{"ً":{"ٌ":1537,"ٍ":"تفسير العثيمين: النمل","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/FP167887/167887.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تفسير القرآن الكريم «سورة النمل»\nالمؤلف: محمد بن صالح العثيمين\nالناشر: مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية، المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م\nعدد الصفحات: ٥٤٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"2.0","ٔ":57,"ٕ":3,"ٖ":1770153777,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تقديم","level":1,"page":1},{"title":"الآية (١)","level":1,"page":3},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":11},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":11},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":11},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":11},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":11},{"title":"الآية (٢)","level":1,"page":12},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":16},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":16},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":16},{"title":"الآية (٣)","level":1,"page":17},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":21},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":21},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":21},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":21},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":21},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":21},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":22},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":22},{"title":"الفائدة الثامنة","level":3,"page":22},{"title":"الآية (٤)","level":1,"page":23},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":26},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":26},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":26},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":26},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":26},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":26},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":26},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":27},{"title":"الفائدة الثامنة","level":3,"page":27},{"title":"الفائدة التاسعة","level":3,"page":28},{"title":"الآية (٥)","level":1,"page":29},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":31},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":31},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":31},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":31},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":31},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":31},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":31},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":31},{"title":"الفائدة الثامنة","level":3,"page":32},{"title":"الفائدة التاسعة","level":3,"page":32},{"title":"الفائدة العاشرة","level":3,"page":32},{"title":"الآية (٦)","level":1,"page":33},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":40},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":40},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":40},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":40},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":40},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":40},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":40},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":40},{"title":"الفائدة الثامنة","level":3,"page":41},{"title":"الآية (٧)","level":1,"page":42},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":48},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":48},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":48},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":48},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":49},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":49},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":50},{"title":"الآية (٨)","level":1,"page":51},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":56},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":56},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":56},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":56},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":56},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":56},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":57},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":57},{"title":"الفائدة الثامنة","level":3,"page":57},{"title":"الآية (٩)","level":1,"page":58},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":60},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":60},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":60},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":60},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":60},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":60},{"title":"الآية (١٠)","level":1,"page":61},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":64},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":64},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":64},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":64},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":64},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":65},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":66},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":66},{"title":"الفائدة الثامنة","level":3,"page":67},{"title":"الآية (١١)","level":1,"page":68},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":70},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":70},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":70},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":70},{"title":"الآية (١٢)","level":1,"page":72},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":76},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":76},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":76},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":76},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":77},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":77},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":77},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":77},{"title":"الفائدة الثامنة","level":3,"page":78},{"title":"الآية (١٣)","level":1,"page":79},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":81},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":81},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":81},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":82},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":82},{"title":"الآية (١٤)","level":1,"page":83},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":90},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":90},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":90},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":90},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":90},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":91},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":91},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":91},{"title":"الفائدة الثامنة","level":3,"page":92},{"title":"الآية (١٥)","level":1,"page":94},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":94},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":94},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":94},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":95},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":95},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":97},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":97},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":98},{"title":"الفائدة الثامنة","level":3,"page":99},{"title":"الآية (١٦)","level":1,"page":102},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":102},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":102},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":102},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":102},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":102},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":102},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":102},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":103},{"title":"الفائدة الثامنة","level":3,"page":103},{"title":"الآية (١٧)","level":1,"page":106},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":108},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":108},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":108},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":108},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":109},{"title":"الآية (١٨)","level":1,"page":110},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":117},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":117},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":117},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":117},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":118},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":118},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":118},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":118},{"title":"الفائدة الثامنة","level":3,"page":119},{"title":"الآية (١٩)","level":1,"page":120},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":129},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":129},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":129},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":129},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":130},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":130},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":130},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":131},{"title":"الفائدة الثامنة","level":3,"page":131},{"title":"الآية (٢٠)","level":1,"page":135},{"title":"الآية (٢١)","level":1,"page":137},{"title":"الآية (٢٢)","level":1,"page":140},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":143},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":143},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":143},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":143},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":143},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":144},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":144},{"title":"الآية (٢٣)","level":1,"page":145},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":146},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":146},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":146},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":146},{"title":"الآية (٢٤)","level":1,"page":147},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":147},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":147},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":147},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":147},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":147},{"title":"الفَائِدَةُ الخَامِسَةُ والسَّادِسَةُ","level":3,"page":148},{"title":"الفَائِدَةُ السَّابِعَةُ","level":3,"page":148},{"title":"الفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ","level":3,"page":149},{"title":"الفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ","level":3,"page":149},{"title":"الآية (٢٥)","level":1,"page":151},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":154},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":154},{"title":"الفائدتان الثانية والثالثة","level":3,"page":155},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":156},{"title":"الآية (٢٦)","level":1,"page":158},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":159},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":159},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":159},{"title":"الآية (٢٧)","level":1,"page":161},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":163},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":163},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":164},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":164},{"title":"الآية (٢٨)","level":1,"page":166},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":167},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":167},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":168},{"title":"الآية (٢٩)","level":1,"page":169},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":170},{"title":"الآيتان (٣٠، ٣١)","level":1,"page":171},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":172},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":172},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":173},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":173},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":174},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":174},{"title":"الآية (٣٢)","level":1,"page":175},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":177},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":177},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":177},{"title":"الآية (٣٣)","level":1,"page":178},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":179},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":179},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":179},{"title":"الآية (٣٤)","level":1,"page":180},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":182},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":182},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":182},{"title":"الآية (٣٥)","level":1,"page":184},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":187},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":187},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":187},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":187},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":188},{"title":"الآية (٣٦)","level":1,"page":189},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":190},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":190},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":191},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":191},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":191},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":192},{"title":"الآية (٣٧)","level":1,"page":193},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":195},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":195},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":197},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":198},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":198},{"title":"الآية (٣٨)","level":1,"page":199},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":200},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":200},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":200},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":200},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":201},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":201},{"title":"الآية (٣٩)","level":1,"page":203},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":204},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":204},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":204},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":206},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":208},{"title":"الآية (٤٠)","level":1,"page":210},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":220},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":220},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":220},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":221},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":221},{"title":"الآية (٤١)","level":1,"page":222},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":223},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":223},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":223},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":224},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":225},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":225},{"title":"الفائدة الثامنة","level":3,"page":225},{"title":"الفائدة التاسعة","level":3,"page":225},{"title":"الفائدة العاشرة","level":3,"page":225},{"title":"الفائدة الحادية عشرة","level":3,"page":226},{"title":"الآية (٤٢)","level":1,"page":229},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":232},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":232},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":232},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":232},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":232},{"title":"الآية (٤٣)","level":1,"page":233},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":234},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":234},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":235},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":235},{"title":"الآية (٤٤)","level":1,"page":237},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":243},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":243},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":243},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":244},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":244},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":245},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":245},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":246},{"title":"الفائدة الثامنة","level":3,"page":246},{"title":"الفائدة التاسعة","level":3,"page":247},{"title":"الآية (٤٥)","level":1,"page":248},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":250},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":250},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":251},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":251},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":251},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":251},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":252},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":252},{"title":"الفائدة الثامنة","level":3,"page":253},{"title":"الآية (٤٦)","level":1,"page":254},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":256},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":256},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":256},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":256},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":256},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":258},{"title":"الآية (٤٧)","level":1,"page":259},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":267},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":267},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":267},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":268},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":268},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":268},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":269},{"title":"الآية (٤٨)","level":1,"page":271},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":279},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":279},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":279},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":279},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":281},{"title":"الآية (٤٩)","level":1,"page":282},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":285},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":285},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":286},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":287},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":287},{"title":"الآية (٥٠)","level":1,"page":290},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":292},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":292},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":292},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":292},{"title":"الآية (٥١)","level":1,"page":293},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":296},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":296},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":296},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":297},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":297},{"title":"الآية (٥٢)","level":1,"page":300},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":302},{"title":"الآية (٥٣)","level":1,"page":307},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":309},{"title":"الآية (٥٤)","level":1,"page":310},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":312},{"title":"الآية (٥٥)","level":1,"page":314},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":315},{"title":"الآية (٥٦)","level":1,"page":317},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":318},{"title":"الآية (٥٧)","level":1,"page":320},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":321},{"title":"الآية (٥٨)","level":1,"page":323},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":324},{"title":"الآية (٥٩)","level":1,"page":327},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":331},{"title":"الفائدة الثامنة","level":3,"page":335},{"title":"الفائدة التاسعة","level":3,"page":335},{"title":"الفائدة العاشرة","level":3,"page":335},{"title":"الآية (٦٠)","level":1,"page":338},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":343},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":343},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":344},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":344},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":344},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":344},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":344},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":344},{"title":"الفائدة الثامنة","level":3,"page":345},{"title":"الفائدة التاسعة","level":3,"page":345},{"title":"الفائدة العاشرة","level":3,"page":346},{"title":"الآية (٦١)","level":1,"page":348},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":354},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":354},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":354},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":354},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":355},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":355},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":355},{"title":"الآية (٦٢)","level":1,"page":356},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":362},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":362},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":363},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":363},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":363},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":364},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":364},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":365},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":365},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":365},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":365},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":365},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":365},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":366},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":366},{"title":"الفائدة الثامنة","level":3,"page":367},{"title":"الفائدة التاسعة","level":3,"page":367},{"title":"الآية (٦٣)","level":1,"page":368},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":370},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":370},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":371},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":372},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":372},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":372},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":373},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":373},{"title":"الفائدة الثامنة","level":3,"page":373},{"title":"الفائدة التاسعة","level":3,"page":373},{"title":"الفائدة العاشرة","level":3,"page":373},{"title":"الآية (٦٤)","level":1,"page":374},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":377},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":377},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":378},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":378},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":379},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":379},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":379},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":380},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":381},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":382},{"title":"الآية (٦٥)","level":1,"page":384},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":392},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":392},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":392},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":394},{"title":"الآية (٦٦)","level":1,"page":395},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":395},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":395},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":396},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":396},{"title":"الآية (٦٧)","level":1,"page":398},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":398},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":398},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":398},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":398},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":399},{"title":"الآية (٦٨)","level":1,"page":400},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":400},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":400},{"title":"الآية (٦٩)","level":1,"page":405},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":405},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":405},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":405},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":405},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":406},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":406},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":406},{"title":"الآية (٧٠)","level":1,"page":408},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":408},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":408},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":408},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":408},{"title":"الآية (٧١)","level":1,"page":411},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":411},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":411},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":411},{"title":"الآية (٧٢)","level":1,"page":412},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":412},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":412},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":412},{"title":"الآية (٧٣)","level":1,"page":414},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":414},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":414},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":414},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":414},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":414},{"title":"الآية (٧٤)","level":1,"page":415},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":415},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":415},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":415},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":415},{"title":"الآية (٧٥)","level":1,"page":416},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":416},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":416},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":416},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":416},{"title":"الآية (٧٦)","level":1,"page":417},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":420},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":420},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":420},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":421},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":422},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":422},{"title":"الآية (٧٧)","level":1,"page":424},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":425},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":425},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":425},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":425},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":425},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":425},{"title":"الآية (٧٨)","level":1,"page":426},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":430},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":430},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":430},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":430},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":430},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":431},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":431},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":431},{"title":"الآية (٧٩)","level":1,"page":432},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":437},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":437},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":437},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":437},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":438},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":438},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":438},{"title":"الفائدة الثامنة","level":3,"page":438},{"title":"الفائدة التاسعة","level":3,"page":439},{"title":"الآية (٨٠)","level":1,"page":440},{"title":"الآية (٨١)","level":1,"page":444},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":445},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":445},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":445},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":449},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":449},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":449},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":449},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":450},{"title":"الفائدة الثامنة","level":3,"page":450},{"title":"الفائدة التاسعة","level":3,"page":450},{"title":"الفائدة العاشرة","level":3,"page":451},{"title":"الفائدة الحادية عشرة","level":3,"page":451},{"title":"الفائدة الثانية عشرة","level":3,"page":451},{"title":"الفائدة الثالثة عشرة","level":3,"page":453},{"title":"الآية (٨٢)","level":1,"page":454},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":460},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":460},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":460},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":460},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":460},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":461},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":461},{"title":"الآيتان (٨٣، ٨٤)","level":1,"page":463},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":467},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":467},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":467},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":468},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":468},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":468},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":468},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":468},{"title":"الفائدة الثامنة","level":3,"page":468},{"title":"الفائدة التاسعة","level":3,"page":469},{"title":"الآية (٨٥)","level":1,"page":470},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":472},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":472},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":472},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":473},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":473},{"title":"الآية (٨٦)","level":1,"page":474},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":478},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":478},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":478},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":479},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":479},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":479},{"title":"الآية (٨٧)","level":1,"page":480},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":488},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":488},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":488},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":488},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":488},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":489},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":489},{"title":"الآية (٨٨)","level":1,"page":490},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":496},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":496},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":496},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":496},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":497},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":498},{"title":"الفائدة الثامنة","level":3,"page":499},{"title":"الفائدة التاسعة","level":3,"page":499},{"title":"الفائدة العاشرة","level":3,"page":500},{"title":"الآية (٨٩)","level":1,"page":501},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":505},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":505},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":506},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":506},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":506},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":506},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":506},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":506},{"title":"الآية (٩٠)","level":1,"page":508},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":512},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":512},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":512},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":512},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":512},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":512},{"title":"الآية (٩١)","level":1,"page":514},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":517},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":517},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":518},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":518},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":519},{"title":"الفائدة الخامسة","level":3,"page":519},{"title":"الفائدة السادسة","level":3,"page":519},{"title":"الفائدة السابعة","level":3,"page":520},{"title":"الفائدة الثامنة","level":3,"page":520},{"title":"الفائدة التاسعة","level":3,"page":521},{"title":"الفائدة العاشرة","level":3,"page":522},{"title":"الفائدة الحادية عشرة","level":3,"page":523},{"title":"الآية (٩٢)","level":1,"page":525},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":532},{"title":"الفائدة الأولى","level":3,"page":532},{"title":"الفائدة الثانية","level":3,"page":532},{"title":"الفائدة الثالثة","level":3,"page":532},{"title":"الفائدة الرابعة","level":3,"page":532},{"title":"الآية (٩٣)","level":1,"page":533}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,156":152,"1,157":153,"1,158":154,"1,159":155,"1,160":156,"1,161":157,"1,162":158,"1,163":159,"1,164":160,"1,165":161,"1,166":162,"1,167":163,"1,168":164,"1,169":165,"1,170":166,"1,171":167,"1,172":168,"1,173":169,"1,174":170,"1,175":171,"1,176":172,"1,177":173,"1,178":174,"1,179":175,"1,180":176,"1,181":177,"1,182":178,"1,183":179,"1,184":180,"1,185":181,"1,186":182,"1,187":183,"1,188":184,"1,189":185,"1,190":186,"1,191":187,"1,192":188,"1,193":189,"1,194":190,"1,195":191,"1,196":192,"1,197":193,"1,198":194,"1,199":195,"1,200":196,"1,201":197,"1,202":198,"1,203":199,"1,204":200,"1,205":201,"1,206":202,"1,207":203,"1,208":204,"1,209":205,"1,210":206,"1,211":207,"1,212":208,"1,213":209,"1,214":210,"1,215":211,"1,216":212,"1,217":213,"1,218":214,"1,219":215,"1,220":216,"1,221":217,"1,222":218,"1,223":219,"1,224":220,"1,225":221,"1,226":222,"1,227":223,"1,228":224,"1,229":225,"1,230":226,"1,231":227,"1,232":228,"1,233":229,"1,234":230,"1,235":231,"1,236":232,"1,237":233,"1,238":234,"1,239":235,"1,240":236,"1,241":237,"1,242":238,"1,243":239,"1,244":240,"1,245":241,"1,246":242,"1,247":243,"1,248":244,"1,249":245,"1,250":246,"1,251":247,"1,252":248,"1,253":249,"1,254":250,"1,255":251,"1,256":252,"1,257":253,"1,258":254,"1,259":255,"1,260":256,"1,261":257,"1,262":258,"1,263":259,"1,264":260,"1,265":261,"1,266":262,"1,267":263,"1,268":264,"1,269":265,"1,270":266,"1,271":267,"1,272":268,"1,273":269,"1,274":270,"1,275":271,"1,276":272,"1,277":273,"1,278":274,"1,279":275,"1,280":276,"1,281":277,"1,282":278,"1,283":279,"1,284":280,"1,285":281,"1,286":282,"1,287":283,"1,288":284,"1,289":285,"1,290":286,"1,291":287,"1,292":288,"1,293":289,"1,294":290,"1,295":291,"1,296":292,"1,297":293,"1,298":294,"1,299":295,"1,300":296,"1,301":297,"1,302":298,"1,303":299,"1,304":300,"1,305":301,"1,306":302,"1,307":303,"1,308":304,"1,309":305,"1,310":306,"1,311":307,"1,312":308,"1,313":309,"1,314":310,"1,315":311,"1,316":312,"1,317":313,"1,318":314,"1,319":315,"1,320":316,"1,321":317,"1,322":318,"1,323":319,"1,324":320,"1,325":321,"1,326":322,"1,327":323,"1,328":324,"1,329":325,"1,330":326,"1,331":327,"1,332":328,"1,333":329,"1,334":330,"1,335":331,"1,336":332,"1,337":333,"1,338":334,"1,339":335,"1,340":336,"1,341":337,"1,342":338,"1,343":339,"1,344":340,"1,345":341,"1,346":342,"1,347":343,"1,348":344,"1,349":345,"1,350":346,"1,351":347,"1,352":348,"1,353":349,"1,354":350,"1,355":351,"1,356":352,"1,357":353,"1,358":354,"1,359":355,"1,360":356,"1,361":357,"1,362":358,"1,363":359,"1,364":360,"1,365":361,"1,366":362,"1,367":363,"1,368":364,"1,369":365,"1,370":366,"1,371":367,"1,372":368,"1,373":369,"1,374":370,"1,375":371,"1,376":372,"1,377":373,"1,378":374,"1,379":375,"1,380":376,"1,381":377,"1,382":378,"1,383":379,"1,384":380,"1,385":381,"1,386":382,"1,387":383,"1,388":384,"1,389":385,"1,390":386,"1,391":387,"1,392":388,"1,393":389,"1,394":390,"1,395":391,"1,396":392,"1,397":393,"1,398":394,"1,399":395,"1,400":396,"1,401":397,"1,402":398,"1,403":399,"1,404":400,"1,405":401,"1,406":402,"1,407":403,"1,408":404,"1,409":405,"1,410":406,"1,411":407,"1,412":408,"1,413":409,"1,414":410,"1,415":411,"1,416":412,"1,417":413,"1,418":414,"1,419":415,"1,420":416,"1,421":417,"1,422":418,"1,423":419,"1,424":420,"1,425":421,"1,426":422,"1,427":423,"1,428":424,"1,429":425,"1,430":426,"1,431":427,"1,432":428,"1,433":429,"1,434":430,"1,435":431,"1,436":432,"1,437":433,"1,438":434,"1,439":435,"1,440":436,"1,441":437,"1,442":438,"1,443":439,"1,444":440,"1,445":441,"1,446":442,"1,447":443,"1,448":444,"1,449":445,"1,450":446,"1,451":447,"1,452":448,"1,453":449,"1,454":450,"1,455":451,"1,456":452,"1,457":453,"1,458":454,"1,459":455,"1,460":456,"1,461":457,"1,462":458,"1,463":459,"1,464":460,"1,465":461,"1,466":462,"1,467":463,"1,468":464,"1,469":465,"1,470":466,"1,471":467,"1,472":468,"1,473":469,"1,474":470,"1,475":471,"1,476":472,"1,477":473,"1,478":474,"1,479":475,"1,480":476,"1,481":477,"1,482":478,"1,483":479,"1,484":480,"1,485":481,"1,486":482,"1,487":483,"1,488":484,"1,489":485,"1,490":486,"1,491":487,"1,492":488,"1,493":489,"1,494":490,"1,495":491,"1,496":492,"1,497":493,"1,498":494,"1,499":495,"1,500":496,"1,501":497,"1,502":498,"1,503":499,"1,504":500,"1,505":501,"1,506":502,"1,507":503,"1,508":504,"1,509":505,"1,510":506,"1,511":507,"1,512":508,"1,513":509,"1,514":510,"1,515":511,"1,516":512,"1,517":513,"1,518":514,"1,519":515,"1,520":516,"1,521":517,"1,522":518,"1,523":519,"1,524":520,"1,525":521,"1,526":522,"1,527":523,"1,528":524,"1,529":525,"1,530":526,"1,531":527,"1,532":528,"1,533":529,"1,534":530,"1,535":531,"1,536":532,"1,537":533,"1,538":534,"1,539":535,"1,540":536,"1,541":537,"1,542":538},"ٜ":{"1":[5,542]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2],"11":[3,4,5,6,7],"12":[8],"16":[9,10,11],"17":[12],"21":[13,14,15,16,17,18],"22":[19,20,21],"23":[22],"26":[23,24,25,26,27,28,29],"27":[30,31],"28":[32],"29":[33],"31":[34,35,36,37,38,39,40,41],"32":[42,43,44],"33":[45],"40":[46,47,48,49,50,51,52,53],"41":[54],"42":[55],"48":[56,57,58,59],"49":[60,61],"50":[62],"51":[63],"56":[64,65,66,67,68,69],"57":[70,71,72],"58":[73],"60":[74,75,76,77,78,79],"61":[80],"64":[81,82,83,84,85],"65":[86],"66":[87,88],"67":[89],"68":[90],"70":[91,92,93,94],"72":[95],"76":[96,97,98,99],"77":[100,101,102,103],"78":[104],"79":[105],"81":[106,107,108],"82":[109,110],"83":[111],"90":[112,113,114,115,116],"91":[117,118,119],"92":[120],"94":[121,122,123,124],"95":[125,126],"97":[127,128],"98":[129],"99":[130],"102":[131,132,133,134,135,136,137,138],"103":[139,140],"106":[141],"108":[142,143,144,145],"109":[146],"110":[147],"117":[148,149,150,151],"118":[152,153,154,155],"119":[156],"120":[157],"129":[158,159,160,161],"130":[162,163,164],"131":[165,166],"135":[167],"137":[168],"140":[169],"143":[170,171,172,173,174],"144":[175,176],"145":[177],"146":[178,179,180,181],"147":[182,183,184,185,186,187],"148":[188,189],"149":[190,191],"151":[192],"154":[193,194],"155":[195],"156":[196],"158":[197],"159":[198,199,200],"161":[201],"163":[202,203],"164":[204,205],"166":[206],"167":[207,208],"168":[209],"169":[210],"170":[211],"171":[212],"172":[213,214],"173":[215,216],"174":[217,218],"175":[219],"177":[220,221,222],"178":[223],"179":[224,225,226],"180":[227],"182":[228,229,230],"184":[231],"187":[232,233,234,235],"188":[236],"189":[237],"190":[238,239],"191":[240,241,242],"192":[243],"193":[244],"195":[245,246],"197":[247],"198":[248,249],"199":[250],"200":[251,252,253,254],"201":[255,256],"203":[257],"204":[258,259,260],"206":[261],"208":[262],"210":[263],"220":[264,265,266],"221":[267,268],"222":[269],"223":[270,271,272],"224":[273],"225":[274,275,276,277,278],"226":[279],"229":[280],"232":[281,282,283,284,285],"233":[286],"234":[287,288],"235":[289,290],"237":[291],"243":[292,293,294],"244":[295,296],"245":[297,298],"246":[299,300],"247":[301],"248":[302],"250":[303,304],"251":[305,306,307,308],"252":[309,310],"253":[311],"254":[312],"256":[313,314,315,316,317],"258":[318],"259":[319],"267":[320,321,322],"268":[323,324,325],"269":[326],"271":[327],"279":[328,329,330,331],"281":[332],"282":[333],"285":[334,335],"286":[336],"287":[337,338],"290":[339],"292":[340,341,342,343],"293":[344],"296":[345,346,347],"297":[348,349],"300":[350],"302":[351],"307":[352],"309":[353],"310":[354],"312":[355],"314":[356],"315":[357],"317":[358],"318":[359],"320":[360],"321":[361],"323":[362],"324":[363],"327":[364],"331":[365],"335":[366,367,368],"338":[369],"343":[370,371],"344":[372,373,374,375,376,377],"345":[378,379],"346":[380],"348":[381],"354":[382,383,384,385],"355":[386,387,388],"356":[389],"362":[390,391],"363":[392,393,394],"364":[395,396],"365":[397,398,399,400,401,402],"366":[403,404],"367":[405,406],"368":[407],"370":[408,409],"371":[410],"372":[411,412,413],"373":[414,415,416,417,418],"374":[419],"377":[420,421],"378":[422,423],"379":[424,425,426],"380":[427],"381":[428],"382":[429],"384":[430],"392":[431,432,433],"394":[434],"395":[435,436,437],"396":[438,439],"398":[440,441,442,443,444],"399":[445],"400":[446,447,448],"405":[449,450,451,452,453],"406":[454,455,456],"408":[457,458,459,460,461],"411":[462,463,464,465],"412":[466,467,468,469],"414":[470,471,472,473,474,475],"415":[476,477,478,479,480],"416":[481,482,483,484,485],"417":[486],"420":[487,488,489],"421":[490],"422":[491,492],"424":[493],"425":[494,495,496,497,498,499],"426":[500],"430":[501,502,503,504,505],"431":[506,507,508],"432":[509],"437":[510,511,512,513],"438":[514,515,516,517],"439":[518],"440":[519],"444":[520],"445":[521,522,523],"449":[524,525,526,527],"450":[528,529,530],"451":[531,532,533],"453":[534],"454":[535],"460":[536,537,538,539,540],"461":[541,542],"463":[543],"467":[544,545,546],"468":[547,548,549,550,551,552],"469":[553],"470":[554],"472":[555,556,557],"473":[558,559],"474":[560],"478":[561,562,563],"479":[564,565,566],"480":[567],"488":[568,569,570,571,572],"489":[573,574],"490":[575],"496":[576,577,578,579],"497":[580],"498":[581],"499":[582,583],"500":[584],"501":[585],"505":[586,587],"506":[588,589,590,591,592,593],"508":[594],"512":[595,596,597,598,599,600],"514":[601],"517":[602,603],"518":[604,605],"519":[606,607,608],"520":[609,610],"521":[611],"522":[612],"523":[613],"525":[614],"532":[615,616,617,618,619],"533":[620]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>تقديم</span>\nإنَّ الحمدَ لله، نحمدُهُ ونَسْتعينُه ونَسْتغفرُه، ونَعوذُ بالله مِن شُرور أنفُسنا ومن سيِّئات أعمالِنا، مَن يَهْده اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فَلا هادِيَ له، وأَشْهَد أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لَه، وأَشْهَد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، أرسلَه اللهُ بالهُدَى ودِين الحق؛ فبلَّغَ الرِّسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونَصَح الأمَّةَ، وجاهَد في الله حَقَّ جِهادِه، حتَّى أتاهُ اليقينُ، فصَلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِ وعلَى آلِه وأصحابِه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّين، أَمَّا بَعْدُ:\nفمِنَ الدُّروسِ العِلميَّة المُسجَّلَة صَوتيًّا، والَّتِي كانَ يَعقِدُها صاحِبُ الفَضِيلةِ شَيخُنا العلَّامةُ الوالِدُ محمَّدُ بنُ صالحٍ العُثَيْمِين -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- في جامِعِهِ بمَدِينَةِ عُنَيْزَةَ صَباحَ كُلِّ يومٍ أَثْناءَ الإِجازاتِ الصَّيْفيَّة؛ حَلقاتٌ فِي تَفْسير القرآن الكَرِيم كانَت بِدايتُها مِن سُورة النُّور وما بَعدَها؛ حتَّى بلَغ قَولَه تَعالَى في سُورة الزُّخرف: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾.\nوقَدِ اعتَمدَ رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى قي تَفْسيرِه لتِلْكَ السُّور كِتابًا بَيْن يَدَيِ الطُّلاب هُو (تَفْسير الجَلالَيْنِ) للعلَّامة جَلال الدِّين محمَّد بنِ أَحْمدَ بنِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ المَحَلِّيِّ، المُتوفَّى سَنَةَ (٨٦٤ هـ) (^١)، والعلَّامة جَلال الدِّين عبد الرَّحمن بن أَبِي بَكْر بنِ محمَّد\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: الضوء اللامع (٧/ ٣٩)، حُسن المحاضرة (١/ ٤٤٣).","vol":"1","page":5},{"text":"ابنِ سابِق الدِّين الخُضَيْرِيِّ السُّيُوطِيِّ، المُتوفَّى سنة (٩١١ هـ) (^١). تغمَّدهما الله بواسِع رَحمته ورِضوانه، وأَسْكنهما فَسِيحَ جنَّاتِه، وجَزاهُما عَنِ الإِسْلام والمُسلِمِينَ خَيرَ الجزاءِ.\nوسَعْيًا -بإِذْنِ اللهِ تَعالَى- لِتَعْمِيمِ النَّفْع بتِلْكَ الجُهُود المُبارَكة فِي هَذا المَيْدَان العَظِيم باشَر القِسْمُ العِلْمِيُّ بِمُؤسَّسةِ الشَّيخِ محُمَّد بنِ صالِحٍ العُثَيْمِين الخيرَّيةِ واجِباتِه فِي شَرَفِ الإِعْدادِ والتَّجْهِيز للطِّباعةِ والنَّشْر لِإِخْراجِ ذَلِكَ التُّراث العِلمِي؛ إنفاذًا للقَواعِدِ والضَّوابِط والتَّوْجِيهاتِ الَّتِي قَرَّرها فَضيلةُ الشَّيخِ رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى في هَذا الشَّأْنِ.\nنَسْأل اللهَ تعالَى أنْ يَجْعلَ هَذا العَمَلَ خالصًا لِوجهِه الكَريمِ، نافِعًا لعِبادِه، وأنْ يَجزِيَ فَضِيلةَ شيخِنا عَنِ الإسلامِ والمسلمِينَ خَيْرَ الجَزَاء، ويُضَاعِفَ لهُ المثُوبَةَ والأَجْرَ، ويُعليَ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيِّينَ، إِنَّه سَمِيعٌ قَرِيبٌ مجُيبٌ.\nوَصَلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك علَى عبدِه ورَسولِه، خاتَمِ النَّبِيِّينَ، وإِمامِ المُتَّقِينَ، وسيِّدِ الأوَّلينَ والآخِرينَ، نبيِّنَا محمَّدٍ، وعلَى آلِه وأَصْحابِه والتَّابعينَ لهُمْ بإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين.\nالقِسْمُ العِلْمِيُّ\nفِي مُؤَسَّسَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْرِيَّةِ\n٢٠ جُمَادَى الآخِرَة ١٤٣٦ هـ\n* * *\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: الأعلام للزركلي (٣/ ٣٠١).","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الآية (١)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١)﴾ [النمل: ١].\n* * *\n\nالحمدُ للهِ ربِّ العَالمِينَ، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ عَلَى نبيِّنَا محُمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ وأصحَابِهِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. وبَعد:\nقال المُفَسِّر (^١) ﵀: [هَذِهِ سُورةُ النَّمل، وسُمِّيَتْ به لِذِكْرِ النملِ فيها]، وتسميةُ السُّورِ يَكُونُ بأدنَى مناسبةٍ؛ ولهذَا البقرة سُمِّيَتْ سُورة البقرة لذِكْرِ البقرة فيها، ولا يَمْتَنِعُ أنْ تُسَمَّى سورةٌ بِعِدَّةِ أسماءَ لِعِدَّةِ مناسباتٍ.\nوقوله ﵀: إنَّها مكّيَّة، الصَّواب فِي المكِّيّ والمَدَنِيّ أن الفرق بينهما: ما نزل قبل الهجرةِ فَهُوَ مكّيّ، وما نزلَ بعدها فَهُوَ مدنيّ، وَقِيلَ: المكِّيُّ ما نزل بمكَّة، والمدنيّ ما نزل بالمَدينَةِ، وَقيلَ: المكيُّ ما فِيهِ ذِكر الأصول -أصول الإِسْلام أو الإِيمان- والمدنيّ ما فِيهِ ذِكْر الفُرُوع.\nفعلى الأوَّل يَكُون المُعْتَبَر الزمَن، وَعَلَى الثاني المعتبَر المكان، وَعَلَى الثَّالث المعتبَر الموضوع، ولكِن الَّذِي عليه المحقِّقون أن ما كَانَ بَعْد الهِجرةِ فَهُوَ مدنيّ، وما قبلها فَهُوَ مكّيّ، وقد ذَكروا فِي أصولِ التفسيرِ لذلكَ ضوابطَ يُرجَع إليها.\n_________\n(^١) المقصود بـ (المفسر) هنا: محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم جلال الدين المحلي، المتوفى سنة (٨٦٤ هـ) ﵀، ترجمته في: الضوء اللامع (٧/ ٣٩)، حسن المحاضرة (١/ ٤٤٣).","vol":"1","page":7},{"text":"أمَّا البَسْمَلَةُ فقد تَقدَّم الكَلامُ عليها عدَّة مراتٍ، وبيَّنَّا أنَّ أحسنَ ما تُقَدَّر به: أنْ يَكُونَ فعلًا مناسبًا متأخِّرًا.\n(أن يَكُون فِعلًا) لأنَّهُ الأَصْل فِي العواْملِ، وَهُوَ أيضًا أدلّ عَلَى الحُدُوث.\n(متأخِّرًا) لفائدتينِ هما:\nالأوَّل: التبرُّك بتقديمِ اسمِ اللهِ.\nالثاني: إفادة الحصرِ، يَعْنِي: باسم الله لا باسمِ غيره.\n(ومناسبًا) لِأنَّهُ أخصُّ من العامِّ.\nفـ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) التَّقْدير: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَقْرَأُ، ويجوز أنْ تقدِّر: أقرأُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ويجوزُ أن تقدِّر: قِرَاءتي بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أو بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قِراءتي، لكِنْ ما ذَكَرْنَا أوَّلًا هُوَ الأرجحُ. وأشار شيخ الإِسْلامِ ابنُ تَيْمِيَّة ﵀ إِلَى رُجحانه بقولِ الرَّسُولِ ﵊: \"مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ\" (^١) فذكر فعلًا، ولم يقل: فليكنْ ذَبْحه، بل قَالَ: \"فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ\" (^٢).\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿طس﴾ اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ بذلك]. هَذَا ما سلَكَه المُفَسِّر وجماعةٌ من أهلِ العلمِ، بأن هَذِهِ الحروفَ الِهجائيَّة الموجودة فِي أوائل بعضِ السُّوَر مَوْقِفنا مِنْهَا أن نَقُولَ: اللهُ أَعْلَمُ بمرادِهِ بذلكَ.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب قول النبِي - ﷺ -: \"فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ\"، حديث رقم (٥١٨١)؛ ومسلم، كتاب الأضاحي، باب وقتها، حديث رقم (١٩٦٠)، عن جندب بن سفيان البجلي - ﵁ -.\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٣١).","vol":"1","page":8},{"text":"وقد سبقَ فِي درسِ التَّفسيرِ أنَّ الراجحَ من ذلك: أن هَذِهِ الحروفَ هِجائيَّة، وَأنَّهُ بِمُقْتَضَى كون الْقُرْآن بلسانٍ عربيٍّ يقتضي أنَّهُ لا مَعنى لها، وذكَرنا أنَّ هَذَا قد رُوِيَ عن مجُاهِدٍ (^١)، وأنها حروفٌ هجائيَّة ابْتَدَأَ اللهُ بها لَيْسَ لها معنًى، وَعَلَى هَذَا نَجْزِم بأنَّه لا مَعْنَى لها ولكِنْ لها مَغْزى، وهوَ: أنَّ هَذَا الْقُرْآن الَّذِي أَعجزَ هَؤُلَاءِ الفُصَحَاءَ البُلَغَاء، إِنَّمَا هُوَ من هَذِهِ الحروف الهجائيَّة الَّتِي يَكُون مِنْهَا كلامهم، يعني ما أتَى بحروفٍ جديدةٍ؛ لِأنَّهُ لو أتى بحروفٍ جديدةٍ ستقُولُونَ: واللهِ هَذه حروفٌ لا نعرِفها، فأَتى بنفس الحروف الَّتِي هم يَتكلَّمون بها.\nويؤيِّد ذلك أَنَّهُ ما من حروفٍ هجائيَّة إِلَّا ويأتي بعدها ذِكْر الْقُرْآن، اللَّهُمَّ إِلَّا فِي سورتينِ أو شِبههما، عَلَى أن هاتينِ السورتينِ مثل: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾ [العنكبوت: ١، ٢]، ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾، فيها ما يدلُّ على القرآنِ، كالإخبار في قولِهِ: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٢، ٣]، وهَذَا من خصائصِ الوحيِ، وقوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ [العنكبوت: ٢]، فيها أيضًا إخبار عمَّن مضَى فِي قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] ... إِلَى آخرِه.\nوأمَّا ما زَعَمَه المتأخِّرُون الخالفونَ من أن هَذِهِ الحروفَ تدلّ عَلَى إعجازٍ من نوعِ العددِ والحُسْبَان، حَيْثُ زَعَمُوا أن هَذِهِ الحروف الهجائيَّة يوجد نظيرُها فِي السُّورَة المُفْتَتَحَةِ بها، ويَكُون مجموع هَذَا مُنْقَسِمًا عَلَى تسعةَ عشَرَ، ويزعُمون أنَّ هَذَا أكبر آية عَلَى أن الْقُرْآن كلام اللهِ. ويَحتجُّون لذلكَ بأنَّ أوَّل آيَة نزلتْ -على زَعْمِهم- هي: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأنها مكوَّنة من تسعةَ عشَرَ حرفًا، وأن هَذَا\n_________\n(^١) انظر: تفسير الطبري (١/ ٢٠٨).","vol":"1","page":9},{"text":"هُوَ معنى قوله تَعَالَى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ [المدثر: ٣٠]، وأن التسعةَ عشرَ هِيَ هَذه الحروف.\nكُلّ هَذَا -والعياذُ باللهِ- كذِب، ولا يَنطبِق، وَهُوَ متناقِضٌ أيضًا وغير مُطَّرِد، لكِن همْ فَرِحوا بهَذَا الكمبيوتر الَّذِي أخرجَ لهم عددَ الحروفِ، وأنها بمجموعها تنقسم. ونحن نَقُول: لا يَمتنِع أنَّ الله ﷾ أراد هَذَا، ولَكِننا نَقُول: لا نَجْزِم بأنَّ الله أراد هَذَا؛ أوَّلًا: لِأنَّهُ لَيْسَ فِي ذلكَ إعجازٌ.\nوالبَشَر قد يَصنَع خطبةً مثلًا أو كلامًا تتكون الحروف الموجودة فِيهِ وتَنقسِم عَلَى هَذَا العدد، أو عَلَى أيّ عددٍ شاء، وَلَيْسَ بِمُعْجِز.\nثُمَّ إن البَسْمَلَة ليستْ أوَّلَ ما نزلَ منَ الْقُرْآن، أوَّل ما نزل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق: ١]، ثُمَّ إنَّ البَسملةَ أيضًا حروفها ليستْ كما قَالُوا: إِنَّهَا تسعةَ عشَرَ؛ لِأَنَّ الْقُرْآن إِنَّمَا نزلَ مَقروءًا، لا مَكتوبًا، وهي بحروفها باعتبار القراءةِ ليستْ كذلكَ، والكتابة كما هُوَ معلومٌ هِيَ صناعةٌ، وربما يُمْكِن أنَّ الكِتابةَ فِي عهد الرَّسُول - ﷺ - بل وَفي عهد الخلفاءِ ليستْ عَلَى هَذَا الشكلِ.\nفالْآنَ تُوجَد بعضُ اللُّغات يجعلون فيها الحركةَ حرفًا، ويجعلون الحرفَ حرفينِ، أو يَختصرون ويجعلون الحرفينِ حرفًا واحدًا.\nفالحاصلُ: أن الْقُرْآن ما نزل مكتوبًا، وإنما نزلَ مقروءًا، ولا حُجَّة فِي ذلك.\nإِذَنْ نَقُول: اللهُ أَعْلَمُ بمراده بذلك، هَذَا أحد الأقوالِ فِي المسألةِ.\nوالقَوْل الثاني: إنَّهَا رموز لأَشْيَاء معيَّنة، مثل ما ذهب إليه هَؤُلَاءِ المتأخِّرون، أو مثل ما يَذْكُر بعضُهم أَنَّهَا إشارة إِلَى حروب وملاحمَ تكون فِي آخِرِ الزمان، وما أَشْبَهَهَا.","vol":"1","page":10},{"text":"والثَّالث أن يُقال: إِنَّهُ لَيْسَ لها معنى.\nوإذا أُورد علينا: كيف نَجزِم بذلك؟\nفالجوابُ: أنَّ هَذَا الْقُرْآن نزل بلغةِ العربِ، ولغةُ العربِ لا تجعل لهَذَه الحروفِ معنًى، لكِن إذا قُلْنَا بأنه لَيْسَ لها معنى فَإِنَّمَا لها مَغزى، يَظهرُ -واللهُ أَعْلَمُ- أن اللهَ أراد بها ذلك.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿تِلْكَ﴾ هَذه الآيات ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ آياتٌ منه ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ مُظْهِر لِلْحَقِّ مِنَ الباطِل، عَطْف بزيادةِ صِفة، هُوَ ﴿هُدًى﴾ هادٍ مِنَ الضَّلَالةِ].\nقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ المشارُ إليه لاحِق وَلَيْسَ بسابقٍ، وهَذَا ممَّا تعود فِيهِ الإشارةُ عَلَى متأخِّرٍ لفظًا ورُتْبَةً، وَهُوَ جائز إذا دلَّ الدَّلِيل عليه.\nوقوله: ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ يَقُول ﵀: [آياتٌ منه]، وإنما لَجَأَ المُفَسِّر إِلَى قوله: [آياتٌ منه]؛ لأنَّنا لو أخذنا بظاهرِ الآيَةِ: ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ لكان فِي ذلك حَصرٌ للقرآنِ بهَذه الآيَات، ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ يَعْنِي: هَذَا الَّذِي نشير إليه، ومعلومٌ أنَّ هَذَا لَيْسَ آياتِ الْقُرْآن كلَّها، ولكِنَّه بعض منها.\nويجوز أيضًا أن نجعلَ الآيةَ عَلَى ظاهِرِها ولا حاجة إِلَى التأويلِ، ونَقُول: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ يشار إِلَى بعض الجنسِ بإشارة الجنسِ كلِّه، كما تقول مثلًا: هَذَا البشر، وتشير إِلَى رجل واحدٍ، أو هَذَا الْإِنْسَان وتشير إِلَى رجلٍ واحدٍ.\nفالمَعْنى أنَّ الإشارة إِلَى بعضِ الجنسِ بالجنسِ كلّه هَذَا سائغٌ، ولا يحتاج إِلَى تأويلٍ كما قَالَ المُفَسِّر ﵀.\nوقوله: ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ يَقُول ﵀: [عطف بزيادة صِفَة، هُوَ ﴿هُدًى﴾]، عطف عَلَى (الْقُرْآن).","vol":"1","page":11},{"text":"قال: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ وإنَّما وَصَفَ هَذَا الْقُرْآن بالْقُرْآنِ والكتاب؛ لِأنَّهُ مقروءٌ ومَكْتوبٌ. فَهُوَ مكتوبٌ فِي اللَّوْح المحفوظ، وَهُوَ مقروء بالأَلْسُن، وَهُوَ مكتوبٌ فِي المصاحِفِ أيضًا، فكتابته سابقةٌ ولاحقةٌ، وقراءته لاحقةٌ؛ لِأَنَّهَا بَعْد أنْ تَكَلَّمَ الله به ونزل به جِبريلُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧، ١٨].\nقوله: ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ الْقُرْآن هل هُوَ مصدر أو مُشْتَقّ؟\nمصدر؛ لِأنَّهُ مثل: الغُفران والشُّكران، فَهُوَ مَصْدَر: قرأ يقرأ، بمعنى: تلا. وَقِيلَ: إِنَّهُ بمعنى جَمَعَ؛ لِأَنَّ القافَ والراءَ تدلّ عَلَى الجمع، ومنه القَرْيَة؛ لِأَنَّهَا مجُتمَع النَاس.\nوفي الحقيقة أن الْقُرْآن جامع للوصفينِ، فَهُوَ مَتْلوٌّ وَهُوَ مجموع أيضًا.\nوأما قوله: ﴿كِتَابٍ﴾ فهي فِعَال بمعنى مَفْعُول، أي: مَكْتوب. وفِعَال بمعنى مَفْعُول تأتي كثيرًا فِي اللُّغة العربيَّة مثل: بِنَاء بمعنى: مَبْنِيّ، وغِرَاس بمعنى: مَغْرُوس، وفِراش بمعنى: مَفْرُوش، وأمثلتها كثيرة. وسُمِّي كتابًا لمِا أَشرنا إليه قبلُ.\nوقول المُفَسِّر ﵀: [﴿مُبِينٍ﴾ مُظْهِر للحقِّ مِنَ الباطِلِ]، كلمة ﴿مُبِينٍ﴾ فِعْلُها: (أبانَ)، وأبانَ يأتي لازمًا ويأتي متعدِّيًا، أي: يأتي بمعنى أظهرَ، ويأتي بمعنى بانَ، ولهذَا تجد المفسِّر ﵀ أحيانًا يفسِّر مُبِين بمعنى: بَيِّن، وَعَلَى هَذَا التفسير تكون من اللازِمِ. ويُفَسِّرُهَا أحيانًا بمعنى: مُظهِر، فتكون من المتعدِّي.\nكما فِي قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، معنى (مبين) أي: بَيِّن، أي: فِي ضلالٍ بيّن، فهي من (أبان) اللازِم. وَأَمَّا مثل هذه الآية أن الْقُرْآن مُبين فَهُوَ بمعنى: مظهِر.","vol":"1","page":12},{"text":"وهل يَستلزِم كونه مُظْهِرًا أن يَكُون هُوَ بيِّنًا؟\nنعم يَستلزِم، أو نَقُول: إنَّهُ من باب استعمالِ المشترَك فِي مَعْنيَيْه، والصَّحيح جوازه. وقد سبق هَذَا، فيجوز استعمال المشترك فِي معنييه، والمشترك هُوَ ما اتَّحَدَ لفظُه وتَعَدَّدَ معناه، وسُمِّي بذلك لِأَنَّ المعانيَ مُشْتَرِكة فِي لفظٍ واحدٍ.\nوالمشترَك الصَّحيحُ أنَّهُ يجوز استعماله فِي معنييه بشرطينِ، وهما: ألَّا يَقَعَ بينهما تعارُض وأن يَكُون محُتمِلًا لهما.\nفإن كَانَ لا يَحتملهما فلا يمكن أن يُحمَلَ عليهما، وإن وقعَ بينهما تعارُضٌ فلا يُمْكِن، لَا بُدَّ أن يَكُون أحدُهما هُوَ المقصودَ.\nفي هذه الآيَة إذا قُلْنَا: إن مُبين من أبانَ اللازِم، ومن أبان المتعدِّي هل يجوز أو لا يجوز؟\nيجوز، وإن كَانَ هَذَا مُشْتَرَكًا لَكِنَّهُ إذا استُعمل فِي مَعْنَييه فَإِنَّهُ مستعمَل عَلَى وجهٍ لا تعارُضَ فيه، فالْقُرْآنُ بَيِّن والْقُرْآن أيضًا مُظْهِر. وَعَلَى هَذَا التفسيرِ تكون دلالة (مُبين) علَى أن الْقُرْآن بَيِّن دلالةَ مطابَقَةٍ، يَعْنِي: إذا جَعَلْنَا (مبين) مستعملةً فِي المعنيين فالدلالة مطابقة، لكِن لو قُلْنَا: إن (مبين) بمعنى: مُظهِر فدلالته عَلَى كونِه بَيِّنًا من بابِ دلالةِ الالتزامِ.\nقوله ﵀: [﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ مُظْهِر للحقِّ منَ الباطِل]، هل هُوَ عَلَى عُمُومه أو خَاصّ بما نزلَ به الْقُرْآن؟\nيَقُول الله تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وَهُوَ عامٌّ فِي كُلّ شيءٍ، لكِن البَيَان قد يَكُونُ بَيَانًا للشيءِ عَلَى وجهِ التفصيلِ، وقد يَكُون","vol":"1","page":13},{"text":"بَيَانا لأَسْبابِهِ وطُرُقِهِ وأنت امشِ فيها، فالْقُرْآن فِي الحقيقةِ تِبَيَان لكلِّ شيءٍ، حَتَّى فِي غيرِ الأُمُورِ الشَّرْعِيَّة يُبَيِّنها، لكِن ما يُبيِّن تفصيلَها؛ لِأَنَّ غير الأُمُور الشَّرْعِيَّة خاضع للزمانِ والمكانِ وأفهامِ النَّاسِ وقوَّتهم، لَكِنَّهُ يذكر الأَسْبَاب والطرقَ، وأنت استعمِلْها فِي نفسِكَ.\nولهِذَا إِذَا قَالَ قَائِلٌ: كيف يَصِحُّ هَذَا القَوْلُ منكم ونحن لا نرَى فِي الْقُرْآن عدد ركعاتِ الصَّلَاة، ولا نرى فيها أَنَّهَا خمسُ صلواتٍ، ولا نرى أنصباءَ الزكاةِ، ولا مقاديرَ الواجبِ فيها، فما هُوَ الجواب؟\nفالجواب أن نَقُول: يَكُون الْقُرْآن دالًّا عَلَى هَذَا ببَيَان سببِه وطريقِه، فعندنا الْآنَ طريق العلمِ بهَذَا الشَّيْءِ هُوَ ما فسَّره الرَّسُول - ﷺ - وهَذَا بيَّنه الْقُرْآن، ولا يلزم أن يَكُون هَذَا الْقُرْآن لَا بُدَّ أن يذكر كُلّ التفاصيلِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].\nوابنُ مَسْعُودٍ - ﵁ - فِي قِصَّة لعنِ النامصةِ والمتنَمِّصَةِ حَيْثُ جاءتْ إليه امرأةٌ فقالت: إنَّا لا نجد هَذَا فِي كتاب الله. فقال: بلى هُوَ فِي كتاب اللهِ. ثُمَّ تلا عليها قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (^١).\nفالحاصل: أن الْقُرْآنَ مُبِينٌ لكلِّ شيءٍ، لكِن البَيَان قد يَكُون تفصيليًّا، وهَذَا فِي بعض الأُمُور موجود، كما فِي المواريثِ مثلًا، وَفِي المطلَّقات، فتجد ما يَشِذُّ عن هَذَا إِلَّا مسائل قليلة جدًّا، ومع ذلك بَيَانها موجودٌ عند التأمُّل.\n_________\n(^١) انظر: صحيح البخاري، كتاب اللباس، باب المتنمصات، حديث رقم (٥٥٩٥)؛ صحيح مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والنامصة والمتنمصة والمتفلجات والمغيرات خلق الله، حديث رقم (٢١٢٥).","vol":"1","page":14},{"text":"فتَفْصيل الفرائضِ تفصيلٌ ما شذَّ عنه شَيْء إِلَّا مسألةٌ واحدَةٌ، وهي الجدَّة، فهَذه ليستْ مذكورةً فِي الْقُرْآن، لكِن جاءت بها السُّنَّة، وَأَمَّا ما عدا ذلك -حَتَّى المسائل الخلافيَّة، المُشَرَّكَة مثلًا، وكالعُمريتينِ- نجد أَنَّهَا موجودةٌ فِي الْقُرْآن، وكالجدِّ والإخوة نجد أَنَّها موجود بَيَانها فِي الْقُرْآن، لَكِنَّهُ يحتاج إِلَى تأمُّل.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ مظهِر للحقِّ من الباطل، عطف بزيادة صفةٍ، هُوَ ﴿هُدًى﴾]، الصِّفة هي ﴿مُبِينٍ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> أنَّ الْقُرْآنَ آية لمِا تَضَمَّنَهُ من الأخبارِ الصادقةِ والأحكامِ العادلةِ ... إلخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> أن الْقُرْآن مكتوبٌ سابقًا ولاحقًا، لِقَوْلِهِ: ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ:</span> أن الْقُرْآن مُبينٌ لكلِّ شيءٍ، وتوجد آية صريحةٌ فِي هَذَا الموضوع، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ:</span> يُستفاد من هذه الآيةِ -وإن كانتْ بعيدةً، ولكِنّي سأبيِّنها- أن الْقُرْآن لا يخرج عن كونِهِ قرآنًا، وإن كُتِبَ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾، فَهُوَ كلام الله، سواء قُرِئَ أو كُتِب، وذلك مفهومٌ من قولِهِ: ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، ولا يَكُون آية إِلَّا إذا كَانَ من كلامِ اللهِ ﷿.\n* * *","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الآية (٢)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٢].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [هو ﴿هُدًى﴾]، قدَّرَ المُفَسِّر (هو) ليُبين لنا إعرابَ (هدى) فعلى تقديرِه يَكُون (هدى) خبرًا لمبتدأٍ محذوفٍ، التَّقْدير: (هو هُدًى).\nثم قَالَ المُفَسِّر ﵀: [هادٍ مِنَ الضَّلالةِ]. ومعلوم أن هُدى مَصْدَر، وأن هادٍ اسمُ فاعل، فيَكُون المُفَسِّر هنا فسَّر المصدرَ باسمِ الفاعلِ، وَفِي تفسير نظرٌ؛ لِأَنَّ الأَولى أن يُجْعَل المصدر عَلَى بابه؛ لسببينِ:\nالسَّبَب الأول: أن تحويل اسْم الفاعل إِلَى المصدر أبلغُ، فإنَّك إذا قلتَ: فلان عَدْلٌ، وفلان عادلٌ، أيُّهما أبلغ؟ عَدْلٌ أبلغُ، يَعْنِي كأنه مصدر العَدْل، لكِن (عادل) متَّصِف بالعدلِ الموجودِ فِي غيرِه، فلَا شَكَّ أن المصدر أبلغُ.\nالسَّبَب الثاني: أن جعله هدًى معناه: أن الْقُرْآن نفسه هُدًى يَهتدِي به الْإِنْسَان، لَيْسَ هاديًا، بل هُوَ هُدًى يَهتدي به، فَهُوَ كالعَلَمِ الَّذِي يسير الْإِنْسَان وراءهُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى غايته، مثلما سمَّاه الله تَعَالَى نُورًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤].\nقوله: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بُشرى أيضًا بمعنى: بِشارة، وقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ المصدِّقين به بالجنَّة].","vol":"1","page":16},{"text":"قوله ﵀: [بالجنة]، سَيَأْتي.\nقولُه ﵀: [﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ المصدِّقين به]، لا يكفي هنا أن الإِيمان مجرَّد التَّصْديق، بل الإِيمان الموجود فِي الْقُرْآن لَا بُدَّ فِيهِ من قَبول وإذعانٍ مَعَ التَّصْديقِ، أَمَّا مجرَّد التَّصْديق فلا يَكفي، والدَّلِيل عَلَى أن مجرَّد التَّصْديق لا يكفي: أنَّ أبا طالبٍ كَانَ مصدِّقًا لمِا جاء به الرَّسُول - ﷺ - ويقول (^١):\nلَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ... لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأباطِلِ\nويقول (^٢):\nوَلَقَدْ عَلِمْت بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ... مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبِرَّيةِ دِينَا\nلَوْلَا المَلَامَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّةٍ ... لَوَجَدْتَنى سَمْحًا بِذَاكَ مُبِينًا\nفإِذَنْ: هُوَ ما قَبِلَ ولا أذعنَ فليس بمؤمنٍ.\nفكلَّما وجدتَ الإِيمانَ فِي كتابِ اللهِ فالمُراد به التَّصْديقُ المستلزِمُ للقبولِ والإذعانِ، فليس مجرَّد تصديق.\nفإِذَنْ نَقُول: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ المصدِّقين به القَابِلِين له المُذْعِنين لأحكامِه، لَا بُدَّ من هَذَا.\nوقوله: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يُستفاد من ذلك: أنَّهُ كلَّما كَمُلَ الإِيمان فِي العبدِ كمُل اهتداؤُه بالْقُرْآن؛ لِأَنَّ الشَّيْء إذا عُلِّقَ بوصفٍ زاد بزيادة ذلك الوصف ونَقَصَ بنقصِه. فالحُكْم إذا عُلِّق بوصفٍ فإن هَذَا الوصفَ يَزيدُ الحكمُ بزيادتِه وَينْقُص\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام (١/ ٢٨٠).\n(^٢) دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ١٨٨).","vol":"1","page":17},{"text":"بِنُقْصَانِه، وهَذَا معلومٌ حَتَّى فِي المحسوسِ، تجد أن الشَّيْء المعلَّق بشيء يزيد بزيادتِه، ويَنْقُص بنُقصانِه، فنَقُول: كلَّما ازداد الْإِنْسَان إيمانًا ازداد اهتداءً بالْقُرْآن، ويدلك عَلَى هَذَا قول الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾ [التوبة: ١٢٤]، ويدل أيضًا عَلَى هَذَا قولُه تَعَالَى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣].\nوأيضًا ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ البِشَارَة هِيَ الإخبارُ بما يَسُرُّ، وقد تُطْلَق عَلَى الإخبارِ بما يَسُوء، لكِن بقرينةٍ.\nوهنا يَقُول ﵀: بُشرى بالجنَّة، ولكِن الصَّحيح أَنَّهَا بُشرى بما هُوَ أعمُّ؛ بالجنَّة وبالعزَّة والكرامة وبالنصرِ، والدَّلِيل قوله تَعَالَى فِي سورة الصفِّ بعدما ذكر الجنة لِلْمُؤْمِنيِنَ: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ﴾ [الصف: ١١، ١٢]، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣] ثُمَّ قَالَ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣]، يَعْنِي: بَشِّرهم بما لهم فِي الجنَّة، وبَشِّرْهُم بما لهم فِي الدُّنْيا مِنَ النصرِ، وكلُّ إِنْسَانٍ بطبيعتِه البَشَرِيَّة يحبّ أنْ يَنتصِرَ عَلَى عدوِّه، ويحب أن يَكُون له العزُّ والكرامة، هَذَا لا يمكِن أن يَكُون إِلَّا بالإِيمانِ، وكلَّما ازددنا إيمانًا ازددنا انتصارًا عَلَى عدوِّنا، وكلَّما تَخاذَلْنَا فِي الإِيمانِ خُذِلنا، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].\nوإذا أردنا دليلًا عَلَى هَذَا فلننظُرْ إلَى الَّذِينَ يُطَنْطِنُونَ بالقوميَّة العربيَّة، منذُ مَتَى وهم يطنطنون بها؟\nأظنُّه من أوَّل القرن، ومع ذلك لا يزدادونَ إِلَّا تأخُّرًا وضعفًا؛ لِأَنَّهَا ليست","vol":"1","page":18},{"text":"عَلَى إيمانٍ، ولمّا ظهرتْ بادرة الدَّعْوَة إلَى الإسْلام والتضامُن الإسْلامىّ ماذا حصل؟\nحاولوا بكلِّ ما يَستطيعون أنْ يَقْضُوا عَلَى هَذَا، لَيْسَ من الدولِ الكافرةِ، بل حَتَّى من الدولِ المسلِمة العربيَّة، وصاروا يَقُولُونَ: إن هذه دعوة رجعيَّة .. إلَى آخره.\nفالحاصل: أننا الْآنَ إذا أردنا أن نرجعَ إلَى العزَّة والكرامة والنصر فلا يَكُون ذلك إلَّا بالإيمانِ.\nوقد يَقُول قائلٌ: كيف نَنتصر بالإيمانِ وحدهُ على من لديهم أسلحة فتّاكة متطورة لم نَصل بعدُ إلى امتلاكِ أمثالها؟\nنقولُ إنَّ أسبابَ النَّصر هِى:\nأولًا: إخلاصُ النية لله، بأنْ ننْوي بجهادِنا إعلاءَ كلِمَةِ اللهِ، وتثبيتَ شريعَتِه، وتحكيمَ كِتابه وسُنَّةِ رسولِ اللهِ - ﷺ -.\nثانِيًا: أن نلْتَزم بالصَّبر والتَّقوى، فإنَّ اللهَ مَع الصَّابرين، وإنَّ اللهَ مع المتَّقينَ، عليْنا أنْ نصبر عَلى الجهادِ، وأنْ نتقِىَ اللهَ تَعالى بامتِثَال أوامِره واجْتناب نواهِيه، فإنَّ مخالَفة أمْر اللهِ ورسولِه مِن أسْباب الخِذْلانِ، فهؤُلاءِ صَحابَةُ محمَّدٍ - ﷺ - مَع رسُولِ اللهِ - ﷺ - خالَف بعْضُهم في أمْر واحِدٍ مِن أوامِر رسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي غزْوَة أُحُدٍ فكانَتِ الهزيمَةُ علَيْهم بعْدَ أنْ كانَ النَّصرُ لهم فِي أوَّل الأمْر، ولكِن بعْد ذَلك تدارَكَهُم عفْوُ اللهِ فعَفا اللهُ عنْهُم.\nثالِثًا: أنْ نعرف قدْرَ أنفُسِنا وأنَّ لا حوْلَ لَنا ولا قُوَّة إلَّا باللهِ، فلا يأخُذْنا العجبُ بقوَّتِنا وكثْرَتِنا فإنَّ الإعْجابَ بالنَّفْس والاعتِزاز بها مِن دُون اللهِ سبَبٌ للخِذْلان، ولقَد أُعْجِب الصَّحابَة بكَثْرتهم في يَوْم حُنَيْنٍ فلَمْ تُغْن عنْهُم شيْئًا ثُمَّ ولَّوْا مُدبِرينَ،","vol":"1","page":19},{"text":"ولكِنَّ اللهَ أنْزَل سَكِينتَه عَلى رسُولِه وعَلى المؤْمِنينَ وأنْزَل جُنودًا مِن الملائِكَة فكانَتِ العاقِبَةُ للمُؤمِنين.\nرابعًا: أن نُعِدَّ العُدَّة للأعْدَاء مستعمِلِين في كُلِّ وقتٍ وحالٍ ما يُناسِب مِن الأسلِحَة والقُوَّة لنرُدَّ على سِلاح العدُوِّ بالمثْل، فإذا تحقَّقتْ هَذه الأمورُ الأَرْبعَةُ فإنَّ اللهَ تَعَالَى يقُول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمد: ٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> أن القرآن هدًى للناس، والمُراد بالهداية هنا هدايةُ الإرشادِ، كُلّ النَّاس يَسْتَرْشدُون به لو شاءوا، يعني أن القرآن لا نَقْصَ فِي دلالته، لكِن هداية التَّوفيق خاصَّة بالمُؤْمِنيِنَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> أن القرآن بُشرى للمُؤْمِنيِنَ، بشرى فِي الدُّنْيا بالنصرِ وَفِي الآخِرَة بالجنةِ وبما أُعِدَّ لهم منَ الثواب بالجنَّة، وبالعِزَّة وبالكَرامَةِ وبالنَّصْر.\n* * *","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الآية (٣)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣)﴾ [النمل: ٣].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ يأتون بها عَلَى وَجْهِها]، أقام الشَّيْءَ: أتى به مُستقيمًا، ولا تكون الصَّلَاة مستقيمةً إِلَّا إذا أتى بها عَلَى وَجهها.\nوإقامة الصَّلَاة نوعانِ: نوع لَا بُدَّ منه، وَهُوَ الإتيان بالأركانِ والواجباتِ والشروطِ، ونوع يَكُون عَلَى وجهِ الكمالِ، وَهُوَ الإتيان بالمُكَمِّلات من السُّنن وغيرها.\nقوله ﵀: [﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ يأتون بها عَلَى وَجهها ﴿وَيُؤْتُونَ﴾ يعطون ﴿الزَّكَاةَ﴾ ...]، إِلَى آخِره.\nقوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ هل المُراد الفريضة أو النافلةُ؟\nنَقُول: عامٌّ؛ لِأنهُ لا يجوز للإِنْسَانِ أن يأتيَ بالسنَّة مثلًا عَلَى وجهٍ يُنافي الكمالَ الواجبَ، لو قَالَ واحد: أنا سأتطوَّع، لكِن لن أقرأ الفاتحةَ، أليستْ سُنَّة. يجوز أو لا يجوز؟ لا يجوز، نَقُول: الْآنَ يَجِب عليك أن تقرأَ الفاتحة، لو قَالَ: لن أركعَ، لن أسجُدَ لا يمكِن هَذَا، فإذن فِي الآية الصَّلَاة إقامتها عامَّة فِي الواجب وِفي التطوُّع.\nوقوله: ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ لم يبيِّن المَفْعُول الثانيَ لـ (يؤتون)، لَكِنَّهُ معلومٌ،","vol":"1","page":21},{"text":"والتَّقْدير: (يؤتون الزكاة مُسْتَحِقَّها) وقد بيَّن الله ﵎ مستحِقَّ الزكاة فِي سورة بَرَاءَة ببَيَان واضحٍ مفصَّلٍ.\nوقوله: ﴿الزَّكَاةَ﴾ لا حاجة إِلَى تعريفها عندكم لِأَنَّهَا معروفةٌ، وسُمِّيَتْ زكاةً لِأَنَّهَا تُزَكِّي الْإِنْسَان، قَالَ ﵎: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].\nقوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ هَذَا ثناء عَلَى المُؤتِينَ للزكاة، والسُّورَة كما تقدَّم مكّيّة، فهل معنى ذلك أن الزكاة فُرضت بمَكَّة أو فِي المَدينَة؟\nالمعروف عند أهلِ العلمِ أَنَّهَا فُرضت فِي المَدينَة، ولكِن الصحيح أَنَّهَا فُرضت بمكَّة، ولكِنَّ تقديرَ أنصبائها وبَيَان الأموال عَلَى وجه التفصيلِ كَانَ ذلك فِي المَدينَةِ، هَذَا هُوَ الصَّحيح، وَهُوَ الَّذِي به تَجتمع الأدلَّة.\nفَإِنْ قَالَ قَائِل: تأخّر بَيَان أنصِبَة الزكاة إِلَى ما بعدَ الهجرةِ ألَا يَكُونُ من بابِ تأخيرِ البَيَان عن وقتِ الحاجةِ؟\nفالجواب: لا، هَذَا من باب التطوُّر فِي التشريع، فبيَّن الزكاة وتركها موكولةً للإِنْسَان يختار ما يُخْرِج، فيُخْرِج ما شاءَ؛ لأجلِ أن تتعوَّد النفوس، ثُمَّ بَعْد ذلك يَفْرِض عليها الشَّيْءَ الَّذِي أراد اللهُ ﷾. وهَذَا مِثْلُ غيره منَ الأَشْيَاء الَّتِي تطوَّرت: الصَّلَاة فُرِضَتْ ركعتينِ، ثُمَّ أُقِرَّت صلاةُ السفرِ وزِيد فِي صلاة الحَضَر (^١).\nوالزكاة هَكَذَا فُرِضَت أوَّلًا عَلَى اختيار الْإِنْسَان، ثُمَّ حُددت، والصِّيَام فُرض عَلَى سبيل التخيير ثُمَّ عُيِّن، والحجُّ هُوَ الَّذِي ما أعلمُ فِيهِ إِلَّا اَنهُ فُرض مرَّةً واحدةً،\n_________\n(^١) رواه البخاري: كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء، رقم (٣٥٠)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، رقم (٦٨٥).","vol":"1","page":22},{"text":"ولكِن السَّبَب فِي ذلك أنهُ أتى فِي السنة التَّاسعةِ أو العاشرةِ بعدَ أنِ استقرَّ الإِيمان فِي القلوبِ، فلا حاجة إِلَى أن تُدَرَّج النفوس من مرحلة إِلَى مرحلة.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: كيف نَجْمَعُ بينَ حديثِ ابنِ عبَّاس: \"إِنَّ اللهَ فَرَضَ الصَّلَاةَ عَلَى نَبِيَكُمْ فِي الحَضرِ أَرْبَعًا وِفي السَّفَرِ رَكعَتَيْنِ\" (^١)، وبينَ حديثِ عائشةَ؟\nقُلْنَا: أنا لا أَدري صِحَّة هَذَا الحديثِ، وَعَلَى فَرض صِحَّته وقد قالَه ابنُ عبَّاس، فحديثُ عائشةَ أصحُّ، فحديثُ عائشةَ: \"أَوَّل مَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ\" (^٢) صَريح صحيح، وَعَلَى هَذَا فالجمعُ أنْ يُقالَ: فُرِضَتْ أربعًا ثُمَّ فُرضتْ ركعتينِ ثُمَّ قُسم إِلَى حَضَر وسفرٍ.\nمسألة: هل يجوز التدريجُ فِي الأحكامِ لمِن يُسْلم؟\nالظَّاهر لي أنهُ يجوزُ، وأن نأمرَه بالأهمّ فالأهم، مثلما أمر الرَّسُول - ﷺ - مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ، مَعَ أنَّ الأحكام مستقرَّة. قَالَ: \"أَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ إِقَامُ الصَّلَاةِ، ثُمَّ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ\" (^٣) مَعَ أنَّ كُلّ هذه كانتْ\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، حديث رقم (٦٨٧).\n(^٢) رواه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب التاريخ من أين أرخوا التاريخ، حديث رقم (٣٧٢٠)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، حديث رقم (٦٨٥).\n(^٣) رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النَّبِيّ - ﷺ - أمته إلى توحيد الله ﵎، حديث رقم (٦٩٣٧)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، حديث رقم (١٩)، عن ابن عباس - ﵄ -، ولفظ مسلم: لما بعث النَّبِيّ - ﷺ - معاذ بن جبل إلى نحو أهل اليمن قال له: \"إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس\".","vol":"1","page":23},{"text":"مفروضةً، وحتى الصوم والحجُّ أيضًا مفروض.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ يَعْلَمُونها بالاستدلالِ، وأُعيدَ (هم) لما فُصِلَ بينه وبين الخبر].\nقوله: ﴿وَهُمْ﴾ مُبتدَأ و﴿يُوقِنُونَ﴾ خَبَره، و﴿بِالْآخِرَةِ﴾ متعلِّق بـ (يُوقِنون)، ولكِن كلمة ﴿هُمْ﴾ أُعيدتْ مرَّة ثانيةً، فهل هَذَا من بابِ التَّوْكيدِ ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ يعني ﴿وَهُمْ﴾ همُ الَّذِينَ يوقنون دونَ غيرِهم، أو أنَّهُ كما قَالَ المُفَسِّر: للفصلِ بينه وبين الخبرِ، والفاصلُ قوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾؟\nيَحتمل هَذَا وهَذَا، وقد يجوز أن يَكُونَ المُراد الجميع، فبيَّن الله ﷾ أَنَّهُم هم أهلُ الإيقانِ، حَيْثُ كرَّر الضَّمير مرتينِ، وكُرِّرَ أيضًا مرتينِ لِطُول الفصلِ بين الخبرِ وبين المبتدأِ بالفاصلِ.\nولكِن الإيقان يَقُول المُفَسِّر: [يعلمونها بالاستدلالِ]، إِنَّمَا قَالَ ﵀: بالاستدلال؛ لِأَنَّ الْتقين أخصُّ منَ العلمِ؛ إذ إن الْيقين معناه: العِلم الَّذِي لا يَتَطرّق إليه الاحتمالُ، فَهُوَ أعلى درجاتِ العلمِ، وهَذَا إِنَّمَا يَكُون بالاستدلالِ، يعني بالأدلَّة المُبيِّنَةِ المقنِعة، فلهَذَا فسَّر المُفَسِّر الْيقينَ بأنه: العِلم بالأَشْيَاء عن طريق الاستدلالِ.\nوقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ هل المُرادُ بالآخِرَة أنَّهُ يُبعث النَّاس فقطْ؟\nنَقُول: لا، فكُلّ ما أخبرَ الله تَعَالَى به ممَّا يَكُون فِي هَذَا اليوم أو أخبر به رسولُه فَإِنَّهُ داخل فِي الآخِرَةِ، بل إن شيخ الإِسْلام ﵀ يَقُول: إِنَّهُ يدخل فِي الإيمان باليوم الآخِر كُلّ ما أخبر به النَّبِيّ - ﷺ - مما يَكُون بَعْد الموت (^١).\n_________\n(^١) انظر: العقيدة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٥).","vol":"1","page":24},{"text":"فعلى هَذَا يَكُون المُراد بالآخرة: ما بعدَ الدُّنْيا، فتَشمَل عذابَ القبرِ ونعيمَ القبرِ، وتشمل كذلك الموازينَ فِي يوم القيامةِ والحوضَ المورودَ للرَّسُولِ - ﷺ - وما ذُكِر.\nوهل بَقِيَ شيءٌ من منَ الإيمانِ؟ لِأَنَّهُ ذكر إقام الصَّلَاة وإيتاء الزكاة والإيقان بالآخِرَة؟\nوتقدَّم أن الإِيمانَ باللهِ يَتضمَّن الإِيمانَ بالرُّسُل وَيتَضَمَّنُ الإِيمانَ بالكُتُبِ، وَيتَضَمَّنُ الإِيمانَ بالملائكةِ، بل ويتضمَّن الإِيمانَ باليومِ الآخِرِ، ويتضمَّن الإِيمانَ بالقَدَر؛ لِأَنَّ الإِيمان بالقدرِ من الإِيمانِ بالله؛ لِأَنَّ القَدَر قَدَر الله.\nنَقُول: بقِي الصِّيَام والحجُّ، وهما من أركانِ الإِسْلامِ، والجواب عَن ذلك: أن السُّورَة مكّيّة، والصِّيَام والحجّ لم يُفرضا بمكَّة بالاتِّفاقِ، فالصِّيَام فُرض فِي السنة الثَّانِيَة، والحج فُرض فِي السنة التَّاسعة أو العاشرة عَلَى القَوْل الراجِحِ، وَعَلَى هَذَا فليس فِي الآية إشكالٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> فَضل إقامة الصَّلَاة، وأنها من أوصاف المُؤْمِنيِنَ، وفضل إيتاء الزكاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> أن محلّ الثَّناء لِلْمُصَلِّين فِي إقامتِها والإتيان بها عَلَى الوجهِ الأكملِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ:</span> قَرْنُ الصَّلَاة بالزكاة يَدُلّ عَلَى أهميتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ:</span> أن الزَّكاةَ فُرضت بمَكَّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ:</span> أن الأَعْمال من الإِيمان.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:</span> أن تضييع الصَّلَاة والبُخل بالزكاة ينافي الإِيمان؛ لِأَنَّ الله جعل من أوصاف المؤمنين إقامة الصَّلَاة وإيتاء الزكاة، فمَن لم يكن يقيم الصَّلَاة ولم يؤتِ الزكاة فَهُوَ ناقصُ الإِيمانِ، وقد يَكُون معدومَ الإِيمان بالكُلِّيَّة كما فِي ترك الصَّلَاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:</span> إثبات اليوم الآخِر؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ:</span> أن الْإِنْسَان إذا آمَنَ بالشرائعِ المُنْزَلَة فَهُوَ كامل الإِيمانِ، وإن لم يُدْرِكِ الفرائضَ المتأخِّرة، فالَّذِينَ ماتوا من الصحابة قبل فرضِ الصِّيَامِ إسلامهم كاملٌ، بل إن الرجل يمكنُ أن يؤمنَ ويموت قبل أنْ يصلِّيَ صلاةً واحدةً، ويَكُون بذلك كاملَ الإِيمان. يعني إيمانه كامِل وإن كَانَ غيرُه الَّذِي أدركَ أكملَ منه، لَكِنَّهُ هُوَ بالنِّسْبَةِ إليه ما يقال: إيمانه ناقِص -أي أنَّهُ ناقص نقصًا يُخِلّ به -.\n* * *","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>الآية (٤)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل: ٤].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ القَبِيحَةَ بتركيبِ الشَّهْوةِ حَتَّى رَأَوْها حَسَنَةً ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ يَتَحَيَّرون فيها لِقُبْحِها عِنْدَنَا].\n﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: لا يُصدِّقون بها؛ لِأَنَّ مَن لم يُصَدِّقْ لا يُمْكِن أن يَقبَلَ أو يُذْعِنَ.\nإِذَنْ: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ يشمل نفي التَّصْديقِ ونفيَ القبولِ ونفي الإذعانِ. والفَرْقُ بينَ القَبُول والإذعانِ مَعروفٌ، فمثلًا أَقْبَلُ أنَّ هَذَا الشَّيْءَ فُرِض، وأَعْتَقِدُه فرضًا، لكِنْ لا أَفْعَلُه، فالذي تَخَلَّف الإذعانُ.\nوأمَّا عَدَمُ القَبولِ فهو أنْ يَرْفُضَ هَذَا ويقول: هَذَا لَيْسَ بِوَاجبٍ ولا نَعْتَرِف بأنه فَرْضٌ، وَأَمَّا التَّصْديقُ فَهُوَ الإنكارُ المطلَقُ.\nفَإِنْ قَالَ قَائِل: ما الفرق بين التَّصديقِ والقَبُولِ؟\nنَقُول: التَّصْديق: أنَّهُ يُصَدِّق بأنَ هَذَا حقٌّ لَكِنَّهُ لا يَقبَلُه، يَقُول: نعمْ، هَذَا الرجلُ جاءَ بالحقِّ، لكِن أنا لا أقبله. والقَبول فِي الغالبِ يَكُون فِي المعتقَدات، والإذعان فِي الأَعْمالِ الظَّاهرةِ كأعمال الجوارِحِ.","vol":"1","page":27},{"text":"وقوله: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ﴾ هذه الجملةُ ﴿زَيَّنَّا﴾ خبرُ إنَّ، وتفيد أن العِلَّة فِي التزيينِ عدم الإِيمانِ بالآخِرَةِ، وأن الله تَعَالَى لم يُزَيِّن لهم (^١) هذه الأَعْمال إِلَّا بسبب عدمِ إيمانِهِم، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥].\nومن هنا نعرف أن الَّذِي يزيَّن له سُوءُ عَمَلِه يَكُون ذلك دليلًا عَلَى نقصِ إيمانِه بالآخِرة، إذ لو كمُل إيمانُه بالآخِرَةِ لكانَ يعرف الحسن من السَّيِّئ، فيفعل الحسن وَيتَجَنَّب السَّيِّئ، ولكِن لضعفِ إيمانِه بالآخرة يحصُل له هَذَا الفِعْل القبيح ويراه حسنًا. ولا حاجة إِلَى أن نُعَدِّد أنواعًا من ذلك؛ لِأَنَّ الأنواع ممَّن زُّينَ له سُوءُ عَمَلِه كثيرةٌ جدًّا، فبلَا شَكّ من العَمَل السيئ أنهُ إذا نزل فِي أرضٍ أخذَ أربعةَ أحجارٍ ووضعَ ثلاثةً للقِدْرِ وواحدًا يَعْبُده (^٢).\nولَا شَكَّ أنَّ من العَمَلِ السيئ المُزيَّن أن الْإِنْسَان يَتَّخِذُ تمرًا عَلَى صورة صَنَمٍ فيَعْبُده، فإذا جاع أكلَه.\nولَا شَكَّ أنَّ من سُوء العَمَلِ المزيَّن أنَّ الْإِنْسَان يأتي بابنتِهِ -وهي ثَمَرَة فُؤَادهِ- ويَحفِر لها الحُفرة وَيغْمِسها وهي حيَّة. هَذَا لا يَكُون -والعياذُ بالله- ولا من السِّباع، ومعَ ذلك زُين لقومٍ من أهل الجاهليَّة هَذَا العَمَل؛ حَتَّى إنَّهُم يَقُولُونَ: إنَّهُ يقف عَلَى الحفرة ليُلْقِيَها، وإذا همَّ أنْ يُلْقِيَها تَشَبَّثَتْ به وتقول: يا أبتِ يا أبتِ! فتستجير به وَهُوَ داؤها! نسألُ اللهَ العافيةَ.\nوقوله ﵀: [﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ يَتَحَيَّرون فيها]، هَذَا -والعياذُ بالله- من عدمِ الإِيمانِ أنَّ الْإِنْسَان لا يوفَّق للهداية، تَجِدُه حائرًا؛ لِأَنَّهُ لم يؤمن.\n_________\n(^١) نهاية الشريط الأول.\n(^٢) انظر كتاب الأصنام لأبي المنذر الكلبي (ص: ٣٣)، وإغاثة اللهفان (٢/ ٢٢٠).","vol":"1","page":28},{"text":"وأبرزُ مثالٍ لذلكَ: ما يَقَعُ من أهل الكَلامِ منَ الحَيرة؛ لِأَنَّهُم لم يؤمنوا بالله حقَّ الإِيمان به، أنكروا صفاتِه وأنكروا ما جاء به كتابه وسنَّة رسوله، فصاروا مُتَحَيِّرين، ولهذَا قَالَ بعض النَّاس: أكثرُ النَّاسِ شكًّا عندَ الموتِ أهلُ الكَلامِ (^١). والعياذُ باللهِ؛ لِأَنَّهُم -نسألُ اللهَ العافيةَ- ما آمنوا.\nفكلُّ إِنْسَان يضعُف إيمانه فَإِنَّهُ يَتَرَتَّب عليه هَذَانِ الأَمْرانِ السيِّئانِ:\nأولًا: تَزيينُ العَمَلِ السيِّئ فِي عينِه حَتَّى يمارسَه ولا يُنتزع منه.\nوالثاني: شَكُّه وحَيْرته وتردُّده.\nبهَذَا نعرِف أنَّهُ كلَّما قَوِيَ الإِيمانُ بالآخِرَةِ عَرَفَ الْإِنْسَانُ القبيحَ ولم يَتَرَدَّدْ فيه؛ لِأَنَّ هذه نتيجة عملية حسابيَّة: إذا كَانَ هَذَا الوصف يقتضي هَذَا الوصف فعدمه يَقتضي عَدَمه، فهي مُعَادَلَة بَيِّنة جدًّا. فالَّذِينَ لا يؤمنون بالآخرة ابتُلوا بهذينِ الأَمْرينِ، والَّذِينَ يؤمنون بالآخِرَةِ يَنتفي عنهم هَذَان الأَمْرانِ، نسألُ الله أن يَجْعَلَنَا من المُؤْمِنيِنَ.\nمسألة: ومن آمنَ بالآخِرَةِ من الصُّوفِيَّة؟\nالصوفية لَيْسَ عندهم إيمانٌ حقيقةً، لو كَانَ عندهم إيمان حقيقةً ما زُّين لهم؛ لِأَنَّ هذه الآيَة مِقياس، فكُلّ إِنْسَان يُزيَّن له سوءُ عَمَله فاعلمْ أنَّهُ ناقصُ الإِيمانِ؛ لِأنَّهُ لو كَانَ عندهم إيمان حقيقيّ فما الَّذِي يُخرِجهم عن طريق الرَّسول - ﷺ -؟ !\nإِذَنْ: كلَّما ضَعُفَ الإِيمان بالآخرة ازداد تزيينُ القبيحِ فِي عينِ الْإِنْسَان، وكلما ازدادَ إيمانه بالآخِرَةِ كَرِهَ القبائحَ، وهَذَا أمر مُسَلَّم الآن.\n_________\n(^١) القول منسوب لأبي حامد الغزالي، انظر مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨).","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> عُقُوبة مَن لم يُؤْمِن بالآخِرَةِ بهَذه العقوبةِ العظيمةِ، وهي تزيينُ الأَعْمالِ السيِّئة لا الحسنةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> أنَّهُ كلَّما آمَنَ الْإِنْسَان بالآخِرَةِ اتَّضَحَ له الحقُّ؛ لِأَنَّ الإِيمانَ بالآخِرَةِ يَستلزِم أن الْإِنْسَانَ يَرَى الحقَّ حقًّا ويرى الباطلَ باطلًا، فلا يزين له الباطِل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ:</span> أن الجزاءَ من جنسِ العَمَلِ؛ لِأَنَّهُم لمّا لم يُوقِنوا بالآخِرَة مَعَ وُضُوحها اشتبهَ عليهم الحقُّ مَعَ وضوحِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ:</span> أنَّ عدمَ الإِيمانِ بالآخِرَةِ سببٌ للحَيْرة، لِقَوْلِهِ: ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾، وَعَلَى هَذَا فالإِيمانُ بالآخِرَةِ سببٌ لِلْيَقِينِ والنُّورِ، وهَذَا أيضًا أمرٌ مُشاهَدٌ، والْإِنْسَان ما يُصاب بعدمِ الْيقينِ إِلَّا بسببِ أعمالِهِ، ونقصِ إيمانِهِ، وكلَّما قَوِيَ الإِيمانُ فإنَّ معرفةَ الْإِنْسَان تزدادُ، حَتَّى فِي الأُمُورِ غير العلميَّة الشَّرْعِيَّة، فيعطيه الله ﵎ فِراسةً يَتبَيَّن بها الأَشْيَاءَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ:</span> وُجُوب الإِيمانِ باليومِ الآخِرِ، بدليلِ عقوبةِ مَن لم يؤمنْ به، فهَذه العقوبةُ العظيمةُ تدلّ عَلَى وجوبِ الإِيمانِ به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:</span> الردُّ عَلَى الْقَدَرِيَّة، ففي الآيَةِ دليلٌ عَلَى مذهَب أهلِ السنَّة والجماعة فِي الردّ عَلَى الْقَدَرِيَّة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾؛ لِأَنَّ تزيينَ العَمَلِ لهم هُوَ سببُ ضَلالهم، فتُزَيَّن لهم الأَعْمالُ السيئة فيَعْمَلُونها، فَلِلَّهِ تَعَالَى تأثير فِي أفعالِهم، فكون الله تَعَالَى يقولُ: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ فيَنْسُبُ تَزْيِينَ العَمَلِ إليه يَدُلّ عَلَى نَقيضِ قولِهم، وإلَّا فهم يؤمنون بالآخرة ويرَون أَنَّهُم مسلِمونَ، لكِنَّهم لا يؤمنون بأنَّ الله تَعَالَى له تعلُّق بفعلِ العبدِ، فأفعال العبدِ عِندَهم لَيْسَ لله فيها تعلّق إطلاقًا.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:</span> قوله: ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ فِيهِ نِسبة الأفعال للعبدِ، ففيه ردٌّ عَلَى الجَبرَّية؛ لِأَنَّ الجبرَّية لا يَنْسُبُون العَمَلَ للإِنْسَانِ إِلَّا عَلَى سبيلِ المَجاز؛ إذ إِنَّهُم يَرَوْنَ أنَّ الْإِنْسَان مُجْبَرٌ عَلَى العَمَلِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ:</span> أن هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لا يؤمنون بالآخِرَةِ يَرَوْنَ أنَّ أعمالهم حَسَنَة، ولهذَا يُصِرُّونَ عليها، وقد قَالَ أبو سُفيان فِي أُحد: اعْلُ هُبَل.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: كونهم يرون أنَّ أعمالهم حسنة، ولهَذَا يُصِرُّون عليها ألَا يُشكِل عليه ما ذَكَرْناه من أَنَّهُم فِي حَيرة وقلقٍ؟\nقُلْنَا: هم فِي حَيرة بالنِّسْبَة للإيمانِ بالآخِرَةِ، لكِن عندما يَستمِرُّون فِي هذه الأَعْمال يرونَ أَنَّهُم عَلَى حقٍّ، فَهُمْ يَعْمَلُون المَعاصِيَ وتُزين لهم وَيرَوْنَ أنَّهُ لا بأسَ بها، فالَّذِينَ يُرابون يَرَوْن أنَّ الرِّبا مصدر اقتصادي، وَأنَّهُ لا بأس به، والَّذِينَ يَلْعَبُونَ الشِّطْرَنْجَ يَقُولُونَ: هَذَا عَمَلٌ طيِّبٌ لِأنَّهُ يُنمِّي الفِكر والعقل، ومثلهم أصحاب السَّرِقَات وغَيرهم، المهمّ أن هَؤُلَاءِ متحيِّرون فِي أمرِهِم كلِّه، حَتَّى فِي أمرِ الآخِرَةِ ما عندهم يَقين، والواحد منهم يَزعُم أنَّ نتيجة هَذَا العَمَل السيِّئ بالنِّسْبَة لهُ حَسَنة، ولهذَا زين لهُ.\nلَوْ قَالَ قَائِل: بعض أهل المَعاصِي يَعترِف أنهُ عَلَى خطأٍ، لكِن يَقُول: الله غَفور رحيم؟\nقُلْنَا: هَذَا مُزَيَّن له، وَهُوَ من الرجاءِ فِي غيرِ مَحَلِّه، ومَن كَانَ يرجو اللهَ أنْ يَغفرَ له فِي غير محلِّه فهَذَا من سُوء العَمَلِ، فـ \"الْعَاجِزُ مَنْ أتبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمنَّى عَلَى اللهِ\" (^١)\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي: أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، رقم (٢٤٥٩)، وابن ماجه: كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، رقم (٤٢٦٠).","vol":"1","page":31},{"text":"الْأَمَانِيَّ، والمعاصِي شامِلَةٌ الْكُفَّارَ وغيرَ الكفارِ، وكلُّ مَن عَصَى اللهَ ففيه نقص بالإِيمان بالآخِرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ:</span> أنَّ الرجل الَّذِي يَستحسِن القبائحَ يُمْكِن نَسْتَنْتِج أنهُ ضعيف الإِيمانِ بالآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ لو قَوِيَ إيمانُه بالآخِرَةِ ما حَسُنَ فِي نفسِهِ قبائح الأَعْمال، وهَذه الآيةُ تَدُلُّ عليه.\n* * *","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>الآية (٥)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ [النمل: ٥].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ أشدُّه فِي الدُّنْيا القَتْل والأَسْر].\n﴿أُولَئِكَ﴾ المشارُ إليه الَّذِينَ لا يؤمنون بالآخِرَةِ، لمَّا ذكر -والعياذ بالله- طريقهم وَأنَّهُ زُين لهم سُوء أعمالِهم، ذَكَرَ جزاءَهم ومآلهم، فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾.\nقيَّده المُفَسِّر ﵀ بما يَكُون فِي الدُّنْيا مِنَ الأسرِ والقتلِ، ولكِنَّه لا يَنبغي أن يُقَيَّد به، بل يقال: إن هَذَا من سُوء العذابِ الَّذِي يَنالهم، وهم ينالونَ سوء العذابِ فِي الدُّنْيا وَفِي الآخِرَةِ، ومن أجلِ ذلك لم يكنْ لهم نصيبٌ فِي الآخرة، بل قَالَ: ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾.\nقوله: ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾: ﴿هُمُ﴾ الأُولى مبتدأٌ، والثَّانِيَة توكيد، ويجوز أن تكونَ ضَميرَ فَصلٍ، لكِن لمّا سبقَ لها نظير وهي كلمة ﴿هُمُ﴾ فالأحسن أن تكونَ توكيدًا، ونستفيدُ الحصرَ من تعريفِ المبتدأِ والخبر فِي قولِه: ﴿هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾. والأخسرُ اسمُ تفضيلٍ، مأخوذ من الخُسران وَهُوَ النقصُ. وحَصْرُ الأخسريَّة فيهم","vol":"1","page":33},{"text":"دليل عَلَى أن هناك خسارة لغيرِهم، لكِن هم الأخسرونَ.\nوالخسارة الَّتِي تكون لِغَيْرِهم هي أنَّ الفُسَّاق من المُؤْمِنيِنَ يُعذَّبُون بقَدْرِ ذنوبهم، وهَذه خسارة؛ لأَنَّهُ لم يكمل لهم النعيم فِي الآخِرَةِ، حَيْثُ عُذِّبوا عَلَى ما فعلوا من الذنوبِ، فهَذَا لَا شَكَّ أنهُ نقصٌ وَأنَّهُ خسارة، ولكِن الأخسر هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُخلَّدونَ فِي النَّار، ولهذَا يَقُول المُفَسِّر: [لمِصِيرِهِمْ إِلَى النَّار المؤبَّدَةِ عَلَيْهِمْ]، فهم الأخسرونَ.\nفعليه يَكُون النَّاس فِي الآخِرَةِ ينقسمونَ إِلَى ثلاثةِ أقسامٍ: رابحونَ، وخاسرون، وأخسرون.\nفالرابِحُ: الَّذِي مَنَّ اللهُ عليه فخرجَ منَ الدُّنيا وَهُوَ لا يَستحِقّ العقابَ فِي الآخِرَةِ، سواء كَانَ ذلك بتوبةٍ، أو بمصائبَ تكفِّر، أو بأعمالٍ صالحةٍ جليلة جدًّا تَضْمَحِلّ معها الأَعْمالُ السيئة، مثل أهلِ بَدْر، قَالَ الله تَعَالَى لهم: \"اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ\" (^١)، لو عَمِلوا مهما عَمِلوا مِنَ الذنوبِ فإن الله ﷾ يَغْفِرها لهم بسببِ الحسنةِ العظيمةِ الَّتِي قاموا بها فِي غزو بدرٍ.\nوقد يَعْفُو الله أيضًا عن هَذَا الْإِنْسَان الَّذِي عَمِلَ سَيِّئًا فِي الدُّنيا؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى يَقُول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فتكون حالُه فِي الآخِرة تامَّة.\nالثاني: الخاسِر غير الأَخْسر، وَهُوَ الَّذِي أصابَ بعضَ الذنوبِ، ولم يُقَدَّر له\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب ما جاء في المتأولين، حديث رقم (٦٥٤٠)؛ ومسلم، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب من فضائل أهل بدر - ﵃ - وقصة حاطب بن أبي بلتعة، حديث رقم (٢٤٩٤)، عن علي بن أبي طالب - ﵃ -.","vol":"1","page":34},{"text":"الخلاصُ منها، فعُوقِب عليها، فصاحب المَعاصِي مِنَ المُؤْمِنيِنَ هُوَ فِي حُكْمِ الخاسرينَ، لَكِنَّهُ لَيْسَ الأخسرَ.\nالثَّالث: الأخسرَ، وهُوَ الَّذِي لا حَظَّ له فِي الآخِرَةِ، وما لَه فِي الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ، وهمُ الكفَّارُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> أَنَّهُم الأخسرونَ فِي الآخرة فقطْ ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾.\nوهل يَلزم أن يَكُونوا همُ الأخسرينَ فِي الدُّنْيا؟\nلا يَلزم، فلا يُفهم من الآية أَنَّهُم رابحون فِي الدُّنْيا، يُفهم من الآية أَنَّهُم فِي الدُّنْيا مسكوتٌ عنهم، قد يَربحون وقد يخسرون، وَعَلَى رأيِ المُفَسِّر لَيْسَ لهم حظّ فِي الدُّنْيا؛ لأَنَّهُ قَالَ: إن العذابَ معناه القتلُ والأَسْر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> إثبات لسُوء العذابِ لهؤُلَاءِ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ، هَذَا الَّذِي اخترناه، وَهُوَ العموم، والمُفَسِّر يرى أنهُ فِي الدُّنْيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ:</span> أَنَّهُم ليس لهم حظٌّ فِي الآخِرة أبدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ:</span> أن النَّاس فِي الآخرة ثلاثةُ أقسامٍ: أَخْسَرُون، وخاسرون، ورابحون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ:</span> تَنَوُّع العذابِ لِتَنَوُّع المَعاصِي؛ لِأَنَّ الجزاءَ مِن جِنس العَمَلِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:</span> إثبات الآخِرة لِقَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:</span> أنَّ مَن لم يؤمنْ بالآخِرَةِ فَهُوَ كافرٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾،","vol":"1","page":35},{"text":"هَذَا إذا أَعَدْنا الآيةَ عَلَى ما قبلُ؛ لِأَنَّ قوله: ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ هَذَا خبرٌ بأنهم خاسرون فِي الآخرة؛ لِأَنَّ الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [النمل: ٤]. ثم قال: ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ:</span> حصر الخسرانَ فِي هَؤُلَاءِ، ولَا شَكَّ أَنَّهُم هم الأخسرونَ، وغيرهم ولو خَسِروا فليسوا بهَذَا الوصفِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ:</span> الردُّ عَلَى الخوارجِ والمُعْتَزِلَة؛ لأنَّنا لو قُلْنَا: إن أهل الكَبائِر الَّذِينَ يؤمنون بالآخِرَةِ مخلَّدون فِي النَّار لاتَّصَفُوا بهَذَا الوصفِ وكانوا من الأخسرينَ، مَعَ أنَّ الله إِنَّمَا حَصَرَ الأخسرَ فِي الَّذِينَ لا يؤمنونَ بالآخِرَةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ:</span> بلاغة الْقُرْآن الكريمِ، حَيْثُ إِنَّهُ يُتبيِّن أحوالَ الكَافِرِينَ للتحذير منها.\n* * *","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>الآية (٦)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦].\n* * *\n\nقوله: ﴿وَإِنَّكَ﴾ خِطَاب للنبيِّ - ﷺ -، وهَذَا الخطابُ مؤكَّد بـ (إن) ثُمَّ مؤكَّد بتأكيدٍ آخرَ، وَهُوَ قوله: ﴿لَتُلَقَّى﴾ لِأَنَّ اللامَ هذه للتَّوكيدِ، ويقال: إِنَّهَا اللام المزحْلَقَة، والمزحْلَق يعني المؤخَّر. يَقُولُونَ: إن الأَصْل أن تكونَ فِي أوَّل الكَلام، ولكِن لمّا كَانَ فِي أول الكَلام مُؤَكِّد غيرها صار الأنسب أن تؤخَّر؛ لِئَلَّا يَجتمِع مؤكِّدان فِي مكانٍ واحدٍ، وإلا هِيَ تُسمَّى لام التَّوْكيد. ومَحَلُّها فِي أوَّل الجملة، ولَكِنَّهَا زُحلقت من أجلِ أنَّ فِي أول الجملة مؤكِّدًا آخرَ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ يُلقى عليك بِشِدَّة ﴿مِنْ لَدُنْ﴾ من عند ﴿حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ فِي ذلك ...]، إِلَى آخره.\n﴿لَتُلَقَّى﴾ معنى التَّلقية: التلقينُ والإعطاءُ، لَقَّيْتُه كذا بمعنى لَقَّنْتُه إيَّاه إذا كَانَ ذِكرًا، وأعطيته إيَّاه إذا كَانَ عَينًا، وهنا القرآن ذِكْر لَيْسَ عينًا يُعطَى ولكِنَّه ذِكْرٌ يُلَقَّنُ، والنَّبِيّ - ﷺ - كَانَ يُلَقَّن القرآن، وَكَانَ إذا سَمِعَهُ مِن جِبريل فِي أوَّل الأَمْرِ يَتَعَجَّل - ﷺ - بقراءته، فنهاه الله عن ذلك (^١)، قَالَ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ [القيامة: ١٦]\n_________\n(^١) انظر: صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾، حديث رقم (٤٦٤٣)؛ صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب الاستماع للقراءة، حديث رقم (٤٤٨).","vol":"1","page":37},{"text":"﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٧]، هذا ضمان مِنَ اللهِ ﷾ أن يَجْمَعَهُ ويَقْرَأَهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨، ١٩]، أي: بَيَانه لفظًا، ومعنًى، وحُكمًا.\nوقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ سبق معنى القرآن، وَأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن قَرَأَ بمعنى: تلا، ومن قرأ بمعنى: جَمَعَ.\nوقول المُفَسر ﵀: [يُلْقَى عليك بِشِدَّة] من أين أخذ كلمةَ بشدَّةٍ من اللفظ؟ من قوله: ﴿لَتُلَقَّى﴾ ولم يقلْ: تَلَقَّى أنت، فهو يُلقَّاه، فكأنه يشعر بالشدَّة، ولكِنه ما يَتبيَّن لي كثيرًا، ودلالة تلقى عليه فيها غُمُوض، إِنَّمَا لَا شَكَّ أنَّ الرَّسُول - ﷺ - يجد من تلقَّي الوحي شِدَّة.\nوقوله: [﴿مِنْ لَدُنْ﴾ من عند]، يعني أن ﴿لَدُنْ﴾ بمعنى عند، ويقال فيها أيضًا: لدى، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩]، وقال تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥]، لَدُنّا هي: لَدُنْ، ولَدَيَّ هي: لدى، فيقال هَذَا وهَذَا، ولكِن القرآن كما هُوَ معلومٌ تَوْقِيفِيّ، لا يُمْكِن أنْ نُبدِّل لفظًا بدلَ آخرَ، ولو كَانَ بمعناهُ.\nوقوله: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ المُراد به اللهُ جَلَّ ذِكْرُه.\nوالحكيم تَقَدَّمَ أنّهُ مشتق مِنَ الحُكْمِ والإِحْكَامِ الذِي بمعنى الإتقانِ، وَهُوَ الحِكْمَة.\nوالحكمُ الثابتُ للهِ ﷿ أو المُتَّصِف به الله ﷾ يَنْقَسِم إِلَى قسمينِ: حُكْم شَرْعِي، وحكم قَدَريّ.\nفالحكْمُ الشَرْعِيّ كثيرٌ فِي الْقُرْآن، كما فِي قولِه تَعَالَى فِي سُورة المُمْتَحِنَة لما ذكر","vol":"1","page":38},{"text":"أحكام النِّسَاء المهاجراتِ قَالَ: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]، والحُكْم القَدَرِي مثل قول أخي يُوسُف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف: ٨٠]، يعني يُقدِّر، لا يَنتظر حُكمًا شَرْعِيًّا، بل يَنتظِر حكمًا قَدَريًّا. والحكم الشَّرْعِيّ هل يمكن مخالفتُه؟ نعم يُمْكِن، فمِنَ النَّاسِ مَن يَقْبَلُه ومنَ النَّاسِ مَن لا يقبلُه. والحكم القَدَرِي لا يُمْكِن مخالفتُه، إذن فَهُوَ واقعٌ لا محَالةَ، فإذا حَكَمَ الله ﵎ بشيءٍ قَدَرًا فَهُوَ واقعٌ لا محالةَ.\nمسألة: الحكْم الشَّرْعِيّ محبوبٌ لله أو مبغوضٌ إليه؟ محبوب ومبغوضٌ، فإذا حَكَم بفعلِ الشَّيْءِ فَهُوَ محبوبٌ، وإنْ حَكَمَ بتركِه فَهُوَ مكروهٌ. فاللهُ تَعَالَى حَكَمَ بتحريمِ الزِّنَا مثلًا وَهُوَ مكروهٌ له، وحَكَمَ بتحريمِ الشّركِ وَهُوَ مكروهٌ له.\nوالحكم الكونيُّ كذلك، فِيهِ محبوبٌ وفيه مكروهٌ لله، ولا يمكن أنْ نُعارِضَ ذلك فنَقُول: كيف يَقَع الحُكْمُ الكونيُّ وَهُوَ مكروهٌ له؟ إذنَ معناه أن الله يُجْبَرُ، يَعْنِي يفعل شيئًا وَهُوَ يَكْرَهُه، وهَذَا ما يَكُونُ إِلَّا فِي فاعلٍ يُجبَر، فهل الله تَعَالَى يُجْبَر؟\nنَقُول: لا، إذنْ كيف تقول: إن فِي الحكْم الكونيّ ما هُوَ مكروهٌ لله؟\nنَقُول: معناه هُوَ مكروهٌ من وجهٍ ومحبوبٌ من وجهٍ آخرَ، فَهُوَ من حَيْثُ ذَاتُهُ مكروه لله ﷾، كالمَعاصِي، فالله تَعَالَى يقدِّر المَعاصِيَ مَعَ أنَّهُ يَكْرَهُها، لَكِنَّهُ محبوبٌ إليه من وجهٍ آخرَ، وَيكُون هَذَا الوجهُ أقوى منَ الوجهِ الآخرِ فيقع هَذَا الشَّيْء.\nإِذَنْ: حَكيم مُشْتَقَّة مِنَ الحكْمِ والإحكامِ، والحُكْم المتَّصِف به الله ﷾ يَنقسم إِلَى قسمينِ: كَوْنيّ وشَرْعِيّ، ولكلٍّ مِنْهما حُكْم، فالحُكْمُ الشَّرْعِيّ لا يَلزَم منه وُقوع المحكومِ به؛ لِأنَّهُ قد يَقَع وقد لا يقعُ، والحكمُ الكونيُّ يَلزَم منه وقوعُ المحكومِ","vol":"1","page":39},{"text":"به بكلِّ حالٍ. أَمَّا انقسامهما من حَيْثُ الكراهةُ والبُغْضُ للهِ فنَقُولُ: كلاهما محبوبٌ ومكروهٌ للهِ ﷾.\nفالحكم الشَّرْعِيُّ منه محبوبٌ ومنه مكروهٌ، بمعنى المحكوم به، يعني مثلًا حَكَمَ الله ﷾ بتحريمِ الزِّنَا لِأَنَّ الزِّنَا مكروهٌ إليه، وحَكَمَ بوجوبِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الصَّلَاة محبوبة إليه، وَأَمَّا نفسُ الحُكْم الَّذِي هُوَ فِعْلُه فهَذَا أمر معروفٌ أنَّهُ ما حَكَمَ بهَذَا الشَّيْءِ إِلَّا وَهُوَ يحبُّ أن يَكُونَ كذلك؛ فيحب ترك الزِّنَا ويحب فِعْلُ الصَّلَاة.\nأمَّا بالنِّسْبَةِ للإحْكَام، فالإحكامُ بمعنى الإتقان، وهو الحِكْمة، أي تَنْزِيل الأَشْيَاء فِي مَنَازِلها ووَضْعها فِي مَوَاضِعها، فلَا شَكَّ أنَّ هَذَا إتقانٌ، واللهُ تَعَالَى متَّصِفٌ بالحِكْمَةِ البالغةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ [القمر: ٥]، فهي وضعُ الأَشْيَاءِ فِي مواضعها.\nوقد ذَكَرْنا فِي التَّوحيدِ ونُعِيده الْآنَ للتذكيرِ؛ أنَّ الحِكْمَةَ تكونُ فِي صورةِ الشَّيْءِ، وَفِي غايته؛ فِي صورة الشَّيْءِ ووقوعِهِ عَلَى هَذَا النحو، وتكونُ أيضًا فِي غايةِ هَذَا الشَّيْء، وتكونُ الحِكْمَةُ فِي الأُمُور الشَّرْعِيَّة وَفِي الأُمُور الْقَدَرِيَّة؛ لِأَنَّ الحُكْمين السابقينِ -الكونيّ والشرعيّ- كلاهما مُشتمِل عَلَى الحِكمةِ، فعلى هَذَا تكون الحِكْمَة فِي الأحكامِ الكونيَّة وَفِي الأحكام الشَّرْعِيَّة، وتكون صوريَّة، بمعنى أَنَّهُ عَلَى هذهِ الصورة المعينة حِكمة، وغائيَّة بمعنى ما ينتج منه من الغايات المحمودةِ.\nعندما تَتَأَمَّل الشَّرِيعَة تَجِد أنَّ وَضْعَها عَلَى ما هِيَ عليه فِي غايةِ الحِكْمَةِ؛ لِأَنَّهَا كلَّها تَنْشُدُ المصالحَ وتَدْرَأُ المفاسدَ، هذه القاعدة الْعَامَّة فِي الشَّرِيعَة. إذن فهي عَلَى هَذَا الوجهِ أو بهَذه الصور موافِقَةٌ للحِكمة.","vol":"1","page":40},{"text":"ثم هناك الحِكْمَة الغائيَّة: فثَمَرَةُ هذه الشَّرِيعَة والتمسُّك بها هِيَ السعادةُ فِي الدُّنْيا وَفِي الآخِرَة، وهَذِهِ لَا شَكَّ أَنَّهَا غاية محمودةٌ، وأن تشريعَ الأُمُورِ من أجلِ هذه الغايةِ حِكْمَةٌ.\nكذلك نأتي إِلَى الأُمُور الْقَدَرِيَّة، نَقُول: الأُمُور الْقَدَرِيَّة أيضًا وَضْعُها عَلَى ما هِيَ عليه بهَذهِ الصورةِ هُوَ حِكْمة، ثُمَّ الغاية مِنْهَا حِكْمَة أيضًا، ولكِن هذه الحِكْمَة فِي صورة الشَّيْءِ وَفي غايةِ الشَّيْءِ شَرعًا أو قَدَرًا قد تكونُ معلومةً للعبادِ، وقد تكونُ مجهولةً. وفَرْضُنَا نحن فيما نَجْهَلُه من حُكْمِ هذه الأُمُورِ الإِيمانُ والتسليمُ، نحن نؤمنُ بأنَّه ما من شيءٍ يَشرَعُه الله وما من شيءٍ يَفْعَلُه الله إِلَّا ولى حِكْمَةٌ؛ ويَجِبُ علينا أنْ نُؤْمِنَ بهَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا مقتضَى وصفِهِ بالحكيمِ، لَكِنَنَّا قد نفهم هَذَا الشَّيْء وقد لا نَفهمه، قَالَ تَعَالَى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ لا تُؤتى كُلَّ النَّاسِ ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، لكِنْ عَلَيْنَا أنْ نُؤْمِنَ هَذَا الإِيمانَ، ونحن إذا آمنَّا هَذَا الإِيمان فسوفَ نَسْتَسْلِمُ وسوفَ نَرضى بالشرعِ وبالقدرِ؛ لأَنَّنا نعلم أن هَذَا لحكمةٍ.\nعندما نَتَأَمَّل الْآنَ أحوال المُسلِمينَ وضَعْفَ دِينهم وانصرافَهم عنِ الدِّينِ، لَا شَكَّ أن هَذَا يُهِمُّنا ويُحزِننا، ولَكِننا إذا نَظَرْنا إليه من جهةٍ أخرى وجدنا أنَّهُ مقدَّر من جهةِ اللهِ، وَأنَّهُ لَا بُدَّ أن يَكُونَ، فلهَذَا حِكْمَةٌ لَكِنَنّا قد لا نَعْلَمُها نحنُ. وهَذَا يَجِب أن تَجْعَلَه جاريًا عَلَى جميعِ أحوالِكَ الخاصَّة والْعَامَّة، أنك تَتيقَّن أنَّ هَذَا لحِكْمَةٍ، ولكِن تَيقُّننا للحكمةِ لا يَمْنَعُنا من فعلِ الأَسْبَاب الشَّرْعِيَّة الَّتِي أُمرنا بها.\nومثالُ ذلك هَذَا المثال الَّذِي ذَكَرْنا؛ مسألة ضَعْف المُسلِمينَ وانْصِرَافِهِم، هَذَا يُوجِب لنا أن نَتحرَّكَ أكثر للدعوةِ إِلَى الإِسْلامِ وبَيَان محاسنِهِ، والتحذيرِ من مخالفتِه،","vol":"1","page":41},{"text":"وسُوءِ العاقبةِ للعُصَاةِ والفاسقينَ، وهَذَا مِنَ الحِكْمَةِ أَنْ يَتَحَرَّكَ أهلُ الخير للدعوةِ إِلَى اللهِ ﷾ وبَيَان الحقّ وبَيَان العاقبةِ الحميدة لمن تَمسَّكَ بدينِ اللهِ؛ لأجل أنْ يَكْثُرَ ثوابُهم ولأجلِ أنْ يَدْخُلَ النَّاس فِي دين اللهِ عنِ اقتناعٍ؛ لأني أتصوَّرُ أن النَّاس لو مثلًا وُجِدُوا عَلَى حالةٍ معيَّنةٍ فهم لا يُدْرِكُون هذه الحالة المعينة عَلَى حقيقتها؛ لِأَنَّهَا أمرٌ معتادٌ عندهم، وقد لا يَفهمون ما يَنْتُجُ عنها من خيرٍ أو من شرٍّ، لكِن عندما يُوغِلون فِي الشرّ وَينتَهُون إِلَى غايته، ثُمَّ يُبَيَّنُ لهم الحقّ ويَرجعون إليه، يَكُون هَذَا أحسنَ حالًا منَ الحالِ الأُولى، وهم الَّذِينَ وجدوا آباءَهم عَلَى شيءٍ فَمَشَوا عليه؛ لِأَنَّهُم الْآنَ سوف يأتون عنِ اقتناعٍ وعن محبَّة لهذَا الأَمْرِ الجديدِ الَّذِي بُيِّن لهم.\nولذلك الْآنَ -والحمدُ لله- هُنَاكَ بادرةٌ طيِّبة فِي جميعِ الأقطارِ الإِسْلاميَّة، وهي بادرةُ الرجوعِ إِلَى الإِسْلامِ عنِ اقتناعٍ، ولَا شَكَّ في ذلك، وهَذَا منَ الحِكْمَةِ أنَّ اللهَ ﷾ يُقَدِّر مثل هذه الأُمُورِ المكروهةِ فِي الدينِ لأجلِ أنْ تكونَ غايةً لمِا هُوَ أحمدُ.\nقوله: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ العليم معناه المتَّصِف بالعِلْم، والعلمُ كما حدَّه أهلُ الأصولِ: هُوَ إدراكُ الشَّيْءِ عَلَى ما هُوَ عليه إدراكًا جازمًا مطابقًا. ولَا شَكَّ أنَّ اللهَ ﷾ له مِن هَذَا الوصفِ أَتمُّه وأعلاهُ، فَهُوَ عليمٌ عِلمًا مُطْلَقًا، لم يُسْبَق بجهلٍ ولم يُلحَق بنسيانٍ، ولا يحدُّ بحدٍّ. وعلم المخلوق مسبوق بالجهلِ وملحَق بالنسيانِ ومحدودٌ أيضًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، بِخلافِ علمِ اللهِ ﷾.\nوهنا قُدِّمَ الحكيمُ عَلَى العليمِ، وأكثر ما يَرِد فِي القرآن تقديمُ العليمِ عَلَى الحكيمِ، فما هِيَ الحِكْمَةُ من تقديمِ الحكيمِ هنا عَلَى العليمِ؟","vol":"1","page":42},{"text":"نَقُول: الْقُرْآنُ مُشتمِلٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ، والشَّرِيعَةُ فيها أوامرُ ونواهٍ، وإذا لم نَعْتَقِدْ أنَّ هذه الأوامرَ والنواهيَ مبنيَّة عَلَى الحِكْمَةِ فَإِنَّهُ يَضعُف انقيادُنا لها، فلهَذَا قدّم الحِكمةَ. أَمَّا العلمُ فَإنَّهُ مفهومٌ مِن قولِهِ: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾؛ لِأنَّهُ بمجرَّد تَلَقِّي الْقُرْآنِ يَكُونُ العلمُ. لكِن هل هَذَا الموجود فِي القرآن موافِقٌ للحِكْمة؟\nنعمْ هُوَ موافِقٌ فِي الواقعِ، ولذلك قُدِّمَتِ الحِكْمَةُ لأجلِ أنْ يَشعرَ الْإِنْسَانُ قبلَ كُلِّ شيءٍ بأنَّ ما تَلَقَّاه الرَّسُول ﵊ مِنَ الْقُرْآن هو حِكمةٌ.\nنظير ذلكَ فِي سور الذَّارِيات قَالَ تَعَالَى: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات: ٢٩، ٣٠]، ولم يَقُلِ: العليمُ الحكيمُ؛ لِأَنَّ ولادةَ العجوزِ أمرٌ خارجٌ عنِ العادةِ، وعن المألوفِ، فكيف تَلِد العجوز ولماذا؟ ! فقُدِّمَتِ الحِكْمَةُ لأجلِ أن يشعرَ الْإِنْسَان قبل كُلّ شيءٍ أن هَذَا الأَمْرَ النادرَ الخارجَ عنِ العادةِ صادرٌ عن حكمةٍ وَلَيْسَ عن سَفَهٍ ولا عن صُدْفَةٍ.\nإِذَنْ: هذه الآيةُ نَقُول في مثلها: قدّم اسمَ الحكيمِ الَّذِي يَدُلّ عَلَى وصفِ اللهِ تَعَالَى بالحِكمة فِي هَذَا المقامِ؛ لِأَنَّ ما يُلَقَّاه الرَّسُول - ﷺ - من القرآن مُشْتَمِل عَلَى التشريعِ الَّذِي يَحتاج إِلَى بَيَان الحِكْمَةِ فيه، حَتَّى يَقتنع به المرء، فلذلك قُدِّمَتِ الحِكْمَةُ عَلَى العلمِ. أَمَّا العلمُ فَإِنَّهُ مفهومٌ من كلمةِ (تُلقَى)؛ إذ إِنَّهُ إذا لُقِّيَ القرآن فقد عَلِم، لذلك صار العلم فِي المرتبةِ الثَّانِيَةِ.\nمسألة: ما هِيَ الحِكْمَةُ من جمع الحِكْمَةِ والعلمِ: حكيم وعليمٌ، ودائمًا فِي الْقُرْآنِ تجد أن الحكيم مقرونٌ بالعليمِ كثيرًا، ويُقْرَن بالعزيزِ (عزيز حكيم) أيضًا، فما هِيَ الحِكْمَة من ذلك؟","vol":"1","page":43},{"text":"الجواب البيِّن أن نَقُول: إن الحِكْمَةَ قد تَخفى عَلَى بعضِ النَّاسِ، فخَفاؤها علينا هنا لا يَقتضي أَنَّهَا ليستْ معلومةً عند اللهِ، فكأنه جمعَ بينهما لِيَتبَيَّنَ أن هذه الحِكْمَةَ معلومةٌ عندَ اللهِ، وإنْ خَفِيَتْ علينا، فَهُوَ حكيمٌ عليمٌ يَضَعُ الأَشْيَاءَ فِي مواضِعِها، وإنْ خَفِيَ علينا ذلك. فلا نَقُول: إنَّهُ إذا شَرَعَ الله شيئًا أو قضَى بشيءٍ فهَذَا لَيْسَ عن علمٍ؛ بل هُوَ عن علمٍ، حَتَّى لو فُرض أننا نحن لم نعلمْ حِكمته ووجهته، فهَذَا هُوَ وَجه الجمعِ فِي الْقُرْآنِ الكريمِ فِي آياتٍ كثيرةٍ بينَ العلمِ والحِكْمَةِ.\nالخلاصة أن نَقُول: لمَّا كانت الحِكْمَة تَخفى عَلَى العبادِ قَرَنَها الله تَعَالَى بالعلمِ لِيَطْمَئِنَّ المرء إِلَى أن هذه الحِكْمَة معلومة عند الله ﷿، وإن كانتْ خافيةً علينا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> التأكيد بـ (إن) و(اللام) عَلَى أن الْقُرْآن من عندِ اللهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> أن الْقُرْآن كلامُ اللهِ؛ لِأَنَّهُ نزل من لدنه، والْقُرْآن صفة المتكلّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ:</span> دفاع الله ﵎ عَن أهلِ ولايته؛ لِأَنَّ هَذَا لَا شَكَّ أنَّهُ دفاع من الله جل وَعلَا عن الرَّسُول - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ:</span> إثبات العلم والحِكْمَة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ:</span> إثبات نبوَّته ورسالته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:</span> مُراعاة المقام فِي التَّعبير يُعتبر من الفصَاحة، فغالب الآياتِ يقدّم العلم عَلَى الحِكْمَة، وأحيانًا تُقدَّم الحِكْمَة عَلَى العلمِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:</span> أنَّ حِكمة اللهِ ﵎ مَبْنِيَّةٌ عَلَى العلمِ، والظَّاهر أن العلمَ سابِقٌ حَسَب ذِهن الْإِنْسَان، فإن العلم يَسبق الحِكْمَةَ، كيف تدري هَذَا مناسب","vol":"1","page":44},{"text":"أو غير مناسب؟ إذا علِمتَ أنَّهُ مناسب ووضعتَه فِي محلّه، المهم أن حكمة الله تَعَالَى ما جاءتْ عَفْوًا، قد يفعل الواحدُ مِنَّا الشَّيْءَ وَيكُون هَذَا الشَّيْء فِي مَوْضِعِه، لَكِنَّهُ قد يَكُون جاء عفوًا، كما يَقُول النَّاس: (عميان طاحَ فِي خِرْقةٍ) لكِن حِكمة الله ﵎ صادرةٌ عن علمٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ:</span> إقناعُ النَّاسِ بما يَقضيه اللهُ ﵎ مِن قضاءٍ قَدَرِيّ، أو قضاءٍ شَرْعِي، وجهُ ذلكَ: أننا إذا علِمنا أنَّهُ صادرٌ عن حكمةٍ فإنَّنا نُسَلِّم ونَرْضَى ولا نَقُول: لم وكيف؟ فإنْ علِمنا الحِكْمَةَ فهَذَا منَ الله ﷾ وَهُوَ لَا شَكَّ أنَّهُ يَزيدُ فِي طُمأنينةِ العبدِ، وإذا لم نَعْلَمْ فإنَّنا نَجْزِم أنَّهُ لحِكمةٍ.\n* * *","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>الآية (٧)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: ٧].\n* * *\n\nقوله: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى﴾ المفسِّر ﵀ قَالَ: [اذْكُرْ ﴿إِذْ قَالَ﴾]، وهَذهِ طريقتُه، وهي أيضًا معروفة عندَ النحْويِّين أنَّ ﴿إِذ﴾ ظرف، والظرفُ لَا بُدَّ له من عاملٍ، وَهُوَ المتعلّق، فيقدِّرون: (اذْكُرْ) دائمًا فِي مثل هَذَا التركيبِ: اذكر ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾.\nوموسى معروف أنَّه هوَ ابنُ عِمران، لكِن ما هُوَ الجواب البيِّن.\nإِذَا قَالَ قَائِلٌ: إن موسى أخو مَرْيَمَ؟ لِأَنَّ هَذَا موسى بنُ عِمْرَانَ، وهي مَرْيَم بنتُ عِمرانَ، وموسى أخو هَارُون، واللهُ تَعَالَى يَقُول: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨]؟\nنَقُول: إنهم يُسَمّون بأسماءِ أنبيائِهم، والتاريخُ كما هُوَ معروف بينَ موسى ومَريمَ بعيدٌ جدًّا، فموسى - ﷺ - هُوَ أفضل أنبياء بني إسرائيلَ، ويقع بين أُولِي العَزْمِ فِي المرتبةِ الثَّالثةِ؛ لِأَنَّ أولي العزمِ منَ الرُّسُل -عليهم الصَّلَاة والسلام- أفضلهم النَّبِيّ - ﷺ -، ثُمَّ إبراهيم، ثُمَّ موسى، ثم عيسى ونوح؛ لا يجد الْإِنْسَان بينهما مفاضلةً؛ لِأَنَّ لكلِّ واحدٍ منهما مَزِيَّة ليستْ للآخَرِ، ولهَذَا لا نرجِّح واحدًا منهما عَلَى الآخَرِ، أَمَّا الأوَّلون الثلاثة فالترجيحُ بينهم واضِحٌ.\nوأمَّا قوله تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ","vol":"1","page":46},{"text":"وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى: ١٣]، فالظَّاهر -واللهُ أَعْلَمُ- أنَّ نوحًا قُدِّم هنا لِأَنَّ رسالتَه أوَّلُ الرسالاتِ، وَلَيْسَ لِأَنهُ أفضلُ، ولَا شَكَّ أنهُ أوَّلُ رسولٍ، والترجيح هنا لبَيَان الفضلِ، أَمَّا المفاضَلَةُ عَلَى سبيلِ المفاخَرَة فلا تجوز، ومثال ذلك قِصَّةُ اليهوديِّ مَعَ المسلمِ (^١).\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل مَريم كَانَ لها أخ اسمه هارون كما فِي قوله تَعَالَى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨]؟\nفالجواب: بلى.\nلَكِنْ لَوْ قِيلَ: إنَّ أُمَّها نَذَرَتْ ما فِي بطنها لله ﷾؟\nفالجواب: يجوز أن يَكُون أخًا من أبيها.\nقوله (^٢): ﴿لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا ...﴾ إِلَى آخر القصةِ، وهَذا من جُملةِ ما يُلقَّاه النَّبِيّ - ﷺ - من الْقُرْآن، وهي قَصَص الأَنْبِياء، وفائدة ذِكر هذه القصصِ ما ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي سورة يُوسُف: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]، ﴿عبرةٌ﴾ نَعتبِر بها فِي أحكامها وَفي عواقبها، ولهَذَا الصَّحيحُ أن ما ذُكِر فِي هَذا القَصَص\n_________\n(^١) نص الحديث عن أبي هريرة: اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ المُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا - ﷺ - عَلَى العَالمِينَ، فِي قَسَمٍ يُقْسِمُ بِهِ، فَقَالَ اليَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى العَالمِينَ، فَرَفَعَ المُسْلِمُ عِنْدَ ذَلِكَ يَدَهُ فَلَطَمَ اليَهُودِيَّ، فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ إِلَى النَّبِىِّ - ﷺ - فَأَخْبَرَهُ الذي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ المُسْلِمِ، فَقَالَ: \"لَا تَخِّيرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِن النَّاسَ يَصْعَقُونَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يفيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بجَانِب العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبلي، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللهُ\". أخرجه البخاري: كَتابَ أحاديث الأنبياء، باب وفاة موسى وذكره بعد، رقم (٣٤٠٨)، ومسلم: كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى - ﷺ -، رقم (٢٣٧٣).