: في الخبر ما يدل على القدرة، وهو قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (^٢) قيل: معناه ما عرفوا الله حق معرفته، وإذا كان هذا معناه لم يكن المراد به القدرة\" (^٣).\nوالصواب في هذا ما عليه أهل السنة والجماعة من إثبات الصفة لله تعالى بهذه النصوص مع نفي المشابهة والتمثيل والابتعاد عن التكييف أو التعطيل والله الهادي إلى سواء السبيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>صفة الرِّجْل والقَدَم:</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله تعالى بالأحاديث الصحيحة، منها قوله - ﷺ -:\n_________\n(^١) سورة غافر، آية: ١٦.\n(^٢) سورة الزمر، آية: ٦٧.\n(^٣) إبطال التأويلات لأبي يعلى (٢/ ٣١٧، ٣٢٤) بتصرف.","vol":"1","page":545},{"text":"\"فأما النار فلا تمتليء حتى يضع الله ﵎ رجله - وعند مسلم: قدمه - فتقول قط قط\" (^١)، وقوله - ﷺ -: \"يُقال لجهنم: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد؟ فيضع الرب ﵎ قدمه عليها، فتقول: قط قط\" (^٢)، هذا سوى الآثار الموقوفة على الصحابة في إثبات القدمين لله تعالى (^٣)، فأهل السنة يثبتون لله تعالى هذه الصفة على ما جاءت بها النصوص كما يليق به سبحانه من غير مشابهة لخلقه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (^٤).\nقال القرطبي: \"حتى يضع رب العزة فيها قدمه\"، وفي اللفظ الآخر: \"حتى يضع الله رجله\" ولم يذكر لا فيها ولا عليها، وقد ضل بظاهر هذا اللفظ من أذهب الله عقله، وأعدم فهمه، وهم المجسمة المشبهة، فاعتقدوا: أن لله تعالى رجلًا من لحم وعصب تشبه أرجلنا كما اعتقدوا في الله تعالى أنه جسم يشبه أجسامنا، ذو وجه وعينين، وجنب، ويد، ورجل، وهكذا، وهذا ارتكاب جهالة، خالفوا بها العقول وأدلة الشرع المنقول، وما كان سلف هذه الأمة عليه من التنزيه عن المماثلة والتشبيه، وكيف يستقر هذا المذهب في قلب من له أدنى فكرة، ومن العقل أقل مسكة، فإن الأجسام من حيث هي كذلك متساوية في الأحكام\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب التفسير باب \"وتقول هل من مزيد\"ح (٤٨٥٠) (٨/ ٤٦٠) ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء ح (٢٨٤٦) (١٧/ ١٨٨).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب التفسير باب، \"وتقول هل من مزيد\" ح (٤٨٤٩) (٨/ ٤٦٠) ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء ح (٢٨٤٨) (١٧/ ١٨٩).\n(^٣) انظر: التوحيد لابن خزيمة (١/ ٢٠٢) والدارمي في الرد على المريسي (١/ ٣٩٤).\n(^٤) سورة الشورى، آية: ١١.","vol":"1","page":546},{"text":"العقلية، وما ثبت للشيء ثبت لمثله (^١)، وقد ثبت لهذه الأجسام الحدوث، فيلزم عليه أن يكون الله تعالى حادثًا، وهو محال باتفاق العقلاء والشرائع، ثم انظر غفلتهم وجهلهم بكلام الله تعالى وبمعانيه، فكأنهم لم يسمعوا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٤) ويلزم على قولهم: أن يكون كل واحد منا مثلًا له تعالى من جهة الجسمية والحيوانية والجوارح وغير ذلك من الأعضاء والأعصاب واللحم والجلود والشعور (^٢) وغير ذلك وكل ذلك جهالات وضلالات ولله سرٌّ في إبعاد بعض العباد ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ (^٣) وقد تأول علماؤنا ذلك الحديث تأويلات وأشبه ما فيها تأويلان:\nأحدهما: أن النار تتغيظ وتتهيج حنقًا على الكفار والمتكبرين والعصاة، كما قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ (^٤) وكما قال: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾ (^٥) وكما قال في هذا الحديث: \"لا تزال جهنم يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ \" وكما قال: \"تخرج عنق من النار فتقول وكلت بالجبارين والمتكبرين\" (^٦) فكأنها تعلو وتطغى حتى كأنها تجاوز الحد وفي بعض الحديث أنها تكاد أن تلتقم أهل المحشر فيكسر الله سورتها وحدتها وبردها ويذللها ذل متكبر وطيء بالقدم\n_________\n(^١) سبق الرد على هذه الشبهة الفاسدة التي ينفون بسببها عامة الصفات الذاتية.\n(^٢) حتى المجسمة لم يقولوا بهذا ولكنه من باب التهويل.\n(^٣) سورة الرعد، آية: ٣٣.\n(^٤) سورة الملك، آية: ٨.\n(^٥) سورة ق، الآية: ٣٠.\n(^٦) رواه الترمذي في أبواب صفة جهنم باب صفة النار وهو بلفظ \"يخرج عُنُقُ من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبَّار عنيدٍ وبكل من دعا مع الله إلهًا آخر، وبالمصورين\" والحديث صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٣٢٠).","vol":"1","page":547},{"text":"والرجل، فعبر عن تذليلها بذلك ويشهد لذلك قوله - ﷺ -: \"فيضع قدمه عليها\" وعلى هذا فيكون \"فيها\" في الرواية الأخرى بمعنى عليها كما قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (^١) أي: على جذوع النخل.\nوثانيهما: أن القدم والرجل عبارة عمن تأخر دخوله في النار من أهلها وهم جماعات كثيرة؛ لأن أهل النار يلقون فيها فوجًا بعد فوج كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ (^٢) ويؤيده قوله في الحديث: \"لا يزال يلقى فيها\" فالخزنة تنتظر أولئك المتأخرين؛ إذ قد علموهم بأسمائهم وأوصافهم كما قد روي عن ابن مسعود أنه قال: ما في النار بيت ولا سلسلة ولا مقمع ولا تابوت إلَّا وعليه اسم صاحبه، فكل واحد من الخزنة ينتظر صاحبه الذي قد عرف اسمه وصفته فإذا استوفى كل واحد منهم ما أمر به وما ينتظره ولم يبق منهم أحد. قالت الخزنة: قط قط، إي: حسبنا حسبنا اكتفينا اكتفينا فحينئذ تنزوي جهنم على من فيها أي: تجتمع وتنطبق إذ لم يبق أحد ينتظر فعبَّر عن ذلك الجمع المنتظر بالرجل والقدم كما عبرت العرب عن جماعة الجراد بالرجل فتقول: جاء رجلُ من جراد، أي: جماعة منها ويشهد بصحة هذا التأويل قوله في آخر الحديث: \"ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ لها خلقًا فيسكنهم فضل الجنة\" والله بمراد رسوله أعلم والتسليم في المشكلات أسلم\" (^٣).\nقلت: عفا الله عن القرطبي، ما أشدَّ هذا التكلف! وما أبعد هذا التأويل! لقد أقر الباطل بقوله هذا ودفع الحق، ونسب إلى السلف ما لم يقولوه، وألزمهم بما لم يعتقدوه مع رميه لهم با لتجسيم ووصفهم بالتشبيه.\n_________\n(^١) سورة طه، آية: ٧١.\n(^٢) سورة الملك، آية: ٨.\n(^٣) المفهم (٧/ ١٩٣ - ١٩٦).","vol":"1","page":548},{"text":"لقد أجهد القرطبي نفسه في جمع ما استطاع لتأييد ما ذهب إليه من التأويل مع وضوح النصوص وجلاء دلالتها، وكان يسعه ما وسع السلف الماضين من الأئمة المرضيين، فقوله هذا من تحميل الصفة ما لا تحتمل، وقد جاءت هذه الألفاظ عن أفصح الخلق - ﷺ - وأنصحهم للأمة، وبمقتضى هذه النصوص الظاهرة الجلية آمن السلف بإثبات هذه الصفة لله ﵎، واعتقدوا ذلك دون تأويل أو تفويض كحال هؤلاء، لكنها المناهج الفاسدة والآراء المبتدعة، والقواعد الباطلة التي هي سمة مذهبهم في الصفات، حيث عطلوا الله تعالى عن صفاته، ورموا من أثبتها بتشبيه ذاته بمخلوقاته، تعالى الله عن ذلك، وختم - عفا الله عنه - حديثه بقوله: \"والتسليم أسلم\" وليته سلَّم فسلم، والسلامة لا يعدلها شيء. وكذلك المازري سلك هذا المسلك، فالتزم التأويل وصرف النص عن ظاهره من غير دليل، حيث قال: \"هذا الحديث من مشاهير الأحاديث التي وقعت موهمة للتشبيه. ولمَّا نقله الأثبات، واشتهر عند الرواة، تكلف العلماء قديمًا وحديثًا الكلام عليه، والنظر في تأويله، فمنهم من حمل القدم على السابق المتقدم، ويقال: للمتقدم قدم، فيكون تقدير الكلام حتى يضع الجبار فيها من قدم لها من أهل العذاب، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (^١) معناه: التقدم والسبق، لا قدم الرجل، فإذا وقع مثل ذلك في القرآن حملنا ما وقع في السنة عليه، وإلى هذا التأويل مال النضر بن شميل (^٢)، وقد أشار ابن الأعرابي (^٣) إلى أن\n_________\n(^١) سورة يونس، آية: ٢.\n(^٢) النضر بن شميل بن خرشة المازني البصري إمام حافظ عالم بالحديث واللغة تولى القضاء بمرو توفي سنة (٢٠٣ هـ). تهذيب التهذيب (٤/ ٢٢)، تذكرة الحفاظ للذهبي (١/ ٣١٤).\n(^٣) محمد بن زياد بن الأعرابي الهاشمي إمام في اللغة له عدة مصنفات ورع زاهد صاحب سنة =","vol":"1","page":549},{"text":"القدم يعبر به عن هذا المعنى، ولكن في الشرف والجلالة، ويحتمل أن يكون المراد ههُنا بالحديث قدم بعض خلقه، وتكون الإضافة ههُنا إلى الله سبحانه إضافة فعل لا إضافة جارحة، وقد قال بعضهم: يحتمل أن يريد أن الله سبحانه يخلق في الآخرة خلقًا يسمى بهذه التسمية فلا تمتليء النار إلَّا به.\nويحتمل وجه آخر على رواية من رواه \"حتى يضع الجبار\" أن يريد به الشيطان؛ لأنه أصل الجبارين أو يريد به أحد الكفرة من الجبابرة، فيكون المعنى: لا تمتليء حتى يضع إبليس فيها قدمه، أو هذا المشار إليه، وأما ما خرجه مسلم في بعض طرقه حتى يضع الله رجله، فقد أنكر هذه اللفظة بعض أهل العلم وزعم ابن فورك أنها غير ثابتة عند أهل النقل، ولكن لابد من تأويلها لأجل تخريج مسلم لها، وهو كما وصفناه في كتابنا هذا أولًا ووصفنا أحاديثه، فيصح أن يكون المراد ههنا رجل بعض خليقته وأضاف ذلك إليه ﷿ إضافة فعل لا إضافة جارحة كما قدمناه في القدم، ويصح فيه تأويل آخر أيضًا، وهو أن يكون المراد بالرجل ههُنا الجماعة من الناس كما يقال: رجل من جراد أي جماعة من جراد، وقد وقع ذلك في أشعار كثيرة، وإذا أمكن حمل الحديث على هذه التأويلات الصحيحة الجائزة على الله سبحانه لم يصح حمله على ما تقوله المجسمة من إفادته إثبات الجارحة لله، تعالى عن قولهم، وقد قام الدليل القاطع العقلي على استحالة ذلك عليه جل وعلا، وهذا واضح فتأمله\" (^١).\nوكل هذا التخبط لا يغني من الحق شيئًا فأهل السنة يثبتون القدم صفة لله ﷿ من غير تشبيه، ويردون هذه التأويلات الباطلة على\n_________\n= واتباع، توفي سنة (٢٣١ هـ). سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٨٧).\n(^١) المعلم (٣/ ٢٠٠).","vol":"1","page":550},{"text":"أصحابها.\nقال ابن خزيمة: \"باب: ذكر إثبات الرِّجل لله ﷿، وإن رغمت أنوف المعطلة الجهمية الذين يكفرون بصفات خالقنا -﷿- التي أثبتها لنفسه في محكم تنزيله على لسان نبيه المصطفى -ﷺ- (^١).\nوقال أبو يعلى مفندًا تأويلات المبتدعة لصفة القدم: فإن قيل: معنى القدم ههنا المتقدم من المشركين يضعه في النار؛ لأن العرب تقول للشيء المتقدم: قدم وعلى هذا تأويل قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (^٢) أي: سابقة صدق .. قيل: هذا غلط لوجهين:\nأحدهما: أن قوله: \"يضع قدمه\" هاء كناية وهاء الكناية ترجع إلى المذكور، والمذكور في الخبر الله سبحانه، وفي لفظ آخر: \"الجبار\" وفي لفظ آخر: \"رب العزة\" فوجب أن يرجع إليه، فأما المتقدم من الكفار فلم يتقدم ذكرهم فلا يجب رجوع الهاء إليهم.\nالثاني: أن هذا يسقط فائدة التخصيص بالنار؛ لأن المتقدم بفعل الخير يضعه في الجنة، فلو كان المراد بالقدم المتقدم لم يكن لتخصيصه بالنار فائدة، فوجب حمله على ظاهره ليفيد فائدة.\nفإن قيل: المراد بالقدم ههنا: خلق من خلق الله تعالى يخلقه الله تعالى يوم القيامة فيسميه: قدمًا ويضعه الله من طريق الفعل، والملك يضعه في النار. قيل هذا غلط لما تقدم من الوجهين.\nفإن قيل: المقصود جنس الجبابرة وهم الكفرة المعاندون بقوله: \"يضع الجبار\" قيل هذا غلط؛ لأنه جاء في الحديث: \"رب العزة\" و\"يضع\n_________\n(^١) التوحيد لابن خزيمة (١/ ٢٠٢).\n(^٢) سورة يونس، آية: ٢.","vol":"1","page":551},{"text":"الله قدمه\" (^١).\nوقال ابن تيمية: \"قد غلط في هذا الحديث المعطلة الذين أوَّلوا \"قدمه\" بنوع من الخلق كما قالوا: الذين تقدم في علمه أنهم أهل النار حتى قالوا في قوله: \"رجله\" كما يقال: رِجل من جرادٍ وغلطهم من وجوه:\nفإن النبي -ﷺ- قال: \"حتى يضع\" ولم يقل حتى يلقى كما قال في قوله: \"لا يزال يلقي فيها\".\nالثاني: أن قوله \"قدمه\" لا يفهم منه هذا لا حقيقة ولا مجازًا كما تدل عليه الإضافة.\nالثالث: أن أولئك المؤخرين إن كانوا من أصاغر المعذبين فلا وجه لانزوائها وانكفائها بهم، فإن ذلك إنما يكون بأمر عظيم وإن كانوا من أكابر المجرمين فهم في الدرك الأسفل، وفي أول المعذبين لا في أواخرهم.\nالرابع: إن قوله: \"فينزوي بعضها إلى بعض\" دليل على أنها تنضم على من فيها فتضيق بهم من غير أن يلقى فيها شيء.\nالخامس: أن قوله: \"لا يزال يلقي فيها وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع فيها قدمه\" جعل الوضع الغاية التي إليها ينتهي الإلقاء ويكون عندها الانزواء فيقتضي ذلك أن تكون الغاية أعظم مما قبلها.\nوليس في قول المعطلة معنى للفظ \"قدمه\" إلَّا وقد اشترك فيه الأول والآخر والأول أحق به من الآخر\" (^٢).\nوبهذه النقول السلفية الصحيحة الصافية، المبنية على النصوص\n_________\n(^١) إبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ١٩٧، ٢٠٠) بتصرف يسير.\n(^٢) مختصر الفتاوى المصرية ص (٨٢٩).","vol":"1","page":552},{"text":"الشرعية، يتبين بطلان ما ذهب إليه المتأولون، وصحة ما ذهب إليه السلف الصالحون، من إثبات هذه الصفة على الوجه اللائق به سبحانه، إيمانًا واعتقادًا وتسليمًا، والسلامة في اتباع منهج السلف السالمين من التعطيل والتمثيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>صفة السَّاق:</span>\nصفة من صفات الله تعالى الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ (^١)، وقال -ﷺ- في حديث الشفاعة الطويل: \" ... فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن\" (^٢).\nوإن كان في الآية خلاف من ناحية دلالتها على هذه الصفة فالحديث نص صريح في إثباتها ولذا فمذهب أهل السنة والجماعة إثبات هذه الصفة لله تعالى على الوجه الذي يليق به سبحانه.\nوقد ذكر شيخ الإسلام هذا فقال عند قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾: الصحابة قد تنازعوا في تفسير هذه الآية، هل المراد به الكشف عن الشدة، أو المراد أنه يكشف الرب عن ساقه؟ ولم تتنازع الصحابة والتابعون فيما ذكر من آيات الصفات إلَّا في هذه الآية، بخلاف قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (^٣)، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ (^٤) ... ونحو ذلك فإنه لم يتنازع فيها الصحابة والتابعون، وذلك أنه ليس في ظاهر القرآن أن ذلك صفة لله\n_________\n(^١) سورة القلم، آية: ٤٢.\n(^٢) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ح (٧٤٣٩) (١٣/ ٤٣١) ومسلم في كتاب الإيمان باب معرفة طريق الرؤية ح (١٨٣) (٣/ ٣٠).\n(^٣) سورة ص، الآية: ٧٥.\n(^٤) سورة الرحمن، الآية: ٢٧.","vol":"1","page":553},{"text":"تعالى؛ لأنه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ ولم يقل: عن ساق الله ولا قال: يكشف الرب عن ساقه وإنما ذكر ساقًا نكرة غير معرفة، ولا مضافة، وهذا اللفظ بمجرده لا يدل على أنها ساق الله والذين جعلوا ذلك من صفات الله تعالى أثبتوه بالحديث الصحيح المفسر للقرآن وهو حديث أبي سعيد الخدري المخرج في \"الصحيحين\" الذي قال فيه: \"فيكشف الرب عن ساقه\"، وقد يقال: إن ظاهر القرآن يدل على ذلك من جهة أنه أخبر أنه يكشف عن ساق، ويدعون إلى السجود والسجود لا يصلح إلَّا لله فعلم أنه هو الكاشف عن ساقه، وأيضًا فحمل ذلك على الشدة لا يصح؛ لأن المستعمل في الشدة أن يقال: كشف الله الشدة أي: أزالها، كما قال: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)﴾ (^١) وقال: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾ (^٢) وقال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾ (^٣) وإذا كان المعروف من ذلك في اللغة أن يقال: كشف الشدة، أي: أزالها، فلفظ الآية: ﴿يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ وهذا يراد به الإظهار والإبانة، كما قال: ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمُ﴾ وأيضًا فهناك تحدث الشدة لا يزيلها فلا يكشف الشدة يوم القيامة لكن هذا الظاهر ليس ظاهرًا من مجرد لفظة \"ساق\" بل با لتركيب والسياق وتدبر المعنى المقصود (^٤).\nوالقرطبي عفا الله عنه أوَّل هذه الصفة وصرفها عن ظاهرها بشرحه\n_________\n(^١) سورة الزخرف، آية: ٥٠.\n(^٢) سورة الأعراف، آية: ١٣٥.\n(^٣) سورة المؤمنون، آية: ٧٥.\n(^٤) نقض أساس التقديس لابن تيمية ورقة نقلًا عن صفات الله الواردة في الكتاب والسنة لعلوي السقاف ص (١٣٧) ووجدت كلامًا له قريبًا من هذا في دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية للدكتور محمد السيد الجليند (٣/ ٤٨٢) ولابن القيم أيضًا كلامًا مشابهًا لهذا في الصواعق المرسلة (١/ ٢٥٢).","vol":"1","page":554},{"text":"للحديث الصحيح الذي أجمع السلف على أن فيه إثباتًا لصفة \"الساق\" لله تعالى.\nقال القرطبي: \"فيكشف عن ساق، أي: يوضح الحق، ويتجلى لهم الأمر، فيرونه حقيقة معاينة، وكشف الساق: مثل تستعمله العرب في الأمر إذا حق ووضح، واستقر، تقول العرب: كشفت الحرب عن ساقها، إذا زالت مخارقها وحقت حقائقها وقال:\nوكُنتُ إذا جاري دعا لمَضُوفَةٍ (^١) ... أُشمِّر حتى ينصُفَ الساقَ مِئزَري (^٢) (^٣)\nوأما العلماء الذين عدوا الآية من آيات الصفات فبين ابن القيم وجهتهم بقوله: \"والذين أثبتوا ذلك صفة كاليدين والإصبع لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن، وإنما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته، وهو حديث الشفاعة الطويل وفيه: \"فيكشف الرب عن ساقه فيخرون له سجَّدًا\" ومن حمل الآية على ذلك قال: قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ مطابق لقوله -ﷺ-: \"فيكشف عن ساقه فيخرون له سجدًا\" وتنكيره للتعظيم والتفخيم، كأنه قال: يكشف عن ساق عظيمة جلَّت عظمتها، وتعالى شأنها أن يكون لها نظير أو مثيل، أو شبيه قالوا: وحمل الآية على الشدة لا يصح بوجه، فإن لغة القوم في مثل ذلك أن يقال: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)﴾ (^٤) وقال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾ (^٥) فالعذاب والشدة هو المكشوف، لا المكشوف عنه، وأيضًا فهناك تحدث الشدة وتشتد ولا تزال إلَّا بدخول الجنة، وهناك\n_________\n(^١) أي: أمر شديد ضافه ونزل به وشق عليه.\n(^٢) البيت لأبي جندب الهذلي من شعراء الجاهلية. انظر: ديوان الهذليين (١/ ٣٥٨).\n(^٣) المفهم (١/ ٤١٧).\n(^٤) سورة الزخرف، آية: ٥٠.\n(^٥) سورة المؤمنون، آية: ٧٥.","vol":"1","page":555},{"text":"لا يدعون إلى السجود، وإنما يدعون إليه أشد ما كانت الشدة\" (^١).\nقال الشوكاني: \"وقد أغنانا الله سبحانه في تفسير هذه الآية بما صح عن رسول الله -ﷺ- كما عرفت، وذلك لا يستلزم تجسيمًا ولا تشبيهًا فليس كمثله شيء\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>صفة الاستواء:</span>\nمن صفات الله تعالى الفعلية، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (^٤)، وقال -ﷺ-: \"لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه\" (^٥)، وقد أجمع الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين ومن تبعهم ولم يخالف فيه إلَّا من هو متهم على الإسلام (^٦)، أو مغرور بالتقليد لمن يحسن به الظن (^٧). على أنَّ الاستواء من الصفات المعلومة بالسمع لا بالعقل، أما العلو فهو معلوم بالسمع والعقل (^٨).\nوقد بيَّن السلف أن الاستواء صفة ثابتة لله تعالى، وأنه استواء حقيقي يليق بجلاله وعظمته.\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة لابن القيم (١/ ٢٥٢، ٢٥٣).\n(^٢) فتح القدير للشوكاني (٥/ ٢٧٨).\n(^٣) سورة طه، آية: ٥.\n(^٤) سورة يونس، آية: ٣.\n(^٥) الحديث ذكره الذهبي في \"العلو\" وقال: رواته ثقات العلوص (٦٣) وقال ابن القيم: اسناده صحيح على شرط البخاري اجتماع الجيوش ص (٥٤).\n(^٦) قال شيخ الإسلام: القول \"بأن الله تعالى ليس فوق العرش\" أول من ابتدعه في الإسلام الجعد بن درهم والجهم بن صفوان وشيعتهما وهم عند الأمة من شرار أهل الأهواء. نقض أساس التقديس (١/ ١٢٧).\n(^٧) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ٤٠١).\n(^٨) انظر: الفتاوى لابن تيمية (٥/ ٢٢٧).","vol":"1","page":556},{"text":"وقد روى الدارمي أن رجلًا جاء إلى الإمام مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ كيف استوى؟ قال الر اوي: فما رأينا مالكًا وَجَدَ من شيء كوجده من مقالته، وعلاه الرحضاء (^١) وأطرق، وجعلنا ننتظر ما يأمر به فيه، قال: ثم. سري عن مالك فقال: الكيف غير معقول والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني لأخاف أن تكون ضالًّا ثم أمر به فأُخرج (^٢).\nقال الإمام ابن خزيمة: \"فنحن نؤمن بخبر الله جل وعلا أن خالقنا مستوٍ على عرشه، لا نبدل كلام الله، ولا نقول غير الذي قيل لنا كما قالت المعطلة والجهمية: أنه استولى على عرشه، لا استوى، فبدلوا قولًا غير الذي قيل لهم\" (^٣).\nوقال أبو الحسن الأشعري: نقول إن الله ﷿ يستوي على عرشه، استواءً يليق به\" (^٤).\nوقال ابن تيمية: \"فإن القول بأن الله فوق العرش هو مما اتفقت عليه الأنبياء كلهم، وذكر في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل، وقد اتفق على ذلك سلف الأمة وأئمتها من جميع الطوائف\" (^٥).\nوكما أنكر القرطبي العلو فكذلك أنكر الاستواء حيث قال: \"إضافته إلى الله -أي العرش- على جهة الملك أو التشريف، لا لأن الله استقر عليه، أو استظل به، كما قد توهمه بعض الجهال في الاستقرار\n_________\n(^١) الرحضاء يعني العرق وهو علامة على شدة وقع السؤال عليه وجزعه منه.\n(^٢) الرد على الجهمية للدارمي ص (٦٦).\n(^٣) التوحيد لابن خزيمة (١/ ٢٣٣).\n(^٤) الإبانة للأشعري ص (٩٧).\n(^٥) نقض التأسيس (٢/ ٩).","vol":"1","page":557},{"text":"وذلك على الله محال، إذ يستحيل عليه الجسمية ولواحقها\" (^١).\nوقال في موضع آخر: \"ومما يعلم استحالته: كون العرش حاملًا لله تعالى، وأن الله تعالى مستقرٌّ عليه، كاستقرار الأجسام، إذ لو كان محمولًا لكان محتاجًا فقيرًا لما يحمله، وذلك ينافي وصف الإلهية، إذ أخص أوصافه الاستغناء المطلق، ولو كان ذلك للزم كونه جسمًا مقدرًا، ويلزم كونه حادثًا على ما سبق، فإن قيل ما معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (^٢) قيل: له محامل واضحة وتأويلات صحيحة غير أن الشرع لم يعين لنا محملًا من تلك المحامل، فيتوقف في التعيين ويسلك مسلك السلف الصالح في التسليم\" (^٣).\nوقال أيضا: \"ولقد أحسن من قال: لو كان الباري تعالى في شيء لكان محصورًا ولو كان على شيء لكان محمولًا، ولو كان من شيء لكان محدثًا\" (^٤).\nوكلام القرطبي واضح في نفي استواء الله تعالى على العرش بزعم أن هذا من صفات الأجسام والمحدثات، وأنه لو كان مستويًا على العرش، لكان محتاجًا إليه، وهذا لا شك من اللوازم الباطلة إذ أهل السنة والجماعة أثبتوا لله تعالى الاستواء اللائق به تعالى ونزَّهوه سبحانه أن يحتاج لشيء أو يفتقر إلى مخلوق.\nقال الطحاوي: \"والعرش والكرسي حق، وهو مستغني عن العرش، وما دونه، محيط بكل شيء، وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة به خلقه\".\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٤٣٦).\n(^٢) سورة طه، آية: ٥.\n(^٣) المفهم (٦/ ٦٧٠).\n(^٤) المفهم (٦/ ٤٥١).","vol":"1","page":558},{"text":"قال ابن أبي العز الحنفي في شرحه لهذا الكلام: \"إنما قال الشيخ -﵀- هذا الكلام لأنه لما ذكر العرش والكرسي ذكر بعد ذلك غناه سبحانه عن العرش، وما دون العرش ليبين أن خلقه للعرش، واستواءه عليه، ليس لحاجته إليه، بل له في ذلك حكمة اقتضته، وكون العالي فوق السافل، لا يلزم أن يكون السافل حاويًا للعالي محيطًا به حاملًا له، ولا أن يكون الأعلى مفتقرًا إليه، فانظر إلى السماء كيف هي فوق الأرض، وليست مفتقرة إليها؟ فالرب تعالى أعظم شأنًا وأجل من أن يلزم علوه ذلك، بل لوازم علوه من خصائصه، وهي حمله بقدرته للسافل، وفقر السافل، وغناه هو سبحانه عن السافل، وإحاطته ﷿ به، فهو فوق العرش مع حمله بقدرته العرش، وغناه عن العرش، وفقر العرش إليه، وإحاطته بالعرش، وعدم إحاطة العرش به، وحصره للعرش، وعدم حصر العرش له، وهذه اللوازم منتفية عن المخلوق، ونفاة العلو أهل التعطيل لو فصلوا بهذا التفصيل لهدوا إلى سواء السبيل، وعلموا مطابقة العقل للتنزيل\" (^١).\nوقال ابن تيمية: \"من كان يعتقد أن الله يفتقر إلى شيء يحمله -إلى العرش أو غيره- فهو مبتدع ضال، وكذلك إن جعل صفات الله مثل صفات المخلوقين، فيقول: اسعتواء الله كاستواء المخلوق، أو نزوله كنزول المخلوق، ونحو ذلك، فهذا مبتدع ضال، فإن الكتاب والسنة مع العقل دلَّت على أن الله لا تماثله المخلوقات في شيء من الأشياء، ودلَّت على أن الله غني عن كل شيء، ودلَّت على أن الله مباين للمخلوقات عالٍ عليها. وإن كان يعتقد أن الخالق تعالى بائن عن المخلوقات، وأنه فوق\n_________\n(^١) شرح الطحاوية (٢/ ٣٧٢).","vol":"1","page":559},{"text":"سمواته على عرشه، بائن من مخلوقاته، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وأن الله غني عن العرش، وعن كل ما سواه، لا يفتقر إلى شيء من المخلوقات، بل هو مع استوائه على عرشه يحمل العرش، وحملة العرش بقدرته، ولا يمثل استواء الله باستواء المخلوقين، بل يثبت لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وينفي عنه مماثلة المخلوقات ويعلم أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فهذا مصيب في اعتقاده موافق لسلف الأمة، وأئمتها، فإن مذهبهم أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله -ﷺ- من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فيعلمون أن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش\" (^١).\nفضلال هؤلاء في هذا الجانب بسبب قياسهم الخالق بالمخلوق فهم شبهوا أولًا وعطَّلوا ثانيًا، ولو قدروا الله حق قدره لما ظنوا هذه الظنون.\nفأهل السنة يثبتون استواء الله تعالى على العرش، ولكنهم لا يسألون عن الكيفية كما سبق إنكار الإمام مالك -رحمه الله تعالى- على من سأل عن كيفية الاستواء.\nقال الذهبي بعد نقله لإجابة مالك لمن سأل عن كيفية الاستواء: \"وهو قول أهل السنة قاطبة: أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه وأنه كما يليق به، ولا نتعمق ولا نتحذلق ولا نخوض في لوازم ذلك نفيًّا ولا إثباتًا بل نسكت ونقف كما وقف السلف.\nونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون ولما\n_________\n(^١) الفتاوى لابن تيمية (٥/ ٢٦٢) وانظر (٥/ ٢٧، ٢٩، ٢٨٤، ٢٨٦).","vol":"1","page":560},{"text":"وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه.\nونعلم يقينًا مع ذلك أن الله ﷻ لا مثل له في صفاته ولا في استوائه، ولا في نزوله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا\" (^١).\nقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: \"وينبغي للمؤولين أن يتأملوا آية من سورة الفرقان، وهي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ (^٢) ويتأملوا معها قوله تعالى في سورة فاطر: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ (^٣) فإن قوله في الفرقان: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ بعد قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ يدل دلالة واضحة أن الله الذي وصف نفسه بالاستواء خبير بما يصف به نفسه لا يخفى عليه الصفة اللائقة من غيرها ويفهم منه أن الذي ينفي عنه صفة الاستواء ليس بخبير نعم والله ليس بخبير (^٤).\nفالصواب في هذه المسألة ما عليه أهل السنة والجماعة من إثبات استواء الله تعالى على الوجه اللائق به سبحانه.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مستوٍ على عرشه استواءً يليق بجلاله ويختص به\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>صفة النزول:</span>\nالنزول صفة فعلية جاءت عن الرسول -ﷺ- في أحاديث صحيحة، حيث قال -ﷺ-: \"ينزل ربُّنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين\n_________\n(^١) العلو للذهبي ص (١٣٩).\n(^٢) سورة الفرقان، آية: ٥٩.\n(^٣) سورة فاطر، آية: ١٤.\n(^٤) الأسماء والصفات نقلًا وعقلًا للشنقيطي ص (١١٤).\n(^٥) الفتوى الحموية الكبرى ص (٢٧٥).","vol":"1","page":561},{"text":"يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له\" (^١).\nوقد آمن بها أهل السنة كما جاءت من غير تكييف لها، ولا تحريف، أو تأويل لمعناها.\nقال الإمام الدارمي بعد أن ذكر ما يثبت النزول من أحاديث الرسول -ﷺ-: \"فهذه الأحاديث قد جاءت كلها وأكثر منها في نزول الرب -﵎- في هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا لا ينكرها منهم أحد، ولا يمتنع من روايتها\" (^٢).\nوقال إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد: \"باب ذكر أخبار ثابتة السند صحيحة القوام رواها علماء الحجاز والعراق عن النبي -ﷺ- في نزول الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا كل ليلة: نشهد شهادة مقرٍّ بلسانه، مصدقٍ بقلبه مستيقنٍ بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب من غير أن نصف الكيفية، لأن نبينا المصطفى لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا؛ وأعلمنا أنه ينزل، والله جل وعلا لم يترك ولا نبيه ﵇ بيان ما بالمسلمين الحاجة إليه من أمر دينهم.\nفنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول، غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية إذ النبي -ﷺ- لم يصف لنا كيفية النزول\" (^٣).\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل ح (١١٤٥) (٣/ ٣٥) ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه ح (٧٥٨) (٦/ ٢٨٢).\n(^٢) الرد على الجهمية، للدارمي ص (٩٣).\n(^٣) كتاب التوحيد لابن خزيمة (١/ ٢٨٩).","vol":"1","page":562},{"text":"وقال أبو عثمان الصابوني: \"ويثبت أهل الحديث نزول الرب ﷾ كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف، بل يثبتون ما أثبته رسول الله -ﷺ-، وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه (^١) إلى الله\" (^٢).\nوقال ابن عبد البر: \"والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة أنهم يقولون: ينزل كما قال رسول الله -ﷺ- ويصدقون بهذا الحديث ولا يكيفون\" (^٣).\nهذا هو اعتقاد أهل السنة من السلف والخلف، لكن القرطبي والمازري خالفا في هذه المسألة كما خالفا في المسائل الأخرى، خصوصًا ما يتعلق بصفات الله تعالى الفعلية، فصرفوا هذه الصفة عن ظاهرها بتأويلات لا تليق حسب قواعدهم الفاسدة التي قعدوها لنفي صفات الله تعالى الفعلية كما سبق ذكره.\nقال القرطبي عند شرحه للحديث السابق: \"قوله: \"ينزل ربنا\" كذا صحت الرواية هنا، وهي ظاهرة في النزول المعنوي، وإليها يرد ينزل على أحد التأويلات، ومعنى ذلك: أن مقتضى عظمة الله تعالى وجلاله\n_________\n(^١) أي علم كيفيته قال الشيخ الغنيمان: \"يكلون علمه إلى الله\" يعني: علم الكيفية لا يبحث فيها\nلأن الكيفية تتوقف على المشاهدة والله تعالى لا يرى في الدنيا \"كذا قول إسحاق بن راهوية \"إنما ينزل بلا كيف\" يعني بلا كيف يعلمه العباد وإلَّا ففي حقيقة الأمر له كيف يعلمه الله تعالى. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (٢/ ٢٥٢).\n(^٢) عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني ع (١٩١).\n(^٣) التمهيد (٧/ ١٤٣).","vol":"1","page":563},{"text":"واستغنائه ألا يعبأ بحقير ذليل فقير (^١)، لكن ينزل بمقتضى كرمه ولطفه؛ لأن يقول: \"من يقرضُ غير عدوم ولا ظلوم\" (^٢) ويكون قوله \"إلى السماء الدنيا\" عبارة عن الحاجة القريبة إلينا، والدنيا بمعنى: القربى، والله أعلم. وقد قيَّده بعض الناس \"يُنزلُ\" بضم الياء من: أنزل فيكون معدى إلى مفعول محذوف أي: يُنزل اللهُ ملكًا فيقول: كذا، وأما رواية \"ينزل\" ثلاثيًا من نزل فهي صحيحة أيضا، وهي من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (^٣) وقد دلَّ على صحة هذا التأويل ما رواه النسائي عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: قال رسول الله -ﷺ-: \"إن الله ﷿ يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول، ثم يأمر مناديًا يقول: هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى؟ \" (^٤) وهذا صحيح، وهو نصٌّ وبه يرتفع الإشكال\" (^٥)\nوقال المازري: \"معناه ينزل ملك ربنا وهو تقدير حذف المضاف كما يقال فعل السلطان كذا، وإن كان الفعل وقع من أتباعه ويضاف الفعل إليه لما كان عن أمره ويحتمل أن يكون عبر بالنزول عن تقريب الباري تعالى للداعين حينئذ واستجابته لهم، وخاطبهم -ﷺ- بما جرت به عادتهم ليفهموا عنه، وكأن المتقرب منا إذا كان في بساط واحد مع من يريد الدنو منه عبر عن ذلك بأن يقال: جاء وأتى، وإذا كان في علو قيل: نزل\n_________\n(^١) هذا وصف لجميع بني آدم.\n(^٢) هو جزء من حديث النزول الذي سبق تخريجه وهذه الزيادة عند مسلم.\n(^٣) سورة يوسف، آية: ٨٢.\n(^٤) أخرجه النسائي في السنن الكبرى كتاب عمل اليوم والليلة (٦/ ١٢٤) من رواية الأعمش عن أبي إسحاق السبيعي وأبو إسحاق ثقة لكنه اختلط في آخر عمره، انظر تهذيب التهذيب (٣/ ٢٨٤) ولا يدرى أكانت رواية الأعمش عنه قبل إختلاطه أم بعده.\n(^٥) المفهم (٢/ ٣٨٦).","vol":"1","page":564},{"text":"وتجلى، وقد ورد في الكتاب والسنة: جاء وأتى ونزل وتجلى\" (^١).\nيتبين من كلامهما في هذه المسألة مخالفة مذهب السلف وحيث أن الرواية صحيحة لا مجال للطعن فيها، فقد ذهب القرطبي إلى البحث عن رواية أخرى توافق مذهبه في التأويل، أو تساعده على ذلك ليحمل الروايات الصحيحة عليها، ولا شك أن هذا تكلف مخالف للأصول، وقد جعل القرطبي تلك الرواية التي جاء فيها: \"إن الله يأمر مناديًا ينادي\" هي الأصل وحمل الروايات الأخرى الصحيحة عليها مع أن في ثبوتها نظرًا، وظاهرها مخالف للروايات المستفيضة عن النبي -ﷺ- أن المنادي هو رب العالمين مع أنه يجوز أن الله تعالى مع قوله ذلك يأمر من ينادي ولكن الملك إذا نادى عن الله تعالى لا يتكلم بصيغة المخاطب بل يقول: إن الله أمر بكذا، أوقال كذا، ولا إشكال في هذه الرواية مع الروايات الأخرى كما زعم القرطبي، إنما الإشكال جاء من تأويل النصوص وصرفها عما يراد بها (^٢).\nوأما ضبط \"يُنزل\" بضم أوله، فهذا من تحريف المبتدعة للفظ الحديث ليتفق مع مذهبهم في نفي نزول الله تعالى، ولم يرد ذلك في شيء من روايات الحديث الصحيحة.\nوأما القول بأن هذا النزول نزول معنوي، فهو صرف للفظ عن ظاهره من غير دليل، ولا مبرر، بل الأدلة بضده فهي صريحة في نزول الله\n_________\n(^١) المعلم (١/ ٣٠٣).\n(^٢) قال الشيخ الغنيمان عن قول القرطبي هذا: زعم القرطبي أنَّ هذا يزيل الإشكال ونحن نقول لهؤلاء: إن الإشكال لازم لمذهبكم، ولن ينفك عنه، ولن تجدوا ما يؤيده وإن أجهدتم أنفسكم، فهذه الرواية لا تخالف اللفظ الصريح الواضح الذي ضيق خناقكم. انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (٢/ ٢٥٩).","vol":"1","page":565},{"text":"تعالى كما يليق به سبحانه.\nومن العجب تأويل قوله: \"إلى السماء الدنيا\" مع وضوحها بأن هذا عبارة عن الحاجة القريبة، ولم يأت بدليل على ما ذهب إليه سوى أن الدنيا بمعنى: القربى، وهذا معلوم إذ السماء الدنيا سميت بذلك لأنها أقرب السموات السبع إلينا، فليس في هذا دليل على ما ذهب إليه.\nوأما قولهم: أن \"ينزلُ الله\" من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وقول المازري أن هذا ملك ربنا واستدلاله على ذلك بقولهم فعل السلطان كذا وقد فعل أتباعه (^١).\nوالحاصل أن هذا تأول بنزول ملك وهو المنادي أو قولهم كذلك: إن هذا استعارة بمعنى التلطف بالداعين والاستجابة لهم، وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا التأويل فقال: \"نزول الملائكة إلى الأرض في كل وقت وهذا خص النزول بجوف الليل وجعل منتهاه سماء الدنيا والملائكة لا يختص نزولهم لا بهذا الزمان ولا بهذا المكان، وإن أريد صفات وأعراض مثل ما يحصل في قلوب العابدين وقت السحر من الرقة والتضرع وحلاوة العبادة ونحو ذلك، فهذا حاصل في الأرض ليس منتهاه السماء الدنيا.\nوأيضًا في الحديث الصحيح أنه ينزل إلى السماء الدنيا ثم يقول: \"لا أسأل عن عبادي غيري\" (^٢) ومعلوم أن هذا كلام الله الذي لا يقوله غيره، وكذلك قال: \"ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: من ذا الذي يدعوني\n_________\n(^١) قال أبو الفراء الحنبلي: لا يصح حمله على الملائكة كما إذا قيل: نزل الملك ببلد كذا لا يعقل منه نزول أصحابه، إبطال التأويلات (١/ ٢٦٤).\n(^٢) رواه أحمد في المسند (٤/ ١٦) وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب ما جاء في أي ساعات الليل أفضل وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (١/ ٢٢٩).","vol":"1","page":566},{"text":"فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر\" (^١) ومعلوم أنه لا يجيب الدعاء ويغفر الذنوب ويعطي كل سائل سؤاله إلَّا الله (^٢).\nوهذا يبطل هذه التأويلات المذكورة ويثبت مذهب السلف في ذلك الذي هو الإيمان بالنزول تصديقًا للنصوص وترك الكيفية التي لا يعلمها الله ﷾.\nقال الإمام أبو يعلى عن هذا الحديث: \"اعلم أن هذا حديث صحيح يجب الأخذ بظاهره من غير تأويل ولا يجب أن يستوحش من إطلاق مثل ذلك\" (^٣).\nوقال الشيخ عبد الله الغنيمان: \"قد اتفق سلف الأمة وأئمتها في كل زمان على الإيمان بهذا الحديثما وتلقيه بالقبول كما أراد رسول الله -ﷺ- فإنه قاله علانية وبلغه الأمة تبليغًا عامًّا لم يخص به واحدًا دون الآخرين، وكان الصحابة وأتباعهم يذكرونه ويروونه ويبلغونه تبليغًا عامًّا ولهذا ثبت في عامة كتب الإسلام، فمن أنكره أو زعم أنه لا يجوز ذكره عند عامة الناس، أو تأوله على غير ظاهره فهو ضال سالك غير سبيل المؤمنين في ذلك، ومن زعم أنه يدل على ما يجب أن ينزه الله عنه من النقص المنافي لكماله، فقد أُتى من فهمه الخاطئ وسوء ظنه بالله العظيم، فإن وصف الله تعالى بالنزول كوصفه بغيره من الصفات ... ومن قال: إن الذين حملوه على ظاهره وحقيقته هم المشبهة، يقال له: بل الذين حملوه على ظاهره وحقيقته هم الصحابة عمومًا وأتباعهم إلى يوم الدين، ولا تستطيع أن تأتي\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص (٥٦٢).\n(^٢) الفتاوى (٥/ ٤١٥، ٤١٦). بتصرف.\n(^٣) إبطال التأويلات (١/ ٢٥٩).","vol":"1","page":567},{"text":"بكلمة واحدة عن الرسول أو عن أصحابه تؤيد قول أهل التحريف الذين يسمون أنفسهم أهل السنة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>صفتا الإتيان والمجيء:</span>\nوهما صفتان فعليتان ثابتتان لله تعالى بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (^٢)، وقال تعالي: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (^٤). ومن السنة قوله -ﷺ- في حديث الرؤية: \"فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة\" (^٥).\nقال الشيخ محمد خليل هرالس بعد ذكر الآيات السابقة الدالة على هاتين الصفتين: \"في هذه الآيات إثبات صفتين من صفات الفعل، وهما صفتا الإتيان والمجيء والذي عليه أهل السنة والجماعة الإيمان بذلك على حقيقته، والابتعاد عن التأويل الذي هو في الحقيقة إلحاد وتعطيل\" (^٦).\nقال القرطبي: \"الإتيان والمجيء المضاف إلى الله تعالى هو عبارة عن تَجَلِّيه لهم، فكأنه كان بعيدًا فقرب، أو غائبًا فحضر، وكل ذلك خطابات مستعارة جارية على المتعارف من توسعات العرب، فإنهم يسمون الشيء باسم الشيء إذا جاوره أو قاربه، أو كان منه بسبب\" (^٧).\n_________\n(^١) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (٢/ ٢٤٩، ٢٥١).\n(^٢) سورة البقرة، آية: ٢١٠.\n(^٣) سورة الأنعام، آية: ١٥٨.\n(^٤) سورة الفجر، آية: ٢٢.\n(^٥) سبق تخريجه ص (٥٠٨).\n(^٦) شرح الواسطية ص (١١٢).\n(^٧) المفهم (١/ ٤١٨).","vol":"1","page":568},{"text":"وقال عند شرحه للحديث السابق: \"إتيان الله تعالى هنا: هو عبارة عن إقباله عليهم (^١) وتكليمه إياهم\" (^٢).\nوقال المازري في شرحه للحديث السابق: \"الإتيان ههنا عبارة عن رؤيتهم الله تعالى، وقد جرت العادة في المحدثين أن من كان غائبًا عن غيره فلا يمكنه التوصل إلى رؤيته إلَّا بإتيان أو مجيء، فعبر بالإتيان ههنا والمجيء عن الرؤية على سبيل المجاز\" (^٣).\nأما أهل السنة والجماعة فآمنوا بما جاء عن الله وعن رسوله -ﷺ- في هاتين الصفتين من غير صرف لهما عن ظاهرهما ومن غير تشبيه لله سبحانه بخلقه.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"أما كون إتيانه ومجيئه ونزوله ليس مثل إتيان المخلوق ومجيئه ونزوله فهذا أمر ضروري متفق عليه بين علماء السنة، ومن له عقل فإن الصفات والأفعال تتبعان الذات المتصفة الفاعلة، فإذا كانت ذاته مباينة لسائر الذوات ليست مثلها لزم ضرورة أن تكون صفاته مباينة لسائر الصفات ليست مثلها ونسبة صفاته إلى ذاته كنسبة صفة كل موصوف إلى ذاته، ولا ريب أنه العلي الأعلى العظيم فهو أعلى من كل شيء وأعظم من كل شيء فلا يكون نزوله وإتيانه بحيث تكون المخلوقات تحيط به أو تكون أعظم منه وأكبر هذا ممتنع\" (^٤).\nوجعل القرطي والمازري إتيان الله تعالى عبارة عن التجلي أو الرؤية أو الإقبال والتكليم وأن هذا من التوسع والمجاز.\n_________\n(^١) أراد بالإقبال هنا ضد الإعراض لا من الإقبال الذي هو الإتيان.\n(^٢) المفهم (١/ ٤٤٦).\n(^٣) المعلم (١/ ٢٢٦).\n(^٤) الفتاوى (١٦/ ٤٢٢).","vol":"1","page":569},{"text":"فهذا من التأويل المذموم الذي ليس عليه دليل ولا برهان، وقد قال الشيخ الغنيمان في رد هذه التأويلات وأشباهها: هذه التأويلات مخالفة لكتاب الله تعالى ولأحاديث رسول الله -ﷺ- مخالفة صريحة بحيث يجوز أن نقول إنها تكذيب لكلام الله وكلام رسوله ورد له وفتح لباب الزندقة والكفر؛ لأن النصوص في ذلك جلية واضحة، فإذا صح تأويلها بما ذكر أمكن كل مبطل أن يؤول ما شاء من التأويل قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (^٢) فبين تعالى أن إتيانه غير إتيان الملائكة وغير إتيان الآيات، وقال جل وعلا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (^٣) وغير ذلك من الآيات وأما الأحاديث فكثيرة جدًّا\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"القول بأن الإتيان عبارة عن رؤيتهم إياه من التحريف الجلي فالناس كلهم يفرقون بين الإتيان والرؤية، فإن الإتيان المذكور في الحديث فعل لله تعالي يفعله إذا شاء وأما الرؤية فهي تقع من الخلق، فهذا التأويل بطلانه ظاهر، وليعلم أن هذا الحديث وغيره جاء موافقًا للكتاب في إثبات صفتي الإتيان والمجيء لله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته من غير أن يكون في ذلك مشابهًا لخلقه ﷾ عن أن يكون له شبيه أو مثيل\" (^٥).\n_________\n(^١) سورة البقرة، آية: ٢١٠.\n(^٢) سورة الأنعام، آية: ١٥٨.\n(^٣) سورة الفجر، آية: ٢٢.\n(^٤) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (١/ ٥١٦).\n(^٥) المرجع السابق بتصرف.","vol":"1","page":570},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>صفة القرب والدنو:</span>\nلقد جاء وصف الله ﷾ بالقرب في كتابه العزيز، إذ قال جل وعلا عن نفسه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)﴾ (^٢) وجاء وصفه سبحانه بالدنو على لسان رسوله -ﷺ- في عدة أحاديث منها قوله -ﷺ-: \"ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة\" (^٣).\nومذهب أهل السنة والجماعة اعتقاد قرب الله تعالى من عباده حقيقة، كما يليق بجلاله وعظمته، وهو مستوٍ على عرشه بائن من خلقه، وهو يتقرب إليهم حقيقة، ويدنو إليهم حقيقة، ولكنهم لا يفسرون كل قرب ورد لفظه في القرآن أو السنة بالقرب الحقيقي.\nقال ابن تيمية: \"وأما دنوه وتقربه من بعض عباده، فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه ومجيئه يوم القيامة، ونزوله واستواءه على العرش، وهذا مذهب أئمة السلف، وأئمة الإسلام المشهورين، وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر\" (^٤).\nوقال في موضع آخر: \"ولا يلزم من جواز القرب عليه أن يكون كل موضع ذكر فيه قربه يُراد به قربه بنفسه، بل يبقى هذا من الأمور الجائزة، وينظر في النص الوارد، فإن دل على هذا حمل عليه، وإن دل على هذا\n_________\n(^١) سورة البقرة، آية: ١٨٦.\n(^٢) سورة هود، آية: ٦١.\n(^٣) رواه مسلم في كتاب الحج باب فضل الحج والعمرة ويوم عرفة ح (١٣٤٨) (٩/ ١٢٥).\n(^٤) الفتاوى (٥/ ٤٦٦).","vol":"1","page":571},{"text":"حمل عليه\" (^١).\nقال القرطبي في شرحه للحديث السابق: \"وإنه ليدنو\" هذا الضمير عائد إلى الله تعالى، والدنو: دنو إفضال وإكرام، لا دنو انتقال ومكان، إذ يتعالى عنه ويتقدس\" (^٢).\nوعند شرحه لقوله -ﷺ-: \"يُدنى المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه\" (^٣) قال: \"هذا إدناء تقريب وإكرام، لا إدناء مسافة ومكان، ويحتمل أن يكون من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (^٤) أي: أهلها\" (^٥).\nوقال المازري في شرحه لهذا الحديث: \"الدنو ههنا دنو كرامة لا دنو مسافة، لأن الباري سبحانه في غير مكان (^٦)، فلا يصح منه دنو المسافة ولا بعدها\" (^٧). وقال في شرحه للحديث الأول: \"معناه: يدنو دنو كرامة وتقريب لا دنو مسافة ومماسة\" (^٨).\nوهذا تأويل مخالف لمذهب السلف الذين يثبتون هذا على حقيقته كما يليق به ﷾، فقربه ودنوه سبحانه لا ينافي علوه وفوقيته،\n_________\n(^١) الفتاوى (٦/ ١٤).\n(^٢) المفهم (٣/ ٤٦٠).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب المظالم باب قول الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ ح (٢٤٤١) (٥/ ١١٦) ومسلم في كتاب التوبة باب قبول توبة القاتل ح (٢٧٦٨) (١٧/ ٩٣).\n(^٤) سورة يوسف، آية: ٨٢.\n(^٥) المفهم (٧/ ١٥٩).\n(^٦) هذا على مذهبه في نفي علو الله تعالى وسيأتي الرد عليه.\n(^٧) المعلم (٣/ ١٩١).\n(^٨) المعلم (٢/ ٧٥).","vol":"1","page":572},{"text":"فهو سبحانه العلي في دنوه القريب في علوه\" (^١).\nفهذه التأويلات التي ذكرها القرطبي والمازري لا حاجة لها مع مذهب السلف الذي يثبت ولا يشبه ولا يكيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>صفة المعية:</span>\nيعتقد أهل السنة والجماعة أن الله معنا على الحقيقة وأنه فوق سمواته مستوٍ على عرشه وهذه المعية ثابتة بالكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (^٣) وقال تعالى لموسى وهارون ﵉: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ (^٤).\nوجاء في الحديث القدسي: \"أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني\" (^٥)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: \"وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله والإيمان بما أخبر الله به في كتابه وتواتر عن رسوله وأجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق سمواته على عرشه عليُّ على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا يعلم ما هم عاملون -ثم بعد ذكر بعض الآيات- قال: وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون\n_________\n(^١) انظر: الفتاوى لابن تيمية (٣/ ١٤٣) (٥/ ٤٤٦).\n(^٢) سورة الحديد، آية: ٤.\n(^٣) سورة المجادلة، آية: ٧.\n(^٤) سورة طه، آية: ٤٦.\n(^٥) رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ح (٧٤٠٥) ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى ح (٢٦٧٥) (١٧/ ٥).","vol":"1","page":573},{"text":"الكاذبة\" (^١).\nقال القرطبي في معية الله: \"قال تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ أي: مطلع عليكم ومحيط بكم، وقد ينجز مع ذلك الحفظ والنصر كما قيل في قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ أي: أحفظكما ممن يريد كيدكما\" (^٢).\nوفي هذا النقل عن القرطبي نرى أنه وافق أهل السنة في هذه المسألة (^٣)، ذلك أن أهل السنة يقولون: المعية معيتان: معية عامة: تقتضي العلم والإحاطة. ومعية خاصة: تقتضي النصر والتأييد.\nفالأولى: كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (^٤).\nوالثانية: كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (^٥)، فالته تعالى مع الخلق كلهم بالعلم والقدرة، والسلطان ويخص بعضهم وهم: أنبياؤه وأولياؤه بالإعانة والنصر والتأييد (^٦).\nقال ابن تيمية وهو يبين مذهب السلف: \"فإنهم أثبتوا وآمنوا بجميع ما جاء به الكتاب والسنة كله من غير تحريف للكلم وأثبتوا أن الله تعالى فوق سمواته وأنه على عرشه بائن من خلقه، وهم منه بائنون، وهو أيضًا\n_________\n(^١) الواسطية لابن تيمية انظرها مع شرحها للهراس ص (١٩٣، ١٩٤).\n(^٢) المفهم (٧/ ٦).\n(^٣) وهو بهذه الموافقة لم يخرج عن مذهب الأشاعرة في الصفات إذ الأشاعرة يوافقون أهل السنة في هذه الصفة.\n(^٤) سورة الحديد، آية: ٤.\n(^٥) سورة النحل، آية: ١٢٨.\n(^٦) انظر الفتاوى لابن تيمية (٥/ ٢٢٧، ٤٩٧)، وعلو الله على خلقه للدكتور موسى الدويش ص (٢٥٢ - ٢٧٧).","vol":"1","page":574},{"text":"مع العباد عمومًا بعلمه ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>صفتا الرضا والغضب:</span>\nوالرضا والغضب من صفات الله تعالى الفعلية الثابتة له بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (^٣) ولذا فأهل السنة والجماعة يثبتون لله تعالى رضا وغضبًا يليقان به سبحانه، لا كرضا أو غضب المخلوقين.\nوالقرطبي والمازري صرفا هاتين الصفتين عن ظاهرهما إلى إرادة الثواب أو إرادة الانتقام والعقاب.\nقال القرطبي: \"غضب الله تعالى ورضاه محمول إما على إرادة عقاب المغضوب عليه وإبعاده وإرادة إكرام المرضي عنه أو على ثواب تلك الإرادة وهو الإكرام أو الانتقام\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"تقدم القول في غضب الله ورضاه، وأن ذينك يرجعان إلى إرادته وإلى متعلقها من إيصال المنافع والألطاف إلى المرحوم أو إيصال المضار والانتقام للمغضوب عليه فيرجع غضبه إذًا ورحمته إلى الأفعال (^٥).\nوقال: \"رضا الله من صفات الأفعال، ويصح أن يعبر بالرضا في حق الله تعالى عن إرادة الإكرام والإحسان فيكون من صفات\n_________\n(^١) الفتاوى (٥/ ٢٣١).\n(^٢) سورة الفتح، آية: ١٨.\n(^٣) سورة الممتحنة، آية: ١٣.\n(^٤) المفهم (١/ ٣٥٠).\n(^٥) المفهم (٧/ ٨٢).","vol":"1","page":575},{"text":"الذات\" (^١).\nوقال المازري: \"غضب الله ﷿ ورضاه يرجعان إلى إرادته لإثابة المطيع ومنفعة العبد أو عقاب العاصي\" (^٢).\nوقولهما في هاتين الصفتين من التأويلات الباطلة البعيدة عن المعاني التي أراد منا الشرع أن نفهمها ونعتقدها من النصوص الشرعية.\nوتفسير الرضا بالإكرام والغضب بالعقوبة هو تفسير للصفة ببعض آثارها المخلوقة، وهو غير الصفة وتفسير الرضا بإرادة الثواب والغضب بإرادة العقاب أو الانتقام إلغاء لهذه الصفة ومعناها وجعل معاني صفات عدة في معنى صفة واحدة.\nوقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على من ينفي هذه الصفات وغيرها: \"القول في بعض الصفات كالقول في بعض فإن كان المخاطب ممن يقر بأن الله حي بحياة عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة وينازع في محبته ورضاه وغضبه، وكراهيته، فيجعل ذلك مجازًا ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات.\nقيل له: لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته بل القول في أحدهما كالقول في الآخر. فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين. فكذلك محبته ورضاه وغضبه وهذا هو التمثيل. وإن قلت له إرادة تليق به، كما إن للمخلوق إرادة تليق به. قيل لك: وكذلك له محبة تليق به وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا وغضب يليق به، وللمخلوق رضا وغضب يليق\n_________\n(^١) المفهم (٣/ ٧٤١).\n(^٢) المعلم (٣/ ١٨٩).","vol":"1","page":576},{"text":"به. وإن قال: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام قيل له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة، أو دفع مضرة، فإن قلت: هذه إرادة المخلوق. قيل لك: وهذا غضب المخلوق\" (^١).\nوقال ابن أبي العز الحنفي (^٢) في صفتي الرضا والغضب: \"ولا يقال إن الرضا إرادة الإحسان، والغضب إرادة الانتقام، فإن هذا نفي للصفة، وقد اتفق أهل السنة على أن الله يأمر بما يحبه ويرضاه، وإن كان لا يريده ولا يشاؤه، وينهى عما يسخطه ويكرهه ويبغضه ويغضب على فاعله، وإن كان قد شاءه وأراده، فقد يحب عندهم ويرضى ما لا يريده ويكره ويسخط ويغضب لما أراده.\nويقال لمن تأول الغضب والرضا بإرادة الانتقام أو بإرادة الإحسان: لم تأولت ذلك؟ فلابد أن يقول: إن الغضب غليان دم القلب والرضى الميل والشهوة، وذلك لا يليق بالله تعالى. فيقال له: غليان دم القلب في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الغضب لا أنه الغضب\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرضا والعداوة والولاية والحب والبغض ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بها\" (^٤).\n_________\n(^١) التدمرية لابن تيمية ص (٣١).\n(^٢) هو علي بن علي بن محمد الأذرعي الدمشقي الحنفي المعروف بابن أبي العز تولى قضاء الحنفية بدمشق وكان إمامًا داعية إلى أتباع المنهج السلفي ناله على ذلك أذى فصبر واحتسب توفي سنة (٧٩٢ هـ). الدرر الكامنة (٣/ ٨٧). معجم المؤلفين (٢/ ٤٨٠)\n(^٣) شرح الطحاوية (٢/ ٦٨٥، ٦٨٦).\n(^٤) المرجع السابق.","vol":"1","page":577},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>صفة الفرح:</span>\nالفرح صفة فعلية اختيارية ثابتة لله تعالى، يقول الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلَّا وحيٌ يوحى: \"لله أشد فرحًا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامُه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده لموت، فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده\" (^١).\nقال الشيخ محمد خليل هراس في شرحه لهذا الحديث: \"في هذا الحديث إثبات صفة الفرح لله ﷿ والكلام فيه كالكلام في غيره من الصفات أنه صفة حقيقية لله ﷿ على ما يليق به وهو من صفات الفعل التابعة لمشيئته تعالى وقدرته، فيحدث له هذا المعنى المعبر عنه بالفرح عندما يُحدثُ عبدُهُ التوبة والإنابة إليه، وهو مستلزم لرضاه عن عبده التائب وقبوله توبته\" (^٢).\nقال القرطبي في هذه الصفة عند شرحه للحديمث: \"هذا مثل قصد به بيان سرعة قبول الله تعالى لتوبة عبده التائب، فإنه يقبل عليه بمغفرته ورحمته، ويعامله معاملة من يفرح به، ووجه هذا المثل: أن العاصي حصل بسبب معصيته (وقوعه) (^٣) في قبضة الشيطان وأسره، وقد أشرف على الهلاك، فإذا لطف الله تعالى به وأرشده للتوبة خرج من شؤم تلك\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب الدعوات باب التوبة ح (٦٣٠٨) (١١/ ١٠٥) ومسلم في كتاب التوبة باب في الحض على التوبة والفرح بها ح (٢٧٤٤) (١٧/ ٦٧).\n(^٢) شرح العقيدة الواسطية ص (١٦٦).\n(^٣) لا توجد في الأصل وأثبتها هنا ليستقيم المعنى.","vol":"1","page":578},{"text":"المعصية، وتخلص من أسر الشيطان، ومن المهلكة التي أشرف عليها، فأقبل الله تعالى عليه برحمته ومغفرته، وبادر إلى ذلك مبادرة هذا الذي قد انتهى به الفرح واستفزَّه السرور إلى أن نطق بالمحال ولم يشعر به لشدة سروره وفرحه، وإلَّا فالفرح الذي هو من صفاتنا محال على الله تعالى؛ لأنه اهتزاز وطرب يجده الإنسان من نفسه عند ظفره بغرض يستكمل به الإنسان نقصه، ويسد به خلته، أو يدفع عن نفسه ضررًا أو نقصًا، وكل ذلك محال على الله تعالى، فإنه الكامل بذاته الغني بوجوده الذي لا يلحقه نقص، ولا قصوره، لكن هذا الفرح عندنا له ثمرة وفائدة، وهو الإقبال على الشيء المفروح به، وإحلاله المحل الأعلى، وهذا هو الذي يصح في حقه تعالى فعبر عن ثمرة الفرح على طريقة العرب في تسميتها الشيء باسم ما جاوره، أو كان منه بسبب\" (^١).\nوهذا الذي ذكر أنه محال على الله هو تشبيه صفات الله تعالى بصفات المخلوقين، ولا يلزم من إثبات الصفات التي جاءت في الكتاب والسنة لله تعالى مشابهة لخلقه، كما قال ذلك علماء السنة، فهو سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^٢).\nقال الشيخ محمد خليل هراس: \"وإذا كان الفرح في المخلوق على أنواع، فقد يكون فرح خفة وسرور وطرب، وقد يكون فرح أشرٍ وبطرٍ، فالله ﷿ منزه عن ذلك كله، ففرحه لا يشبه فرح أحد من خلقه، لا في ذاته ولا في أسبابه، ولا في غاياته، فسببه كمال رحمته وإحسانه التي يحب من عباده أن يتعرضوا لها، وغايته إتمام نعمته على التائبين\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ٧١).\n(^٢) سورة الشورى، آية: ١١.","vol":"1","page":579},{"text":"المنيبين\" (^١).\nوكذلك المازري صرف هذا النص عن ظاهره فلم يثبت هذه الصفة حيث قال في شرحه للحديث: \"الفرح يتصرف إلى معانٍ منها: أن يراد به السرور، ولكن السرور يقارنه الرضا بالمسرور به، فالمراد ههنا أن الله سبحانه يرضى (^٢) توبة العبد أشد مما يرضى الواجد لناقته بالفلاة، فعبَّر عن الرضا بالفرح تأكيدًا لمعنى الرضا في نفس السامع، ومبالغة في معنا\" (^٣).\n\"وتفسير الفرح بلازمه، وهو الرضى، وتفسير الرضى بإرادة الثواب فكل ذلك نفي وتعطيل لفرحه ورضاه سبحانه أوجبه سوء ظن هؤلاء المعطلة بربهم حيث توهموا أن هذه المعاني تكون فيه كما هي في المخلوق تعالى الله عن تشبيههم وتعطيلهم\" (^٤).\n\"فنحن نؤمن بأن الله تعالى له فرح كما أثبت ذلك أعلم الخلق به -ﷺ-، وأنصح الخلق للخلق، وأفصح الخلق فيما نطق به -ﷺ- ونقول المراد بالفرح: الفرح حقيقة مثلما أن المراد بالله ﷿ نفسه حقيقة، ولكننا لا نمثل صفاتنا بصفات الله أبدًا\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>صفة الضحك:</span>\nالضحك من صفات الله تعالى الفعلية الاختيارية التي وردت في السنة الصحيحة، لذا أثبتها أهل السنة والجماعة صفة لله تعالى على\n_________\n(^١) شرح العقيدة الواسطية ص (١٦٦).\n(^٢) وهو يأول الرضا بإرادة الثواب أيضًا.\n(^٣) المعلم (٣/ ١٨٧).\n(^٤) شرح الواسطية للهراس ص (١٦٦).\n(^٥) شرح الواسطية للشيخ محمد بن عثيمين (٢/ ٢٠).","vol":"1","page":580},{"text":"المعنى الذي يليق به سبحانه من غير تشبيه لها بصفة المخلوقين، ولا تأويل لها على خلاف ظاهرها (^١).\nقال ابن خزيمة: \"باب: ذكر إثبات ضحك ربنا ﷿: بلا صفة تصف ضحكه جل ثناؤه لا ولا يشبَّه ضحكه بضحك المخلوقين، وضحكهم كذلك، بل نؤمن بأنه يضحك، كما أعلم النبي -ﷺ- ونسكت عن صفة ضحكه جل وعلا، إذ الله ﷿ استأثر بصفة ضحكه لم يطلعنا على ذلك، فنحن قائلون بما قال النبي -ﷺ- مصدقون بذلك بقلوبنا، منصتون عما لم يبين لنا مما استأثر الله بعلمه\" (^٢).\nوقال الآجري: \"باب الإيمان بأن الله ﷿ يضحك: اعلموا -وفَّقنا الله وإياكم للرشاد من القول والعمل- أن أهل الحق يصفون الله ﷿ بما وصف به نفسه ﷿ وبما وصفه به رسوله -ﷺ- وبما وصفه به الصحابة -﵃- وهذا مذهب العلماء ممن اتبع ولم يبتدع ولا يقال فيه: كيف؟ بل التسليم له والإيمان به أن الله ﷿ يضحك كذا روي عن النبي -ﷺ- وعن صحابته -﵃- فلا ينكر هذا إلَّا من لا يحمد حاله عند أهل الحق\" (^٣).\nوقد سار القرطبي والمازري على منهج الأشاعرة في تأويل هذه الصفة، فقال القرطبي: \"الضحك من خواص البشر، وهو: تغير أوجبه سرور القلب بحصول كمال لم يكن حاصلًا من قبل فتثور من القلب حرارة ينبسط لها الوجه ويضيق عنها الفم فينفتح وهو التبسم، فإذا زاد ولم يضبط الإنسان نفسه قهقه، وذلك كله على الله تعالى محال، لكن لما كان دلالة\n_________\n(^١) انظر: شرح الواسطية لابن عثيمين (٢/ ٢٥) بتصرف.\n(^٢) التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٥٦٣).