\n(^٢) بداية الملف الثاني الوجه الثاني.","vol":"1","page":47},{"text":"من الأحكام فَإِنَّهُ يجوز لنا أنْ نَتَّبِعَه وأنْ نَقْتَدِيَ به؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].\nكذلك نَعتبِر بما جَرَى منَ العواقب للرسُل وأتباعهم، وما جَرَى من العواقب لمخالفيهم، ومعلومٌ أن عاقبةَ الأوَّلينَ عاقبةٌ محمودةٌ، وعاقبةَ الآخِرين عاقبةٌ سيِّئة.\nفمن جُملة القَصَص الَّتِي كثُر ذِكْرُها فِي القرآن قِصَّة موسَى، ولا غَرْوَ أنْ يكْثُر فِي السورِ المَدَنِيَّة؛ لِأَنَّ المَدينَةَ كَانَ بها طائفة منَ اليهودِ حَتَّى يَتبَيَّنَ أمرُهم، ولهذَا فُصِّلَت أحوالهم كثيرًا فِي سورة البقرةِ، وَأَمَّا ذِكرُ قِصَّة موسى فِي السورِ المكّيّة كهَذه السُّورَة فإن فائدتها التوطِئَة والتمهيد للنبيِّ - ﷺ - حَتَى يَكُون عَلَى بَصيرةٍ من أمرِهِم.\nوهَذَا التوجيه -وَهُوَ الاستعدادُ للمُسْتَقْبَلِ- سَلَكَهُ النَّبِيّ - ﷺ - أخذًا بتوجيهِ الْقُرآنِ حينما قَالَ لمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: \"إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كتَابٍ\" (^١).\nوقوله: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾ وقد تكلَّمنا عَلَى موسى - ﷺ - وَأنَّهُ موسى بنُ عِمْرَان وَأنهُ أفضلُ أنبياءِ بني إسرائيلَ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لِأَهْلِهِ﴾ زوجته عندَ مَسِيرِهِ مِن مَدْيَنَ إِلَى مِصْر]، يَقُول ﵀: زَوْجته، أفلا يَحتمِل أن يَكُون زوجته وأُمّه وأباه ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؟\nنَقُول: لا؛ لِأنَّهُ خرجَ من مِصْرَ وحيدًا، ثُمَّ الْتَقَى بالمرأتينِ، ثُمَّ اتصلَ بأبيهما، ثُمَّ زَوَّجَه عَلَى أن يَأْجُرَهُ ثمانيَ حِجَجٍ، وانتهتِ الحِجَج.\nوبهَذِهِ المناسبةِ بعض النَّاس يَظُنُّون أنَّ صاحبَ مَدْيَنَ هُوَ شُعَيْبٌ النبيُّ،\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ بن جبل - ﵄ - إلى اليمن قبل حجة الوداع، حديث رقم (٤٠٩٠)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، حديث رقم (١٩)، عن ابن عباس - ﵄ -.","vol":"1","page":48},{"text":"وَلَيْسَ كذلكَ، فإن بينَه وبين موسى بُرْهَة منَ الزمنِ، وإنما صاحب مَدْيَن رجلٌ من أهلِ مَدْيَن، هَذَا هُوَ الصَّحيحُ بِلَا شَكٍّ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾ أبصرتُ من بعيدٍ ﴿نَارًا﴾].\nقوله: ﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾ مَقُولُ القَوْلِ، ولهذا كُسِرَتْ (إنَّ)، وقوله ﵀: [﴿آنَسْتُ﴾ أَبْصَرْتُ من بعيدٍ]، آنسَ بمعنى أبصرَ، وكونها من بعيدٍ لا يَدُلّ عليه اللفظُ فِي الحقيقةِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أن يقالَ: إنَّ الإيناسَ لا يَدُلّ عَلَى القُرْب بسببِ أنَّهُ يَدُلّ عَلَى الخفَاء، والخفَاءُ فِي النَّار لا يَكُونُ إِلَّا إذا كانتْ بعيدةً.\nوقوله: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ السين للتنفيسِ، وقد ذَكَرْنَا فيما سبقَ أَنَّهَا إذا دخلتْ عَلَى الجملةِ -وهي طبعًا لا تدخُلُ إِلَّا عَلَى المضارع- تفيد أمرينِ، هما: القُرب والتحقُّق.\nوقوله: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا﴾: ما الفرقُ بينَ (آتيكُمْ) و(أُوتيكُم)؟ لآتيكم، أي: أَجِيئُكم، وأُوتيكُم بمعنى: أُعْطِيكم، نُصرِّفها فِي غير الآية: أتيتُ مضارعها: آتي، وآتيتُ مضارعها أوتي.\nفي هذه الآية قَالَ: ﴿بِخَبَرٍ﴾ وَفِي آية أُخرى قَالَ: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ [طه: ١٠]، فهل بينهما فرقٌ، أو هما بمعنًى واحدٍ، وإن قُلْنَا بالفرق فما الجمعُ؟\nالجواب: بينهما فرق، والجمعُ: إذا قُلْنَا: إن (لعلَّ) للرجاءِ، فَهُوَ رجا أولًا ثُمَّ قوي وجَزَمَ به، وقال: ﴿بِخَبَرٍ﴾، هَكَذَا قَالَ بعضهم، لكِن يُمْكِن أنْ يَكُونا بمعنًى واحدٍ بدون اختلافٍ؛ لِأَنَّ (لعلَّ) تأتي للتوقُّع، وقد ذَكَرْنا فيما سَبَقَ فِي النحوِ أنَّ (لعلَّ) تكون للترجِّي والإشفاق والتعليل والتوقُّع، وإذا كانت للتوقّع صار معناها التَّوْكيد.","vol":"1","page":49},{"text":"قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ عن حالِ الطريقِ، وَكَانَ قد ضَلَّها]، هَذَا واضحٌ، فالخبرُ الَّذِي يريد هو خبرُ مَن يَدُلُّه عَلَى الطريقِ؛ لأنهُ - ﷺ - كَانَ قد ضلَّها.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ بالإضافةِ للبَيَان وتركها (^١)]، أي: ترك الإضافة، ففيها قراءتانِ: \"أَوْ آتِيكُم بِشِهابِ قَبَسٍ\" أو قراءة ﴿بشِهَابٍ قَبسَ﴾، أَمَّا قراءة \"بِشِهَابِ قَبَسٍ\" فهي للبَيَان كما قَالَ المُفَسِّر، والإضافة إذا كانت للبَيَان فهي عَلَى تقدير (مِن) مثلما يقال: خاتَمُ حديدٍ، أي: خاتم من حديدٍ، فهنا قوله: (شهابِ قَبَس)، أي: شهابٌ من قبس؛ لِأَنَّهَا بَيَانيَّة، وإذا جعلناها: (شِهابٍ قَبَسٍ) صارت قَبَس صِفَة لِشِهَاب، صفة مبيّنة أيضًا، فيَكُون الإضافةُ والقطعُ بمعنًى واحد.\nفي قوله: ﴿أَوْ آتِيكُمْ﴾ هل (أو) هذه مانعة جمع أو مانعة خُلُوّ؟\nوالفرقُ بينهما أن مانعة الجمع معناها أنَّهُ ما يَكُون إِلَّا أحد الأَمْرينِ؛ إِمَّا هَذَا أو هَذَا، ومانعة الخلوّ مَعناها ما يَخْلُو الأَمْرُ من واحدٍ منهما، أو منهما جميعًا، وهي تُشبِه قول النحْوِيِّين: إِنَّ (أو) تأتي للإباحةِ وللتخييرِ، قَالُوا: إذا كانت فِي سياقِ الطلبِ تقول: تزوَّجْ هندًا أو أُختها، فـ (أو) هنا للتخيير وليس للإباحة، وتقول: جالِسْ فلانًا أو فلانًا، وكُلْ خبزًا أو رُزًّا، فـ (أو) هذه للإباحةِ، والَّتي للإباحةِ لا تمَنَع الجمعَ، و(أو) الَّتِي للتخيير تَمنَع الجمعَ، وإذا كانت (أو) فِي خبر جمع فإنَّهم يُسَمُّونها مانعةَ خُلُوٍّ أو مانعة جَمع.\nإِذَنْ: هِيَ مانعة خلوّ، بمعنى أنَّهُ يمكن أنْ يَأْتِيَهم بالأَمْرينِ جميعًا: الدلالة، والشهاب القَبَس، وفُهِمَ من هَذَا الكَلامِ ﴿آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ أنَّ\n_________\n(^١) الحجة في القراءات السبع (ص: ٢٦٩).","vol":"1","page":50},{"text":"الليلةَ كانت باردةً، وما أحوجَ الضالَّ للطريقِ فِي ليلةٍ باردةٍ إِلَى نارٍ يَصطلي بها، وإلى أهل نار يُخبِرونه عن الطريقِ؛ لِأَنَّ النَّار معلومٌ أَنَّهَا ما تكون وحدَها، لَا بُدَّ أن عندها أحدًا يُخْبِر.\nقوله ﵀: [أي: شُعلة نار فِي رأس فَتيلة أو عُود]. هَذَا الشهاب القَبَس، والقبس الَّذِي يُقتبس منه، وهَذِهِ تكون كما قَالَ المُفَسِّر ﵀ شُعلة نار فِي رأسِ فَتيلة أو عودٍ.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ لعلَّ هنا للتعليل، أي: لأجلِ أنْ تَصْطلوا بها، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [والطاء بدلٌ من تاءِ الافتعالِ]، فاصطلى أصلُه (اصتلى) بالتاء عَلَى وزن افْتَعَلَ، لكِن أُبدلتِ التاءُ طاءً لسببٍ صرفيّ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ بالطاء بدل تاءِ الافتعالِ من صَلي بالنَّار بكسرِ اللامِ وفتحها -صلَى- تَسْتَدْفِئون مِنَ البَرْدِ]، وما أحلى النَّارَ الَّتِي يَصطلي بها الْإِنْسَان فِي حالِ البردِ، ولهذَا يَقُول المثل: (النَّار فاكهة الشتاء، والمُكَذِّبُ يَصْطَلي)، وهذا صحيحٌ ومشاهَدٌ.\nذهب موسى - ﷺ - وبقِيَ أهلُه فِي هَذَا المكانِ، وذهب هُوَ وحدَه إِلَى النَّارِ لعلَّه يأتيهم بالخبرِ أو بالشِّهاب.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما الحِكْمَة فِي كون موسى - ﷺ - أُري هَذه النَّار فِي هَذَا المكان؟\nفالجواب: لعلَّ من الحِكْمَةِ أنَّ ذلك المكان بالذاتِ فِي الوادي المقدَّس، فهَذَا الوادي مبارَك ومقدَّس، فصارَ ابتداء الوحيِ من ذاكَ المكانِ، وَأنَّهُ كَانَ - ﷺ - بعيدًا منه، وموسى - ﷺ -.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> حُسْن خُلُق موسى - ﷺ - وذلك لمكالمتِه لأهلِهِ ومراجعته إيَّاهم بما يهمّ الجميع. يعني أَنَّهُ لم يَذْهَبْ هُوَ بدونِ أنْ يقولَ لهم هَذَا القَوْلَ، مِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّه يَترَاجَع معَهم فيما يُهِمُّهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> فِي هَذَا دليل عَلَى أن الزوجةَ مِنَ الأهلِ، وهَذَا هُوَ القَوْل الصَّحيح. فعلى هَذَا آلُ النَّبِيّ - ﷺ - يدخل فيهم أزواجُه، لِأَنَّ الزوجةَ منَ الأهلِ.\nوقدِ اختلفَ العُلَماءُ فيما إذ أوصَى الْإِنْسَان لأهلِهِ أو أوقفَ لأهلِهِ، هل يدخلُ الزوجاتُ فِي ذلكَ أمْ لا؟ والَّذِينَ يَقُولُونَ بعدمِ الدخولِ يَرُدُّون ذلك إِلَى العُرف، وَيقُولُونَ: إنَّ العُرْفَ عند النَّاسِ أنَّ الزوجاتِ لَيْسُوا مِنَ الأهلِ، وإنَّما الأهلُ القرابة.\nوإذا كَانَ هَكَذَا فَإِنَّهُ يقال: الزوجاتُ مِنَ الأهلِ، فإذا أوقفَ الْإِنْسَان عَلَى أهلِ فلانٍ، أو أَوْصَى لهم، دخل فيهم الزوجاتُ بِمُقْتَضَى اللُّغةِ. ثُمَّ إنْ وُجِدَ عُرْفٌ مُضْطَرِدٌ ينافي ذلك رَجعنا فِيهِ إِلَى العرفِ، لأنَّ الصَّحيح أنَّ الأقوال تُرَدُّ معانيها إِلَى أعرافِ النَّاسِ وعاداتهم، فإذا لم يُوجَدْ عُرف رجعنا إِلَى الشرع أو اللُّغة، حَسَب ما يَكُون ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ:</span> أنَّ الأحوال البَشَرِيَّة تَطْرَأُ حَتَّى عَلَى الأَنْبِياء عليهم الصَّلَاة والسلام، فإنَّ موسى فِي تلك الليلةِ كَانَ قد ضلَّ الطريقَ ولم يهتدِ إليه، وقد أصابَهُ البردُ هُوَ وأهله. والأَنْبِياء والرُّسُل لا يَختلفون عن غيرهم إِلَّا فِي الرسالةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [فصلت: ٦]، فالأوَّل: المُماثَلَة فِي البشريَّة، والثاني: الاختصاص بالوحيِ.","vol":"1","page":52},{"text":"فائدة: النبوَّة فوق معرفة الله والتعبُّد له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ:</span> أنَّ الْإِنْسَان لا يُلامُ عَلَى اتِّخاذِ الوقاية الدافعةِ أو الرافِعة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ وهَذِهِ الوقاية دافعةٌ رافعةٌ؛ رافعة للبردِ السابق، ودافعة للبردِ اللاحِق. فاتخاذ الوقايةِ الدافعةِ أو الرافعةِ لا يُلامُ عليه الْإِنْسَان، بل إِنَّهُ ربما يُؤْمَر به أمرَ إيجابٍ أو أمر استحباب، حَسَبَ ما تَقتضيه الحالُ الَّتِي يريد أن يرفعها أو يَدْفَعَها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ:</span> قَبُول خبرِ الثقةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ فالعَمَلُ بخبرِ الثقةِ هَذَا سائغٌ، وَأَمَّا مَن لَيْسَ بثقةٍ فقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦].\nوالنَّاس فِي هَذَا المقام ثلاثةُ أقسامٍ: قِسم يُوثَق به، وقسم لا يُوثَق به، وقسم محُتمل. الَّذِي لا يوثق به لا يُقبَل، والموثوق به يُقبَل، والمجهول أو المحتمل يُتَوَقَّفُ حَتَى يَتبَيَّنَ أَمْرُه.\nوالكَلام هنا عَلَى من يُوثَق به عامَّة أو خاصَّة، فقد يَكُون هَذَا الْإنْسَان معلومَ الحالِ عندي فأثِق به، وَهُوَ عندَ النَّاسِ مجهولٌ يَتَوَقَّفُون فِي أمرِه، فالثِّقَة هُوَ الَّذِي تثِق به.\nمسألة: لو أنَّ رجلًا نظرُه ضعيفٌ، أخبرَ أَنَّهُ رأى الهلالَ، والنَّاسُ الَّذِينَ معه ما رأَوْهُ؟\nلا يُقبل قولُه، ولو كَانَ عَدْلًا، ولهَذَا وقعَ عندَ بعضِ القُضاة فيما سبقَ أنْ تراءى النَّاس الهلالَ فقال شيخ منهم: إني رأيتُ الهلالَ، والنَّاس الَّذِينَ معه أَقوَى منه بَصَرًا","vol":"1","page":53},{"text":"فقَالُوا: ما رأيناهُ. وهَذَا الشيخ فِي حدِّ دينه وأمانتِه موثوق به، وأصرَّ عَلَى أَنَّهُ رأى الهلال، فقال القاضي: ادْنُ منِّي. فدنا منه، فمَسَحَ حاجبَه، فقال له: انظُرْ، قَالَ: الآنَ لا أراه. فإذا هِيَ شعرةٌ بَيضاء. وهَذَا من ذكاءِ القاضي؛ لأَنَّهُ قَالَ: كيف أن النَّاس الَّذِينَ معه ما رَأَوْهُ وَهُوَ رآهُ؟ ! هَذَا لا يمكِن، وَهُوَ ثِقَةٌ وَلَيْسَ برجلٍ مشكوك فِي خَبَره، لكِن قد يَهِمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:</span> قوله: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا﴾ موسى - ﷺ - يخاطِب أهلَه، ففيه دليل عَلَى مخاطبة الواحدِ بلفظِ الجمعِ، وهَذِهِ فائدة لُغَوِيَّة.","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>الآية (٨)</span>\n* * *\n\nقَالَ اللهُ -﷿-: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٨].\n* * *\n\nقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ﴾: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا﴾ الجملة فيها حذفٌ، والتَّقْدير: فذَهَبَ فلمَّا جاءها. ويُسمَّى هَذَا الإيجاز إيجازَ الحذْفِ؛ لِأَنَّ الإيجازَ عندهم فِي البلاغةِ إِمَّا إيجاز قَصْرٍ وَإِمَّا إيجاز حَذْف، فإذا كانت الجملة القصيرةُ تَشتمِل عَلَى معانٍ كثيرةٍ بدون حذفٍ يُسمَّى إيجاز قَصْرٍ، كقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، هَذِهِ جملةٌ مخُتصَرَةٌ، لَكِنَّها تَتَضَمَّنُ معانيَ كثيرة، يُسَمِّي علماءُ البَيَان هَذَا إيجازَ قَصْر، وَهُوَ أن تكونَ الجملةُ قصيرةً لَكِنَّها مُتَضَمِّنة لمعانٍ كثيرةٍ، فإيجازُ الحذفِ مَعناه قِصَر الجملةِ لكِن الجملة نَفْسها لا تَتَضَمَّن معانيَ كثيرةً إِلَّا بتقديرِ أَشْيَاءَ محذوفةٍ. فقولُه هَذَا من إيجاز الحَذْفِ، وأمثلته فِي الْقُرْآن كثيرةٌ، مثل قولِه تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، فيها إيجاز حذفٍ، التَّقْدير: (فأفطرَ فعِدَّة من أيَّامٍ أُخَرَ).\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ﴾ أي: بأنْ ﴿بُورِكَ﴾ أي: باركَ اللهُ ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي: مُوسَى ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي: الملائكة أو العكس].\n﴿نُودِيَ﴾ المنادي هُوَ اللهُ ﷾، الدَّلِيلُ: أَنَّهُ فِي آيَةٍ أُخرى صرَّح بذلك:","vol":"1","page":55},{"text":"﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢]، فالمنادي هُوَ الله جَلَّ وَعَلَا، والنداء لا يلزَم منه القُرب أو البُعد، وقد يَكُون الله ناداهُ من بَعيدٍ ثُمَّ قرَّبه نَجِيًّا، مثلَما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢].\nوقوله: [﴿أَنْ﴾ أي: بأن]، أفادنا المُفَسِّر ﵀ أنَّ (أنْ) هنا مخفَّفة من الثقيلةِ، حينما قَدَّرَ (الباء)، لِأَنَّ تقديرَ الباءِ يَدُلّ عَلَى أنَّ ما بعدها مؤَوَّل بمصدرٍ، وهناك قولٌ آخرُ حيثُ يجعلونَ (أنْ) هنا تفسيريَّة، مثل قوله تَعَالَى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، وَيقُولُونَ: إن ﴿نُودِيَ﴾ متضمِّن لمعنَى القَوْلِ دونَ حروفِهِ، و(أنْ) إذا سُبقت بما يَتَضَمَّنُ معنى القَوْل دون حروفِه فهي تفسيرَّية، ولكِن المَعْنى مِن حَيْثُ المَعْنى واحدٌ، إِنَّمَا الاختلاف فِي الإعرابِ.\nفلَوْ قَالَ قَائِلٌ: قولنا: إن (أن) تفسيريَّة أَلا يَدُلّ عَلَى أن المناداةَ بغيرِ اللُّغةِ العربيَّة؟\nفالجواب: لمَّا سِيقتْ باللُّغةِ العربيَّة أَخذتْ حُكْمَ اللُّغة العربيَّة، والتفسير فِي الحقيقةِ لكلِّ الكَلامِ، يعني ترجمة الكَلام الَّذِي وقعَ منَ الله ﷾ لموسى فِي كُلّ هَذِهِ الجمَل، وَلَيْسَ فقط فِي قولِه: (بُورِكَ).\nقوله: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ قَالَ المفسِّر رَحَمَهُ أللَّهُ: [أي بارك الله ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾]، قدَّر هَذَا ليُتين أن فاعلَ البركةِ هُوَ الله جَلَّ وَعَلَا، وأنَّ (بارك) يتعدَّى بنفسِه، يقال: بارك الله فلانًا، كما يقال: بارك اللهُ بفلانٍ، فَهُوَ يتعدَّى بنفسِه ويتعدَّى بحرف الجرِّ.\nقوله: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾: ﴿مَنْ﴾ إعرابها بدونِ تقديرِ المفسِّر ﵀ اسم موصولٌ فِي محلِّ رفع نائب فاعلٍ.","vol":"1","page":56},{"text":"قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي: موسى ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي: الملائكة، أو العكس]: ﴿مَنْ فِي النَّار﴾ أي: الملائكة ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي: موسى، واحتمال ثالث أن يَكُون ﴿مَنْ فِي النَّار﴾ موسى ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ البلاد الَّتِي حول هَذِهِ النَّار، لِأَنَّ بلاد الشامِ مُبارَكَة، أو ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أَهْله. كُلّ ذلك فِيهِ احتمالٌ.\nقوله: ﴿مَنْ فِي النَّار﴾ فِيهِ إشكالٌ فِي الحقيقةِ؛ لِأَنَّ (في) للظرفيَّة، والنَّار ظرف، فهل موسى فِي النَّار؟ المُفَسِّر قدَّر لهَذَا فقَالَ ﵀: [وبارك يَتَعَدَّى بنفسِه وبالحرفِ، ويُقَدَّر بَعْدَ (في) مكان]، يَعْنِي: (مَنْ فِي مكانِ النَّار)؛ لِأَنَّهُ لو كَانَ فِي النَّار حقيقةً لاحترقَ ولكِن يُقدَّر (مكان).\nفإذا قيل: ما الفائدةُ مِن قولِهِ: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ وحَذْف المكان؟\nقُلْنَا: الفائدة من ذلك -واللهُ أَعْلَمُ- شيئانِ:\nالشَّيْء الأول: القُرْبُ التامُّ منها، والشَّيْء الثاني: أنّ شعاع النَّار قد وصلَ هَذَا القريب منها؛ لِأَنَّ النَّار كما هُوَ معروف لها شُعاع، والْإِنْسَان القريبُ مِنْهَا يَكُون فِي نفسِ الشعاعِ، فكأنه لِقُرْبِه ووصول شُعاع النَّار إليه صارَ كأنه فيها نفسها، وإلا فليسَ هُوَ فِي نفسِ الشعلة، هَذَا لا يمكِن، فهَذَا - واللهُ أَعْلَمُ - الحِكْمَة من كون الله جَلَّ وَعَلَا قَالَ: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾.\nمسألة: كثيرٌ مِنَ المفسِّرين يُكْثِرُون حول هَذَا الموضوعِ وَيقُولُونَ: أرادَ أنْ يأخذَ مِنْهَا شيئًا فاتجهتْ إليه ثُمَّ انْقَلَبَتْ إِلَى نورٍ وهَكَذَا؟\nالجواب: النَّار هنا نار حقيقيَّة، هَذَا هُوَ الأَصْلُ، وَأَمَّا قول مَن يَقُول: إِنَّهَا نورٌ، وإنَّما هِيَ نار فِي اعتقادِ مُوسى فنَقُول له: ما لنا أن نَقُولَ إِلَّا ما قَالَ الله، والله تَعَالَى","vol":"1","page":57},{"text":"عَلَى كُلِّ شَيْء قدير، ثُمَّ هَذِهِ النَّار لا ندري ما وَقُودُها، ما لنا أن نتكلَّم والله تَعَالَى يَقُول: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩]، فكلُّ عِلم يأتينا عن هذه الأمم من غير الْقُرْآن أو صحيح السنَّة فليس بشيءٍ، غاية ما هنالك أن يَكُونَ من أقوالِ بني إسرائيلَ الَّتِي لا تُصدَّق ولا تُكذَّب، ولهَذَا القَصَص لا يجوز أن نتعدَّى فيها الْقُرْآن إِلَّا ما جاءتْ به السنَّة، لِأَنَّ قوله: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩]، معناه: قطع أي خبر يأتي من غيرِ طريقِ اللهِ، لأَنَّهُ لو كَانَ هناك أخبار صحيحة تأتي من غيرِ اللهِ لكان الله يعلمها، وهَؤُلَاءِ المخبِرون أيضًا يعلمونها، والله تَعَالَى حَصَرَ فقال: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ وهَذَا من أقوى طُرُق الحصرِ الَّذِي هُوَ النفيُ والإثباتُ، قال: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ فهَذِهِ الآيَة تُبيِّن لنا أنَّ كُلّ ما يُقال فِي هَذِهِ القصة، وكذلك فِي قِصَّة سُلَيْمَان وداودَ ﵉ وغيرهما، أَنَّهَا مسائل إن كَانَ الشرع يُنافيها أو مَقام النبوَّة ينافيها فهي باطلة وكذِب، كما فِي قِصَّة داودَ الَّتِي سَبَقَتْ فِي قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣] إِلَى آخرهِ، وإن كَانَ لا يكذبها فموقفنا مِنْهَا أن نَقُولَ: لا نُصَدِّق ولا نُكَذِّب، أَمَّا أن نفسِّر بها كلامَ اللهِ فلا يجوز.\nقَالَ المُفَسِّر -﵀-: [﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ من جملة ما نُودِيَ، ومعناه تنزيه اللهِ منَ السُّوء]، يَقصد معنى التسبيح، ومعلومٌ للجميعِ أنَّ ﴿سُبْحَانَ﴾ اسْم مصدر، وأن عاملَه محذوفٌ دائمًا، وَأنَّهُ مُلازِمٌ للإضافةِ، كُلّ هَذَا شَيْء معلوم وأن معنى ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أي: تنزيه الله ﷾ عن كُلّ نقصٍ وعيبٍ، لكِن هل الجملة هنا خَبَريَّة بمعنى الطلبِ أو خبريَّة عَلَى ظَاهِرِهَا؟\nيقولُ بعضُ المفسّرينَ: إِنَّهَا تَعْجِيبٌ لموسى، بمعنى: اعْجَبْ وسَبّحِ اللهَ تَعَالَى","vol":"1","page":58},{"text":"عمَّا لا يليق به، وأن هَذَا الأَمْر الَّذِي رأيتَ والكَلامَ الَّذِي سمِعتَ ما هُوَ إِلَّا كلامُ ربِّ العالمينَ، فسبحانَ الله ربّ العالمينَ.\nفعلى هَذَا تكون الجملة الخبريَّة هنا من حَيْثُ المَعْنى طَلَبيَّةً، أي: سَبِّحِ اللهَ ربَّ العالمينَ عمَّا لا يَلِيقُ به، وإذا قُلْنَا: إِنَّهَا عَلَى ظاهرها صارَ معناها ثناءً مِنَ الله -﷿- المُكَلِّم المنادِي عَلَى نفسِه، فأيّ المعنيينِ أشملُ؟ الأوَّل: أي أنَّها طَلَبِيَّة؛ لِأَنَّهَا تَتَضَمَّن إذا أُمِرَ بها موسى أن اللهَ أهلٌ لها، فهَذَا هُوَ الجبَر، وتَتَضَمَّن الزيادة الثانيَةَ، وهي تعجيبُ موسى ﵊ واعتقاده بأن الله ﷾ مُنَزَّهٌ عن كُلِّ عَيبٍ.\nوقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ما معنى الربِّ؟ المالِك المتَصَرِّفُ، لَكِنَّها أيضًا مُتَضَمِّنة لمعنى أدَقَّ وَهُوَ التربيَة، فَهُوَ يُرَبِّي مَعَ كونه مُدَبِّرًا خالقًا مُتَصَرِّفًا، و(العالمين): كُلّ مَن سِوَى الله فَهُوَ من العالمين، وسُمُّوا عالمَينَ قيل: لِأَنَّهُم عَلَم عَلَى خالقِهم ودليلٌ عليه؛ فإنَّ كُلّ ما فِي الكونِ شاهدٌ بوَحْدَانِيَّة الله ﵎، وبما تقتضيه هَذِهِ الأكوانُ من معاني رُبُوبيتهِ.\nوقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ معناها أَنَّهُ يربِّي عبادَه تَرْبِيَةً حِسِّيَّة ومَعْنَوِيَّة، فالتَّرْبِيَة الحِسِّيَّة نَضرب لها مثلًا بالْإِنْسَان، كونه فِي الخِلْقَة يَتَطَوَّر من شيءٍ إِلَى شيءٍ عَقلًا وجِسمًا وفِكرًا، فهَذِهِ تربيَة، ولو فَرَضْنا أن هَذَا الطفلَ الصغيرَ عَقْلُه كالكبيرِ، فلا يمكن أن يعيشَ؛ لِأَنَّهُ لا يَتحمَّل الأَشْيَاء الَّتِي تُقابله، مثلًا لو تركته أُمُّه وذهبت عنه لا يَستقِرّ أبدًا، وبدأ يُدبِّر ويقول: افعلوا كذا وافعلوا كذا، وكذلك بالعكسِ لو كَانَ الكبير بعقلِ الصغيرِ ما استطاعَ أن يعملَ شيئًا، وهَكَذَا أيضًا الطعام يأتي إِلَى الْإِنْسَان شيئًا فشيئًا، فهَذَا من التربية الحسِّيَّة. وبالنِّسْبَة للتربية المعنويَّة فظاهرٌ أن الله ﷾ يُرَبِّي عبادَهُ بالعلمِ النافع شيئًا فشيئًا.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> إثبات كلامِ اللهِ ﷾؛ لِقَوْلِهِ: ﴿نُودِيَ﴾، والنداء لا يَلْزَمُ منه القُرْب أو البُعْد، فقد يَكُون الله ناداه من بعيدٍ ثُمَّ قَرَّبَهُ نَجِيًّا كما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢].\nفَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: الفِعْل هنا مبنيٌّ للمجهولِ، لم يُبَيَّن مَنِ المنادِي، فلا دليلَ فِيهِ عَلَى كلام الله، فما الجوابُ؟\nأولًا: التصريح فِي آيَاتٍ أُخرى، وثانيًا: أيضًا قوله فِي سياق الكَلامِ: ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل: ٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> أنَّ كلامَ اللهِ تَعَالَى بصوتٍ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿نُودِيَ﴾ والنداء لا يَكُون إِلَّا بصوتٍ، ففيه ردٌّ عَلَى طائفتينِ تَقَدَّمَ قولهما: الأشاعرة وَالْكُلَّابِيَّة، الَّذِينَ يَقُوُلونَ: إن كلامَ الله تَعَالَى معنًى قائمٌ بنفسِهِ، وهَذَا القَوْل باطلٌ بأوجهٍ كثيرةٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ:</span> أَنَّهُ ينبغي إيناس المُسْتَوْحِش، فيَنبغِي أن تقول له أو تفعل معه ما يُؤْنِسُهُ لِيَطْمَئِنَّ، ويَكُون قابلًا لما يُلْقَى إليه؛ لِأَنَّ المستوحِشَ لا يَقبل ما يُلقى إليه، بمعنى: أَنَّهُ لا يَتمَكّن من قبوله؛ لِقَوْلِهِ: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ فإنَّ إثباتَ البركةِ لمِن فِي النَّار ومن حولها يَزداد به طمأنينةً بلَا شَكّ، ولهَذَا أوَّل ما خاطبهُ الله فِي هَذِهِ الآيَة قَالَ: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ:</span> وفيه دليل عَلَى تنزيهِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عمَّا لا يَليق به؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ:</span> وفيه دليلٌ عَلَى عمومِ رُبُوبِيَّة اللهِ ﷾؛ لِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وهل معه ربٌّ آخَرُ؟","vol":"1","page":60},{"text":"لو كَانَ معه ربٌّ آخرُ لم يكنِ اللهُ تَعَالَى ربًّا للعالمينَ، بل ربًّا لبعضِ العالمينَ، والله ﷾ ربُّ العالمينَ.\nوقد ذكر اللهُ ﷾ أَنَّهُ لا يمكِن أنْ يَكُونَ مَعَ الله إلهٌ آخرُ عَقْلًا، فقال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ولم تَفْسُدا، فدلَّ عَلَى امتناعِ تَعَدُّدِ الآلهةِ، فامتناع فسادهما دلَّ عَلَى امتناع تَعَدُّدِ الآلهة. وقال تَعَالَى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١]، وهَذَا أمرٌ لم يَكُنْ.\nفإثبات وَحدانِيَّة الله ﷾ فِي رُبُوبيَّته معلوم، حَتَّى المشركون فِي عهد الرَّسُول - ﷺ - كانوا يُقِرُّونَ بوَحْدَانِيَّتِه فِي الرُّبُوبِيَّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:</span> ثناءُ اللهِ ﷾ عَلَى نفسِه، وأن ذلك من كماله؛ فَإِنَّهُ أثنى عَلَى نفسه بِقَوْلِهِ: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أثنى عَلَى نفسِهِ بنفيٍ وإثباتٍ؛ النفي: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ والإثبات: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nومن هنا نعرِفُ أَنَّهُ لا يَتِمُّ كمال الأوصاف إِلَّا بهذينِ الأَمْرينِ، وهما: النفي والإثبات؛ لِأَنَّ إثبات الكمالات فقط لا يَدُلّ عَلَى نفي النقائصِ، ونفي النقائص فقطْ لا يَدُلّ عَلَى إثباتِ الكمالاتِ، وباجتماعهما يَحصُل الكمالُ المطلَق، ولهَذَا قَالُوا: لَا بُدَّ من تَخْلِيَةٍ وتَحْلِيَةٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:</span> أن جميع الخلق مَرْبُوبُونَ لله ﵎، يَتَصَرَّف فيهم بمُقتضى رُبُوبِيَّتِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولهَذَا حُكْمُ الرُّبُوبِيَّة ما أحد يَستطيع أن يخالفَه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ:</span> أن أرض الشام مُبارَكة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>الآية (٩)</span>\n* * *\n\nقَالَ اللهُ -﷿-: ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل: ٩].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿يَامُوسَى إِنَّهُ﴾ أي: الشأن ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾]، هَذَا تفسير الضَّمير، وضَمير الشأن هُوَ ضَمير يَتَّصِل ويفَسَّر بالجملة الَّتِي بعده، فعلى هَذَا يَكُون ﴿إِنَّهُ﴾ هَذَا الشأن، وَيكُون قوله: ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تفسيرًا لهَذَا الضَّميرِ.\nأمَّا مِن حَيْثُ الإعرابُ فإنَّنا نَقُول: (إنَّ) حرف توكيد ينصِب الاسم ويرفع الخبر، والهاء اسمها و﴿أَنَا اللَّهُ﴾ مبتدأ وخبَر، والجملة فِي محلِّ رفع خبر إنَّ.\nوقال بعض المفسِّرين: ﴿إِنَّهُ أَنَا﴾ فرأَوْا أن الهاءَ ضَميرٌ حقيقيٌّ للمتكلِّم، لا ضَمير شأن. ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّهُ أَنَا﴾ يعني أنَّ الله قَالَ لموسى: إنَّ الَّذِي يُكَلِّمك أنا، وكلمة ﴿إِنَّهُ أَنَا﴾ لا يَتبَيَّن مِنْهَا مَن هو، ولهَذَا نُهيَ الْإنْسَان أن يَقُول إذا استأذنَ عندَ البابِ وَقِيلَ له: مَن؟ أن يَقُول: أنا (^١).\nإِذَنْ: (أنا) هنا مُبْهَمَةٌ، ثُمَّ بيَّن هَذَا الضَّمير بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وَعَلَى هَذَا تكون (إن) حرفَ توكيدٍ يَنْصِب المبتدأَ ويرفعُ الخبرَ، والهاء اسمها، وَلَيْسَ ضَمير\n_________\n(^١) انظر: صحيح البخاري، كتاب الاستئذان، باب (إذا قَالَ: من ذا؟ قَالَ: أنا)، حديث رقم (٥٨٩٦)؛ صحيح مسلم، كتاب الآداب، باب (كراهة قول المستأذن: أنا، إذا قيل: من هذا)، حديث رقم (٢١٥٥)، عن جابر بن عبد الله - ﵄ -.","vol":"1","page":62},{"text":"شأنٍ، و(أنا) خبرها، وجملة: ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تكون بَيَانا للضَميرِ، (الله) مبتدأ، و(العزيز) خبر، و(الحكيم) خبر ثانٍ، وهي بَيَان لـ (أنا)، وعلى الأوَّل يَرَوْنَ أن جملة ﴿أَنَا اللَّهُ﴾ هِيَ الخبر، لكِن ما سَلَكَه المُفَسِّر ﵀ أقربُ، وإنْ كَانَ الثاني محُتمَلًا، يَعْنِي أنَّ الثانيَ يَستقيم لكِن الأوَّل أقوى: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الشأن ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، فهَذَا الَّذِي قدَّره المُفَسِّر أحسنُ مِنَ الَّذِي قدَّره بعض المفسِّرين كالزَّمَخْشَرِيّ (^١).\nقال: ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ابتدأ بالأُلُوهِيّة، فقال: ﴿اللَّهُ﴾، و(الله) ﵎ هُوَ الاسمُ العلَم عَلَى اللهِ الَّذِي لا يُسمَّى به غيرُه، وجميع ما يأتي من أسماء اللهِ دائمًا تَجِدُه تبَعًا لهَذَا الاسمِ، ودائمًا تُصَدَّر أسماء الله بكلمة ﴿اللَّهُ﴾؛ لِأَنَّهُ العلم الَّذِي لا يُسَمَّى به غيره، ثُمَّ تأتي الأسماء بَعْد ذلك تابعةً له.\nو﴿الْعَزِيزُ﴾ معناه: القويّ الَّذِي لا يُغْلَب، بل هُوَ الغالِب، وَقِيلَ: إن العِزَّة تَنْقَسِم إِلَى ثلاثةِ أقسامٍ هي:\n١ - عِزَّة القَدر.\n٢ - عزة القَهر.\n٣ - عزة الامتناع.\nوقَالُوا: إِنَّهَا مُشْتَقَّة مِنَ الْأَرْضِ العَزَاز، والْأَرْض العزاز يَعْنِي: الصُّلبة القويَّة، ونحن نُسَمِّيها باللّغة العامِّيَّة: (عَزَا) فنَحذِف الزايَ الثَّانِيَةَ، فالعزيز معناه: هُوَ القوِيُّ الغالب الَّذِي لا يُغلَب، فإذا قُلْنَا بهَذِهِ الثلاثةِ أَتَينا بالمعاني الثلاثةِ؛ القهر والقَدر والامتناع.\n_________\n(^١) انظر الكشاف (٣/ ٣٥٠).","vol":"1","page":63},{"text":"وقوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عليه، وإنما ذكر الله له ذلك لِيُشْعِرَهُ بأن مآلَه للعزّ، وأن ما سَيُوحَى إليه فَهُوَ حكمة؛ لِأَنَّ الصادرَ من العزيز يَكُون عَزيزًا، ومن الحكيم يَكُون حكمةً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> أن تعيينَ الشخصِ بالنداءِ له فائدةٌ، وهي: التَّطمين والإيناس؛ لأنك إذا قلتَ: يا فلانُ طَمْأَنْتَهُ بِلَا شَكّ؛ لِأَنَّهُ يَقُول: هَذَا يَعرِفني، ما يَنالني بِسُوءٍ، ولهَذَا قَالَ: ﴿يَامُوسَى﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> إثبات العزَّة والحِكْمَة لله -﷿-؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ:</span> أَنَّهُ يَنبغي لمَن أرادَ تَعيينَ نفسِه أن يُبَيِّن اسمه؛ لِقَوْلِهِ ﷾: ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. لم يقلْ مثلًا: أنا مُكَلِّمُكَ، أنا، أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، بل بيَّن مَن الَّذِي يُكلِّمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ:</span> حَصْر الأُلُوهِيَّة فِي اللهِ؛ لِأَنَّ وصفَه بالعزَّة والحِكْمَة يَقتضي أن يَكُون هُوَ المألوهَ وحدَهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ:</span> إثبات الحُكْم المطلَق للهِ ﷾؛ لِقَوْلِهِ: ﴿الْحَكِيمُ﴾؛ لأنَّنا ذَكَرْنا أن الحَكيم: ذو الحُكْم والحِكْمة.\n* * *","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>الآية (١٠)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ -﷿-: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠].\n* * *\n\nقوله: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ ما هِيَ العَصَا الَّتِي معه؟\nعصا عاديَّة يَتوكَّأ عليها ويَهُشُّ بها عَلَى غَنمه، فإضافتها إِلَى موسى - ﷺ - إضافة مملوكٍ إِلَى مالِكِهِ، وَلَيْسَ مخصوصًا إِلَى مَنِ اخْتَصَّ به، أي: أن هَذَا العَصَا لَيْسَ له اختصاص وَأَنَّهُ عصا من جوهر معيَّن أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، هُوَ عصا عاديّ، وهَذِهِ العَصَا هِيَ الَّتِي ضَرَبَ بها الحجرَ ما تَغَيَّرَتْ، وهي الَّتِي أَلقاها أيضًا للسَّحَرَةِ فأبطلتْ سِحْرَهم.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها]، ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ هَذَا أيضًا من إيجازِ الحذفِ كما مرَّ دائما، والقَصَصْ يَكُون فيه إيجازُ حَذْف؛ لِأَنَّ المحذوفَ دائمًا يَكُون معلومًا منَ السياقِ، فيَكُون حَذْفُهُ سَهلًا ومُيَسَّرًا، وقد قَالَ ابن مالِكٍ ﵀ فِي الأَلْفِيَّة قاعدةً من أفيد ما يَكُون، ذكرها فِي بابِ المبتدأِ، وهي صالحةٌ لكلِّ شَيْء، قَالَ (^١):\nوحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا ... تَقُولُ زيدٌ بَعْدَ مَنْ عِنْدَكُمَا\n_________\n(^١) ألفية ابن مالك (ص: ١٨).","vol":"1","page":65},{"text":"هَذِهِ فِي الحقيقة قاعدة: حذف ما يُعْلَم جائزٌ.\nوالإيجاز فِي قوله تَعَالَى: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ وألق عصاكَ فألقاها. فهَذِهِ جملة محذوفة وليستْ تفسيرًا؛ لِأَنَّ قوله: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ تفسيره: ضَعْ عصاك، ولو أخذنا الآيَة عَلَى ظاهرها لكانتِ العَصَا تَهْتَزّ وهي بيدِهِ قبلَ أنْ يُلْقِيَها، يعني لمّا أمر أن يلقيَ عصاه اهتزتْ، فالآيَة لَا بُدَّ فيها من شيءٍ محذوفٍ: فألقاها فإذا هِيَ تَهْتَزّ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ تَتَحَرَّك]، ولكِن تفسير الاهتزاز بمطلَق التحرُّك فِيهِ نظرٌ؛ لِأَنَّ الاهتزازَ أبلغُ مِنَ التحرُّك، كَأَنَّ الاهتزاز فِيهِ نوعٌ من الْقُوَّة والاضطرابِ.\nقَالَ المُفَسِّر -﵀-: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ حَيَّة خفيفة]، وَقِيلَ: حيَّة عظيمة، وَقِيلَ: الجانُّ: الذَّكَر منَ الحيَّات، وأيًّا كَانَ فإنَّ هَذِهِ العَصَا الَّتِي كانت بيده صارتْ حيَّةً تَهتزُّ وتتحرَّك وتَضْطَرِب مثل الجانّ، يَعْنِي الحيَّة العظيمة، والدَّلِيل عَلَى أن المُرادَ بالجانّ الحيَّة العظيمة: قوله تَعَالَى فِي سورة طه: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠]، والقِصَّة واحدة، فالجانّ من الأسماء المشترَكَة.\nقوله: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾: ﴿وَلَّى﴾ هَذِهِ جواب ﴿لَمَّا﴾، ﴿مُدْبِرًا﴾ حال، ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ يَعْنِي: هاربًا، ولهَذَا يَقُول: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾، قَالَ المُفَسِّر -﵀-: [يرجع]، وقد ولَّى خوفًا من هَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا بطبيعةِ البشرِ أنَّ الْإِنْسَان إن ألقى عصاه وصارت حيَّةً تَسعى لَا بُدَّ أن يخافَ، لا سِيَّما وَأنَّهُ ﵊ ما علِم أَنَّهُ سَيُرْسَل وَأَنَّهُ رسول، إِنَّمَا كلَّمه الله ﷾ وإلى الآنَ ما حَصَلَ شَيْء.\nفالحاصل: أنَّ هَذِهِ طبيعة البشرِ، لَا بُدَّ أن يُوَلِّي، وَلَيْسَ فِي هَذَا نقصٌ للنبيّ - ﷺ -؛ لِأَنَّ الأُمُور البشريَّة تَعترِي الرسُلَ وغيرَهم، ولهَذَا كَانَ الرَّسُول - ﷺ - يَنسى فِي أعظم","vol":"1","page":66},{"text":"العبادات، فِي الصَّلَاة، ويقول: \"إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَما تَنْسَوْنَ\" (^١)، وَلَيْسَ فِي هَذَا أيّ قَدْحٍ للرسُلِ.\nوقوله: ﴿يَامُوسَى﴾ هَذِهِ فيها أيضًا إيجاز بالحذفِ، ونحن نَقُول باختصار: جميع القَصَص ولا سِيَّما القَصَص الطويلة غالبًا يَكُون فيها إيجازُ حذفٍ، وأحيانًا تكون جملةً وأحيانًا تكون جملًا، وسيأتينا إن شاء الله فِي القَصَصِ الَّتِي فِي السُّورَة الَّتِي تلي هَذِهِ شيءٌ كثيرٌ من هَذَا.\nقال: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ﴾ وناداه باسمِهِ لِيُطَمْئِنَه، لِأَنَّ الْإِنْسَان الَّذِي يناديك وَهُوَ يَعْرِفك تَطْمَئِنّ إليه أكثر، لم يقلْ: يا هَذَا لا تَخَفْ أو يا مُوَلِّي لا تخفْ، بل قَالَ: ﴿يَامُوسَى﴾؛ لأنَّهُ معلوم أن الَّذِي يَعرِفك تطمئنُّ إليه أكثر، مثال ذلك لو رأيتَ مَن ظَنَنْتَه عدوًّا ثُمَّ هربتَ منه فقال: يا فلان، يا فلان، فإنك تطمئنُّ؛ لأنك تقول: هَذَا يَعرفني، ما يَنالني بِسُوءٍ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ﴾ منها]، والتقييد بـ (منها) الَّذِي أوجبَ للمؤلِّف أن يأتيَ به هُوَ ظاهرُ السياقِ؛ لِأَنَّ الظَّاهرَ أنَّ مُوسَى - ﷺ - إِنَّمَا هَرَبَ منها، فقال: ﴿لَا تَخَفْ﴾.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ﴾ عندي ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ من حيَّة وغيرها]، معلوم أن الَّذِي بِحَضْرَةِ الله -﷿- لا يُمكِن أن يخافَ من شيءٍ؛ لِأَنَّهُ فِي كَنَفِ الله تَعَالَى وَفِي جِوَارِه، فلا يمكن أن يخافَ وَهُوَ عندَ اللهِ.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حَيْثُ كان، حديث رقم (٣٩٢)؛ ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، حديث رقم (٥٧٢)، عن ابن مسعود - ﵁ -.","vol":"1","page":67},{"text":"وقوله: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ هَذَا أيضًا فِيهِ بِشَارَة لموسى - ﷺ - بأنه عند الله وَأَنَّه مِنَ المرسَلِين، ومعلوم أَنَّهُ إذا بُشَرَ بمثلِ هَذِهِ البشارةِ سوفَ يَزول عنه الخوفُ نهائيًّا، وسوف يحلّ مكان الخوفِ أَمْنٌ، ومكان الذُّعْر سرورٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> هَذِهِ الآيَة العظيمة دالَّة عَلَى كمالِ قُدْرة الله ﷾؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزّ﴾؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ بإلقاء العَصَا فألقاها، فبمُجَرَّد وُصُولها إِلَى الْأَرْض صارتْ حيَّة، ولهَذَا فِي سورة طه ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠]، ﴿إِذَا﴾ فُجائيَّة تدل عَلَى مفاجأةِ الأَمْرِ ووقوعِه عَلَى وجهِ الفورَّية. ففيها دليل واضح عَلَى كمال قدرةِ اللهِ ﷾، وَأنَّهُ إذا قَالَ للشيءِ: كنْ فَإِنَّهُ يَكُون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> حِكمة الله تَعَالَى فِي آيَاتِ الرسُل، وأنها تناسب العَصْرَ، لِقَوْلِهِ: ﴿تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾؛ لأنّ هَذَا أشبه ما يَكُون بما تَطَوَّرَ تَطَوُّرًا بالغًا عندهم فِي ذلك الوقت وَهُوَ السحر، فلو أن أحدًا أتى بعصا أمامَكَ ووضعها فِي الْأَرْض ثُمَّ رأيتَها حيَّة فإنك تقول: هَذَا سِحر. فلذلك أُوتي موسى - ﷺ - من الآيَات ما يَقضي عَلَى سِحرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ:</span> أنَّ مِنَ البلاغةِ الإيجاز بالحذفِ، ولا يُعَدُّ هَذَا قُصُورًا ولا تقصيرًا. قال: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ هنا يوجد بلَا شَكّ محَذوفٌ، ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾؛ لِأَنَّهُ لو أُخذ الكَلامُ عَلَى ظاهرِهِ لكانَ المَعْنى: لمّا أُمِرَ بهَذَا اهتزَّتْ وهي فِي يدِه، وَلَيْسَ الأَمْرُ كذلكَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ:</span> أن هَذِهِ العَصَا لم تكنْ مجرَّد حيوان يَتَحَرَّك، ولَكِنَّهَا أبلغُ من ذلك ﴿كَأَنَّهَا جَانّ﴾، ومعلوم أنَّ الجانَّ بنفسِه مروِّع، فالحيَّة بنفسها مروِّعة، فإذا كانت من عَظيمِ الحيَّات صارتْ أشدَّ وأبلغَ.","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ:</span> جَواز أنْ يَعْتَرِيَ الأَنبِياء الخوفُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾. وأن ذلك لا يُعَدّ نقصًا فيهم؛ لِأَنَّهُ مِن مُقْتَضَى الطبيعةِ البشريَّة، وهَذَا الَّذِي يَكُون من مُقتضَى الطبيعة البشرية لا يُلام عليه أحد، فالأنْبِياء يجوعون، ويعطَشون، وَيبْرُدون، وَيمْرَضون، ويموتون أيضًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠].\nفَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل الأَنْبِياء مَعْصُومونَ مُطْلَقًا؟\nقُلْنَا: لَا شَكَّ أن الأَنْبِياء لا يُعصَمون ممَّا لا يُخِلّ بالرسالةِ مِنَ الذُّنُوب؛ فالَّذِي لا يُخِلُّ بالرسالة والشَّرَف والمروءة لا يُعْصَمُون منه، لكِنهم يُعصَمون من الإقرارِ عليه، فلَا بُدَّ أن يُوَفَّقُوا للتوبة. وهَذَا هُوَ الفرق بينهم وبين غيرهم، وأظنُّ أنَّنا ذكرناه فِي التوحيد وقلنا: إِنَّهُ يُفَرَّق بينهم وبين غيرهم من وجهينِ - في مسألة الذنوبِ والمَعاصِي -:\nأولًا: أَنَّهُ لا يُمْكِن أن يَصْدُرَ منهم ما يُخِلُّ بالرسالةِ، مثل: الكَذِب والخِيَانة، ولا بالشَّرَف والمروءة: كالزِّنا وما أَشْبَهَهُ.\nثانيًا: أَنَّهُ إذا وَقَعَ منهم ما يُمْكِن وُقُوعُه مِنَ المَعاصِي فإنهم لا يقرّونَ عليه، لَا بُدَّ أن يَحْصُلَ لهم ما يُوجِبُ تَرْكَهم لهَذَا الشَّيْء؛ لِأَنَّهُم رُسُل قُدْوَة. ولو أقرُّوا عَلَى المَعاصِي لكانتِ المَعاصِي من شَرَائِعِهم. وَأَمَّا القَوْلُ بالعِصْمة مُطْلَقًا فلا وجهَ له، فلا توجد عِصمةٌ مُطْلَقًا، بل الصَّواب أَنَّهُم يَحْصُل منهم ما يَحْصُل ولكِنَّهم لا يقرّون عليه.\nفقوله تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: ١]، هَذَا ممَّا يَدُلُّ عَلَى أن الأَمْرَ قد وقعَ مِنَ الرَّسُول ﵊ لَكِنَّهُ غُفِرَ عنه، ما أقرَّ عليه، أَمَّا مسألةُ","vol":"1","page":69},{"text":"ابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فليستْ بمعصيةٍ، بل خِلاف الأَوْلى، ولهَذَا لامَهُ الله عليها، وأيضًا موسى - ﷺ - اعترف بأنه ظالمٌ فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل: ٤٤].\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: موسى لَيْسَ بظالمٍ؛ لِأَنَّهُ لُدافِعُ عن قَوْمِه؛ لِأَنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَه تَسَلَّطُوا عَلَى قومه؟\nقُلْنَا: هَذَا لَيْسَ بصحيحٍ؛ لِأَنَّهُ معهم فِي الْأَرْض، وهَذَا الرجل بالذاتِ بينَه وبين الثاني عهد، وهما يَتخاصمانِ فِي مسألةٍ خاصَّةٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:</span> رَحْمَةُ الله ﵎ بِنَبِيِّه موسى؛ لِقَوْلِهِ: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ﴾ فإن هَذَا من رحمةِ اللهِ به؛ لِأَنَّهُ إذا قَالَ له: ﴿لَا تَخَفْ﴾ وقد عَلِمَ أَنَّهُ ربُّ العالمينَ فلا يمكن أن يخافَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:</span> جواز توجيه الأحكامِ الشَّرْعِيَّة إِلَى الأُمُور الفِطْرِيَّة. يعني مثلًا أنت إذا قلت لإِنْسَانٍ: لا تَخَفْ. والخوف طبيعيٌّ فكيف يَدْفَعُه عنه؟ فهل يَتَوَجَّه الحكم إِلَى مثلِ هَذِهِ الأُمُورِ الطبيعيَّة؟\nنَقُول: نعم يمكن؛ لِأَنَّ الخوفَ وإنْ كَانَ أمرًا طبيعيًّا غيرَ شعوريٍّ؛ لِأَنَّهُ يأتي الْإِنْسَان بغيرِ اختيارِه، لَكِنَّهُ يُمْكِنه معالجتُه بالمدافعةِ، ولهَذَا جاء رجلٌ إِلَى الرَّسُول ﵊ فقَالَ: أَوْصِني، فقَالَ: \"لَا تَغْضَبْ\" (^١)، والغَضَبُ من طبيعةِ الْإِنْسَان. لكِن معنى لا تَغْضَبْ: يعني حاوِلْ أن تُقَلِّلَ من غَضَبِكَ، وأن تكونَ دائمًا هادئًا، ثُمَّ إنْ غَضِبْتَ فلا تُنَفِّذْ مُقْتَضَى هَذَا الغضبِ.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُون﴾، ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، حديث رقم (٥٧٦٥)، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":70},{"text":"فإِذَنِ: الأُمُورُ الطبيعيَّة البشريَّة الَّتِي هِيَ مُقْتَضَى الطبيعة البشريَّةِ يجوزُ أن يُوَجَّه الحُكْمُ إليها أمرًا أو نَهيًا، ويَكُون ذلك من باب مُدَافَعَتِها قبلَ وُجودها، أو من باب تقليلِ آثارِها، فلا يقال: إن الْإِنْسَان أُمِرَ بما لا يستطيع، فأُمِرَ بعدمِ الغضبِ وَهُوَ لَا بُدَّ أن يَغْضَبَ، وأُمِرَ بعدمِ الخوفِ وَهُوَ لَا بُدَّ أنْ يخافَ مما هُوَ مَخُوفٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ:</span> وفي الآيَة أيضًا دليل عَلَى أنَّ مَن كَانَ مَعَ الله تَعَالَى فَإِنَّهُ لا يَنبغي أن يخافَ، لِقَوْلِهِ ﷾: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ﴾ أي: عندي ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾. ولذلك كلَّما ذكر الْإِنْسَان ربَّه زالَ عنه الخوفُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]، ففي ذكر الله تَعَالَى زَوَالُ الخوفِ والْقُوَّة والرغبةُ فِي تنفيذِ ما أَمَرَ الله تَعَالَى به، ولهَذَا أمر الله به فِي الجِهادِ.\n* * *","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>الآية (١١)</span>\n* * *\n\nقَالَ اللهُ -﷿-: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١١].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِلَّا﴾ لكِن ﴿مَنْ ظَلَمَ﴾ نفسَه ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا﴾ أتاه ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾ أي: تاب ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أَقْبَلُ التوبةَ وأَغْفِر له].\nقَدْ يَقُوُل قَائِلٌ: سبحان الله العظيم! ما لهَذِهِ الجملة وللكلام الَّذِي قيل ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾؟\nفنَقُول: إن موسى ﵊ لمّا قَالَ الله له: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ لعلَّه تذكر أَنَّهُ قد وقعَ مِنه خطيئةٌ، والخطيئةُ أَنَّهُ قتل نفسًا، وكأنه عندما يَتَذَكَّر هَذَا قد يَستبعِد فِي نفسه أن يَكُونَ من الرُّسُل، فقَالَ اللهُ ﷾: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ لِيُذَكِّرَهُ بما مَنَّ به عليه منَ التوبةِ، ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾، ﴿بَدَّلَ﴾ المُفَسِّر فَسَّرَهَا بِقَوْلِهِ: أتى حُسْنًا؛ لِأَنَّ ظاهره فِي الحقيقةِ لا يَستقيم به المَعْنى: (بَدَّلَ حُسنًا بسوء) أيّهما المأخوذ؟ فـ ﴿بَدَّلَ﴾ تدل عَلَى أن هناك بَدَلًا ومُبْدَلًا منه، فإذا قلتَ: بدَّل حسنًا بسُوء؛ يصير الحُسْن مَدْفُوعًا والسوءُ مأخوذًا.\nقولك: بدَّلْتُ ثَوْبي بثَوْبِك، فالمَأْخوذ هُو الأَخِير. فهنا ﴿بَدَّلَ حُسْنًا﴾ لو أخذنا بظاهرها فمعناه أَنَّهُ ترك حسنًا وأخذ سوءًا، ولهَذَا فسَّر المُفَسِّر قوله: ﴿بَدَّلَ﴾ بـ (أتَى).","vol":"1","page":72},{"text":"والدَّلِيل عَلَى ذلك أَنَّهُ لو كَانَ المُراد بالتبديل ظاهر معناه: فما صح أن يعبر بِقَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾، لو كَانَ كذلك لقال: بدَّل حسنًا بسوء، وما قَالَ: ﴿بَعْدَ﴾، فلما قَالَ: ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾ عُلِمَ أن بَدَّل هنا بمعنى استبدلَ، واستبدل بمعنى أخذ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١]، وأخذ مثلَما قَالَ المُفَسِّر بمعنى: أتى.\nوالمَعْنى من الآيَة الكَريمَة أنَّ مَنْ أتى حُسنًا بَعْد سوءٍ فإن هَذَا الحسنَ ينفي السوءَ، ولهَذَا قَالَ: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَعْنِي: أغفِر له.\nجملة ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إِذَا قَالَ قَائِلٌ: ما مُطابقتها للشرطِ؟ لِأَنَّ قوله: ﴿مَنْ ظَلَمَ﴾ إعرابه: (من) اسْم شرط جازِم وليست اسمًا موصولًا مستثنى، لِأَنَّ الاستثناء هنا منقطع، و﴿ظَلَمَ﴾ فعل الشرط، وجملة ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ جواب الشرط.\nأقول: لَوْ قَالَ قَائِل: ما وجه ارتباط الجوابِ بالشرطِ؟\nفالجواب: أنه لما ذكر الله ﷾ هذين الاسمين فِي قوله تَعَالَى: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَإِنَّهُ يريد مُقتضاهما، فمقتضى المغفرةِ أن يَغْفِرَ لهَذَا الَّذِي ظلم ثُمَّ بدَّل حسنًا بَعْد سوءٍ، ومُقتضى الرَّحْمَةِ أيضًا أن يرحمَه.\nونظير هَذَا قوله تَعَالَى فِي المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]، يعني يَسْقُط عنهم الحدُّ؛ لِأَنَّ هَذَا مُقتضى المغفرة والرَّحْمَة. فهنا مقتضى المغفرةِ والرَّحْمَةِ أنَّ مَن ﴿بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ فإن الله ﵎ يغفر له ويرحمه.\nوهل يشمل الرُّسُل وغير الرُّسُل؟","vol":"1","page":73},{"text":"ومنْ ثَمَّ حَسُنَ أنْ يَقُول المُفَسِّر ﵀ ونَقُولَ معه أيضًا: إنَّ الاستثناء في ﴿إِلَّا﴾ هنا مُنقطِعٌ؛ لأنَّهُ يَشمَل الرُّسُلَ وغيرَ الرُّسُلِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> وفي ذلك دليل عَلَى أنَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ أتى بعملٍ صالحٍ، فإن الله تَعَالَى يمحو العَمَلَ السيِّئَ بالعَمَلِ الصالحِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١١].\nوقد تَقَدَّمَ مناسبة ذكر هَذِهِ الجملة: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ فِي هَذَا المقام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> إثبات المغفِرَةِ والرَّحْمَة لله؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ:</span> أن أخذَ الأحكامِ من مُقتَضَى أسماء الله تَعَالَى وصفاته. فإن قوله: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: أَغْفِر له، وهَذَا حُكْمٌ، وأخذ الأحكامِ من مُقْتَضَى الأسماء والصِّفَات هَذَا من أحسنِ ما يَكُون منْ الِاستدلال.\nذُكِرَ أنَّ رَجُلًا قرأَ عند أعرابيٍّ: (والسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيهما جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ غَفُور رَحِيمٌ) فقالَ الأعرابيُّ وَهُوَ لم يقرإِ الْقُرْآن: أعِدِ الآيَةَ، أخطأتَ فيها. فأعادها مرَّةً ثانيةً، وقال: (والسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيهما جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ). قَالَ له: أعِدِ الآيَةَ. فأعادها فِي الثَّالثة عَلَى الصَّواب، قَالَ: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]، قَالَ: الآن، فَإِنَّهُ عزَّ وحكمَ فقَطَعَ، ولو غفرَ ورَحِمَ ما قطعَ (^١). وهَذَا صحيح.\n_________\n(^١) خزانة الأدب للحموي (١/ ١٧٦).","vol":"1","page":74},{"text":"ويدلُّ عَلَى هَذَا الفَهْمِ قوله تَعَالَى فِي المُحَارِبِينَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤].\nإِذَنْ: معناه إذا عَلِمنا أن الله غفور رحيم فإنه يُغفَر لهم ويُترَكون، ولهَذَا إذا تاب قاطِع الطريق قبل القُدْرة سقطَ عنه الحدُّ.\nوهل يَلْحَقُ به غيرُه من ذوي الحدودِ أو لا؟\nفِيهِ خلافٌ.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الإشارة إِلَى أن موسى - ﷺ - بُشِّرَ بالرسالة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾.\n* * *","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>الآية (١٢)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ -﷿-: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [النمل: ١٢].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِك﴾ هو طَوْق القَمِيص]. هَذَا تفسيرٌ لِلْجَيْب أَنَّهُ طوق القَمِيص.\nوقوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ﴾ اليد فِي اللُّغة تُطلَق عَلَى الكفِّ فقطْ، ولا تشمل الذِّراع إِلَّا مُقَيَّدَةً. والدَّليل عَلَى هَذَا أن الله ﷾ لما قَالَ فِي التيمُّم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، صار خاصًّا بالكفينِ، ولمَّا أراد الله ﵎ الذِّراعَ قَالَ فِي الوضوء: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].\nإِذَنْ: الَّذِي أُمِرَ أن يدخلَه موسى حَسَب مقتضى اللُّغةِ العَربِيَّةِ لَيْسَ اليد والذراع، بل الكفّ، والمُراد يُغَيِّبها فِي جَيبه.\nقوله: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾: ﴿تَخْرُجْ﴾ مجَزُومة، مَعَ أَنَّهَا فعل مضارعٌ، ولم يَدْخُل عليها حرفٌ جازم، لَكِنَّها مجزومة بجوابِ الطلبِ الَّذِي هُوَ (أَدْخِلْ). ومعروف أَنَّهُ إذا سَقَطَتِ (الفاء) وقُصِد الجزاء جُزِمَ، فهَذِهِ القاعدة. ففاء السَّبَبيَّة إذا جاءت بعدَ الطلبِ نُصِبَ الفِعْل بها أو بـ (أن) مُضْمَرَة، فإذا سَقَطَتِ الفاءُ بعدَ الطلبِ وقُصِدَ الجزاءُ جَزَمْتَ، هَذِهِ قاعدةٌ معروفةٌ فِي النحوِ.","vol":"1","page":76},{"text":"قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿تَخْرُجْ﴾]، يَعْنِي اليَدَ [خِلافَ لَوْنِها مِنَ الأُدْمَة ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾]، أخذ المُفَسِّر أنَّ لَوْنَها الأُدمة من قوله: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾؛ لِأَنَّهَا لو كانتْ بيضاء من قبلُ لم يَقُلْ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾. فلا بدَّ أَنَّهَا تغيرتْ من اللونِ الأولِ إِلَى اللونِ الثاني.\nوقوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾ حال من فاعل (تَخْرُج)، يعني حال كَوْنِها بيضاءَ.\nوقوله: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ هَذَا تَقييدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بَيْضَاءَ﴾؛ لِأَنَّ البيضاء قد يَكُون بياضها سوءًا مثل البَرَص، فَإِنَّهُ سُوءٌ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ يَسُوءُ صاحِبَهُ، لَكِنَّهُ قَالَ: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾.\nإِذَنْ: هو بَيَاض لَيْسَ كبياضِ البَرَص، ولهَذَا يَقُول المُفَسِّر ﵀: [﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ بَرَص لها شُعاعٌ يَغْشَى البصرَ آيَة].\nأما قوله ﵀: لها شُعاع، فهَذَا يحتاج إِلَى دليلٍ، فالله ﵎ ما ذَكَرَ إِلَّا أَنَّهَا بيضاءُ، وكفَى بذلك آيَةً أن تدخلَ اليد عَلَى لون ثُمَّ تخرج بلونٍ آخرَ.\nوأما زيادة الشُّعاع فإنَّ الله تَعَالَى لم يذكرْه، وَلَيْسَ لنا أن نتجاوزَ فِي هَذِهِ الأُمُور ما دلَّ عليه الْقُرْآن؛ لأنَّنا ذكرنا فيما سبق أن المسائل الخبرَّيةَ لا مجالَ للرأيِ فيها، يُقْتَصَر فيها عَلَى ما جاءَ به الخبرُ، فنَقُول: هِيَ بيضاءُ وكَفَى بها آيَةً.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [آيَة ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾]، ﴿فِي﴾ للظرفيةِ. فتكون هَذِهِ الآيَة وكذلك آيَة العَصَا من جملةِ التِّسعِ، وليستْ زائدة عَلَى التِّسعِ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ مُرسلًا بها ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾]، عَرَفَ موسى آيتينِ من هَذِهِ التسعِ وهي: العَصَا واليد، فآيتانِ معروفتانِ، لكِن بقي سبع","vol":"1","page":77},{"text":"آيَاتٍ، وبقيَّة التسعِ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ [الأعراف: ١٣٣]، فهَذِهِ خمسٌ، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، فهَذِهِ هي الآيَات التسعُ.\nقوله تَعَالَى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ [الأعراف: ١٣٣]، والطوفانُ: فيضان الماءِ، و(الجْرَادَ) معروف، و(الْقُمَّلَ): الدودة الَّتِي تكون فِي الحبوبِ، و(الضَّفَادِع) معروفة، (وَالدَّم) معروف، وبعض العُلَماء يَقُول: إن الدم هَذَا الماء، إذا شَرِبُوه فإذا هُوَ دمٌ، وإذا سَلَّمَهُ القِبْطِيّ إِلَى الإسرائيليِّ عاد ماءً.\nولكِن الشيخ عبدُ الرحمنِ السِّعْدِي ﵀ ذهب إلى غير هَذَا المذهَب، قَالَ: الطوفان: الفيضان، وهَذَا يُفسِد الزُّرُوعَ قبلَ خُرُوجِها، والجراد يأكل الزروعَ بعدَ خُرُوجِها؛ لِأَنَّ الزروعَ مِنْهَا شَيْء مَبْذورٌ فيفسده الماء، وشَيْء خارج يأكله الجرادُ، وشَيْء مدَّخَر يفسده القُمَّل، والماء تفسده الضفادع.\nإِذَنْ: الْآنَ المأكولُ والمشروبُ فَسَدَ، وهَذَا المأكول والمشروب إذا أكله الْإِنْسَان أو شَرِبَهُ يَتَحَوَّل إِلَى دمٍ، فأُرْسِل عليهم الدمُ أيضًا وَهُوَ النزيف - الرُّعاف - فعلى هَذَا يَكُون هَؤُلَاءِ غذاؤهم فَسَدَ، وما حصل بالغذاء نزف أيضًا، وهَذَا فِي الحقيقةِ هُوَ المَعْنى السَّليم، فنَقُول: يحصل فساد الماء بالضَّفادعِ، فيصير الماء مُنْتِنًا بالضَّفادعِ فلا يستطيع الإِنْسَان أن يشرب، فرائحته خبِيثَةٌ ومنظره خبيثٌ.\nفالحاصل: أن الصَّواب ما ذهب إليه الشيخ ﵀ فِي التفسير (^١).\nوقوله: ﴿السِّنِينَ﴾ معناه: الجَدْبُ والقَحْط، وَهُوَ عدم نزول المطر.\n_________\n(^١) انظر: تفسير السِّعدي (ص: ٣٠١).","vol":"1","page":78},{"text":"قوله: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ عَلم جنس لكل من مَلَك مِصر كافرًا، مثل كِسْرَى علم جِنس لكل مَن مَلَك الفُرْس كافرًا، وكذلك قَيْصَر لكُلّ من ملك الرُّوم كافرًا.\nوقوله: ﴿وَقَوْمَهُ﴾ القوم: الأصحاب، وسمِّيَ الأصحابُ قومًا، لِأَنَّ بهم قِوَام الْإِنْسَان، فالْإِنْسَان يعتز ويقوم بقومه.\nوقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ هَذَا تعليلٌ للرسالةِ إليهم، يَعْنِي إِنَّمَا أرسلناكَ إِلَى هَؤُلَاءِ فِي تسعِ آيَاتٍ، لِأَنَّهُم ﴿كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾، يعني خارجينَ عن الطاعة، والفِسْق يَنْقَسِمُ إِلَى قسمينِ:\n• فِسْق أكبر وهو: الخروج عن مُطْلَق الطاعة.\n• فِسق أصغر وهو: الخروج عن الطاعة المطلَقة.\nوالفرق بين التعبيرينِ أن الطاعة المطلَقة هِيَ الشاملة لكل أفرادِ الطاعةِ، يعني أَنَّهُ يُطيع فِي كُلِّ أمرٍ، وَهُوَ الواقِعُ، فإذا قيل: هَذَا الرجلُ قد أطاعَ الله طاعةً مُطْلَقَة، فمعناه أَنَّهُ أطاع فِي كُلّ ما أُمِرَ به، فإذا فَسَقَ فقد خرج من الطاعةِ المطلَقةِ، لِأَنَّ الفرق بين مطلق الشَّيْءِ والشَّيْءِ المطلق أنَّ مُطْلَق الشَّيْء معناه وجودُ أيِّ جزءٍ منه، والشَّيْء المطلَق: الكامِل، ولهَذَا الفاسقُ عند أهلِ السنَّة والجماعةِ هل معه الإِيمانُ المطلَقُ أو مطلق الإِيمانِ؟\nمعه مُطْلَق الإِيمانِ، فإذا قيل: هَذَا الرجل فاسق، فالمَعْنى: خارج عن مطلقِ الطاعةِ، ففِسْقُه أكبر، يعني معناه: ما يصدق فِي حقِّه ولا أقل طاعة، وهَذَا كافر.\nفإذا قيل: هَذَا الفاسِقُ خارج عنِ الطاعةِ المطلقةِ فمعناه: أَنَّهُ معَه طاعة لكِن الطاعة الكاملة لَيْسَت معه، ولذلكَ عندَهم أيضًا حَتَّى فِي الفقه يَقُولُونَ: هَذَا ماء","vol":"1","page":79},{"text":"مطلَق، وهَذَا مطلَق ماء، قَالُوا: ما تغيَّر بالأَشْيَاء الطاهرة لَيْسَ بطَهور؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بماءٍ مُطلَقٍ وإنما مطلق ماء، والفرق بين التعبيرينِ معروفٌ عند الفقهاءِ وعند الأُصُولِيِّينَ وعند أهلِ الكَلامِ؛ أنَّ الفرقَ بين مُطْلَق الشَّيْء والشَّيْء المطلَق أنَّ الشَّيْء المطلق معناه: الكمال، ومطلق الشَّيْء معناه: الأَصْل.\nوهنا في قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ المقصود الفِسْقُ الأكبرُ؛ لِأَنَّهُم خارجونَ عن مطلَق الطاعة، فلَيْسَ عندهم طاعةٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> إثبات آيَة من آيَات الله ﷾، وذلك أن يَدَه دخلتْ عَلَى طبيعتِها ثُمَّ خرجتْ بيضاءَ من غيرِ سُوءٍ فِي لحظةٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ﴾، وقوله: ﴿تَخْرُجْ﴾ جواب لـ (أدخل)، فالمَعْنى أَنَّهُ بمجرد الإدخال تخرج، وَلَيْسَ المَعْنى أَنَّهَا بمجرد أنْ دخلتْ تخرج بِنَفْسِها، بل تخرج إذا أخرجها، فإذا أخرجها فإذا هِيَ بيضاء، وهَذَا من آيَاتِ اللهِ ﷾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> حكمة الله ﷾ فِي آيَاتِ الأَنْبِياء، حَيْثُ تكون مناسبةً للعصرِ الَّذِي بُعِثوا فيه؛ لِأَنَّ هَذِهِ الآيَة تُشْبِه السحرَ، لَكِنَّها حقيقةٌ، والسحر خَيَال. فالسحر لا يمكنُ أنْ يَقْلِبَ اليدَ إِلَى بيضاءَ، أو المتحرِّك إِلَى ساكنٍ، أو الساكن إِلَى متحرِّك، فلا يمكن أن يقلبه حقيقةً، لكِن هَذِهِ الآيَة حقيقةٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ:</span> أَنَّهُ يَنبغي الاحتراز فِي الكَلامِ عندما يُوهِم الشَّيْء لأمير يُحْتَرَزُ منه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ فإن البيضاء قد تكون من سُوء، ولكِنه احترز بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ ففي الآيَةِ دليلٌ عَلَى مبدإِ الاحترازِ فِي الكَلامِ.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ:</span> أن موسى - ﷺ - أعطاهُ الله تَعَالَى تسعَ آيَاتٍ، مِنْهَا آيتانِ سابقتانِ والباقية لاحقةٌ.\nفما هَذِهِ التسعُ؟\nهي: الطوفان، والجراد، والقُمَّل، والدم، والضفادع، والسِّنون، ونقصٌ من الثمراتِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ:</span> أن الله ﷾ لم يرسلْ نبيًّا إِلَّا بآيَة لتقومَ الحجَّة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾.\nوما هِيَ الحِكْمَة في أنَّ الله لم يرسلْ رسولًا إِلَّا بآيَةٍ؟\nلِأنَّهُ ما تقومُ الحُجَّة إِلَّا بهَذَا؛ إذ لو جاء رجل وقال: إنَّهُ رسول من عند الله بدون آيَاتٍ ما صُدِّق، وإذا لم يُصدق فلا حُجَّة عَلَى الخلقِ به، فالأَشْيَاء لا تُثْبَت إِلَّا بدلائلها ولَا بُدَّ من بَيِّناتٍ عَلَى الأَمْرِ.\nفَلَوْ قَالَ قَائِل: فِي قوله ﷾: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ هل يمكن أن تكون ﴿فِي﴾ بمعنى (معَ)؟\nقُلْنَا: هَذَا غير صحيح، ﴿فِي﴾ للظرفية عَلَى بابها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:</span> طُغيان فِرْعَوْنَ وقومه، لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:</span> أنَّهُ من الفصاحة والبلاغة قَرْن الحُكْم بتعليلِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ وتعليلُ هذا الحُكْم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.\nوقد ذكرنا أن قرن الحُكْم بتعليله له ثلاثُ فوائدَ، فإذا ذكرت العِلَّة فلها ثلاث فوائد، وهَذَا الَّذِي نَعْرِفُه ويُمْكِنُ أن تكونَ أكثرَ:","vol":"1","page":81},{"text":"الأُولى: بَيَان حِكمة الله سبحانه فِي تشريعِهِ وقضائِهِ.\nالثَّانِيَة: التعميم بعمومِ العلَّة.\nالثَّالثة: أن المخاطَب يَزْدَادُ طُمأنينة إذا عَلِمَ حِكمةَ الحُكْمِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ:</span> أنَّ الفِسْقَ يُطْلَق عَلَى الكفرِ، لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ وقد ذَكَرْنا أن الفسقَ نوعانِ: فِسْق مطلَق ومطلَق فِسْق، فالفسق المطلَق هُوَ الكفرُ، ومطلَقُ الفسقِ هُوَ العِصيانُ من المُؤْمِنيِنَ، يَعْنِي معه مُطْلَق فسق؛ إذ إن أصل الفسق هُوَ الخروج عن الطاعة، فإن كَانَ خروجًا كاملًا شاملًا فَهُوَ فسق مطلَقٌ، وإن كَانَ بعضَ خروجٍ فَهُوَ مُطْلَقُ فِسْقٍ.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>الآية (١٣)</span>\n* * *\n\nقَالَ اللهُ -﷿-: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [النمل: ١٣].\n* * *\n\nقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿جَاءَتْهُمْ﴾ الضَّمير يعود إِلَى فِرعونَ وقومِه.\nوقوله: ﴿آيَاتُنَا﴾ أي: العلامات الدالَّة عَلَى صدق موسى - ﷺ - برسالته وَعَلَى أحقيَّة ما دعا إليه؛ لِأَنَّ الآيَاتِ الَّتِي بعث الله بها موسى - ﷺ - تدلُّ عَلَى أمرينِ: عَلَى صِدْقِ موسى، وهَذَا تأييدٌ له، وَعَلَى صِحَّة ما جاء به، فهَذِهِ الآيَات تشمل الأَمْرينِ.\nوقوله: ﴿مُبْصِرَةً﴾ فَسَّرَهَا المُفَسِّر ﵀ بقولِهِ: [مُضِيئَة وَاضِحَة]، وهنا كَلِمَة ﴿مُبْصِرَةً﴾ اسمُ فاعلٍ، والفِعْل مِنْهَا أبصرَ.\nفهل الآيَاتُ هِيَ الَّتِي فيها البَصَرُ أو مُبْصِرَة أي: جاعلة غيرها يُبْصِر بها، أيُّهما أبلغُ؟\nالثَّانِيَةُ أبلغُ، أي أَنَّهَا جَاعِلَة غيرها يُبْصِر بها، يعني أَنَّهَا تُبْصِرُ غَيْرَها، فهَذِهِ الآيَات هِيَ بنفسها ظاهرةٌ وواضحةٌ، وَالَّذِي يراها يُبْصِرُ بها. ولهَذَا نَقُولُ: ﴿مُبْصِرَةً﴾ يعني أَنَّهَا باصرة بنفسها وموجِدَة للإبصارِ فِي غيرِها.\nولمَّا ﴿جَاءَتْهُمْ﴾ هَذِهِ الآيَات المبصرة كَانَ الجواب: ﴿قَالُوا هَذَا﴾ أي: ما جاءنا، ولم يقولوا: هَذِهِ، أي: الآيَات؛ لأجلِ أن يشملَ كُلّ شيءٍ؛ هَذَا الَّذِي جاءنا من","vol":"1","page":83},{"text":"الآيَات وغير الآيَات ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بَيِّنٌ ظاهِرٌ]، فـ (مُبين) هنا عَلَى تفسيرِ المُفَسِّر مِن (أبانَ) اللازِم.\nقوله: ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ السِّحْرُ فِي اللُّغةِ العربيَّةِ: كُلّ شَيْء صارَ خَفِيَّ السَّبَب، فما خَفِيَ سببُه ولَطُفَ يُسَمَّى سحرًا. ولهَذَا ذكرَ ابنُ كَثيرٍ أقسامَ السِّحر فِي تفسيرِهِ (^١)، وذكر من جُملةِ السحرِ الساعاتِ الَّتِي تَطَوَّرَتْ إِلَى ما نراهُ الآنَ؛ لِأَنَّهَا فِي الحقيقةِ خَفِيَّة السَّبَب، فالْآنَ هذه الساعاتُ ما الَّذِي يحرِّك عَقارِبَهَا، أو أبلغ من هَذَا الساعات الإلكترونيَّة ما الَّذِي يجعل هَذَا المِسمارَ إذا غَمَزْتَه تحوَّل التاريخ إِلَى توقيتٍ آخرَ، أو أظهرَ لك تاريخ الشهر أو اليوم، فلو جاءت فِي غيرِ هَذَا الوقتِ لَتَعَجَّبَ النَّاسُ منها.\nوهَذَا يُسمَّى سِحرًا لغةً، لكِنْ شرعًا لَيْسَ بِسِحْرٍ، لِأَنَّ السحرَ شَرْعًا هُوَ عبارةٌ عن عُقَدٍ وعَزَائِمَ ورُقى تُؤثِّر فِي بَدَنِ المسحورِ أو عَقْلِهِ، ربما تُمْرِضُه وربما تُهْلِكه وربما تَخْبُلُهُ، فهَذَا هُوَ السحرُ.\nفَلَوْ قَالَ قَائِل: قولُ فِرعونَ وقومه: ﴿هَذَا سِحْرٌ﴾، ماذا يَقصِدون بهَذَا؛ السحرُ الحقيقيُّ الشَّرْعِيُّ أو السحرُ اللُّغَوِيُّ؟\nقُلْنَا: المقصود الحقيقيُّ الشرعيُّ، لِأَنَّهُم قالوا له: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢]، والعياذ بالله، فهم قَالُوا: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، وهَذَا الجواب لَيْسَ صادرًا من فِرعونَ فقطْ، بل جميع المكذِّبين للرسُلِ قالوا هَذَا، قَالَ الله تَعَالَى فِي سورة الذارياتِ: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢]، فكُلّ الرُّسُلِ السابقينَ يَقُول لهم أقوامُهم هَكَذَا،\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (١/ ٣٦٩).","vol":"1","page":84},{"text":"﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ لا، ما تَوَاصَوْا به، لكِن الجامِع المشترك: الطُّغيان ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣].\nو(أو) فِي قوله: ﴿إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ مانِعَةُ خُلُوٍّ، يعني ربما أنَّ بعضهم يَقُول: ساحِرٌ ومجنونٌ معًا.\nفَلَوْ قَالَ قَائِل: هل كُفْرُ الساحرِ لمُجَرَّدِ الضرر اللاحِقِ بالمسحورِ أو يَتَعَلَّق بشيءٍ آخرَ؟\nقُلْنَا: مُجَرَّد الضرر لا يَقْتَضِي الكفرَ فِي الحقيقةِ، ولهَذَا لو داويتَ الْإِنْسَان بدواءٍ كسُمٍّ وشِبْهِهِ ما صار كفرًا، لكِن ما يقترب به من أحوالٍ شَيْطَانِيَّة واعتقاد أن هَذَا مؤثر بدونِ اللهِ ﷾، هَذَا هُوَ الظاهِرُ.\nإِذَا قَالَ قَائِلٌ: أنا لا أَعْتَقِدُ هَذَا، بل هَذَا شَيْء لطيفُ المأخَذِ خفيُّ السَّبَب؟ وأبطل هَذِهِ العِلَّة.\nقُلْنَا: ظاهر الْقُرْآن الكفر، فالْقُرْآن يَدُلّ عَلَى الكفرِ وَينتهي الإشكالُ، فالآيَةُ ظاهرها أن تَعَلُّم السحر نفسه كفر، فقوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، أي: يتعلم السحرَ، وَلَيْسَ المَعْنى فلا تَكْفُر بشيءٍ ثُمَّ تَتَعَلَّم السحر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> أنَّ الحُجَّة قامتْ عَلَى فِرعونَ وقومه حَيْثُ جاءتهم الآيَةُ مُبْصِرَةً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> أن آيَات الله ﷾ فيها الإبصارُ.\nفهل هِيَ مُبْصِرَة بنفسِها -يعني باصرة -أو مُبْصِرة لِغَيْرِها؟","vol":"1","page":85},{"text":"كلاهما، فهي مُبْصِرة بمعنى أَنَّهَا هِيَ باصرةٌ، وكذلك تُبْصِرُ غيرَها وتدلُّ عليه. وَفِي هَذَا دليلٌ عَلَى أنَّ آيَاتِ اللهِ ﷾ بيِّنَةٌ واضحةٌ تُوَضِّحُ الحقَّ، ولولا ذلك ما كانتْ آيَاتٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ:</span> عِظَم طُغيان فِرعون وقَومِهِ؛ لقولهم: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ:</span> مبالغة صاحبِ الباطلِ بدعواهُ، حَيْثُ قَالُوا: ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي بَيِّنًا ظاهرًا ما فِيهِ إشكال، وهَكَذَا المدَّعِي يأتي بالكلماتِ الَّتِي تُشَبِّه عَلَى الخلق حَتَّى يَصِلَ إِلَى ما يريد مِنَ الباطلِ.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: لماذا قَالَ هنا: ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ولم يَقُلْ: (هَذِهِ)، مَعَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾؟\nفالجواب: من أجلِ أنْ يَشْمَل كُلّ ما جاء، حَتَّى يشمل موسى نفسه واتهامه بالسحر.","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>الآية (١٤)</span>\n* * *\n\nقَالَ اللهُ -﷿-: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤].\n* * *\n\nقوله: ﴿جَحَدُوا﴾ الضَّميرُ يعودُ عَلَى فِرعونَ وقَومه، والجحْدُ: الإنكارُ، و(جحد) يَتَعَدَّى بنفسِهِ، ولكِنَّه قد يُضَمَّنُ معنى التكذيبِ فيَتَعَدَّى بـ (الباء)، ﴿وَجَحَدُوا﴾ مكذِّبين بها. فهنا الجحد ضُمِّن معنى التكذيبِ، ولهَذَا تعدى بالباء. وذلك لِأَنَّ الجحدَ قد يَكُونُ تكذيبًا وقد يَكُونُ مراعاةً لمصلحةٍ مِنَ المصالِحِ.\nوالجَحْدُ أَسْبابُه مُتَعَدِّدَةٌ، فَإِنَّهُ قَدْ يَقُولُ لَكَ قَائِل: ماذا فعلت؟ فتجحد لمصلحةٍ تريدها، لا تَكذيبًا، ولكِنَّه هنا تكذيب، أي: جحدهم هَذَا تكذيب. والدَّلِيلُ: أَنَّهُ عُدِّي بالباءِ، وَالَّذِي يُعَدَّى بالباءِ هُوَ التكذيب، ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ أي: كذَّبوا بها جحدًا، فهم كذَّبوا ومع ذلك ما أظهروهُ.\nولهَذَا يَقُول المُفَسِّر ﵀: [لَمْ يُقِرُّوا بها]، ولم يُقِرُّوا بها معناه هُوَ التكذيب، والمُفَسِّر أتى بـ (لم يقروا) لأمرينِ:\nالأَمْر الأول: لأجل أن يَسْلَم التعليق بالباءِ؛ لِأَنَّ (أقر) تتعدى بالباءِ.\nوالأَمْر الثاني - على رأيه -: لأجل أن لا يَتَضَمَّن ذلك إخفاءَها لمِن طَلَبَها، فكَأَنَّ المُفَسِّر ﵀ جعل الجَحْدَ نفيَ الإقرارِ، ولَكِنَّنا لا نُوَافِقُه عَلَى هَذَا التفسيرِ:","vol":"1","page":87},{"text":"أولًا: أَنَّهُ فسَّرَ المُثْبَتَ بالمنفيِّ، وهَذَا قُصُور، (جحد) مُثبت، و(لم يقرّ): منفيّ.\nثانيًا: أَنَّهُ بتفسير هَذَا يُفَوّتُ معنًى دلَّتْ عليه الآيَةُ، وهو: كِتمانهم لهَذِهِ الآيَاتِ لو سُئِلوا عنها، يعني أَنَّهُ فوَّت معنًى وَهُوَ الجحود عند السؤالِ، فَهُوَ تكذيبٌ عند العرضِ، وجحود عند الطلب؛ لِأَنَّ كون الْإِنْسَان لا يُقِرّ لَيْسَ مثلما إذا جحد وكتمَ عن غيم. فالصَّوابُ إبقاء الآيَةِ عَلَى ما هِيَ عليه، ويقالُ: إِنَّهُ عُدّيَ الجحدُ بالباءِ لِتَضْمِينِهِ معنى التكذيبِ، وَيكُون دالًّا عَلَى أمرينِ: عَلَى إخفائِها عندَ طلبِها، وَعَلَى التكذيبِ بها عند عَرْضِها.\nولا حاجة أنْ نَقُولَ: إن الآيَةَ أبلغُ مما ذكر المُفَسِّر ﵀ لَكِنَّنا نَقُول: إن تفسيرَ المُفَسِّر لها فِيهِ نظرٌ من وجهينِ كما تَقَدَّمَ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَ﴾ قَدِ ﴿اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾، فما الَّذِي أوجبَ له أنْ يُقَدِّرَ (قدْ)؟\nنَقُول: لِأَنَّ الجملةَ حالِيَّة، والجملةُ الحاليَّة إذا كانتْا فعلًا ماضيًا يُقَدَّر فيها (قد) للتحقيقِ.\nقال ﵀: [﴿وَ﴾ قَدِ ﴿اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: تَتقَّنُوا أَنَّهَا منْ عندِ اللهِ]، ففسَّرَ استيقنَ بِتَيَقَّن؛ إشارة إِلَى أنَّ حرفي السين والتاء زائدانِ، ولكِن الأَولى أن يبقى السين والتاء عَلَى بابهما ولا يُحْكَم بِزِيَادَتهِما؛ لِأَنَّ الاستيقانَ أبلغُ مِنَ التيقّنِ، ومنَ المعروفِ عندهم أَنَّهُم يَقُولُونَ: زيادة المبنى تدلُّ عَلَى زيادةِ المَعْنى، فالاستيقانُ أبلغُ، فهمْ قدِ اسْتَيْقَنُوها استيقانًا كاملًا لَيْسَ عندهم فيها شكٌّ، ومعَ ذلكَ جَحَدُوا بها، فيَكُون هَذَا الجحدُ مَعَ الاستيقانِ أبلغَ، ولهَذَا قَالَ: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ إِلَى آخرِهِ.","vol":"1","page":88},{"text":"وقوله تَعَالَى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ ولم يقلْ: واسْتَيْقَنُوها. فإضافةُ الاستيقانِ إِلَى النفسِ أبلغُ، أي: أَنَّهُ يَقِينٌ بلغ نفوسهم حَتَّى تمكَّن منها، ومعَ ذلك - والعياذُ باللهِ - جَحَدُوا بها وأَنْكَرُوها.\nوقوله: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [تَكَبُّرًا عنِ الإِيمانِ بما جاء بما موسى]، ففَسَّرَ الكلمتينِ بكلمةٍ واحدةٍ وهي التكبُّرُ، ولكِن أيضًا لو نَظَرْنَا إِلَى الإلةِ الكَريمَةِ وَجَدْنَا أَنَّهَا أبلغُ مِمَّا فَسَّرَهَا به.\nقوله: ﴿ظُلْمًا﴾ الظُّلمُ فِي الأَصْلِ النقصُ، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]، ومعنى ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ﴾ أي: لم تَنْقُص، فالأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ بمعنَى النقصِ، وكلُّ مَن نَقَصَ حَقَّ غَيْرِهِ فَهُوَ ظالم. وإذا نقصَ الْأِنْسَانُ حقَّ نَفْسِه فَهُوَ ظالمٌ لها، وإذا نقصَ حقَّ غَيْرِهِ فَهُوَ ظالمٌ له. وهنا هَؤُلَاءِ نَقَصُوا حقَّ مُوسَى - ﷺ - فهم ظالمونَ، وَنَقَصُوا حقَّ أَنْفُسِهِم حَيْثُ لم يقودوها إِلَى ما فِيهِ صَلَاحُها؛ فهم أيضًا ظالمونَ.\nثمَّ هَذَا الظُّلْم والنَّقْص ما الحامِلُ عليه؟\nقَالَ: ﴿عُلُوًّا﴾ وهَذَا معنًى غيرُ الظُّلْمِ، يَعْنِي: تَرفُّعًا عمَّا جاء به موسى - ﷺ -، فلِسانُ حالهِم يَقُول: مَنْ موسى هذا الَّذِي يأتي إِلَى فِرْعَوْنَ الَّذِي يقولُ لِقَوْمِهِ: أنا رَبُّكُمُ الأعلى، ثُمَّ يَقُول: أنا رسول إليك لَا بُدَّ أن تتبعني؟ ! فبِطَبِيعَةِ البَشَرِ الفاسقُ يَتَرَفَّعُ ويقول: أبدًا.\nفلهَذَا جَحَدُوا ظُلْمًا لموسى وأنفسهم ﴿عُلُوًّا﴾ تَرَفُّعًا عن مُوسَى وعمَّا جاء به أيضًا، فهم - والعياذُ بالله - اتَّصَفُوا بالوصفينِ.","vol":"1","page":89},{"text":"وقوله: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [راجع إِلَى الجحْد]، هذا صحيح، فإذا اسْتَيْقَنُوا أنَّ موسى صادِقٌ فهذا لَيْسَ بظُلْمٍ ولكِنَّه حَقٌّ وعَدْلٌ وتَوَاضُع، لَكِنْ هُمْ مَا اسْتَيْقَنُوا، يَعْنِي: ما انقادوا لهَذَا الاستيقانِ، إذن فَهُوَ راجِع إِلَى الجحدِ، يعني جحدوا بها ظلمًا وعلوًّا.\nوفائدة الاعتراض بالجملة الحاليَّة ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا﴾ بين المتعَلّق ومُتَعَلَّقِه: المُبَادَرَةُ بالتشنيعِ عليهم، وبَيَان أَنَّهُم بَلَغُوا فِي هَذَا الوصف غايتَه، الَّذِي هُوَ وصف الظلمِ والعلوِّ؛ لِأَنَّ كَوْنَهم يَجحَدُونَ مَعَ الاستيقانِ أشدُّ وأعظمُ، فالجاحد مَعَ الشكِّ قد يُعذَر، لكِنْ مَعَ الاستيقانِ لا وجهَ له.\nثم ما إعراب ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ هل هِيَ مَفْعُول لأجلِهِ؟ يعني من أجلِ الظلمِ والعلوِّ، أو هِيَ مصدر بمعنى الحالِ، أي: ظالمين عالينَ؟\nالأخيرُ أَولى؛ لِأَنَّ الظلمَ والعلوَّ إذا جعلناهما مَفْعُولا من أجلِه فَهُوَ سابقٌ عَلَى الجحدِ؛ إذ إنَّهُم ظَلَمُوا وعَلَوْا ثُمَّ جَحَدُوا، فعلى هَذَا نَقُول: إنّ ظلمًا وعلوًّا مصدرٌ بمعنى اسمِ الفاعلِ، أي: جحدوا بها حالَ كونهم ظالمينَ عالينَ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَانْظُرْ﴾ يا مُحَمَّد ...]، إِلَى آخِرِهِ.\nقوله: ﴿فَانْظُرْ﴾ هل المُرادُ: نظرَ اعتبارٍ أو نظرَ إبصارٍ؟\nالمُراد: نَظَرُ اعتبارٍ؛ لِأَنَّ نَظَر الإبصارِ هنا مُتَعَذِّرٌ لِسَبْقِ زَمَنِه، لَكِنَّهُ نظرُ اعتبارٍ. والخطاب عَلَى كلام المُفَسِّر ﵀ يعود إِلَى رسول الله - ﷺ -: ﴿فَانْظُرْ﴾ يا مُحَمَّد، والخِطاب بالمفردِ فِي الْقُرْآن لا يختصّ بالرَّسُول ﵊ إِلَّا ما دلَّ عليه الدَّليل، وإلَّا فَهُوَ عامٌّ، ويَكُون التَّقْدير: فانظرْ أيها المخاطَب، لَيْسَ يا مُحَمَّد؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ بينَ أيدي كُلّ أحدٍ، فكُلّ واحد بين يديه الْقُرْآنُ.","vol":"1","page":90},{"text":"أَمَّا ما دلَّ الدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ خَاصّ بالرَّسُول ﵊ فَهُوَ خَاصّ به، مِثل قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، ومثل قولِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١].\nويدلُّ عَلَى أن الخطاب المفرد عامٌّ:\nأولًا: ما ذكرناه من التعليل؛ أن الْقُرْآن بين أيدي النَّاس جميعًا.\nثانيًا: قَالَ الله ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١]، فخَاطَب بالإفرادِ والجمعِ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾.\nفدلَّ هَذَا عَلَى أنَّ الخطاب الموجَّه إِلَى الرَّسُول ﵊ موجَّه للأُمَّة ما لم يَدُلّ الدَّلِيل عَلَى اختصاصه به، مثل ما مَثَّلنا بالمثالينِ. وكذلك منه قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، فإنَّ هَذَا خَاصٌّ بالرَّسُول - ﷺ -، وهُوَ الَّذِي حَرَّمَ لكِن مَعَ ذلك الحُكْمُ عامّ.\nإِذَنْ: ﴿فَانْظُرْ﴾ نَقُول: أيها المخاطَب ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ فِي هَذِهِ الآيَة.\nوهنا مسألتان:\nأولًا: ﴿كَانَ﴾ تَرْفَعُ الاسمَ وتنصِبُ الخبر، هَذَا المعروفُ ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، وهنا ما نَرَى خبرًا لـ (كان) ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.\nثانيًا: أَنَّهُ إذا كَانَ الفاعل مُؤَنَّثًا كَانَ الفِعْل مُؤَنَّثًا.\nوالجواب: ﴿كَانَ﴾ هنا ليستْ تامَّة، فالخبرُ مقدَّم وَهُوَ ﴿كَيْفَ﴾. مقدَّم وجوبًا لأَنَّهُ اسْم اسْتِفْهام، والاسْتِفْهام له الصَّدارَةُ، فلا يمكن أن يأتي الاسْتِفْهامُ فِي وسط","vol":"1","page":91},{"text":"الكَلام، بل لَا بُدَّ أن يَكُون متقدِّمًا.\nو﴿عَاقِبَةُ﴾ مؤنث مجازيٌّ لا حقيقيّ، والفرق بين المؤنَّث المجازي والحقيقيّ: ما كَانَ له فَرْج فَهُوَ مؤنَّث حقيقيّ، وما لم يكن له فَرْجٌ وإنما تأنيثه لفظيٌّ فَهُوَ مؤنَّث مجازيٌّ.\nوقوله: ﴿عَاقِبَةُ﴾ ما معنى العاقبة؛ العاقبة فِي الأَصْل: التأخُّر، ومنه العَقِبُ فِي القَدَمِ، وعَقِبُ القدم هو العُرْقُوب المؤخَّر، فالعاقبة معناها: الأَمْرُ المتأخِّر، يَعْنِي: انظر ماذا كَانَ من أمرهم فِي النهاية.\nوقوله: ﴿الْمُفْسِدِينَ﴾ الَّذِينَ صار شأنهم الإفساد. والمُرادُ بالإفسادِ هنا لَيْسَ إفساد العِمرانِ، فقد يَكُونُ العمرانُ فِي زمنِ فِرعونَ قد بَلَغَ غايتَه، لكِن المُراد بالإفسادِ الإفسادُ المعنويُّ؛ إفسادُ الأخلاقِ والعقائدِ، وربما يَتْبَعُه إفسادُ العمرانِ؛ كما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، وكما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢].\nوبهَذَا التقرير، وَهُوَ أن الأَصْلَ فِي الإفسادِ الموجودِ فِي الْقُرْآن هُوَ إفساد الأخلاقِ والعقائدِ، ويتبعه فساد الأَعْمالِ، وبهَذَا نَعرِف خطأ ما يُطنطن به النَّاس الْآنَ من الرفاهية والطمأنينة والأمن ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وإذا أتوا إِلَى ذِكر الدين يَقُول: العقيدة السمحاء ولا يُذْكَرُ العَمَل.\nثُمَّ كلمة (السمحاء) أيضًا تدل عَلَى ضعفٍ فِي هَذِهِ العقيدة، فمعنى سمحاء: كُلّ شَيْء تَسْمَح به.","vol":"1","page":92},{"text":"صحيح أَنَّهَا هِيَ الحنيفيَّة السَّمحة لَا شَكَّ، لَكِنَّها لها أعمال ولها حَزْم، ولهَذَا التركيز عَلَى الترفيه البدنيّ والنعيم البدنيّ فِي نظري أَنَّهُ خطير؛ لِأَنَّهُ يبدأكُلّ واحد يَنْشُدُ هذينِ الأَمْرينِ: يَقُول: أنا عندي عقيدة سليمة سَمْحَاء لَيِّنة، هَيِّنة، كُلّ شَيْء تَقْبَله، ويقول: أنا أنشد أيضًا رفاهيَةَ البدنِ والأمنَ ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. لكِنِ استقامة الدِّين والسعي فِي إقامته بين النَّاس بالأَمْرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكَرِ والجهادِ فِي سبيلِ اللهِ هَذَا أمر لا يكاد يُذْكَر.\nوفي الحقيقة أن الرفاهية إذا كانت للبدنِ وحدَه فهي فسادٌ، ولا يَدُومُ هَذَا أبدَّاَ ولا يمكن أن يَدُومَ، عَلَى أنَّ الرفاهيَةَ المطلَقَة للبدنِ لَا بُدَّ أن تكونَ مصحوبةً بقلقٍ فِي القلبِ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى إِنَّمَا ضَمِنَ الحياةَ الطيِّبةَ لَمِن ﴿عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ فقَرن بينَ العقيدةِ والعَمَل، وبَدأ بالعَمَل أيضًا ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. حياة طيبة فِي الدُّنْيا وأجر حَسَن فِي الآخِرَة.\nهَذَا الَّذِي يَجِب أن يركَّز عليه، أَمَّا الرفاهيَةُ المطلَقَةُ فإنها ضَرَرٌ عظيم عَلَى الْإِنْسَان، تُوجِبُ الغفلةَ عنِ اللهِ تَعَالَى، وانشغال الْإِنْسَان بطلبِ الرفاهيةِ الجسديَّة الزائلة.\nيَقُول بعض السلف: لو يعلم الملوك وأبناء اللوكِ ما نحنُ فِيهِ لَجَالَدُونا عليه بالسيوف (^١). قَالوا: أَعْطُونا الَّذِي أنتم فِيهِ منَ النَّعيم والسرورِ وانشراح الصدر ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.\n_________\n(^١) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (٧/ ٣٧٠ - ٣٧١)؛ والبيهقي في الزهد الأكبر (٨٠)؛ وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦/ ٣٠٣).","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> أَنَّهُ عَلَى قوَّة الآيَات الَّتِي جاء بها موسى - ﷺ - لم يَسْتَفِدْ مِنْهَا هَؤُلَاءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ والآيَات إذا قَوِيت لا يبقى مجالٌ للجحدِ، ولكِن - والعياذُ بالله - أَعْمَى اللهُ بصائِرَهُم فجَحَدُوا بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> أنَّ جَحْدَ هَؤُلَاءِ المرسَل إليهم كَانَ عن عنادٍ، لا عن شُبهةٍ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾، وهل هَذَا وقعَ لكفَّار قريشٍ مَعَ النَّبِيّ ﵊؟ نعم وَقَعَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، وَلَا شَكَّ أنَّ هَذَا واقعٌ مِنَ الرؤساء والزعماء، لكِن عامَّة النَّاس قد لا يَكُون لديهم هَذَا الأَمْر، وإنَّما هم مقلِّدون، أَمَّا الزعماء والكبراء فلَا شَكَّ فِي هَذَا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ:</span> سوء أحوال آلِ فِرعونَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، ﴿ظُلْمًا﴾ لأنفسهم ولموسى، ﴿وَعُلُوًّا﴾ ترَفُّعًا عنِ الحقِّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ:</span> أنَّ الاتِّصافَ بهذينِ الوصفينِ يَجعلُ الْإِنْسَان من الأُمَّة الفِرعونيَّة، وهما: الظلم والعُلُوّ، وما من صفةٍ يخرج بها العبد عن سواءِ السبيلِ إِلَّا وله فيها إمامٌ من أهلِ الكفرِ، ولهَذَا أخبر النَّبِيّ ﵊ أننا سنركب سَنَنَ مَن كَانَ قَبْلَنَا (^١)، فما مِن خَصلةٍ يَخرج بها العبد عن سواءِ السبيلِ إِلَّا وله فيها إمامٌ من أهلِ الكفرِ، فالجحد بالحقِّ للفاعل فِيه إمام مثل فرعونَ وقومه، والحسد للإِنْسَانِ\n_________\n(^١) انظر: صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النَّبِيّ - ﷺ -: \"لتتبعن سنن من كَانَ قبلكم\"، حديث رقم (٦٨٨٩)؛ صحيح مسلم، كتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى، حديث رقم (٢٦٦٩)، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -.","vol":"1","page":94},{"text":"فِيهِ إمامٌ مثل اليهودِ، والرياء للإِنْسَان فِيهِ إمام كالمنافقينَ، بل إنَّهُ من المنافقين، وهَكَذَا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ:</span> ذَمُّ الترفُّع عنِ الحقِّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَعُلُوًّا﴾ ولا فرقَ بين أن يَكُونَ ذلك عن حُسْنِ نيَّة أو لا، فهَذِهِ الطريقةُ مذمومةٌ ولو عن حُسْنِ نيَّةٍ، وقولنا: (ولو عن حُسن نية) ليَدْخُلَ فِي ذلك بعضُ المقلِّدين الَّذِينَ إذا عُرِضَ عليهم الدَّليل من الكتاب والسنَّة قَالُوا: نحن نَتَّبعُ فلانًا لِا. لهُ أعلمُ منك، هَذَا عن حسن نية فيما يبدو. وجه كونه عن حسن نِيَّة؛ لِأَنَّهُم يرون أن هَذَا الإمام الَّذِي اتبعوه أعلمُ منك وَيقُولُونَ: نحن جهَّال ولا نعرِف وَلَيْسَ لنا إِلَّا أنْ نُقَلِّدَ وهَذا الرجلُ أعلمُ منك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:</span> أَنَّهُ إذا كَانَ هَذَا الوصفُ مذمومًا وفرعونيًّا؛ فإن عكسَه محمودٌ، والعكس هُوَ التواضُع للحقِّ وقَبُوله، هَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ ممدوحٌ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى إذا أثنى بالسوءِ عَلَى وصفٍ فإنَّ ضده يُثْنَى عليه بالحُسْن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:</span> أَنَّهُ يَنبغي للإِنْسَانِ أو يَجِب أن يتفكَّر ويتأمَّل فِي عواقب مَن سبقَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ وهل الْإِنْسَان ينظر فِي عواقب المفسدين أو فِي عواقب المفسدين والمصلحينَ؟\nيَنْظُرُ فِي كِلَيْهِما.\nإِذَنْ: ما فائدة الحِكْمَةُ من التخصيصِ هنا؟\nنَقُول: لِأَنَّ المَقام مَقامُ تحذيرٍ، وإذا كَانَ المقام مقام ترغيبٍ فإنَّنا نَقُول للإِنْسَان: فانظرْ كيف كَانَ عاقبة المصلحينَ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود: ١١٦]،","vol":"1","page":95},{"text":"فالمسألة تَختلف، ففِي مقامِ الترهيبِ نُحيلُ الْإِنْسَان إلَى عواقبِ المفسدينَ، وَفي مقام الترغيبِ نحيله إلَى عواقبِ المصلحينَ؛ لأجلِ أن يَحْذَر من أولئك ويرغب فِي هَؤُلَاءِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ:</span> وفيها دليل عَلَى فضيلة التأمُّل والتفكُّر فِي أخبارِ مَن مَضَى؛ وأن دراسة علم التاريخِ من الأَشْيَاء الَّتِي جاء بها الشرع، فإنَّنا لا يمكن أن ننظرَ كيف كَانَ عاقبتهم إِلَّا بدراسةِ أخبارِهِم وتَتبُعِها، فعلمُ التاريخِ إذن من الأُمُور المقصودةِ. لكِن هل من الأُمُور المقصودة ذاتيًّا أو عرضيًّا؟\nعرضيًّا، إِلَّا سِيرة النَّبِيّ ﵊ وخُلَفَائه الراشدينَ فإنها مِنَ الدينِ؛ لِأَنَّهَا كلها أحكام، بخلاف النظر فِي التاريخ لأجلِ الاعتبارِ فقطْ، فلكلِّ مَقامٍ مقالٌ؛ لِأَنَّ النظر فِي التاريخ للاعتبار فقط قد يعتبر الْإِنْسَان بغيرِه فيستغني عنه، لكِن النظر فِي سير النَّبِيّ ﵊ لِأَنَّهَا أحكامٌ وفِقْهٌ، وهَذَا مقصودٌ لذاتِه، فلا يَستغني الْإِنْسَان بغيرِها عنها.\nفَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما حُكْمُ مَن يَمْدَحُ هَذِهِ الأممَ ويُشِيدُ بقُوَّتِهم وإبداعهم ولا ينظر إِلَى عاقبتهم؟\nقُلْنَا: إذا كَانَ الْإِنْسَانُ يَتَفَكَّر بِعمرانهم وقوتهم ومع ذلكَ أَهْلَكَهُمُ اللهُ، فهَذَا لا بأسَ به، وَأَمَّا إذا كَانَ يريد أنْ يَتَفَكَّر بقوَّتهم من أجل مَدْحِهِم والثَّناء عليهم فهَذَا لا يجوزُ، ولهَذَا ما أَمَرَنَا اللهُ ﷾ أنْ ننظرَ إِلَى قُوَّتِهِم إِلَّا بَعْد أنْ أَمَرَنَا أنْ نَنْظُرَ إِلَى عاقبتهم. وَعَلَى هَذَا فالَّذِينَ يذهبون إِلَى دِيَارِ ثَمُودَ لِلتَّفَرُّج والتنزُّه هَؤُلَاءِ عُصَاةٌ، فالرَّسُول - ﷺ - يَقُول: \"لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ المُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ\"، فلا يجوز أنْ يذهبَ الْإِنْسَانُ فِي رحلة مثلًا إِلَى ذلك المكان إِلَّا إذا كَانَ يدخل وَهُوَ باكٍ","vol":"1","page":96},{"text":"\"فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ\" (^١).\nوالحمدُ للهِ الْإِنْسَان فِي غنى عن هَذَا، فلَيْسَ بلازمٍ أنْ يذهبَ، لكِن مَعَ الأسفِ الآنَ صارتْ آثارًا يُقْصَد مِنْهَا بَيَان قوَّة هَؤُلَاءِ وإبداعهم وإحكامهم لأمورهم، ولا يَلتفتون إِلَى ما أحلَّ اللهُ بهم منَ العقوبةِ، والعياذُ باللهِ.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب، حديث رقم (٤٢٣)؛ ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إِلَّا أن تكونوا باكين، حديث رقم (٢٩٨٠)، عن ابن عمر - ﵄ -.","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>الآية (١٥)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ -﷿-: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> بَيَان ما مَنَّ اللهُ ﷾ به عَلَى داودَ وسُلَيْمان؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> ثناءُ اللهِ عَلَى نفسِه، لِأَنَّ كونَه يَتَمَدَّح بإيتاءِ داودَ وسُلَيمان علمًا فهَذَا مِنَ الثَّناء، وهل هَذَا محمودٌ بالنِّسْبَةِ للخلقِ أنْ يَتَمَدَّحَ الْإِنْسَان بفضلِه؟\nلَيْسَ هَذَا مِنَ المحمودِ، إِلَّا إذا كَانَ فِي ذلكَ مصلحةٌ للغيرِ، لَيْسَ لكَ أنتَ، أَمَّا اللهُ فيمتَدِح نفسهِ للثناءِ عَلَى نفسِهِ، لكِن أنتَ لا تفعل هَذَا، أَمَّا إذا كَانَ فِيهِ مصلحةٌ للغيرِ كإِنْسَانٍ مثلًا يذكر عن نفسِه شيئًا لأجلِ أن يُقتدَى به فِي الخيرِ؛ فهَذَا لا بأسَ به، أو لأجلِ أنْ يَنتفِعَ النَّاس بما عنده، فهَذَا أيضًا لا بأسَ به، فابنُ مَسعودٍ - ﵁ - قالَ: \"لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا تَبْلُغُهُ الْإِبِلُ أَعْلَمُ مِنِّي بِكِتَابِ اللهِ لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ\" (^١) أو كما قالَ.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب القراء من أصحاب النَّبِيّ - ﷺ -، حديث رقم (٤٧١٦)؛ ومسلم، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه - ﵄ -، حديث رقم (٢٤٦٣).","vol":"1","page":98},{"text":"والعُلَماءُ ما زالوا يَمْدَحُون كُتبهُم، فابنُ مالِكٍ ﵀ يَقُول (^١):\nتُقَرِّبُ الْأَقْصَى بِلَفْظٍ مُوجَزِ ... وَتَبْسُطُ الْبَذْلَ بِوَعْدٍ مُنْجَزِ\nوَتَقْتَضِي رِضًا بِغَيْرِ سُخْطِ ... فَائِقَةً أَلْفِيَّةَ ابْنِ مُعْطِي\nالمهمّ عَلَى كُلّ حالٍ: أن مثل هَذَا لَيْسَ لمصلحةِ الْإِنْسَانِ، فهَذَا لمصلحةِ غيره؛ لأجلِ أن يَنتفِعُوا من هَذَا المُؤلّف مثلًا.\nفَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: بعض المُؤَلِّفين أحيانًا يبالغُ؟\nفالجواب: الكَلامُ عَلَى الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إسرافٌ، ولكِن الشَّيْء المعتدِل، مَعَ أَنَّهُ فِي الحقيقة الْإِنْسَان قد يُتَّهَم، ومهما كانت نِيَّتُه قد يُتَّهم، لكِن لا يضرّ الْإِنْسَانَ إذا أصلحَ ما بينه وبين ربِّه، فلا يُهِمُّه النَّاس.\nالمهم أنَّ فِي هَذِهِ الآيَةِ دليلًا عَلَى تَمَدُّحِ اللهِ ﷾ بما تَفَضَّل به عَلَى عِبَادِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ:</span> فَضيلة داودَ وسُلَيْمان وأنهما أهلٌ لهَذِهِ النعمةِ؛ فإنَّ الله ﵎ يَقُول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، فما من فضلٍ يُعطيه اللهُ العبدَ إِلَّا وَهُوَ فِي مكانِه؛ لِأَنَّ الله حكيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ:</span> فَضيلة العلمِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾، وهَذَا لَا شَكَّ فيه، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، لكِن يبقى النظرُ: ما هُوَ العلم الممدوح؟ هل هو هَذَا الَّذِي النَّاس الْآنَ فِيهِ فِي جدلٍ؟ !\nالمُرادُ بالعلمِ الممدوحِ علمُ الشَّرِيعَة، أَمَّا ما سِوَى علمِ الشَّرِيعَة فَإِنَّهُ لا يُمدَح\n_________\n(^١) ألفية ابن مالك: البيتان الرابع والخامس.","vol":"1","page":99},{"text":"إِلَّا حَيْثُ يُوصِل إِلَى أمرٍ محمودٍ، عكس ما عليه النَّاس اليومَ، كثيرٌ منَ النَّاسِ الجهَّال يمدحون العلمَ بغيرِ الشَّرِيعَةِ، وبعضُ النَّاس - والعياذُ باللهِ - يرَى أن علمَ الشَّرِيعَة تأخُّر، وأن علم الطبيعةِ تقدُّم، ولهَذَا يَمْتَدِح هَؤُلَاءِ العُلَماءَ بالصنائعِ وطبقاتِ الْأَرْضِ وغير ذلك؛ يَتَمَدَّح هَذَا بأنه أفضل العِلم أو هَذَا هُوَ العلمُ، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أو إذا رأَى من الصناعةِ الغربيَّة قَالَ: هذا هو العلم، ولا يوجد شكّ أنَّ هَذَا الْآنَ يُفَضِّل هَذَا العصرَ عَلَى عصر الصحابةِ.\nوهَذَا لَيْسَ هُوَ المقصودَ، فالمقصودُ بثناءِ اللهِ علمُ الشَّرِيعَة؛ لأن علم الشَّريعة هُوَ الَّذِي يَنْفَع الخلقَ، حتى إن علم الشريعة هو الذي يَدُلهُّم عَلَى هَذِهِ العلوم الَّتِي يَتبَجَّحُونَ بها؛ لِأَنَّ الله يأمرُ بأن نسعى فِي الْأَرْض، قَالَ ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥]، وقال تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.\nفالحاصلُ: أنَّ العلمَ الَّذِي مَنَّ اللهُ به عَلَى داودَ وسُلَيْمَان وأثنَى عليهما به هُوَ علمُ الشَّرِيعَة، وهَكَذَا جميعُ ما فِي النصوصِ مِن مَدْحِ العلمِ فَهُوَ علمُ الشَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُحمَدُ لِذَاتِهِ، وما عداهُ فيُحمَد إذَا كَانَ مُوصِلًا إِلَى أمير محمودٍ؛ وإلا فَإِنَّهُ إن أوصلَ إِلَى أمرٍ مذمومٍ كان مذمومًا، وإنْ أوصلَ إِلَى أمرٍ لا يُحْمَد ولا يُذَمّ فَهُوَ لا يُحْمَد ولا يُذَمّ.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: غيرُ المُسلِمينَ وَصَلوا إِلَى أعماق البحارِ وإلى الفضاءِ، مَعَ أَنَّهُم لم يَقْرَءُوا علمَ الرَّسُول - ﷺ -، ولا علمَ الصحابةِ رضوانُ الله عليهم؟\nفالجواب: هَذَا من الجهلِ، ولهَذَا عِلْمُهم هَذَا الْآنَ لَيْسَ محمودًا، إِلَّا إذا أوصلَ إِلَى أمرٍ محمودٍ، وإلا فَهُوَ غيرُ محمودٍ، فهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَلُوا إلى أعماقِ البحارِ وإلى","vol":"1","page":100},{"text":"آفاقِ الفضاءِ هم الَّذِينَ صَنَعُوا ما يدمِّر الخلقَ منَ القنابلِ والأسلحةِ، فهل هَذَا محمود؟ !\nثم نَقُول: هَذِهِ العلومُ إذا كانت لا تنافي العلمَ الشرعيَّ فنحن نتمنى أن المُسلِمين أيضًا يصلون إِلَى هَذِهِ الأُمُورِ لِيَنْفَعُوا أنفسَهم وينفعوا الخلقَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ:</span> فضيلة داود وسُلَيْمَان أيضًا من جهةِ اعترافهما بنعمةِ اللهِ وقيامِهِمَا بشكرِ نعمةِ اللهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا﴾ لم يَقُولا: إننا أُوتِينا هَذَا عَلَى علمٍ منَّا، أو لأنَّنا أذكياء أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، قالا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:</span> أن الشكر يَكُونُ بالقَوْلِ كما هُوَ أيضًا بالفِعْل، فيَكُون بالقَوْلِ وبالفِعْل، وَيكُون أيضًا بالعقيدةِ، أي: بالاعتقادِ، فالشكرُ له ثلاثةُ مَحَلَّاتٍ: القَلْب واللسانُ والجوارحُ، قَالَ الشاعر (^١):\nأَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّيْ ثَلَاَثةً ... يدي وَلِسَانِي وَالضَّمِيْرَ المُحَجَّبَا\nوالدَّليلُ عَلَى أن الشكرَ يَكُون فِي ثلاثةِ مواضعَ: فِي هَذِهِ الآيَةِ الشكرُ باللسانِ، وقال النَّبِيّ - ﷺ - وقد قيل له: كَيْفَ تَفْعَلُ هَذَا - وَكَانَ يَقُومُ حَتَّى تَتَوَرَّم قَدَمَاهُ - وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ، فَقَالَ: \"أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا؟ \" (^٢) فجعلَ الفِعْل شكرًا للهِ ﷾، وقال تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣].\n_________\n(^١) نهاية الأرب (٣/ ٢٤٨).\n(^٢) رواه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾، حديث رقم (٤٥٥٧)؛ ومسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنَّار، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، حديث رقم (٢٨٢٠)، عن عائشة - ﵂ -.","vol":"1","page":101},{"text":"وأمَّا الاعترافُ بالنِّعَمِ بالقلبِ فَهُوَ مِنَ الشُّكْرِ، والدَّليلُ قولُه تَعَالَى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، هَذَا الخبرُ يريدُ اللهُ مِنَّا أنْ نَعْتَقِدَهُ، ولهَذَا ذَمَّ اللهُ ﵎ الَّذِينَ نَسَبُوا نِعْمَتَهُ إِلَى أنفسهم، قَالَ عن قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، فقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ [القصص: ٧٨].\nوالمواضعُ الثلاثةُ للشكرِ قَلَّ مَن يقومُ بها، فبعضُ النَّاسِ مثلًا يَعتمِد عَلَى السَّبَب فِي جَلْبِ النعمةِ إليه وينسى المسبِّبَ، فعندما يعطيه إِنْسَانٌ حاجةً من الحاجاتِ تجد أَنَّهُ يقومُ فِي قلبِه من شكرِ هَذَا المعطي أكثر ممَّا يقوم بشكرِ اللهِ، تجده يُثْنِي أيضًا عَلَى هَذَا أكثرَ ما يثني عَلَى اللهِ، فتجده يقوم بخدمةِ هَذَا أكثر مما يقوم بخدمةِ اللهِ، مَعَ أن هَذَا الَّذِي وَصَلَتِ النعمةُ عَلَى يدِهِ ما هُوَ إِلَّا طريق لِوُصُولهِا إليك فقط، وإلَّا فالذي جعلَ فِي قلبه أن يوصل هَذِهِ النعمة إليك هُوَ الله ﷾، وَهُوَ الَّذِي يَسَّرَ هَذَا.\nفالحاصلُ: أنَّ النَّاسَ الْآنَ فأكثرُهم أو غالبهم يُخِلُّون فِي مَقامِ الشكرِ إمَّا بالقلب أو باللسان أو بالجوارحِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>الفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:</span> أن الْإِنْسَانَ يُشْرَعُ له إذا مَنَّ الله عليه بنعمةٍ أنْ يَحْمَدَهُ عليها، وقد وردَ فِي النصوصِ مثل ذلك، فعندما تنتهي من الأكلِ والشربِ تقول: الحمدُ للهِ (^١)، وعندَما تَسْتَيْقِظُ تَحْمَدُ اللهَ (^٢)، وعندما تلبسُ ثَوبًا تحمدُ\n_________\n(^١) انظر: صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب، حديث رقم (٢٧٣٤)، عن أنس بن مالك - ﵁ -.\n(^٢) انظر: صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا نام، حديث رقم (٥٩٥٣)؛ صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، حديث رقم (٢٧١١)، عن البراء بن عازب - ﵁ -.","vol":"1","page":102},{"text":"الله (^١)، وهَكَذَا فمِنَ الأُمُورِ المشروعةِ حَمْدُ اللهِ ﷾ عَلَى النِّعَمِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>الفَائِدَةُ الثَّامِنةُ:</span> تواضُع داود وسُلَيُمَان ومعرفتهما للحقيقةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ما ذكرا التفضيلَ المطلَقَ عَلَى جميعِ المُؤْمِنيِنَ، بل عَلَى كثيرٍ من عبادِه المُؤْمِنيِنَ.\nوهل يُستفاد من ذلك وصف الأَنْبِياء بالإِيمان، يَعْنِي: هل يُشْعِر قوله: ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنهما من المُؤْمِنيِنَ؟\nالظَّاهرُ أَنَّهُ يُشْعِرُ بهَذَا، يعني أننا شاركناهم فِي وصفِ الإِيمانِ، و﴿فَضَّلَنَا﴾ اللهُ عَلَى كثيرٍ منهم.\nفَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوله تَعَالَى: ﴿فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يَدُلّ عَلَى أنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - أفضلُ الرسُلِ؛ لِأَنَّ قولَهما: ﴿كَثِيرٍ﴾ هو يَدُلّ عَلَى أنهما عَلِما ذلك؟\nقُلْنَا: هَذَا فِيهِ إشكالٌ، وَهُوَ أَنَّنا لَيْسَ عندنا علمٌ أن الأَنْبِياء عَلِموا بأن مُحَمَّدًا - ﷺ - سَيُبْعَثُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١]، كلمة (رسول) نَكِرَة لا تدلُّ عَلَى أن اللهَ عَيَّنَ مُحَمَّدًا - ﷺ - لهَؤُلَاءِ، وإن كَانَ قَالَ: إن الله أخذ عَلَى النبيِّين الميثاقَ لئِن بُعث مُحَمَّد، لكان هَذَا تفسيرًا منه، أَمَّا الآيةُ فلا تدلّ عَلَى هَذَا، وقد يقال: إنَّهُ يَدُلّ عليه لِأَنَّ داود - ﷺ - يقينًا اطلع عَلَى التوراةِ.\n_________\n(^١) انظر: سنن أبي داود، كتاب اللباس، باب، حديث رقم (٤٠٢٣)، عن معاذ بن أنس - ﵁ -، جامع الترمذي، كتاب الدعوات، باب في دعاء النَّبِيّ - ﷺ -، حديث رقم (٣٥٦٠)، سنن ابن ماجه، كتاب اللباس، باب ما يقول الرجل إذا لبس ثوبًا جديدًا، حديث رقم (٣٥٥٧)، مسند أحمد (١/ ٤٤) (٣٠٥)، عن عمر بن الخطاب - ﵁ -.","vol":"1","page":103},{"text":"الفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن الْإِنْسَان إذا رأى أَنَّهُ أفضلُ من غيرِهِ بنعمةِ اللهِ عليه فإن هَذَا لا يُنافي التواضُعَ، يعني عندما تشعر أن الله أنعمَ عليكَ بالمالِ وفَضَّلَكَ عَلَى هَذَا، فهذا لا يعني أَنَّك ترَفَّعْتَ وتَكَبَّرْتَ، بل إنك لا يمكنُ أن تدركَ نعمةَ اللهِ عليك حَتَّى تعرفَ ضِدَّها فِي غيرك، فإذا رأيتَ مثلًا إِنْسَانًا مبتلى فِي بدنه والله تَعَالَى قد عافاكَ، عرفتَ فضلَ نعمةِ اللهِ، تقول: الحمد لله الَّذِي عافاني ممَّا ابتلاهُ به وفضَّلني عليه، وعندما ترَى جاهلًا وأنتَ قدْ منَّ اللهُ عليكَ بالعلمِ فإنك كذلك أيضًا ترى فضلَ نعمةِ اللهِ عليكَ بهَذَا العلم، ولا يُعَدّ هَذَا من بابِ الترفُّع والاستهانة بالغيرِ، ولهَذَا قالا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوقد يتراءى للإِنْسَانِ أَنَّهُ إذا رأى فضلَه عَلَى غيرِه بما أنعمَ اللهُ عليه أن ذلك أمرٌ مذمومٌ، وَأَنَّهُ يتضمن الترفُّعَ والاستهانةَ بالغيرِ، وَلَيْسَ الأَمْرُ كذلكَ، لكِن هَذَا حَسَب نِيَّةِ الْإِنْسَان، فشعوره بعلوِّهِ بما فَضَّلَهُ اللهُ به عَلَى غيرِه قد يَكُون علوًّا وقد يَكُون ازدراءً، وقد ينظرُ إِلَى نعمةِ اللهِ عَلَى غيرِه عَلَى وجهِ الحِكْمَةِ، يَقُول: إن الله حكيمٌ، ولولا أن هَذَا أهلٌ ما أعطاهُ، ثُمَّ يَسعَى فِي تكميلِ الفضائلِ لينالَ ما نالَ، المهمُّ أن هَذِهِ المسألة ترجع إِلَى النيَّة.\n\nالفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: مشروعيَّة التحدُّث بنعمةِ اللهِ، لكِن لا عَلَى سبيلِ الافتخارِ والعلوِّ عَلَى الغيرِ، ولهَذَا جاء فِي الحديث عن الرَّسُول ﵊ أَنَّهُ قَالَ: \"أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ\" (^١)، فالْإِنْسَانُ إذا تحدَّث بنعمةِ اللهِ غيرَ مفتخِرٍ بها فَإِنَّهُ لا بأسَ\n_________\n(^١) رواه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة بني إسرائيل، حديث رقم (٣١٤٨)؛ وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الشفاعة، حديث رقم (٤٣٠٨)، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -. ورواه مسلم بدون: \"ولا فخر\"، كتاب الفضائل، باب تفضيل نبينا - ﷺ - على جميع الخلائق، حديث رقم (٢٢٧٨)، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":104},{"text":"بذلك، بل قد يَكُون هَذَا مشروعًا؛ لِأَنَّهُ ثناءٌ عَلَى اللهِ ﷾ بما أنعمَ به عليك.\n\nالفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إثباتُ علمِ اللهِ، وَجْهُه أَنَّهُ أعطَى علمًا، وفاقدُ الشَّيْءِ لا يُعْطِيهِ، فالله ﷾ أَعْطَى هَؤُلَاءِ عِلمًا، ولا يُعْطِي العلمَ إِلَّا مَن كَانَ عالمًا، لِأَنَّهُ يُعَلِّمُهم بما يَعْلَمُ هو.\n* * *","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>الآية (١٦)</span>\n* * *\n\nقَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: ١٦].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>الفَائِدَة الْأُوْلَى:</span> أنَّ سُلَيْمَان متأخِّر عن داودَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ﴾ والإرثُ أنْ يَخْلُفَ الْإِنْسَانُ غيرَه فِي شيءٍ ما، عِلمًا كَانَ أو مالًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134><span data-type=\"title\" id=toc-135>الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span></span> مشروعيَّة تحدُّث الْإِنْسَانِ بِنِعْمَةِ اللهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾.\n\nالفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن هَذَا التحدُّث لا بأسَ أن يَكُون علنًا، يعني شَامِلًا؛ لِأَنَّ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ نداء للبعيدِ، فكأنَّ سُلَيْمَان أعلنَ ذلك فِي جميعِ النَّاسِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:</span> أنَّ الطيرَ تَنطِق؛ لِقَوْلِهِ: ﴿مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>الفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:</span> أنَّ نُطْقَهَا مفهومٌ ومعلومٌ، ولكِن فيما بينها معلوم، ولغيرها مجهولٌ، إِلَّا لمَن عَلَّمَهُ اللهُ، ولهَذَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>الفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:</span> أن اللهَ ﷾ أَعطَى سُلَيْمَان من كُلّ شيءٍ يَتمُّ به المُلْكُ؛","vol":"1","page":106},{"text":"لِقَوْلِهِ: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وَهُوَ نظيرُ قولِه تَعَالَى عن مَلِكَةِ سَبَأ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، أي: ممَّا يَتمُّ به المُلْك، هَذَا إذا قَيَّدْنا من كُلّ شَيْء يتمُّ به المُلك، فـ ﴿مِنْ﴾ لبَيَان الجنسِ، وإذا قُلْنَا: إن ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ عامّ لكلِّ شيءٍ فإن ﴿مِنْ﴾ تكون للتبعيضِ؛ لأنهما ما أُعْطُوا كُلَّ شيءٍ، بل بعضَ كُلّ شيءٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>الفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:</span> أنَّ ما يعطيه الله تَعَالَى العبدَ منَ العلومِ والفهمِ فَهُوَ من فضلِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾، وقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>الفَائِدَةُ الثَّامِنةُ:</span> أنَّ مَن عَلِمَ لغةَ غيرِه فله ميزة عَلَى غيرِه؛ لِأَنَّهُ تمَدَّحَ بِقَوْلِهِ: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾.\nإِذَنْ: تعلُّم اللُّغةِ غيرِ العربيَّة هُوَ فِي الحقيقةِ مِن نعمةِ اللهِ عَلَى العبدِ، لكِن إنِ استعملها مكانَ اللُّغةِ العَربِيَّةِ فَإِنَّهُ مُخْطِئٌ، وَكَانَ عمر يَضرِب عَلَى ذلك (^١)، وإنِ استعملها لمصلحةٍ دِينيةٍ فهَذَا له أجرٌ فِي ذلكَ، كما لوِ استعملها فِي الدَّعْوَةِ إِلَى الله وتَفهيم الخلقِ الَّذِينَ لا يَفهمون اللُّغةَ العَربِيَّةَ، فهي وسيلةٌ.\nالمهمُّ أَنَّهُ لَا شَكَّ أن الْإِنْسَان الَّذِي يتعلم لغة غيرِه فله ميزة عَلَى غيرِه فِي هَذَا، ولكِن كونه محمودًا أو غير محمودٍ يَرجِع إِلَى ما يَتَوَصَّلُ به بهَذِهِ اللُّغةِ.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: قول سُلَيْمَان ﵇: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ هو آيَةٌ، وعليه فتعلُّم لغةِ الغيرِ لَيْسَ له ميزةٌ؟\nقُلْنَا: هَذَا صحيحٌ، لكِن كونه يَتَمَدَّح أَنَّهُ عُلِّم هَذَا المَنْطِقَ هل هُوَ لأجلِ كونِه\n_________\n(^١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/ ١١٣٣، رقم ٢٢٢٩).","vol":"1","page":107},{"text":"آيَةً أو لِأَنَّهُ أمرٌ يخفى على غيرِه؟ صحيح أَنَّهُ آيَة ويخفى على غيره.\nعَلَى كُلِّ حَالٍ: المسألة ليستْ بذاك، المسألة الَّتِي تؤخَذ من هَذِهِ الآيَة أنَّ الْإِنْسَان يُمْدَح إذا عَلِمَ لغةَ غيرِه زائدة، لكِن لَا شَكَّ أَنَّهُ علم، وَأَنَّهُ إذا تُوُصِّلَ به إِلَى أمر مقصودٍ فَهُوَ محمود كما تقدَّم، وإن توصل به إِلَى أمر مذمومٍ فَهُوَ مذمومٌ.\nفمثلًا إذا كَانَ الْإنْسَان يَتَعَلَّم لغة غير العَربِيَّة فيُحِلّها محَلّ العربيَّة ويبدأ يخاطِب غيرَه بهَذِهِ اللُّغةِ فلَا شَكَّ أَنَّهُ مذموم ويُنهى عنه؛ لِأَنَّهُ يخالف الشرعَ من جهةٍ، ويخالف العقلَ من جهةٍ أخرى، فالأممُ الْآنَ تسعى بكل وسيلةٍ للحفاظِ عَلَى لغاتِها، بل إنَّهَا تسعى لإحياءِ لغاتها البائدةِ، مثلما يصنع اليهود الْآنَ يحاولون بشتَّى الوسائلِ أن يرجعَ قومُهم إِلَى اللُّغة العِبْرِيَّة، فكيف نُضَيِّع اللُّغةَ العربيَّة الَّتِي هِيَ لغة العالم، لغة العالم شرعًا - وليسَ قَدَرًا - ولهَذَا يَجِب عَلَى جميعِ العالمِ أن يتعلمَ اللّغةَ العَربِيَّةَ؛ لِأَنَّ الْقُرْآن باللُّغةِ العَربِيَّةِ ولا يمكن فَهْمُه إِلَّا باللُّغة العربيَّة.\nولكِن نحن الْآنَ مَعَ الأسف نرَى أن غير اللُّغة العَربِيَّةِ هِيَ العالميَّة، مثلما أننا نرى الآنَ الشهورَ غير العَربِيَّة هِيَ العالمية؛ لأنَّنا فِي الحقيقةِ ما عَرَفْنا قَدْرَ أَنفسنا، وإلَّا فالمسلمونَ هم العَالَم فِي الحقيقةِ، هم العالم فِي دِينهم، وَفِي كتابهم، وَفِي تاريخهم، يَقُول الله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ﴾ لمَن؟ ﴿لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٩]، وليس العرب وحدهم ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾، وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٦]، متى؟ ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، وقد فَسَّرَهَا الرَّسُول ﵊ بهَذِهِ الأشهرِ العَربِيَّة، لكِن (^١):\nلَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا ... وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لمَنْ تُنَادِي\n_________\n(^١) الحماسة البصرية (٢/ ٣٠١).","vol":"1","page":108},{"text":"فالحاصل: أنه مَعَ الأسفِ الشَّديدِ بعضُ النَّاسِ يَتَعَلَّم لغةَ هَؤُلَاءِ ويجعلها هِيَ لغةَ التخاطُبِ فيما بينهم، وهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ نقصٌ فِي الشرعِ والعقلِ.\nولو أن النَّاس نُقلوا من اللُّغةِ العامِّيَّة إِلَى اللُّغةِ العَربِيَّةِ الفصحى فهَذَا طيِّب ومن أحسن ما يَكُون؛ لِأَنَّهُ يُعِين عَلَى فهم الْقُرْآنِ والسنّة، لكِن إذا لم يمكِن فهَذَا تغييرٌ، أي: لهجة فقط، ولو تأمَّلْتَ ما عليه النَّاس الْآنَ من اللُّغة العامِّيَّة لوجدت أن كُلّ كلماتهم لها أصول فِي اللُّغة العَربِيَّةِ، لكِن هو اختلاف لَهَجَات، فبودنا الحقيقة أن نرجع إِلَى اللُّغة العَربِيَّة الفصحى، ولكِن هَذَا يحتاج عملًا، فنحن نريد أن نَتَخَلَّى عن لُغَتِنا هَذِهِ العامِّيَّة إِلَى اللُّغةِ الفصحى، ويعجبني واحد من سيريلانكا فِي إحدى المؤسسات عندنا جاء مرَّةً يتكلم معي ويتكلم باللُّغةِ الفصحى ولا يَلْحَنُ، هَذَا العجيب، فالعجيب أَنَّهُ لا يلحن، هُوَ سيرلانكي أصلًا لَكِنَّهُ تعلم اللُّغة العَربِيَّة عَلَى اللُّغة الفصحى؛ لِأَنَّ القواميس باللُّغة الفصحى، وهو يكلمني باللُّغة الفُصْحَى تمامًا ولا لحنَ وهَذَا طيِّب.\n* * *","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>الآية (١٧)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾ [النمل: ١٧].\n* * *\n\nقوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ سُلَيْمَان ﵊ آتاه اللهُ ﵎ مُلْكا لا يَنبغي لأحدٍ من بعدِه، حَتَّى إنَّ الرَّسُولَ ﵊ لمَّا هَمَّ أنْ يَقبِضَ عَلَى الشيطانِ قَالَ: \"ذَكرْتُ قَوْلَ أَخي سُلَيْمَان: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] \" (^١). فمِن جُملة مُلْكِهِ هَذَا التنظيمُ العظيمُ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَحُشِرَ﴾ جُمِعَ]، والجامِعُ: النُّقبَاء والعُرَفَاء الَّذِينَ جَعَلَهُم يَجْمَعُون هَؤُلَاءِ الجنودَ، فَهُوَ قد نَظَّمَ مُلْكَه غايةَ التنظيمِ وجعلَ لكلِّ أُناسٍ قادةً وعُرَفَاءَ يَجْمَعُونهم.\nوقوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ وهل يُحشَر معهم غيرهم؟\nالجِنّ واضحٌ، والإنس مُكَلَّفون، والطيرُ غيرُ مُكَلَّفِينَ، وهي تطير.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد، حديث رقم (٤٤٩)؛ ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة والتعوذ منه وجواز العمل القليل في الصلاة، حديث رقم (٥٤١)، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":110},{"text":"بَقِينا فِي الحيواناتِ الأُخْرَى الماشية والزاحفةِ، هل تدخل فِي هَذَا من بابِ أَولى ونَقُول: إنَّهُ إذا حُشِرَتِ الطيورُ الَّتِي لا يمكن السيطرةُ عليها فغيرها من باب أولى، أو نَقُول: إن سُلَيْمَان ﵊ ما كَانَ يَستعمِل إِلَّا الطيور فقط؛ لِأَنَّهُ يستخدمها لمصالحه؟\nهو مَحَلُّ إشكالٍ عندنا، فالآن نَقُول: سكتَ عن بقيَّة الحيوانات، فهل هِيَ داخلة فِي جُنُودِهِ أو لا؟ قد تقولُ: إنَّهَا داخلة من باب الأَولى، وقد نَقُول: ليست بداخلةٍ.\nما وجه قولنا: من باب الأولى؟\nوجه قولنا أن نَقُول: إذا كَانَ الطيرُ وَهُوَ لا يمكن السيطرةُ عليه لِطَيَرَانِهِ يُحْشَر ويُجْمَع فغيرُه من باب أولى، وقد تقول: إنَّهُ لَيْسَ بلازِمٍ؛ لِأَنَّهُ يمكن أن سُلَيْمَان - ﷺ - لا يستخدم من الحيوانات سِوَى الطيرِ، وإذا لم يَسْتَخْدِمْ سواها فلا حاجةَ له فِي أن يجمعَ الباقيَ.\nقوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [يُجْمَعُونَ ثُمَّ يُساقونَ]، وهَذَا أيضًا منَ التنظيمِ ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يُساقون يعني منظمينَ فِي جَمْعِهِمْ وسَيْرِهِمْ، فيُجمعونَ أولًا، وبعدَ أنْ يُجْمَعُوا يُوَزَّعُون فيُساقون عَلَى وجهٍ مُنَظَّمٍ. وهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ منَ التنظيمِ الَّذِي يحفظ عَلَى النَّاس الوقتَ والعَمَلَ؛ لِأَنَّ أكثرَ ما يُضَيِّعُ وقتَ الْإِنْسَانِ وعَمَلَه هُوَ عَدَمُ التنظيمِ.\nولهَذَا أقول: إِنَّهُ يَنبغي أنْ يَكُونَ عندَنا تنظيمٌ لأعمالِنا اليوميَّة بِقَدْرِ المُستطاع، ولكِن لَيْسَ معنى ذلكَ أنْ نُصِرَّ عَلَى هَذِهِ الأَعْمالِ وإنْ وُجِد ما هُوَ أفضل فلا نفعله،","vol":"1","page":111},{"text":"إِنَّمَا فقط يَكُون الْإِنْسَان مُرَتَّبًا مُنَظَّمًا لا يَدَع وَقْتَه فَوْضى، فيقرأ الْآنَ فِي هَذَا الكتاب سطرًا ثُمَّ يَدَعه لِيقْرَأَ فِي الكتابِ الثاني ويدعه، أو يعمل هَذَا العَمَل ويبدأ به ثُمَّ يَتْرُكه، فيَنبغي أن يَكُونَ عِنْدَه تنظيمٌ، ومنَ المُسْتَحْسَنِ أَنَّهُ كلَّما كَانَ الشَّيْء أهمّ يبدأ به أوَّلًا.\nوكَانَ بعض النَّاس يَقُولُونَ: إِنَّهُ من جُملةِ تنظيمهم يجعل قراءة الجرائد والصحف إذا تغدَّى، ويَجعل قراءةَ الكتبِ الهامَّة الَّتِي تحتاج إِلَى تعبٍ بعدَ الغداءِ؛ لِأَنَّ قراءةَ الصحفِ قراءةٌ سَطحيَّةٌ مثل التحدُّث العادي، ولَيْسَ فيها تعبٌ. لكِن الكتب فيها تَعَمُّق فتحتاج إِلَى عملٍ، وهَذَا لا يناسبُ مَعَ وجودِ الشِّبَعِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>الفَائِدَة الْأُوْلَى:</span> أن سُلَيْمَان ﵊ قد نَظَّمَ جُنُودَهُ ورَتَّبَهُم بحيث يُجمَعون عندَ الجمعِ ويُفَرَّقُون عند التفريقِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144><span data-type=\"title\" id=toc-145>الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span></span> أنَّ الجنود الَّذِينَ يَسْتَصْحِبُهُمْ سُلَيْمَان ثلاثةُ أصنافٍ، وهم: الجِنُّ والإنسُ والطيرُ، أَمَّا الإنس فاستصحابُه لهم ظاهرٌ؛ لِأَنَّهُ منهم، وَأَمَّا الجنُّ فلاستخدامِهِمْ فيما لا يَقْدِرُ عليه الْإِنْسَانُ، وَأَمَّا الطيورُ فقال بعضُ العُلَماءِ: إنَّهَا تَصْحَبُهُ لِتُظِلَّهُ، فتكون فوق رأسِهِ ظُلَّةً منَ الشَّمْسِ، وهَذَا قد يَكُون مقصودًا، وقد يَكُون أيضًا من مقصودِ استصحابِ الطيرِ أَنَّهَا تأتيه بالأخبارِ البعيدةِ كما فِي قِصَّة الهُدْهُد.\n\nالفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: كمال التنظيم أيضًا، لِقَوْلِهِ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾، لِأَنَّ الوَزْعَ معناه: الجمْعُ والسَّوْق، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [فصلت: ١٩]، يُجْمَعُون إليها وُيساقُون إليها. وهَذَا دليلٌ أيضًا عَلَى كمالِ تَنظيمِهم.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:</span> جوازُ استعمالِ الساقَةِ فِي الجُنْد والجيشِ، بأن يَكُون لهم سائقٌ كما أنَّ لهم قائدًا دليلًا، وقد كَانَ من هدي الرَّسُول - ﷺ - أَنَّهُ يَكُونُ فِي الساقَةِ فِي أُخريات القومِ (^١)، مَعَ أَنَّهُ - ﷺ - رَئِيسهم وزعيمهم، لَكِنَّهُ يتأخَّر لأجلِ أنْ يُرْفِدَ من قَصَّر وُيعِين مَنِ احتاجَ، وللفوائد العظيمة الَّتِي تحصُل بهَذَا.\n* * *\n_________\n(^١) سنن أبي داود: كتاب الجهاد، باب في لزوم الساقة، رقم (٢٦٣٩).","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>الآية (١٨)</span>\n* * *\n\nقَالَ اللهُ ﷿: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨)﴾ [النمل: ١٨].\n* * *\n\nقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا﴾ هَذِهِ غايةٌ لمِا سبقَ، وَهُوَ قوله: ﴿وَحُشِرَ﴾، وَعَلَى هَذَا فيَكُونُ فِي الكَلامِ حَذْفٌ تَقديرُه: وساروا ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا﴾. فبعدَ أنْ جُمِعَ الجنودُ وَوُزِّعُوا فَرُدَّ أولهم إِلَى آخرهم، ونُظِّموا، سَارُوا.\nقوله: ﴿عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾: ﴿أَتَوْا﴾ أي: سُلَيْمَان وجنوده، أي: مَرُّوا.\nوقوله: ﴿عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ ظاهر الكَلامِ أن هَذَا الوادي معروفٌ بهَذَا اللَّقَب، أي أَنَّهُ يُسَمَّى واديَ النملِ، ويَحْتَمِل، لَكِن خِلاف الظَّاهرِ أن يَكُونَ هَذَا الوادي واديًا فِيهِ نملٌ، يعني يَكُون التَّقْدير: حَتَّى إذا أتوا عَلَى وادٍ فِيهِ نملٌ، وَلَيْسَ معروفًا بهَذَا اللَّقَب، أي بأنه: وادي النملِ، ولكِن الأَولى الأخذُ بظاهرِ اللفظِ؛ وَهُوَ أن يَكُونَ هَذَا الوادي معروفًا بكثرةِ نَمْلِهِ وَأَنَّهُ يُلَقَّب بهَذَا اللقبِ لِكَثْرَتِهِ.\nوالنَّمْلُ معروفٌ، وَهُوَ مِنَ الحيواناتِ الَّتِي نُهي عن قَتْلِها، كما فِي السُّنَن أن النَّبِيّ - ﷺ - نهى عن قتل أربعٍ منَ الدوابِّ، وذكرَ مِنْهَا النَّمْلةَ (^١)، وَفِي الصَّحيحِ أيضًا\n_________\n(^١) رواه أبو داود، كتاب الأدب، باب في قتل الذر، حديث رقم (٥٢٦٧)؛ وابن ماجه، كتاب الصيد، باب ما ينهى عن قتله، حديث رقم (٣٢٢٤)، عن ابن عباس - ﵁ -.","vol":"1","page":114},{"text":"أن أحدَ الأَنْبِياء -عليهم الصَّلَاة والسلامُ- قَرَصَتْهُ نملةٌ، فأمر بقَرْيَةِ النملِ كُلِّها فأُحْرِقَتْ، فَعَاتبهُ اللهُ عَلَى ذلك وقال: هَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً (^١).\nوهَذَا النَّمْلُ من جملةِ المخلوقاتِ الَّتِي تَعْرِف ربَّها وتعرف ما يَنْفَعُها وما يَضُرُّها عَلَى حَسَب ما رُكِّبَ فيها من هدايةٍ، وقد قَالَ موسى - ﷺ - لِفِرْعَوْنَ: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أي الخلقَ اللائقَ به، فكُلّ شيءٍ من الحيوان وغيرِه له خَلْق يَليق به أعطاهُ اللهُ، ثُمَّ هَدَى هَذَا الخلقَ أيضًا لما تَقُومُ به مصالحُه، فهَذَا النملُ من جُملةِ المخلوقاتِ الَّتِي أَعطاها اللهُ تَعَالَى خَلْقَهَا وهداها.\nقَالَ المُفَسِّر: [﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ وَهُوَ بالطائفِ أو بالشامِ]، خِلاف، ولا دليلَ لا عَلَى الطائفِ ولا عَلَى الشامِ، والأقرب أَنَّهُ بالشامِ -ومعَ ذَلِكَ لا نَجْزِمُ به- لِأَنَّ مَقَرّ سُلَيْمَان ﵊ كَانَ فِي الشامِ، وتعيين المكانِ ليس منَ الأُمُورِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا فِي القصة؛ لِأَنَّ المقصودَ الاعتبارُ بما جَرَى فِي أيِّ مكانٍ كَانَ من الْأَرْض، وقَالَ المُفَسِّر ﵀: [نمله صِغار أو كبار]، أيضًا ما لنا ولهَذَا، بعضهم يَقُول: نمله كبار، والنَّمْلة كالذئب، يعني صار النمل حميرًا! وهَذَا لَيْسَ بصحيحٍ، بلِ النملُ هُوَ المعروفُ فِي لغةِ العربِ، وكل مَنْ فَسّرَ شيئًا من الْقُرْآن بخلافِ ما تَقتضيه اللُّغةُ العربيّةُ فَإِنَّهُ لَابُدَّ له من دليلٍ، وإلا فَيرَدَّ عليه؛ لأنّ مَعَنا أصلًا أصيلًا فِي تفسيرِ الْقُرْآن وَهُوَ قوله تَعَالَى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، فمَن زَعَمَ أنَّ شيئًا من الْقُرْآن عَلَى خلافِ هَذَا اللسانِ العربيّ المبينِ فعليه الدَّلِيلُ.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب هل للأسير أن يقتل ويخدع الذين أسروه حتى ينجو من الكفرة؟، حديث رقم (٢٨٥٦)؛ صحيح مسلم، كتاب السلام، باب النهي عن قتل النمل، حديث رقم (٢٢٤١)، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":115},{"text":"وعَلَى هَذَا نَقُولُ: النَّمْلُ هُوَ النملُ المعروفُ، وَأَمَّا القَوْلُ بِأَنَّهم كِبَارٌ وأنهم كالذِّئاب فِي الكِبَر فهَذَا لا دليلَ عليه.\nقولُه: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ هَذِهِ جواب ﴿إِذَا﴾: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا ... قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ هو قَالَ المُفَسِّر ﵀: [مَلِكَة النَّمْل وقدْ رَأَتْ جُنْدَ سُلَيْمَانَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ ...]، إِلَى آخِرِهِ.\nقولُه ﵀: [وقد رأتْ جُنْدَ سُلَيْمَان]، فهَذَا واضحٌ، اللهُ أَعْلَمُ أَنَّهَا رأته أو أَحَسَّته، قد يَكُون إحساسًا بدون نظرٍ، وقد يَكُون نظرًا، إِنَّمَا عَلَى كُلّ حال هِيَ أدركتْ قُرْبَه ووصول سُلَيْمَان بجنوده إليهم.\nوقوله تَعَالَى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾: ﴿نَمْلَةٌ﴾ مُنَكَّر، وظاهر كلام المفسِّر أَنَّهَا مُعَرَّفَة؛ لِأَنَّهُ قَالَ: [ملكة النمل]، وهَذَا يقتضي أن يَكُون التعبير: (قالت النَّمْلةُ) يعني النَّمْلة المعهودة وهي الملِكة، ولمَّا لم يكنِ التعبيرُ بِقَوْلِهِ: (قالت النَّمْلة) دلَّ عَلَى أن القائِلَ لا يَتَعَيَّنُ أن يَكُونَ مَلِكَة النملِ، وإنما هِيَ نملةٌ منَ النملِ، وهَذَا لَيْسَ بغريب فَإِنَّهُ كما لو أقبل جُنْدٌ عَلَى طائفةٍ منَ النَّاس ورآه واحدٌ منهم فيَصيح بهم، ولا يَلْزَمُ أن يَكُون هَذَا الصائحُ هُوَ الأميرَ أو الملِكَ، ولهَذَا الصَّحيح إبقاء الْقُرْآن عَلَى ظاهرِهِ، وأنها نملة من هَذَا النملِ، ولا يلزم أن تكونَ الملكةَ؛ لِأَنَّ في مثل هَذِهِ الأحوال أَيُّ واحدٍ يشعرُ من الطائفةِ الموجودةِ بالخوفِ يَصيح به ويُنْذِر، أنا النذيرُ العُريانُ.\nإِذَنِ: الصَّواب أن نَقُول: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ من النملِ، ولا نُعَيِّنُها بأنها الملكة.\nقوله ﵀: [وقد رأتْ جُنْد سُلَيْمَان]، هل يَتَعَيَّن الإدراك بالرؤيةِ أو يجوز أيضًا بالإحساسِ والسمعِ؟","vol":"1","page":116},{"text":"يمكن هَذَا، وحينئذٍ نسأل: هل للنمل أعينٌ؟\nهَذِهِ تحتاج إِلَى دراسة علمِ الأحياءِ، وقد قرأتُ كلامًا يَقُول: إن النمل -بإذن الله ﷾- إذا مَشَى فَإِنَّهُ يُفْرِزُ أَشْيَاء تمشي النملات الأُخْرَى عَلَى رائحتها، وهَذَا شَيْء أنا شاهدتُه بعيني، حَيْثُ إِنَّهُ كَانَ يوجد بِسَاط كبيرٌ وَكَانَ النملُ يَمشي ويأتي عَلَى زاوية ثُمَّ يَرجِع، يعني يمشي مستطيلًا ويأتي عَلَى الزاوية ثُمَّ يرجع، كُلّ النمل عَلَى هَذَا، يعني لا يذهب فِي طريقٍ مستقيمٍ مخُتصَر، فأنا تَعَجَّبْتُ كيف يعرف الطريقَ؟ لو كَانَ عَلَى ترابٍ لكانَ يبين أثر النمل وَيمشي بعضهم مَعَ بعض، لكِن هَذَا لَيْسَ عَلَى ترابٍ، ولكِن بَعْد أن قرأتُ هَذَا عنه عرفتُ أَنَّهُ إذا مشَى يَكُون له رائحةٌ وتمشي بقيَّة النمل عَلَى هَذِهِ الرائحةِ، وهَذَا من آيَاتِ اللهِ ﷾، هَذَا معنى قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠].\nعَلَى كُلّ حالٍ: الَّذِي يَلْزَمُنا من هَذِهِ الآيَاتِ الكَريمَةِ أن النَّمْلةَ أدركتْ ذلك برؤيةٍ أو بغيرِها.\nقوله: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ انظُرْ هَذِهِ الجملة تضمنت نداءً وأمرًا وإرشادًا وتحذيرًا وتعذيرًا وغير ذلك مما يمكن أن نُدْرِكَهُ إن شاء الله بَعْد الكَلام بالتفصيلِ.\nوقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ﴾ هَذَا نداءٌ، وقد تَقَدَّمَ أن تصديرَ الجملةِ بالنداءِ الغرضُ مِنه التنبيهُ، فإذا قلتُ: (افعل) أو (يا فلان افعلْ) الأخيرة أعظمُ وأبلغُ، فهَذَا لتنبيهِهِ، ثُمَّ إن قولها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ﴾ نداءٌ بعيدٌ مُصَدَّر بِتنبيهٍ ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ﴾؛ لِأَنَّهَا لو قالتْ: (يا نملُ) فقد يَخْفَى؛ لِأَنَّهُ كما هُوَ مشاهَد الْإِنْسَان أوَّلَ ما يُكَلِّمُك قد يَخْفَى عليك أوَّلُ جملةٍ، لكِن إذا جاء بشيءٍ يُنبِّه قبلَ الدخولِ فِي الموضوعِ المقصودِ","vol":"1","page":117},{"text":"صار لا يفوت السامعَ منَ المقصودِ شيءٌ، هِيَ قالت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ﴾ ولم تقلْ: يا نملُ. ثُمَّ إن نداءَ البعيدِ أيضًا يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا صَوَّتَتْ بصوتٍ سمِعه الكلُّ ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ﴾.\nوفي قولِها: ﴿ادْخُلُوا﴾ هَذَا أمرٌ، والمُرادُ به الإرشادُ، قالت: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾، وَفِيهِ تعيينِ المساكِنِ وهي الملاجِئ، وهَذَا مثل صفَّارات الإنذارِ عندَ النَّاسِ، فإذا صفّرت صفَّارة الإنذارِ لا يَذْهَبون إِلَى السُّطُوح، ولكِن يذهبون إِلَى الملاجِئِ، وهِيَ أيضًا أَرْشَدَتْهُم إِلَى ملاجئهم: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾، ثُمَّ فِيهِ أيضًا إشارةٌ إِلَى أن هَذِهِ المساكن كما أَنَّهَا أكنان يُكْتَنّ بها الْإِنْسَان فهي أيضًا حُصُون يَحْتَرِزُ بها الْإِنْسَان، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦].\nوفي قولها: ﴿مَسَاكِنَكُمْ﴾ هو الإضافةُ هنا عَلَى تقدير (اللام)، لا (من) ولا (في)؛ لِأَنَّ الإضافة تكونُ عَلَى تقدير (من) إذا كَانَ المضاف من جنس المضاف إليه كخاتَمِ حديدٍ، وبابِ خَشَبٍ.\nوتكون عَلَى تقدير (في) إذا كَانَ المضاف إليه ظرفًا للمضاف؛ كما فِي قوله تَعَالَى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]، أي: مَكْرٌ فِي الليلِ.\nوتكون عَلَى تقديرِ اللَّام، وهي الغالبُ والأكثرُ، وهنا عَلَى تقديرِ اللامِ، واللامُ المُقَدَّرَة فِي الإضافةِ هنا هل هِيَ للاختصاصِ أو لِلْمِلْكِ؟\nبالنِّسْبَة لنا للاختصاص، لكِن بالنِّسْبة لهنّ - أي: للنمل فيما بينهنّ - الظَّاهر أَنَّهَا للمِلك؛ لِأَنَّ كُلّ واحدةٍ منهنّ تَعْرِفُ بيتَها وَتَمْلِكُه.\nقوله: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ هَذَا التحذير إرشادٌ وتحذيرٌ، قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ [يَكْسِرَنَّكُمْ]، لَيْسَ المُرادُ بالكسرِ هنا أن يُكْسَر عضوٌ فقطْ،","vol":"1","page":118},{"text":"المُراد بالكسر هنا الإهلاكُ عَلَى سبيل التحطيمِ، فالنَّمْلةُ إذا وَطئتها تَقَطَّعَتْ وتَمزَّقَتْ هَذَا هُوَ التكسُّر، وَلَيْسَ المَعْنى أن رِجلها تَنكسِر وتبقى معلَّقة بها، والجملة هَذِهِ كالتعليلِ للأمرِ فِي قولها: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾، يعني كَأنَّ قائلًا يَقُول: لماذا؟ ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾، فالجملةُ تعليلٌ وتحذيرٌ، وهَذَا مِن بَلاغَتِها أيضًا، ما قالت: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ فقط، ولكِن عَيَّنَتِ المُحَذَّرَ منه وَهُوَ ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾ ثُمَّ أتتْ بهَذِهِ الجملةِ الشديدةِ الوَقْعِ، لم تَقُلْ: لا يَطَأَنَّكُمْ، قالت: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾، فأيّهما أشدّ وقعًا؟\nالأخيرةُ أشدُّ؛ لِأَنَّ الوطءَ قد يَلْزَمُ منه الكسرُ والإفلاتُ وقد لا يَلزَمُ، ثُمَّ الوطءُ هادئٌ بالنِّسْبَةِ لكلمةِ التحطيمِ.\nوأيضًا قوله: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ أشدّ فِي الحَذَرِ وأبلغُ ممَّا لو قَالَ: (لَيُهْلِكَنَّكُمْ)، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ [الهمزة: ٥]، فالتحطيمُ أبلغُ.\nوهل المقام يَقتضي أن تأتي بالعبارةِ الغليظةِ؟\nنعم، لِأَنَّ المقامَ مَقامُ تحذيرٍ وسرعة، فإذا لم تفعل النملات هَذَا بسرعةٍ فإنها ستتحطم.\nوهنا قالت: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ وقالت: ﴿ادْخُلُوا﴾، والتعبير بـ ﴿ادْخُلُوا﴾ و﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ بالميم هَذَا لا يَكُون إِلَّا للعاقلِ؛ لِأَنَّ الميم هَذِهِ لجماعة العقلاء، والواو أيضًا لجماعة العقلاء؛ لِأَنَّ غير العاقل يؤنَّث: ادخلنَ مساكنكنَّ، ولا يحطمنكنّ، ولَكِنَّهَا قالت: ﴿ادْخُلُوا﴾ و﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ تنزيلًا لهنَّ مَنْزِلَةَ العاقلِ، فخُوطِبُوا خِطابَ العقلاءِ، ولهَذَا قَالَ المُفَسِّر ﵀: [نزَّلَ النملَ مَنْزِلَةَ العقلاءِ فِي الخطابِ بِخِطَابِهِم].","vol":"1","page":119},{"text":"أو يقال: هنَّ بالنِّسْبَةِ لبعضهنَّ عُقَلاءُ، يعني لما كَانَ هَذَا الخطابُ يُفهم ويُعمل به صارتْ كأنها تخاطبُ العقلاءَ، مثلما قُلْنَا: إن المساكنَ بالنِّسْبَةِ لهنّ مِلْك وبالنِّسْبَةِ لنا اختصاص.\nوقوله: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ وهَذَا التعبيرُ يَدُلّ عَلَى أنَّ عَظَمَة سُلَيْمَان مُتَقَرِّرَةٌ عِنْدَهنَّ وَهُوَ كذلك.\nوقوله: ﴿سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ ما قالتْ: وجُنْدُه؛ لِأَنَّ الَّذِي فَهِمنا منَ الْقُرْآن أن معَه ثلاثةُ أصنافٍ من الجنودِ: الإنس والجنّ والطير كما سبقَ.\nوقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ هَذَا اعتذار لسُلَيمان وجنودِه، أَنَّهُم لن يَتَقَصَّدوا أن يَحْطِمُوكم، ولكِن بغير شعورٍ منهم؛ لِأَنَّهُ كما هُوَ معروفٌ أن هذا جيشٌ عظيمٌ واسعٌ وهذه نملٌ صغارٌ يُمْكِن أن يحطمها الجيشُ بدونِ أنْ يَشْعُرَ، ثُمَّ إنَّ الغالبَ أنَّ مثلَ هَذَا الجندِ الكثيرِ لا يستطيع أن يَتَوَقَّفَ إذا وجد جُحْرَ نَمْلٍ مثلًا، فهَذَا معنى قولها: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\nوَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: كيف ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ هل هم يمشون بِغَيْرِ هُدًى؟\nقُلْنَا: لا، يمشون بهدى، لكِن من المعروفِ أَنَّنا إذا قارنَّا بينَ هَذَا الجُنْدِ العظيم الواسع وبين صِغَرِ هَذا النمل فإنَّ الغالبَ أَنَّهُم لا يَشعرون بها.\nفهَذهِ الجُمَل البليغة العظيمة من هَذَا المخلوقِ الَّذِي لَيْسَ فِي أَعْيُنِ النَّاس شيئًا، وَهُوَ من أصغرِ المخلوقاتِ، فيها ما يَدُلّ عَلَى عَظَمَةِ الخالِق، وأن ما هُوَ أعظمُ من هَذِهِ المخلوقات -النمل- هُوَ أعظمُ مِنْهَا أيضًا فِي هَذِهِ الأُمُور؛ لِأَنَّ مَن أعطى الصغيرَ هَذَا الإعطاءَ وهداه هَذِهِ الهدايةَ فالكبيرُ أحوجُ للهدايةِ من ذلكَ، وعنده منَ العلمِ ما عنده.","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>الفَائِدَة الْأُوْلَى:</span> أن من البلاغةِ الإيجاز بالحَذْفِ؛ لِأَنَّ قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا﴾ قبلَ الشَّيْءِ المحذوفِ، والتَّقْدير: (فساروا حَتَّى إذا أتوا عَلَى وادي النمل) لِأَنَّ (حَتَّى) للغاية فلابد أن يَكُون هناك شَيْء محذوف قبلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150><span data-type=\"title\" id=toc-151>الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span></span> وفيه دليلٌ عَلَى إضافةِ المكانِ إِلَى ساكنِه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَادِ النَّمْلِ﴾ كما يُقَال الْآنَ فِي الأحياءِ فِي البلد: هَذَا حيُّ بني فلانٍ، كما هُوَ معروف من قديم الزمان أن الأحياء تضاف إِلَى ساكنيها.\n\nالفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: هل نَقُول: فِي هَذَا دليلٌ عَلَى أن النملَ إذا سكنَ أرضًا مَلَكَها بحيثُ لا يجوزُ إحياؤها ولا الاستمتاعُ بها، ففِي الآيَهِ يَقُول الله تَعَالَى: ﴿وَادِ النَّمْلِ﴾ فإذا قلت: (بيت فلان) هل لك حقٌّ أن تأتيَ إِلَى بيتِ فلانٍ وتسكنه؟\nنَقُول: صحيح، فلو نظرنا إِلَى مطلَقِ اللفظِ لكان وادي النمل للنمل، ولكِن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، فإذا كَانَ النمل يُؤْكَل أَكَلْنَاهُ، فكيف لا نأكل مساكنَهم، فبنو آدم هم أحقُّ بالْأَرْض من غيرهم، فإذا احتاج الْإِنْسَان مثلًا إِلَى عمارة هَذِهِ الْأَرْض، وكَانَ فيها نملٌ، فلا بأسَ أن يَعْمُرَها، ولو لزِم من ذلك أن يموت النمل؛ لِأَنَّ هَذَا الموت غير مقصود، وما كَانَ غير مقصود وإنما جاء ضرورة لتناول المباحِ فَإِنَّهُ لا يضرُّ، وهَذِهِ القاعدةُ معروفةٌ فِي الشرعِ، أن الشَّيْءَ الَّذِي يأتي ضرورةً لفعلٍ مباحٍ وَهُوَ غير مقصودٍ فَإِنَّهُ لا بأسَ به، وانظُرْ مثلًا إِلَى قتلِ النِّسَاء والذُّرِّيَّة فِي الحربِ فإنه لا يجوز، لكِن إذا لم نتوصلْ إِلَى قتل المقاتلينَ إِلَّا بالرمي بالمنجنيقِ والمدافعِ الْعَامَّة فَإِنَّهُ يجوز، ولو لزِم من ذلك قتل النِّسَاء والذرَّية؛ لِأَنَّ هَذَا غير مقصودٍ. كذلك أيضًا قطع نخيل العدوّ لا يجوزُ، ولكِن","vol":"1","page":121},{"text":"إذا لم نتوصلْ إليهم إِلَّا بقطع نخيلهم جاز كما فعل النَّبِيّ - ﷺ - فِي بني النَّضِير.\n\nفائدة: بيوت النمل تكون عميقة فِي الْأَرْض، ثُمَّ من عادة النملِ أيضا أَنَّهُ لا يبني البيوت إِلَّا فِي مكانٍ مرتفعٍ، وغالبًا أن الجند لا يأتون الأماكن المرتفعة ما دام يجدون السهلَ.\nفالحاصل أن نَقُول: إذا لزِم من إحياء الْأَرْض قتل النمل فَإِنَّهُ لَيْسَ به بأسٌ؛ لِأَنَّهُ لم يكنْ مقصودًا، وإنما جاء ضرورةً لتناولِ أمرٍ مباحٍ لنا، بل كُلّ مؤذٍ، حَتَّى ابنُ آدمَ إذا آذاك وصالَ عليكَ ولم يَنْدَفِعْ إِلَّا بالقتلِ تَقْتُله، وَهُوَ أعظم حُرْمَةً من الحيواناتِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:</span> أن للحشراتِ نُطقًا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>الفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:</span> وفيه دليل عَلَى أن قولها أيضًا مسموعٌ يَسْمَعُه بنو جنسها؛ لِأَنَّهُ لو لم يَكُونوا يسمعونها لم يكن فِي قَوْلِها فائدةٌ، فهم يسمعون قولها، وقد يُسْمِعُهُ اللهُ ﵎ مَن يشاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>الفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:</span> وفيه دليلٌ -استدلَّ الْعَامَّة بذلك- عَلَى أن كُلّ شيءٍ يَنطِق من قبلُ، وهَذَا لَيْسَ بصحيحٍ، ولكِنَّ الله تَعَالَى قد يُسْمِع الخلقَ نُطْقَ بعضِ الحيواناتِ؛ إمَّا آيَة أو كرامة، أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَمَّا العوامُّ فإنهم يَقُولُونَ: كُلّ شَيْء يتكلم، حَتَّى إن بعضهم يَقُول: الجصة تَتَكَلَّم، والجصة هِيَ مخَزنُ التَّمر، والظَّاهر أَنَّهُ سارقٌ كَانَ فِي الجصةِ وتكلَّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>الفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:</span> ردُّ كلامِ المُفَسِّر فِي قولِه: إن النَّمْلةَ مَلِكة النمل؛ لِقَوْلِهِ: ﴿نَمْلَةٌ﴾ مُنكَّر، وَلَيْسَ بغريبٍ أن تكونَ نملةً من النملاتِ هِيَ الَّتِي قالت هَذَا.","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>الفَائِدَةُ الثَّامِنةُ:</span> فصاحة هَذِهِ النَّمْلة ونُصْحها وذكاؤها؛ لِأَنَّ الكَلامَ الَّذِي قالتْه يَتَضَمَّن هَذَا كله، فهي من بلاغتها استعملتْ فِي كُلّ مكانٍ ما يُناسِبُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ﴾ أتت بالياء لمناداة البعيد؛ لِأَنَّ النمل لَيْسَ كله قريبًا مِنْهَا، بل بعضه بعيد وبعضه قريبٌ، ومن كمالِ نُصْحها: إرشادها إِلَى المخابئِ والملاجِئِ؛ لِقَوْلهِا: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾.\nومن كمال ذكائها: أَنَّهَا استعملتِ العباراتِ المثيرةَ المزعِجة، فِي قولها: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾.\nوأيضًا من عَدلها أَنَّهَا قالت: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\nفتضمَّن هَذَا الكَلام أنواعًا كثيرة من البلاغةِ والفصاحةِ والنصحِ والتحذيرِ والتعذيرِ وغير ذلك مما مرَّ فِي الشرحِ.\n\nالفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: فِي هَذَا أيضًا عَظَمَةُ مُلْكِ سُلَيْمَان وجنوده؛ لِأَنَّ النَّمْلة عَرَفَتْ ذلك وحذَّرتْ منه.\n* * *","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>الآية (١٩)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)﴾ [النمل: ١٩].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَتَبَسَّمَ﴾ سُلَيْمَان ابتداءً ﴿ضَاحِكًا﴾ انتهاءً ﴿مِنْ قَوْلِهَا﴾]. يَقُولُونَ: إن الضحكَ ثلاثة أنواعٍ: ابتدائيٌّ ووَسَط وانتهائيّ، الابتدائي التبسُّم، والوسط الضَّحِك، والمنتهَى القَهْقَهَة، والقهقهة لا تليقُ بالْإِنْسَان العاقلِ الرَّزين، والتبسُّم هُوَ أكثرُ ضَحِكِ الأَنْبِياء عليهم الصَّلَاة والسلامُ، والضَّحِك يَكُونُ منَ الأَنْبِياء أحيانًا، فهنا تَبسَّم ضاحكًا، والمُفَسِّر ﵀ يَرى أنَّ سُلَيْمَان - ﷺ - كَانَ له مرحلتانِ فِي هَذَا الضحِك: الأولى: التبسُّم، والثَّانِيَة: الضحِك، فابتدأ بالتبسُّم وانتهى بالضحِك.\nويَحتمل أن يَكُونَ معنى قوله: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ أَنَّهُ ضحك متبسمًا، يعني أَنَّهُ ما ظهر له صوتٌ ولكِنه تبسَّمَ تبَسُّمًا، واللهُ أَعْلَمُ. وَعَلَى هَذَا التَّقْدير تكون ﴿ضَاحِكًا﴾ حالًا مبيِّنة للنوعِ، يعني أن ضَحِكَه كَانَ تبسُّمًا.\nعَلَى كُلِّ حَالٍ: في هذه المسألة لا يضرُّ لو كَانَ ابتدأ بالتبسم وأنهى بالضحك، والفرق بين التبسُّم والضحِك: أن التبسم ينفتح فيه الفم بدونِ صوتٍ، والضحِكُ","vol":"1","page":124},{"text":"يَكُون بصوتٍ، لكِن بدونِ قهقهةٍ، والقهقهة هِيَ تكرار الصوتِ، (كَرْكَرَ) كما يَقُول الْعَامَّة.\nقوله: ﴿ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾: (مِن) بَيَانيَّة، والبَيَانية للتعليلِ، يعني بسببِ قولهِا تبسَّمَ، هَذَا التبسُّمُ ما مصدرُه؟ هل تبسم من قولها، أمْ من تحذيرها، أم من اعتذارها، أم من إرشادها، أم من فصاحتها؟\nمن كُلّ ما يتضمنه هَذَا القَوْل؛ لِأَنَّهُ فِي الحقيقة محلّ عَجَب، أَنَّهَا تتكلم بهَذَا الكَلام البليغِ، وبهَذِهِ السرعةِ، فما ذهبت تُرتِّب وتأتي بالعناصر وتزيِّن، فهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ محلّ ضحِك، ثُمَّ هُوَ أيضًا محل ضحِك لَيْسَ من القَوْلِ فقطْ، بل من مغزى هَذَا القَوْل، ولهَذَا جعله من نعمة الله: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾، مغزى هَذَا القَوْل أن سُلَيْمَان ﵊ تَعْتَرِف حَتَّى الحشرات بعظمته وعظمة جنودِهِ، وهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ من نعمة الله عليه.\nفهَذَا التبسُّمُ إذن مِنَ القَوْلِ من مضمونِهِ ودلالتِه وكذلك من مغزاه، وما يتضمنه من نعمة الله ﵎ عَلَى سُلَيْمَان.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ وقد سمِعه من ثلاثة أميالٍ حملته إليه الريحُ، فحَبَسَ جُنْدَه حين أشرفَ عَلَى واديهم، حَتَّى دخلوا - أي: النمل - بيوتهم، وَكَانَ جُنْدَه ركبانًا ومشاةً فِي هَذَا السير].\nيَقُول ﵀: [وقد سمعه من ثلاثة أميال] من أين جاء بهَذَا؟ أخبار إسرائيليَّة بل إن الْقُرْآن ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ [النمل: ١٨]، يَدُلّ عَلَى أَنَّهُم وصلوا إليه، غاية ما هنالك أَنَّهُم لما حُذِّر النمل بهَذَا التحذير دخل فِي المساكن، يعني لَيْسَ بينهم","vol":"1","page":125},{"text":"وبين أن يطئوا هَذَا النمل إِلَّا دخول النمل مساكنهم، وهَذَا لا يقتضي أن يَكُون بينه وبينهم ثلاثة أميال، ولا دليل عَلَى ذلك، وإنما يقال: إنَّهُ سمعه من قُرْب، وهل سمعه غيره من جنوده؟\nالظَّاهر أَنَّهُم ما سمِعوه ولا عرفوه؛ لِأَنَّ قوله: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦]، يَدُلّ عَلَى أن تعليم نطق الحيوانات خَاصّ بسُلَيْمَان ﵊، وَلَيْسَ كما يزعم بعض الْعَامَّة، فبعض الْعَامَّة يَقُولُونَ: فِي أول الأَمْر كَانَ كُلّ شَيْء يتكلم، ويأتون بقصصٍ عَلَى هَذَا، وهَذَا لَيْسَ بصحيح، لَيْسَ هناك كلام معلوم إِلَّا فِي الأممِ فيما بينها، وَأَمَّا أن الإنس يَعلَمون كلام الجنّ أو مثلًا يعلمون كلام الحشراتِ فلا، إِلَّا بدليلٍ، إذا وجد دليل عن المعصومِ فهَذَا صحيحٌ، مثلما أَخبرَ النَّبِيّ ﵊ عن الذئبِ الَّذِي تَكَلَّم (^١)، وأخبرَ أيضًا عن البقرةِ الَّتِي رَكِبَها صاحبها وقالت له: إنَّا لم نُخْلَقْ لهَذَا (^٢)، المهمُّ ما دلَّ عليه الدَّلِيل وجبَ علينا أن نَقْبَلَهُ، وإلَّا فالأَصْلُ أن المخلوقَ يَتكلَّم بلغتِه، وأن كُلّ جنس لا يَفهَم لغةَ جِنْسِه.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أَلهمْنِي ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ﴾ بها ﴿عَلَيَّ﴾].\nقوله: ﴿وَقَالَ رَبِّ﴾: (ربِّ) منادى حُذِفَت منه ياء النداءِ، وأصله: يا ربِّ، وحُذفت الياء المضاف إليها للتخفيف، وإلا فأصلها: (ربي) بالياءِ. ودائمًا يأتي الدعاءُ بحذفِ ياءِ النداءِ؛ ابتداءً بذكرِ اسمِ اللهِ وعنايةً بالمقصودِ، وَهُوَ الله ﷾،\n_________\n(^١) انظر: صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب حديث الغار، حديث رقم (٣٢٨٤)؛ صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة - ﵁ -، باب من فضائل أبي بكر الصديق - ﵁ -، حديث رقم (٢٣٨٨)، عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) التخريج السابق.","vol":"1","page":126},{"text":"﴿رَبِّ﴾ يبتدئ به قبل كُلّ شَيْء، وَكَأنَّ الْإِنْسَان لشدَّة شَوْقه لربِّه أثناء دعائه ما يَبْدُرُ منه إِلَّا اسْم الله ﷾.\nقوله: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾: ﴿أَوْزِعْنِي﴾ من حَيْثُ الإعرابُ يقال: فعلْ أمرٍ، لكِن النحْويُّون ﵏ تأدُّبًا مَعَ الله ما يَقُولُونَ: فعل أمرٍ؛ لأنك لا تأمر الله، فيُسمُّونه فعلَ دعاءٍ، فعندما نُعْرِب ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ نَقُول: (أَوْزعْ) فعلُ دعاءٍ، لا نَقُول: فعل أمرٍ يُقصَد به الدعاء، هُوَ حقيقة فعل أمرٍ والمقصود به الدعاء، لكِن تأدْبًا مَعَ اللهِ نَقُول: فعل دعاءٍ.\nيَقُول المُفَسِّر ﵀: [﴿أَوْزِعْنِي﴾ أَلْهِمْنِي ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ﴾ بها ﴿عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾]، قَالَ: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ الحامِلُ لسُلَيُمان ﵊ أن يَقُول هَذَا الاعترافُ بنعمةِ اللهِ ﷾، وخوف الغرورِ بالنفسِ؛ لِأنَّهُ إذا كانت النَّمْلة تقول هَكَذَا خوفًا منه وجنوده وتَعْتَذِر لهم وَيفْهَم كلامها، فهَذَا قد يؤدِّي بالْإِنْسَان إِلَى الغرور وأن هَذَا الشَّيْء لذاته أو من ذاته، مثلما قَالَ قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، فلهَذَا سأل اللهَ فِي هَذَا المقامِ الَّذِي ربما يَحْصُل به الغرور للمرءِ، والْإِنْسَان بشرٌ، فسألَ اللهَ أن يُلْهِمَه شُكْرَ نِعْمَتهِ الَّتِي أنعمَ عليه وَعَلَى والديْه وأن يعملَ صالحًا يرضاه.\nوهَكَذَا ينبغي للإِنْسَان إذا حصلَ له نعمةٌ أن يسألَ الله تَعَالَى أنْ يُلْهِمَه شُكْرَها؛ حَتَّى لا يَلْحَقَه الغرورُ بهَذهِ النعمةِ الَّتِي أنعمَ اللهُ بها عليه، سواء كانت النعمةُ ماليَّةً أو جَسَدِيَّةً، مَعْنَوِيَّةً أمْ حِسِّيَّةً.\nقوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾: ﴿أَنْ﴾ هَذِهِ مصدرَّية مَحَلَّها منَ الإعرابِ مَفْعُول ثانٍ لـ ﴿أَوْزِعْنِي﴾؛ لِأَنَّ المَفْعُول الأوَّل الياء، والمَفْعُول الثاني ﴿أَنْ أَشْكُرَ﴾، يعني:","vol":"1","page":127},{"text":"أَلْهِمْنِي شُكْرَ نِعْمَتِك الَّتِي أنعمتَ عليَّ وَعَلَى والديَّ.\nقوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ النعمة: الإحسانُ الَّذِي يَنْعَمُ به المُحْسَنُ إليه، والنعمةُ كما هُوَ معروف تنقسمُ إِلَى قسمينِ: إمَّا حصول مَطْلُوب وَإمَّا نجاة من مَرْهُوب، والله ﵎ دائما نِعَمه عَلَى عبدِه، والعبدُ دائرٌ بين هذينِ الصنفينِ منَ النعمةِ، فدائمًا يحصل له مطلوبه وينجو من مرهوبِه.\nوقول المفسر ﵀: [﴿أَنْعَمْتَ﴾ بها ﴿عَلَيَّ﴾]، قَدَّر (بها) لِأَنَّهُ من المعروفِ أن الجملة الَّتِي تكون صلةً للموصولِ لَا بُدَّ فيها من رابطٍ يعودُ عَلَى الموصولِ، أي: لَابُدَّ فيها من عائدٍ يعود عَلَى الموصولِ، هنا ﴿الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ فتحتاج جملة ﴿أَنْعَمْتَ﴾ أن يَكُون فيها ضَميرٌ يعود عَلَى ﴿الَّتِي﴾ قدَّره المُفَسِّر بِقَوْلِهِ: [بها]، ولنا معه مناقشة فِي هَذَا التَّقْدير، فتقدير الضَّمير لأجلِ أنْ يَكُونَ عائدًا عَلَى الموصولِ هَذَا واضحٌ ومُسلَّم، فهَذهِ القاعدةُ النحْويَّة، قَالَ تَعَالَى: ﴿مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣]، أي: (منه)، فهَذَا واضحٌ، وهَذَا كثير الكَلام فِي اللُّغة العربيَّة فِي الْقُرْآن والسنَّة وكلام النَّاس، أَنَّهُ لَابُدَّ من عائدٍ يعود عَلَى الموصولِ ليَرْبُط الجملة الصلة بموصولها. ولكِن لنا مناقشة مَعَ المُفَسِّر فِي تقدير العائدِ عَلَى هَذَا الوجهِ:\nيَقُولُونَ: إن العائد ما يُحْذَف إذا كَانَ مجرورًا إِلَّا إذا جرّ الموصول بحرفٍ مشابهٍ للمحذوفِ لفظًا ومعنًى وتقديرًا، وهَذَا تَقَدَّمَ ونحن نقرأ فِي النحو فِي القَطْرِ (^١)، وَأَنَّهُ إذا كَانَ مجرورًا يُشْتَرَط أن يَكُون مجرورًا بالحرفِ الَّذِي جَرَّ الموصول، وَأَنَّهُ يَكُون متعلّقه واحدًا موافقًا فِي اللفظِ والتَّقْدير والمَعْنى، فالمُفَسِّر ﵀ قدر: [بها] مَعَ أَنَّهَا\n_________\n(^١) قطر الندى وبل الصدى لابن هشام.","vol":"1","page":128},{"text":"غير موجودةٍ فِي الْقُرْآن: [﴿نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ﴾ بها]، وَعَلَى هَذَا فالتَّقْدير السليمُ أن يقولَ: (أنعمتها عليَّ وَعَلَى والديّ)؛ لِأَنَّهُ لا يمكن أن يُحذَف العائد المجرور إِلَّا إذا كَانَ الموصول مجرورًا بحرفِ الجرِّ الَّذِي جُرَّ به ذلك العائدُ.\nوقوله: ﴿عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ أَمَّا ﴿عَلَيَّ﴾ فظاهرٌ أنَّ نعمةَ اللهِ عليك تحتاجُ إِلَى شكرٍ منك، لكِن نعمة الله عَلَى والديك ما وجهُ كَونها تحتاج إِلَى شكرٍ منك؟\nلِأَنَّ نعمةَ الله عَلَى الوالدينِ نعمةٌ عَلَى الولدِ، لا سيَّما فِي مثل هَذِهِ القصةِ حَيْثُ إِنَّهُ ورِث من داودَ النبوَّة وخَلَفَهُ فيها، فنعمة الله عَلَى والديك هِيَ فِي الحقيقة نعمةٌ عليك، ولهَذَا قَالَ: ﴿عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾.\nوقوله: ﴿وَالِدَيَّ﴾ هل هُوَ جمعٌ أو مُثَنًّى؟\nمُثَنًّى مضاف، ولذلك حُذِفَتِ النونُ منه، وأصله: (والدينِ لي) لكِن حُذِفَتِ النونُ من أجلِ الإضافةِ.\nوقوله: ﴿وَالِدَيَّ﴾ مَنْ المُراد بالوالد؟ هُوَ الوالدُ الَّذِي أنتَ وَلَدُه لِصُلْبِه أو حَتَّى الجدّ ومَنْ عَلَا؟\nنَقُول: الحقيقةُ أنَّ كَلِمة (والد) أحيانًا يدخلُ فيها الجدُّ وإنْ علا، وأحيانًا تَتَعَيَّن للوالِدِ الأَدْنَى، وَالَّذِي يُعَيِّنُ ذلك هُوَ القرائنُ: القرائن اللفظيَّة أو القرائن الحالِيَّة، فمثلًا: \" لَا يَجُوزُ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجعَ فِيمَا وَهَبَهُ إِلَّا الْوَالِد فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ\" (^١). مَنِ المُرادُ\n_________\n(^١) رواه أبو داود، كتاب الإجارة، باب الرجوع في الهبة، حديث رقم (٣٥٣٩)؛ والنسائي، كتاب الهبة، باب رجوع الوالد فيما يعطي ولده، حديث رقم (٣٦٩٠)؛ والترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء في الرجوع في الهبة، حديث رقم (١٢٩٨)؛ وابن ماجه، كتاب الهبات، باب من أعطى ولده ثم رجع فيه، حديث رقم (٢٣٧٧)؛ وأحمد (٢/ ٢٧) (٤٨١٠)، عن ابن عباس وابن عمر - ﵁ -.","vol":"1","page":129},{"text":"بالوالدِ؟ المباشِر، أي الوالد الأدنى، فالجَدُّ لا يَلْحَق به.\nوالوالِدُ فِي تحريمِ النكاحِ يَشمَل الأدنى والأعلى.\nوالوالد فِي الميراثِ يَشمَل الأدنى والأعلى إنْ فُقِدَ الأدنى، والمُراد الذكورُ والإناثُ، وَلَيْسَ المُراد الجَدّ الوالد الَّذِي هُوَ الذكَر عَلَى القَوْلِ الصَّحيحِ، بل حَتَّى الأنثى، مثلًا الأم: الوالدة فِي الميراث تَشْمَل الأعلى إن فُقِدَ الأدنى، فصارتْ كلمة (والد) تارَةً يُرادُ بها الأدنى، وتارَةً يُراد بها الأدنى والأعلى مجتمعينِ أو منفردينِ، وتارةً يُراد بها الأدنى والأعلى لا مجتمعين، وَالَّذِي يُعَيِّن ذلك هُوَ القرائنُ اللفظيَّة أو الحاليَّة.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل هناكَ فرقٌ بين قولنا: والِدَيَّ ووالِدِيَّ؟\nإِذَا قُلْنَا: (والِدَيَّ) يعني الوالد والوالدة، وأما: (والِدِيَّ) فلا يُعَبَّر به ولو عبر الْإِنْسَان به: نَقُول: هَذَا تعبيره غير سليم، لكِن قولنا: (والِدِينَا) إذا كنا جماعة فواضح؛ لأنك إذا قلتَ: (والِدِينَا) ونحن اثنان يَكُون الوالِدِين أربعة، وإذا كنا ثلاثة يَكُونوا ستة وهَكَذَا، ولذلك بعض الإخوان الَّذِينَ يقرؤون فِي رمضان [اللهمَّ اغْفِرْ لنا ولوالِدَيْنَا].\nنَقُول: هَذَا لَيْسَ بصحيحٍ إِلَّا عَلَى سبيل التجوُّز؛ لأنَّنا لسنا عيالَ رجلٍ واحدٍ، نعم لو كنا عيالَ رجلٍ واحدٍ ونحنُ ستَّة فنَقُول: والِدَيْنَا؛ لِأَنَّ أبانا واحدٌ وأُمَّنا واحدةٌ، لكِن إذا صار بالمسجدِ ألفُ نَفَرٍ هل والدُ كُلِّ واحدٍ مِنَّا والد للثاني؟ !\nفنحن لسنا بإخوةٍ، ولهَذَا لا تَصِحُّ (والِدَيْنَا) إِلَّا عَلَى سبيلِ التجوُّزِ، أي: والِدَيْ كُلّ واحدٍ مِنَّا. ولهَذَا التعبيرُ السليمُ فِي مثل هَذَا أن تقول: اغْفِرْ لنا ولوالِدِينَا. ونحن","vol":"1","page":130},{"text":"الْآنَ نحللها من وجهةِ اللُّغةِ العربيَّة، فالصَّواب فِي هَذَا إذا كنا جماعة (والِدِينَا)؛ لِأَنَّ (والِدَيْنَا) ما تكون إِلَّا عَلَى سبيل التجوُّز كما تَقَدَّمَ.\nقال: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا﴾: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ﴾ معطوفة عَلَى قوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ﴾، يعني: وأَلْهِمْني أنْ أعملَ صالحًا ترضاهُ، وهنا قوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا﴾ أي: أَعْمَل عَمَلًا صالحًا، والعَمَلُ الصالحُ لا يَكُون إِلَّا إذا تَضَمَّنَ شرطينِ أساسيينِ هما: الإخلاصُ والمتابَعة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، والإخلاصُ واضحٌ فِي الأَنْبِياء وغيرِهم، والمتابعةُ فِي غيرِ الأَنْبِياء واضحةٌ أيضًا، وَفِي الأَنْبِياء قد تكونُ غيرَ واضحةٍ عندَ البعضِ، لَكِنَّها واضحةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيّ - ﷺ - يَتبع شريعةً تُوحَى إليه، وهُوَ قد لا يَتبع هَذِهِ الشَّرِيعَة لكِن كما تقدَّم أَنَّ الأَنْبِياء - عليهم الصَّلَاة والسلام - معصومونَ مِن الإقرارِ عَلَى المَعاصِي مُطْلَقًا، فإذنِ المتابَعَةُ موجودةٌ فِي الأَنْبِياء أيضًا؛ لِأَنَّهَا متابَعة للشرعِ الَّذِي أُوحِيَ إليهم.\nهَذَا العَمَلُ الصالحُ ما جمعَ بينَ أمرينِ: الإخلاص والمتابعة، ففي فَقْدِ الإخلاصِ يَكُونُ الشِّرْكُ، وَفِي فَقْدِ المتابعةِ يَكُونُ الابتداعُ، فالعَمَلُ الَّذِي فِيهِ شِرك مردودٌ، قَالَ الله تَعَالَى فِي الحديث القُدُسِي: \"أَنا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي ترَكْته وَشِرْكَهُ\" (^١).\nحَتَّى الرياءُ نَوْعٌ منَ الشركِ، فإذا عمِل الْإِنْسَان العِبادَةَ وَهُوَ مُرَاءٍ فيها فَهُوَ مَعَ الإثمِ مردودٌ عليه عَمَلُه.\nكذلك أيضًا فِي الابتداع؛ قَالَ النَّبِيّ - ﷺ -: \"مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله، حديث رقم (٢٩٨٥)، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":131},{"text":"رَدٌّ\" (^١)، وهَذَا أعمُّ مِنَ اللفظِ الثاني: \"مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ\" (^٢) إِلَّا إذا قُلْنَا: مَن أحدثَ فِي ذاتِه وصفاتِه، إذا قُلْنَا: من أحدث فِي أمرنا ما لَيْسَ منه سواء فِي نفسِ العَمَلِ أو فِي وصفِ العَمَلِ صار موافقًا للفظِ الآخَرِ.\nعَلَى كُلِّ حَالٍ: العَمَلُ إذا لم يكنْ خالِصًا فليسَ مقبولًا، وإذا لم يكنْ صوابًا، يعني عَلَى السنَّة، فليس مقبولًا وَلَيْسَ بصالحٍ أيضًا، بل هُوَ فاسدٌ.\nقوله: ﴿تَرْضَاهُ﴾ الرضا بمعنى القبولِ وكلمة ﴿تَرْضَاهُ﴾ بَعْد قولِه: ﴿صَالِحًا﴾ هل لها معنًى؛ لِأَنَّ كُلّ صالحٍ فَهُوَ مَرْضِيّ، فهل تكون الجملةُ حينئذٍ صفةً كاشفةً مبيِّنةً أو صفةً مقيِّدة؟\nالظَّاهرُ أَنَّهَا مُبَيِّنَة، يعني أَنَّ العَمَلَ الصالحَ مرضيٌّ.\nقَدْ يَقُوُل قَائِلٌ: إن العَمَلَ قد يَكُونُ صالحًا بظاهرِهِ، ولكِنَّه غير مرضيٍّ فِي مآلِهِ أو فيما صَحِبَهُ، فقد يَعْمَل الْإِنْسَان مخلصًا لله مُتَّبِعًا لرسولِ الله - ﷺ - لكِن يحصل منه إعجابٌ فِي عملِه، فهَذَا الإعجابُ يَمْنَع مِن رضا اللهِ به، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧]، قد يَكُونُ عَمَلًا صالحًا فِي أوَّله وَفِي نهايتِه لا يرضاه اللهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، فالرجلُ يَتَصَدَّقُ بالصدقةِ مُخْلِصًا للهِ تَعَالَى مُتَّبِعًا لرسولِ اللهِ - ﷺ - فيها لَكِنَّهُ يُتْبِعُها بِمَنٍّ وأذى، فحينَئذٍ تَبْطُلُ\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، حديث رقم (١٧١٨)، عن عائشة - ﵁ -.\n(^٢) رواه البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، حديث رقم (٢٥٥٠)؛ ومسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، حديث رقم (١٧١٨)، عن عائشة - ﵁ -.","vol":"1","page":132},{"text":"الصدقةُ، عَلَى هَذَا التَّقْدير يَكُون قوله: ﴿تَرْضَاهُ﴾ صفةً مُقَيِّدةً.\nفأيُّ الأَمْرينِ يَحْسُنُ بنا أنْ نَسْلُكَ فِي هَذَا وغيرِه، فيما إذا جاءت صفة، هل الأَولى أن نجعلَ الصِّفةَ مبيِّنة، يعني مفسِّرة فقط، أو أن نجعلها مقيِّدة؟\nالأَولى أن تكون مقيِّدةً، لِأَنَّ بالتقييدِ زيادةَ معنًى، والتفسير ما يعدو شيئًا خارجًا عمَّا سبق، فكلُّ صفةٍ تأتي فِي كلام نحو هَذَا فالأَصْل أن تكون مقيِّدة، ولا يمكنُ أن نلجأَ إِلَى كونها مفسِّرة لمجرَّدِ بَيَان الأَمْرِ إِلَّا عندَ الضَّرورَةِ، وإذا تَعَذَّر أن تكون مُقَيِّدة، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هَذِهِ مبيِّنة ومفسِّرة وليستْ مقيّدةً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>الفَائِدَة الْأُوْلَى:</span> جوازُ التبسُّمِ عندَ وجودِ سببِه وجواز الضحِك أيضًا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾، وهَذَا من فِعل نبيٍّ، وفِعْلُ الأنْبِياء حُجَّة، حَتَّى وإن كَانَ غير نبينا - ﷺ -، إِلَّا ما وَرَدَ شَرْعُنا بِنَسْخِهِ، فهَذَا لا يُعْتبَر، والدَّلِيل عَلَى أَنَّ فعل الأَنْبِياء حُجَّة قوله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160><span data-type=\"title\" id=toc-161>الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span></span> ما كَانَ عليه سُلَيْمَان ﵊ منَ التواضُعِ لله تَعَالَى، حَيْثُ لم يَأْخُذْهُ الغرورُ بهَذَا المُلْكِ العظيمِ، حَتَّى قَالَ: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾.\n\nالفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وفيه دليلٌ عَلَى الاعترافِ بنعمةِ اللهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الِافتخارِ؛ لِأَنَّ سُلَيْمَان ذَكَرَ نعمةَ اللهِ عليه، لَكِنَّهُ لا يَقصد بذلك الافتخارَ والعلوَّ عَلَى غيره، وقد قَالَ الله تَعَالَى للرَّسُولِ - ﷺ -: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، لكِن لا عَلَى سبيلِ الافتخارِ والعلوِّ؛ لِأَنَّهَا حينئذٍ تَنْقَلِب إِلَى نِقمةٍ.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:</span> أَنَّ نعمةَ الله عَلَى الوالدينِ نعمةٌ عَلَى الولدِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾، ولا سِيَّما نعمة الإِسْلام فإنَّها من أكبرِ النِّعَم عَلَى الولد، فلو مات طفلٌ وأبواهُ كافرانِ لكانَ هَذَا الطفلُ فِي الدُّنْيا فِي حُكْمِ الكَافِرِينَ، وَفِي الآخِرَةِ اللهُ أَعْلَمُ بحالِهِ، ولو مات طفلٌ بينَ أبوينِ مسلمينِ لكانَ هَذَا الطفلُ مُسْلِمًا فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ، وَعَلَى هَذَا فنعمةُ اللهِ عَلَى الوالدينِ ولا سيما فِي الدينِ نعمةٌ عَلَى الولدِ، وهَذَا هُوَ وجهُ قولِه: ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>الفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:</span> أَنَّ من العقلِ والعدلِ والشرعِ إضافة المِنَّة إِلَى المانِّ بها؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾، وهَذَا اعتراف، وأبلغ من أن يَقُول الْإِنْسَان: أَوْزِعْنِي أن أشكر النعمة فقط؛ لِأَنَّ قوله: ﴿نِعْمَتَكَ﴾ واضحٌ جِدًّا فِي خضوعِ هَذَا الْإِنْسَان بهَذِهِ النعمة العظيمة الَّتِي أنعمَ اللهُ بها عليه، فهَذِهِ فيها دليلٌ أَنَّهُ مِن العقلِ والعدلِ والشرع إضافة المِنَّة إِلَى المانِّ بها، حَتَّى ولو كَانَ آدميًّا، ومن الأشعار المعروفةِ عندهم (^١):\nإِنَّمَا يَعْرِفُ الْفَضْـ ... ـلَ مِنَ النَّاسِ ذَوُوهُ\nمعنى ذَوُوه: أصحابُ الفضلِ، لا يَعرِف الفضلَ إِلَّا أصحابُ الفضلِ، أَمَّا مَن لَيْسَ بأهلِ فضلٍ فإنهم يُنْكِرون الفضلَ، بل إنك لو تَفَضَّلْتَ عليهم لَرَأَوْا أن هَذَا حقٌّ واجبٌ عليك وليس لك مِنَّة، وأعظمُ شَيْء فِي هَذَا مَن يَمُنُّ عَلَى اللهِ ﷾ بما أنعمَ اللهُ به عليه كما فِي قِصَّة الأعرابِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧].\nتنبيه: إنَّ للهِ تَعَالَى عَلَى الكافرِ نعمةً، لكِن النعمة المطلقة لا تكون إِلَّا بالإِسْلامِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>الفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:</span> أَنَّ الأَنْبِياء - عليهم الصَّلَاة والسلام - كغَيْرِهِم مُفْتَقِرُونَ إِلَى\n_________\n(^١) عيون الأخبار (٣/ ٢١٧).","vol":"1","page":134},{"text":"توفيقِ اللهِ، وأنهم بدون توفيقِ اللهِ ﷾ ما يسيرون سيرًا يرضي الله، لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>الفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:</span> أَنَّ الْإِنْسَانَ لا يَصِلُ إِلَى غايتِهِ ومقصوده إِلَّا برحمةِ اللهِ فِي كُلّ شيءٍ؛ الجنَّة وغير الجنَّة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]، يَعْنِي: إذا لم يَرْحَمْكَ اللهُ لنْ تنالَ شيئا أبدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>الفَائِدَةُ الثَّامِنةُ:</span> أَنَّ العَمَلَ غيرَ الصالحِ لَيْسَ فِيهِ فائدةٌ، بل هُوَ دائرٌ بين أمرينِ: إمَّا الإثم، وَإمَّا السلامة فقطْ، فإن صدرَ عن علمٍ فَهُوَ إثمٌ، وإنْ صدرَ عن جهلٍ فالْإِنْسَانُ سالمٌ، ولكِن لا فائدةَ له فيه، كما لو صلَّى الْإِنْسَان مثلًا صلاةً باطلةً بِحَدَثٍ، فَإِنَّهُ إنْ تَعَمَّدَ ذلكَ كَانَ آثمًا، وإن كَانَ جاهلًا لم تُفِدْهُ فِي إبراءِ الذمَّة، ويُطالَب بإعادتها، أَمَّا الأجرُ فقد يُؤْجَر عليها من أجلِ النيَّةِ والعَمَلِ الَّذِي حَصَلَ والمشقَّة، ولكِن من حيث الفائدة لا يستفيد مِنْهَا فِي إبراءِ ذِمَّته ولا تَسْقُط عنه.\n\nالفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أَنَّ الغايةَ الَّتِي يَسير إليها الأَنْبِياء ومَن تَبِعَهم هُوَ رضا الله؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾؛ لِأَنَّ المقصودَ من عملِ الْإِنْسَانِ الوصولُ إِلَى رضا اللهِ ﷾، بل إن رضا اللهِ غايةٌ فوقَ كُلّ شيءٍ، قَالَ الله ﷾ فِي امتداحِ المُؤْمِنيِنَ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧١ - ٧٢]، يعني أكبر من كُلّ شَيْء، وإذا حل عَلَى الْإِنْسَان رضا الله فهَذَا غاية ما يريدُ.","vol":"1","page":135},{"text":"الفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أَنَّ الَأنْبِياء - عليهم الصَّلَاة والسلامُ - يَتَوَسَّلُونَ إِلَى اللهِ، يعني يَسألون اللهَ تَعَالَى بالوسيلةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ يعني أولئك الَّذِينَ يدعوهم هَؤُلَاءِ المشركون ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، وكل الخلق يسألون الله تَعَالَى ويتوسلون إليه بما هُوَ جائزٌ.\n\nالفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: جواز التوسُّل بصفات الله؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بِرَحْمَتِكَ﴾.\n\nالفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قوله: ﴿فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ فِيهِ إشكال.\nإِذَا قَالَ قَائِلٌ: مَقامُ النبوَّة أعلى من مقامِ الصلاحِ، قَالَ ﷾: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النِّسَاء: ٦٩]، فكيف سأل الله أنْ يُدْخِلَه فِي عبادِهِ الصالحينَ مَعَ أَنَّهُ نبيٌّ أعلى مرتبةً من مرتبةِ الصلاحِ؟\nقُلْنَا: الأقربُ أَنَّ المُراد بالصلاحِ هنا الصلاحُ المطلَقُ، والصلاح المطلَق هَذَا أعلى مرتبةً، وقد قَالَ يوسف ﵊: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، وقَالَ اللهُ تَعَالَى عن إبراهيمَ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، فالمُراد هنا الصلاحُ المطلَقُ، لا الصلاحُ الَّذِي يُذكَر مَعَ المراتبِ، فإن مقام الصلاحِ مَعَ المراتبِ دونَ مَقام النبوَّة.\n\nالفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أن العِبادَة مَرْتبَةٌ شَريفة عظيمة يَسْأَلهُا حَتَّى الأَنْبِياء؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فِي عِبَادِكَ﴾ ولهَذَا يذكر الله تَعَالَى نبيه مُحَمَّدًا - ﷺ - بوصف العُبُودِيَّة فِي أعلى مقاماته؛ عند إنزال الْقُرْآن، وعند الدفاع عنه .. ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.","vol":"1","page":136},{"text":"وقد قَالَ الشاعر يُخَاطِب (^١):\nلَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا ... فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائي\nهَذَا - أعوذ بالله - عاشِقٌ، لِنَفْرِض أنَّ اسمَه مثلًا بكرٌ يَقُول: لا تَقُلْ: يا بكرُ، قُلْ: يا عبدَ لَيلى فَإِنَّهُ أشرف أسمائي. فالعُبُودِيَّة للهِ ﷾ لَا شَكَّ أَنَّهَا أشرفُ أوصافِ الْإِنْسَانِ أن يَكُون عبدًا لله، والْإِنْسَان لَا بُدَّ أن يَكُونَ عبدًا، ولا بد أن يَتَّخِذَ إلهًا، حَتَّى الشيوعيون والملحدون لَا بُدَّ أن يَكُونوا عبيدًا ولهم آلهة، لو لم يكنْ لهم آلهةٌ إِلَّا أهواؤهم، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقال رسول الله - ﷺ -: \"تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ\" (^٢)، وهَؤُلَاءِ بِلَا شَكّ يعبدون الدينارَ والدرهم، بل إنَ هَؤُلَاءِ الملحدين لا يسعون إِلَّا لذلك.\nإِذَنْ: لَا بُدَّ لكلّ إِنْسَانٍ أن يَكُونَ عبدًا، فإن كَانَ عبدًا للهِ فقد تحرَّر من العُبُودِيَّة حقيقةً؛ لِأَنَّ عبدَ اللهِ حرٌّ، ما يَرَى أنه عبد لشيء فِي الدُّنْيا أو فِي المخلوقاتِ، لكِن يرى خالقه هُوَ سيِّده وإلهه وَأَنَّهُ عبد لهَذَا الخالق.\n\nالفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أن شُكْرَ النعمِ مِنَ النعمِ، وهَذِهِ فائدةٌ، وقد قَالَ الشاعر (^٣):\nإذا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ الله نعمةً ... عليَّ له فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ\nفَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ... وَإِنْ طَالَتِ الْأيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمرُ\n_________\n(^١) انظر تفسير القرطبي (١/ ٢٣٢).\n(^٢) رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يتقى من فتنة المال وقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، حديث رقم (٦٠٧١).\n(^٣) الصناعتين (ص: ٢٣٢).","vol":"1","page":137},{"text":"وهَذَا صحيح إذا وَفَّقَكَ الله للشكرِ فَهُوَ نعمةٌ يَجِب عليك أنك تشكر الله عَلَى هَذِهِ النعمةِ، فإذا شكرته صارتْ نعمةً ثانيةً توجب الشكرَ؛ لِأَنَّ الله يَقُول: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].\n\nالفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: الردُّ عَلَى الْقَدَرِيَّة؛ لِأَنَّ الْقَدَرِيَّة يَرَوْنَ أنَّ الْإِنْسَان مُسْتَقِلٌّ بِعَمَلِهِ، لا يَحتاجُ إِلَى مَعُونَةٍ منَ اللهِ ولا شَيْء، ولَا شَكَّ أن هَذَا قول باطلٌ؛ لِأَنَّ نِعَم هَذِهِ الآيَة تَرُدّ عليهم.\n\nالفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الردُّ عَلَى الجبْرِيَّة؛ لِأَنَّهُ أضاف العَمَل إليه، فقال: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾، وقوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا﴾ معناه أنه يُمْكِن يعملَ غيرَ صالحٍ، فَهُوَ مختارٌ، ففيه ردٌّ عَلَى الطائفتينِ جميعًا؛ الْقَدَرِّية والجبرَّية.\n* * *","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>الآية (٢٠)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠].\n* * *\n\nقوله: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾: ﴿الطَّيْرَ﴾ (أل) هَذِهِ للعهدِ أو لعمومِ الجنسِ؟\nأقول: إنَّهَا للعهدِ؛ لِأَنَّهَا تعودُ عَلَى الطيرِ الذكورِ فِي قوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٧]، وَعَلَى هَذَا فيَكُونُ تَفَقُّدُهُ للطيرِ فِي نفسِ هَذِهِ المسيرةِ.\nقَالَ المُفَسّر ﵀: [﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ ليَرَى ﴿الْهُدْهُدَ﴾ الَّذِي يرى الماءَ تحتَ الْأَرْضِ، وَيدُلُّ عليه بِنَقْرِهِ فيها، فتَسْتَخْرِجُه الشياطينُ لاحتياجِ سُلَيْمَان إليه للصلاةِ فلم يَرَهْ]، هَذَا مِن كِيسِ المُفَسِّر ﵀، يَقُول: تَفَقَّدَ الطيرَ لأجلِ أن يرى الهدهد ليَرى المَاء تحت الْأَرْض، وإذا رأى الأَنْهار تجري تحتَ الْأَرْض نقرَ بمنقارِه، يعني قَالَ: احفِروا هنا، ثُمَّ يأمر الشَّياطِين فتحفر هنا وكأنَّه جُيُولجيّ! من يَقُول هَذَا؟ !\nبل إنَّ تَفَقُّدَه الطيرَ لِأَنَّهُ كما سلفَ كَانَ ﵊ منظِّمًا لجنودِه، فيَتَفَقَّد أين ذهب، ولهَذَا ما قَالَ: تفقد الهدهدَ أو الهدَاهِد، بل قَالَ: تَفَقَّدَ الطيرَ كلَّه؛ لِأَنَّهُ كما هُوَ معروف أن الطيور تَسْبَحُ فِي الهواءِ، فقد يَشِذُّ مِنْهَا شيءٌ، فَهُوَ ﵊ تفقدها لأجلِ تكميلِ التنظيمِ.","vol":"1","page":139},{"text":"ثم إنَّ دعواهم أنَّ الهدهدَ يرى الَّذِي تحت الْأَرْض؛ هَذَا لَيْسَ بصحيحٍ، ادفِنْ حبًّا فِي الْأَرْض واجعلِ الهداهدَ تأتي إليه هل تراه أو لا تراه؟ لا تراه بالتأكيد، إذا لم ترَ الحبَّ القَريبَ كيف ترى المياهَ البعيدةَ.\nالمهم أن الهدهدَ مثلُ غيرِه يَنْحَجِبُ نورُ عينيه بالكثافةِ فلا يرى شيئًا.\nثم إن سُلَيْمَان ﵊ لَيْسَ بحاجةٍ إِلَى هَذَا، بل إن سُلَيْمَان من هَذِهِ الناحيةِ كغيرِه منَ البشرِ، إن وجدَ ماءً انتفعَ به، وإن لم يجِدْ فإن الله تَعَالَى يُيَسِّر له الماء بأيِّ وسيلةٍ.\nقوله: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾: ﴿مَا﴾ اسمُ اسْتِفْهامٍ، وهل الغَرَضُ منه الاستخبارُ أوْ الِاستنكارُ؟\nقيل: الغرضُ الاستخبارُ، أي يسأل سؤالًا حقيقيًّا، يَقُول: أين الهدهد؟ وَقِيلَ: إنَّهُ استنكارٌ.\nوالظَّاهر أَنَّهُ لا يَجْهَلُه؛ لِأَنَّ الأَصْلَ فِي الاسْتِفْهامِ الاستخبارُ. قَالَ بعضهم: وَفِي الآيةِ قلبٌ، وإن التَّقْدير: (ما للهدهد لا أَرَاهُ) ولكِن هَذَا لَيْسَ بصحيحٍ، بل الآيَة عَلَى ترتيبها، فَهُوَ يسأل ويقول: لماذا لا أَرَى الهدهدَ؟ هل هناك مانعٌ مَنَعَنِي من رُؤْيَتِه، أو أَنَّهُ كَانَ غير موجودٍ؟ ولذلك أَضْرَبَ عنِ الأوَّلِ وقال: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾، و﴿أَمْ﴾ هو هَذِهِ منقطعة و﴿أَمْ﴾ المنقطعة - كما تَقَدَّمَ - تكونُ بمعنى (بل) والهمزة، يَعْنِي: (بل أكانَ من الغائبينَ) وحينئذٍ أضربَ عن الكَلامِ الأوَّلِ وعرف أَنَّه لا عِلَّة فِي بَصَرِه، وإنما العِلَّة غَيبة هَذَا الهدهدِ.\nقَالَ المُفَسِّر: [﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ فلم أَرَهُ لِغَيْبَتِه، فلَمَّا تحَقَّقَهَا قَالَ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾].","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>الآية (٢١)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١].\n* * *\n\nقوله: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ هَذِهِ الجملةُ مُؤَكَّدَة بثلاثةِ مُؤَكِّدَاتٍ: وهي: اللامُ المُوَطئة لِلْقَسَمِ، والقَسَم قبلها مُقَدَّر، هَذَانِ اثنانِ، والثَّالثُ: النونُ.\nقوله: ﴿عَذَابًا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [تعذيبًا]، إشارة إِلَى أن (عذابًا) اسْم مَصْدَر؛ لِأَنَّ عَذَّبَ مصدرها (تعذيب)، واسم المصدر منها: (عذاب). نظيرها: (كَلَّم) مَصْدَرُها (تكليم)، واسم المصدر مِنْهَا (كَلام)، و(سلَّم تسليمًا)، واسم المصدر (سلام).\nقوله: [﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا﴾ تعذيبًا ﴿شَدِيدًا﴾]، ما هُوَ الشديد عَلَى رأيِ المُفَسِّر؟\nقال ﵀: [بِنَتْفِ رِيشِهِ وذَنبِهِ ورَمَيْهِ فِي الشَّمْسِ فلا يَمْتَنِع مِنَ الهوَامِّ]، هَذَا شيءٌ عجيبٌ، فتقدير هَذَا التعذيب بهَذَا الشَّيْء عَلَى أيِّ دليل؟ ! وبعضهم يَقُول: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أَحْبِسُه مَعَ شيءٍ لَيْسَ من جِنْسِهِ، فأضع الهدهدَ مَعَ العَصَافيرِ، وَيقُوُلونَ: من أشدِّ العذابِ عَلَى الحيوانِ أنْ يُحْشَرَ فِي غيرِ جِنْسِهِ، فلو وُضِعَ الآدميُّ مَعَ الجنِّ يتعذَّب، أو الجنّ مَعَ الآدميِّ يتعذبون. ولكِن هَذَا أيضًا لَيْسَ","vol":"1","page":141},{"text":"بصحيحٍ؛ لأنَّنا نشاهد الْآنَ أن أَشْيَاء تُجْعَل مَعَ غير أجناسها ولا تتعذب، كأن يَكُون عند أحدهم مَوَاشٍ؛ بقر وغنم وإبل ومَعْز وَيكُونون دائمًا فِي حوش واحدٍ ولا يتعذبون.\nفالصَّواب أن هَذَا التعذيبَ الَّذِي قاله سُلَيْمَان غيرُ معلومٍ لنا، إِنَّمَا هُوَ عذاب شديد، والله ﵎ لم يُبَيِّنْهُ ولكِن يكفي أن نعرفَ أَنَّهُ شديد، هَذِهِ واحدة.\nالثَّانِيَة: ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾: (أو) فِي قوله: ﴿لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ هَذِهِ للتنويعِ، يعني إمَّا هَذَا أو هَذَا، وقوله: ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [بِقَطْعِ حُلْقُومِهِ]، هَذَا صحيحٌ؛ لِأَنَّ الذبحَ بقطعِ الحلقومِ والمَرِيء من عند الرقبةِ.\nوالثَّالثة: قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي﴾ بنونٍ مُشَدَّدَةٍ مكسورةٍ أو مفتوحة، يليها نونٌ مكسورةٌ (^١)]، ﴿لَيَأْتِيَنِّي﴾ هَذِهِ واحدة أو \"لَيَأْتِيَنَّنِى\" والفرق بينهما أن نون الوِقاية إمَّا أن تُحْذَف وَإمَّا أن توجد، وَأَمَّا نون التَّوْكيد فموجودة، ونون التَّوْكيد هِيَ المشدَّدة، لكِنْ إنْ حذفتَ نونَ الوقايةِ كسرتَ نونَ التَّوْكيدِ: (يَأْتِيَنِّي)، وإن لم تحذف فإنها تبقى مفتوحةً: \"يَأْتِيَنَّنِى\".\nوهَذَا أمر ثالثٌ، فتَوَعَّدَهُ سُلَيْمَان بواحد من أمرينِ إِلَّا إذا أتى بشيءٍ، أي: ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [ببرهانٍ بَيّن ظاهرٍ عَلَى عُذْرِهِ]، وكلمة (سلطان) تَرِدُ كثيرًا فِي الْقُرْآن، ومعناها العامُّ: هِيَ السُّلطة الَّتِي يَتَمَكَّنُ بها الْإِنْسَان من الوصولِ إِلَى غَرَضِه، فهَذَا معناها العامُّ، والسلطان تارَةً يَكُونُ المُرادُ به الدَّلِيل؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥٦]، وتارَةً يُرادُ به القُدْرَة؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]، وتارَةً يُرادُ به البيِّنة، مثل هَذِهِ الآيَة؟ قَالَ: ﴿لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ\n_________\n(^١) حجة القراءات (ص: ٥٢٤).","vol":"1","page":142},{"text":"مُبِينٍ﴾، يعني بيِّنة عَلَى عُذْره، والمَعْنى العامُّ للسلطانِ: السُّلْطةُ الَّتِي يَتَمَكَّنُ بها صاحِبُها مِنَ الوُصُولِ إِلَى غَرَضِهِ، سواء كَانَ ذلكَ دفاعًا عن نفسِه أو إثباتًا لأمرٍ.\nوقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ فَسَّرَهَا المُفَسِّر بِبَيِّن، وَعَلَى قولِ المُفَسِّر لا تَصِحُّ بمعنى مُظْهِر، يعني لا تصح مُتَعَدِّيَة عَلَى رأيِ المُفَسِّر؛ لِأَنَّهُ ﵀ فَسَّرَهَا بأنها لازِمة، والصَّواب أَنَّهَا تَصِحُّ أيضًا مُتَعَدِّيَة، يَعْنِي: بسلطانٍ مُظْهِرٍ لِعُذْرِهِ، ونحن إذا فَسَّرْنَاها بهَذَا نكون أخذنا بالتفسير الَّذِي فَسَّرَهَا به المُفَسِّر وزيادة.\n* * *","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>الآية (٢٢)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَمَكَثَ﴾ بِضَمِّ الكافِ وفَتْحِها (^١)]، مَكَث ومَكُث، والفاعل: الهدهدُ، ويَحتمِل أنْ يَكُونَ الفاعلُ سُلَيْمَان، يعني: بَقِي [﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ يَسِيرًا مِنَ الزمانِ وحَضَرَ لسُلَيمان]، قوله: [وحضر لسُلَيمان] ما الدَّلِيل عليه؟\nلِأنَّهُ قَالَ: إنَّهُ غائبٌ فِي الأوَّل: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾، والغائبُ ما يخاطَب إِلَّا إذا حَضَرَ، ولكِنَّ قولَ المُفَسِّر ﵀: [مُتَوَاضِعًا برفعِ رأسِه وإرخاءِ ذَنَبِه وجَنَاحَيْهِ]، هَذَا من الأُمُور الَّتِي لا نَدري عنها، كَأنَّ المُفَسِّر كَانَ معه! ولا يمكن أن نَقُولَ هَذَا أبدًا، فلا يمكن أن نصفَ كيف جاء، إِنَّمَا يَكفينا أن نَقُولَ ما قَالَ الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن، ونحن ذكرنا قاعدةً أنَّ كُلّ ما سبقَ فَإِنَّهُ لا طريقَ لنا بالعلمِ به إِلَّا مِن طريقِ الوحيِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩]، فما لنا طريق إِلَّا الوحي؛ إمَّا فِي الْقُرْآن أو فِي السنَّة الصَّحيحةِ.\nقوله: ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾: ﴿أَحَطْتُ﴾ يعني يَتكلَّم عن نفسِهِ\n_________\n(^١) الحجة في القراءات السبع (ص: ٢٧٠).","vol":"1","page":144},{"text":"﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ يخاطب سُلَيْمَان، وَفِي الحقيقة أن هَذَا الهدهد قويّ، له ضُلُوع قويَّة جدًّا كما يَقُولُونَ، كيف يخاطب سُلَيْمَان وله هَذَا المُلْك العظيم ويقول: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ وأيضًا ما قَالَ: بما لم تُحِيطوا به، ما جاء بصيغةِ التعظيمِ.\nونحن الْآنَ بَشَر ونخاطب بعض الأحيان المديرَ أو مَن فوقَه ونَقُول مثلًا: أنتم أو سيادتكم أو سعادتكم أو حضرتكم، ونضع مِيمًا أكبر من اللازم، مَعَ أننا مِثْلُهم بَشَرٌ، وكلُّ هَذِهِ فِي الحقيقة من الأُمُور الشَّكْلِيَّة الَّتِي لا تُنْبِئ عن شيءٍ ولا تَنبغي أيضًا، والصحابةُ لا يُخاطِبون الرَّسُول ﵊ بهَذَا الخطابِ، وَهُوَ أشرفُ عِندَهم من كُلّ بَشَرٍ، وكذلك الخلفاءُ الراشدونَ ما كانوا يُخَاطَبُون بمثلِ هَذَا.\nومن عجبٍ أن بعضَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُخاطِبون بمثلِ هَذِهِ الألقابِ تجد قلوبهم تَغِلي عَلَى هَؤُلَاءِ المخاطَبينَ، فيَكُون هَذَا الخطابُ كأنه تهَكُّمٌ بهم، وكان الأَولى أنْ يَتَخَاطَبَ النَّاسُ فيما بينهم خطابًا عاديًّا، فهَذَا الهدهد ما مقامُه مَعَ سُلَيْمَان! جُنْدٌ من جُنْدِهِ الأضعفينَ، ومع ذلك يَقُول بهَذِهِ الصراحة: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ وأيضًا هُوَ الَّذِي بدأَ بكلامِه، وبسرعةٍ، لكِن فِي الحقيقة أَنَّهُ فِيهِ نوعٌ من الأدبِ، ما قَالَ مثلًا: أنت جاهلٌ ولا تعرِف وأنا عرفتُ وبحثتُ ووجدتُ شيئًا لا تدري عنه، بل قَالَ: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾، يعني لأجلِ أن يعرفَ سُلَيْمَان قَدْرَه، وَأَنَّهُ لَيْسَ محيطًا بكلِّ شيءٍ، فهَذَا الهدهدُ صار أشدَّ إحاطةً منه، والْإِنْسَان البشر ضعيفٌ فِي كُلّ شيءٍ، حَتَّى ما علِمنا كيف نَقْبُرُ مَوْتَانا إِلَّا مِنَ الغُراب، وهَذَا ممَّا يَدُلّ عَلَى أننا لَسْنَا بشيءٍ فِي الواقعِ.\nقوله: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ يُشْبِهُها قولُ إبراهيمَ لِأَبِيهِ: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم: ٤٣]، ما قَالَ: يا أبتِ إنك جاهلٌ، وهَذَا من اللَّطَافَة فِي الأسلوبِ.","vol":"1","page":145},{"text":"قَالَ: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ والكلمة شديدةٌ، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أيِ اطَّلَعْتُ عَلَى ما لم تَطَّلِعْ عليه]، ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل: ٢٢ - ٢٣]، إِلَى أن قَالَ: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧]، سُلَيْمَان قَبِلَ بعض الشَّيْء، والهدهد أَكَّدَ الخبرَ: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ ومعَ ذلك قَالَ: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ هَذِهِ أيضًا صَدْمَةٌ عَلَى الهدهدِ؛ لِأَنَّ الهدهدَ كَانَ مُتَتقِّنًا ومعَ ذلك قيلَ له: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.\nلماذا قَالَ سُلَيْمَان هَذَا مَعَ أَنَّهُ يقولُ له: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾؟\nلأن حقيقة الأَمْر أن كلامَ الهدهدِ فِي مَقامِ الدفاعِ عن نفسِه؛ لِأَنَّهُ مُتَوَعَّدٌ بالعذابِ الشَّديدِ أو بالذبحِ أو بخبر، أي: بسلطانٍ مبينٍ، فَهُوَ لمَّا كَانَ فِي مقامِ الدفاعِ احتاجَ أنْ يَتَثَّبت هَذَا بِبَيِّنَةٍ، وقد وقعَ مثلُ ذلك لعمرَ بنِ الخطَّابِ - ﵁ -، استأذنَ عليه أبو موسى ثلاثَ مرَّاتٍ ثُمَّ انصرفَ، فلما عاتَبَهُ فِي ذلك قَالَ: \"هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -\" (^١)، قَالَ: لَتَأْتِيَنِّي بِبَيِّنَةٍ عَلَى ما تقولُ، مَعَ أنَّ أبا مُوسَى صَحَابِيٌّ ثِقَةٌ لا يمكن أن يَتَقَوَّلَ عَلَى الرَّسُول ﵊، لكِن المَقام يَقتضي زيادةَ التثَبُّتِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان قد يَفْهَم منَ النصِّ ما لَيْسَ مرادًا، فلذلك طَلَبَ عمرُ من أبي موسى أنْ يأتيَ بشاهِدٍ.\nهنا سُلَيْمَان ﵊ مَعَ أن هَذَا الهدهدَ قد يَقَّنَ له الخبرَ يقولُ: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ثُمَّ أعطاهُ آيَةً وقَرينةً: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب البيوع، باب الخروج في التجارة، حديث رقم (١٩٥٦)؛ ومسلم، كتاب الآداب، باب الاستئذان، حديث رقم (٢١٥٣).","vol":"1","page":146},{"text":"فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [النمل: ٢٨]، والقصَّة فِي الحقيقة عظيمةٌ جدًّا فيها فوائدُ كثيرةٌ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ﴾ بالصرفِ وتَرْكِهِ (^١)]، بالصرف (من سَبإٍ)، وتركه (مِن سَبَأَ) جُرَّ بالفتحةِ لِأَنَّهُ اسْم لا يَنْصَرِف، و﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ جُرَّ بالكسرةِ لِأَنَّهُ اسْم يَنصرفُ، فعَلَى أيِّ اعتبارٍ جَعَلْنَاهُ إمَّا مصروفًا أو عدمه؟ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [قبيلة باليمنِ سُمِّيَتْ باسمِ جَدٍّ لهم باعتبارِهِ صُرِفَ].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>الفَائِدَة الْأُوْلَى:</span> سُرعة رجوعِ الهدهدِ إِلَى سُلَيْمَان، مِمَّا يَدُلّ عَلَى أنَّ جنودَ سُلَيْمَان يَهْتَمُّونَ بِشُؤونهم ولا يَتَأَخَّرون عن أعمالهِم؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172><span data-type=\"title\" id=toc-173>الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span></span> أن سُلَيْمَان وإنْ كَانَ قد أُعْطِيَ مُلكًا عظيمًا لم يُعْطَهُ أحدٌ فَإِنَّهُ لا يُحيطُ بكلِّ شيءٍ، فَهُوَ عَلَى سَعَةِ مُلْكِهِ وقوَّته لا يحيط بكلِّ شيءٍ، فغيرُه من باب أَولى.\n\nالفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: ضعفُ إدراكِ الْإِنْسَان مَهْمَا بلغَ مِنَ المُلْكِ ومن الْقُوَّة، ويدلُّ لهَذَا قولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النِّسَاء: ٢٨]، فإن هَذَا يُبَيِّن ضعفَ الْإِنْسَان، فَهُوَ ضعيف فِي كُلّ شيءٍ؛ فِي القُوَى العقليَّة والقوى الجِسْمِيَّة وكلِّ ما يمكن أن يُوصَف بالْقُوَّة والضعفِ، فإنَّ حال الْإِنْسَان فِيهِ الضعفُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:</span> أَنَّهُ يجوزُ أنْ يُخَاطَب الرئيس بمثلِ هَذَا الخطابِ، فيقال مثلًا: عَلِمْتُ ما لم تعلمْ، أو فعلتُ ما لم تفعلْ، ومثله قول إبراهيم ﵊ لأبيه: ﴿إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم: ٤٣].\n_________\n(^١) الحجة في القراءات السبع (ص: ٢٧٠).","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>الفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:</span> أَنَّهُ يَنبغي للمتكلِّم أنْ يُؤَكِّدَ الخبرَ للمخاطَب عندَ الحاجةِ إليه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾.\nفَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: ما فائدةُ تأكيدِه له وَهُوَ مَصْدَرُ الخبر؛ لِأَنَّ التأكيد إِنَّمَا يُفيد إذا جاءَ من طرفٍ آخرَ يَكُون شاهدًا للمخبِر، فأمَّا نفسُ المخبِر فكيف يقالُ: إن فِي تأكيدِه للخبرِ فائدة؟\nفالجواب: أنَّ المقصودَ من ذلك زيادة طُمأنينة المُخْبَر؛ وله فائدةٌ، فإذا أخبركَ المخبِرُ بخبرٍ قد تقولُ له: هل أنتَ متأكِّدٌ؟ فيقول: نعم أو لا، فإذن تأكيد المُخْبِرِ لخبرِهِ لا يقال: إنَّهُ لا فائدةَ منه؛ لِأَنَّهُ هُوَ مصدرُ الخبرِ، بل نَقُول: فِيهِ فائدةٌ، وهي رفعُ توهُّم المُخْبِر فِي خَبَرِه، فَيَرْفَع هَذَا التوهُّم وَيطْمَئِنّ المخاطَب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>الفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:</span> أن استعمالَ ضَميرِ الجمعِ للمخاطَبِ المعظَّم لَيْسَ بلازمٍ، وَلَيْسَ من شأنِ خِطاب الأَنْبِياء والسَّلَف أَنَّهُ عندما يَكُون الْإِنْسَان معظَّمًا يَقُول: أتيتكم، جئتكم، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كما هُوَ المعتاد الْآنَ عندنا.\nفعندنا إذا كَانَ المخاطَب مُعَظَّمًا يقال: كما تريدون مثلًا سعادتكم أو سماحتكم أو سيادتكم أو فضيلتكم أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وهَذَا لَيْسَ معتادًا بمَن سَبَقَ، وإنما يخاطب الْإِنْسَان بما تَقتضيه حالُه، حَتَّى إن النَّبِيّ ﵊ يردُّ السلامَ عَلَى المُسَلِّم بِقَوْلِهِ: \"عَلَيْكَ السَّلَامُ\" (^١)، فإذا سلم عليه أحد يَقُول: وعليك السلامُ، وإذا كانوا جماعة يقال: عليكم السلام، فمن عادة السلفِ أَنَّهُم يخاطبون أو يتكلمون مَعَ المخاطَب بما تَقْضِيهِ حالُه.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الاستئذان، باب من رد فقال: عليك السلام، حديث رقم (٥٨٩٧)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كُلّ ركعة وإنه إذا لم يحسن الفاتحة ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها، حديث رقم (٣٩٧)، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>الآية (٢٣)</span>\n* * *\n\nقَالَ اللهُ ﷿: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣].\n* * *\n\nقوله: ﴿امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ الضَّميرُ فِي قوله: ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾: ﴿هُمْ﴾ ضَميرُ جمعٍ، ومرجع الضَّميرِ مُفرَدٌ، لكِن لمَّا كَانَ المُراد به القبيلة صَحَّ أن يعودَ الضميرُ إليه جمعًا، وقد سبقَ فِي الشرحِ قُلْنَا: إن فيها (سبأٍ وسبأَ) باعتبار الجدِّ والقبيلةِ.\nقوله: ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾ المفسِّر ﵀ يَقُول: أي [هي مَلِكَة]، والغَرَضُ من تفسير ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾ بمَلِكَة خوفًا من أن يقالَ: إنَّهَا تملكهم ملك استرقاقٍ لا ملك تَصَرُّف.\nوالمَرْأَة هل يَصِحُّ أن تكون ملكةً؟\nلا، ففي شَرْعِنا لا يجوزُ أن تُوَلَّى المَرْأَةُ عَلَى الرِّجال، فلا يمكن أن تكونَ ملكة، ولا يمكن أن تكون أميرةً ولا يمكن أن تكون وزيرةً، ولا يمكن أن تكون قاضيةً، كل هَذا لا يجوزُ، لِأنَّ النَّبِيّ - ﷺ - يقولُ: \"لنْ يُفلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً\" (^١).\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل يجوز أن تُسَمَّى المَرْأَة أميرةً أو سيدةً؟\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب كتاب النَّبِيّ - ﷺ - إلى كسرى وقيصر، حديث رقم (٤١٦٣)، عن أبي بكرة - ﵁ -.","vol":"1","page":149},{"text":"أميرة اسمٌ فقط، أي أَنَّهَا من عائلةِ الأُمراءِ فقط، وَأَمَّا إطلاق كلمة (سيدة) فكلمة سيدة صارتْ رخيصةً، فكل امرأةٍ تُسمَّى سيدةً، وهَذَا قد نَبَّهْنَا عليه فيما سبقَ وقُلْنَا: إن هَذَا مُتَلَقًّى من الغربِ الَّذِينَ يقدسون المَرْأَةَ وإن هَذَا ما يَنبغي، ولهَذَا حَتَّى بعض الكتَّاب تجدهم يَقُولُونَ: السيِّدة عائشة، السيدة خديجة، وهَذَا لا يَنبغي، بل يقال: المَرْأَةُ والأُنثى، وَأَمَّا السيدة فلا يَصِحُّ هَذَا الإطلاق، لاسيما وَأَنَّهُ متلقًّى من غير المُسلِمينَ.\nقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: مِنَ المُقَوِّمات، كما قَالَ المفسِّر ﵀.\nقوله: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ أَمَّا وَصْفُ العَرْش الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّر فلا دليلَ عليه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>الفَائِدَة الْأُوْلَى:</span> أن المَرْأَةَ لا تَصْلُحُ لِلْمُلْكِ؛ لِأَنَّهُ ما قَالَ: مَلِكة، بل قَالَ: ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180><span data-type=\"title\" id=toc-181>الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span></span> سَعَة مُلْكِ هَذِهِ المَرْأَةِ، بل عَظَمَة ملك هَذِهِ المَرْأَة، لِقَوْلِهِ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾.\n\nالفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهَا ذاتُ أُبَّهَة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾.\n* * *\n_________\n(^١) قال المُفَسر ﵀: [﴿وَلَهَا عَرْشٌ﴾ سرير ﴿عَظِيمٌ﴾ طوله ثمانون ذراعًا وعرضه أربعون ذراعًا، وارتفاعه ثلاثون ذراعًا مضروب من الذهب والفضة مكلل بالدر والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر والزمرد وقوائمه من الياقوت الأحمر، والزبر جد الأخضر والزمرد عليه سبعة أبواب على بيت باب مغلق].","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>الآية (٢٤)</span>\n* * *\n\nقَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>الفَائِدَة الْأُوْلَى:</span> أن هَؤُلَاءِ القومَ مُشْرِكُونَ باللهِ ﷿؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185><span data-type=\"title\" id=toc-186>الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span></span> أن الشَّمْسَ مَعبودةٌ من قديمِ الزمانِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ فِي زمنِ سُلَيْمَان، وما زالَ إِلَى الْآنَ يوجدُ مَن يَعْبُدُ الشَّمْسَ ومَن يعبد النَّارَ، ومن يعبد القمرَ، بل ومَن يعبدُ البقرَ.\n\nالفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الخلقَ مَفْطُورون عَلَى إنكارِ الشركِ؛ لِأَنَّ الهدهدَ أنكرَ عليهم شِرْكَهم، مَعَ أن الهدهد لَيْسَ من العُقلاءِ، لكِن جميع الحيواناتِ بل والمخلوقات غير الحيوانات مَفْطُورة عَلَى توحيدِ اللهِ ﷿، قَالَ تَعَالَى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:</span> أن المشركينَ شَرُّ البِرَّية كما قَالَ اللهُ ﷿؛ لِأَنَّهُ إذا كانت البهائم والجماداتُ تسبِّح اللهَ وتَعْرِف حقَّه، وبنو آدم هَؤُلَاءِ يشركون به، صاروا شرَّ الخَليقةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ","vol":"1","page":151},{"text":"﴿هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>الفَائِدَةُ الخَامِسَةُ والسَّادِسَةُ:</span> أن الْإِنْسَان يُذَمُّ عَلَى فِعْلِه أو يُمدَح عَلَى فعله؛ لِأَنَّ الهدهد ساقَ ذلك عَلَى سبيلِ الذمِّ، والغرضُ من ذِكر هَذِهِ الفائدة: الوصول إِلَى أنَّ فعل الْإِنْسَان باختيارِهِ؛ إذ لو كَانَ مُجْبَرًا عليه لم يصِحّ أن يَكُون مَحَلًّا للذمِّ أو للمدحِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُجْبَر عَلَى العَمَلِ لا يُمْدَحُ عليه إن كَانَ خيرًا، ولا يُذَمّ عليه إن كَانَ سوءًا، ولكِنه هُوَ فِعْلُهُ.\nويتفرع عَلَى هَذهِ الفائدة: إبطال قول الجبرية الذين يقولون: إن الْإِنْسَان مُجْبَر عَلَى عَمَلِه؛ لأَنَّهُ إذا كَانَ مجبرًا لم يكن أهلًا للثناءِ فِي الخير أو فِي الشرّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>الفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:</span> أن الأَعْمالَ السيِّئة من تزيينِ الشيطانِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ فكيفَ يُجمَع بين هَذِهِ الآيَةِ وبين قولِهِ تَعَالَى: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل: ٤]، فأضافَ اللهُ التزيينَ إليه، وهنا أضافَهُ إِلَى الشيطانِ، وَفي آيَةٍ ثالثةٍ: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٧]، مبنيٌّ للمجهولِ؟\nنَقُول: هَذِهِ لا تعارضُ الآيَاتِ الأُخْرَى، فيُضاف إِلَى الله تقديرًا، وإلى الشيطان مباشرةً.\nإِذَا قَالَ قَائِلٌ: إنَّ الأَعْمالَ السيِّئة تُزَيَّنُ للنَّاس فِي رمضان، وقد ثبتَ فِي الحديث: \"أَنَّ الشَّيَاطِينَ تُصَفَّدُ فِيهِ وتُغَلُّ\" (^١)، ومع ذلك نرى أن كثيرًا من الخلقِ يُزَيَّن لهم سوءُ الأَعْمالِ فِي رمضانَ، فكيف الجمعُ؟\nقُلْنَا: يَكُون هَذَا من تزيينِ النفسِ، فهي تُزَيِّنُ أيضًا سُوءَ الأَعْمالِ.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، حديث رقم (٣١٠٣)؛ ومسلم، كتاب الصيام، باب فضل شهر رمضان، حديث رقم (١٠٧٩)، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>الفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ:</span> أن سبيلَ اللهِ ﷾ واحدٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل: ٢٤]، وسُبُل الشرعِ مُتَعَدِّدَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، ولهَذَا قَالَ العُلَماءُ: الإِسْلامُ مِلَّة والكفرُ مِلَل، الكفر: يهودية، نَصرانيَّة، وَثَنِيَّة، مَجُوسِيَّة ... إِلَى آخِرِهِ، مِلَل لِأَنَّهَا سُبُل مُتَعَدِّدة، وَأَمَّا الْحَقّ فسَبِيلُه واحدٌ.\nفَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: كيفَ تقولونَ ذلكَ وقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]، فكيف الجمع؟\nقُلْنَا: إذا قَيَّدْتَ فهي عَلَى حسَب ما قيّدت به، يعني يصحّ أن تقول: (سُبُل الخير)، وَيكُون المُراد بذلك الفروع الموصلة إِلَى الخير، فالإِسْلام كما أَنَّهُ كله سبيلٌ واحدةٌ فَهُوَ كذلك -أيضًا- ذو شُعَب، وقد ثبتَ عن النَّبِيّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: \"الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً\" (^١)، فَهُوَ ذو شُعَب، فهَذَا معنى قوله: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦].\nثُمَّ إنَّهُ مما يُزيل الإشكالَ أَنَّهَا أُضيفت إِلَى السلامِ، ولم يقل: (السبل)، فعُلِمَ أن المُرادَ بذلك فُروعُ الخيرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>الفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ:</span> إذا زُيِّنَ للإِنْسَانِ سُوءُ عَمَلِه فصدَّ بذلك عنِ السبيلِ -والعياذ بالله ﷾- فَإِنَّهُ لا يَهتدِي؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤].\nوهَذَا هُوَ البلاءُ أنَّ الْإِنْسَان يرى القبيحَ حَسَنًا، فهَذَا لا يكادُ يُقْلِع، لكِن مَن كَانَ يرى القبيحَ قَبيحًا فَإِنَّهُ يمكنه أن يُقْلِع، ولذلك تجدون الْآنَ مثلَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتعاملون بالحِيَل: الحيل الربويَّة وغير الربويَّة ومن المحرَّمات، لا يكادون يُقْلِعُونَ\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان ...، حديث رقم (٩)؛ مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان وفضلها وأدناها ...، حديث رقم (٣٥)، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":153},{"text":"عنها؛ لِأَنَّهُم يَرَوْنَ أَنَّهُم عَلَى حقٍّ، ولذلك لا يُقْلِعُون، لكِنْ مَن فَعَلَ القبيحَ وَهُوَ يَعْتَقِدُهُ قَبيحًا، فَإِنَّهُ يُوشِكُ أن يُقْلِعَ عنه، ولهَذَا قَالَ: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤]، عَلَى تفسير المُفَسِّر ﵀ يَجِب أن يوصل قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ [النمل: ٢٥]، بِقَوْلِهِ: ﴿لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤]؛ لِأَنَّهُ متعلّق به، والتَّقْدير: فهم لا يهتدون إِلَى أن يسجدوا.\n* * *","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>الآية (٢٥)</span>\nقَالَ اللهُ ﷿: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ أي: أن يسجدوا له، فزِيدَتْ (لا) وأدغم فيها نون (أن)؛ كما فِي قوله تَعَالَى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، والجملة فِي محل مَفْعُول ﴿يَهْتَدُونَ﴾ بإسقاط إلى]، لِأَنَّ معنى قوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩]؛ لِأَن يعلم أهل الكتاب، فزيدتِ اللامُ توكيدًا، فالمُفَسِّر ﵀ يرى أن قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ مثل الآيَة الَّتِي ذكرها شاهدًا لها من حيثُ زيادة (لا)، وَيرَى آخرونَ من المفسرين خلاف ما رآه المُفَسِّر وَيقُولُونَ: إن الجملة انتهت بِقَوْلِهِ: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤]، وإن قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ بمعنى: هلا يسجدوا، وَأَنَّهُ للتحضيضِ، ولكِن هَذَا التَّقْدير فِيهِ إشكال أيضًا، وَهُوَ حذف النون من الأفعال الخمسة بدون ناصب ولا جازم؛ لِأَنَّ ﴿أَلَّا﴾ لا تنصب ولا تجزم، وإذا قُلْنَا: إن ﴿أَلَّا﴾ للتحضيض وهي لا تنصب ولا تَجْزِم، ونظرنا إِلَى ﴿يَسْجُدُوا﴾ وجدنا أن فيها حذف النون نصبًا أو جزمًا، وهنا لَيْسَ ناصبٌ ولا جازمٌ، فَهُوَ محل إشكال.\nولكِنَّ الجوابَ عن هَذَا قد يَكُون سهلًا؛ لِأَنَّ حذف نون الأفعال الخمسة","vol":"1","page":155},{"text":"لغيرِ ناصبٍ ولا جازمٍ جائزٌ ووارد فِي اللُّغة العَربِيَّة، ومنه قول النَّبِيّ - ﷺ -: \"وَاللهِ لَا تَدْخُلوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا\" (^١) لا تدخلوا (لا) نافية، لا تنصبُ ولا تَجزِم، ومع ذلك حُذِفَتِ النونُ، ولم يقل: (لا تدخلونَ الجَنَّة)، فالجواب عَن هَذَا أن يقال: إن نون الأفعال الخمسة قد تحذف بدون ناصب ولا جازم، لا سيما فِي مثل هَذَا التعبير ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ الدالّ عَلَى التحضيضِ، فإنَّ حَذْفَ النونِ هنا يُسَهِّلُه وجودُ هَذَا الحرفِ السابقِ للفعلِ.\nوعَلَى كُلِّ حَالٍ: إذا كانت عَلَى تقديرِ المُفَسِّر، فإن هَذِهِ الجملة بالنِّسْبَة لما قبلها كالمؤكِّدة؛ لأَنَّهُ لما قَالَ: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل: ٢٤]، هَذَا يَقتضِي أن لا يهتدوا إِلَى الْحَقّ وإلى أنْ يسجدوا لله ﷾. وَأَمَّا عَلَى القَوْلِ الثاني أن ﴿أَلَّا﴾ للتحضيضِ بمعنى (هلا) فَإِنَّهُ يَدُلّ عَلَى أنَّ الهُدْهُد انتقدهم بهَذَا الفِعْل، وبَيَّن أن الأَولى، بل الأوجب أن يَكُون السجود لله ﷿، وتكون الجملة منفصِلة عما قبلها.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوله ﷾: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: ٢٤]، مَعَ قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ ألا يقتضي أن مَناط الذمِّ كونهم لا يسجدون لله، وَلَيْسَ كونهم يشركون فِي السجودِ.\nالجواب: لا؛ لِأَنَّ معنى قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ يَجِب أن يُفرِدوا الله تَعَالَى بالسجودِ، فيَكُون مَناط الذمّ كونهم يخصصون الشَّمْس بالسجودِ، وكذلك أيضًا لو أشركوا بها مَعَ الله؛ لِأَنَّهُ لا يمكن أن يزولَ الذنبُ إِلَّا إذا خُصِّصَ السجودُ لله وحدَه.\n_________\n(^١) رواه أبو داود، كتاب الأدب، باب في إفشاء السلام، حديث رقم (٥١٩٣)؛ والترمذي، كتاب الاستئذان، باب ما جاء في إفشاء السلام، حديث رقم (٢٦٨٨)؛ وابن ماجه، كتاب المقدمة، باب في الإيمان، حديث رقم (٦٨)؛ وأحمد (٢/ ٤٧٧) (١٠١٨٠)، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":156},{"text":"وفي الآيَة قراءة ثانية: (أَلا يا اسجدوا لله) وتكون (ألا) استفتاحية و(يا) حرف نداء، والنداء محذوف، والتَّقْدير: ألا يا قوم اسجدوا لله، أو تكون (يا) للتنبيه، نظيره قوله تَعَالَى: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٢٦]، وقوله تَعَالَى: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ [النِّسَاء: ٧٣]، فإن (يا) هَذهِ إمَّا أن تكون للتنبيهِ؛ لِأَنَّهَا لا تدخلُ عَلَى الأفعالِ ولا عَلَى الحروفِ، وَإمَّا أن تكون للنداء والمنادى محذوف.\nقوله: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [مَصْدر بمعنى المخبوء مِنَ المطرِ والنباتِ ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ﴾ فِي قُلُوبِهِم ﴿وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ بِألسِنَتِهِم]، قوله: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ الخَبْء بمعنى المخبوءِ؛ كما قَالَ المُفَسِّر، فَهُوَ مصدر بمعنى اسمِ المَفْعُول، والمصدرُ بمعنى اسمِ المَفْعُول واردٌ فِي اللُّغة العربيَّة كثيرًا، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق: ٦]، أي: محمولٍ؛ لِأَنَّ الحملَ فِعل المَرْأَةِ، وَأَمَّا المحمولُ فَهُوَ الجنينُ، وكذلك قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].\nومنه قولُ النَّبِيّ - ﷺ -: \"مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ\" (^١) أي: مردود، ومنه أيضًا قول الله ﵎: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١]، ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ أي: مخلوقه وَلَيْسَ فِعْلَه.\nقوله ﵀: [مِنَ المطرِ]، هَذَا باعتبارِ المخبوءِ فِي السَّمَاء، [والنبات]، هَذَا المخبوء فِي الْأَرْض، فاللهُ ﷾ هُوَ الَّذِي يُخْرِجُ ما فِي هَذَا وما فِي هَذَا، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ﴾ فِي قلوبهم ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ بألسنتهم].\nولم يُشِرِ المُفَسِّر ﵀ إِلَى القراءةِ الثَّانِيَةِ وهي سبعيَّة فِي قوله: \"يخفون\"\n_________\n(^١) سبق تخريجه.","vol":"1","page":157},{"text":"و\"يعلنون\" (^١)؛ فإن الذِي فِي المصحف قراءة عاصم: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ يُخاطِب بذلك سُلَيْمَان، وقوله ﵀: [﴿مَا يُخْفُونَ﴾ فِي قلوبهم ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ بألسنتهم]، تقييده بالألسنةِ فِيهِ نَظَرٌ، لو قَالَ: بِأَلْسِنَتِكُمْ وجَوَارِحكم؛ لِأَنَّ ما يُفْعَل بالجوارح معلَن كما أن ما يُنْطَق به باللسانِ مُعْلَن أيضًا ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾.\nوهَذَان الوصفانِ -إخراجُ الخبءِ والعلمُ بما يُبْطِنُ العبدُ وما يعلنه- لا يَكُونان لأحدٍ من المخلوقينَ، لا للشمسِ ولا لغيرِ الشَّمْسِ، وإنما ذلك خَاصّ بالله ﵎، ولهَذَا جَعَلَه الهدهدُ منَ الأَسْبَاب الَّتِي تَستلزِم أن تكونَ العِبادَةُ للهِ وحدَه؛ لِأَنَّهُ العَالِم بها.\nولا يمكن أن يُؤْتَى بوصفٍ يَستلزِم العِبادَةَ إِلَّا إذا كَانَ خاصًّا بالله؛ لِأَنَّهُ يؤتى بهَذَا الوصفِ استدلالًا عَلَى بُطلانِ عبادةِ ما سواه، ولو كَانَ مما يُمْكِن أن يَكُون للهِ لم يكنْ ذلكَ دليلًا عَلَى اختصاصِ اللهِ تَعَالَى بالعُبُودِيَّة، إذ قد يقولُ العابدُ للشيء: وهَذَا وصف أيضًا موجود فِي معبودي فأنا أعبده.\nفالمهمّ أَنَّهُ لا يمكن أن تُقامَ الحُجَّة إِلَّا بدليلٍ خَاصّ بالمحتجِّ له، يعني أَنَّهُ لا يُمْكِن أن تُقِيمَ الحجَّةَ بأن العِبادَةَ للهِ وحدَه إِلَّا بوصفٍ خَاصٍّ بالله؛ لأنك لو احتججتَ بوصفٍ يَكُون لله ولغيرِه لكان العابدُ لغيرِ اللهِ يَقُول: وهَذَا الوصف أيضًا ممكن فِي معبودي فلا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مما يختص به اللهُ ﷾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>الفَائِدَة الْأُوْلَى:</span> أن الله ﷾ هُوَ المستحِقّ للعبادةِ وَحْدَهُ لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [النمل: ٢٥]؛ لِأَنَّهُ لا أحدَ يَستطيعُ ذلك إِلَّا الله، لا أحد يستطيعُ\n_________\n(^١) الحجة في القراءات السبع (ص: ٢٧١).","vol":"1","page":158},{"text":"أنْ يُخرِج المخبوءَ فِي السَّماوَات وَفِي الْأَرْض إِلَّا الله ﵎، فإذا كَانَ كذلك فيجب أن تكون العِبادَة له وحدَه؛ لِأَنَّهُ الربُّ وحدَه، فيَكُون المعبود وحدَه كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>الفَائِدَتان الثَّانِيَة والثَّالثة:</span> سَعَةُ عِلْمِ اللهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥]، واستدلَّ به الشَّافِعيُّ عَلَى ثُبُوتِ القَدَرِ، فثبوت علمِ اللهِ لأفعالِ العبدِ دليلٌ عَلَى تقديرِهِ لها.\nولهَذَا قَالَ الشَّافِعيّ فِي الْقَدَرِّية: \"نَاظِرُوهُمْ بِالْعِلْمِ، فإنْ أقرُّوا به خُصِمُوا، وإنْ أَنْكَرُوه كَفَروا\" (^١). وهَذَا صحيح، لأنَّنا نَقُول: إذا كنتم تُقِرُّونَ بأن الله عالمٌ بأفعالِ الخلقِ، فهل وَقَعَتْ هَذِهِ الأفعالُ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ، أو عَلَى خلاف عِلمه؟\nعَلَى حسَبِ عِلمه؛ لأنكم تُقِرُّونَ أَنَّهُ يعلمها، إذن فقد وَقَعَتْ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ، فإذا كانت واقعة عَلَى حسبِ عِلْمِه، لَزِمَ أنْ تكونَ بتقديرِه، وإلَّا لكان يمكن أن تقعَ عَلَى خلافِ علمه، إذا كانت من تقديرِ العبدِ واستقلالِ العبدِ، فَإِنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ تقعَ عَلَى حَسَبِ عِلْمِه، وَأَمَّا إذا أنكروا العلمَ فإنهم يكفرون، لِأَنَّ إنكارَ علمِ اللهِ ﷾ كُفرٌ، وعندنا أيضًا حَتَّى إنكار تقدير الله ﷾ كفرٌ؛ لِأَنَّ الآيَاتِ والأحاديثَ صريحة بأن الله تَعَالَى مُقَدِّر لأفعالِ العبدِ، فإنكارها تكذيبٌ للقرآنِ والسنَّةِ، وهَذَا هُوَ الكفرُ.\nولكِن الشَّافِعيّ ﵀ أراد أن يُلْزِمَهم بأمرٍ مُتَّفَقٍ عليه، وَهُوَ أن إنكار علم الله كفرٌ، فقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥]، نَستفيد مِنْه بناءً عَلَى تقدير الشَّافِعيّ ﵀ إثبات تقديرِ اللهِ ﷾ لأفعال العبدِ.\n_________\n(^١) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص: ٣٠٢)، جامع العلوم والحكم (ص: ٢٧).","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:</span> تَحذيرُ العَبْدِ مِنَ المُخالفةِ عَلَنًا أو سِرًّا، كيف ذلك؟ لأنك إذا عَلِمتَ بهَذَا الأَمْرِ، بأن الله يعلمُ ما تُخْفِي وما تُعْلِن، يَلْزَمُ مِن ذلكَ أن لا تُخَالِفَه، لا تقلْ: سأفعلُ هَذَا المحرَّم لِأَنَّ الله لا يَدْرِي، أو سأترك هَذَا الواجبَ لِأَنَّ الله لا يدري، بل الله ﷾ يَعلمُ، والْإِنْسَان لو عَلِمَ أن المعظَّم عندَه يعلم بأفعالِه، لَتَرَكَ ما لا يُرْضِيه، لو عَلِمْتَ مثلًا أن أباك أو الرجلَ الَّذِي تحترمه يعلم بما تفعل، فهل تفعل ما يخالف رضاه؟ لا تفعل، لا سيما إذا كَانَ محبوبًا لديك ومُعَظَّمًا، فإذا كَانَ كذلك فالربُّ من باب أَولى.\nولهَذَا ينبغي لكَ كلَّما دَعَتْكَ نفسُك إِلَى معصية، بل إِلَى مخالفةٍ بتركِ أمرٍ أو فعلِ نهىٍ، يَجِب عليك أن تتذكرَ هَذَا الأَمْرَ، أن الله ﷾ يَعْلَم مخالفتَكَ، فيَلْزَم من هَذَا أن تَرْتَدِع، ولهَذَا جاء فِي الحديث وإن كَانَ فِيهِ نظرٌ: \"أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللهَ مَعَكَ حَيْثُما كُنْتَ\" (^١)؛ لأنك إذا عَلِمْتَ هَذَا العلمَ أوجبَ لك الاستقامةَ والثباتَ عَلَى الأَمْرِ.\nقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥]، فيها قِراءتان (^٢): ﴿مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ و\"ما يخفون وما يعلنون\"، أَمَّا عَلَى قراءة: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ [النمل: ٢٥]، عَلَى حَسَبِ تفسيرِ المُفَسِّر فالمناسبُ: ما يخفون وما يعلنون، وَأَمَّا إن كَانَ عَلَى قراءة الكِسائي: \"أَلَا يا اسجدوا\"، وهي قراءة سَبْعِيَّة (^٣)، فتناسب: ﴿مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥]؛ لِأَنَّ اسجدوا فعلُ أمرٍ، وفعل الأَمْر للمُخَاطَب، فيَقْتَضي أن الأفعال الَّتِي\n_________\n(^١) رواه الطبراني في الأوسط (٨٧٩٦)، عن عبادة بن الصامت - ﵁ -.\n(^٢) الحجة في القراءات السبع (ص: ٢٧١).\n(^٣) المصدر السابق نفس الموضع، والسبعة في القراءات (ص: ٤٨٠).","vol":"1","page":160},{"text":"بعده تكون للمخاطَب أيضًا، يَعْنِي: ألا يا قوم اسجدوا، وَهُوَ هنا لا يخاطب سُلَيْمَان؛ لِأَنَّ سُلَيْمَان يسجد لله، ولكِنه لقوَّةِ استحضارِهِ ما كانت عليه ملكة سبأ خاطبهم بِقَوْلِهِ: (أَلا يا اسجدوا).\n* * *","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>الآية (٢٦)</span>\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [استئناف جملة ثنائية مُشْتَمِل عَلَى عرشِ الرحمنِ فِي مقابلةِ عرش بِلْقِيس، وبينهما بَونٌ عظيمٌ].\nيَقُول هَذَا الهدهد: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وهَذَا كلمة التَّوحيدِ، والمُفَسِّر يَقُول: إنَّهَا جملةٌ استئنافيةٌ للثناءِ عَلَى اللهِ ﵎ بما لا يَكُونُ لغيرِهِ، فالأوَّل: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ هَذَا يَتَعَلَّق بتوحيدِ الرُّبُوبِيَّة، والثاني: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ بتوحيدِ الأُلُوهِيَّة، أي: لا معبودَ بحقٍّ سِوَى اللهِ ﷿إذ هناك معبودات سِوَى اللهِ ﷿ بغير حقٍّ- فإذن أثنى عَلَى اللهِ ﷾ بصفة الرُّبُوبيَّة وبصفة الأُلُوهِيَّة، وربما نَقول أيضًا: وبصفةِ الأسماءِ والصِّفَاتِ؛ لِأَنَّ توحيد الرُّبُوبِيَّة مُسْتَلْزِم للأسماءِ والصِّفَاتِ؛ إذ إنَّ التصرُّف فِي الخلقِ والتدبير والعِلم كُلّ هَذَا من الصِّفَات.\nقوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾: ﴿رَبُّ﴾ بمعنى صاحبِ العَرْش العظيمِ، أي: صاحبه، كما تقول: ربُّ الدابَّة، أي: صاحب الدابَّة، وقوله: ﴿الْعَرْشِ﴾ (أل) هَذِهِ للعهدِ الذِّهنيِّ، أي: العَرْش المعهود فِي أذهانِ الخَلْق العظيم، بخِلاف عرشِ بِلْقِيس، ولهَذَا قَالَ: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]، وهنا قَالَ: ﴿الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ بـ (أل)،","vol":"1","page":162},{"text":"والتعبير ظاهر جدًّا فِي الفرقِ بينهما؛ لِأَنَّ (عرش) نَكِرة و﴿الْعَرْشِ﴾ معرفة، فدلَّ ذلك عَلَى أن هَذَا العَرْش عرشٌ عظيمٌ معلومٌ مفهومٌ فِي الأذهانِ، بخِلاف الأوَّل.\nوَيقُول المُفَسِّر ﵀: إنه قاله فِي مقابلةِ عَرْش بلقيس، نعم هَذَا صحيحٌ، فواضحٌ أَنَّهُ قَالَه لأجلِ أنْ يُبَيِّن أن صاحبَ العَرْش العظيم هُوَ المستحِقّ لِأَنْ يَكُونَ مالكًا، وَأَمَّا هَذِهِ المَلِكَة فإنَّ لها عرشًا وَلَيْسَ لها العَرْش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>الفَائِدَة الْأُوْلَى:</span> إثبات عرشِ اللهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]، والعَرْش هُوَ أعلى المخلوقاتِ، وَهُوَ غير الكرسيّ، وَلَيْسَ هُوَ المُلك كما قاله مُنْكِرو العلوّ، الَّذِينَ يَقُولُونَ: المُراد بالعَرْش المُلك، فتقُولُونَ: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، أي: استولَى عَلَى الملك، وهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ بصحيحٍ، والعَرْش معروفٌ عند العربِ، وَفِي اللُّغة العَربِيَّة: بأنه سَرير المَلِك الخاص به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span> إثباتُ انفرادِ اللهِ تَعَالَى بالأُلوهيَّة، لِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [النمل: ٢٦].\nفَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: هَذَا النفيُ أو الحصرُ حقيقيّ أو إضافيّ؟\nإِذَا قُلْنَا: حقيقيّ، فهَذَا يَلْزَمُ منه أن يَكُون الإله لَيْسَ بمعنى معبود، لزِم أن يَكُون الحصر إضافيًّا، إذ هناك معبود سِوَى الله وهي الأصنامُ، فيَصِير معنى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أي: لا مَعْبُودَ بحقٍّ إِلَّا اللهُ، وحينَئذٍ يَكُونُ الحَصْرُ إضافيًّا، وإنْ جَعَلْنَاهُ حَقِيقِيًّا فإنَّنا يُمْكِنُ أن نَقُولَ: إن المُرادَ بالإلهِ فِي قولِهِ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥]، الإلهُ المستحِقُّ، يَعْنِي: لا إلهَ مُسْتَحِقّ إِلَّا الله، ولكِن هَذَا التَّقْدير يعودُ عَلَى الأوَّل.","vol":"1","page":163},{"text":"واعلَمْ أن الله ﷾ سمَّى الأصنام آلهةً؛ سَمَّاها آلهة فِي قوله تَعَالَى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود: ١٠١]، فأثبتَ أَنَّهَا آلهة، وَفِي آيَاتٍ أُخْرَى نفى أن تكون آلهةً فقال تَعَالَى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف: ٤٠]، والجمعُ بينهما ظاهرٌ؛ أنَّ إثباتَ كونها آلهةً باعتبار هَؤُلَاءِ العابدينَ؛ لِأَنَّهُم يَعتقِدون أَنَّهَا آلهة، ونفي أن تكون آلهة وإنما هِيَ أسماء باعتبار حقيقة الأَمْرِ أَنَّهَا ليستْ بآلهةٍ تَسْتَحِقّ أن تُعْبَد؛ ولهَذَا نُفي أن تكون آلهةً؛ لِأَنَّهَا لَيْسَ لها الْحَقّ فِي أن تُعْبَد.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما الفرق بين الحصر الحقيقيّ والإضافيّ؟\nقُلْنَا: مثال الحصر الحقيقيِّ والإضافيِّ إذا قُلْنَا: إن ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥]، أي لا معبود بحق إِلَّا الله صار حصرًا إضافيًّا، باعتبار أن يَكُون بحق، أمَّا بحق وباطل فيوجد آلهة سِوَى الله، وحينَئذٍ يَكُون الحصرُ إضافيًّا، يَعْنِي بالإضافةِ إِلَى الإلهِ الحقّ، فإذا قُلْنَا: حقيقيٌّ فَهُوَ باعتبارِ الواقعِ أَنَّهُ لا يوجد إله إِلَّا الله، وأنّ هَذِهِ الآلهة هِيَ مجرد أسماء، فيَكُون الحصر حقيقيًّا، أي: باعتبار الحقيقة والواقع، ومؤداهما واحد؛ ولهَذَا أثبت الله الآلهةَ مرة ونفاها مرة أخرى.\n\nالفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: إثبات الرُّبُوبِيَّة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ﴾، ورب بمعنى: خالق أو بمعنى صاحب؟\nبمعنى خالق، وَهُوَ أيضًا مختصٌّ به، إذ إن العَرْش لله ﷾ وحدَه.\n* * *","vol":"1","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>الآية (٢٧)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧)﴾ [النمل: ٢٧].\n* * *\n\nقوله: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ يقوله سُلَيْمَان، والسينُ -كما تقدَّم- تَدُلّ عَلَى التحقيقِ مَعَ التراخِي، ﴿سَنَنْظُرُ﴾ معناه أنَّ نَظَرَنا هَذَا محقّق لَكِنَّهُ سيَكُونُ له مُقَدِّمات، فهي تدلُّ عَلَى التأكيدِ.\nقوله: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ ولم يَقْبَلْ كلامَه من أوَّل الأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ خَشِيَ أن يَكُونَ أتى بذلكَ دفاعًا عن نفسِهِ، ونظيرُ هَذَا ما سَلَكَهُ عمرُ بنُ الخطَّاب - ﵁ - مَعَ أبي مُوسَى الأشعريِّ حينَ استأذنَ ثلاثًا وانصرفَ ثُمَّ حَدَّثَه أن النَّبِيّ - ﷺ - أمر بذلكَ، فطلبَ منهم أنْ يَشْهَدُوا له، فالتُّهَم أو عَدَم الثِّقَة بالقَوْل لها أَسْباب، مِن جُمْلَتِها أنْ يَكُونَ المُخْبِر عَلَى هَذَا الوصفِ، يَتَضَمَّن إخْبَارُه دفاعًا عن نفسِه، فهنا مهما كَانَ منَ الثقةِ تجدُ أنَّكَ تَتَرَدَّد فِي قَبُولِ هَذَا الخَبَرِ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ فيما أَخْبَرْتَنَا به ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ هو أي: منْ هَذَا النوعِ، فَهُوَ أبلغُ مِن: أمْ كَذَبْتَ فيه].\nقوله: ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ الأوَّل صَريحٌ أَنَّهُ فِعل، وهنا قَالَ ﵀: [﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي من هَذَا النوعِ، فَهُوَ أبلغُ مِن: أمْ كذبتَ)؛ لِأَنَّ قوله: ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ يَدُلّ عَلَى الوصفِ الدائمِ، فَهُوَ أبلغ من قوله: [أم كذبتَ]؛ لِأَنَّ","vol":"1","page":165},{"text":"[أمْ كَذَبْتَ] فِعلٌ، والفِعْل قد يَكُونُ مرَّة لكِن ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ هَذَا وصفٌ يَدُلّ عَلَى استمرارِ الكذِبِ فيه، هَذَا ما قَرَّرَهُ المُفَسِّر ﵀.\nوعندي: أن فِي تعبير سُلَيمان للهدهد لَبَاقَة؛ لِأَنَّ مُصارَحَتَه ومقابلته بِقَوْلِهِ: [أمْ كَذَبْتَ] أَشَدُّ وقعًا من قوله: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، يعني أن قوله: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أهونُ مِمَّا لو قَالَ: أم كذبت، فهي فِي الحقيقة من جِهَةٍ أشدّ، وهَذَا بالنظر إِلَى أن قوله: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ وصفٌ لازِمٌ، ومن جهة المخاطبةِ أهونُ من قولِه: أمْ كَذَبْتَ، فهَذَا وجهُ الاختلافِ بين قولِه: ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وقول المُفَسِّر: [أم كذبتَ]، وكلُّ قولٍ له وجهٌ، لا تعارضَ بينهما.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل يَحِقُّ لسُلَيْمَان أنْ يَصِفَ الهدهدَ بمجرَّدِ هَذَا الفِعْل وصفًا مُطْلَقًا بالكذِبِ؟\nفالجواب: المُرادُ بالكاذبينَ الَّذِينَ مِن دَأْبِهِمُ الكذِبُ، فكون هَذَا من الكاذبينَ إمَّا أَنَّه من دأبِهِ الكذِب أو فِي جُمْلتِهم، وقد يكذِب مرَّةً واحدةً، وسُلَيْمَان أيضًا ما وَصَفَهُ؛ لِأَنَّهُ قال: ﴿أَصَدَقْتَ﴾ مقابل قوله: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فلا يُعلم هل يَكُونُ مُتَّصِفًا بِقَوْلِهِ: ﴿أَصَدَقْتَ﴾ أو بِقَوْلِهِ: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، فما وَصَفَهُ، بل هُوَ مُتَرَدِّدٌ، يُنْظَر، لكِنْ لو ثَبَتَ الكذبُ فهل يَحِقُّ أنْ يُوصَف بأنه من الكاذبينَ؟\nالجواب: لا يَحِقّ أنْ يُوصَف بأنه من الكاذبينَ المتَّصِفين بها دائمًا، ولكِن -كما تَقَدَّمَ- هَذَا من بابِ التلطُّف فِي الخِطاب، فكونه من الكاذبينَ هَذَا أشدُّ إذا كَانَ وَصْفه الكَذِب، وكونه لم يُخاطِبْه وقال: أمْ كذبتَ يَكُون أهونَ، مثل قول إبراهيم - ﷺ - للضيوف: ﴿سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥]، لم يقل: أُنْكِرُكُم، لا أَعْرِفكم، بل قَالَ: ﴿سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ وهَذَا من بابِ التلطُّفِ فِي التعبيرِ.","vol":"1","page":166},{"text":"ثم قَالَ المُفَسِّر ﵀: [ثم دَلَّهُمْ عَلَى الماءِ فَاسْتُخْرِجَ وَارْتَوَوْا وَتَوَضَّئُوا وَصَلَّوْا، ثُمَّ كَتَبَ سُلَيمانُ كِتابًا صُورَتُه: مِن عَبْدِ اللهِ سُلَيمان بنِ داودَ إِلَى بِلْقِيس مَلِكَةِ سَبَأ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، السلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهدَى، أَمَّا بعدُ؛ فلا ﴿تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١]. ثُمَّ طَبَعَه بالمِسْكِ وخَتَمَهُ بخاتمِه، ثُمَّ قَالَ للهُدْهُد: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾].\nكُلّ هَذَا مِنَ الحِكايات الَّتِي لا دليلَ عليها فِي الْقُرْآنِ، فكونه دَلَّهم عَلَى الماء فاستخرجوه وارْتَوَوْا وتوضئوا وصَلَّوْا أيضًا أين هَذَا فِي الْقُرْآن؟ ! لَكِنَّنَا نَقُول: هَذَا لا دليلَ عليه، ولا يجوزُ لنا أنْ نَعْتَقِدَهُ، ولا أن نُكَذِّبَه، هَذَا إذا صحَّ عن بني إسرائيلَ؛ لأنه تُوجَد آفةٌ أيضًا وهي أَنَّهُ يوجد بيننا وبينَ بني إسرائيلَ طَريق مِمَّن رَوَاهُ عن بني إسرائيل، فإذا صحَّ عن بني إسرائيلَ وأنهم ممَّا حَدَّثُوا به هَذِهِ الأُمَّة نَقُول فيه: إنَّهُ لا يُصَدَّق ولا يُكَذَّب، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْء يُعارِضُ كِتَابَنا، ولا فِي كتابنا ما يُؤَيِّده، وإلَّا لو كَانَ فِي كتابنا ما يؤيده قَبِلْنَاه، ولو كَانَ فِي كتابنا ما يُعارِضه رَدَدْنَاهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>الفَائِدَة الْأُوْلَى:</span> أَنَّهُ يَنبغي التثبُّت فِي الخبر، لا سيما عند قيام الشُّبُهات، وما هِيَ الشبهةُ القائمةُ هنا؟ أنَّ الهدهدَ قَالَ ذلكَ مُدافعةً، وإن كَانَ بعيدًا؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢]، لكِن لمَّا كَانَ هَذَا مَقامَ دفاعٍ، فَإِنَّهُ يَنبغي أن يَتَثَّبتَ الْإِنْسَانُ أكثرَ؛ ولهَذَا قَالَ: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧]، مَعَ أَنَّهُ قال: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢].\nوهَذَا نظيرُ ما وقع لأميرِ المُؤْمِنيِنَ عمرَ بنِ الخطَّابِ مَعَ أبي مُوسَى الأشعريِّ، حَيْثُ استأذن عليه ثلاثًا وانصرفَ، فلمَّا عاتبَهُ بَعْد ذلكَ قَالَ: هَكَذَا أَمَرَنَا رسولُ اللهِ","vol":"1","page":167},{"text":"- ﷺ -. فقال: هاتِ مَن يَشْهَدُ لكَ. فشَهِد له مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ (^١)، فمِثل هَذِهِ الحالِ وإنْ كَانَ الخبرُ مُتيقَّنًا لكِن لا مانعَ أنْ يَتَثَبَّتَ الْإِنْسَان فِي ذلكَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204><span data-type=\"title\" id=toc-205>الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span></span> أَنَّهُ يَنبغي للإِنْسَانِ أنْ يَكُونَ لَبِقًا فِي تعبيرِه، حَتَّى لغيرِ الآدَمِيّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَصَدَقْتَ﴾ [النمل: ٢٧]، فصارحَهُ هنا بلفظِ الصدقِ؛ لِأَنَّ الصدقَ صفةٌ محبوبةٌ محمودةٌ، وِفي الكذِب ما قَالَ: (أنْ كذبتَ) بل قَالَ: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧]، فتحاشَى أنْ يُصارِحَه بوصفِ الكذبِ، مَعَ ما فِي ذلكَ بالنِّسْبَةِ للقرآنِ الكريمِ، فِي مراعاةِ الفواصلِ فِي قولِهِ: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧]، لِأَنَّ فِيهِ مراعاةً للفواصلِ.\nوقول المُفَسِّر: إن هَذَا أبلغ من [أن كذبت] هَذَا له وجهٌ؛ لِأَنَّ قوله: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧]، أي: من المتَّصفينَ بالكذِبِ دائمًا، يَعْنِي: ممَّن وَصْفُه الكذِبُ، وَلَيْسَ مَن كَذَبَ مرةً واحدةً كمَن كَانَ الكذِبُ وَصفًا له، فيَكُون العدولُ هنا عن: [أنْ كذبتَ] له ناحيتانِ:\nالناحية الْأُوْلَى: أَنَّهُ ألطفُ منَ التصريحِ بالمخاطَبَةِ بالكذِبِ.\nالناحية الأُخْرَى: هِيَ أشدُّ؛ حَيْثُ إِنَّهَا تدلُّ عَلَى اتِّصافِ المخاطَبِ بالكذبِ، لا أَنَّهُ وقع منه مرَّةً واحدةً، فالمُفَسِّر راعَى وجهًا وتركَ وجهًا آخرَ، والصَّوابُ أَنَّهُ مراعى فيها الوجهانِ جميعًا.\n\nالفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: في قوله: ﴿سَنَنْظُر﴾ جواز تعظيم الْإِنْسَانِ إذا كَانَ أهلًا لذلك، عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ سُلَيْمَانُ أرادَ أَنَّهُ يَنْظُرُ ذلك بمَن يستعين به من جنوده،\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب البيوع، باب الخروج في التجارة، حديث رقم (١٩٥٦)؛ ومسلم، كتاب الآداب، باب الاستئذان، حديث رقم (٢١٥٣).","vol":"1","page":168},{"text":"لا أَنَّهُ يريد أن يباشر هُوَ بنفسِهِ ذلك، فقوله: ﴿سَنَنْظُر﴾ هَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ للجماعةِ، فهل هِيَ جماعةٌ حقيقةً أومن باب التعظيمِ؟\nنَقُول: هَذَا فِيهِ احتمال: فإن كَانَ سُلَيْمَان ﵊ أراد تعظيمَ نفسِهِ، فَهُوَ أهلٌ لذلك؛ لِأَنَّهُ ملك ورسول، وإلا فَإِنَّهُ: يريد سننظر بجنودنا وأعواننا أصدقتَ أمْ كنتَ من الكاذبينَ، وإنْ كَانَ لا يريد أن يباشره بنفسه، فالملك والوزير والأمير ومن أشبههم إذا قَالُوا: سنفعل كذا، فإما أن يَكُون ذلك بأنفسهم وَيكُون ذلك تعظيمًا لأنفسهم، أو بواسطة الجنودِ والأعوانِ وَيكُون هَذَا مراعاةً للجميعِ.\n* * *","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>الآية (٢٨)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [ثمَّ قَالَ لِلْهُدْهُدِ: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾].\nإِذَا قَالَ قَائِلٌ: قوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾ يَقتضي أَنَّهُ صَدَّقَه، لِأَنَّ قوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ صَدَّقَهُ فِي ذلك، ولهَذَا كتب لهم، أو يقال: هَذَا من جملةِ الاختبارِ، يعني أَنَّهُ إذا كَانَ كاذبًا فسيقول: ما وجدتُ أحدًا، مثلًا، فيَكُون هَذَا من جملةِ وسيلةِ الاختبارِ العائدةِ عَلَى قوله: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ﴾؟ وقد يقال: إن فِي قوله: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ تقديرًا: فنظرَ وتحَقَّقَ صِدْقَه فأعطاه الكتابَ، واللهُ أَعْلَمُ بما جَرَى؛ فإمَّا أنْ يَكُونَ هَذَا الكتابُ من جملة اختبارِهِ، مثلما لو أخبركَ إِنْسَانٌ بخبرٍ تقولُ له مثلًا: اذهَبْ وائتِ لي مِنه ذِكرًا، أيضًا لو قَالَ مثلًا: تباع السلعةُ الفلانيَّة الْآنَ فِي السوقِ قلتَ له: خذِ اذهَبْ وائتِ لي مِنْهَا شيئًا، من أجلِ أنْ أختبرَ هل هُوَ صحيحٌ أو لا، وإن كَانَ ظاهرُ فِعلي لمَّا أَعْطَيْتُه الفلوسَ لِيَشْتَرِيَ أنَّني صَدَّقْتُه، لكِنْ قد يَكُونُ هَذَا من وسائلِ الاختبارِ.\nفالحاصل: إذا كَانَ سُلَيْمَان عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَاَلسَّلَامُ حَقَّقَ هَذَا الأَمْرَ ثُمَّ أرسلَ بالكتابِ","vol":"1","page":170},{"text":"فالأَمْرُ ظاهرٌ، ولكِن لَيْسَ فِي الْقُرْآن ما يَدُلّ عَلَى ذلكَ، فنَقُول: إن إعطاءَهُ الكتابَ من جملةِ الوسائلِ الَّتِي تُبَيِّن صِدْقَهُ.\nوقوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾ أشارَ إليه بالتعيينِ؛ لِأَنَّ سُلَيْمَان يكتب لهم ولغيرهم، ولكِنه عَيَّنَ الكتابَ الَّذِي كَتبَهُ لهم.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ أي بِلْقِيس وقَوْمِها ﴿ثُمَّ تَوَلَّ﴾ انْصَرَفَ ﴿عَنْهُمْ﴾ وَقَفَ قريبًا ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ يَرُدُّون مِنَ الجوابِ، فأَخَذَهُ وأتاها وحولها جُنْدُها وألقاهُ فِي حَجْرِها، فلَمّا رَأَتْهُ ارْتَعَدَتْ وخَضَعَتْ خَوْفًا، ثُمَّ وَقَفَتْ عَلَى ما فِيهِ، ثُمَّ ﴿قَالَتْ﴾ لأشرافِ قَوْمِها: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾].\nذهب به الهدهدُ فألقاهُ إليهم، أي: طَرَحَه بين أيديهم، وتولَّى عنهم كما أرشدَهُ سُلَيْمَان، ولكِنَّ هَذَا التولِّيَ لَيْسَ بعيدًا، بدليل قوله: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾؛ فإن قوله: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ يَدُلّ عَلَى أنَّ هَذَا التولِّيَ يَكُون قريبًا منهم، وفيه من الفوائد ما يأتي إنْ شاء اللهُ. ثُمَّ أخذتِ الكتابَ وقَرَأَتْهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>الفَائِدة الْأُوْلَى:</span> أن الحيوانات تَعْقِلُ ما يُوَجَّهُ إليها منَ الأَمْرِ والنهيِ والاختبارِ والفحصِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿اذْهَبْ﴾ [النمل: ٢٨]، وقوله: ﴿فَأَلْقِهْ﴾ [النمل: ٢٨]، وقو له: ﴿تَوَلَّ﴾ [النمل: ٢٨]، وقوله: ﴿فَانْظُرْ﴾، كُلّ هَذِهِ أوامر للهدهد؛ ممَّا يَدُلّ عَلَى أن هَذِهِ الحيوانات تَعقِل، ولكِن لَيْسَ معنى قولنا: إنَّهَا تعقل أن تكون عاقلةً لكل أحدٍ، صحيح أَنَّهَا تعقل عقلًا محدودًا بالنِّسْبَة لعامَّة النَّاس، ولهَذَا تُزجَر البهيمة فتنزجر وتدعوها فتُقْبِل، ولكِن لَيْسَ هَذَا كمثلِ تسخيرها لسُلَيْمَان ﵊؛ فإن تسخيرها لسُلَيْمَان أَنَّهَا تَنزِل منه مَنْزِلَةَ الْإِنْسَانِ العاقلِ الفاهِمِ، من كُلّ وجهٍ.","vol":"1","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>الفَائِدةُ الثَّالِثَةُ:</span> أَنَّهُ يَنبغي تحَسُّس الأخبارِ عندَ الحاجةِ لذلكَ، وهَذَا ما يُسَمَّى بالمتابعةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨]، فَإِنَّهُ إذا تولى وجعل يَنْظُرُ لَا بُدَّ أن تُبَيِّنَ له الأخبارُ؛ فلو أَنَّهُ ما تولى عنهم فألقاه وبقِيَ فقد لا يتكلمون بالأَشْيَاء الَّتِي يتكلمون بها إذا كَانَ حاضرًا لديهم، لكِن إذا تولَّى عنهم فحينئذٍ وجدوا لأنفسهم مجالًا للكلام حَسَب ما يريدون، وهَذَا من السياق.\nفعندما تعمل عملًا فلا بد أن تَتَحَسَّس الأخبارَ، فلا تباشر هَذَا العَمَل مباشرةً لِأَنَّهُ لا يأتي عَلَى المطلوب، ولا تُعْرِض عنه إعراضًا كامِلًا لأنَّ معنى ذلك أنك ما تابعتَ ولا اهتممتَ بالأَمْرِ، فينبغي على الْإِنْسَان أنه كلَّما عَمِلَ عملًا أن يَكُون متابعًا له وأن يتحسَّس.\nمثلًا افرض أنك أمرت أهلك بأمر، وأنت راعٍ عليهم، فلاحظه ولا تتركه، ولكِن لا تلاحظه وأنت حاضر مَعَ المباشرة؛ لِأَنَّهُم فِي هَذِهِ الحال سوف ينفذونه، لكِن تلاحظه وأنت بعيد حَتَّى يتبين لك هل نفذوا أم لم ينفذوا، فهَذِهِ من السَّياسَة الَّتِي ينبغي سُلُوكُها؛ لأجل أن يعرف الْإِنْسَان مدى تَقَبُّل الموجَّه إليه الأَمْر من عَدَمِه، ولهَذَا قَالَ: ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨]، وهَذَا هُوَ الَّذِي حَصَلَ.\n* * *","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>الآية (٢٩)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [ثمَّ ﴿قَالَتْ﴾ لِأَشْرَافِ قَوْمِها: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾]،و﴿الْمَلَأُ﴾ كما بَيَّن المُفَسِّر همُ الأشراف، وهنا نادتهم: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ إشارة إِلَى عُلُوّ مَرْتَبَتِهِمْ فِي دَوْلَتِهِم؛ لِأَنَّ ﴿يَاأَيُّهَا﴾ ما تكون إِلَّا للبعيدِ، ما قالتْ: يا مَلأُ، بل قالت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾.\nثم قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَؤُا إِنِّي﴾ بتحقيقِ الهمزتينِ]، (الملأُ إِني) [وتسهيل الثَّانِيَةِ بِقَلْبِها واوًا مكسورةً]، (يَا أَيُّها المَلَأُ وِنِّي)؛ لِأَنَّهُ إذا جاءتِ الهمزةُ بعدَ الضمِّ جازَ أنْ تُقْلَبَ واوًا فِي اللُّغةِ العَربِيَّةِ، ومنه قولُ كَثيرٍ مِنَ المؤذِّنينَ: اللهُ وَكبر؛ لِأَنَّهُ يجوز: اللهُ أكبرُ ويجوزُ: اللهُ وَكْبر، فالهمزة إذا وقعتْ بَعْد ضمٍّ يجوزُ أن تُسَهَّل إِلَى واوٍ عَلَى حسَب الحال إن كَانَ يَقْتَضِي الكسرَ كُسِرَتْ أو يَقتضي الضمَّ ضُمَّت أو الفتح.\nقال ﵀: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ مَخْتُوم]، يعني فَسَّرَ الكريمَ بالمختومِ؛ لأنَّ خَتْمَه دليلٌ عَلَى أَهَمِّيَّتِه، فالكتبُ والرسائلُ المختومةُ يُعْتَنَى بها، وحتى الْآنَ إذا كَانَ الشَّيْء مهمًّا تَجِده يُخْتَم بالشَّمْع ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لِئَلَّا يُزَوَّر، ولكِنَّ تفسيرَ الكريمِ بالمختومِ لَيْسَ بصحيحٍ؛ لِأَنَّ الختمَ دليلٌ عَلَى كَرَمِه، وَلَيْسَ هُوَ معنى كَرَمه، فالكريمُ معناه: المتضمِّن للمعاني العظيمةِ المُؤثِّرة.\nوفي قولها: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ﴾ ما قالتْ: أَلقَى الهدهدُ؛ لِأَنَّ الظَّاهرَ أَنَّهُ مَرَّ ثُمَّ حَذَفَه","vol":"1","page":173},{"text":"عليها، وَلَيْسَ معناهُ أَنَّهُ جاءَ ووقفَ بين يَدَيْها وأعطاها الكتابَ. ولربما يَكُون أبلغ فِي الهَيبة أَنَّهُ يعطيها الكتابَ وَهُوَ مارٌّ، بخلافِ ما لو وَقَعَ بين يَدَيها، فَإِنَّهُ لا يَكُون هَيْبة، عَلَى أَنَّهُ لو وَقَعَ بين يديها فمُقتضى كونه هدهدًا أن تُمْسِكَه، ولكِنه ألقاه إلقاءً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nأنَّ كرمَ كُلّ شيءٍ بِحَسَبِه، فالكرمُ بالمالِ معناه: بَذْلُه بِسَخَاءٍ، والكرمُ أيضًا بالمالِ يُطْلَق عَلَى الجيِّد منه، كما قَالَ النَّبِيّ - ﷺ -: \"وَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالهِمْ\" (^١)، وكذلك أيضًا يُوصف بالكرمِ ما يَتَضَمَّن الشَّيْء المهم؛ لمَا فِي هَذَا الوصف فِي كتابِ سُلَيْمَان - ﷺ -.\n* * *\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ بن جبل - ﵁ - إلى اليمن قبل حجة الوداع، حديث رقم (٤٠٩٠)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، حديث رقم (١٩)، عن ابن عباس - ﵄ -.","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>الآيتان (٣٠، ٣١)</span>\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٠ - ٣١].\n* * *\n\nقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الكتاب ﴿مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ ولم تَنْسُبه إِلَى أبيه؛ لِأَنَّهُ كَانَ معروفًا ومعلومًا عندهم أَنَّهُ - ﷺ - رسول أعطاه الله تَعَالَى منَ المُلك ما لم يُعْطِهِ غيرَه، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: مَضْمُونه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، لَيْسَ فيه: (السلام عَلَى مَنِ اتبعَ الهدى)، ولا: (أَمَّا بعدُ) كما قَالَ المُفَسِّر ﵀، ويمكن أن يَكُون من أخبار بني إسرائيلَ أو عَلَى العادةِ فِي الكتبِ، إِنَّمَا سُلَيْمَان أتى بأدنَى ما يمكن فهمُه والمقصود منه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.\nقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هل سُلَيْمَان - ﷺ - قَالَ: مِن سُلَيْمَان إِلَى بِلْقِيسَ؟\nلا، ما قَالَ ذلكَ، هَذَا خبرٌ مِنْهَا، هِيَ ليست تقرأ الكتاب حَتَّى تقول: من سُلَيْمَان بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ولهَذَا قالت: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾، ولكِن لعلها فَهِمَته إمَّا بالتوقيعِ أو بكتابةٍ عَلَى الظرفِ إنْ كَانَ هناك ظرف، وإلا صُلْب الكتاب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ","vol":"1","page":175},{"text":"وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ وهَذَا هُوَ الظَّاهرُ؛ لِأَنَّهُ لا يمكن أن يبدأ سُلَيْمَان ﵊ بِقَوْلِهِ: من سُلَيْمَان بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، بل سَيَبْدَأُ بالبسملةِ قبلُ، فلمَّا لم يَذْكُرِ اللهُ إِلَّا البسملةَ دلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لم يأتِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾، ولكِنه لَا بُدَّ أن يَكُون فِي الكتابِ ما يُشيرُ إِلَى ذلك، وإلَّا لمَا فَهِمَتْهُ.\nوقوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ المقصودُ الخُضُوعُ لي، يَعْنِي: معناه: ذِلُّوا لي؛ لِأَنَّهُم ما كانوا يَعْلُون عليه حَتَّى يَقُول: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾.\nوهل أرادَ أن يأتوا إليه أَذِلَّةً مسلمينَ لله أو مسلمين له، أي: مستسلمينَ؟\nفيه احتمالٌ أَنَّهُ أراد أن يأتوا مسلمينَ لله أو مستسلمينَ له.\nولكِن هل يَلْزَمُ من إتيانهم مستسلمينَ له أن يَكُونوا مسلمينَ للهِ؟\nلا يَلْزَم، لكِن يلزم مِن كَوْنِهِم مسلمينَ للهِ أنْ يَسْتَسْلِمُوا له وأن يَأْتُوا مُطِيعينَ غيرَ مخالفينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>الفَائِدَة الْأُوْلَى:</span> أنَّ الأَولى أن يبدأ الكَاتِبُ باسمِهِ فيقول: من فلانٍ قبل أن يبدأ باسمِ المرسَلِ إليه أو المكتوب إليه.\nوهل هَذَا من بابِ التعبُّد أو من باب العادةِ؟\nالظَّاهرُ أَنَّهُ من بابِ العادةِ، ولكِن مَعَ ذلك العادة الَّتِي كَانَ عليها السلفُ أَولى منَ العادةِ الَّتِي اعتادها النَّاسُ اليومَ، فاعتادَ النَّاسُ اليومَ أَنَّهُم يَبْدَؤُونَ بالمكتوبِ إليه: إِلَى فلان بن فلان، ولكِن العادة الأُولى أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان إذا قرأ الكتاب يَقْرَؤُه مِن أَوَّله، فإذا قرأ: من فلانٍ؛ عرف الْآنَ ما هَذَا الكتاب وما قيمة الكتاب قبل أن","vol":"1","page":176},{"text":"يَقْرَأَهُ كُلَّه. ثُمَّ إن الترتيبَ الطبيعيَّ يَقتضي هَذَا؛ لِأَنَّ الكتابَ واردٌ (من) (إلى) فيَقْتَضِي أن يبدأَ بالواردِ منه قبلَ الواردِ إليه.\nفإذَنْ نَقُول: الأَولى أن يبدأَ الْإِنْسَانُ باسمِهِ إذا أرسلَ كتابًا إِلَى أحدٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ السنَّة المُتَّبَعَة.\nوهل يُؤخَذ من هَذَا الكتابِ أَنَّهُ لا يُحتاج إِلَى ذِكْر المكتوبِ إليه؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ ولم يقلْ: إِلَى مَلِكَةِ سبَأٍ؟\nنَقُول: إِنَّهُ إذا دلَّ الدَّلِيل عَلَى المكتوبِ إليه فلا حاجةَ إِلَى ذِكْرِه، كما في قِصَّة سُلَيْمَان، فهنا احتمالُ أنْ يصلَ الكتابُ إِلَى غيرِ المكتوبِ إليه بعيدٌ، والمقصود ببَيَان المكتوبِ إليه أن يَتَعَيَّنَ ويصل إليه، وهنا إذا جاء الكتاب عَلَى هَذَا الوجهِ فَإِنَّهُ يحصُل به أكبر تعيينٍ، فنَقُول: إنَّهُ لا حاجة إِلَى ذِكره إذا كَانَ الأَمْر يحصُل بدونه، ولكِن مَعَ هَذَا ذِكره أَولى، لا سيما إذا كَانَ يَتَرَتَّب عليه شيءٌ فِي المستقبَلِ، فَإِنَّهُ إذا فَرَضْنَا أنَّ صَاحِبَه الَّذِي أُرْسِلَ إليه عُلِمَ وأَخَذَه، لكِن فِي المستقبَلِ لا نَدري مَنِ الَّذِي وُجِّه له هَذَا الخطاب، فذِكْرُه بلَا شَكّ أَولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215><span data-type=\"title\" id=toc-216>الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span></span> استحباب البَداءةِ ببِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أولِ الرسائلِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\n\nالفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: استعمالُ الإيجازِ إذا لم يكنْ فِيهِ تقصيرٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الكتاب الَّذِي كَتبَه سُلَيْمَان فِي غايةِ ما يَكُون من الإيجازِ، جملتانِ فقط: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١]، ولكِن بشرطِ ألَّا يَكُونَ الإيجازُ مُخِلًّا بالمقصودِ، فإنْ كَانَ مخلًّا بالمقصودِ صارَ تقصيرًا.","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:</span> أن سُلَيْمَان ﵊ دَعَاهُمْ إِلَى اللهِ ﷾، ولا يريد التملُّك والسيطرةَ، وإنما يريدُ بذلك الدخولَ فِي الإِسْلامِ؛ لِأَنَّ الهدهدَ لمَّا أخبرهُ أَنَّهَا وقومها يسجدون للشمسِ من دون اللهِ فهَذَا كفرٌ، فلا بد أن يخرجوا منه إِلَى الإِسْلامِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>الفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:</span> وفيه أيضًا دليلٌ عَلَى قوة سُلَيْمَان ﵊؛ لِأَنَّهُ لم يقلْ: وأَسْلِمُوا، بل قَالَ: (ائتوني مسلمين) فطلبَ منهم أنْ يأتوا إليه وهم عَلَى الإِسْلامِ.\nوهل المُرادُ أنْ يأتوا جميعًا؟\nلا، المُرادُ أعيانهم وأشرافهم؛ لِأَنَّ الأعيانَ والأشرافَ يقومون مَقامَ الْعَامَّةِ.\n* * *","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>الآية (٣٢)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢].\n* * *\n\nفى قِصَّة مَلِكَةِ سَبَأ عندما جاءها الكتابُ من سُلَيْمَان ﵊ قالت لقومها: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ [النمل: ٣٢]، المَلَأ بمعنى: الأشراف، وذلك بأن الملوكَ والرؤساءَ يَكُونُ جُلَسَاؤُهم دائمًا أشرافَ النَّاسِ، فوَجَّهَتْ إليهم الخطابَ: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ [النمل: ٣٨]، وسبق ذِكْر الفائدة فِي قولِها: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ [النمل: ٢٩]، قولها: (يا ملأ) إظهارًا لعلوِّ شأنهم حَيْثُ نُودُوا بمناداةِ البعيدِ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي﴾ [يوسف: ٤٣]، بتحقيق الهمزتين]. ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي﴾ هَذَا تحقيق الهمزتينِ.\n[وتسهيل الثَّانِيَة بقلبها واوًا]، (يا أيها الملأ وفتوني)، وهَذَا مبنيٌّ عَلَى القاعدة اللُّغوية أَنَّهُ إذا ضُمَّ ما قبل الهمزةِ فَإِنَّهُ يجوزُ قَلْبُها واوًا.\nوَقُلْنَا: إن من فائدة هَذِهِ اللُّغةِ تصحيح أذانِ كثيرٍ منَ النَّاسِ الَّذِينَ يَقُولُونَ فِي أذانهم: اللهُ وَكبر، بل حَتَّى الصلوات، فإن بعض النَّاس فِي تكبيرة الإحرام يَقُول: اللهُ وَكبر.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي﴾ ... أي: أشيروا عليّ ﴿فِي","vol":"1","page":179},{"text":"أَمْرِي﴾]، واحد الأُمُور وَلَيْسَ واحد الأوامر؛ لِأَنَّ المُراد بالأَمْر هنا الشأنُ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ قَاضِيَتَهُ ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ تَحْضُرُون].\nوهَذَا من كمالِ ذَكائها أَنَّهَا أشارتِ المَلَأَ حَتَّى إذا نتجَ عن تَصَرُّفِها شيءٌ لا يُرضى يَكُونُ اللومُ عَلَى هَؤُلَاءِ الملأِ الَّذِينَ أشاروا، ولا يجعلون اللومَ عليها؛ ولهَذَا قالت: إنَّهَا ما تَقْطَع أمرًا حَتَّى يشهدوها، وقولها: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ أي: قاضية له، ﴿أَمْرًا﴾ هَذِهِ نَكِرَة فِي سياقِ النفيِ، فتكون للعمومِ، لكِن المُراد بذلك الأَمْر المتعلّق بالدولةِ بلَا شَكّ، وَأَمَّا الأَمْرُ الخاصّ فإن لكلِّ إِنْسَانٍ التصرُّف فيه، وكذلك قول الله تَعَالَى للنبي - ﷺ -: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر﴾ [آل عمران: ١٥٩]، هَذَا الأَمْر من الأُمُورِ الْعَامَّة الَّتِي هِيَ للجميعِ، وَلَيْسَ الرَّسُول ﵊ ولا غيره مأمورًا أن يشاورَ النَّاس فِي كُلّ أمورِهِ، حَتَّى لو أراد أن يتغدى أو يتعشى ذهب يَقُول للناس: ماذا تقولون؟ لا، ولكِن المقصود الأُمُور الْعَامَّة الَّتِي يَشْتَرِك فيها النَّاس، فيؤمَر فيها بالتشاور.\nوقولها: ﴿قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ هَذَا أبلغ ممَّا فسَّر به المفسِّر بالقضاء؛ لِأَنَّ القطعَ يَدُلّ عَلَى الإِمرةِ والعزيمةِ والفِعْل، بخلافِ القضاءِ حيث يقضي الحُكْم فقطْ بدونِ أنْ يفعلَ.\nوقولها: ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ فيها إشكالٌ لُغَوِيّ، وهي ثبوتُ النونِ مَعَ أن ﴿حَتَّى﴾ ناصبة، فما هُوَ الجوابُ؟\nالنون هَذِهِ للوقايةِ؛ ولذلك تجدها مكسورةً ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾، لو كانت نون الرفعِ لقالَ: (تَشْهَدُونَ)، وما أظنُّ أَنَّهَا تُشْكِل عَلَى طالبِ العلمِ؛ لِأَنَّهَا مكسورةٌ، ومثل هَذَا قوله تَعَالَى فِي سورة الذاريات: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات: ٥٩]: فقوله: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ إذا وقفتَ عليها تُسَكّن النونَ","vol":"1","page":180},{"text":"فيظن السامع أن النون هنا ثَبَتَت مَعَ وجودِ النهيِ، وهي مَعَ النهيِ تُحْذَف، ولكِن النون هنا للوقايةِ؛ ولذلك إذا وصلتَ فقلْ: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٦٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>الفَائِدَة الْأُوْلَى:</span> استحبابُ المشاور فِي الأُمُورِ الْعَامَّة؛ لِقَوْلِها: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ فهي مَعَ أَنَّهَا مَلِكَة ولها تمامُ السُّلطة مَعَ ذلك لم تَسْتَغْنِ عن المشاورةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span> حَزْم هَذِهِ المَرْأَةِ وأنها تريد أن تكونَ سياستها مبنيَّة عَلَى أن المسؤولية عَلَى الجميعِ؛ لقولها: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ وحينئذٍ لو حصلَ خلافُ المقصودِ لم يكنْ عليها لومٌ، ما دامتْ تُشْهِدُ هَؤُلَاءِ وتُبَيِّنُ لهم.\n* * *","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>الآية (٣٣)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل: ٣٣].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أي: أصحاب شِدَّة فِي الحرب].\n﴿أُولُو﴾ بمعنى: أصحاب، وهي -كما تَقَدَّم- فِي النحوِ مُلْحَقَة بجمعِ المذكَّر السالمِ، وهي مرفوعةٌ بالواوِ نيابةً عن الضمَّة، أي: أصحاب قوَّة وبأس، والبأس بمعنى: الشدَّة والصبر، و﴿بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أي: أصحاب شِدَّة فِي الحربِ، فكأنهم يُعَرِّضُون بالمشور عليها بالقتالِ بأن تقاتلَ سُلَيْمَان وَيقُولُونَ: نحن مستعِدُّون للقتالِ لأنَّنا أصحاب قوة وأصحاب بأس شديدٍ، الْقُوَّة هنا هل المُرادُ بها الْقُوَّة الجسميَّة أو الْقُوَّة المادِّيَّة؟ كلاهما، فعندنا من قوةِ الجسمِ وعندنا من قوةِ العُدَّة ما نستطيع أن نقاتلَ به سُلَيْمَان.\nقوله: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ هَذَا منَ التأدُّب معها، مَعَ أَنَّهَا هِيَ الَّتِي طلبت منهم المشورة، ومع ذلك ردُّوا الأَمْر إليها: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾، وهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا كانت أهلًا لِأَنَّ يُسْنَدَ إليها الأَمْر، ويدلّ أيضًا عَلَى أَنَّهُم كانوا يعظِّمونها تعظيمًا بالغًا.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ نا نُطِعْكِ].","vol":"1","page":182},{"text":"هل المُراد بالنظر هنا الانتظار أو المُرادُ التفكيرُ فِي الأَمْر؟\nالمُراد التفكير فِي الأَمْرِ، يَعْنِي: فَكِّري فِي أَمْرِكِ: ﴿مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ فتكون (ما) هنا اسْتِفْهاميَّة مُعَلِّقَةً عن عملِ الفِعْل؛ لِأَنَّهُ إذا كانت الجملةُ اسْتِفْهاميَّة فإن الفِعْل وإن كَانَ ينصب مَفْعُولًا أو مَفْعُولينِ يَكُون مُعَلَّقًا عن العَمَلِ، وتكون الجملة فِي محلّ نصبٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>الفَائِدَة الْأُوْلَى:</span> مكانة المَرْأَةِ من قومها؛ لِأَنَّهَا بَعْد أن استشارتهم وأَبْدَوْا رأيَهم تَأَدَّبُوا معها وقَالُوا: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span> أَنَّهُ إذا قَدَّمَ المستشارُ مَشُورَتَه لإِنْسَانٍ أكبرَ منه قَدْرًا أو فهمًا أو عِلمًا أنَّ له أن يَقُول مثل هَذَا تأدُّبًا، وصاحبه بالخيارِ؛ إن شاء أخذَ بمشورتهِ وإنْ شاء لم يأخُذْ.\n* * *","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>الآية (٣٤)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤].\n* * *\n\nأجابت: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بالتخريب ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾]، يَعْنِي: بالأسر، ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [أي: مرسلو الكتاب]، كأنها لا تريدُ القتالَ، تقول: لو قَاتَلْنَاهُمْ فإنَّ الغَلَبَة عليهم بعيدة، وستكون الغلبةُ لهم، وحينئذٍ يدخلونَ قُرانَا، والملوك إذا دخلوا قريةً أَفسدوها؛ لِأَنَّ عندهم من العُلُوّ والغَلَبَة والاستكبار ما يُوجِب أن يَفْتِكُوا بأهلِ البلدِ الَّتِي يَدْخُلُونَها، وَلَيْسَ المُراد هنا بالإفساد الإفساد المعنويّ، يَعْنِي: بإفساد الأخلاقِ مثلًا، المُرادُ ما أشارَ إليه المُفَسِّر ﵀ الإفسادُ بالتخريبِ، وجاء دورُ الجُمْهُورِيِّينَ فإذا هُوَ أشدُّ وأعظمُ؛ لِأَنَّهُم أقلُّ حياءً مِنَ الملوكِ، ليسَ لهم أصل، فتجد الْإِنْسَانَ يُنْتَخَب وَهُوَ من الشارعِ، لَيْسَ من الملأ ولا من أشرافِ النَّاسِ، فغالبهم لَيْسَ عندهم دِين ولا مُرُوءَة، فيفسدون أكثرَ مِمَّا يُفْسِد هَؤُلَاءِ، كما هُوَ مشاهَد فِي تخريبِ الرُّوس وغيرهم فِي البلادِ الَّتِي يَدْخُلُونها.\nقوله: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا﴾ بالأسرِ، يَأْسِرُونهم وَيسْتَرِقُّونَهم أو يَسْتَخْدِمُونَهم بدونِ أسرٍ ولا استرقاقٍ، وهَذَا من أبلغِ ما يَكُونُ مِنَ الذِّلَّة.","vol":"1","page":184},{"text":"وقولها: ﴿أَعِزَّةَ أَهْلِهَا﴾ سواء كانت هَذِهِ العِزَّة تعودُ إِلَى المُلك، أو تعود إِلَى الجاهِ والشرفِ، أو إِلَى العلمِ أحيانًا، فإنهم يُسَلَّطُونَ عَلَى الأَعِزَّة؛ لِأَنَّ لهم الكلمةَ فيما سبقَ، فهم الَّذِينَ دَبَّروا هَذِهِ الحروبَ ثُمَّ هُزِموا، فتكون رَحَى الحربِ عليهم.\nقوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ هل هَذَا من كلامِ اللهِ ﷾ تصديقًا لقولِها، أو هُوَ من كلامِها تقريرًا له، وتكون فِي أوَّلِ الأَمْرِ ذكرتْ قاعدةً عامَّةً ثُمَّ أشارتْ إِلَى ما تَتَوَقَّعه من سُلَيْمَان فقالت: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أي: كذلك يَفْعَلُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَرْسَلُوا بالكتابِ؟\nالمُفَسِّر ﵀ يَرَى أَنَّهُ مِن كلامها، وَيكُون ذلك تقريرًا للقاعدةِ الَّتِي ذكرتها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾؛ لِأَنَّ هَذَا عامٌّ، ثُمَّ قالت: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ تقريرًا لهَذِهِ القَاعِدةِ وتطبيقًا لها عَلَى حالِ سُلَيْمَان وجنودِهِ.\nأمَّا إذا قُلْنَا بأنها من كلام الله ﷿، فتكون الجملة مستأنفةً، أي: أن الله يُقَرِّر ما قالتْه، بأن الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزَّةَ أهلها أذلَّةً.\nوقولها: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ كيف جاءت بصيغةِ الجمعِ، مَعَ أن الكتابَ ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾؛ لِأَنَّهَا عرفتْ أن سُلَيْمَان مَلِك، والملك لَا بُدَّ له من أتباعٍ وجنودٍ وأعوانٍ؛ ولهَذَا قالت: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وإعراب: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ -وما أكثرَ ما تأتي فِي الْقُرْآن، نحو ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧]، - يَقُولُونَ: إن الكاف هنا بمعنى مثل، وإنها تقعُ فِي محلّ نصب مَفْعُولًا مطلقًا مضافًا إِلَى اسْم الإشارةِ، أي: ومثلَ ذلك الفِعْل يفعلونَ. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ أي: ومثلَ ذلك الضربِ يَضرِب الله الأمثالَ، فالكافُ هنا اسْم بمعنى مثل فِي محل نصب عَلَى أَنَّهَا مَفْعُول مطلق مضاف إِلَى اسمِ الإشارةِ، فيَكُون تقدير الآيَةِ: ومثل ذلك الفِعْل الَّذِي ذكرت","vol":"1","page":185},{"text":"يَفعلونَ، ومعلوم إذا قُلْنَا: إنَّهَا مَفْعُول مطلَقٌ فإن المُشَارَ إليه يَكُون مصدرًا مناسبًا لسياقِ الآيَةِ، ففي قوله تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤]، نَقُول: أي مثل ذلك الفِعْل نَفْعَل بالمجرمينَ، ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ أي: مثل ذلك الضربِ يضرب الله الأمثال، وَعَلَى هَذَا فقِسْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>الفَائِدَة الْأُوْلَى:</span> أَنَّهُ يجوز لِلْمُسْتَشِيرِ أنْ يخالفَ المستشارَ إذا لم يرَ أَنَّهُ مُصِيبٌ فِي مشورته؛ لِأَنَّهُم لمَّا ذَكَرُوا ما يَدُلّ عَلَى أَنَّهُم يُريدونَ قِتالَه وهي لا تراه خالَفَتْهُمْ، فإنها ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span> حَزْم هَذِهِ المَرْأَةِ أيضًا من جهةِ أَنَّهَا نظرتْ فِي العواقبِ؛ لِقَوْلِها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾، وهَكَذَا يَنبغي للعاقلِ ألا يحكُمَ عَلَى الأُمُورِ بِبَوَادِرها وظواهرها، وإنما يُحْكَم عَلَى الأُمُورِ بعواقبها، فإنَّ الشَّيْءَ قد تكُون بوادره وظواهره مفيدةً فِي نظرِ الْإِنْسَان، ولكِن عندَ التأمُّل يَكُون الأَمْر بالعكسِ، لكِن هل الأَولي المبادرة أو التأني؟\nفِي الأَصْل التأنِّي أَولى؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان إذا تأنَّى لا يَنْدَم، ما فعل شيئًا، لكِنْ إذا تَسَرَّعَ فَهُوَ الَّذِي يَكُونُ عُرْضَةً لِلنَّدَمِ، وكم من كلمةٍ قَالَ الْإِنْسَان: لَيْتَنِي لم أَقُلْهَا، وكم من فعلٍ قَالَ: ليتني لم أفعلْه، ولكِن مَعَ هَذَا ينبغي استعمالُ الحزمِ فِي الأُمُورِ، لا يتأنى تأنيًا يفيدُ المقصودَ ولا يتسرَّع تسرُّعًا يَحْصُلُ به الندمُ، وقد أنشدَ الشاعرُ بيتينِ فِي هَذَا المَعْنى فِي أَنَّهُ قد يَكُون التسرُّع أَولى وقد يَكُون التأنِّي أولى (^١):\n_________\n(^١) خزانة الأدب للحموي (١/ ٣٥٧).","vol":"1","page":186},{"text":"قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ ... وَقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ\nوَرُبمَا فَاتَ قَوْمًا جُلُّ أمْرِهِمُ ... مَعَ التَّأَنِّي وَكَانَ الرَّأْيُ لَوْ عَجِلُوا\nوهَذَا صحيح وواقعٌ، المهمُّ أننا نَقُول: إذا دار الأَمْرُ بين الإسراعِ والتأنِّي ولم يَتَرَجَّحِ الإسراعُ عليه فالأَولى التأنِّي؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان يَكُون الأَمْرُ بيدِهِ ما دامَ لم يُحْدِثْ شيئًا، لكِن إذا أحدثَ شيئًا فاتَهُ الأَمْرُ ولم يَتَمَكَّنْ مِنَ التخلُّصِ منه، وهَذَا يُؤخَذ منَ الآيَةِ؛ لِأَنَّهَا قالت: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾، فهي نظرتْ فِي العواقبِ.\nوالنظرُ فِي العواقبِ يَسْتَدْعِي إمَّا التسرُّعَ وَإمَّا التأنِّيَ، قد يَكُون مثلًا يرى الْإِنْسَان أن الرأيَ أَنَّهُ إذا لم يُسْرِعْ فاتَ المقصودُ فيُسْرِع، أو إذا أسرعَ حصلَ الخَلَلُ فيتأنَّى؛ فَهُوَ مأخوذٌ مِن قَوْلهِا: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾.\n* * *","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>الآية (٣٥)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥].\n* * *\n\n﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ هَذِهِ المَرْأَةُ ذَكِيَّة،، لمَّا جاءها الكتابُ قالت: أريدُ أن أَمتحنَ هَذَا الرجلَ، سأرْسِل إليه هَدِيَّة، فإنْ كَانَ رجلًا يريدُ الدُّنْيا كَفَتْهُ الهَدِيَّة وتركَ الحروبَ والقتالَ، وإنْ كَانَ رجلًا يريدُ أمرًا آخرَ فَإِنَّهُ سَيَرُدّ الهَدِيَّة، وهَذَا بلَا شَكّ اختبار ذكيّ، فقالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ وطبعًا هِيَ -كما قُلْنَا قبل قليل- ما رَضِيَت ما أشار به الملأ؛ لِأَنَّ الملأَ أشاروا عليها بالحربِ والقتالِ، وذلك بإبداءِ ما عندهم منَ الْقُوَّة والبأسِ الشَّديدِ، ولَكِنَّهَا لم تُرِدْ ذلك، فأرادتْ أنْ تمتحنَ سُلَيْمَان.\nقوله: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ﴾ ولم تقل: (إليه)؛ لِأَنَّهُ كما قُلْنَا ملك له جنودٌ وأعوانٌ وحواشٍ.\nقوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (ناظرة) ليستْ منْ الِانتظارِ، وإن كانت محتملةً أن تكون من الانتظارِ، أي: فمُنْتَظِرَة، ولَكِنَّهَا منَ النظرِ، يَعْنِي: أَنْظُرُ بَعْد إرسال الهديَّة: بم يرجع المُرسَلُون؟ والمرسَلون هم رُسُلها بالهَدِيَّة، وَفِي هَذَا إشارة إِلَى أن هَذِهِ الهَدِيَّة كبيرة وعظيمة؛ لِأَنَّهَا لم ترسلْ بها واحدًا وإنما أرسلتْ بها جماعةً، وأقلُّ الجمعِ ثلاثةٌ.","vol":"1","page":188},{"text":"قوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: بأيِّ شيءٍ يَرجعون به، و﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ هل هِيَ متعلقة بـ (ناظرة) أو متعلقة بـ (يرجع)؟\n(ما) هنا اسْتِفْهاميةٌ وليستْ موصولةً؛ لِأَنَّ الموصولةَ تَبقى ألفها مَعَ حرف الجرِّ، والاسْتِفْهامية تُحْذَف؛ كقوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١]، لكِن في نحو قولكَ: (هُوَ مسؤولٌ عمَّا قَالَ) تُثْبِت الألفَ، وكذا في قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٥]، فتبقى الألف، وفي قوله: ﴿بِمَ يَرْجِعُ﴾ تحذف الألف، فـ (ما) الاسْتِفْهامية إذا سَبَقَها حرف جرٍّ تُحذف ألفها؛ ولهَذَا نَقُول: ﴿بِمَ يَرْجِعُ﴾ الجارّ والمجرور متعلق بـ (يرجع) ولا يصلح أن يَكُونَ متعلقًا بـ (ناظرة) بناءً عَلَى القَاعِدةِ المشهورر عند النحْويين أن اسْم الاسْتِفْهام له الصَّدارَة، بل الاسْتِفْهام كله سواء كَانَ اسمًا أو حرفًا، له الصَّدارَةُ، وإذا كَانَ له الصَّدارَة لم يَعْمَلْ قبله فيه؛ لِأَنَّهُ لو عمِل ما قبله فِيهِ ما كَانَ له الصَّدارَة، ولكانت الصَّدارَة للعاملِ الَّذِي قبله؛ وعليه فنَقُول: ﴿بِمَ يَرْجِعُ﴾ الجارُّ والمجرورُ متعلِّق بـ (يرجع)، وتكون الجملة إذن مُعلِّقة لـ (ناظرة) عن العَمَل فهي فِي محل نصب.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ من قَبُول الهديَّة أو ردِّها، إن كَانَ ملكًا قَبِلَها، أو نبيًّا لم يَقْبَلْها].\nكون المُفَسِّر يُحيل قبولَ الهديَّة وعدمه عَلَى أَنَّهُ إن كَانَ ملكًا قَبِل، وإن كَانَ نبيًّا لم يقبلْ، هَذَا لا دليلَ عليه، ولكِن نَقُولُ: إنَّهُ إذا كَانَ يريد القتالَ فَإِنَّهُ يقبل الهَدِيَّة، يَعْنِي: إذا كَانَ هَذَا الرجل عنده طمعٌ ماديّ فقط، فَإِنَّهُ يقبل الهَديَّةَ؛ لِأَنَّ القتال لا يعلم هل تكون عاقبته له أمْ لا، والهَدِيَّة غَنيمة حاضرة، فيقبلها ويدع المشكوك فيه، وإذا كَانَ لا يريد الدُّنْيا، وإنما يريد أمرًا آخرَ، وَهُوَ الدَّعْوَة إِلَى الإِسْلام وكونهم يسلمون،","vol":"1","page":189},{"text":"كما قَالَ فِي الأول: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١]، فَإِنَّهُ حينئذٍ لن يقبلَ الهَدِيَّةَ؛ لِأَنَّ الَّذِي يدعو إِلَى الله وإلى الإِسْلام لا يمكن أن يَقْبَل هديَّةً عَلَى حسابِ ما دعا إليه أبدًا. وَأَمَّا مسألة النبوَّة وعدمها فاللهُ أَعْلَمُ بهَذَا، فلا نجزِم بما قَالَ المُفَسِّر ﵀، بل نَقُول: إنَّهَا تريد أن تَخْتَبِرَهُ، فإذا كَانَ يريد دنيا فالهديَّة تمنعه من قِتالها، وإذا كَانَ لا يريد دنيا وإنما يريد أن يسلِموا فالهَدِيَّة لا تمنعه.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [فأرسلتْ خَدَمًا ذكورًا وإناثًا]، الآن يبين المُفَسِّر الهديَّة، ثم قَالَ: [ألفًا بالسويَّةِ، وخمسمائة لَبِنَة من الذهب، وتاجًا مُكَلَّلًا بالجواهر، ومِسكًا وعنبرًا وغير ذلك مَعَ رسولٍ بكتاب].\nالتعيين هَذَا لا دليلَ عليه؛ ولهَذَا نَقُول: إنَّهَا هديةٌ كبيرةٌ بلَا شَكّ، ويدل عَلَى كِبَرِها أن الَّذِينَ أُرسلوا جماعة، أَمَّا تعيينها بهَذَا الأَمْرِ فهَذَا لا نَجْزِم به، فإن كَانَ واردًا عن بني إسرائيل فَإِنَّهُ منَ الأخبارِ الَّتِي لا تُصَدَّق ولا تُكَذَّب.\nوقد أسرعَ الهدهد إِلَى سُلَيْمَان يخبره الخبر؛ لِأَنَّ سُلَيْمَان قَالَ له: ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨]، والظَّاهر أن الهدهد بَقِيَ حَتَّى استقرَّ أمرُهم عَلَى شيءٍ، وقد استقر عَلَى إرسالِ الهَدِيَّةِ، يَقُول المُفَسِّر ﵀: [فأسرع الهدهدُ إِلَى سُلَيْمَان يُخْبِرُه الخبرَ، فأمر]، أي: سُلَيْمَان، [أن تُضْرَب لَبِنات الذهب والفضة وأنْ تُبْسَط من مَوْضِعِه إِلَى تسعة فَرَاسِخ مَيدانًا، وأن يَبْنُوا حولَه حائطًا مُشْرِفًا مِنَ الذهَبِ والفِضَّة، وأنْ يُؤْتَى بأحسنِ دوابِّ البرِّ والبحرِ مَعَ أولادِ الجنِّ عن يمينِ الميدانِ وشمالِهِ].\nكل هَذِهِ الأَشْيَاء الَّتِي ذكرها المُفَسِّر لَيْسَ عليها دليلٌ، وهي منَ الغرائبِ أنْ","vol":"1","page":190},{"text":"يطوفَ عَلَى المُفَسِّر وأنْ يأتيَ بها، عَلَى أَنَّهُ مُخْلِص، مَعَ العلمِ بأنه لَيْسَ فِي الآيةِ دليلٌ عَلَى هَذِهِ المسألةِ إطلاقًا؛ أَنَّهُم يجعلون الذهبَ والفضةَ تُبسط من مكانِه إِلَى تسعةِ فراسخَ، أي سبعة وعشرون ميلًا؛ ثلاثة فِي تسعة، والميل كيلو ونصف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>الفَائِدَة الْأُوْلَى:</span> ذَكاء هَذِهِ المَرْأَةِ وحِنْكَتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234><span data-type=\"title\" id=toc-235>الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span></span> جواز الاختبارِ والامتحانِ وأن ذلك لا يُعَدّ خديعةً إذا أراد الْإِنْسَان أن يمتحنَ غيرَه بشيءٍ منَ الأَشْيَاء؛ لِأَنَّهُ يريد أن يَستظهرَ به حاله، وهَذَا لا مانعَ منه.\n\nالفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: العَمَل بالقرائنِ؛ لِأَنَّهَا أرادتْ أن توصل هَذِهِ الهَدِيَّةَ لتختبرَ مرادَ سُلَيْمَان هل يريد المالَ فقطْ فتكفيه هَذِهِ الهَدِيَّة، أو يريدهم أَنْ يُسلموا فلا تنفع فِيهِ هَذِهِ الهَدِيَّة، ولا يكفّ عن طلبه الأوَّل، وَهُوَ قوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١]، ففيها إذن ثلاث فوائد. وهل ورد مثل ذلك؟\nنعم، فِي قِصَّة سُلَيْمَان فِي المرأتينِ اللتينِ احتكمتا إليه فِي ابنِ إحداهما، خرجت امرأتان إِلَى خارج البلد ومع كُلّ واحدة ابن لها، فأكل الذئب ابن الكبرَى، فاحتكمتا إِلَى داود ﵊ فقضى بالابن الموجود للكبرى بناءً عَلَى أن الصغرى يمكنها أن تلدَ فيما بعدُ، ولكِن لما تحاكمتا إِلَى سُلَيْمَان ﵊ قَالَ: لَيْسَ هَذَا الحكم، إنما الحكم أن نأتيَ بالسكِّين ونشقّ الولد نصفينِ فيَكُون للكبير نصفه وللصغيرةِ نصفه، فالكبيرة وافقت عَلَى أَنَّهُ يشقّ نصفينِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ ولدًا لها، وتقول: مثلما تلِف ابني يتلَف ابنها، وَأَمَّا الصغيرة فقالت: لا يا نبيَّ الله. فعلم بذلك أن الولد للصغرى","vol":"1","page":191},{"text":"فحكمَ به لها (^١).\nفهَذَا من باب استظهارِ الْحَقّ بالقرائنِ، ولا مانعَ من ذلك، وقد كَانَ القضاةُ يفعلونه، فهَذِهِ المسألةُ -وهي إرسالُ الهَدِيَّةِ إِلَى سُلَيْمَان ﵊- من هَذَا النوعِ لِيُسْتَظْهَرَ به حالُه فيعمل بالقرينة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:</span> عِظَم هَذِهِ الهَدِيَّة كميَّةً وكيفيَّة، ولذلك احتاجت إِلَى أن تُرسل بها جماعة، فالهَدِيَّة كانت كبيرةً لِقَوْلِهِ: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ فقال: ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ ولا يُرْسَل جماعة بهديةٍ إِلَّا وهي كبيرةٌ. وأيضًا ربما نَقُول: مَعَ كِبَرِها ثمينة\" لأجل أن يدافع هَؤُلَاءِ المُرْسَلُون عنها لو حاولَ أحدٌ أن يعتديَ عليها.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، حديث رقم (٣٢٤٤)، صحيح مسلم، كتاب الأقضية، باب بيان اختلاف المجتهدين، حديث رقم (١٧٢٠)، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>الآية (٣٦)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل: ٣٦].