\n(^٣) الشريعة للآجري (٢/ ١٠٥١).","vol":"1","page":581},{"text":"عندنا على الرضا ومظهرًا له غالبًا عبر عن سببه به، وقد قالوا: تضحك الأرض من بكاء السماء، أي: يظهر خيرها، وفي بعض الحديث: \"فيبعث الله سحابًا يضحك أحسن الضحك\" (^١) يعني السحاب، ومنه قولهم:\n.................. ... ضحك المشيب برأسه فبكى (^٢)\nوقال:\n.................. ... في طعنة تضحك عن نجيع (^٣)\nفالضحك في هذه المواضع بمعنى: الظهور فيكون معناه في الحديث: أن الله تعالى رضي عن هذا العبد، وأظهر عليه رحمته وفضله ونعمته، ولهذا حمله قوم هنا: على أنه تجلى للعبد وظهر له\" (^٤).\nوعند قوله -ﷺ-: \"يضحك الله ﷿ إلى رجلين يقتل أحدُهما الآخر كلاهما يدخل الجنة، قال: يقاتل هذا في سبيل الله فيستشهد، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيقاتل في سبيل الله فيستشهد\" (^٥).\nقال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: \"الضحك المنسوب إلى الله\n_________\n(^١) رواه أحمد في مسنده (٥/ ٤٣٥) قال عنه الهيثمي: رجاله رجال الصحيح انظر: مجمع الزوائد (٢/ ٢١٦)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٢٢٨) ح (١٦٦٥).\n(^٢) هو لدعبل بن علي الخزاعي المتوفى سنة (٢٤٦ هـ) وهذا عجز البيت، وصدره:\n* لا تعجبي يا سلْمَ من رجلٍ *\nانظر: شعر دعبل بن علي الخزاعي ص (٢٠٤).\n(^٣) لم أقف عليه.\n(^٤) المفهم (١/ ٤٢٤).\n(^٥) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب الكافر يقتل المسلم ثم يُسلِمُ فيسدِّدُ بعدُ ويقتل ح (٢٨٢٦) (٦/ ٤٧) ومسلم في كتاب الإمارة باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة ح (١٨٩٠) (١٣/ ٣٩).","vol":"1","page":582},{"text":"تعالى عبارة عن الرضا بالمضحوك منه وإكرامه والإقبال عليه، ويحتمل أن يكون من باب حذف المضاف أي: يضحك رسول الله وملائكته ممن ذكر عند قبض أرواحهم، والله تعالى أعلم\" (^١).\nؤقال المازري: الضحك من الله محمول على إظهار الرضا والقبول؛ إذ الضحك في البشر علامة على ذلك، ويقال: ضحكت الأرض إذا ظهر نباتها، وفي بعض الحديث: \"فيبعث الله سحابًا فيضحك أحسن الضحك\" (^٢) فجعل انجلاءه عن البرق ضحكًا على الاستعارة، كأنه تعالى لما أظهر له رحمته استعير له اسم الضحك مجازًا\" (^٣).\nوعند شرحه لقوله -ﷺ-: \"يقول الله تعالى للرجل: اذهب فادخل الجنة، فتتخيل له أنها ملأى، فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة، فيقول: أتسخر بي أو تضحك بي وأنت الملك\" (^٤).\nقال: \"إن قيل: ما معنى قوله: \"تسخر بي أو تضحك بي وأنت الملك؟ \" وهب أنكم تأولتم الضحك على ماذ كرتم من الرضا وغيره، وهذا غير متأت ههنا، فيقال: من عادة المستهزئ من المخلوقين والساخر أن يضحك فوضع ههنا \"تضحك\" موضع: تستهزئ وتسخر لما كانت حالة للساخر\" (^٥).\nوعند قوله -ﷺ-: \"فتجلى لهم يضحك\" (^٦)، قال: \"التجلي في لسان\n_________\n(^١) المفهم (٣/ ٧٢٤).\n(^٢) سبق تخريجه ص (٥٨٢).\n(^٣) المعلم (١/ ٢٢٧).\n(^٤) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب آخر أهل النار خروجًا ح (١٨٦) (٣/ ٤١).\n(^٥) المعلم (١/ ٢٢٧).\n(^٦) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة ح (١٩١) (٣/ ٥٠).","vol":"1","page":583},{"text":"العرب معناه: الظهور فيكون المعنى ههنا: يظهر لهم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (^١) معناه: ظهر، والضحك ذكرنا أنه يعبر به عن الرضا وإظهار الرحمة، فيكون المعنى على هذا: يظهر لهم وهو راضٍ، ويكون ذلك مجازًا خاطب ﵇ به العرب على ما اعتادت من لغتها\" (^٢).\nوهذا الذي أقرَّاه ونصراه من التأويل المذموم، وصرفِ للفظ عن ظاهره، وتعطيل لصفة الرب ﷿ التي جاءت في الأحاديث الصحيحة، وتلقاها السلف بالإيمان والتسليم.\nوأما جعل الضحك عبارة عن الرضا أو الإكرام، أو من باب حذف المضاف، وجعل المضاف إليه مكانه وادعاء أن هذا الذي جاء في الحديث من باب المجاز، فقد رد العلماء هذه التأويلات.\nقال أبو يعلى: \"اعلم أنه غير ممتنع حمل هذه الأحاديث على ظاهرها من غير تأويل، وقد نصَّ أحمد على ذلك ... وقال المروذي (^٣): سألت أبا عبد الله عن عبد الله التيمي، فقال: صدوق، وقد كتبت عنه من الرقائق، ولكن حكي عنه أنه ذكر حديث الضحك فقال: مثل الزرع الضحك وهذا كلام الجهمية\" (^٤).\nوقد ردَّ الدارمي على من أوَّل الضحك في كلام يطول ذكره قال فيه: قال المعارض في تفسير الضحك أن ضحك الرب رضاه ورحمته،\n_________\n(^١) سورة الأعراف، آية: ١٤٣.\n(^٢) المعلم (١/ ٢٢٨).\n(^٣) أحمد بن محمد المروذي أبو بكر الإمام القدوة صاحب الإمام أحمد كان إمامًا في السنة شديد الاتباع توفي سنة (٢٧٥ هـ) سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٧٣)، تاريخ بغداد (٤/ ٤٢٣).\n(^٤) إبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ٢١٧).","vol":"1","page":584},{"text":"وصفحه عن الذنوب، ألا ترى أنك تقول: رأيت زرعًا يضحك. وهذا كذب إذ ضحك الزرع ليس بضحك، إنما هو خضرته ونضارته، فهو أبدًا -ما دام أخضر- ضاحك لكل أحد للولي والعدو، ولمن يسقيه ولمن يحصده، لا يقصد بضحكه إلى شيء، والله يقصد بضحكه إلى أوليائه عندما يعجبه فعالهم، ويصرفه عن أعدائه فيما يسخطه من أفعالهم، فضحك الله أصل وحقيقة للضحك، ويضحك كما يشاء، وأما قولك إن ضحكه رضاه ورحمته، فقد صدقت في بعض؛ لأنه لا يضحك إلى أحد إلَّا عن رضى، فيجتمع منه الضحك والرضى. ثم ذكر عددًا من الأحاديث التي لا مجال لتأويلها، ومنها قول أبي رزين ﵁ للرسول -ﷺ-: \"أيضحك ربنا؟ قال -ﷺ-: \"نعم\"، قال: لن نعدم من ربٍّ يضحك خيرًا\" (^١) - ثم قال: لو كان تفسير الضحك الرضى والرحمة والصفح من الذنوب فقط، كان أبو رزين جاهلًا لا يعلم أن ربه يرحم ويرضى ويغفر الذنوب\" (^٢).\nقال الأصبهاني: \"وأنكر قوم في الصفات الضحك، وإذا صح الحديث لم يحل لمسلم رده، وخيف على من يرده الكفر، قال بعض العلماء: من أنكر الضحك فقد جهل جهلًا شديدًا، والحق أن الحديث إذا صح عن النبي -ﷺ- وجب الإيمان به، ولا توصف صفته بكيفية ولكن نسلم إثباتًا له وتصديقًا به\" (^٣).\n_________\n(^١) رواه أحمد في المسند (٤/ ١١) وابن ماجه في سننه باب فيما أنكرت الجهمية وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه ص (١٣).\n(^٢) انظر نقض الدارمي (٢/ ٧٦٩، ٨٠٠) بتصرف.\n(^٣) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٩١) بتصرف.","vol":"1","page":585},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>صفة المحبة:</span>\nوهي صفة من صفات الله تعالى الفعلية الاختيارية الثابتة بالكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (^٢). وقال -ﷺ- في حديث سهل بن سعد: \"لأعطين الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله\" (^٣) وغيرها من النصوص الكثيرة المثبتة لهذه الصفة.\nولذا فأهل السنة والجماعة يثبتون المحبة صفة حقيقية لله ﷿ على ما يليق به، فلا تقتضي عندهم نقصًا ولا تشبيهًا كما يثبتون لازم تلك المحبة، وهي إرادته سبحانه إكرام من يحبه وإثابته، وقد جاء في صحيح مسلم أحاديث كثيرة فيها إثبات صفة المحبة لله ﷿ كما يليق بجلاله، وقد شرح القرطبي والمازري هذه الأحاديث في أكثر من موضع نهجا فيها منهج أهل التأويل. قال القرطبي عند قوله -ﷺ-: \"من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما\" (^٤).: \"دليل على جواز إضافة المحبة لله تعالى، وإطلاقها عليه، ولا خلاف في أن إطلاق ذلك عليه، صحيح محبًا ومحبوبًا، كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (^٥) وهو في السنة كثير ولا يختلف النظَّار من أهل السنة وغيرهم أنها مؤولة في حق الله\n_________\n(^١) سورة البقرة، آية: ١٩٥.\n(^٢) سورة المائدة، آية: ٥٤.\n(^٣) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب فضل من أسلم على يديه رجل ح (٣٠٠٩) (٦/ ١٦٨) ومسلم في كتاب فضائل علي بن أبي طالب ﵁ ح (٢٤٠٦) (١٥/ ١٨٦).\n(^٤) رواه البخاري في كتاب الإيمان باب حلاوة الإيمان ح (١٦) (١/ ٧٧) ومسلم في كتاب الإيمان باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان ح (٤٣) (٢/ ٣٧٢).\n(^٥) سورة المائدة، آية: ٥٤.","vol":"1","page":586},{"text":"تعالى؛ لأن المحبة المتعارفة في حقنا إنما هي ميل لما فيه غرض يستكمل به الإنسان ما نقصه وسكون لما تلتذ به النفس، وتكمل بحصوله والله تعالى منزه عن ذلك. وقد اختلف أئمتنا في تأويلها في حق الله تعالى، فمنهم من صرفها إلى إرادته تعالى إنعامًا مخصوصًا على من أخبر أنه يحبه من عباده، وعلى هذا ترجع إلى صفة ذاته، ومنهم من صرفها إلى نفس الإنعام والإكرام، وعلى هذا فتكون من صفات الفعل\" (^١).\nوقال في موضع آخر: \"محبة الله للعبد: إرادة إكرامه وإثابته، ولأعمال العباد: إثابتهم عليها، ومحبة الله تعالى منزهة عن أن تكون ميلًا للمحبوب، أو شهوة، إذ كل ذلك من صفاتنا، وهي دليل حدوثنا، والله تعالى منزه عن كل ذلك\" (^٢).\nوقال المازري: \"الباري لا يوصف بالمحبة المعهودة فينا؛ لأنه يتقدس عن أن يميل أو يمال إليه، وليس بذي جنس، أو طبع، فيتصف بالشوق الذي تقتضيه الجنسية والطبيعة البشرية، وإنما معنى محبته سبحانه للخلق إرادته لثوابهم وتنعيمهم على رأي بعض أهل العلم، وعلى رأي بعضهم أن المحبة راجعة إلى نفس الإثابة والتنعيم لا للإرادة\" (^٣).\nومن خلال هذه النقول يتبين أن القرطبي والمازري لم يثبتا هذه الصفة لله تعالى، وإنما فسَّرا المحبة ببعض علاماتها وثمارها، وهذا خلاف مذهب السلف، حيث يثبتون صفة المحبة لله تعالى من غير تمثيل ولا تكييف ومن غير تحريف ولا تعطيل، وقد توافرت الأدلة من الكتاب والسنة على أن الله تعالى يحب المؤمنين والمتقين، ويحب التوابين\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٢١٢).\n(^٢) المفهم (٦/ ٦٤٣) وانظر أيضًا (٦/ ٥٤٣).\n(^٣) المعلم (١/ ٣٠٨).","vol":"1","page":587},{"text":"والمتطهرين، ومحبته سبحانه لعبده المؤمن شيء فوق إنعامه وإحسانه وإثابته، فإن هذا أثر المحبة وموجبها، أما هي فأعظم من ذلك، وأشرف، وهي التي يتسابق إليها الموفقون من عباد الله الصالحين\" (^١).\nقال ابن تيمية: \"قد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله لعباده المؤمنين ومحبتهم له، وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء ﵇\" (^٢).\nوقد رد الشيخ ابن باز -﵀- على من يفسر المحبة بإرادة الثواب فقال: \"هذا من التأويل الباطل والحق ما عليه أهل السنة أن معنى المحبة غير معنى الإرادة، والله سبحانه موصوف بها على الوجه الذي يليق بجلاله، ومحبته لا تشابه محبة خلقه، كما أن إرادته لا تشابه إرادة خلقه، وهكذا سائر صفاته، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (^٣) \" (^٤).\nوتأويلهم هذا بزعم التنزيه لاعتقادهم أن في إثباتها تشبيهًا لله تعالى بخلقه، وهذا باطل؛ لأننا إذا أثبتناها فنحن نقول محبة تليق به سبحانه لا تشبه محبة المخلوقين.\nوأما نفي هذه الصفة بزعم أن العقل لا يثبتها فقد رد هذا الشيخ ابن عثيمين فقال: \"أما أهل البدع الذين أنكروها فليس عندهم إلَّا حجة واهية، فهم يقولون: إن العقل لا يدل عليها، ولو سلمنا أن العقل لا يدل على المحبة، فالسمع دل عليها، وهو دليل قائم بنفسه، ونحن يجب أن\n_________\n(^١) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ٦٥).\n(^٢) الفتاوى (٢/ ٣٥٤).\n(^٣) سورة الشورى، آية: ١١.\n(^٤) فتح الباري (١/ ١٢٦) الهامش.","vol":"1","page":588},{"text":"يكون اعتمادنا في الأمور الغيبية على الأدلة السمعية، لكن لا مانع من أن نستدل بأدلة عقلية لإلزام من أنكر أن تكون المحبة ثابتة بالأدلة العقلية، مثل الأشاعرة الذين يقولون: لا يمكن أن نثبت المحبة بين الله وبين العبد؛ لأن العقل لا يدل عليه، وكل ما لا يدل عليه العقل فإنه يجب أن ننزه الله عنه.\nفنحن نقول: نثبت المحبة بالأدلة العقلية كما هي ثابتة عندنا بالأدلة السمعية احتجاجًا على من أنكر ثبوتها بالعقل، فإثابة الطائعين بالجنات، والنصر والتأييد، وغير ذلك، هذا يدل بلا شك على المحبة، ونحن نشاهد بأعيننا ونسمع بآذاننا عمن سبق وعمن لحق أن الله ﷿ أيَّد من أيَّد من عباده ونصرهم وأثابهم، وهذا من الأدلة على محبته لمن أيَّدهم ونصرهم وأثابهم ﷿\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>صفة الخلة:</span>\nالخلة هي كمال المحبة المستغرقة لله حب وهي أخص من مطلق المحبة، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ (^٢)، وقال -ﷺ-: \"إن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا\" (^٣). ففي هذين الدليلين إثبات الخلة لله تعالى، وخلَّته سبحانه كصحبته، من صفاته المتعلقة بمشيئته، نثبتها له سبحانه على الوجه الذي يليق به، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة (^٤).\n_________\n(^١) شرح العقيدة الواسطية (١/ ٢٤٠، ٢٤٦) بتصرف.\n(^٢) سورة النساء، آية: ١٢٥.\n(^٣) رواه مسلم في كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور ح (٥٣٢) (٥/ ١٧).\n(^٤) انظر: الفتاوى لابن تيمية (٥/ ٨٠) وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (٢/ ٣٩٦).","vol":"1","page":589},{"text":"والخلة لم تثبت لأحد من البشر إلَّا لإبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وهذه الخلة من صفات الله ﷿؛ لأنها أعلى أنواع المحبة، وهي توقيفية، فلا يجوز أن نثبت لأحد من البشر أنه خليل إلَّا بدليل (^١).\nوقد أوَّل القرطبي هذه الصفة كما أوَّل صفة المحبة فقال: \"الخُلَّة: بضم الخاء \"الصداقة\" و\"المودة\"، ويقال فيها أيضًا: خلالة -بالضم والفتح والكسر- والخَلة بفتح الخاء: الفقر والحاجة، والخِلة بكسرها: واحدة خلل السيوف وهي بطائن أغشيتها، والخلل: الفرجة بين الشيئين، والجمع: الخلال، واختلف في الخليل -اسم إبراهيم ﵇- من أي هذه المعاني والألفاظ أخذ؟ فقيل: إنه مأخوذ من \"الخلة\" بمعنى \"الصداقة\"، وذلك أنه صدق في محبة الله تعالى، وأخلص فيها، حتى آثر محبته على كل محبوباته، فبذل ماله للضيفان وولده للقربان وجسده للنيران. وقيل: من الخلة التي بمعنى الفقر والحاجة، وذلك أنه افتقر إلى الله في حوائجه، ولجأ إليه في فاقته، حتى لم يلتفت إلى غيره بحيث آلت حاله إلى أن قال له جبريل وهو في الهواء حين رمي في المنجنيق: ألك حاجة؟ فقال: أمَّا إليك فلا. وقيل: من الخلل بمعنى الفرجة بين الشيئين، ذلك لما تخلل قلبه من معرفة الله تعالى ومحبته ومراقبته، حتى كأنه مزجت أجزاء قلبه بذلك، وقد أشار إلى هذا المعنى بعض الشعراء فقال:\nقد تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوح منّي ... ولذا سُمِّي الخليلُ خليلا (^٢)\nولقد جمع هذه المعاني وأحسن من قال في الخلة: إنها صفاء\n_________\n(^١) شرح الواسطية لابن عثيمين (١/ ٢٣٩).\n(^٢) البيت لبشار بن برد المتوفى سنة (١٦٧ هـ) وفي ديوانه: وبه سمي الخليل خليلًا، انظر: ديوان بشار بن برد ص (١٨٢).","vol":"1","page":590},{"text":"المودة التي توجب الاختصاص بتخلل الأسرار والغنى عن الأغيار\" (^١).\nوهذه المعاني التي ذكرها القرطبي صحيحة فإبراهيم ﵊ صدق في محبة الله تعالى، وافتقر ولجأ إلى الله تعالى مع ما امتلأ به قلبه من محبة الله ومعرفته ومراقبته، ولكن كل هذا لا يبرر تأويل هذه الصفة التي هي من صفات الله تعالى كالمحبة، فنعلم أن الخليل كان شديد المحبة لله تعالى والله سبحانه كان شديد الص حبة له، والقرطبي أوَّل صفة المحبة وصرفها عن ظاهرها والخلة تابعة لها.\nقال ابن كثير: إنما سمي خليل الله لمض مدة محبة ربه ﷿ له لما قام له من الطاعة التي يحبها ويرضاها\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>صفة الغيرة:</span>\nالغيرة صفة من صفات الله تعالى الثابتة بالأحاديث الصحيحة التي جاءت عن رسول الله -ﷺ-، ومنها قوله: \"أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن غيرة الله حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن\" (^٣).\nوهي صفة كمال، إذ من لا غيرة له ناقص مذموم، وهو المسمى بالديوث، لذا وصف الرسول -ﷺ- ربه بالغيرة؛ لأنها صفة كمال. وغيرة الله من جنس صفاته التي يختص بها، فهي ليست مماثلة لغيرة المخلوق، بل هي صفة تليق بعظمته مثل الغضب والرضا ونحو ذلك من خصائصه\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٤٢٩).\n(^٢) تفسير ابن كثير (١/ ٥٣٠).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب قول النبي -ﷺ-\"لا شخص أغير من الله\" ح (٧٤١٦) (١٣/ ٤١١) ومسلم في كتاب اللعان ح (١٤٩٩) (١٠/ ٣٨٥).","vol":"1","page":591},{"text":"التي لا يشاركه الخلق فيها (^١).\nوقد ذكر القرطبي صفة الغيرة في موضعين من المفهم، سلك فيهما طريق التأويل حيث قال: \"الغيرة في حقنا راجعة إلى تغير وانزعاج وهيجان يلحقان الغيران عندما ينال شيء من حرمه أو محبوباته فعمل على صيانتهم ومنعهم، وهذا التغير على الله محال، وهو منزه عن كل تغير ونقص، لكن لما كانت ثمرة الغيرة صون الحريم ومنعهم وزجر القاصد إليهم، أُطلق ذلك على الله تعالى، إذ قد زجر وذم ونصب الحدود، وتوعد بالعقاب الشديد من تعرض لشيء من محارمه، وهذا من التجوز ومن باب: تسمية الشيء باسم ما يترتب عليه\" (^٢).\nوقال في موضع آخر: \"الغيرة في حقنا: هيجان وانزعاج يجده الإنسان من نفسه، يحمل على صيانة الحرم ومنعهم من الفواحش ومقدماتها، والله تعالى منزه عن مثل ذلك الهيجان، فإنه تغير يدل على الحدوث، فإذا أطلقت لفظ الغيرة على الله، فإنما معناه: أنه تعالى منع من الإقدام على الفواحش بما توعد عليها من العقاب والزجر والذم وبما نصب عليها من الحدود، وقد دلَّ على صحة هذا قوله في حديث آخر: \"وغيرة الله ألا يأتي المؤمن ما حرمه الله عليه\" (^٣) \" (^٤).\nوكذلك المازري أوَّل هذه الصفة فقال: \"معناه ما أحد أمنع\n_________\n(^١) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ٣٣٠).\n(^٢) المفهم (٢/ ٥٥٧).\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب النكاح باب المتشبع لما لم ينل. ح (٥٢٢٣) (٩/ ٢٣٠) ومسلم في كتاب التوبة باب غيرة الله تعالى وتحريم الواحش ح (٢٧٦١) (١٧/ ٨٤) وهو بلفظ \"وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرَّم عله\" وليس كما ذكر القرطبي.\n(^٤) المفهم (٤/ ٣٠٤).","vol":"1","page":592},{"text":"للفواحش من الله تعالى، والغيور منعه حريمه، وكلما زادت غيرته زاد منعه، فاستعير لمنع الباري سبحانه عن معاصيه اسم الغيرة مجازًا واتساعًا، وخاطبهم النبي -ﷺ- بما يفهمونه\" (^١).\nوهذه التأويلات التي تكلفوها خشية أن يؤدي وصفه سبحانه بهذه الصفة مشابهة الخلق بزعمهم ولا شك أن، صفات الباري سبحانه كذاته، لا تشابه صفات المخلوقين، كما أن ذاته لا تشبه ذوات المخلوقين.\nوتأويل الغيرة بلوازمها من المنع وا احماية والغضب لا يصح، إذ هي غير الغيرة، بل هي من آثارها، والاستد. لال بالحديث الذي فيه تفسير الغيرة ليس معهم بل هو ضدهم، إذ الحدة بث بيان مقتضى الغيرة، وهو تحريم الفواحش .. وجعلهم سبب رد هذه الصفة دليل الحدوث باطل كما سبق بيانه.\nولا يصح بيانهم لغيرة المخلوق، ثم قياس غيرة الله تعالى عليها، ليكون هذا سببًا لردها تنزيهًا لله كما زعموا، بل نقول: إن هذه الغيرة التي وصف الله سبحانه بها ليست كغيرة المخلوق، بل هي غيرة تليق بالله ﷾، ولذا فليس وصف الله تعالى بها محالًا، كما قال القرطبي. قال الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀-: \"المحال عليه ﷾ وصفه بالغيرة المشابهة لغيرة المخلوق، وأما الغيرة اللائقة بجلاله ﷾، فلا يستحيل وصفه بها كما دل عليه هذا الحديث، وما جاء في معناه فهو سبحانه يوصف بالغيرة عند أهل السنة على وجه لا يماثل فيه صفة المخلوقين، ولا يعلم كنهها وكيفيتها إلَّا هو سبحانه، كالقول في الاستواء والنزول والرضا والغضب، وغير ذلك من\n_________\n(^١) المعلم (١/ ٣٢١).","vol":"1","page":593},{"text":"صفاته سبحانه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>صفة الاستحياء:</span>\nوهي صفة ثابتة لله ﷿ بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (^٢)، وقال -ﷺ-: \"وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه\" (^٣).\nقال ابن القيم في هذه الصفة:\nوهو الحييُّ فليس يفضح عبده ... عند التجاهر منه بالعصيان\nلكنه يلقي عليه ستره ... فهو الستير وصاحب الغفران (^٤)\nقال الهراس في شرح النونية: \"حياؤه تعالى وصف يليق به، ليس كحياء المخلوقين الذي هو تغير وانكسار يعتري الشخص عند خوف ما يعاب أو يذم، بل هو ترك ما ليس يتناسب مع سعة رحمته، وكمال جوده وكرمه، وعظيم عفوه وحلمه، فالعبد يجاهره بالمعصية مع أنه أفقر شيء إليه، وأضعفه لديه، ويستعين بنعمه على معصيته، ولكن الرب سبحانه مع كمال غناه وتمام قدرته عليه يستحيي من هتك ستره وفضيحته، فيستره بما يهيؤه له من أسباب الستر، ثم بعد ذلك يعفو ويغفر\" (^٥).\nوالقرطبي ﵀ أوَّل هذه الصفة فقال عند شرحه للحديث السابق: \"كأن هذا الثالث كان متمكنًا من المزاحمة، إذ لو شرع فيها لفسح\n_________\n(^١) فتح الباري (٢/ ٦١٧) هامش (١).\n(^٢) سورة البقرة، آية: ٢٦.\n(^٣) رواه البخاري في كتاب العلم باب من قعد حيث ينتهي به المجلس ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها ح (٦٦) (١/ ١٨٨) ومسلم في كتاب السلام باب من أتى مجلسًا فوجد فرجة فجلس فيها وإلا وراءهم ح (٢١٧٦) (١٣/ ٤٠٨).\n(^٤) القصيدة النونية مع شرحها للهراس (٢/ ٨٠).\n(^٥) المرجع السابق.","vol":"1","page":594},{"text":"له لأن التفسح في المجلس مأمور به مندوب إليه، لكن منعه من ذلك الحياء، فجلس خلف الصف الأول، ففاتته تضيلة التقدم، لكن جازاه الله على إصغائه واستحيائه بأن لا يعذبه، وبأن يكرمه ... واستحياء الله تعالى معناه في حقه: أنه يعامل عبيده بما يعامل بها من يستحيي منه من المغفرة والكرامة\" (^١).\nوقال في موضع آخر: \"أصل الحياء: انقباض واحتشام يجده الإنسان عندما يُطلع منه على مستقبح وهو في حق الله تعالى عبارة عن الامتناع عن مثل ذلك الفعل المستحيا منه\" (^٢).\nوقد ردَّ الشيخ ابن باز -﵀- على من أوَّل هذه الصفة فقال: \"الصواب أنه لا حاجة إلى التأويل مطلقًا، فإن الله يوصف بالحياء الذي يليق به، ولا يشابه فيه خلقه، كسائر صفاته، وقد ورد وصفه بذلك في نصوص كثيرة فوجب إثباته له على الوجه الذي يليق به. وهذا قول أهل السنة في جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة الصحيحة وهو طريق النجاة فتنبه واحذر والله أعلم\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>صفة الإعراض:</span>\nالإعراض من صفات الله تعالى الفعلية الاختيارية التي جاءت على لسان رسوله -ﷺ- في قصة الثلاثة الذين أقبلوا عليه وهو جالسٌ مع أصحابه، فأقبل اثنان إلى رسول الله -ﷺ-، وذهب واحد، فقال -ﷺ-: \" ... وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه\" (^٤)، وقوله -ﷺ-: \"أيُّكم يحب أن\n_________\n(^١) المفهم (٥/ ٥٠٨).\n(^٢) المفهم (١/ ٥٦٨).\n(^٣) فتح الباري (١/ ٤٦٣) الهامش.\n(^٤) سبق تخريجه ص (٥٩٤).","vol":"1","page":595},{"text":"يعرض الله عنه\" (^١). وأهل السنة يثبتون هذه صفة لله تعالى كما جاءت من غير صرف لها عن ظاهرها، بل نقول كما يليق بالله ﷾.\nوقد أوَّل القرطبي هذه الصفة وصرفها عن ظاهرها فقال عند شرحه للحديث الأول: \"إن كان هذا المعرض منافقًا فإعراض الله عنه تعذيبه في نار جهنم وتخليده فيها في الدرك الأسفل منها، وأما إن كان مسلمًا -وإنما انصرف عن الحلقة لعارض عرض له فآثره- فإعراض الله تعالى عنه: منع ثوابه عنه وحرمانه مجالسة النبي -ﷺ- والاستفادة منه، والخير الذي حصل لصاحبيه\" (^٢).\nوقال في شرحه للحديث الآخر: \"أي يعامله معاملة المعرض عنه فلا يثيبه\" (^٣).\nوهذا تأويل للصفة سار فيه القرطبي على مذهب الأشاعرة في التأويل. والحق إثبات هذه الصفة لله تعالى كما وردت على لسان رسوله -ﷺ- على الوجه اللائق به سبحانه الذي لا يشابه صفات المخلوقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>صفة السخرية والاستهزاء والمكر:</span>\nوالاستهزاء والسخرية والمكر من صفات الله تعالى الواردة في الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ (^٤) وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسرح (٣٠٠٦) (١٨/ ٣٤٣).\n(^٢) المفهم (٥/ ٥٠٩).\n(^٣) المفهم (٦/ ٧٤).\n(^٤) سورة البقرة، آية: ١٥.","vol":"1","page":596},{"text":"اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ (^١).\nوجاء في الحديث عن آخر أهل النار خروجًا منها وأخر أهل الجنة دخولًا فيها، وفيه أنه قال يخاطب الله ﷿: \"أتسخر بي؟ أوتضحك بي وأنت الملك؟ \" (^٢).\nقال ابن جرير الطبري بعد أن ذكر الاختلاف في صفة الاستهزاء: والصواب في ذلك من القول والتأويل عندنا: أن معنى الاستهزاء في كلام العرب: إظهار المستهزِئ للمستهزَإ به من القول والفعل ما يرضيه ظاهرًا وهو بذلك من قيله وفعله مورثه مساءة باطنًا وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر (^٣).\nوقال قوام السنة الأصبهاني: \"وتولى الذب عنهم -أي المؤمنين- حين قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)﴾ فقال: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ وقال: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ وأجاب عنهم فقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ فأجل أقدارهم أن يوصفوا بصفة عيب وتولى المجازاة لهم فقال: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ وقال: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ لأن هاتين الصفتين إذا كانتا من الله لم تكن سفهًا لأن الله حكيم والحكيم لا يفعل السفه، بل ما يكون منه يكون صوابًا وحكمة\" (^٤).\nقال القرطبي عن هاتين الصفتين عند شرحه للحديث السابق: \"قد أكثر الناس في تأويله ومن أشبه ما قيل فيه: إن هذا الرجل استخفه الفرح وأدهشه فقال ذلك غير ضابط لما يقول كما جاء في الحديث الآخر في\n_________\n(^١) سورة التوبة، آية: ٧٩.\n(^٢) سبق تخريجه ص (٥٨٣).\n(^٣) تفسير الطبري (١/ ١٦٦).\n(^٤) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٨١).","vol":"1","page":597},{"text":"الذين وجد راحلته وقد أشرف على الهلاك من العطش والجوع: \"اللهم أنت عبدي وأنا ربك\" (^١) قال رسول الله -ﷺ-: \"أخطأ من شدة الفرح\" وقيل: إنما قال هذا الرجل ذلك على جهة: أنه خاف أن يقابله على ما كان منه في الدنيا من التساهل في الطاعات والتشبه بأحوال الساخرين والمستهزئين فكأنه قال: أتجازيني على ما كان مني؟ وهذا كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ و﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ أي: يجازيهم جزاء استهزائهم وسخريتهم على أحد التأويلات\" (^٢).\nواعتبر القرطبي إطلاق المكر على الله تعالى على وجه المقابلة من باب المجاز فقال عند تأويله لملل الله تعالى الثابت بالحديث: \"هو على الله محال، وإنما أطلق هنا على الله تعالى على جهة المقابلة اللفظية مجازًا، كما قال: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ (^٣) \" (^٤).\nوقال المازري في شرحه للحديث السابق: \"قد يقال: كيف يقال للباري سبحانه: أتسخر مني؟ وإنما ساغ ذلك في الشرع على وجه المقابلة كقوله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾، و﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ والجواب: أن هذا لم يقع إلَّا على جهة المقابلة، وهي وإن لم تكن موجودة في اللفظ فهي موجودة في معنى الحديث؛ لأنه ذكر فيه أنه عاهد الله مرارًا أن لا يسأل الله تعالى غير ما سأله ثم غدر، وحل غدره محل الاستهزاء والسخرية، فقدر أن قوله تعالى له: \"ادخل الجنة\" وتردده إليها وتخيله أنها ملأى ضرب من الإطماع له والسخرية به جزاء\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص (٥٧٨).\n(^٢) المفهم (١/ ٤٢٥).\n(^٣) سورة آل عمران، آية: ٥٤.\n(^٤) المفهم (٢/ ٤١٤).","vol":"1","page":598},{"text":"على ما تقدم من غدره وعقوبة له فسمي الجزاء على السخرية سخرية فقال: أتسخر مني أي تعاقبني بالإطماع\" (^١).\nقال ابن تيمية في الرد على الذين يقولون بالمجاز: \"وكذلك ما ادعو أنه مجاز في القرآن كلفظ المكر والاستهزاء والسخرية المضاف إلى الله تعالى وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز، وليس كذلك، بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلمًا له، وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلًا ... قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ (^٢)، ولهذا كان الاستهزاء بهم فعلًا يستحق هذا الاسم ... وقال بعضهم: استهزاؤه: استدراجه لهم، وقيل: إيقاع استهزائهم ورد خداعهم ومكرهم عليهم. وقيل: إنه يظهر لهم في الدنيا خلاف ما أبطن في الآخرة. وقيل: هو تجهيلهم وتخطئتهم فيما فعلوه، وهذا كله حق وهو استهزاء بهم\" (^٣).\nوقال ابن القيم: \"إن الله لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع، والاستهزاء مطلقًا، فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقًا بل تمدح في موضع وتذم في موضع، فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله مطلقًا فلا يقال: إنه تعالى يمكر ويخادع ويستهزئ ويكيد؛ لأنه تعالى لم يصف نفسه بهذا إلَّا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، وقد علم أن المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق، فكيف من الخالق سبحانه فإطلاق ذلك عليه\n_________\n(^١) المعلم (١/ ٢٢٨).\n(^٢) سورة التوبة، آية: ٧٩.\n(^٣) الفتاوى (٧/ ١١١، ١١٢).","vol":"1","page":599},{"text":"سبحانه على حقيقته دون مجاز\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>صفة الرحمة:</span>\nالرحمة صفة من صفات الله الثابتة في الكتاب والسنة، فالنصوص الواردة في إثباتها أكثر من أن تحصى، ولذا فلا مجال لعرض هذه الأدلة المثبتة لهذه الصفة، ومن أسماء الله تعالى الحسنى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وهما مشتقان من \"الرحمة\".\nوقد أوَّل القرطبي والمازري هذه الصفة وصرفاها عن ظاهرها، فقال القرطبي: \"الرحمة في حقنا: هي رقة وحنو يجده الإنسان في نفسه عند مشاهدة مبتلى أو ضعيف، أو صغير، يحمله على الإحسان إليه واللطف به، والرفق والسعي في كشف ما به، وقد جعل الله هذه الرحمة في الحيوان كله -عاقله وغير عاقله- فيها تعطف الحيوانات على نوعها، وأولادها، فتحنو عليها، وتلطف بها في حال ضعفها وصغرها، وحكمة هذه الرحمة تسخير القوي للضعيف، والكبير للصغير، حتى ينحفظ نوعه، وتتم مصلحته، وذلك تدبير اللطيف الخبير، وهذه الرحمة التي جعلها الله في القلوب في هذه الدار، وتحصل عنها هذه المصلحة العظيمة هي رحمة واحدة من مائة رحمة، ادخرها الله ليوم القيامة، فيرحم بها عباده المؤمنين، وقت أهوالها وشدائدها، حتى يخلصهم منها، ويدخلهم في جنته وكرامته، ولا يفهم من هذا أن: الرحمة التي وصف الحق بها نفسه هي: رقة وحنو كما هي في حقنا؛ لأن ذلك تغير يوجب للمتصف به الحدوث والله تعالى منزه ومقدس عن ذلك، وعن نقيضه الذي هو القسوة والغلظ، وإنما ذلك راجع في حقنا إلى ثمرة تلك الرأفة\n_________\n(^١) مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم (٢/ ٣٠ - ٣٢) بتصرف.","vol":"1","page":600},{"text":"وفائدتها، وهي: اللطف بالمبتلي والضعيف، والإحسان إليه، وكشف ما هو فيه من البلاء، فإذًا هي في حقه ﷾ من صفات الفعل لا من صفات الذات، وهذا كما تقدم في غضبه تعالى ورضاه\" (^١).\nوقال المازري: \"غضب الله ﷿ ورضاه يرجعان إلى إرادته لإثابة المطيع ومنفعة العبد أو عقاب العاصي، فالأولى منهما يسمى رحمة، والثاني يسمى غضبًا\" (^٢).\nويتبين من قولهم هذا مخالفة مذهب السلف في إثبات هذه الصفة التي وردت فيها النصوص على الوجه اللائق به سبحانه من غير تشبيه لها بصفة المخلوق، وهي ولا شك من صفات الكمال، ولذا تكون غالبًا من القوي للضعيف، ومن الكبير للصغير، ومن القادر للعاجز، وأما هذا التأويل فهو على مذهب الأشاعرة، ومن سلك سبيلهم لتنزيه الرب بزعمهم عن مشابهة المخلوق لقولهم: إن الرحمة رقة في القلب، وهذه رحمة المخلوق لا رحمة الخالق، فالرحمة صفة الرحيم، وهي في كل موصوف بحسبه، فإذا اتصف أرحم الراحمين بالرحمة حقيقة لم يلزم أن تكون رحمته من جنس رحمة المخلوق. وإن ظهور آثار صفة الرحمة في الوجود، كظهور أثر صفة الربوبية والملك والقدرة، فإن ما لله على خلقه من الإحسان والإنعام شاهد برحمة تامة وسعت كل شيء.\nقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: \"الرحمة صفة الله التي اشتق لنفسه منها اسمه \"الرحمن\"، واسمه \"الرحيم\"، وهي صفة تظهر آثارها في خلقه الذين يرحمهم. وصيغة التفضيل في قوله: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ١٠٨).\n(^٢) المعلم (٣/ ١٨٩).","vol":"1","page":601},{"text":"الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾ (^١) لأن المخلوقين قد يرحم بعضهم بعضًا، ولا شك أن رحمة الله تخالف رحمة خلقه، كمخالفة ذاته وسائر صفاته لذاواتهم وصفاتهم\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>صفة الصبر:</span>\nجاء وصف الله تعالى بالصبر في الحديث الصحيح الذي قال فيه - ﷺ -: \"ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله، يدعون له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم\" (^٣).\nقال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: \"الصبر في اللغة: حبس النفس على ما تكرهه أو يشق عليها، وذلك على الله تعالى محال، لكنه قد يكون معه الصفح عن الجاني، والحلم عليه، والرفق به، وكل ذلك موجود من الله تعالى، فحسن أن يطلق الله تعالى ذلك على نفسه\" (^٤).\nوقال المازري في شرحه لهذا الحديث: \"المراد بهذا أن الله سبحانه واسع الحلم عن الكافر الذي يضيف إليه الولد، والصبر: منع النفس من التشفي والانتقام، أو منعها من غير ذلك، فلما كان الامتناع نتيجة الصبر عبر عن ترك الباري سبحانه الانتقام بهذه العبارة وجرى الأمر في ذلك على حسب ما قلناه مرارًا فيما تقدم من مثل هذا\" (^٥).\n_________\n(^١) سورة الأعراف، آية: ١٥١.\n(^٢) أضواء البيان (٥/ ٣٦٥).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ح (٧٣٧٨) (١٣/ ٣٧٢) ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم باب لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله ح (٢٨٠٤) (١٧/ ١٥١).\n(^٤) المفهم (٧/ ٨٠).\n(^٥) المعلم (٣/ ١٩٧).","vol":"1","page":602},{"text":"والصبر الذي ذكراه هو صبر المخلوق والله ﷾ إذا وُصِفَ بصفة فلا تكون هذه الصفة كصفة المخلوق قطعًا بل تكون لائقة بجلال الله تعالى وعظمته.\nقال الشيخ الغنيمان في تعليقه على كلام المازري السابق الذي نقله الحافظ ابن حجر عن المازري في فتح الباري: \"قلت: قول المازري: فأطلق اسم الصبر على الامتناع في حق الله تعالى. فيه نظر، وذلك أن رسول الله - ﷺ - \"أطلق على ربه الصبر، وأنه ما أحد أصبر منه، وهو - ﷺ - أعلم الخلق بالله تعالى وأخشاهم له، وأقدرهم على البيان عن الحق، وأنصحهم للخلق، فلا استدارك عليه، فيجب أن يبقى ما أطلقه - ﷺ - على الله تعالى بدون تأويل، إلَّا إذا كان يريد بذلك تفسير معنى الصبر، ولكن الأولى أن يبقى كما قال لأنه واضح ليس بحاجة إلى تفسير\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>صفة الكنف:</span>\nصفة ثابتة لله ﷿ بالحديث الصحيح، قال - ﷺ -: \"يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه\" (^٢). والكنف في اللغة: الستر والحرز والجانب والناحية (^٣).\nقال القرطبي في شرحه للحديث السابق: \"أي: ستره وجناح إكرامه ولطفه\" (^٤).\nوقال المازري: \"المراد بقوله: \"حتى يضع كنفه عليه\" أي: ستره\n_________\n(^١) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (١/ ٩٢).\n(^٢) سبق تخريجه ص (٥٧٢).\n(^٣) القاموس المحيط ص (١٠٩٩).\n(^٤) المفهم (٧/ ١٦٠).","vol":"1","page":603},{"text":"وعفوه\" (^١).\nقال الإمام البخاري: \"قال عبد الله بن المبارك: كنفه: يعني ستره\" (^٢).\nوقال الشيخ الغنيمان: \"قوله: \"حتى يضع كنفه عليه\" جاء الكنف مفسرًا في الحديث بأنه الستر والمعنى: أنه تعالى يستر عبده عن رؤية الخلق له لئلا يفتضح أمامهم فيخزى\" (^٣).\nونرى بهذا أن القرطبي والمازري في هذه الصفة لم يخرجا عن القول المذكور عن السلف في أن الكنف هو الستر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>صفة العتب:</span>\nصفة فعلية اختيارية لله تعالى جاءت في الأحاديث الصحيحة قال - ﷺ -: \"قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم. فعتب الله عليه إذ لم يردَّ العلم إليه\" (^٤). وفي قصة هجر الرسول - ﷺ - لنسائه، قال عمر عن ذلك: \"وكان قد قال: ما أنا بداخل عليهن شهرًا من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله\" (^٥).\nقال أبو موسى المديني (^٦): \"وفي حديث أبيّ في ذكر موسى حين\n_________\n(^١) المعلم (٣/ ١٩١).\n(^٢) خلق أفعال العباد للبخاري ص (٧٨).\n(^٣) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (٢/ ٣١٦).\n(^٤) رواه البخاري في كتاب العلم، باب ما يستحب للعالم إذا سئل أي الناس أعلم فيكل العلم إلى الله ح (١٢٢) (١/ ٢٦٣) ومسلم في كتاب الفضائل باب من فضائل الخضر ﵇ ح (٢٣٨٠) (١٥/ ١٤٤).\n(^٥) رواه البخاري في كتاب المظالم، باب الغرفة والعلية المشرفة وغير المشرفة في السطوح ح (٢٤٦٨) (٥/ ١٣٧).\n(^٦) محمد بن عمر بن محمد الأصبهاني الموسوي المديني أحد المحدثين الحفاظ له عدة =","vol":"1","page":604},{"text":"سئل: أي الناس أعلم؟ قال: أنا، فعتب الله عليه العتب: أدنى الغضب\" (^١). وهذا إثبات لهذه الصفة بمعناها وهو أدنى الغضب.\nوالمازري ذكر هذه الصفة لكنه أوَّلها على منهجه في ذلك حيث قال: \"قوله: \"عتب الله عليه\" فيشبه أن يراد به أنه لم يرض قوله شرعًا ودينًا وأما العتب بمعنى الموجدة وتغير النفس فلا يجوز على الله سبحانه\" (^٢).\nوهذا عتب المخلوق وأما الخالق سبحانه فلا يشبه بخلقه إنما يثبت له من الصفات ما جاءت به النصوص دون تشبيه كما هو مذهب السلف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>صفة الملل:</span>\nوقد جاء وصف الله تعالى بهذا في الحديث الصحيح الذي قال فيه - ﷺ -: \"عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل حتى تملوا\" (^٣).\nقال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: \"ظاهره محال على الله تعالى، فإن الملال: فتور عن تعب وألم عن مشقة وكل ذلك على الله تعالى محال، وإنما أطلق هنا على الله تعالى على جهة المقابلة اللفظية مجازًا، كما قال: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ (^٤) و﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ (^٥) ووجه مجازه: أنه تعالى لما كان يقطع ثواب عمل من ملَّ\n_________\n= مصنفات منها \"نتائج الأفكار\" \"الإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء الأعلام\" توفي سنة (٥٨١ هـ)، البداية والنهاية (١٢/ ٣٣٩)، سير أعلام النبلاء (٢١/ ١٥٢).\n(^١) المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث للمديني (٢/ ٤٠٠).\n(^٢) المعلم (٣/ ١٣٦).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب أحب الدين إلى الله أدومه ح (٤٣) (١/ ١٢٤).\nومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أن يرقد ح (٧٨٥) (٦/ ٣٢٠).\n(^٤) سورة آل عمران، آية: ٥٤.\n(^٥) سورة البقرة، آية: ١٩٤.","vol":"1","page":605},{"text":"من العمل وقطعه. عبر عن ذلك بالملل من باب تسمية الشيء باسم سببه\" (^١).\nوقال المازري: \"الملالة التي بمعنى السآمة لا تجوز على الله تعالى، وقد اختلف في تأويل هذا الحديث فقيل: إنما ذلك على معنى المقابلة أي لا يدع الجزاء حتى تدعو العمل، وقيل: \"حتى\" ههنا بمعنى الواو فيكون قد نفى عنه جلت قدرته الملل، فيكون التقدير لا يمل وتملون وقيل: حتى بمعنى حين\" (^٢).\nونحن نقول: الملال الذي هو فتور عن تعب وألم عن مشقة محال على الله تعالى كما قال القرطبي، ولكن هذا لا يقوله أهل السنة فإثباتهم لملل الله تعالى كما جاء به النص لا يستلزم تشبيهه بملل المخلوق، الذي هو صفة نقص تقتضيه طبيعته والله سبحانه منزه عن النقص إنما إذ أطلق ذلك على الله تعالى فهو صفة كمال لا نقص فيها.\nقال الشيخ محمد بن إبراهيم (^٣): \"فإن الله لا يمل حتى تملو\" من نصوص الصفات وهذا على وجه يليق بالباري لا نقص فيه كنصوص\n_________\n(^١) المفهم (٤١٣).\n(^٢) المعلم (١/ ٣٠٥).\n(^٣) هو الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب فهو من أحفاد المجدد محمد بن عبد الوهاب ولد في الرياض سنة (١٣١١ هـ) وقرأ على والده وعلى علماء نجد في زمنه حتى برز وفاق أقرانه وقد فقد بصره قبل البلوغ لكن لم يثنه ذلك عن طلب العلم حتى أصبح من أكبر علماء الأمة في عصره تولى العديد من الأعمال الكبيرة فهو رئيس القضاة والمشرف على تعليم البنات مع رئاسة المعاهد العلمية والجامعة الإسلامية والإشراف على الأئمة والدعاة والمرشدين إلى غيرها من الأعمال الكثيرة من مصنفاته: \"رسالة في تحكيم القوانين\" وغيرها، توفي ﵀ سنة (١٣٨٩ هـ). علماء نجد خلال ثمانية قرون للبسام (١/ ٢٤٢) إتحاف النبلاء بسير العلماء لراشد الزهراني ص (٧٧).","vol":"1","page":606},{"text":"الاستهزاء والخداع فيما يتبادر\" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين وقد سئل عن هذا الحديث: \"من العلماء من قال: إن هذا دليل على إثبات الملل لله لكن ملل الله ليس كملل المخلوق، إذ أن ملل المخلوق نقص؛ لأنه يدل على سآمه وضجره من هذا الشيء أما ملل الله فهو كمال وليس فيه نقص ويجري هذا كسائر الصفات التي نثبتها لله على وجه الكمال، وإن كانت في حق المخلوق ليست كمالًا، ومن العلماء من يقول: إن قوله: \"لا يمل حتى تملوا\" يراد به بيان أنه مهما عملت من عمل، فإن الله يجازيك عليه، فاعمل ما بدا لك فإن الله لا يمل من ثوابك، حتى تمل من العمل، وعلى هذا فيكون المراد بالملل لازم الملل. ومنهم من قال: إن هذا لا يدل على صفة الملل دته إطلاقًا؛ لأن قول القائل: لا أقوم حتى تقوم، لا يستلزم قيام الثاني، وهذا أيضًا: \"لا يمل حتى تملوا\" لا يستلزم ثبوت الملل لله ﷿. وعلى كل حال يجب علينا أن نعتقد أن الله تعالى منزه عن كل صفة نقص من الملل وغيره، وإذا ثبت أن هذا الحديث دل على الملل فالمراد به ملل ليس كملل المخلوق\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>صفة النظر:</span>\nصفة فعلية ثابتة لله ﷿ بالكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^٣). وقال - ﷺ -: \"إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم\" (^٤).\n_________\n(^١) الفتاوى والرسائل لابن إبراهيم (١/ ٢٠٩).\n(^٢) مجموع دروس وفتاوى ابن عثيمين (١/ ١٥٢).\n(^٣) سورة آل عمر ان، آية: ٧٧.\n(^٤) رواه مسلم في كتاب البر والصلة، باب تحريم ظلم المسلم وخذله ح (٢٥٦٤) =","vol":"1","page":607},{"text":"قال ابن منده في كتابه \"التوحيد\": \"ذكر ما امتدح الله ﷿ من الرؤية والنظر إلى خلقه ودعا عباده الصالحين إلى مدحه لذلك\" (^١).\n\"فالله ﷾ ينظر إلى ما يشاء ويعرض عما يشاء فلا ينظر إليه كما دلت النصوص عليه\" (^٢).\nقال القرطبي في شرحه للحديث السابق: \"نظر الله تعالى إلى عباده: رحمته لهم وعطفه عليهم وإحسانه إليهم وهذا النظر هو المنفي في هذا الحديث\" (^٣).\nقلت: هذا من التأويل المذموم المخالف لمنهج السلف في إثبات هذه الصفة لله تعالى على حقيقتها كما جاءت بذلك النصوص على ما يليق بالله ﷾.\nقال شارح الطحاوية: \"النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه، فإن عدي بنفسه، فمعناه التوقف والانتظار ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ (^٤) وإن عدي بـ\"في\" فمعناه: التفكر والاعتبار، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٥) وإن عدي بـ\"إلى\" فمعناه: المعاينة بالإبصار كقوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ (^٦) (^٧) والأدلة التي استدل بها أهل السنة والجماعة على إثبات صفة \"النظر\" لله تعالى كلها من\n_________\n= (١٦/ ٣٥٧).\n(^١) كتاب التوحيد لابن منده (٣/ ٥٦).\n(^٢) المرجع السابق (٣/ ٦٠، ٦٤).\n(^٣) المفهم (١/ ٣٠٤) وانظر: المفهم (٦/ ٥٣٨).\n(^٤) سورة الحديد، آية: ١٣.\n(^٥) سورة الأعراف، آية: ١٨٥.\n(^٦) سورة الأنعام، آية: ٩٩.\n(^٧) شرح الطحاوية (١/ ٢٠٩).","vol":"1","page":608},{"text":"المتعدي بـ\"إلى\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>صفة الأذن \"بمعنى الاستماع</span>\":\nوهي صفة ثابتة لله ﷿ كما جاء ذلك في الحديث الصحيح الذي قال فيه - ﷺ -: \"ما أَذِنَ اللهُ لشيء ما أَذِنَ لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به\" (^١).\nالأذَن - بالتحريك - الاستماع يقال: أذِن إليه، وله يأذن أذنًا. قال القاسم بن سلَّام: \"كأذَنه\" يعني: ما استمع الله الشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن حدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢)﴾ (^٢) قال: سمعت أو قال: استمعت شك أبو عبيد يقال: أذنتُ للشيءآذن له أذنًا: إذا استمعته\" (^٣).\nوقال البغوي: \"قوله: \"ما أذن الله لشيء كإذنه\" يعني: ما استمع الله لشيء كاستماعه والله لا يشغله سمع عن سمع يقال: أذنت للشيء آذن أذنًا بفتح الذال: إذا سمعت له\" (^٤).\nوالقرطبي قد أوَّل هذه الصفة الثابتة لله تعالى وصرفها عن ظاهرها، فقال في شرحه لهذا الحديث: قوله: \"ما أذن الله\" أي: ما استمع الله وأصغى وأصله: أن المستمِعَ يميل بأذنه إلى جهة المستمَع تقول العرب: أَذِن بكسر الذال يأذن بفتحها في المستقبل أذنًا بفتح الهمزة والذال في\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب الوصاة بكتاب الله ﷿ ح (٥٠٢٤) (٨/ ٦٨٥) ومسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن ح (٢/ ٧٩) (٦/ ٣٢٥).\n(^٢) سورة الانشقاق، آية: ٢.\n(^٣) غريب الحديث للقاسم بن سلام (١/ ٢٨٢). والقاموس المحيط (١٥١٦).\n(^٤) شرح السنة للبغوي (٣/ ٢٦٥).","vol":"1","page":609},{"text":"المصدر: إذا أصغى واستمع وهذا المعنى في حق الله تعالى محال، وإنما هو من باب التوسع، على ما جرى به عرف التخاطب، وهو منصرف في حق الله تعالى لإكرام القارئ، وإجزال ثوابه، ووجه هذا التوسع: أن الإصغاء إلى الشيء قبول له، واعتناء به ويترتب على ذلك إكرام المُصغَى إليه فعبر عن الإكرام بالإصغاء إذ هو عنه\" (^١).\nوقال المازري عن هذه الصفة: أذن في اللغة بمعنى استمع فأما الاستماع الذي هو الإصغاء فلا يجوز على الله سبحانه فهو مجاز ههنا فكأنه عبر عن تقريبه للقاري وإجزال ثوابه بالاستماع والقبول وكذلك سماع الباري تعالى للأشياء لا يختلف وإنما المراد ههنا أنه يقرب الحسن القراءة أكثر من تقريب غيره، والتفاضل في التقريب، وزيادة الأجور يختلف فتعبيره عن ذلك بما يؤدي إلى التفاضل في الاستماع مجاز\" (^٢).\nوقد نقل الحافظ ابن حجر قول القرطبي السابق في الفتح وارتضاه. قال الشيخ عبد الله الدويش (^٣) - ﵀ - معلقًا على تأويل القرطبي لهذه الصفة: هذا تأويل مردود، والصواب إثبات هذه الصفة لله حقيقة على ما يليق بجلاله وعظمته، من غير أن يشبه ذلك باستماع المخلوقين، وهذا\n_________\n(^١) المفهم (٢/ ٤٢١).\n(^٢) المعلم (١/ ٣٠٦).\n(^٣) هو الشيخ عبد الله بن محمد بن أحمد الدويش المحدث الحافظ ولد في مدينة الزلفى سنة (١٣٧٣ هـ) ورحل إلى بريدة وتلقى العلم فيها حتى برز في سائر العلوم خصوصًا في علم الحديث وقد أثنى عليه العلامة الألباني في حفظه لكنه كان يكره الشهرة ويؤثر الخمول له عدة مؤلفات منها: \"تنبيه القاريء على تقوية ما ضعفه الألباني\" و\"التوضيح المفيد لشرح مسائل كتاب التوحيد\" وغيرهما توفي شابًا سنة (١٤٠٨ هـ) أعلام القرن الرابع عشر والخامس عشر، لإبراهيم الحازمي (١/ ١٢٠) العلماء الذين لم يتجاوزوا سن الأشُد لعلي بن محمد العمران ص (٢١٧).","vol":"1","page":610},{"text":"قول أهل السنة والجماعة، خلافًا لأهل البدع من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ونحوهم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>نسبة استطابة الروائح إلى الله تعالى:</span>\nوثبتت نسبة ذلك إليه في الحديث الصحيح الذي قال فيه - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك\" (^٢).\nقال القرطبي في شرح هذا الحديث: \"لا يتوهم أن الله تعالى يستطيب الروائح ويستلذها كما يقع لنا من اللذة والاستطابة، إذ ذاك من صفات افتقارنا واستكمال نقصنا وهو الغني بذاته الكامل بجلاله وتقدسه على أنَّا نقول: إن الله تعالى يدرك المدركات ويبصر المبصرات ويسمع المسموعات على الوجه اللائق بجماله وكماله وتقدسه عن شبه المخلوقات، وإنما معنى هذه الأطيبية، عند الله راجعة إلى أن الله تعالى يثيب على خلوف فم الصائم ثوابًا أكثر مما يثيب على استعمال روائح المسك، حيث ندب الشرع إلى استعماله فيها كالجمع والأعياد وغير ذلك ويحتمل أن يكون ذلك في حق الملائكة فيستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك\" (^٣).\nولا أبعد من هذا التأويل ولا أشد من هذا التكلف الذي لا تساعده فيه النصوص، وما أجمل كلامَه السابق حينما قال: \"يدرك المدركات ويبصر المبصرات ويسمع المسموعات\" فليته أكمل فقال: ويستطيب الروائح على الوجه اللائق بجماله وكماله وتقدسه عن شبه المخلوقات،\n_________\n(^١) التعليق على فتح الباري للدويش ص (١٨).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب الصوم، باب هل يقول إني صائم إذا شتم ح (١٩٠٤) (٤/ ١٤١) ومسلم في كتاب الصيام باب فضل الصيام ح (١١٥١) (٨/ ٢٧٧).\n(^٣) المفهم (٣/ ٢١٥).","vol":"1","page":611},{"text":"فهذا مذهب أهل السنة في إثبات صفاته تعالى وتنزيهه عن مشابهة مخلوقاته.\nوقال المازري: \"قوله: \"أطيب عند الله من ريح المسك\" مجاز واستعارة؛ لأن استطابة بعض الروائح من صفات الحيوان الذي له طبائع تميل إلى الشيء فتستطيبه وتنفر عن آخر فتستقذره، والله تعالى يتقدس عن ذلك، ولكن جرت العادة فينا بتقريب الروائح الطيبة منا، واستعير ذلك في الصوم لتقريبه من الله سبحانه\" (^١).\nقال الشيخ عبد الله الدويش - ﵀ - في رده على الحافظ ابن حجر - ﵀ - في تأويل هذه الصفة: \"كل هذا تأويل لا حاجة إليه، وإخراج للفظ عن حقيقته، والصواب أن نسبة الاستطابة إليه سبحانه كنسبة سائر صفاته وأفعاله إليه، فإنها استطابة لا تماثل استطابة المخلوقين، كما أن رضاه، وغضبه، وفرحه، وكراهته، وحبه، وبغضه، لا تماثل ما للمخلوق من ذلك، كما أن ذاته وسبحانه وتعالى لا تشبه ذوات المخلوقين، وصفاته لا تشبه صفاتهم وأفعاله لا تشبه أفعالهم، قاله العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى - في الوابل الصيب، والله أعلم\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>وصف الله تعالى بأنه شخص:</span>\nجاء إطلاق لفظ \"شخص\" على الله تعالى في الحديث الصحيح الذي قال فيه - ﷺ -: \"لا شخص أغيَرُ من الله ولا شخص أحب إليه العذر من الله\" (^٣).\nقال ابن أبي عاصم في السنة: \"باب: ذكر الكلام والصوت\n_________\n(^١) المعلم (٢/ ٤١).\n(^٢) التعليق على فتح الباري ص (٥).\n(^٣) سبق تخريجه ص (٥٩١).","vol":"1","page":612},{"text":"والشخص وغير ذلك\" (^١).\nوقال أبو يعلى: \"وأما لفظ الشخص فرأيت بعض أصحاب الحديث يذهب إلى جواز إطلاقه ووجه أن قوله: \"لا شخص\" نفي من إثبات وذلك يقتضي الجنس كقولك: \"لا رجل أكرم من زيد\" يقتضي أن زيدًا يقع عليه اسم رجل كذلك قوله: \"لا شخص أغير من الله\" يقتضي أنه سبحانه يقع عليه هذا الاسم\" (^٢).\nقلت: \"قوله ذهب بعض أصحاب الحديث إلى جواز إطلاقه\" عبارة فيها إشكال لأنه قد جاء النص بإطلاقه عن المعصوم فوجب العمل به وإبطال ما سواه.\nقال الشيخ عبد الله الغنيمان: \"ثبت هذا اللفظ عن رسول الله - ﷺ - بطرق صحيحة لا مطعن فيها، وإذا صح الحديث عن رسول الله - ﷺ - وجب العمل به، والقول بموجبه، سواء كان في مسائل الاعتقاد أو في العمليات، وقد صح عنه - ﷺ - إطلاق الاسم - أعني: الشخص - على الله تعالى فيجب اتباع في ذلك على من يؤمن بأنه رسول الله، وهو - ﷺ - أعلم بربه وبما يجب له، وما يمتنع عليه تعالى من غيره من سائر البشر\" (^٣).\nوقد قال القرطبي عند شرحه للحديث السابق: \"أصل وضع الشخص لجرم الإنسان وجسمه، يقال: شخص الإنسان وجثمانه وطلله وآله كلها بمعنى واحد على ما نقل أهل اللغة، وشَخَصَ الشيءُ يشخصُ: إذا ظهر شخصه وهذا المعنى على الله تعالى محال بالعقل والنقل على ما\n_________\n(^١) السنة لابن أبي عاصم (١/ ٢٢٥).\n(^٢) إبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ١٦٦).\n(^٣) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (١/ ٣٣٣).","vol":"1","page":613},{"text":"قدمناه في غير موضع، فتعين تأويله هنا، وقد قيل فيه: لا مرتفع لأن الشخص: ما شخص وظهر وارتفع، وفيه بعد، وقيل فيه: لا شيء، وهذا أشبه من الأول، وأوضح منه، أي: لا موجود أولا أحد، وهو أحسنها، وقد جاء في رواية أخرى: \"لا أحد\" منصوصًا وأطلق الشخص مبالغة في تثبيت إيمان من يتعذر على فهمه موجود لا يشبه شيئًا من الموجودات لئلا يقع في النفي والتعطيل (^١).\nوقول القرطبي هذا مبني على أن لفظ \"الشخص\" إذا أطلق على الله تعالى يستلزم تشبيهه سبحانه بأشخاص المخلوقين، وهذا أصل فاسد، واعتقاد باطل، فإن لفظ الشخص هو ما شخص وارتفع وظهر، والله ﷾ من المعلوم أنه أظهر من كل شيء، وأعظم فليس في إطلاق هذا اللفظ على الله تعالى محذور، وقد جاء على لسان الصادق - ﷺ - فوجب قبوله، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة.\nقال الشيخ الغنيمان: \"الشخص: هو ما شخص وبان عن غيره، ومقصد البخاري أن هذين الاسمين يطلقان على الله تعالى وصفًا له؛ لأن الرسول - ﷺ - ثبتهما لله وهو أعلم الخلق بالله تعالى ... قال في اللسان: \"الشخص كل جسم له ارتفاع وظهور\" والله تعالى أظهر من كل شيء وأعظم وأكبر، وليس في إطلاق الشخص عليه محذور على أصل أهل السنة الذين يتقيدون بما قاله الله ورسوله\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>إطلاق لفظ \"الذات\" على الله تعالى:</span>\nيصح إطلاق لفظة \"الذات\" على الله تعالى كقولنا: ذات الله، أو:\n_________\n(^١) المفهم (٤/ ٣٠٥).\n(^٢) شرح كتاب التوحيد (١/ ٣٣٠، ٣٣٤).","vol":"1","page":614},{"text":"الذات الإلهية لكن لا على أن \"ذات\" صفة له بل ذات الشيء بمعنى نفسه أو حقيقته.\nوقد جاء ذلك في الحديث الصحيح الذي قال فيه - ﷺ -: \"إن إبراهيم لم يكذب إلَّا ثلاث كذبات اثنتين في ذات الله\" (^١).\nوما جاء عند البخاري في قصة مقتل خبيب بن عدي ﵁ حيث قال عند قتله هذه الأبيات:\nوَلَسْتُ أُبالي حين أُقْتلُ مسلمًا ... علي أيِّ شقِّ كان في الله مصرعي\nوذلك في ذاتِ الإله وإن يشأ ... يُبارك على أوصال شلو مُمَزَّع (^٢)\nقال الأصبهاني: \"فصل في بيان ذكر الذات\" ثم قال: \"قال قوم من أهل العلم: \"ذات الله حقيقته وقال بعضهم: انقطع العلم دونها وقيل: استغرقت العقول والأوهام في معرفة ذاته، وقيل: ذات الله موصوفة بالعلم غير مدركة بالإحاطة ولا مرئية بالإبصار في دار الدنيا، وهو موجود بحقائق الإيمان على الإيقان بلا إحاطة إدراك بل هو أعلم بذاته\" (^٣).\nوقال ابن تيمية: ويفرق بين دعائه والإخبار عنه فلا يدعى إلَّا بالأسماء الحسنى، وأما الإخبار عنه فلا يكون باسم سيِّء لكن قد يكون باسم حسن أو باسم ليس بسيء وإن لم يحكم بحسنه مثل اسم: شيء وذات وموجود .. \" (^٤)\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ ح (٣٣٥٨) (٦/ ٤٤٧) ومسلم في كتاب الفضائل باب من فضائل إبراهيم الخليل - ﷺ - ح (٢٣٧١) (١٥/ ١٣٣).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب هل يستأسر الرجل؟ ومن لم يستأسر ومن ركع ركعتين عند القتل ح (٣٠٤٥) (٦/ ١٩١).\n(^٣) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٨٥).\n(^٤) الفتاوى (٦/ ١٤٢).","vol":"1","page":615},{"text":"وقد بين القرطبي جواز إطلاق هذا اللفظ على الله تعالى، خلافًا لمن منعه وليس معه دليل، حيث قال: \"قوله: \"ذات الله\" .. دليل على جواز إطلاق لفظ \"الذات\" على وجود الله تعالى فلا يلتفت لإنكار من أنكر إطلاقه من المتكلمين\" (^١).\nوبعض الناس يظن أن إطلاق \"الذات\" على الله تعالى كإطلاق الصفات أي أنه وصف له فينكر ذلك بناء على هذا الظن ويقول: هذا ما ورد وليس الأمر كذلك، وإنما المراد التفرقة بين الصفة والموصوف، وقد تبين مراد الذين يطلقون هذا اللفظ أنهم يريدون نفس الموصوف وحقيقته فلا إنكار عليهم في ذلك كما وضحه كلام شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>إطلاق النفس على الله تعالى:</span>\nوقد جاء إثبات النفس لله تعالى بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (^٣) وقال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (^٤) وقال - ﷺ -: \"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي\" (^٥) وغيرها من النصوص، وعقد الإمام البخاري - ﵀ - في كتاب التوحيد من صحيحه بابًا في إثبات النفس لله تعالى (^٦).\nوعند شرح القرطبي لقوله - ﷺ -: \"يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي،\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ١٨٥).\n(^٢) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ٢٤٢).\n(^٣) سورة المائدة، آية: ١١٦.\n(^٤) سورة الأنعام، آية: ٥٤.\n(^٥) سبق تخريجه ص (٢٠٦).\n(^٦) صحيح البخاري مع الفتح (١٣/ ٣٩٥).","vol":"1","page":616},{"text":"وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي\" (^١)، قال: \"النفس\" اسم مشترك يطلق على نفس الحيوان، وهي المتوفاة بالموت والنوم، ويطلق ويراد به: الدم، والله تعالى منزه عن ذينك المعنيين ويطلق ويراد به ذات الشيء وحقيقته، كما يقال: رأيت زيدًا نفسه عينه، أي: ذاته، وقد يطلق ويراد به الغيب كما قد قيل في قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ أي: ما في غيبك، والأليق بهذا الحديث: أن يكون معناه: أن من ذكر الله تعالى خاليًا منفردًا بحيث لا يطلع أحد من الخليقة على ذكره جازاه الله على ذلك بأن يذكره بما أعد له من كرامته التي أخفاها عن خليقته حتى لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون، وقد قلنا: إن التسليم هو الطريق المستقيم\" (^٢).\nوالمازري قد ذكر في هذه المسألة كلامًا قريبًا من كلام القرطبي السابق، ولعل القرطبي قد نقل عنه (^٣).\nوقد ذكر القرطبي المازري القول الصحيح في هذه المسألة عرضًا دون اختيار، وهو: أن يراد بالنفس ذاته تعالى، وهذا الذي عليه عامة علماء السنة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"نفسه هي ذاته المقدسة\" (^٤). وقال أيضًا: \"يراد بنفس الشيء ذاته وعينه، كما يقال: رأيت زيدًا نفسه عينه، وقد قال تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (^٥)، وقال: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص (٥٧٣).\n(^٢) المفهم (٧/ ٧).\n(^٣) المعلم (٣/ ١٨٣).\n(^٤) الفتاوى (١٤/ ١٩٦).\n(^٥) سورة المائدة، آية: ١١٦.\n(^٦) سورة الأنعام، آية: ٥٤.","vol":"1","page":617},{"text":"نَفْسَهُ﴾ (^١)، وفي الحديث الصحيح أنه قال لأم المؤمنين: \"لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهن. سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته\" (^٢) وفي الحديث الصحيح الإلهي عن النبي - ﷺ -: \"يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إذا ذكرني في نفسه ذكلرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم\" (^٣) فهذه المواضع المراد فيها بلفظ \"النفس\" عند جمهور العلماء: الله نفسه التي هي ذاته المتصفة بصفاته، ليس المراد بها ذاتًا منفكة عن الصفات، ولا المراد بها صفة للذات، وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات (^٤)، كما يظن طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات وكلا القولين خطأ\" (^٥).\n_________\n(^١) سورة آل عمران، آية: ٢٨.\n(^٢) رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والإستغفار، باب التسبيح أول النهار وعند النوم ح (٢٧٢٦) (١٧/ ٤٧).\n(^٣) سبق تخريجه ص (٥٧٣).\n(^٤) منهم: ابن خزيمة وعبد الغني المقدسي والبغوي وصديق حسن خان، انظر صفات الله الواردة في الكتاب والسنة لعلوي السقاف ص (٢٥٥).\n(^٥) الفتاوى (٢/ ٢٩٢).","vol":"1","page":618},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>المبحث الثالث منهجهما في رؤية الله تعالى</span>\nرؤية الله تعالى في الآخرة من أعظم مسائل الاعتقاد وأشرفها، وأجلها، إذ هي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون، وتسابق إليها المتسابقون، فهي، أعظم نعيم وعد الله به عباده المؤمنين، فلم يعط أهل الجنة شيئًا أحب إليهم من النظر إليه ﵎، كما قال - ﷺ -: \"إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيِّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أُعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﷿\" (^١).\nوقد أجمع على الإيمان بها السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم على توالي القرون.\nولذا ذكرها العلماء في أبواب الترغيب، ونعيم أهل الجنة، وكذلك في أبواب الاعتقاد.\nوهي ليست صفة لله ﷿؛ لأن الرؤية هنا لا تقوم بالله تعالى، بل المؤمنون هم الذين يرونه تعالى. وإنما ذكرت في مباحث الصفات لأنها محل نزاع بين السلف والخلف (^٢)، ولأن نفاة الرؤية هم من نفاة الصفات.\n_________\n(^١) روا مسلم في كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾ ح (١٨١) (٣/ ٢٠).\n(^٢) انظر الصفات الإلهية لمحمد أمان الجامي ص (٣٣٧).","vol":"1","page":619},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>رؤيته في الدنيا:</span>\nاتفقت الأمة على منع رؤية الله تعالى في الدنيا، وعدم وقوعها مع جواز وقوعها عقلًا. قال - ﷺ - في تعريف الإحسان في حديث جبريل - ﵇ -: \"أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك\" (^١).\nقال الحافظ ابن حجر: \"دلَّ سياق الحديث على أن رؤية الله في الدنيا بالأبصار غير واقعة\" (^٢).\nوقد قال - ﷺ - مصرحًا بذلك: \"اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا\" (^٣).\nقال القرطبي: \"اختلف قديمًا وحديثًا في جواز رؤية الله تعالى فأكثر المبتدعة على إنكار جوازها في الدنيا والآخرة، وأهل السلف والسنة على جوازها فيهما ووقوعها في الآخرة ... إذ رؤية الله تعالى جائزة كما دلَّت عليها الأدلة العقلية والنقلية، فأما العقلية: فتعرف في علم الكلام وأما النقلية فمنها: سؤال موسى رؤية ربه، ووجه التمسك بذلك، علم موسى بجواز ذلك، ولو علم استحالة ذلك لما سأله، ومحال أن يجهل موسى جواز ذلك، إذ يلزم منه أن يكون مع علو منصبه في النبوة وانتهائه إلى أن يصطفيه الله على الناس، وأن يسمعه كلامه بلا واسطة، جاهلًا بما يجب لله تعالى ويستحيل عليه ويجوز، ومجوز هذا كافر. ومنها قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (^٤) ووجه التمسك بها امتنانه تعالى على عباده بالنظر إلى وجهه تعالى في الدار الآخرة، وإذا جاز أن يروه فيها\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص (١٣٧).\n(^٢) فتح الباري (١/ ١٤٧).\n(^٣) رواه مسلم في كتاب الفتن باب ذكر ابن صياد ح (٢٩٣٢) (١٨/ ٢٦٨).\n(^٤) سورة القيامة، آية: ٢٢، ٢٣.","vol":"1","page":620},{"text":"جاز أن يروه في الدنيا لتساوي الوقتين بالنظر إلى الأحكام العقلية\" (^١).\nوقد بيَّن سبب عدم رؤيته تعالى في الدانيا فقال: \"الله تعالى لو كشف عن خلقه ما منعهم به من رؤيته في الدنيا لما أطاقوا رؤيته ولهلكوا من عند آخرهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (^٢) ويفيد أن تركيب هذا الخلق وضعفهم في هذه الدار لا يحتمل رؤية الله فيها فإذا أنشأهم الله للبقاء وقواهم حملوا ذلك\" (^٣).\nوهذا هو الصواب الذي جاءت به الأدلة من الكتاب والسنة، وعند قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ (^٤).\nقال ابن القيم: \"إن الله ﷾ لم ينكر عليه سؤاله، ولو كان محالًا لأنكره عليه، ولهذا لما سأل إبراهيم الخليل ربه ﵎ أن يريه كيف يحي الموتى لم ينكر عليه، ولما سأل عيسى ابن مريم ربه إنزال المائدة من السماء لم ينكر سؤاله، ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله.\nثم إنه أجابه بقوله: لن تراني، ولم يقل لا تراني، ولا إني لست بمرئي، ولا لا تجوز رؤيتي، والفرق بين الجوابين ظاهر لمن تأمله وهذا يدل على أنه ﷾ يرى، ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار لضعف قوة البشر فيها عن رؤيته تعالى ... فإذا كان الجبل لم يثبت لرؤيته في هذه الدار، فالبشر أضعف\" (^٥).\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٤٠١، ٤٠٢).\n(^٢) سورة الأعراف، آية: ١٤٣.\n(^٣) المفهم (١/ ٤١١).\n(^٤) سورة الأعراف، آية: ١٤٣.\n(^٥) حادي الأرواح لابن القيم (١/ ١٩٧).","vol":"1","page":621},{"text":"وقال الشنقيطي: \"رؤية الله جل وعلا بالأبصار جائزة عقلًا في الدنيا والآخرة، ومن أعظم الأدلة على جوازها عقلًا في دار الدنيا: قول موسى ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْك﴾ (^١) لأن موسى لا يخفى عليه الجائز والمستحيل في حق الله تعالى، وأما شرعًا فهي جائزة وواقعة في الآخرة كما دلَّت عليه الآيات، وتواترت به الأحاديث الصحاح، وأما في الدنيا: فممنوعة شرعًا كما تدل علية آية الأعراف هذه، وحديث: \"إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا\" (^٢) \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>هل رأى الرسول - ﷺ - ربه ليلة الإسراء:</span>\nمع اتفاق أهل السنة على عدم رؤية الله تعالى في الدنيا فقد اختلفوا في الرسول - ﷺ - فقط، هل رأى ربه ليلة الإسراء أم لا؟ لمجيء الأحاديث في ذلك. ومذهب العلماء في هذه المسألة كالتالي:\nالأول: الإثبات، وهو مروي عن ابن عباس، وأبي ذر وكعب الأحبار ﵃، وغيرهم من التابعين والعلماء المتأخرين. واستدلوا بالأحاديث المثبتة لرؤية الرسول - ﷺ - لربه وهي مطلقة لم تقيد الرؤية بالعين.\nالثاني: النفي: أي: نفي رؤية الرسول - ﷺ - لربه في الدنيا بعيني رأسه، وهذا القول مشهور عن عائشة وابن مسعود، وهو المشهور عن أبي هريرة، وأبي ذر - ﵃ - وقال به جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين. قالت عائشة - ﵂ -: \"من زعم أن محمَّدًا - ﷺ - رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية\" (^٤). وعندما سئل - ﷺ - هل رأى ربه؟ قال:\n_________\n(^١) سورة الأعراف، آية: ١٤٣.\n(^٢) سبق تخريجه ص (٦٢٠).\n(^٣) أضواء البيان (٢/ ٤٠).\n(^٤) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى ح (١٧٧) (٣/ ١٠).","vol":"1","page":622},{"text":"\"نور أنَّى أراه\" (^١) (^٢).\nوالمذهب الثالث في هذا هو التوقف وعدم الجزم بصحة أحد القولين، أو ترجيح واحدٍ على الآخر، وهم ما ذهب إليه القرطبي، حيث قال: اختلف في ذلك السلف والخلف، فأنكرته عائشة وأبو هريرة وجماعة من السلف، وهو المشهور عن ابن مسعود، وإليه ذهب جماعة من المتكلمين والمحدثين، وذهبت طائفة أخرى من السلف إلى وقوعه، وأنه رأى ربه بعينه، وإليه ذهب ابن عباس وقال: اختص موسى بالكلام وإبراهيم بالخلة، ومحمد - ﷺ - بالرؤية، وأبو ذر وكعب والحسن وأحمد بن حنبل، وحكي عن ابن مسعود وأبي هريرة في قول لهما آخر، ومثل ذلك حكي عن أبي الحسن الأشعري، وجماعة من أصحابه، وذهبت طائفة من المشايخ إلى الوقف وقالوا: ليس عليه قاطع نفيًا ولا إثباتًا، ولكنه جائز عقلًا، وهذا هو الصحيح\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"هل وقعت رؤية الله تعالى لمحمد - ﷺ - الإسراء أو لم تقع؟ ليس في ذلك دليل قاطع، وغاية المستدل على نفي ذلك أو إثباته التمسك بظواهر متعارضة معرَّضة للتأويل، والمسألة ليست من باب العمليات فيكتفى فيها بالظنون، وإنما هي من باب المعتقدات، ولا مدخل للظنون فيها، إذ الظن من باب الشك؛ لأن حقيقته تغليب أحد المجوزين، وذلك يناقض العلم والاعتقاد\" (^٤).\nوالقول الصحيح الراجح في هذه المسألة هو نفي الرؤية، وأن من\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب قوله ﵇ \"نور أنى أراه\" ح (١٧٨) (٣/ ١٥).\n(^٢) انظر رؤية الله وتحقيق الكلام فيها للدكتور أحمد بن ناصر الحمد ص (١٣٨، ١٧٠).\n(^٣) المفهم (١/ ٤٠١).\n(^٤) المفهم (١/ ٤٠٢).","vol":"1","page":623},{"text":"أثبتها إنما أراد أنه رآه بقلبه. قال شيخ الإسلام: \"إن جماهير الأئمة على أنه لم يره بعينه في الدنيا .. وعلى هذا دلَّت الآثار الصحيحة الثابتة عن النبي - ﷺ - والصحابة وأئمة المسلمين\" (^١).\nقال الشنقيطي: \"التحقيق الذي دلَّت عليه نصوص الشرع أنه - ﷺ - لم يره بعين رأسه، وما جاء عن السلف من أنه رآه: فالمراد به الرؤية بالقلب\" (^٢). وبهذا الجمع ينتفي التعارض، وتتم الموافقة بين الأدلة، ويتضح أن رسول الله - ﷺ - لم ير ربه جل وعلا بعيني رأسه، بل كانت الرؤية قلبية، وقد قال بهذا الجمع عدد غفير من أئمة السلف ﵏.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>رؤيته تعالى في الآخرة:</span>\nأجمع أهل السنة والجماعة ومن وافقهم من الطوائف الأخرى على رؤية المؤمنين لربهم ﷿ في الآخرة، وأن هذا أعظم الإكرام لهم والامتنان عليهم. والأدلة على هذا كثيرة جدًّا، منها: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (^٣). قال ابن الجوزي: \"روى عطاء عن ابن عباس قال: إلى الله ناظرة، قال الحسن: حق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق، وهذا مذهب عكرمة ورؤية الله ﷿ حق لا شك فيها، والأحاديث فيها صحاح\" (^٤).\nوقال السعدي في تفسير هذه الآية: \"أي: ينظرون إلى ربهم على حسب مراتبهم، فمنهم من ينظر كل يوم بكرة وعشيا، ومنهم من ينظر كل جمعة مرة واحدة، فيتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم وجماله الباهر الذي\n_________\n(^١) الفتاوى (٢/ ٣٣٥).\n(^٢) أضواء البيان (٣/ ٩).\n(^٣) سورة القيامة، الآيتان: ٢٢، ٢٣.\n(^٤) زاد المسير (٨/ ١٦١).","vol":"1","page":624},{"text":"ليس كمثله شيء، فإذا رأوه نسوا ما هم فيه من النعيم، وحصل لهم من اللذة والسرور ما لا يمكن التعبير عنه، ونذصرت وجوههم فازدادوا جمالًا إلى جمالهم\" (^١).\nوقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ (^٢) حيث جعل الله سبحانه أعظم عقوبة للكفار كونهم محجوبين عن رؤيته. \"واحتج بالآية مالك على رؤية المؤمنين له تعالى من جهة دليل الخطاب، وإلَّا فلو حجب الكل لما أغنى هذا التخصيص، وقال الشافعي: لما حجب سبحانه قومًا بالسخط دلَّ على أن قومًا يرونه بالرضا، وقال أنس بن مالك: لما حجب ﷿ أعداءه سبحانه لم يروه تجلى جل شأنه لأوليائه حتى رأوه\" (^٣).\nقال - ﷺ -: \"إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته\" (^٤)، وقال - ﷺ -: \"إنكم سترون ربكم عيانًا\" (^٥). قال ابن القيم: \"وأما الأحاديث عن النبي - ﷺ - وأصحابه الدالة على الرؤية فمتواترة رواها عنه أبو بكر الصديق، وأبوهريرة، وأبو سعيد الخدري و... فهاك سياق أحاديثهم من الصحاح والمسانيد والسنن وتلقها بالقبول والتسليم وانشراح الصدر، لا بالتحريف والتبديل، وضيق العطن ولا تكذب بها فمن كذب بها لم يكن إلى وجه ربه من الناظرين، وكان عنه يوم القيامة من\n_________\n(^١) تفسير السعدي ص (٩٨٥).\n(^٢) سورة المطففين، آية: ١٥.\n(^٣) تفسير الألوسي (٣٠/ ٧٣).\n(^٤) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ح (٧٤٣٦) (١٣/ ٤٣٠).\n(^٥) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ح (٧٤٣٥) (١٣/ ٤٣٠).","vol":"1","page":625},{"text":"المحجوبين\" (^١).\nقال القرطبي: \"أكثر المبتدعة على إنكار جوازاها في الدنيا والآخرة - أي الرؤية - وأهل السنة والسلف على جوازها فيهما ووقوعها في الآخرة. قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (^٢) فامتن على عباده المؤمنين بالنظر إلى وجهه تعالى في الدار الآخرة، وقد تواترت الأحاديث عنه - ﷺ - بوقوع رؤية الله تعالى في الآخرة كرامة للمؤمنين، فمذهب أهل السنة بأجمعهم أن الله تعالى ينظر إليه المؤمنون في الآخرة بأبصارهم، كما نطق بذلك الكتاب وأجمع عليه سلف الأمة، ورواه بضعة عشر من الصحابة عن النبي - ﷺ -\" (^٣).\nوقال المازري في شرحه لحديث إنكار عائشة ﵂ على من قال: إن الرسول - ﷺ - قد رأى ربه: \"وإنكارها في هذا الحديث وفي غيره على من سألها عن الرؤية محمله عند أهل العلم على أنها إنما أنكرت الرؤية في الدنيا، لا أنها ممن تحيل جواز رؤية الباري سبحانه كما قالت المعتزلة\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>الرد على منكري الرؤية:</span>\nسبق القول في بيان اتفاق أهل السنة والجماعة ومن وافقهم على إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الجنة، والتي قد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على إثباتها.\nوقد خالف في هذه المسألة طوائف من المبتدعة من المعتزلة\n_________\n(^١) حادي الأرواح (١/ ٢٠٥).\n(^٢) سورة القيامة آية: ٢٢، ٢٣.\n(^٣) انظر المفهم (١/ ٤٠١، ٤٠٢، ٤١٣، ٤١٤).\n(^٤) المعلم (١/ ٢٢٣).","vol":"1","page":626},{"text":"والجهمية ومن تبعهم من الخوارج وبعض الشيعة والمرجئة (^١).\nقال القرطبي: \"فأكثر المبتدعة على إنكار جوازها في الدنيا والآخرة\" (^٢) وقال: \"ومنع ذلك - أي الرؤية - فرق من المبتدعة منهم: المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة\" (^٣).\nوقد استدلوا على ما ذهبوا إليه من الباطل بأدلة سمعية لا تسلم لهم منها قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (^٤)، فقالوا: نفى الله تعالى في الآية أن يدرك بالأبصار.\nقال القرطبي في نقض هذا الاستدلا: \"الاستدلال بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ فيه بعد إذ يفرق بين الإدراك والإبصار، فيكون معنى ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾: لا تحيط به مع أنها تبصره، قاله سعيد بن المسيب. وقد بقي الإدراك مع وجود الرؤية في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا﴾ (^٥) أي: لا يدركونكم، وأيضًا: فإن الإبصار عموم، وهو قابل للتخصيص، فيخصص بالكافرين، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ (^٦) ويكرم المؤمنون أو من شاء منهم بالرؤية، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (^٧). وبالجملة فالآية ليست نصًّا، ولا من\n_________\n(^١) انظر الرؤية وتحقيق الكلام فيها للحمد ص (٢٦).\n(^٢) المفهم (١/ ٤٠١).\n(^٣) المفهم (١/ ٤١٤).\n(^٤) سورة الأنعام، آية: ١٠٣.\n(^٥) سورة الشعراء، آية: ٦١، ٦٢.\n(^٦) سورة المطففين، آية: ١٥.\n(^٧) سورة القيامة، آية: ٢٢، ٢٣.","vol":"1","page":627},{"text":"الظواهر الجلية فلا حجة فيها\" (^١).\nقال ابن القيم حول قوله تعالى: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (^٢): فلم ينف موسى ﵇ الرؤية، ولم يريدوا بقولهم: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١)﴾ إنا لمرئيون، فإن موسى ﵇ نفى إدراكهم إياهم بقوله: ﴿كَلَّا﴾ وأخبر الله سبحانه أنه لا يخاف دركهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾ (^٣) فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب تعالى يرى ولا يدرك، كما يعلم ولا يحاط به، وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من بعدهم من الآية، قال ابن عباس - ﵄ -: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: لا تحيط به الأبصار، وقال قتادة: هو أعظم من أن تدركه الأبصار، وقال ابن عطية: ينظرون إلى الله ولا تحيط أبصارهم به من عظمته وبصره يحيط بهم\" (^٤).\nقال الحافظ ابن حجر: \"أنه لا تدركه الأبصار في الدنيا جمعًا بين دليلي الآيتين، وبأن نفي الإدراك لا يستلزم نفي الرؤية لإمكان رؤية الشيء من غير إحاطة بحقيقته\" (^٥).\nوأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا. . .﴾ (^٦). قال القرطبي: \"لا حجة\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٤٠٤).\n(^٢) سورة الشعراء، آية: ٦١.\n(^٣) سورة طه، آية: ٧٧.\n(^٤) حادي الأرواح (١/ ٢٠٢).\n(^٥) فتح الباري (١٣/ ٤٣٥).\n(^٦) سورة الشورى، آية: ٥١.","vol":"1","page":628},{"text":"فيها على نفي الرؤية، إذ يقال بموجبها: فإن مقتضاها نفي كلام الله على غير هذه الأحوال الثلاثة، وإنما يصلح أن يستدل بها على نفي تكليم الله تعالى لمحمد - ﷺ - على ضعف في ذلك لا يخفى على متأمل، بل قد استدل بعض المشايخ بهذه الآية على أن محمدًا رأى ربه وكلَّمه دون واسطة، فقال: هي ثلاثة أقسام: من وراء حجاب كتكليم موسى، وبإرسال الملائكة كحال جميع الأنبياء، ولم يبق من تقسيم المكالمة إلَّا كونها مع المشاهدة وهذا أيضا فيه نظر\" (^١).\nوفي حديث الرسول - ﷺ - الذي استدل به أهل السنة على وقوع الرؤية وهو قوله ﵇: \"هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه كذلك\" (^٢). قال المازري: \"في هذا الحديث رد على المعتزلة في إحالتهم رؤية الباري ﷿\" (^٣).\nوقد أوَّل النفاة هذه الرؤية، وقالوا: المقصود بها العلم، فرد القرطبي عليهم في ذلك فقال: هذا تشبيه للرؤية ولحالة الرائي لا المرئي ومعناه: إنكم تستوون في رؤية الله تعالى من غير مضارة، ولا مزاحمة، كما تستون في رؤية الشمس والبدر عيانًا، وقد تأولت المعتزلة الرؤية في هذه الأحاديث بالعلم، فقالوا: إن معنى رؤيته تعالى أنه يعلم في الآخرة ضرورة، وهذا خطأ لفظًا ومعنًى. أما اللفظ: فهو أن الرؤية بمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين ولا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر، وهي\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٤٠٥).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب قوله الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ح (٧٤٣٧) (١٣/ ٤٣٠) ومسلم في كتاب الإيمان باب معرفة الرؤية ح (١٨٢) (٣/ ٢١).\n(^٣) المعلم (١/ ٢٢٥).","vol":"1","page":629},{"text":"قد تعدت هنا إلى مفعول واحد، فهي للإبصار، ولا يصح أن يقال: إن الرؤية بمعنى: المعرفة؛ لأن العرب لم تستعمل رأيت بمعنى: عرفت، لكن بمعنى: علمت أو أبصرت، واستعملت علمت بمعنى: عرفت، لا رأيت بمعنى: عرفت. وأما المعنى فمن وجهين:\nأحدهما: أنه ﵊ شبه رؤية الله تعالى بالشمس، وذلك التشبيه لا يصح إلَّا بالمعاينة.\nوثانيهما: أن الكفار يعلمونه تعالى في الآخرة بالضرورة، فترتفع خصوصية المؤمنين بالكرامة، وبلذة النظر وذلك التأويل منهم تحريف حملهم عليه ارتكاب الأصول الفاسدة\" (^١).\nوهذه الأصول الفاسدة التي حملتهم على نفي الرؤية هي أدلتهم العقلية التي قال عنها القرطبي: \"منع فرق من المبتدعة الرؤية بناءً منهم على أن الرؤية يلزمها شروط اعتقدوها عقليةً كاشتراط البنية المخصوصة، والمقابلة واتصال الأشعة وزوال الموانع من القرب المفرط، والبعد المفرط، والحجب الحائلة، في خبط لهم وتحكم، وأهل الحق لا يشترطون شيئًا من ذلك عقلًا، سوى وجود المرئي، وأن الرؤية إدراك يخلقه الله تعالى للرائي، فيرى المرئي، لكن يقترن بالرؤية بحكم جريان العادة أحوال يجوز في العقل شرعًا تبدلها، والله أعلم\" (^٢).\nوقال في موضع آخر: \"أهل السنة لا يشترطون في الرؤية عقلانية مخصوصة، ولا مقابلة ولا قربًا، ولا شيئًا مما يشترطه المعتزلة وأهل البدع، وأن تلك الأمور إنما هي شروط عادية يجوز حصول الإدراك مع عدمها، ولذلك حكموا بجواز رؤية الله تعالى في الدار الآخرة مع إحالة\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٤١٥).\n(^٢) المفهم (١/ ٤١٤).","vol":"1","page":630},{"text":"تلك الأمور كلها، ولما ذهب أهل البدع إلى أن تلك الشروط عقلية، استحال عندهم رؤية الله تعالى فأنكروها وخالفوا قواطع الشريعة التي وردت بإثبات الرؤية، وخالفوا ما أجمع عليه الصحابة والتابعون\" (^١).\nوكلام القرطبي هذا غير مسلم على إطلاقه ولا تصح نسبته لأهل السنة، فاشتراط المقابلة وزوال الموانع أمر معقول إذ رؤية ما لا يعاين ولا يواجه غير متصور في العقل (^٢).\nلكن نفي الرؤية بسبب ذلك باطل من أصله، وهو مذهب أهل البدع، والقول بأن الله يرى من غير مقابلة ولا مواجهة، هو قول الأشاعرة دون سائر طوائف الأمة، وجمهور العقلاء على أن فساد هذا معلوم بالضرورة (^٣).\nقال شارح الطحاوية: \"هل تعقل رؤية بلا مقابلة؟ ومن قال: يرى لا في جهة فليراجع عقله! ! فإما أن يكون مكابرًا لعقله أو في عقله شيء، وإلَّا فإذا قال: يرى لا أمام الرائي، ولا خلفه، ولا عن يمينه، ولا عن يساره، ولا فوقه، ولا تحته، رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة، ولهذا ألزم المعتزلة من نفى العلو بالذات بنفي الرؤية وقالوا: كيف تعقل رؤية بغير جهة؟ \" (^٤).\nولهذا صار حذَّاق الأشاعرة إلى إنكار الرؤية \"وقالوا: قولنا هو قول المعتزلة في الباطن، فإنهم فسروا الرؤية بزيادة انكشاف ونحو ذلك مما لا تنازع فيه المعتزلة\" (^٥).\n_________\n(^١) المفهم (٢/ ٥٧).\n(^٢) انظر: الفتاوى لابن تيمية (١٦/ ٨٥).\n(^٣) المرجع السابق (١٦/ ٨٤).\n(^٤) شرح الطحاوية (١/ ٢١٩).\n(^٥) الفتاوى لابن تيمية (١٦/ ٨٥).","vol":"1","page":631},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>الباب الثالث النبوة والإمامة والصحابة</span>\nوفيه ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: النبوة\nالفصل الثاني: الإمامة\nالفصل الثالث: الصحابة","vol":"1","page":633},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>الفصل الأول النبوة</span>\nوفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريفه النبوة والرسالة وبيان فضل الأنبياء\nالمبحث الثاني: دلائل النبوة\nالمبحث الثالث: عصمة الأنبياء\nالمبحث الرابع: خصائص نبينا محمد - ﷺ -\nالمبحث الخامس: الإيمان بالملائكة والجن","vol":"1","page":635},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>المبحث الأول تعريف النبوة والرسالة وبيان فضل الأنبياء</span>\nوفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: النبوة والرسالة والفرق بينهما\nالمطلب الثاني: فضل الأنبياء ومكانتهم\nالمطلب الثالث: المفاضلة بين الأنبياء\nالمطلب الرابع: نبوة الخضر وحياته\nالمطلب الخامس: نبوة النساء","vol":"1","page":637},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>المطلب الأول: النبوة والرسالة والفرق بينهما:</span>\nقال القرطبي في تعريف النبوة لغة: \"النبوة مأخوذة من النبأ وهو الخبر، فأصلها إذًا الهمزة ثم سهلت، وقيل: مأخوذة من النبوة، وهي المرتفع عن الأرض\" (^١).\nوقال في معنى النبوة شرعًا: \"النبوة معناها: أن يُطلع الله من يشاء من خلقه على ما يشاء من أحكامه ووحيه، إما بالمشافهة، وإما بواسطة ملك أو بإلقاء في القلب\" (^٢).\nوقال في التفريق بين النبي والرسول: \"النبي في العرف: هو المنبأ من جهة الله تعالى لأمر يقتضي تكليفًا فإن أمر بتبليغه إلى غيره فهو رسول وإلَّا فهو نبي غير رسول، وعلى هذا فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا؛ لأن الرسول والنبي قد اشتركا في أمر عام، هو النبأ، وافترقا في أمر خاص وهو الرسالة، فإذا قلت: محمد رسول الله تضمن ذلك أنه نبي رسول\" (^٣).\nوهذا الفرق وإن كان مشتهرًا بين أهل العلم إلَّا أنه مخالف لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (^٤) فهذه الآية دلَّت على أن النبي يعمه الإرسال كالرسول، ومن المستبعد أن يخص الله تعالى عبدًا من عباده بوحي ولا يؤمر بتبليغه لغيره، فيكون هذا كتمانًا للعلم، والأنبياء منزهون عن ذلك.\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٨٨).\n(^٢) المفهم (٦/ ١٧).\n(^٣) المفهم (٧/ ٤٠).\n(^٤) سورة الحج، الآية: ٥٢.","vol":"1","page":639},{"text":"قال الشيخ الشنقيطي: \"وآية الحج تبين أن ما اشتهر على ألسنة أهل العلم من أن النبي هو من أوحي إليه وحي، ولم يؤمر بتبليغه، وأن الرسول هو النبي الذي أوحي إليه وحي، وأمر بتبليغ ما أوحي إليه، غير صحيح؛ لأن قوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ (^١) يدل على أن كلًّا منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير، واستظهر بعضهم أن النبي الذي هو رسول أنزل إليه كتاب وشرع مستقل، مع المعجزة التي ثبتت بها نبوته، وأن النبي المرسل الذي هو غير الرسول هو ما لم ينزل عليه كتاب، وإنما أوحي إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يرسلون ويؤمرون بالعمل بما في التوراة، كما بيَّنه تعالى بقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ (^٢) \" (^٣).\nوالبيضاوي ﵀ قد اختار هذا القول حيث قال في التفريق بين النبي والرسول: \"الرسول من بعثه الله بشريعة مجددة يدعو الناس إليها، والنبي يعمه ومن بعث لتقرير شرع سابق كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى ﵉، لذلك شبه النبي - ﷺ - علماء أمته بهم فالنبي أعم من الرسول\" (^٤).\nوهذا قريب مما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: \"فالنبي هو الذي ينبئه الله وهو ينبئ بما أنبأ الله به فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله فهو نبي وليس\n_________\n(^١) سورة الحج، الآية: ٥٢.\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ٤٤.\n(^٣) أضواء البيان (٥/ ٢٩٠).\n(^٤) تفسير البيضاوي (٤/ ١٣٣).","vol":"1","page":640},{"text":"برسول ... قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ (^١) دليل على أن النبي مرسل ولا يسمى رسولًا عند الإطلاق لأنه لم يرسل إلى قوم بما لا يعرفونه بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفون أنه حق\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>المطلب الثاني: فضل الأنبياء ومكانتهم:</span>\nإن مما يعلمه كل مسلم أن الله تعالى اصطفى هؤلاء الأنبياء واختارهم لحمل رسالته وإبلاغ دعوته فهم سفراء الله تعالى إلى خلقه جعلهم الله تعالى خيرة الخلق، وصفوة البشر، شرَّفهم بالنبوة، وأعطاهم الحكمة، ورزقهم قوة العقل، وسداد الرأي، فهم أئمة الدنيا والدين ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (^٣). من إكرام الله تعالى لهم أن وهبهم كمال الخَلقِ والخُلق فخصهم بصفات الكمال ونزههم عن صفات النقص والعيب. قال القرطبي: الله تعالى كمَّل أنبياءه خَلْقًا وخُلُقًا ونزههم في أول خلقهم من المعايب والنقائص المنفرة عن الاقتداء بهم المبعدة عنهم، ولذلك لم يسمع أنه كان في الأنبياء والرسل من خَلَقَه الله تعالى أعمى ولا أعور ولا أقطع ولا أبرص ولا أجذم ولا غير ذلك من العيوب والآفات التي تكون نقصًا ووصمًا يوجب لمن اتصف بها شينًا وذمًا ومن تصفح أخبارهم وعلم أحوالهم علم ذلك على القطع، وقد ذكر القاضي - ﵀ - في الشفاء من هذا جملة وافرة (^٤) ولا يعترض عليها بعمى يعقوب وبابتلاء أيوب، فإن ذلك كان طارئًا عليهم محبة لهم وليقتدي بهم من ابتلي ببلاء في حالهم وصبرهم،\n_________\n(^١) سورة الحج، الآية: ٥٢.\n(^٢) النبوات لابن تيمية ص (١٨٤، ١٨٥).\n(^٣) سورة السجدة، الآية: ٢٤.\n(^٤) أي القاضي عياض في كتابه \"الشفاء بتعريف حقوق المصطفى\".","vol":"1","page":641},{"text":"وفي أن ذلك لم يقطعهم عن عبادة ربهم ثم إن الله تعالى أظهر كرامتهم ومعجزاتهم بأن أعاد يعقوب بصيرًا عند وصول قميص يوسف له، وأزال عن أيوب جذامه وبلاءه عند اغتساله من العين التي أنبع الله تعالى له عند ركضه الأرض برجله، فكان ذلك زيادة في معجزاتهم، وتمكينًا في كمالهم ومنزلتهم\" (^١).\nفحازوا صلوات الله وسلامه عليهم الخير من أطرافه والكمال البشري من جميع جوانبه، منّةً من الله سبحانه وفضلًا.\nقال القرطبي: \"النبوة لا يخص الله بها إلَّا من خصَّه بصفات كمال نوعه من المعارف والعلوم والفضائل والآداب، ونزهه عن نقائص ذلك، ولذا قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ (^٢)، وقال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (^٣)، وقال تعالى لما ذكر الأنبياء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (^٤) وقال: ﴿كُلًّا هَدَيْنَا﴾ (^٥) وقال لنبيه - ﷺ -: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ (^٦) فقد حصل من هذا: أن النبوة لم يخص الله بها إلَّا أكمل خلقه وأبعدهم عن النقائص ثم: إنه لما شرفهم بالنبوة حصلت لهم بذلك على جميع نوعهم الخصوصية\" (^٧).\nفالأنبياء - ﵈ - أفضل الناس وأشجع الناس وأتقى الناس لله تعالى وأعلمهم به. قال القرطبي: \"الأنبياء أفضل الناس وأعلمهم بالله\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ١٨٩).\n(^٢) سورة الحج، آية: ٧٥.\n(^٣) سورة الأنعام، الآية: ١٢٤.\n(^٤) سورة الأنعام، الآية: ٩٠.\n(^٥) سورة الأنعام، الآية: ٨٤.\n(^٦) سورة القلم، الآية: ٤.\n(^٧) المفهم (٦/ ١٧).","vol":"1","page":642},{"text":"وبحدوده\" (^١)، وقال: \"ومن المعلوم حال الأنبياء ﵈ وشجاعتهم وثقتهم بوعد الله ورغبتهم في الشهادة وفي لقاء الله ولم يثبت قط عن واحد منهم أنه فر أو انهزم\" (^٢).\nولذا حق علينا تعظيم هؤلاء الأنبياء واحترامهم وتنزيههم عن صفات النقص وعن الصفات الذميمة.\nوقد رد القرطبي - ﵀ - على من زل قلمه فجاءت عبارته بما لا يتناسب مع مقام الأنبياء، ولا يليق بمكانتهم، حيث قال: \"ويعفو الله عن الحريري (^٣) فإنه تسخَّف في هذه الآية (^٤) وتمجَّن فاستدل بها على الكُدْيَة (^٥) والإلحاح فيها، وأن ذلك ليس بعيب على فاعله، ولا منقصة عليه، فقال:\nفإن رُدِدْت فما بالردِّ مَنْقَصَةٌ ... عليك قَدْ رُدَّ موسى قَبْلُ والخَضرُ (^٦)\nهذا لعبٌ بالدين وانسلال عن احترام النبيين فهي: شنشنة أَدبية، وهفوة سخافية، ويرحم الله السلف الصالح فإنهم بالغوا في وصية كل ذي عقل راجح، فقالوا: مهما كنت لاعبًا بشيء فإياك أن تلعب بدينك (^٧).\n_________\n(^١) المفهم (٣/ ٥٧٥).\n(^٢) المفهم (٣/ ٦٢٠).\n(^٣) هو أبو محمد القاسم بن علي بن محمد البصري الحرامي - نسبة إلى محلة بالبصرة - الحريري صاحب المقامات أديب لغوي بليغ، توفي سنة (٥١٦ هـ). سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٦٠).\n(^٤) وهي قوله تعالى عن موسى والخضر ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ الكهف: ٧٧.\n(^٥) الكُدْية: الإلحاح في السؤال، انظر: لسان العرب (١٥/ ٢١٦).\n(^٦) مقامات الحريري ص (٣٢٦).\n(^٧) المفهم (٦/ ٢٠٨).","vol":"1","page":643},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>المطلب الثالث: المفاضلة بين الأنبياء:</span>\nإن فضل الأنبياء على عموم بني آدم أمر معلوم في شرع الله ﷾، لا ينكره إلَّا مكذب بالقرآن منكر للسنة. إذ اصطفاهم الله واختارهم، وخصَّهم بخصائص لم تكن لمن سواهم من سائر الخلق فلا يصل إلى منزلتهم أو يدانيهم في مكانتهم لا ولي ولا شهيد فضلًا عمن سواهم من سائر الخلق.\nقال القرطبي: \"النبي أفضل من الولي، وهذا أمر مقطوع به عقلًا ونقلًا، والصائر إلى خلافه كافر، فإنه أمر معلوم من الشرائع بالضرورة\" (^١).\nوقال أيضًا: \"من المعلوم من ضرورة الشرع ومن إجماع المسلمين على أن درجة الأنبياء وفضيلتهم أعظم من درجة الشهداء والأولياء\" (^٢).\nفتفضيل الأنبياء على غيرهم أمر لا خلاف فيه بين أهل السنة. ولكن تكلم العلماء في المفاضلة بين الأنبياء، إذ قد جاءت نصوص من الكتاب والسنة يوحي ظاهرها بالتعارض، فقد قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ (^٣) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^٤)، وجاءت النصوص بتفضيل نبينا - ﷺ - على سائر الأنبياء، لما خصه الله سبحانه به من الفضائل والكرامات التي لم تكن لمن سواه من المرسلين، قال - ﷺ -: \"أنا سيد ولد آدم وأول من\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٢١٧)، وانظر: الفتاوى لابن تيمية (١١/ ٣٢١)، وشرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٤٢).\n(^٢) المفهم (٦/ ٣٨٦).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٥٣.\n(^٤) سورة الإسراء، الآية: ٥٥.","vol":"1","page":644},{"text":"ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع\" (^١).\nوقال - ﷺ -: \"فضلت على الأنبياء بستٍّ: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون\" (^٢). وقال: \"أنا أول من يأخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها\" (^٣) وغيرها من النصوص الكثيرة الدالة على فضله - ﷺ - على سائر الخلائق في الدنيا والآخرة (^٤).\nوأما ما جاء مما قد يفهم منه تفضيل بعض الأنبياء على نبينا محمد - ﷺ -، كما جاء ذلك في حديث أنس ﵁ الذي قال فيه: \"جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا خير البرية! قال رسول الله - ﷺ -: ذاك إبراهيم ﵇\" (^٥). قال القرطبي في شرحه لهذا الحديث مزيلًا الإشكال الواقع من تعارض هذا الحديث مع غيره من الأحاديث التي تدل على أنه ﵊ أفضل ولد آدم حيث قال: \"قد عارض هذا الحديث قوله - ﷺ -: \"أنا سيد ولد آدم\" (^٦) وما علم من غير ما موضع من الكتاب والسنة وأقوال السلف والأمة: أنه أفضل ولد آدم وقد انفصل عن هذا بوجهين:\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتاب الفضائل باب، تفضيل نبينا - ﷺ - على جميع الخلائق ح ٢٢٧٨ (١٥/ ٤٢).\n(^٢) رواه مسلم في كتاب المساجد، ومواضع الصلاة ح ٥٢٤ (٥/ ٨).\n(^٣) رواه أحمد في مسنده (١/ ٢٨١)، والترمذي في كتاب التفسير، باب ١٨، وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٣٠٦) ح (١٤٥٩).\n(^٤) انظر: مباحث المفاضلة في العقيدة للدكتور محمد بن عبد الرحمن الشظيفي ص (١٤٧).\n(^٥) رواه مسلم في كتاب الفضائل، باب فضائل إبراهيم الخليل ﵇ ح ٢٣٦٩ (١٥/ ١٣٠).\n(^٦) رواه ابن ماجه في كتاب الزهد باب ذكر الشفاعة، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٣٠٩) ح (١٤٦٧).","vol":"1","page":645},{"text":"أحدهما: أن ذلك من النبي - ﷺ - على جهة التواضع، وترك التطاول على الأنبياء، كما قال: \"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أكرم ولد آدم على ربي يوم القيامة ولا فخر\" (^١) وخصوصًا على إبراهيم الذي هو أعظم آبائه وأشرفهم.\nوثانيهما: أنه - ﷺ - قال ذلك قبل أن يعلم منزلته عند الله تعالى، ثم إنه أعلم بأنه أفضل وأكرم، فأخبر به كما أمر، ألا ترى أنه كان في أول أمره يسأل أن يبلغ درجة إبراهيم من الصلاة عليه والرحمة والبركة والخلة، ثم بعد ذلك أخبرنا أن الله تعالى قد أوصله إلى ذلك لما قال: \"إن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا\" (^٢).\nثم بعد ذلك زاده الله من فضله، فشرَّفه وكرَّمه، وفضَّله على جميع خلقه، وقد أُورِد على كل واحد من هذين الوجهين استبعاد قال: رُدَّ على الأول أن قيل: كيف يصح من الصادق المعصوم أن، يخبر عن الشيء بخلاف ما هو عليه لأجل التواضع والأدب؟ والوارد على الثاني: أن ذلك خبر عن أمر وجودي، والأخبار الوجودية لا يدخلها النسخ، والجواب عنهما: أن يقال: إن ذلك ليس إخبارًا عن الشيء، بخلاف ما هو عليه، فإنه تواضع يمنع إطلاق ذلك اللفظ عليه وتأدب مع أبيه، بإضافة ذلك اللفظ إليه، ولم يتعرض للمعنى، فكأنه قال: لا تطلقوا هذا اللفظ عليَّ، وأطلقوه على أبي إبراهيم أدبًا معه، واحترامًا له. ولو صرح بهذا لكان صحيحًا غير مستبعد لا عقلًا ولا نقلًا، وهذا كما قال: \"لا تفضلوني على موسى\" (^٣) أي: لا\n_________\n(^١) لم أجده بهذا اللفظ، وقد أخرجه الترمذي بلفظ قريب من هذا في أبواب المناقب، باب في فضل النبي - ﷺ - وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي ص (٤٨٣).\n(^٢) سبق تخريجه ص (٥٨٩).\n(^٣) رواه مسلم في كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى ﵇ ح ٢٣٧٣ (١٥/ ١٣٨)، ولفظه: \"لا تخيروني على موسى\".","vol":"1","page":646},{"text":"تقولوا: محمد أفضل من موسى مخافة أن يُخيَّل نقص في المفضول، كما قدمناه، ويأتي بهذا أظهر هذا اللفظ: أن ذلك راجع إلى منع إطلاق لفظ وإباحته، فذلك خبر عن الحكم الشرعي، لا عن المعنى الوجودي، وإذا ثبت ذلك جاز رفعه ووضعه وصح الحكم به ونسخه من غير تعرض للمعنى والله أعلم.\nسلمنا أنه خبر عن أمر وجودي، لكن لا نسلم أن كل أمر وجودي لا يتبدل بل: منها ما يتبدل ولا يلزم من تبدله تناقض ولا محال ولا نسخ، كالإخبار عن الأمور الوضعية، وبيان ذلك: أن معنى كون الإنسان مكرمًا مفضلًا إنما ذلك بحسب ما يكرم به ويفضل على غيره، ففي وقت يكرم بما يساوي فيه غيره، وفي وقت يزاد على ذلك الغير، وفي وقت يكرم بشيء لم يكرم به أحد، فيقال: عليه في المنزلة الأولى مكرَّم مقرَّب، وفي الثانية مفضل بقيد، وفي الثالثة مفضَّل مطلقًا، ولا يلزم من ذلك تناقض ولا نسخ ولا محال، وهذا واضح وحسن جدًّا فاغتبط به، وشد عليه يدًا\" (^١).\nوقال المازري في شرحه لهذا الحديث: \"قد ثبت أنه - ﷺ - أفضل من سائر المرسلين، فيحتمل أن يكون هذا منه - ﷺ - على جهة التواضع واستثقالًا لأن ينادى بهذا، وقد كان إبراهيم ﵇ من آبائه - ﷺ - ويكره إظهار المطاولة على الآباء، وقد يكون فهم من مناديه هذا المعنى، وأخبر في موضع آخر بكونه سيد ولد آدم غير قاصد التعاظم والتطاول على من تقدمه - ﷺ -، بل ليبين ما أمره الله ﵎ ببيانه، ولهذا عقب كلامه بأن قال: \"ولا فخر\" ليزيل ما قد يظن بمطلق هذا الكلام إذا أطلقه غيره من الناس في نفسه، وقد يحتمل قوله ذاك إبراهيم قبل أن يوحى إليه بأنه هو\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ١٨٠).","vol":"1","page":647},{"text":"خير منه. فإن قيل: هذا خبر ولا يقع إلَّا صدقًا، والنسخ لا يصح فيه، فلا وجه لعذركم هذا، قلنا: قد يريد - ﷺ - أن إبراهيم خير البرية فيما يدل عليه ظاهر حاله عندي، وقد يقال: فلان خير قومه وأصلح أهل بلده، والمراد فيه ما يقتضيه ظاهر حاله، وقد مال إلى هذه الطريقة بعض العلماء في تفضيل الفاضل من الصحابة أنه تفضيل على الظاهر، لا على القطع على الباطن، وقد تكون لإبراهيم فضيلة تميز بها عن سائر الرسل، ولكن نبينا - ﷺ - له من مجموع الفضائل ما يربي عليها حتى يكون أفضل على الإطلاق ولا يكون المراد بقوله - ﷺ - في إبراهيم ﵇ \"خير البرية\" الإطلاق، ولكن في معنى اختص به\" (^١).\nوأما ما ورد من النهي عن المفاضلة بين الأنبياء والدعوة إلى ترك ذلك. فقد قال القرطبي عند شرحه لقوله ﵇: \"لا تُخَيِّروا بين الأنبياء\" (^٢): \"اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث على أقوال، فمنهم من قال: إن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل ويتضمن هذا الكلام أن الحديث معارض لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^٣) ولما في معنى ذلك من الأحاديث، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل، وهذا لا يصح حتى تتحقق المعارضة حيث لا يمكن الجمع بوجه وحتى يعرف التاريخ وكل ذلك غير صحيح على ما يأتي فليس هذا القول بصحيح. ومنهم من قال: إنما قال ذلك النبي - ﷺ - على جهة التواضع والأدب مع الأنبياء، وهذا فيه بعد، لأن السبب الذي خرج عليه هذا النهي يقتضي خلاف ذلك، فإنه إنما قال ذلك ردعًا وزجرًا للذي فضَّل، ألا ترى\n_________\n(^١) المعلم (٣/ ١٣٠).\n(^٢) رواه مسلم في كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى ﵇ ح ٢٣٧٤ (١٥/ ١٤١).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٥٣.","vol":"1","page":648},{"text":"أنه قد غضب حتى احمر وجهه، ونهى عن ذلك؟ فدل على أن التفضيل يحرم، ولو كان من باب الأدب والتواضع لما صدر منه ذلك. ومنهم من قال: إنما نهى عن الخوض في ذلك؛ لأن ذلك ذريعة إلى الجدال في ذلك، فيؤدي إلى أن يذكر منهم ما لا ينبغي أن يذكر، ويقل احترامهم عند المماراة، وهذا كما نُهي عنه من الجدال في القرآن والمماراة. ومنهم من قال: مقتضى هذا النهي: إنما هو المنع من تفضيل معين من الأنبياء على معين، أو على ما يقصد به معين، وإن كان اللفظ عامًّا لأن ذلك قد يفهم منه نقص في المفضول.\nقلت: ويدل على ذلك أنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث: \"لا تفضلوني على موسى\" (^١) وبدليل قوله: \"لا أقول إن أحدًا أفضل من يونس بن متى\" (^٢). فإن قيل: فالحديث يدل على خلاف هذا، فإن اليهودي فضَّل موسى على البشر، والمسلم قال: والذي اصطفى محمدًا على البشر وعند ذلك قال النبي - ﷺ -: \"لا تفضلوا بين الأنبياء ولا تخيروا بين الأنبياء\" فاقتضى ذلك المنع من التفضيل مطلقًا، معينًا وغير معين، فالجواب: أن مراد اليهودي كان إذ ذاك أن يصرح بأن موسى أفضل من محمد، لكنه لم يقدر على ذلك خوفًا على نفسه، ألا ترى أن المسلم فهم ذلك عنه فأجابه بما يقتضي أن محمدًا أفضل من موسى غير أنه قابل لفظ اليهودي بمثله، وقد بيَّن ذلك غاية البيان قوله - ﷺ -: \"لا تفضلوني على موسى\" فنهاهم عن ذلك، ثم إنا قد وجدنا نبينا - ﷺ - قال: \"أنا أكرم ولد آدم على ربي\" و\"أنا سيد ولد آدم\" (^٣) ولم يذهب أحد من العلماء إلى أن هذا منسوخ ولا مرجوح.\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص (٦٤٦).\n(^٢) سبق تخريجه ص (٦٤٨).\n(^٣) سبق تخريجه ص (٦٤٥).","vol":"1","page":649},{"text":"قلت - أي القرطبي -: وهذا الوجه، وإن كان حسنًا، فأولى منه أن يحمل الحديث على ظاهره من منع إطلاق لفظ التفضيل بين الأنبياء، فلا يجوز في المعين فيهم ولا غيرهم، ولا يقال فلان النبي أفضل من الأنبياء كلهم، ولا من فلان، ولا خير كما هو ظاهر هذا النهي، لما ذكر من توهم النقص في المفضول، وإن كان غير معين، ولأن النبوة خصلة واحدة لا تفاضل فيها، هانما تفاضلوا بأمور غيرها. ثم إن هذا النهي يقتضي منع إطلاق ذلك اللفظ، لا منع اعتقاد ذلك المعنى، فإن الله تعالى قد أخبرنا بأن الرسل متفاضلون كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^١) وكما قد علمنا أن نبينا - ﷺ - قد خصَّ بخصائص من الكرامات والفضائل بما لم يخص به أحد منهم، ومع ذلك فلا نقول: نبينا خير من الأنبياء، ولا من فلان النبي اجتنابًا لما نهى عنه وتأدبًا بأدبه وعملًا باعتقاد ما تضمنه القرآن من التفضيل ورفعًا لما توهمه من المعارضة بين السنة والتنزيل\" (^٢).\nولعل القول الذي ترجحه الأدلة من هذه الأقوال، وتطمئن إليه النفس هو ما استحسنه القرطبي، ولم يأخذ به، وقد رجحه غير واحد من العلماء، وهو أن النهي عن المفاضلة بينهم حيث تؤدي هذه المفاضلة إلى انتقاص المفضول، أو عدم التأدب مع مقام النبوة، خصوصًا عند المجادلة والمماراة كما حدث في سبب ورود هذا الحديث.\nوأما ما سوى ذلك مما يُؤمنُ منه هذا الجانب، ويكون التفضيل بناءً على الأدلة الشرعية من القرآن الكريم، أو السنة النبوية، والذي فيه بيان لفضل بعض الأنبياء على بعض، إذ قد كلم الله موسى تكليمًا، واتخذ الله إبراهيم خليلًا، وخلق آدم بيده وجعلَ عيسى كلمةَ الله وروحًا منه، وفضل\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٣.\n(^٢) المفهم (٦/ ٢٢٨).","vol":"1","page":650},{"text":"نبينا - ﷺ - على سائر المرسلين، وآتاه ما لم يؤت أحدًا من العالمين، فهذا حق لا مرية فيه، ولا تعارض بين النصوص، كما قد يتوهم البعض، وهذا ما ذكره المازري عن بعض شيوخه، وسكت عنه، حيث قال: \"أما قوله: \"لا تفضلوا بين أنبياء الله\" فيحتمل أن يكون ذلك قبل أن يوحى إليه بالتفضيل، وكان بعض شيوخي يقول: يحتمل أن يريد لا تفضلوا بين أنبياء الله تفضيلًا يؤدي إلى نقص بعضهم، وقد خرج الحديث على سبب، وهو لطم الأنصاري وجه اليهودي، فقد يكون - ﷺ - خاف أن يفهم من هذه الفعلة انتقاص حق موسى ﵇، فنهى عن التفضيل المؤدي إلى نقص الحقوق\" (^١).\nقال الحافظ ابن حجر: \"قال العلماء في نهيه عن التفضيل بين الأنبياء: إنما النهي عن ذلك من يقوله برأيه، لا من يقوله بدليل، أو من يقوله بحيث يؤدي إلى تنقيص المفضول أو يؤدي إلى الخصومة والتنازع\" (^٢).\nوقال الحليمي (^٣): \"الأخبار الواردة في النهي عن التخيير إنما هي في مجادلة أهل الكتاب وتفضيل بعض الأنبياء على بعض بالمخايرة؛ لأن المخايرة إذا وقعت بين أهل دينين لا يؤمن أن يخرج أحدهما إلى الازدراء بالآخر، فيفضي إلى الكفر، فأما إذا كان التخيير مستندًا إلى مقابلة الفضائل لتحصيل الرجحان فلا يدخل في النهي\" (^٤).\nوفي إزالة الإشكال الحاصل لدى البعض من قوله - ﷺ -: \"لا تفضلوني على موسى\" مع ما ثبت له - ﷺ - من الفضائل التي لم تكن لمن\n_________\n(^١) المعلم (٣/ ١٣٤).\n(^٢) فتح الباري (٦/ ٥١٤).\n(^٣) أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد النجاري، المشهور بالحليمي، محدث أديب من أعيان المذهب الشافعي، توفي سنة (٤٠٣ هـ). طبقات الحفاظ ص (٤٢٤) ترجمة (٩٢٥)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٣١).\n(^٤) انظر: المنهاج في شعب الإيمان للحليمي (٢/ ١١٧).","vol":"1","page":651},{"text":"سواه من الأنبياء والمرسلين، كما جاءت بذلك النصوص، فقد قال شارح الطحاوية: \"الجواب أن هذا كان له سبب، فإنه كان قد قال يهودي: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فلطمه مسلم، وقال: أتقول هذا ورسول الله - ﷺ - بين أظهرنا! فجاء اليهودي فاشتكى من المسلم الذي لطمه فقال رسول الله - ﷺ - هذا لأن التفضيل إذا كان على وجه الحمية والعصبية وهوى النفس كان مذمومًا، فإن الله حرَّم الفخر، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ (^٢). فعلم أن المذموم إنما هو التفضيل على وجه الفخر أو على وجه الانتقاص بالمفضول، وعلى هذا يحمل قوله - ﷺ -: \"لا تفضلوا بين الأنبياء\" (^٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"إذا كان التفضيل على وجه الغض من المفضول في النقص له نهي عن ذلك، كما نهى في هذا الحديث عن تفضيل موسى، وكما قال لمن قال يا خير البرية قال: \"ذاك إبراهيم\" وصح قوله: \"أنا سيد ولد آدم ولا فخر، آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر\" (^٤) \" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>المطلب الرابع: نبوة الخضر وحياته:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>نبوته:</span>\nاختلف في الخضر، هل هو نبي أو رسول أو ولي؟ كما قال الراجز:\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ٥٥.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٥٣.\n(^٣) شرح الطحاوية (١/ ١٥٩).\n(^٤) رواه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب ١٨، وابن ماجه في سننه في كتاب الزهد، باب (١٨)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٣٠٩) ح (١٤٦٨).\n(^٥) منهاج السنة لابن تيمية (٧/ ٢٥٦).","vol":"1","page":652},{"text":"واختلف في خضر أهل العقول ... قيل نبي أو ولي أو رسول؟ (^١)\nوقد رجَّح القرطبي أن الخضر نبي، وليس برسول ولا ولي. فقال: \"الخضر ﵇ لم يتفق على أنه نبي، بل هو أمر مختلف فيه، هل هو نبي، أو ولي؟ فإن كان نبيًّا فليس برسول بالاتفاق، إذ لم يقل أحد: أن الخضر ﵇ أُرسل إلى أمة\" (^٢).\nوقال في إثبات نبوته بعد أن ذكر بعض كراماته: فيه دليل على كرامات الأولياء، وكذلك كل ما وصف عن أحوال الخضر في هذا الحديث، وكلها أمور خارقة للعادة، هذا إذا تنزلنا على أنه ولي لا نبي، وقد اختلف فيه أئمة أهل السنة، والظاهر من مساق قصته واستقراء أحواله مع قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (^٣) أنه نبي يوحى إليه بالتكاليف والأحكام، كما أُوحي إلى الأنبياء غير أنه ليس برسول\" (^٤).\nوأما المازري فقد ذكر الخلاف في هذه المسألة ولم يرجح حيث قال: اضطرب العلماء في الخضر، هل هو نبي أم لا؟ واحتج من قال بنبوته بقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ فدلّ على أن الله ﷿ يوحي إليه بالأمر، وهذه النبوة. وينفصل الآخرون عن هذا بأنه يحتمل أن يكون نبي غيره، أمره بذلك عن الله تعالى، وقصارى ما في الآية أنه ما فعله عن أمره، ولكن إذا كان المراد عن أمر الله تعالى فمن المبلغ له؟ ليس في الآية تعيين فيه، وقد يحتج من قال بنبوته بكونه أعلم من موسى، ويبعد أن يكون الولي أعلم من النبي\" (^٥). وما\n_________\n(^١) أضواء البيان للشنقيطي (٣/ ٣٢٢).\n(^٢) المفهم (٦/ ٢١٧).\n(^٣) سورة الكهف، الآية: ٨٢.\n(^٤) المفهم (٦/ ٢٠٩).\n(^٥) المعلم (٣/ ١٣٦).","vol":"1","page":653},{"text":"ذكره المازري هنا ليس بحجة إذ لو كان الخضر نبيًّا فلا يصل إلى منزلة موسى - ﵇- بالاتفاق فلا يكون علمه الذي أخفى عن موسى دليل النبوة.\nوالذي رجَّحه القرطبي هو الذي ذهب إليه الحفاظ ابن حجر (^١) وابن الجوزي (^٢).\nوكذلك الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان، حيث قال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ [الكهف: ٦٥] (^٣): \"يفهم من بعض الآيات أن هذه الرحمة المذكورة هنا رحمة نبوية، وأن هذا العلم اللدني علم وحي ... ومن أظهر الأدلة في أن الرحمة والعلم اللدني اللذين امتن الله بهما على عبده الخضر عن طريق النبوة والوحي قوله تعالى عنه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (^٤) أي: وإنما فعلته عن أمر الله جل وعلا وأمر الله إنما يتحقق عن طريق الوحي إذ لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه إلَّا بالوحي من الله جل وعلا\" (^٥).\nوقد ذكر﵀- الأدلة والمبررات التي تؤيد ما ذهب إليه، والتي يصعب نقلها لطولها فلتراجع. وهذا هو القول الراجح، وقد نسبه القرطبي المفسر إلى جمهور العلماء (^٦).\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ٢٦٧).\n(^٢) ذكره عنه شيخ الإسلام ابن تيمية. انظر: الفتاوى (٤/ ٣٩٧).\n(^٣) سورة الكهف، الآية: ٦٥.\n(^٤) سورة الكهف، الآية: ٨٢.\n(^٥) أضواء البيان (٣/ ٣٢٣).\n(^٦) تفسير القرطبي (١١/ ١٢).","vol":"1","page":654},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>حياته:</span>\nلقد وقع الخلاف في حياة الخضر هل ما زال حيًّا أم أنه قد مات؟ حيث ذهب بعض العلماء إلى إثبات حياته وتعميره كالنووي والقرطبي المفسر وابن الصلاح (^١).\nوأما القرطبي فقد تعرض لهذه المسألة، ولم يرجح وإن كان يفهم من كلامه ميله إلى إثبات حياته.\nحيث قال: \"قد استدل بعض الحفاظ المتأخرين على بطلان قول من يقول: إن الخضر حي بعموم \"ما من نفس منفوسة\" (^٢) فإنه من أنص صيغ العموم على الاستغراق، وهذا لا حجة فيه يقينية؟ لأن العموم -وإن كان مؤكدًا للاستغراق- فليس نصًا فيه، بل: هو قابل للتخصيص، لاسيما والخضر وإن كان حيًّا -كما يقال- فليس مشاهدًا للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضًا، فمثل هذا العموم لا يتناوله كما لم يتناول عيسى ﵇، فلأنه لم يمت، ولم يقتل، فهو حي بنص القرآن ومعناه، وكما لم يتناول الدجال مع أنه حي بدليل حديث الجساسة على ما يأتي، فإن قيل: إنما لم يتناول هذا العموم عيسى؛ لأن الله قد رفعه إليه، فليس هو على ظهر الأرض؛ لأن المراد بذلك العموم: من كان من النفوس على ظهر الأرض كما نص عليه في حديث ابن عمر، فالجواب: يمنع عموم الأرض المذكورة فيه فإنه اسم\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرطبي (١١/ ٢٩)، وشرح مسلم للنووي (١٥/ ١٤).\n(^٢) ولفظه عند البخاري قوله ﵇: \"أرأيتكم ليلتكم هذه فإن رأس مائة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد\" رواه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء ح ٦٠١ (٢/ ٨٨)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب قوله - ﷺ -: \"لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم \"ح/ ٢٥٣٧، ٢٥٣٨ (١٦/ ٣٢٣، ٣٢٤).","vol":"1","page":655},{"text":"مفرد دخل عليه الألف واللام، وهي محتملة للعهد والجنس، وهي ههنا للعهد؛ لأن الأرض التي يخاطبون بها ويخبرون عن الكون فيها هي أرض العرب وما جرت عادتهم بالتصرف إليها، وفيها غالبًا دون أرض يأجوج ومأجوج، وأقاصي جزائر الهند والسند مما لا يقرع السمع اسمه، ولا يعلم علمه، ولا جواب عن حديث الدجال، وعلى الجملة: فمن يستدل في المباحث القطعية بمثل هذا العموم فليس لكلامه حاصل ولا مفهوم\" (^١).\nوالصحيح ما عليه جمهور العلماء من أنه قد مات كغيره من الناس، ولم يخص بالخلود في الحياة، والأدلة على ذلك كثيرة، منها:\n- ظاهر عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ [الأنبياء: ٣٤] (^٢).\n- ومنها قوله - ﷺ - في دعائه في معركة بدر: \"اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض\" (^٣) فلو كان الخضر حيًّا لعبد الله تعالى مع هلاك هذه العصابة.\n- ومنها إخباره - ﷺ - بأنه على رأس مائة سنة، من الليلة التي تكلم فيها بالحديث، لن يبقى على وجه الأرض أحد، ممن هو عليها تلك الليلة (^٤). فلو كان الخضر حيًّا في الأرض لما تأخر بعد المائة المذكورة.\n- ومنها أنه لو فرض وجود الخضر زمن النبي - ﷺ - لكان من أتباعه ولنصره، وقاتل معه؛ لأنه مبعوث إلى الثقلين الإنس والجن، وقد قال - ﷺ -: \"والذي\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٤٩٠).\n(^٢) سورة الأنبياء، الآية: ٣٤.\n(^٣) رواه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر ح ١٧٦٣ (١٢/ ٣٢٧).\n(^٤) سبق تخريجه ص (٦٥٥).","vol":"1","page":656},{"text":"نفسي بيده، لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلَّا أن يتبعني\" (^١) وإذا كان موسى ملزم باتباع النبي - ﷺ - لو كان حيًّا فالخضر من باب أولى\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>المطلب الخامس: نبوة النساء:</span>\nإن مما وقع فيه الخلاف في مسائل النبوة، نبوة النساء، فقد ذهب بعض العلماء إلى إثبات نبوة النساء، فقد صرَّح بعض العلماء بنبوة مريم، وآسية زوجة فرعون، وأم موسى، وحواء، وهاجر، وسارة، وذهب الجمهور إلى أن النبوة قاصرة على الرجال دون النساء، إذ من شروط النبوة الذكورة، كما قال في الدرة المضية:\nوشرط من أكرم بالنبوة ... حرية ذكورة كقوة (^٣)\nوالقرطبي -﵀- رجَّح نبوة مريم، وتردد في نبوة آسية حيث قال في إثبات نبوة مريم عند قوله - ﷺ -: \"خير نسائها مريم بنت عمران .. \" (^٤): \"هذا الضمير عائد على غير مذكور، لكنه تفسره الحال والمشاهدة .. فكأنه قال: خير نساء الدنيا: مريم بنت عمران، وهذا نحو حديث ابن عباس المتقدم الذي قال فيه: \"خير نساء العالمين مريم\" (^٥) ويشهد لهذه\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في مسند\" (٣/ ٣٨٧)، وابن أبي شبة في المصنف في كتاب الأدب، باب من كره النظر في كتب أهل الكتاب. وقال الألباني: الحديث عندي حسن لأن له طرقًا كثيرة عند اللالكائي والهروي وغيرهما. مشكاة المصابيح (١/ ٦٣) هامش (٢).\n(^٢) انظر: أضواء البيان للشنقيطي (٣/ ٣٢٨ - ٣٣١).\n(^٣) الدرة المضية في عقيدة الفرقة الرضية مع شرحها لوامع الأنوار البهية للسفاريني (٢/ ٢٦٥).\n(^٤) رواه البخاري في كتاب، أحاديث الأنبياء باب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢)﴾ [آل عمران: ٤٢] الآية ح ٣٤٣٢، (٦/ ٥٤٢) ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة أم المؤمنين﵂- ح ٢٤٣٠ (١٥/ ٢٠٧).\n(^٥) حديث ابن عباس المتقدم ذكر أفضل نساء أهل الجنة إنما جاء من قوله ﵇: \"خير نساء العالمين مريم بنت عمران وبنت خويلد، وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون \"=","vol":"1","page":657},{"text":"الأحاديث في تفضيل مريم: قول الله تعالى حكاية عن قول الملائكة لها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢)﴾ (^١) فظاهر القرآن والأحاديث يقتضي أن مريم أفضل من جميع نساء العالم من حواء إلى آخر امرأة تقوم عليها الساعة، ويعتضد هذا الظاهر بأنها صديقة ونبية بلغتها الملائكة الوحي عن الله تعالى بالتكليف والإخبار والبشارة وغير ذلك كما بلغته سائر الأنبياء، فهي إذًا نبية. وهذا أولى من قول من قال: إنها غير نبية، وإذا ثبت ذلك ولم يسمع في الصحيح أن في النساء نبية غيرها، فهي أفضل من كل النساء الأولين والآخرين إذ النبي أفضل من الولي بالإجماع (^٢).\nوعند قوله - ﷺ -: \"كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\" (^٣).\nقال القرطبي: \"لا شك أن أكمل نوع الإنسان: الأنبياء ثم تليهم الأولياء، ويعني بهم: الصديقين والشهداء والصالحين، وإذا تقرر هذا فقد قيل: إن الكمال المذكور في الحديث يعني به: النبوة، فيلزم أن تكون مريم وآسية نبيتين، وقد قيل بذلك، والصحيح: أن مريم نبية؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك، كما أوحى إلى سائر النبيين، وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها دلالة واضحة بل: على صديقيتها وفضيلتها فلو\n_________\n= أخرجه ابن حبان في صحيحه في ذكر فاطمة الزهراء.\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ٤٢.\n(^٢) المفهم (٦/ ٣١٤).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (وضرب الله مثلًا للذين آمنوا امرآة فرعون -إلى قوله- وكانت من القانتين) ح ٣٤١١ (٦/ ٥١٤)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة ﵂ ح ٢٤٣١ (١٥/ ٢٠٨).","vol":"1","page":658},{"text":"صحت لها نبوتها لما كان في الحديث إشكال فإنه يكون معناه: إن الأنبياء في الرجال كثير، وليس في النساء نبي إلَّا هاتين المرأتين، ومن عداهما من فضلاء النساء صديقات لا نبيَّات وحينئذ يصح أن تكونا أفضل نساء العالمين، والأولى أن يقال: إن الكمال المذكور في الحديث ليس مقصورًا على كمال الأنبياء بل يندرج معه كمال الأولياء\" (^١).\nوهذا الذي ذهب إليه القرطبي قد رجّحه الأشعري وابن حزم، وحجتهم في ذلك ما ذكره القرطبي من أن الله تعالى أوحى إليها وأرسل إليها ملكًا وأثبت غيره نبوة غير مريم. والصحيح خلاف ما ذكروه، إذ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣] (^٢)، وأما قولهم أن هذا في نفي الرسالة لا النبوة، فلا يوافقون عليه إذ الصحيح أن النبي مأمورٌ بالتبليغ كالرسول، وهذا يحتاج إلى مخالطة الناس وكثرة الاجتماع بهم إلى غير ذلك مما لا يتناسب مع طبيعة المرأة المأمورة بالحشمة والبعد عن الاختلاط.\nوأما الاستدلال بالكمال، فلا يلزم من إثبات الكمال حصول النبوة لأن الكمال يطلق على تمام الشيء وتناهيه في بابه، فالمراد بلوغها النهاية في جميع الفضائل التي للنساء (^٣).\nأما الاستدلال علي إثبات النبوة وجود الوحي فالجواب أن الوحي أنواع، منه وحي نبوة، ووحي إلهام، ووحي منام، كما هو معلوم من معنى الوحي في اللغة. وقد ثبت الوحي لغير مريم ممن لا يثبت القرطبي\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٣٣٢).\n(^٢) سورة النحل، الآية: ٤٣.\n(^٣) فتح الباري (٦/ ٥١٥).","vol":"1","page":659},{"text":"نبوتها كأم موسى، إذ قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ (^١). وقد نقل الطبري عن قتادة قوله في هذه الآية: \"وحيًا جاءها من الله فقذف في قلبها وليس بوحي نبوة\" (^٢).\nوأما مجيء الملك إلى مريم فلا حجة فيه؛ لأنه قد ثبت مجيء الملك لمن لا يشك في أنه ليس بنبي كالذي زار أخًا له في الله، فبعث الله إليه ملكًا يسأله عن سبب زيارته، فلما أخبره أنه يحبه في الله أعلمه الملك أن الله قد بعثه إليه ليخبره أنه يحبه (^٣).\nواما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ (^٤) فليس فيه حجة أيضًا؛ لأن الاصطفاء قد يكون اصطفاء هداية إلى دين الله تعالى وزيادة يقين ورسوخ إيمان، وقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (^٥) فالصحيح الذي تدل عليه الأدلة هو ما ذهب إليه جمهور العلماء، وذكر النووي أن الجويني ذكر الإجماع عليه، وهو عدم وجود نبية من النساء، وأن النبوة تقتصر على الرجال، وبهذا يتبين أن القول بنبوة بعض النساء قول ضعيف نقلًا وعقلًا، ولذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه من الأقوال المنكرة الشاذة التي يعجب منها (^٦).