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَلَمَّا جَاءَ﴾ الرَّسُول بالهَدِيَّةِ ومعه أتباعُه ﴿سُلَيْمَانَ﴾]، بالنصب وجاء بمعنى: أتى [﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾].\nالمُفَسِّر ﵀ قَالَ: [ومعَه أتباعُه] وكلام المَرْأَةِ يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا أرسلتْ جماعة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥].\nوقوله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ يَدُلّ عَلَى أن الجائيَ واحدٌ، ولأنه لم يذكرِ الفاعل، وإذا لم يذكر الفاعل فَهُوَ مستتِر، ومعلوم أن (جاء) مفرد، ولو كَانَ المُراد الجماعة لقالَ: (فلما جاؤوا سُلَيْمَان).\nوقول سُلَيْمَان: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ يَدُلّ عَلَى أن المخاطَب جماعةٌ، فكيف نجمع بينَ هَذِهِ الأَشْيَاء؟\nالجمع بين هَذِهِ الأَشْيَاء بسيطٌ جِدًّا، يَكُون هَؤُلَاءِ الجماعة لهم رئيس، وَالَّذِي خاطب سُلَيْمَان وقدَّم الهديَّة هُوَ الرئيس، ومعه جماعتُه، فصار الَّذِي تقدَّم إِلَى سُلَيْمَان بالهَدِيَّة واحدًا مَعَ جماعتهِ؛ ولهَذَا قَالَ المُفَسِّر: [ومعه أتباعه].\nقوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ الياء هنا حُذفت للتخفيفِ، كما أَنَّهَا أيضًا حذفت","vol":"1","page":193},{"text":"للتخفيف فِي قوله تَعَالَى فيما سبق: ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢]، والاسْتِفْهام فِي قوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ للإنكار والتعجيبِ، يَعْنِي: كيف تمدونني بمال وأنا عندي من المال ما لَيْسَ عندكم؛ ولهَذَا قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ من النبوَّة والملك ﴿خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ من الدُّنْيا]، وكذلك من المالِ؛ لِأَنَّ عند سُلَيْمَان المال ما لَيْسَ عند هَذِهِ المَرْأَةِ؛ لِأَنَّ اللهَ ﷾ أعطاه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، فالاسْتِفْهام فِي قوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ للتوبيخِ والتعجيبِ، يَعْنِي: كيف تمدونني بمال -وهي هَذِهِ الهَدِيَّة- فما آتاني اللهُ منَ المالِ والمُلك والنبوَّة وغير ذلك من كُلّ ما آتاه الله خير مما آتاكم؟ !\nقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ يَعْنِي أنني لا أفرح بهدية ولا تُهمّني الهَدِيَّة، ولكِنكم أنتم الَّذِينَ تفرحون بها وتفخرون بها، فهل المَعْنى: تَفرحون إذا أُهدي إليكم، أو تفرحون إذا أهديتم وترَوْنَ لكم فضلًا عَلَى المهدَى إليه؟\nكله محتمِل، لكِن الظَّاهر -واللهُ أَعْلَمُ- أَنَّهُ يريد الأول، بمعنى: أنكم أنتم الَّذِينَ تفرحون بالهَدِيَّة، وتقع منكم موقعًا بحيث تَفْتُرُ عَزِيمَتكم وتوجب أن تَعدِلوا عما أنتم عليه، أَمَّا أنا فلا تهمني الهَدِيَّة، والاحتمال الثاني أن يَكُون بإهدائكم إليَّ تفرحون، أي: تفخرون بها، ولكِن المَعْنى الأول أليق بالسياق.\nوقوله: ﴿بِهَدِيَّتِكُمْ﴾ أي: بالإهداء إليكم؛ لِأَنَّ هدية مصدر، فيجوز أن يُضاف إِلَى الفاعل، ويجوز أن يضاف إِلَى المَفْعُول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>الفَائِدَة الْأُوْلَى:</span> أنّ مِن المُسْتَحْسَنِ أنْ يتقدَّم الرئيس -رئيس الوفد أو القوم- بالكَلام أو الفِعْل إذا كَانَ مكلَّفًا بالفِعْل، المهم أن يَكُون المتقدم الرئيس؛ لِأَنَّ تقدم","vol":"1","page":194},{"text":"الجميع دَفْعَة واحدة غيرُ لائق؛ لضياع المسؤولية، فلا بد أن يتقدم واحد، وكلما حُصِرَ الأَمْر كَانَ أقربَ إِلَى الفهمِ وإلى حصولِ المقصودِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قَالَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240><span data-type=\"title\" id=toc-241>الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span></span> توجيه الخطاب للجماعةِ، وإنْ كَانَ المتقدِّمُ رئيسهم؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾.\n\nالفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وفيه دليل عَلَى جوازِ الغِلظةِ فِي القَوْلِ إذا كانت المصلحة فيه؛ لِأَنَّ هَذَا الأسلوب من سُلَيْمَان - ﷺ - أسلوبٌ قويٌّ؛ إذ إننا قُلْنَا: إن الاسْتِفْهام فِي قوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ للتوبيخِ والتعجيبِ، يَعْنِي أَنَّهُ يوبخهم عَلَى فِعْلِهِم ويتعجَّب مِن فعلهم كيف يمدُّونه بمال وَهُوَ ملك ومعروف ومشهور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:</span> وفيه دليل عَلَى أَنَّهُ يجوز للإِنْسَان أن يتحدث بنعمةِ اللهِ؛ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾، ولكِن هل يتحدث بهَذِهِ النعمة عَلَى سبيل الافتخارِ أو عَلَى سبيلِ الافتقارِ والاستصغارِ؟\nنرى أَنَّهُ عَلى حَسَب الحالِ، فمع العدوّ يجوز أن يتحدّث بها افتخارًا، ولذلك تجوز الخُيَلَاء فِي الحربِ (^١)، مَعَ أنَّ الخيلاء محرَّمة ومنَ الكَبائِرِ (^٢)، لكِن فِي الحرب لإغاظةِ العدوّ لا بأس بها.\nفسُلَيْمَان ﵊ تحدث هنا بنعمة اللهِ افتخارًا -فيما يظهر لي- عَلَى\n_________\n(^١) انظر: سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب في الخيلاء في الحرب، حديث رقم (٢٦٥٩)، سنن النسائي، كتاب الزكاة، باب الاختيال في الصدقة، حديث رقم (٢٥٥٨)، مسند أحمد (٥/ ٤٤٦) (٢٣٨٠٣)، عن جابر بن عتيك - ﵁ -.\n(^٢) انظر: صحيح البخاري، كتاب اللباس، باب من جر ثوبه من الخيلاء، حديث رقم (٥٤٥٥)؛ صحيح مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم جر الثوب خيلاء ...، حديث رقم (٢٠٨٥)، عن ابن عمر - ﵁ -.","vol":"1","page":195},{"text":"هَؤُلَاءِ القوم، وهَذَا لا بأس به إذا كَانَ أمام العدوّ، فأمَّا إذا كَانَ لإظهارِ النعمةِ فَإِنَّهُ لا يجوز إِلَّا عَلَى سبيلِ الاستصغارِ والافتقارِ إِلَى اللهِ ﷿، لا عَلَى سبيل الافتخارِ والعلوِّ عَلَى الخلقِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>الفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:</span> أَنَّهُ يجوز للإِنْسَانِ أن يصف غيرَه بما يبدو من حالِه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾؛ إذ إن الفرحَ كما هُوَ معروف أمر باطنيٌّ؛ لِأَنَّ الَّذِي يفرح ما يُسمع لفرحه صوتٌ ولا يُرى له حركةٌ، ولكِن تظهر علاماته عَلَى ظاهرِ البدنِ، فلا بأسَ أنْ يَحْكُمَ الْإِنْسَانُ عَلَى غيرِهِ بالقرائنِ بما يَظْهَرُ من حالِهِ، وقد مرَّ كثيرٌ مثل هَذَا الأَمْرِ، فقد قَالَ الرجلُ الَّذِي جامعَ زوجتَهُ فِي نهارِ رمضانَ: \"وَاللهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنِّي\" (^١)، ومعَ هَذَا فإن هَذَا الرجل لم يَطُفْ بأبياتِ أهل المَدينَةِ ويُفَتِّشها حَتَّى يعرف أَنَّهُ لا يوجد أحد أفقر منه.\n* * *\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر، حديث رقم (١٨٣٤)؛ ومسلم، كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم ووجوب الكفارة الكبرى فِيهِ وبيانها وأنها تجب على الموسر والمعسر وتثبت في ذمة المعسر حتى يستطيع، حديث رقم (١١١١)، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>الآية (٣٧)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ بما أتيتَ من الهديَّة].\nالخطاب الْآنَ للرَّسُولِ، وهَذَا من تعديدِ الأساليبِ لفائدةٍ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ حملوا الهديَّة هم الجماعةُ جميعًا، فناسبَ أنْ يُخَاطِبَهم جميعًا؛ لِأَنَّهُم حَمَلُوا هَذِهِ الهَدِيَّةَ، وهنا لمَّا أرادَ أنْ يحملهم الإبلاغَ فإن تحميل الإبلاغِ للجماعةِ تَضِيع فِيهِ المسؤوليةُ، فحَمَّلَ الإبلاغ رَئيسَهم فقطْ؛ لأنك إذا وَصَّيْتَ جماعةً مثلًا لشخصٍ من النَّاسِ ضاعتِ المسؤوليةُ وصارَ كُلّ واحدٍ منهم يَتَّكِل عَلَى الآخَرِ فلا يحسن الإبلاغُ، لكِن إذا حَمَّلْتَها واحدًا فحينئذٍ يَتَحَمَّل ويؤدي؛ ولهَذَا حَمَّل الرئيسَ فقال: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٣٧]، أي: إِلَى جماعتِكَ الَّذِينَ أرسلوكَ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [بما أتيتَ مِنَ الهديَّة ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ﴾ لا طاقةَ لهمْ بها ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا﴾ من بَلَدِهِمْ سبأ، وسُمِّيَتْ باسمِ أبي قَبيلتهم، ﴿أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي: إنْ لم يأتوني مسلمينَ].\nهَكَذَا الْقُوَّة؛ لِأَنَّهُ لا يريدُ المالَ ولا يريد الدُّنْيا وإلا لَخَضَعَ وخَنَعَ لهَذِهِ الهَدِيَّة الكبيرةِ الَّتِي أُرسل بها جماعةٌ، ولكِنَّه لا يريد ذلك، فخاطبهم بهَذِهِ العباراتِ القويَّة.","vol":"1","page":197},{"text":"قوله: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ﴾ اللام مُوَطِّئَة لِلْقَسَمِ، والنون للتوكيد، فعلى هَذَا فالجملة مؤكَّدة بثلاثةِ مؤكِّداتٍ: القسم، واللام، والنون، ثُمَّ فيها منَ التعظيمِ ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ﴾، ولم يقل: (فلآتينهم)؛ لِأَنَّ هَذَا أبلغُ فِي الهَيبةِ، سواء أراد تعظيم نفسه، أو أراد بذلك آتيهم بجنودي.\nوقوله: ﴿لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ فِيهِ استصغارُ هَؤُلَاءِ الجماعةِ الَّذِينَ أَرسَلُوا بهَذِهِ الهديَّة، فاستصغرهم منَ الناحيةِ الماليَّة فِي قولِه: (ما آتاني اللهُ خيرٌ مما آتاكم)، ومن الناحيةِ العسكريَّة فِي قولِهِ: ﴿لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ لا طاقة لهم بها؛ لِأَنَّ عنده من الجنودِ الجنّ والإنس، بل والطير أيضًا، فما لهم طاقة بهَذَا الشَّيْء.\nقوله: ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً﴾ فنَحْتَلّ بلادهم ونُخْرِجهم مِنْهَا أذلَّة ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ الفرق بين الأذِلَّة والصَّغار: الأذلة: الذُّلّ فِي النفسِ، والصَّغار: فِي البَدَنِ، يَعْنِي يَكُون مُسْتَسْلِمًا ظاهرًا وباطنًا، مستسلمًا ظاهرًا بالصغارِ، ومستسلمًا باطنًا بالذلِّ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، فالخشوعُ بمعنى الصَّغار، والذلُّ هُوَ ذلُّ النفسِ والعياذ باللهِ، وهَذَا دليلٌ عَلَى أن سُلَيْمَان ﵊ عنده من قوَّة العزيمةِ، وقوة السلطانِ ما استطاعَ أن يُعَبِّر بهَذَا التعبيِر لهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَهْدَوْا له بهَذِهِ الهديَّة.\nفَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: كيفَ يَلِيق بسُلَيمان ﵊ أن يقابلَ جماعةً أَهْدَوْا إليه هديةً بهَذَا الأسلوبِ العنيفِ، لماذا لم يُجِبْ بأسلوبٍ لطيف؟\nالجواب عن هذا: أَنَّهُ ﵊ أرادَ أنْ يُظْهِرَ لهم قوَّتَه، وَأَنَّهُ لا يَهْتَمّ بشأنِهِم، ثُمَّ إن اختبارهم له مَعَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١]، يَدُلُّ عَلَى شكٍّ فِي دعوتِه، هُوَ دعاهم إِلَى الإِسْلامِ، وهم شَكُّوا فِي ذلك بإرسالِ الهديَّة،","vol":"1","page":198},{"text":"وظنّوا أَنَّهُ يريد دنيا، فيَكُون هم الَّذِينَ بدأوا بالإساءةِ إليه، حَيْثُ أرسلوا إليه هدية يختبرونه بها فَكَانَ ردُّه بهَذَا مناسبًا.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [فلما رجعَ إليها الرَّسُولُ بالهَدِيَّةِ، جعلتْ سَرِيرَها داخلَ سبعةِ أبوابٍ، داخل قصرها، وقصرها داخل سبعة قصورٍ، وأغلقتِ الأبوابَ، وجعلت عليها حَرَسًا، وتجَهَّزَتْ لِلْمَسيرِ إِلَى سُلَيْمَان لِتَنْظُرَ ما يأمرها به، فارتحلتْ باثني عشر ألف فيلٍ، مَعَ كُلّ فيلٍ ألوف كثيرةٌ، إِلَى أنْ قربتْ منه عَلَى قِيدِ فَرْسَخٍ شَعَرَ بها، قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾].\nهذا غريبٌ، ما أدري من أين يأتي المُفَسِّر ﵀ بهَذِهِ الحكاياتِ! وَأَمَّا الأفيالُ فلَعَلَّها كثيرة باليمنِ، ولهَذَا صاحبُ الفيلِ الَّذِي أرادَ أنْ يَهْدِمَ الكعبةَ جاء بالفيلِ.\nفالاقتصارُ عَلَى القَصَصِ الَّتِي فِي الْقُرْآن هُوَ اللائِقُ بالمسلمِ، إِلَّا ما صحَّ عن النَّبِيِّ - ﷺ -؛ وذلك لِأَنَّ الله تَعَالَى يَقُول: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩]، فعِلْمُ هَذِهِ الأُمَمِ إِلَى اللهِ ﷾، فاللائِقُ بنا ألَّا نَتَجَاوَزَ ما جاء به الْقُرْآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>الفَائِدَة الْأُوْلَى:</span> إِظهارُ الْقُوَّة للأعداءِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾، فنفيُ الكَلامِ قوَّة، فهَذَا التهديدُ والوعيدُ لَا شَكَّ أَنَّهُ مَظْهَرُ قوَّةٍ، فيَكُون داخلًا فِي قولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، فإن قوله: ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ نِكِرَة تَشمَل كُلّ ما يُمْكِن من القوى، سواء كانت الْقُوَّة قوليَّة أو مادِّيَّة أو معنويَّة، المهمّ أن جميعَ القوى فِي معاملة الأعداء ينبغي للمرءِ أن يَسْتَعْمِلَها، حَتَّى","vol":"1","page":199},{"text":"إنَّهُ جاء فِي الحديث: \"الحَرْبُ خُدْعَةٌ\" (^١) لكِن الخيانة -خيانة العدو- لا تَجوز، فلا يجوز للإِنْسَانِ أنْ يخونَ عَدُوَّه، ولهَذَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، يَعْنِي: ولا تَخُنهم، وكذلك إذا خانوا فقد نَقَضُوا العهدَ.\nوهَذِهِ المسألة لها ثلاث حالات -أي أنَّ المعاهَدين لهم ثلاثُ حالاتٍ -: إمَّا أن يَسْتَقِيموا لنا، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]، وَإمَّا أن يَنْكُثوا العهد وحينئذٍ لا عهدَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]، وَإمَّا ألَّا يَنْقُضوا العهد وظاهِرُهُم الاستقامةُ، لكِن نخاف منهم الخيانةَ، فهنا نَنْبِذ العهدَ إليهم، ونُخْبِرهم بأننا قد أبطلنا العهدَ، حَتَّى لو قَالُوا: سَنبقَى عَلَى العهد نَقُول: لا، نحن الْآنَ كلٌّ مِنَّا حرٌّ.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما الفرق بين الخيانة والخَديعة؟\nالخيانة معناها: أنك تَخْدَعه فِي مَقامِ الأمانِ، والخديعة تَخْدَعُه فِي غيرِ مقامِ الأمانِ، كَأن تكونَ الحربُ قائمةً ثُمَّ تَضَح كَمينًا ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أو تُظْهِر مثلًا أن عندك كثرةَ عددٍ، كَأن تجعل النَّاس مثلًا يتردَّدون مثلما فعل القَعْقَاع بنُ عَمْرٍو فِي حُرُوبِهِ مَعَ الفُرْسِ وغير ذلك، فأنت الْآنَ ما خُنتهم؛ لِأَنَّهُ ما بينك وبينهم عهدٌ، أَمَّا المحارِب فقَتْلُه لا يُعتبَر خيانةً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بيننا وبينهم عهد، ولهَذَا فِي قِصَّة كَعْب بنِ\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الحرب خدعة، حديث رقم (٢٨٦٥)؛ ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب جواز الخداع في الحرب، حديث رقم (١٧٤٠)، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":200},{"text":"الأَشْرَف قَالَ الرَّسُول - ﷺ -: \"مَنْ لِي بِكَعْبٍ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ\" (^١).\nلَوْ قَالَ قَائِل: قول الرَّسُول - ﷺ -: \"أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ\" (^٢)، هل يفيد حصرَ الْقُوَّة فِي الرميِ؟\nالجواب: ما يَرِد عن الرَّسُول - ﷺ - وكذلك أيضًا ما يَرِد عن الصحابةِ فِي تفسيرِ بعضِ الآيَاتِ يَذْكُرُون الشَّيْءَ أحيانًا عَلَى سَبيلِ التمثيلِ، والْقُوَّة فِي ذلك الوقتِ هِيَ الرميُ، ولا تزالُ أيضًا، فإن الرميَ الْآنَ من أشدِّ ما يَكُونُ منَ الْقُوَّة، يعني هُوَ أعلى أنواعِ الْقُوَّة، سواء كَانَ الرميُ بالقوسِ فيما سبق، أو بالبُنْدُقِيَّة أو بالصَّوَارِيخِ، المهمُّ أنَّ الرميَ فِي كُلّ وقت تجد أَنَّهُ هُوَ ذِروةٌ فِي الْقُوَّة، وهَذَا لَيْسَ بحصرٍ، ولكِن الرَّسُول أراد أن يُبَيِّن غايةَ الْقُوَّة، فالْقُوَّة هِيَ الغايةُ فِي كُلّ وقتٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span> كَثرة جنود سُلَيْمَان؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ لِأَنَّ هَذِهِ المَلِكَة لها العَرْش العظيمُ وعندها القوم المُطيعون الذليلون لأوامرها، يَقُول: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ﴾، ولم يُبَيِّن هذه الجنود، لَكِنَّهُ مَرَّ فِي أوَّل القصة أن جنوده ثلاثةُ أصنافٍ: الجنّ والإنسُ والطيرُ، هذه كلُّها يمكن أن يُسَلِّطها عليهم، إذا سلَّط الجنَّ فلا قِبل لهم بالجنّ، وإنْ سلَّط الطيورَ تَنْقُب عيونهم أيضًا فلا قِبل لهم بها.\nفالحاصلُ: أنَّ الجنودَ الَّتِي لسُلَيْمَان لا يُمْكِن لهَؤُلَاءِ أن يُقابِلوها لا كميَّة ولا كيفيَّة.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب قتل كعب بن الأشرف، حديث رقم (٣٨١١)؛ ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود، حديث رقم (١٨٠١)، عن جابر بن عبد الله - ﵄ -.\n(^٢) رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الرمي والحث عليه وذم من علمه ثم نسيه، حديث رقم (١٩١٧)، عن عقبة بن عامر - ﵁ -.","vol":"1","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span> أنَّ الكافرَ لا حقَّ له فِي أرض الله، ولا فِي مال الله، حَتَّى المال لا حقَّ له فيه، وجه ذلك لو لم يكنِ الأَمْرُ هَكَذَا لكانَ تهديده بهَذَا الأَمْر محرَّمًا، إذ لو كَانَ لهم حقّ ما جاز له أن يفعلَ هَذَا ويُخْرِجهم منَ الْأَرْض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:</span> الردُّ عَلَى الجَبرَّية وأن الْإِنْسَان يفعل باختيارِه، لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ﴾.\n* * *","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>الآية (٣٨)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ﴾ فِي الهمزتينِ ما تَقَدَّم]، وتَقَدَّمَ تحقيقُ الهمزتينِ ﴿أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ﴾ وتسهيل الثَّانِيَة بقلبها واوًا: (يا أيها الملأُ ويكم).\nثم قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ منقادينَ طائعينَ، فلي أَخْذُه قبل ذلكَ لا بعدَه]، قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ من أين عَرَفَ أَنَّهُم سيأتون مسلمينَ إليه؟ عرف ذلك من أَنَّهُم إذا سَمِعوا بما قَالَ الرَّسُول، وَهُوَ قوله: ارْجِعْ إليهم، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أن يَستسلموا وينقادوا، فَهُوَ أيضًا حَكَمَ بالقرائنِ، ويجوز أن الله ﷾ أَوْحَى إليه بذلك لِأَنَّهُ نبيّ، فالمسألة دائرة بين أن يَكُون حكمَ بكونهم يأتون مسلمين بناءً عَلَى القرينة، ويحتمل أن يَكُون ذلك بوحيٍ من الله ﷾، ولكِنَّ قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ نبَّه المفسِّر عَلَى أنَّهُ إذا كَانَ العَرْش أُخِذَ قبل أن يأتوا مسلمينَ إليه فَهُوَ جائز، وإذا كَانَ بَعْد ذلك فليس بجائزٍ، وِفي هَذَا نظر؛ لِأَنَّهَا بمجرَّد ما تُفَارِقه مُسْلِمَةً تكون قد أحرزتْ مالَها، وقد حَمَتْهُ، فمالُهَا محترَم قبل أن تصلَ إِلَى سُلَيْمَان بمجرَّد إسلامها، وهي إذا غادرتْ ستأتي بلَا شَكّ مُسْتَسْلِمَةً، فَإِنَّهُ قَالَ لهم فِي أوَّل الأَمْرِ: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ وَلَيْسَ غَرَضه","vol":"1","page":203},{"text":"- واللهُ أَعْلَمُ- أنَّهُ إذا كَانَ قبلَ إسلامِهِم جاز له أَخْذُه، وإذا كَانَ بعدَه لم يجزْ.\nثم إنّ الظَّاهر أيضًا أن سُلَيْمَان لا يريد تَمَلُّكَ هَذَا العَرْش، وإنما يريد إظهار قوَّته أمامها، وَأَنَّهُ استطاع أن يأتيَ بِعَرْشِها قبل أن يَصِلُوا إليه، ولا يريد أن يَتَمَلَّكَه حَتَّى يَرد ما قَالَهُ المُفَسِّر ﵀، وذلك لمَّا قَالَ: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ ...﴾ [النمل: ٣٨، ٣٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> جوازُ الخِطاب إِلَى المبهَم إذا كَانَ يَتَعَيَّن بَعْد ذلك، يعني يجوز الخطاب إِلَى المبهم حُكمًا أو خبرًا قبل أن يَتعيَّن الحكم، لِقَوْلِهِ: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ ما قَالَ: ائتني يا فلان. وهَذَا النوعُ مِنَ الخِطاب تترتب عليه فوائدُ كثيرةٌ لا حُكميَّة وخَبِرَّية.\nفمنها مثلًا يجوز أَنَّهُ يَقُول: زوَّجتك إحدى ابنتيّ هاتين، ثُمَّ يختار إحداهما، مثلما فعل صاحب مَدْيَن مَعَ موسى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> أَنَّهُ يجوز أن يَقُول: بِعْتُكَ إحدى هاتينِ السِّلعتينِ بكذا فيختار إحداهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span> بعتك هَذَا بعشَرة نقدًا أو بعشرين نسيئةً، فيَختار أحد الثمنينِ، وليستْ هَذِهِ المسألةُ الأخيرةُ من بابِ بيعتينِ فِي بيعةٍ، خِلافًا لمَن زَعَمَ ذلك، فإن هَذِهِ بيعة واحدة؛ لأنهما لم يَتَفَرَّقا إِلَّا عَلَى إحدى البيعتينِ، وأيضًا بيعتانِ فِي بيعةٍ سبق أَنَّهُ جاء فيها نصٌّ صحيحٌ صريحٌ فِي سنن أبي دَاود يَقتضي أن بيعتينِ فِي بيعةٍ هِيَ مسألةُ العِينَة؛ لقولِ النَّبِيّ - ﷺ -: \"مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكسُهُمَا أَوِ الرِّبَا\" (^١)، وهَذَا صريحٌ أن\n_________\n(^١) سنن أبي داود، كتاب الإجارة، باب فيمن باع بيعتين في بيعة، حديث رقم (٣٤٦١)، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":204},{"text":"ذلك فِي مسألةِ العِينة، والعِينة أن يبيعَ الشَّيْءَ عليه بثمنٍ مؤجَّل ثُمَّ يَشتريه نفس البائع منه بأقلّ منه نقدًا، فهَذِهِ مسألة العِينة.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: ألا يَرِد عَلَى هَذَا اشتراط التعيين بالنِّسْبَةِ للنِّكاح؟\nقُلْنَا: العقد لا يَنتهي إِلَّا بالتعيينِ، فإذا قَالَ: قَبِلْتُ نِكاحَ فلانةَ حَصَلَ التعيينُ، ولا يَصِحُّ أن يَقُول: قَبِلْتُ نِكاحَ إحداهما، كما أن البيع أيضًا: بِعتك بعشرة نقدًا وبعشرين نسيئةً، يَقُول: قبلت بعشرين النسيئة أو قبلت بعشرة نقدًا، لَا بُدَّ من هَذَا؛ لِأَنَّ القبولَ يُعَيِّن، المهمّ الكَلام عَلَى الإيجابِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:</span> أَنَّهُ يجوز للإِنْسَان أمامَ عدوِّه أن يُظْهِرَ العظمةَ؛ لِأَنَّ سُلَيمَان أراد بإحضار هَذا العَرْش إظهارَ عَظمَتِهِ وقُدْرَتهِ، وَأنَّهُ استطاع أن يأتيَ بعرشها المحصَّن بلَا شَكّ؛ لِأَنَّهُ كما جرتِ العادةُ قُصُور الملوك لَا بُدَّ أن تكون محصَّنة وعليها حَرَس، لا سيما مثل العَرْش، وَأَمَّا زَعْمُ المُفَسِّر ﵀ أَنَّهُ إِنَّمَا أَتَى به ليَتَمَلَّكَهُ فلا دليلَ فِي الآيَة عَلَى ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:</span> أن سُلَيمَان ﵊ إمَّا أنَّهُ تَفَرَّسَ أو أُوحِيَ إليه بأن هَؤُلَاءِ القوم سوف يأتونه؛ لِأَنَّهُ لمَّا ردَّ الرَّسُول بالهَدِيَّة وقال: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧]، ما جاءه الجوابُ، فطَلَبَ أن يُحْضرَ عَرْشُها، ممَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ علِم بأنها ستأتي وقومها، ولكِن من أين علم ذلك؟\nقُلْنَا: إنَّهُ أَمَّا مِنْ وحي، وَإمَّا من فراسة؛ لِأَنَّ مثل هَذهِ العبارات الَّتِي تُرسَل: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ بهَذهِ الْقُوَّة تَقتضي أن العدوَّ يَخْنَعَ ويَخْضَعَ، إن كَانَ بفراسةٍ فَهُوَ دليل عَلَى جواز الحكم بالفراسة، وقد ذكرنا","vol":"1","page":205},{"text":"عدة مراتٍ أَنَّهُ يجوز الحكم عَلَى الشَّيْء بمقتضى غَلَبَةِ الظنّ، بل يجوز أن يحلف عليه بمقتضى غلبة الظنِّ، والفِرَاسة تؤدي إِلَى غلبة الظنّ، ولكِن لَيْسَ مجرَّد الوهم يُجَوِّز أن تحكمَ بالظنِّ، بل لَا بُدَّ للفراسةِ من قرائنَ تدل عليها؛ إمَّا قرائن سابقة وَإمَّا قرائن مقارِنة، وَأَمَّا أن تحكمَ بشيءٍ لَيْسَ فِيهِ قرينةٌ فهَذَا حكمٌ بالظنِّ.\n* * *","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>الآية (٣٩)</span>\n* * *\n\nقَالَ اللهُ ﷿: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ هُوَ القويُّ الشديدُ]، العِفريت القويُّ الشديد، ولا زال هَذَا المَعْنى إِلَى الْآنَ موجودًا، إذا قُلْنَا: فلان عِفريت، يعني قويًّا شديدًا أو نَقُول أيضًا أبلغ من هَذَا.\nقوله: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾: (آتي) اسم فاعل من (أَتى) فهو (آتٍ)، ومنه قولهم: (كل آتٍ قريبٌ)، وهنا يَصِحُّ أن يَكُون التَّقْدير: أنا آتٍ إليك به قبل أن تقومَ من مقامِك، لكِنِ الأقرب أَنَّهَا فعل، يُقَرِّبُهُ أن الأَصْلَ فِي العَمَلِ الأفعال والكاف معمول ضَمير مَفْعُول به.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ الَّذِي تَجلِس فِيهِ للقَضاء، وَهُوَ منَ الغَداةِ إِلَى نِصفِ النَّهارِ]، هَذَا من الأُمُورِ الَّتِي لا دليلَ عليها، ولكِنّ قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ المُراد ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ بسرعةٍ، وهَذَا أسلوبٌ معروفٌ: أنا آتي به قبلَ أن تقومَ، إِلَى الْآنَ موجود هَذَا الأسلوب، فالمَعْنى: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ بسرعة، ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ﴾ أي: عَلَى هَذَا العَرْش ﴿لَقَوِيٌّ﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أي عَلَى حَمْلِهِ ﴿أَمِينٌ﴾ أي: عَلَى ما فِيهِ من الجواهر وغيرها]، انظر لما قَالَ: ﴿آتِيكَ بِهِ﴾","vol":"1","page":207},{"text":"هَذَا إحضارُه، ولكِن يحتاج إِلَى تأكيدٍ لهَذَا الأَمْر، أي تأكيد كونه يُحْضِره قبل أن يقوم من مقامه، فقال: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ﴾، ولستُ بضعيفٍ، بل سوف أُحْضِره بهَذه السرعة، وأيضًا ﴿أَمِينٌ﴾ أي: لا أَخُون فِيهِ شيئًا، لا عَلَى نفس العَرْش ولا عَلَى نفس ما فِيهِ من الجواهرِ وغيرها.\nوهَذَان الوصفان يَحتاجُ إليهما كُلّ عاملٍ، كما قَالَ الله تَعَالَى عن بنتِ صاحبِ مَدين: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، وهَذَانِ الوصفانِ مطلوبانِ فِي كُلّ عملٍ، لِأَنَّهُ إذا فاتتِ الْقُوَّة لم يَحْصُلِ العَمَلُ، من أجلِ العجزِ، وإذا وُجدت الْقُوَّة ولكِن فاتت الأمانة فَإِنَّهُ أيضًا يتخلفُ العَمَلُ بسبب الخيانةِ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [قال سُلَيمَان: أُريد أسرع من ذلك]، قَالَ هَذَا سُلَيمَان، لكِن هَذَا لا دليلَ عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> تسخير الجنّ لسُلَيمَان؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ هُوَ أوَّل مَن تكلَّم.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ والثَّالثةُ: قوَّة الجنّ؛ لِأنَّهُ سوف يأتي بهَذَا العَرْش العظيم يحمله من سبأ من اليمنِ إِلَى الشامِ، وأيضًا فِيه دليل عَلَى سُرعتهم، وهي من أوصاف الْقُوَّة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ وهَذِهِ سرعة فائقة وعَظيمة، ومعلومٌ أَنَّهُم عندهم سرعة عظيمة؛ بدليلِ أَنَّهُم يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ منَ السَّمَاءِ، ولا يصل إِلَى السَّمَاء إِلَّا كَانَ مَن عنده سرعةٌ هائلةٌ عظيمةٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:</span> أَنَّهُ يجوزُ للإِنْسَانِ أنْ يَصِفَ نفسَه بما اتَّصف به من صفات","vol":"1","page":208},{"text":"الكمالِ ترغيبًا أو ترهيبًا، بشرطِ أنْ يَكُونَ ذلك حقيقةً، فوَصْفُ الْإِنْسَان نفسَه بما يتَّصف به نَقُول: إنَّهُ مباح، هَذَا الأَصْلُ، والمباح كما هُوَ معروف تَعْتَرِيه الأحكام الخمسة؛ فقد يَكُون واجبًا أحيانًا، وقد يَكُون محرَّمًا، ولا يمكن أن يَكُون مطلوبًا بكلِّ حالٍ؛ لِأَنَّهُ قد يَكُون لغرضٍ سيِّئٍ، ولا أَنَّهُ مذموم بكل حال؛ لِأَنَّهُ قد يَكُون لغرضٍ حسنٍ أو عَلَى سبيلِ الجوازِ، لكِن إذا اقتضتِ الحالُ البَيَان فقد يَكُون مطلوبًا إمَّا وجوبًا وَإمَّا استحبابًا، فقد يَكُون من باب التحدُّث بنعمة الله فيَكُون مطلوبًا، وقد يَكُون من أجلِ أن يمنع من لَيْسَ بأهلٍ من مباشرةِ هَذَا العَمَلِ، فحينئذٍ يَجِب أن يبيِّن نفسه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾، وهَذَا ترغيبٌ، وقوله: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ ترهيب، فيجوزُ هَذَا وهَذَا، لكِن بشرطِ أن يَكُون متَّصِفًا به حقيقةً، أَمَّا دَعْوى فلا، ومثل هَذَا ما جاء فِي الحديثِ: \"مَنْ تَشَبَّعَ بِمَا لَمْ يُعْطَ فَهُوَ كَلَابِسِ ثَوْبَي زُورٍ\" (^١).\nفالْإِنْسَانُ الَّذِي يَمْدَحُ نَفْسَه بما لَيْسَ فيها هَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ مزوِّر، مزور بالخبر ومزور بالصِّفة، هُوَ أخبرَ عن نفسِهِ بما لَيْسَ فيها، فالخبر كذب وثُبُوت هَذَا الوصف للنفسِ مثلًا كذبٌ، فلذلك قَالَ: \"كَلَابِسِ ثَوْبَي زُورٍ\"، ومثل هَذَا أيضًا قولُ ابنِ مسعودٍ - ﵁ -: لو أعلمُ أنَّ أحدًا أعلمُ منِّي بكتابِ اللهِ تَبْلُغُهُ الإبلُ لَرَحَلْتُ إليه، أو كما قال (^٢).\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب النكاح، باب المتشبع بما لم ينل وما ينهى من افتخار الضرة، حديث رقم (٤٩٢١)؛ ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب النهي عن التزوير في اللباس وغيره والتشبع بما لم يعط، حديث رقم (٢١٣٠)، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق - ﵄ -.\n(^٢) رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب القراء من أصحاب النَّبِيّ - ﷺ -، حديث رقم (٤٧١٦)؛ ومسلم، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه - ﵄ -، حديث رقم (٢٤٦٣).","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:</span> أن مدارَ العَمَلِ عَلَى هذينِ الوصفينِ، وهما: الْقُوَّة والأمانة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ لِأَنَّ مَن لَيْسَ بقويٍّ لا يُتْقِن العَمَل؛ لضعفِهِ، ومن لَيْسَ بأمينٍ لا يُتْقِن العَمَلَ أيضًا لخيانتِه، فقد يَكُون الْإِنْسَان قويًّا ويستطيعُ أن يعمل هَذَا العَمَل بكلِّ سهولةٍ ولكِنه لَيْسَ بأمينٍ، فلا يثق الْإِنْسَان به، ثُمَّ إن العَمَلَ لو أَنَّهُ أتقنَهُ يبقى الْإِنْسَان شاكًّا يَقُول: يمكن أَنَّهُ يقدِر أن يفعلَ أحسنَ من هَذَا لَكِنَّهُ ما فعلَ لِأَنَّهُ خائنٌ.\nوكذلك أيضًا لو كَانَ الْإِنْسَان أمينًا لَكِنَّهُ عاجز فَإِنَّهُ لن يُتْقِن العَمَلَ لعَجْزِهِ، لكِن أيُّهم أشدُّ لومًا؟\nالخائنُ أشدُّ، ومَن لَيْسَ بقويٍّ أيضًا عندَه نوعُ خيانٍة؛ لِأَنَّ كونه يدخل فِي العَمَلِ وَهُوَ لَيْسَ بقادرٍ عليه أو لَيْسَ بقويٍّ عليه فهَذَا لَا شَكَّ أيضًا أَنَّهُ خطأ وخيانةٌ، ولهذَا قَالَ النَّبِيّ - ﷺ - لأبي ذَرٍّ: \"إِنَّكَ رَجُل ضَعِيفٌ؛ فَلَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَين، وَلَا تَتَوَلَّيَنَّ مَالَ يتيمٍ\" (^١).\nفالْإِنْسَانُ الضعيفُ لا يجوز أنْ يتدخَّل فِي شيءٍ يَعْرِف أَنَّهُ لا يستطعُ إتقانَه، لا سِيَّما إذا كَانَ يوجد فِي النَّاس مَن يُحْسِنُه، فهَذه تُعْتَبرُ خيانةً لنفسِه ولغيرِه؛ خيانة لنفسه؛ لِأَنَّهُ فِي الحقيقةِ جَشَّمَهَا مرقًى صَعْبًا يريد أن يظهرَ ضَعفهُ أمامَ النَّاسِ، وخيانة لغيره حَيْثُ تَقَبَّلَ أعمالهم وَهُوَ لا يُحْسِنُها ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].\nإِذَا قَالَ قَائِلٌ: إذا اجتمع عندنا أربعةُ أشخاصٍ أحدهم: قويّ أمين، والثاني: قويّ غير أمين، والثَّالث: أمين غير قويّ، والرَّابع: ضعيف خائِنٌ؟\n_________\n(^١) رواه مسلم، الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة، حديث رقم (١٨٢٦)، عن أبي ذر - ﵁ -.","vol":"1","page":210},{"text":"قُلْنَا: القويُّ الأمين مقدَّم، لَيْسَ فِيهِ إشكال، والخائن الضعيف مؤخَّر بلَا شَكّ، هَذَان طرفانِ معلومانِ.\nأما القوي الخائن والضعيف الأمين فالصَّحيح أنه يَجِب أن ننظرَ أيُّهما أولَى مراعاةً، فإذا كَانَ فِي عملٍ الْقُوَّة فِيهِ أظهرُ فهنا يُقدَّم القويُّ؛ لِأَنَّ القوي وإن كَانَ عنده خيانة فربما تَحْمِله قوته عَلَى إتقانِ العَمَلِ؛ لأجل أن يَشْتَهِرَ بهَذهِ الْقُوَّة مثلًا، أَمَّا إذا كانت المسألة لا تحتاج إِلَى عملٍ وقوة لَكِنَّها تَتَطَلَّبُ الأمانة فهنا يُقدَّم الأمين، وهَذَا واضح إذا كَانَ فِي عملينِ:\nأحدهما: يظهر فِيهِ قصد الأمانة.\nوالثاني: يظهر فِيهِ قصد الْقُوَّة.\nكالأمير مثلًا، الأمير يظهر فِيهِ قَصْد الْقُوَّة، يعني قوة الأمير، وإنْ كَانَ غيرَ أمينٍ، فهو أنفعُ للمجتمعِ من أميرٍ ضعيفٍ أمين، والقاضي بالعكسِ؛ فالأمانةُ فِي حقِّه أظهر؛ لِأَنَّهُ إذا كَانَ أمينًا -وإن كَانَ ضعيفًا؛ لِأَنَّ الَّذِي سَيُنَفِّذ لَيْسَ القاضي، خصوصًا فِي عصرنا، فالْآنَ التنفيذ لجهة الإِمارة، فالقاضي يَحْكُمُ فقط- فإذا كَانَ أمينًا فهنا قصد الأمانة فِي القضاءِ أظهرُ من قصد الْقُوَّة، وَعَلَى هَذَا فَقِسْ.\nولكِن إذا كَانَ العَمَلُ تَتَعَارَضُ فِيهِ الْقُوَّة والأمانةُ فهَذَا مَحَلُّ نظرٍ، ولا يمكن أن نَحْكُمَ بِحُكْمٍ عامٍّ، بل إننا نَنْظُرُ فِي القضيةِ المعيَّنة، وإذا تشاحَّ اثنانِ فِي عملٍ يَتَطَلَّب الْقُوَّة والأمانة معًا ولا يظهر فِيهِ فضل أحدهما عَلَى الآخر، فحينئذٍ لا أستطيعُ أن أحكمَ هنا حكمًا عامًّا، بل إِنَّمَا يُنْظَر فِي كُلّ مسألةٍ بخصوصها، ويُنظَر للقرائنِ وينظر أيضًا للأشخاصِ، ومَن تَظهَر فِيهِ الْقُوَّة أكثر من ظهور الأمانة فِي الثاني، أو الأمانة فِي هَذَا أكثر من ظهور الْقُوَّة فِي الثاني.","vol":"1","page":211},{"text":"وعَلَى كُلِّ حالٍ: هَذِهِ المسألة لا نَحْكُمُ فيها بحُكْمٍ عامٍّ، بل نحكم فيها بالقضيَّة المعيَّنة، ونَقُول: يُقدَّم هَذَا عَلَى هَذَا عندما تحصل القضية المعيَّنة.\nفالحاصل إِذَنْ: أقسام النَّاس باعتبارِ العَمَلِ أو باعتبارِ القيامِ بالعَمَلِ أربعةٌ: قويّ أمين، وضعيف خائن، وقوي خائن، وضعيف أمين.\nومعلوم -كما تقدَّم- أنَّ الأوَّل يُقدَّم عَلَى كُلّ حالٍ، والثاني يؤخَّر عَلَى كُلّ حال، والثَّالث والرَّابع بينهما تزاحُم، فيُنظَر إِلَى ما كَانَ يَستدعي الْقُوَّة أكثر فيُقدَّم فِيهِ القوي، وما كَانَ يستدعي الأمانة أكثر يُقدَّم فِيهِ الأمين، وما احتمل أمرينِ يُنظَر فِيهِ إِلَى القضية المعينة حَتَّى نستطيع أن نقدِّم هَذَا عَلَى هَذَا ... إِلَى آخره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:</span> أن سُلَيْمَان ﵊ قد رتَّب شؤون حياته، وأن له مجلسًا خاصًّا معروفًا معيَّنًا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾؛ لِأَنَّ قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ لَا شَكَّ أَنَّهُ مُقدَّرٌ بمدَّة معلومة، وإلَّا لم يكن لذلك فائدة؛ لِأَنَّ قيامه من مقامِه إذا لم يكن معلومًا فهلْ يُدْرَى متى ينتهي؟ ! قد يبقى يومًا كاملًا فِي مكانِهِ وقد لا يبقى إِلَّا دقيقةً واحدةً، فلولا أَنَّهُ ﵊ قد رتَّب أوقاته حَتَّى أصبحتْ معلومةً للناس ما قَالَ مثل هَذَا الكَلام.\nوأمَّا تقديره بما قاله المفسِّر: من الغداة إِلَى نصفِ النَّهارِ، فهَذَا لا نَدري، اللهُ أَعْلَمُ.\nعَلَى كُلِّ حَالٍ: يؤخَذ منه أن سُلَيمَان ﵊ كَانَ قد رتَّب أوقاته حَتَّى صارتْ معلومةً، وهَذَا لا سيما بالنِّسْبَةِ للإِنْسَانِ المُرادِ -الَّذِي يريده النَّاسُ- أَمْرٌ مِنْ أهمِّ الأُمُور، أَنَّهُ يرتِّب أموره حَتَّى إن الْإِنْسَان الَّذِي يريده فِي حاجة يعلم أَنَّهُ فِي هَذِهِ الساعةِ يجده، وَفي الساعة الأُخْرَى لا يجده فيستريح، مثلًا يرتِّب لنفسِه جلسةً فِي بيتِه","vol":"1","page":212},{"text":"أو فِي مكانٍ للناس عَلَى سبيل العمومِ، إمَّا بين العشاءين أو بَعْد العصر أو الضحى، المهم شَيْء يعرفه النَّاس، فيرتب لنفسِهِ مثلًا عملًا معينًا يعرفه النَّاس، حَتَّى يأتي إليه من أراده فِي هَذَا العَمَل.\nالمهمُّ يُستفاد من ذلك أن سُلَيْمَانَ قد رتَّب أعمالَه فِي وقتِه، والثاني أَنَّهُ ينبغي للإِنْسَانِ خُصوصًا المُرَادَ من أمير وقاضٍ وعالمٍ ووجيهٍ وغيره؛ أَنْ يَجْعَلَ له أوقاتًا محدَّدة حَتَّى إن النَّاس يشعرون بأن هذا الرجل رجل منظَّم، ويشعرون بأن الْإِنْسَان الفوضويّ إن شاء جلس وإن شاء قام أَنَّهُ لَيْسَ بمنظَّم فلا يعتبرونه شيئًا.\n* * *","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>الآية (٤٠)</span>\n* * *\n\nقَالَ اللهُ ﷿: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ المُنْزَل، وَهُوَ آصَفُ بنُ برخيا، كَانَ صِدِّيقًا يعلَم اسمَ اللهِ الأعظم الَّذِي إذا دعا به أُجِيبَ]، قولُ المُفَسِّر: [إذا دعا به]، المعروف أن اسْم الله الأعظم: الَّذِي إذا دُعي به أجاب، لكِن يَحتمِل أَنَّهُ قول المُفَسِّر: [إذا دعا به]، أي: هَذَا الرجل الَّذِي عنده علم من الكتابِ، يعني أن هَذا الرجل قد جرّب وعرف أَنَّهُ إذا دعا الله تَعَالى بهَذا الاسم أجابه، فيَكُون هنا أنسب أن يقالَ: إذا دعا به أجاب؛ لِأَنَّ هَذَا الرجلَ الَّذِي عنده علم من الكتابِ يعلم أو قد جرَّب أَنَّهُ إذا دعا بهَذَا الاسم أجاب.\nوهَذَا أيضًا لَيْسَ بلازمٍ أن يَكُون هَذَا الْإِنْسَان الَّذِي عنده علم من الكتاب يريد أن يدعو الله ﵎ باسمِهِ الأعظمِ، وإنما نَقُول: هَذَا الرجل أعطاه الله تَعَالَى علمًا من الكتاب المنزل، ولَا شَكَّ أن الْإِنْسَان العالمَ يعرف الأدوات والصيغ الَّتِي تكون أقربَ إِلَى الإجابةِ سواء باسمِ اللهِ الأعظمِ أمْ بغيره.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ إذا نظرتَ به إِلَى","vol":"1","page":214},{"text":"شيءٍ]، الله أكبر! أيُّهما أسرع؟\nالثاني أسرع؛ لِأَنَّهُ كلَمْح البَصَر، قال: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ﴾ أي: يَرْجِع ﴿إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ أي: نَظَرُك، فأنت مثلًا إذا نظرتَ أمامك ثُمَّ حَرَّكْتَ طَرْفَك فإن هذا يَكُون بسرعةٍ فائقةٍ، وتأمل -سبحان الله العظيم- سيأتي به من اليمن إِلَى الشام بهَذِهِ السرعةِ العظيمةِ؛ لِأَنَّهُ يأتي بأمرِ اللهِ ﷾، والله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].\nقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]، فاللهُ ﵎ إذا أجاب الداعيَ لا يحتاج إِلَى مدَّةٍ ولا إِلَى مُهْلَةٍ، ولكِن مَعَ ذلك يُقَدِّرُ الله ﵎ الأُمُور بأَسْبابها، قد يدعو الْإِنْسَان لمريض أن يشفيَه الله تَعَالَى، ولكِن هل يُشْفَى كلمحٍ بالبصر؟\nلا، له أَسْبابٌ تُقَدَّر، لكِن الأَسْبَاب تَنعقِد فورًا إذا أرادَ الله ﵎ أنْ يُجيبَ، مَعَ أن الله قادر عَلَى أن يُبْرِئ هَذَا المريضَ فِي لحظة، مثلما كَانَ الرَّسُول ﵊ يؤتَى أحيانا بالمريضِ فيدعو له فيشفى فِي لحظةٍ، وقد جيء إليه بعليِّ بنِ أبي طالب فِي خَيبَرَ وَهُوَ يشتكي عينه فبَصَقَ فيها ودعا فبرأتْ، كَأنْ لم يكنْ بها وجعٌ فِي الحالِ (^١)، والله ﵎ على كلِّ شَيْء قدير، ولكِن تأخُّر الشَّيْء لا يدل على أنه الله ﷾ لَيْسَ بقادرٍ عَلَى إبرائِه حالًا، ولكِنه يَدُلّ عَلَى أن الله حكيمٌ يُقَدِّرُ الأُمُورَ بأَسْبابها، حَتَّى خلق السَّماوَات والْأَرْض فِي ستةِ أيامٍ ذَكَرْنا فيما سبق أَنَّهُ لفائدتين:\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، حديث رقم (٣٩٧٣)؛ ومسلم، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب من فضائل علي بن أبي طالب - ﵁ -، حديث رقم (٢٤٠٦)، عن سهل بن سعد - ﵁ -.","vol":"1","page":215},{"text":"أولًا: ما اشتهر عندَ أهلِ العلمِ من أنَّ الله ﷾ جعلها فِي ستة أيامٍ ليُعَلِّمَ العبادَ التأنِّيَ فِي الأُمُورِ، وأن المهمَّ إحكام الأَمْر لا التعجيل فيه.\nوشَيْء آخر: أن خلقَ هَذِهِ الأَشْيَاء يحتاج إِلَى أَسْبابٍ ومكوِّناتٍ تتفاعل وتنتهي إِلَى الكمال، فلهَذَا صارت فِي ستة أيام.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ فقال له: انظُرْ إِلَى السَّمَاء، فنظر إليها، ثُمَّ رَدَّ بِطَرْفِهِ فوجده موضوعًا بين يديه، ففي نظره إِلَى السَّمَاء دعا آصَفُ بالاسمِ الأعظمِ أن يأتيَ اللهُ به، فحصلَ بأن جَرَى تحت الْأَرْض حَتَّى نبعَ تحتَ كُرْسِيِّ سُلَيمَان]، الله أكبرُ! هَذِهِ القِصص غرائبُ! أولًا هل هَذَا الَّذِي عنده علم من الكتاب قَالَ لسُلَيمان: انظر إِلَى السَّمَاء؟ ! لا دليل عَلَى هَذَا، وَلَيْسَ هناك حاجة إِلَى أن يَقُول له: انظرْ إِلَى السَّمَاء، فقوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ بأيّ نظرٍ أدرتَ طرْفك إليه.\nثانيًا: يَقُول ﵀: إنَّهُ جرى تحت الْأَرْض حَتَّى نبع تحت الكرسيّ، فيجوز أَنَّهُ جاء من تحت الْأَرْض، ويجوز أَنَّهُ جاء من فوق الْأَرْض، أو جاء من محلٍّ عالٍ جدًّا ونزل، كُلّ هَذَا لا ينبغي الجزمُ به، بل يقال: إن الله عَلَى كُلّ شيءٍ قدير، المهمّ أن العَرْش حَضَرَ فِي لحظةٍ قبلَ أنْ يَرْتَدَّ إليه طَرْفُه.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ أي: ساكنًا]، هَذهِ أشكلتْ عَلَى النحْويِّين؛ لِأَنَّهُم يَقُولُونَ: إنَّ من قواعدهم: إذا كَانَ الظرف أو الجارّ لمجرور مُتَعَلَّقُهُ عامًّا فَإِنَّهُ يَجِب حَذْفُه، مثلًا تقول: زيد فِي البيت، لا يجوز أن تقول: زيد كائنٌ فِي البيت، بل يَجِب حذف (كائن)؛ لِأَنَّهُ عام، أَمَّا إذا كَانَ خاصًّا مثل: زيد محبوس فِي البيت، فيجب ذِكْرُه؛ لِأَنَّ (محبوس) لو حُذفت ما دلَّ عليها دليل، بخلاف: زيد فِي البيت، فَإِنَّهُ بمجرد النطق به يتبين للمُخَاطَب أن المَعْنى كائن فِيهِ أو موجود فيه،","vol":"1","page":216},{"text":"فهم يَقُولُونَ: إذا كَانَ الجارّ والمجرور أو الظرف متعلقه عامًّا وجب حذفه، وهنا (مستقرًّا) عامّ، فإذا قلت: (زيد فِي البيت) أي مُسْتَقِرّ فِي البيت، يعني كائنًا فيه، وابن مالك ﵀ يَقُول (^١):\nوَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أَوْ بِحَرْفِ جَرّ ... نَاوِينَ مَعْنَى كَائِنٍ أَوِ اسْتَقَرّ\nلكِن قَالُوا: إن الاستقرار هنا لَيْسَ الاستقرارَ العامَّ حَتَّى يَجِب حَذْفُه، بل هُوَ استقرارٌ خَاصّ غيرَ مُطلقِ الوجود، فلمَّا كَانَ استقرارًا خاصًّا غير مطلَقِ الوجود صار كالمَعْنى الخاصّ، ولذلك ذُكِرَ، قال: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا﴾، لاحِظْ لو قَالَ: \"فلمَّا رآه عنده\" لا تدلُّ عَلَى المَعْنى فِي كلمة (مُسْتَقِرًّا)، صحيح أن معنى: لما رآه عنده، أي: لما رآه كائنًا عنده، لكِن لا تدلّ عَلَى أن هَذِهِ الكَيْنُونة كانتْ باستقرارٍ وثباتٍ، وأيضًا ربما يُفْهَم من قوله: ﴿مُسْتَقِرًّا﴾ ما أشار إليه العِفريت فِي الأوَّل وَهُوَ الْقُوَّة والأمانة؛ لِأَنَّهُ بالْقُوَّة والأمانة يأتي العَرْش عَلَى ما هُوَ عليه لا يَتكَسَّر، فالْإِنْسَان الضعيف مثلًا ربما عند حَمْلِه وَهُوَ ضعيف يسقط من يده، أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فيتكسّر، أو إذا لم يكن أمينًا لا يُهِمّه أن يضربه جبل أو شجر أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أو هُوَ نفسه يتسلّط عليه.\nفالحاصل: أن هَذَا الاستقرارَ له معنًى خَاصّ غير الاستقرار العامّ، فلذلك ذُكر.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ أي: ساكنًا عندَهُ ﴿قَالَ هَذَا﴾ أي: الإتيان لي به ﴿مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾]، ﴿فَلَمَّا رَآهُ﴾ أي: سُلَيمَان رأى العَرْش مستقرًّا، والاستقرارُ هنا أمر زائدٌ عَلَى مجرَّد الكينونة، ولو كَانَ المُراد بالاستقرارِ هنا مجرَّد\n_________\n(^١) ألفية ابن مالك (ص: ١٧، الابتداء)، ط. دار التعاون.","vol":"1","page":217},{"text":"الكينونةِ لكان ذِكْرُهُ غيرَ بليغٍ، ولهَذَا فسَّر المُفَسِّر الاستقرارَ هنا بالسكونِ، يعني كأنَّ له أزمانًا وَهُوَ فِي هَذَا المكانِ، كما إذا أتيتَ بشيءٍ ووضعتَه بمكانٍ وتريد أن تركّبه وتُعدِّله وتُزيِّنه، لا سيما العَرْش الَّذِي له قوائمُ فِي العادةِ، فهَذَا العَرْش ثابتٌ كَأن له سنينَ، وهَذَا من كمال القدرة أيضًا.\nقوله: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾: ﴿مِنْ﴾ هَذهِ لبَيَان الجنسِ أو للتبعيضِ؛ لأنا إذا قَصَدْنا بالفضلِ الجنسَ فهي لبَيَان الجنسِ، وإذا قصدنا بالفضلِ هَذَا الشَّيْءَ المعيَّن فهي للتبعيضِ.\nعَلَى كُلّ حالٍ: هِيَ صالحةٌ لهَذَا ولهَذَا.\nوقوله: ﴿فَضْلِ رَبِّي﴾ الفضل هُوَ العطاءُ الزائدُ، وفضلُ اللهِ ﵎ عَلَى العبدِ لا يُعَدّ ولا يُحصى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، ومن فضل الله عَلَى عبدِهِ أن يُحْسِن إليه ثُمَّ يَعُدُّ إحسان العبدِ إحسانًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، نَقُول: ما جزاءُ المحسنينَ الَّذِينَ أحسنوا عملهم إِلَّا أن يحسنَ إليهم، وإحسانهم أو عملهم إحسانٌ منَ الله، ولكِن هَذَا من باب تمام الفضلِ منَ الله عَلَى عبابٍ أن يَعُدَّ إحسانَ عملِهِم -وَهُوَ منه- إحسانًا منهم، كأنهم هم المتفضِّلون به، قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ اللهمَّ لك الحمد.\nوقوله: ﴿رَبِّي﴾ الرُّبُوبِيَّة هنا خاصّة، ولهَذَا أضافها إِلَى نفسِه فقال: ﴿رَبِّي﴾ وقد مرّ علينا أن الرُّبُوبِيَّة عامّة وخاصّة، وأن العُبُودِيَّة كذلك عامّة وخاصّة، وأنّ الخاصّة فيها ما هُوَ أخصُّ، قَالَ ﷾: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٧، ٤٨]، فربوبيّة الله ﷾ لموسى وهارون غير رُبُوبِيَّة الله","vol":"1","page":218},{"text":"لعبادِهِ الصالحينَ الآخَرينَ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ لِيَخْتَبِرَنِي]، اللام للتعليل [﴿أَأَشْكُرُ﴾ بتحقيق الهمزتينِ وإبدالِ الثَّانِيَةِ ألفًا وتسهيلها، وإدخال ألف بين المسهَّلة والأُخْرَى وتركه]، بتحقيق الهمزتين: ﴿أَأَشْكُرُ﴾، إبدال الثَّانِيَة ألفًا (آشكر)، تسهيلها ﴿أَأَشْكُرُ﴾ اجعل الهمزة مسهلة بين الألف وبين الهمزة، وإدخال ألف بين المسهلة والأُخْرَى وتركها، يعني معناه: إذا قرأتَ بالتسهيلِ فلها صورتانِ:\nالصورة الأولى: إدخال ألف (أااشكر) اجعل بَعْد الألف همزة مسهلة.\nالصورة الثَّانِيَة: بدون ألف، يعني أن التسهيل يجوز فِيهِ المد قبل التسهيل وعدم المد.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَمْ أَكْفُر﴾ للنعمة]، فبماذا يَكُون الشكر؟\nيَكُون الشكرُ بالثَّناء عَلَى اللهِ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ النعمة بذاتها، وكذلك الاعتراف بالقلب بأنها مَحْضُ فضلٍ منَ اللهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لك بها مِنّة عَلَى ربِّك، والثَّالث القيام بما تَقْتَضِيه هَذِهِ النعمة من واجبٍ، وهَذَا الشكر الخاصّ لَيْسَ الشكرَ العامَّ؛ لِأَنَّ الشكرَ يَكُونُ عامًّا بحيثُ يُوصَف الْإِنْسَان بأنه من الشاكرينَ عَلَى الإطلاق، وَيكُون خاصًّا بحيث يُوصَف بأنه من الشاكرينَ عَلَى هَذِهِ النعمة فقطْ.\nمثال ذلك: رجل آتاه الله مالًا، فالشكر الخاصّ عَلَى هَذَا المال أن يتحدث بهَذَا المال عَلَى أَنَّهُ من فضلِ الله ونعمته، وأن يعترفَ بقلبه أَنَّهُ فضلٌ من الله، لا يَقُول: أُوتيتُهُ عَلَى علم عندي.\nوالثَّالث أن يقوم بواجب هَذَا المال من دفع زكاتِه وما يترتَّب عليه بسبب","vol":"1","page":219},{"text":"هَذَا المال، لكِن قد يَكُون الْإِنْسَان مثلًا من جهة أخرى يَعصي اللهَ وفَرَّط فِي الصَّلَاة أو مُفَرّط فِي الصِّيَام، فهَذَا لا نَصِفُه بأنه شاكر عَلَى الإطلاق، لَكِنَّهُ قائمٌ بِشُكْرِ النعمةِ المعيَّنة.\nإِذَنِ: الشكرُ نوعانِ: شُكْرٌ مُطْلَقٌ وشكر خاصٌّ، فالشكر الخاصّ أن يقومَ بشكرِ النعمةِ المعيَّنة بما تَقْتَضِيهِ، والشكر العامّ أن يَكُون قائمًا بطاعة المُنْعِمِ مُطْلَقًا فِي جميع الأحوال، وأنت لو تأمَّلتَ هَذَا وجدته موجودًا فِي عامَّة الأوصاف المحمودة والمذمومة أيضًا، فالتوبة قد يُوصَف الْإِنْسَان بأنه تائبٌ توبةً خاصَّةً مقيَّدة من ذنب معيَّن، وقد يُوصَف بأنه منَ التائبين عَلَى سبيل الإطلاق.\nقول سُلَيمان - ﷺ -: ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ عَلَى أيِّ وجهٍ نَحْمِله؟\nإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ عَلَى العموم، فمعناه أَنَّنا رَمَيْنا سُلَيمان - ﷺ - بأنه لَيْسَ بشاكرٍ لنعمةِ اللهِ فِي غير هَذَا، وإذا قُلْنَا: إنَّهُ عَلَى الخصوص، يعني عَلَى هَذِهِ النعمة المعيَّنة، فَهُوَ أَولى، ولهَذَا قَالَ: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي﴾ يَخْتَبِرني به ﴿أَأَشْكُر﴾ الله عليه ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ فالظَّاهر أَنَّهَا هنا عَلَى سبيل الخصوصِ، يعني: عَلَى هَذِهِ النعمة، أَمَّا النِّعم الأُخْرَى فنحن نؤمنُ بأن سُلَيمان قد قام بشكرها؛ لِأَنَّهُ - ﷺ - كما تقدَّم فِي قِصَّة النَّمْلة قَالَ مثل هَذَا الكَلام: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ [النمل: ١٩]، فالذي نَعتقد، وَهُوَ أقربُ من حالِ سُلَيمان، أَنَّهُ قد شكرَ نعمةَ اللهِ عَلَى النعمِ الأُخْرَى، فقال: ﴿أَأَشْكُرُ﴾ عَلَى هَذِهِ النعمةِ ولم يقلْ: أَأُتِمّ الشكرَ. وقوله: ﴿أَأَشْكُرُ﴾ فعل مطلَق.\nفالحاصل: أن الَّذِي يظهر لنا أَنَّهَا عَلَى هَذِهِ النعمةِ، ليبلوني هل أشكرها أم","vol":"1","page":220},{"text":"أكفرها؛ لِأَنَّ كُلّ نعمةٍ تحتاج إِلَى شكر خاصّ، والشكر العامُّ معروفٌ؛ يَقُول الْإِنْسَان: أشكرُ اللهَ.\nويُضْمِر فِي قلبه أَنَّهُ شاكرٌ لله عَلَى جميع النعمِ، لكِن عند نعمة معيَّنة تحتاج هِيَ أيضًا إِلَى شكر خاصّ، فالشكر عَلَى المالِ لَيْسَ كالشكرِ عَلَى غيره، مثلًا إِنْسَان عنده قوَّة وقُدْرة عَلَى الرميِ والجهادِ فشكرُ هَذِهِ النعمةَ أنْ يَسْتَعْمِلَها فِي الجهاد، يعني يجاهد.\nعنده قدرة عَلَى بَيَان الحَقّ بما أعطاه الله تَعَالَى من العلمِ والفهمِ شُكْرُ اللهِ عَلَى هَذِهِ النعمةِ أنْ يُبَيِّن هَذَا الأَمْرَ.\nفتجد أن الشكر يَختلف إذا اعتبرنا كُلّ نعمةٍ بِحَسَبِها؛ لِأَنَّ الأَمْر يختلف، نَقُول: شكر هَذَا غير شكر هَذَا، لكِن الشكر المطلَق أنْ نَعْتَقِدَ بأن جميعَ الفضائلِ والإنعاماتِ كلّها منَ اللهِ ﷾، فهَذا يَشترك فيه جميعُ النَّاسِ.\nوالمُراد بالكفرِ هنا كفرُ النعمةِ، وقد تقدَّم أن الشكرَ والتوبةَ والكفرَ والإِيمانَ كُلّ هَذِهِ تَتبَعَّض وتكمل: مُطْلَق شَيْء وشَيْء مُطْلَق.\nإِذَا قَالَ قَائِلٌ: كيف يَقُول سُلَيمَان: أم أكفر. والكفر كلمة نابيةٌ تَنْفُرُ مِنْهَا النفس، فلماذا لم يقل: (أأشكر أم لا أشكر) مَعَ أن المَعْنى واحد، لكِن هَذِهِ أهونُ؟\nقُلْنَا: لأجلِ رَدْعِ نفسِه عن المخالفةِ وعدم القيام بالشكر، حَتى يُبين لنفسه أَنَّهُ إذا لم يشكرْ فمعناه هُوَ الكفر، فلكلِّ مَقامٍ مقال، فقد تخاطب إِنْسَانًا ترى أَنَّهُ لم يشكرْ نعمة الله عليه فتَخْشَى إذا قلتَ: أنت كافر بالنعمة أن ينفرَ منك ويزداد نفورًا حَتَّى من النعمة.","vol":"1","page":221},{"text":"وإذا قلت: أنت لم تشكرْ تمامَ الشكرِ أو حقَّ الشكرِ أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وجدت أَنَّهُ أهون، والأساليب تؤثِّر.\nيقال: إن مَلِكًا منَ الملوكِ رأى رؤيا فأَفْزَعَتْهُ؛ فقال: عليَّ بالعابرينَ. فأحضروا له العابرينَ، فقال لهم: إني رأيتُ أنَّ أسناني قد سَقَطَتْ، فما ترونَ؟ فقام كَبيرُهم فقال: أرى أنَّ أَهْلَكَ سَيَمُوتون. فانزعجَ الملِكُ؛ فقال: أَوْجِعُوه ضربًا. فأوجعوه ضربًا، فقال: اتركوه، ثُمَّ دعا بمعبِّرين آخرينَ وقال لهم: إني رأيتُ أنَّ أسناني قد سقطتْ. فقام كبيرهم وقال: الملِكُ أطول أهلِهِ عُمُرًا. ففَرِح. مَعَ أن المَعْنى واحد؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ إذا ماتوا صار هُوَ أطولهَم عمرًا.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: قول سُلَيمان - ﷺ -: ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ هل يجوز للإِنْسَان العاديّ أن يَقُول ذلك؟\nفالجواب: يجوز للإِنْسَان العادي أن يَقُول: إن الله ما أعطاني هَذَا الشَّيْء إِلَّا لأجلِ أنْ أشكرَ أو أكفرَ، فالْإِنْسَان العادي يجوز أن يَقُول هَذَا؛ لأنَّنا لو قُلْنَا بغير هَذَا صار هَذَا خاصًّا بمثل مقامِ سُلَيمان وَلَيْسَ كذلكَ.\nوَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: فضل الله عَلَى العِبَادِ مِن أَجْلِ ظُهُورِ أثَرِ نعمتِه عَلَى العبادِ، فما وجه قولهم: \"وهو الخالق وإن لم يوجدِ المخلوقُ\"؟\nفالجواب: قَصْدُهم أن الله جَلَّ وَعَلَا خالقٌ بمعنى أن هَذِهِ الصِّفة صفة له قبل أن يوجدَ المخلوقُ، كما أن الله تَعَالَى متَّصِف بالكَلام مَعَ أَنَّهُ يتكلم بمشيئته، فَهُوَ متَّصف بالخلق مَعَ أَنَّهُ يخلق بمشيئته.\nفالحاصل: أن التعبير له دخل فِي قبول الحَقّ والنفور منه، وقد تقدمت قِصَّة","vol":"1","page":222},{"text":"إبراهيم - ﷺ - حَيْثُ قَالَ لأبيه: ﴿إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم: ٤٣]، ما قَالَ: أنت جاهل ولا تدري ولا تعرِف ﴿إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣]، وهَذَا فضل الله يُؤْتِيهِ مَن يشاء، وبعضُ النَّاسِ يَهَبُه الله ﷾ قُدْرَةً عَلَى التعبيرِ حَتَّى إن العبارات تكون بيدِه كالعجينِ، يُلان له القَوْل فِي كُلّ ما يريد، فتجده يستطيع حَتَّى لو أراد أن يُخْرِجَ لسانه كلمة لا يريدها بسرعة يجد بدلها، وبعض النَّاس لا يستطيع، فالله ﷾ يَهَبُ فَضْلَهُ مَن يشاءُ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عن شُكْرِهِ ﴿كَرِيمٌ﴾ بالإفضالِ عَلَى مَن يَكْفُرُها]، يعني مَن كفر ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾: غنيٌّ عن شُكْرِه صَحِيح، أو غني مُطلقًا، ومن جملة ما هُوَ غنيٌّ عنه شُكْرُ هَذَا الْإِنْسَانِ عَلَى نعمةِ اللهِ، فإن الله تَعَالَى ما أنعمَ عَلَى العبادِ لحاجتِهِ إِلَى أن يَشْكُرُوهُ، بل لِفَضْلِهِ عليهم وظهورِ آثارِ أوصافه، وظهور صفاته العظيمة ما يَكُون إِلَّا بأفعالِه الَّتِي من جُمْلتها النعم أو النِّقم أيضًا، لِتَظْهَرَ بذلكَ صفاتُ الانتقامِ والغضبِ.\nوقوله: ﴿كَرِيمٌ﴾ أي: أَنَّهُ قد يُبْقِي النعمةَ عَلَى مَن كَفَرَها تَكرُّمًا منه أحيانًا، وأحيانًا استدراجًا، والله ﵎ حَكيمٌ يَهَبُ فضلَه مَن يشاء، قد يُبْقِي اللهُ النعمةَ عَلَى الكافرِ بها استدراجًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢].\nوقد يُبْقِي الله تَعَالَى النعمَ مَعَ الكفرِ تَرْبِيَةً، بحَيْثُ إِنَّ الْإِنْسَان يفتحُ الله عليه التأمُّل فيخجل من الله ﷿ أن يَكُون هُوَ يبادرُ الله تَعَالَى بالمَعاصِي، والله ﵎ يُدِرُّ عليه النعمَ، فيَرْتَدِع، وهَذَا هُوَ ظاهر قوله: ﴿كَرِيمٌ﴾، لِأَنَّ الكرم فِي مقابل الكفر","vol":"1","page":223},{"text":"لا يَكُون إِلَّا حَيْثُ يَكُون ذلك الكرمُ من مصلحةِ الكافرِ بها، وإلَّا ما ظهر آثار الكرمِ، بل ظهر آثار الحِكْمَةِ، لو قَالَ: حكيم صار هَذَا يشمل من تدرّج الله به حَتَّى أهلكه، لكِن كريم: ما يَتمّ الكرم للكافر بالنعمة إِلَّا حَيْثُ كَانَ إبقاء النعمة عليه مصلحةً له لأجلِ أن يعودَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> أنَّ جنودَ اللهِ تَعَالَى وهم الملائكةُ، أَقْوَى من الجنّ؛ لِأَنَّ ذاك قَالَ: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾، وهَذَا قَالَ: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ فأيُّهما أسرعُ؟\nالأخير بلَا شَكّ، ولا سواء؛ لِأَنَّ الَّذِي عنده علم منَ الكتابِ عالمٌ ولا وسيلة له إِلَّا بالدعاءِ، والظَّاهر أَنَّهُ رجل وَلَيْسَ من الجنّ؛ لِأَنَّ قوله: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ مفصولة عن قوله: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾، والأَصْل أن الكَلام مَعَ الإنس، ولأن كُلّ قائل لَيْسَ من البشرِ لَا بُدَّ أن ينوّه عنه؛ لِأَنَّ الأَصْل أن البشرَ هم الَّذِينَ يتخاطبون، وهم الَّذِينَ يتفاهمون، فإذا كَانَ من غيرهم نوّه عنه مثلما نوّه عن الجنِّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> كمالُ قُدرة الله ﷿؛ لِأَنَّ كون هَذَا العَرْش العظيم يأتي من اليَمَنِ إِلَى الشامِ فِي لحظة، لَا شَكَّ أَنَّهُ من تمامِ قُدرة الله الَّتِي لا يتصوّر الْإنْسَان كيف تكون، الْآنَ هل يمكن أن نتصوّر كيف يجيء بهَذَا العَرْش مِنَ اليمن إِلَى الشام قبل أن يرتدّ للإِنْسَان طرْفه، لو كَانَ يطير طيرانًا أشدّ من الدُّخَان ما يتصور أَنَّهُ يأتي بهَذِهِ السرعةِ، ولا نتصور أن الْأَرْض طويت طيًّا حَتَّى التقى هَذَا بهَذَا أيضًا، فقُدْرَةُ اللهِ ﷾ لا يُمْكِن للإِنْسَانِ أنْ يَتَصَوَّرَهَا، فتأتي فوق التصوّر، وهَكَذَا جميعُ صفاتِ اللهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩]، بقوله: (كُنْ) فيصير جميع الخلائق كلهم عَلَى ظهر الْأَرْض، مَن يتصور هَذَا؟ ! لا تستطيع أن","vol":"1","page":224},{"text":"تتصوره، يعني أن الْإِنْسَان لا يتصور أن الْأَرْض تتفتح وتتشقق بـ (كن)، فالمهمّ أن هَذَا نموذج من صفات الله ﷾ فِي عجز العقل مهما بلغ عن إدراكِ كُنْهِ قُدرةِ الله، وكذلك بقية صفاتِه، فأنتَ أيّها الْإِنْسَان عِلْمُكَ محَدودٌ، وطاقتك محدودةٌ، ولا يمكنُ أن تتجاوزَ أكثرَ ممَّا تشاهِد أو ممَّا أَطْلَعَكَ اللهُ عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span> فضلُ اللهِ ﷾ عَلَى سُلَيمَان، حَيْثُ سَخَّر له أهلَ العلمِ والجنّ؛ الجنّ فِي أوَّل الأَمْر وصاحب العلم بَعْد ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:</span> هل قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ مبالغة أو حقيقةٌ؟\nنَقُول: حقيقةٌ، وإلا لقُلْنَا: إنَّهُ يجوز المبالغةُ فِي الأُمُورِ، ولكِن عَلَى كُلّ حالٍ المبالغةُ فِي الأُمُورِ قد وردتْ فِي غير هَذَا النصّ؛ أنَّ الْإِنْسَان يبالغُ وإنْ كَانَ لَيْسَ مقصودًا عَلَى سبيلِ الحقيقةِ، وقد جاء ذلك فِي الْقُرْآن وَفي السنَّة أيضًا؛ المبالغة فِي الأُمُور.\n* * *","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>الآية (٤١)</span>\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٤١].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ أي: غَيِّروه إِلَى حالٍ تُنْكِره إذا رأتْه]، والتنكيرُ يحصُل بتغييرِ أَدْنَى صفةٍ من صفاتِه، فإذا كانتْ قوائمُه طويلةً يمكن أن يقصر القوائم فيَكُون تنكيرًا، إذا كَانَ لون إحدى عواضده مثلًا أحمر فيمكن أن نجعله أخضرَ، يعني سواء هَذَا التنكير بالأجزاءِ أو باللونِ أو بالفرشِ الظَّاهرُ أن هَذَا داخلٌ فِي التنكيرِ. وقوله: ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾، ﴿نَكِّرُوا﴾ فعلُ أمرٍ، ﴿نَنْظُرْ﴾ مجزوم عَلَى أَنَّهُ جواب الأَمْر.\nقوله: ﴿نَكِّرُوا﴾ انظر العظمةَ، قَالَ ﵇: ﴿نَكِّرُوا﴾ ولم يوجِّهِ الخطابَ إِلَى شخصٍ معيَّن، وهو ما يَدُلّ عَلَى أن كُلّ جنوده فِي طاعتِه؛ لِأَنَّهُ لو كَانَ يَخشَى أن أحدًا من الجنودِ يَتَمَرَّد لكان يوجِّه الخطاب إِلَى شخصٍ معيَّن لأجل أن يُحْرِجَه فلا يستطيع أن يقولَ: لا، وهَكَذَا عظمةُ السلطانِ تكون بمثل هَذَا، فعندما يَقُول السلطان أو الأمير: القهوة يا ولد، فكُلّ الحاضرين يَفْزَعُون: قهوة قهوة، وتأتيه بسرعة. ففي قوله: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ نَقُول: هَذَا خطابُ عَظَمَةٍ، ولهذَا قَالَ: ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي﴾ إمَّا أَنَّهُ يقصد نفسه وَيكُون تعظيمًا، أو مَعَ جنوده وحاشيته ينظرون جميعًا ﴿أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾.","vol":"1","page":226},{"text":"وهَذَا كله أيضًا من أساليبِ الاختبارِ الَّذِي يَخْتَبِرُ به سُلَيْمَان هَذِهِ المَرْأَةَ كما اخْتبَرَهَا أيضًا فيما يأتي فِي مسألةِ الصَّرْح.\nوأمّا قول المُفَسِّر وغيره: إن رِجلها رِجل حِمار، فهَذَا من الإسرائيليات المكذوبةِ، فَقَدَمُها كَقَدَمِ غَيْرِها.\nقَالَ المُفَسِّر: [﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي﴾ إِلَى مَعْرِفَتِهِ ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ إِلَى مَعْرِفَةِ ما يُغَيّر عليهم، قصدَ بذلكَ اختبارَ عَقْلِها لمّا قيل له: إن فِيهِ شيئًا، فَغَيِّرُوهُ بزيادةٍ أو نقصٍ أو غير ذلك].\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل تَزَوَّجها سُلَيْمَان؟\nعَلَى كُلِّ حَالٍ: هِيَ جَديرة بأن تُزَوَّج؛ لِأَنَّهَا أسلمتْ وكانتْ ذكيَّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> التحدُّث بنعمةِ اللهِ تَعَالَى بإضافة النعمة إليه، لِقَوْلِهِ: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ وهَذَا هُوَ الواجب شرعًا والمقتضَى عَقلًا؛ لِأَنَّ إضافة النعمِ إِنَّمَا تكون إِلَى مُسْدِيها ومُولِيها.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ والثَّالثةُ: إثبات التعليل لأحكام اللهِ ﷾ الكونيَّة كما ثبت ذلك فِي الأحكامِ الشَّرْعِيَّة، يُؤْخَذ من اللامِ لِأَنَّهَا للتعليلِ، ففيه دليلٌ عَلَى تعليلِ أحكامِ اللهِ الكونيَّة، كما أنَّ أحكامَه الشَّرْعِيَّة كذلك مُعَلَّلَة، ويَتَفَرَّع عَلَى هَذِهِ الفائدة: الردّ عَلَى الجهْمِيَّة الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ فعلَ اللهِ تَعَالَى لَيْسَ مُعَلَّلًا، إِنَّمَا يَفْعَلُ لمجرَّدِ المشيئةِ؛ إذا شاء فعلَ لحكمةٍ ولغيرِ حكمةٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:</span> اختبار المرءِ بما يُظْهِرُ حقيقةَ أمرِه؛ لقوله ﷾: ﴿لِيَبْلُوَنِي","vol":"1","page":227},{"text":"أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:</span> أَنَّهُ يجوزُ اختبارُه وإنْ كَانَ المُخْتَبِرُ يَعْلَمُ مآلَهُ، هل يمكن أن نأخذَ هَذهِ الفائدةَ أو نَقُول: إن هَذَا خَاصّ بما يتعلق باللهِ؟\nنَقُول: أَمَّا بالنِّسْبَةِ للهِ فهَذَا أمر واقع، لكِن بالنِّسْبَة للإِنْسَانِ فقد تختبر الْإِنْسَان وأنت تعرِف مآلَه، هَذَا يُنظر فِيهِ إِلَى المصلحةِ، قد يَكُون محرَّمًا كما لو أردتَ أن تُظْهِرَ ضعفَه أمامَ النَّاسِ وتُخْجِلَه، وقد يَكُون واجبًا كما لو كَانَ إِنْسَانًا داعيةً إِلَى ضلالةٍ وأردتَ أنْ تَخْتَبِرَهُ لِيَتبَيَّنَ أمرُه للناسِ، وأنت تعرف أَنَّهُ لَيْسَ عنده جواب لما اختبرتَهُ به، لكِن تريد أن تُظْهِرَ للناسِ أمرَه، فَهُوَ بالنِّسْبَةِ لله ﷾ ممدوحٌ كلُّه؛ لِأَنَّ الله يعلم المآلَ، لكِن بالنِّسْبَةِ للإِنْسَانِ فاختباره عمّا يعلم مآله عَلَى حسَب المصلحة والفائدة.\nوفي هَذَا إشكال أَنَّهُ حَيْثُ قد يقال: أليس الله تَعَالَى يعلم بما يَؤُول إليه الأَمْرُ؟\nفالجواب: بلى.\nإِذَنْ: ما فائدةُ الاختبارِ وَهُوَ يعلم؟\nلِيَترَتَّبَ الجزاءُ عَلَى ظاهرِ الحالِ؛ لِأَنَّ الله لو جازى الْإِنْسَان عَلَى ما يعلم من حالِهِ قبل أن يَبْلُوَهُ لكانَ ذلك ظُلمًا فِي ظاهرِ الحالِ، فإذا ابتلاه فأطاع أو عصاه تَبَيَّنَ الأَمْرُ، فيَكُون هنا الفائدة عظيمة؛ وهي ظهور أثر هَذَا الشَّيْء للناس، وَأَنَّهُ لَيْسَ بظُلْمٍ منَ اللهِ تَعَالَى إذا خالف، وظهور أيضًا نعمة الله عَلَى العبد العاملِ إذا أطاع حَيْثُ يشكر الله سعيَه.\nفالحاصل: أن الابتلاءَ بمثل هَذِهِ الأُمُور نَقُول: فائدته أن يجريَ الجزاء عَلَى ظاهرِ الحالِ، لا عَلَى علمِ اللهِ.","vol":"1","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:</span> وقد يُؤْخَذ منه أَنَّهُ لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه؛ لِأَنَّهُ إذا كَانَ الله ﷾ وَهُوَ أحكمُ الحاكمينَ لا يحكم بمجرَّد العلمِ حَتَّى تظهر الآثار، فالقاضي من باب أولى.\nولهَذَا ذكر أهل العلم أَنَّهُ لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه؛ لقول النَّبِيّ - ﷺ -: \"إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ\" (^١).\nهَذهِ الفائدة قد يقال: إنَّهَا تُؤْخَذ، وقد يقال: إن هَذَا توسُّع فِي الاستدلالِ وإن هَذِهِ الفائدة لا تُؤْخَذ من هَذِهِ الآيَة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:</span> أَنَّهُ يَنبغي للإِنْسَانِ أنْ يُخاطِبَ نفسَه بما تَقْتَضِيهِ الحالُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ فإنَّنا ذكرنا أن قوله: ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ هَذِهِ العبارة شديدةٌ من أجلِ أنْ يَرْدَعَ نفسَه عن ممارسةِ كفرِ النعمةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ:</span> أن الْإِنْسَان الَّذِي يشكرُ اللهَ لَيْسَ يُسْدِي إِلَى اللهِ ﷾ نفعًا، أو يَدْفَع عنه ضررًا، وإنما هُوَ إذا شكر فَإِنَّمَا يشكر لنفسِهِ، فالمصلحةُ لنفسِه وليستْ لله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ:</span> أن الشاكرَ يُثاب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ ولم يقلْ: (عن نفسه)، فدلَّ ذلك عَلَى أن للشاكرِ ثوابًا يُجازَى به، وَهُوَ كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ:</span> أن العاملَ عَمَلُه له، وَلَيْسَ لغيرِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الحيل، باب إذا غصب جارية فزعم أَنَّهَا ماتت فقضي بقيمة الجارية الميتة ثم وجدها صاحبها فهي له ويرد القيمة ولا تكون القيمة ثمنًا، حديث رقم (٦٥٦٦)؛ ومسلم، كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة، حديث رقم (١٧١٣)، عن أم سلمة - ﵂ -.","vol":"1","page":229},{"text":"لِنَفْسِهِ﴾، إِلَّا أَنَّهُ قد يُؤْخَذُ منه مُقَاصَّةً، كما جاء فِي الحديث الصَّحيح (^١) فِي المفلِسِ الَّذِي يأتي يوم القيامة بحسناتٍ أمثالِ الجبالِ وقد ظَلَمَ هَذَا وأخذَ مالَ هَذَا، فيأخذ هَذَا من حسناتِهِ، وهَذَا من حسناتِه، وإلَّا فثوابك لك، ما يُمْكِن أن أحدًا يعتدي عليه أبدًا أو يأخذه، فَهُوَ مدَّخَر عند الله ﷾.\nوالصدقةُ عن الميِّت من عملك؛ لأنك أنت الَّذِي اخترتَ أنْ يتحوَّلَ إِلَى هَذَا الميت ولكِن لا يؤخَذ منك، وَأَمَّا إذا أردتَه أنت فهَذَا من عملِكَ؛ لِأَنَّ عَمَلَكَ قد تريده لنفسك أو لغيرِكَ، وهَذَا أيضًا مقيَّد بما جاءتْ به السنَّة.\nوقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ ما قَالَ: ومَن كفرَ فَإِنَّمَا يَكْفُرُ عَلَى نفسِهِ كما قَالَ: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؛ لِأَنَّ رحمة الله تَعَالَى سبقتْ غَضَبَه، وإلَّا فالحقيقة أنَّ مَن كفرَ فعلى نفسِه، مثلما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦]، لكِن أحيانًا يَكُونُ السياقُ يَقتضِي خلافَ ذلك، فهنا يَقُول: ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ فَإِنَّهُ لا يضرُّ اللهَ شيئًا؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى غنيٌّ عنه وعن شُكْرِهِ، وَهُوَ مَعَ ذلك كريم، قد يجود عَلَى الكافرِ بالإمهالِ لعلَّه يشكر، ولهَذَا قَالَ: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ:</span> الردُّ عَلَى الجَبْرَّية؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لِأَنَّهُ أضاف الشكرَ إِلَى نفسِه، وَلَيْسَ فِي الآيَة ردٌّ عَلَى الْقَدَرِّية؛ لِأَنَّ قوله: ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ هَذَا من فعل اللهِ، فالعطاءُ من فضلِ اللهِ ﷾، وَهُوَ لا يتحدَّث عن عَمَلِهِ، لم يَقُلْ: إنَّ عملي منَ اللهِ، بل قَالَ: هَذَا العطاءُ مِنَ اللهِ ﷾.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: كتاب البر والصلاة والآداب، باب تحريم الظلم، رقم (٢٥٨١)، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":230},{"text":"ولكِن هَذَا الأَمْر لا يُجابُون إليه، وإن كَانَ فِي ذلك نصرٌ للرَّسُول لكِنهم لا يجابون إِلَى ذلك؛ لِأَنَّهُم إذا أُجِيبوا إليه صار معناه أَنَّهُم يجابون عَلَى اقتراحاتهم، مثلما قالوا لما قيلَ لهم عن البعث؛ قَالُوا: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦)﴾ [الدخان: ٣٦]، فيقال لهم: الرُّسُلُ ما قالوا لكم: إنكم تُبْعَثُون الآنَ، تُبْعَثُون يومَ القيامةِ، لو قَالُوا: تُبْعَثُونَ الآن، كنا نَقُول: نعم ائْتُوا بآبائهم، لكِنهم قَالُوا: تُبْعَثون يوم القيامة وانتظروا يوم القيامة وستجدون آباءكم.\nيَقُول الله ﷿ حكايةً عن صالحٍ: ﴿لَوْلَا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [هَلَّا ﴿تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ مِنَ الشركِ]، ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى (هلا) وهَذَا من معاني ﴿لَوْلَا﴾ أن تكون للتحضيضِ، ولها معانٍ أخرى أيضًا، ويقال فيها: حرف امتناع لوجودٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ [الحج: ٤٠]، امتنع تهديم الصوامع لدفعِ اللهِ ﷾ النَّاسَ بعضَهم ببعضٍ.\nما الَّذِي يُعَيِّنُ هَذَا المَعْنى من هَذَا المَعْنى؟\nيُعَيِّنُه السياقُ، وبهَذَا وبكثير من أمثالِهِ يَتبَيَّنُ أن الكلمات لَيْسَ لها معنى ذاتيّ، بمعنى أَنَّهَا خُلِقَتْ له، وإنما هِيَ قوالبُ وثيابٌ للمعنى الَّذِي يَدُلّ عليه السياقُ، فأيّ ثوبٍ تُرَكِّبه لمعنًى يَدُلّ عليه السياقُ فَهُوَ هو، وبهَذَا التقرير أيضًا يتبين أنَّ ما ذهبَ إليه شيخُ الإسْلام ابنُ تَيْمِيَّة ﵀ من أنه لا مجاز في اللُّغة العَربيَّة أَنَّهُ أمر صحيحٌ (^١)، وأن كُلّ كلمة اسَتُعملت فِي مَقامها فهي حقيقة فيه، وكون أَنَّهُ مثلًا ما تعرف بهَذَا اللفظ إِلَّا لذاك المَعْنى الَّذِي لم تُسْتَعْمَل فِيهِ ما يَدُلّ عَلَى أن ذاك هُوَ معناها الذاتيّ؛ لأنَّنا نَقُول: لَيْسَ للكلمات معنى ذاتيّ، واللهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) انظر: الحقيقة والمجاز ضمن مجموع الفتاوى (٢٠/ ٤٠١ - ٤٩٧).","vol":"1","page":231},{"text":"لَا شَكَّ أنَّ مَعْرِفَتها بأنَّ الله تَعَالَى هُوَ المستحِقّ للعبادة من باب أَولى، فهَذَا وجهٌ من أوجهِ الاختبارِ فِي هَذِهِ القصّةِ.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل تصرُّف سُلَيْمَان فِي عرش ملكةِ سبأ جائز؟\nفالجواب: يجوز للمصلحةِ، أي لمصلحةِ الغيرِ؛ لِأَنَّ هَذَا التصرُّف لمصلحتها هي، وقد يقال: إن سُلَيْمَان - ﷺ - تَصَرَّفَ فِيهِ بناءً عَلَى أَنَّهَا لم تُظْهِرْ إسلامَها بعدُ، وأنها إِلَى الْآنَ وهي فِي حربٍ، فلم يَسْتَقِرَّ الأَمْر بَعْد وإِلَى الْآنَ ما عَلِمَ ولا تحقّق، مَعَ أَنَّهُ يقولُ: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، لكِن قد يَكُونون مسلمينَ لله أو مستسلمينَ له.\nوَعَلَى كُلّ حالٍ: لا يُحْكَم عليها إِلَّا بَعْد أن تُظهِر إسلامها.\n* * *","vol":"1","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>الآية (٤٢)</span>\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ﴾ لها ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ أي: أمِثلُ هَذَا عرشك؟ ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ فعَرَفَتْه].\nقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ﴾ يَعْنِي: إِلَى سُلَيْمَان ونظرتْ إِلَى العَرْش قيل لها: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾؟ والقائل إمَّا سُلَيْمَان أو أحدُ جُنُودِهِ، ولم يُبَيَّنْ؛ لِأَنَّ المقصودَ معنى هَذَا القَوْل دون قائله.\nوقوله: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ الاسْتِفْهام هنا عَلَى حقيقتِه، والمُراد به الاستخبار، والهاء للتنبيه، والكاف حرف جرٍّ، حالتْ بين هاء التنبيه واسم الإشارةِ، مَعَ أن هاء التنبيهِ تَقْتَرِنُ باسمِ الإشارةِ، لكِن الكاف تَحُول بينها وبينَ اسمِ الإشارةِ لمباشرةِ حرفِ الجرِّ للمجرور، ولكِن أيضًا هُوَ خَاصّ بالكافِ، لو أَنَّك أتيتَ بحرفِ جرٍّ سِوَى كافٍ ما جازَ أنْ تَفْصِلَ بينه وبينَ اسمِ الإشارةِ، لو قلت مثلًا: (أهلذا) حضرتَ؟ لا يصحُّ، يعني ما يُفصَل بين اسمِ الإشارةِ وبينَ هاءِ التنبيهِ بأيِّ حرفٍ من حروفِ الجرِّ إِلَّا بالكاف فقط.\nإِذَنْ نَقُول: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ الجارُّ والمجرورُ خبرٌ مقدَّمٌ، وعرشك مبتدأ مؤخَّر،","vol":"1","page":233},{"text":"وتقديم الخبر هنا جائز وليس بواجبٍ؛ لأجل الاسْتِفْهامِ؛ لِأَنَّ له الصَّدارَةَ.\nوهنا ما قَالُوا: أهَذَا عرشك؟ بلْ قَالُوا: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ يعني هل عَرْشُكِ مثل هَذَا؟ هِيَ أجابت بمثل ما سُئِلَتْ عنه، فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ و(كأنَّ) للتشبيهِ، ولم تقل: إنَّهُ هُوَ، ولم تنفِ السَّبَب لأَنَّهُ مشابِهٌ لعرشها من حَيْثُ الأَصْلُ، ومخالِف له من حَيْثُ الصِّفةُ؛ لِأَنَّهُ غُيِّر، وهَذَا أيضًا من ذكائها أَنَّهَا لمّا وقع فِي نفسها أَنَّهُ عرشها لكِن تغيَّرتْ صِفته قالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ والجوابُ مطابِقٌ للسؤالِ، والمُفَسِّر سَلَكَ فِي هَذَا مَسْلَكًا غريبًا؛ قَالَ ﵀: [فَعَرَفَتْه وشَبَّهَتْ عليهم كما شَبَّهُوا عليها، إذْ لم يَقُلْ: أهَذَا عَرْشُكِ؟ ولو قيل: هَذَا لقالتْ: نعمْ]، قوله: شَبَّهَتْ عليهم، أي: لَبَّسَت عليهم، وَلَيْسَ المُرادُ التشبيه، وجوابها مطابِق للسؤالِ ومطابِقٌ لِمُقْتَضَى الحالِ، أَمَّا مطابقته للسؤالِ فلأنه قيل لها: ﴿أَهَكَذَا﴾ يعني أهو مثل هَذَا؟ فَكَانَ الجواب: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾، وَأَمَّا مطابقته لمقتضى الحال فلأن المَرْأَةَ رأتْ أنَّ العَرْش قد غُيِّر، فلم تَجْزِمْ بِنَفْيِهِ ولم تَجْزِمْ بإثباتِه، فإن نُظِر إِلَى أصلِ العَرْش فَهُوَ هو، وإن نُظِرَ إِلَى صِفَتِهِ فليسَ إيَّاه، لذلك كَانَ جوابها جيدًا جدًّا، وَلَيْسَ فِيهِ تشبيه كما قَالَ المُفَسِّر ﵀، ولو قَالُوا: أهَذَا عَرْشُكِ، لا ندري هل تقول: نعم أو تقول: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾؟\nوجَزْمُ المُفَسِّر بأنها تقول: نعم، لَيْسَ بصحيحٍ؛ لِأَنَّ المَرْأَة ذكيَّة جدًّا، والْإِنْسَان إذا حصلَ له مثل هَذِهِ الحالِ فإنه لا يَجْزِم بأن ما شاهده هُوَ ما كَانَ يعرفه من قبل، بل إنَّ مُقْتَضَى الحزمِ والتحرُّز أن يقولَ: ﴿كَأَنَّهُ هُو﴾، هَذَا مُقْتَضَى الحزمِ، لا سيما مَعَ القرائنِ الَّتِي تُبْعِدُ أنْ يَكُونَ إيَّاه كما فِي هَذِهِ القصةِ، فَإِنَّهُ عرش مَحُوط مَحْرُوس من مكانٍ بعيدٍ، فيَبْعُد أن يَمْثُلَ أمامها فِي هَذهِ الحالِ.\nالمهمُّ الْآنَ أننا نأخذ من جوابها هَذَا ذكاءها من وجهينِ:","vol":"1","page":234},{"text":"أولًا: أَنَّهَا أجابتْ بجوابٍ مطابِقٍ للسؤال.\nوثانيًا: أَنَّهَا أجابتْ بجوابٍ مطابِقٍ لمقتضَى الحالِ؛ إذ الجزمُ بهَذَا تسرُّع، ونفيه تباطُؤٌ أيضًا لاحتمالِ أنْ يَكُونَ إيَّاه.\nثم قَالَ المُفَسِّر ﵀: [قال سُلَيْمَان لمَّا رأى لها معرفةً وعِلمًا: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾]، ووجهُ ارتباطِ هَذِهِ الجملةِ بما سبقَ أن سُلَيْمَان أرادَ أنْ يَتَحَدَّثَ بما أنعمَ اللهُ به عليه منَ العلمِ، والعلمُ يشملُ العلمَ الشَّرْعِيَّ ويشملُ العلمَ بقواعدِ المُلْكِ ومُثبِّتاته، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، يَعْنِي: كَأنَّ الملأ من قومه لمّا رأَوْا ما رأوا من ذكائها ومعرفتها وتحرُّزها وتثبُّتها رأوا أمرًا عظيمًا، فأراد سُلَيْمَان - ﷺ - أن يُذَكِّرَهُمْ بما هُوَ أعظمُ من ذلك، وَهُوَ ما آتاهم الله تَعَالَى منَ العلمِ السابقِ والإِسْلامِ ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾.\nويرى بعضُ المفسِّرين أن قوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾ من قول المَرْأَة وأن المسألةَ متَّصِلة، وَيكُون قوله: ﴿مِنْ قَبْلِهَا﴾ أي: من قبل هَذِهِ القضية، أي أننا عندنا علم من قبلِ هذه القضيةِ، فلا تعجبوا من عِلْمِنَا بهَذَا فإنَّ لنا عِلمًا سابقًا، ولكِن هَذَا الاحتمال وإن ذُكِرَ بعيدٌ، والصَّوابُ أنَّ هَذَا من قول سُلَيْمان ﵊ يتحدث فِيهِ بنعمةِ اللهِ ﷾ عليه وَعَلَى قومه السابقة لمعرفة هَذِهِ المَرْأَة.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إن قوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾ يَدُلّ عَلَى أن قائل: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ هُوَ سُلَيْمَان - ﷺ - لا أحد جنوده؟\nفالجواب: محُتْمَل، لكِن لا يَتَعَيَّن من قوله: ﴿وَأُوتِينَا﴾؛ لِأَنَّهُ قد يقوله أحد جنوده، ثُمَّ يتكلم سُلَيْمَان بَعْد ذلك بعدَما تَحْصُل هَذِهِ المشاهدةُ، فيقول: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾.","vol":"1","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> التَّوْرِيَة فِي الكَلامِ، وَهُوَ أنْ يُظْهِرَ الْإِنْسَانُ شيئًا غيرَ ما يريدُ، فإن قولهم: ﴿أَهَكَذَا﴾ تَوْرِيَة؛ لِأَنَّ حقيقةَ الأَمْرِ أن العَرْش الَّذِي بين أيديهم هُوَ عرشها، فكَانَ مُقتضى الاسْتِفْهام أَنْ يَقُولُوا: (أهَذَا عرشُكِ؟) لكِن أتَوْا بصيغة التورية لإبعاد الأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ كونها عرشها قد تتسرَّع وتقول: لا؛ لِأَنَّهَا تَسْتَبْعِد أن يَكُونَ العَرْش قد حَضَرَ فِي هَذِهِ المدَّة وعليه الحرسُ وعليه المغاليقُ، فقيل لها: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> أنَّ الجوابَ يَنبغي أنْ يَكُونَ مطابِقًا للسؤالِ؛ لِأَنَّهَا قالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ بالتشبيه ولم تقلْ: هو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span> ذكاءُ هَذِهِ المَرْأَةِ باحترازِها ممَّا يُخْشَى أنْ يَكُونَ خَطَأً؛ لِأَنَّهَا لو قالتْ: لا، فقد يَكُون هو، ولو قالتْ: نعم، فقد يَكُون غيره، فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ فاختارتْ هَذَا للسببينِ اللَّذَيْنِ ذكرناهما فِي التفسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:</span> أَنَّهُ ينبغي للإِنْسَانِ أن يَتَحَدَّثَ بنعمةِ اللهِ تَعَالَى عليه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ لِأَنَّ الصَّحيحَ أنَّ هَذِهِ الجملةَ من كلامِ سُلَيْمَان، وإن كَانَ بَعْضُهُم ذكرَ احتمالًا أَنَّهُ من كلامها، لكِن الصَّحيح أنَّهُ من كلامِ سُلَيْمَان، ولا يمكن أن يقالَ: إنَّ القائل هُوَ الله جَلَّ وَعَلَا، فاللهُ جَلَّ وَعَلَا لا يَصِفُ نفسَه بأنه مسلمٌ، ثُمَّ إِنَّهُ قَالَ: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ ولم يقل: وآتَيْنَا.\n* * *","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>الآية (٤٣)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل: ٤٣].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَصَدَّهَا﴾ عن عبادةِ اللهِ ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾]، إذن ﴿مَا﴾ فِي قوله: ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إعرابها فاعل، يَعْنِي: صَدَّها الَّذِي كانت تعبد من دون اللهِ، ويَحتمِلُ أن تكونَ ما مصدرَّيةً، أي: وصَدَّها كونها تَعْبُدُ من دون اللهِ، لَكِنَّهُ وإن كَانَ سائغًا لغةً لَكِنَّهُ لَيْسَ له مَحَلّ هنا، فـ ﴿مَا﴾ هَذِهِ اسْم موصول.\nوَقِيلَ: إن ﴿وَصَدَّهَا﴾ الفاعل يعود عَلَى سُلَيْمَان، أي أن سُلَيْمَان مَنَعها ما كانت تعبدُ من دونِ اللهِ، أي: منعها عمَّا كانتْ تعبدُ من دونِ اللهِ بسببِ ما رأتْ من المُلك العظيم الَّذِي لِسُلَيْمَان ﵊، ولكِن الأوَّل أَوْلَى بالسياق أنَّ (ما) فِي قوله: ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾ فاعل، لكِن نحن لا بأسَ أن نذكرَ الاحتمالَ؛ لِأَنَّهُ ربما عند التأمُّل يَظهَر أن هَذِهِ الاحتمال صحيحٌ.\nوقوله: ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾ الَّذِي كانتْ تعبدُ من دونِ اللهِ هو الشَّمْسُ، والعائدُ عَلَى ﴿مَا﴾ الموصولةِ محذوفٌ، والتَّقْدير: (ما كانت تعبدُهُ من دونِ اللهِ)، و(صَدَّ) بمعنى صَرَفَ، ومناسبةُ قولِه: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ لمِا سَبَقَ أَنَّهُ يُقال: إنَّهُ كالجوابِ عن سؤالٍ مقدَّر وَهُوَ إذا كانت هَذِهِ المَرْأَة بهَذِا الذكاء وهَذِهِ المعرفة فلماذا لم تَعْبُدِ اللهَ، مَعَ ظهور أنَّ العِبادَة لله وحدَه؟","vol":"1","page":237},{"text":"فبَيَّنَ أن الَّذِي صدَّها عن عبادةِ اللهِ أَنَّهَا اشتغلتْ من أوَّل أمرها بعبادة غيرِ اللهِ؛ لِأَنَّهَا كانت من قومٍ كَافِرِينَ، فنشأتْ فِي بيئةٍ كافرةٍ واشتغلتْ بعبادةِ المخلوقِ عن عبادةِ الخالقِ، وقد أخبرَ النَّبِيّ - ﷺ -: \"إِنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ\" (^١).\nفَكَأن هَذِه المَرْأَةَ مَعَ كونها ذكيَّةً وفاهمةً وعندها احترازٌ وتحفُّظٌ، كأنها مَعَ ذلك إِنَّمَا عَدَلَتْ عن عبادةِ اللهِ مَعَ ظُهُورِها ووُضُوحِها لسببِ انشغالها بالباطلِ، والنفس لَا بُدَّ أن تكونَ مشغولةً إمَّا بالحقِّ وَإمَّا بالباطلِ، ولا بد أن تكون كاسبةً، إمَّا كاسبة حرامًا أو حلالًا، إن أخذتْ ما لا حقَّ لها فِيهِ فهي كاسبةٌ حرامًا، وإنْ أخذتْ ما لها حقٌّ فهي كاسبةٌ حلالًا.\nقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ يعني بيئتها منذُ نَشَأَتْ وهم كافرونَ باللهِ ﷾، يعبدون الشَّمْسَ، فلهَذَا اشتغلتْ بعبادةِ غيرِ الله عن عبادة الله.\nوسيأتي إن شاء الله ما فِي هَذِهِ الجملةِ من الفوائدِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> أن الْإِنْسَان لَا بُدَّ أن يشغلَ نفسَه، أو لَا بُدَّ أن تكون النفس مشغولة إمَّا بحقٍّ وَإمَّا بباطلٍ، فهَذِهِ المَرْأَة انشغلتْ بالباطلِ عن الحقِّ، وقد قيل من الحِكَم: (إنْ لم تَشْغَلْ نفسَكَ بالحقِّ شَغَلَتْكَ بالباطِلِ). وَقِيلَ أيضًا: (الوقت كالسيفِ، إنْ لم تَقْطَعْهُ قَطَعَكَ)، وهَذَا صحيح. وَفي الحديث الصَّحيح أن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ: \"كُلُّكُمْ\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، حديث رقم (١٣١٩)؛ ومسلم، كتاب القدر، باب معنى كُلّ مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين، حديث رقم (٢٦٥٨)، عن أبي هريرة - ﵁ -","vol":"1","page":238},{"text":"حَارِثٌ وَكلُّكُمْ هَمَّامٌ\" (^١). فلا بدَّ للإِنْسَانِ أنْ يهمّ وَيعْمَل، لكِن إمَّا بخيرٍ أو بغيرِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> أن البيئة لها تأثيرٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾، فهَؤُلَاءِ القوم أثَّرُوا عليها فصارتْ كافرةً تعبد مَعَ الله غيرَه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span> التحذير من مُصاحبةِ الأشرارِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ حَتَّى لو كانوا من أقاربِك فلا ينبغي أن تصاحبَهم، وإذا كَانَ لهم حقٌّ عليك بالقرابةِ فأعطِهِمْ حقَّهم الَّذِي لهم، ولكِن لا تكن مخالِطًا لهم ومصاحِبًا لهم؛ لِأَنَّ النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ فيما يُرْوَى عنه، وَهُوَ حديث حسنٌ: \"المَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكمْ مَنْ يُخَالِل\" (^٢). وهَذَا شيءٌ واقعٌ، يَشْهَدُ له التاريخُ السابقُ والحديثُ.\nمسألة: هل البيئة تُعتبَر عُذرًا للإِنْسَانِ؟\nالبيئة لا تعتبر عذرًا؛ لِأَنَّ الواجبَ عَلَى الْإِنْسَان أن يفارقَ هَذِهِ البيئةَ، ولهَذَا وجبتِ الهجرةُ عَلَى مَنِ استطاع أن يهاجرَ، ولكِنَّ الرَّسُولَ لمّا يَقُول: \"فَأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ\" (^٣) فإنه يُخْبِرُ، والخبرُ لا يَلْزَم منه الجوازُ، فقد قَالَ - ﷺ -: \"لتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ\" (^٤) وهَذَا خبرٌ، فهل معناه أَنَّهُ يجوز أن نفعلَ؟ ! وقَالَ:\n_________\n(^١) قال السخاوي في المقاصد الحسنة (١/ ٥١٠): حديث كلكم حارث وكلكم همام، ذكره الحريري في صدر مقاماته وجعل معوله فيها ويقرب منه: \"أصدق الأسماء حارث وهمام\".\n(^٢) رواه أبو داود، كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس، حديث رقم (٤٨٣٣)؛ والترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في أخذ المال بحقه، حديث رقم (٢٣٧٨)؛ وأحمد (٢/ ٣٠٣) (٨٠١٥)، عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) رواه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النَّبِيّ - ﷺ -: \"لتتبعن سنن من كَانَ قبلكم\"، حديث رقم (٦٨٨٩)؛ ومسلم، كتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى، حديث رقم (٢٦٦٩)، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -.","vol":"1","page":239},{"text":"\"وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى تَقُومَ الظَّعِينَهُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ\" (^١). فهل معنى ذلك أَنَّهُ يجوز للمرأةِ أن تسافرَ بدونِ مَحْرَمٍ؟ لا. فما أخبر به النَّبِيّ - ﷺ - مما يقع لا يَلْزَم منه الجواز.\n* * *\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، حديث رقم (٣٤١٦)، عن خباب بن الأرت - ﵁ -.","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>الآية (٤٤)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قِيلَ لَهَا﴾ أيضًا ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾]، والقائل كما قُلْنَا: مُبهَم؛ إمَّا سُلَيْمَان أو غيره، وهَذَا الصرح يَقُول المُفَسِّر: [هو سطحٌ من زُجاج أبيض شفَّاف، تحته ماء عَذْبٌ جارٍ، فِيهِ سمك اصْطَنَعَهُ سُلَيْمَان لمّا قيل له: إن ساقَيْها وقَدَمَيْها كقَدَمَيِ الِحَمارِ]، أَمَّا قوله ﵀: إنه سطح من زجاج أبيض؛ فهَذَا صحيحٌ أنه سطح من زجاج أبيض، والأَصْل فِي الصرحِ أَنَّهُ البناء العالي كما قَالَ فرعون لهامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر: ٣٦]، لَكِنَّهُ يطلق عَلَى السطح وإن لم يكنْ عاليًا، وهَذَا عبارة عن سطح من زجاج وتحته ماء، يَقول المفسِّر ﵀: إنه جارٍ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الآيَّةِ ما يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ جارٍ، لكِن أخذ كونه جاريًا من قوله: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ لأنَّ اللُّجَّة هِيَ أمواجُ البحرِ المتردِّدة؛ لِأَنَّ كُلّ شَيْء متردد يُسمَّى لجَّة، ومنه: اللَّجَّة: تردد الأصوات وارتفاعها.\nوقوله ﵀: [فيه سمك]، لَيْسَ بشرطٍ أن يَكُون فِيهِ سمك؛ لِأَنَّ اللجة قد يَكُون فيها سمك وقد لا يَكُون، وقد يَكُون فيها سمك بعيدٌ لا يُرى.","vol":"1","page":241},{"text":"وكذلك أيضًا قوله ﵀: إنه ماء عَذْبٌ، لا يوجد دليل عَلَى أَنَّهُ عذب ولا أَنَّهُ مالِح، فلا ندري. المهمُّ أَنَّهُ ماء، بدليل ما يأتي، والماء العَذْبُ يَبقَى فِيهِ السمكُ ما شاء الله، اللهمَّ إِلَّا إذا كانت هناك أسماك خاصَّة بالماء المالحِ، لا ندري.\nالمهم عَلَى كُلّ حالٍ: كُلّ هَذَا لا داعيَ له، حَتَّى لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّهُ لَيْسَ تحته ماء، وإن هَذَا الزجاج يعطي كأنه ماء بسبب مثلًا أضلاع فِيهِ أو شَيْء آخر، لو قيل بهَذَا لم يكنْ بعيدًا؛ لِأَنَّهُ ما يَتَعَيَّن أن يَكُون تحته ماء، لكِن نحن إن تنازلنا وقُلْنَا: إن قوله: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ أي: زجاجًا شفّافًا، وكانت تظنه بحرًا.\nوأما قوله: [لمَّا قيل له: إن ساقيها وقدميها كقَدَمَيِ الحِمار]، يَقُولُونَ: إن الجنّ لمّا أنَّ سُلَيْمَان أَعْجَبَتْه هَذِهِ المَرْأَةُ همّ أنْ يَتَزَوَّجها فحَسَدُوها عَلَى ذلك، فقالوا له: إن قدميها وساقيها قدما دابَّة وساقا دابة، وجعلوها أيضًا حِمارًا لِأَنَّهُ أقبح، وهَذَا لَيْسَ بصحيحٍ، وإنما المقصود من هَذَا الصرح اختبارُ المَرْأَةِ أيضًا؛ لِأَنَّهُ لما قيل: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ هِيَ فِي الحقيقة إذا كانت تَحْسَبُه لُجَّةَ، فإذا كانتْ جبانةً لا تدخل أصلًا، وإذا كانت مُغَفَّلَةً دخلتْ وثيابها نازِلة، وإذا كانت حازِمة وشجاعة دخلت ورفعتْ عن ساقيها. ثُمَّ هِيَ أيضًا من ذكائها أَنَّهَا تعلمُ أَنَّهَا ما أُكرمت وَقِيلَ لها: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ وهي سَتُدْخَل فِي بحرٍ لجيٍّ يُغْرِقها، فعَلِمَتْ أن هَذَا البحرَ أن غايةَ ما فِيهِ أن يصل إِلَى رُكْبَتِها أو نحو ذلك، وَأَنَّهُ لا يمكن أن يَكُونَ بحرًا لُجِّيًّا عَميقًا؛ لِأَنَّهَا قيل لها عَلَى سبيلِ الإكرامِ: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾، فالمهمُّ أن هَذَا أيضًا اختبارٌ ثانٍ لذكائها وحَزْمها وشجاعتها. وَأَمَّا أن رجلها رِجل حمارٍ فهَذَا كذِب بلَا شَكّ، والأَصْل فيها أَنَّهَا امرأةٌ مثل بنات آدمَ لَيْسَ فيها شيءٌ من هَذَا.\nقَالَ المُفَسِّر: [﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ منَ الماء ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾]، وهَذَا","vol":"1","page":242},{"text":"لَا شَكَّ أَنَّهُ يَدُلّ عَلَى حَزمها وقوَّتها وشجاعتها؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان الغريب إذا حصل له مثل هَذَا الأَمْر قد يتوقف ويقول: ما أدري، أَخْشَى أنْ يَخْدَعُوني فأقع فِي هَذَا وأموت، لَكِنَّها قويَّة وحازمة أيضًا، أقدمتْ عَلَى الدخولِ لكِن مَعَ الاحترازِ عن الأذيَّة؛ حَيْثُ رفعت عن ساقيها.\nوالرفع عن الساقين قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: يُؤخَذ منه جواز إظهار المَرْأَة لساقيها؟\nفَنَحْنُ نَقُول: أولًا لا يؤخذ منه ذلك؛ لِأنَّهُ هنا فعلته للحاجة، وكشف المَرْأَة ساقيها للحاجة لا بأس به، حَتَّى فِي شريعتنا إذا احتاجت المَرْأَة إِلَى كشف ساقيها فِي مثل هَذِهِ الحال فلا حرج فيه؛ لِأَنَّ ما حُرِّم تَحْرِيمَ الوسائل تبيحه الحاجات، كما هُوَ مُقَرَّر فِي علمِ الأصولِ.\nولهَذَا يجوز النظرُ إِلَى العورة لأدنى حاجة، حَتَّى إنَّهُم قَالُوا: يجوز أن يحلق عانة مَن لا يُحْسِن حلق عانتِه، وهَذَا بالضَّرورَة سوف يَكشِف العانة لتحلقَ.\nفالحاصل: إن كانت شريعة سُلَيْمَان تُبيح مثل ذلك فلا دلالة فيه، وإذا كانت لا تُبيحه فَإِنَّهُ أيضًا لا يخالف شريعتنا؛ لِأَنَّ الحاجة هنا تدعو إليه.\nقَالَ المُفَسِّر: [﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ لتخوضه، وَكَانَ سُلَيْمَان عَلَى سريره فِي صدر الصرح فرَأَى ساقيها وقَدَميها حِسانًا]، اطمأنَّ الْآنَ الرجلُ! ولَكِنَّهَا لَيْسَ كما قَالَ المُفَسِّر، لَيْسَ الغرض من هَذَا أن يَتبَيَّنَ لسُلَيْمَان هل رجلها رجل حمار أو رجل آدميَّة، لا، الغرضُ أن يَعْرِف بهَذَا ذكاءَها وفِطْنتها وشجاعتها، وكلّ ما تدلُّ عليه هَذِهِ الصورةُ من معنى يعود إِلَى المَرْأَة فَإِنَّهُ يريده سُلَيْمَان ﵊.\nقَالَ المُفَسِّر: [﴿قَالَ﴾ لها ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ مُمَلَّس ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾ من زُجاج]،","vol":"1","page":243},{"text":"هَذِهِ الجملة أيضًا تفيد أَنَّهُ قُصِدَ به مَعَ اختبارها وامتحانها إظهارُ عظمةِ مُلك سُلَيْمَان، مثلما قُصِدَ بإحضارِ العَرْش هَذَا المقصد ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ فتبين بذلك أمران:\nأحدهما: عظمة مُلك سُلَيْمَان، حَيْثُ إن الزجاج يُصنَع له حَتَّى يَكُون كالبحرِ اللُّجِّيِّ.\nوثانيًا: الإشارة إِلَى أن هَذِهِ المَرْأَة وإن كانت ذكيَّة وعاقلةً وحازمةً فإنها يَخْفَى عليها الأَمْرُ؛ لِأَنَّهَا حَسِبَتْ أن هَذَا الزجاجَ لُجَّة منَ الماءِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كذلك، ففيه نوعٌ من إظهارِ ضَعْفِها أيضًا، حَيْثُ إِنَّها ظَنَّت الأَمْر عَلَى خلافِ ما هُوَ عليه، وسيأتي إن شاء الله تَعَالَى فِي فوائد الآيَات.\n﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ حينئذٍ عرفتْ مكانَتَها وعرفتْ مكانةَ سُلَيْمَان، وقوله ﵀: [ودعاها إِلَى الإِسْلام]، لَيْسَ فِي الآيَةِ ما يَدُلّ عليه، بل إن الظَّاهر أَنَّهَا بما شاهدتْ ألجأها ما شاهدته إِلَى أنْ تُسلِمَ؛ لِأَنَّهَا شاهدتْ أمورًا منها: إتيان عرشها، ومنها: هَذَا الصرحُ العظيمُ الممرَّد مِنَ القواريرِ، ومنها أيضًا: أن سُلَيْمَان ﵊ أَخْبَرَهَا بعظمتِه وقُوَّتِه، حَيْثُ إنَّ هَذَا الصرح الممرَّد من القوارير وَلَيْسَ ماءً.\nحينئذٍ اعترفتْ فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بعبادة غيرك]، وعبادة غيرِ اللهِ من أعظمِ الظلمِ، قَالَ الله تَعَالَى عن لقمان حين قَالَ لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] لِأَنَّ أعظم الظلم أن تَتَسَلَّط عَلَى مَن حقّه أبين وأوضح، ولا أبين وأوضح من حق الله عَلَى العبادِ، لهَذَا كَانَ الشرك أظلم الظلمِ.","vol":"1","page":244},{"text":"فعندما تخاصم إِنْسَانًا وأنت تعرف أن الْحَقّ له لا لك تُعَدُّ ظالمًا، وعندما يشتبه عليك الأَمْر بحيث ترجح ثمانين فِي المِئَة أنَّهُ له، وعشرين فِي المِئَة أَنَّهُ لك، يَكُون هَذَا الظلم أخف من الأول، وعندما يَكُون خمسين فِي المِئَة لك وخمسين فِي المِئَة له يَكُون أخف من الثاني، وعندما ترجح ثلاثين فِي المِئَة له وسبعين لك يَكُون أخف وهَكَذَا.\nفالمهم: أن الظلم يَكُون أقبح وأشنع بحسب ظهور الْحَقّ وبَيَانه، وأظهر الحقوق وأبينها عبادة الله ﷾، فيَكُون أظلم الظلم الإشراك مَعَ الله؛ أن تشركَ مَعَ اللهِ أحدًا، ولهَذَا تقول: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾.\nإِذَنِ: النفس عندك أمانة، يَجِب عليك أن تسعى لها بما فِيهِ خيرُها، فأنت يَجِب أن تسعى لنفسك بما هُوَ خيرٌ لها، فإن تجرَّأتَ عَلَى ما لَيْسَ لك فقد ظلمتَ نفسَكَ، أو فرَّطت فيما يَجِب عليك، فقد ظلمتَ نفسَك، وإذا كنت لا تستطيع أن تَتَصَرَّفَ فِي بَدَنِكَ بما تريد فكيف تستطيعُ أن تتصرَّف فِي فِعلك بما تريد.\nفلو أن إِنْسَانًا قَالَ لشخصٍ: أنا سأعطيك إصبعي اقْطَعْه وضَعْهُ فِي يدِكَ الَّتِي نَقَصَ مِنْهَا إصبعٌ، فلا يجوز، فهَذَا حرام، ولو قَالَ: سَأَقْلَعُ عيني لك وضعها فِي عينك الَّتِي لا ترَى فلا يجوز، ولو كَانَ لضرورةٍ، أَمَّا الدم فَإِنَّهُ يجوزُ التبرُّع به لِأَنَّهُ مَنفعة، أَمَّا الكُلَى فلا يجوز؛ لِأَنَّهُ ضررٌ عليك، ولا تفكِّر أن الله جَلَّ وَعَلَا يخلُق شيئًا عَبَثًا، وثانيًا لا يمكن أن يَكُون عمل كُلْيَةٍ واحدةٍ كعمل كُليتينِ، وثالثًا: لا يُؤْمَن أنْ يَلْحَقَ الكُلْيةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَطَبٌ، المهمُّ أَنَّهُ إذا كَانَ هَذَا لا يمكن فِي جِسْم مَآلُهُ إِلَى الفناءِ، فكيف يَكُون ذلك فِي الأفعالِ الَّتِي عليها مَدارُ سعادةِ العبدِ، فلا يجوزُ أن تتصرفَ فِي أفعالِكَ بما يعود عَلَى نفسِكَ بالضررِ، فإنْ فعلتَ فأنتَ ظالمٌ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَسْلَمْتُ﴾ كائنة ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾]، أفاد","vol":"1","page":245},{"text":"المُفَسِّر بتقدير كائنة أنَّ الظرفَ فِي قوله: ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ فِي موضع الحالِ، يعني أسلمتُ حالةَ كوني ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ للهِ ربِّ العالمينَ، وهنا تعتبر مسلمة، فإذا قَالَ الرجل: أسلمتُ، ولو لم يَقُلْ: أشهدُ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللهِ فقدْ أسلمَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، فإذا عَّبر الْإِنْسَان عن العَمَلِ بما يَدُلّ عليه من فعل حُكِمَ عليه به، ولهَذَا لَوْ قَالَ قَائِلٌ لإِنْسَانٍ: حلفتُ عليك أن تفعل كذا، صار يمينًا، لو لم يقلْ: واللهِ ﷾، أو قال: حلفتُ لا أفعل كذا، صار يمينًا، وإن لم يقل: بالله؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الفِعْل، فإذا قَالَ: أسلمتُ، صار إسلامًا، وإنْ لم يقلْ: أشهد أن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وأن مُحَمَّدًا رسول الله.\nإِذَنْ: قوله: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فِيهِ أَنَّهَا أسلمتْ إسلامًا كاملًا، حَيْثُ أقرَّت بألوهيَّة الله فِي قولها: ﴿لِلَّهِ﴾ وبربوبِيَّتِهِ الْعَامَّة فِي قولها: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nقَالَ المُفَسِّر: [وأراد تَزَوُّجَهَا فكَرِهَ شعرَ ساقيها، فعَمِلَتْ له الشياطينُ النُّورَةَ فأزالتْه]، الحقيقة أن هَذِهِ مشكلة! بقِينا فِي الشعر وجاءتنا هَذِهِ البليَّة! يَقُول: [فعَمِلَت له الشياطين النُّورة]، والنورة تزيل الشعرَ، ويقال: إن أوَّل مَن عُمِلت له النُّورة ساقُ بِلْقِيس بأمرِ سُلَيْمَان حَيْثُ إن الشياطين عمِلتها له. وكل هَذَا كذِب ويجب أن يُنَزَّه كلام الله عن مثلِ هَذِهِ الأَشْيَاء.\nوموقفنا مَعَ مثل هَؤُلَاءِ العُلَماءِ أن نسألَ اللهَ لهم العفوَ وأن اللهَ يسامحهم؛ لِأَنَّ كونهم يَضَعون فِي كلام الله مثل هَذِهِ الأُمُور، فهَذَا من الأَشْيَاء الَّتِي يَتَنَقَّصُ بها الْإِنْسَان كلامَ اللهِ ﷿، وأكثرُ ما وردتْ هَذِهِ كما قَالَ ابنُ كثيرٍ فِي هَذَا الموضع عن رجلينِ، وهما كَعْبُ الأحبارِ ووَهْبُ بنُ مُنبَّهٍ، فإنهما أدخلا كثيرًا من الإسرائيليات","vol":"1","page":246},{"text":"فِي كلامِ اللهِ وغيره مما ينقُلونه؛ فنسأل الله أن يعفو عنهما.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [فأزالتْه فتزوجها وأحبَّها وأقرَّها عَلَى مُلْكِها، وَكَانَ يزورها فِي كُلّ شهرٍ مرَّةً ويقيم عندها ثلاثةَ أيامٍ]، فَكَانَ كالمتزوِّج بالثيِّب [وانقضى مُلْكُها بانقضاء مُلْك سُلَيْمَان، رُوِيَ أَنَّهُ مَلَكَ وَهُوَ ابن ثلاثَ عشْرةَ سنة، وماتَ وَهُوَ ابن ثلاثٍ وخمسينَ سنةً، فسبحانَ مَن لا انقضاءَ لِدَوَامِ مُلْكِهِ].\nوالمُفَسِّر ﵀ يُنْتَقَد بأن الأَشْيَاء المهمَّة يختصرها، حَتَّى فِي بعض الأحيان يَكُون تفسيره كالرُّمُوز، ثُمَّ يأتي بهَذه الأَشْيَاء الَّتِي لَيْسَ لها أصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> عَظَمَة مُلْك سُلَيْمَان، وتَسخيرُ اللهِ له، ففي ذلك الوقتِ حَسَب عِلْمنا لَيْسَ هناك أفرانٌ تصهر الزجاج ليفعل به الْإِنْسَان كما يشاء، ولكِن لَا شَكَّ أن الزجاج موجود، قد يَكُون مستخرَجًا من البحرِ؛ تَستخرجه الشياطين، وقد يَكُون هناك أيضًا مصاهر وأفران حسب حالهم، ولهَذَا قَالَ الله عن الشياطين: إنهم ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣]، ﴿وَجِفَانٍ﴾ هِيَ جمع جَفْنَةٍ، وهي الصَّحْفَة، والجوابي جمعُ جابيَةٍ، وهي البِرْكَةُ الكبيرة، ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ يعني لا تُنْقَل لِكِبَرِها وعِظَمِها.\nفالحاصل أننا نَقُول: إن هَذَا فِيهِ دليلٌ عَلَى عظمةِ مُلْك سُلَيْمَان، حَيْثُ سُخِّرَ له الجنُّ والإنسُ يَعْمَلُون له ما يشاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> جواز اختبارِ المرءِ كما سبقَ، وهَذِهِ القصةُ فيها عدةُ اختباراتٍ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ ليَرَى هل تهابُ فلا تدخُل، أو تغامر فتدخل بدون تحرُّز،","vol":"1","page":247},{"text":"أم ماذا تصنع، فالمَرْأَة بذكائها دخلتْ ولكِن مَعَ التحفُّظ والاحتراز، ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ أي: رفعتْ ثوبها حَتَّى بان الساقانِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span> أن المَرْأَة من قديم الزمانِ شِيمَتها التستُّر؛ لِأَنَّ قوله: ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ دليل عَلَى أن الأَصْلَ أَنَّهَا مستورةٌ، وَهُوَ كذلك، بخلاف الرجلِ فإنَّ \"أُزْرَة المُسْلِمِ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ\" (^١). الْآنَ أصبح الأَمْرُ بالعكسِ عندَ كثيرٍ من المُسلِمينَ مَعَ الأسفِ، فأصبحَ الرِّجال ثِيَابهم مُسْبَلَةً، والنِّسَاء ثيابهنّ قَصيرةً، وهَذَا خلافُ الفِطرةِ الَّتِي فَطَرَ الله عليها الخلقَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:</span> أن الرؤيةَ قد تُكَذّب، وأن ما يدرك بالحواسّ لَيْسَ عَلَى الأَمْر الواقعِ مائةً بالمِئَةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾؛ فإنَّ هَذَا كما هُوَ الواقع صَرْحٌ مُمَرَّد من قواريرَ، وتنظر إليه نظر العين ومع ذلك تَحْسَبُه لُجَّة، فدلَّ هَذَا عَلَى أن ما يُدْرَك بالحواسّ قد يقعُ فِيهِ الخطأُ، قد يَرَى الْإِنْسَان الشَّيْءَ المتحرِّكَ ساكنًا، والساكنَ متحرِّكًا، والأبيضَ أسودَ، والرجلَ امرأةً، بل قد يَتَخَيَّل له فِي بَصَرِه شيئًا وَلَيْسَ له حقيقةٌ.\nوكذلك بالنِّسْبَةِ للسمع، وبهَذَا نَعْلَمُ أنَّ الشهاداتِ ورواياتِ الأخبارِ وغيرها كلها يُمْكِن أنْ يقعَ فيها الخطأ، وليستْ معصومةً مائةً بالمِئَةِ، ولكِن لَا شَكَّ أَنَّهُ كلَّما تَوَارَدَتِ الأخبارُ وتكاثَرَتْ فَإِنَّهُ يَدُلّ عَلَى أنَّ الأَمْرَ متأكَّد، ولكِن نفي احتمال الخطأ مهما بلغَ الرائي أو السامع من الْقُوَّة والأمانة فإن الخطأ عُرْضَة فيما رأَى أو فيما سَمِعَ، بل فِي المَلْمَسِ، فقد تَلْمَس الشَّيْءَ فتَظُنّه لَيِّنًا أو أملسَ وبالعكسِ، فالرجل الفلّاح يَلْمَس الشَّيْء الخشِن فيظنّه أملسَ، والناعمُ يَلْمَس الخشِنَ البسيط جدًّا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود: كتاب اللباس، باب في قدر موضع الإزار، رقم (٤٠٩٣)، وابن ماجه: كتاب اللباس، باب موضع الإزار أين هو، رقم (٣٥٧٣).","vol":"1","page":248},{"text":"فيجده كالشوكِ.\nفالحاصل: أن المسألةَ حَتَّى فِي الأُمُورِ الحِسِّيَّة الخطأ يمكن أن يقع، فما بالُكَ بالأُمُورِ العقليَّة؟ من باب أَولى وأعظم، وبه نعرِف ضعف الْإِنْسَان وَأَنَّهُ بحاجةٍ ماسَّة إِلَى عِلْمِ الشرعِ والوحيِ، فمهما بلغ فإنه بحاجةٍ إِلَى هَذَا الأَمْرِ.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: جعل الحواسّ من القَطْعِيَّات كما هُوَ عند المناطِقَةِ يَكُون عَلَى هَذَا خطأً؟\nفالجواب: لا شكَّ فِي هَذَا، لكِن باعتبارِ الفكرِ وباعتبارِ العقلِ صحيح، إِنَّمَا الوهم قد يقع فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:</span> أَنَّهُ يَنبغي تأكيد الكَلام فِي موضعِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾، ما قَالَ: هَذَا صَرْحٌ، قَالَ: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ﴾ و(إنَّ) للتوكيد، والتَّوْكيد هنا فِي مَحَلِّه؛ لِأَنَّهَا وإنْ لم تَكُنْ منكِرةً لكِنَّ حالَها حالُ المُنْكِرِ، حَيْثُ ظنَّته لُجَّة وكشفتْ عن ساقيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:</span> أن الله ﵎ قد يَهَبُ المرءَ ما يُوجِب له أن يُسْلِمَ، بل قد يُيَسِّر له الأَسْبَاب الَّتِي تُوجِب إسلامَه بكلِّ سهولةٍ؛ لِقَوْلِها: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ هَذِهِ المَرْأَةُ حَسَب القصة ما وجدنا أَنَّهَا دُعِيَت وأُكِّد عليها وبُيِّنَ لها الخطأ إِلَّا فِي قوله فِي أول القصة: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١]، لكِن لما شاهدتْ ما شاهدتْ من عظمةِ مُلك سُلَيْمَان وقوّته، عرفتْ أَنَّهُ لَا بُدَّ أن تُسْلِم، وهي تتذكر كتابَه الَّذِي قَالَ فيه: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فإمَّا أن تسلم وَإمَّا أن يقضي عليها، ولَكِنَّهَا أسلمتْ.","vol":"1","page":249},{"text":"فهَكَذَا إذا يسَّر الله تَعَالَى للعبدِ ما به الهداية فإن الأَمْرَ يَكُونُ عليه يسيرًا، وإذا لم يَتيَسَّرْ له أصبحَ كُلّ مانعٍ يَمْنَعُه منْ الِاهتداء وإنْ لم يكنْ مانعًا قويًّا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:</span> أنَّ المَرْأَةَ آمنتْ بسُلَيْمَان، لم تُسْلِمْ إسلامًا مُطْلَقًا، يعني ما قالتْ: إني أسلمتُ للهِ فقطْ، بل صَرَّحَتْ بأنها تابعةٌ لسُلَيْمَان، يعني ما آمنتْ بنبيٍّ آخرَ أو بشريعةٍ أُخرى، آمنتْ بشريعةِ سُلَيْمَان فكانت من قَوْمِه، مَعَ أَنَّهَا كانتْ فِي سبأ فِي اليمنِ وسُلَيْمَان فِي الشامِ؛ لِأَنَّهَا قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ فدلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهَا آمنتْ به؛ لِأَنَّ ﴿مَعَ﴾ للمصاحبةِ، فكانت من أصحابِهِ المُؤْمِنيِنَ به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ:</span> أن المَعاصِيَ ظلمٌ للنفسِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾، وسبقَ وجهُ ذلكَ وأنَّ الْإِنْسَان مؤتمَن عَلَى نفسِهِ؛ مؤتمن عَلَى نفسه من حَيْثُ السلوكُ والسيرُ، ومؤتمن عَلَى نفسه من حَيْثُ التصرفُ فِي مالِه، ومؤتمَنٌ عَلَى نفسِهِ من حَيْثُ التصرُّفُ فِي بدنِهِ، ولهَذَا نُهِيَ عن إضاعةِ المالِ (^١)، ونُهِيَ عن قتلِ النفسِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وَأُمِرَ بالدواءِ: \"تَدَاوَوْا وَلَا تَدَاوَوْا بِالحَرَامِ\" (^٢)، وأُمِر بالأكل وبالشرب وباللباس وبالوقاية من الحرّ والوقاية من البرد، كُلّ هَذَا من أجل حِفْظ النفسِ الَّتِي هِيَ أمانة عندكَ، فالْإِنْسَان لَيْسَ حُرًّا يَتَصَرَّف كما يشاءُ فِي بدنه أو كما يشاء فِي سلوكه أو كما يشاء فِي مالِه، لا، هُوَ مُقَيَّد.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس، باب ما ينهى عن إضاعة المال، حديث رقم (٢٢٧٧)؛ ومسلم، كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة والنهي عن منع وهات وهو الامتناع من أداء حق لزمه أو طلب ما لا يستحقه، حديث رقم (٥٩٣)، عن المغيرة بن شعبة - ﵁ -.\n(^٢) رواه أبو داود، كتاب الطب، باب في الأدوية المكروهة، حديث رقم (٣٨٧٤)، عن أبي الدرداء - ﵁ -.","vol":"1","page":250},{"text":"لَوْ قَالَ قَائِلٌ: فِي بعض الآياتِ يُنْسَب الظُّلْمُ للنفسِ، وهنا نُسِبَ إِلَى الفاعِلِ؟ فالإجابة: لأنَّ الْإِنْسَانَ فِيهِ نفسانِ، وَقِيلَ: ثلاثةُ أنفسٍ؛ أمَّارة ومُطْمَئِنَّة ولوَّامة، والصَّوابُ أنَّ اللوَّامة من صفاتِ الاثنتينِ، فالنفسُ إمَّا أمَّارة، وهي الَّتِي تأمرُ بالشرِّ وتَنْهَى عنِ الخيرِ، وَإمَّا مُطْمَئِنَّة، وهي الَّتِي تأمر بالخيرِ، وقولها: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ الَّتِي تقوله النفسُ المطمئنَّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ:</span> إثباتُ عُمُومِ رُبُوبِيَّة اللهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولا أحدَ له الرُّبُوبِيَّة الْعَامَّة الشاملة سِوَى الله ﷿، فالْإِنْسَان قد يَكُونُ ربًّا لبيتِه وقد يَكُون ربًّا لدابَّتِه، وقد يَكُون ربًّا لمملوكِهِ كما فِي الحديث الصَّحيح: \"أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا، وَأَنْ ترى الحُفَاةَ الْعُرَاةَ\" (^١).\nوتقدَّم لنا فِي التفسيرِ أن ما ذكره المُفَسِّر من هَذِهِ الإسرائيلياتِ أَنَّهُ لا يَجِب التَّصْديقُ بها، بل ما كَانَ مِنْهَا مخالفًا للقرآنِ أو لا يليق بحالِ النَّبِيّ فَإِنَّهُ يجبُ تكذيبُه، وما كَانَ مِنْهَا لَيْسَ مخالفًا ولا منافيًا لما يليقُ بالنَّبِيّ فَإِنَّهُ لا يصدَّق ولا يكذَّب، ولا ينبغي أن يُحْكَى فِي التفسيرِ؛ فإنَّهُ إذا حُكِي فِي التفسيرِ معناه أَنَّهُ صُدِّقَ حَيْثُ جُعِلَ تفسيرًا لكلامِ اللهِ.\nفائدة: القطعُ باسمها الظَّاهر منَ الأَشْيَاء الَّتِي لا تُصَدَّق ولا تُكَذَّب، لكِن لاشتهارها فلا مانعَ.\n* * *\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، حديث رقم (٤٤٩٩)، عن أبي هريرة - ﵁ -، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ...، حديث رقم (٨)، عن عمر بن الخطاب - ﵁ -.","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>الآية (٤٥)</span>\n* * *\n\nقَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥)﴾ [النمل: ٤٥].\n* * *\n\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ هَذِهِ الجملةُ فيها ثلاثةُ مؤكِّدات: القَسَم واللام وقد، ﴿أَخَاهُمْ﴾ مَفْعُول ﴿أَرْسَلْنَا﴾، و﴿صَالِحًا﴾ عطف بَيَان له وَلَيْسَ بدلًا؛ لِأَنَّ كونَه عَطْفُ بَيَان أوضحُ؛ إذ إنَّهُ يُبَيِّن المُبْهَم فِي قوله: ﴿أَخَاهُمْ﴾.\nيَقُول الله تَعَالَى: ﴿إِلَى ثَمُودَ﴾ ثمود هَذِهِ قبيلة موجودة فِي مكانٍ يُسمَّى الْآنَ مدائنَ صَالِح، ويسمَّى الحِجْر، ويُسمَّى ديارَ ثَمُود، هَذِهِ القبيلةُ يَسَّرَ اللهُ ﵎ لها من أَسْبابِ العمران فِي السهلِ والجبلِ ما بَرَزَتْ به عَلَى غيرِها، كما قَالَ لهم نبيُّهم مذكِّرًا لهم: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩)﴾ [الشعراء: ١٤٩]، أرسلَ الله إليهم صالحًا وأتاهم بآيَةٍ عجيبةٍ، وهي ناقةٌ لها شِرْبٌ وللقومِ شِرب، يعني أن هَذِهِ البئر الَّتِي تشرب مِنْهَا الناقة وهي أوسع الآبار وأغزرها ماءَّ، أُذن لهم أن يشربوا مِنْهَا يومًا، وأُمِروا بأنْ يَدَعُوها يومًا للناقةِ تَشرب منها، وتذهب فِي اليوم الثاني للرعي، وَفِي اليومِ الَّذِي تشرب منه، قيل: إنَّهُم يأتون إليها، ومَن سقاها دلؤا أعطته دلوًا منَ اللَّبَن، وهَذَا من الأُمُور الإسرائيليَّة الَّتِي لا تُصدَّق ولا تكذَّب، لكِنَّهم مَعَ هَذِهِ النعمةِ العظيمةِ فِي هَذِهِ الناقةِ كَفَروها والعياذُ باللهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾ [القمر: ٢٩]، عَقَرَ هَذِهِ الناقة وكَفَروا بهَذه النعمةِ العظيمةِ.","vol":"1","page":252},{"text":"يَقُول المُفَسِّر ﵀: [﴿أَخَاهُمْ﴾ من القبيلةِ]، لماذا قَالَ: من القبيلة؟ احترازًا من الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أخا لهم إِلَّا نفرًا يسيرًا آمنوا معه.\nثم قَالَ ﵀: [﴿أَنِ﴾ أي بأن ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾]، أفادنا المُفَسِّر أنَّ (أنْ) هنا مصدرَّية، ولكِن يجوز فيها وجهٌ آخرُ أن تكون تفسيرَّية؛ لِأَنَّ ﴿أَرْسَلْنَا﴾ يتضمن: أوحينا، والوحي فِيهِ معنى القَوْلِ دونَ حُرُوفِه، وهَذَا هُوَ دلالة (أنِ) التفسيرية، أن يَسْبِقَها فعلٌ فِيهِ معنى القَوْلِ دون حروفِه.\nإِذَا قُلْنَا: إنَّهَا تفسيرَّية ما صحّ أن نقدِّر الباء، أي: (بأن) بل نقدِّر (أن) بمعنى (أي) أي اعبدوا الله، يَعْنِي: أَوحينا إليه أي اعبدوا الله.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وَحِّدوه]، وهَذَا مأخوذ من تفسير ابن عبَّاس فيما أَظُنُّ فِي قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، قَالَ: لِيُوَحِّدُون.\nفجعل العِبادَةَ هِيَ التوحيدَ، ولكِن الصَّحيح أن العِبادَةَ التذلُّل لله ﷾ بالطاعة؛ لِأَنَّ هَذِهِ المادة: العين والباء والدال تدل عَلَى الذلّ، ومنه قولهم: طريق معبَّد أي مذلَّل لسالكيه، فعبادة الله معناها الذلُّ له بالطاعةِ، ومنه، بل من أعظم ذلك تَوْحِيدُه، فالصَّوابُ أن المُراد بالعِبادَة التذلُّل لله ﷾ بالطاعة.\nقال تَعَالَى ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ الفاء حرف عطفٍ، و(إذا) فُجائيَّة، يعني فما الَّذِي حصل بَعْد إرسالِه، إذا المفاجأة بالتفرُّق.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ فِي الدين، فريق مؤمنون من حين إرسالِهِ إليهم، وفريق كافرون].\nانقسم قومه إِلَى قسمينِ: قسم آمنوا به وقسم آخر كفروا به، والَّذِينَ آمنوا به هم","vol":"1","page":253},{"text":"المستضعَفُونَ، كما قَالَ الله تَعَالَى فِي سورة الأعراف: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، ما قَالَ: أَتُؤْمِنُونَ به ﴿أَتَعْلَمُونَ﴾ فماذا قَالَ هَؤُلَاءِ: ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٧٥]، يعني لسنا نعلمُ فقط، بل نعلم ونؤمِن: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦]، ما قَالُوا: إنا به كافرون بالذي آمنتم به؛ لإظهار المضادَّة لهم والمعاندة، يعني ما دام آمنتم به وأنتم الضعفاء فنحن ضِدّكم دائمًا ﴿إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، وهَذَا أبلغ ما يَكُون - والعياذُ بالله- من المضادَّة والمحادَّة والاستكبارِ أيضًا، كأنهم يَقُولُونَ: الَّذِي تؤمنون به نحن نكفرُ به، هَؤُلَاءِ الفريق آمنوا وفريق كفروا.\nقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ يعني يجري بينهم خِصام، وهَذَا الخصام الَّذِي جرى بين قومِ صالحٍ جرى أيضًا فِي قوم الرَّسُول - ﷺ - وكل النَّاس قاوموه ولا بد، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١]، فلَا بُدَّ من هَذَا، ولا يُمْكِن أنْ يَتَمَحَّصَ الحَقّ إِلَّا بظهورِ العدوِّ؛ لِأَنَّ العدوَّ يُورِدُ، والوحي يُجيب، حَتَّى يَتَمَحَّصَ الْحَقُّ بيِّنًا ظاهرًا، حَتَّى فِي الأُمُور الواقعية، وحَتَّى فِي الانتصارِ وَفِي الخِذلان يَحْصُل هَذَا أيضًا، فالله ﵎ ذكر من فوائدِ الخِذلان فِي أُحُد ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾ [آل عمران: ١٤١]، فلا يَتبَيَّن الْحَقّ تمامًا إِلَّا بظهورِ عدوٍّ له يناقضه ويعاديه حَتَّى يَظْهَرَ الْحَقّ عَلَى الباطل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> أَنَّهُ يَجِب أحيانًا تأكيدُ الأخبارِ المهمَّة ليَكُونَ المخاطَبُ عَلَى يقينٍ منها، ولا تَقُل: أنا لستُ ملزومًا ولا يُهِمُّنِي صَدَّق أم كذَّب، بل إنَّ مُقْتَضَى النُّصح أن","vol":"1","page":254},{"text":"تؤكِّد ما يَنْبَغِي تأكيده للمخاطَبِ، وجه ذلك: أن اللهَ ذكرَ أَنَّهُ أرسلَ إِلَى ثمودَ أخاهم صالحًا وأكَّد هَذَا الخبرَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> أن الرسُل السابقينَ رِسالتهم خاصَّة وليستْ عامَّةً؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ﴾ ما قَالَ: إِلَى النَّاس جميعًا، بل قَالَ: ﴿إِلَى ثَمُودَ﴾ وهَذَا ثبتَ به الحديثُ عن النَّبِيّ - ﷺ - فِي قولِهِ: \"وَكانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span> أَنَّهُ يَصِحّ إطلاق الأُخُوَّة النَّسَبِيَّة بين المسلمِ والكافرِ، فلا يقال: إذا انتفتِ الأخوَّة الإِيمانية انتفت الأخوَّة النَّسَبِيَّة، بل إذا انتفى أحدهما يبقى الآخرُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:</span> أن الَّذِي أُرسلتْ به الرّسُلُ هُوَ ما خُلِقَ له البشرُ، بل الجنّ والإنس، وَهُوَ عبادةُ اللهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ والعِبادَةُ سَبَقَ مَعناها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:</span> انقسام النَّاس إِلَى فريقينِ فِي مواجهةِ الرُّسُلِ: مؤمن وكافر، وهَذَا لتحقيقِ الحِكْمَة الابتدائيَّة والغائيَّة فِي خلق الله، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، لو كانوا كلهم مُؤْمِنيِنَ لم يكنْ منهم كافرٌ ومنهم مؤمنٌ، هَذِهِ حِكْمَة ابتدائيَّة بالخلقِ منذُ خُلِقوا، أيضًا لتتمَّ الحِكْمَة الغائيَّة، فالحِكْمَة الغائية أن الله تَعَالَى خلقَ جنَّةً ونارًا، وخلق لكلًّ منهما أهلًا، فلو كَانَ النَّاس كلُّهم مُؤْمنيِنَ لم يكنْ لخلقِ النَّار فائدة، ولهَذَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب قول النَّبِيّ - ﷺ -: \"جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا\"، حديث رقم (٤٢٧)؛ ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث رقم (٥٢١)، عن جابر بن عبد الله - ﵄ -.","vol":"1","page":255},{"text":"رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩]، هَدا ابتداءً، ثانيًا ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]، هَذَا الغاية؛ إذ لو لم يكنْ مؤمنٌ وكافرٌ فلا تتمُّ كلمةُ الله بملءِ جَهنَّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:</span> وقوعُ الخِصام بين المُؤْمِنِينَ والكَافِرِينَ، وَأَنَّهُ أمر لَا بُدَّ منه (^١)، حَتَّى إنَّهُ ربما يصل هَذَا الخصام إِلَى الصدامِ المسلَّح، وهَذَا واضح؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾، وقال تَعَالَى فِي هَذِهِ الأُمَّة: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]، فالخصامُ لَا بُدَّ منه مَعَ أعداءِ الرُّسُلِ وأولياءِ الرُّسُلِ، وربما يصل ذلك إِلَى اصطدامِ مسلَّح والقتال وهَذَا أمرٌ مُشاهَدٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:</span> أن كُلّ متصدٍّ للدعوةِ إِلَى اللهِ فلا بد أن يجدَ خُصُومًا؛ لِأَنَّهُ إذا كانت الدَّعْوَة فِي ابتدائها مَعَ مَن جاء بها وَهُوَ الرَّسُول - ﷺ - تُلاقِي ذلكَ، فما بالُك بانتهائها، وقوله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١]، قد نتوسع فِي معناه ونَقُول: لكل نبيٍّ لا لشخص النبي، ولكِن لدعوة النبي، بدليل أن النَّبِيّ قبل أن يُبْعَث لم يكن له عدوٌّ، والرَّسُول - ﷺ - كَانَ يُسمَّى الأمينَ عند قريشٍ قبلَ أن يُبعَث، وكانوا يقدِّرونه ويعظِّمونه ويحبونه، وبعد أن بُعث وصار نبيًّا قامت الحرب بينهم وبينه.\nإِذَنْ: يمكن أن نَقُول: إن قول الله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ [الفرقان: ٣١]، أي: من حَيْثُ الدَّعْوَةُ، وَعَلَى هَذَا فما بَقِيَتْ هَذِهِ الدَّعْوَة سوف يَكُون لها عدوٌّ من المجرمينَ.\n_________\n(^١) تنتهي المادة الصوتية للملف الثامن الوجه الثاني هنا، وما يتبع ذلك حتى نهاية الْفائدة الخْامسة من فوائد الآية (٤٦) لم أجده في المادة الصوتية التالية. وهو في المطبوع من عندهم.","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ:</span> أن فِي هَذِهِ الآيَة أعظمَ تأييد للداعي إِلَى الله، حَيْثُ وصف الله خصومَه بالإجرامِ، فما دام الداعي معتقدًا وواثقًا من نفسِه أَنَّهُ عَلَى بصيرة فَلْيَبْشِر بالتأييد ولو بالعاقبة، والله ﵎ لا يُصْلِح عمل المجرمين.\n* * *","vol":"1","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>الآية (٤٦)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦)﴾ [النمل: ٤٦].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر: [﴿قَالَ﴾ للمكذبين: ﴿يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ أي: بالعذابِ قبلَ الرَّحْمَةِ؛ حَيْثُ قلتم: إن كَانَ ما أتيتنا به حقًّا فأْتِنا بالعذابِ].\nقوله: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ الاسْتِفْهام هنا للإنكارِ والتوبيخِ والتعجُّب، يعني أَنَّهُ يُوَبِّخُهم وينكر عليهم هَذَا الأَمْرَ ويتعجب من حالهِم؛ لِأَنَّ حال العاقلِ أن يستعجلَ بالحسنةِ قبلَ السيئةِ، لا أن يستعجلَ بالسيئةِ قبلَ الحسنةِ، لكِن السفيه -والعياذ بالله- سفيهٌ، مثلما قالت قريشٌ: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ [الأنفال: ٣٢]، ما قَالُوا: إن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقّ فاهْدِنا إليه، قَالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ [الأنفال: ٣٢]، ما قَالُوا: إن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقّ فاهدنا إليه، قَالُوا: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا﴾، وهَذَا - نسأل الله العافية - فِي غايةِ ما يَكُونُ مِنْ الاستكبار والاستهتارِ، هَؤُلَاءِ يستعجلون بالسيئةِ قبلَ الحسنةِ وَيقُولُونَ: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، وهَذَا التحدِّي من أعداء الرُّسُلِ للرسلِ يَدُلّ عَلَى تماديهم فِي العنادِ وأنهم غيرُ مُؤْمِنيِنَ،","vol":"1","page":258},{"text":"\"وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى تَقُومَ الظَّعِينَةُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ\" (^١). فهل معنى ذلك أَنَّهُ يجوز للمرأةِ أن تسافرَ بدونِ مَحْرَمٍ؟ لا. فما أخبر به النَّبِيّ - ﷺ - مما يقع لا يَلْزَم منه الجواز.\n* * *\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، حديث رقم (٣٤١٦)، عن خباب بن الأرت - ﵁ -.","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> الإنكار عَلَى مَنِ استعجلَ بالسيئةِ قبلَ الحسنةِ، والاستعجال عَلَى نوعينِ: أحدهما: استعجالٌ بالقَوْلِ، بأَنْ يَقُوُلوا: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]، واستعجال بالفِعْل والحال؛ بأن يسلكوا مسلكًا يَكُون به العذابُ، وذلك بالمَعاصِي؛ فإن المعصيةَ استعجالٌ بالعذابِ بلَا شَكّ.\nفالَّذِينَ يَعصون الله ﷾ معناه أَنَّهُم استعجلوا عذابهم، حَيْثُ إِنَّهُ - ﷺ - أخبر بأن المَعاصِيَ سببٌ للعقوبةِ والعذابِ، فإذا صار الْإِنْسَان يمارس هَذِهِ المَعاصِيَ فَإِنَّهُ يَقُول بلسانِ حالِه: أين العذابُ، لِأَنَّ الله تَعَالَى رتَّب العذاب عليها، ففاعلها يَقُول: هاتِ؛ لِأَنَّ فاعل السَّبَب يُريد وقوع المسبَّب.\nوَعَلَى هَذَا فإذا رأيت الأمَّةَ عَلَى معصيةِ الله وإن لم تقلْ: أين عذاب الله وأين ما وعدتم به؟ فإنها فِي الحقيقة تَستعجلُ عذابَ اللهِ ﷾، فالاستعجال يَكُون بقال الْإِنْسَانِ وحالِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> نُصْح الرُّسُلِ لِأُمَمِهم؛ لِأَنَّ إنكار صالحٍ عَلَى قومِه لأنه يريد منهم أن يَستقيموا عَلَى أمرِ اللهِ، ولهَذَا قَالَ: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span> أن الاستغفارَ سببٌ لرفع العقوبةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ وَهُوَ كذلك، فإن الاستغفار سببٌ لرفعِ العقوبةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:</span> أن الاستغفار سببٌ لِجَلْبِ الرَّحْمَةِ، وَهُوَ أمر فوقَ دَفْعِ العقوبة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وقد قَالَ نوحٌ لِقَوْمِهِ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ","vol":"1","page":260},{"text":"غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]، وهَذِهِ رحمةٌ منَ اللهِ ﷿ نتيجة الاستغفار.\nإِذَنْ: فالاستغفارُ سببٌ لاندفاعِ النِّقَمَ وجلبِ النعمِ، والاستغفار هُوَ طلب المغفرة. والمغفرة سَتْر للذنبِ مَعَ التجاوزِ، وطبعًا طالب المغفرةِ يَستلزم طَلَبُه للمغفرةِ إذا كَانَ حقيقة أنْ يُقْلِعَ عنِ الذنبِ؛ لِأَنَّهُ كيف يَقُول: أستغفرُ اللهَ من الربا وَهُوَ يقع فِي الربا، لا يَصلُح هَذَا، فطالب الشَّيْء لَا بُدَّ أن يسعى بأَسْبابِهِ، إذا قلت: اللهمَّ ارْزُقْنِي ولذا صالحًا وقلت: لن أتزوجَ، إذا كَانَ الله مقدِّرًا لي ولدًا صالحًا سيأتي، فهذا لا يصلح، فلا ينفع أن تستغفرَ اللهَ وأنتْ لم تفعلْ أَسْبابَ المغفرةِ، فلا بدَّ من فعل أَسْبابِ المغفرةِ بالإقلاع عن المعصيةِ ثُمَّ طلب أن يغفر الله لك.\nوإذا كَانَ الاستغفارُ سببًا لجلبِ الرَّحْمَةِ فَإِنَّهُ من أَسْبابِ الفتحِ عَلَى المرء بالعلمِ؛ أن اللهَ يَفْتَح عليه عِلمًا لم يكنْ يَعْلَمُه من قبلُ، يَقُول الله ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاء: ١٠٥ - ١٠٦]، وَكَانَ بعضُ أهلِ العلمِ إذا سئل عن مسألةٍ قدَّم بين يديْ إجابتِه الاستغفارَ، فقال: أستغفرُ اللهَ، أستغفرُ الله، حَتَّى يُفْتَحَ له، وهَذَا ظاهر؛ لِأَنَّ الذنوبَ تَحُولُ بين المرء وبين العلمِ، وبين المرءِ وبين الفَهْمِ، فإذا غُفِرَت زال هَذَا الحجابُ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣]، الأوَّل باختيارهم وَهُوَ التحريف، والثاني بغير اختيارِهِم، وَهُوَ النِّسيانُ.\nفالمَعاصِي سببٌ للحِرمانِ من العلمِ والفهمِ، والاستغفار رفع للمعاصي","vol":"1","page":261},{"text":"وآثارِها، فيقتضي العلم والفهم، ومناسبته منَ الآيَةِ الَّتِي سُقناها من آيَة النِّسَاءِ واضحةٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاء: ١٠٥ - ١٠٦]، فتعقيب الحكمِ بين النَّاس بالاستغفارِ دليلٌ عَلَى أن الاستغفارَ من أدوات الحكم بالحق، وَكَانَ رسول الله - ﷺ - يُكْثِر الاستغفارَ حَتَّى إنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ الله ويتوب إليه فِي اليوم أكثرَ من سبعينَ مرَّةً (^١)، ويُحفَظ له فِي المجلسِ الواحدِ أكثر من مائةِ مرةٍ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْه؛ لِأَنَّهُ ﵊ قد غفرَ اللهُ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر (^٢) فكانت أَسْباب المغفرة فِي حقِّه أكثر من غيره.\nومن أَسْباب المغفرة أن يستغفرَ بلسانه، وَهُوَ ﵊ يعلم أن الأَشْيَاء بأَسْبابها، عَلِمَ أن اللهَ غفر له ما تقدمَ من ذنبه وما تأخَّر، فجعل يُكْثِر من أَسْباب المغفرةِ بالاستغفارِ بلسانِه، وكذلك أيضًا بفعل أَسْبابِ المغفرةِ بأفعالِه، وهَكَذَا ينبغي للإِنْسَانِ إذا منّ اللهُ عليه بشيءٍ أن يحقِّق ذلك الشَّيْء بفعلِ الأَسْبَاب ولا يتَّكل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:</span> إثبات الحِكْمَة لله تَعَالَى؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فالرَّحْمَة لها سبب، وكون الله ﵎ يَقْرِنُ أفعالَه بأَسْبابها يَدُلّ عَلَى كمالِ الحِكْمَةِ؛ لِأَنَّ من يفعل أفعالًا عَنْجَهِيَّة لَيْسَ لها أَسْباب فهَذَا سفيه، لكِن عليه أن يربط الأفعال بأَسْبابها.\n* * *\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الدعوات، باب استغفار النَّبِيّ - ﷺ - في اليوم والليلة، حديث رقم (٥٩٤٨)، عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) انظر: صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب قول النَّبِيّ - ﷺ -: \"أنا أعلمكم بالله\"، حديث رقم (٢٠)؛ صحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنَّار، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، حديث رقم (٢٨٢٠)، عن عائشة - ﵂ -.","vol":"1","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>الآية (٤٧)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾ [النمل: ٤٧].\n* * *\n\nلمَّا حَثَّهم عَلَى الاستغفارِ وبيَّن لهم نتائجَه الطيِّبة كَانَ جوابهم: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ -أعوذ بالله- فهَذَا الجوابُ يعني أنك ما أتيتَ لنا بفائدةٍ، بل صِرت شؤمًا علينا، أنت وأتباعك، وهَذَا حال الَّذِينَ يتطيرون بأهل الخيرِ، والله ﵎ قد يَفْتِنُ النَّاسَ، فقد يقع مثلًا فِي مجيء الخيرِ أو معه بعضُ الآفاتِ أو بعضُ الأَشْيَاء المكروهةِ لدى النَّاس؛ ليَكُونَ ذلك فتنة وابتلاءً، ربما مثلًا يَحُلّ رجلٌ من أهل العلمِ والعِبادَةِ فِي بيتٍ ثُمَّ يَحترق هَذَا البيت؛ ابتلاء من الله ﷾ وامتحانًا، فأهل الشَّرّ يَفرَحون وَيفْرَهُونَ، يَقُولُونَ: انظُرْ أَسْباب الطَّوْع، احترقَ البيتُ لما جاء هَذَا الرَّجل.\nوالله تَعَالَى قد يَفتِن النَّاسَ، قَالَ ﷾: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأَنْبِياء: ٣٥].\nهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّهُ بمجيء صالحٍ ومعصيةِ قومِه عاقبهم الله تَعَالَى بالقَحْطِ والجَدْبِ وغَورِ المياهِ، فقَالُوا: أنت يا صالح ومن معَك ما جئتمونا بخير، ما جئتمونا إِلَّا بالقحطِ والجدبِ وغور المياهِ، فتطيروا به، وقَالُوا: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀:","vol":"1","page":263},{"text":"[أصله: (تَطَيَّرْنَا) أُدْغِمَتِ التاءُ فِي الطاءِ]، وهَذَا الإدغام عَلَى غير خلافِ القَاعِدةِ، إذ إن الإدغام بين الساكنِ والمتحرِّك، وهَذَا بين متحركينِ، فَأُدْغِمَت التاء فِي الطاء، ولمَّا أُدغمت التاء فِي الطاء صار الحرف الأول منهما ساكنًا، ويلاحظ أيضًا أَنَّهُ بَعْد الإدغام قُلِبَتِ التاءُ طاءً، والساكن لا يمكن الابتداء به فاجتُلبتِ الهمزةُ لتسهيلِ النطقِ به، ولهَذَا قَالَ المُفَسِّر ﵀: [واجتلبت همزة الوصلِ]، لتسهيل النطقِ بالساكنِ.\nومعنى ﴿اطَّيَّرْنَا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أي: تَشَاءَ مْنَا]، من الشؤمِ، والشؤم معناه: توقُّع الشَّرّ من مُشَاهَدٍ أو مسموعٍ أو زمن أو حال، ولهَذَا قَالُوا: إن التطيُّر مأخوذٌ من الطيرِ، وكانوا فِي الجاهلية يَتشاءمون بالطيورِ، وعندهم قواعد لهَذَا التشاؤمِ، فيَبعثونها؛ فإذا ذهبت يمينًا يتفاءلون أو يسارًا يتشاءمون، أو أمامًا أظن يعيدونها مرة ثانية، وخلفًا يتشاءمون أكثر، فلذلك سُمِّي هَذَا التشاؤم تطيّرًا، مأخوذ من الطير؛ لِأَنَّ غالب تشاؤم العرب بها، فهم يَقُولُونَ: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ أي: تشاءمنا، وَكَانَ مجيئك شُؤمًا علينا أنت وأتباعك.\nإِذَنْ: ما هُوَ التطيُّر؟\nهُوَ التشاؤم بمرئيٍّ أو مسموعٍ أو زمان أو مكان أو حال التشاؤم، بمرئيٍّ: كَأَنْ يرى الْإِنْسَان شيئًا فيتشاءم، افرض أَنَّهُ مثلًا أرادَ أن يسافرَ فقابله إِنْسَانٌ هو يَكْرَهه، قَالَ: إذن رَجَعنا. أو هَمَّ أن يسافر فلما خرج سمِع رجلًا يَقُول: مات فلان بن فلان، قَالَ: إذن رجعنا. فهَذَا تشاؤُمٌ بمسموعٍ. أو زمان: يتشاءم بيومٍ من الأيام؛ بيوم الأربعاءِ، يوم الخميس، أو شهر من الشهور؛ كشهر شوال، وكان العرب يتشاءمون بشهر شوال فِي الزواجات، يَقُولُونَ: الَّذِي يتزوَّج فِي شهر شوال ما يوفَّق، لكِن","vol":"1","page":264},{"text":"عائشة أبطلتْ ذلك بالواقعِ، قالت: \"إِنَّ الرَّسُولَ. ﵊ تَزَوَّجَهَا فِي شَوَّالٍ، وَبَنَى بِهَا فِي شَوَّالٍ، فَأَيُّكُنَّ كَانْتَ أَحْظَى عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - \" (^١).\nإِذَنْ: ينبغي إن أردنا أن نعملَ بالتشاؤمِ أو التفاؤلِ أن نتفاءل بشهر شوال، ولكِن مَعَ ذلك لا نتفاءل بالزمانِ ولا نتطير به، فالخيرُ والشرُّ بيدِ اللهِ ﷾.\nومنهم من يتشاءم بالمكانِ؛ فتجده مثلًا يريد أن يجلسَ فِي هَذَا المكان ثُمَّ تَبُطُّه شوكةٌ، يَقُول: إذن قُمنا، هَذَا لا يمكن أن نجلسَ فيه. أو يتشاءم بالحالِ؛ حال الشخصِ مثلًا، فالتشاؤم بالحالِ أيضًا هَذَا تطيُّر، ولا يجوز، فقد يعمل مثلًا الْإِنْسَان عملًا فيعاكسه فِي أوَّل أمرِهِ، أو مثلًا يَهُمُّ أن يفعلَ شيئًا غدًا وإذا كَانَ الغد إذا هُوَ معه بعضُ التعبِ والعجز، فيتشاءم وَيعْدِل بسببِ هَذِهِ الأحوالِ الَّتِي تعرِض له، فنَقُول: كُلّ هَذَا لا يجوزُ، أنت إذا عزمتَ فتوكَّل عَلَى اللهِ، \"اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، ولا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ\" (^٢)، فالْإِنْسَانُ مِثْلَمَا قَالَ القُرْطُبِيُّ - وكذلك غيرُه من أهل العلمِ-: الَّذِي يُعَلِّق تصرفاته بمثلِ هَذِهِ الأُمُورِ فَهُوَ من أجهلِ النَّاسِ حقيقة، ثُمَّ إنَّهُ ما يمكِن أن يمشيَ له حال إذا كَانَ ينظر إِلَى هَذِهِ الأَشْيَاء.\nولكِن يلاحظ أن الفألَ الَّذِي يُعين عَلَى فعلِ الخيرِ لا يدخل فِي هَذَا الأَمْرِ، فكَانَ الرَّسُول ﵊ يُعْجِبُه الفأل ولكِنه يَكْرَهُ الطِّيَرَةَ (^٣)؛ لِأَنَّ الطيرةَ فيها\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب النكاح، باب استحباب التزوج والتزويج في شوال واستحباب الدخول فيه، حديث رقم (١٤٢٣).\n(^٢) أخرجه أحمد (١١/ ٦٢٣) (٧٠٤٥) مسند عبد الله بن عمرو.\n(^٣) انظر: صحيح البخاري، كتاب الطب، باب الفأل، حديث رقم (٥٤٢٤)؛ صحيح مسلم، كتاب السلام، باب الطيرة والفأل وما يكون فِيهِ من الشؤم، حديث رقم (٢٢٢٤)، عن أنس بن مالك - ﵁ -.","vol":"1","page":265},{"text":"تعلُّق الْإِنْسَان بغير اللهِ ﷾ بمثلِ هَذِهِ الأُمُور، وفيها أيضًا مَنعٌ للإِنْسَانِ عما يريده من الخيرِ، لكِن التفاؤل فِيهِ التشجيعُ عَلَى الخيرِ. لمّا جاء سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو فِي صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ قَالَ النَّبِيّ ﵊: \"قَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ\" (^١)، لكِن لَا بُدَّ أن يَكُون التفاؤل يتعلق بشيءٍ يتعلق به، وَأَمَّا مجرَّد أن يرى واحدًا فِي السوقِ اسمه يزيد أو اسمه صالح أو اسمه راشد، فلا، لَيْسَ هَذَا، لكِن الشَّيْء الَّذِي لي معَه معاملة فأنا قد أتفاءل، وسُهيل بن عمرو له معاملةٌ مَعَ الرَّسُول - ﷺ - فتفاءل، وهَذَا يَكُون من بابِ فتحِ الأُمُورِ باليسرِ.\nفالحاصل: أن التفاؤلَ غيرُ التشاؤمِ، والفرق بينهما أن التشاؤمَ من فِعلك، والشؤم من فعل غَيْرِك، وهَذَا واضح أن الله جَلَّ وَعَلَا قد يجعل فِي هَذَا الشَّيْء خيرًا وبركةً للإِنْسَانِ، وَفِي هَذَا الشَّيْء شُؤمًا وبلاءً.\nواعلمْ أن التشاؤم غير الشؤم، فإن الشؤم قد يَكُون فِي بعضِ الأَشْيَاء مثلما أخبر النَّبِيّ ﵊ أَنَّهُ يَكُون فِي المَرْأَةِ وَيكُون فِي الدارِ وَيكُون فِي الدابّة، وهَذَا شَيْء مشاهَد، أن الْإِنْسَان قد ينزِل بعض الدُّور وَهُوَ لا يتشاءم لكِن يَكُون فيها شؤم، تكون دائمًا خرابًا مثلًا، ودائمًا تحتاج إِلَى أعمالٍ وتتعبه، فإذا ارتحل عنها ارتاح ووجد ما يريد، كذلك بعض السيارات - وإن كَانَ أغلب النَّاس لَيْسَ عندهم دوابّ - في بعض الأحيان الْإِنْسَان يشتري سيارة ويكدها وتتعبه كُلّ يوم يخرب مِنْهَا شَيْء ثُمَّ يبيعها ويشتري سيارةً ثانيةً ويرتاح لها، ومثلها أيضًا في بعض الأحيان يشتري الْإِنْسَان قلمًا - حتى فِي الأَشْيَاء الصغيرة - فيبدأ كُلّ يوم يتعبه؛ بَحِفّ المِدَاد، وتَجِد\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، حديث رقم (٢٥٨١)، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم.","vol":"1","page":266},{"text":"الريشةَ أيضًا لا تستقيم معه، ومرة يضيع منه فيُتعبه، ويشتري قلمًا آخرَ ويبقى عنده مدَّة، لكِن هَذَا لَيْسَ تشاؤمًا ولكِنه شؤم.\nكذلك في بعض النِّسَاء، فيتزوج الْإِنْسَان امرأة وتتعبه ليلًا ونهارًا، فِي حوائجه الْعَامَّة والخاصَّة ومع أهله وأقاربه، ويتزوج أخرى فتكون راحةً نفسية وقُرَّة عَيْن.\nفالحاصل: أن هَذِهِ الأَشْيَاء أمرها واقع، ولكِن الرَّسُول ما قَالَ: (التشاؤم) قَالَ: (الشؤم)، وفرق بين هَذَا وبين هَذَا، فمعنى ذلك أن هَذِهِ الأَشْيَاء يجد النَّاس فيها أحيانًا بركةً وراحةً، وأحيانًا يجدون فيها قَلَقًا وتَعَبًا.\nلَوْ قَالَ قَائِل: الرَّسُول - ﷺ - قَالَ: \"الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ ... \" وذَكَرَها (^١)، وقال: \"الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ\" (^٢)، فامتدحَ حالها مَعَ الشخصِ، فهل معقود فِي نواصيها الخير مُطْلَقًا أو فِي حال الجهاد؟\nفالإجابة: في حالِ الجهادِ؛ لِأَنَّ الخيلَ قد تكون وِزرًا، والرَّسُول ﵊ ذَكَرَ بعدها مثالًا فِي الَّذِي يربطها بالجهادِ فِي سبيل اللهِ أَنَّهَا لا تستبين ولا تعلو شَرَفًا ولا تأتي رَوْضَةً ولا تشرب ماءً إِلَّا كان له أَجْرٌ (^٣)، فالسَّبَب يَقتضي ذلكَ، وإن كانتِ العبرةُ بعمومِ اللفظِ، لكِن ما دام أن السَّبَب صالحٌ لإحالةِ الحكمِ عليه فيجب أن\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب النكاح، باب ما يتقى من شؤم المرأة، حديث رقم (٤٨٠٦)؛ ومسلم، كتاب السلام، باب الطيرة والفأل وما يكون فيهِ من الشؤم، حديث رقم (٢٢٢٥)، عن ابن عمر - ﵄ -.\n(^٢) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، حديث رقم (٢٦٩٥)؛ ومسلم، كتاب الإمارة، باب الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، حديث رقم (١٨٧٣)، عن عروة البارقي - ﵁ -.\n(^٣) رواه البخاري، كتاب المساقاة، باب شرب الناس والدواب من الأنهار، حديث رقم (٢٢٤٢)؛ ومسلم، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، حديث رقم (٩٨٧)، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":267},{"text":"يُقَيَّد به، مثل قول الرَّسُول - ﷺ -: \"لَيْسَ مِنَ الْحَقِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ\" (^١)، وهَذَا اللفظ عامٌّ، مَعَ أَنَّهُ هُوَ نفسه يصوم فِي السفرِ، إذن يُخصَّص بالسَّبَب الَّدِي وَرَدَ فِيهِ؛ وَهُوَ أَنَّهُ إذا كَانَ الصِّيَام يؤدِّي إِلَى مثل هَذِهِ الحال فليس من البرِّ، وأيضًا الخيل قد تكون وِزْرًا.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل للأسماء تأثيرٌ في مُسَمَّيَاتِها؟\nفالإجابة: ليس لها تأثيرٌ إِلَّا إن كَانَ ذلك من طريقِ الوحيِ، والواقعُ يَشْهَدُ بأنه لا حقيقة لذلك، فتجد هَذَا اسمه عبد الله وَهُوَ عبدٌ للشيطان، وتجد هَذَا اسمه شرورة وتجده من أخيرِ النَّاسِ، إِلَّا شيئًا يَكُونُ بطريقِ الوحيِ؛ كابن أبي طَلْحة سمَّاه الرَّسُول - ﷺ - عبد الله (^٢)، ولما دعا له بالبركة باركَ اللهُ له حَتَّى كَانَ من أولادِهِ تسعة أو سبعة يَحْفَظُونَ الْقُرْآن، لكِن يَنبغي أن يُراعَى فِي الأسماءِ ما أرشدَ إليه الرَّسُول ﵊، فأحبُّ الأسماءِ إِلَى اللهِ عبدُ اللهِ وعبدُ الرحمنِ (^٣)، فعبدُ اللهِ وعبدُ الرحمنِ أفضلُ من صالحٍ ومن راشدٍ.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل يجوز أن يسميَ الْإِنْسَانُ اسمًا ليتفاءلَ به؟\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الصوم، باب قول النَّبِيّ - ﷺ - لمن ظلل عليه واشتد الحر: \"ليس من البر الصوم في السفر\"، حديث رقم (١٨٤٤)؛ ومسلم، كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية إذا كَانَ سفره مرحلتين فأكثر ...، حديث رقم (١١١٥)، عن جابربن عبد الله - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه البخاري: كتاب العقيقة، باب تسمية المولود غداة يولد، لمن لم يعق عنه، وتحنيكه، رقم (٥٤٧٠)، ومسلم: كتاب الآداب، باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته وحمله إلى صالح يحنكه، وجواز تسميته يوم ولادته، واستحباب التسمية بعبد الله وإبراهيم وسائر أسماء الأنبياء ﵈، رقم (٢١٤٤).\n(^٣) رواه مسلم، كتاب الآداب، باب النهي عن التكني بأبي القاسم وبيان ما يستحب من الأسماء، حديث رقم (٢١٣٢)، عن عبد الله بن عمر - ﵄ -.","vol":"1","page":268},{"text":"فالإجابة: لا أدري كون الْإنْسَان يُسمِّي اسمًا ليتفاءلَ به، والرَّسُول - ﷺ - قَالَ: \"لَا تُسَمِّ غُلَامَكَ يَسَارًا وَلَا نَجَاحًا\" (^١)، وأيضًا كونك إذا سَمَّيْتَ بأسماء رجالٍ صالحينَ يَكُون مثلهم هَذَا أبعد وأبعد إِلَّا إذا كَانَ عَلَى سبيل المحبَّة لهم، مثلما يفعل بعض النَّاس الْآنَ فيُسمّون بأسماء الزعماء الَّذِينَ يحبّون، وأيضًا لا يَكُونون مثلهم.\nقوله: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ هَذَا جوابُ الرُّسُلِ، وهَذَا الجواب تجدونه أيضًا قد أجابَ به بنو إسرائيلَ مُوسَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [لأعراف: ١٣١]، وكذلك أصحابُ القريةِ الثلاثة تَطَيَّروا بالرسُلِ الَّذِينَ أُرسلوا إليهم.\nعَلَى كُلِّ حَالٍ: هَذَا جوابُ أهلِ الشرِّ، أَنَّهُم يجعلون الأَسْبَاب الَّتِي هِيَ من أفعالهِم ونتيجةً لأفعالهم يجعلونها بأَسْبابِ هَؤُلَاءِ المصلِحين. والحقيقة أَنَّهَا وقعتْ جزاءً عَلَى أفعالِ الكفَّار.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ أي: تَشاءمنا ﴿بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ أي: المُؤْمِنيِنَ حَيْثُ قُحِطوا المطرَ وجَاعوا]، قُحِطوا بمعنى مُنِعوا المطرَ وجاعوا، ثُمَّ قَالَ ﵀: [﴿قَالَ طَائِرُكُمْ﴾ شُؤْمُكم ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أتاكم به ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾].\nقوله: ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يعني: وَلَيْسَ منا، ﴿طَائِرُكُمْ﴾ بمعنى شُؤْمِكم، والمُرادُ ما أصابكم مما تَشَاءَمْتُم به - وَهُوَ القَحْطُ والجوع - عند الله وَلَيْسَ منِّي أنا، وإذا كَانَ عند الله ﷾ فهَذَا من أبلغِ الجوابِ، إذا كَانَ عند الله فإن اللهَ تَعَالَى\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب الآداب، باب كراهة التسمية بالأسماء القبيحة وبنافع ونحوه، حديث رقم (٢١٣٦)، عن سمرة بن جندب - ﵁ -.","vol":"1","page":269},{"text":"حكيمٌ، ما يُنْزِلُ هَذَا الشَّيْءَ إِلَّا فِي مَنْزِلَتِهِ وبأَسْبابِهِ الَّتِي يُسْتَحَقُّ بها، فكأنه يَقُول: ما دام عند الله فالله تَعَالَى حكيمٌ، ما أنزل هَذَا الشؤمَ إِلَّا فِي مَوْطِنِهِ ومَوْضِعِهِ.\nقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ هَذَا الإضرابُ لَيْسَ لإبطالِ الأوَّل، ولكِنه للانتقالِ، فهو إضرابٌ انتقاليٌّ، وكما هُوَ معروفٌ أن الإضرابَ يَكُون عَلَى نوعينِ: إضراب إبطاليّ يَكُونُ الحكمُ لمَا بعدَ (بل) ويُبْطِل ما قبلَها، والثاني: إضرابٌ انتقاليّ، مثل هَذا الآيَةِ، ومثل قوله تَعَالَى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]، انتقالٌ من شيءٍ إِلَى شيءٍ. هنا الإضرابُ انتقاليٌّ؛ لِأَنَّهُ عند الله يَفْتِنُهُم بما حصل ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾. ووجه الفتنة:\nأولًا: أَنَّهُم نَسبوا هَذَا إِلَى صالح ومن معه، وهَذه فتنة عظيمة ضلَّ بها هَؤُلَاءِ.\nثانيًا: أَنَّهُ أصابَهم مَعَ مجيءِ صالحٍ إليهم، فظَنُّوا أو ادَّعوا أن أَسْباب ذلك صالحٌ ومن معَه، ففُتِنُوا بذلكَ فابتعدوا عنِ الحقِّ.\nومثلما تقدَّم قبل قليلٍ بالتمثيلِ بأن يحدثَ مكروهٌ عندَ وجودِ رجلٍ صالحٍ فيُنْسَب هَذَا المكروهُ إِلَى هَذَا الرجلِ الصالحِ، ومجيءِ هَذَا الرجلِ الصالحِ، فيَكُون فِي ذلك فتنة، والله ﷾ حَكيمٌ يَفْتِن الْإِنْسَانَ ويَخْتبره بأنواعِ المفاتنِ، تارَةً بالمصائبِ، وتارَةً بالنِّعَمِ، وتارَةً بالأُمُور الَّتِي تُوجِب الاشتباهَ لِيَمْتَحِنَهُ بذلك، ولهَذَا الدُّنْيا كلها محِنَةٌ، ما دام الْإِنْسَان دائرًا بينَ أمرينِ: إمَّا شرّ وَإمَّا خير، وكُلّ حياتِكَ هَكَذَا شرّ أو خير، وكلاهما يَقُول الله فيه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأَنْبِياء: ٣٥].\nإِذَنْ: معناه انْتَبِهْ يا أيها الْإِنْسَان، انتَبِهْ فالفضلُ: لِيَبْلُوَنِي أأشكر أم أكفر، والمصائب: لِيَبْلُوَنِي أأصبر أم أَجْزَع، والشُّبُهات العلمية الَّتِي تَرِد عَلَى قلب الْإِنْسَان لِيَبْلُوَه هل يَثْبُتُ أو يَزيغ، والمسائل كلها فِي الحقيقةِ فتنةٌ واختبارٌ منَ الله ﷾،","vol":"1","page":270},{"text":"ولهَذَا يَجِب عَلَى العاقلِ أن يَكُون حَذِرًا دائما، ولستُ أدعو فِي قولي هَذَا إِلَى سوء الظن باللهِ ﷿، ولكِني أدعو إِلَى النظرِ فِي الأُمُورِ ليَكُونَ تَصَرُّفنا عَلَى وجهٍ سليمٍ.\nولكِن مَعَ ذلك أقول: إنَّهُ إذا تجاوز الْإِنْسَان هَذِهِ الفتنةَ حصلَ له الثباتُ والاستقرارُ؛ لِأَنَّهُ يطمئنّ قلبُه ويرسُخ فِي هَذِهِ الأُمُورِ ولا يَزيغ بإذن الله بَعْد ذلك، لكِن قد يُفْتَن المرء، فلْينظُرْ، ولهَذَا قَالَ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ تُفتنون بالخيرِ والشرّ، ووجهُ الفتنةِ فِي هَؤُلَاءِ: البلاء الَّذِي أصابهم بسببِ دعوةِ صالحٍ إِلَى عبادةِ اللهِ فَكَفَرُوا فعُوقِبُوا، فهَذه من الفتنِ؛ لِأَنَّهُم قالوا: أنت سَبَبُها، وَفِي الحقيقة أن أَسْبابها هم أنفسهم، ففُتِنُوا بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> بَيَان مَسْلَكِ المكذِّبين للرسلِ؛ أَنَّهُم يسلكون مسالِكَ التشبيهِ والتمويهِ؛ لِقَوْلهِم حين أُصيبوا بالجدبِ والقَحْط: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾، مَعَ أن هَذَا الأَمْر من الله ﷾، وَلَيْسَ بأَسْبابِ النبيِّ، وهكَذَا أهلُ الباطلِ يُشَبِّهون ويُلبِّسون عَلَى النَّاس بمثل هَذِهِ الأُمُور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> أنّ المصائب الَّتِي تُصيب الْإِنْسَان إِنَّمَا هِيَ من اللهِ تَعَالَى؛ لِقَوْلِهِ: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ولا ينافي هَذَا قولَه تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، ولا قولَه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١]؛ لِأَنَّ نِسبة هَذِهِ الأُمُورِ إِلَى اللهِ نسبة خَلْقٍ وإيجادٍ، ونسبتها إِلَى المخلوق نسبةُ تسبُّبٍ، فهي تُضافُ إِلَى النَّاس إضافةَ الشَّيْءِ إِلَى سببِهِ، وتُضاف إِلَى الله ﷾ إضافة المخلوق إِلَى خالقِه، وَعَلَى هَذَا يزول إشكالُ كثيرٍ منَ الآيَاتِ الَّتِي ظاهرها التعارُض فِي هَذَا البابِ.","vol":"1","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span> أنهُ من الحِكْمَةِ أن يُرَدَّ الباطلُ بالحقِّ بدون سكوتٍ؛ لِقَوْلِهِ فِي جوابهم: ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:</span> أَنَّهُ ينبغي أن يَكُونَ الردُّ من جنسِ الإيرادِ، فهنا تَطَيَّروا بصالحٍ ومن معَه، فبيَّن أن طِيَرَتهم وشُؤْمَهم بسببِ أعمالهم، ولذا قَالَ: ﴿طَائِرُكُمْ﴾ فاللفظُ مثل اللفظ، فينبغي أن يَكُون الجوابُ مثلَ الإيرادِ، وَيتَحَرّى المجيب حَتَّى اللفظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:</span> أَنَّهُ ينبغي لمن ردَّ عَلَى غيره أو أبطلَ قولَه أن يأتيَ بأمرٍ لا جدالَ فيه؛ لِأَنَّ صالحًا ﵊ لو قَالَ: هَذَا الجَدْب لَيْسَ منِّي وأنا ما أتيتُ بسببِه ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لكان هَذَا فِيهِ مجال للأخذِ والردّ، ولكِن يَنبغي أن يختارَ المجيبُ الجوابَ الَّذِي لا كلامَ بعدَه.\nونظيرُ هَذَا محُاجَّة إبراهيمَ للذي حاجَّه فِي الله ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، لم يقلْ: لا، أنت لستَ تُحْيِي وتميت، ولكِنك تقتُل مَن لا يَستحِقّ القتلَ وترفَع القتلَ عمَّنِ استحقَّه، وهَذَا لَيْسَ بإحياءٍ ولا إماتةٍ، مَعَ أنَّ هَذَا هُوَ الحقيقة، لكِن هَذَا يَكُون فِيهِ جَدَلٌ؛ إِنَّمَا أتى بأمرٍ لا جدالَ فِيهِ ولا يُمْكِنُه أنْ يجادِلَ، ولهَذَا بُهِتَ الَّذِي كفر.\nوهَكَذَا يَنبغي للإِنْسَان فِي محُاجّة مَن حاجّه أن يختار الأجوبةَ الَّتِي لا تؤدِّي إِلَى النزاعِ والجدالِ؛ لِأَنَّهُ إذا أدَّت إِلَى النزاع والجدال فقد يَتَغَلَّب الباطلُ عَلَى الْحَقّ بسبب طولِ الجدال واللفّ والدَّورانِ، لكِن يُؤتَى بشيءٍ لا جدالَ فيه، وهَذَا من آدابِ المناظرةِ حَتَّى عند الَّذِينَ يَتكلَّمُونَ بهَذه الأُمُورِ، فيَرونَ أن من آدابِ المناظرةِ الأخذ بما لا يُمْكِن الجدلُ فيه.","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:</span> أن الله تَعَالَى قد يُحْدِث منَ الأُمُورِ ما يَكُون سببًا لافتتان بعض النَّاس؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾، لِأَنَّهُ لمّا جاء صالح جاء الجَدْب، وهَذَا فِي الحقيقة فتنةٌ لبعضِ النَّاسِ؛ إذ يَقُول بعض النَّاس مثلًا: إن هَذَا من أَسْباب هَذِهِ الرسالةِ، فيَكُون سببًا للفتنةِ، لولا عصمة الله ﵎، وهَذَا دائمًا يَكُون فِي أفعالِ اللهِ تَعَالَى الْقَدَرِّية والشَّرْعِيَّة، فِي الشَّرْعِيَّة: قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤]، حرَّم الله الصيد عَلَى المحرِمين، فبعث الله إِلَى الصحابةِ - ﵁ - صَيدًا تناله أيديهم ورِماحهم يُمْسِكه بيده بدون تعبٍ وبرُمْحِه بدون أن يحتاج إِلَى قوسٍ ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ فخافوه بالغيب.\nوافتتن الله تَعَالَى قومَ موسى بالحيتانِ تأتيهم يومَ سَبْتِهِم شُرَّعًا مَعَ تحريم الصيد عليهم، ويوم لا يَسْبِتُون لا تأتيهم، ولكِنهم لم يَصْبِروا وخادعوا فتحايَلُوا، وصاروا يَضَعُون الشباكَ للحيتانِ فِي يوم الجُمُعة فتأتي الحيتان فتقع فِيها يوم السبتِ، فإذا كَانَ يوم الأحدِ جاءوا وأخذوها، وقَالُوا: نحن ما صِدنا يوم السبتِ، فقلبهم الله تَعَالَى قِرَدَةً، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦].\nفالحاصل أقول: إن الله تَعَالَى قد يَفتِنُ الْإِنْسَان بالفتنِ الشَّرْعِيَّة والْقَدَرَّية لأجلِ أن يعلمَ مَن يخافه بالغيب، ومن يصبر ومن لا يصبر.\nأحيانًا أيضًا يُبْتلى المرءُ بالمصائبِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: ١١]، ومنَ النَّاس مَن يعبد الله تَعَالَى عَلَى أساسٍ لَيْسَ عَلَى حرفٍ، فإن أصابَهُ خيرٌ اطمأنَّ به، وشكرَ عليه، وإن أصابَتْهُ فِتنة صَبَرَ حَتَّى يَجْتَازَهَا.","vol":"1","page":273},{"text":"لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إن الجدبَ والقحطَ هُوَ آيَة وَلَيْسَ فتنةً؟\nفالجواب: هَذِهِ فتنة؛ لِأَنَّ النَّبِيّ ﵊ بَيَّن أن السَّبَب ليسَ الرسالة، وَهُوَ ما جاء بها لتشهد عَلَى رسالته، أُجيبوا بها لِأَنَّهُم كذَّبوا، مثلما أُجيبتْ قريشٌ بدعاء النَّبِيّ - ﷺ - بسنين كسنين يُوسُف (^١).\nوهو ما قَالَ لهم: إن آيتي أن يَبْتَلِيَكُمُ اللهُ بالقَحْطِ، وحتى لو قَالَ: إنَّ آيتي أن يَبْتَلِيَكُمُ اللهُ بالقحطِ وحَصَلَ فَهُوَ آيَة.\n* * *\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الاستسقاء، باب دعاء النَّبِيّ - ﷺ -: \"اجعلها عليهم سنين كسني يوسف\"، حديث رقم (٩٦١)؛ ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة، حديث رقم (٦٧٥)، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>الآية (٤٨)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨)﴾ [النمل: ٤٨].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ مَدِينة ثَمُود ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أي: رِجال]، المُفَسِّر قَالَ: أيْ رجال، والرهطُ صحيحٌ هم الرِّجال، لكِنهم قَالُوا: إن الرهطَ ما بينَ الثلاثةِ إِلَى العشَرةِ، وبعضهم قَالَ: ما بينَ السبعةِ إِلَى العشَرةِ، فعلى هَذَا ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ يَكُون تسعة فِي تسعة؛ بواحد وثمانين، والمُفَسِّر فَسَّر ﵀ الرهطَ بالرِّجال لا بمعناها الخاصّ؛ لأجل أن تستقيمَ الإضافةُ؛ إذِ الشَّيْء لا يُضاف إِلَى نفسه إِلَا عَلَى تأويلٍ.\nوقال بعضهم: إنَّهُ لا حاجة إِلَى هَذَا التأويل؛ لِأَنَّ الإضافةَ هنا بَيَانيَّة، أي أنَّ ﴿رَهْطٍ﴾ تفسير لـ (تسعة)، كأنه قَالَ: (تِسعةٌ رَهْطٌ).\nوالمَعْنى عَلَى كُلّ حال: هُوَ أن هَذِهِ المَدينَة - مدينة صالح أو مدينة ثمود - كَانَ فيها رجال تسعة، والتسعة هَذِهِ كانت مجالًا للتفاؤلِ والتشاؤم، فالبعض يتشاءم من العددِ تسعة، يَقُول: لِأَنَّ تسعة جاءت بالإفسادِ فِي الْأَرْض ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، والبعض يتفاءل بها، والرافضة يتشاءمون بالعشرةِ ويتفاءلون بالتسعةِ، معَ أنَّ المُبَشَّرِينَ بالجنَّة عَشَرة، لكِن هم يُخْرِجُون عليَّ بنَ أبي طالبٍ منهم، فهم","vol":"1","page":275},{"text":"يتشاءمون بالعشرة، وعَدُوُّهم من العددِ العشرة، وصديقهم التسعة؛ لِأَنَّهُم يَقُولُونَ: هم آل البيت الَّذِين وضع عليهم الرَّسُول الكساء، فقال لهم شيخ الإِسْلام: يَجِب إذا كنتم تتفاءلون أو تتشاءمون بالعدد أنكم تتشاءمون بالتسعة؛ لِأَنَّها هِيَ الَّتِي قَالَ الله فيها: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، أَمَّا العشرة فإن الغالبَ أَنَّهَا خير: عشر ذي الحجَّة، وعشر رَمَضَان، والعشرة المبشرون بالجنَّة، وأمثلة كثيرة لا تَحْضُرني الآن (^١).\nوأنا أقول: إن كلام شيخ الإِسْلام هَذَا للتنزُّل مَعَ الخصمِ، وإلَّا هُوَ ﵀ لا يتفاءل لا بهَذَا ولا بهَذَا، فالعدد عدد، لَيْسَ فِيهِ أثرٌ لشيءٍ.\nقوله: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بالمَعاصِي، وكلما ذكر الله ﵎ الفساد فِي الْأَرْض فالمُراد به المعصية: الشرك فما دونه؛ لِأَنَّهُ لَا شَكَّ أن عمل المَعاصِي نفسه فساد، ثُمَّ هُوَ سببٌ للفسادِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، وقال تَعَالَى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، وقال تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]، فالمَعاصِي هِيَ نفسها فسادٌ، وهي سببٌ للفسادِ أيضًا، فلذلك كلَّما ذكر اللهُ ﷾ الفسادَ فِي الْأَرْض فالمُرادُ به المَعاصِي.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالمَعاصِي، مِنْهَا قَرْضُهُمُ الدَّنانيرَ والدَّراهِمَ]، أي يُقَطِّعونها ويخرِّبونها وَيقُصُّون من الدراهمِ والدنانيرِ، لكِن هَذِهِ إسرائيليات لا دليلَ عليها، وَلَيْسَ هَذَا هُوَ أكبر المَعاصِي، صحيح أَنَّهُ غِشّ، لَكِنَّهُ\n_________\n(^١) انظر: منهاج السنة (١/ ٤٠، ٤/ ١٣٩، ٧/ ٤١٧).","vol":"1","page":276},{"text":"لَيْسَ أكبر المَعاصِي.\nعَلَى كُلِّ حَالٍ: أهمُّ شيءٍ أَنَّهُم أنكروا الرسالةَ وكفَروا بالخالِق، فهَذِهِ من أعظمِ المَعاصِي الَّتِي يُفْسِدُونَ بها فِي الْأَرْض.\nقوله: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ يُفْسِدون ولا يُصْلِحون، معناه أنَّ فَسَادَهم هَذَا - والعياذُ باللهِ - شاملٌ، لَيْسَ فِيهِ صلاحٌ أبدًا، وهَذه هِيَ الحِكْمَةُ من قولِهِ: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، وفيه فائدة عظيمة، وَهُوَ أَنَّهُ قد يَجتمِع الصلاحُ والفسادُ فِي آنٍ واحدٍ، كما أن الْإِنْسَان يَكُون مؤمنًا وَيكُون فاسقًا، وَيكُون فِيهِ إيمانٌ وفيه كفرٌ، وفِيهِ فسوقٌ وطاعةٌ، وفِيهِ فسادٌ وصلاحٌ، فالأُمُورُ إمَّا خيرٌ مَحضٌ وصلاحٌ مَحضٌ، وَإمَّا شرٌّ محض وفساد محض، وَإمَّا خليطٌ من الأَمْرينِ. وهَؤُلَاءِ القومُ يُفسِدون ولا يُصلِحون، والعياذُ باللهِ، فما يصلحون بالطاعة أبدًا، وهَذَا دليل عَلَى أَنَّهُم لَيْسَ فيهم خير محض، ولَيْسَ فيهم خير أبدًا، لا قليل ولا كثير، لكِن فيهم أُناس خيِّرون، وهم الَّذِينَ آمنوا بصالحٍ واتبعوه، لكِن هَؤُلَاءِ الرهط التسعة يفسدون ولا يصلحون، دائمًا لَيْسَ لهم هَمّ إِلَّا الفساد فِي الْأَرْض بالمَعاصِي، وإلقاء الفِتَن بين النَّاسِ، ومحاولة قتل المُصْلِحِين، ولهَذَا قَالُوا: ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩]، إِلَى آخرِهِ.\nفَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: التشاؤُمُ هل يُعْتَبرُ شِركًا أصغرَ أو أكبرَ؟\nفالإجابة: التشاؤمُ شِركٌ أصغرُ، ما لم يعتقد أَنَّهُ مؤثِّر بنفسِهِ فيَكُون أكبرَ، وأظننا ذكرنا هَذِهِ القاعدة: كُلّ مَن أثبتَ سببًا غيرَ شرعي أو قَدَرِيّ - يعني لا يقتضيه الشرعُ ولا القدرُ - فَهُوَ مُشرِكٌ، لَكِنَّهُ شرك أصغر، لا يؤدِّي إِلَى الأكبرِ، فأمَّا ما اقتضاه الشرع أو اقتضاه القدرُ: فما اقتضاه الشرع بأن يعلم من طريقِ الشرعِ أن هَذَا سبب لهَذَا، كقراءةِ الفاتحةِ عَلَى المريضِ سبب للشفاءِ شَرعًا، يعني جاء بها الشرعُ، والتجارب","vol":"1","page":277},{"text":"الَّتِي تُجرَى عَلَى بعضِ النباتاتِ وبعض الأدوية فيُعرَف تأثيرها، فهَذَا سَبَبٌ قَدَرِيّ جاء به القدرُ، لكِن لَا بُدَّ أنْ يعتقدَ أن النافعَ هُوَ اللهُ وأن هَذَا من أَسْبابِ النفعِ، لكِن لوِ اعتقدَ أَنَّهُ ينفع بنفسِهِ وَلَيْسَ سببًا محضًا صارَ متَّخِذًا مَعَ اللهِ إلهًا. المهمُّ أن الأَشْيَاء الَّتِي لم يَدُلّ عليها الشرعُ ولا القدرُ هَذِهِ لا يجوزُ أنْ نُثْبِتَ أَنَّهَا أَسْباب، مثل: إِنْسَان علَّق خيطًا برقبتِه، قَالَ: هَذَا لدفعِ العينِ، فالذي يعلق هَذَا الخيطَ لا يصابُ بالعينِ، فهَذَا لَيْسَ بسببٍ، ولَيْسَ بصحيحٍ، فأين الشرع الَّذِي دلَّ عليه وأين القدرُ الَّذِي دلَّ عليه؟ ! وكم من إِنْسَانٍ يُصاب بالعينِ وعليه هَذَا الخيطُ.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: تقنين القوانين الوضعيَّة يُعتبَرُ شِركًا أصغرَ أو أكبرَ، وهل يدخل فِي مسألة الأَسْبَاب؟\nفالإجابة: التقنين لا يدخل فِي هَذِهِ المسألةِ، وهي مسألة الأَسْبَاب الَّتِي أَشرنا إليها، نحن نتكلمُ عنِ الأَسْبَاب، فمن جعل سببًا لمسببات معينة بدون شرع ولا قدر فَهُوَ مشركٌ.\nوأمّا مسألة التشريعِ فليستْ داخلةً فِي مسألةِ الأَسْبَاب الَّتِي أشرنا إليها، هَذِهِ من جهةٍ أخرى، فالتشريعُ حُكْم بغير ما أنزلَ اللهُ، أي: إِنْسَان يَشْرَع ما لم يَشْرَعْهُ الله، ويعتقد أن الله لم يشرعْه وَأَنَّهُ أصلح ممَّا شرعَ اللهُ، فَهُوَ كافرٌ كفرًا مُخْرِجًا منَ المِلَّة، سواء حكم به أم لم يحكمْ أم تركَ النَّاس يحكمون به، ولهَذَا يَجِب أن نفرِّق بين مَن لم يحكمْ بما أنزلَ اللهُ تشريعًا، وبين مَن لم يحكمْ بما أنزلَ اللهُ فِعلًا، فالَّذِي يحكمُ بغيرِ ما أنزلَ اللهُ فِعلًا لا تَشريعًا هَذَا قد يكفر وقد يفسق وقد يظلم، وَالَّذِي يحكم بغيرِ ما أنزلَ اللهُ تَشريعًا، بمعنى أَنَّهُ يجعله هُوَ الشرعَ؛ شرع مُبَدَّل بدل شرع مُنْزَل، هُوَ يرى أن هَذَا الشرع المبدل أصلح للعالمِ من الشرعِ المنزلِ، فهَذَا كافر، ولا ينقسم فعله","vol":"1","page":278},{"text":"إِلَى ظلمٍ وفسقٍ وكفرٍ، بل هُوَ كفرٌ محض.\nفالحكَّام الْآنَ الَّذِينَ يُقَنِّنُونَ للناس قوانينَ وَيقُولُونَ: يَجِب أن تمشوا عليها لِأَنَّهَا أصلحُ لكم مما سبقَ، فهَؤُلَاءِ كفارٌ، حَتَّى وإن لم تَنْزِلْ بهم نازلةٌ واحدةٌ فيحكموا بهَذِهِ القوانين، فهم كفار، مثال ذلك إِنْسَان رئيس دولة شَرَع نظامًا وَيعْرِفُ أن هَذَا النظامَ مخالِف للشرعِ، لكِن يعتقد أَنَّهُ أفضلُ منَ الشرعِ وأصلحُ للخلقِ، وهُوَ ما حَكَمَ به لكِن سَنَّه وتركَ النَّاس يحكمون به، نَقُول: هَذَا كافرٌ كفرًا مخرِجًا عنِ المِلَّة، ويجب الخروجُ عليه، إِلَّا إذا كَانَ متأوِّلًا، فقد يَكُون متأولًا، قد يَقُول: لا، هَذَا لا يخالف الشرعَ؛ وذلك لِأَنَّ عندنا بعض العُلَماء - الله يهدينا وإياهم - يفتحون للحكامِ أبوابًا، حَتَّى إنَّهُم يموِّهون عليهم وَيقُولُونَ: مسائل الدُّنْيا ما للشرع فيها دخل، لِأَنَّ الرَّسُول - ﷺ - يَقُول: \"أنتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ\" (^١) فِي مسألة التلقيح، فيموِّهون عَلَى الحكامِ، يَقُولُونَ مثلًا: تجوز البنوكُ، لِأَنَّ هَذِهِ من النظام الاقتصاديّ الحديث، لَيْسَ للشرع فِيهِ دخل، وتجوز صناديق التنميات وَلَيْسَ فيها شَيْء؛ لِأَنَّ هَذِهِ من الأُمُور الاقتصادية الَّتِي يُرجَع فيها إِلَى ما يقتضيه العصر، لَيْسَ للشرع فيها نظر، وغالب الحكام قد يجهلونَ هَذَا الأَمْر فيظنون أنَّ هَذَا صحيح، فيلتبس عليهم.\nلكِنْ إذا علمنا وفَهَّمْناهم وبَيَّنَّا لهم الْحَقّ وقُلْنَا: إن معنى قوله: \"أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكمْ\" أي: فيما يتعلق بالعَمَل والصناعة، فالصانع يعرف كيف يصنع القِدْرَ، لكِن قد لا يعرفه الرَّسُول - ﷺ -، والحَرَّاث يعرف كيف يَبْذُرُ، لكِن الرَّسُول قد لا يعلم ذلك، لكِن أحكام شؤون دنيانا الأعلم بها الشرعُ، ففرق بين الأفعالِ وبينَ الأحكامِ،\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا دون ما ذكره - ﷺ - من معايش الدنيا على سبيل الرأي، حديث رقم (٢٣٦٣)، عن عائشة وأنس بن مالك - ﵄ -.","vol":"1","page":279},{"text":"أنا الْآنَ مثلًا أعرف أن هَذَا الشَّيْء محرَّم من الصناعة أو من الزراعة أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لكِن هل أعرف كيف أصنعه؟ وأعرِف أن صناعةَ السياراتِ من الأُمُورِ الطيِّبة المطلوبة؛ لمِا فيها من المصلحةِ، لكِن هل أعرِف كيف أصنعُ السيَّارة؟ أقول للكافر المشرك الملحِد الشيوعيّ الخبيث: أنت أعلم بشؤون دنياك، لَكِنَّهُ لَيْسَ أعلم منِّي بحكم هَذَا الشَّيْءِ، وهَذَا واضحٌ، فقول الرَّسُول: \"أنتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ\" يعني أنتم أعرفُ هل هَذَا التلقيحُ يَنْفَع أو لا يَنْفَع؛ لأنَّكم مجرِّبون وفاهِمون، لكِن أنا أُعطيكم حُكْمًا شرعيًّا بأنَّ كُلّ ما كَانَ صالحًا للخلقِ ولأجلِ مَصْلَحَة الخلقِ فَهُوَ منَ الأُمُورِ المطلوبةِ شرعًا؛ لِأَنَّ أصل الشرائعِ ما نَزَلَتْ إِلَّا لإصلاحِ الخَلْقِ.\nفَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: ما وردَ عن النَّبِيّ ﵊ فِي وسائل الطب يُشْكِل عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ النَّبِيّ ﵊ لَيْسَ طبيبًا؟\nفالجواب: نعم لَكِنَّهُ بالوحي يُدْرِك هَذَا الشَّيْء؛ لِأَنَّهُ هُوَ إمَّا أن يَكُون أدركه بالتجاربِ، فإذا أدركه بالتجارب وأخبرَ به عُلِمَ، وَإمَّا أن يَكُونَ قد أدركه بالوحيِ، فمثلًا ذِكره أنَّ الشفاء فِي ثلاثٍ (^١)، والعَسَل معروف بالوحي: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، وهناك الكَيّ والحِجَامة، فيَحْتَمِل عندي أنا وعند غيري أَنَّهُ تلقَّى ذلك من الوحيِ، ونحن لا نعلم بهَذَا، ويَحتمِل أَنَّهُ عَلِمَه من التجاربِ وثبَت عندَه، ومع ذلك أيضًا نَقُولُ: ما دامَ الرَّسُول - ﷺ - أَثبَتَهُ فإنَّنا نُثبته؛ لِأَنَّهُ ثبت بقولِ الرَّسُول وكذلك التجارِب تَشْهَد له.\nفالتَّلْقِيح وغيرُه مثل صناعة الأبوابِ والبناياتِ، وهَذه الأَشْيَاء قد لا يَعْلَمُها\n_________\n(^١) انظر: صحيح البخاري، كتاب الطب، باب الشفاء في ثلاث، حديث رقم (٥٣٥٦)، عن ابن عباس - ﵄ -.","vol":"1","page":280},{"text":"الرَّسُولُ ﵊ إنْ كَانَ قدْ مَارَسَها، ولهَذَا الرَّسُول ﵊ لو كَانَ عنده فِي مكَّة نَخْلٌ ومارسَ هَذَا الشَّيْءَ أو مارسه أهل مكَّة وعَلِموا به لَدَرَى عنه الرَّسُولُ، لَكِنَّهُ أتَى للمدينةِ أوَّل ما أتى وقال: واللهِ أنا ما أظنُّ أنَّ هَذَا التلقيحَ يَنْفَعُ شيئًا (^١)، ولم يقلْ: لا تُلَقِّحوا، لكِن الصحابة لِتَعَبِهِم مِنَ التلقيحِ لمَّا سمِعوا هَذَا الكَلامَ فرِحوا وقَالُوا: إذنْ لا نُلَقِّح وتركوا التلقيحَ.\nفما أخبر به الرَّسُولُ قد يَكُونُ بالممارسةِ وقد يَكُونُ بغيرِ الممارسةِ، مثلًا: \"الْكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ\" (^٢) هل هَذَا وحيٌ أو لا؟\nهَذِهِ بالذات قد تكون وحيًا؛ لِأَنَّهَا خَفِيَّة، لكِن مسألة الحِجامة ومسألة الكَيّ هَذَا أمرٌ معلومٌ ومعروفٌ عندَ النَّاسِ، فقد يُغَلِّبُ الْإِنْسَان أن الرَّسُول - ﷺ - عَلِمَ ذلكَ بالتجارِب، وقد يقولُ الْإِنْسَان: هَذَا وحي مِنَ الله ﷿ أوحاه إليه.\nوالمعلوم بالتجارب قطعيّ إذا حَكَمَ به الرَّسُولُ، مَعَ أن الرَّسُول يَقُول: \"إِنْ كَانَ الشِّفَاءُ فِي شَيْءٍ فَفِي ثَلَاثٍ\" فما جَزَمَ؛ لِأَنَّهُ قد لا يَشفَى الْإِنْسَان بهَذهِ الثلاث.\nوكلامه الأوَّل فِي التلقيحِ لَيْسَ عن تجَارِبَ، ولهَذَا أخلفَ الأَمْر؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عنده وَحْيٌ ولا تجَارِبُ ﵊.\nإِذَنِ: الرَّسُول قالها رأيًا، هُوَ قَالَ: أَرَى أنَّ ذلك لا يَنْفَع شيئًا، لكِن مِثْلَما تقدَّم: أنَّ الصحابة لمَّا سمِعوا هَذَا الكَلام فرِحوا به، قَالُوا: إذن كُفِينا المُؤْنَةَ؛ ما دام هَذَا ظنّ النَّبِيّ - ﷺ -، وترَكُوه وفَسَدَ النخلُ.\n_________\n(^١) سبق تخريجه بلفظ: \"أنتم أعلم بشؤون دنياكم\".\n(^٢) رواه البخاري، كتاب الطب، باب المن شفاء للعين، حديث رقم (٥٣٨١)، ومسلم، كتاب الأشربة، باب فضل الكمأة ومداواة العين بها، حديث رقم (٢٠٤٩)، عن سعيد بن زيد - ﵁ -.","vol":"1","page":281},{"text":"لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قد يُشْكِل عَلَى بعض النَّاس فيقولونَ: كما أَنَّهُ لَيْسَ مُؤَبِّرًا فَهُوَ لَيْسَ أيضًا طبيبًا؟\nفالإجابة: ليس بصحيحٍ، نَقُولُ: الرَّسُول - ﷺ - ما جَزَمَ بأنه يفيدُ، وهَذَا أمرٌ معلولم لكلِّ مؤمنٍ، ويستطيع أنْ يُدَافِعَ لمن أوردَ شُبهة فِي هَذَا الأَمْر فيقول: النَّبِيّ - ﷺ - ما جَزَمَ، ولو جزمَ النَّبِيّ - ﷺ - بهَذَا الأَمْرِ فَإِنَّمَا جزمَ به عَلَى سبيلِ الظنّ، والْإِنْسَان قد يَجْزِم بالشَّيْءِ عَلَى سبيلِ الظنِّ، وقد أقرَّ النَّبِيّ - ﷺ - مَن جَزَمَ .. بل قد أقسمَ عَلَى سبيلِ الظنّ.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: الأطبّاء العَصْرِيُّون يعملون بالكيِّ، فهل يُرَدّ الحديثُ بِسَبَبِ ما ظَهَرَ من أنواعِ التقدُّم فِي الطبِّ أو لا؟\nنَقُول: هَذَا لَيْسَ بصحيحٍ، أولًا: هم الْآنَ يؤمنون بالكيّ، لكِن تَخْتَلِف الوسيلة الآن، فالكيُّ بالكهرباء ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ هَذَا معروف لهم، ومُسْتَعْمَل ويؤمنون به.\nوكما قَالَ الرَّسُول - ﷺ -: \"أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ\" لَيْسَ المُرادُ بالرمي بالقوس الآن، الرمي بالآلة الموجودة، والكي أيضًا بالآلة الموجودة. وهم أيضًا الْآنَ فِي بعض الأَشْيَاء يَلْجَئُون إِلَى الطبِّ العربيّ، وأذكر أنهم دائمًا يَنْصَحُون المريضَ بذاتِ الجَنْبِ ويَقُولُونَ: اذهَبْ تَطَبَّب طِبًّا عربيًّا، ويُكْوَى ويُشْفَى بإذن الله.\nوهم فِي الحقيقة قد يُنْكِرون الوسيلةَ أو الآلةَ الَّتِي حَصَلَ بها الكَيّ، أو فِعْل بعض الَّذِينَ يكوون بالحديدِ، ففِعل بعض الَّذِينَ يكوون فظيع والعياذُ باللهِ، أنا أذكُرُ أنّ بعضَ النِّسَاءِ يُؤتَى إليها بالطفلِ وتَعْمَل له فِي رأسه ثمانين كَيَّة، وكذا فِي ظَهْره كُلّ خرزة مِنَ الظَّهر عليها خَمْس. فالأطباء يَقُولُونَ بهَذَا الشَّيْءِ ويُنْكِرونه لِئَلَّا يَحْصُل مثل هَذِهِ الحالاتِ.","vol":"1","page":282},{"text":"والرَّسُول - ﷺ - لما ذكر هَذِهِ الأَشْيَاء فلَيْسَ معناه أن هَذِهِ حتمًا هِيَ الَّتِي تَنْفَع، بل قد يقوم مَقامها ما هُوَ أَولى منها، ونَهْيُ النَّبِيّ - ﷺ - عن الكَيِّ لَيْسَ للتحريمِ (^١)، والنَّبِيّ - ﷺ - نَفْسُه فَعَلَ وكَوَى سَعْدَ بنَ مُعَاذٍ - ﵁ - (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> فِيهِ مَبْدَأ العَصَابات، ولا يزالُ مَوْجودًا إِلَى الآنَ، فإن هَؤُلَاءِ ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ وما زالَ الأَمْر إِلَى يومنا هَذَا وإلى ما بَعْد واللهُ أَعْلَمُ وَأَنَّهُ سَيَبْقَى؛ لِأَنَّ أهل الشَّرّ لهم طُرُق يَتَفَنَّنُون بها فِي فرضِ شَرِّهِم عَلَى غيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> أَنَّهُ يمكن أنْ يَجْتَمِعَ الفساد والصلاح، يعني أن الفساد والصلاح قد يجتمعانِ فِي شخصٍ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿يُفْسِدُونَ﴾ ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، ولولا أَنَّهُ يمكن اجْتِمَاعُهما لم يكنْ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ فائدة؛ لِأَنَّهُ يَكُون عدم الصلاح مفهومًا من إثباتِ الفسادِ، لو لم يُمْكِنِ اجْتِمَاعُهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span> أن الكفر والإِيمان قد يجتمعانِ فِي شخصٍ؛ لِأَنَّ الإِيمان صلاحٌ والكفرَ فسادٌ، وكذلك أيضًا الفُسُوق والطاعة يمكن أن يَجْتَمِعَا، وخالف فِي ذلك طوائفُ منَ النَّاسِ: المُعْتَزِلَة والخوارِجُ والمُرْجِئَة، فالمرجئة قَالُوا: لا يمكن، فالْإِنْسَان إذا كَانَ مؤمنًا كُلّ أحوالِهِ صالحةٌ ولا يُعَذَّب بذنبٍ ولا يُلام عليه، والخوارج والمُعْتَزِلَة\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الطب، باب الشفاء في ثلاث، حديث رقم (٥٣٥٦)، عن ابن عباس - ﵄ -.\n(^٢) رواه مسلم، كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي، حديث رقم (٢٢٠٨)، عن جابر بن عبد الله - ﵄ -.","vol":"1","page":283},{"text":"بالعكسِ قَالُوا: لا يمكن أنْ يَجْتَمِعَ كفرٌ وإيمانٌ، وفُسُوق وطاعة، بل مَن أتى ما يُوجِب الفِسْق صار كافرًا، ومَن أتى ما يُوجِب الكفرَ صارَ كافرًا عَلَى رأيِ الخوارِجِ، أو خارجًا من الإِيمان بين منزلةِ الإِيمانِ والكفرِ عَلَى رأي المعتزلة، ولَا شَكَّ أن النصوصَ والواقعَ والعقلَ يَدُلّ عَلَى خلافِ ما قالوا؛ لِأَنَّ اجتماعَ هَذَا وهَذَا أمرٌ موجودٌ مَعْلُوم، فالعاصي نَقُول: إنَّهُ مؤمنٌ ناقصُ الإِيمانِ، فلا نُطْلِق عليه الإِيمان المُطْلَق، حَتَّى لو كَانَ عنده إيمانٌ عشرة فِي المِئَة، لَا بُدَّ أن يَكُونَ ناقصَ الإِيمانِ، أو نَقُول: مؤمن بإيمانِهِ فاسِقٌ بكبيرتهِ، مثلًا لوِ اغتابَ الْإِنْسَان رجلًا من النَّاسِ، فهَذِهِ كبيرةٌ منَ الكَبائِرِ تَنْقُصُ الإِيمانَ، وَهُوَ يُصَلِّي ويصوم ويزكِّي ويَحُجّ ويتطوع بسائر التطوُّعاتِ، لا نعطيه وصفَ الإِيمانِ المطلَق، بل نَقُول: مؤمن بإيمانِهِ فاسِق بِكَبيرتِهِ أو مؤمن ناقصُ الإِيمانِ.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: أليس قوله تَعَالَى: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ مثل قول الصحابيّ: فأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ ونُهِينَا عَنِ الكَلَامِ (^١)، بمعنى أنَّ الوَصْفَ يَتَحَقَّق بواحدٍ منهما؟\nفالجواب: لا؛ لِأَنَّ السكوتَ والكَلامَ متناقِضانِ، أَمَّا الصلاحُ والفسادُ فمُتَضَادَّانِ يُمْكِن أنْ يَجْتَمِعَا، فيَكُونُ فِي الشَّيْءِ مَصْلَحة ومَفْسَدة، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، أمَّا هَذا فإمَّا سكوتٌ أو كلام، فهما متناقضان، يعني لا يمكن أن يوجدَ أَحَدُهما إِلَّا بِفَقْدِ الآخَرِ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: أبواب العمل في الصلاة، باب ما ينهى عنه من الكلام في الصلاة، رقم (١٢٥٠)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته، رقم (٥٣٩).","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:</span> أنَّ المَعاصِيَ من أَسْبابِ الفسادِ فِي الْأَرْض؛ لِقَوْلِهِ ﷾: ﴿يُفْسِدُونَ﴾، وهَؤُلَاءِ الجماعةُ ليسوا يَهْدِمُون البيوتَ ولا يُغْرِقُون الزُّرُوعَ ولا يُحْرِقون المتاجِرَ، لَكِنَّهم يفعلون ما يَكُون سببًا للفسادِ؛ الفساد المَعْنَوِيّ، وَهُوَ فساد الأخلاقِ والسلوكِ، والفساد الحِسِّي؛ لِأَنَّ الفساد الحِسِّيّ يَتْبَع الفسادَ العنويَّ.\n* * *","vol":"1","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>الآية (٤٩)</span>\n* * *\n\nقَالَ اللهُ ﷿: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩].\n* * *\n\nقوله: ﴿قَالُوا﴾ أي: هَؤُلَاءِ التسعة، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالُوا﴾ أي: قَالَ بَعْضُهم لبعضٍ ﴿تَقَاسَمُوا﴾ أي: احْلِفُوا ﴿بِاللَّهِ﴾]، يعني طَلَبَ بعضهم مِن بعضٍ أنْ يَتَعَاهَدوا عَلَى هَذَا الأَمْرِ ويتحالفوا عَلَى أنْ يُبَتِّتُوا صالحًا وأهلَه، ومعنى البياتِ إنزالُ العقوبةِ به ليلًا، فهنا حَلَفوا - والعياذُ باللهِ - وهَذَا الحلِف الفاجِر عَلَى أنْ يُبَتُوا صالحًا وأهلَه، ولهَذَا قَالَ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ اللامُ فِي قولِهِ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ واقعةٌ فِي جوابِ القَسَمِ، والنون للتَّوكيدِ، فهم أكَّدوا هَذَا الفِعْل باليمينِ واللامِ والنونِ.\nيَقُول المُفَسِّر ﵀: [﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ بالنونِ والتاءِ وضَمّ التاءِ الثَّانِيَةِ]، إذا جعلناها بالتاء لَزِمَ ضَمُّ الثَّانِيَة: \"لَتُبَيِّتُنَّهُ\"، وَأَمَّا ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ فإنَّ التاءَ تَبْقَى مفتوحةً (^١).\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَهْلَهُ﴾ أي: مَن اَمنَ به أَيْ نَقْتُلُهُمْ لَيْلًا]، هَذَا تفسيرُ البياتِ، والمُرادُ بالأهلِ أتباعُهُ كما قَالَ المُفَسِّر، ولكِن قد يُنازَع فِي هَذَا ويُقال: إن المُرادَ به أهلُه الخاصُّون، يعني أهل بَيْتِه؛ لِأَنَّهُم هم الَّذِينَ يَكُونونَ فِي الغالب معه فِي الليلِ، فإنَّ الغالبَ أنَّ الْإِنْسَانَ فِي الليلِ لا يَكُونُ معه فِي بيتِهِ إِلَّا أهله الخاصَّون به.\n_________\n(^١) الحجة في القراءات السبع (ص: ٢٧٢).","vol":"1","page":286},{"text":"ثُمَّ بَعْد ذلك، أي بَعْد أنْ نُبَيِّته ﴿لَنَقُولَنَّ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بالنون والتاءِ وضَمّ اللامِ الثَّانِيَةِ]، أي: وضمِّ اللامِ الثَّانِيةِ إذا كانتْ بالتاءِ: (لتَقُولُنَّ)، أَمَّا عَلَى قراءةِ النونِ فهي بالفتح: ﴿لَنَقُولَنَّ﴾.\nيعني: ثُمَّ بعدَ أنْ نُبَيِّتَه ونقتله إذا قامَ وَلِيُّه بالأخذِ بِثَأْرِهِ نَقُول ﴿لِوَلِيِّهِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [لِوَلِيّ دَمِه].\nووليُّ الدمِ عندنا فِي الشَّرِيعَة الإِسْلاميَّة هم الوَرَثَة بفرضٍ أو تعصيب، وَقِيلَ: بل همُ العصبةُ؛ لِأَنَّهُم الَّذِينَ يؤدُّون العقلَ عنه، وَأَمَّا ذَوُو الفَرْض فلَيْسُوا مِن أولياءِ الدمِ، والصَّوابُ العمومُ؛ أنَّ أولياءَ الدمِ همُ الورثةُ بفرضٍ أو تعصيبٍ، حَتَّى الزوجة والأمّ هما مِن أولياءِ الدمِ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿مَا شَهِدْنَا﴾ حَضَرْنَا ﴿مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ بِضَمِّ الميمِ وفَتْحِها]: (مُهْلَك ومَهْلَك) ولم يَتَعَرَّضِ المُفَسِّر للقراءةِ الثَّالثةِ وهي (مَهْلِك)، فالقراءات فيها ثلاث: فتح الميم وكسر اللام (مَهْلِك)، فتح الميم واللام (مَهْلَك)، ضمّ الميم وفتح اللام (مُهْلَك)، وهاتانِ الأخيرتانِ هما اللتانِ ذكرهما المُفَسِّر: (مُهْلَك أهله ومَهْلَك أهله)، يَقُول ﵀: [أي: إهلاكهم أو هلاكهم]، عَلَى القراءتين: (مُهْلَك) أي إهلاك؛ لِأَنَّ (مُهْلَك) من (أَهْلَكَ) الرُّبَاعِيّ، و(مَهْلَك) من هَلَك الثلاثيّ، ولذلك نَقُول: إذا كَانَ الفِعْل ثلاثيًّا فإن المصدر الِميميّ منه عَلَى وزن مَفْعَل: هلك مَهْلَك، قام مَقَام. وإذا كَانَ رُباعيًّا فإن المصدرَ الميميّ منه عَلَى وزن اسْم المَفْعُول، فتقول: مُهْلَك من أَهْلَكَ، وتقول: مُقَام من أقام، وتقول: قام فينا مَقَامَ فلان، مثلما قَالَ أبو حيَّان فِي ذِكْر ابنِ تَيْمِيَّة (^١):\n_________\n(^١) أعيان العصر وأعوان النصر للصفدي (١/ ٢٤٧).","vol":"1","page":287},{"text":"قامَ ابْنُ تَيْمِيةَ في نَصْرِ شِرْعَتِنَا ... مَقَامَ سَيِّدِ تَيْمٍ إِذْ عَصَتْ مُضَرُ\nقامَ مَقامًا، لكِن عندما تقول: (أقامَ) تقول: أَقَامَ فِي هَذَا المكان مُقَامَ فُلانٍ بضمِّ الميمِ، لا تقل: مَقام، وهَذه قاعدة معروفةٌ فِي النحوِ؛ أنَّ المصدرَ الميميَّ إذا كَانَ من رُباعيٍّ فَهُوَ عَلَى وزنِ اسمِ المَفْعُول، وإذا كَانَ من ثلاثيٍّ فَهُوَ عَلَى وزنِ مَفْعَل أو مَفْعِل مثل مَهْلِك.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [فلا نَدْري مَن قَتَلَهم]، وهَذَا الإنكارُ كَذِبٌ وليس بصحيح، فما داموا هم الَّذِينَ قتلوه فقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ هَذَا كَذِب، لكِن فِيهِ تَوْرِية؛ لِأَنَّهُم يَقُولُونَ: ما شهِدنا بل فَعَلنا، والشاهِد لم يَفْعَل، ولهَذَا قَالُوا: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.\nوجملةُ ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ هل هِيَ من جملة قولهم الَّذِي يدافعون به عن أنفسهم أو هِيَ تقريرٌ لقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾، يعني أنهم لم يقولوه للدفاع عن أنفسهم؟ يعني هل قولهم: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ من جملة ما يَقُولُونَه للوليّ ليؤكِّدوا النفيَ؟ ما شَهِدنا وإننا لم نَكْذِب عليكم، إننا لَصَادِقُون أننا ما شَهِدنا، هَذَا وجا، أو أن المَعْنى: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ يَقُول بعضهم لبعض: واطمئنوا أيُّها الإخوة؛ فإنَّنا صادقون بأننا لم نَشْهَدْ؟\nيَحْتَمِل هَذَا وهَذَا، إِنَّمَا المفسِّرون ذكروا احتمالينِ: أحدهما أن يقولوه فِي جملة دِفَاعِهِم عن أنفسهم لوليّ صالح، وعلى هذا فتكون جملة ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ تقريرًا لقولهم: ما شَهِدنا مَهْلِكَ أَهْله، والتَّقْدير: ما شهِدنا وإنا صادقونَ فلن نُخْبِرَكم بشيءٍ، أو أن المَعْنى: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ ونحن إذا قُلْنَا هَذَا فإنَّنا صادقون لأنَّنا ما شَهِدنا المَهْلِك، ولَكِنَّنَا أَهْلَكْنَا بأنفسنا، لسنا شهودًا بل فاعلون؛","vol":"1","page":288},{"text":"لِأَنَّ الفاعل غيرُ الشاهدِ، وهَذَا المسألةُ تَوْرِيَة كما تقدَّم، وإلَّا فمِنَ المعلومِ أنَّ مَن فعلَ فقد شَهِدَ، بل أبلغ، لكِن يُهَوِّن بعضهم الأَمْرَ عَلَى بعضهم حَتَّى لا يَكُون فِي أنفسِهِم شيءٌ، لكِن لتهوينِ الأَمْر عَلَى بعضهم يلقِّن بعضهم بعضًا.\nوالحاصل: أن هَؤُلَاءِ - والعياذ بالله - أرادوا هَذَا الفِعْل المنكَرَ وَهُوَ مَكْر؛ لِأَنَّهُ إتيانٌ لصالحٍ وأهلِهِ من حَيْثُ لا يَشْعَرُونَ، فإن الليلَ مَوْضِع السكونِ والهدوء، وإذا أحد اعْتَدَى عَلَى أحدٍ صار ذلكَ غَدْرًا ومَكْرًا، ولهَذَا حَتَّى فِي حربِ الْكُفَّار اختلفَ العُلَماءُ هل يجوزُ تَبْيِيت الْكُفَّارِ أو لا يجوز؟\nفمِنَ العُلَماءِ مَن مَنَعَ التبييتَ وقال: لا يمكِن أن نقتلَ الْكُفَّار وهم غارُّونَ نائمون، ومنهم مَن أجازَ ذلكَ، والمسألةُ تَحتاج إِلَى تحرير بَحْث فِي هَذَا.\nوالحاصل: أن هَذَا منَ الغَدْر والمكْر أن يأتيَ هَؤُلَاءِ إِلَى صالحٍ وأهلِهِ فِي الليلِ فيُبَيِّتُوهم، ولهَذَا يقولُ اللهُ ﷿: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> أَنَّهُ مِنَ الحزْم - والحزمُ قد يَكُونُ فِي الخيرِ وَقد يَكُونُ فِي الشرِّ - أنْ تَجْتَمِعَ الطائفةُ وتَتَعَاقَد وتتعاهَد عَلَى مِنهاجها الَّذِي تَسير عليه وتَتَّفِق عَلَى عهدٍ يَرْبِط بَعْضَها ببعضٍ لِيَكُونَ التنفيذُ واحدًا، ولئلَّا تَتَفَرَّقَ وتَخْتَلِف، لِقَوْلِهِ: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ ما ذهب كُلّ واحدٍ مَذْهَبًا، فاجْتَمَعُوا فِي أوَّل الأَمْرِ عَلَى تدبير الخُطَّة ثُمَّ عَلَى تَنفيذِها، وهَذَا المَسْلَكُ لا زالَ يُسْلَك حَتَّى الآنَ. وتعرفون أنَّ الصحيفةَ الَّتِي اجتمعتْ قُرَيْشٌ فيها عَلَى مقاطعة بني هاشمٍ لم تُنْقَضْ برجلٍ واحدٍ، بل ذهب هَذَا الرجلُ الَّذِي أرادَ نَقْضَها إِلَى فلانٍ وفلانٍ وصارَ يُجَمِّعُ النَّاسَ حولَه حَتَّى اجتمعوا عَلَى نقضها وغلبوا فِي تنفيذ فِكرتهم.","vol":"1","page":289},{"text":"فالحاصل: أن هَذِهِ المسائلَ ينبغي للإِنْسَانِ إذا أرادَ أن يَهِمَّ بأمرٍ ويمشي عَلَى منهاجٍ أنَّهُ يجعل معه أقوامًا يساعدونه ويتعاقدُ معهم ويتعاهَد، فإن كَانَ فِي خيرٍ فخيرٌ، وإن كَانَ فِي شرٍّ فالله يَتَوَلَّاهُم، وهنا ﴿تَقَاسَمُوا﴾ عَلَى شرٍّ من أعظمِ الشرورِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> فيها دليلٌ عَلَى مبدأ الاغتيالاتِ؛ بمعنى أن الاغتيالَ موجودٌ حَتَّى فِي الزمنِ السابقِ، هَذَا المقصودُ، وَلَيْسَ معنى هَذَا أن هَذَا المبدأ مُباح، بل المُراد أن هَذَا موجودٌ ولا زالَ موجودًا، فغالبُ الأُمُورِ من خيرٍ أو شرٍّ تَجِدُ لها أصلًا فِي الأممِ السابقين؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾؛ لِأَنَّ التبييتَ اغتيالٌ، إذ إن الاغتيال معناه هُوَ القتل عَلَى غِرَّة.\nولهَذَا كَانَ الصَّحيحُ من أقوالِ أهلِ العلمِ أن الغِيلَة لَيْسَ فيها خِيَار لأولياء الدمِ، وَأَنَّهُ يَجِب قتلُ المُغتالِ بكلِّ حالٍ، حَتَّى لو عَفَوْا، وهَذَا مَذْهَبُ مالِكٍ واختيار شيخِ الإِسْلامِ ابنِ تَيْمِيَّة (^١)؛ لِأَنَّهُ لا يُمْكِن التحرُّز منه، وَهُوَ فسادٌ فِي الْأَرْض، ولا يُعارِض هَذَا قولَ الرَّسُولِ - ﷺ -: \"مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ\" (^٢)؛ لِأَنَّ قوله: \"مَنْ قُتِلَ لَهُ\" هَذَا منَ الحقوقِ الخاصَّة، وَأَمَّا مسألة الاغتيال فإنها من الحقوقِ الْعَامَّةِ، حيث يأتي للإِنْسَانِ فِي مَأْمَنِهِ وَيقْتُلُه! ففِعل القاتل الَّذِي فِيهِ التخييرُ أَنَّهُ يأتيه ولو لم يوجدْ عندَه أحدٌ لكِن المهمّ أن المقتولَ يُمْكِن أنْ يَتَحَرَّز منه بالفرارِ أو بالمدافعةِ أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فيحصل القتل، أَمَّا أن يأتيَه وَهُوَ نائمٌ مثلًا أو يأتيه فِي بيته وَهُوَ غافلٌ، فهَذَا لا يُمكِن التحرُّز منه؛ لِأَنَّهُ إذا جاءه وَهُوَ يعلمُ به فيُمْكِنه أن يَتَحَرَّز\n_________\n(^١) انظر: بلغة السالك (٤/ ١٦١)؛ زاد المعاد (٤/ ٤٩).\n(^٢) رواه البخاري، كتاب الديات، باب من قتل له قتيل فَهُوَ بخير النظرين، حديث رقم (٦٤٨٦)؛ ومسلم، كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إِلَّا لمنشد على الدوام، حديث رقم (١٣٥٥)، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":290},{"text":"بالفرارِ، ويتحرَّز بالمُدافعةِ، وَيتَحَرَّز بالصِّياح لِمَن حَوْلَه، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ قَوْلنا: إنَّهُ عَلَى خُفيَة أَنَّه لا يوجدُ عندَه أحدٌ؛ لأَنَّ الغالبَ أَنَّهُ لا يُقْتَل إِلَّا إذا كَانَ لا يوجد عنده أحد، لكِن الكَلام عَلَى غِرَّة منَ المقتولِ، هَذَا هُوَ قَتْل الغِيلة.\nفهَؤُلَاءِ الجماعة تَقَاسَمُوا عَلَى هَذِهِ الفِعْلة القَبِيحَة المُشِينة، ولكِنهم لم يحصُلْ لهم تنفيذُ ما أرادوا؛ لِأَنَّهُم مَكَرُوا، ومكرَ اللهُ، واللهُ خيرُ الماكرينَ.\nهل يجوزُ سلوكُ مبدإِ الاغتيالاتِ مَعَ الأعداءِ؟\nإنْ كَانوا يَسْلُكُونه معنا سلكِناه معهم، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span> وَفِي قوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ دليل عَلَى إنكارِ المدَّعي، وهَذَا شَيْء واضح، أَمَّا الفاعل للسيئة فلا يُهِمُّه أن يُنْكِر فِعْلَه، يَعْنِي: مَن قتلَ يهون عليه أن يُنْكِرَ القتلَ؛ لِأَنَّ القتلَ أعظمُ من إنكارِه، فلهَذَا قَالَ: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:</span> أنَّ البَيِّنَة عَلَى المدَّعِي واليمينَ عَلَى مَن أنكرَ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا أن هَذَا القَوْل يُبَرِّئهم ما صحَّ أن يَتَّفِقُوا عَلَى اتِّخاذِهِ حُجَّةً؛ يَقْتُلُونه ويَقُولُونَ: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾، فاتَّفَقُوا عَلَى هَذَا، دلَّ هَذَا عَلَى أنَّ الإنكار يُبَرَّأُ به المُدَّعَى عليه، ووَجْهه: أَنَّهُ لولا أن ذلك يُبَرِّئُهم لم يَنْفَعْهُم الاتفاقُ عليه؛ لِأَنَّهُ لو قَالُوا: ما شهدنا مَهْلِكَهُم سيقال: أنتم القاتلونَ، فهَذَا أيضًا دليلٌ عَلَى أنَّ البيِّنة عَلَى المدَّعي واليمين عَلَى مَن أنكرَ.\nفإذا ادَّعَى شخصٌ أن هَذَا الرجلَ قتلَ والدَه، نَقُول له: هاتِ بيِّنَةً، فإذا لم يأتِ","vol":"1","page":291},{"text":"ببينةٍ فَإِنَّهُ لا يَثْبُتُ له الحقُّ؛ لِأَنَّ البيِّنة عَلَى المُدَّعِي واليمينَ عَلَى مَن أنكرَ. ولكِن هل هَذَا عَلَى إطلاقه؟\nالمشهورُ مِنَ المَذْهَبِ أَنَّهُ عَلَى إطلاقِه، وَأَنَّهُ لو كَانَ المُدَّعَى عليه القتلُ مِن أفجرِ النَّاسِ والمقتولُ من أطيبِ النَّاسِ، وكذلك المُدَّعِي فَإِنَّهُ لا يُؤْخَذ بقَوْلِهِ؛ لِعُمُومِ قولِ الرَّسُول ﵊: \"الْبَيِّنةُ عَلَى المُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ\" (^١).\nواختارَ شيخُ الإِسْلامِ ابنُ تَيْمِيَّة ﵀ أنَّ هَذَا يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ، ولكِن تُجْرَى فِيهِ القَسامةُ إذا كَانَ هَذَا الرجلُ معروفًا بالفسوقِ، والمقتول معروفًا بالصدقِ والاستقامةِ، وكذلك أولياؤه، قَالَ: فإن هَذه قَرِينَة تُغَلِّبُ عَلَى الظنِّ صِدْقَ المُدَّعِي، وَعَلَى هَذَا فتُجْرَى فِيهِ القَسَامَةُ. وما قاله الشيخُ فليسَ ببعيدٍ.\nالأَمْر الثاني بالعكسِ؛ لو أنَّ شخصًا قتلَ إِنْسَانًا وقال: نعمْ أنا قتلتُ ولكِن الرجل صالَ عليَّ ولم يَنْدَفِعْ إِلَّا بالقتلِ، فماذا أصنع؟\nالمَذْهَب: لا يُقْبَل قَوْلُه ويُقْتَل؛ فلو أنَّ إِنْسَانًا أَدَّعِي عليه أَنَّهُ قاتلُ فلانٍ، قَالَ: نعمْ أنا الَّذِي قتلْتُه لكِنَّني قتلتُه دِفاعًا عن نفسي؛ لِأَنَّ الرجل يريد أن يَقْتُلَنِي. نَقُول له: هاتِ بيِّنةً أَنَّهُ صالَ عليك وإلا قتلناك. قَالَ: لا يُمكِن أن يَكُونَ عندي بيِّنَةٌ؛ لِأَنَّهُ ما صالَ عليَّ أمامَ النَّاسِ، لو يَدْرِي أن حوله أحدًا ما صالَ.\nنَقُول: إذن نَقْتُلك وبوم القيامةِ تَخْتَصِمُون عند الله. هَذَا هُوَ المذهَب، واختارَ الشيخُ هنا أَنَّهُ يُقْبَل قولُ المعروفِ بالصدقِ، فإذا كَانَ هَذَا القاتلُ الذي يَقُول: أنا قتلتُه دفاعًا مُسْتَقِيمًا، والمقتولُ معروفٌ بالفجورِ والاعتداءِ عَلَى الخلقِ، فَإِنَّهُ يُقْبَل قولُه ولكِن يَحْلِف تأكيدًا لقوله.\n_________\n(^١) رواه الدارقطني (٣/ ١١٠، رقم ٩٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٢٥٢، رقم ٢٠٩٩٠).","vol":"1","page":292},{"text":"وما قاله الشيخ ﵀ هُوَ الصَّحيحُ، ولا يمكن العَمَلُ إِلَّا به، أم كوننا نَقُول: نقتلك وتجد حسابك عند الله! هَذَا فِيهِ نظرٌ، حَتَّى لو وُجدتْ قرينةٌ تدلُّ عَلَى صِدْقِ الرجلِ غير مسألة حال هَذَا وحال هَذَا. يعني مثلًا لو وُجِدَ فِي بيتِه، فلو وُجِد المقتولُ فِي بيتِ القاتلِ، وقال: أنا قتلتُه عمدًا بدونِ شُبهةٍ لَكِنَّهُ ادَّعى أَنَّهُ صالَ، وقال: جاء إليَّ ودخلَ البيتَ لِيَقْتُلَنِي أو سينتهك حُرْمَة أهلي، فوجدتُ أَنَّهُ لا يَندفِع إِلَّا بالقتلِ، نَقُول: ولو كان؛ لِأَنَّهُ يجوزُ أَنَّهُ استضافه ويتدرَّج به ويقول: تَفَضَّل عندنا؛ لأجلِ أن يقتلَه.\nوالحاصلُ: أنَّ هَذِهِ مشكلةٌ، ولا يستقيمُ الحالُ إِلَّا عَلَى ما قالَه شيخُ الإِسْلامِ ابنُ تَيْمِيَّة ﵀.\nالحاصل: أن قوله: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ يَدُلّ عَلَى أن المُنْكِر مقبولُ القَوْلِ ما لم يأتِ المُدَّعِي بِبَيِّنَةٍ.\n* * *","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>الآية (٥٠)</span>\n* * *\n\nقَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر: [﴿وَمَكَرُوا﴾ فِي ذَلِكَ ﴿مَكْرًا﴾]، و﴿مَكْرًا﴾ مُنكر أحيانًا، يَكُون من فائدةِ التنكيرِ التعظيمُ، أي: مَكَرُوا مكرًا عظيمًا، والمكرُ فسَّره بعضهم بأنه التوصُّل بالأَسْبَاب الخفيَّة إِلَى الإيقاعِ بالخَصْمِ؛ لِأَنَّ الأَسْبَاب الظَّاهرة لا تُسمَّى مكرًا وإنما هِيَ أَسْباب خفيَّة.\nقَالَ اللهُ ﷾ فِي مقابلةِ ذلك: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ أي: مكرًا أعظمَ من مكرِهم، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أي جازَيْنَاهم بتعجيلِ عُقُوبَتِهِمْ]، ففسَّر المكر بالمجازاةِ، والصَّحيحُ أن المكرَ أخصُّ منَ المجازةِ؛ لِأَنَّهَا مجازاةٌ منْ حَيْثُ مأمنُ المُجَازَى، لكِن أراد المُفَسِّر أنْ يدفعَ بذلك صفةَ المكرِ عنِ اللهِ ﷾، ففسَّره بالمجازاةِ، والصَّواب عند أهلِ السنَّة والجماعة أنَّ المكرَ لا يجوزُ أن يُحَرَّف إِلَى معنى المجازة المطلَقة، وَأنَّهُ لا يَمْتَنِع وصف الله ﵎ به فِي مَحَلِّه، فالمكرُ فِي مَحَلِّه يُعْتبَرُ مَدْحًا، وَفِي غيرِ مَحَلِّهِ يُعْتَبر ذَمًّا، والمكرُ بهَؤُلَاءِ الماكرينَ يُعْتَبر مَدْحًا عظيمًا، ولهَذَا الصَّحيحُ فِي هَذِهِ المسألةِ الَّذِي عليه أهلُ السنَّة والجماعة أنَّ اللهَ تَعَالَى يُوصَف بالمَكْرِ، لا عَلَى الإطلاقِ، فلا يقالُ: إن اللهَ ماكرٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَى الإطلاق يَتَضَمَّن صِفة الذمّ، وإنما","vol":"1","page":294},{"text":"يقال: ماكرٌ بمَن يَمْكُرُ به، أو بمَن يَسْتَحِقّ المكرَ، وحينَئذٍ يَكُونُ صفةَ مدحٍ.\nوالصِّفَات تنقسمُ إِلَى ثلاثةِ أقسامٍ:\nأحدها: صفاتٌ حُسْنَى بكلِّ حالٍ، فهَذه ثابتةٌ للهِ عَلَى وجهِ الإطلاقِ، كالسمعِ والبصرِ والعلمِ والحياةِ والقُدْرة ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.\nوالثَّانِيَة: صفاتُ نقصٍ عَلَى كُلّ حالٍ، أو صفاتُ سَوْءٍ عَلَى كُلّ حالٍ، فهَذه يُنَزَّهُ اللهُ عنها عَلَى كُلّ حالٍ، مثل الظُّلم واللُّغُوب والجَهْل والعَمَى والموت والمرض والولادة والوزير والشَّريك والجُوع والعَطَش، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، هَذِهِ يُنزَّه الله عنها بكلّ حالٍ.\nوالثَّالثة: صفات ذات وجهينِ، تكون مدحًا فِي حالٍ وتكونُ ذمًّا فِي حالٍ، فهَذِهِ لا يُوصَف الله بها عَلَى الإطلاقِ ولا تُنْفَى عنه عَلَى الإطلاقِ، مثل: المَكْر والخِداع والاستهزاء والسّخْرِيَة وأمثالها، هَذِهِ لا يُوصَف الله بها عَلَى كُلّ حالٍ، ولا تُنفَى عنه بكلِّ حالٍ، بل يُوصَف بها حَيْثُ تكون كمالًا، وتُنفَى عنه حَيْثُ تكون نقصًا، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، وقال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ﴾ [البقرة: ١٥]، وقال تَعَالَى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٤٢]، وقال تَعَالَى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠].\nقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني هم لا يشعرون بعاقبةِ مكرِهم، وهل يَتِمُّ لهم ما أرادوا أم لا؟ ولا يشعرون كيف يمكر الله بهم، فهم لا يشعرون لا بهَذَا ولا بهَذَا، لا بنتيجةِ مَكْرِهِم ولا بمكرِ اللهِ بهم؛ لِأَنَّهُم - والعياذُ بالله - متمادُونَ فِي الضلالةِ، والغالبُ أن الَّذِي يتمادى فِي الضلالةِ يَعْمَى فلا يُبْصِر، ويُصَمّ فلا يسمع، فلهَذَا قَالَ: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، والجملةُ فِي قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ مَحَلُّها منَ","vol":"1","page":295},{"text":"الإعرابِ حالٌ منَ الواوِ فِي ﴿وَمَكَرُوا﴾ أو منَ الضَّميرِ المحذوفِ فِي قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ يعني بهم ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> عَظَمَة اللهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ أعظمُ مَكرًا ممَّن يَمكُرون به وبرسلِه، فهَؤُلَاءِ أرادوا المكرَ برسولِه ولكِن الله تَعَالَى مكرَ بهم بما هُوَ أعظمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> وصفُ اللهِ تَعَالَى بالمكرِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ عَلَى سبيلِ الإطلاقِ، بل عَلَى سبيلِ التقييدِ، فيقال مثلًا: هُوَ ماكرٌ بأعدائِهِ أو بمَن يَستحِقّ المكرَ، أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ممَّا يجعل المكرَ صفةَ كمالٍ؛ لِأَنَّ المكرَ لَيْسَ بصفةِ كمالٍ عَلَى الإطلاقِ ولا بصفةِ نقصٍ عَلَى الإطلاقِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span> أن الله ﷾ قد يَمْكُرُ بالعبدِ فلا يَشْعُر بمكرِه، ومن مكرِ اللهِ بالعبدِ وَهُوَ لا يَشْعُرُ: استدراجُه إيَّاه بالنِّعم، حَيْثُ يُسْدِي إليه النعمَ وَهُوَ يبارزُ الله تَعَالَى بالعصيانِ، ومن مكرِه به تلبيسُه عليه فِي الحُكم، فيُلَبِّس عليه الحكم حَتَّى يَظُنّ الباطلَ حقًّا فيتمادى فيه، ولهَذَا من الدعاء المأثور: \"اللَّهُمَّ أَرِنِي الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنِي اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنِي الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنِي اجْتِنَابَهُ\" (^١)، فالْإِنْسَانُ قد يَكُون لديه شُبْهَة أو شَهْوة؛ شبهة لا يَعْرِف الحقَّ، أو شهوة لا يريد الحَقّ ويريد غيرَه.\n* * *\n_________\n(^١) ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين (٤/ ٤٠١)، وقال العراقي في التخريج: \"لم أقف لأوله على أصل\".","vol":"1","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-344>الآية (٥١)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾ [النمل: ٥١].\n* * *\n\n﴿فَانْظُرْ﴾ الخِطَاب للنبيّ - ﷺ - أوَّلًا، أو لمَن يَصِحُّ خِطَابُه، يعني ﴿فَانْظُرْ﴾ أيُّها المخاطَب أو ﴿فَانْظُرْ﴾ يا مُحَمدُ، وَهُوَ رأسُ هَذِهِ الأُمَّة وقائدها وإمامها، فيَكُون خِطَابه خِطابًا للأمَّة أيضًا.\n﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾: ﴿كَيْفَ﴾ هَذِهِ اسمُ اسْتِفْهامٍ مُعَلِّقَةٌ لـ (انْظُر) عن العَمَلِ، ولهَذَا نَقُولُ: إنَّ مَحَلَّها النصبُ خبر كَانَ مُقَدَّمًا، وجملة كَانَ واسمها وخبرها فِي محَلّ نصب مَفْعُول لـ (انْظُرْ).\nوقوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ العاقبة ما يَعْقُبُ الشَّيْءَ، يعني انْظُر ماذا يَعْقُبُ مكرَهم مِنَ الأَمْرِ ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أهلكِناهم]، وفيها قراءتانِ (^١): فتحُ الهمزة ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾، وكسرها \"إِنَّا دَمَّرْنَاهُم\"، أَمَّا كسرها فهي كقولِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [القمر: ٣٠ - ٣١]، فتكونُ عَلَى قراءةِ الكسرِ مستأنفةً لبَيَان هَذِهِ العاقبةِ ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ كَأن الذهنَ الْآنَ يَتَشَوَّف إِلَى هَذِهِ العاقبةِ، وجيء بالجملةِ\n_________\n(^١) الحجة في القراءات السبع (ص: ٢٧٢).","vol":"1","page":297},{"text":"الاستئنافيَّةِ بَيَانا لها ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أَمَّا عَلَى قراءةِ الفتحِ فهي بَيَان للعاقبةِ، بَدَل مِنْهَا: فانظُرْ كيف كَانَ عاقبة مَكْرِهم أَنَّنا دَمَّرْنَاهم، أو أَنَّهَا عَلَى خبر مبتدأ محذوف التَّقْدير: هِيَ ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.\nوقوله: ﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [أهلكِناهم]، و﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾ منَ التدميرِ، وَهُوَ أبلغُ منَ الإهلاكِ؛ لِأَنَّ التدميرَ يُوحِي بغِلَظِ هَذَا الإهلاكِ وعَظَمَتِهِ، وَهُوَ كذلك، فإنَّ قومَ صالحٍ أُخِذُوا - والعياذُ بالله - بأمرينِ: بصيحةٍ ورجفةٍ، صِيحَ بهم وارْتجَفَتْ بهمُ الْأَرْضُ، حَتَّى انهدم عليهم بناؤُهم وتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم فِي أجوافِهِم، نسألُ اللهَ العافيةَ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١)﴾ [القمر: ٣١]، مثل هشيم الحظائرِ إذا جفَّ تهَشَّمَ والعياذُ باللهِ، فهَذا الهلاكُ العظيمُ نتيجة لهَذَا العصيانِ والتمرُّد والمَكْر الَّذِي أرادوه بالنَّبِيّ - ﷺ -.\nوقوله: ﴿دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ﴾ مَعَ أنَّ القومَ لم يُشارِكوا فِي هَذِهِ الجريمةِ، ولكِن هَذَا شُؤْمُ المَعاصِي أن الله ﷾ إذا عاقبَ بها أحدًا شَمِلَ الجميعَ، مَعَ أنَّ قومَهم مُسْتَحِقُّونَ للعقوبةِ؛ لِأَنَّهُم كانوا كفَّارًا مكذِّبين، لكِن تعجيل العقوبةِ مقرونٌ بهَذَا السَّبَب، وَهُوَ مَكْرُ هَؤُلَاءِ بصالح، وقد لا يَكُونُ القومُ مُسْتَحِقِّين له، ولكِن شَمِلَهم - والعياذُ بالله - عُقُوبَة هَؤُلَاءِ، وقَّدَ ذكرَ اللهُ ﵎ فِي آيَاتٍ أُخْرَى مُفَصَّلَةً أنَّ نَبِيَّهم صالحًا قَالَ لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥]، فتَمَتَّعُوا وبَقُوا ثلاثةَ أيامٍ ثُمَّ بَعْد ذلك أَخَذَهُمُ اللهُ تَعَالَى بهَذه الصيحةِ والرَّجْفَة.\nوقوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ مَحَلُّها من الإعراب توكيد لِقَوْلِهِ: ﴿وَقَوْمَهُمْ﴾ يعني ما بقي منهم أحدٌ إِلَّا من كَانَ مؤمنًا بصالحٍ ﵊.","vol":"1","page":298},{"text":"وقول المُفَسِّر ﵀: [بصيحةِ جِبريلَ أو بِرَمْيِ الملائكةِ بحجارةٍ يَرَوْنَها ولا يَرَوْنَهم].\nأما قوله: [بصيحةِ جبريل]، فهَذَا قد يَكُون مقبولًا؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى يَقُول: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ وهَذه الصيحةُ إمَّا منَ اللهِ أو من جبريلَ أو من غير من الملائكةِ، المهمُّ أَنَّهُم أُهلكوا بصيحةٍ.\nوأمَّا قوله: [أي برمي الملائكة بحجارة]، فهَذَا لا أعلمُ له وجهًا، ولكِنه قيل: إنَّهُم لما جاءوا إِلَى صالحٍ بالليلِ أمرَ الله تَعَالَى الملائكةَ أنْ تَحْرُسَه، فلمَّا جاءوا فإذا الملائكة تحرسه، فجعلت الملائكة ترميهم بالحجارةِ، وهَذَا لا أصلَ له، وإذا لم يكن هَذَا عن معصومٍ فَإِنَّهُ غير مقبولٍ، وَهُوَ أيضًا غيرُ لائقٍ أن تكون الملائكةُ يرمونَ بالحجارةِ كأنهم من البَشَرِ، ولكنَّنا نَقُول: الَّذِي دمَّر الله به هَؤُلَاءِ وقومَهم هُوَ الصَّيْحَة والرَّجْفَة، كما جاء ذلك فِي الْقُرْآنِ، ولا نَتَعَدَّى الْقُرْآن فِي هَذَا الأَمْرِ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى يَقُول فِي سورةِ إبراهيمَ: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩]، فما دامَت هَذِهِ الأُمُورُ مِن معلوماتِ اللهِ ﷾ فإنَّنا لا نتجاوزُ ما قَالَ اللهُ فيها إِلَّا ما وَرَدَ عن النَّبِيِّ - ﷺ - بسندٍ مقبولٍ.\nذكر بعضُ العُلَماءِ أَنَّهُم لما خَرَجوا أُصيبوا بمطرٍ وأنهم قَالُوا: لِنَلْجَأْ إِلَى غارٍ من هَذَا المطر، فلمَّا لجأوا إليه انطبقَ عليهم هَذَا الغارُ وهَلَكوا، وَأَمَّا قومهم فجعلوا يطلبونهم ويبحثونَ عنهم فلم يَجِدُوهُم، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى بيوتهم، فخرج عليهم صالحٌ فقال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥]، وقَالُوا: إن هَذَا هُوَ الَّذِي مَكَرُوا به المَكْر؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ القوم دخلوا إِلَى الغارِ يريدون الأمنَ، ولكِن كَانَ فِي هَذَا الغار حَتْفُهم، وقد يَكُون الَّذِي حالَ بينهم وبين هَذَا إمَّا أَنَّهُم قُذف فِي قلوبهم الرعبُ","vol":"1","page":299},{"text":"أو أَنَّهُم جاءوا فلم يَتَوَصَّلوا إِلَى بيتِه بأن كَانَ مُغْلَقًا محُكَمًا أو غير ذلك منَ الأَسْبَاب.\nالمهمُّ أن هَذَا مطويٌّ ذِكْرُه وأنهم ما نَفَّذُوا ما أرادوا، وهَذه القصةُ أيضًا عَلَى هَذَا الوجهِ ما رأيتُها ثابتةً بالإسنادِ عن النَّبِيّ ﵊، فلهَذَا الأَولى أن يقال: إن الله تَعَالَى مكرَ بهم فدَمَّرَهُم وقومَهم، وَلَيْسَ منَ المهمِّ أنْ نعرِف كيف دُمِّروا، المهمُّ أنْ نعرِفَ أَنَّهُم دُمروا عن آخِرِهِمْ بسبب ما أرادوه بالنَّبِيّ - ﷺ -، وبسبب تكذيبِهِمْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى:</span> الحثُّ عَلَى الاعتبارِ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَانْظُرْ﴾ والنظرُ يَكُونُ بالقلبِ ويُسَمَّى نظرَ البَصِيرةِ، وَيكُونُ بالعينِ ويُسَمَّى نظرَ البصرِ، وكلاهما أمر مطلوبٌ إذا أدَّى إِلَى مطلوبٍ، وَأَمَّا إذا لم يؤدِّ إِلَى مطلوبٍ بل أدى إِلَى العكسِ مثل أن يعتبرَ ويتبصر ثُمَّ يتخذ من هَذَا النظرِ وسيلةً إِلَى الطعنِ فِي حكمةِ اللهِ ﷾، أو إِلَى وصف الله تَعَالَى بالظلمِ أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مما يقع من بعض الملحدينَ، فإن هَذَا ضرره كبيرٌ والعياذُ باللهِ، لكِن الصَّواب مَن نَظَرَ ليَعْتَبِرَ، ومَن نظرَ بعينِ العقلِ والعدلِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ من الأَمْرينِ: عقلٌ وعدلٌ، فبانتفاءِ العقلِ لا تحصل للإِنْسَان المعرِفةُ، وبانتفاءِ العدلِ يَظْلِم.\nفعَلَى كُلِّ حَالٍ: فِي هَذِهِ الآية دليلٌ عَلَى أَنَّهُ ينبغي للإِنْسَانِ أن ينظرَ ويتأمَّل فِي الأُمُورِ، لا سيما فِي أمور المكذِّبين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ:</span> أَنَّهُ ينبغي فِي مَقامِ التحذيرِ استعمالُ أغلظِ الألفاظِ وأشدّها تأثيرًا، لِقَوْلِهِ: ﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾، ولم يقل: أهلكِناهم، فإنَّ التدمير أعظمُ وَقعًا فِي النفسِ، والنفس تَنْفِر منه أكثرَ، ولهَذَا قَالَ: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾.","vol":"1","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:</span> أن العقوباتِ إِنَّمَا تأتي بأَسْبابِ المرءِ، حَيْثُ جعل هَذَا التدمير عاقبةَ مَكرِهم، وهَذَا يَدُلّ عليه أيضًا قوُل اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]، وقال ﷾ فِي خصوصِ أهلِ الكتابِ: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٥ - ٦٦]، من فوقهم منَ الثّمارِ الطويلةِ، ومن تحت أَرْجُلِهِم منَ الزُّرُوعِ الَّتِي تحتَ الْأَرْض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:</span> أن العقوبةَ تَعُمّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ولكِن كما قَالَ رسول الله - ﷺ -: \"يُبْعَثُ النَّاسُ عَلَى أَعْمَالهِمْ\" (^١)، فالعقوبةُ قد تعمُّ ولكِن يُبعَث النَّاس عَلَى أعمالهم، وهَذَا مشاهَدٌ، سواء كانت العقوبةُ منَ اللهِ، يعني من فعلِ اللهِ، أو من فعلِ العبادِ، فيُسَلِّط الله تَعَالَى بعضَ عبادِه عَلَى بعضٍ، فيدمّر هَذَا المتسلِّط عَلَى الصالحِ والطالحِ، ولكِن يُبعث النَّاس يومَ القيامةِ عَلَى أعمالهِم ونيّاتهم، أو ينزل الله تَعَالَى كارثةً من عنده كالفيضاناتِ والرياحِ وغيرها فتدمِّر الصالحَ والطالحَ، ويوم القيامة يُبعَثون عَلَى نيّاتهم.\nوإنما كَانَ كذلك - والحِكْمَة عندَ اللهِ ﷾ - لأجلِ أنْ يَستقيمَ النَّاسُ عَلَى أمرِ اللهِ؛ لأنّي أنا إذا علِمت أن المصيبةَ ستعمّ سأسعى فِي إزالةِ السيِّئة الموجِبة للعقوبةِ،\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الفتن، باب إذا أنزل الله بقوم عذابًا، حديث رقم (٦٦٩١)؛ ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت، حديث رقم (٢٨٧٩)، عن ابن عمر - ﵄ -.","vol":"1","page":301},{"text":"لكِن لو أنَّنا علِمنا أن العقوبةَ تخصّ العاملَ ما استقامَ الأَمْرُ بالمعروفِ ولا النهيُ عن المنكَرِ، ولذلك يَجِب أن يَكُونَ خوفُ الْإِنْسَانِ من معاصي غيرِه كخوفِهِ من معاصي نفسِهِ؛ لِأَنَّ العقوبةَ واحدةٌ إذا نزلتْ عمَّتْ، بل إن المَعاصِي -سبحان الله- كالدُّخَان يُصْرَعُ مَن شَمَّهُ وإنْ لم يكنْ فِي بيتِهِ، ولذلك معاصي النَّاس اليومَ أثَّرت حَتَّى في أهلِ الخيرِ البعيدينَ منهم، يعني أهل الخير لو سألتهم وقلت: هل تجدون فِي قلوبكم ما كنتم تجدونه قبلَ سنواتٍ من الإنابةِ إِلَى اللهِ والخشوعِ والخضوعِ ومحبّة الخير؛ لو سألتهم لأجابوا: لا. دعنا من النَّاس الَّذِينَ ماتوا قبل ثلاثينَ سنةً أو أكثر، فهَؤُلَاءِ معلوم أَنَّهُم سلِموا من هَذِهِ الفتنةِ، لكِن حَتَّى الموجودون الْآنَ قلوبهم قبلَ نحو ثلاثين سنة أصلح بكثيرٍ منَ اليومِ، مَعَ أنّ حالَهم هِيَ هي، فتجد الْإِنْسَان مثلًا فِي مَسْجِدِهِ إمامًا ولم يَلْتَفِتْ للدُّنيا ولم يَشْتَغِلْ بها، وتجد الْإِنْسَان مثلًا فِي أهله لا يَلْتَفِت إِلَى أحد غيرهم، ومع ذلك تأثَّرت القلوب؛ لِأَنَّ المَعاصِيَ مفاسدُ مهما كانتْ، ولكِن مَعَ هَذَا قد يأتي الله تَعَالَى ببركانٍ عظيمٍ يُفَتِّت هَذِهِ الأَشْيَاء، ويُقَيِّض الله تَعَالَى للأُمَّة الإِسْلاميَّة طائفة منصورةً ظاهرةً، فتبدّل كُلّ هَذَا الأَمْر، ولهَذَا لَا بُدَّ من عملٍ، فالركودُ لا يَنْفَع، والركود لَيْسَ فِيهِ سلامة أبدًا، فلَا بُدَّ من العَمَلِ، ولكِن عَلَى هدى مستقيم وبحكمة بالغةٍ؛ لِأَنَّ الَّذِي يضرُّ الدعاةَ إِلَى اللهِ الْآنَ واحدٌ من أمرينِ: إمَّا جهلٌ أو سَفَه، يعني إمَّا أَنَّهُم لَيْسَ عندهم علمٌ بَيِّن راسخٌ، فتجدهم يحرِّمون ما أحلَّ الله، ويُوجِبون ما لم يُوجِبْه اللهُ، مثلما يَصْدُر من بعض الإخوانِ الَّذِينَ يَتَشَدَّدُونَ فِي الأُمُورِ، ويحرِّمون ما أحلَّ الله أو يُوجِبُون ما لم يُوجِبْه اللهُ، وهَذِهِ مفسدةٌ عظيمةٌ، أو يَكُون عندهم سَفَهٌ، يعني لَيْسَ عندهم حِكمة فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ، فيَكُون عندهم تَسَرُّع وعُنْفٌ أو تباطؤٌ فِي غيرِ مَوْضِعِه، ففي الأوَّل يَحْصُل ردُّ فعلٍ عنيف من","vol":"1","page":302},{"text":"المدعوّين، وَفِي الثاني يحصل تمادٍ من المدعوين يفوِّت الفُرصةَ عَلَى الداعينَ، فلا بد منَ العلمِ والحِكْمَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].","vol":"1","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>الآية (٥٢)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ -﷿-: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢].\n* * *\n\nقوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ لما قَالَ: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ [النمل: ٥١]، فهَذَا عامٌّ مُبْهَمٌ، وهنا نَصَّ عَلَى شيءٍ معيَّن؛ وهو أنَّ بيوتَهم خاويةٌ، ومعنى خاوية إمَّا خالية وَإمَّا مُتَهَدِّمة مدمَّرة.\nقَالَ المُفَسِّر: [﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ أي: خالية، ونَصْبُهُ عَلَى الحالِ، والعاملُ فيها معنى الإشارةِ].\nقوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ﴾ المشار إليه معلومٌ ومحسوسٌ؛ لِأَنَّ بيوتَ ثمودَ موجودةٌ الْآنَ ومشاهَدة، لَكِنَّها كما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿خَاوِيَةً﴾، بمعنى أَنَّهَا خالية عَلَى رأيِ المُفَسِّر، وَقِيلَ: ﴿خَاوِيَةً﴾ متهدِّمة كما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، أي: مُتَهَدِّمة، وهَذَا المَعْنى أبلغ، يعني تفسير الخاوي بالمتهدِّم الَّذِي لَيْسَ بقائمٍ أَوْلَى وأشدّ؛ لِأَنَّ البيوتَ قد تخلو مَعَ العمار، ولكِن إذا خَوِيَتْ بمعنى دُمِّرَتْ وانهدمتْ فهي خالية، فإذن يَلْزَم من دَمارها خُلُوّها، ولا يَلْزَم من خُلُوّها دَمَارها، والواقع أَنَّهَا دُمِّرَتْ لِأَنَّ هَذِهِ الرَّجفة العظيمةَ لَا بُدَّ أنْ تُدَمِّرَهُمْ.","vol":"1","page":304},{"text":"ثمَّ إنَّ المُفَسِّر ﵀ قَالَ: [نَصْبُهُ عَلَى الحال] نصب (خاوية) عَلَى الحال، حال من البيوت: بيوتهم حال كونها خاويةً.\nلكِن أين العامل فِي الحال؛ لِأَنَّ العامل لَا بُدَّ من أن يَكُون إمَّا فعلًا أو اسمًا بمعنى الفِعْل؟ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [والعامل فيها معنى الإشارة]، لِأَنَّ (تلك) بمعنى أسير، فاسم الإشارة متضمِّن لحرفٍ معنويّ وفعل، أي: أسير إذا بيوت خاوية.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ بظلمهم]، الباء للسببيَّة و(ما) مصدريّة، والمُفَسِّر ﵀ حَوَّلَ الفِعْل إِلَى مصدر، إشارة إِلَى أن (ما) مَصْدَرِيَّة، أي: تحول ما بعدها إِلَى مصدر، أي: بسبب ظُلْمِهِم، لا أننا ظالمون لهم، بل هم الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم.\nثم فسَّر المُفَسِّر هَذَا الظلمَ بالكفرِ، فقال: [أي كفرهم]؛ لِأَنَّ كُلّ كفرٍ ظلم وَلَيْسَ كُلّ ظلمٍ كفرًا، ولهَذَا قَالَ العُلَماء: إِنَّمَا نحمدُ اللهَ تَعَالَى أن قَالَ: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، ولم يقلِ: والظالمونَ هم الكافرونَ، لو قَالَ: والظالمون هم الكافرون كَانَ كُلُّ ظالمٍ فَهُوَ كافرٌ، ولكِن قَالَ: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ فإن كُلّ كافرٍ فَهُوَ ظالمٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].\nوتفسير المُفَسّر ﵀ للظُّلم بالكفر هَل عليه دليل؟\nنعم عليه دليل؛ لِأَنَّ فِعْلَهم وتكذيبهم لرسولهِم كفرٌ، فهنا تفسيرُ الظلمِ بما هُوَ أخفّ له دليلٌ.\nقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المشار إليه كُلّ القصة عَلَى الصَّحيحِ، وَلَيْسَ المشار إليه مجرَّد الإهلاك.","vol":"1","page":305},{"text":"قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَآيَةً﴾ لَعِبْرَة ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ قُدْرَتَنَا ويَتَّعِظُونَ]، تخصيصُ هَذَا بالقُدرة غيرُ مُسَلَّمٍ، بل المُراد ما هُوَ أعمُّ من عِلم قُدرة الله ﷾، بل يعلمون قدرة الله وحكمته وما جرَى للأممِ، كُلّ هَذَا جائزٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي لا يَدري بماذا يَعتبِر، لكِن الَّذِي يدري هُوَ الَّذِي يعتبر، وِفي هَذَا مِنَ الحَثّ عَلَى معرفةِ أخبارِ الأممِ والعلمِ بها ما هُوَ ظاهرٌ؛ لِأَنَّ بها يتَّعظ النَّاس، وكذلك أيضًا الأخبارُ الواقعة فِي زمنِ الْإِنْسَان يَنبغي أن يتخذَ من حوادثها عِظَةً وعِبرةً، وسيأتي - إن شاء الله - ذِكرُها فِي قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ التبيينَ بعدَ الإجمالِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿خَاوِيَةً﴾ لِأَنَّ التبيينَ بعدَ الإجمالِ أوقعُ فِي النفسِ، فالشَّيْء إذا جاءَ مُجْمَلًا تَتَشَوَّف النفسُ إِلَى بَيَانهِ ومَعْرِفَتِهِ، فإذا جاء إليها مُبَيَّنًا بَعْد الإبهامِ صادفَ أرضًا يابسةً تَشْرَب الماءَ، لكِن إذا بُيِّن من الأولِ مَرَّ مرَّ الكرامِ، وهَذا دائمًا تَجِدُونه فِي الْقُرْآن، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦]، ما هُوَ ذلك الأَمْر؟ ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦]. عندما تقف عند قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ تجد قوله: (الأَمْر) بـ (أل) ما هَذَا الأَمْر؟ ثُمَّ يأتي قوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ فيتبين لك وقعُ هَذَا البَيَان بعدَ الإبهامِ.\nالْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أنّ التدميرَ والإتلافَ من أَسْبابِ الظُّلم؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ لِأَنَّ الباء هنا للسببيَّة.\nالْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: أن الجزاء من جِنس العَمَلِ.","vol":"1","page":306},{"text":"الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: أن الله ﷾ لَيْسَ بظالمٍ، ما دام أَنَّهُ لا يُعاقِب إِلَّا بسببِ فعلِ العبدِ، فمعنى ذلك أَنَّهُ مُنتفٍ عنه الظُّلم.\nالْفَائِدَة الخَامِسَةُ: التحذير منَ الظُّلم؛ لأنَّنا إذا تَبَيّنَا أنَّ التدميرَ من أَسْبابِ الظلمِ فمعناه أننا نَنْفِر منه ونهرُب منه، ففيه التحذيرُ من ممارسةِ الظلمِ، سواء كَانَ متعديًا أو لازمًا، أي: سواء كنت تظلمُ نفسَكَ وحدَها بالتقصيرِ بواجبِ اللهِ أو بالظلمِ لغيرِكَ.\nالْفَائِدَة السَّادِسَةُ: أن هَذِهِ الحوادثَ الَّتِي يُحْدِثها الله -﷿- آيَاتٍ من آيَاتِهِ تدلُّ عَلَى كمالِ قُدرتهِ وسُلطانه، وَعَلَى كمالِ عدلِهِ أيضًا، ولهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ أي: علامة عَلَى قدرةِ اللهِ وسلطانِهِ، وَعَلَى حِكْمَتِهِ وَأنَّهُ تَعَالَى لا يفعلُ إِلَّا بمُقتضى للفعلِ.\nالْفَائِدَة السَّابِعَةُ: الردُّ عَلَى مَن ينكِرون الحِكْمَةَ، مثل الجَهْمِيّة، فإنّ الجهمية يَقُولُونَ: إنَّهُ لا حكمةَ للهِ ﷾ فِي أفعاله، وخالفتهم المعتزِلَة تمامًا، وقالت: أفعاله مقرونةٌ بالحِكْمَةِ، والحِكْمَةُ مُوجبة، ولهَذَا قَالُوا: يجبُ عليه فِعل الصلاحُ، وبعضهم قَالَ: يَجِب عليه فعل الأَصْلحِ، وَأَمَّا الجهميّة فبالعكس، وهَذَا من المواضعِ الَّتِي اختلفتْ فِيها الجهميّة والمعتزِلة، وإن كانوا يشتركون فِي كثير من الأَشْيَاءِ لكِنهم يختلفون أيضًا فِي أَشْيَاء أخرى، مِنْهَا هَذِهِ المسألة: هل فعل الله لحكمة أو لمجرّد مشيئةٍ؟\nفالجهمية يَقُولُونَ: لمجرّد مشيئةٍ، والمعتزِلة يَقُولُونَ: لحكمةٍ، لكِن غَلَوا فِي إثباتِ الحِكْمَةِ، حَيْثُ أَوجبوا عَلَى اللهِ ﷾ فعلَ الأَصْلحِ، وقد تقدّم هَذَا فِي العقيدةِ\" وبَيَّنّا أن الصَّوابَ أَنَّهُ يَجِب عَلَى اللهِ فعل الأَصْلحِ لكِن لا بإيجابنا نحن، ولكِن بمقتضى حكمتِه؛ لِأَنَّ الحِكْمَة تَقتضي هَكَذَا، وَأَمَّا الأشاعرةُ فمثل الجهميّة.","vol":"1","page":307},{"text":"الْفَائِدَة الثَّامِنَةُ: أَنَّهُ لا يَنتفِع بالآيَاتِ إِلَّا أُولوا العلمِ؛ لِقَوْلِهِ ﷾: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أَمَّا مَن لَيسوا من ذوي العِلم فَإِنَّهُ يَفُوتهم شيءٌ كثير، لا يَعتبرون به ولا يَتَّعِظون به؛ ولهَذَا قَالَ اللهُ ﷾: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، ﴿الْأَمْثَالُ﴾ تَشمَل الأمثال المعقولةَ والأمثالَ المحسوسةَ المشاهَدة، فالله تَعَالَى يَضرِب الأمثال المعقولة ويضرب الأمثال المحسوسة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ...﴾ [يس: ١٣]. هَذِهِ من الأَشْيَاء المشهودة المحسوسة، وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١]، هَذَا من الأمثال المعقولة.\nوالحاصل: أن أهل العلمِ هم الَّذِينَ يعقِلون هَذِهِ الآيَاتِ ويَعتبِرون بها وَينتفِعون بها.\nالْفَائِدَة التَّاسِعَةُ: فضيلة العلم.\nالْفَائِدَة الْعَاشِرَةُ: الحثُّ عَلَى العلمِ؛ لِأَنَّهُ إذا ثبتَ فَضلُه فمعنى ذلك أن الله ذَكَرَه لنا لِتَتَعَلَّم، ولَا شَكَّ أن العلم من أفضل ما أنعمَ الله به عَلَى العبدِ، يعني ما بَعْد الإِسْلامِ نعمة مثل العلمِ، هِيَ أفضل من نعمةِ المالِ وأفضلُ من نعمة قوّة البَدَن، وأفضل من نعمة البنينَ، وما يعادِلها إِلَّا نعمة الإِسْلام فقطْ.\nوالمقصود العُلَماء الَّذِينَ مَثَّلوا العلمَ، بأن كانوا دعاةً إِلَى الله، وكانوا علماء مِلّة، لا علماء دولة؛ لِأَنَّ العُلَماء منهم علماء مِلة يدعون إِلَى الملة والشَّرِيعَة، ويَهدون بأمرِ اللهِ، ومنهم علماء دولةٍ يدعون إِلَى ما تريده الدولة، وكما هُوَ معروف أوّل ما ظهرتْ بِدعة الاشتراكيّة أو أول ما ظهر فِسق الاشتراكيّة -والاشتراكية ظهرت من زمنٍ-","vol":"1","page":308},{"text":"صار أناس من أهل العلمِ فِي البلادِ الَّتِي ظهرتْ فيها هَذِهِ البدعة، صاروا يدعون إليها ويزعمون أن الْقُرْآن والسنّة دلّا عليها، ويأتون بآيَات تدلّ عَلَى هَذَا، مثل: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: ٢٨]، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ أنتم سواء فِي الرِّزق، والنَّاسُ شركاء فِي ثلاثٍ (^١)، وهَكَذَا، وبدؤوا يحرّفون فِي الكِتاب والسنّة؛ لِأَنَّهُم علماء دولة، لا علماء مِلة، وهَذَا كثير أيضًا. وفيه أيضًا مُحَدِّثُون دولة، كغِيَاثِ بنِ إبراهيمَ الذي زاد في الحديث لِأجلِ المَهْدِيّ في حديث: \"لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ\" (^٢) وماذا تريد يا مهدي؟ (أو جَنَاح) (^٣).\nفالحاصل: أن هَذَا بلاء، لكِن المُراد بالعلم الممدوح هُوَ العلم المؤثِّر للعمل والدَّعْوَة، والحقيقة أن مَقام طلبة العلم لَيْسَ مَقام علم فقطْ وَيكُون العلمُ قابعًا فِي صُدُورهم ولم يكنْ هناك دعوة، أنت الْآنَ وارث للأنبياء، \"الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأنبِياء\" (^٤)، فادع إِلَى الله، ادعُ مثلما دعا الأَنْبِياء إِلَى اللهِ ﷾، اعْلَمْ ثُمَّ ادْعُ، لا نَقُول: ادعُ\n_________\n(^١) أخرج أبو داود: أبواب الإجارة، باب في منع الماء، رقم (٣٤٧٧) عن رجل من المهاجرين: \"المُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْكَلَإِ، وَالمَاءِ، وَالنَّارِ\". ونحوه في ابن ماجه عن ابن عباس - ﵄ -: كتاب الرهون، باب المسلمون شركاء في ثلاث، رقم (٢٤٧٢).\n(^٢) رواه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في السبق، حديث رقم (٢٥٧٤)؛ والنسائي، كتاب الخيل، باب السبق، حديث رقم (٣٥٨٥)؛ والترمذي، كتاب الجهاد، باب ما جاء في الرهان والسبق، حديث رقم (١٧٠٠)، وابن ماجه، كتاب الجهاد، باب السبق والرهان، حديث رقم (٢٨٧٨)؛ وأحمد (٢/ ٢٥٦) (٧٤٧٦)، عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) تاريخ الإسلام للذهبي (١٠/ ٣٨٩).\n(^٤) أخرجه أبو داود: كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم، رقم (٣٦٤١)، والترمذي: أبواب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، رقم (٢٦٨٢)، وابن ماجه: افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، رقم (٢٢٣).","vol":"1","page":309},{"text":"بجهلٍ، فالدعاءُ بالجهلِ ضررٌ عليكَ وَعَلَى الإِسْلامِ أيضًا، لكِنِ اعلَمْ وادعُ، ولا تُدَاهِنْ، واعلمْ أنك ما قلتَ كلمةً تبتغي بها وجهَ اللهِ إِلَّا كَانَ لها تأثيرٌ لا بدَّ.\nونحن نَضْرِبُ دائمًا لكمْ مثلًا بقولِ موسى أمامَ السحرةِ وأمامَ فِرعونَ وجُنُودِهِ وعامّة أتباعِهِ، قَالَ للسحرة: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه: ٦١]، فهذه كلمة مثل القنبلة ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [طه: ٦٢]، ذَهَبَتْ مَعْنَوِيَاتهم واجتماعهم، وأخيرًا آمنوا بالله، واعْلنوا إعلانًا كاملًا بتصميمٍ وعزمٍ، سبحانَ الَّذِي أعطاهم إيّاه فِي هَذِهِ اللحظةِ ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٧ - ٤٨]، فتَوَعَّدَهُم ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [الشعراء: ٤٩]، فماذا قَالُوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢]، افْعَلْ ما تريدُ ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢].","vol":"1","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>الآية (٥٣)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ -﷿-: ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل: ٥٣].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بصالحٍ وهُم أربعةُ آلافٍ ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ الشِّرْكَ].\n﴿أَنْجَيْنَا﴾ أي: عَصَمْنَا، فالإنجاءُ بمعنى العِصْمَة، أي أنجَيْنَاهم من هَذِهِ العقوبةِ، ومن هَذَا التدميرِ الَّذِي ذَكَر اللهُ جَلَّ وَعَلَا.\nوقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قول المُفَسِّر [بصالحٍ]، فِيهِ نظرٌ، والصَّواب: آمنوا باللهِ؛ لأجلِ أن يشملَ صالحًا ومَن معه، كما قَالَ الله تَعَالَى فِي سورة هودٍ: ﴿نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [هود: ٦٦]، بل نَقُول: إن صالحًا ﵊ يَجِب عليه أن يؤمن بنفسه أَنَّهُ رسول، ولهَذَا كَانَ الرَّسُول ﵊ يؤمنُ وَيشهد لنفسِهِ بالرسالةِ، يَقُول فِي صلاتِه: \"أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورسُولُهُ (^١)، وهو يعني نفسَه، وأحيانًا يقول إذا وقعَ الأمْرُ عَلى وَفقِ ما قال: أشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ (^٢).\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب صفة الصلاة، باب التشهد في الآخرة، حديث رقم (٧٩٧)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة، حديث رقم (٤٠٢)، عن ابن مسعود - ﵁ -.\n(^٢) مثاله ما جاء في صحيح البخاري: كتاب الأطعمة، باب الرطب والتمر، رقم (٥٤٤٣) حديث جابر ابن عبد الله، وفي آخره: فخرجت حتى جئت النبي - ﷺ - فبشرته، فقال: \"أَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ\".","vol":"1","page":311},{"text":"المهم أن الرَّسُول نفسَه مُلْزَمٌ بأنْ يشهدَ لنفسِهِ بالرسالةِ وبأنه رسول الله يُؤْمِن بما أُوحي إليه، وكذلك غيرُه مِن باب أَوْلَى.\nوقول المُفَسِّر: [وهم أربعةُ آلافٍ]، نَقُول: أين الدِّيوان الَّذِي حَصَرَهُمْ، لا دليلَ عليه، والغالبُ أنَّ المُؤْمِنيِنَ أقلُّ من ذلكَ، فالنَّبِيّ ﵊ يقولُ: \"رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ\" (^١)، إذ رُفِعَ له سَوَادٌ فظنَّ أَنَّهُ أُمَّتُه، فقَالُوا: هَذَا موسى وقومه.\nفالمهمّ أَنَّ تَقديرَهم بأربعةِ آلافٍ، أو بأربعينَ نفرًا، أو بأربعة ملايينَ، أو بأقلَّ أو أكثرَ، هَذَا يحتاجُ إِلَى دليلٍ، وَهُوَ أيضًا من فُضُولِ العلمِ الَّذِي لا يَنبغي للإِنْسَانِ أنْ يُتْعِبَ نفسَه فِيه، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ فائدةٌ، الَّذِي فِيهِ فائدةٌ لَا بُدَّ أنْ يَقُصَّه الله علينا.\nونظيرُ هَذَا البحثِ مثلًا فِي كلبِ أصحابِ الكهفِ:\nما لونُه وما اسمُه وما حَجْمُه؟\nوالغارُ الَّذِي هم فِيهِ أينَ هُوَ، فِي أيّ مكانٍ؟\nكُلّ هَذِهِ مسائلُ جانبيَّة، كذلك أيضًا ما وقع فِي الحديثِ فِي السنَّة (قالَ رجلٌ للنبيِّ - ﷺ -)، فتجدُ بعضَ الشرَّاح يُعنَى عنايةً تامّةً: مَن الَّذِي قَالَ هَذَا؟ هَذَا فِي الحقيقةِ لَيْسَ له داعٍ، وإنْ كنّا قد نستفيدُ إذا كَانَ فِي ذلك مَنْقَبَةٌ لهَذَا الرجلِ إذا عُرف به، لكِن هل هَذَا ليس ملزومًا لا بالحُكْم ولا بالدلالة، ولكِنه من فضول العلم. وهَذِهِ المسألة أيضًا مثلها: كم الَّذِينَ مَعَ صالحٍ، أربعة آلاف أو أربعة مَلايين؟ لا يَهُمُّ، المهمُّ أن كُلَّ\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب، حديث رقم (٦١٧٥)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدَّليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، حديث رقم (٢٢٠)، عن ابن عباس - ﵄ -.","vol":"1","page":312},{"text":"مَنِ اتَّصَفَ بالإِيمانِ فإن الله تَعَالَى أنجاهُ من هَذَا العذابِ العامِّ.\nقوله: ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [﴿يَتَّقُونَ﴾ الشِّركَ]، ولو أَنَّهُ قَالَ: يَتّقونَ المَعاصِيَ أو يَتَّقون اللهَ؛ لكان هَذَا أَولى؛ لِأَنَّ الإِيمانَ والتقوى بمعنى الإِيمانِ والعَمَلِ الصالحِ؛ لِأَنَّ العَمَل الصالح عند الإطلاقِ من التقوى، بخلافِ إذا ما قُرِنَ بالتقوى البِرّ، فيَكُون التقوى للمعاصي والبِرّ للطاعات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالْفَائِدَة الأُولَى: أنّ الإِيمانَ والتقوَى من أَسْبابِ النجاةِ؛ لِأَنَّ قولَه: ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حُكْمٌ مُعَلَّق بوصفٍ، والحكمُ إذا عُلِّق بوصفٍ دلَّ ذلك عَلَى عِلّيَّة هَذَا الوصف وتأثيره فِي الحكمِ.\nالْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: الحَثُّ عَلَى الإِيمانِ والتقوَى؛ لِأَنَّ كُلّ إِنْسَانٍ عاقل يَنْبَغِي له أنْ يَسْلُكَ أَسْبابَ النجاةِ، فيَكُون فِي الإخبار عن نَجَاتِهم الحثّ عَلَى السَّبَب الَّذِي به نَجَوْا.\nالْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: بَيَان عَدْلِ اللهِ ﷾، حَيْثُ أهلكَ مَن يَسْتَحِقّ الإهلاكَ، وانجَى مَن يَسْتَحِقّ الإنجاءَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.\nالْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: أنّ صالحًا ومن معَه كانوا مُؤْمِنيِنَ متَّصفين بهَذَا الوصف - بالإِيمان والتقوى - لِأَنَّهُم هم الَّذِينَ أُنْجُوا من هَذِهِ العقوبةِ.\n* * *","vol":"1","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>الآية (٥٤)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ -﷿-: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر: [﴿وَلُوطًا﴾ منصوب بـ (اذْكُرْ) مُقَدّرًا قبلَه]، يعني: واذكرْ يا مُحَمَّد لُوطًا، وإنما ذُكِرَ بَعْد صالحٍ وَهُوَ دائمًا يُذْكَر بعدَ صالحٍ، لِأَنَّ مدائنَ صالحٍ وقُرَى قومِ لُوطٍ لَيْسَ بَعْضُها بعيدًا من بعضٍ، وليستْ مجهولةً للناسِ فِي عهد النَّبِيِّ - ﷺ -، ثُمَّ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلُوطًا﴾ منصوبٌ بـ (اذْكُرْ) مقدَّرًا قبله ويبدل منه ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾]، لِأَنَّ (إذ قال) بدل من لُوطٍ، فكَأنَّ التَّقْدير: (واذكر إذ قَالَ لوطٌ لقومِه).\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ أي: اللُّوَاط]، الهمزة هنا للاسْتِفْهامِ الاستنكاريِّ أو الاستعلاميِّ؟\nللتوبيخِ والإنكارِ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَم، وإنْ شئتَ زِدْ عَلَى ذلك التعجُّب أو التعجيب، يعني كيف أنكم تأتون الفاحشةَ، فهي للتوبيخِ والإنكارِ والتعجُّبِ.\nوقوله: ﴿الفَاحِشَةَ﴾: (أل) لاستغراقِ الجنسِ من حيْثُ المَعْنى، لا من حَيْثُ الأفرادِ، لكِن المَعْنى: أن هَذِهِ أعظمُ فاحشةً من نوعها، وهي أعظم من الزنا، لِأَنَّ الله قَالَ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢]، فاحشة من الفواحش،","vol":"1","page":314},{"text":"(فاحشة) في هذه الآيَة نكِرة، وهنا قَالَ: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾، وهي أيضًا أعظمُ من نكاحِ ذواتِ المحارِمِ؛ لِأَنَّ الله قَالَ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢]، ونِكاحُ ذواتِ المحارِمِ أعظمُ مِنَ الزِّنا؛ لِأَنَّ اللهَ وَصَفَهُ بثلاثِ صفاتٍ: فاحشة ومَقْت وسُوء سَبيل، والزنا وَصَفَه بوصفينِ؛ فاحشة وسوء السبيل: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.\nولهَذَا فالصَّحيح أن مَن زَنَا بِمَحَارِمهِ يُقتل، وإنْ لم يكنْ مُحْصَنًا، لِأَنَّ هَذَا أعظمُ - والعياذُ باللهِ - مِنَ الزنا، كذلك اللّوَاط الصَّحيحُ أنَّ فاعِلَه يُقتَل ما دام بالغًا عاقلًا وإنْ لم يكنْ مُحْصَنًا.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ أي: اللواط ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أي: يُبْصر بعضُكم بعضًا انهِماكًا فِي المعصية]، يَعْنِي: أخبث من الحَمِير والعياذُ باللهِ، فيرى بعضُهم بعضًا وهم يفعلون ذلك، ولذلك قَالَ: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، إذا اجتمعوا - والعياذُ بالله - صارَ يَرْكَب بعضُهم بعضًا كالحمِير، نسألُ اللهَ السلامةَ.\nقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ مِنَ البصرِ ما يُبْصَر بالعينِ، وَقِيلَ: إن الإبصارَ بالقلبِ، يعني وأنتم تبصرون خُبْثَها وتَعقِلونه، وكل إِنْسَان له فِطرة سليمة يكره هَذَا الشَّيْء؛ لِأنَّهُ سوف يركب مثله نفس هَذَا المركوب، سيركب غدًا واحدًا، ثُمَّ إن المكانَ هَذَا أيضًا لَيْسَ محلًّا لهَذِهِ الشَّهْوةِ؛ لِا. لهُ مكان متلوِّث بالأنجاس، وَلَيْسَ محلًّا للشهوة، فَهُوَ خبيثٌ بالفطرةِ وبالحِسّ أيضًا.\nولَكِنَّنَا نَقُول: لو أننا فسَّرنا الإبصارَ هنا بالإبصارِ الحِسّيّ بالعين والإبصار المعنويّ بالقلب لكان ذلك جائزًا، وَفِي الحقيقةِ أنّ بَشاعةَ هَذَا الشَّيْء بالقلبِ أمرٌ","vol":"1","page":315},{"text":"معلومٌ بالفِطرة، وكونهم يفعلونه وهم يشاهد بعضهم بعضا هَذَا أشدُّ وأعظمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالْفَائِدَة الأُولَى: أَنَّهُ يَنبغي إبرازُ الغرضِ الَّذِي من أجلِهِ أُرْسِلَ الرَّسُولُ؛ لِأَنَّ الرُّسُلَ كلَّهم كافَّة أُرسلوا لتوحيدِ اللهِ، لكِنَّ بعضَهم يبيِّن مَعَ الأَمْر بعبادةِ اللهِ أَنَّهُ أُرسِل لهَذَا الغرضِ، ولوطٌ هنا بَيَّن اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ أرسله لغرضِ انتشالِ قومِه من هَذِهِ الفاحشةِ العظيمةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ مَعَ أَنَّهُ - ﵇ - لَا بُدَّ أَنَّهُ قَالَ لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، لكِن لمّا كانت هَذِهِ الفاحشةُ ظاهرة فيهم بيَّنها الله ﵎، فَهُم مؤمنونَ، والرُّسُل طالبوهم أولًا بالإِيمان، وهم إمَّا أَنَّهُم أخطؤوا فِي هَذِهِ العَمَلية مَعَ تحقيق العِبادَة، وليَكُون الأَمْر بعبادة الله من باب الأَمْر بالاستمرار عليها، أو أَنَّهُم يأمرونهم ثُمَّ بَعْد ذلك إذا استقرّ الإِيمان فِي نفوسهم نَهَوْهُم عمّا هم عليه.\nالْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أن الرُّسُل يُرسَلون إِلَى قومهم؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ولم يُبْعَثْ أحد إِلَى عمومِ النَّاسِ إِلَّا رسول الله - ﷺ -.\nالْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: بَيَان عِظَم اللُّواط وقُبْحه وَأنَّهُ فِي قِمَمِ الفواحشِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾.\nالْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: بَيَان وجوبِ الإنكارِ عَلَى مَن أتى بهَذهِ الفاحشةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَتَأْتُونَ﴾ لِأَنَّ الهمزةَ هنا للاسْتِفْهامِ والتوبيخِ، ولَا شَكَّ أَنَّهُ يُنْكَرُ عليه، لكِن بماذا يعاقَب؟\nفِي شريعتنا يعاقَب بالقتلِ مُطلَقًا، سواء كَانَ مُحْصَنًا أم غيرَ محصَنٍ، وهَذَا هُوَ","vol":"1","page":316},{"text":"ما دلّ عليه الحديثُ الَّذِي فِي السُّنَنِ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ وغيرُه من قولِ الرَّسُول - ﷺ -: \"مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالمَفْعُول بهِ\" (^١)، وَهُوَ الَّذِي أجمعَ عليه الصحابةُ كما حكاه عنهم شيخُ الإِسْلامِ ابنُ تَيْمِيَّة ﵀ (^٢).\nلكِنهمُ اخْتَلَفُوا كيفَ يُقتل؛ هل يُقتل بالرجمِ أو بإلقائِهِ من شاهقٍ وإتباعِهِ بالحجارةِ، أو يُقتل بالسيفِ أو يقتل بالإحراقِ بالنَّار، وقد فعلَه أبو بكرٍ وفعله عبد الله بنُ الزُّبَيْر، وفَعَلَه هِشامُ بنُ عبدِ المَلِكِ، واختلفوا فِي هَذَا، فالمهمُّ أَنَّهُم اتفقوا عَلَى قتلِهِ، وتكون الكيفيّة هنا راجعةً إِلَى الإمامِ، إذا رأى أقوى كيفية تردع عن هَذَا العَمَل الخبيثِ فَإِنَّهُ يَسْلُكُهُ.\nالْفَائِدَة الخَامِسَةُ: أنّ الفواحشَ تُقَبَّح بِحَسَبِ ما يُقْتَرَن بها؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فإن هَذِهِ الفاحشةَ مُنكرَة، ولَكِنَّهَا إذا كانت عَلَنًا وجَهْرًا يَظْهَرُ النَّاسُ بعضهم أمامَ بعضٍ فيها صارتْ أقبحَ وأعظمَ، ولهَذَا أتى بالجملةِ الحاليّة فِي قولِه: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾.\n* * *\n_________\n(^١) رواه أبو داود، كتاب الحدود، باب فيمن يعمل عمل قوم لوط، حديث رقم (٤٤٦٢)؛ والترمذي، كتاب الحدود، باب ما جاء في حد اللوطي، حديث رقم (١٤٥٦)؛ وابن ماجه، كتاب الحدود، باب من عمل عمل قوم لوط، حديث رقم (٢٥٦١)؛ وأحمد (١/ ٣٠٠) (٢٧٣٢)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٩٥) (٨٠٤٧)، عن ابن عباس - ﵄ -.\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢٨/ ٣٣٥).","vol":"1","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>الآية (٥٥)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ -﷿-: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَئِنَّكُمْ﴾ بتحقيقِ الهمزتينِ وتسهيلِ الثَّانِيَةِ وإدخالِ ألفٍ بينهما عَلَى الوجهينِ]، ففيها أربع قراءات.\nقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾ هَذَا تفسير لِقَوْلِهِ: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾، وهنا يُلاحَظ أن الاسْتِفْهامَ هنا لتقريرٍ، لَكِن اُكِّدَ هَذَا الحكم بالجملةِ الَّتِي قُرِئَتْ بالاسْتِفْهامِ؛ أكد بـ (إن) و(اللام): ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ﴾ وهَذَا كقولِ إخوة يُوسُف ليوسف: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٩٠]، أي: أتُقَرِّر أنك يوسف وتؤكِّد ذلك؟ فقال: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٩٠]، ففي جوابِهِ لهم إهانة لهم؛ لِأَنَّهُم طلبوا منه أن يؤكِّد لهم أَنَّهُ يوسفُ فقالوا: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾؟ فما قَالَ: (إني لأنا يوسف)، بل ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ فحذف التأكيدات استهانةً بهم.\nفالحاصل: أن الاسْتِفْهام إذا تلاه التأكيد لا يُخرِجه عن معنى الاسْتِفْهامِ، بل كأنَّ المُسْتَفْهِم يطلب من المُسْتَفْهَم منه تأكيد الجملة، لكِن في هَذِهِ المسألة الاسْتِفْهام للتقرير، يقرر مَعَ التأكيدِ، ولهَذَا قَالَ لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ [الأعراف: ٨١].","vol":"1","page":318},{"text":"وقوله: ﴿شَهْوَةً﴾ يَحتمِل أن تكون مصدرًا فِي موضع الحالِ، ويَحتمِل أن تكون مَفْعُولا لأجلِهِ؛ أي لأجلِ الشَّهْوةِ.\nوعَلَى كُلِّ حَالٍ: ففيها إنكار من جهةِ أَنَّهُم يأتون الرِّجال شهوةً وليسوا أهلًا لها، ومن جهة أخرى أَنَّهُم يدَعون النِّسَاء، ولهَذَا قَالَ: ﴿مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾، وهنّ مَحلُّ الشَّهْوةِ، فيَكُونون قد أساءوا فيما فَعَلُوا وفيما ترَكُوا، ولهَذَا قَالَ لهم فِي آيَة أخرى: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٦]، وهَذَا أبلغُ، يعني لو أن المسألة ضُيّقَتْ وما بَقِيَ إِلَّا هَذَا الطريق لكان أهونَ، لكِن هناك طُرُق محلَّلة مُباحة موافِقة للفِطْرة تَدَعُونها وتذهبون إِلَى هَذَا، كالذي يَدَعُ المذكَّاة ويأكل المَيْتَة، وكالذي يَدَعُ البيعَ الصَّحيحَ ويذهب إِلَى الربا، ويقول: إِنَّمَا البيعُ مثلُ الربا.\nفالحاصل: أن القبائح تَزداد قبحًا إذا كَانَ لها بدائلُ مِنَ الحسناتِ، ولهَذَا قَالَ: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ لو أنَّهُ اقتصرَ عَلَى هَذَا وقال: أئنكم لتَأتُون الرِّجال شهوةً بل أنتم قوم تجهلون، حصل التوبيخ واللوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالْفَائِدَة الأُولَى: قُبْح فعل هَؤُلَاءِ، وهَذَا مَعَ الوجه الأول ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ يَكُون قَبُحَ من وجهٍ آخرَ، هُوَ أَنَّهُم يأتون الرّجال الَّذِينَ لَيْسَ لهم حقّ فِي إتيانهم وَيدَعُون النِّسَاءَ اللاتي خَلَقَهُنَّ اللهُ لذلك؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾.\nالْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أنَّ هَذِهِ الشهوة إِنَّمَا تَصْدُرُ عن جهلٍ، لا بِمُقْتَضَى الطبيعةِ، وإنما هِيَ عن سَفَهٍ فِي الْإِنْسَان؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ كأنه قَالَ: إتيانكم إياهم شهوة لَيْسَ له محل، ولكِنَّ الَّذِي أوجب ذلك لكم أنكم قوم ذوو جهل، أي: سفه.","vol":"1","page":319},{"text":"لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ذكرتم أن هَذِهِ الشهوة تَصْدُر عَن جهلٍ، لا بِمُقْتَضَى الطبيعةِ، أَلا يُشْكِل عَلَى هَذَا ما رُوي من حَذَرِ بعضِ الأئمَّة من مقاربةِ الصبَيَان أو المُردان خوفًا من أن يقعَ فِي أنفسهم شيءٌ؟\nفالجواب: كما أنَّ الزّنَا قبيحٌ فِي الفِعْل، ومعَ ذلك قد تَدْعو النفسُ إليه، فلا يَمْنَع أن النفس الأمّارة بالسُّوء تدعو إِلَى ما يخالِف مقتضَى الطبيعة، ولهَذَا قَالَ بعض العُلَماء: إن اللُّواط لَيْسَ فِيهِ حدٌّ ولا عقوبة؛ لِأَنَّ النفسَ تَنْفِرُ منه بِمُقْتَضَى الطبيعةِ، فَهُوَ كشُرْب البولِ وأكلِ الغائطِ، ولكِن هَذَا لَيْسَ بصحيحٍ، الصَّحيحُ أن بعضَ النفوسِ السافلة قد تدعو إليه، فالزِّنَا محرَّم لِوَصْفِهِ، لا بِمُقْتَضَى الطبيعةِ؛ لِأَنَّهُ زنا، ولذلك لو تَزَوَّجها حلَّ له ذلك، أَمَّا هَذَا فَهُوَ محرَّم بمقتضى الشَّرِيعَة والطبيعةِ، حَتَّى النفس تَنْفِر منه، إِلَّا نفسًا مقلوبًا عليها أَمْرُها.\nولهَذَا قَالَ لهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فهَذِهِ ليستْ شهوةً طبيعيّةً، وحقيقةً كيف أن الْإِنْسَان يذهب يَسْتَعْمِل هَذَا المَحَلّ الَّذِي هُوَ محَلّ الخبث والأنتان والأقذار، وربما يَعْلَق به شَيْء من ذلك، ويَدَع المَحَلَّ الطاهِرَ الَّذِي أباحَهُ الله له.\nالْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: بَيَان ما عليه هَؤُلَاءِ القوم منَ المَظْهَر الاجتماعيّ الفاسِدِ؛ لِأَنَّهُم إذا كانوا يأتون الرِّجال ما بَقِيَ منهم رجلٌ فِي الحقيقةِ، صاروا كلُّهم بمنزلة النِّسَاءِ، إِلَّا أَنَّهُ إذا كَبِرَ الْإِنْسَان ارتفعَ عنْ أن يُفْعلَ له وصار فاعلًا، فهم فِي حالِ الشبابِ مَفْعُول بهم، وَفي حالِ الكِبَر فاعلونَ، ولهَذَا يُعْتَبر هَذَا الانحطاطُ الاجتماعيّ فِي البشرِ من أخسّ الانحطاطاتِ.\nالْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: أن هَذِهِ الفِعْلة مِنَ السَّفَه العظيمِ؛ لِقَوْلِهِ ﷾: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فأتى بالجملةِ الاسميَّة الدالَّة عَلَى الثُّبُوت والاستمرارِ.","vol":"1","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-358>الآية (٥٦)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ -﷿-: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦].\n* * *\n\nقوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾: ﴿جَوَابَ﴾ خبرُ ﴿كَانَ﴾ مُقَدَّم، و﴿أَنْ قَالُوا﴾ اسمها مؤخر، وهَذِهِ الجملة للحَصْرِ، يعني ما كَانَ جواب قومه أنْ يَنْقَادُوا، ولا أن يَقِفُوا مَوْقِفا سَلْبيًّا من دعوتِه، بحيث يَتَوَقَّفُونَ عن القبولِ وعن المعارضةِ، بل كَانَ جواب قومه - والعياذ بالله - اللجوء إِلَى الْقُوَّة وإلى العنف.\nوقوله: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ أي: قَالَ بعضهم لبعض: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾، وقوله: ﴿أَخْرِجُوا﴾ الفاعل يعود إِلَى أهل الحِلّ والعَقْدِ فِي القرية.\nوقوله: ﴿آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُم﴾ أتوْا بهَذَا التعبيرِ إشارةً إِلَى أنّ لوطًا لَيْسَ منكم، وإنما هُوَ جُرْثُومَة طارئة حادثة عَلَى مَحَل، فيجب أنْ يُنَزَّه منها، لِأَنَّ لوطًا كما هُوَ معروف أُرْسِل إِلَى أهلِ سَدُوم وَلَيْسَ منهم، ولهَذَا قَالَ: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ يعني الَّذِينَ جاءوا ووَفَدُوا إليكم وليسوا منكم، ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ لم يقولوا: منَ القريةِ، بل قَالُوا: ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ للإغراءِ بإِخراجِهِ، يعني كأنهم يَقُولُونَ: هَذِهِ قريتكم وهَذَا الرجل جاء جديدًا عليها ويريد أن يُناقِضَكُمْ وأن يقفَ ضِدَّكُم، فأَخْرِجُوه، فالقريةُ لكم ولَيْسَ له.","vol":"1","page":321},{"text":"وسيأتي - إن شاء الله - بَيَان الفائدةِ فِي هَذَا أن بعض النَّاس إذا ضاق ذَرعًا بالدُّعاة المصلِحين يَقُول لهم: اخْرُجُوا، هَذِهِ لَيْسَت بِلادكم، أو لا تتكلَّمْ فِي هَذَا المَسْجِدِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مسجدكَ، أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.\nقوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ هَذِهِ الجملةُ تعليل لمِا سَبَقَها مِن حُكْمٍ وَهُوَ الأَمْرُ بالإخراجِ، (أخرجوهم) لماذا؟ (لأنهم أناس يَتَطَهَّرُون)، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [من أدبار الرِّجال]، فجعلوا عِلَّة العقوبة ما هُوَ من أَسْبابِ رفعِ العقوبةِ؛ فإن التطهُّرَ عن هَذَا حَسَنٌ يَقتضي المدحَ والثَّناء الجميلَ عَلَى مَن تطهَّر منه، وهَؤُلَاءِ جعلوه بالعكس، لِأَنَّهُم - والعياذ بالله - إمَّا زائغونَ يَعرِفون الحَقّ ولم يَعْمَلُوا به، وَإمَّا ضالُّون أُضِلُّوا عن الحقّ وعَمِيَ عليهم، نسأل الله العافية. والغالبُ أَنَّهُم زائغونَ؛ لِأَنَّ هَذَا معروفٌ لدى البشرِ أنَّ الطبيعةَ تَنْفِر منه ولا أحدَ يَقْبَلُه.\nوقوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ هل هم أرادوا الحقيقةَ وأن هَذَا الفِعْل خبيثٌ وهَؤُلَاءِ يريدون التطهُّر منه، أو أرادوا: يتطهّرون بِزَعْمِهِم، وأن هَذَا الفِعْل لَيْسَ نَجَسًا لكِن هَؤُلَاءِ يريدون أن يتطهروا منه؟\nالأقرب الأخير؛ لِأَنَّهُ هُوَ مُقْتَضَى حالهِم، فمقُتضَى حالهم أَنَّهُم رأوا هَذَا المنكرَ معروفًا وهَذِهِ الفاحشةَ يسيرةً فتمسكوا بها.\nوقوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾: ﴿أُنَاسٌ﴾ نكِرة، والمنكّر غيرُ معروفٍ، وكل هَذَا لقصدِ التباعُدِ منه، والإغراء بإخراجِهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالْفَائِدَة الأُولَى: بَيَان عُتُوِّ المكذِّبين لِلُوطٍ ﵊ وأنهم لم يَقتصِروا عَلَى ردِّ دعوتِهِ، بل اتَّفقوا عَلَى أن يخرجوه من البلد.","vol":"1","page":322},{"text":"الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أنَّهُ ينبغي عند الدَّعْوَةِ إِلَى الشَّيْءِ أن يَقْرِن الداعي دعوته بما يُغْرِي المدعوّين ويُؤَلِّبهم ويقوِّيهم؛ لِقَوْلِهِ: ﴿آلَ لُوطٍ﴾، ومن قوله: ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ ولم يقولوا: من القريةِ؛ لِأَنَّ قولهم: ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾، فهَذِهِ تُوجِب الحَمِيَّةَ والعَصَبِيّة حَتَّى يخرجوهم، كأنهم قَالُوا: هَذِهِ القريةُ لكم، أَخرِجوا هَذَا الرجل، وكذلك ففي قوله: ﴿آلَ لُوطٍ﴾ يعني هَؤُلَاءِ ليسوا منكم؛ فلا وجهَ لِكَوْنِكم تسكتونَ عنهم.\nالْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: قَرْنُ الحُكْم بالسَّبَب؛ لقولهم: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾؛ هَذَا سبب قولهِم ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾.\nالْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: أن قول البعضِ إذا رَضِيَهُ الباقونَ فَهُوَ للجميعِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾، ومنَ المعلومِ أن هَذَا القَوْلَ لَيْسَ للجميعِ؛ لِأَنَّهُم عندما يَقُولُونَ: (أخرجوا) فبعضهم يخاطب بعضًا، ولكِن الكلمة إذا جاءت من بعضِ القومِ ورَضِيَها الآخرونَ فإنها تُنْسَبُ إليهم.\nولهَذَا يخاطب الله اليهود فِي عهد النَّبِيّ - ﷺ - بما فعله أسلافهم، وفِي سورة البقرةِ كثير من ذلك؛ كما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣]، فموسى الَّذِي أُوتِيَ الكتابَ والفُرقان جاء لأسلافهم وليس لهم.\nوكذلك قَالَ: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة: ٩٢]، والَّذِينَ اتخذوا العجلَ ليسوا هَؤُلَاءِ، لكِنَّ هَؤُلَاءِ راضونَ. ففِعل القوم أو فِعل بعضِ القومِ أو القبيلة إذا رَضِيَه الآخرونَ فَهُوَ للجميعِ، والعِبرة بالأشرافِ ومَن لهم الكَلِمَة، وإلَّا بعض النَّاس قد يَكْرَه هَذَا الشَّيْءَ ولا يريده.","vol":"1","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>الآية (٥٧)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ -﷿-: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧].\n* * *\n\nلمَّا عَزَمُوا عَلَى إخراجِهِ أَمَرَهُ الله تَعَالَى أن يخرجَ بأمرِ اللهِ، فإن الملائكةَ أتتْ إليه وأمرتْه أن يسريَ بأهلِهِ إِلَّا امرأتَه كانت من الغابرينَ، فسرى بأمرِ اللهِ، ولما بعُد عن القريةِ أهلكَ الله تَعَالَى أهلَ القريةِ صَباحًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١]، فأرسلَ اللهُ عليهم حجارةً من سِجِّيل، فجعل عاليَها سافِلَها، ولهَذَا قَالَ: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ والاستثناءُ مُتَّصِل.\n﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ وَفِي هَذَا دليلٌ عَلَى أن المَرْأَة من الأهل؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان يَأهلُها وَيأوِي إليها، وكذلك هِيَ بالنِّسْبَة إليه، فالزوجةُ من أهلِ الْإِنْسَانِ كما أن أقاربَه من أولادِهِ وآبائِهِ هم أيضًا منَ الأهلِ.\nقوله: ﴿قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: كَتَبْنَا عليها وقدَّرنا عليها، ولهَذَا قَالَ المُفَسِّر ﵀: [جعلناها بتقديرنا ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ الباقين فِي العذاب]، و(الغابر) بمعنى: الباقي، فالمَعْنى أَنَّهَا بَقِيَتْ ولم يَسْرِ بها فكانت - والعياذ بالله - من الهالكين.\nوقوله: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ هَذَا هُوَ معنى قولِهِ ﵎: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ","vol":"1","page":324},{"text":"عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠]، فإن هَذِهِ الخيانة ليستْ خيانةَ فَرْج وعِرْض، وإنما هِيَ خيانة كُفْر؛ لأنهما أظهرتا أنهما مؤمنتانِ وهما ليستا كذلك، فبهَذَا صارتا خائنتينِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالْفَائِدَة الأُولَى: بَيَان أن الله تَعَالَى كاملُ العدلِ، حَيْثُ أنْجى لوطًا وأهلَه.\nالْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أَنَّ مَن أتَى بأَسْبابِ الهلاكِ هَلَكَ، وإنْ كَانَ بين قوم صالحينَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا﴾.\nالْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: بَيَان سَبْقِ التَّقْدير للحوادثِ، وأن تقدير الله تَعَالَى سابق عَلَى أفعالِه، لِقَوْلِهِ: ﴿قَدَّرْنَاهَا﴾، لِأَنَّ معنى ﴿قَدَّرْنَاهَا﴾ أي: جعلناها بتقديرنا السابق.\nالْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: أن المرءَ يُعْذَر بما لا يَعلم، فإنّ لُوطًا كَانَ لا يعلمُ عنِ امرأتِهِ شيئًا أَنَّهَا كافرة، والدَّلِيل عَلَى أدهُ لا يعلمُ قولُه تَعَالَى فِي سورة التحريم: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠]، وإلّا ما كَانَ لنبيٍّ أنْ يَبقَى تحته امرأة كافرة، إِلَّا أَنَّهُ إذا كَانَ لا يعلم فَهُوَ معذور.\nالْفَائِدَة الخَامِسَةُ: أَنَّهُ لا يُنَجِّي من عذاب الله الاتصالُ بأهلِ الصلاحِ، فلا يَقُول الْإِنْسَان مثلًا: أنا أخي صالح أو وليٌّ أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَهُوَ يَعصِمني من عذابِ اللهِ، فهَذِهِ امرأةُ لُوطٍ لم يَنْفَعْهَا أَنَّهَا امرأة نبيّ، ولهَذَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [التحريم: ١٠].\nونوح ﵊ له ابن كافر قَالَ: إنَّهُ من أهلي، فقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ","vol":"1","page":325},{"text":"مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]، والنَّبِيّ ﵊ قَالَ لابنته فاطمةَ: \"يَا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، لَا أُغْني عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا\" (^١).\nفالمهم في هَذِهِ الفائدة ألّا يَغْتَرَّ الْإِنْسَان بِقُربه من أهلِ الخيرِ والصلاحِ فيقول: إنني سأنجو بهَذَا القُرب، لِأَنَّ الله ﵎ لا يُحابي أحدًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦].\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما الفرق بين هَذِهِ الفائدة والْفَائِدَة السابقة: أن مَن أتى بأَسْباب الهلاك هَلَكَ ولو كَانَ مَعَ قوم صالحين؟\nفالجواب: الفرق أن الفائدة هنا من كان له قُرْبٌ خاصّ، والسابقة يُقصد بها من كَانَ معهم يعني بمجرد الاجتماع والمصاحبة، وامرأة لوط جامعة بين الأَمْرينِ.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ حديث رقم (٤٤٩٣)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، حديث رقم (٢٠٦)، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-362>الآية (٥٨)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ -﷿-: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ وَهُوَ حجارةُ السِّجِّيل أَهْلَكَتْهُمْ، ﴿فَسَاءَ﴾ بِئْسَ ﴿مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ بالعذابِ مَطَرُهُم].\nقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ فِي هَذَا دليل عَلَى أن المطرَ لَيْسَ خاصًّا بالماء، بل كُلّ ما حُصِبَ به الْإِنْسَان من فوق يُسَمَّى مطرًا، ولهَذَا قَالَ: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ والمطر الَّذِي أصابهم هُوَ ما قَالَهُ المُفَسِّر [حِجَارة السِّجِّيل]، كما قَالَ الله تَعَالَى فِي آيَة أخرى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢]، وَفِي أولة ثانية: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤]، هَذِهِ الحجارة أهلكتهم وجعلتْ عاليَ القريةِ سافِلَها؛ بمعنى أَنَّهَا تهدَّمتْ عليهم حَتَّى صار عالِيهَا سافلَها، يعني لِأنَّهُ إذا انهدمَ البناء صار أعلاه أسفله، هَذَا هُوَ الظَّاهر.\nوَأَمَّا ما رُوِيَ من أن جِبريلَ حَمَلَهم من تُخُوم الْأَرْض السُّفْلَى وَأَنَّهُ صَعِدَ بهم حَتَّى سَمِعَ أهل السَّمَاء نُبَاح كلابهم ونَهيق حَمِيرهم ثُمَّ قَلَبَها، فإن هَذَا لا دليلَ عليه، لا من كتاب اللهِ ولا من سنّة رسول الله - ﷺ -. فالأقربُ أن هَذِهِ الحجارة لمّا أصابتْ قريتَهم صار عاليها سافلَها، وانهدمَ البناءُ فصار أعلاه أسفله.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَسَاءَ﴾ بئس]، إذن ساء فِعْلٌ ماضٍ مجرَّد عن الزمنِ،","vol":"1","page":327},{"text":"وإنما هُوَ لإنشاءِ الذمِّ، مثل: (حَسُنَ) فِي بعضِ الأحيانِ: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، فهَذَا فعل لإنشاء المدح، و(ساء مطر المنذَرين) هَذَا أيضًا فعل لإنشاءِ الذمِّ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ بالعذابِ مَطَرُهُم]، وقَالَ: [مَطَرُهُم]، لِأَنَّ (ساء) مثل (بِئس) تريدُ فاعلًا، وتريد مبتدأً ومخصوصًا بالذمِّ، وَهُوَ المبتدأ المحذوف؛ فإذن نَقُول فِي إعرابها: (ساء): فعل ماضٍ، ومَطَر: فاعل، وَهُوَ مضاف إِلَى المنذرينِ، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ تقديرُه (مَطَرُهم): (فساءَ مطرُ المنذَرين مَطَرُهُم)، وهَذَا المخصوص أحيانًا يتقدم وأحيانًا يأتي بدله اسم منصوب يُجعَل تمييزًا يَكُونُ بدلَ هَذَا المخصوصِ.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: كيف الجمع بين قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣]، وقوله فِي سورة هود: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١]، وقوله: ﴿دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦]، مَعَ أن الصُّبح طلوعُ الفجرِ كما ذكر ابنُ القَيِّم، والإشراق بَعْد طلوع الشَّمْسِ؟\nفالجواب: الصبحُ يشملُ من طلوعِ الفجرِ إِلَى الزوالِ، فيُسمَّى ضحًى ويسمى صُبْحًا، وقوله: ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أي: العذاب بدأ فِي زمن الإصباح، واستمرَّ العذاب إِلَى الإشراقِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالْفَائِدَة الأُولَى: أن الله ﷾ يُعَذِّب كُلّ إِنْسَانٍ بذنبِه، كما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، فمنهم مَن فعلنا به كذا ومنهم مَن فعلنا به كذا، فهنا يَقُول: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾، ووجه مناسبة العقوبة للجريمةِ أن هَذَا المطرَ","vol":"1","page":328},{"text":"جعل عَالِيَ بلادهم سافلَها، كما أن أولئك سَفُلُوا بأخلاقهم حَتَّى كانوا يستعملون هَذِهِ الفاحشةَ وَيذَرُون ما خلق لهم ربُّهم من أزواجهم، وهَذَا بلَا شَكّ انقلابٌ فِي فِطَرِهِم، ولذلك عُوقِبُوا بهَذهِ الجريمة والعياذ باللهِ.\nالْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: الثَّناء عَلَى الفِعْل بما يسْتَحِقّه من الثَّناء، حَيْثُ قَالَ: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ وهنا نُورِدُ إشكالًا، وَهُوَ أن هَذَا المطرَ منَ اللهِ ﷾، والثَّناء عليه بالقُبْح وبالشرّ ألا يُنافي قولَ الرَّسُولِ - ﷺ -: \"وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ\" (^١)؟\nنَقُول: لا ينافيه، والجمع أن هَذَا السوءَ لَيْسَ فِي فعلِ اللهِ ولكِنه فِي مَفْعُولهِ، فهَذَا المطرُ هُوَ الَّذِي أثنى عليه بالسُّوء ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾، وَأَمَّا فعل الله فَإِنَّهُ لَيْسَ بشر، بل هُوَ من كمالِ العدلِ والْقُوَّة والسلطانِ، حَيْثُ عاقب المجرمينَ بما يَسْتَحِقّون، وعقوبةُ المجرِمِ بما يَسْتَحِقّ لَا شَكَّ أَنَّهَا ليستْ بظلمٍ وليستْ بسيِّئة ولا يُثنَى عَلَى فاعلها بالسوء. فتبَيَّنَ بهَذَا أَنَّهُ لا ينافي قولَ الرَّسُول - ﷺ -: \"الشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ\".\nالْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: أن هَؤُلَاءِ الَّذِين أَهْلَكَهُمُ اللهُ قد قامتْ عليهم الحُجَّة، لقولِهِ: ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾، فهؤلاء أُنذروا بالعذابِ، فقامت عليهم الحجَّة، والله ﷾ يَقُول فِي الْقُرْآن: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ما عذَّب اللهُ أُمَّة من الأممِ إِلَّا بعدَ قيامِ الحجَّة عليها، ولولا ذلك لكانتِ الحجَّةُ عَلَى اللهِ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، فلا أحدَ له حُجَّة عَلَى ربِّه؛ لِأَنَّ الحجّة قد قامت بما رَكَّب الله ﵎ فِي فِطَر النَّاس من محبَّة الخير وعبادةِ اللهِ ﷾، وأيَّد ذلك الأنْبِياء والرسُلُ الَّذِينَ أتوا بالبيِّناتِ\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، حديث رقم (٧٧١)، عن علي بن أبي طالب - ﵁ -.","vol":"1","page":329},{"text":"الظَّاهراتِ، فلم يبقَ للإِنْسَانِ حجَّة، لِأَنَّ الدَّلِيلَ الباطنيّ والدَّليل الظَّاهريّ موجودٌ فيه: الدَّلِيل الباطنيُّ: الفِطْرَة، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠].\nوالدَّلِيل الخارجِيُّ: الرُّسُلُ الَّذِينَ جاءوا بالكتابِ وبالآياتِ البيِّنات، فقد قَالَ رسول الله - ﷺ -: \"مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أُوتِيَ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ\" (^١)، فلهَذَا نَقُول: إن هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَهْلَكَهُمُ اللهُ، وهم قومُ لُوط، كانوا قد أُنْذِرُوا بالعذاب، ولهَذَا قَالَ: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾.\nما الفرق بين المُنْذِرِين فِي قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣]، وبين ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ فِي هَذِهِ الآيَة؟\nالمُنْذِر: مَن أتَى بالانذارِ، أو مَن أَنْذَرَ، والمُنْذَر: مَن أُقِيمَتْ عليه الحُجَّة.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزول الوحي وأول ما نزل، حديث رقم (٤٦٩٦)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا مُحَمَّد - ﷺ - ...، حديث رقم (١٥٢)، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-364>الآية (٥٩)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ -﷿-: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قُلِ﴾ يا مُحَمَّد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلَى هلاك كفَّار الأمم الخاليَةِ].\n﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الأَمْرُ للنبيِّ - ﷺ - أو لكلِّ مَن يمكِن أنْ يُوَجَّه إليه مِن العقلاء.\nقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أطلقَ هنا ما يُحْمَد عليه، فَهُوَ أعمُّ مِمَّا قَالَهُ المُفَسِّر، وإنْ كَانَ السياقُ يَقتضي ما قَالَهُ المُفَسِّر لَكِنَّهُ يجبُ أنْ يُؤْخَذ بالعمومِ، وَيكُون من جملةِ ما يُحْمَد عليه إهلاكُ الكفارِ؛ لِأَلهُ دالّ عَلَى عدلِهِ بأخذِ هَؤُلَاءِ، وَعَلَى فَضْلِهِ بالأَنْبِياء والمُؤْمِنيِنَ، حَيْثُ أخذ أعداءهم.\nولَكِننا نَقُول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هَذَا عامٌّ، يُحْمَد عَلَى كامل أوصافِه وَعَلَى أحاسنِ أفعالِه، فأفعاله كلُّها حُسْنَى، وصفاته كلها كاملة، فيُحمَد عَلَى هَذَا وَعَلَى هَذَا، وَيكُونُ إهلاكُ كفارِ الأُمَمِ من جملةِ ما يُحمَد عليه، وهَذَا هُوَ السرُّ فِي أنَّ الله تَعَالَى لم يَقُلْ: قُلِ الحمدُ للهِ عَلَى هَذَا، بل قَالَ: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ ليَكُونَ اللهُ ﵎ مَحمودًا عَلَى كُلّ حالٍ، ومن جملةِ ما يُحمَد عليه إهلاكُ المكذِّبين للرسل.","vol":"1","page":331},{"text":"قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ هم]، هَذَا المَفْعُول قَدَّره المُفَسِّر.\nوقوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ هل هُوَ داخل فِي ضمن المَقُول، يَعْنِي: قلِ: الحمدُ للهِ وقلْ: سلامٌ عَلَى عِبَادِه الَّذِينَ اصطفَى، فيَكُون الْإِنْسَان مأمورًا بالثَّناء بحمدِ اللهِ وبالدعاءِ عَلَى عبادِ اللهِ الَّذِينَ اصطفاهم بالدعاء لهم، لِقَوْلِهِ: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾، أو هِيَ جملةٌ مُسْتَقِلَّة خبرٌ منَ الله ﷾ بأنه سَلَّمَ مَنِ اصطفاهُ وأنجاه؟\nفِيهِ احتمالٌ للأمرينِ، لكِن أيُّهما أقربُ إِلَى السياق؟\nلا يترجح عندي أحدُ الاحتمالينِ؛ لِأَنَّ لكل منهما وَجْهًا، فالْإِنْسَان مأمور أن يحمدَ اللهَ ومأمورٌ بأن يُسَلِّمَ عَلَى عبادِ اللهِ.\nوكذلك أيضًا الله ﵎ محمودٌ عَلَى كمالِ صِفاتِه. ثُمَّ إخباره بأنه سَلَّمَ هَؤُلَاءِ هَذَا أيضًا مما يُحْمَد عليه؛ لِأَنَّ زوالَ النَقّمَ كجَلْبِ النِّعَمِ، وَيكُون فِي هَذَا فائدةٌ، وَهي أن العبادَ الَّذِينَ اصطفاهم الله قد أحلَّ ﵇، فلا ينالهم ما ينالُ هَؤُلَاءِ الْكُفَّار، ويَكُون الله تَعَالَى محمودًا عَلَى الأَمْرينِ: عَلَى إهلاك الْكُفَّارِ وَعَلَى تسليمِ عباده الَّذِينَ اصطفى.\nوقوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ أي: اختارهم، والله ﵎ يَخْلُقُ ما يشاء ويختار؛ يختار ما يَخْلُق ويَصْطَفِيه، فمن جملة ما اختارَ من بني آدمَ اختارَ الأَنْبِياء، كما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ [ص: ٤٧]، واختار أيضًا المُؤْمِنيِنَ، فإن المُؤْمِنيِنَ بالنِّسْبَةِ للكفار مُصْطَفَون، والأَنْبِياء صفوة الصفوة، والاصطفاءُ كغيرهِ من الصِّفَاتِ","vol":"1","page":332},{"text":"الَّتِي تكون متفاوتةً بحسَب ما قام به العبدُ من أَسْبابِ الاصطفاءِ، فكلَّما كَانَ الْإِنْسَان أقومَ بعبادةِ اللهِ وأشدَّ تعظيمًا لله ﷾ كَانَ أشدّ اصطفاءً.\nقَالَ المُفَسِّر: [﴿آللَّهُ﴾ بتحقيق الهمزتين]، (أألله) [وإبدال الثَّانِيَة ألفًا]، (آلله) [وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهَّلَة والأُخْرَى وتركها]، التسهيل فِيهِ صفتان؛ يدخل بينهما ألف، أي بين الهمزة والمسهَّلة، أو بدون ألف؛ فتكون القراءات أربعًا.\nثم قَالَ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿خَيْرٌ﴾ لمَن يَعْبُدُهُ ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بالتاء والياءِ، أي أهل مكَّة به الآلهة خير لِعَابِدِيها].\nقوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ خَصَّه المُفَسِّر ﵀ بخيريتِهِ لمَن يعبده، والصَّواب أَنَّهَا خَيْرِيَّة مُطْلَقَة لمَن يعبده، وهَذَا يَقتضي الإحسان، ولكماله وهَذَا يقتضي الجلالَ والعظمةَ، فهنا لا نَقُول: (آلله) خير من يعبده فقط، بل (آلله) خيرٌ فِي كُلّ صفاتِه وَفِي إحسانِه وعطائِه؛ لِأَنَّ الآيَةَ مُطْلَقة، فيجب إطلاقها، وإطلاقها أكملُ مِن تقييدها؛ لِأَنَّهُ مثلًا قد يَكُون هذا خيِّرًا لمن يتعامل معه لَكِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ خيرية مطلقة، يَكُون هَذَا الرجل يتعامل مَعَ شخص وإذا عامله أعطاه فوق ما يستحقّ، لَكِنَّهُ فِي صفاتِهِ الأُخْرَى رَدَيء، ويأتي آخرُ جيِّد وخَيِّرٌ فِي صفاته الأُخْرَى لكِن إذا تعامل معه هَذَا الرجل ربما لا يعطيه ما يستحقّ، فيَكُون الأوَّل خيرًا له من الثاني، ومع ذلك فَهُوَ ناقصٌ.\nفقول المُفَسِّر ﵀: خير لمَن يعبده، هَذَا فِيهِ نظر؛ أولًا: أَنَّهُ تقييد للمطلَق بلا دليلٍ. ثانيًا: أن هَذَا التقييدَ لا يَقتضي الأفضليَّةَ، ولذلك يَجِب أن يُقال: (آلله خير) فِي كُلّ شيءٍ؛ فِي صفاتِه وَفِي ثوابِه وجزائِه لمَن يَعْبُدُهُ.","vol":"1","page":333},{"text":"قوله: ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يعني أم الَّذِي يشركونه مَعَ الله من الأصنام وغيرها، والجواب: \"بل اللهُ خير\"، ولهَذَا يَنبغي لك إذا قرأتَ مثل هَذَا أن تقولَ: بل الله، وهَذِهِ المعادلةُ لا تَقتضي المقاربةَ أو المماثلةَ، فَإِنَّهُ قد يُفَاضَلُ بين الشيئينِ مَعَ خلوِّ الطرفِ الثاني منهما، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤].\nمَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي مُسْتَقَرّ النَّار خيرٌ وَلَيْسَ فيها حُسْن مَقيل، بل إنَّهُم يُفَضِّلُون بين أمرين متعاكسين، فيقال مثلًا: الشتاء أشدُّ مِنَ القَيْظِ، وأبلغُ من هَذَا: الشتاءُ أبردُ منَ القَيْظِ، مَعَ أنّ القَيْظَ لَيْسَ فِيهِ بُرُودَة.\nفالحاصل: أن هَذَا ما يَقتضي المماثَلَةَ أو المساواةَ. ولكِن هل يَقتضي النقصَ؟\nنعم يَقتضي النقصَ؛ لِأَنَّهُ يُوهِم المشاركةَ إِلَّا فِي مَقامِ التنزُّلِ فلا يَقتضي النقصَ، يَقُول الشاعر (^١):\nأَلمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرهُ إِذَا ... قِيلَ إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَ الْعَصَا\nلكِن عند التنزُّل لا يَدُلّ عَلَى النقص، فهَذِهِ الأصنام الَّتِي يُشْرَكُ بها مَعَ الله يريد مِنْهَا عابدوها أنْ تَنْفَعَهُم بجلبِ النفعِ أو دفعِ الضررِ، فنَقُول لهم: أيَّما خير؛ أصنامكم أم اللهُ؟ من بابِ التنزُّل مَعَ الخَصْمِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَدَّعُون أن في آلهتهم خيرًا، فيقال لهم: آلله خيرٌ أم ما يشركون، يعني عَلَى زَعْمِكُم، وإن كَانَ لَيْسَ فِيهِ خيرٌ إطلاقًا.\nوقوله: ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: (أم) هَذِهِ متَّصلة أو مُنْقَطِعة؟ وما الفرق بين المتصلة والمنقطعة لكي نَحْكُمَ عليها؟\n_________\n(^١) قائل هذا البيت هو محمد جواد بن عبد الرضا عواد البغدادي له ديوان بمكتبة آية الله الحكيم بالنجف، هلك عام ١١٦٠ هـ.","vol":"1","page":334},{"text":"المتصلة معناها: أن تكون بينَ متعادلينِ، وَأَمَّا المنقطِعة فتكون بين متباينينِ، هَذَا الفرق؛ فالمنقطعة يَكُون الثاني منقطعًا عن الأولِ، فإذا صارتْ بينَ المتعادلينِ فإنها تُسَمَّى مُتَّصِلَةً، وأيضًا فرق آخرُ لفظيٌّ: أنَّ المتصِلة يَسْبِقُها همزةُ الاسْتِفْهامِ: أَزيدٌ قائم أمْ عمرٌو، فيذكر فيها المعادل، وتَسْبِقها الهمزةُ تحقيقًا أو تقديرًا.\nوَأَمَّا المنقطعة فلا تُذْكَر بين متعادلينِ، ولا يَكُون قبلها همزةٌ، فقوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ هَذِهِ قبلها الهمزة وهي أيضًا بين متعادلين ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\nثم قَالَ المُفَسِّر ﵀: [\"أَمَّا تُشْرِكُونَ\" بالتاءِ والياءِ]، يعني (أمَّا تشركون) أو ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^١) [أي أهل مكَّة به الآلهة خَيْر لِعَابِدِيها ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾، قدَّر المُفَسِّر: الآلهة خير لِعَابِدِيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالْفَائِدَة الأُولَى: وجوب حَمْدِ اللهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ﴾ والأَصْلُ فِي الأَمْرِ الوجوبُ، والله تَعَالَى يُحْمَد عَلَى كمال صفاتهِ وأفعالهِ، وهنا الحمدُ ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلَى الأَمْرين جميعًا، لَيْسَ عَلَى أفعالِهِ فقطْ، ومن جملة ما يُحمد عليه أنَّهُ أهلك هَؤُلَاءِ المنذَرين الَّذِينَ كذَّبوا الرَّسُول، ولهَذَا تخصيص المُفَسّر بِقَوْلِهِ: [على هلاكِ الكفار]، تقدَّم التنبيه عليه وأن هَذَا تخصيصٌ للآيَةِ، والله تَعَالَى يَقُول: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، فيُحمَد الله تَعَالَى عَلَى كمال صفاته وأفعاله، وحمده واجبٌ شَرعًا وعقلًا، لِأَنَّ العقلَ يَقتضي أن يُوصَفَ الله ﷾ بالكمال.\nوالحمد هل هُوَ الثَّناء أو غيرُ الثَّناء؟\n_________\n(^١) حجة القراءات (ص: ٥٣٣).","vol":"1","page":335},{"text":"بعض النَّاس يَقُول: الحمدُ هُوَ الثَّناء عَلَى اللهِ بالجميلِ، وَلَيْسَ بصحيح، بل الحمد هُوَ وصفُ المحمودِ بالكمالِ، ثُمَّ إن كُرِّرَ صار ثناءً، ودليلنا عَلَى هَذَا قولُ الله تَعَالَى فِي الحديث القُدُسي: \"قَسَمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قَالَ اللهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قَالَ: أثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي\" (^١) فدلَّ هَذَا عَلَى أن الحمد لَيْسَ الثَّناء.\nالْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أن إهلاكَ اللهِ للأممِ المستحقِّين صفة كمال يَنبغي أنْ يُحْمَدَ عليها، ولا يعذِّب اللهُ إِلَّا مستحِقًّا، فعلى هَذَا إذا أصيبَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّار بالكوارثِ منَ الزَّلازِلِ والفيضاناتِ والأوبئةِ فما مَوْقِفُنا نحنُ مِن ذلك، هل نترحَّم لهم ونَأوِيْ لهم؟ لا، لكِن بعض النَّاس الجهّال فِي وقتنا هَذَا تَجِدُهم يَتَأَوَّهُون لهم وَيتَوَجَّعُون لهم ويعطِفون عليهم ويرحمونهم، وهَذَا خلافُ العقلِ وخلافُ النقلِ، بل إننا إذا أوقعَ اللهُ بهم ما يُوقِع من عُقُوباته فإنَّنا نَقُول: الحمد لله، نَحْمَد الله عَلَى ذلك؛ لِأَنَّ إهلاكهم مَصْلَحَة للإسلامِ والمُسلِمينَ، ما من فردٍ يَزيدُ فِي الْكُفَّار إِلَّا ويزدادون به قوَّة عَلَى المُسلِمين.\nفإِذَنْ: إهلاكهم نِعْمَة منَ اللهِ -﷿-، علينا أنْ نَحْمَدَ اللهَ ﷾ عليها، ولا ينافي هَذَا أن نَعْطِفَ مثلًا عَلَى الصغار منهم؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لا ذنبَ لهم.\nمثلًا لو فرضنا أن قرية أُهلِكَت وبقي أَيْتَامُها وهم كفار فَإِنَّهُ لا مانعَ مِن أن نَتَصَدَّقَ عليهم؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لا ذنبَ لهم ولا جريمة لهم، وربما يَعِيشون فِي الإِسْلامِ فيما بَعْد، إِنَّمَا هَؤُلَاءِ المكذِّبون المجرمون إذا أَهْلَكَهُمُ اللهُ فإن الواجبَ علينا أن\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كُلّ ركعة وإنه إذا لم يحسن الفاتحة ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها، حديث رقم (٣٩٥)، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":336},{"text":"نحمدَ اللهَ، لا أنْ نَتَرَحَّمَ لهم ونَرِقّ لهم، هَذَا خلافُ ما عليه بعضُ النَّاسِ اليوم الَّذِينَ فَقَدُوا الغَيْرَة الدينية ولم يكن فِي قلوبهم الولاءُ والبَرَاء؛ لأن كثيرًا من النَّاس فَقَدُوا الولاء والبراءَ، وبعض النَّاس فقد البراءَ فقطْ، ومعه الولاءُ لَكِنَّهُ وليٌّ لكلِّ أحدٍ، وبعض النَّاس بريء من كُلّ أحدٍ أيضًا، لا يحب المُسلِمينَ ولا الكفارَ، ولكِن هَذَا نادرٌ، إِنَّمَا الكثير فِي وقتنا هَذَا هُوَ الولاء للجميعِ، وَأَنَّهُ لا يُبْغِضُ أحدًا، فالمسألة عنده إِنْسَانيَّة وليستْ دِينيَّة، وهَذَا خطأٌ وخطرٌ، أيضًا مَعَ كونه خَطَأ فَهُوَ خطرٌ؛ لِأَنَّ أوثقَ عُرَى الإِيمانِ الحبُّ فِي اللهِ والبُغْضُ الله.\nمسألة: لو حَصَلَ لكافرٍ حادثٌ هل يَلْزَمُنا إنقاذه؟\nلا يلزمنا أن نُنْقِذَهُ، نعم إن كَانَ مُعاهَدًا فَإِنَّهُ معصومٌ نُنْقِذُه، وإن كَانَ غيرَ معاهَدٍ وَلَيْسَ بيننا وبينه عهدٌ فلا ننقذه، بل إننا نُجْهِز عليه.\nلَوْ قَالَ قَائِل: إذا كَانَ لا يعلمُ هل هُوَ معاهَد أو غير معاهد؟\nفالجواب: إذا كَانَ لا يَعْلَمُ فاللهُ أَعْلَمُ، والَّذِينَ فِي بلادنا مَن لَيْسَ بمعاهَدٍ فَهُوَ مستأمَنٌ، لِأَنَّ كونَه يأتي بعقدٍ سواء حكوميّ أو غير حكوميّ فَهُوَ مستأمَنٌ، فله حُكْمُ المعاهَدِ، يَقُول الله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦].\nأما المعصوم فالعُلَماء يَقُولُونَ: يَجِب أنْ يُنْقَذَ مِنَ الهَلَكَةِ مُطْلَقًا، ولم يَفْصِلوا بينَ المسلمِ وغيرِ المسلمِ، ولذلك لا يجوزُ الاعتداءُ عليه، وهَذَا ثابتٌ بالنصِّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]، وقال تَعَالَى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨].","vol":"1","page":337},{"text":"وكما جاء فِي الحديث عن النَّبِيّ ﵊: \"إنَّكُمْ إنْ تُخْفِرُوا ذِمَمكمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنَ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ رَسُولهِ\" (^١)، فهَذَا كلام أهلِ العلمِ في هَذِهِ المسألةِ، والمسألةُ تحتاجُ إِلَى بحثٍ، وعندما نحقِّقها يُنْظَر إنْ كَانَ فِي هَذِهِ المسألةِ خِلافٌ، ويُنْظَر - إن شاء الله - أيّهما أَرْجح.\nالْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: أن الله ﷾ له أنْ يَتَمَدَّحَ بنفسِه ويدعو النَّاس إِلَى ذلك؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، أَمَّا غيره فليسَ مِنَ اللائقِ أنَّ الْإِنْسَان يَقُول للناس: احْمَدُوني وأَثْنُوا عَليَّ. ومعلوم أن الله ﷾ أهل لِذَلِكَ، ولأن المصلحة لنا، والله تَعَالَى لا يَنتفِعُ بطاعةِ الطائعينَ، ولا يَتَضَرَّر بمعصيةِ العاصِينَ.\nالْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: أن الَّذِينَ اصطفاهمُ اللهُ قد بَرِئُوا مِمَّا يُلْصَق بهم؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ فإن هَذَا السلام يَتَضَمَّنُ سلامتهم مما وُصِفوا به وقُدِح فيهم به، ويتضمّن أيضًا سلامتهم من عقوبةِ اللهِ، فالسلامةُ هنا شاملة للسلامة ممَّا يَتَعَلَّق بفعل الله كالعقوبة، أو بفعل الخَلْق كالقَدْح.\nالْفَائِدَة الخَامِسَةُ: أن الله تَعَالَى يَصْطَفِي مِن عِبَادِهِ ما شاء، يَخْتَارُهم لعبادتِه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ أي: اختارَ، ومَن يختارُهُم هم الَّذِينَ قاموا بطاعتِه، فمن قام بطاعةِ اللهِ اصطفاه الله، ومَن عمى اللهَ فَهُوَ بعيدٌ منْ الِاصطفاء.\nالْفَائِدَة السَّادِسَةُ: قيام الأفعالِ الاختيارّية باللهِ ﷾؛ لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ فإن الاصطفاءَ مِنَ الأفعالِ، والله ﵎ قائمٌ به الأفعال الاختيارية.\nالْفَائِدَة السَّابِعَةُ: حِكمة الله تَعَالَى فِي تعليق الأحكام بأَسْبابها، فإن السلامةَ هنا\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها، حديث رقم (١٧٣١)، عن بريدة بن الحصيب - ﵁ -.","vol":"1","page":338},{"text":"معلَّقة عَلَى الاصطفاءِ، وهَكَذَا أحكام الله الكونيَّة والْقَدَرَّية كلّها مربوطة بأَسْبابها، وذلك لثبوتِ الحِكْمَةِ فِي أحكامِ اللهِ؛ إذ إنَّ الله لا يفعل شيئًا إِلَّا لحكمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>الْفَائِدَة الثَّامِنَةُ:</span> الثَّناء عَلَى المُصْطَفين لسلامتهمْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>الْفَائِدَة التَّاسِعَةُ:</span> أنّ ما جاءت به الرُّسُلُ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نقصٌ، سواء كَانَ ذلك فِي الأحكام الشَّرْعِيَّة أو فِي الأخبارِ، فما أخبرتْ به الرُّسُلُ فَهُوَ حقّ، لَيْسَ فِيهِ كذِب، وما أمرتْ به أو نهتْ عنه فَهُوَ عدلٌ، لَيْسَ فِيهِ جَوْر ولا ظُلم؛ لِأَنَّ قوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ أول من يدخل فِيهِ الرُّسُلُ؛ ولهَذَا يَقُول الله -﷿- فِي سورة الصافَّات: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠]، فسلَّم عَلَى الرُّسُلِ لسلامةِ ما قالوه منَ النقصِ والعيبِ، وهَكَذَا هنا ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>الْفَائِدَة الْعَاشِرَةُ:</span> أن من قام بما يجبُ عليه منْ الِاجتهاد فأخطأ فلا إثمَ عليه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ فإذا اجتهد الْإِنْسَانُ فِي طَلَب الحَقِّ وتحرِّي الحَقّ وأخطأ فلا إثمَ عليه فِي هَذَا الخطإِ؛ لِأَنَّهُ ما دام مُتحرِّيًا للحقِّ وطالبًا له وفاعلًا لأَسْبابِهِ فَهُوَ منَ العبادِ المصطَفَيْن، فإذا حَصَل عليه خَلَل فَهُوَ سالمٌ مما يَكُون بهَذَا الخطأ، وهَذَا يَشهَدُ له قول الرَّسُولِ - ﷺ -: \"إِذَا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأَخْطأَ فَلَهُ أَجْرٌ، وَإِذَا حَكَمَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ\" (^١).\nالفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: جواز المقارنةِ بينَ ما هُوَ خيرٌ مَحض وما لا خيرَ فيه؛\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، حديث رقم (٦٩١٩)؛ ومسلم، كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، حديث رقم (١٧١٦)، عن عمرو بن العاص - ﵁ -.","vol":"1","page":339},{"text":"مراعاةً للخَصْمِ وإقامة للحجَّة عليه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فإن من المعلوم أن الله خيرٌ مما يُشرِكون، ولا مقارنةَ بينه وبينهم، لَكِنَّهُ يُخاطِب قومًا مشركينَ، إن كانتِ القراءةُ بالتاءِ، لِأَنَّ فيها قراءتينِ (أمَّا تشركون) و(أمَّا يُشْرِكون)، أو يتحدث عن قوبم مشركينَ، فلهَذَا راعَى أحوالهم فقال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\n&lt;مز&gt;الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ من أساليبِ المناظَرة إلزامَ الخَصْم بما يُقِرّ به، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لا يمكن أَنْ يَقُولُوا: إن آلهتهم خيرٌ أبدًا، ولهَذَا أعقبها بِقَوْلِهِ: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [النمل: ٦٠]، ممَّا هُوَ من أفعال الرُّبُوبِيَّة الَّتِي لا يمكِن لهم أن يَدَّعُوا أن آلهتهم تفعلها.\n&lt;مز&gt;الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: عَدْلُ اللهِ ﷾ فِي إقامةِ الحُجَّة عَلَى المعانِدِين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ لأنَّهُ إذا وصلتِ الحالُ إِلَى هَذَا الأَمْرِ إِلَى أن يَقُول لهم: آللهُ خيرٌ أم أصنامكم، فيَكُون هَذَا من جملةِ ما يُقَال لهم، يَعْنِي: قل: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ وقل أيضًا لهَؤُلَاءِ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\nفيَكُون من جملة المقول، وهَذَا فِي غاية ما يَكُون منَ العدلِ وإقامة الحجَّة، وإلَّا فالله قادر عَلَى أن يدعَ هَؤُلَاءِ ويبين الحَقّ ولا حاجة إِلَى مناظرةٍ، ولكِن لإقامة الحجَّةِ عَلَى هَؤُلَاءِ ولكمالِ العدلِ فيما لو عُوقِبوا أن تكون عقوبتهم بَعْد إقامةِ الحجَّة فصار مثل هَذَا الكَلام.\n&lt;مز&gt;الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أن لله ﷾ الجيرَّية المطلَقة فِي كُلّ شيءٍ، خِلافًا لمَا مشَى عليه المُفَسِّر حَيْثُ قَالَ: [﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ من يَعْبُدُه]، فالصَّواب: آلله خيرٌ فِي كُلّ شَيْء، خيرية مطلقة فِي صفاته وَفي أفعاله المتعلقة بعابديه.","vol":"1","page":340},{"text":"&lt;مز&gt;الْفَائِدَةُ الخامِسَة عَشْرَةَ: بَيَان جواز إلزام الخَصْمِ بما لا يُمْكِنه إنكارُه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\n&lt;مز&gt;الْفَائِدَةُ السَّادِسَة عَشْرَةَ: جوازُ المقارنةِ بينَ شَيئينِ لا يَختلِفانِ فِي المَعْنى من أجلِ إقامةِ الحُجَّة، لِقَوْلِهِ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وذلك بأن ما يشركون به مَعَ الله لَيْسَ فِيهِ خيرٌ إطلاقًا، كما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر: ٢٠]، ما قَالَ: لا يَقضون بالحقّ، قَالَ: ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ يعني لَيْسَ لهم أيّ حُكْم وَلَيْسَ لهم أيّ سُلْطَة، إطلاقًا لَيْسَ فيها خير، فهي أحجار وأشجار لا يُنتفَع بها.\n* * *","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-369>الآية (٦٠)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ -﷿-: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠].\n* * *\n\nقوله: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [الآلهة خيرٌ لعابديها ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾].\nالجواب: بل من خلق السَّماوَات والْأَرْض، فَهُوَ خبر، وقوله: [الآلهة خيرٌ لعابديها]، نَقُول فيه مثل ما تقدَّم فِي قوله: [﴿خَيْر﴾ لمِن يَعْبُدُهُ]، فالمُفَسِّر ﵀ قدَّر مرَّةً ثانية، وهَذَا واضحٌ، وَعَلَى هَذَا فتكون (أم) مُتَّصِلَةً، والخيرَّية هنا مُطْلَقَة إذا صحَّ تقدير المُفَسِّر؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: إن قوله: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾ للإضرابِ وليستْ للمقارنةِ، ويَكُون السؤال اسْتِفْهامًا مُطْلَقًا، يعني يَقُول: من الَّذِي خلق السَّماوَات والْأَرْض أإله مَعَ الله؟\nفيَكُون قوله: ﴿أَمَّنْ﴾: (أم) هَذِهِ للإضرابِ وليستْ متعلِّقةً بما سبقَ، فيَكُون تقدير الآيَة: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ فيَكُون الاسْتِفْهام هنا لَيْسَ للمعادلة، أَمَّا عَلَى رأي المُفَسِّر فجعل الاسْتِفْهام للمعادلة.","vol":"1","page":342},{"text":"قوله: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: (خلق) بمعنى أَوْجَدَ بتقديرٍ؛ لِأَنَّ الخَلْقَ لَا بُدَّ أن يسبقه تقدير، والإيجاد أعمُّ منه، فقد يوجد الشَّيْء بلا تقديرٍ، ولكِن الخلق لَا بُدَّ فِيهِ من تقديرٍ.\nقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، بعضهم يَقُول: السَّماوَات ليست مَفْعُولا بها؛ لِأَنَّهُ ما وقع عليها فعل الفاعلِ، إذ هِيَ لم توجد إِلَّا بفعلِ الفاعلِ، وإنما يقالُ: مَفْعُول مطلق وليست مَفْعُولا بها؛ لِأَنَّ المَفْعُول به يَقتضي أن يَكُون ما وقع عليه الفِعْل سابقًا عَلَى الفِعْل، وهنا السَّماوَات ليست سابقةً عَلَى خلقه، وَعَلَى هَذَا فقلْ: إنَّهَا مَفْعُول ولا تقلْ: به، فقُلْ: مَفْعُول فقط، لا به ولا فِيهِ ولا معه ولا له؛ لِأَنَّ المفاعيل خمسةٌ كما هُوَ معروفٌ؛ مَفْعُول غير معدّى بحرفٍ، ومَفْعُول معدى بحرف (الباء) أو بـ (في) أو بـ (اللام) أو بـ (مع).\nأَمَّا المَفْعُول المطلَق فيَكُون بمعنى الفِعْل، مثل ضربتُ ضَربًا، ولا يعدَّى بالباء أو بـ (فِي)، فهَذِهِ المفاعيل.\nلكِن هَذَا فِي الحقيقةِ منَ الفلسفةِ الَّتِي لَيْسَ لها معنى؛ لِأَنَّ ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ معناها أوجدَ السَّماوَات، فالمَفْعُول به أو الفِعْل واقع عَلَى الإيجادِ، وإن كانتِ السَّماوَات قبلَ الإيجادِ ليستْ موجودة، فالإيجادُ سابقٌ عَلَى الموجودِ؛ لِأَنَّ به يَحْصُلُ الوجودُ، فلا حاجةَ إِلَى هَذَا التمحُّل، ونَقُول: وأيضًا ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ مَفْعُول به، هم يَقُولُونَ: المَفْعُول به لَا بُدَّ أنْ يَكُونَ سابقًا عَلَى الفِعْل: (ضربتُ زيدًا)، فزيدٌ سابِقٌ عَلَى الضربِ، (أكلتُ الطعامَ)، فالطعامُ سابقٌ عَلَى الأكلِ، (صنعتُ الطعامَ) حوّلته من حال إِلَى حال، أيضًا سابق عَلَى الطعام.\nقوله: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ تُذْكَرُ بلفظ الإفرادِ والجمعِ","vol":"1","page":343},{"text":"كثيرًا فِي الْقُرْآن، والأرض ما ذُكرتْ إِلَّا بلفظِ الإفرادِ، إِلَّا أن الله قَالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، وإلَّا فبقيَّة الآيَات بل حَتَّى فِي هَذِهِ الآيَة ما ذُكرت إِلَّا مفردةً، ولم يقل: (ومنَ الْأَرَضين مثلهنّ)، لَكِنَّها وردتْ فِي السنّة مجموعةً ومبيَّن أَنَّهَا سبع.\nقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: (ماء) هل هِيَ مَفْعُول أو مَفْعُول به؟\nمَفْعُول به، لِأَنَّ الماء موجود.\nقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ﴾ اللام للتعليل أو للإباحة، ولَكِنَّهَا للتعليل أبلغ؛ لِأَنَّهَا إذا كانت للتعليل شَمِلَتِ الإباحةَ وشَمِلَتْ ما يَكُونُ به النفعُ من هَذَا الماء وإنْ لم يلامِسْها.\nقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المُراد بالسَّمَاء هنا العُلُوّ، والدَّلِيل عَلَى ذلك أنَّ الماءَ هَذَا ينزل منَ السَّحابِ، وقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، فدلَّ هَذَا عَلَى أن المُرادَ بالسَّمَاءِ هنا العلوُّ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾ فِيهِ التفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إِلَى التكلُّمِ]، الغَيبة فِي قوله: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾ وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ﴾، وهنا قَالَ: ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾، والالتفاتُ فِيهِ فوائدُ الانتباهِ لِئَلَّا يَنساب معه المخاطَب وَيغْفُلُ عنه، وهو من المحسّنات البديعيَّة.\nقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ قَالَ المُفَسِّر: [﴿حَدَائِقَ﴾ جمع حَدِيقة، وَهُوَ البُستان المَحُوط]، يعني الَّذِي عليه حائطٌ [﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ حُسْن]، فالبهجة بمعنى الحُسن؛ لِأَنَّ القلب يَبْتَهِجُ بها وَينْشَرِح","vol":"1","page":344},{"text":"بها الصدرُ، وهَذَا أمرٌ معلومٌ، لا سيما لِعُشَّاق الحدائقِ، وإلّا فبعض النَّاس لا يُهِمُّه سواء كَانَ فِي الحديقة ما يُبْهِج أو لا، لكِن عشّاق الحدائق يجدون لذَّة عظيمة فِي مثل هَذِهِ الحدائقِ الَّتِي بها هَذَا النبات العظيم.\nقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾: ﴿مَا كَانَ﴾ بمعنى: مُمتنِع غاية الامتناع، وهي نظيرُ قولِه تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، أي: مُمتنِع عليه، فـ ﴿مَا كَانَ لَكُمْ﴾ أي: ما صحَّ لكم، وما أمكن لكم أن تُنْبِتُوا شجرها؛ لِعَدَمِ قُدْرَتِكُم عَلَى ذلك، لَيْسَ فِي مَقْدُورِكُم أنْ تُنْبِتُوا هَذَا الشجرَ.\nفَإِذَا قَالَ مُجادِلٌ: بل فِي مقدوري، فآتي بنوى التمر وآتي بحبّ وأَحْرُث الْأَرْض وأضعه فيها.\nقُلْنَا: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٤]، نعم أنت فعلتَ السَّبَب، لكِن هل خلقتَ هَذَا، هل فَلَقْتَ الحبَّ والنوى؟ أبدًا.\nوإذا جادل مجادِلٌ بمثلِ ذلكَ قُلْنَا له مثل ما قَالَ إبراهيمُ - ﷺ - للذي ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فنَقُول له: إذا كنتَ أنت فعلت هَذَا فهَذِهِ الشَّمْسُ تأتي منَ المَشْرِقِ فأتِ بها من المغربِ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَإِلَهٌ﴾ بتحقيقِ الهمزتينِ وتسهيلِ الثَّانِيَةِ وإدخالِ ألفٍ بينهما عَلَى الوجهينِ فِي مواضعِهِ السبعةِ]، وأين مواضعه السبعة؟\nفِي الآيَات الآتية، هَذَا واحد، وننظر هل كلام المُفَسِّر صحيح أم لا.\nقَالَ المُفَسّر: [﴿مَعَ اللَّهِ﴾ أعانه عَلَى ذلك]، يعني أو انفردَ بشيءٍ منه، فالمعية هنا","vol":"1","page":345},{"text":"تَقتضي -كما قَالَ المُفَسِّر - المُعَاوَنَة إذا كَانَ مصاحبًا له، أو الانفراد ببعض الخلق إذا كَانَ غيرَ مصاحب له، هَذِهِ الحديقة مثلًا فيها نخل ورُمّان وعِنَب، هل مَعَ الله إلهٌ شاركه فِي إيجاد النَّخل والرُّمَّان والعِنَب، أو أوجد النَّخلَ واللهُ أوجدَ الرمانَ والعنبَ أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؟\nإِذَنْ: قول المُفَسِّر: [أعانه]، ينبغي أن يُقال: أوِ انفردَ بشيءٍ منها. وقلت ذلك لِأَنَّ الله يَقُول: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ هَذَا الانفراد، ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ هَذِهِ المشاركة عَلَى وجه الشيوع، ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢]، هَذِهِ المعاونة، وإن لم يكن شريكًا، ما عاوَنُوا الله جَلَّ وَعَلَا. ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، هَذَا التوسُّط للعابدين إِلَى الله، إذن بأي شَيْء يتعلقون؟ فإذا قَالُوا: إن آلهتهم لا تفعل.\nقُلْنَا إِذَنْ: لماذا تعبُدُونها، فكل ما يمكن أن يتعلَّق به المُشْرِكُون بالنِّسبة لأصنامهم نُفِيَ فِي هَذِهِ الآيَة ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ انظر بلاغة الْقُرْآن.\nفالحاصل: أن قوله: [﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّه﴾ أعانه]، نَقُول أيضًا: أوِ انفردَ بشيءٍ أو شاركَ فِي مُلْكِه، فلا أعان اللهَ ولا شاركَهُ ولا انفردَ بشيءٍ مِن مُلْكِهِ، أي: لَيْسَ مَعَه إله.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل المَعُونَةُ تدخلُ فِي المشاركة؟\nفالجواب: لا؛ لأنك قد تُعينني مثلًا عَلَى إصلاح شيءٍ فِي بيتي وَلَيْسَ لك فِيهِ شركة، بل كلُّه لي.\nوقَالَ المُفَسِّر ﵀ أيضًا فِي قوله تَعَالَى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّه﴾: [أي لَيْسَ معه إله]،","vol":"1","page":346},{"text":"فالاسْتِفْهامُ إذن إنكاريٌّ للنفي، يعني لَيْسَ مَعَ الله إلهٌ فَعَلَ ذلك، فالمعبودات الَّتِي تعبدونها مَعَ اللهِ لم تفعلْ ذلك.\nإِذَنِ: الواجب إفراد اللهِ تَعَالَى بالألوهيَّة، فعليه تكون الحُجَّة قد قامتْ عَلَى هَؤُلَاءِ بما أقرُّوا به من الرُّبُوبِيَّة، وكثيرًا ما يَسْتَدِلّ الله تَعَالَى بتوحيد الرُّبُوبِيَّة عَلَى وجودِ توحيد الألوهيّة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، ﴿اعْبُدُوا﴾ توحيد أُلوهيَّة ﴿رَبَّكُمُ﴾ هَذَا رُبُوبِيَّة.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ يُشْرِكون باللهِ غيرَه]، ﴿بَلْ﴾ هَذِهِ للإضرابِ الانتقاليّ، لا الإبطاليّ، يعني بل هم مُقِرُّونَ بذلك، وَأَنَّهُ لا إله مَعَ الله، ولكِنّهم يَعْدِلون به غيرَه فيشركون، فصار فعلهم هَذَا لَيْسَ عن دليل ولكِن لمجرَّد هوى، وإن كانوا يُقِرُّون بأن الله تَعَالَى لا شريكَ له فِي خلق السَّماوَات والْأَرْضِ وإنزال المطرِ وإنباتِ النباتِ به، وإنما يعدِلون بالله غيرَه فيشركونه مَعَ اللهِ لمجرَّد أهوائهم، أَمَّا أنَّهُ عن دليلٍ عقليّ أو فِطريّ أو نقليّ فليسَ كذلك.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوله: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ ألا تَحتمِل أَنَّهُم يَعدِلون عن عبادةِ اللهِ؟\nالجواب: تَحتملُ، لكِن ما قَرَّرَهُ المُفَسِّر أحسنُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، ولم يقلْ: عن ربِّهِم يعدِلون، فدلَّ هَذَا عَلَى أنَّ المُراد بالمعادلةِ هنا المساواةُ، أي: يساوون به غيرَه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> بَيَان انفرادِ اللهِ تَعَالَى فِي خلق السَّماوَات والْأَرْض؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ خلق السَّماوَات والْأَرْض، يَتَضَمَّن إيجادهما وإيجاد ما فيهما منَ المنافع،","vol":"1","page":347},{"text":"فلا أحدَ يستطيع أن يغيِّر شيئًا من خلق السَّماوَات والْأَرْض، لا من الشَّمْسِ ولا من القمرِ ولا من النجومِ ولا من غيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ المخلوقات من منافعِ الخلقِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> بَيَان حكمة الله تَعَالَى فِي إنزالِ المطرِ من فوقُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ لِأَنَّ نزولَه منَ السَّمَاء أعمُّ وأقلُّ ضررًا؛ إذ لو كَانَ يخرج من الْأَرْض ما وَصَلَ إِلَى قِمَم الجبالِ إِلَّا وقد أغرقَ ما تحته، فلهَذَا صار ينزِل من فوق ليَكُونَ أكمل وأعمَّ وأقلَّ ضررًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ:</span> بَيَان رحمةِ الله فِي قولِه: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ لِأَنَّ اللام هنا للتعليلِ، أي: لأجلكم، وهَذَا من رحمتِهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ غنيٌّ عنَّا ولَكِنَّنَا نحنُ مُفْتَقِرُون إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>الْفَائِدَة الخَامِسَةُ:</span> أن الأَشْيَاء ينبغي أن تُضافَ إِلَى المسبِّب لا إِلَى السَّبَب؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ فأضاف الإنبات إِلَى الله، مَعَ أن النبات يحصُل بالمطرِ، ولكِن المنزِل هُوَ الله، ولهَذَا ينبغي للإِنْسَانِ أن يضيفَ الشَّيْء إِلَى المسبِّب الخالقِ مُشيرًا إِلَى السَّبَب، كما يَقُول العُلَماء عن الرَّسُول ﵊: هَدَى اللهُ به منَ الضلالةِ، وأنقذَ به مِنَ الهَلَاكِ، وبصَّر به مِنَ العَمَى، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فإضافةُ الشَّيْءِ إِلَى المسبِّب للإشارةِ إِلَى بَيَان السَّبَب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>الْفَائِدَة السَّادِسَةُ:</span> إثبات الأَسْبَاب؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾ لِأَنَّ الباء للسببيَّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>الْفَائِدَة السَّابِعَةُ:</span> إثبات الحِكْمَة؛ لِأَنَّ الله ﷾ رَبَطَ الأَسْبَاب بِمُسَبّبَاتها، وهَذَا من الحِكْمَة ألا تأتيَ الأُمُور عَلَى وجهِ المصادفاتِ أو بدونِ أَسْبابٍ تَقتضيها، فإثباتُ الأَسْبَاب يَتضمَّن إثبات الحِكْمَةِ.","vol":"1","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>الْفَائِدَة الثَّامِنَةُ:</span> وفيه أيضًا التنزُّه فِي الحدائقِ والابتهاجُ بها؛ لِقَوْلِهِ: ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ وأن الْإِنْسَان ما يُلام إذا قَالَ: نريد أن نتفرَّج عَلَى ما أخرجَ الله منَ المَطَرِ من هَذِهِ الحدائقِ والبساتين؛ فَإِنَّهُ لا يُلامُ عَلَى ذلك، لا يُقَال: هَذَا من فضول الأفعالِ؛ فإن النفس إذا لم تُمَّرنْ عَلَى هَذَا وهَذَا فإنها تَمَلُّ وتَكِلُّ ولا تأتي بالأُمُور عَلَى وجهها، والنَّاس أيضًا يختلفون فِي هَذَا؛ فمنهم من يَكُون من ضرورَّيات الحياة له أن يَتَنزَّه أحيانًا، ومنهم من لا يَهتمُّ بذلك، ومنهم من يجعل دَيْدَنَهُ دائمًا هُوَ التنزُّه واللَّهو واللَّعِب ويُعْرِض عمَّا خُلِقَ له بما خُلِقَ له.\nفالحاصل أن نَقُول: إن قوله تَعَالَى: ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ فِي سياق الامتنانِ، يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لا مانعَ أن الْإِنْسَان يرتاد هَذِهِ الحدائقَ لأجل أن يَبْتَهِجَ بها، لكِن بشرطِ ألا تشغلَه عن ذكر الله وطاعتِه وعمَّا هُوَ أهمُّ من ذلك.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إذا كَانَ إِنْسَان لَيْسَ ممَّن يَهْوَى النظرَ إِلَى هَذِهِ النعمِ فهل يُعتبَر منَ الفضولِ اشتغاله بها؟\nنعم، منَ الفضول، لكِن لا بأس أن يَشتغل بها، ولو ضيَّع الوقت فِي غير هَذَا قُلْنَا له: لا يَنبغي، لكِن لو أنني أُحبُّ هَذَا الشَّيْء وأبتهِجُ به وأُسَرّ وأُسَلِّي نفسي به؛ لا نَقُول: هَذَا من إضاعة الوقت ما لم يَشْغَلْ عن ذِكْرِ الله، وإذا أراد التفكُّر فِي آيَاتِ الله -﷿- صار عبادةً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>الْفَائِدَة التَّاسِعَةُ:</span> أن الخلق لا يمكنهم أن يَخْلُقُوا ولا شجرة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ لِأَنَّ (ما كان) بمعنى لا يمكن ولا يَصِحّ، فَهُوَ منَ المستحيل، ونظيرُهُ قوله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، فتجد الخلق مَعَ قُدْرَتِهم الصناعيَّة لا يمكن أن يَخْلُقُوا شجرةً، ولا شجرة صغيرة، وإلى الْآنَ وإلى","vol":"1","page":349},{"text":"ما بَعْد الْآنَ لا يُمْكِنُهم ذلك، كما أَنَّهُم لا يمكنهم أنْ يُحْيُوا إِنْسَانًا ولا يمكنهم أن يمنعوا خروجَ نفسِهِ عندَ خُرُوجِها.\nفَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: نجدهم الْآنَ يُعالجِون المرضى المُزمِنِينَ ثُمَّ يَشْفُونَ، فما الجواب؟\nالجواب: نَقُولُ: مثل هَذَا لا يَعْدُو أن يَكُون سببًا، قد يَنْفَع وقد لا ينفع، قد يعارضه مانع حضور الأَجَل، وإذا حضرَ الأجلُ بَطَلَ مَفْعُوله فلا ينفع، نحن لا نُنْكر الأَسْبَاب ولَكِنَّنَا نُنْكِر أن تكون هَذِهِ الأَسْبَاب موجِبَةً لِمُسَبَّباتها، فلا تُوجِبها؛ لِأَنَّهَا قد تُفيدُ وقد يوجد مانعٌ، وَلَيْسَ هَذَا خاصًّا بهَذِهِ المسألةِ، فكُلّ الأَسْبَاب قد يوجدُ فيها مانعٌ أَقوى مِنْهَا فيمنع من نُفُوذِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>الْفَائِدَة الْعَاشِرَةُ:</span> تحدِّي هَؤُلَاءِ المتَّخِذِين آلهةً مَعَ اللهِ أن يَكُون لآلهتهم شيءٌ من هَذَا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ فإن هَذَا تحدٍّ عظيمٌ ولا يستطيعون أن يُثْبِتُوا ذلك.\nالفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إقامة الحُجَّة عَلَى سَفَهِ هَؤُلَاءِ المشركينَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أي: يَعْدِلُون باللهِ غيرَه، وَلَيْسَ المُراد العَدْل الَّذِي هُوَ ضدُّ الظُّلم، إذا كَانَ هَذَا هُوَ المُراد لكان هَؤُلَاءِ مَمْدُوحِينَ بما هم عليه، ولكِن المُراد يَعْدِلون بالله غيرَه، ويجعلونه عديلًا للهِ ﷾ ومُساويًا له.\n&lt;مز&gt;الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: ما أشرنا إليه كثيرًا من أنَّ الكلِمات لَيْسَ لها معنًى داخليٌّ، بل معناها يحدِّده السياق؛ لِأَنَّ كلمة ﴿يَعْدِلُونَ﴾ لو كَانَ لها معنى ذاتيّ لكانت هنا بمعنى: لا يَجُورُونَ؛ لِأَنَّ المفهوم من هَذَا الفِعْل أَنَّهُ العدلَ بمعنى إعطاءِ كُلّ ذي حقٍّ حقَّه، والأَمْر هنا لَيْسَ كذلكَ، بل هَذَا ظُلم أن يعدِلوا باللهِ غيرَه، وبهَذَا التقرير الَّذِي حَرَّرْنَاهُ يَتبَيَّن رُجحانُ كلامِ شيخِ الإِسْلامِ ابنِ تَيْمِيَّة حَيْثُ قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ فِي اللُّغَةِ","vol":"1","page":350},{"text":"مَجَاز (^١)، وهَذا من المعلومِ.\nومن المعلوم أيضًا أن فِي المسألة ثلاثة أقوال: إثبات المجاز فِي اللُّغة والْقُرْآن، ونفيه فيهما، وإثباته فِي اللُّغة دون الْقُرْآن، والصَّواب: أَنَّهُ لا مجاز لا فِي اللُّغة ولا فِي الْقُرْآن، وأن كُلّ ما ادُّعِيَ أَنَّهُ مجاز فَإِنَّهُ حقيقة فِي موضعِهِ.\n_________\n(^١) سبق ذكر المصدر.","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>الآية (٦١)</span>\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١].\n* * *\n\nعلى تقدير المُفَسِّر ﵀ نَقُول: (آلآلهة خيرٌ أمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قرارًا).\n﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾: ﴿جَعَلَ﴾ فعلٌ ماضٍ يَنْصِب مَفْعُولينِ: الأول:\nالْأَرْض، والثاني: قرارًا، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَرَارًا﴾ لا تمَيِدُ بأهلها]، لا أحدَ يستطيع أن يجعلَ الْأَرْضَ قرارًا، لا سِيَّما وأنها مُرَكَّبَةٌ عَلَى الماءِ، فالماء محيطٌ بها من كُلّ جانبٍ، ولو أنك وضعتَ كُرَةً فِي ماء فإنها لا تَسْتَقِرّ، بل تَتَقَلَّب وتَتَمَوَّج.\nولكِن الله تَعَالَى جعلَ هَذِهِ الْأَرْض كرةً فِي وسط ماء؛ لِأَنَّ البحار تمثِّل تقريبًا ثلاثة أرباع اليابسةِ، ومع هَذَا فإنها مُنْضَبِطَةٌ تمامًا لا تمَيد ولا تَتَقَدَّم إِلَى ناحيةٍ ولا تتأخّر عنها ولا تَتَدَحْرَج فِي هَذَا الماء، فجعلها الله تَعَالَى قرارًا، والقرارُ مَوْضِع الاستقرارِ.\nفقوله ﵀: [لا تميد بأهلها]، والمَيَدَان معناه الاضطرابُ، ما أحد جعلَ الْأَرْضَ قرارًا إِلَّا اللهُ ﷾، ولا يستطيعُ أحدٌ أنْ يقومَ بذلكَ، ولهَذَا إذا جاءتِ الزلازلُ لا يستطيع هَؤُلَاءِ بجميعِ قواهم أنْ يَمْنَعُوا رَجَّة الْأَرْض، بل ولا يَعْلَمُون متى تكون هَذِهِ إِلَّا إذا ظهرتْ بَوَادِرها ولو خَفِيَّة وتُعْلَم حينئذٍ بالآلاتِ الدقيقةِ.","vol":"1","page":352},{"text":"فإِذَنْ: لا أحدَ يستطيع أن يجعلَ الْأَرْض قرارًا بأهلها إِلَّا خالق الْأَرْض، وَهُوَ الله ﷾.\nوقوله: ﴿قَرَارًا﴾ استدلّ به مَن يَقُول: إن الْأَرْض تدور ومن يَقُول: إن الْأَرْض لا تدور؛ الَّذِي يَقُول: إن الْأَرْض لا تدورُ يَقُول: لِأَنَّهَا مَعَ الدَّوَرَان ليست بِقَرَارٍ، لو كانت تدورُ لاستدارتْ رُؤُوسُنا. وَالَّذِي يَقُول: إنَّهَا تدور يَقُول: لولا أن هناك حركة ما نُفِيَ الميَدَان، فنفيُ الأخصُّ يَقتضي وجودَ الأعمّ، مثلما أنكم استدللتم بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، استدللتم بها عَلَى أنَّ الله يُرى؛ لِأَنَّهُ لو كَانَ لا يُرى ما صحَّ أن يقولَ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ لقالَ: لا تراه. قال تَعَالَى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان: ١٠]، فلولا وجود حركة ما صحَّ نفي المَيَدَان؛ لِأَنَّ ما لا يَتَحَرَّك لا يُتَوَقَّع منه المَيَدَان، وإنما توقّع الميدان لما يَتحرَّك، وَعَلَى هَذَا فنَقُول: إن فِي الآيَاتِ دليلًا عَلَى أن الْأَرْض تدور.\nوالَّذِينَ يَقُولُونَ: لا تدور، يَقُولُونَ: إن نفيَ المَيَدَان صحيحٌ يَدُلّ عَلَى حركةٍ، لكِن هل هُوَ يَدُلّ عَلَى حركةٍ موجودةٍ بالفِعْل أو يدلّ على حركةٍ متوقَّعة، بمعنى أَنَّهُ لولا هَذِهِ الجبالِ لكانتْ تَضْطَرب؛ حَيْثُ إِنَّهَا فِي الماء، ولكِن لمّا وُجِدَتْ هَذِهِ الجبالُ أَمْسَكَتْها وكانت لها رواسيَ بمنزلةِ أطنابِ الخيمةِ.\nوفي الحقيقةِ أن هَذَا الأخيرَ ردٌّ واضحٌ عَلَى الأوَّل، وَأَنَّهُ لا يلزم من مجرَّد الحركةِ الدَّورانُ، فنحن نَقُول: نعم الْأَرْض يمكن أن تتحرَّك، ولولا هَذِهِ الجبال لمادَتْ؛ لِأَنَّهَا فِي ماءٍ، فَكُرةٌ فِي ماءٍ لَا بُدَّ أنْ تَتَحَرَّك، والماء كما ترونَ تَضْرِبه الرِّيَاح فلَا بُدَّ أن يَكُون فِيهِ أمواجٌ عظيمةٌ مثل الجبالِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ [النور: ٤٠]، هَذِهِ الأمواج العظيمة إذا ضَرَبَتِ الْأَرْضَ لولا وجود الجبالِ المُرْسِيَة لمادتْ","vol":"1","page":353},{"text":"عَلَى كُلّ حالٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الأمواج ليستْ هيِّنة.\nفالحاصل: أن الآيَة لَيْسَ فيها ما يُقَرِّرُ أن الْأَرْض تدورُ، وفيها ما يقرِّر أن الْأَرْض لَا شَكَّ أَنَّهَا تَضْطَرِب لولا وجود هَذِهِ الجبال.\nثم تبقى مسألة الدَّوران، ولا دليل عليها من الْقُرْآن، يَعْنِي: لا دليل يُثْبِتها ولا دليل يَنفيها، فإذا ثبتَ ذلك بالأدلَّة البيِّنة فإنَّنا نُؤْمِن به؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان المؤمن لا ينكر المحسوسَ أبدًا، بل إذا أنكرَ المحسوسَ كَانَ ذلكَ طعنًا فِي فَهْمِه وَفي تصوُّره، وما دام أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآن ما يَنفي ذلك ولا ما يُثْبِتُه فموقفنا نحنُ الوقوفُ حَتَّى يَتبَيَّنَ لنا الأَمْرُ، فمَن زعمَ أن الأَمْرَ قد تَبَيَّن له وَهُوَ منَ المُسلِمينَ وقال: أنا أعتقد ذلك لا ننكر عليه؛ لأنَّنا لَيْسَ عندنا دليل حَتَّى ننكر عليه، وكذلك مَن قَالَ: أنا لا يَتَبَيَّن لي.\nوالحمدُ للهِ حَسْبُنا أن نَقُولَ: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]، وكونها تدور أو لا تدور هَذَا أمرٌ ما يعنينا، فما يعنينا أنَّ المصالحَ الْآنَ - وللهِ الحمدِ - مُرَتَّبَة عَلَى تعاقُبِ الليلِ والنَّهارِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣].\nقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾، ومعنى ﴿خِلَالَهَا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [فيما بَيْنَها ﴿أَنْهَارًا﴾]، أنهارًا ظاهرةً عَلَى ظهرِ الْأَرْضِ وأنهارًا داكنة فِي جوفِ الْأَرْض؛ فإن الله تَعَالَى أخبر بأن هَذَا المطرَ يَسْلُكُه الله تَعَالَى ينابيعَ فِي الْأَرْض، وهَذَا شَيْء مشاهَد، فالَّذِينَ يَحْفِرون الْأَرْض يجدون أن فيها أنهارًا تجري، وَيرَوْنَهَا عيونًا تجري فِي باطنِ الْأَرْضِ وتَصُبّ حَيْثُ أراد الله ﷾ أنْ تَصُبَّ.\nفالله ﷾ هو الَّذِي جَعَلَ خِلالَ الْأَرْضِ هَذِهِ الأنهارَ، ولوِ اجتمعتِ الأمَّة كلها بجميع قواها وقُدَرِها عَلَى أن تُجريَ نهرًا واحدًا من هَذِهِ الأنهار ما استطاعوا","vol":"1","page":354},{"text":"إِلَى ذلك سبيلًا، فالذي جعلَ هَذِهِ الأنهارَ رحمةً بالعبادِ هُوَ اللهُ ﷾.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ جبالًا أثبتَ بها الْأَرْض]، ﴿وَجَعَلَ لَهَا﴾ أي: صَيَّر لها رواسيَ، يَقُول المُفَسِّر: [جبالًا أثبت بها الْأَرْض] فواعل جمع فاعل، أي: راسٍ، وَكَأن المُفَسِّر هنا يشير إِلَى أن راسيًا بمعنى مُرْسِي، وفرقٌ بين الراسي والمُرْسِي، الراسي يعني بنفسِه والمُرْسِي لِغَيْرِهِ، هَذِهِ الجبالُ يعبِّر الله عنها في آيَاتٍ عديدة بأَنَّهَا رواسٍ، وقال فِي سورة النازعات: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٣٢].\nوهل المُراد أرسى الْأَرْضَ بها أو أَرْسَى الجبالَ أي أثبَتَهَا؟\nكِلا المعنيينِ، فإذن هِيَ رواسٍ بِنَفْسِها، وهي أيضًا مُرْسِيَة، ولهَذَا سمّاها الله أوتادًا: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: ٧]، بمنزلة أوتاد الخيمة تُمْسِكها وتَضْبِطها، وهَذِهِ الجبال راسية بنفسها، ولذلك عَلَى كثرة العواصفِ والقواصِفِ تجدها ثابتةً لا تتغيّر، فهي راسيةٌ وكذلك أيضًا مُرْسِية لِلْأَرْض، كما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]، فهي راسية مُرْسِيَة.\nوالَّذِي جعل هَذِهِ الرواسيَ هو الله ﷾، فلوِ اجتمعتِ الخلائقُ كلها عَلَى أن تُثْبِت جبلًا من مثل هَذِهِ الجبالِ الكبيرةِ ما استطاعوا إِلَى ذلك سبيلًا، فدلَّ هَذَا عَلَى أنَهُ لا إلهَ مَعَ اللهِ؛ كما يأتي تقريره فِي آخر الآيَةِ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ بينَ العَذْبِ والمِلْحِ، لا يَخْتَلِط أحدهما بالآخَرِ]، ﴿حَاجِزًا﴾ أي: مانعًا، والمُراد بالبحرينِ العذبُ والمِلح.\nثُمَّ كيف يَكُون هَذَا الحاجز؟\nبعضهم قَالَ: إنَّ الحاجزَ هُوَ اليابسُ مِنَ الْأَرْضِ الَّذِي يَحُولُ بينَ البحرِ وبين","vol":"1","page":355},{"text":"النهرِ؛ لِأَنَّ النهر له مَجْرى خَاصّ والبحر له مجرى خاصّ، ولو شاءَ الله تَعَالَى لَمَزَجَهُمَا، ولكِن جعل لهَذَا مجاريَهُ وجعل لهَذَا مجارَيهُ.\nوبعضهم يَقُول: إنَّهُ حاجزٌ غير مرئيٍّ، وَلَيْسَ هُوَ اليابسَ، وَإنَّهُ يوجد فِي نفس البحارِ أنهارٌ عَذْبَةٌ حُلْوَةٌ، ومع ذلك لا تَخْتَلِط فتفسد بالمِلح ويفسد المِلح بها؛ لِأَنَّهُ لوِ اختلطَ الحلوُ بالمالحِ لفسدَ الهواء وأنتنَ وأوجد احمِرارًا كما نشاهِد الْآنَ فِي المستنقَعَات الَّتِي تأتي من السيولِ إذا مرَّ عليها وقتٌ يتغير بها الجو والهواء ويتولد مِنْهَا أَشْيَاء كثيرة مؤذِيَة ضارَّة، بينما البحار العظيمة لا يؤثِّر فيها هَذَا، بما أودعَ الله تَعَالَى من هَذَا المِلح الَّذِي يقتُل الجراثيمَ ويمنع فسادَ الهواءِ، فلوِ اختلطتْ هَذِهِ بهَذِهِ أفسدَ كُلٌّ منهما الآخَرَ، لَكِنَّهُ جعل بينهما حاجزًا.\nفالمهمّ هل هَذَا الحاجزُ أمرٌ محسوسٌ وَهُوَ اليابسُ منَ الْأَرْض الَّذِي يَكُون بين هَذَا وهَذَا، أو هُوَ حاجزٌ غيرُ محسوسٍ، كما يشاهَد فِي الأنهارِ الَّتِي فِي وسط البحارِ؟\nلنا أن نَقُولَ بالأَمْرينِ؛ حاجز محسوس وحاجز غير محسوس، وقد أخبرني الشبابُ أَنَّهُم دائمًا إذا جَزَرَ البحر بَعْد امتدادِه يَجِدُون فِي الْأَرْض الَّتِي يدخل مِنْهَا الماء عُيُونًا حُلوة جدًّا، وأخبروني أيضًا أَنَّهُم يَسْتَسْقُون من هَذِهِ العيونِ فِي وسطِ البحرِ، فيُنْزِلون أفواهَ القِرَب ويجعلونها عَلَى العينِ حَتَّى تَمْلَأَهَا، وهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ من تمامِ قدرةِ اللهِ ﷾، حَيْثُ جعل بين هذينِ البحرينِ - وكلٌّ منهما ماء - حاجزًا ومنعَ اختلاطَ أحدهما بالآخَر.\nوبعض النَّاس يَقُولُونَ: إن الحاجز هُوَ ما يوجد فِي مَصَبِّ النهرِ، وهَذَا عندي فِيهِ نظرٌ؛ لِأَنَّ مَصَبّ النهر إذا اندفعَ يفرِّق الماء المالِحَ فتجده مثلًا قد صَبَّه إِلَى مسافةٍ حَسَب اندفاع النهرِ، لكِن هَذَا لَيْسَ بصحيحٍ؛ لِأَنَّ هَذَا أمر محسوس، أَمَّا الشَّيْء","vol":"1","page":356},{"text":"الَّذِي من آيَاتِ اللهِ وَهُوَ غير محسوس فَهُوَ هَذِهِ الأنهار الَّتِي توجد فِي البحار.\nقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ الجواب: لا، لا إلهَ مَعَ اللهِ، والاسْتِفْهام هنا للإنكارِ والتوبيخِ.\nقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني الأَمْر واضح وبَيِّن لكِن أكثر هَؤُلَاءِ لا يعلمون، وقول المُفَسِّر رَحَمَهُ أللَّهُ: [توحيده]، هُوَ قصورٌ، والصَّواب أَنَّهُ نقص فِي العلمِ مطلقًا، بما تدلُّ عليه هَذِهِ الآيَات العظيمة من الرَّحْمَة والحِكْمَة والقُدرة والسُّلطان، فتخصيص ذلك بالتَّوحيدِ فِيهِ نظرٌ.\nوقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يُفهَم منه أن بعضهم يَعْلَم ولكِنه معاند وكابر، ومَن عَلِمَ وجَحَدَ فَهُوَ أشدُّ لومًا وتوبيخًا.\nثُمَّ اعلمْ أن نفيَ العلمِ قد يُراد به نفيُ حقيقةِ العلمِ، بحيث لا يَكُون الْإِنْسَان عالمًا، وقد يُرادُ به نفيُ الانتفاعِ به؛ فإن مَن لا يَنْتَفِع بعِلْمِهِ فَهُوَ كالجاهِلِ، بل هُوَ شرٌّ منه، وِفي الْقُرْآن أمثلة كثيرة حيثُ يُراد بنفيِ الشَّيْء نفيُ فائدته، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١]، وقال تَعَالَى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]، مَعَ أنَّ نُورَهم قويّ وآذانهم قويَّة السمع، ولكِنهم من أجلِ عدمِ الانتفاعِ بهَذِهِ الأَشْيَاءِ صاروا كالفاقدينَ لها، فهنا نفيُ العلمِ إنْ كَانَ المُرادُ به نفيَ وجودِ العلمِ فالأَمْرُ ظاهرٌ؛ لِأَنَّ بعض النَّاس جاهلٌ لا يفكِّر بهَذِهِ الآيَات ولا يَستدِلّ بها عَلَى حالته أو عَلَى مَن هُوَ آيَة له، وإن كَانَ المُراد بذلك نفي فائدة العلمِ فَهُوَ أيضًا واقع، ودائمًا يُنفَى الشَّيْء بانتفاء فائدته وثمراته.","vol":"1","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> بَيَان نعمة الله تَعَالَى بجعل الْأَرْض قَرارًا لأهلها، واستدلَّ بها بعضهم عَلَى أن الْأَرْض تدورُ؛ لِأَنَّ كونها قرارًا مَعَ عدمِ الدَّورانِ لا يَتَبَيَّنُ فِيهِ تمامُ القُدرةِ والنعمةِ، وإنما يَتَبَيَّن ذلك فيما إذا كانت دائرةً، وهَذهِ الفائدةُ يُناقَش فيها وغيرُ مُسَلَّمَة؛ لأنَّنا نَقُول: لا يَلْزَم من المَيَدَان الدَّوران، وحقيقة أَنَّهَا لولا أن الله جعلها قرارًا لكانت تَمِيد بأهلها، وَأَمَّا أَنَّهُ يَلْزَم أن تكون تدور فهَذَا لَيْسَ بلازم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> ما أنعمَ الله به عَلَى العبادِ مِن هَذِهِ الأنهارِ المُتَخَلِّلة للأرض ظاهرًا وباطنًا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> ما أنعمَ الله به فِي هَذِهِ الرواسي الَّتِي هِيَ الجبالُ الَّتِي هِيَ راسيةٌ بنفسها مُرْسِيَة للأرضِ أيضًا ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا﴾ [الرعد: ٣]، وَفِي سورة فُصِّلَتْ قَالَ: ﴿رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾ [فصلت: ١٠].\nقَالَ أهل العلم البَيولوجِيُّون: إن كون هَذِهِ الرواسي - أي كون الجبال المُرْسِيَة للأرضِ - من فوقها دون أن تكونَ من أسفل - أي: فِي باطن الْأَرْض - فِيهِ فوائدُ كثيرةٌ وعظيمة؛ فوائد للطقسِ وفوائد للنباتِ وفوائد للمعادِنِ، إِلَى غيرِ ذلكَ ممَّا هُوَ معلومٌ عند أهلِ العلمِ بذلك، يَقُولُونَ: وأنت إذا نظرتَ إِلَى سلاسلِ الجبالِ الَّتِي عَلَى البحارِ عَرَفْتَ بها قَدْرَ هَذِهِ النعمةِ العظيمةِ، لا سيما ما يأتي من الجهاتِ الباردةِ، حَيْثُ هَذِهِ الرواسي تَصُدُّ تلك الرياحَ الباردةَ الَّتِي تضرُّ.\nفالمهمُّ أن فيها فوائدَ عظيمةً؛ لِكونها من فوق الْأَرْض، ولكِن هَذَا لم يُذْكَرْ هنا وإنما ذُكِرَ فِي سورة فُصِّلَتْ.","vol":"1","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-386>الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ:</span> بَيَان قُدرة الله ﵎، حيث جعل بين البحرينِ حاجزًا، والبحرانِ هما العذبُ والمالِحُ. وهَذَا الحاجزُ هل هُوَ مشهود أو مذكور؟\nفِيهِ احتمال، بل إننا نَقُول: عامٌّ، يشمل المشهودَ والمذكورَ، وإن لم يُشهدْ، فإنَّ الأنهارَ هَذِهِ جعل الله بينها وبين البحار حواجزَ طبيعيةً؛ كالْأَرْض، وحواجز غير معلومة لَكِنَّها مذكورة، فإن فِي جوف البحارِ المالحة أنهارًا عذبة وعيونًا عذبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>الْفَائِدَة الخَامِسَةُ:</span> بَيَان قُدرة الله ومِنَّتِه أيضًا بجعلِ الحاجزِ بين هذين البحرينِ؛ لِأَنَّهُ لوِ اختلطَ ماء بعضهما ببعض لأفسدَ أحدُهما الآخرَ وضاعتْ منافعهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>الْفَائِدَة السَّادِسَةُ:</span> أن أكثر الخلقِ لا يعلمون ما فِي هَذِهِ الآيَاتِ مِنَ العِبَر، ثُمَّ إنَّ نفيَ العلمِ كما تقدَّم قد يَكُون نفيًا لأصلِهِ وقد يَكُونُ نفيًا لثمرتِهِ وفائدتِهِ، والأَمْرُ كلُّه واقعٌ، فمِنَ النَّاس مَن لَيْسَ عنده علمٌ أصلًا ولا يفكر فِي هَذِهِ الآيَاتِ، ويرى أَنَّهَا ظواهرُ طبيعيةٌ، وَلَيْسَ للهِ تَعَالَى فيها أيّ شأنٍ، ومنهم مَن يعلم ولكِن لا يَنتفِع.\n* * *","vol":"1","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-389>الآية (٦٢)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾ المَكْرُوب الَّذِي مَسَّهُ الضُّرُّ ﴿إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾]، عندنا ﴿أَمَّنْ﴾: (أم) متصلة بـ (من)، وهَذَا عَلَى خلافِ القَاعِدةِ المعروفةِ، فالقاعدة المعروفة: أنَّك تَفصِل (أم) وحدَها و(مَنْ) وحدها، لكِن كما هُوَ معروف أن الرسمَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الرسم العُثمانيّ، اصطلاح قديم، وفيه فائدة: عَلَى قراءة (أَمَنْ خلقَ السَّماوَات)، لو كانت (أمْ مَن) عَلَى الرسم المعهودِ لم تتناسب القراءتانِ:\nفَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ... وَكَانَ لِلرَّسْمِ احْتِمَالًا يَحْوِي\nوَصَحَّ إِسْنَادًا هُوَ الْقُرْآنُ ... فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْأَرْكَان (^١)\nفالقراءاتُ السبعُ كلُّها مُتَّفِقَة بما دلَّ عليه هَذَا البيتُ، فلو كانت (أمْ مَنْ) فلا تتناسب فِي الرسم مَعَ (أَمَنْ)، ولذلك صارت (أَمَّنْ).\nقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾: (مُضْطَر) هل هِيَ اسْم فاعلٍ أو اسْم مَفْعُول؟\n_________\n(^١) طيبة النشر، البيتان (١٤، ١٥).","vol":"1","page":360},{"text":"اسم مَفْعُول بلَا شَكّ؛ لِأَنَّ معنى مضطر أي ألجأتْه الضَّرورَةُ، وَلَيْسَ المَعْنى أَنَّهُ اضطرَّ غيرَه، فإذا جعلنا (مضطر) اسْم فاعل صارَ بمعنى مضطرّ لغيرِه، والأَمْرُ ليس كذلك، بل المُراد مَن أصابته الضَّرورَةُ، ولهَذَا تجد فِي الْقُرْآن: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، اضْطُرِرْت مبنيّ للمَفْعُول، ما قَالَ: إِلَّا ما اضْطَرَرتم.\nوعلى هَذَا يُقَال أيضًا: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، يَعْنِي: ألجأتْه الضَّرورَةُ، وهنا ﴿الْمُضْطَرَّ﴾ اسْم مَفْعُول، ولا تصحُّ أن تكون اسْم فاعلٍ؛ لِأَنَّ المُراد به من ألجأته الضَّرورَة إِلَى دعاءِ اللهِ ﷾.\nوهناك أمثلة كثيرة مِنْهَا (مختار) هل معناه اختارَه غيرُه أو اختار غيرَه؟ من حَيْثُ الوضعِ البنائيّ يَصِحّ ويمكن، لكِن السياق يعيِّن، وذلك أن أصل مختار اسْم الفاعلِ منه مُخْتَيِرٌ، واسم المَفْعُول مُخْتَيِرٌ وكلاهما لَا بُدَّ أن نقلبَ الياء ألفًا؛ لِأَنَّهَا متحرِّكة مفتوحٌ ما قبلها، والياء المتحركة المفتوح ما قبلها يَجِب قلبها ألفًا، وأيضًا (محتاج) لا ندري هل هُوَ محتيج أو النَّاس يَحتاجون إليه، وأيضًا مضطرّ لا ندري هل هُوَ نفسه ألجأته الضَّرورَة أو أَنَّهُ هُوَ يضطرُّ النَّاس.\nعَلَى كُلّ حالٍ: الَّذِي يعيِّن هَذِهِ المعانيَ هُوَ السياق.\nوقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾ ما قيَّد بالمُسْلِم، والله ﵎ يجيب دعوةَ المضطرّ ولو كَانَ كافرًا؛ لِأَنَّ رحمتَه سبقتْ غَضَبَهُ (^١)، وهاهنا داعيان لَا بُدَّ أن يُحَابا: المضطر والمظلومُ؛ لقولِ النَّبِيِّ - ﷺ -: \"وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾، حديث رقم (٧٠١٥)؛ ومسلم، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه، حديث رقم (٢٧٥١)، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":361},{"text":"حِجَابٌ\" (^١) لِأَنَّ هَذَا هُوَ مقتضى عدل الله؛ إجابة المظلومِ فِي دعائِه عَلَى الظالمِ، لَيْسَ من أجل محبَّة المظلوم، ولكِن من أجلِ إقامةِ العدلِ.\nفاللهُ ﷾ حَكَمٌ عَدْلٌ، ولهَذَا المظلومُ والمضطرُّ تُجابُ دعوتهما، والله تَعَالَى يَقُول: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، فيجيب دعوتهم، مَعَ أَنَّه يعلم أَنَّهُم سيكفرون إذا نزلوا، لكِن الضَّرورَة يجيب الله تَعَالَى بها الدَّعْوَة.\nوقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ الجواب: اللهُ، وهَذِهِ الأصنام لا تجيب دعوة المضطرّ، ولكِن قد يجعل الله ﵎ سببًا مقارِنًا فيَفْتِن بها العابدَ، ربما يدعو الْإِنْسَان رسول الله - ﷺ - أن يكشفَ ضُرَّه، ويقدِّر الله تَعَالَى سببًا مقارنًا لهَذَا فيشفى المريضُ فيُفْتَتَن الداعي بأن الَّذِي أجابَ دعوتَه وشفَى مريضَه هُوَ الرَّسُول - ﷺ -، وهَذَا شَيْء مشاهَدٌ، فمِن المشاهَد أن الله تَعَالَى قد يَفتِن العبدَ، وإلا فنحن نعلمُ أن دعاء الرَّسُول لَيْسَ بنافعٍ، ونعلم عِلْم الْيَقينِ ويجب علينا أن نؤمِنَ بذلك؛ أن دعاء الرَّسُول لَيْسَ بنافعٍ، يَعْنِي: كونك تدعو الرَّسُول لِيَكْشِفَ عنك الضرَّ لا ينفع قطعًا، فإن قُدِّرَ أن أحدًا ابتُلِيَ بمثل هَذَا فنعلم أَنَّهُ بسببٍ آخرَ مقارِنٍ.\nوالَّذِينَ يُحَدِّثوننا أصحاب الخُرافات بمثل هَذَا، يَقُول القائل: ونحن متجهون إِلَى المَدينَة فِي السنة الماضية أقبلنا عَلَى الرَّسُولِ الحبيب - ﷺ - ... نوافق عَلَى هَذَا، قَالَ: كاشف الغَمّ ومُبْرئ المرضى، قُلْنَا: لا نُوافِقُك عَلَى هَذَا، قَالَ: لماذا؟\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب المظالم، باب الاتقاء والحذر من دعوة المظلوم، حديث رقم (٢٣١٦)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، حديث رقم (١٩)، عن ابن عباس - ﵄ -","vol":"1","page":362},{"text":"قُلْنَا: هَذَا لا يفعله إِلَّا الله، قَالَ: لا، يوجد واحد أُصيب بِبَطْنِه مَرَضَ بطنٍ -مُبْطُون- وَإنَّهُ ذهب إِلَى جميعِ الأطبّاء فلم يُفَدْ، فقال: ما لي إِلَّا أن أتوجَّه إِلَى الحبيب، فتوجه إِلَى الحبيب، فلما بلغَ مشارفَ المَدينَة دعا: يا رسولَ اللهِ أنقِذني. يَقُول: فما دخلَ المَدينَةَ إِلَّا وقدْ بَرِئَ بطنه تمامًا.\nهَذِهِ القصة أنا ما أقول: إنَّهَا كذِب، قد تكون صِدقًا، وقد تكون مما تناقله النَّاس وهي لا أصلَ لها، لكِن أقول: إن هَذَا منَ الفِتَنِ العظيمةِ الَّتِي قد يُبْتَلَى بها المَرْءُ، وقد تَقَدَّمَ الَّذِينَ اطَّيَّروا بصالحٍ، وقُلْنَا: إن اللهَ قد يُقَدِّر أَشْيَاءَ بأَسْبابٍ مقارنةٍ لشيءٍ فتُنْسَب إِلَى هَذَا الشَّيْءِ ظاهرًا وليستْ منه لَكِنَّها ابتلاءٌ، فهَذه منْ الِابتلاء الَّذِي يَبتلي اللهُ به مَن يشاء من عِبادِهِ.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: الَّذِينَ يدعون الرَّسُولَ قد يَستدِلّون بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النِّسَاء: ٦٤]، كيف الجواب عن هَذِهِ الآيَة؟\nالجواب: الله تَعَالَى يَقُول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ ولم يقلْ: (إذا) ظَلَمُوا، فـ (إذ) هَذِهِ لما مَضَى، وهي تشير إِلَى قضيَّة معيَّنة، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾، ولهَذَا قَالَ: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾.\nوالنَّبِيّ ﵊ بَعْد مَوْتِهِ لا يُمْكِن أنْ يَستغفرَ لأحدٍ، والحمد لله الآيَةُ لَيْسَ فيها دليلٌ، وهَذه القصَّة لو فُرِضَ أن السند صحيح إِلَى هَذَا الرجلِ؛ فمَنْ هَذَا الرجلُ وما مدى أمانته وعدالته، فكلها كذِب موضوع، المهمّ أَنَّهُ لا أحدَ يجيب المضطرَّ إذا دعاه إِلَّا الله ﷾.","vol":"1","page":363},{"text":"وفي قوله تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ هل نَقُول: هَذَا مقيَّد بما إذا دعاه، يَعْنِي: أنَّ الله جَلَّ وَعَلَا لا يزيل الضَّرورَةَ إِلَّا عند الدعاءِ؟\nالجواب: لا، لكِن لِأَنَّ الكَلامَ فِي الإجابةِ، ولا إجابة إِلَّا بعدَ دعاءٍ، ولهَذَا إزالةً للتوهُّم قَالَ: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ وهَذَا عامٌّ، أي: كشف السوء عامٌّ فيمَن دعا الله أنْ يكشِفَه ومَن لم يَدْعُهْ، فالله تَعَالَى يجيبُ المضطرَّ إذا دعاه، وَهُوَ ﷾ يَكشِف السوءَ، ولهَذَا قَالَ المُفَسِّر ﵀: [عنه وعن غيرِهِ]، عنه: أي عنِ المضطرّ الَّذِي دعا، وعن غيرِه. ومعنى يَكشِف السُّوءَ: يُزِيله، مِن كَشَفَ الغطاءَ إذا أزال الحاجبَ.\nوقوله: ﴿السُّوءَ﴾ يَشمل السوءَ الحِسِّيَّ والمعنويَّ، السوء الحسي ظاهر كالمرض والفقرِ وما أشبههما، والسوء المعنويّ كالجهلِ والخبثِ ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وهَذَا السوءُ أعظمُ منَ النوعِ الأوَّلِ أيضًا، وَهُوَ شاملٌ للأمرِ، والدَّلِيل عَلَى أن السوء المعنوي داخل فِيهِ قولُ الله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، فالتكذيبُ مِن السوءِ، بل هُوَ أسوأُ السوءِ والعياذُ بالله، وكشفُ السوءِ شاملٌ لهَذَا وهَذَا، وإن كَانَ بعضُ النَّاس قد يتبادرُ إِلَى ذِهنه أن المُرادَ به السوء الحسيّ، ولكِن الأَمْر أعمّ من ذلك.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ الإضافة بمعنى (فِي)، أي يَخْلُفُ كُلّ قرنٍ القرنَ الَّذِي قَبْلَه]، أي: خلفاء فِي الْأَرْض. وتقدير المُفَسِّر ﵀ الإضافةَ بمعنى (في) صحيحٌ، يَدُلّ عليه قولُه تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، فقوله: ﴿خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ يَعْنِي: يخلف بعضكم بعضًا، أو أن المَعْنى: ميراث الْأَرْض بفتحها بالإِسْلام؛ لِأَنَّهُ لا أحدَ يفعلُ ذلك إِلَّا الله، لكِن لمّا كَانَ هَذَا الخطاب عامًّا لجميعِ النَّاسِ لا يَستقيم","vol":"1","page":364},{"text":"الوجهُ الثاني، أي: الَّذِينَ يَخْلُفُونها من بَعْد أهلها بفتحها بالإِسْلامِ، وهَذَا وإنْ كَانَ يدخل فِي ذلك كما قَالَ موسى لقومِه، ولكِن فِي هَذَا المقام لا يستقيمُ؛ لِأَنَّ الخطاب لعمومِ النَّاسِ، فخلفاء الْأَرْض يعني يخلُف بعضهم بعضًا، وهَذَا يتضمَّن أمرينِ؛ إحياء وإماتة، إحياء الخالقينَ وإماتة المخلوقينَ، والَّذِي يجعل هَذَا هو الله ﷾، وهَذِهِ الأفعال لا نستطيع أن نفعلها لا بالإحياءِ ولا بالإماتةِ.\nوهنا تنبيهٌ؛ وَهُوَ أنَّنا إذا قُلْنَا للحاكمِ: إنَّهُ خليفةُ اللهِ فغير هَذِهِ الآيَة وغير هَذِهِ المسألةِ، فالخليفةُ هنا يعني يَخْلُفُ بعضُهم بعضًا، لكِنْ إذا قُلْنَا: الإمام خَلِيفة الله فِي الْأَرْضِ فمعناه أَنَّهُ يُنَفِّذ أمرَ اللهِ تَعَالَى فِي أرضِهِ، فلكلِّ مَقامٍ مقالٌ، فيَصِحُّ أنْ نَقُولَ للإمامِ: خليفةُ اللهِ فِي الْأَرْضِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦]، يعني: عَنَّا.\nوقوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ الإضافة بمعنى (في). والإضافة تأتي بمعنى (في) وتأتي بمعنى (اللام) وبمعنى (مِن) وأكثر ما تكون الإضافة بمعنى اللامِ، وتأتي الإضافةُ بمعنى (مِن) إذا كَانَ الأوَّل نوعًا منَ الثاني، مثل: (خاتَمُ حَديدٍ)، الحديدُ جِنسٌ وخاتَم نَوْعٌ، (ثوبُ خَزٍّ) يعني ثوبًا مِن خَزٍّ، وتأتي بمعنى (في) إذا كَانَ الثاني طرفًا للأوَّل؛ كما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]، بل مكرٌ في الليلِ ومكرٌ فِي النَّهارِ، وهنا ﴿خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ فالْأَرْض ظرف مكان أي: خلفاء فِي الْأَرْض، ومكر الليل ظرف زمان، وكل التَّقْديرات الَّتِي لا يَصِحُّ فيها تقدير (من) ولا (في) فهي بمعنى اللامِ، مثل: ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧].\nقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾؟ الجواب: لا.\nقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾: ﴿قَلِيلًا﴾ مَفْعُول مُطْلَق لـ (تَذَكَّرون)","vol":"1","page":365},{"text":"المحذوفة، أي: تذكرون تذكرًا قليلًا. و(ما) مصدريّة، وإذا كانت مصدريَّة فما بعدها يُؤَوَّل بمصدرٍ، وَيكُون التَّقْدير: قليلًا تَذَكُّرُكُم، ولا يَصِحُّ أن تكونَ (ما) نافيةً؛ لِأَنَّهُ من المعروفِ أنَّ (ما) النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وربما يفسد المَعْنى؛ لِأَنَّهُ لو كَانَ المَعْنى: ما تذكرون قليلًا يَكُون تذكرهم كثيرًا، فلا يَصْلُحُ، وإن كَانَ قد يقال: إذا نُفِيَ تَذَكُّرُهُمُ القليلُ فالكثيرُ من باب أَولى، لكِن الأَصْل فِي الإعرابِ أن نجعلَ (تذكرون) فاعلًا لـ (قليلًا).\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿تَذَكَّرُونَ﴾ تَتَّعِظون، بالفوقانية والتحتانية]، الفوقانية: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾، والتحتانية: \"يَذَّكَّرُونَ\" [وفيه إدغام التاء فِي الذال]، فيَكُون فِي الآيَةِ ثلاث قِراءاتٍ: \"تَذَكَّرُونَ * تَذَّكَّرُونَ * يَذَّكَّرُونَ\" (^١)، والمُفَسِّر ما ذكر (تَذَكَّرُونَ) بالتخفيف.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [و(ما) زائدة لتقليل القليل]، يعني كأن المُفَسِّر يَقُول: (ما) زائدة، وَيكُون التَّقْدير: وقليلًا تذكرون، وهَذَا وجهٌ أيضًا فِي الإعرابِ، فالْوُجُوهُ ثلاثةٌ: الأَصْل أن تجعل (ما) نافيةً، وما ذكره المُفَسِّر وما ذكرناه متقاربانِ، أنْ تجعلَ: قليلًا تَذَكُّرُكُمْ أو قليلًا تذكرونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> أن الله ﵎ يجيبُ دَعْوَةَ المضطرّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾، وهَذَا دليلٌ عَلَى أن رحمة اللهِ سبقتْ غَضَبَهُ، وَأَنَّهُ من كمالِ رحمتِهِ إذا عَلِمَ بهَذَا المضطرّ أزالَ ضَرُورَتَهُ عَلَى أيِّ حالٍ.\n_________\n(^١) الحجة في القراءات السبع (ص: ٢٧٣).","vol":"1","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-392>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> أَنَّهُ لا فرقَ بين أن يَكُون المضطرُّ مؤمنًا أو كافرًا، يُؤْخَذ من العمومِ وعدمِ التقييدِ؛ لِأَنَّهُ ما قُيِّدَ بأنه مسلم، بل أُطْلِقَ وعُمِّمَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> أَنَّهُ ينبغي إقامة الحُجَّة عَلَى الخَصْمِ بما يَعْتَرِف به؛ لِأَنَّ إجابةَ المضطرّ يُقِرّ بها هَؤُلَاءِ المكذِّبون؛ هم إذا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ وأصابتهم الضرَّاءُ والأمواجُ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ له الدينَ، فأجاب دعاءَهم، مَعَ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُم سَيُشْرِكُون إذا خَرَجُوا، وأنَّ إيمانهم هَذَا إيمانُ ضرورةٍ فقطْ، فهم عندَ الضَّرورَةِ ما يَدْعُونَ إِلَّا الله، فإذا كنتم تَعرِفون أنكم لا تدعون إِلَّا اللهَ عند الضَّرورَةِ فكيف تعبدون غيرَه عند السَّعَة.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إجابة الله دعاءهم فِي هَذِهِ الضَّرورَةِ قد تجعل بعض النَّاس يُسْلِمون؟\nفالجواب: قد يُسْلِمون وقد يكْفُرون، فالنعمة فِي الحقيقةِ امتحان، إمَّا بالخير أو بالشرّ، ولهَذَا بعض النَّاس إذا مَسَّهُمُ الضرُّ دَعَوُا الله، فإذا أُجيبوا بالرَّحْمَةِ إذا فريقٌ منهم بربهم يشركون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ:</span> شمول رحمة اللهِ ﷾ بكشفِ السوءِ، سواء دعا لذلك أمْ لم يَدْعُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ وكم من سوءٍ كَشَفَهُ الله ﵎ عن خلقِه بدعاءٍ وبغيرِ دعاءٍ، وبضرورةٍ وبغيرِ ضرورةٍ، ولا يكشفه إِلَّا الله.\nوقد أوردنا فيما سبق أَنَّهُ قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: هَذَا الطبيبُ يعالِجُ المريضَ فَيَبْرَأ فيَكُون كاشفًا للسوءِ؟\nوأجبنا عن هَذَا: بأن هَذَا فعلٌ للسببِ، وَلَيْسَ كشفًا للسوءِ، بدليل أَنَّهُ قد","vol":"1","page":367},{"text":"يُعالِجُه بما بَرَأ به غيرُه فِي نفسِ المرضِ ولا يَبْرَأ، فالكاشفُ للسُّوء هُوَ الله، وما للعبادِ إِلَّا فِعْل الأَسْبَاب فقطْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>الْفَائِدَة الخَامِسَةُ:</span> بَيَان قُدْرَةِ الله ونعمته أيضًا بجعلِ هَذِهِ الخَليقةِ خَليفة يَخْلُفُ بعضها بعضًا، وإلا لانقطعتِ الخليقةُ وانقطعَ النسلُ، أو بَقِيَتِ الخليقةُ أزمنةً متطاوِلَةً وتعاقبتْ عليها الأحداثُ وتوالتْ عليها الأُمُور، وحينئذٍ يَكُون فيها سَأَمٌ ومَلَل، فلولا هَذِهِ الخلافةُ وأن بعضهم يَخْلُف بعضًا لَلَزِمَ أحدُ أمرينِ: إمَّا انقطاع الخليقة؛ لِأَنَّهَا لا تَسْتَمِرّ بدون أن يَخْلُفَ بعضُها بعضًا، وَإمَّا أن تبقى الخليقة دائمًا وحينئذٍ يَكُونُ التعَبُ والسَّأَمُ والمَلَل، وقد جاء فِي ذلك قول الشاعر (^١):\nسَئِمْتُ تَكَالِيفَ الحَيَاةِ وَمَنْ يَعِشْ ... ثَمَانِينَ حَوْلًا لَا أَبَا لَكَ يَسْأَمِ\nوقال الشاعر الآخر (^٢):\nإِنَّ الثَّمَانِينَ وَبُلِّغْتُهَا ... قَدْ أَحْوَجَتْ سَمْعِي إِلَى تَرْجُمَانِ\nففي الحقيقةِ أن أطولَ الزمنِ فِي الْإِنْسَان يُضْعِفُه ويُلْحِقه السَّأَم والمَلَل، ثُمَّ هُوَ لا يزال يتذكر الأحداث الَّتِي تَتَعَاقَبُ وحينئذٍ يَضْجَر ولا يَكُون عنده قرارٌ نفسيّ ولا فكريّ، لذلك كَانَ من قدرة الله ﷾ ومن رحمته أيضًا أن جَعَلَنا خلفاءَ يَخْلُف بعضنا بعضًا، والجنُّ أيضًا يَخْلُفُ بعضُهم بعضًا؛ لِأَنَّ الجنَّ والإنسَ يموتون، فالآيَة عامَّة فِي هَؤُلَاءِ وهَؤُلَاءِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>الْفَائِدَة السَّادِسَةُ:</span> أنَّ كثيرًا منَ النَّاسِ لا يتذكَّر مَعَ وجود ما به التذكُّر؛ لِقَوْلِهِ:\n_________\n(^١) معلقة زهير بن أبي سلمى.\n(^٢) البيت لعوف بن محلم السعدي، الحماسة البصرية (١/ ١٨٨).","vol":"1","page":368},{"text":"﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ والتذكر بمعنى الاتِّعاظ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان يَذْكُر فينتفع بِذِكرِه فيقال: اذْكُر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>الْفَائِدَة السَّابِعَةُ:</span> أن الدعاء من أَسْبابِ رفعِ البلاءِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِذَا دَعَاهُ﴾، وهَذَا أمرٌ مجرَّب ومشاهَد، ولا سيما الأدعية الَّتِي جاءتْ بها السنَّة؛ فإنها خيرٌ وبركة ولها ثَمَرَةٌ ظاهرةٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> قُدْرَةُ الله ﷾؛ لِأَنَّ قوله: ﴿يُجِيبُ﴾ يَشْمَل كُلَّ ما تَتَطَلَّبَهُ الضَّرورَةُ مِن قليلٍ أو كثيرٍ، فيَكُون فِي ذلك دليلٌ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ ﷾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> بَيَان أنَّ رَحْمَةَ اللهِ تَعَالَى سَبَقَتْ غَضَبَهُ؛ لِأَنَّ قولَه: ﴿الْمُضْطَرَّ﴾ يشمل الكافرَ والمؤمنَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> أن المضطرَّ مجُابُ الدَّعْوَةِ مُطلَقًا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾ ولم يقيِّده بالمؤمنِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ:</span> أن إجابة المضطرّ المتحتِّمة مشروطة بما إذا دعاه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾، وَأَمَّا إذا لم يَدْعُهُ فقد يزيلُ ضَرورته وقد لا يُزيلها؛ لِأَنَّ المضطرَّ قد لا يَدْعُو الله تَعَالَى استغناءً بما عندَه من الأُمُور المادِّيَّة عن دعاءِ اللهِ تَعَالَى، فيَسْتَنْكف عن دعائه، وحينئذٍ لا تُكْشَف ضَرُورَتُه. فالمهمُّ أنَّ إجابةَ المضطرِّ هنا اشترطَ اللهُ تَعَالَى لها أنْ يَكُونَ المضطرُّ دَاعيًا، فقال: ﴿إِذَا دَعَاهُ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>الْفَائِدَة الخَامِسَةُ:</span> مِنَّةُ الله ﵎ عَلَى عبادِهِ بِكَشْفِ السوءِ، أي: إزالته عن المُضْطَرِّ وغير المضطرِّ عن الجميعِ، ولهَذَا ما قَالَ: عن المضطرِّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ فحذف المتعلّق، والقاعدةُ عند أهل العلمِ: أنّ حذفَ المتعلّق يفيد العمومَ،","vol":"1","page":369},{"text":"فمعنى ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ عن كُلّ أحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>الْفَائِدَة السَّادِسَةُ:</span> أَنَّهُ يَجِب عَلَى المرءِ أنْ لا يلتفتَ فِي كَشْفِ السوءِ إِلَّا إِلَى اللهِ؛ لِأَنَّهُ لا يَكْشِفُ السوءَ إِلَّا اللهُ ﷾، فعلى هَذَا يَجِبُ عليكَ أنْ لا تُعَلِّقَ هَذَا الأَمْرَ إِلَّا بربِّك الَّذِي هُوَ قادرٌ عَلَى كشفِه، وتعلُّقُك بغيره خِذلانٌ لك، فـ \"مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ\" (^١).\nولكِن هَذَا الكَلام لا ينافي فعلَ الأَسْبَابِ؛ لِأَنَّ فاعلَ الأَسْبَاب إن كَانَ يَعتقد أنَّ السَّبَب وحدَهُ هُوَ الفاعل بذاتِه فَإِنَّهُ ينافي ما ذَكَرْنَا، وإن كَانَ يعتقد أن السَّبَب هُوَ الفاعل ولكِن بتقديرِ اللهِ فهَذَا من التعلُّقِ باللهِ ﷾؛ لِأَنَّهُ لا ينافي إذا توكَّلتَ عليه واعتمدتَ عليه أن تفعلَ منَ الأَسْبَاب ما جعله الله سببًا، فالْإِنْسَان يرجو منَ الله تَعَالَى دخولَ الجَنَّة والنجاةَ منَ النَّار، ومع هَذَا يفعلُ أَسْبابَه؛ يرجو من الله تَعَالَى الأولادَ ومع ذلك يَسعى بالأَسْبَاب.\nفالمهمّ أنّ فعل السَّبَب إذا لم يَعْتَقِدِ الفاعلُ - فاعل السَّبَب - أن السَّبَب فاعلٌ بذاتِه فَإِنَّهُ لا ينافي التوكُّلَ ولا التعلُّقَ باللهِ ﷾، ولا ينافي كمال التوكُّل أيضًا، ولهَذَا كَانَ الرَّسُول ﵊ - وهُوَ سيِّد المتوكِّلين - يَفْعَلُ من الأَسْبَاب ما يُدْفَع به السُّوءُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>الْفَائِدَة السَّابِعَةُ:</span> بَيَان مِنَّة الله تَعَالَى بجعلِ النَّاسِ عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ خلفاءَ، يَخْلُفُ بعضُهم بعضًا. وقد ذكرنا فيما سبقَ الحِكْمَةَ من ذلك؛ وهي: أَنَّهُ إن لم يَخْلُفْ\n_________\n(^١) رواه النسائي، كتاب تحريم الدم، باب الحكم في السحرة، حديث رقم (٤٠٧٩)، عن أبي هريرة - ﵁ -؛ والترمذي، كتاب الطب، باب ما جاء في كراهية التعليق، حديث رقم (٢٠٧٢)؛ وأحمد (٤/ ٣١٠) (١٨٨٠٣)، عن عبد الله بن عكيم - ﵁ -.","vol":"1","page":370},{"text":"بعضهم بعضًا لَزِمَ أحدُ أمرينِ: إمَّا استمرار الخَلِيقة الأُولى، وحينئذٍ يَلْحَقُها المللُ والسآمةُ وعدم التجديد، وَإمَّا انقطاع الخَلِيقَة؛ لِأَنَّهُ لا يوجد أحدٌ يَخْلُفُها، فاللهُ تَعَالَى مِن مِنَّتِه أنْ جعلَ النَّاسَ خُلَفَاء.\nالآن تجدون الرجلَ إذا طالتْ به الحياةُ لا يُمِلُّه أهلُ سُوقِهِ فقطْ، بل يُمِلُّه أقربُ النَّاسِ إليه، تجدهم يَقُولُونَ: الله يُريحنا بالعافيةِ، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، يدعون الله تَعَالَى بالراحةِ؛ لِأَنَّهُ يُقْلِقُهُمْ ويُؤْذِيهم. فهَذِهِ من نعمةِ اللهِ ﷾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>الْفَائِدَة الثَّامِنَةُ:</span> كمال قدرة الله بجعلِ الخلفاءِ، فَهُوَ من رحمةِ اللهِ، وَهُوَ أيضًا من قُدرته؛ لِأَنَّ فِيهِ إحياء وإماتة، إماتة للأوَّلين وإحياء للآخِرين، وهَذَا من آيَات الله وقدرته. ولهَذَا احتجَّ إبراهيم عَلَى النمرود بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فدلَّ هَذَا عَلَى أن الإحياءَ والإماتةَ من آيَاتِ اللهِ ﷾ الدالَّة عَلَى قُدْرَتِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>الْفَائِدَة التَّاسِعَةُ:</span> أَنَّهُ مَهْمَا كَثُرَتِ القرائنُ والبراهينُ فإنَّ مِنَ النَّاسِ مَن لا يَتَّعِظ بها؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾، وإنَّ منَ المتَّعِظِين أيضًا مَن قد يَكُون اتِّعاظه قليلًا؛ لِأَنَّ قوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ يَتَضَمَّن التذكُّر من واحد والتذكُّر من جماعة، فـ ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ يعني أن الواحدَ مِنَّا قد يتذكَّر لكِن قليلا إِلَّا مَن عَصَمَ اللهُ ﷾، وكذلك أيضًا الفئاتُ منَ النَّاسِ لا يتذكَّر منهم إِلَّا القليل.","vol":"1","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-407>الآية (٦٣)</span>\n* * *\n\nقَالَ اللهُ ﷿: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣].\n* * *\n\nيَقُول المُفَسِّر ﵀: [﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ﴾ يُرْشِدُكُم إِلَى مَقَاصِدِكُم]، فالهداية هنا هداية دلالةٍ وتوفيقٍ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان قد يَكُون عارفًا وفاهمًا ولا يَهتدِي ولا يُوَفَّق، وَهُوَ كما يقولُ العوامُّ: (جِنّيّ)، وإذا كَانَ جِنِّيًّا صار لا يهتدي أبدًا، وَفِي الأسفارِ القديمةِ قبل أن تظهرَ الخطوطُ السودُ كَانَ النَّاس يَتِيهون، فإذا ساروا دارتْ رؤوسهم ولا يَستطيعون الوصولَ إِلَى مَقْصِدِهِمْ.\nفبنو إسرائيل تاهوا فِي أَرْضِهِم أربعينَ سنةً، مَعَ أنَّ المسافةَ نِصف شهرٍ فأقلّ، وهم بَقُوا أربعينَ سنةً تائهينَ ما اهتدوا إِلَى السبيل.\nفإِذَنْ: قَوْلُه: ﴿يَهْدِيكُمْ﴾ أي: يُرْشِدكم هدايةَ دلالةٍ وتوفيقٍ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ بالنُّجُوم ليلًا وبعلاماتِ الْأَرْض نهارًا]، ولو قَالَ المُفَسِّر: وبالشَّمْسِ نهارًا لكانَ أيضًا أَولى؛ لِأَنَّ علامات الْأَرْض إذا كَانَ البحرُ واسعًا وطويلًا تختفي ولا تظهر ولا تُرى إِلَّا ماء.\nفإِذَنْ: أستدِلُّ فِي النَّهار بالشَّمْس، وبعضهم أيضًا يَستدِلّ بالرياحِ، حَتَّى الفقهاء ذكروا أَنَّهُم استدلوا للقبلةِ بالرياحِ؛ لِأَنَّهُم قَالُوا: إن كُلّ ريح بإذن اللهِ لها خاصِّيَّة","vol":"1","page":372},{"text":"معيَّنة، لكِن لا نعرفها نحن، يَعرفها الخُبَرَاءُ.\nثم نحن نعرفها بالبرودة والحرارة، فالشمال باردة، والجنوب حارّة، هَذِهِ مَعْرِفة لَكِنَّها معرفة سطحيَّة، إِنَّمَا هم يَعْرِفونها بدِقَّة؛ بحَيْثُ إِنَّهُ إذا هَبَّتِ الريحُ قَالُوا: هَذِهِ شماليَّة أو جنوبيَّة أو شرقيَّة أو دَبُور، لكِن نَقُول: العلامات الظَّاهرة هِيَ الشَّمْسُ بكلِّ حالٍ، والقمرُ والنجومُ فِي الليلِ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ قُدَّام المَطَر]، هَذَا تفسير لِقَوْلِهِ: ﴿بَيْنَ يَدَيْ﴾ والمطرُ تفسيرٌ للرحمةِ؛ لِأَنَّهُ من آثارِ رحمةِ اللهِ، فسُمِّيَ رَحمةً؛ لِأَنَّهُ من آثارها، وبه تَحْصُلُ الرَّحْمَةُ، فلا أحدَ يستطيعُ أن يرسلَ الرياحَ -سواء كانت رِيحًا عقيمةً أم رِيحَ بُشْرَى بين يدي رحمتِه- إِلَّا اللهُ ﷾.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ بالجمعِ، والأكثرُ أنَّ الجمعَ يَكُون فِي رياحِ الرَّحْمَةِ، والإفرادَ فِي ريحِ العذابِ، إِلَّا إذا وُصِفَت الريحُ المُفْرَدَةُ بما يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا ريحُ خَيرٍ؛ كما فِي قوله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢].\nثم إن الرياحَ بالنِّسْبَة للفُلْك ليست من مصلحةِ أهله؛ لِأَنَّ الرياح إذا اختلفتْ عَلَى الفُلْك لا يمشي، لا سيما الفلك الأوّل؛ فإن الفُلك الأول يَمْشِي بالهواءِ؛ السُّفُن الشراعيَّة، فإذا اختلفتْ عليه الأهويةُ تَعَوَّق، ولكِن إذا كانت رِيحًا واحدةً صار ذلك أحسنَ، ولهَذَا قَالَ: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [يونس: ٢٢].\nالمهمُّ أن الرياحَ إِنَّمَا تقالُ فِي الغالبِ فِي رِياحِ الرَّحْمَةِ، وَفِي الإفراد فِي ريحِ العذابِ، فهَذَا الغالِبُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]، وقال تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، وأمثال ذلك.","vol":"1","page":373},{"text":"وقال العُلَماءُ: ومِنَ الحِكمة فِي هَذَا أنَّ الريحَ إذا كَانَ مَهَبُّها واحدًا صارتْ أصلبَ؛ إذ لا شَيْء يُقابِلُها منَ الرياح حَتَّى يَكْسِرَ حِدَّتَها، فلهَذَا كانتْ تأتي دائمًا فِي مَقامِ العذابِ.\nقال تَعَالَى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ما الجوابُ؟ لا إلهَ معَه. وكلُّ هَذَا تقرير لأُلوهيَّة الله ﷾ الَّتِي يُنْكِرُها هَؤُلَاءِ المشرِكون.\nقوله: ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: ﴿تَعَالَى﴾ بمعنى: عَلَا بِتَنَزُّهٍ؛ لِأَنَّ ﴿تَعَالَى﴾ مُشَرَّبَةٌ معنى: تَرَفَّعَ عن هَذَا الشَّيْءِ مَعَ عُلُوِّهِ، فَهُوَ عالٍ بِتَنَزُّهٍ عمَّا يشركون مِن هَذِهِ الأصنامِ الَّتِي يجعلونها مَع اللهِ شَريكًا فِي العِبادَةِ، أَمَّا فِي الرُّبُوبِيَّة فإنهم يُقِرُّون بأنَّ هَذِهِ الأصنامَ لَيْسَ لها أبدًا شأنٌ فِي الرُّبُوبِيَّة، ولكِنهم - والعياذ بالله - يعبدونها مَعَ اللهِ، ومنهم مَن يصرِّح بأنه يعبدها لِتُقَرِّبَهُ إِلَى اللهِ؛ كما قَالَ الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فهم مُعْتَرِفون بأنَّ عبادتها ليستْ عبادة مقصودةً لذاتِها؛ بل هِيَ مقصودةٌ لغيرِها لِتُوصِلَهُمْ إِلَى اللهِ ﷿.\nقَالَ المُفَسِّر: [﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ به غيرَه]، عامٌّ فِي كُلّ شِرك، وعامٌّ فِي كُلّ مُشْرَكٍ به، فالله تَعَالَى متعالٍ عن كُلّ شركٍ وعن كُلّ مشرِك به مهما عَظُم قَدْرُه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> بَيَان نِعمة اللهِ ﷾ عَلَى الخَلْقِ بالهدايةِ فِي ظُلُماتِ البَرِّ والبحرِ والجوِّ؛ لِأَنَّهُ عَلَى قاعدة الفقهاءِ الهواء تابع لِلقَرارِ، إن كنت عَلَى البحرِ فَهُوَ منَ البحرِ، وإن كنت عَلَى البرّ فَهُوَ من ظُلُمات البرِّ، ففيه منة الله عَلَى عباده بالهداية فِي ظلمات البرّ والبحر، وهَذه الهداية بعلاماتٍ وبإلهام؛ بكلا الأَمْرينِ، فقد تكون بالعلاماتِ وَهُوَ الأكثرُ، وقد تكون بالإلهامِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ","vol":"1","page":374},{"text":"قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢]. وَكَانَ ﵊ لا يَعْرِفُ شيئًا، فهداه اللهُ ﷾، ولهَذَا بعضُ العُلَماء يستعمل هَذِهِ الآيَةَ إذا ضاعَ فِي البرِّ أو فِي البلد إذا كَانَ يبحثُ عن بيتِ شخصٍ ولم يهتدِ إليه، فيتلو هَذِهِ الآيَة: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢]، وَهُوَ دعاءٌ مناسبٌ.\nإِذَنْ: مِنَّة الله عَلَى الهداية فِي ظُلمات البرّ والبحر، سواءً كَانَ ذلك بالأَسْبَاب المشاهَدة، أو كَانَ ذلك بالإلهامِ، فإنَّ الله تَعَالَى يَمُنُّ عَلَى العبادِ بهَذَا وبهَذَا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> أَنَّهُ يَجِب عَلَى الْإِنْسَان أن يَعتمدَ عَلَى اللهِ فِي الهدايةِ إِلَى الطريقِ الحِسِّيِّ، كما يعتمد عليه فِي الهداية إِلَى الطريقِ المعنويِّ، فكما أنك تقول: (ربِّ اغفِرْ لي وارحمني واهدني) تريد الهداية المعنوَّية، كذلك أيضًا اعتمدْ عَلَى ربِّك فِي الهدايةِ الحِسِّيَّة. ولا تعتمد أيضًا عَلَى الأَسْبَابِ؛ لِأَنَّهُ كم من أُناسٍ أهل معرفةٍ وَجُودٍ بالدلائلِ ومع ذلك لا يَهتدونَ.\nوقد حدَّثني رجلٌ أثِق به يَقُول: إنَّهُ ذهب من عنيزة إِلَى بريدة فِي حاجةٍ قبل أن تظهرَ السيَّارات، حَيْثُ إن أحد التجار فِي عنيزة أعطاهُ كتابًا إِلَى أحدِ التجّار فِي بريدة، وقال له: احرِص عَلَى أن توصِلَه سريعًا، يَقُول: فصليتُ المغربَ خارجَ البلدِ بعنيزة، وذهبت من طريقٍ يسمى طريق الخلا مختَصَر، يَقُول: وصلتُ مَعَ أذانِ الأخيرِ، يعني ساعةً ورُبُعًا تقريبًا، وَهُوَ يسيرُ عَلَى رِجليه؛ لِأَنَّ بعض النَّاس جيِّد وَيرْكُض. يَقُول: وصليتُ فِي المَسْجِد؛ مسجد الساقية الَّذِي فِي بريدة، وانتظرتُه حَتَّى خرج وتبِعته، وقلتُ له: هَذَا خطٌّ من فلان. قَالَ: ادخلْ نَشْرَب القهوة، فقلت له: أريد أن أمشيَ. قَالَ: لا. فلزَّم عليَّ فدخلتُ، فجَعَلوا يصنعون القهوة، فقال: متى خرجتَ من عنيزة؟ قلتُ: خرجت مِنْهَا المغربَ. فقال أخوه: واللهِ أخي هَذَا أجودُ","vol":"1","page":375},{"text":"من ناقتنا الفلانيّة. يَقُول الرجل: لم أجعلْ هَذِهِ الكلمة عَلَى بالي إطلاقًا. يَقُول: شرِبتُ القهوةَ وخرجتُ، وبمجرّد أن خرجتُ لم أهتدِ للطريقِ، وبدأت أبحث ولم أدرِ إِلَّا وقد رجعتُ إِلَى الخلا إِلَى آخِرِ الليلِ، ولما تعِبتُ ومَلَلْتُ وجدتُ خِبَاءً وأهله عنده، فقلت لهم: أين الطريق؟ قَالُوا: بجوارِكَ، لَيْسَ بينك وبينه إِلَّا شَيْء يسير. المهم أَنَّهُ بقِيَ إِلَى طلوعِ الشَّمْسِ، ثُمَّ لما كَانَ النَّهارُ عاد بالليلِ، ولما جاء سقط مَريضًا. والكَلام عَلَى أن هَذَا الرجل يهتدي، ومع ذلك ضلَّ الطريق، فلا تقلْ: إني والله عارِفٌ، فهداية اللهِ للطريقِ هَذِهِ من نعمةِ اللهِ ﷾ عَلَى العبادِ، سواء فِي البرّ أو فِي البحر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> بَيَان آيَةِ اللهِ ﷾ فِي هَذِهِ الرياحِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ:</span> أن هَذِهِ الرياح مُسَخَّرةٌ مدبَّرة، وليست هِيَ الَّتِي تَهُبُّ بطبيعتها؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>الْفَائِدَة الخَامِسَةُ:</span> أن الشَّيْء الواحد قد يَكُون خيرًا وقد يَكُون شرًّا، بِحَسَبِ آثارِه ونتائجه، فالرياحُ هنا يَقُول: ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ وَعَلَى عادٍ ونحوِهِم عذابٌ ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]، والكلُّ مِن فِعْلِه ﵎، هنا ﴿يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ [النمل: ٦٣]، وهناك ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ﴾ [الذاريات: ٤١]، فالكلُّ من فِعْلِه.\nوحينئذٍ يَرِدُ علينا إشكالٌ: هل الله تَعَالَى يفعل السُّوءَ؟\nالسوءُ فِي المَفْعُول، وَأَمَّا بالنِّسْبَة لفعلِ اللهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بسوءٍ؛ لِأَنَّهُ صادرٌ عن حكمةٍ، وقد تقدَّم فِي أوَّل الآيَات أن انتقامَ اللهِ تَعَالَى من المجرمينَ هُوَ نعمةٌ وكمالٌ يُحْمَد عليه، لمّا ذكر عقوبةَ قوم لوطٍ، قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ٥٩].","vol":"1","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-414>الْفَائِدَة السَّادِسَةُ:</span> أن المطر من رحمة اللهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>الْفَائِدَة السَّابِعَةُ:</span> إطلاق الصِّفة عَلَى آثارها؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، فالمطر لَيْسَ رحمة الله ولكِنّه آثارٌ من آثارِ الرَّحْمَةِ، والله ﷾ يُطْلِق الرَّحْمَةَ عَلَى ما كَانَ من آثارها، قَالَ الله تَعَالَى للجنة: \"أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>الْفَائِدَة الثَّامِنَةُ:</span> أن الرياحَ سببٌ لنزولِ الأمطارِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، وقال تَعَالَى فِي آيَةٍ أخرى صريحة: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [الروم: ٤٨]، هَذَا دليل واضح عَلَى أن الرياحَ هِيَ الَّتِي تُثير السحابَ بإذنِ اللهِ تَعَالَى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>الْفَائِدَة التَّاسِعَةُ:</span> بَيَان تَنزُّهِ اللهِ تَعَالَى عن كُلّ ما يُشْرَك به، وَأَنَّهُ أعلى وأعظمُ من كُلِّ ما يُشرَك به؛ لِقَوْلِهِ: ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>الْفَائِدَة الْعَاشِرَةُ:</span> أَنَّهُ لا أحدَ يستطيع أن يفعلَ هَذِهِ الأفعالَ، وهي الهدايةُ ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ وإرسال ﴿الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ ولهَذَا قَالَ: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يفعل ذلك؟ الجواب: لا.\nوهل تَشمَل الهداية ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الهدايةَ بالأَسْبَاب الَّتِي تَوَصَّلَ النَّاسُ إليها اليومَ؟\nنعم تشمل؛ لِأَنَّ الله أطلق الهدايةَ، فبأيّ سببٍ كانت فهي من الله.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾، حديث رقم (٤٥٦٩)؛ ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، وأهلها، حديث رقم (٢٨٤٦)، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-419>الآية (٦٤)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾ [النمل: ٦٤].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ فِي الأرحامِ مِن نُطفةٍ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بَعْد الموتِ، وإنْ لم تَعْتَرِفُوا بالإعادة؛ لقيامِ البراهينِ عليها].\nقوله: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ﴾ مثلما قُلْنَا فيما سبق: إن أصلها: (أم من)، لَكِنَّها أُدغمت اتِّباعًا للرسمِ العُثمانيّ، ومن فوائد قَرْنِها ألَّا تتصادمَ مَعَ القراءةِ الأُخْرَى وهي (أَمَنْ يَبْدَؤُا).\nوقوله: ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ المُفَسِّر ﵀ قَصَّرَ فِي التفسيرِ حَيْثُ قَالَ: [في الأرحامِ مِن نُطفة]، والصَّواب أَنَّهُ أعمُّ من ذلك، فيبدأ الخلقَ فِي الأرحامِ مِن نُطفة هَذَا فردٌ من أفرادِه، وإلّا فقد بدأ خلق الْإِنْسَان من طِين، ثُمَّ جعل نسلَه من سُلالة من ماءٍ مَهِين. أيضًا فإن بعض الأَشْيَاء تَتَوَلَّد ولا تَتَوَالَد ولَيْسَ لها أرحامٌ تكون فيها، وإنما تتولد مما تتولد منة بدون أن يوجدَ لها أرحامٌ، فالصَّواب فِي هَذَا أن يُقَال بالعموم: ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ أي: يُوجِده ابتداءً فِي الأرحامِ وغيرِ الأرحامِ، لا أحد يستطيع أن يفعلَ ذلك، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣]، فلو يجتمعون كلهم - الَّذِينَ","vol":"1","page":378},{"text":"يدعون من دونِ اللهِ - لِيَخْلُقُوا ذُبابًا ما استطاعوا. وأبلغُ من هَذَا ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ هذا الذبابُ الضعيف إذا سلبهم شيئًا فلا يستطيعون أنْ يَرُدُّوه ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].\nإِذَنِ: الَّذِي ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ هُوَ الله، وَالَّذِي يعيده هُوَ الله ﷾، وقول المُفَسِّر ﵀: [وإن لم تَعترِفوا بالإعادةِ؛ لقِيام البراهين عليها]، لا حاجة لتقديره؛ لِأَنَّ الله ﷾ لمّا ذكر بدء الخلقِ فإن إعادة الخلق بالفطرة والعقل أهونُ من ابتدائِهِ، فهُوَ إذا تقرَّر أَنَّه يبدأ الخلق فَإِنَّهُ من المعلومِ أنه يُعيده؛ بل إعادته أهون، فعلى هَذَا يَكُون الله تَعَالَى قد قَرَّرَ أُلوهِيَّته بهَذَا الفِعْل العظيمِ؛ وَهُوَ بَدْءُ الخَلْقِ وإعادته.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ - أي من جهةِ السَّمَاءِ - بالمطرِ ﴿وَالْأَرْضِ﴾ بالنباتِ]، فالرزقُ الَّذِي يأتي من السماءِ هو المطرُ، والذي يأتي منَ الْأَرْض هُوَ النبات؛ هَذَا ما قَالَهُ المُفَسِّر.\nويجوز أن نَقُولَ: إنَّ قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي من العُلُوّ، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ أي مِنَ النزولِ، وَيكُون هَذَا كقولِهِ تَعَالَى: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، ويَكُون المُراد بالسَّمَاء ما كَانَ من الأشجارِ الرفيعةِ العاليةِ، وبالْأَرْضِ مثل: الزروع والأشجار الممتدَّة عَلَى الْأَرْض الَّتِي لَيْسَ لها ساقٌ. أو نَقُول: إن الآيَة أعمُّ من هَذَا فتشمل المطر؛ لِأَنَّهُ من السَّمَاء، وتشمل ما أَشَرْنَا إليه مِنَ الثَّمَرات منَ الأشجارِ العاليةِ الَّتِي يَتَوَصَّلُ إليها هَؤُلَاءِ، فتكون فِي السَّمَاء وتكون فِي الْأَرْض.\nقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ الجوابُ: لا يَفعل شيئًا مما ذُكِرَ إِلَّا اللهُ، ولا إله معه.\nوهَذِهِ الآيَة جمعَ اللهُ فيها بين بدء الخلق والرزق؛ لِأَنَّ المخلوقات تَحتاجُ إِلَى","vol":"1","page":379},{"text":"إمدادٍ وتحتاج إِلَى إعدادٍ، فالإعداد بابتداءِ الخلقِ؛ لأن الله إذا ابتدأ الخلقَ أعدَّ الْإِنْسَان بكلِّ ما هُوَ لازِمٌ له، والإمداد بالرزقِ مِنَ السَّمَاء والْأَرْض.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ حُجُّتكُم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾]\n﴿هَاتُوا﴾ هَذِهِ هل هِيَ فعلُ أمرٍ أو اسمُ فِعل أمر؟\nهي فِعْلُ أمرٍ؛ والنَّحْوِيُّون مخُتلِفون، لكِن الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهَا فِعلُ أمرٍ؛ لِأَنَّ الَّذِي تَلْحَقُه العلامةُ يَكُون فعلَ أمرٍ، وَالَّذِي يبقى عَلَى حالٍ واحدةٍ يَكُون اسمَ فعلِ أمرٍ. فأنت تخاطب واحدا فتقول: صَهْ، وتخاطب اثنينِ فتقول: صَهْ، وتخاطب جماعة فتقول: صَهْ.\nإِذَنْ: هِيَ اسمُ فعلِ أمرٍ، لكِن (هات) تُخاطِب واحدًا فتقول: هاتِ، وتخاطب أُنثى فتقول: هاتي، وتخاطب جماعةً فتقول: هاتوا، وتخاطب نساءً فتقول: هاتِينَ. إذن فهي فِعْلُ أمرٍ.\nومعنى ﴿هَاتُوا﴾ يعني أَحْضِروا، و(البُرهانُ) هُوَ الدَّلِيلُ، وخَصَّه بعضهم بالدَّلِيل القاطعِ، وقَالُوا: إن الدَّلِيل إن كَانَ قطعيًّا فِي دلالته فَهُوَ برهانٌ، وإن كَانَ ظَنِّيًّا فَهُوَ دليل وَلَيْسَ ببرهانٍ، ولكِن الظَّاهر من الآيَاتِ الكَريمَةِ أن البرهانَ فِي الْقُرْآنِ دليلٌ؛ سواء كَانَ قطعيًّا كما قَالَ أهل المنطِق أم غيرَ قطعيٍّ، فعلى هَذَا يَكُون قوله ﷾: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ شاملًا للقطعيّ والظّنِّيِّ؛ لِأَنَّهُم لَيْسَ عندهم لا دليل قطعيّ ولا ظنّيّ.\nقوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ الأَمْر فِي قوله: ﴿هَاتُوا﴾ المُراد به التحدِّي.","vol":"1","page":380},{"text":"قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ حُجَّتَكُم ﴿نْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنَّ مَعِيَ إلهًا فعلَ شيئًا مِمَّا ذُكِرَ].\nوالجواب: أَنَّهُ لا يمكِن أنْ يأتوا ببرهانٍ، وجواب (إنِ) الشرطيَّة محذوفٌ، دلَّ عليه ما قبله عَلَى رأيِ كثيرٍ من النحْويين، والصَّحيحُ أَنَّهُ فِي مثلِ هَذَا لا يُحتاج إِلَى جواب.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [وسَأَلُوه عن وقتِ قيامِ الساعةِ فنَزَلَ ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ﴾]، ما ادَّعاه المُفَسِّر من أنَّ الآيَةَ لها سببٌ لا صِحَّة له، ولكِنَّ الله ﷾ انتقلَ من ذِكر الخلق إِلَى ذكر ما يَلْزَمُ للخلقِ وَهُوَ العلمُ، فإن الخلقَ لَا بُدَّ أنْ يَتَقَدَّمَهُ علمٌ؛ إذ لا يتمُّ الخلقُ إِلَّا بعلمٍ وقُدرةٍ، فمَن لا عِلْمَ له لا يَخْلُق، ومن لا قُدْرَة له لا يَخْلُق، فالآيَة فيها انتقال من معنًى إِلَى معنًى، وَلَيْسَ لها سببٌ كما قَالَ المُفَسِّر ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> بَيَان قُدْرَةِ الله ﵎ فِي بَدْءِ الخلقِ وإعادتِهِ، ولا أحدَ يستطيعُ بَدْءَ الخلق وإعادته أبدًا إِلَّا الله، وَالَّذِي قَالَ لإبراهيمَ ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، جوابهُ أنَّ هَذَا يفعلُ السَّبَب، وَأَمَّا أن يُحْيِيَ فيجعل الحياة فِي ميّت فلا يستطيع، أو يميت فيُخرِج النفس من البدنِ فلا يستطيع، ومع ذلك ما اقتنع؛ فعَدَلَ إبراهيمُ إِلَى أمرٍ لا يمكن أن يجادلَ فيه، ومن المعروفِ أن فِي باب المناظراتِ يُلجأ إِلَى الأظهرِ فالأظهر.\nإِذَنْ: قوله تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ واضح أنَّهَا مختصّة باللهِ وَأَنَّهُ لا أحد يستطيعه.","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-422>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> بَيَان أن الرزقَ منَ اللهِ ﷿؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.\nفإن قيل: أليس الله تَعَالَى يَقُول: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النِّسَاء: ٨]، ويقول تَعَالَى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ [النِّسَاء: ٥].\nإِذَنْ نَقُول: كيف أنَّ الرزقَ منَ اللهِ ولا أحد يرزق إِلَّا الله؟ !\nقلنا: ربَّما نَقُول: إنَّ الرزقَ العامّ غير الخاصّ، لكِن حَتَّى الخاص لَيْسَ رزقًا مستقِلًّا، إِنَّمَا هُوَ بالسَّبَب، ولهَذَا الجواب الذي لا يَخْرُجُ عنه شيءٌ أنْ نَقُولَ: إن إضافةَ الرِّزق إلى المخلوقِ من بابِ إضافةِ الشَّيْء إلى سببِهِ، ولهذا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: ٢٠]، فيَكُون هنا إضافة الرزقِ إِلَى العبدِ من بابِ إضافةِ السَّبَب إِلَى مُسَبِّبه.\nفهَذه المخلوقات نحن لا نرزقها، والَّذِي يرزقها الله ﷾، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾ [العنكبوت: ٦٠]، فهل أنتَ الَّذِي يرزقُ الذرَّ والطيرَ والوحوشَ والسِّباع؟ ! أبدًا، ما يَرْزُقُها إِلَّا خالِقُها.\nكذلك أيضا أنتَ لا ترزق نفسَكَ، حَتَّى نفسك لا ترزقها، ولهَذَا تجد أَشطرَ النَّاس وأجودهم فِي البيعِ والشراءِ وأذكاهم وأشدَّهم مكرًا وحيلةً تجده أحيانًا من أفقرِ النَّاسِ، وتجد الْإِنْسَان الأبلَهَ الَّذِي لا يُحْسِن أيَّ شيءٍ يَكُون عنده أموالٌ عظيمةٌ، والله ﵎ يُعطِي فضلَه مَن يشاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> أن الرزق منَ السَّمَاء بالمطرِ ومنَ الْأَرْضِ بالنباتِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، أو السَّمَاء ما عَلَا من الأشجار، والْأَرْض ما نزل","vol":"1","page":382},{"text":"من الزروعِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ:</span> أَنَّهُ لا يقدِر عَلَى ذلك إِلَّا اللهُ ﷾؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>الْفَائِدَة الخَامِسَةُ:</span> تحدِّي المُناظِرِ؛ لِقَوْلِهِ ﷾: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-426>الْفَائِدَة السَّادِسَةُ:</span> أَنَّهُ لا بأسَ للإِنْسَانِ أنْ يَتَدَرَّجَ مَعَ خَصْمِهِ، وأنْ يَتَحَدَّاهُ بما يُقِرّ به، وهَذَا غاية الإنصافِ أن تقولَ لِخَصْمِك: هاتِ الدَّليلَ؛ لِأَنَّ هناك حالًا أُخرى ليست إنصافًا؛ وهي أن تقولَ لخصمك: لا أقبلُ منك أبدًا، فأنت إذا قلتَ للخصمِ: هاتِ الدَّلِيلَ إن كنت صادقًا فقد أنصفتَه وتحدَّيْتَه أيضًا، وحينئذٍ يَظهَر عَجْزُه، لكِن لو قلتَ: لو أتيتَ بأيِّ دليلٍ ما قَبِلْتُ؛ فمعناه أنك جعلتَ العلوَّ له، والْآنَ هُوَ ينتصر عليك وأنت تَنْخَذِل أمامَه، مَعَ أنك الْآنَ فِي هَذَا الوصفِ تكون مستكبِرًا.\nلكِن لو فُرض أَنَّهُ ظهر عنادُ هَذَا الرجلِ وَأَنَّهُ إِنْسَانٌ يماري ولا يقصد الحقَّ، هل لك أن تقولَ: أنا لا أقبلُ منك، يعني مثلًا افرِض أنك استدللتَ عليه بآيَةٍ من الْقُرْآنِ أو بنصٍّ صريحٍ من السنَّة وصحيح، ثُمَّ جعل يُجادِلُك فِي هَذَا الأَمْرِ، لو قَالَ مثلًا: الربا حلال ومصلحة عظيمة يَنتعِش به الاقتصاد والنَّاس يتحرَّكون، فما الَّذِي يُحَرِّمه؟ تقول له: حَرَّمَهُ قوله تَعَالَى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].\nقال: هَذَا الربا الَّذِي فِي الجاهليَّة؛ إذا حلَّ الأجلُ عَلَى الدَّين عَلَى الفقير وَهُوَ فقير قَالَ: نَزيد فِي الأَجَل ونزيد فِي الرِّبا، وَأَمَّا ربا البنوك ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فهَذَا برضا من الطرفينِ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلمٌ، وَهُوَ انتعاش للاقتصادِ ومصلحةٌ للبلادِ وتنميةٌ للمال، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.","vol":"1","page":383},{"text":"فهَذَا يَصْلُحُ أن أقول له: لا أقبلُ منك مهما جئتَ به؛ لِأَنَّهُ مجادِلٌ لا يريد الحقَّ، فالشَّيْء الذي فِيهِ نصٌّ صريح واضح المجادلةُ فِيهِ غيرُ مقبولةٍ.\nولهَذَا لما قَالَ أبو سفيان فِي أُحُد: هل فيكم مُحَمَّدٌ، وفيكم ابنُ أبي قُحَافَة، هل فيكم ابنُ الخَطَّاب؟ قَالَ الرَّسُول - ﷺ -: \"لَا تُجِيبُوهُ\"؛ إهانةَّ لَه، لكِن لمَّا قَالَ: اعْلُ هُبَل، وصار يُجادِل بالباطلِ لِيُعْلِيَه عَلَى الحَقّ وصار هَذَا فِيهِ تشبيهٌ - لِأَنَّ الشُّبْهَة قائمة فِي هَذَا المكان، فوجه قيام الشبهة أن الانتصارَ كَانَ لهم، فمَن سمِع هَذَا الكَلام قَالَ: صحيح هُبَل الْآنَ اعتلى - فَكَانَ من المناسِبِ هنا أن تُزال هَذِهِ الشبهة فيقال: \"اللهُ أَعْلَى وَأَجَلّ\" (^١).\nأَمَّا قوله الأوّل فرأى النَّبِيّ - ﷺ - أن مِنَ المصلحةِ أنْ يُهْجَرَ وأن لا يجابَ، وأيضًا أجابه عمر لما قَالَ: \"أمَّا هَؤُلَاءِ فقد كُفِيتُمُوهُمْ\" (^٢)؛ لِأَنَّهُ الْآنَ صارتِ الشُّبهة لِأَنَّهُم إذا لم يتكلموا وقد قَالَ: \"أما هَؤُلَاءِ فقد كُفيتموهم\"، فتقوم الشبهة أمامَ النَّاسِ وَيقُولُونَ: صحيحٌ، لو هم أحياء لأجابوا، فحينئذٍ صار الجوابُ له مَحَلّ، وَفِي الحقيقة ليست هَذِهِ المسألة شَبيهةَّ بَمسألتنا، وكنتُ أظنُّ أَنَّهَا شَبيهة بها.\nإِذَنْ: في الآيَة دليلٌ عَلَى أَنَّهُ فِي مقامِ المناظرةِ يَنبغي للإِنْسَانِ أنْ يُطالِبَ الخَصْمَ بالدَّلِيل؛ لِأَنَّ فِي ذلك فائدتينِ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> إظهار العدلِ والإنصافِ: هاتِ دليلًا نَتَّبِعك، فهَذَا عدلٌ وإنصاف.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب وعقوبة من عصى إمامه، حديث رقم (٢٨٧٤)، عن البراء بن عازب - ﵁ -.\n(^٢) رواه النسائي في السنن الكبرى، كتاب السير، باب التعبئة، حديث رقم (٨٦٣٥)؛ وأحمد (٤/ ٢٩٣) (١٨٦١٦)، عن البراء بن عازب - ﵁ -.","vol":"1","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-428>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> مَنعْ استنصار الخصمِ؛ لِأَنَّ الخصمَ إذا ما طُلب منه الدَّلِيل وقلتَ: أبدًا لا نَقْبَل منك سواءً أتيتَ بدليلٍ أو لا لم تأتِ بدليلٍ، فحينئذٍ يَستنصِر ويقول: الْآنَ غلبتُه.\nوأما المعانِد ففيه تفصيلٌ؛ فإذا كَانَ ذلك من إهانتِه وعدمِ تأثيرِ شُبهته، فالأَولى تركُ الردّ، وَأَمَّا إذا كَانَ ذلك سببًا لاستنصارِهِ أو سببًا لقوّة تشبيهه فيجب أن يُرَدَّ عليه، فلكلِّ مقام مقالٌ، وإذا عاند فإذا كَانَ لك قوَّة فأَمْسَكْتَه بالحديد والنَّار، وإن لم يكنْ لك قوة فلِلْبَيْتِ رَبٌّ يَحْمِيهِ.\nولْيُعْلَمْ أن المِراءَ الَّذِي هُوَ لمجرَّد المغالبة مَنْهِيٌّ عنه، وَأَمَّا الجدالُ فقد أمر الله به؛ فالجدالُ لإثباتِ الحَقّ وإبطال الباطلِ مأمورٌ به وجوبًا أو استحبابًا حسَب الحالِ، فالمُرادُ المِراء الَّذِي هُوَ لمجرَّد المعاندةِ؛ لِأَنَّ بعض النَّاس الآنَ تجده فِي المجلِسِ يختلف مَعَ آخرَ فِي مسألةٍ من المسائلِ ليست مسألة دينيَّة يَجِب تحقيقها، بل مسألة عامَّة، وتجدهم يتعاندون: أنا أقول كذا وأنت تقول كذا، أنا عليَّ حق وأنت عليك حق، فهَذَا لَيْسَ له داعٍ؛ لِأَنَّ هَذَا لا يزيد الأَمْر إِلَّا شدَّةً، وربما يتحزَّب الحاضرون إِلَى حزبينِ، وربما يحدث فِي قلبِ أحدهما عَلَى الآخرِ حِقد وعداوة، فلهَذَا كَانَ من الأحسنِ تركُه.\nوأما قوله فِي الحديث: \"أَنا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي الجَنَّة لمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا\" (^١)، فليس المُرادُ حقًّا شرعيًّا، مثلًا: أنا أقول لك: فلان وصل إِلَى هَذا البلدِ، وأنت تقول: ما وصل، فالحَقّ مَعَ الصادقِ، هَذَا هُوَ المحِقّ، وَلَيْسَ المَعْنى الحَقّ الَّذِي هُوَ ضدّ الباطلِ الَّذِي هُوَ الشرعُ.\n_________\n(^١) رواه أبو داود، كتاب الأدب، باب حسن الخلق، حديث رقم (٤٨٠٠) عن أبي أمامة - ﵁ -.","vol":"1","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-429>الْفَائِدَة السَّابِعَةُ:</span> أَنَّهُ لَيْسَ عندهم بُرهان؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ لِأَنَّهُ لو كَانَ ثمّة برهان لم يكن للتحدي فائدة إِطلاقًا، وبهَذَا نَنتقِل إِلَى آيَةٍ أخرى؛ وهي قوله تَعَالَى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]، فقد أعلى بعضُ النَّاس صوتَه بهَذهِ الآيَة حينما قَالُوا: إن الْكُفَّار وصلوا إِلَى القمرِ، وقال: هَذِهِ الآيَة دليلٌ صريح صحيحٌ واضحٌ ظاهر عَلَى أَنَّهُ يمكن الوصول إِلَى القمر؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ والسلطانُ: العلمُ، هَكَذَا قال.\nفيقال له: يا غبيُّ، مَن قَالَ لكَ: إن السلطانَ العلمُ، فالسلطان ما به السُّلْطَة، وَهُوَ فِي كُلّ موضعٍ بحِسَبِهِ، فإذا كنتَ تجادل فِي مسألةٍ علميةٍ فالسلطان العلم، وإذا كنت تريد أن تقطع يد لِصٍّ فالسلطان القدرة عَلَى تنفيذِ قطعِ يدِه وَلَيْسَ العلم، وإذا كنتَ تريد أن تصعدَ مكانًا مرتفعًا فالسلطان الْقُوَّة، فالسلطان فِي كُلّ مكان هُوَ عبارة عن السلطة عَلَى الشَّيْءِ. فالآن قوله تَعَالَى: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]، ما معنى السلطان؟ الْقُوَّة والقدرة، ولهَذَا قَالَ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرحمن: ٣٥]، فهل هَؤُلَاءِ أُرسل عليهم شُواظٌ من نار ونُحاس؟ ! والآيَة ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ جميعًا، فهل هَؤُلَاءِ نفذوا من أقطار السَّماوَات والْأَرْض؟ ! هَبْ أَنَّهُم نفذوا من أقطار الْأَرْض لكِن ما نفذوا من أقطار السَّماوَات.\nثُمَّ إنَّ الآيَة لو كانتْ دالَّة عَلَى ذلك لكان هَذَا التحدي لا معنى له إذا كانوا يستطيعون، لماذا يقال: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾، فالشَّيْءُ المستطاعُ ما يُعْرَض بِمَعْرِض التحدِّي.","vol":"1","page":386},{"text":"ثُمَّ إن الآيَةَ مَسُوقةٌ بين ابتداءِ الخلقِ ثُمَّ الموت ثُمَّ المَوْقِف ثُمَّ الجزاء، وهَذَا يقال لهم فِي الموقف، ذَكَرَ الله ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤]، ثُمَّ قَالَ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، ثُمَّ قَالَ: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الرحمن: ٣٣]، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]، إِلَى آخره، فذكر جزاء الظالمين وجزاء المُؤْمِنيِنَ.\nفالحاصل: إنَّ التحديَ فِي مَقام الإمكانِ غير مقبولٍ، ولا يمكن أن يقعَ فِي كلامِ الله ولا فِي كلامِ أيِّ واحدٍ مِنَ البَشَرِ، كيف تتحدى بما يُستطاع؟ !","vol":"1","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-430>الآية (٦٥)</span>\n* * *\n\nقَالَ اللهُ ﷿: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الملائكة]، الَّتِي فِي السَّماوَات [والنَّاسِ]، الَّذِينَ فِي الْأَرْض، وكذلك الجن ﴿الْغَيْبَ﴾ مَفْعُول (يَعْلَم)، و(مَن) فاعل (يَعْلَم)، و(الغيبَ) مَفْعُول، [أي: ما غاب عنهم]، فيَكُون الغيب عَلَى تقدير المُفَسِّر مصدرًا بمعنى اسْم الفاعلِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: [أي ما غاب]، و(غابَ) فِعل ماضٍ له فاعلٌ. والمصدر يأتي بمعنى اسمِ الفاعلِ كما تقول: رجلٌ عَدْلٌ بمعنى عادل، وله أمثلة، كما أن المصدر يأتي بمعنى اسمِ المَفْعُول كثيرًا.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِلَّا﴾ لكِن ﴿اللَّهُ﴾ يَعْلَمُه]، جعل (إلا) بمعنى (لكِن) فيَكُون الاستثناءُ منقطِعًا عَلَى رأيِهِ.\nثُمَّ قدَّر المُفَسِّر (يَعْلَمُه) ليَكُونَ إعرابُ ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأً و(يعلمه) خبره، وهَذِهِ الآيَة تحتاج إِلَى مناقشةٍ:\nأولًا: لماذا عَدَلَ المُفَسِّر ﵀ عن الاستثناءِ المتَّصل إِلَى الاستثناء المنقطِع؟\nلِأَنَّهُ يَرَى أن الله تَعَالَى لا مكانَ له، فقوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ هَذِهِ متعلقة بمحذوف تقديره: (استقرّ)، كما هُوَ معروف أن صلة الموصول تُقَدَّر","vol":"1","page":388},{"text":"بـ (استقرّ) أو (كَانَ) أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فيقول المُفَسِّر: إذا قلتَ: مَنِ استقرَّ فِي السَّماوَات أو مَن كَانَ فِي السَّماوَات والْأَرْض الغيبَ إِلَّا الله؛ لَزِمَ أن يَكُون الله تَعَالَى فِي السَّماوَات، فيَكُون له مكان، وهَذَا عِنْدَهم مُمْتَنِع، أي: عند المُفَسِّر ومن كَانَ عَلَى عَقِيدَتِهِ، هَذِهِ واحدةٌ.\nثانيًا: نَقُول له: إذا كَانَ الاستثناءُ مُنْقَطِعًا، فالمعروف أن الاستثناءَ المنقطِع إذا سُبِقَ بتامٍّ منفيٍّ يَجِب فِيهِ النصبُ، كما قَالَ ابن مالك فِي الألفيَّةِ (^١):\n... وَانْصِبْ مَا انْقَطَعْ ... وَعَنْ تَمِيمٍ فِيهِ إِبْدَالٌ وَقَعْ\nفالمشهورُ عندَ العرب أَنَّهُ إذا كَانَ الاستثناءُ منقطعًا وجبَ فِيهِ النصبُ، وهنا لَيْسَ منصوبًا، فقال: نحن نجعلُ الجملةَ لا دخلَ لها بالاستثناءِ، ونجعل ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ والخبر محذوف؛ لأجل أن لا نخالفَ المشهورَ من كلامِ العربِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآن بلسانِ قريشٍ وَلَيْسَ بلسانِ بني تميمٍ.\nبعض العُلَماء يَقُول: نحن نتخلَّص ممّا فرّ منه المُفَسِّر ﵀ مَعَ عدمِ إثباتنا المكان لله بأن نَقُول: لا يعلم مَن يُذْكَر فِي السَّماوَات والْأَرْض الغيبَ إِلَّا الله، لا نَقُول: ما استقرّ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى مذكور فِي السَّماوَات وَفِي الْأَرْضِ، وحينئذٍ يزول الإشكال الَّذِي من أجلِه قَطَعَ المُفَسِّر الاستثناءَ.\nوالخلاصة: أن الاستثناء هنا متَّصل، وأن الله تَعَالَى له مكان، وأن مكانه فِي السَّمَاء، وقد سأل النَّبِيّ - ﷺ - الجاريةَ فقال لها: \"أَيْنَ اللهُ؟ \" فَقَالَتْ: فِي السَّمَاءِ (^٢)،\n_________\n(^١) ألفية ابن مالك - الاستثناء (ص: ٣١).\n(^٢) رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كَانَ من إباحة، حديث رقم (٥٣٧)، عن معاوية بن الحكم السلمي - ﵁ -.","vol":"1","page":389},{"text":"وأشار النَّبِيّ - ﷺ - إِلَى السَّمَاء حينما أشهدَ ربَّه عَلَى إقرار أُمَّتِهِ بإبلاغ رسالتِه، فقال وَهُوَ يخطب فِي عَرَفَةَ: \"أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ \" قَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ مُشِيرًا إِلَى السَّمَاءِ: \"اللَّهُمَّ اشْهَدْ\" (^١).\nفهَذَا دليل عَلَى أن الله فِي السَّمَاء، ويَكُون الاستثناء في قولِه: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ متصلًا، وَيكُون ﴿اللَّهُ﴾ بدلًا من (مَنْ) كما إذا قلتَ: ما قام القوم إِلَّا زيدٌ، فإن الاتباعَ أَولى هنا، وإن كَانَ يجوز النصبُ، فعليه نَقُول: الاستثناء متصل وَلَيْسَ فِيهِ إشكال عَلَى عقيدةِ أهل السنَّة والجماعة، وهَذَا هُوَ الصَّحيحُ ولا إشكال فيه.\nومثل هَذَا قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣]، يعني فِي مجَموعها، وإن كَانَ هُوَ في السماءِ؛ لأنّ قوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ ظرف لمجموع الاثنينِ، فَهُوَ يقين أَنَّهُ لا يخرج عنْ الِاثنينِ، لَكِنَّهُ ﵎ فِي واحدٍ منهما، بدليلِ العقلِ والنقلِ، كما تقول: فلان أميرٌ فِي مكَّةَ والمَدينَةِ، وإن كَانَ فِي واحدةٍ منهما، فالمَعْنى أن إمارتَه ثابتةٌ فِي مجموعِهما، وَلَيْسَ المَعْنى أَنَّهُ فِي كلا المكانينِ فِي هَذَا وَفي هَذَا، فلا يُمْكِن أن يَكُون فِي المَدينَةِ وَفي مكَّة، بالنِّسْبَةِ لهَذَا الأميرِ، فهنا الألوهية ثابتةٌ فِي السَّماوَات وَفِي الْأَرْض، وإن كَانَ جَلَّ وَعَلَا فِي السَّمَاءِ، بل فوق السَّمَاء، وَلَيْسَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا فِي السَّمَاء السابعةِ، فهُوَ فوقَها عَلَى العَرْش، وبينَ العَرْش وبينَ السَّمَاءِ مسافات اللهُ أَعْلَمُ بها، فالمَعْنى (في السَّمَاء) أي فِي هَذِهِ الجهةِ، مثل قوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، أي فِي جهتينِ.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى، حديث رقم (١٦٦٥)، عن ابن عمر - ﵁ -؛ ومسلم، كتاب الحج، باب حجة النَّبِيّ - ﷺ -، حديث رقم (١٢١٨)، عن جابر بن عبد الله - ﵁ -.","vol":"1","page":390},{"text":"أمّا قول بعض العُلَماء: إن نور القمرِ يَنعكِس أيضًا عَلَى السَّماوَات ويَكُون له نور من جهةِ الْأَرْض ونور من جهة السَّمَاء فليس بصحيحٍ، بل المَعْنى (فيهنَّ) أي: فِي جهتينِ، وإن كَانَ القمر فِي الحقيقةِ ما تخللَ السَّمَاء الدُّنْيا حَتَّى كَانَ فِي جهة السًّماء الثَّانِيَة والثَّالثة والرَّابِعة، لكِن الجهة بينهن واحدة.\nوقوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ يَعْنِي: من فِي السَّماوَات والْأَرْض لا يَعْلَمُون الغيبَ إِلَّا الله، وأين الله؟\nفي السَّماوَات، أي فِي جهتها، والسَّمَاء: العُلُوُّ، أو نَقُول: (في) بمعنى (عَلَى)، أي عَلَى السَّمَاء.\nيَبقَى عندنا عَلَى رأيِ مَن يقولُ: إنَّهُ لا يجوز للمسلمِ أنْ يعتقدَ أنَّ الله فِي السَّمَاء، لِأَنَّ الله لَيْسَ له مكانٌ، عَلَى زعمهم، كيف نُخَرِّج الآيَة؟\nنخرِّج الآيَة عَلَى ثلاثة أوجهٍ: إمَّا أن نجعل ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ متعلقًا بفعل مناسبٍ، ويَكُون التَّقْدير: (مَن يُذكَر فِي السَّماوَات والْأَرْض الغيبَ إِلا الله) وَعَلَى هَذَا يَكُون الاستثناء متَّصِلًا، وَهُوَ مرفوعٌ عَلَى البدليَّة، ولا إشكال فيه، يعني لا إشكال فِيهِ من حَيْثُ الإعرابُ، لكِن من حَيْثُ المَعْنى غير مُسَلَّمٍ، هَذَا وجهٌ.\nالوجه الثاني: يَقُولُونَ: نجعل الاستثناء منقطعًا، وَيكُون الرفعُ هنا عَلَى لغةِ بني تَميمٍ الَّذِينَ يجوّزون الإبدالَ ولو كَانَ الاستثناء مُنقطِعًا.\nالوجه الثَّالث: أن نجعل الاستثناءَ منقطعًا، ولكِنه لَيْسَ تابعًا لما سبق؛ بل هُوَ مبتدأ وخبره محذوفٌ، وَهُوَ الَّذِي مشَى عليه المُفَسِّر حَيْثُ قَالَ: [لَكِن الله يَعلَمه].\nوهَذه التفسيراتُ والتَّقْديراتُ ممَّا حذَّر مِنْهَا النَّبِيّ ﵊ حَيْثُ قَالَ:","vol":"1","page":391},{"text":"\"مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ\" (^١)، وَفي روايةٍ: \"فَقَدْ أَخْطَأَ وَإِنْ أَصَابَ\" (^٢)، فالذي يُفَسِّر الْقُرْآن عَلَى حَسَبِ عَقيدتِهِ، هَذَا الحقيقة أَنَّهُ جانٍ عَلَى اللهِ ﷾، ومتقوِّل عَلَى اللهِ بلا علمٍ؛ لِأَنَّ الواجبَ أن تفسّر الْقُرْآن بما دلَّ عليه، ثُمَّ تجعل عقيدتك تابعةً له.\nولهَذَا يَقُول العُلَماء: استدلَّ ثُمَّ اعتقِدْ، ولا تَعْتَقِدْ ثُمَّ تَسْتَدِلّ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان الَّذِي يَعتقِد أوَّلًا ثُمَّ يستدلّ الغالب عليه أَنَّهُ يُخضِع الأدلَّة إِلَى مُعْتَقَدِهِ، كما هُوَ معروفٌ الْآنَ تَجِدون هَذَا فيما يَتَكَلَّم النَّاس فِيهِ فِي العقائد، وتجدونه أيضًا حَتَّى فيما يتكلمون فِيهِ فِي الأحكام، فإن مَن يَنتمي إِلَى مَذْهَب إذا جاءت النصوصُ الدالَّة عَلَى خلاف مَذْهَبِه تجده يَسْلُك فيها أحدَ مسلكينِ: إمَّا إبطالها إن أمكنه، فيقول: هَذَا ضعيف ومردود وَلَيْسَ بمقبولٍ، وإن لم يمكنْه الإبطال سعَى بالتحريفِ لأجلِ أن تطابِقَ مذهبَه، وهَذه عِلَّةٌ قَلَّ مَن يَسْلَم مِنْهَا إِلَّا مَن شاء الله؛ وَهُوَ أن يجعل عقيدته وحُكْمه تابعًا للدليلِ، وهَذَا هُوَ الواجبُ عَلَى كُلّ مسلمٍ أن يُجْعَلَ تابعًا للدليل؛ لأجلِ أن يَكُونَ تابعًا، والنصوص تكون متبوعةً، أَمَّا أن يعتقد أولًا - سواء كَانَ هَذَا الاعتقاد فيما يتعلق بالعقائد والأُمُور الخبريَّة، أو مما يَتعلَّق بالأحكام العَمَليَّة - ثُمَّ بَعْد ذلك يحاول أن يحرِّفَ النصوص إليها فهَذَا غير مسلَّم ولا يجوز للمرء.\n_________\n(^١) رواه النسائي في الكبرى، كتاب كتابة القرآن، باب من قال في القرآن بغير علم، حديث رقم (٨٠٨٥)؛ والترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه، حديث رقم (٢٩٥١)، عن ابن عباس - ﵄ -.\n(^٢) رواه أبو داود، كتاب العلم، باب الكلام في كتاب الله بغير علم، حديث رقم (٣٦٥٢)؛ والترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه، حديث رقم (٢٩٥٢)، عن جندب بن عبد الله - ﵁ -.","vol":"1","page":392},{"text":"فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: ماذا يُجاب عَمَّن قَالَ: إن الإِيمانَ أوَّلُ مَرَاتِبِه الحَيْرة والشكّ ثُمَّ الاستدلال، إِلَى آخره؟\nنُجِيبُه بأن هَذَا لا دليلَ عليه؛ فإن النَّبِيّ - ﷺ - دعا النَّاس وهم لَيْسَ عندهم شكٌّ ولا حَيرة، بل جُحُود وإنكار، ثُمَّ انتقلوا منَ الجحود والإنكار إِلَى الإقرار والاعترافِ.\nونَقُول أيضًا: هَذَا الكَلامُ الَّذِي لا دليلَ عليه، هُوَ باطلٌ أيضًا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان إذا شكَّ فقد لا يَتَخَلَّص من هَذَا الشكِّ، والله تَعَالَى ما دعا عبادَهُ إِلَى الشكِّ والحَيرة؛ بل دعاهم إِلَى الإِيمانِ بعدَ الكفرِ مباشرةً.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إن أوَّل مراتبِ الإِيمانِ الحَيرة يَستدِلّون بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧]، ففي أوَّل أمرِه قَالَ: هَذَا ربي، وهَذَا ربي؟\nالجواب: قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ قالَهُ لإقامةِ الحُجَّة، وتَقَدَّم هَذَا كثيرًا، وذكرنا هَذَا المثالَ؛ وهو إلزامُ الخَصْمِ بما يَعْتَرِف به، فالمَعْنى أنتم تَعْبُدُونَ هذه الكواكبَ والشَّمْسَ والقمرَ، فهَذَا ربِّي، فمثلًا: إذا جَلَسْتَ مَعَ أُناسٍ جِلْسَةَ المُقْنِعِ، وكلٌّ منهم يَقُول: هَذَا ربِّي، وهنا ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾، ثُمَّ تَنَقَّلَ بهم. ولهَذَا قَالَ: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣]، ولم يقل: وتلك أدِلَّتنا أَقْرَرْنا بها إبراهيمَ، فإبراهيمُ - ﷺ - ما كَانَ فِي قلبِه أدنَى شكٍّ فِي هَذَا الأَمْرِ وأنها آلهةٌ باطلةٌ، لكِن لأجلِ إقامةِ الحُجَّة عَلَى هَؤُلَاءِ.\nوأمَّا قوله ﷾ عن إبراهيمَ: ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]،","vol":"1","page":393},{"text":"وحديث: \"نَحْنُ أَوْلَى بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ\" (^١)، فنَقُول: هل إبراهيم - ﷺ - شكَّ؟ إبراهيم - ﷺ - ما شكَّ، ولو أَجرينا الحديثَ عَلَى فَهم البعض لكانَ يَقتضي أن إبراهيمَ قد شكَّ، ونحنُ أَولى بالشكِّ منه، ولكِن معنى هَذَا نَفْيُ شكِّ إبراهيمَ، والمَعْنى لو كَانَ إبراهيم مَحَلًّا للشكِّ لكِنَّا نحن أولى به، ونحن لم نشكَّ؛ لِأَنَّ الرَّسُول ﵊ يَعْلَم علمَ الْيَقينِ بأن الله قادرٌ عَلَى إحياء الموتى، وكذلك الصحابة، فلم يقل للصحابةِ: هل أنتم تَشُكُّون؟\nإِذَنْ: لو كَانَ هناك شكّ لكِنَّا نحنُ أَولى به منه، فإبراهيم والنَّبِيّ ﵊ وأصحابه ما شَكُّوا، ولكِن المَعْنى أنكم الْآنَ تعلمون ما فِي أنفسكم من الْيَقينِ، فإن إبراهيم كذلك يعلمُ، ولو كَانَ فِي الأَمْرِ مكانٌ للشكِّ لكِنَّا نحن أولى به من إبراهيم، ولو أَجرينا الحديثَ عَلَى فهم السائلِ لكان يَقتضي أن إبراهيم قد شكَّ ونحن أَولى بالشكِّ منه.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي كفار مَكَّة كغيرهم ﴿أَيَّانَ﴾ وَقْتَ ﴿يُبْعَثُونَ﴾]، يعني ما يشعرُ أحدٌ متى يُبعَث النَّاس؛ لِأَنَّ علم الساعة إِلَى اللهِ ﷿، فلا أحدَ يشعر متى تكونُ الساعةُ، حَتَّى لو جاءتْ علاماتها وأشراطها فإنَّنا لا نستطيعُ أن نُحَدّدها بالتعيينِ ونَقُول: بقِي عليها كذا سنةً، كذا شهرًا، ولو مَعَ وجودِ الأشراطِ، ولهَذَا قَالَ: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.\nوقول المُفَسِّر: [وقتَ ﴿يُبْعَثُونَ﴾]، فِيهِ إشكالٌ من جهةِ النحوِ، والإشكالُ\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الأنبياء، باب قوله ﷿: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾، قوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، حديث رقم (٣١٩٢)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة، حديث رقم (١٥١) عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":394},{"text":"هُوَ أنَّ ﴿أَيَّانَ﴾ هَذِهِ ظرفٌ لَكِنَّها اسْتِفْهاميَّة، و(وقت) ظَرف مجرَّدة منْ الاسْتِفْهامِ، ولهَذَا تفسير (أيَّان) بـ (وقت) قُصورٌ، ولو قَالَ المُفَسِّر: (متى يُبعثون)، لكان هُوَ المناسِب؛ لِأَنَّ (أيَّان) ظرف وهي متضمِّنة للاسْتِفْهامِ معلِّقة للفعلِ عن العَمَلِ؛ الفِعْل: ﴿يَشْعُرُونَ﴾، فالجملة ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ فِي محل نصب لـ (يشعرون)، ولو كَانَ التَّقْدير: وقت يبعثون؛ لم يكن فِي الجملةِ تعليقٌ.\nفإِذَنِ: المُفَسِّر بتقديرِهِ: [وقت] ضيَّع علينا مسألتينِ:\nالمسألة الأولى: ما تَضَمَّنَتْهُ ﴿أَيَّانَ﴾ منْ الِاسْتِفْهامِ.\nوالمسألة الثَّانِيَة: كون الجملة هنا فِي مَحَلّ نصبٍ؛ لِأَنَّهَا معلّقة بـ ﴿أَيَّانَ﴾، وَعَلَى تقديره تكون ﴿أَيَّانَ﴾ نفسها هِيَ المَفْعُول، هَذَا ما ينبغي التنبُّه له؛ لِأَنَّهُ ينبغي أن يَكُون التفسيرُ اللفظيُّ خاصَّةً مطابقًا للمفسَّر فِي كُلِّ الأحوالِ.\nمسألة: مَنِ ادَّعى أَنَّهُ يعلم متى يُبعَث؛ فما الحكمُ؟\nهو كافر، فالَّذِي يَقُول: إن القيامة ستكونُ فِي سنةِ ألفٍ وأربعِمائةٍ وأربعَ عَشْرَة، ونشرَ هَذَا فِي صحف لبنانَ عن كاهن، استنتج أَنَّهَا تكون فِي ألف وأربعمائة وأربعَ عَشْرَةَ، يعني ما بَقِيَ إِلَّا اثنتا عَشْرَة سَنَةً، فهَذَا الَّذِي يصدِّقه أو يشكّ فِي خبره، حَتَّى ولو لم يصدِّق بخبره بل يَكُون عنده تردُّد، يُعتبَر كافرًا؛ لِأَنَّهُ يَجِب الجزمُ بتكذيبِ هَؤُلَاءِ، فيجب أنْ نَجزِم بأن هَؤُلَاءِ كاذبونَ؛ لِأَنَّهُ لا يمكن أن يعلمَ أحدٌ متى تقوم الساعةُ إِلَّا الله.\nوالنَّبِيّ ﵊ أعلمُ البشرِ، وجِبريل أعلمُ الملائكةِ، لمَّا سألَهُ قَالَ: \"مَا المَسْئُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ\" (^١)، فلا أحد يدري متى تقومُ الساعةُ إِلَّا اللهُ.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النَّبِيّ - ﷺ - عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم=","vol":"1","page":395},{"text":"وهَذِهِ الأشراطُ أيضًا علامة عَلَى قُرْبها، لكِن القُرْب نِسبيّ، لا تظنَّ أن القربَ ثلاثونَ سنةً، أربعونَ سنةً، مائةُ سنةً، حَدَّثَ النَّبِيّ ﵊ أصحابَه يومًا منَ الأيامِ والشَّمْسُ عَلَى رؤوسِ النخل فقال: \"إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> أن توجيهَ الخطابِ للرَّسُولِ ﵊ أن يَقُولَ قَولًا يَدُلّ عَلَى عنايةِ اللهِ ﷾ بهَذَا القَوْلِ؛ لِأَنَّهُ عبارة عن رسالة خاصة.\nوالْقُرْآن كلُّه الرَّسُولُ مأمورٌ أن يقوله للناسِ، لكِن إذا خصَّ بعض الآيَاتِ بكلمةِ: (قُلْ) فهذا يَدُلّ عَلَى عنايةِ اللهِ تَعَالَى بهَذَا الأَمْرِ، حَيْثُ أوصاه بتبليغِهِ وَصِيَّةً خاصَّةً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> أَنَّهُ لا يعلم أحدٌ الغيبَ إِلَّا اللهُ، فالَّذِي فِي المستقبَل لا يعلمه أحدٌ إِلَّا الله بكلِّ حالٍ، والحاضر أو الماضي قد يُعْلَم، ودعوَى عِلْمِه ليستْ من علمِ الغيبِ. وَعَلَى هَذَا فالَّذِينَ يُحَيِّرُونَ ويُخْبِرُونَ عمَّا جَرَى عَلَى العبدِ فهَؤُلَاءِ ليسوا ممن يَدَّعُون علمَ الغيبِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا ماضٍ أو حاضرٌ وَهُوَ معلومٌ، لكِن قد يَكُون غائبًا عن البشرِ شاهدًا للجنِّ؛ لِأَنَّ الجن يعلمون الشَّيْء البعيدَ ويخبرون مَن يصحبهم من الإنسِ.\n_________\n=الساعة، حديث رقم (٥٠)، عن أبي هريرة - ﵁ -؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله ﷾ ...، حديث رقم (٨)، عن عمر بن الخطاب - ﵁ -.\n(^١) رواه الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء ما أخبر النَّبِيّ - ﷺ - أصحابه بما هُوَ كائن إلى يوم القيامة، حديث رقم (٢١٩١)؛ وأحمد (٣/ ٦١) (١١٦٠٤)، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -.","vol":"1","page":396},{"text":"وَعَلَى هَذَا فما نُحَدَّث به عن بعضِ النَّاسِ أَنَّهُ إذا جاءهم المريضُ قَالُوا: أنت أصابك كذا وأصابك كذا وأصابك كذا، ويَكُون الأَمْر كما أخبرَ؛ هَذَا لَيْسَ من دعوى الغيبِ، فتصديقه لَيْسَ كفرًا باللهِ. لكِن يَبْقَى النظرُ فِي حالِ هَذَا الرجلِ؛ هل هُوَ مستقيمٌ فإنَّنا حينئذٍ نَرْكَن إليه ولا حرجَ علينا إذا ذهبنا إليه، أَمَّا إذا كَانَ غير مستقيمٍ بحيث إن الجنَّ لا تَخْدُمُهُ إِلَّا بشركٍ وكفرٍ فَإِنَّهُ لا يجوز لنا أن نذهبَ إليه؛ لما فِي ذلك من الإعانةِ عَلَى الكفرِ.\nوقد ذكر شيخ الإِسْلام أنّ الجنّ يخدمون الإنسَ لمصالحهم؛ لمصالح الجنّ، فإذا كانوا كفارًا فإنهم قد يخدمونهم إذا أشركَ الإنسيُّ بالله، وقد تَعْشَقُ امرأةٌ من الجنِّ رجلًا من الإنس وتقول له: أنا أَخْدُمك بشرطِ أنْ يَفْعَلَ بها، أو كذلك رجلٌ من الجنّ يَعشَق امرأةً من الإنس، فيحصل الأَمْر كذلك، فيَكُون الأول شركًا؛ الَّذِي أشرك بالله، والثاني فسوقٌ وزِنا، وقد يخدمه لمجرَّد مَحَبَّته له بدون أيّ سبب؛ فهَذَا لا بأسَ به، وقد يخدمه لله؛ يرى أَنَّهُ عابدٌ وتقيٌّ أو عالم ينفَع النَّاس بعلمه فيخدمه لهَذَا السَّبَب، فما دام أن خِدمة الجنّ للإنس تَتَنَوَّع فإن حكم استخدامِ الإنسِ للجنّ يَكُون بحسَب هَذَا التنوّع، ولا يُقَال: إنَّهُ حرام مطلقًا ولا يُقَال: إنَّهُ جائز مطلقًا، بل عَلَى حَسَبِ الحالِ (^١).\nوقد بَلَغَنَا أن أحد أهلِ العلمِ كَانَ يُسمَع فِي حَلْقته حركاتٌ بغير مشاهَدةٍ، وَيقُولُونَ: إن الجنّ يحضُرون العلمَ عنده وَإِنَّهُ أحيانًا يَسمعون كلامَا وسؤالًا بدون أن يعلموا بقائِلِهِ، فهَذَا متواتِرٌ عندنا.\nوهَذَا لَيْسَ ببعيدٍ إذا كَانَ الرَّسُول - ﷺ - حَضَرَه ناس من الجنّ وحضروا الْقُرْآن\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٣٠٧).","vol":"1","page":397},{"text":"وتأدَّبوا، فلمَّا حَضَروه قَالُوا: أَنصِتوا ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، وأيضًا لمّا سمِعوا الْقُرْآن قَالُوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ١ - ٢]، فوَرَثَة الأَنْبِياء مِن أهلِ العلمِ يمكن أنْ يحضُرَهُمْ أناسٌ من الجنّ يَنتفعون بعلمهم، وَلَيْسَ هَذَا ببعيدٍ، والغالب أن الجنّ لا يُرَى، فالجنّ مثل الملائكةِ، الأَصْل أَنَّهُم عالم غيبيّ، لكِن قد يُرَوْنَ.\nفإِذَنْ نَقُول: ما كَانَ قد حدثَ من قبلُ أو هُوَ الْآنَ موجودٌ فليسَ من علم الغيبِ، فمَنِ ادَّعى معرفتَه لم يكنْ مكذِّبًا لله ورسولِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> وَفِي قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ إشارة إِلَى أن الله تَعَالَى فِي السَّماوَات، فيفيد أن الله فِي العُلُوّ، وقد خرَّج العُلَماء ذلك عَلَى أن ﴿فِي﴾ بمعنى (على) أو أن المُراد بالسَّماوَات الجهاتُ العليا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى فوقَ العَرْش وَلَيْسَ عَلَى نفسِ السَّمَاء.\n* * *","vol":"1","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-435>الآية (٦٦)</span>\n* * *\n\nقَالَ اللهُ ﷿: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> أن هَؤُلَاءِ المكذِّبين بيوم القيامةِ عَلَى مراتبَ.\nوقد رأيتُ كلامًا للزَّمَخْشَرِيِّ جَيِّدًا فِي هَذِهِ الآيَاتِ (^١)، ففي قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ ذكر أن المَعْنى أَنَّهُ بلغ عِلمهم بالآخِرَةِ غايتَه وأُعلموا بها ولم يَنتفعوا، وذكر أن ﴿ادَّارَكَ﴾ من (الدَّرَك) وَهُوَ الهلاك، يعني أَنَّهُ ضَعُفَ عِلْمُهم فِي الآخِرَةِ، ثُمَّ انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾، ثُمَّ انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾.\nفيَكُون بالإضافة إِلَى قوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ المراتب أربعة: أولًا: نفي الشعور، ثُمَّ ضعف العلم، ثُمَّ الشك، ثُمَّ العمى.\nفتكون هَذِهِ الآيَة فيها إضرابات؛ انتقال من الأدنى إِلَى الأعلى، فَإِنَّهُ يَقُول: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]، ثُمَّ قَالَ: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ انتقالات، فالأوَّل: نَفْيُ الشعورِ، والثاني: ضعف\n_________\n(^١) انظر الكشاف (٣/ ٣٧٩، ٣٨٠).","vol":"1","page":399},{"text":"العلمِ، والثَّالثُ: الشكُّ، والرَّابع: العَمَى، يعني عَمَى القلب، والرَّابع أعلاها، يعني لَيْسَ عِنده عِلْم أبدًا، وأيضًا قد يَكُونُ عِنده علمٌ لَكِنَّهُ تَرَكَهُ وتَغَافَلَ عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> أنَّ الْإنْسَان الَّذِي لا يريد الحَقّ يَكُون له باعتبارِ قبولِه مَرَاتِب بعضها أشدُّ من بعضٍ، أي أَنَّهُ ينتقل من الأدنى إِلَى الأعلى، ولهَذَا قَالَ أهل العلم: إن المَعاصِيَ بَريد الكفرِ، ومعنى بريد الكفر أَنَّهُ يَنتقل بها الْإِنْسَان من مرحلةٍ إِلَى مرحلةٍ كما ينتقل البَريد، والبريد هو الساعي بالمكاتِيبِ إِلَى بلادٍ أُخرى، وكانوا فِي الزمن الأول يجعلون الرُّسُلَ بالكتبِ عَلَى مراحلَ، كُلّ بريدٍ فِيهِ مَنْطِقَة، إذا وصل إليها وقفَ وأعطاه الثانيَ، ثُمَّ يسعى الثاني من هَذَا البريدِ رقْم واحد إِلَى البريد رقْم اثنينِ ثُمَّ يقف، ثُمَّ يأخذها من رقم اثنينِ إِلَى رقمِ ثلاثةٍ حَتَّى يُنتهَى إِلَى البلدِ. يفعلون ذلك لِئَلَّا يَشُقَّ عليهم متابعة السير من البلد إِلَى البلد، وهَذَا يَكُون أسرع، ولذلك سُمِّي البريد بريدًا لهَذَا السَّبَب؛ لِأَنَّهُم يجعلون فِي كُلّ مساحةٍ بريدًا منَ الْأَرْض، والبريد كما هُوَ معروف أربعةُ فَراسخَ، والفرسخُ ثلاثةُ أميالٍ، اضْرِب ثلاثةً فِي أربعةٍ باثني عَشَرَ، إذن البريد اثنا عشر ميلًا.\nولذلك كانوا قديمًا يستعملون فِي إيصال الخطاباتِ بسرعةٍ إمَّا البريد كما ذكرنا وَإمَّا الحمَام، فيُربَّى حمامٌ يطير من مَحَلّ إِلَى محل ويعلَّق فِي عُنُقه أو فِي أرجلِه الرسائل، وطبعًا الرسائل ليست كبيرةً، لكِن قد تكون مثلًا رموزًا وإشاراتٍ ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ يعرِفها المكتوب إليه.\nالشَّاهد: إن الْإِنْسَان إذا فعل معصيةً سواء اعتقاديَّة أو عملية فإن الشيطان يتدرَّج به من الأدنى إِلَى الأعلى حَتَّى يصل - والعياذُ بالله - إِلَى الكفرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> أن أهل الإِيمان باليومِ الآخرِ يزدادون بها بصيرة؛ لِأَنَّ عندهم","vol":"1","page":400},{"text":"يقينًا وعلمًا وطمأنينةً بما أخبر الله به فِي كتابه وَعَلَى لسان رسوله، لكِن هَؤُلَاءِ بالعكس ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ و(مِن) هَذِهِ للابتداء، يَعْنِي: من أجلها صاروا عَمِين، أي: عَمِيَت بصائرهم. وسبب ذلك أَنَّهُم إذا كذَّبوا بها - والعياذ بالله - ازدادوا ضلالًا وظلمًا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥]، ولهَذَا قَالَ: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا﴾ ما قَالَ: عنها عَمُون، قال: ﴿مِنْهَا﴾ أي: من هَذِهِ الآخِرَة، فبسببِ أَنَّهُم أنكروها ازدادوا عمًى وضلالًا والعياذ بالله.\n* * *","vol":"1","page":401},{"text":"&lt;رمز&gt;<span data-type=\"title\" id=toc-440>الآية (٦٧)</span> &lt;/رمز&gt;\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧)﴾ [النمل: ٦٧].\n* * *\n\n&lt;رمز&gt;<span data-type=\"title\" id=toc-441>من فوائد الآية الكريمة</span>&lt;/رمز&gt;:\n&lt;رمز&gt;<span data-type=\"title\" id=toc-442>الْفَائِدَة الأُولَى</span>&lt;/رمز&gt;: تَلبيس أهلِ الضَّلال للحقِّ بالباطلِ؛ لِأَنَّهُم أَنكروا البعث واحتجُّوا بشُبهةٍ لا تُغْنِيهم منَ الحَقِّ شَيئًا، حيث يَقُولُونَ: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾ نُخْرَج، فهَذهِ الشبهة إِنَّمَا تَنطلي عَلَى الجهّال، أَمَّا عَلَى أهل العلمِ والبصيرة فلا تَنْطَلي. المهمّ أن نأخذَ من هَذِهِ الآيةِ أو من هَذَا السلوكِ بَيَان أن أهل الباطل يُلَبِّسُون باطلهم بالشُّبُهات الَّتِي يُورِدُونها.\n&lt;رمز&gt;<span data-type=\"title\" id=toc-443>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ</span>&lt;/رمز&gt;: إنكارُ هَؤُلَاءِ للبَعث؛ لِأَنَّ الهمزةَ فِي قوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا﴾ للإنكار.\n&lt;رمز&gt;<span data-type=\"title\" id=toc-444>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ</span>&lt;/رمز&gt;: أَنَّهُمُ احتجُّوا عَلَى تشبيههم هَذَا بأنهم وُعدوا هم وآباؤهم من قبلُ ولم يَرَوْا شيئًا. وهَذَا من التمويهِ وإلا فَهُمْ لم يُوعَدُوا أن يُبعثَ النَّاس اليومَ، بل وُعِدوا أنْ يُبعَثوا يوم القيامةِ؛ كما قَالَ الله تَعَالَى فِي آية أخرى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية: ٢٥]، فنَقُول لهم فِي ردّ هَذِهِ الشبهة: ما قُلْنَا لكم: إنكم تُبعَثون اليومَ حَتَّى تقولوا: ائتوا بآبائنا، قُلْنَا:","vol":"1","page":402},{"text":"إنكم تُبعَثون يومَ القيامةِ وستُبعَثون، لكِن أهل الباطل يلبِّسون ويشبِّهون عَلَى النَّاس بالشبهات لإقرار باطلهمْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ:</span> تأكيدُ إنكارِهِم؛ لِقَوْلهِم: ﴿أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾. يَعْنِي: أَتؤكِّدون لنا ذلك والأَمْر بعيدٌ لا يمكِن.\n* * *","vol":"1","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-446>الآية (٦٨)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ [النمل: ٦٨].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> أنَّ مَن لا يريد الحَقّ فَإِنَّهُ لا يَتَبَيَّن له، فالْإِنْسَان الَّذِي لا يريد الْحَقَّ يُحْرَم منه فلا يَتَبَيَّن له، لِقَوْلِهِم: ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النمل: ٦٨]، فجَعَلُوا أبينَ الأُمُورِ وأصحَّ الأُمُورِ وأوكدَ الأُمُورِ جعلوه أساطيرَ، والأساطيرُ كما هُوَ معروفٌ هِيَ عبارةٌ عن كلامٍ لا أصلَ له غالِبُها أكاذيبُ، فهَذَا القَوْلُ تقدَّم لنا فِي التفسيرِ أَنَّهُ إنْ كَانَ عن عقيدةٍ فقد لُبِّسَ عليهم الحقُّ، وإن كَانَ عن إنكارٍ فقد جَمَعوا بين التكذيبِ بالحق وبين عيبِ الحقّ، يعني جمعوا بين أمرينِ: أَنَّهُم كذبوا وعابوه، وَأَمَّا إذا كَانَ هَذَا عن عقيدةٍ بمعنى أَنَّهُم لا يرون أن هَذَا حقيقة وَأَنَّهُ أساطير فيَكُون هنا قد لُبِّس عليهم الْحَقَّ بسبب أَنَّهُم لا يريدونه، ولَا شَكَّ أن من لا يريد الْحَقَّ فَإِنَّهُ لا يوفَّق له ولا يُيَسَّر له.