\n_________\n(^١) سورة القصص، الآية: ٧.\n(^٢) تفسير الطبري (١٠/ ٢٩).\n(^٣) وقد أخرج الحديث مسلم في صحيحه في كتاب البر والصلة، باب في فضل الحب في الله ح ٢٥٦٧ (١٦/ ٣٥٩).\n(^٤) سورة آل عمران، الآية: ٤٢.\n(^٥) سورة فاطر، الآية: ٣٢.\n(^٦) انظر: الفتاوى (٤/ ٣٩٦).","vol":"1","page":660},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>المبحث الثاني دلائل النبوة</span>\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: المعجزة والكرامة\nالمطلب الثاني: معجزاته ﵊\n١ - القرآن الكريم.\n٢ - خاتم النبوة.\n٣ - عصمته من الناس.\n٤ - انشقاق القمر.\n٥ - نطق الجمادات.\n٦ - الإخبار بالمغيبات.\n٧ - تكثير الطعام والشراب.\n٨ - نبع الماء من بين أصابعه.\n٩ - رمي الكفار بالتراب وإصابتهم جميعًا.\n١٠ - إجابة دعواته.","vol":"1","page":661},{"text":"اقتضت حكمة اللّة، تعالى أن لا يرسل رسولًا إلَّا ويؤيده بالدلائل الواضحة والبراهين الساطعة علي صدقه، وصحة نبوته، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ (^٢) أي بالمعجزات البينة، والشرائع الظاهرة، والعلامات الواضحة التي تدل على صدقهم (^٣)، وقال - ﷺ -: \"ما من الأنبياء نبي إلَّا أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر\" (^٤).\nقال القرطبي: \"الأنبياء دلَّت على صدقهم دلائل المعجزات (^٥)، فمن ارتاب في صدقهم فجوابه بالمعجزات التي تدل قطعًا على صحة أقوالهم وصواب أفعالهم\" (^٦).\nودلائل النبوة التي يؤيد الله تعالى بها رسله تختلف من نبي إلى آخر فليست محصورة في المعجزات وليست من نوع واحد إذ المراد من الآيات الدلالة على النبوة بأي دليل كان، ومنها المعجزات لكونها خارجة على القدرة البشرية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>المطلب الأول: المعجزة والكرامة:</span>\nكما يؤيد الله سبحانه رسله بالمعجزات، فإنه تعالى يكرم بعض\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ١٠١.\n(^٢) سورة الحديد، الآية: ٢٥.\n(^٣) انظر: فتح القدير للشوكاني (٥/ ١٧٧).\n(^٤) رواه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي - ﷺ -: \"بعثت بجوامع الكلم \" ح ٧٢٧٤ (١٣/ ٢١٦١)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - ﷺ - ح ١٥٢ (٢/ ٥٤٥).\n(^٥) المفهم (٧/ ٦).\n(^٦) انظر: المفهم (٥/ ٥٩٩).","vol":"1","page":663},{"text":"أوليائه بالكرامات، التي هي خوارق للعادات، في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات. والتصديق بها من أصول أهل السنة والجماعة (^١).\nوقد أنكرت طوائف من المبتدعة هذه الكرامات بدعوى أن هذا يؤدي إلى التباس النبي بالولي إذ لا تكون المعجزة دليلًا على صدق الأنبياء (^٢).\nولا شك أن هذا القول تدل على بطلانه النصوص من الكتاب والسنة (^٣)، وما تواتر نقله عن سلف الأمة. قال القرطبي: \"الكرامة تدل على حسن حال من ظهرت على يديه؛ لأن الكرامات تنسب لأولياء الله وهم أهل طاعته، لا إلى أولياء الشيطان، وهم أهل الفسق والعصيان، فلا يجوز نسبة الكرامات لأهل المعاصي إجماعًا\" (^٤).\nوقد بيَّن القرطبي الفرق بين النبي والمتنبيء فقال: وأما الفرق بين النبي والمتنبيء فالمعجزة لا تظهر على يدي المتنبيء لأنه يلزم منه انقلاب دليل الصدق دليل الكذب وهو محال\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الفتاوى لابن تيمية (٣/ ١٥٦)، ولوامع الأنوار للسفاريني (٢/ ٣٩٣).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية (١/ ١٦٧).\n(^٣) من ذلك قوله تعالى عن مريم: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾ [آل عمران: ٣٧]، وما جرى لأصحاب الكهف الذين ضرب الله تعالى على آذانهم في الكهف ثلاثمائة سنة، وازدادوا تسعًا، وحفظ الله أجسادهم هذه المدة الطويلة كما ذكر الله تعالى ذلك في سورة الكهف. وقد ذكر شيخ الإسلام جملة من كرامات الأولياء الثابتة. انظر: الفتاوى (١١/ ٢٧٦ - ٢٨١).\n(^٤) المفهم (٤/ ٤٢).\n(^٥) المفهم (٧/ ٢٦٩).","vol":"1","page":664},{"text":"وفرَّق المازري في خرق العادة بين النبي والولي والساحر، إذ قال: \"العادة تنخرق على يد النبي، وعلى يد الولي، وعلى يد الساحر، إلَّا أن النبي يتحدى بها، ويستعجز سائر الخلق، ويحكي عن الله سبحانه خرق العادة لتصديقه، فلو كان كاذبًا، لم تخرق العادة على يديه، ولو خرقها لأظهر على يد غيره من المعارضين له، مثل ما أظهر على يده. والولي والساحر لا يتحديان ولا يستعجزان الخليقة ليستدلوا على صدقهم وعلى نبوتهم، ولو حاولوا أشياء من ذلك لم تنخرق لهم العادة، أو تنخرق ولكنها تنخرق لمن يعارضهم وأما الولي والساحر، فإنهما يفترقان من طريق أخرى وهي أن الساحر يكون ذلك علمًا على فسقه وكفره، والولي لا يكون علمًا على ذلك اشيه فافترق حال الثلاثة بعضهم من بعض\" (^١).\nوقال أيضًا: \"إظهار المعجزة على يد الكذاب لا تصح فيقال: لم ظهرت على يد الدجال وهو كذاب؟ فيقال: لأنه يدعي الربوبية وأدلة الحدوث تحيل ما ادَّعاه وتكذبه. والنبي يدعي النبوة، وهي غير مستحيلة في البشر، وأتى بالدليل الذي لم يعارضه شيء فصدق\" (^٢).\nوقال القرطبي في بيان أن مذهب أهل السنة إثبات الكرامات: \"وقوع الكرامات للأولياء هو قول جمهور أهل السنة والعلماء لما وقع في الكتاب والسنة وأخبار صالحي هذه الأمة مما يدل على وقوعها وإنما محل الإنكار ادعاء وقوعها ممن ليس موصوفًا بشروطها، ولا هو أهل لها وادعاء كثرة وقوع ذلك دائمًا متكررًا حتى يلزم عليه، أن يرجع خرق العادة عادة وذلك إبطال لسنة الله وحسم السبل الموصولة إلى معرفة أنبياء الله\n_________\n(^١) المعلم (٣/ ٩٤).\n(^٢) المعلم (٣/ ٢١٤).","vol":"1","page":665},{"text":"تعالى\" (^١).\nوقد بيَّن القرطبي أن المعجزة التي تقع على يد الرسول لا يشترط فيها اقتران التحدي عند كل ظهور لها. لكن يكتفى بالإعلام أولًا بنبوته ودعوة الناس إلى تصديقه ومتابعته.\nقال: \"قوله - ﷺ -: \"الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله\" (^٢) عند وقوع ما أخبر به من الغيب دليل على أن ذلك من جملة معجزاته، وإن لم يقترن بها في تلك الحال تحد قولي وهذا على خلاف ما يقوله المتكلمون: إن من شروط المعجزة اقتران التحدي القولي بها، فإن لم تكن كذلك فالخارق كرامة لا معجزة والذي ينبغي أن يقال: إن ذلك لا يشترط بدليل أن الصحابة -﵃- كانوا كلما ظهر لهم خارق للعادة على يدي النبي - ﷺ - استدلوا بذلك على صدقه وثبوت رسالته ... ولم يصدر عنه مع شيء من ذلك تحدٍ بالقول عند وقوع تلك الخوارق، ومع ذلك فهي معجزات والذي ينبغي أن يقال: إن اقتران القول لا يلزم بل يكفي من ذلك قول كلي يتقدم الخوارق كقول الرسول - ﷺ - الدليل على صدقي ظهور الخوارق على يدي، فإن كل ما يظهر على يديه منها بعد ذلك يكون دليلًا على صدقه، وإن لم يقترن بها واحدًا واحدًا قول ويمكن أن يقال: إن قرينة حاله تدل على دوام التحدي فيتنزل ذلك منزلة اقتران القول\" (^٣).\nقد يفهم من هذه النقولات موافقة القرطبي والمازري للأشاعرة في مذهبهم في المعجزات، وإن كان القرطبي قد صرَّح بمخالفته لقول\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٥١٧).\n(^٢) سبق تخريجه ص (٢١٥).\n(^٣) المفهم (١/ ٣١٩، ٣٢٠).","vol":"1","page":666},{"text":"الأشاعرة في حصر دلالة صدق النبي على المعجزة، كما سبق نقل كلامه عند الحديث عن دلائل الربوبية (^١).\nوقول القرطبي هنا أن المعجزة لا يظهرها الله على يد كاذب صحيح، لكن الله تعالى يفعل ذلك لحكمة، وهو منزه تعالى عن ذلك، لا كما تعلل الأشاعرة بأن المعجزة هي الدليل الوحيد على صدق النبي، أو أن إظهارها على يد الكاذب يفضي إلى تعجيز الرب عن إثبات صدق أنبيائه (^٢).\nوأما جعلهم الفرق بين المعجزة والسحر والشعوذة هو فقط عدم المعارضة، وكونها جاءت على يد مدعي النبوة، فهذا فرقٌ ضعيفٌ، فإن من الناس من ادَّعى النبوة وكان كاذبًا وظهرت على يده بعض هذه الخوارق، فلم يُمنع منها، ولم يعارضه أحد، كما حدث للأسود العنسي ومسيلمة وغيرهما (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>المطلب الثاني: معجزاته ﵊:</span>\nمعجزات الأنبياء ﵈ مناسبة لحال أقوامهم حيث جاء موسى -﵇- بالعصا على صورة ما يضع السحرة لكنها تلقفت ما صنعوا، ولم يقع ذلك بعينه لغيره؛ لأنه جاء إلى قوم فشا فيهم السحر، وعيسى﵇- أرسل إلى قوم كثر فيهم الأطباء والحكماء، فأتاهم الله بمعجزة من جنس عملهم، لم تصل قدرتهم إليها، وكان العرب الذين بعث فيهم الرسول - ﷺ - بلغوا الغاية من البلاغة والفصاحة، فجاءهم تعالى بالقرآن المعجزة الخالدة الباقية إلى قيام الساعة، مع العديد من\n_________\n(^١) انظر: ص (١٩٨).\n(^٢) انظر: النبوات لابن تيمية (١/ ٦، ٧) والجواب الصحيح لابن تيمية (٦/ ٣٩٧).\n(^٣) انظر: النبوات ص (١٣، ١٤، ٢٠٣).","vol":"1","page":667},{"text":"معجزاته ﵊، التي جاءهم بها كانشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه وتكثير الطعام والإخبار عن المغيبات وغيرها من دلائل النبوة التي أيدَهُ بها ﷾.\nوأقف هنا مع بعض دلائل النبوة التي ذكرها القرطبي في المفهم والمازري في المعلم:\n١ - القرآن الكريم:\nالقرآن الكريم هو أعظم الآيات التي أعطيها رسولنا - ﷺ - بل أعظم آيات الرسل كلهم على الإطلاق آية دائمة باقية إلى قيام الساعة تحدى الله تعالى بها الفصحاء والبلغاء من العرب، بل من الإنس والجن: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨] (^١) بل لا يأتون بسورة من مثله قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس: ٣٨] (^٢). فهو المعجزة التي شاهدها من عاصر الرسول - ﷺ -، ومن أتى بعده إلى قيام الساعة.\nقال القرطبي عن هذه الآية: \"كل رسول أُيِّد بمعجزة تدل على صحة رسالته فيظهر صدقه، وتثبت حجته، كما قد علم من أحوالهم بما أخبرنا الله به وبينه عنهم غير أن معجزاتهم تنقرض بانقراضهم، فلا يبقى منها بعدهم إلَّا الإخبار بها وذلك قد يخفى مع توالي الأعصار ونبينا - ﷺ - وإن كان قد أعطي من كل نوع من أنواع معجزات الأنبياء قبله، كما قد أوضحناه في كتابنا المسمى بـ \"الإعلام بصحة نبوة محمد عليه أفضل\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ٨٨.\n(^٢) سورة يونس، الآية: ٣٨.","vol":"1","page":668},{"text":"الصلاة والسلام\" لكنه فُضل على جميعهم بالمعجزة العظمى الباقية ما بقيت الدنيا وهي: الكتاب العزيز الذي أعجزت السورة منه الجن والإنس أي تعجيز فإعجازه مشاهد بالعيان متجدد ما تعاقب الجديدان فمن ارتاب الآن في صدق قوله قيل له: فائت بسورة من مثله، ولما كانت هذه المعجزة قاطعة الظهور مستمرة مدى الدهور اشترك في معرفتها المتقدمون والمتأخرون واستوى في معرفة صدق محمد - ﷺ -: السابقون واللاحقون فدخل العقلاء في دينه دخولًا متتابعًا وحقق الله تعالى له رجاءه فكان أكثر الأنبياء تابعًا\" (^١).\n٢ - خاتم النبوة:\nإن من دلائل النبوة الحسية الظاهرة التي أُيد بها - ﷺ - ما جعل بين كتفيه من أصل خلقه من خاتم النبوة الظاهر لكل متأمل فقد جاء في حديث جابر بن سمرة﵁-: \"رأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده\" (^٢).\nقال القرطبي: خاتم النبوة من علاماته المعروفة في الكتب السابقة، وفي صدور علماء الملل السالفة، ولذا لما حصل عند سلمان الفارسي -﵁- العلم بصفاته وأحواله وعلاماته وموضع مبعثه ودار هجرته، جد في الطلب، حتى ظفر بما طلب، ولما لقيه جعل يتأمل ظهره، فعلم النبي - ﷺ - أنه يريد أن يقف على ما يعرفه من خاتم النبوة، فنزع رداءه من على ظهره، فلما رأى سلمان الخاتم، أكب عليه يقبله وهو\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٥٠).\n(^٢) رواه مسلم في كتاب الفضائل، باب إثبات خاتم النبوة وصفته، ومحله من جسده - ﷺ - ح ٢٣٤٤ (١٥/ ١٠٦).","vol":"1","page":669},{"text":"يقول: أشهد أنك رسول الله\" (^١).\n٣ - عصمته من الناس:\nمن دلائل نبوته -﵊- حفظ الله تعالى له من أعدائه، الذين كانوا يتربصون به، ويسعون للتخلص منه، ولكن الله تعالى تكفل بحفظه فلم يستطيعوا أن يصلوا إليه مع محاولاتهم المتكررة قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (^٢).\nوقد جاء في حديث جابر -﵁- قوله: \"غزونا مع رسول الله - ﷺ - غزوة قِبَل نجدٍ فأدْرَكَنا رسولُ الله - ﷺ - في وادٍ كثير العِضَاةِ فنزل رسول الله - ﷺ - تحت شجرة، فعلق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي، يستظلون بالشجر، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن رجلًا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظتُ وهو قائمُ على رأسي، فلم أشعر إلَّا والسيف صلتٌ في يده\" فقال لي: من يمنعك مني؟ قال: \"قلت الله! \" ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: \"قلت الله! \" قال: \"فشام السيف فها هو ذا جالس\" ثم لم يعرض له رسول الله - ﷺ -\" (^٣).\nقال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: \"لم يبال النبي - ﷺ - بقوله، ولا عرج عليه، ثقة منه بوعد الله، وتوكلًا عليه، وعلمًا منه بأنه ليس في الوجود فعل إلَّا لله تعالى، فإنه أعلم الناس بالله تعالى، وأشدهم له خشية، فأجابه بقوله: \"الله\" ثانية وثالثة، فلما سمع الرجل ذلك وشاهد تلك القوة\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ١٣٥).\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ٦٧.\n(^٣) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة ح ٢٩١٠ (٦/ ١١٣)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الخوف ح ٨٤٣ (٦/ ٣٧٧).","vol":"1","page":670},{"text":"التي فارق بها عادة الناس في مثل تلك الحال تحقق صدقه وعلم أنه لا يصل إليه بضرر.\nوهذا من أعظم الخوارق للعادة فإنه عدو متمكن بيده سيف شاهر وموت حاضر، ولا حال تغيرت، ولا روعة حصلت هذا محال في العادات، فوقوعه من أبلغ الكرامات، ومع اقتران التحدي به يكون من أوضح المعجزات\" (^١).\n٤ - انشقاق القمر:\nوهو من معجزاته ﵊ التي تحدى بها قومه ودعاهم بها إلى تصديقه والإيمان به، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾ (^٢).\nقال الطبري في تفسير هذه الآية: \"إن كفار مكة سألوا الرسول - ﷺ - آية فأراهم انشقاق القمر آية حجة على صدق قوله، وحقيقة نبوته، فلما أراهم أعرضوا وكذَّبوا\" (^٣).\nقال القرطبي: \"وقع ذلك الانشقاق على حقيقته، ووجد ذلك بمكة ومنى بعد أن سألت قريش رسول الله - ﷺ - آية، فأراهم انشقاقه على نحو ما ذكر من أن عبد الله بن مسعود أوضح كيفية هذا الانشقاق حتى لم يترك لقائل مقالًا، فقال: وكانت فلقة وراء الجبل، وفلقة دونه، وفي رواية: فسترت الجبل فلقة، وكانت فلقة فوق الجبل، ونحو ذلك قال ابن عمر - ﵄- وقد روى هذا الحديث جماعة كثيرة من الصحابة - ﵃- منهم: عبد الله بن مسعود وأنس، وابن عباس، وابن\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٦٣).\n(^٢) سورة القمر، الآيتان: ١، ٢.\n(^٣) تفسير الطبري، (١١/ ٥٤٤).","vol":"1","page":671},{"text":"عمر، وحذيفة، وعلي، وجبير بن مطعم، وغيرهم، وروى ذلك عن الصحابة أمثالهم من التابعين، ثم كذلك ينقله الجم الغفير والعدد الكثير إلى أن انتهى ذلك إلينا، وفاضت أنواره علينا، وانضاف إلى ذلك ما جاء من ذلك في القرآن المتواتر عند كل إنسان فقد حصل بهذه المعجزة العلم اليقين الذي لا يشك فيه أحدٌ من العاقلين\" (^١).\nوقد ردّ على الذين استبعدوا وقوعه أو كذبوه من بعض أهل الملة أو من الملاحدة قال في ختامه: \"والذي يحسم مادة الخلاف بين أهل ملتنا أن نقول: \"لا بعد في أن يكون الله تعالى خرق العادة في ذلك الوقت، فصرف جميع أهل الأرض عن الالتفات إلى القمر في تلك الساعة، لتختص مشاهدة تلك الآية بأهل مكة، كما اختصوا بأكثر مشاهدة آياته، كحنين الجذع، وتسبيح الحصى، وكلام الشجر، إلى غير ذلك من الخوارق التي شاهدوها ونقلوها إلى غيرهم، كما قد فصلنا ذلك في كتابنا المسمى \"الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإثبات نبوة نبينا محمد - ﷺ -\" وهذا الكلام خاصٌّ للمنكر للإنشقاق من أهل الإسلام، وأما الملاحدة فالكلام معهم في إبطال أصولهم الفاسدة\" (^٢).\n٥ - نطق الجمادات:\nمن دلائل نبوته - ﷺ - ما جاء في بعض الأحاديث من نطق الحجر والشجر تصديقًا له وآية لرسالته، قال - ﷺ -: \"إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن\" (^٣) قال القرطبي: \"يعني أنه كان\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ٤٠٣).\n(^٢) المفهم (٧/ ٤٠٤).\n(^٣) رواه مسلم في كتاب الفضائل، باب نسب الرسول - ﷺ - وتسليم الحجر عليه قبل النبوة ح ٢٢٧٧ (١٥/ ٤٢).","vol":"1","page":672},{"text":"يسلم عليه بالنبوة والرسالة، قبل أن يشافهه الملك بالرسالة، وقد سمع الكثير ممن حضر مجالسه تسبيح الحصى في كفه وحنين الجذع (^١) والمسجد قد غصَّ بأهله\" (^٢).\n٦ - الإخبار بالمغيبات:\nالغيب لا يعلمه إلَّا الله ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨)﴾ [فاطر: ٣٨] (^٣). ولكن قد يظهر الله تعالى بعض أمور الغيب لمن يشاء من عباده، كما أظهر سبحانه للخضر ما أخفاه عن موسى، وكما أظهر لموسى ﵇ وغيره من الأنبياء ما أخفاه عما سواهم قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ (^٤).\nولذا فالإخبار ببعض أمور الغيب، جعلها الله تعالى من دلائل النبوة، التي تدل على صدق الأنبياء -﵈- فيما يخبرون به. وقد وقع للرسول - ﷺ - من الإخبار ببعض أمور الغيب، فَوَقَعَ منها ماوقع ممَّا شوهد في حياته - ﷺ - ومنه ما حدث بعد ذلك، ومنه ما سيأتي. فمنها إخباره - ﷺ - أن أمره سيظهر وهو يومئذ بمكة بضيق ومحاصرة (^٥).\nقال القرطبي في هذا الخبر: \"وهذا من إخباره بالغيب، فهو داخل\n_________\n(^١) حنين الجذع جاء من حديث جابر ﵁ وغيره، قال: \"كان في مسجد رسول الله - ﷺ - جذع في قبلته يقوم إليه رسول الله - ﷺ - في خطبته، فلما وضع المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار حتى نزل رسول الله - ﷺ - فوضع يده عليه\" رواه البخاري في كتاب الجمعة باب الخطبة على المنبر ح ٩١٨ (٢/ ٤٦١).\n(^٢) المفهم (٦/ ٥١) بتصرف يسير.\n(^٣) سورة فاطر، الآية: ٣٨.\n(^٤) سورة الجن، الآيتان: ٢٦، ٢٧.\n(^٥) رواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب إسلام عمرو بن عبسة ح ٨٣٢ (٦/ ٣٦٢).","vol":"1","page":673},{"text":"في باب دلالات نبوته، فإنه أخبر عن غيب وقع على نحو ما أخبر عنه\" (^١).\nوعند قوله - ﷺ - عن الخوارج: \"يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان\" (^٢).\nقال القرطبي: \"هذا منه - ﷺ - إخبار عن أمر غيب وقع على نحو ما أخبر عنه، فكان من أدلة نبوته - ﷺ -، وذلك أنهم لما حكموا بكفر من خرجوا عليه من المسلمين استباحوا دماءهم، وتركوا أهل الذمة وقالوا: نفي لهم بذمتهم، وعدلوا عن قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين\" (^٣).\nوعند إخباره - ﷺ - بفتح اليمن والشام والعراق (^٤). قال القرطبي: \"وهذا الحديث من دلائل نبوته وصدقه - ﷺ - فإنه أخبر بوقوع أمور قبل وقوعها، ثم وقعت بعد ذلك على نحو خبره، فكان ذلك دليلًا على صدقه\" (^٥).\nوهذا في السنة كثير يصعب حصره، وقد بيَّن القرطبي عند شرحه لأمثال هذه الأحاديث المخبرة ببعض أمور الغيب التي وقعت كما أخبر بها - ﷺ - أن هذا من دلائل نبوته، وعلامات صدق رسالته، فقد قال عند ذكر أحد هذه الأخبار: \"هذا من المعجزات الغيبية وهي من الكثرة بحيث لا تحصى، يحصل بمجموعها العلم القطعي بأن النبي - ﷺ - كان يعلم كثيرًا من\n_________\n(^١) المفهم (٢/ ٤٦١).\n(^٢) سبق تخريجه ص (٣٧٠).\n(^٣) المفهم (٣/ ١١٤).\n(^٤) رواه البخاري في كتاب فضائل المدينة، باب من رغب عن المدينة ح ١٨٧٥ (٤/ ١٠٧)، ومسلم في كتاب الحج، باب الترغيب في المدينة عند فتح الأمصار ح ١٣٨٨ (٩/ ١٦٧).\n(^٥) المفهم (٣/ ٥٠٠).","vol":"1","page":674},{"text":"علم الغيب الذي لا يعلمه إلَّا الله، أو من ارتضاه من الرسل، فأطلعه الله عليه، والنبي - ﷺ - قد أطلعه الله عليه فهو رسول من أفضل الرسل (^١) \" (^٢).\n٧ - تكثير الطعام والشراب:\nوقد وقع من ذلك كثير، منها ما جاء في حديث إياس بن سلمة عن أبيه، قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة، فأصابنا جهد، حتى هممنا أن ننحر بعض دوابنا، فأمر نبي الله - ﷺ - فجمعنا أزوادنا، فبسطنا له نطعًا، فاجتمع زاد القوم على النطع، قال: فتطاولت لأحزره (^٣) كم هو، فحزرته كربضة العنز، ونحن أربع عشرة مئة، قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعًا، ثم حشونا جربنا، فقال نبي الله - ﷺ -: \"فهل من وضوء؟ \" فجاء رجل بإداوة فيها نطفة، فأفرغها في قدح فتوضأنا كلنا نُدَغْفِقُةُ دغفقةً (^٤) أربع عشرة مئة\" (^٥).\nقال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: \"هذا الحديث قد اشتمل على معجزتين من معجزات النبي - ﷺ - في الطعام والشراب، وقد وقع ذلك منه مراتٍ كثيرة، ورُوي من طرق عديدة، ووقع منه في جموع كثيرة، ومشاهد عظيمة، فهي من معجزاته المتواترة وكراماته المتظاهرة\" (^٦).\nوقال المازري عند شرحه لهذا الحديث: \"هذا أحد معجزاته - ﷺ - تكثير الماء، وتكثير الطعام، والباري سبحانه قادرٌ على خرق العادات،\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٥٨).\n(^٢) انظر: المفهم (٢/ ١٢٠، ١٣٣، ٣/ ٦١٧، ٦٢٧، ٦٨٣، ٧٥٤، ٧٦٠، ٤/ ٥٨. ٥٤٧، ٥/ ٣٠٩، ٤٠٣، ٦/ ٢٧٤، ٢٩١، ٢٩٦، ٤١٥، ٤٤٣، ٤٩٨، ٤٩٩، ٥٠٦، ٥٧٢، ٧٠٥، ٧/ ٢١٧).\n(^٣) أي: لأعلم مقداره.\n(^٤) أي: نأخذ منه ونصب على أيدينا صبًّا شديدًا.\n(^٥) رواه مسلم في كتاب اللقطة، باب استحباب خلط الأزواد إذا قلت ح ١٧٢٩ (١٢/ ٢٧٦).\n(^٦) المفهم (٥/ ٢٠٣)، وانظر: المفهم (٢/ ٣٢١، ٥/ ٣٠٨، ٦/ ٥٦).","vol":"1","page":675},{"text":"فيمكن أن يكون كلما أكل منه جزء خلق الباري -جلت قدرته- جزءًا آخر يخلفه، وكذلك في الماء.\nومعجزات النبي - ﷺ - ضروب: فأما القرآن فمنقول تواترًا، أما مثل هذه المعجزة فلك فيها طريقان:\nأحدهما: أن نقول تواترت على المعنى كتواتر جود حاتم، وحلم الأحنف، فإنه لا تنقل قصة بعينها في ذلك تواترًا ولكن تكاثرت القصص من جهة الآحاد حتى صار محصولها التواتر بالكرم والحلم، وكذلك تواترت معجزات سوى القرآن حتى ثبت انخراق العادة له - ﷺ - بغير القرآن.\nوالطريق الثانية: أن نقول فإن الصاحب إذا روى مثل هذا الأمر العجيب وأحال على حضوره فيه مع سائر الصحابة وهم يسمعون روايته ودعواه حضورهم معه، ولا ينكرون ذلك عليه، فإن ذلك تصديق له يوجب العلم بصحة ما قال\" (^١).\nوقد أشار أيضًا إلى هذه المعجزة، والتي قبلها عند شرحه لحديث أبي قتادة حيث توضأ - ﷺ - في أحد الغزوات من ميضأة أبي قتادة، ثم أمره أن يحتفظ بها؛ وأخبره - ﷺ - أنه سيكون لها نبأ، ثم طلبها منه - ﷺ - لما عطش الناس، وفُقِدَ الماء، فجعل رسول الله - ﷺ - يصب وأبو قتادة يسقيهم حتى شربوا وتوضؤوا جميعًا (^٢). حيث قال: \"هذا فيه للنبي - ﷺ - معجزتان: قولية وفعلية، فالقولية: إخباره ﵇ بالغيب، وأنها سيكون لها نبأ، والفعلية: تكثير الماء القليل\" (^٣).\n_________\n(^١) المعلم (٢/ ٢٧١).\n(^٢) رواه مسلم في كتاب المساجد، ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة ح ٦٨٠ (٥/ ١٨٨).\n(^٣) المعلم (١/ ٢٩٥).","vol":"1","page":676},{"text":"٨ - نبع الماء من بين أصابعه:\nوهي من دلائل نبوته التي شاهدها الصحابة -﵃- في أكثر من موضع، حيث جاء في حديث أنس﵁- قال: رأيت رسول الله - ﷺ - وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء، فلم يجدوه، فأُتي رسول الله - ﷺ - بوضوء فوضع رسول الله - ﷺ - في ذلك الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضؤوا منه، قال: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه فتوضأ الناسُ حتى توضؤوا من عند آخرهم\" (^١).\nقال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: \"هذه المعجزة تكررت من النبي - ﷺ - مرات عديدة، في مشاهد عظيمة، وجموع كثيرة، بلغتنا بطرق صحيحة من رواية أنس، وعبدالله بن مسعود، وجابر، وعمران بن حصين، وغيرهم، ممن يحصل بمجموع أخبارهم العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي، وبهذا الطريق: حصل لنا العلم بأكثر معجزاته الدالة على صدق رسالاته، كما قد ذكرنا جملة من ذلك في كتاب \"الإعلام\" وهذه المعجزة أبلغ من معجزة موسى ﵇ في نبع الماء من الحجر من ضربه بالعصا إذ من المألوف نبع الماء من بعض الحجارة فأما نبعه من بين عظم ولحم وعصب ودم فشيء لم يسمع بمثله ولا تُحُدِّث به عن غيره\" (^٢).\n٩ - رمي الكفار بالتراب وإصابتهم جميعًا:\nجاء في حديث العباس بن عبد المطلب -﵁- في ذكر غزوة حنين قال: ثم أخذ رسول الله - ﷺ - حصيات فرمى بهن وجوه الكفار،\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب الوضوء، باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة ح ١٦٩ (١/ ٣٢٥)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي - ﷺ - ح ٢٢٧٩ (١٥/ ٤٤).\n(^٢) المفهم (٦/ ٥٢)، وانظر أيضًا: (٦/ ٨٠).","vol":"1","page":677},{"text":"ثم قال: \"انهَزَمُوا وربّ محمد\" قال: فذهبت انظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى قال: فوالله ما هو إلَّا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى أحدهم كليلًا وأمرهم مدبرًا\" (^١).\nقال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: \"رميه - ﷺ - في وجوه الكفار بالتراب، وإصابته أعين جميعهم من أعظم معجزاته، إذ ليس في قوة البشر إيصال ذلك إلى أعينهم، ولا يسع كفه ما يعمهم، وإنما كان ذلك من صنع الله لنبيه - ﷺ -، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (^٢) \" (^٣).\n١٠ - إجابة دعواته:\nإن من دلائل نبوته - ﷺ - استجابة دعائه فكان ﵊ إذا دعا استجاب الله تعالى له، وقد وقع ذلك كثيرًا، وجاءت السنة به، فمنها: دعوته ﵊ على أبي جهل وعتبة، وشيبة، ومن معهم، عند اشتداد أذاهم، فصرعوا في بدر جميع الذين سمَّاهم - ﷺ - (^٤).\nقال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: \"وإجابة الله تعالى لنبيه - ﷺ - في مثل هذا الدعاء من أدلة نبوته وصحتها\" (^٥).\nوقد بيَّن القرطبي في عدة مواضع عند ذكر أمثال هذا الحديث. أن استجابة دعوته -﵊- من دلائل نبوته (^٦).\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين ح ١٧٧٥ (١٢/ ٣٥٥).\n(^٢) سورة الأنفال، الآية: ١٧.\n(^٣) المفهم (٣/ ٦١٧).\n(^٤) رواه البخاري في كتاب الوضوء باب إذا وضع على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته ح ٢٤٠ (١/ ٤١٦)، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين ح ١٧٩٤ (١٢/ ٣٩٣).\n(^٥) المفهم (٣/ ٦٥٤).\n(^٦) انظر: المفهم (٢/ ٥٤٦، ٣/ ٣٩٤، ٤/ ٥٥٠، ٥/ ٢٩٧، ٣٣٤، ٦/ ٤٠٤).","vol":"1","page":678},{"text":"وقال في موضع آخر: \"هذه من بعض دعوات النبي - ﷺ - المعجلة الإجابة، وهي من الكثرة بحيث تفوق الحصر، ويحصل بمجموعها القطع، بأن الله تعالى قد أكرم محمدًا - ﷺ - بإجابة دعواته، وأسعفه في كثير من طلباته، وكل ذلك يدل على مكانته وصدق رسالته\" (^١).\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٦٨).","vol":"1","page":679},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>المبحث الثالث عصمة الأنبياء</span>\nأرسل الله ﷾ إلى الناس رسلًا منهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (^١). وقد بيَّن الرسل ﵈ لأقوامهم أنهم من البشر، كما قال تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (^٢). فهم من البشر، لكن الله تعالى من عليهم فجعلهم خير البشر، ووضعهم في المكانة العليا من الكمال البشري، فحفظهم تعالى مما لا يليق بمكانتهم، ولا يتناسب مع رسالتهم. وهذا لا يتنافى مع بشريتهم التي بمقتضاها يحتاجون إلى الطعام والشراب، ويصيبهم ما يصيب البشر من الأمراض والأسقام والابتلاء والموت، قال لقرطبي: \"الأنبياء من البشر يجوز عليهم من الأمراض والآلام، والغضب، والضجر، والعجز، والسحر، والعين، وغير ذلك ما يجوز على البشر\" (^٣).\nوقال المازري: \"النبي - ﷺ - معصوم من أن يكذب على الله، أو يفسد ما يبلغه عنه، وهو مع هذا غير معصوم من الأمراض، وما يكون من بعض عوارضها، مما لايعود بنقص في منزلته، ولا فساد فيما مهد من شريعته\" (^٤).\nأما بالنسبة لعصمة الأنبياء: فالإجماع قد انعقد على عصمتهم\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٦٤.\n(^٢) سورة إبراهيم، الآية: ١١.\n(^٣) المفهم (٥/ ٥٧٠).\n(^٤) المعلم (٢/ ٢٣٤).","vol":"1","page":680},{"text":"- ﵈- من الكذب أو الخطأ في التبليغ. قال ابن تيمية: \"فالأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه، وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة، ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوه\" (^١).\nفلا خلاف في عصمتهم في تحمل الرسالة والتبليغ عن الله تعالى فلا ينسون شيئًا مما أوحاه الله إليهم، ولا يكتمون شيئًا، قال تعالي: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (^٣).\nقال الشنقيطي: \"واعلم أن جميع العلماء أجمعوا على عصمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في كل ما يتعلق بالتبليغ\" (^٤).\nقال القرطبي: \"الأنبياء معصومون عما يناقض دلالة المعجزة من معرفة الله تعالى، والصدق والعصمة عن الغلط في التبليغ، وعن هذا المعنى عبر الله تعالى بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ (^٥) من حيث البشرية: يجوز عليهم ما يجوز عليهم ومن حيث الخاصية النبوية: امتاز عنهم وهو الذي شهد له العلي الأعلى بأن بصره ما زاغ وما طغى وبأن فؤاده ما كذب ما رأى، وبأن قوله وحي يوحى وأنه ما ينطق عن الهوى\" (^٦).\nوقال المازري: \"الأنبياء -﵈- معصومون من الكذب فيما طريقه البلاغ عن الله سبحانه، قل ذلك أو جل؛ لأن المعجزة تدل\n_________\n(^١) الفتاوى (١٠/ ٢٨٩).\n(^٢) سورة المائدة، الَاية: ٦٧.\n(^٣) سورة النجم، الآيتان: ٣، ٤.\n(^٤) أضواء البيان (٤/ ١٠٥).\n(^٥) سور الكهف، الآية: ١١٠.\n(^٦) المفهم (٥/ ٥٧٠)، وانظر: المفهم (٦/ ١٦٧).","vol":"1","page":681},{"text":"على صدقهم في ذلك\" (^١).\nوأما المعاصي: فالكبائر لا شك أنهم في عصمة منها، وأما الصغائر التي لا تزري بمكانتهم: فقد وقع الخلاف فيها بين أهل العلم، فذهب بعض العلماء إلى عصمتهم من الصغائر؛ لأن القول بوقوعهم فيها ينافي الاقتداء بهم والأمر بمتابعتهم إذ كيف يصح متابعتهم على المعصية؟ (^٢).\nوذهب عامة العلماء إلى جواز وقوع الصغائر، منهم من دون إصرار عليها، ولا ملازمة لها، وقد جاءت النصوص في إثبات وقوع ذلك من الأنبياء ومعاتبة الله تعالى لهم. قال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (^٣) وموسى -﵇- لما قتل القبطي، قال الله تعالى عنه: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ﴾ (^٤)، وداود ﵇ قال الله تعالى عنه: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾ (^٥) ففي مسارعتهم إلى التوبة وإنابتهم إلى ربهم زيادة في حسناتهم، ورفعة في درجاتهم.\nوأما القول بأن الوقوع في الصغائر يقدح بالتأسي فليس بصحيح، إذ التأسي يكون فيما يُقرّون عليه، كما أن النسخ جائز فيما يبلغون من الأمر والنهي، وليس تجويز ذلك مانعًا من وجوب الطاعة؛ لأن الطاعة تجب فيما لم ينسخ، فعدم النسخ يقرر الحكم، وعدم الإنكار يقرر الفعل،\n_________\n(^١) المعلم (٣/ ١٣١).\n(^٢) منهم: ابن الجوزي والحافظ ابن حجر وغيرهما. انظر: فتح الباري (١١/ ١٠٥).\n(^٣) سورة طه، الآيتان: ١٢١، ١٢٢.\n(^٤) سورة القصص، الآيتان: ١٥، ١٦.\n(^٥) سورة ص، الآيتان: ٢٤، ٢٥.","vol":"1","page":682},{"text":"والأصل عدم كل منهما (^١).\nوقد جعل شيخ الإسلام هذا القول أحد قولين متطرفين في مسألة العصمة، حيث قال: \"واعلم أن المنحرفين في مسألة العصمة على طرفي نقيض كلاهما مخالف لكتاب الله من بعض الوجوه: قوم أفرطوا في دعوى امتناع الذنوب، حتى حرفوا نصوص القرآن المخبرة بما وقع منهم من التوبة من الذنوب ومغفرة الله لهم ورفع درجاتهم بذلك، وقوم أفرطوا في أن ذكروا عنهم ما دلَّ القرآن على براءتهم منه وأضافوا إليهم ذنوبًا وعيوبًا نزههم الله عنها، وهؤلاء مخالفون للقرآن، ومن اتبع القرآن على ما هو عليه من غير تحريف كان من الأمة الوسط مهتديًا إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين (^٢).\nفالقول الوسط في هذه المسألة هو أن الصغائر يجوز وقوعها من الأنبياء، ولكنهم لا يُقرّون عليها، ويسارعون بالتوبة منها، ولذا لم يذكر الله تعالى عن نبي شيئًا من ذلك إلَّا مقرونًا بالتوبة منه، وتوبة الله عليه.\nوهذا ما ذهب إليه القرطبي حيث قال: \"اختلف الناس في عصمة الأنبياء من الذنوب اختلافًا كثيرًا، والذي ينبغي أن يقال: إن الأنبياء معصومون مما يناقض مدلول المعجزة عقلًا، كالكفر بالله تعالى والكذب عليه، والتحريف في التبليغ والخطأ فيه، ومعصومون من الكبائر، وعن الصغائر التي تزري بفاعلها، وتحط منزلته، وتسقط مروءته إجماعًا ... واختلف أئمتنا في وقوع الصغائر منهم، فمن قائل: بالوقوع ومن قائل: بمنع ذلك، والقول الوسط في ذلك: أن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم وعاتبهم عليها وأخبروا بها عن نفوسهم وتنصلوا\n_________\n(^١) الفتاوي لابن تيمية (١٥/ ١٤٨، ١٠/ ٢٩٣).\n(^٢) الفتاوي (١٥/ ١٥٠).","vol":"1","page":683},{"text":"منها، واستغفروا وتابوا وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا تقبل التأويلات بجملتها، وإن قبل ذلك آحادها لكن الذي ينبغي أن يقال: إن الذي أضيف إليهم من الذنوب ليس من قبيل الكبائر، ولا مما يزري بمناصبهم على ما تقدم ولا كثر منهم وقوع ذلك، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم، وعوتبوا عليها يخف أمرها بالنسبة إلى غيرهم، وإنما عُدِّدَتْ عليهم، وعوتبوا عليها بالنسبة إلى مناصبهم وعلو أقدارهم ... فهم وإن كانوا قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم، فلم يخل ذلك بمناصبهم، ولا قدح ذلك في رتبتهم، بل قد تلافاهم واجتباهم وهداهم، ومدحهم وزكَّاهم، واختارهم، واصطفاهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إلى يوم الدين، والكلام على هذه المسألة تفصيلًا يستدعي تطويلًا، وفيما ذكرناه كفاية والله الموفق للهداية (^١).\nوقال المازري: \"أما الكبائر: فهو -﵇- معصوم منها إجماعًا، وأما الصغائر: فإن المجيزين لوقوعها من الرسل يمنعون أن تضاف إليه - ﷺ - على جهة الانتقاص (^٢).\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٤٣٥، ٤٣٤).\n(^٢) المعلم (٢/ ٢٤).","vol":"1","page":684},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>المبحث الرابع خصائص نبينا محمد - ﷺ </span>-\nلقد منَّ الله تعالى علينا إذ جعلنا من أمة هذا النبي الكريم الذي كمله ربه تعالى بالخصال الحميدة، وخصَّه بالصفات الجميلة والمناقب الفريدة، والمقامات المحمودة التي لم تكن لما سواه من المرسلين فضلًا عن سائر الخلق أجمعين. \"فالله سبحانه قد خصَّ نبينا - ﷺ - من كرم الخُلُق ومن طيب النفس، ومن مقام الفتوة بما لم يخص به أحدًا غيره، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤﴾ (^١) وبقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (^٢) \" (^٣).\nوأكرمه ﷾ بكمال معرفته وشدة خشيته فصار به - ﷺ - في المقام الأعلى.\nقال القرطبي: \"إنما كان النبي - ﷺ - أعلم الناس بالله، لما خصه الله تعالى به في أصل الخلقة، من كمال الفطنة وجودة القريحة، وسداد النظر وسرعة الإدراك، ولما رفع الله عنه من موانع الإدراك، وقواطع النظر قبل تمامه، ومن اجتمعت له هذه الأمور، سهل عليه الوصول إلى العلوم النظرية، وصارت في حقه كالضرورية، ثم إن الله تعالى قد أطلعه من علم صفاته، وأحكامه وأحوال العالم كله ما لم يُطْلع عليه غيره وهذا كله معلوم من حاله - ﷺ - بالعقل الصريح والنقل الصحيح، وإذا كان في علمه بالله تعالى أعلم الناس لزم أن يكون أخشى الناس لله تعالى لأن الخشية منبعثة عن\n_________\n(^١) سورة القلم، الآية: ٤.\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ١٢٨.\n(^٣) المفهم (١/ ٤٥٥).","vol":"1","page":685},{"text":"العلم وبحسبه كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^١) \" (^٢).\nوهذه المقامات له - ﷺ - لا تستغرب إذا عُلم أن الله تعالى اصطفاه وجعله مختارًا من خيار الناس، كما قال - ﷺ -: \"إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم\" (^٣).\nقال القرطبي: \" ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ (^٤) قد اصطفى الله تعالى من هذا الجنس الحيواني نوع بني آدم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ (^٥) يكفيك من ذلك كله: أن الله تعالى خلق العالم كله لأجله، كما صرح بذلك عنه لما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾ [الجاثية: ١٣] (^٦) ثم إن الله تعالى اختار من هذا النوع الإنساني من جعله معدن نبوته، ومحل رسالته، فأولهم آدم -﵊- ثم إن الله اختار من نطفته نطفة كريمة، فلم يزل ينقلها من الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة فكان منها الأنبياء والرسل كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ (^٧) ثم إن الله تعالى اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل وإسحاق، كما قال:\n_________\n(^١) سورة فاطر، الآية: ٢٨.\n(^٢) المفهم (٦/ ١٥٠).\n(^٣) رواه مسلم في كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي - ﷺ - ح ٢٢٧٦ (١٥/ ٤١).\n(^٤) سورة القصص، الآية: ٦٨.\n(^٥) سورة الإسراء، الآية: ٧٠.\n(^٦) سورة الجاثية، الآية: ١٣.\n(^٧) سورة آل عمران، الآيتان: ٣٣، ٣٤.","vol":"1","page":686},{"text":"﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ (^١) ثم إن الله تعالى اصطفى من ولد إسماعيل كنانة كما ذكرهم النبي - ﷺ - في هذا الحديث ثم إن الله تعالى ختمهم بختامهم وأمَّهم بإمامهم وشرفهم بصدر كتيبتهم، وبيت قصيدهم شمس ضحاها هلال ليلتها در تقاصيرها (^٢) زبرجدها وهو محمد - ﷺ - أخَّره عن الأنبياء زمانًا، وقدَّمه عليهم رتبة ومكانًا جعله الله واسطة النظام وكمل بكماله أولئك الملأ الكرام وخصَّه من بينهم بالمقام المحمود في اليوم المشهود\" (^٣).\n\"فالله تعالى قد حمده بما لم يحمد به أحدًا من الخلق وأعطاه من المحامد ما لم يعط مثله أحدًا من الخلق ويلهمه يوم القيامة من محامده، ما لم يلهمه أحدًا من الخلق، وقد حمده أهل السموات والأرض والدنيا والآخرة\" (^٤). نسأل الله تعالى أن يميتنا على ملته ويحشرنا في زمرته.\nوأذكر هنا خصائصه - ﷺ - بالتفصيل التي ذكرها القرطبي أو المازري وهي كما يلي:\n١ - خاتم الأنبياء:\nلقد بعث الله تعالى الرسل مبشرين ومنذرين، قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (^٥)، وما من أمة إلَّا بعث فيها رسول، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (^٦). ولذا تتابع الرسل -﵈- واحدًا بعد\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ١٦٣.\n(^٢) جمع تقصارة وهي: القلادة انظر: لسان العرب (٥/ ١٠٢).\n(^٣) المفهم (٦/ ٤٧).\n(^٤) المفهم (٦/ ١٤٥).\n(^٥) سورة النساء، الآية: ١٦٥.\n(^٦) سورة فاطر، الآية: ٢٤.","vol":"1","page":687},{"text":"الأخر، حتى ختمهم الله جلَّ وعلا بصفوة خلقه، وأفضل رسله، فجعل من خصائص هذا النبي الكريم أنه آخر الرسل، كما قال - ﷺ -: \"مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارًا فأتمها وأكملها، إلَّا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها، ويقولون: لولا موضع اللبنة! فأنا موضع اللبنة جئت فختمتُ الأنبياء\" (^١).\nقال القرطبي في شرح هذا الحديث: \"مقصود هذا المثل أن يبين به - ﷺ - أن الله ختم به النبيين والمرسلين، وتمم به ما سبق في علمه إظهاره من مكارم الأخلاق وشرائع الإسلام، فيه كَمُلَ النظام، وهو ختمُ الأنبياء والرسل الكرام صلى الله عليه وعلى آله أفضل صلاة وسلم عليه أبلغ سلام\" (^٢).\nولذا انقطعت النبوة بعده - ﷺ - كما قال ﵇: \"إنه لا نبي بعدي\" (^٣) قال القرطبي: \"هذا النفي عام في الأنبياء والرسل؛ لأن الرسول نبي وزيادة، وقد جاء نصًّا في كتاب الترمذي قوله: \"لا نبي بعدي ولا رسول\" (^٤) وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (^٥) ومن أسمائه في الكتب القديمة وفيما أطلقته هذه الأمة: خاتم الأنبياء، ومما سمى به نفسه: العاقب، والمقفي، فالعاقب: الذي يعقبُ الأنبياء،\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب المناقب، باب خاتم النبيين - ﷺ - ح ٣٥٣٤ (٦/ ٦٤٥)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب ذكر كونه - ﷺ - خاتم النبيين ح ٢٢٨٧ (١٥/ ٥٧).\n(^٢) المفهم (٦/ ٨٨).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل ح ٣٤٥٥ (٦/ ٥٧١)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول فالأول ح ١٨٤٢ (١٢/ ٤٧٣).\n(^٤) رواه الترمذي في أبواب الرؤيا، باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات، وقال: حديث حسن صحيح غريب وصحح إسناده الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٢٥٨).\n(^٥) سورة الأحزاب، الآية: ٤٠.","vol":"1","page":688},{"text":"والمقفي: الذي يقفوهم أي: يكون بعدهم، وعلى الجملة: هو أمر مجمع عليه معلوم من دين هذه الأمة، فمن ادعى أن بعده نبيًّا أو رسولًا، فإن كان مُسرًّا لذلك واطُلع بالشهادة المعتبرة قُتِلَ قَتْلَة زنديق، فإن صرَّح بذلك فهو مرتد يستتاب، فإن تاب وإلَّا قُتِل قتلة مرتد\" (^١).\n٢ - الشفاعة:\nمن الخصائص التي أُكرم بها - ﷺ - وخُص بها دون الرسل -﵈- الشفاعة العامة لأهل المحشر يوم القيامة، وقد جاء إثباتها في الحديث الطويل الذي جاء فيه قوله - ﷺ -: \"أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون بم ذلك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم، فيأتون آدم -ثم ذكر مجيئهم لآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈، وكلهم يعتذر حتى قال: فيأتوني فيقولون: يا محمد! أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا لربي، ثم يفتح الله عليَّ، ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه لأحد قبلي، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك سل تعطه اشفع تشفع\" (^٢).\n_________\n(^١) المفهم (٤/ ٤٨).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ ح ٣٣٤٠ (٦/ ٤٢٨)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة ح ١٩٤ (٦٦/ ٣).","vol":"1","page":689},{"text":"قال القرطبي: \"محمد - ﷺ - أخَّره عن الأنبياء زمانًا وقدَّمه رتبةً ومكانًا جعله الله واسطة النظام وكمل بكماله أولئك الملأ الكرام، وخصه من بينهم بالمقام المحمود في اليوم المشهود، فهو شفيعهم إذا استشفعوا، وقائدهم إذا وفدوا، وخطيبهم إذا جمعوا وسيدهم إذا ذكروا ... الناس كلهم إذا جمعهم موقف القيامة، وطال عليهم، وعظم كربهم، طلبوا من يشفع لهم إلى الله تعالى في إراحتهم من موقفهم، فيبدؤون بآدم -﵇- فيسألونه الشفاعة فيقول: نفسي نفسي لست لها وهكذا يقول من سُئلها من الأنبياء حتى ينتهي الأمر إلى سيدنا محمد - ﷺ - فيقول: \"أنا لها\" فيقوم في أرفع مقام ويخص بما لا يحصى من المعارف والإلهام وينادى بألطف خطاب وأعظم إكرام: يا محمد! قل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع وهذا مقام لم ينله أحد من الأنام ولا سمع بمثله لأحد من الملائكة الكرام\" (^١).\nهذا في شفاعته العامة لأهل المحشر إذ لا شافع في هذا المقام غيره ومن خصائصه أيضًا فيما يتعلق بالشفاعة أنه أول شافع يوم القيامة في الشفاعات الأخرى غير العامة وقد قال - ﷺ -: \"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع\" (^٢).\nقال القرطبي في شرح هذا الحديث: \"مقصود هذا الحديث أن يبين أنه لا يتقدمه شافع، لا من الملائكة ولا من النبيين، ولا من المؤمنين في جميع أقسام الشفاعات، على أن الشفاعة العامة لأهل الموقف خاصة لا تكون لغيره. وهذه المنزلة أعظم المراتب وأشرف المناقب\" (^٣).\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٤٧).\n(^٢) سبق تخريجه ص (٦٤٦).\n(^٣) المفهم (٦/ ٤٩).","vol":"1","page":690},{"text":"٣ - الوسيلة:\nومما خص الله تعالى به نبينا - ﷺ - الوسيلة وهي: منزلة رفيعة في الجنة، قال - ﷺ -: \"واسألوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلَّا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو\" (^١).\nقال القرطبي: \"قوله: \"وأرجو أن أكون أنا هو\" قال هذا - ﷺ - قبل أن يبان له أنه صاحبها، إذ قد أخبر أنه يقوم مقامًا لا يقومه أحد غيره، ويحمد الله محامد لم يُلهمها أحد غيره\" (^٢).\n٤ - الكوثر:\nوهو الحوض المورود، الذي خص الله تعالى به نبينا محمدًا - ﷺ - في ذلك اليوم العظيم -وسيأتي تفصيل ذلك- فهو من خصائصه التي لم تكن لغيره.\nقال القرطبي: \"إن الله تعالى قد خصَّ نبيه محمدًا - ﷺ - بالكوثر، الذي هو الحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه وآنيته في الأحاديث الكثيرة الصحيحة الشهيرة\" (^٣).\nومن خصائصه ما جاء في قوله - ﷺ -: \"اعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي. كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود. وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وجعلت لي الأرض طيبة طهورًا ومسجدًا، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم يصلي على النبي - ﷺ - ثم يسأل له الوسيلة ح ٣٨٤ (٤/ ٣٢٨).\n(^٢) المفهم (٢/ ١٣).\n(^٣) المفهم (٦/ ٩٠).","vol":"1","page":691},{"text":"بين يدي مسيرة شهر، واعطيت الشفاعة\" (^١).\nوقد جاء في بعض الأحاديث: \"أعطيت ثلاثًا\" وجاء في حديث آخر: \"أعطيت ستًّا\" وقد بيَّن القرطبي أنه لا تعارض بين هذه الأحاديث، فقال: \"لا يظن القاصد (^٢) أن هذا تعارض، وإنما يظن هذا من توهم أن ذكر الأعداد يدل على الحصر، وأنها لها دليل خطاب، وكل ذلك باطل، فإن القائل عندي خمسة دنانير -مثلًا- لا يدل هذا اللفظ على أنه ليس عنده غيرها، ويجوز له أن يقول تارة أخرى: عندي عشرون، وتارة أخرى: عندي ثلاثون، فإن من عنده ثلاثون صدق عليه أن عنده عشرين وعشرة، فلا تناقض ولا تعارض، ويجوز أن يكون النبي - ﷺ - أُعلِم في وقت بالثلاث، وفي وقت بالخمس، وفي وقت بالست، والله تعالى أعلم\" (^٣).\nوقد بيَّن القرطبي أن هذه المذكورات من الخصائص التي تميز بها - ﷺ - عن غيره من المرسلين، فقال: \"قوله: \"وبعثت إلى الأحمر والأسود\" يعني كافة الخلق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ (^٤). وقوله: \"جعلت لي الأرض طيبة طهورًا ومسجدًا\" وهذا مما خصَّ الله به نبيه - ﷺ -، وكانت الأنبياء قبله إنما أبيح لهم الصلاة في مواضع مخصوصة، كالبيَع والكنائس. وقوله: \"واحلت لي الغنائم \" هذا من خصائصه ﵊، وإنما كانت الغنائم قبله تجمع، ثم تأتي نار من السماء فتأكلها. و\"الرعب\" الفزع، والشفاعة الخاصة بالنبي - ﷺ - هي الشفاعة\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب التيمم ح ٣٣٥ (١/ ٥١٩)، ومسلم في كتاب المساجد، ومواضع الصلاة ح ٥٢١ (٥/ ٦).\n(^٢) هكذا في الأصل ولعلها: القاصر.\n(^٣) المفهم (٢/ ١١٥).\n(^٤) سورة سبأ، الآية: ٢٨.","vol":"1","page":692},{"text":"لأهل الموقف كما تقدم\" (^١).\nوقال المازري في شرحه لهذا الحديث: \"قوله: \"مسجدًا\" قيل: إن من كان قبله إنما أبيح لهم الصلاة في مواضع مخصوصة، كالبيع والكنائس، وقوله: \"وأحلت لي الغنائم\" هو من خصائصه - ﷺ - وكان من قبله لا تحل لهم الغنائم بل كانت تجمع ثم تأتي نار من السماء فتأكلها\" (^٢).\n٥ - أول من ينشق عنه القبر:\nوهي من خصائصه - ﷺ - التي لا يشاركه فيها غيره، قال - ﷺ -: \"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر\" (^٣).\nقال القرطبي في شرح هذا الحديث: \"يعني: أنه أول من يعجل إحياؤه مبالغة في إكرامه وتخصيصًا له بتعجيل جزيل إنعامه\" (^٤).\n٦ - أنه نبي التوبة والرحمة:\nوقد جاء هذا في قوله - ﷺ -: \"أنا محمد وأحمد والمقفي والحاشر ونبي التوبة ونبي الرحمة\" (^٥).\nكل نبي جاء بالتوبة والرحمة ولا شك ولكن ذكر هذا من النبي - ﷺ - يدل على اختصاص، لم يكن لغيره فيرجع هذا إلى المعنى، وقد قال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: \"أي: الذي تكثر التوبة في أمته وتعم حتى لا يوجد فيما ملكته أمته إلَّا تائب من الكفر ... ويحتمل أن يكون معناه: أن أمته لما كانت أكثر الأمم كانت توبتهم أكثر من توبة غيرهم\n_________\n(^١) المفهم (٢/ ١١٦).\n(^٢) المعلم (١/ ٢٧٢).\n(^٣) سبق تخريجه ص (٦٤٦).\n(^٤) المفهم (٦/ ٤٨).\n(^٥) رواه مسلم في كتاب الفضائل، باب في أسمائه - ﷺ - ح ٢٣٥٥ (١٥/ ١١٤).","vol":"1","page":693},{"text":"ويحتمل أن تكون توبة أمته أبلغ حتى يكون التائب منهم كمن لم يذنب ولا يؤاخذ لا في الدنيا ولا في الآخرة، ويكون غيرهم يؤاخذ في الدنيا، وإن لم يؤاخذ في الآخرة، والله أعلم. والذي أحوج إلى هذه الأوجه: اختصاص نبينا - ﷺ - بهذا الاسم مع أن كل نبي جاء بتوبة أمته فيصدق أنه نبي التوبة فلابد من إبداء مزية لنبينا يختص بها كما بيَّنا، وقوله: \"ونبي الرحمة\" والرحمة إفاضة النعم على المحتاجين والشفقة عليهم واللطف بهم، وقد أعطى الله نبينا - ﷺ - وأمته منها ما لم يعطه أحدًا من العالمين، ويكفي من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (^١) فهو أعظم كل رحمة وأمته القابلة لما جاء به قد حصلت على أعظم حظ من هذه الرحمة وشفاعته يوم القيامة لأهل الموقف أعم كل رحمة ولأهل الكبائر أجل كل نعمة وخاتمة ذلك شفاعته في ترفيع منازل أهل الجنة\" (^٢).\nوبالجملة فخصائصه - ﷺ - كثيرة، سواء فيما أعطاه الله تعالى في الدنيا، أو ما جعله له تعالى في الآخرة من المواقف المحمودة، والمقامات الفاضلة، مع ما خص به تعالى أمته، وأكرمها إذ جعلها خير الأمم، وأكثر أهل الجنة. كل ذلك جاءنا من خبر الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلَّا وحي يوحى.\nقال القرطبي: \"وهذه الخصائص والفضائل التي حدث بها النبي - ﷺ - عن نفسه، إنما كان ذلك منه؛ لأنها من جملة ما أُمر بتبليغه؛ لما يترتب عليها من وجوب اعتقاد ذلك، وأنه حق في نفسه وليُرغَب في الدخول في دينه وليتمسك به من دخل فيه وليعلم قدر نعمة الله عليه في أن\n_________\n(^١) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧.\n(^٢) المفهم (٦/ ١٤٧).","vol":"1","page":694},{"text":"جعله من أمة من هذا حاله، ولتعظم محبته في قلوب متبعيه، فتكثر أعمالهم، وتطيب أحوالهم، فيحشرون في زمرته، وينالون الحظ الأكبر من كرامته، وعلى الجملة فيحصل بذلك شرف الدنيا وشرف الآخرة؛ لأن شرف المتبوع متعدٍّ لشرف التابع على كل حال\" (^١).\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٤٩).","vol":"1","page":695},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>المبحث الخامس الإيمان بالملائكة والجن</span>\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: الإيمان بالملائكة\nالمطلب الثاني: الإيمان بالجن","vol":"1","page":697},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>المطلب الأول: الإيمان بالملائكة:</span>\nالملائكة هم رسل الله تعالى إلى خلقه، فهم عباده المكرمون الذين ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ (^١)، وقد تكلم القرطبي عن الملائكة في مواضع من المفهم أفُصِّلها في النقاط التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>١ - تعريف الملائكة:</span>\nقال القرطبي في تعريف الملائكة: الملائكة؛ جمع ملك، وقد اختلف في اشتقاقه ووزنه فقال ابن شميل: لا اشتقاق له، وقال ابن كيسان: وزنه: فعل من الملك، وقال أبو عبيد: هو مفعل من: لأك، أي: أرسل، وقال غيره: إنه مأخوذ من الألوكة، وهي الرسالة، فكأنها تؤلك في الفم، قال لبيد:\nوغُلامٍ أَرسَلَتْهُ أُمُّهُ ... بألُوكٍ فَبَذَلنَا ما سأل (^٢)\nفأصله على هذا: مَألكُ فالهمزة فاء الفعل، لكنهم قلبوها إلى عينه، فقالوا: ملأك، ثم سهلوه فقالوا: ملاك، وقد جاء على أصله في الشعر قال:\nفَلَسْتَ لإنْسِيٍّ ولكنْ لملأكٍ ... تَنزَّلَ من جو السماء يَصُوبُ (^٣)\nوقيل: هو مَلْك من مَلَك نحو: شمل من شَمَل (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>٢ - الإيمان بالملائكة:</span>\nالإيمان بالملائكة هو أحد أركان الإيمان، قال تعالى: ﴿آمَنَ\n_________\n(^١) سورة التحريم، الآية: ٦.\n(^٢) ديوان لبيد بن ربيعة ص (١٤٠).\n(^٣) البيت للشاعر الجاهلي: رويشد بن كثير الطائي. انظر: شعر طيء وأخبارها في الجاهلية والإسلام (٢/ ٣٩٦).\n(^٤) المفهم (١/ ١٤٧).","vol":"1","page":699},{"text":"الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (^١)، وقال - ﷺ - عندما سأله جبريل ﵇ عن الإيمان: \"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره\" (^٢). قال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: \"الإيمان بالملائكة: هو التصديق بأنهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ (^٣)، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ (^٤)، ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ (^٥) وأنهم سفراء بينه وبين رسله والمتصرفون كما أذن لهم في خلقه\" (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>٣ - صفاتهم:</span>\nلقد بين - ﷺ - مادة خلقهم فقال: \"خلقت الملائكة من نور وخلق الجانُّ من مارج من نار وآدم مما وصف لكم\" (^٧).\nقال القرطبي: \"قوله \"خلقت الملائكة من نور\" أي: من جواهر مضيئة فكانوا خيرًا محضًا\" (^٨).\nوقد جعل الله تعالى للملائكة أجنحة على اختلاف بينهم في عدد الأجنحة كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٨٥.\n(^٢) سبق تخريجه ص (١٣٧).\n(^٣) سورة الأنبياء، الآيتان: ٢٦، ٢٧.\n(^٤) سورة التحريم، الآية: ٦.\n(^٥) سورة الأنبياء، الآية: ٢٠.\n(^٦) المفهم (١/ ١٤٤).\n(^٧) رواه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب في أحاديث متفرقة ح ٢٩٩٦ (١٨/ ٣٣٣).\n(^٨) المفهم (٧/ ٣١٥).","vol":"1","page":700},{"text":"رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^١) قال القرطبي: \"المراد: أن الله تعالى خلق الملائكة أصنافًا، فمنهم صنف جعل لكل واحد منهم جناحين ومنهم صنف جعل لكل واحد منهم ثلاثة، وصنف جعل لكل واحد منهم أربعة (^٢).\nوهم مع عظيم خلقهم لهم قدرة على التشكل بغير صورهم التي خلقهم الله عليها، كما أرسل تعالى جبريل - ﵇ - إلى مريم في صورة بشر، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (^٣).\nوكما سبق في حديث جبريل عندما جاء إلى الرسول - ﷺ - وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان في حضور الصحابة، وكان على صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر.\nوقد قال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: \"قوله: \"إنه جبريل\" دليل على أن الله تعالى مكن الملائكة من أن يتمثلوا فيما شاؤوا من صور بني آدم، كما قد نصَّ الله تعالى على ذلك في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧)﴾ وقد كان جبريل يتمثل للنبي - ﷺ - في صورة دحية بن خليفة (^٤) وقد كان لجبريل صورة خاصة خلق عليها لم يره النبي - ﷺ - عليها سوى مرتين\" (^٥).\nوقال في موضع آخر: \"إن الله تعالى قد مكن الملائكة والجن من التشكل في الصور المختلفة والتمثيل بها مع أن للنوعين في أنفسهما خِلَقًا\n_________\n(^١) سورة فاطر، الآية ١.\n(^٢) انظر: المفهم (٧/ ٣٢٧، ٣٢٨).\n(^٣) سورة مريم، الآية: ١٧.\n(^٤) مسند الإمام أحمد (٢/ ١٠٧، ٣/ ٣٣٤، ٦/ ٩٤).\n(^٥) المفهم (١/ ١٥٢).","vol":"1","page":701},{"text":"خاصة بهما خلقهما الله تعالى عليها، كما قال - ﷺ -: \"لم أر جبريل على صورته التي خُلق عليها غير مرتين\" (^١) والبحث عن كيفية ذلك التمثيل ليس وراءه تحصيل والواجب التصديق بما جاء من ذلك، ومن أنكر وجود الملائكة والجن وتمثُّلهم في الصور فقد كفر\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>٤ - تفاضلهم:</span>\nالملائكة ﵈ متفاوتون في الرتبة والدرجة فأفضلهم جبريل ﵈، وهو أعظم الملائكة وهو الذي ينزل بالوحي على الرسل ﵈، قال القرطبي: سمي جبريل - ﵇ - بالناموس لأن الله تعالى خصه بالوحي وعلم الغيب\" (^٣).\nقال حسان بن ثابت - ﵁ -:\nوجبريلُ رسُولُ الله فينا ... ورُوحُ القُدسِ ليس له كفاءُ (^٤)\nقال القرطبي: أي: لا يقاومه أحد ولا يماثله وروح القدس: هو جبريل - ﵇ - والقدس: الطهارة\" (^٥).\nومن الملائكة الذين فضلهم الله تعالى وقدمهم ميكائيل وإسرافيل ﵉ وقد كان - ﷺ - إذا قام من الليل يفتتح صلاته بقوله: \"اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض ... \" (^٦).\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب التفسير باب (١) ح (٤٨٥٥) (٨/ ٤٧٢)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب معنى قوله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ ح ١٧٧ (٣/ ١٠).\n(^٢) المفهم (٦/ ١٧٢).\n(^٣) المفهم (١/ ٣٧٩).\n(^٤) ديوان حسان بن ثابت (١/ ١٨) وفيه: وجبريل أمين الله فينا ...\n(^٥) المفهم (٦/ ٤٢٩).\n(^٦) رواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه ح ٧٧٠ (٦/ ٣٠٣).","vol":"1","page":702},{"text":"قال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: \"خص هؤلاء الملائكة بالذكر تشريفًا لهم؛ إذ بهم ينتظم هذا الوجود؛ إذ قد أقامهم الله تعالى في ذلك\" (^١).\nويرى القرطبي تفاضل الملائكة بعد ذلك بحسب مراتبهم في السماء، فأفضلهم حملة العرش، ثم الذين في السماء السابعة، ثم الذين في السماء السادسة، وهكذا، استنباطًا من قوله - ﷺ -: \"ولكن ربنا ﵎ اسمه إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال فيستخبر بعض أهل السموات بعضًا حتى يبلغ الخبر إلى السماء الدنيا ... \" (^٢).\nحيث قال في شرح هذا الحديث: \"فيه دليل على أن حملة العرش أفضل الملائكة، وأعلاهم منزلة، وأن فضائل الملائكة على حسب مراتبهم في السموات ... فعلوم الملائكة بالكائنات يستفيده بعضهم من بعض إلَّا حملة العرش فإنهم يستفيدون علومهم من الحق سبحانه فهم المبدؤون بالإعلام أولًا ثم إن ملائكة كل سماء تستفيد من التي فوقها\" (^٣).\nوأما تفاضل الملائكة وصالحي البشر فهو محل نزاع بين أهل العلم، والقرطبي ذكر المسألة، وأشار إلى الخلاف ولم يرجح، وذلك عند قوله - ﷺ - في الحديث القدسي فيما يرويه عن ربه ﷿: \"إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأٍ خير\n_________\n(^١) المفهم (٢/ ٤٠٠).\n(^٢) رواه مسلم في كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان ح ٢٢٢٩ (١٤/ ٤٧٦).\n(^٣) المفهم (٥/ ٦٣٨).","vol":"1","page":703},{"text":"منهم\" (^١)، حيث قال: \"هذا ظاهر في تفضيل الملائكة على بني آدم، وهو أحد القولين للعلماء، وللمسألة غور ليس هذا موضع ذكره\" (^٢).\nومع فضل الملائكة ﵈ ومكانتهم إلَّا أنهم لا يعلمون الغيب إلَّا إذا اطلعهم الله تعالى عليه كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ (^٣).\nفالقرطبي عند شرحه لحديث الإسراء، وفيه: أن الملائكة عندما يستفتح جبريل - ﵇ - كل سماء ويقول معي محمد يقولون وقد بعث إليه؟ (^٤). قال: \"هو استفهام من الملائكة عن بعث النبي - ﷺ - وإرساله إلى الخلق، وهذا يدل على أنهم لم يكن عندهم علم من وقت إرساله (^٥).\nوقال أيضًا: \"الملائكة تستخرج ما عند الله تعالى من علم حال النطفة فتقول: يارب ما الرزق؟ ما الأجل؟ فيقضي ربك ما شاء أي: يظهر من قضائه وحكمه للملائكة ما سبق به علمه وتعلقت به إرادته فيكتب الملك من اللوح المحفوظ ثم يخرج بالصحيفة فيُطْلعُ اللهُ تعالى بسبب تلك الصحيفة من شاء من الملائكة الموكلين بأحواله على ذلك ليقوم كل بما عليه من وظيفته حسب ما سطر في صحيفته\" (^٦).\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص (٥٧٣).\n(^٢) المفهم (٧/ ٧). وانظر: التفصيل في هذه المسألة في كتاب \"مباحث الفاضلة في العقيدة\" للدكتور محمد بن عبد الرحمن الشظيفي ص (٣٥٤).\n(^٣) سورة البقرة، الآيتان: ٣١، ٣٢.\n(^٤) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات ح ١٦٢ (٢/ ٥٦٧).\n(^٥) المفهم (١/ ٣٨٩).\n(^٦) انظر: المفهم (٦/ ٦٥٤).","vol":"1","page":704},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>٥ - أعمالهم:</span>\nأ-العبادة:\nقال تعالى عنهم: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ (^٢) فهم لا يسأمون ولا يتعبون من العبادة لأن الله تعالى خلقهم كذلك، أما الإنسان فلا يطيق ما يطيقون؛ لأنه كما قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ (^٣)، قال القرطبي: \"دوام الذكر وعدم الفترة من خاصية الملائكة، إذ سنة الله في العالم الإنساني أنه متوسط بين عالمي الملائكة والشياطين فمكن الملائكة في الخير بحيث يفعلون ما يؤمرون ويسبحون الليل والنهار لا يفترون، ومكَّن الشياطين في الشر والإغواء بحيث لا يغفلون وجعل هذا العالم الإنساني متلونًا فيمكنه ويلونه\" (^٤).\nب - السفارة:\nومن وظائف الملائكة وأعمالهم السفارة بين الله تعالى، وبين رسله، فينزلون بالوحي على الأنبياء كما قال تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ (^٥) وكما قال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ (^٦).\nقال القرطبي: \"السفرة: جمع سافر وهم ملائكة الوحي، سموا بذلك لأنهم يسفرون بين الله وبين خلقه\" (^٧).\n_________\n(^١) سورة الأنبياء، الآية: ٢٠.\n(^٢) سورة النحل، الآية: ٥٠.\n(^٣) سورة النساء، الآية: ٢٨.\n(^٤) المفهم (٧/ ٦٧، ٦٨). بتصرف.\n(^٥) سورة عبس، الآية: ١٥، ١٦.\n(^٦) سورة فاطر، الآية: ١.\n(^٧) المفهم (٢/ ٤٢٥)، وانظر: (٦/ ١٧١).","vol":"1","page":705},{"text":"ج - حفظ أعمال بني آدم:\nقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ (^٢)، قال القرطبي: \"الحفظة ملازمةٌ للإنسان\" (^٣).\nوعند شرحه لقوله - ﷺ -: \"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار\" (^٤). قال: \"هؤلاء الملائكة: إن كانوا هم الحفظة فسؤال الله لهم بقوله: \"كيف تركتم عبادي؟ إنما هو سؤال عما أمرهم به من حفظهم لأعمالهم وكتبهم إياها عليهم وعلى أنهم هم الحفظة مذهب الجمهور وإن كانوا غيرهم - وهو الأظهر عندي - فسؤاله تعالى لهم: إنما هو على جهة التوبيخ لمن قال: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ (^٥) وإظهارًا لما سبق في معلومه إذ قال لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (^٦) \" (^٧).\nد - حضور مجالس الذكر:\nمجالس الذكر هي مجالس العلم، والملائكة - ﵈ - يحرصون على العلم، ويبسطون أجنحتهم لطالبه، كما قال - ﷺ -: \"إن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم\" (^٨). قال القرطبي: \"قيل:\n_________\n(^١) سورة الانفطار، الآيات: ١٠ - ١٢.\n(^٢) سورة ق، الآية: ١٨.\n(^٣) المفهم (٥/ ٤٢١).\n(^٤) سبق تخريجه ص (٥٠٠).\n(^٥) سورة البقرة، الآية: ٣٠.\n(^٦) سورة البقرة، الآية: ٣٠.\n(^٧) المفهم (٢/ ٢٦١).\n(^٨) رواه الترمذي في أبواب العلم، باب في فضل الفقه على العبادة، وابن ماجة في باب فضل العلماء، والحث على طلب العلم، وصححه الألباني في صحيح - ابن ماجة (١/ ٤٣).","vol":"1","page":706},{"text":"معناه تخضع له وتعظمه، وقيل: تبسطها له بالدعاء لأن جناح الطائر يده\" (^١). ومن الملائكة ﵈ الذين يسعون في الأرض يتبعون مجالس الذكر قال - ﷺ -: \"إن لله ﵎ ملائكة سيارة فُضْلًا يتتبعون مجالس الذكر\" (^٢) قال القرطبي: \"سيارة: يعني: سائرين يطلبون مجالس العلم والتذكير، وهي المجالس التي يذكر فيها كلام الله وسنة رسوله وأخبار السلف الصالحين\" (^٣).\nهـ - القتال مع المؤمنين:\nإذ قد يؤيد الله تعالى بملائكته من يشاء من عباده كما حدث هذا في معركة بدر وأحد، قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ (^٤).\nوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ (^٥).\nوالرسول - ﷺ - عندما أُخبر عن الفارس الذي يقول: \"أقدم حيزوم وضرب المشرك من غير أن يرى\" قال: ذلك مدد السماء الثالثة\" (^٦).\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٦٨٥).\n(^٢) رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل مجالس الذكر ح ٢٦٨٩ (١٧/ ١٧).\n(^٣) انظر: المفهم (٧/ ١١).\n(^٤) سورة الأنفال، الآية: ٩.\n(^٥) سورة آل عمران، الآيات: ١٢٣ - ١٢٥.\n(^٦) رواه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزة بدر ح ١٧٦٣ (١٢/ ٣٢٧).","vol":"1","page":707},{"text":"قال القرطبي: \"أي: من ملائكة السماء الثالثة التي أُمدُّوا بهم وهذا يدل: على أنهم كانوا أُمدُّوا بملائكة من كل سماء ويدل هذا الخبر على أن الملائكة قاتلت يومئذ وهو قول أكثر أهل العلم\" (^١).\nوبين القرطبي كيفية قتال الملائكة في هذه الحروب فقال: \"قتال الملائكة للكفار يوم بدر ويوم أحد لم يخرج عن عادة القتال المعتاد بين الناس ولو أذن الله تعالى لملك من أولئك الملائكة بأن يصيح صيحة واحدة في عسكر العدو لهلكوا في لحظة واحدة أو لخسف بهم في موضعهم أو أسقط عليهم قطعة من الجبل المطل عليهم، لكن لو كان ذلك: لصار الخبر عيانًا والإيمان بالغيب مشاهدة فيبطل سرُّ التكليف فلا يتوجه يومُ ولا تعنيف كما قد صرح الله تعالى بذلك قولًا وذكرًا، إذ قال: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا (^٢)﴾ (^٣).\nو- خزنة النار:\nوهم ملائكة جعلهم الله تعالى غلاظًا شدادًا ليكون أشد في نكال وعذاب أهل النار. قال - ﷺ -: \"يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها\" (^٤).\nقال القرطبي: \"ملائكتها - كما وصفهم الله تعالى -: ﴿غِلَاظٌ\n_________\n(^١) المفهم (٣/ ٥٧٧).\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ١٥٨.\n(^٣) المفهم (٦/ ١٠١).\n(^٤) رواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في شدة حر جهنم وبعد قعرها، وما تأخذ من المعذبين ح ٢٨٤٢ (١٧/ ١٨٥).","vol":"1","page":708},{"text":"شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ (^١) وأما هذا العدد المحصور للملائكة فكأنه عدد برؤسائهم وأما جملتهم فالعبارة عنها ما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (^٢) \" (^٣)\nوقال في تفسير سورة العلق: \"قوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ (^٤) أي: لتعذيبه وهم خزنة النار الموكلون بتعذيب الكفار وهم الملائكة الذين قال الله فيهم: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (^٥) وسموا زبانية من الزبن وهو الدفع لشدة دفعهم وبطشهم\" (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>المطلب الثاني: الإيمان بالجن:</span>\nالإيمان بوجود الجن من الإيمان بالنبوات؛ لأن هذا إنما جاء من علم الغيب الذي جاء به الرسل ﵈. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (^٧)، وسميت سورة من سور القرآن الكريم باسمهم. قال شيخ الإسلام: \"لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن، ولا في أن الله أرسل محمدًا - ﷺ - إليهم، وجمهور طوائف الكفار على إثبات الجن ... لأن وجود الجن تواترت به أخبار الأنبياء تواترًا معلومًا بالاضطرار\" (^٨).\n_________\n(^١) سورة التحريم، الآية: ٦.\n(^٢) سورة المدثر، الآية: ٣١.\n(^٣) المفهم (٧/ ١٨٧).\n(^٤) سورة العلق، الآية: ١٨.\n(^٥) سورة التحريم، الآية: ٦.\n(^٦) المفهم (٧/ ٤٣٥).\n(^٧) سورة الذاريات، الآية: ٥٦.\n(^٨) الفتاوى لابن تيمية (١٩/ ١٠).","vol":"1","page":709},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>تعريفهم:</span>\nقال القرطبي: \"أصل الجن من: ج - ن - للسترة والتستر أينما وقعت فتتبعها تجدها كذلك\" (^١).\nوالشيطان: من الجن لكنه: المارد منهم قال القرطبي: \"الشيطان وزنه: فَيْعَال من شطن أي: بَعُدَ عن الخير أو من شاط إذا احتد واحترق، وإنه إنما يقال على المارد من الجن وهو الكثير الشر الشديد الضُّرِّ\" (^٢).\nوبين القرطبي أن الشيطان إذا أسلم زال عنه هذا الاسم وأصبح مسلمًا (^٣).\nوقد يطلق الشيطان على الإنس، كذلك كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (^٤).\nوقال - ﷺ -: \"إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفع في نحره، فإن أبي فليقاتله فإنما هو شيطان\" (^٥).\nقال القرطبي: \"أي: فعله فعل الشيطان إذا أبي إلَّا التشويش على المصلي ويحتمل أن يكون معناه: أن الحامل على ذلك الفعل هو الشيطان\" (^٦).\n_________\n(^١) المفهم (٥/ ٥٣٤)، وانظر: معجم مقاييس اللغة (١/ ٤٢١).\n(^٢) المفهم (٧/ ٤٠١)، وانظر: (٤/ ٥٨).\n(^٣) المفهم (٧/ ٤٠٢).\n(^٤) سورة الأنعام، الآية: ١١٢.\n(^٥) رواه البخاري في كتاب الصلاة، باب يرد المصلي من مرَّ بين يديه ح ٥٠٩ (١/ ٦٩٣)، ومسلم في كتاب الصلاة، باب منع المار بين يدي المصلي ح ٥٠٥ (٤/ ٤٦٩).\n(^٦) المفهم (٢/ ١٠٥).","vol":"1","page":710},{"text":"وعند شرحه لقوله - ﷺ - فيما يرويه عن ربه ﷿: \"إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم\" (^١). قال: يعني: شياطين الإنس من الآباء والمعلمين بتعليمهم وتدريبهم وشياطين الجن بوساوسهم\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>صفاتهم:</span>\nبين الله ﷾ أن الجن خلقوا من مارج من نار، قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ (^٣).\nقال القرطبي: \"أي: من شواظ ذي لهب واتقاد ودخان فكانوا شرًّا محضًا والخير فيهم قليل\" (^٤). والجن لهم قدرة على التشكل بالصور المختلفة إذا أقدرهم الله تعالى على ذلك.\nقال القرطبي: \"أوجد الله تعالى الجن على صور تخصهم ثم مكنهم من التشكل في صور مختلفة فيتمثلون في أي صورة شاؤوا أو شاء الله\" (^٥).\nوقال أيضًا: \"تتمثل الملائكة والجن في الصور المختلفة ولهم في أنفسهم صورٌ خلقهم الله تعالى عليها، والإيمان بذلك كله واجب لما دلَّ عليه من السمع الصادق\" (^٦).\nوبين أن رؤية الناس للجن ممكنة، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص (٢٠١).\n(^٢) المفهم (٦/ ٧١٢).\n(^٣) سورة الرحمن، الآية: ١٥.\n(^٤) المفهم (٧/ ٣١٥).\n(^٥) المفهم (٢/ ١٥٠).\n(^٦) المفهم (٦/ ٣٥٩).","vol":"1","page":711},{"text":"وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (^١) فهذا إخبار عن غالب أحوال بني آدم معهم (^٢).\nوالجن يموتون كالإنس كما قال - ﷺ -: \"أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون\" (^٣).\nقال القرطبي: \"إنما خص هذين النوعين بالموت، وإن كان جميع الحيوان يموت لأن هذين النوعين هما المكلفان المقصودان بالتبليغ والله أعلم\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>تكليفهم:</span>\nقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (^٥) وقال تعالى ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ (^٦).\nقال القرطبي: \"والحاصل من الكتاب والسنة: العلم القطعي بأن الجن والشياطين موجودون متعبدون بالأحكام الشرعية، على النحو الذي يليق بخلقتهم وأحوالهم، وأن نبينا محمدًا - ﷺ - رسول إلى الإنس\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ٢٧.\n(^٢) انظر: المفهم (٢/ ١٥٠)، وانظر: الأقوال في هذه المسألة في: كتاب عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة للدكتور عبد الكريم عبيدات ص (٢٩ - ٤١).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله ﷿: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ﴾ ح ٧٣٨٣ (١٣/ ٣٨٠)، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل ح ٢٧١٧ (١٧/ ٤٢).\n(^٤) المفهم (٧/ ٤٦).\n(^٥) سورة الذاريات، الآية: ٥٦.\n(^٦) سورة الأحقاف، الآيات: ٢٩ - ٣١.","vol":"1","page":712},{"text":"والجن أجمعين فمن دخل في دينه وآمن به، فهو من المؤمنين، ومعهم في الدنيا والآخرة والجنة مستقر المؤمنين، ومن كذبه وصد عنه فهو الشيطان المبعد عن المؤمنين في الدنيا والآخرة، والنار مستقر الكافرين\" (^١).\nوقال أيضًا: \"قد علمنا قطعًا: أن رسول الله - ﷺ - بلَّغ الرسالة للإنس والجن، وأنه قد آمن به خلق كثير من النوعين بحيث لا يحصرهم بلد ولا يحيط بهم عدد\" (^٢).\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ٤٢٠).\n(^٢) المفهم (٥/ ٥٣١).","vol":"1","page":713},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>الفصل الثاني الإمامة</span>\nوفيه خمسة مباحث\nالمبحث الأول: حكم نصب الإمام وبما تنعقد به الإمامة\nالمبحث الثاني: البيعة\nالمبحث الثالث: شروط الإمام\nالمبحث الرابع: واجبات الإمام وحقوقه\nالمبحث الخامس: الموقف من الأئمة","vol":"1","page":715},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>المبحث الأول حكم نصب الإمام وبما تنعقد به الإمامة</span>\nوجود إمام يتولى أمور المسلمين أمر لابد منه، وهذا معلوم بالعقل والنقل، ولذا نقل النووي ﵀ الإجماع عليه (^١).\nونصب الإمام يكون بالبيعة أو الاستخلاف، فالرسول - ﷺ - لم يستخلف فاتفق الصحابة - ﵃ - على مبايعة الصديق - ﵁ - والصديق - ﵁ - استخلف عليهم عمر - ﵁ -.\nولذا قال عمر - ﵁ - عند موته: \"وإني إن لا أستخلف فإن رسول الله - ﷺ - لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف\" (^٢).\nقال القرطبي عند قول عمر: \"وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف\": \"يعني أرنا أبا بكر استخلفه ونصَّ عليه وعيَّنه، وهذا لا خلاف في أن الأمر كذلك وؤع، ولا في أن هذا طريق مشروع في الاستخلاف، ثم إن عمر - ﵁ - سلك طريقًا بين طريقين، جمعت له الاقتداء بهما، فاقتدى برسول الله - ﷺ - في أنه لم ينص على واحد بعينه، فصدق عليه أنه غير مستخلف واقتدى بأبي بكر من حيث أنه لم يترك أمر المسلمين مهملًا (^٣) فإنه جعل الأمر شورى في ستة ممن يصلح للخلافة\n_________\n(^١) شرح صحيح مسلم للنووي (١٢/ ٤٤٧).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب الأحكام، باب الاستخلاف ح ٧٢١٧ (١٣/ ٢١٨)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب الاستخلاف وتركه ح ١٨٢٣ (١٢/ ٤٤٦).\n(^٣) لا يظن بهذه العبارة أن المقصود من الإهمال: التضييع فهذا لا يليق بالرسول - ﷺ -، والواقع أيضًا في هذه المسألة بخلافه فإنه كما قال شيخ الإسلام: \"دلَّ ﵊ =","vol":"1","page":717},{"text":"وفوض التعيين لاختيارهم\" (^١).\nوقد بيَّن القرطبي وجوب نصب الإمام، وطريق ذلك، فقال عند شرحه للحديث السابق: \"قد حصل من هذا الحديث أن نصب الإمام لابُدَّ منه، وأن لنصبه طريقين:\nأحدهما: اجتهاد أهل الحل والعقد.\nوالآخر: النصُّ إمَّا على واحد بعينه، وإما على جماعة بأعيانها ويفوَّض التخيير إليهم في تعيين واحد منهم. وهذا مما أجمع عليه السلف الصالح، ولا مبالاة بخلاف أهل البدع في بعض هذه المسائل، فإنهم مسبوقون بإجماع السلف وأيضًا فإنهم لا يعتد بخلافهم\" (^٢).\nوقد بيَّن القرطبي في أكثر من موضع أن النص على الخليفة: أي الاستخلاف كان من الصديق لعمر - ﵄ -، وأما الرسول - ﷺ - فلم ينص على أبي بكر - ﵁ - كما قال بعض العلماء، ولا على علي - ﵁ - كما قالت الرافضة، حيث قال: \"المعلوم عندهم - أي الصحابة ﵃ - أن النبي - ﷺ - لم يستخلف أحدًا، وكذلك قال عمر - ﵁ -: \"وإن أستخلف فقد استخلف أبو بكر\" وهذا بمحضر من الصحابة وعلي والعباس - ﵃ - ولم ينكر أحد\n_________\n= المسلمين على استخلاف أبي بكر بأمور متعددة من أقواله وأفعاله وأخبر بخلافته إخبار راضٍ بذلك حامدٍ له وعزم على أن يكتب بذلك عهدًا ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك، فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه رسول الله - ﷺ - قطعًا للعذر، لكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر هو المتعين وفهموا ذلك حصل المقصود\". منهاج السنة لابن تيمية (١/ ١٣٩).\n(^١) المفهم (٤/ ١٤).\n(^٢) المفهم (٤/ ١٥).","vol":"1","page":718},{"text":"منهم على عمر، ولا ذكر أحد من الناس نصًّا باستخلاف على أحد، فكان ذلك دليلًا على كذرب من ادعى شيئًا من ذلك إذ العادات تحيل أن يكون عندهم نص على أحد في في ذلك الأمر العظيم المهم فيكتموه مع تصلبهم في الدين وعدم تقيتهم فإنهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم، وكذلك اتفق لهم عند موت النبي - ﷺ - فإنهم اجتمعوا لذلك وتفاوضوا فيه مفاوضة من لا يتقي شيئًا، ولا يخاف أحدًا حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، ولم يذكر أحد منهم نصًّا، ولا ادعى أحد منهم أنه نص عليه ولو كان عندهم من ذلك شيء لكانوا هم أحق بمعرفته ونقله، ولما اختلفوا في شيء من ذلك، ومر، العجب ألا يكون عند أحد من هؤلاء نص على ذلك ولا يذكره مع قرب العهد وتوفر الدين والجد ودعاء الحاجة الشديدة إلى ذلك، ويأتي بعدهم بأزمان متطاولة وأوقات مختلفة، وقلة علم، وعدم فهم من يدعي: أن عنده من العلم بالنص على واحد معين، ما لم يكن عند أولئك الملأ الكرام، ولا سمع منهم، وهذا محض الكذب الذي لا يقبله سليم العقل، لكن غلبت التعصب والأهواء تُورِّطُ صاحبها في الظلماء، وقد ذهبت الشيعة على اختلاف فرقها إلى أنه نص على خلافة علي - ﵁ - وذهبت الراواندية إلى أنه نص على خلافة العباس - ﵁ - واختلق كل واحد منهما من الكذب والزور والبهتان ما لا يرضى به من في قلبه حبة خردل من الإيمان، وما ذكرناه من عدم النص على واحد بعينه، هو مذهب جمهور أهل السنة من السلف والخلف، لا على أبي بكر ولا غيره، غير أنهم استندوا في استحقاق أبي بكر - ﵁ - بالخلافة إلى أصول كلية وقرائن خالية، ومجموع ظواهر جلية، حَصَلتْ لهم العلم بأنه أحق بالخلافة وأولى بالإمامة يعلم ذلك من استقرأ أخباره وخصائصه\" (^١).\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٢٤٧).","vol":"1","page":719},{"text":"وقال في موضع آخر: \"الأحاديث الدالة على خلافة الصديق - ﵁ - ليست نصوصًا في ذلك لكنها ظواهر قوية إذا انضاف إليها استقراء ما في الشريعة مما يدل على ذلك المعنى علم استحقاقه للخلافة وانعقادها له ضرورة شرعية والقادح في خلافته مقطوع بخطئه وتفسيقه، وهل يكفر أم لا؟ مختلف فيه، والأظهر: تكفيره لما استقر في الشريعة مما يدل على استحقاقه لها، وأنه أحق وأولى بها، سيما وقد انعقد إجماع الصحابة على ذلك، ولم يبق منهم مخالف في شيء مما جرى هنالك\" (^١).\nوما ذكره ﵀ في التشديد على من قال بالنص وتكذيبه يجري على أهل البدع من الشيعة وغيرهم من أهل أهواء.\nوأما من ذهب إلى ذلك من أهل السنة فحاشاهم من ذلك، وغاية الأمر أنهم قد أخطأوا في اجتهادهم، فلا يلامون على ذلك (^٢).\nوقال المازري في هذه المسألة: \"أما غلو الشيعة في قولهم بأن عليًّا - ﵁ - وصي النبي - ﷺ - فباطل لا أصل له، وأما الصديق - ﵁ - فإذا أثبتنا ولايته باتفاق الصحابة عليه على وجه يوجب إمامته، فإن المحققين من أئمتنا أنكروا أن يكون ذلك بنص قاطع منه - ﷺ - على إمامته، وقالوا: لو كان النص عند الصحابة لم يقع منها ما وقع عند إقامته والعقد له، ولا كان ما كان من الاختلاف فدل ذلك على أنه رأي منهم وقع فيه تردد من طائفة ثم استقر الأمر، فانجزم الرأي عليه، ويجعل هؤلاء ما وقع في هذا الحديث: \"ويأبى الله والمؤمنون إلَّا أبا بكر\" (^٣) مع ما وقع من\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٢٤٩).\n(^٢) انظر: الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة للدكتور عبد الله الدميجي ص (١٣٠).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب المرضى باب ما رخص للمريض أن يقول ح ٥٦٦٦ (١٠/ ١٢٨)، =","vol":"1","page":720},{"text":"أمثاله من الظواهر التي لا تبلغ النص الجلي القاطع الذي لا يسوغ خلافه ولا الاجتهاد معه\" (^١).\n_________\n= ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي بكر الصديق ﵁ ح ٢٣٨٧ (١٥/ ١٦٣).\n(^١) المعلم (٣/ ١٣٧).","vol":"1","page":721},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>المبحث الثاني البيعة</span>\nقال القرطبي: \"البيعة: مأخوذة من البيع، وذلك أن المبايع يلتزم للإمام أن يقيه بنفسه وماله، فكأنه قد بذل نفسه وماله لله تعالى، وقد وعد الله تعالى على ذلك بالجنة، فكأنه قد حصلت له المعاوضة فصدق على ذلك اسم البيع والمبايعة والشراء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (^١) ... ثم هي واجبة على كل مسلم لقوله - ﷺ -: \"من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية\" (^٢) (^٣).\nوبيَّن القرطبي أنه لا يكتفى في البيعة بعقد اللسان فقال: \"البيعة لا يكتفى فيها بمجرد عقد اللسان فقط، بل لابد من الضرب باليد كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (^٤) ولكن ذلك للرجال فقط (^٥). أي للرجال من أهل الحل والعقد، وإلَّا فعامة الناس يكتفى منهم بانعقاد قلوبهم على البيعة، وقد بيَّن القرطبي هذا في موضع آخر فقال: \"من كان من أهل الحل والعقد والشهرة، فبيعته بالقول، والمباشرة باليد إن كان حاضرًا، أو بالقول والإشهاد عليه إن كان غائبًا، ويكفي من لا يؤبه له ولا يعرف أن يعتقد دخوله تحت طاعة الإمام\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ١١١.\n(^٢) رواه مسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال ح ١٨٥١ (١٢/ ٤٨٢).\n(^٣) المفهم (٤/ ٤٤).\n(^٤) سورة الفتح، الآية: ١٠.\n(^٥) المفهم (٤/ ٥٢).","vol":"1","page":722},{"text":"ويسمع ويطيع له في السر والجهر، ولا يعتقد خلافًا لذلك فإن أضمره، فمات مات ميتة جاهلية؛ لأنه لم يجعل في عنقه بيعة\" (^١).\nومن شروط البيعة أن تكون لإمام واحد فلا تنعقد لإمامين لقوله - ﷺ -: \"إذا بُويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما\" (^٢) وقال: \"فوا ببيعة الأول فالأول\" (^٣).\nقال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: \"هذا دليل على وجوب الوفاء ببيعة الأول وسكت في هذا الحديث عما يحكم به على الآخر، وقد نص عليه في الحديث الآتي حيث قال: \"فإن جاء أحد ينازعه فاضربوا عنق الآخر\" (^٤) وفي رواية: \"فاضربوه بالسيف كائنًا من كان\" وهذا الحكم مجمع عليه عند تقارب الأقطار، وإمكان استقلال واحد بأمور المسلمين وضبطها فأما لو تباعدت الأقطار وخيف ضيعة البعيد من المسلمين، ولم يتمكن الواحد من ضبط أمور من بَعُدَ عنه فقد ذكر بعض الأصوليين: أنهم يقيمون لأنفسهم واليًا يدبرهم ويستقل بأمورهم ... قلت: ويمكن أن يقال: إنهم يقيمون من يدبر أمورهم على جهة النيابة عن الإمام الأعظم، لا أنهم يخلعون الإمام المتقدم حكمًا، ويولون هذا بنفسه مستقلًا، هذا ما لا يوجد نصًّا عن أحد ممن يعتبر قوله. والذي يمكن أن يفعل مثل هذا إذا تعذر الوصول إلى الإمام الأعظم أن يقيموا لأنفسهم من يدبرهم، ممن\n_________\n(^١) المفهم (٤/ ٤٤).\n(^٢) رواه مسلم في كتاب الإمارة باب إذا بويع لخليفتين ح ١٨٥٣ (١٢/ ٤٨٤).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء باب ما ذكر عن بني إسرائيل ح ٣٤٥٥ (٦/ ٥٧١)، ومسلم في كتاب الإمارة باب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول فالأول ح ١٨٤٢ (١٢/ ٤٧٣).\n(^٤) رواه مسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول فالأول ح ١٨٤٤ (١٢/ ٤٧٤).","vol":"1","page":723},{"text":"يعترف للإمام بالسمع والطاعة فمتى أمكنهم الوصول إلى الإمام فالأمر له في إبقاء ذلك أو عزله. ثم للإمام أن يفوض لأهل الأقاليم البعيدة التفويض العام ويجعل للوالي عليهم الاستقلال بالأمور كلها لتعذر المراجعة عليهم، كما قد اتفق لأهل الأندلس وأقصى بلاد العجم.\nفأما لو عقدت البيعة لإمامين معًا في وقت واحد في بلدين متقاربين فالإمامة لأرجحهما (^١).\n_________\n(^١) المفهم (٤/ ٤٩).","vol":"1","page":724},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>المبحث الثالث شروط الإمام</span>\nوالمبايعة في الإمامة العظمى لابد لها من شروط يجب أن تتوفر بالإمام كالقرشية والحرية وغيرها من الشروط التي ذكرها العلماء في كتبهم على خلاف بينهم في بعض هذه الشروط وقد اشترط القرطبي لتنصيب الإمام القرشية وحكى الإجماع على شرط الحرية وأما غيرها من الشروط فلم يتعرض لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>١ - القرشية:</span>\nجاءت النصوص بحصر الخلافة في قريش، فقد قال - ﷺ -: \"الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم\" (^١) وقال - ﷺ -: \"الناس تبع لقريش في الخير والشر\" (^٢)، وقال - ﷺ -: \"لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان\" (^٣).\nقال القرطبي بعد ذكره لهذه الأحاديث: \"قوله: \"الناس تبع لقريش في هذا الشأن\" يعني به: شأن الولاية والإمارة (^٤) وذلك: أن قريشًا كانت\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب المناقب باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ...﴾ ح ٣٤٩٥ (٦/ ٦٠٨)، ومسلم في كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش ح ١٨١٨ (١٢/ ٤٤١).\n(^٢) رواه مسلم في كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش ح ١٨١٩ (١٢/ ٤٤٢).\n(^٣) رواه مسلم في كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش ح ١٨٢٠ (١٢/ ٤٤٢).\n(^٤) والمقصود بهذا: الإمامة العظمى أما ما سواها فلا يدخل في هذه الأحاديث، قال القرطبي: \"أجمعت الأمة على أن جميع الولايات تصح لغير قريش ما خلا الإمامة الكبرى فهي المقصودة بالحديث مطلقًا، وقد قدَّم النبي - ﷺ - غير قريش على قريش، فإنه قدَّم زيد بن =","vol":"1","page":725},{"text":"في الجاهلية رؤساء العرب وقادتها؛ لأنهم أهل البيت والحرم، حتى كانت العرب تسميهم: أهل الله وإليهم كانوا يرجعون في أمورهم، ويعتمدون عليهم فيما ينوبهم، ولذلك توقف كثير من الأعراب عن الدخول في الإسلام قبل أن تدخل فيه قريش، فلما أسلموا ودخلوا فيه، أطبقت العرب على الدخول في الدين بحكم أنهم كانوا لهم تابعين ... ثم لما جاء الإسلام استقر أمر الخلافة والملك في قريش شرعًا ووجودًا، ولذلك قالت قريش يوم السقيفة للأنصار: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء، وقال عمر في كلامه: إن هذا الأمر لا تعرفه الناس، إلَّا لهذا الحي من قريش، فانقادوا لذلك، ولم يخالف فيه أحد، وهو إجماع السلف والخلف، ولا اعتبار بقول النظام (^١) ولا ضرار بن عمرو (^٢) وأهل البدع من الخوارج وغيرهم، إذ قالوا بجواز صحتها لغير قريش؛ لأنهم إما مُكَفَّر وإما مُفسَّق، ثم إنهم مسبوقون بإجماع السلف ومحجوجون بهذه الأحاديث الكثيرة الشهيرة\" (^٣).\nوهذا الذي ذهب إليه القرطبي هو الذي عليه جماهير علماء المسلمين قاطبة، وحكى الإجماع عليه من قبل الصحابة والتابعين، وبه قال الأئمة الأربعة\" (^٤).\n_________\n= حارثة وولده أسامة ومعاذ بن جبل، وقدَّم سالمًا مولى أبي حذيفة على الصلاة بقباء فكان يؤمهم وفيهم أبو بكر وعمر وغيرهم من كبراء قريش\" المفهم (٤/ ٧).\n(^١) هو إبراهيم بن سيار بن هانيء البصري، أبو إسحاق أحد أئمة المعتزلة، توفي سنة (٢٣١). سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤١).\n(^٢) هو ضرار بن عمرو المعتزلي من كبار أئمة الاعتزال ثم خالفهم فكفروه وطردوه وتنسب إليه فرقة الضرارية توفي سنة (١٩٠ هـ). سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤٤).\n(^٣) المفهم (٤/ ٥).\n(^٤) انظر: الإمامة العظمى للدميجي ص (٢٦٥).","vol":"1","page":726},{"text":"قال النووي بعد ذكره للأحاديث السابقة: \"هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر على أن الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لأحد غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة والتابعين من بعدهم بالأحاديث الصحيحة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>٢ - الحرية:</span>\nويشترط في الإمامة الحرية؛ لأن المملوك لا يحق له التصرف في شيء إلَّا بإذن سيده، فلا ولاية له على نفسه، فكيف تكون له الولاية على غيره، ووقته ليس ملكًا له، بل ملك لسيده. ولا شك أن في اشتراط القرشية ما يتضمن هذا الشرط.\nوأما ما جاء في حديث أبي ذر - ﵁ - قوله: \"إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدًا حبشيًا مجدع الأطراف\" (^٢).\nفليس هذا معارضًا لاشتراط الحرية، قال القرطبي في شرح هذا الحديث: \"وهذا منه - ﷺ - على جهة الإغياء على عادة العرب في تمكينهم المعاني وتأكيدها كما قال النبي - ﷺ -: \"من بنى مسجدًا لله ولو مثل مفحص قطاة بنى الله تعالى له بيتًا في الجنة\" (^٣) ومفحص قطاة لا يصلح لمسجد، وإنما هو تمثيل للتصغير على جهة الإنماء، فكأنه قال: أصغر ما يكون من المساجد. وعلى هذا التأويل لا يكون فيه حجة لمن استدل به على جواز\n_________\n(^١) شرح النووي لصحيح مسلم (١٢/ ٤٤١، ٤٤٢).\n(^٢) رواه مسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء من غير معصية وتحريمها في المعصية ح ١٨٣٧ (١٢/ ٤٦٧).\n(^٣) رواه ابن ماجة في كتاب المساجد والجماعات، باب من بنى لله مسجدًا، وابن خزيمة في جماع أبواب فضائل المساجد وبنائها وتعظيمها، باب فضل المسجد، وإن صغر المسجد وضاق وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة (١/ ١٢٤).","vol":"1","page":727},{"text":"تأمير العبد فيما دون الإمامة الكبرى، وهم بعض أهل الظاهر فيما أحسب، فإنه قد اتفق على أن الإمام الأعظم لابد أن يكون حرًّا ... وأمير الجيش والحرب في معناه، فإنها مناصب دينية يتعلق بها تنفيذ أحكام شرعية، فلا يصلح لها العبد؛ لأنه ناقص بالرق، محجور عليه، لا يستقل بنفسه ومسلوب أهلية الشهادة، والتنفيذ، فلا يصلح للقضاء، ولا للإمارة، وأظنُّ أن جمهور علماء المسلمين على ذلك\" (^١).\n\"وهذا الذي ذكره القرطبي في توجيه الحديث اختاره الحافظ ابن حجر ونسبه إلى الخطَّابي\" (^٢).\n_________\n(^١) المفهم (٤/ ٣٧)، والقول بتجويز تأمير العبد فيما دون الإمامة العظمى قال به بعض العلماء، وقد اختاره الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان (١/ ٢٧) وقيل في هذا الحديث: المقصود به ما سبق عليه الرق، فإطلاقه عليه باعتبار اتصافه به سابقا، كما أطلق الله تعالى لفظ اليتيم على البالغ في قوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ...﴾ سورة النساء آية ٢، وقيل المراد به: المتغلب لا المختار. انظر: الإمامه العظمى للدميجي ص ٢٤٢.\n(^٢) فتح الباري (١٣/ ١٣١).","vol":"1","page":728},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>المبحث الرابع واجبات الإمام وحقوقه</span>\nالحكم في الإسلام تبعة ومسؤولية لم يشرع إلَّا لتحقيق أهداف وبلوغ مقاصد، وتحقيق هذه الأهداف وبلوغ هذه المقاصد مسؤولية مشتركة بين الحكام والمحكومين.\nوبما أن الأمة أعطت الحاكم السلطة للسير بها نحو تحقيق هذه المقاصد، لذلك كان عليه من الواجبات ما ليس على غيره، لكنه لا يستطيع القيام وحده بتحقيق هذه المقاصد، مهما بلغ من القوة، لذلك أوجب الإسلام على المحكومين أيضًا واجبات وحقوقًا للإمام مقابل تلك الواجبات الملقاة على عاتقه (¬<span data-type=\"title\" id=toc-267>١).\n\n١ - واجبات الإمام:</span>\nقال - ﷺ -: \"ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلَّا حرم الله عليه الجنة\" (^٢).\nقال القرطبي: \"الرعاية: الحفظ والصيانة، والغش: ضد النصيحة، وحاصله راجع إلى الزجر عن أن يضيع ما أُمر بحفظه، وأن يقصر في ذلك مع التمكن من فعل ما يتعين عليه\" (^٣).\nوعند قوله - ﷺ -: \"اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما\n_________\n(^١) الإمامة العظمى للدميجي ص (٣٣٣).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب الأحكام باب من استرعي رعية فلم ينصح ح (٧١٥٠) (١٣/ ١٣٥)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار ح ١٤٢ (٢/ ٥٢٤).\n(^٣) المفهم (١/ ٣٥٤).","vol":"1","page":729},{"text":"حملتم\" (^١).\nقال القرطبي: \"يعني أن الله تعالى كلَّف الولاة العدل وحسن الرعاية وكلف المولى عليهم الطاعة وحسن النصيحة، فأراد أنه إن عصى الأمراء الله فيكم ولم يقوموا بحقوقكم فلا تعصوا الله أنتم فيهم، وقوموا بحقوقهم، فإن الله مجاز كل واحد من الفريقين بما عمل\" (^٢).\nوقد قال - ﷺ -: \"ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته\" (^٣).\nقال القرطبي: \"الراعي: هو الحافظ للشيء المراعي لمصالحه، وكل من ذكر في هذا الحديث قد كلف ضبط ما أسند إليه من رعيته، واؤتمن عليه، فيجب عليه أن يجتهد في ذلك وينصح ولا يفرط في شيء من ذلك، فإن وفَّى ما عليه من الرعاية حصل له الحظ الأوفر، والأجر الأكبر، وإن كان غير ذلك طالبه كل واحد من رعيته بحقه، فكثر مطالبوه وناقشه محاسبوه\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>٣ - حقوق الإمام:</span>\nللإمام حقٌّ على رعيته جاءت به النصوص من الكتاب والسنة؛ لأنه سبب انتظام الحياة وحصول المقاصد. قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتاب الإمارة، باب في طاعة الأمراء، وإن منعوا الحقوق ح ١٨٤٦ (١٢/ ٤٧٧).\n(^٢) المفهم (٤/ ٥٥).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب العتق، باب كراهية التطاول على الرقيق ح ٢٥٥٤ (٥/ ٢١٠)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل ح ١٨٢٩ (١٢/ ٤٥٤).\n(^٤) المفهم (٤/ ٢٧).","vol":"1","page":730},{"text":"الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (^١). قال القرطبي: \"أولوا الأمر في الآية هم الأُمراء، وهو أظهر من قول من قال: هم العلماء، قاله الحسن، ومالك، وله وجه وهو: أن الأمراء شرطهم أن يكونوا آمرين بما يقتضيه العلم، وكذلك كان أمراء النبي - ﷺ - وحينئذ تجب طاعتهم، فلو أمروا بما لا يقتضيه العلم حرمت طاعتهم، فإذًا: الحكم للعلماء والأمراء لهم بالأصالة، غير أنهم لهم الفتيا من غير جبر، وللأمير الفتيا والجبر، وهذان القولان أشبه ما قيل في هذه الآية\" (^٢).\nوقال - ﷺ -: \"من يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني\" (^٣).\nقال القرطبي: \"كل من أطاع أمير رسول الله - ﷺ - فقد أطاع الرسول، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله، فينتج أن من أطاع أمير رسول الله - ﷺ -، فقد أطاع الله، وهو حق صحيح، وليس هذا الأمر خاصًّا بمن باشره رسول الله - ﷺ - بتولية الإمارة، بل هو عام في كل أمير للمسلمين عدل، ويلزم منه نقيض ذلك في المخالفة والمعصية\" (^٤).\nفلا خلاف في وجوب طاعة أمراء المسلمين سواء كان المأمور به موافقًا لنشاط الإنسان وهواه أو مخالفًا له، بل حتى لو استأثر الأمراء بالأموال دون الناس وجبت طاعتهم (^٥).\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٥٩.\n(^٢) المفهم (٤/ ٣٤).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب يقاتل من وراء الإمام ويتقى به ح ٢٩٥٧ (٦/ ١٣٥)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء من غير معصية، وتحريمها في المعصية ح ١٨٣٥ (١٢/ ٤٦٥).\n(^٤) المفهم (٤/ ٣٦).\n(^٥) المفهم (٤/ ٣٦، ٣٧).","vol":"1","page":731},{"text":"قال - ﷺ -: \"على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلَّا أن يؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة\" (^١).\nقال القرطبي: \"هذا ظاهر في وجوب السمع والطاعة للأمراء، والقضاة، ولا خلاف فيه، إذا لم يأمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا تجوز طاعته في تلك المعصية قولًا واحدًا\" (^٢).\nوقوله - ﷺ -: \"إنما الطاعة في المعروف\" (^٣) يعني بالمعروف هنا: ما ليس بمنكر ولا معصية، فيدخل فيه الطاعات الواجبة والمندوب إليها، والأمور الجائزة شرعًا، فلو أمر بجائز لصارت طاعته فيه واجبة ولما حلَّت مخالفته (^٤).\nوبيَّن أن شرط الطاعة بالاستطاعة المقصود به: أن رفع الحرج إذا وقعت المخالفة غلطًا أو سهوًا، أو غلبة ليس تسويغًا للمخالفة فيما يشق ويثقل مما يأمر به الإمام إذ جاءت الأحاديث بالنص على الطاعة مع وجود الثقل والمشقة (^٥).\nفقيام كل من الحاكم والمحكوم بالحقوق التي عليه من أسباب صلاح المجتمع، وترك هذه الحقوق وتضييعها سبب للفساد والانحراف، ولذا قال - ﷺ -: \"خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية ح ٧١٤٤ (١٣/ ١٣٠)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية ح ١٨٣٩ (١٢/ ٤٦٨).\n(^٢) المفهم (٤/ ٣٨).\n(^٣) سبق تخريجه ص (٣٧٥).\n(^٤) المفهم (٤/ ٤١).\n(^٥) المفهم (٤/ ٤٦).","vol":"1","page":732},{"text":"وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم\" (^١).\nقال القرطبي: \"قوله: خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم\" أي: تدعون لهم في المعونة على القيام بالحق والعدل، ويدعون لكم بالهداية والإرشاد وإعانتكم على الخير، وكل فريق يحب الآخر لما بينهم من التواصل والتراحم والشفقة والقيام بالحقوق، كما كان ذلك في زمن الخلفاء الأربعة، وفي زمان عمر بن عبد العزيز - ﵃ - ونقيض ذلك في الشرار لترك كل فريق منهما القيام بما يجب عليه من الحقوق للآخر، ولاتباع الأهواء والجور والبخل والإساءة فينشأ عن ذلك التباغض والتلاعن وسائر المفاسد\" (^٢).\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتاب الإمارة، باب خيار الأمة وشرارهم ح ١٨٥٥ (١٢/ ٤٨٦).\n(^٢) المفهم (٤/ ٦٥).","vol":"1","page":733},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>المبحث الخامس الموقف من الأئمة</span>\nقد سبق بيان وجوب طاعة الإمام في غير المعصية، وأن طاعته من طاعة الله ﷿.\nوعدم طاعته في معصية الله أيضًا محل اتفاق بين العلماء. لكن الخلاف في مسألة الخروج على الأئمة ومتى يكون ذلك؟ . إذ جاءت الأحاديث الكثيرة بالدعوة إلى الصبر على جور الحكام، وعدم نزع اليد من طاعتهم، والنهي عن الخروج عليهم. والأمر المتفق عليه بين العلماء هو الخروج عليهم حال كفرهم كما قال عبادة بن الصامت - ﵁ -: \"بايعنا - أي: رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، إلَّا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان\" (^١).\nقال القرطبي: \"بواحًا من باح الرجل بالشيء يبوح به بوحًا وبواحًا: إذا أظهره ... وقوله: \"عندكم من الله فيه برهان\" أي: حجة بينة وأمر لا شك فيه، يحصل به اليقين أنه كفر فحينئذ يجب أن يخلع من عقدت له البيعة\" (^٢).\nوقال في موضع آخر: \"لا تجوز طاعة الإمام في المعصية، وإن كانت هذه المعصية كفرًا، وجب خلعه على المسلمين كلهم، وكذلك لو\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب الفتن، باب قول النبي - ﷺ -: \"سترون بعدي أمورًا تنكرونها\"ح ٧٠٥٦ (١٣/ ٧)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية ح ١٨٤٠ (١٢/ ٤٧٠).\n(^٢) المفهم (٤/ ٤٥).","vol":"1","page":734},{"text":"ترك إقامة قاعدة من قواعد الدين كإقامة الصلاة، وصوم رمضان، وإقامة الحدود، ومنع ذلك، وكذلك لو أباح شرب الخمر والزنى، ولم يمنع منها لا يختلف في وجوب خلعه\" (^١).\nوهذا القول هو الصحيح إذ الكفر سبب لخلع الحاكم بأي طريقة ممكنة، وترك العمل بكتاب الله تعالى جاء النص بأنه سبب لخلع الحاكم والخروج عن طاعته، قال لمجفه: \"اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله\" (^٢). وإباحة شرب الخمر والزنى وترك إقامة الصلاة، أو الصيام، والمنع من ذلك كلها صور للكفر بالله تعالى، وترك العمل بكتابه. فالخلاف الذي وقع بين العلماء ليس في الصور السابقة، إنما فيما يكون دون الكفر، كالفسق والظلم ونحوها.\nفالقرطبي ذهب إلى عدم الخروج على الإمام الظالم والفاسق، حيث قال: \"متى أجمع المسلمون على إمام فلا يخرج عليه، وإن جار ... فتشهد مع أئمة الجور الصلوات والجماعات والجهاد، والحج، وتجتنب معاصيهم ولا يطاعون فيها\" (^٣).\nوعند قوله - ﷺ -: \"يهلكُ أُمتي هذا الحيُّ من قريش\" قالوا: فما تأمرنا؟ قال: \"لو أن الناس اعتزلوهم\" (^٤).\nقال القرطبي: \"هذا فيه دليل على إقرار أئمة الجور، وترك الخروج\n_________\n(^١) المفهم (٤/ ٣٩).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب الأذان، باب إمامة العبد والمولى ح ٦٩٣ (٢/ ٢١٦).\n(^٣) المفهم (٤/ ٥٧)، وانظر: (٤/ ٦٦).\n(^٤) رواه البخاري في كتاب المناقب، باب علامات النبوة ح ٣٦٠٤ (٦/ ٧٠٨)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت مما يرى من البلاء ح ٢٩١٧ (١٨/ ٢٥٦).","vol":"1","page":735},{"text":"عليهم، والإعراض عن هنات ومفاسد تصدر منهم، وهذا ما أقاموا الصلاة، ولم يصدر منهم كفر بواح عندنا من الله فيه برهان\" (^١).\nوقال المازري: \"الإمام العدل: لا يحل الخروج عليه باتفاق، والإمام إذا فسق وجار، فإن كان فسقه كفرًا، وجب خلعه، وإن كان ما سواه من المعاصي فمذهب أهل السنة أنه لا يخلع، واحتجوا بظاهر الأحاديث، وهي كثيرة، ولأنه قد يؤدي خلعه إلى إراقة الدماء، وكشف الحريم، فيكون الضرر بذلك أشد من الضرر به، وعند المعتزلة أنه يخلع، وهذا في إمام عقد له على وجه يصح ثم فسق وجار، وأما المتغلبون على البلاد فالكلام فيهم يتسع وليس هذا موضعه\" (^٢).\nوهذا الذي ذهب إليه القرطبي والمازري هو الذي عليه أكثر علماء أهل السنة، بل قد حكى النووي الإجماع عليه (^٣)؛ لأن الخروج على الأئمة يؤدي إلى الفتنة والنصوص الكثيرة قد جاءت في النهي عن القتال في الفتنة، قال ابن تيمية: \"ولهذا استقر رأي أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي - ﷺ -، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم\" (^٤).\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ٢٥٤).\n(^٢) المعلم (٣/ ٣٥).\n(^٣) شرح مسلم للنووي (١٢/ ٤٦٩).\n(^٤) منهاج السنة (٢/ ٢٤١).","vol":"1","page":736},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>الفصل الثالث الصحابة</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: مكانة الصحابة وفضلهم\nالمبحث الثاني: عدالتهم وعظم الطعن فيهم\nالمبحث الثالث: الموقف مما وقع بينهم","vol":"1","page":737},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>المبحث الأول مكانة الصحابة وفضلهم</span>\nقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ الآية (^١). وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (^٢)، وقال - ﷺ -: \"خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ... \" (^٣).\nقال القرطبي: \"من المعلوم الذي لا يُشك فيه: أن الله تعالى اختار أصحاب نبيه لنبيه - ﷺ -، ولإقامة دينه، فجميع ما نحن فيه من العلوم والأعمال والفضائل والأحوال، والمتملكات، والأموال، والعز، والسلطان، والدين، والإيمان، وغير ذلك من النعم التي لا يحصيها لسان، ولا يتسع لتقديرها زمان، إنما كان بسببهم، ولما كان ذلك وجب علينا الاعتراف بحقوقهم، والشكر لهم على عظيم أياديهم قيامًا بما أوجب الله تعالى من شكر المنعم، واجتنابًا لما حرَّمه من كفران حقه، هذا مع ما تحققناه من ثناء الله تعالى عليهم، وتشريفه لهم ورضاه عنهم كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ (^٤) وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ\n_________\n(^١) سورة الفتح، الآية: ٢٩.\n(^٢) سورة الفتح، الآية: ١٨.\n(^٣) رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أصحاب النبي - ﷺ -، ورضي عنهم ح ٣٦٥١ (٥/ ٧)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ح ٢٥٣٣ (١٦/ ٣١٨).\n(^٤) سورة الفتح، الآيات: ١٨ - ٢٩.","vol":"1","page":739},{"text":"وَالْأَنْصَارِ﴾ (^١)، وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ (^٢) إلى غير ذلك\" (^٣).\n\"فإنهم ﵃ لم يزالوا على أعمال أهل الجنة من أمور الدين ومراعاة أحواله والتمسك بأعمال البر والخير إلى أن توفوا على ذلك، ومن وقع منهم في معصية أو مخالفة لجأ إلى التوبة، ولازمها حتى لقي الله تعالى عليها يُعلمُ ذلك قطعًا من أحوالهم من طالع سيرهم وأخبارهم\" (^٤).\n\"فعيشهم ﵃ لم يزل شديدًا وجهدهم جهيدًا حتى لقوا الله تعالى مؤثرين بما عندهم صابرين على شدة عيشهم، معرضين عن الدنيا وزهرتها، ولذاتها مقبلين على الآخرة، ونعيمها، وكراماتها، فحماهم الله ما رغبوا عنه، وأوصلهم إلى ما رغبوا فيه، حشرنا الله في زمرتهم، واستعملنا بسنتهم\" (^٥).\nوقال المازري: \"من المعلوم ضرورة تدين الصحابة - ﵃ - ومبادرتهم إلى الطاعات، والقرب، ورغبتهم - ﵃ - في الخير\" (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>تفضيل الصحابة على من بعدهم:</span>\nقال - ﷺ -: \"لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه\" (^٧).\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ١٠٠.\n(^٢) سورة الحشر، الآية: ٨.\n(^٣) المفهم (٦/ ٤٩٢).\n(^٤) المفهم (٦/ ٤٤٢).\n(^٥) المفهم (٥/ ٣٠٥). وانظر: (١/ ٣٣٧، ٣/ ٦٤٧، ٤/ ٢٤٢، ٥/ ٤٧٧).\n(^٦) انظر: المعلم (٣/ ١٥٠).\n(^٧) رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي - ﷺ -: \"لو كنت متخذًا خليلًا\" (ح ٣٦٧٣) (٧/ ٢٥)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة رضي =","vol":"1","page":740},{"text":"هذا الحديث وما سبق ذكره عن بيان فضل الصحابة ومكانتهم يدل على تفضيل الصحابة - ﵃ - على كل من جاء بعدهم ففضل الصحبة لا يعادله شيء، وهذا هو الذي ذهب إليه جمهور العلماء من السلف والخلف، قال ابن تيمية: \"قال غير واحد من الأئمة: أن كل من صحب النبي - ﷺ - أفضل ممن لم يصحبه مطلقًا\" (^١).\nوهذا هو الذي رجَّحه القرطبي عند شرحه لقوله - ﷺ -: \"وددت أنَّا قد رأينا إخواننا\" قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: \"أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد\" (^٢). حيث قال: \"قد أخذ أبو عمر ابن عبد البر - ﵀ - من هذا الحديث ومن قوله - ﷺ -: \"إن من ورائكم أيامًا الصبر فيهن مثل القبض على إلى جمر للعامل فيهن أجر خمسين منكم\" (^٣) أنه يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من يكون أفضل ممن كان في جملة الصحابة، وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا، وأن من صحب النبي - ﷺ - ورآه ولو مرة من عمره أفضل من كل من يأتي بعدُ، وأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل، وهو الحق الذي لا ينبغي أن يصار لغيره لأمور:\nأولها: مزية الصحبة ومشاهدة رسول الله - ﷺ -.\nوثانيها: فضيلة السبق للإسلام.\nوثالثها: خصوصية الذَّب عن حضرة رسول الله - ﷺ -.\n_________\n= الله عنهم ح ٢٥٤٠ (١٦/ ٣٢٦).\n(^١) الفتاوى (٤/ ٥٢٧).\n(^٢) رواه مسلم في كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء ح ٢٤٩ (٣/ ١٤٠).\n(^٣) رواه الترمذي في أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة، وابن ماجة في كتاب الفتن، باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ص (٣٤٦) رقم الحديث (٢٣٤٤).","vol":"1","page":741},{"text":"ورابعها: فضيلة الهجرة والنصرة.\nوخامسها: ضبطهم للشريعة وحفظها عن رسول الله - ﷺ -.\nوسادسها: تبليغها لمن بعدهم.\nوسابعها: السبق في النفقة في أول الإسلام.\nوثامنها: أن كل خير وفضل وعلم وجهاد ومعروف فعل في الشريعة إلى يوم القيامة فحظهم منه أكمل حظ، وثوابهم فيه أجزل ثواب؛ لأنهم سنوا سنن الخير، وافتتحوا أبوابه، وقد قال - ﷺ -: \"من سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة\" (^١) ولا شك في أنهم الذين سنُّوا جميع السُّنن وسابقوا إلى المكارم، ولو عُدِّدت مكارمهم وفُسِّرت خواصهم وحُصرت لملأت أسفارًا، ولكلت الأعين بمطالعتها حيارى.\nوعن هذه الجملة قال - ﷺ - فيما أخرجه البزار عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: \"إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة - يعني أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا - فجعلهم أصحابي\" وقال: \"في أصحابي كلهم خير\" (^٢) وكذلك قال: \"اتقوا الله في أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه\" (^٣) وكفى من ذلك كله ثناء الله تعالى عليهم جملة وتفصيلًا وتعيينًا وإبهامًا، ولم يحصل شيء من ذلك لمن بعدهم، فأما استدلال المخالف بقوله - ﷺ -: \"إخواننا\" فلا حجة فيه؛ لأن الصحابة قد حصل لهم من هذه\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ح ١٠١٧ (٧/ ١٠٧).\n(^٢) الحديث عند الطبري في صريح السنة ص (٢٣)، ومجمع الزوائد للهيثمي (١٠/ ١٦)، وذكره أبو إسحاق الحويني في كتابه النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة ص (٧٢). ولم أجده عند البزار كما ذكر القرطبي.\n(^٣) سبق تخريجه ص (٧٤٠).","vol":"1","page":742},{"text":"الأخوة الحظ الأوفر؛ لأنها الأخوة اليقينية العامة، وانفردت الصحابة بخصوصية الصحبة. وأما قوله: \"للعامل منهم أجر خمسين منكم\" فلا حجة فيه؛ لأن ذلك - إن صح - إنما هو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه قد قال - ﷺ - في آخره: \"لأنكم تجدون على الخير أعوانًا ولا يجدون\" (^١) ولا بُعد في أن يكون في بعض الأعمال لغيرهم من الأجور أكثر مما لهم فيه ولا تلزم منه الفضيلة المطلقة التي هي المطلوبة بهذا البحث، والله أعلم\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>المفاضلة بين الصحابة:</span>\nلقد دلَّت نصوص الشرع على وقوع التفاضل بين الصحابة - ﵃ - قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾ (^٣). وهذا التفضيل لا يفضي إلى تنقيص المفضول إذ ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (^٤). وقال ابن عمر - ﵁ -: \"كنا نخير بين الناس في زمن النبي - ﷺ - فخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان\" (^٥) فأهل السنة على إثبات التفاضل بين الصحابة - ﵃ - وتفاوتهم في الفضيلة، فهم يقدمون الصديق ﵁ ثم عمر على غيرهم من الصحابة، وهذا أمر\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص (٧٤١).\n(^٢) المفهم (١/ ٥٠١).\n(^٣) سورة الحديد، الآية: ١٠.\n(^٤) سورة التوبة، الآية: ١٠٠.\n(^٥) رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب فضل أبي بكر بعد النبي - ﷺ - (٣٦٥٥) (٧/ ٢٠).","vol":"1","page":743},{"text":"متفق عليه بين أهل السنة. قال عمرو بن العاص ﵁: \"سألت النبي - ﷺ - من أحب الناس إليك قال: \"عائشة\" قلت من الرجال؟ قال: \"أبوها\" قلت: ثم من؟ قال: \"عمر بن الخطاب\" فعد رجالًا (^١).\nوقال علي بن أبي طالب - ﵁ - وهو واقف على عمر في سرير موته بعد أن ترحم عليه: \"ما خلفت أحدًا أحب إليَّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وحسبت أني كثيرًا أسمع النبي - ﷺ - يقول: \"ذهبت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر\" (^٢).\nقال ابن تيمية: \"أما تفضيل أبي بكر ثم عمر على عثمان وعلي فهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في العلم والدين من الصحابة والتابعين وتابعهم\" (^٣).\nأما عثمان وعلي - ﵄ - فقد وقع اختلاف يسير في تقديم أحدهما إلَّا أن الأمر استقر بعد ذلك على تقديم عثمان - ﵁ - قال يحيى بن سعيد (^٤): \"من أدركت من أصحاب النبي - ﷺ - والتابعين\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي - ﷺ -: \"لو كنت متخذًا خليلًا\" ح (٣٦٦٢) (٧/ ٢٢). ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق - ﵁ - ح ٢٣٨٤ (١٥/ ١٦٣).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب ﵁ ح (٣٦٨٥) (٧/ ٥١)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر - ﵁ - ج ٢٣٨٩ (١٥/ ١٦٧).\n(^٣) الفتاوى (٤/ ٤٢١).\n(^٤) هو يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري، عالم المدينة في زمانه، وتلميذ الفقهاء السبعة، سمع من بعض الصحابة وحدث عنهم توفي سنة (١٤٤ هـ). تهذيب التهذيب (٤/ ٣٦٠)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٤٦٨).","vol":"1","page":744},{"text":"لم يختلفوا في أبي بكر وعمر وفضلهما إنما كان الاختلاف في علي وعثمان\" (^١).\nقال - ابن تيمية: \"مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي - ﵄ - بعد اتفاقهم على تقدير أبي بكر وعمر أيهما أفضل؟ فقدم قوم عثمان: وسكتوا أو ربعوا بعلي وقدم قوم عليًّا وقوم توقفوا. لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي، وإن كانت هذه المسألة - مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة\" (^٢).\nوهذا هو القول الحق وهو الذي اختاره القرطبي - ﵀ - ونصره حيث قال: \"إذا قلنا إن أحدًا من الصحابة - ﵃ - فاضل فمعناه أن له منزلة شريفة عند الله تعالى، وهذا لا يتوصل إليه بالعقل قطعًا، فلابد أن يرجع ذلك إلى النقل، والنقل إنما يتلقى من الرسول - ﷺ -، فإذا أخبرنا الرسول - ﷺ - بشيء من ذلك تلقيناه بالقبول، فإن كان قطعيًا حصل لنا العلم بذلك، وإن لم يكن قطعيًا كان كسبيل المجتهدات على ما تقدم وعلى ما ذكرناه في الأصول، وإذا لم يكن لنا طريق إلى معرفة ذلك إلَّا بالخبر ... فالمقطوع بفضله وأفضليته بعد رسول الله - ﷺ - عند أهل السنة هو الذي يقطع به من الكتاب والسنة، أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق، ولم يختلف في ذلك أحد من أئمة السلف، ولا الخلف، ولا مبالاة بأقوال أهل التشيع، ولا أهل البدع، فإنهم بين مكفر تضرب رقبته،\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٨/ ١٤٤٩)، وسير أعلام النبلاء (٥/ ٤٧٣).\n(^٢) العقيدة الواسطية لابن تيمية ضمن الفتاوى (٣/ ١٥٣)، وانظر: الاستيعاب لابن عبد البر (٣/ ٢١٤)، وفتح الباري لابن حجر - ﵀ - (٧/ ٣٤).","vol":"1","page":745},{"text":"وبين مبتدع مفسق لا تقبل كلمته، وتدحض حجته، وقد اختلف أئمة أهل السنة في علي وعثمان ﵄، فالجمهور منهم على تقديم عثمان وقد رُوي عن مالك أنه توقف في ذلك ورُوي عنه أنه رجع إلى ما عليه الجمهور وهو الأصح إن شاء الله والمسألة اجتهادية لا قطعية ومستندها الكلي أن هؤلاء الأربعة: هم الذين اختارهم الله تعالى لخلافة نبيه ولإقامة دينه فمراتبهم عنده بحسب ترتيبهم في الخلافة إلى ما ينضاف إلى ذلك بما يشهد لكل واحد منهم من شهادات النبي - ﷺ - له بذلك تأصيلًا وتفصيلًا (^١).\nوالمازري ﵀ تكلم في هذه المسألة وذكر الأقوال فيها وبين ما حصل من خلاف في بعض تفاصيلها، ولكنه لم يرجح ولم يبد رأيه فيها بل اكتفى بما نقله من أقوال\" (^٢).\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٢٣٧).\n(^٢) انظر: المعلم (٣/ ١٣٧، ١٣٨).","vol":"1","page":746},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>المبحث الثاني عدالتهم وعظم الطعن فيهم</span>\nالصحابة - ﵃ - كلهم عدول لأن الله تعالى اختارهم واصطفاهم لصحبة نبيه - ﷺ -.\nقال القرطبي: \"الصحابة ﵃ لا فرق بين إسنادهم وإرسالهم إذ الكل عدول على مذهب أهل الحق فلا خلاف في قبول مراسيل الصحابة؛ لأنه عدول\" (^١). فالأصل فيهم - ﵃ - صحة الإيمان والعدالة (^٢).\nوقال المازري: \"مذهب أفاضل العلماء أن ما وقع من الأحاديث القادحة في عدالة بعص الصحابة والمضيفة إليهم ما لا يليق بهم، فإنها ترد ولا تقبل إذا كان رواتها غير ثقات، فإن أحب بعض العلماء تأويلها قطعًا للشغب ترك ورأيه، وإذا رواها الثقات تؤولت على الوجه اللائق بهم إذا أمكن التأويل ولا يقع في روايات الثقات إلَّا ما يمكن تأويله\" (^٣).\nفالصحابة - ﵃ - لا يذمُّهم ولا يطعن فيهم إلَّا من هو متهم على دين الإسلام لأنهم - ﵃ - حملة الشريعة ونقلة الملة، ولذا فالطعن فيهم أو تنقيصهم أو أحد منهم من منهج أهل الضلال والبدع.\nقال القرطبي: \"من تعرض لسبهم وجَحَدَ عظيم حقهم فقد انسلخ من الإيمان، وقابل الشكر بالكفران ... إذ لا خلاف في وجوب\n_________\n(^١) المفهم (١/ ١٢٢) بتصرف يسير.\n(^٢) المفهم (١/ ٤٦٩).\n(^٣) المعلم (٣/ ١٤١).","vol":"1","page":747},{"text":"احترامهم وتحريم سبهم، ولا يختلف في أن من قال: إنهم كانوا على كفر أو ضلال كافر يُقتل؛ لأنه أنكر معلومًا ضرويًّا من الشرع فقد كذب الله ورسوله فيما أخبرا به عنهم، وكذلك الحكم فيمن كفر أحد الخلفاء الأربعة أو ضللهم وهل حكمه حكم المرتد فيستتاب؟ أو حكم الزنديق فلا يستتاب ويقتل على كل حال؟ هذا مما يختلف فيه، فأما من سبهم بغير ذلك، فإن كان سبًّا يوجب حدًّا كالقذف حُدَّ حدّه ثم ينكل التنكيل الشديد من الحبس والتخليد فيه، والإهانة ما خلا عائشة - ﵂ - فإن قاذفها يقتل؛ لأنه مكذب لما جاء في الكتاب والسنة من براءتها، قاله مالك وغيره، واختلف في غيرها من أزواج النبي - ﷺ - فقيل: يُقتل قاذفها؛ لأن ذلك أذى للنبي - ﷺ - وقيل: يحدُّ وينكل كما ذكرناه على قولين، وأما من سبهم بغير القذف، فإنه يجلد الجلد الموجع وينكل التنكيل الشديد\" (^١).\nوعامة من اشتهر بذلك من أهل البدع الروافض، الذين كفروا عامة الصحابة - ﵃ - ولم يستثنوا إلَّا نفرًا قليلًا منهم، قال القرطبي في الرد عليهم وبيان حكمهم: \"فأما الروافض ففد كفروا الصحابة كلهم؛ لأنهم عندهم تركوا العمل بالحق الذي هو النص على عليٍّ - ﵁ - واستخلفوا غيره بالاجتهاد، ومنهم من كقر عليًّا - ﵁ -؛ لأنه لم يطلب حقه، وهؤلاء لا يشكّ في كفرهم؛ لأن من كفَّر الأمة كلها، والصدر الأول، فقد أبطل نقل الشريعة، وهدم الإسلام، وأما غيرهم من الفرق، فلم يرتكب أحد منهم هذه المقالة الشنعاء القبيحة القصعاء، ومن ارتكبها منهم ألحقناه بمن تقدم في التكفير ومأواه جهنم وبئس المصير\" (^٢).\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٤٩٣)، وانظر: (٦/ ٤٩٤، ٤٩٥، ٧/ ٤٠٧).\n(^٢) المفهم (٦/ ٢٧٣).","vol":"1","page":748},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>المبحث الثالث الموقف مما وقع بينهم</span>\nكل ما سبق بيانه من فضل الصحابة - ﵃ - ومكانتهم، وبيان عدالتهم وعظم الطعن فيهم، يبين لنا الموقف مما وقع بينهم من فتن؛ إذ قد نص أهل السنة على السكوت عما شجر بينهم، وبيان أن الجميع مجتهد: فمصيبتهم له أجران ومخطئهم له أجر واحد (^١).\nوهذا هو الذي سلكه القرطبي والمازري رحمهما الله. إذ بيَّن القرطبي أن الخلاف الذي وقع بينهم إنما هو بسبب حرصهم على الخير وشدة تمسكهم بالحق، فقال: \"الصحابة - ﵃ - لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يبالون في القيام بالحق، وإن أدى إلى العظائم، وهذا هو أعظم الأسباب التي أوجبت الاختلاف بينهم، حتى أدى ذلك إلى الحروب العظيمة والخطوب الجسيمة، فإن كل طائفة كانت ترى أنها المصيبة المحقة، ومخالفتها المخطئة، فإنها كانت أمورًا اجتهادية، ولم يكن فيها نصوص قطعية\" (^٢).\nوقال أيضًا في بيان الموقف الحق مما وقع بينهم: \"والذي عليه جماعة أهل السنة والخق حسن الظن بهم، والإمساك عما شجر بينهم، وطلب أحسن التأويل لفعلهم، وأنهم مجتهدون غير قاصدين للمعصية، والمجاهرة بذلك، وطلب حب الدنيا، بل كلُّ عملٍ على شاكلته وبحسب ما أدَّاه إليه اجتهاده، لكن منهم المخطئ في اجتهاده، ومنهم المصيب،\n_________\n(^١) انظر: عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني ص (٢٩٤)، والإمامة والرد على الرافضة للأصبهاني ص (٣٦٣)، وشرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٢٤).\n(^٢) المفهم (٦/ ٦٢٠).","vol":"1","page":749},{"text":"وقد رفع الله تعالى الحرج عن المجتهد المخطئ في فروع الدين، وضعف الأجر للمصيب، وقد توقف الطبري وغيره عن تعيين المحق منهم وعند الجمهور: أن عليًّا وأشياعه مصيبون في ذبهم عن الإمامة وقتالهم من نازعهم فيها إذ كان أحق الناس بها وأفضل من على الأرض حينئذ، وغيره تأول وجوب القيام بتغيير المنكر في طلب قتلة عثمان الذين في عسكر عليٍّ - ﵁ - وأنهم لا يعطون بيعة ولا يعقدون إمامة، حتى يقضوا ذلك، ولم يطلبوا سوى ذلك، ولم ير هو دفعهم إذ الحكم فيهم إلى الإمام وكانت الأمور لم يستقر استقرارها، ولا اجتمعت الكلمة بعد، وفيهم عدد، ولهم شوكة ومنعة، ولو أظهر تسليمهم أولًا، أو القصاص لاضطرب الأمر وانبثَّ الحَبْلُ، ومنهم جماعة لم يروا الدخول في شيء من ذلك محتجين بنهي النبي - ﷺ - عن التلبس بالفتن، والنهي عن قتال أهل الدعوة ... وعذروا الطائفتين بتأويلهم، ولم يروا إحداهما باغية فيقاتلوها\" (^١).\nوبين أن ما وقع بينهم لا يجيز وصف أحدهم بالفسق، أو الابتداع، بل كل منهم مجتهد عمل على حسب ظنه، وهم في ذلك على ما أجمع عليه المسلمون في المجتهدين من القاعدة المعلومة: وهي أن كل مجتهد مأجور غير مأثوم\" (^٢).\nوبيَّن أنه لا خلاف أن علي - ﵁ - هو الإمام العدل، وأنه أفضل من معاوية، ومن كل من كان معه (^٣).\nوكذلك المازري بين أن الخلاف الذي وقع بين علي ومعاوية ومن\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ٢١٢).\n(^٢) المفهم (١/ ١٢٣).\n(^٣) المفهم (٣/ ١١٦).","vol":"1","page":750},{"text":"معهما من الصحابة -﵃ أجمعين- لا يقتضي تكفير إحدى الطائفتين أو تفسيقها\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>الدفاع عن صحابة بأعيانهم:</span>\nتبين لنا فيما سبق المنهج السوي والموقف المرضي مما وقع بين الصحابة -﵃- وذلك لئلا يطعن أحد في نزاهتهم أويشك في صدقهم، فهم صفوة هذه الأمة، وأعلامها، وقادتها، ونقلة ملتها، فالطعن فيهم أو في أحدهم من علامات أهل البدع، ومناهج أهل الأهواء، فنأخذ جميل أفعالهم، ونقتدي بها، وهو الكثير العام، ونغض الطرف عما وقعوا فيه من الأخطاء والذنوب التي وقعوا فيها بمقتضى البشرية، فغمرت هذه الزلات في بحر الإحسان والطاعات، قال ابن قدامة: \"ومن السنه، تولي أصحاب رسول الله -ﷺ- ومحبتهم وذكر محاسنهم والترحم عليهم والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم، وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم\" (^٢).\nوقال أبو نعيم الأصبهاني: \"فالواجب على المسلمين في أصحاب رسول الله -ﷺ- إظهار ما مدحهم الله تعالى به وشكرهم عليه من جميل أفعالهم وجميل سوابقهم، وأن يغضوا عما كان منهم في حال الغضب والإغفال وفرط منهم عند استزلال الشيطان إياهم ... فإن الهفوة والزلل والغضب والإفراط لا يخلو منه أحد\" (^٣).\nوهذا المنهج العسوي هو الذي سلكه القرطبي -﵀- فدافع عن الصحابة عمومًا ونافح عن بعضهم على وجه الخصوص خصوصًا من\n_________\n(^١) المعلم (٢/ ٢٦).\n(^٢) لمعة الاعتقاد ص (٣٢).\n(^٣) الإمامة والرد على الرافضة ص (٣٤١، ٣٤٢).","vol":"1","page":751},{"text":"كان عرضة منهم لأهل البدع والأهواء.\nومن هؤلاء الذين دافع عنهم بأعيانهم:\n١ - علي بن أبي طالب -﵁-:\nقال القرطبي في الاعتذار له عن تأخره في مبايعة الصديق -﵁-: \"لا يظن بعلي أنه خالف الناس في البيعة لكنه تأخر عن الناس لمانع منعه، وهو الموجدة التي وجدها حين استُبدَّ بمثل هذا الأمر العظيم، ولم يُنتظر مع أنه كان أحق الناس بحضوره وبمشورته، لكن العذر للمبايعين لأبي بكر على ذلك الاستعجال مخافة ثوران الفتنة بين المهاجرين والأنصار، كما هو معروف في حديث السقيفة، فسابقوا الفتنة، فلم يتأت لهم انتظاره لذلك، وقد جرى بينهم في هذا المجلس (^١) من المحاورة والمكالمة والإنصاف ما يدل: على معرفة بعضهم بفضل بعض وأن قلوبهم متفقة على احترام بعضهم لبعض ومحبة بعضهم لبعض ما يَشْرَقُ به الرافضي اللعين وتُشْرِق به قلوب أهل الدين\" (^٢).\nوقال في رده على الشيعة فيما نسبوه إلى علي -﵁- من بغضٍ للشيخين وعداءٍ لهما، وحاشاه -﵁- من ذلك: هذا الحديث (^٣) ردٌّ من علي -﵁- على الشيعة فيما ينقولونه عليه من بغضه للشيخين ونسبته إياهما إلى الجور في الإمامة وأنهما غصباه، وهذا كله كذب وافتراء، عليُّ -﵁- منه براء بل المعلوم من حاله معهما تعظيمه ومحبته لهما واعترافه بالفضل لهما عليه وعلى غيره\n_________\n(^١) وهو ما أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة خيبر ح (٤٢٤٠، ٤٢٤١) (٧/ ٥٦٤)، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي -ﷺ-: \"لا نورث ما تركنا فهو صدقة\"ح ١٧٥٨ (١٢/ ٣٢٠).\n(^٢) المفهم (٣/ ٥٧٠).\n(^٣) وهو حديث ثناء علي على عمر ﵄ عند موته وقد سبق تخريجه ص (٧٤٤).","vol":"1","page":752},{"text":"وحديثه هذا ينص على هذا المعنى، وقد تقدم ثناء عليٍّ على أبي بكر -﵄- واعتذاره عن تخلفه عن بيعته وصحة مبايعته له، وانقياده له، مختارًا طائعًا سرًّا وجهرًا، وكذلك فعل مع عمر -﵃ أجمعين- وكل ذلك يكذب الشيعة والروافض في دعواهم لكن الهوي والتعصب أعماهم\" (^١).\nوكذلك رد على من نسب إلى عليٍّ -﵁- الإعانة على قتل \"عثمان -﵁- أو التقصير في نصرته حيث قال: \"بنو أمية (^٢)\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٢٥٢).\n(^٢) أرى القرطبي ﵀، تحامل على بني أمية وذمهم وقدح فيهم، وبالغ في ذلك ومما لا شك فيه أنهم مع ما لهم من المساوئ إلَّا أن لهم من المحامد: من نصرة الإسلام، ونشر دين الله في شتى البلاد ما لا يخفى، ولكن لقرب عهدهم بالخلافة الراشدة، بانت عيوبهم، وظهرت، كما أنَّ أكثر المصادر قد كتبت في عهد العباسيين فشحنت أكثرها بروايات مدسوسة للنيل من هؤلاء الخلفاء، والتشنيع عليهم. قال القرطبي في ذمهم بعدما ذكر فضائل آل البيت وحقوقهم: ومع ذلك فقد قابل بنو أمية عظم هذه الحقوق بالمخالفة والعقوق، فسفكوا من أهل البيت دماءهم وسبوا نساءهم وأسروا صغارهم، وخربوا ديارهم، وجحدوا شرفهم، وفضلهم، واستباحوا سبهم، ولعنهم، فخالفوا رسول الله -ﷺ- في وصيته، وقابلوه بنقيض مقصوده وأمنيته، فواخجلهم إذا وقفوا بين يديه، ويا فضيحتهم يوم يعرضون عليه. المفهم (٦/ ٣٠٤)، وانظر (٦/ ٣١٠).\nوقال أيضًا: \"فيزيد -بن معاوية- واكثر ولاته ومن بعده من خلفاء بني أمية هم الذين يصدق عليهم أنهم \"دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها\" فإنهم لم يسيروا بالسواء ولا عدلوا في القضاء، يدل على ذلك تصفح أخبارهم، ومطالعة سيرهم، ولا يعترض على هذا بمدة خلافة عمر بن عبد العزيز بأنها كانت خلافة عدل لقصرها، وندورها في بني أمية، فقد كانت سنتين وخمسة أشهر، فكان هذا الحديث لم يتعرض لها، والله تعالى أعلم\" المفهم (٤/ ٥٦).\nقال شيخ الإسلام: \"بنو مروان لم يقتلوا على الإطلاق أحدًا من بني هاشم لا آل علي ولا آل العباس، إلَّا زيد بن عليب المصلوب بكناسة الكوفة، وابنه يحيى ولا سبىَ أهل البيت أحد ولا سُبي منهم أحد انظر: الفتاوى (٢٧/ ٤٨١).","vol":"1","page":753},{"text":"كانوا يسبون عليًّا وينتقصونه وذلك كان منهم لما وقر في أنفسهم من أنه أعان على قتل عثمان، وأنه أسلمه لمن قتله، بناءً منهم على أنه كان بالمدينة، وأنه كان متمكنًا من نصرته، وكل ذلك ظن كذب، وتأويل باطل، غطَّى التعصب منه وجه الصواب، وقد قدمنا أن عليًّا -﵁- أقسم بالله أنه ما قتله ولا مالا على قتله ولا رضيه، ولم يقل أحد من النقلة قط ولا سُمع من أحد أن عليًّا كان مع القتلة ولا أنه دخل معهم الدار عليه. وأما ترك نصرته فعثمان -﵁- أسلم نفسه ومنع نصرته كما ذكرناه في بابه ومما تشبثوا به أنهم نسبوا عليًّا إلى ترك أخذ القصاص من قتلة عثمان، وإلى أنه منعهم منهم، وأنه قام دونهم، وكل ذلك أقوال كاذبة أنتجت ظنونًا غير صائبة ترتب عليها ذلك البلاء كما سبق به القضاء\" (^١).\nووجه القرطبي ذم العباس لعلي -﵄- عندما شكاه إلى عمر بما يتناسب مع مكانة الصحابة -﵃- (^٢).\n٢ - معاوية -﵁-:\nتعرض معاوية -﵁- لطعن الشيعة وذمهم، وليسوا ممن يؤخذ منهم، لكن ربما تأثر بقولهم بعض المنتسبين للسنة، فلم يحسنوا الظن بمعاوية -﵁- قال القرطبي في الثناء على معاوية﵁- والدفاع عنه فيما نسب إليه من لعن علي وذمه: \"يبعد على معاوية أن يصرح بلعن علي وسبه، لما كان معاوية موصوفًا به من الفضل والدين،\n_________\n= وقال أيضًا: ويزيد لم يأمر بقتل الحسين ولم يظهر الرضا به. منهاج السنة (٨/ ١٤١).\nوقال: \"وأعظم ما نقمه الناس على بني أمية شيئان أحدهما: تكلمهم في علي، والثاني: تأخير الصلاة عن وقتها\" منهاج السنة (٨/ ٢٣٩).\n(^١) المفهم (٦/ ٢٧٢).\n(^٢) انظر: المفهم (٣/ ٥٦١).","vol":"1","page":754},{"text":"والحلم وكرم الأخلاق، وما يروى عنه من ذلك، فأكثره كذب لا يصح ... أما التصريح باللعن وركيك القول، مما اقتحمه جهال بني أمية وسفلتهم فحاش معاوية منه، ومن كان على مثل حاله من الصحبة والدين والفضل والعلم\" (^١).\nوكذلك المازردي دافع عن هذا الصحابي الجليل فقال: \"معاوية من عدول الصحابة وأفاضلهم وما وقع من الحروب بينه وبين علي وما جرى بين الصحابة من الدماء فعلى التأويل والاجتهاد (^٢).\n٣ - عائشة -﵂-:\nنال عائشة -﵂- ما نال غيرها من الصحابة الكرام -﵃- من الشيعة أهل الكذب والافتراء، عندما أولوا إتمامها في السفر على أنها كانت في سفر معصية، فقال القرطبي مدافعًا عنها: هذا باطل قطعًا فإنها كانت، اتقى لله وأخوف وأطوع من أن تخرج في سفر لا يرضاه الله تعالى، وهذا التأويل عليها من أكاذيب الشيعة المبتدعة وتشنيعاتهم عليها ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (^٣) وإنما خرجت -﵂- مجتهدة محتسبة في خروجها تريد أن تطفئ نار الفتنة ثم خرجت الأمور عن ضبطها وأقل درجاتها أن تكون ممن قال فيها رسول الله -ﷺ- \"إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر\" (^٤) \" (^٥).\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٢٧٨). وانظر: (٤/ ٥٣).\n(^٢) المعلم (٣/ ١٣٩).\n(^٣) سورة النور، الآية: ١٦.\n(^٤) رواه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، ح ٧٣٥٢ (١٣/ ٣٣٠)، ومسلم في كتاب الأقضية باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ ح ١٧١٦ (١٢/ ٢٥٤).\n(^٥) المفهم (٢/ ٣٢٧).","vol":"1","page":755},{"text":"٤ - فاطمة بنت قيس -﵂-:\nدافع القرطبي -﵀- عن هذه الصحابية الجليلة ممن اتهمها بسلاطة اللسان، وإيذاء الجيران، حيث قال: \"إنما أذن النبي -ﷺ- لفاطمة أن تخرج من البيت الذي طلقت فيه لما ذكره مسلم في الرواية الأخرى من أنها خافت على نفسها من عورة منزلها، وفيه دليل على أن المعتدة تنتقل لأجل الضرورة وهذا أولى من قول من قال: إنها كانت لسنة تؤذي زوجها وأحماءها بلسانها، فإن هذه الصفة لا تليق بمن اختارها رسول الله -ﷺ- لحبه وابن حبه (^١) وتواردت رغبات الصحابة عليها حين انقضت عدتها، ولو كانت على مثل تلك الحال لكان ينبغي ألا يُرغب فيها ولا يُحرص عليها أيضًا: فلم يثبت بذلك نقل مسند صحيح ... ويا للعجب كيف يجترئ ذو دين أن يقدم على غيبة مثل هذه الصحابية التي اختارها النبي -ﷺ- لحبه ابن حبه لسبب خبر لم يثبت وأعجب من ذلك قول بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (^٢) إنها نزلت في فاطمة لأنها كانت فيها بذاذة لسان وأذى للأحماء وهذا لم يثبت فيه نقل ولا يدل عليه نظر فذكر ذلك عنها ونسبته إليها غيبة أو بهتان (^٣).\nوقال أيضًا: ويغفر الله تعالى لسعيد بن المسيب ما وقع فيه حيث قال في هذه الصحابية المحتارة: تلك امرأة فتنت الناس إنها كانت لسنة فوضِعَت على يد ابن أم مكتوم وروى عنه أيضًا أنه قال: تلك امرأة استطالت على أحمائها فأمرها النبي -ﷺ- أن تنتقل فلقد أفحش في القول\n_________\n(^١) وهو أسامة بن زيد بن حارثة ﵄.\n(^٢) سورة الطلاق، الآية: ١.\n(^٣) المفهم (٤/ ٢٦٩).","vol":"1","page":756},{"text":"واغتابها ولابد لها معه من موقف بين يدي الله تعالى (^١).\nوقد دافع أيضًا عن كثير من الصحابة -﵃- مما قد ينسب إليهم أو يفهم خطأ عنهم مما لا يليق بهم ولا يتناسب مع مكانتهم: كأبي بكر (^٢) وسعيد بن زيد (^٣)، وأبي هريرة (^٤)، وغيرهم (^٥) ﵃.\n_________\n(^١) المفهم (٤/ ٢٧٨).\n(^٢) انظر: المفهم (٦/ ٢٥٤).\n(^٣) انظر: المفهم (٤/ ٥٣٦).\n(^٤) انظر: المفهم (٤/ ٣٧٩، ٤٥٠).\n(^٥) انظر: المفهم (٧/ ٣٧٩).","vol":"1","page":757},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>الباب الرابع اليوم الآخر</span>\nوفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول: أشراط الساعة\nالفصل الثاني: فتنة القبر وعذابه ونعيمه\nالفصل الثالث: البعث والحشر\nالفصل الرابع: الجنة والنار","vol":"1","page":759},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>الفصل الأول أشراط الساعة</span>\nوفيه تمهيد وثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف أشراط الساعة وأقسامها\nالمبحث الثاني: أشراط الساعة الصغرى\nالمبحث الثالث: أشراط الساعة الكبرى","vol":"1","page":761},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>تمهيد</span>\nلقد أخفى الله تعالى عن عباده وقت وقوع الساعة فلا يعلم أحد متى تقوم الساعة، إلَّا هو -﷾- كما قال -جل وعلا-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ١٨٧﴾ (^١).\nوعندما سأل جبريل -﵇- الرسول -ﷺ- عن الساعة قال: \"ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، وسأحدثك عن أشراطها\" (^٢).\nقال القرطبي: \"قوله: \"متى تقوم الساعة\" مقصود هذا السؤال امتناع السامعين من السؤال عنها إذ قد كانوا أكثروا السؤال عن تعيين وقتها، كما قال تعالي: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢)﴾ (^٣) و﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ (^٤) وهو كثير في الكتاب والسنة، فلما أجابه النبي -ﷺ- بأنه إلَّا يعلمها إلَّا الله يئس السائلون من معرفتها، فانكفوا عن السؤال عنها، وهذا بخلاف، الأسئلة الأُخر، فإن مقصودها استخراج الأجوبة عنها ليستعملها السامعون ويعمل بها العاملون\" (^٥).\nفعلم الساعة، مما استأثر الله تعالى بعلمه، ولكن الله تعالى جعل لها أشراطًا، وهي الآيات والعلامات الدالة على قربها.\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ١٨٧.\n(^٢) سبق تخريجه ص (١٣٧).\n(^٣) سورة النازعات، الآية: ٤٢.\n(^٤) سورة الأحزاب، الآية: ٦٣.\n(^٥) المفهم (١/ ١٥٤).","vol":"1","page":763},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>المبحث الأول تعريف أشراط الساعة وأقسامها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>أولًا: تعريف أشراط الساعة:</span>\nقال القرطبي: \"الأشراط: هي الأمارات والعلامات، ومنه قوله تعالى: ﴿جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (^١) وبها سُمِّي الشُّرط لأنهم يَعَلِّمون أنفسهم بعلامات يعرفون بها\" (^٢).\nوقال المازري: \"أشراط الساعة بمعنى علاماتها ومنها سُمُّوا أصحاب الشرط؛ لأنه كان لهم في القديم علامات يعرفون بها ومنه: الشرط في كذا بمعنى أنه عَلَمٌ عليه\" (^٣).\nوفي معنى الساعة قال القرطبي: \"الساعة في أصل الوضع: مقدار ما من الزمان غير معين ولا محدود لقوله تعالى: ﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ (^٤).\nوفي عرف أهل الشرع: \"عبارة عن يوم القيامة، وفي عرف المعدلين (^٥) جزء من أربعة وعشرين جزءًا من أوقات الليل والنهار\" (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>ثانيا: أقسامها:</span>\nبين القرطبي أن أشراط الساعة تنقسم إلى قسمين، فقال عند شرحه لحديث جبريل: \"اقتصر في هذا الحديث على ذكر بعض الأشراط التي\n_________\n(^١) سورة محمد، الآية: ١٨.\n(^٢) المفهم (١/ ١٤٧).\n(^٣) المعلم (٢/ ١٤٨).\n(^٤) سورة الروم، الآية: ٥٥.\n(^٥) المعدِّلون: \"المشتغلون بالحساب وتقدير الزمن\".\n(^٦) المفهم (١/ ١٤٧).","vol":"1","page":764},{"text":"يكون وقوعها قريبًا من زمانه وإلَّا فالشروط كثيرة، وهي أكثر مما ذكر هنا كما دل عليه الكتاب والسنة، ثم إنها منقسمة إلى ما يكون المعتاد، كهذه الأشراط المذكورة في هذا الحديث، وكرفع العلم وظهور الجهل، وكثرة الزنى، وشرب الخمر، إلى غير ذلك، وأما التي ليست من النوع المعتاد: كخروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، ودابة الأرض وطلوع الشمس من مغربها والدخان، والنار التي تسوق الناس وتحشرهم\" (^١).\nوالتي تكون من النوع المعتاد هي أشراط الساعة الصغرى وقد يظهر بعضها مصاحبًا للأشراط الكبرى أو بعدها. والتي تكون من النوع غير المعتاد هي أشراط الساعة الكبرى، والتي تظهر قرب قيام الساعة (^٢).\n_________\n(^١) المفهم (١/ ١٥٥).\n(^٢) انظر: أشراط الساعة ليوسف بن عبد الله الوابل ص (٧٧).","vol":"1","page":765},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>المبحث الثاني أشراط الساعة الصغرى</span>\nأشراط الساعة الصغرى كثيرة جدًّا، وقد تحدث القرطبي عن كثير منها يصعب عرضها جميعًا فأكتفي بذكر بعضها طلبًا للاختصار، فمنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>١ - بعثة النبي -ﷺ</span>-:\nقال -ﷺ-: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\" قال أنس -﵁: \"وضم السبابة والوسطى\" (^١).\nقال القرطبي \"كهاتين: حال أي: مقترنين ... وحاصله تقريب أمر الساعة التي هي القيامة وسرعة مجيئها، وهذا كما قال: ﴿جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (^٢) قال الحسن: أول أشراطها محمد -ﷺ-\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>٢ - ظهور نار الحجاز:</span>\nقال -ﷺ-: \"لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيءُ أعناق الإبل ببصرى (^٤) \" (^٥).\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب قول النبي -ﷺ-: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\" ح ٦٥٠٤ (١١/ ٣٥٥)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة باب قرب الساعة ح ٢٩٥١ (١٨/ ٣٠٠).\n(^٢) سورة محمد، الآية: ١٨.\n(^٣) المفهم (٧/ ٣٠٥).\n(^٤) بُصرى: بضم الباء آخرها ألف مقصورة: مدينة معروفة بالشام ويقال: لها حوران بينها وبين دمشق ثلاث مراحل. معجم البلدان (١/ ٤٤١).\n(^٥) رواه البخاري في كتاب الفتن باب خروج النار ح ٧١١٨ (١٣/ ٨٤)، ومسلم في كتاب الفتن، وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز ح ٢٩٠٢ (١٨/ ٢٤٦).","vol":"1","page":766},{"text":"وقد ظهرت هذه النار سنة (٦٥٤ هـ)، وكانت نارًا عظيمة أفاض العلماء ممن عاصر ظهورها، ومن بعدهم في وصفها، قال النووي: \"خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وست مئة، وكانت نارًا عظيمة جدًّا من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، وتواتر العلم بها عند جميع الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة\" (^١).\nلكن القرطبي -﵀- في شرحه لهذا الحدث لم يذكر هذا الحديث، وإن كان عاصره في آخر عمره، إذ خرجت هذه النار قبل وفاته بسنتين وخمسة أشهر، ويبعد أن لا يسمع بها طوال هذه المدة، لكن الذي يظهر أنه قد فرغ من تأليف المفهم قبل خروجها، لذا جعل هذه النار هي النار التي تسوق الناس إلى المحشر. حيث قال: \"قوله: \"تضيء أعناق الإبل ببصرى\" أي: تكشف بضوئها أعناق الإبل ببصرى، وهي بالشام، فيضيء -والله تعالى أعلم- أن هذه النار الخارجة من قعر عدن تمر بأرض الحجاز مقبلة على الشام، فإذا قاربت الشام أضاءت ما بينها وبين بصرى، حتى ترى بسبب ضوئها أعناق الإبل\" (^٢).\nوقد ذكر هذه النار وأفاض في وصفها تلميذه القرطبي في كتابه \"التذكرة\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-286>٣).\n\n٣ - رفع العلم وظهور الجهل:</span>\nقال -ﷺ-: \"إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ... \" (^٤).\n_________\n(^١) شرح صحيح مسلم للنووي (١٨/ ٢٤٢).\n(^٢) المفهم (٧/ ٢٤١).\n(^٣) التذكرة ص (٧٢١).\n(^٤) رواه البخاري في كتاب العلم، باب رفع العلم وظهور الجهل ح ٨٠ (١/ ٢١٣)، ومسلم في=","vol":"1","page":767},{"text":"قال القرطبي: \"وقد بيَّن كيفية رفع العلم وظهور الجهل في حديث عبد الله بن عمرو الذي قال فيه: \"إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ... \" الحديث (^١). وهو نصٌّ في أن رفع العلم لا يكون بمحوه من الصدور، بل: بموت العلماء وبقاء الجهال الذين يتعاطون مناصب العلماء في الفتيا والتعليم يفتون بالجهل ويعلمونه فينتشر الجهل ويظهر، وقد ظهر ذلك ووجد على نحو ما أخبر به -ﷺ- فكان ذلك دليلًا من أدلة نبوته، وخصوصًا في هذه الأزمان، إذ قد ولي المدارس والفتيا كثير من الجهال والصبيان وحرمها أهل ذلك الشأن\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>٤ - أن تلد الأمة ربَّتها:</span>\nقال -ﷺ- في أمارتها: \"أن تلد الأمة ربتها\" (^٣). قال القرطبي: \"الأمة - هنا- هي: الجارية المستولَدة، وربها: سيدها ... واختلف في معنى قوله: \"أن تلد الأمة ربتها\" على ثلاثة أقوال: أحدها: أن المراد به أن يستولي المسلمون على بلاد الكفر فيكثر التسرّي فيكون ولد الأمة من سيدها بمنزلة سيدها لشرفه بأبيه، وعلى هذا فالذي يكون من أشراط الساعة استيلاء المسلمين على المشركين وكثرة الفتوح والتسرّي.\nوثانيها: أن يبيع السادة أمهات أولادهم ويكثر ذلك، فتتداول الأمهات المستولدة، فربما يشتريها ولدها أو ابنتها ولا يشعر بذلك، فيصير ولدها ربَّها، وعلى هذا فالذي يكون من الأشراط غلبة الجهل\n_________\n= كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان ح ٢٦٧١ (١٦/ ٤٦٢).\n(^١) رواه البخاري في كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم ح ١٠٠ (١/ ٢٣٤)، ومسلم في كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان ح ٢٦٧٣ (١٦/ ٤٦٥).\n(^٢) المفهم (٦/ ٧٠٥).\n(^٣) سبق تخريجه ص (١٣٧).","vol":"1","page":768},{"text":"بتحريم بيع أمهات الأرلاد والاستهانة بالأحكام الشرعية، وهذا على قول من يرى تحريم بيع أمهات الأولاد، وهم الجمهور، ويصح أن يحمل ذلك على بيعهن في حال حملهن وهو محرم بالإجماع.\nوثالثها: أن يكثر العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة والسب، ويشهد لهذا قوله في حديث أبي هريرة \"المرأة\" مكان \"الأمة\" وقوله -ﷺ-: \"لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظًا\" (^١) \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>٥ - التطاول في البنيان:</span>\nوقد بيَّن -ﷺ- أنه من علامات الساعة، فقال: \"وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان\" (^٣) قال القرطبي: \"هذه الأوصاف هي غالبة على أهل البادية ... ومقصود هذا الحديث الإخبار عن تبدل الحال وتغيره، بأن يستولي أهل البادية الذين هذه صفاتهم على أهل الحاضرة، ويتملكوا بالقهر والغلبة فتكثر أموالهم، وتتسع في حطام الدنيا آمالهم فتنصرف همهم إلى تشييد المباني، وهدم الدين، وشريف المعاني، وأن ذلك إذ وجد كان من أشراط الساعة، ويؤيد هذا ما ذكر عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: \"لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع\" (^٤) وقد شوهد هذا كله عيانًا فكان ذلك على صدق رسول الله -ﷺ-\n_________\n(^١) رواه الطبراني في \"المعجم الأوسط (٦/ ٢٨٥) وأبو نعيم في الحلية (٩/ ١٣٨)، والحويني في كتابه النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة ص (١٩٧).\n(^٢) المفهم (١/ ١٤٨).\n(^٣) سبق تخريجه ص (١٣٧).\n(^٤) رواه أحمد في مسنده (٥/ ٣٨٩)، والترمذي في أبواب الفتن، باب ما جاء في أشراط الساعة، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٢٤٢).","vol":"1","page":769},{"text":"وعلى قرب الساعة حجة وبرهانًا\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>٦ - عبادة الأوثان:</span>\nقال -ﷺ-: \"لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس جول ذي الخلصة\" وكان صنمًا تعبدها دوس في الجاهلية بتبالة (^٢). قال القرطبي: \"معنى الحديث أن دوسًا يظهر فيها الارتداد عن دين الإسلام، ويرجعون إلى ما كانوا عليه من عبادة الأوثان كما قال في حديث عائشة -﵂-: \"لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى\" (^٣) \" (^٤).\nقال الشيخ حمود التويجري (^٥) -﵀-: \"وقد وقع الأمر طبق ما أخبر به رسول الله -ﷺ- في هذا الحديث الصحيح وعظم افتتان أهل تبالة ومن حولهم من القبائل بذي الخلصة وأعادوا سيرتها الأولى في زمن الجاهلية حتى ظهر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -﵀\n_________\n(^١) المفهم (١/ ١٤٩).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب الفتن، باب تغير الزمان، حتى تعبد الأوثان ح ٧١١٦ (١٣/ ٨٢)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة ح ٢٩٠٦ (١٨/ ٢٥٠).\n(^٣) رواه مسلم في كتاب الفتن، وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة ح ٢٩٠٧ (١٨/ ٢٥٠).\n(^٤) المفهم (٧/ ٢٤٤).\n(^٥) الشيخ حمود بن عبد الله التويجري من العلماء المعاصرين له العديد من المؤلفات غالبها في الردود ولد في المجمعة بنجد سنة (١٣٣٤ هـ) طلب العلم على علماء بلده وجدَّ واجتهد حتى فاق الأقران، تولى القضاء في المنطقة الشرقية والزلفى، ثم طلب الإعفاء فأعفي وآثر التفرغ للعلم والبحث والتأليف، ولذا بلغت مؤلفاته أكثر من خمسين مؤلفًا منها: \"الرد القويم على المجرم الأثيم\" \"عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن\" وغيرها، توفي ﵀ سنة (١٤١٣ هـ). إتحاف النبلاء بسير العلماء ص (١٨٩) من أعلام القرن الرابع عشر والخامس عشر (١/ ٤١).","vol":"1","page":770},{"text":"تعالى- (^١) فدعا إلى التوحيد وجدد ما اندرس من معالم الدين، وسعى في محو الشرك ووساق له، وما يدعو إليه ويرغب فيه فبعث إمام المسلمين في ذلك الزمان -وهو عبد العزيز بن محمد بن سعود رحمه الله تعالى (^٢) عليه وعلى من كان السبب في إمامته- جماعة من المسلمين إلى ذي الخلصة فخربوها وهدموا بعض بنائها، وبقي بعضه قائمًا، وزال الافتتان بها في زمن ولاية النجديين على الحجاز، ولما زالت ولا يتهم عن الحجاز عاد الجهال إلى ما كانوا عليه من الافتتان بها حتى ولي الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود (^٣) على الحجاز، وما حوله فبعث عامله على تلك النواحي جماعة من المسلمين فهدموا ما بقي من بنائها ورموا بأنقاضها في الوادي فعفى بعد ذلك رسمها وانقطع أثرها ولله الحمد والمنة (^٤).\n_________\n(^١) محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي الإمام المجدد ولد سنة (١١١٥ هـ) وطلب العلم على يد والده وعلماء بلده ورحل لطلب العلم في الحجاز والعراق ثم تصدى للدعوة إلى صفاء العقيدة ومحاربته البدع والخرافات ووجد التأييد من الإمام محمد بن سعود أمير الدرعية في زمنه وتعاهدا على نشر الدعوة ومواجهة خصومها حتى نفع الله تعالى بهذه الدعوة وأعاد البلاد نجد وعامة الجزيرة ما اندرس من معالم الدين توفي سنة (١٢٠٦ هـ). الأعلام (٦/ ٢٥٧)، علماء نجد خلال ثمانية قرون (١/ ١٢٥).\n(^٢) الإمام عبد العزيز بن محمد آل سعود، تولى الملك بعد والده فهو ثاني ملوك الدولة السعودية الأولى زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب توسعت الدولة في عهده كثيرًا، حتى شملت كافة أنحاء الجزيرة اغتيل على يد أحد الأشرار وهو في مسجده في الدرعية سنة (١٢١٨ هـ). الأعلام (٤/ ٢٧).\n(^٣) عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود مؤسس الدولة السعودية الثالثة والتي أطلق عليها المملكة العربية السعودية سنة (١٣٥١ هـ) استولى على الرياض وهو شاب في مقتبل عمره حتى دخلت تحت لاويته بلاد نجد والحجاز وعسير والأحساء وغيرها من البلاد حتى توحدت هذه البلاد تحت مسمى \"المملكة العربية السعودية\" توفي سنة (١٣٧٣ هـ) الأعلام (٤/ ١٩).\n(^٤) إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة للشيخ حمود الويجري =","vol":"1","page":771},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>٧ - حسر الفرات عن جبل من ذهب:</span>\nقال -ﷺ-: \"لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه فيُقتلُ من كل مئة تسعة وتسعون ويقول كل رجل منهم لعلي أكون أنا الذي أنجو\" (^١).\nقال القرطبي: \"قوله: \"يحسر الفرات عن جبل من ذهب\" أي: يكشف، ومنه حسرت المرأة عن وجهها، أي: كشفت، والحاسر: الذي لا سلاح عليه، وكأن هذا إنما يكون إذا أخذت الأرض تقيء ما في جوفها كما تقدم في كتاب الزكاة (^٢) \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>٨ - عودة أرض العرب مروجًا وأنهارًا:</span>\nقال -ﷺ-: \"لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدًا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا\" (^٤).\n_________\n= (٢/ ٢٢٥).\n(^١) رواه البخاري في كتاب الفتن، باب خروج ح ٧١١٩ (١٣/ ٨٤)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب ح ٢٨٩٤ (١٨/ ٢٣٥).\n(^٢) قال في كتاب الزكاة، جاء في الحديث: \"تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب\" رواه مسلم في كتاب الزكاة باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها ح ١٠١٣ (١٠٢/ ٧).\nوهذا عبارة عما تخرج الأرض من الكنوز والندرات -وهي القطعة من الذهب- وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ الزلزلة: ٢، أي: كنوزها على أحد التفسيرين وقيل: موتاها. المفهم (٣/ ٥٦).\n(^٣) المفهم (٧/ ٢٢٨).\n(^٤) رواه مسلم في كتاب الزكاة، باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها ح ١٠١٢ (٧/ ١٠١).","vol":"1","page":772},{"text":"قال القرطبي: \"أي تنصرف دواعي العرب عن مقتضى عاداتهم من انتجاع الغيث والارتحال في المواطن للحروب والغارات، ومن نخوة النفوس العربية الكريمة الأبية إلى أن يتقاعدوا عن ذلك فينشغلوا بغراسة الأرض وعمارتها، وإجراء مياهها، كما قد شوهد في كثير من بلادهم وأحوالهم\" (^١).\nوقد تحدث عن كثير من هذه الأشراط سوى المذكورة كظهور الفتن (^٢)، وصدق رؤيا المؤمن (^٣)، وكثرة المال (^٤)، وظهور الكذابين (^٥)، وتمني الموت من شدة البلاء (^٦)، وقتال اليهود (^٧) وغيرها (^٨).\n_________\n(^١) المفهم (٣/ ٥٧).\n(^٢) انظر: المفهم (٧/ ٢١١، ٢١٥).\n(^٣) انظر: المفهم (٦/ ١٠).\n(^٤) انظر: المفهم (٣/ ٥٧، ٧/ ٢٥٣).\n(^٥) انظر: المفهم (٤/ ١٠).\n(^٦) انظر: المفهم (٧/ ٢٤٥).\n(^٧) انظر: (٧/ ٢٥١).\n(^٨) انظر: المفهم (١/ ٣٦٤، ٧/ ٢٤٥، ٢٤٦، ٢٤٧، ٢٤٨).","vol":"1","page":773},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>المبحث الثالث أشراط الساعة الكبرى</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>١ - المهدي:</span>\nوهو عبدٌ صالح من أهل البيت يخرج في آخر الزمان، يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا. \"في زمانه تكون الثمار كثيرة، والزروع غزيرة، والمال وافر، والسلطان قاهر، والدين قائم، والعدو راغم، والخير في أيامه دائم\" (^١).\nوالقرطبي -﵀- أثبت خروج المهدي كما جاءت به النصوص وذلك عند شرحه لقوله -ﷺ-: \"يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيًا ولا يعده عددًا\" (^٢). حيث قال: روى الترمذي وأبو داود أحاديث صحيحة في هذا الخليفة وسمياه المهدي فروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي\" قال: حديث حسن صحيح (^٣).\nوخرجه أبو داود وزاد فيه: \"يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا\" (^٤) ومن حديث أبي هريرة -﵁- \"لو لم يبق من الدنيا إلَّا يوم لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه\n_________\n(^١) النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير (١/ ٣١).\n(^٢) رواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء ح ٢٩١٣ (١٨/ ٢٥٤).\n(^٣) رواه الترمذي في أبواب الفتن، باب ما جاء في المهدي، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٢٤٧).\n(^٤) أخرجه أبو داود في كتاب المهدي وحسنه الألباني انظر: صحيح سنن أبي داود (٣/ ٨٠٨).","vol":"1","page":774},{"text":"اسمي\" قال: حديث حسن صحيح (^١)، ومن حديث أبي سعيد قال: خشينا أن يكون بعد نبينا حدث فسألناه فقال: \"إن في أمتي المهدي يخرج يعيش خمسًا أو سبعًا أو تسعًا\" زيد الشاك. قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: \"سنين. قال: فيجيء إليه الرجل فيقول: يا مهدي أعطني يا مهدي أعطني قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله\" (^١) قال: هذا حديث حسن وروى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"المهدي في أمتي: أجلى الجبهة أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا، كما ملئت جورًا وظلمًا يملك سبع سنين\" (^٢).\nوروى أيضًا أبو داود عن أم سلمة -﵂- عن رسول الله -ﷺ- قال: \"يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هاربًا إلى مكة، فيأيته ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث من أهل الشام، فيخسف بهم بالبيداء، بين مكة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك آتاه أبدال أهل الشام، وعصائب أهل العراق، فيبايعونه ثم ينشأ رجل من قريش أخواله كلب فيبعث إليهم بعثًا فيظهرون عليهم، وذلك بعث كلب والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال ويعمل في الناس بسنة نبيهم، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض، فيلبث سبع سنين ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون\" (^٣) وفي رواية \"تسع سنين\" فهذه أخبار صحيحة ومشهورة عن النبي -ﷺ- تدل على خروج هذا الخليفة الصالح في آخر الزمان، وهو ينتظر إذ لم يسمع كملت\n_________\n(^١) رواه الترمذي في أبواب الفتن، باب ما جاء في المهدي وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٢٤٧).\n(^٢) رواه أبو داود في كتاب المهدي وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣/ ٨٠٨).\n(^٣) رواه أحمد في مسنده (٦/ ٣١٦)، وأبو داود في كتاب المهدي وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (٤/ ٤٣٥) حديث ١٩٦٥.","vol":"1","page":775},{"text":"له جميع تلك الأوصاف التي تضمنتها تلك الأخبار والله تعالى أعلم\" (^١).\nفالقرطبي -﵀- أثبت خروج المهدي كما هو معتقد أهل السنة والجماعة، وحشد الأدلة في الرد على من خالفهم فيه، قال السفاريني -﵀-: \"قد كثرت الأقوال في المهدي حتى قيل لا مهدي إلَّا عيسى، والصواب الذي عليه أهل الحق أن المهدي غير عيسى، وأنه يخرج قبل نزول عيسى ﵇، وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة، حتى عدَّ من معتقداتهم\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-294>٢).\n\n٢ - المسيح الدجال:</span>\nخروج الدجال يكون في آخر الزمان، وهو من أشراط الساعة الكبرى، وقد حذَّر الرسول -ﷺ- منه وبين أن جميع الأنبياء قد حذروا أممهم منه لعظم فتنته، وشدة الابتلاء به، فقال -ﷺ-: \"إني لأنذركموه ما من نبي إلَّا وأنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكن أقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لقومه، إنه أعور، وإن الله ﵎ ليس بأعور ... إنه مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه من كره عمله أو يقرؤه كل مؤمن وتعلمون أنه لن يرى أحد منكم ربه ﷿ حتى يموت\" (^٣).\nوقد بيَّن القرطبي أن تحذير الأنبياء -﵈- منه بسبب عظم فتنته، وأن فائدة هذا التحذير الإيمان بوجوده، كما جاءت بذلك\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ٣٥٢ - ٣٥٤).\n(^٢) لوامع الأنوار للسفاريني (٢/ ٨٤).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب كيف يعرض الإسلام على الصبي ح ٣٠٥٧ (٦/ ١٩٩)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر ابن صياد ح ٢٩٣٠ (١٨/ ٢٦٨).","vol":"1","page":776},{"text":"الآثار، وهو مذهب، أهل السنة، ورد على منكري الدجال من المبتدعة، وذلك عند شرحه لهذا الحديث حيث قال: \"إنما كان هذا من الأنبياء لما علموا من عظيم فتنته، وشدة محنته، ولأنهم لما لم يعين لواحد منهم زمان خروجه توقع كل واحد منهم خروجه في زمان أمته فبالغ في التحذير، وفائدة هذا الإنذار الإيمان بوجوده، والعزم على معاداته، ومخالفته، وإظهار تكذيبه، وصدق الالتجاء إلى الله تعالى في التعوذ من فتنته، وهذا مذهب أهل السنة وعامة أهل الفقه والحديث خلافًا لمن أنكر أمره وأبطله، من الخوارج وبعض المعتزلة\" (^١).\n\"وسمي الدجال مسيحًا لأنه ممسوح العين اليمنى، أو لأنه مسح الأرض أي: قطعها بالذهاب ومن سماه المسيخ بالخاء فهو من المسخ (^٢).\nوشدة الابتلاء به لِمَا أظهر الله تعالى على يديه من خوارق العادات من إنزال المطر والخصب على من يصدقه والجدب على من يكذبه، واتباع كنوز الأرض له، وما معه من جنة ونار، ومياه تجري، كل ذلك محنة من الله واختبار ليهلك المرتاب، وينجو المتيقن، وكل هذا أمر مخوف (^٣).\nوما مع الدجال من هذه حقيقة لا خيال، كما زعم ذلك الجهمية، وبعض المعتزلة. ق ال ابن كثير: \"إن الدجال يمتحن الله به عباده بما يخلقه معه من الخوارق إلى مشاهدة في زمانه، ثم ذكر الخوارق التي معه ثم قال: وهذا كله ليس بمخرقة بل له حقيقة امتحن الله بها عباده في آخر الزمان، فَيُضلُّ به كثيرًا ويهدي به كثيرًا يكفر المرتابون ويزداد الذين آمنوا\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ٢٦٧).\n(^٢) المفهم (١/ ٣٩٨)، والمعلم (١/ ٢٢٢).\n(^٣) فتح الباري لابن حجر (١٣/ ١١١).","vol":"1","page":777},{"text":"إيمانًا\" (^١).\nوقد رد القرطبي على هؤلاء الذين زعموا أن ما معه من باب الخيال فقال: \"الجبائي من المعتزلة ومن وافقنا على إثباته من الجهمية وغيرهم زعموا أن ما عنده مخارق وحيل قال: لأنها لو كانت أمورًا صحيحة لكان ذلك إلباسًا للكاذب بالصادق، وحينئذ لا يكون فرق بين النبي والمتنبيء وهذا هذيان لا يلتفت إليه، فإن هذا إنما كان يلزم لو أن الدجال يدعي النبوة، وليس كذلك، فإنه إنما ادعى الإلهية، وكذبُه في هذه الدعوى واضح للعقول، إذ أدلة حدثه ونقصه وفقره مُدرَكٌ بأول الفطرة، بحيث لا يجهله من له أدنى فكرة، وقد زاد النبي -ﷺ- هذا المعنى إيضاحًا في هذه الحديث من ثلاثة أوجه:\nأحدها: بقوله: \"ولكن أقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لأمته، إنه أعور وإن الله ليس بأعور\" وهذا تنبيه للعقول القاصرة أو الغافلة على أن من كان ناقصًا في ذاته عاجزًا عن إزالة نقصه، لم يصلح لأن يكون إلهًا لعجزه وضعفه، ومن كان عاجزًا عن إزالة نقصه، كان أعجز عن نفع غيره، وعن مضرته.\nوثانيها: قوله: \"أنه مكتوب بين عينيه \"كافر\" يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب\" وهذا أمرٌ مشاهد للحس يشهد بكذبه وكفره.\nوثالثها: قوله: \"تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت\" وهذا نصٌّ جليٌّ في أن الله تعالى لا يُرى في هذه الدار ... وحاصل هذا: أن الصادق قد أخبر أن الله تعالى لا يراه أحد في الدنيا، والدجال يراه الناس، فليس بإله، وهذا منه -ﷺ- نزول إلى غاية البيان بحيث لا يبقى معه\n_________\n(^١) النهاية في الفتن والملاحم (١/ ١٢١).","vol":"1","page":778},{"text":"ريبة لإنسان\" (^١).\nوقد رد القرطبي له سائر تأويلاتهم وشبهاتهم المتعلقة بهذه المسألة (^٢).\nهل ابن صياد هو الدجال؟:\nويقال له: ابن صائد، واسمه صاف، ذكر أن نسبه في بني النجار،\nوقيل: من اليهود، وكانوا حلفاء بني النجار، وكانت حاله في صغره حالة\nالكهان يصدق مرة ويكذب مرارًا، ثم إنه أسلم لما كبر وظهرت منه علامة\nالخير من الحج والجهاد مع المسلمين، ثم ظهرت منه أحوال وسمعت\nمنه أقوال له تشعر بأنه الدجال، وبأنه كافر، وقيل: إنه تاب ومات\nبالمدينة، وقيل: فقد يوم الحرة ولم يوقف عليه (^٣).\nقال القرطبي: \"اختلف بابن صياد، هل هو الدجال أم لا؟ وقد ذكره\nابن جرير وغيره في الصحابة غير أنه قد ظهرت منه أمور بعضها كفر\nوبعضها يشعر بأنه الدجال، وهي أمور تقارب النص أنه هو، وأما ما ورد\nمن إسلامه وحجه وغير ذلك من أعمال تنافي حال الدجال، فقد يكون\nأسلم ثم كفر أو يكون هذا منه من باب النفاق.\nوأما كون الدجال، لا يولد له ولا يدخل مكة ولا المدينة وابن صياد\nولد له ودخل مكة والمدينة، فربما يكون هذا من الدجال إذا خرج على\nالناس، وقد اجتمعت قرائن كثيرة تفيد أن ابن صياد هو الدجال، ولذلك\nكان ابن عمر -﵄- قد اعتقد ذلك، وصمم عليه، بحيث كان\nيحلف على ذلك، وكذلك جابر بن عبد الله -﵄- وعلى\nالجملة فأمره كله مشكلة على الأمة، وهو فتنة ومحنة والله أعلم\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ٢٦٧).\n(^٢) انظر: المفهم (٧/ ٢٦٨، ٢٦٩).\n(^٣) المفهم (٧/ ٢٦٢).","vol":"1","page":779},{"text":"بحقيقته\" (^١).\nوالرسول -ﷺ- لم يَعْلَم بحقيقة ابن صياد هل هو الدجال أم لا؟ .\nولذا قال: -ﷺ- لعمر حينما استأذنه في قتل ابن صياد: \"إن يكنه فلن\nتسلط عليه، وإن لم يكنه فلاخير لك في قتله\" (^٢).\nقال القرطبي: \"هذا يدل على أن النبي -ﷺ- لم يتضح له شيء من أمر\nكونه هو الدجال أم لا؟ وليس هذا نقصًا في حق النبي -ﷺ-؛ لأنه لم يكن\nيعلم إلَّا ما علمه الله، وهذا مما لم يعلمه الله تعالى به، ولا هو مما تُرهِق\nإلى علمه حاجة لا شرعية ولا عادية ولا مصلحية، ولعل الله تعالى قد علم\nفي إخفائه مصلحة فأخفاه، والذي يجب الإيمان به: أنه لابد من خروج\nالدجال يدعى الإلهية، وأنه كذاب أعور كما جاء في الأحاديث الصحيحة\nالكثيرة التي قد حصلت لمن عاناها العلم القطعي بذلك (^٣).\nمن ينجو من فتنته:\nالذي ينجو من فتنة الدجال هو الذي صدق في إيمانه وتوكله على\nالله سبحانه، قال القرطبي: \"لا شك في أن من صح إسلامه في ذلك\nالوقت أنه يكفى تلك الفتن ... قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (^٤) أي: كافيه مشقة ما توكل عليه فيه، وموصله إلى ما يصلحه منه، ومع هذا فقد أرشد النبي -ﷺ- إلى ما يقرؤه على الدجال فيؤمن من\nفتنته وذلك عشر آيات من أول سورة الكهف أو آخرها على اختلاف في\nذلك، والاحتياط والحزم يقتضي أن يقرأ عشرًا من أولها، وعشرًا من\n_________\n(^١) انظر: المفهم (٧/ ٢٦٢، ٢٧٠، ٢٧٢).\n(^٢) هو جزء من الحديث الذي سبق تخريجه في تحذير النبي -ﷺ- من الدجال ص (٧٧٦).\n(^٣) المفهم (٧/ ٢٦٥).\n(^٤) سورة الطلاق، الآية: ٣.","vol":"1","page":780},{"text":"آخرها، على أنه قد روى أبو داود من حديث النواس: \"فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، فإنها جوار لكم من فتنته\" (^١) \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>٣ - نزول عيسى ﵇:</span>\nعيسى -﵇- أحد الأنبياء الكرام الذين فضلهم الله تعالى على العالمين، وقد كذبه اليهود وآذوه، وحاولوا قتله، لكن الله تعالى حفظه منهم: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (^٣) ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (^٤).\nقال -ﷺ-: \"والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الحرب، ويقبض المال، حتى لا يقبله أحد حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها\" ثم يقول أبو هريرة: \"واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) (^٥)﴾ (^٦) \".\nوتقدم حديث خذيفة بن أسيد في ذكر الآيات العشر وفيه: \"ونزول عيسى ابن مريم\".\n_________\n(^١) رواه أبو داود في كتاب الملاحم باب خروج الدجال والحديث أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل سورة الكهف، وآية الكرسي ح ٨٠٩ (٦/ ٣٤٠)، بلفظ: \"من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال\".\n(^٢) المفهم (٧/ ٢٧٧).\n(^٣) سورة النساء، الآية: ١٥٧.\n(^٤) سورة النساء، الآية: ١٥٨.\n(^٥) سورة النساء، الآية: ١٥٩.\n(^٦) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب نزول عيسى ابن مريم ﵇ ح ٣٤٤٨ (٦/ ٥٦٦)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد -ﷺ- ح ١٥٥ (٢/ ٥٤٨).","vol":"1","page":781},{"text":"فالأدلة قد تضافرت على إثبات نزوله ﵇ في آخر الزمان، ونزوله من علامات الساعة الكبرى.\nقال ابن كثير: \"تواترت الأحاديث عن رسول الله -ﷺ- أنه أخبر \"بنزول عيسى -﵇- قبل يوم القيامة إمامًا عادلًا وحكمًا مقسطًا\" (^١).\nقال الطحاوي: \"ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم -﵇- من السماء\" (^٢).\nقال ابن تيمية: \"والمسيح (^٣) - ﷺ- وعلى سائر النبيين لابد أن ينزل إلى الأرض ... كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ولهذا كان في السماء الثانية مع أنه أفضل من يوسف وإدريس وهارون؛ لأنه يريد النزول إلى الأرض قبل يوم القيامة بخلاف غيره\" (^٤).\nهذا هو قول أهل السنة وهو الذي نصره القرطبي -﵀- وأيَّده إذ قال بعد ذكره للأحاديث المثبتة لنزول عيسى -﵇-: \"تضمنت تلك الأحاديث المتقدمة أن عيسى ﵇ ينزل ويقتل\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٤/ ١٣٣).\n(^٢) الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز (٢/ ٧٥٤).\n(^٣) قال القرطبي في سبب تسميته -﵇- بالمسيح: \"اختلف في المسيح ابن مريم ممَّاذا أخذ؟ فقيل: لأنه مسح الأرض، أي: ذهب فيها فلم يسكن بكنّ (هو كل ما يردُّ البرد والحر يستتر به الإنسان من الأبنية ونحوها. انظر: معجم مقاييس اللغة ٥/ ١٢٣) - وقيل: لأنه ممسوح بدهن البركة، وقيل: لأنه كان ممسوح الأخمصين، وقيل: لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلَّا برأ، وقيل: لأنه الجمال مسحه أي: أصابه وظهر عليه، وقال ابن الأعرابي: المسيح: الصديق وبه سمي عيسى، وقيل: هو اسم سماه الله تعالى به أي: أنه غير مشتق\". المفهم (١/ ٣٩٨)، وانظر: المعلم (١/ ٢٢٢).\n(^٤) الفتاوى (٤/ ٣٢٩).","vol":"1","page":782},{"text":"الدجال، وهو مذهب أهل السنة، والذي دل عليه قوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (^١) والأحاديث الكثيرة الصحيحة المنتشرة، وليس في العقل ما يحيل ذلك ولا يرده، فيجب الإيمان به والتصديق بكل ذلك، ولا يبالى بمن خالف ذلك من المبتدعة، ولا حجة لهم في اعتمادهم في نفي ذلك على التمسك بقول،: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (^٢) وبما ورد في السنة من أنه لا نبي بعده ولا رسول (^٣)، ولا بإجماع المسلمين علي ذلك، ولا على أن شرعنا لا ينسخ، وهذا ثابت إلى يوم القيامة، لأنا نقول بموجب ذلك كله؛ لأن عيسى ﵇ إنما ينزل لقتل الدجال، ولإحياء شريعة محمد -ﷺ-، وليعمل بأحكامها، وليقيم العدل على مقتضاها، وليقهر الكفار، وليظهر للنصارى ضلالتهم، ويتبرأ من إفكهم، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويأتم بإمام هذه الأمة. والحاصل: أنه لم يأت برسالة مستأنفة ولا شريعة مبتدأة، وإنما يأتي عاضدًا لهذه الشريعة، وملتزمًا بأحكامها، غير مغير لشيء منها، والمنفي بالأدلة السابقة: إنما هو رسول يزعم أنه قد جاء بشرع مبتدأ، أو برسالة مستأنفة، فمن ادعى ذلك كان كاذبًا كافرًا قطعًا\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-296>٤).\n\n٤ - يأجوج ومأجوج</span>\nقال القرطبي: \"يأجوج ومأجوج: يهمزان ولا يهمزان: لغتان وقرئ بهما فمن همزهما جعلهما من أجيج النار، وهو ضوءها وحرارتها وسمُّوا بذلك لكثرتهم وشدتهم، وقيل: من الأُجاج، وهو الماء الشديد\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ١٥٨.\n(^٢) سورة الأحزاب، الآية: ٤٠.\n(^٣) سبق تخريجه ص (٦٨٨).\n(^٤) المفهم (٧/ ٢٩٢).","vol":"1","page":783},{"text":"الملوحة، وقيل: هما اسمان أعجميان غير مشتقين\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>أصلهم:</span>\nقال القرطبي: \"قال مقاتل (^٢): هم من ولد يافث بن نوح ﵇. وقال الضحاك (^٣): من الترك. وقال كعب: احتلم آدم ﵇ فاختلط ماؤه بالتراب فأسف فخلقوا من ذلك. وفيه نظر؛ لأن الأنبياء لا يحتلمون\" (^٤).\nقال القرطبي: \"قال الغزنوي (^٥) في كتابه المسمى بـ \"عيون المعاني\": أن النبي -ﷺ- قال: \"يأجوج أمة لها أربعمائة أمير، وكذلك مأجوج لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف فارس من ولده، صنف منهم كالأرز طولهم مئة وعشرون ذراعًا، وصنف يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل ولا خنزير إلَّا أكلوه، ويأكلون من مات منهم، مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق، وبحيرة طبرية، فيمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس\" (^٦) وقال علي\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ٢٠٧).\n(^٢) مقاتل بن سليمان الأزدي البلخي من التابعين، وهو إمام في التفسير، رمي بالتشيبه، وقدح فيه عدد كبير من العلماء، توفي سنة (١٥٠ هـ). تهذيب التهذيب (٤/ ١٤٣)، سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٠١).\n(^٣) أبو القاسم الضحاك بن مزاحم الهلالي، صدوق كثير الإرسال، توفي بعد المائة. تهذيب التهذيب (٢/ ٢٢٦)، صفة الصفوة (٤/ ٥٠).\n(^٤) المفهم (٧/ ٢٠٧).\n(^٥) محمد بن طيفور الغزنوي مفسر مقرئ نحوي، من مؤلفاته \"علل القراءات\" توفي سنة (٥٦٠ هـ). طبقات المفسرين للأدنه وي ص (٢٧٤)، معجم المؤلفين (٣/ ٣٧٤).\n(^٦) هذا وما بعده نقله القرطبي عن الغزنوي ولم أجدها في شيء من كتب الحديث، وقد ذكرهما الطريري -في دراسته حول المفهم- في الأحاديث الواهية التي ذكرها القرطبي في كتابه. انظر: القرطبي ومنهجه في كتابه المفهم للطريري (١/ ١٧٥).","vol":"1","page":784},{"text":"-﵁-: وصنف منهم في طول شبر، لهم مخالب وأنياب السباع، وتداعي الحمام وتسافد البهائم، وعواء الذئب، وشعور، تقيهم الحر والبرد، وآذان عظام إحداها وبرة يُشتُّون فيها، والأخرى جلدة يصيِّفون فيها، يحفرون السد حتى كادوا ينقبونه، فيعيده الله كما كان حتى يقولوا: ننقبه غدًا إن شاء الله، فينقبون ويخرجون، ويتحصن الناس بالحصون، فيرمون. إلى السماء فيُردُّ إليهم السهم ملطخًا بالدم، ثم يهلكهم الله بالنغف في رقابهم يعني الدود\" (^١).\nقلت: أي القرطبي وسيأتي من أخبارهم الصحيحة ما يشهد بالصحة لأكثر هذين الحديثين (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>خروجهم من السد:</span>\nخروج يأجوج ومأجوج من السد يكون في آخر الزمان، وهو من أشراط الساعة الكبرى، وقد دلَّ على خروجهم أدلة من الكتاب والسنة: قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧)﴾ (^٣)، وجاء في صحيح مسلم قوله -ﷺ-: \"إذ أوحى الله إلى عيسى: أني قد أخرجت عبادًا لي لا يَدَان لأحدٍ بقتالهم، فحَرِّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج -وهم من كل حدبٍ ينسلون- فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماءٌ ويُحْصَرُ نبيُّ الله عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مئة دينار\n_________\n(^١) نفس الحديث الذي قبله.\n(^٢) المفهم (٧/ ٢٠٧).\n(^٣) سورة الأنبياء، الآيه: ٩٦، ٩٧.","vol":"1","page":785},{"text":"لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيُرسلُ الله عليهم النَّغَفَ في رقابهم فيصبحون فرس كموت نفس واحدة ... \" (^١).\nوقد بيَّن القرطبي في شرح هذا الحديث أن يأجوج ومأجوج لا قدرة لأحد على قتالهم، لذا يهلكهم الله تعالى بالنغف وهي دودة محتقرة تكون في أنوف الإبل والغنم إتلافها شديد (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>٥ - الخسوفات الثلاثة:</span>\nعن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال: قال -ﷺ-: \"إن الساعة لن تقوم حتى تروا عشر آيات\" فذكر الدخان ... وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب\" (^٣).\nقال القرطبي: الخسوفات الثلاثة وقع بعضها، ذكر أبو الفرج الجوزي: \"أنها وقعت بعراق العجم زلازل وخسوفات هائلة هلك بسببها خلق كثير، وقد سمعنا ونحن بالأندلس: أن بلدًا بشرقها خسف به وهلك كثير من أهله\" (^٤).\nوالصحيح أنه لم يحدث شيء منها إلى الآن، وإنما وقع بعض الخسوفات في أماكن متفرقة وفي أزمان متباعدة، وذلك من أشراط الساعة الصغرى، كما قال -ﷺ-: \"يكون في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف\" قالت عائشة -﵂-: قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال ح ٢٩٣٧ (١٨/ ٢٧٧).\n(^٢) المفهم (٧/ ٢٨٥، ٢٨٦).\n(^٣) رواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في الآيات التي تكون قبل الساعة ح ٢٩٠١ (١٨/ ٢٤٣).\n(^٤) المفهم (٧/ ٢٣٩).","vol":"1","page":786},{"text":"الصالحون؟ قال: \"نعم، إذا ظهر الخبث\" (^١).\nوهذه الخسوفات قد وجد منها في مواضع من الأرض في الشرق والغرب قبل هذا الزمن (^٢).\nأما الخسوفات الثلاثة المذكورة في العشر آيات العظام فتكون خسوفات عظيمة.\nقال ابن حجر: \"وقد وجد الخسف في مواضع ولكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدرًا زائدًا على ما وجد، كأن يكون أعظم منه مكانًا وقدرًا\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>٦ - الدخان:</span>\nقال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾ (^٤).\nوالمعنى: انظر يا محمد بهؤلاء الكفار يوم تأتي السماء بدخان مبين واضح يغشى الناس ويعمهم، وعند ذلك يقال لهم: هذا عذاب أليم، تقريعًا لهم، وتوببخًا، أو يقول بعضهم لبعض ذلك (^٥).\nوذهب ابن مسعود -﵁- وجماعة من السلف إلى أن هذا الدخان هو ما أصاب قريشًا من الشدة والجوع، عندما دعا عليهم النبي -ﷺ-\n_________\n(^١) رواه الترمذي في أبواب الفتن، باب ما جاء في الخسف وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ١٣٥٥) ح/ ٨١٥٦١.\n(^٢) انظر: أشراط الساعة للوابل ص (١٧٤، ٣٨٢).\n(^٣) فتح الباري (١٣/ ٩٠).\n(^٤) سورة الدخان، الآية: ١٠، ١١.\n(^٥) انظر: تفسير الطبري (١١/ ٢٢٨)، وتفسير القرطبي (١٦/ ٨٧).","vol":"1","page":787},{"text":"حين لم يستجيبوا له، فأصبحوا يرون في السماء كهيئة الدخان (^١).\nوالقرطبي رجَّح أن الدخان يأتي في آخر الزمان، ويكون من علامات الساعة حيث قال: \"وأما الدخان فهو الذي دلَّ عليه قوله تعالى ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ على ما ذهب إليه غير ابن مسعود، وهم جماعة من السلف، وهو مروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة، وابن عباس، والحسن، وابن أبي مليكة، وروى حذيفة عن النبي -ﷺ- أن من أشراط الساعة دخانًا يمكث في الأرض أربعين يومًا\" (^٢).\n\"قلت -أي القرطبي-: ويؤيد هذا قوله تعالى في الآية ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾، وقوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)﴾ وهذا يبعد قول من قال: إنه الدخان الذي يعذب به الكفار يوم القيامة، وهو مروي عن زيد بن علي (^٣).\nوفي رده للقول الآخر المخالف لهذا القول الذي عليه ابن مسعود\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ح ٤٨٢١ (٨/ ٤٣٤)، ومسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب الدخان ح ٢٧٩٨ (١٧/ ١٤٦).\n(^٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٢٢٨) وقال: \"حدثني عصام بن رواد قال: حدثني أبي قال: حدثنا سفيان بن سعيد الثوري قال: حدثنا منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول -ثم ساق الحديث وقال بعده: أنا لم أشهد لهذا الحديث بالصحة لأن محمد بن خلف العسقلاني حدثني أن سأل روادًا عن هذا الحديث هل سمعه من سفيان؟ فقال له: لا، فقلت له: فقرأته عليه؟ فقال: لا، فقلت له: فقرئ عليه وأنت حاضر فأقرَّ به؟ فقال: لا، فقلت: فمن أين جئت به، قال: جاءني به قوم فعرضوه عليَّ وقالوا لي: اسمعه منَّا فقرأوه على ثم ذهبوا فحدثوا به عني. وقال ابن كثير بعد نقله لكلام ابن جرير السابق: وقد أجاد ابن جرير في هذا الحديث هاهنا فإنه موضوع بهذا السند. تفسير ابن كثير (٤/ ١٤٠). وقال ابن حجر: إسناده ضعيف. فتح الباري (٨/ ٤٣٦).\n(^٣) المفهم (٧/ ٢٣٩).","vol":"1","page":788},{"text":"﵁ ومن وافقه قال: \"الذي حمل عبد الله بن مسعود ﵁ على إنكار ما ذهبنا إليه قوله تعالي: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ (^١) وقوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ (^٢) ولذلك قال: أفيكشف عذاب الآخرة؟ وهذا لا دليل فيه على نفي ما قاله ذلك القائل؛ لأن حديث أبي سعيد إنما دل على أن ذلك الدخان يكون من أشراط الساعة قبل أن تقوم القيامة، في جوف انكشافه كما تنكشف فتن الدجال ويأجوج ومأجوج، وأمَّا الذي لا ينكشف فعذاب الكافر بعد الموت فلا معارضة بين الآية والحديث (^٣).\nوجمع من العلماء ذهب إلى الجمع بين هذه النصوص بأنهما دخانان ظهرت إحداهما وبقيت الأخرى، وهي التي ستقع في آخر الزمان، فأما التي ظهرت فهي ما كانت تراه قريش كهيئة الدخان، وهذا الدخان غير الدخان الحقيقي الذي يكون عند ظهور الآيات التي هي من أشراط الساعة (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>٧ - طلوع الشمس من مغربها:</span>\nقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾ (^٥)، وجاءت الأحاديث الصحيحة موضحة بأن المراد ببعض الآيات المذكورة في هذه الآية هي\n_________\n(^١) سورة الدخان، الآية: ١٢.\n(^٢) سورة الدخان، الآية: ١٥.\n(^٣) المفهم (٧/ ٣٩٦).\n(^٤) أشراط الساعة للوابل ص (٣٨٧)، وانظر: تفسير الطبري (١١/ ٢٢٨)، إتحاف الجماعة للتويجري (٣/ ١٨٨).\n(^٥) سورة الأنعام، الآية: ١٥٨.","vol":"1","page":789},{"text":"طلوع الشمس من مغربها (^١). قال -ﷺ-: \"لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون فذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا\" (^٢)، وقال -ﷺ-: \"بادروا بالأعمال ستًّا: الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة أحدكم\" (^٣).\nوالقرطبي عند شرحه لقوله -ﷺ-: \"إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبًا\" (^٤). قال: \"يعني -والله أعلم- أول الآيات الكائنة في زمان ارتفاع التوبة والطبع على كل قلب بما فيه؛ لأن ما قبل طلوع الشمس من مغربها التوبة فيه مقبولة، وإيمان الكافر يصح فيه بدليل ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا\" (^٥) ومعنى قوله: \"إذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها\" أي: حصل لجميع من على الأرض التصديق الضروري بأمور القيامة الذي لا يكلف به ولا ينفع صاحبه لكون أمور الآخرة معاينة، وإنما\n_________\n(^١) انظر: تفسير الطبري (٥/ ٤٠٤)، وتفسير ابن كثير (٢/ ١٨٤)، وفتح القدير للشوكاني (٢/ ١٨٢).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب الرقاق باب طلوع الشمس من مغربها ح ٦٥٠٦ (١١/ ٣٦٠)، ومسلم في كتاب الإيمان باب الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان ح ١٥٧ (٢/ ٥٥٣).\n(^٣) رواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في بقية من أحاديث الدجال ح ٢٩٤٧ (١٨/ ٢٩٩).\n(^٤) رواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في خروج الدجال ومكثه في الأرض ونزول عيسى وقتله إياه ح ٢٩٤١ (١٨/ ٢٩٠).\n(^٥) سبق تخريجه ص (٧٩٠).","vol":"1","page":790},{"text":"كان طلوع الشمس، مخصوصًا بذلك لأنه أول تغيير هذا العالم العلوي الذي لم يشاهد فيه تغيير منذ خلقه الله تعالى، وإلى ذلك الوقت، وأما ما قبله من الآيات فقد شوهد ما يقرب من نوعه، فإذا كان ذلك، وطبع على كل قلب بما فيه من كفر وإيمان أخرج الله الدابة مُعَرِّفة لما في بواطن الناس من إيمان وكفر فتكلمهم بذلك\" (^١).\nوقال في رده على المبتدعة الذين يؤولون عامة هذه الآيات بمحض عقولهم: \"مذهب أهل السنة حمل طلوع الشمس من مغربها وغيرها من الآيات على ظاهرها إذ لا إحالة فيها وهي أمور ممكنة في أنفسها، وقد تضافرت الأخبار الصحيحة بها مع كثرتها وشهرتها، فيجب التصديق بها، ولا يلتفت لشيء من تأويلات المبتدعة لها\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>٨ - الدابة:</span>\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ (^٣) أي: مع تمادي الناس بالعصيان وإعراضهم عن آيات الرحمن وترك النزول على حكمها بحيث لا تنفع فيهم الموعظة، ولا تردعهم التذكرة، يقول تعالى: إذا صاروا كذلك أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أي: دابة تعقل وتنطق ليعلم الناس أن ذلك آية من عند الله (^٤). قال -ﷺ-: \"ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ٢٤٢).