\nوبهَذَا نعرِف أَنَّهُ ينبغي لطالب العِلْم عندما يبحث عن مسألةٍ أَنْ يَبحثَ عنها؛ لأجلِ أن يصلَ إِلَى الْحَقَّ، لا لأجلِ أنْ ينصرَ قولَه - ونسألُ الله العافية - بمعنى: افرِضْ أنك اختلفتَ أنت وزميلُك فِي مسألةٍ، وأردتَ أن تحقِّق ما قلتَ، فأنت عندما تُراجِع وتبحث لا تجعل رائدك أن تنتصرَ لنفسِكَ، فإنك ربما تُحرَم الوصولَ إِلَى الحقِّ، لكِنِ","vol":"1","page":404},{"text":"اجْعَلْ رائدك الوصول إِلَى الحقّ، عسى أن يَكُون معك فتَحْمَد الله تَعَالَى أن يَسَّرَ لك الوصول إليه، وأن جعل بَيَان الْحَقَّ عَلَى يَدِكَ، أو يَكُون مَعَ خَصْمِكَ فتَحْمَد الله تَعَالَى أنَّ الله تَعَالَى يسَّر لكَ الرجوعَ عن الباطلِ، وهيَّأ لك الوصولَ إِلَى الحقِّ، فأنت عَلَى كُلِّ تقديرٍ فِي نعمةٍ ولكِن لِيَكُنْ رائدك الحقِّ. وهَذِهِ مسألة صعبةٌ جِدًّا عَلَى النفوسِ؛ أن يُراجعَ الْإِنْسَان فِي مثلِ هَذِهِ الأُمُور لأجل الوصولِ إلى الحقّ، فإن كثيرًا من النَّاس يُراجِع لأجلِ أن ينصرَ قولَه.\nافرِضْ أنك تعتقد أن قولك هُوَ الصَّوابُ مائةً فِي المِئَةِ وأنت تراجع لتنصرَ قولَك، فهل هَذَا ينافي النيَّة الصَّحيحة؟\nنعم، نَقُولُ: إن كنت تريدُ أن تراجعَ لِتَنْصُرَ قولَكَ لِأَنَّهُ الْحَقَّ فهَذَا لا ينافيه، لأنك إِنَّمَا تقصِد تقويةَ الْحَقَّ وإلزام الخَصْم به، وإن كنت تُرَاجع بنيّة أن تنصرَ قولَكَ ولو كَانَ هُوَ الْحَقَّ فالنيَّة فيها مدخولة.\nفالحاصل: أن هَذِهِ مسألةٌ ينبغي للإِنْسَانِ أن يلاحظها، وَهُوَ أن مَن لا يريد الْحَقَّ لا يوفَّق له، بل يَلْتَبِس عليه الأَمْرُ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَه فِي أبينِ الأُمُورِ وأحقِّها، يَقُولُونَ: إنَّهَا أساطير الأوَّلين. وانظر إِلَى بَيَان السَّبَب فِي قوله تَعَالَى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، يَعْنِي: كلَّا لَيْسَ الْقُرْآن أساطيرَ الأوَّلينَ، لكِن السَّبَب أَنَّهُم جعلوه أساطيرَ الأوَّلينَ أَنَّهُ ﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فعَمُوا عنِ الْحَقَّ أو تعامَوْا عنه.\nفَإِنْ قَالَ قَائِل: إذا كَانَ قصدُه طلبَ الْحَقَّ وأحبَّ أن يَكُون هُوَ الْحَقَّ، هل فِي هَذَا شَيْء؟","vol":"1","page":405},{"text":"فالجواب: لَيْسَ فِيهِ شَيْء؛ لِأَنَّ الَّذِي يُحِبّ أن يصيرَ قوله هُوَ الْحَقَّ يحبّ ذلك لأجلِ أن يَكُونَ إظهار الْحَقَّ عَلَى يدِه، وإن كَانَ قصدُه أن يَكُون قولُه هُوَ الْحَقَّ لأجلِ المغالبةِ فالمسألة فيها دَخَل، ولهَذَا مسائلُ النياتِ صَعْب جدًّا عَلَى الْإِنْسَان تَحقيقها، حَتَّى قَالَ بعض السلف: إني ما جاهدتُ نفسي عَلَى شيءٍ مجُاهدتها عَلَى الإخلاص، وهَذَا صحيحٌ.\nفمِن أصعبِ الأُمُورِ الإخلاصُ للهِ ﷿، ولهّذَا قَالَ الرَّسُول ﵊ لمَّا سأله أبو هريرة ﵁: مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ؟ قَالَ: \"مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ\" لكِن شرط \"خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ\" (^١) فهَذَا الشرطُ صعبٌ عَلَى كثيرٍ منَ النَّاسِ، وَلَيْسَ كُلّ مَن قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ فقد سَعِدَ بشفاعةِ الرَّسُولِ - ﷺ -، أو كَانَ أسعدَ النَّاس بها، بل لَا بُدَّ أن يَكُون خالصًا من قلبِه، وإذا كَانَ خالصًا فثِقْ أَنَّهُ سيَكُونُ مُطيعًا لله، ولهَذَا الَّذِينَ يجادلون أحيانًا يَقُولُونَ: كيف تكفِّرون من ترك الصَّلَاة وَهُوَ يَقُول. لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ويؤمن بالله؟ ! نَقُول: نعم، لو قالها حقًّا ما تركَ الصَّلَاة، ونَجْزِم جزمًا أَنَّهُ لو كَانَ يعتقد ذلك حقًّا لطلبَ هَذَا الإلهَ؛ لِأَنَّ معنى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أي: لا معبودَ بحقٍّ إِلَّا الله، فأين لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ من رجلٍ لا يعبدُ اللهَ بأعظم العباداتِ، ثُمَّ أيضًا لَيْسَ الإِيمان أنك تؤمنُ بأنَّ اللهَ موجودٌ، وأن هَذَا الكون مخلوقٌ، فهَذَا إيمان حَتَّى الْكُفَّار يؤمنون بهَذَا، فأيّ عاقل لو هُوَ أكفر النَّاس سيؤمن بأن الحوادثَ لَا بُدَّ لها من محدِثٍ، وَلَيْسَ هَذَا هُوَ الإِيمانَ، فالإِيمان أن تؤمنَ باللهِ ﷾، بكلِّ ما تَضَمَّنَهُ معنى هَذِهِ الكلمةِ، وقد سبقَ لنا شرحُ الإِيمانِ أَنَّهُ يتضمَّن أربعة أمور.\nالحاصل: أنَّ فِي هَذَا دليلًا عَلَى أنَّ الْإِنْسَان الَّذِي لا يريدُ الْحَقَّ لا يُوَفَّق له،\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب العلم، باب الحرص على الحديث، حديث رقم (٩٩).","vol":"1","page":406},{"text":"وَأَنَّهُ يُلبّسُ عليه فيظنّ أن ما جاءت به الرُّسُل من الحقائقِ أساطيرُ.\nلَوْ قَالَ قَائِل: الَّذِي يطلب الْحَقَّ هل يصل إليه؟\nفالجواب: نعم، إذا سَلَكَ طُرُقَه.\nفَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إذا وجدنا شخصًا ضالًّا هل نَجْزِم أَنَّهُ ما طلب الحق؟\nفالجواب: لا، لَيْسَ عَلَى كُلّ حالٍ، قد يَكُون هناك أَشْيَاء مَنَعَتْ من هَذَا، عَلَى كُلّ حالٍ نحن نَقُول: إن هَذَا سببٌ، مَن عَمِل صالحًا دخل الجنَّة، وقد لا يَكُون له ذلك.\nفالمهم: أن هَذِهِ الأَشْيَاء تُذكَر عَلَى أَنَّهَا أَسْبابٌ، والله يَقُول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ﴾ [القمر: ١٧]، ويقول: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]،، لمّا كَذَّبُوا بالرَّسُول ﵊ قَالَ الله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٨، ٦٩]، لكِن الْإِنْسَان قد يُحْرَم بأَسْبابٍ تكون خفيَّة عَلَى النَّاس، إِنَّمَا مَن طَلَبَ الحَقِّ بنيَّة وإخلاص فلا بدَّ أن يصل إليه، أَمَّا كون هَذَا الرجل ما وصل إِلَى الْحَقَّ ثُمَّ نَقُول: ما طلبه، فلا ندري.\nفلَوْ قَالَ قَائِلٌ: ألا يُشْكِل عَلَى هَذَا قوله - ﷺ -: \"إِذَا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطأَ فَلَهُ أَجْر وَاحِدٌ\" (^١)، فَهُوَ اجتهدَ وطلبَ الْحَقَّ ولم يَصِلْ إِلَى الحقِّ؟\nفالجواب: أصل الاجتهادِ أنَّ المجتهِدَ لَا بُدَّ أنْ يَصِلَ إِلَى الحقِّ، ولا بد أن يَتبَيَّن\n_________\n(^١) سبق تخريجه.","vol":"1","page":407},{"text":"له الحقّ، إِلَّا أَنَّهُ قد يَكُون فِي هَذَا الاجتهادِ سببٌ منَ الأَسْبَابِ منعَ مِنَ الوصولِ إِلَى الحقِّ. وكلُّ مجتهدٍ معه آلةُ الاجتهادِ عَلَى ما يَنبغي.\nونعلم أن الْإِنْسَان المُجتهد إذا سلَك طُرُق الاجْتِهاد فلَا بُدَّ أن يصلَ، وإلا لبقيَ الْحَقَّ أعمى، لكِن هَذَا المجتهد إذا بذل جهدَه فإنه يصل، وجهده قد لا يَكُون هُوَ السَّبَب الوحيدَ الَّذِي يُوصِل إِلَى الحقّ، يَقُول: هَذَا جَهدي وهَذِهِ طاقتي، لكِن قد يَكُون عنده نقصٌ فِي العلمِ أو نقصٌ فِي الفهمِ، وَأَمَّا نقص السبل فقد يراجع المسألة فِي كتاب أو كتابينِ بينما أن هناك كتبًا أخرى تفيده أكثر مما راجع، فيَكُون هَذَا نقصًا فِيهِ، فحينئذٍ يخالفه الصَّوابُ من أجل ذلك، فليس معنى أَنَّهُ اجتهد أَنَّهُ أراد الْحَقَّ فقطْ، بل معناه أَنَّهُ بذلَ ما يستطيعُ مِن جهدٍ.\nولكِن هل بَذْلُ ما يستطيعه من جهدٍ هُوَ الطريقُ المؤدِّي إِلَى الحقِّ؟\nالجواب: لا، ثُمَّ إنَّهُ إنْ طلبَ الْحَقَّ ومُنِعَ منه فَإِنَّهُ لا يعاقَب عليه، فالشَّيْء الَّذِي يغير اختياره لا يعاقب عليه، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\n* * *","vol":"1","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-449>الآية (٦٩)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩)﴾ [النمل: ٦٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> بَيَان أهميَّة السير فِي الْأَرْض؛ ويُؤْخَذ من أمرِ اللهِ رسولَه أن يُبَلِّغَهُ إِلَى النَّاس.\nوَقَدْ قُلْنَا: إن كُلّ حُكْم أو خَبَر يُصَدَّر بـ ﴿قُلْ﴾ فَهُوَ دليل عَلَى الاهتمامِ به، كَأنَّ الله تَعَالَى جعل له عناية خاصّة بالوَصِيَّة بإبلاغِه، وإلّا فجميع الكتاب الرَّسُول - ﷺ - مأمور بِتَبْلِيغِهِ ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، لكِن كون هَذَا الأَمْر يُصَدَّرُ بـ ﴿قُلْ﴾ إذن ففيه عناية خاصَّة بتبليغه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> أن السير فِي الْأَرْض ذو فائدة عظيمةٍ، ولهَذَا أُمِرَ بإبلاغه عَلَى سبيل الخصوص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> أن السائرَ فِي الْأَرْض يَجِب عليه أن يَكُونَ سيره عَلَى سبيلِ التفكُّر والاتِّعاظ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾ والأَمْرُ للوجوبِ، لا سِيّما إذا كَانَ هَذَا المُخاطَب مُعَانِدًا؛ لِأَنَّ الآيةَ هنا ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يخاطب المعاندين الجاحدينَ، فَإِنَّهُ يَجِب عليه أن يسيرَ وينظرَ؛ لِأَنَّ هَذَا طريقٌ إِلَى هدايتِهِ.","vol":"1","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-454>الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ:</span> أن عاقبةَ المجرمينَ وَخيمة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾، ﴿كَيْفَ﴾ هَذِهِ للتعظيمِ، أي أن عاقبتهم عظيمةُ الوخامةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-455>الْفَائِدَة الخَامِسَةُ:</span> أن العِبرة بالعاقبةِ لا بالمبتدَإِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾ فإذا رأيتَ هَذَا المجرِمَ قد نُعِّمَ فلا تظنَّ أَنَّهُ عَلَى حقٍّ، بل المعتبَر العاقبة، وستكون عاقبتُه وخيمةً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>الْفَائِدَة السَّادِسَةُ:</span> أَنَّهُ أيضًا لا تَعْتَبِر الفرد فقط، فإنَّ مِنَ المجرمينَ مَن يبقى فِي تنعيمِه حَتَّى يموتَ، لكِن العِبرة بالكلِّ؛ ولهَذَا قَالَ: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ فإن المجرمينَ مهما كانوا لا يمكِن أن يستقرَّ لهم قَرارٌ.\nفَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: فِي الوقت الحاضرِ الْآنَ لا نرَى أن المجرمين عُوقِبوا، بل إنَّهُم مُنَعَّمُونَ غاية التنعُّم؟\nفيقال: إن هَذِهِ الأُمَّة قد عهِد الله إِلَى نبيها - ﷺ - ألا يُعَذِّبَهُم بسَنَةٍ عامَّة (^١)، ولَكِنَّنَا\nنرَى فِي هَؤُلَاءِ المجرمين مِنْ جَعْلِ البأسِ بينهم وتفرُّقهم، وكذلك أيضًا عدم استقرارهم ما هُوَ عُقُوبة، فإن الَّذِي يَخْرُجُ إِلَى تلك الأُمَمِ يجد أَنَّهُم ليسوا مستقرِّين، حَتَّى إننا نَسمع أنَّ الْإِنْسَان ما يأمَنُ أن يجعلَ فِي جيبه دراهمَ، وَأَنَّهُ لو وُجِدَ فِي جيبه دراهم قُتِل، ولذلكَ لا يَتعامَلون هناكَ إِلَّا بالأوراقِ؛ أَوْرَاق التحويلِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا بِاسمٍ خَاصٍّ نَسِيتُه؛ أوراقٌ يُكْتَب فيها أن هَذِهِ تُمَثِّل كذا دولار، لِأَنَّهُم لا يمكن أن يَتَعَامَلوا بالدراهمِ حتى لا يُقتل الْإِنْسَان.\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، حديث رقم (٢٨٨٩)، عن ثوبان مولى رسول الله - ﷺ -.","vol":"1","page":410},{"text":"وحدَّثني إِنْسَانٌ ذَهَبَ إِلَى أمريكا هَذَا العامَ يَقُول: إنك لا تَأْمَنُ أنْ تَضَعَ ثلاثمائةِ ريالٍ بمخباتك، وهَذَا أعظمُ ما يَكُون منَ العذابِ؛ لِأَنَّ اللهَ يقولُ فِي عُقُوبة القريةِ الآمنةِ المطمئنَّة: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]، فهَبْ أن هَؤُلَاءِ لَيْسَ عندهم جوعٌ ولكِن عندهم خوفٌ.\n* * *","vol":"1","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-457>الآية (٧٠)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠)﴾ [النمل: ٧٠].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> أن الداعيَ إِلَى اللهِ إذا بَذَلَ ما يَجِب عليه فلا يَنبغي أنْ يحزنَ لمخالفةِ النَّاسِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، والحِكْمَةُ من ذلك: أنَّ حُزْنَ الْإِنْسَان عَلَى مخالفةِ النَّاسِ يُعِيقُه عن الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ، وَيسْتَحْسِر من أجلهم؛ لِأَنَّهُ لا يمكن للنفسِ أنْ تَمْتَدَّ وتسير وهي حزينةٌ، ولكِن أنتَ سِرْ عَلَى حَسَبِ ما أُمرتَ؛ إنِ اهتدى النَّاس فلكَ ولهم، وإنْ لم يهتدوا فلكَ وعليهم، ولهَذَا إذا حَزِنَ الْإِنْسَان فِي هَذِهِ الأُمُورِ فَإِنَّهُ ييأسُ ويستحسر ولا يَنْشرِح صدرُه ولا تنبسط نفسُه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> عناية الله تَعَالَى بالرَّسُول - ﷺ - بالتسلية والتفريج عنه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ وجه ذلك: أنَّ نَهْيَهُ عن أنْ يَكُونَ فِي ضيقٍ معناه أنَّ مكرَهُم لا يَضُرُّهُ، وإن ضاقتْ به نفسُه فإن ذلك لا يضرُّه؛ لِأَنَّ الله يَقُول: ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾ أي لا يُهِمّك أَمْرُهم ولا تَضِق منه، فإن لدينا ما هُوَ أعظمُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> هَذَا الأَمْرُ يَكُونُ للرَّسُولِ ﵊ ولغيره؛ فكُلُّ مَن يدعو إِلَى شريعةِ الرَّسُول ﵊ فإنَّنا نُوَجِّه إليه هَذَا الخطابَ، ونَقُول: إذا","vol":"1","page":412},{"text":"رأيتَ النَّاسَ لم يَقْبَلُوا فلا تَحْزَنْ ولا تكنْ فِي ضِيقٍ ممَّا يمكرونَ، وإلَّا فإن أعداء الرُّسُلِ سوفَ يمكرون بالدعاةِ إِلَى دينِ الرُّسُلِ، وسوف يَبُثُّونَ ضِدَّهُمُ الدعاياتِ وسوف يُؤْذُونَهم بالقَوْل ويُسْمِعُونهم ما يَكْرَهُون، وربما يؤذونهم بالفِعْل، والْإِنْسَانُ عليه أن يَصْبِرَ.\nوالنَّبِيّ - ﷺ - جاء بأبين الأُمُورِ وأُوذِيَ فِي بيته وَفِي بدنه حاضرَا ومسافرًا، إِلَى حدّ أَنَّهُم يأتون بِسَلَى الجزور وَيضَعُونه عليه فِي المَسْجِد الحرامِ الَّذِي مَن دَخَلَهُ كَانَ آمنًا، يضعونه عليه وَهُوَ ساجدٌ للهِ، فهل يوجد أبلغ من هَذِهِ أذيَّة؟ ! يأتون بالقاذورات والعَذِرَات ويُلْقُونها عَلَى عَتَبَةِ بابِهِ (^١)، مَعَ أَنَّهُم يُجِيرُ ونَ أفسقَ النَّاس وأفجرَ النَّاس إذا جاء إِلَى مكَّة، ولا يجيرون الرَّسُول ﵊.\nوعندما ذهب الرَّسُول ﵊ إِلَى الطائف لِيَدْعُوَهُمْ إِلَى الله سَخِرُوا به واسْتَهْزَؤُوا به واصطفُّوا صَفَّيْنِ منَ السفهاءِ والغِلمان وغَيرهم وجعلوا يَرْمُون النَّبِيَّ - ﷺ - بالحجار حَتَّى أَدْمَوْا عَقِبَهُ، ولا أفاق إِلَّا وَهُوَ فِي قَرْنِ الثَّعَالِبِ، ومعَ ذلك صبرَ، وقد جاءه مَلَكُ الجبالِ يَسْتَأْذِنُهُ أن يُطْبِقَ عليهم الأَخْشَبَيْنِ فقال: \"بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ؛ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ\" (^٢).\nإِذَنْ: إذا رأينا هَذَا نعلم أَنَّنا ما أصابنا هَذَا الأذى الَّذِي أصابَ الرَّسُولَ - ﷺ - إِلَى الْآنَ، ونسألُ اللهَ العافيةَ، ومعَ ذلك تجد الْإِنْسَان منّا يَتَضَجَّر عندما يسمعُ كلمةً\n_________\n(^١) انظر: صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النَّبِيّ - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين، حديث رقم (١٧٩٤).\n(^٢) انظر: صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب إذا قَالَ: آمين، والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه، حديث رقم (٣٠٥٩)؛ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النَّبِيّ - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين، حديث رقم (١٧٩٥).","vol":"1","page":413},{"text":"ويقول مثلًا: أنا لستُ بملزومٍ، دَعنا نُداهِن النَّاس ونمشي مَعَ العالمِ.\nوهَذَا لَيْسَ بصحيح، فأنتَ إذا كنتَ قويًّا فِي الحَقّ فالحقُّ مَنصورٌ، ولا يَلْزَم أن يَكُون نَصْرُه فِي حياتِكَ وَعَلَى يَدِكَ، قد يتأخَّر النصر لكِن تكون أنتَ فاتحةَ خيرٍ لدينِ اللهِ، ولذلك نصرُ الْحَقَّ لَيْسَ بلازمٍ أنْ يَكُونَ فِي حياةِ الْإِنْسَانِ، وَلَيْسَ بلازمٍ أن يَكُونَ فِي عصرِهِ، الْآنَ نحن نَفْرَح بانتصارِ المُسلِمينَ فِي بدرٍ، مَعَ أننا ما ذُقنا طعمَ هَذَا النصرِ مباشرةً، لكِن لِأَنَّهُ الحَقّ انتصرَ، ونفرح بأن الله أنجى موسى وأهلَكَ فِرْعَوْنَ، مَعَ أننا لم نَطْعَم هَذَا النصرَ، ولكِنه نصرُ الحقِّ، فالمؤمنُ يفرح بانتصارِ الْحَقَّ ويرى أَنَّهُ انتصار له فِي أيّ زمانٍ وَفي أيِّ مكانٍ، إذا كَانَ صادقًا مَعَ اللهِ ﷾، فلذلك يَقُول الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ لِأَنَّ العاقبة للمتَّقين، وعاقبة المُشْركينَ أسوأُ عاقبةٍ.\n* * *","vol":"1","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-462>الآية (٧١)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٧١].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> بَيَان سَفَهِ هَؤُلَاءِ حَيْثُ استعجلوا عذابَ اللهِ، وقَالُوا: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> بَيَان عُتُوِّهِم وطُغيانه؛ لِأَنَّ هَذَا الاسْتِفْهامَ إن كَانَ عَلَى سبيلِ الاستبعادِ فَهُوَ سَفَه، وإن كَانَ عَلَى سبيلِ السخريَةِ من هَؤُلَاءِ وأنهم يَقُولُونَ: إِنَّ مَا تَعِدُونَنَا كَذِبٌ؛ بدليلِ أَنَّهُ لم يَقَعْ ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ فَهُوَ دليلٌ أيضًا عَلَى عُتوهِم وطُغيانهم، حَيْثُ تحَدَّوُا الرُّسُلَ -عليهم الصَّلَاةُ والسلامُ- بهَذهِ الكيفيَّة.\nوالظَّاهرُ أَنَّهُ من بابِ التحدِّي؛ يَدُلّ عليه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ومثل هَذِهِ العبارة تكون للتحدِّي.\n* * *","vol":"1","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-466>الآية (٧٢)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-468>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> أنَّ البلاءَ موكلٌ بالمَنْطِق، وأن الْإِنْسَان إذا استعجلَ الشَّرَّ وقعَ فِيهِ؟؛ لِقَوْلِهِ: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ﴾، وعسى - كما قَالَ ابن عباس - إذا جاءتْ فِي كلامِ اللهِ فهي للوجوبِ (^١)؛ لِأَنَّ معناها التوقُّع، وأن هَذَا أمرٌ قد حانَ وَقْتُه؛ إذ إنَّ الترجِّيَ بالنِّسْبَةِ إِلَى اللهِ غيرُ مُمْكِن؛ لِأَنَ الترجِّيَ طلبُ ما فِيهِ عُسْرٌ، ولا شَيْء عسير عَلَى الله ﷿.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> سَعَة حِلْمِ اللهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ (بعض) دون الجميع، وهَذَا من حِلْم اللهِ تَعَالَى عَلَى عِبَاده، فإنّ هَؤُلَاءِ المكذِّبين لِرُسُلِهِ المنابِذِينَ لهم المتحدِّينَ لهم يُقَال لهم: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ وَلَيْسَ هَذَا بأوَّل دليلٍ عَلَى حِلْمِ اللهِ؟ بل له أمثلة كثير فِي الْقُرْآنِ؛ مِنْهَا قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج: ١٠]، يُحْرِقون أولياءَهُ بالنَّار وَيعْرِض عليهم التوبةَ، فهَذَا من أعظمِ الحِلْمِ؛ لِأَنَّهُ لو رُدَّ الأَمْرُ إِلَى\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٩٠٥).","vol":"1","page":416},{"text":"مراعاةِ العدلِ لأحرقَ اللهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أحرقوا أولياءَهُ، ولا يَعْرِض عليهم التوبةَ، ولكِنَّ حِلْمَ اللهِ ﷾ واسعٌ، ورَحْمَته سَبَقَتْ غَضَبَهُ.\nفهنا قَالَ: ﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ لا كُلّ الَّذِي تَسْتَعْجِلون، ونَقُول: هَذَا فضلٌ، وباب الفضل أبلغُ فِي الكمالِ، فهَذَا فضلٌ لِأَنَّ العدلَ أن يُعَاجِلَهُمْ بالعقوبةِ؛ لِأَنَّهُم فعلوا الذنبَ، وفاعلُ الذنبِ يُعاقَبُ عليه، بل هَذَا فضلٌ، والفضل أعلى من العدلِ، والله ﵎ مُعَامَلته لعبادِهِ دائرةٌ بينَ الفضلِ والعدلِ، وهناك أمرٌ ثالثٌ وَهُوَ الجَوْر؛ فإن المعاملة قد تكونُ جَوْرًا أو عدلًا أو فضلَّا. والجورُ مُمْتَنِعٌ فِي حقِّ اللهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، والعدلُ والفضلُ حُكْمه بين عِبادِهِ دائرٌ بينهما، ولهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].\n* * *","vol":"1","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-470>الآية (٧٣)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> بَيَان فَضْلِ اللهِ عَلَى عِباده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> أَنَّ العِبادَ وإنْ تَفَضَّلَ اللهُ عليهم فأكثرُهم لا يَشْكُرُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> ذَمُّ غير الشاكرينَ؛ لِأَنَّ الآيَاتِ سِيقتْ لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-475>الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ:</span> الثَّناء عَلَى الشاكرينَ، وهَذَا يُؤخَذ منه بالتضمُّن، وقد سبقَ لنا مِرارًا معنى الشكرِ وَأَنَّهُ لَيْسَ مجرَّد قول اللسان: أَشْكُرُ اللهَ.\n* * *","vol":"1","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-476>الآية (٧٤)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> بَيَان سَعَةِ عِلْم الله؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ وهَذَا دليلٌ عَلَى سَعَة علم الله ﷾، وَأَنَّهُ لا يَخفَى عليه شَيْء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> تحذير هَؤُلَاءِ - وغيرهم أيضًا - من أن يُكِنُّوا فِي صدورهم ما لا يرضاه الله؛ لِأَنَّ إخبارَ الله بأنه يَعْلَم ذلك معناه التحذيرُ؟ أن نحذرَ من أنْ نُكِنَّ فِي صُدُورنا ما لا يَرضاه الله ﷿.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> أن علم الله تَعَالَى بما بَطَنَ كعِلْمِهِ بما ظهرَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿مَا تُكِنُّ﴾ و﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ فلا فرقَ بين هَذَا وهَذَا عند اللهِ، وإن كَانَ المخلوقُ يَختلِف عنده حُكْمُ الغائبِ والظَّاهرِ، فالغائب لا يعلمه المخلوقُ، والظَّاهرُ يعلمه، وحتى لو علِم الغائبَ بطريقٍ من الطرقِ فَإِنَّهُ لا يَستوي مَعَ علمِ الظَّاهرِ أَمَّا اللهُ ﷾ فإنهما عنده سواءٌ.\n* * *","vol":"1","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-481>الآية (٧٥)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-482>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> كتابةُ اللهِ تَعَالَى كُلّ شيءٍ فِي اللوحِ المحفوظِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وَيلْزَم منَ الكتابةِ العِلْم؛ لِأَنَّهُ لا يُكتب المجهولُ.\nفإِذَنْ نَقُول: زيادة عَلَى أن الله عَلِمَ ذلك قد كَتَبَهُ فِي اللوحِ المحفوظِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> إثبات مرتبتينِ من مراتبِ القضاءِ والقدرِ، وهما: العلم والكتابة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> الردُّ عَلَى الْقَدَرِيَّة، والْقَدَرِيَّة هم الَّذِينَ يُنْكِرون القَدَر، والْقَدَرِيَّة انقسموا إِلَى قسمينِ: غُلَاة ومُقْتَصِدينَ، فالغُلاة أنكروا حَتَّى العلم والتَّقْدير، وقَالُوا: إن الله لا يَعْلَم ما يعمله العبادُ إِلَّا بعدَ وقوعِه منهم، وَأَمَّا الشَّيْء الباطنُ أو المستقبَل فلا يعلمه، وبالضَّرورَة لم يكتبْه أيضًا، والثَّانِيَة: المقتصدون منهم، قَالُوا: إنَّ اللهَ عَلِمَ ما الخَلْقُ عاملونَ وكَتَبَهُ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بمشيئتِهِ وخَلْقِهِ، بل المَرْءُ مُسْتَقِلٌّ به.\n* * *","vol":"1","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-486>الآية (٧٦)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الموجودينَ فِي زَمَنِ نَبِيّنا ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: ببَيَان ما ذُكِرَ عَلَى وجهِه الرافعِ للاختلافِ بينَهم لو أَخَذُوا به وأَسْلَمُوا].\nقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ﴾ هَذَا الْقُرْآن يعني المنزَل عَلَى النَّبِيّ - ﷺ -، وقرآنٌ إمَّا مَصْدَر بمعنى اسمِ المَفْعُول، وَإمَّا بمعنى اسْم فاعلٍ، أَمَّا عَلَى الأوّل (قرآن) مصدر بمعنى المَفْعُول؛ لِأَنَّهُ مَقْرُوء، أي: يُقْرَأ، وَهُوَ أيضًا مقروء من القَرْء بِمَعْنَى الجَمْع، فَهُوَ مجموعٌ وَهُوَ مَتْلُوٌّ، بمعنى الجمع والتلاوة، وَأَمَّا عَلَى أَنَّهُ مصدرٌ فإن (فُعْلان) تأتي مصدرًا، مثل الغُفْران والشُّكْران.\nفَهُوَ فِي الحقيقةِ مصدرٌ بمعنى اسْم المَفْعُول، وَإمَّا مصدر مُطْلَق كالغفران والشكران، وَيصِحُّ أيضًا أن نجعله بمعنى اسْم الفاعلِ، بمعنى أَنَّهُ جامعٌ لأحكامِ الكتبِ السابقةِ، وهَذَا أيضًا وجهٌ ثالثٌ أن يَكُون الْقُرْآن بمعنى جامِع، وقد ذكرَ اللهُ تَعَالَى أن الْقُرْآن مُهَيْمِن عَلَى الكتبِ السابقةِ.\nوقوله: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ القَصّ بمعنى التحدُّث بالشَّيْءِ، فهَذَا الْقرْآنُ","vol":"1","page":421},{"text":"يَقُصُّ عَلَى بني إسرائيلَ الموجودينَ فِي عهدِ الرَّسُولِ ﵊ أكثرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَختلِفون، وسيأتي إنْ شاءَ اللهُ أمثلة لهَذَا.\nقوله: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الذكور مِنهم والإناث؛ لِأَنَّ الابنَ إذا كَانَ المُرادُ به القَبيلة فَهُوَ شامل للذَّكَر والأنثى، وإذا لم يُرَدْ به القبيلةُ فَهُوَ خَاصّ بالذكورِ.\nفَإِذَا قَالَ قَائِلٌ مثلًا: هَذَا وقفٌ عَلَى بني مُحَمَّد (مُحَمَّد) شخص، فيَختصّ به الذكورُ، فإذا كَانَ القبيلة كلها تُسمَّى بني مُحَمَّد فَهُوَ للذكورِ والإناثِ.\nوذلك مثل بني تَمِيم؛ إذا كَانَ الْإِنْسَان مُوقفًا عَلَى بني تميمٍ قبل أن يَكُونوا قبيلةً حين وجودِ الجدّ الَّذِي هُوَ تميم فَهُوَ خَاصّ بالذكورِ، وبعد أن كانوا قبيلةً يَكُون عامًّا للذكورِ وللإناثِ.\nإِذَنْ: بنو إسرائيلَ هنا المُرادُ بهم القبيلةُ فيعمّ الذَّكَر والأنثى، وإسرائيل هُوَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ، فهم أبناء عمٍّ للعربِ؛ لِأَنَّ العرب أبوهم إسماعيلُ ابنُ إبراهيمَ، وهَؤُلَاءِ أبوهم يعقوبُ بنُ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ، يعني جَدّهم إِسْحاق الَّذِي هُوَ أخو إسماعيلَ، فهَؤُلَاءِ القوم يُنسبون إِلَى أبيهم، وإسرائيل بمعنى: عبد الله.\nوبعض النَّاس اليومَ يَقُولُونَ: كيف نُسمِّي الدولة اليهودية إسرائيلَ، لماذا نسميها بهَذَا، فما الجواب؟\nالجواب: أن هَذَا نسبة إِلَى أبيهم، ألسنا نسمِّي العربَ قُرَيْشًا نسبةً إِلَى جدهم قريش، فما نَقُول: بنو قريش، بل نَقُول: قُريش، فهنا تُسَمَّى القبيلة باسم أبيها. وإن كَانَ بلَا شَكّ أنَّ الأنسبَ أنْ تُسَمَّى بما سماها الله به؛ وهو: بنو إسرائيل، عَلَى أننا","vol":"1","page":422},{"text":"أيضًا نشكّ فِي أن هَؤُلَاءِ اليهود الموجودين من بني إسرائيلَ، لا ندري لعلَّهم من أوربَّا أو من غيرها من البلاد الَّتِي ليستْ من بني إسرائيل، لكِن عَلَى كُلّ حالٍ فمثلما العرب الْآنَ يعتبرون العروبةَ بالعربيَّة، فيَقُولُونَ: مَن نطق بالعَربِيَّة فَهُوَ عربيّ، وإن كَانَ أصله أعجميًّا، فأولئك أيضًا يَقُولُونَ: مَن نطقَ بالعِبْرِيَّة فَهُوَ إسرائيليّ، وإنْ لم يكن من بني إسرائيلَ، ولهَذَا نحن نَجْزِم أن الطائفةَ الْآنَ الَّتِي تُسمَّى اليهود ليستْ كلها من بني إسرائيلَ، بل إِنَّمَا يَنتمون إِلَى هَؤُلَاءِ القومِ باعتبار الجامعِ بينهم وهو اللُّغة.\nقوله: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي﴾: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي﴾ لم يقلْ: كُلّ الذي، بل قَالَ: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فما الَّذِي يَخْرُج من الأكثرِ؟\nيخرجُ الأقلّ، وذلك أن الْقُرْآن إِنَّمَا قصَّ عليهم ما فِيهِ مصلحة، أَمَّا ما لا مصلحةَ فِيهِ فَإِنَّهُ لا يَقُصُّه؛ لِأَنَّ الْقُرْآن كما تَعْلَمون هُدًى، وكل ما فِيهِ فَإِنَّهُ له معنًى ومقصود، فالشَّيْء الَّذي اختلفوا فيه وَالَّذِي لا فائدةَ منه لا يُقَصُّ عليهم، مثلًا اختلفوا فِي لونِ الكلبِ لأصحابِ الكهفِ، فهَذَا لا فائدة فِيهِ فائدة. كذلك اختلفوا فِي أَشْيَاءَ كثيرةٍ من هَذَا النوعِ ما قَصَّها الْقُرْآنُ، مثل البقرة الَّتِي أُمروا بذبحها، فقد اختلفوا مَن هِيَ له، فقيل: إنَّهَا لإِنْسَانٍ بارّ بابنِه، وَقيلَ: إنَّهَا لشيخ كبير، وَقيلَ أَشْيَاء كثيرة، لكِن هَذَا لا فائدة منه، فأكثر ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مما فِي ذِكره فائدة لهم ولغيرهم يَقُصُّه هَذَا الْقُرْآن ليحكمَ بينهم.\nومن ذلك ما قصَّ عليهم فِي شأنِ عِيسى، فإنَّ عِيسَى كما هُوَ معروفٌ اختلفَ فِيهِ بنو إسرائيلَ، فمِنهم مَن كَذَّبه وأنكرهُ وزَعَمَ أنَّ أُمَّه بَغِيٌّ، ومنهم مَن غَلَا فِيهِ","vol":"1","page":423},{"text":"وقال: إنَّهُ ابنُ اللهِ أو إنَّهُ إِلهٌ.\nوكذلك أيضًا اختلافهم فِي السَّبْت وغير ذلك مِمَّا قصَّ اللهُ علينا فِي الْقُرْآن، فالْقُرْآن قصَّ أكثر الَّذِي هم فِيهِ يختلفونَ، وَأَمَّا ما لا فائدة من قَصِّهِ فتركه.\nقوله: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يَقُصُّ لأجلِ أنْ يُصَدِّقُوا بالْقُرْآن؛ لِأَنَّهُ إذا جاء هَذَا الْقُرْآن قاصًّا عليهم ما سبقَ ممّا فعلوه، والنَّبِيّ - ﷺ - قد عُلِم بأنه ما درسَ التوراةَ ولا درسَ عَلَى اليهودِ؛ عُلِمَ أن ما جاء به فَهُوَ حقّ، وهَذهِ هِيَ الحِكْمَةُ من كونه يَقُول: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ مَعَ أن هَذَا القَصَصَ لبني إسرائيل ولغيرهم، لكِنَّ بني إسرائيلَ عندهم من علمِ الكتابِ ما لَيْسَ عند العربِ، فإذا نزل هَذَا الْقُرْآن حاكمًا بينهم ويقصّ عليهم ما كانوا يختلفون فيه، دلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ حقّ، فلهَذَا بُيِّنَ لهم لإقامة الحجّة عليهم، واللهُ أَعْلَمُ.\nمسألة: القَصص مَصْدَر، والقِصَص جمعُ قِصَّة، ويَصِحّ القَصص بالفتحِ بمعنى قَصّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> أن الْقُرْآن كلام؛ لِقَوْلِهِ: ﴿يَقُصُّ﴾ والقصص قولٌ، فالْقُرْآن إذن قولٌ.\nومعلوم أن الْقُرْآن نزلَ منَ الله، فيَكُون قولًا للهِ ﷾، كما يَدُلّ عَلَى ذلكَ سياقُ الآياتِ ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾ [النمل: ٧٨]، بهَذَا القَوْلِ الَّذِي قَصَّ عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> أَنَّهُ يجوز أن يُخَصَّ طائفةٌ ممن يُخَاطَبون من أجل إقامةِ الحجّة","vol":"1","page":424},{"text":"عليهم، فإن ﴿الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وغيرهم، لكِنَّ بني إسرائيلَ اعتنَى بهم هنا؛ لِأَنَّ الموضوع فيما يَتَعَلَّق بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> أَنَّهُ يَنبغي أن يُعتنى بما هُوَ أهمّ أو بما هُوَ مُهِمّ، وُيترك ما لا فائدةَ منه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ولم يقصّ عليهم جميع ما يَختلفون فيه؛ لِأَنَّ ممّا اختلفوا فِيهِ ما لا فائدةَ من ذِكره، أو ما لا داعيَ لِذِكره. وهَذِهِ مسألةٌ يَنبغي للإِنْسَان أن يَعتني بها، بأن يَقتصرَ عَلَى المهمّ أو الأهمّ، وأن يدعَ ما لا فائدةَ منه؛ لِأَنَّهُ إضاعةٌ للوقتِ وتطويلٌ للكلامِ بلا فائدةٍ، ومن ذلك ما يوجد فِي كثيرٍ من التفاسيرِ؛ يذكرون الخلاف فِي أمور هِيَ فِي الحقيقة واحدة، فتجده مثلًا يذكر الخلافَ عن مُجَاهِدٍ ومُقاتِلٍ وعَلْقَمَةَ وابنِ مَسْعُودٍ وابنِ عَبَّاس، والاختلاف بينهم إِنَّما هُوَ فِي التعبير فقطْ، فمثلًا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ [الإسراء: ٢٣]، يَقُول: قَالَ بعضُ العُلَماء: ﴿قَضَى﴾ بمعنى وصَّى، وبعضهم يَقُول: بمعنى عَهِد، وبعضهم يَقُول: بمعنى أوجدَ، وبعضهم يَقُول: بمعنى ألزمَ، فهَذَا لا داعيَ له؛ لِأَنَّ كُلّ هَذِهِ الكلمات الأربع تدلّ عَلَى معنًى واحدٍ.\nكذلك أيضًا يذكرون الخلافَ فِي ما لا طائلَ تحته، كما ذكروا اختلافهم فِي كلبِ أصحابِ الكهفِ؛ هُوَ أسود أو أحمر أو أبيض ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.\nوكذلك أيضًا اختلافهم فِي عِدَّة أصحاب الكهف، فإن الله تَعَالَى ذكر الخلافَ وأبطلَ قولينِ وأقرّ الثَّالثَ.\nوالمهمّ أن الله يَقُول - بعدما ذكر القَوْلين وأبطل الثَّالث -: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢]، يَعْنِي: لا تتعمَّق إذا جاء أحد يجادلك فِي هَذَا الأَمْر؛ لِأَنَّهُ لا فائدةَ منه، فالشَّيْء الَّذِي لا فائدةَ منه أو فائدته","vol":"1","page":425},{"text":"قليلةٌ ويُضيِّع عليك ما هُوَ أهمّ يَنبغي لك تجَنُّبُهُ، وهَذَا لَيْتَنَا نَسيرُ عليه فِي حياتنا كلِّها حَتَّى نستوعبَ الوقتَ بما فِيهِ الفائدةُ، لكِن ما أكثرَ الأوقاتَ الَّتِي تَضيعُ علينا، وما أكثرَ الأقوالَ الَّتِي تُقال ونُضِيعُ الوقتَ فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ:</span> الإشارة إِلَى الخلاف بينَ بني إسرائيلَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والاختلاف شرٌّ وليس رحمةً، وَأَمَّا (اختلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ) فموضوعٌ لا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الله يَقُول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩]، لكِن لو صحَّ هَذَا الحديثُ مثلًا، أو قاله بعض أهل العلمِ من قولِه، فالمَعْنى: أن هَذَا الاختلافَ داخل فِي رحمة الله وَفي سَعَتِهِ بالنِّسْبَة للمختلِفينَ، أي أَنَّهُم لا يُعَذَّبُون.\nوَلَيْسَ المَعْنى أن إيقاعَ الخلافِ بينهم من رحمةِ اللهِ، بل هُوَ من حكمةِ اللهِ، ولكِن رحمة الله وسِعَتْهُم، فلا يُقَال مثلًا: إنَّهُم معذَّبون بهَذَا الخلافِ، أو إن الواحدَ المصيب منهم له أجرٌ، والباقينَ مَحْرُومُونَ، أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما حكم من يَقُول: إذا كَانَ اختلاف العُلَماء رحمةً فلي أن آخذَ ما يناسبني من هَذِهِ الأقوالِ؟\nفالجواب: بعض النَّاس يتَّخذ من هَذَا المَعْنى وسيلةً إِلَى جواز الترخُّص، هُوَ يَقُول: اختلافهم رحمةٌ بمعنى أنّ لي أنْ آخذَ بأحدِ الأقوالِ الَّتِي تناسبني، ولكِن لَيْسَ هَكَذَا، فإذا صدرَ من قولِ أهلِ العلمِ فَإِنَّهُ لا يَصِحّ إِلَّا عَلَى الوجهِ الَّذِي قلتُ، إنَّ المَعْنى أن هَذَا الاختلاف داخل تحتَ رحمةِ اللهِ، فلا يُعَذَّبُ أحدٌ عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>الْفَائِدَة الخَامِسَةُ:</span> أن الاختلاف لَيْسَ بمحمودٍ.\nلَوْ قَالَ قَائِل: منذ ظهور الإِسْلامِ إِلَى الْآنَ وظاهرةُ الاختلافِ موجودةٌ،","vol":"1","page":426},{"text":"هل يمكِن أن يَكُون وجودها عَلَى خلافِ المصلحةِ؟\nفالجواب: الحِكْمَةُ اقتضتْه؛ لِأَنَّ الصراع بين هَذِهِ الأقوالِ يَتبَيَّن به الْحَقَّ أكثر، ولذلك تجد الْإِنْسَان عندما يمرّ به قول لا خلافَ فِيهِ لا يتكلَّف الأدلَّة ولا يمرِّن نفسه عليها، فالصراعُ بين المختلفين فِيهِ حكمةٌ، وإلّا لو كانوا عَلَى قولٍ واحدٍ لكانَ أسلمَ بلَا شَكّ، والآية صريحةٌ فِي هَذَا.\n* * *","vol":"1","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-493>الآية (٧٧)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾ [النمل: ٧٧].\n* * *\n\nقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: الْقُرْآن [﴿لَهُدًى﴾ من الضلالة ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ من العذاب].\nقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى﴾ هَذِهِ الجملةُ مؤكَّدة بـ (إن) و(اللام). والهدى معناه الدلالةُ، فإن الْقُرْآن هدًى، يعني دلالةً، ولكِنه لا يَنتفعُ به إِلَّا المؤمنونَ؛ كما قيَّده به فِي قوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ أي: سببٌ للرحمةِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان إذا اهتدى به نالَ رحمةَ اللهِ ﷾، فيَكُون رحمة لكِن للمُؤْمِنيِنَ، والتقييد بالمُؤْمِنيِنَ لِأَنَّهُم المنتفِعون به. وقد ذكرَ اللهُ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ هدًى للعالمَينَ، وَأَنَّهُ هدى للمُؤْمِنيِنَ وللمتَّقين، والجمعُ بينهما أَنَّهُ فِي حالةِ العمومِ معناه: دالٌّ وموضعُ دلالةٍ، وِفي حالة التقييدِ: أَنَّهُ ما انتفعَ به وَوُفِّقَ للاهتداءِ به إِلَّا مَن قُيِّدَ به.\nوله هَذِهِ الآيَة من المطلَقِ أو مِن المقيّد؟ من المقيّد بالمُؤْمِنيِنَ.\nإذًا (هُدًى) هَذَا العلم و(الرَّحْمَة) العَمَل والتَّوفيق؛ لِأَنَّهُ سبب الرَّحْمَة.","vol":"1","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-494>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> بَيَان مَرتبة الْقُرْآن وفضله، وَأَنَّهُ هدًى ورحمةٌ، هُدًى بالدلالةِ ورحمةٌ بالعَمَلِ به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> أَنَّهُ لا ينال هَذَا الهدى وتلك الرَّحْمَةَ إِلَّا المؤمنونَ، لِقَوْلِهِ: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> أَنَّهُ لا معارضةَ بينَ هَذِهِ الآيَة وبينَ قولِهِ تَعَالَى فِي وصفِ الْقُرْآنِ ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، والجمعُ بينهما: أنَّ الإثباتَ هنا والإثباتَ هناك مُخْتَلِفِ الجهةِ\"؛ فهناك ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ بمعنى: دليل لهم، فَهُوَ دليل لكلّ النَّاسِ، لكِن هل مَنِ استدلَّ به انتفع به؟ لا، قد يَهتدي به وقد لا يَهتدي، إِنَّمَا هُوَ نفسه صالحٌ للهدايةِ لجميعِ البشرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ:</span> فائدة الإِيمانِ، فلو لم يكنْ من فوائدِ الإِيمانِ إِلَّا هَذَا لَكَفَى؛ وَهُوَ الاهتداء بالْقُرْآن، ونَيل الرَّحْمَةِ به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>الْفَائِدَة الخَامِسَةُ:</span> أَنَّهُ كلَّما كَانَ الْإِنْسَان أقوى إيمانًا؛ كَانَ أقوى اهتداءً بالْقُرْآن. وهَذَا مأخوذٌ من قاعدةٍ سَبَقَتْ، وَهِيَ أنَّ الحُكْمَ إذا عُلِّقَ بوصفٍ قَوِيَ ذلكَ الحكمُ بقوَّة ذلك الوصفِ، وضعُف بضعفِ ذلك الوصفِ، فما دامتِ الهدايةُ والرَّحْمَةُ معلَّقة بوصفِ الإِيمانِ فكلما ازداد هَذَا الوصفُ ازداد الهدى وازدادتِ الرَّحْمَةُ.\n* * *","vol":"1","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-500>الآية (٧٨)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨)﴾ [النمل: ٧٨].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ كَغَيْرِهِم يومَ القيامةِ ﴿بِحُكْمِهِ﴾ أي: عَدْلِه ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالِب ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يَحْكُم به؛ فلا يمكِّن أحدًا مخالَفَتَه كما خالفَ الْكُفَّارُ فِي الدُّنْيا أنبياءَهُ].\nقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين بني إسرائيل؛ لِأَنَّ السياقَ فيهم، ولهَذَا قَالَ: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والمختلِفون يحتاجون إِلَى مَن يَحْكُمُ بينهم أيّهم عَلَى الصَّوابِ، فحُكْمُ اللهِ بينهم فِي الدُّنْيا ويَحْكُمُ بينهم يومَ القيامةِ، حَكَمَ بينهم فِي الدُّنْيا بما أنزله فِي الْقُرْآن المستفاد من قولِه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. ويحكمُ بينهم يومَ القيامةِ بالحكم العدلِ.\nفمن جُملةِ ما قصَّ الله علينا فِي الْقُرْآن القضاءُ بين بني إسرائيلَ، فبنو إسرائيلَ اختلفوا فِي أَشْيَاءَ؛ كاختلافِهِمْ فِي المَسيحِ ﵊ وغيرِهِ، فحكمَ اللهُ بينهم بالْقُرْآن بأن هَؤُلَاءِ مُصيبونَ وهَؤُلَاءِ مخطِئون، فبيَّن أن اليهودَ أخطأوا والنصارى أخطأوا أيضًا، والمعتدِلون مِنَ النصارى أصابوا، لكِن الحكم الَّذِي يترتَّب عليه الثوابُ والجزاءُ يَكُون يومَ القيامةِ، فهنا الحكمُ فِي الدُّنْيا ما يَتبين به الْحَقَّ منَ الباطلِ،","vol":"1","page":430},{"text":"وَأَمَّا فِي الآخِرَةِ فَهُوَ ما يَتَرَتَّب عليه الثوابُ والعقابُ.\nوقول المُفَسِّر ﵀: [﴿يَقْضِى بَيْنَهُمْ﴾ كغيرِهِم يومَ القيامةِ]، لا يَتعيَّن أن يَكُون هَذَا القضاءُ يومَ القيامةِ، بل قد يَكُون فِي الدُّنْيا أيضًا، فإن القضاءَ كما يَكُون يومَ القيامةِ يَكُون أيضًا فِي الدُّنْيا.\nوقد قَضَى بينهم فِي الدُّنْيا بما أنزلهُ فِي كتابِهِ، وبَيَّنَ الَّذِينَ عَلَى حقٍّ والَّذِينَ عَلَى باطلٍ من بني إسرائيلَ، وهَذَا نوعٌ منَ القضاءِ، ويومَ القيامةِ يَقضي بينهم قضاءً يَتَرَتَّب عليه الثوابُ؛ إمَّا بالعقوبةِ وَإمَّا بالإحسانِ.\nفالحاصل: أن قول الله ﷿: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ لا يَتعيَّن أن يَكُون يوم القيامة كما قيَّده به المُفَسِّر؛ لِأَنَّ القضاءَ كما يَكُون فِي الآخِرَةِ يَكُونُ فِي الدُّنْيا.\nوقول المُفَسِّر: [كَغَيْرهِم] يفيد أن القضاءَ يومَ القيامةِ لَيْسَ بينَ بني إسرائيلَ فقطْ، بل بينهم وبين غيرهم، وهَذَا أمرٌ لَا شَكَّ فِيهِ ولا حاجةَ إِلَى تقديره؛ لِأَنَّهُ ما دام السياق فِي بني إسرائيلَ فإن كلمةَ (كغيرهم) لا يَنبغي أنْ تُقْحَم فِي هَذِهِ الآيَة؛ لأنك إذا أقحمتَ كلمة (كغيرهم) يَكُون كالاعتراضِ عَلَى الْقُرْآن؛ لِأَنَّ معناه أن المَقامَ يَقتضيه ولكِنه لم يبينْ. فنَقُول هنا: لا حاجة إِلَى تقديرِ: (كغيرهم) بل هُوَ يَقضي بينهم. والآيَة هنا لم تَتَعَرَّض للقضاءِ العامّ، وَأَمَّا القضاء العامّ فَهُوَ مستفادٌ من آيَاتٍ أُخرى.\nقوله: ﴿بِحُكْمِهِ﴾ أي: بعدلِه، وهنا أضاف الحكمَ إِلَى اللهِ ﷾ لأمرينِ:\nالأَمْرُ الأوّل: أنَّهُ حكمٌ مُتَضَمِّن للعدلِ.\nوالأَمْرُ الثاني: أَنَّهُ حكمٌ لا يُعَقَّب، بل لَا بُدَّ أن يُنَفَّذ، بخلافِ حُكم غيرِه فَإِنَّهُ","vol":"1","page":431},{"text":"عُرْضَة للخللِ من الناحيتينِ؛ من ناحية أَنَّهُ قد يَكُون غيرَ عدلٍ، ومن ناحية أَنَّهُ قد يَكُون غير مُنَفَّذ.\nقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾ أي: عدله، وهَذَا طرفٌ أو جزءٌ مِمَّا يَدُلّ عليه قوله ﴿بِحُكْمِهِ﴾؛ إذ إنَّهُ يَدُلّ عَلَى الأَمْرينِ اللذينِ ذكرنا.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب]، وقد تقدَّم فِي شرح الأسماء الحسنى أن العزيز له ثلاثةُ معانٍ، وهي: عِزّة القهر، وعزة القَدْر، وعزة الامتناع؛ لِأَنَّ ﴿الْعَزِيزُ﴾ معناه المُمْتَنِع عن كُلّ نقصٍ الَّذِي لا يَلْحَقه نقصٌ، وَأَنَّهُ غالب وَأَنَّهُ ذو قَدْرٍ عظيمٍ.\nوغالبًا ما يفسِّر المُفَسِّر وغيره ﴿الْعَزِيزُ﴾ بالغالبِ؛ لِأَنَّهُ أظهر معانيه، ولأنه يَكُون أحيانًا فِي سياقٍ يَقتضي أن تكون الغَلَبَة أخَصَّ به من غيرها.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ بما يَحْكُمُ به]، وهَذَان الأَمْران من شروطِ الحُكم؛ لِأَنَّ مَن حَكَمَ بغيرِ علمٍ أصاب حُكْمَه الخللُ، ومن حَكَمَ بغير عزّة أصاب حكمه الخللُ أيضًا:\nفالأوّل الَّذِي هُوَ فواتُ العلمِ: يَحصُل به خللُ الحكمِ فِي إصابةِ الصَّوابِ؛ لِأَنَّ مَنْ حَكَمَ بغيرِ علمٍ فإصابته للصوابِ من باب المصادفةِ.\nالثاني: إذا فاتت العزّة حَصَلَ الخَلَلُ بالحكمِ، لا من ناحية الصَّوابِ ولكِن من ناحيةِ التنفيذِ، فَإِنَّهُ إذا كَانَ لَيْسَ له عِزّة وحَكَمَ بامرٍ فقد يخالَف فِي هَذَا الأَمْر؛ لِأَنَّ الضعيف الَّذِي لَيْسَ عنده عِزَّة لا ينفّذ، فلهَذَا قَالَ: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ليتبينَ الأَمْرانِ، فالحكم يَفتقر إِلَى الوصفينِ جميعًا؛ وهما العزّة والعِلم.","vol":"1","page":432},{"text":"فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: كيف يُقَدِّمُ العزيزَ عَلَى العليمِ، والعلمُ سابقٌ من حَيْثُ الترتيبُ الحكميُّ؛ إذ إنَّهُ يَعْلَم ثُمَّ يَحْكُم ثُمَّ يُنَفِّذ؛ لِأَنَّ العزة تتعلَّق بالتنفيذِ، والتنفيذ بعدَ الحكمِ، والعلم يتعلّق بالحكمِ، والحكمُ سابقٌ عَلَى التنفيذِ، فما هِيَ الحِكْمَةُ فِي أن يقدِّم العزَّة هنا عَلَى العلمِ؟\nقُلْنَا: لِأَنَّ المقامَ هنا يَقتضي بَيَان قوّة حُكم اللهِ ﷾، وأن هَذَا الحكم لَا بُدَّ أن يَنْفُذ؛ لِكونِه صادرًا عن عزيزٍ، فَكَانَ من المناسِبِ تقديم العزّة عَلَى العلم.\nونظير هَذَا قوله تَعَالَى عن الملائكة لما قالت امرأةُ إبراهيمَ حينما صكّت وَجْهَها وقالت: ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩]، قالوا: ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات: ٣٠]، فقدّموا الحِكمةَ عَلَى العِلمِ، مَعَ أن العلم سابق؛ إذْ لا حكمةَ إِلَّا بعلمٍ، لَكِنَّهُ لمّا كَانَ هَذَا أمرًا خارجًا عنِ العادةِ ومُسْتَغْرَبًا قدَّموا الحِكْمَةَ لِيَتبَيَّنَ لها أَنَّهُ ما خَرَجَ ذلك عنِ العادةِ إِلَّا لحكمةٍ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ فلا يُمَكِّن أحدًا مخالفتَه كما خالفَ الكفّار فِي الدُّنْيا أنبياءَه]، الحكم فِي الدُّنْيا -كما قَالَ المُفَسِّر- يخالَفُ، والمُراد الحكمُ الشرعيّ، أَمَّا الحكمُ الكونيّ فلا يمكن أن يُخَالَف؛ لا فِي الدُّنْيا ولا فِي الآخِرَة، فلا أحدَ يَقدِر أن يخالفَ اللهَ، والحكمُ الشَّرْعِيّ يمكِن مخالفتُه فِي الدُّنْيا كما هُوَ كثير، بل أكثرُ النَّاسِ يُخالِفون الحكمَ الشَّرْعِيّ فِي الدُّنْيا؛ لِأَنَّ بني آدمَ مِنهم تسعمائة وتسعة وتسعون من الألفِ كلهم مخالِفون للحكمِ الشَّرْعِيّ، وواحد فِي الألفِ موافِقٌ للحُكم الشَّرْعِيّ، والدَّليل حديث آدمَ أن الله يناديه يوم القيامةِ فيقول: \"يَا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ","vol":"1","page":433},{"text":"تِسْعَمِائَةٍ وَتسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَاحِدٌ فِي الجَنَّةِ وهَؤُلَاءِ فِي النَّارِ\" (^١). هَذَا النصّ.\nيقولُ ابنُ القَيِّمِ فِي النونيَّة (^٢):\nيَا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ لَيْسَ يَنَالهُا ... فِي الْألفِ إِلَّا وَاحِدٌ لَا اثْنَانِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-502>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> أن القَضاء موكولٌ إِلَى اللهِ وحدَه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> أن كُلّ قضاءٍ لا يَستنِد إِلَى قضاءِ اللهِ فَهُوَ باطلٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> إثباتُ العدلِ للهِ ﷾، لِقَوْلِهِ: ﴿بِحُكْمِهِ﴾ فإن إضافةَ الحكمِ إِلَى اللهِ دليلٌ عَلَى أَنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى العدلِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ:</span> أن هَذَا الحُكْمَ يَتَضَمَّن الحُكم الشَّرْعِيّ والحكمَ الجزائيّ، فيقضي بينهم بحُكمه شرعًا فِي الدُّنْيا، وبجزائه عدلًا فِي الآخِرَةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾ وهَذِهِ مستفادة من التفسيرِ.\nوتقدّم أن إضافةَ الحكمِ إِلَى اللهِ ﷾ تقتضي أمرينِ: أحدهما: العدل، والثاني: الإصلاح.\nيعني ما دامَ حكمًا مضافًا إِلَى الله ﷾ وقد عُلِم أَنَّهُ ﷾ حكيمٌ\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الأنبياء، باب قِصَّة يأجوج ومأجوج، حديث رقم (٣١٧٠)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب قوله: \"يقول الله لآدم: أخرج بعث النَّار؛ من كُلّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعين\"، حديث رقم (٢٢٢)، عن أي سعيد الخدري - ﵁ -.\n(^٢) الكافية الشافية لابن القيم (ص: ٣٥٤).","vol":"1","page":434},{"text":"فإن هَذَا الحكمَ لَا بُدَّ أن يَكُون مناسبًا وموافقًا لمَحَلّه. وكلُّ حُكم وافقَ مَحَلّه فَهُوَ إصلاح؛ لِأَنَّ هَذَا يتضمَّن العدل والإصلاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>الْفَائِدَة الخَامِسَةُ:</span> وصف الله تَعَالَى بالعزّة والعلمِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>الْفَائِدَة السَّادِسَةُ:</span> قَرْن العزّة مَعَ العلمِ فِي هَذَا الموضعِ يُستفاد منه فائدة مستقلّة غير فائدة العزّة عَلَى حدةٍ والعلم عَلَى حدةٍ، يعني يُستفاد من جمعهما فائدة مكوَّنة منهما، وهي: أن حكمَ اللهِ ﷾ لَا بُدَّ أن ينفذَ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، ولا بد أن يَكُون مطابِقًا وصحيحًا، لِقَوْلِهِ: ﴿الْعَزِيزُ﴾ لأَنّنا قُلْنَا فيما سبق: إن من تمامِ الحكمِ العلمُ والعزّة، فالعِلم ليحكمَ بالصَّوابِ، والعزّةُ لينفذَ ما حكمَ به، وإن خلل الحكم يأتي إمَّا منَ الجهلِ وإمَّا من الضعفِ؛ إمَّا لجهلِ الحاكمِ فيحكم بغير الصَّواب، وَإمَّا لضعفِه فلا يستطيع أن ينفذَ.\nإِذَنْ: يُؤخَذ من جمع هذين الوصفينِ لله ﷾ عَقِبَ ذِكْرِ الحكم: تمام حكمِ اللهِ، حَيْثُ كَانَ مبنيًّا عَلَى العزّة والعلمِ، فبالعزّة يَكُون التنفيذُ، وبالعلم يَكُون الصَّواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>الْفَائِدَة السَّابِعَةُ:</span> تقديم الأخصّ مِنَ الأوصافِ عَلَى الأعمِّ، فالأخصُّ معناه الأنسبُ للقضيّة، فهنا قدَّم العزَّة عَلَى العلمِ مَعَ أن العلمَ سابقٌ عليها فِي الترتيبِ الحكميّ؛ ففِي الترتيب الحكميّ العلم أسبقُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان يعلم ثُمَّ يحكم ثُمَّ ينفِّذ. لكِن هنا قدَّم العزَّةَ على العلمِ فِي الذِّكر، وقد تقدّم فِي التفسيرِ.\n* * *","vol":"1","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-509>الآية (٧٩)</span>\n* * *\n\nقَالَ اللهُ ﷿: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثِقْ بِه ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ أي: الدِّين البَيِّن، فالعاقبةُ لكَ بالنصرِ عَلَى الكفَّار].\nقوله: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ الخطاب للنبيِّ - ﷺ -، والأَمْر هنا للوجوبِ، والتوكُّل نصفُ الدينِ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، ولا استعانةَ إِلَّا باعتمادٍ، ولهَذَا يَقُولُونَ: إنَّ الدِّين عِبَادةٌ وتَوَكُّل؛ عبادةٌ يَفعلُها الْإِنْسَان، وتَوَكُّل يَعتمِد به عَلَى اللهِ ﷾.\nهنا قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثِقْ بِه]، وفسَّره غيرُه بأنَّ التوكُّلَ هُوَ الاعتمادُ عَلَى اللهِ مَعَ الثِّقَة، فلا بدَّ مِنِ اعتمادٍ وثقةٍ، وبهما يَكُون التوكُّل، فقد تَعْتَمِدُ عَلَى غيرِ اللهِ مثلًا لكِن لا تَثِق به، وقد تَعْتَمِد عَلَى إِنْسَانٍ فِي أنْ يشتريَ لك شيئًا، ولكِنَّك مَعَ هَذَا لا تَثِقُ به، وقد تَثِق بالْإِنْسَان فِي أمانتِهِ ولكِنَّك لا تَعْتَمِد عليه لِضَعْفِه، والأوَّل إمَّا لضعفه أو خيانته، أَمَّا اللهُ ﷿ فيَجِب عليكَ أنْ تَعْتَمِد عليه واثقًا به، ولا يُمْكِن تحقيقُ التوكُّل إِلَّا بهَذَا.\nإِذَنِ: التوكُّل عَلَى اللهِ: الاعتمادُ عليه مَعَ الثِّقة به، فلا بدَّ منَ الأَمْرينِ؛ من اعتمادٍ وثقةٍ. والأَمْرُ بالتوكّل لا ينافي فِعْلَ الأَسْبَابِ الصَّحيحةِ الَّتِي تؤثِّر فِي المُسبَّبَات؛ فإن","vol":"1","page":436},{"text":"الرَّسُول - ﷺ - بلَا شَكّ كَانَ سيّدَ المتوكِّلين، ومع ذلك كَانَ يفعل الأَسْبَاب الَّتِي تحصُلُ بها المنافعُ وتَندَفِع بها المضارُّ؛ كَانَ يأكل ويشرب ويلبس. وَكَانَ أيضًا يتّخذ ما يَقِي مِنَ الضَّرَرِ، حَتَّى إنَّهُ فِي أُحُدٍ ظَاهَرَ بينَ دِرْعَيْهِ (^١)، يَعْنِي: لَبِسَ دِرْعَيْهِ، كُلّ ذلكَ تقويةً للأَسْبابِ الَّتِي تندفِعُ بها الأضرارُ.\nفإِذَنِ: التوكُّل عَلَى اللهِ لا يَعني ألَّا تأخذَ بأَسْبابِ النجاحِ، بل خُذْ بالأَسْبَابِ مَعَ الاعتمادِ عَلَى اللهِ تَعَالَى والثِّقة به أنْ يَنْفَعَ بهَذَا السَّبَب.\nولمّا حَجَّ قومٌ من أهل اليمنِ وَلَيْسَ معهم زادٌ قَالُوا: نحن نحجّ ونحن المتوكّلون؛ فماذا قيل لهم؟ قيل لهم: أنتمُ المتواكِلون (^٢)، ففرقٌ بين التواكُلِ والتوكّل، فالْإنْسَان الَّذِي يريد أنْ تأتيَه الأُمُورُ بدونِ فِعْلِ أَسْبابها هَذَا متواكِل وَلَيْسَ عنده عقلٌ، والبهائم والحشرات وغيرها تفعل الأَسْبَاب، مَعَ أنّ الَّذِي قامَ بِرِزْقِها وتكفّل به هُوَ اللهُ ﷾: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، ومع ذلك تجدها تفعل الأَسْبَاب، بل قَالَ الرَّسُول ﵊: \"لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكلِهِ لَرَزَقَكُمْ كمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ؛ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا\" (^٣)، لم يقلْ: تبقى فِي أوكارها ويأتيها رِزْقُها، قَالَ: تغدو، أي: تَذْهَب فِي الصباحِ فِي الغدوِّ خِماصًا،\n_________\n(^١) رواه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في لبس الدروع، حديث رقم (٢٥٩٠)؛ والنسائي في الكبرى، كتاب السير، باب التحصين من الناس، حديث رقم (٨٥٨٣)؛ وابن ماجه، كتاب الجهاد، باب السلاح، حديث رقم (٢٨٠٦)؛ وأحمد (٣/ ٤٤٩) (١٥٧٦٠)، عن السائب بن يزيد - ﵁ -.\n(^٢) رواه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٨١) (١٢١٥)، موقوفًا عن عمر بن الخطاب - ﵁ -. وأصله في صحيح البخاري، كتاب الحج، باب قول الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، حديث رقم (١٤٥١)، موقوفًا عن ابن عباس - ﵄ -.\n(^٣) رواه الترمذي، كتاب الزهد، باب التوكل على الله، حديث رقم (٢٣٤٤)؛ وابن ماجه، كتاب الزهد، باب التوكل واليقين؛ وأحمد (١/ ٣٠) (٢٥٥)، عن عمر بن الخطاب - ﵁ -.","vol":"1","page":437},{"text":"يَعْنِي: جائعةً، وتَرُوحُ فِي آخرِ النَّهار بِطانًا: مَلآنة بُطُونُها.\nفالْإِنْسَان المتوكِّل هُوَ الَّذِي يأخذُ بالأَسْبَاب النافعةِ، أَمَّا الأَسْبَاب الَّتِي لا تنفعُ فإن الأخذَ بها نوعٌ من الشِّرْك، فكُلّ مَن أخذ بسببٍ لَيْسَ بنافعٍ - يعني ما دلَّ عَلَى نفعه الحِسّ ولا الشَّرع - فَإِنَّهُ قد فَعَلَ نوعًا منَ الشِّركِ. ولهَذَا التمائمُ والتعوُّذات والتِّوَلَة ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ من الأُمُورِ الَّتِي يَزْعُمُون أَنَّهَا تفعل وهي لا تفعل، جَعَلَها النَّبِيّ - ﷺ - منَ الشِّرْكِ؛ لأننا نَقُولُ فِي تقريرِ هَذَا: كُلّ مَنِ اتَّخذ سببًا غيرَ نافعٍ، يعني لا يَدُلّ عَلَى نفعِه شرعٌ ولا حِسٌّ، وإن شئتَ قُلْ: شرع ولا قَدَر، فَإِنَّهُ مُشْرِك.\nووجه كونه مشركًا أنه أثبتَ سببًا لم يجعلْه اللهُ سببًا، فكَانَ مُشَارِكًا لله تَعَالَى هنا فِي تقديرِهِ؛ لِأَنَّ مقدِّر الأَسْبَاب وجاعلَ الأَسْبَابِ سببًا هُوَ اللهُ، فهَذَا إِلَى اللهِ، فأنت إذا قلتَ: هَذا سببٌ، وَهُوَ لَيْسَ بسببٍ، فقد أشركتَ مَعَ الله، وجعلتَ نفسَكَ شَريكًا مَعَ اللهِ ﷾.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: مَنِ اتخذ سببًا مُحَرَّمًا مثل الرِّبا، هل يُعَدُّ مِنَ الشِّركِ؟\nفالجواب: هَذَا لا يُعدّ مِنَ الشرك؛ لِأَنَّ هَذَا السَّبَب حِسِّيٌّ، فكونه سببًا للرزقِ سببٌ حِسّيّ، لَكِنَّهُ مُحَرَّم شرعًا، فالذي يُرابي اتَّخذ وسيلةً تُحَقِّق له الرِّبْحَ قَدَرًا؛ لِأَنَّهُ إذا قَالَ: أُعطيك عشرةً وتردّها اثني عَشَرَ، فهَذَا سببٌ للربحِ، لَكِنَّهُ سببٌ قدريٌّ، لِأَنَّ اللهَ ما أذِن فِيهِ شرعًا، لكِن إذا وقعَ عَلِمنا أَنَّهُ أذِن فِيهِ قَدَرًا، وهَذَا لَيْسَ بشِركٍ؛ لِأَنَّهُ سببٌ قَدَرِيٌّ، إِنَّمَا هُوَ محرَّم لِأَنَّهُ منهيٌّ عنه شرعًا.\nإِذَنِ: التوكُّل عَلَى الله هُوَ الاعتماد عَلَى الله مَعَ الثقةِ به، لَيْسَ مجرّد الاعتماد، بل مَعَ الثقة، ولا ثِقة إِلَّا برجاءٍ. ثُمَّ إن التوكّل قُلْنَا: لا ينافي فعلَ الأَسْبَاب الَّتِي جعلها الله تَعَالَى سببًا شرعًا أو قَدَرًا.","vol":"1","page":438},{"text":"لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل يَصِحُّ أن تقول لفلانٍ منَ النَّاس: أَعتمِد عليك فِي إنجاز هَذَا الأَمْر؟\nفالجواب: ليس فيها شيءٌ، بشرطِ أن يَكُونَ حقيقةً ممَّا يُمْكِنُ الاعتمادُ عليه فيه؛ لِأَنَّ الاعتماد على الأَسْبَاب الحقيقيَّة جائزٌ، لكِن مَعَ اعتقادِ أَنَّهُ سببٌ لا أَنَّهُ مستقلّ.\nوَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما حُكْمُ قول العوامّ عِندنا: (وَكِّلِ اللهَ)؟\nفالجواب: الظَّاهرُ أن معنى (وَكّلِ الله) عندهم: اعتَمِدْ عَلَى اللهِ، وَلَيْسَ المَعْنى: اجْعَلِ اللهَ وَكِيلًا لكَ، أو معناه أن الله تَعَالَى يَكُون شاهدًا عليك، فليس المقصود أنِّي أنا فِي قِيامي بأمركَ مثل قيام الله تَعَالَى بأمرِكَ، فهم قصدُهم: اعتمد عليَّ الله ووكِّلْه عليَّ شهيدًا؛ لأَنَّنا لو نَظَرْنا إِلَى ظاهرِ اللفظِ فالمَعْنى أني أنا لكَ بمنزلةِ اللهِ، وهم لا يريدون هذا، أو المَعْنى (وَكِّل الله) أيِ: اعتمِدْ عَلَى الله، وكذلك قولهم: (اتكل عليَّ) لَيْسَ فِيهِ شَيْء، وقولهم: (الله وكلك) لَيْسَ فِيهِ شيءٌ، أي جَعَلَكَ وكيلًا لي بالصيغةِ الَّتِي نطقت بها؛ لِأَنَّهُ الله وكَّله بلَا شَكّ؛ لِأَنَّهُ إذا وقع الأَمْر فَهُوَ بقضاءِ اللهِ، وكذلك قولهم: (اتَّكِلْ عَلَى اللهِ) فهَذهِ صحيحةٌ وطيِّبَةٌ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [قوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ الدِّين البَيِّن]، فسَّر المُفَسِّر الْحَقَّ بالدينِ، والمبينَ بالبَيِّن، وَلَيْسَ هَذَا بجيدٍ؛ لِأَنَّ الدينَ منه حقٌّ ومنه باطلٌ، ولهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح: ٢٨]، وهَذَا هُوَ الدين الباطِلُ، فالدينُ الْحَقّ يَظْهَر عَلَى الدّين كلِّه، أي: عَلَى الدينِ الباطلِ. فتفسيرُ المُفَسِّر الحَقَّ بالدينِ قُصُورٌ بلَا شَكّ، بلِ الْحَقَّ هنا الثابتُ بِصِدْقِ أخباره وعدل أحكامِهِ.\nوأمَّا قوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ ففسَّره بالبيِّن، وَعَلَى هَذَا جعل (أبان) من اللازِمِ؛ لأنَّ بان يَبِينُ فَهُوَ بَيِّن، وأبان يُبِينُ فَهُوَ مُبِين. وهل تَصِحّ أن تكونَ بمعنى (مُظْهِر)؟","vol":"1","page":439},{"text":"الجواب: لا، بَيِّن هنا أنسبُ مِن مُظْهِر، فهَذَا الْحَقّ بَيِّنٌ ظاهرٌ.\nوفي قوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ تثبيتٌ للرَّسُولِ - ﷺ - عَلَى أنْ يَبقى عَلَى ما هُوَ عليه مُعتمِدًا عَلَى اللهِ ﵎؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان إذا عَلِم أَنَّهُ عَلَى حقٍّ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ وتَرْسُخُ قدماهُ، وإذا كَانَ شاكًّا أو مُتَرَدِّدًا فَإِنَّهُ لا يثبتُ، فَأَمَرَه أن يعتمدَ عليه، وَبَيَّنَ له أن ما كَانَ عليه مِنْ هَذَا الدِّينِ فَهُوَ حقٌّ بَيِّنٌ ظاهِرٌ.\nوإعراض هَؤُلَاءِ المُعْرِضِينَ عنه لا يَقْدَحُ فِي كونِه بَيِّنًا؛ لِأَنَّ البلاءَ لَيْسَ منَ الْقُرْآن؛ فالبلاءُ مِنهم، ولهَذَا أعقبهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠].\nفالحاصل الْآنَ: أن اللهَ أمرَ نبيَّه أنْ يَعتمِدَ عَلَى اللهِ، وبَيَّنَ له الحالَ الَّتِي كَانَ عليها، وأن هَذَا الدينَ حقٌّ بَيِّنٌ، ثُمَّ بَيَّنَ ﷾ أن إعراضَ مَن أعرضَ عنه لَيْسَ لِقُصُورٍ فِي بَيَان هَذَا الدينِ وظهورهِ، ولكِن لِقُصُورٍ فِي هَؤُلَاءِ المُعْرِضينَ؛ لِأَنَّ الدِّينَ هنا بالنِّسْبَةِ إليهم لم يصادِفْ مَحَلًّا، وكما هُوَ معروفٌ أن الأَمْرَ إذا لم يُصادِفْ مَحَلًّا قابِلًا لم يَثبتْ، حَتَّى إنَّ الْإِنْسَان لَيَقْرَأُ آيَةً عَلَى مريضٍ فيَشْفَى، ويَقْرَؤها عَلَى مريضٍ آخرَ بنفسِ المرضِ فلا يَشفَى؛ لِأَنَّ المريض الأوّل قابِلٌ مؤمنٌ بتأثيرِهَا والثانيَ لَيْسَ مؤمنًا بتأثيرها فلا تَنْفَعه، فلا بدَّ فِي الأُمُورِ من قابليّةٍ، يعني مَحَلًّا يَقْبَلُ هَذَا الشَّيْء، وإذا لم يَقْبَلْ فلا يُمْكِن أن يُلائِمَه.\nوهَذَا كما أَنَّهُ فِي الأُمُورِ الشَّرْعِيَّة، كذلك أيضًا فِي الأُمُورِ الْقَدَرِيَّة، فلو أَنَّنَا زَرَعْنَا قلبًا فِي إِنْسَانٍ، ونفرَ منه الجسمُ فلا يبقَى، بل يموتُ، أو زَرَعْنَا كُلْيَة فِي إِنْسَانٍ ونفرَ مِنْهَا الجسمُ، فإنها لا تَبْقَى، فتَتَعَفّن ويموت، فكل شَيْء لَا بُدَّ أن يَكُون المحلُّ قابلًا له، فإنْ لم يقبلْه فلا مكان له.","vol":"1","page":440},{"text":"فهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَعْرَضوا عنِ الْقُرْآن إِعْرَاضُهُمْ لَيْسَ مَعْنَاهُ النَّقْص فِي الْقُرْآن، فالْقُرْآن حقٌّ بَيِّنٌ واضحٌ، لكِن البلاء مِنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-510>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> وُجُوب التوكّل عَلَ اللهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ والأَصْل فِي الأَمْرِ الوجوبُ، ومعنى التوكُّل سَبَقَ تفسيرُه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-512>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> أنّ بالتوكُّل عَلَى اللهِ ﷾ تَتيَسَّر الأُمُورُ؛ لِأَنَّ الرَّسُول - ﷺ - يُكَابِد مِنْ عنادِ بني إسرائيلَ وغيرِهم، فأمر الله بالتوكُّل عليه، لِأَنَّ الله ذكرَ فائدةَ التوكّل فِي قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، فبالاعتمادِ عَلَى اللهِ تَتيَسَّر الأُمُورُ، وباعتماد الْإِنْسَان عَلَى نفسِهِ يحصُل الخِذلان.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾ [التوبة: ٢٥]، مَعَ أن الرَّسُول ﵊ معهم، ومع أَنَّهُم خَيْرُ القرونِ وأفضلُ أهلِ الْأَرْض، فلمّا قَالُوا: \"لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ\" (^١) حَصَلَ هَذَا الأَمْر.\nفيَتبَيَّن بهَذَا أنّ مَنِ اعتمدَ عَلَى نفسِهِ فِي حصولِ مَقصودِهِ أو دَفْعِ ضَارِّهِ فَإِنَّهُ يُخْذَلُ، ولهَذَا أمر اللهُ رسوله بالتوكُّل عَلَى الله فِي هَذَا المقام -مَقام النِّزاع وبَيَان الحَقّ لبني إسرائيلَ- وَهُوَ يكابد ﵊ من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-513>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> تَسليةُ الرَّسُولِ - ﷺ -؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.\n_________\n(^١) رواه أبو عوانة في مسنده (٦٧٥٤)؛ وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٧٧٣) وانظر: السيرة النبوية لابن هشام (٥/ ١١٣)؛ زاد المعاد (٣/ ١١١).","vol":"1","page":441},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-514>الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ </span>والخامِسَةُ: شَهادة الله تَعَالَى لمِا جاء به الرَّسُول بأَنَّهُ حقّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ هو ومن هَذِهِ الفائدةِ نَستفيد فائدةً أُخرى، وهي: الترغيبُ فِي سلوكِ طريقِ النَّبِيّ - ﷺ - ما دامَ حقًّا؛ لِأَنَّ كُلّ إِنْسَانٍ عاقلٍ يَختار الحَقَّ عَلَى الباطلِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-515>الْفَائِدَة السَّادِسَةُ:</span> فضيلة النَّبِيّ - ﷺ - حَيْثُ كَانَ مَسْلَكه الحقّ المُبِين؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ فهَذَا فِيهِ شَهادة منَ الله وتزكيةٌ للرَّسُولِ ﵊، وَهُوَ يَتَضَمَّن فضيلةَ الرَّسُولِ - ﷺ -؛ لِأَنَّ الشهادةَ مِنَ اللهِ أَنَّهُ عَلَى الْحَقَّ المُبين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>الْفَائِدَة السَّابِعَةُ:</span> أن كُلّ ما خالفَ ما كَانَ عليه الرَّسُول ﵊ فَهُوَ باطلٌ؛ لأَنَّنا لو قُلْنَا: إنَّهُ حقٌّ لَلَزِمَ الجمعُ بين النقيضينِ، فلا يمكن أن يَكُونَ ما كَانَ عليه الرَّسُول حقًّا وهَذَا حقّ، فلا يُمْكِن وَهُوَ يخالفه؛ إذ هَذَا جمْع بين النقيضينِ، فلا يُمْكِن أن يَكُون الشيئانِ المتناقضانِ كُلّ منهما حقّ، فلَا بُدَّ أن أحدهما هُوَ الحق، ولهَذَا يَقُول الله - ﷿ -: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]؛ ويقول تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ [سبأ: ٢٤]، إحداها ﴿لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، وبهَذَا نعرف أن جميع ما خالف ما كَانَ عليه الرَّسُول ﵊ فَهُوَ باطل، وَهُوَ فِي النَّار كما قَالَ الرَّسُول - ﷺ -: \"كُلّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً\" (^١).\nفإن كانت المخالَفَةُ تامَّةً فَهُوَ باطل كلّه، وإن كانت المخالفة جُزْئِيَّة كَانَ فِيهِ منَ الباطلِ بِقَدْرِ ما خالفَ ما كَانَ عليه الرَّسُول - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>الْفَائِدَة الثَّامِنَةُ:</span> ظهور أحقيَّة ما كَانَ عليه الرَّسُول ﵊ أَنَّهُ حقّ لَيْسَ به خَفَاء؛ لِقَوْلِهِ: ﴿الْمُبِينِ﴾.\n_________\n(^١) رواه ابن ماجة، كتاب الفتن، باب افتراق الأمم، حديث رقم (٣٩٩٣)؛ وأحمد (٣/ ١٢٠) (١٢٢٢٩)، عن أنس بن مالك - ﵁ -.","vol":"1","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-518>الْفَائِدَة التَّاسِعَةُ:</span> أَنَّ بَيَان الْحَقَّ لا يَلْزَم منه أن يَكُونَ بَيِّنًا لكلِّ أحدٍ، فإن الخفافيشَ تَعْمَى بِضِيَاء النَّهارِ، فلا يَلْزَم من كونِ الرَّسُول ﵊ عَلَى الْحَقَّ المُبِين أن لا يُعْرِض عنه أحدٌ، ولهَذَا أعقبه بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ يعني لا تظنَّ أن هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَعْرَضوا أَعْرَضوا لأنك عَلَى باطلٍ، بل لعدمِ قابليّة المَحَلِّ، وكما هو معروف أن الشَّيْءَ وإنْ كان تامًّا إذا لم يَجِدْ مَحَلًّا قابلًا لم يَكُنْ له تأثيرٌ، فرجلٌ معه سيفٌ مُصْلَتٌ، وحادّ للغايةِ، وأمامه عمودٌ من حديدٍ صُلْب، وَهُوَ يَنْتَخِي (^١) ويَقُولُ (^٢):\nأنا ابنُ جَلَا وَطَلَّاعُ الثَّنَايَا ... ...............\nويَضْرِب هَذَا الصُّلب بالسيف يريد أن يقطعَه، فهل ينقطع هَذَا؟\nنَقُول: لا، لِعَدَمِ قابليَّة المَحَلّ، فالْآنَ السَّبَب موجودٌ: سيف صارِم، ورجل شجاعٌ، ورجل يعزِّز نفسه وَيتَشَجَّع وَيصِيح بهَذَا العمودِ منَ الحديدِ، وطبعًا إذا صار بهَذهِ الحالةِ سيَضْرِب بقوّة، ومع ذلك لم يؤثِّر؛ لِأَنَّ المَحَلّ غير قابل.\nفما كَانَ عليه الرَّسُول ﵊ منَ الحَقِّ المُبِين، وَهُوَ حقّ مُبين بلَا شَكّ بَيِّن ظاهِر، وعدمُ سماعِ هَؤُلَاءِ له لَيْسَ لِخَلَلٍ فيه، فالسَّبَب تامّ، لكِن الخَلَل فِي المَحَل، فهو غير قابل لهَذَا الحقّ، ولهَذَا ما أحسنَ هَذِهِ الآيَةَ بعدَ الآيَةِ الَّتِي قبلها: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فلا تظنَّ أَنَّك لستَ عَلَى حقٍّ، لكِنَّ هَؤُلَاءِ مَوْتَى.\n* * *\n_________\n(^١) أي يفتخر.\n(^٢) البيت لسحيم بن وثيل الرياحي، انظر الأصمعيات (ص: ١٧).","vol":"1","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-519>الآية (٨٠)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر: [﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ الدِّين البيِّن، فالعاقبةُ لكَ بالنصرِ عَلَى الْكُفَّار، ثُمَّ ضَرَبَ أمثالًا لهم بالموتَى وبالصُّمِّ وبالعَمَى فقال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾.\nوهَذَا مَثَل كما قَالَ المُفَسِّر؛ لِأَنَّ الرَّسُول - ﷺ - ما خرجَ إِلَى المقابرِ يَدعو أهلَ القبورِ حَتَّى يُقَال له: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ وإنما دعا الأحياءَ.\nوبالنِّسْبَةِ لدعاءِ الأحياءِ فإنَّ النَّاسَ انْقَسَمُوا فِي هَذِهِ الدَّعْوَةِ إِلَى قِسمينِ: قِسمٌ قَبِلَها واطمأنَّ إليها فَهُوَ حيٌّ، ولهَذَا قَالَ الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾ [يس: ٧٠]، لِيَتَبَيَّنَ أن المُراد بالحياةِ هنا حياة القلبِ وحياة الإِيمان، لا الحياة الجسديَّة، لِأَنَّ مقابلة الشَّيْء بالشَّيْءِ تفيدُ، معناه ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ لَيْسَ حياةَ جسمٍ، لو كانت حياة جسمٍ لقال: ويحقّ القَوْل عَلَى الموتى، ولكِن قَالَ: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وبهَذَا عرفنا أن كُلّ حياةٍ فِي مثل هَذَا السياق فالمُراد بها حياةُ القلب، لا حياة الجِسْم.\nقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾: ﴿الْمَوْتَى﴾ جمع ميِّت، والمُراد به هنا ميِّت القلب، أو نَقُول: إن المُراد به ميِّت الجسدِ، ويَكُون هنا تشبيهًا؛ أي: أن هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تدعوهم","vol":"1","page":444},{"text":"ولم يؤمنوا كالموتى، لو أتيتَ إِلَى ميتٍ وقلت: يا فلان، اعبدِ الله وآمِن بالرَّسُول - ﷺ - واتقِ الله، فإنه لا يَنتفِعُ، كالحجَر لا ينتفع، ولَا شَكَّ أنَّ الرَّسُول ﵊ قرَّر الحَقِّ عَلَى الَّذِينَ أُلقوا في قَليب بدرٍ وقال لهم: \"هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا\" (^١)، وقال: \"لسْتُمْ بِأسْمَعَ لمِا أَقُولُ مِنْهُمْ\" (^٢) لكِن هَذا عَلَى سبيلِ التوبيخِ، لا عَلَى سبيل الدَّعْوَةِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ مهما كَانَ لا يمكن أنْ يُجيبوا فِي هَذِهِ الحالِ إجابةَ دعوةٍ.\nولهَذَا فالكافرُ لا يَنتفع انتفاعَ ثوابٍ بما يسمع عند قبرِهِ من تلاوةٍ أو ذِكر، وبه نَعرِف بدعة هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ابتدعوا القراءة عَلَى القبورِ، يَظُنُّون أن الميِّت يَنتفع، فنَقُول: لا يمكن أن ينتفعَ انتفاعَ الثوابِ، أَمَّا انتفاع تَخْفِيف عِقاب فهَذَا ربما يَنْفَع، لكِن لما لم يَرِدْ؛ فصار منَ البِدَع، وإلّا فهم يزعمون أن ذلك يخفِّف العذاب؛ لِأَنَّ الرَّسُول - ﷺ - قَالَ فِي الجريدتين: \"لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُما مَا لَمْ يَيْبَسَا\" (^٣)، وقَالُوا: إن العِلَّة فِي ذلك أَنَّهَا قبل اليُبْسِ تُسَبِّح الله، فيُخَفَّف عنه لكونِهِ يُسَبَّحُ عندَ قَبْرِهِ، ولكِن هَذَا لَيْسَ بصحيح.\nإِذَنْ: قوله: ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ يَحتمِل أن يُراد بالموتَى هنا مَوْتَى القلوب، وحينئذٍ فالآيَةُ لَيْسَ فيها تشبيهٌ، أو أَنَّهُم مَوتَى الأجسامِ، فيَكُون هَؤُلَاءِ مُشَبَّهِين بالموتَى.\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النَّار عليه، حديث رقم (٢٨٧٤)، عن أنس بن مالك - ﵁ -.\n(^٢) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل، حديث رقم (٣٧٥٧)؛ ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النَّار عليه، حديث رقم (٢٨٧٤)، عن أنس بن مالك - ﵄ -.\n(^٣) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب عذاب القبر من الغيبة والبول، حديث رقم (١٣١٢)؛ ومسلم، كتاب الطهارة، باب الدَّلِيل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه، حديث رقم (٢٩٢)، عن ابن عباس - ﵄ -.","vol":"1","page":445},{"text":"قوله: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾: ﴿الصُّمَّ﴾ مَفْعُول أوَّل، ﴿الدُّعَاءَ﴾ مَفْعُول ثانٍ، وفاعل ﴿تُسْمِعُ﴾ مُسْتَتِر وُجُوبًا، قال: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ يَعْنِي: لا تجعل الصُّمّ الَّذِينَ لا يَسمعون لا تَجْعَلهم يَسْمَعُون دعاءَكَ، والمُرادُ بالدعاءِ الطَّلَب، لَيْسَ دعاء الله، يعني لو دَعَوْتَ أصمّ وقلتَ: يا فلانُ يا فلانُ؛ فإنه لا يسمع.\nوقوله: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ هل هُوَ دعاء الله تَعَالَى، يعني أنك إذا دعوتَهم لا يسمعون، أو الدعاء طَلَبهم؟\nنَقُول: المُراد طلبهم، فالمُراد: لو دَعَوْتَهم ما سَمِعوك، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، يعني دعوتكم إيَّاه، ودعوته إيَّاكم، فيشمل الأَمْرينِ عَلَى القَوْلِ الصَّحيحِ.\nأيضًا إذا كانوا صُمًّا ووَلَّوْا مُدْبِرِينَ يَكُون هَذَا أبلغَ؛ لِأَنَّ الأصمَّ إذا كَانَ مُقابلًا لكَ ربَّما يَفْهَمُ الخِطَابَ بحركاتِ الشفتينِ، لكِن إذا وَلَّى مُدْبِرًا لو تَرْمِي المدافِعَ خَلْفَه لا يَسْمَعُ، ولهَذَا قَالَ: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾، وهَذَا غاية ما يَكُون مِن بُعْدِ السمع؛ والحقيقةُ أنَّ هَؤُلَاءِ حالهُم كحالِ هَؤُلَاءِ الصُّمِّ المُدْبِرِين؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ مُعْرِضون عنِ الْحَقَّ غير قابلينَ له، فلذلك صار هَذَا التشبيهُ بهم من أبلغِ ما يَكُونُ، فهُم صُمٌّ غيرُ سامعينَ، ومع ذلك غيرُ مُقْبِلِينَ؛ لِأَنَّ الأصمَّ إذا أقبلَ عليك كما قلتُ رُبَّما يَفْهَم منك بعضَ الشَّيْءِ، لكِن إذا كَانَ مُدْبِرًا فليسَ فِيهِ رجاءٌ ولا أَمَل، فقوله: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ أقربُ ما يَكُونُ للتمثيلِ والتشبيهِ، يعني شَبَّهَهُم برجلٍ أصمَّ وَلَّى مُدْبِرًا، فكونها تَشبيهًا أقربُ، وإلَّا هنا يجوزُ أنْ نَقُولَ: إنَّهُم صُمٌّ وإنَّ السمعَ انتفَى عنهم لانتفاءِ فائدتِهِ، والشَّيْء قد يُنْفَى لانتفاءِ فائدتِهِ كما فِي قولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١)﴾ [الأنفال: ٢١].","vol":"1","page":446},{"text":"قوله: ﴿الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: فيها قراءتانِ [بتحقيقِ الهمزتينِ]، ﴿الدُّعَاءَ إِذَا﴾، [وتسهيل الثَّانِيَةِ بينها وبينَ الياءِ]، يعني تُسَهَّلُ الهمزةُ الثَّانِيَةُ حَتَّى تكون بينَ الهمزةِ والياءِ، فتَجْعَلها ليستْ ياءً خالصةً ولا همزةً خالصةً.\nقوله: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ التَّوَلِّي هُوَ الإدبارُ، وَعَلَى هَذَا فتكونُ: ﴿مُدْبِرِينَ﴾ حالًا مُؤَكِّدَةً للعاملِ أو لصاحبِ الحال؟\nنَقُول: للعاملِ؛ لِأَنَّ نفسَ التولِّي إدبارٌ، مَثَلُهَا قولُه تَعَالَى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣]، فـ (مُفْسِدِينَ) حالٌ منَ الواوِ، وهي مؤكِّدةٌ للعاملِ؛ لِأَنَّ العُثُوَّ هُوَ الفسادُ.\nهنا ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾: ﴿مُدْبِرِينَ﴾ حالٌ من الفاعلِ، لكِن ليستْ مؤكِّدة للفاعلِ؛ لِأَنَّ الواو دالَّة عَلَى الجمعِ، فلو جاءتْ بلفظِ: (أجمعينَ) لكانتْ مؤكِّدة للفاعلِ، لكِن جاءتْ بلفظِ: ﴿مُدْبِرِينَ﴾ فهي مؤكِّدة للعاملِ ﴿وَلَّوْا﴾. فيَكُون هَذَا فِيهِ تأكيدانِ: التولِّي والإدبار، مَعَ أنَّ التولِّيَ هُوَ الإدبارُ، لكِن قد يَكُونُ المتولِّي فِيهِ رجاءٌ وأملٌ، يَتَوَلَّى وَهُوَ يَلْتَفِت بقلبه إليك، لكِن إذا كَانَ مُدْبِرًا لا يلتفت؛ أي إدبار جَسَدِيّ وقلبيّ وَهُوَ أصمُّ، فيَكُون هنا فِيهِ ثلاثةُ موانعَ للقبولِ أو للسماعِ، وهي: الصَّمَم والتولِّي والإدبارُ.\n* * *","vol":"1","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-520>الآية (٨١)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨١].\n* * *\n\nقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ﴾ قولُه: ﴿بِهَادِي﴾ فِيهِ إشكالٌ من الناحيةِ النحْوَّية، قَالَ: ﴿بِهَادِي الْعُمْيِ﴾ (هادي) اسمُ فاعلٍ، واسمُ الفاعلِ يعملُ عملَ الفِعْل، وهنا ما نَصَبَ ﴿الْعُمْيِ﴾ لِأَنَّهُ مضافٌ إِلَى مَفْعُوله مَعْنًى، وَلَيْسَ كقولِه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ [البقرة: ٢٥١]،، لِأَنَّ ﴿دَفْعُ اللَّهِ﴾ مضافة إِلَى فاعلها، وهنا مضافة إِلَى مَفْعُولها.\nالإشكال الثاني: قوله: ﴿الْعُمْيِ﴾ بالكسرِ، ونحنُ قُلْنَا: إنَّ الاسمَ إذا كَانَ منقوصًا فَإِنَّهُ لا يَظْهَرُ عليه إِلَّا الفتحةُ، وهنا ظهرتِ الكسرةُ عَلَى الياءِ.\nإِذَنْ: هَذَا لَيْسَ منقوصًا؛ لِأَنَّ المنقوصَ كُلّ اسمٍ مُعْرَبٌ آخرهُ ياءٌ لازمةٌ مكسورٌ ما قَبْلَها، وهَذِهِ ساكنٌ ما قبلها، إذن لَيْسَ منقوصًا.\nقوله: ﴿بِهَادِي الْعُمْيِ﴾ جمعُ أَعْمَى ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾، قوله: ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ هلْ هِيَ مُتَعَلِّقة بـ ﴿الْعُمْيِ﴾ أو بـ ﴿هَادِي﴾؟\nنَقُول: ب (هادي) بلَا شَكّ.\nوقال بعضهم: متعلِّقة ب ﴿الْعُمْيِ﴾، وتكون ﴿عَن﴾ هَذِهِ للمجاوزةِ كقولِهِ: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣]، أي أَنَّهُم عُمْيٌ بسببِ ضَلالتهم.","vol":"1","page":448},{"text":"ولكِنَّه لَيْسَ بصحيحٍ، بل ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ مُتَعَلِّق ب (هادي)، وَيكُون (هادي) بمعنى صارفٍ؛ لِأَنَّ الهدايةَ تَتَضَمَّنُ أمرينِ: الصَّرْف عنِ الضلالِ، والدلالة عَلَى الحقِّ، فيقول: ما أنتَ بصارفٍ هَؤُلَاءِ عن ضلالتهم إِلَى الحقِّ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنْ﴾ ما ﴿تُسْمِعُ﴾ سماعَ إفهامٍ وقَبُولٍ ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مُخْلِصُون للهِ تَعَالَى بِتَوْحِيدهِ].\nقوله: [﴿إِنْ﴾ ما]، أي (إنْ) بمعنى: (ما)، ونحن ذكرنا قَبْلُ أن ﴿إِنْ﴾ تأتي لعدةِ أمورٍ: فتأتي شرطيَّة، وتأتي نافيةً، وللتَّوكيدِ، وهي المخفَّفَةُ مِنَ الثقيلةِ، وتكون زائدةً، فالزائدة فِي قوله (^١):\nبَنِي غُدَانَةَ مَا إنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ... وَلَا صرِيفٌ وَلَكِنْ أنتُمُ الخَزَفُ\nفقوله: (ما إنْ أَنْتُمُ) أي: ما أنتم، ولهَذَا قَالَ ابن مالِكٍ (^٢):\nإِعمالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ (مَا) دُونَ (إِنْ) ... مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ\nإعمال (ما) دون (إنْ) يَقْصِد ب (إنِ) الزائدة، ومَثَّلُوا لها بالبيتِ السابقِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> أنَّ الميِّتَ لا يَسْمَع، والمُراد بالميِّت هنا مَيِّت القلب، أو الموتى مَوْتَى الأجسامِ عَلَى سبيلِ التمثيلِ. فإذا كَانَ ميِّتَ القلبِ فالأَمْرُ ظاهرٌ أَنَّهُ لا يَسْمَعُ سماعًا يَنتفِع به، وإلَّا فَهُوَ يَسْمَعُ سماعَ إدراكٍ لَكِنَّهُ لا يَنْتَفِعُ به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> استدلَّ بهَذ الآيَةِ مَن قَالَ: إنَّ الموتى فِي قُبُورِهِم لا يَسْمَعُون.\n_________\n(^١) من شواهد الأشباه والنظائر (٣/ ٣٤٠)، وأوضح المسالك (١/ ٢٧٤)، والأشموني (١/ ٢٥٤).\n(^٢) ألفية ابن مالك - فصل في ما ولا ولات وإن المشبهات بليس (ص: ٢٠).","vol":"1","page":449},{"text":"وهَذه المسألةُ اختلفَ فيها أهلُ العلمِ، مِنهم مَن قَالَ: إنَّ الموتى يَسمعون ولكِن لا يُجيبونَ، ومنهم مَن قَالَ: إنَّهُم لا يَسمعون، وَيَقْبَلُ ما وردتْ به السنَّة من سماعهم لكِنّه يَقْصُرُهُ عَلَى ذلك، فيقول: فيما عَدَا ذلك لا يَسْمَعُ الميتُ، والسنَّة وردتْ بأنَّ الميِّتَ إذا دُفِنَ وتولَّى عنه أصحابُه فَإِنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالهِمْ (^١)، والسنَّة وردتْ بما ثبتَ عنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ وقف عَلَى أصحابِ قَلِيبِ بَدْرٍ من المشركينَ وجعلَ يُؤَنّبهُم: \"يَا فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ، يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ: هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا؟ \". فقَالُوا: يا رسولَ اللهِ، كيفَ يَسْمَعُون وأَنَّى يُجِيبُوا وقد جَيَّفُوا؟ قَالَ: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لمِا أَقُولُ مِنْهُمْ\" (^٢)، فهَذَا الكَلامُ الْآنَ والمناداةُ كان عندَ الدفنِ أو عند إلقاءِ الميِّت أو تسليمِهِ للآخرةِ، فلا يَقتضي أن يسمعَ كُلّ وقتٍ.\nومن العُلَماءِ مَن قَالَ: إنَّهُ يَسْمَعُ كُلَّ وقتٍ، كشيخِ الإِسْلامِ ابنِ تَيْمِيَّة (^٣)، ويَستدِلُّون بالحديثِ الَّذِي رواه ابنُ عبدِ البَرِّ وصَحَّحَهُ، وهو: \"مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرٍ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا رَدَّ اللهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ السَّلامَ\" (^٤)، فيُصَحِّحُونَ هَذَا الحديثَ، لكِن بعضهم يُضَعِّفه ويقول: إنَّهُ لا يَصِحّ (^٥)، ولكِنَّ هَذَا الحديثَ لا يَنبغي\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب الميت يسمع خفق النعال، حديث رقم (١٢٧٣)؛ ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النَّار عليه ...، حديث رقم (٢٨٧٠)، عن أنس بن مالك - ﵁ -.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٦٢ - ٣٦٥).\n(^٤) الاستذكار لابن عبد البر (١/ ١٨٥) عن ابن عباس - ﵄ -. رواه الصيداوي في معجم الشيوخ (٣٣٤)؛ والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ١٣٧)؛ وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٧/ ٦٥)، عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٥) انظر: العلل المتناهية (٢/ ٩١١).","vol":"1","page":450},{"text":"أنْ يَكُونَ هُوَ رَكيزةَ مَن يَقُول: إن الموتى يَسمعونَ، بل إنَّنا إذا قُلنا: الموتَى يَسمعونَ، قد نستدلّ بحديثٍ أصحّ مِن هَذَا، وَهُوَ ما ثبتَ عن النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ يزورُ المقبرةَ ويقول: \"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنيِنَ\" (^١)، وتوجيه السلام إليهم فِي الخطابِ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُم يسمعونَ، وإلَّا لكانَ يَقُول: السلامُ عَلَى أهلِ الديارِ مِنَ المُؤْمِنيِنَ، ولا يَقُول: عليكم.\nوَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إن هَذَا من بابِ قوَّة الاستحضار؟\nقُلْنَا: قوَّةُ الاستحضارِ لا تَحتاج إِلَى الدُّنُوِّ، ولهَذَا نحن نَقُول: \"السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيِّ\" وإن كنَّا بَعيدينَ، ولا يُسَنُّ أن نَقُولَ الْآنَ هنا: السلامُ عليكم أهلَ الديارِ منَ المُؤْمِنيِنَ حَتَّى نَحْضُرَ إليهم، فدلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُم يسمعونَ.\nيَبقى عندنا: إذا كانوا يَسمعون، فما هُوَ الجوابُ عن هَذِهِ الآيَة ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾؟\nنَقُول: المُراد بالسماعِ سماعُ القبولِ إذا كَانَ المقصودُ بالموتى موتى القبورِ، أو السماع الَّذِي تَحْصُلُ به الإجابةُ، وسماعُ الإدراكِ الدنيويِّ هَذَا لا يُمْكِن، يعني لَيْسَ سماعُ الميِّتِ لمِا يَتكلَّم به الْإِنْسَان كإدراكِ الحيِّ؛ بل هُوَ سماعٌ لا نعرف كيفيَّته، إِنَّمَا هُوَ سماع لا يمكِن أنْ يُجِيب معه، إِلَّا إذا أرادَ اللهُ ﵎ إحياءَهُ وتكلَّم ونطقَ فهَذَا يُمْكِن، مثل صاحب البقرةِ فإنَّ صاحبَ البقرةِ ضَرَبُوه ببعضها فأحياه اللهُ وتكلَّم ومات، ولكِنَّه لم يَتكَلَّمْ ولم يُجِبْ إِلَّا بعدَ أنْ حَيِيَ حَياةً دنيويَّةً ثُمَّ أماته الله.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما وجه الدلالة من حديثِ: \"مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرٍ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يُقَال عند دخول القبر والدعاء لأهلها، حديث رقم (٩٧٤)، عن عائشة - ﵂ -.","vol":"1","page":451},{"text":"إِلَّا رَدَّ اللهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ السَّلَامَ\"؟\nفالجواب: وجهُ الدلالةِ من الحديثِ قوله: \"إِلَّا رَدَّ عَلَيْهِ رُوحَهُ\" فكلَّما سلَّم عليه أحدٌ ردَّ الله عليه رُوحه وعرَفه، إذن هُوَ يسمع.\nعلى كُلّ حالٍ: الموتى لا يَسمعونَ كُلّ كلامٍ، فمثلًا لو مررتَ أنتَ وصاحبٌ لكَ بجوارِ قبرٍ وأنتما تتكلمانِ لا يَلْزَم من هَذَا أَنَّهُم يسمعونَ، لا يسمعون إِلَّا الخطابَ الموجَّه إليهم، وإن كَانَ ظاهرُ كلامِ الفقهاءِ أَنَّهُم يَسمعون حَتَّى ما لا يُخاطَبون به.\nفَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هم يسمعون سلامنا فقطْ، وإذا كلّمناهم مرةً أخرى لا يسمعون؟\nفالجواب: يَسمعون مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ إذا كَانَ السَّبَب فِي هَذَا السماعِ - الخطاب - خاطبناهم، وما دام الخطابُ إذا سَمِعُوه مرةً سمعوه مرةً أخرى فما المانِع.\nوَلَوْ قِيلَ: إن الرُّوح تُنْزَع بَعْد السلام؟\nنَقُول: الظَّاهرُ أَنَّهَا إذا رُدَّت فإنها إذا انتهى السلام لم تَسْمَعْ، فنحن نَقُول: كلَّما خُوطِبوا ردَّ اللهُ عليهم أرواحَهم فسمِعوا.\nبَقيَ أن يُقالَ: هل يَسمعون بدونِ مخاطبةٍ؟\nظاهر كلام الفقهاءِ أيضًا أَنَّهُم يَسمعون، ولهَذَا قَالُوا: إن الميّتَ يتأذَّى بفعل المنكَرِ عندَه من قولٍ أو فعلٍ، وَعَلَى رأيِ الفقهاء - ولا أدري ما مُسْتَنَدُه - يَسمعون حَتَّى ما لم يُخاطَبُوا به، وعليه أيضًا يَكُون الْإِنْسَان إذا شَرَّفَ القبرَ بالأحجارِ الَّتي تُلْقَى عليه أو بالكتاباتِ أو بغير ذلك فإن الميتَ يتأذَّى به؛ لِأَنَّ هَذَا مِنَ المنكَر، فتشريف القبرِ وتمييزه عَلَى غير من القبورِ هَذَا منكَر ولا يجوزُ، فعلى كلامِ الفقهاءِ يتأذَّى الميِّت","vol":"1","page":452},{"text":"بذلكَ، وَيكُون هَذَا الَّذِي أرادَ تشريفَ ميتِه هو فِي الحقيقةِ آذاهُ، وَأَمَّا سَماع الميّتِ صَبَاحَ الجُمُعة فغيرُ صحيحٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> أنَّ مَن لم يَقْبَلِ الحَقّ فَهُوَ بمنزلةِ الأصمِّ الَّذِي لا يَسْمَعُه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ:</span> أنَّ الجوارحَ والحواسَّ الَّتِي لا يُنْتَفَعُ بها كالمعدومةِ، ووجهُ ذلك: أن هَؤُلَاءِ لهم آذانٌ ولهم سمع، لكِن لمَّا لم يَنتفِعوا به صَاروا صُمًّا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>الْفَائِدَة الخَامِسَةُ:</span> بَيَان شِدَّة إعراض هَؤُلَاءِ عنِ الحقِّ؛ لِأَنَّهُم صُمٌّ مُوَلُّون مُدْبِرون، وهَذَا أبعدُ ما يَكُونُ عنِ السماعِ، فالأصمُّ إذا كَانَ مُقْبِلًا إليكَ قد يَفْهَم منك ما يَفْهَمُه منَ الإشاراتِ والحركاتِ فيَنتفِع بذلكَ، ولو كَانَ أصمَّ لكِن إذا ولّى مَعَ الإدبارِ -ولى ببدنه وأدبر بقلبِه أو بالعكسِ- فإن ذلك يَكُونُ أشدَّ استحالة فِي سماعِهِ ممَّا إذا كَانَ أصمَّ مَعَ الإقبالِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-527>الْفَائِدَة السَّادِسَةُ:</span> أن الْإِنْسَانَ -والعياذُ باللهِ- إذا ولَّى مُدْبِرًا عنِ الشرعِ فَإِنَّهُ قد يُعاقَبُ بالصممِ عن سماعِ الْحَقَّ، بِحَيْثُ إِنَّهُ لا يَنتفعُ بموعظةٍ ولا نصيحةٍ، وهَذَا هُوَ الغالبُ، فالغالبُ أن الْإِنْسَان إذا كَانَ لَيْسَ عنده إقبالٌ عَلَى الْحَقَّ أن يُحْرَم الحقَّ، حَتَّى لو تكلَّم النَّاس وفعلوا وأقاموا الأدلَّة ما انتفع بذلك.\nونضربُ لكم مثلًا الْآنَ بالمُرابين والمُتَحَيِّلِين عَلَى الرِّبا، هم يَسمعون المواعظَ لكِنَّهم مُوَلُّون، وَيرَوْنَ أن ما هم عليه لَا بُدَّ أن يفعلوه، ولذلك ما وُفِّقوا للانتفاع بها، بل بَقُوا عَلَى ضلالهم، والسَّبَب فِي هَذَا أَنَّهُم لَيْسَ عندهم أيُّ إقبالٍ من الإقبال الَّذِي يَنْفَعُهم.","vol":"1","page":453},{"text":"فلهَذَا نَقُول: إن هَذِهِ الآيَةَ تدلُّ عَلَى أنَّ الْإِنْسَانَ إذا ولَّى مدبِرًا عنِ الحْقِّ فَإِنَّهُ لا يُوَفَّق لِسَمَاعٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>الْفَائِدَة السَّابِعَةُ:</span> أنَّ المُعْرِضَ عنِ الْحَقَّ بِمَنْزِلَةِ الأعمَى؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-529>الْفَائِدَة الثَّامِنَةُ:</span> أن الرَّسُول ﵊ لا يَملِك هدايةَ الخلقِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ ولا يعارِض هَذَا قول اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، لِأَنَّ الهدايةَ المثبَتة غيرُ الهدايةِ المَنْفِيَّة، الهداية المثبتة هداية الدلالةِ والعلمِ والبَيَان، فالرَّسُول ﵊ معلِّم ومُبَيِّن ودالّ للخلقِ عَلَى الحقِّ، وَأَمَّا التَّوفيق لذلك فَهُوَ بيدِ الله.\nفالجمع بين الهدايةِ المثبَتة للرَّسُول - ﷺ - والمنفيَّة عنه أن نَقُولَ: ما أثبِت للرَّسُول فَهُوَ هدايةُ العلمِ والبَيَان، وما نُفِيَ عنه فَهُوَ هدايةُ التَّوفيقِ والعَمَلِ، فلا يستطيع هَذَا أبدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>الْفَائِدَة التَّاسِعَةُ:</span> أنَّ هَؤُلَاءِ الجماعة الَّذِينَ أَعرضوا عنِ الحَقّ قد أُقفلتْ عليهم طرقُ الخيرِ، فهم موتى القلوبِ، لم يَنتفعوا بقلوبهم، صُمُّ الآذانِ لم ينتفعوا بآذَانِهِم، عُمي العيونِ لم يَنتفعوا بعيونهم، والآياتُ إِمَّا عقليَّة أو مسموعة أو مرئيَّة، فالعقلية مَحَلّها القلبُ، وقد انتفى عنهم الانتفاعُ بها فِي قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، والمشهودةُ بالعينِ وقد انتفى عنهم الانتفاعُ بها فِي قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ﴾، والمسموعةُ بالآذانِ انتفى عنهم الانتفاعُ بها فِي قوله: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾، فجميعُ الطرقِ الَّتِي تَحْصُلُ بها الهدايةُ فِي هَؤُلَاءِ كلها - والعياذُ باللهِ - مسدودةٌ مُغْلَقة.","vol":"1","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-531>الْفَائِدَة العَاشِرَة:</span> أنَّ الَّذِي يَنتفِع بالآياتِ الَّتِي جاء بها الرَّسُول هم المؤمنون بها؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-532>الْفَائِدَة الحَادِيَةَ عَشْرَةَ:</span> أَنَّهُ كلَّما قوِيَ إيمان الْإِنْسَانِ بآيَاتِ الله قوِي انتفاعه بها؛ لِأَنَّهُ عُلِّقَ عَلَى وصفِ الإِيمانِ بهَذ الآيات فكلَّما قَوِيَ هَذَا الوصفُ قوي الانتفاعُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-533>الْفَائِدَة الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ:</span> أن الإِيمان يَسْتَلْزِمُ الإِسْلامَ؛ لقولِهِ: ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وهل الإِسْلام يَستلزم الإِيمانَ؟\nلا يَسْتَلْزِمه، قد يَكُون الْإِنْسَان مُسلِمًا وَلَيْسَ بمؤمنٍ، ولهَذَا قيل عند الرَّسُول ﵊ عن رجلٍ: إنَّهُ مُؤْمِنٌ. فقال: \"أَوْ مُسْلِمٌ\" (^١). فدلَّ ذلك عَلَى الفرقِ بين الإِيمانِ وبين الإِسْلامِ.\nوكثير منَ المُسلِمين الْآنَ مسلمونَ، ولكِن ليسوا بمُؤْمِنيِنَ، وكثير من المُسلِمينَ مُسْتَسْلِمُونَ وليسوا بمسلمينَ، فالمسلمونَ اليومَ إمَّا مُسْتَسْلِم أو مُسْلِم أو مؤمِن، أقلُّهُمُ المؤمنُ بلَا شَكّ، والمسلمُ المستسلِم كثيرٌ فِي البلادِ الَّتِي هي غير بلادنا، فأكثرهم مسلم بمعنى مستسلِم هُوِيَّةً فقطْ، ولهَذَا يأتي ناس من البلاد الأُخْرَى ويَقُولُونَ: لا نعرف أن نَتَوَضَّأ ولا نعرف أنْ نُصَلِّيَ، ولا نعرِف أوقات الصَّلَاة، ومع ذلك مكتوبٌ فِي الهُوِيَّة: مسلمٌ.\nالقسم الثَّالث: المسلمُ غير المؤمن، وهَذَا كثيرٌ فِي بلادنا، فهم مسلمون لكِن ليسوا بمُؤْمِنيِنَ؛ والدَّليل عَلَى هَذَا أن الأَعْمالَ أو الأخلاق الَّتِي عُلِّقت بالإِيمانِ تَجِدُها\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وَكَانَ على الاستسلام أو الخوف من القتل، حديث رقم (٢٧)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه والنهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع، حديث رقم (١٥٠)، عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ -.","vol":"1","page":455},{"text":"مفقودة فِي كثيرٍ من هَؤُلَاءِ \"لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ\" (^١) موجود هَذَا بقِلَّة، \"مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا\" (^٢) انتفاء الغِشّ موجود بقلَّة، \"لَا يُؤْمِنُ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَار بَوَائِقَهُ\" (^٣) بقِلَّة، وامشِ عَلَى هَذَا.\nالمهمّ أنّ الإِيمان بالنِّسْبَةِ للمسلمينَ اليومَ قليلٌ، والإِسْلام كثيرٌ، والاستسلام أكثرُ.\nفَلَوْ قَالَ قَائِل: هل المسلمُ المُسْتَسْلِم يدخل الجنَّة؟\nقُلْنَا: المستسلمُ يدخلُ الجنَّة لِأَنَّهُ مسلمٌ شَرعًا، لكِن لم يَدْخُلِ الإِيمانُ قلبَه، فمآله إِلَى الجنَّة، لكِن له معاصٍ، إمَّا يُعَذَّب عليها أو يُعْفَى عنها.\nوَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما الفرق بين المسلمِ المستسلِم والمنافِق؟\nقُلْنَا: المستسلمُ عنده إيمانٌ، وَأَمَّا المنافِقُ فليسَ عنده إيمانٌ إطلاقا، فالمنافق قلبه خالٍ من الإِيمانِ والعياذُ بالله، فالمستسلم أرفعُ مِنَ المنافقِ، لِأَنَّ المستسلم عنده اتجاهٌ للإسلامِ حقيقةً، لكِن لَيْسَ عنده الشَّيْءُ الَّذِي عند المسلمِ الَّذِي يُنَفِّذُ الشرائع، وغالبًا يَكُونُ جاهلًا.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، حديث رقم (١٣)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدَّلِيل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير، حديث رقم (٤٥)، عن أنس بن مالك - ﵁ -.\n(^٢) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب قول النَّبِيّ - ﷺ -: \"من غشنا فليس منا\"، حديث رقم (١٠١)، عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه، حديث رقم (٥٦٧٠)، عن أبي شريح - ﵁ -، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان تحريم إيذاء الجار، حديث رقم (٤٦)، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-534>الْفَائِدَة الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ:</span> أنَّ الآيات كثيرةٌ ليستْ واحدةً؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، وهي تنقسم إِلَى قسمينِ: آيات كونيَّة وآيات شرعيَّة. فما جاءت به الرُّسُلُ ونزلتْ به الكتب فَهُوَ آيات شرعيَّة، وما كَانَ منَ الحوادثِ فَهُوَ من الآياتِ الكونيّة، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت: ٣٧]، هَذِهِ الآياتُ الكونيَّة، وقال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: ٧]، هَذِهِ الآيات الشَّرْعِيَّة.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما وجهُ كونِ الآيات آياتٍ؟\nقُلْنَا: لِأَنَّهَا دالَّةٌ عَلَى الله، فالآياتُ الكونيَّة دالَّة عَلَى الخالقِ مِن حَيْثُ القدرةُ والحِكْمَةُ والسلطانُ إِلَى غيرِ ذلكَ من معاني الرُّبُوبِيَّة.\nوالآيات الشَّرْعِيَّة دالَّة عَلَى مُنَزِّلِهَا من حَيْثُ العدلُ والإصلاحُ؛ لِأَنَّ جميعَ الشرائعِ، ولَيْسَ شريعة الإِسْلام فقطْ الَّتِي جاء بها مُحَمَّدٌ - ﷺ -، كلّها تحاربُ الفسادَ وكلها تقرِّر الصلاحَ، لكِن شريعتنا تمتاز عَلَى غيرها بأنَّها تراعي المصالحَ الْعَامَّة.\n* * *","vol":"1","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-535>الآية (٨٢)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ [النمل: ٨٢].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ حقَّ العذابُ أنْ يَنْزِلَ بهم فِي جملةِ الكفّار،، وهَذَا تفسير منه عَلَى أنّ الضَّميرَ فِي قولِه: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ يعودُ إِلَى كفارِ مكَّة، ولهَذَا احتاج أن يقولَ: [فِي جملة الكفّار]، لأجل التوطِئة لمَا بعدَه ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾، ويجوز أن يَكُون الضَّمير عائدًا إِلَى جميعِ النَّاسِ، أي ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ﴾ عَلَى النَّاسِ، ولا يَكُون المُرادُ بالقَوْلِ هنا القَوْل بالعذابِ، بل يجوز أن يَكُون المُراد به القَوْل بانتهاء الدُّنْيا، وتُحمَل الإلة عَلَى الدابّة الَّتِي تخرج فِي آخِرِ الزمانِ، وهي من أشراط الساعة.\nقوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ نكَّرَهَا لِأَنَّهَا غير معروفةٍ، فكأنها دابَّة منفرِدة فِي نوعها.\nقوله: ﴿دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾: هل هِيَ متعلِّقة ب ﴿دَابَّةً﴾ أو ب ﴿أَخْرَجْنَا﴾؟\nالظَّاهرُ أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ ب ﴿دَابَّةً﴾، يَعْنِي: أخرجنا لهم دابَّةً مِنَ الْأَرْض، لا من السَّمَاء.","vol":"1","page":458},{"text":"لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إذا قُلْنَا: إنَهَا متعلِّقة بـ ﴿أَخْرَجْنَا﴾ أو بـ ﴿دَابَّةً﴾ هل يَخْتَلِف المَعْنى؟\nنعم، يختلف المَعْنى، إذا قَالَ: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾ يمكن أن ينزل مَلَكٌ فِي الْأَرْض، ثُمَّ يخرج مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ ما عُيِّن من أين تكون هَذِهِ الدابَّة، وَأَمَّا إذا قُلْنَا: ﴿دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ فتَتَعَيَّن أن تكون من دوابّ الْأَرْض.\nوقوله: ﴿تُكلَّمُهُم﴾ يعني تكلِّم النَّاس، والكَلام هنا بمعنى الحديثِ، قَالَ المُفَسِّر: [أي: تكلِّم الموجودين حينَ خُروجها بالعربيَّة،، يجوز أن تكون بالعربيّة أو بغيرها.\nعَلَى كُلِّ حالٍ: هِي تُكَلِّمُ النَّاسَ بكلامٍ يَعرِفُونَهُ، فهَذَا هُوَ المتبادر من الكَلامِ، ويمكن أن يقال: إنَّهُم إذا لم يُوقِنوا بآياتِ اللهِ يُسَلِّط اللهُ عَليهم السِّباع تأكلهم وتجرحهم، لكِن هَذَا بعيدٌ، وما رأيتُ هَذَا من كلامِ السلفِ، كلُّه من كلام المتأخِّرين.\nويرى بعض المفسِّرين أن المُراد بالكَلامِ هنا الجَرْح، تُكَلِّمُهُمْ يعني تُجَرِّحُهُم، أي: تَخْمِشُهم بأظفارها، قَالُوا: لِأَنَّ الكَلْمَ يأتي بمعنى الجرْحِ؛ كقولِهِ - ﷺ -: \"مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَثْعَبُ دَمًا\" (^١).\nولكِنَّ هَذَا القَوْل لَيْسَ بصحيحٍ؛ لِأَنَّ الأَصْل فِي الكَلامِ هُوَ النُّطْقُ، ولا معنى لكونها تُجَرِّح النَّاسَ. لكِن بماذا تكلمهم؟\nقَالَ: [مِن جملةِ كلامها عنَّا ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾]، إِلَى آخرِه، قوله ﵀: [من جملة كلامها عَنَّا] أي أَنَّهَا تقول عن اللهِ، عَلَى لِسانِ الدابَّة؛ لِأَنَّ قوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من يجرح في سبيل الله ﷿، حديث رقم (٢٦٤٩)؛ ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، حديث رقم (١٨٧٦)، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":459},{"text":"كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ لا يستقيم أن يَكُونَ مِن كلامِ الدابَّة عن نفسها؛ إذ إنَّ الدابَّة لَيْسَ لها آيَات يَجِب الإيقان بها، وإنما الآياتُ الَّتي يَجِب الإيقانُ بها لله، ولهَذَا يَقُول المُفَسِّر ﵀: [عنّا ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ أي كفَّار مَكَّة، وَعَلَى قراءةِ فتحِ همزَةِ \"أَنَّ\" تُقَدَّر الباءُ بَعْد تكلمهم] (^١)، أي تكلّمهم بهَذَا الكَلام ﴿كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾.\nاستفدنا من كلام المُفَسِّر (وَعَلَى قراءة فتح همزة أنَّ) أنَّ الأَصْلَ الَّذِي فسَّره بالكسر (تكلمهم إنَّ النَّاس) فيَكُون هَذَا مبتدأ الكَلام، وَعَلَى قراءة الفتحِ يَكُون عَلَى تقديرِ حرفِ الجرّ، أي: بأن النَّاس ﴿كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾.\nوقول المُفَسِّر ﵀: إنَّ المُرادَ بالنَّاسِ كفَّار مكَّة، هَذَا فِيهِ نظرٌ ظاهرٌ؛ بل إنَّ المُرادَ بالنَّاس الموجودون فِي ذلك الوقت الَّذِينَ وقعَ عليهم القَوْلُ فَأُخرجت لهم الدابَّة تُنْذِرُهم.\nوَأَمَّا كونه يقال: إن كفار مَكَّة لا يُوقِنُونَ فلا حاجةَ إِلَى إخبارها عنهم، فإخبار الْقُرْآن عنهم أوكَدُ من إخبارِ هَذِهِ الدابَّة عنهم، فكلام المُفَسِّر هنا فِيهِ نظرٌ ظاهرٌ، وَلَيْسَ بصوابٍ أبدًا، بل هُوَ خطأ، فهي تكلِّم النَّاس الَّذِينَ وَقَعَ عليهم القَوْلُ حين خُرُوجِها، تُحَذِّرُهُمْ أن النَّاس كانوا بآيَات اللهِ لا يوقنون، هَذَا ما مشى عليه المُفَسِّر وأكثرُ المفسِّرين عَلَى أن كلام هَذِهِ الدابة: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾، ولهَذَا احتاج إِلَى تقدير (عنّا).\nلكِنَّ ابن كثير استبعدَ هَذَا القَوْل، وقال (^٢): إنَّهَا تكلمهم وتُحدِّثُهم بحديثٍ مُسْتَقِلٍّ ما بُيّنَ فِي الْقُرْآن، ويَكُون قوله: ﴿أَنَ النَّاسَ﴾ أو ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ هَذَا تعليلًا لِقَوْلِهِ:\n_________\n(^١) الحجة في القراءات السبع (ص: ٢٧٥).\n(^٢) انظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٣٧٥).","vol":"1","page":460},{"text":"﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾ يَعْنِي: فليست الدابَّة هِيَ الَّتِي تقول للناس: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾؛ لِأَنَّ هَذَا القَوْل لا يمكن أن تَنْطِقَ به الدابَّة؛ إذ إنَّهُ لا يَصِحُّ أن يَكُون إِلَّا منَ اللهِ. لهَذَا أنكر هَذَا القَوْلَ، مَعَ أنَّ ابنَ جَرير ﵀ اختاره (^١)، لَكِنَّهُ هُوَ عَلَى أنه مُخْتَصَر لابنِ جَريرٍ أنكرَ هَذَا، وقال: إنَّهَا تُكَلِّمُهُم بكلامٍ لم يُبَيَّن، وإن قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أو ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ بالفتحِ أو بالكسرِ، الجملة تعليل لِقَوْلِهِ: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾.\nوقوله: ﴿بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾، معنى ﴿لَا يُوقِنُونَ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [لا يُؤْمِنُون بالْقُرْآن المشتمِل عَلَى البعثِ والحسابِ والعقابِ]، وتفسير الإيقان بالإِيمانِ فِيهِ قُصُورٌ لَكِنَّهُ تقريبيٌّ؛ لِأَنَّ الإيقانَ أبلغُ منَ الإِيمانِ وأخصُّ منه، فَهُوَ درجةٌ عاليةٌ أعلى منَ الإِيمانِ، ولهَذَا قولُكَ: أيقنتُ بكذا، أبلغُ من قولكَ: آمنتُ به.\nوهَذِهِ الدابَّة أوَّلًا: نبحثُ فيها هل هِيَ الدابَّة الَّتِي تخرج فِي آخِرِ الزمانِ والَّتي ذكرها النَّبِيّ - ﷺ - من علاماتِ الساعةِ أو دابَّة أخرى؟\nيرى بعض العُلَماء أَنَّهَا هِيَ الدابة الَّتِي تكون فِي آخِرِ الزمانِ، ويرى آخرونَ أَنَّهَا دابَّة أُخرى، ولهَذَا جاءت فِي الحديثِ مُعَرَّفَة وجاءت هنا منكَّرَةً، فيقال: دابة واللهُ أَعْلَمُ بها هل هِيَ الَّتِي تكون من أشراط الساعة أو أَنَّهَا دابة مستقلَّة؛ لأَنَّنا لو نَعلَمُ أن الحديث بَعْد هَذِهِ الآيَةِ لقُلْنَا: إن الدابَّة فِي الحديث للعهدِ الذِّهْنِيّ، يعني الدابَّة الَّتِي عَرَفْتُمُوهَا وتحَدَّث الله عنها، وحينَئذٍ تكون الدابَّة هنا هِيَ الدابة هناك، ولَكِنَّنَا لا نعلم، ولهَذَا التوقُّف أَولى؛ هل هِيَ هي أو غيرها.\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن جرير (٢٠/ ١٤ - ١٧).","vol":"1","page":461},{"text":"ثانيًا: هَذِهِ الدابَّة مُبْهَمَةٌ من حَيْثُ المكانُ ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ لكِن من أيّ مكان تُخْرَج؟\nوَرَدَتْ أحاديثُ لَكِنَّها ضعيفةٌ أَنَّهَا تَخْرُجُ من مكَّة من أَجيادٍ أو منَ الصَّفَا أو من مكان آخرَ (^١)، المهم أَنَّهَا تخرج من مَكَّة، ولَكِنَّهَا أحاديث ضعيفة لا يُعتمَد عليها فِي العقيدة.\nثم هل هِيَ تُخْرَج حقيقةً من الْأَرْض فتَنْشَقّ عنها الْأَرْض وتخرج، سواء من مكَّة أو غيرها، أو أن المُراد بالإخراج هنا إبرازها وإظهارها، وأنها دابة كغيرها من الدوابّ، ثُمَّ تَتبَيَّن بما يَحْصُلُ لها منَ النُّطق، وَيكُون هَذَا كقول الرَّسُول - ﷺ -: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ\" (^٢)؛ لِأَنَّ السباع فِي آخرِ الزمانِ تكلِّم الإنس؟\nهَذَا أيضًا مَحَلُّ تَوَقُّفٍ، ولذلك هَذِهِ الدابة بمِرة لفظًا ومعنى، فنحن لا نَعْرِفها تمامًا؛ لِأَنَّهَا ما وُصِفَتْ فِي الْقُرْآنِ أو فِي السنَّة أوصافًا بحيثُ يَجْزِمُ الْإِنْسَان بها.\nكذلك هَذِهِ الدابَّة هل هِيَ من جِنْسِ الدوابِّ أو أَنَّهَا دابَّة معيَّنة عَلَى شكل معيَّن؟\nتكلَّموا فِي هَذَا كلامًا طويلًا، وكل ما ذَكَرُوا إِنَّمَا هُوَ مأخوذٌ عن بني إسرائيلَ، ولا يمكن أن يُصدَّق، غاية ما هنالك أَنَّهُ يحدَّثُ به ولا يُصَدَّق ولا يُكَذَّب ولا يُعْتَمَد عليه فِي العقيدةِ؛ فذكروا عن آذانِها وذكروا عن عَينها وعن رِجلها أَشْيَاءَ غريبةً جدًّا.\nالمهم: أننا نُبْهِمُ ما أَبْهَمَهُ اللهُ، ولا نُعَيِّن ما لم يُعَيِّنْه الله ورسولُه، وحَسْبُنا أن نؤمنَ بأنه إذا وقعَ القَوْلُ عَلَى النَّاسِ فسوفَ يُخْرِجُ اللهُ لهم دابَّةً منَ الْأَرْض تُحَدِّثُهُم، وتكون\n_________\n(^١) انظر: مصنف ابن أبي شيبة (٣٧٢٨٦)، الفتن لنعيم بن حماد (٢/ ٦٦١ - ٦٦٦).\n(^٢) رواه الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في كلام السباع، حديث رقم (٢١٨١)، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -.","vol":"1","page":462},{"text":"هَذِهِ الدابَّة آيَةً عَلَى أنّ العذاب قد قَرُبَ وُقُوعُه منهم، هَذَا غاية ما يُسْتَدَلُّ عليه من هَذِهِ الآيَةِ.\nفإِذَنْ: يَكُون قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أو ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ لَيْسَ من قول الدابّة عَلَى هَذَا التَّقْدير، بل هُوَ من قولِ اللهِ تعليلًا لِقَوْلِهِ: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾ يعني يُخْرِجها؛ لِأَنَّ النَّاس كانوا، وعليه فيَكُون مطابقة هَذَا التعليلُ للشرطِ فِي قوله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يَكُون مطابقته مطابقة السَّبَب للمسبّب، إذا كانوا لا يوقنون حينئذٍ وقع عليهم القَوْلُ وحينئذٍ أُخرجتِ الدابَّة.\nقوله: ﴿بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ المُراد بالآيَاتِ هنا الكونيَّة والشَّرْعِيَّة، لكِن الكونيَّة ألم يوقن بها الكفار؟ بلى، لَكِنَّهُ إيقانٌ لم يَنْفَعْهُمْ، والشَّيْءُ الَّذِي لا يَنْفَعُ يَصِحُّ أنْ يُنْفَى لعدمِ الانتفاعِ به.\nقال: [وبِخُرُوجِها]، بخروج الدابَّة [يَنْقَطِع الأَمْرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكَرِ ولا يؤمن كافرٌ]، لِأَنَّهُ قد وقعَ عليهم القَوْلُ؛ وإذا صحَّ هَذَا التفسير فإنَّ معنى ذلك أن هَذِهِ الدابَّة من أشراط الساعةِ؛ لِأَنَّهُ لا يَكُون الأَمْر كذلك إِلَّا فِي آخِرِ الزمانِ بعدَ أن يَنزِلَ عيسى - ﷺ - ويبقى فِي الْأَرْض سبعَ سنينَ، لا يَحْصُل بين اثنينِ عداوةٌ ولا شَحناءُ، ثُمَّ يُرْسِل الله رِيحًا باردةً من قِبَلِ الشامِ فتَقْبِض نفسَ كُلّ مُؤْمِنٍ (^١) وَيبْقَى شِرارُ النَّاسِ، فِي خِفَّةِ الطيرِ وأحلامِ السِّبَاعِ (^٢).\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته وما معه، حديث رقم (٢٩٣٧)، عن النواس بن سمعان - ﵁ -.\n(^٢) رواه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في خروج الدجال ومكثه في الأرض ونزول عيسى وقتله إياه وذهاب أهل الخير والإيمان وبقاء شرار الناس ...، حديث رقم (٢٩٤٠)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -.","vol":"1","page":463},{"text":"فإذا كَانَ هَذَا الَّذِي فَهِمَهُ المُفَسِّر من هَذِهِ الآيَةِ بهَذَا الأَمْرِ؛ فإنَّ هَذِهِ الدابَّة يَكُونُ خُرُوجها بَعْد عيسى بنِ مَرْيَمَ؛ لِأَنَّهُ بَعْد ذلك يَقُول المُفَسِّر: إنَّهُ لا يؤمن كافرٌ ولا يُؤمَر بالمعروفِ ولا يُنهَى عنِ المُنكَر.\nولكِن موقفي فِي هَذَا أن أقولَ: اللهُ أَعْلَم؛ يعني أن هَذِهِ المسألةَ من مسائل الغيب الَّتِي يَتَوَقَّف الْإِنْسَان فيها إِلَّا عَلَى ما يفيده ظاهِرُ الْقُرْآن، فنَقُول: إيماننا بهَذَا أن نَقُولَ: إنَّهُ إذا وقعَ القَوْلُ عَلَى النَّاس باستحقاقِ العذابِ أخرجَ اللهُ لهم هَذِهِ الدابَّة الَّتِي تُكَلِّمهم ولا نزيد عَلَى هَذَا، ولا نَقُول: يَنقطِع الأَمْر بالمعروفِ والنهيُ عن المنكَر، ولا نَقُول: إنَّهُ لا يؤمن الكافر؛ لِأَنَّ ذلك أمرٌ يحتاجُ إِلَى توقيفٍ، كما أَوحَى الله إِلَى نوحٍ ﵊ ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-537>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> خُرُوج الدابَّةِ إذا وقعَ القَوْلُ عَلَى النَّاسِ، وذلكَ بأنْ كَفَروا وأَعْرَضوا عن دِينِ الله ﷾، فأخرج الله لهم هَذِهِ الدابَّةَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> أنَّ هَذِهِ الدابَّة الَّتِي ذَكَرَ اللهُ مُبْهَمَة، فلا يُعْلَم صِفَتها ولا كيف تَخْرج ولا من أينَ تَخْرج، وما ذُكر من الآثارِ فِي ذلك فكلُّها ضعيفةٌ لا يُعَوَّل عليها، وحَسْبُنا أن نؤمنَ بما ذكرَ اللهُ تَعَالَى مُطلَقًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-539>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> بَيَان قُدرة الله ﷿، حَيْثُ كانتْ هَذِهِ الدابَّةُ تكلِّم النَّاس بكلامٍ يفهمونه، مَعَ أن الحيواناتِ تَتكلَّم بكلامٍ لا يَفهمه الإنسُ إِلَّا مَن عَلَّمه الله تَعَالَى مَنْطِقَها، كما فِي قِصَّة سُلَيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-540>الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ:</span> بَيَان حِكمة الله ﵎ فِي الإنذار، وَأَنَّهُ ﷾ يُنْذِر النَّاس بالآيَاتِ الكونيَّة إذا لم تُفِدْهُمُ الآيَاتُ الشَّرْعِيَّة، وهَذَا كثيرٌ، كالكسوفِ","vol":"1","page":464},{"text":"والزلازلِ والفيضاناتِ والصواعِقِ والحاصِبِ منَ السَّمَاءِ بالبَرد أو غيرِه، كُلّ هَذَا إنذار بالآياتِ الكونيَّة إذا لم تُفِدِ الآيَات الشَّرْعِيَّة، وقد قيل (^١):\nالْعَبْدُ يُقْرَعُ بِالْعَصَا ... وَالحُرُّ تَكْفِيهِ الْإِشَارَةُ\nفالمؤمنُ الواعي الحيُّ يَكْفِيه ما فِي الْقُرْآنِ مِنَ الآياتِ العظيمةِ، ولكِن المُعْرِض اللئيم لا يَنْفَع فِيهِ إِلَّا العَصَا، إِلَّا الآيَات الكونيَّة الَّتِي تُخْضِعُه بغيرِ إرادته، هَذَا إذا لم يَكُنْ أيضًا قلبُه ميِّتًا للغاية، فإنْ كان قلبُه ميِّتًا للغايةِ لم تَنتفِ حَتَّى الآيَاتُ الكونيَّة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ قِطعًا من العذاب تَنزِل من السَّمَاءِ، ﴿يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤]، وعاد لما رَأَوهُ عَارضًا مستقبِلَ أوديتهم ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]،، وَفي الوقتِ الحاضر إذا رَأَوْا هَذِهِ العقوباتِ يَقُولُونَ: هَذَا أمر طبيعيٌّ، من فَيَضَانات طبيعيَّة وبراكينَ، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ منَ الكَلامِ الَّذِي يَدُلّ عَلَى موتِ القلوبِ.\nفإِذَنْ: نَستفيد من هَذِهِ الآيَةِ: إنذار اللهِ تَعَالَى بالآياتِ الكونيَّة كما هُوَ عادته ﷾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>الْفَائِدَة الخَامِسَةُ:</span> أَنَّهُ ﷾ يُعْطِي العلمَ حَتَّى البهائم، هَذِهِ الدابَّة تقول ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ عَلَى أحدِ القَوْلينِ فيها، والقَوْل الثاني: أن هَذَا الكَلام من كلامِ اللهِ ﷾، وأن الكَلام عَلَى الدابّة انتهى عند قوله: (تكلّمهم)، يعني كأنها مِنهم، ثُمَّ يُعَلِّلُ اللهُ هَذَا الإخراجَ بِقَوْلِهِ: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-542>الْفَائِدَة السَّادِسَةُ:</span> فِيهِ أنَّ عدمَ الْيَقينِ بآيَاتِ اللهِ ﷾ سببٌ للهلاكِ، وَأَنَّهُ لا يَكفِي التردُّد أو الإِيمان الضعيفُ، بل لَا بُدَّ منْ إيقانٍ، فالمتردِّدُ بما يَجِب الإِيمانُ به\n_________\n(^١) مجمع الأمثال (٢/ ١٩).","vol":"1","page":465},{"text":"ليسَ بمؤمنٍ؛ لِأَنَّهُ لم يُوقِنْ، بل لَا بُدَّ منَ الإيقانِ، وَأَمَّا التردد والشكُّ حَتَّى مَعَ ترجُّحِ ما ذكرَ اللهُ فَإِنَّهُ لا يفيدُ الْإِنْسَانَ، يَعْنِي: لو آمن إِنْسَان لكِن عنده بعضُ الشكِّ فإن ذلك لَيْسَ بمؤمنٍ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ منَ الْيَقينِ بما يجبُ الإِيمان به.\nلَوْ قَالَ قَائِل: أصحاب الأَعْرَاف هلْ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ عندهم نوعٌ مِنَ الشَّكِّ؟\nفالجوابُ: لَيْسَ عندهم نوعٌ منَ الشَّكِّ، لكِن عندهم ضعفٌ فِي الانقيادِ وعدم عِلْم ما أنزلَ الله، وَأَمَّا لو كَانَ عندهم شكٌّ فما صاروا مُؤْمِنيِنَ إطلاقًا ولا مسلمينَ أيضًا، فهَذَا نفيُ كمالِ الإِيمانِ لا نفيُ أصلِ الإِيمانِ، وَأَمَّا مَعَ الشكِّ فإن أصلَ الإِيمانِ لم يوجدْ، وَأَمَّا الإِيمانُ الاعتقاديُّ إذا لم يوجدْ كاملًا فَإِنَّهُ لا ينفعُ الْإِنْسَان، فالإِيمان يَكُون مَفقودًا عند الشكِّ فيه، فلَا بُدَّ من الإِيمانِ الجازِمِ، ولهَذَا مَن شكَّ فيما وعدَ اللهُ به، ومَن لم يُؤْمِنْ بخبرِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا فَهُوَ كافرٌ؛ لِأَنَّ خبر اللهِ جَلَّ وَعَلَا يَجِب التَّصْديقُ به، ومَن شكَّ فِي واحدٍ مِن أركانِ الإِيمانِ الستَّة فَهُوَ كافرٌ أيضًا، لَا بُدَّ أن يؤمنَ، وأيضًا لَا بُدَّ ألا يَكُونَ عنده تردّدٌ فِي هَذَا، ولو كَانَ عنده انحرافٌ وسوءُ تصرُّف فيما يَجِبُ عَمَلُه، مثلًا قوله - ﷺ -: \"لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكَونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ\" (^١)، فيؤمن الْإِنْسَان بالرَّسُول لكِن تَنْقُصُ محَبَّتُه للرَّسُولِ فيَكُون هنا انتفى عنه كمال الإِيمان، لكِن لو شكَّ أن الرَّسُول حقٌّ أو لَيْسَ بحقٍّ ما صارَ مؤمنًا، فلا بدّ أن يَجزِم جَزمًا بأنه رسولُ اللهِ، ثُمَّ هل يُقَدِّم محَبَّتُهُ عَلَى محبَّة نفسه وأهله؛ فهَذَا محلُّ الكمالِ والنقصِ.\n* * *\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب حب الرسول - ﷺ - من الإيمان، حديث رقم (١٥)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله - ﷺ - أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين، حديث رقم (٤٤)، عن أنس بن مالك - ﵁ -.","vol":"1","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-543>الآيتان (٨٣، ٨٤)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٣، ٨٤].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَ﴾ اذْكُرْ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ جماعةً ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ وهم رؤساؤُهُمُ المتَّبَعُون ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي يُجْمَعُونَ بِرَدِّ آخِرِهِمْ إِلَى أَوَّلهِم ثُمَّ يُساقُونَ].\nقال ﵀: [﴿وَ﴾ اذْكُرْ ﴿يَوْمَ﴾]، استفدنا من هَذَا التفسير أن (يوم) ظرف، وأنّ عاملَه محذوفٌ، التَّقْدير: (اذْكُرْ يَوْمَ). وهَذَا التركيبُ له نظائرُ فِي الْقُرْآنِ، وَيَكُون تقديره عَلَى هَذَا كما قَدَّرَهُ المُفَسِّر هنا.\nوقوله: ﴿نَحْشُرُ﴾ بمعنى نَجْمَع، وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ الأمَّة هِيَ القبيلةُ أو الطائفة الكبيرةُ منَ النَّاسِ، والفوجُ أقلُّ منها، ولهَذَا يقولُ المُفَسِّر: [وَهُمْ رُؤَسَاؤُهُمُ المتَّبعون].\nوقوله: ﴿فَوْجًا مِمَّن يُكَذِبُ﴾: (مِنْ) هَذِهِ لبَيَان الجنسِ؛ أي: فوجًا من المكذِّبين بآيَاتِ اللهِ الكونيَّة والشَّرْعِيَّة أو إحداهما. قال: [وهم]، أي: الفوج [رُؤَسَاؤُهُمُ المتَّبَعُونَ].","vol":"1","page":467},{"text":"فهم يُحْشَرون فيُجْمَعُون ثُمَّ بعدَ ذلكَ يُوزَعُونَ، والوَزْعُ بمعنى المنعِ، أي: يُحْبَس أَوَّلهم حَتَّى يجتمعَ به آخِرُهم، ولهَذَا قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بِرَدِّ آخِرِهم إِلَى أوَّلهم]، أي: يُجْمَع الأوَّلُ إِلَى الآخِرِ، فيَكُونون زُمرة واحدةً [ثُمَّ يُساقُونَ]، إِلَى اللهِ ﵎ [﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾ مكانَ الحسابِ ﴿قَالَ﴾ تَعَالَى لهم: ﴿أَكَذَّبْتُمْ﴾ أَنبيائي ﴿بِآيَاتِي﴾].\nالمُفَسّر قَالَ: [أنبيائي]، يُشِير بذلك إِلَى أن مَفْعُول (كَذَّبْتُم) محذوفٌ، وأن ﴿بِآيَاتِي﴾ حَالٌ من أنبيائي، ولكِنَّ هَذَا التَّقْدير لا مَعنى له ولا داعيَ له؛ لِأَنَّ التكذيبَ دائما يقع معمولُه مُعَدًّى بالباء: كذب بآيَات الله، ما يقال: كذب أنبياء الله بآيَاتِ الله؛ بل: كذب بآيَاته، والتكذيب هنا مُضَمَّن معنَى الجَحْدِ، فعليه نَقُول: لا حاجةَ إِلَى تقديرِ المُفَسِّر: أَنبيائي، بل نَقُول: ﴿بِآيَاتِي﴾ جارّ ومجرور متعلِّق بِ (كَذَّبْتُم).\nقو له: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ يعني أَنْكَرْتمُوها وجَحَدْتمُوها.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَمْ تُحِيطُوا﴾ من جِهَة تَكْذِيبِكُم ﴿بِهَا عِلْمًا﴾]، إِلَى آخِرِه، قوله: ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا﴾ انظر إِلَى المُفَسِّر كيف حَلَّها: [مِن جِهَة تكذيبكم ﴿بِهَا عِلْمًا﴾]، والإحاطةُ بالشَّيْءِ بمعنى إدراكِه من جميعِ الجوانبِ، وأصله مشتَقّ منَ الحائطِ، لِأَنَّهُ يحيط بالمكانِ، فمعنى أحاطَ بالشَّيْءِ: أَدْرَكَهُ منْ جميعِ جوانبِهِ.\nالمُفَسِّر فَسَّرَ هنا الإدراكَ بِقَوْلِهِ: [من جهة تكذيبكم]، أي: أَنَّكُم كذَّبتم من غيرِ أنْ يَكُونَ لديكم عِلْمٌ بالتكذيبِ، كَذَّبْتُم بلا علمٍ، ولكِن يَحتمِل معنًى آخرَ: أنكم كذَّبتم بالآيَاتِ قبلَ أنْ تُدْرِكُوها، فيَكُون هَذَا منَّ البدار بالشَّيْءِ قبل أن يُدْرِكَه، كما قَالَ ابن القيِّم (^١):\nإنَّ البِدَارَ برد شيءٍ لم تُحِطْ ... عِلمَّا بَه سَبَبٌ إِلَى الحرْمَانِ\n_________\n(^١) الكافية الشافية (ص: ٣٠٥).","vol":"1","page":468},{"text":"الآن لدينا تفسيرانِ: أحدهما أنَّ قولَه: ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ أي مِن جِهَةِ تَكذيبكم، والمَعْنى عَلَى هَذَا أنَّكم كذَّبتم بدونِ عِلمٍ، وَهُوَ الَّذِي مَشَى عليه المُفَسِّر، قَالَ؟ [﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا﴾ من جِهَة تَكذِيبِكم].\nالآن إذا أتاكَ رجلٌ بخبرٍ فقلتَ: كَذَبْتَ، يعني مثلًا قَالَ لك: إنَّ فلانًا رأيته فِي بُرَيْدَةً - مثلًا - أمسِ. فقلتَ له: كذبتَ؛ لِأَنَّ فلانًا الَّذِي أخبرتَ به هُوَ موجود عندي فِي تلكَ الساعةِ، فهنا أنتَ قدْ كَذَّبْتَ بعلمٍ وليسَ بغيرِ علمٍ، فإذا قَالَ: رأيتُ فلانًا فِي بريدة أمسِ. فقلتَ له: كذبتَ وأنا لا أَدري، فقد كَذَّبْتَ بلا علمٍ.\nالآن المُفَسِّر يَقُول: [من جِهة تكذيبكم بها]، يعني أنكم كَذَّبْتُم بغيرِ علمٍ. ويوجد رأيٌ آخرُ يَقُول: ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ يعني أنكم كَذَّبْتُم بها من غيرِ رؤيةٍ ومن غيرِ تأمُّلٍ، يعني أَنَّكم رَددتُمُوها من أوَّلِ وهلةٍ، فيَكُون كقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠].\nوالفرق بين المعنيينِ ظاهر، والأقربُ المَعْنى الثاني؛ لِأَنَّ قولَه: كَذَّبْتُم بآيَاتي والحالُ أنكم لم تُحِيطوا بها عِلمًا أبلغُ مِن كونهم كَذَّبُوا بعدَ أنْ ترَوَّوْا ولكِن لم يَجِدوا لِتكذيبهم دليلًا، فهم كذَّبوا من غيرِ ترَوٍّ، بل إنَّهُم فِي الحقيقةِ وخُصوصًا الرؤساء منهم يَعْلَمُون أن ما جاءت به الرُّسُل فَهُوَ الحقّ، ولكِن كذَّبوا بشيءٍ لم يُحيطوا بعلمِه، مِثلما قَالَ الله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩]، بل من أوَّل وهلةٍ، وهَذَا أشدُّ فِي اللَّوم عليهم.\nفعليه: الاسْتِفْهامُ فِي قوله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ يَكُون للتوبيخِ واللَّوم؛ لِأَنَّ من كذَّب بالشَّيْء بَعْد دراسته والإحاطة به ثُمَّ يتبين له الكذِب هَذَا لا يُلام عليه، لكِن","vol":"1","page":469},{"text":"مَن كَذَّب لأوَّل مرَّة بدون أن يحيطَ بالشَّيْءِ عِلمًا فَهُوَ دليلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بقابلٍ إطلاقًا للحقِّ.\nقال تَعَالَى: ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [﴿أَمَّا﴾ فِيهِ إدغامُ (ما) الاسْتِفْهاميَّة]، إدغام (أم) الَّتِي للإضراب - وأصلها حرف عطف بمعنى (بل) - و(ما) الاسْتِفْهاميَّة، أُدغمتْ إحداهما فِي الأُخْرَى. و(ذا) اسْم موصولٌ، أي: ما الَّذِي كنتم، ويجوز أن نجعلَ (ذا) مركبة مَعَ (ما)، وتكون (ماذا) كلها اسْم اسْتِفْهام، ولكِن لَيْسَ فِي كُلّ مكانٍ يجوز هَذَا وهَذَا، إِنَّمَا فِي مثلِ هَذَا التركيبِ يجوز أن نجعلَ (ماذا) اسمَ اسْتِفْهامٍ، ويجوز أن نجعل (ما) اسمَ اسْتِفْهامٍ و(ذا) اسمًا موصولًا؛ أي: ما الَّذِي كنتم تعملون، وَعَلَى هَذَا التَّقْدير الأخيرِ يَجِب أن نقدِّر ضَميرًا فِي قولِهِ: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ ليَكُونَ عائدًا إِلَى الاسم الموصولِ، ويَكُون التَّقْدير: (أماذا كنتم تعملونه)، وَعَلَى الأول لا حاجةَ لذلك ونجعل (ماذا) مَفْعُولا مقدَّمًا لـ (تعملون).\nنظيرها فِي الْقُرْآن: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، فيها قراءتانِ (^١): \"قلِ العفوُ\" و﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾.\nونُعْرِب (ماذا) عَلَى قراءةِ الرفعِ:\n(ماذا): ما: اسمُ اسْتِفْهامٍ، وذا: اسمٌ موصولٌ، يَعْنِي: ما الَّذِي ينفقون؟ فيَكُون التَّقْدير: الَّذِي ينفقونه العفوُ، وتكون مرفوعةً والعائد محذوفٌ؛ لأني إذا قلتُ: (ما) اسْم اسْتِفْهام، و(ذا) اسْم موصول؛ صارت (ما) مبتدأً و(الذي) خبره، وكلّ منهما مرفوع. ثم يأتي: (قُلِ العفوُ) لِأَنَّ الجوابَ مطابِق للسؤالِ؛ أي: العفوُ الَّذِي يُنفِقون.\n_________\n(^١) الحجة في القراءات السبع (ص: ٩٦).","vol":"1","page":470},{"text":"أمّا عَلَى قراءةِ النصبِ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، فنَقُول: عَلَى هَذِهِ القراءةِ يَجِب أن نُعرِبَ (ماذا) اسمَ اسْتِفْهامٍ مَفْعُولا مقدَّمًا لـ (يُنفِقون) لأَنَّنَا نَعرِف أن الجواب يَكُونُ مطابقًا للسؤالِ، فإذا كَانَ السؤال منصوبًا كَانَ الجواب منصوبًا، وهَذَا هُوَ الَّذِي يبيِّن لك الفرقَ بين الإعرابينِ.\nوقوله: ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يعني فِي الدُّنْيا، فيَكُون الله تَعَالَى وَبَّخَهُم عَلَى أمرينِ: أمر يَتَعَلَّق بالعقيدةِ، وَهُوَ قوله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾، وأمر يتعلق بالعَمَل وَهُوَ قوله: ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ لِأَنَّ (ماذا كنتم تعملون) هَذِهِ اسْتِفْهامٌ لإنكارِ ما يعملونه، فيَكُون فِي هَذَا توبيخ عَلَى العقيدةِ والعَمَلِ، وستأتي - إن شاء الله - فِي هَذَا فائدة مُهِمَّة لمسألةٍ اختلف فيها الأصوليُّون نَبْحَثُها إنْ شاء اللهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-545>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> إثباتُ الحشرِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ﴾ لِأَنَّ هَذَا عَلَى تقديرِ محذوف (اذْكُرْ يوم) لكِن اذْكُرْهُ لمجرَّد العلمِ والعقيدة، وكُلّ شيءٍ فِي الْقُرْآن لَيْسَ يُذْكَر لمجرَّد النظرِ أو لمجرَّدِ أن نَعْلَم به، بل هُوَ يُذكَر للاعتقادِ إنْ كَانَ عقيدةً، وللعملِ إن كَانَ عملًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> أن الله ﷾ يَحْشُر مِنَ الأُمم أفواجًا معيَّنة يَكُونون أُمَّة لباقيهم؛ لِقَوْلِهِ: ﴿نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ لَيْسَ كُلّ الأمم، بل فَوْج، وهَؤُلَاءِ الفوجُ هم أَشَدُّهم عَلَى الرحمنِ عِتِيًّا، قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩]، لأجلِ - والعِيَاذُ باللهِ - أن يُخْزَوْا خِزيًا أعظمَ، لِأَنَّهُم قادةٌ فِي الدُّنْيا فيَكُونون قادةً إِلَى النَّارِ فِي الآخِرَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨].","vol":"1","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-547>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> عِظَم الإمامةِ فِي السوءِ كما أَنَّهَا أيضًا عظيمةٌ فِي الخيرِ، فالإمامة فِي الخيرِ له أجرُ مَنِ اتَّبَعَهُ، والإمامةُ فِي الشَّرّ عليه وِزْر مَنِ اتَّبعه، فالإمامة فِي الخير أو فِي الشَّرّ هِيَ أمرٌ عظيمٌ، وخيرُ النَّاسِ مَن دَلَّهم إِلَى الخيرِ، وشرُّ النَّاس مَن دَلَّهم عَلَى الشرّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ:</span> أن التكذيب بالآيَاتِ كفرٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿مِمَّن يُكَذِبُ﴾، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الفوجَ يُحشَرون إِلَى النَّار لِأَنَّهُم يكذِّبون بآيَاتِ اللهِ، والتكذيبُ بآيَاتِ اللهِ سَبَقَ أَنَّهُ يَنقسم إِلَى قسمينِ: تكذيب بالآيَات الشَّرْعِيَّة وبالآيَات الكونيّة، والتكذيبُ بالآيَاتِ الكونيَّة أقلُّ مِنَ التكذيب بالآيَاتِ الشَّرْعِيَّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-549>الْفَائِدَة الخَامِسَةُ:</span> أَنَّهُ يُجْمَعُ أوَّلهم إِلَى آخِرِهم، وآخرُهم إِلَى أوَّلهِم، لِقَوْلِهِ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾؛ لِأَنَّ ذلك زيادة فِي خِزْيِهِم وعارِهِم، والعياذُ بالله، حَيْثُ يَعرفون أنفسهم ويُعرفون عندَ الخَلق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>الْفَائِدَة السَّادِسَةُ:</span> إثباتُ الكَلام لله ﷿؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قَالَ أَكَذَّبْتُمْ﴾، وَأَنَّهُ بحرف وصوت، لِأَنَّ الجملَ الَّتِي هِيَ مَقول القَوْلِ حُروف، وَأَنَّهُ بصوت؛ لِأَنَّهُم لولا أَنَّهُم يَسمعون لم يكن لهَذَا فائدة، ولا سماع إِلَّا بصوت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>الْفَائِدَة السَّابِعَةُ:</span> توبيخ هَؤُلَاءِ عَلَى تكذيبهم بآيَات الله، وكما هُوَ معروف أن التوبيخَ لا سِيَّما فِي ذلك المقامِ أشدّ مِن وَقع السِّهام، لِأَنَّهُ توبيخ فِي مكانٍ يقع فِيهِ من الندمِ والحسرةِ؛ لِأَنَّهُ لا يمكن التخلُّص ولا التكذيب ولا الرجوع عمَّا كان، وَهَذَا التوبيخُ مِن أعظمِ ما يَكُون منَ العذابِ والعياذُ باللهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-552>الْفَائِدَة الثَّامِنَةُ:</span> أَنَّهُ يَزداد قُبْح التكذيبِ إذا لم يُحِطِ الْإِنْسَانُ عِلمًا بما كَذَّبَ به؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا﴾ وهَذِهِ الجملة مَحَلّها من الإعراب حاليَّة، يَعْنِي: والحال","vol":"1","page":472},{"text":"أنكم لم تحيطوا بها علمًا، والجملة إذا صار يَصِحّ قَبْلَها تقديرُ: والحال كذا فهي جملةٌ حاليَّة، ففيها زيادة توبيخٍ لكونهم يكذِّبون من غير أن يُحيطوا عِلمًا بما كذّبوا به ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩].\nوالمُفَسِّر فسَّر: ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ عَلَى وجهٍ آخرَ، يعني: كذَّبتم بلا علم عن وجهِ هَذَا التكذيبِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>الْفَائِدَة التَّاسِعَةُ:</span> توبيخُ هَؤُلَاءِ عَلَى عَمَلِهِم، فكما وُبِّخوا عَلَى التكذيبِ وُبِّخوا أيضًا عَلَى العَمَل فِي قوله: ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\n* * *","vol":"1","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-554>الآية (٨٥)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر: [﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ﴾ حقَّ العذابُ ﴿عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾ أي أَشْرَكُوا ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ إذ لا حُجَّةَ لهم، .\n﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ﴾ يعني قولَ اللهِ بالعذابِ، فإنَّ الله ﵎ يأمرُ بِتَعْذِيبِهِمْ إذا لم يُجِيبُوا، وهَذَا السؤال كما تقدَّم لَيْسَ سؤال استخبار واستعلام، ولكِنه سؤال توبيخٍ وتقريعٍ، فحينئذٍ يقعُ عليهم القَوْلُ، وهَذَا القَوْل الَّذِي وقعَ عليهم لم يُظْلَموا به ولكِنْ همُ الَّذِينَ ظَلَموا، ولهَذَا قَالَ: ﴿بِمَا ظَلَمُواْ﴾ أي: بسبب، و(ما) هنا مصدريَّة يَعْنِي أنَّ الفِعْل بعدها يحول إِلَى مصدرٍ، فيَكُون التَّقْدير: بِظُلْمِهِم؛ أي وقع القَوْل عليهم بظلمهم.\nوقول المُفَسِّر: [أي أشركوا]، ينبغي أنْ نفسِّر الظلمَ بما هُوَ أعمُّ مِنَ الشركِ؛ لِأَنَّ الله ﷾ وَبَّخَهُمْ عَلَى التكذيبِ وعلى العَمَلِ المنحرِفِ، فيَكُون الظلمُ الَّذِي حصلَ منهم: التكذيب والجحْد الَّذِي يَتَضَمَّن الإشراكَ، وكذلك الفُسُوق والعِصيان الَّذِي حصلَ منهم كإيذاءِ الرُّسُلِ وغير ذلك، فالأصحُّ أنْ نجعلَ ﴿بِمَا ظَلَمُواْ﴾ أي: بسببِ ظُلْمِهِم، ومنه الشركُ.\nقوله: ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾: (الفاء) مُفَرّعة عَلَى قولِه: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي:","vol":"1","page":474},{"text":"بَعْد أن وقعَ عليهم القَوْلُ استحقُّوا العذابَ فلا يستطيعون النُّطْقَ، يَقُول المُفَسِّر: [إذ لا حُجَّة لهم]، وهَذَا فِي آخِرِ الأَمْرِ؛ لِأَنَّهُم كانوا فِي أوَّلِ الأَمْرِ يَنطِقون ويُدافِعون.\nولكِنهم إذا رأوْا أنَّ جَوَارِحَهم شَهِدَتْ عليهم حينئذٍ أَمسكوا، فلا يستطيعون الآن، وإلّا فإن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فهم يَقُولُونَ: ما أَشركنا، ويَقُولُونَ أيضًا: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٧، ٢٨]، فهم يتكلَّمون وُيدافِعون عن أنفسهم، ولكِنَّ ذلك لا يَنفعهم، قَالَ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]، فالمهمُّ أَنَّهُم يتكلَّمون، فقوله هنا: ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥]، هَذَا يَكُون الجمع بينه وبين الآيَات الدالّة عَلَى نطقهم أن للقيامة أحوالًا؛ لِأَنَّ يوم القيامة مِقداره خَمسونَ ألفَ سنةٍ، فالأحوالُ تَتَغَيَّر، فيَكُون الناطق فِيهِ ساكتًا وَيكُون الساكت فِيهِ ناطقًا، وتَتَقَلَّب الأحوال، قَالَ ﷾: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧]، لِمَا ترَى، فهم فِي حالٍ لا يَنطِقون، وَفي حالِ يَنطِقون ويدافعون.