\n(^٢) المفهم (١/ ٣٧٣).\n(^٣) سورة النمل، الآيه: ٨٢.\n(^٤) انظر: التذكرة للقرطبي ص (٧٨٥).","vol":"1","page":791},{"text":"مغربها، والدجال، ودابة الأرض\" (^١).\nقال القرطبي عن هذه الآية: \"أما الدابة فهي التي قال الله فيها: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ ذكر أهل التفسير: أنها خلق عظيم تخرج من صدع الصفا، لا يفوتها أحد تسِمُ المؤمن فينير وجهه، ويكتب بين عينيه مؤمن، وتسم الكافر فيسود وجهه، ويكتب بين عينيه كافر، وعن عبد الله بن عمرو -﵄- أن هذه الدابة هي الجسَّاسة المذكورة في الحديث، وعن ابن عباس: أنها الثعبان الذي كان ببئر الكعبة فاختطفته العقاب (^٢)، وقد اختلف في صورتها، وفي أي موضع تخرج منه على أقوالٍ كثيرة، وليس في شيء من ذلك خبر صحيح مرفوع، قال بعض المتأخرين من المفسرين: الأقرب أن تكون هذه الدابة: إنسانًا متكلمًا يناظر أهل البدع والكفر ويجادلهم لينقطعوا فيهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بينة.\nقلت -أي القرطبي-: وإنما كان هذا عند القائل الأقرب لقوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ وعلى هذا فلا يكون في هذه الدابة آية خاصة خارقة للعادة، ولا تكون من جملة العشر الآيات المذكورة في الحديث (^٣)؛ لأن وجود المناظرين والمحتجين على أهل البدع كثير فلا آية خاصة، فلا ينبغي أن تذكر مع العشر وترتفع خصوصية وجودها، فإذا وقع القول ثم: فيه العدول عن تسمية هذا الإنسان المناظر الفاضل العالم الذي يحتج على أهل الأرض باسم الإنسان أو بالعالم، أو بالإمام، إلى أن يسمى\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتب الإيمان، باب بيان الزمان الذي لا يقبل فيه الإيمان ح ١٥٧ (٢/ ٥٥٣).\n(^٢) انظر: سيرة ابن هشام (١/ ١٩٣)، والتذكرة للقرطبي ص (٧٨٧)، وفتح القدير للشوكاني (٤/ ١٥١).\n(^٣) سبق تخريجه ص (٧٨٦).","vol":"1","page":792},{"text":"بدابة، وهذا خروج عن عادة الفصحاء، وعن تعظيم العلماء (^١)، وليس ذلك دأب العقلاء، فالأولى ما قاله أهل التفسير، وأما كيفية صفتها وخلقتها، وبماذا تكلمهم فالله أعلم بذلك\" (^٢).\nوأحسن القرطبي في رده للأقوال التي لا دليل عليها إذ أمور الغيب لا تحكم فيها العقول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>٩ - النار التي تحشر الناس:</span>\nوهي آخر أشراط الساعة وهي نار تخرج من اليمن من \"قعر عدن\" تسوق الناس إلى محشرهم. قال -ﷺ-: في بيان الآيات العشر التي تكون قبل الساعة: \"وآخر ذلك نارٌ تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم\".\nقال القرطبي \"قوله: \"آخر ذلك النار تخرج من اليمن\" وقال فيما تقدم: \"من قعر عدن\" (^٣) وقال في رواية: \"من أرض الحجاز\" قال القاضي: فلعلهما ناران تجتمعان لحشر الناس، أو يكون ابتداء خروجها من اليمن وظهورها من الحجاز\" (^٤).\nوأما كيفية حشرها للناس فقد قال -ﷺ-: \"يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين، واثنان على بعير وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشُر بقيتهم النار تبيت معهم حيث باتوا وتقيل\n_________\n(^١) وقد نقل القرطبي المفسر هذا الكلام عن شيخه ولم ينسبه إليه (التذكرة ص ٧٨٦)، ولذا نقله المتأخرون عنه ونسبوه إليه، ورأيت من هذا شيئًا كثيرًا في مسائل العقيدة، فلشهرة القرطبي المفسر التي فاق بها شيخه وانتشار تفسيره خصوصًا عند المتأخرين وبقاء تراث شيخه العلمي رهن الحبس طوال هذه القرون أدَّى إلى نسبة كثير من أقوال أبي العباس إلى تلميذه أبي عبد الله، والله يؤتي فضله من يشاء والله ذو الفضل العظيم.\n(^٢) المفهم (٧/ ٢٤٠)، وانظر: (٧/ ٢٤٢).\n(^٣) وهو من بعض ألفاظ الحديث السابق.\n(^٤) المفهم (٧/ ٢٤١).","vol":"1","page":793},{"text":"معهم حيث قالوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا\" (^١).\nقال القرطبي: \"الطرائق الأحوال المختلفة، والفرق المتفرقة، ومنه قوله تعالى: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١)﴾ (^٢) أي: فرقًا مختلفة قال القاضي: هذا الحشر هو في الدنيا قبل قيام الساعة، وهو آخر أشراطها ... ويدل على أنها قبل يوم القيامة قوله: \"فتقيل معهم حيث قالوا، وتمسي معهم حيث أمسوا وتصبح معهم حيث أصبحوا\" ... وعلى هذا فيكون معنى راغبين في لقاء الله وفي ثوابه وهؤلاء هم المؤمنون الذين وسموا باسم الإيمان، وراهبين: أي خائفين يعني بهم الكفار الذين وسموا باسم الكفر، وذلك إذا طبع على كل قلبٍ بما فيه عند طلوع الشمس من مغربها، وإذا خرجت دابة الأرض فنفخت في وجوه الناس ما تسم في وجه المؤمن مؤمن، وفي وجه الكافر كافر\" (^٣).\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب الحشر ح ٦٥٢٢ (١١/ ٣٨٤)، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا، وبيان الحشر يوم القيامة ح ٢٨٦١ (١٧/ ٢٠٠).\n(^٢) سورة الجن، الآية: ١١.\n(^٣) المفهم (٧/ ١٥٣).","vol":"1","page":794},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>الفصل الثاني فتنة القبر وعذابه ونعيمه</span>\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: الروح\nالمبحث الثاني: فتنة القبر\nالمبحث الثالث: عذاب القبر ونعيمه\nالمبحث الرابع: سماع الموتى","vol":"1","page":795},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>المبحث الأول الروح</span>\nتباينت الأقوال في الروح ما هي، وهل هي النفس أم لا؟ ثم تعلق هذه الروح بالجسد ومستقر الأرواح بعد الموت إلى غير ذلك من المباحث المتعلقة بهذه المسألة. وقد بيَّن شارح الطحاوية أن النفس تطلق على أمور، وكذلك الروح فيتحد مدلولها تارة ويختلف تارة. فالنفس تطلق على الروح، ولكن غالب ما تسمى نفسًا إذا كانت متصلة بالبدن، وأما إذا أخذت مجردة فتسمية الروح أغلب عليها\" (^١).\nوقد تعرض القرطبي لهذه المسألة، وبيَّن الاختلاف الواقع فيها، حيث قال: \"اختلف الناس في الأرواح قديمًا وحديثًا ما هي؟ وعلى أي حال هي؟ اختلافًا كثيرًا، واضطربوا فيها اضطرابًا شديدًا، الواقف عليه يتحقق أن الكل منهم على غير بصيرة منها، وإنما هي أقوال صادرة عن ظنون متقاربة، ولا يشك في أنه مما انفرد الله تعالى بعلم حقيقته، وعلى هذا المعنى حمل أكثر المفسرين قوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ (^٢) فليقطع العاقل طمعه من علم حقيقته، ولينظر هل ورد في الأقوال الصادقة ما يدل على شيء من صفته؟ وعند تصفح ذلك واستقراء ما هنالك يحصل للباحث: أن الروح أمر ينفخ في الجسد ويقبض منه ويتوفى بالنوم والموت ويؤمن ويكفر ويعلم ويجهل ويفرح ويحزن ويتنعم، ويتألم، ويخرج، ويدخل، والإنسان يجد من ذاته بضرورته قابلًا للعلوم وأضدادها وللفكر وأضدادها، ولغير ذلك من\n_________\n(^١) شرح الطحاوية (٢/ ٥٦٧).\n(^٢) سورة الإسراء، الآية: ٨٥.","vol":"1","page":797},{"text":"المعاني فيحصل من مجموع تلك الأمور على القطع: أن الروح ليس من قبيل الأعراض لاستحالة كل ما ذكر عليها، فيلزم أن تكون الروح من قبيل ما يقوم بنفسه، وأنه قابل للأعراض.\nوهل هو متحيز أو ليس بمتحيز؟ ذهبت طوائف من الأوائل، ومن نحا نحوهم من الإسلاميين، إلى أنه قائم بنفسه غير متحيز، وذهب أكثر أهل الإسلام إلى أن ذلك من أوصاف الحق ﷾ الخاصة به، وأنه لا تصح مشاركته في ذلك لأدلة تذكر في علم الكلام، وأن الروح قائم بنفسه متحيز، فهو من قبيل الجواهر.\nثم اختلف هل هو يقبل الانقسام فيكون جسمًا، أو لا يقبله فيكون جوهرًا فردًا؟ فذهبت طائفة من جلة علماء أهل السنة إلى أنه جسم لطيف مشابك لجميع أجزاء البدن أجرى الله العادة ببقائه في الجسم ما دام حيًّا، فإذا أراد الله إماتة الحيوان نزعه منه وأزل اتصاله بالحياة، وأعقبها بالموت، وأطبق معظم المتكلمين من أهل السنة على أنه جزء فرد من أجزاء القلب أو غيره، مما يكون في الإنسان أجرى الله العادة بحياة ذلك الجسم ما دام ذلك الجزء متصلًا به، والله تعالى أعلم وأحكم والتسليم أولى وأسلم\" (^١).\nوقال المازري: \"الكلام في الروح والنفس مما يغمض ويدق، ولكنه مع هذا أكثر الناس الكلام فيه حتى ألف بعضهم فيه التواليف، ولكن مشاهير المقالات في الروح قول أبي الحسن الأشعري إنه النفس الداخل والخارج، والقاضي أبو بكر بن الطيب يراه مما يتردد بين هذا الذي قاله أبو الحسن الأشعري، وبين الحياة، وبعض الناس يرى أنه جسم مشابك\n_________\n(^١) المفهم (٣/ ٧١٧).","vol":"1","page":798},{"text":"للأجسام الظاهرة والأعضاء الظاهرة، ومال بعض المتكلمين من أئمتنا إلى أنه الأظهر فيه أنه جسم لطيف خلقه الباري تعالى وأجرى العادة بأن الحياة لا تكون مع فقده، وإذا شاء موت إنسان أعدم هذا الجسم منه إعدام الحياة، وهذا الجسم إن كان حيًّا فلا يحيى إلَّا بحياة تختص به أيضًا، وهو مما يصح صرف القبض إليه والبلوغ إلى مكان ما من الجسم وكونه في مكان في العالم أو حواصل طير إلى ذلك، مما وقع في الظواهر، ويصح في العقل صرف ما أشرنا إليه من الظواهر إلى غيره من جواهر القلب أو الجسم الحية، والمسألة تحتمل الاتساع الكثير، وإنما ذكرنا في هذا الموضع ما يليق به\" (^١).\nهذا هو منهج المتكلمين في هذه المسألة والأصل في ذلك أن هذه المسائل من الأمور الغيبية التي يوقف فيها عند النصوص الشرعية إذ هو مما استأثر الله تعالي بعلمه كما ذكره القرطبي -﵀- ضمن الأقوال، فنكتفي بهذا في هذه المسألة ونكل العلم لله ﷾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>مستقر الأرواح بعد مفارقة الأبدان:</span>\nمذهب أهل السنة بقاء الأرواح بعد فراق الأجساد بمعنى أنها لا تفنى، قال شيخ السلام: \"الأرواح مخلوقة بلا شك، وهي لا تعدم، ولا تفنى، ولكن موتها مفارقة الأبدان، وعند النفخة الثانية تعاد الأرواح إلى الأبدان\" (^٢).\nوأما من قال بانتقال الأرواح بعد فراقها للأبدان إلى أبدان أخرى فهو معلوم البطلان هو القول بالتناسخ، وقد رد عليه القرطبي وبين فساده وكفره حيث قال: \"لا يلتفت لقول التناسخية القائلين بأن الأرواح\n_________\n(^١) المعلم (٣/ ٢٠٢).\n(^٢) الفتاوى (٤/ ٢٧٩).","vol":"1","page":799},{"text":"تنتقل إلى أجساد أُخر، فأهل السعادة ينقلون إلى أجساد حسنة مشرقة مرفهة، فتتنعم بها، وأهل الشقاء تنقل أرواحهم إلى أجسام خسيسة قبيحة فتعذب فيها، حتى إذا استوفت أمد عقابها رجعت إلى أحسن بنية وهكذا أبدًا، وهذا معنى الإعادة والثواب والعقاب عندهم، وهو مناقض لما جاءت به الشريعة، ولما أجمعت الأمة عليه، ومعتقده يكفر قطعًا، فإنه أنكر ما علم قطعًا من إخبار الله تعالى وإخبار نبيه -ﷺ- عن أمور الآخرة، وعن تفاصيل أحوالها، وأن الأمر ليس على شيء مما قالوه فالتناسخ والقول به باطل محال عقلًا\" (^١).\nفالسؤال أين تكون هذه الأرواح بعد مفارقتها للأبدان؟\nهذا مما وقع فيه الخلاف، وتعددت فيه الأقوال:\nفقيل: إن الأرواح تكون على أفنية القبور، وقد تفارقها، وقيل: تسرح حيث شاءت، وقيل: تجتمع في موضع من الأرض، والقول الصحيح في هذه المسألة التفصيل:\nفأرواح الأنبياء ﵈ في أعلى عليين، وقد ثبت في الصحيح أن آخر كلمة قالها -ﷺ- عند موته: \"اللهم الرفيق الأعلى\" (^٢) أما أرواح الشهداء فالصحيح أنها في الجنة، كما جاء عنه -ﷺ- عندما سئل عن حياة الشهداء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (^٣) حيث قال: \"أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك\n_________\n(^١) المفهم (٣/ ٧١٨).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ح ٦٥٠٩ (١١/ ٣٦٥).\n(^٣) سورة آل عمران، الآية: ١٦٩.","vol":"1","page":800},{"text":"القناديل\" (^١).\nوأما غير الشهداء من المؤمن فقد جاء في الحديث أن \"نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه\" (^٢). فالبعض فهم من هذا الحديث أن أرواح المؤمنين في الجنة كالشهداء والقرطبي جعل المقصود بهذا الحديث المؤمن الشهيد كما سيأتي بيانه.\nوأما أرواح الكافرين ففي النار قال شيخ الإسلام: \"أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكافرين في النار، تنعم أرواح المؤمنين وتعذب أرواح الكافرين إلى أن تعاد إلى الأبدان\" (^٣).\nوقد بيَّن الحافظ ابن رجب الفرق بين أرواح الشهداء وأرواح عامة المؤمنين من غير الشهداء، مع أنهما جميعًا في الجنة (^٤).\nومع كون الروح في مستقرها، فإن لها تعلقًا بالبدن في أوقات وعلى كيفيات الله أعلم بحقيقتها (^٥).\nوقد قال القرطبي في هذه المسألة عند شرحه للحديث الذي فيه أن أرواح الشهداء في جوف طير خضر في الجنة، حيث قال: \"تضمن هذا الحديث معنى قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (^٦).\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتاب الإمارة، باب أرواح الشهداء في الجنة ح ١٨٨٧ (١٣/ ٣٤).\n(^٢) رواه أحمد في مسنده (٣/ ٣٥٥)، وابن ماجة في كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٦٩٤) حديث ٩٩٥.\n(^٣) الفتاوى (١٤/ ٣١١).\n(^٤) أهوال القبور لابن رجب ص (١٢٥، ١٢٦).\n(^٥) انظر: شرح الطحاوية (٢/ ٥٧٨).\n(^٦) سورة آل عمران، الآية: ١٦٩.","vol":"1","page":801},{"text":"وأن معنى حياة الشهداء أن لأرواحهم من خصوص الكرامة ما ليس لغيرهم بأن جعلت في جوف طير كما في هذا الحديث، أو في حواصل طير خضر، كما في الحديث الآخر، صيانة لتلك الأرواح، ومبالغة في إكرامها لاطلاعها على ما في الجنة من المحاسن والنعم ... وأما اللذات الجسمانية، فإذا أعيدت تلك الأرواح إلى أجسادها استوفت من النعيم جميع ما أعد الله تعالى لها، وهذا مخصوص بالشهداء\" (^١).\nورجَّح القرطبي تخصيص هذا بالشهيد، وأما المؤمن غير الشهيد، فلا تكون روحه في الجنة، بل يطَلِع على منزلته في الجنة دون أن يباشر هذا أو يشاهده، وروح الكافر كذلك تشاهد ما أُعد لها من العذاب، وتتألم بذلك حيث قال: \"قوله - ﷺ -: \"إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في ثمر الجنة\" فالمراد بالمؤمن هنا: الشهيد ... وقد دلَّ على صحة هذا قوله في الحديث الآخر: \"إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده غدوةً وعشيًا: إمالنار وإما الجنة فيقال: هذا مقعدك حتى تبعث إليه\" (^٢) فالمؤمن غير الشهيد هو الذي يعرض عليه مقعده من الجنة، وهو في موضعه من القبر أو الصُّور أو حيث شاء الله تعالى غير سارح في الجنة، ولا داخل فيها، وإنما يدرك منزلته فيها بخلاف الشهيد، فإنه يباشر ذلك ويشاهده، وهو فيها على ما تقدم، وكذلك أرواح الكفار تشاهد ما أعد الله لها من العذاب عند عرضِ ذلك عليها، كما قال تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ (^٣) وعند هذا العرض تدرك روح الكافر من الألم والتخويف والحزن والعذاب بالانتظار\n_________\n(^١) المفهم (٣/ ٧١٥).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب سكرات الموت ح ٦٥١٥ (١١/ ٣٦٩).\n(^٣) سورة غافر، الآية: ٤٦.","vol":"1","page":802},{"text":"ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فنسأل الله العافية، كما أنه يحصل للمؤمن عند عرض الجنة من الفرح والسرور والتنعم بانتظار المحبوب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فإذا أُعيدت الأرواح إلى الأجساد استكمل كل فريق منهم ما أعد الله له وبهذا الذي ذكرناه تلتئم الأحاديث وتتفق، والله الموفق\" (^١).\n_________\n(^١) المفهم (٣/ ٧١٦).","vol":"1","page":803},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>المبحث الثاني فتنة القبر</span>\nالمقصود بفتنة القبر سؤال الملكين للعبد في قبره كما ورد بذلك الحديث الصحيح الذي قال فيه - ﷺ -: \"إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه - وإنه ليسمع قرع نعالهم - أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد - ﷺ -، فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراهما جميعًا، وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين\" (^١).\nولذا كان - ﷺ - يتعوذ بالله من فتنة القبر (^٢).\nقال القرطبي: \"فتنة القبر: هي الضلال عن صواب إجابة الملكين فيه وهما: منكر ونكير\" (^٣).\nفالمؤمن يوفق للجواب، والكافر يضل عن ذلك، كما قال تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب الجنائز، باب الميت يسمع خفق النعال ح ١٣٣٨ (٣/ ٢٤٤)، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه ح ٢٨٧٠ (١٧/ ٢٠٨).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام ح ٨٣٢ (٢/ ٣٦٩)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة ح ٥٨٩ (٥/ ٩١).\n(^٣) المفهم (٧/ ٣٣).","vol":"1","page":804},{"text":"وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ (^١).\nوعن البراء بن عازب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا، قال: نزلت في عذاب القبر، فيقال: من ربك؟ فيقول: ربي الله ونبيي محمد - ﷺ -، فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ (^٢)﴾ (^٣).\nقال القرطبي: \"أي يثبتهم في هذه الدار على التوحيد والإيمان بالنبي - ﷺ - ثم يميتهم عليه، وفي الآخرة عند المساءلة في القبر كما فسرها النبي - ﷺ - فإن كان النبي - ﷺ - قاله فهو المقصود، وإن كان من قول البراء، فهذا لا يقوله أحدًا بن قبل نفسه ورأيه، فهو محمول على أن النبي - ﷺ - قاله وسكت البراء عن رفعه لعلم المخاطب بذلك، والله تعالى أعلم، وقد قيل عن البراء أنه قال: هما سؤال القبر وسؤال القيامة يعني: فيرشد المؤمن فيهما إلى الصواب ويصرف الكافر عن الجواب\" (^٤).\nوذهب القرطبي - ﵀ - إلى مشروعية تلقين الميت عند وضعه في قبره، وقد استدل بوصية عمرو بن العاص - ﵁ - حيث قال: \"فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنًّا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها، حتى استأنس بكم، وانظر ماذا أراجع به رسل ربي\" (^٥).\n_________\n(^١) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.\n(^٢) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.\n(^٣) رواه البخاري في كتاب الجنائز باب ماجاء في عذاب القبرح (١٣٦٩) (٣/ ٢٧٤) ورواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه ح (٢٨٧١) (١٧/ ٢٠٩).\n(^٤) المفهم (٧/ ١٤٨).\n(^٥) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله ح ١٢١ (٢/ ٤٩٦).","vol":"1","page":805},{"text":"قال القرطبي: \"الميت ترد عليه روحه ويسمع حس من هو على قبره، وكلامهم، والملائكة تسأله في ذلك الوقت، وهذا كله إنما قاله عمرو عن النبي - ﷺ -؛ لأن مثله لا يدرك إلَّا من جهة النبي - ﷺ -، وعلى هذا فينبغي أن يرشد الميت في قبره حين وضعه فيه إلى جواب السؤال، ويذكر بذلك، فيقال له: قل: الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد رسولي، فإنه عن ذلك يسأل كما جاءت به الأحاديث، وقد جرى العمل عندنا بقرطبة كذلك\" (^١).\nوقد ذهب إلى هذا القول بعض العلماء، منهم: الشنقيطي في أضواء البيان (^٢).\nوهذا فيه نظر لأنه لم يرد دليل صحيح صريح في المسألة والأصل فيها التوقف حتى يأتي دليل، وقد أرشد - ﷺ - عند دفن الميت إلى الاستغفار له وسؤال التثبيت ولم يثبت أنه ﵊ لقَّن ميتًا أو أمر بذلك.\nوقد سُئِلَ شيخ الإسلام عن هذا التلقين فقال: \"هذا التلقين المذكور قد نقل عن طائفة من الصحابة أنهم أمروا به كأبي أُمامة الباهلي وغيره، وروي فيه حديث عن النبي - ﷺ - لكنه مما لا يحكم بصحته، ولم يكن كثير من الصحابة يفعل ذلك\" (^٣).\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٣٣٢).\n(^٢) أضواء البيان (٦/ ١٣٨).\n(^٣) الفتاوى (٢٤/ ٢٩٦).","vol":"1","page":806},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>المبحث الثالث عذاب القبر ونعيمه</span>\nأجمع أهل السنة على إثبات عذاب القبر ونعيمه، واستدلوا على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة منها: قوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ (^٢).\nومن السنة: قوله - ﷺ - عندما مر على قبرين: \"إنهما ليعذبان وما يعذبان بكبير\" (^٣) وقوله - ﷺ -: \"إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فلولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه\" (^٤) والأحاديث الدالة عليه كثيرة.\nقال شارح الطحاوية: \"قد تواترت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلًا وسؤال الملكين فيجب اعتقاد ثبوت ذلك، والإيمان به، ولا نتكلم في كيفيته إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته لكونه لا عهد له به في هذه الدار\" (^٥).\n_________\n(^١) سورة غافر، الآية: ٤٥، ٤٦.\n(^٢) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.\n(^٣) رواه البخاري في كتاب الجنائز، باب عذاب القبر من الغيبة والبول ح ١٣٧٨ (٣/ ٢٨٦)، ومسلم في كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول ح ٢٩٢ (٣/ ٢٠٤).\n(^٤) رواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار، وإثبات عذاب القبر ح ٢٨٦٧ (١٧/ ٢٠٧).\n(^٥) شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (٢/ ٥٧٨).","vol":"1","page":807},{"text":"فمذهب أهل السنة والجماعة إثبات عذاب القبر ونعيمه، كما جاءت به الأدلة الصحيحة الصريحة، قال القرطبي: \"عذاب القبر مما يجب الإيمان به، وقد صحَّ الإخبار عنه في الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ولا يلتفت لاستبعاد المبتدعة، فإن الإمكانات متسعة والقدرة صالحة (^١).\nوقال عند شرحه لحديث الاستعاذة من عذاب القبر: هذا الحديث وما في معناه يدل على صحة اعتقاد أهل السنة في عذاب القبر، وأنه حق ويرد على المبتدعة المخالفين في ذلك\" (^٢).\nوقال المازري في إثبات عذاب القبر: \"عذاب القبر ثابت عند أهلِ السنة، وقد وردت به الآثار، وقال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦) (^٣)﴾ (^٤).\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ١٤٥).\n(^٢) المفهم (٢/ ٢٠٧). وانظر: (١/ ٣٢١، ٤/ ٥٧٥، ٦/ ٦٨٢، ٧/ ١٤٧، ٣٨٨)\n(^٣) سورة غافر، الآية: ٤٦.\n(^٤) المعلم (٣/ ٢٠٧).","vol":"1","page":808},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>المبحث الرابع سماع الموتى</span>\nهذه المسألة هي مما وقع فيها الاختلاف بين العلماء، إذ قال بعض العلماء بإثبات سماع الموتى، واستدلوا على ذلك بتكليم الرسول - ﷺ - للقتلى من المشركين الذين رموا في القليب يوم بدر، وقوله - ﷺ - لأصحابه: \"ما أنتم بأسمع لما أقول منهم\" (^١)، وبقوله - ﷺ - عن الميت بعد دفنه: \"إنه ليسمع قرع نعالهم\" (^٢) وبأمثالهما من الأحاديث المثبتة لذلك.\nقال الشنقيطي - ﵀ -: \"النصوص الصحيحة عنه - ﷺ - في سماع الموتى لم يثبت في الكتاب ولا في السنة شيء يخالفها\" (^٣). وقد ذهب إلى هذا القول عدد من العلماء منهم ابن عبد البر، وابن كثير، وابن القيم، وابن رجب وغيرهم (^٤).\nوذهب آخرون منهم عائشة - ﵂ - إلى إنكار ذلك والاعتراض عليه بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ (^٥) وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (^٦).\nوالقرطبي - ﵀ - أخذ بالقول الأول، وأثبت أنه لا تعارض\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر ح ١٣٧٠ (٣/ ٢٧٤)، ومسلم في كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه ح ٩٣٢ (٦/ ٤٨٨).\n(^٢) سبق تخريجه ص (٨٠٤).\n(^٣) أضواء البيان (٦/ ١٢٩).\n(^٤) انظر: زاد المعاد لابن القيم (٣/ ٦٨٥). وأضواء البيان للشنقيطي (٦/ ١٢٤ - ١٤٢)، وأهوال القبور لابن رجب ص (٨٦).\n(^٥) سورة النمل، الآية: ٨٠.\n(^٦) سورة فاطر، الآية: ٢٢.","vol":"1","page":809},{"text":"بين الآيات والأحاديث في هذه المسألة، فقال بعد تقريره لسماع الموتى: \"ولا يعارض هذا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾، ولا بقوله ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ لأن النبي - ﷺ - قد نادى أهل القليب وأسمعهم، وقال: \"ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون جوابًا\" وقال في الميت: \"إنه ليسمع قرع نعالهم\" وإن هذا يكون في حال دون حال ووقت دون وقت. وقال في الجمع بين هذه النصوص: إنكار عائشة على ابن عمر سماع أهل القليب إنكار لما رواه الثقة الحافظ لأجل أنها ظنت أن ذلك مُعَارَضٌ بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ وبقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ولا تعارض بينهما لوجهين:\nأحدهما: أن الموتى في الآية إنما يراد بهم الكفار، فكأنهم موتى في قبورهم والسماع يراد به الفهم والإجابة هنا كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ (^١) وهذا كما سماهم صم وبكم وعمي مع سلامة هذه الحواس منهم.\nوثانيهما: أنا لو سلمنا أن الموتى في الآية على حقيقتهم فلا تعارض بينها وبين أن بعض الموتى يسمعون في وقت ما أو في حال ما، فإن تخصيص العموم ممكن وصحيح إذا وجد المخصص وقد وجد هنا بدليل هذا الحديث (^٢)، وحديث أبي طلحة الذي قال فيه النبي - ﷺ - في أهل\n_________\n(^١) سورة الأنفال، الآية: ٢٣.\n(^٢) وهو حديث ابن عمر ﵄ الذي قال فيه قال الرسول - ﷺ -: \"إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه، فقالت عائشة - ﵂ -: وَهَلَ إنما قال رسول الله - ﷺ -: \"إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن\". وذلك مثل قوله: إن رسول الله - ﷺ - قام على القليب يوم بدر وفيه قتلى بدر من المشركين، فقال لهم ما قال: \"إنهم ليسمعون ما أقول\" وقد وَهَلَ إنما قال: \"إنهم ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق\" ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ رواه مسلم في كتاب الجنائز باب الميت يعذب =","vol":"1","page":810},{"text":"بدر: \"والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم\" وهو متفق عليه، وبما في معناه مثل قوله في الميت: \"إنه ليسمع قرع النعال\" وبالمعلوم من سؤال الملكين للميت في قبره وجوابه لهما إلى غير ذلك مما لا ينكر، فحديث ابن عمر صحيح النقل، وما تضمنه يقبله العقل، فلا طريق لتخطئته والله تعالى أعلم\" (^١).\nوهذا القول هو الذي ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: \"والنص الصحيح عن النبي - ﷺ - مقدم على تأويل من تأول من أصحابه وغيرهم، وليس في القرآن ما ينفي ذلك، فإن قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ (^٢) إنما أراد به السماع المعتاد الذي ينفع صاحبه، فإن هذا مثلٌ ضُرِبَ للكفار، والكفار تسمع الصوت، لكن لا تسمع سماع قبول بفقه واتباع، كما قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ (^٣) فهكذا الموتى الذين ضرب لهم المثل لا يجب أن ينفى عنهم جميع السماع المعتاد أنواع السماع كما لم ينف ذلك عن الكفار، بل قد انتفى عنهم السماع المعتاد الذي ينتفعون به، وأما سماع آخر فلم ينف عنهم وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن الميت يسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين، فهذا موافق لهذا، فكيف يدفع ذلك؟ \" (^٤).\nوأما المازري فذهب إلى إنكار سماع الموتى، وجعل حديث الرسول - ﷺ - لأهل القليب وإثباته لسماعهم إنما هو إحياء لهم ليسمعوا\n_________\n= ببكاء أهله عليه ح ٩٣٢ (٦٦/ ٤٨٨).\n(^١) المفهم (٢/ ٥٨٥).\n(^٢) سورة النمل، الآية: ٨٠.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ١٧١.\n(^٤) الفتاوى (٤/ ٢٩٨).","vol":"1","page":811},{"text":"كلام الرسول - ﷺ - توبيخًا لهم حيث قال عند شرح هذا الحديث: \"ذهب بعض الناس إلى أن الميت يسمع أخذًا بظاهر هذا الحديث، والذي عليه المحصلون من العلماء أن الله تعالى خرق العادة. بأن أعاد الحياة إلى هؤلاء الموتى ليقرعهم؛ - ﷺ - وإلى هذا ذهب قتادة، وقد ذكر الحديث لعائشة فقالت: إنما قال النبي - ﷺ -: \"إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم الحق\" ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فأنت ترى عائشة كيف أنكرت ظاهر الحديث وحولته إلى لفظ آخر، والتشكك في سماع سائر الموتى وحسهم يخرم الثقة بالعلوم الضرورية\" (^١). وقال في موضع آخر: \"اغتر بعض الناس بحديث القليب، فقال: إن الميت يسمع، وهذا غير صحيح عند أهل الأصول؛ لأن الحياة شرط في السمع فلا يسمع غير حي، وحمل بعض الناس ذلك على أنهم أعيدت لهم الحياة حتى سمعوا تقريعه ﵇ لهم\" (^٢).\n_________\n(^١) المعلم (٣/ ٢٠٧).\n(^٢) المعلم (١/ ٣٢٤).","vol":"1","page":812},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>الفصل الثالث البعث والنشور</span>\nوفيه ثمانية مباحث:\nالمبحث الأول: النفخ في الصور\nالمبحث الثاني: البعث والنشور\nالمبحث الثالث: الحشر\nالمبحث الرابع: الميزان\nالمبحث الخامس: الشفاعة\nالمبحث السادس: الحوض\nالمبحث السابع: الصراط\nالبحث الثامن: ذبح الموت","vol":"1","page":813},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>المبحث الأول النفخ في الصور</span>\nالنفخ في الصور هو المؤذن بقيام الساعة وعنه ينشأ الصعق والبعث، وقد عرف القرطبي الصور، فقال: الصور قيل: إنه جمع صورة. والصحيح ما صح عن النبي - ﷺ - أنه قال \"الصور قرن ينفخ فيه\" (^١).\nوأمَّا الصعق الذي ينشأ عن النفخ في الصور فقال القرطبي في تعريفه: \"أصل الصعق والصعقة: الصوت الشديد المنكر كصوت الرعد وصوت الحمار، وقد يكون معه موت لشدته، وهو المراد بقوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٢) وقد تكون معه غشية، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ (^٣) فإن كان معه نار فهو الصاعقة\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>عدد النفخات في الصور:</span>\nاختلف العلماء في عدد النفخات فقيل: ينفخ في الصور نفختان وقيل: ثلاث نفخات وقيل: أربع.\nومفهوم كلام القرطبي ميله إلى أنه ينفخ في الصور نفختان حيث قال: اختلف في عدد النفخات فقيل: ثلاثة: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة البعث، وقيل: هما نفختان: نفخة الفزع، هي نفخة\n_________\n(^١) رواه أحمد في مسنده (٢/ ١٢٦)، والترمذي في أبواب صفة القيامة، باب ما جاء في الصور وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٦٨) حديث ١٠٨٠.\n(^٢) سورة الزمر، الآية ١: ٦٨.\n(^٣) سورة الأعراف، الآية: ١٤٣.\n(^٤) المفهم (٦/ ٢٣٢).","vol":"1","page":815},{"text":"الصعق، لأن الأمرين لا زمان لها والله أعلم (^١).\nوعند شرحه لقوله - ﷺ -: \"بين النفختين أربعون\" (^٢) قال: \"يعني: نفختي الصعق والبعث يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (^٣) \" (^٤).\nوالقول الراجح الذي تؤيده الأدلة أن النفخ في الصور نفختان فقط: الأولى: نفخة إماتة يموت فيها كل من كان حيًّا إلَّا من استثنى الله تعالى وهي نفخة الصعق.\nوالثانية: نفخة إحياء يحيى بها من مات، وهي نفخة البعث.\nولكن الإشكال مع هذا ما جاء من قوله - ﷺ - في بيان فضل موسى ﵇، إذ قال: \"لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلَّا من شاء الله ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من يبعث - وفي رواية -: أول من يفيق فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أو بعث قبلي\" (^٥).\nوقد بيَّن القرطبي هذا الإشكال ووجه الانفصال عنه فقال: هذا مشكل بالمعلوم من الأحاديث الدالة على أن موسى - ﵇ - قد\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٢٣٢).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ ح ٤٨١٤ (٨/ ٤١٤)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ما بين النفختين ح ٢٩٥٥ (١٨/ ٣٠٣).\n(^٣) سورة الزمر، الآية: ٦٨.\n(^٤) المفهم (٧/ ٣٠٦).\n(^٥) سبق تخريجه ص (٦٤٨).","vol":"1","page":816},{"text":"توفي، وأن النبي - ﷺ - قد رآه في قبره، وبأن المعلوم المتواتر: أنه توفي بعد أن ظهر دينه وكثرت أمته ودفن بالأرض ووجه الإشكال: أن نفخة الصعق إنما يموت بها من كان حيًّا في هذه الدار فأما من مات فيستحيل أن يموت مرة أخرى؛ لأن الحاصل لا يستحصل ولا يبتغى، وإنما ينفخ في الموتى نفخة البعث وموسى قد مات، فلا يصح أن يموت مرة أخرى، ولا يصح أن يكون مستثنى ممن صعق؛ لأن المستثنين أحياء لم يموتوا، ولا يموتون، فلا، يصح استثناؤهم من الموتى، وقد رام بعضهم الانفصال عن هذا الإشكال فقال: يحتمل أن يكون موسى ممن لم يمت من الأنبياء، وهذا قول باطل بمما ذكرناه، قال القاضي عياض: \"يحتمل أن المراد بهذه الصعقة صعقة فزع بعد النشر حين تنشق السموات والأرضون قال: فتستقل الأحاديث والآيات. قلت: وهذه غفلة عن مساق الحديث، فإنه يدل على بطلان ما ذُكر دلالة واضحة فإن النبي - ﷺ -، قال: إنه حين يخرج من القبر فيلقى موسى وهو متعلق، بالعرش وهذا كان عند نفخة البعث ثم إنَّ النبي - ﷺ - عندما يرى موسى يقع له تردد في موسى على ظاهر هذا الحديث هل مات عند نفخة الصعق المتقدمة على نفخة البعث فيكون قد بعث قبله، أو لم يمت عند نفخة الصعق لأجل الصعقة التي صعقها على الطور جعلت له تلك عوضًا من هذه، وعلى هذا فكان حيًّا حالة نفخة الصور، ولم يصعق، ولم يمت وحينئذ يبقى الإشكال إذا لم يحصل عنه انفصال.\nقلت: والذي يزيحه إن شاء الله تعالى أن يقال: إن الموت ليس بعدم، وإنما هو انتقال من حال إلى حال، ويدل على ذلك أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين مستبشرين فهذه صفات الأحياء في الدنيا، وإذا كان هذا في الشهداء كان الأنبياء بذلك أحق وأولى ... فإذا نفخ في الصور نفخة الصعق، صعق كل من في السموات","vol":"1","page":817},{"text":"والأرض إلَّا من شاء الله، فأما صعق غير الأنبياء فموت، وأما صعق الأنبياء فالأظهر أنه غشية فإذا نفخ في الصور نفخة البعث فمن مات حيي ومن غشي عليه أفاق فهذا الذي يظهر لي والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله\" (^١).\nقال الشيخ الغنيمان بعد نقله لكلام القرطبي السابق: \"قلت: وحاصل هذا الجواب أن الصعقة المذكورة في الحديث هي الصعقة الأولى، وأن الصعق يكون للأرواح، وكل ذلك باطل؛ لأن الحديث ينص على أنها نفخة البعث، ومعلوم أن الأرواح لا تموت، فكيف يكون صعق غير الأنبياء موتًا مع أنه زعم أن الصعق للأرواح وكل ذلك يفتقر إلى دليل، والأدلة بخلافه.\nولهذا قال ابن القيم: وحمل الحديث على هذا لا يصح لأنه - ﷺ - تردد هل أفاق موسى قبله، أو لم يصعق بل جوزي بصعقة الطور. فالمعنى لا أدري أصعق أم لم يصعق؟ .\nوقال في الحديث: \"فأكون أول من يفيق\" وهذا يدل على أنه - ﷺ - يصعق فيمن يصعق وأن التردد حصل في موسى هل صعق وأفاق قبله من صعقته أو لم يصعق؟ ولو كان المراد به الصعقة الأولى، وهي صعقة الموت، لكان - ﷺ - قد جزم بموته وتردد هل مات موسى أو لم يمت وهذا باطل ... فالأقرب في هذه المسألة ما قاله الحليمي: \"أن المعنى إذا نفخ في الصور مرة أخرى كنت أول من بعث فأجد موسى مبعوثًا قبلي، فلا أدري أفضل بذلك على سائر الخلق، أو أن ذلك جزاء له بصعقه الطور، وهذا بناء على أن النفخ في الصور مرتان وهو الذي تؤيده الأدلة\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٢٣٢، ٢٣٤).","vol":"1","page":818},{"text":"الصحيحة\" (^١).\nواختلف في المستثنى من النفخ من هو؟ فقيل: الملائكة، وقيل: الأنبياء، وقيل: الشهداء، والصحيح: أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح، والكل محتمل، والله أعلم (^٢).\nقال شيخ الإسلام: وأما الاستثناء فهو متناول لمن في الجنة من الحور العين، فإن الجنة ليس فيها موت، ومتناول لغيرهم، ولا يمكن الجزم بكل من استثنى الله، فإن الله أطلق في كتابه وتوقف النبي - ﷺ -، فصار هذا مثل العلم بوقت الساعة لا ينال إلَّا بالخبر والله أعلم (^٣).\n_________\n(^١) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ٤٢٤، ٤٢٥، ٤٢٨).\n(^٢) المفهم (٧/ ٣٠٦).\n(^٣) الفتاوى (٤/ ٢٦١) بتصرف.","vol":"1","page":819},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>المبحث الثاني البعث والنشور</span>\nقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ (^٢)، وقال - ﷺ - في حديث جبريل: \"وتؤمن بالبعث الآخر\" (^٣).\nقال القرطبي: \"وصف البعث بالآخر يحتمل أن يكون على جهة التأكيد، كما قالوا: أمس الدابر، وأمس الذاهب، ويحتمل أن يقال: إن البعث إحياء بعد إماتة، وقد فعل الله ذلك مرتين فأحيانا بعد أن كنا نطفًا وعلقًا ومضغًا، وهي أموات، ثم يحيينا ليوم القيامة، وهو البعث الآخر، كما قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ (^٤) \" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>صفة البعث والنشور:</span>\nجاء في صفة البعث والنشور، قوله - ﷺ -: \"ثم يُنْزِلُ اللهُ من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلَّا يبلى إلَّا عظمًا واحدًا لا تأكله الأرض أبدًا هو عجبُ الذنب، ومنه يركب الخلق يوم\n_________\n(^١) سورة الحج، الآيتان: ٦، ٧.\n(^٢) سورة التغابن، الآية: ٧.\n(^٣) سبق تخريجه ص (١٣٧).\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ٢٨.\n(^٥) المفهم (١/ ١٥١).","vol":"1","page":820},{"text":"القيامة\" (^١).\nقال القرطبي: \"قوله: \"ثم ينزل الله من السماء ماء\" يعني به بعد نفخة الصعق ينزل هذا الماء هو كمني الرجال، فتتكون فيه الأجسام بقدرة الله تعالى، وعن ذالك عبَّر بقوله: \"فينبتون كما ينبت البقل، فإذا تهيأت الأجسام وكمُلَت نفخ في الصور نفخة البعث فخرجت الأرواح من المحال التي هي فيها، قال بعضهم: فتأتي كل روح إلى جسده فيحييها الله تعالى كل ذلك في لحظة، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (^٢) \" (^٣).\nوقال عن \"عجب الذنب\" الذي يركب منه الخلق يوم القيامة: \"عجب الذنب\" يقال بالباء والميم، وهو جزء لطيف في أسفل الصلب، وقيل هو رأس العصعص ... وهو أول ما خلق منه الإنسان، ثم الله تعالى يبقيه إلى أن يركب الخلق منه تارة أخرى\" (^٤).\nوبيَّن القرطبي أن الأرض تأكل لحوم بني آدم، كما جاء في هذا الحديث، وهو عام، لكن النبي والشهيد والمؤذن المحتسب مستثنى من هذا العموم\" (^٥).\n_________\n(^١) هو حديث \"بين النفختين أربعون\" سبق تخريجه ص (٨١٦).\n(^٢) سورة الزمر، الآية: ٦٨.\n(^٣) المفهم (٧/ ٣٠٦).\n(^٤) المفهم (٧/ ٣٠٧).\n(^٥) انظر: المفهم (٧/ ٣٠٧).","vol":"1","page":821},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>المبحث الثالث الحشر</span>\nقال القرطبي: \"الحشر: الجمع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (^١) \" (^٢).\nوقد جاء في الحشر قوله - ﷺ -: \"يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين\" (^٣).\nوقد اختلف العلماء في هذا الحديث، فمنهم من حمله على الحشر في الدنيا، ومنهم من حمله على الحشر في الآخرة، وقد ذهب القرطبي إلى القول الأول (^٤).\nوالحديث الذي اتفق العلماء على وروده في الحشر هو قوله - ﷺ -: \"يا أيها الناس إنبهم تحشرون إلى الله حفاة غرلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ (^٥) ألا وإن أول الناس يكسى يوم القيامة إبراهيم\" (^٦).\nقال القرطبي: \"قوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ أي: يعيده\n_________\n(^١) سورة الكهف، الآية: ٤٧.\n(^٢) المفهم (٧/ ١٥٢).\n(^٣) سبق تخريجه ص (٧٩٤).\n(^٤) انظر: المفهم (٧/ ١٥٣).\n(^٥) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٤.\n(^٦) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾ ح ٤٦٢٥ (٨/ ١٣٥)، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة ح ٢٨٦٠ (١٧/ ٢٠٠).","vol":"1","page":822},{"text":"على خلقته الأولى لا ينقص منها شيء. وقوله: \"ألا إن أول الناس يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇\" هذا يدل على أن الناس كلهم - الأنبياء وغيرهم - يحشروان عراة كما قال في الحديث، وأن أهل السعادة يكسون من ثياب الجنة، لا شك في أن من كسي من ثياب الجنة فقد لبس جبة تقيه مكاره الحشر وعرقه وحرَّ الشمس والنار وغير ذلك\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>أرض المحشر:</span>\nقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ (^٢).\nاختلف العلماء في المراد بالتبديل في هذه الآية هل هو بتغيير ذاتها وصفاتها أو بتغيير صفاتها فقط؟\nقال القرطبي، عن هذه الآية مبينًا رأيه في هذه المسألة: \"هذا يدل على أن معنى التبديل: إزالة هذه الأرض والإتيان بأرض أخرى لا كما قاله كثير من الناس: أنها تبدل صفاتها وأحوالها فتسوى آكامها وتغير صفاتها وتمد مد الأديم. ولو كان هذا لما أشكل كون الناس فيها عند تبديلها ولما جمعوا على الصراط حينئذ، وقد دل على صحة الظاهر المتقدم حديث عائشة إذ سألت عن هذا رسول الله - ﷺ - فقال مجيبًا لها: \"على الصراط\" (^٣) والأرض المبدلة هي الأرض التي ذكرها في حديث سهل بن سعد حيث قال: \"يحشر الناس على أرض بيضاء عفراء، ليس فيها علم لأحد\" (^٤) وهذا\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ١٥٢).\n(^٢) سورة إبراهيم، الآية: ٤٨.\n(^٣) رواه مسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب في البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة ح ٢٧٩١ (١٧/ ١٤٠).\n(^٤) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب يقبض الله الأرض يوم القيامة ح ٦٥٢١ (١١/ ٣٧٩)، =","vol":"1","page":823},{"text":"الحشر هو جمعهم فيها بعد أن كانوا على الصراط والله أعلم (^١).\nوبيَّن أنه قد يكون التبديل هو قلب الأسفل أعلى، كما قال - ﷺ -: \"تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر\" (^٢)\nقال القرطبي في شرح هذا الحديث ظاهره أنَّ هذه الأرض تقلب فيعاد ما كان أسفلها أعلاها كما يفعل بالخبزة وهو تبديل صحيح لأن الوجه الذي كان أسفل هو أرض أخرى غير الوجه الذي كان أعلى فهو تبديل محقق فيجوز أن يكون هذا هو التبديل الذي أراد الله تعالى في الآية (^٣).\n_________\n= ومسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب في البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة ح ٢٧٩٠ (١٧/ ١٤٠).\n(^١) المفهم (١/ ٥٧٣). وانظر: (٧/ ٣٥١).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب نفخ الصور ح ٦٥٢٠ (١١/ ٣٧٩)، ومسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار باب نزل أهل الجنة ح ٢٧٩٢ (١٧/ ١٤١).\n(^٣) المفهم (٧/ ٣٥٢).","vol":"1","page":824},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-317>المبحث الرابع الميزان</span>\nقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ (^١)، وقال - ﷺ -: \"يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السموات والأرض لوسعت\" (^٢).\nقال الحافظ ابن حجر: \"أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن به يوم القيامة، وأنكرت المعتزلة الميزان، وقالوا: هو عبارة عن العدل، فخالفوا الكتاب والسنة؛ لأن الله أخبر أنه يضع الموازين لوزن الأعمال ليرى العباد أعمالهم ممثلة ليكونوا على أنفسهم شاهدين\" (^٣).\nوقد قال بعض أهل السنة أن الميزان بمعنى العدل والقضاء (^٤).\nوالصحيح ما عليه جمهور أهل السنة وهو الذي ذهب إليه القرطبي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>ما الذي يوزن في الميزان:</span>\nاختلف أهل العلم في الذي يوزن في الميزان هل هو الأعمال أم\n_________\n(^١) سورة الأنبياء، الآية: ٤٧.\n(^٢) أخرجه الحاكم في المستدرك في كتاب الأهوال، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٦١٩) حديث ٩٤١.\n(^٣) فتح الباري (١٣/ ٥٤٨)، وقد نقله عن الزجاج.\n(^٤) انظر: تفسير الطبري (٩/ ٣٣)، وتفسير القرطبي (١١/ ١٩٤)، وزاد المسير لابن الجوزي (٣/ ١٣٠).","vol":"1","page":825},{"text":"صحائف الأعمال أم العامل نفسه؟ (^١).\nوالقرطبي قد رجَّح أن الذي يوزن هي الأعمال، ونفى وزن الأشخاص، وذلك عند شرحه لقوله - ﷺ -: \"ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن جناح بعوضة، اقرؤوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (^٢) \" (^٣).\nحيث قال: \"أي: لا قيمة له ولا قدر إذ لا عمل له يوزن فإن الأعمال هي التي توزن أي: صحتها لا أشخاص العاملين، وقد قال - ﷺ - في عبد الله بن مسعود - ﵁ -: \"أتعجبون من حموشة ساقيه؟ لهيَ أثقل في الميزان من أُحد\" (^٤) أو كما قال. أي: الأعمال التي عمل بها أثقل في الميزان، لا أن ساقيه توضعان في الميزان، ولا شخصه، كما قد ذهب إليه بعض المتكلمين على هذه الآية، فقال: إن الأشخاص توزن\" (^٥).\nوما نسبه القرطبي إلى المتكلمين قد قال به بعض أهل السنة، فالمسألة خلافية بينهم.\n_________\n(^١) انظر: تفسير الطبري (٩/ ٣٣)، والتذكرة للقرطبي ص (٣٦٠)، ومعارج القبول للحكمي (٢/ ٨٤٤).\n(^٢) سورة الكهف، الآية: ١٠٥.\n(^٣) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ ح ٤٧٢٩ (٨/ ٢٧٩)، ومسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار ح ٢٧٨٥ (١٧/ ١٣٥).\n(^٤) رواه أحمد في المسند (١/ ١١٤)، وابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الفضائل، باب ما ذكر في عبد الله بن مسعود (٦/ ٣٨٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني من طرق، وأمثل طرقها فيه عاصم بن أبي النجود، وهو حسن الحديث على ضعفه، وبقية رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح (٩/ ٢٨٩).\n(^٥) المفهم (٧/ ٣٥٩).","vol":"1","page":826},{"text":"والذي يترجح جمعًا بين الأقوال، وإعمالًا لجميع النصوص الواردة في ذلك ما ذهب إليه الشيخ حافظ الحكمي (^١) - ﵀ -: حيث قال: \"والذي استظهر من النصوص - والله أعلم - أن العامل وعفله وصحيفة عمله - كل ذلك يوزن؛ لأن الأحاديث التي في بيان القرآن قد وردت بكل ذلك ولا منافاة بينها\" (^٢).\n_________\n(^١) حافظ بن أحمد بن علي الحكمي، ولد ونشأ وتعلم في جيزان جنوب المملكة، برز من صغره وكان آية في الذكاء والحفظ حتى فاق أقرانه، ودرَّس زملاءه، تولى إدارة المعهد العلمي بصامطة حتى توفي وذلك بمكة بعد موسم الحج سنة (١٣٧٧ هـ) وعمره ٣٥ سنة رحمه الله تعالى. العلماء الذين لم يتجاوزوا سن الأشد ص (٢١٥)، معجم المؤلفين (١/ ٥١٩).\n(^٢) معارج القبول للحكمي (٢/ ٨٤٨).","vol":"1","page":827},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>المبحث الخامس الشفاعة</span>\nقال القرطبي في تعريف الشفاعة: \"الشفاعة أصلها؛ الضم والجمع، ومنه ناقة شفوع، إذا جمعت بين حلبتين في حلبة واحدة، وناقة شافع، إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها والشفع ضم واحد إلى واحد، والشفعة: ضم ملك الشريك إلى ملكك. فالشفاعة إذن: ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق: إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع وإيصال منفعة إلى المشفوع\" (^١).\nوقد دلَّ الكتاب والسنة على وقوع الشفاعة يوم القيامة بشرطين:\nالأول: أن تكون بعد إذن الله تعالى للشافع.\nالثاني: أن يرضى الله تعالى عن المشفوع له.\nقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (^٣).\nوالأحاديث فيها كثيرة، منها حديث الشفاعة العامة الطويل الذي سبق تخريجه عند الحديث عن خصائص الرسول - ﷺ -، ومنها قوله - ﷺ -: \"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع\" (^٤).\nولم ينكرها إلَّا الخوارج والمعتزلة بناء على مذهبهم في مرتكب\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٤٢٨).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.\n(^٣) سورة الأنبياء، الآية: ٢٨.\n(^٤) سبق تخريجه ص (٦٤٥).","vol":"1","page":828},{"text":"الكبيرة، ويرد عليهم قوله - ﷺ -: \"شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>أنواع الشفاعة:</span>\nذكر القرطبي عن القاضي عياض أن شفاعات النبي - ﷺ - يوم القيامة أربع، وهي:\nالأولى: شفاعته العامة لأهل الموقف ليعجل حسابهم ويراحوا من هول موقفهم، وهي الخاصة به - ﷺ -.\nالثانية: في إدخال قوم الجنة دون حساب.\nالثالثة: في قوم من موحدي أمته استوجبوا النار بذنوبهم فيخرجون من النار ويدخلون الجنة بشفاعته، وهذه الشفاعة هي التي أنكرتها المبتدعة: الخوارج والمعتزلة، فمنعتها على أصولهم الفاسدة، وهي الاستحقاق العقلي المبني على التحسين والتقبيح العقليين، وتلك الأصول قد استأصلها أئمتنا في كتبهم لأنها مصادمة لأدلة الكتاب والسنة الدالة على وقوع الشفاعة في الآخرة، ومن تصفح الشريعة والكتاب والسنة وأقوال الصحابة وابتهالهم إلى الله تعالى في الشفاعة علم على الضرورة صحة ذلك وفساد من خالف في ذلك.\nالرابعة: في زيادة الدرجات في الجنة وترفيعها (^٢).\nوبيَّن شفاعات غير النبي - ﷺ - في يوم القيامة عند شرحه لقوله - ﷺ -: \"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأوَّل من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول\n_________\n(^١) رواه أبو داود في كتاب السنة، باب في الشفاعة والترمذي في أبواب صفة القيامة، باب ما جاء في الشفاعة، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٦٩١) حديث ٣٧١٤.\n(^٢) المفهم (١/ ٤٣٧).","vol":"1","page":829},{"text":"مشفع\" (^١) حيث قال: \"مقصود هذا الحديث أن يبين أنه لا يتقدمه شافع، لا من الملائكة ولا من النبيين، ولا من المؤمنين في جميع أقسام الشفاعات، على أن الشفاعة العامة لأهل الموقف لا تكون لغيره\" (^٢).\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص (٦٤٥).\n(^٢) المفهم (٦/ ٤٩).","vol":"1","page":830},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-321>المبحث السادس الحوض</span>\nلقد أكرم الله تعالى نبيه - ﷺ - بخصائص كثيرة، منها هذا الحوض الذي جاءت الأحاديث في إثباته ووصفه وبيان من يَرِدُ عليه ممن يذاد عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>وجوب الإيمان به والرد على من أنكره:</span>\nقال القرطبي: \"ومما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به: أن الله تعالى قد خصَّ نبيه محمدًا - ﷺ - بالكوثر، الذي هو الحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه وآنيته في الأحاديث الكثيرة الصحيحة الشهيرة، التي يحصل بمجموعها العلم القطعي واليقين التواتري، إذ قد روى ذلك عن النبي - ﷺ - من الصحابة نيِّفٌ على الثلاثين، في الصحيحين منهم نيِّفُ على العشرين، وباقيهم في غيرهما، مما صح نقله واشتهرت روايته، ثم قد رواها عن الصحابة من التابعين أمثالهم ثم لم تزل تلك الأحاديث مع توالي الأعصار وكثرة الرواة لها في جميع الأقطار تتوفر همم الناقلين لها على روايتها وتخليدها في الأمهات، وتدوينها إلى أن انتهى ذلك إلينا، وقامت به حجة الله علينا، فلزمنا الإيمان بذلك، والتصديق به كما أجمع عليه السلف وأهل السنة من الخلف، وقد أنكرته طائفة من المبتدعة، وأحالوه عن ظاهره، وغلوا في تأويله من غير إحالة عقلية، ولا عادية تلزم من إقراره على ظاهره، ولا منازعة سمعية ولا نقلية تدعو إلى تأويله، فتأويله تحريفٌ صدر عن عقل سخيف خرق به إجماع السلف، وفارق به","vol":"1","page":831},{"text":"مذهب أئمة الخلف\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>موضع الحوض:</span>\nوقع الاختلاف بين العلماء في موضع الحوض: أهو قبل الصراط أم بعده؟\nوالقرطبي - ﵀ - يرى أن الحوض بعد الصراط، واستدل بقوله - ﷺ - عن الحوض: \"من شرب منه لم يظمأ أبدًا\" (^٢) حيث قال: \"ظاهر هذا وغيره من الأحاديث: أن الورود على هذا الحوض والشرب منه إنما يكون بعد النجاة من النار، وأهوال القيامة؛ لأن الوصول إلى ذلك المحل الشريف والشرب منه والوصول إلى موضع يكون فيه النبي - ﷺ -، ولا يمنع عنه من أعظم الإكرام، وأجل الإنعام، ومن انتهى إلى مثل هذا كيف يعاد إلى حساب أو يذوق بعد ذلك تنكيل خزي وعذاب؟ ! فالقول بذلك أوهى من السراب\" (^٣).\nوقد ذكر الحافظ ابن حجر الخلاف في هذا، وبيَّن استدلال كل فريق بما ذهب إليه، واستظهر أن مذهب البخاري أن الحوض بعد الصراط؛ لأن البخاري أورد أحاديث الحوض بعد أحاديث الشفاعة وأحاديث الصراط (^٤).\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٩٠).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب في الحوض، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ح ٦٥٧٩ (١١/ ٤٧٢)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا - ﷺ - وصفاته ح ٢٢٩٢ (١٥/ ٦٠).\n(^٣) المفهم (٦/ ٩١).\n(^٤) فتح الباري (١/ ٤٧٤).","vol":"1","page":832},{"text":"وقد حاول الشيخ زيد بن عبد العزيز الفياض (^١) الجمع بين القولين، فقال بعد أن أورد الأحاديث المبينة لعظم الحوض وطوله: \"فإذا كان بهذا الطول والسعة فما الذي يحيل امتداده إلى ما وراء الجسر، فيرده المؤمنون قبل الصراط وبعده، فهذا في حيز الإمكان، ووقوعه موقوف على خبر الصادق والله أعلم\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>عظم الحوض ودفع دعوى الاضطراب في أحاديث تحديده:</span>\nلقد جاءت أحاديث كثيرة في بيان صفة هذا الحوض، وقع فيها بعض الاختلاف في تقدير مسافة الحوض، مما جعل بعض العلماء يحكمون على تلك الأحاديث بالاضطراب، فقال القرطبي في الرد عليهم: \"قد اختلفت الألفاظ الدالة على مقدار الحوض، كما هو مبين في الروايات المذكورة في الأصل، وقد ظنَّ بعض القاصرين أن ذلك اضطراب وليس كذلك، وإنما تحدث النبي - ﷺ - بحديث الحوض مرات عديدة، وذكر فيها تلك الألفاظ المختلفة إشعارًا بأن ذلك تقدير لا تحقيق، وكلها تفيد أنه كبير متسع متباعد الجوانب والزوايا، ولعل سبب ذكره للجهات المختلفة في تقدير الحوض أن ذلك إنما يكون بحسب من حضره ممن يعرف تلك الجهات فيخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها والله أعلم\" (^٣).\n_________\n(^١) زيد بن عبد العزيز بن زيد بن فياض أحد العلماء المعاصرين المكثرين من التأليف درَّس في جامعة الإمام، وتولى قبلها عدة أعمال في الافتاء ورئاسة القضاء له العديد من المؤلفات منها: \"نظرات في الشريعة\" و\"واجب المسلمين في نشر الإسلام\" وغيرها. توفي ﵀ في (٢١/ ١١/ ١٤١٦ هـ) علماء نجد للبسام (٢/ ٢٠٣) موسوعة الأدباء والكتاب السعوديين لأحمد سعيد بن مسلم (٣/ ٧٠).\n(^٢) الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية لزيد الفياض ص (٣٣٩).\n(^٣) المفهم (٦/ ٩٢)، وانظر: (٦/ ٩٥)، وقد قرر الحافظ ابن حجر ما قرره القرطبي وحاول =","vol":"1","page":833},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>من يَرِدُ الحوضَ ومن يُرَدُّ عنه:</span>\nقال - ﷺ -: \"إني لبعُقْرِ حوضي أذود الناس لأهل اليمن\" (^١) قال القرطبي في شرح هذا الحديث: \"يعني السابقين من أهل اليمن الذين نصره الله بهم في حياته وأظهر الدين بهم بعد وفاته، وقد تقدم أن المدينة من اليمن، وأنهم أحق بهذا الإكرام من غيرهم، لما ثبت لهم من النُّصرة والأثرة، ولذلك قال للأنصار: \"اصبروا حتى تلقوني على الحوض\" (^٢) وأذود: أدفع، فكأنه يطرِّق لهم مبالغة في إكرامهم حتى يكونوا أول شارب كما يفعل بفقراء المهاجرين إذ ينطلق بهم إلى الجنة، فيدخلهم إلى الجنة قبل الناس كلهم\" (^٣).\nوقد جاء في حديث آخر: دفع أناس عنه، حيث قال - ﷺ -: \"ألا ليُذَادنَّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم: ألا هَلُمَّ ألا هلُمَّ فيقال: إنهم قد بدَّلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا\" (^٤)، قال القرطبي: \"اختلف العلماء في تأويله فالذي صار إليه الباجي (^٥) وغيره وهو الأشبه\n_________\n= الجمع بين هذه الألفاظ فقال في توجيه هذا الاختلاف: \"وإذا تقرر ذلك رجع جميع المختلف إلى أنه لاختلاف السير البطيء والسريع\" فتح الباري (١١/ ٤٨٠).\n(^١) رواه مسلم في كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا محمد - ﷺ - وصفاته ح ٢٣٠١ (١٥/ ٦٨).\n(^٢) رواه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب قول النبي ﵇ للأنصار: \"اصبروا حتى تلقوني على الحوض\" ح ٣٧٩٢ (٧/ ١٤٦)، ومسلم في كتاب الزكاة باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام ح ١٠٥٩ (٧/ ١٥٧).\n(^٣) المفهم (٦/ ٩٦).\n(^٤) رواه مسلم في كتاب الطهارة باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء ح ٢٤٩ (٣/ ١٤٠).\n(^٥) أبو الوليد سليمان بن خلف التجيبي القرطبي الشهير بالباجي رحل كثيرًا في طلب العلم حتى برز له تصانيف كثيرة مشهورة توفي سنة (٤٧٤ هـ). سير أعلام النبلاء (١٨/ ٥٣٥)، الديباج =","vol":"1","page":834},{"text":"بمساق الأحاديث، أن هؤلاء الذين يقال لهم هذا القول ناس نافقوا وارتدوا من الصحابة وغيرهم فيحشرون في أمة النبي - ﷺ - ... وعليهم سيماء هذه الأمة من الغرة والتحجيل، فإذا رآهم النبي - ﷺ - عرفهم بالسيماء، ومن كان من أصحابه بأعيانهم فيناديهم؛ \"ألا هلم\" فإذا انطلقوا نحوه حيل بينهم ودينه وأُخذ بهم ذات الشمال، فيقول النبي - ﷺ -: \"يارب أمتي ومن أمتي\" وفي لفظ آخر: \"أصحابي\" فيقال له إذ ذاك: \"إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، وإنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم\" فإذ ذاك تذهب عنهم الغرة والتحجيل ويطفأ نورهم فيبقون في الظلمات فينقطع بهم عن الورود وعن جواز الصراط، فحينئذ يقولون للمؤمنين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ فيقال لهم: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ (^١) مكرًا وتنكيلًا ليتحققوا مقدار ما فاتهم فيعظم أسفهم وحسرتهم أعاذنا الله من أحوال المنافقين، وألحقنا بعباده المخلصين، وقال الداودي وغيره: يحتمل أن يكون هذا في أهل الكبائر والبدع الذين لم يخرجوا عن الإيمان ببدعتهم، وبعد ذلك يتلافاهم الله برحمته ويشفع لهم النبي - ﷺ - قال القاضي عياض: والأول أظهر\" (^٢).\n_________\n= المذهب ص (١٩٧).\n(^١) سورة الحديد، الآية: ١٣.\n(^٢) المفهم (١/ ٥٠٤، ٥٠٥).","vol":"1","page":835},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>المبحث السابع الصراط</span>\nقال القرطبي في تعريف الصراط: \"الصراط في اللغة: هو الطريق، وفيه لغات: الصاد والسين والزاي، وهو هنا: الطريق من أرض المحشر إلى الجنة، وهو منصوب على متن جهنم، أدقُّ من الشعر، وأحدُّ من السيف، وهو المسمى بالجسر في الحديث الآخر\" (^١).\n\"فجهنم - أعاذنا الله منها - محيطة بأرض المحشر وحائلة بين الناس وبين الجنة، ولا طريق للجنة إلَّا الصراط الذي هو جسر ممدود على متن جهنم، فلابد لكل من ضمه المحشر من العبور عليه فناج مُسَلَّمٌ، ومخدوش مرسل، ومُكَردسٌ في نار جهنم\" (^٢).\nوأول من يجتاز هذا الصراط هذه الأمة إكرامًا لها، كما قال - ﷺ -: \"فأكون أنا وأمتي أول من يجيز\" (^٣).\nوصفة مرور الناس على الصراط على قدر أعمالهم كما قال - ﷺ -: \"وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا، فيمر أولكم كالبرق، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، وشد الرجال تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلَّا زحفًا، قال: وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش ناج،\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٤١٩).\n(^٢) المفهم (٦/ ٤٤٤).\n(^٣) سبق تخريجه ص (٦٢٥).","vol":"1","page":836},{"text":"ومكردس في جهنم\" (^١).\nقال القرطبي: \"قوله: \"تجري بهم أعمالهم\" يعني: أن سرعة مرهم على الصراط بقدر أعمالهم ألا تراه كيف قال: \"حتى تعجز أعمال العباد\" وشد الرجال: جريهم الشديد ... والزحف: مشي الضعيف والموبق بعمله: المهلك بعمله السيء\" (^٢).\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة ح ١٩٥ (٣/ ٧٠).