\nولكِنهم مهما قالوا ومهما فعلوا فإن لديهم شهودًا من أنفسهم ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، فاللِّسان يَنطِق بما قال، واليدُ تَنطِق بما فعلتْ، والرِّجل تَنطِق بما فعلتْ، وأبلغ من ذلك الجلودُ تَشهَد بما لمستْ، فجميعُ ما فِيهِ الإدراكُ والحاسَّةُ يَشهد عَلَى هَؤُلَاءِ بما فَعَلُوا، وحينَئذٍ لا يَستطيعونَ أنْ يُدافِعوا، ما دام أنَّ هَذِهِ الأَشْيَاء تَشهد عليهم؛ إذن مَن يشهد لهم؟ !\nالحاصل: أن الأحوال تتغيَّر، فالمتكبِّرون يُحشَرون يومَ القيامةِ أمثالَ الذَّرِّ","vol":"1","page":475},{"text":"يَطَؤُهُمُ النَّاسُ بأقدامهم (^١)، ولكِنَّهم إذا دَخلوا النَّار يَكُون ضِرْسُ الواحدِ منهم مثلَ أُحُدٍ (^٢)، والعياذُ باللهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ﴾ أنَّ العذابَ قد حَقَّ عَلَى هَؤُلَاءِ، أو أن المَعْنى ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾ أَنَّهُ صَدَقَ القَوْلُ عليهم فلم يَستطيعوا الجوابَ، يعني لمَّا وُبِّخُوا بالتكذيبِ والعَمَلِ فقال: وقعَ القَوْلُ عليهم؛ أي: ما قيل لهم من هَذَا التوبيخِ صَدَقَ عليهم فلم يستطيعوا الدفاعَ، بَقِينا فِي قوله: ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ وهَذَا الوجهُ لم نَذْكُرْهُ لَكِنَّهُ فتحَ اللهُ به علينا، إنْ كَانَ حقًّا فالحمدُ للهِ وإلَّا فَنَسْتَغْفِر اللهَ.\n﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾ أي: أن هَذَا القَوْل الَّذِي وُبِّخوا به صَدَقَ عليهم، ولهَذَا قَالَ: ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾؛ لِأَنَّ مَن وُبِّخ عَلَى أمرٍ لم يقعْ عليه يَستطيع أنْ يَنْطِق فيُدَافِع، لكِن هَؤُلَاءِ ما استطاعوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-557>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> إثبات السَّبَب؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾؛ لِأَنَّ الباء هنا للسببيَّة، وإثبات الأَسْبَاب هُوَ مَذهَب أهل السنَّة والجماعة، وأن الأُمُور مَقرونة بأَسْبابها.\nيقولُ العَوَامّ: وقد قَالَ الله تَعَالَى: (وجعلنا لكلِّ شيءٍ سببًا)، وهَذَا لَيْسَ فِي الْقُرْآن، ولكِنه كقراءة بعضهم لما ذُكِرَ له الأعراب، قَالَ: ألم تَسْمَعْ قولَ اللهِ تَعَالَى فِي الأعراب: (سُود الوُجُوه إذا لم يُظْلَموا ظَلَمُوا) وهَذَا لَيْسَ من قولِ الله، لكِن أحيانًا\n_________\n(^١) رواه البخاري في الأدب المفرد، حديث رقم (٥٥٧)؛ والترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب، حديث رقم (٢٤٩٢)؛ وأحمد (٢/ ١٧٩) (٦٦٧٧)، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.\n(^٢) رواه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النَّار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، حديث رقم (٢٨٥١)، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":476},{"text":"الْعَامَّة يَقُولُونَ أَشْيَاءَ يَعتقدونها من الْقُرْآن، فنحنُ نُثْبِت الأَسْبَابَ ولكِن ما نَقُول: إن الله فِي الْقُرْآن ذكرَ أن لكلِّ شَيْء سببًا، إِنَّمَا الْقُرْآن مملوء من إثباتِ الأَسْبَاب.\nفهِمنا من هَذَا أن إثبات الأَسْبَاب هُوَ مَذْهَب أهل السنَّة والجماعة، فهل أحد من أهل البِدع يخالفهم فِي ذلك؟\nنَقُول: الجَبْرِيَّة والأشاعرةُ لا يُثْبِتُون الأَسْبَاب، وَيقُولُونَ: إن فعلَ اللهِ تَعَالَى لمُجَرَّدِ المشيئةِ، والمُعْتَزِلة عَلَى العكسِ مِن هَؤُلَاءِ يَرَوْنَ أن الأَسْبَاب مُوجبة، ولهَذَا يَقُولُونَ: إن الله يَجِب عليه فِعْل الأَصْلح والصلاح.\nوالصَّوابُ أن نَقُولَ: إن المعقول والمنَقُولَ يَدُلّ عَلَى أنَّ الأَسْبَاب مؤثِّرة، ولكِن بأمرِ اللهِ، وكم من سببٍ كَانَ مؤثِّرًا ثُمَّ لم يَنْفَعْ إذا لم يرد الله تَعَالَى أن يمثل هَذَا الشَّيْء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> أن الله تَعَالَى لا يَظْلِم النَّاس شيئًا، ولكِن النَّاس أنفسهم يظلمون؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾، يَعْنِي: فهَذَا الأَمْر الَّذِي نزل بهم سببُ ظُلْمِهِم، ولم يَظْلِمْهُمُ اللهُ ﷾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-559>الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ:</span> أن للناسِ فِي يومِ القيامةِ أحوالًا، فهم أحوال مختلِفة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ لِأَنَّ الله ذكر فِي بعض الآياتِ أَنَّهُم يَنطِقون ويدافعون، يَقُولُونَ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، ويقول تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، فأنت الْآنَ لا يمكن أن تجمعَ بين هَذِهِ الآيَاتِ إِلَّا إذا قلتَ: إن النَّاس لهم أحوال، حال يمكنه الكَلام، وحال لا يمكنه فِيهِ الكَلام، وبهَذَا يتآلَفُ الْقُرْآن وَهُوَ مُؤْتَلِف.\n* * *","vol":"1","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-560>الآية (٨٦)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾ [النمل: ٨٦].\n* * *\n\nقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ الرؤيةُ هنا عِلمية وبَصَرِيَّة أيضًا، لكِنَّ كَوْنَها عِلْمِية أعمّ؛ لِأَنَّ مَن أبصرَ الشَّيْءَ عَلِمه، وَلَيْسَ كُلّ مَن عَلِمَ الشَّيْءَ أَبصره، فالأعمى يَرَى الليل يعني يَعْلَمه، والمُبْصِر يراه بعينِهِ وبَصيرتهِ.\nوالهمزةُ فِي قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ للتقرير؛ تقرير هَذه الرؤية الَّتِي لا يُنْكِرها أحدٌ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ﴾ خَلقنا،، فسَّر المُفَسِّر ﵀ الجَعْلَ هنا بالخلق، فيَكُون متعدِّيًا بمَفْعُول واحم، ويجوز أن يَكُونَ الجَعل هنا بمعنى التصييرِ، يَعْنِي أَنَّا جَعَلْنا الليلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا فيه، ويدلُّ عَلَى هَذَا قولُه تَعَالَى الَّذِي بعده.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ ليَتَصَرَّفوا فيه]، وَيكُون حُذِفَ من كُلّ جملة ما دَلَّ علي المذكورُ فِي الجملةِ الأُخْرَى، وُيسمَّى هَذَا فِي علمِ البديعِ بالاحتباكِ، والاحتباكُ أنْ يذكر فِي كُلّ جملةٍ ما حُذِفَ من الأُخْرَى مَعَ التقابُلِ.\nهنا نَقُول: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ﴾ مُظْلِمًا ﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ الَّذِي حُذِفَ من هَذَا (مُظْلِمًا)، ذكر مقابله: ﴿مُبْصِرًا﴾، وحذف من قوله: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾: ليَتَصَرَّفُوا فِيهِ، وذكر فِي مقابله: ﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾، فيَكُون فِي الجملةِ احتباكٌ، وبهَذَا نكون قد","vol":"1","page":478},{"text":"استفدنا المَعْنى مَعَ الاختصارِ، وعَلَى هَذَا التقريرِ الَّذِي ذكرنا يَكُون ﴿جَعَلْنَا﴾ ليس بمعنى (خَلَقْنَا)، بل بمعنى (صَيَّرنا) تَنصِب مَفْعُولينِ، المَفْعُول الأوَّل (الليل) والمَفْعُول الثاني محذوف تقديرُه: مظلمًا.\nقوله: ﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ اللام هنا للتعليلِ، والسكونُ معناه القرارُ وعدم الحركةِ، ولذلك كَانَ الليلُ مَحَلَّ السكونِ للخلقِ، ولكِنه بإذنِ اللهِ مَحَلّ عَمَل لخلقٍ آخرينَ؛ فالهوامّ والسباع لا تعمل إِلَّا فِي الليل؛ لِأَنَّهَا تَختفي فِي النَّهارِ؛ إمَّا خوفًا من النَّاسِ وَإمَّا رحمةً من الله ﷿ بالخلقِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ السباع أو هَذِهِ الهوامّ لو كانت تخرج فِي النَّهار لأتعبت النَّاسَ، ولَكِنَّهَا - والحمد للهِ - لا تظهرُ إِلَّا بالليلِ، فإذا سكنَ النَّاسُ بدأ عَمَلَها بالتناوُب.\nوهَذَا من رحمةِ اللهِ ﵎ بالخلق أن يَكُون هَذَا التبادلُ ليعيشَ النَّاس بسلامٍ، حَتَّى هَذِهِ الحيوانات آمَنُ لها إذا كانت لا تعيش إِلَّا بالليل حَتَّى لا تُعارَض.\nفهنا المُراد بالسكونِ الآدميُّون ومَن أشبههم ممَّن سُكُونُهم بالليل، ولهَذَا الْإِنْسَان إذا أرادَ الصحَّة فليكنِ الليلُ سَكَنًا له، ولا سِيَّما أوَّل الليل، فإن النَّبِيّ - ﷺ - كَانَ يَكْرَهُ الحديثَ بَعْدَ العِشَاءِ (^١)، وقد ذَكَرُوا أنّ نومَ الليلِ الساعةُ منه تقابلُ ساعاتٍ من النَّهارِ.\nوهَذِهِ الثروة السكونيَّة أضعناها الْآنَ بما لا نفعَ فِيهِ، بل بما فِيهِ ضررٌ، فالْآنَ النَّاس يَعكُفون عَلَى مشاهدةِ التلفزيون إِلَى نصفِ الليلِ تقريبًا، بينما فِي الدول الغربيّة\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب ما يكره من السمر بعد العشاء، حديث رقم (٥٧٤)؛ ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها وهو التغليس وبيان قدر القراءة فيها، حديث رقم (٦٤٧)، عن أبي برزة الأسلمي - ﵁ -.","vol":"1","page":479},{"text":"مَعَ الأسفِ الشَّديدِ الكافرة المُلْحِدَة لا يتجاوز التلفزيون الساعة التَّاسعة منَ الليلِ، ففي الساعة التَّاسعة يُغلَق التلفزيون؛ لِأَنَّهُم يَعرفون أن هَذَا ضررٌ عَلَى عمالهم وَعَلَى مُثَقَّفِيهم، فهم لا يريدون الضررَ للأُمّة، يَقُولُونَ: إذا أَبقيناه إِلَى ما بَعْد التَّاسعةِ سَهِرَ النَّاس عليه وَكَانَ فِي ذلك إنهاك للعمال وكان فِي ذلك إهمال للطلبة، فلذلك نحن نُغْلِقُه من الساعة التَّاسعة حَتَّى ينام النَّاس وحتى لا نكون قد تَسَبَّبْنَا فِي إرهاقِ النَّاسِ، وحدثني بذلك عدَّة أُناسٍ مِنَ الَّذِينَ جاءوا من أُورُبَّا يَقُولُونَ: أبدًا، لا يمكن أن يتجاوزَ الساعةَ التَّاسعةَ، لكِن لا أَدري إنْ كَانَ فِي الأَشْيَاء النادرة، لكِن هَذَا هُوَ برنامجهم.\nنحن الْآنَ مَعَ الأسفِ الشَّديدِ يَقُولُونَ: إنَّهُ يبقى إِلَى ما بَعْد الساعة الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ نصفَ الليلِ، هَذَا مَعَ ما يَتَطَلَّب من الناحية الاقتصاديَّة: فكم يَستهلك النَّاس من الكهرباء فِي هَذِهِ الساعةِ على تلفزيوناتهم وكذلك أيضًا أنوارهم؛ لِأَنَّ المكان لَا بُدَّ له من نور، فيُستهلك نور، وتُستهلَك كهرباء للتلفزيون، فكم يكلّف العالم؟ ! وكم تُرهق المُعدات أيضًا؟ هَذَا بقطعِ النظرِ عن المفاسدِ الأُخْرَى البدنيّة، ولكِن العبرة بمن بصَّره الله ﵎.\nفمثل هَذَا المسئول راعي البيت إذا كانت مثلًا الساعة التَّاسعة يأمر أهله بالنوم ويُغلِقه، أَمَّا الكسرُ فلا، والنَّبِيّ ﵊ كَرِهَ الحديثَ بعدَ العشاءِ (^١)، فكَوْننا نسهر إِلَى نصفِ الليلِ أحيانًا أو إِلَى أكثر وَلَيْسَ ليلة طارئة حَتَّى نَقُول: العوارض عوارض، بل هِيَ دائمًا فِي الغالب، هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يسهرون إِلَى ما بَعْد نصف الليل أولًا ربَّما لا يقومون لصلاة الفجر، وإذا قاموا نِصْفُهم نُوَّم، يُؤَدُّونَها بكلِّ كُلفةٍ ومَشَقَّة،\n_________\n(^١) سبق تخريجه.","vol":"1","page":480},{"text":"أو ينامون فِي نفس المَسْجِد أو فِي نفسِ الصَّلَاة، ثُمَّ إذا رَجعوا إِلَى بيوتهم ينامون إِلَى الظهرِ.\nيعني أول النَّهار الَّذِي هُوَ مَحَلّ البركة ومَحَلّ العَمَلِ يُضَيَّع، والليل الَّذِي مَحَلّ السكون يُضَيَّعُ السكونُ فيه، وهَذَا فِي الحقيقةِ يُعتبَر نقصَ وَعْيٍ فِي المُسلِمين.\nيَقُولُونَ عن الكفار؛ حَدَّثني رجل يَقُول: عندهم عطلة السبت والأحد، السبت لأجل اليهودِ والأحدُ لأجلِ النَّصارَى، لكِن يَقُول: إذا صار ليلة الإثنين من غروب الشَّمْس كلٌّ فِي مَحَلِّه، من أجل أَنَّهُ بمجرد أن يقومَ فِي الصباحِ فإذا هُوَ مباشِر لعملِهِ، فلا يمكن أنْ يتأخَّروا. يَقُول: من الغريب أن العوائل يخرجون يتنزهون فِي هذين اليومينِ في المتنزَّهات لكِن إذا غابت شمس ليلة الإثنين إذا كُلّ إِنْسَان فِي مَحَلّه يَكُون متهيِّئًا للعمل.\nفإذا قَارَنْتَ حال هَؤُلَاءِ بحالِ المُسلِمينَ اليوم مَعَ أنَّ أحوالهم هَذِهِ هِيَ الَّتِي يَجِب أن تكون للمسلمينَ، وجدتَ هَذَا السَّبَب الَّذِي جَعَلَنا نتأخَّر وجعلنا فِي هَذَا الذلّ، وجعل كثيرًا من شبابنا لَيسوا مقتنعينَ بأحوالهم، فبعض الشبابِ الْآنَ المنحرِف قد يَكُونُ له عُذر، يَقُول: أنتم تقولونَ: الإِسْلامُ والإِسْلام، أين الإِسْلام! لم نرَ شيئًا! ولكِن نَقُول: الذنبُ ذنبُ مَن يَنتسبون للإسلامِ، لَيْسَ ذنب الإِسْلام، ذنب مَن يَقُولُونَ: نحن أهلُ الإِسْلامِ، وَفِي أهلِ الإِسْلامِ مَن لا يَعرف أركانَ الإِسْلامِ. والعَجَبُ أن بعض النَّاس المُسلِمين الْآنَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّهُم مسلمون ومكتوب عَلَى هُوِيَّة الواحد منهم أَنَّهُ مُسْلِم، لا يَعرف كيف يتوضأ ولا كيف يُصلي، فهَذَا موجودٌ.\nإِذَنْ: معنى هَذَا أن البيئة لا تَتَوَضَّأ ولا تصلي، فأين الإِسْلام من قومٍ","vol":"1","page":481},{"text":"لا يتوضؤون ولا يصلون! فهَذَا هُوَ الَّذِي أخَّرنا.\nولذلك أنا - والله - أُحِبُّ دائمًا أنْ يَكُونَ لَدَى أهلِ العلمِ تَطَوُّر فِي الحركة والعَمَل والنهوض بالأمة.\nقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ آيَات جمع آيَةٍ، وهي تدلُّ عَلَى أن ما ذُكِرَ فِيهِ عِدَّة آيَات، منها: إظلام الليل والسكون فيه، وإبصار النَّهار والتصرُّف فيه، فهي أربع آيَات، مَعَ ما تَتَضَمَّنَهُ أيضًا من آيَاتٍ أُخرى تَسْتَلْزِمُها، ولهَذَا جمع فقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾.\nفَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: أين الآيَات فِي كون الليل لِيسكنوا فِيهِ والنَّهار مُبصِرًا؟\nنَقُول: السكون فِي الليلِ والتصرُّف فِي النَّهار؛ لأَنَّنا قُلْنَا: حذفَ مِن النَّهارِ ما ذكرَ فِي الليلِ، وحذفَ فِي الليلِ ما ذكرَ فِي النَّهارِ، يعني فِي المقابلةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-561>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> تقرير هَذِهِ القُدْرَةِ الإلهيَّة، وهي جَعْل الليلِ مُظلِمًا للسكنِ، والنَّهارِ مُبْصِرًا للمعيشةِ، وهَذِهِ النعمة كلهم يُقِرُّون بها، ولهَذَا قَالَ: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-563>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> الاستدلال بالشاهدِ عَلَى الغائبِ، فإن هَذَا الليل والنَّهار ما أحد من الخلقِ يستطيع أنْ يُغيِّر فيهما أقلَّ تغييرٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ [القصص: ٧١]، ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ [القصص: ٧٢]، فالقادر عَلَى هَذَا التغييرِ قادرٌ عَلَى البعثِ، فالْإِنْسَان فِي الليلِ يُتَوَفَّى ثُمَّ يُبْعَثُ فِي النَّهارِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠]، فالقادرُ عَلَى هَذَا قادرٌ عَلَى إعادةِ النَّاسِ بعدَ مَوتِهم.","vol":"1","page":482},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-564>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> بَيَان فضلِ اللهِ تَعَالَى فِي جعل الليل والنَّهار عَلَى هَذَا الوصفِ، ظَلَام للسُّكْنَى وإبصار للعملِ، لو كَانَ الدهرُ كلّه ظَلامًا ما عمِل النَّاس، ولو قُدِّر أَنَّهُم رتّبوا أعمالهم لاختلفوا، وكذلك لو كَانَ نهازا ما سَكَنَ النَّاس، ولو قُدِّرَ أَنَّهُم رَتَّبوا أوقاتهم وجعلوا مثلًا نصفَ الوقتِ سكنًا ونصف الوقت عملًا لم يَتَّفِقُوا فيه، ولكِن من رحمةِ اللهِ ﷾ انه جعل الليل والنّهارَ لِيَسْكُنَ النّاسُ جميعًا وَيرْتَعُوا من فضله جميعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ:</span> أَنَّهُ ينبغي للعاقلِ أن يَعتبرَ بهَذِهِ الآيَاتِ وأن الاعتبار بها من الإِيمان، لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-566>الْفَائِدَة الخَامِسَةُ:</span> أن الانتفاعَ بالآيَاتِ بِقَدْرِ ما مَعَ الْإِنْسَان من الإِيمَانِ؛ لِأَنَّهَا رُتِّبَتْ عَلَى وصفٍ، والمرتَّبُ عَلَى وصفٍ يَزيد بزيادته ويَنْقُص بنقصانه.\n* * *","vol":"1","page":483},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-567>الآية (٨٧)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧].\n* * *\n\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ القرن]، هَذِهِ معطوفةٌ عَلَى قولِهِ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾ [النمل: ٨٣]، فيَكُون من جملةِ المأمورِ بذِكْرِه، يَعْنِي: واذْكُرْ يومَ يُنْفَخُ فِي الصُّور.\nوالصُّور يَقُول المُفَسِّر ﵀: [القَرْن] وَقِيلَ: إنَّهُ البُوقُ، ولا تنافيَ بينَ القَوْلينِ؛ لِأَنَّ القرنَ المُعْوَجّ يَكُون مثل البُوق، ولكِن هَذَا القَرْنُ يُوافِقُ القرنَ المعروف بالاسم دون الحقيقةِ، وقد وردَ فِي بعضِ الآثارِ أنَّ سَعَتَهُ كما بينَ السَّمَاء والْأَرْض (^١)، وَهُوَ لَا بُدَّ أن يَكُونَ بهَذ السَّعة والعَظَمَة؛ لِأَنَّ النفخَ فِيهِ يَستلزِم الفَزَع والموتَ، ومثل هَذَا لو كَانَ صَغيرًا لا يُفْزع النَّاس ولا يموتون منه كلهم. وأيضًا يُنْفَخ فِيهِ فتَخْرُج منه الأرواحُ كلُّها وتعود إِلَى أَجْسَامها.\nإِذَنْ: فَهُوَ قَرْنٌ عَظيمٌ ما يَعْلَم قَدْرَه إِلَّا اللهُ ﷾.\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ قَالَ المُفَسِّر: [النَّفْخَة الأُولَى من إسرافيلَ]، وتوجد نفخةٌ ثانيةٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨].\n_________\n(^١) مسند إسحاق بن راهويه (١/ ٨٤) (١٠).","vol":"1","page":484},{"text":"وقوله ﵀: [من إسرافيلَ] بَيَان للنافِخِ، يعني الَّذِي يَنْفُخ هُوَ إسرافيل، ولكِنَّه لا يَنْفُخ بإرادتِهِ هُوَ، بل بإرادةِ اللهِ، وإسرافيلُ هُوَ أحَدُ حَمَلَة العَرْش، وَهُوَ أحدُ الملائكةِ الثلاثة الَّذِينَ يَسْتَفْتِح بهم النَّبِيُّ - ﷺ - صلاةَ الليلِ، والثاني جَبرائيلُ، والثَّالث مِيكَائيل (^١)، والحِكْمَةُ من ذلكَ أن هَؤُلَاءِ الثلاثة كُلّ مِنهم مُوكَّل بحياةٍ، فجبرائيل موكَّل بالوحيِ الَّذِي به حياةُ القلوبِ، وميكائيلُ بالقَطْر والنباتِ الَّذِي به حَياة الْأَرْض، وإسرافيلُ بالصُّور الَّذِي به حياةُ الأجسادِ، ومناسبةُ الافتتاحِ فِي صلاةِ الليلِ ظاهرةٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ قد بُعِثَ الْإِنْسَانُ بعدَ مَوته أو بعدَ وَفاتِه بالنومِ، فهَذ حياةٌ تُناسِب أنْ يَبْتَدِئَ هَذِهِ الصَّلَاة الَّتِي هِيَ بعدَ الحياةِ بِمَن وُكِّلوا بالحياةِ، وطبعًا هَذَا من بابِ التوسُّل، لأنك تقول: \"اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ ... إلخ\".\nقوله: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ مَن فِي السَّماوَات ومَن فِي الْأَرْض مِن عُقَلاء وغَيْرِهم، وجاءت (مَن) تَغليبًا؛ لأنَّ العاقلَ أشدُّ فَزَعًا من غيرِ العاقلِ؛ لِأَنَّ العاقلَ يَفْزَع للحاضرِ والمستقبَل، وغير العاقل للحاضرِ فقطْ ولا يُهِمُّه المستقبَل، ولهَذَا لو سَمِعْتَ صَدمةَ لِصّ فِي البابِ قويَّة وعندك صَبِيّ، كلكم يَفْزَع من هَذِهِ الصدمةِ القويَّة، لكِن الصبي إذا انتهتِ الصدمةُ وَقَفَ ولم يكن فِي قلبه أيّ شَيْء أبدًا، وأنت تفكِّر فِي المستقبل وتخاف، فلهَذَا غلبَ العقلاءُ فِي قولِه: (مَن) فِي جانبِ الفَزَعِ؛ لِأَنَّ فزعَهم أعظمُ، يَكُون للحاضرِ والمستقبلِ.\nوهنا قَالَ: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وَفِي آيَةِ الزُّمَر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]،\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، حديث رقم (٧٧٠)، عن عائشة أم المُؤْمِنيِنَ - ﵂ -.","vol":"1","page":485},{"text":"فهل هما نفختانِ، فإذا جمعتَ إِلَى الثَّالثةِ ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ صارت ثلاثَ نَفَخَاتٍ، أو أن نفخة الفَزَع والصَّعْق واحدة، وأن النَّاس يَفْزَعون أوَّلًا ثُمَّ يموتون؛ أي: فزَع يليه الموت؛ لِأَنَّ الظَّاهرَ - واللهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ إذا نُفِخَ يَكُونُ صوتٌ عظيم مُمْتَدّ، فيَفزعون ثُمَّ يَموتون، مثل الصَّيْحَات الَّتِي يُصاح بالمجرمينَ كالتي أَخَذَتْ ثمودَ؟\nهَذِهِ المسألةُ اختلفَ فيها أهلُ العلمِ، فمنهم مَن يَرَى أنَّ النَّفَخَات ثلاثٌ: نفخةٌ يَفزع النَّاسُ وَيتَأَهَّبُون وَيكُونون عَلَى حَذَر، ثُمَّ أُخرى للصَّعْق فيموتون، ثُمَّ ثالثة للبَعْث.\nوَقِيلَ: إنّ نَفْخة الفَزَع بعدَ نَفْخَةِ الصَّعْق والبَعْث، وإنهم يَصْعَقُون، قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]، ثُمَّ يُنفخ ثالثة فيَفْزَعون إِلَى الداعي، لكِن هَذَا القَوْل ضعيفٌ، فالمشهورُ القَوْلانِ السابقانِ.\nوهل هِيَ ثلاثٌ: فَزَع ثُمَّ نفخةٌ أُخْرَى فيها الصَّعْق ثُمَّ نفخةٌ ثالثةٌ فيها البعثُ، أو هما نفختانِ: نفخةٌ فيها فَزَع وصَعْقٌ، ونفخةٌ فيها البَعْث؟\nالأخيرُ هُوَ الأقربُ؛ لِأَنَّ حديثَ أبي هُرَيْرَة - ﵁ - يَدُلّ عَلَى هَذَا، فَإِنَّهُ ذكر النفختينِ وذكرَ أن بينهما أربعينَ، قيلَ له: يوم أو شهر أو سَنة؟ قَالَ: أَبَيْتُ (^١). ولم يُبَيِّنْ؛ لِأَنَّهُ لا يَعْلَم؛ لِأَنَّهُ - ﵁ - سَمِعَ منَ الرَّسُولِ - ﷺ - أربعينَ، ولا يعلمُ هل هِيَ أربعونَ يومًا أو سنة أو شهرًا.\nوبعد هَذِهِ النفخةِ الَّتِي هِيَ الفَزَع والصَّعْق يُرْسِل اللهُ ﵎ مَطَرًا كأَنَّه الطَّلّ، والطَّلُّ معروفٌ، وهُوَ النَّدَى الَّذِي يَنْزِل منَ السَّمَاءِ عندَ الصَّحْو فِي الليلِ،\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾، حديث رقم (٤٦٥١)؛ ومسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ما بين النفختين، حديث رقم (٢٩٥٥).","vol":"1","page":486},{"text":"أو أَنَّهُ الرذاذ الخفيفُ جدًّا، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، ثُمَّ تنبُت الأجسامُ بإذنِ اللهِ من هَذَا الماء، تنبت وهي فِي القبورِ، فإذا تكاملَ نَباتها نُفِخَ فِي الصُّور النفخة الثَّانِيَة، وحِينَئذٍ تَخرُجُ الأرواحُ وتعودُ إِلَى أجسامها، فيخرجُ النَّاسُ مِنَ القُبُور، وَلَيْسَ كما يَتَوَهَّم بعضُ النَّاس أَنَّهُم يَنْبُتُون عَلَى قُبُورهم، بل هم يَنْبُتُون فِي القبورِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾ [ق: ٤٤].\nفمعنى ذلك أَنَّهُم يُخْرَجُون منَ القبورِ وهم مُسْرِعون، فهم أحياء، وهَذَا بعدَ تكامُلِ أجسادهمْ فِي القبورِ، ثُمَّ إن هَذَا أيضًا مُقْتَضَى القِيَاس فِي بَدْءِ الخَلْق؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَتكامَل خَلْقُه فِي بَطْنِ أُمِّهِ ويَخْرُج حيًّا، والْأَرْض للإِنْسَانِ مثل بَطْن الأُمّ له، واللهُ ﷾ حَكِيم، قَالَ تَعَالَى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: ٢٣]، أفعاله دائمًا تكونُ متناسبةً، لَيْسَ فيها تناقُضٌ ولا تنافُرٌ.\nقوله: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ حَتَّى الملائكة يَفْزَعون، وكذلك يَصْعَقُون: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨].\nقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ يَقُول المُفَسِّر: أخافُوا الخوفَ المُفْضِيَ إِلَى الموتِ؛ كما فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿فَصَعِقَ﴾]، فعلى هَذَا يَكُون رأيُ المُفَسِّر أنهما نَفختانِ؛ الأُولَى تَتَضَمَّن الفزعَ والصَّعْق.\nثم قَالَ المُفَسِّر ﵀: [والتعبيرُ فِيهِ بالماضي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ]، ف (فَزِعَ) فِعلٌ ماضٍ، و(يُنْفَخ) مضارعٌ، وَلَيْسَ الكَلام فِي (يُنْفَخ)؛ لِأَنَّ المضارعَ للمستقبلِ، لكِن قوله: ﴿فَفَزِعَ﴾ ولم يقلْ: (فيَفْزَع).\nيَقُول المُفَسِّر: [لِتَحَقُّق وقوعه]، والشَّيْء المتحقّق الوقوعِ كالماضي، ولهَذَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، فكيف أَتَى واللهُ تَعَالَى يَقُول:","vol":"1","page":487},{"text":"فلا تَستعجلوه؛ إذنْ ما أَتَى ما دام أَنَّهُ فلا تَسْتَعْجِلُوه، فمعناه أَنَّهُ لم يأتِ، فعبَّر ب (أتى) لِتَحَقُّقِ الوقوعِ ولقُرْبِهِ أيضًا، كَأنه لِقُرْبِهِ شَيْء حَصَل، فهنا ذكر ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ﴾ بلفظِ المضارعِ لِأَنَّهُ لم يكنْ، وذكر الفزعَ الَّذِي يَتَّصِف به النَّاس بلفظِ الماضي كأنه شيءٌ قد وَقَع بهم.\nقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ عَيَّن المُفَسِّر هَذَا المُبْهَم فقال: [أي جِبريل وميكائيل وإسرافيل ومَلَك المَوْت]، هَؤُلَاءِ أربعةٌ، [وعنِ ابنِ عبَّاس: هُمُ الشُّهَدَاء (^١)؛ إذ هم ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]]، فيَكُون المستثنَى خمسة، هَكَذَا قَالَ المُفَسِّر، وهَذَا يَحتاجُ إِلَى توقيفٍ وَنَصٍّ، إذا كَانَ النَّبِيّ ﵊ لا يَدْرِي، فمَنِ الَّذِي يَدْرِي! أخبرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أنه: \"أَوَّلُ مَنْ يُفِيقُ، فَيَجِدُ مُوسَى ﵊ آخِذًا بِقَوَائِمِ العَرْش أَوْ بقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِهِ، يَقُولُ: فَلَا أَدْرِي أَجُوزِيَ بصَعْقَةِ الصُّورِ أَمْ هُوَ أَفَاقَ قَبْلِي\" (^٢).\nإِذَنِ: الرَّسُول لا يَدْرِي مَنِ المُسْتَثْنَى؛ لِأَنَّهُ لم يعلم أنْ يَكُونَ موسى مِمَّنِ استثنى اللهُ، ولو كَانَ عنده علمٌ بهم لعَلِمَ مثلًا أن موسى لَيْسَ منهم أو أنَّهُ مِنهم، فإذا كَانَ النَّبِيّ - ﷺ - لم يعلمْ فغيرُه من باب أَوْلَى.\nولهَذَا الصَّوابُ أَنَّهُ يجبُ علينا أنْ نُبْهِمَ ما أبهمهُ اللهُ، إِلَّا إذا جَاءنا عنِ الرَّسُولِ - ﷺ - فإنَّ الله يقولُ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧].\n_________\n(^١) تفسير ابن رجب الحنبلي (١/ ٢٦٨).\n(^٢) رواه البخاري، كتاب الديات، باب إذا لطم المسلم يهوديًّا عند الغضب، حديث رقم (٦٥١٩)؛ ومسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى - ﷺ -، حديث رقم (٢٣٧٣)، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -.","vol":"1","page":488},{"text":"وَأَمَّا إذا ما جاءنا عن المعصومِ شيءٌ مِن هَذَا فالواجبُ علينا أنْ نُبْهِمَ ما أَبْهَمَهُ اللهُ، والأَمْرُ فِي هَذِهِ المسائلِ مِنَ الخُطُورة بمكانٍ، حَتَّى آدم، فلا نَستثني أحدًا أبدًا، إِلَّا مَن شاء الله.\nفَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: مَن الَّذِي شاء الله؟\nنَقُول: اللهُ أَعْلَمُ.\nفنَفْهَم أنَّ الله استثنى أحدًا قد يَكُونُ واحدًا وقد يَكُون ألفًا وقد يَكُون ألفينِ وقد يَكُون عَشَرَةَ آلافٍ، فلا ندري، إِلَّا مَن شاء الله.\nوَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إسرافيل ألا يَتَعَيَّن آنهُ مِمَّنِ استُثْنِيَ لِأَنَّهُ هُوَ النافِخُ؟\nفالجواب: لا، رُبَّما يَنْفُخُ وَيصْعَقُ بمجرَّد النفخ، فلا نَدري، المهمُّ أَنَّهُ لا يوجد شَيْء يمكن أنْ نُعَيِّنَه إِلَّا بدليلٍ عن معصومٍ، وهَذَا يَجِب علينا فِي كُلّ شيءٍ أَبْهَمَهُ الله، فكلُّ شيءٍ أبهمه الله لا يُمْكِن أنْ نُعَيِّنَهُ إِلَّا بدليلٍ عن الرَّسُول ﵊.\nوخبرُ ابنِ عَبَّاس - اللهُ أَعْلَمُ - إنْ صَحَّ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ فَقَدْ يَقُوُل قَائِلٌ: ابنُ عبّاسٍ مِمَّن عُرِفَ بالأخذِ عن الإسرائيلياتِ، فيُخْشَى هَذَا أن يَكُونَ مِمَّا أخذه عن بني إسرائيلَ؟\nفنَقُول: يَبْعُدُ أنْ يُفَسِّر الْقُرْآن بما أَخَذَهُ عن بني إِسرائيلَ؛ لِأَنَّ الصحابةَ عندهم مِنَ الوَرَعِ ما يَمْنَعُهم من ذلكَ، فإذا جَاءنا - وهَذِهِ نُكْتَة يَجِب أنْ نَتَفَطَّن لها - إذا جاءنا عن ابنِ عبَّاس ونحوه مِمَّن عُرِفَ بالأخذِ عن الإسرائيليَّات تفسيرٌ للقرآنِ بهَذَا فَإِنَّهُ قد يُمَانع فِي كونه مردودًا؛ لِأَنَّ ابن عباس لا يمكن أن يفسر كلام الله بما أخذه عن بني إسرائيلَ، وقد قَالَ النَّبِيّ ﵊: \"إِذَا حَدَّثَكُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ","vol":"1","page":489},{"text":"وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ\" (^١)؛ لِأَنَّ هَذَا يَقتضي أَنَّنَا إذا فَسَّرنا الْقُرْآن بما قالوا فقد صَدَّقْنَاهم، وهَذَا بعيدٌ مِنَ الصحابةِ أن يفعلوه، فالْإِنْسَان يَتَوَقَّف فيما إذا جاء تفسيرُ الآيَةِ عنِ ابنِ عبَّاس وغيره من الصحابةِ الَّذِينَ أخذوا عن بني إسرائيلَ وَيتَوَقَّف فِي رَدِّه، وذلك لهَذَا الوجهِ الَّذِي ذَكَرنا، وإنْ ذَكَروا شيئًا لا يتعلَّق بالتفسير كالقَصَص الَّتِي ما أشار إليها الْقُرْآن فهَذَا يُمْكِن أن نأخذَه، لكِن قِصَّة مُسْتَقِلَّة ما أشار إليها الْقُرْآن، هَذَا يَكُون عَلَى بابِه، لكِن إذا فَسَّر شيئًا فِي قِصَّة فِي الْقُرْآن فهَذَا نأخذه، أَمَّا إذا جَعَلُوه تفسيرًا لشيءٍ معيَّن منَ الْقُرْآن كما فِي هَذِهِ الآيَةِ فالْإِنْسَان يَتَوَقَّف.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَكُلٌّ﴾ تَنْوِينه عِوَض عن المضافِ إليه؛ أي: وكلهم بعدَ إحيائهم يومَ القيامةِ ﴿أَتَوْهُ﴾]، أي: أتوا الله ﷿ ﴿دَاخِرِينَ﴾.\nو(كلٌّ) تنوينُه عِوَض عنِ المضافِ إليه، والتَّقْدير: (وكُلُّهم) إذن التنوين عِوَض عنِ اسمٍ؛ عن كَلِمَةٍ، وتنوينُ العِوَض يَقُولُونَ: إنَّهُ ثلاثةُ أقسامٍ: عِوَض عن جملةٍ، وعِوَض عن كلمةٍ، وعِوَض عن حَرْفٍ، مثل قوله تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣، ٨٤]، نَقُول هنا: التنوين عِوَض عن جملةٍ؛ يَعْنِي: حينَ إذْ بَلَغَتْ، وأيضًا قوله تَعَالَى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٢ - ٤]، (ويومئذٍ) عِوَض عن جملةٍ، وهي: ويوم إذ يُغْلَب الرومُ.\nوالعِوَض عن اسمٍ مثل هَذِهِ الآيَة، فتنوين (كل) و(بعض) عِوَض عن اسمٍ،\n_________\n(^١) رواه أبو داود، كتاب العلم، باب رواية حديث أهل الكتاب، حديث رقم (٣٦٤٤)، وأحمد (٤/ ١٣٦) (١٧٢٦٤)، عن أبي نملة الأنصاري - ﵁ -.","vol":"1","page":490},{"text":"مثل قوله: ﴿وَكُلٌّ﴾ أي: (وكلهم)، وكما فِي قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢]؛ أي: وإنَّ كلهم، وقوله: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هود: ١١١]؛ أي: وإنَّ كلهم.\nوالعِوَض عن الحرفِ هُوَ الَّذِي يَلْحَق مثل: جَوَارٍ وغَوَاشٍ، فأصلها: جواري وغواشي، فحُذِفَتِ الياءُ وعوّض عنها التنوين.\nوفي الحقيقة مسألة التعويض عن الحرفِ لَيْسَ لها قيمةٌ، لكِن الَّذِي يمكن أن يَتَرَتَّب عليه المَعْنى أو فَهْم المَعْنى هُوَ العوض عن جملةٍ أو اسمٍ.\nقوله: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ﴾؛ أي: أَتَوُا اللهَ جَلَّ وَعَلَا، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بصيغةِ الفِعْل واسمِ الفاعلِ]، اسمُ الفاعلِ عَلَى وزنِ فاعلٍ (آتٍ)، وإذا لحَقَتْه الواوُ تقول: \"وَكُلُّ آتُوهُ\"، والفِعْل: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ﴾ (^١).\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿دَاخِرِينَ﴾ صَاغِرِينَ]، إعرابها حالٌ، وهي حالٌ مِن مَفْعُول (أَتَوْهُ)، يعني من الهاءِ، فإذا كَانَ فعلًا فواضحٌ أَنَّهَا حال، لكِن (كل آتُوهُ دَاخِرينَ) كيف تكون حالًا؟ وأين العاملُ فيها؟ اسمُ الفاعلِ؛ لِأَنَّ اسمَ الفاعلِ يعملُ عملَ فعلِهِ.\nوقوله: ﴿دَاخِرِينَ﴾ قال المُفَسِّر: [صَاغِرِينَ]، الله أكبرُ! فِي ذلكَ الوقتِ حَتَّى الرُّؤَسَاء وحتَّى الملوكُ وحتَّى الأُمَرَاء وحتى الأسياد كلُّهم واحدٌ، كلُّهم يَأْتُونَ فِي حالِ الصَّغار، فَأَعْظَمُ مَلِكٍ فِي الدُّنيا وأعظمُ رئيسٍ فِي الدُّنْيا الَّذِي يَمشي وبين يديه وخلفه وعن يمينه وعن شِماله خَلائِق البَشَرِ؛ يأتي يومَ القيامةِ صاغرًا، ولكِن هَذَا\n_________\n(^١) الحجة في القراءات السبع (ص: ٢٧٥).","vol":"1","page":491},{"text":"الصَّغار بالنِّسْبَةِ لعظمةِ الخالقِ، قَالَ ﵎: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، ثُمَّ قد يَكُون بالنِّسْبَةِ للشخصِ أيضا، وقد يَكُون بالنِّسْبَةِ لعظمةِ الخالِق فقطْ، فهم جميعًا بالنِّسْبَةِ لعظمةِ اللهِ صَاغِرُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> إثباتُ النفخِ فِي الصّورِ، ولم يُعَيِّنِ اللهُ ﵎ النافخَ ولكِن جاءتْ به السُّنَّة أَنَّهُ إسرافيلُ أحدُ حَمَلَة العَرْش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> أن هَذَا النفخ عَظِيمٌ، لِأَنَّهُ يُنْتِجُ الفَزَع، ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، فلو أنَّ قنابلَ قُدِّرَت فِي مكان مَهْما بلغتْ قُوَّتُها تُفْزع مَن حولها ولَكِنَّهَا لا تُفْزِعُ أهل الْأَرْض كلّهم، ولا أهل الْأَرْض وأهل السَّماوَات، وهَذَا النفخُ يُفْرغُ أهلَ السَّماوَات وأهلَ الْأَرْض؛ لِقَوْلِهِ: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ فيدلّ ذلك عَلَى عَظَمَةِ هَذِهِ النفخةِ؛ ولذلك قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣]، أكَّدها بواحدةٍ لِيَتبَيَّنَ أَنَّهَا عظيمةٌ لا تَحتاج إِلَى إعادةٍ وتكرارٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> أَنَّهُ لا يَفْزَعُ جميعُ مَن فِي الْأَرْض ومن فِي السَّماوَات، بل يبقى مَن لا يَفْزَع بمشيئةِ اللهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ وهَذَا المُبْهَم فِي الآيَةِ الصَّحيحُ أنه ليسَ معلومًا لنا، ولذلك أشكلَ عَلَى رسولِ الله - ﷺ - هل كَانَ موسى ممَّن صَعِقَ أو ممَّنِ استثنى اللهُ، فدلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ معلومًا للناسِ مَن هم المُسْتَثْنَوْنَ، وهَذَا يَرْجع إِلَى كمالِ رُبُوبِيَّة اللهِ ﷾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ:</span> كمالُ الرّبُوبِيَّة والسلطانِ للهِ ﷿ فِي قوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ووجهُ ذلك أن العظيمَ إذا أَبْهَمَ ما يَتَصَرَّفُ به دلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لا مُعارِضَ له، وأنَّ","vol":"1","page":492},{"text":"سُلطانه تامٌّ، يَعْنِي كأَنَّهُ لا أحدَ يَسْأَلُه مَن هَذَا الَّذِي لا يَفْزَع ومن هَذَا الَّذِي يَفْزَع، وذلك دليل عَلَى كمالِ السلطانِ والعظمةِ، قَالَ اللهُ ﷿: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وذلك لكمالِ سُلطانِهِ وحِكْمَتِه.\nفَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: النَّبِيّ - ﷺ - رأى موسَى مُتَعَلِّقًا بالعَرْش، فهل هَذِهِ النفخةُ متعلقةٌ بأهلِ الْأَرْض فقطْ؟\nفالجواب: النفخةُ مُتَعَلِّقة بمَن فِي السَّماوَات وبمن فِي الْأَرْض، والمتعلِّق بالعَرْش هُوَ فِي السَّماوَات، وهَذِهِ النفخة نَفْخَة الفَزَع هِيَ المقدَّمة لنفخةِ الصَّعْقِ، يَفْزَعون ثُمَّ يَصْعَقون، والرَّسُول - ﷺ - يَقُول: لا أدري أَجُوزِيَ بنفخةِ الصُّور أم أَنَّهُ مِمَّنِ استثنى اللهُ، وموسى - ﷺ - مات فِي الْأَرْضِ ودُفِنَ فِي الْأَرْضِ، ولا نَدْرِي هل أَنَّهُ يُرْفَع أو يَتَعَلَّق بقوائم العَرْش، وإنْ لم يَكُنْ مباشرًا له، وقد يُدَلَّى إليه شَيْء، لا نَدْرِي، فالمهمُّ أن هَذِهِ أمورٌ غَيْبِيَّة لا نُحِيط بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-573>الْفَائِدَة الخَامِسَةُ:</span> أن كُلّ أحدٍ يأتي يومَ القيامةِ صَاغرًا ذليلًا للهِ ﷾، لا فرقَ بينَ الملكِ والمملوكِ، والرئيسِ والمرءوسِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ كلٌّ؛ لِأَنَّ هَذَا التنوين عِوَض عن كلمةٍ، والتَّقْدير: (وكُلّهم)، أي: من فِي السَّماوَات ومن فِي الْأَرْض أتوُا اللهَ تَعَالَى داخرينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>الْفَائِدَة السَّادِسَةُ:</span> إثباتُ البَعْثِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ أو (وَكُلٌّ آتُوهُ دَاخِرِينَ).\n* * *","vol":"1","page":493},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-575>الآية (٨٨)</span>\n* * *\n\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨].\n* * *\n\nقوله: (ترَى) أيُّها الْإِنْسَان، فالخطابُ لَيْسَ خَاصًّا بالنَّبِيِّ - ﷺ - لِأَنَّ هَذِهِ الرؤيةَ له ولِغَيْرِهِ. والجبالُ: مَعروفةٌ، والرؤيةُ هنا بَصَرِيَّة، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [تُبْصِرها وقتَ النفخةِ].\nوقول المُفَسِّر: [وقت النفخة] فِيهِ نظرٌ؛ لِأَنَّ وقتَ النفخةِ لم يكن النَّاس قد قاموا من قُبُورهم، ولَكِنَّهم يَرَوْنَها يومَ القيامةِ بعدَ أن يأتيَ النَّاس إِلَى اللهِ تَعَالَى داخِرينَ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿تَحْسَبُهَا﴾ تَظُنُّها]، والجملةُ فِي قولِهِ: ﴿تَحْسَبُهَا﴾ فِي مَوْضِع نصبٍ عَلَى الحالِ؛ لأننا قُلْنَا: إنَّ الرؤيةَ هنا بَصَرِيَّة، والرؤيةُ البصريَّةُ لا تَنْصِب إِلَّا مَفْعُولا واحدًا، ومعنى تَحْسَبُها؛ أي: تَظُنُّها.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿جَامِدَةً﴾ واقفةً مكانها لِعِظَمِها]، وقوله: ﴿وجَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ﴾ استعملَ الجمودَ للوقوفِ بجامعِ الثبوتِ فِي كُلّ منهما؛ لِأَنَّ الجامدَ ثابتٌ، والواقف كذلك ثابت، ولكِن قول المُفَسِّر: [واقفة مكانها] فِيهِ نظرٌ، إِنَّمَا ﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ أي: واقفة وإنْ كانتْ هِيَ تدورُ، ولهَذَا قَالَ: ﴿وَهَيَ تَمُرُّ مَرَّ الْسَّحَابِ﴾ فَتَبَيَّن بهَذَا","vol":"1","page":494},{"text":"أَنَّهَا ليستْ واقفةً فِي مكانها، ولَكِنَّهَا تُحْسَبُ واقفةً وهي فِي الحقيقةِ سائرةٌ، ولهَذَا قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ المطر إِذَا ضَرَبَتْه الريحُ؛ أي: تسير سَيْرَهُ حَتَّى تقعَ عَلَى الْأَرْضِ فتَسْتَوِي بها مبثوثة ثُمَّ تَصِير كالعِهْنِ ثُمَّ تصير هَبَاء منثورًا].\nقوله: ﴿مَرَّ السَّحَابِ﴾ يَقُول: [المَطَر]، وفيه نظر أيضًا، والصَّوابُ أن المُرادَ بالسحابِ هَذَا السحابُ المعروفُ، والمَعْنى أَنَّهَا تسيرُ كما يسيرُ السحابُ فِي السُّرعةِ، وهو أبلغُ مِنَ المطرِ الَّذِي فَسَّرَهُ به المُفَسِّر حَيْثُ قَالَ: إنه مثل المطر إذا ضربتْه الريحُ، فالمطرُ إذا ضَرَبَتْهُ الريحُ تَجِده يزولُ عن مكانِهِ، ولكِنَّه فِي الحقيقةِ لَيْسَ كما يَتَصَوَّرُهُ الْإِنْسَانُ من الآيَةِ، بل إن الآيَة عَلَى ظاهرها، والمُراد بالسحابِ هُوَ السحابُ المعروفُ، فَإِنَّهُ يَمُرُّ بسرعةٍ، ثُمَّ إنَّ مشابهةَ الجبالِ للسحابِ أقربُ من مشابهةِ الجبالِ للمطرِ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣)﴾ [النور: ٤٣]، فالصَّوابُ إبقاءُ الآيةِ عَلَى ظَاهِرِهَا بدونِ تأويلٍ.\nوقوله: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ السحابُ معروفٌ أَنَّهُ يمرُّ بسرعةٍ، فهي إذن تُقْتَلَع من مكانها وتكون مثلَ السحابِ هَبَاءً يَطير.\nوالحاصلُ: أنَّ الْإِنْسَانَ لا يَشْعُرُ بمرورها لَكِنَّها تمرّ.\nثم يَقُول المُفَسِّر: إنَّهُ بعدَ ذلك تَقَع عَلَى الْأَرْض فتَستوي بها مبثوثةً، وما قَالَهُ المُفَسِّر محُتمَل، أَنَّهَا بَعْد صعودها ومرورها مرّ السحابِ تقعُ عَلَى الْأَرْض ثُمَّ تَستوي بها الْأَرْض، ويَحتمِل أَنَّهَا تَبقى طائرةً ثُمَّ تكون هباء منثورًا، بمعنى أَنَّهَا أولًا تَضْعُفُ حَتَّى تكونَ كالعِهنِ المنفوشِ ثُمَّ بَعْد ذلك تَطيرُ مِنَ الْأَرْض حَتَّى تمرّ مرّ السحابِ مُشَاهَد، لها جِسْم متماثِل، ثُمَّ بَعْد ذلك تكون هباءً منثورًا تتبدد وتتفرَّق، فتكون لها أحوال وتتطوَّر، وذلك من عِظَم الأهوالِ يومئذٍ، فتبقى الْأَرْض بعدما كانت","vol":"1","page":495},{"text":"مرتفعةً ونازلة تَبقَى قاعًا صَفْصَفًا؛ كما قَالَ تَعَالَى: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٦، ١٠٧].\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿صُنْعَ اللهِ﴾ مَصْدَرٌ مؤكِّد لمضمونِ الجملةِ قبله أُضيف إِلَى فاعلِهِ بَعْد حذفِ عاملِهِ؛ أي: صنع الله ذلك صنعًا].\nقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ المُفَسِّر يَقُول: [مَصْدَر مُؤَكِّد لمضمونِ الجملةِ قبله]، الجملةُ هِيَ قولُه: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ وهَذَا الفِعْل من اللهِ هُوَ الَّذِي جَعَلَها تكونُ عَلَى هَذَا الحالِ، ولهَذَا قَالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾، فأكَّد هَذِهِ الجملة بهَذَا المصدر.\nإِذَنْ: إذا كَانَ المصدرُ مُؤَكِّدًا لجملةٍ قبله فَإِنَّهُ عند النحْويين يجبُ حذفُ عامِلِهِ.\nيَقُول ابن مالك ﵀ (^١):\nوَحَذْفُ عَامِلِ المُؤَكِّدِ امْتَنَعْ .................................\nيعن أن المصدرَ إذا كَانَ مؤكِّدًا لجملةٍ قبله فَإِنَّهُ يجبُ حذفُ عاملِه؛ وذلك لِأَنَّ الجملةَ الَّتِي قبلَه ما دامَ هُوَ مؤكِّدًا لها صارتْ كأنها فِعله، فلا يُجمَع بينَ البدلِ والمبدَلِ، وقوله ﵀: [أُضيف إِلَى فاعِلِه] يعني المَصْدر (صنع) أُضيف إِلَى اللهِ، واللهُ هُوَ الفاعلُ، والمصدرُ يُضاف تارَة إِلَى فاعلِهِ، ويضاف تارَةً إِلَى مَفْعُوله، تقول مثلًا: (عَجِبتُ مِن أكلِكَ الطعامَ)، أَكْل مصدر؛ لِأَنَّ الفِعْل أكلَ يأكُل أَكْلًا، فأكل مصدرٌ مُضافٌ إِلَى الكافِ، والكافُ فاعلٌ وليستْ مَفْعُولا، فأنت آكِل ولستَ مأكولًا.\nإِذَنْ: فالكافُ فاعل، فَهُوَ مضافٌ إِلَى فاعلٍ، والطعام مَفْعُول به.\n_________\n(^١) ألفية ابن مالك - المفعول المطلق (ص: ٢٩).","vol":"1","page":496},{"text":"وإضافته إِلَى المَفْعُول تقول مثلًا: عَجِبتُ من أكلِ الطعامِ مِن زيدٍ، وكذا: عَجِبْتُ من طَحْنِ الدقيقِ من زيدٍ، فالدقيقُ مطحونٌ، والطعامُ مأكولٌ، فَهُوَ مضافٌ إِلَى مَفْعُولهِ.\nفي هَذِهِ الآية: ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ فاللهُ تَعَالَى صانِع، فيَكُون هنا مُضافًا إِلَى فاعله.\nوقوله: [بَعْد حذف عامله] وُجوبًا وليس جوازًا، فيجبُ حذفُ العاملِ وجوبًا، وإنما وَجَبَ حذفُه لِأَنَّهُ مؤكد للجملةِ قبله، فتكون هَذِهِ الجملة بمنزلةِ العاملِ؛ أي: بمنزلةِ الفِعْل، ولا يُجْمَع بين البدلِ والمُبدَلِ منه، [أي: صنع الله ذلك صنعًا]، وَفِي إضافةِ الصنعِ إِلَى اللهِ هنا تعظيم] لهَذَا الأَمْرِ وَأَنَّهُ من الأُمُورِ العظيمةِ الَّتِي هِيَ من صُنع الله ﵎.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿الَّذِي أَتْقَنَ﴾] أحكمَ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ صَنَعَهُ]، فالله ﵎ أتقنَ كُلّ شيءٍ صَنَعَهُ، ومن جملةِ إتقانِهِ أَنَّهُ حينما كانتِ الْأَرْضُ محتاجةً إِلَى هَذِهِ الجبالِ صارتِ الجبالُ راسيةً ورواسيَ تَرْسُو بها الْأَرْضُ، وهي أيضًا فِي نفسها ثابتة، ويوم القيامة تزولُ الحاجةُ إليها، بل تَقتضي الضَّرورَةُ زَوَالها، فتُزال هَذِهِ الجبالُ العظيمةُ، وبهَذَا نعلمُ أن اللهَ تَعَالَى صنعَ الجبالَ حينَ احتاجَ النَّاسُ إليها باقيةً، ولمَّا زالتِ الضَّرورَةُ إليها أزالها الله ﵎، وبهَذَا نعرِف الحِكْمَةَ فِي قوله: ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، فصار وجودُ الجبالِ إتقانا وزوالها يومَ القيامةِ إتقانًا أيضًا.\nوقوله ﵀: ﴿أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قَالَ المُفَسِّر: [صَنَعَه]، وينبغي ألا يقيّد بقولنا: صنعه؛ لِأَنَّ اللهَ أتقنَ كُلّ شَيْء صنعه وشَرَعَهُ، وَالَّذِي أوجبَ للمؤلِّف أنْ يقيِّد ذلك بِقَوْلِهِ: صنعه؛ لِأَنَّ السياقَ فِي مَقامِ الصنعِ، فلهَذَا قَالَ: الَّذِي أتقنَ كُلّ شيءٍ صَنَعَهُ، ولَكِننا نَقُول: إن الله تَعَالَى لم يَقُلِ: الَّذِي أتقنَ صُنْعَهُ، ولو كَانَ الله تَعَالَى - واللهُ أَعْلَمُ -","vol":"1","page":497},{"text":"يريدُ أنْ يقيِّدَ الإتقانَ بما صَنَعَ لكانَ كما قَالَ: ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ قال: الَّذِي أتقنَ صُنع، ولكِنه تَعَالَى يبيِّن أَنَّهُ أتقنَ كُلّ شيءٍ صَنَعَهُ أو شَرَعَه، فما صنعه الله من المخلوقاتِ فَهُوَ متقَنٌ، وما شرعهُ اللهُ تَعَالَى منَ الأحكامِ فَهُوَ أيضا مُتْقَن، لَيْسَ فِيهِ خَلَل، قَالَ الله ﵎ فِي سورة تَبارَكَ: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣، ٤]، وقال تَعَالَى فِي الآيَات الشَّرْعِيَّة: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]، فبيَّن الله ﷾ فِي آيَةِ تَبَارَك وَفِي آيَة النِّسَاءِ أَنَّهُ مُتقِن لكلِّ ما صنع ومتقِن لكلِّ ما شَرَعَ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ بالياءِ والتاءِ (^١)]، بما يَفعلون وبما تَفعلون، أَمَّا عَلَى قراءةِ الياءِ فيقول المُفَسِّر: بما يَفعلون، [أي: أعداؤه منَ المعصيةِ وأولياؤه مِنَ الطاعةِ]، ولكِن عَلَى قراءة التاءِ: ﴿بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ فالخطابُ لجميعِ النَّاسِ.\n(والخبير) بمعنى ذي الخِبرة، والخبرةُ هِيَ العلمُ ببواطنِ الأُمُورِ، وَعَلَى هَذَا فهي أخصُّ مِنَ العلمِ المطلَقِ، وإذا كَانَ عالمًا بالبواطِنِ فَهُوَ عالمٌ بالظواهرِ أيضًا، فاللهُ ﵎ عَليم بالظواهرِ وبالبواطنِ.\nوما مناسبة قوله: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ لمَّا تحدَّث اللهُ عنه من صُنعه؟ يعني كَانَ مُقتفَى السياقِ ألّا تُخْتَم الآيَة بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ بل تُخْتَم بِقَوْلِهِ: (إنه عليم حكيم) أو (إنه عَلَى كُلّ شيءٍ قديرٌ) ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وهَذَا يَقتضي أن تختم الآيَةُ بما يَدُلّ عَلَى القُدرة والحِكْمَةِ، ولَكِنَّهَا\n_________\n(^١) الحجة في القراءات السبع (ص: ٢٧٥).","vol":"1","page":498},{"text":"خُتِمَتْ بما يَدُلّ عَلَى العلمِ والخبرةِ؛ العلمُ بما يفعلُ العبادُ، فما هُوَ الجوابُ عن هَذَا؛ أي: عن العُدُول عن الأول إِلَى الثاني؟\nالجواب: - واللهُ أَعْلَمُ - أن الحِكْمَةَ من ذلك هي أن قوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ جملة مُعْتَرِضة بالنِّسْبَةِ للمعنى، لا بالنِّسْبَة للإعرابِ، وأنَّ المقام يَقتضي الإخبارَ بأن الله ﷾ يعلم بما يفعلونَ؛ لِأَنَّ يومَ القيامةِ هُوَ يومُ الجزاءِ، والجزاء مرتَّب عَلَى العِلم، فلهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾، نظيره قوله تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]، فيَكُون هنا ذِكْرُ العلمِ بما يَفْعَل النَّاسُ فِي سياقِ يومِ القيامةِ للإشارةِ إِلَى أنَّ هَذَا اليومَ هُوَ يومُ الجزاءِ الَّذِي يَجِب عَلَى المرءِ أن يعملَ له ويَحتاط له.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: ذكرتم فِي قوله تَعَالَى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أَنَّهَا جملةٌ مُعْتَرِضة، ألَا يُشْكِل عَلَى هَذَا أنَّ الْقُرْآن معانيه كلها متناسِقة؟\nالمُرادُ بِقَوْلنا: جملةٌ مُعْتَرِضة؛ أي: من حَيْثُ المَعْنى، بمعنى أنَّ اللهَ ﷾ لمَّا ذكرَ حالَ الجبالِ يومَ القيامةِ بعدَ النفخِ فِي الصُّور ثُمَّ ذكر أن هَذَا من صنعه ﵎، وأن ذلك غاية الإتقانِ حَيْثُ كانت ثابتةً، ثُمَّ لمّا زالتِ الحاجةُ إليها أُزيلت؛ خَتَمَ الآيَة يما يَكُون تحذيرًا للناسِ مَن أن يعملوا ما يخالفُ أمرَ اللهِ ﷾، ومعلومٌ أن التناسُقَ فِي الْقُرْآن منه ما هُوَ ظاهرٌ ومنه ما لا يَظْهَر إِلَّا بالتأمُّل، مثلًا قوله تَعَالَى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، مُقتضى السياقِ: فإنك أنتَ الغفورُ الرحيمُ، ومع ذلك ما كانت بل قَالَ: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وعدّة آيَاتٍ من هَذَا النوعِ، يَتَوَقَّع الْإِنْسَان أن تُختَم الآيَة بكذا ثُمَّ تختم بكذا،","vol":"1","page":499},{"text":"فتكون فِي ظاهرِ الأَمْرِ مخالفةً لمُقْتَضَى السياقِ، ولكِنَّه عند التأمُّل يَتبَيَّن للمرءِ أن الحِكْمَةَ هي أن تكونَ عَلَى هَذَا الوجهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-577>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> عِظَم هَذِهِ الأهوالِ وارتفاعها، فالشَّيْءُ إذا كَانَ مرتفعًا ولو كَانَ يجري بسرعة فَإِنَّهُ يُظَنُّ أَنَّهُ واقف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> أن هَذَا الأَمْرَ الَّذِي حصل لهَذِهِ الجبال هُوَ من صنعِ الله ﷿؛ لِقَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]، فالذي جَعَلَها جامدةً فِي الدُّنْيا راسيةً عظيمةً ثقيلةً جعلها فِي الآخِرَة ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، وذلك صُنعٌ من صنعِ اللهِ الَّذِي لا يستطيعُ البشرُ أن يفعلوهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> جواز إضافة الصُّنع إِلَى اللهِ ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. ولكِن لا يُؤْخَذ منه إثبات اسمِ الصانعِ لله، ولكِن يُخْبَر به عن اللهِ، فيقال: إن الله تَعَالَى صانعُ كُلِّ شيءٍ عَلَى سبيلِ الخبريَّة، وَأَمَّا إثباتُ اسمِ الصانعِ فلا.\nعَلَى أَنَّهُ يوجد فِي كلامِ شيخِ الإِسْلامِ ابن تَيْمِيَّةَ وكلامِ ابن القيِّم رَحَمَهُمَا اللَّهُ دائمًا كلمة (الصانع)، والظَّاهر أَنَّهُما أرادا بهَذَا مخاطبةَ أهلِ الكَلامِ بمثلِ ما يتكلمون به، كأن يُقال مثلًا: إثبات الصانع يَدُلّ عليه كذا وكذا، مَعَ أننا نرَى أن الأَولى والأفضل أن لا يُثْبَت حَتَّى بهَذَا اللفظ، بل يقال: إثبات الخالق دلّ عليه كذا وكذا، والخالق جاء فِي الْقُرْآن، وَهُوَ أبلغُ منَ الصانِعِ.\nإنما عَلَى كُلّ حالٍ الإخبار عن الله بأنه صانعٌ مضافًا إِلَى التعميمِ مثل: صانع كُلّ شَيْء؛ هَذَا جائز لا بأس به، والنَّاس يَقُولُونَ فِي عباراتهم العامِّيَّة: صانع كُلّ","vol":"1","page":500},{"text":"مصنوع، فهَذَا كونه خبرًا صحيحٌ، أَمَّا أن تجعلَه اسمًا من أسماءِ اللهِ فلا، لِأَنَّهُ يفرق بين الاسم وبين الخبرِ.\nفَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: ما الفرق بين الخبر والاسمِ؟\nالخبرُ ضِدّ الاسمِ، يعني الشَّيْء إمَّا أن يُخبَر به عن اللهِ أو يُسمَّى به الله، فالخبر عن الله يجوزُ أنك تُخْبِرُ عن الله تَعَالَى بكل ما ثبت له من فعل، مقيدًا إن كَانَ مقيدًا، ومُطْلَقًا إن كَانَ مطلقًا، وَأَمَّا الاسمُ فلا تُسَمِّ اللهَ إِلَّا بما سَمَّى به نفسَه، ولهَذَا يَصِحُّ أن نَقُولَ عن اللهِ ﷾: إنَّهُ مُدَبِّر الأُمُور، مُسَخِّر السَّماوَات والْأَرْض، مذلِّل الإبل لِرَاكبيها، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لكِن كونك تُسَمِّيه بهَذَا الاسم لا يَصِحّ.\nفَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: الصِّفة أليست مثل الخبر؟\nفالإجابة: نعم الصفة الَّتِي يَصِحّ إضافتها إِلَى اللهِ تُخْبِرُ بها عنِ اللهِ لا مانعَ؛ ضرورةَ أنَّ المشتَقّ دالّ عَلَى صِفَتِه، فكُلّ مُشْتَقّ دالٌّ عَلَى صفتِه، ولا يمكِن أن تقولَ عن شيءٍ: إنَّهُ مُشْتَقّ ثُمَّ تنفي الصِّفةَ الَّتِي اشتُقّ منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ:</span> أن هَذَا الأَمْر الَّذِي يقع للجبالِ يوم القيامة أمرٌ عظيمٌ، وجهُ عظمته: إضافته إِلَى الله، حَيْثُ قَالَ: ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ وما أُضيف إِلَى العظيمِ فَهُوَ عظيمٌ، كما أن ما أُضيف إِلَى الحقيرِ فَهُوَ حقيرٌ.\nالْفَائِدَتانِ الخَامِسَةُ والسادسةُ: أنَّ الله ﷾ مُتْقِن لكلِّ شيءٍ من الأفعالِ والأحكامِ، لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مما صنعَ وشَرَعَ، وَأَمَّا تقييدُ المُفَسِّر له بِقَوْلِهِ: [صَنَعَهُ] ففيه نظر، ولا يُقالُ: إن السياق فِي الكَلامِ عَلَى الصنعِ، لأنَّنَا نَقُول: الكَلام عَلَى الصنع لَكِنَّهُ جاء بَعْد ذلك تعميمٌ، لم يقل: أتقن كُلّ ما صنعَ، قَالَ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾.","vol":"1","page":501},{"text":"إِذَنْ: فاللهُ تَعَالَى مُتْقِن لكلِّ ما صنعَ ولكلِّ ما شرعَ.\nويُستنتَج من هَذِهِ الفائدةِ: إثباتُ الحِكْمَةِ للهِ ﷿؛ لِأَنَّهُ لا إتقانَ إِلَّا بحِكمةٍ، فلا يمكن أنْ يُتقَنَ الشَّيْء إِلا بعلمٍ منَ المُتقِن كيف يُتْقِنه، والثاني: بحكمةٍ؛ بحيث يُنْزِل كُلّ شيءٍ منزلتَه، وإلا لفاتَ الإتقانُ، فلا يُتْقِنُ الشَّيْءَ مَن لا يَعْلَمُ كيف يتقنه، فهَذَا لَيْسَ بِمُمْكِنٍ.\nولا يُتْقِنُه وَهُوَ يعلمُ كيف يُتْقِنُه ولكِنه سَفِيهٌ لا يُحْسِن أنْ يَتَصَرَّف. أيضًا لا يحصُل الإتقانُ، فلا إتقانَ إلا بعلمٍ وحكمةٍ، فمِن إتقانِ اللهِ نَستنتجُ هَذِهِ الفائدةَ: وهي إثباتُ الحِكْمَةِ والعلمِ له ﷾ ضرورةَ أنه لا إتقانَ إِلَّا بعلمٍ وحكمةٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-581>الْفَائِدَة السَّابِعَةُ:</span> قطعُ اعتراضِ كُلّ مُعترِضٍ عَلَى ما يَحْدُث فِي الكونِ من تدبيراتٍ أو تشريعاتٍ، ووجهُ ذلك: أنَّ اللهَ أَتْقَنَه، والله ﵎ أعلمُ وأحكمُ من عبادهِ، فأنت متى عَلِمْتَ هَذَا الشَّيْء انقطعَ عنك كُلّ اعتراضٍ، سواءٌ سمِعْتَه من غيرِكَ أو أَوْرَدْتَهُ عَلَى نفسِك.\nوالْإِنْسَان يَعْرِضُ له أحيانًا شُبُهات يُلْقِيها الشيطانُ فِي قلبه؛ كيف كَانَ كذا؟ لم كَانَ كذا؟ ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.\nفنَقُول: متى آمنتَ بأنَّ اللهَ ﷾ قد أتقنَ كُلّ شيءٍ انقطعَ عنك هَذا الاعتراضُ، وأمكنَكَ أن تقطعَ به اعتراضَ غيرِكَ أيضًا. فلو فَرَضْنا أن المطرَ جاءَ فِي غيرِ وَقته وأفسدَ الثِّمار؛ إذا علِمنا أن الله أتقنَ كُلّ شيءٍ وأن هَذَا المطرَ من فِعْلِه ومن صُنْعه، لا يُمْكِنُنا أنْ نَعْتَرِضَ؛ لأنَّنا نعلمُ أَنَّهُ نتيجةُ إتقانٍ مَبْنِيّ عَلَى علمٍ وحكمةٍ، تَتَقَاصَر علومنا وحِكْمَاتُنَا عن إدراكِه. وهَذَا أمرٌ يُفيدُ الْإِنْسَانَ فِي أَشْيَاءَ كثيرةٍ؛ فِي","vol":"1","page":502},{"text":"الشرعِ أحيانًا تأتي أحكامٌ يَخفى عَلَى المرءِ وَجْهُ التفريق بينها وهي ثابتةٌ عنِ الشرعِ، ولكِنك تقول: الله تَعَالَى أتقنَ كُلّ شيءٍ.\nومن ثَمَّ أحدثَ العُلَماءُ أو الفقهاءُ مسائلَ سَمَّوْهَا بالتَّعَبُّدِيَّاتِ، وهم ما أحدثوها فِي الحقيقةِ، بل هِيَ مسائلُ ثابتةٌ لكِنّهم وَضَعُوا لها هَذَا الاسمَ: (التَّعَبُّدِيّ).\nوَلَيْسَ معنى التعبديّ الَّذِي لَيْسَ له حكمة؛ لِأَنَّهُ ما من شيءٍ إِلَّا وله حكمةٌ، ولكِن معناه: الَّذِي تخفى حِكمته علينا، وَلَيْسَ لنا فِيهِ إِلَّا التعبُّد؛ كعددِ الرَّكَعَاتِ فِي الصلواتِ؛ وَكَوْن الصلواتِ خَمسًا؛ وكذلك أَشْيَاء كثيرة فِي الطهارةِ يَخْفَى عَلَى المرءِ حِكْمَتُها؛ وكذلك فِي الحجِّ.\nفالمهمُّ أننا متى بَنَينَا اعتقادنا عَلَى هَذِهِ المسألةِ، وهي أن الله أتقنَ كُلّ شيءٍ، زالتْ عنّا شُبُهات كثيرةٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-582>الْفَائِدَة الثَّامِنَةُ:</span> كمال علم اللهِ ﷾، وذلك بالخبرةِ الَّتِي هِيَ أخصُّ من مُطْلَق العلم، لِأَنَّ الخبرةَ كما سبقَ هِيَ العلمُ ببواطنِ الأُمُورِ، مأخوذةٌ من الخَبير؛ وَهُوَ المُزارع الَّذِي يَدْفِنُ الحبَّ فِي الْأَرْض فيَخْفَى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-583>الْفَائِدَة التَّاسِعَةُ:</span> تحذيرُ المرءِ أن يعملَ ما يخالفُ حُكْمَ اللهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾.\nفلو أنَّ أباك قَالَ لكَ: اذهبْ وافْعَلْ ما تريدُ، أنا أعلمُ بما تفعلُ، فما الَّذِي يَقتضي هَذَا؟\nيقتضي هَذَا التحذيرَ، وأن تحذر من مخالفةِ أبيك، فكيفَ باللهِ ﷿ الَّذِي هُوَ خبير بكل ما نفعلُ.","vol":"1","page":503},{"text":"إِذَنْ: فالجملةُ تفيد تحذيرَ المرءِ مِن المخالفةِ، وأنك عندما تُسَوِّل لك نفسُك معصية للهِ ﷿ فإنك تَعْرِضُ عليها مثل هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾، ومثل قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وأشباه ذلك من الأَشْيَاءِ الَّتي يجبُ عَلَى المرءِ إذا همّ بسيئةٍ أن يَستعرضَ هَذِهِ الآيَاتِ حَتَّى تَمْنَعَهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-584>الْفَائِدَة الْعَاشِرَةُ:</span> أن ما يَتَعَلَّق بالهمِّ المجرَّد فَإِنَّهُ لا يُؤَاخَذ به العبدُ؛ لِأَنَّ المقصودَ من قولِهِ: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ التحذيرُ من هَذَا الفِعْل المخالِفِ، فماذا قُدِّرَ أَنَّهُ همٌّ مجرَّد، فَإِنَّهُ لَيْسَ بفعل، فلا يؤاخَذ عليه العبدُ، وهَذه الفائدةُ بعيدةٌ فِي التصوُّر ولَكِنَّهَا دلَّت عليها السنَّة (^١)، وأنَّ مجرَّد الهمِّ لا يؤاخذ به العبدُ حَتَّى يفعلَ، إِلَّا الهمّ بالحسنة فَإِنَّهُ يُكتَب للمرءِ، ولكِنَّه لا يدخل فِي هَذِهِ الآية؛ لِأَنَّ الآية سِيقت للتحذيرِ، والهمُّ بالحسنةِ يُرَغَّب فيه ولا يحذَّر منه، فالهمُّ بالسيئةِ لا يعاقَب عليه العبدُ، والهمّ بالحسنةِ يُثاب عليه العبدُ، ومُقتضَى العدل أن يُعاقَب عَلَى السيئةِ وأن يُثابَ عَلَى الحسنةِ، أو أن لا يعاقب عَلَى السيئة ولا يثاب عَلَى الحسنة، ولكِن رحمة الله تَعَالَى اقتضتِ الفضلَ دونَ العدلِ، فصارَ الهمُّ بالسيئةِ لَيْسَ فِيهِ شيءٌ، والهمّ بالحسنة فِيهِ ثواب.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب من همّ بحسنة أو بسيئة، حديث رقم (٦١٢٦)، عن ابن عباس -﵁-، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب إذا همّ العبد بحسنة كتبت وإذا همّ بسيئة لم تكتب، حديث رقم (١٣٠)، عن أبي هريرة -﵁-.","vol":"1","page":504},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-585>الآية (٨٩)</span>\n.• * •.\nقَالَ اللهُ ﷿: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩].\n.• * •.\n﴿مَنْ جَاءَ﴾: (مَن) شرطيَّة، و(جاء) فعلُ الشرطِ، وجملة: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ جوابُ الشرطِ.\nوقوله تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ لم يَقُلْ: مَن فعلَ الحسنةَ، بل قَالَ: مَن جاء بها، لِأَنَّ الْإِنْسَان قد يفعلُ الحسنةَ فِي الدُّنْيا ولكِنه لا يأتي بها، لوجودِ ما يُسْقِطُها فتزول، ولكِن الشأن كُلّ الشأن فِي أن يأتيَ بها يومَ القيامةِ.\nوقوله: ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ الظَّاهرُ أن المُرادَ بها الجِنس، وَلَيْسَ المُراد بها العهد، ولكِن المُفَسِّر ﵀ فَسَّرَهَا عَلَى أن المُرادَ بها العهدُ، فقال: [أي لَا إِلَهَ إِلَّا الله]، فجعلَ الحسنةَ حسنةً معيَّنة معهودةً وهي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ولكِن الصَّواب بلَا شَكٍّ خلافُ كلامِ المُفَسِّر، وأن المُرادَ بالحسنةِ الجنسُ، فأيّ حسنة يأتي بها الْإِنْسَان فله خيرٌ منها، ولهَذَا جاء فِي الحديثِ الصَّحيحِ: \"مَنْ هَمَّ بِحَسَنهٍ فَعَمِلَهَا\"، بحسنةٍ: نَكِرة تَشْمَل جميع الحسنات.\nوقول المُفَسِّر ﵀: [يومَ القيامةِ]، متعلِّق بـ ﴿جَاءَ﴾ يَعْنِي: من جاءَ يومَ القيامةِ بالحسنةِ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [ثوابٌ ﴿مِنْهَا﴾، أي: بسببها، وَلَيْسَ","vol":"1","page":505},{"text":"للتفضيل؛ إذ لا فعل خير منها]، هَذَا غريبٌ، اقرأ الآيَة: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ يَقُول المُفَسِّر: المُرادُ بالخيرِ هنا الثوابُ، يعني ما يُقابِل الشرَّ، و﴿مِنْهَا﴾ ليست (مِن) المتعلِّقة باسمِ التفضيلِ ولَكِنَّهَا للسببيَّة؛ أي: فله ثوابٌ بِسَبَبِها، وهَذَا تحريفٌ ظاهرٌ للقُرْآن، بل ﴿خَيْرٌ مِنْهَا﴾ يَعْنِي: أفضل منها، وذلك بالمضاعفةِ، فأنتَ إذا أعطيتَني ريالًا وقلتُ: سأعطيك خيرًا منه وأعطيتك ريالينِ صار خيرًا منه.\nإِذَنْ: قوله: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾؛ أي: أفضل منها، فَهُوَ يأتي بواحدةٍ ويُعطى عَشْرًا إِلَى سبعمائة ضِعف إِلَى أضعافٍ كثيرة.\nوأما تعليل المُفَسِّر لمنعِ أن يَكُون المُرادُ بالآيةِ التَّفضيل بِقَوْلِهِ: [إذ لا فعل خير منها] فنَقُول: نعم، الحسنة حَسَنَة بلَا شَكّ، وهي خيرٌ، لكِن لَيْسَ المُراد هنا: فله فعلٌ خيرٌ مِنها، بل المُراد الثوابُ والجزاءُ، والجزاء لَيْسَ بفعلٍ للعبدِ ولكِنه منَ اللهِ ﷿ يَجزي به العبدَ، فتعليل المُفَسِّر إذن عَلِيلٌ، بل ميِّت لَيْسَ فِيهِ رُوح إطلاقًا؛ لِأَنهُ لَيْسَ المقام هنا مَقام مُقابلةِ حسنةٍ بحسنةٍ منَ العدلِ، وإنما المقامُ مقامُ جزاءٍ مِنَ اللهِ، والله تَعَالَى يَجزي العبدَ بخيرٍ مِن فِعله وأفضلَ، وَفي آيَة أخرى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، فهل يَصِحّ أن يَكُون معنى قوله: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ أي: عشر بسببها؟ ! هَذَا يَرُدّ عليه فِي الحقيقةِ، فالآيَةُ الَّتِي أشرنا إليها تفسِّر هَذِهِ الآيَة الَّتِي ذكر الله.\nفقوله: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ إذن عشر أمثالها، وَفي الحديث: \"إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كثِيرَةٍ\".\nوالغريبُ أنّ التفسيرَ الَّذِي نَحَا إليه المُفَسِّر لا يكادُ أحد يَفهمه أبدًا، فكُلّ مَن قرأ الْقُرْآن ولو كَانَ عامِّيًّا يفهم من قوله: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ جزاءً أفضلَ منه وأكثرَ،","vol":"1","page":506},{"text":"ولا يفهم أنَّ المَعْنى فله ثوابٌ بِسببِ هَذِهِ الحسناتِ، أبدًا لا يَفْهَم هَذَا، وإنما يفهم أنَّ الثوابَ أكثرُ وأعظمُ وأفضلُ منَ العَمَلِ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَهُمْ﴾ الجاءُونَ بِها ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ بالإضافةِ وكسرِ الميمِ].\nقوله: ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾: (فزَع) مضافٌ، و(يوم) مضافٌ إليه، و(يوم) مضافٌ و(إذ) مضافٌ إليه، و(إذ) مضافٌ والجملةُ المحذوفةُ مضافةٌ إليها، فيَكُون عندنا ثلاثُ إضافاتٍ.\nوقوله: ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ الفزعُ بمعنى الخوفِ، ولكِنه لَيْسَ مجرَّد خوفٍ، بل خوفٌ بقلقٍ وحركةٍ واضطرابٍ، ولهذَا يقال: فَزعَ الرجل؛ لَيْسَ مجرَّد أَنَّهُ خافَ، بل تجده قَلِقًا ثُمَّ يحاول مثلما نَقُول فِي اللُّغة العامِّيَّة: (يفز) من الفَزَع، وكلمة فزَع مفرَد مضافٌ فيَعُمّ كُلّ ما يحصلُ به الفزعُ؛ لِأَنَّ يومَ القيامةِ فِيهِ أفزاع؛ عِدَّة أَسْبابٍ للفزعِ، كأخذِ الكتبِ بالشمالِ أو باليمينِ، وكذلك أيضًا دُنُوّ الشَّمْسِ، وكذلك الميزان، وكذلك الحَوْض المَوْرُود، وكذلك أيضًا يُنَادَى عَلَى الظالمينَ: أهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى الله (^١) ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، كُلّ هَذِهِ تُثير المرءَ وتُوجِب الفزعَ، لكِن هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأتون بالحسنة آمنون.\nقال: [مِنْ فزَعِ يَوْمَئِذٍ]، أضافَ الفزعَ إِلَى يومِ القيامةِ، لِأَنَّهُ فزعٌ لا نظيرَ له فِي الدّنْيا، وَعَلَى قراءةٍ أخرى يَقُول المُفَسِّر ﵀: وَفِي أخرى [بالإضافةِ وكسرِ الميمِ\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله، حديث رقم (٢٧٦٨)، عن ابن عم -﵄-.","vol":"1","page":507},{"text":"وفتحها، وفزع منوَّنًا وفتح الميم (^١)].\nإِذَنْ: فيها قراءتانِ ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ و\"مِنْ فَزَعَ يَوْمِئِذٍ\" هَاتان القراءتان عَلَى الإضافةِ، والثَّالثة (مِنْ فَزَعٍ) مُنَوَّنًا وفتحِ الميمِ \"مِنْ فَزَعِ يَوْمَئِذٍ\" وهَذه فيها إشكالٌ؛ حَيْثُ إن (يوم) بالفتح مَعَ أَنَّهَا مضافةٌ، فيقتضي عَلَى هَذَا أن تكون مجرورةً، ونُخَرِّج هَذَا عَلَى واحدٍ منْ أمرينِ: إمَّا أن نَجْعَلَهَا مبنيَّةً عَلَى الفتحِ، يَعْنِي: (فزَع) مضاف ويوم مضاف إليه مبنيّ عَلَى الفتح فِي مَحَلّ جرّ. أو نَقُول: إنَّ (فزع) فِي الأَصْل منونة حذف التنوين تخفيفًا، وَعَلَى هَذَا فتكون (يوم) مَفْعُولا يعني ظرف زمان كما هِيَ، عَلَى قراءةِ التنوينِ (فَزَعٍ يَوْمَئذٍ).\nوبالنِّسْبَة للمعنى أيّهما أبلغ: (من فزعٍ يومئذٍ آمنون) أو (من فزعِ يومئذٍ آمنون)؟\nالأخير يَدُلّ عَلَى العموم، (فزعِ يومئذٍ) فكُلّ فزع فِي ذلك اليوم هم آمنون منه، وَعَلَى قراءة (فزعٍ يومئذٍ) يعني هم آمنون من فزعٍ فِي ذلك اليوم، فَهُوَ يقتضي أن يَكُون فزعًا واحدًا، إِلَّا إذا قُلْنَا: إنَّهُ عَلَى تقدير (من كُلّ فزعٍ)؛ أي: من كُلّ فزع آمنونَ، فتوافق القراءة الأُولى الَّتِي هِيَ للإضافةِ، ولكِن القراءة بالإضافةِ أحسنُ؛ لِأَنَّهَا لا تحتاج إِليَ تأويلٍ.\nوقوله: ﴿آمِنُونَ﴾ آمنونَ منَ الفزعِ، هل المَعْنى أَنَّهُم لا يَفزَعون أو أَنَّهُم يفزعون لكِنَّهم آمنونَ؟\nإِذَنْ: هم آمنونَ مِنَ الفزعِ، فيَحتمِل أن يَكُون المَعْنى أَنَّهُم لا يَفزعون إطلاقًا،\n_________\n(^١) الحجة في القراءات السبع (ص: ٢٧٥).","vol":"1","page":508},{"text":"ويحتمل أَنَّهُم يفزعون ولكِنهم آمنونَ، فيَكُون هَذَا الفزعُ مجرَّد شعورٍ بما يُفزَع منه فقط، وليسوا يخافون منه.\nكذلك عَلَى أحدِ التفسيرينِ اللذينِ أَشرنا إليهما فِي قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [النمل: ٨٧]، أن هَذَا الفزعَ بَعْد القيامِ؛ لِأَنَّ بعض العُلَماء يرى أن النفخَ يَكُون بالصعقِ والبعثِ، ثُمَّ النفخة الثَّالثة للفزعِ بعدَ البعثِ، ولكِن هَذَا سبقَ أننا قُلْنَا: إنَّهُ مرجوحٌ، وإن الصَّواب أن الفزعَ هُوَ الَّذِي يَكُون به الصَّعْقُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> أن الحسناتِ يُؤتَى بها يوم القيامة؛ لقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾.\nفَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: كيف يُؤتَى بالحسناتِ وهي أعمالٌ مَضَتْ، والأَعْمال معانٍ وليستْ أجسامًا؟\nفيقال: إن الله ﵎ عَلَى كُلّ شيءٍ قديرٌ، يُقَلِّبُ هَذِهِ المعانيَ إِلَى أجسامٍ، مثلما قلبَ الموتَ وَهُوَ معنًى إِلَى جسمٍ، وَهُوَ الكبشُ (^١)، فالله تَعَالَى عَلَى كُلّ شيءٍ قديرٌ. قَالَ النَّبِيّ ﵊ لأصحابِهِ: \"مَنْ تَعُدّونَ المُفْلِسَ فِيكُمْ؟ \". قَالُوا: مَن لا دِرْهَمَ عنده ولا متاع. فقال: \"المُفْلِسُ مَنْ يَأْتِي بَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ الجِبَالِ\" (^٢).\nوأخبرَ -ﷺ- أن الله تَعَالَى يَقبَلُ الصدقة منَ الكَسْبِ الطيِّب بِعِدْلِ التمرةِ؛ أي:\n_________\n(^١) صحيح البخاري: كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾، رقم (٤٧٣٠)، ومسلم: كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، رقم (٢٨٤٩).\n(^٢) رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، حديث رقم (٢٥٨١)، عن أبي هريرة -﵁-.","vol":"1","page":509},{"text":"ما يُعادِلها، فيربِّيها كما يُربّي الْإِنْسَانَ فَلُوَّه حَتَّى تكونَ مثل الجبلِ (^١)، وهَذَا أيضًا عمل.\nفالمهمّ أننا نَقُول: إن المجيءَ بالأَعْمالِ يومَ القيامةِ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى عَلَى كُلّ شَيْء قديرٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-588>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> أن العبرةَ بالمجيءِ بالحسنةِ، لا بعملها؛ لِقَوْلِهِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ وذلك لِأَنَّ عاملَ الحسنةِ فِي الدُّنْيا قد لا يأتي بها يومَ القيامة، حيثُ يَحْصُلُ ما يُبطِلها، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، فقد يعملُ الْإِنْسَان الحسنةَ لكِن يأتي بشيءٍ يُبْطِلها فلا يأتي بها يوم القيامةِ، والمَدارُ عَلَى الإتيانِ بها يومَ القيامةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> أن الجزاء أفضلُ من العَمَلِ وأعظمُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-590>الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ:</span> إثبات الفزعِ فِي يومِ القيامةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-591>الْفَائِدَة الخَامِسَةُ:</span> أَمْنُ مَن جاء بالحسنة من هَذَا الفزع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-592>الْفَائِدَة السَّادِسَةُ:</span> أن من جاءَ بالسيئةِ فَإِنَّهُ لا يأمنُ منها، وَهُوَ مأخوذ من مفهومِ قولِه: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ﴾ يَعْنِي: أَمَّا مَن جاءَ بالسيئة فَاِنَّهُ لا يأمنُ، ولهذَا تُكَبّ وُجُوهُهم فِي النَّار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-593>الْفَائِدَة السَّابِعَةُ:</span> أن يومَ القيامةِ لا يُقاس بأمرِ الدُّنْيا، فهَذه الأفزاعُ العظيمة لا تُفْزع المُؤْمِنيِنَ الَّذِينَ جاءوا بالحسناتِ، وإنْ كانت عظيمةً فِي ذاتها؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب الرياء في الصدقة، حديث رقم (١٣٤٤)؛ ومسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، حديث رقم (١٠١٤)، عن أبي هريرة -﵁-.","vol":"1","page":510},{"text":"فِي يومِ القيامةِ يخلُق أَشْيَاءَ يَسْتَبْعِدُها العقلُ فِي الدُّنْيا، فالشَّمْسُ تَدْنُو مِنَ الخلائقِ قَدْرَ مِيلٍ (^١)، ومنَ النَّاسِ من يَكُونُ فِي ظِلٍّ منها، والعرقُ يَصِل عند بعض النَّاس إِلَى كَعبيه وإلى رُكبتيه وإلى حَقْوَيْهِ، ومنهم مَن يُلْجِمُه (^٢) وهم فِي مكانٍ واحدٍ؛ ممَّا يَتبيَّن به قُدرة الله ﷾، وأن النَّاس فِي هَذَا المكان الواحدِ وَفِي الزمنِ الواحدِ يَختلفون هَذَا الاختلافَ المتبايِنَ.\nوفي إضافة الفزعِ إِلَى ذلكَ اليومِ دليلٌ عَلَى شِدَّته ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾.\n.• * •.\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في صفة يوم القيامة أعاننا الله على أهوالها، حديث رقم (٢٨٦٤)، عن المقداد بن الأسود -﵁-.\n(^٢) تخريج الحديث السابق.","vol":"1","page":511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-594>الآية (٩٠)</span>\n.• * •.\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠].\n.• * •.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾؛ أي: الشِّرك]، قوله: [مَن جاء] نَقُولُ فِيهِ كما قُلْنَا فِي قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ لِأَنَّ الْإِنْسَان قد يعملُ السيئةَ ولكِنه لا يأتي بها، وذلك بأنْ يتوبَ مِنْهَا أو تكون له أعمالٌ صالحةٌ تُكَفِّرها أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَأَمَّا مجرَّد المشيئة فالغالب أَنَّهَا تُغفر يوم القيامةِ فيقرّر بذنوبِه ثُمَّ يُقَال له: غَفرناها لك.\nوقوله: [أي: الشرك] فِيهِ نظرٌ، وإنما حَمَلَه عَلَى ذلك تفسيرُه الحسنةَ بأنها (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، وَهُوَ توحيدٌ، فقال: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أي الشركِ، ولكِن الصَّواب أنّ المُراد بالسيئةِ هنا الجنسُ، فيشمل كُلّ سيِّئ\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ بأن وليتها، وذُكِرَتِ الوجوهُ لِأَنَّهَا مَوْضِعُ الشَّرَف مِنَ الحواسّ، فغيرُها من باب أَولَى].\nالذي أوجبَ للمؤلِّف أن يحملَ السيِّئ عَلَى الشركِ جوابُ الشرطِ ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّار﴾ فيقول: إن هَذَا لا يَكُون إِلَّا لِلكَافِرِينَ، وهَذَا فِيهِ نظرٌ أيضًا؛ لِأَنَّ مَن جاء بالسيئةِ ولو دونَ الشركِ فَإِنَّهُ إن لم يُغْفَرْ له يُكَبّ فِي النَّارِ،","vol":"1","page":512},{"text":"ولكِنَّه يُعاقَب عَلَى حسَب ذنوبِه، ثُمَّ بَعْد ذلك يُخْرَج منها، إمَّا بشفاعة وَإمَّا بانتهاءِ جزائِه إذا لم يشفعْ له.\nفالحاصل أننا نَقُول: إن قولَه: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ لا يَلزَم منه الخلودُ، بل قد تُكَبّ وُجوههم فِي النَّار ثُمَّ يَنْجُونَ.\nفَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: إذا كانوا عصاةً فإن موضعَ السجودِ لا تأكله النَّارُ، فكيف نَقُولُ: كُبَّتْ وُجُوهُهم فِي النَّار؟\nقُلْنَا: إذا كُبّ عَلَى وجهِه أصابتْه النَّارُ إِلَّا موضعَ السجودِ، وهَذَا لا يَمنَع أن يُكَبّ عَلَى وجهه وتُحمَى مواضعُ السجودِ مِنَ النَّار.\nوقوله: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّار﴾ جواب الشرط ماضٍ، فَكَانَ مُقتضى الأَمْر أن يَقُول: ومن جاءَ بالسيئةِ كُبَّت؛ لِأَنَّ فعل الشرط إذا كَانَ ماضيًا وجوابه كَانَ ماضيًا أيضًا فلا يحتاج إِلَى الفاء، يَقُولُونَ: إن الفاء هنا تدلّ عَلَى تقدير (قد)، يَعْنِي: (فقد كُبَّت)، وتكون دالَّة عَلَى التحقيقِ لهذَا الأَمْرِ؟ لِأَنَّ (قد) للتحقيقِ، ولَكِنَّهَا حُذفتْ لفظًا وأُشيرَ إليها معنًى، فالفاء تشير إِلَى (قد)، وحُذِفَتْ لَفظًا لِأَنَّ (قد) للتحقيق، والمسألة لم تَقَعْ، فَكَانَ فِي تحقيقها بـ (قد) وهي لم تقعْ نوعٌ من التناقضِ، فلذلك حُذفت فِي اللفظِ وأُشير إليها بالمَعْنى بالفاءِ، وكما هُوَ معلومٌ أن جوابَ الشرطِ إذا اقترنَ بـ (قد) فيجب أن يَكُونَ مَقرونًا بالفاءِ.\nاسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ... وَبِمَا وَلَنْ وَبِقَدْ وَبِالتَّنْفِيسِ\nسبعةُ مواضعَ إذا كانتْ جوابًا للشرطِ وجبَ اقترانُ الفاءِ بها.\nقوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾؛ أي: ما تُجْزَوْنَ، يَعْنِي أنَّ الاسْتِفْهامَ هنا بمعنى النفيِ،","vol":"1","page":513},{"text":"والاسْتِفْهامُ بمعنى النفيِ أبلغُ منَ النفيِ المجرَّد؛ لِأَنَّهُ يَدُلّ عَلَى النفيِ وزيادة. فقولنا: ما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كنتم تعلمون يَدُلّ عَلَى أَنَّهُم لا يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانوا يعملون، لكِن قوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾ يَدُلّ عَلَى تقريرِ هَذَا الأَمْرِ، وَأنَّهُ لا يمكن للإِنْسَانِ أنْ يُجازَى إِلَّا بما كَانَ يعمل، وَيكُون فِيهِ تقريرٌ وتقريعٌ فِي نفسِ الوقتِ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [ويُقال لهم تَبكيتًا]: ﴿هَلْ﴾ ما ﴿تُجْزَوْنَ إِلَّا﴾ جَزَاء ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ منَ الشِّرْك والمَعاصِي]، قوله ﵀: [﴿إِلَّا﴾ جَزَاء ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾]، فِيهِ صرفٌ للفظِ عن ظاهرِه؛ لِأَنَّ قوله: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَقتضي أن يَكُونَ العَمَلُ هُوَ الجزاءَ نفسَه ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ﴾، ومن المعلوم أن العَمَل لَيْسَ الجزاءَ، بل الجزاء شيءٌ والعَمَل شيءٌ آخَرُ. فعندما تستأجرُ إِنْسَانًا يعمل لك، ثُمَّ تعطيه الأجرةَ، فعَمَلُه غيرُ أُجرتِهِ.\nوالعاملُ للهِ ﷾ عَمَلُه غيرُ جزائِه، فظاهرُ الآيةِ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أنَّ الْإِنْسَان يُجزى بعملِهِ، لذلك احتاج المُفَسِّر أن يقدِّر هَذَا المحذوفَ: إِلَّا جزاء ما كنتم تعملون، لكِن ما فِي الآيةِ أبلغُ؛ لِأَنَّهُ من بابِ المبالغةِ فِي العدلِ أنْ يجعلَ الجزاء هُوَ العَمَلَ، كأنَّ الجزاءَ نفسَه عَمَلُك مبالغةً فِي العدلِ، فأنت إذا كنتَ تريدُ ثوابًا كثيرًا فاعمَلْ كثيرًا؛ لأن ثوابَك عَمَلُك.\nوأما قوله: [﴿هَلْ﴾ ما ﴿تُجْزَوْنَ إِلَّا﴾ جَزَاء ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾،، ففيه أيضًا ركاكة، ما تُجزون إِلَّا جزاءَ العَمَلِ! فمعلوم أن كلمةَ (تُجْزَوْنَ) يُستفاد مِنْهَا الجزاءُ، فلا حاجة إِلَى تقديرٍ.\nفالصَّواب إبقاءُ الآيةِ عَلَى ظاهرها، ويُفهَم أن الَّذِي يُعْطَوْنَه هُوَ الجزاءُ مِن","vol":"1","page":514},{"text":"قولِه: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾. والتعبيرُ عن الجزاءِ بالعَمَلِ نفسه مبالغةٌ فِي العدلِ؛ بحيثُ يَكُون جزاؤك عَمَلَكَ.\nوقوله ﵀: [مِنَ الشِّرك والمَعاصِي]، هَذَا ما ذهبَ إليه جمهورُ أهلِ العلمِ، وَهُوَ الصَّوابُ؛ أن الكافرَ يعاقَب عَلَى أصلِ الكفرِ وَعَلَى المَعاصِي أيضًا الَّتِي عَمِلها، فالمشركُ إذا زَنَا وسَرَقَ وشَرِبَ الخمرَ يُعاقَب عَلَى ذلك، فيعاقَب عَلَى الأَصْلِ والفرعِ، واستدلُّوا لذلكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٠ - ٤٦]. فالصدقةُ ليست من الأصول، والصَّوابُ أنَّ الصَّلَاةَ مِنَ الأُصُول وأن تاركها يُكَفَّر، لكِن الصَّدَقَة ليستْ منَ الأصولِ، حَتَّى الزكاة عَلَى القَوْلِ الصَّحيحِ لا يُكَفَّر تَارِكُها، ومعَ ذلك ذَكَرُوا أَنَّهَا من أَسْبابِ دُخُولِهمُ النَّارَ، ولولا أنَّ لها تأثيرًا فِي الجزاءِ ما صارتْ منَ الأَسْبَاب.\nوهَذَا دليلٌ عَلَى أَنَّهُم يعاقَبون عَلَى فروعِ الإِسْلامِ كما يُعاقَبون عَلَى أصولِهِ، وَعَلَى هذا فيعاقبون عَلَى معاصيهم الَّتِي دونَ الشركِ، وهَذَا بلَا شَكّ كمالُ العدلِ؛ لأَنَّهُ إذا كَانَ المسلمُ يعاقَب عليها فكيف بالكافر؟ ! هل تكون للمسلمِ نِقْمَة وتكون للكافر نعمة؟ ! لا، بل أبلغُ من ذلك الكافر يعاقَب حَتَّى عَلَى المباحِ للمؤمنِ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. ففُهِم من قوله: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَنَّهَا لغير المُؤْمِنيِنَ ليستْ خالصةً، وأنهم سيُجازون عليها.\nوهَذَا أيضًا مُقتضَى النظر؛ إذ كيف يَتَنَعَّمُ الْإِنْسَان بنِعَمِ الخالقِ وَهُوَ يَعصي الخالقَ، لَا بُدَّ أن يعاقبَه، يَقُول: أنا أحسنتُ إليكَ، أَطْعَمْتُك وسَقَيْتُك وكَسَوْتُك","vol":"1","page":515},{"text":"وأَسْكَنْتُك وزَوَّجْتُكَ ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فيعاقَب عَلَى هَذِهِ النعمةِ لِأَنَّهَا تحتاج إِلَى شكرٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-595>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> أنَّ المَدارَ فِي العقابِ عَلَى السيئاتِ هُوَ المجيءُ بها يوم القيامة، لا مجرَّد العَمَل، قد يعمل الْإِنْسَان السيِّئة وتُكفَّر أو يتوب مِنْهَا، ولكِنَّ العبرةَ بالمجيءِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-597>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> إثباتُ عذابِ النَّار، لِقَوْلِهِ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ والعياذ باللهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-598>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> بَيَان شدَّة العقوبةِ -والعِيَاذُ باللهِ- لهؤُلَاءِ، حَيْثُ يُكَبُّون عَلَى وُجُوهِهِم فِي النَّارِ، والوجهُ أشرفُ الأعضاءِ، وإهانته أعظمُ من إهانةِ غيرِه، فلو أنَّ أحدًا صَفَعَكَ عَلَى خدِّك أو ضَرَبَك فِي رِجْلِك أيُّهما أشدُّ إهانةً؟\nالوجهُ أشدُّ، ولهذَا كَانَ إكبابهم عَلَى وجوههم فِي النَّار -والعياذُ بالله- أشدَّ وأبلغَ فِي الإهانةِ وفي العذابِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-599>الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ:</span> كمال عدل الله ﷿، لِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ويعني ما ظَلَمْنَاكم، بل أنتم الَّذِينَ ظلمتُم أنفسَكم، فعَمِلْتُم ما استحققتم به هَذَا العذابَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-600>الْفَائِدَة الخَامِسَةُ:</span> أن عذابَ أهلِ النَّارِ -والعياذُ باللهِ- عذابٌ نفسيّ وبدنيّ، بَدَنِيّ حَيْثُ تُكَبّ وُجوهُهم فِي النَّارِ، نَفْسِيّ حَيْثُ يُوَبَّخُون ويُقْرَعُون ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\nفما ظنُّك بِمَن يُقَال له مثل هَذَا؟ ! تجده يَمتلِئ خَجَلًا، ويمتلئ أيضًا ندمًا،","vol":"1","page":516},{"text":"يَقُول: لَيْتَنِي ما عمِلتُ، ليتَ وليتَ، ولكِن ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٢]، فإذن يُجْمَع لهم -والعياذ بالله- بين العذاب البدنيّ والعذاب النفسيّ.\nوقد ذكر اللهُ تَعَالَى فِي سورةِ المؤمنونَ أَنَّهُم يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧]، وهم لو أُخْرِجُوا مِنْهَا لعادوا لِظُلْمِهِم، لَيْسَ فِيهِ إشكال، كما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، لكِن يَقُولُونَ هَذَا من شِدَّة ما يجدون، فكَانَ الجواب -والعياذ بالله- أعظمَ جوابٍ فِي الإهانةِ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، والعياذ باللهِ هَذَا الجوابُ فِي غايةِ الإهانةِ والصَّغار والذُّلّ، وقد ذُكر أن الله تَعَالَى لا يُكَلِّمُهُم إِلَّا بَعْد مدةٍ طويلةٍ، يكلِّمهم بهَذَا الكَلام الَّذِي لا خيرَ فِيهِ لهم، بل هُوَ تَيْئيس من كُلّ خيرٍ ومن كُلّ فرجٍ، نسألُ اللهَ العافية: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ يعني اندحروا وذِلُّوا وتَلْحَقُكُمُ المهانةُ والإهانةُ، ومع ذلك لا تُكَلِّمُوني، فلستم أهلًا لِأَنْ تكلموني، نسأل الله العافية.\nفإِذَنْ: يُجمَع لأهل النارِ بين العذابينِ: البدنيّ والنفسيّ.\n.• * •.","vol":"1","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-601>الآية (٩١)</span>\n* قَالَ اللهُ ﷿: (﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١].\n.• * •.\nقَالَ المُفَسِّر: [قُلْ لَهُم: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ أي مَكَّة]، المكان الَّذِي قَالَه النَّبِيّ -﵊- فِيهِ هُوَ مكَّة؟ لِقَوْلِهِ: ﴿هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ والإشارة هنا للقريب ﴿الَّذِي﴾ ولم يقل: (الَّتي) لِأَنَّهَا صِفة لمذكَّر ﴿رَبَّ هَذِهِ﴾ ولهذَا تُعرب (الذي) عَلَى أَنَّهَا اسْم موصول مبنيّ عَلَى السكون فِي محلّ نصب، صفة لربّ، وقصدنا هنا بالذُّكُورِيَّة لَفظًا أم معناها؟ فلا نَقُول: اللَّفْظ مُذَكَّر، أَمَّا الله ﷿ فلا يجوزُ وَصْفُهُ لا بهَذَا ولا بهَذَا.\nقَالَ المُفَسِّر -﵀- في قوله: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾: [جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا]، جعلها شرعًا حَرَمًا آمنًا.\nوقوله: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ إضافته الرُّبُوبِيَّة إليها تفيدُ الفضلَ، وأن الله تَعَالَى قد اعتنى بها وشرَّفها، ثُمَّ قَالَ ﵀: [لا يُسفَك فيها دمُ إِنْسَانٍ]، والحديث: \"لَا يُسْفَكُ فِيهَا دَمٌ\" (^١)، وأيهما أعمُّ (دم الْإِنْسَان) أو (دم) فقط؟\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب العلم، باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب، حديث رقم (١٠٤)؛ ومسلم، كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إِلَّا لمنشد على الدوام، حديث رقم (١٣٥٤)، عن أبي شريح -﵁-.","vol":"1","page":518},{"text":"(دَم) أعمُّ، ولهذَا لا يُسفَك فيها دمُ إِنْسَانٍ ولا دَمُ صيدٍ، وَأَمَّا المواشي من الإبلِ والبقرِ والغنمِ وما أَشْبَهَهَا فإن هَذَا دلَّتْ السنَّة عَلَى جوازِه.\nوقوله ﵀: [ولا يُظلَم فيها أحد]، هَذَا لَيْسَ خاصًّا بمكَّة، حَتَّى غير مَكَّة لا يجوز أن يُظلمَ فِيهِ أحدٌ؛ ولذلك ما جاء فِي الحديثِ: لا يُظْلَم فيها أحدٌ؛ بل قَالَ الرَّسُول -ﷺ-: \"لَا يُسْفَكُ فِيهَا دَمٌ\"؛ فليس من خصائصِ مكَّةَ ألَّا يُظْلَم أحد، صحيح أن الظلم فِي مكَّةَ أعظمُ من غيرِه، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، فقوله: ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ الباء تدلّ عَلَى أن الفِعْل مضمَّن معنى العزيمةِ الصادقةِ، أَمَّا أنَّ الظلم فِي غيره مباح فلا.\nمسألة: هل السيئة تُضاعَف فِي مَكَّة؟\nالجواب: ما تُضَاعَف السيئة فِي مكَّة؛ تضاعف بالكيفيَّة فقطْ لا الكمّيّة، ولَيْسَ معناه أن السيئة يُجْزَى عنها سيِّئتانِ، وإنّما المَعْنى أَنَّهَا تكون أعظمَ، فكيفيَّة العقوبة تَختلِف، قد أضرِبُ هَذَا الْإِنْسَان ضربةً واحدةً وأضرب الآخرَ ضربةً واحدةً وتكون هَذِهِ الثَّانِيَة مؤلمِة والأولى غير مُؤْلمِة.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [ولا يُصَادُ صَيْدُها]، هَذَا صحيح، وغيرها يُصاد.\nثم قَالَ المُفَسِّر ﵀: [ولا يُخْتَلَى خَلاها]، صحيحٌ، وغيرها يُختلَى، والمَدينَة يختلى خلاها، إِنَّمَا يُحرم الشَّيْء الَّذِي بدون حاجةٍ فِي المَدينَةِ، وَأَمَّا الَّذِي بحاجةٍ فيجوز، وهَذَا الفرق بينها وبين مكَّة.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [وذلك مِنَ النِّعم عَلَى قُرَيْشٍ وأهلها فِي رفعِ الله تَعَالَى عن بلادهم العذابَ والفِتَنَ الشائعةَ فِي جميعِ بلادِ العربِ].","vol":"1","page":519},{"text":"إِذَنْ: قوله: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ فِيهِ إظهارٌ لفضلِ اللهِ ﵎ عَلَى ساكني هَذهِ القرية، حَيْثُ جعلَ الله هَذِهِ القريةَ حَرامًا، فقوله: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ أي جعلها حَرَمًا وجعلها حَرَامًا، وما قلناه أعمُّ ممَّا قَالَ المُفَسِّر؛ لِأَنَّ المُفَسِّر يَقُول: [جعلها حرمًا آمِنًا]، ثُمَّ ذكر الأَشْيَاءَ، فهي حرم وحرام أيضًا، حرمٌ بمعنى أَنَّهَا مُحْترَمَةٌ، وحرام بمعنى أَنَّهَا محرَّمة، لهَذَا مَنْ قَصَدَها فَإِنَّهُ يُشْرَع له بإجماعِ أهلِ العلمِ ألَّا يدخلها إِلَّا مُحْرِمًا، وَفي وجوبه خلاف معروف.\nأيضًا من جملة احترامها أن المُشركينَ لا يقربون المَسْجِد الحرامَ، فيَكُون الحرمُ كلّه محرَّمًا عليهم؛ لِأَنَّ دخولهم الحرمَ مِن قُربان المَسْجِد الحرامِ، فلهَذَا كَانَ ذلك احترامًا لهَذِهِ البلدةِ، ومع ذلك يقولُ الله ﷿: ﴿وَلَهُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿كُلُّ شَيْءٍ﴾ فَهُوَ ربُّه وخالقه ومالِكه]، الجملةُ الأخيرةُ فيها فائدة عظيمة؛ لِأَنَّهُ لما قَالَ: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ قد يَتَوَهَّم مُتَوَهِّم أَنَّهُ تختصُّ ربوبيَّته بهَذه البلدةِ، فأتى بَعْد ذلك بالتعميمِ؛ قَالَ: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾. ونظيرُ هَذَا قوله تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠]، قَالَ بعدها: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]، حَتَّى لا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّم أن ذلك الفضلَ خَاصّ بأولئكَ، فبيَّن أن الجزاء للجميعِ، وَهُوَ الجنَّة، وإنْ كانوا لا يَسْتَوُونَ، ففي قوله: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ رُبُوبِيَّة اللهِ عامَّة لكلِّ شيءٍ، لكِن ربوبيَّته لهَذِهِ البلدة أخصّ مِن ربوبيَّتِه الْعَامَّة.\nقوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، أَمَرَهُ اللهُ ﷿، قَالَ: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ [الرعد: ٣٦].\nقال: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، أليست العِبادَة هِيَ الإِسْلام؟","vol":"1","page":520},{"text":"الجواب: بلى، العِبادَة هِيَ الإِسْلام، لكِن هناك قَالَ: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل: ٩١]،، والعِبادَة هِيَ التذلُّل له بالطاعة، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي أن أُحَقِّق هَذِهِ العِبادَة بالاستسلام التامّ لأوامر الله ﵎، فالْإِنْسَان قد يَكُون عابدًا فِي الأَصْل لكِن الانقياد التامّ بجميع مشروعات الإِسْلام يُستفاد من قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي من المنقادِين لحُكْمِ اللهِ ﷾ انقيادًا تامًّا، لا معارضة عندهم ولا استكبار.\nوفي قوله: ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ دليلٌ عَلَى أن هناك مسلمينَ، فهل اليهود والنصارى مسلمونَ؟\nالجواب: حين كانتْ شرائعهم قائمةً فهم مسلمونَ، أَمَّا بَعْد أنْ نُسِخَتْ فإنهم إذا لم يَلْتَزِموا بالشَّرِيعَة النَّاسخةِ ولم يَكُونوا مسلمينَ، فالإِسْلام هُوَ الدين عند الله فِي كُلّ زمانٍ ومكانٍ، وبعد بَعثةِ الرَّسُول ﵊ لا إسلامَ إِلَّا باتباع شريعته، وإلَّا فأصل الإِسْلام كما هُوَ معروف من الاستسلام وَهُوَ الانقياد، وهَذَا يشمل كُلّ انقياد لله ﷾، سواء فِي عصر هَذِهِ الأمة أو قبلها، نوح ﵊ يَقُول: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢]، مثلما قيل للرَّسُول ﵊. وقال عن يعقوب: إنَّهُ قَالَ لبنيه: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، وقالت بِلقِيس: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-602>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-603>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> وجوبُ إعلانِ الرَّسُولِ -ﷺ- بما ذكر؛ لِأَنَّهُ عَلَى تقدير: (قُل إِنَّما أمرت)، وَهُوَ واجب عليه أن يعلنَ ذلك؛ لأجل أن يَكُون قدوةً فيه.","vol":"1","page":521},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-604>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> وجوب العِبادَة عَلَى النَّبِيّ ﵊؟ لِقَوْلِهِ: ﴿أَنْ أَعْبُدَ﴾، ولا ويُقَال: إن التكاليف تسقطُ عن الأَنْبِياء والأولياءِ، بل تجب عَلَى النَّبِيّ -ﷺ- كما تجب عَلَى غيرِه، ويجب عليه هُوَ ﵊ أن يشهد أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّهُ رسولُ الله؛ فهَذَا مُقتضى الإِسْلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-605>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> بُطلان ما ادَّعاه أصحابُ مَن يَزْعُمونَ أَنَّهُم أَوْلِيَاء، حَيْثُ قَالُوا: إن الوليَّ يصل إِلَى درجةٍ يسقُط بها عنه التكليف، وهَذَا موجود عند الصوفيَّة وغيرهم، يَقُولُونَ: هَذِهِ العباداتُ الَّتِي نكلَّف بها وسائلُ إِلَى غايةٍ، والغاية: الْيَقينُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، فإذا وصل الْإِنْسَان إِلَى الْيَقينِ سقطتْ عنه العِبادَةُ وصار لا يجبُ عليه صلاةٌ ولا زكاةٌ ولا صومٌ ولا حجٌّ، ولا يحرم عليه نِكاح أحدٍ، فيتزوَّج مَن شاء من ذُكُورٍ وإناثٍ، والعياذُ باللهِ، ومن عددٍ صغيرٍ وكبيرٍ.\nحَتَّى إنَّا نسمع عنهم الْآنَ فِي أفريقيا أن الواحد منهم له خمسونَ امرأةً، فتَعَدَّوُا النَّبِيّ ﵊، وأيضًا لا يَتَزَوَّج بعقدٍ، فإذا اشتهى امرأةً أرسلَ إلى أبيها وقال: أريد ابنتك زوجةً لي.\nولا أحد يتمكَّن من أن يُعارِضَهُم؛ لِأَنَّهُم يزعمون أَنَّهُم وصلوا إِلَى غايةٍ لا يحتاجون معها إِلَى تكليف .. فإذا كَانَ الرَّسول -ﷺأُمر أن يعبدَ الله فغيرُه من باب أَولي.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: أليس هَؤُلَاءِ كفارًا؟\nفنَقُول: بلى، بل من أكفرِ الْكُفَّارِ والعياذُ بالله.","vol":"1","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-606>الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ:</span> فَضيلة مكَّة من وجهينِ: من إضافةِ الرُّبُوبِيَّة إليها ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ ومن كونه تَعَالَى حَرَّمَها ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ ففيه فضيلةُ مكَّة عَلَى سائرِ البلادِ، ولها فضائلُ كثيرةٌ، فلو لم يكن مِنْهَا إِلَّا أنَّ قَصْدها للعبادة من أركانِ الإِسْلامِ لَكَفَى؛ فالحجُّ رُكْن من أركانِ الإِسْلامِ، فليس هناك بلد فِي العالم يَكُونُ القَصْد إليه فرضًا أبدًا ولا سنَّة إِلَّا مَكَّة والمَدينَة والمسجد الأقصى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-607>الْفَائِدَة الخَامِسَةُ:</span> أن الَّذِي حرَّم مَكَّة هُوَ الله؛ لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾.\nفَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: ألا يعارض ذلك ما ثبتَ عن رسولِ اللهِ -ﷺمن قوله: \"إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ\" (^١)؟\nقُلْنَا: لا؛ لِأَنَّ معنى قوله: \"حَرَّمَ مَكَّةَ\"؛ أي: أَظهرَ تَحريمَها وأبانها، وإلا فالذي حَرَّمَها هُوَ اللهُ، ولهذَا نَقُول مثلًا: إنَّ الرَّسُول -ﷺ- حرم الميتة والخمر والخنزيرَ، يعني أظهر تحريمها وأبانه، وإنْ كَانَ الَّذِي حرَّمها هُوَ الله، فالمهم أنه لا منافاة بين قولِه تَعَالَى: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ وقول الرَّسُول -ﷺ-: \"إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ\" والجمعُ بسيطٌ وواضحٌ.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل المَدينَة حرمها الله ﷿؟\nفالإجابة: نعم، حرَّمها الله ﷿.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-608>الْفَائِدَة السَّادِسَةُ:</span> أن كُلّ شيءٍ فَهُوَ مِلْكٌ للهِ؛ مَكَّة وغيرها؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب البيوع، باب بركة صاع النَّبِيّ -ﷺ- ومدهم، حديث رقم (٢٠٢٣)؛ ومسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة ودعاء النَّبِيّ -ﷺ- فيها بالبركة وبيان تحريمها وتحريم صيدها وشجرها وبيان حدود حرمها، حديث رقم (١٣٦٠)، عن عبد الله بن زيد -﵁-.","vol":"1","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-609>الْفَائِدَة السَّابِعَةُ:</span> الردُّ عَلَى المُعْتَزِلَة والْقَدَرِيَّة الَّذِينَ يَقُولُونَ: إن الْإِنْسَان مُسْتَقِلّ بِعَمَلِه، فَإِنَّهُ عَلَى قولهم يَخرج بعض الأَشْيَاء عن مِلْكِ اللهِ، والله تَعَالَى يَقُول: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>الْفَائِدَة الثَّامِنَةُ:</span> بَلاغة الْقُرْآن، لِأَنهُ لمّا قَالَ: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ فقد يَفهم منه أحد أن رُبُوبِيَّة اللهِ تَعَالَى خاصَّة فِي هَذَا المكانِ، فاحترازًا من هَذَا الفهمِ الخاطئ أعقبه بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ وهَذَا من بلاغةِ القُرْآن.\nوهل تدخل مَكَّة فِي قوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾؟\nهَذِهِ المسألة مختلَف فيها عند الأُصُولِيِّينَ، يعني إذا ذُكِرَ الخاصُّ مَعَ العامِّ فهل التنصيصُ عليه مخُرِج له منَ العُمُوم، فيَكُون ذُكر مرَّةً لكِن نُصَّ عليه لِشَرَفِهِ مثلًا والعناية به، أو أَنَّهُ لا يُخرِجه من العمومِ، فيَكُون ذُكِرَ مرّتينِ؛ مرة بصيغة التخصيص ومرة بصيغة التعميمِ، فما هُوَ المتبادر للذِّهن؟\nقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر: ٤]، الرُّوح هُوَ جِبريل، لكِن يَتبادر إِلَى الذهنِ -في ذهني أنا ولا أدري عن غيري- أَنَّهُ إذا ذكر الخاصَّ بَعْد العامِّ أو قبلَه أنَّه ما أُريد دخوله فِي العامّ.\nفعندما تقول: جاء الطلبة وعلي، وَهُوَ معروف أَنَّهُ من الطلبةِ، أنت تَفهم أَنَّهُ خرجَ عنهم لمّا نُصّ عليه، وكفَى بذلك فخرًا أن يُخْرَج من بين العمومِ ويُنصّ عليه فِي الحكم. لكِن أولئك يَقُولُونَ: إنَّهُ ذُكر مرتينِ؛ مرةً بطريق العمومِ ومرةً بطريق الخصوصِ، ولكِن فيما أَظُنّ ويتبادر إليّ أَنَّهُ لَيْسَ كذلك، نعم لو ذكر العموم فِي موضع آخرَ ولم يذكر الخصوصَ فلَا شَكّ أَنَّهُ داخل فِي العمومِ.","vol":"1","page":524},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-611>الْفَائِدَة التَّاسِعَةُ:</span> أَنَّهُ لا يجوزُ لأحدٍ أن يحكمَ بغيرِ ما أنزلَ الله، لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ لِأَنَّ من جملةِ الأَشْيَاءِ: الحُكْم بين العبادِ، بل هُوَ من أعظم الأَشْيَاءِ، فإذا كَانَ ذلك للهِ فلا يجوزُ لأحدٍ أن يستقلَّ به، ومَن أراد أن يستقلَّ به فقد حاول أن يَكُونَ شَريكًا لله تَعَالَى فِي ذلك، ونزل نفسه منزلةً لا يسْتَحِقّها.\nإِذَنْ: أمر التحليل والتحريمِ والإيجابِ إِلَى اللهِ، لِأَنَّ له كُلَّ شيءٍ، وأمر التحسينِ والتقبيحِ الصَّوابُ أنها إِلَى اللهِ؛ لِأَنَّ بعضَ الأَشْيَاءِ لا نعرِف عن حُسنها وقُبحها إِلَّا مِنَ اللهِ، لكِن أيضًا للعقلِ مجالٌ فِي هَذَا، ولذلك ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ ما الَّذِي بعدها ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]، فدلَّ هَذَا عَلَى أن العقل يحسِّن ويقبِّح؛ فإن هَذَا من القبيح.\nلَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ (^١)\nفالعقلُ يحسِّنُ ويُقَبِّحُ، لَكِنَّهُ لا يُوجِبُ ويحرِّم، فالإيجابُ والتحريمُ إِلَى الله، أَمَّا التحسينُ والتقبيحُ فيُحَسِّن وُيقَبِّح، ولهذَا يحيل الله تَعَالَى أَشْيَاءَ كثيرةً إِلَى العقلِ، فدلَّ ذلك عَلَى أن للعقلِ أن يحسِّن ويقبِّح، ولكِن مِنَ الأَشْيَاء ما لا يعلَم حُسْنَه وقُبْحَه إِلَّا بطريقِ الشرعِ، وهَذَا هُوَ الصَّحيحُ فِي هَذِهِ المسألةِ -مسألة التقبيح والتحسين العقليّ- صار فيها نزاعٌ طويلٌ بين أهل السنّة والجماعةِ وبين أهلِ البدعِ، منهم مَن قَالَ: لا يحسّن ولا يقبِّح، والغريب أن هَذَا هُوَ المشهورُ من مذهب الحنابلةِ، قَالَ الفُتُوحي فِي كتاب (مخُتصَر التحرير فِي أُصول الفقهِ): \"العقلُ لا يحَسِّن ولا يُقَبِّح، ولا يُوجِب ولا يحرِّم\"، نَقُول: أَمَّا قوله: \"لا يوجب ولا يحرِّم\" فهَذَا صحيحٌ، وَأَمَّا لا يحسِّن ولا يُقَبِّح فهَذَا لَيْسَ بصحيحٍ، ويُرْوَى عن ابن مسعودٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ:\n_________\n(^١) مجمع الأمثال (٢/ ٢٣٨).","vol":"1","page":525},{"text":"\"مَا رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْهُ قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ قَبِيحٌ\" (^١).\nوربما يشهد لهَذَا قولُ الرَّسُولِ -ﷺ-: \"الْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ\" (^٢) لكِن الْإِنْسَان الَّذِي صَفَتْ سَريرته وخَلصتْ نِيَّته هَذَا لا يَطْمَئِنّ للإثمِ أبدًا، أَمَّا الْإِنْسَان الفاسقُ فالفاسق كما نعرِف أن الزبال لا تُهِمُّهُ الزبالةُ، لكِن العطَّار إذا جلسَ عند الزبالةِ فلا يمكن أن يجلس، فربما أن العقلَ يَستحسِن الزبالةَ إذا كَانَتْ طريقًا للكسبِ، لكِن نفسيَّة الْإِنْسَان لا تَرتاح لها؛ لِأَنَّ رائحتها مُؤْذِيَة، فالنَّاس الْآنَ وقبلَ الْآنَ قد يَسْتَقْبِحُونَ الحَسَنَ ويستحسنون القبيحَ.\nفالحاصل: أن الْإِنْسَان الَّذِي صَفَتْ سَريرته وخلصت نيّته وعلِم اللهُ منه حُسْنَ القصدِ يُوَفَّق، وتَجِدُه إذا عمِل السيئةَ ولو أَنَّهُ لا يدري أَنَّهَا سيئة لا تطيب نفسُه ولا تستقرّ، ولهَذَا قَالَ الرَّسُول ﵊: \"الْبرُّ مَا اطْمَأَنتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَترَدَّدَ فِي الصَّدْرِ\" (^٣) لكِن هَذَا لا نخاطب به كُلّ النَّاسِ، بل صاحب القلب الصافي والإِيمان الخالِصِ، أَمَّا النَّاس المنهمِكون فِي المعصيَة فلا يخاطَبُون بمثله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-612>الْفَائِدَة الْعَاشِرَةُ:</span> أن الرَّسُول ﵊ مأمورٌ بأن يَكُونَ من المُسلِمينَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.\n_________\n(^١) رواه موقوفًا الطيالسي (٢٤٦)؛ والطبراني في الأوسط (٣٦٠٢)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٨٣). وانظر: المقاصد الحسنة (٩٥٩)؛ نصب الراية (٤/ ١٣٣)، الدراية في تخريج أحاديث الهداية (٢/ ١٨٧).\n(^٢) رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تفسير البر والإثم، حديث رقم (٢٥٥٣)، عن النواس بن سمعان الأنصاري -﵁-.\n(^٣) رواه أحمد (٤/ ٢٢٨) (١٨٠٣٠)، عن وابصة بن معبد -﵁-.","vol":"1","page":526},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-613>الْفَائِدَة الحَادِيَةَ عَشْرَةَ:</span> أن الإِسْلامَ والإِيمانَ شيءٌ واحد، لِأَنَّ قوله: ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فلَا شَكَّ أن ما أُمِرَ به هُوَ أعلى الحالاتِ، وَهُوَ الإِيمانُ، ولكِن هَذِهِ المسألة -وهي: هل الإِسْلام هُوَ الإِيمان أو لا- فيها أيضًا عِراك بين أهل السنّة والجماعة أنفسهم، وبينهم وبين الأشاعرةِ، والصَّواب أن يقال: إن الإِسْلام عندَ الإطلاقِ يَشمل الإِيمانَ، والإِيمان عندَ الإطلاقِ يشملُ الإِسْلامَ، وَأَمَّا عند التقييدِ وأن يُقْرَنَ بينهما فَإِنَّ الإِيمان يَكُون ما وَقَرَ فِي القلبِ، والإِسْلام ما قامتْ به الجوارح؛ لِأَنَّ الإِسْلام منْ الاستسلام، وَهُوَ عدم المعارضة، بل الموافقة، فالمنافقون الَّذِينَ لا يُظهِرون معارضةً نسميهم مسلمينَ، لكِن لا نسميهم مُؤْمِنيِنَ؛ لعدم وجودِ الإِيمانِ فِي قلوبهم.\nومن النَّاس من يَكُون وسطًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، قال: لمّا يَدْخُلْ، ما قَالَ: لم يَدْخُلْ، ليفيد أن الإِيمانَ قريبُ الدخولِ فِي قلوبهم، لَكِنَّهُ لم يدخلْ، إِنَّمَا هُوَ قريبٌ.\nوالإِيمان منَ المنافقينَ بعيدٌ، هم يَنفِرون منه، فلو قَرُبَ إليهم نفروا منه، لكِن هَؤُلَاءِ الأعراب لم يدخلِ الإِيمانُ فِي قلوبهم إِلَّا أَنَّهُ قريب ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].\nإِذَنِ: الصَّواب فِي هَذِهِ المسألة: أن الإِيمانَ والإِسْلامَ إذا اقتَرَنا افتَرَقا، وإذا افتَرَقَا اجتَمَعَا، فالإِيمان إذا اقترنَ مَعَ الإِسْلامِ فُسِّرَ هَذَا بهَذَا، وهَذَا بهَذَا، أَمَّا عند الإطلاقِ فيدخل فيه.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: ذكرتم أنَّ المنافقينَ مُسلِمون ظاهرًا، أي منقادونَ، أليس هَذَا فِيهِ إشكالٌ؟","vol":"1","page":527},{"text":"فالجواب: الرَّسُول أرادَ أن يفسِّر ذلك بالأَعْمالِ الظَّاهرةِ المبنيَّة عَلَى الإخلاصِ، والأَعْمال الظَّاهرة عند المنافقينَ ليستْ مبنيَّة عَلَى الإخلاصِ، ولهذَا يأتون ويصلون مَعَ النَّاس، ويذكرون الله تَعَالَى فِي صلاتهم لكِنهم لا يذكرون الله إِلَّا قليلًا، والرَّسُول ﵊ لم يفرِّق بينهم وبين أقاربهم فِي الميراثِ وغيره، فيُوَرِّثُ بعضهم من بعض. وأخذ بهَذَا شيخ الإِسْلام ابن تَيْمِيَّة وقال: إن المنافقَ يَرِثُ من المؤمنِ، والمؤمن يرثُ منَ المنافقِ (^١).\nوهَذَا الَّذِي قاله صحيح إِلَّا أننا نعارضه فيما إذا عُلِمَ نفاقُه، فَإِنَّهُ إذا عُلم نفاقه لا يجوز أن يورَّث منَ المسلمِ أو يورَّث المسلمُ منه، وقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤].\nفَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل الرَّسُول -ﷺ- يعلمُ المنافقينَ؟\nقُلْنَا: فيهم ناسٌ يعلمهم وفيهم ناسٌ لا يعلمهم.\n.• * •.\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٢١٠) و(٧/ ٦١٧).","vol":"1","page":528},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-614>الآية (٩٢)</span>\n.• * •.\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢].\n.• * •.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ عَلَيْكُم تلاوةَ الدَّعوى إِلَى الإِيمانِ ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ له ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾؛ أي: لِأَجْلِها؟ فإنَّ ثوابَ اهتدائه له ﴿وَمَنْ ضَلّ﴾ عنِ الإِيمانِ وأخطأَ طريقَ الهُدَى ﴿فَقُلْ﴾ له ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾].\nقوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ التلاوة تنقسمُ إِلَى قسمينِ: تلاوة لفظيَّة وتلاوة معنويَّة، فالتلاوةُ الأُولى: قراءة الْقُرْآن، والتلاوةُ الثَّانِيَةُ: العَمَلُ بما جاء به الْقُرْآن، مأخوذة مِن تَلَا الشَّيْءَ يَتلُوه إذا تَبِعَه وصار تِلْوًا له، فقول الرَّسُول: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ يَشمل هَذَا وهَذَا، أنْ أَتْلُوَه قراءةً وأن أتلوَه اتباعًا، فَهُوَ مأمورٌ بذلك، يعني كأنه يَقُول: سأتلو الْقُرْآن عليكم تلاوةَ قراءةٍ، وأيضًا سأتلو الْقُرْآن تلاوةَ اتباعٍ، ولا أُبالي بمخالفتكم وإعراضكم، وهَذَا لَيْسَ للرَّسُول ﵊ فحسْب، بل لكلِّ مَنِ اتَّبَعَ الرَّسُول يَجِب عليه أن يتلوَ الْقُرْآنَ تلاوةً لفظيّةً.\nوقد عُلِمَ أن قراءة الفاتحةِ رُكن من أركانِ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ من أركانِ الإِسْلامِ.\nثانيًا: يَجِب عَلَى المسلمِ أن يتلوَ الْقُرْآن تلاوةً اتباعيةً ولا يبالي بمَن خالفه، ولو أننا راعينا شعورَ النَّاسِ ورَاعينا عصورَ النَّاسِ صارَ الدينُ لَيْسَ دِينًا، بل صار","vol":"1","page":529},{"text":"الدين عادة، إن تَقَبَّله النَّاس حَسَب عاداتهم صار دينًا، وإن لم يَقبلوه لم يكن دِينًا.\nوالواجب أن يَكُونَ الدينُ بَعيدًا عن عاداتِ النَّاسِ، بمعنى أن يَكُون الحكَمُ هُوَ الْقُرْآن والسنّة، لا ما يعتاده النَّاس فيما يَفعلونه من عباداتٍ أو غيرها، خِلافًا لبعضِ النَّاسِ الْآنَ الَّذِينَ يريدونَ أن يُتابعوا النَّاس فيما هم عليه ولو كَانَ باطلًا، وهَذَا لَيْسَ بصحيحٍ؛ لأنَّنا لو مَشينا عَلَى هَذَا الأَمْرِ أو عَلَى هَذَا المنهاجِ ما بَقِيَت حياة للإسلام، ويموت منَ الإِسْلامِ جزءٌ فِي هَذَا العصرِ، ثُمَّ يأتي عصرٌ آخرُ فيموت منه جزء آخرُ، وهَكَذَا حَتَّى يَنقضيَ، ولَكِنَّنَا إذا كنا نعمل بالإِسْلام ونجدِّد حسَب ما يَقتضيه الكتاب والسنّة -لا حسَب آرائنا- صار ذلك هُوَ القيادةَ، وَأَمَّا أن نسكت وندُسّ رُؤوسنا فِي الترابِ ونَقُول: هَكَذَا النَّاس ولا يمكن أن نخالفهم، أو نَتَهَيَّب قول بعض النَّاس: طلعتم علينا بدينٍ جديدٍ، هَذَا الدين ما عرفناه من قبلُ، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فإن هَذَا لا يَنبغي أن يمنعَ الْإِنْسَان عن قولِ الحقّ.\nولهذَا قوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ تلاوة لفظ تقوم به الحجَّة عليكم، وتلاوة اتباع لا أُبالي بمعارضتكم ومخالفتكم، وهَذَا هُوَ الواجبُ عَلَى كُلّ مسلمٍ فِي كُلّ مكان.\nلَوْ قَالَ قَائِلٌ: قول الرَّسُول -ﷺ-: \"إِذَا رَأَيْتَ دُنْيَا مُؤْثَرَةً وَشُحًّا مُطَاعًا وإِعِجْاَبَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ\" (^١) هل ينافي الأَمْرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكر؟\nفالإجابة: قوله: \"عَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ\" لا ينافي الأَمْرَ بالمعروفِ والنهيَ عن\n_________\n(^١) رواه أبو داود، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، حديث رقم (٤٣٤١)؛ والترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة، حديث رقم (٣٠٥٨)؛ وابن ماجه، كتاب الفتن، باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، حديث رقم (٤٠١٤)، عن أبي ثعلبة الخشني -﵁-.","vol":"1","page":530},{"text":"المنكرِ لِأَنَّهُ مِن خاصَّتِك، لكِن المَعْنى دَعْهُمْ، أي لا تَهْتَمّ بهم بحيثُ يَشغلونك عما يجبُ؛ لِأَنَّ بعضَ النَّاس يهتم بهَذَا الأَمْر حَتَّى إنَّهُ ينشغل بالنَّاسِ عن نفسه، فتجده حالَ صلاتِه يشعرُ أَنَّهُ يأمرُ فلانًا ويتصوَّر أَنَّهُ واقفٌ عند دكّانٍ ويقول له: صَلِّ، فهَذَا الَّذِي يُنهى عنه.\nوأيضا قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، بعض النَّاس يفهم من هَذِهِ الآية أن الْإِنْسَان إذا أصلحَ نفسه لَيْسَ عليه من إصلاحِ غيرِه، لكِن نَقُول: إن إصلاح غيرك لا يتمَ إِلَّا بإصلاحِ نفسِكَ، فأنت مأمورٌ بالأَمْرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، لكِن إذا ضلوا فإن ضلالهم لا يضرُّك بَعْد أن تقومَ بما يَجِب عليك من الدَّعْوَةِ والأَمْرِ.\nلكِن يجوز مراعاة النَّاس بمعنى تدريجِ النَّاسِ حَتَّى يَسْلُكُوا الصراطَ الصَّحيحَ، فمراعاة الحال يعني بالتدريج لا بأس به، ولهَذَا الَّذِي نرى أن الدعاءَ إِلَى الله ﷾ بالحِكْمَة يتناولُ هَذَا الأَمْرَ، وهو: نقل النَّاس إِلَى الإِسْلام مرحلةً مرحلةً، وإن كَانَ بعضُ النَّاس يَقُولُونَ: إنَّ هَذَا فِي أول الدَّعْوَة. صحيح أن الإِسْلامَ تطوّر؛ جاءت الصَّلَاة ثُمَّ الزكاة ثُمَّ الصِّيَام ثُمَّ الحج، وحُرِّمَ الخمرُ عَلَى عدَّة وجوهٍ، فالصِّيَام أوجب عَلَى عدّة وجوه، لكِن نَقُول: كما أن هَذَا فِي أوَّل الدَّعْوَة هُوَ أيضًا فِي آخرها، وبَعْثُ معاذٍ كان فِي سنةِ عشرٍ منَ الهجرةِ، ومع ذلك يقولُ: \"ادْعُهُمْ أَوَّلًا إِلَى الإِسْلامِ، ثُمَّ إِلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ إِلَى الزَّكَاةِ\" (^١)، فالرَّسُول رتَّب هَذَا، ما قَالَ: ادْعُهُمْ إليها جميعًا.\n_________\n(^١) انظر: صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ بن جبل -﵄- إلى اليمن قبل حجة الوداع، حديث رقم (٤٠٩٠)؛ صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، حديث رقم (١٩)، عن ابن عباس -﵄-.","vol":"1","page":531},{"text":"فمثلًا لو رَأَيْنا إِنْسَانًا مُنهمِكًا بفعلِ معصيةٍ، وعرفنا أنّنا لو قُلْنَا له: أَقْلِعْ عنها نِهائيًّا، أَنَّهُ لا يتمكَّن، أو أن ينفِر؛ فلا بأس أن نَنْقُلَهُ عنها شيئًا فشيئًا بالتدريج؛ لِأَنَّ هَذَا كمعالجةِ المرضِ، فالمرض لا يُمْكِنُ أنْ تعالجَه مرَّةً واحدةً، فلَا بُدَّ من تَنَقُّل من شيءٍ إِلَي شيءٍ، حَتَّى يَتَمَّ استئصالُ هَذَا المرضِ.\nفهَذهِ المسألةُ تعودُ إِلَى حالِ النَّاسِ، وَلَيْسَ معناهُ الاستسلام لحالِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ معنى الاستسلامِ الَّذِي أنكرته قبلُ هُوَ أنْ الْإِنْسَان يَدَعُ النَّاسَ ولا يعارضهم بالحقِّ، أَمَّا هَذَا فلا يدعهم لَكِنَّهُ يُنَقِّلُهم من مرحلةٍ إِلَى مرحلةٍ حَتَّى يَسْتَقِيموا. فمثلًا عندما نريدُ أنْ نعملَ عَمَلًا فِي الصَّلَاة لَيْسَ من عادةِ النَّاسِ، فإنَّ مِنَ الحِكْمَةِ أن نُمَهِّدَ له بالقَوْلِ أوَّلًا، ثُمَّ إذا عَلم به النَّاسُ واستقرَّ فِي نُفُوسِهِم نَقَلْنَاهم بعدَ ذلكَ إِلَى الفِعْل، وهَكَذَا أيضًا غير هَذِهِ المسألةِ.\nالمهمّ أنّ تلاوةَ الْقُرْآنِ عَلَى النَّاسِ المُعْرِضِين ممَّا أُمِرَ به الرَّسُولُ ﵊ وأُمِرَتْ به الأمَّة كلُّها أيضًا، وتكون التلاوةُ هنا لفظًا واتِّباعًا، ولكِن الشأن كله فِي أنْ لا نتخاذلَ أمامَ الأَمْرِ الواقعِ؛ بل يَجِب علينا أن نكونَ عَلَى وجهٍ أقوى وأشدَّ.\nمسألة: ما القَوْل في نقلِ الْإِنْسَانِ من معصيةٍ إِلَى معصيةٍ أُخرى أخفَّ منها؟\nالجواب: لا يجوزُ إذا كانتْ منَ الجنسِ، فلو فَرَضْنا أن إِنْسَانًا مُبْتَلى بالزِّنا -والعياذُ باللهِ- وقلنا له: يا أخي مالكَ حَقّ، هَذِهِ الشهوةُ الَّتِي عندك تَستطيع أنْ تُخَفِّفَها بالاستمناءِ مَثلًا، فهَذَا منَ الجنسِ، وَلَيْسَ فِيهِ بأسٌ، فالتي من الجنسِ معناها التخفيفُ؛ لأنك لو نَقَلْتَه إِلَى شيءٍ آخرَ فاتجاهُه الأوَّلُ لا يزولُ فِي الغالبِ، لكِن لو أنَّ واحدًا يَسْرِق ونَقُول: يا أخي اتركِ السَّرِقَة واشْرَبْ خمرًا أحسن لكَ، فهَذَا لا يُمْكِن.","vol":"1","page":532},{"text":"فالتدرُّج طريقٌ، وَلَيْسَ معنى ذلك أنِّي إذا نَقَلْتُه من هَذَا إِلَى أخفَّ أنِّي أُبيح له الأخفَّ؛ لَكِنَّهُ تَدَرُّج، فالتدرُّج هنا لَيْسَ معناه ثُبُوت الحكم عَلَى الدرجةِ الَّتِي نزَّلناه إليها؛ ولكِن معناه أننا نَنْقُلَه من الدرجةِ العُظْمَى إِلَى الأخفِّ، ثُمَّ إِلَى تركها بالكُلِّيَّة، وَأَمَّا قوله تَعَالَى فِي الخمرِ: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، فنَقُول: طريق الاجتنابِ هَذَا الَّذِي نَقُول.\n﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ تلاوةً لفظيَّة تقوم بها الحُجَّة عليكم، وتلاوةً عَمَلِيَّة تَطْبِيقِيَّةً يَتَبَيَّن بها أنَّني لستُ بمُبَالٍ بمَن يُخالِفُني فِي هَذَا الأَمْرِ.\nوقوله: ﴿الْقُرْآنَ﴾ هُوَ هذا الَّذِي نَزَلَ عليه -ﷺ-.\nوبعد تلاوةِ الْقُرْآنِ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ له]، ولكِن عَلَى تفسيرِ المُفَسِّر يَكُونُ قوله: ﴿اهْتَدَى﴾ بمعنى انقادَ؛ لِأَنَّ ﴿اهْتَدَى﴾ لا يَتَعَدَّى باللامِ؛ بل يَتَعَدَّى بالباءِ: اهتدى به، لكِنَّه ضُمِّن معنى انقادَ، وتَضْمِينُه معنى الانقيادِ لِيَشْمَلَ هدايةَ العلمِ وهدايةَ التَّوفيقِ.\nفالذي يَهتدي وينقاد له قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ له ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أي لِأَجْلِها، فإنَّ ثوابَ اهتدائِهِ لَهُ]، صحيحٌ، فمَنِ اهتدى بهَذَا الْقُرْآنِ وانقادَ له فالمصلحةُ ليستْ للهِ ﷿؛ لِأَنَّ اللهَ غَنِيٌّ عنه، وليستْ لفلانٍ ولا لفلانٍ؛ لِأَنَّ كُلّ نفسبى لها ما كسبتْ وعليها ما اكتسبتْ، إذن فَهِيَ لنفسِهِ. وإن كَانَ يَنتفِع الداعي بذلك أيضًا انتفاعَ الدالِّ، فـ \"إِنَّ الدَّالَّ عَلَى الخَيْرِ كَفَاعِلِهِ\" (^١)، لكِن أصل الثوابِ للفاعلِ، فلا يُقَال مثلًا: إنَّ الرَّسُولَ -ﷺ- يَدْعُو للناسِ لِيَهْتَدُوا فيَكُون له أجرٌ،\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي: أبواب العلم، باب ما جاء الدال على الخير كفاعله، رقم (٢٦٧٠).","vol":"1","page":533},{"text":"بل قصده ﵊ الأوَّل هُوَ نَفْعُ الخَلْقِ، ولهَذَا قَالَ: ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ وإنْ كَانَ النَّبِيّ ﵊ يَنْتَفِع باهتدائِهِ، فَهُوَ تَبَع.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عنِ الإِيمانِ وأخطأَ طريقَ الهُدَى ﴿فَقُلْ﴾ له: ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾]، المُفَسِّر قَدَّر [له]، فِي قولِهِ: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾، وقدَّر هنا كذلك: [﴿فَقُلْ﴾ له]، والسَّبَب أَنَّهُ يُقَدِّر هنا لأجلِ أنْ يرتبطَ الجوابُ بالشرطِ؛ لِأَنَّ قوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى﴾ اهتدى لأيِّ شيءٍ؟ للقرآنِ الَّذِي أَتْلُوه أو بالْقُرْآن الَّذِي أتلوه، وَفِي قوله: ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ (مَن) شرطية ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ لا يمكن أنْ يَكُونَ ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ جوابًا لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ إِلَّا إذا كَانَ فِيهِ ضَميرٌ يعودُ عليه، ولهَذَا قدَّره بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ﴾ له: ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾.\nفَإِذَا قَالَ قَائِل: ما هِيَ الحِكْمَةُ فِي حَذْفِه؟\nقُلْنَا: الحِكْمَةُ فِي حذفِه العمومُ، يعني فقلْ له ولغيرهِ: ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾، يَعْنِي أنَّ هَذِهِ الجملةَ الَّتِي هِيَ وصفٌ ثابت للرَّسُولِ -ﷺ- ليستْ خاصَّةً بمَن يَضِلّ، بل مَن يَضِلّ ومَن لا يضلّ؛ يُقَال له: إن الرَّسُول ﵊ مِنَ المنذِرِينَ، ومعنى المنذِر المُخَوِّف، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [المُخَوِّفِينَ، فليسَ عَلَيَّ إِلَّا التبليغُ].\nوقوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا﴾: ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر.\nفَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: هَذَا يفيد اختصاصَ الرَّسُولِ -ﷺ- بالإنذارِ، مَعَ أن الله يقولُ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩].\nقُلْنَا: لكِن لكلِّ سِيَاق ما يُناسبه منَ اللَّفظ، فهنا المُخَاطَبُ قومٌ مُنْكِرُونَ، فَكَانَ ذِكْر جانب التخويفِ فِي حَقّهِم أَوْلَى مِنَ الجمعِ بينه وبين التبشيرِ.","vol":"1","page":534},{"text":"قَالَ المُفَسِّر ﵀: [وهَذَا قبلَ الأَمْرِ بالقتالِ]، المُفَسِّر ﵀ يَسْلُكُ هَذَا المَسْلَكَ كثيرًا فِي مثلِ هَذِهِ الآيةِ ويقول: إنَّهُ قبل الأَمْرِ بالقتالِ، وهَذَا يَتَضَمَّن أنْ تكونَ الآيَةُ منسوخةً لا يُعْمَل بها، ولكِن هَذَا قولٌ فِي غايةِ الضعفِ، والصَّواب أنَّ هَذَا يُقَال حَتَّى بعدَ الأَمْرِ بالقتالِ، فالنَّبِيّ عَيةَ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عليه الإنذار والتبليغ وَلَيْسَ عليه الهدايةُ، والرَّسُول ﵊ يقرأ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ غالبًا أو كثيرًا: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢]، ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦] (^١)، وكيف تكون مثل هَذِهِ الآيات الَّتِي تَتكَرَّر عَلَى المُسلِمينَ فِي جُمُعَاتهم منسوخة.\nثم إنَّ دَعْوَى النسخِ لَيْسَتْ بالأَمْرِ الهَيِّن؛ لِأَنَّ معناها إبطال دلالةِ الآيَةِ أو الحديثِ، وهَذَا يَتَضَمَّن الاعتداءَ عَلَى اللهِ ﷾ وَعَلَى رَسُولِهِ، ولهَذَا يَجِب عَلَى الْإِنْسَان أنْ يَحْتَرِزَ غايةَ الاحترازِ منْ دعوى النسخِ، وإذا عَجَزَ عنِ الجمعِ فيقول: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]، لكِن المُفَسِّر ﵀ وغيره كثير منْ أهلِ العلمِ إذا عَجَزُوا عنِ الجمعِ قَالُوا: هَذَا منسوخٌ، وهَذَا مَسْلَكٌ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَلَيْسَ بِسَديدٍ، وَلَيْسَ بصوابٍ، بل هُوَ خطيرٌ.\nوقد ذكرَ ابنُ القَيِّم ﵀ أنَّ المنسوخَ فِي الشَّرِيعَةِ لا يَتَجَاوَزُ عَشَرَةَ أحكامٍ (^٢)، ولو سَلَكْنَا ما سَلَكَه المُفَسِّر لكانَ المنسوخُ عشراتِ الأحكامِ أو ربما يَبْلُغُ المِئَةَ، وَفي هَذَا خطأٌ عظيمٌ.\nفالصَّوابُ أنَّ هَذَا القَوْل ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ يقال: حَتَّى الْآنَ وحتى\n_________\n(^١) صحيح مسلم: كتاب الجمعة، باب ما يقرأ في صلاة الجمعة، رقم (٨٧٨).\n(^٢) انظر إعلام الموقعين عن رب العالمين (٤/ ١٨٠).","vol":"1","page":535},{"text":"بَعْد الأَمْرِ بالقتالِ، فَهُوَ مُنْذِر لكِن هَذَا الإنذار لا يَقتضي ألَّا يقومَ بما يَجِب عليه منَ الجهادِ، يَقُول: أنا مُنْذِرٌ فليسَ عليَّ هُدَاكم، وهداكم عَلَى اللهِ ﷾، وَأَمَّا مسألة الأَمْر بالقتالِ فهَذَا شيءٌ يمكِن حَتَّى مَعَ هَذَا القَوْلِ.\nفالصَّوابُ فِي هَذِهِ المسألة: أن الآيَةَ محُكمَة، وغيرها من أمثالها محُكم، ولا يَجُوزُ دَعْوَى النسخِ فيه؛ لِأَنَّ مِن أهمّ شروطِ النسخِ تَعَذُّر إمكانِ الجمعِ، وإذا أمكنَ الجمعُ فلا نسخَ؛ لِأَنَّ النسخَ -كما تَقَدَّم- هُوَ عبارةٌ عن إبطالِ مدلولِ الآيَةِ أو الحديث، وهَذَا أمرٌ لَيْسَ بالهيِّن، فمعنى نسخ الحديثِ أن يأتيَ حديثٌ ونَضْرِب عليه!\nلَوْ قَالَ قَائِل: هل من شروطِ النسخِ وجودُ قرينةٍ تدلُّ عليه؟\nفالجواب: هَذَا لَيْسَ بشرطٍ، المهمُّ إذا تَعَذَّرَ الجمعُ وعُلِمَ التاريخُ فالمتأخِّر ناسخٌ.\nيقول: ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ هل هِيَ بالكسرِ أو بالفتحِ؟\nالجواب: بالكسرِ؛ لِأَنَّهَا اسمُ فاعلٍ، فَهُوَ منذِر، والنَّاس مُنْذَرُون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-615>من فوائد الآية الكريمة:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-616>الْفَائِدَة الأُولَى:</span> وُجُوب تلاوةِ الْقُرْآنِ بِنَوْعَيْهِ، والنوعانِ هما: اللفظيّ والعَمَليّ، فواجبٌ عَلَى المرءِ أنْ يَتْلُوَ الْقُرْآنَ تلاوةً لفظيَّةً وعمليَّة، سواء عن ظهرِ قلبٍ أو نَظَرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-617>الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ:</span> فَضيلة الْقُرْآن وشَرَفه، حَيْثُ كَانَ مأمورًا بتلاوتهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-618>الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ:</span> وجوبُ تحكيمِ الْقُرْآن؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-619>الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ:</span> وجوبُ تبليغِ الْقُرْآنِ عَلَى النَّبِيِّ ﵊؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾.","vol":"1","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-620>الآية (٩٣)</span>\n.• * •.\n* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٣].\n.• * •.\nقوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ معطوفٌ عَلَى قولِه: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ﴾ فَإِنَّهُ عَلَى تقديرِ (قُلْ) يعني: وقل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وهَذه الجملةُ للثناءِ عَلَى الله ﵎. وقد أثنى اللهُ عَلَى نفسِه فِي ابتداءِ الخلْقِ وَفي انتهائِهِ وَفي ابتداءِ إنزالِ الْقُرْآنِ، وَفي مَقامِ التعظيمِ للرَّسُولِ ﵊ فِي إنزالِ الْقُرْآنِ وما أَشْبَهَهُ، فهنا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلَى كمالِ صِفَاتِهِ وبَيَان آياتِه، ومنها ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾، قال: ﴿سَيُرِيكُمْ﴾ والإراءةُ أبلغُ منَ البَيَان؛ لِأَنهُ قد يَكُونُ الشَّيْءُ بَيِّنًا وتُعْمَى عنه الأبصارُ، ولكِن الإراءة أبلغ؛ إذ كُلُّ مَرْئيٍّ فَهُوَ بَيِّنٌ، وَلَيْسَ كُلُّ بَيِّنٍ مَرْئِيًّا.\nوالسين فِي قوله: ﴿سَيُرِيكُمْ﴾ تفيد فائدتينِ:\nالأُولى: قُرْب هَذَا الأَمْرِ.\nالثَّانِيَة: تحَقُّقُه.\nفهي تفيد التحقيقَ والتقريبَ.\nوقوله: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ الإراءةُ هنا بَصَرِيَّة، وهي لما كانتْ مُعَدَّاة بالهمزةِ تَنْصِب مَفْعُولينِ، فالمَفْعُول الأوَّل: الكَافُ، والمَفْعُول الثاني: ﴿آيَاتِهِ﴾.","vol":"1","page":537},{"text":"وقوله: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ هل المُراد بآياتِ اللهِ هنا الآياتُ الدالَّةُ عَلَى صِدْقِ ما أخبر به فِي الْقُرْآن، فتكون الآيات الكونيَّة أو هِيَ أشمل من ذلك؟\nالظَّاهرُ أَنَّهَا أشملُ من ذلكَ؛ أَنَّهَا تَشْمَلُ الآياتِ الدالَّةَ عَلَى صِدْقِ ما وعدَ به رسوله وتوعّد به أولئك، وكذلك أيضًا الآياتُ الشَّرْعِيَّة الدالَّةُ عَلَى كمالِ شَريعتِهِ.\nوقوله: ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ أيضًا أبلغُ مِنَ الإراءةِ؛ لأنني قد أُرِي الْإِنْسَانَ شيئًا ولكِن لا يَعْرِفه، وهنا قَالَ: ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾. فعندنا بَيَان وإرادةٌ ومعرفةٌ؛ أعلاها المعرفة، ثُمَّ الإرادة، ثُمَّ البَيَان.\nقوله: ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ نتيجة هَذَا أنْ تقومَ عليكم الحُجَّة؛ لِأَنَّهُم إذا أُرُوا الآياتِ حَتَّى عَرَفُوها قامتْ عليهم الحُجَّة.\nثم قَالَ المُفَسِّر ﵀: [فَأَرَاهُمُ اللهُ يومَ بَدْرٍ القتلَ والسَّبْيَ وضربَ الملائكةِ وُجُوهَهُمْ وأدبارَهُم وعَجَّلَهُمُ اللهُ إِلَى النَّارِ]، أعوذُ باللهِ! هَذِهِ من جملةِ الآياتِ الَّتِي أراهم إيَّاها، وإلَّا فقد أراهم اللهُ تَعَالَى انشقاقَ القمرِ قبلَ بَدْرٍ، فإنهم طَلَبُوا آيَةً منَ الرَّسُولِ -ﷺ- فأشارَ إِلَى القمرِ فانفلق فِرْقتيْنِ، حَتَّى شاهدوه بأعينهم، فقَالُوا: سَحَرَنا مُحَمَّد، فاسألوا الرُّكبان الَّذِينَ يَقْدَمُونَ مَكَّة هل شَاهَدُوا ذلك أم لا؟ فسألوهم فأَخْبَرُوهم بأنهم شاهدوا ذلك (^١).\n_________\n(^١) انظر: صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب سؤال المشركين أن يريهم النَّبِيّ -ﷺ- آية فأراهم انشقاق القمر، حديث رقم (٣٤٣٨)؛ صحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنَّار، حديث رقم (٢٨٠٢)، عن أنس بن مالك -﵁-؛ جامع الترمذي، كتاب التفسير، باب ومن سورة القمر، حديث رقم (٣٢٨٩)؛ مسند أحمد (٤/ ٨١) (١٦٧٩٦)، عن جبير بن مطعم -﵁-؛ مسند الشاشي (٤٠٤)، عن ابن مسعود -﵁-.","vol":"1","page":538},{"text":"وقد أنكر قومٌ هَذِهِ الآيةَ انشقاقَ القمرِ، ومنهم مُحَمَّد رَشِيد رِضا، وأظنُّ شَيْخه كذلك -مُحَمَّد عَبْدُهْ- وهَذَا خطأٌ فاضحٌ والعياذُ باللهِ؛ لِأَنَّ الأحاديثَ فِيهِ مُتَوَاتِرَةٌ، وإشارةُ الْقُرْآنِ إليه ظاهرٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، هم حَرَّفوا الْقُرْآن فقَالُوا: انشقَّ القمرُ، أي: بانَ ضياءُ الحقّ والنُّور بما جاء به الرَّسُول -ﷺ-، وهَذَا بلَا شَكّ تحريفٌ للقرآنِ وتكذيبٌ بما تواترتْ به السُّنَّة، فالصَّوابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَهُوَ من معتقداتِ أهلِ السنَّة والجماعةِ أنَّ القمرَ انشقَّ.\nوقد قالوا: إنَّهُ لوِ انشقَّ لكان أمرًا عالميًّا، وَكَانَ له ذِكْر فِي التاريخِ؛ لِأنَّهُ أمرٌ عالميٌّ، حَيْثُ إن القمر آيةٌ أفقِيَّة كُلٌّ يُشاهِدُها، وحيثُ إن هَذِهِ الحالة للقمرِ حالةٌ غريبةٌ خارجةٌ عنِ العادةِ، فالهِمَم تَتوافرُ عَلَى نَقْلِهِ، ولا بدَّ أن تُذْكَر فِي التواريخ كتاريخِ الهِنْدِ والرُّوم والفُرْس ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؟\nفنَقُول: تبًّا لكم أن تجعلوا ما أَخبرَ اللهُ به مَوْضِعًا للشَّكِّ لأنَّ هَؤُلَاءِ لم يَذْكُرُوه، بل لوْ ذَكَرُوا أنَّهُ لم يَقَعْ لَقُلْنَا: كَذَبْتُمْ وصَدَقَ اللهُ.\nوأيضا الجوابُ عَن هَذَا أن نَقُولَ: لا يَلْزَمُ إذا انشقَّ القمرُ حَتَّى رآه أهلُ مكَّة ومَن بِقُرْبِهِم أن يراه النَّاسُ جميعًا؛ لِأَنَّ نصفَ الكرةِ الْأَرْضيَّة الآخر لا يُمْكِن أن يَرَوْهُ؛ لِأَنَّهُ غائبٌ عنهم، هَذه واحدةٌ.\nكذلك قد يَكُون هذا الأَمْر أتاهم فِي منتصفِ الليلِ أو فِي آخرِ الليلِ أو عندهم غيومٌ مانعةٌ أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فموانعُ رُؤيتهِمْ له كثيرةٌ، ولكِن لا يُهِمُّنَا أن يَرَوْهُ أو لا يروه، أو يُدَوِّنُوه فِي تواريخهم أو لا يدوِّنوه، وتكذيب الْقُرْآن أو السنَّة المتواترة بمثل هَذِهِ الأُمُور هَذَا فِي الحقيقةِ إيغالٌ فِي العقلِ أو فِي العقليَّات كما يَقُولُونَ، فالْإِنْسَان لا ينبغي أن يَكُونَ عقلانيًّا مَحْضًا، ولا ينبغي أنْ يَكُونَ ظاهريًّا محَضًا، بل","vol":"1","page":539},{"text":"يجبُ أنْ يَكُونَ عنده عقلٌ يَزِنُ به الأُمُورَ، وإذا بانَتِ الأُمُورُ الشَّرْعِيَّة فَإِنَّهُ لا مجالَ للعقلِ. إِذَنْ: أراهم الله تَعَالَى آيَاتٍ مِنْهَا انشقاقُ القمرِ، ومنها أيضًا أن النَّبِيّ -ﷺ- شَهِدَ النَّاسُ كلُّهم أنَّ الحجَر يُسَلِّم عليه، والشجر يُسلِّم عليه، حَتَّى إنَّهُ يَقُول: \"كَانَ حَجَرٌ يُسَلِّمُ عَليَّ فِي مَكَّةَ أَعْرِفُهُ\" (^١).\nوكذلك أيضًا منَ الآياتِ ما حصلَ يومَ بدرٍ، يوم بدر حصلَ فِيهِ منَ الآياتِ من قَتْلٍ وسَبْيٍ؛ قَتْل لِرؤساءِ الْكُفَّارِ لَيْسَ لِأَطْرَافِهِم؛ لِصَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، وقَتْلُ صناديدِ أعداءِ النَّبِيّ -ﷺ- آيةٌ له؛ لِأَنَّ ذلك نَصْرٌ له، ولو كَانَ ما قاله باطلًا ما كَانَ اللهُ -﵎- ليَنْصُرَهُ أبدًا؛ لِأَنَّ اللهَ لا ينصرُ الباطلَ عَلَى الحقّ نصرًا مُسْتَمِرًّا، ولكِن قد يَكُون للباطلِ صَوْلَةٌ ليُمَحِّصَ اللهُ المُؤْمِنيِنَ، فيَنتصِر أهلُ الباطلِ لَكِنَّهُ انتصارٌ مؤقَّت.\nكذلك أيضًا السبيُ؛ سُبِيَ منهم سبعونَ رَجُلًا وذُهِبَ بهم إِلَى المَدينَةِ، والمسبيُّون أيضًا مِن أَشْرَافِهِم.\nالمهم أنَّ وَقْعَة بَدْرٍ أثخَنَتْهُم تمامًا، وأذَلَّتْهُم إذلالًا بالِغًا؛ ولهَذَا سمَّاه الله تَعَالَى يومَ الفُرْقَان؛ لِأَنَّ اللهَ فَرَّقَ فِيهِ بينَ الحقّ والباطلِ، وتعلمون أن النَّاس يَنتظرون ماذا سَيَحْصُل، فالعربُ لمَّا رَأَوْا أنَّ النَّبِيّ -ﷺ- وأصحابه وَهُمْ قِلَّةٌ ثَلاثُمائةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رجلًا غَلبُوا حوالي ألف من قُرَيْش كاملو العُدَّة والعددِ كثير، عَرَفُوا أن أمرَ الرَّسُولِ -ﷺ- سَيَظْهَرُ.\nوكذلك أيضًا الملائكةُ يَضْرِبون وُجُوهَهم وأدبارَهم.\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النَّبِيّ -ﷺ- وتسليم الحجر عليه قبل النبوة، حديث رقم (٢٢٧٧)، عن جابر بن سمرة -﵁-.","vol":"1","page":540},{"text":"وهل هَذَا وَرَدَ فِي بدرٍ أو وَرَدَ فِي الْكُفَّارِ مُطْلقًا؟\nقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠]، لكِن فِي بدرٍ هل ذُكِرَ أنَّ الملائكةَ تَضْرِب وجوههم وأدبارَهُم؟\nقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]، فلَيْسَ فيها أَنَّهُ تُضْرَب الوجوهُ والأدبارُ، وفيها أنَّهُ يُضْرَب فوقَ الأعناقِ، فتُضْرَب أعناقُهم ويضرب منهم كُلّ بَنَانٍ، يَعْنِي الأيديَ، فهَذَا هُوَ الظاهِرُ.\nوأمَّا ما ذهب إليه المُفَسِّر فلا أعرِفُ فِي ذلك سُنَّة أيضًا بَيَّنَتْ هَذَا، وإن كَانَ المُفَسِّر رَحَمَهُ اَللهُ له وِجهةُ نَظَرٍ بأن الملائكةَ تَضْرِب وُجُوهَهم إذا أَقْبَلُوا عَلَى المُسلِمينَ، وتضرب أدبارهم إذا أَدْبَروا عنِ المُسلِمينَ، لكِن ما دامَ أن هَذَا لم يَرِدْ فالأَوْلى الاقتصارُ عَلَى ما وَرَدَ، وَهُوَ أن الله قَالَ لهم: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]، لم يقلِ: اضْرِبوا وُجُوهَهم وأدبارهم.\nإِلَّا أن يقولَ قائلٌ: إن قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠]، يشمل هَؤُلَاءِ فإنهم منَ الكفارِ، فالملائكة عندَ الوفاةِ يَضْرِبُون وجوههم وأدبارهم، فإنْ أراد المُفَسِّر بهَذَا ما يُشير إليه عُمومُ الآيةِ فَهُوَ مقبولٌ.\nقَالَ المُفَسِّر ﵀: [وَعَجَّلَهُمُ اللهُ إِلَى النَّار]، معناه: عَجَّلَهُم الله قبلَ موتِ الرَّسُولِ ﵊، فحصل لهم هَذَا الأَمْرُ وعُجِّلُوا إِلَى النَّارِ.","vol":"1","page":541},{"text":"قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بالياءِ والتاءِ]، أي: \"عما يَعملون\" و﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، قراءتانِ سَبْعِيَّتانِ (^١) [وإنما يُمْهِلُهُم لِوَقْتِهِم].\nقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ هَذه الجملةُ المقصودُ بها التحذيرُ والتسليةُ؛ تحذيرُ هَؤُلَاءِ المُكَذِّبِينَ وتَسْلِيَةُ الرَّسُولِ -ﷺ-، وفيها من صفاتِ اللهِ أَنَّهَا صِفَةٌ منَ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّة، وقد تَقَدَّمَ أنَّ الصِّفَات السَّلْبِيَّة تَتَضَمَّن أمرينِ: نَفْيَ الصِّفةِ المذكور، وإثباتَ كمالِ ضِدِّها، فالله تَعَالَى لا يَغْفَلُ لكمالِ عِلْمِهِ ومُرَاقَبَتِهِ، كاملُ العلمِ وكاملُ المراقبةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢].\n.• * •.\n_________\n(^١) الحجة في القراءات السبع (ص: ٢٧٦).","vol":"1","page":542}]}