\n(^٢) انظر: المفهم (١/ ٤٢٠، ٤٤٨).","vol":"1","page":837},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>المبحث الثامن ذبح الموت</span>\nلقد جاء في الحديث أن الموت يذبح يوم القيامة بين الجنة والنار إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ليكون زيادة في سعادة أهل الجنة وإكمالًا لنعيمهم وأمنًا لهم وعذابًا لأهل النار وزيادة لأحزانهم قال - ﷺ -: \"يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار فيقال: يا أهل الجنة! هل تعرفون من هذا؟ فيشرئبون فينظرون فيقولون: نعم هذا الموت! قال: ويقال: يا أهل النار! هل تعرفون من هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح قال: ثم يقال: يا أهل الجنة! خلود فلا موت ويا أهل النار! خلود فلا موت\" ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ (^١) وأشار بيده إلى الدنيا\" (^٢).\nوقد استشكل هذا الحديث على البعض إذ قالوا: إن الموت عرض والعرض لا ينقلب جسمًا فكيف يذبح؟ فزعموا أن هذا يخالف صريح العقل (^٣).\nلذا ذهب بعضهم إلى الطعن في صحة الحديث ومن سلم بالحديث صرفه عن ظاهره حيث جعلوا هذا من باب التمثيل لا الحقيقية، وقال\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ٣٩.\n(^٢) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ ح ٤٧٣٠ (٨/ ٢٨٢)، ومسلم في كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها ح ٢٨٤٩ (١٧/ ١٩٠).\n(^٣) قال شيخ الإسلام: \"الأنبياء جاءوا بما تعجز العقول عن معرفته ولم يجيئوا بما تعلم العقول بطلانه فهم يخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول\" الفتاوى (٢/ ٣١٢)، وانظر: شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (٢/ ٥٧٨).","vol":"1","page":838},{"text":"آخرون: أن هذا الذبح لمتولي الموت لا للموت نفسه.\nوالقرطبي - ﵀ - ممن استشكل عليه هذا الحديث فالتمس له التأويل حيث قال في شرحه: \"ظاهر هذا الحديث مستحيل وذلك أن العقلاء اتفقوا على أن الموت: إما عرض مخصوص، وإما نفي الحياة، ولم يذهب أحد إلى أنه من قبيل الجواهر وأيضًا: فإن المدرك من الموت والحياة إنما هما أمران متضادان متعاقبان على الجواهر كالحركة وكالسكون، وقد دل على ذلك من جهة السمع قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ (^١) فهذا يبطل قول من قال من المعتزلة: إن الموت عدم الحياة لأن العدم لا يخلق ولا يوجب اختصاصًا للجواهر واستيفاء المباحث العقلية في علم الكلام وإذا تقرر ذلك استحال أن ينقلب الموت كبشًا لأن ذلك انقلاب الحقائق وهو محال وقد تأول الناس ذلك الخبر على وجهين:\nأحدهما: أن الله تعالى خلق صورة كبش خلق فيها الموت فلما رآه أهل الجنة وأهل النار وعرفوه فعل الله فيه فعلًا يشبه الذبح أعدمه عند ذلك الفعل حتى يأمنه أهل الجنة فيزدادوا سرورًا إلى سرورهم وييأس منه أهل النار فيزدادوا حزنًا إلى حزنهم وعلى هذا يدل باقي الحديث، ولا إحالة في شيء من ذلك ولا بُعد.\nوالوجه الثاني: أن المراد بالحديث تمثيل عدم الموت على جهة التشبيه والاستعارة ووجهه: أن الموت لما عدم في حق هؤلاء صار بمثابة الكبش الذي يذبح فينعدم فعبَّر عنه بذلك وهذا فيه بُعْدُ وتحميل للكلام على ما لا يصلح له والوجه المعنى: الأول والله أعلم\" (^٢).\n_________\n(^١) سورة الملك، الآية: ٢.\n(^٢) المفهم (٧/ ١٩٠).","vol":"1","page":839},{"text":"وكذا المازري أوَّل هذا الحديث فقال: الموت عرض من الأعراض عندنا يضادُّ الحياة وقال بعض المعتزلة: ليس بمعنى وهو يرجع إلى عدم الحياة وعلى المذهبين وإن كان الثاني منهما خطأ لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ فأثبت الموت مخلوقًا ولغير ذلك من الأدلة لا يصح أن يكون الموت كبشًا ولا جسمًا من الأجسام وإنما المراد التشبيه والتمثيل وقد يخلق الباري سبحانه هذا الجسم ثم يذبح ويجعل هذا مثالًا؛ لأن الموت لا يطرأ على أهل الآخرة\" (^١).\nوالصحيح أن ما أنكروه ليس بمحال إذ لا مانع أن ينشيء الله من الأعراض أجسادًا يجعلها مادة لها كما ثبت في صحيح مسلم في حديث: \"أن البقرة وآل عمران يجيئان كأنهما غمامتان\" (^٢) ونحو ذلك من الأحاديث (^٣).\nوهذا الحديث وأمثاله ينبغي أن نؤمن به ونترك الخوض في حقيقته ونعلم \"أن الله تعالى على كل شيء قدير\" \"وإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون\" فالعقول لا تحكم بمثل هذه المسائل وهي مسائل الغيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) المعلم (٣/ ٢٠٣).\n(^٢) رواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة ح ٨٠٤ (٦/ ٣٣٧).\n(^٣) فتح الباري (١١/ ٤٢٩).","vol":"1","page":840},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>الفصل الرابع الجنة والنار</span>\nالجنة هي دار النعيم التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين الذين عملوا بطاعته في الدنيا، وابتعدوا عن معصيته، وقد أعد ﷾ لهم فيها من أنواع النعيم ومن الحور والقصور ما لا يعلمه إلَّا الله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧)﴾ (^١).\nوقد قال - ﷺ - في بيان ما أعد الله تعالى في الجنة من النعيم، قال الله ﷿: \"أعددت العبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر\" (^٢)، وأما النار فهي دار أعدها الله تعالى لمن عصاه، وخالف أمره، في هذه الدنيا، فهي دار الذل والهوان والعذاب، ولذا جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله - ﷺ - في بيان عذاب أهلها وشدة نكالهم ما فيه رادع لمن له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد، قال تعالى محذرًا منها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢)\n_________\n(^١) سورة الدخان، الآيات: ٥١ - ٥٧.\n(^٢) رواه البخاري في كتاب بدء الخلق باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة ح ٣٢٤٤ (٦/ ٣٦٦)، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها ح ٢٨٢٤ (١٧/ ١٧١).\n(^٣) سورة التحريم، الآية: ٦.","vol":"1","page":841},{"text":"لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ (^١).\nفنحن نؤمن بالجنة وما أعد الله فيها من النعيم، ويكون هذا الإيمان دافعًا للعمل الصالح المقرب إلى الله تعالى الموصل إلى دار كرامته (^٢).\nونؤمن بالنار، وما أعد الله تعالى فيها لمن عصاه ويكون هذا الإيمان مانعًا من اقتراف المعاصي والذنوب لأنها هي الطريق إلى هذا العذاب الأليم والنكال والجحيم (^٣).\nفالإيمان بالجنة والنار ينحصر في ثلاثة أمور:\nالأول: اعتقاد كونهما حقًّا لا ريب فيه.\nالثاني: اعتقاد وجودهما الآن.\nالثالث: اعتقاد دوامهما وبقائهما بإبقاء الله تعالى لهما وأنهما لا تفنيان أبدًا ولا يفنى من فيهما.\nقال الصابوني: ويشهد أهل السنة ويعتقدون أن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما باقيتان لا تفنيان أبدًا وأن أهل الجنة لا يخرجون منها أبدًا وكذلك أهل النار الذين هم أهلها خلقوا لها (^٤) لا يخرجون أبدًا\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>خلق الجنة والنار:</span>\nالجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن فالجنة معدة للمتقين والنار\n_________\n(^١) سورة النبأ، الآيات: ٢١ - ٢٦.\n(^٢) انظر: المفهم (١/ ٤٢٣، ٤٣٨، ٢/ ٣٣، ٥/ ٢٧١، ٦/ ٥٣٠. ٧/ ١٦٦١).\n(^٣) انظر: المفهم (١/ ٤٢٢، ٤٩٥، ٢/ ٢٤٤، ٥٥٤، ٧/ ١٨٦، ١٨٧).\n(^٤) وهم الكفار وأما من يدخل النار من الموحدين فلم يخلق لها.\n(^٥) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص (١٠٣).","vol":"1","page":842},{"text":"معدة للكافرين قال تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ (^١) وقال تعالى عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (^٢) والأدلة من السنة كثيرة: منها قوله - ﷺ - عندما قال الصحابة: فلان شهيد، قال: \"كلا إني أريته في النار في بردة غلها أو عباءة\" (^٣).\nقال القرطبي؛ \"قوله: \"إني أريته في النار\" ظاهره أنها رؤية عيان ومشاهدة لا رؤية منام فهو حجة لأهل السنة على قولهم: إن الجنة والنار قد خلقتا ووجدتا\" (^٤).\nوقوله - ﷺ - في حديث خسوف الشمس: \"رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم به حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفًا من الجنة حين رأيتموني أتقدم، ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضًا حين رأيتموني تأخرت ورأيت فيها ابن لحي (^٥) \" (^٦).\nقال القرطبي: \"هذه الرؤية رؤية عيان حقيقة لا رؤية علم بدليل: أنه رأى في الجنة والنار أقوامًا بأعيانهم ونعيمًا وقطفًا من عنب وتناوله وغير ذلك ولا إحالة في إبقاء هذه الأمور على ظواهرها لاسيما على مذاهب أهل السنة: في أن الجنة والنار قد خلقتا ووجدتا كما دل عليه الكتاب والسنة\" (^٧).\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٣٣.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٤.\n(^٣) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب تحريم الغلول ح ١١٤ (٢/ ٤٨٧).\n(^٤) المفهم (١/ ٣٢١).\n(^٥) عمرو بن لحي الخزاعي وهو أول من غير دين إبراهيم وأدخل عبادة الأثان في مكة.\n(^٦) رواه البخاري في كتاب الكسوف باب صلاة الكسوف جماعة ح ١٠٥٢ (٢/ ٦٢٧)، ومسلم في كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف ح ٩٠١ (٦/ ٤٥٣).\n(^٧) المفهم (٢/ ٥٥٣).","vol":"1","page":843},{"text":"وقال في موضع آخر: \"أهل السنة يقولون: أن الجنة والنار قد خلقتا ووجدتا خلافًا للمبتدعة الذين قالوا: إنهما لم تخلقا بعد وستخلقان\" (^١).\nوهذا هو القول الصواب؛ إذ أهل السنة والجماعة قد اتققوا على ذلك.\nقال الآجري: اعلموا - رحمنا الله وإياكم - أنَّ القرآن شاهد أن الله خلق الجنة والنار قبل أن يخلق آدم - ﵇ - وخلق للجنة أهلًا قبل أن يخرجهم إلى الدنيا لا يختلف في هذا من شمله الإسلام وذاق حلاوة طعم الإيمان دل على ذلك القرآن والسنة فنعوذ بالله ممن كذب بهذا\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>خلود الجنة والنار:</span>\nالجنة والنار باقيتان لا تفنيان قال تعالى عن أهل الجنة:\n﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ (^٣) وقال تعالىِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥)﴾ (^٤)، وقال - ﷺ -: \"يدخل الله أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يؤذن مؤذن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت ويا أهل النار لا موت كل خالد فيما هو فيه\" (^٥).\nقال القرطبي: \"من مات على الشرك لا يدخل الجنة ولا يناله من الله\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٥٤٠). وانظر: (٧/ ١٨٨).\n(^٢) الشريعة للآجري (٣/ ١٣٤٣)، وانظر: شرح الطحاوية (٢/ ٦١٤).\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ٢٢.\n(^٤) سورة الأحزاب، الآيتان: ٦٤، ٦٥.\n(^٥) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب ح ٦٥٤٤ (١١/ ٤١٤)، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء ح ٢٨٥٠ (١٧/ ١٩٢).","vol":"1","page":844},{"text":"تعالى رحمة ولي خلد في النار أبد الآباد من غير انقطاع عذاب ولا تصرم آباد وهذا معلوم ضروري من الدين مجمع عليه من المسلمين\" (^١).\nوقال في موضع آخر: \"أما نشأة الآخرة فهي للبقاء، إما في نعيم أو في عذاب إذ لا موت كما قال في حق الكفار: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦] (^٢) \" (^٣).\nوهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافًا لمن خالفهم فيها قال ابن تيمية - ﵀ -: \"وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية كالجنة والنار والعرش وغير ذلك ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلَّا طائفة من أهل الكلام المبتدعين كجهم بن صفوان ومن وافقه من المعتزلة ونحوهم وهذا قول باطل يخالف كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وإجماع سلف الأمة وأئمتها\" (^٤).\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٢٩٠).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٥٠٦.\n(^٣) المفهم (٧/ ٣٢).\n(^٤) الفتاوى (١٨/ ٣٠٧)، وانظر: شرح الطحاوية (٢/ ٦٢٠).","vol":"1","page":845},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>الخاتمة</span>\nالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وتجبر العثرات وتنال المكرمات وصلى الله على البشير النذير والسراج المنير وعلى آله وصحبه أجمعين.\nفقد منَّ الله تعالى عليَّ بإتمام هذا البحث وبيان مسائله عرضًا ونقدًا ولا أدَّعي فيه الكمال أو الإحاطة ولكن حسبي أني بذلت فيه قصارى جهدي وكامل قوتي فإن أصبت فمن الله وحده وإن أخطأت في ذلك أو بعضه فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله من ذلك كله، وقد كان من توفيق الله تعالى لي أن توصلت من خلال دراستي هذه إلى بعض النتائج أوجزها فيما يلي:\n(١) لقد عاش المازري النصف الثاني من القرن الخامس والثلث الأول من القرن السادس والقرطبي عاش في الربع الأخير من القرن السادس والنصف الأول من القرن السابع، وهذا الزمن ابتليت الأمة فيه بالإضطرابات والفتن وتسلط الأعداء عليها مما كان له الأثر الواضح على حياتهما خصوصًا القرطبي الذي تسببت هذه الفتن في تركه لبلده وهجرته إلى مصر حين قضى فيها بقية عمره بعد أن سقطت بلاده الأندلس في أيدي النصارى.\n(٢) تبين من خلال دراسة ذلك العصر أنَّ المذهب الأشعري في الإعتقاد هو السائد خصوصًا في تلك البلاد وهذا يظهر من خلال التزام المازري والقرطبي بهذا المعتقد كما كان عليه شيوخهما ومن أخذا العلم عنهما.\n(٣) المازري والقرطبي خفي معظم آثارهما ومعالم حياتهما ورغم كثرة","vol":"1","page":846},{"text":"مؤلفاتهما إلَّا أنه لم يصل إلينا إلَّا القليل منها، إذ ضاعت عامة هذه المؤلفات وربما كان لأحداث تلك العصور أثر في هذا.\n(٤) كتاب المعلم للمازري لا يعتبر في الحقيقة شرحًا لصحيح مسلم إنما هو تعليق على بعض الأحاديث فيه وإن لم يحو جميع مسائل العقيدة إلَّا أنَّ عقيدة المازري ظهرت من خلال هذا الكتاب ظهورًا واضحًا لا لبس فيه ولا غموض.\n(٥) القرطبي رحمه، الله رغم إبداعه في تلخيصه لصحيح مسلم وقوته في شرحه لهذا التلخيص في كتابه \"المفهم\" بحيث اعتمد عليه المتقدمون من العلماء إلَّا أنَّ العجب من بقائه طوال هذه المدة في خزائن المخطوطات مع أهميته ومسيس الحاجة إليه وقد أخرج من الكتب ما لا يقاربه ولا يدانيه.\n(٦) القرطبي والمازري تفقها على مذهب الإمام مالك وهو المنتشر في تلك البلاد حتى أصبحا من أعيان المذهب المالكي.\n(٧) ظهر من خلال الرسالة انتساب المازري والقرطبي للمذهب الأشعري وقد كان المازري خالصًا في أشعريته لا يخرج عن مذهب الأشاعرة في جميع مسائل العقيدة ويصرح بالانتساب إليه ويدافع عنه بحماس شديد ويسمي الأشاعرة أهل السنة وأهل الحق ويضلل من خالفهم.\nوالقرطبي وإن كان على مذهب الأشاعرة في عامة مسائل العقيدة إلَّا أنه قد خالفهم في بعض المسائل أو خالف المشهور من مذهب الأشاعرة إذ أثبت أنَّ أول واجب على المكلف هو النطق بالشهادتين وردَّ على من قال: إن أول واجب هو النظر أو القصد إلى النظر. وكان ﵀ شديدًا في توحيد العبادة ولم يجعل","vol":"1","page":847},{"text":"المعجزات هي الطريق الوحيد لبيان صدق الأنبياء ﵈ وغيرها من المسائل التي يخالف فيها ما اشتهر عن الأشاعرة. ولكنه في مسائل الإيمان وباب الصفات على مذهب الأشاعرة لم يخرج عنه وله كلام شديد وعبارات قاسية فيمن خالف ما ذهب إليه الأشاعرة خصوصًا في إثبات صفات الله تعالى كما وردت في الكتاب والسنة وكما هو مذهب سلف الأمة واتضح هذا من خلال المباحث الخاصة بهذه المسائل مما لا يستدعي التطويل هنا بالتفصيل فيها.\n(٨) تبين من خلال هذه الرسالة قوة القرطبي ﵀ في محاربته للفرق الضالة فقد بين انحرافات الخوارج وشطحات الصوفية وردَّ على عامَّة الفرق المنحرفة وأصحاب الإعتقادات الباطلة.\n(٩) ظهرت قدرة القرطبي ﵀ في الجمع بين الأقوال المختلفة والأدلة المتعارضة كما قد ذكر ذلك من ترجم له.\nوما حصرته في هذه النقاط مبسوط في مكانه والله تعالى أسأل أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح وأن يجعلنا ممن يبحث عن الحق ويلتزم به وأن يرزقنا تعالى الإخلاص في القول والعمل، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":848},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>فهرس المصادر والمراجع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>حرف الألف</span>\n- الإبانة عن أصول الديانة، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق: بشير محمد عيون، مكتبة المؤيد، الطائف، الطبعة الثالثة، ١٤١١ هـ.\n- إبطال التأويلات لأخبار الصفات، لأبي يعلى ابن الفراء الحنبلي، تحقيق محمد بن حمد النجدي، دار إيلاف، الكويت، الطبعة الأولى، (١٤١٠ هـ).\n- إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، لحمود بن عبد الله التويجري، دار الصميعي، الرياض، الطبعة الثانية (١٤١٤ هـ).\n- إتحاف النبلاء بسير العلماء، راشد بن عثمان الزهراني، دار الصميعي، الرياض الطبعة الأولى، (١٤١٦ هـ).\n- اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، لابن القيم، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤٠٤ هـ).\n- أحكام الرقى والتمائم، د. فهد بن ضويان السحيمي، دار أضواء السلف، الرياض الطبعة الأولى، (١٤١٩ هـ).\n- الإرشاد: إلى قواطع الأدلة في أصول الإعتقاد، للجويني، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، الطبعة، الأولى (١٤٠٥ هـ).\n- إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول، للشوكاني، تحقيق: أحمد عبد السلام، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n- أزهار الرياض في أخبار عياض، أحمد المقري التلمساني، صندوق إحياء التراث المشترك بين المغرب والإمارات، الرباط، (١٣٩٨ هـ).\n- الاستقامة، لابن تيمية، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الأولى، (١٤٠٣ هـ).\n- الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لابن عبد البر القرطبي، تحقيق: علي محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود، مكتبة الباز، مكة، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ).\n- الأسماء والصفات نقلًا وعقلًا، لمحمد الأمين الشنقيطي، تحقيق حسن السماحي سويدان، دار القادري، بيروت، الطبعة الثانية، (١٤١٨ هـ).\n- اسم الله الأعظم، د. عبد الله بن عمر الدميجي، دار الوطن، الرياض، الطبعة الأولى،","vol":"1","page":895},{"text":"(١٤١٩ هـ).\n- إشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين، عبد الباقي بن عبد المجيد اليماني، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٠٦ هـ).\n- أشراط الساعة، يوسف بن عبد الله الوابل، دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة السابعة، (١٤١٦ هـ).\n- أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين الشنقيطي، دار الفكر، بيروت، (١٤١٥ هـ).\n- الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، الطبعة الحادية عشر (١٩٩٥ م).\n- اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، لابن تيمية، تحقيق: محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، الطبعة الثانية، (١٣٦٩ هـ).\n- إكمال المعلم بفوائد مسلم، القاضي عياض بن موسى اليحصبي، تحقيق د. يحيى إسماعيل، دار الوفاء، مصر، الطبعة الأولى، (١٤١٩ هـ).\n- الإمام القرطبي شيخ أئمة التفسير، مشهور حسن سلمان، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، (١٤١٣ هـ).\n- الإمام النووي وأثره في الحديث وعلومه، أحمد بن عبد العزيز الحداد، دار البشائر، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١٣ هـ).\n- الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة، د. عبد الله بن عمر الدميجي، دار طيبة، الرياض، الطبعة الثانية (١٤٠٩ هـ).\n- الإمامة والرد على الرافضة، لأبي نعيم الأصبهانيّ، تحقيق: د. علي بن محمد الفقيهي، مكتبة العلوم والحكم، المدينة، الطبعة الثالثة، (١٤١٥ هـ).\n- الإنصاف في ما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، للقاضي أبي بكر الباقلاني، تحقيق: محمد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية، القاهرة، (١٤١٣ هـ).\n- إنعام الباري في شرح حديث أبي ذر الغفاري، لابن تيمية، تحقيق: د. عبد العلي عبد الحميد حامد، دار الريان، القاهرة، الطبعة الأولى، (١٤٠٧ هـ).\n- أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور، لابن رجب الحنبلي، تحقيق: محمد السعيد زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤٠٥ هـ).\n- إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد لابن الوزير","vol":"1","page":896},{"text":"اليماني دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، (١٤٠٧ هـ).\n- الإيمان، لابن تيمية، تحقيق: محمد بن ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الخامسة، (١٤١٦ هـ).\n- الإيمان، للقاسم بن سلام، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، دار الأرقم، الكويت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>حرف الباء</span>\n- البحر المحيط للزركشي، تحقيق: د. عمر الأشقر.\n- بدائع التفسير، لابن القيم، تحقيق: يسري السيد محمد، دار ابن الجوزي الدمام، الطبعة الأولى، (١٤١٤ هـ).\n- بدائع الفوائد، لابن القيم، تحقيق: هشام عبد العزيز وزملاؤه، مكتبة الباز، مكة، الطبعة الأولى، (١٤١٦ هـ).\n- البداية والنهاية، لابن، كثير، تحقيق: د. أحمد أبو ملحم وزملاؤه دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الرابعة، (١٤٠٨ هـ).\n- بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس، أحمد بن يحيى الضبي، تحقيق: روحية عبد الرحمن السويفي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١٧ هـ).\n- بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، جلال الدين السيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، بيروت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>حرف التاء</span>\n- تاريخ الأدب العربي، لبروكلمان، ترجمة: عبد الحليم النجار، دار المعارف. مصر، الطبعة الثالثة.\n- تاريخ الإسلام، لحسن إبراهيم حسن، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، الطبعة الأولى، (١٩٦٧ م).\n- تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- تاريخ الخلفاء، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، (١٤١٦ هـ).\n- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر، تحقيق: محب الدين عمر بن عزامة العمروي، دار الفكر، بيروت، (١٤١٦ هـ).\n- تأويل مختلف الحديث، عبد الله بن مسلم بن قتيبة، تحقيق: محمد بن محيي الدين","vol":"1","page":897},{"text":"الأصفر، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١٩ هـ).\n- التبرك المشروع والتبرك الممنوع، د. علي بن نفيع العلياني، دار الوطن الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١١ هـ).\n- التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، لأبي المظفر الأسفراييني، تحقيق: محمد زاهد الكوثري، مطبعة الأنوار، ١٣٥٩ هـ.\n- التبيان في أقسام القرآن، لابن القيم، دار الفكر، بيروت.\n- تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٣٩٨ هـ.\n- تحفة المريد في شرح جوهرة التوحيد، لإبراهيم بن محمد الباجوري، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤٠٣ هـ).\n- التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية، فالح بن مهدي آل مهدي، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة الثانية، (١٤٠٦ هـ).\n- التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار، لابن رجب الحنبلي، مكتبة دار البيان، دمشق، الطبعة الأولى، (١٣٩٩ هـ).\n- التدمرية، لابن تيمية، تحقيق: د. محمد بن عودة السعوي، مكتبة العبيكان، الرياض، الطبعة الثانية، (١٤١٦ هـ).\n- تفسير الألوسي المسمى: \"روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني\" محمود شكري الألوسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n- تفسير البيضاوي المسمى: \"أنوار التنزيل وأسرار التأويل\" عبد الله بن عمر البيضاوي، تحقيق: عبد القادر عرفات العشا، دار الفكر، بيروت، ١٤١٦ هـ.\n- تفسير السعدي المسمى: \"تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان\" عبد الرحمن بن ناصر السعدي، دار المغني، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n- تفسير الطبري المسمى: \"جامع البيان في تأويل القرآن\" محمد جرير الطبري، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n- تفسير غريب القرآن، لابن قتيبة، تحقيق: أحمد صقر، دار إحياء الكتب العلمية، مصر، ١٣٧٨ هـ.\n- تفسير القرآن العظيم، الحافظ ابن كثير، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى (١٤٠٨ هـ).","vol":"1","page":898},{"text":"- تفسير القرطبي المسمى: \"الجامع لأحكام القرآن\" محمد بن أحمد القرطبي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الخامسة، ١٤١٧ هـ.\n- تفسير النسفي المسمى: \"مدارك التنزيل وحقائق التأويل\" عبد الله بن أحمد النسفي، تحقيق: زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\n- التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، محمد بن أحمد القرطبي، دار الكتب العلمية، بيروت، (١٤١٦ هـ).\n- التعريفات، علي بن محمد الجرجاني، تحقيق: إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، (١٤١٧ هـ).\n- تعظيم قدر الصلاة، محمد بن نصر المروزي، تحقيق: د. عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، مكتبة الدار، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، (١٤٠٦ هـ).\n- التعليق على فتح الباري شرح صحيح البخاري، عبد الله بن محمد الدويش، ضمن \"مجموعة مؤلفات الشيخ عبد الله الدويش\"، دار العليان، بريدة، الطبعة الأولى، (١٤١١ هـ).\n- التكملة لكتاب الصلة، محمد بن عبد الله بن الآبار، مكتب نشر الثقافة الإسلامية، (١٣٧٥ هـ).\n- تلبيس إبليس، لأبي الفرج بن الجوزي، تحقيق: د. السيد الجميلي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، (١٤٠٧ هـ).\n- تلخيص صحيح مسلم، أحمد بن عمر القرطبي تحقيق: د. رفعت فوزي وأحمد الحوزي دار السلام، الطبعة الثانية، (١٤١٤ هـ).\n- التمائم في ميزان العقيدة د. علي بن نفيع العلياني، دار الوطن الرياض الطبعة الأولى، (١٤١١ هـ).\n- تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، للباقلاني، تحقيق: عماد الدين أحمد حيدر، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤٠٧ هـ).\n- التمهيد لما في الموطَّأ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البر القرطبي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المملكة العربية، مطبعة فضالة، المحمدية.\n- التنجيم والمنجمون، د. عبد المجيد بن سالم المشعبي، دار أضواء السلف، الرياض، الطبعة الثانية، (١٤١٩ هـ).","vol":"1","page":899},{"text":"- تهذيب التهذيب، لابن حجر العسقلاني، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١٦ هـ).\n- تهذيب سنن أبي داود، لابن القيم، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، (١٤١٥ هـ).\n- تهذيب اللغة، للأزهري تحقيق: عبد السلام محمد هارون، المؤسسة المصرية للتأليف والترجمة، مصر، (١٣٨٤ هـ).\n- التوسل أنواعه وأحكامه، محمد ناصر الدين الألباني، جمع وترتيب: محمد عيد العباس، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الخامسة، (١٤٠٦ هـ).\n- توضيح المشتبه، لابن ناصر الدين الدمشقي، تحقيق: محمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n- تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية (١٤٠٩ هـ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>حرف الجيم</span>\n- جامع الرسائل، لابن تيمية تحقيق: د. محمد رشاد سالم، مصر.\n- جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم، لابن رجب الحنبلي، دار الجيل، بيروت، (١٤٠٧ هـ).\n- جذوة الإقتباس في ذكر من حل من الأعلام مدينة فاس، أحمد بن القاضي المكناسي، دار المنصور، الرباط، (١٩٧٣ م).\n- جهود علماء الأندلس في الصراع مع النصارى خلال عصري المرابطين والموحدين، د. محمد بن إبراهيم أبا الخيل، دار أصداء المجتمع، بريدة، الطبعة الأولى، (١٤١٩ هـ).\n- الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لابن تيمية، تحقيق: د. علي حسن ناصر وزملاؤه، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n- الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، دار الكتب العلمية، بيروت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>حرف الحاء</span>\n- حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، لابن القيم، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، لقوام السنة إسماعيل بن محمد الأصبهاني، تحقيق: محمد بن ربيع المدخلي، دار الراية، الرياض، الطبعة الثانية،","vol":"1","page":900},{"text":"(١٤١٩ هـ).\n- الحكم الجديرة بالإذاعة، لابن رجب، دار مرجان، مصر.\n- حلية الأولياء وطبقات، الأصفياء، لأبي نعيم الأصبهاني، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الرابعة، (١٤٠٥ هـ).\n- خطط المقريزي \"المواعظ والإعتبار بذكر الخطط والآثار\" للمقريزي، دار صادر، بيروت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>حرف الخاء</span>\n- خلق أفعال العباد، للبخاري، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>حرف الدال</span>\n- درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، دار الكنوز الأدبية، الرياض، (١٣٩١ هـ).\n- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني.\n- دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية، تحقيق: د. محمد السيد الجليند، مؤسسة علوم القرآن، دمشق، الطبعة الثانية (١٤٠٤ هـ).\n- دلائل التوحيد، محمد جمال الدين القاسمي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤٠٥ هـ).\n- دولة الإسلام في الأندلس في عصر المرابطين والموحدين، محمد عبد الله بن عنان، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الثانية (١٤١١ هـ).\n- الدولة الصنهاجية، الهادي روجي إدريس، ترجمة: حمادي الساحلي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩٢ م.\n- الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، إبراهيم بن نور الدين المالكي \"ابن فرحون\" تحقيق: مأمون بن محيي الدين الجنان، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١٧ هـ).\n- ديوان بشار بن برد، تحقيق: محمد بدر الدين العلوي، دار الثقافة، بيروت.\n- ديوان حسان بن ثابت، تحقيق: د. وليد عرفات، دار صادر، بيروت.\n- ديوان الشماخ بن ضرار الذبياني، تحقيق: صلاح الدين الهادي، دار المعارف، مصر.","vol":"1","page":901},{"text":"- ديوان طرفة بن العبد، المكتبة الثقافية، بيروت.\n- ديوان لبيد بن ربيعة، دار صادر، بيروت، ١٣٨٦ هـ.\n- ديوان النابغة الذبياني، تحقيق: محمد الطاهر بن عاشور، الشركة التونسية للتوزيع والشركة الوطنية للتوزيع، الجزائر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>حرف الذال</span>\n- ذيل مرآة الزمان، موسى اليونيني، دار زمزم، الرياض، الطبعة الثانية، (١٤١٣ هـ).\n- الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، محمد بن محمد المراكشي، تحقيق: إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، الطبعة الأولى، (١٩٧٣ هـ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>حرف الراء</span>\n- رؤية الله وتحقيق الكلام فيها، د. أحمد بن ناصر أحمد، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، (١٤١١ هـ).\n- رد الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على المريسي، تحقيق: د. رشيد بن حسن الألمعي، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٨ هـ).\n- الرد على الجهمية، لأبي سعيد عثمان الدارمي، تحقيق: بدر بن عبد الله البدر، دار ابن الأثير، الكويت، الطبعة الثانية، (١٤١٦ هـ).\n- الروض المعطار في أخبار الأقطار، محمد بن عبد المنعم الحميري، تحقيق: إحسان عباس، مكتبة لبنان، بيروت، (١٩٧٥ م).\n- الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية، لزيد بن عبد العزيز الفياض، دار الوطن الرياض، الطبعة الثالثة، (١٤١٤ هـ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>حرف الزاء</span>\n- زاد المسير في علم التفسير، لأبي الفرج ابن الجوزي، تحقيق: أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١٤ هـ).\n- زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم، تحقيق: شعيب وعبد القادر الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الخامسة عشر، (١٤٠٧ هـ).\n- الزواجر عن اقتراف الكبائر، أحمد بن علي بن حجر الهيتمي، مكتبة الباز، مكة، الطبعة الأولى، (١٤١٧ هـ).\n- زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه، د. عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد، مكتبة","vol":"1","page":902},{"text":"دار القلم والكتاب، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٦ هـ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>حرف السين</span>\n- سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام للصنعاني، تحقيق: د. حسين بن قاسم الحسيني، مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، (١٤٠٥ هـ).\n- سلسلة الأحاديث الصحيحة، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض، (١٤١٥ هـ).\n- سلسلة الأحاديث الضعيفة، محمد بن ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٠٨ هـ).\n- سلك الدرر في أعيان، القرن الثاني عشر، محمد خليل المرادي، تحقيق: محمد عبد القادر شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١٨ هـ).\n- السلوك لمعرفة دول الملوك، لأحمد المقريزي، تحقيق: محمد مصطفى زيادة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، (١٩٧٢ هـ).\n- السنة، لابن أبي عاصم، تحقيق: محمد بن ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي. بيروت، الطبعة الثالثة، (١٤١٣ هـ).\n- السنة لأحمد بن محمد الخلال، تحقيق: د. عطية بن عتيق الزهراني، دار الراية، الرياض، الطبعة الثانية، (١٤١٥ هـ).\n- السنة، للإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: إسماعيل الأنصاري، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والإرشاد، السعودية.\n- السنن الكبرى، للبيهقي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة الباز، مكة، ١٤١٤ هـ.\n- السنن الكبرى للنسائي، تحقيق: د. عبد الغفار البنداري وسيد كسروي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\n- سير أعلام النبلاء، أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: د. بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>حرف الشين</span>\n- شأن الدعاء للخطابي، تحقيق: أحمد الدقاق، دار المأمون، دمشق، الطبعة الأولى، (١٤٠٤ هـ).\n- شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، محمد محمد مخلوف، دار الفكر.","vol":"1","page":903},{"text":"- شذرات الذهب في أخبار من ذهب، عبد الحي الحنبلي \"ابن العماد\" دار ابن كثير دمشق، الطبعة الأولى، (١٤١٢ هـ).\n- شرح أشعار الهذليين، لأبي سعيد السكري، تحقيق: عبد الستار أحمد، مطبعة المدني، القاهرة.\n- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، هبة الله اللالكائي، تحقيق: د. أحمد بن سعد بن حمدان، دار طيبة، الرياض، الطبعة الثالثة، (١٤١٥ هـ).\n- شرح التلقين، للمازري تحقيق: محمد المختار السلامي، دار الغرب، بيروت، الطبعة الأولى، (١٩٩٧ م).\n- شرح السنة، للبربهاري، تحقيق: د. محمد سعيد القحطاني، دار ابن القيم، الدمام، الطبعة الأولى، (١٤٠٨ هـ).\n- شرح السنة للبغوي، تحقيق: سعيد اللحام، دار الفكر، بيروت، (١٤١٤ هـ).\n- شرح صحيح مسلم، للنووي، دار القلم، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤٠٧ هـ).\n- شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي، تحقيق د. عبد الله بن عبد المحسن التركي وشعيب الأرنؤوط، دار هجر، أبها، الطبعة الرابعة، (١٤١٩ هـ).\n- شرح العقيدة الواسطية، محمد خليل هراس، تحقيق: علوي السقاف، دار الهجرة الثقبة، الطبعة الثالثة، (١٤١٥ هـ).\n- شرح العقيدة الواسطية، محمد بن صالح العثيمين، دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الثانية، (١٤١٥ هـ).\n- شرح القصيدة النونية، لابن القيم، محمد خليل هراس، دار الفاروق، مصر.\n- شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري، عبد الله بن محمد الغنيمان، دار لينة، دمنهور، الطبعة الثامنة، (١٤١٩ هـ).\n- الشريعة للأجري، تحقيق: د. عبد الله بن عمر الدميجي، دار الوطن الرياض، الطبعة الأولى (١٤١٨ هـ).\n- شعب الإيمان أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١٠ هـ).\n- شعر دعبل بن علي الخزاعي، تحقيق: د. عبد الكريم الأشتر، مطبوعات مجمع اللغة العربي، دمشق، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ.","vol":"1","page":904},{"text":"- شعر طيء وأخبارها في الجاهلية والإسلام، جمع وتحقيق: د. وفاء فهمي السنديوني، دار العلوم، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ.\n- شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن القيم الجوزية، تحقيق: عمر بن سليمان الحفيان، مكتبة العبيكان، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٢٠ هـ).\n- الشيخ عبد الرزاق عفيفي، محمد بن أحمد سيد أحمد، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، (١٤١٨ هـ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>حرف الصاد</span>\n- صحيح جامع بيان العلم لابن عبد البر، تحقيق: أبو الأشبال الزهيري، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، الطبعة الأولى، (١٤١٦ هـ).\n- صحيح الجامع الصغير وزيادته، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، (١٤٠٨ هـ).\n- الصحاح للجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثالثة، (١٤٠٤ هـ).\n- صحيح الأدب المفرد، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة الدليل، الجبيل الطبعة الثالثة (١٤١٧ هـ).\n- صحيح سنن ابن ماجه، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١٧ هـ).\n- صحيح سنن أبي داود، محمد ناصر الدين الألباني -المكتب الإسلامي- بيروت، الطبعة الأولى، (١٤٠٩ هـ).\n- صحيح سنن الترمذي، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، (١٤٠٨ هـ).\n- الصراع العقائدي في الفلسفة الإسلامية، دراسات ملتقي الإمام المازري للفلسفة الإسلامية، وزارة الشؤون الثقافية، تونس، المنستير، (١٩٧٥ م).\n- صريح السنة للطبري، تحقيق: بدر يوسف المعتوق، دار الخلفاء، الكويت الطبعة الأولى، (١٤٠٥ هـ).\n- الصفات الإلهية في الكتاب والسنة في ضوء الإثبات والتنزيل، د. محمد أمان الجامي، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، (١٤٠٨ هـ).","vol":"1","page":905},{"text":"- صفات الله الواردة في الكتاب والسنة، علوي بن عبد القادر السقاف، دار الهجرة، الثقبة، الطبعة الأولى، (١٤١٤ هـ).\n- صفة الصفوة، أبي الفرج ابن الجوزي، تحقيق: محمود فاخوري ومحمد رواس قلعة جي، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، (١٤٠٥ هـ).\n- الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم، تحقيق: د. علي بن محمد الدخيل الله، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الثالثة، (١٤١٨ هـ).\n- الصفدية، لابن تيمية، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>حرف الضاد</span>\n- ضعيف الجامع الصغير وزيادته، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، (١٤١٠ هـ).\n- ضعيف سنن ابن ماجه، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة الأولى، (١٤٠٨ هـ).\n- ضعيف سنن الترمذي، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١١ هـ).\n- الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، للسخاوي، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١٢ هـ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>حرف الطاء</span>\n- طبقات الحفاظ، جلال الدين السيوطي، تحقيق: علي محمد عمر، مكتبة الثقافة الدينية مصر (١٤١٧ هـ).\n- طبقات الشافعية، أحمد بن قاضي شهبة، تحقيق: عبد الحليم خان، دار عالم الكتب، الطبعة الأولى، (١٤٠٧ هـ).\n- طبقات الشافعية الكبرى، عبد الوهاب بن علي السبكي، تحقيق: محمود محمد الطناحي وعبد الفتاح محمد الحلو، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.\n- طبقات الصوفية، لأبي عبد الرحمن السلمي، تحقيق: نور الدين شريبة، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الثالثة (١٤١٨ هـ).\n- طبقات الفقهاء الشافعية، \"لابن الصلاح\" تحقيق: محيي الدين علي نجيب، دار البشائر، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١٣ هـ).","vol":"1","page":906},{"text":"- طبقات القراء، للذهبي تحقيق د. أحمد حسان، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٨ هـ).\n- طبقات المفسرين لأحمد الأدنه وي، تحقيق: سليمان بن صالح الحربي، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، (١٤١٧ هـ).\n- طبقات المفسرين، لمحمد الداوودي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>حرف العين</span>\n- عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة، د. عبد الكريم نوفان عبيدان، دار أشبيليا، الرياض، الطبعة الثانية، (١٤١٩ هـ).\n- العبر في خبر من غبر للذهبي، تحقيق: محمد السعيد بسيوني، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- العبر وديوان المبتدأ والخبر \"تاريخ ابن خلدون\" لابن خلدون، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١٣ هـ).\n- عقيدة السلف وأصحاب الحديث، لإسماعيل الصابوني، تحقيق: د. ناصر بن عبد الرحمن الجديع، دار العاصمة الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٥ هـ).\n- العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية، لأبي المعالي الجويني، تحقيق: محمد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهري، القاهرة، ١٤١٢ هـ.\n- علاقة الإثبات والتفويض بصفات رب العالمين، د. رضا بن نعسان معطي، دار الهجرة، الثقبة، الطبعة السادسة، ١٤١٦ هـ.\n- العلماء الذين لم يتجاوزا سن الأشد، علي بن محمد العمران، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٨ هـ).\n- علماء نجد خلال ثمانية قرون، عبد الله بن عبد الرحمن البسام، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الثانية، (١٤١٩ هـ).\n- العلو للعلي الغفار، للذهبي، تحقيق: أشرف عبد المقصود، مكتبة أضواء السلف، الرياض، الطبعة الأول، (١٩٩٥ م).\n- علو الله على خلقه، د. موسى بن سليمان الدويش، عالم الكتب، بيروت الطبعة الأولى، (١٤٠٧ هـ).\n- عون المريد لشرح جوهرة التوحيد، عبد الكريم نتان ومحمد أديب الكيلاني، دار","vol":"1","page":907},{"text":"البشائر، دمشق، الطبعة الثانية، (١٤١٩ هـ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>حرف الغين</span>\n- غريب الحديث، لأبي عبيد القاسم بن سلام، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n- الغنية فهرست شيوخ القاضي عياض، تحقيق: محمد عبد الكريم، الدار العربية للكتاب، تونس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>حرف الفاء</span>\n- فتاوى المازري، تحقيق وجمع: د. الطاهر المعموري، الدار التونسية للنشر، تونس، (١٩٩٤ م).\n- فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، جمع وترتيب: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، مطبعة الحكومة، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ.\n- فتح الباري بشرح صحيح البخاري، أحمد بن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب، المكتبة السلفية، القاهرة، الطبعة الثالثة، (١٤٠٧ هـ).\n- فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن رجب الحنبلي، تحقيق: مجموعة من الباحثين، مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n- فتح رب البرية بتلخيص الحموية، لابن عثيمين \"ضمن رسائل في العقيدة\" مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٠٤ هـ).\n- فتح القدير محمد بن علي الشوكاني، دار الفكر، بيروت، (١٤٠٣ هـ).\n- الفتوى الحموية، لابن تيمية، تحقيق: حمد بن عبد المحسن التويجري، دار الصميعي، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٩ هـ).\n- الفرق بين الفرق، عبد القاهر بن طاهر البغدادي، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، (١٤١٣ هـ).\n- الفصل في الملل والنحل، لابن حزم، مكتبة الخانجي، القاهرة.\n- فطرية المعرفة وموقف المتكلمين منها، أحمد بن سعد بن حمدان، دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٥ هـ).\n- الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة، عبد الرحمن عبد الخالق، مكتبة ابن تيمية، الكويت، الطبعة الثانية.","vol":"1","page":908},{"text":"- الفلاسفة الإسلاميون والصوفية وموقف أهل السنة منهم، د. عبد الفتاح فؤاد، دار الدعوة، الإسكندرية، الطبعة الأولى، (١٤١٨ هـ).\n- فهرس ابن عطية، لابن عطية المحاربي، تحقيق: محمد أبو الأجفان، ومحمد الزاهي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٩٨٣ م.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>حرف القاف</span>\n- القاموس المحيط، للفيروزآبادي مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، (١٤١٧ هـ).\n- القاهرة تاريخها وآثارها، د. عبد الرحمن زكي، الدار المصرية، (١٣٨٦ هـ).\n- القدرية والمرجئة، د. ناصر عبد الكريم العقل، دار الوطن، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٨ هـ).\n- القضاء والقدر، د. عبد الرحمن بن صالح المحمود، دار الوطن، الرياض، الطبعة الثانية، (١٤١٨ هـ).\n- قطر الولي على حديث، الولي، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: د. إبراهيم هلال، دار الباز، مكة المكرمة.\n- القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، محمد بن صالح العثيمين، دار ابن القيم، الدمام، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n- القول السديد في مقاصد التوحيد، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، المجموعة الكاملة لمؤلفات السعدي، مركز ابن صالح، عنيزة، الطبعة الثانية، (١٤١٢ هـ).\n- القول المفيد على كتاب التوحيد، محمد بن صالح العثيمين، دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الثالثة، (١٤١٩ هـ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>حرف الكاف</span>\n- الكامل في التاريخ، لابن الأثير الجزري، تحقيق عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، (١٤١٥ هـ).\n- كتاب الإيمان، محمد بن إسحاق بن منده، تحقيق: د. علي بن محمد فقيهي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، (١٤٠٦ هـ).\n- كتاب الإيمان من إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض، تحقيق: د. الحسين محمد شواط، دار الوطن، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n- كتاب التعريفات، علي بن محمد الجرجاني، تحقيق: إبراهيم الأبياري، دار الكتاب","vol":"1","page":909},{"text":"العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، (١٤١٧ هـ).\n- كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب ﷿، محمد بن إسحاق بن خزيمة، تحقيق: د. عبد العزيز بن إبراهيم الشهوان، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة السادسة (١٤١٨ هـ).\n- كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله ﷿ وصفاته على الإتقان والتفرد، لمحمد بن إسحاق بن منده، تحقيق: د. علي بن محمد الفقيهي، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة الثانية.\n- كتاب السنة، عبد الله بن الإمام أحمد الشيباني، تحقيق: د. محمد بن سعيد القحطاني، دار رمادي للنشر، الطبعة الثانية، (١٤١٤ هـ).\n- كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، مصطفى بن عبد الله الحنفي \"حاجي خليفة\"، دار الكتب العلمية، بيروت، (١٤١٣ هـ).\n- كشف القناع عن حكم الوجد والسماع، أحمد بن عمر القرطبي، تحقيق: د. عبد الله محمد الطريقي، الطبعة الأولى، (١٤١١ هـ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>حرف اللام</span>\n- اللآلئ المصنوعة في الأحايث الموضوعة، للسيوطي، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠١ هـ.\n- لسان العرب، لابن منظور، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى.\n- اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق: د. حمودة غرابة، المكتبة الأزهرية، القاهرة.\n- لمعة الإعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد، لابن قدامة المقدسي، تحقيق: بدر بن عبد الله البدر، الدار السلفية، الكويت، الطبعة الأولى، (١٤٠٦ هـ).\n- لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية، محمد بن أحمد السفاريني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، (١٤١١ هـ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>حرف الميم</span>\n- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للهيثمي، دار الريان، القاهرة، ١٤٠٧ هـ.\n- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم.\n- مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين، جمع وترتيب: فهد السليمان، دار الوطن،","vol":"1","page":910},{"text":"الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٢ هـ).\n- المجموع المغيث غريبي القرآن والحديث، لأبي موسى المديني، تحقيق: عبد الكريم الغرباوي، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، (١٤٠٦ هـ).\n- مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم، اختصره: محمد الموصلي، مكتبة الرياض، الحديثة، الرياض.\n- مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية، لأبي عبد الله بدر الدين البعلي، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار التقوى، مصر، ١٤٠٩ هـ.\n- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن القيم، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، (١٣٩٣ هـ).\n- مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر، محمد الأمين الشنقيطي، دار القلم، بيروت.\n- مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات، أحمد بن عبد الرحمن القاضي، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٦ هـ).\n- مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانيء، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت.\n- مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى، تحقيق: سعود بن عبد العزيز الخلف، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٠ هـ).\n- المستدرك على الصحيحين، للحاكم، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\n- المستصفى من علم الأصول للغزالي، تحقيق: د. محمد بن سليمان الأشقر، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n- المسند، للإمام أحمد الشيباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الرابعة، (١٤٠٣ هـ).\n- مشكاة المصابيح، للخطيب التبريزي، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٥ هـ.\n- المصنف، لابن أبي شيبة، تحقيق: كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ.\n- معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول، حافظ بن أحمد الحكمي، تحقيق:","vol":"1","page":911},{"text":"عمر بن محمود أبو عمر، دار ابن القيم: الدمام، الطبعة الثانية، (١٤١٣ هـ).\n- معالم السنن شرح سنن أبي داود، حمد بن محمد الخطابي، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت، (١٤١٦ هـ).\n- معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات، د. محمد بن خليفة التميمي، مكتبة أضواء السلف، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٩ هـ).\n- المعجب في تلخيص أخبار المغرب، عبد الواحد المراكشي، تحقيق: محمد سعيد العربال، لجنة إحياء التراث، مصر، (١٣٨٣ هـ).\n- معجم البلدان، ياقوت الحموي، دار صادر، بيروت، الطبعة الثانية، (١٩٩٥ م).\n- المعجم الكبير للطبراني، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، الطبعة الثانية، (١٤٠٤ هـ).\n- معجم المؤلفين، عمر رضا كحالة، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١٤ هـ).\n- معجم المصنفات الواردة في فتح الباري، لمشهور بن حسن بن سلمان، وأبي حذيفة رائد بن صبري، دار الهجرة، الثقبة، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n- معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الجيل بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١١ هـ).\n- المعجم الوسيط، من إعداد مجمع اللغة العربية، المكتبة الإسلامية، تركيا.\n- معيد النعم ومبيد النقم، عبد الوهاب بن علي السبكي، تحقيق: محمد علي النجار وزملاؤه، دار الكتاب العربي، القاهرة، الطبعة الأولى، (١٣٦٧ هـ).\n- مفتاح دار السعادة، لابن القيم، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني، تحقيق: محمد خليل عيتاني، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١٨ هـ).\n- مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، (١٤١١ هـ).\n- مقامات الحريري، للقاسم بن علي الحريري، دار صادر، بيروت، (١٣٨٥ هـ).\n- مقدمة ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، تحقيق: د. محمد الإسكندراني، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، (١٤١٧ هـ).","vol":"1","page":912},{"text":"- المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، لأبي حامد الغزالي، تحقيق: بسام الجابي، دار الجفان والجابي.\n- المقفى الكبير، تقي الدين المقريزي، تحقيق: محمد البعلاوي، دار الغرب الإسلامي، بيروت الطبعة الأولى (١٤١١ هـ).\n- الملل والنحل لأبي الفتح محمد الشهرستاني، تحقيق: محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت.\n- من أعلام القرن الرابع عشر والخامس عشر، إبراهيم بن عبد الله الحازمي، دار الشريف، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٦ هـ).\n- منهاج السنة النبوية، لابن تيمية، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة، الطبعة الأولى، (١٤٠٦ هـ).\n- المنهاج في شعب الإيمان، للحليمي، تحقيق: حلمي محمد فودة، دار الفكر بيروت، الطبعة الأولى، (١٣٩٩ هـ)\n- منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله، خالد بن عبد اللطيف بن محمد نور، مكتبة الغرباء، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، (١٤١٦ هـ).\n- منهج الحافظ ابن حجر العسقلاني في العقيدة من خلال كتابه فتح الباري، لمحمد إسحاق كندو، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٩ هـ).\n- منهج فقه الحديث عند القاضي عياض في إكمال المعلم بفوائد مسلم، د. الحسين بن محمد شواط، دار ابن عفان، السعودية، الخبر، الطبعة الأولى (١٤١٤ هـ).\n- موسوعة الأدباء والكتاب السعوديين خلال ستين عامًا، أحمد سعيد بن سلم، نادي المدينة المنورة الأدبي، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n- الموضوعات، لابن الجوزي، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٣٨٦ هـ.\n- موقف ابن تيمية من الأشاعرة، د. عبد الرحمن بن صالح المحمود، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الثانية، (١٤١٦ هـ).\n- موقف الإسلام من السحر، حياة سعيد عمر، دار المجتمع، جدة، الطبعة الأولى، (١٤١٥ هـ).\n- موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع، د. عبد الرحمن بن عامر الرحيلي،","vol":"1","page":913},{"text":"مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، (١٤١٥ هـ).\n- موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة، سليمان بن صالح الغصن، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٦ هـ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>حرف النون</span>\n- النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة، أبو إسحاق الحويني الأثري، دار الصحابة، مصر، (١٤٠٨ هـ).\n- النبوات، لابن تيمية، المطبعة السلفية، القاهرة، (١٣٨٦ هـ).\n- نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، على بن سامي النجار، دار المعارف، مصر، الطبعة السابعة، (١٩٧٧ م).\n- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، أحمد بن محمد المقري التلمساني، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، (١٤٠٨ هـ).\n- نقض التأسيس \"بيان تلبيس الجهمية\"، لابن تيمية، تحقيق محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، مطبعة الحكومة، مكة، الطبعة الأولى، (١٣٩٢ هـ).\n- النهاية في الفتن والملاحم، لابن كثير، تحقيق: د. طه زيني، دار النصر مصر، الطبعة الأولى.\n- نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار، محمد بن علي الشوكاني، دار الفكر، بيروت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>حرف الهاء</span>\n- هدية العارفين في أسماء المؤلفين وآثار المصنفين من كشف الظنون لإسماعيل باشا البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، (١٤١٣ هـ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>حرف الواو</span>\n- الوافي بالوفيات، صلاح الدين خليل الصفدي، النشرات الإسلامية لجمعية المستشرقين الألمانية، الطبعة الثالثة، (١٤١١ هـ).\n- وسطية أهل السنة بين الفرق، د. محمد، باكريم محمد دار الراية، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٥ هـ).\n- وفيان الأعيان وأنباء أبناء الزمان، أحمد بن محمد بن خلكان، تحقيق: د. إحسان عباس، دار الكتب العلمية، بيروت.","vol":"1","page":914},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-358>الرسائل العلمية والمجلات:</span>\n- تحقيق كتاب شرح التلقين للإمام المازري. من أوله إلى باب سجود السهو، زكي محمد بخاري، رسالة دكتوراه، شعبة الفقه، كلية الشريعة، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ١٤١٤ هـ.\n- الحديث بإفريقية من القرن السادس إلى القرن الثامن، ضو مسكين، رسالة ماجستير، قسم السنة، كلية أصول الدين، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، ١٤٠٧ هـ.\n- القرطبي ومنهجه في كتابه المفهم في حل ما أشكل من تلخيص كتاب مسلم من أوله إلى نهاية باب مضاعفة أجر الكتابي إذا آمن، رسالة دكتوراه، قسم السنة، كلية أصول الدين، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، ١٤١٥ هـ.\n- مجلة لواء الإسلام، العدد الثامن، ربيع الثاني، سنة ١٣٦٨ هـ.\n- مجلة المنهل، عدد ٤٠، سنة ٤٥، ذو القعدة وذو الحجة، سنة ١٣٩٩ هـ.\n- مجلة الهداية الإسلامية، رجب وشعبان، سنة ١٣٦٨ هـ.\n- مجلة الهداية الإسلامية، رمضان، وشوال، ذو القعدة، ذو الحجة، سنة ١٣٦٨ هـ.\n- مجلة الهداية الإسلامية، رجب وشعبان، سنة ١٣٦٩ هـ.","vol":"1","page":915}]}